ghaemiyeh.com
سرشناسه:شيخ بهائي، محمدبن حسين، ۹۵۳ -۱۰۳۱ق.
عنوان و نام پديدآور:التعليقة عليالرسالةالصومية/ بهاءالدين محمدبنالحسين الحارثي العاملي؛ مع تعليقات هامة محمداسماعيلالمازندراني الخواجوئي؛ تحقيق مهدي الرجائي.
مشخصات نشر:قم: موسسه عاشورا، ۱۴۲۷ق.= ۲۰۰۶م.= ۱۳۸۵.
مشخصات ظاهري:[۲۰۸] ص.
فروست:سلسلة آثارالمحققالخواجوئي؛ ۸۳.
شابك:964-7263-72-4
وضعيت فهرست نويسي:برونسپاري.
يادداشت:عربي.
يادداشت:كتابنامه به صورت زيرنويس.
موضوع:روزه (اسلام)
موضوع:رمضان
موضوع:فقه جعفري -- رساله عمليه
شناسه افزوده:خواجوئي، اسماعيل بن محمد حسين، - ۱۱۷۳ق.
شناسه افزوده:رجايي، سيدمهدي، ۱۳۳۶ -
رده بندي كنگره:BP۱۸۸/ش۹۲ت۷ ۱۳۸۵
رده بندي ديويي:۲۹۷/۳۵۴
شماره كتابشناسي ملي:۲۸۹۳۶۸۱
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*
هو الشيخ الجليل بهاء الدين محمّد بن الحسين بن عبد الصمد بن شمس الدين محمّد بن علي بن الحسين الحارثي العاملي الجبعي.
لقّب بالحارثي لانتهاء سلسلة نسبه الشريف إلى الحارث الهمداني، و كان من خواصّ الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
للمترجم ثناء جميل و إطراء بليغ في أكثر التراجم و المعاجم الرجالية، و ها أنا أذكر نبذة ممّن ذكره بجميل الثناء:
قال الحرّ العاملي: حاله في الفقه و العلم و الفضل و التحقيق و التدقيق و جلالة القدر، و عظم الشأن، و حسن التصنيف، و رشاقة العبارة، و جمع المحاسن، أظهر من أن يذكر، و فضائله أكثر من أن تحصر، و كان ماهرا متبحّرا جامعا كاملا شاعرا أديبا منشئا ثقة، عديم النظير في زمانه في الفقه و الحديث و المعاني و البيان
و الرياضيات و غيرها (1).
و قال السيّد علي خان المدني: علم الأئمّة الأعلام، و سيّد علماء الاسلام، و بحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، و فحل الفضل الناتجة لديه أفراده و أزواجه، و طود المعارف الراسخ، و فضاؤها الذي لا تحدّ له فراسخ، و جوادها الذي لا يؤمل له لحاق، و بدرها الذي لا يعتريه محاق، الرحلة التي ضربت إليه أكباد الإبل، و القبلة التي فطر كلّ قلب على حبّها و جبل، فهو علّامة البشر، و مجدّد دين الامّة على رأس القرن الحادي عشر، إليه انتهت رئاسة المذهب و الملّة، و به قامت قواطع البرهان و الأدلّة، جمع فنون العلم فانعقد عليه الاجماع، و تفرّد بصنوف الفضل فبهر النواظر و الأسماع، فما من فنّ إلّا و له القدح المعلّى، و المورد العذب المحلّى، إن قال لم يدع قولا لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، و ما مثله و من تقدّمه من الأفاضل و الأعيان، إلّا كالملّة المحمّدية المتأخّرة عن الملل و الأديان، جاءت آخرا ففاقت مفاخرا، و كلّ وصف قلت في غيره فإنّه تجربة الخاطر إلى آخر ما وصفه من الثناء الجميل و الاطراء البليغ (2).
و قال التفرشي: جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير الحفظ، ما رأيت بكثرة علومه و علوّ رتبته في كلّ فنون الاسلام كمن له فنّ واحد، له كتب نفيسة جيّدة (3).
1- الشيخ عبد العالي الكركي المتوفّى سنة (993).
2- الشيخ محمّد بن محمّد بن أبي اللطيف المقدسي الشافعي.
3- الشيخ عبد اللّه اليزدي.
4- الشيخ علي المذهب المدرّس، درس عنده في العلوم العقلية و الرياضية.
5- الشيخ أحمد الكجائي المعروف ببير أحمد، قرأ عليه في قزوين.
6- عماد الدين محمود النظامي، قرأ عليه في الطبّ.
7- الشيخ عمر العرضي.
8- الشيخ محمّد بن أبي الحسن البكري.
و غيرهم.
تخرّج من مدرسته جمّ غفير من العلماء و الأعاظم، منهم:
1- العلّامة الشيخ محمّد تقي المجلسي.
2- السيّد حسين الكركي.
3- الشيخ الفاضل الجواد البغدادي.
4- السيّد ماجد البحراني.
5- المولى محمّد محسن المشتهر بالفيض الكاشاني.
6- السيّد الأميرزا رفيع الدين النائيني.
7- المولى شريف الدين محمّد الرويدشتي.
8- المولى الأجلّ الخليل بن الغازي القزويني.
9- المولى محمّد صالح المازندراني.
10- الشيخ زين الدين بن الشيخ محمّد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني.
11- المولى الشيخ حسنعلي ابن مولانا عبد اللّه الشوشتري.
12- الشيخ محمّد بن علي العاملي التبنيني.
13- الشيخ محمّد القرشي صاحب نظام الأقوال.
14- المولى مظفّر الدين علي.
15- الشيخ محمود بن حسام الدين الجزائري.
16- الشيخ زين الدين علي بن سليمان بن درويش بن حاتم القدمي البحراني.
هذه جملة من تلامذته، و هناك عدّة اخرى ممّن تلمّذوا عليه أو استجازوا منه.
كتب المترجم مؤلّفات و رسائل كثيرة تمثّل اضطلاعه بجوانب العلوم المتداولة، و من بينها مؤلّفات مشهورة قيمة، لا تزال معينا للعلماء إلى اليوم، و حظيت مؤلّفاته القيمة بعناية العلماء و المفكّرين، فأقبلوا عليها بالشرح و التعليق و الدرس و الاستفادة، و ظلّت مصدرا للباحثين في المعارف الاسلامية، و هي:
1- بحر الحساب.
2- تحفۀ حاتمى في الاسطرلاب، فارسية مطبوع.
3- تشريح الأفلاك، مطبوع.
4- التهذيب في النحو.
5- توضيح المقاصد فيما اتّفق في أيّام السنة، مطبوع.
6- جامع عبّاسي في الفقه، مطبوع.
7- جواب ثلاث مسائل.
8- جواب سؤال خان أحمد خان ملك جيلان.
9- جواب مسائل الشيخ صالح الجزائري اثنتان و عشرون مسألة.
10- جواب المسائل المدنيات.
11- الحاشية على الاثنا عشرية للشيخ حسن صاحب المعالم.
12- الحاشية على تشريح الأفلاك.
13- الحاشية على تفسير البيضاوي، لم تتمّ.
14- الحاشية على الحاشية الخطائية.
15- الحاشية على الخلاصة في الرجال.
16- الحاشية على زبدة الاصول.
17- الحاشية على شرح التذكرة.
18- الحاشية على شرح العضدي على مختصر الاصول.
19- الحاشية على الفقيه- لم تتمّ.
20- الحاشية على القواعد الشهيدية.
21- الحاشية على الكشّاف.
22- الحاشية على المطوّل لم تتمّ.
23- الحبل المتين في إحكام أحكام الدين، مطبوع.
24- حدائق الصالحين في شرح الصحيفة السجّادية.
25- الحديقة الهلالية في شرح دعاء الهلال.
26- حلّ عبارة من القواعد في بحث المياه.
27- خلاصة الحساب.
28- الرسالة الاثنا عشرية في الحجّ.
29- الرسالة الاثنا عشرية في الزكاة.
30- الرسالة الاثنا عشرية في الصلاة.
31- الرسالة الاثنا عشرية في الصوم، و هي هذه الرسالة مع التعليقة التي بين يديك.
32- الرسالة الاثنا عشرية في الطهارة.
33- رسالة في أحكام سجود التلاوة.
34- رسالة في استحباب السورة و وجوبها.
35- رسالة في أنّ أنوار سائر الكواكب مستفادة من الشمس.
36- رسالة في تحقيق عقائد الشيعة في الفروع و الاصول.
37- رسالة في حلّ إشكالي عطارد و القمر.
38- رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
39- رسالة في القبلة.
40- رسالة في القصر و التخيير في السفر.
41- رسالة في الكرّ.
42- رسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض.
43- رسالة في النفس و الروح.
44- رسالة في المواريث.
45- رسالة مختصرة في إثبات وجود صاحب الزمان عليه السّلام.
46- زبدة الاصول.
47- سوانح الحجاز، من شعره و إنشائه.
48- شرح الأربعين حديثا.
49- شرح شرح القاضي زاده الرومي على الملخّص.
50- شرح الفرائض النصيرية للمحقّق الطوسي.
51- الصفيحة في الاسطرلاب.
52- الصمدية في النحو.
53- العروة الوثقى في تفسير القرآن، خرج منه تفسير الفاتحة و نبذة من البقرة.
54- عين الحياة في تفسير القرآن.
55- الكشكول.
56- لغز الزبدة.
57- مشرق الشمسين و إكسير السعادتين، طبع مع تعليقات الخواجوئي عليه.
58- مفتاح الفلاح، طبع مع تعليقات الخواجوئي عليه.
59- الوجيزة في الدراية، مطبوعة.
و غيرها ممّا لم نعثر عليها.
ولد الشيخ البهائي قدّس سرّه ببعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجّة الحرام سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة و قيل: سنة (951).
و انتقل به والده و هو صغير إلى الديار العجمية، فنشأ في حجره بتلك الأقطار المحمية، و أخذ عن والده و غيره من جهابذة العلم و المعرفة، حتّى أذعن له كلّ مناضل و منابذ، فلمّا اشتدّ كاهله و صفت له من العلم مناهله ولي بها شيخ الاسلام، و فوّضت إليه امور الشريعة على صاحبها الصلاة و السلام، و كان يصلّي الجمعة و الجماعة بأمر السلطان شاه عبّاس.
ثمّ رغب في الفقر و السياحة، و استهبّ من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب و مال لما هو لحاله مناسب، فقصد زيارة بيت اللّه الحرام و زيارة النبي و أهل بيته الكرام عليه و عليهم أفضل الصلاة و التحية و السلام.
ثمّ أخذ في السياحة، فساح ثلاثين سنة، و طاف أكثر المدن الاسلامية في أنحاء العالم، و اجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل و الحال، و نال من فيض صحبتهم ما تعذّر على غيره و استحال، ثمّ عاد و قطن بأرض العجم، و هناك همى غيث فضله و انسجم، فألّف و صنّف، و قرط المسامع و شنّف.
و توفّي رحمه اللّه في شوّال سنة ثلاثين بعد الألف الهجرية في اصفهان، و نقل جثمانه إلى المشهد الرضوي صلوات اللّه عليه و دفن في داره جنب الروضة المقدّسة، و الآن داخل في الحرم يزار هناك.
قد كتبنا رسالة عربية و فارسية حول حياة العلّامة الخواجوئي، و تكلّمنا عن حياته الاجتماعية و الثقافية، و عن عصره الذي كان يعيش فيه، ذلك العصر الذي جرت فيه على الشيعة و عاصمتها اصفهان أهوال من الاضطراب و الخوف، و كان العلماء و الزعماء الدينيين في عصره: ما بين شريد، أو محبوس، أو شهيد، أو في زاوية من الخمول و الوحدة. و نرى كثيرا من العلماء بعد ما كانوا مشهورين و معروفين، و كانت لهم رئاسة و زعامة دينية، لمّا قدموا في هذا العصر، خبأ ذكرهم و أسماؤهم، فلا نرى منهم ذكرا و لا أثرا، كأكثر البيوتات العلمية التي كانت في اصفهان عاصمة الشيعة آنذاك.
و نجد بعضهم مع خمول ذكرهم و انزوائهم عن الخلق، خدموا الشيعة بآثارهم و كتبهم العلمية الممتّعة، و حفظوا الآثار عن الانمحاء و الاندراس.
و نرى امتداد نشاطهم و حركتهم الفكرية إلى كلّ ما كان هناك من علوم معروفة و متداولة، و شملت حركتهم الثقافية إلى جانب الفقه و اصوله و الكلام و علوم القرآن و اللغة و الأدب، و نجد هذا النشاط بارزا في مؤلّفاتهم الكثيرة التي تعكس اتّجاههم العلمي و نشاطهم الفكري.
و من الواجب و الانصاف علينا أن لا ننسى لهم ما قاموا به من الأدوار الكبيرة
في الحركة الثقافية في الأحقاب الاسلامية الماضية، و ما ساهم به اتّجاههم هذا الممعن بحثا، الذي جاب مناطق الانسان و الحياة في بناء الحضارة الاسلامية، و إقامة دعائمها على اسس قويمة منتجة.
و من زعماء الشيعة الذين برزوا في جميع هذه الميادين العلمية و العملية، هو الشيخ الفقيه المحقّق الحكيم المتألّه العارف الموالي لأهل البيت و الطهارة عليهم السلام، المولى محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي الاصفهاني أسكنه اللّه بحبوحات جنّاته.
و ها أنا أذكر هنا نبذة من حياته الشريفة للأعزّاء الكرام:
المولى محمّد إسماعيل بن الحسين بن محمّد رضا بن علاء الدين محمّد المازندراني الاصفهاني المشهور بالخواجوئي.
و الخواجوئي نسبة إلى محلّة معروفة في بلدة اصفهان، متّصلة بالجسر العتيق على نهر زاينده رود المعروف ب «جسر الخواجو» و قد انتقل إليها المترجم في فتنة الأفاغنة، و كانت المحلّة في زمانه خارج بلدة اصفهان، و اتّخذها مسقط رأسه حتّى اشتهر بالنسبة إليها.
للمترجم ثناء بليغ و تجليل و تبجيل تامّ في أكثر التراجم و المعاجم الرجالية، و إليك نصّ نبذة من عباراتهم:
قال الشيخ عبد النبي القزويني من معاصريه في كتاب تتميم أمل الآمل (ص 76): كان من العلماء الغائصين في الأغوار، و المتعمّقين في العلوم بالأسبار، و اشتهر بالفضل، و عرفه كلّ ذكي و غبي، و ملك التحقيق الكامل، حتّى اعترف به كلّ
فاضل زكي.
و كان من فرسان الكلام، و من فحول أهل العلم، و كثرة فضله تزري بالبحور الزاخرة عند الهيجان و التلاطم، و الجبال الشاهقة، و الأطواد الباذخة، إذا قيست إلى علوّ فهمه كانت عنده كالنقط، و الدراري الثاقبة إذا نسبت إلى نفوذ ذهنه كأنّها حبط.
حكى عنه الثقات أنّه مرّ على كتاب الشفاء ثلاثين مرّة: إمّا بالقراءة، أو بالتدريس، أو بالمطالعة، و أخبرني بعضهم أنّه كان سقط من كتاب الشفاء عنده أوراق، فكتبها من ظهر قلبه، فلمّا عورض بكتاب صحيح ما شذّ منه إلّا حرفان أو حرف.
و بالجملة الكتب المتداولة في الحكمة و الكلام و الاصول كانت عنده أسهل من نشر الجراد، حتّى يمكن للناس أن يقولوا: إنّ هذا لشيء عجاب، إن هذا لشيء يراد. و كان رحمه اللّه مع ذلك ذا بسطة في الفقه و التفسير و الحديث مع كمال التحقيق فيها.
و بالجملة كان آية عظيمة من آيات اللّه، و حجّة بالغة من حجج اللّه، و كان ذا عبادة كثيرة، و زهادة خطيرة، معتزلا عن الناس، مبغضا لمن كان يحصّل العلم للدنيا، عاملا بسنن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و في نهاية الاخلاص لأئمّة الهدى عليهم السلام، و ذا شدّة عظيمة في تسديد العقائد الحقّة و تشديدها، و ذا همّة جسيمة في إجراء امور الدين مجراها و تأييدها.
و قال المحقّق الخوانساري في الروضات (1: 114): العلم العالم الجليل مولانا إسماعيل ... كان عالما بارعا، و حكيما جامعا، و ناقدا بصيرا، و محقّقا نحريرا، من المتكلّمين الأجلّاء، و المتتبّعين الأدلّاء، و الفقهاء الأذكياء، و النبلاء الأصفياء.
طريف الفكرة، شريف الفطرة، سليم الجنبة، عظيم الهيبة، قوي النفس، نقي القلب، زكي الروح، و فيّ العقل، كثير الزهد، حميد الخلق، حسن السياق، مستجاب الدعوة، مسلوب الادّعاء، معظّما في أعين الملوك و الأعيان، مفخّما عند اولي الجلالة و السلطان.
حتّى أنّ نادر شاه- مع سطوته المعروفة و صولته الموصوفة- كان لا يعتني من بين علماء زمانه إلّا به، و لا يقوم إلّا بإذنه، و لا يقبل إلّا قوله، و لا يمتثل إلّا أمره، و لا يحقّق إلّا رجاه، و لا يسمع إلّا دعاه.
و ذلك لاستغنائه الجميل عمّا في أيدي الناس، و اكتفائه بالقليل من الأكل و الشرب و اللباس، و قطعه النظر عمّا سوى اللّه، و قصده القربة فيما تولّاه.
ثمّ قال: غير أنّ هذا الشيخ الجليل لمّا كان في زمن فاسد عليل، و عصر لم يبق لأحد فيه إلى نصر العلم و الدين سبيل- من جهة استيلاء الأفغان على ممالك ايران، و استحلالهم أعراض الشيعة و دماءهم و أموالهم في كلّ مكان، سيّما محروسة اصبهان- لم يبق له مع كونه الفحل المحلّ العجب العجاب كثير ذكر بين الأصحاب، و لا جدير اشتهار لما صنّف من رسالة و كتاب.
بل لم يعرف من أجل ذلك له استاد معروف، أو اسناد متّصل إليه أو عنه على وجه مكشوف، و كأنّ ذلك كان مفقودا فيه معوذا عليه، و إلّا لنقله و نقل عنه في مبادي كتاب أربعينه لا محالة، كما هو ديدن مؤلّفي الأربعينيات، و لم يكن يعتذر هناك عن تركه ذكر الاسناد منه إلى المعصوم عليه السّلام بأعذار غير سديدة.
ثمّ قال: و كان رحمه اللّه مرتفعا جدّا في محبّتهم- أي: محبّة السادة الفاطميين- و الاخلاص لهم الوداد، كما حكاه الثقات.
و كان رحمه اللّه أيضا صاحب مقامات فاخرة، و كرامات باهرة، يوجد نقل
بعضها في بعض المواقف، و يؤخذ بالسائر من الأفواه، و إنّما أعرضنا عن تفصيلها حذرا عن الاطناب المملّ المخلّ بوضع هذه العجالة.
و خطّه رحمه اللّه أيضا قد كان بقسميه المعهودين في قاصي درجة من الجودة و الحسن و البهاء، كما اطّلعنا عليه من أكثر أرقامه و مصنّفاته الموجودة لدينا بخطوطه المباركة.
و راجع ما ذكره جمع من الأعلام في الإطراء عليه: نجوم السماء في تراجم الرجال للميرزا محمّد علي الكشميري ص 269، و المحدّث النوري في خاتمة المستدرك 2: 107- 108، و السيّد العاملي في أعيان الشيعة 3: 402، و السيّد الصفائي في كشف الأستار 1: 132، و المدرّس الخياباني في ريحانة الأدب 2: 105، و الشهيد التبريزي في كتاب مرآة الكتب 1: 46، و المحدّث القمّي في الكنى و الألقاب 2: 179، و كحّالة في معجم المؤلّفين 1: 192.
أقول: قد أشار جمع من أرباب التراجم إلى خمول ذكره الشريف مع جلالته علما و عملا، و أنّه كان يعيش في عين الفتنة الهائلة.
قال المترجم نفسه في آخر كتاب الأربعين المطبوع بتحقيقي: جمعتها في زمان، و ألّفتها في مكان، كانت عيون البصائر فيه كدرة، و دماء المؤمنين المحرّم سفكها بالكتاب و السنّة فيه هدرة، و فروج المؤمنات مغصوبة فيه مملوكة بأيمان الكفرة الفجرة، قاتلهم اللّه بنبيه الكرام البررة.
و كانت الأموال و الأولاد منهوبة فيه مسبية مأسورة، و بحار أنواع الظلم موّاجة فيه متلاطمة، و سحائب الهموم و الغموم فيه متلاصقة متراكمة، زمان هرج و مرج مخرب الآثار، مضطرب الأخبار، محتوي الأخطار، مشوّش الأفكار، مختلف الليل، متلوّن النهار، لا يسير فيه ذهن ثاقب، و لا يطير فيه فكر صائب.
نمّقتها و هذه حالي، و ذلك قالي، فإن عثرتم فيه بخلل، أو وقفتم فيه على زلل فأصلحوه رحمكم اللّه، إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
ورد في بعض المعاجم نبذة قليلة من مشايخه في الرواية و الدراية، و هم:
1- العالم الجليل الشيخ حسين الماحوزي.
2- المولى محمّد جعفر بن محمّد طاهر الخراساني الاصفهاني صاحب كتاب الاكليل و غيره، ولد سنة ثمانين و ألف.
أقول: و عدّ في بعض التراجم من مشايخه في العلوم النقلية و العقلية: المحقّق النحرير الفاضل الهندي صاحب كشف اللثام، و الحكيم المتألّه الملّا محمّد صادق الأردستاني، و الحكيم المتألّه الملّا حمزة الگيلاني، و اللّه العالم.
لم يصل إلينا تفصيل تلامذته، و إليك نبذة ممّن وقفنا عليه:
1- العالم النحرير الملّا مهدي النراقي المتوفّى سنة (1209) كان أكثر تلمّذه في العلوم لديه، حتّى قيل- و اللّه العالم- إنّه كان في مدّة ثلاثين سنة يتلمّذ لديه، لا يفارقه ليلا و لا نهارا، حتّى بلغ ما بلغ من العلم و العمل.
2- العالم العارف الآقا محمّد بن المولى محمّد رفيع الجيلاني المشتهر بالبيدآبادي الاصفهاني، المتوفّى سنة (1197).
3- المولى محراب الجيلاني الحكيم العارف المشهور المتوفّى سنة (1217).
4- الميرزا أبو القاسم المدرّس الاصفهاني الخاتونآبادي، المتوفّى سنة (1202).
للعلّامة الخواجوئي مؤلّفات و رسائل و حواش كثيرة على الكتب، قد تجاوزت جهود الفرد الواحد، تمثّل اضطلاعه بجوانب المعرفة الشاملة، و قد يعجب المرء من و فرة تآليفه ذات المواضيع المختلفة في شتّى العلوم و المعارف المتعدّدة، على الرغم- كما عرفناه- من سيرة حياته من عدم استقراره و تفرّغه للعلم، للفتنة الهائلة الأفغانية.
و لا ريب أنّ ذكاءه المفرط و ذاكرته العجيبة و وعيه الشامل، كان ذلك من الأسباب الرئيسية في تغلّبه على تلك العقبات التي تحول دون تأليفه و تصنيفه، و قد أشار أكثر أرباب التراجم إلى وفرة تآليفه.
قال في تتميم الأمل: و له رحمه اللّه تآليف كثيرة و حواش على كتب العلوم.
و قال في الروضات بعد عدّ جملة من تصانيفه: إلى غير ذلك من الرسائل و المقالات الكثيرة التي تبلغ نحوا من مائة و خمسين مؤلّفا متينا في فنون شتّى من العلوم و الحكم و المعارف.
و قال في موضع آخر: أكثرها لم يتجاوز نسخة الأصل إلى زماننا هذا.
أقول: قد وفّقني اللّه تبارك و تعالى لجمع أكثر مؤلّفاته و رسائله و حواشيه على الكتب، و تحقيقها و نشرها إلى عالم النور، و قد طبعت أكثر آثاره تحت سلسلة آثار المحقّق الخواجوئي، و هي:
1- بشارات الشيعة. و هو من أحسن ما كتب في بابه مشحون بالتحقيقات و بيان النكات و أنواع التنبيهات، شرع فيه سنة (1155) و فرغ منه أواخر شوّال من تلك السنة.
2- ذريعة النجاة من مهالك تتوجّه بعد الممات. في ذكر فضائل الامام
أمير المؤمنين و أولاده المعصومين عليهم السّلام و أنّهم أفضل من سائر الأنبياء عليهم السّلام غير نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله، و الاستدلال على ذلك بالآيات و الروايات الواردة في ذلك.
3- الفوائد في فضل تعظيم الفاطميين. رسالة مبسوطة في فضل إكرام ذرّية فاطمة الزهراء عليها السّلام، و كون المنتسب إليها بالامّ منهم، و يستحقّ الخمس، و يحرم عليه الصدقة.
4- رسالة ميزة الفرقة الناجية عن غيرهم. رسالة استدلالية اعتقادية في بعض أحكام المخالفين للشيعة.
5- رسالة في تحقيق و تفسير الناصبي. تحقيق حول معنى الناصبي لغة و اصطلاحا، و أيّ الفرق من الفرق الاسلامية محكوم به، و انّ الناصبي على صنفين:
صنف محكوم بأحكام الاسلام، و الآخر خارج عن ربقة الاسلام و محكوم بالكفر.
6- طريق الارشاد إلى فساد إمامة أهل الفساد. في الأدلّة الدالّة على جواز لعن الغاصبين لحقوق الأئمّة عليهم السّلام و ما جرى منهم على فاطمة البتول عليها السّلام من الأذى و الظلم.
7- الرسالة الأينية. رسالة تحقيقية حول نفي الأين عن اللّه جلّ ذكره، و تأويل ما ورد من اثبات الأين له تعالى ذكره.
8- رسالة في توجيه مناظرة الشيخ المفيد. رسالة مختصرة حول مناظرة الشيخ المفيد قدّس سرّه مع القاضي عبد الجبّار المعتزلي في مسألة خلافة الامام أمير المؤمنين عليه السلام.
أقول: طبعت هذه الرسائل من الرقم الأوّل إلى هنا في المجموعة الاولى من الرسائل الاعتقادية.
9- تذكرة الوداد في حكم رفع اليدين حال القنوت. رسالة استدلالية في
استحباب رفع اليدين إلى السماء في حال القنوت.
10- رسالة في شرح حديث الطلاق بيد من أخذ بالساق. رسالة استدلالية حول الرواية المذكورة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و أنّه هل الوكيل و الولي في الطلاق بمنزلة الزوج أم لا؟
11- رسالة في حرمة النظر إلى وجه الأجنبية. رسالة استدلالية متقنة في عدم جواز النظر الى وجه الأجنبية إلّا ما استثني حال الضرورة.
12- رسالة خمسية. رسالة استدلالية في أحكام الخمس و مصارفه في زمن الغيبة، و هي في مقدّمة و أربع فصول و خاتمة.
13- رسالة في أقلّ المدّة بين العمرتين. رسالة استدلالية ذهب المؤلّف فيها إلى القول بجواز التوالي بين العمرتين، و ناقش الأقوال الاخر في ذلك.
14- رسالة في الرضاع. رسالة استدلالية في جواز النكاح بين أخوان و أخوات المرتضعين، و ردّ على رسالة الملّا أبي الحسن الفتوني النباطي المتوفّى سنة (1138) ه.
15- رسالة في جواز التعويل على أذان الغير في دخول الوقت. رسالة استدلالية في حكم التعويل على دخول الوقت بأيّ أمارة حصلت كأذان المؤذّن، أو صيحة الديك، أو وقت ساعة و غيرها، و ذهب إلى جواز التعويل على تلك الأمارات و لو لم يحصل له العلم بدخول الوقت.
16- رسالة في حكم الاستئجار للحجّ من غير بلد الميت. رسالة استدلالية حول الحديث المروي في التهذيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أعطى حجّة يحجّ بها عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة، قال عليه السّلام: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه.
17- رسالة في حكم الإسراج عند الميت إن مات ليلا. رسالة استدلالية مختصرة، ذهب فيها إلى عدم استحباب ذلك و أنّه لا دليل عليه.
18- رسالة في شرح حديث توضّئوا ممّا غيّرت النار.
19- رسالة في الغسل في الأرض الباردة و مع الماء البارد.
20- رسالة في أفضلية التسبيح على القراءة في الركعتين الأخيرتين.
21- رسالة في تحقيق وجوب غسل مسّ الميّت.
22- رسالة في حكم شراء ما يعتبر فيه التذكية. رسالة استدلالية حول شراء الفراء و اللحوم و الجلود و غيرها ممّا يعتبر فيها التذكية.
23- رسالة في حكم لبس الحرير للرجال في الصلاة و غيرها. رسالة استدلالية في جواز لبس الحرير المحض مطلقا للنساء و الأطفال و الخناثي، و كراهته للرجال إلّا في حال الضرورة و الحرب، و يعبّر عنها المؤلّف في بعض رسائله بالرسالة الحريرية.
24- رسالة في حكم الغسل قبل الاستبراء.
25- الفصول الأربعة في عدم سقوط دعوى المدّعي بيمين المنكر. رسالة استدلالية في عدم سقوط دعوى المدّعي لو حلف المنكر على الوجه الشرعي، خلافا لجماعة من الفقهاء.
26- رسالة في وجوب الزكاة بعد إخراج المئونة.
27- رسالة في صلاة الجمعة. رسالة استدلالية في حرمة صلاة الجمعة و عدم وجوبها عينا في زمن الغيبة و الردّ على رسالة الشهاب الثاقب للمحقّق الكاشاني، مع عناوين قال أقول.
أقول: طبعت هذه الرسائل من رقم (9) إلى هنا في المجموعة الاولى من
الرسائل الفقهية.
28- رسالة في شرح حديث ما من أحد يدخله عمله الجنّة و ينجيه من النار.
29- رسالة في شرح حديث لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله.
30- رسالة في شرح حديث أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه.
31- رسالة في شرح حديث لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسّه النار إلّا تحلّة القسم.
32- رسالة في شرح حديث أنّهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا.
33- رسالة في شرح حديث النظر إلى وجه العالم عبادة.
34- رسالة في تفسير آية «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ».
35- رسالة في تعيين ليلة القدر. رسالة لطيفة في تعيين ليلة القدر مع اختلاف الافق في أنحاء العالم شرقها و غربها، ثمّ استدلّ على أنّ ليلة القدر التي تقدّر فيها المقدّرات مطابق للافق الذي يعيش فيه الامام عليه السلام.
36- الحاشية على أجوبة المسائل المهنّائية للعلّامة الحلّي.
37- رسالة عدلية. رسالة مبسوطة في معنى العدالة، و ما تحصل به العدالة، و ما تزول به العدالة، و المناقشة في أقوال الفقهاء في ذلك، في ثلاثة أبواب و كلّ باب يشتمل على عدّة فصول.
38- رسالة في نوم الملائكة. رسالة لطيفة حول الرواية المروية في الاكمال عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن الملائكة أ ينامون؟ فقال: ما من حيّ إلّا و هو ينام.
39- هداية الفؤاد إلى نبذ من أحوال المعاد. رسالة مبسوطة استدلالية في المسألة الخلافية بين المتكلّمين و الحكماء في أنّ ما سوى اللّه تعالى هل يفنى على عمومه مجرّداته و مادّياته حتّى لا يبقى منه شيء و لا يدوم منه موجود أم يبقى منه
باق ببقاء اللّه تعالى؟ اختار المؤلّف الشقّ الثاني، و استدلّ عليه بالآيات و الروايات.
40- رسالة في بيان الشجرة الخبيثة.
41- رسالة في الجبر و التفويض. شرح لطيف حول كلام الامام أمير المؤمنين علي عليه السّلام في نهج البلاغة «إنّا لا نملك مع اللّه شيئا و لا نملك إلّا ما ملكنا» تكلّم في هذا الشرح حول الجبر و الاختيار، و القضاء و القدر، و ما يستفاد من الآيات و الروايات و غيرهما.
42- رسالة في شرح حديث من أحبّنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا أو تجفافا.
43- المسائل الخمس.
44- رسالة في تفسير قوله تعالى «وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ».
45- رسالة في ذمّ سؤال غير اللّه. و فيها ذكر مكاشفة وقعت للمؤلّف قدّس سرّه.
أقول: و طبعت هذه الرسائل الشريفة من رقم (28) إلى هنا في المجموعة الثانية من الرسائل الاعتقادية.
46- رسالة في أحكام الطلاق. رسالة استدلالية في الطلاق الرجعي و حقيقته، و فيها بيان حقيقة الطلاق المزيل لعلاقة النكاح.
47- رسالة في شرح حديث لسان القاضي بين جمرتين من نار.
48- رسالة في إرث الزوجة. رسالة استدلالية في بيان كيفية ميراث الزوجة من الزوج في مقدّمة و أربعة فصول و خاتمة.
49- رسالة في الحبوة. رسالة استدلالية في ستّة فصول في بيان أحكام الحبوة و ما يختصّ من الميراث بالولد الأكبر.
50- رسالة في حرمة تزويج المؤمنة بالمخالف.
51- رسالة في استحباب كتابة الشهادتين على الكفن.
52- رسالة في حكم التنفّل قبل صلاة العيد و بعدها.
53- رسالة في بيان عدد الأكفان.
54- رسالة في جواز التداوي بالخمر عند الضرورة. رسالة استدلالية ألّفها للسيّد مير محمّد طاهر في أربعة فصول.
55- رسالة في حكم الحدث الأصغر المتخلّل في غسل الجنابة. رسالة استدلالية في ثمانية فصول في حكم الحدث الأصغر المتخلّل أثناء الغسل و أنّه هل يبطل الغسل أم لا؟
56- المسائل الفقهية المتفرّقة. يبحث عن ثلاثين مسألة فقهية و غيرها، و فيها مباحث هامّة.
57- رسالة في استحباب رفع اليدين حالة الدعاء.
58- رسالة في بيان علامة البلوغ.
59- رسالة في من أدرك الامام في أثناء الصلاة.
60- الرسالة الهلالية. رسالة مبسوطة في كيفية ثبوت الهلال.
61- الرسالة الذهبية. رسالة استدلالية في جواز لبس الذهب و اللباس المذهّب و الصلاة فيه و عدمه.
62- الفصول الأربعة في من دخل عليه الوقت و هو مسافر فحضر و بالعكس و الوقت باق.
63- رسالة في حكم من زنا بامرأة ثمّ تزوّج بابنتها. رسالة استدلالية في المسألة المذكورة، ردّ فيها على المحقّق السبزواري حيث أجاز ذلك على كراهية.
64- رسالة في شرائط المفتي. مناظرة و مناقشة مع أحد أساتذته فيما يشترط في المفتي و الافتاء.
65- رسالة في منجّزات المريض. رسالة استدلالية في منجّزات المريض إذا كانت تبرّعا و مات في ذلك الزمن.
أقول: و طبعت هذه الرسائل الشريفة من رقم (46) إلى هنا في المجموعة الثانية من الرسائل الفقهية. و تصدّى لطبع هذه الرسائل المطبوعة في أربعة مجلّدات دار الكتاب الاسلامي في قم المقدّسة.
66- الأربعون حديثا. طبع الكتاب ضمن منشورات مكتبة آية اللّه السيّد حسين الخادمي الصدر قدّس سرّه.
67- الدرر الملتقطة من تفسير الآيات القرآنية. التقطت من جميع آثار المحقّق الخواجوئي ما يرتبط بتفسير الآيات القرآنية. طبع الكتاب ضمن منشورات دار القرآن الكريم في قم المقدّسة.
68- مفتاح الفلاح و مصباح النجاح في شرح دعاء الصباح.
69- الفوائد الرجالية.
70- التعليقة على مشرق الشمسين للشيخ البهائي. طبعت هذه الكتب الثلاثة الأخيرة ضمن منشورات مجمع البحوث الاسلامية التابع للآستانة الرضوية المقدّسة.
71- التعليقة على مفتاح الفلاح للشيخ البهائي.
72- جامع الشتات. طبع الكتابان الأخيران ضمن منشورات مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
73- رسالۀ اصول الدين مبسوط. باللغة الفارسية.
74- رسالۀ اصول الدين كلّيات. باللغة الفارسية.
75- ترجمة المناظرة المأمونية باللغة الفارسية. طبعت هذه الثلاثة الأخيرة
باهتمام أحد الخيّرين في مجموعة واحدة.
76- رسالۀ رضاعيه. طبعت في مجلّۀ فقه أهل بيت عليهم السلام برقم (23).
77- رسالۀ اجوبۀ مسائل ميرزا محمّد حفيظ. طبعت في مجلّۀ فقه أهل بيت عليهم السلام برقم (28).
78- رسالۀ نوروزيه. طبعت الرسالة في المجموعة الرابعة من ميراث اسلامى ايران نشر مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي قدّس سرّه.
79- رسالۀ وحدت وجود.
80- رسالۀ سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله.
81- رسالۀ أجل محتوم. طبعت هذه الرسائل الثلاثة في مجموعة ميراث حوزۀ اصفهان.
82- التعليقة على الأربعين حديثا للشيخ البهائي.
83- التعليقة على الاثنا عشرية في الصوم للشيخ البهائي.
أقول: هذا ما طبع من آثار المحقّق الخواجوئي بتحقيقي. و أمّا بقية آثاره فهي:
84- التعليقة على كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي.
85- رسالة في تجسّم الأعمال.
86- رسالة إبطال الزمان الموهوم.
87- التعليقة على تفسير الصافي للفيض الكاشاني.
88- رسالۀ تحقيق دربارۀ كوه قاف.
89- رسالۀ أخبار و أحوال أبو هذيل علّاف.
90- رسالۀ جواب از بعض مسائل ضروريه.
91- كتاب الامامة.
92- تبصرة الاخوان في بيان أكبرية القرآن.
93- جواز القراءة بالقراءات السبع و جواز ملك يوم الدين.
94- التعليقة على اصول الكافي.
95- التعليقة على زبدة البيان للمقدّس الأردبيلي.
96- التعليقة على مدارك الأحكام.
97- رسالة في حدّ اليأس الحاصل للمرأة.
98- رسالة سقوط الوتيرة في السفر.
99- شرح نهج البلاغة.
100- رسالة في الصلاة.
101- رسالة في العقود الفضولي.
102- رسالة في الغناء.
103- الفصول في مباحث الشفعة.
104- رسالة في فضل ما لا يؤكل لحمه.
و غيرها ممّا لم نعثر عليها.
لم أعثر إلى الآن على تاريخ ولادته، و لم يتعرّض لذلك أرباب التراجم.
و أمّا تاريخ وفاته، فالصحيح أنّه توفّي في حادي عشر من شهر شعبان سنة (1173) ه.
و الذي ظهر لي من عمره الشريف أنّه قدّس سرّه ناهز الثمانين سنة، و ذلك أنّه أدرك الفتنة الهائلة الأفغانية، و كان ابتداؤها من سنة (1133) ه، و انتقل المترجم عند ذاك إلى محلّة خواجو مع أهله و أولاده، و ألّف في حين الفتنة عدّة كتب
و رسائل، منها كتابه الأربعون حديثا المحتوية على التحقيقات و التدقيقات اللطيفة، و أشار في آخر الكتاب إلى بعض الوقائع الحادثة في عصره، و كان يعدّ مع ذلك من العلماء و الفحول، فمن كان في تلك الرتبة و المرتبة، فلا أقلّ من أن يكون عمره الشريف في حوالي الأربعين سنة، و من ابتداء الفتنة إلى حين وفاته أيضا أربعون سنة، فيبلغ المجموع إلى حوالي الثمانين سنة، و اللّه العالم بحقائق الامور.
و مزاره في اصفهان في المزار المعروف ب «تختفولاد» في بقعة لسان الأرض المشحونة بالعلماء و الصلحاء و الأولياء، و هو مزار مشهود.
هذا الكتاب الشريف الذي بين يديك هو تعليقات قيّمة مشحونة بالتحقيقات العلمية على الرسالة الصومية للشيخ البهائي قدّس سرّه.
و فيها من المباحث الهامّة ما يبيّن مدا وسعه الشامل في العلوم النقلية و العقلية، و لعمري كتاب قيّم شريف في بابه، و فيها مباحث علمية لا يسع الباحث عنه.
قمت أوّلا بتحقيق متن الرسالة الصومية، و قابلتها مع عدّة نسخ مخطوطة مصحّحة الموجودة في مكتبة المرحوم آية اللّه العظمى المرعشي النجفي قدّس اللّه سرّه الشريف.
ثم قمت بتحقيق التعليقة و مقابلتها مع النسخة المصوّرة عن النسخة المخطوطة المحفوظة أصلها في خزانة مكتبة مسجد جامع كوهرشاد في المشهد المقدّس.
و أسأل اللّه تبارك و تعالى أن يوفّقني لنشر ما بقي من آثاره القيمة، وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ*، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.
قم المقدّسة- السيّد مهدي الرجائي 12- محرّم الحرام- 1427 ه- ق.
الرسالة الصومية للعلّامة الشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسين الحارثي العاملي المتوفّى سنة (1030) ه- ق مع تعليقات هامّة للعلّامة محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي المتوفّى سنة (1173) ه- ق تحقيق السيّد مهدي الرجائي
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* الحمد للّه الذي جعل الصوم من بين الأعمال عملا مختصّا به، حيث
قال: الصوم لي و أنا أجزي عليه (1)
. و الصلاة على أشرف الصائمين، و أفضل القائمين، محمّد و آله الطاهرين، الذين ندبوا إليه.
و بعد: يقول أحوج عباد اللّه إلى غفرانه، و أقلّهم عملا يوجب المصير إلى رضوانه محمّد المشتهر بإسماعيل المازندراني وفّقه اللّه لما يحبّ و يرضى: لمّا فرغت من تعليقاتي على أربعين الشيخ (2)، أخذت في شرح رسالته الموسومة ب «مفتاح الفلاح» (3)فلمّا وفّقني اللّه على إكماله، شرعت في إيضاح مجملات رسالته الصومية الاثنا عشرية، ليكون نفع طالبيها أكثر، و حظّ مبتغيها أوفر، سائلا من اللّه السداد و الصواب، راجيا منه الأجر، و مزيد الثواب، إنّه المبدأ و إليه المآب.
1) فروع الكافي 4: 64، من لا يحضره الفقيه 2: 75.
2) قد طبعت هذه التعليقة في (808) صفحة بتحقيقي في هذه السنة (1426) ه، و هي تعليقة قيّمة على كتاب الأربعين للشيخ البهائي، مشحونة بالتحقيقات و التدقيقات الشريفة.
3) و قد طبع هذا الكتاب القيّم أيضا في (808) صفحة بتحقيقي في سنة (1415) ه، و هو كتاب مشحون بالتحقيقات العلمية و المسائل الاعتقادية.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* الحمد للّه الذي جعل الصوم جنّة من النار، و الصلاة على أشرف الخلائق محمّد و آله الأطهار.
قوله قدّس سرّه: «جعل الصوم جنّة من النار».
لا يخفى ما فيه من براعة الاستهلال، و إنّما جعل ذلك من نقله تعالى و هو قول نبوي (1)لأنّه صلّى اللّه عليه و آله لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (2)، فقوله قوله، و فعله فعله.
و الجنّة: السترة. و إنّما كان الصوم جنّة منها؛ لأنّه يكسر الشهوات التي هي مبدأ المعاصي، و لذا يكون الصائم أردع لنفسه عن مواقعة السوء؛ لأنّ الجوع يوجب الانكسار المانع عن المعصية و الغفلة، كما أنّ الشبع يورث شهوة الفرج المورثة للجهل المانعة عن الحكمة.
قال عليه السّلام: لا تدخل الحكمة بطنا ملئ طعاما (3).
و
قال أفلاطون الإلهي: الجوع سحاب يمطر العلم و الحكمة، و الشبع سحاب يمطر الجهل و الغفلة.
و
قال عليه السّلام: من استطاع منكم الباه فليتزوّج، و من لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّ
يقول أقلّ العباد محمّد المشتهر ببهاء الدين العاملي، وفّقه اللّه للعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده: لمّا فرغت من تأليف المقالة الاثني عشرية في الصلاة اليومية و اختها الاثني عشرية الحجّية، التمس منّي بعض الأخلّاء الأجلّاء وفّقه اللّه لارتقاء معارج الكمال، تأليف اثنى عشرية صومية على ذلك المنوال، فأسعفته بذلك مع ضيق المجال و توزّع البال، و اللّه أسأل أن ينفع بها الطالبين، و أن يجعلها من أحسن الذخائر ليوم الدين.
فأقول: الامور التي لا بدّ للصائم من اجتنابها نوعان:
الصوم له و جاء (1).
و هو بالكسر كسر عروق الانثيين مع إبقائهما.
و قيل: المراد أنّه موجب للعفو عن الذنوب الموجبة للنار زيادة على غيره من العبادات، و إلّا فكلّ واجب يقي من العذاب المستحقّ بتركه، و يدعى بفعله تكفير الصغائر، كما يستفاد من قوله تعالى إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (2).
قوله: «الامور التي لا بدّ للصائم من اجتنابها نوعان».
بين النوعين عموم و خصوص مطلق، فإنّ كلّ ما يفسد الصوم يجب على الصائم اجتنابه، و ليس كلّ ما يجب عليه اجتنابه بمفسد للصوم، و ذلك كالارتماس، فإنّه محرّم يجب عليه اجتنابه و ليس بمفسد، و لا موجب للقضاء و لا الكفّارة، على ما ذهب إليه الشيخ في الاستبصار، و نقل عن ابن إدريس (3)و كذا
الأوّل: امور يفسد الصوم بارتكابها و يتوقّف حصول حقيقته على اجتنابها، كالأكل و الجماع عمدا.
و الثاني: ما ليست كذلك، و لكن ورد الشرع بنهي الصائم عنه، كالحقنة على الأقرب، و الارتماس عند بعض.
عن المرتضى في مسائل الخلاف أنّه مكروه لا محرّم و لا مفسد، و المنقول من أكثر الأصحاب و منهم المرتضى في الانتصار (1)أنّه مفسد، و ادّعى عليه إجماع الفرقة.
فقول الشيخ قدّس سرّه «و الارتماس عند بعض» إشارة إلى حرمته عندهم دون كراهته.
أمّا الثاني، فظاهر.
و أمّا الأوّل، فلأنّ المكروه لا يجب اجتنابه، و الظاهر من قوله «لا بدّ للصائم من اجتنابها» هو الوجوب.
و كذا قوله «كالحقنة على الأقرب» فإنّ فيها أيضا و إن كانت ثلاثة مذاهب:
الافساد كما عليه المفيد (2)، و الكراهة كما عليه ابن الجنيد (3)، و تحريم المائع دون الجامد من غير قضاء و لا كفّارة كما عليه ابن إدريس (4).
إلّا أنّ الظاهر من إطلاق الشيخ هنا أنّه يذهب إلى مذهب المحقّق في المعتبر،
و الامور الاولى لا بدّ في نية الصوم من قصد المكلّف الإمساك عنها و لو إجمالا، بخلاف الثانية.
و قد كثر الخلاف بين علمائنا- قدّس اللّه أرواحهم- في تعيينها، و من ثمّ اختلفوا في بيان حقيقة الصوم شرعا على حسب اختلاف مذاهبهم فيها:
حيث قال: و الوجه تحريم الحقنة بالمائع و الجامد دون الافساد (1).
إلّا أن يقال: إنّ المتبادر من إطلاق الحقنة ما كان بالمائع، فليحمل عليه ليبقى الحقنة بالجامد على الإباحة الأصلية، فتأمّل.
قوله: «لا بدّ في نية الصوم من قصد المكلّف الإمساك عنها».
فإنّها مأخوذة فيها و جزء منها؛ لأنّ معنى أصوم غدا مثلا أمسك أو أكفّ نفسي عن تلك الامور، و الظاهر أنّ كلّ ناوي الصوم له شعور بذلك وقت نيته، و إن لم يكن له شعور بذلك الشعور، كما أنّ له إرادة و شعورا بكلّ خطوة من خطواته وقت مشيه، و ليس له شعور بذلك.
قوله: في تعيينها.
أي: تعيين تلك الامور المفسدة للصوم، و ذلك لاختلاف الأخبار الواردة فيها، فإنّ في بعضها: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربعة امور: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس (2).
مع اختلافهم في أنّ النهي الوارد في بعضها هل هو محمول على الكراهة، أو
فبعضهم عرّفه: بتوطين النفس على ترك امور ثمانية.
و بعضهم: بالإمساك عن امور أحد عشر.
و بعضهم زاد و بعضهم نقص، و قد رام بعضهم تعريفه بما ينطبق على جميع
على الحرمة، أو عليها و على الافساد جميعا؟
كما أشرنا إليه آنفا أنّ بعضهم حمل النهي عن الارتماس و الحقنة على الكراهية، و بعضهم على الحرمة، و بعضهم على الافساد، فالمفسد على هذا زاد، و على الأوّلين نقص، و عليه فقس.
قوله: «بتوطين النفس».
أي: تمهيدها و تهيّأها. و القول بأنّ الترك أمر عدمي غير مقدور للمكلّف، فلا يمكن التكليف، فكيف يجعل متعلّق النهي؟ مجاب بأنّه مقدور له باعتبار استمراره؛ إذ له أن يفعل الفعل فينقطع استمرار العدم، و أن لم يفعله فيستمرّ، فلا مانع من التكليف به، و قد تقرّر ذلك في محلّه.
قوله: «و بعضهم بالإمساك عن امور أحد عشر».
فيكون أخصّ من معناه اللغوي، و هو الإمساك مطلقا.
قال أبو عبيد: كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم (1).
قوله: «و بعضهم زاد».
على الثمانية و نقص عن أحد عشر، كالمحقّق في المختصر، حيث قال: و يجب الإمساك عن تسعة أشياء: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الاستمناء، و إيصال الغبار
1) غريب الحديث 1: 195.
المذاهب، فعرّفه تارة بالإمساك عن المفطرات مع النية. و اخرى بتوطين النفس على الإمساك عن المفطرات.
الغليظ إلى الحلق، و البقاء على الجنابة حتّى يطلع الفجر، و معاودة النوم جنبا، و الكذب على اللّه تعالى و رسوله و الأئمّة عليهم السّلام، و الارتماس في الماء (1). و أسقط العلّامة في الارشاد (2)الكذب و الارتماس، و زاد تعمّد القي و الحقنة. و سيأتي من الشيخ أنّ بعضهم اعتبر فيه الكفّ عن المنهيات الاثني عشرية الآتية.
و الظاهر أنّ الكذب و الارتماس و تعمّد القي و الحقنة بنوعيها غير مفسدة و إن كانت حراما.
و على القول بعدم اشتراط صحّة الصوم بالطهارة- كما هو الأقوى- يسقط وجوب الإمساك عن البقاء على الجنابة، و معاودة النوم جنبا.
ثمّ إن قلنا بعدم إفساد الغبار و البخار و الدخان مطلقا غليظا أو رقيقا، كما هو ظاهر موثّقة عمرو بن سعيد، ينحصر المفسد في الأكل و الشرب و الوقاع و إنزال المني.
و سيأتي الكلام على كلّ ذلك مفصّلا إن شاء اللّه العزيز.
و هما دوريان؛ لأنّ المفطر عبارة عن مفسد الصوم، فتعريفه به دوري.
و اجيب بأنّ المراد بالمفطر ما صدق عليه ذلك من مفسدات الصوم، فيصير التعريف في قوّة الإمساك عن الأكل و الشرب و الجماع و نحوها، كما سيأتي.
و هما دوريان إلّا بتكلّف (1)، مع انتقاض طرد الثاني بالنية.
و بعضهم عرّفه بالإمساك عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص على وجه مخصوص، و هو كما ترى (2).
و عرّفه بعضهم بكفّ المكلّف كلّ النهار أو حكمه عن المنهيات الاثني عشرية
قوله: «مع انتقاض طرد الثاني بالنية».
أي: نية الصوم لصدقه عليها، فإنّها عبارة عن توطين النفس على الإمساك عن المفطرات.
قوله: «و بعضهم عرّفه بالإمساك عن أشياء مخصوصة».
الأشياء المخصوصة المنهيات الاثنا عشرية الآتية أو الثمانية أو غيرها، و بالزمان المخصوص زمان ذلك الإمساك، و هو كلّ النهار الشرعي من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، و بالوجه المخصوص ما يكون مقرونا بنية التقرّب، فهذا التعريف بالعناية يرجع إلى تعريف ابن جنيد و الشيخ، كما أشار إليه في الحاشية بقوله «و إصلاحه بالعناية ممكن».
1) و هو أن يجرّد لفظ المفطرات عن معناه الحقيقي و الاشتقاقي، و يراد به الأشياء المخصوصة، كما قالوه في تعريف الطهارة: استعمال طهور مشروط بالنية، من تجريد الطهور عن معناه الاشتقاقي و إرادة الماء و التراب «منه».
2) لا يخفى صدقه على الاحرام و التوبة، بل على إمساك النائم وقت النوم عن أفعال اليقظة، و إصلاحه بالعناية ممكن «منه».
الآتي ذكرها مع النية، و هو جيّد.
و قيل (1): المراد بحكم الكلّ النصف الأخير من النهار مع زيادة ما، أو مع جزء من آخره؛ لئلّا يخرج نحو صوم المسافر و المريض إذا قدم أو برئ قبل الزوال و التناول، و صوم الندب المنوي قبل الغروب.
قوله: «الآتي ذكرها مع النية».
الألف و اللام: إمّا للعهد، أو عوض عن الضمير المحذوف، فكأنّه قال: الصوم كفّ كلّ النهار مع نيته، أي: نية كفّ كلّ النهار. و هذا إنّما يكون إذا كان الكفّ منويا في كلّ النهار، بأن تقع النية قبل الجزء الأوّل منه، أو مقارنا له، فيخرج منه نحو صوم المسافر و المريض المذكور، فمست الحاجة إلى زيادة قوله «أو حكمه» ليدخل فيه المريض. و أمّا التناول على وجه النسيان في كلّ النهار، فلا ينافي الكفّ إذا كان مسبوقا بنيته، فعدم الارتضاء بما ذكره القيل معلّلا بما ذكره، ثمّ إرجاع الضمير في «حكمه» إلى الكفّ و بعده دون كلّ النهار و قربه و القريب مانع من البعيد، ممّا لا باعث يحمل عليه، و لا ضرورة تدعو إليه، فليتأمّل.
1) صدّره بلفظ «قيل» لعدم ارتضائه له؛ لأنّه لا حاجة على هذا التقدير إلى قوله «أو حكمه» إذ يصدق على صوم المسافر مثلا إذا قدم قبل الزوال و التناول و أوقع النية أنّه كفّ عن المنهيات كلّ النهار مع النية؛ إذ ليس في التعريف إشعار بأنّ الكفّ منوي في كلّ النهار، و أيضا ينتقض على هذا التقدير بصوم من استمرّ على الأكل و نحوه كلّ النهار ناسيا، فإنّ صومه صحيح، فالصواب إرجاع الضمير في «حكمه» إلى الكفّ كلّ النهار؛ إذ ملابسة المفطر كلّ النهار نسيانا في حكم الكفّ عنه كلّه عند الشارع، و حينئذ فالحاجة إلى قوله «أو حكمه» ظاهرة «منه».
و لو بغير المعتاد، و خلاف ابن الجنيد (1)نادر، و المرتضى رحمه اللّه (2)رجع عن موافقته.
و يلحق بهما السعوط البالغ الحلق، وفاقا للشيخ (3)و العلّامة (4)، لا الدماغ،
قوله: «و خلاف ابن الجنيد نادر».
نقل في المختلف عن ابن الجنيد و المرتضى أنّ ابتلاع غير المعتاد كالحصى و البرد، و كذا شربه كمياه الأنوار و عصارة الأشجار غير مفسد للصوم؛ لأنّ تحريم الأكل و الشرب ينصرف إلى المعتاد، و المشهور بين الأصحاب تحريمه أيضا؛ لأنّ تحريمهما يعمّ المعتاد و غيره، و الصوم إمساك عمّا يصل إلى الجوف، و تناول هذه الأشياء ينافيه.
قوله: «و يلحق بهما السعوط».
السعوط: بالفتج ما يجعل من الدواء في الأنف.
قوله: «وفاقا للشيخ».
فإنّه منع من السعوط ممّا يتعدّى الحلق، و نصّ العلّامة على أنّ تعمّده يوجب
خلافا للمفيد (1)و سلّار (2)، و لا الطعنة بما تبلغ الجوف باختياره، وفاقا للتذكرة (3)، و المنتهى (4)، و خلافا للمبسوط (5)و المختلف (6).
و في ابتلاع النخامة الصدرية و الدماغية في فضاء الفم نظر، و الأظهر عدم
القضاء و الكفّارة؛ لأنّه أوصل بذلك إلى جوفه المفطر متعمّدا، فعليه القضاء و الكفّارة، كما لو أوصل إلى حلقه بفمه.
و فيه منع كون مطلق الايصال إلى الجوف مفطر، بل المفطر هو الايصال إلى المعدة بما يسمّى أكلا و شربا.
و حكى عن المفيد و سلّار أنّهما أوجبا بالسعوط المتعدّي إلى الدماغ القضاء و الكفّارة؛ لأنّ الدماغ جوف و قد أوصل إليه المفطر. و فيه ما سبق.
و بذلك يظهر حال الطعنة دليلا و جوابا.
قوله: «و في ابتلاع النخامة الصدرية و الدماغية».
النخامة: البزقة التي يخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة.
و مثلها النخاعة و هي: البزقة التي يخرج من أصل الفم ممّا يلي النخاع، و هو الخيط الأبيض الذي في فقار الظهر، و يقال له: خيط الرقبة. و منه ما ورد «النخاعة
الإفساد، خلافا للشهيدين (1).
في المسجد خطيئة» (2).
هذا، و فرّق المحقّق في الشرائع (3)بين الصدرية و الدماغية، فجوّر ابتلاع الصدرية ما لم تنفصل عن الفم، و منع من ابتلاع الدماغية و إن لم تصل إلى الفم، و إليه الإشارة بقوله «و للمحقّق قول بإفساد الدماغية».
و قال الشهيدان: لا فرق بينهما في جواز ابتلاعهما ما لم تصلا إلى فضاء الفم، و منعا منه إذا وصلتا إليه (4).
و حكم المحقّق في المعتبر (5)، و العلّامة في التذكرة (6)و المنتهى (7)بجواز ابتلاعهما ما لم تنفصلا عن الفم.
و هو قوي؛ للأصل، و مساواتهما الريق في عدم الوصول من الخارج؛ لأنّ ذلك لا يسمّى أكلا و لا شربا؛ لأنّ الصائم لا ينفكّ منه غالبا، فناسب العفو عنه، و لعموم
قوله عليه السّلام «لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته»
(8)فإنّه يعمّ الصدرية و الدماغية و ما
و وفاقا للمعتبر (1)و المنتهى (2).
وصل إلى فضاء الفم و ما لم يصل إليه، خرج ما انفصل عنه بالاتّفاق، فبقي الباقي تحتّه.
و الرواية بسنديها صحيحة، فإنّ سندها في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (3).
و في التهذيب: عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن سعد بن أبي خلف، عن غياث، عنه عليه السّلام (4).
و أبو علي في الطريق الأوّل و إن كان حسنا على المشهور، إلّا أنّه صحيح على ما تقرّر عندنا، و فصّلناه في بعض رسائلنا، فالقول بعدم الإفساد قوي.
و على القول بالإفساد هل يوجب الكفّارة؟ قيل: لا، و قيل: نعم؛ لأنّ ابتلاعها يوجب كفّارة الجمع لتحريمه، و الأشبه هو الأوّل؛ للأصل، و رواية ابن سنان الدالّة على إباحته بل ترجيحه لإبرائها كلّما تمرّ به من الداء.
لإطلاق موثّقة غياث بل صحيحته (1)السالمة عن المعارض.
قوله في الحاشية: و رجال السند فيها إليه ثقات.
السند في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (2).
و في التهذيب هكذا: عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن سعد بن أبي خلف، قال: حدّثني غياث، عن أبي عبد اللّه عليه السلام (3).
قال ملّا ميرزا محمّد في رجال الأوسط: غياث بن إبراهيم بتري.
و ظنّ كونهما مقلّدين للكشي بعيد، و الجرح مقدّم، و جهالة بعض مشايخ الكشي هنا غير مضرّة، و الشيخ أهمل غياثا هذا في فهرسته (4)، فإنّه ذكره فيه من غير قدح و لا مدح سوى أنّ له كتابا، ثمّ بمجرّد ثبوت التوثيق و عدم ثبوت البترية لا يثبت كونه إماميا؛ لاحتمال أن يكون واقفيا أو غيره من الفرق المخالفة.
1) عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته (فروع الكافي 4: 115 ح 1، تهذيب الأحكام 4: 323) هو غياث بن إبراهيم، رجال السند فيها إليه ثقات إمامية، و هو أيضا ثقة، كما قاله النجاشي و غيره، إلّا أنّ الكشي نقل عن بعض أشياخه عن حمدويه أنّه بتري، لكن هذا البعض مجهول الحال، و العلّامة في الخلاصة، قال: إنّه بتري، و ظنّي أنّه أخذ ذلك من كلام الكشي، و قد عرفت حاله، فلذلك قلنا: بل صحيحته؛ لثبوت التوثيق و عدم ثبوت البترية «منه».
2) فروع الكافي 4: 115 ح 1.
3) تهذيب الأحكام 4: 323.
4) الفهرست للشيخ الطوسي ص 355 برقم: 561.
و للمحقّق (1)قول بإفساد الدماغية فقط، و تبعه شيخنا العلائي. و على القول بالإفساد، ففي لزوم كفّارة الجمع إشكال، و الأظهر العدم، إلّا إذا انفصلت لعدم
و النجاشي (2)و إن حكم بكونه ثقة إلّا أنّه لم يحكم بكونه إماميا حتّى يثبت كون السند صحيحا.
و ظنّي أنّ الشيخ- قدّس سرّه- أخذ ذلك من كلام صاحب المدارك، فإنّه قال بعد نقل الحديث لسنده: و ليس في هذا السند من يتوقّف في شأنه سوى غياث بن إبراهيم، فإنّ النجاشي وثّقه، و لكن قال العلّامة: إنّه بتري (3). و لا يبعد أن يكون الأصل فيه كلام الكشي، نقلا عن حمدويه، عن أشياخه، و ذلك البعض مجهول، فلا تعويل على قوله (4). انتهى.
و هذا منه سوء ظنّ بالعلّامة، و نوع قدح فيه، فإنّه يستلزم: إمّا كونه مدلّسا، أو جاهلا بفساد ذلك، أو غافلا عن كون ذلك الشيخ مجهولا، و إلّا فكيف يحكم بالبترية بمجرّد قوله مع عدم ثبوته عنده، حاشاه ثمّ حاشاه، فإنّ مثل هذا عن مثله بعيد ينافي فضله و عدله، فتأمّل.
قوله: «ففي لزوم كفارة الجمع إشكال».
إن قلنا بالتحريم.
ثبوت التحريم على المفطر، بل الأقرب الجواز كما تفيده رواية عبد اللّه بن سنان (1)من ترجيح ابتلاعها في المسجد.
و في الريق المتغيّر طعما بطاهر كالعلك إشكال، و متغيّر الثلاثة أقوى إشكال، و عدم الإفساد مطلقا قويّ، و المنع من مضغه في حسنة الحلبي (2)لا يستلزمه، مع
قوله: «و في الريق المتغيّر».
أي: في ابتلاعه إشكال و تردّد؛ لأنّ تغيّر طعمه به يدلّ على انفصال بعض أجزائه منه؛ لعدم جواز انتقال العرض، فابتلاعه بمفسد، و لذلك نهي الصائم من مضغ العلك، و هذا منشأ ضعيف.
أمّا الأوّل، فلأنّ تغيّره يجوز أن يكون بالانفعال لا بالانتقال.
و أمّا الثاني، فلأنّ النهي في حسنة الحلبي تنزيهي، كما تدلّ عليه صحيحة ابن مسلم (3). و
رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام، قال: سألته عن الصائم يمضغ العلك؟
فقال: نعم (4).
و على تقدير كونه تحريما فغايته تحريم المضغ، و أمّا فساد الصوم فلا.
قوله: و متغيّر الثلاثة.
أي: الطعم و اللون و الريح.
1) قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من تنخّع في المسجد ثمّ ردّها في جوفه، لم تمر بداء في جوفه إلّا أبرأته «منه» تهذيب الأحكام 3: 256 ح 297.
2) عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت: الصائم يمضغ العلك؟ قال: لا «منه» فروع الكافي 4: 114 ح 1.
3) فروع الكافي 4: 114 ح 2.
4) تهذيب الأحكام 4: 324 ح 1002.
معارضتها بصحيحة محمّد بن مسلم المتضمّنة مضغ الباقر عليه السّلام له صائما (1).
و المتغيّر بالنجس كالطاهر على الظاهر و إن حرم، و لم أجد لأحد فيه كلاما.
أمّا ريق الغير، فلا ريب في إفساده.
قوله: «و المتغيّر بالنجس».
كالظاهر في عدم الإفساد و إن حرم ابتلاعه؛ لأنّ كلّ نجس حرام.
و على القول بالإفساد يلزمه كفّارة الجمع؛ لأنّ من أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات: عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستّين مسكينا، كما تدلّ عليه رواية عبد السلام بن صالح الهروي (2)، و حملها في المعتبر (3)على الاستحباب.
قوله: «فلا ريب في إفساده».
أي: فساد ريق الغير الصوم؛ لأنّه مفطر، فإن كان حلالا كريق الحليلة فكفّارة واحدة، و إن كان حراما كريق غيرها، فكفّارة الجمع، على العمل برواية الهروي، و هو مع ثبوت صحّتها لوجود بعض من لم يثبت عدم توثيقه في الطريق مشكل.
قال في المعتبر: لم يظهر العمل بها بين الأصحاب ظهورا يوجب العمل بها (4).
و ما في حسنة علي بن جعفر (1)من تجويز مصّ الصائم لسان المرأة لا يستلزم ابتلاعه.
فكيف يعمل بها في الحكم المخالف للأصل؟
قوله: «و ما في حسنة علي بن جعفر».
في كونها من الحسان تأمّل؛ لاشتمال سندها على محمّد بن أحمد العلوي، و هو لا مدح فيه و لا قدح، إلّا أن يقال: إنّه من مشايخ الاجازة، فعدم مدحه لا يضرّ بحسن السند.
و الرواية في التهذيب هكذا: محمّد بن أحمد، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن العمركي البوفكي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام، قال: سألته عن الرجل الصائم أله أن يمصّ لسان المرأة أو تفعل المرأة ذلك؟ قال: لا بأس (2).
قوله: «لا يستلزم ابتلاعه».
سؤال علي بن جعفر عن جواز مصّ اللسان من دون ابتلاع الريق- و لو كان من غير اختيار كما إذا سبقه من غير إرادته- بعيد؛ إذ مثل هذا ليس بموضع سؤال من مثله، و الجواب بنفي البأس يعمّ الصورتين جميعا.
و يمكن أن يكون الوجه فيه أنّ ابتلاع غير المعتاد من المأكول و المشروب غير مفسد للصوم، كما سبق من مذهب ابن الجنيد و المرتضى.
و
في صحيحة أبي ولّاد الحنّاط، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّي أقبّل بنتا لي
ثمّ متعمّد الإفطار في رمضان و أخواته الثلاثة (1)عالما مختارا يقضي و يكفّر، و كذا مكذّب العدلين في الاصباح، و لا شيء على الساهي، و لا على خائف التلف
صغيرة و أنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شيء؟ قال: فقال لي: لا بأس، ليس بشيء (2).
و هذا يدلّ على أنّ دخول ريق الغير في جوف الصائم لا يضرّ بصومه، إلّا أن يقال: إنّه غير صريح في ابتلاعه؛ لأنّ الابتلاع يستلزم القصد و الإرادة، و هذا يمكن أن يكون من غير قصد و لا إرادة بأن يسبقه الريق إلى جوفه و لا شعور له به و لا إرادة عليه.
هذا، و
في موثّقة أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الصائم يقبّل؟ قال: نعم، و يعطها لسانه تمصّه (3).
قوله: «و كذا مكذّب العدلين».
لأنّ قولهما حجّة شرعية، فيكون كتعمّد الإفطار مع التيقّن بالاصباح.
قوله: «و لا شيء على الساهي، و لا على خائف التلف».
أمّا الأوّل،
فلصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن رجل نسي فأكل و شرب ثمّ ذكر؟ قال: لا يفطر، إنّما هو شيء رزقه اللّه، فليتمّ صومه (4).
لعطش أو جوع و نحوه (1)، وفاقا للعلّامة (2)، و خلافا للشهيد (3). و ليقتصر على سدّ الرمق، و إلّا قضى و كفّر.
و
موثّقة عمّار عنه عليه السّلام، قال: سألته عن رجل نسي و هو صائم فجامع أهله، قال:
يغتسل و لا شيء عليه (4).
و أمّا الثاني،
فلموثّقة عمّار عنه عليه السّلام في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يسدّ (5)رمقه، و لا يشرب حتّى يروّي (6).
و
رواية مفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ لنا فتيانا و بناتا (7)لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش، قال: فليشربوا مقدار ما تروّي به نفوسهم و ما يحذرون (8).
1) أي: لا قضاء عليه و لا كفّارة، و خائف التلف أيضا كذلك «منه».
2) قواعد الأحكام 1: 66.
3) شرح اللمعة الدمشقية 2: 122.
4) من لا يحضره الفقيه 2: 74 ح 319.
5) في الكافي: يمسك.
6) فروع الكافي 4: 117 ح 6، من لا يحضره الفقيه 2: 84 ح 376، تهذيب الأحكام 4: 240 ح 702 و 4: 326 ح 1011.
7) في الكافي: فتيات و شبّانا.
8) فروع الكافي 4: 117 ح 7، تهذيب الأحكام 4: 240 ح 703.
و هل عليه تقليل المدّة بتعظيم الجرع و اللقم؟ الأظهر نعم.
و لا على الظانّ الغروب فيظهر خلافه، خلافا للمعتبر (1)، و وفاقا للشيخ (2)و الصدوق (3)، لصحيحتي زرارة (4).
قوله: «و هل عليه تقليل المدّة؟».
ظاهر النصّ (5)أعمّ من ذلك حيث أمره أن يشرب بقدر سدّ الرمق من غير تعرّض لذلك، و الأصل عدم وجوبه عليه.
و أيضا فإنّ الغرض الأصلي دفع الضرر المظنون، و ربما يضرّه تعظيم الجرعة و اللقمة، و لذلك امرنا في غير وقت كوننا صائمين بتصغيرهما و تجويد المضغ ليكون أبعد من الضرر و أقرب إلى النفع، فليتأمّل.
قوله: «و لا على الظانّ الغروب».
أي: لا شيء عليه لا القضاء و لا الكفّارة؛
لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام أنّه قال لرجل ظنّ أنّ الشمس قد غابت فأفطر، ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك، فقال: ليس عليه قضاء (6).
و لا على المعوّل عليه، أو في عدم الاصباح على عدلين و إن أمكنه العلم (1).
و
في رواية اخرى: قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة و مضى صومك، و تكفّ عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا (2).
و استدلّ من قال بوجوب القضاء عليه بأنّه تناول ما ينافي الصوم عمدا، فلزمه القضاء، و إنّما سقطت الكفّارة لعدم العلم و حصول الشبهة.
و فيه أنّ هذا كما يسقط الكفّارة كذلك يسقط القضاء، مع أنّ الملازمة ممنوعة؛ إذ القضاء فرض جديد لا يثبت إلّا بأمر جديد و قيام دليل، فكيف مع قيام الدليل على خلافه.
قوله: «و لا على المعوّل فيه».
أي: في الغروب.
قال المحقّق الثاني الشيخ على رحمه اللّه: لو شهد بالغروب عدلان، ثمّ بان كذبهما، فلا شيء على المفطر و إن كان ممّن لا يجوز له التقليد؛ لأنّ شهادتهما حجّة شرعية.
و هذا منه رحمه اللّه يدلّ على أنّ من يمكنه تحصيل اليقين في موضع يعتبر فيه اليقين يجوز له الاعتماد على ما غايته إفادة الظنّ، و هذا مشكل؛ لعدم ما يدلّ عليه.
و مكذّب الواحد فيه و لو فاسقا، كما يقتضيه إطلاق صحيحة العيص (1)، يقضي فقط.
قوله: «كما يقتضيه إطلاق صحيحة العيص».
سند الحديث في الكافي و التهذيب هكذا: محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل خرج في رمضان (2). إلى آخر ما نقله الشيخ قدس سرّه في الحاشية.
و الظاهر أنّ محمّد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني هو أبو الحسن النيسابوري المعروف ب «بندفر» تلميذ الفضل بن شاذان؛ لأنّ الكليني في طبقة الكشي؛ لرواية ابن قولويه عنه و عن الكليني، و الكشي يروي عن محمّد هذا بلا واسطة و هو عن الفضل، فيظهر منه أنّه الذي يروي عنه الكليني عن الفضل.
ثمّ إنّ محمّد هذا لا يوثّق و لا يمدح صريحا في كتب الرجال، و لكنّه معتبر لاعتماد الكليني على روايته كثيرا في الأحكام و غيرها، فالرواية غير محكوم بصحّتها على قانون الرواية، و إن كانت معتبرة.
فحكم جماعة منهم العلّامة و الشيخ البهائي و ملّا عبد اللّه الشوشتري- رحمهم اللّه- بصحّة مثلها إذا لم يكن في الطريق قادح من غير جهته، ظنّا منهم أنّ الواسطة
..........
فيها بين الكليني و الفضل: إمّا ابن البزيع، أو البرمكي الموثّقان.
محلّ تأمّل؛ لأنّ محمّد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي أبا جعفر المعروف بصاحب الصومعة- مع كونه ضعيفا كما صرّح به ابن الغضائري و إن وثّقه النجاشي (1)، و ظاهر أنّ الجرح مقدّم على التعديل- رازي الأصل، كما صرّح به في الحديث الثالث من باب حدوث العالم و غيره من الكافي هكذا: محمّد بن جعفر الأسدي، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي الرازي السند (2).
و كثيرا ما يذكر في طرق الكشي هكذا: حمدويه، عن محمّد بن إسماعيل الرازي، كما في ترجمة صفوان بن مهران (3)، و في صدر الكتاب و غيرهما.
و صرّح في «لم» من «جخ» أنّ حمدويه سمع يعقوب بن يزيد (4). و يعقوب هذا من رجال الرضا و الجواد عليهما السّلام، فيكون البرمكي في طبقة يعقوب، فكيف يعاصر الكليني و يروي عن الفضل الذي من رواة الهادي و العسكري عليهما السّلام؟
و في ترجمة عبد اللّه بن داهر من النجاشي: أنّ البرمكي يروي عن عبد اللّه هذا، و هو عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (5). فمتى يجوز رواية الكليني عن البرمكي، و روايته عن الفضل؟
..........
و في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: رواية البرمكي عن عبد العزيز بن المهتدي، و هو من أصحاب الرضا عليه السّلام، و رواية الفضل عنه أيضا (1). فيبعد رواية الكليني عن البرمكي و هو عن الفضل.
و أيضا فإنّ هذا جعفر بن عون الأسدي داخل في العدّة المذكورة في الكافي بين الكليني و سهل بن زياد، و الأسدي هذا يروي عن البرمكي، فيبعد رواية الكليني عنه بلا واسطة.
ثمّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع من أشياخ الفضل، فكيف يروي عنه دائما من غير عكس، على أنّ الكليني يروي عن ابن بزيع بواسطة علي بن إبراهيم عن أبيه عنه، و لأنّ ابن بزيع من أصحاب الكاظم و الرضا و الجواد عليهم السّلام، فعلى تقدير رواية الكليني عنه يلزم أن يكون من أصحاب ستّة من الأئمّة عليهم السّلام، و يكون بين الكليني و بين كلّ واحد منهم عليهم السّلام واسطة واحدة.
و هذا مع بعده لأنّه لا يتصوّر إلّا في حدود مائة و عشرين سنة لابن بزيع، كيف لا يروي الكليني عن أحد من الأئمّة عليهم السّلام بواسطة واحدة مع حصول هذا العلوّ و قرب الاسناد المعتبر عندهم غاية الاعتبار.
فظهر أنّ الواسطة بين الكليني و الفضل من جملة الرجال المسمّين بمحمّد بن إسماعيل الأربعة عشر ليس إلّا النيسابوري، فجزم الشيخ البهائي بكونها البرمكي، و نفي ملّا عبد اللّه البعد عن كونها ابن بزيع، محلّ تأمّل.
1) رجال النجاشي ص 446- 448 برقم: 1208.
و كذا فاعل المفسد استصحابا بالليل متمكّنا (1)من المراعاة فيخطئ.
و جاهل الحكم كالناسي (2)عند بعض، و كالعالم عند آخرين، و الأقوى القضاء لا غير.
قوله: «و كذا فاعل المفسد».
أي: يقضي فقط من فعل ما يفسد الصوم من دون مراعاة الفجر و هو قادر عليها لظنّه بقاء الليل بحكم الاستصحاب، فيظهر خلافه.
قال الصادق عليه السّلام: إن قام فنظر و لم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر، فليتمّ صومه و لا إعادة عليه، و إن كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر فرأى أنّه طلع فليتمّ صومه و يقضي يوما آخر؛ لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر، فعليه الاعادة (3).
و
في صحيحة معاوية قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول: لم يطلع بعد، فآكل، ثمّ أنظر فأجد قد طلع حين نظرت، قال: تتمّ يومك و تقضيه، أما أنّك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه (4).
قوله: «و جاهل الحكم كالناسي».
في عدم وجوب شيء من القضاء و الكفّارة عليه عند بعض، و كالعالم في وجوبهما عند آخرين، و هما على طرفي نقيض، و الشيخ توسّط بينهما فقوّى
و المكره بالوجرة كالناسي إجماعا، و كذا بالتوعّد وفاقا للأكثر، و الشيخ (1)يوجب القضاء.
القضاء دون الكفّارة، و الأوّل و الآخر مبنيان على عدم اعتبار ما هو المشهور من أنّ الجاهل معذور في أربعة مواضع، إلّا أن يكون المراد من حصره فيها أنّها اتّفاقي:
الأوّل: جاهل حكم التقصير بالصوم، فإنّه إذا صام جاهلا لا يجب عليه القضاء.
الثاني: إذا وطئ الحائض جاهلا بالحكم، فإنّه لا يجب عليه الكفّارة.
الثالث: الوقوف بالعرفات، فإنّه إذا مضى قبل الغروب لا شيء عليه.
الرابع: الجهر و الاخفات.
قوله: «و المكره بالوجرة».
كالناسي الموجور في حلقه، و من بلغ به الاكراه حدّا سلب عنه الاختيار لا شيء عليهما؛ إذ لا يتوجّه إليهما النهي، فلا يفسد بذلك صومهما، فيكون تناولهما جائزا كالناسي.
و المتوعّد إن ظنّ الضرر في نفسه أو ماله و نحوهما بالاختيار بترك الافطار فأفطر، فلا شيء عليه أيضا؛ لوجوب دفع الضرر المظنون، و صدور فعل المفطر عنه بالاختيار و لا ظنّه لا يفسد صومه، و على هؤلاء أن يقتصروا بما يدفع به الضرورة، فلو زادوا عليه بالاختيار قضوا و كفّروا لإفسادهم صومهم حينئذ باختيارهم.
1) المبسوط 1: 273.
و في سقوط الكفّارة عن الحيّ بتبرّع الغير مطلقا، أو سوى الصوم، أو العدم مطلقا، أقوال.
قوله: «بتبرّع الغير مطلقا».
عتقا كان أم إطعاما أو صياما، كما هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (1)، و لو تبرّع بالتكفير عن الحيّ أجزأ، فإنّه يفيد عدم الفرق بين الصوم و غيره.
و إليه أشار المحقّق في الشرائع، حيث قال: لو تبرّع متبرّع بالتكفير عمّن و جبت عليه الكفّارة جاز، لكن يراعي في الصوم الوفاة (2).
فإنّه يعمّ الحيّ و الميت، و اختاره العلّامة في المختلف، و احتجّ عليه بأنّه دين قضي عن المديون، فوجب أن تبرأ ذمّته، كما لو يكن حيّا (3)، بل هنا أولى؛ لأنّ حقّ اللّه مبني على التخفيف (4).
و قيل: لا يجوز التبرّع بالتكفير عن الحيّ مطلقا؛ لأنّ الأمر بالتكفير إنّما توجّه إلى فاعل الخطيئة، فلا يحصل الامتثال بفعل غيره.
و ما استدلّوا به عليه محض قياس، و الأولوية ممنوعة، و انّ التكفير نوع عبادة، و من شأنها عدم قبول النيابة. و بالجملة إسقاط الواجب بفعل من لم يتعلّق به الوجوب يحتاج إلى دليل و ليس.
و كذا في سقوطها بمسقطه مطلقا (1)، أو الضروري، أو عدمه مطلقا، أو إن قصد الفرار أو مطلقا.
قوله: «و كذا في سقوطها بمسقطه».
توضيحه: أنّ من أفطر يوما من شهر رمضان مثلا يجب به عليه الكفّارة، فهل تسقط هذه الكفّارة بطروء مسقط فرض الصوم كالحيض و السفر و نحوهما؟ قيل:
لا، و قيل: نعم.
و الأوّل و هو القول بعدم سقوطها به مطلقا- كما عليه الأكثر- لا يخلو من قوّة؛ لأنّه أفسد صوما واجبا من رمضان عالما عامدا، و هتك حرمته بما يوجب الكفّارة، فلزمته كما لو لم يطرأ عذر مسقط، فإنّ طروءه غير صالح للمانعية.
و القول بأنّ صوم من أفسد صومه ثمّ طرأ عليه ما يسقط فرضه لم يكن واجبا عليه في علم اللّه، و طروء العذر المسقط كاشف عنه، فلا تجب فيه الكفّارة، ضعيف؛ لأنّه كان مكلّفا بما يقتضيه ظاهر ما عقد عليه صومه لا بما في الواقع، فلمّا أفطره من غير عذر شرعي و جبت عليه الكفّارة لجرأته على هتك حرمته و تعدّيه عمّا حدّ له.
هذا إذا لم يكن عروض المسقط اختياريا له، أو كان و لم يقصد به الفرار من الكفّارة، و إلّا لا تسقط عنه بذلك.
كما تدلّ عليه
حسنة زرارة و محمّد بن مسلم، قالا: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أيّما رجل كان له مال و حال عليه الحول فإنّه يزكّيه، قلت له: فإن وهبه قبل حلّه بشهر
1) أي: سواء كان المسقط ضروريا أو لا، قاصدا به الفرار أو لا «منه».
و كذا في تكرّرها بتكرّر موجبها في الواحد مطلقا حتّى الازدراد فالنزع، أو مع اختلاف الجنس أو تخلّلها، أو العدم مطلقا، و سبيل الاحتياط في الكلّ واضح.
أو بيومين (1)، قال: ليس عليه شيء أبدا.
و
قال زرارة عنه أنّه قال: إنّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته، ثمّ خرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفّارة التي وجبت عليه، و قال: إنّه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، و لكنّه لو وهبها قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر (2).
قوله: بتكرّر موجبها في الواحد مطلقا.
أي: في اليوم الواحد مطلقا، تخلّلت الكفّارة بين الموجبين أم لا، و اختلف جنس الموجب كالأكل و الشرب أم اتّحد حتّى الازدراد و النزع.
قيل: لا خلاف في تكرّرها بتكرّر موجبها إذا كان في يومين أو أكثر، كفّر عن الأوّل أم لم يكفّر، إنّما الخلاف في تكرّرها بتكرّر موجبها إذا كان في يوم واحد، فقيل: لا تتكرّر بتكرّره.
و قيل: تتكرّر بتكرّر الوطي.
و قيل: إن كفّر عن الأوّل كفّر عن الثاني، و إلّا فواحدة عنهما.
و قيل: إن اختلف جنس المفطر تعدّدت اتّحد الزمان أم لا، كفّر عن الأوّل أم لا، و ان اتّحد جنسه في يوم واحد، فإن كفّر عن الأوّل تعدّدت و إلّا فلا.
و لو بفعل ما يظنّ معه (1)، كتخيّل الجماع عن قصد، فيقضي و يكفّر.
قال الشهيد الثاني: الأكل و الشرب مختلفان، و يتعدّدان بتعدّد الازدراد.
و لكلّ دليل أقواها ما دلّ على عدم التكرّر مطلقا، فإنّ بعد حصول المفطر و فساد الصوم لا يتحقّق تعمّد الافطار الذي يوجب الكفّارة، و انتفاء الموجب ملزوم انتفاء الموجب، و لكنّك حقيق أن تأخذ الحائط من دينك، فتكفّر مطلقا، فإنّ الاحتياط طريق منج، كما
قيل: ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط (2).
قوله: «كتخيّل الجماع عن قصد».
لو تخيّل الجماع عامدا قاصدا به الانزال، و كان من عادته ذلك، و ترتّب عليه الانزال، فسد صومه، و إلّا فلا.
و قال في المنتهى: لو احتلم نهارا في رمضان نائما أو من غير قصد، لم يفطر يومه، و لم يفسد صومه، و يجوز له تأخير الغسل، و لا نعلم فيه خلافا (3).
و أمّا ما في التهذيب: عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه، قال: سألته عن احتلام الصائم، فقال: إذا احتلم في شهر رمضان نهارا، فليس له أن ينام حتّى
و لو احتلم نهارا فصومه صحيح، و لا غسل عليه له إجماعا (1)، و في تحريم نومه (2)لظانّه نظر، و لم أظفر فيه لأصحابنا بكلام، فإن احتلم ففي وجوب القضاء إشكال، أمّا الكفّارة فلا على الأظهر.
يغتسل، و من أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلى ساعة حتّى يغتسل (3). فهو مع إرساله و إضماره محمول على الكراهة، بل إثباتها به أيضا لا يخلو من إشكال.
قوله: «و في تحريم نومه لظانّه نظر».
فإن قلت: بعد الحكم بأنّ إنزال المني و لو بفعل ما يظنّ معه الانزال حرام لا مجال للتوقّف في تحريم نوم النهار لظانّ الاحتلام به؛ لأنّ نومه هذا فعل له، و هو يظنّ معه الانزال، و قد سبق أنّه يوجب القضاء و الكفّارة.
قلت: هذا إنّما يلزم لو كان قصده بعد ظنّه هذا من نومه الاحتلام و الانزال. و أمّا لو كان قصده منه مجرّد طلب راحة و دفع كسالة، ففي تحريمه ثمّ في ايجابه القضاء على تقدير ترتّب الاحتلام و الانزال عليه نظر.
بل الأصحّ أنّ ذلك غير محرّم و لا مفسد إلّا إذا كان من عادته الاحتلام بذلك، ثمّ فعله عامدا قاصدا به الاحتلام.
فاعلا أو مفعولا، طفلا أو بالغا، حيا أو ميتا، ذكرا أو انثى، فيقضي و يكفّر.
و في الخنثى المشكل قبلا إشكال فاعلا و مفعولا، أمّا دبرا فمفسد لهما إن كان من واضح، و قرّب في البيان (1)عدم الغسل بتوالج المشكلين، فلا يفسد صومهما.
قوله: «ولوج الحشفة قبلا أو دبرا».
لا خلاف بين المسلمين في أنّ إيلاج الحشفة و هي رأس الذكر موضع الختان في قبل المرأة حرام على الصائم، مفسد لصومه إذا طاوعته في ذلك، و كذا إيلاجها في دبرها و دبر الغلام، أنزل أم لم ينزل، لإطلاق النهي عن المباشرة، خرج منه ما اتّفقوا على خروجه، و هو ما عدا القبل و الدبر، فهما بقيا مندرجين تحته.
قال الشيخ في الخلاف: إذا أدخل ذكره في دبر امرأة أو غلام، كان عليه القضاء و الكفّارة بالاجماع (2).
و أمّا
مرسلة علي بن الحكم عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إذا أتى الرجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها، و ليس عليها غسل (3).
فمع أنّها مقطوع الاسناد، غير معمول عليها عند الأصحاب.
و الأشبه أنّ فساد الصوم بوطي الغلام تابع لوجوب الغسل، فمن أوجبه بوطئه و إن لم ينزل حكم بفساده، فإنّ الغسل معلول الجنابة، و هي علّة الفساد، فإذا حصل
و المكره من الزوجين يتحمّل كفّارة المكره و تعزيره لا قضاءه، فعليه نصف حدّ
المعلول دلّ على وجود العلّة، فيلزم وجود المعلول الآخر.
و إلى مثل ذلك يشير كلام صاحب البيان، حيث رتّب عدم فساد صومهما على عدم وجوب الغسل عليهما بالتوالج (1).
و الاشكال في الحكم بوجوب القضاء و الكفّارة بإيلاج الحشفة في قبل الخنثى المشكل إنّما ينشأ من الشكّ في كونها قبلا يفسد الصوم بإدخال الذكر فيها، فإنّ بمجرّد وجود الثقبة و إدخاله فيها لا يوجب الغسل حتّى يفسد به الصوم، و الأصل عدمه و عدم وجوب الكفّارة.
قوله: «و المكره من الزوجين يتحمّل كفّارة المكره».
في رواية المفضّل عن الصادق عليه السّلام في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة، فقال: إن استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و إن أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحدّ، و إن كانت طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا (2).
و هذه الرواية و إن كانت ضعيفة السند إلّا أنّ أصحابنا ادّعوا على ذلك إجماع الامامية، فلا يضرّ ضعف سنده، و لكن المنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل أنّه أوجب على الزوج مع الاكراه كفارة واحدة، كما في حال المطاوعة، لعدم فساد صوم
الزاني، و في الأجنبي نظر، و الأولوية ممنوعة لأشدّية الانتقام.
و لا تحمل عن النائم، خلافا للشيخ (1).
الزوجة بكونها مكرهة، فلا يتحقّق هناك ما يقتضي الكفّارة.
قوله: «و في الأجنبي نظر».
أي: و في تحمّله الكفّارة عن الأجنبية لو أكرهها نظر؛ لأنّ مورد النصّ هو المتحمّل بالوطء المحلّل، فيجب الاقتصار عليه، و الوقوف فيما خالف الأصل على مورد النصّ.
و القول إنّ الزنا أغلظ حكما من الوطي، فالذنب فيه أفحش، فيكون أولى بالمؤاخذة، و إيجاب الكفّارة نوع مؤاخذة، ففيه أنّ الكفّارة وضعت لكفّارة الذنوب، و قد يغلظ الذنب، فلا يؤثّر في عقابه الكفّارة تخفيفا و لا سقوطا، كما في قتل الصيد عمدا، فإنّه لا كفّارة فيه مع ثبوتها في الخطأ.
قوله: «خلافا للشيخ».
فإنّه ألحق بالمكرهة النائمة، و به قال المحقّق في المعتبر (2). و نحن لا نساعده على المكرهة، وقوفا عند ما ادّعاه من إجماع الامامية. أمّا الثاني فلا؛ لأنّ في الاكراه نوعا من تهجّم ليس موجودا في النائمة، و لأنّ ذلك ثبت على خلاف الأصل، فلا يلزم من ثبوت الحكم هناك لوجود الدلالة ثبوته هنا مع عدمها.
و في تحمّل المسافر و نحوه (1)توقّف.
و المعتبر حال المتحمّل على الأظهر، فلو أكره العاجز عن الخصال و هو قادر لم ينتقل إلى ما دونها مع احتماله.
و إفساده مشهور،
قوله: «و في تحمّل المسافر و نحوه توقّف».
لو أكره المسافر زوجته، فظاهر العلّامة في القواعد: سقوط الكفّارة عنهما لكونه مباحا له غير مفطر لها (2)لعدم فساد صومها بالاكراه، فينتفي المقتضي للتكفير، و قيل: وجبت الكفّارة عنها لا عنه.
قوله: «و المعتبر حال المتحمّل».
من القدرة على الكفّارة و عدمها.
قوله: «لم ينتقل إلى ما دونها».
و هو الاستغفار؛ لأنّها مترتّبة على عجز المكفّر عن الكفّارة، كما تدلّ عليه
رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام قال: كلّ من عجز عن الكفّارة التي تجب عليه صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل، أو غير ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفّارة، فالاستغفار له كفّارة ما خلا يمين الظهار (3).
و المفروض أنّه قادر عليها، فلا ينتقل فرضه إلى الاستغفار.
و صحاح الأخبار (1)به متظافرة، و خلاف الصدوق (2)ضعيف، و صحيحتا العيص و حبيب (3)محمولتان على التقية، فيقضي و يكفّر.
قوله: «و خلاف الصدوق ضعيف».
قال الصدوق في المقنع: سأل حمّاد بن عثمان أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل، فأخّر الغسل إلى أن يطلع الفجر، فقال له: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجامع نساءه من أوّل الليل ثمّ يؤخّر الغسل حتّى يطلع الفجر (4).
و من دأبه رحمه اللّه في هذا الكتاب نقل متون الأخبار و إفتاؤه بمضمونها، و يؤيّده قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (5)و قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى
1) راجع: تهذيب الأحكام 4: 212.
2) قال ابن بابويه في المقنع: سأل حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل، فأخّر الغسل حتّى يطلع الفجر، فقال: قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجامع نساءه من أوّل الليل، و يؤخّر الغسل إلى أن يطلع الفجر «منه» المقنع ص 189.
3) هو العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل، فأخّر الغسل حتّى يطلع الفجر، قال: يتمّ صومه و لا قضاء عليه.و أمّا صحيحة حبيب الخثعمي، فهي ما رواه عنه عليه السّلام قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب، ثمّ يؤخّر الغسل متعمّدا حتّى يطلع الفجر.و اعترض بأنّ نقل ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يجامع مع التقية، و اجيب بإمكان أن ينقل عليه السّلام الحديث المشهور عند العامّة للتقية، فتدبّر «منه». تهذيب الأحكام 4: 210 و 213.
4) المقنع للشيخ الصدوق ص 189.
5) سورة البقرة: 187.
..........
قوله حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (1)فإنّ وجوب تقديم الغسل على طلوع الفجر يقتضي تحريم الرفث و المباشرة في الجزء الأخير من الليل، و هو خلاف ما دلّت عليه الآية، و صحيحتا العيص (2)و حبيب (3)ناصّتان عليه.
و حمل الأخيرة على التقية بعيد؛ لأنّ ابتدأه عليه السّلام بنقله من دون سابقة سؤال بعيد عنها، و مجرّد الاحتمال و الامكان ممّا لا وقع له في أمثال هذا المقام و هذا الكلام.
و
عن سليمان بن أبي زينبة، قال: كتبت إلى موسى بن جعفر عليه السّلام أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل، فأخّر الغسل حتّى طلع الفجر، فكتب عليه السّلام إليّ بخطّه أعرفه مع مصادف: يغتسل من جنابته، و يتمّ صومه و لا شيء عليه (4).
و
عن سعد بن إسماعيل بن عيسى، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان، فنام عمدا حتّى أصبح أيّ شيء عليه؟
قال: لا يضرّه و لا يفطر و لا يبالي، فإنّ أبي عليه السّلام قال: قالت عائشة: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
أصبح جنبا من جماع غير احتلام (5).
..........
و
في الفقيه: في رواية ابن أبي نصر، عن أبي سعيد القمّاط، أنّه سأل أبو عبد اللّه عليه السّلام عمّن أجنب في أوّل الليل في شهر رمضان، فنام حتّى أصبح، قال: لا شيء عليه، و ذلك أنّ جنابته كانت في وقت حلال (1).
و قد بالغ السيّد الداماد في عدم اشتراط صحّة الصوم بالطهارة في رسالته المسمّاة بشارع النجاة، و ذكر فيها كثيرا من المتأخّرين، كملّا حسن، و الفاضل الأردبيلي و غير هما، ذهبوا إلى عدم الاشتراط.
و قال في حاشية له على الفقيه: رواية ابن أبي نصر البزنطي عن خالد بن سعيد القمّاط، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام صحيحة، و في معناها أخبار جمّة صبّة صحاح و حسان، و هم ثقات، كلّها صريحة المناطيق في عدم اشتراط صحّة الصوم بالطهارة، و أنّ الجماع كالأكل و الشرب في إفساد الصوم بذلك في النهار دون الليل إلى حين طلوع الفجر، كما ينطق به القرآن الحكيم، فما ورد في الأخبار من لزوم إدراك الصبح متطهّرا في الصوم محمول على الاستحباب، فليفقه. انتهى كلامه رفع مقامه.
و ما في هذه الرواية أنّ من نام جنبا حتّى أصبح لم يكن عليه شيء، و ليس فيه جواز الاصباح متعمّدا، فلعلّه استفاد ذلك من التعليل بحمل الجنابة.
1) من لا يحضره الفقيه 2: 74 ح 322.
و ضعف روايات التكفير منجبر بالشهرة، و المرتضى (1)و ابن أبي عقيل (2)يقضي لا غير.
و قال ملّا عبد اللّه في حواشيه على التهذيب عند صحيحة العيص: كأنّ هذه و ما في معناها تدلّ على عدم القضاء مع تأخير الغسل مطلقا، فلا يبعد حمله: إمّا على التقية، و إمّا على عدم وجوب القضاء، و حمل ما يدلّ على القضاء على الاستحباب. ثمّ قال: و الأولى أولى. و أوّلها الشيخ في التهذيب بأنّه يجوز أن يكون تأخير الغسل لعذر، كاستحضار الماء و تسخينه، أو بسبب عارض، و فيه ما فيه.
و قال مولانا الأردبيلي في آيات أحكامه: و أكثر الأصحاب على اشتراط الصوم بالغسل في الليل، و ابن بابويه على عدمه، و الأخبار مختلفة، و الظاهر مذهب ابن بابويه؛ للأصل، و للرواية الصحيحة الصريحة، بل ظاهر الآية حيث دلّت على جواز الرفث و المباشرة في جميع أجزاء الليل، و الشريعة السهلة، و أولوية الجمع بين الأدلّة بحمل ما يدلّ على الغسل ليلا على الاستحباب، و لكن الاحتياط مع الجماعة (3).
قوله: «و ضعف روايات التكفير منجبر بالتكفير».
فيه ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الثاني.
و هل يلحق به متعمّد الجنابة ليلا مع علمه بتعذّر الغسل؟ إشكال، و إلحاق ذات الدم أقوى إشكالا (1)مع اللحوق، ففي وجوب ضمّ الوضوء إلى الغسل لصومها نظر (2).
قوله: «و إلحاق ذات الدم أقوى إشكالا».
في رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام، قال: إن طهرت بليل من حيضها، ثمّ توانت أن تغتسل في رمضان حتّى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم (3).
و لكن في طريقها جماعة من الفطحية، فهي ضعيفة السند، و كذا توقّف في ذلك المحقّق في المعتبر (4).
1) وجه قوّة الإشكال: إنّ الرواية الدالّة على أنّ الحائض إن تعمّدت تأخير الغسل حتّى تصبح فعليها القضاء، ضعيفة. و حملها على الجنب قياس، و من ثمّ جزم العلّامة في النهاية بعدم وجوب الغسل عليها للصوم «منه» نهاية الإحكام 1: 119.
2) منشأ النظر: التردّد في أنّ حدث الحيض مثلا هل هو حدث واحد أكبر لا يرتفع إلّا بالغسل و الوضوء معا، أو هو مركّب من أكبر رافعه الغسل لا غير، و أصغر رافعه الوضوء لا غير؟ يتفرّع على ذلك نية الرفع أو الاستباحة فيما يقدّمه الحائض من أحدهما، و العلّامة في المنتهى بعد أن جزم بجواز نية الاستباحة فيما تقدّمه، توقّف في نية الرفع، فقال: هل تنوي بالمقدّم رفع الحدث أم بالمتأخّر لا غير؟ فيه نظر من حيث انّ الحدث لا يرتفع إلّا بها و كان الأوّل غير رافع، فلا تنوي به الرفع أو أنّه مع المتأخّر كالجزء، فجازت نية رفع الحدث، ثمّ قال: و كان أبي رحمه اللّه يذهب إلى الأوّل، و عندي فيه توقّف انتهى كلامه. و للنظر في هذا المقام مجال واسع، و ليس في الأحاديث ما يرجّح به أحد الاحتمالين «منه».
3) تهذيب الأحكام 1، 393 ح 1213.
4) المعتبر 1: 226.
السادس: إصباح الجنب بنومته (1)الاولى
غير قاصد الغسل ذاهلا عنه، فيقضي
و جزم العلّامة في النهاية (2)بعدم الوجوب، و حملها على الجنب، كما حملها عليه في المنتهى، حيث قال: إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال و يبطل الصوم لو أخلّت به حتّى يطلع الفجر؟ لم أجد لأصحابنا فيه نصّا صريحا، و الأقرب ذلك؛ لأنّ حدث الحيض يمنع الصوم، فكان أقوى من الجنابة (3). قياس لا نقول به.
قوله: «غير قاصد الغسل ذاهلا عنه».
إشارة إلى الفرق بين هذه الصورة و الصورة السابقة، و هو أنّ تعمّد البقاء عزم على ترك الغسل، و عدم قصده أعمّ من العزم على عدمه؛ لتحقّقه مع الذهول عن الغسل، فوجوب القضاء في هذه الصورة لا يخلو من إشكال.
و
صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام في رجل احتلم أوّل الليل، أو أصاب من أهله، ثمّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتّى أصبح، قال: يتمّ صومه و يقضيه (4).
و كذا
صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السّلام قال: سألته عن رجل أصاب من أهله
1) المراد أنّه تجب بالنومة الاولى القضاء فقط إذا نام ذاهلا عن ايقاع الغسل و عدمه لا إذا نام قاصدا تركه، أو متردّدا في أنّه هل يوقعه أم لا، فإنّه يكفّر، و لا إذا نام بقصد ايقاعه، فإنّه لا شيء عليه، و الحاصل أنّ الصور أربع، ففي الاولى يقضي فقط، و في الثانية و الثالثة يقضي و يكفّر، و في الرابعة لا شيء عليه «منه».
2) نهاية الإحكام 1: 119.
3) منتهى المطلب 9: 75.
4) فروع الكافي 4: 105 ح 1.
فقط، مع احتمال سقوطه، لا قاصدا تركه، و لا متردّدا في إيقاعه، فيكفّر فيهما، لا قاصدا له فلا شيء عليه.
فيقضي و هي
في شهر رمضان، أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتّى يصبح متعمّدا، قال: يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه (1).
غير دالّة عليه؛ لأنّ تعمّد النوم يرجع إلى العزم على البقاء على الجنابة، فلا يدلّ على وجوب القضاء حال الذهول، و الأصل عدمه.
قوله: «لا قاصدا تركه».
و إلّا كان كمتعمّد البقاء على الجنابة، فيلزمه مع القضاء الكفّارة أيضا.
قوله: «فيقضي و هي محرّمة».
لصحيحة معاوية عن الصادق عليه السّلام، قال: قلت له: الرجل يجنب من أوّل الليل، ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شيء، قلت: فإنّه استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة (2).
و به تعلّق من يقول بتحريم النومة الثانية؛ لأنّ العقوبة إنّما تثبت على فعل المحرّم.
محرّمة و إن حصلا، و بدون أحدهما يكفّر أيضا.
، فيقضي و يكفّر على المشهور، و عليه الشيخان (1)، و في المعتبر (2)و المنتهى (3)يقضي فقط إن نام قاصدا له.
و فيه أنّ ترتّب هذه العقوبة عليها لا يدلّ على تحريمها، و الأصل يقتضي إباحتها، بل إباحة النوم الثالثة أيضا، و لعلّ المراد أنّ الأخذ في مقدّمات النومة الثانية و التوجّه إليها محرّم؛ لكونه مؤدّيا إلى النوم المؤدّي إلى ترك الواجب، و هو الغسل قبل طلوع الفجر، و المؤدّي إلى المؤدّي إلى الحرام حرام، و إلّا فتوجّه التحريم إلى النوم نفسه مشكل؛ لسقوط التكليف حينئذ.
قوله: «و إن حصلا».
أي: قصد الغسل فظنّ الانتباه.
قوله: فيقضي و يكفّر على المشهور.
قال الشهيد الثاني رحمه اللّه في حاشية على شرحه على اللّمعة: استدلّ الشيخ في التهذيب (4)بثلاث روايات، تضمّنت أنّ من أجنب ليلا و أصبح بها فعليه الكفّارة، و في بعضها تصريح ببقائه على الجنابة متعمّدا، و ليس فيها إشعار بتعدّد النوم أصلا،
و مبدأه مخرج الخاء المعجمة، و قيّد بعضهم بالغليظ، و هو الحقّ، فيقضي فقط، وفاقا للمرتضى (1). و الحق به الدخان و البخار
و مع ذلك و في طريقه ضعف.
و حمل ما لم يصرّح فيها بالتعمّد عليه لو احتيج إليه أولى، و الشيخ حملها على من نام ثالثا نظرا منه إلى أنّه جمع بين الروايات، و تبعه الجماعة إلّا المحقّق في الشرائع (2)، فإنّه نسب الحكم فيها إلى قول مقتصرا عليه، و ما أحسن ما قيل: ربّ مشهور لا أصل له.
قوله: «و هو الحقّ».
فيه ما ستعرفه.
قوله: «و الحق به الدخان و البخار».
إلحاق الدخان و البخار الغليظين بالغبار قياس، و مع ذلك لا جامع بينهما؛ إذ الغبار هو التراب، و البخار أجزاء هوائية ممزوجة بأجزاء مائية تلطّفت بالحرارة، و كذا الدخان أجزاء نارية مخلوطة بأجزاء صغار أرضية تلطّفت بالحرارة، فكيف يجوز إجراء حكم أحدهما على الآخر و إلزام المكلّف بوجوب القضاء مع وجود الأصل؟ و
قولهم عليهم السّلام «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (3)
و هذا إن لم يرد فيهما نهي، و إلّا فأيّ حاجة إلى الإلحاق، فهما على أصل الاباحة و الاطلاق.
الغليظان. و موثّقة عمرو بن سعيد (1)بنفي البأس عن الدخنة و الغبار محمولة على الرقيق.
قوله: «و موثّقة عمرو بن سعيد».
عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن الصائم يدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه، قال: لا بأس، قال: و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه، قال: لا بأس (2).
و الشيخ حمله على الرقيق، توفيقا بينها و بين مجهولة سليمان المروزي.
و فيه أنّ الاعتبار يقتضي عدم الفرق بين الغليظ و الرقيق؛ لأنّ الغبار نوع واحد من المتناولات، فإن كان مفسدا أفسد غليظه و رقيقه، و إلّا لم يفسد كذلك.
و لذلك توقّف المحقّق في هذا الحكم، حيث قال في المعتبر- بعد أن أورد رواية سليمان المروزي، قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمّدا، أو شمّ الرائحة الغليظة، أو كنس بيتا، فدخل في أنفه أو حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك له فطر مثل الأكل و الشرب و النكاح- و هذه الرواية فيها ضعف؛ لأنّا لا نعلم العامل (3)، و ليس الغبار كالأكل و الشرب، و لا كابتلاع الحصى و البرد (4).
وفاقا للمفيد (1)و شيخنا الشهيد (2)و جماعة، و ادّعى
و هي مع اشتمالها على عدّة من المجاهيل مشتملة على ما اتّفقوا على خلافه من ترتّب الكفّارة على مجرّد المضمضة و الاستنشاق و شمّ الرائحة الغليظة.
و الحقّ أنّها لجهالتها و إضمارها لا تعارض موثّقة عمرو، فينبغي العمل بمضمونها المطلق؛ لأصالة براءة الذمّة عن القضاء و الكفّارة.
قوله: «العاشر الارتماس».
المراد بالارتماس هنا غمس الرأس في الماء دفعة عرفية، و إن كان البدن خارجا. كما تدلّ عليه
صحيحة حريز عن الصادق عليه السّلام: لا يرمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء (3).
و
صحيحة الحلبي عنه عليه السّلام: الصائم يستنقع في الماء و لا يرمس رأسه (4).
و
صحيحة ابن مسلم عن الباقر عليه السّلام: الصائم لا يغمس رأسه في الماء (5).
و القائلون بأنّ الارتماس محرّم لا مفسد قالوا: إنّ النهي في هذه الأخبار و إن كان للتحريم، كما هو أصله، إلّا أنّه نهي عن أمر خارج عن العبادة، فلا يفسدها.
و منه يعلم وجه تخصيصهم الارتماس في رواية ابن مسلم من بين الأربعة بالتحريم دون الافساد، و لعلّ الشيخ لذلك قال في الاستبصار: لست أعرف حديثا
المرتضى في الانتصار (1)الاجماع على إفساده، و في صحيحة محمّد بن مسلم (2)إشعار به.
في ايجاب القضاء و الكفّارة، أو ايجاب أحدهما على من ارتمس في الماء (3).
قالوا: و رواية ابن مسلم و إن كان فيها إشعارا بمساواته الأكل و الشرب و النساء، لكنّها غير صريحة فيه، قال: و الوجه في التحريم هو الاحتياط في الصوم إذ المرتمس في الغالب لا ينفكّ من وصول الماء إلى جوفه و يحرم و إن لم يجب منه قضاء و لا كفّارة إلّا مع اليقين بابتلاعه ما يوجب الفطر.
و يؤيّده
رواية إسحاق بن عمّار، عن الصادق عليه السّلام في رجل صائم ارتمس في الماء متعمّدا: عليه قضاء ذلك اليوم، قال: ليس عليه قضاؤه و لا يعودنّ (4).
1) الانتصار ص 62.
2) قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس. (من لا يحضره الفقيه 2: 67) و لا يخفى أنّ في ذكر هذه الأربعة على وتيرة واحدة إشعارا بإفساده كأخواته، و تخصيصه من بينها بالتحريم دون الإفساد خلاف الظاهر.إن قلت: يمكن على مذهب ابن إدريس أن يحمل النساء على مماسّتهنّ المكروهة، فيشمل الحديث على بيان محرّمين و مكروهين، و لا يلزم ارتكاب خلاف الظاهر. قلت: حمل الضرر على ما يعمّ التحريم و الكراهة خلاف الظاهر؛ إذ لا ضرر فيها «منه».
3) الاستبصار 2: 85.
4) تهذيب الأحكام 4: 209 ح 607 و 4: 324 ح 1000.
و المحقّق (1)لا يفسد و إن حرم، و الشيخ في النهاية (2)كالمرتضى (3)، و في الاستبصار (4)كالمحقّق، و ابن إدريس (5)على الكراهية، و العلّامة في القواعد (6)متوقّف في الإفساد.
و قول المرتضى هو المرتضى، و يجب به القضاء، و أوجب الثلاثة على الكفّارة أيضا.
و يرتفع به حدث الناسي لا العامد، إلّا إذا نوى حال إخراج الرأس، و فيه تأمّل.
قوله: «و أوجب الثلاثة».
أي: الشيخان و المرتضى.
قوله: «و يرتفع به حدث الناسي لا العامد».
قال الشهيد الثاني: و تظهر فائدة التحريم فيما لو ارتمس في غسل مشروع، فإنّه يقع فاسدة للنهي عن بعض أجزائه المقتضي للفساد، قال: و المرتمس ناسيا يرتفع حدثه لعدم توجّه النهي إليه، و الجاهل عامد، و حكمه الأوّل جيد إن نوى الغسل حال الأخذ في الارتماس، أو الاستقرار في الماء لاستحالة اجتماع الواجب و الحرام في شيء.
(1)، و يجب به القضاء، وفاقا للأكثر (2)، و صحيحة الحلبي (3)ناطقة به، و قيل: مع الكفّارة، و قيل: لا و لا (4)، و عليه المرتضى (5)و ابن إدريس (6). أمّا تحريمه فإجماعي، كعدم إفساده لو ذرع.
و أمّا لو نوى حال الأخذ في الخروج من الماء فلا؛ لأنّه واجب محض لم يتعلّق به نهي أصلا، فينتفي المقتضي للفساد، فيجب الحكم بصحّته، و ما ذكره من حكم الناسي أيضا جيد، و لكن الجاهل في ذلك مثله؛ لاشتراكهما في عدم توجّه النهي إليهما، و إن كان الجاهل آثما لتقصيره في التعلّم.
قوله: «الحادي عشر القيء».
اتّفق أصحابنا على أنّ القيء لو ذرع الصائم أي سبقه من غير اختياره لم يفطر.
1) إذا حصل من القيء شيء في فمه فابتلعه عامدا، قال ابن البرّاج: يجب عليه القضاء خاصّة. و قال ابن الجنيد: لا يفطر. فإن حصل في الفم ثمّ عاد إلى جوف الصائم، فالأحوط له القضاء، و إن تعمّد أفطر، و الظاهر أنّه يريد به وجوب الكفّارة «منه».
2) و هم الشيخان و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن أبي عقيل «منه». و نقل السيّد المرتضى عن بعض علمائنا أنّه يوجب القضاء و الكفّارة، و عن بعضهم أنّه يوجب القضاء إذا تعمّد، فإذا ذرعه لم يكن عليه شيء، إلّا أن يكون القيء عن محرّم، فيكون فيه إذا ذرعه القضاء «منه».
3) تهذيب الأحكام 4: 264 ح 474.
4) و هو ابن إدريس «منه».
5) جمل العلم و العمل ص 90.
6) السرائر 1: 387.
أو رسوله صلى اللّه عليه و آله سلّم، أو أحد الأئمّة عليهم السّلام، و هو مفسد على الأظهر، وفاقا للشيخين (1)و الأكثر (2).
و اختلفوا في حكم التعمّد، فالأكثر على أنّه موجب للقضاء؛
لصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام، قال: إذا تقيّأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، و إن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتمّ صومه (3).
و نقل المرتضى عن بعض فقهائنا القول بايجابه القضاء و الكفّارة (4).
و قال ابن إدريس: إنّه و إن كان محرّما، لكنّه لا يوجب القضاء و لا الكفارة (5)
للأصل، و لأنّ الصوم إمساك عمّا يصل إلى الجوف لا عمّا ينفصل عنه، و الأصل مرتفع بالدليل، و الاجتهاد غير مسموع في مقابل النصّ.
و
صحيحة ابن ميمون عن الصادق عليه السّلام: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء، و الاحتلام، و الحجامة (6).
محمولة على غير العامد، توفيقا بين الأخبار.
1) المقنعة ص 54، النهاية ص 153.
2) الأكثر من أصحابنا منهم أبو الصلاح و ابن البرّاج و الشيخان «منه». و قال السيّد المرتضى في الجمل: الأشبه أنّه ينقص الصوم و إن لم يبطله «منه».
3) فروع الكافي 4: 108 ح 1، تهذيب الأحكام 4: 322 ح 991.
4) رسائل الشريف المرتضى 3: 55 المطبوع بتحقيقي.
5) السرائر 1: 387.
6) تهذيب الأحكام 4: 260 ح 775.
و ضعف الروايتين (1)منجبر، و نقض الوضوء مؤوّل، و أوجبا به القضاء و الكفّارة.
قوله: «و ضعف الروايتين منجبر».
كيف يكون منجبرا بمجرّد عمل الشيخين و من تأخّر عنهما تقليدا لهما، و مثل هذا غير مؤثّر في جبر الضعيف، و إنّما كان مؤثّرا لو كانت الشهرة و العمل بهما قبل زمنهما، و ليس كذلك، فإنّ من قبلهما كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا، و بين جامع الأخبار من غير التفات إلى تصحيح ما يصحّ و ردّ ما يردّ، فالعمل بمضمون العمل الضعيف قبل زمنهما على وجه ينجبر به ضعفه غير متحقّق.
و الأصل يقتضي عدم الافساد؛ لأنّه عبادة شرعية انعقدت على وجه شرعي، فالحكم بفساده يحتاج إلى دليل شرعي و ليس؛ إذ الاجماع غير ثابت، و هم مطبقون على أنّ الحديث الضعيف و خاصّة إذا كان متضمّنا لما اتّفقوا على خلافه و هو نقض الوضوء بالكذب لا يثبت به حكم شرعي.
و تأويل نقض الوضوء بنقض ثوابه مع أنّه بعيد جدّا يجري في الصوم بعينه.
1) إحداهما رواية أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم، قال: قلت: هلكنا، قال: ليس حيث تذهب، إنّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و على الأئمة عليهم السّلام. و الاخرى رواية سماعة، قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: قد أفطر و عليه قضاؤه و هو صائم يقضي صومه و وضوءه إذا تعمّد.
و قيل: مغلظ التحريم لا مفسد، و عليه المحقّق (1)و بعض المتأخّرين (2)، و المرتضى في الانتصار (3)كالشيخين، محتجّا بالإجماع، و في الجمل (4)كالمحقّق.
و لا منافاة لجواز الاطّلاع عليه بعده. و إنّما يفسد إذا اعتقد قائله أنّه كذب، و لو ظهر الصدق فوجهان (5).
ثمّ الاعتذار لعدم المنافاة بين قولي المرتضى بما اعتذر له إنّما يكون مسموعا لو علم أنّ تأليف الانتصار بعد تأليف الجمل، و ليس بمعلوم، و لعلّه ظنّ أوّلا تحقّق الاجماع فادّعاه، ثمّ بعد ما تتبّع و تروّى له عنّ له عدمه، و هو الحقّ، و لذا قال في المعتبر: و دعوى الاجماع مكابرة (6).
قوله: «إذا اعتقد قائله أنّه كذب».
فلو كان غير مطابق للواقع، و لكن اعتقد قائله المطابقة فلا إفساد، كما يتّفق في بعض صور الفتوى و غيره.
قوله: «و لو ظهر الصدق».
1) شرائع الاسلام 1: 192.
2) راجع: مختلف الشيعة 3: 268.
3) الانتصار ص 62.
4) جمل العلم و العمل ص 90.
5) إن كان القائل عالما بالكذب على أنّه مفسد للصوم و اعتقده كذبا و فعله، فالذي ينبغي أن يكون إفساده للصوم من الإخبار عليه لتعدّده كذلك الموجب للكفّارة، و في إفساده الجاهل وجهان، و عدم الوقوف قويّ، و سبيل الاحتياط واضح «منه».
6) المعتبر 2: 656.
و هل قول الامامي إنّه تعالى يرى أو كلامه قديم مثلا كذب على اللّه فيفسد، أو كذب فقط فلا إفساد؟ و كلّ محتمل، و لم أجد لأحد فيه كلاما.
لا وجه لظهور الصدق في عدم الافساد؛ لأنّه متديّن بما اعتقده: فلمّا اعتقد أنّه كذب و تقوّل به على اللّه و رسوله جوزي عليه، فيفسد صومه على القول بالافساد، ظهر صدقه أم لم يظهر، و لذلك لو كان كذبا غير مطابق للواقع و كان اعتقاده أنّه صدق مطابق له لم يفسد صومه كما سبق.
قوله: «و هل قول الامامي».
أي: إمامي المذهب الذي مذهبه عدم الرؤية في حقّه تعالى و حدوث كلامه تعالى.
قوله: «كذب على اللّه فيفسد أو كذب فقط».
هذا القول من هذا الامامي إن كان لشبهة عرضت له، فهو و إن كان بحسب الظاهر كذبا لعدم مطابقته الواقع إلّا أنّه ليس بكذب؛ لأنّه اجتهد فيه و قال بما أدّى إليه اجتهاده، و إن كان مخطئا في اجتهاده.
و مثل هذا لا يقال له الكذب، كيف و الاختلاف في فروع العقائد لكونها مباحث ظنّية بين العلماء كثير، و قد عدّ بعضهم جملة ما وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى و شيخه المفيد، فبلغ نحوا من مائة مسألة فضلا عن غيرهم، و إن لم يكن لشبهة بل كان عن عمد و اعتقاد أنّه كذب لما عنّ له من الدليل الدالّ على كونه خلاف الواقع فهو كذب، و الخلاف في كونه مفسدا أو غيره ما مرّ، و كذا حال المقلّد إن جوّز فيها التقليد، فتأمّل.
و يثبت هلاله بالرؤية (1)، أو تواترها (2)، أو مضي ثلاثين من شعبان، أو الشياع و لو نساء أو فسّاقا، أو شهادة عدلين متّحدة، أو ملفّقة (3)
قوله: «أو الشياع و لو نساء أو فسّاقا».
الشياع: إخبار جماعة يستفاد منه ما يتآخم العلم و اليقين، و هو الظنّ الغالب القوي، و لا يتقيّد بعدد مخصوص، و العدل و الفاسق و الرجال و النساء و الصبيان و الكفّار فيه سواء، و قد يعبّر عنه بالاستفاضة. و قيل: لا اعتبار بالشياع إلّا أن يحصل منه العلم؛ لانتفاء ما يدلّ على اعتباره بدون ذلك.
قوله: «أو شهادة عدلين».
هذا ما ذهب إليه أكثر الأصحاب، فإنّهم قالوا: إنّ الهلال يثبت بشاهدين عدلين من خارج البلد و داخله صحوا و غيما، خلافا للشيخ في الخلاف و المبسوط، فإنّه قال فيهما: لا يقبل مع الصحو إلّا من خمسين رجلا، أو شاهدين من خارج البلد (4).
1) لما روي عنهم عليهم السّلام: صوموا للرؤية و أفطروا للرؤية «منه» تهذيب الأحكام 4: 156.
2) التواتر مورث لليقين و الشياع للظنّ «منه».
3) المراد بالشهادة الملفّقة أنّه إذا شهد أحدهما برؤية هلال شعبان يوم الأربعاء مثلا، و الآخر برؤية هلال رمضان ليلة الجمعة، فقد تلفّق من قولهما أنّ أوّله الجمعة، و يحتمل عدم القبول لاختلاف المشهود عليه «منه».
4) الخلاف 1: 172، المبسوط 1: 267.
على الأظهر، صحوا أو غيما، من داخل أو خارج، لا بشهادتين (1)و لو منضمّات،
و قال في النهاية: لا يقبل إلّا خمسون رجلا من خارج البلد، و مع العلّة يعتبر الخمسون من البلد، و يكفي الاثنان من غيره (2).
و تدلّ على الأوّل
صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام أنّ عليا عليه السّلام كان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين (3).
و له
صحيحة اخرى عنه عليه السّلام، قال: قال علي عليه السّلام: لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين (4).
قوله في الحاشية: «و يحتمل عدم القبول لاختلاف المشهود عليه».
هذا احتمال بعيد؛ إذ لا اختلاف حقيقة في المشهود عليه، و إنّما الاختلاف في الطريق الواصل إليه، فإنّ أحدهما بالمطابقة و الآخر بالالتزام، و الدلالات الالتزامية معتبرة في الشرع، و لذلك لو شهد أحدهما بالشرب و الآخر بالقيء يحدّ الشارب بالاتّفاق، فتأمّل.
قوله: «و لو منضمّات».
أي: إلى الرجال.
و لا بالواحد، خلافا لسلّار (1)، و لا بالجدول، و لا بالعدد بمعنييه (2).
قوله: «و لا بالواحد خلافا لسلّار».
يدلّ على ما ذهب إليه سلّار
رواية محمّد بن قيس عن الباقر عليه السّلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين (3).
فإنّ فيها دلالة على الاكتفاء بالعدل.
و يمكن أن يكون المراد به السلطان العادل، و هو الامام المفترض الطاعة، أو من يكون ثقة يمتنع عليه الكذب عادة، فإنّ خبرهما يفيد القطع.
و يمكن حمله على العدلين أو أكثر كلاما، و إليه العلّامة في التذكرة، حيث قال:
لفظة «العدل» يصحّ إطلاقها على الواحد فما زاد؛ لأنّه مصدر يصدق على القليل و الكثير، تقول: رجل عدل، و رجلان عدل، و رجال عدل (4).
قوله: «و لا بالعدد بمعنييه».
المستفاد من الأخبار أنّ العدد يطلق على معان:
منها: عدّ شعبان ناقصا و رمضان تامّا دائما.
و منها: عدّ شهر تامّا و شهر ناقصا.
و منها: عدّ رجب و شعبان تسعة و خمسين.
و حكم متّفقات المغارب واحد لا مختلفاتها (1)، و احتمل في الدروس (2)ثبوته في الغربي برؤيته في الشرقي للأولوية، و هو مبني على كروية الأرض، و البرهان
و منها: عدّ جميع الشهور ثلاثين.
و منها: عدّ خمسة من هلال الماضية و صوم الخامس من الحاضرة،
لرواية عمران الزعفراني، قال: قلت: إنّ السماء تطبق علينا بالعراق اليومين و الليلة لا نرى السماء، أيّ يوم نصوم؟ قال: أفطر اليوم الذي صمته من السنة الماضية و صم يوم الخامس (3).
و المشهور أنّ ذلك كلّه لا عبرة به.
قوله: «و احتمل في الدروس ثبوته في الغربي برؤيته في الشرقي».
هذا مبني على تخالف الآفاق في تقدّم طلوع الأهلّة و تأخّرها، بناء على كروية الأرض، و منكر كرويتها ليس له عليه دليل، و الدلائل الأبنية المذكورة في المجسطي شواهد عدول على كرويتها، و إن كانت شهادة الدليل اللمّي المذكور في الطبيعي مجروحة.
و ممّن قال بها من فقهائنا العلّامة في التذكرة، حيث قال: إنّ الأرض كرة، فجاز أن يرى الهلال في بلد و لا يظهر في آخر؛ لأن حدبة الأرض مانعة من رؤيته، و قد رصد ذلك أهل المعرفة، و شوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جدّ في
الإنّي (1)يقتضيها إذا لم يتمّ اللمّي (2)، و قد أثبتها جماعة من أصحابنا في كتبهم الفقهية.
السير نحو المشرق و بالعكس (3).
و قال ولده في الايضاح: الأقرب أنّ الأرض كرية؛ لأنّ الكواكب تطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية، و كذا في الغروب، فكلّ بلد غربي بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخّر غروبه عن غروب الشرقي بساعة واحدة.
و إنّما عرفنا ذلك بإرصاد الكسوفات القمرية، حيث ابتدأت في ساعات أقلّ من ساعات بلدنا في المساكن الغربية، و أكثر من ساعات بلدنا في المساكن
1) صورته: أنّ من جالس السفينة و نظر إلى جانب الجبل رأى أوّلا فوق الجبل و ثانيا تحته، فينبغي أن تكون الأرض كروية؛ لأنّها لو كانت غير كروية لما اختلفت الرؤية، و رأى فوقه و تحته دفعة واحدة، فذهبنا من المعلول الذي هو الرؤية المذكورة إلى العلّة التي هي كروية الأرض «منه». و هو أنّه إذا سار أحد في أرض مستوية من جانب الشرق مثلا إلى الغرب، يظهر له في جانب الغرب من الأشجار و الجبال شيئا فشيئا، و يغيب من نظره في جانب المشرق شيئا فشيئا، و هو يقتضي كرويتها «منه».
2) صورته هكذا؛ لمّا كانت الطبيعة الأرضية المستعدّة للحركة و السكون واحدة بسيطة، و الفاعل الواحد لا يفعل إلّا الفعل الواحد دون الأفعال الكثيرة من الأشكال المختلفة، كالمثلّث و المربّع و غير ذلك، فينبغي أن تكون الأرض كروية؛ لأنّها إن كانت غير كروية يتصوّر فيها أفاعيل كثيرة كما ذكر، فذهبنا من العلّة التي هي بساطة الأرض إلى المعلول الذي هو كرويتها، تأمّل «منه».
3) تذكرة الفقهاء 6: 123.
الشرقية، فعرفنا أنّ غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا، و غروبها في المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا، و لو كانت الأرض مسطّحة لكان الطلوع و الغروب في جميع المواضع في وقت واحد، و لأنّ السائر على خطّ من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي و انخفاض الجنوبي و بالعكس (1).
قوله: «أو من واجب معيّن».
موسّع كالنذر المطلق و صوم الكفّارة، فإنّه يجوز فيه الافطار مطلقا قبل الزوال و بعده؛ للأصل السليم عن المعارض، و نقل عن أبي الصلاح (2)أنّه أوجب المضي في كلّ صوم واجب شرع فيه و حرم قطعه مطلقا، و هو الأحوط؛ لعموم وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ (3)و كذا نقل عنه في المختلف (4)أنّ كلامه يشعر بتحريم الافطار في قضاء رمضان بعد الزوال.
و قال ابن أبي عقيل: من أصبح صائما لقضاء كان عليه من رمضان، و قد نوى الصوم من الليل، فإن أراد أن يفطر في بعض النهار لم يكن ذلك له، و مقتضاه المنع من الافطار قبل الزوال و بعده إذا كان قد نوى ذلك من الليل.
فالثاني يجوز إفساده مطلقا على الأصحّ إلّا مع تضيّقه بظنّ الموت.
و الأوّل يحرم بعد الزوال إجماعا لا قبله عند الأكثر، إلّا مع تضيّقه به أو برمضان، و النهي في صحيحة ابن الحجّاج (1)تنزيهي، و به يجمع بينها و بين غيرها من الصحاح و غيرها.
و لمّا كان من الممكن أن يستدلّ لهم بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج (2)، و
برواية زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل يقضي من رمضان فأتى النساء، قال: عليه من الكفّارة مثل الذي أصاب في رمضان؛ لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان (3).
أجاب الشيخ عن الاولى بحملها على الكراهة توفيقا بين الأدلّة؛ إذ قد
ورد في صحاح الأخبار أنّ من أصبح و هو يريد الصيام ثمّ بدا له أن يفطر، فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار، ثمّ يقضي ذلك اليوم.
و
في أخرى: قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت فليس لك أن تفطر.
و لهما نظائر. و سكت عن الثانية: إمّا لاشتمالها على ابن فضّال و هو فطحي، أو لحملها على ما بعد الزوال لأنّها مطلقة لا تأبى عن التقييد.
و لا تجب فوريته، خلافا لأبي الصلاح (1)، نعم يجب تقديمه على رمضان
قوله: «و لا تجب فوريته».
أي: فورية قضاء الصوم، و هو المشهور بين الأصحاب، و تدلّ عليه
صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام: إذا كان على الرجل شيء من شهر رمضان، فليقضه في أيّ الشهور شاء أيّاما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء (2).
و
صحيحة ابن البختري عنه عليه السّلام: كنّ نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا كان عليهنّ صيام أخّرن ذلك إلى شعبان كراهة أن يمنعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإذا كان شعبان صمن، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: شعبان شهري (3).
و يظهر من أبي الصلاح وجوبه على الفور، حيث قال: يلزم من يتعيّن عليه فرض القضاء لشيء من شهر رمضان أن يبادر به في أوّل أحوال الامكان (4).
فإن أراد به الوجوب تدفعه الصحيحتان و ما شاكلهما. و إن أراد به تأكيد المسارعة إلى أسباب المغفرة و المسابقة إلى الخيرات، فلا بأس به.
و بالجملة عبارته المنقولة ليست صريحة في وجوبه على الفور، بل يحتمله و غيره، فليحمل عليه صونا له عن مخالفة العلماء الأخيار، و الخروج عن ظاهر صحاح الأخبار.
الآتي و مؤخّره إليه مع العزم عليه، فيفطر عند الضيق لمرض، أو دم مانع، أو سفر ضروري، يقضي فقط، و بدونه مع الفدية عن كلّ يوم بمدّ عند الأكثر، و الشيخ (1)بمدّين، و مستمرّ المرض يفدي فقط.
قوله: «و مؤخّره إليه مع العزم».
المشهور أنّ من فاته شهر رمضان كلّا أو بعضا و أخّره مع العزم على القضاء، ثمّ عرض له مانع منه حتّى أدركه الثاني قضاه من غير فدية، و إن أخّره من غير عزم عليه قضاه و فداه.
و صحيحة زرارة الآتية بعد ذلك تفيد أنّ من برأ بينهما و أخّر القضاء توانيا من غير عذر حتّى دخل عليه رمضان الثاني سواء عزم على القضاء أم لا، قضاه و فداه، حيث
قال عليه السّلام: و إن كان صحّ فيما بينهما و لم يصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما منها جميعا، و تصدّق عن الأوّل (2).
قوله: «و مستمرّ المرض يفدي فقط».
فيه مذاهب:
الأوّل ما أشار إليه الشيخ من سقوط القضاء و وجوب الفدية، و هو مذهب الأكثر، و عليه دلّت صحاح الأخبار، منها:
صحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان و يخرج عنه و هو مريض، فلا يصحّ حتّى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدّق عن الأوّل و يصوم الثاني. فإن كان صحّ فيما بينهما و لم
..........
يصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و تصدّق عن الأوّل (1).
الثاني: ما ذهب إليه ابن بابويه من وجوب القضاء دون الفدية؛ لعموم قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (2).
و فيه ما تقرّر في الاصول من تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
الثالث: ما نقل عن ابن الجنيد أنّه احتاط بالجمع بين القضاء و الفدية، و استدلّ له برواية لا يبعد حملها بعد تسليم سندها على الاستحباب، جمعا بينها و بين
صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السّلام: من أفطر شيئا من رمضان في عذر، ثمّ أدرك رمضان آخر و هو مريض، فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فإنّي صمت و تصدّقت (3).
و هي كما ترى صريحة في أنّ مقدار الصدقة مدّ لكلّ يوم.
و قال الشيخ في النهاية: يتصدّق عن كلّ يوم بمدّين، و إن لم يمكنه فمدّ (4).
فاستدلّ له العلّامة بأنّ نصف الصاع بدل عن اليوم في كفّارة جزاء الصيد، فيكون كذلك هنا، بل هذا الحكم آكد، فإنّ صوم يوم من شهر رمضان أفضل من غيره، فإذا كان نصف الصاع بدلا عن الأقلّ امتنع في الحكمة أن يكون المدّ الذي هو ربع الصاع بدلا عن الآكد، ثمّ ردّه بأنّه اجتهاد في مقابل النصّ، فلا يكون
إمّا باجرة، فيجب تلبّسه بما يعدّ به متشاغلا على الأظهر. أو بدونها، و هو ما فات الأب (1)لعذر على قول، و مطلقا
مسموعا (2).
قوله: «بما يعدّ به متشاغلا».
بأن يشتغل بقضائه في أوّل زمان تمكّنه منه، ثمّ إن قضاه متتابعا، و إلّا فيجب أن يقضيه في كلّ اسبوع يوما أو يومين، فإنّ بدون ذلك لا يعدّ متشاغلا به، مثلا من يصوم أو يقوم في كلّ شهر أو ثلاثة أسابيع أو اسبوعين يوما لا يقال في العرف العام مشتغل بالصيام أو القيام.
قوله: «لعذر على قول».
ظاهر
صحيحة حفص عن الصادق عليه السّلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة، قال: لا إلّا الرجل (3).
و
مكاتبة محمّد بن الحسن الصفّار في الصحيح عن أبي محمّد عليه السّلام في رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليه السّلام: يقضي عنه أكبر
على آخر، و تمكّن من قضائه.
ولييه عشرة أيّام ولاء إن شاء اللّه (1).
يفيد عدم الفرق بين أن يكون الفوت لعذر أو غيره. و لكن عن المحقّق أنّه قال:
الذي ظهر لي أنّ الولد يلزمه قضاء ما فات الميت من صيام أو صلاة لعذر، كالمرض و السفر و الحيض، لا ما تركه عمدا مع قدرته عليه.
قيل: و لا بأس به؛ لأنّ الروايات يحمل على الغالب من الترك، و هو إنّما يكون على هذا الوجه.
قوله: «و تمكّن من قضائه».
فأمّا إذا لم يتمكّن منه بأن مات في زمان عذره، فلا يجب القضاء عنه؛
لصحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام، قال: سألته عن رجل أدركه شهر رمضان و هو مريض، فتوفّي قبل أن يبرأ، قال: ليس عليه شيء، و لكن يقضي عن الذي يبرأ، ثمّ يموت قبل أن يقضي (2).
و
في رواية اخرى: فإن مرض فلم يصم شهر رمضان، ثمّ صحّ بعد ذلك فلم يقضه، ثمّ مرض فمات، فعلى وليه أن يقضي عنه؛ لأنّه قد صحّ فلم يقض و وجب عليه (3).
فيجب على أكبر ذكور أولاده القيام به، و مع تساويهم فالشيخ (1)يوزّع، و ابن البرّاج (2)يقرع، و ابن ادريس (3)يقسّط، و الأوّل أقرب، و المعية سائغة، بخلاف الصلاة.
قوله: «فالشيخ يوزّع».
أي: يقسّط عليهم بالسوية؛ لأنّ كلّ واحد منهم لو انفرد لتعلّق به الوجوب، فضمّ غيره إليه لا يسقطه.
و يؤيّده عموم
قوله عليه السّلام في صحيحة حفص: يقضي عنه أولى الناس بميراثه (4).
فإنّه يعمّ الواحد و المتعدّد، و إذا وجب عليهم تساووا فيه لامتناع الترجيح من غير مرجّح.
و قول ابن إدريس لا قضاء حينئذ لأنّ التكليف به تعلّق بالولد الأكبر و لا أكبر هناك، بعيد؛ لأنّ تعلّق التكليف و اختصاص الوجوب بالأكبر إنّما هو عند وجوده لا مطلقا.
قوله: «و المعية سائغة».
إذ لا يجب الترتيب في قضاء الصوم، فلو قدّم آخره جاز؛ للأصل السليم عن المعارض. و قيل: إنّ الأفضل تقديم الأوّل فالأوّل.
و يوم الكسر كفائي كالواحد، فلو أفطراه بعد الزوال هو عن رمضان، ففي وجوب الكفّارة، ثمّ في تعدّدها، أو وحدتها عليهما بالسوية، أو كفايتها، نظر.
و يحتمل الفرق بين الدفعي و التعاقبي، ففي الأوّل كالثاني في الثاني على الثاني (1).
و في الدروس استشكله، حيث قال: و هل يستحبّ تقديم الأوّل فالأوّل؟
إشكال (2). من تساوي الأيّام في التعلّق بالذمّة، مع انتفاء النصّ على تقديم بعضها على بعض، و من سبق الأوّل في الذمّة، فكان أولى بالمبادرة، هذا بخلاف الصلاة، فإنّه يجب فيها رعاية الترتيب و تقديم الأوّل فالأوّل إلّا مع الجهل به، فإنّه حينئذ يسقط؛ لاستلزامه في كثير من مواضع القضاء الحرج و العسر المنفيين بالآية و الرواية.
قوله: «فلو أفطراه».
الأنسب بقوله و مع تساويهم أن يقول: فلو أفطروه أي الصوم بعد الزوال احتمل وجوب الكفّارة عليهما؛ إذ يصدق على صوم كلّ منهما أنّه صوم واجب من قضاء رمضان، و اتّحاد الأصل لا ينافي التعدّد، و احتمل وجوب كفّارة واحدة عليهما بالسوية، أو كونها فرض كفاية كأصل الصوم، و احتمل سقوط الكفّارة عنهما لعدم ما يدلّ على وجوب الكفّارة في القضاء على وجه يتناول ذلك.
1) لهذه العبارة محملان: الأوّل: أن يراد إنّ الحكم في الأوّل و هو الدفعي كالقول الثاني و هو القرعة. و الثاني: أن يراد إنّ الحكم فيه هو التعدّد، و الأوّل أقرب و إن كان أبعد، و الثاني بالعكس إذ التعدّد ليس قسيما لوجوب الكفّارة، بل أوّل قسيمه، فلا يليق جعله احتمالا ثانيا له، كما لا يليق إدخال كاف التشبيه عليه «منه».
2) الدروس 1: 277.
و لو اجتمع الأسنّ طفلا و البالغ، فالشهيد الثاني (1)على الثاني. و فيه نظر؛ لورود صحيحة الصفّار (2)بلفظ الأكبر، و اسم التفضيل إنّما يشتقّ ممّا يقبل التفاضل، و هو هنا في السنّ لا غير.
و لا قضاء على غير الابن لو فقد، بل يتصدّق من التركة عن كلّ يوم بمدّ،
و يمكن أن يقال: إنّهما إن أفطراه دفعة، فعلى كلّ منهما كفّارة أو تعاقبا، فعليهما كفّارة واحدة بالسوية، أو على الكفاية، بمعنى أنّهما مخاطبان بفعلها، و يسقط الخطاب عنهما بفعل الآخر.
قوله: «فالشهيد الثاني على الثاني».
حيث قال: و لو اختصّ أحدهم بالبلوغ و الآخر بكبر السنّ، فالأقرب تقديم البالغ (3). و الظاهر أنّ مكاتبة الصفّار الماضية لا ينافي ما عليه الشهيد رحمه اللّه؛ لأنّه عليه السّلام قال: يقضي عنه أكبر ولييه (4).
و ظاهر أنّ البالغ أكبر شرعا من حيث التكليف، فلا عبرة بكبر غير المكلّف.
قوله: «و لا قضاء على غير الابن».
إنّما يسقط القضاء في صورة فقد الابن لفوات محلّه، و هل يجب حينئذ أن يتصدّق عنه عن كلّ يوم بمدّ من تركته؟ قال جماعة منهم الشيخ: نعم؛ لصحيحة
و المفيد (1)يقضي حينئذ أكبر ذكور أهله، و مع فقدهم فالنساء، و هو مختار
أبي مريم الأنصاري عن الصادق عليه السّلام، قال: إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان، ثمّ لم يزل مريضا حتّى مات، فليس عليه قضاء، و إن صحّ ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، و إن لم يكن له مال صام عنه وليّه. كذا في الفقيه (2)، و مثله في الكافي (3)، و رواه الشيخ في التهذيب هكذا: و إن صحّ ثمّ مرض حتّى يموت و كان له مال تصدّق عنه، فإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليه (4).
و هي كما ترى لا تدلّ على ما قالوه، فإنّ مقتضاها على ما في الفقيه و الكافي عدم الوجوب على الابن إذا كان له مال يتصدّق عنه، و على ما في التهذيب وجوب الصدقة على الابن أيضا.
قوله: «و المفيد يقضي».
قال المفيد: لو لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله، و مع فقدهم فالنساء (5).
قال في الدروس بعد نقله عنه: و هو ظاهر القدماء و الأخبار، و هو المختار (6).
الدروس (1)، و نقله عن ظاهر القدماء.
و لا يجزئ الاستئجار مع القدرة على الأظهر، و في وجوبه مع العجز نظر.
و هل المرأة كالرجل في القضاء عنها؟ قيل: نعم كالدروس (2)، و قيل: لا كالسرائر (3). و الأوّل أقرب، و يتفرّع عليها الخنثى.
أقول: صحيحة حفص بن البختري السابقة من حيث دلالتها على عدم اختصاص الوجوب بالولد الأكبر الشامل لكلّ من كان أولى بالميراث من الذكور موافقة للحكم الأوّل، لكنّها مخالفة للثاني باعتبار صراحتها في اختصاص الوجوب بالرجال.
قوله: «و لا يجزئ الاستئجار مع القدرة على الأظهر».
لأنّ الوجوب إنّما تعلّق بالولي، و هو أكبر أولاده الذكور، و سقوطه بفعل غيره يحتاج إلى الدليل، و لذا قال ابن إدريس و آية اللّه العلّامة بعدم الاجتزاء بفعل المتبرّع، و إن وقع بإذن من تعلّق به الوجوب؛ لأصالة عدم سقوط الفرض عن المكلّف بفعل غيره.
قوله: «قيل: نعم كالدروس».
صحيحة أبي حمزة عن الباقر عليه السّلام صريحة بالدلالة على وجوب القضاء عن المرأة،
قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت، فمات
و لو كان له ولدان: ظهري و بطني، سقط عنهما على الثاني، و احتمل على الأوّل تخصيص الأوّل و تشريكه مع الثاني.
و ينعقد فيما وجب بأحدهما، و أصالة،
قبل خروج شهر رمضان، هل يقضي عنها؟ فقال: أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم (1).
و مثله موثّقة محمّد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام (2).
و ظاهر هما يعمّ الولي و الأجنبي الاجرة و التبرّع.
و قول ابن إدريس: لا قضاء عن المرأة؛ إذا الاجماع إنّما انعقد على وجوب القضاء عن الرجل خاصّة، و إلحاق المرأة به يحتاج إلى دليل. مبني على أصله من عدم العمل بأخبار الآحاد، و إلّا فقد عرفت دليله، مع أنّ الغالب اشتراك الرجل و المرأة في الأحكام.
قوله: «و تشريكه مع الثاني».
احتمال التشريك على تقدير استوائهما في السنّ قوي؛ لأنّ كلّ واحد منهما لو انفرد تعلّق به الوجوب، فلا يسقط ذلك بانضمام غيره إليه.
نعم لو كان أحدهما أكبر من الآخر تعلّق به الوجوب، و لكن تعليله بأنّه في مقابل الحبوة، ربما يؤيّد تخصيصه بالظهري دون البطني، فتأمّل.
خلافا للشيخ (1)و المرتضى (2)، و لا يجب تتابعه إلّا باشتراطه لفظا أو معنى، خلافا لابن البرّاج (3).
و يتعيّن بتعيّن الزمان، فلو صادف مرضا، أو سفرا، أو دما مانعا، أو عيدا، أو تشريقا، فطر و عليه القضاء على الأظهر.
قوله: «إلّا باشتراطه».
أي: التتابع لفظا، بأن يقول: نذرت أن أصوم شهرا متتابعا، أو معنى بأن يقول: للّه عليّ أن أصوم شهر رجب مثلا.
قوله: خلافا لابن البرّاج.
فإنّه يوجب التتابع في الكلّ.
قوله: «و عليه القضاء».
وجوبا، و قيل: استحبابا؛ لأنّ القضاء لو كان واجبا لما علّقه في الرواية بالمشيئة بلفظة «إن» لأنّها يختصّ بالمحتمل لا المحقّق.
و فيه أنّ هذا التعليق للتبرّك لا للشكّ، مع أنّ الواجب و المندوب متكافئان في مشيئة اللّه تعالى له.
ففي التهذيب: عن القاسم بن أبي القاسم، أنّه كتب إليه: يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو
أمّا المكان، فللشيخ (1)في تعيّنه بالنذر قولان، و اشترط العلّامة (2)المزية، و هو ظاهر أبي الصلاح (3).
أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، و تصوم يوما بدل يوم إن شاء اللّه (4).
و
عن علي بن مهزيار، قال: و كتب إليه يعني أبا الحسن: يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟
أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: قد وضع اللّه الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم إن شاء اللّه (5).
قوله: «أمّا المكان فللشيخ في تعيّنه».
لو نذر الصوم في مكان معيّن، قال الشيخ في المبسوط: صام أين شاء (6).
و اختاره العلّامة في الارشاد و ابنه في شرح القواعد (7)إذ لا مرجّح لإيقاعه في
و ناذر صوم داود إن والى فلا كفّارة، وفاقا للعلّامة (1)، و خلافا للسرائر (2).
ذلك المكان المنذور؛ لأنّه لا يحصل للصوم صفة زائدة لإيقاعه فيه، فلا ترجيح.
و فيه أنّه إذا لم يوقعه في المكان المعيّن بالنذر لم يأت بالنذر، فلا يخرج من العهدة، هذا إذا لم يكن للمكان المذكور مزية على غيره. و أمّا إذا كان له مزية كصوم ثلاثة أيّام لحاجة في المدينة، فلا شبهة في تعيّنه بالنذر.
قوله: «و ناذر صوم داود إن والى فلا كفّارة فيه».
إنّ من والاه لم يأت بالمنذور على وجهه، فلا يخرج من العهدة، بل هو مخالف له، فعليه كفّارة خلف النذر، كمال قال به محمّد بن إدريس صاحب السرائر (3).
و المراد بصوم داود عليه السّلام أن يصوم يوما و يوما، كما تدلّ عليه
صحيحة حمّاد عن الصادق عليه السّلام، قال: صام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى قيل: ما يفطر، ثمّ أفطر حتّى قيل: ما يصوم، ثمّ صام صوم داود عليه السّلام يوما و يوما لا، ثمّ قبض على صيام ثلاثة أيّام في الشهر.
الحديث (4)و سيأتي.
و
صحيحة محمّد بن مسلم عنه عليه السّلام، قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوّل ما بعث يصوم حتّى يقال: ما يفطر، و يفطر حتّى يقال: ما يصوم، ثمّ ترك ذلك و صام يوما و أفطر
و ناذر الشهر مخيّر بين العددي و الهلالي إن بدأ بأوّله، و إلّا فالعددي.
و ناذر يوم لقضاء رمضان لا يفطره مطلقا، فقبل الزوال كفارة، و بعده كفّارتان.
و هو ثلاثة أيّام متتابعات في
يوما، و هو صوم داود عليه السّلام (1).
قوله: «و ناذر الشهر مخيّر بين العددي و الهلالي».
إن أطلق أو عمّم، و إن عيّن أحدهما فعليه أن يأتي بما عيّنه.
قوله: «و بعده كفّارتان».
كبيرتان أو صغيرتان، أو كبيرة و صغيرة، على اختلاف الأقوال، كما سيأتي إليه الاشارة.
قوله: «الخامس صوم بدل الهدي».
قال اللّه تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ (2).
في رواية إسحاق بن عمّار عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: لا تصم الثلاثة متفرّقة.
و له نظائر في قراءة ابي، فصيام ثلاثة أيّام متتابعا و هي و إن كانت شاذّة إلّا أنّها تصلح للتأييد.
و أمّا صوم السبعة الأيّام، فصاحبها فيها بالخيار إن شاء صامها متتابعة، و إن شاء متفرّقة.
الحجّ و سبعة- و لو متفرّقة على الأصحّ- إذا رجع إلى أهله.
ففي رواية إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السّلام: قدمت الكوفة و لم أصم السبعة الأيّام حتّى فرعت في حاجة إلى بغداد، قال: صمها ببغداد، قلت:
أفرّقها؟ قال: نعم (1).
و قيل: بالموالاة فيها كالثلاثة، و به حسنة.
ثمّ ظاهر الآية تفيد وجوب الصوم بعد الفجر عن الهدي، و شرائه بنفسه و إن وجد ثمنه، و إليه ذهب ابن إدريس، فلو لم يكن دليل يصلح لخلافه لا ينبغي الخروج عنه، و إلّا للقول بالتخيير أيضا، كما هو مذهب البعض.
و الدليل عليه حسنة حريز على المشهور، و صحيحته على ما تقرّر عندنا،
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في متمتّع يجد الثمن و لا يجد الغنم، قال: يخلف عند بعض أهل مكّة، و يأمر من يشتري له و يذبح عنه، و هو يجزئ عنه، فإن مضى ذو الحجّة أخّر ذلك إلى قابل (2).
و يؤيّدها
مجهولة النضر، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فوجب عليه النسك، فطلبه فلم يصبه و هو موسر حسن الحال، و هو يضعف عن الصيام، فما ينبغي له أن يصنع؟ قال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكّة إن كان يريد المضي إلى أهله، و ليذبح عنه في ذي الحجّة (3).
و شرط الخمسة (1)فقد ثمنه، و إلّا أبقاه عند من يذبح عنه في ذي الحجّة.
جامعا بينه و بين العتق، و إطعام الستّين في كفّارة قتل العمد و الافطار في نهار رمضان لا غيره، على محرّم أصالة كالزنا، أو
ثمّ موافقة المرتضى للشيخين و الصدوقين يدلّ على وجود دليل غير خبر الآحاد فيتأيّد به.
قوله في الحاشية: «المراد بالخمسة الشيخان».
المراد بالشيخ هو شيخ الطائفة الطوسي، و بالشيخين هو مع المفيد، و الثلاثة هو مع المرتضى و هو علم الهدى، و لتسميته حكاية و انّ عليا عليه السّلام هو الذي سمّاه بذلك (2)، و الخمسة هم الثلاثة مع ابن بابويه و ابنه محمّد، و هما الصدوقان.
قوله: «في كفّارة قتل العمد».
في صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سئل عن المؤمن يقتله المؤمن متعمّدا هل له توبة؟ فقال: إن كان قتله لايمانه فلا توبة له، و إن قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا، فإنّ توبته أن يقاد منه، و إن لم يكن علم به أحد انطلق إلى أولياء المقتول، فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية، و أعتق نسمة، و صام شهرين متتابعين، و أطعم ستّين مسكينا (3).
لعارض كالحيض، و مخيّرا بينه و بين كلّ منهما في الافطار على محلّل، و خلف النذر و العهد، و إفساد واجب الاعتكاف، و جزّ المرأة شعرها في المصاب، و بينه
و
في رواية الهروي قال: قلت للرضا عليه السّلام: يا بن رسول اللّه قد روي عن آبائك عليهم السّلام في من جامع في شهر رمضان، أو أفطر، فيه ثلاث كفّارات، و روي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأيّ الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما، أو أفطر على حرام في شهر رمضان، فعليه ثلاث كفّارات: عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستّين مسكينا، و قضى ذلك اليوم. و إن نكح حلالا، أو أفطر على حلال، فعليه كفّارة واحدة (1).
قوله: «و خلف النذر».
في كفّارة خلف النذر ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّها كبيرة مطلقا، و فيه أقوال: كبيرة متخيّرة، كبيرة مترتّبة، كبيرة معيّنة، و هي صوم شهرين متتابعين.
الثاني: أنّها صغيرة مطلقا، و به قال الصدوق.
الثالث: إن كان المنذور صوما، فهي كفّارة رمضان، و إلّا فهي كفّارة يمين، و به يوفّق بين الأخبار.
و أمّا كفّارة العهد، فالمشهور أنّها مخيّرة، و قيل: مرتّبة، و قيل: كفّارة يمين.
1) تهذيب الأحكام 4: 209 ح 605.
و بين البدنة و الاطعام في صيد المحرم نعامة.
و أمّا كفّارة إفساد واجب الاعتكاف، فالأكثر على أنّها مخيّرة؛
لرواية سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا: عتق رقبة، أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا (1).
و الصدوق على أنّها مرتّبة؛
لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام قال: سألته عن المعتكف يجامع، قال: إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر (2).
و كفّارة جزّ المرأة رأسها في المصاب عند الأكثر عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا؛ لرواية خالد بن سدير كما سيأتي.
و قال ابن إدريس: إنّها مرتّبة. و قيل: لا كفّارة فيه و إن أثمت؛ للأصل مع ضعف الرواية.
قوله: «و بينه و بين البدنة».
أي: مخيّرا بين الصوم و البدنة و الاطعام، كما هو صريح الآية لمكان «أو» و لكن دلّت الأخبار الكثيرة على الترتيب، و حملت على الأفضلية، و العمل بظاهر الآية لا يخلو من الرجحان، و البدنة من الابل الانثى التي كمل سنّها خمس سنين، سواء في ذلك كبير النعامة و صغيرها، ذكرها و انثاها، فإن تعذّرت يفضّ قيمتها على البرّ و يطعم ستّين مسكينا، و الفاضل من قيمتها عن ذلك له، و لا يلزمه الاتمام لو أعوز،
و مرتّبا على العتق، فإن عجز فالاطعام في الظهار و قتل الخطأ.
فإن لم يقدر على الفضّ لعدمه أو فقره صام ستّين مسكينا، و لو عجز عن صومها صام ثمانية عشر يوما.
و
في رواية محمّد بن مسلم و زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في محرم قتل نعامة، قال: عليه بدنة، فإن لم يجد فإطعام ستّين مسكينا، فإن كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستّين مسكينا لم يزد على إطعام ستّين مسكينا، و إن كانت قيمته أقلّ من إطعام ستّين مسكينا لم يكن عليه إلّا قيمة البدنة (1).
أي: ليس عليه الاتمام، و الصيام على قياس ذلك، كقوله تعالى أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (2)فلو كانت قيمة البدنة مساويا لخمسة عشر صاعا صام ثلاثين يوما، و هكذا.
قوله: «و مرتّبا على العتق».
إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار أنّ الكفّارات المذكورة في القرآن على التخيير إذا كان «أو» و على الترتيب إذا كان «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» فكفّارة الظهار تحرير رقبة، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ، ... فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً.
و مثلها كفّارة القتل، فإنّها أيضا مرتّبة تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ.
و عددي في صيد المحرم بقرة الوحش، أو حماره إذا عجز عن البقرة، ثمّ عن إطعام الثلاثين.
و للمفيض من عرفات قبل الغروب عامدا إذا عجز عن البدنة.
مرتّبا على الشاة، ثمّ على
قوله: «في ظهار العبد».
على العبد نصف ما على الحرّ، فعليه صوم شهر عددي أو هلالي في الظهار و القتل دون الاعتاق و الاطعام؛ لأنّه لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ، بل هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ.
قوله: «الثامن صوم ثمانية عشر يوما».
في رواية أبي بصير و سماعة قالا: سألنا أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين، فلم يقدر على الصيام، و لم يقدر على العتق، و لم يقدر على الصدقة، قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام (1).
و من أفاض من عرفات عامدا قبل أن تغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما (2).
قوله: «مرتّبا على الشاة».
كفّارة صيد الظبي هل هي مرتّبة أو مخيّرة؟ خلاف، منشأه ظاهر الآية و الرواية الدالّة على أنّ ما في القرآن ب «أو» فهو على التخيير.
إطعام العشرة.
أو الحمار إذا عجز عند الخصال الثلاث.
قال الصادق عليه السّلام: كلّ شيء في القرآن «أَوِ»* فصاحبه بالخيار يختار ما شاء (1).
و ما روي نصّا من أنّها على الترتيب و هو مقدّم، فيجب عليه أوّلا الشاة، ثمّ الاطعام، ثمّ الصيام، قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ (2)الآية.
قوله: «في كفّارة إفطار قضاء رمضان بعد الزوال».
تحريم الافطار بعد الزوال في قضاء رمضان ممّا اتّفقوا عليه، لكنّهم اختلفوا في كفّارته، فالأكثر على أنّها إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، فإن عجز فصيام ثلاثة أيّام؛
لصحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان، فقال: إن كان وقع قبل صلاة العصر، فلا شيء عليه يصوم يوما بدل يوم، و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين،
و على التخيير بين إطعامهم، و كسوتهم، أو العتق في كفّارة اليمين، و نتف المرأة شعرها في المصاب، و خدش وجهها، و شقّ الرجل ثوبه على الولد و الزوجة.
فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيّام (1).
لكنّها مخالفة لما اتّفقوا عليه من ترتّب الكفّارة على الافطار بعد الزوال لا بعد العصر.
و قال ابن البرّاج: إنّها كفّارة يمين. و أبو الصلاح صيام ثلاثة أيّام أو اطعام عشرة مساكين. و ابن بابويه كفّارة رمضان؛ لموثّقة زرارة، و هي محمولة على الاستحباب.
قوله: «و على التخيير بين إطعامهم أو كسوتهم أو العتق في كفّارة اليمين».
قال اللّه تعالى لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ (2).
و كفّارة النتف و الخدش، و كذا كفّارة شقّ الثوب كفّارة يمين، كما يشير إليه كلام الشيخ في المبسوط، و يصرّح به
رواية خالد بن سدير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: و إذا شقّ زوج على امرأته أو والد على ولده، فكفّارته كفّارة حنث يمين و لا صلاة لهما حتّى يكفّرا و يتوبا من ذلك، و إذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته، ففي جزّ الشعر عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا (3).
و في خدش الوجه إذا أدمت و في النتف كفّارة حنث يمين، و لكن ابن سدير هذا
و في الحلف بالبراءة إن عجز عن كفّارة الظهار.
غير موثّق، و كتابه موضوع، و لعلّه لذلك قال ابن ادريس باستحباب هاتين الكفّارتين، ثمّ إنّها و إن كانت مطلقة إلّا أنّ المراد بها النتف و الخدش في المصاب، كما أشار إليه الشيخ لا في مطلق الأحوال.
قوله: «و في الحلف بالبراءة».
تحريم الحلف بالبراءة من اللّه و رسوله و الأئمّة عليهم السّلام على الاجتماع و الانفراد صادقا كان الحالف أو كاذبا ممّا اتّفقوا عليه، لكنّهم اختلفوا في وجوب الكفّارة به مطلقا، أو مع الحنث، فقال جماعة منهم الشيخ في النهاية: إنّه يكفّر كفّارة ظهار، فإن عجز فكفّارة يمين (1).
و اختار العلّامة في المختلف ما في
توقيع العسكري عليه السّلام إلى محمّد بن الحسن الصفّار الذي رواه محمّد بن يحيى في الصحيح أنّه مع الحنث يطعم عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، و يستغفر اللّه تعالى (2).
و قيل: لا كفّارة عليه مطلقا مع الحنث و عدمه لعدم انعقاد اليمين؛ إذ لا حلف إلّا باللّه.
و
في صحيحة حريز عن أبى عبد اللّه عليه السّلام، قال: مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على كعب بن عجرة الأنصاري، و القمّل يتناثر من رأسه و هو محرم، فقال: أ تؤذيك هوامك؟
فقال: نعم، فأنزلت هذه الآية فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ
و مخيّرا بينها و بين شاة أو إطعام العشرة في حلق المحرم رأسه لأذى أو غيره.
و بينهما مرتّبا على البدنة أو البقرة في جماع المحلّ أمته المحرمة بإذنه.
صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بحلق رأسه و جعل عليه صيام ثلاثة أيّام، و الصدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكين مدّان، و النسك الشاة (1).
و
في رواية عمرو بن يزيد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال اللّه تعالى في كتابه فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ الآية، فمن عرض له أذى أو وجع، فيتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا، فالصيام ثلاثة أيّام، و الصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، و النسك شاة يذبحها و يأكل و يطعم، و إنّما عليه واحد من ذلك (2).
و الأوّل مذهب ابن الجنيد، و الثاني و هو إطعام عشرة مساكين لكلّ واحد مدّ هو المشهور عند الأصحاب، و الشيخ جمع بينهما بالتخيير، و قوّاه الشهيدان في الدروس و شرح الشرائع.
قوله: «في جماع المحلّ أمته المحرمة بإذنه».
من جامع أمته المحرمة بإذنه و هو محلّ، فكفّارته بدنة أو بقرة أو شاة، فإن عجز عن الأوّلين فشاة أو صيام ثلاثة أيّام، فالصيام فيها مترتّب على غيره، و هو البدنة و البقرة، مخيّر بينه و بين غيره و هو الشاة.
و كذا معتكف الخمسة و الثمانية، و هكذا كلّ ثالث.
و لمن نام عن العشاء إلى الانتصاف فيصوم ذلك اليوم، قاله الشيخ (1)، و وافقه
قوله: «صوم يوم واحد للمعتكف يومين ندبا».
الأقوى أنّ الاعتكاف لا يجب إلّا بعد مضي يومين، فيجب في الثالث، كما تدلّ عليه
صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السّلام، قال: إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط، فله أن يخرج و يفسخ الاعتكاف، و إن أقام يومين و لم يكن اشترط، فليس له أن يفسخ اعتكافه حتّى يمضي ثلاثة أيّام (2).
و
صحيحة أبي عبيدة عنه عليه السّلام أنّه قال: من اعتكف ثلاثة أيّام، فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيّام اخر، و إن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة، فلا يخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام اخر (3).
و ظاهره وجوب السادس، و يلزم منه وجوب كلّ ثالث؛ إذ لا قائل بالفصل، و ربما كان في الحديث إشارة إلى ذلك.
ابن إدريس (1)، و لو أفسده احتمل الكفّارة و عدمها، و إن سافر قضاه.
و لو وافق مرضا أو دما أو عيدا أو صوما معيّنا احتمل السقوط و القضاء،
قوله في الحاشية: «و هذا هو الباعث على التعرّض لموافقته».
لا حاجة إلى ذلك؛ لأنّ المرتضى علم الهدى قد صرّح بوجوب ذلك الصوم و ادّعى عليه الاجماع، فكان التعرّض له أولى من التعرّض لموافقة ابن إدريس، فإنّه صريح في وجود دليل سوى خبر الواحد، و لكن الاجماع غير ثابت، كيف؟
و قد خالفه أكثر المتأخّرين و ذهبوا إلى استحباب ذلك الصوم بل استحبابه أيضا محلّ نظر؛ فإنّ مستنده بل مستند الوجوب أيضا كما عليه الشيخ في النهاية
رواية مرسلة رواها عبد اللّه بن المغيرة عمّن حدّثه، عن الصادق عليه السّلام في رجل نام عن العمّة و لم يقم إلّا بعد انتصاف الليل، قال: يصلّيها و يصبح صائما (2).
و هي مع إرسالها ليس فيها ما يدلّ على الوجوب، فإنّ عطفه على الصلاة الواجبة بدليل آخر لا يدلّ على وجوبه، بل غايته الاستحباب لو سلّم له ذلك.
قوله: «احتمل السقوط».
ظاهر الخبر الذي نقلناه آنفا يفيد أنّه مأمور بهذا الصوم في ذلك اليوم، و قد تقرّر في الاصول أنّ الأمر بفعل في وقت معيّن لا يقتضي فعله فيما بعد ذلك الوقت لا
و مقرّب الدروس (1)التداخل في الأخير.
أداء و لا قضاء، فلو ثبت قضاؤه فبأمر جديد و ليس، فاحتمال السقوط أقوى من القضاء لو سلّم له ثبوت وجوب أصله أو استحبابه.
قوله: «و مقرّب الدروس كان التداخل في الأخير».
أي: فيما إذا وافق ذلك اليوم صوما معيّنا؛ لأنّه يصدق عليه أنّه أصبح صائما كما كان مأمورا به، و بذلك يخرج عن العهدة.
1) الدروس الشرعية 1: 301.
و لنذكر من مؤكّده اثنا عشر:
(1)، و هو سابع عشر من ربيع الأوّل.
قوله في الحاشية: عن أقلّ مدّة الحمل.
أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر هلالية، و أمّا أكثرها فقيل: تسعة، و قيل: عشرة، و قيل:
سنة. و مستند الكلّ مفهوم الروايات.
و قال الشهيد الثاني في شرحه على اللمعة: و يمكن حمل الروايات على اختلاف عادات النساء، فإن بعضهنّ تلد لتسعة، و بعضهنّ لعشرة، و قد يتّفق نادرا بلوغ سنة. و اتّفق الأصحاب على أنّه لا يزيد عن السنة، مع أنّهم
رووا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله حملت به أمّه أيّام التشريق، و اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الأوّل
، فأقلّ ما
1) اعلم أنّهم قد ذكروا أنّ حمل أمّه صلّى اللّه عليه و آله به كان في أيّام التشريق، كما في الدروس و غيره من كتب الخاصّة و العامّة، و هذا لا يجامع ولادته صلّى اللّه عليه و آله في ربيع الأوّل؛ للزوم أقلّية مدّة حمله صلّى اللّه عليه و آله عن أقلّ مدّة الحمل، أو أكثريتها عن أكثرها. و قد يجاب بأنّ ذلك من خواصّه صلّى اللّه عليه و آله. و فيه أنّ الخواصّ معدودة، و ليس هذا منها.و الحقّ في الجواب أن يقال: إنّه قد اشتهر أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا اضطرّوا إلى الحرب في الأشهر الحرم أنسئوها، أي: حرّموا شهورا بعدها، و أوقعوا فيها أفعال الحجّ، و سمّوا أيّامها بتلك الأيّام، فأنزل اللّه تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ و قد اتّفق حمله صلّى اللّه عليه و آله في أيّام التشريق بذلك الاصطلاح، فلا إشكال «منه».
..........
يكون لبثه في بطن أمّه سنة و ثلاثة أشهر، و ما نقل أحد من العلماء أنّ ذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه و آله (1). انتهى.
و أنت خبير بما فيه. أمّا أوّلا: فلأنّه نقل في المسالك أنّ أقصى مدّة الحمل عند العامّة سنتان، ذهب إليه الشيخ في النهاية و المقنعة و ابن الجنيد و سلّار و ابن البرّاج و المرتضى في أحد قوليه و جماعة آخرون.
و أمّا ثانيا: فلقول الشيخ في الحاشية «و قد يجاب بأنّ ذلك من خواصّه».
و أمّا ثالثا: فلأنّ بحثه هذا على الأصحاب مدفوع بما نقل عن الصدوق و ابن طاوس من التوجيه، كما سنشير إليه، و لعلّه قدس سرّه كان غافلا عنه وقتئذ، أو لم يصل إليه هذا الجواب بعد، أو وصل و لم يستحسنه، و هو أعرف بما قال، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.
قوله في الحاشية: «و الحقّ في الجواب».
أصل هذا الجواب من ابن بابويه رحمة اللّه عليه،
فإنّه قال في الجزء الرابع من كتاب النبوّة أنّ ابتداء الحمل كان ليلة الثاني عشر من جمادي الآخر.
و
عن علي بن طاوس في كتاب الإقبال: انّه كان ليلة تاسع عشر من الشهر المذكور (2).
و كان أحدهما يوم التشريق في الجاهلية، و هو الصواب، و عليه يرفع الاشكال.
و هو السابع و العشرون من رجب،
روى الحسن بن راشد: أنّه يعدل صوم ستّين شهرا (2)
روى الحسن بن راشد عن الصادق عليه السّلام، قال: قلت: له:
جعلت فداك للمسلمين عيد غير العيدين؟ قال: نعم يا حسن أعظمهما و أشرفهما، قلت: فأيّ يوم هو؟ قال: هو يوم نصب أمير المؤمنين عليه السّلام فيه علما للناس، قلت:
جعلت فداك فما ينبغي لنا أن نصنع فيه؟ قال: تصومه يا حسن و تكثر فيه الصلاة على محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و تبرأ إلى اللّه عزّ و جلّ ممّن ظلمهم، و انّ الأنبياء كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي يقام فيه الوصي أن يتّخذ عيدا،
قوله: «و في الكافي أنّه ثاني عشر».
و مال إليه الشهيد الثاني في حواشيه على القواعد، و ليست في الباب رواية تصلح لإثبات أحد القولين.
قوله: «صوم يوم الغدير».
و هو الثامن عشر من ذي الحجّة. و رواية ابن راشد ضعيف السند.
قوله: «و تبرأ إلى اللّه ممّن ظلمه».
و في أحاديث الوصية و من نصبه صلّى اللّه عليه و آله علما للناس يوم غدير خمّ و التحذير عمّن أنكر
قوله فيه: معاشر المسلمين أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن
قلت: فما لمن صامه؟ قال: صيام ستّين شهرا (1).
كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و العن من ظلمه (2).
و هذا الخبر قد ذكره محمّد بن جرير الطبري صاحب التاريخ، و طرقه من خمسة و سبعين طريقا، و أفرد له كتابا سمّاه كتاب الولاية، و ذكره أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، و هو زيدي المذهب، و طرقه من مائة و خمسة طرق (3).
و هذا قد تجاوز حدّ التواتر، فيفيد العلم الضروري بوقوعه و حقيقته، فمن أنكره فقد أنكر ضروري الدين، فهو كافر يجب التبرّي منه، اللّهمّ إلّا أن يكون إنكاره أو عدم إفادته العلم الضروري بالإضافة إليه لسبق شبهة، فحينئذ يشكل الحكم بكفره ظاهرا، و إن كان كافرا في نفس الأمر، و يجري عليه أحكام الكفّارة في الآخرة حيث إنّه قصّر في المجاهدة، و إلّا لكان من المهتدين.
قوله: «صيام ستّين شهرا».
و
في رواية علي بن الحسين العبدي، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: صيام يوم غدير خمّ يعدل صيام عمر الدنيا لو عاش إنسان، ثمّ صام ما عمرت الدنيا لكان له ثواب ذلك، و صيامه يعدل عند اللّه عزّ و جلّ في كلّ عام مائة حجّة و مائة عمرة مبرورات متقبّلات، و هو عيد اللّه الأكبر، ما بعث اللّه عزّ و جلّ نبيا إلّا و تعيّد
أوّل أخمسة، و أخرها، و أوّل أربعاء عشرة
في هذا اليوم و عرف حرمته، و اسمه في السماء يوم العهد المعهود، و في الأرض يوم الميثاق المأخوذ، و الجمع المشهود.
الحديث و طوله (1).
و هو و إن كان سنده بين ضعيف و مجهول إلّا أنّه غير ضائر؛ لأنّ حكمهم باستحباب تلك الأعمال و ترتّب الثواب عليها ليس مستندا في الحقيقة إلى تلك الأحاديث الضعيفة، فإنّها لا يثبت بها حكم بالاتّفاق، بل إلى
حديث: من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره، و إن لم يكن على ما بلغه (2).
و هو الصحيح السند على ما تقرّر عندنا، و إن كان على المشهور حسنا.
فما ذكره الصدوق في آخر باب صوم التطوّع من الفقيه بقوله: و أمّا خبر صلاة غدير خمّ و الثواب المذكور فيه لمن صامه، فإنّ شيخنا محمّد بن الحسن- رضي اللّه عنه- كان لا يصحّحه، و يقول: إنّه من طريق محمّد بن موسى الهمداني، و كان كذّابا غير ثقة، و كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ قدس سرّه و لم يحكم بصحّته من الأخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح (3). محلّ نظر و تأمّل.
قوله: «الرابع صوم أيّام ثلاثة».
في صحيحة حمّاد عن الصادق عليه السّلام، قال: صام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى قيل: ما يفطر، ثمّ أفطر حتّى قيل: ما يصوم، ثمّ صام صوم داود عليه السّلام يوما و يوما لا، ثمّ قبض
الثاني، روي أنّ ذلك يعدل صوم الدهر، و يذهب و حر الصدر (1)- بالمهملتين- أي: وسوسته. و العاجز عن صيامها يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ أو درهم.
على صيام ثلاثة أيّام في الشهر، قال: يعدلن صوم الدهر، و يذهبن بوحر الصدر.
قال حمّاد: الوحر الوسوسة، قال حمّاد: فقلت: و أيّ الأيّام هي؟ قال: أوّل خميس في الشهر، و أوّل أربعاء بعد العشر منه، و آخر خميس منه، فقلت: و كيف صارت هذه الأيّام التي يصام؟ فقال: لأنّ من قبلنا من الامم كان إذا نزل على أحدهم العذاب نزل في هذه الأيّام المخوفة (2).
و
في موثّقة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بما جرت السنّة من الصوم؟ فقال:
ثلاثة أيّام من كلّ شهر: الخميس في العشر الأوّل، و الأربعاء في العشر الأوسط، و الخميس في العشر الآخر، قال: فقلت: هذا جميع ما جرت به السنّة في الصوم؟
قال: نعم (3).
قوله: «و العاجز عن صيامها».
من كبر أو عطش لا من مرض، فإنّه يقضيه إذا برئ من مرضه، كما تدلّ عليه
رواية داود بن فرقد، عن أبيه، قال: كتب حفص الأعور إليّ: سل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثلاث مسائل، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما هي؟ قال: من ترك الصيام ثلاثة أيّام في كلّ شهر، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من مرض أو كبر أو لعطش، قال: فاشرح شيئا شيئا،
و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر من كلّ شهر،
روي أنّ من صامها في كلّ شهر فكأنّما صام الدهر (1).
و لتسميتها بأيّام البيض وجهان (2)مشهوران.
فقال: إن كان من مرض فإذا برأ فليقضه، و إن كان من كبر أو لعطش فبدل كلّ يوم مدّ (3).
قوله: «فكأنّما صام الدهر».
لأنّ الشهر ثلاثون يوما، و أيّام البيض ثلاثة، و قد قال اللّه تعالى مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (4)فمن صامها كان كمن صام الدهر.
قوله في الحاشية: «و الوجه الثاني ما رواه الصدوق».
يظهر من الصدوق أنّ صوم هذه الأيّام منسوخ بصوم الخميس و الأربعاء.
حيث قال بعد نقل الرواية المذكورة في الحاشية: قال مصنّف هذا الكتاب: هذا
1) علل الشرائع ص 379.
2) الوجه الأوّل: أنّ لياليها بيض بالقمر، و المراد أيّام الليالي البيض. و الوجه الثاني: ما رواه الصدوق في كتاب علل الشرائع أنّ آدم- على نبينا و عليه السلام- لمّا اهبط إلى الأرض، أهبط مسودّ البدن، فبكت الملائكة لذلك، و سألوا اللّه أن يردّ إليه بياضه، فناداه مناد من السماء: صم لربّك، فاتّفق صيامه ثالث عشر الشهر، فذهب ثلث السواد، ثمّ نودي صم الرابع عشر، فصامه فذهب ثلثا السواد، ثمّ نودي صم الخامس عشر، فصامه و قد ذهب السواد كلّه «منه».
3) تهذيب الأحكام 4: 239 ح 700.
4) سورة الأنعام: 160.
..........
الخبر صحيح، و لكن اللّه تبارك و تعالى فوّض إلى نبيه محمّد صلّى اللّه عليه و آله أمر دينه، فقال:
مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فسنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكان أيّام البيض خميسا في أوّل الشهر، و أربعاء في وسط الشهر، و خميسا في آخر الشهر، و ذلك صوم السنة، من صامها كان كمن صام الدهر؛ لقوله مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا و إنّما ذكرت الحديث لما فيه من ذكر العلّة، و ليعلم السبب في ذلك؛ لأنّ الناس أكثرهم يقولون: إنّ أيّام البيض إنّما سمّيت بيضا لأنّ لياليها مقمرة من أوّلها إلى آخرها (1). انتهى كلامه رفع مقامه.
قوله في الحاشية: «إنّ آدم لمّا أهبط إلى الأرض».
هذا مثل قوله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتٰاعٌ إِلىٰ حِينٍ (2)يعطي أنّ الهبوط كان من غير الأرض إلى الأرض، فيدلّ على أنّ جنّة آدم كانت جنّة من جنان الخلد لا بستانا من بساتين الدنيا، كما ذهب إليه بعض، و نحن قد أكثرنا الآيات و الروايات في هذا المعنى في تعليقاتنا على الأربعين، و في رسالتنا الموسومة بهداية الفؤاد (3)، فليطلب من هناك.
قوله في الحاشية: «أهبط مسودّ البطن».
السواد و البياض: إمّا محمولان على ظاهرهما، و هما كنايتان عن أثر المعصية
و عدم إضعافه عن الدعاء، روي أنّ صومه كفّارة تسعين سنة (1).
و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة، و في مثله
و الطاعة، فتأمّل.
قوله في الحاشية: «فبكت الملائكة»
بكاء الملائكة: إمّا محمول على حقيقته كما عليه الأكثر، أو هو كناية عن عظم هذا الأمر، كما يقال في تعظيم مصيبة الرجل العظيم إذا مات: بكت عليه السماء و الأرض، و أظلمت الدنيا، بشرط تحقّق هلال ذي الحجّة، بأن يرى في أوّل الشهر من غير اشتباه و التباس، و إلّا فيكون صومه دائرا بين مندوب و حرام؛ لاحتمال كونه عيدا.
قوله: «و عدم إضعافه عن الدعاء».
يريد أنّ صومه مشروط بأن لا يضعفه عن الدعاء الذي هو عازم في الكمّية و الكيفية، و يفهم منه أنّ الدعاء فيه أفضل من الصوم، و صومه كفّارة سبعين سنة.
قوله: «صوم يوم المباهلة».
المباهلة: الملاعنة، و هو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة اللّه على الظالم منّا، سمّي بذلك لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله باهل فيه نصارى نجران بأمير المؤمنين و فاطمة و الحسنين عليهم السّلام، فأظهر ما للّه فيه على خصيمه، و حصل فيه من التنبيه على قرب علي عليه السّلام من ربّه و اختصاصه و عزم منزلته و ثبوت ولايته، و استجابة الدعاء
1) من لا يحضره الفقيه 2: 52 ح 232.
تصدّق أمير المؤمنين عليه السّلام بخاتمه و هو راكع، فنزل قوله تعالى إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1).
به ما لم يحصل بغيره، و ذلك من أعظم الكرامات الموجبة لإخبار اللّه تعالى بأنّ نفسه نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله، فيستحبّ صومه شكرا لهذه النعمة الجسيمة، و إلّا فلا نصّ على استحباب صومه بالخصوص.
قوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ.
الآية نزلت في حقّ علي عليه السّلام باتّفاق المخالف و المؤالف حين سأله سائل و هو راكع في صلاته، فأوحى إليه بخنصره اليمنى، و أخذ السائل الخاتم من خنصره (2).
و
عن الصادق عليه السّلام: إنّ الخاتم الذي تصدّق به أمير المؤمنين عليه السّلام وزن حلقته أربعة مثاقيل فضّة، و وزن فضّته خمسة مثاقيل، و هو من ياقوتة حمراء قيمته خراج الشام، و خراج الشام مائة حمل من فضّة، و أربعة أحمال من الذهب، هو لطوق بن الحران (3)، قتله أمير المؤمنين عليه السّلام و أخذ الخاتم من إصبعه و أتى به النبي صلّى اللّه عليه و آله من جملة الغنائم، فأعطاه النبي صلّى اللّه عليه و آله، فجعله في إصبعه صلوات اللّه عليهما و آلهما (4).
روي أنّ من صامه كتب له صوم ثمانين شهرا، فإن صام التسع كتب له صوم الدهر (1)
روي أنّ من صامه كلّه كتب اللّه له رضاه، و من كتب له رضاه لم يعذّبه (2).
قوله: «صوم أوّل ذي الحجة إلى تاسعه».
في رواية مرسلة عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام، قال: و في أوّل يوم من ذي الحجّة ولد إبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام، فمن صام ذلك اليوم كتب اللّه له صيام ستّين شهرا (3).
و
في مرسلة اخرى عنه عليه السّلام: إنّه من صام أوّل يوم من ذي الحجّة كتب اللّه له صوم ثمانين شهرا، فإن صام التسع كتب اللّه له صوم الدهر (4).
قوله: «صوم رجب».
في رواية مرسلة عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام، قال: و في أوّل يوم رجب روي أنّ من صامه ...
، رواه الشيخ المفيد رحمه اللّه مرسلا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: من صام رجب كلّه ...
الحديث (5).
و
عن سيّدنا أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه كان يصومه و يقول: رجب شهري، و شعبان
روي أنّ صوم شعبان و شهر رمضان مُتَتٰابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّٰهِ تعالى (1).
شهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (2).
و
عن الصادق عليه السّلام: إنّ نوحا ركب السفينة أوّل يوم من رجب، و أمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم، و قال: من صامه تباعدت عنه النيران مسيرة سنة، و من صام سبعة أيّام غلقت عنه أبواب النيران السبعة، و من صام ثمانية أيّام فتحت له أبواب الجنان الثمانية، و من صام خمسة عشر يوما اعطي مسألته، و من صام خمسة و عشرين قيل له: استأنف العمل فقد غفر اللّه لك، و من زاد زاد اللّه عزّ و جلّ (3).
قوله: «روي أنّ صوم شعبان».
رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق عليه السّلام، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من صام شعبان كان له طهارة من كلّ زلّة و وصمة و بادرة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ما الوصمة؟ قال: اليمين في المعصية، قلت: فما البادرة؟ قال: اليمين عند الغضب، و التوبة منها الندم (4).
(1)، أي: بسطها من تحت الكعبة، و هو الخامس و العشرون من ذي القعدة. و روي أنّه يعدل ستّين شهرا (2).
قوله في الحاشية: «قد يقال: إنّ وقوع دحو الأرض».
في صحيحة الحسن بن علي الوشّاء، قال: كنت مع أبي و أنا غلام، فتعشّينا عند الرضا عليه السّلام ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة، فقال له: ليلة خمسة و عشرين من
1) قد يقال: إنّ وقوع دحو الأرض في الخامس و العشرين من ذي القعدة يقتضي تحقّق الشهور قبل الدحو، و حيث انّ الشهر مؤلّف من الأيّام و الليالي، و هي لا تتحقّق قبل خلق الفلك، فيكون خلقه قبل الدحو، و هذا ينافي قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فإنّ هذه الآية الكريمة تقتضي تقدّم دحو الأرض على خلق الفلك. و الجواب: أنّ الآية الكريمة لم تدلّ على أنّ أصل خلق السماء بعد الدحو، و إنّما دلّت على أنّ جعلها سبع طبقات إنّما وقع بعد الدحو، فيجوز أن يكون سبحانه خلق السماء في أوّل الأمر طبقة واحدة، ثمّ دحا الأرض، ثمّ جعل السماء سبع طبقات، و ربما يدلّ بظاهره على ذلك قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا* رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا* وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا* وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا و قد ذكر المفسّرون أنّ امتداد الجسم اذا اعتبر من العلوّ إلى السفل يسمّى عمقا، و إذا اعتبر من السفل إلى العلوّ يسمّى سمكا. ثمّ لا يخفى أنّه يكفي في تحقّق الليل و النهار وجود جرم الأرض، و إن كان خلق قبل الدحو صغيرا جدّا؛ إذ الليل ليس إلّا مخروط ظلّ الأرض، و النهار مقابله، و هما حاصلان، فقد تحقّق الليل و النهار قبل الدحو و زال الاشكال. و يمكن التفصّي عنه بوجه آخر أوردناه في تفسيرنا الموسوم ب «العروة الوثقى» و بسطنا الكلام هنا بما لا مزيد عليه «منه».
2) فروع الكافي 4: 149 ح 2، تهذيب الأحكام 4: 304 ح 502.
..........
ذي القعدة ولد فيها إبراهيم عليه السّلام، و ولد فيها عيسى بن مريم عليه السّلام، و فيها دحيت الأرض من تحت الكعبة، فمن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستّين شهرا (1).
قال صاحب المدارك: و مقتضى ذلك عدّ الشهور قبل الدحو، و استشكله جدّي قدس سرّه في فوائد القواعد بما علم من أنّه تعالى خلق السماوات و ما بينهما في ستّة أيّام، و أنّ المراد من اليوم دوران الشمس في فلكها دورة واحدة، و هو يقتضي عدم خلق السماوات قبل ذلك، فلا يتمّ عدّ الأشهر في تلك المدّة.
و يمكن دفعه بأنّ الكتب العزيز ناطق بتأخّر الدحو عن خلق السماء و الأرض و الليل و النهار، حيث قال عزّ و جلّ أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا* رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا* وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا* وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا (2)و على هذا فيمكن تحقّق الأهلّة و عدّ الأيّام قبل ذلك (3). انتهى.
و ظنّي أنّ المراد بهذه الأيّام و الشهور هو الأيّام الفرضية و الشهور التقديرية، كما في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ* (4)إذ المتبادر منها كما صرّح به أهل التفسير زمان طلوع الشمس إلى غروبها، و لم يكن وقتئذ طلوع و لا غروب، فالمراد مجرّد الفرض و التقدير، أي: لو فرضنا
..........
و قدّرنا قبل الدحو أيّاما و شهورا، لكان وقوع دحو الأرض في الخامس و العشرين من ذي القعدة، و هذا لا يقتضي إلّا تحقّق الشهور الفرضية قبل الدحو، و هي متحقّق قبل الفلك، و لا يلزم منه كون خلقه قبل الدحو، و بذلك يزول الاشكال.
و أمّا قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا فمعناه مع ذلك، أي: مع ما سمعت من قدرته في السماء، كما قال: عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِكَ زَنِيمٍ (1)أي: مع ذلك، كما نقل عن مجاهد. و على هذا فلا دلالة في الآية على تأخّر دحو الأرض عن خلق السماء في الآية و الليل و النهار. و لا منافاة بينها و بين قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (2)الآية.
و أمّا كلام الشيخ و صاحب المدارك، فمبني على أنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الأرض أوّلا جرما صغيرا، ثمّ خلق السماء طبقة واحدة، و أدارها دورات عديدة حصلت بها الأيّام و الليالي؛ لوجود ظلّ جرم الأرض و إن كان صغيرا و تألّفت بهما الشهور و السنين، ثمّ دحى الأرض و خلق ما فيها، ثمّ جعل السماء سبع طبقات.
و ينصره ما نقل
عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ اللّه دحى الأرض بعد السماء، و إن كانت الأرض خلقت قبل السماء كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها.
و فيه مناقشة أمّا أوّلا: فلأنّ الليل الحقيقي الشرعي عبارة عن زمان يقع ما بين غروب الشمس و طلوع الفجر الثاني، و حيث لا طلوع و لا غروب و لا يغيب جرم
..........
النيّر بتمامه و لا ضوءه عن النظر، فلا ليل و لا نهار، كما فيما فوق فلك الزهرة، فإنّا إذا فرضنا أنّ على ذلك الجرم الصغير شخصا إنسانيا لم يغب عنه جرم النيّر العظيم، فإنّه كلّما أراد أن ينظر إليه يمكنه ذلك، و يكون حاله في الظلمة و النور وقت كون النيّر العظيم تحت ذلك الجرم الصغير حال من يكون في ظلّ جدار وقت كون النيّر فوق الافق بالنسبة إلينا، و معلوم أنّ مثل هذا لا يسمّى ليلا لا شرعا و لا عرفا.
و أمّا ثانيا: فلأنّ السماء لمّا كانت قبل الدحو طبقة واحدة و وجود الليل و النهار موقوف على حركة الشمس درّة واحدة، و هي إنّما خلقت في الطبقة الرابعة منها بعد سمك السماء و دحو الأرض، فكيف يكون قبله ليل أو نهار بالحركة اليومية.
و أمّا ثالثا: فلأنّ مقتضى ظاهر قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّٰهِ اثْنٰا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتٰابِ اللّٰهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ (1)عدّ الشهور بعد جعل السماء سبع طبقات لمكان صيغة الجمع، و هو على ما ذكره بعد الدحو، و قد سبق أنّ مقتضى الحديث عدّ الشهور قبل الدحو المتقدّم على خلق السماوات، فالاشكال على الوجوه بحاله، و إنّما يندفع بها وجهنا، فتأمّل.
قوله في الحاشية: «أوردناه في تفسيرنا الموسوم بالعروة الوثقى».
ما وجدنا هذا التفسير سوى سورة الحمد.
1) سورة التوبة: 36.
روي أنّه كفّارة سنة (1). و ليكن الافطار بعد العصر على شربة من ماء، كما روي عن الصادق عليه السّلام (2).
قوله: «صوم يوم عاشوراء».
المراد بيوم عاشوراء هو العاشر من المحرّم، و في مثل هذا اليوم اصيب سيّدنا أبو عبد اللّه الحسين عليه السّلام ما اصيب.
و الروايات في صيامه مختلفة، فورد في بعضها النهي عنه، و أنّ من صامه كان حظّه من ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة و آل زياد و هو النار (3).
و في بعضها الأمر به و أنّه كفّارة سنة (4). و الشيخ جمع بينهما، بأنّ من صامه على طريق الحزن بمصاب آل محمّد عليهم السّلام و الجزع لما حلّ بعترته فقد أصاب، و من صامه على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه و التبرّك به و الاعتقاد لبركته و سعادته، فقد أثم و أخطأ.
و
في رواية معتبرة عن عبد اللّه بن سنان، قال: دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام في يوم عاشوراء، فألقيته كاسف اللون، ظاهر الحزن، و دموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: يا ابن رسول اللّه ممّ بكاؤك؟ لا أبكى اللّه عينيك، فقال:
أ و في غفلة أنت؟ أ ما علمت أنّ الحسين بن علي عليهما السّلام اصيب في مثل هذا اليوم؟
..........
فقلت: يا سيّدي فما قولك في صومه؟ فقال: صمه من غير تبييت، و أفطره من غير تشميت، و لا تجعله يوم صوم كملا، و ليكن إفطارك بعد العصر بساعة على شربة من ماء، فإنّه في ذلك الوقت من ذلك تجلّلت الهيجاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و انكشفت الملحمة عنهم (1).
قوله: «حزنا».
إشارة إلى أنّ صومه ليس صوما معتبرا، بل هو إمساك بدون نية الصوم، فيستحبّ فيه الامساك إلى بعد العصر حزنا، و صومه من شعار بني امية سرورا بقتلهم الحسين عليه السّلام.
1) مصباح المتهجّد ص 724.
و تحريمه ممّا أجمع عليه أهل الاسلام، و استثنى الشيخ (1)صوم العيد في كفّارة القتل في شهر حرام، و الرواية (2)ضعيفة.
قوله: «و الرواية ضعيفة».
لوجود سهل بن زياد الآدمي في طريقهما، و لكن على هذا المطلب رواية اخرى حسنة بل
صحيحة عن زرارة، عن الباقر عليه السّلام، قال: قلت له: رجل قتل رجلا في الحرم، قال: عليه ديته و ثلث، و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، و يعتق رقبة، و يطعم ستّين مسكينا، قال: قلت: يدخل في هذا شيء؟ قال: و ما يدخل؟
قلت: العيدان و أيّام التشريق؟ قال: يصوم فإنّه حقّ لزمه (3).
قيل: و هذه الرواية و إن كانت معتبرة الاسناد، إلّا أنّ الخروج بها عن مقتضى الأخبار الصحيحة المتضمّنة لتحريم صوم هذه الأيّام مشكل.
1) المبسوط 1: 281.
2) و هي ما رواه زرارة عن الباقر عليه السّلام، قال: سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام؟ قال: تغلّظ عليه العقوبة، و عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: فإنّه يدخل في هذا الشيء، قال: و ما هو؟ قلت: يوم العيد و أيّام التشريق، قال: يصومه فإنّه حقّ لزمه «منه» تهذيب الأحكام 4: 297 ح 479.
3) فروع الكافي 4: 140 ح 9.
و تحريمه ممّا أجمع عليه علماؤنا، و خصّه الأكثر بمن كان بمنى، و ألحق الشيخ (1)مكّة و استثنى كما سبق، و زاد العلّامة (2)التخصيص بالناسك، و لم نظفر له بمستند.
قوله: «و خصّه الأكثر بمن كان بمنى».
لصحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن صيام أيّام التشريق، فقال: أمّا بالأمصار فلا بأس به، و أمّا بمنى فلا (3).
فإنّها خاصّة، و الخاصّ مقدّم على العام،
كرواية قتيبة، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:
نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن صوم ستّة أيّام: العيدين، و أيّام التشريق، و اليوم الذي تشكّ فيه من شهر رمضان (4).
و
صحيحة زياد بن أبي حلال، قال: قال لنا أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيّام؛ لأنّها أيّام أكل و شرب (5).
قوله: «و زاد العلّامة في القواعد».
تخصيص التحريم بمن كان ناسكا بمنى لأنّه العمدة، و الكامل المتبادر ممّن كان بمنى في أيّام التشريق، فإطلاق الرواية ينصرف إليه، و أمّا غيره فالأصل عدم تحريم صومه فيه في هذه الأيّام، فيجب الاقتصار فيما خالف الأصل على موضع
أمّا بنية قضائه أو النذر فلا. فلو أفطره القاضي بعد الزوال أو الناذر فظهر منه، احتمل سقوط الكفّارة و وجوبها عن القضاء أو النذر، أمّا عن رمضان فلا.
اليقين، فيمكن أن يكون هذا مستنده، فتأمّل فيه.
قوله: «صوم يوم الشكّ بنية رمضان».
إنّما كان محرّما لورود النهي عنه، كما سبق آنفا؛ لأنّ صوم يوم الثلاثين من شعبان بنية رمضان تشريع محرّم.
قوله: «احتمل سقوط الكفّارة».
لأنّ ذلك اليوم كان عند اللّه من رمضان، فما كان صالحا لأن يكون ظرفا لقضائه أو النذر، و إذ لا قضاء و لا نذر فلا كفّارة.
و أنت خبير بأنه احتمال ثبوتها أقوى من سقوطها؛ لأنّه كان مكلّفا بما عقد عليه العبادة و أدّاه إليه ظنّه لا بما في الواقع، و لو كان مكلّفا به لكان عليه الكفّارة عن رمضان لكونه واقعا في الواقع و هو لم يحتمله، بل احتمل الكفّارة عن القضاء أو النذر؛ لأنّه لمّا نواه قضاء أو نذرا ثمّ أفطره و كان هاتكا له على زعمه و اعتقاده وجبت عليه الكفّارة عن أحدهما جريمة لجرأته على هتك حرمته.
قوله: «صوم المعصية».
أي: صوم نذر المعصية؛ لقوله صلّى اللّه عليه و آله «لا نذر في معصية» (1)و صيغته أن تقول: مثلا إن
1) فروع الكافي 5: 443 و 7: 440 و 462.
بأن ينويه صامتا إلى الليل، و تحريمه إجماعي، و النصّ (1)به ناطق، ففساده ممّا لا ريب فيه، و احتمل بعضهم (2)صحّته؛ لتوجّه النهي إلى أمر خارج، و هو كما ترى.
شربت خمرا فللّه عليّ أن أصوم يوما، و يقصد به الشكر لا زجر النفس عنه.
قوله: «و النصّ به ناطق».
و هو
رواية الزهري عن علي بن الحسين سلام اللّه عليهما، قال: صوم الوصال حرام، و صوم الصمت حرام (3).
و إذا كان حراما كان فاسدا قطعا.
و احتمل بعضهم صحّته؛ لتحقّق الاتيان بالمأمور به، و هو الامساك عن المفطرات مع النية، و النهي إنّما توجّه إلى الصمت المنوي و نيته، و هو أمر خارج عن حقيقته.
و فيه أنّ ظاهر النصّ و الاجماع قد دلّ على تحريم الصوم الواقع على هذا الوجه، و هو أن ينويه ساكتا إلى الليل، و أنّه غير مشروع في ملّة الاسلام، فيكون بدعة، فيقع فاسدا.
و تحريمه إجماعي، و فسّره الأكثر بأن يجعل عشاؤه سحوره، و الظاهر تقييده بأن ينوي صوم النهار مع ذلك الجزء الليلي ابتداء، فلو
قوله: «السادس صوم الوصال».
في وصية النبي لعلي عليهما و آلهما السلام: يا علي لا تصوم المرأة تطوّعا إلّا بإذن زوجها، و لا يصوم العبد تطوّعا إلّا بإذن مولاه، و لا يصوم الضيف تطوّعا إلّا بإذن صاحبه. يا علي صوم يوم الفطر حرام، و صوم يوم الأضحى حرام، و صوم الوصال حرام، و صوم الصمت حرام، و صوم نذر المعصية حرام، و صوم الدهر حرام (1).
و يعلم منه و ممّا عدّده الشيخ قدس سرّه أنّ الصوم المحرّم أزيد من اثني عشر، مع أنّه عدّ صوم يومي العيدين واحدا منها و هما اثنان.
قوله: «و تحريمه إجماعي».
فإنّه من خواصّه صلّى اللّه عليه و آله،
و هو عليه السّلام نهى عن الوصال و كان يواصل، فقيل له في ذلك، فقال: لست كأحدكم، إنّي أظلّ عند ربّي فيطعمني و يسقين (2).
أي: أقيم عنده فيطعمني بالغذاء الروحاني، و يسقيني بالشراب الطهور. شبّه نسبته صلّى اللّه عليه و آله إليه تعالى بنسبة الضيف إلى المضيف في اعتماده في الأكل و الشرب عليه، و اهتمامه ترفع جوعه و عطشه، فالكلام استعارة تمثيلية.
ضمّه بعد الغروب لم يفسد النهار، و في أثنائه إشكال.
و قد يفسّر بصوم يومين متواليين من غير إفطار بينهما، و بالأوّل صحيحتا الحلبي و ابن البختري (1).
قوله: «و في أثنائه إشكال».
إذا اعتبر في تحريمه أو إفساده الصوم كونه مضموما إليه ابتداء فضمّه إليه في أثناء النهار أو الصوم لا يفسده من غير إشكال، كما لو ضمّه بعد الغروب. نعم عدم الافساد في هذه الصورة أوضح؛ لأنّ صومه قد تمّ للغروب؛ لقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (2)و كذا لا إشكال فيما إذا اعتبر فيهما ضمّه إليه مطلقا، فتأمّل.
قوله: «و بالأوّل صحيحتا الحلبي و ابن البختري.
إشارة إلى ما
في الكافي عن الحلبي، عن الصادق عليه السّلام، قال: الوصال في الصيام أن يجعل عشاه سحوره (3).
و
عن حفص بن البختري عنه عليه السّلام: المواصل في الصيام يصوم يوما و ليلة و يفطر في السحر (4).
و
في ضعيفة محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه قال، و إنّما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير
و تحريمه إجماعي، و لا فرق بين الدائم و المتعة.
و هو إجماعي أيضا، و لا فرق بين إضعافه و عدمه، و لو هاياه صحّ في يومه إذا لم يسر الضعف إلى يوم مولاه.
إفطار، و إنّما يحرم تأخير العشاء إلى السحر إذا نوى كونه جزء من الصوم، أمّا لو أخّره بغير نية فلا (5).
قوله: «و لا فرق بين الدائم و المتعة».
و كذا لا فرق في الزوج بين الحاضر و الغائب؛ لإطلاق
صحيحة ابن مسلم عن الباقر عليه السّلام، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: ليس للمرأة أن تصوم تطوّعا إلّا بإذن زوجها (6).
1) تهذيب الأحكام 4: 307 ح 927.
2) المعتبر 2: 714.
3) أي: وافق الرواية، و إنّما لم يقل «وافقته» لأنّ المتعارف موافقة المتأخّر المتقدّم لا العكس «منه». إنّما قال «وافقها» لأنّ ابن إدريس لا يعمل بخبر الآحاد، فلعلّه عمل بغيرها أو ظنّها متواترة «منه».
4) السرائر 1: 420.
5) تهذيب الأحكام 4: 307 ح 927.
6) فروع الكافي 4: 152 ح 4.
وفاقا للشيخين (1)و الأكثر.
قوله: «صوم ذات الدم المانع منه».
أي: من الصوم كالحيض و النفاس، للأمر بالافطار عند عروضها، و الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، فيكون حراما.
و
في صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس، قال: تفطر حين تطمث (2).
و
في حسنة الحلبي عنه عليه السّلام، قال: سألته عن امرأة أصبحت صائمة، فلمّا ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أ تفطر؟ قال: نعم و إن كان وقت المغرب فلتفطر، قال:
و سألته عن امرأة رأت الطهر أوّل النهار من شهر رمضان فتغتسل و لم تطعم كيف تصنع في ذلك اليوم؟ قال: تفطر ذلك اليوم، فإنّما أفطرها من الدم (3).
و
في صحيحة عبد الرحمن، عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: سألته عن امرأة تلد بعد العصر، أ تتمّ ذلك اليوم أم تفطر؟ فقال: تفطر ثم تقضي ذلك اليوم (4).
قوله: «الصوم ندبا لمن عليه صوم واجب».
اختلفوا في جواز التطوّع بالصوم في من في ذمّته واجب، فمنعه الأكثر، و أجازه
و حسنة الحلبي و رواية الكناني (1)مقيّدتان بقضاء رمضان، و كلامهم مطلق.
المرتضى و جماعة، منهم العلّامة في القواعد، و ربما يظهر من الكليني اختصاص المنع بما إذا كان الواجب من قضاء رمضان، و هو لنا على الأقوى الجواز في غير أصالة الاباحة السالمة عن المعارض.
و على المنع فيه
حسنة الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوّع؟ قال: لا، حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان (2).
و
رواية الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل عليه من شهر رمضان أيّام أ يتطوّع؟ قال: لا حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان (3).
و الظاهر أنّ منع التطوّع مع اشتغال الذمّة بالصوم الواجب عند من قال به إنّما يتحقّق حيث يمكن فعله، فلو كان بحيث لا يمكن كصوم شعبان ندبا لمن عليه كفّارة كبيرة جاز صومه.
قوله: «و حسنة الحلبي».
بل صحيحته؛ لأنّ علي بن إبراهيم بن هاشم قد ثبت توثيقه و تعديله، كما أوضحناه في بعض رسائلنا، و السند في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي (4).
أو بقول عارف و لو كان كافرا. و لو تكلّفه بطل و إن انكشف عدم التضرّر، و يمكن الفرق بين الانكشاف بعد الزوال و قبله، فيبطل في الأوّل، و يجدّد في الثاني، مع احتمال الاكتفاء بالاولى.
قوله: «صوم المريض الظانّ التضرّر به».
بزيادة المرض أو زيادة مدّته أو مشقّته، و المرجع في ذلك كلّه إلى الظنّ المستند إلى إمارة، أو تجربة، أو قول من يفيد قوله الظنّ، و إن كان فاسقا أو كافرا.
و لو تكلّف الصوم و ظنّ ضرره كان فاسدا و وجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ.
قوله: «أو بقول عارف و لو كان كافرا».
فإنّ ظنّ التضرّر به قد يحصل بقوله، و قد يحصل به اليقين، كما إذا بيّن وجهه بدليل بيّن جلي أو خفي، أو إذا كان المريض عارفا متيقّظا يتفطّن بأدنى تنبيه أو محرما، أو كانت له أمارة دالّة على صدق قوله، فيقوى بذلك، و يحصل بالمجموع ظنّا غالبا أو يقينا رافعا للشبهة، فحينئذ يجب عليه العمل بقوله.
و قد يحصل الظنّ بصدق قوله باشتهار حذاقته بين أرباب الوقوف و تباشير معالجاته كثيرا، فحينئذ يصحّ للعامي أن يعتمد عليه، و يرجع في المداواة و المعالجة إليه، و ليس هنا بمجرّد إخبار أو شهادة ليرد أنّه فاسق، فلا يعبأ به و لا بقوله؛ لقوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1)فإنّ حصول الظنّ المستند بما ذكرناه نوع
1) سورة الحجرات: 6.
و ظانّ الضرر التامّ بترك المجامعة نهارا يجامع على الأظهر، و تردّد فيه في المنتهى (1).
تبيين تفيد العلم بصدقه.
و يمكن الفرق بين الانكشاف، و ذلك أنّ المريض إذا حصلت له العافية قبل الزوال و ظنّ عدم التضرّر بالصوم و كان ممسكا ينوي و يتمّ صومه يومه هذا و يجزيه، و إذا تبيّن له قبل الزوال عدم التضرّر به من الابتداء، فبطريق يكون صومه صحيحا مجزيا إذا نواه قبله.
و أمّا الاكتفاء بالاولى، فلا يخلو من شيء؛ لأنّ المنوي به لم يكن بظاهر الشرع صوما شرعيا، فلا عبرة بها في نظره، و هذا الخلاف بعد الزوال، فإنّه كالمفطر، كما سيأتي إليه الاشارة.
قوله: «يجامع على الأظهر».
لوجوب دفع الضرر المظنون، و لعموم
قوله عليه السّلام «كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب» (2)
و المفروض أنّ هذا مرض يضرّ به الصوم، فيجب عليه الافطار.
و هل لزوجته الصائمة (1)الامتناع؟ فيتحمّل عنها الكفّارة؟ نظر، و يتعيّن لو كانت معها حائض، و قيل: يتخيّر بينهما لتعارض المفسدتين، و لو كانت معهما مجنونة أو مسافرة و نحوهما تعيّنت.
قوله: «فيتحمّل عنها الكفّارة».
لا كفّارة على تقدير امتناعها لكونه واجبا عليه لوجوب دفع الضرر، و خاصّة إذا كان تامّا و غير مفطر لها لعدم فساد صومها بذلك، على ما ذهب إليه الأكثر، فلا يتحقّق المقتضي للتكفير عانية تحريم الاكراه؛ لعدم جواز إجبار المسلم على غير الحقّ الواجب عليه.
قوله: «يتعيّن».
أي: الصائمة و نحوها كالمريضة.
قوله: «صوم الواجب سفرا».
فإنّه محرّم لورود النهي عنه في عدّة أخبار:
منها:
رواية الحلبي عن الصادق عليه السّلام، قال: قلت: رجل صام في السفر، فقال: إن كان بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن ذلك فعليه القضاء، و إن لم يكن بلغه فلا شيء عليه (2).
...
و
قال عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان و معه الناس و فيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر و العصر، فشرب و أفطر، ثمّ أفطر الناس معه، و تمّ اناس على صومهم، فسمّاهم العصاة، و إنّما يؤخذ بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (1).
و بذلك علم أنّ الجاهل هنا معذور. هذا عند فقهائنا.
و أمّا عند فقهاء العامّة،
ففي التهذيب في رواية الزهري عن علي بن الحسين عليهما السّلام، و أمّا صوم السفر و المرض، فإنّ العامّة قد اختلفت في ذلك، فقال قوم: يصوم، و قال آخرون: لا يصوم، و قال قوم: إن شاء صام و إن شاء أفطر.
و أمّا نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعا، فإن صام في حال السفر أو في حال المرض، فعليه القضاء، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (2).
و
في جوامع الجامع: ورد في الخبر الصائم في السفر كالمفطر في الحضر.
ثمّ إنّهم استثنوا من ذلك ثلاثة أيّام في بدل الهدي، و ثمانية عشر يوما في بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، و النذر المشترط سفرا و حضرا؛
لرواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: سألته عن الرجل يجعل للّه
و ثمانية عشر البدنة، و المرتضى (1)أضاف المعيّن إن صادفه، و المفيد (2)ما سوى رمضان من الواجب، و الصدوقان (3)صوم الصيد، و العمل على المشهور.
و الضابط قصر الصلاة، و لا يتخيّر في الأربعة على الأظهر.
عليه صوم يوم مسمّى، قال: يصومه أبدا في الحضر و السفر (4).
و
عن علي بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيّدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب عليه السّلام و قرأته: لا تتركه إلّا من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك، و إن كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدّق بعدد كلّ يوم لسبعة مساكين، فنسأل اللّه التوفيق لما يحبّ و يرضى (5).
قوله: «و المرتضى أضاف».
أي: أضاف إلى هذه الثلاثة المستثناة النذر المعيّن إن صادف السفر، و يردّه صحيحة الصفّار عن علي بن مهزيار، قال: كتب بندار الحديث. و قد سبق على ذلك أخبار اخر، كموثّقة زرارة، و مكاتبة القاسم بن أبي القاسم، و غيرهما.
قوله: «و الضابط قصر الصلاة».
أي: كلّ موضع قصرت فيه الصلاة قصرت فيه الصوم، كما ورد فيه الرواية.
و جاهل الحكم معذور، فيجزؤه و يفطر أثناء النهار متى علم و يقضيه.
و لمّا كان لقائل أن يقول: هذا غير ضابط، فإنّ قصر الصوم في المواضيع الآتية التي هي مواضع الخمسة منع ... (1)قصر الصلاة، فإنّه مخيّر بين القصر و الاتمام على الأظهر، فإذا أتمّها فيها يتحقّق و يقصر فيه الصوم دون الصلاة، فينحلّ بذلك هذه الصوم (الصلاة ظ). أجاب فيه بقوله: و لا تخيير في الأربعة على الأظهر، و لا شكّ أنّ القصر فيها أقرب إلى الاحتياط و أولى إلى تحصيل براءة الذمّة.
قوله: «و جاهل الحكم معذور».
هذا أحد المواضع المعذور فيها الجاهل، كما تدلّ عليه
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن رجل صام في شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن ذلك، فليس عليه القضاء، و قد أجزأ عنه الصوم (2).
و مثلها صحيحة ابن أبي شعبة (3).
و المفطر قبل حدّ الترخّص أو بعده بعد الزوال (1)يقضي، أمّا التكفّر لو استمرّ
قوله: «أو بعده قبل (2)الزوال يقضي».
المذاهب المشهورة في هذه المسألة ثلاثة، فمنهم: من شرط في قصره تبييت النية.
و قيل: بل يكفي خروجه قبل الزوال.
و قيل: يجب القصر و لو خرج قبل الغروب.
و الأوسط أوسط بشرط أن يبلغ محلّ الترخّص و لم تزل الشمس، و لا اعتبار بتبييت النية.
سأل الحلبي أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم، فقال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليقصّر و ليقض ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فليتمّ صومه (3).
و
في رواية محمّد بن مسلم عنه عليه السّلام: إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به (4).
1) المراد أنّ وصوله إلى حدّ الترخّص بعد الزوال، و هذا مذهب المفيد و جماعة من المتأخّرين، و الروايات من الصحاح و الحسان و الموثّقات ناطقة به، و السيّد المرتضى و أتباعه أنّه يفطر و إن بلغ حدّ الترخّص قبل الغروب بلحظة، لقوله تعالى أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ* «منه».
2) في المتن من الرسالة: بعد.
3) من لا يحضره الفقيه 2: 92 ح 412.
4) فروع الكافي 4: 131 ح 4، التهذيب 4: 229 ح 672.
على سفره، فمبني على عدم السقوط بطروء المسقط.
و القادم مفطرا يمسك استحبابا و يقضي، و ممسكا قبل الزوال يتمّ و يجزئه،
قوله: «فمبني على عدم السقوط بطروء المسقط».
و قد مرّ الكلام فيه في أوائل الرسالة، فتذكّر.
قوله: «يمسك استحبابا».
أمّا الأوّل، فتدلّ عليه موثّقة سماعة، قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل، قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا، و لا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل (1).
و
صحيحة يونس قال: قال: في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله، قال: يكفّ عن الأكل بقية يومه و عليه القضاء (2).
و أمّا الثاني، فتدلّ عليه
موثّقة سماعة، عن أبي بصير، قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به (3).
و
ضعيفة أحمد بن محمّد، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئا قبل الزوال، قال: يصوم (4).
و بعده كالمفطر. و كذا المعافي.
و
صحيحة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتّى يرى أنّه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر و هو خارج لم يدخل، فهو بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر (1).
و
صحيحة ابن مسلم عن الباقر عليه السّلام في الرجل يقدم من سفر في رمضان، فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله، فهو بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر (2).
قوله: «و كذا المعافاة».
كالمريض إذا حصلت له العافية، فإن كان مفطرا يمسك استحبابا و يقضي، و إن كان ممسكا قبل الزوال يتمّ و يجزيه، و بعده كالمفطر.
من نذر، أو كفّارة، أو تحمّل و نحوها، و لا يشترط في رمضان، و ألحق به المرتضى (1)النذر المعيّن، و هو قريب.
و في إلحاق طارئ التعيين كالمطلق لظنّ الموت و القضاء لقرب رمضان احتمال.
و لو نوى في رمضان غيره عالما (2)صحّ عنه عند الشيخ (3)و المرتضى (4)
قوله: «و لا يشترط في رمضان».
و الفرق أنّ صوم ما عدا شهر رمضان يقع في زمان يصلح له و لغيره، فلا يتعيّن فيه ذلك الصوم المخصوص، فلا بدّ في تعيينه من ذكر السبب لتعيّن به، بخلاف رمضان و ما يشاكله في التعيين الذاتي أو العرضي.
و ألحق الشهيد بالصوم المعيّن الندب المتعيّن، كأيّام البيض في عدم احتياجه إلى التعيين، بل نقل عنه أنّه ألحق به المندوب مطلقا لتعيينه شرعا في جميع الأيّام إلّا ما استثني، و هو حينئذ إذا كانت الذمّة بريئة من الصوم الواجب.
قوله: «و لو نوى في رمضان غيره عالما بأنّه رمضان صحّ عنه».
و لا يجزئ الترديد مع إمكان الجزم، و يجزئ مع عدمه.
أي: عن رمضان دون ما نواه، و ذلك لأنّ النية المشترطة و هي نية القربة حاصلة و ما زاد عليه لغو، فيكون الصوم صحيحا لحصوله بشرطه، و هذا يصحّ إذا نوى صوما مطلقا، فإنّه ينصرف إلى رمضان.
و أمّا إذا نوى صوما معينا فلا، فإنّه غير صحيح؛ لعدم صلاحية الزمان له و غيره، و هو رمضان ليس بمنوي؛ إذ لا مطابقة بينه و بين النية، فيقع فاسدا لانتفاء شرطه، و لأنّه نهي عن نية غيره، و النهي مفسد، و إنّما خصّ العالم بالذكر لأنّه محلّ الخلاف.
و أمّا الجاهل، فلا خلاف فيهم في أنّه لو نوى في رمضان غيره واجبا كان أم مندوبا أجزأ عن رمضان دون ما نواه، و لو لا إجماعهم هذا لكان القول بعدم الاجزاء قويا لمثل ما مرّ آنفا، و للتنافي بين نية رمضان و نية غيره.
قوله: «و يجزئ مع عدمه».
على مذهب من يعتبر تعيّن الوجه في النية لا يجزئ الترديد بينهما، أمكن الجزم بأحدهما أم لم يمكن؛ لما بينهما من التنافي.
أمّا على الاكتفاء بنية القربة فالظاهر هو الاجزاء؛ لأنّ هذه الضميمة لا تنافي
وفاقا لشيخنا الشهيد في متونه الأربعة (1)
و فيه لا يلزم قصد الأداء، و يجزم لمتوخيه الترديد بينهما على الأقرب.
و لا يضرّ ضمّ طمع الثواب و دفع العقاب إذا كانت هي
التقرّب، فلا تكون مفسدة.
و على القول بصحّة العبادة المشتملة على وجه غير مطابق للواقع، فالحكم بالصحّة هنا أولى.
قوله: «في متونه الأربعة».
الدروس، و البيان، و اللمعة، و القواعد.
قوله: «و يجزم لمتوخيه».
كالمحبوس مثلا.
قوله: «الترديد بينهما».
على الاكتفاء بنية القربة، و هو الأولى، و لا حاجة له إلى الترديد بينهما.
قوله: «و لا يضرّ ضمّ طمع الثواب و دفع العقاب».
قصد الثواب و دفع العقاب لا يخرج العمل عن الاخلاص و لا يفسده؛ لأنّ الثواب لمّا كان من عند اللّه تعالى، فقاصده قاصد لوجه اللّه، فلا يقدح ذلك في الاخلاص؛ لأنّ المراد به هو القربة المعتبرة في النيات، و هو ايقاع الطاعات خالصة للّه وحده، فتجب العبادة له و تحرم لغيره «من عمل لي عملا أشرك فيه
1) الدروس الشرعية 1: 267، البيان ص 359، القواعد و الفرائد 1: 85.
المقصد الأصلي، أمّا العكس فالأكثر على إفساده النية في الصوم و غيره، و في التساوي نظر، و الأظهر عدم الافساد فيهما. و كذا لو أمره الطبيب بالحمية فضمّها إليها، و قد يفرق بين الصوم المعيّن و غيره (1).
غيري تركته لشريكه» (2).
و
في الحديث: إنّ الناس يعبدون اللّه على ثلاثة أصناف: صنف منهم يعبدونه خوفا من ناره، فتلك عبادة العبيد. و صنف منهم يعبدونه حبّا له، فتلك عبادة الكرام (3).
و فيه تصريح بصحّة العبادة المأتي بها على هذين الوجهين، و هما أن يطلب بها الثواب أو دفع العقاب، مع الاشارة إلى أنّ الأولى و هو الاتيان بها على قصد الطاعة و الانقياد، و كونه تعالى أهلا للعبادة من غير طمع في الثواب أو دفع العقاب، بل بحيث لا يخطر بباله سواه، و لا يطمح إلى ما عداه و عنه العبارة بعبادة الكرام، و إليه الاشارة
بقوله عليه السّلام «ما عبدتك خوفا من نارك و لا شوقا إلى جنّتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك» (4).
قوله: «و كذا لو أمره الطبيب بالحمية».
من جعل ضمّ الثواب أو دفع العقاب إلى قصد القربة مفسدا للعبادة يلزمه أن
..........
يجعل ضمّ سائر الضمائم كالحمية بالصوم و التبرّد بالوضوء و نحو ذلك مفسدا لها بطريق أولى.
و أمّا من لم يجعله مفسدا، فقد اختلفوا في فسادها بأمثال هذه الضمائم، فمنهم من حكم بفسادها بها، و الأكثر منهم على عدمه، و فصّل آخرون فقالوا: إن كانت القربة مقصودة بالذات و الضميمة بالتبع صحّت، و ان انعكس الأمر أو تساويا فسدت.
قيل: و هذا إذا كانت الضميمة مرجوحة. و أمّا إذا كانت راجحة و لاحظ القاصد رجحانها وجوبا أو ندبا، كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن، فينبغي أن لا يكون مضرّة؛ إذ هي حينئذ مؤكّدة، فصوم من قصد الحمية مثلا صحيح، مندوبا كان أو واجبا، معيّنا أو غيره. قال: و لكن في النفس من صحّة غير المعيّن و عدمها محتمل.
أقول: قد عرفت أنّ القدر المعتبر في الاخلاص هو ايقاع العبادة خالصة للّه وحده من غير اشتراط غيره فيها، فلا يفسدها ضمّ الثواب و العقاب، و لا ضمّ أمثال هذه الضمائم راجحة كانت أو مرجوحة. نعم تجرّدها عن ذلك كلّه هو الأولى و الأليق بمقام العبودية، و هو كلام آخر ليس هذا مقامه.
كالتعليق بمشيئة اللّه (1)، أو بقاء الجبل حجرا، لا بقدوم زيد مثلا.
و ناذر صوم يوم قدومه ينوي ليلا إن جزم به، أو ظنّ على الأظهر فله التعليق به، و إن شكّ فقدم قبل الزوال و التناول نوى و صحّ.
قوله: «الخامس تنجيزها».
المراد بتنجيز نية الصوم عدم تعليقه على أمر غير مجزوم الوقوع، كأن يقول:
مثلا أصوم غدا إن قدم زيد من سفره، و هو على شكّ من قدومه، إذا الشكّ في المعلّق عليه يسري إليه، و هو ينافي الجزم المعتبر في النية.
نعم لو كان ما علّقه عليه مجزوما به متيقّنا وقوعه، كأن يقول: أصوم غدا إن بقي الجبل حجرا، لا يضرّه ذلك، و مثله تعليقه بمشيئة اللّه مطلقا اريد به التبرّك أم الشرط، فإنّ الصوم من الطاعات، و معلوم يقينا أنّ اللّه تعالى يشاء الطاعات و إن لم يشأ المعاصي، فإنّه سبحانه منزّه عن الفحشاء، و ذلك لا ينافي أن لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء؛ إذ لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين، تأمّل تعرف.
قوله: «و ناذر صوم يوم قدومه».
المشهور عدم انعقاد هذا النذر؛ لأنّه إن قدم ليلا لم يكن قدومه في اليوم. و إن قدم نهارا، فقد مضى قبل قدومه جزء من النهار، و المفهوم من صوم يوم قدومه و صوم مجموع النهار.
1) و لو لغير التبرّك، فإنّه سبحانه يريد الطاعات. أمّا لو علّق بمشيئة اللّه المعاصي، فإنّه يفسد عندنا، و يصحّ عند الأشاعرة «منه».
فلو قصد الافطار أثم (1)قطعا، و هل
و لو علم ليلا قدومه نهارا فبيت النية، لم يكف ذلك؛ لعدم حصول الشرط و هو قدومه، فلا وجه لوجوبه.
و قيل: ينعقد النذر و يجب عليه صومه إن قدم قبل الزوال و أحدث ما به يفسد الصوم؛ لأنّ هذا القدر من النهار قابل للصوم ندبا بل واجبا فيما لو أصبح و لم ينو الصوم ثمّ نوى القضاء عن رمضان قبل أن يتناول، فإنّ الأقوى صحّة صومه هذا، فليكن في النذر كذلك.
و إذا صحّ صومه، فلو علم ليلا قدومه نهارا عادة جاز له نيته ليلا، بل يتّجه حينئذ وجوب النية ليلا، و إن علم مجيئه بعد الزوال؛ لأنّ المنذور مجموع اليوم الذي يقدم فيه، و هو يتحقّق بقدومه في جزء من النهار.
قوله: «فلو قصد الافطار أثم قطعا».
لأنّ قصد القبيح قبيح عقلا و شرعا، إلّا أنّه لا يعاقب عليه العقاب الذي يعاقب عليه بفعله في الخارج، و به يجمع بين الأدلّة بل بين الأقوال، و لا يدخل فيه ما يخفيه الانسان من الوسواس و حديث النفس؛ لأنّ ذلك ممّا ليس من وسعة الخلوّ منه، و لكن ما اعتقده و عزم عليه.
1) و لا ينافي ذلك ما اشتهر من أنّ نية المعصية لا تؤثر عقابا، و قد أطنب الكلام في ذلك في حواشي القواعد الشهيدية «منه».
يفسد صومه؟ أبو الصلاح (1)نعم، و أوجب القضاء و الكفّارة (2)، و وافقه في المختلف (3)على القضاء.
و المرتضى و الشيخ (4)لا، و وافقهما في المعتبر (5)بشرط تجديد النية، و للبحث من الطرفين مجال، و لا نصّ فى هذا المقام.
قوله: «أبو الصلاح».
نعم لأنّه عبادة مشروطة بالنية و قد فات شرطها فتفسد، و لأنّ الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة، و لمّا كان ذلك شاقّا اعتبر حكمها، و هو أن لا يأتي بما يخالفها و لا ينوي قطعها، فإذا نوى زالت النية حقيقة و حكما، فتفسد الصوم لفوات شرطه، و لأنّه عمل خلا عن النية حقيقة و حكما، فلا يكون معتبرا في نظر الشارع.
و إذا فسد الجزء فسد الكلّ؛ لأنّ الصوم لا يتبعّض.
قوله: «و المرتضى و الشيخ».
لأنّ ما يفسد الصوم معلوم، و ليس هذا القصد منه، فمن ادّعى كونه مفسدا فعليه البيان، و لأنّ قصد الافطار ينافي قصد الصوم لا حكمه الثابت بالانعقاد الذي لا ينافيه النوم و الغروب إجماعا، و لأنّ النية لا يجب تجديدها في كلّ أزمنة الصوم إجماعا، فلا يتحقّق المنافاة.
و يصحّ مقارنتها للفجر، خلافا للمفيد (1)و ابن أبي عقيل (2).
و لا تجزئ في شعبان عن ناسيها في رمضان، خلافا للخلاف (3).
قوله: «و إن تخلّل مفسد».
كالأكل و الشرب و الجماع و نحوها، و لو أخلّ بالنية ليلا في المعيّن عمدا فسد صومه لفوات الشرط و وجب القضاء بل الكفّارة على قول، و إن كان الأقوى عدمه؛ لأصالة براءة الذمّة مع عدم المعارض.
قوله: «خلافا للمفيد و ابن أبي عقيل».
حتّى أنّه ساوى بين الناسي و العامد في بطلان الصوم مع الاخلال بالنية من الليل، و يمكن أن يستدلّ له عليه بعموم
قوله عليه السّلام «من لم يبيّت نية الصوم من الليل فلا صيام له» (4)
و بأنّ إيقاعها قبل الفجر على وجه يكون مقارنة لطلوعه متعذّرا؛ إذ الطلوع لا يعلم إلّا بعد الوقوع، فتقع النية بعده، فيقضي جزء من الصوم بغير نية، فيفسد بفساده صوم ذلك اليوم.
قوله: «خلافا للخلاف».
فإنّه جوّز فيه تقديمها على رمضان بيوم و يومين و أيّام مقارنة له، قال: و لو
و الجاهل بوجوب ذلك اليوم فيعلم، و من تجدّد عزمه على صوم واجب غير معيّن كالقضاء و النذر المطلق.
نسيها عند دخوله فصام كانت النية الاولى كافية، و دليله عليه ضعيف، و لذا ردّه الشيخ قدس سرّه.
قوله: «ايقاعها قبل الزوال لناسيها ليلا».
امتداد وقتها إلى الزوال لناسيها ليلا و لمن تجدّد له عزم على صوم واجب غير معيّن إذا لم يفعل في نهاره هذا ما ينافيه محلّ وفاق بينهم.
و يدلّ على الأوّل ما
روي أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس، فجاء أعرابي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله، فشهد برؤية الهلال، فأمر صلّى اللّه عليه و آله مناديا ينادي من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك (1).
و منه يعلم حال الجاهل بوجوب ذلك اليوم، فيعلم، و إذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال جاز مع النسيان.
و على الثاني
صحيحة عبد الرحمن عن أبي الحسن عليه السّلام عليه السّلام في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان، و إن لم يكن نوى ذلك من الليل، قال: نعم ليصمه و ليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئا (2).
قوله: «إيقاعها و لو في آخر النهار».
المعروف من أكثر الأصحاب امتداد وقتها في الصوم المنذور إلى الزوال، و القول بامتداده إلى آخر النهار للمرتضى و جماعة منهم الشيخ في المبسوط.
و تدلّ عليه
رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام، قال: سألته عن الصائم المتطوّع تعرض له الحاجة، قال: هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتّى العصر ثمّ بدا له أن يصوم و إن لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء (1).
و صحيحة هشام تدلّ على أنّه إن نواه قبل الزوال حسب له يومه، و إن نواه بعده حسب له من الوقت الذي نواه فيه (2).
قوله: «تجديدها».
لو نوى الندب لا حاجة إلى تجديدها على الاكتفاء بنية القربة، فإنّ هذه الضميمة لا ينافيها، فيكون صومه صحيحا. و على القول بصحّة العبادة المشتملة على وجه غير مطابق للواقع يصير الحكم بالصحّة أقوى.
قوله: «تجديدها».
لو نوى عن سبب مثل إن سمع عالما يقول: من صام غدا فله أجر كذا، فتوهّم أنّ
و اكتفى فيه الشيخان (1)بالواحدة (2)في أوّله، و نقل المرتضى (3)عليه الاجماع.
و ما يقال: إنّ مبنى الخلاف على أنّ صومه عبادة واحدة، فلا يفرق النية على أجزائها، أو عبادات متعدّدة. ليس بشيء.
صومه مستحبّ لكونه يوم الخميس مثلا، فظهر له أنّه إنّما استحبّ لأنّه يوم المبعث أو المولود و نحوهما، فعليه أن يجدّدها و ينوي هذا السبب لما سبق من اعتبار تعيين سبب الصوم في نيته إلّا ما استثني منه.
قوله: «تعدّدها بتعدّد الأيّام في غير رمضان».
حتّى أنّه لو نذر شهرا معينا أو أيّاما معينة متتابعة لم يجز له الاكتفاء فيها بالنية الواحدة؛ لانتفاء النصّ، مع ادّعاء الشهيد في الدروس الاجماع على عدم جواز الاكتفاء بها هنا، بل الأولى في شهر رمضان أيضا تجديد النية لكلّ يوم في ليلته؛ لأنّ صوم كلّ يوم عبادة منفصلة عن سابقه و لاحقه لا يفسد بفسادهما، فلا بدّ فيه من نية متّصلة به حقيقة أو حكما، كما في غيره من العبادات.
و أمّا الاجماع الذي ادّعاه المرتضى علم الهدى، فغير ثابت لنا، و مثله منه كثير، و هو أعرف بما قال، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.
خلافا للخلاف (1).
و لو ظنّ الشاكّ في البلوغ الإمناء بالجماع لم يجب الامتحان لتوقّف الوجوب عليه، و لو قطع احتمله، و الحقّ عدمه لجريان الدليل.
قوله: «الأوّل الطفل».
إطلاق الأمر بالصيام يشتمل الصبي و المجنون، فهو مأمور من الشارع بالصيام، و له فهم خطابه المتناول له، فإذا صام فقد وافق أمره من الشارع بالصيام، و له فهم خطابه المتناول له، فإذا صام فقد وافق أمره، و هو معنى الصحّة، فيكون صومه شرعيا صحيحا يستحقّ عليه الثواب لا تمرينيا غير موصوف بالصحّة و الفساد.
و التكليف بالواجب و المحرّم، و إن توقّف على البلوغ، إلّا أنّ التكليف بالمندوب غير متوقّف عليه حتّى ينتفي بانتفائه، فإذا بلغ قبل الزوال و لم يتناول شيئا جدّد نية الصوم؛ لأنّه ممكن في حقّه، و وقت النية باق، و هو و إن لم يكن أوّل النهار مخاطبا إلّا أنّه صار مخاطبا الآن، فإذا نوى سرى حكمها إلى أوّله، فيكون صومه صحيحا، و لا يجب عليه القضاء.
و إنّما لم يجب عليه الامتحان؛ لأنّ وجوبه متوقّف على وجوب الصوم، فلو توقّف وجوبه عليه جاء الدور.
1) الخلاف 1: 393.
و إن كان بفعله هربا منه، و لا منع من المفطرات و لا يمرّن.
و لا دخل لسبق النية، خلافا للخلاف (1).
و هل لها جلبه بعلاج كتقديم عادتها أو تأخيرها ليصادف رمضان أو النذر المعيّن؟ إشكال، و لم أظفر للقوم فيه بكلام.
و لا قضاء عليه، و صحّح المفيد (2)
قوله: «الثاني المجنون».
لمّا كان العقل مناط التكليف، فإذا زال زال، فالمجنون لا يكون مكلّفا، فلا يتوجّه إليه أمر من الأوامر الشرعية، فلا يكون صومه- واجبا كان أو ندبا- مأمورا به شرعا، فلا يكون صحيحا؛ لأنّ الصحّة عبارة عن موافقة الأمر و لا أمر هناك بالنسبة إليه، بل صرّح بعضهم بأنّ عروض الجنون في أثناء النهار مبطل لصوم ذلك اليوم، و الشيخ في الخلاف ساوى بينه و بين الاغماء في الصحّة مع سبق النية.
قوله: «و هل لها جلبه بعلاج».
إذا ظنّت عدم تضرّرها بجلبه لا حبالا و لا مالا لامارة أو تجربة أو قول عارف و إن كان فاسقا أو كافرا كان لها جلبه لرجحانه بمصادفة رمضان أو النذر المعيّن، و إلّا فلا.
قوله: الرابع: «المغمى عليه و لو لحظة».
لأنّه بزوال عقله يزول عنه التكليف، فلا يصحّ صومه بمثل ما مرّ، ثمّ كلّما يفسد
و المرتضى (1)صومه إن سبقت نيته، و أوجبا القضاء إن لم ينو.
أمّا الصوم النائم، فصحيح إجماعا مع سبق النية (2)، و لو استغرق النهار بشرب مرقد عامدا عالما، ففي صحّته نظر.
و هو كالمغمى عليه إلّا في عدم القضاء.
فلا يصحّ منه إلّا ما أدرك فجره مسلما لا ما أدرك زواله،
الصوم إذا وجد في جميعه يفسده إذا وجد في بعضه لحيض كالمجنون، و لأنّ سقوط القضاء يستلزم سقوط الأداء.
و فيه أنّ النائم غير مكلّف و صومه صحيح إجماعا، و كون الاغماء مفسدا للصوم مع سبق النية غير مسلّم، بل هو عين النزاع، و سقوط القضاء لا يستلزم سقوط الأداء؛ لأنّه تكليف مستأنف يحتاج إلى الدليل و ينتفي بانتفائه.
قوله: «ففي صحّته نظر».
هذا ليس في محلّه، فإنّ هذا الفعل و إن كان حراما لاستلزامه ترك بعض الواجبات عمدا عالما؛ لأنّه لا يضرّ بصحّة الصوم و لا ينقضه مع سبق النية؛ إذ لا دليل على نقضه له، و إلحاقه بالاغماء و السكر و الجنون قياس معه فارق.
خلافا للمبسوط (1)، و الردّة مطلقا في أثناء النهار مبطلة مطلقا، و الشيخ (2)و المحقّق (3)إن بقيت إلى آخره.
قوله: «خلافا للمبسوط».
مذهب الشيخ في المبسوط أنّ الكافر إذا أسلم قبل الزوال يجب عليه الصوم، فإن أخلّ به قضاه.
قيل: و هو قوي؛ لاطلاق الأمر بالصوم، و بقاء وقت النية على وجه يسري حكمها إلى أوّل النهار، كالمسافر و المريض، و هو اجتهاد في مقابل النصّ،
كصحيحة عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيّام، هل عليهم أن يقضوا ما مضى منهم أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ قال: ليس عليهم قضاء و لا ليومهم الذي أسلموا فيه إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر (4).
و كذا القول بأنّ المرتدّ لو عقد الصوم ثمّ ارتدّ ثمّ عاد لم يفسد صومه، مذهب الشيخ و ابن إدريس و جماعة.
و فيه أنّ الاسلام شرط و قد فات، فيفوت مشروطه، و فساد الجزء فساد الكلّ؛ لأنّ الصوم عبادة واحدة لا يتبعّض، و على المرتدّ القضاء؛ لعموم الأدلّة الدالّة على
و على المرتدّ القضاء و لو فطريا (1)، دون المخالف إذا استبصر، تخفيفا عليه لا لصحّة عبادته، للروايات الصحيحة (2)بعدم صحّتها.
وجوب قضاء ما فات من الصيام المتناول للمرتدّ بنوعيه.
قوله: «لا لصحّة عبادته».
لمّا كان الايمان معتبرا في صحّة العبادة، و هو لا يتمّ بدون الولاية، كانت عبادة المخالف- و إن فرض استجماعها لشرائط الصحّة إلّا الولاية- باطلة عند أصحابنا، لكنّه إذا استبصر لا يعيد عباداته إلّا الزكاة، فإنّها حقّ مالي لأهل الولاية، تدلّ عليه
صحيحة محمّد بن مسلم، و زرارة، و الفضيل بن يسار عن الصادقين عليهما السّلام في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء كالحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية، ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أ يعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو حجّ، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة
،
1) لأنّ الصحيح أنّ توبته و إن لم تقبل عندنا، فهي مقبولة فيما بينه و بين اللّه تعالى، فيقضي إذا أمكنه «منه».
2) كصحيحة أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السّلام أنّه قال: لو أنّ رجلا عمّر ما عمّر نوح عليه السّلام في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يصوم النهار و يقوم الليل و يقوم بين الركن و المقام و لقى اللّه بغير و لا يتنا لم ينتفع بذلك شيئا. (من لا يحضره الفقيه 2: 245 ح 2313). و صحيحة محمّد بن مسلم، عن الباقر عليه السّلام، أنّه قال: و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كَرَمٰادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لٰا يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْءٍ، ذٰلِكَ هُوَ الضَّلٰالُ الْبَعِيدُ «منه». أصول الكافي 1: 183- 184.
...
فإنّه لا بدّ أن يؤدّيها لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها، و إنّما موضعها أهل الولاية (1).
و
صحيحة بريد، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل حجّ و هو لا يعرف هذا الأمر، ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفته و الدينونة به عليه حجّة الاسلام؟ أو قد قضي فريضته؟ فقال: قد قضي فريضته، و لو حجّ لكان أحبّ إليّ.
قال: و سألته عن رجل و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متديّن، ثمّ منّ اللّه عليه فعرف هذا الأمر، يقضي حجّة الاسلام؟ فقال: يقضي أحبّ إليّ، و قال: كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية، فإنّه يوجر عليه إلّا الزكاة فإنّه يعيدها؛ لأنّه وضعها في غير موضعها (2).
الايمان معتبر في صحّة الأعمال كلّها، لا أنّها وقعت تامّة الأركان و الشرائط، كما عليه المحقّق في المعتبر، و العلّامة في المختلف، و إلّا لوجب الحكم بإعادة صلاته حيث إنّها لم يقع تامّة الأركان و الشرائط، و إذ أقلّ ما في الباب بطلان وضوئه بغسل الأرجل و ترك المسح، و بطلان الشرط موجب بطلان المشروط.
و
قد ورد عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: يأتي على الرجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة، قيل: كيف ذاك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه (3).
...
قوله: «لا لصحّة عبادته».
صحيحة ابن مسلم في الكافي هكذا: قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: كلّ من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من اللّه، فسعيه غير مقبول، و هو ضالّ متحيّر، و اللّه شانئ لأعماله، و مثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها و قطيعها، فهجمت ذاهبة و جائية يومها، فلمّا جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنّت إليها، و اغترّت بها، فباتت معها في مربضها، فلمّا أن ساق الراعي قطيعة أنكرت راعيها و قطيعها، فهجمت متحيّرة تطلب راعيها و قطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها، فحنّت إليها و اغترّت بها، فصاح بها الراعي: ألحقي براعيك و قطيعك، فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك و قطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها.
و كذلك و اللّه يا محمّد من أصبح من هذه الأمّة لا إمام له من اللّه عزّ و جلّ ظاهرا عادلا أصبح ضالا تائها، و إن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر و نفاق.
و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كَرَمٰادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لٰا يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ الضَّلٰالُ الْبَعِيدُ (1).
و ظاهرها و إن دلّت على كفر أهل الخلاف، لكنّه لا ينافي إسلامهم ظاهرا، و بهذا الاسلام الظاهري يحقن دماءهم، و يحلّ ذبيحتهم، و يحصل التناكح و التوارث بيننا
1) أصول الكافي 1: 183- 184.
كما مرّ، و في إلحاق الصحيح الخائف المرض به إشكال، و مال إليه بعض الأصحاب، و هو غير بعيد، و تردّد في المنتهى (1).
و بينهم، و يغسّلون و يدفنون في مقابر المؤمنين.
و بالجملة فهم مشاركون لأهل الايمان في الأحكام الدنيوية، و يفارقونهم في الأحكام الاخروية، كما دلّت عليه روايات من طرق أهل البيت عليهم السّلام صحاح و حسان و موثّقات.
فما ذهب إليه بعض أصحابنا من عدم استحلال ذبيحتهم كالقاضي و ابن إدريس، أو عدم جواز الصلاة عليهم كالشيخين في المقنعة و في التهذيب، أو عدم التوارث بيننا و بينهم بأن نرثهم و لا يرثونا كالمفيد و أبي الصلاح، أو عدم جواز مناكحهم ككثير منهم، ضعيف؛ لأنّ هذا حكم من لم يكن على ظاهر الاسلام من سائر أصناف الكفّار، لا مطلق الكفّار.
قوله: «و هو غير بعيد».
لوجوب دفع الضرر المظنون، فتركه حرام، و ما يؤدّي إلى الحرام حرام، فيكون باطلا.
1) منتهى المطلب 9: 215.
و لا يصحّ منه الواجب سوى ما مرّ، أمّا المندوب فالصدوق في الفقيه: لا يصحّ مطلقا (1).
قوله: «فالصدوق في الفقيه لا يصحّ».
هل يصحّ أن يصوم المسافر مندوبا؟ قيل: لا، و قيل: نعم، و قيل: يكره.
قال المحقّق الشيخ علي رحمه اللّه (2): المراد بكراهته كونه خلاف الأولى، فإنّه يراد بها هنا المرجوح في نفسه لامتناع ذلك في العبادات؛ لأنّها قربة فلا بدّ فيها من الرجحان، و المراد بكونه خلاف الأولى أنّه المرجوح بالإضافة إلى غيره، و إن كان راجحا في نفسه، و لهذا ينعقد نذره.
قال ملّا عبد اللّه رحمه اللّه في حواشيه على التهذيب: لا أعرف للكراهة بمعنى أقلّ ثوابا هنا حاصلا، و كيف يصحّ النهي عن الطاعة لقلّة الثواب إذا لم يمكن إدراكها في ضمن ما يكون أكثر ثوابا. نعم إن اريد بها ما لا يعاقب و لا يثاب عليه كان له وجه.
فإن قلت: ايقاع صوم لا يثاب عليه حرام.
قلت: لم يقم عليه دليل فيما علمناه. نعم إن اعتقد أنّه يثاب عليه كان اعتقادا باطلا، و لا يبعد العقاب عليه.
و
في التهذيب: في رواية إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: خرج أبو عبد اللّه عليه السّلام من المدينة في أيّام بقين من شعبان، فكان يصوم حتّى يدخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر، فقيل له: أ تصوم شعبان و تفطر شهر
و في المقنع: إلّا ثلاثة الحاجة في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و الاعتكاف في الأربعة (1)، و وافقه المفيد (2)في الثلاثة، و أضاف مشاهد الأئمّة سلام اللّه عليهم، و بعض المتأخّرين على الكراهة بمعنى قلّة الثواب إلّا في ثلاثة الحاجة، و المسألة محلّ
رمضان، فقال: نعم شعبان إليّ إن شئت صمته و إن شئت لا، و شهر رمضان عزم من اللّه عزّ و جلّ على الافطار (3).
و
عن الحسن الجمّال، عن رجل، قال: كنت مع أبي عبد اللّه عليه السّلام فيما بين مكّة و المدينة في شعبان و هو صائم، ثمّ رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له:
جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم، و اليوم من شهر رمضان و أنت تفطر، فقال: إنّ ذلك تطوّع، و لنا أن نفعل ما شئنا، و هذا فرض فلبس لنا أن نفعل إلّا ما امرنا (4).
و إليهما أشار بقوله: «و ضعف الروايات الصحيحة» و هو خلاف اصطلاح القوم.
قوله: «و الاعتكاف في الأربعة».
أي: صوم الاعتكاف في المساجد الأربعة: مسجد الكوفة و البصرة، أو مسجد المدائن لأنّه
روي أنّه صلّى فيه الحسن بن علي سلام اللّه عليهما صلاة جماعة
، و مسجد المدينة، و مسجد مكّة، أعني: مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و مسجد الحرام.
توقّف، و الأحوط كفّ المسافر عن مطلق المندوب سواها؛ لصحّة روايات المنع، و ضعف روايات الصحّة إلّا روايتها.
قوله: لصحّة روايات المنع.
كصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السّلام: ليس من البرّ الصيام في السفر (1).
و
صحيحة زرارة عن الصادق عليه السّلام: لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصوم فى السفر في شهر رمضان و لا غيره (2).
و هي بإطلاقها يعمّ الفريضة و النافلة، و تقييدها بالنافلة بالمرسلتين خروج عن الضابطة.
قوله: «إلّا روايتها».
أي: رواية ثلاثة الحاجة، فإنّها صحيحة رواها الشيخ في التهذيب في الصوم عن موسى بن القاسم عن معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السّلام.
و فيه أنّ هذا الإسناد و إن كان بظاهره موهما للصحّة إلّا أنّه منقطع؛ لأنّ موسى هذا يروي عن معاوية ذاك بالواسطة، و الشيخ رواها في الحجّ أيضا، و سندها هناك أيضا مشعر بنقصانه، و الحديث هكذا:
قال معاوية: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيّام صمت أوّل يوم الأربعاء و تصلّي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، و هي اسطوانة التوبة التي كان ربط إليها نفسه حتّى نزل عذره من السماء، و تقعد عندها يوم الأربعاء ثمّ تأتي
و لا يحرّم سفر ناذر الدهر (1)
و المراد دفع ما يتوهّم من تحريم السفر في شهر رمضان على من نذر صوم الدهر؛ لأنّ السفر يوجب الافطار، فلا بدّ من القضاء، و لا وقت له لاستغراق النذر العمر، فالسفر علّة لفوت أداء رمضان و قضائه معا، فيكون محرّما لا محالة.
و وجه الدفع أن يقال: لو كان السفر في الصورة المذكورة، حراما لكان حلالا.
بيان الملازمة: أنّه لو حرم لوجب الصوم و لم يجز الافطار؛ لأنّ صوم رمضان في سفر المعصية واجب، و مع الاتيان بالصوم لا قضاء، فأيّ حاجة إلى وقت يقع فيه؟ فما جعلتموه علّة لتحريم السفر لا تحقّق له أصلا، و بعدم العلّة يعدم المعلول، فظهر أنّ الحكم بتحريم السفر على الناذر المذكور يوجب الحكم بإباحته له كما قلنا، فتأمّل «منه».
عدم وقت القضاء، و إلّا حلّ و يفدي عن كلّ يوم بمدّ، كالعاجز عن صوم النذر على الأظهر.ليلة الخميس التي تليها ما يلي مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله ليلتك و يومك، و تصوم يوم الخميس، ثمّ تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و مصلّاه ليلة الجمعة، فتصلّي عندها ليلتك و يومك، و تصوم يوم الجمعة، و إن استطعت أن لا تتكلّم بشيء في هذه الأيّام إلّا ما لا بدّ لك منه، و لا تخرج من المسجد إلّا لحاجة، و لا تنام في ليل و لا نهار فافعل، فإنّ ذلك ممّا يعدّ فيه الفضل.
ثمّ احمد اللّه في يوم الجمعة واثن عليه، و صلّ على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سل حاجتك، و ليكن فيما تقول: اللّهمّ ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها و التماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها، فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة صلّى اللّه عليه و آله في قضاء حوائجي صغيرها و كبيرها. فإنّك حري أن تقضي حاجتك إن شاء اللّه
1) «سفر ناذر الدهر» منصوب بمفعولية «يحرّم» و «عدم وقت القضاء» مرفوع بفاعلية.
و يفديان عن كلّ يوم بمدّ، فإن طاقا قضيا و إلّا سقط، و خصّ المفيد (1)و المرتضى (2)و العلّامة في المختلف (3)الفدية بالمشقّة، و أسقطوها مع العجز.
تعالى (4).
قوله: «الشيخ و الشيخة مع العجز».
الشيخ و الشيخة إذا لم يطيقا الصوم بحيث خرجا عن حدّ التكليف يسقط عنهما أداء و قضاء و لا كفّارة، و إن طاقاه بمشقّة شديدة فعليهما الكفّارة للافطار و وجوب القضاء على تقدير قدرتهما عليه بزوال العجز، و هو مختار الأكثر.
و
في رواية محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّين من طعام (5).
و جمع شيخ الطائفة بينها و بين المتضمّنة مدّا من طعام أو إطعام مسكين، بأنّ هذا الحكم يختلف باختلاف المكلّفين، فمن أطاق إطعام مدّين يلزمه ذلك، و من لم يطق فعليه مدّ، و من لم يقدر على شيء، فليس عليه شيء، و الأحسن أن يحمل إطعام مدّين على الاستحباب.
و هو كالشيخين، و المرجوّ كالمريض عند بعض، و كالمأيوس عند آخرين.
مستأجرة أو متبرّعة، إذا ظنّت ضرر الولد، و أن لا يدفعه إلّا لبنها، فتفدي بالمدّ و تقضي، نسبيا كان أو رضاعيا.
قوله: «العاشر ذو العطاش».
هو بضمّ أوّله داء لا يروي صاحبه، فإن يئس من برئه لا كفّارة و لا قضاء عليه لو برأ على خلاف الغالب، و إن لم يكن مأيوسا أفطر و قضى و لا كفّارة كغيره من الأمراض، و لا يجوز لهذا أن يشرب إلّا ما يسدّ رمقه؛
لرواية عمّار، عن الصادق عليه السّلام في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، و لا يشرب حتّى يروّي (1).
قوله: «المرضعة القليلة اللبن».
المرضعات القليلات اللبن، و كذا الحوامل المقربات، تفطران و تقضيان مع الصدقة عن كلّ يوم بمدّ إذا خافتا على الولد.
و أمّا إذا خافتا على أنفسهما، فعليهما الافطار و القضاء من غير كفّارة كالمريض، و كذا كلّ من خاف على نفسه، و لا فرق في ذلك بين الخوف لجوع و عطش، و لا في المرتضع بين كونه ولدا من النسب و الرضاع، و لا بين المستأجرة و المتبرّعة. نعم لو قام غيرها مقامها متبرّعا أو أخذا مثلها أو أنقص امتنع الافطار و الفدية من مالهما، و إن كان لهما زوج و الولد له.
1) فروع الكافي 4: 117 ح 6.
و هي المرضعة، كذا لو ظنّت ضررها وفاقا للمعتبر (1).
و إلّا فإلى ثالث، رافعا يديه
قوله: «أوّل ليلة و إلّا فإلى ثالث».
اختلفوا في تحديد الوقت الذي يسمّى فيه هلالا، فقال في الصحاح: الهلال أوّل ليلة و الثانية و الثالثة، ثمّ هو قمر (2).
و قال في القاموس: الهلال غرّة القمر، أو إلى ليلتين، أو إلى ثلاث، أو إلى سبع، و لليلتين من آخر الشهر ستّ و عشرين و سبع و عشرين، و في غير ذلك قمر (3).
و قال في مجمع البيان: بعضهم يسمّي هلالا لليلتين من الشهر، ثمّ لا يسمّى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. و قال آخرون: يسمّي هلالا ثلاث ليال ثمّ يسمّى قمرا. و قال آخرون: يسمّي هلالا حتّى يحتجر، و تحجيره أن يستدير بخطّة دقيقة، ثمّ يقال: قمر، و هذا قول الأصمعي. و قال بعضهم: يسمّي هلالا حتّى يبهر ضوءه سواد الليل ثمّ يقال قمر، و هذا يكون في الليلة السابعة (4).
مستقبلا إلى القبلة، لا إليه غير مشير نحوه. و أوجب ابن أبي عقيل (1)دعاء خاصّا (2).
إذا عرفت ذلك فنقول: وقت الدعاء يمتدّ بامتداد وقت التسمية هلالا، و الأولى عدم تأخيره عن الاولى عملا بالمتيقّن، فإن لم يتيسّر فعن الثانية لقول أكثرهم بالامتداد إليها، فإن فاتت فعن الثالثة لقول كثير منهم بأنّها آخر لياليه، و أمّا إطلاقه عليه إلى السابعة فخلاف المشهور عرفا و لغة، كإطلاقه عليه في الليلتين الأخيرتين.
قوله: «مستقبلا إلى القبلة».
لما
في الكافي عن الباقر عليه السّلام، قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا أهلّ شهر رمضان استقبل القبلة و رفع يديه، فقال: اللّهمّ أهلّه علينا الدعاء (3).
و
في الفقيه عن الصادق عليه السّلام: إذا رأيت هلال شهر رمضان فلا تشر إليه و ارفع يديك إلى اللّه، و خاطب الهلال و قل: ربّي و ربّك اللّه.
الدعاء (4).
قوله: «و أوجب ابن أبي عقيل دعاء».
لعلّه أراد بالوجوب تأكّد الاستحباب، أو وجد الأمر بهذا الدعاء، فحمله على الوجوب، و لم يلتفت إلى تفرّده بهذا الحكم، و الظاهر أنّه لم ينعقد في وقته إجماع
و في فراداه، سيّما نصفه، و سبع عشر، و تسع عشر، و إحدى و عشرين، و ثلاث و عشرين.
فيؤخّره عن الصلاة، إلّا أن
على خلاف مذهبه، أو انعقد و لم يصل إليه.
قوله: «و تسع عشر و إحدى و عشرين».
الغسل في كلّ واحد من هذه الليالي تسع عشر و إحدى و عشرين، و ثلاث و عشرين حتّى يغيب الشمس ليصلّي المغرب بالغسل، كما دلّت عليه رواية عبد اللّه بن سنان، و سماعة بن مهران، عن الصادق عليه السّلام.
قوله: «الثالث إتيان النساء».
هذا من خواصّ هذا الشهر، و أمّا غيره من الشهور فيكره إتيانهنّ في أوّل الشهر و وسطه و آخره، فإنّ الجنون و الجذام و الخبل يسرع إليهنّ و إلى أولادهنّ.
قوله: «تعجيل الافطار».
في رواية مرسلة عن الصادق عليه السّلام: يستحبّ للصائم إن قوي على ذلك أن يصلّي قبل الافطار (1).
و
في رواية اخرى عن الباقر عليه السّلام: في رمضان تصلّي ثمّ تفطر، إلّا أن تكون مع قوم ينتظرون الإفطار، فإن كنت معهم فلا تخالف عليهم و أفطر ثمّ صلّ، و إلّا فابدأ بالصلاة، قلت: و لم ذلك؟ قال: لأنّه قد حضرك فرضان الإفطار و الصلاة، فابدأ
1) تهذيب الأحكام 4: 199 ح 575.
ينتظر إفطاره.
(1). السادس: الإفطار على شيء حلو، أو الماء الفاتر، فإنّه يغسل درن القلب.
بأفضلهما، و أفضلهما الصلاة، ثمّ قال: تصلّي و أنت صائم، فتكتب صلواتك تلك فتختم بالصوم أحبّ إليّ (2).
قوله: «الإفطار على شيء حلو».
عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يفطر على الأسودين، قلت:
رحمك اللّه و ما الأسودان؟ قال: التمر و الماء و الزبيب و الماء، و يتسحّر بهما (3).
و
عن الصادق عليه السّلام: الافطار على الماء يغسل الذنوب من القلب (4)
. و
كان علي عليه السّلام يستحبّ أن يفطر على اللبن (5).
و
في مرسلة عبد اللّه بن مسكان عنه عليه السّلام قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا أفطر بدأ بحلواء يفطر عليها، فإن لم يجد فسكّرة أو تمرات، فإذا أعوذ ذلك كلّه فماء فاتر، و كان يقول: ينقي المعدة و الكبد، و تطيب النكهة و الفم، و يقوّي الأضراس، و يقوّي الحدقة، و يجلو الناظر، و يغسل الذنوب غسلا، و يسكن العروق الهائجة، و المرّة
فعن الكاظم عليه السّلام: فطرك أخاك الصائم أفضل من صيامك (1).
الغالبة، و يقطع البلغم، و يطفئ الحرارة عن المعدة، و يذهب بالصداع (2).
و قريب منها مرسلة محمّد بن أبي عمير (3).
قوله: «فطرك أخاك الصائم».
كذا في التهذيب (4)بسند غير نقي. و في الفقيه: تفطّرك أخاك (5). و هو أنسب بقوله «تفطيرك الصائم» فكان الأولى ذكره، و تخصيص الحكم بالمؤمن و هو الاثنا عشرية يستفاد من قوله «أخاك».
مع أنّه مصرّح به
في رواية اخرى نبوية: من فطّر في هذا الشهر مؤمنا صائما كان له بذلك عند اللّه عتق رقبة و مغفرة لما مضى من ذنوبه (6).
و الأوّل أصرح؛ لأنّ في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يكن فرق بين المسلمين بالتشيّع و التسنّن، بل كلّهم كانوا مؤمنين بمعنى المسلمين، بخلاف عهد الكاظم عليه السّلام، فإنّ في هذا الزمان صار المؤمن أخصّ من المسلم، و الثواب المذكور صار من خواصّ تفطير المؤمن.
و لدخوله، و لوداعه، و أدعية سحره، و سيّما الدعاء الطويل الذي رواه أبو حمزة الثمالي عن سيّد العابدين عليه السّلام.
و روي
و إنّما يختلف باختلاف الصائمين المؤمنين في الصلاح و الطلاح و القرابة و الرحم، و شدّة الحاجة و ضعفها، إلى غير ذلك.
قوله: «الاتيان بالنوافل المختصّة».
بأن يزيد في أوّل الشهر إلى عشرين ليلة كلّ ليلة عشرين ركعة سوى النوافل المقرّرة، يصلّي من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب و العشاء و ثمان ركعات بعد العشاء، و يصلّي في العشر الآخر في كلّ ليلة منها ثلاثين ركعة اثنتي و عشرين منها بين المغرب و العشاء، و ثمان ركعات بعد العشاء، و في كلّ واحدة من ليلة احدي و عشرين و ثلاث و عشرين يصلّي مائة ركعة، و في احداهما يرجى أن تكون ليلة القدر. هذا ما دلّت عليه موثّقة سماعة بن مهران، و هي أوضح سندا من غيرها ممّا رواه الشيخ في التهذيب (1).
قوله: «قراءة سورتي العنكبوت و الروم».
في التهذيب: في ضعيفة أبي بصير، عن الصادق عليه السّلام، قال: من قرأ سورة
1) تهذيب الأحكام 3: 58.
سورة القدر ألف مرّة.
و يتأكّد في الواجب المعيّن، و في رمضان آكد، و أقلّه الماء، و أفضله السويق و التمر، و كلّما قرب من الفجر كان أفضل.
العنكبوت و الروم في شهر رمضان ليلة ثلاث و عشرين، فهو و اللّه يا أبا محمّد من أهل الجنّة، و لا أستثني فيه أبدا، و لا أخاف أن يكتب اللّه عليّ في يميني إثما، فإنّ لهاتين السورتين من اللّه مكانا (1).
و
في رواية اخرى: لو قرأ رجل ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ألف مرّة لأصبح و هو شديد اليقين بالاعتراف بما يختصّ فينا، و ما ذلك إلّا لشيء عاينه في نومه (2).
قوله: «الثاني عشر السحور».
في موثّقة سماعة قال: سألته عن السحور لمن أراد الصوم، فقال: أمّا في رمضان فإنّ الفضل في السحور و لو بشربة من ماء، و أمّا التطوّع في غير رمضان فمن أحبّ أن يتسحّر فليفعل، و من لم يفعل فلا بأس (3).
و
عنه صلّى اللّه عليه و آله: تسحّروا و لو بجرع الماء، ألا صلوات اللّه على المتسحّرين (4).
و
عن الصادق عليه السّلام: أفضل سحوركم السويق و التمر (5).
و معه يحرم.
و
عنه صلّى اللّه عليه و آله: تعاونوا بأكل السحور على صيام النهار، و بالنوم عند القيلولة على قيام الليل (1).
قوله: «مع ظنّ عدم الإمناء».
غير معتبر في ثبوت الكراهة، بل يكفي عدم الظنّ بالإمناء، سواء ظنّ عدمه أم لا، و ذلك لأنّ حرمة اللمس و نحوه لمّا كانت مختصّة بصورة الظنّ بالإمناء، ففي غيرها يكون مكروها، و هو أعمّ من أن يكون عدمه مظنونا أو لا.
و لكن يدلّ على اعتبار ظنّ عدم الإمناء ظاهر
صحيحة زرارة، عن الباقر عليه السّلام أنّه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ فقال: إنّي أخاف عليه، فليتنزّه عن ذلك، إلّا أن يثق أن لا تسبقه شهوته (2).
و المراد بالمباشرة هنا إيصال البشرة إلى البشرة.
و يؤيّده
صحيحة رفاعة بن موسى في الفقيه، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل لامس جاريته في شهر رمضان فأمذى، قال: إن كان حراما فليستغفر اللّه استغفار من لا يعود أبدا، و يصوم يوما مكان يوم (3).
...
فإنّ حرمة اللمس إنّما تكون في صورة انتفاء ظنّ عدم الإمناء و عدم وثوقه بنفسه الإنزال، فتأمّل.
و الحق به قلع الضرس للصائم، منصوصة بخصوصها
في رواية عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: الصائم ينزع ضرسه؟ قال: لا، و لا يدمي فمه (1).
و حينئذ فلا معنى للإلحاق.
و
في صحيحة محمّد بن مسلم، عن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن الرجل يدخل الحمّام و هو صائم، قال: لا بأس ما لم يخش ضعفا (2).
و
في صحيحة سعيد الأعرج سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصائم يحتجم، فقال: لا بأس، إلّا أن يتخوّف على نفسه الضعف (3).
و
في صحيحة ابن سنان عنه صلّى اللّه عليه و آله، قال: لا بأس بأن يحتجم الصائم إلّا في رمضان، فإنّي أكره أن يغرّر بنفسه إلّا أن لا يخاف على نفسه، و إنّا إذا أردنا الحجامة في رمضان احتجمنا ليلا (4).
و تعليل الكراهة بالضعف يدلّ على كراهة فعل ما يوجب الضعف مطلقا، حجامة كان أو فصدا أو غيرهما.
أمّا مع الإمذاء،
ففي صحيحة رفاعة المروية في الفقيه: يستغفر و يقضي إن كان حراما (1).
و يمكن حملها على الاستحباب (2).
و الحق به قلع الضرس، و
في صحيحة ابن سنان: إنّا إذا أردنا الحجامة في رمضان احتجمنا ليلا (3).
و إن كان حقّا (4)، كالدعاء المنظوم و ذمّ الدنيا.
قوله: «و إن كان حقّا».
مثل دعاء المنظوم، و مثل الدعاء المنسوب إلى سيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام المشهور بالدعاء الخمس، و هو
قوله عليه السّلام: يا سامع الدعاء، و يا رافع السماء، و يا دائم البقاء، و يا واسع العطاء لذي الفاقة العديم (5).
و هو دعاء طويل مشهور.
و له نظائر، مثل ما نقل من الدعاء المستحبّ قراءته في ليالي الجمعة، و هو: يا
1) من لا يحضره الفقيه 2: 71 ح 299، تهذيب الأحكام 4: 272 ح 825.
2) إنّما قال ذلك مع أنّ هذه الرواية مروية في التهذيب عن رفاعة أيضا بسند صحيح، إلّا أنّ في متنها نوع خلل، و إن أمكن إصلاحه بتكلّف «منه».
3) تهذيب الأحكام 4: 260 ح 776.
4) و ليس إنشاد الشعر في المسجد من هذا القبيل، فإنّه لا يكره و إن كان حقّا، يدلّ على ذلك ما رواه علي بن يقطين في الصحيح، أنّه سأل الكاظم عليه السّلام عن إنشاد الشعر في الطواف، فقال: ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به «منه» الاستبصار 2: 227 ح 784.
5) ديوان الامام علي بن أبي طالب ص 383.
و الظاهر عدم اختصاص الكراهة بالصائم، و في صحيحة حمّاد: إنّ الصادق عليه السّلام قال: لا ينشد الشعر بليل، و لا ينشد في شهر رمضان بليل و لا نهار، فقال له إسماعيل: يا أبتاه فإنّه فينا؟ قال: و إن كان فينا (1).
أمّا بالمائع، فمحرّمة لا مفسدة، وفاقا للمنتهى (2)،
دائم الفضل على البرية، يا باسط اليدين بالعطية الدعاء (3).
و دليل الكراهة
صحيحة حمّاد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
تكره رواية الشعر للصائم و للمحرم، و في الحرم، و في يوم الجمعة، و أن يروي بالليل، قال: قلت، و إن كان شعر حقّ؟ قال: و إن كان شعر حقّ (4).
و أنت خبير بأنّ هذا الحديث كما ينافي بظاهره ما سبق من استحباب الدعاء المذكور في ليالي الجمعة، كذلك ينافي صحيحة علي بن يقطين على ما نقله الشيخ في الحاشية، فتأمّل.
قوله: «و الظاهر عدم اختصاص الكراهة في رمضان بالصائم».
لعموم
قوله عليه السّلام «و لا ينشد في شهر رمضان»
(5)و تخصيصه به يحتاج إلى دليل و ليس.
و خلافا للدروس (1). و ساوى في المعتبر (2)بينهما في التحريم و عدم الافساد، و في المختلف (3)فيهما و أوجب القضاء.
قطورا أو سعوطا غير متعدّ إلى الحلق.
قوله: «و ساوى في المعتبر بينهما».
ما في المعتبر هو المعتبر. أمّا التحريم مطلقا، فلعموم
صحيحة أحمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن عليه السّلام أنّه سئل عن الرجل يحتقن تكون به العلّة في شهر رمضان، فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن (4).
و تخصيصه بالمائع حتّى يبقى الاحتقان بالجامد على الاباحة يحتاج إلى مخصّص و ليس، و دعوى التبادر غير مسموعة.
و أمّا عدم الافساد، فلأصالته مع عدم المعارض، فإنّ النهي عن الاحتقان لا يقتضي فساد الصوم لجواز أن يكون حراما لا لكونه مفسدا، بل لحكمة شرعية لا نعلمها.
و الحق (1)بها الخنثى و الخصي و الممسوح.
قوله في الحاشية: روى حنان بن سديد عن الصادق عليه السّلام.
رواية حنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام هكذا: قال: سألته عن الصائم يستنقع في الماء، قال: لا بأس به، و لكن لا يغمس رأسه، و المرأة لا تستنقع في الماء لانّها تحمله بقبلها (2).
«لا تستنقع» أي: لا تجلس فيه؛ لأنّها بجلوسها فيه تحمله بقبلها لانفتاحه بالجلوس، فيدخل فيه الماء، و ينفذ منه في الجوف. و ظاهره يفيد أنّ العلّة هي وجود الاستنقاع هناك، و دخول الماء فيها، و نفوذه منها في الجوف، لا وجود قوّة جاذبة، حتّى يقال: إنّها موجودة في الانثى دون الممسوح و الخنثى، مع أنّ الموجودة في الانثى إنّما تجذب ماء الرجال دون مطلق الماء، فالعلّة في الحقيقة ما سبق، و هي مشتركة كما أشار إليه الشيخ الشارح، فتأمّل.
1) الملحق شيخنا الشهيد في اللمعة، و علّله الشارح (شرح اللمعة 3: 133) بقرب المنفذ إلى الجوف. و في كلامهما نظر، فإنّ الرواية إنّما وردت في المرأة و هي معلّلة بما لم يثبت اشتراكه. روى حنّان بن سدير عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: المرأة لا تستنقع في الماء لأنّها تحمله بقبلها. و مراده عليه السّلام أنّ قبلها يجذب الماء إلى جوفها، فحمل الخصي بل الخنثى عليها قياس، و مع ذلك فهو قياس فاسد عند مجوّزي القياس؛ إذ العلّة المستنبطة مردودة بعد وجود العلّة المنصوصة، و جذب قبل الخنثى الممسوح الماء محض ادّعاء «منه».
2) فروع الكافي 4: 106 ح 5، التهذيب 4: 263 ح 789.
أمّا الرجل فلا يكره له و إن كره بلّ الثوب، و الفارق الرواية (1)، و تخيّل الأولوية بعدها باطل.
قوله: «و الفارق الرواية».
هذه الرواية و ما في معناها
كرواية الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول، قال: لا (2).
و
رواية عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا تلزق ثوبك إلى جسدك و هو رطب و أنت صائم حتّى تعصره (3).
ضعيفة الإسناد، و هم مطبقون على أنّ الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، فكيف يثبتونها بها.
مع أنّ مقتضى الأصل، و
صحيحة محمّد بن مسلم قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: الصائم يستنقع في الماء، و يصبّ على رأسه، و يتبرّد بالثوب، و ينضح المروحة، و ينضح البوريا تحته، و لا يغمس رأسه في الماء (4).
هو الاباحة.
1) روى الحسن بن راشد، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: أوّل من قاس إبليس، قلت: فالصائم يستنقع في الماء؟ قال: نعم، قلت: فيبلّ ثوبا على جسده؟ قال: لا، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: من ذاك. (الكافي 4: 113 ح 5). و لا يخفى أنّ ما تضمّنته هذه الرواية يوجب ضعف قياس الأولوية، و قد نبّهت على ذلك في حواشي زبدة الاصول «منه».
2) فروع الكافي 4: 106 ح 6.
3) فروع الكافي 4: 106 ح 4.
4) فروع الكافي 4: 106 ح 3.
قوله: «التاسع مضغ العلك».
في رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السّلام، قال: سألته عن الصائم يمضغ العلك، قال:
نعم إن شاء.
قال الشيخ في التهذيب: هذا الخبر غير معمول عليه، و المشهور أنّه مكروه (1).
قوله: «الاكتحال بما فيه مسك أو صبر».
في موثّقة سماعة، قال: سألته عن الكحل للصائم، فقال: إذا كان كحلا ليس فيه مسك و ليس له طعم في الحلق، فليس به بأس (2).
و مثلها صحيحة ابن مسلم، عن أحدهما عليهما السّلام (3). و حملتا على الكراهة؛
لرواية اخرى عن الصادق عليه السّلام. قيل له: أكتحل بكحل فيه مسك و أنا صائم؟ فقال: لا بأس به (4).
قوله: «نقض الصوم المستحبّ بعد الزوال».
مستند كراهة الإفطار في النافلة بعد الزوال
رواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، عن أبيه، أنّ عليا عليه السّلام قال: الصائم تطوّعا بالخيار ما بينه و بين نصف النهار، فإذا انتصف النهار فقد وجب الصوم (1).
و الشيخ حمله على الكراهة؛ لأنّ المراد أنّ الأولى إذا كان بعد الزوال أن يصومه، و قد يطلق على ما فعله الأولى أنّه واجب، كما يقال: غسل الجمعة و صلاة الليل واجب. و المراد به الأولى الذي لا ينبغي تركه إلّا لعذر.
1) تهذيب الأحكام 4: 281 ح 850.
قوله: «اختصاص شهر رمضان من بين الشهور باثني عشر مزية».
عن الصادق عليه السّلام: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّٰهِ اثْنٰا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتٰابِ اللّٰهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ، فغرّة الشهور شهر اللّه و هو شهر رمضان، و قلب شهر رمضان ليلة القدر، و نزول القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن (1).
بمعنى كان ابتداء نزوله فيه، أو أنزله كلّه إلى السماء الدنيا، ثمّ نزل بالتدريج على مقدار المصلحة، فإنّه يفهم من أخبار اخر أنّ القرآن نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثمّ نزل منه إلى الأرض مدّة عشرين أو ثلاث و عشرين سنة بالتدريج.
ففي الكافي: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: نزلت التوراة في ستّ مضين من شهر رمضان، و نزل الإنجيل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، و نزل الزبور في ليلة ثماني عشرة مضت من شهر رمضان، و نزل القرآن فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (2).
و
في رواية حمران: أنّه سأل أبا جعفر عليه السّلام عن قوله تعالى «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ» قال: نعم ليلة القدر، و هي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر،
و
روى الشيخ في التهذيب عن الصادق عليه السّلام: إنّ التوراة و الإنجيل و الزبور أيضا انزلت فيه (1)
التي هي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
و معنى شهر رمضان: شهر اللّه،
فلم ينزل القرآن إلّا في ليلة القدر (2).
و
عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن قوله تعالى شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ و إنّما نزل في عشرين سنة بين أوّله و آخره، فقال عليه السّلام: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل في طول عشرين سنة، ثمّ قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: انزل القرآن في ثلاث و عشرين من شهر رمضان (3).
و قد يجمع بينها بأنّ تكامل نزول القرآن و وصوله إلى السماء الدنيا كان ليلة القدر بعد ما كان أوّل نزوله في أوّل ليلة منه.
قوله: «إنّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى».
في الكشّاف: الشهر معروف، و هو ما بين الهلالين، أو ثلاثين يوما، و رمضان مصدر رمض بمعنى الحرّ و الشدّة، فنقل إلى الشهر، و جعل الشهر مضافا إليه، فصار
و
لا يقال: هذا رمضان، و لا جاء رمضان، و لا ذهب رمضان. و روي ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن أمير المؤمنين عليه السّلام (1).
المجموع علما، و هو غير منصرف للألف و النون مع التعريف (2).
قال الفاضل الأردبيلي رحمه اللّه: و فيه تأمّل؛ إذ المجموع هو المعرفة و العلم لا المضاف إليه فقط. و قيل: هو أيضا علم، فكانا له علمين مركّب و مفرد، فلا يحتاج إلى الجواب بحذف المضاف، فإنّه خلاف الأصل، و بعيد عن الطبع و الاستعمال (3).
أقول: قوله «فصار المجموع علما» أراد أنّه من الأعلام المركّبة، نحو برق نحره و شاب قرناه. و نفي كون إضافة الشهر إليه من إضافة العام إلى الخاصّ، كما في شجر الأراك و علم النحو، على ما توهّمه كثيرة التعبير عنه برمضان يصحّ إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده، و لذا يصحّ إنسان، و أراد أنّه منع من الصرف للعلمية و الألف و النون كما منع دابة في ابن دابة إضافة الابن إلى دابّة البعير؛ لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت علما للغراب للعلمية و التأنيث، و دابّة البعير مؤخّر ظهره.
و قوله رحمه اللّه «فلا يحتاج إلى الجواب» ردّ على البيضاوي حيث أورد على نفسه سؤالا بأنّه إذا كانت التسمية واقعة مع المضاف و المضاف إليه، فما وجه ما جاء في الحديث من نحو
قوله عليه السّلام من صام رمضان.
و روي مثله في الكافي عن الباقر عليه السّلام بطريق صحيح (1)، و في الدروس (2): إنّ هذا النهي للتنزيه؛ إذ الأخبار عنهم عليهم السّلام مملوءة بلفظ رمضان.
و
في الكافي: عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
لا تقولوا رمضان، و لكن قولوا شَهْرُ رَمَضٰانَ، فإنّكم لا تدرون ما رمضان (3).
و
عن سعد، عن الباقر عليه السّلام، قال: كنّا عنده ثمانية رجال، فذكرنا رمضان، فقال: لا تقولوا هذا رمضان، و لا ذهب رمضان، و لا جاء رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى لا يجيء و لا يذهب، و إنّما يجيء و يذهب الزائل، و لكن قولوا:
شَهْرُ رَمَضٰانَ، فإنّ الشهر مضاف إلى الاسم، و الاسم اسم اللّه سبحانه و تعالى، و هو الشهر الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (4).
و
في التفسير الكبير: عنه صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: لا تقولوا جاء رمضان، و ذهب رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى (5).
قوله: «و في الدروس إنّ هذا النهي للتنزيه».
قال الفاضل الأردبيلي رحمه اللّه في آيات أحكامه- بعد ما نقل عنه صلّى اللّه عليه و آله من صام رمضان إيمانا و احتسابا فله الجنّة، و من أدرك رمضان و لم يغفر له الحديث- و لا يبعد أن يحمل مثل هذه على الجواز و البيان عنه صلّى اللّه عليه و آله، و الذي ورد في البعض من
كما قاله الشيخ في المصباح: إنّ المشهور من روايات أصحابنا أنّ شهر رمضان أوّل السنة، و إنّما جعل المحرّم أوّل السنة اصطلاحا (1). و روي مثله في التهذيب بسند صحيح عن الصادق عليه السّلام (2).
المنع عنه بأنّكم لا تقولوا رمضان، فإنّكم ما تدرون ما هو؟ بل قولوا شهر رمضان.
بحملها على الكراهية لو ثبت الصحّة إذا لم يكن غرض صحيح، أو لمن لم يعرف مطلقا (3).
أقول: الظاهر أنّ رواية غياث بن إبراهيم صحيحة؛ لأنّ رجال السند فيها إليه ثقات إماميون، و هو أيضا ثقة، كما قاله النجاشي (4)و غيره، إلّا أنّ الكشي نقل عن بعض أشياخه أنّه بتري، و لكن هذا البعض مجهول الحال، و العلّامة في الخلاصة (5)و إن قال إنّه بتري، إلّا أنّ الظاهر أنّه أخذ ذلك من الكشي، و قد عرفت حاله، و لعلّ مولانا أحمد نوّر اللّه مرقده لذلك قال: لو ثبت الصحّة.
قوله: «و إنّما جعل المحرّم أوّل السنة اصطلاحا».
نقل أنّ أوّل من جعل المحرّم أوّل السنة عمر بن الخطّاب، و المعروف من روايتنا أنّ أوّل السنة شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
ففي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إذا سلم شهر رمضان سلمت السنة، و قال: رأس السنة شهر رمضان (1).
و
في رواية رفاعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: رأس السنة ليلة القدر، يكتب فيها ما يكون من السنة إلى السنة (2).
قوله: «إنّ قيام ليلة منه كقيام سبعين ليلة من غيره».
في خطبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال بعد كلام: قد أظلّكم شهر رمضان، من فطّر فيه صائما كان له بذلك عند اللّه عزّ و جل عتق رقبة، و مغفرة ذنوبه فيما مضى، قيل: يا رسول اللّه ليس كلّنا نقدر أن نفطّر صائما، قال: إنّ اللّه كريم يعطي هذا الثواب لمن لا يقدر إلّا على مذقة من لبن يفطّر بها صائما، أو شربة من ماء عذب، أو تمرات لا يقدر على أكثر من ذلك (3).
و
في رواية اخرى: إفطارك أخاك المسلم يعدل رقبة من ولد إسماعيل (4).
و
في اخرى: فطرك أخاك الصائم أفضل من صيامك (5).
و يغفر اللّه ما مضى من ذنوبه.
قوله: «إنّ تفطير المؤمن فيه كعتق رقبة».
في خطبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ضعيفة السند: أيّها الناس إنّه قد أظلّكم شهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، و هو شهر رمضان، فرض اللّه صيامه، و جعل قيام ليلة فيه بتطوّع صلاة كتطوّع صلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، و جعل لمن تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير و البرّ كأجر من أدّى فريضة من فرائض اللّه عزّ و جلّ، و من أدّى فيه فريضة من فرائض اللّه عزّ و جلّ كان كمن أدّى سبعين فريضة من فرائض اللّه عزّ و جلّ فيما سواه من الشهور (1).
قوله: «إنّ الأنفاس فيه تسبيح».
عدّ هذا من مزايا شهر رمضان على سائر الشهور محلّ نظر؛ إذ لا اختصاص له به، بل هو من فوائد الصوم و ثوابه المترتّب عليه في أيّ شهر اتّفق، كما يدلّ عليه عموم
قول سيّدنا أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام: نوم الصائم عبادة، و صمته تسبيح، و عمله متقبّل، و دعاؤه مستجاب (2).
اللّهمّ إلّا أن يصار في ذلك إلى قولهم إطلاق المطلق ينصرف إلى الكامل من أفراده.
قوله: «إنّ تحسين الخلق فيه جواز على الصراط».
فإن قلت: الخلق غريزي من جنس الخليقة لا يستطاع تغييره خيرا أو شرّا كما قال، و ما هذه إلّا خلاف الغرائز، فمنهنّ محمود، و منها مذموم، و لن يستطيع الدهر تغيير خلقه ليتمّ و لا يستطيعه متكرّم.
و يدلّ عليه
قوله صلّى اللّه عليه و آله: من آتاه اللّه وجها حسنا و خلقا حسنا، فليشكر اللّه.
و محال أن يمكن للمخلوق تغيير فعل الخالق، فالتكليف بتحسين الأخلاق و تهذيبها تكليف بما لا يطاق.
قلت: بل هو كسبي،
كقوله صلّى اللّه عليه و آله «حسّنوا أخلاقكم»
فلو لم يكن كسبيا لما أمر به، و لأنّا نرى كثيرا من الناس يزاولون و يمارسون خلقا من الأخلاق حتّى يصير ملكة. و قيل: إنّ أصله غريزي و تمامه مكتسب، و ذلك أنّ اللّه تعالى خلق الأشياء على ضربين: بالفعل و لم يجعل للعبد فيه عملا كالسماء و الأرض و الهيئة، و بالقوّة و هو ما خلقه خلقا ما و جعل فيه قوّة رشح الإنسان لا كماله و تغيير حاله و إن لم يرشحه لتغيير ذاته، كالنوى الذي جعل فيه قوّة النخل و منهل للإنسان سبيلا أن يجعله بعون اللّه نخلا، و أن يفسده إفسادا، و الخلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنّه لا سبيل له إلى تغييره القوّة التي هي السجية و الغريزة.
و جعل له سبيلا إلى إسلاسها، و لهذا قال: وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا و لو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ و الوصايا و الوعد الوعيد و الأمر و النهي، و لما جوّز العقل أن يقال للعبد: لم فعلت؟ و لم تركت؟ و كيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا، و قد وجدناه في بعض البهائم ممكنا، فالوحشي قد ينتقل بالعادة إلى التأنّس
و الجامع إلى السلاسة.
لكن الناس في غرائزهم مختلفون، فبعضهم جبل جبلّة سريعة القبول، و بعضهم بطيئة القبول، و بعضهم في الوسط، و كلّ لا ينفكّ من أثر قبول و إن قلّ، و من هنا ما ورد في الأدعية من طلب التوفيق لمكارم الأخلاق و محاسن الأعمال. و في الأحاديث من الأمر بها و الحثّ عليها.
قال الراغب الداري: إنّ من منع من تغيير الخلق، فإنّه اعتبر القوّة نفسها، و هذا صحيح، فإنّ النوى محال أن ينبت الإنسان منه تفّاحا.
و من أجاز تغييره فإنّه اعتبر إظهار ما في القوّة إلى الوجود و إمكان إفساده بإهماله نحو النوى، فإنّه إن يتفقّد فيجعل نخلا و إن يترك مهملا يفسد، و هذا أيضا صحيح، فإذا اختلافهما بحسب اختلاف نظيريهما.
قوله: «الثانية عشر»
إنّ حصر الشيخ قدس سرّه اختصاص شهر رمضان من بين الشهور بهذه المزايا الاثنا عشرية ممّا لا وجه له، فإنّ له مزايا كثيرة:
منها: أنّه يفتح فيه أبواب الجنان (1)، و تغلّ فيه الشيطان، و من صامه إيمانا و احتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه (2).
و من تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير و البرّ كان له بذلك أجر من أدّى فريضة
ختمت الاثنا عشرية الصومية بتوفيق اللّه تعالى، في خاتمة شهر شعبان المعظّم سنة ألف و تسع عشرة من هجرة خاتم المرسلين صلوات اللّه عليه و آله الطاهرين، و نقلت من السواد إلى البياض في أوائل جمادي الثاني سنة ألف و عشرين من الهجرة، و الحمد للّه أوّلا و آخرا.
و تمّ استنساخ هذه الرسالة الشريفة في يوم الخميس رابع شهر ذي الحجّة الحرام سنة (1426) ه على يد العبد الفقير السيّد مهدي الرجائي، في بلدة قم المقدّسة حرم أهل البيت و عشّ آل محمّد عليهم السّلام.
من فرائض اللّه، و هو شهر أوّله رحمة، و وسطه مغفرة، و آخره الإجابة، و العتق من النار (1)، و هو شهر يزيد اللّه فيه رزق المؤمن.
و
كان سيّدنا الصادق عليه السّلام يوصي ولده إذا دخل شهر رمضان: فأجهدوا أنفسكم فإنّ فيه تقسّم الأرزاق، و تكتب الآجال، و فيه يكتب وفد اللّه الذين يفدون إليه (2).
و للّه في كلّ ليلة منه عتقاء و طلقاء من النار إلّا من أفطر على مسكر، فإذا كان في آخر ليلة منه أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه.
إلى غير ذلك من مزاياه الغير المحصورة، و اللّه أعلم.
و تمّ استنساخ هذه التعليقة الشريفة تحقيقا و تصحيحا و تعليقا عليها في يوم الأحد (29) شهر ذي القعدة الحرام سنة (1426) ه على يد العبد السيّد مهدي الرجائي، في بلدة قم المقدّسة حرم أهل البيت و عشّ آل محمّد عليهم السّلام.
ترجمة الشيخ البهائي 3
ترجمة العلّامة الخواجوئي 11
ما لا بدّ للصائم من اجتنابها 33
ما لا يتحقّق الصوم إلّا بالامساك عنه 40
الصوم الواجب 85
الصوم المستحبّ 120
الصوم المحرّم 138
الامور المعتبرة في نية الصوم 156
من لا يصحّ منه الصوم 168
ما يستحبّ فعله ليلا في شهر رمضان 182
ما يكره للصائم 189
اختصاص شهر رمضان بمزايا خاصّة 198
فهرس الكتاب 208