ghaemiyeh.com
شماره بازيابي : ۶-۳۲۶
شماره بازيابي : ۶-۱۷۹۰
شماره بازيابي : ۶-۴۳۵۴
شماره بازيابي : ۶-۳۳۲۹۰
شماره كتابشناسي ملي : ۳۲۶/۱/۱/۱/۱
سرشناسه : نراقي، محمدبن احمد، ۱۲۱۵؟ - ق۱۲۹۷
عنوان و نام پديدآور : مشارق الاحكام (منتخب - فهرستي)[چاپ سنگي]محمد النراقيكاتب محمدحسن ابن محمدعلي الگلپايگاني .مصحح: سيد حسن وحدتى شبيرى
وضعيت نشر : [تهران]باهتمام اسدالله الطاهر آبادي الملقب به امين الاجله و معتمدالشريعه۱۲۹۴ق. ([تهران]: كارخانه مير محمدباقر)
مشخصات ظاهري : ۳۶۹ ص۲۵x۱۷سم
يادداشت استنساخ : داراي فهرست مندرجات در ابتداي كتاب
مشخصات ظاهري اثر : نسخ
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
(۳۲۶) مقوائي، روكش كاغذ ابره قهوهاي رنگ. (۱۷۹۰)، مقوائي، روكش تيماج مشكي
توضيحات نسخه : نسخه بررسي شد.
شماره بازيابي : ۳۲۶ ث.۱۷۲۴
۶-۱۷۹۰ : ث ۲۵۳۹۷۹ (مقوايي، روكشتيماجمشكي، مجدولمضاعفضربي؛ ازهمگسيختگي شيرازه از جلد)
۶-۴۳۵۴ (مقوايي، روكشتيماجعنابي، مجدولضربي؛ آسيبديدگيجلد و ازهمگسيختگيمختصر شيرازه از جلد)
۶-۳۳۲۹۰ (مقوايي، روكشتيماجقرمز، مجدولمضاعفضربي؛ ابتداينسخه ممهور به مهرمستطيل «كتابخانه و مجموعه دههزارجلدي بهمن عنايتي» و ص. ۲ و ۳۶۹ ممهور به مهرمستطيل «كتابخانه و آرشيو خصوصي بهمن عنايتي»؛ آسيبديدگيجلد و ازهمگسيختگي مختصر شيرازه از جلد)
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه، فيّاض عوارف المعارف و المتفضّل بفوائد الأيادي و حقائق اللطائف، المتوحّد في ذاته فلا يدركه انسان (1)كلّ عارف، و المتجلّي بصفاته فلا يغيب عن المشاهد و المواقف، و الصلاة على من أرسله بالكتاب المبين و نسخ به الصحائف محمّد صلّى اللّه عليه و آله الطاهرين، الذين فضّلهم على العالمين و خصّهم بما لا يلحقه لاحق و لا سالف.
و بعد فيقول الفقير إلى ربّه الباقي عبد الصاحب محمّد بن أحمد بن محمّد مهدي النراقي، أنالهم اللّه سبحانه من فضله يوم التلاقي:
هذه فوائد جمّة و مطالب مهمّة في تنقيح نبذ من الضوابط الكلّية الشرعيّة، و تحقيق مدارك لجملة من أمّهات المسائل الفرعية التي لا مناص عنها للفقيه الراشد و الطالب المسترشد، ممّا زلّت فيه أقدام أقوام و اتّسع فيه ميدان النظر لفرسان الكلام، و ضاق منه المخرج على من دخله و دار المقام، استطرفتها من غنائم الدهر و اقتطفتها من ثمار عوائد الأيّام.
1) انسان العين: ما يرى في سواد العين أو هو سوادها. (المنجد)
و أرجو من اللّه تعالى أن يكون بيانا لكنوز حقائقها و تبيانا لرموز دقائقها، و إن كنت معترفا- و الصدق منجاة- بأنّ الباع قصير و البضاعة مزجاة، جعلتها تذكرة لنفسي و تبصرة لمن أراد، و سمّيتها بمشارق الأحكام و اللّه الموفّق للسداد.
مشرق: في بيان ما يقتضيه الأصل في المعاملات من الصحّة أو الفساد، و تعيين مواردهما و ما يتبع ذلك، و في هذا البحث تحقيق أمور:
الأوّل: ما يقتضيه الأصل الأوّلي من الصحة و البطلان في الشبهة الحكمية، سواء كان الشكّ في شرعية أصل المعاملة أو في شرائطها و موانعها.
الثاني: ما ثبت خروجه منه و انقلب إلى أصل ثانويّ شرعيّ، و فيه تحقيق معنى آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).
الثالث: ما يتحصّل من الأصلين، من لزوم الصيغة أو عدمه في العقود، و شرائط الصيغة فيما تحقّق لزومها، فهنا مطالب ثلاثة:
فاعلم أنّه قد استمرّت بين الناس منذ استقرّت العادات و وضعت السياسات، معاملات بينهم في العقد و الحلّ و الربط و الفكّ فيما يحتاجون إليه في تمدّنهم و انتظام معاشهم، من التجارات و المناكحات و العطيّات و العهود و المواثيق
1) المائدة (5): 1.
و أشباهها، و أكثرها غير مختصّة بالشرائع و الديانات، فضلا عن شريعة الإسلام، بل تعمّ الأديان و العادات، و اختلف حكمها فيها في بعض الخصوصيات و الشرائط و أسباب الانعقاد و الآثار و الأحكام المترتّبة عليها، كالبيع الشائع في الكلّ المختلف أحواله فيها بالانعقاد بالصيغة أو بالصفقة أو بمثل الملامسة أو المنابذة أو الحصاة، و الاشتراط بعدم الغرر و عدمه و نحو ذلك، فمهيّات أمثال تلك العقود غير مخترعة و لا موضوعة بالأصل في شريعتنا، بل أمضاها الشارع بشرائط قرّرها. نعم، يختصّ بعضها بالشرائع أو بشريعتنا.
و جملة تلك المعاملات و العقود المعتبرة هي المعهودة المتداولة المدوّنة التي ضبطها الفقهاء سلفا و خلفا في كتبهم و مسفوراتهم، و وضعوا لها أبوابا و لها أسماء معروفة، كالبيع و الصلح و الرهن و الإجارة و المزارعة و المضاربة و الضمان و الحوالة و الكفالة و الوكالة و النذر و الوقف و النكاح و الطلاق و الظهار و اللعان و غيرها.
ثم إنّ ماهيّات تلك المعاملات كيفيات خاصّة و روابط معهودة في الشرع و العرف و العادة متمايزة بأنفسها، سواء كانت متباينة بالآثار المترتبة عليها أيضا، كالبيع و الإجارة و النكاح و الطلاق، أو متناسبة بالعموم و الخصوص المطلقين، كالبيع و الصلح، أو من وجه كالصلح و الضمان، أو بالتساوي كالبيع و الهبة المعوّضة.
و يظهر ثمرة الفرق حينئذ بالاختلاف في بعض الأحكام المتفرّعة عليها، بل قد يتفق بحسب تعاهد المتعاقدين في القيود و الشروط توافق اثنين منها في فرد في جميع الآثار و الأحكام المترتّبة عليها، فتميّزها حينئذ بمجرّد نفس مفهوم المعنى المعهود من المعاملة الحاكي عنه اسم المعاملة المخصوص بها، بحيث لا يصحّ و لا ينعقد أحدهما بقصد معنى الآخر منه.
و من هذا ينقدح عدم كفاية قصد إنشاء مجرّد الآثار المترتّبة عليها بالألفاظ
و القرائن الدالّة على تلك الآثار، بل يجب قصد مفهوم العقد المعهود ماهيّته. و حيث إنّ الدال على تلك الماهيّة هو اللفظ المخصوص الذي يسمّى به فينعقد به. و يظهر منه اختصاص انعقاده به، دون مطلق ما دلّ على ما يفيد أثره و أحكامه، من التجارات الغير المتداولة فيه و لو مع القرائن المنضمّة، و سيجيء تفصيله إن شاء اللّه تعالى.
ثم العقد إن علم صحّته شرعا فهو، و إن شك فيها سواء لم يعلم كونه مما تداول بين الناس، أو علم و لم يعلم كونه من الموظّفة الشرعية، أو علم و لم يعلم اشتراطه بما وقع فيه الشك، فمقتضى الأصل الأوّلي فساده بمعنى عدم ترتّب الأثر المقصود منه شرعا، لأنّ الصحّة من الأمور الشرعية المتوقفة على التوظيف الذي هو أمر حادث، ينفيه الأصل إلى أن يثبت بدليل.
و ما أفاده بعض المحققين من تصحيح المعاملة بأصل البراءة، باعتبار اقتضاء إباحة ما تعاقد عليه المتعاملان و إن لم يفد اللزوم، من الغرائب، فإنّ الإباحة الشرعية هنا فرع ترتّب الأثر شرعا المتوقف على الجعل الشرعي المسبوق بالعدم، و لو هو إمضاء الشارع ما تداول عليه عادة الناس في ترتّب الأثر عليه، و الاستصحاب يقتضي عدمه، و لا يعارضه أصل البراءة، لأنّ متعلّقه نفي السبب و متعلّقها ثبوت السبب، و الأوّل مزيل للثاني و مقدّم عليه، بل لا تعارض بينهما حقيقة كما حقّقناه في الأصول و يأتي الإشارة إليه هنا في بعض الفوائد، و عليه عمل الفقهاء و سيرتهم في الفقه حتى الفاضل القائل و إن خالفه قولا في أصوله.
و نظيره في الشك الموضوعي ما إذا شكّ في إذن المالك، فلا يجوز حينئذ تناول مال الغير بأصل الإباحة، أو شكّ في التطهير أو التذكية فلا يتناوله بأصل الطهارة أو البراءة.
و لا يتوهّم أنّ الإباحة الشرعية في كلّ مورد يتمسّك بها بالأصل حكم شرعي
مسبوق بالعدم، فيعارضه الاستصحاب فلم يبق للأصل مورد أصلا، إذ ليس تعارض الاستصحاب لأصل البراءة بالمزيلية في جميع صور التعارض، كما إذا شك في الإباحة الاستقلالية الغير المترتّبة على حدوث سبب، فإنّ مقتضى الاستصحاب ليس هنا نفي السبب بل يمكن القول بكون الأصل حينئذ مزيلا للاستصحاب، نظرا إلى ثبوت التوظيف للإباحة الاستقلالية الظاهرية بمثل قوله عليه السّلام: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1)و «الناس في سعة مما لا يعلمون» (2)، و غيرهما من أدلّة البراءة المقتضية للعلم الشرعيّ الرافع للاستصحاب كما بيّناه في مقامه.
فاعلم أنّ ظاهر أكثر الأصحاب بل المعروف منهم، انقلاب أصل الفساد في أغلب صور الشك في اشتراط شيء أو مانعيّته لمعاملة من المعاملات الموظفة، إلى أصل ثانوي اجتهادي يقتضي صحّة جميع ما صدق عليه اسم تلك المعاملة الموظفة عرفا، بل ربما يظهر من بعضهم أصالة الصحة عند الشك في شرعية أصل المعاملة و توظيفها بالخصوص أيضا، و بها يستدلّ على تأسيس عقد المعاوضة المطلقة بلفظ «عاوضت». و منشأ هذا الأصل في المشهور عموم قوله سبحانه في سورة المائدة:
1) الفقيه 1: 317.
2) لم نظفر على رواية بهذا التعبير في الجوامع الروائية، بل الوارد فيها تعبيران آخران:أحدهما رواية السكوني بهذا التعبير: «هم في سعة حتّى يعلموا». (المحاسن للبرقي:452؛ وسائل الشيعة 3: 493، الباب 50 من أبواب النجاسات، الرواية 4270).و الآخر ما نقل مرسلا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا التعبير: «الناس في سعة ما لم يعلموا».(مستدرك الوسائل 18: 20، الباب 12 من أبواب مقدمات الحدود، الرواية 21886).
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، فيستدلّون به على صحة العقود أو لزومها، و تداولوا عليه حتى قيل أنه المجمع عليه بينهم و قد يتأمّل فيه.
و جملة القول في الاستدلال بالآية أنّهم بين من يستدلّ بها على تأسيس العقود مطلقا، أي كلّما كان عقدا لغة و عرفا سواء كان من الموظفة الشرعية بخصوصها، كالعقود المدوّنة في كتب الفقه، أو غيرها فيتمسّك بها على ترتّب الأثر المقصود من وضعه عليه، و على تصحيح العقود الموظفة إذا شكّ في اشتراط شيء أو مانعيّته فيها إلّا ما ثبت فساده من أصل كالمغارسة أو لفقدان شرط معلوم كالرباء و المحاقلة و الشغار و مشاركة الأبدان و نحوها، و بين من يستدلّ بها على تصحيح الموظفة خاصّة حملا للعقود عليها، فيستدلّ بها على نفي اشتراط ما شكّ فيه، و بين من ترك الاستدلال بها على الصحّة مطلقا، سواء كان من الموظفة أم لا، زعما لإجمال العقود في الآية، و هو الظاهر من والدي العلّامة (2)، و يظهر منهم خلاف آخر في دلالتها على لزوم العقد و عدمه يأتي الإشارة إليه، وجه استدلال الأوّل:
دلالة الجمع المحلّى باللام على العموم حقيقة الشامل لكلّ ما صدق عليه العقد لغة أو عرفا، فثبت توظيفه في الشرع بهذا العموم.
و استشكل باستلزامه خروج الأكثر إذا كثر ما يسمّى عقدا في اللغة أو العرف مما لا يجب الوفاء به إجماعا، و الباقي في جنب المخرج كالمعدوم.
و أجيب عنه بأنّ تخصيص الأكثر إنّما يلزم لو كان المقصود من عموم العقود العموم النوعيّ و هو خلاف التحقيق، بل المراد العموم الأفرادي فإذا لوحظ الأفراد فلا شكّ أنّ أفراد العقود المتداولة أكثر من أفراد غيرها، سيّما في مثل البيع و الإجارة و النكاح و أمثالها.
و فيه أنّ المناط في الأكثرية إنّما هو بالنسبة إلى أفراد المدلول الوضعيّ من حيث كونها أفرادا له، فإنّها مورد تعلّق الحكم، و لا شكّ أنها غير مختصّة بالأفراد الواقعة في زمان الخطاب، بل يعمّ المتوقّعة الفرضية، بل كلّها أو أكثرها متوقّعة من وقت الصدور، و أكثريتها بأكثرية الأنواع و الأصناف التي هي تحتها، إلّا أن يقال بأنّ الجهة المقتضية لأكثرية وقوع الأفراد الواقعة مطّردة و حاصلة بحكم الحدس و الوجدان للمتوقعة أيضا، كما يشهد به العيان في الأفراد المتجدّدة بعد نزول الآية، و لكنه غير مفيد أيضا، لأنّ أكثرية وقوع تلك المعاملات الموظفة إنّما هي باعتبار فساد غيرها شرعا، فلا يناط بها الاستعمال الموجب لتلك الكثرة الذي به تأسيس الصحة، مع أنّ أكثرية المتداولة الشرعية بالنسبة إلى غيرها من الواقعة بين جميع فرق الأنام في العالم في أزمنة الخطاب و قبلها و بعدها إلى الآن غير مسلّمة، بل خلافها معلوم.
وجه استدلال الثاني:
بطلان الحمل على العموم لما ذكر، فيتعين حمل اللام على العهد و الإشارة إلى جنس العقود المتداولة في زمان الصدور التي هي المدوّنة في الكتب، لا خصوص أشخاص كلّ عقد متداول فيه بكيفياتها المخصوصة، فيصحّ الاستدلال بها على الأفراد المشكوكة لدخولها في الجنس.
و يرد عليه أنّه لو سلّم صحّة الإشارة بلام العهد إلى أنواع الجنس دون فرده،
فدعوى كونه المعهود في الآية يطالب بالدليل، لاحتمال كونها الأفراد الصحيحة بكيفياتها المخصوصة، بل هي أقرب بمعنى العهد المعروف في كتب الأدب. و حيث يحتمل كان متعيّنا في الاستدلال، اقتصارا على القدر المتيقن، مضافا إلى احتمال كون المعهود غير ذلك من المعاني الآتية.
و بهذا يظهر وجه ترك الثالث للاستدلال بالآية على الصحة رأسا، و هو مشكل أيضا بملاحظة مخالفته لسيرة العلماء و متفاهمهم قديما و حديثا، بحيث يكاد أن يكون إجماعا منهم على الاستدلال بها، بل صار من المسلمات بين جمهور الأصحاب. فاللازم تحقيق الحال و تصحيح الاستدلال على وجه لا يرد عليه الإشكال، فأقول فاستمع و كن من الشاهدين:
و ليعلم أوّلا أن العقد أصله لغة و عرفا الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، كما ذكره غير واحد، و هو يشمل الحسّي كعقد الحبل و شدّ العناج، و غير الحسّي و هو الذي يطلق عليه العهد الموثّق المتناول لمثل عقود المعاملات.
قال الجوهري (1): عقدت الحبل و العهد و البيع و انعقد. و في القاموس (2): عقد الحبل و البيع و العقد يعقده اشتدّه. و في المصباح (3): عقدت الحبل فانعقد، و العقد ما يمسكه و يحبسه و يوثقه، و منه قيل عقدت البيع و نحوه و عقدت اليمين، و الفرق بين العقد و العهد كما في المجمعين و آيات الأحكام و غيرها أنّ في العقد معنى الاستيثاق و الشدة، فلا يكون إلّا بين اثنين، و العهد قد يتفرد به الواحد.
و منه يعلم أن إطلاق العقد على العهد الموثق من باب الحقيقة لا المجاز، و ما
يشعر به في الكشّاف (1)في قوله: «و العقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل و غيره» من اختصاص الحقيقة بالأوّل (2)إنّما هو إبداء للمناسبة بين الاستعمالات الحقيقية و ربط الخفيّ بالجليّ، كما هو دأب علماء اللغة في ربط المعاني المستعملة فيها تصاريف اللفظ بعضها إلى بعضها. ثم الظاهر اتفاق أئمة التفسير و غيرهم على أن المراد بالعقد في الآية العهد الموثق، صرّح به في الكشاف (3)و البيضاوي (4)و الطبرسي (5)و الطريحي (6)و المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام (7)و المحدث الكاشاني في الصافي (8)و غيرهم، و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9)بعد ذكر الآية عن الصادق عليه السّلام: «أي العهود» و يشعر به الأمر بالإيفاء به، فإنّه لا يناسب غير العهد، نظير قوله تعالى وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ (10).
ثم العهد الذي هو من معانى العقد من المعاهدة، ما فيه شدّ و ربط و توثيق بين اثنين، كما دلّ عليه كلام من ذكر و شهد به العرف، لا من سائر إطلاقات العهد كالتقدم بالأمور و المعرفة و الالتقاء و الإصلاح و الوصيّة. نعم، بعض ما يطلق عليه
كالضمان و اليمين و الأمان داخل فيما هو المراد من العهد الموثّق. و قال أمين الإسلام في المجمع (1)بعد تفسير العقود بالعهود: اختلف في هذه العهود على أقوال:
الأوّل: أنّ المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و الموازرة و المظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوء، و ذلك هو معنى الحلف عن ابن عباس و مجاهد و الربيع و قتادة و الضحاك و السدى (2).
الثاني: أنّها العهود التي أخذ اللّه سبحانه على عباده للإيمان به و طاعته فيما أحلّ لهم و حرّم عليهم، عن ابن عباس في رواية أخرى قال: هو ما أحلّ و حرّم و ما فرض و حدّ في القرآن كلّه، فلا تتعدّوا فيه و لا تنكثوا، و يؤيّده قوله سبحانه:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ* (3)الآية.
الثالث: أنّ المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان و النكاح و عقد العهد و عقد البيع و عقد الحلف، عن ابن زيد و زيد بن أسلم.
الرابع: أنّ ذلك أمر من اللّه سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم بالعمل بما في التوراة و الإنجيل في تصديق نبيّنا و ما جاء به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من عند ربّه، عن ابن جريح و أبي صالح.
ثمّ قوّى من هذه الأقوال القول الثاني، و قال: يدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك إلّا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح، فإنّ ذلك محذور بلا خلاف، انتهى.
و مثله في مجمع البحرين (4)، و هو كما ترى ظاهر بل صريح في أنّ المراد بالعقود
التي يتعاقدها الناس بينهم، أي عقود المعاملات في القول الثالث ليس كلّما يعقده المرء و لو اختراعا منه، بل العقود المجوّزة الموظّفة في الشرع مثل البيع و النكاح و اليمين و النذر، كما استشعره والدي العلّامة من كلامه (1)، إذ ليس ما يخترعه المرء داخلا في القول الثاني الذي قوّاه و جعله جامع الأقوال أعني عقود اللّه التي أوجبها على العباد، و لا ينافيه استثناؤه المعاملات المحظورة عنه لأنّه استثناء ما فيه المنع للمعاونة على أمر قبيح من المعاملات الشرعيّة الموظفة كالبيع للظلمة و بيع الخمر و آلات اللهو و النذر في المعاصي و نحوها، فالعقود المخترعة الغير الموظفة بخصوصها خارجة عن تلك الأقوال.
نعم، لو أريد من العقود العموم أي مطلق العهود الموثقة أو مطلق عهود المعاملات خاصّة كانت الغير الموظفة داخلة فيها. و الإيراد عليه (2)باتفاقهم على اشتراط الاستيثاق و الشدّة في معنى العقد و لا يثبت ذلك إلّا بعد ثبوت اللزوم الشرعي، إذ مجرّد بناء المتعاقدين ليس إلّا نفس العهد، و التوثيق محتاج إلى موجب، و ليس في أمثال المقام إلّا إلزام الشرع، فلا يكون المعاملات الغير الموظفة داخلا في العموم.
و يمكن المناقشة فيه بأنّ مجرد بناء المتعاقدين و إن لم يكف في صدق التوثيق بل هو نفس العهد، إلّا أنّ تسجيله بما تداول بينهم و تصافقا به عليه من لفظ أو فعل لتوثيق العهد و أحكامه عند قصدهم به تأكيدا للعهد و تقرّره كاف في صدق التوثيق العرفي. و بالجملة مفاد هذا القول الذي اختاره الطبرسي هو الذي ذكره سائر من ذكر من المفسّرين.
و كيف كان فما يحتمل أن يكون مرادا من العهود الموثقة التي هي معنى العقود في الآية، إمّا أحد الأقوال الأربعة المذكورة في المجمع، أو خصوص عقود المعاملات، و عليه إمّا مطلق ما يعم الشرعية و العرفية و صدق عليه المعاملات عرفا، أو خصوص جنس المعاملات الموظفة أو أفرادها المشتملة على جميع شرائط الصحّة، أو المراد غير ذلك من معاني العهد المناسب لصدق العقد عليه كالوصية أو الأمر أو الضمان أو اليمين.
و ما يفيد المدّعى من الاستدلال به من تلك الاحتمالات، إمّا الحمل على العموم أو على خصوص عقود المعاملات مطلقا أو أجناسها الموظفة من باب العهد، كما استظهره بعض الأجلّة في توجيه الاستدلال بالآية.
و الأوّل و إن كان مقتضى الحقيقة إلّا أنّ فيه ما تقدّم من لزوم تخصيص الأكثر، و الآخر غير معلوم بحجّة، مع قيام احتمال غيره من المحتملات المذكورة، بل بمقتضى لزوم الاقتصار على المتيقن حينئذ يتعيّن احتمال الأفراد الصحيحة، إلّا أنّ هنا دقيقة غفلوا عنها، مقتضاها الحمل على المعنى الثاني الذي قوّاه الطبرسي أو ما يقرب منه.
و بها يتمّ الاستدلال بالآية. و هو مطلق العهود الموثقة الشرعية، سواء كانت بيننا و بين اللّه كالنذور و نحوها، أو من اللّه إلينا كالإيمان به المعقود في عالم الذرّ و بعده في أداء أمانة التكليف التي حملها الإنسان كما قال اللّه تعالى أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (1)البقرة (2): 27.
(2)و الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ* (3)الآية، أو بين أنفسنا بعضنا مع بعض كالبيع و النكاح و الصلح و غيرها من عقود المعاملات، و معنى الأمر وجوب الوفاء بكلّ عهد من تلك العهود الموثقة الشرعية.
و لبيان ذلك نذكر مقدّمة هي أنّ تخصيص الحكم المتعلّق في الجمع المحلّى ببعض الأفراد لدليل مخرج لغيره يمكن على وجوه ثلاثة:
الأولى: حمل اللام على الاستغراق و إخراج البعض من باب التخصيص.
الثانية: حملها على العهد و الإشارة بها إلى الباقي إذا كانت هناك قرينة على العهد.
الثالثة: كون اللام للاستغراق من غير تخصيص و لكن خروج البعض من باب تقييد المدخول بالثاني لا بتخصيص العموم.
و فرق الأخير مع الثاني ظاهر، لكون اللام هنا للاستغراق و فيه للعهد.
و أمّا مع الأوّل فهو أنّ التجوّز عليه في الهيئة المركبة الموضوعة للعموم و على الأخير في المدخول خاصّة باستعماله في بعض أفراد الماهيّة، و دخول اللام عليه بمعناها الاستغراقي فهي لاستغراق جميع ما استعمل فيه المدخول من غير تخصيص، فلا تجوّز في اللام و لا في الهيئة التركيبية، فإنّ حقيقة اللام المحلّى بها الجمع استغراق جميع أفراد المعنى المستعمل فيه المدخول، سواء كان حقيقيا أو مجازيا، حتى أنه لو كان من غير جنس معناه الحقيقي، فهي لاستغراق أفراد هذا المعنى المجازي، نحو: «اللّه وليّ الأيادي» أي النعماء، فلا تجوّز في العموم و لا تخصيص بل التجوّز في المدخول، بل لو أريد بالمدخول ما يعمّ معناه الحقيقي، فاللام الداخلة عليه يفيد التعدّي عن أفراد الحقيقة.
و بهذا القياس ما إذا أريد به بعض أفراد الحقيقة، كقوله تعالى فَإِنَّهُ كٰانَ لِلْأَوّٰابِينَ غَفُوراً (1)، فإنّه لاستغراق التوّابين الذين هم بعض أفراد المعنى الحقيقي، و من هذا قولهم جمع الأمير الصاغة، أي صاغة بلده أو مملكته، فلا تجوّز في الاستغراق بل التقييد في الصاغة بقرينة العادة.
1) الإسراء (17): 25.
فالوجه الأخير يشارك الأوّل في استغراق أفراد ما استعمل فيه المدخول و استدعاء إخراج المشكوك فيه عن الاستغراق الدليل، على خلاف الثانى، فإنّ إدخاله يطالب الدليل اقتصارا على القدر المعلوم من العهد. و إذا كان المعهود نوعا يقتصر فيه على النوع المعلوم، إلّا أنّه يفيد العموم بالنسبة إلى النوع المعلوم، و لكنّه أيضا عموم إطلاقيّ لا وضعيّ.
و يشارك الثانى في جواز خروج أكثر أفراد معنى المدخول، نظرا إلى كونه من باب التقييد الغير الممتنع منه ذلك لا التخصيص، على خلاف الأوّل.
ثمّ إنّ تشخيص كون إرادة البعض من لفظ الجمع المحلّى من أيّ تلك الوجوه يمكن بملاحظة الدليل المخرج على حسب فهم العرف.
فإنّه على العهد لا بدّ أن يكون ذلك عهدا بين المتكلم و السامع، بحيث يصلح لانصراف اللفظ إليه مع متفاهم أهل العرف و الإشارة باللام إليه، سواء كان هو حضور المعهود نحو الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، أو ذكره صريحا كقوله تعالى:
الْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ (2)، أو مكنيّا عنه كقوله تعالى لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثىٰ (3)، و العهد الذكري يعمّ المتصل و غيره.
و منه ما إذا قال المولى لعبده: اكنس كلّ يوم البيت الفلاني و الفلاني إلى خمسة مثلا و في داره عشرون بيتا، ثم قال له يوما: اكنس البيوت فاذهب إلى السوق، فإنّه ظاهر في الخمسة المعهودة، و المناط فهم العرف، فلو لم يفهم منه العهد و إن سبق ذكره لا ينصرف إليه، كقوله تعالى جٰاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْبٰاطِلُ إِنَّ الْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً
(1)، باعتبار ظهوره في العلة المناسبة للعموم. و على التقييد يلزم أن يكون علّة خروج البعض عدم انصراف لفظ المدخول إليه عرفا عند الإطلاق، إمّا مطلقا، كما إذا غلب استعماله في البعض الآخر، و لو مع وقوعه في صيغ العموم باعتبار شذوذ غيره، أو في خصوص المورد، كما في جمع الأمير الصاغة، فإنّ المفهوم منه عرفا صاغة بلده أو مملكته لا جميع أهل الدنيا، و لعلّه لهذا يسمّيه أهل البيان بالاستغراق العرفي.
و في غير الصورتين يكون خروج البعض من باب التخصيص.
و لو شكّ في مورد أنّ خروج البعض من باب العهد أو تقييد المدخول فمقتضى الأصل كونه من الثاني، لاشتراكهما في تجوّز لفظ المدخول و لزوم التجوّز في اللام على العهد أيضا دون التقييد.
و إذ علمت ذلك نقول: فقد عرفت أنّه لا يصحّ البناء على العموم و التخصيص في الآية، لاستلزامه تخصيص الأكثر، فلا بدّ إمّا حمل اللام على العهد أو على الاستغراق و ارتكابه التقييد في المدخول، و الظاهر كما ذكره والدي العلّامة، أنّ تقدّم طلب بعض أفراد الجمع المحلّى على إظهار الطلب ثانيا باللفظ الدال على الجميع ممّا يظنّ معه إرادة الأفراد المتقدّمة، و لا أقلّ من صلاحيّة كونه قرينة لإرادتها، كما في الأمر بكنس البيوت في المثال المتقدّم، و الآية من هذا الباب، لأنّها في سورة المائدة و هي على ما ذكره المفسّرون آخر السور المنزلة، أو المنزلة في أواخر عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و قد علم من الشارع قبل نزولها في جملة عهود اللّه سبحانه عقود مقرّرة منه تعالى بين الناس بعضهم مع بعض من معاملاتهم المتداولة، فتقدم طلب الوفاء بتلك العقود يورث الظن بإرادتها خاصة من بين مطلق العقود، و لا أقلّ من كونه قرينة
1) الإسراء (17): 81.
لتعيين المعنى المجازي بعد صرف اللفظ عن العموم المحذور فيه، سيما مع تعاضدها بقرينة تعقبها بقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (1)، الآية، فإنّه يشعر كون المراد بالعقود أمثال تلك الأحكام المفصّلة الموظفة قبل الخطاب، كما في الكشاف.
و يؤيّده أيضا عدم ذكر عقد آخر في الروايات المرويّة عن الحجج الطاهرة من بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غير ما هو المتداول عند الفقهاء الموظف بخصوصه، فبملاحظة أمثال ذلك يتعيّن حمل العقود بعد تعذّر الحقيقة على ما تقدّم توظيفه قبل الآية.
فأمّا أنّه هل هو من باب التقييد و اللام على الاستغراق، أو من باب العهد، فيه احتمالان، و القرينة العرفية المذكورة صالحة للأمرين، حسب ما مرّ، لإمكان جعل اللام إشارة إلى هذا البعض بقرينة سبق العهد، أو كونها على حقيقتها أي الاستغراق و تقييد المدخول بقرينة انصراف اللفظ إليه، إلّا أنّ أصل الحقيقة في اللام يرجّح التقييد، و يكون معنى الآية وجوب الوفاء بجميع أفراد العهود الموثقة المقررة قبل الخطاب، فصحّ الاستدلال بها على نفي ما شك في اشتراطه أو مانعيته في العقود الموظفة، دون غير معلوم التوظيف.
فإن قلت: الموظفة هي الجامعة للشرائط فلا يتمّ تقريب الاستدلال.
قلت: توظيف الشرائط لا يمنع عن توظيف الماهيّة أعني جنس الموظفة، فيرجع الشك إلى أنّ المراد جنس الموظّفة أو هي منضمّة إلى الشرائط المقرّرة، فليقتصر على القدر المتيقّن من القيد، و هو الأوّل على البناء على التقييد الذي عرفت أنه مقتضى الأصل، و القرينة العرفية لا يقتضي أزيد منه، فمقتضى الأمر الوفاء بجميع أفراده، إلّا ما ثبت خروجه بدليل.
فإن قلت: لا شكّ في حصول العلم بكثير من الأفراد الصحيحة قبل نزول الآية،
1) المائدة (5): 1.
و لازمه حمل الأمر بالنسبة إليها على التأكيد، من قبيل الأمر بالمعروف، و إلى غيرها من سائر الأفراد على التأسيس، فيلزم استعمال الأمر في المعنيين، و هو غير معلوم الرخصة، بل صرّح بعضهم بعدم جوازه من قبيل استعمال المشترك في معنييه.
قلت: تجدّد الأمر و لو من باب التأكيد لا يوجب خروج الأمر عن حقيقته، و لا ينافيه تعلق الطلب به سابقا، فلا يتعدّد المعنى بتعلّق الأمر به و بغيره ثانيا، و هل تجد محذورا في قول الآمر: أكرم زيدا و عمروا، بعد ما قال قبله: أكرم زيدا.
و اختلاف جهة التعلق بهما من التأسيس و التأكيد لا يوجب تعدّد المستعمل فيه و اختلافه، و لا يثبت منعه، و مقتضى الأصل صحّة الاستعمال على مقتضى الوضع، مع أنّه يمكن الحمل على التأسيسي بالنسبة إلى المعلوم، فيكون كلّه من باب التأسيس.
هذا و يمكن تصحيح الاستدلال على نفي الاشتراط في محلّ الخلاف على حمل اللام على العهد أيضا، بأن يقال: مجرّد التوظيف قبل الخطاب غير كاف لكونه قرينة العهد، بل يشترط علم جميع المخاطبين بالآية بالمعهود، ليصلح للقرينة، و هو غير معلوم إلّا بالنسبة إلى أجناس تلك العقود الموظفة في الجملة، لا بجميع كيفياتها المخصوصة و شرائطها الواقعية، بل الظاهر بحكم الحدس و الاعتبار مضافا إلى الأصل عدم علم الجميع بها، كيف و هي بعد معركة الآراء و مختلف العلماء، و لو كانت شائعة عند جميع الناس من العوام و الخواص لكانت معروفة في الأنظار المتلاحقة و متداولة في الأيدي المتواصلة من الأصحاب فالتابعين فالعلماء إلى الآن، و اشتهرت في الأخبار الواردة عن الأطهار، مع توفّر الدواعي على النقل و الانتشار، و لم يكن موردا للخلاف بين الأسلاف و الأخلاف.
فالقدر المعهود من العقود الذي صحّت الإشارة إليه باللام هو أجناسها الموظفة، دون الكيفيات و الخصوصيات، و تعلّق الأمر بها لا يوجب حملها على الصحيحة،
كجواز تعلق الأمر بالأعمّ و بيان الشرط في خطاب آخر. كما هو الجواب عن اعتراض الصحيحي على القائل بالأعم في أسامى العبادات و المعاملات المتعلّقة للأوامر الشرعية، فإنّ صدق العام لا ينافي ثبوت الخاصّ، فيستدلّ بالأمر بها على صحّة جميع أفراد الماهيّة.
فإن قلت: يصحّ ذلك في الماهيّة العامة لا المجملة المبهمة، فلا يمكن الاستدلال بها على الفرد المشكوك فيه.
قلت: نعم، و لكنّ الماهيّة المبهمة داخلة في مطلق الماهيّة لصدقه عليها، كما يصدق على المطلقة و المشروطة، فلا ينافي صدق الماهيّة على المبهمة مع عدم ملاحظة الشرط، و إن كانت مشروطة في الواقع، كما يصدق قولنا: جاء الرجل، أي ماهيّته إذا جاء زيد، و حيث إنّ المفروض تعلّق الأمر في الآية بالمعهود، و هو مجرّد الجنس دون الخصوصيات و الشرائط، و إن احتمل ثبوت الشرط و بيانه في خطاب آخر، فمقتضاه بضميمة أصل عدم الاشتراط، تأسيس صحّة جميع ما صدق عليه الجنس المعهود، و صحّ الاستدلال به على مورد الشك، فليتأمّل.
و كيف كان فحاصل الكلام مما تلوناه صحّة الاستدلال بالآية على صحّة العقود الموظفة إذا شك في شرطية شيء أو مانعيته، إلّا إذا رجع الشك إلى المعنى الأعمّ و صدق نفس الماهيّة، فلم يصحّ الاستدلال حينئذ.
تتميم: ما ذكرنا هو الكلام في كيفية الاستدلال بالآية على صحّة العقود، و أمّا على لزومها باعتبار الأمر بالإيفاء، فيظهر منه الاختلاف فيه أيضا من كلام جماعة، فعن بعضهم تفسير الأمر بالإيفاء على لزوم نفس العقد و وجوب الالتزام به إلّا ما ثبت خروجه بدليل، فيكون منافيا لجواز العقد، و عن آخر بالعمل على مقتضى العقد ما دام باقيا، فلا ينافي جواز بعض العقود، كالشركة و المضاربة و غيرهما، و عن
ثالث بوجوب اعتقاد لزوم اللازم و جواز الجائز، و عن رابع حمله على الرخصة و نفي الحظر.
أقول: قد علمت أن المراد بالعقود أجناس العقود الموظفة بخصوصها، فمعنى الوفاء بها الذي تعلّق به الأمر ترتّب الأثر على العقد على حسب توظيفه، فقد يكون الأثر مقيّدا بمدّة معينة كالإجارة و النكاح المنقطع، و قد يكون مستداما بحيث لا ينقطع بسبب متجدّد، كالتحرير و الوقف على الجهة، و قد يكون مستداما إلى أن يتجدّد السبب، فقدره (1)على أن يزول به، و هذا السبب إمّا مما هو ليس لقصد المتعاقدين مدخل في زوال الأثر به، كالارتداد للزوجية في النكاح الدائم، أو له مدخل، إمّا من أحدهما كالطلاق و الفسخ من ذي الخيار، أو بشرط توافقهما كالإقالة، فمعنى الوفاء بالعقد ترتّب الأثر على حسب ما قدر في الشرع من أحد هذه الوجوه، فلا ينافي وجوب الوفاء بمقتضى العقد لشرعية السبب الرافع و زوال الأثر به، و ينقدح من هذا أن الآية لا تدلّ على لزوم العقد، بل على مجرّد تأسيس الصحّة، و إن أفاده الاستصحاب عند الشك في السبب المزيل، و أنّ الصواب هو التفسير الثاني مع ما في الأخيرين من تجوّز بعيد يدفعه الأصل.
ثم ما يقتضيه على تقدير اللزوم في شرائطها من الخصوصيات و الكيفيات الخاصّة، فهنا بحثان:
فنقول: قد تبيّن في المطلب الأوّل أصالة فساد العقود و المعاملات أوّلا، و في الثاني انقلاب هذا الأصل في العقود الموظفة المعلومة بأجناسها إلى أصل الصحّة، و على هذا فالشكّ إن رجع
1) كذا.
إلى نفس الماهيّة و صدقها على محلّ الشكّ يحكم بالفساد، لعدم ما يخرج به عن الأصل الأوّلي، و إن رجع إلى الخصوصيات و الكيفيات الزائدة يحكم بالصحة.
فالمعاملة الشرعية، إمّا يكون ممّا علم مدخلية الصيغة المخصوصة في انعقاده كالنكاح و الطلاق و نحوهما، أو يعلم عدمها كالعارية و نحوها، فلا كلام. و إن شكّ فيها أو في مطلق اللفظ، فإمّا يعلم أن ماهيّته الموظفة غير معناه اللغوي كاللعان و الظهار و نحوهما، سواء علم لها حقيقة شرعية أم لا، أو لا يعلم ذلك. و على الثاني، فإمّا ليس هنا إطلاق لفظي من الكتاب أو الأخبار دلّ على شرعيته، أو فيه إطلاق كذلك.
مقتضى الأصل في جميع الصور الفساد عدا الأخيرة، إذا الشكّ في غيرها يرجع إلى نفس الماهيّة و صدق الموظفة على المجرّد عن الصيغة، سيما على قول من يجعل المعاملة نفس الإيجاب و القبول، و في إطلاق العقد على المعاملة في عرف المتشرعة إشعار بالمدخلية، فإنّ الصيغة بمنزلة عقدة الحبل يشدّ به عهد المتعاملين، و لذا شاع استعمال العقد في الصيغة.
و يؤيده ما ذكره بعض المحققين في حكمه بتوقّف انعقاد المعاملات عليها، من قصور الأفعال عن المقاصد الباطنية، كالتمليك و التملّك و الإنشاء و الرضا، و غايتها إفادة مطلق الظنّ، و لا يغني (1)بعموم المنع (2)و الاتّفاق على توقف الأسباب الشرعية على العلم أو الظنّ المعتبر شرعا، و من أنّ المعاملات شرعت لنظام أمر المعاش، و هي مثار الاختلاف و منشأ التنازع و التراجع، فيجب ضبطها بالأمر الظاهر الكاشف عما في الضمير، و إن كان نقضا للغرض الداعي إلى وضعها في الشريعة، و القيّم بذلك هو البيان المعبّر عمّا في الضمير بسهولة دون غيره، و لذا قرن سبحانه هذه النعمة بنعمة الإيجاد في محكم الكتاب و قد جرت عادة الشارع في جميع المواضع
بإناطة الأحكام بأسبابها الظاهرة، و الكشف عنها في مقام الالتباس بالطرق المعهودة الميسّرة لعامة الناس، و جعل المدار في المعاملات على العقود، انتهى.
و أمّا في الأخيرة فمقتضى أصل الحقيقة الحمل على المعنى اللغوي على كون بيان الشرع بتقرير ما تداول بين الناس قبل الشرع، كما تقدّم بيانه، فيقتضي الإطلاق عدم اشتراط الصيغة إلّا أن يدلّ دليل على الاشتراط في الصحّة أو اللزوم، كما لعله الإجماع في اللزوم، كما سنشير إليه، و ذلك كالبيع الذي دلّ على شرعيته إطلاق قوله سبحانه أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و نحوه، المحتمل لكونه باقيا على معناه اللغوي و العرفي، الذي يعمّ مجرّد التقابض لقصد البيع الخالي عن الصيغة، للتبادر و عدم صحّة السلب المثبت للغة، بضميمة أصل عدم النقل.
و من هذا نشأ الخلاف المشهور في صحّة المعاطاة في البيع و عدمها، بل مال بعض المحققين إلى لزومها، و حيث طال فيها التشاجر و التنازع، رأيت أن أبيّن جليّة الحال فيها، فنقول: اختلفوا في التقابض و المعاطاة على وجه المعاوضة من دون صيغة على أقوال:
الأوّل: أنّه بيع لازم نسب إلى المفيد فيما قال: «و ينعقد البيع على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا و رضيا بالبيع و تقابضا و افترقا بالأبدان» (1).
و في المسالك (2)إلى بعض معاصريه إلّا أنّه اشترط كون الدال على الرضا لفظا.
و اختاره من متأخري المتأخرين المحقق الأردبيلي (3)و والدي العلّامة (4)، وفاقا
من أهل الخلاف لأحمد بن حنبل و مالك مطلقا، و لبعض الحنفية و الشافعية و ابن شريح في الحقير (1).
و أنكر بعضهم كونه قول المفيد ناقلا هو و غيره الإجماع بل ظاهر المذهب على خلافه، بل و ربما نسب إليه اعتبار اللفظ المخصوص في البيع و عدم كونه بيعا عنده.
و في المختلف (2): «للمفيد قول يوهم الجواز»، ثم حكى كلامه المتقدّم، و قال:
«ليس في هذا تصريح بصحّته إلّا أنّه يوهم». و الإنصاف أنّه غير خال عن الظهور في الصحّة و إن لم يكن صريحا.
الثاني: أنّه بيع غير لازم، ذهب إليه المحقق الكركي (3)و جماعة (4)، بل ظاهر الأوّل الإجماع عليه، حيث قال: «المعروف بين الأصحاب أنّها أي المعاطاة بيع، و إن لم يكن كالعقد في اللزوم، خلافا لظاهر عبارة المفيد، و لا يقول أحد من الأصحاب أنّه بيع فاسد سوى المصنف في النهاية (5)و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها، و قول اللّه تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (6)يتناولها، لأنّها بيع، للاتفاق حتى من القائلين بفسادها، و عليه يتنزّل القول بإفادتها الإباحة لوجوه ذكرها في جامع المقاصد (7).
الثالث: أنّه ليس بيعا و إنما يفيد إباحة محضة، اختاره في المبسوط (1)و الخلاف (2)و السرائر (3)و التنقيح (4)و الغنية (5)و المسالك (6)و الدروس (7)و الروضة (8)و في الخامس:
الإجماع عليه، و في المستند (9): المشهور عدم كونه بيعا، و في الأوّلين: كاد أن يكون إجماعا، و إن لم يتحقّق منهم منع إفادته الملك.
الرابع: أنّه بيع فاسد، نسب إلى الفاضل في النهاية (10).
الخامس: أنّه معاملة مستقلّة مفيدة للملك المتزلزل، مال إليه بعضهم و هو محتمل به.
هذا ما تحقق لي من الأقوال، و قال بعض مشايخ من عاصرناه: «إنّ محلّ النزاع غير محرّر، و كلماتهم فيه مشتبهة أو مختلطة، بل ربما ترى منهم نقل الإجماع على طرفي الضدّ حتى من فقيه واحد، فإنّ النزاع إن كان في المعاطاة مع قصد البيع، فهي على القول باشتراط الصيغة معاملة فاسدة، كما نسب القول بها إلى النهاية (11)، لأنّها
تابعة بما اتفقاه، فلا يفيد الإباحة، كما أشار إليه الكركي (1)في نفي الاشتراط، قائلا: «بأنّ المقصود من المتعاطيين إنّما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة، و لم يجز التصرف في العين، و كافة الأصحاب على خلافه». انتهى.
و على القول بعدم اشتراط الصيغة كانت بيعا صحيحا، فلم يبق للقول بالإباحة المشهور بينهم محلّ في المسألة.
و إن كان الخلاف فيها مجرّدا عن قصد البيع فهي ليست بيعا قطعا، و يفيد الإباحة قولا واحدا، إذ الظاهر عدم الخلاف في مشروعيته حينئذ و لو على جهة المبادلة، و أيضا لم يتحقّق منهم أنّ الخلاف في المعاطاة هو فيما يتحقّق فيه سائر شرائط البيع عدا الصيغة، كما هو صريح المسالك (2). و لازم كونه بيعا، أو يعمّ غيره، كما هو لازم تعليقهم الإباحة بحصول التراضي، مضافا إلى ما نقل عنهم من عدم اشتراط قبض المجلس في معاملة النقدين في المعاطاة.
و عن الشهيد في القواعد (3)تجويز جهالة العوضين فيها، و أيضا قولهم بأنّ المعاطاة بيع صحيح أو فاسد أو إباحة مطلق في المقام، مع أنّ جماعة ذكروا فيه و غيرهم في غيره: أنها تأتي في غير البيع أيضا من العقود المعوضة العينية كالصلح و الهبة المعوّضة، و نحوهما. انتهى كلامه. أقول: هذه الإشكالات لا محلّ لها، فإنّ النزاع في إمكان إيقاع البيع على وجه المعاطاة و عدمه، فمن قال بالأوّل، و هو من لم يشترط الصيغة، يقول باشتراط قصد البيع و سائر الشروط عدا الصيغة عند إرادة البيع بها، و من قال بالثاني لا يجوز قصده منها، و يقول: لا يصلح لغير الإباحة، و إن لم يستجمع شرائط البيع فلا يقصد منها البيع، و هكذا في سائر العقود.
نعم، هنا كلام آخر، هو أنّه على كفاية التقابض في البيع، فهل يلزم قصد البيع منه، أو ينصرف إليه مجرّدا عن القصد؟ و سنشير إليه في آخر البحث. و كيف كان، فالأقوى عدم اشتراط الصيغة في الصحّة، و إفادة مطلق الملك، و اشتراطها في اللزوم.
أمّا الأوّل، فلوجوه:
أحدها: إطلاق البيع في العرف و العادة على التقابض بقصد التمليك بغير الألفاظ المخصوصة المقصودة بها إنشاء البيع إطلاقا شائعا لا يصحّ سلبه عنه، فيثبت به الحقيقة عرفا، و بضميمة الأصل، لغة، فيحمل عليه ما في الكتاب و السنّة، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، بل الظاهر كما عليه الإجماع في المصابيح عدمها، فيتناوله عموم قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)لم نقف عليه بهذه العبارة.
(2)و نحوه، مثل ما في صحيح جميل و غيره: «من ابتاع شيئا فهو له» (3).
و ثانيها: جريان السيرة القطعية المستمرّة على معاملة المأخوذ حسب المعاطاة معاملة الأملاك عينا و ثمنا في جميع التصرّفات التي منها ما لا يصحّ وقوعه إلّا من المالك، كالنقل و العتق و وطء الجارية و نحوها، و غير التصرّفات، كالإرث و الفقر و الغنى و استطاعة الحج و الزكاة و الخمس و غيرها، معتضدا بنقل الإجماع المتقدّم عن الكركي (4)و الظاهر من غيره على كونه بيعا.
و ثالثها: الإجماع القطعي على إباحة التصرف بها، و لم ينقل الخلاف فيها إلّا عن الفاضل في النهاية (5)، و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة (6).
و الإباحة هنا دليل الملك، إذ المالك إنما أباحه بقصد الملك، فلو لم يحصل الملك لم يبق الجواز.
و احتمال كونها معاملة مستقلّة يدفعه الأصل، كما ستعلم، مضافا إلى عدم قصده المتعاطي، بل المعلوم من أحوال الناس في المعاملات المتداولة بينهم على سبيل المعاطاة في الأسواق و غيرها قصدهم التمليك على جهة المبايعة.
و من هذا يظهر وجه آخر، و هو أنّ الصيغة لو كانت شرط الصحّة شرعا كانت تلك المعاملات المعاطاتية بيوعا فاسدة غير مجوّزة للتصرف، لعدم كون الصيغة دخيلا في تحقّق المسمى اللغوي، كما تبين، و لا له حقيقة شرعية، و كونها كذلك غير منقول من أحد من العلماء كما مرّ.
و رابعها: أنّه لو لم تفد المعاطاة الملك مع ما فيها من الشيوع و اشتهار العمل على الملك بما لا مزيد له في جميع الأعصار و الأمصار قديما و حديثا لوجب صدور المنع عنه من الأئمة، بل تكرّره و توافره، و لو صدر لوصل إلينا، لتوفر الدواعي، فعدمه دليل العدم، بل الثابت منهم بتقريرهم المعلوم لنا قطعا خلافه.
و خامسها: أنّه لو كانت المعاطاة للإباحة المحضة دون الملك لما اشترط فيها تعيين المبتاع، كما في الإباحة المجّانية، مثل نثار العرس، و الظاهر أنّهم لا يقولون به، و يؤيّد المطلوب بل لا يبعد جعله دليلا اتفاقهم على اللزوم بعد التصرف المتلف، لاستبعاد كون تلف المال مملّكا للعوض المسمّى، خصوصا مع حصرهم النواقل المملّكة فيما ليس هو منه.
و أمّا الثاني، أي اشتراط الصيغة في اللزوم، فلوجهين:
أحدهما: ظهور الإجماع المعتضد بسيرة الأصحاب في المحافظة على ذكر الصيغ الخاصّة و ضبط ألفاظها و المداقة فيها و اهتمامهم في ذكر الخلاف في
خصوصيات الصيغة، من غير إشارة إلى الخلاف في أصلها، و لا ذكر دليل عليه، المشعر بكونه منزلا عندهم منزلة المسلّمات القطعية، بل قيل أنّه من الضروريات التي استغنت بذلك عن ذكرها في النصوص و غيرها، كما يؤمي إليه خلوّه عن ذكره فيما لا إشكال في اعتبارها فيه، كالنكاح و الطلاق و نحوهما.
و لم ينقل الخلاف فيمن تأخّر إلّا عمّن ذكر (1)، و الإجماع منعقد من قبله، و عن بعض معاصري الشهيد الثاني، و هو مع شرطه مطلق اللفظ محافظة على حصر التمليك و التحريم بالكلام، للخبر الآتي القاصر عن إفادته، لا شريك له ظاهرا، و متروك بالشذوذ فيمن تقدّم عن غير المفيد، و كلامه كما ترى غير صريح فيه لظهوره في بيان شرائط صحّة البيع و لزومه ما لا ينعقد به (2)، و ترك تعرّضه للتعويل على معلومية اعتبارها، كما لم يتعرّض لها في مثل النكاح و الطلاق أيضا، و يقوّي ذلك نقل بعضهم (3)عنه اعتبار اللفظ في البيع.
و ثانيهما: استصحاب عدم اللزوم، فإنّ اللزوم قيد وجوديّ زائد على مطلق الملك ينفيه الأصل، و لا هكذا تزلزل الملك، فإنّه لازم الماهيّة أعني مطلق الملك، من قبيل الماهيّة في مسألة المرة و التكرار في الأمر الموافقة للمرّة.
لا يقال: إنّ الملك بنفسه مقتض لبقائه، لا يرتفع إلّا برافع، فارتفاعه به- و هو معنى التزلزل- أمر جديد يحتاج إلى جعل شرعيّ ينفيه الأصل.
لأنّا نقول: زوال الملك و انفساخه برجوع المالك، قد يكون من جهة تزلزل الملك و عدم تماميته و عدم ارتفاع سلطنة المالك بالمرة في مقابل المستقر، فكان
بحيث له الرجوع متى شاء، كما في محل البحث، و يؤمي إليه إطلاق التزلزل عليه دون الخيار، و إلى ما ذكرنا ينظر ما قيل من أنّ الملك مقول بالتشكيك قابل للشدة و الضعف، و قد يكون لدليل خارج عن مقتضى المعاملة من شرط أو جبر ضرر أو تعبد، كما في الخيارات.
و المقتضي لجواز الرجوع في الأوّل هو نقصان الملك، فليس بأمر زائد عن مطلق الملك، و إن كان زواله من أثر الرجوع، بخلاف الثاني.
فإن قلت: لا شبهة في أنّ زوال مطلق الملك أمر متجدّد مسبّب عن الرجوع و مقتضى الاستصحاب بقاؤه و عدم زواله به عند الشك.
قلت: حيث ثبت بالاستصحاب المتقدّم اقتضاء الملك المستفاد من المعاطاة جواز الرجوع و زواله به، ينتقض به استصحاب البقاء، و يكون تعارض الاستصحابين من باب تعارض المزيل و المزال، إذ الأوّل سبب لزوال مقتضى الثاني دون العكس، بل هو على تقدير ثبوته كاشف عن خلاف السبب مقدّم على الكاشف كما حقّقناه في مقامه، فهو من قبيل ما إذا وجدت رطوبة في الثوب محتملة للقلّة التي يتجفّف في ساعة، و الكثرة التي لا يتجفّف فيها، فشكّ بعد الساعة في حصول الجفاف، فإنّه يبنى فيها على استصحاب عدم الكثرة المقتضي للجفاف، لا استصحاب الرطوبة الكاشفة عن الكثرة.
و احتجّ من اشترط الصيغة لمطلق الملك بوجوه:
منها: ما في عدة أخبار باختلاف يسير، إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام (1).
و الجواب: أنّ المقصود بالاستدلال، إن كان مطلق الحلّ، فهو يحصل بالإباحة
1) وسائل الشيعة 18: 48، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الرواية 23114؛ الكافي 5: 201؛ التهذيب 7: 50.
التي يكتفي فيها بالأفعال و إذن شاهد الحال إجماعا، و إن كان الحلّ على وجه الملك فلا يساعده اللفظ، و موارد التعليل به في الأخبار غير دالّة عليه، بل هي في إرادة دوران اللزوم بالكلام دون الصحة، كما فهمه صاحب الوافي (1)أوفق و أظهر، مضافا إلى أنّ مطلق الكلام أعمّ من الصيغة الشرعية، و تخصيصه بها ليس أولى من التقييد بما إذا انحصر طريق فهم المراد و القصد باللفظ، و يمكن أن يكون ذكر الكلام من باب التغليب، و المقصود ما يفهم منه القصد و الرضا.
و منها: ظهور الاتفاق على جريان حكم البيع الفاسد على البيع بالصيغ الباطلة، و لو أنّ المعاطاة كانت بيعا لزم كونه صحيحا بالصيغة الباطلة، لخروج الصيغة عن حقيقته.
و الجواب: أوّلا أنّ إفادة المعاطاة الملك على القول بها إنّما هي إذا قصد بالتقابض البيع، فإذا اقترن بالصيغة لم يقصد به إنشاء البيع فلا يحصل الملك بالتقابض حينئذ قولا واحدا، سيما إذا تأخّر التقابض عن الصيغة، فإنّه يكون حينئذ من باب تسليم مال الغير إليه، بل يقصد البيع حينئذ بنفس الصيغة، فإذا فسدت لم يؤثر هي في الملك أيضا، فلا يحصل الانتقال أصلا.
و الحاصل: أنّ البيع عند القائل بالمعاطاة قسمان:
قسم فيه إنشاء النقل بالصيغة و آخر بالتقابض، فإذا قصد الإنشاء بالأوّل لزم كون الصيغة صحيحة.
و ثانيا أنّه لو سلّم ذلك فهو يرد على القول بالملك اللازم، إذ على القول بالمتزلزل كان اللزوم أثر الصيغة، فإذا فسدت لم يلزم، و حيث إنّ المقصود بالمعاملة إذا اقترنت بها، الملك اللازم و عليه التراضي، فإذا بطلت بطل أصل المعاملة.
1) الوافي 18: 700، الرواية 18144.
و منها: إطلاق كلامهم في تحقّق البيع بإشارة الأخرس و نحوه على وجه يكون كالبيع بالصيغة من غير إشارة إلى تبعيتها للعقد كالمعاطاة.
و الجواب أنّ إشارة الأخرس تابعة لقصده، فإن قصد بها العقد يتبعه حكمه، و يكون البيع لازما، و إلّا يتبع المعاطاة، و غرضهم من الإطلاق بعد ذكر العقد هو الأوّل.
و منها: فحوى ما دلّ على عدم جواز المعاطاة في النكاح و الطلاق.
و الجواب أنّه قياس باطل، كما أنّه يجوز شرط الخيار فيه دونهما، مع أنّه يعارضه القياس بالعقود الجائزة.
و منها: ما في الدعائم (1): «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في البيع و الشراء و النكاح و الخلع و الصدقة».
و الجواب قصوره عن المدّعى سندا و دلالة من وجوه لا تخفى.
و منها: معلومية اشتراط الصيغة من سيرة الأصحاب على ما أشرنا إليه.
و الجواب أنّ المعلوم منها اشتراطها في البيع اللازم دون الصحيح المتزلزل.
حجّة من ذهب إلى إفادة المعاطاة اللزوم، و لم يشترط الصيغة صدق البيع و التجارة عن تراض على المعاطاة في قوله عزّ و جلّ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)و إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3)وسائل الشيعة 18: 6، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23013.
(4). و إطلاق الأخبار النافية للخيار، منطوقا و مفهوما عما يصدق عليه البيع، كقوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» و قوله: «و إذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»، أو «فقد وجب البيع» (5)و نحوها من أخبار خيار الشرط و العيب.
و الجواب عن الآيتين عدم الدلالة على اللزوم، بل على مجرد الصحّة، و عن إطلاق الأخبار بظهوره في إرادة الخيار من حيث المجلس أو الشرط أو العيب، و بالجملة هو في بيان سببية تلك الأسباب للخيار، و هو لا ينافي ثبوته في بعض أفراد البيع لجهة أخرى، فهو من قبيل إن قبضت في المجلس صحّ الصرف، مع أنّه يمكن فساده من جهة أخرى، فإنّ غرض المتكلّم من مثل هذا الكلام على ما هو المتبادر و المنساق إلى الأذهان من السياق بيان مجرد شرطية الأوّل للثاني، مع الفراغ عن وجود سائر أجزاء العلّة.
الأوّل: المعاطاة يمكن تصويرها على وجوه:
أحدها: أن يقصد بها الإباحة بعوض و التسليط على التصرف كيف شاء، و لو بالإتلاف من غير تضمين، دون الملك و لا شبهة في مشروعيتها حينئذ على وجه المبادلة، لعموم «الناس مسلطون» (1)و حلّية مال المرء بطيب نفسه، و لا خلاف فيه ظاهرا، و لا في عدم إفادتها الملك، و لا في عدم ضمان العوض مع التلف، كما في الإباحة المجانية في نثار العرس، و مقتضاها عدم صحة التصرفات المتوقفة على الملك، كالعتق و الوطء و البيع لنفسه و نحوها، فإنّ مجرّد تسليط المالك و لو على أمثال تلك التصرفات لا يوجب صحّتها شرعا، بل يتوقف على التوقيف الشرعيّ، و اتفاقهم على صحّته في المعاطاة لا يوجبها في محلّ الفرض، فإنّ من المجمعين من يقول بإفادتها الملك لكونه بيعا أو معاملة مستقلّة، و هو مناط صحّة هذه التصرفات الملكية عنده، فلا يقول بصحّتها في مثل تلك المعاطاة التي لا تفيده اتفاقا.
1) بحار الأنوار 2: 272؛ عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 198.
و توجيه الجمع بين صحّة هذه التصرفات في المعاطاة على القول بعدم إفادتها الملك، و بين ما دلّ على أن لا بيع و لا عتق إلّا في ملك، بتقدير الملك ضمنا، كما يقدّر في: اعتق عبدك عنّي، و انعتاق العمودين على المشتري لا شاهد له أصلا، بل مقتضى الأصول و انحصار النواقل الشرعية في كتب الجماعة فيما ليس منه إرادة التصرف الناقل في مثل محل البحث يدلّان على خلافه، مع عدم انصراف الملك في قوله: «لا بيع إلّا في ملك» إلى مثل هذا الملك الضمني الذي تقديره بمجرد التقدم الذاتي، بل المتبادر منه الملك المتعارف في العرف و العادة.
و ثانيها: أن يقصد البيع بالمعاطاة أي إرادة النقل البيعي تفصيلا، كما إذا وقعت المساومة عليه، أو إجمالا على ما هو المعهود المركوز في المقصود غالبا في معاملات الناس المتداولة في الأسواق على سبيل المعاطاة، و المتّجه حينئذ كونها بيعا صحيحا غير لازم، على ما اخترناه بالأدلّة المتقدمة، فيعتبر فيها جميع ما يعتبر في البيع، لعموم ما دلّ عليه الشامل لمحل الفرض، و بيعا فاسدا على المحكيّ عن الفاضل في النهاية (1)، بل هو لازم قول جميع القائلين بمدخلية الصيغة في صحّة البيع، فإطلاق كلام هؤلاء في إفادتها الإباحة الشامل للفرض، خصوصا على تسليم بعضهم صدق البيع عليها لغة و عرفا، غفلة واضحة، بل عليهم حجّة صريحة، كما مرّت إليه الإشارة. فإنّ حرمة التصرف في المأخوذ بالمعاملة الفاسدة و ضمان ما يقبض بها من المسائل الإجماعية، و التعاطي مع تقييده بقصد البيع لا يفيد الإذن المطلق المجوّزة للتصرف، مع فرض عدم حصول المقصود، سيما مع الجهل بالفساد.
و من هذا يظهر فساد ما قيل، بل نسب إلى المتأخرين من أنّ محل النزاع و مجرى الأقوال من الإباحة و البيع المتزلزل و البيع الفاسد ما قصد به البيع، مع وجود جميع شرائطه عدا الصيغة.
1) نهاية الإحكام 3: 449.
و ثالثها: ما قصد به المعاوضة على وجه مطلق، من غير قصد البيع أو الإباحة المحضة، بمعنى عدم الالتفات إليهما لا تفصيلا و لا إجمالا، و الظاهر أنّ حكمه حكم الأوّل، فيحصل به الإباحة دون الملك، أمّا على عدم اشتراط الصيغة في الصحّة، فلحصول الإباحة على الوجهين، و توقّف الملك على قصد البيع، و أمّا على اشتراطها، فلحصول الإذن المجوّز للتصرف و المنافي له عند المشترط قصد البيع و لم يقع، و إن لم يقصد عدمه أيضا، و من هذا يظهر عدم اشتراط وجود سائر شرائط البيع حينئذ في حصول الإباحة مطلقا.
و رابعها: أن يقصد بها الملك المطلق، و هو كما قيل لا ريب في فسادها عند من يشترط الصيغة الخاصّة في تلك المعاوضة لإفادة الملك، لانتفاء الشرط، فينتفي به المشروط، فلا يحصل به الإباحة أيضا حسب ما مرّ، و أمّا عند من لم يشترطها، ففي صحّته و تنزيله على البيع بناء على أنّه الأصل في نقل الأعيان، و لا يخرج عنه إلّا بقصد غيره، كما أنّ الإجارة أصل في نقل المنافع مقدمة على الصلح و الجعالة، كما عن بعضهم، أو تنزيله على الهبة المعوضة، كما عن آخر، أو هو معاوضة ناقلة مستقلة ليست تحت شيء من المعاوضات المعروفة، كما يظهر عن ثالث. أو إفادته الإباحة دون الملك، أو فساده مطلقا، احتمالات، أظهرها الأخير، لإمكان المناقشة؛ في الأوّل: بمنع الأصل و خلوه عن الدليل، فلا ينزل العام على الخاص إلّا بقصده، و لذا لا يكتفي في صيغة البيع بمثل ملكتك.
نعم، لمّا كانت المعاملات العينية المعاطاتية بين الناس يقصد بها البيع غالبا في عاداتهم، كما أشير إليه إذا قصد بالنقل ما تداولت عليه تلك المعاملات جريا على عادتهم، و إن لم يلتفت إلى خصوص البيع تفصيلا، أمكن التنزيل عليه، و ما ذكرناه من الفساد في تلك الصورة إنما هو إذا لم يمكن تطبيق القصد، و لو جريا على العادة المتداولة في المعاطاة على البيع، فكان القاصد كالمتردّد بين خصوصيات المعاوضات.
و من هذا يظهر فساد الثاني أيضا.
و في الثالث: باستدعائه التوظيف الشرعي و الدليل عليه، بل قيل: حصر الأصحاب النواقل في ما ذكروه من الأمور المخصوصة يقتضي خلافه، و الاستناد إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يندفع بما عرفت من كونه محمولا على العهد، و مع ذلك صدق العقد على المعاطاة محلّ إشكال، و دعوى السيرة المستمرّة على استقلال المعاطاة في التمليك واهية، لما عرفت من صدق البيع عليها مع القصد لغة و عرفا، فالسيرة لو كانت، فمن تلك الجهة، و إلّا فلا سيرة على الملك.
و في الرابع: بكونها مقيّدة بقصد الملك فينتفي بانتفائه.
الثاني: هل يختصّ المعاطاة بالبيع، أو يعمّ سائر العقود اللازمة، عدا مثل النكاح و الطلاق و أشباههما المتفق على بطلانها فيها؟
صرّح بالعموم المحقق القمي (1)لدخولها في عموم إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)حاشية الإرشاد للمحقق الثاني (مخطوط): 216.
(3)، و «الناس مسلطون على أموالهم» (4). و قد يلحق به بعض ما هو إيقاع كالشفعة و الإبراء و فسخ الخيار و نحوها مما يصدق على المعاطاة فيها اسم تلك المعاملة، لإلحاق المعاطاة بها حينئذ بصدق الاسم، فيلحقها حكمها عدا ما كان من لوازم الصيغة كاللزوم.
و حكي عن تعليق الإرشاد (5): أنّ من المعاطاة الإجارة و نحوها، بخلاف النكاح و الطلاق و نحوهما، فلا يقع أصلا، و به صرّح في الإجارة بعض أجلّة من عاصرناه.
و عن جامع المقاصد (1): أنّ في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة، و كذا في الهبة، و ذلك إذا أمره بعمل على عوض معين عمله و استحقّ الأجرة، و لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل و لم يستحق أجرة، مع علمه بالفساد.
و ظاهرهم الجواز بذلك و كذا لو وهب بغير عقد فإنّ ظاهرهم جواز الإتلاف و لو كانت هبة فاسدة لم يجز، بل يمنع عن مطلق التصرف.
و في المسالك (2)، بعد نقل ذلك: لا بأس به، إلّا أنّ في مثال الهبة نظرا من حيث إنّ الهبة لا يختصّ بلفظ.
أقول: دعوى جواز المعاطاة في جميع العقود عدا ما استثنى مشكلة، فإنّ صدق التجارة و السيرة المعتبرة- و هما العمدة من أدلّة المعاطاة في أكثرها- ممنوع، و عدم القول بالفصل غير معلوم، بل في المحكيّ عن الجامع (3)- كما رأيت- تخصيصها بالإجارة و الهبة، و عموم: «الناس مسلطون»، لا يفيد أزيد من الإباحة دون الملك و اللزوم بالتلف، فعدم العموم أقرب، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد الدليل، و هو ما صدق عليه اسم التجارة، أو علمت فيه السيرة، أو استحقت المعاطاة اسم المعاملة في العرف و اللغة، مع وجود ما يقتضي صحّة مطلق تلك المعاملة، كما في معاطاة الهبة، فإن صحّتها مقتضى الدليلين الأخيرين (4)، فيجوز فيها العمل بمقتضى الملك، كوطء الجارية، كما في هدايا السلاطين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و منها المارية القبطية، و نحوها القرض و الإجارة على احتمال قويّ، فيستحق بها الأجرة المسمّاة،
كما عليه السيرة في الأجراء و الأكرة (1)، و لو كانت إجارة فاسدة لم يستحقّ الأجرة مع علمه بالفساد، و لا المسمّاة مطلقا، و كذا معاطاة الصلح و الهبة المعوضة و الرهن و نحوها، مما يصدق عليه اسم التجارة أو المعاملة عرفا، على إشكال في الأخير، بل لا ينبغي ترك الاحتياط في الجميع، و في مثل الوقف و نحوه يتّجه العدم، و تفصيل الحال في كيفية الاستدلال في كلّ معاملة موكول إلى بابها في الفقه.
و كيف كان، فالظاهر عدم اللزوم في جميع ما صحّت المعاطاة فيه، للأصل المتقدّم.
الثالث: لا خلاف ظاهرا، تحقيقا و نقلا في لزوم المعاطاة بتلف العين من الجانبين، و أمّا من جانب فهو صريح جماعة، منهم المحقق الكركي (2)، بل قيل: لا أجد فيه مخالفا.
و جعله في المسالك (3)أقوى، مشعرا بوقوع الخلاف فيه، و منعه والدي العلّامة (4)و فصّل الفاضل القمي (5)بلزومها على القول بإفادتها الملك المتزلزل دون الإباحة.
و في المسالك (6)و الروضة (7)كغيرهما فيما حكي عنه: أنّ في معنى التلف نقلهما عن الملك بوجه لازم، بل مطلقا كما للوالد الماجد و الفاضل المتقدم (8)و غيرهما ممن عاصرناه.
و في إلحاق تلف بعض العين بالكلّ كما عن جامع المقاصد (1)و تعليق الإرشاد احتمالات في المسالك (2)، ثالثها اللزوم من العين الآخر في مقابل التالف، و بقاء الباقي على أصل الإباحة، و في الروضة (3)مال إلى الأوّل.
أقول: الذي يقتضيه النظر لزوم المعاملات المعاطاتية المتداولة بتلف العوضين، أو الكلّ من البعض، أو البعض من الكلّ، و لكن فيما يقتضيه من الملك أو الإباحة على اختلاف القولين.
بيان ذلك: أنّ شرعية تلك المعاطاة على ما وقعت عليه المراضاة معقد إجماع الفريقين، و معنى شرعيتها ترتّب الأثر من الإباحة أو الملك شرعا عليها، على حسب ما تعاهد المتعاطيان عليه و حيث إنّ مقصودهما الواقع عليه المراضاة، تسليط كلّ منهما الآخر على التصرف فيما صار إليه كيف شاء، و إتلافه على ضمان العوض المسمّى، و كلّ من العوضين مأخوذ بهذا العنوان، فيقتضي شرعيتها كونه المتعيّن في مقابل الآخر دون عوضه، مثلا كان أو قيمة، مع أن التسلط على المطالبة بالعوض، مع كون التلف بتسليطه، ينفيه الأصل، و على هذا يصير الملك أو الإباحة على الخلاف لازما بالتلف.
نعم، إن ثبت الإجماع على حصول الملك بالتلف على القول بالإباحة أيضا، كما عساه يظهر من القائلين بها، فيصير ملكا لازما أيضا، و إلّا فلزم الإباحة.
و من هنا ينقدح أنّ التصرف المغيّر للعين، كالمزج و الطحن و قصر الثوب و أمثالها يوجب اللزوم أيضا من الجانبين، إن تغيرت العينان، و من جانب من تغيّرت عنده إن
كانت من جانب، سواء كان التغيّر موجبا للنقص أو لا، لقضية الشرط بينهما المقتضي للزوم، و أصالة بقاء الملك للمالك الأوّل على الإباحة، و بقاء تزلزله على الملك لا تستلزم بقاء سلطنة الرجوع المنافي لغرضهما.
و ما عسى ما يتوهّم من الإشكال في المجال، أمّا على الإباحة فهو أنّها مجرّد الإذن في التصرف و الإتلاف على المبادلة، و هو لا يقتضي رفع التسلط على مطالبة ملكه، غاية الأمر رجوع صاحب التالف إلى عوضه دفعا للضرر، و شرعيته لا يقتضي أزيد من جواز التصرف و الإتلاف.
و يندفع بأنّ الإباحة الحاصلة من المعاملة المعاطاتية المتداولة عند القائل بها ليست على حدّ مطلق الإذن في التصرفات الثابت جوازه بمثل: «الناس مسلطون»، بل هي بمعنى صحّة ما وقع بينهما التراضي عليه في المعاملة من آثار الملك و ملك النماء و غيرهما، غير ملك العين و لذا يشترط في صحّتها تعيّن العوضين و نحوه، و هو غير لازم في مطلق الإذن، و الدليل على شرعيتها بهذا الوجه هو الإجماع القطعي و السيرة المعلومة في جميع الأعصار و الأمصار في تلك المعاملات المعاطاتية المتداولة بين الناس، فإنّهم يعاملون فيها معاملة الأملاك من غير نكير، غاية الأمر الخلاف في حصول ملك العين أو الإباحة المخصوصة على هذا الوجه، و منه اتفاقهم على حصول الملك بالتلف، و التجأ بعضهم في توجيهه على القول بالإباحة بحصول الملك الضمنى، من قبيل ملك من ينعتق عليه، فلا مجال لإنكار شرعيتها و ترتّب الآثار عليها، حسب ما اشترطاه إلّا على القول بكونها بيوعا فاسدة، و عرفت شذوذه و لا هكذا مطلق الإذن، فإنّه لا يفيد غير الحلّ في التصرف، دون ملك الآثار، و صحّة ما وقع عليه المراضاة.
و من هذا يظهر أنّ الإباحة التي ذكرناها في الصورة الأولى من صور المعاطاة،
أي ما إذا قصد بالتعاطي مجرد الإباحة على المبادلة بغير ملك هي من مطلق الإذن، و المتجه فيها عدم اللزوم مع بقاء أحد العينين أو بعضهما، و إن علم من قصد المتعاطيين فيها التسليط على التصرّف في ماله على ضمان العوض المسمّى، لعدم ثبوت شرعيتها بهذا الوجه، و لا صحّتها على حسب جميع ما وقع الإذن عليه، إذ ليست معدودة من وجه المعاملات الشرعية، و لا إجماع و لا سيرة فيها، فإنّها من الفروض النادرة.
و أمّا على الملك فالإشكال من وجهين:
الأوّل: أنّه كيف يلزم الملك بالتصرف الناقل و يسقط تسلّط المالك على الرجوع مع فرض بقاء العينين، فيرجع إلى المشتري الثاني بعين ملكه.
و هو مندفع بأنّ المراضاة في المعاطاة وقعت على تسليط كل منهما الآخر على جميع التصرفات حتى التصرف الناقل اللازم، كما هو المعلوم من الرجوع إلى أنفسنا، و المفروض صحّتها و شرعيتها كما مرّ، كيف و إلّا لم يحصل أصل النقل بوقوع الرضا به على هذا الوجه، مع أنّه خلاف الإجماع و السيرة، و لازم ذلك على القول بالملك لزوم النقل الثاني.
الثاني: أنّه كيف يلزم الملك المتزلزل بالتلف أو نحوه مع أنّ غاية الأمر أنّ المعاطاة حينئذ كالبيع بالخيار من الجانبين، و من المعلوم عدم اللزوم فيه بذلك و لذا ربما يجعل هذه الأحكام المسلمة في المعاطاة من أقوى الشواهد على أنّها للإباحة دون البيع.
و هو مدفوع (1)بأنّ شرعية المعاطاة كما أشرنا إليه إنّما هي على ما وقع عليه التراضي و التعاطي، و هو المراضاة بعين على عين، فعلى إفادته الملك المتزلزل إذا
1) عبارة النسختين هنا مختلفة و ما أثبتناه في المتن موافق لنسخة «س».
تلف أحدهما، فتجويز الرجوع، إمّا مع ضمان عوض التالف، أو بدونه، و أيّهما كان فهو خلاف المراضاة و المواضعة من كون العين في مقابل العين لا العوض أو بدونه فالخيار في المعاطاة تابع للعوضين، و يبقى ما بقيا، نظير الرجوع في الهبة المنتفي بتلف الموهوب بخلاف سائر الخيارات، فإنّها تابعة للعقد، و لازمه رجوع كل من المتعاقدين إلى ماله، أو ضمان العوض عند وقوع الفسخ المزيل لأثر العقد من حين وقوعه، و بعبارة أو وجه آخر أثر المعاطاة هو الملك المتزلزل، بمعنى عدم زوال تمام حقّ المالك من العين، و لذا قلنا مقتضى الأصل فيها عدم اللزوم و عدم حصول الملكية التامّة المنافية لبقاء حقّ المالك، غير أنّ العين في مقابل العين، و مقتضى ذلك عدم جواز رجوع صاحب التالف، لفوات محلّه، و لا صاحب الباقي لفوات ما يقابله الموضوع عليه، بخلاف خيارات العقود، فإنّ أثر العقد الملك التامّ و إنّما الخيار في فكّ العقد بدليل خارج عن مقتضى العقد، من شرط أو تعبّد أو جبر ضرر و نحوها، و لازمه سقوط الأثر من حين الفسخ و رجوع كلّ إلى ماله عند بقائه و ضمان من عنده عند تلفه، فإنّ دليل هذا الخيار لا يختصّ بصورة وجود العين بل يتّبع العقد.
الرابع: المحكيّ عن الشهيد (1)و الكركي (2)و صريح غيرهما كفاية قبض أحد العوضين بالفعل في حصول المعاطاة، و هي كذلك، لصدق البيع و التجارة، فيجري حكم البيع على قبض أحدهما، بل قيل بجوازها بالألفاظ المقصود بها إنشاء البيع، غير الصيغة المخصوصة و إن لم يقع قبض من أحدهما، فيجري فيها حينئذ حكم البيع الغير المقبوض.
و فيه إشكال، لعدم ظهوره من الدليل المذكور، و في المسالك (1)و الروضة (2)التأمل فيها عند عدم التقابض، لعدم صدق المعاطاة، لأنّها معاملة يتوقّف على الإعطاء من الجانبين، و ردّ بعدم وجود هذا اللفظ في النصوص، فلا يتبعه الحكم، مع أنّه يكفي في صدق المفاعلة المشاركة في الجملة، و إن لم يتحقّق المبدأ في كل منهما مستقلا، كما في المتابعة و المرابحة، فإنّ الفعل يحصل باجتماعهما، بل لا يبعد القول بحصول التعاطي بمقابلة ما في ذمّة أحدهما الملتزم به للمدفوع.
و ليعلم أوّلا أنّ العقد صيغة شرعية لا بدّ لها من متخاطبين و لو حكما يترتّب عليها نقل ملك أو سقوط حقّ أو حلّ فرج أو تسلّط على تصرف، و هو على ثلاثة أصناف:
لازم من الطرفين باعتبار أصله، و هو الذي لا يتسلّط على فسخه إلّا لسبب أجنبيّ من شرط أو جبر ضرر أو تعبد على وجه مخصوص، و ذلك البيع و الإجارة و الصلح و الضمان و الكفالة و الحوالة و السبق و الرمي و المزارعة و المساقاة و الصدقة و العمرى و الحبس و الوقف و النكاح و الهبة على بعض الوجوه و المكاتبة على الأشهر.
و لازم من أحدهما خاصّة بالأصالة، و هو الذي لا يتسلّط على فسخه من طرف اللزوم إلّا بسبب أجنبيّ، و ذلك الرهن، فإنّه لازم من طرف الراهن جائز من طرف المرتهن، و يوافقه الخلع و المباراة، حيث إنّ للزوجة الرجوع في البذل، و معه كان للزوج الرجوع في النكاح، فهو في قوّة الفسخ لازم من طرفه جائز من طرفها.
و غير لازم من أحد منهما، و هو الجائز في أصله، و حكمه تسلّط كل منهما على الفسخ، و لا يعرضه اللزوم إلّا بنذر أو شرط و هو القرض و الوديعة و العارية و الوكالة و الجعالة و الشركة و المضاربة و الوصية و الهبة على وجه.
و الإيقاع صيغة شرعية يكفي فيها الواحد، يترتّب عليها قطع أو صلة أو نقل ملك أو استحقاق حقّ أو عقوبة أو سقوط حقّ و هي الطلاق و الرجعة و الظهار و الإيلاء و اللعان و العتق و التدبير و الأيمان و النذور و العهود و الحجر و الشفعة و الحكم.
و في مقابل العقد المعاطاة فيما صحّت فيه من المعاملات، فينعقد بمجرّد التقابض و القبض من طرف على ضمان العوض من الآخر، فمن لم يقل بإفادتها أثر المعاملة، كالقول بالإباحة المحضة في البيع، فعنده ليست من تلك المعاملة؛ و من يقول بإفادتها مفاد العقد لزوما أو جوازا فحكمها عنده حكمه، و من يقول بإفادتها الملك المتزلزل، كما هو المختار، فهو من أقسام المعاملة في مقابل العقد، و فرقها حينئذ مع العقد اللازم ظاهر و أمّا مع الجائز، فهو أنّ أثر الجائز هو الملك المستقر، و للمالك الفسخ، لدليل خارج، و أثر المعاطاة الملك المتزلزل و لا يستقرّ إلّا بتلف العين كما تبيّن.
ثم الظاهر الإجماع على أنّ العقد الجائز لا يتعين له لفظ، بل كل لفظ دال على معناه كاف فيه، و إن لم يكن عربيا و ماضيا و لا من الألفاظ الصريحة في بابه، و يكفي فيه القبول الفعلي و لا يشترط فيه الاتصال و الفورية و نحوها، و لعلّه يتأتّى فيه الخلاف المتقدم من كفاية المعاطاة و عدمها، و إن اكتفي بها في الحلّ على اشتراط الصيغة أيضا فيما يفيد التسليط على التصرف أو الانتفاع مطلقا أو مع بقاء العين، كالوكالة و العارية و الهبة الجائزة و القرض و نحوها، لحصول مطلق الإذن، و إن لم يترتّب عليه سائر ثمرات العقد و لم يشترط بشروطه، كما في الوكالة، فإنّها حيث كانت عقدا يشترط فيها التنجيز و القدرة على الموكّل فيه عند التوكيل و غيرهما، و لا
يشترط في الإذن المطلق، و في الفرض فلا يفيد المعاطاة فيه الملك، كما لعلّه المشهور، و إن أفادت الإباحة.
و إذا علمت ذلك نقول: النظر في صيغ العقود اللازمة، تارة في موادّ الألفاظ، و أخرى في الهيئات و التراكيب المعتبرة فيها.
أمّا الأوّل: فكلماتهم فيه في جليل النظر لا يخلو عن إجمال، بل تدافع حتى من فقيه واحد، كما ستطلع عليه.
قال العلّامة رحمه اللّه في التذكرة (1): «من شروط الصيغة الصراحة، فلا يقع بالكناية بيع البتة، مثل قوله: أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، أو خذه منّي، أو سلّطتك عليه بكذا، عملا بأصالة بقاء الملك، و لأنّ المخاطب لا تدري بم خوطب»، انتهى.
و نحوه عن غيره.
قيل مستظهرا من آخرين: إنّ المراد بالصريح ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا، و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع، فيفيد إرادة نفسه بالقرائن، و قد يبدّل الصريح و الكناية بالحقيقة و المجاز، بل ينسب ذلك إلى العلماء أو أكثرهم، فيقال: لا ينعقد بالمجازات، و عن بعضهم عدم الفرق في الجميع بين المجاز القريب و البعيد، و مقتضى ذلك اشتراط الدلالة الوضعية في انعقاد الصيغة، و ربما يعلّل ذلك بأنّ تشريع العقود لكشف القصود، بحيث لا يبقى معها مجال التخالف و التجاذب في المعنى المراد، و لا يتأتّى هذا الفرض إلّا بإيراد الألفاظ الصريحة دون المجاز و الكناية، كالدفع و الإعطاء و التسليم و التسليط و أمثالها في البيع، و إن قصد بها البيع، و وقعت عليه المساومة و دلّت عليه القرينة، و أنت خبير بأنّ المجاز مع القرينة الصريحة سيما اللفظية قد يبلغ في الصراحة حدّ الحقيقة.
1) تذكرة الفقهاء 1: 461.
نعم، إن توقّف في مورد تمايز المعاملات المتشابهة بألفاظ مهياتها الموضوعة لها و أسماءها المتداولة فيها، كما إذا فرض اشتراكها لغيرها في جميع الآثار المترتبة عليها، كما أشرنا إليه فيما تقدّم، كان المتعين حينئذ المعاملة بمقصوده، إلّا أنه ليس كلّيا، فيمكن الإشارة في غيره إلى المقصود بآثاره المختصّة.
و ربما يظهر من بعضهم بل كثيرهم الاكتفاء في كثير من العقود- بل عن قائل في جميعها- بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد، و انعقادها بالمجازات و الكنايات مع القرائن الدالّة.
و قال في التحرير (1): «الإيجاب اللفظ الدال على النقل، مثل بعتك أو ملّكتك أو ما يقوم مقامهما»، و نحوه المحكيّ عن التبصرة (2)و الإرشاد (3)و شرحه لفخر الإسلام (4)، و ظاهره كما قيل حصول النقل بكلّ لفظ دال عليه، مثل نقلته إلى ملكك و جعلته ملكا لك بكذا، فيشمل الكنايات، و قد سبق منعه عنها في التذكرة.
و في المحكيّ عن المحقق أنّ عقد البيع لا يلزم فيه لفظ مخصوص (5)، و عن الشهيد في بعض تعليقاته أنّه جوّز البيع بكلّ لفظ دلّ عليه، مثل أسلمت إليك و عاوضتك (6)، بل قد يدّعى أنّه ظاهر كلّ من أطلق اعتبار الإيجاب و القبول اللفظيّ من دون لفظ خاص، كالشيخ و أتباعه.
و عن ظاهر جماعة في الفرض الذي هو عقد لازم عدم اختصاصه بلفظ خاص، فجوّزوه بقوله: «تصرّف فيه و انتفع به و عليك ردّ عوضه»، أو «خذه بمثله».
و عن جماعة في الرهن أنّ إيجابه يؤدّى بكلّ لفظ يدلّ عليه، مثل قوله هذه وثيقة عندك أو أمسكه بمالك، و في الضمان بلفظ تعهّدت المال و تقلّدته و شبه ذلك، و المزارعة بكلّ لفظ تدلّ على تسليم الأرض للمزارعة.
و عن مجمع البرهان (1): «لا خلاف في جوازها بكلّ لفظ يدلّ عليه مع كونه ماضيا»، و عن المشهور جوازها بلفظ الأمر، نحو: ازرع، و الوقف بلفظ حرمت و تصدّقت، مع القرينة الدالّة على إرادة الوقف، مثل أن لا يباع و لا يورث، مع أنها من الكنايات، و غير ذلك مما هو ظاهر في الاكتفاء بغير الحقائق في العقود.
و جعل بعض أفاضل من عاصرناه، الضابط في جميع العقود اللازمة الحقيقة، و لكن ما تعمّ (2)لفظ المعاملة و لفظ قرينة المجاز، و جعله وجه الجمع بين اعتبارهم الحقائق و عدمه، فيكون المعتبر الدلالة اللفظية الوضعية، سواء كان اللفظ الدال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع آخر ليرجع الإفادة بالآخر إلى الوضع؛ إذ لا يعقل الفرق في الموضوع الذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك، و هذا بخلاف الذي يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد، فإن الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين- و إن كان من المجازات القريبة جدّا- رجوع عما بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد، و لذا لم يجوّزوا العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال أو اقتران حال يدلّ على إرادة البيع جزما، انتهى.
و استشكل به الاقتصار على المشترك اللفظي، اتّكالا على القرينة الحالية المعيّنة و كذا المشترك المعنويّ، لأنّ الانكشاف بغير الأقوال لا يؤثر في النقل و الانتقال فلم يحصل هنا عقد لفظيّ يقع التفاهم به.
أقول: لا يخفى ما فيه.
أمّا أوّلا: فلأنّ أكثر ما ذكروه من أمثلة الكنايات الممنوعة يأبى عن هذا الجمع و الإناطة بما ذكر، كيف و قد سمعت من التذكرة التفريع على عدم الانعقاد بالكناية عدم وقوع البيع بقوله أدخلته في ملكك أو جعلته لك.
و من التحرير و غيره وقوعه بملكتك أو ما يقوم مقامه، و في غير البيع انعقاده بما هو أدون من ذلك دلالة عليه، مع أنّ عبارات المشترطين ظاهرة في كون العبرة بالصراحة و الحقيقية باللفظ المستعمل في نفس المعاملة المقصودة الذي يلزم و يقع الإنشاء به، و كونه دالا عليه بنفسه لا بمعونة قرينة و لو كانت لفظية.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الفرق بالانعقاد و عدمه في المجازات بكون القرينة لفظية أو حالية مما لا يساعده دليل، فإنّ المناط في الانعقاد، إن كان إنشاء المعاملة باللفظ الموضوع لها، فهو غير ما قيل في شيء منهما، لتجوّز اللفظ المستعمل فيهما، و إن كان فهمه في الأوّل بمعونة القرينة اللفظية و في الثاني بالحالية، و إن كان حصول إنشاء المعنى المقصود باللفظ دون مجرّد النيّة، فهو ما قيل فيهما، لحصوله بما استعمل فيه اللفظ واقعا، لا بما هو طريق فهم المخاطب إياه، فلا ينتقض بالمعاطاة، إذ الإنشاء فيها بالفعل دون القول.
ثم أقول: تحقيق الحال على ما يختلج بالبال أنّه لا شك و لا خلاف في أنّ صيغ العقود من الأسباب الشرعية لانعقاد المعاملات و ترتّب الآثار و الأحكام عقيبها، و كذا لا خلاف في اعتبار ظهور اللفظ فيها في المعنى المقصود، و إن اختلفوا في
الاكتفاء بكلّ لفظ دلّ عليه، كالمحكيّ عن جماعة، أو لزوم لفظ أو ألفاظ مخصوصة، كما في المشهور، بل لعلّه الظاهر من مطاوي كلمات الأصحاب في أبواب العقود، و إن اختلفوا في بعض الشروط، بل بعض العقود معقد الإجماع في ذلك، و كيف كان فمقتضى الأصول فيها كما تقدّم في أوائل البحث الاقتصار على موارد الدليل، استصحابا لعدم السبب و عدم ترتّب الأثر، و ليس في النصوص ما يعمّ السببية لمطلق الألفاظ المفهمة و لو بالقرينة، عدا ظاهر عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و قد علمت أنّه محمول على استغراق أجناس العقود الموظفة المعهودة، من باب اختصاص مدخول اللام بالمعهود، أو إشارة اللام إلى العهد بها، مثل: جمع الأمير الصاغة، المستغرق في صاغة ملكه أو بلده، و ما يصلح قرينة للعهد لعموم المخاطبين في زمان الخطاب هو شيوع الاستعمال، و هو مختصّ بالألفاظ الخاصّة الموضوعة لتلك المعاملات لغة أو شرعا، أو المتداولة فيها بحسب الاستعمال في ألسنة العرف و لو مجازا، فيقتصر في الاستدلال بالآية على تلك الألفاظ.
و لعلّه يشير إلى ذلك ما حكي عن المحقق الثاني (1)في باب السلم و النكاح في الجمع بين كلمات المانعين عن المجازات و المجوّزين لها، بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة.
و أظهر منه ما عن المسالك من أنّه يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعا، المعهودة لغة، و الظاهر أنّ مراده بالمنقولة شرعا هي المأثورة في كلام الشارع.
و عن المحقق الأردبيلي في باب النكاح أنه حكم شرعي حادث، فلا بدّ له من دليل يدلّ على حصوله، و هو العقد اللفظي المتلقّى من النص، ثم ذكر لإيجاب
1) جامع المقاصد 4: 207.
النكاح ألفاظا ثلاثة، و عللها بورودها في القرآن.
و على هذا فالضابط وجوب إيقاع العقد بإنشاء الألفاظ الدائرة في عرف المتشرّعة في زمان الشارع، تبعا للسان الشرع، و هي بعينها عنوانات تلك المعاملات، فلا ينعقد عقد بلفظ آخر ليس مما يختص به، و الظاهر أنّه المقصود من الصريح الذي اشترطوه، و تتضح منه أنه لا ينعقد مثلا بيع المنفعة أو الإعارة، و لا البيع بالهبة المعوّضة، و لا الوقف بالصدقة و أشباه ذلك، و لا ينعقد معاملة بما دلّ على لوازمها المختصّة، و لا بالألفاظ المشتركة، و لو مع القرينة اللفظية المعينة، إلا مع تداوله و شيوع استعماله فيه.
و لا يبعد جواز الضمان بالتعهد و ما يشبهه، و بهذا الضابط يتميّز الصريح المعهود، و الذي يتوقّف عليه الانعقاد في كلّ عقد من غيره.
و يمكن الاستدلال على ما قلناه، أيضا بما ذكرناه فيما تقدّم، من أنّ تمايز مهيات المعاملات التي جعل الشارع كلّا منها بالأصالة موردا لأحكام كثيرة،- و إن اتّفق اشتراكه في مورد لمعاملة أخرى منها، على حسب شرط المتعاملين و تعاهدهما- يعرف بتمايز ألفاظها المختصّة و عنواناتها المعروفة، فانعقادها بحقائقها يطلب بإنشاء تلك الأسماء و العنوانات المختصّة بها.
و أمّا الثاني: أعني الكلام في هيئات الصيغ و تراكيبها، كالعربية و الماضوية و تقدم الإيجاب و أمثالها، فمجمل القول فيها، أنّ ما شكّ منها في مدخليته في الماهيّة الأعمّ لجنس ما تداول عليه في زمان الخطاب، لزم الحكم باشتراطه، اقتصارا بالمتيقّن و عملا بالأصل، و ما علم عدم مدخليته في نفس الماهيّة، بل كان من الخصوصيات و المقارنات الزائدة المحتملة لكونه شرطا للصحّة، و كان اسم الماهية صادقا على فاقده منفيّ اشتراطه؛ لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هذا يختلف باختلاف العقود
و الشروط، و لا عناية لنا هنا لخصوص أفراد العقود، بل هو موكول إلى أبوابها.
و الظاهر أنّ ماضوية اللفظ من القسم الأوّل، فيكون شرطا، إلّا فيما ثبت خلافه بإجماع و نحوه؛ لجريان العادة باستعمال الماضي في الإنشاء في العقود، و صراحته فيه؛ فإنّ قصد الإنشاء بالمستقبل خلاف المتعارف.
و عن بعضهم الإجماع على عدم الوقوع بالمضارع و الاستفهام، و في التذكرة (1)الإجماع على عدم وقوع البيع بلفظ أبيعك أو اشتر منّي. و كذا يشترط النطق، فلا ينعقد بالكتابة و الإشارة، و قيل يصحّ مع العجز، و لا دليل عليه.
و لا يبعد اشتراط العربية في أكثر العقود أيضا، لما ذكر، و عدم اللحن في الإعراب، بل عربية جميع أجزاء العقد الداخلة في أجزائه في الإيجاب و القبول، لأنّ غير العربية كالمعدوم، فكأنّه لم يذكر، فكان العقد غير تامّ، و من يكتفي بظهور اللفظ في المعنى المقصود يلزمه القول بعدم اشتراطه.
و هل يعتبر علم المتكلّم تفصيلا بمعنى الكلام و لو بتلقين غيره و عدم كونه من أهل اللسان، فيكون فارقا بين معنى أبيع و بعت و أوجدت البيع و غيرها؛ أو يكفي مجرّد علمه بأنّ هذا اللفظ لإنشاء المعاملة المقصودة، فيقصد إنشاءها به؟ الظاهر الأوّل، لأنّ التلفّظ بالعقد ليس من باب التعبّد من قبيل تلاوة القرآن، كالتلفّظ بمعجمات أوائل السور مثلا، لأنّ المقصود من تشريع العقد استعمال المتكلّم هذا اللفظ المخصوص في معناه المقصود، و إرادته منه، و لا يتمّ ذلك إلّا بفهم المعنى و انطباقه للفظ، فلا يقال للجاهل بالمعنى المستعمل فيه أنه استعمل اللفظ فيه و أراده منه.
1) تذكرة الفقهاء 1: 462.
مشرق: في بيان حكم العقد إذا صدر عن غير المالك و من في حكمه أعني الفضولي و بعض ما يتعلّق بالمقام، و اختلفوا في صحّته و لزومه بالإجازة على قولين:
المشهور جوازه في النكاح، بل عن المرتضى (1)و غيره الإجماع عليه و الأخبار فيه مستفيضة، و هو الأشهر في البيع بين من تأخر، بل عن جماعة مطلقا، بل قيل كاد أن يكون إجماعا.
و في التذكرة (2): عندنا، مشعرا بالإجماع، و قيل به في سائر العقود أيضا، بل يظهر من الشهيد في الروضة (3)عدم القائل بالفرق حيث قال: و لا قائل باختصاص الحكم بهما أي بالبيع و الشراء و النكاح فإذا ثبت فيهما ثبت في سائر العقود. نعم، قيل باختصاصه بالنكاح و له وجه لو نوقش في حديث عروة. انتهى. و قيل باختصاصه بالنكاح و حيث إنّ غرضنا بيان ما تقتضيه القاعدة في عموم العقود، فلا
بحث لنا هنا عن خصوص عقد إلّا فيما صحّ التعدي عنه بعدم القول بالفصل، فنقول: الأظهر صحّته في العقود مطلقا، لوجوه:
أحدها: أنّه لا شكّ في عدم توقف صدق اسم المعاملة على مباشرة المالك بنفسه للعقد، بل يكفي النيابة كما في الوليّ و الوكيل. غاية الأمر اشتراط إذنه في الصحة أو في الصدق و هو حاصل بالإجازة و لا فرق في صدق الماهية على فعل النائب في تقدم الإذن و تأخره، و حيث ثبت صدق الماهية عليه و لو بعد الإجازة كان مقتضى الأصل المتأصّل فيما سبق صحّته إلى أن يخرج عنه بدليل دلّ على الاشتراط.
و ثانيها: أنه يصدق عليه تجارة عن تراض فيندرج تحت عموم الآية (1)، و يتمّ المطلوب في غير عقود التجارة بالإجماع المركب، لظهور عدم قائل بالفصل و إن قلنا به في خصوص البيع، بل عرفت من كلام الشهيد عدمه مطلقا. و الإيراد عليه بأنّ مدلول الآية كون التجارة ناشئة عن التراضي فيلزم سبقه عليها، بل ربما يجعل الآية باعتبار الحصر المستفاد من الاستثناء دليلا على البطلان مردود، بمنع ذلك و صدق التجارة عن تراض على العقد بعد لحوق الإجازة عرفا؛ إذ نقول التجارة هي مجموع العقد و الإجازة، لكونها من أجزاء علّة الانتقال و إن كانت مؤثرة له بعد حصولها من حينه لا من حينها، كما تقف عليه عند بيان معنى الكشف، و لا شك أنّ المجموع المركّب مسبوق بالتراضي و منه يظهر فساد الاستدلال بالحصر على الفساد مع أنّ الاستثناء منقطع فلا يفيد الحصر.
و ثالثها: خبر عروة البارقي (2)المنجبر ضعف سنده بالشهرة رواية و فتوى تحصيلا و نقلا، و هو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين، ثم باع
أحدهما بدينار في الطريق. قال: فأتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالدينار و الشاة فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«بارك اللّه لك في صفقة يمينك» و تجويز كون الشراء لنفسه و الدينار مأخوذا على وجه القرض اتكالا على الفحوى كما في الإقباض، أو كون عبارة التوكيل ما يفيد الوكالة العامّة و لم ينقل إلينا مع أنّ الفحوى مجزية في الوكالة مردود، بظهور كون الشراء بالوكالة سيما بملاحظة تفريع شرائه على توكيل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و لو لا الاستناد بأمثال هذا الظهور لانسدّ باب الاستدلال بظواهر الكتاب و السنّة، إذ لا يمكن استقصاء الاحتمال، و به يظهر ما في الثاني أيضا، فإنّ الظاهر كون المحكي تمام ما وقع بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عروة، مع أنّا لو أغمضنا عنه في البيع الأوّل أو الاكتفاء بالفحوى في التوكيل فالبيع الثاني لا يحتمله، و العلم بالرضا لا يخرجه عن الفضولي على ما هو المعروف بين الأصحاب، و إن استشكله بعضهم. نعم، يكتفى به في جواز الإقباض، و أما قبض عروة الدينار فهو من جهة استنمائه المشتري.
و ربما يناقش بظهور وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة، و المناط فيها مجرّد المراضاة و وصول كل من العوضين إلى صاحب الآخر بإقباض المالك أو غيره و لو كان صبيّا أو حيوانا. و إذا جعل التقابض بين فضوليين أو فضوليّ و غيره مقرونا برضى المالكين، ثم دخل كل من العوضين الى صاحب الآخر، كفي في صحّة التصرف، و ليس هذا من معاملة الفضولي، لأنّ الفضولي صار آلة في الإيصال، و العبرة برضى المالك المقرون به.
و فيه أنّ وصول العوض إلى صاحب الآخر جزء السبب الناقل في المعاطاة، كما اعترف به المناقش قبل حصول العوض إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع المعاطاة، لم يتحقّق بيع (1)، و هو ينافي قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بارك اللّه لك في صفقة يمينك» الظاهر في حصوله قبل
1) في العبارة إبهام كما لا يخفى.
الوصول، و عدم كون عروة مجرّد آلة الإيصال، بخلافه على البناء على الفضولي، سيما على القول بكون الإجازة كاشفة فيه، كما هو الحق المشهور.
ثمّ هذا الدليل يختصّ بالبيع، إلّا أن يعمّم بالفحوى، سيما مع ما تقدّم من الروضة من عدم القائل بالفرق بينه و بين سائر العقود مؤيّدا بما دلّ عليه النصوص و الفتاوى في النكاح.
و يدلّ على البيع أيضا ظاهر الموثق أو الصحيح في قضاء أمير المؤمنين عليه السّلام في وليدة باعها ابن سيّدها، خلافا للمحكيّ عن الشيخ في المبسوط (1)و الخلاف (2)و الحلّي (3)و الحلبي (4)و ابن زهرة (5)و فخر الإسلام (6)و مولانا الأردبيلي (7)و الحرّ العاملي (8)و صاحب الحدائق (9)و والدي العلّامة (10)و غيرهم للأصل و الإجماع المنقول عن الخلاف (11)و الغنية، و قبح التصرف في ملك الغير، و اشتراط القدرة على التسليم في البيع المنتفية هنا، و الظواهر الناهية عن بيع ما ليس عنده و عن ما لا يملك.
1) المبسوط 2: 150.
2) الخلاف 2: 168.
3) السرائر 2: 274.
4) الكافي في الفقه: 354.
5) غنية النزوع 1: 207 و 208.
6) إيضاح الفوائد 1: 416.
7) مجمع الفائدة و البرهان 8: 158.
8) حيث ذكر في عنوان الباب الأوّل من أبواب عقد البيع و شروطه: «اشتراط كون المبيع مملوكا أو مأذونا في بيعه و عدم جواز بيع ما لا يملكه».
9) الحدائق الناضرة 18: 377.
10) مستند الشيعة 2: 366.
11) الخلاف 2: 168.
و خصوص صحيح صفار، كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام رجل باع قرية فيها قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك و قد أقرّ له بكلّها؟ فوقّع عليه السّلام: «لا يجوز بيع ما ليس عندك و قد وجب الشراء على ما يملك».
و صحيح محمد بن القاسم: «سألت أبا الحسن الأوّل عليه السّلام: رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، و كتب عليها كتابا بأنّها قد قبضت المال و لم يقبض فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له ليمنعها (1)أشدّ المنع، فإنها باعت ما لم تملكه (2)» (3). و المستفيضة الناهية عن شراء السرقة و الخيانة.
و حيث ثبت بتلك الأدلّة فساد الفضوليّ في البيع، ثبت في غيره بالإجماع المركب.
و يضعّف الأوّل بما مرّ.
و الثاني بندرة القائل، بل انحصاره في الناقل، و قليل ممّن تأخّر عنه، بل الشيخ نفسه على خلافه في النهاية (4)، كجماعة ممن تقدم عليه من عظماء الطائفة كالمفيد (5)و الإسكافي (6)و غيرهما.
و الثالث بمنع كون مجرّد الصيغة المعلّقة على إذن المالك تصرفا في ملك الغير، مع أنّ التحريم، حيث لم يتعلّق بنفس المعاملة من حيث هي، كما في الفرض غير مقتضى للفساد على الحقّ.
و الرابع بوجود القدرة على التسليم بالقوّة القريبة بتحصيل الإجازة فيما إذا علم إمكانه، و هي كافية، كبيع الطائر المعتاد عوده، و يتمّ بعدم القول بالفصل، مع أنّ القدرة إنّما يشترط في البائع الذي بيده السلطنة و الإقباض، لا في من يجري العقد، و إلّا لزم بطلان عقد الوكيل المجمع على صحّته، و عليه ينزّل النهي عن بيع ما ليس عنده.
و يجاب به عن الخامس، فيحمل على بيع ما قطعت عنه يد مالكه، أو على عدم كونه ملكا لمن له البيع، سواء كان عينا شخصيا أو كليا غير مقدور التحصيل عادة، كما هو ظاهر أكثر ما اشتمل على تلك العبارة، كالصحيح المتقدم، و بالجملة المشروط له بحكم التبادر و ملاحظة مظانّ الأخبار و سياقها هو من له السلطنة و الإقباض، لا من يصدر عنه لفظ العقد، فلا يشمل الفضولي المتوقف على إجازة المالك.
و به يضعف السادس أيضا لقوّة ظهوره في اشتراط الملك لمن له البيع، لا للعاقد عنه، بل لا يبعد اختصاص بعضه كقوله عليه السّلام: «و لا بيع إلّا فيما يملك» (1)في بيع مثل الخمر و الخنزير، مع احتمال بعضه نفي اللزوم، لا مجرد استعداد الصحة.
و منه يظهر ضعف دلالة الصحيحين و النهي عن شراء السرقة و نحوها عن إفادة المنع في محلّ الفرض، فإنّها ظاهرة في منع بيع مال الغير لنفسه، مع أن الممنوع في صحيح محمد دفع المال قبل الإجازة، و لا كلام فيه.
1) كنز العمال 9: 641، الحديث 27779؛ مستدرك الوسائل 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 15209 و 15210.
المحكيّ عن الأكثر الأوّل، لأنها رضى بمقتضى العقد الذي قصده الفضولي، و هو النقل من حينه لا حينها، فلو كان النقل يحصل بالإجازة لما كانت إمضاء لمقتضى العقد.
و حاصله: أنّ حكم الإجازة اللاحقة حكم التوكيل السابق، و السبب الناقل هو ما تعلّقت به الإجازة، أعني العقد، كما في التوكيل، فالانتقال يحصل من حينه لا من حينها، و يكشف بالإجازة كون العقد تام الشرائط مؤثرا حين ما وقع، فيكون كاشفة عن وقوع النقل لا ناقلة.
و اعترض عليه بتوقّف التأثير عليها، فهي جزء السبب الناقل، و أنّه لو لا الرضا جزئه لزم العلم بالصحّة بدون الرضا.
أقول: الاستدلال و الاعتراض كلاهما محل نظر؛ لإمكان المناقشة في الأوّل بأنّ كون الإجازة رضي بمقتضى العقد لا ينافي كونها جزء علّة للانتقال و حصول الأثر من حينها، فلا يمنع عن كونها ناقلة، كما أنّ القبول رضي بمقتضى الإيجاب، مع أنّه جزء السبب.
و الحاصل أنّ مقتضى العقد إنشاء النقل، و هو لا يستلزم حصول الانتقال شرعا، لجواز اشتراطه في التأثير بشرط متوقّع، فإذا وقع يترتّب عليه الأثر، كما في قبض الوقف، فإنّه شرط الانتقال، مع أن العقد قبله صحيح في نفسه.
و في الثاني بأنّ توقّف تأثير العقد على الإجازة لا يستلزم حصول الأثر من حينها، لإمكان توقف تأثيره من حينه على حصولها بعده، فإذا حصلت حصل الأثر من حينه، و لا استحالة في تأخّر شرط التأثير في الأسباب الشرعية، كما في اشتراط صحّة غسل المستحاضة بأغسالها الليلية الآتية، و تقديم غسل الجمعة قبلها عليها، فالكشف هنا ليس كشفا علميا كما توهمه كلام بعضهم، ضرورة مدخلية الإجازة في حصول الانتقال في نفس الأمر، و لا خلاف فيه، بل هو كشف وجوديّ.
و حيث علمت إمكان اعتبار كلّ من المعنيين في الإجازة، مع توقّف تأثير العقد عليها، فلا يصحّ الاستناد لإثبات أحدهما بما ذكر في إبطال الآخر، بل اللازم طلب الدليل على المطلوب.
و الذي يظهر من مطاوي الأخبار كونها كاشفة، كما عليه المعظم، لا لاطلاقات حلية البيع و جواز النكاح- كما قيل- لأنها مع عدم انصرافها إلى الفضولي قاصرة عن إفادته، إذ لا كلام في مدخلية الإجازة في الانتقال من العقد على القولين، و لا إشعار في الإطلاقات بشيء منهما.
و منه يظهر عدم صحّة التمسك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مع ما فيه من الإجمال في المقام، بل لظهور خبر عروة فيه؛ فإنّه على كونه ناقلة من حينها لما حصل له ملك الشاة قبلها، فكان بيعها الثاني الذي هو قبل إجازة الأوّل باطلا فإنّه من بيع ما لا يملكه من له البيع، بل يشعر به خبر الوليدة أيضا، حيث لم يرجع السيّد عليه بعد الإمضاء بأجرة خدمتها.
و يدلّ عليه أيضا صحيحة أبي عبيدة في نكاح الصغيرين المشتملة على أنه لو بلغ أحدهما و أجاز و مات، ثم بلغ الآخر و أجاز ورث منه، و عمل بها الأصحاب، و لا يتمّ التقريب إلّا على القول بالكشف.
ثمّ إنّ فائدة الخلاف يظهر في النماء المتخلّل، و فيما لو ترتّب العقود على أحد العوضين أو كليهما فضولا، فإنّه يختلف حكم الصحة و البطلان على الكشف و النقل بتنجيز الكلّ أو البعض أو بإجازة المبيع أو الثمن.
و قيل: يظهر الثمرة في عدم جواز فسخ الآخر قبل إجازة المالك على الكشف دون النقل. و ردّ بوروده على النقل أيضا؛ استصحابا لقابلية العقد على وجه لا يرتفع بفسخه.
و الظاهر جواز الفسخ على تقديري الكشف و النقل معا، لاختصاص دليل صحّة الإجازة، أعني الخبرين المسطورين بصورة عدم الفسخ، فغيرها يطالب دليلا آخر، و يرجع الشكّ إلى وجود المقتضى الثانوي، و لا يجري (1)فيه الاستصحاب.
و منه يظهر المناقشة أيضا فيما قيل من ثمرة الخلاف، فيما إذا انسلخت قابلية الملك من أحدهما بموته قبل إجازة الآخر، أو بعروض ارتداد إذا كان المبيع مسلما أو مصحفا، و صحّته على الكشف دون النقل، و فيما إذا انسلخت قابلية المبيع بنقله أو انتقاله (2)إلى النجاسة و تنجّسه مائعا و نحو ذلك، و فيما إذا تجدّدت القابلية قبل الإجازة بعد فقدانها حال العقد، كتجدّد الثمرة بعده و قبلها، لمنع شمول دليل الصحّة لذلك كلّه.
نعم، صحيح أبى عبيدة يفيد الأوّل، إلّا أنّه يختصّ بالنكاح، و عدم القول بالفصل غير معلوم.
و قال بعضهم: يظهر الثمرة أيضا في تعلّق الخيارات و الشفعة و مبدأ زمان الخيار و مفترقه في مجلس الصرف و السلم، و أنت خبير بأنّ أمثال تلك الثمرات مبنيّة على جعل مبدأ تلك الأحكام مبدأ الملك، و أما على كونه مبدأ حدوث الانتقال فلا يختلف الحال ظاهرا، لأنّه بعد الإجازة على القولين.
و في التذكرة الإجماع عليه، إلّا في سكوت البكر في إجازة النكاح، كإذنها فيه، لدليل يختصّ به، و كذا مع الغياب لو علم به، و لا يكفي فيهما العلم بالرضا، بل يجب اللفظ، وقوفا فيما خالف الأصل على مورد النصّ، فلا يخرج بالعلم بالرضا قبله من الفضولي.
و هل يشترط اللفظ في الفسخ، صرّح به بعض الأجلّة، و فيه إشكال. نعم، لا يبعد عدم الاكتفاء بمجرّد العلم بالكراهة الباطنية، ما لم يفدها قول أو فعل.
و لو فسخ المعقود له بعد الاطلاع بطل العقد، و لا ينفع إجازته ثانيا للأصل و عدم الخلاف ظاهرا و لا يفسخها الترديد و لا تأخير الإجازة، كما هو ظاهر خبر الوليدة، و خلاف بعضهم في الأخير ليس بشيء.
فالمحكيّ في الإيضاح (1)عن الأكثر صحّته إمّا مطلقا كما عن الدروس (2)و شرح القواعد (3)، أو مع جهل المشتري كما عن المختلف (4)و الإيضاح (5)و الشهيد في حواشي القواعد (6)و العلّامة الرازي (7). و عن القواعد (8)و التذكرة (9)التردّد في العالم، و عن ظاهر جماعة منهم صاحب المدارك في كتاب الزكاة (10)البطلان، و هو لا يخلو عن قوّة للأصل و اختصاص أخبار الصحة بغير محلّ الفرض، و ظهور آية التجارة في تجارة المالك، إذ المتبادر منها وقوع العقد للمالك من حينه، و لعموم النهي عن بيع ما لا يملك، الظاهر بما مرّ في وقوعه لغير المالك، كما في الفرض، و نحوه النهي عن بيع
1) إيضاح الفوائد 1: 417.
2) الدروس الشرعية 3: 192.
3) جامع المقاصد 4: 69.
4) مختلف الشيعة 5: 55.
5) إيضاح الفوائد 1: 417.
6) حاشية القواعد المعروفة بالحاشية النجّارية للشهيد الأوّل (مخطوطة): 57.
7) لم نقف عليه، و في نسخة: العلّامة الراضي.
8) قواعد الأحكام 2: 242.
9) تذكرة الفقهاء 1: 486.
10) مدارك الأحكام 5: 5، كتاب الزكاة.
السرقة و الخيانة، فيكون فاسدا لتعلّق النهي بنفس المعاملة، و لو لوصف خارج، كتعلّقه ببيع الغرر، فمنعه بملاحظة كون الوصف خارجا غفلة واضحة، مضافا في صورة علم المشتري إلى قصده تمليك الثمن للغاصب دون المالك، فكيف يقع في ملك ربّ العين بإجازته.
نعم لو جهل أمكن تصويره بأنّ غرض المشتري تمليك البائع من حيث هو مالك باعتقاده، فالمالك هو المقصود بالملك حقيقة، كما في بيع الوكيل إذا زعمه المشتري مالكا، فإنّ الظاهر عدم الخلاف في صحّته، بل الظاهر أنّ مع العلم لا قصد للمشتري بالتمليك مطلقا، و إنّما قصده مجرّد التسليط على التصرف دون الملك، لأنّه غير معقول مع العلم بعدم وقوعه، فما تصدى به بعض العلماء للتوفيق بين تسليط المشتري الغاصب على الثمن، و بين حصول المعاوضة على الثمن في مقابل العين المتوقّف عليه تأثير الإجازة، من أنّ تسليط المشتري عليه لا ينافي كونه عوضا عن المبيع بمقتضى البيع، فإنّ المراد بالعوضية هو العوضية بمقتضى ظاهر العقد لا يصحّحه الإجازة (1).
و من هنا يظهر اشتراط كون البيع بقصد النقل عن المالك في بيع ملك الغير مطلقا و لو في غير الغصب، كما أنه إذا باع باعتقاد كون المبيع لنفسه، فظهر أنّه لغيره، فلا يفيد صحّته إجازة المالك، إذا انتقل إلى البائع الفضولي قبل الإجازة، ثمّ أجازه البائع أو مات المعقود له قبلها و أجازه الوارث.
و هل يشترط قصد المشتري للمعقود له أيضا.
الظاهر لا، كما لا يشترط في بيع الوكيل علم المشتري بكونه للموكّل و قصده إيّاه، و لعلّه لا خلاف فيه، و يدلّ عليه السيرة القطعية. نعم، لو علم أنّ المبيع للغير
1) في «م»: فلا يصحّحه الإجازة.
يعتبر قصده نقل الثمن إليه و لو إجمالا لا إلى الفضولي أو الوكيل، و على هذا لو سكت البائع عن تسمية الغير مع جهل المشتري بما قصده، يقع البيع له باطنا مع الإجازة، و لنفسه ظاهرا مع عدمها، إلّا إذا صدقه المشتري فيقع باطلا، بل نقل عنهم في باب الوكالة أن الوكيل لو اشترى بنية الموكّل بدون تسميته، ثم أنكر الموكّل الوكالة، يقع على الوكيل ظاهرا و باطنا، و إن كان فيه إشكال، كما نبّه عليه بعض الأجلّة.
متصلا أو منفصلا، مع بقائهما، أو بمثلهما أو قيمتهما مع التلف بنقل أو غيره، و بعوض منافعها المستوفاة و غيرها، و بأرش النقص و العيب، عالما كان المشتري أو جاهلا، إجماعا ظاهرا في جميع ذلك، تحقيقا و نقلا له و لمستفيضة الأخبار في خصوص أكثر تلك الأحكام، مضافا في غير عوض المنافع إلى عموم «الناس مسلّطون» (1)مع بقاء العين، و إلى قوله عليه السّلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2)مطلقا.
و لا كلام في ذلك كله، إنما هو في رجوع المشتري بما أغرم على البائع، و تحقيقه أنّ المشتري، إن كان عالما بكونه مغصوبا في يده، لم يرجع بما اغترم بغير الثمن إلى البائع، قولا واحدا؛ للأصل و وقوع التلف في يده العادية، مع أنّ من الفرض ما لم يسبق بتصرّف البائع فيه و إثبات يده عليه، و أمّا بالثمن؛ فإن كان موجودا بعينه رجع به، وفاقا لجماعة منهم الفاضل في المختلف (3)و التذكرة (4)
و الشهيدان (1)و المحقق الثاني (2)لعدم موجب للانتقال بعد فرض بطلان البيع و استصحاب الملك، فيتسلّط عليه؛ للعموم المشار إليه، مع أنّه لم يدفع إليه مجانا، بل عوضا عن شيء لم يسلم له؛ و إن لم يكن موجودا؛ فإن دفعه المشتري ليسلم [إلى] المالك توقعا لإجازته، فله الرجوع أيضا بعوضه، و وجهه ظاهر؛ و إلّا كما في بيع الغاصب لنفسه، فالمشهور عدم الرجوع، بل في المختلف (3)و التذكرة (4)الإجماع عليه ظاهرا، و ربما يتأمّل في كونه إجماعيا، و ينسب الرجوع إلى المحقق في بعض تحقيقاته، و قوّاه في الروضة (5)، و في المسالك (6)، لو لا الإجماع على خلافه، و علّل بتحريم تصرّف البائع فيه لأنّه أكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه.
و في المسالك (7)جمع بين تحريم التصرف في الثمن و عدم جواز الرجوع على تقدير وقوع الإجماع، بأنّه «من الجائز أن يكون عدم جواز رجوع المشتري العالم عقوبة له، حيث دفع إليه ماله معاوضا له على محرّم، فلم يجز له مطالبة العوض و إن كان له في ذمّة البائع، و وجبت عليه دفعه إليه، نظير ما لو حلف المنكر على عدم المال في ذمّته»، انتهى.
و فيه من البعد غايته، بل التحقيق منع استلزام حرمة التصرف في محل الفرض الضمان؛ فإنّ حرمة التصرف في مال الغير قد يكون منشأها عدم إذن المالك، و قد
يكون عدم إذن الشارع، و إن كان مأذونا من قبل المالك، كمن أذن في صرف ماله في المعصية و أكل طعامه في نهار رمضان، و الضمان إنّما يحصل في الأوّل، و أمّا على الثاني، فغير مسلم، بل مقتضى الأصل مع إذن المالك البراءة عن العوض، و صرفه على الوجه المحرم لا يوجب الضمان، و المفروض من الثاني، لحصول الأذن من المشتري في التصرف في ماله و إتلافه على هذا الوجه، غاية الأمر كونه مشروطا بالمعاوضة المحرّمة، و قد أتي بها و إن كانت معصية، فحصل به شرط الإذن، فلا ضمان، و إن لم يحصل به الملك الشرعي و الآية لا تدلّ على الضمان، بل على مجرّد حرمة الأكل بالباطل.
و ما قيل من أنّ المشتري أذن في التصرف بشرط عدم استرداد العوض منه و لو من قبل غير البائع، و حيث انتفى الشرط ينتفي المشروط و يتحقّق الضمان، مدفوع بمنع هذا الشرط، فإنّ غرض المشتري العالم بالغصب و بعدم حصول الملك الشرعي له من دفع الثمن إلى البائع هو مجرد تسليط البائع إياه على المبيع و رفع يده عنه من غير رجوع منه إليه، لا من المالك، إذ التقدير علمه بعدم رضى المالك و انتظاره الفرصة، و بالتمكن عن أخذه، فكيف يكون شرطه الضمني عدم رجوعه عند التمكن.
و كون إذنه مشروطا بالضمان على تقدير رجوع المالك إليه- لو سلّم صحّة مثل هذا الضمان- غير معهود بينهما، مع فرض العلم، مع أنّ الأصل ينفيه.
فالأقوى عدم الضمان مع التلف في الصورة المزبورة.
و إن كان المشتري جاهلا فله الرجوع إلى البائع بالثمن، عينا مع بقائه، و عوضا مع تلفه، قولا واحدا، و له الرجوع عليه بكل ما اغترم، و لم يحصل في مقابله نفع من نقص القيمة، و عوض النماء التالف، و الأجرة، و قيمة الولد المستولد من الأمة- حيث يجب على والده فكاكه ببذل قيمته إلى المالك- و ما صرفه في المبيع.
و جاز له كلّ ذلك بظهور الإجماع و موثقة جميل (1)في الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجيء مستحقّ الجارية، فقال: يأخذ الجارية المستحقّ، و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من بايعه بثمن الجارية و قيمة الولد التي أخذت منه، و قريب منهما خبر زرارة (2).
و يتمّ المدّعى بالإجماع المركب، بل يدلّ عليه عموم التعليل للرجوع بالتدليس في رواية رفاعة (3)، المطابق لقاعدة رجوع المغرور إلى من غرّه، المعروفة بينهم في أبواب كثيرة.
و أمّا ما اغترمه بما حصل له في مقابله نفع، كعوض الثمن و أجرة السكنى، فالرجوع به عليه لا يخلو عن قوة أيضا، للتغرير في الانتفاع و الإتلاف مجانا، كما في إطعام الغاصب الضيف المالك بما له مع جهله، وفاقا للمحقق في تجارة الشرائع (4)و التنقيح (5)خلافا للشيخ في جملة من كتبه (6)، و الحلّي (7)للأصل المقدوح بما ذكر.
نعم، لا يبعد تخصيص الرجوع بما إذا كان البائع عالما، كما استظهره بعض المحققين، لظهور اختصاص صدق التغرير و التدليس به، و عدم ثبوت الإجماع المركب.
و في حكم جهل المشتري علمه إذا ادّعى البائع إذن المالك و كان متصرّفا فيه،
1) وسائل الشيعة 21: 205، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الرواية: 26904.
2) نفس المصدر 21: 204، الباب 88، الرواية: 26903.
3) نفس المصدر 18: 72، الباب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه، الرواية 23178.
4) شرائع الإسلام 2: 14، كتاب التجارة.
5) التنقيح الرائع 4: 75.
6) المبسوط 3: 88.
7) السرائر 2: 486.
لكونه مسموعا منه شرعا، فيحصل به التغرير، بل يشمله عموم الأخبار المتقدمة، فيرجع عليه بجميع ما اغترمه.
و في رجوعه بغير عوض الثمن في هذه الصورة إذا لم يكن في تصرّف البائع إشكال. نعم، إذا حصل العلم للمشتري من قوله كان له وجه.
ثم إنّ المالك له أن يرجع إلى البائع في جميع ما ذكر من الغرامات إذا كان غاصبا و لو في مجرّد دفعه إلى المشتري، و وجهه ظاهر، و لو لم يكن الدفع منه بل كان بتغريره، ففيه وجهان، و الرجوع إليه مع حصول العلم للمشتري من تغريره بكونه المالك أو مأذونا فيه غير بعيد، و حيث رجع المالك إلى البائع فيما له أخذه منه، فالمشتري إن كان عالما بالحال رجع البائع إليه بالمبيع عينا أو عوضا، و بعوض النماء و النقص و غيرهما مما كان للمالك الرجوع إليه لكون التلف في يده العادية، فيغرم البائع المغترم مقام المالك فيما اغترمه؛ و إن كان جاهلا بالحال لم يرجع البائع إليه، لما تقدم، إلّا في عوض المنافع المستوفاة، ففيه قولان.
بقي الكلام في كيفية الغرامة و تقدير القيمة. و تفصيله: أنّ التالف، إن كان مثليا، فلا خلاف في ضمان المثل إلّا باتفاقهما على القيمة.
و هل يعتبر زمان الغصب و مكانه في دفع المثل إذا اختلف بهما القيمة، له وجه قوي إذا كان الاختلاف معتدّا به، كما إذا غصب الماء في فلاة قفر، و الثلج في الصيف، فلا يدفع مثل الماء في شاطئ البحر، و مثل الثلج في الشتاء، إذ المقصود من المثل عوض التالف، و لا يعدّ ذلك عوضا عرفا، و عموم حكم الإجماع الشامل لمثل المقام غير معلوم و لا مظنون، و إن أعوز المثل فلم يوجد في البلد و ما حوله يبدّل بالقيمة. و في كونها قيمة يوم البذل، أو يوم الإعواز، أو أعلى القيم من حين الغصب إلى دفع العوض، أو من حينه إلى وقت الإعواز، أو من حين الإعواز إلى
الدفع، أقوال: أشهرها و أقواها الأوّل، إذ بالإعواض إلى القيمة تبرأ الذمّة عن المثل، و يعدل إليها فقيمة حال الإعواض و التبديل تكون معتبرة.
و القول بأنّ التبديل يحصل وقت الإعواز، فهو المعتبر، مردود، بأنّ الإعواز لا يوجب البراءة عن المثل، و إنّما يبيح مطالبة عوض المثل، فمتى طلبه يعاوض بالقيمة، و هو وقت الدفع.
و إن كان قيميا ففي القيمة المعتبرة أقوال أيضا، المحكيّ في الشرائع (1)عن الأكثر اعتبار قيمة يوم الغصب، و هو لموضع من المبسوط (2)و النافع (3)، و اختاره والدي العلّامة في المستند (4)، و عن القاضي (5)و المختلف (6)اعتبار قيمة يوم التلف، و في الدروس (7)عزّاه إلى الأكثر، و قوّاه المحقق القمي (8)و اختار الشهيدان في الدروس (9)و اللمعة و الروضة (10)، و السبزواري أعلى القيم من التصرف إلى التلف و نسبه في
1) شرائع الإسلام 2: 189.
2) المبسوط 3: كتاب الغصب، حكم في الصفحة 60 بضمان القيمة يوم التلف و في الصفحة 88 و 85 و 70 حكم بأكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف.
3) المختصر النافع: 256.
4) مستند الشيعة 2: 368.
5) المهذب البارع 4: 251.
6) مختلف الشيعة 6: 81.
7) الدروس الشرعية 3: 113.
8) جامع الشتات 3: 469.
9) الدروس الشرعية 3: 113.
10) الروضة البهية 7: 44.
المختلف (1)إلى الأكثر، و عن بعض المتأخرين أعلاها من التصرف إلى الدفع، و الأظهر الأوّل، لصحيح أبي ولّاد (2)في حكاية كراية البغل، و فيها أنّ أبي ولّاد بعد تعيين كري البغل و المسافة خالف و جاوز الحد، سأل مولانا الصادق عليه السّلام عن حكمه، فقال عليه السّلام: إنّه ضامن للكري، فقال: أ رأيت لو عطب البغل أو لغى أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. فقلت: إن أصاب البغل كسرا أو دبرا أو عقرا. قال: عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم تردّه عليه. قلت: فمن يعرف ذلك. قال: أنت و هو إمّا أن يحلف على القيمة فيلزمك، و إن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكرى كذا و كذا، الحديث.
موضع الدلالة قوله عليه السّلام: نعم، قيمة بغل يوم خالفته.
و استشكل بأنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المراد من القيمة قيمة يوم المخالفة، و أمّا إن جعلنا الظرف لغوا متعلّقا بقوله عليه السّلام يلزمك المستفاد من قوله: نعم، يعني أنّ اللزوم في يوم المخالفة، فلا يتمّ التقريب، لأنّ حدّ القيمة على هذا غير معين يجب الرجوع فيه إلى ما يقتضيه الدليل.
و يندفع بأنّ الضمان بالقيمة لم يتحقق يوم المخالفة، بل هو بعد التلف، و اعتبار التعلق به فيه ينافي إطلاق اللفظ، فلا يلائم الإجمال، مع أنّه على احتمال المستشكل يلزم حمل الضمان في الجواب على الضمان التعليقي المسبب عن المخالفة، أي عليه يوم المخالفة قيمته متى حصل بعده التلف، و هو مع بعده في نفسه لا يطابق
السؤال عن الضمان التنجيزي بعد التلف، بل قوله: قيمة بغل، مبيّن لقوله عليه السّلام: نعم، المصدّق للمسئول عنه الآن من الضمان بعد التلف، فلا يلائم ما ذكره على أنّ تنكير بغل على جعل يوم ظرفا لغوا ركيك في الغاية، بل بعيد عن المقصود، إذ المعتبر قيمة البغل المكتري بخصوصه، بل الظاهر أنّه مضاف إلى يوم، من باب التخصيص، إشارة إلى اختلافه بحسب القيمة في الأزمان، و إنّ المعتبر قيمة بغل يوم المخالفة دون سائر الأحوال، و الأوقات.
و يدلّ على المطلوب أيضا قوله عليه السّلام أخيرا، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا، فيلزمك؛ فإنّه يفيد لزوم حين الكري دون وقت التلف أو الدفع أو أعلى القيم، و الاعتماد عليه مع كونه قبل المخالفة الغير المعتبر إجماعا، إنّما هو باعتبار عدم فاصلة معتدّ بها بين وقتي الإكراء و المخالفة، كما يومئ إليه صدر الحديث، و يقضي العادة و المشاهدة بعدم تفاوت قيمة سوقية لمثل البغل في هذه المدة القليلة غالبا، خصوصا مع التأيد بالاستصحاب.
و حجج سائر الأقوال وجوه ضعيفة، عدا ما يقتضيه الاعتبار للثاني، إلّا أنّه كغيره محجوج بالخبر الصحيح المذكور هذا.
ثم إنّ ما ذكرناه من اعتبار القيمة السوقية على الخلاف المزبور، إنما هو في تلف العين، و أمّا مع بقاءها، فالواجب ردّ العين من غير ضمان للتفاوت إجماعا. و كذا قيمة يوم الغصب على ما اخترناه مع التلف، إنّما هو إذا لم يتفاوت القيمة باعتبار زيادة عينية كسمن، أو وصفية كتعلم صنعة، و لو هي بفعل الغاصب، و أمّا معها، فيضمن قيمة الأصل يوم الغصب، و إن كانت أقلّ من قيمة يوم التلف (1)أو الدفع،
1) الغصب (صح).
و قيمة الزيادة معا، فلو كان فرسا مهزولا، قيمته يوم التلف ثلاثون، فسمن و تلف، و كان قيمته السوقية عند التلف عشرين، عشرة منها للسمن، لزمه أربعون.
مشرق: في تحقيق العقود المتبعّضة.
إذا انتقل ماله و لغيره صفقة، ببيع أو نحوه.
قالوا: يقف البيع أو نحوه في غير مملوكه على الإجازة، على القول بصحّة الفضولي، و هو بإطلاقه على اشتراط قصد الفضولي كما مرّ غير سديد، بل يقتصر على صورته.
و الظاهر عدم الإشكال و الخلاف في صحّته في المملوك، على تقدير الإجازة، و صحّة الفضولي.
و هل يصحّ في المملوك على تقدير بطلانه في غير المملوك، لعدم الإجازة، أو ظهور فساده لجهة أخرى؟ الظاهر عدم الخلاف فيه في خصوص البيع، و إن تأمّل فيه أيضا بعض من تأخر، و عن الغنية (1)و التذكرة (2)الإجماع عليه، و عن بعضهم نفي الخلاف فيه.
و يدلّ عليه صحيح صفار (1)، في رجل له قطاع من أرضين، و عرف حدود القرية، فقال للشهود: اشهدوا أنّى قد بعت من فلان جميع القرية، و إنّما له بعض هذه القرية، و قد أقرّ له بكلّها، فوقّع عليه السّلام: لا يجوز بيع ما لا يملك، و قد وجب الشراء على البائع على ما يملك، الدال على صحّة البيع فيما يملك، و لو بعموم ترك الاستفصال.
و أمّا في سائر العقود، فلم أر من تعرّض بقول صريح يشمل الجميع، و إن تعرّضوا لبعض، كوقف ما يملك و ما لا يملك، و يظهر من الأكثر الحكم بالصحة فيه، و لعلّ مأخذه يعمّ الجميع، و كيف كان فلنبيّن ما يقتضيه الأصل و عموم الدليل على وجه كلي ينضبط به حكم التبعّض في جميع العقود.
فنقول: العقد إمّا يكون مما لا يقبل أثره التجزّي، كالنكاح و الطلاق، فلا تبعيض، أو يقبل التجزّي، بأن يتعلق أثره بكلّ جزء من المتعلّق، كالبيع و الصلح و الهبة و الإجارة و أمثالها، حيث إنّ الانتقال بها يتعلّق بكلّ جزء من متعلقاتها، فمقتضى النظر الدقيق فيه عدم استلزام فساد بعضه فساد الآخر، لوجود مقتضى الصحّة و عدم المانع. أمّا الأوّل، فلدلالة عموم دليل شرعية المعاملة عليه، كقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب الصلح، الرواية 24011 و 24010؛ «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا».
(3)و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (4)البقرة (2): 275. (5)و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (6)و «كلّ صلح جائز» (7)و «الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها» (8)، و غير ذلك، لصدق معنى المعاملة على كلّ
1) وسائل الشيعة 17: 339، الباب 2 من أبواب عقد البيع، الرواية 22704.
2) المائدة
3) : 1.
4) النساء
5) : 29.
6) البقرة (2): 275.
7) وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب الصلح، الرواية 24011 و 24010؛ «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا».
8) نفس المصدر 19: 175، الباب 2 من أبواب الوقوف و الصدقات، الرواية 24387.
جزء، فيقال: إنّه باع أو وهب أو وقف، فإنّ البيع مثلا ليس إلّا نقل الملك، و هو يحصل بالنسبة إلى كلّ جزء، و إلّا لم يحصل له به الانتقال. و أمّا الثاني، فلأنّ ما يتصوّر كونه مانعا، انضمام غير المملوك إليه، و هو لا يصلح للمنع، فإنّ ما يستظهر به للمنع لا يكاد أن يتمّ و هو وجوه:
منها: أنّ دلالة العقد على الجزء دلالة تبعية، و هي فرع بقاء المتبوع، أعني الكلّ و حيث انتفى ينتفي التابع.
و منها: أنّ العقود تابعة للقصود، و القصد تعلّق بالعقد على المجموع دون الجزء.
و منها: أنّ التراضي الذي هو شرط الصحّة حصل على المجموع، و هو لا يستلزم حصوله في الجزء.
و منها: أنّ الجزء لم يقع عليه المعاملة، فلا يوصف بها.
و منها: أنّ اللفظة الواحدة، أعني العقد لا يمكن تبعيضها، فإمّا يغلب الصحيح على الفاسد، أو بالعكس، و الثاني أولى، لأنّ تصحيح العقد في الفاسد ممتنع، و إبطاله في الصحيح غير ممتنع.
و منها: أنّ أسماء العقود موضوعة للمعاني الشرعية، و هي توظيفية لا نعلم دخول المركّب من الصحيح و الفاسد فيها، فيجب الاقتصار في تحققها على ما علم كونه منها شرعا.
و يرد على الأوّل: إنّ التبعية في الدلالة اللفظية لا يستلزم التبعية في تعلّق الحكم، كما إذا قال: أكرم عشرة، أو صم شهرا، فالدلالة على كلّ واحد تبعية، و الحكم الثابت منها له أصلي، لا ينتفي عنه بانتفاء الكلّ، إلّا لدلالة خارجة دلّت على قصد الارتباط، و مثله ما إذا قال: اكنس الدار، و تعذّر كنس بيت منها، فلا يتأمّل في الباقي، و يصحّ أن يقال: بعت داري، و إن باع كلّ جزء منها ببيع مستقلّ، مع أنّ من
الفرض ما كان الدلالة اللفظية على الأبعاض مطابقة، كما إذا قال: بعت أو وهبت أو وقفت هذا و هذا.
و على الثاني: أنّ المراد إن كان عدم تعلق القصد بالجزء مطلقا، ففساده ظاهر، و إن كان عدم تعلّقه به أصالة، بل على الوجه الجزئية و الارتباط، فهو غير معلوم، لا من اللفظ، كما عرفت، بل هو أوفق لعدمه نظرا إلى صدق نسبة اسم المعاملة كالبيع و الصلح و غيرهما حينئذ إلى الأجزاء، و لا من غيره، لفرض عدم القرينة.
و لا يتوهم أنّ إيقاع العقد كالبيع مثلا على المجموع صفقة، مقتضاه إنشاء نقل واحد متعلق بالمجموع بما هو مجموع بحيث يعد في العرف بيعا واحدا فاللفظ يدلّ على قصد إنشاء بيع المجموع بالأصالة، و يجب حل قصد المتكلم على ما يقتضيه اللفظ، فيبنى على قصد البائع إنشاء النقل كذلك، و لازمه قصد الجزئية في أجزاء البيع.
لاندفاعه بتسليم كون اللفظ دالّا على إنشاء واحد متعلق بالمجموع، و أنّه يعدّ في العرف بيعا واحدا، و لكن إنشاء نقل الكلّ و بيعه يتحلل إلى إنشاءات و بيوع متعددة، بالنسبة إلى أجزاء البيع، و وحدته وحدة نوعية بالنسبة إليها، لا تأبى عن صدقه على كلّ فرد، و تعلّق حكم هذا الواحد النوعي بآحاد الأفراد، تعلّقا أصليا استقلاليا ارتباطيا تبعيّا، لا وحدة شخصية، من قبيل المركب الشخصي بالنسبة إلى أجزائه، فهو كسائر الصفات أو الأفعال التي يصحّ نسبتها إلى كلّ جزء من أجزاء متعلّقاتها، كالغصب مثلا، فإنّ من غصب دارا و لو بغصب واحد، يصحّ نسبة الغصب إلى كلّ بيت منها، و يقال: إنّه مغصوب، و يترتّب عليه آثار الغصب و أحكامه، أصالة و استقلالا، لا ارتباطا بسائر البيوت، بحيث إذا خرج بعضها عن الغصبية خرج الكلّ، و نحوه الطهارة و النجاسة و التطهير و التنجيس و غيرها.
نعم، وحدة اللفظ الدال على الإنشاء شخصية لا تصدّق على أبعاضه، و أين هو من المدلول بالنسبة إلى مصاديقه.
و من هذا يظهر إمكان التجزئة في أحكام إنشاء واحد، فيما علم فيه فساد البعض، و إن كان اللفظ الدال على إنشاء الكلّ واحدا غير قابل للتجزئة.
فإن قلت: قصد إنشاء الكلّ كيف يتصور مع فرض العلم بفساد البعض.
قلت: قصد الإنشاء لا يستلزم العلم بالصحة الشرعية و ترتّب الأثر، و لا ينافي العلم بعدمه، كما في إنشاء الفضولي الذي يجب أن يقع على البتّ و الجزم دون التعليق، و إلّا كان باطلا اتفاقا، مع احتمال عدم إجازة المالك، و بالجملة الإنشاء فعل العاقد، و ليس هو إلّا إيقاع اللفظ بالقصد و الالتفات إلى معناه على وجه السببية، و الانتقال أمر شرعي، و لا يلزمه العلم بحصوله غاية الأمر علمه حينئذ بكونه عبثا.
و على الثالث: أنّ ما يناط به العقد هو الرضا بما تعلّق به الإنشاء الذي دلّ عليه لفظ العقد، و قد سمعت أنّه تعلّق بكلّ بعض على وجه الاستقلال، تعلّق حكم الكلّي و أمّا الرضا الخارج عن ذلك، فهو من الدواعي، لا يؤثر في بطلان العقد، مع أنّ وقوع التراضي على المجموع من حيث هو مطلق. ممنوع، فقد يعلم من مساومة المعاملة أو شاهد الحال أو اعتراف العاقد خلافه.
و على الرابع: ما عرفت مفصّلا، و كفاك شاهدا ما تكرّر ذكره من صحّة توصيف كلّ جزء باسم المعاملة و نسبتها إليه، كمن باع قطيعة غنم يصدق على كلّ غنم أنّه باعه و اشتراه المبتاع.
و على الخامس: أنّ وحدة اللفظ لا يستلزم وحدة المدلول، و وحدانية السبب لا يستلزم وحدانية الأثر، كما مضى، فوجود المانع عن تأثيره في بعض المسبّبات لا يمنع عن تأثيره في غيره.
و على السادس: بأنّه مبنيّ على ثبوت الحقيقة في أسماء العقود ثمّ كونها موضوعة للمعاني الصحيحة، و الأوّل غير معلوم، و الثاني خلاف التحقيق.
ثم مما ذكرنا يتضح حكم ما إذا كان فساد بعض المعقود عليه لا لعدم الملك، بل لجهة أخرى في نفسه، كما لو باع مع ماله ما لا يملكه المسلم كالخمر، أو مطلقا كالحرّ، و ما لا يصحّ بيعه كالمنفعة، أو في متعلقه كما لو وقف على حرّ و مملوك أو حيّ و ميّت، فإنّه يحكم في جميع ذلك بالصحة في البعض الصحيح، دون الفاسد، ممّا صدق اسم المعاملة بمعناه الأعمّ على الجملة، و إلّا فيتّجه فساد الكلّ لعدم تناوله حينئذ مقتضى الصحّة من الأدلّة.
مشرق: في البحث عن شروط ضمن العقد و فيها مطالب:
اعلم أنّ للشرط في العرف إطلاقين:
أحدهما: ما ينتفي المشروط بانتفائه، و توقف عليه وجود المشروط، سواء استلزم وجوده الوجود أيضا كما هو مفاد القضية الشرطية، أم لا، كما هو مصطلح أصحاب الأصول.
و ثانيهما: ما يلزم و يلتزم به، كما هو معناه المعروف من اللغة، قال في القاموس:
الشرط إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه، و المراد به في المقام- على ما نصّ به جمع من المحققين- هو المعنى الثاني، فإنّه المناسب لاستدلالهم عليه بمثل:
«المؤمنون عند شروطهم» (1)و لأنّ الأوّل يوجب التعليق في العقد، بخلاف الثاني، و إن قلنا فيه بتوقّف لزوم العقد على الوفاء بالشرط، و ثبوت الخيار للمشروط له مع عدمه، كما في المشهور، إلّا أنّه غير التعليق في نفس العقد، فلا محذور فيه، و أمّا
1) وسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الرواية 27081.
التعليق في نفسه، كما يرد على الفرض، فهو مبطل له بلا خلاف في أكثر فروضه، و تفصيله أنّ التعليق إن كان بصفة متوقعة، و إن كانت متيقّن الحصول، كمجيء رأس شهر، فالظاهر من كلامهم الاتفاق على بطلانه، و إن أنكر الدليل عليه في المسالك (1)و الكفاية (2)، و إن كان على أمر واقع، كقوله: بعت إن كان اليوم الجمعة، ففيه الخلاف، و في الكفاية (3)و بعض آخر صحّته إذا كان عالما بوقوعه، و الحقّ أنّه مبطل أيضا مطلقا، كما صرح به بعضهم.
بيانه: أن هنا أمورا ثلاثة، مقتضى النظر اشتراط الجميع في صحة العقود.
أحدها: استقلال العقد في سببية الأثر المترتب عليه من حين وقوعه، و وجهه- بعد الأصل المقتضي للاقتصار على معلوم الصحّة، و الإجماع عليه، محققا (4)و منقولا (5)- كونه مفاد الأدلة الدالّة على سببيته للآثار، و لازم ذلك بطلان تعليقه على أمر متوقع بعد حين، و إن كان معلوم الوقوع، لأنّه خروج عن مقتضى السببية المستفادة من تلك الأدلّة، و لا ينافيه قولهم بأنّ الشرط بمعنى الالتزام بما سيوجد المتفق على صحّته في حكم جزء العقد، لأنّ الجزء هو الالتزام و الإلزام، و هو أمر واقع حين العقد، و إن كان متعلقه أمرا خارجا عنه، بل ينقدح من ذلك- مضافا إلى الأمرين الآتيين- عدم صحّة التعليق على أمر واقع أيضا، لاستلزامه إدخال ما ليس من العقد في السببية، في غير ما دلّ على صحته دليل، كالتدبير و النذر و نحوهما.
و ثانيها: قصد إنشاء أثر العقد، كإنشاء النقل في البيع، و التزويج في عقد النكاح، و غيرهما، لكونه جزء السبب المؤثّر إجماعا، و لازم ذلك اشتراط البتّ و القطع في العقد، و الترديد يضاد الإنشاء القطعي، فلا يصحّ التعليق على أمر واقع غير معلوم الوقوع، لمنافاته الإنشاء البتّي، و به صرّح جماعة كثيرة من أساطين الفقه، مضافا إلى كونه معقد الإجماع.
و ثالثها: دلالة لفظ العقد على هذا الإنشاء القطعيّ، لغة و عرفا، و لا يكفي مجرد القصد الخالي عن اللفظ الدال عليه، ضرورة وجوب مطابقة صورة اللفظ للمعنى المقصود و لازم ذلك عدم صحّة التعليق على أمر واقع و إن كان معلوم الوقوع للعاقد لأنّ مدلول اللفظ على ما يتبادر منه عرفا و لغة (1)، الترديد و عدم القطع في الإنشاء.
بمعنى استحقاقه المشروط له، و لزوم الوفاء به على المشروط عليه إلّا ما استثنى.
و الأصل فيه- بعد الإجماع عليه، المتظافر نقله (2)في الجملة [الأخبار] المعتبرة المستفيضة.
منها الصحيح (3): «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه عزّ و جلّ، فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه و المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب اللّه عزّ و جلّ».
و نحوه الصحيح الآخر (4): «المسلمون عند شروطهم إلّا كل شرط خالف كتاب
اللّه تعالى فلا يجوز».
و الحسن (1)عن الشرط في الإماء أن لا يباع و لا يوهب، قال: «يجوز ذلك في غير الميراث، فإنّها يورث، و كل شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فهو ردّ».
و مرسل جميل (2): في رجل اشترى جارية و شرط لأهلها أن لا يبيع و لا يهب و لا يورث، قال: «نعم، ذلك لهم إلّا الميراث».
و نحوه مرسل آخر منه (3).
و موثق ابن عمار (4): أنّ عليا عليه السّلام كان يقول: «من شرط لامرأته شرطا، فليف لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما».
و موثق منصور (5): المتضمن لوجوب الوفاء بشرط الرجل للمرأة على عدم طلاقها و عدم التزويج عليها، معلّلا بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «المسلمون عند شروطهم».
و خبر عمّار (6): قلت: جاء رجل إلى امرأة، فسألها أن يزوّجها نفسه، فقالت:
أتزوّجك على أن تلتمس منّي ما سألت من نظر أو التماس، و تنال: منّي ما ينال الرجل من أهله، إلّا أنّك لا تدخل فرجك في فرجي، و تلذّذ بما شئت، فإني أخاف الفضيحة، قال: «لا بأس، ليس له إلّا ما شرط».
و المصرحة بأنّه لا يخرج الرجل امرأته من بلدها إذا شرط لها.
و الدالّة على وجوب الوفاء بالوعد.
1) وسائل الشيعة 18: 267، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، الرواية 23646.
2) نفس المصدر 21: 300، الباب 40 من أبواب المهور، الرواية 27128.
3) نفس المصدر 18: 17، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23044.
4) نفس المصدر 21: 300، الباب 40 من أبواب المهور، الرواية 27129.
5) نفس المصدر 21: 73، الباب 36 من أبواب المتعة، الرواية 26565.
6) نفس المصدر 21: 295، الباب 36، الرواية 27117.
و المستفيضة (1)المصرّحة بأنّ رسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصّ بأنّ من باع نخلا قد أبره، فثمرته للّذي باع، إلّا أن يشترط المبتاع.
إلى غير ذلك.
وجه دلالة تلك الأخبار من وجهين:
أحدهما: إنها تدلّ على مشروعية كل شرط على حسب ما اشترط، و منه المأخوذ في ضمن العقد، لصدقه عليه، و حيث إنّه مأخوذ فيه على وجه الاستحقاق، و انعقد العقد عليه، فحكمه حكم أحد العوضين، لعدم رضى المشروط له بما يعطى عوضا عن متاعه إلّا مع هذا الشرط، و وقع إنشاء العقد على كونه منه و جزءا لما هو بإزاء متاعه، و لا فرق في ذلك بين ما إذا باع بدينارين، أو بدينار و شرط عليه دينارا، أو أن يفعل كذا. نعم، يفترق عن الثمن و المثمن في أحكام أخر، كجواز كونه منفعة في البيع دونهما، و اغتفار بعض الجهالات، و نحو ذلك.
و بالجملة، فلازم مشروعيته في ضمن العقد- على حسب ما اشترط- كونه لازما كنفس العوضين لعين ما دلّ على لزوم العقد بأجزائه، كالأمر بالوفاء به، و خصوص العموم الوارد في كلّ عقد.
و من هذا يظهر ما في كلام بعض الأفاضل، من كون الشرط بمنزلة الداعي، و قسم من الملزمات مستقلّ برأسه، و إن اعتبر في إلزامه وقوعه في ضمن عقد لازم، و العجب منه استدلاله- مع ذلك- على وجوب ضبط المدّة، بحيث لا يحتمل الزيادة و النقصان، كقدوم الحاجّ في الخيار المشترط، بأنّ للشرط قسطا من الثمن، فيدخل فيما نهي عنه من الغرر.
1) وسائل الشيعة 18: 92، الباب 32 من أبواب أحكام العقود، الرواية 23223 و 23224.
و ثانيهما: إنها تدلّ على وجوب الوفاء بما التزم به المسلم، إلّا ما استثنى، للتبادر المعتضد بفهم العلماء في جميع الأعصار، في أبواب الفقه، من غير نكير، و لكونها جملة خبرية مستعملة في الإنشاء بقرينة الاستثناء، و لزوم الكذب لولاه، و ظاهرها الوجوب، و لاستدلال الإمام عليه السّلام على وجوب الوفاء، بكون المسلمين عند شروطهم، في جملة منها، و تصريح بعضها بالوجوب، كما في قوله عليه السّلام في موثق عمار: «فليف به»، فالاستشكال في دلالتها على الوجوب لا وجه له.
لا بما لا يقع في العقد أصلا، أو المذكور في أحد طرفيه قبله أو بعده.
أمّا الأوّل: فلاختصاص دلالة الأخبار بالوجهين المذكورين به دون غيره.
أمّا بالوجه الأوّل: فلأن الاستحقاق له عليه من جهة جزئية العقد، فلا يتناول الفاقد للعقد.
و أمّا بالثاني: فلأنّ مقتضاه مجرد وجوب الوفاء، و هو حيث لا يتعلق بما في ضمن المعاملة لا يفيد غير مطلق التكليف و العصيان في الترك، لا اشتغال الذمة بحقّ الغير، على سبيل سائر الحقوق المالية التي يمكن استيفاؤها من ماله مع المخالفة، و هذا غير المبحوث عنه في المقام، بل الظاهر الاتفاق على أنّ وجوب الوفاء في باب الشرط من القسم الثاني، مضافا إلى إمكان منع صدق الشرط على مجرّد القول الخالي عما يوجب اللزوم من سبب شرعي أو عرفي، و لا أقلّ من الشكّ في صدقه القادح في الاستدلال بها على مطلق الوجوب أيضا، بل القدر المتيقّن في الصدق كونه مقترنا بعقد و نحوه، و معه يحصل الاستحقاق للمشروط له- أيضا- بما مرّ من وقوع الالتزام على هذا الوجه. و الظاهر أنّ هذا سرّ تخصيصهم الشرط بما في ضمن العقد، دون الواقع في خارجه، و منه ينقدح وجه عدم لزوم الوفاء بالشرط الواقع في ضمن العقد الفاسد أو المنفسخ بالتقايل؛ لانتفاء حكم الجزئية الموجب للزوم بانتفاء الكلّ.
و أمّا الثاني: أي المذكور في أحد طرفي العقد، فعدم لزومه ظاهر عبائر الأكثر، من التعبير عنه بالمذكور في ضمن العقد، و قد يصرح بما يذكر بين الإيجاب و القبول، فلا يعتدّ بما ذكر قبله، و إن بني العقد عليه أو بعده، بل نفي عنه الخلاف- ظاهرا- بعض الأجلّة.
نعم، يظهر من بعض من عاصرناه الاعتداد بما بنى عليه، و إن لم يذكر في العقد، و من الشيخ في النهاية (1)الاكتفاء بما ذكر بعد العقد.
و كيف كان، فوجه عدم الاعتداد به ما ذكرنا آنفا و سابقا، من أنّ انعقاد الشرط و لزومه باعتبار جزئيته للعقد و تقريب دلالة الأخبار، فلا يتناول الخارج عن العقد، و وجه القول بشموله للبعد غير معلوم، خصوصا مع الاختصاص دون القبل، و لذا ربما يتكلّف في توجيهه بتنزيله بما بعد الإيجاب خاصّة، و للقول بما قبل العقد بأنّه في حكم المذكور في العقد، فلا يصحّ بدونه.
و يضعف بأن ما يحصل به الرضا بالعقد على وجهين:
أحدهما: ما هو مجرد الداعي، بحيث لو لم يثق به لم يبادر بالعقد.
و ثانيهما: ما تعلّق به إنشاء العقد، مضافا إلى كونه داعيا.
و ما يختلف به صحّة العقد و فساده هو الثاني لتعليق إنشاء العقد عليه، من قبيل العوضين بخلاف الأوّل، فإنّه ليس متعلق الإنشاء إيجابا و قبولا، فلا تأثير له في العقد، و تقدّم البناء عليه لا يوجب جزئيته له (2)، مع عدم دلالة لفظ العقد عليه بوجه،
1) النهاية و نكتها 2: 135.
2) و لا يتوهّم أنّ المراضاة و المساومة فيهما وقع على الشرط و إقدام المشروط له إنّما حصل لوعد الشرط و تقرير المشروط عليه فمع التخلّف يحصل الضرر، و هو منفيّ في الشريعة، فيجب عليه الوفاء به أو ثبوت الخيار للآخر. لاندفاعه بأنّ التقرير الموجب للضرر، إنما يحصل عند اعتقاد المشروط له لزوم الوفاء على المشروط عليه و هو غير معلوم له، فإقدامه على ما لا يؤمن ضرره حصل بتقصيره و هو غير منفيّ كما سننبّه عليه في بعض المشارق الآتية. منه- دام ظله.
غاية الأمر كونه قرينة لوقوع التراضي لغة بوفائه عليه، و مجرد ذلك بدون المراضاة الإنشائية بينهما، الحاصلة بنفس العقد، غير كاف في التأثير على وجه الجزئية.
نعم، لو أشعر به في العقد على وجه صحّ تعلّق إنشائه بما يتركب منه، كان دخيلا في العقد، و مجرد النيّة الخالية عما دلّ على إنشاء المنويّ في عقد المعاملة غير مفيد.
و فيه أقوال:
الأوّل: وجوب الوفاء به على المشروط عليه، و إن امتنع أجبر عليه، كسائر أجزاء العقد، و ليس لأحدهما الفسخ قبل تعذّر الشرط و فواته، إلّا برضى الآخر، و الظاهر أنّه المشهور، و اختاره في السرائر (1)و الغنية (2)و المسالك (3)و الكفاية (4)، بل في الأوّلين الإجماع عليه.
الثاني: وجوب الوفاء، و إن امتنع فللمشروط له التخيير بين الإجبار و لو بالرفع إلى الحاكم، و الفسخ.
الثالث: وجوبه، و إن امتنع فللمشروط له الفسخ، دون الإجبار، نقل عن ظاهر الدروس (5)بقوله: يجوز اشتراط سائغ في عقد البيع، فيلزم الشرط من طرف المشروط عليه، فإن أخلّ به، فللمشترط الفسخ؛ و هل يمكن إجباره عليه؟ فيه نظر. انتهى.
الرابع: عدم وجوب الوفاء على أحد منهما، و إنما فائدة الشرط جعل العقد عرضة للزوال عند فقد الشرط و لزومه عند الإتيان به.
الخامس: التفصيل المنقول عن الشهيد و هو أنّ الشرط الواقع في العقد اللازم، إن كان العقد كافيا في تحققه، و لا يحتاج بعده إلى صيغة، فهو لازم لا يجوز الإخلال به، كشرط الوكالة في عقد الرهن و نحوه، و إن احتاج بعده إلى أمر آخر، كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا.
و الأظهر الأوّل، لتعلّق الحقّ عليه، بل لوقوعه جزء العقد، فحكمه حكم أحد العوضين، فعلي المشروط عليه أداؤه لذي الحقّ، و على المشروط له مطالبة حقه، و لو بالإجبار عليه و رفع الأمر إلى الحاكم، و ثبوت الخيار مع كون العقد لازما يحتاج إلى دليل ينفيه الأصل، و يحتاج إلى دليل، مع كون الفرض لزوم العقد من أصله، و يتضح من ذلك ضعف سائر الأقوال.
و الاستدلال الأخير بأنّ اشتراط ما العقد كاف في تحققه، كجزء من الإيجابين، فهو تابع لهما في اللزوم و الجواز، و اشتراط ما سيوجد أمر منفصل من العقد، و قد علّق عليه العقد، و المعلّق على الممكن ممكن، مخدوش بمنع التعليق، بل هو التزام في نفس العقد بأمر مقدور، و إن كان الملتزم به منفصلا، فله الإجبار عليه.
و إن لم يكن بتقصير من المشروط عليه، كما اذا شرط تسليم العوض في يوم معين، و لم يف به، أو سكنى دار في مدّة معينة، فانهدمت قبلها، أو منفعة ملك آخر، فانطمس بالسيل و نحو ذلك.
و المشهور تخيير المشروط له بين فسخ العقد و إمضائه، بل عن جماعة الإجماع عليه، بل بلا خلاف فيه يعرف، و هذا الذي سمّوه في الخيارات بخيار الاشتراط، و صرّحوا به في كثير من صور التدليس في النكاح، كتزويج المرأة على أنّها بنت
مهيرة (1)فبانت بنت سرية، و على أنّها بكر فبانت ثيّبة، و غير ذلك.
و استدلّوا عليه بأنّ الخيار مقتضى الشرط، و لعلّ وجهه أنّ التراضي على سبيل اللزوم وقع على هذا الشرط، فإذا انتفى كان له الرجوع إلى ماله.
و منعه بأنّ الظاهر من العقد الرضا بالانتقال مع التزام الشرط، و قد وقع الالتزام، و أمّا تحققه فهو أمر خارجيّ لا دخل له بالعقد، بل قد لا يلتفت في العقد على عدم تحققه، و إن كان باعثا على العقد، فهو من قبيل سائر دواعي العقد المتخلفة عنه، مخدوش بأنّ تقييد العقد بالشرط- أي الإلزام- يدلّ ظاهرا على تعليق رضى المشروط له عليه.
و حيث إنّ مقصود المشروط له من الإلزام ليس مجرده، بل إيجاد الملتزم به و حصوله، فلفظ الشرط المقيد به العقد يدلّ بالدلالة العرفية الالتزامية على تعليق رضاه على تحقق الملتزم به، و لما كان تعليق رضاه بنفس العقد على تحققه غير معلوم، لحصول الغرض بالتعليق في مجرد اللزوم و استمرار العقد، على أنّه لو لم يحصل كان له الفسخ، فهو القدر المحقق من التعليق، سيما بملاحظة أن التعليق في نفس العقد يوجب البطلان، فلا موجب لحمل اللفظ على المعنى الفاسد، مع عدم ما يقتضيه، بل يتعين الحمل على تعليق اللزوم الذي لا يوجب البطلان، و يعمل بمقتضاه، لأدلّة جواز الشرط المقتضي لصحة لوازمه التي منها انتفاء اللزوم بانتفاء الملتزم به، فإذن، فالمعتمد ما عليه المعظم من ثبوت الخيار بتعذّر الشرط، مضافا إلى أدلّة نفي الضرر المقتضي للخيار في غالب موارد الفرض، كما استدلّوا بها على كثير من الخيارات.
1) بنت مهيرة على فعيلة بمعنى مفعولة: بنت حرّة تنكح بمهر و إن كانت متعة على الأقوى، بخلاف الأمة فإنّها قد توطأ بالملك.
قد استثنيت من الشروط الجائزة شرائط، اختلفت كلماتهم في تحريرها، و جملة ما ذكروه خمسة: الشرط المنافي لمقتضى العقد، و الشرط المخالف للكتاب و السنة، و الشرط الذي أحلّ حراما أو حرّم حلالا، و الشرط المؤدّى إلى جهالة أحد العوضين، و الشرط الغير المقدور.
و ربما يرجع بعضها إلى بعض، فيقتصر به عن ذكره، كما يقال: إن المخالف للكتاب و السنة، يغني عن المؤدّى إلى الجهالة، لكونه معاملة غررية منهيّ عنها في السنة، و كما عن جماعة من تفسير المخالف لهما بما يخالف مقتضى العقد، نظرا إلى مخالفته لما جعله الشارع مقتضاه.
و نحن نبيّن جليّة الحال في كلّ منها بعنوانه، و نكشف حجاب الارتياب عما هو المعنى المقصود منه، الذي وقع فيه الإشكال و الخلاف بين الأصحاب. فنقول:
أمّا الأوّل: فالمراد به الشرط المنافي لمدلول العقد لذاته، أي لما هو ماهيّته عرفا أو شرعا، أو لماله مدخلية في صحّته شرعا، أو لما يلزمه كذلك، بحيث لا ينفكّ منه، فإنّ جميع ذلك مناف لما هو مقتضى العقد بذاته الغير المتخلف عنه.
و وجه بطلانه ما سمعت من أنّ استحقاق الشرط و لزومه إنّما هو باعتبار وقوعه جزء العقد، و هذا فرع بقاء العقد على مقتضاه الذي هو معنى صحّته و ترتّب الأثر الموضوع له عليه، فإذا كان الشرط مخالفا له، كانت صحّة الشرط مقتضية لفساد العقد المقتضي لفساد الشرط، فيلزم من صحته عدمها، فيكون باطلا، فعلى هذا لو شرط عدم تملك العوضين، أو عدم تسليمه، كان باطلا، لأن العوض من أركان ماهيّة البيع، فإذا انتفى ينتفي.
و من أمثلته ما ذكروه من شرط عدم الانتفاع به أو كون المنفعة للبائع، و ربما
يناقض ذلك بما اتفق على صحته من شرط المنفعة، كسكنى الدار للبائع في مدّة معينة، و شرط المرأة على زوجها أن لا يخرجها من بلدها، كما هو المنصوص عليه، مع أنّ مقتضى البيع ملك المنفعة مطلقا، و مقتضى الزوجية تسلط الزوج على السكنى.
و منه اشتراط سقوط خيار المجلس و خيار الحيوان، مع أنّ عقد البيع يقتضيهما.
و اختلفوا في بعض الشروط، كشرط أن لا يبيع المبيع، أو لا يعتقه، أو لا يطأها، فقد يذكرونها في أمثلة كون الشرط منافيا لمقتضى العقد، لأن مقتضاه الملك و هو يقتضي جواز أنحاء المتصرفات، فالملك الذي هو مقتضى العقد ينافي هذا الشرط.
و استشكله في التذكرة (1)في شرط عدم البيع و عدم العتق، بل في جملة من الصحاح (2)- بعد السؤال عن الشرط في الأمة لا يباع و لا يوهب، فقال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنّها تورث، لأنّ كلّ شرط خالف الكتاب باطل- كما في بعضها- و مردود، كما في آخر.
و ربما يذبّ عن هذه الإشكالات بوجوه قاصرة غير حاسمة لمادة الإشكال، و الذي يختلج ببالي في تحقيق المقام أن مقتضى العقد على قسمين:
أحدهما: ما كان داخلا في حقيقته و ماهيته، بحيث لا يتحقق العقد بدونه، شرعا أو عرفا، من غير توسط جعل آخر في ترتبه عليه، كالعوضين للبيع و النقل بالمعاوضة.
و ثانيهما: ما ليس داخلا في حقيقته، و لكن رتّبه الشارع على مقتضاه بتوسط دليل غير دليل شرعية العقد، بواسطة أو وسائط، كالتسلط على المبيع الذي جعله
الشارع أثر الملك الذي هو مقتضى البيع، بقوله عليه السّلام: «الناس مسلطون على أموالهم»، و نحوه، و خيار المجلس الذي رتبه على النقل الحاصل بالبيع، و جواز الوطء المترتب على الزوجية الحاصلة من النكاح، و التسلط على سكنى الزوجية المترتب عليها، و نحو ذلك.
فما كان من الأوّل فلا شبهة و لا خلاف في بطلان المنافي له، و وجهه ظاهر مما مرّ. و أمّا الثاني، فاللازم فيه ملاحظة الدليل المقتضي لترتّبه على مقتضى العقد، فإن علم بإجماع أو نحوه عدم انفكاكه و عدم تخلفه عنه مطلقا، كحرمة أمّ الزوجة اللازم للزوجية و نحوها، فالشرط المنافي له باطل أيضا، لعين ما مرّ، و إن علم تخلفه بسبب الشرط، و إن لزمه عند الإطلاق، كخيار المجلس و خيار الحيوان الذي دلّ الإجماع على تخلفه عنه بالشرط، كما يتخلّف عنه بغيره أيضا، كإسقاطه بعد العقد و التصرف، فلا كلام فيه أيضا، و يصحّ الشرط، و إن لم يعلم شيء منها، سواء علم إمكان التخلّف بسبب غير الشرط لدليل دلّ عليه بخصوصه، أو لم يعلم ذلك أيضا، فهو على حسب نظر الفقيه، فإن لم يثبت له دليل عامّ على سببية العقد لهذا الأمر، و احتمل اختصاص اقتضاء العقد خلافه بالمجرد عن الشرط، فيحكم بصحّة الشرط عملا بعموم أدلّة الوفاء به، و إن ثبت له دليل كذلك، فمقتضى النظر بطلان الشرط، خصوصا مع اعتضاده بأصل الفساد، مضافا إلى كون الشرط- حينئذ- مخالفا للسنة المقتضية للترتب و السببية، و لا يلاحظ فيها التعارض مع أدلّة الشرط، لاختصاص الأخيرة بما لا ينافي مقتضى العقد، حسب ما مرّ، و على الفقيه تدقيق النظر في كلّ مجال، لكي لا يشتبه عليه حقيقة الحال.
و بهذا يرتفع الإشكال عن الأمثلة التي ذكروها، من عدم جواز شرط عدم انتفاع المشتري بالمبيع، و جوازه في زمان معين، و عدم جواز شرط عدم الوطء في
النكاح الدائم، و جوازه في المتعة، و جواز أن لا يخرج الزوجة عن بلدها، و أمثال ذلك، لكون الإجماع هو الفارق بينهما.
و يشبه أن يكون مبنى الإجماع ما يقتضيه الاعتبار، من أنّ غرض الشارع من البيع حصول الملك، و الغرض منه الانتفاع به و لو في الجملة، فشرط عدمه مطلقا ينافي الغرض من وضعه، و منه النهي عن بيع الغرر، ممّا يعدّ سفها، بخلاف شرط في زمان معيّن، و به يوجه المنع فيما ذكروا من اشتراط أن لا يبيعه و لا يعتق و لا يطأها و استشكله في التذكرة، و ورد جوازه في الإماء، و كذا الغرض من وضع النكاح الدائم التوالد و التناسل، فشرط عدم الوطء ينافيه، بخلاف المتعة، فإنّ المقصود من وضعها مطلق التمتع، و هو يحصل بغير الوطء أيضا، و لذا لا يجوز شرط عدم التمتع مطلقا فيها.
فإن قلت: قوله عليه السّلام: «الناس مسلطون على أموالهم» (1)، يدلّ على جواز جميع التصرفات في جميع الأحوال في الملك الذي هو مقتضى البيع، فلا يصحّ شرط عدم التسلط و لو على بعضها، كعدم العتق أو سكنى الدار في زمان معين، و هو خلاف ما ذكروه.
قلت: صحة الإلزام و الالتزام بالشرط في ترك بعض التصرفات من مقتضى عموم: «الناس مسلطون على أموالهم»- أيضا- و لسبقه يقدم، كمن أوجب على نفسه بنذر أو شبهه أن يبيع أو لا يبيع ملكه، مع أنّ دلالة الإطلاق المذكور على جواز جميع أنحاء التصرفات في جميع الأحوال غير ظاهرة، و لذا لا يستدلّ به على جواز الوطء في دبر الأمة، في مقابل أدلّة المنع (2)و كيف كان فلس المقصود في
1) عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 118؛ بحار الأنوار 3: 272، الحديث 7.
2) و أيضا مدلول خيار الشرط وارد و مزيل لمدلول قاعدة التسليط على الملك، فإنّ الثاني في مقام بيان الحكم الأصليّ، و الأوّل في بيان تشريع السبب المزيل لبعض السلطنة، من قبيل ما ورد من حرمة الأكل من ماله في التخمة في مقابل القاعدة المذكوره و سننبّه على تفصيل ذلك في بعض المشارق الآتية منه- دام ظلّه.
المقام خصوص الموارد، بل تعيين المناط فيما ليس له دليل خاصّ، و هو ما بيّنا.
و أمّا الثاني: أي الشرط المخالف للكتاب و السنة، فلا خلاف في عدم الاعتداد به،- أيضا- و استفاضت عليه النصوص:
منها، مضافا إلى كثير مما تقدم رواية ابن فضّال (1)، في امرأة نكحها رجل، فأصدقته المرأة، و اشترطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق، قال: «خالف السنة، و ولّى الحقّ من ليس أهله، و قضى أنّ على الرجل الصداق، و أنّ بيده الجماع و الطلاق، و تلك السنة».
و قريب منها رواية محمد بن قيس (2)، و مرسلة مروان بن مسلم (3)، عن الصادق عليه السّلام قال: قلت له: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال: «ولّى الأمر من ليس أهله، و خالف السنة، و لم يجز النكاح».
و في الصحيح (4): قضى عليّ عليه السّلام في رجل تزوّج امرأة، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمّى فهي امرأته، و إن لم يجيء بالصداق فليس له عليها سبيل، شرطوا بينهم حيث أنكحوا، فقضى أنّ بيد الرجل بضع امرأته، و أحبط شرطهم.
و غير ذلك من مستفيضة الأخبار، فلا شبهة في عدم جواز هذا الشرط، و إنّما الكلام فيما يراد منه، فإنّه لا يكاد يسلم ظاهره عن مناقشة و مناقضة بأمثلة اتفاقية،
فإنّه إن أريد بمخالفته مخالفة لزومه، فالشروط السائغة كلّها غير لازمة، قبل الشرط بمقتضى الكتاب و السنة، و لزمت من جهة الأمر بالوفاء بعد الشرط، فلا معنى لاستثنائها، و إن أريد مخالفة متعلق الشرط، لما ثبت من الكتاب و السنة، سواء كان ثبوته منهما بأصل الشرع، كما قيل، كشرط استرقاء الحرّ، و استباحة بضع محرّم و شرب الخمر و ترك التزويج و التسري و نحوها، أو بتوسّط العقد، كشرط عدم انتفاع المشتري من المبيع، و عدم انتقاله بالإرث، و كون الطلاق بيد الزوجة، و أمثالها، فينتقض بشروط أخرى جائزة، إجماعا و نصّا، كشرط سقوط خيار الحيوان و المجلس، و ثبوت الخيار و المنفعة للبائع إلى زمان معلوم، و عتق المبيع، و عدم إخراج الزوجة عن بلدها، و غير ذلك مما لا يحصى، فلا يتحصّل مناط التفرقة بذلك بين الشرط الجائز و غير الجائز، و لم يتّضح الفرق بين تعيين المدّة و عدمه في شرط المنفعة.
و قد تصدّى جمع من المحقّقين دفعا لهذه الإشكالات، و ضبطا لمناط الفرق بينهما لتوجيه الحديث و تنزيله إلى محامل بعيدة، و هي- مع بعدها- غير حاسمة لمادّة الإشكال.
فمنهم من جعل الضابط في الشرط الجائز ما لا يخالف مقتضى السنة بأصل الشرع، لا بتوسّط العقد، استشهادا له باتفاقهم على صحة شرائط يخالف مقتضى السنة بتوسّط العقد، كشرط عدم الانتفاع مدّة معينة، و شرط سقوط خيار المجلس، و نحوهما.
و هو منتقض بصحة شرط عدم الانتفاع من مال آخر له غير المبيع مدّة معلومة، و عدم تزويج امرأة معينة، و نحوهما المتفق على صحته مما لا يحصى.
و قال آخر: الفارق بين الجائز و غير الجائز ورود النصّ بخصوصه على جواز
خلاف الشرط، فلا يجوز شرط عدمه، كتزويج الزيادة على الواحدة، بقوله تعالى:
فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ (1)عوائد الأيام: 144.
(2)أو بالعموم، فيجوز، كتزويج المرأة الفلانية، و هو كما ترى مجازفة صرفة. و قال المحقق القمي (3): المناط في مخالفة السنة اشتراط ترك مباح على وجه القاعدة الكلّية دون خصوصية فرد، نظرا إلى أنّ متعلّق الحكم الشرعي هو الكلّي، و تعلّقه بالجزئيات باعتبار تحقق الكلّي في ضمنها، فشرط ما يخالف الكلّي يخالف السنة، مثل ترك التزويج و التسري و جعل الخيرة في الطلاق و الجماع بيد الزوجة، المخالف لقوله تعالى الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ (4)عوائد الأيام: 144.
(5)و أما ما يخالف الجزئي، كعدم تزويج امرأة معينة، فليس مخالفا لما تعلّق به الكتاب و السنة. و فيه المناقشة- أيضا-: أمّا أوّلا، فلأنّه لا شاهد للفرق بهذه الاعتبارات مع التساوي في صدق تعلّق الحكم الشرعي بهما لغة و عرفا، و لو هو بواسطة الكلّي أيضا، و أمّا ثانيا فلأنّ انتفاء الحكم عن الجزئى بالشرط ينافي كلّية الحكم الشاملة له الثابتة بالشرع، فيخالف الشرط الحكم الكلّي- أيضا-، و أمّا ثالثا، فلأنّ كلّ شرط لا ينفكّ عن خصوصية لم يعتبر في الحكم الكلّي، و لو هي خصوص المشروط له، فلم يبق مورد للاستثناء، و التفرقة بين الخصوصيات تحكّم.
و قال والدي العلّامة (6): إنّ المراد بالشرط المخالف للكتاب و السنة أن يشترط حكما خالف حكمها، سواء كان من الأحكام الطلبية أو الوضعية، و ذلك كما أنّه
ثبت منهما أنّ أمر المرأة ليس بيدها، فشرط كونه بيدها، و ثبت أن الطلاق بيد الزوج، فيشترط أن لا يكون بيده، و ثبت أنّ الناس مسلطون على أموالهم، فيشترط أن لا يكون مسلطا على أمواله أو على مال معيّن، و ثبت أنّ الخمر حرام، فيشترط أن يكون حلالا، إلى غير ذلك، و أمّا اشتراط أن لا يتصرّف المشتري في المبيع مدّة معلومة، فهو ليس مخالفا للكتاب أو السنة، إذ لم يثبت منهما تصرّفه، بل إنّما ثبت جواز تصرّفه، و المخالف له عدم جواز تصرّفه، فلو شرطه كان باطلا.
فإن قلت: شرط عدم تصرّفه يستلزم عدم جواز تصرّفه، فيخالف السنة- أيضا.
قلت: لا نسلّم أنّ الشرط يستلزم عدم جوازه. نعم، إيجاب الشارع للعمل بالشرط يستلزم عدم جواز التصرف، و ليس المستثنى شرطا خالف إيجابه أو وجوبه الكتاب أو السنة، انتهى خلاصة ما أوردناه.
و حاصله: أنّ المراد من الاستثناء بطلان شرط كان متعلّقه حكما طلبيا أو وضعيا خالف ما ثبت قبله من الكتاب و السنة، لا نفس الفعل، و إن صار بعد إنفاذ الشرط مخالفا لحكمه السابق، و به فسّر الشرط الآتي- أيضا- أي، ما حلّل حراما أو حرّم حلالا، كما سنشير إليه، و هذا التفسير و إن كان أقرب بالاعتبار، و أوفق بأكثر الأخبار من غيره، إلّا أنّه غير مسلم عن بعض المناقضة أيضا، لانتقاضه طردا بمثل شرط سقوط خيار المجلس أو الحيوان، و ثبوت الخيار مدّة معلومة، المجمع على صحّته، و نحو ذلك، مما ليس بفعل العبد، و عكسا بشرط فعل ثبت حرمته بالكتاب أو السنة، أو ترك ما ثبت وجوبه، كشرط شرب الخمر، و استرقاق الحرّ، و ترك فريضة، و أمثالها، و بشرط فعل مباح أو ترك مباح كان لزومه و لو بالشرط مخالفا للسنة، كشرط عدم التزويج و التسري، فإنّه غير جائز على ما تكرّر عليه نقل الإجماع.
و دفعه بأن شرط فعل الحرام و ترك الواجب ليس من جهة مخالفة السنة أو تحليل الحرام و عكسه، بل بوقوع التعارض- حينئذ- بين ما دلّ على حرمة الفعل أو الترك، و بين أدلّة وجوب الوفاء بالشرط.
يمكن المناقشة فيه بأنّ هذا التعارض واقع غالبا في المباحات- أيضا- كشرط عدم تزويج امرأة مدّة معيّنة، دلّ على إباحته قوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ، و نسبة التعارض بين أدلّة وجوب الوفاء بالشرط و بينه مثل النسبة بينها و بين أدلة الوجوب و الحرمة في الأوّل، و كون الإجماع مرجّحا في الأوّل لا ينضبط به القاعدة الكلّية، بل يقتصر به على مورد اليقين، فلا يرتفع به الإشكال، بل وجب الرجوع في الثاني في غير ما علم صحّته بالخصوص بالإجماع إلى ما يقتضيه الأصل، لكون التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه، فلا يحصل بذلك الضابط الكلّي في الشروط الجائزة و غير الجائزة، و التفرقة بين الأمور المحرّمة، إلّا أن يجعل الإجماع مناطا فيهما، و هو- مع كونه منافيا لمقتضى الخبر- غير مطرد في موارد الخلاف و الشبهة، و مع ذلك كلّه فحمل المخالفة للكتاب أو السنة على معنى اشتراط حكم يخالف حكمها مما يستدعي الدليل.
هذا ما وقفت عليه من كلماتهم في توجيه الحديث، و هو- مع بعده غالبا- لا يهتدي إلى أمر محصّل مضبوط حاسم لمادّة الإشكال، و الذي يختلج ببالي و أظنّه أسلم، بل سالما عن النقض و الإيراد، أنّ فائدة الشرط المقصود من قولهم:
المؤمنون عند شروطهم، ما تعاهد عليه المشترطان، و حيث إنّ هذا يعمّ جميع ما تعلّق به الشرط و وقع عليه الإلزام، استثنى عليه السّلام منه ما يخالف مقتضى الشرع من الأفعال و الأحكام.
و تفصيل ذلك: أن ما يلتزم به بالشرط: إمّا من باب الأفعال و التروك، أو من قبيل
الأحكام الطلبية أو الوضعية. و الأوّل: إمّا عمل سائغ شرعا أو محرّم، من فعل معصية كشرب الخمر، أو ترك فريضة كترك الصوم، أو تشريع حكم يلتزم بفعله بعد الشرط، و نحو ذلك، و الثاني: أي اشتراط الحكم إمّا يكون مما يتحقّق شرعا باشتراط الفعل الجائز، و يلزمه كاشتغال الذمة بالمبلغ للمشروط له اللازم للالتزام بإعطائه، و عدم تسلط الزوج على إخراج الزوجة من بلدها اللازم للالتزام بعدم إخراجها، و سقوط الخيار اللازم بشرط عدم الفسخ، و الخيار اللازم بشرط الفسخ متى شاء، و وجوب الكون اللازم بشرط ترك الحركة، و حرمة الإقامة اللازمة للالتزام بالسفر، و أمثال ذلك، من الأحكام التي يكفي في تحققها شرعا مجرد الالتزام بالفعل الجائز، أو لا يترتّب شرعا على مجرد الإلزام بالفعل السائغ، بل هو إمّا لا يتغيّر عما هو في أصل الشرع باختيار من المكلّف، كالتوريث و الطهارة و النجاسة و نحوها، أو يتغيّر بسبب اختياري من المكلّف في الكتاب و السنة، غير مجرد الشرط، كحرّية الرقّ المسببة شرعا عن تحريره بالعتق، و الرقية المسببة عن الاختلاس من دار الحرب، و الوقفية المسببة عن صيغة الوقف، و أمثال ذلك.
فهذه اقسام أربعة لا شك في دخول الأوّل- أي الفعل السائغ- في المستثنى منه، و كونه شرطا جائزا. نعم، إذا كان الفعل واجبا كصلاة الفريضة، كان الشرط يؤكّد وجوبه، و لا ضير في الواجبات الشرعية، كما في نذر الواجب، و لا ينافي لزوم الشرط مقتضى الكتاب و السنة الدال على عدمه قبل الشرط، كقوله تعالى:
فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (1)المنافي للزوم عدم تزويج امرأة بالشرط، و الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ (2)المنافي لشرط عدم إخراجها من البلد و نحو
ذلك. لأن لزومه ليس متعلّق الشرط، بل هو مقتضى دليل وجوب الوفاء به، و المفروض هو ترجيحه على ما ينافيه، و الفراغ عنه بما مرّ في المطلب السابق، بل لا تعارض بينهما حقيقة؛ فإنّ الأحكام الشرعية يتغيّر بتجدّد الأسباب، كحكم إباحة الفعل قبل الشرط، فإنّه كان حكمه الأصلي، و صار لازما بسبب الشرط، و هل النسبة بينهما إلّا كنسبة «الناس مسلّطون على أموالهم»، و «أحلّ اللّه البيع»، الرافع للتسلط، فلا يلاحظ الترجيح في خصوص الموارد، بل هما من باب الوارد و المورود.
و كذا لا شكّ في دخول الأخير في المستثنى، أي المخالف للكتاب أو السنة، كشرط عدم الإرث، و رقّية الحرّ، و حرّية العبد.
و الظاهر أنّه لا ينبغي الشك في دخول الثاني- أي شرط فعل الحرام- في المستثنى- أيضا-، و لكونه المتبادر بالأذهان و متفاهم الأصحاب، فإنّه يصدق على شرب الخمر المتعاهد فعله و الإلزام به كونه مخالفا لمقتضى الكتاب و السنة.
و أمّا الثالث: أي شرط نفس الحكم المترتّب على إلزام فعل جائز، كشرط اشتغال الذمّة و سقوط الخيار و نحو ذلك، فالظاهر جوازه- أيضا-؛ لعموم أدلّة الشرط، و عدم مخالفته للكتاب أو السنّة، بل هو موافق للسنة الواضعة لحكم الشرع بالسببية الرافعة للحكم السابق، كما علمت، و منع اشتراط القدرة على نفس متعلّق الشرط، بل يكفي القدرة على سببه الذي هو الإلزام الذي هو المقدور له، فهو من قبيل التعبير عن الملزوم باللازم، فلا يخرج الحكم المشروط عن قدرته حقيقة.
و لا يتوهم أنّ اشتغال الذمّة إنّما يحصل بعد الشرط و الإلزام و اعتبار المتعلّق قبله، فجعله متعلّقا لا يخلو عن دور، لأنّ ذلك يستحيل فيما كان من باب الأخبار و القضايا، دون ما هو من الإنشاء الذي يعتبر في العقود الشرعية، فإنّ تحقق المتعلّق إنّما هو بنفس الإنشاء كما في الرهن بنحو جعلته مرهونا، و في الطلاق بقوله هي
طالق، و في الضمان بأنا ضامن، و غير ذلك، و الشروط الشرعية من باب الإنشاء أيضا.
و أمّا الشرط الثالث، أي الذي أحلّ حراما أو حرّم حلالا، فقد وقع التصريح بعدم الاعتداد به في موثق إسحاق بن عمّار (1)، بل لا كلام في عدم جوازه، و الإشكالات الواردة في الشرط السابق يتأتّى هنا أيضا، نظرا إلى أنّ بناء الشرط على تحريم ما استبيح و إباحة ما حرّم، لكونه مقتضى الإلزام، فإنّه يحلّ للمشروط له المطالبة بالشرط و لو جبرا، و يحرم على المشروط عليه الامتناع عنه على عكس حكمهما قبل الشرط، و كذا يرد عليه ظاهرا النقض بكثير من الأمثلة المتقدمة، و تكلّفوا في تفسيره بما تكلّفوا به في الشرط السابق، و لا يخلو شيء منه عن النقض و الإشكال. و الصواب ما حقّقنا فيه من أنّ المراد به الإلزام بفعل محرّم كاسترقاق الحرّ و شرب الخمر و تزويج الخامسة، أو بترك حلال لا يجوز في الشرع الإلزام بتركه، كترك وطء الزوجة، أو الالتزام بحكم يستلزم العمل بأحد هذين المحذورين، و يظهر لك بالتأمل الصادق تطبيق ذلك على التفصيل السابق في فقه الحديث.
و أمّا الرابع: أي الشرط المؤدّى إلى جهالة أحد العوضين، و في حكمها الجهل الغير المغتفر في العقد و إن لم يؤدّ إليها، فالتحقيق فيها أنّ الجهل المتعلّق بالشرط على وجوه:
أحدها: كونه مؤدّيا إلى جهالة أحد العوضين، بمعنى تردّده بحسب الواقع في أحد الأمرين أو أكثر سواء كانت في عينه، كأن يبيع بدينار عراقي و شرط: «إن حدث كذا كان الثمن فرس كذا»، أو في قدره، كأن شرط: «إن حدث كذا كان الثمن دينارين»، أو في صفة، كأن شرط: «إن حدث كذا، كان الدينار روميا»،
1) وسائل الشيعة 18: 17، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23034.
و هذا الشرط باطل اجماعا، و وجهه- مضافا إلى استلزامه في الأكثر الغرر المنهيّ عنه غالبا- أمران:
أحدهما: كونه منافيا لمقتضى العقد، و قد عرفت فساده.
و الثاني: أنّه يوجب عدم تعيّن العوض حال العقد، و توقف تعيينه على أمر سيوجد، و هو ينافي استقلال العقد في السببية، الذي هو مقتضى الأدلة، حسب ما تقدّم.
و منه ما إذا باع إلى سنة و شرط: «إن حدث كذا كان الثمن معجّلا عنده» لمدخلية المدّة في العوض، و لا يذهب عليك أنّه أن شرط هبة بعض الثمن أو إعطاء دينار مضافا إليه إذا حدث كذا، أو إعطاؤه معجّلا عنده، ليس هو مما يؤدّى إلى جهالة العوض.
و لا يتوهم اتحاد مآل الشرطين بما تقدّم بيانه في تفصيل الشرط المخالف للكتاب، فلازمه بطلان الثاني- أيضا.
لأنّ وجوب الإعطاء أو الإبراء بالشرط في الثاني، لازمه اشتغال الذمّة بالمشروط به أو التزامه عنه، لا صيرورة الثمن زائدا أو ناقصا، و المبطل هو التردد و التعليق في الثمن، لا في حصول المشروط به.
و كون الشرط قسطا من العوض لا يوجب الجهل به، إذ القسط منه هو الاشتراط، و هو الإلزام بالمبلغ أو نحوه عند حدوث كذا، لا نفس المبلغ، و شتّان ما بينهما.
و ثانيها: كون الجهل مستلزما للغرر المنهيّ عنه، و إن لم يرجع إلى الجهل بأحد العوضين بعينه، بل إلى ما يتعلّق بالعقد، مما يتفاوت به النفع و الضرر، و يختلف فيه الأغراض عرفا المجهول (1)عند المتعاقدين، و إن تعيّن بحسب الواقع، و سيجيء تحقيق القول في الغرر و الشرط الغرري، و دليل فساده في بعض المشارق الآتية-
1) في نسخة: عرفا أو المجهول.
إن شاء اللّه تعالى- (1).
و من هذا الباب ما اتفقوا على بطلانه من شرط الخيار في مدّة مجهولة أو محدودة بحدّ غير مضبوط يحتمل الزيادة و النقيصة، كقدوم الحاجّ و إدراك الثمرات، و نحوه التحديد بما لم ينضبط به مبدأ الخيار، كإتيانه إلى سنة من حين التفرق. نعم، إذا كانت المدّة مضبوطة، و لكن علّق الخيار على اقتران الفسخ بأمر لا نعلم وقت حصوله في أثناء المدّة المعينة، سواء كان من فعل المشروط له أو غيره، صحّ الشرط، كقسط (2)المدّة إلى سنة و نحوها، بشرط أداء الثمن فيها، كما ورد في النصوص المستفيضة (3).
و منه يظهر الفرق بين تعليق الفسخ على قدوم الحاجّ إلى سنة، أو على حياة المشروط له فيها فصحّ الشرط، و بين تحديد المدّة بقدومه أو حياته و نحوها فبطل، و إن اشتركا في الجهل بزمانه، و سنذكر وجه الفرق بينهما في البحث الآتي- إن شاء اللّه تعالى- و أنّ الجهالة في أصل المدّة يرجع الغرر فيه إلى نفس العقد، بخلاف الثاني، فانتظر.
و ثالثها: كون الجهل واقعيا، بمعنى عدم تعين المشروط المجهول في نفس الأمر، و إن لم يرجع إلى أحد العوضين، كأن يبيع بمائة و شرط له سكنى هذا الدار، من غير تعيين المدّة.
و التحقيق فيه: أنّ الجهل- حينئذ- إن كان مؤدّيا إلى العوض أو الغرر، فحكمه ما مضى من البطلان، و إلّا فالمشروط: إمّا نفس الفعل الملتزم به، كإعطاء دينار أو إسكان دار و نحوهما، فالمتّجه فيه الصحّة، لعموم الأدلّة، و عدم احتمال مانع سوى لزوم تعين متعلق الشرط على ما سيجيء، و هو مدفوع بتعيّنه على الوجه الكلّي، و هو ما صدق عليه فعل الشارط على حسب ما تعلّق به لفظ الشرط، و لزوم تعيينه بالفرد عند الوفاء به من باب المقدمة، و هو موكول بحسب دلالة اللفظ إلى خيرة الفاعل.
و بالجملة متعلّق الشرط- حينئذ- غير متعلق الفعل، و الأوّل متعين، و الثاني غير لازم التعيّن في الشرط، و الفرق بينهما ظاهر، و لذا لا يصحّ الرهن بما يعادل من ماله الدين من غير تعيين، و يصحّ ذلك في الشرط، كأن يقول: بعتك هذا بعشرة دنانير، و شرطت عليك أن تجعل لى مرهونا يعادلها من مالك.
أو يكون متعلّق الشرط غير فعل الشارط، و هو: إمّا كلّي تساوت أفراده، كأن يشترط له دينارا عراقيا أو رطلا من الحنطة، فالوجه فيه الصحة- أيضا- لتعيين الحقّ الذي تعلّق به الشرط، و هو الكلّي بما هو كلّي، و عرفت أنّ لزوم التعيين بالفرد عند الوفاء به إنّما هو من باب المقدمة، و حيث لا اختلاف في خصوصيات الأفراد المختلف به الأغراض، لا يضرّ عدم تعيّنه في الشرط، بل على الشارط الواجب عليه الوفاء تعيينه بواحد منها، كما لا يضرّ عدم تعيينه في العقد إذا كان أحد العوضين، كبيع رطل من الحنطة بهذا، أو بيع هذا بدينار.
أو هو كلّيّ مختلف الأفراد، كأن يشترط له فرسا، فلا يبعد فيه البطلان، فمتعلّق غرض المتعاقدين في مثل ذلك إلى الخصوصية- أيضا- عادة، و هي غير متعينة، و ليس في لفظ الشرط ما دلّ على كونه بتعيين الشارط، فيستحيل تعلّق الحقّ بها.
نعم، لو فرض كون المقصود مجرّد الماهيّة بأي فرد تحققت و لو على تفاوت مراتبها،
لم يبطل بذلك، و إن بطل من جهة الغرر.
أو جزئيّ مردّد بين شيئين أو أكثر، كأن يشترط له أحد هذين العبدين، فإنّه ظاهر في عدم تعلّق الشرط بالمفهوم الكلّي، بل بالخصوصية الغير المتعينة، فيتّجه فيه البطلان لما ذكر، كما يبطل العقد إذا جعل ذلك أحد العوضين.
و رابعها (1)أن يكون الجهالة بغير ما ذكر من الوجوه الثلاثة مقتضى عموم الأدلّة صحة الشرط حينئذ و عدم بطلانه بها إلّا إذا ثبت بطلانه بها بدليل فيقتصر على مورده كما في وجوب ضبط آخر المدّة في خيار الشرط بما لا يحتمل الزيادة و النقصان الثابت بالإجماع و بطلانه بالتحديد بقدوم الحاجّ و ادراك الثمرات و نحوهما و لا هكذا ضبط أوّل المدّة كما في شرط حصول اختيار للبائع بردّ الثمن و دلّ عليه النصوص كالموثّق عن رجل مسلم احتاج إلى بيع و لو لا مشى إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك أحبّ إليّ من أن يكون لغيرك على أن تشترط لي أن جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّها عليّ. قال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه.
و نحوه الصحيح.
و ينقدح من هذا أنّه لو شرط الخيار إلى مدّة حياة أحدهما أو ثالث بطل و لو شرط إلى عشرين سنة بشرط حدوث كذا أو بشرط موت فلان يصحّ و لو شرط إلى عشرين بشرط حياته ففيه إشكال لوقوع (2)الجهل إلى آخر المدّة حقيقة حيث يفيد تحديد الغاية بأمرين:
أحدهما مجهول هو ثبوت المشروط له، و الأخرى معيّن هو انقضاء العشرين.
نعم، إن قصد من شرط الحياة عدم الانتقال إلى الوارث يبطل من جهة أخرى هي مخالفته للسنّة. و لو شرط الفسخ بلفظه إلى عشرين ففيه وجهان: من انقطاع اللفظ بالموت الذي هو مجهول فرجع الجهل إلى الغاية و من عدم تقييد المدّة به، بل هو قيد للشرط. و لعلّ الأوجه فيه الصحة و مراعاة الاحتياط أولى، بل ينبغي الاحتياط بالاحتراز عما كان الجهل فيه مثار النزاع مطلقا و إن لم يكن منع الغرر فيه ثابتا، بل قيل بالمنع، لأنّه لم يعهد نظيره في الشرع بل المعلوم منه خلافه.
و أمّا الخامس: أي الشرط الغير المقدور، فلا خلاف في بطلانه و اشتراط القدرة عليه و لو في بعض المدّة بقدر ما أمكن الوفاء به. و وجهه- مضافا إلى الإجماع و ظهور الأخبار فيه- أنّ المراد بالشرط- كما عرفت- هو الإلزام و الالتزام، و معنى شرعيته تحقّق اللزوم، و وجوب الخروج عن عهدته مطلقا، أو إنشاء بقاء لزوم العقد على المشروط له، كما ربما يظهر عن بعضهم، من أنّ فائدته جعل العقد اللازم جائزا، كما سيجيء، و هو فرع القدرة عليه أو على سببه، كان يكون فعلا مقدورا أو حكما يكفي في ثبوته مجرد الالتزام به حسب ما مرّ، فلا ينعقد اللزوم بما ليس بمقدور.
ثمّ عدم المقدورية إمّا من جهة تعذّر الفعل مطلقا، أو بالنسبة إلى المشروط عليه، أو من جهة كونه فعل الغير، كمجيء زيد يوم كذا، من غير أن يكون سببه مقدورا لمن شرط عليه، و منه بيع الزرع على أن يجعله اللّه تعالى أو المشتري سنبلا، و الرطب على أن يجعله تمرا، إلّا أن يقصد به إبقائه إلى بلوغه سنبلا أو تمرا، مع أنّه لا يخلو عن شناعة- أيضا-، لخروجه عن صورة الشرط المقدور، و عن المطابقة بين اللفظ و المقصود، على ما أشرنا اليه في بعض ما تقدّم، و لا بأس به مع وضوح المراد، أو كونه من الأحكام المخالفة للكتاب و السنة، أو المتوقّفة على سبب خارج من الشرط، كاشتراطه حلية بضع أو فرقة زوجته أو حرّية عبده،
من غير قصد سبب إيجاد سببهما من الشرط، فهذه كلّها من الشروط الغير المقدورة، و تكون باطلة.
و يقع الإشكال في بعض الأمثلة، إلا أنّه بعد ما اتضح المناط يمكن دفعه بتأمّل دقيق فيه، كما إذا اشترط البيع من ثالث باعتبار توقّفه على رضاه، فهو من غير المقدور، و الظاهر أنّه يبنى على الخلاف في معنى البيع، فإن قلنا أنّه نفس العقد المركّب من الإيجاب و القبول، لم يصحّ الشرط، لأنّ المركّب من فعله و فعل الغير ليس من فعله، فليس مقدورا، و تنزيله على الإيجاب خاصّة خروج عن حقيقة اللفظ، و إن قلنا بأنّه نقل الملك بعوض معلوم- كما هو المشهور- صحّ، لكونه من فعله، و إن كان من شرط تحققه قبول الغير. نعم، يتوقّف صدق القدرة على العلم أو الظنّ بحصول القبول من الغير مطلقا، إن لم يعيّن المشتري أو خصوص شخص إن عيّنه، فإذا اتّفق أن لا يرضى بالقبول كان للمشروط له الخيار.
المطلب السابع (1)في حكم العقد إذا فسد الشرط
و فيه قولان: الصحة و البطلان، و الحقّ الثاني، وفاقا للمحكيّ عن الأكثر.
و لنبيّن:
أوّلا لتحقيق المرام، ما تداول بينهم من أنّ العقود تابعة للقصود، و ما اشتهر من أنّ الأصل في المعاملات الصحة، و التوفيق بينه و بين أصل الفساد الذي هو معقد الإجماع.
فنقول: العقود أسباب شرعية لآثار مخصوصة جعلها الشارع مترتّبة عليها، و اللازم على الفقيه في ذلك معرفة أمور ثلاثة: العقد الذي هو السبب و الأثر المسبّب له، و شرائط تأثيره و كيفية ترتّبه عليه، فإن علم الثلاثة بدليل خاص، أو عام فهو،
1) في الأصل: المطلب الثامن، و الصحيح ما أثبتناه.
و إلّا يجب الاقتصار في كلّ منها على المعلوم، عملا بأصل الفساد المتّفق عليه، و استصحاب عدم ترتّب الأثر، و قد يكون الأثر الثابت من الشرع مما يختلف كيفيته باختلاف إطلاق العقد، أو تقييده بشرط، أو خصوصية للعوضين أو أحدهما، ككونه حيوانا أو نقدا و نحوهما، كما أن نقل الملك الذي هو أثر البيع يختلف لزوما و تزلزلا إلى مدّة من طرف أو الطرفين، و مستتبعا للمنافع أو مجردا عنها إلى مدّة معينة، إلى غير ذلك من الوجوه و الاعتبارات، و اللازم في جميع ذلك الاقتصار في الصحة على القدر الثابت بالأدلّة الشرعية.
ثمّ إنّه مما ثبت بالإجماع و يطابقه الأصل المذكور، اشتراط قصد إنشاء الأثر الذي رتّبه الشارع عليه، فلو صدر بلا قصد، أو بقصد الإخبار أو إنشاء أثر آخر، كان باطلا.
و يعتبر في هذا القصد أمران:
أحدهما: أن يكون من لفظ العقد، فقصد به إنشاء الأثر المترتّب عليه، فلا أثر لقصد لم يتعلّق بإنشاء العقد به، و إن كان الرضا بالعقد معلقا عليه، و كان من العلل الداعية عليه، سواء كان هو من بعض الأحكام المترتبة على أثر العقد، كأن يكون غرضه من التزويج مجرد حلّية النظر إلى أمّ الزوجة، أو من الأمور الخارجة، كأن تزوّجها طمعا في مالها أو استخدامها، أو من بيع داره شراء دار المشتري باعتقاد كونه وسيلة له، بل و إن وقعت المساومة بينهما عليه، فأمثال هذه الأغراض و القصود لا دخل لها بقصد الإنشاء المعتبر في العقود، و لا يتبعها العقد، و إن كان الرضا معلقا عليها، بل لا يؤثر في العقد، و إن كان اعتقاد المتعاقدين أو أحدهما ترتّبه على العقد شرعا، على خلاف الواقع، كما إذا رضيت المتمتعة بعقد الانقطاع، بظنّ استحقاقها القسم و النفقة كالدائمة، بحيث لو لا هذا الاعتقاد لما رضيت بالتمتع.
و لعلّه لم يتأمل في ذلك أحد من أهل العلم، فما قد يستشكل- بأنّ العقود تابعة للقصود، و ما قصد به هو التزوّج حال كونها مستحقة للقسم و النفقة، فلا يصحّ العقد- مردود، بأنّ مرادهم من تلك العبارة، هو المقصود من العقود، أي القصد المعتبر في لفظ العقد الذي يتحقّق به الإنشاء، لا مطلق القصد.
و توهّم أنّ الرضا بالعقد يتوقف عليه، فمع عدمه لا مراضاة، و لا هو تجارة عن تراض، و لأجله يكون باطلا، مدفوع بأنّ الرضا الفعليّ حاصل على الفرض، و هو كاف في صدق التراضي المشروط في العقد، و حصول الإنشاء على الرضا، و ما ليس فيه هو الرضا الفرضي، و حصول الضرر في بعض الفروض غير مانع عن الصحة، بل عن اللزوم أيضا، لإقدام نفسه عليه، و مثله غير منفيّ، و إن كان للجهل بالمسألة، كما في نظائر الفرض من موارد الأحكام، و قد أشبعنا الكلام فيما يتعلّق بذلك في مسألة نفي الضرر، في بعض الفوائد الآتية.
و ثانيهما: قصد إنشاء الأثر الذي جعله الشارع بالأصالة مسبّبا له، فلو قصد إنشاء غيره بالعقد- و إن كان من لوازم هذا الأثر- كان العقد باطلا، لخروجه عن السببية الشرعية التي وضعها الشارع، و هو من مقتضى قولهم: العقود تابعة للقصود، فإن المراد عموم السببية في الصحة و البطلان، فلو قصد بعقد النكاح إنشاء محرّمية أمّ الزوجة، و بعقد البيع استحقاق المنفعة، كان باطلا و بالجملة صحة العقد تابعة لما قصد إنشاؤه.
و لو كان العقد بإطلاقه سببا لأثر شرعا، و بتقيّده بشيء سببا لأثر يخالف الأوّل نوعا أو وصفا (1)، و إطلاقا و تقييدا، أو بغير ذلك من الاعتبارات وجب تطبيق العقد (2)
عليه، و مع تخلفه لم يكن صحيحا، كأن يقصد بالنكاح المجرد عن ذكر المدّة الزوجية المنقطعة، أو بالعكس، و بالبيع المطلق إنشاء الملك المتزلزل بالخيار، و في بيع الحيوان إنشاء الملك اللازم، من غير ذكر الخيار في الأوّل، و سقوطه في الثاني، فمقتضى قاعدة السببية الموافق للأصل المتقدّم فساد العقد إلّا فيما خرج بدليل، لأن الأثر المقصود غير ما يقتضيه العقد شرعا.
ثمّ العقد إن كان مدلوله اللغويّ و العرفيّ متعيّنا و لو بتوسط القرائن المنضمّة، لزم كونه المقصود بالإنشاء، و لا يصحّ لو قصد به غيره، للأصل المذكور، و لعلّه لا خلاف فيه أيضا، و إن لم يكن متعيّنا، بل قابلا بحسب الدلالة اللفظية لوجوه أو أفراد مختلفة، كان تعيّن أحدهما منوطا بقصد العاقد، فترتّب الأثر الشرعيّ للعقد عليه- حينئذ- موقوف على تعيّنه في القصد، و إلّا بطل العقد، لاستحالة تعلق الحقّ بغير المعيّن و بطلان الترجيح بلا مرجّح، كما إذا قال: زوّجتك ابنتي، و لم يعيّنها من بين بناتها، و إن عيّنه فهو المتعيّن، و يلزم عدم التدافع بين قصدي المتعاقدين.
و هل يشترط اطلاع القابل على ما قصده الموجب؟
لا شك في الاشتراط فيما يكون الغرر فيه منهيا عنه، و أمّا في غيره ففيه إشكال، من كون القبول واقعا على ما قصده الموجب، و هو متعيّن و إن لم يعلمه بعينه، و من كونه مثار النزاع المرغوب عنه في الشريعة في أكثر نظائر الفرض، و على الجملة فمما بيناه في المقامين تبيّن ما هو المراد من قولهم: العقود تابعة للقصود.
و إذا اختلف المتعاقدان في ما قصدا به، فالمعتبر، و إن كان قول القاصد، لأنّ القصد من الأمور القلبية التي لا يطّلع عليها غيره، إلّا أنّ اللفظ إن كان له دلالة ظاهرة بحسب العرف و اللغة، و لو لأجل القرينة، كما في القسم الأوّل، نقدم قول من يطابق دعواه مدلول اللفظ، لأنّ الشارع أقام الألفاظ الظاهرة في معانيها مقام العلم
به إجماعا، و إن كان مقتضى أصل الفساد فيما يخالفه عدم ترتّب الأثر إلّا مع العلم بقصده ذلك الأثر، و إلى هذا ينظر قولهم: الأصل في المعاملات الصحة، فلو قال:
بعتك هذا و ادّعى قصد الإجارة، لم يسمع دعواه بمجردها إلّا بقرينة شاهدة عليه، مثله ما إذا قال: بعتك هذا بدرهم على أن تكريني دابّتك هذه يوما، فظهرت الدابّة مستحقّة للغير، فمقتضاه نقل الملك منضمّا مع الإكراء، فيبطل باستحقاق الدابّة للغير، فلو ادّعى قصده إطلاق البيع لم يسمع، و إن احتمل صدقه إلّا إذا فرض تساوي الاحتمالين بحسب الدلالة، و القول بعدم سماع دعواه مع فرض التساوي- أيضا- مدفوع بما ذكرناه.
و اذا عرفت هذا، فلنرجع إلى المقصود، أعني بطلان العقد بفساد الشرط، و نقول:
قد عرفت أنّ الشرط المأخوذ في ضمن العقد جزء له، و العقد هو المركّب منه، و عرفت أنّ اللفظ يحمل على مدلوله، و كونه مقصود اللافظ، فهذا التركيب ظاهر في قصد إنشاء الأثر، مقيّدا بالالتزام بالشرط، فالالتزام جزء الأثر المقصود بالإنشاء في هذا التركيب، فإذا ظهر فساد الجزء فسد الكلّ، لتعلّق القصد على وجه الجزئية، فلم يبق الباقي مقصودا بالانفراد، فلا يترتّب على العقد التركيبي أثر شرعيّ، بل على ما سمعت، من لزوم تطابق المدلول للقصد لو قصد الصحيح منفردا من مثل هذا التركيب، لقلنا بفساده أيضا (1).
فإن قلت: ذكرت في بعض ما تقدم عدم فساد العقد بفساد بعض العوض، بل لعلّه المتّفق عليه في البيع، مع أنّ متعلّق القصد فيه المركّب أيضا.
قلت: ما ذكرنا ثمة، لا تتأتّى في الشرط، لأنّ وجهه فيما مرّ أنّ دلالة لفظ العقد
1) عبارات هذا المشرق مختلفة في النسختين في بعض المواضع و ما أثبتناه في المتن موافق لنسخة «س».
على الأبعاض- و إن كانت تبعية ارتباطية- إلّا أنّها لا يستلزم التبعية في الحكم المدلول بها، كما في قولنا: أكرم عشرة، فإنّ دلالة العشرة على الوحدات بالتبعية التضمّنية، و لا هكذا تعلّق وجوب الإكرام بها، بل كلّ واحد منها مقصود بإنشاء الحكم عليه منفردا مستقلا، و لذا لا ينتفي حكم الكلّ بانتفاء البعض، و هو من قبيل قول الآمر: اكنس الدار، و هي موضوعة للماهية المركبة من البيوت، فلا يسقط الحكم عن بعضها بانهدام بعض، إلّا مع قرينة ظاهرة.
و كون المراضاة على الكلّ- لو سلّم- لا يستلزم قصد الجزئية في إنشاء نفس النقل و الانتقال- مثلا- في مثل البيع و الصلح و نحوهما، غاية الأمر حصول المقصود بوقوع الخيار عند ظهور التبعض، لا بطلان العقد، و كيف كان، فلا يبطل البيع- مثلا- بالنسبة إلى الجزء الصحيح بما يقابله من العوض.
و أمّا الشرط، فإنّ الإلزام بما اشترط ليس مقصودا بالانفراد قطعا، و ليس (1)في مقابله للمشروط عليه عوض، فكيف يلتزم به مجانا، و بالجملة ظاهر اللفظ كون المعاوضة مقيدة و مرتبطة بالإلزام بالشرط فينتفي بانتفاء القيد، و لو قصد منه إنشاء النقل لا على وجه التقييد، فهو خروج عن مقتضى اللفظ. و به يحصل إشكال آخر في صحة العقد.
فالفرق بين جزء العوض و الشرط كالفرق بين قولنا: أكرم زيدا و عمروا، و قولنا أكرم زيدا بشرط أن يكون معه عمرو، فإنّه لا ينتفي حكم إكرام زيد بفقدان عمرو في الأوّل، بخلافه في الثاني.
و اتضح مما ذكرناه فساد الاحتجاج للقول الأوّل، بأنّ كلّ واحد من العقد و الشرط مستقلّ في إفادة معناه.
1) في نسخة: كيف و ليس ..
ثمّ إنّ ما ذكرناه من فساد العقد و الشرط إنّما هو من باب الأصل و القاعدة، فلا ينافيه ما إذا ثبت في مورد صحة العقد مع فساد شرطه، كما هو المشهور في شروط عقد النكاح، مثل أن لا يتزوّج عليها، أو لا يتسري، أو شرط تسليم المهر إلى أجل، عدم كون العقد باطلا مع التخلّف، بل في المسالك ظاهرهم- هنا- الاتفاق على صحة العقد، و ورد فيه أخبار معتبرة، و قيل لا يتمّ في النكاح أيضا قاعدة يعتمد عليها في هذا المطلب، و اللّه العالم بحقائق أحكامه.
مشرق: في بيان حكم المعاملات الإضرارية، و أعني بها الانتقالات المحاباتية الصادرة عمّن له دين لا يفي ماله به، و إن كان الدين من قبيل المظالم.
فنقول: لا إشكال في صحّة تمليكاته بعوض المثل، لعدم المانع مع وجود المقتضي، و هو الملك. و كذا تمليكه بأقلّ منه أو مجانا، إذا تمكّن من تحصيل ما يؤدّي به دينه و لو بالاستدانة، إنّما الكلام في تمليكه كذلك، أو إباحته، مع عدم العلم أو الظنّ المعتدّ به بالتمكن منه، و لو بعد حين.
و تحقيق المقام، أنّ الكلام إمّا في جواز إتلاف المالك ماله بنفسه زائدا على قدر مئونته، أو إباحته للغير و تسليطه على الإتلاف، أو في حصول الحلّية للغير بإباحة المالك، و جواز قبول جائزته و تصرّفاته و إتلافه له، أو في صحّة العقد الناقل و حصول الانتقال الشرعي به، فهنا مطالب ثلاثة:
أمّا الأوّل: فلا ينبغي الريب في حرمته، لوجوب أداء الدين عليه، و انحصار مقدمته على الفرض بصرف ما في يده من المال فيه، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به واجب، فيحرم ضدّه، و هو إتلافه و صرفه في غيره، و كونه ضدّا خاصّا و لا يقتضي
الأمر النهي عنه،- على ما هو المختار المشهور- غير نافع، لاندفاعه باختصاص ذلك بما إذا لم يكن الضدّ الخاصّ رافعا للتمكّن من فعل المأمور به ثانيا مع بقاء وجوبه، و إلّا- كما في محلّ الفرض- فمقتضى التحقيق حرمته، كما بيّناه في الأصول، و لا يعارضه عموم الناس، لأنّ حرمته عقلية لا ينفكّ عن وجوب أداء الدين، فلا ينتفي إلّا بانتفائه الباطل بالإجماع القطعي، فلا يخصّص به، و مع ذلك فالعموم المذكور ظاهر في الجواز الذاتيّ الأصليّ، و هو لا ينافي الحرمة العرضية المسببة عن سبب متجدّد، كما في نظائر المقام مما لا يحصى، و يأتي بيانه فيما سيأتي.
و أمّا الثاني: فتفصيله أنّ من أباح له المالك، إمّا يعلم عدم تمكّن المالك عن أداء الدين من غير هذا المال، و مع هذا يحتمل صرفه فيه إن لم يقبل منه، أو أخذ الدائن عنه جبرا أو تقاصّا، أو لا يعلم ذلك، و إن علم لا يحتمل صرفه في الدين أو اقتدار صاحب الدين عن استيفائه منه.
فعلى الأوّل: فالظاهر أنّه لا يحلّ له قبوله و إتلافه من غير التزام عوضه للدائن، لا لما استدللنا به على المنع على المالك، لعدم وجوب ذي المقدّمة على غيره حتى يحرم عليه ضدّ مقدّمته، بل لصدق كونه مضارا على الدائن- حينئذ- بإتلاف ما ينحصر أخذ حقّه فيه، و تفويت تمكّنه من وصول الحقّ، و تمكّن المالك عن إيصاله، و شهادة العرف بكون ذلك ضرر الدائن، و الضرر منفيّ و محرّم بعموم أدلّته.
نعم، لو عصى- حينئذ- و أتلف بإذن المالك فمقتضى النظر عدم ضمانه، لعدم اقتضائه نفي الضرر، كما يأتي تفصيله في قاعدة نفي الضرر، و لأنّ قاعدة الإتلاف بعدم الضمان مع إذن المالك، و إن كان التصرف محرّما، كما في أكل طعامه بإذنه في نهار رمضان.
فإن قلت: في الأخبار الكثيرة تجويز أخذ جوائز السلطان و مظالمه مستوعبة لما له عادة، و لا أقلّ من شموله له، و كذا دلّت عليه السيرة المستمرّة المعلومة في قبول الناس جوائز السلاطين و الحكام و أضرابهم من غير نكير، و بهما يخصّص عموم نفي الضرر، لكونهما أخصّ منه مطلقا.
قلت: أوّلا، تلك الأخبار منساقة لبيان حلّية أموالهم و جوائزهم باعتبار الشبهة في أعيانها، و لا دخل له بمحلّ الفرض الذي يرتفع المانع عنه بالتزام العوض، و ثانيا أنّ موارد تلك الأخبار و السيرة من القسم الثاني الذي نذكر حلّيته.
و على الثاني: فمقتضى النظر حلّيته له بإباحة المالك، و له إتلافه حيث يشاء، أمّا مع عدم علمه بعدم تمكن المالك فظاهر، و احتماله غير كاف، إذ غايته احتمال الضرر و هو غير منفيّ، و أمّا مع عدم احتماله صرف المالك إيّاه في الدين و لا تمكن صاحب الدين عن أخذه، فلعدم استناد الضرر- حينئذ- إليه بل إلى المالك، فلا يتوجّه إليه النهي، و غالب موارد الفرض سيما بالنسبة إلى أرباب المظالم من هذا القسم.
و لا يتوهّم حرمة الإتلاف من جهة كونه تفويتا للواجب أو عدم تأثير إباحة المالك في الحلّ، لعدم جواز تسليطه الغير عليه و ترخيصه كما مرّ، لاندفاع الأوّل بعدم دليل على حرمة تفويت الواجب عن الغير، بل عليه وزره إن كان بتقصيره، كما في الفرض، و الثاني بأنّ الموجب للحلّية في المقام رضي المالك و إذنه في التصرف المتلف، نظرا الى كونه صاحب المال و عدم حقّ للدائن فيه بعد لا جواز إباحته و ترخيصه، و لا ملازمة بينهما، كما في من شرط على نفسه بنذر و شبهه أن لا يأذن زيدا في أكل طعامه فأذنه، فإنّه يعصى بالإذن دون المأذون فيه في الأكل.
و أمّا الثالث: فلم أر من تعرّض لبيانه و تحقيقه عدا والدي العلّامة في بعض
إفاداته (1)، حيث حكم ببطلان العقود الناقلة بأقلّ من عوض المثل عمّن له دين مستوعب، و هو مقتضى التحقيق، لا لما استدلّ به على مختاره من اقتضاء النهي في المعاملة الفساد، نظرا إلى حرمة صرف المال في غير الدين- حينئذ- على المالك على ما عرفت، لعدم استقامته- على ما اخترناه (2)- من اختصاص الاقتضاء بما إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة أو جزئه أو وصفه لأجل المعاملة الظاهر في المانعية دون غيره، كما في محلّ البحث، حيثما (3)يتعلّق بها كذلك، بل بمطلق الإضرار أو سببية الحرام، مضافا إلى أنّ الفساد- على هذا التقدير- يختصّ بصورة العلم و العمد، لعدم العصيان في غيرهما.
بل لأنّ صحة العقود المملّكة بغير عوض كالأوقاف و الهبات و نحوهما، أو بأقلّ من العوض كالعقود المعوّضة المحاباتية، ممن استوعب دينه ماله الغير المتمكن عن أدائه بغيره، إضرار على صاحب الدين، و تفويت لما يمكن له أدائه، و يصدق عليه أنّه ضرر عرفا على صاحب الدين، لزوال تمكّنه به عن أداء حقّه، و هو ضرر على ذي الحقّ قطعا، ألا ترى أنّ صاحب الفاقة إذا استدان ألف دينار ليكتسب به فوهبه لغيره يقال في العرف أنّه أضرّ بصاحب المال، و هبته ضرر عليه، و الضرر منفي في الإسلام، بمعنى عدم تشريع حكم يتضمّنه، وضعيا كان أو طلبيا، كما يأتي بيانه، و لا يعارضه عموم «الناس مسلّطون» لما ستعرف من تقدّم نفي الضرر. نعم، يعارضه إطلاق أدلّة تلك العقود، و هو بالعموم من وجه، فيرجع إلى الأصل و مقتضاه الفساد.
و يشعر بما قلناه بعض النصوص المعتبرة الواردة في صدقة من استوعب دينه
ماله، الدال على عموم المدّعى، لعدم القول بالفصل، كمكاتبة أحمد بن حمزه (1)إلى أبي الحسن عليه السّلام: مدين أوقف، ثم مات صاحبه و عليه دين لا يفي ماله، فكتب عليه السّلام:
«يباع وقفه في الدين». و نحوها مكاتبة أخرى، رواها ابن محبوب (2)إلّا أنّه فيها إذا وقف، بعد قوله: و عليه دين لا يفي ماله.
و في رواية أخرى في عتق من عليه دين (3).
و أمّا ما في خبر عجلان (4)، من صحّة عتق من عليه دين، فهو أعمّ من استيعاب الدين، فيخصّص بما سبق.
فإن قلت: تعليق الفقهاء ممنوعية المفلس عن التصرف في أمواله على حجر الحاكم يقتضي جوازه قبله، بل هذا فائدة الحجر.
قلت: الأحكام الشرعية تختلف باختلاف العنوانات، فلا يدافع بعضها بعضا، و ما ذكره الفقهاء في باب الحجر إنّما هو للمنوعية من جهة منع الحاكم عن التصرف و رفع سلطنته مطلقا، و هو يعمّ جميع التصرفات، سواء كانت من العقود المعوّضة بعوض المثل أو بأقلّ منه، بل و بما زاد عنه أو غيرها، كدفع المال إلى بعض الديان أو إلى الجميع، من غير ملاحظة النسبة، و كذا لا يحلّ معه تصرّف الغير بإباحة المالك مطلقا.
و أما الممنوعية فيما ذكرناه إنّما هي من جهة الضرر على الديان، من قبيل منع المالك من التصرف المضرّ بالجار، فلا يمنع به عن مطلق التصرف، و لا عن مطلق
النقل، و لا عن الإباحة، و لا يمنع عن صرفه في بعض الديون دون بعض، كما سننبه عليه، فلا يختصّ فائدة الحجر بما يفيده نفي الضرر.
الظاهر: نعم، لأنّ وجوب أداء كلّ دين غير مرتبط بالآخر، فلا منع له عن امتثال بعضه، سيما مع عدم إمكان امتثال الجميع، كما على الفرض، و إيجابه الضرر على الآخر يعارضه ضرر الأوّل، فيتعارض الضرران، و يبقى السلطنة المالكية بلا معارض. نعم، مقتضى ما سنذكر في تعارض الضررين من ترجيح الأخفّ، منعه عن اختيار الأكثر، فهو الأشبه لو لا- الإجماع على خلافه- قبل الحجر، و كيف كان فالأولى بل الأحوط ملاحظة النسبة.
فلم يجز إن كان عليه دين يستوعب إبراء حقّه على من عليه و لم تبرأ ذمّته؟
فيه إشكال، و لا يبعد الإلحاق، لاتحاد المناط و أصالة بقاء الحقّ.
قبل الحجر لظهور الإجماع، و لأنّ الإقرار ليس سببا ناقلا بل إخبار عن الواقع، و هو مسموع بالأدلّة القطعية فيما يتعلّق بالضرر على النفس أصالة، و إن كان من لوازمه ما يؤدّى إلى ضرر الغير، كما في نظائر المقام من الأقارير النافذة.
الظاهر: الثاني، إذا علم عدم التمكن من أدائه عند الأجل، لصدق الضرر على المدين بإتلافه عرفا، كما إذا استدان من له بضاعة مائة ألف دينار إلى شهر أو سنة،
فوهب المجموع لغيره، فيشمله أدلّة نفي الضرر، بل تقتضيه دليل المقدّمة بالتقريب المتقدّم أيضا، لوجوب إبقاءها لعين ما دلّ على وجوب إتيانها إذا كان ذو المقدّمة واجبا مطلقا، كما في الفرض، فإنّ اشتغال ذمّة المديون بالدين غير مشروط بحلول الأجل، بل و لا وجوب أدائه، فإنّه واجب مطلق، و إنّما الأجل وقت امتثال الفعل، لا وقت تعلّق الوجوب، و فرق بيّن بينهما، كما في قول الآمر: أوجبت عليك أن تفعل غدا كذا، و قوله: سأوجبت عليك أو يجب غدا عليك أن تفعل كذا.
و ما نحن فيه من الأوّل، حسب ما يقتضيه الأدلّة، فيجب عليه بعد تعلّق الوجوب قبل حلول الوقت تحصيل مقدّمات الفعل في وقته، أو إبقاء المقدّمة الموجودة مما يعلم فوته في الوقت و لم يتمكّن منه، فهو من قبيل الأمر بضيافة زيد في المساء، المتوقّفة على تحصيل القرى أو إبقاءها في النهار، و اللّه العالم.
مشرق: في بيان حكم المال المجهول مالكه.
اعلم أنّ المال إن كان له مالك معروف فهو، و أسباب الملك كثيرة، كالإحياء و الحيازة، و الإرث، و العقود الناقلة و الاختلاس من أهل الحرب، و الاغتنام، و الاصطياد، و الوصية، و الوقف، و الصدقة، و النذر، و قبض الزكاة، و الخمس، و الدين، و تحليل الإمام عليه السّلام و إقطاعه، و غير ذلك. و لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنه، إلّا فيما ورد الإذن فيه من الشرع قهرا، كالشفعة، و المقاصّة للمماطل، و بيع مال الممتنع عن الحقّ الواجب، و رجوع البائع في عين ماله للتفليس مقدّما على سائر الديان، و نحو ذلك، و إن لم يكن له مالك معروف فله أقسام كثيرة أكثرها مضبوطة في كتب الفقهاء بعنواناتها الخاصّة، لها أحكام مخصوصة، كاللقطة، و الكنز و المال المختلط بالحلال و الحرام و غيرها، و لا كلام لنا هنا فيها، بل المقصود هنا بيان ما ليس له عنوان خاصّ من تلك العنوانات، و هو الذي يعبّر عنه بالمجهول المالك على وجه الإطلاق. و النظر إمّا في من يملكه، أو في مصرفه.
أمّا الأوّل: ففي بقائه على ملك مالكه المجهول، أو كونه للفقراء، أو للإمام عليه السّلام
وجوه بل أقوال، أوجهها الأوّل؛ للاستصحاب و عدم الدليل المخرج، و الأخبار الآمرة بالتصدّق به غير منافية له، كما لا ينافيه في اللقطة مع بقاءها على ملك مالكها على المعروف بينهم، بل في رواية عليّ بن حمزة (1)الآمرة بالتصدّق للمالك إشعار ببقائه على ملكه كأكثر كلمات القوم، و دلالة ظاهرة على عدم كونه للإمام عليه السّلام.
و القول بأنّ الأمر بالتصدق لا يلزمه، لاحتمال كونه من باب التصرف بالمالكية، لأنّ له أن يضع ملكه حيث يشاء- مع ما فيه من أن الاحتمال لا يرفع حكم الاستصحاب- مخدوش بأنّ الأصل في الأوامر و تصرّفات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الحجج في الخطابات الشرعية، سيما في أمثال أجوبة المستفتين كونها على سبيل التبليغ و الفتوى، دون الإمامة و الرئاسة أو القضاء و الحكومة، كما صرح به الشهيد في قواعده (2)، لأنّه الأغلب في الخطابات، و قلّ ما يتّفق خلافه فيها، و هو المعهود من طريقة السلف من أصحابهم و تابعيهم و من لحقهم من العلماء في فهم مرادهم و بناء عملهم عليه فالأغلبية- خصوصا بملاحظة طريقة الحاضرين و سيرة العلماء- قرينة ظاهرة على إرادة التبليغ، فحيث لا قرينة بالخصوص يحمل الخطاب عليه. و كون القرينة ظنّية لا ضير فيه، لصدق كونه ظنا مستفادا من كلام المعصوم عليه السّلام، و صلاحية الغلبة المذكورة لاستناده إليها في تفهيم مراده، و هو حجّة. بل لا يبعد القول بأنّ إرادة خلافه مع ظهوره في الفتوى إغراء قبيح.
و لأمر ما أفرط بعضهم (1)و قال: قوله عليه السّلام: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (2)، تبليغ أو إفتاء، فيجوز الإحياء لكلّ أحد في زمان الحضور، أذن الإمام عليه السّلام فيه أم لا.
و أجيب عنه بأنّ اشتراط الإذن يعلم من دليل خارج، لا من هذا الدليل. و قال آخر:
قوله عليه السّلام لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان- حيث قالت له: إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني و ولدي ما يكفيني-: «خذي لك و لولدك ما يكفيك بالمعروف» (3). افتاء.
فيجوز المقاصّة للمماطل و لو بغير إذن الحاكم.
و مما يؤيّد بل يدلّ على عدم كونه مال الإمام عليه السّلام عدم ذكره في كلماتهم في عداد الأنفال، المشعر باتفاقهم عليه، سيما مع عدم إشعارهم في الحكم بالتصدّق به لكونه له عليه السّلام، كما ذكروه في إرث من لا وارث له، و منه ينقدح ظهور النصوص الحاصرة للأنفال بغير المال المجهول في خروجه عنها.
و ما في جملة منها من الأرض التي جلى أو باد أهلها، فالمراد به ما من الأرضين التي انقطعت عنها أيدي الكفار، كما يدلّ عليه سوق الأخبار، فإنّ منها ما يعمّ المسلمين، و هي المأخوذة عنهم قهرا و عنوة، و منها من الأنفال المختصّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإمام عليه السّلام، و هي ما لم يكن فيها هراقة دم و لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، بأن جلى أهلها أو صولحوا و أعطوا بأيديهم. فمقتضى النصوص أنّ تلك الأرض بهذا العنوان من الأنفال، لا من حيث كونه مجهول المالك، و لذا اختصّت
بالأرض، و يعمّ معروف المالك، و يومئ إليه تقييدها بعدم حمل خيل و لا ركاب عليها، أو بعدم هراقه دم فيها، و العطف عليها في أكثرها بقوله: «أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم»، و نحو ذلك مما هو ظاهر بل صريح في كون المقصود منها أرض الكفار، فلا يتمّ الاستدلال بتلك الأخبار على كون مال المجهول المالك من الأنفال.
و نحوه التمسّك عليه برواية داود بن أبي زيد (1)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: إني قد أصبت مالا، و إنّي قد خفت فيه على نفسي، فلو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه، فقال عليه السّلام: «لو أصبته كنت تدفعه إليه»؟ قلت: أي و اللّه، فقال عليه السّلام: «و اللّه ما له صاحب غيري»، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: «فحلف» قال:
«فاذهب و قسّمه في إخوانك و لك الأمن مما خفت فيه»، قال: فقسّمه بين إخوانه، نظرا إلى عمومه بترك الاستفصال الشامل لمجهول المالك.
و يضعف بشموله اللقطة أيضا، و هي ليست للإمام عليه السّلام اتفاقا، فيحتمل قريبا أن يكون المراد منه ما هو العائد إليه من ديوان السلاطين و الولاة الذين كانوا في عصر الإمام عليه السّلام، أو كان ينتهي إليه على ما يقتضي الاعتبار من شيوعه في أزمنتهم، و هو غالبا للإمام عليه السّلام لكونه من الأخماس أو الأنفال أو مال الخراج الذي ولايته له عليه السّلام بل في عدّة من المعتبرة أنّ كلّما في يد الناصب مال الإمام عليه السّلام.
و أمّا الثاني: فالمعروف بين الأصحاب أنّه يتصدّق به على فقراء الشيعة بعد الجهد في طلب المالك و اليأس عنه، للمستفيضة من الأخبار (2).
و منها صحيحة يونس؛ كنّا مرافقين لقوم بمكّة و ارتحلنا عنهم و حملنا ببعض متاعهم بغير علم، و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم و قد بقى المتاع
عندنا فما نصنع به؟ قال: فقال: «يحملونه حتّى يلحقوهم بالكوفة». قال يونس:
فقلت له: لست أعرفهم و لا ندري كيف نسأل عنهم، فقال عليه السّلام: «نعم و أعط ثمنه أصحابك» قال: فقلت: جعلت فداك، أهل الولاية؟ قال: «نعم».
و رواية على بن حمزه (1)، و فيها: إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم- يعني بني أميّة- فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و أغمضت من مطالبه- إلى أن قال عليه السّلام-: «فاخرج من حيث اكتسبت من ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدقت له» الحديث. و غيرهما.
و ما في جملة من الأخبار من الأمر بتركه على حاله، فهو ظاهر فيما لم يعلم له مالك، و هو للإمام عليه السّلام من باب ميراث من لا وارث له، يفعل به ما يشاء، أو فيما لم يحصل اليأس عن مالكه بعد عادة، و تلك الأخبار و إن اختصّت بغير الأرض و لكن يتمّ العموم بالإجماع المركّب في جواز التصدّق.
و هل يشترط التصدّق في زمان الغيبة بإذن الحاكم و تعيينه المستحقّ؟
مقتضى الأصل و إطلاق الأمر في غير الأراضي عدمه، كما في اللقطة، و إن كان الأحوط كونه بتعيينه أو إذنه مطلقا، بل لا يبعد المصير إليه فيما ليس عليه يد أحد، لخروجه عن موارد الأمر.
و مستحقّه جنس الفقير، كما في الزكاة و الوقف العامّ، لا الكلّ على الإشاعة، فلا بدّ من تعيينه للدفع إليه، و لا دليل على جوازه للفقير نفسه، و لا لأحد آخر غير الفقيه المأمون، لكونه المتيقّن، فيقتصر عليه.
و من هذا يظهر قوّة احتمال اشتراط إذن الحاكم في الأراضي العامرة المجهول مالكها مطلقا، و إن كانت في تصرّف غيره، لخروجه عن موارد الأخبار، و عدم
1) وسائل الشيعة 17: 199، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22343.
ثبوت الإجماع المركّب هنا، فيقتصر على موضع اليقين، و هو التصدّق بإذن الحاكم.
و هل للحاكم أو المتصرّف استرباح المال و إجارته و التصدّق بالمنفعة؟
مقتضى النظر عدم جوازه في غير الأراضي و العقار، بل يجب المبادرة بالتصدّق بالعين، بعد بذل الجهد في طلب المالك و حصول اليأس عنه، إلّا لضرورة، كعدم وجود المستحقّ و نحوه، لا للأمر بالتصدّق، لعدم اقتضائه الفور، بل لأنّ إبقاء اليد على مال الغير و التصرف فيه زائدا على قدر ما يتصدّق به من المدة يحتاج إلى إذن المالك أو الشارع، و الأوّل متعذّر، و الثاني غير ثابت.
و أمّا الأرض المجهول المالك فالأخبار خالية عن ذكرها، و الإجماع البسيط أو المركب لم يثبت إلّا على جواز التصدّق به دون وجوبه، فما لم يتصدّق به كان للحاكم، بل عليه حكومة أو ولاية إجارتها و نحوها من وجوه الاستنفاع و التصدق بالمنفعة، صونا عن فوتها، و حفظا عن ضياع المال المحترم.
ثمّ إن تصدّق بالعين و ظهر المالك، فإن رضي بما فعل فهو، و إلّا ففي الضمان و عدمه قولان، أحوطهما الأوّل، و أشبههما الثاني.
مشرق: في أحكام الأموال الخراجية، و هي من مهمّات المسائل و فروعها سيما بالنسبة إلى زمان الغيبة كثيرة، و الحاجة إليها شديدة، و وقع في كثير منها الخلاف بين أصحابنا، و قلّ منهم من استقصاها، فرأيت أن أبيّن جلية الحال فيها.
فنقول: المراد بالخراج ارتفاع تلك الأراضي، و كثيرا ما يطلق و يراد به خصوص ما يضرب عليها من المال، كالطسق و القبالة، و بالمقاسمة الحصّة المعينة من الحاصل، كالعشر و نحوه، و هما بمنزلة الأجرة يضربان على الأرض الخراجية و أشجارها.
و في المقام أبحاث:
و هي المفتوحة أي المأخوذة عنوة و قهرا عن الكفار، أو المأخوذة بالصلح من أيديهم، بأن يكون الأرض للمسلمين و لهم السكنى، و حكمها أنّها من المسلمين قاطبة، يصرف ارتفاعها في مصالحهم، كما سيأتي. و يشترط في المفتوحة عنوة أمران
أحدهما: كون الأرض عامرة وقت الفتح، صرّح به أكثر الأصحاب، و لعلّ من أطلق أراد العامرة، تعويلا على بيان الباقين، أو تنزيلا على الغالب مما في اليد، و عن بعضهم نفى الخلاف عنه و وجه التخصيص أنّ البائرة من الموات، فلا هي قبل الفتح ملك الكفار، و لا بعده للمسلمين، بل هي من الأنفال المختصّة للإمام عليه السّلام مطلقا، حلّلها لمن أحياها.
و ثانيهما: كون القتال و الاستغنام بإذن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام الحقّ، و إلّا فهي من الأنفال. حكي عن المبسوط (1)و الفاضل و نجله لرواية مرسلة (2).
و استشكله في الكفاية (3)لضعف المستند، مع أنّه لو سلّم أنّ المفتوح بغير إذنه للإمام، فهو أباحه لشيعته.
و قال والدي العلّامة (4): إنّ الأصل فيما فتح بغير إذن الإمام، و إن كان كونه من الأنفال، إلّا أنّ الإمام عليه السّلام المالك للأنفال، أجرى على الأراضي المفتوحة عنوة بعد زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأجمعها حكم المفتوحة بإذنه، كما في الصحيح عن سيرة الإمام عليه السّلام (5)في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قد سار في أهل العراق بسيرة، فهي إمام لسائر الأرضين بضميمة ما في صحيح الحلبي عن السواد: ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، و لمن
1) المبسوط 2: 34.
2) قال في المبسوط (نفس الموضع): «و على الرواية التي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت يكون الغنيمة للإمام خاصّة ..» و نقل رواية بهذا المضمون في التهذيب 4: 135، الرواية 378.
3) كفاية الأحكام: 75، كتاب الجهاد.
4) مستند الشيعة 2: 354.
5) وسائل الشيعة 15: 153، الباب 69 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20193.
دخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق. الحديث (1).
و ربما ينزّل على هذا قولهم بأنّ أرض السواد مفتوحة عنوة، أي في حكمها بترخيص الإمام و إباحته، لا أنّها مفتوحة بإذنه.
و استظهر في الكفاية كون الفتح بإذنه عليه السّلام، لأنّ الفتوح التي وقعت في زمن عمر، كان بإذن أمير المؤمنين عليه السّلام، فإنّ عمر كان يشاور الصحابة- خصوصا أمير المؤمنين عليه السّلام- في تدبير الحروب و غيرها، و كان لا يصدر (2)عن رأي علي عليه السّلام، و نقل مصاحبة الحسنين عليهما السّلام للعسكر. و كيف كان، فالظاهر بمقتضى النصّ الصحيح، أنّ حكم تلك الأراضي المفتوحة بغير إذن الإمام عليه السّلام حكم المفتوحة عنوة، سواء قلنا باشتراط إذنه في صدق العنوان أم لا.
بل يشاركهم غيرهم، يصرف في مصالحهم العامّة، أي الجهة الغير المقصورة على أحد أو طائفة منهم، و إن لم يستوفها الجميع، كسدّ الثغور و تقوية المجاهدين و بناء القناطر و المساجد و مئونة القضاء و تعمير المدارس و أمثال ذلك، مما لم يتعلّق الغرض فيه بمصلحة أعيان طائفة دون أخرى.
و به صرّح مرسلة حماد (3)الطويلة، و هذا هو المراد من قولهم: يختصّ تلك الأراضي بالمسلمين في الأخبار المستفيضة و كلمات الطائفة، كما صرّح به بعضهم قائلا بأنّ المراد بكونها للمسلمين أنّ الإمام عليه السّلام يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالحهم على حسب ما يراه، لا أنّها ملك الجميع بالإشاعة ضرورة بطلانها، و لا أنّها من قبيل
ملك الزكاة للفقراء فيملكها من عيّنه الإمام عليه السّلام؛ لمنافاته لظاهر الإجماع و ظواهر الأخبار، و لا من قبيل الوقف على الفقراء الذي يملكها الجنس، فتعيينه للناظر في ضمن من شاء من الأفراد، لجواز تخصيصه المنفعة للبعض كيف شاء، و لا هكذا مورد البحث، بل يشبه أن يكون نظير الوقف على الجهة، كالوقف على المسجد و على المشاهد المقدّسة و نحوهما، على ما هو مختارنا فيه، من عدم كونه ملكا لأحد، بل هو محبوس على صرف منفعته على الجهة الموقوفة عليها العائدة لعامّة المسلمين.
و هل يجب الخمس في ارتفاع تلك الأراضي، كما في المحكي عن ظاهر جماعة و صريح الحلّي (1)و خمس الشرائع (2)و الفاضل في المنتهى (3)و المحقق الأردبيلي (4)و والدي العلّامة (5)فيه وجهان.
له عليه السّلام يصنع فيها على حسب ما يراه، و يقبلها من يريد بالإجماع و النصوص، كصحيحي البزنطي و محمد (6)، و رواية صفوان (7)و غيرها.
و أمّا في زمان الغيبة أو عدم استقلال الإمام الحقّ عليه السّلام، ففي توقّف التصرف على إذن السلطان الجائر مطلقا، كما قيل، بل في الكفاية (1)عن بعضهم اتّفاق الأصحاب عليه، و على تولّي الجائر لأخذ الخراج و المقاسمة و التصرف فيهما، أو عليه مع عدم الإمكان و التمكّن بدون إذنه كما في المسالك، أو جواز التقبيل بإذنه مطلقا كما هو ظاهر الأكثر، أو جوازه كذلك مع عدم الإمكان بدون إذنه، بحيث لا يمكن الاستنقاذ من أيديهم و التخلّص من ذمّتهم، و إلّا فيحرم، كما عن بعضهم، أو عدم جواز ذلك في حال، كما مال إليه مولانا الأردبيلي (2).
ثمّ على القول بعدم التوقّف على إذنه أو عدم جوازه مطلقا، أو مع عدم الإمكان ففي توقّفه على إذن الحاكم نيابة عن الإمام عليه السّلام مطلقا أو مع تمكّنه في صرفها على وجهها، كما ذهب إليه الشهيد الثاني (3)و غيره، أو عدم التوقّف عليه، و لكن جاز له و لكلّ من الشيعة خاصّة التصرف فيها و تقبيلها مع الإمكان و إلّا فللشيعة التقبيل من الجائر أيضا، كما اختاره والدي (4)، و نقل جواز تصرّف الشيعة مطلقا عند استتار الإمام عليه السّلام عن ظاهر الشيخ في التهذيب (5)- أقوال.
و حقّ المقال في تحقيق الحال: أنّه لا شكّ و لا خلاف في أنّ النظر و التولية لهذه الأملاك حقّ الإمام الحقّ عليه السّلام أصالة. و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- ما في المعتبرة، كصحيح البزنطي (6): «ما أخذ بالسيف، فذلك للإمام عليه السّلام، يقبله بالذي يرى،
كما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخيبر قبّل سوادها و بياضها»، و غيره.
و كذا لا شك، بل لا خلاف- ظاهرا- في أنّ الأصل فيما فيه الولاية للإمام عليه السّلام إذا دعت الضرورة إلى مداخلة غيره في غيبته، كونها للفقيه العدل بحقّ النيابة، إلّا ما خرج بدليل، بل في تضاعيف كلمات أكثرهم عدم الاستثناء.
و يدلّ عليه- مضافا إليه- عمومات النيابة و لو بتراكمها و تعاضد بعضها بعضا، ككونه وارث الأنبياء (1)و أمين الرسل (2)و خليفة الرسول (3)، و حصن الإسلام (4)و مثل الأنبياء و بمنزلتهم (5)و الحاكم (6)و القاضي (7)و الحجة من قبلهم (8)، و أنّه المرجع في جميع الحوادث (9)، و أنّ على يده مجاري الأمور و الأحكام (10)، و أنّه الكافل لأيتامهم (11)، و أمثال ذلك. كلّ ذلك في الروايات المتكثرة التي أكثرها معتبرة، و الباقي بالشهرة منجبرة.
فينقدح من هذين الأمرين: أنّ الأصل كون التولية و التقبيل للنائب العامّ في غيبة
1) وسائل الشيعة 27: 78، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33247.
2) الكافي 1: 46، الحديث 5.
3) وسائل الشيعة 27: 139، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33422.
4) بحار الأنوار 82: 177، الباب 20، الحديث 18.
5) «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل»؛ عوالي اللآلي 4: 77، الحديث 67؛ و عنه البحار 2: 22، الحديث 67؛ و نقله في المستدرك 17: 320، الحديث 21468؛ نقلا عن العلّامة الحلّي في التحرير.
6) وسائل الشيعة 27: 136، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33416.
7) نفس المصدر: 139، الرواية 33421.
8) نفس المصدر: 140، الرواية 33424.
9) نفس المصدر.
10) تحف العقول: 238؛ و عنه البحار 100: 80، الحديث 37.
11) مستدرك الوسائل 17: 318، الرواية 21461؛ و 320، الرواية 21466.
الإمام عليه السّلام، إلّا إذا ثبت الإذن لغيره بدليل، و من يحتمل له الإذن بملاحظة أقوال المسألة، إمّا آحاد الشيعة أو السلطان الجائر، و الأوّل غير ثابت لعدم دليل معتبر عليه، و إن قلنا بكون من في يده أحقّ من غيره كما سيجيء. و به صرّح في المسالك (1)قائلا: و ليس هذا من باب الأنفال التي أذنوا لشيعتهم في التصرف فيها حال الغيبة، لأنّ ذلك حقّهم، فلهم الإذن فيه مطلقا، بخلاف المفتوحة عنوة، فإنّها للمسلمين قاطبة، و لم ينقل منهم الإذن في هذا النوع.
و الاعتراض عليه بأنّ ما للمسلمين هو منافع هذه الأرضيين أو مع رقبتها، و أمّا التصرف و التقبيل فحقّ الإمام عليه السّلام، و يكون له الإذن في هذا الحقّ للشيعة، و ثبت الإذن منهم بالعمومات الدالّة على أنّ ما كان لنا فهو لشيعتنا (2)، و أنّ كلّ من والى آبائي فهم في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا، و أنّا أحللنا شيعتنا من مظلمتنا التي يعيش الناس في فضلها (3)، و نحو ذلك، حيث إنّ التصرف في تلك الأراضي كان لهم و حقّ لهم، و تقبيل الناس بها مظالم للأئمة عليهم السّلام، فيكون حلالا للشيعة بمقتضى تلك النصوص.
يندفع بأنّه لو سلّم جواز الإذن لهم لجميع آحاد الشيعة في مثل هذا الأمر الذي هو من باب الرئاسة و الولاية العامّة، فيما يتعلّق بمصلحة جميع المسلمين، فتلك العمومات قاصرة عن إفادة هذا الإذن، لظهورها بحكم التبادر في الحقوق المالية من الأعيان و المنافع، لا فيما يشمل حقّ الولاية و الرئاسة.
و أمّا السلطان الجائر، فلا ينبغي الريب في حرمة تصرّفه و تقبيله، و لعلّه إجماعي، كما حكاه بعضهم، كيف و هو حقّ الإمام، و قد تولّاه غصبا و عدوانا، مانعا لمستحقّه و أهله عنه، فما في الكفاية- من منع الحرمة بعدم ثبوتها إذا كان غرضه جمع حقوق المسلمين- في غاية الحزازة، فإنّ أصل الجمع حقّ إمام المسلمين أيضا، لا يجوز لغيره التصدّي له إلّا بإذنه، بل لو سلّم الإذن، فالحكم بجواز عمل الجائر مشكل أيضا، لاختلاف وجوه العمل و أحكامه باختلاف النيّات، و من الظاهر أنّ عمل الجائر ليس من باب الوكالة و الرخصة من صاحب الحقّ، بل من جهة الاستحقاق و الاستخلاف، فهو متفرّع على الخلافة المغصوبة، و جواز التقبّل منه في غير صورة الاستنقاذ و تخليصه من يد الغاصب غير مسلّم، و لو سلّم فهو لا يستلزم جواز التقبيل له، كما في إطعام الغاصب الطعام المغصوب لمالكه مع جهله به، فهو خارج عن عموم حرمة المعاونة على الإثم، مع أنّ إبقاء الجائر يده عليه إثم أيضا، فالإثم واقع على كلّ حال.
و أمّا التقبّل من الجائر مع إمكان التصرّف لمن له الحقّ أو لنائبه، فالحكم بجوازه مشكل أيضا، بل الظاهر عدمه، للأصل و عدم ثبوت المخرج، كما قاله جمع من الأجلّة، و في بعض الصحاح حرمة كسب غير الشيعة ممّا في يده من الأرض (1). و ما في عدّة من الروايات (2)من جواز أخذ الخراج منه بالبيع و الشراء و الحوالة و غيرها، المشعر بجواز التقبّل منه، ظاهر الاختصاص بصورة عدم التمكّن، كما ستعرف.
و مثلها الأخبار المجوّزة المطلقة ظاهرا بشهادة الواقع في زمن الأئمة، بصورة عدم تمكّن الغير، مع أنّ في دلالة أكثرها على العموم تأمّل، لعدم كون الإطلاق فيها
منساقا لبيان جواز التقبّل من السلطان، بل وقع في جواب السؤال عن حكم الإجارة بعد الاستيجار من السلطان و نحوه، فلا يفيد العموم.
و بالجملة ما دلّ على عموم التقبّل من الجائر و لو مع الإمكان عن أهله غير معلوم الثبوت، فلا يجوز المصير إليه، مع مخالفته للأصول القطعية، سيما مع ما فيه من المعاونة على المعصية و إعانة الظالم و قبح إقامة الباطل.
و أمّا مع عدم إمكان التصرّف بدون التقبّل منه فالظاهر أنّه جائز، بل لعلّه معقد الإجماع، و في الأخبار المتكثرة عليه دلالة ظاهرة.
و دلّ عليه تقريرهم عليه المعلوم من الآثار، بل صحيح الحلبي (1)و رواية عبد اللّه بن محمد (2)تدلّان عليه بتقرير الإمام عليه السّلام. و يؤيّده، بل يدلّ عليه أنّه لولاه لوقع الشيعة غالبا في الحرج و ضاع حقوقهم، كما ذكروه.
فالمعتمد في المسألة أن تولية هذا الأراضي و النظر فيها حال الغيبة للنائب العامّ مع تمكّنه و إمكان التصرّف بدون إذن الجائر، فيتوقّف التصرّف على إذنه، و للجائر مع عدم التمكّن بدون إذنه فيمضى- حينئذ- تقبيله، و حكم تصرّفه فيها حكم تصرّف الإمام العادل عليه السّلام بالنسبة إلى الرعية.
و تناوله و شراؤه منه، و إن كان ظالما في أخذه و محرما عليه التصرّف فيه. و هو في الجملة لا خلاف فيه ظاهرا، كشفا و نقلا فاستشكال المحقّق
الأردبيلي (1)مندفع به، مضافا إلى لزوم العسر و الحرج للشيعة لولاه، و ظهوره من فحاوي الأخبار و مطاوي الآثار و خصوص النصوص.
منها: صحيح الحذّاء (2)عن الرجل منّا يشتري عن السلطان من إبل الصدقة و غنمها، و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: فقال:
«ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائه منه؟ قال: «إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس» فقيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا فيأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه فقال: «إن كان قد أقبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس به منه بغير كيل».
و الإيراد: بعدم دلالة قوله: «لا بأس حتى تعرف الحرام بعينه» (3)على جواز شراء الصدقة، بل غايته جواز شراء غير معلوم الحرمة فلا يفيد المطلوب، مدفوع؛ بظهور رجوع الضمير إلى شراء إبل الصدقة المسؤول عنه، مع أنّه لولاه لم يطابق الجواب السؤال.
و ربما يناقش أيضا، باختصاصها بالزكاة، فلا يشمل الخراج، و منع ظهور لفظ القاسم في المقاسمة، سيما بقرينة المقابلة للمصدق، لتحقّق القسمة في صدقات الغلّات أيضا، و احتمال اختصاص لفظ المصدّق عندهم بمن أخذ صدقات الأنعام،
أو كون المأخوذ مال مقاسمة مالك الأرض، حيث قاسمها الزارع لا السلطان، و السؤال باعتبار البيع، اعتمادا على الكيل السابق، و باحتمال كون المصدّق من قبل الإمام العدل أو هو الفقير المستحقّ.
و يضعف الأوّل: بأنّه لو لم نقل بتبادر القاسم سيما في أزمنة المعصومين عليهم السّلام، بحكم الحدس و الاعتبار في المنصوب من قبل السلطان لأخذ المقاسمة، فيشمله قطعا، فيعمّه الحكم بترك الاستفصال، مع أنّ الظاهر عدم القائل بالفصل بين الزكاة و الخراج.
و الثاني: بكونه بعيدا- كما قيل- بملاحظة حال الأئمّة عليهم السّلام في زمان صدور الرواية، لاشتداد التقيّة، مع أنّ عموم اللفظ كاف في الدلالة.
و منها: الحسن (1)«و ما منع ابن أبي سمان أن يخرج شباب الشيعة فيكفونهم ما يكفي الناس و يعطيهم ما يعطى الناس» ثمّ قال للراوي: «لما تركت عطاءك»؟
قلت: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي سمان أن يبعث عليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا»؟ (2)دلّ على جواز أخذ الراوي من بيت المال الذي في أيديهم، الغالب فيه اجتماع وجوه الخراج و المقاسمة، و إنكاره على ابن أبي سمان من منعه عنه.
و منها: ما دلّ على احتساب ما يأخذه السلطان من الزكاة الدال على حكم الخراج بعدم القول بالفصل، كصحيح يعقوب بن شعيب (3)، عن العشور التي يؤخذ من الرجل أ يحتسب به من زكاته؟ قال: «نعم، إن شاء اللّه».
و صحيح الحلبي (1): عمّا يأخذه السلطان من صدقة المال، فقال: «لا أمرك أن تعيد».
و مرسل محمد (2): عن الرجل يؤخذ منه هؤلاء زكاة ماله أو خمس غنيمته أو خمس ما يخرج له من المعادن، أ يحسب ذلك في زكاته و خمسه؟ قال: «نعم».
و غير ذلك من النصوص.
و منها: موثق سماعة (3)، عن شراء الخيانة و السرقة، قال: «إذا عرفت أنّه كذلك فلا، إلّا أن يكون شيئا تشتريه من العمال».
و خروج أفراد معلوم السرقه و الخيانة من العمل أيضا غير ضائر للباقي، بل الظاهر أنّ مفروض البحث هو الفارق الموجب للتفصيل، و إلّا كان الفصل خاليا عن التحصيل، و منع صدق الخيانة على المفروض سخيف، فإنّه لا خيانة أعظم من التصرّف في حقّ الإمام بغير حقّ و مال جميع المسلمين.
و منها: حسن محمّد و أبي بصير (4)، قالا له: هذه الأرض التي تزارع أهلها، ما ترى فيها؟ فقال: «كلّ أرض دفعها إليك سلطان فما حرثته لها، فعليك فيما أخرج اللّه تعالى منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرجه اللّه سبحانه فيها العشر، إنّما العشر عليك، فيما تحصل في يدك بعد مقاسمته لك».
و منها: رواية محمد (5)عن الرجل يتكاري الأرض من السلطان بالثلث أو
النصف، هل عليه في حصّته زكاة؟ قال: «لا»، دلّ على خروج ما قاطعه عليه السلطان من ملكه، و إلّا كان عليه زكاته.
و منها: صحيح الحلبي (1): لا بأس أن يتقبّل الرجل الأرض و أهلها من السلطان.
و قريب منه ما رواه الثلاثة مسندا إلى إسماعيل بن فضيل و غيره.
و قد يستدلّ أيضا بإطلاق ما دلّ على جواز الشراء من الظلمة، و خصوص الموثّق: عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، فقال: «يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحدا» (2)حملا للظلم على الزائد عن المتعارف عرفا، و إطلاق المستفيضة (3)الدالّة على إباحة جوائز الظلمة.
و يضعّف بأنّ الحمل المذكور و الصرف عن الظاهر، مع ما فيه من الركاكة، لا وجه له، فهي ظاهرة في غير معلوم الحرمة.
ثم إنّ المستفاد من تلك الأدلّة حلّية المأخوذ من الجائر من مال الخراج في الجملة. و يقع الإشكال في مقامات:
منها: أنّ جواز رفع المالك مال الخراج إلى الجائر، هل هو مخصوص بصورة عدم التمكّن من المنع، أو يجب عليه مطلقا، فلا يجوز له جحد شيء منه، و لا منعه و لا سرقته.
نقل المحقّق الثاني في الرسالة الخراجية (4): القول بالإطلاق عن كثير من معاصريه،
و هو ظاهر جمع آخر.
و في الكفاية (1)عن بعضهم: الاتفاق عليه، و تأمّل هو فيه.
و عن آخرين براءة الذمّة بالدفع إجبارا، و مقتضاه عدم جوازه مع التمكّن، و به صرّح الشيخ إبراهيم القطيفي فيما نقل عنه، و اختاره والدي العلّامة و المحقّق القمّي؛ اقتصارا فيما خالف الأصل و النقل على ما ثبت فيه الإجماع و النصّ، و هما في الفرض غير معلومين، بل معلوم العدم.
أمّا الأوّل: فظاهر، بل عن ظاهر الشيخ المتقدّم دعوى الضرورة الدينية على خلافه. و إطلاق كثير من الفتاوى محمول على صورة عدم التمكّن بحكم الغلبة بل الاطّراد، و لا أقل من عدم ثبوت الاتفاق به، سيما مع مخالفة هؤلاء.
و أمّا الثاني: فلعدم الدلالة إلّا باعتبار ظاهر العموم المستفاد من ترك الاستفصال في بعضه، و إفادته في المقام بعد ظهور المسؤول عنه في صورة الخوف و عدم التمكّن، بل انحصار الواقع فيها ممنوعة، مع أنّ صحيح العيص (2)في الزكاة الدالّة على حكم الخراج بعدم القول بالفصل على ما ذكره بعض الأجلّة «ما أخذ منكم بنو أميّة فاحتسبوا به و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم» يخصّصه بها على فرض العموم، كما يخصّص به عموم صحيح الشحام (3)المانع عن الاحتساب- مطلقا- بصورة التمكّن.
و هل يجوز الأخذ من الجائر بعد دفع المالك إليه اختيارا؟ فيه إشكال، و إن كان مقتضى ما ذكر عدمه ظاهرا، و لعلّه لا إشكال في جوازه إذا كان المالك متديّنا بدين
الجائر، أو لم يعلم حال المالك من الاختيار و الاضطرار و التمكّن من الجحد و عدمه.
و منها: أنّه هل يشترط رضى المالك و الاستيذان منه؟
الظاهر لا فيما يحتسب لخروجه عن ملكه في مال الخراج، و إلّا لم يحصل له البراءة منه.
و منها: أنّه هل يختصّ جواز الأخذ و الحلّ بغير الشراء لمستحقّ الخراج، كما هو صريح الوالد و الفاضل المتقدّم و محتمل بعضهم، أو يعمّ غيره كما هو ظاهر جماعة؟ (1)المعتمد الأوّل، للأصل و عدم الدليل، و الحسن المتقدم ليس بذلك الصريح، بل و لا الظاهر في العموم في مقابل ما دلّ على خصوص مصارفه، و أمّا بالشراء فيعمّ المستحقّ و غيره من غير خلاف.
و منها: أنّه هل يقتصر في الحكم بالصحّة بالشراء من الجائر الذي هو مورد النصوص و بما بعد قبضه أو قبض وكيله الذي اشترطه في صحيح الحذاء المخصّص لإطلاق غيره، و احتمله المولى الأردبيلي، و توقف فيه بعضهم، أو يعمّ غير الشراء من المعاوضات و ما قبل القبض، كما هو ظاهر جماعة؟
مقتضى الأصل الأوّل، إلّا إذا ثبت الإجماع على العموم، كما عزّاه بعضهم إلى الأصحاب من غير خلاف، و آخر إلى إجماع علمائنا و روايات أصحابنا.
و كيف كان فالأحوط الأوّل، نعم، في حكم القبض الحوالة و الدلالة على المالك في الإعطاء بغير معاوضة، لإطلاق الحسنة الأولى و غيرها، لكن بشرط استيلاء الجائر و عدم تمكّن المالك من منعه عنه.
و منها: أنّه هل يجوز أخذ الزائد على القدر المعتاد في ذلك الزمان أو المعتبر في
1) مستند الشيعة 2: 358.
أصل الشرع أم لا، بمعنى حرمة الجميع، كما يظهر من جماعة، لخروجه بالزيادة عن المسمّى فيحرم الجميع أو يحرم القدر الزائد خاصة، و هو الأشبه.
و منها: أنّه هل يشترط أن يكون الجائر مخالفا لمذهب الحق، كما مال إليه الشهيد الثاني (1)و جماعة أو يعم الموافق كما للآخرين؟
الأصحّ الأوّل، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النصوص، و هي مخصوصة بالمخالف، لأنّه المسؤول عنه و المدلول عليه بالقرائن التفاتا إلى ما وقع في الواقع أو الغالب.
أحدها: صحّته للمتصرّف مطلقا، حكي عن الشيخ في التهذيب (2)، لتحقّق القسمة فيها للبائع، لأنّها أراضي المسلمين.
و ثانيها: عدمها كذلك، نسب إليه في المبسوط (3)قائلا فيه: لا يصحّ بيع شيء من هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تمليكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه و لا يصحّ أن يبنى عليها دور و منازل و مساجد و سقايات و غيرها من أنواع التصرف الذي يتّبع الملك، و متى فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلا و هو باقيا على الأصل.
و ثالثها: صحّته في بنيانها و حقّ تصرّفها لا في نفس رقبتها، لا مستقلة و لا تبعا لآثار المتصرف، اختاره الحلّي و يظهر من الفاضلين، و اعتمده والدي العلّامة (4)، إلّا
أنّه قال: يملك المشتري بتبعيّة بيع الآثار حقّ التصرف فيها إذا تبعت (1)الآثار كائنة فيها، و كان مقصودهما بقاء الآثار فيها.
و رابعها: صحّته في نفس الرقبة تبعا لآثار المتصرّف من بناء أو غرس أو زرع و نحوها، لا مستقلة بل مستدامة بدوامها فإذا ذهبت انقطع حقّ المشتري في البيع و الموقوف عليه في الوقف و غيرهما، استقواه الشهيد الثاني (2)و نسبه إلى جمع من المتأخّرين.
و خامسها: منع البيع و الوقف و غيرهما فيها حال ظهور الإمام عليه السّلام و جوازها في الغيبة. ذهب إليه الشهيد في الدروس (3).
و يظهر من تلك الأقوال وقوع الخلاف في جواز وضع الآثار فيها أيضا، و منشأ اختلاف الأقوال اختلاف الروايات و إجمال كثير منها ظاهرا.
و الذي يظهر لي من تضاعيف الأخبار أنّ تلك الأراضي و إن كانت للمسلمين كافة، إلّا أنّه يملكها المتصرف بالتعمير و القيام عليها و وضع الآثار فيها، نظير أرض الموات التي هي ملك الإمام عليه السّلام و يملكها المحيي، لكن ملكيتها للمتصرف ليست على حدّ ملكية سائر الأملاك، بل هي ممتدّة إلى زمان العمارة، فإذا زالت انقطع حقّه، و هو ما صرّح به شيخنا الشهيد، و عليه خراجها ما دام في يده و لو بعد التملك، فيجوز له بيعها و شراءها.
فمن الأخبار الظاهرة في ذلك صحيح محمد (1)عن الشراء من أرض اليهود و النصارى فقال: «ليس به بأس، و قد ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أرض أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها و يعمرونها، و ما بها بأس إذا اشتريت شيئا منها، و أيّما قوم أحيوا شيئا و عملوها فهم أحقّ بها و هي لهم».
و صحيح آخر (2)عن شراء أرضهم فقال: «لا بأس أن يشتريها، فيكون إذا كان ذلك بمنزلتهم يؤدّى منها كما يؤدّون منها».
و عن أبي بصير (3)في الصحيح عن شراء الأرضين من أهل الذمّة، فقال: «لا بأس أن يشتري منهم إذا عملوها و أحيوها فهي لهم، و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين ظهر على خيبر و فيها اليهود و خارجهم على ترك الأرض في أيديهم يعملونها و يعمّرونها».
و رواية محمد بن شريح (4)عن شراء الأرض من أرض الخراج فكرهه، و قال:
«إنّما أرض الخراج للمسلمين»، فقالوا له: فإنّه يشتريها الرجل و عليه خراجها، قال: «لا بأس إلّا أن يستحيي من عيب ذلك».
و عن محمد بن مسلم و عن عمر بن حنظلة (5)قال: سألته عن ذلك فقال: «لا بأس بشرائها، فإنّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدّى عنها كما تؤدّى عنها».
1) وسائل الشيعة 15: 156، الباب 71 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20199، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
2) نفس المصدر 17: 369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22770.
3) نفس المصدر 25: 416، الباب 4 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32248.
4) نفس المصدر 17: 370، الباب 21، الرواية 22772.
5) نفس المصدر 15: 156، الباب 71، الرواية 20199.
و عن حريز (1)رفع إلى أمير المؤمنين عليه السّلام رجل مسلم اشترى أرضا من أراضى الخراج، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: «له ما لنا و عليه ما علينا، مسلما كان أو كافرا، له ما لأهل اللّه سبحانه و عليه ما عليهم».
و رواية أبي بردة (2): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: «و من يبيع ذلك و هي أرض المسلمين؟» قال: قلت: يبيعها الذي في يده؛ قال: «و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟» ثم قال: لا بأس أن يشتري حقّه منها و يحول حقّ المسلمين عليه، و لعلّه يكون أقوى عليها و أملى بخراجهم للّه تعالى».
و رواية الهاشمي (3)المتضمّنة لتقرير الإمام عليه السّلام عن رجل اشترى أرضا من أراضي الخراج، فيبنى فيها أو لم يبن غير أنّ أناسا من أهل الذمّة نزلوها أله أن يأخذ منهم أجور (4)البيوت إذا أدّوا جزية رءوسهم؟ قال: «يشارطهم فما أخذ بعد الشرط؛ فهو حلال».
و صحيح الحلبي (5)عن السواد ما منزلته، فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد»، فقلنا: الشراء من الدهاقين، قال: «لا يصلح إلّا أن يشترى منها على أن يجعلها للمسلمين، فإن شاء وليّ الأمر يأخذها أخذها»، قلنا: فإن أخذها منه، قال: «يردّ إليه رأس ماله و له ما أكل من ثمنها».
1) وسائل الشيعة 15: 157، الباب 71 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20202.
2) نفس المصدر: الرواية 20194.
3) نفس المصدر 17: 369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22767.
4) في الوسائل: أجرة البيوت.
5) نفس المصدر 17: 371، الباب 21، الرواية 22773؛ و 25: 435، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32293.
و المناقشة في الصحيح الأخير و أمثاله بل جعلها دليلا للمنع بأنّ المستثنى ليس شراء حقيقيا مملّكا للرقبة و إلّا لم يجز لوليّ الأمر أخذها منه، و لم يجب جعلها للمسلمين، فهما قرينتان على عدم إرادة الشراء الحقيقيّ؛ مخدوشة بأنّ الشراء الشرعيّ لا ينافي سلطنة الإمام عليه السّلام على أخذه منه و قطع ملكه عنه، فإنّ له السلطنة الكبرى يتصرّف كيف يشاء، و في النصوص ما له أعظم من ذلك من السلطنة و الاستيلاء على تمام الأرضين و خصوص الأرض المحياة.
و يظهر من الأخبار أنّ للقائم- عجّل اللّه تعالى فرجه- بعد ظهوره أن يأخذ الأراضي التي أحياها الناس من أيديهم و يأخذها (1)من أيدي المخالفين و يترك ما في أيدي الشيعة تفضلا عليهم، مع أنّها لهم بالإحياء، كما في النصوص و الفتاوى، فلا يصلح ذلك قرينة لصرف الشراء عن معناه الحقيقيّ، و كذا قوله عليه السّلام: «على أن يجعلها للمسلمين» لظهوره بعد التصريح بجواز شراء الرقبة في كون المراد منه قصد أداء خراج المسلمين منها، سيما بملاحظة موافقته لروايات كثيرة أخرى.
و إلّا فالطريق في إثباته منحصر في الخبر المعتبر أو شهادة عدلين.
و منه إقرار ذي اليد نظرا إلى أنّ من أقرّ له في حكم ذي اليد عرفا و شرعا بمقتضى المستفيضة الدالّة على أنّ من أقرّ بعين لأحد فهو له (2).
و قول ذي اليد في دعواه الاختصاص لنفسه ملكا أو ولاية معتبر.
و ذكر بعضهم من طرق الثبوت ضرب الخراج من الحاكم و إن كان جائرا، حملا لتصرّف المسلم على الصحّة، و ردّ بأنّ هذا يتمّ إذا كان الحكم بكونه خراجيا مصحّحا لتصرّفه و أخذه، و ليس كذلك.
و قال والدي العلّامة (1): الحمل على الصحّة- لو سلّم- فإنّما هو في أفعال الشيعة خاصّة، و مع تسليم المطلق لا يثبت إلّا كون الأراضي خراجية عند من يأخذ الخراج أو مع من تقبّله عنه، و هذا غير كاف للثبوت عند مجتهد آخر أو معتقد طائفة غير معتدّ به لغيرهم.
نعم، لو كانت الأرض في يد السلطان يتقبّلها أو يوجرها لمن يشاء، فهذا من باب اعتراف ذي اليد بكونها خراجية، و هو كاف في الثبوت، و لا حاجة الى تحمل الحمل على الصحّة، و كذا إذا كانت في يد الرعية و يعطون الخراج معترفين بكونها حقّا، و أمّا إذا أعطوا كرها من غير اعتراف منهم بالحقّيّة، فالحمل على الصحّة في عمل السلطان يعارض حمل كراهة الرعية عليها.
أقول: و هاهنا أمر آخر غير حمل الفعل على الصحّة و إقرار ذي اليد، و هو استمرار العمل في ظاهر الحال و لو من السلطان المخالف في الأرض، على وجه كونها خراجية من تقبيلها لمن يشاء على هذا الوجه، و أخذ طسقها و إقدام الرعية على تقبّلها منه، و بالجملة: جريان الأمر و استمراره على آثار الخراجية، فإنّه دليل للخراجية. و إن لم يظهر من ذي اليد إقرار أصلا، بل هو نفس الخراجية الظاهرة كما في غيرها من الأوصاف الشرعية كالملكية و الزوجية و الوقفية.
فإنّها قسمان: واقعية؛ و هي الثابتة في نفس الأمر مسبّبة عن أسبابها الواقعية، و ظاهرية؛ و هي الحالة الظاهرة بحسب الآثار و الأعمال، و الجري عليها مع عدم
1) مستند الشيعة 2: 359.
العلم بمخالفتها للواقع، و عدم كونها ناشئة عن أسبابها النفس الأمرية، نظير الحكم الظاهري في مقابل الحكم الواقعي في الأحكام الشرعية.
و تلك الظاهرية في أمثال ذلك متّبعة في ظاهر الشرع، بل هي مناط الشهادات غالبا في الأملاك و المناكح و الأنساب و الأوقاف و الولايات و غيرها، فيشهد بالزوجية بالاطّلاع على كونها في حبالة الزوج و توافقهما في آثار الزوجية مدة طويلة، و يقطع الدعوى و حقّ الحلف بمثل تلك الشهادة، و إلّا فكيف يمكن للشاهد غالبا الشهادة مع عدم علمه بأسبابها الواقعية، فضلا عن كونها منتهية إلى حسّه المشروط في الشهادة. و معلوم أنّ هذا غير مجرّد اليد الموجبة، لتقدّم القول الغير المسقط للدعوى و حقّ الحلف، و إن علمها، بل و إن علم منه الجهل بالحال.
و قد يجعل مطلق الظنّ- كالحاصل من كتب السير و التواريخ- من طرق الثبوت أيضا؛ لدوران الأمر بين كونها مفتوحة عنوة أو صلحا على كونها للمسلمين أو لمن في أيديهم من الكفار، فإمّا يحكم- حينئذ- بانتفاء الخروج و كونها على سبيل الثاني فيما يخالف الظنّ، ففيه ترجيح حكم بلا مرجّح، أو يرجع الى الظنّ فهو المتعيّن.
و فيه أنّ هنا احتمالا ثالثا هو كونها مواتا أحياها المسلمون إذا أسلم (1)أهلها طوعا و نحو ذلك، و أنّ الأصل فيما يقتضي عدم كونها خراجية دليل شرعيّ مقدّم على الظاهر في أمثال تلك الموضوعات.
نعم، فيما انتفى فيه الأصل و انحصر الأمر في الاحتمالين المزبورين أمكن الترجيح بالظن.
ثمّ إذا انتفى الطريق المعتبر لإثباتها، فإن كان على الأرض يد تملّك من مسلم أو
1) في «م»: أو أسلم.
مسالم يلزمها حكمها، و إن كان ذو اليد غير عالم بحقيقة الحال كما في غيرها.
و في الكفاية (1)المنع من اقتضاءها الاختصاص الملكي في أمثال تلك الأراضي، حيث لا يعلمه المتصرّف و لا يدّعيه، بل لو ادّعى العلم، مع علمنا بعدم علمه لا يصدق.
و يضعّف بأنّه إن أراد نفي الاقتضاء رأسا فعموم أدلّة اليد يدفعه، و إن أراد نفيه ملكا لكون اليد أعمّ منه، فمع فرض وقوع التصرّفات المالكية فيها كالمعاملات الاستقلالية لا وجه للمنع، و علم المتصرّف بالواقع غير لازم في الاقتضاء، و إلّا لما دلّت اليد على الملك إلّا في نادر.
و إن لم يكن عليها يد كذلك، فصور الشك ثلاث:
إحداها: أن لا يعلم وقوع الفتح عليها مطلقا و حينئذ يعمل بالأصل و يلزمها حكم مجهول المالك أو بلا مالك.
و ثانيتها: أن يعلم كون البلده مفتوحا عنوة و هذه الأرض منه، و شك في كونها عامرة حين الفتح، و يلزمه حكم ما تقدّم أيضا لأصالة تأخّر الحادث.
و ثالثتها: الصورة بحالها و اشتبه العامر المعلوم وجوده إجمالا حين الفتح بين موضع هذه الأرض و غيره من الأراضي التابعة أو القرينة إلى البلد، و الحكم- حينئذ- بكونه مجهول المالك مشكل؛ لتعارض أصل تأخّر الحادث مع أصالة بقاء العامر و عدم تغيّره بما عليه حال الفتح، فإن كان- حينئذ- مرجّح ظنّيّ فهو كما مرّ، و إلّا فالوجه التوقف و الاحتياط ببذل الخراج، و لعلّ كثيرا من الأراضي العامرة اليوم في البلاد المفتوحة عنوة من هذا القبيل.
فإن قلت: مقتضى تعارض الأصلين فيه الجهل بمالكه، فيلزمه حكم مجهول المالك أيضا.
1) كفاية الأحكام: 76.
قلت: أخبار مجهول المالك لا ينصرف إلى مثل هذا المتردّد بين كونه مفتوحا عنوة أو لمالك معيّن، لظهورها فيما له مالك مخصوص و لم يعلم به.
مشرق: فيما يتعلّق بالعدالة الشرعية التي اشترطها الشارع في الشهادة و الإمامة و غيرهما. و النظر إمّا في معناها و حقيقتها و ما يتألف منه من الأجزاء و الشروط، أو في كيفية البحث عن ثبوتها و ما يكشف عن حصولها شرعا، فهنا مطلبان:
و فيه أبحاث:
أي فيما هو المقصود منه في الشرع في المقامات المذكورة، لا في أمر وضعيّ ضرورة أنّ ليس هو وضعا لغويا أو عرفيا فإنّه بمعزل عن مختلف الفقهاء في المقام و مطرح آرائهم و أقوالهم، و لا الوضع الشرعي، لأنّه فرع ثبوت الحقيقة الشرعية، و هي غير معلومة، و على الجملة فتفاسيرهم و تعاريفهم للعدالة الشرعية مختلفة الأجناس، و جملتها أربعة:
أحدها: أنّها الملكة الراسخة النفسانية الباعثة على ملازمة التقوى و المروّة.
ذكرها في المختلف (1)و القواعد (2)و الإرشاد (3)و التحرير (4)و المهذّب (5)و نهاية الأصول (6)و المنية (7)و الدروس (8)و الذكرى (9)و التنقيح (10)و الروضة (11)و الروض (12)و جامع المقاصد (13)و الرياض (14)، و نسبه مولانا الأردبيلي إلى المشهور في الفروع و الأصول (15)، و الفاضل الهندي (16)إلى المشهور بين العامّة و الخاصّة، و الذخيرة (17)إلى المتأخرين، و في التنقيح (18)إلى الفقهاء، مشعرا بدعوى إجماعهم عليه و بها عرفها جماعة من محقّقي
1) مختلف الشيعة 8: 484.
2) قواعد الأحكام 2: 236.
3) إرشاد الأذهان 2: 156.
4) تحرير الأحكام 1: 208.
5) المهذب البارع 2: 556.
6) لم نقف عليه.
7) غنية النزوع 1: 289.
8) الدروس الشرعية 1: 218.
9) ذكرى الشيعة 4: 391.
10) التنقيح الرائع 4: 289.
11) الروضة البهية 3: 128.
12) روض الجنان: 363.
13) جامع المقاصد 2: 362.
14) رياض المسائل 2: 386.
15) مجمع الفائدة و البرهان 12: 311.
16) كشف اللثام 2: 192.
17) ذخيرة المعاد: 305.
18) التنقيح الرائع 4: 289.
العامّة كالغزالي و الحاجبي و العضدي و الآمدي (1).
و ثانيها: نفس الأفعال و التروك، بأن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر، و هو ظاهر أكثر المتقدّمين. و في البحار أنّه الأشهر في معناها و هو ظاهر الكفاية (2).
و ثالثها: المعروفية بتلك الأوصاف و التروك ظاهرا. فسّرها به الشيخ في النهاية (3)، و الحلّي في السرائر (4)، و عزّى إلى أكثر متأخري المتأخرين (5).
و فرقه مع سابقه اعتبار الواقع فيه، و المعروفية الظاهرية هنا.
و هذا القول هو المعروف بحسن الظاهر، على كون الظاهر في مقابل الواقع، فهو في مقابل القول الثاني.
و لو أريد به المحسوس في قبال الباطن، أي السريرة و الملكة النفسانية، يرجع إلى الثاني، و كان في مقابل القول الأوّل.
و رابعها: عدم ظهور خلاف المذكورات مع ظهور الإسلام.
نسب إلى المفيد في الإشراف (6)و الإسكافي (7)، و الشيخ في المبسوط (8)و الخلاف (9).
1) الغزالي في المستصفى 1: 157؛ العضدي في شرح المختصر: 167؛ الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1: 308.
2) كفاية الأحكام: 278.
3) النهاية: 325.
4) السرائر 4: 118.
5) الهداية (الجوامع الفقهية): 52؛ المقنعة: 752.
6) حكاه عنهم السبزواري في ذخيرة المعاد: 305.
7) المصدر السابق.
8) المبسوط 8: 217.
9) الخلاف 6: 218.
ثمّ الظاهر أنّ مراد القائلين بالأخير الحكم بالعدالة من باب الأصل، لا أنّه نفس حقيقتها، كما نبّه عليه في البيان (1)و الدروس (2)و الذكرى (3)و الجعفرية (4)و المسالك (5)و الكفاية (6)، و جدّي الأمجد في المعتمد، و والدي العلّامة في المستند (7)، و غيرهم (8)، فإنّ كلمات القائلين به في غاية الظهور، بل الصراحة في مغايرة حقيقة العدالة لذلك، كقول الشيخ في المبسوط عند ذكره أقسام المعرفة و الجهل بالعدالة:
«الثاني: أن يعرف إسلامهما دون عدالتهما، لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث من عدالتهما»، إلى أن قال [ما ملخصه]: و به قال قوم إن كان في قصاص أو حدّ، و إن كان غير ذلك حكم بشهادتهما بظاهر الحال، و لم يبحث عن عدالتهما بعد أن تعرف إسلامهما.
و قوله في الخلاف (9): الأصل في المسلم العدالة، فإنها لو كانت نفس ظاهر الإسلام لم يصحّ جعلها أصلا فيه، بل كان نفسها. و يؤمي إلى المغايرة أيضا كلام المفيد (10)و الإسكافي (11).
1) البيان: 131.
2) الدروس الشرعية 1: 218.
3) ذكرى الشيعة 4: 391.
4) رسائل المحقق الكركي 1: 126.
5) مسالك الأفهام 2: 321.
6) كفاية الأحكام: 278.
7) مستند الشيعة 2: 611.
8) بحار الأنوار 88: 25؛ ذخيرة المعاد: 304؛ الكافي في الفقه: 435؛ الوسيلة: 230؛ و حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 81؛ جواهر الكلام 13: 281.
9) الخلاف 6: 218.
10) حكاه عن المفيد في الحدائق الناضرة 10: 18؛ و رياض المسائل 2: 390.
11) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 328.
و كذا الظاهر أنّ القول الثالث أيضا مبنيّ على أنّ التعويل على حسن الظاهر و المعروفية بالستر و العفاف، من باب الكشف عن العدالة و الدلالة عليها، لا كونه نفسها تنزيلا لحسن ظاهر الحال في المعاشرات منزلة الواقع، أعني الاجتناب الواقعي عن القبائح الذي هو القول الثاني، كما لا يخفى على المتأمل في كلام القائلين به. فيبقى الاحتمال في أصل معنى العدالة و حقيقتها بين أحد الأوّلين، أعني الملكة النفسانية المشتهرة بين المتأخرين، و نفس تقوى الجوارح من الأفعال و التروك المعروفة بين المتقدّمين.
ثمّ من الظاهر أن ليس المراد من الثاني مجرّد الفعل و الترك من حيثهما، و لو لعدم المقتضي أو وجود المانع، كالعنين التارك للزنا و اللواط، و الأخرس و الأعمى و الأصمّ بالنسبة إلى معاصي تلك الجوارح، و غيرهم ممّن لم يتمكّن من آلات المعاصي، بل المراد كونه لتقوى اللّه عزّ و جلّ و غرض ديني، لا للرياء و السمعة أو الخوف من الناس أو مصلحة دنيوية أخرى، لعدم كونه ممدوحا- حينئذ- فليس من العدالة المأمور بها المثاب عليها إجماعا، بل العمل- حينئذ- في بعض تلك الوجوه بنفسه معصية يخالف العدالة، فلا بدّ أن يكون العمل المزبور منوطا بنيّة خالصة و فضيلة نفسانية.
و كذا ليس المراد مجرّد التلبس بهذه الأوصاف الصادق على مثل ساعة أو يوم أو على زمان الشهادة، بل مرادهم التلبّس بها دائما أو في زمان طويل، كشهر بل أكثر، من غير تخلّف عنه فيه.
و لعلّه إجماعيّ أيضا، بل هو مدلول كلمات القائلين به، فإنّه لا يصدق عرفا تلك الأوصاف التي ذكروها على الإطلاق إلّا على المواظب المداوم عليها.
ألا ترى أنّ من قال: اشتر لي عبدا عفيفا ورعا مجتنبا عن مجالسة الأراذل، أو عابدا مصلّيا ساعيا إلى المساجد، و أمثال ذلك من التروك و الأفعال، لا يفهم منه عرفا إلّا المواظب الملازم لها.
و حيث إنّ المواظبة على تلك الأوصاف في المدة الكثيرة بالنيّة الخالصة، لا بدّ و أن يكون لها مبدأ في النفس باعثة على النية و استعمال الجوارح أو كفّها، فلا ينفكّ عن صفة حسنة ثابتة نفسانية يمنع ما دام وجودها عن التخلف عن تلك الآثار، سواء بلغت تلك الصفة الكامنة حدّ الملكة بالمعنى المذكور في القول الأوّل أم لا.
فبين هذين القولين عموم من وجه؛ لاختصاص الأوّل بكون تلك الملكة مما يقتدر به على ترك المعاصي و ملازمة التقوى بسهولة، و لكن لا ينافيها التخلّف أحيانا بفعل معصية دفعة أو أكثر، فإنّ تلك الملكة مما لا يحصل إلّا بمجاهدة و تكرير و مزاولة، و بعد حصولها لا تزول بفعل خلافها مرّة أو مرّات عديدة، و اختصاص الثاني بكون الصفة النفسانية الباعثة على التقوى بحيث لم يتخلّف عنها الأثر، فينافيها المعصية، كأن يكون خوفا من اللّه عزّ و جلّ أو طمعا في ثوابه أو إجلالا له، فإنّها يزول عند المعصية، و إلّا لم يتخلّف عن أثرها الذي هو ترك المعصية، و إن عادت ثانيا، و لكن لا ينافيها كون ترك المعصية بمشقة و مجاهدة، حيث لم يحصل بعد التكرار للبالغ حدّا يوجب حصول الملكة و سهولة التقوى، نظير الخوض في الأحوال و المعارك المنبعث عن غيرة أو حميّة أو حبّ شخص أو بغضه، لا عن ملكة الشجاعة و الجراءة.
فيشترك القولان في كون الآثار منبعثة عن صفة راسخة في النفس، و يختلفان في أنّ العدالة هل هي نفس تلك الآثار المنبعثة عن الهيئة النفسانية، فينقضها التخلّف في الآثار، أو هي نفس الملكة الباعثة على سهولة الآثار، فلا ينقضها
المخالفة أحيانا على حدّ لا تزول به الملكة بل ينقضها زوال نفسها.
فالاختلاف في القولين من وجهين.
و هل الترجيح للأوّل أو الثاني؟
مقتضى عدّها في فنّ الأخلاق من الصفات و الملكات- بل عرفوها فيه بما يناسب الملكة المذكورة كقولهم إنّها ملكة لزوم الاقتصاد في كلّ شيء من الأعمال و الصفات من غير ميل إلى طرفي الإفراط و التفريط، أو هي ملكة يقتدر بها العقل العمليّ على ضبط جميع القوى تحت إشارة العقل النظريّ- كونها الأوّل، إلّا أنّ الملكة- كما عرفت- لا ينافيها التخلّف مرّة في العمل أو مرّتين، و لا تزول به، و هو مناف للعدالة المعتبرة في الشرع إجماعا، و جعل عدم التخلّف شرطا زائدا عن نفس العدالة ينافيه ظاهر كلماتهم بل صريحها، من سقوط العدالة بفعل الكبيرة إلى أن يحصل العلم بعودها بالتوبة. و هذا يقوى كون الثاني عدالة، مع أنّه أيضا يرجع إلى صفة راسخة نفسانية هي منشأ ظهور الآثار في الجوارح- كما سمعت- مع أنّه يستبعد في العقول إسقاط من تحمل نفسه على ترك محارم اللّه تعالى بالجهد و المشقّة طول السنة خوفا من اللّه سبحانه بحيث لا يبادر إليها، عن حكم العدالة، و جعله من عداد الفسّاق، مع أن مثله قد يعدّ أعلى مرتبة و أكثر ثوابا و أعظم درجة من ذي الملكة المذكورة، على أنّ الأخبار الواردة في الباب مفسّرة بها بنفس الأفعال و التروك، ككلمات أكثر القدماء.
و قول الصادق عليه السّلام في صحيح عبد اللّه بن أبي يعفور، في جواب قول السائل: بم يعرف عدالة الرجل؟: «أن تعرفوه بالستر و العفات و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (1)و قوله: «يعرف باجتناب الكبائر» (2)لا ينافي كون حقيقة العدالة نفس
العمل، بل دلالته على المطلوب أشبه، فإنّه من قبيل أن يقال: نعرف الكتاب الفلانيّ بالمسائل الفلانية.
و بالجملة بملاحظة الشواهد المذكورة تقوى القول الثاني.
و يوافقه في المعنى التفسير بالصفة الراسخة في النفس المقرونة بتلك الأعمال و التروك، كما عرفت، فمعنى العدالة مركّب منهما.
و كيف كان، فهو غير الملكة، و القول بها لا شاهد له من لغة أو حديث، و التبادر العرفيّ الذي ادّعاه جمع من القائلين له ممنوع.
و إن سلّم كونها من الصفات في المتفاهم العرفيّ، فغايته كونها صفة راسخة باعثة على التقوى، و لو هي الخوف من اللّه سبحانه.
نعم، يستلزم ذلك بعد تكرّر العمل حصول الملكة غالبا.
كما أنّ العدالة بالمعنى المصطلح عند أئمة الحكمة- أعني تعديل الملكات النفسانية- ضدّها الجور بمعنى الميل إلى أحد طرفي الإفراط و التفريط، فلا يجتمعان.
و هل بينهما واسطة؟
و التحقيق أنّ الفسق إن فسّر بما يخالف العدالة، فلا واسطة بينهما، لكون التقابل بالوجود و العدم، و إن فسّر بالخروج عن طاعة اللّه سبحانه و ارتكاب الكبيرة و الإصرار على الصغيرة، أو بملكة ذلك و إن لم يتّفق له المعصية لمانع، من تعذر أسباب المعصية أو خوف أو مرض و نحوها لا لورع دينيّ، فعلى القول بكون العدالة ملكة، ففاقد الملكتين المجتنب عن الذنوب و لو طاعة للّه واسطة بينهما.
و كذا على القول بحسن الظاهر يكون غير ذي ملكة الفسق، المجتنب عن الذنوب و المعاصي لعذر، واسطة.
و حيث إنّ الظاهر المتبادر من الفسق أحد الأخيرين، بل الأوّل منهما، فالظاهر وجود الواسطة هذا بحسب الواقع، و أمّا بحسب الحكم في الظاهر فسيأتي الإشارة إلى ما يقتضيه الأصل منهما.
و اختلفوا في أنّ المعتبر هو الاجتناب عن جميع المعاصي من الكبائر و الصغائر، أو من الكبائر فقط. و هذا الخلاف بعد اختلافهم في تقسيم الذنوب إليهما.
و المعروف بين أكثر المتأخّرين بل عامتهم الانقسام إليهما. و إليه ذهب كثير ممّن تقدم، بل عن الصيمري و البهائي الإجماع عليه. و عن جماعة من القدماء كالحلبي و القاضي و الشيخ في العدّة و الطبرسي أنّ الذنوب كلّها كبائر، بل عن الأخير نسبته إلى الأصحاب، مشعرا بدعوى الإجماع عليه (1).
و الظاهر أنّ مراد هؤلاء أن ليس للذنوب معيارا معيّنا محدّدا يعدّ به الكبائر و الصغائر على الإطلاق و يختلف بهما الأحكام الشرعية، كالقدح في العدالة و نحوه، لا أن ليس لها اختلاف في الشدة و الضعف و زيادة العقاب و نقصانه، فإنّ من الضروريّ أن ليس عقاب ترك ردّ السلام كقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هدم الكعبة.
و بهذا يختلف الذنوب في الكبر و الصغر بإضافة بعضها إلى بعض، كما نبّه به
1) الحلبي في الكافي: 435؛ و القاضي في المهذب البارع 3: 552؛ و الشيخ في العدّة:
الحلّي (1)بعد نفيه التقسيم و دعواه عدم الخلاف فيه بقوله: لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلّا بالإضافة إلى غيرها.
و عن بعضهم جعل الإضافة على أقسام ثلاثة:
أحدها: الإضافة إلى الطاعة، فإن زاد عقابها على ثواب تلك الطاعة فهي كبيرة بالنسبة إليها، و إن نقص فهي صغيرة.
و ثانيها: بالإضافة إلى معصية أخرى، فهي كبيرة بالنسبة إلى ما هي أشدّ عذابا منه، و صغيرة بالنسبة إلى ما هي أقلّ منه.
و ثالثها: بالنسبة إلى فاعلها، فإن صدرت عن شريف عالم فهي كبيرة، و إن صدرت عمن دونه فهي صغيرة.
و ربما قيل: إنّ الصغيرة لا تطلق على الذنوب إلّا على القول بحبط الطاعة الكبيرة (2)، و أنت خبير بأنّ القسمة معروفة بين أصحابنا، و القول بالإحباط خلاف المعروف بينهم، فكيف يناط به عند أرباب القسمة؟
و الحقّ في المسألة ما عليه المعظم، لظاهر الآيتين إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (3)الشورى (42): 37.
(4)و وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ (5). و النصوص المستفيضة المتضمّنة للتقسيم بهما، و إيعاده للكبائر بطائفة من
المعاصي، و المصرّحة ببعض الأوصاف للكبائر، كمرسلة الفقيه: «من اجتنب الكبائر كفّر اللّه عنه جميع ذنوبه» (1).
و في خبر آخر: «الأعمال الصالحة يكفّر الصغائر» (2)و في ثالث: «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» (3). و أمثال ذلك ممّا دلّ على القسمة على الإطلاق.
و استدلّ النافون باشتراك الجميع في مخالفة أمره سبحانه و نهيه، و بالاستشهاد بظهور بعض الأخبار فيه، مثل ما دلّ على أنّ كلّ معصية شديدة، و ما دلّ على أنّ كلّ معصية قد توجب لصاحبها النار، و ما دلّ على التحذير من استحقار الذنب و استصغاره (4)، و نحو ذلك.
و يضعّف الأوّل بأنّه مبنيّ على كون الكبر و الصغر باعتبار مجرّد المخالفة التي هي غير قابلة للشدّة و الضعف، و ليس كذلك، بل مناط الافتراق بهما المفسدة التي أوجب النهي، و هي قابلة للشدّة و الضعف بتفاوت العقاب كما أشرنا إليه- و إن اشتركا في النهي- كما يشاهد هذا الفرق في النواهي العرفية.
و الثاني بعدم دلالة شيء من تلك الأخبار على الاشتراك فيما عنوا به من معنى الكبيرة، و هو كونه غير مكفّر بالأعمال الصالحة، أو ما يوعد عليه النار مطلقا، أو قادحا في العدالة.
و حيث تبيّن أنّ الذنوب ينقسم إلى الكبائر و الصغائر، على ما سننبّه على تفصيل
كلّ منهما، فاعلم أنّه لا خلاف في توقّف العدالة على اجتناب الكبائر.
و اختلفوا في توقّف اجتناب غيرها أيضا و ترك الجميع. اختاره المفيد (1)و الحلّي (2)و الحلبي (3)و القاضي (4)و الشيخ في العدّة (5)و الطبرسي (6)في المحكيّ عنهم، بل عن ظاهر الثاني و الأخيرين كونه مجمعا عليه بين الطائفة.
و ذهب جمهور المتأخّرين، بل عامّتهم و أكثر المتقدّمين- بل قيل عليه اتفاق كلّ من قسّم الذنوب إلى قسمين- إلى عدم قدح فعل الصغيرة فيها إلّا مع الإصرار الموجب لصيرورتها كبيرة، و هو الحقّ، لدلالة صحيح ابن أبي يعفور الآتي عليه في قوله: «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه سبحانه عليها النار» (7)الظاهر في عدم توقفها على غيرها، باعتبار كونه في مقام التحديد و التعريف، بل لو لا الاختصاص كان التخصيص به إغراء قبيحا، مع أنّ مقتضى الأصل عدم تقييده بوصف غيره.
فإن قلت: قوله عليه السّلام في جواب السائل: بم يعرف عدالة الرجل؟ «أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» يعمّ جميع الذنوب، و حصول القدح في العدالة، سيما الصادرة عن الجوارح الأربعة، و إن كانت صغائر، و نحوه قوله عليه السّلام بعده، و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه الشامل للصغير.
قلت: كلامه عليه السّلام مقتض للمتعلّق، ضرورة أن ليس المراد ما صدق عليه الستر
و كفّ الأعضاء، فلا عموم له.
و الحمل على العموم عند حذف المتعلّق فيما يحمل عليه، إنّما هو لدليل الحكمة، من عدم المرجّح و لزوم الإغراء لولاه، و هي هنا منتفية، لأنّ قوله عليه السّلام عقيب ذلك:
«و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار» قرينة ظاهرة بل صريحة مبيّنة للمتعلّق، و إلّا لما صحّ التخصيص، خصوصا مع ما فيه من التفصيل.
مضافا إلى أنّ فعل الصغيرة مرّة أو مرتين لا ينافي صدق وصف المعروفية بالستر و العفاف و الكفّ على وجه الإطلاق، كما سنشير إليه.
و لعلّ هذا وجه تخصيص اجتناب الكبائر بالذكر ثانيا، تنبيها على قدحها في العدالة مطلقا و لو مرّة، مع أنّه جعل في الصحيحة الستر و الكفّ معرفا لاجتناب الكبائر، و المعرّف يعتبر حيث لم ينكشف المعرّف- بالفتح- فلو فرض العلم بالاجتناب عن الكبائر لم يكن المعرّف معتبرا، و لو مع صدور الصغيرة.
مضافا إلى أنّ اشتراط ستر العيب و لو كان صغيرة لا يستلزم قدح فعل الصغيرة، فإنّهم جعلوا من أسباب صيرورة الصغيرة كبيرة عدم المبالاة بإعلانها، و استدلّوا على المطلوب- أيضا- باستلزام قدح الصغيرة في العدالة للحرج العظيم، و سقوط الشهادات، و تعطيل الأحكام المسبّبة لوجود العدل، و تضييع الحقوق.
و ردّه الحلّي (1)بإمكان الرفع بالتوبة. و اعترض عليه في المختلف (2): بأنّ من شرط التوبة العزم على ترك المعاودة، و لا شكّ أنّ الإنسان لا ينفكّ عن الصغائر، فلا يصحّ هذا العزم منه غالبا.
و أورد عليه بأنّه ينافي وجوب التوبة عنها على كلّ أحد.
أقول: إمكان العزم و صحّة التكليف به لا يرفع المحذور، فإنّ المعترض مستظهر بعدم وقوعه غالبا، و المحذور ناش عن عدم الوقوع في الغالب، لا عن عدم التكليف به، إلّا أن يمنع غلبة عدم وقوع العزم على الترك، و إن لم ينفكّ الإنسان غالبا عن الصغائر، فإنّ حالة حصول العزم المصحّح للتكليف بالتوبة ممكن الوقوع للإنسان كثيرا، و إن كان النقض له متكثر الوقوع أيضا.
كيف و إلّا لم يقع التكليف بترك الصغائر، و بطلانه ظاهر.
و كيف كان، فالاستدلال المذكور لا يخلو عن تأييد و اعتضاد للأوّلين من وجوه:
منها: الأصل و الاستصحاب.
و فيه الخروج عنهما بما مرّ من الدليل، مع أنّ في جريان الأصل مطلقا، تأمّل.
و منها: فحوى ما دلّ على اشتراط المروّة التي لا إثم فيها.
و فيه منع الأولوية، لعدم العلم بالعلّة.
و منها: أنّ فعل المعصية خروج عن طاعة اللّه سبحانه، و هو فسق، كما في مجمع البيان (1)و كنز العرفان (2)و القاموس (3)، و الفاسق يضادّ العادل، للاتفاق على عدم صدقه على من صدق عليه العادل.
و فيه منع كون الفسق مطلق الخروج عن الطاعة، و احتمال إرادة من ذكر [ه] الخروج المطلق، لا مطلق الخروج، بل لعلّه الظاهر، لظهور العبارة المطلقة في الاستمرار، كما أشرنا إليه في نحو الستر و الاجتناب، مع أنّ التعويل في المقام على ظاهر كلام من ذكر، مع معارضته بتخصيص غيره الفسق بفعل معصية مخصوصة
كظاهر السيوري و الشهيد الثاني غير مقبول، سيما بملاحظة مصير المعظم إلى عدم كون الصغيرة قادحة، مع كونها منافية عندهم للفسق، خصوصا بملاحظة تبادر الغير و صحّة سلب الفاسق عن المطيع الصالح الصادر عنه صغيرة في عرض سنة.
و منها: أنّ فعل الصغيرة تعدّ عما حدّه اللّه تعالى، و المتعدّي عنها ظالم، و الظالم غير مقبول الشهادة، فهو غير عادل.
أمّا الأوّل، فظاهر.
و أمّا الثاني، فلقوله تعالى وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ (1)هود (11): 113.
(2). و أمّا الثالث، فلقوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (3)، و الركون مطلق الاعتماد.
و أمّا الرابع، فللاتفاق عليه.
و فيه منع كون كلّ متعدّ ظالما، و الآية تدلّ على صدق الظالم بالتعدّي عن جميع حدود اللّه سبحانه، فهو بالمفهوم دلّ على خلاف المدّعى، و منع صدق الركون على مجرّد قبول الشهادة ما لم يتضمّن الميل و الرضا بالفعل الغير المرضي، كما نصّ به بعض اللغويين.
و منها: أنّ المقصود من جعل العدالة شرطا ليس إلّا حصول الاطمئنان، و هو لا يحصل مع ظهور المعصية.
و فيه منع اطّراد القضيتين.
و منها: مفهوم ما روي في عرض المجالس: «من لم تره بعينك يرتكب ذنبا، و لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة، و إن كان
في نفسه مذنبا» (1).
و فيه ضعفه سندا، مع خلوّه عن الجابر، سيما مع تضمّنه لما ليس له قائل، و دلالة، لأنّها بالمفهوم و هو نكرة مثبتة غايتها الإطلاق، و هو في المقام غير مفيد للعموم، لظهوره في بيان حكم آخر، و هو عدم العلم بالذنب، فتأمّل.
و مع التسليم فهو أعمّ مطلقا من الصحيح المتقدّم، فيخصّص به.
أكثرها خال عن الدليل. و المشهور بين أصحابنا: أنّها ما توعّد عليه بالخصوص.
و النصوص الواردة في المقام بين قسمين:
أحدهما: المفسّر بها بالوصف، و هو ما أوعد اللّه سبحانه عليه بالنار، كصحيح ابن أبي يعفور (2)الآتي، و فيه: «يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها بالنار، من شرب الخمر و الزنا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك».
و رواية الحلبي (3)في قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية.
قال: «الكبائر التي أوجب اللّه عليها النار».
و صحيح أبي بصير (4)في بيان من يؤتي الحكمة، قال: «معرفة الإمام عليه السّلام و اجتناب الكبائر التي أوعد اللّه سبحانه عليها النار».
و صحيح السرّاد (1)عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب: «الكبائر ما أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار، و كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرّب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف».
و صحيح محمّد (2): «الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّدا، و قذف المحصنة، و الفرار من الزحف، و التعرّب بعد الهجرة، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و كلّما أوجب اللّه سبحانه عليه بالنار».
و رواية عباد (3)عن الكبائر قال: «كلّما أوعد اللّه تعالى عليه بالنار».
و ثانيهما: ما اشتمل على عدّها من غير تحديد بوصف، كصحيح عبيد (4): و فيه أنّها الكفر و القتل و العقوق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف و التعرّب.
و موثق أبي بصير (5)و رواية عبد الرحمن (6)، على اختلاف يسير في بعض المعدودات. و نحوها رواية مسعدة (7)، إلّا بزيادة القنوط من رحمة اللّه تعالى و الأمن من مكر اللّه. و فيما رواه الصدوق في العيون (8)عن الفضل بن شاذان، فيما كتب به مولانا الرضا عليه السّلام للمأمون في عدّ الكبائر ما يزيد عن ذلك إلى ما بلغ ثلاث و ثلاثين
آخرها الإصرار على الصغائر، و خبر عبد العظيم (1)المشتمل على ما تجاوز العشرين، و نحوهما.
و يمكن الجمع بين القسم الأوّل و الأوّل من الثاني، بحمل الأخير على إرادة أعظم الكبائر، بشهادة الأخبار الأخيرة المعتضدة بصحيحي السرّاد و محمّد المتقدّمين المصرّحين للسبع بالخصوص، بعد ذكر تعريف الكبيرة أو قبله، بما أوعد اللّه سبحانه عليه النار، و صحيح عبيد المصرّح بأنّ هذا السبع أكبر المعاصي، نظرا إلى ظهوره في الأكبرية الإضافية.
و يدلّ على ذلك صريحا رواية أبي الصامت (2): «أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم، و قتل النفس التي حرّم اللّه عزّ و جلّ إلّا بالحقّ، و أكل مال اليتيم، و عقوق الوالدين، و قذف المحصنات، و الفرار من الزحف، و إنكار ما أنزل اللّه تعالى».
و يخصّص (3)عموم النفي المستفاد من الحصر في تلك الأخبار بالأخبار المفسّرة بما أوعد اللّه، و بإيعاده لها بأزيد من ذلك، و بهذا يرتفع التعارض، و يكون المناط في الكبيرة ما عليه المعظم، من كونه ما أوعد اللّه عزّ و جلّ عليه.
نعم، يبقى الإشكال فيما هو المراد من هذه العبارة، و في شموله لجميع ما ذكر في رواية العيون و غيرها من الذنوب. و كلماتهم مختلفة في بيان كيفية هذا الإيعاد.
ففي النهاية (4)و القواعد (5)و الإرشاد (6)و المسالك (7): إنّها ما أوعد اللّه عليها بالنار.
و في التنقيح (1)- نفلا عن الأكثر- إنّه ما يوعد عليه بعينه و بخصوصه. و في الدروس (2): كل ذنب يوعد عليه بخصوصه العقاب. و في قواعد الشهيد (3)كلّما توعّد الشرع عليه بخصوصه. و قريب منه ما في الروضة (4).
و في الكفاية: إنّها كلّ ذنب أوعد اللّه عزّ و جلّ عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، و نسبه إلى المعروف بين أصحابنا، قائلا بعدم وجدان اختيار قول آخر في كلامهم.
و عن بعض المحقّقين أنّ ما ذكره في الكفاية هو مراد الكلّ.
و ظاهر تلك الكلمات يشير إلى الاختلاف في اشتراط كون الإيعاد منه- سبحانه- أو بما يعمّ إيعاد الحجج.
و على الأوّل، هل يعتبر إيعاده بما في كتابه العزيز خاصة، أو بما يعمّ كلامه مطلقا، أو به و بإخبار الحجج عليهم السّلام- عنه سبحانه و تعالى- بأنّ اللّه أوعد كذا؟
و على الأوّل، هل يعتبر إيعاده فيه- سبحانه- بالخصوص، أو بما يعمّ العموم مثل قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا (5).
و على التقادير، هل يعتبر الإيعاد بالنار أو بمطلق العقاب أو مطلقا؟
و التحقيق: أنّ ما في الأخبار المفسّرة بالإيعاد هو ما أوعد اللّه سبحانه عليه النار، فهو المناط في ذلك. اللازم بيان ما يصدق عليه تلك العبارة.
فنقول: الظاهر منها الإيعاد بالخصوص، كما هو المتبادر المتفاهم للأصحاب فلا
يشمل ما أوعد عليه عموما، كيف و جميع المعاصي من الكبائر و الصغائر داخل في عموم قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ. و كذا الظاهر أنّ الإيعاد بالنار يعمّ الإيعاد بها صريحا أو التزاما و ضمنا، فيشمل ما دلّ عليه بالالتزام، كما جعل اللّه سبحانه و تعالى العاق جَبّٰاراً شَقِيًّا (1)و أوعد الشقيّ بالنار في قوله عزّ و جلّ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ (2). أو بالظهور الإطلاقيّ، كالعذاب و العقاب و نحوهما.
بل لا يبعد جعل أكثر إيعادات الكتاب في الآخرة من هذا الباب، كاللعنة و سوء الدار و الخسران و بئس المصير و نحوها، إذ الغالب على ما يستفاد من مطاوي الأخبار كون الجزاء بالسوء في الآخرة بالنار، فينصرف إليه الإطلاق.
و يشهد به الاستشهاد في رواية عبد العظيم إيعاده للكبائر التي هي بالنار في حدّ الكبائر على ما في مستفيضة الأخبار بالآيات الدالّة على مطلق الذمّ عليها.
نعم، مثل قوله تعالى وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (3)غير ظاهر في الإيعاد.
و أما كون الموعد هو اللّه تعالى، فالظاهر أنّه لا يصدق هذا على إيعاد.
الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام عليه السّلام و لو بالإخبار عن اللّه عزّ و جلّ، أو في السنّة المتواترة- كما عن بعضهم- أو مطلق الحديث الصحيح، كما عن آخر. إذ المتبادر من تخصيص ذلك به سبحانه، مع أنّ جميع الشرائع صدرت منه، كون الإيعاد بالنار مذكورا في كلامه، بل في كتابه فارقا بذلك بين الكبائر و الصغائر، كيف و الصغيرة كثيرا ما يوعد بالنار في كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام عليه السّلام، بل هو لازم العصيان، غاية الأمر كونها
مكفّرة بترك الكبائر.
و من هذا صار المعظم إلى ذلك، و في الكفاية (1)ظهور الاتّفاق عليه، و عرفت من بعضهم إرجاع الكلّ إليه.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من كون الإيعاد بالنار يلزم أن يكون على الوجه الذي بيّناه من التصريح به في الكتاب أو التعريض، إنّما هو على التعويل على متفاهمنا منه، و إلّا فإذا استنبطه الإمام عليه السّلام منه على وجه لا نعلمه ظاهرا و دلّ عليه خبر معتبر فهو المتبع، و يعمل به، كشرب الخمر المعلّل في رواية عبد العظيم، لكونه كبيرة بأنّ اللّه سبحانه نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، استنباطا له من مقارنته لها في النهي موافقته لها في العقوبة، و حيث إنّها النار في الشرك في موضع آخر من الكتاب، فكانت له أيضا.
بل لو دلّ حديث معتبر على أنّ الذنب الفلاني كبيرة، من غير ذكر علّة، و لم نجد مصرّحا عليه بالإيعاد بالتدبّر في الكتاب، لزم اتّباعه تعويلا على ثبوت الوعيد بها فيه على وجه لا نعلم، للتوفيق بينه و بين الأخبار المتقدمة المعرّفة للكبائر بالتوعيد بالنار في الكتاب، أو تخصيصا به بعموم مفهوم حصر تلك الأخبار النافي للكبيرة عن غير ما أوعد اللّه تعالى.
و على هذه الجملة، فالصواب جعل المتّبع في معرفة الكبائر ما عدّ في حديث الفضل الذي أشرنا إليه، المرويّ في عيون الأخبار بأسانيد متعدّدة، فيما كتب به مولانا الرضا عليه السّلام: أنّ الكبائر هي: قتل النفس التي حرّم اللّه تعالى، و الزنا، و السرقة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و أكل الربا بعد
1) كفاية الأحكام: 278.
البيّنة و السحت، و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال و الميزان، و قذف المحصنات، و اللواط، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و القنوط من رحمة اللّه، و معونة الظالمين، و الركون إليهم، و اليمين الغموس (1)، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، و الكبر، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّه سبحانه، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الذنوب (2).
و في بعض النسخ (3): و الإصرار على الصغائر من الذنوب، فإنّ هذه الرواية أكثر جمعا من غيرها، فيخصّص بها عموم النفي المفهوم من الحصر في غيرها، أو يبنى على كون الجميع مما أوعد عليه بالنار في القرآن، و إن لم نعلمه. و في رواية أبي خديجة (4)المعلّلة للكبائر بذكر آيات التوعيد لها، بعض ما ليس في تلك الرواية، و هو السحر، معلّلا بقوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ (5)و ترك الصلاة متعمّدا، أو شيئا مما فرض اللّه سبحانه، و كتمان الشهادة.
و في مرسلة الفقيه (6): إنّ الحيف في الوصية من الكبائر.
فيعتدّ (7)بذلك كلّه.
و يدلّ
عليه- أيضا- ما في رواية الحسين (1): لا كبيرة مع الاستغفار، و لا صغيرة مع الإصرار.
و صرح به كثير من أعيان الطائفة، بل قال مولانا الأردبيلي (2): لا خلاف فيه. و به يجبر قصور سند الخبرين.
و اختلفوا في حدّ الإصرار، فعن بعضهم: أنّه المداومة على نوع واحد.
و عن الذخيرة (3)و البحار (4)و الرياض (5): أنّه المناسب للمعنى المفهوم من الإصرار.
و عن آخر: أنّه الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة، و به صرّح في المسالك (6)و الروضة (7)و كشف الرموز (8)، قائلين بتحقق الإصرار به.
و في الكفاية (9)و الروض (10)، و عن الذخيرة (11)و البحار (12)، و كونه قادحا في العدالة، بل في المحكيّ عن الأوّل، الإجماع عليه.
و عن الثاني: عدم الخلاف فيه.
1) بحار الأنوار 88: 30؛ أصول الكافي 2: 288، كتاب الإيمان و الكفر،
2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 351، كتاب القضاء، الشروط العامة للشاهد.
3) ذخيرة المعاد: 304.
4) بحار الأنوار 88: 30.
5) رياض المسائل 2: 390.
6) مسالك الأفهام 2: 321.
7) الروضة البهية 3: 130.
8) كشف الرموز 3: 517.
9) كفاية الأحكام: 279.
10) روض الجنان: 289.
11) ذخيرة المعاد: 304.
12) بحار الأنوار 85: 25.
و كلام هؤلاء لا يدلّ على كونه داخلا في معنى الإصرار، بل في التحرير (1): ما يدلّ على التغاير و اشتراكهما في القدح، حيث قال: و عن الإصرار على الصغائر و الإكثار منها.
و عن ثالث: حصوله بالعزم على فعل الصغيرة بعد الفراغ. صرّح بتحقّق الإصرار به المحقق الأردبيلي (2)حاكيا إياه عن الأكثر. و صرّح بدخوله فيه في المسالك (3)و الروضة (4)و الكشف (5)، و قواه في البحار (6).
و عن رابع: تحقّق الإصرار بالثلاثة، ذهب إليه الشهيد في قواعده (7)، جاعلا للأوّلين إصرارا فعليا، و الأخير حكميا.
و عن خامس: أنّ المراد بالإصرار عدم التوبة، نقله في الذخيرة (8)و غيره عن بعضهم.
للأوّل، تصريح أهل اللغة. قال في الصحاح: صررت على الشيء: أي أقمت و دمت عليه، نحوه ما في النهاية الأثيرية (9)و القاموس.
و للثاني صدق الإصرار عليه عرفا، بل صدق المداومة على الإكثار.
و للثالث تبادره من الإصرار. و في البحار: و يقال في العرف: فلان مصرّ على هذا الأمر، إذا كان عازما على العود إليه، مضافا إلى فحوى خبر الجابر الآتي.
و للرابع ما للثلاثة.
و للخامس رواية جابر عن الباقر عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا (1)تحرير الأحكام: 208.
(2)قال: «الإصرار أن يذنب و لا يستغفر و لا يحدث نفسه بالتوبة» (3)، مضافا إلى أنّ ترك التوبة معصية أيضا، فيتحقق به الإصرار بعد المعصية. أقول: و للنظر في الكلّ مجال:
أمّا الأوّل: فلمنع انحصار الإصرار به، و منع لزوم كون متعلّق الإصرار نوعا واحدا، حيث لا يساعده عرف و لا لغة، بل مقتضى كون المتعلق جنسا، أي مطلق الصغيرة حصول الإصرار على الجنس بأفراده، و لو من أنواع مختلفة.
و أمّا الثاني: فلمنع صدق الإصرار على مطلق ما يصدق عليه الإكثار، و لذا جعله في التحرير (4)مغايرا للإصرار.
نعم، إن أريد من الإكثار حدّا كاملا من الكثرة، كما لعلّه الظاهر من ظاهر لفظ الإكثار من الذنوب. و جعل تحديده في الذخيرة (5)و الكفاية (6)و البحار (7)و الرياض (8)،
فيما لم يكن من نوع واحد، بكون ارتكابه للذنب أغلب من اجتنابه عنه من غير توبة، لم يكن بعيدا.
و أمّا الثالث: فلأنّ صدق الإصرار عليه عرفا غير معلوم، كما يظهر التأمّل فيه من الذخيرة و الرياض و المستند، و لو قلنا بقدحه في العدالة، فليس من جهة صدق الإصرار. و منه يظهر ما في الرابع.
و أمّا الخامس: فلما في الحجة الأولى من مخالفة الرواية للشهرة العظيمة و ندرة القول به، بل قيل بعدم معلومية القائل به، فيسقط به عن الحجيّة، و مع ذلك مخالف للعرف و العادة، بل في الحديث المشهور (1): «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» إيماء بأنّ الإصرار لا يحصل بعدم الاستغفار، و بقرينة المقابلة، فلعلّ الخبر في تفسير الآية و الإشارة باللّام إلى خصوص الإصرار المذكور فيها.
و في الثانية، فإن ترك التوبة بنفسه معصية أخرى، لا دخل له بفعل الصغيرة، و صيرورتها كبيرة. مع أنّ الظاهر المتبادر من الإصرار على الذنوب أو الصغائر المذكور في الرواية تكرّر فعلها و تجدّده، فلا يصدق على الاستمرار على ترك التوبة عن ذنب، لعدم صدق تعدّد الترك على الترك المستمرّ، كما لا تعدّ ترك إزالة النجاسة عن المسجد في كلّ آن ذنبا على حدّة، فكان استمراره في نصف يوم مثلا كبيرة باعتبار كونه إصرارا.
و بالجملة: الظاهر اعتبار تعدّد متعلّق ترك التوبة من الذنوب المتعدّدة في صدق التعدّد و التكرّر على الترك، لا مجرّد الاستمرار على ترك واحد، و هذا هو المستفاد من كلمات القوم.
نعم، لا يبعد القول به في الأفعال الوجودية، كلبس الرجل الحرير المحض طول
1) بحار الأنوار 88: 30.
النهار، و إدامة النظر على أجنبية في ساعة أو أكثر، و إن كان فيه تأمّل أيضا، لاحتمال عدّه في العرف فعلا واحدا، إلّا إذا انقطع ثم فعل ثانيا، و لذا لو ورد أن عقاب لبس الحرير كذا، أو النظر إلى الأجنبية كذا، فالظاهر عدم تعدّد الجزاء بفعل أحدهما ممتدا في زمان، فلا يجعل فعله في كل آن معصية مستقلة، بخلاف ما إذا انقطع و تجدّد.
و اختلاف الأمر الشرعي بأمثال تلك الاعتبارات غير مستبعد، كما في غسل الثوب مرّتين، فإنّه لا يعدّ امتداد وقوعه في الماء بقدر المرّتين غسلتان، و لا يحصل به التطهير فيما يشترط فيه التعدّد.
و كيف كان، فلا يحصل الإصرار بامتداد فعل صغيرة واحدة، فلا يصير لأجل الإصرار كبيرة.
نعم، لا يبعد كونه- حينئذ- قادحا للعدالة و صيرورتها كبيرة، إذا كان البقاء عليه ناشئا عن عدم المبالاة، و استصغار الذنب، و العزم على بقائه، كما عسى أن يظهر دعوى الاتفاق من بعض الكلمات.
و في الذخيرة (1)و الرياض (2)، بعد منع كون العزم على العود إلى فعل الصغيرة إصرارا، قالا: ففي كونه قادحا تأمّل، إن لم يكن اتفاقيا.
و قال بعض الأجلّة: و يستفاد من جماعة حصول القدح ببعض ما لا يصدق عليه الإصرار حقيقة، و يستفاد من بعضهم دعوى الإجماع عليه، انتهى.
و التحقيق: أنّ مناط معرفة معنى الإصرار العرف و اللغة، و الظاهر منهما أنّ مطلق الإكثار غير كاف في صدقه، فلا يكتفي بمجرّد فعلها مرات عديدة كثلاثة، بل
يشترط فيه الملازمة و المداومة العرفية في الإكثار، بل الظاهر اعتبار بقاء الحالة الباعثة على الملازمة له في النفس أيضا، أي النيّة الحكمية الكائنة فيها، و إن لم نقل باشتراط العزم الفعليّ على العود إليه، فلا يصدق ظاهرا مع العزم على الترك، و إن لم يكن توبة شرعية، كما إذا كان لمصلحة دنيوية.
و كذا الظاهر عدم اشتراط كون الإصرار على نوع واحد على ما أشرنا إليه من صدق الإصرار على الصغار أو الصغيرة على المداومة على جنسها، و مراعاة الاحتياط في مطلق الإكثار، بل في المرّة مع العزم على العود أولى، بل جعل الشهيد في قواعده (1)الثاني إصرارا، و إن كان فيه تأمّل.
و مرادهم من التوقف عليها، يحتمل كونه على وجه الجزئية و دخولها في الماهيّة، كالمعاصي، أو على الشرطية، لا بمعنى كونها شرطا لمشروط العدالة، فكانت شرطا آخر لقبول الشهادة في قبال العدالة، كما ربما يحكى عن بعضهم، بل شرطا لمقبولية العدالة، و ترتّب الأثر عليها في مشروط العدالة. و جعلهم الفسق في مقابل العدالة، و اتفاقهم على عدم كون التخلّف عن المروّة فسقا يوافق الثاني.
و على الجملة، فالقول الأوّل للشيخ في المبسوط (2)، و الحلّي (3)و الفاضل (4)في كتبه
في الفروع و الأصول، و الشهيد الأوّل (1)، و المحقّق الثاني (2)، و صاحب المعالم (3)، و عن البحار (4)و الرياض (5): أنّه المشهور.
بل عن الكشف (6)أنّه المشهور بين الفريقين، و عن الذخيرة (7)و المدارك (8)نسبته إلى المتأخرين، مشعرة باتفاقهم عليه، و عن كنز العرفان (9)إلى الفقهاء.
و القول الثاني للمحكيّ عن المفيد (10)، و الشيخ في العدّة (11)، و الروض (12)، و المحقّق الأردبيلي (13)، و الذخيرة (14)، و المدارك (15)، و البحار (16)، و الرياض (17).
1) القواعد و الفوائد 1: 227.
2) جامع المقاصد 2: 372.
3) معالم الأصول: 204.
4) بحار الأنوار 85: 30.
5) رياض المسائل 2: 492.
6) كشف اللثام 2: 374.
7) ذخيرة المعاد: 305.
8) مدارك الأحكام 4: 68.
9) كنز العرفان 2: 384.
10) المقنعة: 725.
11) العدّة: 379.
12) روض الجنان: 363.
13) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.
14) نفس المصدر: 304.
15) مدارك الأحكام 4: 68.
16) بحار الأنوار 85: 30.
17) رياض المسائل 2: 492.
و قوّاه والدي العلّامة (1)و بعض من عاصره، بل قيل: يمكن استفادته من نهاية الشيخ (2)و الحلّي (3)و القاضي (4).
ثمّ المراد بالمروّة على ما هو المتحصّل من عباراتهم المختلفة المتقاربة في تفسيرها، كونه مجتنبا عمّا لا يليق بأمثاله، مما يؤذن بخسة النفس و الدناءة، من المباحات و الصغار من المحرّمات التي لا يبلغ حدّ الإصرار المسقطة للعزّة من القلوب، و منه ما يستهزء و يستسخر به لأجله.
استدلّ الأوّلون بالأصل و الشهرة و توقف المقصود من اشتراط العدالة عليها، إذ عدمها إمّا لخبل أو ضعف عقل أو لقلّة حياء، و عدم الوثوق مع الأوّل ظاهر. و مع الثاني، فلأنّ من لا حياء له يصنع ما يشاء، كما في الخبر المرويّ (5)عن الكاظم عليه السّلام:
«لا دين لمن لا مروّة له، و لا مروّة لمن لا عقل له».
و يضعف الأوّل بإطلاق ما مرّ من إطلاق الأخبار المفسّرة للعدالة بما ليس فيه إشعار بمدخلية المروة فيها، لا شطرا و لا شرطا.
و الثاني بعدم الحجّية، سيما مع خلو الأخبار عنه، مع وجود الداعي، و قبح تأخير البيان الموجب لقوة الظن بعدم الاشتراط المنافي للظنّ الحاصل من الشهرة الذي هو مناط الحجّية عند القائل بها.
و الثالث بمنع كلّية المقدّمة الأولى، و منع الثانية، إذ المفروض وجود ما يقتضي
التكليف من العقل و الورع عن المعصية المانع عن الكذب، و إلّا فأصل العدالة كان منتفيا.
و الرابع بضعفه سندا و دلالة، لعدم العلم بما هو المراد من المروّة فيه، بل قيل: إنّ استعمال المروّة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم، و حينئذ فالأظهر حمله على بعض المعاني المرويّة عنهم في تفسيرها. انتهى.
قال والدي العلّامة (1): ورد تفسيرها في الأخبار بغير هذا المعنى، ففي مرسلة الفقيه (2)عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ المروّة استصلاح المال».
و في أخبار أخر (3): إنّها إصلاح المعيشة. و في ثالث (4): إنّها ستّة، ثلاثة في الحضر: تلاوة القرآن، و عمارة المساجد، و اتّخاذ الإخوان، و مثلها في السفر، هي:
بذل الزاد، و حسن الخلق، و المزاح في غير معاصي اللّه سبحانه.
و في رابع (5): إنّها أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، إلى غير ذلك. و ليس في شيء من هذه المعاني المروية ما يوافق ما ذكره الأصحاب في معنى المروّة. انتهى.
نعم، روي في الموثّق (6): «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروّته، و ظهرت عدالته، و وجبت أخوته، و حرمت غيبته» إلّا أنّ غايته الدلالة على توافق العدالة و كمال المروة في حصولهما باجتناب تلك المعاصي الثلاث.
فإن قلنا: بكونها جميعا من الكبائر، فهي من تلك الجهة قادحة في العدالة، و أين
1) مستند الشيعة 2: 629.
2) وسائل الشيعة 11: 436، الباب 49 من أبواب آداب السفر، الرواية 15193.
3) روضة الكافي: 241، معنى الشرف و المروة و العقل، الحديث 331.
4) وسائل الشيعة 11: 320، الباب 49، الرواية 15184.
5) نفس المصدر: الرواية 15196.
6) نفس المصدر 8: 116، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الرواية 10772.
هو من معنى المروّة الذي ذكره الأصحاب.
و إن لم نقل به فمقتضى مفهومه أنّ من لم يجمع الثلاثة لا يجمع الأربعة و منها كمال المروّة، و أين هو من اشتراطها في العدالة؟
و استدلّ الآخرون بوجوه:
منها: الأصل. قال في مجمع الفائدة (1): دخول المروة في العدالة غير بيّن؛ للأصل، و لعدم ثبوتها معها، لا شرعا و لا لغة.
و منها: خلوّ الأخبار عن بيان توقّف العدالة على المروّة.
أشار اليه في مجمع الفائدة (2)، و المدارك (3)، و الذخيرة (4)، و الكفاية (5)، و الرياض (6).
و منها: أن عدم قدح ارتكاب الصغائر في العدالة يستلزم عدم قدح ارتكاب خلاف المروّة فيها بطريق أولى.
أقول: حقّ المقام أنّ مراد القائلين بتوقّف العدالة على المروّة، إن كان بحسب نفس الأمر، فهو مجرّد دعوى لا دليل عليها، و إطلاق الأدلّة حجّة عليها، بل عدم الدليل مع توفر الدواعي و قبح ترك البيان في الأخبار المفسّرة مع تكثر الحاجة يؤمي إلى عدمه واقعا.
مضافا إلى الفحوى المشار إليها في الدليل الأخير، في أقل ما يصدق عليه خلاف المروّة بالمعنى الذي ذكروه، الذي يتعدّى عنه إلى غيره بعدم القول بالفصل.
و إن كان مرادهم كون المروّة متوقّفا عليها في طريق معرفة العدالة، فعلى القول بحصول الكشف بحسن الظاهر أو عدم ظهور الفسق، فعدم التوقف ظاهر، و على القول بالاختبار الباطني العلمي عن الملكة، فاطراد التوقف- أيضا- ظاهر العدم.
نعم، يمكن التوقف في بعض الموارد باعتبار عدم حصول العلم بملكة الاجتناب عن المعاصي مع عدم المبالاة، فلأنّ المروّة و [عدم] ارتكاب القبائح العرفية المنافية للحياء ممدوح في الشريعة، كما أنّه يقدح خلافها على الأوّلين- أيضا- إذا بلغ حدّا يوجب ارتكاب ما هو مخالف للشرع أو ينبئ عن جنون، أو يقدح في معرفة صفة الستر و العفّة.
و كيف كان، فالتوقّف ليس كليا، فلا يناط العدالة بها، بل بعدم العلم بالفسق، أو بما ينافي حسن الظاهر على الأوّلين، و بما يزول معه العلم بالملكة على الأخير، فإذن فالمعتمد عدم اشتراط المروّة في العدالة، و مراعاة الاحتياط أولى.
كالأكل في الطرقات، و مدّ الرجلين في مجالس الناس، كما عن المبسوط (1)و المدارك (2).
و لبس الثياب المصنعات للنساء، كما عن الأوّل.
و الأكل في السوق، كما عن الفاضل في القواعد (3)و فخر الإسلام (4)و الشهيدين (5)
و الكركي (1)و الأردبيلي (2)و الخراساني (3)و المجلسي (4)على اختلاف في التقييد له بالغالب، أو في أكثر البلاد، أو بغير سوقي أو بدوي، إلّا إذا غلبه العطش.
و الأكل في المجامع، كما عن الروض (5).
و اللعب بالحمام، كما في القواعد (6).
و لبس الفقيه لباس الجندي أو بالعكس مطلقا، أو بحيث يستسخر منه، أو في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء لبس هذا النوع من الثياب، كما في الدروس (7)و المسالك (8)و الذخيرة (9)و البحار (10).
و لبس التاجر لباس الحمالين و نحوهم، بحيث يصير مضحكة، كما في المسالك (11).
و في القواعد (12): لبس الفقيه من القباء (13)و القلنسوة غالبا في غير محلّ العادة.
1) جامع المقاصد 2: 372.
2) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.
3) ذخيرة المعاد: 303.
4) بحار الأنوار 85: 30.
5) روض الجنان: 363.
6) قواعد الأحكام 1: 237.
7) الدروس الشرعية 2: 125.
8) مسالك الأفهام 2: 321.
9) ذخيرة المعاد: 304.
10) بحار الأنوار 85: 30.
11) مسالك الأفهام 2: 321.
12) قواعد الأحكام 1: 237.
13) العباء (خ).
و كشف الرأس بين جمهور الناس، أو عند من ليس كذلك، كما في الإيضاح (1)و الروض (2)و المسالك (3)و الروضة (4)و مجمع الفائدة (5).
و السخرية أو كثرتها، كما في الدروس (6)و التنقيح (7)و الروضة (8).
و كشف العورة التي يتأكّد استحباب سترها في الصلاة، كما في الدروس (9)و المفاتيح.
و البول في الشوارع وقت سلوك الناس، كما في جامع المقاصد (10)و الروض (11)و الذخيرة (12)و البحار (13)مطلقا، أو فيمن يوجب انحطاط مرتبته عادة.
و كثرة الحكايات المضحكة، كما في المسالك (14)و الروضة (15)و الذخيرة (16)
1) إيضاح الفوائد: 421/ 4.
2) روض الجنان: 363.
3) مسالك الأفهام 2: 321.
4) الروضة البهية 3: 130.
5) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.
6) الدروس الشرعية 2: 125.
7) التنقيح الرائع 4: 329.
8) الروضة البهية 3: 130.
9) الدروس الشرعية: 190.
10) جامع المقاصد 2: 372.
11) روض الجنان: 363.
12) ذخيرة المعاد: 304.
13) بحار الأنوار 85: 30.
14) مسالك الأفهام 2: 321.
15) الروضة البهية 3: 130.
16) ذخيرة المعاد: 304.
و مجمع الفائدة (1).
و تقبيل أمته و زوجته في المحاضر و بين الناس أو حكاية ما يجري بينه و بينها في الخلوة للناس، كما في أكثر الكتب المذكورة.
و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله، كما في الذخيرة (2).
و أن يخرج من حسن العشرة مع الأهل و الجيران و المعاملين، كما في المسالك (3)و مجمع الفائدة (4)، و في الثاني مثل ذلك مع مخالطيه و معامليه، بأن يضايق معهم في الطعم القليل، و يأكل وحده أطعمة طيّبة يطعمهم أقلّ ما يجزي شرعا و له مال كثير و لا يلتفت إلى الجيران بإطعام و ماء و نار و يضايقهم في الأمور المشتركة، و يضايق معامليه في الشيء الدون الذي لا ينبغي المسامحة عن مثله من مثله. و نحو ذلك أن يفعل مالا يليق بأمثاله بالنسبة إلى الناس. انتهى.
و أن يبتذل الرجل المعزّ بنقل الماء و الأطعمة إلى بيته، إذا كان ذلك عن شحّ و ظنّة، و لو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف لم يقدح ذلك في المروّة، كما في المسالك (5)و مجمع الفائدة (6).
ثم إنّ سقوط المروّة بأمثال ذلك على ما صرّح به جماعة و يشير إليه كلام جمع من هؤلاء الأجلّة يختلف باختلاف الناس، و تفاوت مراتبهم و أزمنتهم و أمكنتهم، و عادات البلاد و الأعصار، فقد يكون شيء مطلوبا في وقت، مرغوبا عنه في وقت
آخر، و كذا بالنسبة إلى شخص دون غيره و في بلد دون غيره فالمناط هو استهجان الفعل في نظر أهل الشرف و الديانة و ذوي العقول الصافية.
نعم، بعض ما ذكروه مما اتفقت عليه العادات في جميع الأحوال، فيسقط به المروة مطلقا، إلّا إذا كان لعذر، كتقبيل الزوجة في المحاضر، و حكاية الخلوة فيها، و نحو ذلك.
و مما يختلف به الحال، اختلاف القصد و النية، كما سمعت في بعض ما ذكر، مثل نقل الماء و الأطعمة إلى بيته إذا كان ذلك عن شحّ دون الاستكانة و الاقتداء بالسلف.
قال المقدّس الأردبيليّ بعد ذكر عدم منافات قصد الاستكانة فيه للمروة، فذلك ليس من ترك المروّة في شيء، بل من الطاعات و القربات و الامتياز بالقصد، و يعرف ذلك من أفعال الناس و أعمالهم و أخلاقهم، مثل أن يكون عادته أن يأكل ما يجد و يلبس كذلك، و يفعل ما تيسّر، و يجلس على الأرض و التراب، و يأكل عليها من غير سفرة، و يجلس جلسة العبيد، و يأكل أكلهم، كما نقل عن فعل النبيّ (1)و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جواب من سأل عن ذلك: «ويحك من أولى منّي بالعبودية حتّى لا أفعل أنا فعل العبيد، و لا أجلس جلستهم، و لا آكل أكلهم» (2)، انتهى.
و من هنا يظهر ما في تعليل المحدّث المجلسي لنفي اشتراط المروة مطلقا، بظهور خلافه من الأخبار، بقوله: و من كان أشرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان يركب الحمار العاري، و يردف من خلفه، و يأكل ماشيا إلى الصلاة، كما روي (3)، انتهى.
فإنّ فعله المنزّه عن القبائح لا يقاس عليه فعل غيره، مع إمكان الاختلاف في الحسن و القبح عن مثله مطلقا.
الثاني: قال في الروضة (1)، و الروض (2)، و الذخيرة (3): لا يقدح في المروة فعل السنن و إن استهجنها الناس،
كالكحل و الحناء و الحنك في بعض البلاد، و إنّما العبرة بغير الراجح شرعا.
أقول: هذا مع قصد الامتثال و القربة، كما لعلّه ظاهر كلامهم لا شبهة فيه و أمّا إذا قصد بها غيره، فالظاهر أنّه كذلك أيضا، لوجوب اشتمالها للحسن الخالي عن القبح و المهانة قبل تعلّق الأمر و حصول القربة به.
و اختلاف الحسن و القبح باختلاف النيّات في غير السنن- كما سمعت- لا يقاس به السنن، لوجوب ثبوت الحسن فيها قبل النية، بل قبل الأمر، و إلّا لزم الدور.
نعم، إذا كان معه نية زائدة قبيحة ظاهرة يستهجن معها، كالرياء في الحنك مثلا، أمكن القول بكونه معها خلاف المروّة.
فلا يسقط بها العدالة عند مشترطها، كما نصّ به جماعة، بل عليه ظاهر الإجماع، كما في الكفاية و غيره له (4)، و لإطلاق الأدلّة و فحوى ما دلّ على أنّ الصغيرة ليست قادحة و عموم أدلّة قبول الشهادة و إن بلغ حدّ التهاون، فعن صريح الشرائع (5)و التحرير (6)و الدروس (7)
و الروضة (1)و الكشفين (2)قدحه فيها، بل عن المسالك (3)قدح ترك صنف منها كالنوافل منها أيضا، استنادا إلى كونه خلاف المروّة، كما في الروضة (4)، بل ربما يحتمل كونه معصية، لدلالته على قلة المبالاة بأمر الدين، فيكون قادحا، و فيه نظر. و الأمر سهل، إذ لا يتّفق عادة ترك جميع المستحبّات، كما نبّه عليه بعضهم.
و من هذا يظهر عدم قدح ترك خصوص الجماعة في العدالة أيضا، إلّا إذا بلغ حدّ الاستهانة و الاحتقار و الاستخفاف.
و عن السبزواري و الأردبيلي و المجلسي قدحه فيها للخبرين:
أحدهما: رواية ابن أبي يعفور (5)عن الصادق عليه السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا غيبة لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقط عندهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذره، فإن حضر جماعة المسلمين، و إلّا أحرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته، و ثبتت عدالته».
و الآخر المرويّ في البحار (6)عن الشهيد الثاني عن الباقر عليه السّلام: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له» (7)، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين، إلّا من علّة، و لا
غيبة إلّا لمن صلّى في بيته، و رغب من جماعتنا و من رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، و وجب هجرانه، و إن رفع إلى إمام المسلمين أنذره (1)، الحديث.
و هما مدفوعان: أوّلا بضعف السند، مع عدم الجابر، سيما مع ندرة القائل، و اشتمالها على ما لم يقل به أحد.
و ثانيا بضعف الدلالة، ضرورة أنّهما ليسا على ظاهرهما، للإجماع على عدم كون ترك الجماعة فسقا و مجوّزا للغيبة و سببا يوجب الهجران، مضافا إلى ما في الأوّل من التعذيب و الحرق في جوف بيته المنافي للاستحباب، و في الثاني من نفي الصلاة عن من لم يجب النداء و لم يصلّ في المسجد مع المسلمين من غير علّة.
فلا بدّ من تنزيلهما، إما على الاستهانة و الإعراض و الاحتقار، كما أشار إليه الشهيد في الذكرى (2)، و يشعر به سياق الخبرين، من قوله: «رغب عن جماعتنا و عن جماعة المسلمين» و ظهور ذيلهما سيما الأوّل- في المداومة على الترك الناشئة غالبا عن الاستهانة و التبغّض، أو تقييدهما بترك الجماعة الواجبة، كالجمعة و العيدين. و حمل الأخير على مجرّد المداومة على الترك، و حمل نفي الصلاة على نفي الكمال، و وجوب الهجران و الإنذار على مجرد المبالغة، لا يخرجه عن الإجمال المنافي للاستدلال.
و ثالثا بمعارضتهما لبعض ما تقدّم، كموثق سماعة (3): «من عامل الناس فلم يظلمهم»، الحديث، بالعموم من وجه، و الترجيح للأخير بوجوه شتّى.
كما صرّح به العلّامة (1)، و صاحب المعالم في المنتقى (2)، و والدي العلّامة (3)و غيرهم، و إن لم نقل بتوقّف معناها المعروف في علم الأخلاق- أعني تعديل القوى النفسانية- عليه، مع أنّ فيه كلاما أيضا، إذ من القوى القوّة العاقلة، و تعديلها بحصول ملكة العلم الذي هو الاعتقاد المطابق. و الدليل عليه من وجوه:
منها: الأصل، فإنّ العدالة بهذا المعنى أمر توقيفيّ يقتصر فيه على موضع الاتفاق و النصّ، و الأوّل ظاهر الاختصاص بالمسلم و المؤمن، و كذا الثاني، لاختصاص الأخبار المتقدّمة- باعتبار تضمّنها لوجوب الأخوة و قبول الشهادة- بأهل البصيرة في الدين، و يمكن إجراء الأصل في المشروط له أيضا.
و منها: أنّ فعل الكبيرة قادح في العدالة، و أيّ كبيرة أعظم من الكفر، أو متابعة الإمام الجائر، و الردّ على المنصوب من قبل اللّه سبحانه، مع تواتر الكتاب و السنة في خلود المتّصف بهما في النار، بل يدلّ عليه خصوص ما في جملة من الأخبار من عدّ الشرك و الكفر باللّه سبحانه من الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النار، بل من أكبر الكبائر، و ما في روايتي أبي الصامت المروية في التهذيب (4)، و عبد الرحمن بن كثير المروية في الفقيه (5)، من عدّ إنكار حقوقهم، من الكبائر السبع.
و ما يقال: إنّ كونه معصية كبيرة، إنما هو على فرض التقصير في التحقيق و عدم حصول العلم، و إلّا فلا يكلّف اللّه نفسا فوق معلومها، مدفوع، بأنّ قول الإمام عليه السّلام بكونها على الإطلاق كبيرة أوعد اللّه سبحانه عليها النار، و استفاضة الآيات و الأخبار على عقوبة المتّصف بهما و خلوده في النار، مع ضرورة العقل بعدمه عند عدم التقصير و العلم بالخلاف، منبئ عن عدم تخلف البصيرة في الإيمان و حصول الاعتقاد الصحيح عن بذل المجهود في تحقيق الدين، و لا ينبّئك مثل خبير، سيما مع اعتضاد ذلك بمثل قوله تعالى وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (1)و سائر الاعتبارات العقلية و الشواهد الذوقية، فليس لتعرض عدم التقصير و حصول الجزم بالخلاف الخالي عن شبهة الترديد، مع تذكر الخلاف مورد أصلا. و ثانيا بما ذكره والدي العلّامة (2)بأنّه لا يقول أحد بعدالة غير المؤمن أو الكافر الذي لم يعلم في حقّه بذل الجهد في تحقيق الدين، بحيث لم يمكن فوق ذلك، و حصول العلم لنا في حقّ المخالف أو الكافر أنّه باذل جهده و سعيه، و حصل له العلم بحقّية دينه، إمّا غير ممكن، أو نادر جدّا.
و منها: أنّ مقتضى كثير مما تقدّم من الأخبار، سيما صحيح ابن أبي يعفور، في قوله عليه السّلام (3): «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى، عليها النار و كفّ الجوارح» الظاهر في الكفّ عن محرّمات دين الإسلام «و بتعاهد الصلوات الخمس و حفظ مواقيتها» اشتراط الإسلام، لعدم شموله للكافر و قوله عليه السّلام فيه: «و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا ما رأينا منه إلّا خيرا» اشتراطه و اشتراط الإيمان أيضا
ضرورة أن ليس الكفر و الردّ على الإمام و متابعة الإمام الغاصب خيرا قطعا.
بل عليه الإجماع عن غير واحد. و يدلّ عليه المعتبرة المستفيضة المصرحة بقبول شهادة القاذف و السارق و المحدود بعد التوبة. و يتمّ المطلوب بعدم القول بالفصل، بل قال المولى الأردبيلي (1)بإمكان التعميم بتنقيح المناط.
و قد يستدلّ عليه بالصحيح المزبور و نحوه مطلقا، حتّى في الساعة التي تاب فيها. و فيه تأمّل، لما أشرنا إليه من توقّف صدق الاجتناب عن الكبائر و الستر و العفاف و نحوها على الإطلاق على تمادي زمان و استمرار مدّة عليه.
و أمّا في حصول العدالة فصرّح به- أيضا- جماعة، بل في مجمع الفائدة (2)لا يبعد أن يكون إجماعيا. و في إطلاقه على القول بكون العدالة ملكة راسخة إشكال، لأنّ التائب إن كان مسبوقا بالملكة، فإن لم يزل ملكته بالذنب لا يسقط عدالته، إلّا بجعل عدم المفارقة للذنب شرطا زائدا، كما أنّ الظاهر كونه إجماعيا، و سنشير إليه. و إن لم يسبق بالملكة، أو سبق و زالت بالتمادي في الذنب، فلا يحكم بمجرّد التوبة بعود العدالة مطلقا، إلّا بعد مزاولة الآثار و تكريرها إلى أن تمدّدت و عادت الملكة. و حيث إنّ ظاهر كلماتهم الاتفاق على عود العدالة بمجرّد التوبة، فهذا حجّة أخرى على القائل بالملكة، كما أشار إليه في مجمع الفائدة (3)و المستند (4). إلّا أن
يقال باختصاص الاتفاق المذكور بصورة سبق الملكة، كما يشعر به قولهم في المقام بعود العدالة و قضاء العادة بعدم زوالها بمجرّد الذنب، و لكن يتّجه عليه ظهور الإجماع على قبول الشهادة بعد التوبة مطلقا، و تفكيكه عن أصل العدالة ينافي إطلاق كلماتهم. و أمّا على القول بحسن الظاهر، فيصحّ القول به.
و توقّف صدق الأوصاف المذكورة في الصحيحة على وجه الإطلاق، كالاجتناب عن الكبائر و الستر و العفاف على الاستمرار، حسب ما ذكر و سنذكر، فلا يصدق بمجرّد التوبة، غير متّجه هنا، إذ الظاهر صدقه عرفا، مع العلم بالتوبة الصحيحة، و حصول الهيئة الصالحة في النفس الباعثة على العزم على الاستمرار على تلك الأوصاف، كما نبّه عليه المقدّس الأردبيلي، و والدي العلّامة و هذا هو الدليل على ثبوت العدالة بالتوبة، على القول بحسن الظاهر، المختار عندنا فيما سيأتي، لكونه المعيار لها في الصحيحة.
ثمّ إنّه هل يكتفى في ثبوت التوبة بمجرّد إظهاره، كقول المذنب: تبت، أو أستغفر اللّه و أتوب إليه، أم يشترط العلم بتحقّق شرائطها القلبية، من الندامة عن المعاصي (1)و العزم على الآتي و غيرهما بظهور آثارها في الخارج في مدّة أمكن العلم بها و الاجتناب عنها؟
الظاهر الثاني، و حمل فعل المسلم على الصحة لا يكتفي به في مثل المقام، و إلّا اكتفى في الشاهد بقوله: أنا عادل، بل لم أجد مصرّحا به، فإنّ السبب المتوقّف عليه العدالة هو التوبة، و هي الندامة و العزم القلبيان، فيجب العلم بهما، دون قوله: تبت أو أستغفر اللّه.
قد
1) في «م»: عن الماضي.
علمت اختلافهم في حقيقة العدالة في أنّها الملكة أو نفس التقوى. و أشرنا إلى أنّه على الأوّل يشترط مقارنة الملكة لعدم التخلّف في العمل عن الاجتناب عن الكبيرة أيضا. ثم اختلفوا ثانيا فيما يكشف شرعا عن ثبوت هذا المعنى على أقوال ثلاثة:
أحدها: أنّه البحث عن الباطن و المعاشرة التامّة، و الصحبة المتأكّدة الموجبة لمعرفة الحقيقة، حتّى أنّه على القول بالملكة يلزم الاختبار العلمي عنها المميّز بين الخلق و التخلّق، و الطبع و التكلّف، أو ثبوتها بالشياع العلمي أو شهادة العدلين، اختار ذلك أكثر المتأخّرين، بل نسبه في المسالك (1)إلى المشهور.
و ثانيها: الاكتفاء في ذلك بحسن الظاهر؛ ذهب إليه جمع من المتأخرين، و في الذكرى (2)عن بعض الأصحاب، و حكي عن الشيخ (3)أيضا. و المراد به كما عرفت ما هو في قبال الواقع، فلا يلزم البحث عن الباطن، كما على الأوّل، بل يكتفي بمعرفة الظاهر المشهود للناس.
و ثالثها: الاقتصار فيه على ظهور الإسلام، و عدم ظهور الفسق؛ حكي عن الإسكافي (4)و المفيد في الإشراف (5)و الشيخ في الخلاف (6)و المبسوط (7)و الاستبصار (8).
و الظاهر أنّ مراد هؤلاء أن ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق من الأمارات التعبّدية
التي جعلها الشارع دليلا للعدالة، من قبيل اليد للملك، لا من باب الأصل و الاستصحاب، كما اشتبه الأمر على بعضهم من نسبة أصالة العدالة إلى الشيخ في الخلاف (1)، لأنّ الكلام فيما يقتضيه الأصل من العدالة أو الفسق بحث آخر، و مقتضى النظر فيه كونهما على خلافه، لتوقّف كلّ منهما على صفة وجودية.
و كيف كان، فالأوسط القول الوسط، لا لما استدلّ عليه من النصوص الدالّة على ثبوت العدالة بوجود الأوصاف العملية ككونه خيرا و معلوما بخير و عفيفا أو عدم الخلف عن الوعد و عدم الكذب، أو عدم الظلم في المعاملة، كما في الموثّق المصرّح بأنّ من له تلك الأوصاف الثلاثة كان ممّن حرمت غيبته و ظهر عدله و وجبت أخوّته، لأنها ظاهرة في الأوصاف و الأعمال النفس الأمرية، و إن كانت من أعمال الجوارح، فيجب العلم بها، و لا يحصل العلم إلّا باختبارها الواقعيّ، مضافا إلى عدم انحصار الوصف المعتبر في العدالة بما وصف في أكثرها إجماعا، و عدم دلالة الموثّق على توقّف العدالة خاصّة عليها، بل هي مع وجوب الأخوة، بل للمعتبرة المصرّحة بالاكتفاء في ثبوت العدالة بمأمونية الظاهر، كمرسلة يونس (2):
«خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحال: الولايات، و المناكح، و المواريث، و الذبائح، و الشهادات، فإذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه» أو بالمعروفية بالصلاح في نفسه، كصحيحة ابن المغيرة (3): «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بصلاح في نفسه جازت شهادته» أو بالمعروفية بالستر
و العفاف، و كفّ الأعضاء، و الساترية للعيوب، و التعاهد لأوقات الصلاة، كصحيحة ابن أبي يعفور.
و يؤيّد بل يدلّ على المطلوب ما رواه مولانا العسكري عليه السّلام (1)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام، في كيفية قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و اكتفائه في استركاء الشاهدين إذا لم يعرفهما بالرجوع إلى قبائلهما، فإن أثنوا عليهما بجميل ذكر صالح، قضي بشهادتهما، فلم يكتف بمجرّد الإسلام، و لم يبالغ في معرفة الحقيقة الواقعية و الاختبار الباطني، لظهور أنّ مجرّد هذا النبأ لا يوجب العلم بالواقع و وجود الملكة.
استدلّ الأوّلون بوجوه:
أحدها: أنّ العدالة أمر واقعيّ، و وصف نفس أمري، و مقتضى تعلّق الحكم عليه لزوم مراعاته، و البحث عن ثبوته و عدمه في نفس الأمر.
و ثانيها: أنّ العدالة خلاف الأصل، و كذا المشروط بها، فلا يكتفي فيها بغير العلم.
و ثالثها: أنه لا يجوز الاتّكال على شهادة من لا يفيد قوله العلم، للعمومات المانعة عن العمل بغير علم، خرج معلوم العدالة بالإجماع، و لا دليل على خروج غيره.
و رابعها: ما رواه محمّد بن هارون (2): «إذا كان الجور أغلب من الحقّ، لا يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيرا حتّى يعرف ذلك منه».
و الجواب عن الأوّل: أنّ هذا يصحّ، لو لا الدليل على الاكتفاء في المعرفة بالصلاح
الظاهري، و قد سمعته. و تعليق الحكم على العدالة النفس الأمرية لا ينافيه، إذ الاكتفاء بالظاهر فيما دلّ عليه ليس من حيث هو، حتّى ينافيه التعليق بالواقع، بل من حيث كونه طريقا له، كما لا ينافي الاكتفاء في معرفة العدالة بشهادة العدلين.
غاية الأمر أنّ الأوّل يقتضي التعليق على نفس الأمر مطلقا، و الثاني بما إذا أصاب الطريق المذكور، و يطابقه الصلاح الظاهري، فيقيّد به للزوم تقديم المقيّد على المطلق عند التعارض.
و عن الثاني: بالخروج عن الأصل بما مرّ من الدليل.
و عن الثالث: بعد الإغماض عن بعض ما يرد عليه: أنّ النصوص المتقدّمة ظاهرة في عدم حصول العلم بما يكتفي به فيها من دليل العدالة، بل بعضها صريحة فيه، كمرسلة يونس، فيخصّص بها العمومات المانعة عن غير العلم.
و عن الرابع: أنّ النهي عن الظنّ في مثل مورد الرواية، إنّما هو للإرشاد و التنبيه على عدم الاغترار بموجب الظنّ في بدو النظر عند غلبة الجور، حملا لفعل المسلم على الصحّة، و إلّا فليس متعلق الاختبار عند موجبه، و لزم الانتقال من سبب الشك إلى سبب العلم، و هو كما ترى.
و احتجّ الآخرون بالإجماع المحكيّ في الخلاف (1)، و المستفيضة من الأخبار المكتفية في معرفتها بظاهر الإسلام، كصحيحة حريز، و فيها: «و على الوالى أن يجيز شهادتهم، أي المسلمين، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق» (2)و حسنة العلاء،
من شهادة من يلعب بالحمام: «لا بأس إذا لا يعرف بفسق» و رواية سلمة (1): «و اعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلّا مجلودا في حدّ لم يتب عنه، أو معروفا بشهادة زور، أو ظنينا».
و المرويّ في عرض المجالس: «كلّ من كان على فطرة الإسلام، جازت شهادته» إلى أن قال: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا»، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة» و ما في الأخبار المتكثرة من الأمر بوضع أمر أخيك على أحسنه، و عدم اتّهام أخيك.
و الجواب عن الإجماع المحكيّ: كونه موهونا بمصير المعظم على خلافه، بل يظهر من أكثر من نسب هذا القول إليهم ما يوافق المشهور، بحيث يمكن دعوى شذوذه.
و أمّا الأخبار: فهي مع ضعف أكثرها سندا، و عدم الجابر، و دلالة بوجوه لا يخفى على المتدبّر، يعارضها ما تقدّم من المعتبرة المستفيضة المشترطة لأوصاف صالحة وجودية في تعريف العدالة، و هي أخصّ مطلقا منها، فيخصّص بها. و على فرض تساوي النسبة، فهي أرجح بكونها أكثر عددا، و أصحّ سندا، و أظهر دلالة و أشهر فتوى، و لأهل الخلاف خلافا، و للأصل وفاقا. و مع فرض التكافؤ و عدم الترجيح، فلموافقته الأصل يتعيّن العمل به أيضا.
الأخبار الدالّة على الاكتفاء في معرفة العدالة بحسن الظاهر على ما تراه مختلفة في الأوصاف المعتبرة فيه زيادة و نقصانا، و المشتمل على الأكثر لما كان أخصّ من المكتفى بالأقلّ، يقدّم الأوّل، و يخصّص غيره به، و حيث إنّه صحيح عبد اللّه بن أبي يعفور المشتمل على قيود ليست في غيره، و اشتهر الاعتماد عليه في الباب عند
1) وسائل الشيعة 27: 399، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34054.
الأصحاب، فهو المعوّل عليه، و المناط في معرفة العدالة و دليلها.
و ربما يظهر منهم الاختلاف في فهم الضابط المستفاد منه. و الذي أراه على ما هو ظاهر سياق الحديث و ذيله، أنّه لمّا سأله الراوي عن طريق معرفة عدالة الرجل التي هي هيئة راسخة نفسانية غير محسوسة، و أجاب عليه السّلام: بمعرفته بالستر و العفاف، و كفّ الجوارح الأربع، و اجتناب الكبائر، تعويلا على لازمها في الأعمال الحسنة، ثم هي- أيضا- لما كانت أمورا واقعية نفس أمرية يصعب العلم بها، و إن كان طريق دركها الحسّ، فأخذ في بيان الاكتفاء في معرفة هذا اللازم بظاهر الحال، و عدم لزوم البحث عن العلم بها بقوله عليه السّلام: «و الدلالة على ذلك كله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه، على حدّ يحرم التفتيش لما ورائه على المسلمين، و كونه بحيث إذا سئل عنه في قبيلته و محلته، قالوا: ما رأينا فيه إلّا خيرا، فلم يطّلعوا على ظاهر معاشرتهم له على فسق منه» مضافا إلى تعاهده و مواظبته للصلوات و حفظ مواقيتها، تعليلا له بأنّها ستر و كفارة للذنوب.
و جعل السبيل إلى معرفة التعاهد لها كذلك الحضور إلى جماعة المسلمين، و عدم التخلّف عنها إلّا من علّة، مشيرا إلى وجهه، بأنّ تشريع الجماعة و الاجتماع للصلاة لمعرفة من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيتها ممّن يضيع.
فحاصل مدلول الصحيح في دليل عدالة مجهول الحال بحسب الواقع اجتماع أمور ثلاثة:
أحدها: الساترية للعيوب على حدّ يحرم التفتيش لما ورائه.
و ثانيها: كونه بحيث إذا سئل عن قبيلته و محلّته، قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا، أي كان معروفا بالصلاح و التقوى في المعاشرة الظاهرية.
و ثالثها: التعاهد للصلوات الخمس و المواظبة عليها.
فيجب العلم بتلك الثلاثة في معرفة العدالة. و أمّا عدم التخلّف عن الجماعة، فالظاهر من سياق الخبر الموافق لظاهر الإجماع: أنّ لزومه إنّما هو عند توقّف العلم بالمواظبة على الصلاة و حفظ المواقيت عليه، لا لدرك فضيلة الجماعة من حيث هي، فلو علم بها من حال شخص لا من جهته، يكتفى به. نعم، لو ترك الجماعة على حدّ ينبئ عن الإعراض و الاستخفاف، فهو كما أشرنا إليه فيما تقدّم معصية موبقة.
و هل يشترط الساترية لجميع العيوب أو الكبائر؟ الظاهر الأوّل، وفاقا لصريح والدي العلّامة في المستند (1). و المراد بها عدم رضاه بظهور معصية منه، و اتصافه بصفة الحياء، و هو أمر غير ترك المعصية في الواقع، فلا يوجب نقض الصغيرة إيّاها.
و ربما يظهر من الرياض (2)عدم التنافي بين القول باشتراط المعرفة بالمعاشرة الباطنية، و القول بالإناطة بحسن الظاهر، لعدم حصول المعرفة بكونه ساترا مواظبا إلّا بعد نوع معاشرة و اختبار يطلع على باطن الأحوال، و هو كذلك إن أراد الغالب، و إلّا فهو غير مطرد، و يمكن التخلّف.
فالظاهر- حيث لا ينكشف الواقع- حصول الظنّ بالهيئة النفسانية الباعثة على استمرار التقوى بحسن الظاهر بالمعنى المتقدّم.
ثمّ إنّ البحث عن خصوص المعاصي القادحة في العدالة لما كان خارجا عن مقصودنا من الكتاب، فلنطوه طيّا. نعم، لما كان الغناء كثيرا ما مما يشتبه حقيقة الأمر فيه حدّا و حكما، و زلّت فيه أقدام أقوام، و لم أر من الأعلام من استوفي فيه المرام، رأيت البحث عنه في مشرق، لكشف الحجاب عن مشكلاته، مع ما له من عموم البلوى أهمّ و أحرى.
مشرق: في أحكام الغناء، و الكلام إمّا في ماهيته، أو في حرمته. فهنا بحثان:
اختلفت كلمات الفقهاء و اللغويين في تفسير الغناء.
و هو بالكسر و المدّ، ككساء. فعن بعضهم (1): أنّه هو مدّ الصوت.
و في محكي النهاية (2): أنّ كلّ من رفع صوتا و والاه، فصوته عند العرب غناء.
و عن الشافعي: أنه تحسين الصوت، و في معناه ما عن جماعة: أنه تزيين الصوت.
و في شهادات القواعد (3)، و بعض كتب اللغة، أنه ترجيع الصوت و مدّه، و قريب منه ما عن آخر: أنه الصوت المشتمل على الترجيع.
و عن التحرير (1)و الإيضاح (2): أنه الصوت المطرب. و نحوه ما في القاموس (3): أنّه من الصوت ما طرب به.
و قال جماعة (4): إنّه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو مدّه المشتمل عليهما. و عزاه مولانا الأردبيلي (5)إلى الأشهر. و قيل ما يسمّى في العرف غناء، و اختاره الشهيد الثاني (6)، و استحسنه بعض المحققين.
و ربما اعتبر في صدق الغناء لهو الكلام، فقيل: من يقرء القرآن أو المرثية لا يقال: إنّه يغنّي، بل يقال: إنه يقرء القرآن، أو يقرء المرثية.
و التحقيق: أنّ شيئا من هذه التفاسير غير واف لحقيقة المعنى، بل لا يخلو عن إيراد و إشكال أو إجمال، لظهور أنّ مجرد مدّ الصوت و رفعه ليس غناء، فضلا عن كونه محرّما، و كذا مطلق تحسين الصوت المتناول لمثل حسن الجوهر و الرعونة و حسن اللحن و طيب اللهجة، كيف و كان الأئمة أحسن الناس صوتا بالقرآن.
ففي رواية النوفلي (7)عن أبي الحسن عليه السّلام قال: ذكرت الصوت عنده، فقال: «إنّ عليّ بن الحسين عليهما السّلام كان يقرء القرآن، فربما يمرّ به المارّ، فصعق من حسن صوته» و عن الصادق عليه السّلام (8): «كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان
السقّاؤون يمرّون، فيقومون ببابه يسمعون قراءته» و نحوه عنه في أبي جعفر عليه السّلام.
و ورد في الأخبار مدح الصوت الحسن و الترغيب فيه في قراءة القرآن، كما في رواية عبد اللّه بن سنان (1)عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ من أجلّ الجمال الشعر الحسن، و نغمة الصوت الحسن» و في رواية (2): «لكلّ شيء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن» و في أخرى (3): «ما بعث اللّه نبيا، إلّا حسن الصوت» و في أخرى (4)عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله سبحانه وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (5)قال: «أن تمكث فيه، و تحسن به صوتك» و عن الرضا عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» إلى غير ذلك.
فلا ينبغي تعريف الغناء المشتهر حرمته مطلقا بتحسين الصوت و تزيينه، إلّا أن يراد به تحسينا خاصّا موكولا إلى ما هو المعهود في العرف.
و نحوه مطلق الترجيع الحسن، فإنّ الحكم بكونه غناء مما لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله عليه السّلام في رواية ابن سنان (6): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إياكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء، بل هو كيفية خاصة من الترجيع و الألحان يستعملها أهل الفسوق.
كيف و قد اشتهر حرمة مطلق الغناء عند العلماء، بل ربما ادّعى عليه الإجماع،
مع عدم خلوّ غالب الأصوات في قراءة القرآن و الخطب و المناجاة و تعزية الحسين عليه السّلام، في جميع الأعصار و الأمصار، من العلماء و غيرهم، عن تحسين و ترجيع في الجملة، بل هو من المهيّج غالبا لما يقصد منها من الشوق إلى العالم الأعلى، و الاستشعار لعظمة ربّه و توحيده، و الرغبة إلى الخيرات و الجنّة و الحزن و البكاء، فيظهر من ذلك أنّه ليس كلّ ترجيع و تحسين صوت عندهم غناء.
و أما الترجيع المطرب: فإن أريد به مطلق التلذّذ و الملائمة للطبع، فهو لازم مطلق حسن الصوت، و قد سمعت فساده. و إن أريد به ترجيع خاصّ و طرب مخصوص، فلا بدّ من بيانه.
و أما التفسير بما يسمّى في العرف غناء، فلا يفيد معنى محصّلا، إذ لا عرف للعجم فيه، و مرادفه في لغة الفرس غير معلوم، و لو كان كالتعبير عنه ب «سرود» كما في الصحاح (1)، أو «خوانندگى و آوازه و دو بيتى» و نحو ذلك، فهو كعرف العرب فيه غير مضبوط. غاية الأمر حصول القطع بالصدق العرفي في بعض الموارد، كبعض الألحان الذي يستعمله أهل الفسوق غالبا في المعازف و الملاهي.
و أمّا ما قيل أخيرا من اختلاف صدق ماهيّة الغناء باختلاف الكلام، كالقرآن و غيره، فلا محصّل له، فإنّ الغناء من مقولة الأصوات باعتبار كيفياتها من الألحان، لا متعلّقاتها من الألفاظ و أنواع الكلام، كما يشهد به كلام أهل اللغة و الفقهاء. و كفاك شاهدا ما مرّ من الأمر بقراءة القرآن بألحان العرب، دون ترجيع الغناء الذي هو من لحون أهل الفسق و الكبائر. فلا مدخل لخصوص الألفاظ الباطلة في ماهيّة الغناء، و إن قلنا بإباحته في بعض الكلمات، كما لا مدخل لخصوص مجالس الملاهي و اقترانه بمحرّم خارجي، كضرب العود و التكلّم بالباطل فيه، و إن احتمله كلام بعضهم.
1) صحاح اللغة: 172.
فالتحقيق في المقام، أنّه لا شكّ و لا خلاف ظاهرا في مدخلية الترجيع المطرب في حقيقة الغناء و دخوله فيها، كما سمعت، بل لا ينفكّ حسن الصوت عنهما غالبا، كما ذكره في الكفاية، و كذا الظاهر، بل لا ينبغي الشك فيه، أنّ كلّ ترجيع حسن ليس غناء، كما أشرنا إليه أيضا، بل هو كما نبّه عليه بعض المحقّقين: كيفية خاصّة من التراجيع و الألحان، مثيرة لسرور و وجد و انشراح أو حزن و انقباض، و هي غالبا متداولة بين أهل الطرب في العصيان، يستعملونها في الملاهي و العيدان.
ثم هذا الأثر الحاصل منها في القلوب يختلف غالبا، صلاحا و فسادا، خيرا و شرا، باختلاف الكلمات و النيّات و المقامات، فإذا كان متعلّقها من غير الفضائل سيما من الأباطيل، و مثل ذكر القدود (1)و الخدود و وصف النساء يهيّج القوى الحيوانية، و يثير وجدا شهوانيا، و يفسد القلب، و ينبت النفاق، و ينجذب النفوس إلى الميل إلى اللهو و العشرة (2)، و يضمر خواطر السوء، سيما بالنسبة إلى البواطن المملوّة بالهوى، من قبيل حالة السكر الذي يفعله المسكر، و يشتدّ تلك الحالة إذا كان مقترنا بمحرّم خارجيّ من الخمور و الفجور و ضرب الدفّ و القصب و المزامير، بل لاختلاف أوزان الكلام، و بحور العروض من قبيل التصانيف المتداولة بين أهل الطرب، و الأوزان التي يستعملها الناس في المعازف مدخل تامّ فيها أيضا.
و إن كان متعلقه من الفضائل، كذكر توحيده سبحانه، و نعوت جلاله و جماله، و تذكير قربه و حبّه و أنسه، و وصف الجنة و النار و الكلمات المشوقة إلى دار القرار، و توصيف نعم الملك الجبار، و الترغيب بالخيرات و العبادات، يثير غالبا ما لم يبلغ هذا الترجيع حدّ الإفراط بحيث يستهلك فيه المقروّ حزنا دينيا و شوقا إلهيا و فرحا
روحانيا لأهل الإيمان و أرباب القلوب و الإيقان، فإذا أثار هذه الصفات و أصاب حرارتها برد اليقين، فتارة يظهر أثره في الجسد و يقشعرّ منه الجلد، قال اللّه تعالى:
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (1)و تارة يعظم وقعه، و يتصوّب أثره إلى الدماغ، فيندفق منه العين. و تارة يتصوّب أثره إلى الروح، فيتموّج منه الروح موجا يكاد يضيق عنه يطاق (2)القلب، فيكون من ذلك الصياح و الاضطراب، و يختلف هذه الأحوال شدة و ضعفا باختلاف مراتب الإيمان و صلاح القلب.
و حاصل الكلام، أن الألحان على وجوه ثلاثة:
منها: ما يعلم أنّه من تلك الكيفية الخاصّة من الترجيع، فيعلم كونه غناء و يصدق عليه عرفا، فلا كلام في حرمته في غير ما اختلف فيه من المستثنيات من الفضائل أو غيرها، كما سيأتي.
و منها: ما يعلم عدمه، فلا بحث في إباحته.
و منها: ما يضطرب فيه متفاهم العرف، فيشكّ في كونه من الكيفية المخصوصة، لاشتباه بينه و بين غيره من الصوت الحسن، و هو يلحق بالثاني أيضا، فيكون مباحا.
و لا خلاف بين أصحابنا، بل بين المسلمين، في حرمته في الجملة، بل عدّ من ضروريّ الدين. و يدلّ عليه الآيات و الأخبار المستفيضة التي سننبّه على جملة منها، بل عليه الإجماع ظاهرا، تحقيقا و نقلا مستفيضا، فيما عدا المستثنيات الخلافية، و هي الحداء للإبل، و غناء المغنية لزفّ العرائس، و التغنّي بالفضائل، سواء اقترن باللعب بالملاهي و ضرب العيدان و نحو ذلك من المحرّمات، أم لا.
و تخصيص الحرمة بالأوّل، كما يظهر من المحدّث الكاشاني في الوافي (1)، بل فيه استفادة ذلك من عبارة الاستبصار (2)، شاذّ جدّا، و الإجماع منعقد قبله، و كلام الاستبصار غير دال عليه، بل الظاهر منه: اختصاص حرمة الغناء بالمقترن بالملاهي في خصوص زفّ العرائس، لا مطلقا، فإنّه قال بعد نقل أخبار حرمة الغناء و كسب المغنّية: و الوجه في هذه الأخبار، الرخصة فيمن لم يتكلّم بالأباطيل، و لا يلعب بالملاهي و العيدان أو أشباهها، و لا بالقصب و غيره، بل كان ممن يزفّ بالعروس، و يتكلّم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الفحش و الأباطيل، و أمّا ما عدا هؤلاء ممن يتغنى بسائر أنواع الملاهي، فلا يجوز في حال، سواء كان في العرائس و غيرها. انتهى.
و أما في المستثنيات المذكورة فظاهر جماعة كالمفيد (3)و الحلبي (4)و الديلمي (5):
التحريم مطلقا، من غير استثناء، بل عن ظاهر الأوّل: دعوى الإجماع عليه، و المشهور سيما بين من تأخر ذلك فيما عدا الأوّلين، خلافا فيهما لجماعة، بل في الكفاية نسبة الخلاف في الحداء إلى المشهور، و عن غيره في زفّ العرائس.
و ممّن صرّح بالإباحة في الثاني، ما سمعت من كلام الشيخ في الاستبصار، و نحوه ما في النهاية (6)، و أحلّ فيه أجرة المغنّية فيه، اذا لم يقرء فيه بالباطل، و لا
يدخلن على الرجال، و لا الرجال عليهنّ. و المحقق في النكت (1)، و الفاضل في المختلف (2)و كرهه ابن البراج. و قال ابن إدريس (3): لا بأس بأجر المغنّيات في الأعراس، إذا كان لم يتغنّ بالباطل، على ما روى، و هو مختار جمع آخر.
و أمّا في غيرهما مما استثنى، فيظهر من بعضهم: دعوى الإجماع على الحرمة، و من آخر وقوع الخلاف فيه أيضا. قال في الكفاية (4)بعد نقل كلام عن الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: إنّ هذا يدلّ على أنّ تحسين الصوت بالقرآن و التغنّي به مستحبّ عنده، و أنّ خلاف ذلك لم يكن معروفا عند القدماء، و قال: كلام سيّد المرتضى في الغرر و الدرر لا يخلو عن إشعار واضح بذلك، و يظهر منه نسبة عدم التحريم في القرآن إلى الكليني أيضا.
و في مجمع الفائدة (5)، جعل ترك الغناء في مراثي الحسين عليه السّلام أحوط، مشعرا بميله إلى الجواز. و في كفاية الأحكام: و في عدّة من الأخبار الدالّة على حرمة الغناء (6)إشعار بكونه لهوا باطلا، و صدق ذلك في القرآن و الدعوات و الأذكار المقروءة بالأصوات الطيبة المذكرة للآخرة المجتمعة للأشواق إلى العالم الأعلى، محل تأمّل- إلى أن قال:- فإذن، لا ريب في تحريم الغناء على سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوها.
ثمّ إن ثبت الإجماع في غيره، كان متبعا، و إلّا ففي حكمه على أصل الإباحة.
و قال في موضع آخر: و استثنى بعضهم مراثي الحسين عليه السّلام إلى أن قال: و هو غير بعيد.
و قال صاحب الوافي (1)في باب كسب المغنّية و شراءها: لا بأس بسماع التغنّي بالأشعار المتضمّنة ذكر الجنّة و النار، و التشويق إلى دار القرار، و وصف نعم اللّه الملك الجبار، و ذكر العبادات، و الترغيب في الخيرات، و الزهد في الفانيات، و نحو ذلك.
بل ربما يظهر منه اختصاص الحرمة بما اقترن على فعل محرّم، دون ما سوى ذلك، كما أشرنا إليه.
و اختار والدي العلّامة (2)إباحته في جميع ما ذكر من المستثنيات، من القرآن و الذكر و المناجاة و الدعاء و الرثاء.
و نحن نبحث أوّلا عما استدلّوا به على حرمة مطلق الغناء، ثمّ عما هو حقّ القول في المستثنيات، فقد استدلّوا على حرمة الغناء مطلقا بوجوه:
منها: الإجماع المحكيّ عن المفيد (3)و غيره.
و منها: قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (4)بضميمة ما ورد في تفسير القمي (5)عن الباقر عليه السّلام: أنّه الغناء، و شرب الخمر، و جميع الملاهي. و في معاني الأخبار (6)عن جعفر بن محمد عليهما السّلام: عن قول اللّه تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
. قال: الغناء. و في صحيح محمّد (1): الغناء ممّا قال اللّه تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ*. الحديث. و نحوها رواية مهران بن محمد (2)، و رواية الوشاء (3)، عن الغناء، قال: هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي و رواية الحسن بن هارون:
«الغناء مجلس لا ينظر اللّه تعالى إلى أهله، و هو ممّا قال اللّه وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي الآية و في الكافي (4)، عن الباقر عليه السّلام: «الغناء مما أوعد اللّه سبحانه عليه النار» و تلى هذه الآية. و قريب منه الرضوي (5).
و منها: قوله تعالى وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (6)و المراد به الغناء، كما في رواية أبي بصير (7)و الشحام (8)، و ابن أبي عمير (9).
و منها: قوله تعالى وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (10)و فسّر بالغناء في صحيح محمد (11).
و منها: الأخبار المستفيضة المانعة عن بيع المغنّيات و شرائهنّ و تعليمهنّ، كرواية
1) وسائل الشيعة 17: 305، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22599.
2) نفس المصدر: الرواية 22600.
3) نفس المصدر: الرواية 22604.
4) نفس المصدر: الرواية 22599؛ و في الكافي 6: 431، الحديث 5.
5) نفس المصدر: الرواية 22604.
6) الحجّ (22): 30.
7) نفس المصدر: الرواية 22602.
8) نفس المصدر: الرواية 22594.
9) نفس المصدر.
10) الفرقان (25): 72.
11) نفس المصدر: الرواية 22598.
الطاطري (1)، عن بيع الجوار المغنّيات، فقال: بيعهنّ و شراؤهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق. و قريب منها خبر ابن أبي البلاد (2)، و في معناه ما ورد من اللعن على المغنّية، و على من أكل من كسبها أو ثمنها (3).
و منها: الروايات الدالّة على ذمّ فاعل الغناء و مستمعه و بيته و مجلسه، كصحيح الشحام (4): بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة، و لا يجاب فيه الدعوة، فلا يدخله الملك» و مرسلة المدني (5): سئل عن الغناء و أنا حاضر، فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها» و رواية الشحام (6): «الغناء مثير النفاق» و الخبر (7): «استماع الغناء ينبت النفاق في القلب» و في الخصال (8): «الغناء يورث النفاق و يعقّب الفقر» و في جامع الأخبار، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس و أبكم» و فيه عنه عليه السّلام: «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث اللّه سبحانه شيطانين على منكبه، يضربون بأعقابهما على صدره حتّى يمسك» و رواية يونس (9): أنّ العياشي
1) وسائل الشيعة 17: 124، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به. الرواية 22155.
2) نفس المصدر: الرواية 22152.
3) نفس المصدر.
4) نفس المصدر 17: 305، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22594.
5) نفس المصدر.
6) نفس المصدر.
7) نفس المصدر.
8) الخصال: 24، الحديث 84؛ و رواه في الوسائل 17: 309، الرواية 22616.
9) و نقل في حاشية الوسائل عن عيون الأخبار هكذا: إذا جمع اللّه تعالى بين الحقّ و الباطل مع أيّهما يكون الغناء؟ فقال الرجل: مع الباطل، فقال أبو جعفر عليه السّلام: حسبك فقد حكمت على نفسك، فهكذا كان قولى له. (وسائل الشيعة 12: 227 و 228- طبع تهران، المكتبة الإسلامية-).
ذكر أنّك ترخّص الغناء، قال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت له: إنّ رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام، فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميّز اللّه تعالى الحقّ من الباطل، فأين يكون الغناء؟ فقال: مع الباطل، فقال: قد حكمت.
و مرسلة الفقيه (1): سأل رجل عليّ بن الحسين عليهما السّلام عن شراء جارية لها صوت، فقال:
«ما عليك لو اشتريتها، فذكرت الجنة، يعنى بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، و أمّا الغناء فمحظور» و رواية ابن سنان (2): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة» الحديث.
أقول: في دلالة تلك الأدلّة على حرمة الغناء مطلقا نظر:
أمّا الإجماع، فالمحقّق منه غير ثابت في المستثنيات المذكورة، بل كلام المقدّس الأردبيليّ (3)، و المحقق الخراساني (4)، و والدي العلّامة (5)كما عرفت، يشعر بل يدلّ على وقوع الخلاف فيها، بل سمعت نقل الشهرة في إباحته في الحداء، و مخالفة جمع من أعيان الطائفة في زفّ العرائس، و اشتهار فعله في مراثي سيّد الشهداء، في جميع الأعصار و الأمصار من غير نكير غالبا، حدّا يحصل الجزم بعدم وقوع مثل ذلك الاشتهار، مع عدم الاستنكار في خلاف الإجماعيات، بل كان ينبغي أن يكون في الاستنكار مثل ضرب العيدان و القصب و المزامير في مجالس المؤمنين
و المساجد و المنابر.
و كيف كان، لا يحصل- بملاحظة جميع ما ذكر- العلم بالاتّفاق على حرمته في مثل المراثي و الفضائل و غيرهما، إلّا إذا بلغ حدّا خرج عن هذا العنوان، و صدق عليه اللهو المستعمل عند أهل الفسوق و الطرب.
و منه يعلم حال المنقول من الإجماع، على تسليم حجيته أيضا، مع أنّ نقله غير معلوم، و على ثبوته فمع ما عرفت من وقوع الإجمال و الخلاف في معنى الغناء، لا يعلم مراد القائل الناقل منه، بحيث يشمل جميع موارد الكلام. و أما الآية الأولى، فمع تعارض الأخبار المفسّرة لها بالغناء، مع ما روي في مجمع البيان (1)، عن الصادق عليه السّلام: إنّ لهو الحديث في الآية: الطعن بالحقّ، و الاستهزاء به بقوله تعالى:
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً (2)يدلّ على كون الفعل بقصد الإضلال و الاتخاذ هزوا، فلا يدلّ على حرمة ما يتّخذ لترقيق القلب، لتذكر الجنة، و تهييج الشوق إلى العالم الأعلى، و تأثير الدعاء و القرآن و المناجاة في القلوب.
و لا ينافيه التفسير بالغناء- مطلقا- في الأخبار المتقدّمة، لأنّه إمّا تفسير للمقيّد، فلا ينافيه التقييد في الحكم أو للمجموع، فالتقييد إمّا مأخوذ في أصل المعنى، فيكون مطلق الغناء ما استعمل في مقام اللهو، كما عسى يلوح من بعض الأقوال أو في المعنى المراد في الآية، فيكون مأخوذا في الغناء المحرّم، و يكون التفسير مخصوصا به.
مضافا إلى أنّ لهو الحديث لا يصدق لغة و عرفا على التغنّي بالقرآن و الدعاء و مراثي سيّد الشهداء عليه السّلام و أمثالها، إذا اتّخذ للتشويق إلى اللّه سبحانه، و الترغيب
للخيرات، و الإبكاء، لأنّ الإضافة إن كانت بمعنى من، كما قيل، أي: باطل الحديث، و ما يلهى عن ذكر اللّه تعالى، فظاهر أن القرآن و نحوه ليس منه مطلقا، أو بمعنى في، أي: اللهو الواقع فيه، أعني الغناء، فإطلاق اللهو الذي هو بمعنى الغفلة و التشاغل عن اللّه سبحانه و الآخرة، على ما يوجب التذكر لهما، مجاز قطعا. و نحوه ما إذا أريد بلهو الحديث مطلق الأفعال الملهية، كما في تفسيره فيما رواه القمّي (1)بالغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي.
و هذا التجوّز ليس بأدنى من تخصيص الغناء في الأخبار المفسرة ببعض أفراد، و هو المستعمل في الباطل، بل الترجيح للثاني، لشيوع استعماله في زمن المعصومين، فيما استعمله بنو أميّة و بنو العبّاس و أتباعهم و أذنابهم في مجالس الخمور و الفجور، حتى أنّ المغنّي و المغنّية كانا ظاهر الاختصاص في من اتّخذ شغله و حرفته التغنّي في أمثال تلك المحافل، من الجواري و الغلمان، و لأنّ مدلول أكثر الأخبار المفسّرة كون الغناء فردا من لهو الحديث، و أنّه بعض المراد ممّا قال سبحانه، كروايات القمّي، و محمّد، و مهران، و الحسن بن هارون.
و في هذا إشعار بأنّ المراد من لهو الحديث معناه اللغوي و العرفيّ الذي فرد منه الغناء المستعمل فيه، بل في الأخيرة زيادة إيماء به، لظهوره في أنّ الغناء الذي أريد من لهو الحديث مجلس، و هو ظاهر في محافل المغنّيات.
و نحوه الأوّل المفسّر بالغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي، الظاهر في كون الأخير من باب عطف العام على الخاصّ، و كون الأوّلين من أفراده مع ما في رواية الوشّاء من احتمال كونها تفسيرا لمعنى الغناء، لا بيانا لحكمه، فلا يتناول ما لا يصدق عليه لهو الحديث عرفا. و لما في رواية أبي بصير، في كسب المغنّيات،
1) التفسير القمّي 2: 161.
فقال: «التي دخل عليهنّ الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي- الآية- من كونه قرينة مرجّحة للثاني، فإنّها ظاهرة في أنّ لهو الحديث هو غناء المغنّيات التي يدخل عليهنّ الرجال» (1)لا مطلقا.
و من هذا يظهر ضعف التمثّل بإطلاق ما في المرويّ في الكافي، المذكور أخيرا، على حرمة مطلق الغناء، لكونه منزلا على ما فيه من التعليل بالآية، حسب ما عرفته.
مضافا إلى قوة احتمال نفي إطلاقه بظهوره في بيان حكم كون المحرّم من الغناء كبيرة أوعد اللّه سبحانه عليها النار، لا في بيان تحريمه. و نحوه الكلام في الرضويّ.
و أمّا الآية الثانية: فمع أنه لا يبعد كون الغناء المقصود من قول الزور على التفسير به هو الغناء بالباطل أيضا، كما يشعر به لفظ الزور الذي هو بمعنى الكذب و الباطل، يعارض المفسّرة لها بالغناء، مع ما تفسيرها بشهادة الزور المعتضد باشتهاره بين المفسرين، و مع ما رواه الصدوق في معاني الأخبار (2)عن الصادق عليه السّلام، قال: سألته عن قول الزور، قال: «منه قول الرجل للّذي يغنّي أحسنت» فإنّه ينافي ما دلّ على اختصاصه بالغناء، بل فيه إشعار بكون المراد منه معناه اللغوي، أي:
الكذب و الباطل الغير الصادقين على مثل القرآن و الخطب و الدعاء و الرثاء.
و أمّا الأخبار: فالروايات المانعة عن بيع المغنّيات و شرائهنّ غير دالة على حرمة مطلق الغناء. ضرورة أن ليس مطلق بيع من يقدر على التغنّي- و إن علم وقوع التغنّي منه- حراما، إلّا بتقييد البيع بقصد التغنّي، استظهارا بإشعار وصف الموضوع بالغلبة، و هو ليس دلالة وضعية، بل مجرّد ظهور عرفيّ، و هو ليس بأكثر من ظهور
المغنّي و المغنّية بحكم الغلبة في أزمنة الخطاب، على ما سمعت في من يعدّ للتغنّي بالباطل من الجواري و الغلمان في مجالس اللهو من الأعراس و غيرها، بل كان تداول فيها دخول الرجال على النساء، و تعارف فيها التكسب بها، كما يظهر من الآثار و الأخبار، و خصوص الصحيح: «أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، ليست بالتي تدخل عليها الرجل» المشعر بمعهودية دخول الرجال عليهنّ.
فالكلام ظاهر في بيع من ذكر، بقصد تغنّيه بالباطل في مجالس اللهو.
و أما سائر الأخبار الذامّة للغناء، فغير الثلاثة الأخيرة بكثرتها، خالية عما دلّ على الحرمة، و أمثال ما فيها من الذم يذكر كثيرا ما في المكروهات.
و أمّا الثلاثة: فأمّا رواية يونس، فوجه الدلالة: إمّا تكذيب الإمام عليه السّلام نسبة الرخصة في الغناء إليه، أو جعله الغناء من قسم الباطل، و الأوّل لا يستلزم المنع، لاحتماله عدم الإذن، و الإجمال في الجواب لمصلحة، و لو سلّم، فغايته الدلالة على المنع في الجملة، فإنّ نقيض الإيجاب الكلّي السالبة الجزئية، و الثاني غير صريح في الحرمة، لصحّة إطلاق الباطل على مطلق الهزل، بل اللغو.
و أما مرسلة الفقيه، فمدلول ذيله و إن كان حرمة المطلق، إلّا أنّ قوله عليه السّلام قبله:
«و الفضائل التي ليست بغناء» الظاهر في كون الوصف سيما باعتبار تعبيره بلفظ الماضي- توضيحيا، خصوصا مع عدم وجه لتخصيص التجويز بالفضائل لولاه، قرينة على أن المراد بالغناء الذي في مقابله هو الغناء بالباطل، لا مطلقا.
و منه يظهر ما في رواية ابن سنان (1)، فإنّها ظاهرة في أنّ المراد بالغناء المنهيّ عنه في القرآن، بعض أفراده، و هو لحون أهل الفسق و الكبائر، المتداولة في الملاهي الغير المذكّرة للآخرة، بل المخرجة لها عن صدق التلاوة، و يشعر به آخر الحديث،
1) الكافي 2: 614.
سيما بملاحظة ما ورد من استحباب الترجيع بالقرآن، بل يدلّ عليه الأمر بالقراءة بألحان العرب، فإنّ اللحن كما في اللغة هو التطريب و الترجيع و الغناء. قال في النهاية الأثيرية: اللحون و الألحان جمع اللحن، و هو التطريب و ترجيع الصوت، و تحسين القراءة و الشعر، و الغناء (1).
و قال في الصحاح: و منه الحديث «اقرءوا القرآن بلحون العرب»، و قد لحن في القراءة، إذا طرب و غرّد. و هو ألحن الناس، إذا كان أحسنهم قراءة و غناء (2).
و فيه: الغرد بالتحريك، التطريب في الصوت و الغناء (3).
فالنهي في الرواية عن لحون أهل الفسق، و ذمّ أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و الرهبانية، تحذير عن الغناء المتداول بين أهل الطرب و الفسق لا مطلقة. فالرواية أشبه بخلاف المدّعى.
فتبيّن من جميع ما ذكرناه، أنّ القدر الثابت من تلك الأدلّة حرمة الغناء في الجملة، و أنّه لو سلّم إطلاق بعضها، فشيوع استعمال الغناء في الأخبار، فيما يستعمله الفسّاق في أزمنتهم في الملاهي و التغنّي بالباطل في مجالس الفجور، كما نبّهنا عليه، و قال في الكفاية (4)و المفاتيح و يشعر به بعض الصحاح، حسب ما أشرنا إليه، و أمثال ذلك مما يمنع التمسّك بإطلاقه.
و إنّها لو لم يكن قرينة لحمل الغناء،- حيث يستعمل مطلقا- على المستعمل في الملاهي، فهي مانعة لا محالة عن جريان أصل الحقيقة في الإطلاق.
نعم، الظاهر ثبوت الحرمة من تراكم الجميع في غير الفضائل، و القرآن، و المراثي، و نحوها، مما يذكّر الآخرة، و يرغّب في الخيرات مطلقا، و إن لم يقترن بمحرّم خارجي، و لم يكن تكلّما بالأكاذيب و الأباطيل. و أما فيها فلا، سيما مع معارضة أدلّة الحرمة، مع ما رواه الحميري في قرب الإسناد- الذي نفى البعد في الكفاية عن إلحاقه بالصحيح- عن عليّ بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن الغناء، هل يصلح بالفطر و الأضحى و النوح؟ قال: «لا بأس، ما لم يعص به» (1)و ما دلّ على جوازه في بعض المستثنيات، كما سننبّه عليه.
و أمّا الكلام في حرمة ما استثنى من الغناء، فتفصيله: أنّ ما وقع الخلاف في استثنائه أمور:
منها: غناء المرأة في زفّ العرائس. و الحقّ جوازه للأصل، و الصحيح المتقدّم في حلّية أجر المغنية التي تزفّ العرائس، و الخبرين: أحدهما عن كسب المغنّيات.
فقال: «التي يدخل عليهنّ الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس، ليس به بأس» (2)و الآخرة: «المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها» (3).
و الإيراد عليها بالمعارضة بإطلاق أدلّة الحرمة، و نفي الملازمة بين الإباحة و ثبوت الأجرة، مدفوع، بتخصيص الإطلاق بتلك الأخبار المشتملة على الصحيح و غيره، و الملازمة ثابتة بعدم القول بالفرق مع أنّ المنفيّ عنه البأس في الأخيرين، نفس الكسب، و هو عين المدّعى.
هل يتعدّى الحكم إلى المغنّي؟ الظاهر لا، كما هو ظاهر كلمات المجوزين، لاختصاص أدلّة الاستثناء بالمغنّية. و التمسّك بعموم العلّة في الصحيح مخدوش، باختصاصها بالمرأة المسؤول عنها و إلّا جاء (1)تفصيل الحلّ و الحرمة في الرجل أيضا في عدم دخوله على الرجال (2)دخولهم (3)عليه، و هو كما ترى.
و منه يظهر اختصاص الحكم بالزفاف أيضا، كما هو ظاهرهم، نظرا إلى ظهور العلّة في أفراد المسؤول عنها، التي هي من تزفّ العرائس، فمفادها تقسيم من يزفّ إلى من يدخل عليها الرجال و من لم يدخل، بل الظاهر الإجماع على الحرمة في غير الأعراس.
و منها: الحداء، و هو سوق الإبل بالغناء، و اشتهر استثناؤه، إلّا أنّي لم أقف على دليل دلّ عليه، سوى الخبر العامّي (4)المرسل، و هو غير صالح للحجّية، فلا موجب للخروج عن الإطلاق في حرمته، وفاقا لصريح جماعة.
و منها: الغناء في مراثي سيد الشهداء، و غيره من الحجج عليهم السّلام و أولادهم، و أصحابهم و الحقّ فيه الإباحة، ما لم يخرج عن حدّ الرثاء، و صدق المرثية، و قصد الحزن و البكاء، و التحزين و الإبكاء، بوقوعه في الملاهي، و الإفراط في الترجيع، حدّا يخرج عن الإعانة على البكاء، و صدق الرثاء للأصل و قصور أدلّة الحرمة عن الإطلاق الشامل له، حسب ما مرّ مع معارضتها للمرويّ في قرب الإسناد (5)و مرسلة
الفقيه (1)، مضافا إلى كونه إعانة على البرّ، و رجحانها ثابت بالكتاب و السنة.
و الاعتراض عليه أوّلا: بمنع كون الغناء معينا على البكاء، و إن سلّم إعانة الصوت عليه، و لو لاشتماله عليه، لكونه غير الغناء.
و ثانيا: لو سلّم فكونه على البكاء على شخص معيّن غير مسلّم، و إنّما هو لأجل تذكر أحواله، و لا دخل للغناء فيه.
و ثالثا: لو سلّم، فعموم رجحان الإعانة على البرّ- و لو بالحرام- غير ثابت.
و رابعا: لو سلّم، فيعارض أدلّته أدلّة حرمة الغناء، و الترجيح للثانية بالأظهرية و الأكثرية، بل ربما يظهر من بعض أفاضل معاصرنا، نفي أضل التعارض، و بقاء دليل الحرمة سالما عما يعارضه، قائلا بعدم وقوع المعارضة في أمثال تلك العنوانات المختلفة، و لذا لا يتعارض ما دلّ على استحباب قضاء حاجة المؤمن، لما دلّ على حرمة الزنا و اللواط، إذا طلبه المزني بها.
مدفوع، أمّا الأوّل: فلمخالفته الوجدان، و ظهور الفرق في الإبكاء بين الأصوات و الألحان. و وجه ما أشرنا إليه من أنّ الغناء في مثل ذلك يثير حزنا، إذا أضاءت أثره إلى الدماغ، يدمع العين، و يحصل البكاء، و إذا أضاءت الى الروح، يتموّج و يظهر منه الصياح و الاضطراب. فالغناء له مدخل في البكاء، و هو كاف في صدق الإعانة عليه، و إن لم يكن سببا تامّا.
و منه يظهر ما في الثاني: فإن تذكر الشخص الخاصّ، و إن لم يكن لأجل الغناء، و لكن كونه تذكرة موجبا للبكاء، قد يحصل بإعانة الغناء المرقّق للقلب، المهيّج للحزن على من يرثى عليه.
و أمّا الثالث: فرجحان الإعانة على البرّ أمر معلوم الإجماع و الكتاب و السنة،
1) وسائل الشيعة 17: 122، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22150.
عموما و خصوصا، في المقام، بما ورد في متظافرة الأخبار، من استحباب البكاء و الإبكاء على الحسين عليه السّلام، غاية الأمر، يعارض دليله دليل الحرمة، حيث وقع معينا، فيرجع إلى الراجح.
و أمّا الرابع: فقد عرفت منع وجود دليل على عموم الحرمة الشامل لمحلّ البحث، فضلا عن الأظهرية و الأكثرية بالنسبة إلى ما استفاض من استحباب الإعانة على البرّ، عموما و خصوصا.
و أما ما قاله الفاضل المعاصر، فهو من الغرائب. و التمثيل بما ذكره غير صحيح.
بيان ذلك: أنّ اختلاف العنوان في الأمر و النهي، لا يرفع التعارض، إلّا إذا كان الرجحان توصليا تبعيّا، من باب المقدمة لواجب أو مندوب، فهو لا يعارض الحرمة الأصلية، كما في العبور عن ملك الغير إلى المسجد.
و وجهه: أنّ رجحان المقدّمة من باب التوقف العقلي للمأمور به بحكم العقل، و هو يكون حيث لم يكن المقدّمة مع إمكان حصول الغرض لغيرها، لعدم الدليل- حينئذ- على رجحانها. و أمّا إذا كان الحكمان أصليين فالتعارض حاصل في مورد التخالف، و إن اختلف العنوان، لعدم إمكان الجمع بين الامتثالين.
و التعارض بالعموم من وجه، كلّه من هذا الباب، سواء كان مورد التعارض فردا لموضع كلّ من الدليلين المتعارضين، أو لأحدهما و لازما للآخر، كالأمر بالذهاب إلى المسجد، و النهي عن التصرف في ملك الغير.
نعم، إذا كان إطلاق الأمر منساقا لبيان حكم آخر، تقدّم جانب الحرمة، كالأمر بالمسافرة، و النهي عن ركوب الدابّة المغصوبة، و الأمر بالإفطار، و النهي عن أكل المتنجّس أو مال الغير، فلا تعارض- حينئذ- أيضا-، لعدم انصراف إطلاق الأمر إلى محلّ النهي، فلا يحصل امتثال الأمر بالإتيان بالمنهيّ عنه، إلّا إذا كان المقصود
من الأمر مجرّد حصول الأثر، كالأمر بتطهير الثوب، و إنقاذ الغريق، فيسقط الأمر بفعل المحرّم، لحصول الغرض، و إن لم يترتّب عليه الثواب.
و كيف كأن، فمن البيّن: أنّ محلّ البحث ليس من صورتي عدم التعارض، بل هو من باب تعارض الحكمين الأصليين بالعموم من وجه، إذ الأمر بالإعانة على البرّ، هو الأمر بإيجاد ما توقّف عليه، و هو في الفرض من أفراد الغناء المعين على البكاء أو الإبكاء، فيحصل التعارض.
نعم، لا يبعد الفرق بين الأمر بالإبكاء و الإعانة، بكون النظر في الأوّل حصول الأثر، فلا ينصرف الإطلاق إلى خصوصيات أفراد السبب، بخلاف الثاني، لظهوره في كون المقصود منه الأمر بإيجاد أسباب البرّ و شرائطه، و لا أقلّ من عدم ظهوره في غيره الكافي في صحّة التمسّك بإطلاقه.
و أمّا التنظير بالزنا، في حصول قضاء حاجة المؤمن، به فلا مناسبة له بالمقام، فإنّ أصل الحاجة- و هي الزنا- محرّمة على المحتاج، فكيف يحسن قضاؤها؟ بل يحسن من الغير الإعانة على منعها، بخلاف البكاء.
و منها: الغناء في قراءة القرآن، و هو كسابقه دلّ على جوازه ما مرّ، من الأصل، و قصور الأدلّة المانعة من شمولها له، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المتقدّمة. جملة منها المعتضدة بالأصل الآمرة بقراءة القرآن بالصوت الحسن، الشامل للغناء، بل هو أظهر أفراده أو بخصوص الترجيع، كرواية أبي بصير الصحيحة (1)، عن السرّاد، المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، و فيها: «و رجّع بالقرآن صوتك، فإنّ اللّه سبحانه يحبّ الصوت الحسن، يرجّع به ترجيعا».
و الإيراد على الأوّل: بأنّ الغناء هو الترجيع، و هو وصف عارض للصوت الحسن،
1) الكافي 2: 616، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، الحديث 13.
يوجد بإيجاد مغاير لإيجاد الصوت، فلا يدلّ الترغيب به على الترغيب به. و على الثاني: بمنع كون مطلق الترجيع غناء. و عليهما: بمعارضتهما للأخبار المانعة، كخصوص رواية عبد اللّه بن سنان المتقدّمة، الناهية عن لحون أهل الفسوق، الذامّة لترجيع الغناء و الرهبانية في القرآن (1).
مدفوع بما في الأوّل، من أنّ الغناء في كلام جماعة من أصحاب اللغة، هو الصوت المشتمل على الترجيح. و لو سلّم، فتحسين الصوت غالبا بالترجيع، و لا أقلّ من كون المشتمل عليه من أفراده، فالأمر بالصوت الحسن أمر بالمركّب من العارض و المعروض، و هو ينافي حرمة العارض، مع أنّ في بعض الأخبار الأمر بتحسين الصوت، و الترجيع من أفراده.
و بما في الثاني، من شموله للغناء قطعا، لو لم يتّحد معه، و هو كاف في الاستدلال.
و بما في الثالث، أوّلا: فيما مرّ من ضعف دلالة المعارض في مورد البحث، بل دلالة الخبر المذكور على الترغيب بنوع منه، فلعلّ النهي عن نوع آخر مستعمل عند أهل المعصية، من جهة خروج القراءة به عن صدق التلاوة عرفا، كما أشرنا إليه.
و ثانيا: على تسليم دلالة العمومات المانعة من التعارض مع المجوّزة بالعموم من وجه، فيرجع إلى الأصل المقتضي للجواز أيضا.
و موافقة الأولى للكتاب، بضميمة الأخبار المفسّرة، لو أغمضنا عما فيه من المناقشات السابقة، معارضة لموافقة الثانية له- أيضا- في قوله تعالى وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (2)بضميمة تفسيره في رواية أبي بصير: بأنّه المكث فيه، و تحسين الصوت به.
و منها: الغناء في سائر الفضائل، من الخطب و المناجاة و الدعاء و غيرها من الكلمات
الحقّة، مما يقصد به الترغيب إلى اللّه تعالى، و السوق الى الجنة، و مذاكرة نعم اللّه سبحانه و فناء الدنيا و أمثال ذلك. و الأوجه فيه الجواز أيضا للأصل السالم عن المعارض المعلوم، مضافا إلى ظهور مرسلة الفقيه المتقدّمة (1)فيه بالتقريب المذكور.
و للمستفيضة المانعة عن بيع المغنّيات، و شرائهن، المحمول على قصد التغنّي به، حسب ما مرّ.
و ظاهر أنّ المقصود- حينئذ- استماع الغناء منهنّ، لا التغنّي لأنفسهنّ، لحصوله قبل البيع أيضا، و خصوص رواية الطاطري (2)المتقدّمة، بما في آخرها من قوله عليه السّلام:
و استماعهنّ نفاق. و قريبة منها الأخرى، و مرسلة المدني (3)، سئل عن الغناء، و أنا حاضر. فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه سبحانه معرض عن أهلها، فإنّها ظاهرة في كون النهي باعتبار استماع الغناء، في بيوت يتغنّى فيها.
و يؤيّده رواية عنبسة: «استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب» (4)و الخبر العامّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من ملأ مسامعه من الغناء، لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة» قيل: و ما الروحانيون يا رسول اللّه؟ فقال: «قراءة أهل الجنة» (5).
و لا يشترط في حرمة استماع الغناء حرمته على المغنّي، فلا يجوز استماعه من غير المكلّف، و إن لم يكن عليه إثم، لصدق الغناء، فيعمّه دليله.
مشرق: قد اشتهر بين جمع من أفاضل من عاصرناه، صحّة صلح الزوج عن حق رجوعه في العدّة الرجعية، فيصير به الطلاق بائنا. و لم أر في كتب الفقهاء من تعرّض لهذه المسألة بخصوصها، عدا الفاضل الكامل القمّي (1)، حيث أفتى بصحّته، و تبعه غيره ممن جوّز. و أنكره والدي العلّامة و هو في محلّه.
و لبيان جليّة الحال، لا بدّ من بيان حقيقة الصلح و أقسامه، و تحقيق المناط لما صحّ فيه الصلح. فنقول: الصلح عقد دلّ على شرعيته إجماع المسلمين، و استفاضت عليه أخبار المعصومين عليهم السّلام، ففي النبويّ، و المرسل من طريق الخاصّة في الفقيه (2)، المنجبرين بالشهرة العظيمة، رواية و عملا: «الصلح جائز بين المسلمين، إلّا صلحا أحلّ حراما، أو حرّم حلالا» و نحوهما الصحيح، بغير استثناء (3). و في معناها غيرها من الصحاح و غيرها.
و بيان معنى الاستثناء، و دفع ما أورد عليه من الإشكال، ليطلب مما حقّقناه في استثنائه في الشرط، فلا نعيده.
ثمّ الصلح لا يتوقّف على سبق الدعوى، و لا توقعه إجماعا منا، و إن كان في الأصل شرّع لدفع الخصومة، فاطّرد في غيره، مثل المشقّة في حكمة القصر، و نقص القيمة في الردّ بالعيب، و استبراء الرحم للعدّة، و نحوها، فيحكم به في غير مورد الحكمه، مضافا إلى الإجماع بعموم النصّ.
و ما قيل: باختصاص الإطلاقات بما تحقّق فيه التنازع، و لو متوقعا، و التعميم بعدم القائل بالفرق غير متجه، لأنّ معنى الصلح الواقع في إيجاب العقد، المحمول عليه الإطلاقات، يوافق المصطلحين، بما تسالما و اصطلحا عليه، و هو يشمل غير صورة التشاجر و التجاذب أيضا.
و كيف كان، فهو عقد لازم، يشترط فيه الصيغة الخاصّة من الإيجاب و القبول اللفظيين بشرائطهما، كسائر العقود اللازمة، كما مضى في بعض ما تقدّم، و إن قلنا بجواز المعاطاة في صلح المعاوضة، على غير وجه اللزوم.
و إيراد المحقق الأردبيلي (1)في اشتراط الصيغة، بمخالفته للأصل و ظاهر الأخبار، غير مقبول. ضرورة أن ليس المراد بالصلح فيها مجرّد التسالم على ما اتفقا عليه، الذي هو معناه اللغويّ، بل ما يعمّ الإنشاء العقديّ، و لذا كان من العقود إجماعا، فهو محمول على المعاملة المعهودة في الشرع، فلا يصحّ التمسّك في صحّة مطلق ما صدق عليه معناه لغة بالإطلاق، و إن صحّ ذلك بالنسبة إلى سائر الشرائط، حسب ما تقرر فيما مضى. مضافا إلى أنّ مدلول الإطلاقات، مجرّد الصحة، دون اللزوم.
ثم الصلح عقد مستقلّ لا يتفرّع على غيره من العقود، و إن أفاد فائدته، كما هو
1) مجمع الفائدة و البرهان 9: 335.
المشهور، بل عن التذكرة (1)و التحرير (2): الإجماع عليه، بل من غير خلاف بيننا، عدا المحكيّ عن الشيخ (3)، وفاقا له للشافعي، من أنّه بيع، أو اجارة، أو هبة غير معوّضة، أو عارية، أو إبراء فهو الحجّة.
مضافا إلى أنّ الاستقلال مقتضى أدلّة الصلح بضميمة الأصل، بل ظهور كثير منها فيه. نعم، هو عقد واسع يقع في موارد أكثر العقود، و مع ذلك متّسع باحتماله ما لا يحتمل غيره، مما يفاد مفاده من وجوه كثيرة.
منها: أنّه يصحّ مع الإقرار و الإنكار، ففي الأوّل ظاهرا و باطنا، و في الثاني ظاهرا، فيحرم على المبطل ما يدفعه إليه المحقّ، أو بقى من ماله عنده، و لو مقدار ما دفع إليه من العوض في المصالحة عن العين، بفساد المعاوضة واقعا.
و إنّما يحكم بالصحّة في ظاهر الشرع، إلّا على فرض رضى المحقّ بالصلح باطنا اجماعا في الجميع، مضافا إلى أدلّة الصلح المعتضدة بعموم قوله تعالى:
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في الصحّة الظاهرية، و خصوص صحيح عمر بن يزيد (4)و رواية علي بن حمزة (5)في الفساد الواقعي في صورة الإنكار.
و ربما يناقش تارة: في صحّته ظاهرا بأنّها غير متصوّرة، مع القطع بكون أحدهما مبطلا، فلا يكون الفساد الواقعيّ مشتبها، فكيف يحكم بصحّته ظاهرا.
و أخرى: في فساده باطنا، بأنّه إذا توجّهت الدعوى بالتهمة، يتوجّه اليمين على المنكر، من غير ردّ، و لو كانت الدعوى مستندة إلى قرينة، فصالحه على إسقاطها
بمال، أو على قطع المنازعة، فاليمين حقّ للمدّعي، يصحّ الصلح لإسقاطه. و من هذا قوّى صحّته- مطلقا- في المسالك (1)، و احتمله في جامع المقاصد (2).
و يندفع الأوّل: بأنّ شرعية الصلح، أوجبت صحّته الظاهرية، عند عدم تعيّن المبطل. و الثاني: بأنّ حقّ الدعوى و حقّ اليمين، من الحقوق الظاهرية، فلا ينافي وقوع الصلح على إسقاطه الفساد باطنا، و لذا لو انكشف الحال بعد الصلح بإقرار و نحوه، يحكم بفساد الصلح ظاهرا أيضا. و لا يتوهّم ذلك في الصلح، في صورة الإقرار، إذا انكشف أحد العوضين مستحقا، كما في البيع و نحوه في المفروض، لتسليم الفساد الواقعي فيه أيضا.
نعم، في صورة التعمّد بالدعوى الكاذبة، كما هي الغالب في الصلح الإنكاري، لا يحلّ التصرّف للمدّعي عند نفسه، فيما بينه و بين اللّه أيضا، و إن جرى على الصحّة في ظاهر الحال، بخلاف صورة خروج العوض مستحقّا، مع جهل المتعاقدين.
و لعلّ هذا هو مقصودهم في المقام من الباطن في مقابل الظاهر دون الواقع.
و منها: أنّه يصحّ الصلح عن عين بعين أو بمنفعة أو عن منفعة كذلك، و عن الحقوق، كحقّ الحيازة، و حقّ التحجير، و حقّ الشفعة، بحقّ مثله أو بعين أو منفعة.
كلّ ذلك بالإجماع و العمومات، لصدق عقد الصلح على ما يفيد إنشاء ما توافقا عليه من الأمور المذكورة.
و منها: أنّه يصحّ مع العوض، فيكون عقد معاوضة، و بدونه، كما عرفت من قول الشيخ: من صحّة قيامه مقام الهبة و العارية، لصدق معنى الصلح على المجرّد عن العوض، حسب ما ذكر، فيشمله العمومات.
قال بعض الأجلّة: و الظاهر أن المسألة إجماعية، و يشعر بالإجماع ما في التذكرة، حيث قال: لو قال: صالحني بنصف دينك عليّ، أو بنصف دارك هذا، فيقول: صالحتك بذلك، صحّ عندنا، و هو قول أكثر الشافعية، ثم قال: و إنّما يقتضي لفظ الصلح المعاوضة، إذا كان هناك عوض، و أمّا مع عدمه فلا. و إنّما معنى الصلح الرضا و الاتفاق، و قد يصلح من غير عوض. انتهى.
و لا ينافيه الاتفاق على بطلان الصلح المعوّض، إذا بان أحد العوضين مستحقا الظاهر في كون العوض من أركان الصلح، و لذا لا يفسد النكاح بفساد المهر، نظرا إلى عدم كونه ركنا له، إذ غايته كون العوض ركنا للصلح الواقع بقصد المعاوضة، و لا يقتضي ذلك كونه ركنا لمطلق الصلح. و أما النكاح، فليس المهر ركنا له مطلقا، و لذا يصحّ بدون ذكره، و يرجع إلى مهر المثل.
و من هذا صلح الدين على بعضه أو العين كذلك، و يسمّى صلح الحطيطة، بأن يقال: صالحتك نصف ديني على أن تعطيني نصفه، أو صالحتك داري على نصفها.
و منها: أنّه يصحّ الصلح مع جهالة العوضين، بلا خلاف فيه في الجملة، بل عن المسالك (1)و غيره: الإجماع عليه لإطلاق الأدلّة، و خصوص الصحيح، في رجلين كان لكلّ واحد طعام عند صاحبه، لا يدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، و لي ما عندي. فقال: «لا بأس بذلك إذا تراضيا، و طابت به أنفسهما» (2)و في معناه غيره.
و احتمال كون المراد منه الإبراء، كما قد يناقش به عليه، مدفوع، بظهوره في المعاوضة الظاهرة في الصلح، كما فهمه الأصحاب.
و مقتضى إطلاق العبائر، كعموم الأخبار: عدم الفرق بين الجهل بالقدر و الجنس و العين و الدين، بل عن التذكرة (1): نسبة عدم اشتراط العلم بشيء منهما في الصلح إلى علمائنا أجمع، بل صرّح فيها حاكيا عليه إجماع الإمامية عدم الفرق في تعذّر العلم مطلقا، أو في الحال لعدم مكيال أو ميزان أو نحوهما من أسباب المعرفة و عدمه.
و لا إشكال، بل قيل: لا خلاف في الأوّل، كما اقتضاه النصوص.
و كذا لا إشكال ظاهرا في الثاني، لما ذكر، كما عن الشهيدين (2)و الفاضل المقداد (3)، حيث تمسّكا بتعذّر العلم في الحال، مع قضاء الضرورة و الحاجة بوقوعه، و الضرر بتأخيره.
و أمّا الثالث: فقد استشكل فيه في الرياض (4)، من عموم الأدلّة المعتضدة بإطلاق كثير من العبائر، و من حصول الغرر، مع إمكان التحرّز عنه، و لذا قيّد الصحة في المسالك (5)و التنقيح (6)، بما إذا تعذّر تحصيل العلم بالحقّ و المعرفة الكلّية، ثمّ قدم الثاني، ترجيحا لعموم النهي عن الغرر على أدلّة الصلح، باعتضاده للاعتبار، و رجحانه عند الأصحاب في كثير من المعاملات، كالبيع و الإجارة و نحوهما. و مع الإغماض عنه، فالرجوع إلى أصل الفساد.
و أنت خبير بأن لا عموم للنهي عن الغرر، بحيث يشمل المورد، بل هو مختصّ بالبيع، و نحوه الإجارة الملحقة به، لظاهر الإجماع. مع أنّ الصحيح المتقدّم و نحوه، يختصّ بصورة الجهل و الغرر، فيخصّص به عموم النهي لو كان. و مساس الحاجة الشامل له الصحيح بإطلاقه، لا يمنع عن صدق الغرر.
ثم على تسليم التعارض، فالترجيح لأدلة الصلح، لاعتضادها بالإجماع المحكيّ في التذكرة (1)و إطلاق الأكثر.
ثم إنّ الجهل المغتفر في الصلح، إنّما هو إذا لم يرجع إلى الواقع، و أمّا معه و إن خلى عن الغرر، كصلح أحد العبدين المتشابهين المتحدين في القيمة، فهو يمنع الصحة، لمنافاته الإنشاء التنجيزي الذي هو شرط العقود مطلقا حسب ما تقدّم في الشرط.
و منها: أنّه يصحّ الصلح عن الحقّ إسقاطا، كصلح حقّ الدعوى للمدّعى عليه، و حقوق الخيار لمن عليه الخيار، و نقلا كصلح حق التحجير، إلّا أنّه يجب الاقتصار فيما يصحّ الصلح عنه مما يطلق عليه الحق بهما دون غيرهما.
بيان ذلك: أنّ ما يطلق عليه الحقّ على أقسام:
منها: الحقّ المالي بلا واسطة، كحق الملك لعين أو منفعة أو دين، أو بواسطة، كحقّ الخيار و حقّ الشفعة و حقّ التحجير و حقّ الدعوى و أمثالها، فإنّ متعلّق الحقّ فيها ليس نفس المال ابتداء، بل هو التسلط على ما يوجب حصوله.
و منها: حقّ الانتفاع لغير المال بلا واسطة، كحقّ الزوجية و ملك البضع و حقّ الجلوس للسابق في المسجد و نحوها، أو بواسطة، كحقّ الرجوع في الطلاق الذي هو التسلط على ما يوجب الانتفاع.
1) تذكرة الفقهاء 3: 178.
و قد يطلق الحقّ على غير ذلك- أيضا- مما يؤول إلى هذا المعنى، كحق المؤمن و حق الجار، من التعظيم و الإحسان و الإجابة و الإعانة.
و حيث إنّ مورد الصلح- كما أشرنا إليه- يختصّ بما يصلح للإسقاط أو النقل باختيار العبد، بل لا معنى للصلح في غيره، و القدر الثابت من الإجماع و غيره، إنّ القابل لهما ما كان من الأوّلين، أي الحقوق المالية دون غيرهما، بل صرّح جمع من الفقهاء في وجه صحة صلح حق الشفعة بأنه من الحقوق المالية، فيصحّ الصلح عنه و ظاهر كلامهم هذا عدم صحّته في الحقوق الغير المالية. و دليل الصلح مع ما فيه من الاستثناء بقوله: «إلّا ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا» غير معلوم الشمول و لا مظنونه لأمثال ذلك التي متعلّق الصلح فيها حقيقة الحكم الشرعي، بل الثابت من مدلوله، صحّته فيما ثبت من الشرع صلاحيته للنقل و الإسقاط، بأن كان للمكلّف الخيرة فيهما، لا من قبيل الأحكام الستّة الوضعية و الولايات القهرية الشرعية، فيصطلحا على عدمها. و لذا لا يصحّ صلح الوصيّ عن وصايته، و الوليّ عن ولايته، بل لا يجوز صلح المؤمن أو الجار عن حقوقهما الثابتة لهما في الشرع، من الإحسان و التكريم و المواساة و حسن المعاشرة.
و بالجملة: كلما يطلق عليه لفظ الحقّ، أو أمكن التعبير عنه به، كحقّ الصلاة في المسجد و الجلوس في الأرض المباحة و أمثال ذلك من وجوه الانتفاعات، لا يلازم صحّة الصلح عنه، بل يجب أن يكون متعلّقة ممّا يثبت من الشرع قابليته للنقل أو الإسقاط. و عموم «كلّ صلح جائز»، لا يدلّ على صلاحية مورد الشك لهما، كما لا يدلّ عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على قابلية العين للتملك و التمليك، مما يشكّ فيه ذلك. و لو أبيت عن ذلك، فالاستثناء المتعقّب له دلّ على عدم صلاحية ما يثبت له حكم شرعيّ- و لو بعموم أو إطلاق لفظيّ- لتغييره بنقل أو إسقاط بالصلح، فاللازم
و هل تسلط الزوج على الرجوع إلّا كالتسلط على إحياء أرض الموات؟ فكما لا يصحّ صلح حقّ الإحياء قبل فعله، و نحوه غيره من الأفعال التي جعلها الشارع أسبابا لآثار عائدة إلى الفاعل، كذا لا يصحّ صلح حقّ الرجوع.
و إلحاقه بحقّ الخيار و حقّ الشفعة و نحوهما، مما يصحّ الصلح عنه إجماعا، قياس مع الفارق، لما سمعت من كونهما من الحقوق المالية دونه، مضافا إلى الإجماع الفارق بينهما.
مشرق: في بيان تعارض الاستصحابين و أقسامه، و حيث إنّ المقام من مزلات أقدام، و اختلاف سهام نقض و إبرام من أقوام، و منشأ ذلك- غالبا- عدم تنقيح مناط التعارض، فينبغي أن نفصّل الكلام فيما يضبط به محلّ التعارض و ما يرجح به أو يعمل بهما، أو يتساقطان.
و لنبيّن أوّلا: ضابطة في بيان ما يتبع استصحاب المستصحب من الأحكام و الآثار و ما لا يتبعه.
فنقول: ما يستلزم الحكم المستصحب الواقعي- وجوديا كان أو عدميا- على وجوه ثلاثة، لأنّه إمّا يكون من توابعه و لوازمه في الوجود عقلا أو شرعا أو عادة، فكان المستصحب مقدّما عليه ذاتا و ملزوما له، كأن يكون علّة له أو جزء علة أو تتميما لعلّته، أو يكون عكس ذلك. فكان المستصحب لازما و مسبوقا له، أو هما متلازمان في الصدق، لجهة خارجة عن ذاتهما، أو لكونهما لازمين لملزوم واحد.
فإن كان الأوّل، فإذا أثبت الملزوم بالاستصحاب، فالظاهر- بل لا ينبغي الريب فيه- وجوب الحكم به بتبعية اللوازم للملزوم، و المستصحب يستتبعه، سواء كان
الاستصحاب جاريا في نفس اللازم أيضا، أم لا.
ففي استصحاب الملكية يحكم بتوابعها، كصحّة البيع و الإجارة و الإعادة و الانتقال إلى الوارث، و غير ذلك مما يترتّب على الملك. و باستصحاب طهارة الماء، بجواز شربه و صحّة الوضوء منه و تطهر ما يغسل به، و غيرها من آثار الطهارة و توابعها الشرعية.
و الظاهر وقوع الإجماع عليه، كما يستفاد من سيرة العلماء في الفقه و الأصول، و إن غفل عنه بعضهم في بعض صور تعارض الاستصحابين، كما سننبّه عليه.
و من تتبع كتب الأصحاب و روال طريقتهم في استنباط الأحكام، لم يبق له تأمّل في اتفاقهم عليه. و وجهه- مضافا إلى الإجماع- أنه إذا علم سببية شيء لأمر و استتباعه له و ترتّبه عليه، فعند الحكم بثبوته شرعا- و لو بدليل تعبديّ- يحكم بالسبب- و لو تعبّدا- أيضا، تحقيقا لمعنى السببية و المتبوعية، بل معنى استصحابه تعبّدا ليس إلّا ترتيب آثاره و لوازمه عليه، بناء على بقائه.
ألا ترى أنه إذا قال الشارع: الماء الطاهر يرفع الحدث، و إذا شككت في طهارة الماء و نجاسته فابن على طهارته، يفهم منه كل أحد ثبوت الرافعية المذكورة له عند البناء على بقاءها.
و يدلّ عليه- أيضا- جملة من أخبار الاستصحاب، كالمتضمّن لصحة الصلاة مع الثوب الذي شكّ في نجاسته بعد العلم بطهارته، مع أن مقتضى الاستصحاب بقاء اشتغال الذمة بالصلاة، و سيجيء مزيد بيان فيه إن شاء اللّه.
و إن كان الثاني، فالذي يقتضيه النظر عدم ثبوته باستصحاب اللازم، فلا يحكم بالملزوم بمجرّده، إلّا إذا أمكن الاستصحاب في نفس الملزوم- أيضا- فإذا نذر أن لا يجلس فاسقا، صحّ استصحاب جواز المجالسة مع مجهول الفسق، و لكن لا
يحكم به بكونه عدلا مقبول الشهادة، و جائز الاقتداء في الإمامة، و إن دار الاحتمال في حقّه في كونه عادلا أو فاسقا في الواقع. و الظاهر كونه إجماعيا أيضا. و سرّه:
أنّ وجود التابع اللازم ليس سببا لوجود المتبوع، حتى يترتّب عليه، بل دلالة اللازم على الملزوم، إنّما هي باعتبار تابعيّته له في الوجود، و كون وجوده مسببا عن وجوده و فرعا له، تحقيقا لمعنى الملازمة و التابعية المقتضية للدلالة، فيكشف وجوده عن سبق وجوده كشف الأثر عن سبق وجود المؤثّر.
و هذا يستقيم في الوجود النفس الأمريّ، لا في وجوده الظاهريّ الاستصحابيّ المسبب عن دليل تعبديّ، فإنّه بهذا الاعتبار ليس وجوده باعتبار لزومه و تبعيته للملزوم و ترتّبه على وجوده، بل هو محكوم في الظاهر بثبوته استقلالا، تعبّدا شرعا، بملاحظة نفسه من حيث هي مع قطع النظر عن لوازمه.
فجهة اللزوم النفس الأمريّ مرتفعة بينهما باعتبار هذا الوجود التعبديّ، و لا دليل على ملازمة أخرى بينهما في هذا الوجود، فلا يكشف وجوده التعبّديّ الاستقلاليّ عن وجوده، ففي المثال المذكور، جواز مجالسة الناذر لمجهول الفسق، ليس باعتبار عدالته النفس الأمرية، و لا لعدالته التعبّدية، حتّى يكشف عنها، بل لكونه غير معلوم الفسق. و الجواز بتلك الجهة ليس لازما للعدالة، فلا يكشف عنها.
و نحو الحكم الاستصحابيّ ما ثبت بأصل البراءة، فلا يثبت به ملزومه الواقعيّ، فلا يحكم بأصالة طهارة ما يشكّ في كونه ماء أو خمرا، بصحّة الوضوء منه و التطهير به، فإنّ تلك الطهارة ليست لازمة لمائيته، بل يعمّ الماء و المشتبه بالخمر، فلا يكشف عنه، لعدم دلالة العام على الخاص، بخلاف الطهارة الواقعية.
فإن قلت: الموضوع لا يخلو، عن كونه ماء أو خمرا، فحيث يحكم بكونه طاهرا يلزمه الحكم بعدم كونه خمرا، لمنافاته الطهارة، فيكون ماء لعدم احتمال ثالث.
قلت: لا يلزمه الحكم بعدم كونه خمرا، بل يلزم عدم الحكم بكونه خمرا، و هو يجتمع مع عدم الحكم بكونه ماء أيضا، و ما هو كذلك محكوم بالطهارة شرعا بحكم الأصل، لا من جهة كونه ماء.
و إن كان الثالث، أي كانا متلازمين في الوجود من غير ترتب و سببيّة بينهما، فإن تلازما بحسب المفهوم، بحيث لم يتعقّل انفكاك أحدهما عن الآخر مطلقا، حتى في الوجود التعبديّ الظاهريّ، كعدم المنع من الترك المدلول عليه بالأصل للاستحباب، فيما دار الأمر بينه و بين الوجوب الذي يعلم فيه مطلق الرجحان، أو ثبت التلازم في الوجود بينهما بدليل خارجي واقعا و ظاهرا، كما في القصر و الإفطار، يحكم بثبوت أحدهما باستصحاب ثبوت الآخر، لفرض الدليل على التلازم بينهما بحسب الوجود الظاهريّ أيضا.
و إن لم يثبت ذلك، فلا يحكم به، كما في الثوبين المشتبهين بالنجاسة، فلا يحكم باستصحاب طهارة أحدهما بنجاسة الآخر. و كما في جواز مجالسة مجهول الفسق في المثال المذكور، فلا يحكم به بقبول شهادته، لعدم دليل على الملازمة في الوجود الاستصحابيّ التعبديّ أيضا.
و إذا تحقّق ذلك نقول: التعارض بين الاستصحابين يقع حيث كان مقتضى أحدهما مستلزما لخلاف الآخر، إمّا لذاتها شرعا أو عقلا أو عرفا، أو بسبب خارجيّ، كما إذا علم إجمالا زوال أحد المستصحبين المشتبهين و بقاء أحدهما، كنجاسة الثوبين.
ثم الاستلزام: إمّا بالسببية من جانب، كاليد القذرة إذا شك في زوال نجاستها و لاقت ثوبا طاهرا يحصل الشك به في نجاسة الثوب، فيعارض- حينئذ- استصحاب طهارة الثوب استصحاب نجاسة اليد، أو بالسببية من الجانبين، كما إذا
وقع الكرّ تدريجا على الماء القليل المتنجّس، فشكّ في حصول الطهارة للثاني أو النجاسة للأوّل، نظرا إلى الخلاف في اشتراط الدفعة العرفية، فإنّ طهارة الكرّ التي هي مقتضى استصحابها، يزيل بعد اتصال المائين نجاسة القليل التي هي مقتضى الاستصحاب المعارض، و بالعكس، أو بالتلازم من غير سببية من الجانبين. فوجوه التعارض ثلاثة:
أمّا على الأوّل، فالاستصحابان إمّا حكميان، أي: متعلقهما أمر شرعيّ كالمثال المتقدّم، أو أحدهما حكميّ و الآخر موضوعيّ، كما في الذبابة القذرة الرطبة التي طارت على الثوب الطاهر، إذا شكّ في جفافها حين الملاقاة، فيعارض- حينئذ- استصحاب الرطوبة مع استصحاب الطهارة، و الصيد المجروح إذا وقع في الماء القليل، و علم موته، و لم يعلم أنّه قبل الوقوع، فكان مستندا إلى الجرح، أو بعده فمستند إلى الماء. و منه استصحاب عدم التذكية، و استصحاب الطهارة في الجلد المطروح، لو قلنا بجريان استصحاب الطهارة.
نسب إلى بعض الفضلاء القول بالعمل بالاستصحابين في الصورتين. و يظهر من الفاضل القمّي، ذلك في الصورة الثانية ساكتا عن الأوّل، و عن بعضهم التوقف فيها.
و عن آخر دعوى الإجماع على العمل بالموضوعيّ.
و اختار والدي العلّامة تقديم استصحاب الملزوم مطلقا، و عبّر عنه باستصحاب المزيل، و وافقه جمع من المحقّقين. و هو مقتضى التحقيق، لوجوه:
الأوّل: ما سمعت من ثبوت اللوازم و المسبّبات باستصحاب الملزوم دون العكس، فيكون استصحابه دليلا شرعيا على خلاف مقتضى الآخر. و معه لا يجري فيه الاستصحاب، لانتقاضه باليقين الشرعي. و لا ينعكس لعدم ثبوت الملزوم باستصحاب اللازم، فلا ينتقض به.
فإن قلت: لا نسلم حجّية استصحاب الملزوم حينئذ، فلا يكون دليلا شرعيا، لاستلزامه نقض اليقين بالشك في اللازم، فلا يشمله أخبار الاستصحاب، إذ يلزم- حينئذ- من ثبوت مدلولها عدمه، و هو باطل.
قلت: المنهيّ عنه في قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ» نقض اليقين، استنادا إلى الشكّ، أو بشيء باعتبار الشكّ في مزيليته، لا باعتبار دليل شرعي دلّ على مزيليته و لو تعبّدا.
فإن قلت: من الأخبار ما دلّ على المنع عن النقض عند الشك مطلقا، و لو بغيره، كقوله عليه السّلام في رواية ابن عمار: «إذا شككت فابن على اليقين» (1)و هو يشمل النقض بسبب استصحاب المزيل.
قلت: أوّلا سياق الكلام ظاهر و متبادر في النهي عن هدم اليقين بسبب الشك، كما في مثل قوله: «إذا سافرت للصيد فلا تفطر أو ابن على الصوم» أي: لا تجعل سفر الصيد ناقضا للصوم، فلا يدلّ على حرمة الإفطار فيه لمرض و نحوه.
فلا يدلّ الخبر على البناء على اليقين عند الشكّ بسبب تعبديّ آخر، سيما بملاحظة سائر أخبار الباب، الناهية عن النقض بسبب الشكّ أو عدم الاعتناء بالشكّ، كصحيح زرارة (2)، و رواية الخصال (3)، و غيرهما (4).
و ثانيا: أنه لو سلّم فيه الإطلاق، فهو يعمّ ما إذا كان هنا مزيل مسبوق بالعلم
بمزيليته أم لا، فيخصّص بسائر الأخبار، كالصحيح المزبور الدال على استصحاب المزيل دون المزال، بالتقريب المذكور في مورد التعارض.
و ثالثا: أنّ غاية الأمر عدم شمول هذا الخبر لشيء من الاستصحابين المتعارضين، لئلا يلزم التناقض و التدافع في مدلوله، و حمله على غير صورة التعارض، فيرتفع من البين في الفرض، و يبقى ما أشرنا إليه من الصحيح و غيره، الدال على استصحاب المزيل دون المزال، عن المعارض.
الثاني: الاتفاق الظاهر من طريقة الأصحاب لمن جاس خلال الديار، على العمل بمقتضى المزيل، كما تقدمت الإشارة إليه.
و خلاف بعض من تأخّر في مورد أو موارد عديدة، كمسألة الصيد و الجلد المطروح، لشبهة حصلت له فيه، غفلة عن القاعدة الاستنباطية الاتفاقية، غير قادح.
ألا ترى اتفاقهم على حصول الامتثال بالصلاة مع الطهارة الاستصحابية، و التطهّر من الحدثين بالماء الطاهر الاستصحابي، و البراءة عن العبادة في الوقت الاستصحابيّ، و صحّة التصرفات الناقلة التي على خلاف الاستصحاب في الملك الاستصحابيّ إلى غير ذلك مما لا يحصى من موارد مثل هذا التعارض.
فمن تتبّع في أمثال ذلك، يحصل له القطع بأن تقديم استصحاب الملزوم قاعدة مسلمة بينهم، و سرّه ما أشرنا إليه في المقدّمة.
الثالث: أنّ كثيرا من الأخبار الدالّة على حجّية الاستصحاب متضمّنة لتقديم المزيل، كما أشرنا اليه، كصحيح زرارة (1)الذي هو العمدة في الباب، المصرّح لصحّة الصلاة باستصحاب الطهارة، مع أنّ الشكّ في الطهارة يوجب الشكّ في صحّة الصلاة المنافية لاستصحاب الاشتغال. و نحوها صحيحته الأخرى، و صحيح ابن سنان،
1) وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الرواية 631.
و موثق ابن بكير. و التفريق بين الموارد تحكّم محض.
هذا، و يظهر مما اخترناه، و أصّلناه تقدّم استصحاب الموضوع على استصحاب الحكم، و الأصول اللفظية على الأصول الشرعية، كما هو المعمول به عندهم، لمكان المزيلية و الملزومية.
و أما على الثاني، فيسقط الاستصحابات عن الحجّية، إذا لم يكن لأحدهما مرجّح، و يبنى الحكم على ما يقتضيه أصل البراءة إن أمكن، و إلّا فعلى ما يقتضيه الاستصحاب في خصوص نفس اللوازم و الأحكام، فلا يلاحظ فيها ترتّبها على استصحاب الملزوم، بل المناط استصحاب أنفسها مستقلا.
أمّا طرحها، فلأنّ الترجيح ممتنع، و الجمع غير ممكن، و التخيير فرع الحجّية التي هي موقوفة على شمول الأدلّة لمورد الفرض، و هو مع لزوم التدافع غير متصوّر.
و أمّا العمل بمقتضى الاستصحاب في نفس اللوازم، فلخلوّه عن المعارض، و لا يثبت باثبات اللازم بالاستصحاب وجود الملزوم الممنوع بالمعارض، لما عرفت في المقدّمة.
و أما على الثالث، أي التعارض بالتلازم من غير سببية، فالظاهر الموافق لجماعة العمل بالاستصحابين فيما يترتّب على أحدهما خاصّة، أي: البناء على بقاء كل من المستصحبين في جميع الأحكام المختصّة به، دون ما يترتّب على اجتماعهما، سواء كان التنافي في موضوع واحد، كملكية المال المتردّد بين كونه لزيد أو عمرو، أو موضوعين، كطهارة أحد الثوبين المشتبهين. و سواء كان الثاني ذاتيا، كما في الأوّل، أو بسبب خارجيّ، كما في الثاني.
أما وجه العمل بهما في الأحكام المختصّة، فلانتفاء السببية و الملزومية بين
مدلول أحدهما و خلاف الآخر، فلا يوجب استصحاب أحدهما ثبوت الآخر، لما مرّ من منع التلازم بينهما في الوجود الاستصحابيّ التعبّديّ.
و أمّا وجه ترك العمل بالأحكام المترتّبة على ثبوتهما مجتمعا، فللعلم بانتفائها اللازم للعلم بانتفاء أحدهما في الفرض، ففي المائين المشتبهين يحكم بطهارة ما لاقى أحدهما، دون ما لاقيهما معا. و في المشتبهين بالإضافة يحكم بعدم صحّة الوضوء من أحدهما دون الجميع. و في المال المردّد بين زيد و عمرو يحكم بصحّة بيعهما معا. و هكذا.
و لا يتوهّم النقض بالحكم بالاستحباب فيما دار الأمر بينه و بين الوجوب، مع أنّ كلّا منهما خلاف مقتضى الاستصحاب، إذ ليس هو من باب ترجيح أحد الاستصحابين، بل لثبوت الرجحان المشترك بينهما، حسب ما مرّ، و يحكم بخصوص الاستحباب- حينئذ- من باب أصالة البراءة عن حرمة الترك، إذ الرجحان الغير الممنوع عن الترك هو معنى الاستحباب.
و من هذا القبيل- المتفرّع على ما ذكرناه- الحكم بوجوب الأمرين المشتبهين المردّد بينهما الواجب، فإنّه بالاستصحاب ينفي الوجوب الأصليّ المخصوص بكلّ منهما، من حيث خصوصيته في الظاهر، و لكن لا يمكن نفي وجوبه في الواقع، لعدم العلم به، و عدم كون الاستصحاب ناظرا إليه، بل المعلوم من الواقع وجوب أحدهما معيّنا فيه، غير معيّن عندنا، و ما هو المعلوم كذلك لم يثبت سقوط التكليف عنه، بل مقتضى الأدلّة الشرعية المحمولة على مدلولاتها النفس الأمرية بقاء التكليف به و وجوب الأمرين معا (1)من باب المقدّمة، تحصيلا للبراءة اليقينية عن الشغل المعلوم. و لا ينافي هذا نفي وجوب كلّ منهما أصالة، إذ الوجوب المحكوم به من
1) في الأصل: تبعا.
باب المقدمة ليس الوجوب الأصليّ، للعلم بأنّ الواجب الأصليّ في نفس الأمر أحدهما خاصّة، لا الأمران معا.
و تظهر الفائدة في الآثار الخاصة المترتّبة على الوجوب الأصليّ، فلا يحكم به في شيء منهما. فإذا نذر أحد أن يكرم زيدا العادل، و اشتبه بين رجلين، يجب إكرامهما معا، من باب أصالة الاشتغال لرفع البراءة اليقينية، و لكن لا يقبل شهادة واحد منهما، إلّا إذا شهدا معا، فيقبل عدلا واحدا.
فإن كان الأقل مشتركا، فهو المتعين، و هو ظاهر، و إلّا- كما إذا علم وقوع معاملة و لم يعلم أنها البيع أو الصلح أو الإجارة، أو قدوم المسافر و لم يعلم أنه زيد أو عمرو أو بكر، فظاهر جماعة ممن عاصرناه تقديم الأكثر، لأقلّية خلاف الأصل فيه، و لأنّ الأقلّ يعارض ما يساويه من الأكثر، و يبقى الزائد بلا معارض، فيعمل به.
و ضعّفه والدي العلّامة و وجهه أنّ الفرار عما يخالف الأصل (1)ليس لقبح ذاتيّ و مفسدة عقلية، حتى يقدّر بقدر الضرورة، بل لمجرّد التعبّد الثابت من أخبار الاستصحاب، و نسبتها إلى الجميع نسبة واحدة، و لا يمكن شمولها للمتعارضين الذي لا يمكن العمل بها حسب ما مرّ لاستلزامه التناقض في مدلولها، فإنّ قوله:
«لا تنقض اليقين بالشكّ»، مخصوص- قطعا- بغير ما يوجب عدم نقض يقين آخر بالشكّ يساويه في النسبة و الجهة، فلا دليل على حجّية كلّ من الأقلّ و الأكثر في محلّ الفرض، إلّا إذا كان الترجيح لأحدهما بالمزيلية، أو أمكن العمل بالجميع على ما عرفت.
1) في «م»: و هو في محلّه، لأنّ الاجتناب عما يخالف الأصل.
فلا شكّ في جريان استصحاب حال الموجود المتصل بزمان الشكّ، فهو استصحاب حال الشرع.
و هل يصحّ استصحاب حال العقل، أي العدم السابق عليه المنفصل من الحال، فتعارض الاستصحابان، أم لا؟
التحقيق: أنّ الفرض على ثلاثة أقسام، لأنّ العدم السابق: إمّا هو بحيث لا يعود من حيث هو في السابق، بحيث لو فرض حصوله بعد الوجود اللاحق كان أثرا لمؤثّر متجدّد، كما في الشكّ في بقاء الطهارة بخروج المذي، لأنّه لو فرض عدمها- حينئذ- فليس هو من الحدث السابق، بل أثر خروج المذي، أو يكون هو السابق على فرض حصوله، بأن علم انقطاعه في مقدار زمان، ثم كان على حالة العدم السابق.
و على الثاني، فالفرض على وجهين أيضا، لأنّ الحكم الوجوديّ المتيقّن بعد العدم السابق، إمّا يكون متقوّما و مقيّدا بالزمان الثابت فيه، كما في الشكّ في بقاء مدّة الإجارة، فإنّ الثابت في زمان اليقين بعد العدم السابق، هو ملكية منفعة تلك المدة من العين المستأجرة، بحيث لو فرض بقاء الإجارة في الحال، فالثابت في الزمان المتقدّم، غير ما هو الثابت في الحال، فإنّ الزمان جزء مفهوم المنفعة المقصودة من التمليك في الإجارة، و منفعة كل زمان متقوّمة و متشخّصة بنفس الزمان الحاصل فيه، فلا يمكن بقاؤها في الزمان المتأخر عنه، بل لو كانت ثابتة فيه كانت منفعة أخرى.
أو لا يكون متشخّصا بنفس الزمان، بل كان- على فرض بقائه في الزمان اللاحق- هو عين الموجود في السابق، كالشكّ في الخيار المردّد بين الفور و الاستمرار.
أمّا على الأوّل: فلا ينبغي الشك في عدم جريان استصحاب العدم المتقدم على الوجود، لانقطاعه رأسا.
و على الثاني: فالظاهر تقديم العمل باستصحاب العدم، لإمكان بقاء العدم السابق على الوجود في زمان الشكّ حسب ما ذكر، و عدم صلاحية الحكم الوجوديّ الثابت في زمان اليقين للبقاء في الزمان اللاحق، لتقومه بنفس الزمان السابق، فلا يجري فيه الاستصحاب. و على هذا، إذا وقع الخلاف بين المالك و المستأجر في مدّة الإجارة في الزيادة و النقصان، يقدم الناقص، و على مدعي الزيادة الإثبات.
و على الثالث: ففيه وجهان:
من جريان الاستصحابين، لإمكان بقاء كلّ من المستصحبين على حسب ما ثبت في زمان حصوله، فيتعارضان، فيتساقطان، لامتناع العمل بمقتضى الوجود و العدم بالنسبة إلى حكم واحد.
و من قوة احتمال عدم انصراف الأخبار إلى اليقين المنفصل عن زمان الشكّ بيقين آخر يخالفه، و ظهوره في اليقين المتّصل به، ففي الخيار المتردّد بين الفور و الاستمرار يعمل بمقتضى استصحاب الخيار بعد الفور، دون استصحاب عدمه السابق على وجوده.
و الظاهر: أنّ مرادهم منه في غير ما إذا كان الأصل مزيلا للاستصحاب على التقرير الذي ذكرناه، و إلّا فلا خلاف في البناء على مقتضى الأصل، و تقدّمه على مقتضى الاستصحاب، كما إذا حصل للمكلّف مال يوجب استطاعته للحجّ به لو لا الدين عليه، و شكّ في الدين، فإنّه يبنى- حينئذ- على أصل البراءة من الدين، و لا يعمل باستصحاب عدم الاستطاعة.
و وجهه ما تقدّم بعينه في تعارض الاستصحابين.
و أما في غير الصورة، فظاهرهم الاتفاق على تقديم الاستصحاب، استنادا إلى أن العمل بالأصل إنّما يكون إذا لم يعلم الشغل بدليل شرعيّ.
و فيه: أنّه يعارض بالمثل. اللهمّ إلّا بإرجاع التعارض بينهما بالمزيل و المزال، نظرا إلى أنّ مقتضى الاستصحاب- و هو بقاء شغل الذمّة- رافع للبراءة الأصلية السابقة، و لا عكس، لعدم كون البراءة الأصلية سببا لزوال الحكم و ارتفاع الشغل، بل يكشف عنه كشف اللازم عن الملزوم.
و لبعض المحققين توجيهه: بأنّ دليل الاستصحاب أخصّ من دليل الأصل، لأنّه استصحاب كل شيء بخصوصه، و عدم نقض اليقين بالشك دليل الدليل، فعموم «لا تنقض بالقياس إلى أفراد الاستصحاب» كعموم: «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ»، بالنسبة إلى آحاد الأخبار، فكما أن ذلك لا ينافي كون الخبر خاصّا إذا اختصّ مورده، لكون العبرة في العموم و الخصوص بنفس الأدلّة، لا بأدلّة الأدلّة، فكذا هذا. انتهى. و فيه نظر يظهر بالتأمل.
مشرق: قد اشتهر بينهم: أنّ الأحكام تابعة للأسماء، بمعنى أنّ الأحكام يتبدّل بتبدّل أسماء موضوعاتها. و إلى هذا ينظر قولهم باشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب. و فرّعوا عليه (1)طهارة الخمر إذا انقلب خلّا، و العذرة إذا صارت دودا، و الميتة ترابا، و الكلب ملحا، و نحو ذلك.
و اعترض عليه (2): بالنقض بما إذا تبدّل اللبن المتنجس بالسمن.
و أجيب عنه: بأنّ المناط تبدّل اسم الموضوع بما هو موضوع، و في اللبن المتنجّس ليس موضوع النجاسة اللبن من حيث هو لبن، بل من حيث كونه جسما لاقى النجاسة، و هو باق. و لهذا حكموا (3)بالفرق بين الأعيان النجسة و المتنجّسة، و قالوا بزوال النجاسة في الأولى بتبدّل اسم الموضوع، نظرا إلى عدم بقاء موضوع
ما جعله الشارع موضوعا للحكم، دون الثانية، فيحكم بطهارة العذرة المتبدّلة بالرماد، دون الخشب المتنجّس المتبدّل به.
أقول: ما ذكره المجيب، إن صحّ في موارد، لا نسلم في أخرى، إذ للمعترض أن لا يسلم بقاء النجاسة في رماد الخشب النجس، قائلا: بأنّ موضوع تلك النجاسة في خصوص المورد هو حقيقة الخشب، و إن كان من جهة كونه جسما لاقى النجاسة، فبتبدّل الحقيقة يرتفع الحكم، بل هو معلوم البطلان في موارد كثيرة، كالغذاء المتنجّس إذا صار جزء للحيوان الطاهر كالغنم، فإنّه يصير طاهرا بالضرورة.
و كذا الماء المتنجّس إذا شربه و صار بولا. و نحوه: البقولات و المطابيخ الحاصلة من المياه المتنجّسة، فلا يحسم به مادة الإشكال، و لم ينضبط به القاعدة المشهورة المذكورة.
و قد يجعل المعيار تبدّل الحقيقة العرفية، و هو- مع كونه غير منطبق على تلك القاعدة، لعدم اطّراد كون الاسم دائرا مدار الحقيقة، بل قد يتبدّل بتبدّل الوصف، كالخمر إذا صار خلّا- غير سديد جدّا، لانتقاضه بالخمر المنقلب بالخلّ، كما ذكر، فإنّه يطهر، دون العنب المتنجّس المنقلب به، فليس تغيّر اسم الحقيقة معيارا كلّيا مطلقا، نفيا و إثباتا، إلّا أن يدّعى الكلّية في منطوق القضية دون مفهومها.
و التحقيق في المقام على وجه ينضبط به قاعدة الموضوع الذي يتبدّل به الحكم و يرجع إليها عند حصول الاشتباه في الموضوع: أنّ الشارع إذا أثبت حكما كلّيا، كقوله: الجسم الملاقي للنجاسة يتنجّس و الخمر نجس، فهذا الحكم يثبت لكل فرد شخصيّ موجود يصدق عليه هذا الموضوع الكلّي. فموضوع هذا الحكم على الوجه الكلّي- أعني المفهوم- أمر واحد، و هو العنوان الذي جعله الشارع عنوان الموضوع، ككونه جسما أو خمرا. و على الوجه الجزئي أمور كثيرة، هي الأفراد
الشخصية الموجودة، و موضوعية كلّ منها إنما هي بوجود نفسه من حيث كونه مصداقا لهذا العنوان الكلّي، فيشترط في بقاء موضوعيته أمران:
أحدهما: وجود نفسه. و ثانيهما: بقاء وصف العنوان له.
و حيث إنّ كل شيء موجود، فتشخّصه و بقاء نفسه إنّما هو بحقيقته النوعية، دون مجرّد مادّته الهيولائية، كما دلّت عليه الحكمة العقلية، و يساعده الصدق العرفيّ، فارتفاع الموضوع الذي تدور به الحكم في كل فرد، إمّا بارتفاع عنوان الموضوع الكلّي، و إن لم يتبدّل به حقيقة الفرد، كصيرورة الخمر خلّا، أو تبدّل الحقيقة الفردية، و إن كان العنوان الكلّي باقيا، كصيرورة الحطب المتنجّس رمادا، أو الغذاء المتنجّس لحم الحيوان الطاهر.
و أمّا إذا لم يتبدّل الحقيقة، و لا العنوان المذكور، و إن انقلب له وصفا آخر إلى غيره، كصيرورة اللبن النجس إقطا أو سمنا، و الحنطة النجسة دقيقا، فالموضوع باق و الحكم تابع له.
و من هذا يظهر وجه الفرق بين الاستحالة و الانقلاب المطهّرين، فإنّ المقصود من الأوّل تبدّل الحقيقة، و من الثاني تبدّل الوصف الدخيل في الموضوعية.
و ينقدح من هذا- أيضا- وجه الفرق في الحكم ببقاء النجاسة في تبدّل لبن نجس العين سمنا، و زوالها بتبدّل عظمه رمادا، كما عليها الاتفاق، و ليس الفارق إلّا تبدّل الحقيقة، و إلّا فعنوان خصوص اللبنية أو العظمية غير دخيل في العنوان الكلّي من غير فرق بينهما.
و لعلّ قولهم: الأحكام تابعة للأسماء، كان ناظرا إلى خصوص تغيّر الموضوع، بالاعتبار الأوّل، أعني اسم ما جعل عنوانا للموضوع الكلّي. و كيف كان، فهو غير مناف لتبعية الحكم للجهة الثابتة أيضا، و القاعدة الجامعة لهما، ما اتّفقوا عليه من
اشتراط عدم تغير الموضوع في الاستصحاب، و عدم جريانه عند تغيّره، فإنّه يأتي في القسمين.
مشرق: اختلفوا في أنّ الأصل تداخل الأسباب الشرعية أو عدمه، بمعنى أنّه إذا جعل الشارع أمرا واحدا مسبّبا لسببين مستقلين أو أكثر، فهل يكتفي به مرّة عند ورود تلك الأسباب المتكثّرة دفعة أو بالتعاقب، أم لا؟
حكى الأوّل عن جماعة (1)، و اختاره والدي العلّامة (2)، و نسب الثاني إلى غيرهم، و لعلّه الأكثر (3).
و ربما فصّل بين اتحاد السببين نوعا، كوقوع كلبين في بئر، فالأوّل. و اختلافهما بوقوع كلب و انسان فيه، فالثاني.
و ليعلم أنّ الكلام في هذا المقام، غير البحث عن تكرر الأمر بتكرر الشرط، فإنّ
1) منهم: المحقق الخوانساري في المشارق: 61.
2) مستند الشيعة 1: 110، الفرع العاشر من فروعات الوضوء.
3) العلّامة في قواعد الأحكام 1: 3؛ و تحرير الأحكام 1: 12؛ و إرشاد الأذهان 11: 22؛ ابن فهد في الموجز (الرسائل العشر): 54؛ المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 87؛ الشهيد الثاني في روض الجنان: 18؛ الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 12.
الكلام ثمة في أمر لفظيّ هو اقتضاء القضية الشرطية استمرار السببية و عدمه، و الحقّ فيه اقتضاؤها الاستمرار، إذا كانت الأدوات مما يقتضي العموم و الدوام، نحو مهما و أنّى و حيثما و كيفما و أشباهها، و عدمه إذا كانت من أداة الإهمال نحو إن و لو و إذا و ما في معناه من الأسماء المتضمّنة لمعنى الشرط، نحو من و ما و غيرهما.
و أما هنا، ففيما علم استمرار السببية إن كان واحدا، و تعدّد السبب إن كان مختلفا.
و كذا الخلاف فيما لم يتخلّل المسبّب بين السببين، و إلّا فعدم التداخل اتفاقيّ، كما إذا وقع الكلب في البئر، فنزح، ثم وقع فيه ثانيا.
و كذا الظاهر: اختصاص الخلاف بما كان المسبّب فعل المكلّف، كالكفارات و الأغسال و المنزوحات و نحوها لا من قبيل الأوصاف الشرعية، كالزوجية و الملكية و الرقّية و الطهارة و النجاسة و أمثالها، فإنّه إذا حصل مثل ذلك بسبب، يمتنع تأثير السبب اللّاحق فيه، فإذا تملك بالبيع مثلا، لا يملك بالصلح ثانيا، بل يكون اللاحق لاغيا.
فالمسبّب هو الوصف عن عدمه لا عن وجوده، فإنّ البول ينجّس الطاهر لا المتنجّس، كما أنّ الغسل يطهر النجس لا الطاهر. فالسببية- حينئذ- يتبعه شرعا، و لا هكذا الفعل، كما سننبّه عليه.
و إذا علمت ذلك، فقد استدلّ على التداخل بالأصل و البراءة عن الإتيان بفعل المسبّب ثانيا. و فيه: أنّ الأصل قد يقتضي التكرّر، كما إذا كان وجوب المسبّب لرفع أمر واقع، كما في المنزوحات، على القول بكونها لتطهير البئر، فالدليل أخصّ من المدّعى، مع أنّ الأصل لا يقاوم الدليل، و الخصم مستظهر به.
و احتجّ الآخرون بوجوه:
الأوّل: أنّ المتبادر من السببية عدم التداخل، و اختصاص كل سبب بمسبّب لخصوص نفسه. و فيه: أنّ التبادر- لو سلّم- ففيما كان دليل السببية قضية شرطية، و المقصود في المسألة ما يعمّ ذلك، فقد يكون الدليل غير اللفظ، كالإجماع و نحوه، أو اللفظ، و هو غير القضية الشرطية، مع أنّ دعوى اطّراد التبادر في أمثال القضايا الشرطية ممنوع جدا، بل لا يبعد تبادر التداخل فيما إذا كانت الأسباب مختلفة و تواردت دفعة، كما إذا قال: إن جاء زيد فصم، و إن جاء عمرو فصم.
نعم، دعوى التبادر فيما إذا اتّحد السبب و تكرّر بالتعاقب- كما إذا قال: كلّما جاء زيد فأعطه درهما، أو صم يوما- غير بعيدة.
الثاني: أنه لو تداخل السببان، كإفطار يوم رمضان، و مخالفة النذر في وجوب الكفارة، فالسبب الثاني، إمّا يوجب الكفارة التي أوجبها الأوّل بعينها، فيلزم إيجاب الواجب، و هو باطل، أو لا يوجب سببا، فهو خروج عن سببيته المعلومة، أو يوجبان معا كفّارة واحدة، فهو خلاف مقتضى السببية التامّة المستقلّة لكلّ منهما.
و فيه اختيار الأوّل، و لا استحالة فيه، فإنّ الأحكام الشرعية المسبّبة عن أسبابها ليست بمثابه المعلومات المترتبة على العلل العقلية التي يمنع تواردها على معلول واحد، لجواز أن يكون شيء مطلوبا من جهتين متعلّقتين (1)، كما في نذر الواجب، أو مبغوضا كذلك، كحرمة وطء الأجنبية في نهار رمضان، و نجاسة دم الكلب.
الثالث: أنّ مقتضى كل سبب الإتيان بمسبّبه، لأجل أنّه سببه، أي: لقصده، و لازمه عدم التداخل. و فيه منع اللازم، لإمكان جمع القصدين في فعل واحد، و حصول الامتثالين به، كما في تداخل الأغسال، و هو جائز اتفاقا.
1) كذا.
الرابع: اتفاق الفقهاء بحيث ربما تركوا لسببه الظواهر. و فيه: منع الاتفاق على الكلّية، و إن عملوا بمقتضى عدم التداخل في موارد كثيرة.
و منه يظهر ضعف التمسّك باستقراء الشرعيات، و كون المدار فيها على تعدّد المسبّبات بتعدّد الأسباب، كما في أسباب الصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ و الديات و الحدود و غيرها.
و إذا عرفت ضعف أدلّة الطرفين، فمقتضى النظر: أنّ مقتضى السببية ترتّب المسبّب على السبب، فالمسبّب إن كان من الأحكام الطلبية- و في حكمها ما يؤول إليها من الأحكام الوضعية، من الشرطية و المانعية و غيرهما- أمكن حصول هذا المقتضى للسببين بمسبّب واحد، و يكفى في الترتّب عليهما تعدّد الجهة، كما في نذر الواجب، و تداخل الغسلين لإمكان مطلوبية فعل واحد و مبغوضيته من جهتين. و كذا مانعيته أو شرطيته، فالأصل فيه التداخل، لإمكان الامتثال لهما بفعل واحد، و أصالة البراءة عن الزائد، و لا يوجب التداخل إسقاط المؤثّر عن التأثير، فكان على خلاف الأصل، كما توهّمه بعض الأجلّة.
و إن كان من غيرها، فلم يكن موضوعه من فعل المكلّف، بل من قبيل الأوصاف الشرعية، كالملكية و الزوجية و الرقّية، و اشتغال الذمّة بحقّ الغير، و نحوها مما يمتنع توارد العلل المتكثرة عليه، و لا يتعقّل تعدّد السببية و التأثير إلّا بتعدّد الموضوع، فالأصل فيه عدم التداخل تحقيقا لمعنى السببية المستقلّة لها، فإن قلنا بالتداخل فيه، كان هذا إسقاطا للمتأخّر عن التأثير، و هو محتاج إلى دليل، لكونه خروجا عما دلّ على سببية كلّ واحد منهما مستقلا.
مشرق: في بيان قاعدة نفي الضرر (1)، و هي من الأصول المهمّة الاجتهادية المعمولة بين الفقهاء، يستدلّون بها على أحكام كثيرة، طلبية و وضعية، نفيا و إثباتا، كحرمة السحر و الغشّ و التدليس، و الاحتكار مع حاجة الناس، و تفريق الأمّ عن الولد، و ثبوت خيارات الغبن و العيب و التدليس و التصرية و تبعّض الصفقة، و شرعية التقاص، و أمثال ذلك مما لا تحصى.
و قد كثر الكلام بين كثير من الأعلام، في اندراج خصوص بعض الأحكام في تلك القاعدة، و في تعارض المضارّ، و تعارض القاعدة مع قاعدة تسلّط الناس على أموالهم.
و نحن نبيّن أوّلا مدرك القاعدة، ثمّ ما يصحّ الاستدلال عليه بها من الأحكام و ما لا يصحّ، ثمّ تعارض الضررين، و تعارض قاعدة نفى الضرر لقاعدة الناس مسلطون.
1) قد جاء هذه القاعدة في نسخة «م» بعد المشرق الرابع مع اختلاف كثير، و نحن التزمنا بالنسخة المطبوعة و قابلناها مع نسخة «س».
فهنا أبحاث ثلاثة:
و بيان معناه المراد. و هو- بعد إجماع الأمة عليها في الجملة، بين الخاصّة و العامّة- الأخبار المستفيضة، بل عن فخر الإسلام (1)دعوى تواتر الأخبار على نفي الضرر و الضرار.
منها: ما اشتهر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حكاية سمرة بن جندب، و روى عنه بألفاظ مختلفة في أسانيد متكثرة.
ففي موثقة ابن بكير (2)، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «إنّ سمرة بن جندب كان له عذق (3)في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاري بباب البستان، و كان يمرّ به إلى نخلته، و لا يستأذن، و كلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما أبى، جاء الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فشكى إليه، فأخبر الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خبر بقول الأنصاري و ما شكاه، و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا أردت الدخول فاستأذن!» فأبى، فلما أبى، ساومه حتى بلغ من الثمن إلى ما شاء اللّه، فأبى أن يبيعه، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لك بها عذق مذلّل في الجنّة» فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للأنصاري: اذهب، فاقلعها و ارم بها، فإنّه لا ضرر و لا ضرار».
و في رواية ابن مسكان (4)- و هي قريبة من الموثقة- قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّك رجل مضارّ، و لا ضرر على مؤمن».
و في رواية الحذاء (5)، عن أبي جعفر عليه السّلام، مثل ذلك، إلّا أنّه ليس فيها لفظ الضرر
و الضرار، بل فيها: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ما أراك إلّا مضارّا، اذهب يا فلان، فاقطعها و اضرب بها وجهه».
و في أمره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقلع العذق إشكال معروف، لأنّه خلاف ما يقتضيه القواعد، و نفي الضرر لا يوجبه، مع أنه لو أوجبه يتعارض الضرران، فما وجه الترجيح؟
و ذكروا في توجيهه وجوها لا يخلو عن المناقشة. و ما أظنه سالما عنها أن يقال: [دار] الأنصاري، و إن كانت طريق عذقه، و له حق الاستطراق، إلّا أنّه يحرم على ذي الحقّ تصرفا مضرّا للجار لم يكن في تركه ضرر على نفسه، كما سننبّه عليه.
و من الظاهر أنّ في الإعلام بالدخول، لتوقي أهل الدار عن الأجنبي، لا ضرر على سمرة، و يضرّ على أهل الدار، فلا يجوز له هذا التصرف، و حيث أبى بعد أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا على هذا الوجه المحرّم، فقطع عنه ما بعثه على هذا التصرف بقلع العذق و غرسه في موضع آخر، كما يشعر به بعض الروايات، دفعا لتضرر الأنصاري. و كيف كان، فهذا الإشكال لا يخلّ بالاستدلال.
و منها: ما رواه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- مرسلا- في التذكرة (1)و النهاية الأثيرية: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».
و منها: رواية هارون بن حمزة الغنوي (2)، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، رجل يسمد بعيرا مريضا يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء و أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى أنّ البعير برئ، فبلغ ثمنه دنانير. فقال: «لصاحب الدرهمين خمس
ما بلغ، فإن قال: أريد الرأس و الجلد، فليس له ذلك هذا الضرار، قد أعطى حقّه إذا أعطى الخمس».
و منها: رواية عقبة بن خالد (1)، عن الصادق عليه السّلام: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار».
و منها: روايته الأخرى عنه عليه السّلام (2)، فيما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال في آخره: «لا ضرر و لا ضرار».
و منها: مكاتبة محمد بن الحسين (3)، و فيها فوقع عليه السّلام: «يتّقى اللّه عزّ و جلّ، و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضارّ بأخيه المؤمن».
و منها: صحيحة البزنطي (4): «من أضرّ بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن».
و منها: صحيحة الكناني (5): «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين، فهو له ضامن».
1) الكافي 5: 280، الحديث 4؛ الفقيه 3: 45، الحديث 154؛ التهذيب 7: 164، الحديث 727.
2) الكافي 5: 263، الحديث 6؛ وسائل الشيعة 25: 420، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32257.
3) الفقيه 3: 150، الحديث 659؛ الكافي 5: 293، الحديث 5؛ التهذيب 7: 146، الحديث 647؛ وسائل الشيعة 29: 241، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32258.
4) التهذيب 9: 158، الحديث 651؛ وسائل الشيعة 19: 238، الباب 6 من أبواب أحكام الهبات، الرواية 24497.
5) الكافي 7: 350، الحديث 3؛ الفقيه 4: 115، الحديث 395؛ التهذيب 10: 231، الحديث 911، و 230، الحديث 905؛ وسائل الشيعة 29: 243، الباب 7 من أبواب موجبات الضمان، الرواية 35540.
ثمّ إنّ معنى الضرر معلوم عرفا، و يوافق المعلوم فيه ما ذكره اللغويون، كما في الصحاح (1)، الضرر خلاف النفع. و قد ضرّه و ضارّه بمعنى. و الاسم: الضرر.
و في القاموس (2): ضرّ به و أضرّه و ضارّه مضارة و ضرارا.
و في المصباح (3): الضرّ- بالفتح- مصدر ضرّه يضرّه، من باب قتل، إذا فعل به مكروها و أضرّ به، يتعدّى بنفسه ثلاثيا و رباعيا. و الاسم: الضرر. و قد يطلق على نقص في الأعيان. و ضارّه مضارة و ضرارا بمعنى ضرّه.
و في النهاية الأثيرية (4): لا ضرر و لا ضرار في الإسلام. الضرّ: ضدّ النفع،- إلى أن قال:- فمعنى قوله لا ضرر، أي: لا يضرّ أخاه، ينقصه شيئا من حقّه. و الضرار:
فعال من الضرّ، أي: لا يجازيه على إضراره. و الضرر: فعل الواحد، و الضرار: فعل الاثنين. و الضرر: ابتداء الفعل، و الضرار: الجزاء عليه. و قيل: الضرر ما تضرّ به صاحبك، و تنتفع أنت به، و الضرار أن تضرّه من غير أن تنتفع. و قيل: هما بمعنى.
و التكرار للتأكيد. انتهى.
و التباس الفرق بين الضرر و الضرار و الإضرار، لا يخلّ بالمقصود في المسألة، بل المستفاد من مجموع ذلك كون الضرر ما يقابل النفع، فكما أنّ النفع حصول الفائدة، فالضرر فوتها، من نقص في المال، عينا أو منفعة، أو في حق انتفاع، أو في البدن، من مرض أو بطوئه أو ألم، أو في العرض، من هتك حرمة محترمة في نفسه أو عياله أو من ينتسب إليه، بحيث كان إيذاء عليه و استخفافا له عرفا، و أشباه ذلك.
و هل يصدق على عدم حصول منفعة متوقعة، أو على ضرر يتوقع منه منفعة أو دفع مفسدة؟
أما الأوّل: فالتحقيق أنها إن كانت من توابع الملك عادة، كثمرة البستان و ماء البئر المتجدّد و نحوهما، فنقصها ضرر قطعا، و يصدق عليه، فإنّه فوات أمر موجود، هو قابلية النفع، و يعدّ مانعه مضارا، سواء كان منعه بإثبات اليد على الملك، أو إحداث حدث فيه مانع عن النفع، كهدم بئر القنات، أو سدّ مجراها، أو منعه عن تعمير ملكه الدائر كإصلاح خرابه الغير المنافي لصدق كونه ذا منفعة عرفا و أما إذا لم يصدق عليه- لخرابه- كونه ذا منفعة، كقناة بائرة، فليس منعه عن تعميره ضررا، لعدم كونه تفويتا للمنفعة، كما لا يعدّ منه حبس المالك عن الانتفاع بملكه، كحبسه عن الزرع و سكنى الدار إضرارا، فإنّه تفويت لمنفعة المالك لا الملك.
نعم، لو حبسه من تسقية سنبله حتى فسد، أو ترك زرع ملكه المعدّ له، الذي فات به استعداده الفعليّ، فالظاهر كونه ضررا أو إتلافا، كمنفعة الملك، بل لا يبعد صدقه على حبسه عن ترك الزرع، قصدا لفواته، بل مطلقا، إذا كان المالك قادرا و عازما عليه، و عدم امكان الاستنابة له عند حبسه عنه، لصدق تفويت نماء ملكه.
و بالجملة: المناط الصدق العرفيّ في تفويت نفع ملكه التابع له عادة.
و منه يظهر أنّ نقصان القيمة السوقية، أو ذهاب المشتري لحبسه، أو تغرير، أو تدليس، ليس إضرارا من الحابس، لعدم نقص في شيء موجود، و لذا لا يضمنها الغاصب.
و أمّا الثاني: أي ما في مقابله نفع أو رفع ضرّ، ففي صدق الضرر عليه وجهان، بل قولان. و الذي يشهد به الاعتبار، أنّ العوض الذي في مقابل الضرر، إن كان من الآثار القهرية، كظهور الماء لحفر البئر، و خروج السنبل لزرع البذر، أو كان الضرر
مقدمة لتحصيله، كالمسافرة للتجارة و نحوها، مما يرتكبه العقلاء في معاشهم و مكاسبهم، فلا يعدّ تلف المال أو تحمل المشاق فيه من أصله ضررا، و خارج عن موضوعه عرفا، و إن لم نقل بخروج العسر عن موضوعه حينئذ و به يفترق العسر عن الضرر.
و إن كان العوض تداركا و جبرا للضرر الواقع، فالظاهر عدم خروجه به عن موضوع الضرر، و لو بعد درك العوض لظهور الفرق بين المنع عن الضرر و جبره، كيف و إلّا لم يبق مورد لتحريم الإضرار عند تعلّق الضمان، فلا تغفل.
ثم لا شك في أن قوله عليه السّلام: «لا ضرر و لا ضرار» ليس على معناه الحقيقيّ، ضرورة وقوع الضرر فوق ما لا يحصى، فهو مقيّد بما يرجع إلى الدين، كما يرشد إليه قوله عليه السّلام: «في الإسلام» في بعض الروايات. و توجيه الخبر- حينئذ- بأحد احتمالات، قال بكلّ قائل.
أحدها: إرادة التحريم بحمل النفي على النهي أو نفي الجواز الأقرب إلى الحقيقة. قيل به لكون الخبر في مقام الحكم، لا الإخبار عن صفة الإسلام.
و ثانيها: إرادة نفي الضرر المجرّد عن التدارك الخارج به عن صدق الضرر عرفا، تنزيلا لإلزام الشارع بتداركه منزلة وقوعه الرافع لصدق الضرر، فالمعنى لا ضرر، لم يلزم الشارع تداركه.
و ثالثها: إرادة نفي ماهيّة الضرر في دين الإسلام، بمعنى أنه لم يشرع فيه حكم يوجب الضرر، فكان الإسلام ضارّا أو مضارّا. و بعبارة أخرى: نفي الحكم الشرعي الذي يوجب الضرر على العباد، أي: يلزم من العمل به ضررهم، سواء كان طلبيا أو وضعيا، كما أنّ حكم الشارع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون، فهو منفيّ في الشريعة في حقّ الجاهل، و أمّا العالم به، فليس منشأ الضرر حكم الشارع.
و الأوّل: فيه تجوّز أو تقدير، لا دليل عليه. مع أنّ النهي لا يناسب قوله: «في الإسلام» المذكور في بعض الروايات، الذي يصلح لكونه قرينة لتقييد غيره من المطلقات به، مضافا إلى منافاته- سيما على النهي- لاستدلال الفقهاء، بحيث يظهر منهم الاتفاق بنفي الضرر على ما يعمّ إضرار العباد بعضهم على بعض، كعدم وجوب الحجّ مع خوف الطريق، و نحوه.
و توهّم تعميم التحريم بما يشمل صدقه على فعل اللّه سبحانه غير معقول، سيما إذا قلنا بكون الخبر في مقام بيان الحكم لا الإخبار، كما زعمه المتوهّم. و كذا ينافي استدلالهم به على الأحكام الوضعية المجرّدة عن الحكم التحريميّ، كثبوت الخيار للمغبون. و توجيه التحريم فيه بحرمة امتناع الغابن عن الردّ بعد فسخ المغبون غير صحيح، إذ ليس هو للضرر، بل لكونه من لوازم صحّة الفسخ، و إلّا كان إقدام الغابن على البيع مع علمه بالتفاوت، و عدم إعلامه المغبون الجاهل أولى بالتحريم. مع أنه لا قائل به.
و كذا الثاني، بل هو أبعد من الأوّل، في اشتماله على التقييد البعيد، فالمعنى الأخير أظهر المحامل، كما نصّ به والدي العلّامة (1)و تبعه غيره، بل لعلّه يوافق الحقيقة. و لا تجوّز فيه أصلا، لأنّ جعل الإسلام ظرفا للضرر المنفيّ ليس إلّا لعدم كون الإسلام مضرا، و عدم تشريع حكم ضرريّ فيه، فهو المتعيّن لما فيه نفي الضرر من الأخبار.
نعم، قد يستلزم هذا المعنى الحكم التحريميّ و قد يستلزم الحكم بالضمان خاصة، كما ستسمع. و أما سائر الأخبار، فظاهر بعضها التحريم كالمكاتبة: «يتّقي اللّه، و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضارّ بأخيه المؤمن» و بعضها تدلّ على مجرّد
1) عوائد الأيام: 49.
الضمان، كالصحيحين الأخيرين.
من الأحكام الشرعية و الوضعية، نفيا و إثباتا.
قد علمت أنّ معنى نفي الضرر نفي الحكم الإضرارى في الإسلام، و عدم تشريعه، و صدق هذا المعنى المنفيّ مشروط بأمور ثلاثة:
الأوّل: أن لا يكون الحكم الإضراري مسببا عن فعله الجائز مع علمه بالضرر، أو عن فعله المحرّم مطلقا، إذ عليها كان الضرر بتقصيره، لعلمه به في الأوّل، و عصيانه في الثاني، فلا اضطرار عليه من الشرع ابتداء، لاستناد المعلول إلى الجزء الأخير من العلة، و هو فعل نفسه، فضرر المغبون مع علمه بالغبن صادر عن اختياره، و إن كانت السببية للزوم بحكم الشارع. نعم، مع الجهل يضعف المباشر، و يقوّي السبب، و كذا ضرر الجاني بالقصاص أو الدية، و الغاصب بالعوض، مع علمها بحرمة الفعل، عن فعله المقصّر فيه، لا بإضرار الشارع، فحكمه حكم الضرر السماوي. و الاشتغال الفعلي بحق الغير، الذي هو المناط في صدق الضرر، حصل بفعله و اختياره، مع علمه به.
و منه يظهر خروج أحكام القصاص و الديات و الحدود و الضمانات و الكفّارات و أشباهها عن قاعدة نفي الضرر، بل يمكن إخراج الأحكام الإضرارية الجزائية عن موضوع القاعدة بالشرط الآتي أيضا، أعني عدم كون الإضرار الحكميّ لرفع ضرر أقوى، نظرا إلى أنّ الحكم بتلك المضار لرفع مفسدة العصيان، أو تحقيقها الواقعة من نفسه على نفسه، وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1).
الثاني: أن لا يقصد من الضرر جلب منفعة، أو رفع مضرّة، مساوية أو أقوى،
1) العنكبوت (29): 40.
كما تقدّم و النفع المقصود يعمّ المنفعة الأخروية المتوقعة بمقتضى وعده سبحانه:
مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ* (1)البقرة (2): 261.
(2)منه، بل النفع الأخرويّ أهمّ من الدنيوية، و أجلّ و أبقى، و ببذل المال في تحصيله أحقّ و أحرى، و مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ* (3)، مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ (4)فلا يعد مثله ضررا و إتلافا للمال. و بهذا تصدّى والدي قدّس سرّه للتفصّي عن النقض بالتكاليف الكثيرة الضررية الثابتة في الإسلام، كالجهاد و الحجّ و الزكاة و الخمس و الصوم و غيرها، حيث إنّها في مقابل المثوبات الأخروية، فلا يكون ضررا (5).
و أورد عليه بعض أفاضل المعاصرين (6)بأنّ المراد بالضرر المنفيّ: الضرر الدنيويّ، لا غير. و أمّا النفع الحاصل في مقابل الضرر الدنيويّ، فهو إنّما يوجب الأمر بالتضرّر، لا خروجه عن كونه ضررا، فالأمر به مختصّ و مخصّص لعموم الضرر، لا دافع لموضوعه، فجميع ما أثبت التكاليف الضررية مخصّص لهذه القاعدة، كيف و لو كان الأمر كذلك، لغت القاعدة، لأنّ كلّ حكم شرعيّ ضرريّ لا بدّ أن يترتّب على موافقته الأجر، فإذا فرض تدارك الضرر و خروجه بذلك من الضرر، فلا وجه لنفيه في الإسلام. إلى أن قال بعد تخصيصه الضرر بالدنيويّ:- و قد رفع الشارع الحكم في موارده امتنانا، فيكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات المثبتة للتكليف. نعم، لو قام دليل خاص على وجوب خصوص تكليف ضرري، خصّص به عموم القاعدة.
أقول: لا يخفى ما فيه، أمّا أوّلا: فلأن تخصيص الضرر بالدنيوي، مع عموم اللفظ و صدقه على الأخرويّ لغة و عرفا، يستدعي الدليل، فكما يخرج الضرر المطلق عن موضوعه لداعي النفع الدنيويّ، فلا يعدّ ضررا بعنوان الإطلاق عرفا، كذا يخرجه عنه لداعي النفع الأخرويّ، و لا يعدّ ضررا عرفا، و إن صدق عليه الضرر الدنيويّ، كما يصدق على الأوّل الضرر الأخرويّ و المطلق يتبع الغالب في صحّة النفي و الإثبات في مثل ذلك.
قوله: لو كان كذلك لغت القاعدة، فيه: أنّ مورد القاعدة لا ينحصر فيما بإزائه الأجر الأخروي، كما في المعاملات الضررية و الضمانات و الغرامات، بل غير العبادات من الواجبات.
و أمّا ثانيا: فلأنّ التكاليف الشاقّة الدينية التي عليها أساس الإسلام، على حدّ من الكثرة، يبعد- غاية البعد- أن يكون نسبتها إلى قاعدة نفي الضرر المسلمة على التعارض و الترجيح و التخصيص، بل يستلزم خروج أكثر أفراد العامّ، سيما إذا قلنا بدخول التكاليف الاستحبابية الضررية التي أفضلها أحمزها في عموم النفي. و ما أبعد هذا التخصيص- على كثرتها- عن دعواه، و ورود حديث نفى الضرر حاكما على عمومات التكاليف الضررية الشاقّة من غير حاجة إلى المرجّح.
و أمّا ثالثا: فلكونه خلاف ما جرت عليه طريقة الأصحاب في الاستدلال بتلك القاعدة، فإنه لم يعهد من أحد أن تمسّك بنفي الضرر على عدم وجوب العبادة في محلّ الخلاف، كعدم تعلّق الزكاة بالتمر و الزبيب، أو في مقدار النصاب، أو في طهارة عرق الجنب من الحرام، و أمثال ذلك. كما أنّك تريهم يستدلّون به على سقوط العبادة، فيما كان الضرر بغير نفس العبادة أو جزئها الذي في مقابله- من حيث كونه واجبا- نفع أخرويّ، كمقدّمة خارجة أو خصوصية زائدة، في مثل
سقوط الحجّ بخوف الطريق، و الصوم بحدوث المرض، و وجه الفرق ما ذكرنا.
و إن شئت تفصيل ذلك نقول: ربما يستصعب الأمر في جليل النظر، بأنا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقّة أو ضرر، كما في الرخصة في التيمّم بخوف طريق الوصول إلى الماء، و سقوط الحجّ كذلك، و إفطار المريض بأدنى مشقة أو طول برء، و القعود و الاضطجاع في الصلاة، و الرخصة في التقية بأدنى ضرر، و يرضى بالمضارّ الكثيرة الشاقّة في مثل الزكاة و الخمس، و الحجّ و صرف المال فيه، و الصوم في الصيف الحارّ، و الجهاد الذي فيه مظنّة تلف النفس، و كفّ النفس عن المعاصي مع تزاحم دواعيها، و التولّي عن أديان الآباء، و إنفاق الأقارب و غير ذلك مما لا يحصى.
و البناء على التعارض و التخصيص في الثاني دون الأوّل- كما زعمه الفاضل المعاصر- مع ما فيه مما مرّ- لا يحسم مادة الإشكال، و لا يظهر منه سرّ فرقهم بين القسمين، مع أن الضرر الخارج بالتخصيص أفحش و أكثر من الثاني.
و ربما تكلّف بعض الأجلّة في حلّه، بأنّ المراد بنفي العسر و الضرر، نفي ما هو زائد على ما هو لازم طبائع التكليفات، بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس المبرّئين عن المرض، و العذر الذي هو معيار مطلقات التكليف. و لا يخفى ما فيه من النظر- أيضا- من وجوه.
و الذي يختلج ببالي في وجه الفرق، هو دقيقة لطيفة يرجع إلى ما ذكرناه، من اختلاف جهات الوجوب في قسمي التكاليف الضررية، فإنّ الضرر إن كان نفس العبادة الموضوعة التي يستحق بها الأجر الأخرويّ، فهو خارج عن موضوع الضرر المنفيّ، و إن كان غيرها، كالمقدمات الخارجة و المقارنات و اللواحق الغير الموضوعة، فداخل في عموم النفي.
و توضيح ذلك: أنّ الواجب قسمان: ما لا يشترط فيه نية القربة و لا المباشرة، بل المقصود منه التوصّل إلى غيره، كردّ الوديعة، و إنقاذ الغريق، و مقدمات الواجب النقلية، و نحوها. و ما يشترط فيه القربة، و هو العبادة.
أمّا الأوّل: فلا يخرج عن صدق الضرر عرفا. فينفيه القاعدة إذا كان متضمّنا للضرر، إذ ليس له بما هو واجب عوض مقدّر و أجر مقرّر، إذ الثواب فيه في مقابل القربة، و هي غير واجبة على الفرض، و وجوبه لأمر غير الثواب الأخرويّ، و إلّا لم يحصل الغرض بأيّ وجه حصل، مع أنّه يحصل به، فليس تشريعه بما هو واجب معوّضا بأجر أخرويّ، فيكون حكما ضرريا ينفيه القاعدة، مثلا: مقدّمة الواجب، من حيث كونها واجبة ليس في مقابلها نفع أخرويّ، بل وجوبها للتوصّل إلى ذيها، و لذا يحصل بدون القربة. و كذا ردّ الوديعة و إنقاذ الغريق، حيث إنّ المقصود من وجوبها وصول الوديعة إلى المالك و نجاة الغريق، فلا يعصى بفعلهما على غير جهة القربة، و إن لم يكن له أجر أخرويّ. فهما بما هما واجبان، ليس في مقابلهما نفع أخرويّ.
فإن قلت: تركه حرام يوجب العذاب، و دفع العذاب- أيضا- منفعة يقابل الضرر، كجلب النفع، فيخرج الموضوع عن صدق الضرر.
قلت: حرمة الترك فرع وجوب الفعل، و حيث إنّه منفيّ، لكونه حكما ضرريا ليس في مقابله ثواب، كما عرفت- فلا عذاب على تركه.
و الحاصل: أنّ الواجبات التي لا يشترط فيها القربة يسقط وجوبها إذا تضمّنت الضرر، كمقدمة الواجب و نحوها، و لازمه سقوط وجوب ذي المقدمة أيضا، إذا انحصرت مقدّميته في الضرريه، لاستلزام جواز تركها جواز تركه، و إلّا لما استلزم وجوبه وجوبها.
نعم، لو أتى بها المكلّف إقداما على ضرر نفسه، و لو محرما، تعلق الوجوب بذي المقدمة، لعدم توقفه- حينئذ- عليها.
فإن قلت: المقدّمة وسيلة إلى ذيها، و هي إلى النفع الأخروي، فهي موصلة إليه، و لو بالواسطة. قلت: المقدمة موصلة إلى التمكن من ذيها، لا إلى نفس فعله، و الثواب للفعل لا للتمكن عنه، و مجرد التمكن ليس نفعا مانعا عن صدق الضرر، و تحمل العقلاء مثله في معاشراتهم، كضرر المسافرة للتمكن من التجارة، إنّما يخرج به من موضوع الضرر إذا قصد بها التجارة و فعلها، و ما نحن فيه ليس كذلك، لعدم اشتراط قصد الواجب من المقدّمة، و لا فعلية الواجب بعد الوصول اليه في وجوبها، فليس لها ثواب مقرّر إلّا بنيّة القربة، و هي بهذا الوجه ليست بواجبة، بل حكمها حكم سائر المستحبات الضررية التي لا تقتضي نفيها قاعدة الضرر، كما سنشير إليه.
و أمّا الثاني: أي: العبادة الواجبة الضررية، المشروطة بالقربة، فلاستتباع فعله الثواب يخرج عن موضوع الضرر، و إن تضمّن الضرر الدنيويّ، و اللّه سبحانه رضي به لعباده، لما في مقابله من المثوبات، فلا يكون وجوبه حكما ضرريا كما عرفت، بل للّه المنّة عليهم، بما أعدّ لهم مما تقرّ به أعينهم من النعيم الباقي.
نعم، إذا اقترنه أمر يتضرر به، من وصف أو حال خارج عن ماهيّة العبادة الواجبة و أوصافها اللازمة، كمرض أو مشقّة شديدة، عرضية أو نفسية، صحّ الاستدلال بقاعدة الضرر على سقوط أصل الواجب المقترن بتلك الحالة، التي ليس في مقابلها ثواب مقرّر، لأنّ وجوب العبادة بعين ما تقدّم في المقدّمة التوصّلية الضررية، و ترتّب الثواب على تحمل هذا الضرر، زائدا على ثواب أصل العبادة، إنما هو على تقدير قصد القربة به، و هو غير واجب، و إنما الواجب قصدها في نفس العبادة بما
هي واجبة خاصة، فالصوم الواجب- مثلا- له من حيث كونه واجبا ثواب مقرّر ليس لحالة المرض مدخل فيه، فإذا اقترنه المرض، فالضرر الزائد الحاصل لأجل المرض من الصوم ليس له أجر مقرّر مقتض لوجوب تحمّله و إلّا لاشترط [في] تحمّله قصد القربة أيضا زائدا على القربة المشترطة في ماهيّة نفس الصوم، مع قطع النظر عن الخصوصيات العارضة اللاحقة، فصحّ نفي وجوب تحمل هذا الضرر المسبّب عن المرض بالقاعدة، و بانتفائه ينتفي وجوب نفس الصوم. و هكذا الحال في الخوف للتقيّة و نحوها، فتدبّر جيدا، و اجعلها ضابطة كلّية تقتضيها القاعدة و يوافقها عمل الفقهاء في مثل استدلالهم بنفي وجوب إخراج الزكاة عن المؤون، دون نفي وجوب أصلها في الأجناس الخلافية و نحوه، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ في مورد على خلافه في كلّ من القسمين، كما في وجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، مع ما فيه من الضرر، مع أنه لا يجب تحصيله مع خوف ضرر أقلّ في طريق الوصول إليه، لصدق وجدان الماء في الأوّل، فيخرجه النصّ عن القاعدة، دون الثاني.
الثالث من شرائط صدق الحكم الإضراري: كونه بإضرار الشارع، أو بتجويزه ضرر بعض العباد على بعض من غير جابر له. و أمّا الضرر الحاصل من غير الوجهين، فليس عدم رفعه حكما ضرريا يقتضي القاعدة نفيه بإثبات حكم رافع له.
و لا يتوهّم أنّ تجويزه للمكلّفين عدم رفعه حكم ضرري، لأنّ منشأ الضرر- حينئذ- ليس من جانب الشارع، و بقاؤه ليس ضررا متجدّدا مستندا إلى الإسلام.
غاية الأمر عدم إفادته النفع له.
و اذ علمت ما يصدق به الحكم الضرريّ، نقول: كلّيات الأحكام الوجودية و العدمية التي تقتضيها قاعدة نفي الضرر، و صحّ الاستدلال بها عليها، خمسة
الأوّل: عدم حكم إلزاميّ يتضرّر بامتثاله المكلّف، من غير أجر أخرويّ مقرّر له، من وجوب ما في فعله [ضرر]، أو حرمة ما في تركه ضرر، و لا عوض، لأنّ الضرر- حينئذ- و إن كان مستندا إلى فعله الاختياريّ، إلّا أنّ إلزام الشارع بجعله محصورا بين ضرريّ المخالفة و الامتثال، يوجب استناد الضرر إلى الشرع.
و من خصّ الضرر بالدنيويّ، يلزمه عدم نفيه بقاعدة الضرر، و هو لا يقول به، لأنّه بفعل المكلّف نفسه، لا من حكم الإسلام، إلّا بتعميم الضرر بما يشمل العقوبة الأخروية، فيجعل العذاب الأخروي ضررا، و لا يجعل الثواب الأخروي نفعا جابرا، و هو تحكّم و مجازفة صرفة.
و هل يشمل القاعدة نفي الطلب التنزيهيّ الضرريّ؟
فيه وجهان: من عموم النفي، و استناد الضرر- حينئذ- إلى اختيار المكلّف، من غير إلزام الشارع، فلا يقع به محصورا بين ضررين و لعل الثاني أوجه.
و هل يعمّ الحكم الضرريّ المنفيّ ما صار المكلّف نفسه سببا له، كما إذا أحدث بنفسه مرضا مضرّا لصومه، أو عدوا في طريق حجّه؟
الظاهر: نعم، لأنّ إيجاده السبب لا يوجب الضرر، بل فعل الواجب بعده، و اضطراره بجعل الشارع.
الثاني: نفي حكم وضعيّ يتضرّر به، كلزوم بيع المغبون الجاهل و نحوه.
الثالث: نفي جواز ما يتضرر به الغير، سواء قصد به إضراره أم لا، لأنّه حكم ضرريّ ينفيه القاعدة.
و ربما يتوهّم أنّ تضمين الشارع يمنع عن صدق الضرر. و هو خطاء، لأنّ الضمان جابر للضرر الواقع، لا كاشف عن عدم وقوعه، مع أنّ الجابر بذل العوض، لا الحكم بالضمان، فلا يكون مجرّد الحكم رافعا لكون التجويز حكما ضرريا. و أيضا
كلّ ضرر ليس مما يقابله ضمان المال.
و يدلّ على نفي الجواز أيضا، الأخبار الناهية عن الإضرار، كقوله عليه السّلام: «لا يضارّ المؤمن أخاه المؤمن» (1)و قوله في مقام تهديد سمرة: «أنت رجل مضارّ. فاقلعه و اضربه على وجهه» هذا إذا لم يعارضه ضرر نفسه، و إلّا فهو من تعارض الضررين، و يأتي حكمه.
الرابع: نفي حكم وضعيّ يتضرّر به غيره، لتساويهما في نفي الضرر عند الشارع، كمعاملة إضرارية للغير، كهبة المديون جميع ما يملكه لغيره، فرارا عن أداء دينه، فيما إذا لم يتمكّن عنه بطريق آخر، من استقراض و نحوه كما بيّناه مفصّلا في بعض مباحثنا (2).
الخامس: ضمان المضارّ بما أضرّ بغيره صرّح به بعضهم، قائلا: بأنّه يقتضيه قاعدة الضرر، كما يقتضيه قاعدة الإتلاف. بل الظاهر اتفاقهم على ضمان من أجّج نارا، أو أرسل ماء في ملكه، زائدا على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدي، كما سيأتي فهو في غير التصرف في ملكه أولى.
و اختصاص الضمان عندهم بصورة حرمة الفعل غير معلوم، و عن بعضهم اختصاصه بما إذا كان الفعل محرّما و خصّه آخر بما إذا كان ظلما و ربما يدّعى إفادة القاعدة نفي الضمان، لأنّه ضرر على المضارّ. قال به بعض الفحول.
و مقتضى التحقيق- ثبوت الضمان، لكن لا على إطلاقه، بل التفصيل: أنّ المضارّ
إمّا يعلم أو يغلب على ظنّه ضرر الغير بفعله، أو يعلم عدمه، أو لا يعلم شيئا منهما.
فإن علم، فهو إضرار محرّم عليه، كما علمت، سواء كان بالمباشرة أو بتوليد الفعل بالتسبيب، بإيجاد ما يوجد معه عليه الضرر عادة، و مضمون عليه، لو لا يعارضه مباشر أقوى، لأنّ بقاء الضرر- كحصوله- أثر فعل المضارّ أيضا، و يدفعه بذل العوض، فتجويز الشارع عدم رفعه به حكم ضرريّ على المتضرّر، ينفيه القاعدة، كما هو المتفاهم منها عرفا.
و أما إلزام المضارّ برفعه، و إن كان ضررا عليه أيضا، إلّا أنّه من أثر فعل نفسه عالما به، و قد [لا] يقتضي القاعدة نفيه، من قبيل الدية على الجاني، و لزوم البيع على المغبون العالم، مضافا إلى صحيحة الكناني، و ما في معناها، المصرّحة بضمان المضارّ بطريق المسلمين، الشامل بعمومها بالإضرار الواقع منه بالطريق، من غير تصرّف له فيه، المتعدي إلى غير الطريق، بعدم القائل بالفصل.
و إن لم يحتمل الضرر، فعدم حرمة الفعل من جهة الضرر- حينئذ- ظاهر.
فإن كان محرّما من جهة أخرى، ككونه تصرّفا في ملك الغير، فلا يبعد الضمان للمتضرّر أيضا، لوقوع الضرر بعصيانه و تقصيره في مخالفة النهي، و إن لم يكن جهة النهي علمه بالضرر، لعدم الفرق بذلك بينهما في نسبة الضرر إلى تقصيره، و عدم اغتفاره في الحكم الضرريّ.
و إن لم يكن محرّما، فمقتضى قاعدة نفي الضرر- مضافا إلى الأصل- عدم ضمانه، لكونه معذورا في الحكم التكليفيّ بالجهل المقتضي للجواز، و في الوضعيّ بعدم التقصير، فإثبات الضمان عليه حكم ضرريّ منفيّ بالقاعدة، إلّا إذا خرج بدليل، كما في تلف النفس، و تضرّر المتضرّر، حيث لم يكن بحكم شرعيّ، و لا بتقصير مضارّ لا يلزم على الشارع رفعه، كما تكرّر ذكره. و لا يقتضيه عموم: «من
أضرّ بطريق المسلمين» لظهوره في العلم بالضرر.
و إن شكّ في الضرر، فهو في جواز الفعل كالسابق، للأصل.
و أما الضمان، ففيه وجهان. و الأوجه ثبوته، لعدم اقتضاء الجهل- مع فرض الاحتمال- معذوريته، فوجب عليه رفعه ببذل العوض، بقاعدة الضرر، كما مرّ، و أصل عدم الضرر لا ينفي الضمان على تقدير ثبوته في الواقع، لأنّ المناط في صدق اللفظ المقتضي للضمان هو الواقع، فيما لا مانع لصدقه، فإنّ ترخيص الشارع إضرار الغير من غير ضمان مع عدم كونه غافلا حكم ضرريّ على المتضرّر، و جواز الفعل لا ينافي الضمان، لتوقف الحرمة على العلم، دون الضمان.
فإن قلت: تجويز الفعل بمقتضى الأصل ليس مقيّدا بالضمان في الأوّل، على تقديره، و تضمينه بعد ظهوره رفع ضرر لا يقتضيه القاعدة، إذ ليس عدم تضمينه حكما ضرريا، بل عدم حكم.
قلت: تقييد الجواز بالضمان على تقدير الضرر لا يستدعي العلم بالضرر و لا بالضمان، بل يكفي الاحتمال في ثبوته واقعا. هذا كلّه إذا لم يتضرّر المضارّ بترك الفعل، و إلّا فيأتي حكمه.
فتعارض الضرران أو تصرف المالك في ملكه المسلّط عليه، بقوله عليه السّلام: «الناس مسلّطون على أموالهم» (1).
فهنا مقامان:
المقام الأوّل: في تعارض الضررين، بأن دار الأمر بين حكمين ضرريين، بحيث كان الحكم بأحدهما مستلزما للحكم بثبوت الآخر.
فنقول: الضرران إمّا يكونان بالنسبة إلى شخص واحد، فمع التساوي في مقدار
1) بحار الأنوار 2: 272؛ عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 198.
الضرر، و عدم المرجّح، يحكم بالتخيير و مع الاختلاف في القلّة و الكثرة، فمقتضى القاعدة نفي الأكثر، لحصول الضرر الأقلّ على التقديرين، سواء كان داخلا في الأكثر، كما في الشكّ في مقدار الدية على العاقلة أنّه عشرة دنانير أو خمسة، أو مباينا له، كالشكّ في كونه عشرة دنانير أو عشرة دراهم.
فإن قلت: لا مرجّح للأقلّ مع التباين، مع صدق القاعدة عليهما.
قلت: المنفيّ هو ماهيّة الضرر من حيث هو ضرر، لا خصوصيات المضارّ، فالاعتبار في القلّة و الكثرة بنفس الماهيّة دون الخصوصيات، و الأقلّ بهذا الاعتبار داخل في الأكثر، و إن باينه بحسب الخصوصية.
فإن قلت: المنفيّ في الحديث الأفراد، لكونه عاما أفراديا، فالعبرة بها دون الماهيّة، و هي في الفرض متباينة.
قلت: الجنس الصادق على الجزء و الكلّ من الأعيان، كالماء الصادق على حوض، و على كلّ غرفة و قطرة منه، أو من الأوصاف، كالمرض و الضرر و نحوهما، يكون فرض أفراده بالاعتبار، فإنّ كلّ فرد فرد منه يمكن فرض جزئه فردا أيضا، فكثرة أفراده و قلّتها يرجع إلى كثرة الجنس و قلّته، فالعبرة فيهما به لا بالخصوصيات الزائدة.
أو يكون الضرران بالنسبة إلى شخصين، بأن دار الحكم الضرريّ بينهما.
فكلماتهم فيه مختلفة، بل لا يخلو كثير منها عن اضطراب، قال في التذكرة (1): لو غصب دينارا، فوقع في محبرة الغير بفعل الغاصب أو بغير فعله، كسرت لردّه، و على الغاصب ضمان المحبرة، و إن كان كسرها أكثر ضررا من تبقية الواقع فيها ضمنه الغاصب، و لم يكسر. انتهى.
و وجه التفصيل بأكثرية الضرر و عدمها، مع فرض الغصب غير ظاهر.
1) تذكرة الفقهاء 2: 391.
و قال في الدروس (1): لو أدخل دينارا في محبرته، و كانت قيمتها أكثر، و لم يمكن كسره، لم يكسر المحبرة، و ضمن صاحبها الدينار مع عدم تفريط مالكه، انتهى.
و حمل على كون إدخال الدينار بإذن المالك، على وجه يكون مضمونا، إذ لو كان بغير إذنه تعيّن كسر المحبرة، و إن زادت قيمتها. و إن كان بإذنه على وجه لا يضمن، لم يتّجه تضمين صاحبها الدينار.
و قال بعض أجلّة من عاصرناه (2)في خصوص المثال المذكور و غيره مما تعارض فيه الضرران: «يمكن أن يقال: بترجيح الأقلّ ضررا، إذ مقتضى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان، عدم الرضا بحكم يكون ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر، لأنّ العباد كلّهم متساوون في نظر الشارع، بل بمنزلة عبد واحد. إلى أن قال:- لكن مقتضى ذلك ملاحظة الضررين الشخصيين المختلفين، باعتبار الخصوصيات الموجودة في كلّ منهما، من حيث المقدار و من حيث الشخص، فقد يدور الأمر بين ضرر درهم و دينار، مع كون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة إلى صاحبه. و قد يعكس حال الشخصين في وقت آخر. انتهى.
و لا يخفى ضعفه، أما أوّلا: فلأنّ هذا لا يتمّ فيما إذا كان الضرر الحكميّ من مجرّد تشريع الشارع، فدار في أنّ المحكوم عليه به هذا أو ذاك، كما إذا شكّ في العاقلة الملزمة بالدية شرعا، هل هو هذا أو ذاك بدرهم (3)، فإنّه لا يختلف الحكم حينئذ قطعا باختلاف الأزمان و الأحوال المتجدّدة، بل إذا رجّح أحدهما بدليله لا يتعاكس فيه الضرر، و لا يختلف باختلافها الحكم الضرريّ.
و أما ثانيا: فلأنّ مقتضى تساوي العباد في نظر الشارع، التعديل بينهما، و ينافي تعيّن الضرر الأقلّ، لأنّ جعل الضرر كلّه على صاحب الأقلّ دون صاحب الأكثر خلاف التسوية، بل مقتضى العدل تشريكهما في القدر الأقلّ، و نفي الزائد، مثلا: إذا وقع ديناره في مجرّة غيره، فإن كان ضرر الكسر نصف الدينار، فهذا النصف يقسم بينهما، و يكسر المجرة، و إن كان بالعكس يتعاكس. إلّا أن يقال: تجزئة الضرر عليهما إحداث قول ثالث.
و لكن الإنصاف: إنّ عدم القول بالفصل في أمثال ما ليس له عنوان مخصوص في المدارك الشرعية غير معلوم، بل كلّ من حكم فيه بشيء يدخله تحت قاعدة و أصل شرعي بزعمه، كيف و ليس هو أولى في إخراجه عن مقتضى القواعد، بدعوى عدم الفصل، من البناء على اختلاف الحكم الضرري و التعاكس فيه باختلاف الأحوال و الأشخاص و الخصوصيات المتجددة، بملاحظة قاعدة نفي الضرر.
و أما ثالثا: فلأنّه لا يتمّ في المثال المتقدّم الذي جعله من أمثلة المقام، مما يتعارض فيه الضرر الواقع لأحدهما و المتوقع للآخر عند دفعه، فإنّ تجويز كسر المجرّة- مضافا إلى كونه تصرفا في مال الغير- ينفى بقاعدة الضرر، دون دفع ضرر صاحب الدينار، لعدم وجوبه على الشارع، كما تقدّم. بل اعترف الفاضل المذكور في مقام آخر بذلك، حيث قال: لا يجوز لأحد إضرار انسان لدفع الضرر المتوجه إليه.
ثمّ أقول: الذي يقتضيه النظر، أنّ تعارض الضررين بالنسبة إلى شخصين، إن كان في الضرر الحكمي الناشئ عن الشرع، المخصّص لقاعدة الضرر، كما في الترديد في العاقلة، فظاهر عدم الترجيح باعتبار قاعدة الضرر، و إن كان أحدهما أقلّ، لتباينهما بتباين المتعلّقين.
إلّا ان يقال: مقتضى حديث نفي الضرر نفيه من حيث هو في الإسلام، من غير ملاحظة خصوص من يتضرّر به، فإنّ الأقلّ بهذا الاعتبار داخل في الأكثر، و إن تباين المتعلّقات، و هو مشكل.
و إن كان باعتبار ضرر خارجي، دار الحكم بإلزامه بين شخصين، فهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون الضرر المفروض واقعا على إنسان، و أمكنه دفعه عن نفسه بإضرار غيره.
و ثانيهما: أن يكون متوجّها إلى أحدهما لا بعينه، فدفع عن نفسه ما يوجبه، فتوجّه إلى الآخر.
أمّا في الأوّل: فالظاهر أنّه لا يجوز له إضرار الغير، بل عليه تحمل الضرر، لأنّ تجويزه حكم ضرريّ، فينفيه القاعدة. و أمّا ضرر نفسه الواقع عليها ليس من حكم الشرع، بل حكمه ترك ضرر الغير، و استلزامه بقاء الضرر ليس بسبب حادث، و لا هو ضرر متجدّد، و لا مدخل للشرع فيه. غاية الأمر عدم حكمه بما يدفعه، و علمت أنّه ليس بواجب. و من ذلك ما في المشهور، من عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه على جذع الجار، خلافا للشيخ. و حمل على ما إذا خاف من وقوعه تلف نفس محترمة، لوجوب حفظها. غاية الأمر لزوم أجرة المثل، للاستناد كأخذ الطعام لسد الرمق.
و أما في الثاني: فالظاهر جوازه، و لا ضمان عليه، لأن منعه الضرر عن نفسه ليس شيئا محدثا لضرر الآخر، بل هو مستند إلى علّته الخارجة التي لا دخل له فيها، و إنّما فعله منع ما يحدث الضرر عن نفسه، كما إذا سدّ طريق السيل عن داره، فمال إلى دار جاره.
نعم، لو أطرقه إليها، سيما إذا كان طريقه أوّلا إلى دار نفسه، فهو من التسبيب المحرّم المتقدّم بيانه، و ظهر من ذلك: أنه لا يجب على الإنسان دفع ضرر الغير بإضرار نفسه، و لعلّه لا خلاف فيه.
المقام الثاني: في تعارض قاعدة الضرر مع قاعدة التسليط، الثابتة بالحديث النبويّ المشهور المرويّ في كتب الأصحاب، المعمول به عندهم. و هو قوله:
«الناس مسلّطون على أموالهم» كما إذا تصرف المالك في ملكه فاستلزم تضرّر جاره، فالمشهور جوازه. صرّح به الشيخ في المبسوط (1)، في باب إحياء الموات في حفر المالك بالوعة أو بئر كنيف يقرب بئر الجار، و إن أدّى إلى تغيّر ماء البئر.
و في السرائر (2)في باب حريم الحقوق، قائلا: بجواز حفر الإنسان في ملكه بئرا يقرب بئر الغير، و إن نقص به ماء الغير.
و الفاضل في التحرير (3)و القواعد فيه، و في اتخاذ ملكه حماما أو موطنا للقصار و الحداد و المدبغ و أمثالها، قائلا: بأنّ لكلّ أحد أن يتصرف في ملكه على العادة ما شاء، و إن تضرر صاحبه، و لا ضمان، و الشهيد في الدروس (4)نافيا للضمان. و اختاره في الرياض (5)، بل في الأوّل نفي الخلاف فيه. و في الكفاية (6)نسبه إلى الأصحاب، مؤذنا بدعوى الإجماع، إلّا أنّه استشكل في الضرر الفاحش.
و الظاهر أنّ إطلاق كلامهم، سيما كلام النافي للخلاف، محمول على صورة حاجة
المالك، و تضرّره بترك التصرّف، و لو بفوات المنفعة المقصودة منه عادة، فإن منعه منه أيضا ضرر عظيم، كما ذكره العلّامة (1)و غيره.
و يشعر به تقييد العلّامة و الشهيد التصرف بما جرت به العادة، و تصريح الشهيد (2)- في غير الموضع- بالضمان في تأجيج النار زائدا على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدّي، و إن كان منافيا للتصريح السابق.
و أصرح من ذلك كلام المحقّق الثاني (3)قائلا: فإذا دعت الحاجة إلى إضرام نار أو إرسال ماء جاز فعله، و إن غلب على ظنّه التعدّي إلى الإضرار.
و كيف كان، فهذا أحد الأقوال في المسألة.
و الثاني: تقديم قاعدة الضرر مطلقا، يظهر من المحقّق القمّي (4)، و بعض آخر.
و الثالث: تقديم الضرر إذا كان فاحشا، و التسليط في غيره، مال إليه في الكفاية (5).
الرابع: منع التصرّف المتضمّن لضرر الغير في ماله، إذا كان فعله توليديا للتصرّف في مال الغير و إتلافه، بمعنى أن يسري فعله في ملكه إلى ملك صاحبه، كإرسال الماء في ملكه، الموجب لسراية النداوة أو الهدم في حائط الجار، أو تأجيج النار الموجب لاحتراق متاعه، لا في مثل رفع جدران داره المانع عن الشمس و القمر في دار الجار. مال إليه بعض مشايخ من عاصرناه.
الخامس: البناء على التعارض، و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل، و هو المعروف من جماعة.
و أقول: و التحقيق في المقام، بعد بيان مقدّمة، هي: أنّ تعارض الأحكام الشرعية التي لا يجتمع منها اثنان في موضوع، و لو بعنوانين مختلفين بينهما عموم من وجه، إنما هو إذا كان تشريعهما في رتبة واحدة، بحيث كان عموم أحدهما منافيا لعموم الآخر، كقوله: يجب إكرام العلماء، و لا يجب إكرام الفساق، المتعارضين في العالم الفاسق. و أما إذا كان أحدهما واردا على الآخر، و سببا مزيلا لمقتضاه، فلا تعارض بينهما حقيقة، بل يعمل بالمزيل، نظير تعارض المزيل و المزال في الأصول العملية، على ما بيّناه مستوفى في محلّه، و سيجيء مزيد بيان فيه، كما إذا لاقى اليد المستصحبة النجاسة للماء الطاهر، فحصل الشكّ في طهارته، فإنّه يقدم استصحاب نجاسة اليد على استصحاب طهارة الماء [و] يحكم بزوال طهارته بسبب التلاقي، بل هو مقتضى سببية الأسباب الشرعية، سواء كانت من الأصول الظاهرية، أو الأحكام الواقعية، كعروض النجاسة للطعام المزيل لإباحته، أو وجود مرض أو شبع- كذلك- و غليان العصير الموجب لحرمته، و صيرورة المباح واجبا إذا صار مقدمة، و إباحة الميتة بحصول المخمصة، و أمثال ذلك.
و قد يتوارد على موضوع واحد أحكام مختلفة متعاقبة، فلا تعارض بين دليليهما، لعدم اجتماع الحكمين في وقت واحد.
نعم، قد يحصل الإشكال في اختلاف المدلولين: أنه من باب التعارض أو السببية، فإن دلّ على السببية دليل، أو كان هو المنساق من دليل السبب، فهو، و إلّا يلتمس الترجيح لأحدهما، ثمّ يرجع إلى الأصول.
و إذ علمت ذلك نقول: المنساق من حديث نفي الضرر كونه واردا على قوله
«الناس مسلّطون» و ورود الثاني في مقام بيان مجرّد السلطنة المالكية الغير المنافية (1)لعروض سبب مانع لبعض التصرّفات، مزيل للرخصة اللازمة للسلطنة، سيما بملاحظة نظائره من الأسباب المحرّمة الطارية على الجواز الأصليّ، كأمثال ما ذكر، و بملاحظة استدلالات الفقهاء، فإنّهم يستدلّون بنفي الضرر على خيار الغبن، في مقابل عموم: «الناس مسلّطون» الدال على لزوم العقد، و عدم تسلّط المغبون على إخراج ملك الغابن عن ملكه، فالضرر يوجب تحريم الفعل الجائز، كاقتضاء الواجب وجوب مقدّمته المباحة، و الإسراف حرمة ماله المباح.
كيف و إضرار الغير ليس بأهون في نظر الشارع من إضرار الشخص نفسه، فكما لا يعارض عموم: «الناس مسلّطون» دليل حرمة تضييع مال نفسه، كذا لا يعارض دليل حرمة تضييع مال الغير.
ثمّ نقول لتفصيل صور المقام: تصرف المالك في ملكه الموجب لضرر الغير، إمّا لا يوجب تركه ضررا على نفسه، و لو بفوات منفعة ملكه المقصودة منه عادة، فإنّه ضرر أيضا، كما مرّ. أو يوجبه.
فإن لم يوجبه و كان من قبيل اللغو، فهو على وجهين:
أحدهما: أن يعلم أو يغلب على ظنّه ضرر الغير، فالمتّجه- حينئذ- حرمة التصرّف، و تعلّق الضمان، كما صرّح به جماعة، و يظهر من العلّامة (2)و الشهيد (3)و المحقّق الثاني (4)، حيث قيّدوا جواز التصرّف المضرّ بالجار بما جرت به العادة، أو
دعاء الحاجة، بل هو المستفاد من ظهور اتفاقهم على ضمان من أجّج نارا زائدا على قدر الحاجة مع ظن التعدّي.
و الدليل عليه: ما تبين من تقدّم قاعدة الضرر المقتضية للحرمة و الضمان- حسب ما مرّ- على قاعدة التسليط، و ورودها عليها.
فان قلت: مع الضمان لا ضرر، فلا تحريم.
قلت: بذل العوض- فضلا عن مجرّد الحكم بالضمان- جبر للضرر الواقع، فلا يخرج الفعل عن صدوره إضرارا، فيكون محرما، كما أشرنا إليه فيما تقدّم، مضافا إلى أنّ مقاصد الناس غير منضبطة، فقد يكون عين ما فاته أعود له من عوض المثل. مع أنّه يمكن أن نقول: إطلاق قوله «الناس مسلّطون»، في مقام بيان حكم جهة المالكية، فلا ينصرف إلى تعميم الجواز باعتبار سائر الجهات.
و يدلّ عليه أيضا، أنّه على تسليم التعارض، فحديث نفي الضرر- أيضا- أخصّ مطلقا من عموم الثاني، لاختصاص مورد حديث سمرة بالضرر الناشئ عن التصرّف في ملكه، فيخصّص به.
و ما قد يتوهّم من أنّ الضرر المنفيّ فيه ليس لتصرف سمرة في ملكه، بل لتعديه بدخوله من غير إخبار و استيذان، و لا مدخل له في التصرف في الملك، ضعيف، لأنّ دار الأنصاري طريق عذقه، فهو تصرّف في حقه، غير أنه تصرّف إضراريّ، و لو لا ذلك لما تمسّك للمنع بالإضرار، بل بدخول ملك الغير بغير إذنه.
و يؤيّد ترجيح حديث الضرر- بل يدلّ عليه- أظهريته دلالة، فإنّه بالعموم الاستغراقيّ الوضعيّ، و الآخر بالإطلاق الحملي، فهو من باب تعارض النصّ و الظاهر الموجب لحمل الظاهر على ما يوافق النصّ بقرينة النصوصية.
و ربما يعلّل تقديم نفي الضرر بظهور الفتاوى، و دلالة الاستقراء على غلبة الحرام
على الحلال، و بأنّ قاعدة الضرر سارية مسرى العقليات الغير القابلة للتخصيص.
و يضعف الأوّل بمنع الاتفاق، مع تصريح جماعة من أعيان الأصحاب بجواز تصرف المالك حيث شاء على ما مرّ، الظاهر في عموم الحكم، بل قد يشعر من بعضهم دعوى الإجماع عليه.
و الثاني: بمنع غلبة الحرمة عند التعارض إذا لم يكن واردة على الحلّ، بل يعمل- حينئذ- بمقتضى الترجيح، كما إذا قال: يحرم إكرام الناس، و يجوز إكرام العالم.
و الثالث: بمنع كون قاعدة الضرر من قبيل العقليات. و كفاك شاهدا ورود التخصيص عليها في موارد كثيرة إجماعية، و لا ينبّئك مثل خبير.
و ثانيهما: أن لا يعلم و لا يغلب على ظنّه ضرر الغير بتصرّفه في ملكه، فاتّفق فيه الضرر، فلا إشكال في جواز التصرف، كما مر، للجهل المقتضي لنفي التكليف بالأصل.
و أمّا الضمان، ففيه تفصيل ما تقدّم، من أنّه إن لم يحتمل الضرر أوّلا، فلا ضمان عليه، لأنّ تضمينه مع جواز الفعل و عدم تقصيره عرفا في إضرار الغير، حكم ضرريّ منفيّ بالقاعدة، كما علمت، مضافا إلى الأصل، فلا يخرج عنها إلّا بدليل.
و بفرض استيفائه المنفعة بهذا التصرف، لا يجبر ضرر الضمان، لأنها نفع ملكه الغير المضمون عليه، مع أنه قد يكون عوض الضرر أضعاف المنفعة المستوفاة، كإرسال الماء في ملكه الموجب لانهدام عمارة عالية للجار.
و لا يعارضه ضرر الغير، لعدم كونه مستندا إلى تقصيره، و لا واقعا من الشرع، فليس على الإسلام رفعه، بل حكمه حكم سائر المضارّ الاتفاقية السماوية.
و إن احتمل الضرر، فالظاهر ضمانه، مثل ما تقدّم، و كون فعله تصرّفا في ملكه لا يتفاوت به الحال، بعد ما علمت من ورود قاعدة الضرر على عموم «الناس
مسلّطون»، و اقتضاءها الضمان بما أشرنا إليه، من أنّ ترخيص الشارع في إضرار الغير من غير ضمان- مع صدق التقصير العرفيّ باعتبار عدم غفلته و عدم تضرّره بتركه- حكم ضرريّ على المتضرّر.
و إن كان تصرّف المالك لدفع ضرر يتوجّه إليه، و لو هو فوات المنفعة المقصودة منه عرفا، فالظاهر جوازه، بل لعلّه لا خلاف فيه، لأنّ حبسه عن ملكه و إلزامه بتحمّل الضرر لئلا يتضرر الغير حكم ضرريّ، مضافا إلى عموم «الناس مسلّطون».
فإن قلت: قد تقدّم في تعارض الضررين، أنّ مقتضى قاعدة الضرر عدم جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس.
قلت: ما ذكر ثمّة كان باعتبار صدق الحكم الإضراريّ على تجويز إضرار الغير و عدم صدقه على بقاء ضرر الآخر، لعدم حصوله بحكم الشارع، و عدم وجوب دفعه عليه، و هذا يتمّ في غير صورة التصرّف في ملكه، و أمّا فيها، فمنعه عن التصرّف في حقه لدفع الضرر عن نفسه، و حبسه عن ماله ضرر عظيم، و حكم إضراريّ منفيّ بالقاعدة. غاية الأمر تعارض الضررين فيها، و سقوط قاعدة الضرر من البين، لاستلزامها التدافع، فيرجع إلى عموم «الناس مسلّطون»، مضافا إلى أصل الإباحة.
و ما قيل: يعارضه أصل إباحة المنع، يدفعه ما مرّ، من كون الأوّل مزيلا للثاني.
و عن بعضهم: وجوب ملاحظة مراتب ضرر المالك و الغير، فإن أريد به في حكم جواز التصرف و إباحته، فيخالف كلمات الفقهاء، و لعلّ اتفاقهم عليه، إلّا إذا كان ضررا فاحشا يجب تحمل الضرر لدفعه على كلّ أحد، ما لم ينجرّ إلى الحرج، كإهلاك النفس المحترمة.
و إن أريد به في الضمان فغير بعيد، و لعلّه مراد القائل به و عليه يحمل إطلاق قول الشهيد في موضع من الدروس، بالضمان في تأجيج النار في ملكه على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدّي.
و استظهره الفاضل القمّي و رجّح أقوى الضررين مطلقا، إلّا أنّ ترجيح جانب الغير في نفي الضرر مطلقا، إذا كان ضرره أكثر- و تحميل الأقلّ كلّه على صاحب الملك، مع كونه تصرفا في ملكه- ترجيح بلا مرجّح.
فما تقدّم من أنّ مقتضى العدل توزيع الأقلّ عليهما، و نفي الزائد، و قسمة المتساويين عليهما. فإن لم يثبت الإجماع على خلافه، كما لعلّه الظاهر في أمثال تلك المسائل الراجعة إلى الأصول و القواعد، و لا نصّ عليها بخصوصها، فهو المتبع، و إلّا فترجيح أقوى الضررين في الضمان لا يخلو عن قوة، و لا ينبغي ترك الاحتياط، عصمنا اللّه سبحانه عن الزلّة في الصراط.
مشرق: من القواعد المسلّمة بين الفقهاء، قاعدة نفي الغرر، يستدلّون بها على فساد البيع الغرريّ، بل ربما يستدلّ بها على فساد سائر المعاملات الغررية.
و لتحقيق مدرك القاعدة و معنى الغرر و سائر ما يتعلق بها نذكر أبحاثا:
أمّا الأوّل: فالأصل فيها الخبر المشتهر بين الخاصّة و العامّة، المرويّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أنّه نهى عن بيع الغرر (1)، بل قال بعض الأجلّة (2): إنّه المتفق عليه بين
1) و من طريق الخاصّة: وسائل الشيعة 12: 330، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الرواية 22965، و 17: 358، الباب 12 من أبواب عقد البيع، الرواية 22747؛ مستدرك الوسائل 13: 283، الباب 33 من أبواب آداب التجارة، الرواية 15363؛ دعائم الإسلام 2: 19؛ عيون أخبار الرضا 2: 45، الرواية 168.
2) لعلّه صاحب الجواهر في جواهر الكلام 22: 386.
العلماء كافّة، و أنت تراهم في مقامات غير عديدة يتمسّكون و يعملون به من غير نكير، بحيث إنّه مقبول عند الكلّ (1)فلا يقصر عن الخبر الصحيح، بل في العوائد (2):
أنّه أقوى منه.
ثمّ النهي- لتعلقه بنفس المعاملة الظاهر في المانعية، في قبال الأمر بما يتعلّق بها الظاهر في الشرطية- يوجب الفساد، على ما قررناه في محلّه، فهو الدليل عليها.
مضافا إلى الإجماع على نفس القاعدة الظاهر من استدلال أصحابنا- بل الفريقين- بنفي الغرر على بعض شروط المعاملة كالقدرة على التسليم في البيع و نحوها، فإنك تراها قاعدة مسلّمة عند الجميع.
و قد صرّح بخصوص الإجماع عليه بعضهم (3)، بل عن كلام الشهيد في شرح الإرشاد، الإشعار بكونه من الضروريات.
و أمّا الثاني: ففي كلمات كثير من أهل اللغة و الفقهاء، تفسيره بعبارات متقاربة و معان متوافقة.
ففي الصحاح: «الغرّة: الغفلة، و الغارّ: الغافل». و قال: اغترّ بالشيء، أي: خدع به. و الغرر: الخطر. و نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن بيع الغرر، و هو مثل بيع السمك في
الماء، و الطير في الهواء.
و في القاموس (1): غرّه غرّا و غرورا و غرّة بالكسر فهو مغرور و غرير، خدعه و أطمعه في الباطل، إلى أن قال: غرّر بنفسه تغريرا و تغرّة، أي: عرّضها للهلكة.
و الاسم: الغرر، محركه.
و عن النهاية (2): بعد تفسير الغرّة- بالكسر- بالغفلة: أنّه نهي عن بيع الغرر، و هو ما كان له ظاهر يغرّ المشتري و باطن مجهول. و قال الأزهريّ: بيع الغرر ما كان على غير عهدة، و لا ثقة، و يدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كلّ مجهول، و قد تكرّر في الحديث.
و حكي- أيضا- عن المصباح و المغرب و الأساس و المجمل و المجمع: تفسير الغرر بالخطر (3)، و يمثّله الأكثر ببيع السمك في الماء، و الطير في الهواء.
و في التذكرة (4): أنّ أهل اللغة فسّروا بيع الغرر بهذين، و مراده من التفسير- كما قيل- التوضيح بالمثال.
و فيها أيضا الاستدلال على اشتراط القدرة على التسليم في البيع، و عدم صحة بيع الطير في الهواء، للنهي عن الغرر.
و في موضع آخر: يجب العلم بالقدرة ثمنا كان أو مثمنا، للغرر.
و في آخر: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن بيع الغرر، كبيع عسيب الفحل و بيع ما ليس
عنده و بيع الحمل في بطن أمّه، لأنه غرر، لعدم العلم بسلامته و صفته.
و فيها أيضا: و من الغرر جهالة الثمن، و تقدّم عليه الصدوق، في معاني الأخبار:
نهى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن بيع حبل الحبلة و معناه ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة، و ذلك غرر.
و السيد في الانتصار، مصرّحا فيه بصحة بيع العبد الآبق مع غيره، لخروجه عن الغرر، و جعله مما انفردت به الإمامية، خلافا لباقي الفقهاء، حيث ذهبوا إلى أنه لا يجوز بيع الآبق على كلّ حال، تعويلا على أنّه بيع غرر.
و ابن ادريس في السرائر (1)، قال بعد ذكر حلب بعض اللبن و بيعه مع ما في الضروع أو يجعل عوض اللبن شيئا من العروض: و الأقوى عندي المنع من ذلك كلّه، لأنّه غرر و بيع مجهول، و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن بيع الغرر (2).
و قال الشهيد في قواعده (3): يشترط كون المبيع معلوم العين و القدر و الصفة، فلو قال: بعتك عبدا من عبدين، بطل، لأنّه غرر.
و عنه في شرح الإرشاد: التصريح بما يعترف بذلك في مواضع منه، و في بعضها:
الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف، بحيث لو ترك وبّخ عليه.
و قال المحقّق الثاني في شرح القواعد (4)في بيان صحّة بيع الصاع من الصبرة المجهول الصيعان: و ذلك لأنّ البيع أمر كلّي و الأجزاء متساوية فلا غرر، بخلاف ما لو باع النصف، فإنّه مع الجهالة لا يعلم قدره، فيلزم الغرر.
و من التنقيح، بعد نقل عدم صحة بيع ما يراد طعمه و ريحه من غير اختبار عن أبي الصلاح و القاضي و سلّار: لأنه مجهول، فهو بيع غرر، و قد نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن بيع الغرر، إلى غير ذلك من كلمات المتقدّمين و المتأخرين في موارد مختلفة.
و يظهر من كلمات هؤلاء الأعلام و اللغويين و غيرهم: أنّهم متّفقون على أخذ الجهالة و الخطر في معنى الغرر، بل لولاه وجب الوقوف (1)عليهما أيضا، أخذا بالمتيقّن من النهي، مضافا إلى تبادره فيهما. إذ لا غرور و لا خداع مع الأمن من الضرر أو العلم به فيما علم البناء على التغابن فيه.
فإن قلت: فعلى هذا يلزم صحة بيع الضال و الآبق و الطير في الهواء عند العلم بعدم حصولها، مع أنّ الظاهر اتفاق كلماتهم الشاملة بإطلاقها لصورة العلم في اشتراط القدرة على تسليم المبيع، استنادا إلى نفي الغرر.
قلت: بطلان البيع فيما ذكر مسلّم، و لكنّه مع العلم ليس لكونه غررا، بل لأنّه من باب أكل المال بالباطل، فإنّ مع العلم بعدم الحصول يخرج عن كونه مالا و إن كان ملكا، و يكون في حكم عدمه و خلوّ الثمن عن العوض. نعم، لو فرض له منفعة كعتق الآبق للكفارة، فلا نسلّم بطلانه مع العلم.
و أمّا إطلاق تمسّكهم بنفي الغرر فيما ذكر، فهو مبنيّ على الغالب من عدم انسداد باب الاحتمال.
و بالجملة: فلا غرر مع العلم بالضرر، و لا مع الجهل بالمبيع و عدم المخاطرة، كبيع أحد عبدين متساويين في القيمة و الصفة، و إن كان باطلا باعتبار الجهالة الواقعية، و الإطلاق في بطلان المجهول بنفي الغرر في بعض الكلمات مبنيّ على الغالب أو الغفلة و التسامح.
1) كذا.
و من هذا يظهر صحّة بيع صاع حنطة معيّنة مردّدة بين كونها من إحدى القريتين مع عدم اختلافهما في الوصف و القيمة. نعم، إذا كان المبيع المعيّن مردّدا بين جنسين مختلفين و إن تساويا في القيمة، كحنطة و حمص أو دهن و عسل، فيشكل الحكم بالصحة، لحصول الغرر، لعدم انحصار الخطر في اختلاف القيمة، بل يحصل- أيضا- باختلاف النوع و الصنف و صفاتهما المقصودة باختلاف الأغراض و الأعراض.
و بالجملة: لا إشكال في اشتراط الجهل و الخطر في حصول الغرر،
و الظاهر أنّه يعمّ الجهل بوجوده، كبيع الغائب المتردّد في وجوده و بيع الحمل، أو بحصوله في يد من انتقل إليه، كالآبق و الضال و المجحود و المغصوب، أو بصفاته كمّا و كيفا، لصدق الغرر في جميع ذلك.
و ربما يحكى عن بعضهم اختصاصه بالجهل بصفات المبيع و مقداره، لا مطلق الخطر الشامل له في تسليمه، لحصوله في بيع كلّ غائب، بل هو أوضح في بيع الثمار و الزرع و نحوهما.
و يضعّف: بأن تقييد الخطر في كلام أهل اللغة بما ذكر، مع أنّ الخطر أظهر بالنسبة إلى عدم الحصول مما لا وجه له، سيما مع اشتهار التمثيل ببيع الطير في الهواء و السمك في الماء، و خصوصا مع شيوع استدلال الخاصّة و العامّة باشتراط القدرة على التسليم بنفي الغرر كما عرفت.
و عن الشهيد في قواعده (1)عكس ذلك، فخصّه بمجهول الحصول دون مجهول
1) القواعد و الفوائد 2: 137، القاعدة 199؛ غاية المراد في شرح الإرشاد 4: 31.
الصفة المعلوم الحصول، و قال: و ليس من الغرر كحجر لا يدري أنّه ذهب أو فضّة أم نحاس أم صفر. و هو- أيضا- ضعيف و تقييد بلا دليل عنه غريب. و عن شرحه على الإرشاد ما يظهر منه التعميم.
فيظهر من بعض الأساطين: أنّه باعتبار نقصان ما انتقل إليه عما يقابله من حيث ذاتهما بحسب القيمة، فلو باع المتردّد بين الزائد و الناقص قدرا أو صفة أو قيمة، كالمجهول المردّد بين كونه ذهبا أو نحاسا بقيمة النحاس، أو اشترى العبد الآبق بثمن قليل للعتق في الكفّارة، لم يكن غررا، لخلوّه عن المخاطرة للجاهل.
و لا يخفى أنّ إطلاق كلماتهم في بطلان بيع مجهول الصفة أو القدر أو العبد الآبق تمسكا بلزوم الغرر يعمّ بطلان جميع ذلك، فضلا من مجهول الجنس، كبيع ما في الصندوق المتردّد بين أجناس مختلفة متفاوته القيمة بقيمة الأقلّ. بل الظاهر عدم الخلاف في فساده و كونه غرريا، فالتحقيق في توجيه المقام و سرّه أنّ مناط الخطر ليس نقصان ما بإزاء المنتقل إليه من العوض قدرا و قيمة، بل العبرة بهما من حيث تعلّق العقد بهما و قصد المتعاقدين من عقد المعاوضة. و لا شكّ أنّه إذا اشترى ما يتردّد بين الجيّد و الرديّ أو القليل و الكثير و لو بأقلّ من الثمن، فهو من حيث كونه مبيعا و مقصودا من العقد محلّ الخطر لجهالة قدره و صفته، و إن كان الثمن الذي يبذله يكون أقلّ المحتملات و سالما عن الضرر من حيث هو، مع قطع النظر عن تعلق القصد به من العقد، فلا يخرج به عن الغرر، كما أن الجهل بالقيمة مع العلم بالقدر و الصفة لا يوجب الغرر، و لا يبطل به البيع، و إن كان متضمّنا للغرر فيجبر بالخيار، لدليل آخر يقتضيه لعدم كونه من حيث القيمة متعلقا للعقد. فتفطّن و لا تغفل.
و اختلف في المعيار المعتبر في صدقه عرفا، ففي المحكيّ عن الشهيد في شرح الإرشاد: أنّ الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف، بحيث لو تركه وبّخ عليه.
و اعترض عليه: أنّ مقتضاه أنّه لو اشترى الآبق و الضال المرجو الحصول بثمن قليل لم يكن غررا، لأنّ العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء للنفع الكثير، و كذا لو اشترى المجهول المردّد بين النحاس و الذهب بقيمة النحاس و مجهول المقدار بثمن المتيقن منه، فإنّ ذلك كلّه مرغوب فيه عند العقلاء، مع إطباق كلماتهم و إطلاق عباراتهم في كونه غررا منهيّا عنه، إلّا أن يحمل كلامه على الاجتناب الراجح (1)باعتبار الجهل به في نفسه لا الفعلي المرغوب فيه أحيانا لجهة خاصة به، و لا عبرة بمسامحة العرف في بعض المقامات و إقدام العقلاء عليه أحيانا، و لذا لا يغتفر شرعا في مدة الخيار الجهل و لو بساعة و ساعتين المعلّل عندهم بنفي الغرر، مع أن العرف لا يداقّون في مثل تلك الجهالات غالبا.
و ربما يظهر من بعضهم أنّ الجهالة التي لا يرجع الأمر معها غالبا إلى التشاحّ، بحيث يكون النادر كالمعدوم لا يعدّ غررا، كتفاوت المكاييل و الموازين، و هو- أيضا- لا يخلو عن إجمال و إبهام.
و التحقيق: أنّ معيار الغرر في العرف هو الخطر الذي يجتنب عنه مطّردا أو غالبا كان خلافه نادرا في حكم المعدوم، فلا عبرة بمجرّد المسامحة في بعض المقامات لجهة عارضة شخصية.
و توضيح ذلك: أنّ تسامح العرف بالجهل على وجوه:
أحدها: أن يكون متعلّقه أمرا يسيرا لا يتعلّق به قصد يقيني به، و لا يترتّب عليها فائدة معتدّة كتفاوت الكيل و الوزن.
1) في الأصل الرابع و هو تصحيف ظاهرا.
و ثانيها: أن يكون مما يتعذّر أو يتعسّر معرفته إلّا نادرا، فلا يعتبرها العرف في معاملاتهم و مكاسبهم، كتفاوت أساس الجدران و بواطن العمارات في كونها من الطين أو الجصّ و الساروج، و أعماق منابت الأشجار و البساتين في كونها حجرا أو ترابا.
و ثالثها: أن يكون التسامح دائرا مدار عدم فائدة مهمّة، و هذا يختلف باختلاف الأغراض و المصالح، كتفاوت يوم- بل ساعة- في اختلاف مدّة الخيار، فقد يداقّون فيه بملاحظة لزوم البيع و عدمه به و المتسامح به المغتفر في الشرع، فهو الأوّلان دون الأخير، لما عرفت. و من ذلك اتّفاقهم على اشتراط تعيين مدّة الخيار، بحيث لا يحتمل زيادة و لا نقيصة و لو بزمان قليل تمسّكا بنفي الغرر.
يحصل في الكلّي- أيضا- إذا كان مبهما في أنواعه و أقسامه و أفراده المختلفة قيمة أو صفة يختلف بها الأغراض و الفوائد، فيفسد به البيع، كما صرّح به غير واحد، لعموم الدليل.
فإن قلت: الكلّي الطبيعيّ إذا كان متعيّنا بمفهومه فمشخّصاته النوعية أو الفردية غير داخلة في المبيع، فلا يحصل بعدم تعيّنها الغرر في البيع، و لزوم التخصّص بواحد فيها عند الإقباض من باب المقدّمة، و هي على اختيار البائع، و إلّا لم يصحّ بيع الكلّي مطلقا.
قلت: المبيع الكلّي و إن كان متعيّنا في نفسه، إلّا أنّ تعلّق القصد ببيعه و شرائه لا ينفكّ عن تعيّنه بمشخصاته الخارجية المقوّمة لوجوده الخارجيّ، ضرورة أنّ الموجود الخارجيّ هو مقصود المتبايعين بالمعاوضة حقيقة، فلا يتسامح بتفاوته الفاحش لسائر أفراد الكلّي، و إن كان بحسب الدلالة اللفظية مدلولا تبعيا، فيصدق عليه الغرر و الخطر عرفا إذا لم يتعيّن الشخص، كما في بيع فرس كلّي صادق على
ما يسوى العشرة و ما فوقها إلى مائة و نحوها.
نعم، إذا كانت الكلّي خصوصياته الفردية متشابهة لا يختلف بها الأغراض و الأوصاف المختلفة بها القيمة و الرغبات يصحّ بيعه بإطلاقه، لانتفاء الخطر، و يكون التعيين- حينئذ- باختيار البائع من باب المقدّمة.
و مجرد الجهل من غير خطر غير كاف في صدقه. نعم، إذا كان الجهل واقعيا، بمعنى عدم تعيّن المبيع في الواقع، كان العقد باطلا و لو مع عدم الخطر، لا لأجل الغرر، بل لعدم إحراز الموضوع و المبيع و عدم تعلّق الإنشاء- حينئذ- بمبيع معيّن، فلا يؤثر العقد في مقتضاه كالملك في البيع، و تفويض تعيينه بعد العقد إلى اختيار العاقد ينافي سببية العقد المستقلّة بأدلّته.
لا يقال: إنّ مفهوم أحدهما الصادق على كلّ واحد معيّن منهما أمر كلّي متعيّن في نفسه، فصحّ بيعه كسائر الكليات.
لأنّا نقول: الخصوصية غير داخله في بيع الكلّي، بخلاف محلّ الفرض، فإنّها داخلة فيه مردّدة بين فردين مبهمين.
و صرّح بذلك المحقق الثاني في شرح قوله في القواعد: و لو قال: بعتك صاعا من هذه الصيعان مما يتماثل أجزائه صحّ. و لو فرّق الصيعان و قال: بعتك أحدهما لم يصحّ. و الفرق بين هذين الصورتين: أنّ المبيع في الثانية واحد من الصيعان المتميّزة المتشخصة غير معيّن، فيكون تعيينه مشتملا على الغرر، و في الأولى المبيع أمر كلّي غير متشخص و لا متميّز بنفسه يتشخّص بكلّ واحد من صيعان الصبرة و يؤخذ به.
و مثله ما لو قسم الأرباع و باع ربعا منها من غير تعيين، و لو باع ربعا قبل القسمة
صحّ، و نزّل على واحد منها مشاعا، لأنّه- حينئذ- أمر كلّي.
فإن قلت: المبيع في الأولى- أيضا- أمر كلّي. قلنا: ليس كذلك، بل هو واحد من تلك الصيعان المتشخّصة منها، فهو بحسب صورة العبارة يشبه الأمر الكلّي، و بحسب الواقع جزئي غير متعيّن و لا معلوم، و المقتضي لهذا المعنى هو تفريق الصيعان و جعل كلّ واحد برأسه، فصار إطلاق أحدها منزّلا على شخص منها غير معلوم، و لو أنه قال: بعتك صاعا من هذه، شائعا في جملتها، لحكمنا بالصحّة.
انتهى.
و هو في غاية الجودة، إلّا أنّ جعله الصورة الثانية من الغرر- مطلقا- ليس في محله، بل لما أشرنا إليه من إبهام الموضوع.
و إن كان مأمونا عنه بحسب الخارج، يتضح لك أن اشتراط الخيار في مجهول الصفة الذي لم يبتن العقد فيه على الوصف لا ينتفي به الغرر، كما هو ظاهر كلماتهم، فيبطل به البيع و إن كان ضرره مجبورا بالخيار، و لا يلام عليه عرفا. و مثله الخيار بعد ظهور العجز عن تسليم المبيع و الانفساخ بالتلف قبل القبض، فلا يدفع بهما الغرر المبطل.
و توهّم سقوطه بالخيار و عدم لوم العرف بعد اطّلاعهم على الحكم الشرعي اللاحق للبيع من ضمان البائع و عدم التسلط على مطالبة الثمن، مدفوع، بأنّه حكم شرعيّ عارض للبيع الصحيح الذي لم يكن في نفسه غررا، و لا يندفع به الغرر الذاتيّ المشتمل عليه البيع، و لذا لا يصحّ شرط عدم هذا الخيار، و لا يصحّ الإلزام (1)
1) الالتزام (خ).
بالخطر و الضرر الغرريّ، كما في بيع الضال، و كلّما لا يقدر على تسليمه.
و يظهر- أيضا- عدم انتفاء الغرر بوجود مصلحة أخرى في بيع المجهول الجابر لخطره و ضرره على تقدير وجوده.
و كذا يظهر عدم الغرر في مجهول القيمة، فلا يبطل به البيع، لعدم كونه متعلّقا للبيع كما مرّ، و الضرر الحاصل متبعّضا بها يجبر بخيار الغبن بعد ظهوره، و كذا عدم الغرر في مجهول الوصف مع البناء على الوصف في البيع، فيجبر بالخيار- أيضا- بعد ظهور المخالفة، لأنّ متعلق البيع متعيّن- حينئذ- لا جهالة فيه من حيث كونه مبيعا.
فيه وجهان: من عموم أدلّتها الدالّة على صحّتها و اختصاص الغرر المنفيّ في الخبر بالبيع، و من أنّ الدائر في ألسنة الأصحاب و كلماتهم نفي الغرر على سبيل الإطلاق من غير اختصاص بالبيع، و به يستدلّون على اشتراط تعيين العوض و المدة في الإجارة و المزارعة و الجعالة و غيرها. بل قد ترسل في كلماتهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه نهى عن الغرر، و قد بحثوا بالخصوص عن الخلاف في ذلك في الصلح، و لعلّه إشعار بعدم الخلاف في غيره و اختصاصه به، لكونه أوسع من غيره.
و لا إشكال في بطلانه إذا كان الجهل واقعيا كصلح أحد الحقّين أو أحد العبدين و إن لم يكن فيه غرر كما مرّ، سواء كان فيه خطر أم لا. و أمّا إذا كان الجهل ظاهريا و عند المصطلحين أو أحدهما فما وقع عليه الصلح و كان من الحقوق السابقة، و تعذّر العلم به فلا خلاف ظاهرا- تحقيقا و نقلا- في صحّة وقوعه مورد الصلح ظاهرا و باطنا مع استحقاق المدّعى و ظاهرا خاصة مع كونه مبطلا، سواء كان
المجهول المصالح عنه أو المصالح به أو كلاهما، و يدلّ عليه عمومات الصلح و الوفاء و التجارة.
و عن التذكرة: الإشكال فيما كان المصالح به مجهولا. و لعلّه في غير مقام التجاذب، بل صدق الغرر عرفا مع تعذّر العلم مشكل، و كذا إذا تعسّر العلم أو لم يمكن العلم في الحال مع الحاجة الحالية في قطع الدعوى، كما عن صريح الشهيدين، لعمومات الصلح بل نفي الغرر، و في بعض المعتبرة ما يدلّ عليه أيضا، كالمرويّ في الرجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، لك ما عندك ولي ما عندي، فقال: «لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت به أنفسهما» (1)و هو بإطلاقه يعمّ الدين، بل لعلّه فيه أظهر من العين، و ظاهر أنه لا يستقيم ذلك في العين إلّا بالصلح، مضافا إلى ما في الصحيح في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: «إذا كان بطيب نفس من صاحبه فلا بأس» (2).
و إن أمكن المعرفة بالفعل من غير عسر، ففيه إشكال، من إطلاق أدلّة الصلح المقتضي للصحّة، منها الخبر المتقدّم، و من لزوم الغرر.
و لا يبعد ترجيح الأوّل، كما صرّح به بعض المحقّقين، لعدم انصراف إطلاق كلماتهم في نفي الغرر إلى الدعوى القديمة، سيما بملاحظة تصريحهم بالصحة عند تعذّر العلم أو الحاجة، مع أنّهم لا يفرّقون في البطلان بينهما في غير ذلك، و ضعف إطلاق المرسل في المورد مع عدم الجابر.
و إن كان مورد الصلح ابتدائيا، سواء كان العوضين معا كصلح قبة من الحنطة
مجهول القدر بقبة مجهولة من الحمص، أو أحدهما كالصلح من دعوى حقّ سابق بقبة مجهولة، ففي اشتراط معلومية ما وقع عليه الصلح الابتدائيّ وجهان، و أقوالهم فيه مختلفة، بل بظاهرها متدافعة، فإنّك تراهم يحكمون بصحّة الصلح الابتدائيّ في المجهول الذي لا يجوّزونه في البيع، كالصلح عن لبن غنم في مدّة معلومة بغير اللبن و البعض فعلا كما أفتى به الشيخ، مع أنّه غير معلوم المقدار، سيما إذا كانت المدة طويلة تختلف مقاديره في أحيانها.
و مال إليه الشهيد في الدروس، حاكيا عن الحلّي المنع عنه، و جوّز فيه أيضا الصلح على سقي زرعه أو استيجاره بشرط معلومية المدّة، و الصلح عن إبقاء أغصان شجرة و أصوله في ملك الغير بعوض معيّن، مع أنّه يختلف في إحاطة هواء صاحب الأرض بحسب قوّة نمائه و عدمها.
و قال العلّامة في الإرشاد: و يصحّ الصلح على الإقرار و الإنكار ما لم يغيّر المشروع، و مع علم المصطلحين و جهلهما بقدر المال المتنازع عليه دينا كان أو عينا، لا ما وقع عليه الصلح، و يكفي المشاهدة في الموزون، و هو ظاهر في عدم تجويزه الجهالة في وجه المصالحة.
و قال المحقق الأردبيلي في شرحه: «و أمّا معلومية ما يقع عليه الصلح، فالظاهر أنّه لا نزاع فيه إذا لم يكن هو مما يصالح عنه، مثل ما تقدّم في صحيحتي محمد و منصور، لأنّه طرف لعقد مقدور المعلومية فلا بدّ أن يكون معلوما ليندفع به الغرر كما في سائر العقود» قال: «و لكن الظاهر أنّه يكفي العلم في الجملة إمّا بوصفه أو مشاهدته و لا يحتاج إلى الكيل و الوزن و معرفة أجزاء الكرباس و القماش و الثياب و ذوق المذوقات و غير ذلك مما هو معتبر في البيع و نحوه للأصل و عدم دليل واضح على ذلك و عموم أدلة الصلح المتقدّمة، و لأنّ الصلح شرّع للسهولة و الإرفاق بالناس
لتسهيل إبراء ذمّتهم، فلا يناسبه الضيق، و لأنّه مبنيّ على المسامحة و المساهلة، و إليه أشار بقوله: (و يكفي المشاهدة في الموزون)، و إن خالف فيه البعض، قال في الدروس: و الأصحّ أنه يشترط العلم في العوض إذا أمكن و قال في موضع آخر: و لو تعذّر العلم بما صولح عليه جاز، إلى قوله: و لو كان تعذّر العلم لعدم المكيال و الميزان في الحال، و مساس الحاجة إلى الانتقال، فالأقرب الجواز. و هو مختار شارح الشرائع أيضا، و لا نعرف له دليلا، و ما تقدّم ينفيه، و يؤيّده التجويز عند التعذّر، فإنّ ذلك لا يجوز في البيع عندهم، فتأمّل». انتهى كلام الأردبيلي (1).
قوله: إذا لم يكن هو مما يصالح عنه، مثل ما تقدّم في صحيحتي محمد و منصور، مراده: الحقّ السابق المجهول، كما هو مورد الصحيحين، و عرفت أنّه لا إشكال و لا خلاف ظاهرا في صحّة الصلح عنه، و إلّا فلا فرق في الصلح الابتدائيّ بين المصالح عنه و المصالح به.
ثم أقول: الظاهر من تتبّع كلمات الفقهاء و صريح المحقّق المذكور في عدم الخلاف و عدم تخصيصهم اشتراط تعيين المدّة بالبيع و أمثال ذلك عدم الخلاف منهم في اشتراط العلم في الجملة في الصلح الابتدائيّ، و بطلانه بالجهل المطلق، و إن اختلفوا في حدّ العلم المشروط فيه.
و سمعت من الشهيد، اشتراطه على حدّ البيع، إلّا إذا تعذّر، مع مسيس الحاجة في الحال، فهو الدليل عليه، مضافا إلى نفي الغرر المطلق فيما قد يرسل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، المنجبر في المورد بالشهرة المذكورة لو لا الإجماع المخصّص لعمومات الصلح، لوروده عليها كورود دليل نفي الضرر على أدلّة المباحات الشرعية.
و تجويز الشيخ و غيره الصلح عن لبن الغنم في مدة معلومة مع جهالة مقداره و لو
1) مجمع الفائدة و البرهان 9: 338.
بالمشاهدة و إبقاء الأغصان و نماءها في هواء الغير و أمثال ذلك، فليس من المجهول المطلق من قبيل الصلح عن لبن عشرة أغنام من قطيعة غنم، و ما أظنّ أن يجوّزه أحد، بل هو مما يناط بالاستعداد و القوة الممكنة معرفتها بالعرف و لو تقريبا، كمعلومية قوّة الشجرة في الأرض المستأجرة.
و أما اشتراط العلم التفصيليّ كما في البيع، فلا دليل عليه و إن تمكّن عن تحصيله، لضعف المرسل المزبور، و عدم الجابر له في المقام، و عدم الإجماع لو لا على خلافه، فيتعيّن العمل بعمومات الصلح و نحوها، و خصوصا الأخبار الخاصّة الشاملة لمحلّ الفرض كما صرّح به جمع من المحقّقين.
مقتضى ما ذكرنا من اشتراط العلم الإجماليّ و إن كان الثاني، إلّا أنّ الظاهر كونه في غير مقام المحاباة، إذ لا دليل على الاشتراط- حينئذ- مخصّص لعمومات الصلح و الأخبار الخاصّة المشار إليها، بل عدم صدق الغرر العرفيّ- حينئذ- و إن قلنا ببطلانه في البيع للإجماع، بل صدق الغرر فيه بالخصوص لوضعه على المعاوضة المحضة و التبادل المبنيّ على التعادل، و أما في غير مقام المساهلة و المحاباة، فالظاهر عدم الصحة، كصلح ما في الصندوق بما قصد به المعاوضة المالية.
فيه وجهان: من كونه تابعا له، بل هو على ما اشتهر في ألسن الفقهاء قسط من العوض، فحكمه في ذلك حكمه، و من إطلاق كلماتهم في وجوب تعيين المدّة
المشترطة و لو في ضمن الصلح المحتمل لتلك الجهالات.
و الأشبه البطلان، لأن الشرط و إن كان في حكم قسط من العوض الذي ربما يغتفر فيه الغرر، إلّا أنّه بنفسه معاملة شرعية غير تابع في جميع أحكامه للعقد المشترط في ضمنه، و لا هو شرّع للسهولة و الإرفاق، فيلاحظ فيه بنفسه الغرر كسائر المعاوضات الممنوعة عنه، لإطلاق الرواية النافية الجابر في المورد بإطلاق كلماتهم.
و مسامحة العرف في عدم تعيّن فرد من موارد الشرط لا يقتضي الاطّراد، بل قد يتفق وقوعه مثارا للتشاجر المؤدّي إلى الفساد، و إن كان المشروط صلحا عن الحقّ السابق أو مبنيّا على المحاباة، فتأمل جيّدا و لا تترك الاحتياط.
و المرسل المطلق فيما حصل فيه الانجبار، فيلاحظ ذلك في غير الصلح من عقود المعاوضات، فكلّ معاملة غررية دلّ على المنع فيه أحدهما بطل، و لعلّ الشهرة متحقّقة في أكثرها، و إلّا فإن كانت المعاملة ممّا اقتضى شرعيته دليل يعمّه يحكم بصحّته، و إلّا بفساده، عملا بالأصل.
مشارق في نبذ من مهمات مباحث الخيارات و معضلاتها
مشرق: من الخيارات خيار المجلس، أي موضع العقد، و يختصّ بالبيع، و يرتفع بانقضائه، و انعقد عليه الإجماع، إلّا فيما استثنى، كالبيع المنعتق على المشترى.
و مع ذلك فالنصوص به مستفيضة، كالمتضمّنة لقوله عليه السّلام: «البيعان بالخيار حتى يفترقا» (1).
و في بعضها: «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (2).
«و المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» (3).
و قوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى من رجل بيعا، فهما بالخيار حتّى يفترقا، فإذا افترقا فقد وجب البيع» (4).
ثمّ لا إشكال في ثبوت الخيار إذا كان المالكان متبايعين، و أما إذا باع وكيلهما،
فهل يكون الخيار لهما، أو للمالكين، أو للجميع، أو ليس لأحدهم؟ فيه أقوال، و منشأ الخلاف غالبا، الاختلاف في مصداق المتبايعين، هل هما الوكيلان اللذان أجرى منهما العقد، أو المالكان.
و لعلّ الخلاف فيما اجتمع الجميع في المجلس، و إلّا فلا خلاف ظاهرا في عدم ثبوته للمالكين عند غيابهما، لقوله عليه السّلام: «حتى يفترقا» المستلزم للاجتماع.
و قد يقال: الخيار تابع للملكية، و إرفاق للمالك، و لا حقّ لوكيل مجرّد العقد حتى كان له الخيار أصالة إلّا بتوكيل المالك، فهذا قرينة لإرادة المالكين من المتبايعين، و إن قلنا بكون البائع حقيقة مجري العقد، غاية الأمر اشتراط حضورهما، لظاهر النصوص.
و لا يخفى أنّ مقتضى ذلك نفي الخيار عن الوكيل، لا إثباته للمالك، مع عدم تلبّسه بالعقد، و تسليم ظهور البائع في المتلبّس.
و التحقيق أنّ ما يمكن إرادته من البائع أحد المعاني الأربعة:
الأوّل: العاقد من حيث تلبّسه بالصيغة.
الثاني: المالك من حيث كونه مالكا.
الثالث: من بيده البيع، و دار على مشيئته أمره، وجودا و عدما و بقاء و زوالا، سواء كان بالملك أو الولاية أو الوكالة المطلقة المستقلة، نظير العامل في المضاربة.
الرابع: من له الوكالة في مجرّد المعاوضة، و لو مع تعيين الثمن و المثمن، و توكيل الغير في إجراء العقد، كما إذا قال: اشتر لي فرسا (1).
ثمّ الظاهر: عدم كون الأوّل مرادا، بل لعلّه لا ينصرف لفظ البائع إليه، لظهوره فيمن له سلطنة النقل الشرعيّ، و مجرّد التلفظ بالعقد من حيث التلبّس غير كاف
1) كذا.
فيه، و إنّما هو من قبيل الآلة دون المؤثّر، كالقلم للكاتب و المنشار للنجّار، فلا ينسب الفعل المؤثر للانتقال الشرعيّ إليه، كما لا ينسب المكتوب إلى القلم و هيئة السرير الى المنشار إلّا توسعا، و يرشد بذلك ملاحظة بعض أخبار الباب المقترن هذا الخيار فيه بخيار الحيوان الذي ليس للعاقد قطعا.
و كذا الثاني، لأنّ مجرّد المالكية الصادقة على مثل المولّى عليه و المفلس، لا يوجب ملك البيع الذي يناط به- بحكم التبادر- صدق البائع.
و من هذا يظهر بعد إرادة الرابع أيضا، لعدم استقلال الوكيل بالمعنى المذكور في البيع، مع أنّ الخيار لو كان له، فالظاهر كونه من باب النيابة أيضا، إذ لا سلطنة له فيه من حيث نفسه. و كون تلك النيابة تابعة لنيابة البيع ممنوع جدّا.
فتعيّن المعنى الثالث، فإنّ الظاهر صدق البائع عليه، و إن لم يجر الصيغة، فإنّ من بيده زمام البيع، و على اختياره أمره و تعيينه و القبض و الإعطاء و نحوها، فهو قائم مقام المالك المتصرف، في صدق ما يصدق عليه من النقل عرفا، و أمّا بدون ذلك فيشكل صدقه، كما صرح به والدي العلّامة (1). و لذا لا يقال لمن كان ماله بيد عامله في بلد آخر و يبيع و يشتري، أنّه باع ملكه و اشتراه، بل ينسب البيع و الشراء إلى العامل، و يتبادر هو من البائع، و إن لم يجر الصيغة و وكّل غيره فيه. فالمناط في الصدق العرفيّ، السلطنة في التصرف في النقل و الانتقال و الردّ و الإبقاء و غيرها، سواء كان مالكا أو وكيلا أو وليّا.
نعم، يشترط اجتماعهما في المجلس، لما مرّ، و معه لا خيار للمالك، و إن حضر المجلس، لاستقرار الأمر على يده خاصة، و المالك- حينئذ- في حكم الأجنبيّ.
ثم إنّه ليس للمالكين فيما ليس لهما الخيار، توكيل العاقد من قبل العقد أو بعده
1) مستند الشيعة 14: 366.
في الفسخ، لأنّه فرع ثبوت الخيار لهما.
و لا خلاف فيه ظاهر. و عن الغنية (1):
الإجماع عليه، لعموم أدلّة الشرط.
و اعترض على الاستدلال بها، أوّلا: بمعارضتها لأدلّة الخيار، و ثانيا: بكون هذا الشرط مخالفا للسنّة، فيدخل فيما استثنى من الشروط. و ثالثا: بكونه خلاف مقتضى العقد، أعني الخيار. و رابعا: باستلزامه الدور، لتوقّف لزوم الشرط على لزوم العقد، فيدور على العكس. و خامسا: بأنّه إسقاط ما لم يجب، إذ لا خيار قبل تمام البيع. نقل هذا عن بعض الشافعية.
و الجواب عن الأوّل: ما مرّ في بحث الشرط، من أنّه ليس هذا من التعارض، بل من باب السببية الطارية المزيلة للخيار.
و منه يظهر ما في الثاني: فإنّ مقتضى السنّة، التسلط على الفسخ عند الإطلاق، و هو لا ينافي إلزام عدم الفسخ على نفسه، لشرط الذي هو من الأسباب الشرعية الواردة عليه.
و عن الثالث: بما حققناه في البحث المذكور أيضا، من أنّ الممنوع الشرط المنافي لماهيّة العقد أو لازمه الذي علم من الشرع عدم انفكاكه عنه بالأسباب الملحقة، بل كان في حكم الجزء.
و عن الرابع: بأنّ لزوم الشرط ينافي بقاء العقد على الجواز، حيث إنّهما لا يجتمعان، و هذا إذا كان متعلّق الشرط غير نفس اللزوم، و أمّا إذا كان نفس اللزوم
1) غنية النزوع 1: 217.
الثابت وجوب الوفاء به بأدلّته، فلا يبقى الجواز الذي ينافيه، فلا دور.
و عن الخامس: بأنّ فائدة الشرط إبطال المقتضي، لا إثبات الموانع بعد تمام العلّة، كما هو حال أكثر الشروط.
اتفاقا، له، و لعموم العلّة في بعض أخبار خيار الحيوان، بقوله: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة، فذلك رضا منه، فلا شرط له» (1).
و يمكن الاستدلال عليه- أيضا- بأنّ صحّة إسقاطه و الالتزام به بالشرط يقتضي جوازه له و تسلّطه عليه، و الإسقاط تستلزم السقوط، فلا يعود لمنافاة بقائه للإسقاط. و بالجملة بعد ملاحظة أمثال ذلك و الإحاطة على أقوال العلماء و سيرهم، لا يبقى شبهة في أنّه من الحقوق القابلة لإسقاطها من ذي الحقّ، لا من الأحكام، فيصحّ وقوعه مورد الشرط و الصلح عليه، بما دلّ عليهما و تقتضيه القاعدة المسلمة، من أنّ لكل ذي حقّ إسقاط حقّه.
ذكره جمع من أعيان الأصحاب، بل عن المتأخرين اتفاقهم عليه، لعموم العلّة المشار إليها.
و إن لم يظهر منه رضاهما بالبيع، بما يسمّى افتراقا، و ربما يعبّر عنه بخطوة و لو لإحداهما. و في بعض المعتبرة ما يدلّ عليه بالخصوص، لإطلاق الأدلّة. و لا اعتبار بافتراق لا عن اختيار، لظهور الفعل المستند إلى الفاعل في كونه بالاختيار.
نعم، الإكراه بالاختيار لا ينافيه، فمع عدم المنع من التخاير يقوى السقوط. و أما
1) وسائل الشيعة 18: 13، الباب 4 من أبواب الخيار، الرواية 23033؛ الكافي 5:
مع المنع منه ففيه إشكال، و لعل عدمه أقوى.
و تفصيل فروع المسألة، كسقوط خيارهما بإكراه أحدهما و عدمه، و امتداد الخيار بامتداد المجلس، فخيارهما لا يسقط (1)، أو كونه على الفور، و غير ذلك ليس مما نقصده هنا، بل هو موكول إلى كتب الفقه.
1) في الأصل: فهما لا يسقط.
مشرق: و منها خيار الحيوان: و هو ثابت في كل ذي حياة، حتى الجراد و الزنبور و العلق و السمك و دود القز و نحوها، ثلاثة أيام إجماعا.
و في اختصاصه بالمبيع المعيّن، أو شموله للكلّي الذي في الذمة وجهان: من أنّ المنساق من الإطلاقات و المناسب للحكمة التي ذكرها في التذكرة (1)، و هي كون الخيار للاطّلاع على خفايا الحيوان، الأوّل، و من إطلاق النصوص و الفتاوى الشاملة للقسمين.
و المشهور اختصاصه بالمشتري. و عن الغنية (2)الإجماع عليه اقتصارا في الخروج من عموم الوفاء بالعقود الدال على اللزوم، مما ليس فيه خيار المجلس و ما فيه، بعدم القول بالفصل، بالقدر المتيقّن، و استنادا إلى ظهور النصوص في الاختصاص، كصحيحة الفضيل، قال: قلت: ما الشرط في الحيوان؟ قال: « [إلى] ثلاثة أيّام للمشتري». قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيعان بالخيار ما
لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا (1)[منهما]».
و التعميم للخيار في غير الحيوان فيها بالنسبة إلى المتبايعين، و التخصّص في الحيوان بالمشتري، كالنصّ في الاختصاص. مع أنّ القيد مع إطلاق الحكم فيما ليس فيه نكتة جلية قبيح.
و نحوها سائر الأخبار من الصحاح و غيرها. بل في صحيحة ابن رئاب، المروية في قرب الإسناد (2)، التصريح بنفيه عن البائع، خلافا للسيد المرتضى (3)، و المحكيّ عن ابن طاوس (4)، فثبوته للبائع أيضا.
و عن الانتصار (5): الإجماع عليه، لصحيحة ابن مسلم (6): «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا»، و المحكيّ عن جماعة من المتأخّرين، فثبوته لمن انتقل إليه الحيوان ثمنا أو مثمنا، لعموم صحيحة محمد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».
أقول: مقتضى الصحيحة الأخيرة، أنّه لو كان العوضان حيوانين، كان لهما الخيار. و دعوى ظهورها في اتحاد صاحب الحيوان، فيتعين المشتري لكونه المتيقن، ممنوعة، لظهور المفرد المضاف في العموم الجنسيّ، مضافا إلى أنّه يتعيّن المشتري فيما فرض كون الثمن حيوانا. و كذا الاعتراض بمعارضتها للأخبار
المستفيضة المشار إليها، الظاهرة بالتقريب المتقدم في اختصاص الخيار بالمشتري، الراجحة عليها بالأكثرية و الأشهرية، بل الأصرحية، بملاحظة ما في موثقة ابن فضال، من تقييدها الحيوان بكونه للمشتري، لظهورها بحكم الغلبة في كون صاحب الحيوان المشتري، خصوصا بملاحظة الصحيحة المثبتة لصاحب الحيوان، و الموثّقة المصرّحة بكون المشتري صاحب الحيوان، بل نقول: لو لا تنزيل الموثقة على مورد الغالب، مع دعوى اختصاص الخيار فيه بصاحب الحيوان المشتري، لزم نفيه رأسا، حيث لم يكن هو صاحب الحيوان، بل كان الثمن حيوانا، و هو إحداث قول حادث.
مضافا إلى إمكان دعوى ظهور سياق الأخبار المتقدّمة المثبتة للمشتري، في كون جهة الخيار انتقال الحيوان إليه، لا مجرّد كونه مشتريا. و بهذا يظهر ضعف القول المشهور، مضافا إلى تعارض أخباره الصحيحة.
و أمّا القول الثاني، فمع ندرة قائله، يضعّف بأنّ إطلاق قوله: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام» منساق إلى بيان مدة الخيار، في مقابل خيار المجلس، فشموله لجميع موارد الإطلاق غير ظاهر، بل غايته الدلالة على الخيار لهما في الجملة، الذي يتحصّل ثبوته لهما، فيما كانا كلاهما صاحبي الحيوان، أو هو خاصّة صاحبه، فلا ينافي القول الثالث. نعم ينافي القول الأوّل، لاقتضائه عدم بقاء مورد لخيار البائع أصلا، مضافا إلى أنّ تلك الصحيحة أعمّ مطلقا من الصحيحة الأخيرة، فيخصّص بها. و إذن، فالأظهر القول الثالث، و إن كان الأسلم رعاية الاحتياط، بملاحظة عمومات اللزوم و غيرها.
للتبادر، كما
في نظائره، و يتبعها الليالي المتوسّطة و ليلة العقد، لا لاستعمال اليوم فيما يتركب منهما في النصوص، حتى يلزم اختلاف مفردات الجمع في استعمال واحد عند صدور العقد أوّل النهار، بل للإجماع على عدم انقطاع الخيار بالليل في خلال الأيّام الثلاثة، و اتصاله بالعقد.
و بالإسقاط بعد العقد، و بالتصرّف في الحيوان إجماعا في الجملة، مضافا إلى النصوص، ففي صحيحة ابن رئاب (1): «و إن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل ثلاثة أيام، فذلك رضا منه، و لا شرط له، قيل: و ما الحدث؟ قال: «أن لامس أو قبل أو نظر إلى ما كان محرّما عليه قبل الشراء».
و صحيحة الصفار (2)، كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام في الرجل اشترى دابّة من رجل، فأحدث فيها من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، له أن يردّها في ثلاثة الأيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدثها، أو الركوب الذي يركبها، فوقّع عليه السّلام: «إذا حدث فيها حدث فقد وجب الشراء إن شاء اللّه، و في الصحيحة المروية في قرب الإسناد (3)، قلت: أ رأيت إن قبّلها المشتري أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط و لزم البيع.
و هل التصرف المسقط مطلقة أي كلّما لا يجوز لغير المالك إلّا برضاه، فيعمّ الدال على الرضا باللزوم و غيره، كما هو ظاهر إطلاق أكثر الفتاوى و صريح التذكرة (4)في
بيان تصرّف المسقط للردّ بالعيب الذي هو مع ما في المقام من باب واحد، حيث جعل استخدامه بشيء خفيف مثل: اسقني، أو ناولني الثوب، أو أغلق الباب، مسقطا للردّ. و ضعّف قول الشافعي بعدم المنع من الرد، معلّلا بأن مثل هذه الأمور قد يؤمر به غير المملوك، بأنّ مطلق التصرف مسقط، تعليلا له في موضع آخر بأنّه استعمال و انتفاع.
أو المسقط التصرّف الدال على الرضا باللزوم فعلا و شخصا، كما عن الدروس (1)و ظاهر بعض كلمات الآخرين أو نوعا، بمعنى اختصاص التصرف المسقط بما دلّ بنوعه غالبا على التزام العقد، و إن لم يدلّ في شخص المقام، مقيّدا بعدم قرينة يوجب صرفه عن الدلالة، كما إذا دلّ الحال أو المقال على وقوع التصرف للاختبار أو اشتباهها بعين أخرى. صرّح به بعض أفاضل من عاصرناه. أو مطلق التصرف الذي كان لمصلحة نفسه دون ما للاختبار أو الحفظ، كما عن المحقّق (2)و الشهيد الثانيين (3). و ربما يظهر من الأوّل التردّد في مورد الاستثناء و في التعدّي عنه.
و منشأ الخلاف وقوع الاختلاف في مفاد الأخبار.
من إطلاق لفظ الحدث المنوط به الحكم في الصحاح المتقدّمة الشامل لجميع التصرفات، سيما بملاحظة الأمثلة المذكورة فيها الدالّة على الرضا بمطلق الملك دون اللزوم كلمس الجارية و نحوه، و خصوصا ما في صحيحة ابن رئاب، من التفسير بما كان محرما عليه قبل الشراء، فيفيد كون السقوط بالتصرف حكما شرعيا تعبديا، و إن لم يكن التزاما عرفا.
و من ظهور التعليل في الصحيحة بأن ذلك رضى منه في تقييد إطلاق الحكم بما دلّ عليه، كما في قوله: لا تأكل الرمان لأنّه حامض، نظرا إلى بعد كونه من باب إبداء الحكمة التي لا يجب فيها الاطّراد، بل ظهوره في العلّية المتعيّنة (1)، فيفيد إناطة السقوط بما يدلّ على الالتزام.
و من حمل التعليل على الدلالة الذاتية النوعية، أي: لو خلى و طبعه، و إن لم يدلّ في شخص المقام، حذرا عن مخالفة معاقد الإجماع و عموم الأمثلة المذكورة في النصوص و كلمات القوم، فلا يشترط الدلالة على الالتزام الفعليّ، إلّا أنّه يجب التقييد بما لا يدلّ دليل على وقوع التصرف بغير الرضا باللزوم، بل لاختبار و نحوه، كما سمعته ممن أشرنا إليه، نظير حمل الألفاظ على معانيها الحقيقة الظاهرة فيها لو خلّيت و طبعها، فلا يصرف عنها إلّا بدليل.
و عليه حمل قولهم بسقوط الخيار بما أحدث حدثا يدلّ على الرضا، كما صرّح به كثير من الفحول، نظرا إلى عدم اقتضاء أكثر الأمثلة التي ذكرها هؤلاء الأعلام في المقام العلم بالرضا الفعليّ، فيكون المعتبر عندهم الدلالة النوعية على الرضا.
و الأقرب عندي، القول الأوّل الموافق لإطلاق كلام الأكثر، و سقوط الخيار بمطلق التصرف الغير المجوّز لغير المالك، كما هو صريح النصّ، إلّا ما تعارف للاختبار في مقام المساومة قبل العقد الذي يشهد الحال برضى البائع به، لعموم النصوص و إطلاق الحديث. و لا ينافيه التعليل، سيما بملاحظة التمثيل فيه بالتصرّفات الغير الدالّة على الالتزام بوجه، بل غايتها الدلالة على التملك الأعمّ من اللزوم، فإنّ التنافي مبنيّ على جعل متعلّق الرضا اللزوم، و لا دليل عليه، بل إناطة الحكم فيه بمطلق الحدث و تفسيره المذكورات يشهد بخلافه، فالظاهر كون متعلّق
1) في الأصل كلمة يمكن أن تقرأ هكذا.
الرضا الملك، إذ لولاه لما جاز له التصرف، و هو من باب الإمضاء الفعليّ للملك بعد العقد اللفظيّ الدال عليه.
بيان ذلك: أنّ العقد يفيد الملك المطلق الشامل لما يكون للمشتري فسخه و رفع اليد عنه، و لا بقائه [و] استعمال لوازم الملك و إجراء آثاره و تقبّل أحكامه، و التصرف المذكور من آثار الملك، فهو إمضاء فعليّ و قبول عمليّ للملك بعد العقد، فهو التزام بأحد طرفي الخيار، من قطع الملك و إبقائه، و لو في حال هذا التصرف الذي لا يجوز لغير المالك، فهو ملتزم بالملك، بل لزومه في يده في حال هذا التصرف المقصود، فلا يعود التزلزل.
أو نقول: جعل الشارع هذا الالتزام بالملك الذي فسّره بالتصرف المحرم على غير المالك قبل العقد مزيلا للخيار، من قبيل إجازة الفضولي التي لا يعود بعدها التزلزل، فالمعيار في التصرف المسقط للخيار ما لا يجوز لغير المالك إلّا برضاه، و أما ما جاز له و لو بشاهد الحال بإذنه و رضاه من غير جهة الملك، فلا يسقط به، لعدم كونه من آثار الملك، فليس إمضاء له و لا رضى بالملك. و من الثاني: التصرف للحفظ و التعليف مع الضرورة و الحاجة، و ما وقع اشتباها بدابة نفسه، و نحو ذلك.
و هل يسقط بعرضه على البيع؟ الأقرب لا، لعدم وقوع التصرف إلّا إذا دلّ على الالتزام باللزوم، فيكون من قبيل إسقاطه الخيار باللفظ.
مشرق: و من الخيارات خيار الشرط، أي الثابت بسبب العقد لأحدهما أو لكليهما أو لأجنبيّ عن أحدهما أو عنهما، مع أحدهما أو معهما.
و فيه مسائل:
بل عليه الإجماع، محقّقا و محكيا مستفيضا، لعموم أدلة الشرط، كقوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» (1).
و ربما استشكل في الاستدلال به، بأنّه من باب شرط حكم يخالف الكتاب و السنة، و يحلّل الحرام، و هما مستثنيان عن أخبار الشروط، لأنّه تسليط على نقض سببية العقد الثابتة في الشرع.
1) التهذيب 7: 371 و 3: 150؛ الاستبصار 3: 232، الحديث 835؛ وسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الرواية 27081؛ سنن البيهقي 6: 79 و 7: 249؛ كنز العمال 4: 364؛ بداية المجتهد 2: 296؛ البحر الزخار 5: 76، باب الضمان.
و يندفع بأنّ هنا أمرين: الأوّل: قبول العقد للفسخ شرعا، و قابليته له بالتراضي و التقايل.
الثاني: تراضي المتعاقدين في العقد على سلطنة أحدهما أو كليهما على الفسخ بمعنى الالتزام بكون أمره بيده، و ما لا يصحّ الاستدلال عليه بأدلة الشرط هو الأوّل، لأنّه تشريع حكم ليس بجعلهما (1)، فلا يقع مورد الشرط، كجعل الخيار في النكاح- إجماعا- و الوقف- على المشهور- و الإيقاعات، و أما الثاني فحيث علم من الخارج شرعية التقايل فيه بالتراضي، و صحته بعد العقد، جاز بالشرط الالتزام به بجعله باختيار أحدهما، كما في أمثال البيع و الإجارة و نحوهما القابلة للتقايل.
و الحاصل: أنّ مشروعية الفسخ لا بدّ له من دليل خارج من أدلّة الشرط، و حيث علم مشروعية الفسخ فيه بالمراضاة بعد العقد، صحّ التراضي في العقد بجعله باختيار أحدهما بأدلّة الشرط.
و من هذا سيظهر أنّ الاستدلال بأدلّة الشرط على صحّة شرط الخيار في مطلق العقود إلّا ما خرج بدليل، ليس كما ينبغي، لاختلاف العقود في قابليتها للفسخ بالتقايل، فمنها ما يمتنع فيه شرعا، كالنكاح و غيره مما أشرنا إليه، فلا يصحّ الشرط فيه، و منها ما ثبت فيه و جاز قطعا، و منها ما اختلف فيه، كالوقف- على قول- و الصلح المتضمّن لمعنى الإبراء و نحوهما. و لا يصحّ الاستدلال بأدلة الشرط فيه أيضا، إلّا بإثبات (2)قبوله الفسخ اختيارا.
فلو تراضيا بمدّة مجهولة بطل، بلا خلاف، بل نقل عليه الإجماع غير واحد، فهو الحجّة. مضافا إلى
لزوم الغرر و صيرورة المعاملة غررية، بل نفس الشرط مع قطع النظر عن غرر المعاملة يشمله دليل نفي الغرر أيضا، كما تقدّم.
و لا عبرة بمسامحة العرف في بعض المعاملات، كتحديدهم إلى الحصاد و نحوه، إذ ليس هو على الكلّية، و لذا يداقّون في مقام الحاجة و حصول الفائدة بساعة و ساعتين، و لا إشكال في ذلك.
و إنّما يختلط الأمر في حدّ انضباط المدّة، فإنّك تريهم يجوزون التحديد بشهر أو سنة، كما هو مدلول أخبار بيع الخيار، و لا خلاف فيه ظاهرا، مع أنّها يحتمل الزيادة و النقيصة بيوم أو أكثر، و لا يجوّزون التحديد بقدوم زيد. و لو كان التفاوت المحتمل فيه هذا المقدار، فما الفارق بينهما؟ بل الظاهر عدم تجويزهم التحديد بيوم معيّن لا يعرف، كعيد المولود، و يوم دحو الأرض، مع اشتراك الجميع في التعين الواقعي و الجهل الظاهري الذي يناط به الغرر.
و يمكن دفعه: بأنّ ضبط المدّة لا ينحصر في تعيّن الامتداد الزمانيّ، و إلّا لزم أن لا يصحّ التقدير باليوم إذا لم يعلم عدد ساعاته، بل بمطلق ما يقدر به المدة عرفا و يضبطونها به، سواء كان من الساعات أو الأيام أو الشهور أو الأعوام، فإنّ كلّ ذلك من مقادير المدة عرفا، و يتسامحون في التفاوت الذي قد يتّفق بينها، و به ينتفي الغرر الذي مناطه العرف أيضا.
و أمّا تعيينها بسائر الأحوال، كالعيد و وقت الكسوف و نحوهما، فلا يصحّ إلّا مع العلم بوقتها من الشهر، إذ لا فرق بينها و بين ما وقع الاتفاق على المنع فيه بقدوم حاج البلد و إدراك ثمراته.
ثم إنّه كما لا يصحّ ذكر المدّة المجهولة لا يصحّ إهمال المدّة أيضا على الأظهر الأشهر بين من تأخر، لاشتراكهما في الغرر، خلافا لكثير من القدماء، تنزيلا لها
بثلاثة أيام، لوجوه قاصرة.
و كما يشترط تعيين آخر المدة يشترط تعيين مبدأها أيضا، و لو مع الفصل عن العقد الذي يقتضي صحّته عموم الأدلّة. و إن أطلق، كان مبدأ الخيار من حين العقد، لكونه المتبادر من الإطلاق. و عن الشيخ (1)و الحلّي (2): أنّ مبدأه في البيع من حين التفرق، و لا دليل عليه، مع كونه مجهولا مؤدّيا إلى جهالة المدّة.
و ثبوت خيار المجلس قبله غير مانع من ثبوته أيضا، كما في اجتماع الخيارين في الحيوان المتفق عليه، مضافا إلى أنّه حكم على المتعاقدين على خلاف قصدهما.
و إن جهل وقت حصول القيد في أثناء المدة، و لا يتوهّم استلزامه الجهل بمدّة الخيار، إمّا بدوا كشرط الخيار إلى سنة عند وقوع أمر كذا فيها، أو غاية كشرطه إليها إذا لم يتفق الأمر فيها، فلا يعلم متى يحصل الخيار أو ينقضي فيها، لعدم الجهل بالمدة المقدّرة على حسب الشرط.
نعم، يكون متعلّقه المختار فيه فسخ مقيّد بوصف مخصوص، فمتى حصل الوصف في المدّة صحّ فسخه، بخلافها على الأوّل. و فرق بين المقامين. و كم يختلف الأحكام الشرعية بموضوعاتها باختلاف العنوانات، و يكفيك شاهدا على صحّته، أخبار بيع الخيار بردّ الثمن إلى مدّة سنة و نحوها، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف في بطلان تعليقه بأداء الثمن من غير ضبط المدّة، و تصريحهم ببطلان جعل مبدأ الخيار من حين التصرف إلى سنة، مع أنّه لا ينبغي التأمل في صحّة جعله من
حين العقد إلى سنة بشرط التفرّق أو كون الفسخ بمحضر زيد الغائب الذي لا يعلم وقت حضوره فيها.
و كون القيد في مثل ردّ الثمن المنصوص علي صحّته في الفتاوى و الأخبار، و نحوه فعل ذي الخيار نفسه، لا يتفاوت به الحال، لإمكان عدم علمه بزمان قدرته، و عدم تعيينه من الأزمنة المقدورة، مع أنّه غير مقدور للمشروط عليه الذي هو أحد طرفي العقد، و لا يعلم متى تؤدّيه المشروط له.
و من هذا يظهر الفرق بين تقييد الفسخ بقدوم الحاجّ في المدّة المضبوطة كسنة، و بين ضبط المدة بقدومهم، فيصحّ الأوّل دون الثاني.
و ينقدح- أيضا- عدم صحّة جعل الخيار إلى حياة المشروط له، و يصحّ جعله إلى عشرة أو عشرين بشرط حياته، و لازمه عدم انتقال الخيار- حينئذ- إلى الوارث.
فإن قلت: منشأ البطلان في عدم ضبط المدة كقدوم الحاجّ مثلا حصول الغرر، و هو بعينه حاصل مع الجهل بوقت حصول قيد الفسخ، كقدومه في السنة.
قلت: المنهيّ عنه هو البيع الغرريّ، و هو فيما تعلّق بالمجهول، و لو هو شرطه في الجهل بالمدة، كما في الأوّل. و في الثاني تعلق بأمر معلوم و شرط معلوم بوصف معيّن، فلا غرر في نفس البيع و شرطه المقرّر، و إن لم يعلم حصول أصل هذا الوصف، فضلا عن وقت حصوله في المدة المعيّنة المعلومة. ألا ترى أنّه لا يصحّ بيع الفرس الشارد، و يصحّ بيع فرس موصوف بمثل وصف هذا الفرس، و إن لم يعلم قدرة البائع على تحصيله أو زمان حصوله له.
بأن يردّ فيها الثمن، أو في آخرها، و يرجع المبيع. و يسمّى البيع المضاف إليه مع الخيار، لما
أشرنا إليه من العمومات (1)، مضافا إلى خصوص النصوص (2)المستفيضة الناطقة برجوع المبيع بردّ الثمن في المدّة المعيّنة إذا اشترط ذلك في العقد.
و الأخبار المصرّحة (3)بهذا الشرط لا يخلو في جليل النظر عن إجمال في حملها على كون الردّ شرطا لحصول الخيار، فيتوقف الرجوع إلى المبيع على الفسخ بعد الردّ، أو فسخا فعليا، أو قيدا للفسخ، بمعنى أنّ له الخيار في المدة المقرّرة على وجه مقارنة الفسخ لردّ الثمن أو تأخّره عنه.
و لعلّ ظاهرها الأخير كما فهمه أكثر الأصحاب. و حملها بعضهم على الثاني (4)، استظهارا لدلالة عود المبيع بمجرّد ردّ الثمن الذي هو مدلول الأخبار، على كونه فسخا فعليّا. و هو غير بعيد، بل على جعل الردّ شرطا لحصول الخيار يمكن القول بتحقق الفسخ بالفعل أيضا، و هو قبض المبيع بعد الردّ.
و كيف كان، فقيل: لا يكفي مجرّد ردّ الثمن في الفسخ في بيع الخيار. بل ربما نسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب (5)، فإن أريد به الخيار المشروط بالردّ، فله وجه، إلّا أن يختصّ ذلك بما إذا جعل ثبوت الخيار مشروطا بالردّ. و أمّا إذا جعل قيدا مقترنا بالفسخ، فلا، لحصول الفسخ- حينئذ- بنفس الردّ الذي هو فسخ فعليّ، فيتحقّق المقيد و القيد بوجود واحد، كما عرفت، سيما مع التصريح بذلك في شرط الخيار، بأنّه من بيع الخيار قطعا.
و إن أريد أنّ مجرّد الردّ لا يدلّ على الفسخ مطلقا، فهو من أغرب الأقاويل، سيما مع دعوى ظهور اتّفاقهم عليه، لاعترافهم بحصول الفسخ بفعل أخفى منه دلالة عليه، فكيف يدعى النفي مطلقا، سيما إذا اقترن الحال بما يشهد بقصده الفسخ منه.
و مع ذلك يدلّ عليه الأخبار المشار إليها، كرواية معاوية بن ميسرة (1)، الناطقة بعود الملك بمجرّد ردّ الثمن، فإنّه لا يصحّ توجيهه إلّا بجعله فسخا فعليا.
نعم، إذا كان المقام مما لا يدلّ فيه مجرّد الردّ على الفسخ عرفا أمكن منع حصول الفسخ به، بل و إن علم قصده الفسخ به من غير دلالة ظاهرة عرفية له عليه، لاشتراط كون الفعل الفاسخ كاشفا عنه بالقرينة الظاهرة، و إلّا لاكتفى في الفسخ بالنيّة، إذا علم منه ذلك، من غير توقّف على الفعل الكاشف عنه، و هو خلاف ما اتفقوا عليه.
و بالجملة: حكم الفعل في ذلك حكم ألفاظ العقود و الإيقاعات التي صرّحوا باشتراط كونها دالة على المعاملة المقصودة و كاشفا عنها دلالة ظاهرة لغوية أو عرفية، و لا يكفي مجرّد القصد بمطلق الألفاظ، و إن علم ذلك، و بالجملة: المانع عن حصول الفسخ بغير ما ذكر من الفسخ الفعليّ ستظهر (2)، كما هو كذا في الفسخ القوليّ.
معيّنا كان الثمن أو كلّيا في الذمّة، فهل له الخيار في المدّة أو مطلقا، أو ليس له خيار؟
فيه وجهان: من كون عدم القبض في حكم الردّ، لاشتراكهما في الفائدة المقصودة، فله الخيار، و من أنّ الخيار شرط على تقدير الردّ المستلزم للقبض
و معلّق عليه، و حيث لم يتحقّق حتى انقضت المدة فلا خيار له.
و يشكل الوجهان بأنّ لازم الأوّل ثبوت الخيار منجّزا للبائع من حين وقوع العقد، حيث لم يقبض الثمن بعد، فيكون مسلطا على عدم قبول المثمن، و فسخ البيع و إن أقبضه المشتري، و هو خلاف التعاهد منهما المعقود عليه، و استلزم الثاني كون ثبوت الخيار للبائع بعد العقد بيد المشتري، لاستلزامه لزوم البيع على البائع إذا لم يقبضه المشتري، و هو كما ترى.
و الأوجه: أنّ له الخيار، لكن لا خيار الشرط بل خيار الاشتراط بعد انقضاء المدّة، نظرا إلى أنّ المتبادر- بل المعلوم- من قصد المتبايعين من إثبات الخيار للبائع بعد ردّه الثمن إرفاقا له التزام المشتري بهذا الشرط على إعطاء الثمن إيّاه في المدّة المقرّرة التي يتوقّف عليه الخيار، و دلالته عليه التزاما لفظيا و مع عدم وفاء المشتري به كان للبائع بعد المدة خيار تخلفه عن الشرط.
فهل يحصل الشرط بردّه إلى الحاكم، كما يظهر من المحقق القمّي، في أجوبة مسائله، أم لا- كما عن بعض معاصريه في المناهل (1).
و ربما يظهر من بعضهم كونه أمانة في يد البائع، بل ادّعى اتفاقهم عليه. و الأقوى أنّه إن صرّح في الشرط بردّ الثمن إلى بدل المشتري كوكيله المطلق أو الحاكم أو عدول المؤمنين، فهو، و يحصل الفسخ بردّه إليه، و إن لم يصرّح به، فالمعتبر قصد المتبايعين بملاحظة قرائن المقام و شواهد الحال، فإن كان خصوص المشتري بنفسه، كما عند التصريح به، فلا يقوم غيره مقامه في حصول الشرط بردّه إليه،
1) المناهل: 324.
و تضرّر البائع بسقوط خياره- حينئذ- حصل بإقدامه عليه، و إن كان المقصود رجوع الثمن إلى ملك المشتري كيف اتّفق، كما هو الظاهر من حال الناس في المبايعات الخياريّة غالبا، فيقوم الوليّ مقامه عند تعذّر الردّ إليه، إذ له التصرّف في حفظ مال الغائب.
قيل: إنّ الحاكم إنما يتصرّف في مال الغائب على وجه المصلحة، و قبض الثمن الموجب لرفع تسلّط الغائب خلاف مصلحته.
و أجيب عنه: بأنّ هذا ليس تصرّفا اختياريا من قبل الوليّ حتى يناط بالمصلحة، بل البائع حيث وجد من هو منصوب شرعا لحفظ مال الغائب صحّ له الفسخ إذ لا يعتبر فيه قبول المشتري أو وليّه للثمن، حتى يقال: إنّ ولايته في القبول متوقفة على المصلحة، بل المعتبر تمكين المشتري أو وليّه منه إذا جعل الفسخ.
و يمكن المناقشة فيه بأنّ الفسخ لا يحصل إلّا بقبض الوليّ الذي هو في حكم الردّ المتوقف عليه الفسخ، و ما لم يتحقّق لا يصير الثمن مال الغائب، حتى كان على الوليّ حفظه بصيرورته ملكا له بعد تمكين الوليّ من قبضه، و هو خلاف مصلحة الغائب.
اللهم إلّا أن يقال: إن قيام الحاكم مقام الغائب في اختيار قبضه ليس من باب ولايته على مصلحة الغائب و حفظ ماله، حتى كان باختياره اللازم عليه رعاية المصلحة فيه، بل لنفي الضرر عن البائع، فكما وجب على المشتري التمكين من القبض، كذا يجب على الحاكم عند غيبته. و اختصاصه بتلك النيابة الشرعية القهرية لكونه المتيقّن ممن احتمل نفوذ عمله شرعا في أمثال ذلك.
و منه يظهر أنّه مع عدم التمكن من الحاكم يصحّ من غيره من عدول المؤمنين، حذرا عن المحذور المذكور.
لعموم أدلّة الشرط.
و لا يتوهّم عدم تجزي العقد فلا ينفسخ بعضه و يبقى بعض آخر، لأن العقد و إن كان واحدا إلّا أن متعلقه أمور متعدّدة غير ارتباطية، يستقلّ كلّ منها في حصول أثر العقد فيه، كما أشرنا إليه آنفا و بسطنا الكلام فيه سالفا، عند بيان عدم فساد العقد بفساد بعضه و حصول التبعّض منه، فلا يستلزم حلّ العقد بالنسبة إلى بعض حلّ الكلّ، فيصحّ وقوع الشرط عليه.
نعم، عند إطلاق الشرط ينصرف إلى فسخ الكلّ، فالتجزئة- حينئذ- خلاف مقتضى الشرط. و الظاهر صحّة التجزئة بالنسبة إلى شروط سائر العقود، إلّا إذا منعه مانع.
مشرق: و من الخيارات خيار الغبن، و فيه مسائل:
و يسمّى المملّك غابنا، و الآخر مغبونا.
فيشترط في تحقّقه أمران:
الأوّل: صدق الزيادة عرفا و عادة، بحيث لا يتسامح به في العرف، بل كان التفاوت فاحشا، كما صرّحوا به. و فرع عليه أنّ الواحد بل الاثنين في العشرين لا يوجب الغبن، و وجهه، أنّ المناط فيه الغرر، و هو غير منضبط في الأغراض و المعاوضات عرفا باختلافات يسيرة فما يتسامح الناس فيه لا يبني عليه الغبن.
و قد يختلف القيم بلحوق بعض العوارض المتجدّدة في أشخاص الوقائع، فهي أيضا معتبرة في تشخيص الغبن و عدمه، كشرط خيار أو ضرورة ملجئة للمغبون و لو كانت شرعية، كشراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، و العبرة في ذلك بالضرر العرفيّ.
الثاني: عدم علم المغبون بالقيمة، فلا خيار- بل لا غبن- مع العلم، لكونه فيما فيه الانخداع، كما هو مفهومه لغة، و هو منتف إذا أقدم على ضرر نفسه.
و لا يتفاوت فيه الجهل البسيط و المركّب و الغفلة مع سبق العلم به. و قد يستشكل في الشاك، لأنه إذا أقدم كان بانيا على تحمله، فهو في حكم العالم.
و فيه- مضافا إلى منافاته لإطلاق كلماتهم- أنه إذا أقدم عليه رجاء التساوي أو النفع، واثقا بثبوت الخيار له على ظهور الخلاف، فليس مثل العالم. نعم، لو صرّح في العقد بالإلزام- و لو على ظهور الغبن- كان هذا إسقاطا للغبن.
و المعتبر: القيمة حال العقد، فلا عبرة بالزيادة بعده، و لا يسقط بها خياره، و لو قبل اطلاعه بالغبن.
و احتمال سقوطه لحصول تدارك الضرر الموجب للخيار قبل الردّ مدفوع: بأنه حصل في ملكه، لا من تمليك الغابن الذي هو منشأ الخيار.
ثمّ الجهل يثبت بإقرار الغابن، و البيّنة، و بقول مدّعيه مع احتماله، و لو بيمينه:
لأصالة عدم العلم، و لا يعارضه أصل اللزوم، لكونها موضوعية، فهي واردة عليه و مزيلة له، و هو حكمي كما قررناه في محلّه.
و في التذكرة احتجّ عليه بقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1).
و فيه تأمّل لكونه حقيقة في التراضي الفعليّ الحاصل عند العقد.
و ربما يستدلّ بقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (2)و هو مشكل أيضا، بل الأصل في المسألة- كما علّل به في التذكرة (3)و غيره- لزوم الضرر المنفيّ
لولاه فإنّ لزوم المعاملة الغبنية مع جهل المغبون حكم ضرريّ منفيّ في الإسلام، و نفيه وارد على حكم لزوم البيع، حسب ما تقرّر في مقامه و ليس له إلزام الغابن بردّ الزائد، لأنه ضرر عليه مع تمكنه الردّ. و إمكان نقض البيع و هل هو إلّا كإجبار الإنسان على بيع ماله و رفع تسلطه عنه؟
نعم، مع بذله الأرش اختيارا يشكل الحكم بثبوت الخيار للمغبون، لانجبار ضرره به، كما عليه جماعة منهم والدي العلّامة (1).
و ما في الإيضاح (2)و جامع المقاصد (3)من الاستدلال على عدم سقوط خياره مع الأرش، بالاستصحاب، و بأنّ بذل التفاوت لا يخرج المعاملة عن كونها غبنية، لأنها هبة مستقلّة، حتى أنّه لو دفعه على وجه الاستحقاق لم يحلّ أخذه، يضعّف بمنع ثبوت الخيار أوّلا حتّى يستصحب، لأن الضرر الموجب له يختصّ بصورة امتناع الغابن عن بذل التفاوت، فالشكّ يرجع إلى المقتضى الثانويّ الممنوع عنه الاستصحاب، و يمنع كون البذل هبة مستقلة، كما ليس جزء للعوض، بل كما قيل يمكن كونه غرامة لما فات على المغبون و تداركا لما فات عنه، لئلا يحصل الخيار الناشئ منه.
و إن كان قبل ظهوره للمغبون و توقف سلطنته الفعلية، و تدارك هذا الحقّ الواقعي على ظهوره.
و ما يظهر من بعض العبارات من أنّ ثبوته بعد ظهور الغبن، يمكن حمله على التسلط الفعلي المشروط بالعلم، من قبيل العلم بحكم خيار الحيوان، و يشعر به
تعليلهم المنع من التصرفات الناقلة قبل ظهور الخيار بكونها مفوتة لحق ذي الخيار.
و يظهر الثمرة في صحّة إسقاطه في ضمن العقد.
و تفصيله: أنّ التصرف إمّا من الغابن، فيما وصل إليه، أو من المغبون.
أمّا تصرف الغابن: فالظاهر بقاء خيار المغبون معه و لو مع تلف العين، للاستصحاب، و لنفي الضرر الذي هو مناط الأصل. و لا ينافيه التلف، لما سيأتي في البحث الآتي.
و دفع الضرر بإجبار الغابن على الأرش ضرر عليه، كما مرّ، فلا يصار إليه.
ثمّ تصرفه إمّا بإخراجه عن ملكه، أو بتغيره العين، أو بإتلافه، أو بتلفه بآفة في يده.
فإن كان بإخراجه عن ملكه، كالوقف و العتق و البيع اللازم و نحوها، ففي تسلّط المغبون بخياره على إبطال المعاملة المتجدّدة، كما في الرهن و الشفعة، نظرا إلى تعلّق حقّ الغير بالعين، فيوجب تزلزله من رأس أو من حين ظهور الخيار، أو على رجوعه إلى البدل، وجهان: أجودهما الثاني، لوقوع العقد الثاني في ملكه.
و تعلّق حقّ الغير بالعين إنما هو مع بقاءها على ملكه عند الفسخ، و مع عدمه يتعلق حقه بالبدل الذي لا ينافيه الخيار، كما أشرنا إليه، و يأتي بيانه.
و لا يتوهم: أن حقّه إعادة العين إلى ملكه، لأنه لو سلم ذلك، فهو في الخيارات التعبدية، لا الغررية، مع أنه فيها على الإطلاق محل كلام أيضا.
و أما في الخيار الذي منشأه نفي الضرر، كما في الفرض فلا يقتضيه، لحصول جبره بالبدل، فلا يعارض دليل الخيار أدلّة لزوم تلك المعاملات اللاحقة، مع أن
لازم الخيار رجوع العين عن ملك الغابن إلى المغبون لا المشتري الثاني.
نعم، عند بقاء العين، لا يجبر ضرر المغبون بالبدل، لأنّه ضرر على الغابن، إلّا إذا أقدم نفسه عليه، فيجبر بالأرش لا بالخيار، كما سمعت.
و من هنا يظهر احتمال قويّ للرجوع إلى البدل أيضا، فيما إذا خرج بالعقد الجائز عن ملك الغابن، و إن أمكن له تحصيل الغبن بفسخ الجائز و ردّها إلى المغبون، نظرا إلى عدم اقتضائه الخيار عند خروجه عن ملكه، و ملكه البدل.
و يحتمل وجوبه عليه- حينئذ- باعتبار دلالة شرط الخيار عليه دلالة التزامية عرفية، فكان من قبيل الشرط الضمنيّ. نعم، قبل فسخ المغبون [لا] يتعين عليه ردّ العين بلا إشكال.
و إن كان تصرّف الغابن بتغيّر العين، فإن لم يكن له أرش يردّ العين، و وجهه ظاهر، و إن تغيّرت بنقيصة أو زيادة أو مزج، ففي النقيصة يردّ العين بالفسخ و يعوض النقص؛ لأنّ العين تردّ إلى المالك بالفسخ الموجب للتمليك. و الفائت مضمون على الغابن، لأنّه الجزء الفائت، كما كان عليه عوض الكلّ عند تلف الكلّ.
و هل من ذلك ما لو آجره قبل فسخ المغبون؟ يظهر من بعض الأفاضل عدمه، و لزوم الصبر على الفاسخ إلى انقضاء بقية مدة الإجارة، من غير وجوب بذل عوض المنفعة المستوفاة بالنسبة إلى بقية المدة بعد الفسخ، مستدلّا عليه بأنّ المنفعة من الزوائد المنفصلة المتخلّلة بين العقد و الفسخ، فهي ملك للمفسوخ عليه، و المنفعة الدائمة تابعة للملك المطلق، فإذا تحقق في زمان ملك منفعة العين بأسرها، انتهى.
و يظهر من المحقق القمّي انفساخ الإجارة بفسخ البائع بخياره المشروط له في البيع، لأنّ ملك منفعة الملك المتزلزل متزلزل، و منعه الأوّل بمنع تزلزل ملك المنفعة.
و عن العلّامة في القواعد (1)، فيما إذا وقع التفاسخ لأجل اختلاف المتبايعين: أنه إذا وجد البائع مستأجرة كانت الأجرة للمشتري الموجود، و وجب عليه للبائع أجرة المثل للمدّة الباقية بعد الفسخ.
و عن شراح الكتاب تقريره.
أقول: يمكن دفع الأوّل بأنّه لو سلّم تبعية ملك المنفعة الدائمة للملك المطلق، لا يستلزم عدم وجوب بذل عوض المنفعة المتجدّدة بعد الفسخ، بل غاية ذلك صحّة تمليكها، كما صحّ تمليك العين، و كون متعلّق الإجارة بالنسبة إلى منافع بقية المدّة، من المنافع المتخلّلة بين العقد و الفسخ، التي هي غير مضمونة على الغابن ممنوع جدا، كيف و خلوّ العين من المنفعة بعد الفسخ من النقص الحكميّ للعين، فيكون مضمونا على الغابن، و يقتضيه ما يقتضي ضمان نفس العين من نفي الضرر حسب ما مرّ.
نعم، بما ذكره يمكن المناقشة على ما أفاده الثاني من بطلان الإجارة للغابن و ضمانه للمغبون بأجرة المثل للمدّة الباقية.
و أمّا الزيادة: فإن كانت حكمية محضة، كقصارة الثوب و تعليم الصنعة، فقال الفاضل المتقدّم: الظاهر ثبوت الشركة فيه بنسبة تلك الزيادة، بأن يقوّم معها و لا معها، و يؤخذ النسبة.
و لا يخفى أنّه، إن أراد الشركة في العين على حسب النسبة، يرد عليه: أنّ الزيادة في الفرض ليست جزءا عينيا، بل هي من أوصاف العين. و إن أراد الشركة في القيمة، فله وجه.
و يحتمل قويا كون الوصف تابعا للموصوف، فيملكه المغبون بالفسخ، من قبيل النماء المتصل.
1) قواعد الأحكام 1: 143.
نعم، إن كان ذلك بعمل الغابن لا يبعد استحقاقه الأجرة، لنفي الضرر، كما احتمله والدي العلّامة (1).
و إن كانت عينية فهي للغابن، و عليه تخلية العين عنها. فإن استلزم تفكيكها عنها ضررا عليه في عين الزيادة، كالغرس، ففيه وجوه بل أقوال:
من تسلّط المغبون على القلع بلا أرش، كما عن المختلف (2)في الشفعة، نظرا إلى أن صفة كونه منصوبا المستلزمة لزيادة قيمته عبارة عن كونه في مكان صار ملكا للغير، فلا حقّ للغارس، مضافا إلى أنّ الفائت لما حدث في ملك معرض للزوال، لم يجب تداركه.
و من عدم تسلطه عليه مطلقا، كما عن المشهور، فيما إذا رجع بائع الأرض المغروسة بعد تفليس المشتري استنادا إلى أنّ الغرس المنصوب الذي هو للمشتري مال مغاير للمقلوع عرفا.
و من تسلّط عليه مع الأرش، كما عن المسالك (3)، لكون الغرس وقع في ملك متزلزل، و لا دليل على استحقاق الغارس البقاء على الأرض.
أقول: لا شبهة في أنّ مال الغارس هو الغرس بهيئته المنصوبة، لأنه ملكه شرعا بتلك الهيئة قبل الفسخ، فلا وجه لخروج الهيئة الموجبة لزيادة القيمة عن ملكه بعد الفسخ، و كذا الظاهر أنّ الأرض الفارغة عن الغرس مال صاحب الأرض، لأنها بتلك الهيئة ملكه سابقا الذي يعود إليه بالفسخ، و لا تنافي بين الملكين، لأنّ استحقاق البقاء المنافي لملكية الأرض الفارغة غير الهيئة المنصوبة، كما في البناء
المستحدث عدوانا في أرض الغير، فإن هيئة البناء مال الثاني، و إن كان صاحب الأرض مسلّطا على تخريبه و إعدامها، غير أنّه فيما نحن فيه إحداث الهيئة بإذن الشرع، و يكون كغرس المستأجر في العين المستأجرة المالك لمنفعتها عند انقضاء مدة الإجارة، فهو من باب تداخل شيئين يكون تخليص أحدهما من الآخر من غير بذل الأرش موجبا للضرر، فيتعارض الضرران، فلا بدّ من الحكم ببذل صاحب الغرس أجرة المغرس لصاحب الأرض و إبقائه لهيئة المنصوبة، أو بذل صاحب الأرض أرش القيمة و قلع الغرس، إلّا أنّ إلزام الثاني بالأرش ضرر عليه، لا نفع له في مقابله، لاستحقاقه الأرض الفارغة كما كانت قبل البيع، و لا هكذا الأوّل، لأنّ الأجرة عوض المنفعة التي يستوفيها بإبقاء ملكه، أعني الهيئة المنصوبة، لما عرفت أنها لا يستلزم استحقاق البناء، و عدم التنافي بينهما، فلازم ذلك تخيير صاحب الأرض في القلع مع تحمل ضرر الأرش، و أخذ الأجرة و إبقاء الغرس.
و التخيير بين الحكم الضرري و غيره ليس ضررا منفيا، لأنّه منوط باختياره و إقدامه.
و هل على صاحب الغرس قبول الأرش إن بذله صاحب الأرض؟
الظاهر: نعم، لحصول جبر ضرره- حينئذ- بالأرش، و رجوع منفعة البقاء إلى المالك بالفسخ، فلا خيرة له في الإبقاء.
و إن كان التغيّر بالامتزاج، فإن كان بغير الجنس مع الاستهلاك في مال الغابن، كامتزاج ماء الورد بالسمن، فالظاهر: أن حكمه حكم التلف، و مع عدم الاستهلاك، فلا يبعد كونه كذلك أيضا، كما قال والدي العلّامة (1)، لأنّه طبيعة ثانية، و يحتمل الشركة بنسبته القيمة على إشكال.
1) مستند الشيعة 2: 385.
و إن كان بالجنس، فبالمساوي يثبت الشركة، و بالأردإ يحتملها و يحتمل التسلط على الأرش قيمة أو مثلا، و بالأجود يثبت الشركة، و على المغبون ما سيأتي في تصرفه بالزيادة.
و إن كان تصرف الغابن بالإتلاف، أو حصل التلف عنده بآفة، فالظاهر بقاء الخيار و الرجوع إلى القيمة، و إن كان بإتلافه الأجنبيّ، فللمغبون الفسخ بعد ظهور الغبن، سواء أتلفه قبله أو بعده، و له الرجوع إلى الغابن، و للغابن الرجوع إلى المتلف، و يرد ما أخذه المغبون من المتلف، و يرجع الغابن عليه بقيمة يوم التلف أو يوم الفسخ.
و إن كان المغبون أبرأه من العوض قبل الفسخ، فلا يبعد كونه مضمونا عليه للغابن- أيضا- بعده، لأنّ إبرائه في حكم القبض.
و هل يعتبر في البذل قيمته يوم التلف أو الفسخ.
لعل الأوّل أظهر، كما عن الأكثر.
و أمّا تصرف المغبون: فإن كان بعد العلم بالغبن و الخيار، فيسقط خياره، كما صرّح به غير واحد، لعموم العلّة المستفادة من النصّ في خيار الحيوان، من كون التصرف رضى فيه (1)و لو بمجرّد الملك، على ما عرفت وجهه و بيانه، و به يرتفع الاستصحاب.
و الاستدلال عليه بأنّ دليل هذا الخيار إن كان الإجماع، فليس هنا، أو نفي الضرر فلا يجري مع الرضا به، كما لا يجري مع الإقدام، مع أنّه يعارضه ضرر الغابن فيما يوجبه ضمان البدل: مخدوش بأن الخلاف لا ينافي انسحاب حكم الإجماع بالاستصحاب، كما تقرّر في الأصول. و دلالته على الرضا بلزوم العقد يتمّ كما تقدم،
1) لعلّ الصحيح: رضى به.
فليس كالإقدام على الضرر، سيما بالنسبة إلى التصرفات الغير المتلفة و المغيرة و غير الموجبة لاختلاف القيمة. و حصول الضرر على الغابن بعد الفسخ يجبر بضمان المغبون المتصرف له بالتفاوت الذي حصل التصرف (1)او العوض عند التلف.
و إن كان تصرفه قبل العلم بالغبن فلا يسقط به خياره، و إن كان بإتلافه العين، لما عرفت من عدم استلزام الخيار التدارك بردّ العين، فعند الفسخ- حينئذ- يأخذ ماله من الغابن و يردّ على الغابن بدل التالف أو العين مع أرش النقص إن نقصت، و مع الزيادة فحكمه ما مرّ في حصول الزيادة بتصرّف الغابن.
و هو على وجوه، لأنّه إمّا بعد العلم بالغبن أو قبله، و على التقديرين فإسقاطه إمّا لا بعوض أو بعوض صولح به.
فإن كان بعد العلم لا بعوض، فلا إشكال في سقوطه مع العلم بمقداره أو إسقاطه بجميع مراتبه كيف ما كان من درجات الغبن، و مع الجهل بالمقدار و الإطلاق، زعما بكونه عشرة فظهر مائة، فاحتمل فيه الوجهان: من كونه بغير طيب نفسه و من كون الخيار أمرا واحدا مسببا عن مطلق التفاوت الغير المتسامح به، و لا تعدد فيه، فيسقط بمجرّد الإسقاط.
و الأشبه: الأوّل، فلا يسقط لنفي الضرر الموجب لأصل الخيار ابتداء، بل يمكن القول بعدم تعلق الإسقاط به واقعا؛ لأنّ الغبن الذي تعلق به العقد و وقع عليه إنشاء الإسقاط في الإطلاق- حينئذ- هو العشرة، باعتقاد كونها الغبن الواقعي المصروف إليه الإطلاق بزعمه، القابل لكونه محمولا عليه لغة و عرفا. و بعبارة أخرى تعلّق بالغبن الواقعي على كونه عشرة، فإذا انكشف الخطاء و ظهر كونه مائة تبيّن عدم قصده.
1) بالتصرف (خ).
و بالجملة: المقصود من اللفظ المطلق و إن كان هو الغبن الواقعي، لكن بوصف كونه عشرة، لا على كون الوصف تعليليا، من قبيل الدواعي التي لا أثر لها في العقد، بل على جهة كونه قيدا للواقع، فلا يسقط به باقيه و ذلك بخلاف ما إذا صرّح بالمائة أو بما يشمله صريحا، و إن كان اعتقاده أنه عشرة، بحيث لولاها لما أسقط، كقوله: أسقطت الغبن و إن كان مائة، أو: و إن بلغ أعلى المراتب، فإن ما استعمل فيه اللفظ- حينئذ- هو الكثير أو ما يشمله قطعا، فتعلق به الإنشاء، و إن كان إقدامه عليه من جهة اعتقاد كونه الأقل، فإنّه- حينئذ- من باب الداعي الغير المعتبر في القصد.
و ما قيل: إنّ الخيار أمر واحد مسبّب عن مطلق التفاوت الغير المتسامح به، فيسقط بمجرّد الإسقاط، فهو كذلك بحسب الحكم الكلّي الشرعي، و أما في خصوص الموارد، فهو منوط بالتفاوت المنظور للعاقد.
ثم لو وقع التشاجر و تنازعا، فادّعى ذو الخيار: أسقطت خياري لعشرة قصدته، فظهر كونه عشرين مثلا، فإن كان هذا المقدار داخلا في المقادير المحتملة من الغبن في تلك المعاوضة، بحسب المتعارف بين الناس، قدم قول الغابن، عملا بإطلاق الإسقاط المقتضي للسقوط، و إن كان زائدا عن الحدّ المتعارف لم ينصرف إليه الإطلاق، فيقدم قول المغبون.
و إن كان الإسقاط بعد العلم بالغبن بعوض صولح عنه به، فإن علم مقدار التفاوت، أو صرّح بعموم المراتب، فلا إشكال في السقوط و لزوم المصالحة، و إن لم يعلمه و لم يصرّح بالعموم، فإن لم يتجاوز عن الحدّ المتعارف في صلح خيار مثل هذا الغبن بهذا العوض، يلزم الصلح، كما إذا وقع الصلح عن الخيار بدرهمين، و ظهر التفاوت ثلاثة. و إن كان أزيد من الحدّ المتعارف في مثله، كما إذا كان التفاوت
عشرين و وقع الصلح بأربعة، فالظاهر ثبوت خيار الغبن في تلك المصالحة أيضا، لعين ما دلّ عليه في خيار أصل المعاملة.
و إن كان إسقاط الغبن عند العقد قبل ظهور الغبن، فالظاهر جوازه أيضا، كما صرّح به غير واحد.
و لا يتوهّم كونه من إسقاط ما لم يجب، لما أشرنا و سنشير إلى أنّ ظهور الغبن كاشف عن الخيار، لا محدث له. و لا هو من باب التعليق الممنوع في العقود و الإيقاعات، لأنّ الممنوع ما كان من ألفاظ العقود و الإيقاعات و صيغها، سواء كان على أمر واقع أو متوقع، و لا مانع منه في غيرها، كطلاق مشكوك الزوجية، و إعتاق مشكوك الرقّية، و بيع مشكوك الملكية، ما لم يوقع الصيغة فيها بصورة التعليق، بل لا نسلم المنع أيضا في اللفظي في مثل الإسقاط و الإبراء و الإذن، بل الفسخ و نحوها، مما كان اشتراطها من جهة الإخبار عما في الضمير و الإرادة القلبية، لا من باب الأسباب التعبّدية، و لذا يصحّ الإبراء بقوله: أبرأت ذمّتك إن كانت مشغولة لي، و لا يصحّ أن يقال: بعتك إن كان ملكي، و سرّه ما ستعرف [من] أنّه لا يعتبر في أمثال ما ذكر الإنشاء اللفظي، كما يشترط في الصيغ الشرعية، بل مطلق ما يكشف عن الإرادة الفعلية القلبية التي هي السبب المؤثر، غاية الأمر اشتراط مقارنتها بقول أو فعل دال عليها، و هذا هو التوجيه الصحيح لحصول الفسخ و التمليك معا بلفظ واحد في مثل بيع ذي الخيار، كما مضى و ستعرفه مما يأتي.
ثمّ الكلام في شمول الإسقاط لجميع مراتب الغبن حيث لم يصرّح بها، مثل ما تقدّم في صورة الإسقاط بعد ظهور الغبن.
و إن كان إسقاط الخيار قبل العلم بالصلح عنه بعوض، فقد يستشكل فيه بأنّ المصالحة العوضية لا بدّ لها من ثبوت شيء بإزاء المصالح بها و هو غير معلوم.
و يمكن دفعه بأنّ الغبن المحتمل الموجب للخيار على تقدير كونه مما يبذل في مقابله عرفا، فالمقابل للعوض هو الحقّ المحتمل، و هو بهذا الاعتبار حقّ محقق، فيصحّ الصلح عنه، بل لو تبيّن بعده عدم الغبن لا يسترد العوض أيضا، لأنّه حين المصالحة كان مما يبذل عنه، و لم يكن مراعى، فتفطن.
نعم، لو ضمّ شيء إلى المصالح عنه المجهول، أو ضمّ سائر الخيارات إليه، كان أولى، و يكون دخول المجهول- حينئذ- على تقدير ثبوته، لا متنجزا باعتبار الوجود.
و الإشكال في كونه مخالفا للسنّة، و العدول عنه إلى شرط عدم الفسخ، لئلا يرجع الشرط إلى نفي الحكم الشرعي، قد تقدّم دفعه في بحث الشروط، مع أنّ سقوطه بشرط عدم الفسخ مبنيّ ظاهرا على اقتضاء النهي في المعاملة الفساد، و هو محلّ الكلام فيما لم يكن متعلّق النهي نفس المعاملة، فتأمل.
و عن الصيمري في غاية المرام (1): بطلان العقد و الشرط و عن المحقق الكركي (2)التردّد فيه مستظهرا للصحّة.
و استظهر الشهيد في الدروس (3)بطلان العقد: للزوم الغرر، و فيه: أنّ الجهل بالقيمة لا يوجب الغرر، لأن الغرر المنفيّ إنما هو فيما إذا رجع الجهل بنفس المعاوضة في المتعاوضين، كالبيع (4)وجودا أو صفة أو حصولا و إلّا كان الجهل بالقيمة مبطلا للبيع
من أصله، مع أنّه لو كان غرريا لم يخرجه الخيار عن موضع الغرر حتى كان اسقاطه موجبا لثبوته، و لعلّه لذا احتمل ثانيا الصحة.
كما عن المشهور، لعموم أدلّة اللزوم، فيقتصر على المخرج بالقدر المتيقّن، أو على التراخي، للاستصحاب.
و نظر بعض أفاضل من عاصرناه في مستندي القولين: أما في الأوّل: فبأنّ الاقتصار على المتيقّن عند الشكّ إنّما هو إذا كان الشكّ في عدد الأفراد المخرجة. لا في كيفية افراد الخارج، و ما نحن فيه من الثاني، لأنّ الزمان ليس من أفراد العموم، بل هو ظرف لحكم الفرد الخارج، فلا يعلم كونه آنيّا أو مستمرّا فيستصحب، و ليس من تعارض الاستصحاب و العموم.
نعم، لو فرض إفادة الكلام العموم الزماني على وجه يكون الزمان يتكثر أفراد العام، كقوله: أكرم العلماء في كلّ يوم، بحيث كان إكرام كلّ عالم في كلّ يوم واجبا مستقلا غير إكرام ذلك العالم في اليوم الآخر، فيقتصر في إخراج عالم على اليوم المعلوم من خروجه، فيرجع الشكّ في المورد في استمرار حكم واحد و انقطاعه، فيستصحب. و في الثاني إلى خروج أحكام مستقلّة متكثّرة، فعمل بالعموم.
و فيه نظر، لأن أفراد العموم إن كانت متعيّنة بحسب المعنى اللغويّ و العرفيّ فهو، و يقتصر في تخصيصه على المتيقّن منها، كما في إكرام العلماء، فإنّ أفراد العلماء:
زيد و عمرو، لا زيد في يوم و زيد في يوم آخر، و لا مدخل للزمان في فردية أفرادها، أو تكون اعتبارية، بمعنى صلاحية العام بحسب مدلوله تشخيص الأفراد له بعنوانات، كما في كلّ ماء طاهر، فإنّ أفراد الماء قد تعتبر بعنوان المقدار، كصاع و صاعين و ثلاثة أصوع، و هكذا الماء الكثير و القليل، و قد تعتبر باعتبار الاجتماع و الاتصال في محلّ، كماء حوض كذا و غدير كذا و هكذا، و بهذين الاعتبارين يكون
الأفراد متداخلة. و قد تعتبر باعتبار بعض الصفات العارضة، كماء البئر و الماء الجامد و الجاري و ماء البحر و هكذا.
و الجهات التي يصحّ اعتبار الفردية بها تختلف باختلاف العمومات، فلفظ العام بحسب مدلوله قد يكون صالحا لاعتبار العموم له بجهات كثيرة، كما في عموم الخيار، فقد يعتبر باعتبار السبب و أفراده خيار الغبن و خيار العيب و خيار الشرط، و هكذا. و قد يعتبر باعتبار الزمان، فالخيار الفوري فرد منه، و الخيار المستمرّ فرد.
و قد يعتبر باعتبار أشخاص ذوي الخيار، فخيار البائع فرد و خيار المشتري فرد، و هكذا.
و المناط في ذلك كلّه ملاحظة دليل العموم في الجهة الصالحة للعموم فيه، من أنّها واحدة أو أكثر بحسب مدلوله المستعمل فيه اللفظ.
و إذ عرفت ذلك فنقول: دليل عموم اللزوم فيما نحن فيه: إمّا مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)فلا مدخل للزمان في تكثير الأفراد، بل هي أشخاص العقود، أو مثل قوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» بعموم مفهومه الدال على اللزوم، كما يصلح بالنسبة إلى الأسباب من خيار الغبن و الرؤية و العيب و نحوها، و بالنسبة إلى البيع، كبيع الحيوان و الصرف و الثمرة و ما يفسد ليومه و نحوها، كذا يصلح عمومه بالنسبة إلى الزمان المشخص للأفراد من الخيار الفوريّ و الاستمراريّ، و إن كان أحد الفردين داخلا في الآخر، كما في عموم الماء بالنسبة إلى أفراده باعتبار الاتصال و الانفصال حسب ما مرّ.
و اتحاد السبب كظهور الغبن لا ينافي تعدّد المسبّب باعتبار الجهات المذكورة.
و أما اعتراضه على مستند القول الثاني. أعني: الاستصحاب، فحاصله: أن
1) المائدة (5): 1
الاستصحاب يتبع بقاء الموضوع، فلا بدّ من تشخيصه أوّلا حتى يستصحب حكمه، و المتيقّن سابقا فيما نحن فيه ثبوت الخيار لمن يتمكن من تدارك ضرره بالفسخ، فلا ينسحب في الآن اللاحق، مع كون الشخص قد يتمكن من التدارك و لا يفعل، فإنّ هذا موضوع آخر.
و فيه: أنّ هذا مسلم فيما كان الموضوع مشخصا بحدوده و قيوده في دليل الحكم، فلا ينسحب بالاستصحاب بعد تغيّر بعض قيوده، لرجوع الشكّ- حينئذ- إلى المقتضى الثانوي، كما إذا قال، الماء المتغيّر نجس، فإنّه لا يجري استصحاب النجاسة بعد زوال هذا القيد، مع عموم أدلّة حجيته. و إن علم اشتراط هذا القيد في حدوث الحكم أوّلا، مع فرض الشكّ في اشتراطه للبقاء، كما إذا قال: إذا تغيّر الماء فهو نجس، فزال التغير من قبل نفسه، فإنّه يصحّ الاستصحاب- حينئذ- و قد بيّنا ذلك مستوفى في الأصول، و مورد البحث من الثاني، إذ للقائل منع كون العجز عن تدارك الضرر شرطا لبقاء الخيار، و إن كان شرطا لحدوثه.
نعم، يمكن المناقشة في الاستصحاب لو كان مستند الحكم بالخيار في الأوّل مجرّد أدلّة الضرر، إذ مدلولها نفي الضرر الواقع بحكم الشارع، فالدليل مقيد بالضرر الشرعيّ لا الاختياريّ، فحيث لم يتدارك المغبون ضرره بالفسخ مع تمكّنه عنه، كان بقاؤه باختياره، فالشكّ في بقائه كان في المقتضى الثانوي. و لعلّه إلى هذا ينظر ما في الرياض (1)من أنّ المستند في هذا الخيار: إن كان الإجماع المنقول، اتّجه التمسّك بالاستصحاب، و إن كان نفي الضرر، وجب الاقتصار علي الزمان الأوّل، إذ به يندفع الضرر. انتهى. فتأمّل.
و كيف كان، فالاستصحاب- و لو سلّم جريانه- لا يعارض عموم دليل اللزوم
1) رياض المسائل 5: 425.
الذي قد تبيّن تقريبه و تحريره، فيقتصر في التخصيص على مورد اليقين. فإذا المعتمد كون الخيار فوريا.
و الاستدلال عليه بأصالة فساد الفسخ و بقاء الملك كما قاله الفاضل المتقدّم، صحّ لو لم يصحّ الاستصحاب كما زعمه، حسب ما مرّ، و أمّا على صحّته فلا يبقى استصحاب الفساد لزواله باستصحاب السبب أعني: الخيار.
اقتصارا على المتيقّن، أو العرفية، دفعا للحرج الحاصل على الاقتصار على الحقيقية، أو ما هو أوسع من العرفي، كما يستفاد من التذكرة في خيار العيب، حيث وسّعه فيما لو اطّلع عليه حين دخل وقت صلاة أو أكل أو قضاء حاجة، فاشتغل بها إلى أن يفرغ عنها إجماعا، أو اطّلع على العيب ليلا، فله التأخير إلى أن يصبح، و إن لم يكن له عذر؟
إشكال: إذ الإناطة بالأولين كلّية مخدوشة بإمكان عدم الحرج و الضرر في بعض الموارد، و بالثالث بعدم دليل عليه، فان تمّ الإجماع الذي ذكره في التذكرة فهو، و إلّا فمقتضى الاعتبار: الاقتصار على الأوّل إلّا لحرج أو ضرر أو عذر آخر.
و منه: إعلام الخصم بوقوع الاختلاف و قضاء المصلحة تقديم المحاكمة على الفسخ أو لاحتمال بذله الأرش المتقدّم على الخيار على المختار و منه التروي و الاختيار من غير تفكر و تدبر منه ينافي التخيير، بل يؤدّي إلى ضرره.
فله الخيار متى علم، لنفي الضرر: و ترك الفحص عن الحكم ليس منافيا للمعذورية، كما ليس منافيا لها في الجهل بالغبن.
و هل الجاهل بالفورية معذور في تركه المبادرة أيضا. الظاهر: نعم، كما عن بعضهم.
و الاستشكال بعدم جريان نفي الضرر هنا لتمكّنه من الفسخ و تدارك الضرر:
مدفوع، بأنّ الاغترام بعدم العلم بالفورية من الأعذار، و أيّ عذر أقوى من الجهل.
و لو ادّعى الجهل بالخيار، فالظاهر: القبول، إلّا أن يكون مما لا يخفى عليه هذا الحكم الشرعيّ إلّا لعارض. و لو ادّعى النسيان ففيه إشكال.
كما عن فخر الإسلام (1)و التنقيح (2)و إيضاح النافع و جامع المقاصد (3)في الإجارة، لعموم المدرك، أعني: نفي الضرر، و إن اختصّ الإجماع المحكيّ بالبيع.
و عن المهذّب (4)عدم جريانه في الصلح.
و عن غاية المرام (5): التفصيل بين الصلح الواقع على وجه المعاوضة، فيجري فيه، و بين الواقع على إسقاط الدعوى أو على ما في الذمّة، ثم ظهر الغبن فيهما.
و عن بعضهم: التفصيل بين عقد وقع على وجه المسامحة و عدم الالتفات إلى النقص و الزيادة، بيعا كان أو صلحا أو غيرهما، و لعلّه لكون المعاملة- حينئذ- مبنية على عدم المغابنة و المكايسة.
و الذي يقتضيه الاعتبار: أنّ صور الفرض أربع، إذ المعاملة: إمّا وقعت على وجه المعاوضة، أو على إسقاط الدعوى في مقام التشاجر.
و على الأوّل: فإمّا على محض المالية، أو على التغابن و المحاباة، أو على
المسامحة، و إن لم يعلمه المغبون، حيث علم من الخارج أنّ بناء المغبون عليه، و إن فرض علمه بالغبن، لحاجة عظيمة منه.
ففي الأوّل: يثبت الخيار. و في الثانية: لا يثبت، و إن كان الغبن زائدا عن المعلوم، لأنه في حكم الإسقاط، إلّا إذا كان فاحشا زائدا عن المتعارف في مثله في مقام المحاباة، كما مضى في حكم الإسقاط.
و كذا في الثالثة على إشكال: من كونه إقداما على الضرر، لبنائه عليه و لو على فرض علمه، إلّا إذا كان زائدا عن المتعارف في مثل مصلحته المقصودة، و من عدم القول بالفصل عند الجهل بالغبن.
و في الرابعة: لا خيار مع عدم ظهور الغبن، و معه فيه وجهان: من عدم كونه معاوضة مالية، بل هو إسقاط على عوض، فلا تزلزل لظهور الغبن، و من كونه ضررا منفيا. و لا يبعد التفصيل بين ما فيه الغبن زائدا على المتعارف في الإسقاط عند الجهل في مقام التشاجر، فيجري فيه الخيار، و بين ما لا يزيد عليه، فلا خيار. و اللّه العالم.
مشرق: في جملة من الأحكام الملحقة بالخيارات. و فيه مسائل:
بلا خلاف ظاهرا، سواء كان عمليا، كتقبيل الجارية، أو قوليا كالبيع. و يشترط كون الفعل دالّا على إرادة الفسخ عرفا أو شرعا، و إلّا فلا عبرة به.
و في التذكرة (1): لو قبّل الجارية بشهوة أو باشر فيما دون الفرج أو لمس بشهوة، فالوجه عندنا أنّه يكون فسخا، لأنّ الإسلام يصون صاحبه عن القبيح، فلو لم يختر الإمساك لكان مقدما على المعصية. ثم نقل عن بعض الشافعية احتمال العدم. و يظهر من تعليله بالصون: اشتراط إرادة الفسخ، بل يشعر قوله: عندنا، بالإجماع عليه.
و قريب منه: التعليل المحكي عن جامع المقاصد (2). و لا بدّ من تقييده في الدلالة على العلم و العمد لإمكان وقوعه نسيانا عن البيع أو اشتباها بغيرها، فلا يلازم الصون عن القبيح إرادة الفسخ.
إلّا أن يقال: أمثال تلك التصرفات ظاهرة بنوعها في العمد و العلم بالغلبة العادية، فبضميمة حمل فعل المسلم على الصحة يدلّ على إرادة الفسخ، و إن كانت بأشخاصها محلّ الشك في موارد، لعروض ما يصرفها عن الظهور فيها.
و بالجملة: المعيار في الظهور هو النوعي دون الشخصي، فإنّ حكم الفعل في ذلك كاللفظ، فكما أنّ الظهور المعتبر في الألفاظ عرفا و شرعا هو الظهور الشأني، ما لم يصرفها عنه قرينة صارفة إلى ظهور شخصي، كما في حمل الألفاظ على الحقائق ما لم يظهر القرينة الصارفة، فكذا الظهور المعتبر في الأفعال بالنسبة إلى مدلولاتها العرفية فيما يتعلّق به من الأحكام الشرعية، لأن الشرع يتّبع العرف و ما جرت عليه عادة الناس في مقام التفهيم و التفاهم، و لا شكّ أنّ العرف في إظهار مقاصدهم و إعلام ضمائرهم يقفون على ما يقتضيه الدوال بأنفسها، قولا كانت أو فعلا، و لا يخرجون عنه إلّا بدليل صارف.
و كيف كان، فيشترط في الفعل الفاسخ دلالته على الرضا بالانفساخ، و لا هكذا التصرف المسقط للخيار، بل يكتفي فيه بالدلالة على الرضا بالملك دون لزومه، كما يظهر من إطلاق الفتاوى و النصوص، على ما بيّنا سرّه و توجيهه في خيار الحيوان.
فما عن جماعة كالشيخ (1)و ابني زهرة (2)و إدريس (3)و العلّامة (4)و غيرهم أنّ التصرف: إن وقع فيما انتقل عنه كان فسخا، و إن وقع فيما انتقل إليه كان إجازة، الظاهر بحكم المقابلة [في] أنّ كلّ تصرف يحصل به الإجازة يحصل به الفسخ ليس
كما ينبغي. نعم، لا فرق في التصرف الفاسخ بين ما يحرم فعله لغير المالك، و بين ما لا ينفذ عن غيره، كالبيع و العتق و الإجارة و النكاح، فإنّ تلك العقود تكشف ظاهرا عن إرادة الانفساخ بها، دون وقوعها فضولا أو لغوا، بل الظاهر وقوعه بمجرد العرض على البيع و الإذن فيه و التوكيل و الرهن الغير المقبوض و الهبة الغير المعوضة. فالأقرب: أنّها من البائع فسخ و من المشتري إجازة، لدلالتها على طلب المبيع و استيفائه. انتهى. و نحوه عن جامع المقاصد (1).
أو وطأ الجارية أو قبّلها بشهوة أو أكل المنتقل إليه و نحوها من التصرفات المحرّمة في ملك الغير، فلا شكّ و لا خلاف في حصول الفسخ الفعليّ بها كما مرّ.
و هل يحصل النقل بتلك النواقل، و يجوز تلك الأفعال المتوقفة على الملك أم لا.
ظاهرهم وجود الخلاف فيه، و يرجع إلى الاختلاف في كون نفس التصرف فسخا و سببا للانفساخ، فلا يحصل النقل و لا الحلّ قبله، كما هو ظاهر كلام الفاضل (2)في التحرير في وطء الأمة بقوله: يحصل الفسخ بأوّل جزء منه. و لازمه عدم وقوعه قبله، بل هو- كما قيل- لازم قول كل من قال بعدم صحّة عقد الواهب الذي يتحقّق به الرجوع، كما عن الشرائع (3)و المبسوط (4)و الجامع (5)، أو كون التصرف كاشفا عن الفسخ و حصوله قبله، كما هو ظاهر التذكرة (6)و غيره، من تعليل حصول
الفسخ بصيانة فعل المسلم عن القبيح المستلزمة لوقوعه قبله، بل عن المحقق (1)و الشهيد الثانيين: الجزم بالحلّ، نظرا إلى حصول الفسخ قبله، و هو بالقصد المقارن له.
و في المسالك (2)و الكفاية (3): صحة هبة ذي الخيار.
و استدلّ على الأوّل: بظهور كلماتهم في كون نفس التصرف فسخا أو إجازة و أنّه فسخ فعليّ في مقابل القوليّ، و ظهور اتفاقهم. على أنّ الفسخ- بل مطلق الإنشاء، لا يحصل بالنية، بل لا بدّ من حصوله بالقول أو الفعل، و اتفاقهم على توقف الفسخ على الفعل، فالفعل إذا كان بيعا لم يحصل به النقل، لتوقفه على الملك الموقوف على الفسخ المتأخر عن البيع.
و نحوه الفعل المحرم المتوقّف حلّه على الفسخ المتأخر عنه.
و على الثاني: بأنّ الفسخ إنما يتحقّق بالكراهة و عدم الرضا ببقاء العقد، و يكشف عنه التصرف بحكم مقابلتها للرضا الموجب لسقوط الخيار، كما صرّح به في المبسوط و غيره، و دلّ عليه الأخبار المعلّلة بسقوط الخيار بالتصرف بكونه دالّا على الرضا، فالعبرة بالرضا في بقاء العقد و سقوط الخيار و عدمه في وقوع الفسخ.
أقول: و يضعّف الأوّل؛ بأنّ غاية ما يستفاد من الاتفاق، لزوم وجود الفعل في وقوع الفسخ، و لا يدلّ ذلك على كونه نفس الفسخ و سببا للملك المتجدّد، لما ستعرف من إمكان تحقّق هذا المعنى بدون سببيته. و حكم المقابلة لا يفيد أزيد من وجوب كون الفعل دالّا على الفسخ، كما يجب هذا في الإجازة، دون موافقتهما في كيفية الدلالة.
و دعوى عدم حصول الإنشاء بالنية مسلّمة إذا كانت محضة غير مقارنة بفعل كاشف عنها، و إلّا فهي ممنوعة.
و الثاني: بمنع كون مجرد الكراهة الباطنية فسخا بحيث لا مدخل للفعل في تحققه واقعا، بل هو كما ستعرف شرط لوقوع الفسخ واقعا على وجه الكشف لا السببية و النقل، بخلاف الرضا المسقط للخيار، فإنّه يكفي فيه مجرد الرضا بالملك، و إن لم يدلّ على الالتزام بلزومه دائما، كما تقدم بيانه في توجيه التعليل للزوم في بعض الأخبار بالرضا بمجرد التصرفات الغير الدالّة على الالتزام باللزوم.
ثمّ إنّ بعض أفاضل من عاصرناه وافق الأوّل في سببية التصرف للفسخ و تأخر الملك الحادث في التصرف الناقل عنه، و مع ذلك قوّى صحّة النقل، قائلا بأنّ الفسخ يتحقّق بأوّل جزء منه، و الناقل هو تمام الفعل، و لا يشترط ملكية البائع للمبيع في تمام العقد، بل الممنوع وقوع تمام السبب في ملك الغير، فلا مانع من تأثير هذا العقد لانتقال ما انتقل إلى البائع بأوّل جزء منه.
و لا يخفى ما فيه من التحكّم بأنّ السبب المؤثر هو مجموع الهيئة المركّبة، و هو أمر واحد ينثلم بخروج جزء منه، و لا تفاوت بين أجزائه في المدخلية في التأثير و اعتبار الشرائط فيها، سواء قلنا بأنّ البيع نفس العقد أو النقل المسبّب عنه، فما يشترط به البيع يكون شرطا للمجموع الذي لا يصدق البيع إلّا عليه، و أيّ دليل يقتضي اختصاص الاشتراط لبعض الأجزاء؟
مضافا إلى كونه خلاف الأصل، و ظاهر كلماتهم في عدّ شرائط البيع، و ما يستفاد من ظواهر الأخبار، كقوله عليه السّلام: «لا بيع إلّا في ملك، و لا عتق إلّا في ملك» (1).
1) ورد عن طريق الإمامية، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بهذه العبارة: «لا بيع إلّا في ما تملك»؛ راجع عوالي اللآلي 2: 247، الحديث 16؛ و مستدرك الوسائل 13: 230، الرواية 15209؛ و عن الصادق عليه السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أنّه قال: «لا عتق إلّا بعد ملك»؛ وسائل الشيعة 23: 15، الباب 5 من أبواب العتق، الرواية 28998.
و مع ذلك كله لا يستقيم هذا التوجيه في مثل الوطء و الأكل من التصرفات المحرمة على غير المالك، مع عدم ظهور قائل بالفرق من الحلّية و الصحّة.
و الذي يقوّى في نظري في تحقيق المقام: أنّ الفسخ يحصل بالإرادة الفعلية العرفية المتصلة بالفعل الكاشف عن تلك الإرادة، بشرط مقارنتها للفعل.
بيان ذلك: أنّ معنى خيار الفسخ على ما هو مفهومه عرفا، بل مدلوله لغة، هو التسلط على ترك مقتضى العقد و اختيار ملكه السابق و الجري عليه، و ليس للفسخ حقيقة شرعية و توقيف شرعيّ يتعبد به، بل يشعر به التعبير عنه في الأخبار بلفظ الخيار مجردا عن المضاف إليه، كقوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1)و لا شكّ أنّ هذا المعنى يتحقّق عرفا بالعزم القلبيّ و الإرادة الباطنية المقدمة على الفعل و الاعتبار باللفظ أو الفعل، من جهة الدلالة عليها و الكشف عنها.
نعم، لما جرت عادة الشارع في ترتيب الآثار على القصود في المعاملات إلى اعتبار ما دلّ عليها، إمّا على كونه أسبابا مجعولة، كما في أكثر العقود و الإيقاعات التي ثبت سببيتها لآثارها بالأدلّة الخارجة، كالنكاح و الطلاق و نحوهما، أو على كونها لمجرد الكشف عن الإرادة، قولا كان أو فعلا، فإنّه يكتفي إجماعا في الفسخ بمثل عقد ناقل أو فعل محرّم على غير المالك، مع أنّ مدلولهما ليس فسخ العقد، فالعبرة بهما من باب كونهما قرينة للإرادة التي هي المؤثّر، لا من باب السببية الشرعية، من قبيل الرجوع في طلاق ذات العدّة الرجعية بكشف القناع و التقبيل في حصول الزوجية، و سقوط الخيار في ركوب الدابة.
1) وسائل الشيعة 18: 6، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23013.
و إلى هذا أشار شيخنا الشهيد في المسالك (1)في الاستدلال على صحة بيع من له الرجوع في الهبة بقوله: العقد يدلّ على إرادة الفسخ، و الغرض من الألفاظ المعتبرة في العقود: الدلالة على الرضا الباطني، لأنه هو المعتبر، و لكن لما لم يمكن الاطلاع عليه، نصب الشارع الألفاظ الصريحة الدالّة عليه و اعتبرها في صحة العقد- و حينئذ- فالعقد المذكور يدلّ على تحقق إرادة الفسخ قبل العقد، فيكشف العقد عن حصول الفسخ بالقصد إليه قبل البيع. انتهى.
إلّا أنّ تعميمه ذلك بالنسبة إلى ألفاظ العقود التوقيفية غير جيّد، لكونها من باب الأسباب قطعا، كما عرفت. و كيف كان، فالسبب المؤثر في الانفساخ هو الإرادة المقدّمة على الفعل، فيكون الفعل الناقل صادرا عنه في ملكه.
و من هذا يظهر سقوط القول الأوّل.
و أما توجيه حصول الفسخ بالإرادة مع عدم الخلاف- ظاهرا- في توقفه على وجود الفعل، بحيث لو اتفق حصول المانع عن الشروع في الفعل اضطرارا بعد تحقق الإرادة لم يتحقق الانفساخ، فهو أنّ التوقف على التصرف ليس من باب السببية المستلزمة لتأخر الملك عنه، بل هو من قبيل الاشتراط بالشرط المتأخر، بمعنى أنّ تأثير الإرادة في الانفساخ و سببيتها مشروط باقترانها بالفعل، و هو نظير الإجازة في العقد الفضولي على القول بكونها كاشفة كما هو المشهور المنصور.
و فرعوا عليه ملك النماء المتخلل بين العقد و الإجازة للمشتري.
لتقدم الفسخ على الإجازة.
و ردّ بالمنع فيما وقع الفسخ و الإجازة من طرف واحد، و لو لعدم الدليل.
1) مسالك الأفهام 6: 49.
و عن آخر: يعتق العبد دون الجارية، لأنّ الإجازة إبقاء للعقد و الأصل بقاؤه، و يعارضه اصل عدم العتق.
و الحقّ: بقاء الخيار و عدم حصول عتق أحد منهما، كما عن الفاضل (1)و المحقّق الثاني (2)، لأنّ المعتق لا يكون مالكا لهما بالفعل، لأن ملك أحدهما يستلزم خروج الآخر عن ملكه، فلا ينفذ عتقهما، لتدافعهما، مضافا إلى استصحاب بقاء الخيار و عدم حصول العتق.
بلا خلاف أجده، و إن تأمّل فيه بعض الأساطين، و به صرّح الفاضل (3)في القواعد، إلّا فيما أوجب التلف انفساخ العقد، فلا خيار، إذ لا عقد حينئذ، كما في خيار التأخير و الخيار قبل القبض.
و وجه ما ذكر: كون العقد قابلا للفسخ بعد تلف العين، و لذا قالوا بشرعية الإقالة- حينئذ- و حكي عليه الإجماع، فإنّ معنى الفسخ ليس ردّ كلّ عوض إلى مالكه الأوّل الذي يحصل بعقد جديد أيضا، بل هو حلّ العقد السابق الناقل للعوضين، و مقتضى حلّه عود العوضين مع بقائهما إلى مالكيه و استحقاقهما البدل عند تلفهما.
و لما كانت العين لتزلزلها بالخيار مضمونة على المنتقل إليه، فإذا تلف عنده يرجع الآخر إليه ببدله، و إن قلنا بعدم جواز إتلافها لغير ذي الخيار، نظرا إلى تعلق حق ذي الخيار بالعين أصالة.
و التمسك في سقوط الخيار بأصل البراءة عن العوض: مدفوع بزوال الأصل باستصحاب الخيار المقتضي لضمانه المزيل للبراءة عنه.
نعم، إذا كان موجب الخيار مقيدا بردّ العين، كما عند اشتراطه كذلك، أمكن القول بسقوطه. و لعله لذا تردّد العلّامة في المرابحة، فيما لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال بعد تلف المتاع (1).
بل عن المبسوط (2)و بعض آخر الجزم بالعدم، نظرا إلى أنّ الردّ إنّما يتحقق مع بقاء العين. و عن المسالك (3)و جامع المقاصد (4): ثبوت الخيار، لعدم المانع مع وجود المقتضي. و قد عرفت فيما تقدم خلافهم في بقاء خيار المغبون بتلف المغبون فيه.
كنقل المشتري المبيع في بيع الخيار، على أقوال ثلاثة:
الأوّل: عدم جوازه، و هو المحكيّ عن الشيخ (5)و ابن سعيد و ظاهر الفاضل في القواعد (6)و المحقّق و الشهيد الثانيين، بل نسب إلى الأكثر، و عن جامع المقاصد (7)و الدروس (8): نفي الخلاف عنه. و ربما يظهر من بعض كلمات العلّامة و الشهيد خلافه.
و في التحرير (9)و التذكرة (10): تجويز عتق المشتري العبد في زمان خيار البائع،
1) لم نقف عليه و لكن بحث قدّس سرّه عن أحكام المرابحة في تحرير الأحكام 1: 186؛ و في مختلف الشيعة 5: 185.
2) المبسوط 2: 86.
3) مسالك الأفهام 3: 217.
4) جامع المقاصد 3: 309.
5) جواهر الكلام 23: 70 و 71.
6) قواعد الأحكام 1: 144.
7) جامع المقاصد: 311/ 4.
8) الدروس الشرعية 3: 271.
9) تحرير الأحكام 1: 168.
10) تذكرة الفقهاء 1: 538.
و جعله كالتلف، فيرجع البائع بعد الفسخ إلى المثل أو القيمة، و ظاهره تخصيص الجواز بالعتق.
الثاني: صحّة التصرف الناقل لكن على التزلزل، فإنّ فسخ ذو الخيار رجع العين إليه من المنتقل إليه الثاني، و إن سقط خياره بأحد مسقطاته، لزم. و ربما يخصّص ذلك بما يقبل التزلزل كالبيع و الهبة، و أمّا ما لا يقبل كالعتق و الوقف، فيبطل التصرف.
الثالث: صحّته على وجه اللزوم و عدم تسلط ذي الخيار على استرجاع العين، بل ربما أفرط في ذلك بعدم الفرق بين النواقل اللازمة و الجائزة.
ثمّ إنّه لم يظهر من القائلين بالجواز بقاء الخيار بالرجوع إلى البدل من المثل أو القيمة، إلّا في مسألة العتق أو الاستيلاد.
و كيف كان، فالحقّ هو الأوّل، لأنّ الخيار متعلّق بسبب العقد إلى العوضين بإرجاع عينهما بحلّ العقد إلى ملكهما السابق، فلا يجوز أن يتصرّف في العين بما يبطل ذلك الحقّ بنقلها إلى غيره، و هذا يعمّ الخيارات الأصلية و المجعولة بالشرط، و إن كان في الثاني أوضح، لظهور إرادة إبقاء الملك من اشتراطه ليستردّه عند الفسخ، و كونه حكمة في أصل الخيار.
و ما أورده بعض أفاضل من عاصرناه عليه، من أنّ الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حال تلف العينين هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد الممكن في حالتي وجود العين و بعدها، فلا دلالة في مجرد ثبوت الخيار على حكم التلف جوازا و منعا، فالمرجع فيه أدلّة سلطنة الناس على أموالهم مخدوش بأنّ مقتضى حقّ الخيار أمران: السلطنة على حلّ العقد، و أخذ العين بالفسخ، و لذا لا يجوز بذل البدل مع بقاء العين.
نعم، عند عدم إمكان الثاني للتلف لا يسقط الأوّل، فيرجع إلى القيمة من قبيل الرجوع في المغصوب التالف على عوضه، و أمّا مع بقاء العين، فلا تسقط حقه عنها، فليس للآخر إتلاف هذا الحق عنه.
و تسلّطه على ماله بحديث السلطنة محجوج بسبق حقّ غيره فيه المنافي للإتلاف اختيارا، فلا يعارض أدلّة الخيار على ما بيناه في قاعدة نفي الضرر، مضافا إلى استلزامه جواز إتلاف العين رأسا، و لعلّه لا يقول أحد بهذا الضرر، و إلى ظهور إرادة ذي الخيار بقاءها في الخيار المجعول بالشرط، و الشارع في حكمة تشريعه في الخيار الأصليّ. و من هذا ينقدح حجة القول الثالث بضعفها.
و أمّا حجّة القول الثاني:
أمّا على جوازه متزلزلا، فقاعدة التسليط و عمومات حلّية البيع. و أمّا على تسلط ذي الخيار على الرجوع إلى العين بعد الفسخ ممن انتقل إليه، فاستصحاب خيار البائع اقتضائه جواز الرجوع إلى العين ما دامت باقية، مع أن البيع و نحوه ليس إلّا نقل الملك الثابت للناقل، و ليس للمشتري في زمن الخيار إلّا الملك المتزلزل، فلا يترتّب على بيعه إلّا حصول الملكية المتزلزلة الثابتة للمشتري، و لا ينافيه لزوم البيع، فإنّ مقتضاه لزومه على حسب حاله، و هو ما يرتفع بفسخ ذي الخيار، فهو لازم على المشتري الأوّل و الثاني دون البائع الأوّل.
و الجواب: أنّ الفسخ عبارة عن حل العقد الأوّل، و مقتضاه إرجاع المبيع عن ملكية المشتري الأوّل، فإنّه المشروط عليه الملتزم به، و بهذا فرع بقاء الملكية له، و في المفروض ارجاع عن ملكية المشتري الثاني بالعقد الثاني، و لم يكن له خيار بالنسبة إلى هذا العقد، إذ لا شرط بينهما، فلا بدّ إمّا من القول بعدم جواز إخراج المشتري الأوّل العين عن ملكه إبقاء لحق خيار البائع كما هو الصواب، أو القول
بسقوط خيار البائع عن العين و نقله إلى الغير.
كالأصل، فله صرفه كيف يشاء، و أخذ العوض عليها و مطالبة أجرة المثل و لو من ذي الخيار إذا تصرّفه، فلو آجره في زمان الخيار صحّت الإجارة، لكن ما دام تملكه للعين، و تنفسخ بفسخ العين، كما أفتى به المحقق القمّي و والدي العلّامة (1).
و القول بأنّ صحّة الإجارة تبطل تسلّط الفاسخ على أخذ العين، لاستحقاق المستأجر لتسلّمه لأجل استيفاء منفعة في مدة الإجارة: يضعف بأنّ الفسخ من قواطع الإجارة، نظير قطع إجارة البطن الأوّل في الوقف بموتهم، و انتقال العين الموقوفة إلى البطن الثاني.
و استظهر بعض أفاضل من عاصرناه بقاء الإجارة للمشتري و عدم بطلانها بفسخ العين، استنادا إلى أنّ المشتري ملك العين ملكية مطلقة مستعدة للدوام، و من نماء هذا الملك المنفعة الدائمة، فإذا استوفاها المشتري بالإجارة فلا وجه لرجوعها إلى الفاسخ، بل يرجع إليه الملك مسلوب المنفعة في مدّة الإجارة بعد الفسخ، كما إذا باعه بعد الإجارة.
و يفترق هذا عن إجارة البطن الأوّل في الوقف المنقطعة بانقضائهم، بأنّ البطن الثاني لا يتلقّى الملك عن البطن الأوّل حتى يتلقّاه مسلوب المنفعة، بل عن الواقف، فالملك ينتهي بانتهاء استعداده.
و يضعّف هذا أيضا.
أوّلا: بأنّ حق ذي الخيار كما تعلق بالعين قبل الفسخ بتسلطه على إرجاعها إلى
1) مستند الشيعة 2: 391.
نفسه بالفسخ، تعلّق بالمنفعة أيضا تبعا للعين بإرجاعها إليه كذلك، فيبطل ما ينافيه.
و كون الملك مستعدا للدوام لو لا الرافع لا يكفي في ملك المنفعة الدائمة فعلا قبل حلول الرافع، بل هو معلّق على عدم حلوله، كملك العين.
و بالجملة: تسلّطه على هذا التصرف و التمليك المستمرّ ينافي حقّ الخيار الآخر المتعلّق بالعين و المنفعة.
و التفريق بينه و بين اجارة الموقوف، بأنّ البطن الثاني تتلقّى الملك من الواقف لا من البطن الأوّل مستجمع المنفعة ينتهي استعداد ملك البطن الثاني بانقراضه:
مخدوش بأن المستأجر فيما نحن فيه، و إن تلقّى الملك عن المشتري، لكن على حسب ما تلقّاه من البائع، و هو المتزلزل المنتهى استعداده بالفسخ على حسب الشرط.
و ثانيا: بأنّه على تقدير بقاء الإجارة بعد الفسخ: إن كانت الأجرة المسماة إلى انقضاء مدّة الإجارة للفاسخ، فلا يكاد يصلح، بل هو خلاف قصد الموجر، و لعله لم يرض به الفاضل المعاصر و لم يفت، و إن كانت للمشتري، فهو ضرر بيّن على البائع، سيما إذا كانت مدّة الإجارة زائدة عن زمان الخيار بمدّة طويلة كعشرين سنة أو خمسين، إذ يدور أمر البائع- حينئذ- بين الالتزام ببقاء المبيع و بين الفسخ و ردّ الثمن و تملك العين مسلوب المنفعة في يد المستأجر إلى انقضاء مدّة الإجارة، و أيّهما كان، فهو ضرر فاحش و خلاف ما انعقد عليه قصد المتعاقدين في الخيارات المجعولة، و الحكمة في الخيارات الأصلية. و هل هو إلّا تضييق على ذي الخيار لا إرفاق و تسهيل له؟
فلا شك و لا خلاف في نفوذ إذنه و صحّة التصرف و عدم انفساخه بفسخ العقد الأوّل، و إن قلنا بعدم منافاة الإذن في التصرف لإرادة الفسخ و أخذ القيمة، لتوافق حقّيهما عليه.
و كذا لا إشكال- ظاهرا- في أنّ هذا الإذن ليس فسخا موجبا لعود الملك إلى الفاسخ، لاستلزامه وقوع الفعل المأذون فيه لذي الخيار، مع أنّه يقع وكالة عنه، و لا تعلّق قصدهما به على الفرض.
و كذا الظاهر، عدم بقاء الخيار بعد هذا الإذن بحيث يرجع ذو الخيار به إلى البدل، لأنّ حقّ الخيار متعيّن بالعين، و لا ينتقل إلى البدل إلّا إذا تلفت على كونها محلا لحقّه، و إذنه لغير ذي الخيار في التصرف الناقل لنفسه عند بقاءها على ملكه، إسقاط لحقّ خياره عن العين، فلا يرجع إلى البدل، بل هو التزام بالعقد.
و من هذا يظهر [أنّ] سقوطه بمجرّد الإذن، و إن لم يتصرّف المأذون، كما عن القواعد (1)و التذكرة (2)، بل عن المشهور، منع دلالة الإذن المجرّد عن التصرف المحكيّ عن جامع المقاصد (3)و المسالك (4)خلاف الظاهر، و توجيهه بظهور الإذن- حينئذ- في الفسخ بحكم العرف لا في الإسقاط، و الحكم بالسقوط في التصرف عن إذنه ليس لأجل تحقّق الإسقاط من ذي الخيار بالإذن، بل لأجل تحقق المسقط، نظرا إلى وقوع التصرف صحيحا و عدم التسلط على البدل كما تقرّر، خال عن التحصيل، لأنّ الإذن لو كان فسخا لم يتفاوت به الحال بتعقب التصرف المأذون فيه من غير ذي الخيار و عدمه.
هذا، و يظهر مما بيّناه حكم الإذن في الإتلاف و أنّه إسقاط للخيار، فليس له الفسخ و أخذ البدل، و لا هكذا لو تلف في يده أو أتلف بدون إذنه، لما تقدم من انتقال الحق- حينئذ- من العين المضمونة عليه إلى البدل.
فرع: لو أذن في الإجارة إلى آخر زمان الخيار أو أكثر، فلا شكّ في صحّتها كما مرّ، و ليس فسخا كما عرفت، و كذا ليس هنا إسقاطا للخيار أيضا، لأنّ متعلّقه العين و المنفعة تابعة، فتقع الإجارة المأذون ما لم يفسخ الإذن، و يبطل بفسخ العين، لما مرّ.
فإن قلت: الإذن في الإجارة إذن في تملك المنافع المتجدّدة لغير ذي الخيار، فلا يرجع إليه بعد فسخ العين.
قلت: الإذن إذا لم يكن فسخا لا يكون لازما، بحيث لا يمكن تعقبه البطلان القهريّ بفسخ العين، بل الإذن- حينئذ- لا ثمرة فيه و لا يفيد شيئا لاستحقاقه الإجارة ما دام ملك العين من غير توقف على إذن ذي الخيار.
نعم، إذا اقترن المقام بقرينة حالية دالة على قصده من الإذن إسقاط خياره كان له حكمه.
كما صرّح به جماعة.
و عن الغنية (1): الإجماع عليه في خيار المجلس و الشرط، و في التذكرة (2): إنّ الخيار عندنا موروث، لأنّه من الحقوق، كالشفعة و القصاص في أنواعه، و به قال الشافعي: إلّا في خيار المجلس، فهو الدليل عليه، مضافا إلى عموم النبوي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3)المنجبر بما ذكر، «و ما ترك الميّت من حقّ فلوارثه».
و أورد عليه أوّلا: بمنع كونه حقا بل حكما شرعيا، كالإجازة لعقد الفضوليّ و جواز الرجوع في الهبة، فإنّ الحكم لا يورث.
و ثانيا: بمنع كونه ما ترك الميّت، لأنّه فرع ثبوت كونه حقّا قابلا للانتقال، فلا يكون وجود الشخص و حياته مقوما له.
و يمكن الجواب عن الأوّل: بكونه حقا للإجماع بسقوطه بالإسقاط، و كونه في أحد العوضين في خيار الشرط، و نحوهما من خصائص الحقوق المنافية لمجرّد الحكم، مضافا إلى خصوص الإجماع على كونه من الحقوق.
و عن الثاني: بأنّ المتبادر من الخبر كونه في مقام بيان حكم الانتقال لمطلق الحقوق، و كون ما يسمّى حقّا داخلا في المتروكات المنتقلة، لا في بيان من ينتقل إليه، لظهور كونه لوارثه لا لغيره. كيف و لو كان الإطلاق منساقا لبيان الثاني لكان اللازم بيان أعيان الورثة و أشخاصهم.
و كيف كان، فالإجماع يغنى عن تطويل الكلام في ذلك، بل المهمّ بيان كيفية إرث الخيار إذا تعدّد الورثة.
و تفصيله: أنّهم إذا اتّفقوا على الفسخ أو الإجازة فلا إشكال، و إن اختلفوا فيهما ففيه أقوال ثلاثة، منشأها الخلاف في كيفية استحقاق الورثة للخيار:
أحدها: تقدم الفسخ، فيفسخ الجميع بفسخ البعض و إن أجاز الباقون، فكل من الورثة يستحق خيارا مستقلا كمورّثه، نظير حدّ القذف الذي لا يسقط بعفو بعض المستحقين و حق الشفعة على المحكيّ عن المشهور، نسب هذا القول في الرياض (1)إلى بعض و نظر فيه.
و عن الحدائق (2)تصريح الأصحاب بتقديم الفاسخ من الورثة دون المجيز.
و دعواه اتفاق الأصحاب مع ظهور خلافه عن أعيانهم غريبة.
نعم، في التذكرة (1)ذلك في خيار المجلس، قال: إن فسخ بعضهم و أجاز الآخر، فالأقوى أنّه ينفسخ في الكلّ كالمورث لو فسخ في حياته في البعض و أجاز في البعض، و استدلّ على هذا القول بالنبويّ المتقدّم الظاهر في ثبوت الحقّ لكلّ وارث خرج منه المال القابل للتجزئة، و ينزّل فيه على الاشتراك إجماعا، بخلاف محلّ البحث الذي لا يتجزّى. و لا يخفى أنّ الخبر بظاهره في مقام بيان انتقال المتروك إلى ماهيّة الوارث من غير نظر إلى كونه واحدا أو متعددا، اشتراكا أو استقلالا، بل لو فرض كونه عاما كالورثة، كان اللازم حمله على العموم الجنسيّ، ليشمل صورة وحدة الوارث و تبعّض المتروكات المتبعّضة على الورثة، مع أنّه لو أريد منه العموم الإفرادي أو الإطلاقي، لزم استعمال الكلام في معنيين، من الاشتراك في المال و التعدّد في مثل هذا الحق. و تخصيص الحقّ بغير المال ليس بأولى من تنزيله على الاشتراك باعتبار محلّه، أعني المنتقل إليه، فكان لكلّ خياره في نصيبه.
و ربما أورد عليه: بأنّ القرينة العقلية قامت على عدم إرادة ثبوته لكلّ واحد مستقلا، و هي استحالة تعدد الواحد الشخصي الذي كان للمورّث.
و فيه: منع استحالة سلطنة كلّ واحد على هذا الواحد وراثة، نظير الوكلاء المستقلّين في الموكّل فيه و الأوصياء في الموصى به. و قيام هذا الواحد لشخص واحد هو المورث لا يجب كونه كذلك في الإرث حيث لا يتجزّى، بل المنتقل إليه مجرد السلطنة على الفسخ، و لازمه سقوط الحق بإسقاط كلّ واحد، و هل يستحيل العقل تصريح الشارع به.
و كيف كان، فلا دليل يعتمد عليه على انتقاله إلى كلّ واحد مستقلا في الكلّ، مضافا إلى استلزامه- كثيرا ما- وقوع الضرر على سائر الورثة، كما سنشير إليه،
1) تذكرة الفقهاء 1: 526.
و يتعدّى إلى نفيه في غير مورد الضرر بعدم القول بالفصل.
القول الثاني: أنّه يستحق جميع الورثة مجموع الخيار، فلا ينفسخ إلّا باجتماع الكلّ على الفسخ.
اختاره جماعة منهم العلّامة في القواعد (1)، مع احتماله القول الآتي، و نجله في الإيضاح (2)، و الشهيدان في الدروس (3)و المسالك (4)، و والدي العلّامة في المستند (5)، و بعض من عاصرناه، استنادا إلى أنّ مقتضى أدلّة الإرث كون مجموع المتروك لمجموع الورثة، إلّا أنّ التقسيم في الأموال لما كان ممكنا، كان لكلّ واحد حصّة مشاعة، كسائر الأموال المشتركة، بخلاف الحقوق التي لا تتجزّى، فهي باقية على الاشتراك للجميع، فليس أحدهم مستقلّا في فسخ، لا في الكل و لا في البعض، و إلى أنّ القدر المتيقن من الأدلّة ثبوت الخيار الواحد الشخصي للمجموع، فإن اتفقوا على الفسخ انفسخ، و إلّا فلا دليل على الانفساخ في شيء منه.
و فيه، أنّ أدلّة الإرث لا يقتضي كون مجموع التركة للكلّ المجموعيّ، بحيث كانت للهيئة الاجتماعية مدخلية في استحقاقهم، و إلّا لما صحّ التقسيم في الأموال، فإنّها من باب واحد، بل ظاهرها كونها مشتركة بينهم بحيث كان لكلّ واحد حقّ فيها، و لازمه تجزّي هذا الشيء المتروك، مالا كان أو حقّا، و لذا لو مات بعض هؤلاء الورثة انتقل حقه إلى وارثه، مع أنّ حقّه ليس كلّ الخيار.
و اشتراط موافقته بالاستحقاق لسائرهم في حصول الفسخ الشرعيّ بالخيار
الوحداني المتروك، ليس من أجزاء الخيار، و لا هو من الحقوق المتروكة، بل هو حقيقة تجزئة في الوارث لا الموروث.
و بالجملة، مقتضى الاشتراك الثابت من الأدلّة أن يكون لكلّ منهم نصيب في المتروك، فإن كان المتروك من الأعيان يتجزّى العين، و إن كان من الأوصاف و الأعراض، فالتجزّي يعتبر في محلّها، لأنّ الانفساخ المسبّب عن الخيار يقع على كلّ جزء، و إن كان السبب واحدا، كما أنّ الملك المسبّب عن البيع إذا ظهر بعض المبيع مستحقا، و ستعرف مزيد بيان فيه مع ما في هذا القول ما أشرنا إليه من استلزامه الضرر غالبا على الورثة، كما إذا كان بقاء العقد و لزومه ضررا عليهم، كالبيوع الخيارية بأقلّ الثمن الواقعة ابتداء باستظهار شرط الخيار، فيحصل الضرر عليهم بمواطاة أحدهم لغير ذي الخيار في عدم موافقته للباقين في الفسخ.
القول الثالث: استحقاق كلّ من الورثة خيارا مستقلا في قدر نصيبه، اختاره بعضهم، و احتمله جماعة، و لا يخلو من قوة.
و ينجبر التبعّض على من عليه الخيار عند اختلافهم في الفسخ و الإمضاء بالخيار، إذ الاشتراك مقتضى ظاهر أدلّة الإرث كسائر الأموال، و حيث إنّه بنفسه غير قابل للتجزئة فيعتبر التجزّي في متعلّقه كما بيّناه.
و عدم ثبوت خيار البعض للمورث أصالة، و إن تعلّق بالأبعاض في ضمن الكلّ، لا يمنع من حصوله مستقلا في البعض لكلّ وارث، باعتبار عروض التجزّي في متعلّقه كما أشرنا إليه آنفا.
و توضيحه تفصيلا: أنّ الحقّ المملوك، إمّا أن يتبعّض في نفسه، فحكمه عند الاشتراك ظاهر أو لا يتبعّض، لا في نفسه و لا في متعلقه، كالقصاص، فمقتضى الاشتراك فيه اجتماع المحقّين على استيفائه، و مع الاختلاف بالرجوع إلى ما جعله
الشارع و هو بذل المستوفى حصّة الباقين من الدية التي هي بدل حقّهم شرعا، أو يتجزّى بحسب المتعلق دون نفسه، كما في محل الفرض، فإذا انتقل بالإرث إلى كثيرين، فلا بدّ من توجيهه: إمّا بكونه للهيئة الاجتماعية، أو لكلّ واحد مستقلا في المجموع أو في نصيبه خاصّة.
و لا يصحّ الأوّل، لأنّ المركّب من الكلّ ليس وارثا، بل هو كلّ واحد منهم، فلا مدخل للاجتماع في الوراثة و الاستحقاق، و كذا الثاني، لما فيه- مضافا إلى ما عرفت من كونه خلاف مقتضى أدلّة الإرث- من أنّه غير ما استحقّه المورث، لأنّ ما للمورث هو حقّ الخيار على رجوع المال إلى نفسه لا إلى غيره، و بعبارة أخرى: له التسلّط على إرجاع المفسوخ إلى نفسه بالفسخ، و في الفرض يملكه غيره بفسخ من له الخيار.
فإن قلت: للمورث السلطنة على حل العقد و جعل المال كما كان قبله، و تلك السلطنة تنتقل بالإرث إلى كلّ وارث، فهو في ذلك في حكم النائب و الوكيل في الفسخ، فإذا انفسخ صار المال في حكم مال المورث كما كان قبل العقد، فيرث كلّ وارث قدر سهمه منه.
قلت: الفسخ ناقل العقد من حينه، فليس ملك المفسوخ عين ما كان للمورث، بل هو لمن ملك الخيار، كما كان للمورث، فلا يصار إليه أيضا، مضافا إلى استلزامه الضرر كما عرفت، و حيث لا يصحّ المصير إلى هذين الاحتمالين، تعين الأخير، أعني اعتبار التبعّض في السهام.
بل أقوال: أقواها الأخير لعدم دليل من إجماع أو نصّ ظاهر على حصول الانتقال حينئذ. و احتمال مدخلية نفس الأجنبي فيه، و اللّه العالم.
مشرق: في الشبهة الموضوعية التحريمية المردّدة بين أمرين أو أكثر.
و محل الترديد إمّا محصور، و يسمّى الشبهة المحصورة، أو غير محصور، فهنا مقامان:
و قبل البحث نقدّم أمرين:
الأوّل: كما يشترط في صحّة التكليف قدرة المكلّف على الامتثال و الإتيان بالمكلّف به، كذا يشترط فيها قدرته على تحصيل العلم بامتثاله و لو بالاحتياط، فلا يجوز البناء في الامتثال على إصابة الواقع أحيانا و المطابقة الاتفاقية، لعدم كونه معقولا، بل كونه ممنوعا عقلا، لاستواء الاحتمالين عند عدم العلم في نظر المكلّف فمع عدم القدرة على كليهما معا بالاحتياط، لو عوقب على مخالفة أحدهما المطابق للواقع دون الآخر، لزم التكليف بما لا يطاق.
و منه يظهر أيضا أنّ مع قدرة المكلّف على تحصيل العلم و صحّة تعلّق التكليف لا يجديه الامتثال الاحتماليّ، بل يتوقف الامتثال على حصول العلم به، إذ مع عدمه يستوي المأتي به عنده للمحتمل الآخر.
و لو ترتّب ثواب الطاعة و عقاب المعصية عليه لا على الآخر لزم إناطة التكليف بالإصابة الاتفاقية للواقع، و قد علمت بطلانه، بل استحالته.
و كذا يظهر أنّ تكليف الجاهل بما في نفس الأمر، سواء كان الجهل بنفس الحكم، كما عليه الأخباريون في الشكّ الحكميّ في الحرمة، أو بالمكلّف به، كما عليه المشهور، لا ينفكّ عن التكليف بالاحتياط الموجب للعلم بامتثال الواقع، فالأوّل تكليف بدويّ له، و الآخر تكليف ثانويّ واقع في الطريق من باب المقدّمة العلمية.
الثاني: أنّ الأحكام الشرعية، كما تقرر في محله، منوطة بالحكم و المصالح الكامنة في ذوات الأشياء و خصوصيات الأفعال، على ما اتّفق عليه أهل المعقول و المنقول من العدلية، و لازمه ثبوت تلك الأحكام لها قبل تعلق علم المكلّف بها، و إلّا لزم الدور.
و الخطابات الشرعية المتوجهة إلى المكلفين منساقة لبيان تلك الأحكام الواقعية و مستعملة فيها، إلّا أنّها بالإضافة إلى أحوال المكلّفين ليست على إطلاقها، لمنافاته في كثير من صور الجهل، لما تقرّر في الشرع من القواعد الشرعية و الأصول العدمية (1)من التوسّع و الترخيص في مخالفة الأحكام الواقعية، بل إبقاؤها مطلقا على الإطلاق يؤدّى إلى التكليف بما لا يطاق، فهو مقيّد بغيرها على معنى عدم العقوبة على المخالفة الواقعية لعذر الجهل، و كونه مانعا لها، لا على تساويها للمطابقة في الآثار المسببة عن الحكمة الذاتية الباعثة لتشريع الحكم.
فمحطّ البحث هو الأوّل، و هو المسمّى بالحكم الظاهري، فلا يصحّ النقض باحتمال حصول مفسدة الحرمة في إباحة ما يحتمل الحرمة.
1) العملية (خ).
نعم، لا يصحّ الخروج عن الإطلاقات المقتضية للتكليف بالواقع، إلّا فيما ثبت تقييدها به.
و إذ تمهّد ذلك، فنقول صرّح جماعة من الأصوليين، بل عن المشهور: وجوب الاجتناب عن الجميع في الشبهة المحصورة، و لزوم الموافقة القطعية. و ذهب جمع من الأجلّة، منهم المحقق القمّي، و والدي العلّامة (1)إلى حلّية غير ما يساوي الحرام تخييرا، فلا يجب القطع بالموافقة، بل يحرم المخالفة القطعية، و عن بعضهم حلّية الجميع تدريجا و عدم حرمة المخالفة القطعية، و نسب ذلك إلى العلّامة المجلسي.
و الحقّ هو الثاني.
لنا على عدم وجوب الموافقة القطعية وجهان:
أحدهما: انتفاء التكليف بالمعلوم الإجمالي الواقعي بعينه بالنسبة إلى الجاهل، لأدلّة البراءة عما لا يعلم حرمته، كقوله عليه السّلام: «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه» (2). و قوله عليه السّلام: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» (3)، المخصّصة لعموم دليل تحريم العنوان المشتبه، كقوله: «اجتنب عن الخمر مثلا»، المطلق بالنسبة إلى علم المكلف و جهله، فيقيد بما ذكر.
و خصوصية موضوعه في الخطاب بالنسبة إلى موضوع أدلّة البراءة لا يرفع حكم التقييد بها لعدم مدخلية خصوصية العنوان في ذلك.
قيل: هذه الأخبار و أمثالها لا يصلح للمنع، لأنها كما تدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين، كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم الإجمالي، لأنّه شيء يعلم حرمته.
قلنا: أوّلا أنّ المعلوم الإجماليّ ليس إلّا الموضوع الخاصّ الواقع المجهولة بشخصه عندنا، المردّد بين أحد المشتبهين، فيصدق على كلّ منهما أنّه لا يعلم حرمته بعينه، و لازمه عدم التكليف باجتناب الموضوع الواقعي، و تقييد خطاب اجتنب عن الخمر- مثلا- بصورة العلم بصدقه على الموجود الخارجيّ، لما عرفت في المقدمة، أنّ التكليف بشيء لا ينفكّ عن التكليف بما هو طريق العلم بامتثاله.
فإذا حكم الشارع بإباحته يلزم الحكم بعدم حرمة الموضوع الواقعي- حينئذ- بخصوصه، و إن علم حرمته بحسب مفهومه الكلّي، كيف و إلّا لزم الحكم بحرمة الشبهة المجرّدة عن العلم الإجمالي أيضا، كما إذا وقع شكّ في كونه خلّا أو خمرا.
إذ العلم بحرمة الخمر الواقعي الكلّي الصادق على جميع أفراده لا ينفكّ عن وجوب الاجتناب عما يحتمل كونه الواقع، كما مرّ. و إلّا لزم جواز التخلف عنه، و هو خلف.
و من هذا ظهر أنّ أخبار التوسعة في الموضوع المشتبه تقدّم على دليل حرمة ما في الواقع و تقيّده، دون العكس، و إلّا لم يبق مورد لأدلّة البراءة، مضافا إلى كونها أخصّ منها، كما علمت.
و بالجملة إن أريد بالمعلوم الإجمالي موضوع الخطاب الشرعي المعين في الواقع، حيث يعلم حرمته، فينتقض بالشبهة المجرّدة، و إن أريد خصوص المعلوم في مورد الشكّ المردّد بين المشتبهين، فليس هو عنوانا لموضوع الحرام في الخطاب، حتى يستدلّ بتحريمه بالخطاب.
و ثانيا منع كون المعلوم الإجماليّ شيئا يعلم حرمته بعينه حيث كان خارجا عن موضوع الأخبار المذكورة، لصحّة سلبه عنه عرفا.
و القول بأنّ قوله: «بعينه» في الخبر الأوّل، أعني كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه
حرام بعينه، تأكيد للضمير للاهتمام في اعتبار العلم، كما يقال: رأيت زيدا بعينه، لدفع توهّم الاشتباه في الرؤية، فالمعيّن الواقعي المردّد بينهما يصدق عليه أنّه معلوم الحرمة بعينه، مدفوع، بأنّ هذا مبنيّ على إرادة «بنفسه»، من قوله: «بعينه» و هو خلاف الظاهر في المقام، سيما مع ملاحظة الخبر الثاني و إطلاق الأمثلة المذكورة في بعض هذه الروايات، مثل الثوب المحتمل للسرقة، و المملوك المحتمل للحرّية، و المرأة المحتملة للرضيعية، فإنّ إطلاقها يشمل الاشتباه مع العلم الإجماليّ، بل الظاهر أنّ المراد به ما يرادف بشخصه الخارجي أي يتميز عند العالم عن غيره في مقابل لا بعينه، فإنّه يصدق على الحرام الواقعي المجهول بشخصه أنّه غير معلوم بعينه، و أنّ الحرام منهما معلوم لا بعينه.
و إن كنت في ذلك متأمّلا فانظر إلى متفاهم العرف في نظائر ما نحن فيه، من الخطابات العرفية الصادرة عن الموالي، فإنّه إذا قال المولى لعبده: لا تشتر اليوم لحم البقر، و اشتر ما لم تعلم أنه لحم البقر، إذا اشترى أحد المشتبهين خاصة، مع علمه بكون أحدهما لحم البقر، لا يعدّ عاصيا، و لو عاقبه عليه يلام قطعا، مع رخصته في شراء المجهول.
هذا، و يدلّ أيضا، على حلّية البعض خصوص بعض الأخبار في الشبهة المحصورة، مثل: موثقة سماعة (1)، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أصاب مالا من عمّال بني أمية، و هو يتصدّق منه و يصل قرابته و يحج ليغفر له ما اكتسب، و يقول إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (2)، فقال عليه السّلام: «إنّ الخطيئة لا يكفّر
الخطيئة و إنّ الحسنة يحبط الخطيئة»، ثمّ قال: إن كان خلط الحرام حلالا، فاختلطا جميعا، فلم يعرف الحرام من الحلال، فلا بأس، فإنّ ظاهره عدم صرف الجميع، بل بعضه المشتبه بالاختلاط، فلا يدلّ على جواز صرف الكلّ.
و أورد عليه: بأنّ ظاهره جواز التصرف في الجميع بصرف بعضه في القربات المذكورة و إمساك الباقي، فقد تصرف في الجميع، فلا بدّ من صرفه عن ظاهره، لئلا يلزم المخالفة القطعية. و لا ينحصر المصروف إليه في ترك ما يساوي مقدار الحرام، بل يحتمل حمل الخبر على غيره. و فيه منع الظهور جدّا، إذ ليس الباقي محل السؤال، بل هو مسكوت عنه، مع أنّ الأخبار الآمرة بإخراج الخمس في المختلط بالحرام قرينة ظاهرة لصرفه عن الظهور المدّعي.
و ثانيهما: أنّه لو سلّم التكليف بالمعيّن الواقعي، فثبوته لا يقتضي الاجتناب عن كلا المشتبهين، إلّا بقاعدة استدعاء الشغل اليقيني البراءة اليقينية، كما تقدّم في المقدّمة، و هي تعمّ التعيّن الشرعي الثابت بالاستصحاب، لقيامه مقام التعيّن الوجداني في الشرعيات، و لما كان الامتثال هنا بالترك و هو معلوم الثبوت أوّلا، فالاستصحاب يقتضي بقائه إلى أن يعلم العصيان، و هو بفعلهما جميعا.
و بهذا يحصل الفرق بين الواجب و الحرام، فإنّ الاستصحاب في الواجب بين المشتبهين تقتضي عدم الإتيان به إلى أن يحصل اليقين به الحاصل بإتيانهما معا.
فإن قلت: استصحاب عدم الإتيان بالحرام الواقعي المشتغل به يعارض استصحاب عدم الآخر، كما في المائع المردّد بين الخمر و الخلّ، فلا يحصل بالاستصحاب هنا العلم الشرعي بالامتثال، فوجب تحصيل العلم الوجداني به.
قلت: مقتضي تعارض الاستصحابين و تساقطهما، الرجوع في خصوص الآثار و اللوازم إلى ما يقتضيه الاستصحاب في أنفسها، كما بيّناه فيما أسلفنا في محلّه، كما
إذا علم حدوث عقد مردّد في كونه إجارة بعشرة أو بيعا بمائة، فإنّه بعد تعارض استصحابي عدم كلّ منهما، يرجع إلى استصحاب عدم اشتغال ذمّة المتعاقدين له بالزائد عن العشرة لعدم العلم بموجبه.
ففيما نحن فيه نقول: إذا تناول أحد المشتبهين، و إن لم نحكم بعدم تناول الخمر، نظرا إلى معارضته لاستصحاب عدم تناول الخلّ، إلّا أنّه يستصحب عدم حصول العصيان و عدم حدوث استحقاق العقاب، و تلازمه للخلّ إنّما هو بحسب الوجود الواقعي لا الظاهري الاستصحابي، فلا يستلزم الحكم بعدم العصيان الحكم بكونه خلّا.
و من فروع ذلك في المقام أمور كثيرة هي معاقد الإجماع- ظاهرا- عند القائلين بالاجتناب عن الجميع، فلا يحكم بوجوب الحدّ لشرب أحد المشتبهين في المثال المذكور، و لا باشتغال الذمة بحق الغير إذا اشتبه ماله بمال الغير فأتلف أحدهما.
و منها ما إذا لاقى أحد المشتبهين بالنجاسة شيئا ثالثا، فمقتضى التحقيق: عدم تنجس الملاقي و لو على البناء على وجوب الاجتناب عنهما. صرّح به بعض القائلين به، كما هو ظاهر غيرهم.
و بهذا يظهر الفرق بين الاجتناب عن النجس الاستصحابي المنجّس للملاقي إجماعا، و الاجتناب عن أحد المشتبهين في الشبهة المحصورة، فإنّ الأوّل من جهة الحكم بالنجاسة شرعا، فيترتّب عليها آثارها، و الثاني من باب المقدمة، و سنبيّنه على مزيد بيان في ذلك.
و بالجملة نظر القوم في الشبهة المحصورة تحريما و جوازا، من جهة نفس المشتبه من حيث كونه مشتبها، مع قطع النظر عن الآثار الخارجة، فإنّها موكولة إلى ما يقتضيه الأصل باعتبار نفس الآثار.
فإن قلت: فعلى هذا لزم القول باستصحاب اشتغال الذمّة بالصلاة في أحد الثوبين المشتبهين، و لو على المختار في المسألة من عدم وجوب الاجتناب عن الجميع، مع أنّه لا يقال به.
قلت: وجهه أنّ الثابت من الشرع كون النجاسة مانعة للصلاة، لا أنّ الطهارة مبيحة لها، فالحكم بالبطلان يستدعي اليقين بوجود المانع و لو بالاستصحاب.
و لنا على حرمة المخالفة القطعية التي هي بارتكاب الجميع و لو تدريجا وجهان:
أحدهما: أنّ الجملة المشتملة على الحرام اليقيني حرام قطعا، و إن لم يعلم الحرام منها بشخصه، فيحرم ارتكاب الجميع.
فإن قلت: على ما ذكرت سابقا من جواز ارتكاب أحد المشتبهين خاصة لعدم العلم بحرمته بخصوصه، جاز ارتكاب الآخر أيضا، لاستواء حاله في ذلك مع الأوّل، و حصول العلم بارتكاب محرّم بعد فعله غير ضائر، لعدم اتصاف الفعل بالحرمة بعد العمل، مع فرض كونه محكوما بالجواز عند ارتكابه.
قلت: حكم المجموع غير حكم كلّ واحد كما مرّ و هو يحصل بارتكاب الأخير، فهو مقدّمة وجودية للحرام حقيقة لا علمية.
فإن قلت: أدلّة البراءة النافية لحرمة كلّ واحد يستلزم عدم حرمة المعلوم الإجمالي الواقعي، بالتقريب المتقدّم، فلا يكون المشتمل عليه حراما.
قلت: كلّ واحد له جهتان: جهة خاصة في نفسه، و هو محكوم بالحلّية، و جهة اجتماعية تحصل من تداركهما الجميع (1)، فهو محرّم، من قبيل ارتكاب أجزاء الحرام، فإنّ المجموع- حينئذ- حرام بعينه، فلا تشمله أدلّة البراءة و تعيّن شخص الحرام من بين الجملة المشتملة عليه غير لازم اتفاقا. و حيث إنّ تلك الجهة، أعني
1) كذا.
الهيئة المركّبة تحصل بالأخير، فهو محكوم بالحرمة.
و أمّا الأوّل، فإن قصد به اقترانه بالأخير أيضا، فلا يبعد الحكم بحرمته مع هذا القصد أيضا، بل هو الظاهر، فإذن المشهور في أحدهما إنما هو بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر، لئلا يلزم ارتكاب الجميع، فيكون الحلال الظاهريّ هو أحدهما على التخيير، و هو من قبيل التخيير الاستمراري في تقليد أحد المجتهدين المتخالفين فيما يقلّد فيه.
فإن قلت: عنوان المجموع من حيث هو ليس عنوانا للحرام الواقعي المقصود من الخطاب الشرعي، بل هو أحدهما بخصوصه، و حيث إنّه حلال ظاهريّ بسبب الجهل، فيسقط التكليف عن الحرام الواقعي، فلا يضرّ العلم بالمخالفة القطعية، كما وقع نظائرها في الشرعيات فوق الإحصاء، كما في الرجوع في التقليد في المثال المذكور، و كما في إقرار ذي اليد لزيد و قيام البيّنة لعمرو، فتؤخذ المال منه لعمرو و قيمته لزيد، أو قال هذا لزيد بل لعمرو بل لخالد، حيث يغرم لكلّ من الأخيرين تمام القيمة، مع أن حكم الحاكم في الجميع مخالف للواقع، و أمثال ذلك من صور الأقارير و التحالف و غير ذلك.
قلت: نعم، ليس المجموع عنوان الحرام الواقعي، بل هو أحدهما الخاص، إلّا أنّه لاشتماله عليه و عدم العلم بالخاصّ بعينه صار عنوانا له في الظاهر، و حلّية كلّ واحد بالخصوص بدليل البراءة لا يقتضي حلّيته مقترنا بالآخر، و لا يساعده دليل البراءة كما عرفت. و النقض بالمخالفة القطعية في أمثال ما ذكر غير متّجه.
أمّا التقليد الذي يتبدّل بتقليد مجتهد آخر، فلأنّ التقليد لكونه طريق الواقع في حقّ المقلّد، و لو تعبّدا، فهو من باب تغيّر الواقع في حقّه، نظير تغيّر رأى المجتهد لنفسه.
و أمّا في غيره، فلا يلزم جواز المخالفة القطعية في حكم شخص واحد، من قبيل واجد المني في ثوب مشترك.
و أمّا الحاكم، فوظيفته أخذ ما يستحقه المحكوم له على المحكوم عليه بالأسباب الظاهرية كالإقرار و الحلف و البيّنة و غيرهما، فهو قائم مقام المستحقّ في أخذ حقّه، و لا عبرة بعلمه الإجمالي بالنسبة إلى غيره.
و ثانيهما: بناء العرف على ما ذكرناه، كما يشاهد في نظائر ما نحن فيه من الأحكام الصادرة عن الموالي و حكمهم به، فإنّه إذا قال المولى لعبده: لا تشتر اليوم لحم البقر و يجوز لك شراء ما لم يعلم كونه لحمه، إذا اشترى المشتبهين و لو بصفقتين، يعد عاصيا و يعاقب عليه، كما لا يعاقب إذا اقتصر على أحدهما كما أشرنا إليه، و ما هو إلّا لكونه لازم الخطابين معا، و هو حجّة في الشرع، بل يحكم بذلك القوة العاقلة.
احتجّ القائلون بحرمة الجميع بوجهين:
الأوّل: إنّ أدلّة تحريم المحرمات شاملة للمعلوم الإجمالي، فلزم بحكم العقل التحرز عن ارتكاب ذلك المحرّم بالاجتناب عن كلا المشتبهين، و إلّا لزم تجويز ارتكاب ما هو الحرام الواقعي إذا اتفق كونه المرتكب به و عدم العقاب، إذ المفروض ثبوت التكليف هنا بما هو في الواقع، لمكان العلم به.
و الجواب عنه: أوّلا: إنّ المراد بالمعلوم الإجمالي، إن كان ما هو موضوع الخطاب الشرعي، أعني الماهيّة الكلّية، فلا كلام في كونه مكلّفا به، لكن بشرط العلم بمصداقه الخارجي، و أمّا مع عدمه فلا.
و لا فرق في ذلك بينه و بين الشبهة الابتدائية الموضوعية، فإنّ نسبة الجهل إلى كلّ واحد من المشتبهين، كنسبته إلى المشتبه الابتدائيّ.
و إن كان هو الفرد الواقعي المردّد بينهما، فهو أوّل الكلام، و شمول الخطاب المحمول على المعنى النفس الأمريّ له و إن كان مسلما، إلّا أنّ تكليفنا به مقيّد بالعلم بنفس الحكم و موضوعه بملاحظة أدلّة البراءة، كما تقدم بيانه. و لا فرق في ذلك- بالنسبة إلى مصاديق الموضوع الخارجية- بين الشبهة المحصورة و الابتدائية، مع صدق العلم فيهما بنفس الحكم الثابت من الخطاب الشرعي.
و إن كان المراد، المجتمع من المشتبهين المشتمل على المعلوم الإجماليّ، فحرمته مسلمة، بل هو حرام تفصيليّ لا يجوز تناولهما جميعا، فإنّ المركّب من الحرام حرام كما بيّناه، و أين هو من كلّ واحد وحده.
و ثانيا: أنّه لو سلم التكليف التحريمي بالنسبة إلى أحدهما المعين الواقعي، فغاية الأمر وجوب تحصيل العلم الشرعي بامتثاله الشامل للعلم الاستصحابي.
و قد علمت: أنّ مقتضى الاستصحاب عدم حصول العصيان و استحقاق العقاب بفعل أحدهما، و إن تعارض الاستصحابان فيهما بملاحظة نفس الموضوعين.
و من هذا يظهر أنّ الاستناد بحال العبد إذا قال له المولى: اجتنب عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين، حيث لا يرتاب في وجوب الاحتياط حينئذ، ليس كما ينبغي، فإنّه لو سلم كون المبحوث عنه من هذا القبيل، مع أنّه غير مسلّم كما عرفت، فهو إذا لم يقترن به قول المولى: إذا شككت في وقوعك في العصيان، فلا حرج عليك.
الثاني: الأخبار الدالّة على اجتناب الجميع.
و منها المرسل (1): «اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس». و منها الخبر
1) في مستدرك الوسائل 11: 267، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّه قال: «إنّما سمّي المتّقون المتّقين، لتركهم عما لا بأس به حذرا ممّا به البأس».
المنجبر بالشهرة (1): «ما اجتمع الحرام و الحلال إلّا غلب الحرام على الحلال».
و منها رواية ضريس (2)، عن السمن و الجبن في أرض المشركين: قال: أمّا ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا يحلّ، و ما لم تعلم فكل، و الخلط يصدق مع الاشتباه.
و منها رواية ابن سنان (3): «كلّ شيء حلال حتى يجيئك شاهدان أنّ فيه الميتة»، فإنّه يصدق على المجموع لحمان فيه الميتة.
و الجواب عن الأوّل: إنّ اجتماع الحلال و الحرام، إن كان محمولا على معنى الاشتباه، فينقض بالشبهة الابتدائية و غير المحصورة، و مع ذلك مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، و إن كان على الحقيقة، فالمراد بالغلبة، إن كان بالنسبة إلى كلّ جزء فينتقض بمعلوم الحلّية في المجتمع منهما، و مع ذلك فخلاف الظاهر أيضا، و إن كان بالنسبة إلى الكلّ فهو كذلك، و لا يحصل إلّا بتناول الأخير، فلا يتمّ المدّعى.
و عن الثاني: إنّ المراد منه، إن كان صورة الشكّ، فهو كسائر أدلّة الاحتياط محمول على الاستحباب، لمعارضتها لأدلّة البراءة الراجحة عليها، على ما تقرّر في محلّه، و إن كان المراد منه صورة العلم بالبأس، فلا يصدق إلّا على المجموع كما ذكرنا.
1) عوالي اللآلي 2: 132، الحديث 358؛ مستدرك الوسائل 13: 68، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 14768.
2) وسائل الشيعة 24: 235 الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرمة، الرواية 30424؛ مع اختلاف يسير.
3) وسائل الشيعة 25: 118، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الرواية 31377؛ الرواية عن عبد اللّه بن سليمان، عن الصادق عليه السّلام في الجبنة قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه الميتة».
و إرادة المعلوم الإجمالي المردّد بين المشتبهين ليست بأظهر من حمله على المباح المعد لارتكاب الحرام، ككثير من الشهوات النفسانية، و استلزام حمل الأمر على الاستحباب من باب الإرشاد و الوعظ الوارد أمثاله في الأخبار بما لا يحصي، ليس بأدون من التجوّز الحاصل على الحمل على المبحوث عنه، فيما إذا ارتكب أحد المشتبهين خاصة.
و عن الثالث: أنّ الخلط حقيقة في الامتزاج دون الاشتباه، فهو على خلاف المقصود أدلّ. و من هذا و ما تقدم يظهر ما في الرابع أيضا.
حجّة القول بحلّية الجميع تدريجا يظهر مما قدمنا مع جوابه، و مع ذلك يمنعه بعض ما تقدّم من الأخبار، مضافا إلى كونه خلاف ظاهر الأصحاب، و لم يجترأ على القول به صريحا من مال إليه، بل يترتّب عليه من المفاسد ما لا ينبغي الشبهة فيه.
و حجّة القول بالقرعة: أنّ الحرام المشتبه يتخلّص بها، لما ورد أنها لكلّ أمر مشكل، و خصوص الخبر الحاكم بالقرعة في قطع غنم نزى (1)الراعي على واحدة منها ثم أرسلها في الغنم فاشتبه بغيرها.
و الجواب عن الأوّل: أنّه لا إشكال بعد ما عرفت من الأدلّة.
و عن الثاني: أنّه لا يدلّ على الوجوب، بل غايته الاستحباب، كما احتمله بعض الأصحاب، سيما مع عدم صراحته فيه و ندرة القول بها بل شذوذه، فلا ينهض حجّة. و احتمل بعضهم اختصاص العمل به في مورد الخبر مع عدم ما يفيد العموم فيه.
إنّما هو فيما لا يقتضي
1) نزا، ينزو: وثب، و الذكر على الأنثى: سفدها.
الاستصحاب حرمتها أو حرمة أحدهما بخصوصه، و إلّا فيبنى على ما يقتضيه الاستصحاب.
أمّا الأوّل: فلرجوعه إلى تعارض الاستصحابين في موضوعين لا نسبة بينهما بالسببية، فإنه يجب الاجتناب- حينئذ- عنهما على القول بالعمل بهما، كما هو غير بعيد على ما تقرر في محلّه، كما إذا اشتبه المغسول من المتنجّسين.
فإن قلت: فكيف لا يعمل باستصحابي الطهارة إذا علم تنجّس أحدهما لا بعينه.
قلت: الممنوع- حينئذ- الجمع بينهما و ارتكاب الجميع، لحصول العلم به- حينئذ- بارتكاب الحرام، بخلاف استصحابي الطهارة، إذ غاية ما في الباب- حينئذ- العلم بترك الحلال المردّد بينهما، و لا محذور فيه.
و من ذلك ما إذا اشتبهت زوجته بالأجنبية في امرأتين، فيحرم وطؤها، مضافا إلى ظهور الإجماع فيه، فإذا طلقت إحدى زوجتيه ثم اشتبهتا، فمقتضى ما اخترناه و إن كان حلّية أحدهما، إلّا أنّه لا يبعد الإجماع على حرمتهما في خصوص المورد، كما في الإنائين المشتبهين.
و أمّا الثاني: فلتعين الحرام من بينهما بالاستصحاب الذي هو دليل شرعي، كما إذا دار الأمر بين تنجّس هذا و زوال نجاسة ذلك، فيبنى على استصحابي النجاسة و الطهارة فيهما.
كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بأن نسيت وقتها و إن حفظت عددها، فتعلم أنها حائض في الشهر ثلاثة أيام مثلا، فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر، و يجب على الزوجة أيضا الإمساك عن دخول المسجد و قراءة العزيمة تمام الشهر أو لا.
التحقيق أن يقال: أنه لا فرق بين الموجودات فعلا و الموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردّد بينهما إذا كان الابتلاء دفعة و عدمه، لاتّحاد المناط في وجوب الاجتناب.
نعم، قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجيات كما في مثل الحيض، فإن تنجّز تكليف الزوج بترك وطء الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فإنّ قول الشارع:
فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (1)ظاهر في وجوب الكفّ عند الابتلاء بالحائض، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلق بهذا الخطاب.
و يشكل الفرق بين هذا و بين ما إذا نذر أو حلف ترك الوطء في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد، و لكنّ الأظهر هنا وجوب الاحتياط.
إلى أن قال: فحيث لا يجب الاحتياط في الشبهة التدريجية، فالظاهر جواز المخالفة القطعية، لأنّ المفروض عدم تنجز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، فالواجب:
الرجوع في كل مشتبه إلى الأصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه إباحة و تحريما، فيرجع في مثال المضطربة إلى استصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الإباحة، لعدم جريان استصحاب الطهر، انتهى.
أقول: و للنظر فيه مجال، لأنّ الابتلاء بالمعلوم الإجمالي لا يتفاوت فيه الحال بين الدفعي و التدريجي مع العلم بحصوله، بل تناول الدفعيات أيضا تدريجي حقيقة، فإنّ قطيع غنم في الشبهة المحصورة لا يمكن أكل كلّه دفعة.
و بالجملة أيّ فرق فيما إذا علم وجود شخص كافر في جملة عدد محصور يأتيك متعاقبا، و حيض ناسية الوقت في الشهر، فكيف يمنع تنجّز التكليف بترك
1) البقره: 222.
وطء الحائض قبل زمان حيضها، و تجوز المخالفة القطعية فيه استنادا إلى استصحاب الطهر في غير مقدار زمان الحيض، و فيه إلى أصالة الإباحة، و لا يمنع تنجّزه بترك ملاقاة الكافر قبل وصوله و حضوره، و قد يقتضي الاستصحاب في التدريجي ترك الجميع و تحصل الموافقة القطعية، كما إذا شكّ في صيرورة أحد الخمرين خلّا، ثم شك في صيرورة الآخر كذلك، مع العلم الإجمالي بصيرورة أحدهما خلّا، فلا ينبغي الحكم- مطلقا- بجواز المخالفة القطعية في التدريجيات، و كيف تبنى الزوجة على الطهر في تمام الشهر مع العلم باشتغال ذمّتها بقضاء صوم الثلاثة. اللهمّ إلّا أن يستثنى ذلك عن حكمة (1)المخالفة. بل التحقيق، أنّ مقتضى تأخر الحادث، الحكم بتجدد موضوع الحرمة في آخر الأزمنة المشتبهة، كما في مثال حيض الناسية، و هكذا (2)في غير صورة تجدّد موضوع الحرام، أيضا، نظرا إلى تجدّد الحكم التكليفي فيه، فيعمل أيضا، بأصل التأخر بناء على القول بهذا مطلقا.
و ما قد يستظهر من صاحب الحدائق في جواب صاحب المدارك في قوله: إنّ المستفاد من قواعد الأصحاب أنّه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الإناء و خارجه لم يمنع من استعماله، من التفصيل بين الصورتين و تخصيص الاجتناب عن المشتبهين بالأولى دون الثانية، لا عبرة به، لعموم المناط، فلا يختلف حكم المشتبه في تردّد النجس بين الماء و مائع آخر، أو بين ماء و ثوب، أو بين السجدة في خارج الإناء و شرب الماء في مثال المدارك، و التلبّس بالثوب و الشرب عند التردّد في
نجاسة أحدهما، بل و لو كان المحرم على كلّ تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر، كما لو دار الأمر بين كون أحد الثوبين نجسا و كون الآخر مال الغير، لاندراج ذلك كلّه في وجوب الاجتناب عن الحرام، و النواهي الشرعية كلها مشتركة فيه، فلا يتفاوت الحال في ذلك باختلاف العنوانات.
و أمّا على القول باجتناب الجميع، فصريح بعض من عاصرناه عدم ترتّبها أيضا، بل ظاهر إطلاقه على الاستيعاب أيضا، لأنّ وجوب الاجتناب على مختارهم من باب المقدمة للمعلوم الإجمالي الواقعي، و لا ينهض ذلك في الآثار، فيرجع فيها إلى الأصول الجارية في كلّ واحد بخصوصه، و أنت خبير بأنّ الآثار تابعة للحرام الواقعي، و حيث التزم القائل به بثبوت التكليف به و إيجاب الجميع من باب الاحتياط و تحصيل العلم بامتثاله، فيجري هذا الكلام بعينه في الآثار التكليفية له أيضا، مثلا: إذا علم نجاسة أحد المائين، و حكم بوجوب الاجتناب عنهما تحصيلا للعلم بدرك الواقع، فكذا يلزمه بذلك الحكم ببطلان الصلاة بإصابة أحدهما إلى الثوب، و حصول الحنث بلبس الملاقي له إذا كان منذورا و بطلان بيعه، و هكذا.
و تخصيص التكليف بمجرد الاجتناب عن العين تحكم محض، بل نقول: الأثر الواقعي، أيضا، معلوم إجمالي، و بقاء التكليف به يقتضي الاحتياط في أمثاله، و التحقيق: أنّ التكليف المعلوم أمر وجدانيّ حقيقة، هو البناء على نجاسة المعلوم الإجمالي أو حرمته، و الجري عليه و جعله بمنزلة المعلوم التفصيلي، كما عساه يظهر من كثير من القائلين باجتناب الجميع.
فإن قلت: التكليف باجتناب العين منجّز غير مشروط بشيء، و أمّا بالآثار،
فمعلق بوجود المعلوم الإجمالي الذي يتفرّع عليه، و لا علم بها بوجود أحدهما.
قلت: نعم، هذا اعتراض وارد على أصل هذا القول و إلّا فعلى البناء على كون المعلّق عليه كنجاسة المشتبه محكوما بوجوده، لزمه الحكم بوجود ما علّق عليه.
فإن قلت: لا يحكم بنجاسة كلّ منهما في حقه، بل بوجوب الاجتناب عنه من باب المقدّمة للاجتناب عن النجس الواقعي.
قلت: وجوب الاجتناب، أيضا من أحكام النجس و الحرام و آثارهما الشرعية، كما أنّ بطلان الصلاة فيه و وجوب تطهيره عند الضرورة و بطلان البيع و حرمة التصرف و أمثالها من آثارهما، فلا وجه لتخصيص التكليف عند العلم الإجمالي بالاجتناب خاصة.
و بالجملة، ما استظهروا به للتكليف بالواقع المعلوم إجمالا، يقتضي التكليف بنفس المتبوع المستتبع لآثاره و أحكامه الشرعية، أى وجوب البناء و الجري عليه، لا خصوص بعض مقتضياته، فالعلم بامتثال المتبوع الواجب بحكم المقدمة لا يحصل إلّا بالبناء عليه في كلّ منها.
نعم، من الآثار الوضعية ما يشترط في ثبوته مصادفة المأتي به للواقع، فلا يحكم في خصوص مثله باعتبار وجوب المقدمة العلمية الذي هو حكم ثانوي، كاشتغال الذمّة بحق الغير إذا اشتبه ماله بمال نفسه، فإثباته متوقف على العلم بحصول السبب، و هو عند ارتكابهما جميعا.
و من ذلك استحقاق خصوص العقاب المقرّر للحرام الواقعي، فلا يستحقه إلّا بمصادفة المأتيّ به للواقع أو بارتكابهما جميعا، و إلّا فمع عدم المصادفة كان عليه عقاب المخالفة (1)للحكم الثانوي التوصّلي.
1) في الأصل: عصيان المخالفة.
سواء كان قبل استعمال أحدهما أو بعده، لعدم حصول العلم بها و لو بعد استعمال الجميع، و إنما يحكم بالآثار المشتركة.
نعم، لو كان الحكم بنجاسة أحدهما من باب التخيير الناشئ عن عدم المرجّح، فلا يبعد القول بنجاسة ما لاقاه إذا اختاره المكلّف من بينهما، و كذا على القول بالقرعة.
و يظهر ممّا ذكرناه، عدم جواز الجمع بين ملاقي أحدهما مع عين الآخر، و كذا بين ملاقيهما، و وجهه ظاهر.
و أما على القول بالاجتناب عن الجميع، فقال بعض من عاصرناه، فيه وجهان، بل قولان، و اختار عدم التنجّس الملاقي، استنادا إلى أنّ الاجتناب عن النجس لا يراد به إلّا الاجتناب عن العين، و تنجّس الملاقي للنجس حكم وضعي سببي يترتّب للعنوان الواقعي من النجاسات، فإنّه إذا شكّ في ثبوته للملاقي جرى فيه أصل الطهارة.
و بعد الإحاطة بما تقدّم بيانه، يظهر لك ضعفه جدّا، فإن ما يترتّب للعنوان الواقعي هو التنجّس الواقعي للملاقي، و لا نعني به، كما لا نحكم به لغير الملاقي- بالفتح- أيضا. و أما التنجّس الظاهري، فيترتّب على تنجّس العين ظاهرا، كتنجّس الملاقي للنجس الاستصحابي، و المفروض كون الملاقي- بالفتح- محكوما بالنجاسة، و إن كان من باب المقدمة، و يلزمها نجاسة ما لاقاه كما تبيّن.
ثم اعترض على نفسه، بأنّ وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه، و إن لم يكن من حيث ملاقاته، إلّا أنّه يصير كملاقاته في العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة المشتبه الآخر، فلا فرق بين المتلاقيين في كون كل منهما أحد طرفي الشبهة.
و أجاب عنه بما حاصله: أنّ الاستصحاب بين المتعارضين إذا كانا في مرتبة واحدة من غير سببية أحد المستصحبين لخلاف (1)الآخر، يتساقطان و يرجع في الأحكام و المسببات في كلّ منهما بما يقتضيه الأصل و الاستصحاب في أنفسهما، ففي المورد يتعارض أصلا الطهارة في الملاقي- بالفتح- و المشتبه الآخر و يسقطان، و يبقى أصالة الطهارة في الملاقي- بالكسر- التي هي من المسبّبات سليما عن معارضة أصالة طهارة المشتبه الآخر.
و فيه، أنّ القاعدة المذكورة مسلّمة مقبولة، كما حقّقناه في مقامه و أشرنا إليه، إلّا أنها لا يتمّ المدعى على القول المذكور، لأنّه (2)يرد عليه- مضافا إلى منع تساقط الاستصحابين المتعارضين في موضوعين مختلفين مع انتفاء السببية- أن تنجّس الملاقي إنّما نشأ من تنجّس الملاقي- بالفتح- شرعا، سواء كان لاستصحابه أو لجهة كونه مقدّمة، و تخصيص حكم المقدّمة بمجرّد اجتناب العين دون البناء على نجاسته فقد عرفت ضعفه، بل لعلّه خلاف ظاهر أكثر القائلين بحرمة الجميع في الشبهة المحصورة.
أمّا على قولنا فظاهر.
و أمّا على القول الآخر، فلعدم العلم بالتكليف الواقعي، إذ لعلّ المفقود هو المعلوم الإجمالي، فالتكليف به معلّق على وجوديهما و تحقق شرائط التكليف به، و لذا لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات، فالظاهر على المختار، عدم حرمة المختار فيه، لعدم دليل على حرمة ضمّه إلى المضطرّ فيه، و على القول الآخر ففيه تفصيلات و فروع يستبعدها الأنظار السليمة.
و العبارات في تفسيرها مختلفة غير منتظمة، كجعل المناط فيها لزوم المشقة في الاجتناب عنها أو عدم إمكان ارتكاب الجميع عادة، أو تعسّر عدّه مطلقا أو في زمان قصير أو ما يعد غير محصورة عرفا، أو استهلاك العلم الإجمالي بالحرام فيها لكثرة المحتملات، و أمثال ذلك فإنّ كلّ ذلك يختلف باختلاف الوقائع و مقدار المعلوم الإجمالي و الفعل المتعلّق بها دفعة أو تدريجا، و كذا باختلاف الأشخاص، كصحراء وسيعة يتنجّس بعضها بالنسبة إلى من يزاولها برطوبة و احتاج إلى مزاولتها، و من لا يزاولها و لا يحتاج إليها و أقواها اعتبارا، ما ذكره الشهيد و المحقّق الثانيان و غيرهما، من كونها ما يعسر عدّه، إلّا أنّه لا ينبغي التقييد بذلك بالنسبة إلى الفعل المتعلّق بها.
و كيف كان، فالخطب سهل، بناء على عدم الفرق في الحكم بين الشبهتين كما هو الحقّ، فيحلّ ما عدا مقدار الحرام، و يحرم ما يساويه، لما تقدّم من الأدلّة، مضافا إلى ظهور الإجماع هنا على حلّ ما عدا مقدار الحرام المصرّح به في كلام غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة.
و ظاهر أكثرهم إطلاق القول بعدم وجوب الاجتناب إلى آخر الأفراد.
و استدلّوا عليه بوجوه قاصرة، منها: الإجماع، و هو في غير مقدار الحرام مسلم، و أمّا فيه فغير ثابت، كما اعترف به بعض القائلين به، بل الظاهر عدمه، و إن كان في إطلاق قولهم بعدم وجوب الاجتناب فيها ظهور شموله له، إلّا أنّه يحتمل- قويّا- أن يكون مراد المصرّحين به، عدم وجوب الاجتناب فيها، في مقابل القول بوجوبه.
و منها: لزوم المشقّة المنفية في الشريعة في الاجتناب عن المشتبهات الغير
المحصورة، لظهور عدم اطّرادها في موارد تلك الشبهة.
تكلّف في توجيهه بعضهم باحتمال كون المراد لزومها في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين، فيشمله عموم قوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1)بضميمة ما ورد من إناطة الأحكام الشرعية وجودا و عدما بالعسر و اليسر الغالبيين.
و فيه أوّلا: أنّه لا مشقّة في ترك مقدار الحرام كما هو المفروض، فلا يتم المدّعى.
و ثانيا: أنّ الشبهة الغير المحصورة ليست عنوانا للحكم في الأخبار حتى يلحق النادر منها بالغالب في حكم العسر، بل هو عنوان مخترع في كتب الفقهاء لموضوعات متعدّدة في أحكام مختلفة يتفاوت أغلبها في استلزامه المشقة لأغلب أفرادها بالنسبة إلى أغلب المكلّفين و عدمه، و ليست هي واقعة واحدة، فلو سلّم ملاحظة الأغلب في لزوم العسر، فالمناط ملاحظته في كلّ موضوع بعنوانه المختصّ به، بالنظر إلى اجتناب الحرام المردّد بين أفراده، لكونه المقتضي للاجتناب عنها على القول به، لا كثرة الأفراد و قلّتها، و هذا يختلف باختلاف مواضع الشبهة و أحوال المكلّفين فيها و الأفعال المحرمة المتعلّقة بها، كما أشرنا إليه، بل قد يكون الاجتناب عن الشبهة المحصورة موجبا للمشقة، فعلى ذلك لزمه جعل العنوان الكلّي للزوم المشقة الغالبة مطلق الشبهة.
و ثالثا: أنّ المبحوث عنه في الشبهة هو الحكم الثانويّ الظاهريّ في الحلّية و الطهارة و الملكية، فحلّيتها أو حرمتها مبنيّة على أصل البراءة أو وجوب الاحتياط من باب المقدّمة، فهو رفع لحكم ثابت لا تأسيس حكم واقعي.
1) البقرة: 185.
و التمسّك بنفي العسر في مثل ذلك لا يفيد أزيد من جواز الارتكاب، من قبيل الاضطرار في أكل الميتة و تناول مال الغير في المخمصة، لا الطهارة و الملكية، و عدم النجاسة و عدم الاشتغال بحق الغير أو صحّة البيع و أمثال ذلك. و مع ذلك يختصّ الرخصة المستفادة منه بموارد تلك المخمصة و تدور مدارها، لا مطلقا.
و ليس من قبيل تمسّك بعضهم لطهارة الحديد بنفي العسر و الحرج، فإنّه تعليل و إبداء حكمة لتأسيس حكم واقعي لا لرفع حكم ثابت، و بينهما فرق بيّن.
و منها: أصالة البراءة. و الخروج عن مقتضاها في الشبهة المحصورة، إنّما هو لإمكان ارتكاب الجميع عادة، فيحصل اليقين باستعمال الحرام إذا تنجّس، بخلاف غير المحصور، فلا يتحقّق العلم به عادة.
و فيه: أنّ هذا يجري في غير مقدار الحرام في المحصور أيضا، فلا يحصل به الفرق بينهما، و أمّا في مقداره، فعدم إمكان وقوع موضوعه في غير المحصور لا يوجب الحكم بالحلّية، لتعليقها على وجوده.
و ربما يوجّه: بأنّ وجوب الاجتناب عن الكلّ إنّما هو مع تنجّز التكليف بالحرام الواقعي، و هو حاصل في المحصور، للعلم بوقوعه فيما يمكن ارتكابه، أعني:
الجميع، بخلاف غير المحصور، فإنّ ما يمكن من المحتملات فيه لا يعلم منه الحرمة، فلا تكليف به حتّى يستدعي اليقين بالبراءة، و ما علم وقوعه منه غير ممكن الاستعمال، فلا يتعلّق التكليف بالمعلوم الإجمالي الواقع منه حتّى يستدعي البراءة. و ضعفه يظهر مما تقدّم.
مشرق: في بيان كيفيّة الاحتياط فيما وجب أو ندب.
فاعلم: أنّ الاحتياط على ما اصطلح عليه هو العمل بما يحصل القطع به بدرك الواقع و إحرازه على ما عليه في نفس الأمر عند الشكّ، و لو بتكرير العمل، سواء كان الشكّ في نفس التكليف، أو في المكلّف به.
و هذا مما لا شكّ في صحّته، و لا يحتاج إلى تجشّم الدليل عليه على شرعيته، لمكان القطع بمطابقة العمل لما في الواقع، و الضرورة قاضية بخروج العهدة حينئذ، إلّا أنّ تحقّق الاحتياط بهذا المعنى لا يتصوّر مع حصول الشكّ في الواقع فيما يفتقر إلى النية، كالعبادات، لمنافاة الشك لقصد ما في الواقع على ما هو عليه، فيما دار الأمر بين متنافيين، أو على وجهه من الوجوب و عدمه، فيما كان الشك بين الأقل و الأكثر، كما في جزء العبادة و شرطها.
و مجرّد إخطار القربة أو خصوص الوجوب مع عدم الإذعان به ليس من النية المعتبرة في العبادة، فمرادهم من الاحتياط المجمع على رجحانه وجوبا أو استحبابا في العبادات المؤكّد به في الأخبار إنّما هو في غير النية، بل هو إحراز
الواقع بالنسبة إلى سائر الأجزاء و الشروط، فإذا شكّ في القصر أو الإتمام على رأس أربعة فراسخ لم يعلم شرعية أحدهما بالخصوص و تعلّق الأمر به بحسب الواقع، فكيف يتصوّر قصد التقرب به بحسب الأمر الواقعي.
و حيث لا ينطبق العمل الاحتياطي على ما هو عليه في الواقع، يحتاج الحكم بصحّة الاحتياط و شرعيته إلى إقامة الدليل عليه.
فنقول: لا خلاف و لا كلام في صحّته بهذا المعنى و شرعيته بعد الفحص عن الواقع، و لعلّه إلى هذا تنظر المحكيّ عن المشهور بين أصحابنا من أنّ عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد غير صحيحة، و إن علم إجمالا مطابقتها للواقع، للإجماع على صحته بعد الاجتهاد الكاشف عن الواقع بالدليل الظنّي المعتبر، كالخبر الصحيح، و إن كان في إطلاق هذا قبل الفحص، أيضا نظر سترى وجهه، و كيف كان، فالتحقيق: أنّ ما يحتاط فيه، إمّا يفتقر صحّته و خروج العهدة عنه إلى نية القربة، كالعبادات البدنية، أو لا، كالواجبات المالية، مثل المنذور و المحلوف عليه و الزكاة و الخمس، بالنسبة إلى اشتغال الذمّة بحق الغير، بحيث يحصل البراءة عنه و لو بالإجبار عليها، و كالواجبات التوصّلية التعبّدية، كتطهير النجس.
أمّا الأوّل: فالشكّ إمّا بين الأقلّ و الأكثر، كوجوب السورة في الفريضة، فإحراز الواقع- حينئذ- بإتيان الأكثر، أو بين متنافيين، كالظهر و الجمعة، و القصر و الإتمام، فهو بتكرير العمل.
أمّا على الأوّل، فالأصحّ صحّة الاحتياط قبل الفحص بإتيان الأكثر، بناء على عدم اشتراط نية الوجه، كما هو الأقوى، لمطابقة العمل للواقع- حينئذ- على الاحتمالين، بمجرّد نية القربة، فيحصل به الاحتياط المجمع على صحّته و رجحانه، لعدم توقّفه على شرط آخر.
نعم، على اعتبار نية الوجه- بل على الشكّ في اعتباره- فالظاهر عدم تحقق الاحتياط بإتيان الأكثر قبل الفحص عن وجه العمل بالدليل المعتبر، لمقام الشكّ في حصول الإطاعة الموجبة للخروج عن العهدة، و الشكّ في شرعية هذا الاحتياط.
و أمّا بعد الفحص، فقد عرفت الدليل عليه من الإجماع، بل الضرورة. بل منه يظهر أنّ المعتبر في الاحتياط المطلوب المرغوب فيه هو العلم بالخروج عن العهدة في الواقع، و إن لم يقطع بمطابقة العمل للمأمور به الواقعيّ، فإذا دار الواجب بين أمرين، أحدهما غير مقدور، فالاحتياط- حينئذ- بإتيان الآخر خاصة و إن لم يعلم كونه الواقعي، و بالجملة فالدليل على صحّة الاحتياط في العبادات [يختصّ] بما بعد الفحص عن الواقع، و أمّا قبله مع إمكانه، فلا دليل على شرعية الاحتياط- حينئذ- على القول باعتبار نية الوجه.
فإن قلت: عدم اعتبار نية الوجه محلّ الاختلاف، بل عن المشهور، كما قيل اعتباره فلا يتحقّق الاحتياط قبل الفحص على القول المختار من عدم اعتبارها أيضا.
قلت: هذه المسألة مقطوع بها لنا بملاحظة الإطاعة العرفية الدائرة عليها الإطاعة الشرعية، و نحن نتكلّم في البحث على زعمنا، فمن وافقنا في هذا الجزم حصل له الاحتياط قبل الفحص بنية القربة في الترديد بين الأقلّ و الأكثر، و من خالفنا لم يحصل له.
و أمّا على الثاني، فالأصحّ عدم حصول الاحتياط- مع التمكّن عن العلم التفصيلي أو الظنّ المعتبر بالفحص- بالتكرار.
و استظهر من الحدائق (1)دعوى الاتّفاق على عدم مشروعية التكرار- حينئذ-
1) الحدائق الناضرة 1: 69.
و تابع فيه الحلّي في السرائر.
و وجهه: استدعاء العبادة نية القربة، و هو فرع العلم بالأمر به، و الفرض عدم العلم بالنسبة إلى كلّ واحد بخصوصه ليطابق العمل الواقعي، و عدم دليل آخر على شرعية هذا الاحتياط الناقص الغير المحصّل للقطع بإحراز الواقع، كما سمعت. و نية القربة بقصد الاحتياط فرع الدليل على صحته و الخروج به عن العهدة. و منه يظهر فساد عبادة الجاهل التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد.
و أمّا الثاني: فالظاهر صحّة الاحتياط و لو بتكرار العمل، بمعنى حصول البراءة عن الواجب، إذ المفروض تحقق إحراز الواقع، و عدم توقف البراءة منه على نية الامتثال.
نعم، ترتّب الثواب يحتاج إلى قصد القربة، فلا يترتّب بدونها، كما إذا أجبر الممتنع عن الزكاة على أخذها منه، إلّا أنّه يلزم تخصيص منع الثواب بما إذا لم يقصد من الفعل تحصيل البراءة عن حقّ المستحقّ، إذ المفروض حصولها بدون العلم التفصيلي أيضا، و لو مع التمكن منه، و قصد إبراء الذمّة من الحق المعلوم إجمالا ممدوح مشكور قطعا، فيصحّ قصد التقرب بكلّ منهما، كما إذا لم يعلم أنّ الواجب عليه في الزكاة، الإبل أو الغنم، فيبذل كليهما، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، حصلت من نسيان و نحوه.
و من هذا يظهر حكم الاحتياط في الشبهة الابتدائية الاستقلالية أيضا و لا شبهة في صحّته- مطلقا- فيما لا يحتاج حصول البراءة فيه إلى النية، و صحّته بعد الفحص كذلك مطلقا و عدمها ظاهرا قبله مع احتمال صحّته أيضا في شبهة الموضوع مطلقا قبل الفحص لمظنّة الإجماع كما إذا شكّ في وجوب فائتة معينة عليه لنسيان و نحوه.
فيه وجهان:
من أنّ مناط المنع إمكان تحصيل العلم التفصيلي بالواقع كما عرفت، و مع اليأس عن تأثير الفحص في حصوله لم يكن ممنوعا، و لذا يصحّ اتفاقا مع حصول الظن الاجتهادي على خلافه، كما تقدّم.
و من عدم الدليل على شرعيته مع عدم إحراز الواقع، خرج صورة ما بعد الاجتهاد في تحصيل الظنّ المعتبر، و بقي الباقي.
و يوافقه ما حكي عن المشهور، من بطلان عبادة الجاهل التارك للطريقين، ضرورة عدم حصول العلم من الاجتهاد و التقليد. و المسألة لا تخلو عن إشكال.
سواء كان قبل الفحص أو بعده، للعلم بالقربة، و كفاية نية التقرّب في إحراز الواقع على كلّ تقدير.
إذا اشتبه كلمة منها أو إعرابها بين شيئين- بتكريرهما أم لا؟
لا شكّ في عدم صحّة ذلك في قراءة الصلاة و أدعيتها، للعلم الإجمالي ببطلان أحدهما، فالتكلّم به فيها غلط يبطل الصلاة، و أمّا في غيرها فالظاهر: الصحة، بإحراز الواقع بالتكرير، إذا كان يسيرا لم يخرج بزيادة غير الواقع عن القراءة و الدعاء عرفا، سواء كانت واجبة بنذر أو مندوبة، لعدم اشتراط نية القربة الفعلية التفصيلية في كلّ جزء، بل يكفي الحكمية الإجمالية في ضمن نية الكلّ، و هذا القدر من نية القربة يحصل بإحراز الواقع بتكرير كل ما يحتمل كونه جزء له. و أمّا نية
الجزئية فلو سلّم اشتراطها فهو لا ينافي الترديد بإحراز الجزء الواقعي، في غير ما يخلّ الزائد بالعبادة.
فيرجع إلى الشكّ بين المتباينين، فلا يحصل الاحتياط بتكريرها خالية عنها و مشتملة عليها قبل الفحص مع إمكانه، لما حرّرنا من عدم حصول نية القربة في كلّ واحد- حينئذ- سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، فإذا شكّ في القبلة في إحدى الجهتين أو أكثر، مع التمكن من الفحص عنها، لا يخرج عن عهدة التكليف بإتيانها في كلّ جهة، أو انحصر لباس الساتر في النجس، مع إمكان تطهيره، و شكّ في أنّ تكليفه- حينئذ- صلاة العريان أو مع ثوب النجس، و أمّا إذا شكّ في مقدار الساتر، أنّ الواجب ستر ما بين الركبة و السرة، أو مجرّد المخرجين و الخصيتين، فإنّه يتحقق الاحتياط بستر الزائد، لما أشرنا من عدم اشتراط النية التفصيلية في الشرائط.
مشرق: إذا أعرض المالك عن ماله، فهل يوجب الخروج عن ملكه؟ و على خروجه هل يتملّكه من أخذه.
قلّ من تعرض لعموم حكمه بهذا العنوان. نعم، يستفاد منهم حكمه في موارد خاصة:
منها: مسألة البعير التي بقيت في فلاة لأجل كلالة.
فحكي عن الأصحاب مشعرا بالإجماع- أنّه يتملّكه الآخذ، و استدلّوا عليه بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض، قد كلّت و قامت و نسيها صاحبها لما لم ينفعه، فأخذها غيره، فأقام عليه و أنفق نفقة حتى أحياها من الكلال و من الموت، فهي له، و لا سبيل له عليها، و إنما هي مثل الشيء المباح» (1)و في معناها غيرها.
و منها: مسألة تراب الصياغة، قال في المسالك (2)و لو دلّت القرائن على إعراض
مالكه عنه، جاز للصائغ تملّكه، كغيره من الأموال المعرض عنها.
و في الكفاية (1): تراب الصياغة: إن علم بالقرائن المفيدة للعلم أنّ صاحبه أعرض عنه، جاز للصائغ تملكه، كسائر الأموال المعرض عنها، خصوصا إذا كانت مما يتسامح فيها عادة، و لا يبعد الاكتفاء بالظنّ مع عدم قضاء العادة على خلافه، و إلّا، فإن كان أربابها معلومين، استحلّهم أو ردّه إليهم، و لو كان بعضهم معلوما فلا بدّ من الاستحلال، و إلّا، فالظاهر جواز بيعه و الصدقة به.
و استدلّ عليه بروايتي عليّ بن ميمون الصائغ، حملا لإطلاقه على ما لم يعلم إعراض المالك عنه.
و منها: مسألة السفينة المنكسرة في البحر. فعن المشهور: أن ما يخرج بالغوص فهو لمن أخرجه، و ما أخرجه البحر فهو لصاحبه، لرواية الشعيري (2): سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص، و أخرج بعض ما غرق فيها. فقال: «أما ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه، و أما ما أخرج بالغوص فهو لهم، و هم أحقّ، و في السرائر (3)بعد نقل هذه الرواية في كتاب القضاء:
وجه الفقه في هذا الحديث: أن ما أخرجه البحر فهو لأصحابه، و ما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن أخذه و غاص عليه، لأنّه صار بمنزلة المباح. و مثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء و لا ماء، فهو لمن أخذه، لأنّه خلّاه آيسا منه، و رفع يده عنه، فصار مباحا. و ليس هذا قياسا، لأنّ مذهبنا ترك القياس، و إنما هذا على جهة المثال و المرجع فيه إلى الإجماع و تواتر النصوص، دون القياس و الاجتهاد، و على الخبرين إجماع أصحابنا. انتهى.
و الظاهر أنّ مراده من القياس المتوهّم فيه: كونه من باب استنباط علة الإباحة للتملّك من الرواية الصحيحة المتقدّمة، معتذرا للعلّية (1)بكونه معقد الإجماع و النصوص.
و منها: مسألة اطلاق الصيد بعد التملّك و قصد الخروج عنه، حيث اختلفوا فيه، و الأكثر على عدم الخروج كما في المسالك (2). و ذهب بعضهم إلى الخروج. نسبه في الكفاية (3)إلى الأكثر. و يتفرّع عليه جواز اصطياده للغير بقصد التملك و عدمه.
و كيف كان، فاستدلّ المحقق القمّي، في المسألة في أجوبة مسائله لما اختاره من كون الإعراض موجبا للخروج عن ملك المالك و تملك الآخذ، سيما في الشيء الدون، بوجوه:
أحدها: الإجماع العملي، بملاحظة عمل الناس في كل عصر و مصر، من التقاط السنابل بعد الإعراض، من الصلحاء و المتدينين و غيرهم، و لم ينكر عليهم أحد من العلماء في جميع الأعصار و الأمصار، و التقاط جلّات البعير و الأغنام في المفاوز و الصحاري، و يجرون فيها أحكام الملك للملتقط، من البيع و الشراء، ضرورة أن ليس بيع الملتقط بالنيابة عن المالك، و لا بالإجازة منه، فإنهم يبيعون لأنفسهم، فليس الإعراض منزلة الإباحة المحضة، و مجرّد رضى البائع بأخذه و بيعه لنفسه ليس كافيا في انعقاد العقود، بل يحتاج إلى الإنشاء، و لو بالمعاطاة.
و ثانيها: الإجماع المحكيّ في كلام ابن إدريس (4)، مضافا إلى شواهد الموارد المذكورة في كلمات العلماء.
و ثالثها: العلّة المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة (1)، و ملاحظة الأخبار الواردة في خصوص مواردها.
أقول: الظاهر من إطلاق كلامه- أعلى اللّه مقامه- أنّ مقصوده من الأدلّة: خروج المعرض عنه عن الملك بمجرّد الإعراض، و لو قبل أخذ الغير و تملكه، بحيث لا يسعه الرجوع عن إعراضه، و منعه الغير عن أخذه، و حصول التملّك للغير فيما يعم الأموال العظيمة و العقار و الضياع. و في دلالتها على جملة ذلك نظر جدّا.
أمّا على خروج الملك بمجرّد الإعراض قبل التقاط الغير: فلأنّ غاية ما يستفاد من تلك الأدلّة: الدلالة على حصول الملك للآخذ، و أنّى هو و الخروج عن ملك المالك قبل التقاط المتملك.
و تعليل الصحيحة بكونه مثل الشيء المباح، إنّما هو لملك من أخذه، لا للخروج قبله، إذ المراد من المباح: المباح الأصلي الذي لم يجر عليه ملك أحد، و لذا قال عليه السّلام: «مثل الشيء المباح» حيث إنّ ظاهر التشبيه كونه في تملك الآخذ، لا للخروج عن يد المالك، اذ لا يستقيم ذلك في المباح المالكي، إلّا في الإعراض، و هو عين المشبّه به.
و أمّا على عموم هذا الحكم بالنسبة إلى الأموال الخطيرة: فلعدم إفادة السيرة- علما و لا ظنّا- إياه، إذ لم يعهد من الناس في سيرتهم في عصر أو مصر- فضلا عن الأمصار و الأعصار- إجراء حكم الملك لمن تصرّف في الدار المعمورة أو المزرعة الدائرة بمجرد إعراض مالكها عنها، و الإجماع المحكيّ عن الحلّي غير مصرّح و لا
1) وسائل الشيعة 25: 118، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الرواية 31377؛ الرواية عن عبد اللّه بن سليمان، عن الصادق عليه السّلام في الجبنة قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه الميتة».
ظاهر في العموم، بل لو عمّ فهو بالنسبة إلى المال الآيس عنه صاحبه، كالواقع في البحر، لا مطلقا، و نحوه الصحيحة، مع أنّ البعير المسؤول عنها لكلالها في فلاة الأرض و عجزها عن السير من الأموال الحقيرة التي لا يعتني بها صاحبها، و لذا قيد الأصحاب حكمه بما إذا كانت متروكة في غير كلاء و لا ماء، بحيث كانت في حكم التالفة.
و خصوص الموارد المتقدمة لا يشهد بالعموم، خصوصا بملاحظة اختصاص الوفاق و الخلاف في كلماتهم بها، فإنّك تريهم لا يتجاوزون عن حكم البعير المتروكة في فلاة عن جهد إلى الشاة و سائر الدوابّ بحكم النصّ. و سمعت من المسالك في إطلاق الصيد مع الإعراض و قصد الخروج عن التملك، نسبة القول بعدم الخروج إلى الأكثر. و عرفت الحكم بالتفصيل في السفينة المنكسرة، بين ما أخرجه البحر و ما أخرجه بالعوض، من جهة النصّ.
ثم أقول: الذي يترجّح عندي في تحقيق المسألة: أن رفع المالك يده عن ماله:
إمّا اختياري، بإعراضه عنه و قصده عدم تملكه، أو اضطراري، بأن يحصل له اليأس عنه عادة، كالواقع في البحر، و فرار الطير عن القفس.
ثم الكلام: إمّا في خروجه عن ملك المالك بمجرّد الإعراض أو اليأس، أو في ملكه للآخذ بقصد التملك.
أمّا في الأوّل: فمقتضى النظر بقاؤه على ملك المالك، و إن خرج عن المالية، للاستصحاب، فإنّ الملك أمر شرعي و حكم وضعي، فكما يحتاج في حدوثه و ثبوته إلى سبب شرعي، كذا يحتاج في خروجه إلى ناقل شرعي، و لم يثبت من الشرع أنّ نية الخروج عن الملك أو اليأس عنه من القواطع الشرعية، و إن قلنا بصيرورته بها مثل المباحات التي يجوز أخذه بقصد التملك، لما عرفت من ضعف ما استدلّ به.
و يظهر الثمرة في رجوع المالك عن نية الخروج قبل تملّك الغير، و لو بشهادة الحال، كما إذا اتفق اجتماع الحبوب بهبوب الرياح و نحوه، حتى صارت كثيرة لا يتسامح عنها عادة، أو ارتفع اليأس عنه و حصل الرجاء قبل أخذه الغير، كما إذا أخرجه البحر.
و أما في الثاني: ففي الصورة الأولى، أعني: الإعراض اختيارا، فالظاهر:
التفصيل بين الأشياء الحقيرة التي يتسامح بها الملّاك عادة، و لو لتوقف ماليتها على مشقّة لا يتحمل في مثلها غالبا، أو لجريان العادة عليه، كالحبوب المتشتة الملقاة في الأرض عند الحصاد، و جلّات البعير و الأغنام في المفاوز، و الحشيشات و قشور الفواكه و الجوزات في الشوارع و من ذلك البعير التي كلّت من جهد في فلاة في غير كلاء و لا ماء، و أمثال هذه، فيتملكها الآخذ، و بين الأموال العظيمة، فلا يتملك بأخذ الغير، لاستمرار السيرة القطعية في الأمصار و الأعصار في الأوّل على كونه ملكا لآخذه، مضافا إلى ظاهر التعليل في صحيح ابن سنان، دون الثاني، فنقتصر في الحكم المخالف للأصل على مورد الدليل.
و هل يلزم العلم بإعراض المالك و إباحته لمن يتملك؟
لا شكّ في عدم اشتراط التلفظ به منه، بل و لا الالتفات و الشعور به و لا بالمعرض عنه، بل يكفي شاهد الحال المعلوم بالسيرة العادية، فلا يتوقف إباحته على إنشاء لفظي و لا فعلي، بل لنا أن نقول: بعدم اشتراط العلم برضى المالك ما لم يعلم عدمه، اكتفاء بحكم السيرة بالشهادة الحالية النوعية في عموم الحكم، و إن فقدت الشهادة الشخصية في مورد مشخّص لمانع، فإنّ اكتفاء الشارع في عموم الحكم في خصوص الأشخاص بما يقتضيه النوع- مع قطع النظر عن العوارض الشخصية المانعة عند عدم العلم بها- غير عزيز، بل كثير في الأحكام الشرعية،
كالخبر الصحيح المنوط حجيته بالظن المخصوص أو المطلق، فإنه لا يتأمّل أحد في حجيته، و لو تعارضه القياس الظني، و زال به الظن الشخصي.
فالمناط في جواز التملك للغير، بعد قطع المالك يده عنه، كونه متسامحا فيه و سبيلا على الإطلاق غالبا في العرف و العادة. نعم، يشترط عدم العلم بكراهة المالك و قصده بقائه لنفسه.
و بهذا يصحّ توجيه مناط جواز الأخذ و التملك في مال الصغار، و لا يتفحّص في السيرة المستمرّة عن كونه من الصغير أو المجنون أو الكبير الرشيد، لجريان هذا الحكم في السيرة في مال الصغار أيضا، و لا يجب على الولي المنع رعاية لمصلحة مال المولّى عليه، لأنّه حكم شرعي، و إن كان منعه بيد الولي، كما يستحب له الزكاة في مال الصغير، و إن كان خلاف مصلحته، و له المنع عنها.
و مما ذكرناه يظهر ضعف المحكيّ عن ظاهر الأكثر من اشتراط بقاء العلم بالرضا، بشاهد الحال، و هو مبنيّ على كون الإعراض موجبا للإباحة، دون الخروج عن الملك.
و ما اعترض عليه المحقق القمّي، بأنّه لو فرض أن أحدا جمع السنابل في مزرعة أحد بعد الإعراض عنه على سبيل التدريج، حتى بلغ ثلاثمائة منّ من الحنطة، ففي الآن، لو علم المالك أنّه لم يخرج عن ملكه بالإعراض، لا يحصل العلم برضاه، مع أنّه خلاف ما يقتضيه الإجماع المستنبط من سيرة الناس، فيشهد ذلك بخروجه عن الملك بمجرّد الإعراض، و أنّ المعتبر هو العلم بالرضا حين الإعراض خاصة، فتأمل جدّا.
و أما في الصورة الثانية، أعني: الإعراض اضطرارا من جهة اليأس عن المعرض
عنه عادة، كالواقع في البحر، و الطائر عن القفس، فمقتضى رواية الشعيري (1)الدال على خروج ما غرق عن ملك المالك إلى ملك من أخرجه بالغوص، و عدم سبيل المالك عليه: كونه كالمعرض عنه اختيارا في تملكه للآخذ، غير أنّ الأوّل يختصّ بالحقير، كما عرفت، و هذا يعم الحقير و الخطير.
و الرواية و إن كانت مختصّة بموردها، إلّا أن الظاهر كون العلّة صيرورة ما غرق بمنزلة المباح، كما استشعره منها الحلّي (2)، مستدلا له بالأخبار المتواترة و النصوص.
[و] يدلّ على إطلاق الحكم عموم العلّة المستفادة من صحيحه ابن سنان.
لا يقال: يلزم من ذلك جواز تملك المغصوب المتعذّر للمالك أخذه عن الغاصب، إذا أخذه عنه غير المالك، و جواز تملك المفقود في المفاوز، مع أنّه يجب ردّهما إلى المالك إجماعا.
لأنا نقول: المراد باليأس الموجب لتملك الواجد: ما هو كذلك في العادة، بالنسبة إلى جميع الناس، فكان مأيوسا عنه في نفسه، لا بالنسبة إلى المالك خاصّة أو أمثاله، بحيث عدّ المال هالكا و تالفا عرفا على سبيل الإطلاق، فلا يرد النقض بما ذكر.
فمقتضى ما ذكرناه أنّه لمالك الأرض، و لا يجوز لأحد حيازته و هو ظاهر الفاضل في القواعد (3)حيث قال في باب المزارعة: و لو تناثر من الحاصل حبّ فنبت في العام الثاني، فهو لصاحب البذر، و لو كان من مال المزارعة فهو لهما. انتهى.
نعم لو أخذها غيره قبل صيرورتها زرعا، و ربّاها في أرضه، فهو للمربّي، و عليه أجرة الأرض.
و ربما يقال بكون الزرع لمالك الأرض، من جهة كونه شيئا مباحا دخل في أرضه و تولد منه زرع، و ليس بشيء، و اللّه العالم.
مشرق: في بيان قاعدة الضمان، و الضابطة الكلّية لما يوجبه.
قالوا: أسباب الضمان ثلاثة: إثبات اليد الغير المحقّة، و المباشرة للإتلاف، و التسبيب. و حيث إنّ كلماتهم في ضبط الأخيرين و تفسيرهما و ما يفترق به بين السبب و العلّة و الشرط غير محرّرة غالبا، أردنا ضبط قاعدة كلية مستفادة من أدلّة الضمان، ينكشف بها موارد الضمان، و ما هو المراد من الموجبات المذكورة و الفرق بينها.
و نشير- أوّلا- إلى قاعدة إثبات اليد و دليلها. فهنا بحثان:
و هو عبارة عن الاستيلاء على مال الغير، عينا أو منفعة، بغير إذن من ذي الحقّ، و لا استحقاق في التصرف فيه، عمدا و عدوانا كان، و هو المسمّى بالغصب، أو جهلا، فلا يشمل ما فيه إذن المالك، من الأمانات المالكية لزوما أو جوازا، بالعقود اللازمة أو الجائزة، كالإقراض و الوكالة و العارية و الوديعة و نحوها، أو إذن الشارع من الأمانات الشرعية، كالملتقط و المأخوذ من الغاصب لإيصاله إلى المالك، و ما ليس فيه استيلاء، كوضع اليد على
ثوب لابسه، و العبور عن ملك الغير بدون إذنه، و إن كان آثما، و ما فيه استيلاء على مال نفسه و فيه حق الغير، كالمرهون، أو في غير المال، و إن كان فيه حق الانتفاع لآدمي، كالبضع، و مكان الجلوس في المسجد.
و الأصل في اقتضاء اليد الضمان، بعد الإجماع عليه: الخبر النبويّ المشهور:
«على اليد ما أخذت حتى تؤدّى» (1)و اشتهاره في كتب الأصحاب رواية و عملا، و تلقّيهم بالقبول، و استدلالهم به في موارده من غير نكير، الجابر لضعفه بالإرسال، يكفي عن مئونة البحث عن سنده، بل لا يقصر عن الصحيح.
و وجه دلالته كونه متبادرا، سيما بملاحظة فهم العلماء سلفا و خلفا في ضمان عهدة المال، بإرادة ذي اليد من اليد، من باب تسمية الكل باسم جزئه، المناسب للمقام، نظرا إلى كون الأخذ غالبا باليد كتسمية الجاسوس بالعين، و الترجمان باللسان، و بإرادة الضمان من كلمة «على» المتضمنة للضرر، فإنّ استعمال «على» في ضمان العهدة إذا كان متعلّقه مالا، شائع متعارف في محاورة أهل اللسان، كقولك: عليّ لفلان عشرة دراهم، المتّفق على كونه إقرارا، و حصول الضمان بقوله:
دين فلان عليّ.
فاحتمال كونه إنشاء في إيجاب الردّ أو الحفظ، بتقدير أحدهما، بملاحظة الغاية، خروج عن ظاهر اللفظ، بل هو من قبيل: عليك الصلاة حتى تصلي، إلّا على كونه إخبارا عن الوجوب، و هو أيضا- مع بعده- يحتاج إلى التقدير المخالف للأصل، بل التقييد بالعلم، إذ لا تكليف مع الجهل.
فالمعنى المراد من الحديث المنساق المتفاهم للأصحاب و غيرهم: كون العين مضمونة على صاحب اليد ما لم يردّ إلى صاحبه، و معنى ضمانها: كونها بحيث لو
1) سنن الترمذي 2: 368، الحديث 1284؛ سنن ابن ماجة 2: 802، الحديث 2400.
تلفت لزمه العوض.
و إطلاقه يشتمل صورتي العلم و الجهل، كما هو معقد الإجماع و إن رجع الجاهل على من غرّه على القاعدة الآتية. نعم، يقيد بغير الإذن إجماعا.
فرّعوا على عموم على اليد، ضمان الكلّ في الأيدي المتعاقبة، سواء علموا جميعا الغصب أم جهلوه، أو بالتفريق، لاشتراك الكلّ في تصرّف مال الغير بغير إذن مالكه، فيدخل في العموم غير أنّ الجاهل غير آثم.
و المالك يتخير في تضمين من شاء منهم بالعين و المنفعة، أو الجميع بالتقسيط، و لو بالتفاوت، و له تقسيط أكثر من واحد و ترك الباقي، و تضمين بعضهم بالعين و الآخر بالمنفعة.
و يرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع عليه المالك على من غرّه و سلّطه على العين أو المنفعة و لم يعلمه بالحال، و هكذا الآخر، إلى أن يستقر الضمان على الغاصب العالم، و إن لم تتلف في يده.
و يرجع المالك في الزيادة على من تلفت عنده قبل وصول العين إلى الآخر.
هذا إذا لم يكن يد الجاهل الذي تلفت عنده يد ضمان، بل يد أمانة، كالوديعة و الرهن و الوكالة، و إلّا كما في العارية المضمونة، فلا يرجع على غيره، و يستقرّ عليه الضمان.
ثمّ استثنى من رجوع الجاهل الأمين إلى العالم، ما لم يكن الجاهل متلفا، و إلّا فيستقرّ عليه، استنادا إلى أنّ مباشرة الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية، إلّا إذا كان المتلف مغرورا، كما إذا قدمه ضيافة فأكله، حيث إنّه أوهمه أنّه لا تبعة عليه، فلو رجع المالك على الآكل، رجع هو على الغاصب على الأشهر، لتغريره الآكل
على كون الأكل مجانا لا يتعقبه الضمان، و أقامه (1)على إتلاف الطعام على كونه ملكه، في احضاره عنده. و مثله تغريره في الأمر بذبح الشاة.
و هذه الأحكام اكثرها معقد الإجماع، بل لم ينقل خلاف فيما عدا الأخير، و إن تأمّل بعضهم في بعضها. و أثبتوها بوجوه لا يخلو بعضها عن مناقشة.
و تفصيل المقام: أنّ صور تعدّد الأيدي و رجوع المالك على بعضها عند التلف، على وجوه ثمانية، لأنّه إما يرجع المالك على الثاني الذي تلفت العين عنده، أو على الأوّل. و على التقديرين: إمّا يكونان عالمين، أو جاهلين، أو الثاني عالما و الأوّل جاهلا، أو بالعكس. فظاهرهم الاتفاق على استقرار الضمان على من تلفت عنده، إلّا إذا كان جاهلا، فيرجع- لو رجع المالك عليه- على من غرّه عالما، إلّا إذا كان هذا الجاهل متلفا للعين من غير تغرير.
و تحقيق الحال في تلك الصورة على ما يقتضيه الأدلّة: أنّ المالك، إن رجع على الثاني، و هما عالمان، لم يرجع الثاني على الأوّل إجماعا، لاشتراكهما في إثبات اليد و العلم بالغصب، فلا يغرم ما غرم للمالك، مع حصول التلف عنده.
و كذا لو كان الأوّل جاهلا و هو عالم بطريق أولى. و كذا مع جهلهما، لتساويهما في الجهة المقتضية لتخير المالك في الرجوع على ما شاء منهما، و اختصاص الثاني بحصول التلف في يده، الموجب الانتقال العين إلى البدل في ذمّته قطعا، و عدم استحقاق المالك إلّا بدلا واحدا استوفاه.
و جواز رجوع الثاني إلى الأوّل- حينئذ- غير معلوم، و مقتضى الأصل براءته.
و إن كان الأوّل عالما و الثاني الغارم جاهلا، فإن كان التلف سماويا و يده أمانة، كالوديعة و الوكالة، دون يد ضمان، الموجبة للرجوع مطلقا، كالعارية المضمونة،
1) كذا.
يرجع فيما غرم على العالم، لتغريره و سببيته عدوانا لضمانه، إلّا إذا كان الجاهل متلفا غير مغرور، فلا يرجع بلا خلاف يعرف.
و إن اغترّ في إتلافه، كما إذا قدمه ضيافة، فأكله، فيرجع أيضا على الغارّ، على الأشهر الأظهر.
و وجه الفرق بينهما: أنّ إتلافه على الأوّل، كان على كون العين لنفسه و ضرره عليه، فالمباشر هنا أقوى، و إن كان جاهلا من اليد العادية، و على الثاني: فإقدامه على الإتلاف لتغرير الغاصب إيّاه على كونه مجانا لا يلحقه به ضرر، كما في إطعام الضيف المغرور بأنّ أكله غير موجب لضرره، فالعهدة على العالم الغارّ.
و إن رجع المالك على الأوّل: فإن كانا جاهلين، فالظاهر: جواز رجوعه على الثاني الذي تلفت عنده. و قرار الضمان عليه، و إن كان التلف سماويا، و اليد أمانية.
لا لما قيل من اشتغال ذمّته. بعد تلف العين عنده بالبدل، بحكم ضمان إثبات اليد. و جواز أخذه المالك من الأوّل باعتبار إثبات يده، مجرّد خطاب شرعي، لا ذمّي، إذ لا دليل على شغل ذمم متعدّدة بمال واحد، فحينئذ يرجع المالك على الأوّل بما اشتغلت ذمة الثاني، فيملك بأدائه ما للمالك على الثاني بالمعاوضة القهرية الشرعية، لإمكان المناقشة فيه بأنّ ما في الذمّة عند التلف بدل العين، و لا ينافي وحدته اشتغال ذمّتهما به على البدلية. و تخير المالك في استيفائه عمّن شاء منهما، فإذا أداه أحدهما يسقط عن الآخر. و قرار الضمان على الثاني، مع تساويهما في الجهل و إثبات اليد المضمون به و حصول التلف لا عن اختيار، يحتاج إلى الدليل.
بل لاستصحاب الاشتغال في الثاني المعلوم- أوّلا- و لو في الجملة، إلى اليقين بالفراغ عنه، الحاصل بأدائه البدل إلى المالك، أو إلى من أدّي إليه، بخلاف الأوّل، لعدم العلم باشتغاله أوّلا، و احتمال كون ما أداه إلى المالك من باب الخطاب الشرعي لا الذمّي.
فإن قلت: اشتغال ذمّة الثاني بالبدل المعلوم أوّلا، إنّما هو للمالك، و هو فرع بقاء حقّه، و قد ارتفع باستيفائه من الأوّل، فلا يجري الاستصحاب، لتغير موضوعه.
قلت: من له الحق أوّلا على الثاني مردّد بين كونه المالك خاصة، أو هو و من في حكمه، أعني: الأوّل، عند أدائه للمالك، فالشغل المعلوم أوّلا مجمل بين أحد الاحتمالين، فهو من قبيل ما إذا تردّد صاحب الحق على زيد بين كونه عمروا مطلقا، أو بكرا مع فقدانه، فلا يحصل يقين الفراغ له بسقوط حق أحدهما.
فإن قلت: يعارض هذا الاستصحاب، استصحاب عدم اشتغال ذمّته للأوّل قبل رجوع المالك إليه.
قلت: التعارض بينهما بالمزيلية و السببية، و المزالية و الكاشفية، فإنّ بقاء الشغل المعلوم مجملا للثاني، سبب لتعلّق وجوب الأداء عليه على الأوّل، عند استيفاء المالك منه، و انتقال الحقّ المشتغل به له، و لا هكذا عدم شغل الأوّل قبل استيفاء المالك، فإنّه ليس سببا لزوال الشغل المعلوم الإجمالي، بل كاشف عنه.
و استصحاب السبب مقدم على استصحاب الكاشف، كما حققناه في محلّه. و لا يمكن إجراء هذا الاستصحاب في حق الأوّل الذي لم يتلف العين عنده، لعدم العلم باشتغال ذمّته بالبدل عند تلفها عند الثاني. غاية الأمر كونه مخاطبا بالخطاب الشرعي، متعبّدا بالأداء إلى المالك عند مطالبته عوض العين، بإثبات يده عليه، فلا يمكن استصحاب الشغل المجمل في حقّه، بخلاف الثاني المعلوم على كل تقدير اشتغال ذمّته بالبدل بعينه أو بالبدلية.
و من هذا ثبت جواز رجوع الأوّل على الثاني فيما اغترم، في صورتي: جهل الأوّل و علم الثاني، و علمهما. و أما في صورة علم الأوّل و جهل الثاني: فمقتضى نفي الضرر عنه، لتغريره العالم في إثبات اليد جواز رجوعه فيما اغترم على الأوّل العالم.
و به ينتقض استصحاب الاشتغال في الثاني.
فيما له مدخل في التلف.
و لنذكر- أوّلا- أدلّة الضمان، عموما و خصوصا، ظهورا و صراحة. ثم نبيّن منها قواعد الضمان، فيما ذكروه من العلّة و السبب و الشرط، عدا ما يختصّ بموارد خاصّة، مثل الأمانة عند التعدّي عن الإذن أو التفريط و المقبوض بالعقد الفاسد، و نحوهما، مما هو خارج عما نحن بصدده هنا. و تلك الأدلّة كثيرة، نشير إليها:
منها: الإجماع بل الضرورة في الجملة.
و منها: عمومات نفي الضرر.
و منها: ما دلّ على رجوع المغرور على من غرّه.
و منها: الأخبار الواردة في ضمان إتلاف النفس.
و منها: ما دلّ على تسبيب الإكراه.
و منها: خصوص النصوص المستفيضة في موارد كثيرة:
كرواية السكوني (1)، عن الصادق عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من أخرج ميزابا أو كنيفا، أو أوتد وتدا، أو أوثق دابّة، أو حضر شيئا في طريق المسلمين، فأصاب فعطب، فهو له ضامن».
و صحيحة الحلبي (2)عنه عليه السّلام: سألته عن الشيء يوضع على الطريق، فتمرّ به الدابّة، فتنفر بصاحبها، فتعقره. فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين، فصاحبه ضامن لما يصيبه».
و خبر أبي الصباح الكناني (3)عنه عليه السّلام: «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين، فهو له ضامن».
و صحيحة زرارة (1)عنه عليه السّلام: قلت له: رجل حفر بئرا في ملكه، فمرّ عليها رجل، فوقع فيها، فقال عليه السّلام: «عليه الضمان، لأن كلّ من حفر بئرا في غير ملكه كان عليه الضمان».
و موثقة سماعة (2)عنه عليه السّلام، عن الرجل يحفر البئر في داره، فقال: «ما كان حفر في داره و ملكه ليس عليه الضمان، و ما حفر في الطريق أو في غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها».
إلى غير ذلك من النصوص كالمعتبرة المستفيضة الدالّة على غرامة الشاهد إذا رجع عن شهادته، بعد ما يغرم بها للأوّل قدر ما أتلفه من مال الرجل (3).
و على أنّه يقتل إذا قتل بشهادته (4).
و على غرامة دية اليد لو شهد عليه بالسرقة و رجع (5).
و على غرامة المهر إذا شهد بطلاق زوجته، ثم تزوّجت أو يموت زوجها، ثم جاء زوجها (6).
إلى غير ذلك، المفهوم عرفا، بل إجماعا، عدم خصوصية ما في تلك النصوص من جزئيات الأمثلة، في الضمان، و إن ذكرها على سبيل المثال و القياس و الحاجة، ككونه في الطريق، أو حفر البئر، أو رجوع الشاهد، و غيرها، بل يتعدّى منها إلى ما هو من سنخها في سببية الإضرار على الوجه الذي اعتبر فيها.
1) وسائل الشيعة 29: 243، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الرواية 35539.
2) نفس المصدر 29: 243، الباب 8، الرواية 35541.
3) نفس المصدر 27: 327، الباب 11 من أبواب الشهادات، الرواية 33854.
4) نفس المصدر 27: 328، الباب 12، الرواية 33858.
5) نفس المصدر 27: 332، الباب 14، الرواية 33864.
6) نفس المصدر 27: 330، الباب 13، الرواية 33861.
ثم المستفاد من تلك الأدلّة و النصوص و غيرها، مما صرّح فيها بالضمان:
حصوله للعين أو المنفعة بأحد الوجوه الثلاثة، بشرائطها الآتية: إيجاد علّة التلف، أو إيجاد سببه، أو إيجاد شرطه.
أمّا الأوّل- و هو المعبّر عنه بمباشرة الإتلاف-: فإنّ المراد بالعلّة ما هو المؤثر في التلف، و هو أثره، فهو قسمان:
أحدهما: إيجاد العلّة بلا واسطة، كقتل الحيوان بالسيف، و إهراق اللبن، و خرق الثوب، و سكنى الدار، و ركوب الدابّة.
و الثاني: إيجاد علّة علّة التلف، بأن كان فعله علّة مؤثرة له، كالجرح المولّد للمرض المولّد للموت، و إيجاد السمّ في الحلق، و الصياح على الطفل، و سدّ مجرى النفس، و الرمي بالسهم، و إغراء الكلب العقور، و أمثال ذلك، فإنّه يصدق على القسمين المباشرة عرفا، و لا يصحّ سلب الإهلاك عنه، باعتبار أنّ مناط الصدق كون التلف أثر فعل المباشر أو أثر أثره، و عدم مشاركة غير فعله أو أثر فعله في التأثير، و إن توقف التأثير على شرط، كحرارة الهواء في الجرح، و غفلة الطفل في الصياح عليه.
و الدليل على الضمان في القسمين: الإجماع بقسميه: إذ لا خلاف بين المسلمين، أن من باشر الإتلاف عمدا أو خطاء، بشرط صدور الفعل عنه عن قصد، كما في الأمثلة المذكورة، ضمن، و إن لم يكن هناك غصب و استقلال يد مطلقا و يدلّ عليه أيضا- مضافا إلى فحوى إطلاق أكثر ما ذكر-: قاعدة الضرر المقتضية لنفيه عن المالك شرعا، المثبت بالإجماع المركّب لضمان المباشر، دون نفيه عن المباشر، لصدور الفعل عن نفسه، و لو مع جهله، لكونه عند الجهل بالنسبة إليه كالآفة السماوية الغير المنفية ضررها، سيما إذا استفاد بالإتلاف، كالأكل و الاستعمال، أو
قدم عليه على كونه ضررا عليه، زعما له أنّه من مال نفسه، أو مأذون فيه من مالكه، أو عدم مالكيته، و أمثالها.
و أمّا الثاني: أي: إيجاد سبب التلف، و المراد به ما يستلزم وجود علّة التلف عقيبه عادة، لا بعليته، بل بعلّة أخرى، فهو أيضا قسمان:
أحدهما: ما لا يدخله مباشرة غيره، كإلقاء الثوب في النار، و تلهيب النار قرب متاع الغير، في الريح العاصف المهيج للإحراق عادة.
و من ذلك رفع المانع عن العلّة الموجودة أو المتوقعة، كحبس الحيوان عن الطعام و الشراب، و القائه في المسبعة مع عجزه عن الخلاص، و فتح باب القفس عن الطير، و فتح رأس وكاء المائع.
و ثانيهما: أن يكون التلف بمداخلة مباشرة الغير، بحيث كان السبب له أثر في توليد مباشرته، كإقدام الطعام المسموم عند الضيف الجاهل، و الإكراه على التلف، و شهادة الزور عند القاضي، و تغطية رأس البئر في معبر الغير.
و مقتضى أكثر ما تقدم من الأدلّة، ضمان فاعل السبب في القسمين، لصحّة إسناد التلف عرفا إلى الفاعل، مع جهل المباشر، باعتبار كونه مستندا إلى ما لا ينفك عادة عن فعله في المفروض. و ظهور الإجماع- كما حكي صريحا- على أنّ من أتلف شيئا كان ضامنا.
و به يثبت القود في النفس عند العمد، و يعقل العاقلة عند الخطاء، فإنّ الجهل لا يقدح الضمان في حكم الوضع، إذا كان التلف مستندا إلى الفاعل.
و اختصاص أكثر النصوص السابقة بمثل الطريق و حفر البئر، قد عرفت كونه منساقا للمثال. و مع ذلك يتمّ بعدم القول بالفرق.
و نفي الضرر لا يقتضي عدم ضمان الجاهل، بل لضمانه حجّة أخرى، لما أشرنا
آنفا، و فصّلنا سابقا، من أنّ الضرر المسبب عن فعل الشخص نفسه غير منفيّ عنه في الشرع، و لازمه بالإجماع المركّب ثبوت الغرامة، لضرر المالك المنفيّ عنه قطعا.
نعم، في القسم الثاني، الذي حصل التلف منه بفعل المباشر الجاهل، إذا كان فاعل السبب أيضا جاهلا، كإحضاره الطعام المسموم- مع جهله- عند الضيف الجاهل، فالظاهر: عدم ضمان الفاعل، لعدم حصول التغرير منه، و عدم مباشرته للإتلاف، فالضرر يلحق بالمباشر المتلف، مثل ما تقدم في الأيدي المتعاقبة. مع أنه لو سلّم تساوي نسبتهما إلى عمومات نفي الضرر، فيخرج المفروض عنها، لاستلزامه عدمه، فالمرجع إلى البراءة.
و من ذلك ما إذا قدم الضيف مال نفسه مع جهلهما، بل هو أولى بالبراءة. و لو علم المقدّم حينئذ، دون الضيف، فلا يبعد الضمان، لقوة السبب، إلّا إذا غلب على الظن كونه بحيث يأكله، و لو مع علمه بأنّه من نفسه، ففيه تردّد.
و أما الثالث: أي: إيجاد الشرط، و هو ما لولاه لما حصل التلف، و لكن لم يكن له تأثير و لا استلزام له، فالمعروف بينهم كونه متعقّبا للضمان بالمال دون النفس، إذا كان عاديا في فعله، كحفر البئر في الطريق المسلوك أو ملك الغير، و وضع السكّين فيه، و عدمه، إذا كان سائغا، كحفره في ملكه، أو وضع شيء في الطريق، مما لا يضرّ غالبا، فاتفق أحيانا ضرره، كطرح قشر فاكهة فيه، فحصل به العثار لأحد، لما تقدم من الأخبار المقتضي للعموم، بتقريب كون الخصوصية من باب التمثيل، كما ذكره غير واحد، و لعدم القائل بالفصل، إلّا إذا كان الواقع فيه عالما، أو دفعه فيه غيره، لكون المباشر أقوى إجماعا، و لأصل البراءة و إباحة التصرف، فلا يتعقبه الضمان.
و المتداول في كتبهم، التمثيل بحفر البئر، لتفصيل الضمان له في غير الملك
و عدمه في الملك مطابقا لإطلاق بعض ما ذكر من الأخبار.
و الظاهر: أنّ مرادهم من نفي الضمان في الملك، إنّما هو في غير ما علم كونه سببا لتلف النفس المعصومة، و إلّا فيتّجه الضمان في النفس فضلا عن المال، و لعله لإيجاده- حينئذ- ملزوم العلّة الذي تقدم أنّ حكمه الضمان، كما إذا حفر البئر في معبر داره، و دخل المأذون، فوقع فيه، لكونه أعمى، أو لكون الموضع مظلما، أو لتغطية رأس البئر في دهليز داره. و ربما نسب الضمان فيه إلى جماعة من المتأخرين، الظاهر في اتفاق غيرهم على عدمه.
و الظاهر: أنّ مراد الناقل ما كان من شأنه حصول التلف واقعا في مظنته لا مع العلم به، لأنّ إذنه في الدخول حينئذ، و لو لعموم العابرين، بل و لو بشاهد الحال، و عدم اخبارهم بالكيفية، من باب التغرير القوليّ أو الفعليّ الموجب للضمان، كما مرّت الإشارة إليه، الصادق عليه الظلم المحرّم، بل الظاهر انعقاد الإجماع عليه، و يكون من قبيل الصياح على الطفل الغافل، و تقديم الطعام المسموم عند الضيف في ملكه.
و أما ما وقع فيه الخلاف في الضمان، في تأجيج النار، أو ارسال الماء في ملكه، المؤدّي إلى ضرر الجار، و لو مع العلم بالضرر، فهو فيما تضرّر المالك بترك التصرف أيضا، و إلّا فلا خلاف في الضمان مع عدمه و علمه بالضرر.
و ربما يعارض في مثله قاعدة نفي الضرر بقاعدة التسليط على المال، و حقّقنا فيما تقدم تقدّم الأولى على الثانية، و كونها واردة عليها بالسببية الطارية.
نعم، لو تضرّر نفسه- أيضا- بترك التصرف، تعارض الضرران، و مضى تفصيله في محلّه.
و الظاهر: إلحاق الظن الغالب المعتبر عادة بالعلم فيما ذكر، فلو وضع الطعام
المسموم في مكان مباح، فيه مظنة أكل الجاهل، لم يبعد الضمان، نظرا إلى حصول التغرير عرفا.
و هل يلحق بذلك فعل ما يحتمل فيه ذلك قصدا للتلف؟
فيه وجهان: من كونه فعلا سائغا، فلا يتعقّبه ضمان. و من قصده الهلاك، فيشبه المباشرة بآلة غير قتالة.
و قد تحصّل مما فصّلناه من مفاد الأدلّة: أنّ موجبات الضمان على الضابطة الكلّية، في غير إثبات اليد الغير المحقة، ثلاثة:
الأوّل: إيجاد علّة التلف بلا واسطة، أو بواسطة معلولها، و هذا يسمّى بقسميه بالمباشرة.
و الثاني: إيجاد ما يستلزم علّة التلف عادة من غير علّة مطلقا، أو بتأثيره في مباشرة غيره المختار في فعله لجهله، و هذا بقسميه يسمّى بالتسبيب بالمعنى الأخصّ و يسمّى الملزوم بالسبب.
و في هذين القسمين يصحّ إضافة التلف عرفا إلى المباشر أو ذي السبب، و لو اتّساعا شائعا في الثاني، و لذا يوجبان القود عمدا في النفس و الغرامة في المال مطلقا، على ما مضى.
و الثالث: إيجاد ما يتوقف تأثير علّة التلف على وجوده من غير تأثير و لا استلزام، و يسمّى بالشرط. و هو يوجب الضمان المالي، إذا كان عاديا مطلقا، نفسا كان التالف أو مالا، و لا يوجب الضمان مطلقا، إن لم يكن عاديا.
ثم إنّك ترى كلماتهم غالبا مختلفة في تعريف السبب، و في الفرق بينه و بين الشرط، حتى من مصنّف واحد في كتاب واحد، كما وقع للعلّامة، في القواعد (1)
1) قواعد الأحكام 2: 222.
تفسيره السبب في كتاب الغصب بما يعمّ القسمين الأخيرين، حيث قال: التسبيب إيجاد ما يوجد التلف عنده لعلّة أخرى، إذا كان مما يقصد به التلف. و مثّل له بحفر البئر في الطريق، و فتح رأس الظرف، و الإكراه على التلف.
و الظاهر أنّ مراده مما يقصد به التلف، ما كان من شأنه و محتملا له (1)عادة، كما فهمه من تأخّر عنه، احترازا عما لا يحتمل كذلك، كوضع حجر صغير، أو طرح قشر فاكهة في الطريق، فاتفق العثار به لأحد أحيانا، فإنّه لا ضمان فيه.
و لعلّه لذا نشأ الخلاف في الصياح على العاقل البالغ في حصول الضمان به و عدمه، نظرا إلى عدم توقع الإتلاف منه، بخلاف الطفل أو المريض.
و في قصاص القواعد (2)خصّه بالقسم الثاني، حيث مثله بعد حكمه بثبوت القصاص بإتلاف النفس المعصومة ظلما بالمباشرة، أو التسبيب بالاختناق بالحبل، و سدّ الفم عن جريان النفس، و الرمي بالحجارة، و الحبس عن الماء و الطعام، و تقديم الطعام المسموم.
ثم عدّ الأسباب المهلكة ثلاثة الشرط، و العلّة، و السبب. فقال: الشرط ما يتوقّف تأثير المؤثر عليه، و لا مدخل له في العلّة، كحفر البئر، و لا قصاص فيه، بل الدية و العلّة ما أسند إليه الفعل، كالجراحات المولدة للسراية المولدة للموت. و السبب ما له مدخل في التأثير في الجملة، كالعلّة، و يشبه الشرط في عدمه، و له مراتب ثلاثة:
الإكراه بالقتل، و شهادة الزور في القتل، و إطعام المسموم.
و تخصيصه هنا مراتب السبب بكل ما يتوسّط بمباشرة الغير لا وجه له.
و كيف كان، فوجه اختلاف تفسيريه للسبب في كتاب القصاص و غيره، لعلّه
ملاحظة اتحاده مع الشرط العادي في حكم الضمان في الغصب و الديات، فسمّاهما بعنوان واحد، بخلاف ضمان النفس في القصاص، فأفرده بتسمية السبب، في مقابل الشرط الذي لا يتعقّبه القصاص.
و في الإيضاح (1)، عن بعض الفقهاء: السبب فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلّة سواه.
و زاد آخرون: و لولاه لما أثرت العلة، و جعله أولى، و هو يعمّ ظاهر السبب و الشرط.
و في غاية المراد (2)، عن الفقهاء: السبب إيجاد ملزوم العلة قاصدا لتوقع تلك العلّة.
و لا يخفى أن القيد الأخير غير منطبق على شيء من إطلاقاته، إلّا أن يكون مراده السبب في قصاص النفس، أو لعدم تخلّف العلم بالملازمة عن توقع العلة، فيختصّ بالعمد.
و فيه نظر، ظهر ممّا سبق.
و في مجمع البرهان (3): إنّ السبب إيجاد ملزوم العلة المتلفة، و هو ظاهر فيما تقدّم في مقابل الشرط.
و في المسالك (4): السبب ما لا يضاف إليه الهلاك، و لا يكون من شأنه أن يقصد بتحصيله ما يضاف إليه، و لا يمكن تطبيقه بما مرّ من القسم الثاني.
و أوضح منه ما فسره الشهيد في شرح الإرشاد (5): أنّ السبب إيجاد ملزوم العلّة الذي شأنه أن يقصد معه توقع تلك العلة.
و منشأ الخلاف فيها أمور:
منها: كون الباعث للضرر تصرف المالك في ملكه، كما في تأجيج النار و إرسال الماء فيه الموجبين لضرر الجار، و فتح باب داره الموجب لخروج دابة الغير، و أمثال ذلك، نظرا إلى تعارض قاعدة الضرر- حينئذ- لقاعدة التسلط على المال.
و لا يذهب عليك عدم منافاة هذا الخلاف لاتفاقهم على عدم الضمان في حفر البئر في ملكه، لأنّ السبب القريب لضرر الوقوع في البئر فعل المتضرّر نفسه، و هنا نفس الشرط، بل لا يبعد كون الضرر هنا من المباشرة أو السارية، و لذا لو علم ضرر الجار مع كون التصرف زائدا عن الحاجة حصل الضمان قولا واحدا، إمّا من جهة كونه من باب مباشرة الإتلاف، كما ذكر أو كونه من إيجاد السبب المستلزم لعلة التلف، و أيّهما كان يوجب الضمان بلا خلاف معروف، كما عرفت.
و أما مع عدم العلم بضرر الجار، أو تضرّر المالك بترك التصرف، فقد اختلفوا فيهما، باعتبار تعارض القاعدتين، و قد تقدّم منا مرارا تقدّم قاعدة الضرر، و كونها واردة على قاعدة التسليط، و نشير إلى وجهه هنا أيضا، و هو ظهور حديث: «الناس مسلّطون» في كونه منساقا في مقام بيان السلطنة المالكية بالأصالة، لا تشريع الآثار المترتبة على الملك، من اللوازم الشرعية، و عدم احتماله للعوارض اللاحقه المانعة و الأسباب الطارية الناسخة لآثاره، و قاعدة الضرر في بيان السبب العارض المزيل لبعض الآثار و التصرفات الأصلية، نظير التخمة الموجبة لحرمة أكل مال نفسه، و تنجّس طعامه المزيل لحلّيته، مضافا إلى أنّ: «الناس مسلّطون» في بيان الإباحة الشرعية و هي لا تنافي الضمان في الحكم الوضعي.
نعم، لو علم ضرر الجار، مع العلم أو غلبة الظنّ بضرر نفسه في ترك التصرف، تعارض الضرران، و قد تقدم في بيان القاعدة تفصيل حكمهما حينئذ.
و منها: تعارض السبب للمباشرة، فاختلفوا في بعض الموارد فيما هو الأقوى منها، كفكّ القيد عن العبد الآبق، فإنه لا خلاف ظاهرا في الضمان في حلّ القيد عن العبد المجنون، لأنه في حكم حلّه عن فرس فشرد، و فتح قفس عن طائر فطار، و لضعف المباشر لعدم التمييز. و في المبسوط (1)و ظاهر التذكرة: الإجماع عليه.
و أما العبد العاقل إذا فكّ و أبق، فالمعروف بينهم عدم الضمان، لقوة المباشر بالعقل و الاختيار، و استناد التلف إلى فعل العبد باختيار نفسه. و لا يخفى أنّ المال الفائت عن المالك هنا هو العبد نفسه و اختياره الفرار مسبّب عن حلّ قيده، فيكون مضمونا على فاعله المولد لإرادته، كإحضار الطعام المسموم عند الجاهل.
نعم الظاهر: اختصاص ذلك بما إذا كان العبد مما يتوقع منه ذلك، و لو احتمالا يعتني به، كالعبد الآبق، كما أفتى بالضمان- حينئذ- بعض مشايخ والدي بعد نقله عن غيره أيضا، نافيا لشمول الإجماع المحكيّ عنهم له.
و أمّا إذا لم يتوقّع منه ذلك، و اتفق اباقه أحيانا بعد الفك، فهو من الشرط الذي لا يوجب الضمان، و لو عصى، لعدم إذن المالك، كما مر. و لعل هذا القسم منظور القوم في نفي الضمان.
و منها: كونه مما استشكل في كونه مما يتوقع منه الضرر، فيوجب الضمان أم لا؟
كما إذا فتح رأس ظرف لا يضيع ما فيه بفتحه متى كان في محلّه، فاتّفق سقوطه بهبوب ريح أو هبوط طائر، فضاع ما فيه، فاختلف في ضمان الفاتح، و لعل الأجود عدمه، كما اختاره الفاضل، لعدم كونه ممّا يتوقع منه و يقصد به التلف، إلّا إذا كان
1) المبسوط 3: 89.
في مظنة هبوب الريح و نحوه، فيضمن.
و من ذلك: ما إذا حصل الضرر بمنع المالك عن ضبط ماله، كمنعه عن حفظ دابّته المرسلة، و القعود على بساطه، و حفظ ماشيته، فتلفت. ففي ضمانه قولان:
المحكيّ عن الأكثر عدمه.
و في المسالك (1)و الكفاية (2)و غيرهما: الضمان، إذا كان المنع سببا للتلف.
و الحقّ هو التفصيل المتقدم، فإنّ المنع إن كان مما يتوقّع منه السببية بملاحظة المكان و الوقت يضمن، و إلّا فلا، فإذا منعه عن التوقف في داره في ليلة مثلا، فاتّفق لقيامه وقوع النار على بساطه و احتراقه لا يضمن، لأنّه من الشروط النادرة التي لا يستند الضرر و الإضرار إلى منعه عرفا.
و منه: ترك المالك حفظ حيوانه عمّا يجنيه، كما إذا أكلت بهيمته حشيش آخر.
ففي التذكرة (3): إن كان صاحبها معها ضمن الحشيش مطلقا، و إن لم يكن معها ضمن إن كان ليلا و لم يضمن إن كان نهارا، لأنّ على الصاحب حفظها في الليل، فإذا لم يحفظ يضمن ما يجنيه، و على صاحب الزرع حفظه نهارا. انتهى.
و الصواب: إناطة الضمان بصدق الإضرار عرفا، كما سمعت، و هو منوط بصدق التقصير في الحفظ فيما تعارف فيه، المختلف باختلاف الأحوال و الأزمان و البلدان و الدوابّ. نعم، يتأتّى الكلام في وجوب الحفظ المتعارف على المالك، و عدم التقصير فيه، و لعله إجماعي.
و منها: كون الفائت القيمة السوقية، كما إذا حبس إنسانا عن شراء، فنقصت قيمته.
و الأشهر: عدم الضمان، لأن الفائت ليس بمال، بل اكتسابه.
و قيل: يضمن. و قوّاه الشهيد، في بعض فتاويه، و لا يخلو عن وجه، إذا كان حصول النقص متوقفا في العادة على الحبس، لإمكان المناقشة في ما اشتهر.
أوّلا: بكون الاكتساب- أيضا- في المفروض منفعة فائتة، متعلقة بالمال عرفا، و الحبس سبب لفواته، فيوجب الضمان دفعا للضرر.
و ثانيا: أنّ زيادة القيمة من أوصاف العين، و إن لم تكن عينية، و هي مرغوبيته في العرف و العادة، و المضمون عليه الفائت أعمّ من العين و الوصف، و ينبغي ملاحظة الاحتياط فيه. و اللّه العالم.
مشرق: في نبذ من مسائل مهمّة متعلّقة بالوكالة.
و لذا أدرجوها في أبوابها، فتفتقر إنشاؤها إلى ايجاب لفظي بأيّ لفظ دلّ على القصد، و إن لم يكن من الصيغ المعتبرة، و قبول، و لو كان فعليا دلّ على الرضا، لكونها عقدا جائزا، لا مجرد الرضا النفساني، كما عن الشافعية (1)، لافتقار العقد إلى إنشاء ما دلّ عليه من فعل أو لفظ، إلّا أن صريح المحقّق (2)و غيره: كفاية الإشارة المفهمة في الإيجاب أيضا، بل في الرياض (3)عدم وجدانه الخلاف، فيرجع إلى المعاطاة.
و عن بعضهم دعوى الإجماع على صحّتها، فيكون مرادهم من عقد الوكالة ما هو بالمعنى الأعمّ الشامل للمعاطاة.
و تكون الوكالة قسمين: عقدية لفظية، و معاطاتية.
بل قيل: بكونها معاطاة، حيث كان القبول فعلا، المتّفق على صحّته، و إن كان الإيجاب لفظيا، لو لا الإجماع على كونها عقدا حينئذ.
فهل يكتفي بالأمر في الإيجاب اللفظي؟ الظاهر: نعم، بل لا إشكال فيه على ما تقدّم من الاكتفاء بكلّ لفظ دلّ عليه.
و استدلالهم على مشروعية الوكالة بالعمومات المتضمنة للأمر ظاهر في اتّفاقهم عليه. و نفى عنه الإشكال المحقق القمّي.
و في الرياض (1)عدم ظهور الخلاف فيه، فما يظهر من المحكيّ عن التذكرة، و صريح بعض الأجلّة: من منع كونه إيجاب الوكالة، بل هو إذن يترتّب عليه ما يترتّب على الوكالة، من صحة البيع و نحوه، و إن لم يكن وكيلا، ليس في محلّه.
و ينافي اطلاقهم في الاكتفاء في إيجاب الوكالة بكل لفظ دلّ عليه.
كما هو ظاهر الأصحاب. و الاستشكال فيه باستلزام الدور، موجها للصحّة- حينئذ- بما نقل عن الشافعية (2): من كفاية الرضا القلبي في القبول.
و أنت بعد ما أحطت بما أجبناه عن إشكال لزوم الدور في حصول الفسخ الفعلي، بنقل ما فيه الخيار، كما هو المشهور، من أنّ الفسخ هو الإرادة القلبية، بشرط مقارنتها للنقل إلى الغير، يرتفع عنك المحذور، فإنّ القبول هنا- أيضا- هو إرادة الفعل، بشرط مقارنته للفعل، فلا يكون مجرّد الرضا القلبي قبولا، و لا نفس الفعل
سببا أو جزء سبب، حتى يلزم الدور، بل هو شرط متأخر. و مثله غير عزيز في الشرع، من قبيل غسل صلاة المغرب للمستحاضة لصحّة صومها المتقدم.
كما في المسالك (1)و الروضة (2)في جواز توكيل الغائب، و يدلّ عليه خصوص روايات كثيرة.
و منعه للقياس بعدم جواز تأخّر القبول اللفظي، كقوله: قبلت بعد سنة، فيجرى مجرى الإذن المطلق، لا التوكيل، مدفوع: بأنّ تأخير القبول اللفظي في مخاطبة الإيجاب خلاف وضع المخاطبة في العرف و المحاورات، بخلاف الفعل، فيجرى مجرى الغلط.
و إفادته فهم الرضا بقبوله الوكالة غير كافية، لمنع حصول الإنشاء المعتبر في العقد بمثله، و مجرد فهم الرضا لو كان كافيا لاكتفى بفهمه بشهادة الحال، كما عن الشافعية، و قد عرفت ما فيه.
فلو لم يعلمه لم ينعزل. و إن تعذّر إعلامه أشهد به على الأصح الأشهر، للمعتبرة المستفيضة (3).
فلا تصحّ معلّقة على شرط متوقّع، كقدوم الحاجّ، أو صفة مترقّبة، كطلوع الشمس، أو وقت متجدّد، إجماعا محقّقا و محكيا، فهو الدليل، مضافا إلى منافاته للسببية المستقلة للعقد الثابتة من الشرع لترتّب الأثر عقيبه، و تركّب السبب من غيره، و قصد الإنشاء بهما خلاف جعل الشارع.
و توهّم كون الإنشاء بنفس العقد إلّا أنّ اثره وكالة الزمان المتأخر، عملا بالشرط المشروع، لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» فاسد، لأنّ المتحصّل من ذلك: صحّة ما لو جعل متعلّق الوكالة،- أعني: الموكّل فيه- متأخرا عن وقت العقد، لا أصل الوكالة، و شتان ما بينهما، فإنّه إخراج السبب الشرعي عن سببيته، فيكون مخالفا للسنة المستثنى من الشروط السائغة.
و من هذا يظهر قوّة بطلان التعليق على أمر واقع، كقوله: وكّلت إن طلعت الشمس، لدلالته على إدخال ما ليس من السبب في السببية، و إنشاء العقد بهما، فيخالف السنّة.
و استشكل في بطلان الأخير بعضهم. و نقله جماعة في مطلق العقود، نظرا إلى وقوع المقارنة المطلوبة لترتّب الأثر على العقد، و قد علمت عدم انحصار جهة المنع فيه.
أي: تقييده بشرط أو زمان، إذا لم يكن تعليق في نفس الوكالة.
و في التذكرة (1)و المسالك (2)و شرح المفاتيح: الإجماع عليه، و هو الحجة. مضافا إلى عمومات الوكالة.
من أنّ الوكالة إذن خاصّ، و ببطلان الخصوصية لا ينتفي الإذن المطلق، و هو
كاف في صحّة الاستنابة. و إنما الثمرة في استحقاق الجعل المسمّى، نحو ما قالوه في القراض الباطل الذي حكموا فيه بأجرة المثل.
و من أنّ الإذن حصل في ضمن الوكالة، و بانتفاء الفصل ينتفي الجنس.
و أورد عليه: بأنّه يفهم من ذلك عرفا بقاء الأذن، و إن بطلت الوكالة الشرعية، و لم يترتّب عليه آثارها المختصّة بها.
و الحاصل: أنّ خصوصية العقد الوكالي هنا من العوارض الزائدة للإذن، لا مقوماته الوجودية، فلا ينتفي بانتفائها.
قال المحقّق القمّي (1)بما خلاصته: قول القائل: أنت وكيلي، أو مأذون عني غدا في بيع داري، يدلّ على إذنه و رضاه بالبيع غدا قطعا، و له جهات: جهة التوكيل الشرعي المحتاج إلى الإنشاء، و جهة غير التوكيل. و الجهتان تعليليتان، لا يستلزم بطلان إحداهما انتفاء الأخرى.
و استجوده والدي العلّامة، إلّا أنّه منع صحة النيابة شرعا، إلّا بالتوكيل، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن، و هو الإذن التوكيلي، دون مطلقه، و هو المعتمد، لأنّ صحّة العمل نيابة، و ترتّب الأثر عليه للمنوب عنه شرعا، كوقوعه من نفسه، يحتاج إلى توظيفه من الشرع، و الثابت منه حصوله بمطلق الإذن قولا أو فعلا، و هو معنى التوكيل، كما نبّه عليه شيخنا الشهيد، في المسالك (2)و غيره، إلّا أنه مشروط بعدم التعليق، فإذا اقترن لم يصحّ المأذون فيه، و إن دلّ على الرضا القلبي، فإنّ تلك الدلالة لا تؤثر في الصحة إلّا على الاكتفاء بالرضا القلبي، و هو غير كاف في صحّة الاستنابه.
و من هذا يظهر أنّ التفصيل في ذلك بين ما إذا علم من الموكّل انحصار إذنه في كونه على جهة الوكالة، فيبطل، و إلّا يصحّ، لا محصل له.
و الحاصل: أنّه لا يتصوّر الصحة مع تسليم بطلان التعليق، إلّا بجعل الإذن الدال على الرضا قسمين: يسمى أحدهما توكيلا، و الآخر غيره. ثمّ دعوى حصول صحّة المأذون فيه بأيّهما حصل و كلاهما في محلّ المنع جدا.
فلا يختلف الحال في بطلان المعلّق بعدم اتصاله بالمنجز، أو باتصاله به و انقطاعه عنه مطلقا، أو تجدّده ثانيا، فيصحّ الأوّل المنجز و يبطل الثاني، و إن كان الموكّل فيه متّحدا في الجميع، كما إذا قال: أنت وكيلي غدا في بيع داري، أو وكيلي اليوم في بيعها، و غدا في بيعها، أو وكيلي في اليوم فيه، و فيما بعد الغد فيه.
و لو وكّله منجزا لليوم و لما بعد الغد، فإن رجع إلى تعليق الموكل فيه لما بعد الغد دون نفس الوكالة، بأن كانت الوكالة ثابتة في الأيام الثلاثة، و لكن كانت مقيّدة بفعل الموكّل فيه في غير اليوم الثاني، فلا ضير فيه، و إن كانت منجّزة للأوّل و الثالث، و منقطعة عن الثاني، كما إذا قال: وكّلتك الآن في بيع الدار في اليوم و فيما بعد الغد، و لست وكيلي غدا، ففيه إشكال، من حصول التنجّز للأول و الثالث، غاية الأمر عدم اتصال الوكالة فيهما. و من أن رجوعهما في الثالث بعد انقطاعهما في الثاني في حكم وكالتين، إحداهما منجّزة، و الأخرى معلّقة، و هو الأوجه، مضافا إلى ما ستعرف من بطلان الوكالة بعد عروض ما يفسدها، و إن زال المانع بعده، كجنون أو إغماء، و أنها لا تعود إلّا بإيجاب متجدد.
فيما فرض عدم علمه بكونه ملكه، صحّ، لأنّ التعليق- حينئذ- تعليق للموكّل فيه بما هو شرط صحّته، لا
إدخال شيء زائد في سببية العقد، فلا ينافي تنجز الإنشاء، كما لا ينافيه قوله: أنت وكيلي في بيع داري إذا حضر زيد، أي: عند حضوره.
لأنّها عقد جائز مركب من قبوله الذي له الرجوع عنه، و لا خلاف في ذلك. إنما الكلام في أمرين:
أحدهما: في جواز التصرف له بعد ذلك، عملا بالإذن العام الضمني المسوغ للتصرف، و قد عرفت ما فيه.
فما عن المسالك (1)من أنّ الحكم به هنا لا يخلو من رجحان، مع منعه هناك، لأنّ الإذن هنا صحيح جامع للشرائط، بخلاف السابق، فإنّه معلّق، غير مقبول.
و عن التذكرة (2)عكسه، و إن جزم في القواعد (3)بصحّته هنا، و في السابق احتمالا.
و في السرائر (4)تردّد فيهما.
و كيف كان، فالصحة مبنية على كفاية الإذن المطلق في النيابة من غير اقتران بقصد قبول الوكيل لفظا أو فعلا. و هو ممنوع، إلّا إذا ثبت إجماع على خلافه.
و ثانيهما: في أنّ بطلان العقد بعزل الوكيل نفسه هل يوجب بطلان الإيجاب، فلا ينعقد بقبوله ثانيا، أو ينعقد كذلك؟
الأشهر: الأوّل.
و قال المحقق القمّي (5)، ببقاء حكم الإيجاب في جواز إطلاق الوكيل بعد عزل
نفسه بدون إذن جديد، ناسبا له لبعض آخر، لاستصحاب حكم الإيجاب، و عدم لزوم مقارنته للقبول، فلا مانع من رجوع عقد الوكالة بوقوع القبول ثانيا.
و ربما يتمسّك له ببعض الأخبار، كصحيحة هشام بن سالم (1): «الوكالة ثابتة حتى يعلم الخروج منها، كما أعلمه بالدخول» و هو كما اعترف به المحقق المذكور ظاهر في حكم عزل الموكّل عند علم الوكيل به، لا عزل الوكيل نفسه، للإجماع على بطلان وكالته و انتقاضه بالرد، و إنّما المدّعى عوده ثانيا بمجرّد القبول.
و كيف كان، فيضعف ما أفاده:
أوّلا: بأن تجدّد الوكالة ثانيا يستدعي الدليل، و الإطلاقات ظاهرة في غير الصورة. و لو سلم إطلاق بعضها، فهو مصروف عنه بحكم التبادر. و الاستصحاب غير جار. لأنّ الإيجاب المتقدّم المؤثر للوكالة قد بطل أثره بالعزل على الفرض، فهو تجديد لوكالة جديدة مستأنفة، فيرجع الشكّ في الإيجاب إلى الشكّ في المقتضى الثانوي الذي لا يجري فيه الاستصحاب.
و ثانيا: أنّ تأثير الإيجاب الأوّل للوكالة الثانوية المتجدّدة بعد الانقطاع، يستلزم التعليق على انقضاء مدة العزل، لأنّها غير الأثر المنجّز، بل هو في قوّة أن يقول:
وكّلتك بعد العزل.
فإن قلت: بطلان التعليق للإجماع، و لا إجماع هنا.
قلت: مع أنّ الدليل عليه غير منحصر فيه- كما عرفت- فعدم الدليل على الصحة كاف في البطلان، كما تقدّم.
فينقطع بسقوطه، لأنّ تصرّفه متقوّم بإذنه و ملكه له، فينتفي بانتفائه. و تأثير السلطنة السابقة
1) التهذيب 6: 213، الحديث 502.
يحتاج إلى الدليل للأصل، فتبطل الوكالة بموت الموكّل و جنونه و لو أدوارا، و إغمائه و لو ساعة، و حجره فيما وكل فيه لسفه أو فلس. و كذا يشترط بقاء أهلية الوكيل فينتفي بانتفائها بعروض موته، و انتقالها إلى الورثة، خلاف المأذون فيه، و بجنونه و إغمائه.
الظاهر: اتفاقهم في المقامين على البطلان كما في التذكرة (1)و المسالك (2).
و لا يتوهّم تنافيه لبقاء الوكالة في الطلاق بعد عروض الحيض، و في النكاح في الإحرام، و صحة العمل بعد زوال المانع، إذ المانع- ثمة- شرط الموكل فيه، لا الوكالة و أهلية الوكيل أو الموكّل، فهو من قبيل شرط تأخيره الذي صح معه الوكالة، و هنا من قبيل التعليق لنفس الوكالة على زوال المانع.
ثمّ أنّه يتأتّى الخلاف السابق هنا في صحّة العمل بعد زوال المانع بالإذن العامّ الضمني. و الظاهر: عدمه، لما تقدّم.
إلّا أنّه يشترط إعلامه بالعزل، فإن لم يعلمه لم ينعزل، وفاقا لغير الفاضل في القواعد.
و إن تعذر الإعلام و أشهد به فالمشهور كذلك، خلافا لجماعة من القدماء، للمعتبرة المستفيضة، كصحاح ابن وهب، و هشام بن سالم، و العلاء بن سيابة، و قضاء أمير المؤمنين عليه السّلام في امرأة استعدته (3).
و إطلاق الجميع- بل ظهور بعضها- يشمل صورة الإشهاد أيضا، فالاستدلال في
مقابلتها ببعض الاعتبارات اجتهاد في مقابل النصوص الصحيحة المعتضدة بالشهرة المحققة.
و كون الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين غير مانع للبقاء، مع عدم بلوغ المنع، فكم من عقد جائز يلزم ببعض العوارض اللاحقة، كشروع العامل في الجعالة.
كموت الموكل و جنونه و حجره اتفاقا للأصول الشرعية، و اختصاص المخرج به.
و في بعض المعتبرة التصريح به في خصوص موت الموكّل.
فإنّ الأفعال المترتّبة عليها الآثار الشرعية، منها: ما تعلق بها غرض الشارع بنفس الفعل دون خصوصية المباشر، كأكثر المعاملات من البيع و النكاح و الطلاق و الصلح و الإجارة و غيرها، و التطهير من النجاسات و استيفاء القصاص و أمثالها.
و منها: ما تعلّق غرضه بصدوره عن خصوص الشخص، كعبادة الأحياء، فإنّ الداعي إلى تشريعها غالبا حصول مشقة المكلّف في العمل للامتثال و تذلّله و تقرّبه بنفس العمل، و من غير العبادة كالظهار و الجنايات و نحوها.
نعم، لو كان المقصود بالأصالة من العبادة بذل المال، كأداء الزكاة، صحّت النيابة فيها. و مثل ذلك ما إذا تعذر للمكلّف نفسه، كغسل الأعضاء للمريض، و الحجّ عن العاجز.
و قد يحصل الشكّ في صحّة النيابة و الوكالة فيها شرعا. و المهمّ بيان الأصل في ذلك، لمجال الشكّ.
صرّح بعض أجلّة من عاصرناه: أنّ الأصل جواز الوكالة مطلقا إلّا ما خرج
بالدليل، بل ربما جعله مستفادا من كلام الأصحاب، بملاحظة ذكرهم الدليل من النصّ و غيره، فيما لا يصحّ على وجوب المباشرة دون ما صحّت فيه.
و استدلّ على عمومها بعموم قول الصادق عليه السّلام في صحيحة ابن سالم (1): «من وكّل رجلا على إمضاء أمر من الأمور، فالوكالة ثابتة أبدا، حتى يعلمه بالخروج منها، كما أعلمه بالدخول فيها».
و لا يخفى: أنّ دعوى إفادة كلامهم أصالة الجواز مجرّد دعوى خال عن التحصيل و تعليل المباشرة بدليل في مقام لا دلالة له عليه، و كم شاع إقامة الأدلّة على ما يوافق الأصول، و الأخبار المذكورة غير ناهضة للمدّعى، لظهورها في بيان دوام الوكالة حتى يعلم العزل، لا تعميم الموكّل فيه، سيما الصحيح الأوّل الذي لا ذكر لمتعلق الوكالة فيه، بل هو بالنسبة إليه من قبيل المقتضي، و كون المقصود ترتّب الجزاء على نفس الوكالة من حيث هي، من غير نظر إلى متعلقها.
و الأخيران و إن تضمّنا لفظ العموم إلّا أنه منصرف إلى بيان ما ذكرناه، و إلّا لزم تخصيص الأكثر الممنوع في تخصيص العموم.
و بالجملة: فللمنع عن الوكالة فيما لم ينعقد الإجماع عليه، كما اتفق في أكثر المعاملات، أو فيه نصّ خاصّ، كما يمكن الاستدلال عليها في البيع و نحوه بقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)مجال واسع. و الأصل يقتضي العدم، كالظهار و اللعان و النذور و الأيمان و العبادات المندوبة و استيفاء الحدود في حقوق اللّه و أمثالها. و من هذا يظهر وجه صحّة إطلاق كلام جماعة من المنع من الاستنابة
في العبادات مطلقا، و إن كانت مندوبة. و جعله في المسالك (1)أصلا إلّا ما خرج بالدليل.
بل لنا أن نقول: مقتضى الاعتبار عدم قبولها التوكيل، و عدم قيام فعل الوكيل مقام فعل الموكل، فإنّ المقصود من العبادة تكميل النفس و تصفية القلب و تذكية الأخلاق و تبديل الأحوال، و الظاهر أنّ عبادة الوكيل غير مؤثرة فيها بالنسبة إلى الموكل، فما يستفاد من النصوص من صحّة العبادة المندوبة و التلاوة و نحوها بنية الغير، فهو من باب إهداء الثواب، لا من باب الوكالة، و لذا يصحّ ذلك بالنسبة إلى الأموات، و لا يشترط فيها إذن المهدى إليه، و لا يسقط خطاب الندب عن المنوب عنه.
و الاعتضاد بشرعية العبادة الوكالية بأنّ المعتبر في العبادة ليس إلّا الفعل بقصد القربة، و جعل الشارع ذلك سببا لترتّب الثواب عليه، و هو غير مناف للنيابة، فيندرج في عمومات الوكالة له.
يضعّف- مضافا إلى العموم كما مرّ- بأنّ المستفاد من الآيات و الأخبار: أنّ الحكمة في شرعيتها حصول التقرّب إلى اللّه تعالى لفاعلها، و ظهور آثار العبودية لعاملها، و أنّ ذلك من قبل الغير.
و هل يحتمل أحد أن من أحيا ليلة القدر بالعبادة و التضرع و الابتهال نيابة عن غيره المشغول بالملاهي و المناهي و لو بإذنه، أدرك الغير فضل ليلة القدر و الفوز بثواب إحياءها و آثاره؟
و هل مواظبة النوافل و العبادات استنابة عن فاسق مجاهر بالملاهي منغمر في دركات الدنيا و حطامها، يوجب وصوله إلى درجات النعيم التي أعدّت للمتقين و لا
1) مسالك الأفهام 5: 255.
يجزون إلّا ما كانوا يعملون. و نعم ما قيل في الفارسية:
«نام حلوا بر زبان راندن نه چون حلوا بود».
إن هو إلّا كاستنابة الأكل للجوعان و شرب الماء عن العطشان.
و من هنا يظهر الإشكال في جعل مواضع الاستثناء في العبادات من باب الوكالة و لو في مثل نيابة الحجّ عن العاجز. و إطلاق الوكالة عليه من باب المجاز، كما حمل عليه في المسالك (1)قول المحقّق الثاني: و يصحّ التوكيل في الحكم و القضاء بين الناس، قائلا بأن مراده نصب الإمام أو نائبه الخاصّ تولية القضاء للغير، و تسميته وكالة مجاز، و أمّا عن النائب العام في الغيبة فلا يجوز إلّا للفقيه الجامع، و هو متأصّل فيه، فلا يتصوّر فيه النيابة.
في إيقاع النكاح و ابتياع الصيد حال الإحرام- في صحّته في إيقاعهما حال الإحلال.
ففي المسالك (2): ظاهر العبارة منعه، و الأولى: الجواز.
و عن جامع المقاصد (3): ظاهرهم عدم الجواز، محتجّا بعدم كونه مالكا لمباشرة هذا التصرف الآن، و هو شرط، فهو كما لو وكل في طلاق امرأة سينكحها.
و في الروضة (4): منع الظاهر، بل الظاهر كونه كالتوكيل في طلاق الحائض بعد
الطهر، و قد عرفت صحّته، فمقتضى القاعدة المذكورة صحته إلّا إذا ثبت الإجماع و غيره على خلافه، و البحث عنه موكول إلى محلّه.
وجهان: من عدم دليل على ولاية الحاكم و تسلّطه على نصب من ذكر تولية و وصاية، و من اقتضاء الوكالة اقتصار الوكيل على التصرف السائغ للوكيل، مع أن السائغ في أمثال ما ذكر التجاوز (1)عنه من غير نكير، و قيامه فيما يتولّاه بكل ما يتولّى فيه الحاكم.
و الأوجه الأوّل، اقتصارا في ولاية الحاكم على ما يقتضيه الدليل، و منع شمول عمومات الولاية لتفويض ما هو شأنه المقرّر في الشرع لغيره.
و دعوى السيرة القطعيّة المعتبرة فيما اقتضاه ممنوع جدّا. و لم نتحقّق في مظان عنوانات ولاية الحاكم في كلماتهم ما يتناول مثل ذلك. فعلى هذا فلا يجوز للمتصرّف لقيام أمر الطفل من الحاكم بيع ماله المنتقل إليه بعد حال النصب بإرث أو هبة، بل باشتراء الحاكم و نحو ذلك، مما لا يملكه الحاكم للطفل حال التوكيل، كما ستعرف تفصيله و تحقيقه.
و نحوه في الوقف، فيما يتفرّع على تصرّف الحاكم نفسه و نحوه، و انعزاله بموت الحاكم لبطلان الوكالة بموت الموكّل.
1) كذا.
و منه يظهر: أنه لا يجوز للحاكم نصب أحد على قيام أمور الصغار مطلقا حيث اتّفق، و إن لم يتولّه بعد حال النصب، أو لم يتولّه الحاكم بعد حياة الوصيّ و نحوه على قيام أمور الأوقاف العامّة كذلك.
و في حكم القيّم للصغير و الناظر للوقف، نصب الحاكم من يأخذ سهم الإمام عليه السّلام من خمس ما سيوجد، و التصرف في مجهول المالك مما سيحصل، و غير ذلك مما للحاكم الولاية فيه.
نعم، ليس لغير الحاكم الموكّل من سائر الحكام عزل من نصبه، لأنّ توكيله تصرف حكومي و ولائي، فلا يجوز نقضه لغيره، بل في جواز تصرف حاكم آخر أو مأذونه في أمر من أمور من وكّله فيها، إذا كان مقصود الحاكم من استنابة المنصوب من قبله حصر المتصرف فيها وجهان: من أنه كان لحاكم آخر مشاركة الأوّل قبل توكيله، و الوكيل نائبه، فلا يزيد على الأصل، و من أنّ مقتضى ولايته العامّة نفوذ هذا التصرف منه، فلا يجوز نقضه لغيره. و المسألة محلّ إشكال، ينبغي الاحتياط فيه.
فلا تصحّ فيما لا يملكه، كالمستحيل عقلا و المحرّم شرعا، كالغصب و السرقة و القتل و سائر المعاصي.
و أحكامها تلزم المباشر إجماعا.
و المشهور: اشتراط ذلك من حين التوكيل إلى وقت التصرف.
و عن جامع المقاصد (1)و التذكرة (2): الإجماع عليه، فلا يجوّزون التوكيل في طلاق من سينكحها، و بيع ما سيملكه، و عتق عبد سيشتريه.
و استشكل إطلاق القول بذلك، بأنّ الظاهر: أنّهم يجوّزون التوكيل في الطلاق في
طهر المواقعة و في الحيض، و يجوّزون التوكيل في تزويج امرأة و طلاقها، و شراء عبد و عتقه، و استدانة دين و قضاءه.
و في التذكرة (1): صحّ ذلك كلّه.
و منها- كما في جامع المقاصد (2)-: ما لو قال: طلّق زوجتي ثلاثا،
فإنه يكون وكيلا في الرجعتين بينهما. قال: و لكن يرد عليه أنّ ذلك توكيل في تصرف لا يملكه الموكّل وقت التوكيل. فإنّ الرجعة يملكها بعد الطلاق، فحقه أن لا يصحّ.
ثم أجاب بأنّه ليس ببعيد أن يقال: إنّ التوكيل في مثل هذا جائز، لأنّه وقع تابعا لغيره، و نحوه ما لو وكّله في شراء شاتين و بيع إحداهما، أمّا لو وكّله فيما لا يملكه استقلالا، كما لو وكّل في طلاق زوجة سينكحها لم يصحّ.
و الفرق بين وقوع الشيء أصلا و تبعا كثير، لأنّ التابع وقع مكمّلا بعد الحكم بصحّة الوكالة و استكمال أركانها.
و عن التذكرة (3)إيماء إليه أيضا.
و اعترض بعض أجلة من عاصرناه بمنع الفرق بين التابع و المستقلّ، مع تناول أدلّة الوكالة للقسمين، بل مشروعية المضاربة حجة عليه، فإنّها من الوكالة أيضا، فلا بدّ أن يقال: ما يرجع منها إلى معنى التعليق باطل، باعتبار اقتضاء تأخر متعلقها تأخر [ها]، أمّا ما لا يرجع إلى ذلك، بأن جعله وكيلا عنه فيما هو أهل له، و لو بإيجاد سببه المتأخر عن حال العقد صحّ، و إن لم يجعله تابعا في وكالة شخص خاصّ، بل وكّل شخصا على الشراء و أخرى على بيع ما يشتريه.
ثم قوّى لذلك القول بمشروعية الوكالة في الجميع، من غير فرق بين الموجود المتجدّد، حتى ما لا يملكه بإرث و هبة و غيرهما، و قال: إنّ العنوان المزبور في الشرط المذكور ليس في محلّه.
أقول: بل ما أفاده خبط ليس فيه رشاد، و هل يجتمع أصحاب الفقه على ما لا أصل له؟
و لتحقيق ذلك نقول: إنّ من الأمور الضرورية عدم صحّة التوكيل إلّا فيما يملكه الإنسان و يجوز له التصرف فيه شرعا، حتى ينعقد النيابة عنه فيه، فلا يجوز أن يوكّله في طلاق امراة أجنبية و بيع مال زيد، ففي توكيل طلاق امراة سينكحها، إن أريد به الوكالة في الطلاق بعد النكاح، بأن يكون متعلّق الوكالة بعد النكاح، فهو تعليق و تأخير لنفس الوكالة، و هو باطل، و إن أريد الوكالة في الحال، فالموكّل فيه مما لا خيار له فيه و لا يملكه قبل النكاح، فكيف جعله متعلّقا للوكالة الحالية؟
و اقتدار الموكل على إيجاد السبب لا دخل له فيما وكّل فيه الوكيل من حيث تعلق الوكالة عليه إلّا بإرجاعه إلى تعليق الوكالة و تأخيره بما بعد وجوده.
و بهذا يظهر الفرق بينه و بين التوكيل في النكاح ثم الطلاق، فإنّ هذا الترتيب ملكه الموكل حين العقد، و قد جعله وكيلا في هذا الترتيب، فهو من قبيل المركّب الذي تأخّر بعض أجزائه عن بعض.
و الحاصل: أنّ الضابط في الفرق فيما يصحّ و ما لا يصحّ، ملاحظة الفعل الذي وكّل فيه، من حيث كونه متعلق الوكالة، لا من حيث كونه مقدورا للموكل أو موكولا على الاتفاق أحيانا، لعدم مدخليته- حينئذ- في الوكالة التي تعلق بها العقد إلّا بإرجاعها إلى التعليق الباطل.
و من ذلك يظهر: أنّ ما ذكره الشيخ المعاصر من صحّة توكيل شخص خاصّ في
الشراء و آخر في بيع ما يشتريه غير متّجه.
فإن قلت: لا ينحلّ بذلك الإشكال بالنقض بصحّة الوكالة حال الحيض أو طهر المواقعة، لعدم صحّة الطلاق حين العقد للموكّل، و لا سبب صحّته باختياره، مع أنّ صحّتها لعلّها محلّ الإجماع.
قلت: فرق بين عدم الصحّة لعروض مانع- سواء كان في حال العقد أو بعده، حيث لا ينتقض به الوكالة لو عرض في الأثناء أيضا- و بين عدم مملوكيته للمالك بالذات، و عدم المقتضي له حال التوكيل، و لذا جعلوا عنوان الشرط ملكه للموكّل فيه، لا صحّته منه، نظير الفرق بين صحّة إيجاب الصلاة على البالغ العاقل قبل الوقت و عدم صحّته قبل بلوغه، و لذا يصحّ أن يقال للزوج حال حيض الزوجة: أنّه مالك لطلاقها و مالك لبضعها، و لا يصحّ أن يقال له ذلك بالنسبة إلى الأجنبية، فالتأخر اللازم هنا إلى زوال العذر مما يرجع إلى الموكّل فيه لا الوكالة، فلا ضير فيه، و لذا لا تبطل الوكالة بعروض الحيض الواقع في الأثناء، و تبطل وكالة بيع فرسه إذا باعه نفسه ثم اشتراه في الأثناء، و هذا عساه أن لا يشكّ فيه.
و ربما يحصل الشكّ في أنّ المورد من أيّ القسمين، كالتوكيل في نكاح صغيرة بعد بلوغها، و لعلّه كان صحيحا لأنّه مالك لنكاحه، و لذا يصحّ أن يزوّجها وليّها دائما، لمانع عدم نفوذ قبولها قبل البلوغ، لحجرها بالصغر، بخلاف التوكيل في تزويج المزوّجة بعد طلاقها. و نحوها المعتدّة بالعدّة الرجعية، لأنّها في حكم الزوجة، و أما المعتدة البائنة، فلا يبعد الصحّة و توكيل ما يتعلق بما سيورث أو سيوهب، كما صحّحه الشيخ المعاصر، و الظاهر: عدم صحّته، فاجعل ما حققناه ضابطا للمقام، و افهم و اغتنم.
فمقتضى الضابطة المقرّرة: صحّة المتجددات المترتّبة على الموجودة، كبيع ماله ثم اشترائه به مالا آخر ثمّ بيعه ثانيا و هكذا، و شراء ملك و إجارته و دعوى الغبن و الفسخ به إذا كان مغبونا، و نكاح امراة له و طلاقها و طلاق امرأته الموجودة، و أمثال ذلك.
و لو نكح الموكّل نفسه امرأة بعد التوكيل المزبور أو [أعتق] عبدا، فالوجه عدم صحّة طلاقها و عتقه بالوكالة العامة السابقة، لا بوكالة متجددة. و اللّه العالم.
مشرق: من القواعد المتداولة بل المسلّمة عند الفقهاء: اقتضاء اليد للملكية أو الاختصاص في ظاهر الشرع، إلى أن يخرج عنها بدليل كاشف عن الواقع، من بيّنة أو إقرار و نحوهما.
و عن بعضهم: كونها إجماعية.
و عن آخر: أنّها ضرورية.
و عليها استفاضت الأخبار في موارد غير عديده. بل قيل: إنّها متواترة معنوية.
و من أدلّتها على الإطلاق و الضابطة الكلّية، رواية حفص بن غياث، المروية في الكتب الثلاثة (1)، المنجبرة بعمل الكلّ، و فيها: أ رأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا أ يجوز أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم» قلت: فلعلّه لغيره: قال: «و من أين جاز لك أن تشتريه و صار ملكا لك، ثمّ تقول بعد الملك: هو لي، و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك من قبله؟» ثم قال: «و لو لم يجز هذا ما قام سوق للمسلمين».
1) الكافي 7: 387، الحديث 1؛ التهذيب 6: 261؛ الفقيه 3: 31.
و منها: المرويّ في تفسير القمّي (1)صحيحا، و في الاحتجاج مرسلا، عن مولانا الصادق عليه السّلام، في حديث فدك لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام قال لأبي بكر: «تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين»؟ قال: لا. قال: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟» قال: إيّاك أسأل البيّنة على من تدّعيه.
قال: «فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون، تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملّكته في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و بعده، و لم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم».
و منها: موثّقة يونس بن يعقوب (2): المرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة.
قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجل و النساء فهو بينهما، و من استولى على شيء منه فهو له».
و لا شكّ أنّ ما في اليد يصدق عليه الاستيلاء.
و غير ذلك من الإطلاقات، و ما ورد في موارد خاصة، يعلم من تراكمها كون الجهة المقتضية للاستحقاق هي اليد.
و لا إشكال في ذلك، إنّما يقع الكلام تارة: في معنى اليد و ضبط مصاديقها التي قد يتطرق فيها الإبهام، و أخرى في شرائط اقتضاءها الملكية و ما فيه من الخلاف.
فهنا مقامان:
لا شبهة أنّه ليس المراد منها العضو المخصوص، بل المعنى المتفاهم منه عرفا و ما فهمه الأصحاب، هو كونه تحت اختيار الشخص و تصرّفاته و الاستنفاع منه،
حيث إنّه المتبادر منه في العرف، و لا يصحّ السلب عنه، سيما بملاحظة القرائن المعيّنة لإرادته في الأخبار، سواء قلنا بكونه معنى مجازيا مشهورا مقترنا بالقرينة الشائعة العرفية في مثل المقام، أو كون هذا التركيب، أعني: ما في اليد حقيقة عرفية فيه.
و لعلّ الأوّل أوجه، نظرا إلى حصول الاختلاف في الظهور العرفي باختلاف المقامات و تغاير المتعلق، فيكون مستندا إلى قرينة المقام، ففي مثل كون الدار في يده يتبادر ذلك و لا يصحّ السلب، دون كون الخاتم و الدرهم في يده. و لو أمر بوضع الدرهم في يد زيد، صحّ العتاب بوضعه عنده بترك الامتثال.
و كيف كان، فالخطب في ذلك بعد ظهور المراد سهل و إنما يتأتّى البحث في صدق هذا المعنى في مواضع:
منها: ما إذا اختلفت آثار الاختصاص فيما بين اثنين، ككون المتاع في بيته و مفتاحه في يد آخر، فاشتبه كون المتاع في يد أيّهما؟
و الظاهر: أنّه إن علم أنّ صاحب البيت وضعه فيه، فهو محكوم بكونه في يده، و إن علم أنّ صاحب المفتاح وضعه، فهو في يده، و إن لم يعلم شيء منهما أشكل الأمر، إلّا إذا علم استيلاء أحدهما عليه.
و منها: ما إذا لم يشاهد التصرفات المتجدّدة فيه. فالظاهر: عدم اشتراطها في صدق اليد، كما صرّح به الوالد العلّامة، فإنّ اليد شيء و التصرّف شيء آخر، و لذا تراهم يقولون: اليد المنفردة من التصرف هل تصح الشهادة لها بالملك؟ فيجردون اليد عن التصرف، و يختلفون في صحّة الشهادة بالملك بمجرّدها، بحيث كانت هي مستند الشاهد.
نعم، قد يكون تجدّد التصرف و تكرّره دليل ظهور اليد، فيشترط- حينئذ- في
صدقها، كالعبور و الاستطراق في الطريق الواقع في دار الغير، فلا يحكم باليد بمجرّد عبورهم ساعة أو ساعتين، و نحوه سكنى الدار.
و منها: الاستيلاء عليه، بحيث كان تحت اختياره بتصرّف فيه كيف يشاء من البيع و الشراء و الخراب و العمارة و الانتفاع منه و نحو ذلك من وجوه التصرّفات.
فهل يشترط صدق اليد عليه أم لا؟
الظاهر عدم صدقها مع ظهور خلافه، و لكن لا يشترط العلم به، و لذا يحكم بملكية ما في يد الرجل و انتقاله الى وارثه بعد موته، و إن لم يعلم منه هذا الاستيلاء.
و منها: جزئيته و تابعيته للمتصرف فيه، و إن لم يظهر منه تصرف أو استيلاء عليه بخصوصه، كقطعة أرض في داره.
و من هذا يظهر: أنه لو كان مجرى ماء أحد في دار غيره أو طريق له فيها. لا يخرج عن صدق يد صاحب الدار، بل يد صاحب الماء، و العبور فيها لم يثبت عدا المنفعة، و غاية ما في الحال صدق يد المنفعة عليها، لا ملكية العين، فليس لهما التصرفات العينية أو استنفاع منفعة أخرى منهما.
و منها: ما إذا لم يكن المالك بنفسه مباشرا للتصرف، بل كان وكيله أو مستعيره أو أمينه أو مستأجره أو المتعدّي عليه بغصب. ففي صدق ذي اليد على ما ملكه باعتراف هؤلاء الوسائط، في مقابل دعوى الثالث إشكال. و الظاهر: قبوله باعترافهم، بكون أيديهم نيابية، و حكم يدهم يد المنوب عنه.
و هي أمور:
و تفصيل ذلك: أنّ صاحب اليد إمّا يدّعي استحقاقه، أو يعترف بعدمه، و يقول: لا أدري كونه لي، أو لم يظهر منه شيء منها.
لا إشكال في اقتضائه في الأوّل، و عدمه في الثاني، لتقدّم الإقرار على اليد إجماعا. و الظاهر: عدمه- أيضا- على اعترافه بالجهل، كما صرّح به والدي، لعدم دليل صالح على الاقتضاء حينئذ، لاختصاص تحقق الإجماع بغير الصورة، و كذا النصوص المتقدّمة، و منع صدق الاستيلاء في الموثقة على ذلك، لظهوره في الاقتدار على التصرف فيه كيف شاء و كيف جاز له، و هو لا يعلم أنه له. و لا ينافي ذلك عدم اشتراط علمه بكونه لمورّثه أو لمن اشتراه منه، لعلمه بملكيته الظاهرية لمن انتقل منه إليه، و كونه محكوما له في ظاهر الشرع كما مرّ.
نعم، لو علم اعتراف صاحب اليد الناقلة منها إليه بعدم علمه أنّه له، فالظاهر:
عدم تملّكه- حينئذ- بالإرث أو الاشتراء أيضا.
و إن لم يظهر من ذي اليد دعوى الملك أو عدمه و لا جهله به، فالظاهر: كونه محكوما له عند غيره، كما إذا كان في يد مورّثه فمات عنه، لإطلاق موثقة يونس، و كذا صدر رواية حفص، باعتبار عموم ترك الاستفصال، و إن لم يكن له ذلك الظهور، لاختصاص تعليله بفعل ما يشير باعترافه.
الأوّل: يظهر مما بيّناه دقيقة هي: أنّه لو كان في دار أحد طريق مستحدث يعبر فيه الناس مع اعترافهم بعدم تملّكهم الطريق أو عدم علمهم بالاستحقاق الشرعي ظاهرا عدا واحد منهم، مدّعيا للملكية أو حقّ العبور، فلا يحكم له بذلك، لأنه إن ادّعى الاختصاص به، فليس يده بخصوصه عليه في جملة العابرين، و إن ادّعى الجهة العامّة للعامّة، فيتوقف على عدم اعترافهم بالجهل، كما سمعت.
نعم، إذا كانت يده منفردة بالغة في تكثّر العبور و تكرره إلى حيث صدق يده بالخصوصية عليه عرفا، يحكم له شخصا.
فيقدم الدليل، لما علمت في المشرق السابق: أنّ الأصول العملية و الاجتهادية، بل مطلق الأحكام، بعضها وارد على بعض، و يقدّم الوارد على المورود، بل لا تعارض بينهما حقيقة، و أنّ الورود بأحد الوجهين: إمّا بكون موضوع أحدهما مرتفعا بوجود الآخر، كإباحة ما لا يعلم حرمته عند ظهور دليل حرمته الواقعية، أو بجعل الشارع أحدهما سببا رافعا للآخر، كزوال حلية العصير بالغليان، ثم زوال حرمته بعده بنقصان الثلثين.
و أشرنا ثمة إلى أنّ البيّنة و الإقرار و نحوهما كذلك بالنسبة إلى اليد، فيرتفع حكمها بوجود الرافع، كما أنّ اليد واردة على الاستصحاب، كما ستعلم.
بيان ذلك: أنّ تعارض اليد و الاستصحاب يقع على وجوه:
منها: أن يكون مقتضى الاستصحاب عدم الملكية، و لكن لم يكن في مقابل ذي اليد مدّع يدّعي خلافه، كما إذا ادّعى صاحب اليد اشتراءه أو استيجاره من مالكه و لم يكن هناك من يدعيه، فليس لأحد أن يزاحمه، و لا يجوز أخذه منه، و له التصرف فيه كيف يشاء، لصدق اليد عليه، و شمول الأخبار له.
و منها: أن يدّعي الاستيجار أو الانتقال، و في مقابله المدّعي ينكره. و الظاهر: أنه لا خلاف- حينئذ- في تقديم قول المدّعي و استصحاب عدم الانتقال و عدم اعتبار اليد، لأنه يدّعي اليد المقيده بالاستيجار أو الابتياع و هو في دعوى القيد مدّع يطالب بالبيّنة، و الاستصحاب يقتضي عدمه.
فإن قلت: اقتضاء اليد للاستحقاق ليس لقيدها المختلف فيه المطالب بالثبوت، بل لمجرد نفسها، أعني: الاستيلاء، و الاستصحاب لا يقاوم اليقين الشرعي الذي هو مقتضى اليد.
قلت: المقتضي للاستحقاق هو اليد المطلقة لا مطلق اليد، فإنّ اليد لا يقتضي الاستيجار، فلا يعارض استصحاب عدمه، فحيث دلّ الاستصحاب على عدمه صارت اليد يدا غير استيجارية، و هي تنافي دعوى ذي اليد، فلا يعتني بيده.
و بوجه آخر أو عبارة أخرى: تقدّم اليد على الاستصحاب إنّما هو باعتبار جعلها الشارع سببا للملكية الظاهرية، كما تقدّم، فمقتضاها يقين شرعي مزيل للحالة السابقة، و يعارضهما بالمزيلية و المزالية، و فيما نحن فيه ينعكس الأمر، فإن عدم الاستيجار الذي هو مقتضى الاستصحاب سبب لعدم حصول اليد الاستيجارية، فإنّ وجود المعلول كما هو مؤخّر بالذات عن وجود العلّة، كذا عدمه مؤخّر عن عدمه، فعدم حصول النقل سبب لعدم حصول اليد المملّكة، و لا هكذا الملكية الاستيجارية، فإنّها كاشفة عن حصول الاستيجار، و علمت كرارا: أنّ الأصل المثبت للسبب مقدّم على المثبت للكاشف.
و منها: الصورة السابقة، غير أنّ استناد اليد بالانتقال من المدّعى عليه علم من الخارج، من غير اعتراف ذي اليد به، بمعنى أنّه علم أنّه لو ملكه كان بانتقاله منه إليه.
و في تقديم الاستصحاب أو اليد- حينئذ- إشكال:
من كون اليد- حينئذ- معلوم التقيّد بسبب ينكره المدّعي، فعلى ذي اليد إثباته كالصورة السابقة.
و من أنّ صاحب اليد لا يدّعيه حتى كان مأخوذا بالإثبات، و علم الحاكم بسبب دعواه لا يوجب صدق المدّعى عليه، فاليد يبقى على اقتضائهما الملكية، فيكون من قبيل صورة تعارض الملكية السابقة و اليد الحالية، و ستعرف تقدّم اليد فيها، و لعله الأقوى.
فإن قلت: استصحاب عدم النقل- بضميمة العلم الخارجي بانحصار سبب المدّعي به فيه- يقتضي بطلان اليد و ورود الاستصحاب عليها كالسابق.
قلت: إنّما يعارضه و يزيله لو كان هو محل الدعوى، كما في صورة الإقرار، و إلّا فلا محلّ لهذا الاستصحاب- حينئذ- في مقابل قول ذي اليد، فلا يخرج اليد عن مقتضاه شرعا.
و منها: أن يتعارض [اليد] الحالية الملكية السابقة أو اليد السابقة، مع احتمال استناد اليد إلى غير نقل المالك الأوّل على تقدير صحّتها.
و قد اختلفوا في تقديم الحالية أو القديمة على قولين، كلاهما عن الشيخ في المبسوط و الخلاف (1).
و الأوّل عن الأكثرين: و عن الشرائع: الثاني.
و عن محتمل الفاضل في التحرير: التساوي.
و استدلّ على كلّ منها بوجوه قاصرة لا جدوى للتعرّض لها، بعد ما تبيّن لك مما تلوناه من مناط الحقّ في المقام، من أنّ اليد دليل شرعيّ وارد على استصحاب الملكية السابقة ناقض لمقتضاه من قبيل سائر الأسباب الشرعية الطارية، و لا كذلك العكس، فإنّ بقاء الملكية السابقة ليس سببا مزيلا لملكية اليد، بل على تقدير بقاءها كاشفة عن عدم اقتضاءها الملكية اللاحقة.
و الظاهر: أنّه ينظر إليه كلام بعض المحققين، من أنّ احتمال كون اليد الباقية عارية أو غيرها لا يلتفت إليه مع بقاء اليد على حالها، فإنّ المقصود الأصلي من إعمال اليد هو إبقاء تسلطها على ما فيها (2)، أو عدم جواز منعها عن التصرفات .. (3)
بسبب احتمال الغصب أو العارية أو غيرهما، فيحكم عليها بما يحكم على ملك الملاك، و ليس هذا معنى الحكم بأنه ملك. انتهى.
و بعد الإحاطة بما قدّمناه، تعلم صحّة الحكم بكونه ملك ذي اليد، كما هو مقتضى رواية حفص بن غياث المتقدمة الشامل للمورد.
و الظاهر: أنّ عدوله عن الحكم بالملك، إلى الحكم بلوازمه، باعتبار معارضة حكم الملك لاستصحاب ملك الآخر، و قد علمت أنّ الاستصحاب لا يعارض اليد.
و منها: أن يعارض يده الحالية إقراره أمس بأنّ الملك للمدّعي، أو شهدت البيّنة بإقراره أمس له، أو أقر بأن هذا له أمس.
قال في الكفاية (1): و في كلامهم القطع بأنّ صاحب اليد لو أقرّ بأحد الوجوه المذكورة قضي له به. و في إطلاق الحكم بذلك إشكال.
و في القواعد و السرائر (2)أيضا: فالقضاء للمدّعي، بإقرار ذي اليد له أمس، أو أقرّ أمس به، أو شهدت بإقراره البيّنة.
و في مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي (3)قال: في صورة إقراره بالأمس، أو بالشهادة بإقرار الأمس، و جعل الأقرب في الأوّل ذلك، موذنا بوقوع الخلاف فيه.
و قال: إنّه غير واضح الدليل، إلّا أن يكون إجماعا.
و يظهر وقوع الخلاف من شيخنا الشهيد، في تمهيد القواعد، في صورة الإقرار له أمس، و اختار الأخذ بإقراره، كما لو شهدت البيّنة بأنّه أقرّ أمس.
أقول: للنظر في إطلاق الحكم بتقديم قول المدّعي بإقرار ذي اليد بأحد الوجوه
المذكورة مجال واسع. و الإشكال فيه- كما في الكفاية و ظاهر الأردبيلي،- في مورده، إلّا أن يثبت الإجماع فيه، لأنّ إقراره بأنه كان له أمس، أو ثبوت إقراره كذا أمس بالشهادة، أعمّ من كونه اعترافا بانتقاله إليه من المدّعي، و هو الصورة الأولى التي يقدّم فيها قول المدّعي، و من انتقاله عن غيره إليه.
و لعلّ المقصود من المجمع عليه هو الأوّل، فهو من باب تعارض الملك السابق و اليد الحالية، و قد عرفت تقدم اليد فيه، فتدبّر.
كما إذا أثبت المدّعي أنّ مبدأ يده كان يد غصب أو عارية أو إعارة، و ادّعى صاحب اليد ملكيته الحالية، فإنّه لا إشكال- حينئذ- في تقديم الاستصحاب، لأنّ يده بالاستصحاب يد غير مملّكة لا يقتضي التقديم، و استصحاب الموضوع مقدّم على الأصل الحكميّ إجماعا و اعتبارا.
فلو علم كونها بانتزاع ما في اليد من تصرّف المالك عنفا، من غير جهة مجوزة شرعية ظاهرا، بل بمجرد ادّعاء الملكية و لو مع احتمال صدقه الواقعي- و منه ما إذا أخذه في حضورنا عنه عند ادّعاء ملكيته- لم يكن معتبرة إجماعا، و لعدم كون ملك اليد سائغة في ظاهر الشرع، و وجب الحكم بتخلية يده عنه و ردّه إلى ذي اليد الأوّل حتى أثبت حقه و أقام البيّنة.
كما إذا ركب اثنان دابّة رديفين، و أكلا من إناء واحد دفعة، و جلسا على بساط كذلك، فلا أثر لليد- حينئذ- لأحدهما بالنسبة إلى الآخر لتعلق يد كلّ واحد بالجميع، حيث إنّ اليد ليست كالملك الذي لا يتزاحم فيه غير الواحد و لذا لو قطع أحدهما يده عنه، كان يد
الآخر عليه كما كان، فالحكم بتنصيف ملكية كل واحد خلاف مقتضى اليد، و تمامه لكلّ واحد من المحال، و لواحد ترجيح ممتنع، فإذن لا حكم ليد أحدهما لنفي الآخر.
نعم، تؤثر اليدان لنفي دعوى الثالث.
أقول: و يمكن المناقشة بمنع اليد المستقلّة لكلّ واحد منهما، فإنّه لو اعتبر فيها الاستيلاء هنا، فالتامّ منه في الكلّ ممنوع، إذ ليس له البيع و الإجارة و العارية و نحوها، و إن اعتبر فيها الانتفاع، فهو ينقسم بينهما، لأنّ المنفعة العائدة منه لكل واحد غير العائدة للآخر، و حيث إنّ يد الثالث مسلوبة عنه، فحكم اليد منقسم بينهما لا محالة.
و إطلاق قوله في الموثّقة: «و كلّ من استولى على شيء فهو له» ظاهر في الاختصاص لهما اشتراكا، لا لأحدهما منفردا، و لا لثالث، كما قلنا. فإن كان لأحدهما شاهد، و إلّا فيقف و يتحالفان.
و لعله إجماعيّ، و به اعترف الوالد الماجد في العوائد (1).
كما أفاد والدي القمقام للأصل، و عدم ثبوت الإجماع، و ظهور الأخبار في الأعيان، حتى الموثقة، لمكان الضمير في قوله عليه السّلام: «من استولى على شيء منه- أي: المتاع- فهو له» مضافا إلى منع صدق اليد على المنافع، لأنّ الآتية غير متجدّدة بعد، و الماضية منقضية.
أقول: و للكلام فيه مجال، و الذي يقتضيه نظر العبد، أنّ اليد على المنفعة و التصرف فيها قسمان:
أحدهما: أن يكون التصرف فيها موقوفا على وقوع اليد على العين عرفا،
1) عوائد الأيّام: 749.
بحيث صدق عليه كون العين في يده، و لو لاستيفاء منفعته، كتصرف المستأجر في العين المستأجرة، و جريان مائه من ملك الغير و الاستطراق فيه، و حمل السقف على جداره، و أمثال ذلك.
و الثاني: أن لا يتوقف عليه، كالاستظلال بجداره، و الاستضاءة بسراجه، و الانتفاع بهواء عرصته و نحوها.
أمّا الثاني: فهو كذلك، و لا اعتبار لليد عليه، بل لم أتحقّق قائلا به و الأخبار غير شاملة له بظهورها في كون متعلق اليد العين، و لو سلم إطلاق بعضها، كحديث فدك، فهو أيضا، بحكم التبادر ظاهر في العين.
و أمّا الأوّل: فالظاهر اعتبار اليد عليها ما دام يده على العين، و ظنّي أنّه لا خلاف فيه، و لذا لو كان في يده عين بعنوان الاستيجار، فادّعى غيره الإجارة من مالكه، يقدّم قول الأوّل، و ما هو إلّا ليده عليها، و إلّا كانا سواء، و لصدق المدّعي على خارج اليد عن المنفعة، فإنّ من ادّعى على من استمرّ جريان مائه من ملك الغير في منع جريانه، يصدق عليه «أنّه لو ترك ترك الدعوى»، فيطالب البيّنة عملا بمقتضى أخبار الدعاوي، بل يشمله قوله عليه السّلام في الموثّقة: «من استولى على شيء منه فهو له» فإنّ الضمير و إن رجع إلى المتاع و هو عين، إلّا أنّه يعمّ اللام مطلق الاختصاص، فيشمل ما إذا ادّعى المتاع، لاختصاص منفعته له باستيجار و نحوه.
مشرق: اختلفوا في وجوب ترتّب الحواضر على الفوائت ما لم يتضيّق أوقاتها، و فورية وجوبها.
و ظاهر جماعة، بل صريح بعض المحققين: أنّ كلا من الأمرين مسألة منفردة في الخلاف، و إن كان قول الأكثر متوافقا فيهما نفيا و إثباتا.
و كيف كان، ففي المسألة أقوال:
الأوّل: أنّه لا يعتبر في صحّة الحاضرة تأخّرها عن الفائتة مطلقا، و لا في صحّة غيرها من العبادات، و لا يجب فعل الفائتة فورا متى ذكرها، و لا يجب العدول عن الحاضرة إليها في الأثناء، فيجوز التشاغل بسائر ما ينافيها من العبادات الواجبة و المندوبة الموسعة و المباحات و غيرها.
و هو المحكيّ عن كثير من الأجلّة الأقدمين من مشايخ الشيعة و فقهاء الطائفة، منهم: من نقل عنهم السيد الأجل رضي الدين على بن طاوس (1)كالشيخ الجليل
1) حكاه في الحدائق الناضرة 6: 359؛ و جواهر الكلام 12: 35.
الفقيه عبيد اللّه بن عليّ الحلبي (1)في أصله الذي أثنى عليه الصادق عليه السّلام عند عرضه عليه، و عدّه الصدوق (2)من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل و إليها [المرجع].
و الحسين بن سعيد الأهوازي (3)- الذي هو من أصحاب الرضا و الجواد و الهادي عليهم السّلام- و عن المحقق في المعتبر أنه من جملة الفقهاء المعتبرين الذين اختار النقل عنهم ممن اشتهر فضله و عرف تقدّمه في نقل الأخبار و صحّة الاختبار و جودة الاعتبار.
و الشيخ النبيل أبي الفضل محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الجعفي في كتابه الفاخر (4)الذي ذكر في أوّله أنّه لا يروى فيه إلّا ما أجمع عليه و صحّ من قول الأئمة عليهم السّلام.
و الشيخ العظيم أبي عبد اللّه الحسين بن أبي عبد اللّه الواسطي أستاد الكراجكي قال في كتابه على ما نقل عنه السيد في بعض رسائله: أن سأل سائل و قال:
أخبرونا عمن ذكر صلاة و هو في أخرى، ما الذي يجب عليه؟ قال: يتمّ الذي هو فيها و يقضي ما فاته، ثمّ ذكر خلاف المخالفين (5).
و منهم من حكاه الشهيد، عنهم كقطب الدين الراوندي و نصير الدين حمزة
1) غنية النزوع 1: 98؛ حكاه السيد بن طاوس في رسالته: 340؛ و مفتاح الكرامة 3: 386؛ و جواهر الكلام 13: 33.
2) الفقيه 1: 355، ذيل الحديث 1029.
3) حكاه السيّد بن طاوس في رسالته: 341؛ و كشف الرموز 1: 208.
4) الجعفي صاحب الفاخر المعروف في كتب الرجال بأبي الفضل الصابوني، حكاه السيّد بن طاوس في رسالته: 339؛ و بحار الأنوار 88: 327؛ و مفتاح الكرامة 3 388؛ و جواهر الكلام 13: 34.
5) انظر مفتاح الكرامة 3: 388؛ و جواهر الكلام 13: 34؛ و رسالة ابن طاوس: 343.
الطوسي و سديد الدين محمود الحمصيّ و يحيى بن سعيد جدّ المحقق و نجيب الدين بن يحيى بن محمد و السيد ضياء الدين بن فاخر و الشيخ أبي علي الحسن بن طاهر الصوريّ و عليّ بن عبيد بن بابويه منتجب الدين (1)، و في المصابيح عن عماد الدين محمد بن عليّ، و في رسالة ابن إدريس (2)التي عملها في المسألة عن طائفة من العلماء الخراسانيين، و عن محتمل كلام العمّاني، و اختاره السيد بن طاوس من المتأخرين و العلّامة في جملة من كتبه و والده و ولده و أكثر من عاصره، نقله في المختلف (3)و الشهيدان في اللمعة و الروضة (4)، و عن المقداد و تلميذه محمد بن شجاع القطان و أبي العباس أحمد بن فهد (5)و عليّ بن هلال الجزائري تلميذه و الصيمري و المحقق الكركي (6)و ولده و الميسي و ابن أبي جمهور الأحسائي، و الأردبيلي و صاحب المعالم في الاثنى عشرية و ولده الشيخ محمد و الشيخ أبي طالب شارح الجعفرية و شيخنا البهائي (7)و والده و تلميذه الشيخ جواد الكاظمي و المحدّث الكاشاني، و ابن أخيه الهادي و الفاضل السبزواري و السيد ماجد و الشيخ سليمان البحرانيين و العلّامة المجلسي و والده و المدقّق الشيرواني و الفاضل الماحوزي و المحقّق البهبهاني و العلّامة الطباطبائي.
و إليه ذهب والدي العلّامة و صاحب الجواهر و جماعة من مشايخه. و بالجملة هو
المشهور بين المتأخرين، بل عليه أكثرهم، و استفاض عليه نقل شهرتهم، بل في الذخيرة (1): أنه مشهور بين المتقدمين أيضا، و إن نسب فيه القول بالمضايقة إلى أكثرهم.
و في مصابيح السيّد الأجلّ الطباطبائي نسبه إلى أكثر الأصحاب على الإطلاق، بل المستفاد من صاحب الفاخر من قوله في خطبة الكتاب، أنّه ما روي فيه إلّا ما أجمع عليه و صحّ من قول الأئمة عليهم السّلام، كما سمعت أنه إجماعي، بل عن الفاضلين في المعتبر و المختصر النافع و المختلف ظهور دعوى إجماع المسلمين عليه في الجملة.
الثاني: وجوب الترتيب بمعنى تقديم الفائتة على الحاضرة مطلقا ما لم يتضيّق وقتها. نسب إلى القديمين و الشيخين و السيّدين و القاضي و الحلّي (2)و الحلبي (3)و بعض المحدّثين.
و صرّح أكثر هؤلاء بل غير واحد منهم- كما قيل- بفورية القضاء، حتّى حكي عنهم المنع من الأكل و الشرب و النوم إلّا ما لا بدّ منه و التكسّب و الاشتغال بغيرها في غير ضيق وقت الأداء، بل عن الحلّي و ابن زهرة (4)الإجماع عليه.
و عن بعضهم تلازم الفورية و الترتّب.
و عن ابن فهد (5)التصريح بأنّ الترتّب هو القول بالمضايقة، و عدمه هو القول
بالمواسعة، و لذا لم يذكروا إلّا مسألة واحدة، و استدلّوا بما يدلّ على كلّ واحد منهما للآخر. و أنكره بعض المحققين، و جعلهما مسألتين، و قال: من حكم بوجوب تقديم الفائتة فإنّما هو من حيث هو مع قطع النظر عن الفورية.
و استشعر من كلام الفاضل في التذكرة (1)حيث قال: إنّ أكثر علمائنا على وجوب الترتيب، ثمّ قال: و جماعة من علمائنا ضيّقوا الأمر في ذلك و شدّدوا الأمر على المكلّف غاية التشديد. فإنّ نسبة الترتيب إلى الأكثر و التضييق إلى الجماعة مشعرة باختلاف المسألتين.
و نسب والدي العلّامة إلى بعض مشايخه القول بوجوب الترتيب مع اختياره المواسعة.
و ربما يستشعر من التفصيل بين الفائتة الواحدة و المتعدّدة و فائتة اليوم و غيرها أنّ الكلام في مسألة الترتيب غير الكلام في التضييق و الفورية.
و من هذا يظهر أنّ شهرة الترتيب- لو سلمت- لا يوجب شهرة المضايقة، بل لعلّ شهرة المواسعة لا كلام فيها بين أكثر المصنفين.
ثمّ إنّ أكثر من قال بالترتيب أو الفورية صرّحوا ببطلان الحاضرة المقدمة على الفائتة في السعة، بل عن الغنية الإجماع عليه، كالمرتضى و ابن البراج (2)و أبي الصلاح و الشيخ في المبسوط (3)و ابن إدريس. و منهم من لم يصرّح بذلك، و لكن لم يظهر منه صحتها، كالمفيد و القديمين و الشيخ في النهاية (4)و الخلاف (5).
و ربما قيل بتلازم بطلانها للقول بالترتيب و الفورية.
و نحوه وجوب العدول في الأثناء عند التذكّر، و عن المرتضى و الشيخ و القاضي و الحلبيين و الحلّي التصريح به، بل عن الأخير الإجماع عليه، و جعله الفاضل في المختلف (1)لازم القول بالمضايقة.
الثالث: التفصيل بالترتيب في الفائتة الواحدة و عدمه في المتعددة، اختاره المحقق في كتبه الثلاثة و صاحب الكفاية و قوّاه الشهيد في غاية المراد (2).
الرابع: الفرق بين فائتة اليوم و غيره و هو للفاضل في المختلف خاصة دون سائر كتبه، و لم ينقل عن غيره أيضا، عدا ما يحكى عن بعض شارحي الإرشاد.
الخامس: وجوب الترتيب في الفائتة الواحدة في يوم الذكر دون غيرها، نقل عن ابن أبي جمهور.
السادس: الفرق بين الفائتة نسيانا و عمدا، فيتضيّق للأولى دون الثانية، و هو المحكيّ عن ظاهر ابن حمزة في الوسيلة (3).
السابع: التفصيل بين المعيّن عدده من الفائت فالتضييق، و مجهوله فعدمه. نقل عن الديلمي (4). و ربما نقل عنه القول الثاني. و ربما استظهر منه رجوعه إلى الغالب.
و يحكى عنهم تفصيلات أخر لا عناية لذكرها.
و الحقّ هو الأوّل، لوجوه:
الأوّل: أصل البراءة.
و هو تارة باعتبار البراءة عن وجوب التعجيل و حرمة التأخر، لأنّه تكليف زائد على وجوب نفس الفعل، فيصحّ نفيه بالأصل.
فإن قلت: الوجوب الموسع يضادّ المضيق، و هو- أيضا- تكليف صحّ نفيه بالأصل، فيعارض الأوّل.
قلت: ليس غرضنا إثبات الوجوب الموسّع بالأصل حتى يعارض فيه الأصلان، بل المقصود نفي وجوب التعجيل و عدم حرمة التأخير، و لا معارض له في نفسه من حيث هو فعل مجهول الحكم، إلّا أنّه يفيد منضمّا إلى ما هو المعلوم إجمالا من الوجوب المردد بينهما فائدة الموسّع، من قبيل نفي حرمة الترك التي هي فصل الوجوب فيما علم الرجحان و الطلب مرددا بين الوجوب و الاستحباب، فإنّه و إن لم يثبت منه الاستحباب، لعدم كونه مقتضى الأصل، فإنّ مقتضاه ليس إلّا مجرد جواز الترك لا الاستحباب المأخوذ في ماهيّته جوازه قيدا للرجحان، إلّا أنّ جميع هاتين القضيتين و اعتبار تركيبهما يفيد فائدة الاستحباب.
و من ذلك ما إذا علم انتقال عين من أحد إلى آخر، مردّدا بين كونه بالبيع أو الإجارة، فإنّ نسبة الأصل إلى نفيهما على السواء فيتعارضان، فيرجع إلى ما يقتضيه الأصل في لوازمهما، و هو بقاء الملكيّة الموافق لعدم البيع دون الإجارة لانتقال المنفعة على التقديرين.
و أخرى باعتبار البراءة عن الواجبات المتعدّدة اللازمة للقول بالمضايقة، فإنّ القائل بالتضييق لا ينكر الوجوب في الآن الثاني عند العصيان بتركه في الأوّل، و هكذا ثالثا و رابعا و ظاهر أنّ الوجوب الثاني الذي لم يحصل المخالفة فيه بعد غير الأوّل الذي حصل فيه المخالفة و العصيان.
و أمّا على المواسعة، فالواجب واحد، و هو نفس الفعل.
و القول بأنّ الواجب في الموسع هو الأوّل أيضا، و التأخير من جهة إذن الشارع في البدل سخيف جدّا، كما حقّق في محلّه، فالمجعول بحكم الشرع ليس إلّا أمرا واحدا محدودا بزمان معيّن موسع يتّجه عليه.
و لا يتوهّم أنّ ترجيح الموسع به مبنيّ على ترجيح ما يخالف الأصل الأقلّ على ما يخالف الأكثر، و إن لم يكن الأقلّ داخلا في الأكثر، و هو خلاف التحقيق على ما حرّرناه في الأصول.
لاندفاعه بما سبق من عدم كون المقصود إثبات الموسّع بالأصل عند الترديد بينه و بين ما يتضيّق فورا ففورا، بل إثبات جواز التأخير و إن أفاد ضمّه إلى المعلوم الإجمالي فائدة الموسع كما عرفت.
و ثالثة باعتبار البراءة عن وجوب تأخّر الحاضرة و اشتراطها بالترتيب على الفائتة، لأنّ الحقّ ترجيح أصل البراءة على أصل الاشتغال في شروط العبادة و أجزاءها، لكونه مزيلا على ما بيّنّاه في محلّه، و هذا الأصل حجة على من يقول ببطلان الحاضرة من أصحاب المضايقة عند البدأة بها.
الثاني: الاستصحاب، فإنّ مقتضاه جواز الحاضرة المعلوم قبل تذكر الحاضرة بعده و عدم وجوب العدول عليه إذا كان الذكر في الأثناء، و يتمّ بعدم القول بالفصل.
الثالث: العمومات (1)الدالّة بإطلاقها على جواز فعل الحاضرة في سعة وقتها و إن كانت عليه فائتة، كقوله سبحانه أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (2).
و الإيراد عليه بأنّه لو تمّ لدلّ على تقديم الحاضرة و لا قائل به، مدفوع بكون الأمر للوجوب التخييري قطعا، إذ لا معنى للوجوب العيني إلى غسق الليل.
و نحوه قوله في صحيحة سعد (1): إذا دخل الوقت عليك فصلّهما.
و الإيراد بدلالته على وجوب المبادرة بالحاضرة حين دخول الوقت، و هو خلاف الإجماع، و كذا إطلاقه على حمله على الرجحان، لأنّ القائلين بالمواسعة لا يقولون برجحان تقديم الحاضرة على من عليه فائتة، فلا بدّ من تخصيصها بغير من عليه الفائتة.
مردود أيضا، بمنع الدلالة على المبادرة، إلّا على القول بإفادة الأمر الفور، و هو ممنوع، و على تسليمه فالإجماع قرينة على عدم إرادة الوجوب و لا الندب لو سلم الإجماع على عدمه أيضا، و يكون محمولا على الوجوب التخييري، مع أنّ الإجماع على عدم رجحان الحاضرة أوّل الوقت ممنوع، بل لعلّه غير بعيد، كما نصّ عليه بعض المحققين.
و استحباب تقديم الفائتة من باب الاحتياط و الخروج عن شبهة الخلاف لا تنافي الرجحان الذاتي للحاضرة الذي ينظر إليه الأخبار، مع أنه لو سلم تساويهما في التقديم- بل و رجحان الفائتة- فلا ينافي رجحان أوّل الوقت و فضيلته من حيث هو للحاضرة دون الفائتة، ضرورة أنّ ليس لخصوص أول وقت الحاضرة فضيلة مخصوصة لفعل الفائتة فيه، فهو من قبيل ما ورد من الأعمال و الأدعية المخصوصة في أزمنة خاصة، كما في الشهور المباركة، و يزاحمها أعمال راجحة أخرى مطلقا، أو بأسباب اتفق توافقها لها في الزمان، فحينئذ إن ثبت دليل على أرجحية إحدى الجهتين فهو، و إلّا حكم بالتخيير، و لكلّ فضله المخصوص به.
و إطلاق ما دلّ على فضيلة أوّل الوقت للحاضرة و مطلوبية المبادرة إليها في أوائل أوقاتها.
و توهّم عدم الرجحان مع وجوب الفائتة، مدفوع بما علمت.
1) وسائل الشيعة 4: 119، الباب 2 من أبواب المواقيت، الرواية 4674.
و إطلاق ما ورد من استحباب الرواتب و قضاءها و غيرها من الصلوات الكثيرة و الأعمال المخصوصة (1)، سيما ما ورد في أزمنة خاصة (2)، و ما ورد عموما و خصوصا في قضاء الرواتب و خصوص صلاة الليل مصرّحا فيه بأيّ وقت شاء (3).
و ما ورد في جواز قضاء صلاة النهار متى شاء، كصحيحة ابن أبي يعفور و صحيحة ابن أبي العلاء (4)و غيرهما.
و قد يستدلّ أيضا بإطلاق النصوص الموقّتة للحواضر، كقوله عليه السّلام (5): «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر» الدال على صحّتها في أوائل أوقاتها و لو مع اشتغال الذمّة بالفائتة.
و إطلاق ما دلّ على وجوب قضاء الحاضرة إذا مضى من الوقت مقدار ما يسع الفعل (6)، إذ على المضايقة لا يتحقّق ذلك لمن عليه فوائت، إلّا بمضيّ زمان يسع الجميع و إدراك ضيق الوقت و ترك الأداء، لأنّ صحّة الحاضرة مشروطة بفعل الفائتة، فلا بدّ من مضيّ زمان يسع الشرط [و] المشروط في تحقق القضاء.
و في الاستدلال بهما إشكال:
أمّا الأوّل: فلأنّ شرطية الوقت لا تنافي شرطية غيره و إن توقف على صرف بعض الوقت في تحصيله كالطهور و اللباس و نحوهما، أو ترتّبه على فعل موقت آخر كالظهر و العصر في الوقت المشترك.
1) وسائل الشيعة 8: 264، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10605.
2) نفس المصدر 8: 263، الباب 3، الرواية 10600.
3) نفس المصدر 8: 274، الباب 10 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10642.
4) نفس المصدر 4: 243، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5041 و 5042.
5) نفس المصدر 4: 130، الباب 4 من أبواب المواقيت، الرواية 4713.
6) نفس المصدر 2: 259، الباب 48 من أبواب الحيض، الرواية 2360.
و أمّا الثاني: فلابتنائه على مانعية القضاء لوجوب الأداء، و قد عرفت ما فيه، كما في الناسي و النائم، سيما إذا كان تأخير الفائتة إلى وقت الحاضرة بتقصيره.
الرابع: أنّ القول بالترتيب سيما على المضايقة التي هي رأي أكثر القائلين به- لو لا الجميع- يتضمّن حرجا عظيما و عسرا كثيرا مثله منفيّ في الشريعة السهلة السمحة بنصّ الآية (1)وسائل الشيعة 1: 167، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الرواية 401 و 404؛ و 212، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الرواية 543.
(2)و غيرها من السنّة و أخبار الأئمة عليهم السّلام (3)، سيما على الوجه الذي ذكره عمدهم كالسيّد و الحلّي و أضرابهما من حرمة جميع الأضداد إلّا ما يقوم به الحياة، لأنّ من عليه فوائت كثيرة لا يسعها يوم و ليلة، لزمه على الترتيب ضبط الأوقات و صرف الساعات و المرصد لآخر كل صلاة و حفظ بقية الوقت عن الزيادة بفعل الفريضة الحاضرة و ضبط أنصاف الليل و معرفتها و معرفة طلوع الشمس و غروبها و ضبطها، و على الفورية صرف جميع الوقت في القضاء و التشاغل به و حرمة تركه في كل وقت، و على حرمة الأضداد تحريم جميع المباحات من الأكل و الشرب و مجالسة الناس و زيارة الإخوان و التكسّب و السفر و أمثال ذلك مما لا يحصى إلّا بقدر الضرورة الملجئة، و كذا حرمة الأذكار و العبادات و بطلانها، كلّ ذلك مشقّة شديدة و حرج عظيم و حيث إنّ الصلوات على وجه صحّتها فائتة من أكثر الناس بل جميعهم إلّا نادرا، إذ قلّ من لم يتعلّق بذمّته فوائت كثيرة و لو لإخلال شرط و تسامح في دقائق صحّتها، أو ترك تقليد سيما في عنفوان الشباب و أوائل البلوغ، خصوصا النساء و العوامّ، كما هو المشاهد في العيان، فهذا الحرج الشديد يعمّ غالب البريّة من الرجال و النسوان و الخدام و أهل الحرف و الصناعات، و لم يبق
أهل بيت و لا أهل بلد غالبا إلّا لزمهم الاشتغال دائما بفعل الفوائت و ترك المشاغل، بل ينجرّ ذلك إلى تعطيل أمور جميع الناس و اختلال معاشهم و معادهم و شرائعهم و فوات مقاصدهم، و هل يجوّز ذو بصيرة وقوع مثل تلك البليّة العامة و الداهية العظيمة في عموم الأنام، مع أنّ اللّه سبحانه يريد منهم اليسر و لا يريد بهم العسر.
و إناطة الأمر إلى قدر ما يلزم منه الحرج سخيفة بل غير معقولة، لعدم انضباطه، خصوصا باعتبار الحرج الحاصل من كثرة المشتغلين.
ثمّ يؤكّد ذلك و يعاضده بل يدلّ عليه عمل المسلمين من السلف و الخلف من غير نكير في جميع الأعصار و الأمصار من العلماء و أتباعهم و سائر الناس، مع اشتغال ذمّة أكثرهم بفوائت كثيرة بل غير محصورة، كما سمعت، و مع ذلك ينامون و يتحاورون و يكتسبون و يسافرون و يصلّون في سعة الأوقات و يقيمون الجماعات في أوائلها و يزدحم عموم الناس فيها و يتنفّلون، مع اشتهار كون الأمر يقتضي النهي عن الضدّ بينهم، و ما هذا إلّا لاشتهار المواسعة في عصر الأقدمين من أصحابنا.
و هكذا كلّ خلف عن سلف و متأخّر عن متقدّم إلى زماننا كما عرفت في تحرير الأقوال، و نصّ عليها في أصل الحلبي الذي رواه عنه جماعة كثيرة من أساطين الأصحاب و المشايخ بطرقهم المتكثرة، و لعمري أنّ دعوى بعضهم الإجماع على المضايقة مع تلك الحال من أغرب الدعاوي، كما ستسمعه، إن شاء اللّه.
الخامس: الأخبار الدالّة بالخصوص على نفي المضايقة أو الترتيب:
منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان (1)، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلّهما، فإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء، و إن استيقظ بعد الفجر
1) وسائل الشيعة 4: 288، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5182.
فليصلّ الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس.
و منها: صحيحة أبي بصير (1)عنه عليه السّلام، و هي كالسابقة بزيادة ما في آخرها: «فإن خاف أن تطلع الشمس و تفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة، حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها، ثم ليصلّها».
و المناقشة فيهما بدلالتهما على امتداد وقت العشاءين إلى الفجر و هو مذهب العامّة، فيقوّى احتمال ورودهما مورد التقيّة، و به يتطرق الوهن بما اشتملت عليه من الأحكام، و على مرجوحية قضاء الفرائض عند طلوع الشمس، و هو أيضا موافق لأكثر العامّة، و على وجوب تقديم الحاضرة في سعة الوقت، و هو خلاف الإجماع، تدفع بما في الأوّل- مضافا إلى أنّ ورود جزء من الخبر مورد التقية لا توجب خروجه عن الحجية في غيره- من أنّ القول بامتداد وقت العشاءين إلى الفجر ليس مختصّا بالعامّة، بل عليه جمع كثير من أصحابنا، و هو الأظهر في الوقت الاضطراري لها، كما في مورد الصحيحين.
و في الثاني مما عرفت، مضافا إلى أنّ ترك القضاء في الأوقات المكروهة قد يرجّح بمصلحة و هي هنا الاتّقاء عن العامّة و عدم جعله من علائم الرفض، فالكراهة مع تلك المصلحة محمولة على الواقع.
و بما في الثالث من أنّ الإجماع قرينة الاستحباب، و لو دلّ دليل على انتفاء الاستحباب أيضا، فهو قرينة على الجواز، دفعا لتوهّم الحظر.
و منها: مرسلة جميل (2)التي رواها ابن عيسى عن الوشّاء عن رجل عن الصادق عليه السّلام قال: قلت له: يفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء
الآخرة، قال: «يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثم يقضى ما فاته، الأولى فالأولى».
و الرواية معتبرة، مع أنّ مراسيله منجبرة بما حكي عن عليّ بن عبيد اللّه بن بابويه صاحب العصرة (1): أنّ ابن عيسى في نوادره- التي عن الصدوق عدّها من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل و إليها المرجع- رواه عن رجاله عن جميل عن الصادق عليه السّلام، بل عن البحار (2): روايته عن المحقق في المعتبر بإسناده عن جميل دلّت على عدم الترتيب و عدم المضايقة، و الأمر بتقديم الحاضرة مع عدم صراحته في الوجوب محمول في المورد بحكم الإجماع على الرجحان المحتمل في المقام كما مرّ.
و حمله على آخر وقت العشاء الآخرة لا وجه له، مع أنّه في غاية البعد، و لا يناسبه التعليل المذكور.
و مشاركة المغرب للعشاء في الوقت الاختياري ممنوع على مختارنا، من ذهاب وقت المغرب بذهاب الحمرة، كما عن جمع من أهل المضايقة، مع أنّه على الاشتراك حمل المغرب على الليلة السابقة أقرب من حمله على آخر وقت العشاء، بملاحظة التعليل حينئذ.
و منها صحيحة الحلبي عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: «متى شاء، إن شاء بعد المغرب و إن شاء بعد العشاء».
و تخصيصه بالنوافل مجرد دعوى لا شاهد له، و مقايستها بصلاة الليل المعروف بإرادة النافلة منها باطلة. و اختصاص النافلة ببعض النوافل الليلية دون نافلة المغرب و العشاء، لا دليل عليه.
و نحوها صحيحة ابن مسلم، قال: سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار، قال:
«يقضيها إن شاء بعد المغرب و إن شاء بعد العشاء».
و منها: موثقة عمار (1)عن الصادق عليه السّلام عن رجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة فقال: «إذا حضرت العتمة و ذكر أنّ عليه صلاة المغرب فإن أحبّ أن يبدأ بالمغرب بدأه، و إن أحبّ بدأ بالعتمة، ثم صلّى المغرب بعد».
و تقريب الاستدلال على مختارنا ظاهر كما مرّ، و على القول بالاشتراك لا بدّ من الحمل على المغرب السابق.
و منها ما رواه السيد الجليل على بن طاوس- رضوان اللّه عليه- في رسالته في المسألة عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد ما هذا لفظه: عن صفوان عن عيص بن القاسم (2)، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نسي أو نام عن الصلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى، فقال: «إن كانت صلاة الأولى فليبدأ بها، و إن كانت صلاة العصر فليصلّ العشاء ثمّ يصلّى العصر».
و الرواية معتبرة، بل قال بعض الأفاضل هو في أعلى درجات الصحّة.
و عدم وجوب تقديم العشاء الحاضرة على العصر الفائتة إجماعا قرينة الاستحباب، مع ما في الفرق بين الظهر و العصر الفائتتين في وجوب التقديم و التأخير على الحاضرة من مخالفته للإجماع أيضا، و أمّا في مجرد الرجحان فالمخالفة غير معلومة.
و ربما يوجّه الفرق بتعميم الوقت الذي خرج لوقتي الفضيلة و الإجزاء، و حمل
وجوب تقديم الأولى على الأوّل بالنسبة إلى العصر و العشاء الحاضرة على العصر الفائتة على الثاني، و فيه بعد لا يخفى، بل ركاكة من وجوه.
و قد يقال: إنّ بعض الرواية شاهد للمواسعة و بعضها للمضايقة، و الواجب بعد ملاحظة عدم القول بالفصل من الطرفين الحمل على التخيير و مآله: ابدأ بالحاضرة ابدا بالفائتة، و هو أيضا بعيد.
و ربما ذكر وجوه آخر كلّها مشتركة في جواز تقديم الحاضرة على الفائتة.
و منها: ما رواه السيد بن طاوس عن قرب الإسناد للحميري، عن على بن جعفر عن أخيه الكاظم عليه السّلام، سألته عن رجل نسي المغرب حتى دخل وقت العشاء، قال:
«يصلّى العشاء ثمّ المغرب» و سألته عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر، قال: «يبدأ بالظهر ثم يصلّي الفجر، كذلك كلّ صلاة بعد صلاة» (1).
و الأمر محمول على الاستحباب إجماعا، مع أنّه ظاهر في الوجوب و رجحان تقديم العشاء الفائتة على الفجر خاصة، و لعلّ وجهه خوف طلوع الشمس في بعض الصور الراجح تأخّرها عنه إلى بعد شعاعها اتّقاء عن العامّة، فيفوته رجحان تعجيل الفائتة، بخلاف الفجر، إذ الفرض عدم ضيق وقته، فلا يخاف فوته، و إلّا وجب تقديمها إجماعا.
و منها: ما نقله ابن طاوس في الرسالة (2)عن أمالى السيد أبي طالب عليّ بن الحسين الحسني بسنده إلى جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و كيف أقضي؟» قال: «صلّ مع كلّ صلاة مثلها».
و دلالته كما عن السيّد صريحة على المواسعة.
و منها: موثقة عمّار في حديث طويل (1)عن الرجل يكون عليه صلاة في الحضر، هل يقضيها و هو مسافر، قال: «نعم، يقضيها بالليل على الأرض، فأمّا على الظهر فلا».
و لفظة «على» ظاهرة في الوجوب فيختصّ بالفريضة دون النافلة، مضافا إلى النهي عنها على الظهر، و تبادر الفريضة قطعا من الوحدة المستفادة من التنكير عند الترديد بينها و بين النافلة، بل لعلّ وجه السؤال- كما عن بعضهم- اختلاف كيفية فريضة الحاضر الفائتة و المسافر في الإتمام و القصر، فيتخيّل حرمة إتمام الواجب عليه قضاء في السفر.
و دلالتها على المواسعة ظاهرة، لأنّه على التضييق إن كان المشي ضرورة فيجوز فعل القضاء- حينئذ- على الراحلة كالأداء، و إلّا كان وجب عليه النزول أو الإقامة حتى يفرغ عن القضاء.
و لعلّ أمره بالقضاء بالليل مطلقا- كما قاله بعض الأجلّة- لعدم تيسر النزول غالبا للمسافر في النهار، أو لأنّ في الليل من الأفعال ما ليس في غيره، فهو محمول على المرجوحيّة.
و عليها ينزل أيضا خبر آخر لعمّار (2)، الذي رواه الشيخ و السيّد من أصل محمد بن على بن محبوب، قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر، كيف يصنع؟ أ يجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لا يجوز و لا يثبت له، و لكن يؤخّرها فيقضيها بالليل».
إلّا أنّه عن الشيخ بعد روايته نسبته باعتبار صراحته في الحرمة إلى الشذوذ بمخالفته الكتاب و إجماع الأمّة.
و منها: ما في صحيحة زرارة: «فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب، فصلّ الغداة ثم صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما، لأنّهما جميعا قضاء أيهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس». قال: قلت: لم ذاك؟ قال: «لأنّك لست تخاف فوتها» (1).
بناء على إرادة ذهاب شعاعها من تلك العبارة في الأخبار المصرّحة بكراهة التنقّل عند طلوع الشمس و قبل ذهاب شعاعها، و سمعت بعضها، إلّا أنّ المشهور- كما قيل- استثناء قضاء الصلاة بل ذوات الأسباب- مطلقا- من حكم الأوقات المكروهة، و لعلّ النهي عنها محمول على تفاوت مراتب الرجحان و أولوية التأخير كما قيل.
و منها: ما دلّ على جواز النافلة على من عليه فائتة، كصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السّلام (2)، سألته عن رجل نام حتى طلعت الشمس، فقال: «يصلّى ركعتين، ثمّ يصلّى الغداة».
و في حديث رقود رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الآتي تقديمه قضاء ركعتي النافلة على قضاء الفريضة.
و الخدش في الأوّل بعدم القائل باستحباب تقديم ركعتين على القضاء، ردّ بعدم ثبوت الإجماع على عدم استحباب ذلك، و عدم ذكره لا يدلّ على العدم، و لا استبعاد في ذلك في المندوبات.
و منها: ما ورد في رقود رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض أسفاره بالليل عن صلاة الفجر لغلبة النوم عليه و على أصحابه، ففي صحيحة ابن سنان (1): «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس، ثمّ استيقظ فعاد ناديه» أي مكانه الذي كان فيه أصحابه، «فمكث ساعة».
و في مضمرة سماعة (2): «تنحّيه عنه قبله».
و في الصحيح (3): مخاطبته قبل القضاء لبلال، و استماع جوابه و أمر الأصحاب بالتنحي عن مكان الغفلة، فإنّ فيه عند نزوله في بعض أسفاره: من يكلؤنا، فقال بلال: أنا فنام و ناموا حتى طلعت الشمس، فقال: «يا بلال ما أرقدك؟» فقال: يا رسول اللّه أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قوموا فنحّوا عن مكانكم الذي أخذتكم فيه الغفلة، و قال: يا بلال! أذّن. فأذّن، فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ركعتي الفجر، و أمر أصحابه، فصلّوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلّى بهم الصبح» الحديث.
و في آخر (4)، قال: تنحّوا من هذا الوادي الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة، فإنّكم نمتم بوادي الشيطان، ثم توضّأ،- إلى آخره.
1) وسائل الشيعة 4: 283، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5170؛ و في الاستبصار (1: 286، الرواية 1049) نقل الرواية هكذا: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس ثم استيقظ فركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح فقال: يا بلال ما لك؟ فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول اللّه، قال: و كره المقام و قال: نمتم بوادي الشيطان.
2) وسائل الشيعة 8: 267، الباب 5 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10620.
3) نفس المصدر 4: 285، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5175.
4) مستدرك الوسائل 3: 160، الباب 46 من أبواب المواقيت، الرواية 3264.
إلى غير ذلك، مما يظهر منه أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يبادر إلى القضاء زيادة على ما فيه من تقديم قضاء النافلة. و كلّ ذلك تنافي المضايقة.
و ربما يستند بأمره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالأذان و الإقامة أيضا.
و فيه أنّهما من مقدمات الصلاة، و لا بأس بها عند أهل المضايقة و لو ندبا.
و القدح في تلك الأخبار بأنها توجب القدح في النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فيجب طرحها، كالأخبار المتضمّنة للسهو منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو من أحد الأئمة عليهم السّلام (1)، و ربما علّل ذلك- كما في الجواهر (2)و غيره- بما دلّ من الآيات (3)و الأخبار على طهارة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عترته عليهم السّلام من جميع الأرجاس و القبائح و العيوب، و عصمتهم من العثار و الخطل في القول و العمل، و بلوغهم إلى أقصى مراتب الكمال، و أفضليتهم ممن عداهم في جميع الأحوال و الأعمال، و أنّهم تنام عيونهم و لا تنام قلوبهم (4)، و أنّ حالهم في المنام كحالهم في اليقظة، و أنّ النوم لا يغيّر منهم شيئا من جهة الإدراك و المعرفة، و لا يصيبهم لمّة الشيطان (5)، و أنّ ملائكة الليل و النهار كانوا يشهدون مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاة الفجر، و أنّهم ما من يوم و لا من ساعة و لا وقت صلاة إلّا و هم ينبّهونهم ليصلّوا (6)، و أنّهم كانوا مؤيّدين بروح القدس يخبرهم و يسدّدهم و لا يصيبهم
1) وسائل الشيعة 8: 201، الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الرواية 10424 و 10428 و 10429.
2) جواهر الكلام 13: 70.
3) إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الأحزاب (33): 33.
4) عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1: 213؛ و صحيح البخاري 4: 231، باب كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنام عينه و لا ينام قلبه.
5) كشف الغمّة 3: 302.
6) وسائل الشيعة 4: 285، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5175.
الحدثان (1)، و أنّهم ليسوا أقلّ من الديكة التي تصرخ في أوقات الصلاة و في أواخر الليل، لسماعها صوت تسبيح ديك السماء الذي هو من الملائكة، و آخر تسبيحه في الليل بعد طلوع الفجر: ربّنا الرحمن لا إله غيره» إلى غير ذلك، سيما مع تضمّن بعض أخبار الرقود قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما نمتم بوادي الشيطان (2)، و قد دلّ على أنّ منشأ نومهم تسلّط الشيطان، و هو تعالى عنه علوّا كبيرا.
مخدوش جدّا، لمنع كون رقوده قدحا فيه، بل قال بعض المحقّقين هو رحمة للأمّة، كما ورد في بعض هذه الأخبار، لئلّا يعيّر العباد بعضهم بعضا، نظير تزويجه لزينب في قوله تعالى زَوَّجْنٰاكَهٰا لِكَيْ لٰا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ (3).
و بالجملة: إنامته سبحانه له لا يوجب قدحا فيه، سيما إذا كانت لمصلحة و طرف المصلحة كثيرة لا يحصيها، و عدم علمنا بها بعينها في المقام لا يبيح طرح الأخبار المعتبرة.
و الوجوه المذكورة غير متّجهة، لأنّ غلبة النوم الطبيعي الغير الاختياري ليست من الأرجاس و القبائح، و لا من العثار و الخطل، إذ لا تكليف معه، فلا عصيان فلا قبح و لا رجس، و هل هو إلّا كحال عدم تشريع الصلاة.
و لا ينافي رقوده بلوغهم أقصى مراتب الكمال و إلّا كان اللازم تنزّههم عن مطلق النوم المانع عن العبادات و الصلوات المندوبات، و لا أفضليتهم ممّن عداهم في مشاركتهم إيّاهم في صفة طبيعية، و قياس النوم بالسهو باطل.
و منه كما قيل ظهور الفرق عند الأصحاب بينهما بردّهم أخبار السهو و عدم تجويزه الإمامية، عدا ما في المحكيّ عن أبي علي الطبرسي عن بعضهم من تجويزه السهو و النسيان على الأنبياء في غير ما يؤدّونه عن اللّه تعالى مطلقا، ما لم يؤدّ ذلك إلى الإخلال بالعقل، كما جوّزوا عليهم النوم و الإغماء الذين هما من قبيل السهو، و لم يردّ أحد أخبار النوم عن الصلاة، و في الذكرى لم أقف على رادّ لهذا الخبر من حيث توهّم القدح في العصمة، بل عن صاحب رسالة نفي السهو و هو السيّد المرتضى التصريح بالفرق بين السهو و النوم، بل ربما يظهر منه نفي ذلك كذلك بين الإمامية، كما عن والد البهائي في بعض المسائل المنسوبة إليه أنّ الأصحاب تلقّوا أخبار نوم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الصلاة بالقبول.
و لا يستلزم تيقّظ قلبه عدم إحساسه الوقت في النوم و لا استواء حالتي النوم و اليقظة و عدم تغيّر شيء له و لو من جهة الإدراك، و إن ورد فيه خبر، فهو على معنى عدم تغيّر ما في عادة الناس من نوم قلوبهم و استيلاء الخيال الاضطراري عليها و غفلتها عن شئون تلك النشأة، فإنّ حالة النوم و لو للحجج المعصومين غير حالة اليقظة، و إلّا لم يسترح به البدن، و ليس هو مجرّد عدم إبصار المحسوسات و عدم سماع الأصوات اللذان يحصلان في اليقظة أيضا، بغضّ العينين و سدّ الأذنين، بل هو تعطيل النفس عن التصرفات البدنية و الإدراكات الحسّية، و فرقهم عن غيرهم في عدم تعطّل نفوسهم القدسية عن تصرفاتها و عدم غفلتهم عن الأعمال القلبية و الإدراكات العقلية دون غيرهم، و هو معنى: ينام عينه و لا ينام قلبه.
و الالتفات إلى وقت الصلاة من المدركات الحسّية، فلا ينافي عدم نوم قلبه عدم التفاته إليه، و إن كان على خلاف عادتهم بمشيئته سبحانه.
و ما دلّ على شهود الملائكة معهم عند وقت كلّ صلاة غايته الدلالة عليه عند
انتباههم، و ليس نصّا على ذلك و لو في حال نومهم في جميع الأوقات، بحيث يعارض صريح مدلول أخبار الرقود.
و النقض بحكاية الديكة أعجوبة، فإنّ كل مخلوق تيسّر لما خلق له، و إلّا لزم فضلها على المؤمنين الذين يتفق لهم ذلك أحيانا بلا كلام و لا استبعاد.
و أما قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما نمتم بوادي الشيطان» فلا يدلّ على أنّ منشأ نومهم تسلط الشيطان، مع أنّ سلطانه على الذين يتولّونه، بل هو إخباره بنحوسة هذا الوادي، لارتباط له بالشيطان، من قبيل ما ورد من نحوسة بعض البلاد كالبصرة، لعدم قبولها الولاية، و تأثير نحوسته الذاتية في أصحابه غير إغواء الشيطان لهم و تسلّطه عليهم.
احتجّ أصحاب المضايقة بوجوه:
الأوّل: الإجماع المحكيّ نقله عن الشيخ و الحلّي و ابن زهرة (1)، و أنت بعد الإحاطة على ما حرّرته من تعداد القائلين بالمواسعة من القدماء و المتأخرين و ذكر مخالفتهم بعد الاستقراء و الاستقضاء و اشتهار القول بالسعة بين الأوائل و الأواخر من أعيان الإمامية و عظماء الأصحاب، و سمعت من صاحب الذخيرة نقل الشهرة المتقدّمة كالمتأخرة المحقّقة عليه، و عن صاحب المفاتيح نسبته إلى أكثر الأصحاب على الإطلاق، و عن الفاضلين ظهور دعوى إجماع المسلمين عليه في الجملة، و عن صاحب العصرة أن ادّعاه الشيخ الإجماع العجيب تراه لم يقيّد بقول الشيخين المتقدّمين أي الصدوقين و سلفهما، إذ لم يعدّهما من الأصحاب، أو لم يبلغه قولهما أو قول سلفهما، و عن المحقق الشيخ عبد العالي في تعليق الإرشاد أنّه قال: كلام ابن إدريس غير صريح في دعوى الإجماع على المضايقة، لأنّه يحتمل أن يراد به الإجماع على أنّ الأدلّة التي ذكرها حجة، لا أنّ ما استدلّ عليه من هذه المسألة
1) راجع جواهر الكلام 13: 77.
انعقد الإجماع عليه، و استجوده بعض الأفاضل.
و ربما يطعن عليه أنّه مخلط لا يعتمد على تصنيفه، و ربما يدّعي الدعوى و يذكر فيها الإجماع، ثم ينقضها في مكان آخر قريب منه و يدّعي فيها الإجماع، و عدّ منه مسائل كذلك، و نحوه إجماع ابن زهرة، إذ لا يخفى على الخبير حاله و حال غيره من إجماعاته.
و بالجملة: ترى دعوى الإجماع في مثل تلك المسألة مع اختلاف من ذكرناهم، على عظم أقدارهم و شهرة آثارهم ممن تقدّم و تأخّر، من أغرب الدعاوي، بل كما قيل: كثرة القائلين بالمواسعة أقرب إلى دعوى الإجماع من المضايقة، إذ أرباب المضايقة المقطوع بفتواهم بها بالنسبة إلى الأولى نذر قليل، بل لم يعرف عن بعضهم إلّا بالنقل كالقديمين و ليس هو كالعيان، سيما مع ملاحظة السيرة الجارية في الأعصار و الأمصار على المواسعة كما مضى.
الثاني: أصالة الاشتغال و الاحتياط في البراءة في الفائتة و الحاضرة.
و الجواب أنّ أصل البراءة و عدم اشتراط العبادة (1)يزيل أصل الاشتغال على ما حرّرناه في الأصول، مع أنّ أصل الاشتغال غير جار في الفائتة على القول به أيضا.
الثالث: قوله سبحانه أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (2)، فإنّه ورد في الفائتة، حكاه في الذكرى (3)عن أكثر المفسّرين لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها يقضها إذا ذكرها، إنّ اللّه تعالى قال أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (4).
و دلّت عليه صحيحة زرارة المتقدّمة في رقود النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غيرها، فالمراد بالذكر في الآية التذكّر من النسيان، و يكون معناها: «أقم الصلاة وقت ذكر صلاتي»، على أن يكون المضاف مقدرا أو وقت ذكر الصلاة، بناء على أنّ المذكر هو اللّه، كما ورد أنّ الذكر و النسيان مما لا صنع للعباد فيهما، فدلّ على الفور، سيما مع استدلال الإمام عليه السّلام به على الفورية، كما في صحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام: «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت عن الأخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي».
و الجواب: أنّ حمل الآية على المعنى المذكور، أي الذكر بعد النسيان، خلاف الظاهر و أبعد المعاني الذي ذكرها المفسّرون، ككونه بمعنى العبادة، أي لعبادتي من باب عطف الخاصّ على العامّ الذي قبله، و هو قوله تعالى فَاعْبُدْنِي، لما في الصلاة التي هي عمود الدين من شدة الاهتمام، أو لما فيها من ذكري، كقوله تعالى:
فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ (1)، و قوله تعالى فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ (2)، و قوله تعالى يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً (3)، أو بمعنى القربة، أو لذكري خاصّة غير مشوب برياء، أو ليكون ذكرا لي، أو لذكري لها و أمري بها في الكتب، أو لأذكرك بالمدح و الثناء و أجعل لك لسان صدق، أو بالمغفرة، أو بالمعونة و نحوها، كما قال عزّ و جلّ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (4)، فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل.
و عن الطبرسي (1)تعميم الصلاة في الآية للحاضرة و الفائتة، حاكيا له عن أكثر المفسرين، راويا له عن الباقر عليه السّلام، كما حكي عن الشيخ الذي هو من أصحاب المضايقة في تبيانه (2)، و نسبته معنى التذكر بعد النسيان إلى قيل: تمريضا له.
و الاستشهاد لإرادة الفائتة بتعليل النبوي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سائر الأخبار بها غير متّجه، لأنّه على بقاء الصلاة على عمومها بالنسبة إلى الحاضرة و الفائتة يتمّ التعليل على أحد المعاني المذكورة بإطلاق الأمر بها في الآية و لو خرج وقتها، و عدم اختصاصها بما دام الوقت.
سلّمنا اختصاصها بالفائتة، فلا يدلّ على أنّ الذكر فيها بمعنى الذكر بعد النسيان، لإمكان كون المراد بها إيجاب القضاء الذي هو بفرض جديد، فلا يدلّ على المضايقة، سلّمنا أنّه بمعنى الذكر بعد النسيان، فلا يدلّ على التوقيت، بل يمكن إرادة بيان سببية الذكر للوجوب، و ابتداء حصوله فيه، كقولهم: إذا شككت في المغرب فأعد، و إذا أفطرت اقض صومك، فلا يفيد الفور أيضا.
سلّمنا أنّه يدلّ على التوقيت، فلا يدلّ على المضايقة أيضا، بل مفادها وجوب القضاء في زمان التذكّر، لا في أوّله، بل لو سلّم أنّ التوقيت من لفظة «إذا»، و هو في قوّة أقم الصلاة إذا ذكرت، فلا يدلّ على الفورية أيضا، كما ستعرف.
قيل: التعليل بالآية في صحيحة زرارة و غيره لوجوب البدأة بالفائتة، دلّ على أنّ المراد توقيت وجوب القضاء أوّل أزمنة الذكر في الآية.
قلنا: صرف الآية عن ظاهرها ليس بأولى من حمل الخبرين على كون التعليل لمجرّد وجوب الفائتة و كونها غير موقتة بوقت خاصّ، كما ورد مثله في أخبار
كثيرة، مع أنّ صحيحة زرارة المتضمّنة لهذا التعليل مصرّحة بعدم تعجيل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقضاء، و تحوّله من مكانه و تنفّله و تكلّمه ثم إتيانه بالقضاء، فهو قرينة ظاهرة للحمل المذكور.
مضافا إلى أنّ الصلاة تشمل النوافل، و تعجيل قضاءها ليس بواجب، و ليس حمل الأمر على الاستحباب مع شيوعه فيه في الكتاب و السنّة بحيث جعل مجازا مساويا للحقيقة، و إبقاء العموم على حقيقته من غير ارتكاب تخصيص بعيدا، بل و لا أبعد من التخصيص، فيحمل الأمر في الخبر المعلّل بالآية على الرخصة أو مطلق الطلب الأعمّ من الوجوب اليقيني في البدأة بالفائتة وقت الحاضرة، دفعا لتوهم منع الجواز و توهم الرجحان الحاصل من تراكم الأخبار في فضيلة أول الوقت.
الرابع: أنّ الأمر بالقضاء يقتضي الفور، كما حكى المرتضى عليه الإجماع في أوامر الكتاب و السنّة.
و الجواب منعه، كما عليه المعظم و تبيّن في محلّه، مضافا إلى أنّ أدلّة المواسعة في المقام تدلّ على إرادة المطلق.
الخامس: الأخبار المتكثرة الدالّة على وجوب القضاء عند حصول التذكّر أو التيقّظ، و في جملة منها أنّه وقته، و هو ظاهر في أوّل زمان الذكر، كصحيحة زرارة (1): أربع يصلّيها الرجل في كلّ ساعة، صلاة فاتتك [ف] متى ذكرتها أدّيتها، و صلاة ركعتي طواف الفريضة، و صلاة الكسوف، و الصلاة عن الميّت، هذه يصلّيهنّ [الرجل] في الساعات كلّها.
و صحيحة ابن عمار: خمس صلوات لا يترك على كلّ حال، إذا طفت بالبيت، و إذا أردت أن تحرم، و صلاة الكسوف، و إذا نسيت تصلّي إذا ذكرت، و صلاة الجنازة.
1) التهذيب 2: 270 بتفاوت.
و رواية يعقوب التي وصفها بعضهم بالصحيحة عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، أ يصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تبسط الشمس؟ قال: يصلّي حين يستيقظ. قلت: يوتر أو يصلّي الركعتين. قال: يبدأ بالفريضة (1).
و الصحيحة الأخرى لزرارة: إذا نسي الرجل صلاة أو صلّاها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها. فليقض الذي وجب عليه و لا يزيد، و لا ينقص، من نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها، مسافرا كان أو مقيما (2).
و صحيحته الثالثة في قول اللّه تعالى إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (3)وسائل الشيعة 4: 244، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5045.
(4)، قال: يعني مفروضا، و ليس يعني وقت فوتها، إن جاز ذلك الوقت ثم صلّاها لم يكن صلاة مؤدّاة، و لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود، حين صلّاها لغير وقتها، و لكنّه متى ما ذكرها صلّاها»، إلى أن قال: «فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت». و خبر نعمان الرازي (5)عن رجل فاته شيء من الصلوات، فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها، قال: «فليصلّ حين ذكره».
و موثقة ابن عمار (6)عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلّها، أو نام عنها، قال: «يصلّيها، إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها ليلا أو نهارا».
و النبويّ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها» و في بعض الروايات
زيادة: «فذلك وقتها»، و في بعضها (1): «من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها».
و الجواب عنها [أوّلا:] إنّ توقيت فعل القضاء بالتذكر، بقولهم يصلّي إذا ذكرها، أو حين ذكرها، أو حين يستيقظ، و أمثال ذلك، غايته كون أزمنة الذكر وقت الفعل، و أما أنّه أوّلها فلا، إلّا على القول بكون الأمر للفور الممنوع و هل هو إلّا كقوله تعالى وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ (2). و قول الآمر: اشتر اللحم إذا دخلت السوق أو حين دخلته، و أكرم زيدا إذا جاء أو متى جاء، كيف و إلّا لزم عدم صدق الذكر على التذكّر الثاني في الآنات المتأخرة، و عدم دلالة تلك الأخبار على وجوب القضاء لو أخلّ في أوّل الأزمنة، و هو كما ترى، بل كان قوله: «فذلك وقتها» بعد قوله: «يصلّي إذا ذكرها» تحديد وقته بالآن الأوّل، و خروج وقت القضاء و انقضائه الذي هو خلاف الضرورة.
و يعارضها ما دلّ على بقاء وجوبه في جميع الأوقات، كخبر أبي بصير (3):
«خمس صلوات يصلّيهنّ في كلّ وقت: صلاة الكسوف و الصلاة على الميّت و صلاة الإحرام و الصلاة التي تفوت و صلاة الطواف من الفجر إلى طلوع الشمس و بعد العصر إلى الليل».
و المحكيّ عن أصل الحلبي (4): «خمس صلوات يصلّيهنّ على كلّ حال، متى
1) صحيح مسلم 1: 477، الحديث 315؛ سنن الدارمي 1: 280؛ مسند أحمد 3: 100؛ سنن البيهقي 2: 218 بتفاوت.
2) البقرة (2): 196.
3) وسائل الشيعة 4: 241، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5033.
4) مستدرك الوسائل 3: 148، الباب 31 من أبواب المواقيت، الرواية 3231؛ تمام الحديث هكذا: السيّد عليّ بن طاوس في رسالة المواسعة و المضايقة نقلا عن أصل عبيد اللّه بن عليّ الحلبي المعروض على الصادق عليه السّلام، قال: «خمس صلوات يصلّيهنّ على كلّ حال، متى ذكره و متى أحبّ: صلاة فريضة نسيها، يقضيها مع غروب الشمس و طلوعها و صلاة ركعتي الإحرام، و ركعتي الطواف، و الفريضة، و كسوف الشمس، عند طلوعها و عند غروبها».
ذكرت و متى وجب صلاة فريضة نسيتها». الحديث.
و أصرح منها ما في آخر صحيحة زرارة (1)بطريقه الآتية الآمرة بصلاة الفجر الحاضرة و تأخير العشاءين إلى بعد شعاع الشمس، تعليلا بأنّك لست تخاف فوتها.
فالإجماع و الأخبار المتقدمة قرينة على عدم إرادة التوقيت بأوّل الزمان، و لو على فرض دلالته عليه، بل المراد جميع أزمنة الذكر، بل من تلك الأخبار الموقّتة ما تضمّن التصريح بالتوسعة، كصحيحة يعقوب (2)، فهو قرينة واضحة على إرادة خلاف ما ذكروه، و يؤكّده ما ورد في قضاء الصلاة و الصوم معا بهذه اللفظ الذي لا يمكن إرادة أوّل الزمان منه، بملاحظة قضاء الصوم الغير المعجّل إجماعا، كما روي في من أجنب في رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان: أنّ عليه أن يقضي الصلاة و الصوم إذا ذكر.
و يحتمل قويا- بل لعلّه الظاهر- أنّ تلك الأخبار منساقة لبيان عدم اختصاص وقته بزمان، بل هي كسائر الصلوات الغير الموقّتة التي عدّها معها في الصحيحين الأولين كغيرهما مما أشرنا إلى بعضه.
و يؤمي إليه ما في الصحيحة الأولى، من تعميم الأوقات بالساعات كلّها. و ما في الصحيحة الثالثة: «بأيّ حال كنت»، و في موثقة ابن عمار: «بأيّ ساعة ذكرها ليلا و نهارا، و إشعار قوله: «و ذلك وقتها و وقتها حين يذكرها».
مضافا إلى ظهور بعض تلك الروايات في كونه في بيان الرخصة في عموم الأوقات حتى المكروهة، دفعا لتوهّم الحظر فيها، كرواية الرازي المتضمّنة للسؤال عن فعل القضاء عند طلوع الشمس الممنوع عند أبي حنيفة على ما حكي عنه، و صحيحة يعقوب، و ظهور بعضها في بيان كيفية القضاء قصرا و إتماما، سفرا و حضرا، على مثال المقضيّ عنه، كالصحيحة الرابعة.
و ثانيا: أنّ أخبار المواسعة قرائن ظاهرة لإرادة الاستحباب من تلك الأوامر على تسليم دلالتها، كما يشهد به فهم العرف، سيما مع شمول كثير منهما لقضاء المندوبة المانع عن حمله على الوجوب، و المخصّص بالفريضة مع تمام الشواهد المقدّمة (1).
و ترجيحه على الحمل على الندب ممنوع جدّا، سيما مع ورود الطلب في جملة منها بلفظ الخبر الذي نصا في الوجوب، بل منعه مطلقا و لو ظهورا بعض المحققين.
و ثالثا: أنّ ما ذكرنا من أخبار المواسعة يعارضها، و هي راجحة عليها بوجوه سنشير إليها.
هذا، و يرد على الاستدلال بأخبار المضايقة على بطلان الحاضرة عند تقديمها على الفائتة، كما هو ظاهر أكثر أصحاب التضييق: أنّه مبنيّ على اقتضاء الأمر بالمضيّق فساد الواجب الموسّع، لو أتى به، و هو خلاف التحقيق، لا لتعارض الأمرين، بل لأنّ فورية الواجب لا ينافي طلب ضدّه موسّعا عند العصيان بترك المضيّق عرفا، ألا ترى أنّه إذا أمر السيّد عبده بشراء ثوب في سعة شهر، ثم أمر به مضيقا في يوم منه بفعل يضادّه، فيتركه و اشترى الثوب في هذا اليوم عدّ ممتثلا في المطلوب الموسّع، و إن كان عاصيا و معاقبا بترك المضيّق، و قد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا المراصد.
1) في الأصل: «لم تعدّ به» مكان «المقدّمة».
السادس: الأخبار الدالّة على وجوب البدأة بالفائتة قبل الحاضرة ما لم يتضيّق وقتها، كصحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، فقال: «يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكر من ليل أو نهار فإذ دخل وقت الصلاة و لم يتمّ ما قدمه فاته، فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، و هذه أحقّ بوقتها، فليصلّها، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته مما قد مضى، و لا يتطوّع بركعة حتى يقضى الفريضة كلّها» (1).
و صحيحته الأخرى الطويلة (2): «إن كنت قد صلّيت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها، فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها، و قال: إذا نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك، فانوها الأولى ثم صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع، فإن ذكرت أنك لم تصلّي الأولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين، فانوها الأولى فصلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر، و إن كنت ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر ثم صلّ المغرب، و إن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر، ثم قم فأتمّها بركعتين، ثم سلّم، ثم تصلّ المغرب، إلى أن قال: «و إن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصل العشاء الآخرة، و إن كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى أو في
الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصلّ الغداة و أذّن و أقم، و إن كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثم العشاء، فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما، لأنّهما جميعا قضاء أيّهما ذكرت، فلا تصلّها إلّا بعد شعاع الشمس، قال: قلت: لم ذلك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها».
و صحيحته الثالثة المتقدّمة المتضمّنة لقوله عليه السّلام: فابدأ بالتي فاتتك (1). و رواية الحلبي (2)عن رجل نسي الأولى إلى أن قال: «و إن خاف أن يفوته فليبدأ بالعصر، و لا يؤخّرها فيفوته، فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلّي العصر فيما بقي من وقتها، ثم ليصلّ الأولى بعد ذلك على أثرها»، حيث أمر بالأولى على أثر العصر قبل المغرب الحاضرة.
و صحيحة صفوان (3)عن أبي الحسن عليه السّلام عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلّى العصر، فقال: كان أبو جعفر عليه السّلام أو كان أبي يقول: إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن يفوته المغرب بدأ بها، و إلّا صلّى المغرب ثمّ صلّاها.
و خبر أبي بصير (4)المرويّ في الكافي عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر، قال: يبدأ بالظهر و كذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها، ثم تقضى التي نسيت. و في رواية التهذيب بدل «يبدأ بالظهر» يبدأ بالمكتوبة.
و خبر عبد الرحمن (1)عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى، فقال:
إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فإذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي و إن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثم صلّى المغرب ثم صلّى العتمة بعدها. الحديث.
و خبر عمرو بن يحيى (2)عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّنت القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى، قال: «يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها إلّا أن يخاف فوت التي قد دخل وقتها».
و المرويّ في قرب الإسناد (3)عن رجل نسي العشاء ثم ذكر بعد طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: يصلّي العشاء ثم الفجر.
و مثله (4)عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر، قال: يبدأ بالفجر ثم يصلّي الظهر كذلك كلّ صلاة بعدها صلاة.
و عن دعائم الإسلام (5): من فاتته صلاة أخرى فإن كان في الوقت سعة بدأ بالتي فاتته و صلّى التي هو فيها في وقت و إن لم يكن في الوقت إلّا مقدار ما يصلّي التي هو في وقتها بدأ بها و قضى بعدها الصلاة الفائتة.
و المرويّ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرسلا في كتب أصحابنا (6): «لا صلاة لمن عليه صلاة».
1) نفس المصدر 4: 289، الباب 63 من أبواب المواقيت، الرواية 5188.
2) نفس المصدر 4: 313، الباب 9 من أبواب القبلة، الرواية 5244.
3) نفس المصدر 8: 255، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10572؛ قرب الإسناد: 91.
4) نفس المصدر 4: 313، الباب 9 من أبواب القبلة، الرواية 5244.
5) دعائم الإسلام 1: 131، كتاب الصلاة.
6) مستدرك الوسائل 3: 160، الباب 46 من أبواب المواقيت، الرواية 3264.
و الجواب: أوّلا أنّ تلك الأخبار أكثرها مختصّة بالفائتة الواحدة أو فائتة اليوم، و هما من أقوال المسألة، فلا ينتهض حجة لأصحاب الإطلاق المستدلّين بها على مدعاهم.
و ثانيا أنّها في مقابلة أخبار المواسعة المتكثرة، مع قصور جملة منها سندا أو دلالة، و اعتضاد الثانية من الشواهد و الإمارات، لا بدّ من حملها على خلاف ظاهرها مما يقرب إلى الأذهان، غير التقابل و التعارض.
فنقول: أمّا الرواية الأولى، فذيلها محمولة على الاستحباب، مع عمومها بالنسبة إلى النافلة كما مرّ، أو على أنّ المراد بها دخول وقت الحاضرة و هو في أثناء الفائتة، و يؤيّده ما في بعض مواضع التهذيب من قوله عليه السّلام: «فليمض» بدل «فليقض» (1)و صدرها غير دال أصلا، و على التسليم محمول على الندب أيضا.
و نحوها في الحمل عليه ذيل الثانية، سيما بقرينة آخرها الدال على المواسعة، و عدم دلالة صدرها كما مرّ، و خروج وسطها عن المدّعى، و كونه محمولا على نسيان الأولى عن وقت الفريضة، و إلّا تعيّن تقديم العصر إجماعا.
و منهما يظهر معنى الثالثة.
و أمّا الرابعة فقوله عليه السّلام فيها: «على أثرها» محمول على مطلق التأخر، و لو بعد المغرب الحاضرة، بل لا دلالة له على الاتصال، و غايته التبعيّة القريبة، أو على إرادة مطلق الرجحان من الأمر، مع عدم كونه صريحا في الوجوب، بل الظاهر فيه في مثل المقام بملاحظة المعارضات في الوجوب.
و نحوه الكلام في الخامسة.
و ربما يناقش فيها بأن جعل المغرب غاية النسيان يقتضي حصول التذكّر عنده
1) التهذيب 2: 172، الحديث 685.
بعده قبل زوال الحمرة، لا قبيل الانتصاف الذي هو آخر الوقت، فلا يتصوّر فيه التقسيم بالقسمين، بل يؤمي إلى أنّ المراد فوات وقت فضيلتها.
و فيه أنّها ظاهرة في كون المغرب الذي به يخرج وقت الظهرين غاية الترك، لا النسيان، مع بعد كونه قرينة لصرف فوت الوقت، الظاهر في الإجزاء إلى وقت الفضيلة.
و أمّا السادسة، فعلى رواية التهذيب، يراد بالمكتوبة العصر، كما هو الظاهر، و بوقت العصر، الوقت المختصّ بها، و بقوله: «و كذلك الصلوات المشتركات في الوقت إذا نسيت أولهما» فتقدم على اللاحقة، بل هو مقتضى التشبيه.
و على رواية الكافي فالمراد بوقت العصر الذي خرج بدخوله وقت الظهر وقت الفضيلة، بل لا مناص عنه، و مفاد التشبيه ذلك أيضا.
و أمّا السابعة، فمحمولة على الندب أيضا، مع عدم صراحتها في الوجوب.
و مثلها الثامنة، مع أنّ ظاهرها خلاف ما هو الصواب من عدم وجوب القضاء خارج الوقت عند الخطاء في القبلة، إلّا أن يحمل على العمد، و هو خلاف الظاهر، و بهذا يتعيّن الحمل على الندب أيضا، و على الحاضرة بعد الفراغ و عدم خروج الوقت الخارج عمّا نحن فيه.
و ينقدح أيضا، مما ذكر وجه التأمل في التاسعة و العاشرة و الحادية عشر، مع عدم صراحتها في الوجوب.
و أما الثانية عشر، و هي النبوية، فمع إرسالها و عدم روايتها في كتب أحاديث أصحابنا و موافقتها للعامّة، محمولة على نفي الكمال، كما هو الشائع في نظائرها المصروفة عن الحقيقة التي هي نفي الحقيقة، و حمله على نفي الصحّة بقرينة القرب إلى الحقيقة ليس بأولى من حمله على نفي الكمال بقرينة ما تقدم من أدلّة المواسعة.
و الاعتراض بمعارضتها بالمثل مع رواية على بن جعفر لا صلاة في وقت صلاة (1)، مخدوش بالإجماع على صحة الفائتة قبل الحاضرة نعم، ربما نسب إلى ظاهر الصدوقين وجوب تقديم الحاضرة، كما مرّت إليه الإشارة، إلّا أنّ النسبة غير معلومة، و حمله بعضهم على الاستحباب.
و كيف كان، فالخبر لشذوذ القول به شاذّ لا يصلح للاستناد إليه إلّا بحمله على التطوّع، فيوافق قول من منعه وقت الفريضة، كما في النبويّ، إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة.
و ثالثا مع الإغماض عن جميع ما ذكر فالتعارض واقع بينها و بين أخبار المواسعة، و هي راجحة عليها بوجوه كثيرة، كموافقتها لإطلاق الكتاب في الأمر بها في سعة الوقت الموجب للإجزاء.
و القول بموافقة الثانية، أيضا، لقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي المفسّر في المعتبرة بما يوافق المضايقة، مدفوع بما مرّ من عدم دلالة تلك الأخبار المفسّرة عليها، و مع تسليمها فهذا في الحقيقة موافقة للخبر الظنّي و العرض عليه لا على الكتاب المأمور به لأجل القطع به عند التعارض، لأنّ أخبار المواسعة كما تعارض أخبار المضايقة، تعارض الأخبار المفسّرة للآية المقتضية لها أيضا، و موافقتها للسنّة النبوية القطعية الدالّة على سهولة الملّة و سماحة الدين، بل يدلّ عليها الكتاب أيضا، بقوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)، و مخالفتها للمحكيّ عن جمهور العامّة، كما نصّ به غير واحد من أصحابنا، و موافقتها للسيرة الجارية المستمرّة الشائعة، و أكثريتها و أصحّيتها سندا و أظهريتها دلالة و أشهريتها مقابلة.
و مع الإغماض و تسليم التساوي و عدم المرجّح، فالعمل إمّا بالتخيير الذي دلّ عليه قولهم: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك. أو بالأصل، و مقتضاهما المواسعة و عدم وجوب الترتيب. هذا حجّة أصحاب الإطلاق من أهل المضايقة المشتهر بينهم.
و أمّا الأقوال التفصيلية، فحجّة بعضها غير معلومة، و نقضها يظهر مما ذكرناه من أخبار المضايقة، كالتفصيل المحكيّ عن المحقق في الفائتة الواحدة و في المتعدّدة في فائتة اليوم و نحوها، و أنت بعد ما سمعت ضعف الكلّ دلالة و مقاومة للأخبار الأوّلة، تعلم عدم حجّة معتبرة بها، بل قال بعض الأجلة: إنّ ملاحظة سياق أخبار الترتيب تأبى عن إرادة التفصيل و كون البناء عليه، كما لا يخفى على البصير المتأمّل.
المحكيّ عن أكثر القائلين بعدم الترتيب من المتأخرين الأوّل.
و عن الصدوقين و بعض من تأخر، الثاني. و مال إليه والدي العلّامة، بل ربما نسب إلى الأوّلين الوجوب، و هو كما أشرنا إليه غير معلوم.
و التحقيق: أنّه لا شكّ أنّ تعجيل كلّ منهما في نفسه له فضيلة لا تنافيه فضيلة التعجيل لضدّه، فإن درك فضيلة لا ينافي فقدان فضيلة أخرى، و إن كان سببا له، لعموم الأمر بالاستباق و المسارعة إلى الخيرات، و إنّما الكلام في مزية فضيلة تعجيل إحداهما على فضيلة الأخرى، و اختصاص الحاضرة بخصوص فضل أوائل أوقاتها، و الحثّ عليها بكونها رضوان اللّه، و آخره بأنّه غفران اللّه يوجب فضيلة خاصّة للحاضرة، مضافا إلى الفضيلة المشتركة.
نعم، خصوص الرجحان من حيث الترتيب لا دليل عليه بعد حمل أخبار البدأة بالفائتة على الوجوب التخييريّ لأجل تعارض الأخبار من الطرفين، فلزم القول بالتساوي من جهة الترتيب، إلّا أنّ مقتضى الخروج عن محل الخلاف يوجب رجحانا ظاهريا احتياطيا للفائتة.
و على المضايقة، فعن صريح الشيخ (1)و السيّدين (2)و القاضي و الحلبي و الحلّي و غيرهم (3)، بطلان الحاضرة إن كان عن عمد، بل قال بعضهم: إنّه الظاهر عند أصحاب الترتيب، و إنّ المستفاد من كلامهم شرطيته في صحّة الأداء و صحتها عندهم إن كان عن نسيان إلى الفراغ عن الحاضرة.
و عن المختلف (4)و غيره: الإجماع عليه.
و وجه الفساد في الأوّل، كونه مقتضى النهي عن الضدّ المقتضي لفساد العبادة، و ظهور النصوص السابقة في شرطية الترتيب، و اختصاص الوقت ما لم يتضيّق بالفائتة، فتكون الحاضرة في غير وقتها.
و وجه الصحّة في الثاني: انتفاء النهي مع النسيان.
أقول: الفرق بين العمد و النسيان في الصحّة و البطلان خلاف التحقيق، لأنّ مبنى
الدليل على وجوب الترتيب على القول به إن كان الأخبار الدالّة على الفورية المستلزمة للترتيب، فهي غير مقتضية لبطلان الحاضرة مطلقا، عمدا أو سهوا، و إن جعل العصيان بتأخير الفائتة عنها، لما بيّنا في مقامه من عدم منافاة الأمر بالمضيق للأمر الموسّع بضدّه الخاصّ المقتضي للإجزاء، على تقدير العصيان بترك المضيّق في أوّل الوقت المشترك، كما أشرنا إليه آنفا، و كذا الحال على البناء في الاستدلال على الترتيب بالأخبار الآمرة بالبدأة بالفائتة، باعتبار استفادة الفورية منها.
و أمّا إذا كان بناء الاستدلال على الأخبار المصرّحة بوجوب الترتيب، فالظاهر اقتضائه بطلان الحاضرة، عمدا كان تقديمها أو نسيانا، لأنّ الأمر المتعلّق بوصف العبادة يفيد الشرطية المقتضية لفساد العبادة بدونه مطلقا، كما حقّق في محلّه، و من المعلوم، أنّ تلك الشرطية ليست مما يرجع إلى الفائتة، لصحّتها بعد الحاضرة، و يعم صورتي العمد و النسيان، و يوجب الإعادة مع بقاء الوقت، إلّا أن يجعل الإجماع المحكيّ في المختلف و غيره من صحة الحاضرة عند النسيان و التذكر بعد الفراغ، دليلا مخرجا للقاعدة في المقام، كما في الحاضرتين المترتبتين المشتركتين في الوقت إذا حصل التذكّر بعد الفراغ عن اللاحقة قبل السابقة. و اللّه العالم بحقائق أحكامه.