ghaemiyeh.com
نام كتاب: إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، شيخ الشريعة، فتح اللّٰه بن محمد جواد نمازى تاريخ وفات مؤلف: 1339 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دار القرآن الكريم تاريخ نشر: 1405 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: محمد فاضل قائنى ملاحظات: اين كتاب همراه با كتاب" صيانة الإبانة" تأليف شيخ الشريعة اصفهانى و" المحاكمة بين علمين" تأليف شيخ عبد الله مامقانى و" إرث الزوجة" تأليف شيخ لطف الله صافى چاپ شده است.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*
هذه المجموعة موضوعها و أصحابها مسألة إرث الزوجة من زوجها من المسائل المهمة التى تحتل مكانة لائقة فى نظام الارث فى الفقه الاسلامى، و قد اعطاها الفقهاء من الاهتمام و العناية ما يليق بها كمسألة، نص القرآن الكريم على أهم تفاصيلها، و صرحت الأحاديث الشريفة بشيء آخر منها.
و قد اتفقت الامة الاسلامية على إرث الزوجة من زوجها اجمالا، غير ان اهل السنة ذهبوا الى انها ترث من جميع امواله من النقود و الثياب الى الدور و الضياع و الاشجار و الابنية من دون استثناء، و انها ترث من عين ما تركه الزوج بينما اجمعت الامامية على حرمانها من بعض ما ترك زوجها و لم ينسب خلاف الى احد من فقهائهم
إلا ما نسب الى «ابن الجنيد» على تأمل فى هذه النسبة.
و قد عد هذا الامر (اعنى حرمان الزوجة من بعض ما ترك زوجها بعد موته) مما تفردت به الامامية و مستندهم فى ذلك روايات كثيرة متواترة استخرجها الحفاظ من محدثيهم من الاصول الحديثية المستندة الى ائمة اهل البيت عليهم السلام و بذلك خصصوا عموم الكتاب اعنى قوله سبحانه:
«وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ، فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ، فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ ..» (1).
اجل لقد اتفقت الامامية على حرمان الزوجة من بعض التركة، و ان اختلفوا فى خصوصيات ذلك البعض، و سيوافيك بيان هذه الخصوصيات و الاقوال المختلفة فيها فى الرسالة الرابعة من هذه المجموعة الفقهية الخاصة.
على ان مما اتفقوا عليه فى هذا المجال هو حرمانها من «العقار» فى الجملة فذهبوا باجمعهم الى انها لا ترث لا من عين الاراضى و لا من قيمتها و هذا هو الّذي انفردت به الامامية و بحث عنه فقهاؤهم فى ضمن الكتب الفقهية المطولة، او الرسائل المفردة لهذا الموضوع (2).
و بناء على هذا الاصل تنطرح فروع، و جزئيات يجب استخراج احكامها من القواعد و الاصول و من هذه الفروع الفرع الّذي يقول: «لو اشترى رجل قبل موته «ارضا» بشرط ان يكون للبائع خيار الفسخ عند رد الثمن او مثله، بعد حلول اجل
معين، فمات المشترى قبل الاجل، ثم رد البائع عند حلول الاجل بعد موت المشترى مثل الثمن، و فسخ البيع، فهل ترث الزوجة (اى زوجة المشترى الميت) من ذلك الثمن أو لا؟
و منشأ الاشكال هو: ان المورث (و هو هنا المشترى للارض) عند ما مات ترك ارضا، و الزوجة غير وارثة للارض، و لكن البائع فسخ العقد و اخذ الارض ورد الثمن الى ورثة المشترى و هم اولاده و زوجته، و من المعلوم ان الزوجة ترث من غير العقار و الاراضى الّذي منه النقود.
فبما ان الزوج ترك «ارضا» عند الوفاة كان مقتضاه ان تحرم الزوجة من إرث الارض، و بما ان البائع فسخ العقد بعد موت المشترى ورد الثمن و صار المردود مما هو قابل لارث الزوجة منه ربما اقتضى ذلك ان ترث منه فعلا، فهل ترث الزوجة- و الحال هذه- أو لا، هناك وجهان بل قولان.
و قد طرح هذا السؤال عام 1317 على علماء النجف الاشرف و فقهائها و صار محل بحث و نقاش و اخذ ورد فى اوساط الفقهاء، و كان ممن تصدى للاجابة عليه الفقيه المحقق الشهير السيد محمد كاظم اليزدى الطباطبائى حيث ذهب الى حرمانها من «الثمن المردود» و قد كتب فى هذا الصدد رسالة وجيزة.
كما و تصدى للاجابة على هذا السؤال الفقيه المحقق و العالم المتتبع الشيخ فتح اللّه الاصفهانى الشهير بالشريعة، فقد رجح- فى اجابته هذه- خلاف ما رجحه الفقيه اليزدى، و سلك طريقا غير طريقه و اختار رأيا غير رأيه فهو رحمه اللّه يقول فى اوّل رسالته التى دبجها فى الاجابة على ذلك السؤال:
«بلغنى ان جل فقهاء بلدتنا- زاد اللّه فى شرفها- سالكون فى الجواب ما سلكته، مرجحون ما رجحته، و أنى خولفت من قبل بعضهم فى ذلك، و انه سلك طرقا و عرة المسالك، ثم رفع الى السؤال ثانيا فحررت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب، ثم جاءوني بجواب معلل، و تحرير مدلل عن بعض مشاهير
العصر و أجلاء الوقت (يريد الفقيه الشهير السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى) يتضمن جوابا غير ما اجبته، و ترجيحا لخلاف ما رجحته، و جددت المقالة، و اوضحت ما سنح لى فى كلامه من النظر و الاشكال فى رسالة، ثم اتونى برسالة منه زيد مجده زاد فيها على ما سبق، مشيدا فيها ما حرره سالفا و نمق، فاستحسنت الكف عن المقال، اذ قد اضجرنى الجواب عن ذلك السؤال، الا أن ثلة من الاخوان، و ضربا من الخلان ألحوا عليّ فى الابانة عما كنت اعتقده و سد الثغور عما كنت ارجحه قائلين انه لم يزل دأب السابقين و اللاحقين جاريا على النقض و الابرام، و الافساد و الاحكام (1)».
نعم على هذا دأب علماؤنا السابقون، و سلفنا الصالح اذ كانوا يتحرون الحقيقة بالبحث و المناقشة فى حين كان التوصل الى الحقيقة هذه احب لديهم من كل شيء، و اهم عندهم من اى اعتبار، فهم رغم ما كان يكن احدهم للآخر من الاحترام و الحب، و التقدير، و الاكبار، لم يلاحظوا فى نقد الآراء، و تمحيص الاقوال، و استجلاء الحقائق شيئا، بل كانوا يمضون فى البحث و المناقشة و النقض و الرد حتى لو استلزم ذلك بعض المضاعفات، و فى هذا الصدد كتب شيخنا الفقيه شيخ الشريعة الاصفهانى ناقلا عن بعض الاعلام قوله فى هذا الباب:
«ان عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من اعظم مزايا هذه الامة التى اعظم اللّه بها عليهم النعمة حيث حفظهم عن وصمة محاباة اهل الكتابين المؤدية الى تحريف ما فيهما، و اندراس تينك الملتين فلم يتركوا لقائل قولا فيه ادنى دخل إلا بينوه، و لفاعل فعلا فيه تحريف إلا قوموه، حتى اتضحت الآراء، و انعدمت الأهواء، و دامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق باضوائها، و شفاء القلوب بها
1) ابانة المختار فى إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار ص 10
من ادوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف» (1).
نعم كانت كذلك سيرة سلفنا الصالح فى مجال التوصل الى الدقائق، و تحقيق الحقائق، و نعم ما يقول شاعر الاهرام المفلق الاستاذ البحاثة محمد عبد الغنى حسن صاحب التأليف الممتعة:
يشتد فى سبب الخصومة لهجة لكن يرق خليقة و طباعا و كذلك العلماء فى اخلاقهم يتباعدون و يلتقون سراعا فى الحق يختلفون الا انهم لا يبتغون الى الحقوق ضياعا انا لتجمعنا العقيدة امة و يضمّنا دين الهدى اتباعا و يؤلف الاسلام بين قلوبنا مهما ذهبنا فى الهوى اشياعا
(2)و لا غرابة فان الوقوف على الحقيقة، و إماطة الستر عن وجهها وليد النقاش العلمى، و وليد المحادثة فان التقاء افكار ذوى الآراء كالتقاء الاسلاك الكهربائية فكما ان الأشعة الكهربائية تتفجر من اتصالها سلبا و ايجابا، فكذلك نور الحقيقة يشع أمامنا بتبادل الفكرتين، و تعارضهما بالنفى و الايجاب، اذ طالما يتخيل للانسان انه صائب فى فكره و نظره، فاذا عرضه للبحث و النقاش و توارد عليه النفى و الاثبات ربما ظهر وهنه و ضعفه. نعم يجب على الباحث عن الحقيقة ان يعرض آراءه و افكاره للجو الهادىء المتحرر عن التعصب لفئة غابرة، او فكرة حاضرة، الشاخص امام كل رأى فارغ عن الدليل و البرهنة، فالاجتهاد بهذا النحو رمز كشف الحقيقة، رمز خلود الاسلام و بقائه، رمز كونه غضا طريا فى كل عصر و جيل.
نعم ربما يجد الناشئ الجديد فى نفسه حرجا عند وقوفه على اختلاف
اصحاب الآراء و المذاهب فى اصول الاسلام و فروعه، و يتخيله حاجزا يعرقل خطاه فى الوصول الى الواقع، و يتمنى رفع الخلاف الفكرى فى المسائل من رأس بتأسيس مؤتمرات علمية من ذوى الافكار.
بل ربما نسمع من بعض الشباب سؤلا يوجهه إلى الهيئات العلمية الاسلامية و يقول: كان فى وسع النبي- صلى اللّه عليه و آله- ان يجمع اصول الاسلام و فروعه و كل ما يرجع إليه فى كتاب، و يتركه بين الامة حتى يسد بذلك باب التقول من بعده على المتقولين فلما ذا لم يفعل ذلك؟
لكنه رأى غير ناضج، اذ لو جمعها النبي فى كتاب و سلمه الى الامة لاستولى الركود الفكرى و التدهور العقلى على عقلية الامة، و انحسر كثير من المفاهيم و القيم الاسلامية عن ذهنيتها، و اوجب ضياع العلم و تطرق التحريف الى اصوله و فروعه حتى الى الكتاب الّذي كتب فيه كل صغير و كبير، فلم تقم للاسلام دعامة، و لا حفظ كيانه و نظامه، الاعلى ضوء هذه البحوث، و النقاشات الدارجة بين العلماء، ورد صاحب فكر على ذى فكر آخر بلا محاباة (1).
و لاجل ذلك نرى عملاق الفقه و الافتاء ابن ادريس الحلى الّذي كسر جليد التقليد و التبعية فى البحث الفقهى بعد ان حكم بوجوب الزكاة على المزارع اذا بلغ نصيبه النصاب يقول بما لفظه:
«و قال بعض اصحابنا المتأخرين فى تصنيف له: من كان البذر منه وجبت عليه الزكاة، و لا تجب الزكاة على من لا يكون البذر منه لان ما يأخذه كالاجرة و القائل بهذا هو السيد العلوى ابو المكارم ابن زهرة الحلبى شاهدته، و رأيته، و كاتبنى و كاتبته و عرفته ما ذكره فى تصنيفه من الخطأ، فاعتذر باعتذارات غير واضحة و أبان بها بأنه ثقل عليه الرد، و لعمرى ان الحق ثقيل كله، و من جملة معاذيره و معارضاته لى فى جوابه ان المزارع مثل الغاصب للحب اذا زرعه فان الزكاة على
1) معالم النبوة للكاتب ص 303، 304
رب الحب دون الغاصب و هذا من اقبح المعارضات، و اعجب التشبيهات، و انما كانت مشورتى عليه ان يطالع تصنيفه و ينظر فى المسألة و يغيرها قبل موته لئلا يستدرك عليه مستدرك فعلت ذلك- علم اللّه- شفقة و سترة عليه و نصيحة له، لان خلاف ذلك مذهب اهل البيت عليهم السلام» (1).
لقد جرى سلفنا الطاهر على هذه السيرة فى عملهم الفقهى و تبعهم فيه الخلف الصالح الّذي يقتدى بذلك السلف فى كل مأثرة، و سنة حسنة.
و المجموعة الحاضرة هى فى الحقيقة نموذج صادق على هذه السيرة العلمية فهى تتناول بالمناقشة و البحث، مسألة واحدة من مسائل إرث الزوجة و فروعا من فروعها
و لا بدّ ان نعترف بان هذا النمط من تناول المسائل الفقهية كان له اثر كبير فى اغناء الفقه الامامى بالفروع المدلل عليها، و المسائل المبرهن عليها كما ان هذا النهج ساعد الفقهاء الاماميين فى جميع العصور و القرون على حل المشاكل المستجدة، التى كان الآخرون من الطوائف الاسلامية و المذاهب الفقهية الاخرى يعجزون عن الوقوف على حل صحيح لها مطابق للكتاب العزيز و السنة المطهرة لافتقادهم مثل هذا المنهج العلمى الاجتهادى العميق.
تحتوى هذه المجموعة الفقهية الثمينة و التى خرجت لاول مرة فى هذه الحلة القشيبة بعد ان كان اكثرها مخطوطا على اربع رسائل هى:
و هي تأليف الفقيه المتضلع، و الاصولى البارع، عملاق الفقه و التحقيق شيخنا العلامة الشيخ فتح اللّه شيخ الشريعة الاصفهانى المولود عام 1266 هج المتوفى عام 1339 و ذلك فى النجف الاشرف (2).
1) السرائر لابن ادريس الحلى ص 265 و لكلامه هذا صلة فليراجع إليه من اراد
2) راجع للوقوف على ترجمته المفصلة: اعيان الشيعة 42- 257، معارف لرجال 2- 154، احسن الوديعة 1- 171، علماء معاصر 122، مصفى المقال 193، ريحانة الادب 3- 206، مكارم الآثار 5- 1816، الاعلام للزركلى 5- 333 معجم المؤلفين 8- 52 الذريعة فى مختلف اجزائه..
فقد كتب هذه الرسالة- و هى مفصلة- حول هذا الفرع الفقهى و اشبع المسألة بحثا و تحقيقا و يجد القارئ مدى احاطته- رحمه اللّه- بالفروع المتعلقة بالبحث، و بكلمات القدماء، كما و يقف على عمق نبوغه و عظمة قدرته على استنباط الاحكام.
و قد وقعت هذه الرسالة الشريفة القيامة بيد الفقيه الاصولى المحقق الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراسانى صاحب الكفاية و غيرها من التأليف القيامة فوافقه فى اصل الحكم و الجواب و قد وصفها بأنها: «جليلة المقدار، واضحة المنار، و ان الراجح ما رجحه و المتعين ما عينه، و ان المزيد عليه لا يتيسر، بل ذلك المقدار لم يكن يتصور» الا انه اتجهت فى نظره اشكالات عديدة فى مواضع نادرة مما يتعلق بالفوائد الخارجة عن اصل المقصد الّذي استطرفها مؤلفنا الراحل بذكرها فيها فزين تلك المواضع بما سنح له من الانظار، و علق عليها بمآثر من الافاضات و الافكار.
فلما وقف عليها المؤلف الجليل (و نعنى شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانى) اجال قداح نظره حول تلك الاشكالات: فكتب رسالة ثانية فى نقد تلك الاعتراضات و هى الرسالة الثانية من الرسائل الاربع فى هذه المجموعة و هى:
فهذه الرسالة هى لشيخنا شيخ الشريعة الاصفهانى أيضا، و قد كتبها سماحته فى الدفاع عن ما ذكره فى رسالته الاولى: «ابانة المختار» و الرد على بعض الاشكالات التى أوردها الشيخ المحقق الخراسانى صاحب الكفاية على تلك الرسالة و لم تزل الرسالتان كدرتين يتيمتين مخزونتين فى بعض المكتبات الخاصة، و منها مكتبة سماحة شيخنا الورع العلامة الوالد الشيخ محمد حسين السبحانى الخيابانى قدس اللّه سره، و قد كان
من افاضل تلاميذه و من عشاق بحثه، و كان حريصا على نشرهما فى الملاء الاسلامى و كانت النسخة مكتوبة بخط جيد لاحد تلاميذه فضيلة الشيخ حسين السرخابى التبريزى عام 1335، و قد قوبلت بخط المصنف فى ايام حياته، و النسخة المخطوطة هذه لا تزال موجودة بعينها فى مكتبة مؤسسة الامام الصادق عليه السّلام بقم.
و هذه الرسالة هى من تاليف الفقيه الكبير و الرجالى الشهير الشيخ عبد اللّه المامقانى و قد حاكم فيها بين الفقيهين العظمين: السيد اليزدى و شيخ الشريعة الاصفهانى و ناقش ادلتهما و قال:
«لقد حرر بعض الفضلاء الاعلام (و قد عنى به شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانى) رسالة مفردة لاثبات ارثها من الثمن المذكور موردا ما حرره بعض الاعاظم (يعنى به الفقيه السيد اليزدى) فى جواب المسألة معترضا عليه فقرة فقرة و نحن نورد كل فقرة مع ما عقبها به من الاعتراض و نعقبها بما يقتضيه الانصاف ان شاء اللّه تعالى» (1)
و قد طبعت هذه الرسالة ضمن اثنتى عشرة رسالة سميت بالاثنا عشرية سنة 1344 هج.
تاليف الفقيه المحقق آية اللّه الشيخ لطف اللّه الصافى الكلبايكاني دام ظله، و هى رسالة قيمة ألفت فى اصل المسألة أعني كيفية إرث الزوجة من زوجها و بيان ما تفردت به الامامية فى هذا الحكم، و الرسالة محاولة فقهية مبتكرة فى هذا المجال و المؤلف حقا احد الذابين عن حريم الشريعة و المدافعين عن اهل البيت عليهم السّلام حياه اللّه و سدد خطاه.
فلما وقف سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني دام ظله على هذه المجموعة الفقهية القيامة طلب من مؤسسة الامام الصادق عليه السّلام القيام بطبعها و نشرها
1) راجع الصفحة 142- 143 من هذه المجموعة.
على نقفه دار القرآن الكريم.
و قد امتثلت هذه المؤسسة امره الشريف و اناطت مهمة تخريجها و تصحيحها الى المحقق الشيخ محمد فاضل القائينى الّذي قام باعباء التصحيح و التخريج، و نحن اذ نزفّ هذه المجموعة إلى العالم الاسلامى و إلى العلماء و الفقهاء خاصة نرجو أن نكون- بإخراج هذه المجموعة إلى حيّز المطبوعات- قد أسهمنا باعطاء متاع جديد الى المكتبة الفقهية و الحقوقية الاسلامية فى هذا العصر الّذي يتطلع الى المزيد من الدراسات الفقهية الاسلامية، خاصة و ان هذه المجموعة تعكس نمط المنهج الّذي سار و يسير عليه فقهاء الامامية قديما و حاضرا فى معالجتهم للمسائل الفقهية، و التى تعد أقوى منهج فى البحث العلمى، و اعمق نهج فى النقاش الفكرى
و اللّه نسأل فى ختام هذه لمقدمة ان يوفقنا لتقديم المزيد من هذه الدراسات المفيدة الى المكتبة الاسلامية انه سميع مجيب الدعاء
مؤسسة الامام الصادق (ع) العلمية
قم المقدسة- ايران
جعفر السبحانى.
29/ ربيع الثانى* 1405 هج (1)
1) و في هذا اليوم نعى إلى العالم الإسلامى خبر وفاة فقيه عظيم و عالم جليل قضى نصف قرن من حياته الشريفة فى خدمة الفقه الإسلامى، الإمامي، و كان مثالا رائعا و نموذجا صادقا للتقوى و الورع و الزهد أعنى به سماحة آية اللّه العظمى السيد أحمد الخونساري قدس اللّه سره، و قد شيع جثمانه الطاهر من طهران إلى قم المقدسة ثم إلى مثواه الأخير عند مرقد السيد المعصومة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السّلام في تشييع حافل قلما شهدت له هذه البلدة المقدسة نظيرا. رحم اللّه الماضين من علمائنا، و حفظ اللّه الباقين منهم.
ص: 1
ص: 2
ص: 3
ص: 4
ص: 5
ص: 6
ص: 7
ص: 8
ص: 9
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*
الحمد للّه الّذي هدانا الى سواء السبيل، و ابان لنا صريح المدلول بواضح الدليل، و امرنا باتباع الحق، و ان تبعه قليل، و رفض الباطل، و ان قال به خطر او جليل، و صلى اللّه على خير سليل من نسل ابراهيم الخليل، الفائق على جميع رسل الملك الجليل، بل المفضل علماء امته على انبياء بنى اسرائيل، و على خلفائه المطهرين المعصومين الموصوفين بكل جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل، و قبيل بعد قبيل.
و بعد: فيقول اقل الاقلين العبد الآثم الجانى بن محمد جواد الشيرازى النمازي الميرزا فتح اللّه الاصفهانى: انه قد دفع الي سؤال من بعض إخواننا في الإيمان من أهل «جيلان» في قضية طال التشاجر فيها، فحررت السؤال، و أبنت عن الجواب بما هو حق المقال، حسب ما وسعه الحال و ساعده المجال.
ثم بلغني: أن جلّ فقهاء بلدتنا- زاد اللّه فى شرفها- سالكون فى الجواب ما
ص: 10
سلكته، مرجحون ما رجحته و انى خولفت عن بعضهم فى ذلك و انه سلك طرقا و عرة المسالك، ثم رفع الي السؤال ثانيا فحررت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب.
ثم جاءوني بجواب معلل و تحرير مدلل، عن بعض (1)مشاهير العصر، و اجلاء الوقت، يتضمن جوابا غير ما اجبته، و ترجيحا لخلاف ما رجحته و جددت المقالة، و اوضحت ما سنح لى فى كلامه من النظر و الاشكال فى رسالة.
ثم آتونى برسالة منه- زيد مجده- زاد فيها على ما سبق، مشيدا فيها ما حرره سالفا و نمق.
فاستحسنت الكف عن المقال، اذ قد اضجرنى الجواب عن ذلك السؤال، الا ان ثلة من الاخوان و ضربا من الخلّان ألحّوا عليّ فى الابانة عما كنت اعتقده و سد الثغور عما كنت ارجحه، قائلين: انه لم يزل دأب السابقين و اللاحقين جاريا على النقض، و الابرام و الافساد و الاحكام بل قال بعض الاعلام: ان عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من اعظم مزايا هذه الامة التى اعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة اهل الكتابين، المؤدية الى تحريف ما فيهما، و اندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولا فيه ادنى دخل الا بيّنوه و لفاعل فعلا فيه تحريف الا قوّموه، حتى اتضحت الآراء و انعدمت الاهواء، و دامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق باضوائها، و شفاء القلوب بها من ادوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.
و اذ قد تمهد هذا العذر الواضح، و الامر اللائح علم ان لا عذر عن السكوت عن الكلام فيه، و بيان ما لنا و للعلماء فى قواد مه و خوافيه، فحينئذ سنح لى ان أجدد القول فى ما اعتقده انه الصواب الواجب بيانه، و الحق الصراح الواضح برهانه، فشرعت فى ذلك ملقبا له ب «ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ
1) هو الفقيه الشهير المعاصر السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى مد ظله منه.
ص: 11
بالخيار» و هو حسبى، و نعم الوكيل، و إليه المفزع فى الكثير و القليل، و لنعم ما قيل ان الاعتراض على كامل برد شاذة وقعت له، لا يقدح فى كماله و لا يؤذن بالاستهتار بواجب رعاية حقه و افضاله، اذ الفاضل من عدت غلطاته، و لم تكثر زلاته، و فرطاته، و كلنا مأخوذ من قوله و مردود عليه، الا من عصمه اللّه تعالى.
و يعجبنى: نقل ما ذكره فحل الفحول ابن ادريس الحلى (قدس سره) فى سرائره (1)لاشتماله على فوائد، فانه بعد ان حكم بوجوب الزكاة على المزارع اذا بلغ نصيبه النصاب قال ما لفظه: فقال بعض اصحابنا المتأخرين فى تصنيف له:
من كان البذر منه وجب عليه الزكاة، و لا تجب الزكاة على من لا يكون البذر منه، لان ما يأخذه كالاجرة، و القائل بهذا القول السيد العلوى ابو المكارم ابن زهرة الحلبى (2)شاهدته و رأيته و كاتبته و كاتبنى، و عرّفته ما ذكره فى تصنيفه من الخطاء، فاعتذر رحمه اللّه باعتذار غير واضحة، و ابان بها انه ثقل عليه الرد، و لعمرى ان الحق ثقيل كله. و من جملة معاذيره و معارضاته لى فى جوابه: «ان المزارع مثل الغاصب للحب اذا زرعه، فان الزكاة يجب على رب الحب دون الغاصب»، و هذا من اقبح المعارضات، و اعجب التشبيهات، و انما كانت مشورتى- عليه ان يطالع تصنيفه، و ينظر فى المسألة، و يغيّرها قبل موته، لئلّا يستدرك عليه مستدرك بعد موته، فيكون هو المستدرك على نفسه فعلت ذلك علم اللّه شفقة و سترة عليه، و نصيحة له، لان هذا خلاف مذهب اهل البيت (ع).
و شيخنا ابو جعفر (رحمه اللّه) قد حقق المسألة فى مواضع عديدة من كتبه، و قال الثمرة و الزرع نماء على- مالكيهما فيجب على كل واحد منهما الزكاة اذا بلغ نصيبه مقدار ما يجب فيه ذلك، و انما السيد- ابو المكارم رأى ما ذكره
ص: 12
شيخنا ابو جعفر (رحمه اللّه): من مذهب ابى حنيفة فى مبسوطه، فظنّ انه مذهبنا، فنقله فى كتابه على غير بصيرة و لا تحقيق، و عرّفته ان ذلك مذهب ابى حنيفة ذكره شيخنا ابو جعفر (رحمه اللّه) فى مبسوطه، لما شرع احكام المزارعة، ثم عقّب بمذهبنا، و أومأت الى المواضع التى حقّقها شيخنا ابو جعفر (رحمه اللّه) فى كتاب القراض و غيره، فما رجع و لا غيّرها فى كتابه و مات (رحمه اللّه) و هو على ما قاله، تداركه اللّه بالغفران و حشره مع آبائه فى الجنان. (1)
اما السؤال: فهو انه «رجل اشترى اراضى و اعيانا بشرط خيار الفسخ للبائع اذا ردّ مثل الثمن فى مدة معيّنة، ثم مات المشترى قبل مضى مدة الخيار و فسخ البائع فهل ترث زوجة المشترى من تمام الثمن المردود، ربعها، او ثمنها؟ او من خصوص ما يقابل الاعيان فقط بعد البناء على حرمانها من الاراضى عينا و قيمة؟
فاجبت: بما محصله: انه لا خلاف بل لا اشكال فى ارثها من جميع الثمن المردود، و ان المدار فى ارثها و حرمانها على ملاحظة التركة بعد الفسخ، فان كانت الارض مبيعة بمعنى ان الميت باعها و رجعت بالفسخ حرمت منها الزوجة، و ان كان قد انتقل إليها عوضها فيؤخذ منها الثمن و لا يرد عليها شيء من الارض، و ان كانت مشتراة كما فى المفروض ورثت من الثمن الراجع، و ان حرمت حال الموت من الارض من غير فرق فى المسألتين بين كون الخيار للميت او للطرف الاخر او لاجنبى.
فان الفسخ و ان كان من حينه الا انه يوجب حل العقد الواقع بين الميت و طرفه و نقض ما ابر ماه فبعد الفسخ يصير الثمن فى حكم مال الميت فى المفروض، و يرتفع المانع من إرث الزوجة من خصوصية قائمة بالارض، فيرتفع الممنوع. (2)
ص: 13
و نبهت على ان الفقهاء صرّحوا بحكم المسألة فيما اذا كان الخيار للميت من غير خلاف و لا تأمل من احد منهم، و اجروا الملازمة بين الفسخ و الحرمان فى الاولى، و بينه و بين الارث فى الثانية مجرى الواضحات، و ارسلوهما ارسال المسلمات، مع بداهة ان علة حرمانها فى الاولى ليست كونها وارثة للخيار، بل ملاحظة التركة بعد الفسخ، و كذلك العكس، و محصّل ما اجاب به البعض المتقدم إليه الاشارة: «ان الاظهر حرمان الزوجة من ثمن الارض الراجع بالفسخ فى مفروض السؤال لانّ الفسخ و ان كان حلّا للعقد الّا انّه مستلزم للتعارض و التبادل و بقية الورثة فى فرض السؤال هم المالكون فعلا للارض قبل الفسخ دون الزوجة، فبالفسخ يعود عوض الارض المملوكة لهم، إليهم دونها، بل حقيقة الفسخ هى الرد و الاسترداد، و لازمه الرجوع الى المالك الفعلى». و اخذ فى تشييد هذا المرام و الهدم لما يورد عليه من الكلام.
و الّذي اعتقده ان المسألة بحكمها الّذي اسلفته و ذكرته من الواضحات بل، من قبيل المسائل التى يقال: ان الباحثين فيها اذا عثروا لم يقالوا، و ان اصابوا لم يحمدوا بما قالوا، الا انه دعانى الى تجديد القول فيها العذر الّذي قدمناه، مضافا الى التنبيه على فوائد جمّة و فروع مهمّة نتعرض لها فى تضاعيف المسألة ان شاء اللّه تعالى.
و لنمهد لتحقيق القول فيها و فى نظائرها مقدمات نافعة:
ان الإقالة- و ان نسب الى بعض العامة الخلاف فيها من كونها بيعا، او فسخا مطلقا، او فى بعض الصور- الا ان الفسخ مما لم يعهد من احد من المسلمين جعله بيعا، او معاوضة مستقلة، بل هو نقض للعقد عند الكل، و هو كذلك، فان الفسخ المتعلق بالعقد، مثله اذا تعلق بغيره لا معنى له الا نقض العقد، و حلّ الربط، و فصل المتصل حسّا او معنى، بحسب اختلاف متعلقه المقتضى فى البيع لعود المالين الى الحالة الاولى، و فى النكاح اذا فسخ بالعيوب المعروفة
ص: 14
لعود الزوجين الى ما كانا عليه.
فالاتصال و الارتباط الحاصل بعقد البيع و البدلية الناشئة منه بين المالين ينتقض و ينفسخ بالفسخ المزيل للبدلية، و يستتبع استحقاق الفسخ تارة، استحقاق الرد فقط كما اذا صالح (1)ماله بلا عوض و جعل الخيار لصاحبه، و اخرى استحقاق الاسترداد كما فى القرض اذا جعل الخيار لنفسه، و ثالثة الرد و الاسترداد كما اذا باع و جعل لاحدهما او كليهما الخيار.
ثم المالك للعوضين حال الفسخ الّذي يتوهم المعاوضة بينهما قد يكون متعددا كما هو الغالب، و قد يكون واحدا كما اذا باع دارا من ابيه محاباة و جعل لنفسه الخيار و قبض الثمن فمات الأب و انتقلت الدار الى الولد و كان على الميت دين مستوعب لقيمة الدار فاراد الولد الفسخ تقليلا لنصيب الديّان و هو المالك للعوضين فعلا و لا يتعقل فى حقه المعاوضة و المبادلة.
ثم انه قد يستتبع تارة زوال الملكية و رجوع العينين، و تارة رجوع البدلين بعد بطلان ملكيتهما بالتلف، و ثالثة رجوع العين من طرف و البدل من طرف، و رابعة رجوع العين او البدل من طرف و اشتغال الذمة من طرف كما اذا تلف و لم يتمكن من البدل بعد الفسخ.
و الجامع بين الجميع حلّ العقد و رفعه و نقضه، فالاتصال الّذي تحقق بين المالين بالعقد بمعنى ارتباط احدهما بالآخر اذا تبدل بالانفصال و التفرق و القطع كان انفساخا، و كان الفاعل فاسخا قاطعا كما فى فسخ النكاح و فسخ اليد و المفصل عن موضعه و فسخ الرأى و العزيمة، و فسخ الشعر عن الجلد و تفسخه.
1) بناء على صحة مثل هذا الصلح كما يظهر من القوم التسالم على انه يفيد فائدة الهبة اذا تضمن ملك العين بغير عوض. منه رحمه اللّه.
ص: 15
و قد يعبّر عن الفسخ بما يساوقه كرد البيع كما فى رواية عمر بن حنظلة. (1)
و قد يكنى عنه ببعض لوازمه كرد المبيع، او الثمن، او الارض، او الجارية، او العوض و المعوض، او اشباهها، كما يكنى عن فسخ النكاح بالعيوب المعروفة برّد المرأة، او ردها على اهلها، كما فى النصوص الواردة فى النكاح (2)الخالية عن لفظ الفسخ المحمولة عند الجميع فى جميع الاعصار و الطبقات عليه، و قد يعبّر عن عدم استحقاق الفسخ بوجوب البيع و مضيه و لزومه، كما سيتضح تفصيل ذلك كله، و المراد فى جميع المقامات معنى واحد و مفهوم فارد يختلف لوازمه و آثاره بحسب الموارد، و اتحاد معنى الفسخ فى البيع و النكاح و المعاوضة و غيرها لعلّه ضرورى جدا.
و دعوى ان المعنى المفهوم من الفسخ الثابت بالشرط عند نوع الشارطين له: هو مجرد الرد او الاسترداد، ممنوعة جدّا على مدعيها، بل المفهوم عندهم هو المفهوم منه فى فسخ النكاح، و سائر الاستعمالات التى لا تتضمن احدهما او شيئا منهما، مضافا الى انه لو تم لاقتضى التفصيل بين كون الشارطين من العلماء الواقفين على معنى الفسخ، و كونه من العوام نعم ربما يثمر كون غرضهم من اشتراط الفسخ الرد و الاسترداد فى عدم جواز التصرف المتلف، او الناقل فى زمن الخيار، لكنه اجنبى من مقامنا.
و مما ينبه على وضوح ما ادعيناه فى الفسخ: ان العامة و ان اختلفوا فى كون الاقالة فسخا، او بيعا و المحققون منهم على كونها فسخا، و هو اصح الوجهين عند الشافعى، و ان نسب الى قوله القديم انها بيع.
ص: 16
و عن ابى حنيفة: انها فسخ دائما فى حق المتعاقدين، و ان كانت بيعا فى حق غيرهما كالشفيع، الا انهم اتفقوا على كونها فسخا فى حق الكل اذا وقعت بلفظ الفسخ.
ففى التذكرة- بعد نقل الخلاف عن مالك و الشافعى فى القديم من قوله- قال ما لفظه: فالإقالة اذا ذكرت بلفظ الاقالة فيه الخلاف السابق، اما اذا ذكرت بلفظ الفسخ فلا خلاف فى انها فسخ، و ليست بيعا قاله بعض الشافعية انتهى (1)
فما ظنك بالرد بالخيار بلفظ الفسخ حتى ان وضوح كون الفسخ رفعا للعقد دعى كثيرا من فضلاء العامة الى الاشكال على من ذهب الى كون الفسخ رفعا للعقد من اصله: بانه يؤدى الى المحال، و استلزام وجود الشيء لعدمه.
ففى جملة من كتبهم ما لفظه: ان العقد اذا جعل كان لم يكن، جعل الفسخ كان لم يكن، لان الفسخ بدون العقد لا يتصور، فاذا انعدم العقد من اصله انعدم الفسخ من الاصل، و اذا انعدم الفسخ من الاصل، عاد العقد لانعدام ما ينافيه.
و دعوى: ان انعدام العقد انما هو بالفسخ فلا يوجب انعدام نفس الفسخ، مدفوعة: بانه و ان كان بالفسخ الا انه اذا اوجب انعدام ما يتوقف عليه اوجب انعدام الموقوف، و لذلك اختاروا: ان الفسخ انما يؤثر من حينه، و انه يجعل العقد كأن لم يكن فى المستقبل لا فى الماضى.
و انت خبير بانه لو فسر الفسخ بحل العقد و قيل: بانه يوجب انحلال العقدة الحاصلة بالعقد لم يتجه الاشكال، حتى على من ذهب الى ان الفسخ من اصله.
الا ان يقال: بظهور الرفع أيضا كالحل فى معنى متوقف على وجود الشيء، كما انه لو اريد بالحل، جعل العقد كان لم يكن كان مساوقا للرفع بهذا المعنى
1) التذكرة 1: 579
ص: 17
من غير تفاوت.
و لشيخنا الشهيد (رحمه اللّه) اشكال و حل فى قواعده يقرب مما ذكر:
قال: «ارتفاع الواقع لا ريب فى امتناعه، و قد يقال فى فسخ العقد عند التحالف:
هل هو الفسخ من اصله، او من حينه؟ و يترتب على ذلك النماء.
فيرد هنا سؤال: و هو ان العقد واقع بالضرورة من حينه فى الزمان الماضى، و اخراج ما تضمنه الزمان الماضى من الوقوع محال.
فان قلت: المراد رفع آثاره دونه. قلت: الآثار أيضا من جملة الواقع و قد تضمنها الزمان الماضى فيكون رفعها محالا.
و اجيب عن ذلك: بان هذا من باب اعطاء الموجود حكم المعدوم، فالآن نقدّره معدوما، اى نعطيه حكم عقد لم يوجد الى ان قال: و قيل لا يخلو باب من ابواب الفقه عن التقدير انتهى (1)و بالجملة: كون الفسخ رفعا للعقد، و حلا له من الضروريات، و ان اختلفوا فى كونه رفعا له من اصله، او من حينه، و المشهور المنصور هو الثانى، و تحقيقه فى محله، و سيأتى فى الفصل الاول التنبيه على أربعة عشر فرعا كلها يتفرع على كون فسخ البيع حلا، او بيعا، او معاوضة مستقلة غيره. فانتظر.
و يمكن ان يجعل جملة منها من الادلة على المدعى فيكثر الدليل جدا على كون الفسخ حلا لا غير.
ان الخيار لغة: هو الاختيار كما فى المصباح و المجمع او اسم منه كما فى القاموس و انت بالخيار اى اختر ما شئت كما فيه أيضا و هو باق على هذا المعنى فى اخبار الائمة الابرار (ع)، و كلمات العلماء الاخيار،
1) القواعد و الفوائد 2: 79- 81، تأليف الامام ابى عبد اللّه محمد بن مكى العاملى المعروف بالشهيد الاول المتوفّى (786) ه
ص: 18
الا انه بقرينة استعماله بعد عقد البيع، او النكاح مثلا، يراد به الاختيار فى العقد بين طرفى ابقائه او ازالته.
و الغالب فى استعمالات المتأخرين فى ابواب العقود إرادة هذا المعنى من باب استعمال الكلى فى الفرد، لا انه معنى اصطلاحى لهم، كما قد يتوهم فيعترض من لا خبرة له، ممن اشرب قلبه حب الاشكال و الاعتراض على الاصحاب: بانهم نزلوا الاخبار الواردة قبل هذا الاصطلاح بمائتين من السنين على معنى اصطلحوا عليه، و لا يدرى انه مستعمل قبل و بعد فى معنى واحد،
و ان المراد به فى الاخبار أيضا ملك فسخ العقد و ازالته كما نبهنا عليه، و كونه نفس الملك، او حقا مستتبعا له، لا يوجب تفاوتا فى الغرض الآتى، و القوم انما فهموا هذا المعنى و هذا الفرد، من المطلق من الاخبار، فاصطلحوا عليه على تقدير تسليم الاصطلاح، اذا لغرض منه الاختصار و الاقتصار عند بيان احكامه الشرعية المعلقة عليه فى الادلة، فلا معنى لان يصطلحوا على معنى غير ما هو المراد من الخبر ثم يرتبون عليه الحكم المذكور فى الدليل، و القرائن الدالة على ان معنى الخيار فى الروايات هو ملك فسخ العقد او حق يستتبعه، كثيرة.
«منها: الاخبار الواردة فى خيار المجلس الحاكمة «بالخيار ما لم يفترقا و وجوب البيع اذا افترقا (1)و انه (ع) مشى خطا ليجب البيع» فان المراد بوجوبه ليس مجرد ثبوته الحاصل فى المجلس أيضا بالضرورة، لا سيما ان قلنا بالملكية قبل انقضاء الخيار، بل تأكد ثبوته، و لزومه، و استقراره، بحيث لا يتسلط على نقضه و فسخه، فالمراد بالخيار المجعول قسيما له، تزلزل البيع و التسلط على فسخه و هدمه.
«و منها: ما ورد فى خيار الحيوان، كما فى صحيحة على بن رئاب: الخيار
1) الحلبى عن ابى عبد اللّه (ع) قال: ايما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا فاذا افترقا وجب البيع لاحظ وسائل الشيعة 4: 348 ح 4
ص: 19
لمن اشترى ثلاثة ايام نظرة، فاذا مضت ثلاثة ايام فقد وجب الشراء (1)
و فى مكاتبة الصفار المسئول فيها: من رجل اشترى دابة فاحدث فيها حدثا أله الخيار؟ انه وقع عليه السلام: اذا حدث فيها فقد وجب الشراء (2)فعبّر (ع) عن عدم الخيار بوجوب البيع.
«و منها: الروايات الواردة فى خيار التأخير المعبّر فى كلها على كثرتها عن الخيار و عدم لزوم البيع: بانه لا بيع له، أو لا بيع بينهما (3)بناء على المقرر عند المشهور بل الكل، الا فى بعض العبائر التى يمكن ارجاعها عند التحقيق الى عدم اللزوم.
و الشواهد على إرادة عدم اللزوم من الاخبار محرّرة فى محله، و الاستشهاد بهذه الروايات انما هو لتوضيح ان الخيار متعلق بالعقد و نفس البيع، حيث ان التعبير عنه: بانه لا بيع له او بينهما لا يستحسن الا بان يكون متعلقا به، موجبا لنقضه، و هدمه، و جعله كأن لم يكن.
«و منها: ما ورد فى اشتراء ما يفسد من يومه من التعبير عنه: «بانه لا بيع له» (4)المراد منه الخيار، و عدم اللزوم اتفاقا، و التقريب كما سبق.
و منها: ما فى موثقة موسى بن بكر، عن زرارة، عن ابى جعفر عليه السلام، قال: ايّما رجل اشترى شيئا، و به عيب او عوار لم يتبرأ إليه و لم يبين له فاحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار و بذلك الداء انه يمضى عليه البيع (5)«الحديث» فعبّر عليه السلام عن عدم الخيار و سقوطه «بمضى البيع عليه» فيكون
ص: 20
الخيار ردّ البيع و عدم مضيه.
«و منها: ما ورد فى رواية عمر بن حنظلة، فيمن اشترى ارضا على انها عشرة اجربة، فلما مسحها اذا هى خمسة اجربة قال: ان شاء استرجع فضل ماله و اخذ الارض، و ان شاء ردّ البيع و اخذ ماله كله (1)الحديث.
و حمل البيع على المبيع تجوّز لا داعى إليه لا سيما بعد قوله (ع) عقيبه «فان كان كذا كان البيع لازما له عليه، و عليه الوفاء بتمام المبيع (2)«الحديث» اذ فيه دلالة على ان المراد بالاول هو نفس البيع من وجهين.
«احدهما: اسناد اللزوم الى البيع و جعله قسيما مقابلا لرد البيع المذكور سابقا.
«و الاخر: التعبير بالمبيع بصيغة المفعول عند إرادة بيان وجوب دفع التمام حيث غيّر اسلوب التعبير.
و ما فى ذيل الحديث: «من انه ان شاء رد الارض» لا يصير قرينة على ان المراد بالبيع المذكور أولا هو المبيع مجازا، اذ ليس معاندا لارادة الحقيقة منه، بل المراد «برد الارض أيضا» هو ردهما بعنوان رد البيع، و الغرض من هذا كله:
ان لفظ الفسخ و ان كان غير مذكور فى النصوص الا ان لفظ الخيار، المراد به ملك فسخ العقد الموجود فيها كما ان لفظ «رد البيع» و «يمضى عليه البيع» و «انه لا بيع له» المساوق للفسخ موجود فيها.
مضافا الى ما ستعرف من عدم الحاجة (3)الى هذا الامر بالمرّة فى اصل
ص: 21
المسألة.
ثم انك- بعد ما عرفت من ان معنى الخيار عند المتشرعة هو معناه فى اللغة و ان الاختيار دائما انما يتعلق باحد طرفى الشيء من الفعل و الترك، الّذي يراه القادر خيرا له-: تقدر على دفع الاشكال الّذي اورده شيخنا العلامة الانصارى (قدّس سرّه) على تعريف القوم للخيار، «بانه ملك اقرار العقد و ازالته» حيث انه اورد:
عليهم: «بانه ان اريد من اقرار العقد ابقائه على حاله بترك الفسخ فذكره مستدرك، لان القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، اذ القدرة لا يتعلق باحد الطرفين، و ان اريد به الزام العقد و جعله غير قابل لان يفسخ ففيه: ان مرجعه الى اسقاط حق الخيار فلا يؤخذ فى تعريف نفس الخيار» الى آخر ما ذكره. (1)
«وجه الدفع: ان المراد به هو الاول، و ذكره فى الحد لما هو المتعارف من ذكر طرفى الاختيار عند بيانه، فهم و ان ذكروا الملك فى تعريف الخيار الّذي هو الاختيار، او اسم منه لكن من المناسب جدا التنبيه على طرفى الاختيار، و انهما ابقاء العقد و اعدامه.
ان تملك الميت حقيقة بعد موته و ان حكى عن جماعة دعوى القطع باستحالته و امتناعه.
بل ربما يدعى الاتفاق عليه، او كونها من الضروريات، الا ان بقاء تركته على حكم ماله احيانا بل صيرورة مال جديد بعد موته فى حكم ماله، مما لم ينازع احد فى امكانه و وقوعه فى بعض المقامات بمساعدة بعض الادلة، و كل من حكى عنه القول بامتناع تملّكه و انه يدعى استحالته كابن ادريس، و المحقق، و العلامة و ثانى الشهيدين، و غير هم فقد صرح فى موضع او مواضع بكونه فى حكم مال الميت.
و ترى القائلين بالامتناع يجيبون عما يتراءى منه تملكه حقيقة كديته
1) المكاسب للعلامة الانصارى/ 214 قسم الخيارات
ص: 22
الحاصلة بعد موته و الصيد الواقع فى شبكته المنصوبة حال حياته مما دل النص و الاجماع على تعلق ديونه و وصاياه به تارة، بانه اعم من التملك حقيقة او حكما. و اخرى:، بانه يلتزم فيهما الانتقال الى الورثة مع وجوب صرفها فى الدين و الوصية عينا او دينا.
و بالجملة: فالقول: بالتملك الحكمى مما لا اشكال فيه اذا ساعده بعض الظواهر.
بل يظهر (1)من جمال المحققين و ثمال المدققين و هو الفقيه الحكيم فى باب الوصية: القول بجواز بقاء ما تركه الميت على ملكه حقيقة، قال: و لو سلم (يعنى عدم اهلية الميت للتملك) انما يسلم ابتداءً، و اما اذا تملك فى حال الحياة فلم لا يجوزان يبقى على ملكه، الى ان ينتقل الى الموصى لهم، أو الديان بشرائطه؟ و ما ذكر من انتقال ما له عنه بالموت ممنوع أيضا اذ لا دليل عليه عقلا و لا شرعا. انتهى
و صرّح المحقق القمى (2)فى مواضع عديدة (3)من كلامه: ان قولهم «ان الميت لا يقبل الملك» كلام ضعيف، و قول بلا دليل، حاكيا له عن الشيخ احمد الجزائرى فى آيات الاحكام أيضا.
و فى الجواهر (4)ان المحكى من ثانى الشهيدين و الفخر ناسبا له الى
ص: 23
بعض ان الميت يملك حقيقة ابتداءً. (1)
و لا بأس ان نتكلم فيه بعض الكلام، و ان كانت مسألتنا غير متوقفة عليه، اذ لم ار من احد من المحققين تعرضا وافيا له.
«فنقول: قد يستدل على عدم تملكه حقيقة بوجوه:
احدها: الاجماع على ذلك لو لم نقل بضروريته فقد ارسل جماعة من المحققين امتناع تملكه ارسال المسلمات، و اجروه مجرى الواضحات الضروريات.
الثانى: ان الملك صفة وجودية كالبياض و السواد لا تقوم بالميت المعدوم كالمملوكية.
و اما بحسب روحه و نفسه فهو و ان كان باقيا الا ان الملكية التى هى من الاعتبارات العرفية كالمالكية و المملوكية ممّا لا يتصف بها المجردات عند اهل العرف الذين هم المعتبرون لها، و لذا لا يصح الوقف على جبرئيل مثلا، و ملكية الله تعالى لجميع الموجودات على نهج آخر لا بهذا المعنى الّذي يعتبره العرف بينهم فى املاكهم و لذا يجتمع ملكه تعالى مع ملكهم على شيء واحد.
الثالث: ان الملكية اما عبارة عن السلطنة على الشيء اقتضاء او فعلا اذا لم يمنعه مانع، او الاحاطة به و نفوذ قوله و رأيه فيه، او كونه بحيث يتمكن من انحاء التقلبات و التصرفات فيه، او ما يشبه ذلك من التعبيرات المتقاربة.
و من المعلوم انتفاء كل ذلك فى الميت الّذي صار جمادا لا يشعر كالجدار، او موجودا غير قابل لانحاء التقلبات و التصرفات، و يمكن المناقشة فى الجميع.
اما الاول: فبان دعوى الضرورة مما لا يصغى إليه فى مثل هذه المسألة
1) جواهر الكلام 26: 87
ص: 24
النظرية التى لا يلزم من الالتزام بها شيء من المحالات المعروفة او غيرها لا سيما بعد مخالفة من سمعت من المحققين، و ما هي الا حرفة العاجز المسكين اذا قصرت يده عن الركون الى دليل متين فيتشبث بها كتشبث الغريق بلحيته.
و اما الا جماع: فلما تقرر عند نا من ان حجيته انما هو لاستكشاف قول المعصوم عليه السلام و رأيه، فلا عبرة به فى المسائل الغير التوقيفية المبنية على الوجوه العقلية و التخريجات الحدسية.
نعم، لحجية اتفاق اولى الالباب و العقول على شيء وجه وجيه الا ان الصغرى فى المقام ممنوعة.
ذكر ابو نصر الفارابى فى رسالة الجمع بين الرأيين- اى رأى ارسطو و افلاطون- فى حدوث العالم و قدمه فى اثناء كلام له: انّا نعلم يقينا انه ليس شيء من الحجج اقوى و امنع و انفع و احكم من شهادات المعارف المختلفة بالشيء الواحد و اجتماع الآراء الكثيرة اذا العقل عند الجميع، حجة، و لا جل ان ذا العقل ربما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء على خلاف ما هو عليه من جهة تشابه العلامات المستدل بها على حال الشيء، احتيج الى اجتماع عقول كثيرة مختلفة فمهما اجتمعت فلا حجّة اقوى و لا يقين احكم من ذلك. (1)
ثم طعن على آراء جماعة مقلدين لرأى واحد يؤمهم فيما اجتمعوا عليه لانها بمنزلة عقل واحد و هو قد يخطى و لا سيما اذا لم يتدبر الرأى الّذي يعتقده مرارا و لم ينظر فيه بعين التفتيش و المعاندة قال:
و اما العقول المختلفة اذا اتفقت بعد تأمل منها و تدرب و بحث و تنقّر و معاندة و تنكّب و اثارة لاما امكن المقابلة فلا شيء اصح مما اعتقدته و شهدت به و اتفقت عليه الى آخر (2)ما ذكره.
ص: 25
و الكلام فى المقام و دفع النقض باجماع ارباب الملل الزائغة على دعوى القطع بمذاهبهم الفاسدة و بدعهم الباطلة و اجماع الفلاسفة على بعض دعاويهم الكاسدة، مجال واسع.
و اما الجواب، عن الثانى: فبان صفة الملكية ليست بأقوى من سائر الصفات الوجودية القائمة بالميت عند جميع المسلمين، بل المليين من التنعم و التلذذ و الثواب و العقاب و السخط و الرضا.
و اما عدم اعتبار العرف المخترع، الملكية له فى حقه ففيه- مضافا الى رجوع الامر بالآخرة فى هذه المسألة بمثل ذاك التشديد و التأكيد الى دعوى عدم اعتبار العرف انّه ممنوع جدا بل المسلم عندهم اعتباره فى بعض المقامات فتراهم يحكمون على من غصب ثلثه الّذي اوصى بصرفه لنفسه: بان فلانا يغصب ملك الحى و الميت و يأكل اموال الاحياء و الاموات.
و اما عدم صحة الوقف على جبرئيل مثلا فبمنع استناده الى تجرده، و على المدعى الاثبات، فلعله لعدم شمول ادلة الوقف لمثله، او لانه لا معنى لتسبيل المنفعة عليه او لوجه آخر.
و اما ملك الله الّذي له ملك السموات و الارضين فهو و ان كان على نهج آخر لكنه بمعنى اشد و اقوى من ملك العباد فهو المالك الحق و السلطان المطلق الّذي يستحيل زوال سلطنته تعالى على الممكنات، و بطلان ملكه لها لاستحالة كون الممكن واجبا، و ملك العباد من شئون تسليطه و تمليكه، و لذا يجتمع معه، و هو محيط بالمالك و المملوك نافذ امره، و الاشياء بإرادته دون امره مؤتمرة الا انه بكل شيء محيط.
و اما الثالث: ففيه أولا: انه منقوض بملك الصغير فى الساعة التى ولدته أمه و ان مات فى الحال بعد الاستهلال او قبله، مع انه حال ولادته انقص رأيا و ادون شعورا من اغلب البهائم، عاجز عن انواع التقلبات و انحاء التصرفات، لا يعقل
ص: 26
خطابا، و لا يحير جوابا، و ان كان يفارق الميت فى بعض الجهات الغير الفارقة فى المقام، بعد مشاركته له فى امتناع تصرفه عقلا و عدم تأهله للخطاب، بل و كذا المجنون، و السكران، و المغمى عليه، و النائم، و المحجور عليه لسفه، او فلس ممن يمتنع تصرفه عقلا او شرعا.
و ثانيا: ان الملكية سواء كانت من الامور الواقعية، او الاعتبارات العقلائية، او الامور الانتزاعية انما يستكشف، او ينتزع من آثارها و لوازمها، او مما هو منشأ انتزاعها و اعتبارها (1).
فالحق ما ذكره جمال المحققين، و المحقق القمى (ره) و غيرهما: من عدم قيام دليل عقلى، و لا نقلى على امتناع تملك الميت لما تركه، مضافا الى انك قد عرفت انه لا يهمنا اثبات الملك له، حقيقة بل يكفينا التملك الحكمى، و كون شيء فى حكم ما له اذا اقتضاه الدليل.
و قد عرفت انه من الامور المسلّمة عند اهل الفن الواضحة لديهم و لا حاجة الى الاستدلال عليه، و الاحتجاج له، بعد تسالم الكل عليه، الا انه لا بأس بالتعرض بجملة من الموارد التى اجمعوا على كونه فى حكم ماله، او التزم به المشهور، او دلت عليه النصوص الصحيحة و لو ظهورا.
منها: ما اذا مات عن امة حامل، او زوجة حبلى مضى على حملها شهران مثلا و لم يلج فى الجنين الروح فانه يرث بالضرورة من الدين- بشرط انفصاله حيا- نصيبه من التركة كلا او بعضا و يملك النماء المتخلل ما بين موت ابيه و انفصاله، و تختص التركة به ان انفرد، او تقدمهم فى الطبقة، و يشاركهم
1) و يكفى فى استكشافه او اعتباره بعض الآثار او الامور الملائمة له كعدم جواز التعدى عما اذن فيه او عينه، و وجوب صرفه فيما ينتفع به او فى دينه او وصيته غير ذلك فأي مانع من اعتبارها له حتى تلتجئ الى بعض التكلفات و التجشمات المخالفة لظواهر الادلة منه رحمه اللّه.
ص: 27
فيما اذا اجتمع معهم، و يعزل له نصيبه.
فهذا المال، و النماء قبل الانفصال ان التزم ببقائه على ملك الميت حقيقة، او تملك العلقة و المضغة له واقعا المنكشف بانفصاله حيا فهو فوق الدعوى، و ان قيل بكونه فى حكم مال الميت قبل الانفصال كفى فى اثبات المدعى، و لا سبيل الى احتمال تملك الورثة قبل الانفصال ثم بطلان تملكهم بعده.
و منها: ما اذا اسلم الكافر قبل قمة التركة، او اعتق العبد قبلها فتختص التركة بهما او يشاركان الورثة بالنص، و الاجماع، و لا يرث كافر مسلما، و لا عبد حرا، و لا يملكان المال قطعا.
و نماء التركة كلا او بعضا الحاصل بعد الموت و قبل الاسلام و العتق لهما، لا للورثة، فجميع التركة قبل القسمة فى حكم مال الميت، الى ان ينكشف امرهما، لا انه يصير ملكا للطبقة الثانية و الثالثة مثلا ثم يبطل لصراحة الادلّة فى خلافه، و من المعلوم ان الّذي اسلم او اعتق يتلقى الملك عن مورثه وراثة، لا انه يتلقى من الطبقة اللاحقة.
و منها: ما تواترت به النصوص و اجمع عليه الفقهاء من انه اذا مات الحر و ليس له وارث حر و له قرابة مملوكة من أم او ولد او اخ او اخت: انها تشترى من مال الميت و تعتق، ثم تورث المال.
ففى ما رواه سليمان بن خالد عن امير المؤمنين (ع). (1)
و رواه عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (ع) فى رجل توفى و له أم مملوكة قال (ع): تشترى أمّه و تعتق ثم يدفع إليها بقية المال. (2)
و فيما رواه اسحاق بن عمار قال مات مولى لعلى (ع) فقال: انظروا هل
ص: 28
تجدون له وارثا؟ فقيل له (ع) ان له ابنتين باليمامة مملوكتين، فاشتراهما من مال الميت، ثم دفع إليهما بقية الميراث. (1)
الى غير ذلك من النصوص من اهل الخصوص الدالة على بقاء التركة على حكم مال الميت، و عدم انتقالها الى احد الّا بعد شراء الوارث.
و من المعلوم انها بالموت لم تخرج عن المالية و لا صارت فى حكم المباحات الاصلية و احتمال انتقالها الى الامام (ع) لكنه تفضل على القرابة، و عفى عن ماله، و اذن فى اشتراء الرقيق منها مما يأبى عنه جميع نصوص المسألة الصريحة او الظاهرة فى تضمنها لحكم المسألة، و بيان الحكم الواقعى فى الواقعة، كسائر الروايات المشتملة على بيان الاحكام.
و لذا لا يخطر هذا الاحتمال بالبال عند النظر فى هذه الروايات لمن لم يسبق الى ذهنه شبهة و اشكال.
مضافا الى لزوم الاقتصار حينئذ على تلك الازمان، و تلك الوقائع المأذون فيها لا التعدى الى مثل زماننا، و هو باطل بالضرورة.
و استفادة الاذن المطلق منها بعد البناء على كونه مالا له وهم فى وهم كما لا يخفى.
و منها: دية المقتول خطاء افقد ذكر فقهاء الخاصة و العامة انها تقدر فى حكم مال الميت.
و فى كشف اللثام ما زجا لعبارة القواعد: الدية عندنا فى حكم مال الميت، و ان تجددت بعده يقضى منها ديونه، و تخرج منها وصاياه.
و ان كان القتل عمدا لكن ان رضى الورثة بالدية فى العمد قال فى الخلاف و المبسوط: انه قول عامة الفقهاء الا أبا ثور. (2)
ص: 29
و فى الجواهر مازجا لعبارة الشرائع الدية عندنا، و ان تجددت بعده فى حكم مال المقتول يقضى منها ديونه، و تخرج منه وصاياه سواء قتل عمدا فاخذت الدية، او خطأ بل فى محكى المهذب الاجماع عليه، بل فى محكى المبسوط و الخلاف انه قول عامة الفقهاء الا أبا ثور انتهى. (1)
و استشهاد الفريقين بهذا الفرع فى تقدير المعدوم موجودا معروف، قال الشهيد (قدّس سرّه) فى قواعده و زاد آخرون فى احكام الوضع التقدير، مثاله الماء فى الطهارة بالنسبة الى مريض يتضرر باستعماله، فيقدر الموجود كالمعدوم، و كذا لو كان فى بئر و لا آلة معه، او بثمن ليس عنده.
و قد يقدر المعدوم موجودا فى صور:
منها: دخول الدية فى ملك المقتول قبل موته بان لتورث منه، و يقضى منها ديونه، و تنفذ منها وصاياه، فانا نقطع بعدم ملكية الدية فى حياته لاستحالة تقدّم المسبب على سببه، و لكن يقدّر الملك المعدوم موجودا.
و منها: ما اذا قال: اعتق عبدك عنى، او ادّ من مالك دينى، فانه يقدر الملك قبل العتق بان ليتحقق العتق فى الملك.
و كذا يقدّر ملك المديون قبل تملك الدائن بان حتى يكون الدين قد قضى من مال المديون، مع ان القطع واقع بعدم ملكه الى زمان العتق، و قضاء الدين، و يسمى هذا، الملك الضمنى (2)الى آخر ما ذكره.
و قريب منه ما ذكره الفاضل المقداد فى نضد القواعد.
و فى صحيحة سليمان بن خالد عن ابى عبد اللّه (ع) قال قضى على (ع) فى دية المقتول انه يرثها الورثة على كتاب اللّه، و سهامهم اذا لم يكن على المقتول
ص: 30
دين. (1)
و فى صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر (ع) الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث. (2)
و الروايات المتضمنة لاطلاق الارث و الميراث على ما ينتقل الى الورثة من الدية الواردة فى ان القاتل ظلما لا يرث، و القاتل خطاء يرث، و ان الدية تورث، و ان الزوج و الزوجة يرثان من الدية، و ان المتقرب بالقاتل يرث، فوق حد الاحصاء.
و كلها متضمن للفظ الارث و الميراث مكررا، و من المعلوم ان الارث نص او ظاهر فى الانتقال من الميت الى قرابته، و حمل الجميع على التجوز و الاستعارة- بانتقالها الى الورثة ابتداءً من غير دخولها فى ملك الميت لا حقيقة و لا حكما لوجود سببه سابقا- مما لا ضرورة تلجئ إليه بل لا داعى إليه بالمرة.
و منها: دية القتل العمدى اذا صالح الورثة عن حق القصاص بالدية، و رضوا بها.
و هو اعجب من سابقه، حيث ان السبب و هو القتل لم يقتض ما لا اصلا، و انما المال حدث بصلح الوارث، و اجمع عليه الاصحاب على كونه فى حكم مال الميت كما عن الخلاف و الغنية، و قد سمعت عبارة كشف اللثام و الجواهر آنفا.
و منها: ما ورد فى الجناية على الميت بعد موته من ثبوت الدية، و انها له لا لورثته و اجمعوا على عدم انتقالها الى الورثة و وجوب صرفها فيما ينتفع به الميت من حج و انفاق و صلة قرابة.
و المشهور وجوب صرفها فى دينه و تقديمه على القرابة اذا كان عليه دين.
ص: 31
و تأمل بعضهم فيه من جهة انها ليست من تركته و الدين انما يتعلق بالتركة لا وجه له قطعا فان تفريغ ذمته من حقوق الديّان من اهم ما ينتفع به و هو إليه احوج.
و فى صحيحة الحسين بن خالد المروية فى الكافى، و الفقيه، و التهذيب و العلل، و المحاسن، عن ابى الحسن عليه السلام قال: سأل ابو عبد اللّه عليه السلام عن رجل قطع رأس الميت؟ فقال: ان اللّه حرم منه ميّتا كما حرم منه حيا، فمن فعل بميت فعلا يكون فى مثله اجتياح نفس الحيّ فعليه الدية، فسألت عن ذلك أبا الحسن عليه السلام فقال: صدق ابو عبد اللّه عليه السلام هكذا قال رسول الله صلى الله عليه و آله، قلت: فمن قطع رأس ميت، او شق بطنه، او فعل به ما يكون فيه اجتياح نفس الحى فعليه دية النفس كاملة؟ فقال: لا و لكن ديته دية الجنين فى بطن أمّه قبل ان تلج فيه الروح، و ذلك مائة دينار، و هى لورثته، و دية هذا له لا للورثة، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: ان الجنين امر مستقبل مرجو نفعه، و هذا قد مضى و ذهبت منفعته، فلمّا مثّل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره، يحجّ بها عنه، يفعل بها ابواب الخير و البر: من صدقة او غيره (1)الحديث.
و فى مرسل محمد بن الصباح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى الربيع أبا جعفر المنصور (هو خليفة) فى الطواف فقال: يا امير المؤمنين مات فلان مولاك البارحة، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته فاستشاط و غضب قال: فقال: لابن شبرمة و ابن ابى ليلى و عدة من القضاة و الفقهاء ما تقولون فى هذا؟ فكل قال ما عندنا فى هذا شيء، فجعل يردّد المسألة يقول: أ فعليه أو لا؟ فقالوا: ما عندنا فى هذا شيء.
قال فقال بعضهم: قد قدم رجل الساعة فان كان عند احد شيء فعنده الجواب
1) وسائل الشيعة 19: 247- 248 ح 3
ص: 32
فى هذا، و هو جعفر بن محمد عليهما السلام، و قد دخل المسعى، فقال للربيع:
اذهب إليه، و قل له لو لا معرفتنا بشغل ما انت فيه لسألناك ان تأتينا، و لكن اجبنا فى كذا و كذا.
قال: فاتاه الربيع و هو على المروة فابلغه الرسالة فقال ابو عبد الله عليه السلام: قد ترى شغل ما انا فيه و قبلك الفقهاء و العلماء، فأسألهم، قال له: قد سألهم فلم يكن عند هم شيء، قال: فردّه إليه فقال اسألك الا اجبتنا، فليس عند القوم فى هذا شيء، فقال له ابو عبد الله عليه السلام: حتى افرغ مما انا فيه، فلما فرغ جلس فى جانب المسجد الحرام فقال للربيع: اذهب إليه فقل له عليه مائة دينار قال: فابلغه ذلك فقالوا له كيف صار عليه مائة دينار؟ فقال ابو عبد اللّه عليه السلام: فى النطفة عشرون دينارا، و فى العلقة عشرون دينارا، و فى المضغة عشرون دينارا و فى العظم عشرون دينارا، و فى اللحم عشرون دينارا، ثم انشأناه خلقا آخر، و هذا هو ميت بمنزلته قبل ان تنفخ فيه الروح فى بطن أمه جنينا.
قال فرجع إليه فاخبره بالجواب فاعجبه ذلك، فقالوا: ارجع إليه و سله الدنانير لمن هى لورثته فيها شيء؟.
فقال ابو عبد الله عليه السلام ليس لورثته فيها شيء انما هذا شيء صار إليه فى بدنه بعد موته يحج بها عنه، او يتصدق بها عنه او يصرف فى سبيل من سبل الخير الحديث (1)صلوات اللّه و ملائكته و عباده الصالحين عليه و على آبائه الطاهرين.
و منها: ثلث الميت الّذي اوصى به لعبادة، و نحوها مما يرجع إليه، فانه باق على ملكه، او فى حكم ماله يصرف فيما اوصى به، عينا، و نما آ.
و النصوص الحاكمة بان له مع الوصية من ماله ثلثه وافية بالدلالة عليه، بل فى الجواهر انها ظاهرة كمال الظهور فى ذلك يعنى فى انه للميت قال: و
1) وسائل الشيعة 1: 247 ح 1
ص: 33
التزام كونه للورثة، و يجب عليهم صرفه فى تلك المصارف تكلف لا داعى إليه و لا دليل عليه. (1)
و منها: ما اذا كان على الميت دين مستوعب للتركة فعن المقنع، و الفقيه، و المبسوط، فى احد النقلين، و الخلاف، و النهاية و فقه الراوندى كابن ادريس، و المحقق، و العلامة فى الارشاد، و وصايا المختلف، و فخر الاسلام و الشهيد:
ان التركة باقية على حكم مال الميت، و لا تنتقل الى الورثة، و لا الى الغرماء بل فى جملة من الكتب نسبته الى الاكثر، او المشهور، و عن ابن ادريس:
دعوى عدم الخلاف فى عدم انتقالها إليهم فى موضع و دعوى ان اصول مذهبنا تقتضى عدم استحقاق الورثة فى موضع آخر (2).
و لتحقيق المسألة مقام هو اللائق به و لنكتف بهذا المقدار فى هذا المضمار، ففيه فوق الكفاية لمن له دراية ان شاء اللّه تعالى.
كما ان عقد البيع يوجب الربط بين المالين، ربطا موثقا كانه ضمّ بينهما، و عقد عليهما عقدة و يوجب حدوث علقة البدلية بين المالين، و يؤثر فى ملكيه كل واحد للطرف الاخر و سلطنته عليه، كذلك فسخ العقد يوجب نقض ذلك الربط و هدمه، و ازالته و فك العقدة الحاصلة بالعقد و حلها الموجب لزوال البدلية و رجوع كل من المالين الى ما كانا عليه، فان امكن العمل بمقتضاه عمل، و الا بما اقتضته القواعد، فاذا كان موجودا على ملك كليهما من غير مانع رجع كل منهما الى الاخر، كما هو مقتضى زوال البدلية، و فك العقدة.
و اذا تلف احد هما اخذ منه البدل من المثل، او القيامة، حيث انه و ان
ص: 34
كان ملكه و اتلفه مالكه، او تلف فى يد مالكه، الا ان تملكه له لم يكن مجانا بل بعوضه الّذي دفع، فهو مالك لما فى يده من حيث ان له بد لا عند صاحبه، فاذا زالت البدلية بالفسخ و لم يكن للمفسوخ عليه المتلف مثلا بدل عند الفاسخ لم يبق عنده مبدل، و كما كان كل منهما قبل الفسخ مالكا لما فى يده لانه معنون بعنوان كونه بدلا او مبدلا، كذلك بعد الفسخ صار كل منهما مالكا لما فى يد صاحبه كما كان قبل العقد، فان الطارئ الحادث المغير للملكية السابقة هو صفة البدلية اللاحقة فاذا زالت عاد كما كان.
و بعبارة اخرى: بعد البناء على جواز الفسخ بعد التلف و ان الفسخ حل العقد موجب لزوال البدلية، يلزم رجوع كل منهما الى الاخر عينا، او بدلا اما العين فواضح، اذ انفكاك العقد و زوال الربط يوجب رجوعها الى صاحبها، و اما البدل فى صورة التلف فانه بعد قيام الدليل على اصل جواز الفسخ فيها لا بد من الحكم فعلا بعد الفسخ بان المتلف اتلف مالا زال عنه، وصف المبدلية التى هى المقومة لملكيته.
فكأنه اتلف (1)ما ليس ملكا له و مدار الفسخ على التقدير اما تقدير الموجود معدوما، او عكسه، فيقدر المال التالف كموجود بعد الفسخ، اتلفه المتلف، فيرجع إليه بالمثل، او القيامة.
بل عرفت فيما حكى الشهيد (ره) انه لا يخلو باب من ابواب الفقه عن التقدير، و هذا هو تحقيق الضمان المعاوضى لو قيل به لاما يتراءى منه مما يلازم الرجوع الى العوض الجعلى لا الحقيقى، و على كل حال فلا يبقى وجه لمطالبة الدليل
1) و توضيحه: ان اعتبار كون الفسخ فسخا الّذي هو ازالة الربط عين اعتبار وجود المرتبطين مسلوبا عنها وصف البدلية او فسخ العقد الّذي هو الربط متقوم بوجود المرتبط و لو تقديرا فاذا فرض وجود العينين من غير بدلية وجب رجوع كل منهما الى صاحبه اما بعينه او ببدله الّذي هو أيضا رجوع العين حيث انه اقرب الاشياء إليه- منه ره.
ص: 35
على وجوب ردّ المثل، او القيامة اذا وقع الفسخ عند تلف احد الطرفين و قلنا بصحته، فانه لا يجرى دليل اليد و الا تلاف، فانه مما اتلفه مالكه حالكونه مالكا.
ففى الاتفاق على الرجوع الى البدل عند التلف دليل على ان الفسخ ليس مجرد الحل اذ مجرد الحل لا يلزمه رجوع البدل، بل يلزمه فيما لو تلف احد العوضين ان لا ينتقل الى البدل لعدم الوجه فى ضمانه، كذا قيل
و قد عرفت مما حققنا منع اللزوم المذكور، و ان مجرد الحل يلزمه رجوع العين عند وجودها، و بدلها عند تلفها، و انه ليس فى الاتفاق المذكور دلالة على ان الفسخ شيء آخر غير الحل و انتظر لتمام الكلام.
اذا قلنا ان الفسخ هو مجرد الحل لا شيء آخر، فهل الفسخ الصادر من احد المتبايعين مجرد حل العقد و نقض الربط، او حله و نقضه لنفسه لا ينبغى الاشكال فى انه ليس الا حل العقد و نقضه كما ان الخيار ليس الا التسلط على هذا الحل.
و اما كونه لنفسه فهو اعتبار زائد لا وجه لاخذه فيه بل لغو صرف إذ فك العقدة الحاصلة بالعقد يوجب الرجوع الى نفس المالك قهرا و ما حال الفسخ من هذه الجهة الا كحال نفس العقد الواقع على عين مال المالك، فاذا اشترى به شيئا و لم يعتبر فيه شيئا من كونه لنفسه او لغيره وقع العقد له، و انما المحتاج فيه الى الاعتبار الزائد وقوعه لغيره، و لذلك قلنا فى الفضولى: انه اذا اشترى بعين المال لنفسه كما فى الغاصب و السارق ثم اجازه المالك صح و وقع له، و كان المجاز عين ما وقع، و كان تقييده الاشتراء لنفسه لغوا ضائعا، حيث ان المبادلة انما وقعت بين المالين.
و قد يفرّع على الوجهين ما اذا انتقل الخيار بالارث الى الورثة فان قلنا:
ص: 36
ان الحق الثابت للميت هو الحل لنفسه كان هذا الحق بعينه منتقلا الى الورثة، فاذا فسخوا لزمه الانتقال الى الميت او صيرورته فى حكم ماله أولا، ثم الارث، و ان قلنا بان الحق الثابت له هو مجرد الحل، فالمنتقل إليهم كذلك فلا مفرّ حينئذ من القول برجوع العوضين الى المالك الفعلى، و هو الوارث، لا الميت، و لما كان حقيقة الخيار السلطنة على حل العقد، و لم يكن انتقال المال عن فلان او الى فلان داخلا فى حقيقته لم يعتبر فى الارث أيضا، فما يظهر من بعضهم كشيخنا العلامة الانصارى (ره): من مفروضية كون فسخ الاجنبى موجبا للرجوع الى الميت.
ففيه: انه لا اشكال فى انه موجب للعكس، و انه يوجب الرجوع الى الوارث ابتداءً و لا يضر عدم كون الارث عاقدا بعد كون العقد له بمقتضى قيامه مقام مورثه فكأنه هو العاقد، فلا موقع لان يقال: اذا كان مقتضى الانحلال ما ذكرت من الرجوع الى المالك الفعلى، لزم القول به فى صورة الانتقال الى غير الوارث أيضا، كما لو باع الميت، او وهبه، و ذلك لان غير الوارث ليس ممن له العقد، و لا ممن وقع العقد على ماله، و هذا واضح، الى هنا كلام المفرّع.
اقول: و هو من غرائب التفريعات، و عجائب التخريجات، فان الموجب لرجوع العين الى الفاسخ المالك ليس كونه فاسخا عن نفسه او لنفسه، بل نفس الفسخ المقصود به مجرد الحل اقتضى ذلك، لبطلان الربط و الضمّ الّذي حدث بالعقد بين المالين، و فك العقدة الحاصلة منه، سواء كان الفاك و الفاسخ هو البائع، او المشترى، او وارثهما، او الاجنبى، فصار العقد من حين الفسخ كان لم يكن، و برح الواقع كان لم يقع، فعاد المالان الى حالتهما السابقة على العقد بنفسهما، او ببدلهما، سواء قلنا: بان الفسخ مجرد الحل، او انه حل لنفسه، فاذا انتقل حق الفسخ بمعنى مجرد الحل الى الوارث، ترتب عليه بعد اعماله ما يقتضيه من الرجوع الى الحالة الاولى قبل العقد.
ص: 37
فدعوى الملازمة بين كون الفسخ مجرد الحل و بين كون فسخ الوارث موجبا لرجوع العين الى المالك الفعلى و هو نفسه لا الميت عجيبة جدا.
ثم: ان اختراع هذا التعبير الجامع بين المالك و وارثه اعنى من له العقد مما لا يركن الى دليل متين، و لا يلجأ الى ركن وثيق اذ من المعلوم بالضرورة ان من له الملك بالعقد ليس الا المتبايعان و الوارث لا يملك بذلك العقد، بل ينتقل إليه بالموت.
و ما يقال: ان تملكه بالارث كانه تملك نفس الميت فكان الميت حي باق، يراد به انه لا يحتاج الى سبب اختيارى جديد، كما فى الاجنبى، بل قرابته لاتصالهم به فكانهم نفسه، لا كون العقد عقدهم، و الفعل فعلهم، و الاشتراء واقعا لهم، او كون العقد لهم، او واقعا على مالهم، و اين و انى و متى مثل هذا الدليل على مثل هذا التنزيل و لذا تسمع قطعا شهادة من يرثان الميت اذا شهدا فى حياته على عقده.
و من الظريف ان الوارث الّذي له العقد اذا تأكد العقد السابق الواقع له بعقد لاحق من ابيه كان وهبه الأب حال حياته، او باعه، خرج عن كونه ممن له العقد، و صار كالاجنبى، فاذا اتفق فسخ العقد الاول لم يؤخذ منه العين، بل اخذ من ابيه مثله او قيمته، فلم يبق الا ان للارث خصوصية فى ذلك و لا ينكره واحد، لا ان كونه ممن له العقد مشروط بموت ابيه غير واهب له، و ان كان يتفصى من مثل هذا الفرض بانه ليس هنا مالكا بذلك العقد، بل مالك بالعقد اللاحق، الا ان الغرض ان هذا الاعتبار اعنى كونه ممن له العقد لا طائل تحته، بل المعتبر كونه وارثا للعين.
و اما من له العقد بمعنى من وقع العقد لانتفاعه، و من هو بمنزلة العلة الغائية، فربما يكون هو الوارث، و ربما يكون هو الضيف، او الخادم، او الاجنبى.
ص: 38
و اعجب من هذا كله انه عدل هذا الفرع بعد ما نقلنا عنه، عن هذا التحقيق الّذي كان يدعى، كما سمعت انه لا اشكال فيه، و فى انه موجب لعكس ما فرعه المحقق الانصارى رحمه اللّه الى غيره، لما تفطن باشكال متجه على ما اختاره و لقوة ذلك الاشكال هدم ما أسّسه و نقض ما ابرمه.
و اعترف بان الانصاف: ان الفسخ من الوارث يوجب الرجوع الى الميت، و ان قلنا بانه مجرد الحل، و ذكر انه الحق، ثم بدا له أيضا بعد ذلك و عدل الى ما كان عادلا عنه و ارتكب خلاف ما سماه انصافا و حقا عند الجواب عن مسألتنا المبحوث عنها.
اما الاشكال الّذي اوجب عدوله فهو: انه ما ذكره فى تعليقه على كتاب شيخنا العلامة الانصارى رحمه اللّه من ان لازم القول بالرجوع الى الوارث ابتداءً اشتغال ذمة الوارث بالبدل مع فسخ الاجنبى، حتى فى صورة عدم وجود تركة للميت اصلا، و عدم وفاء ما انتقل إليه ببدل العوض التالف فى زمان حياة المورث، و لا يمكن الالتزام به، فيكشف عن عدم تمامية ما ذكرنا، و ان مقتضى الانحلال ما ذكره شيخنا العلامة الانصارى رحمه اللّه من الانتقال الى الميت مطلقا، و اشتغال ذمته كذلك، اذ لا يمكن التفكيك بين صورة وجود العين، او وجود التركة، او وفاء ما استرد بالفسخ بقيمة التالف، و بين صورة عدم الوجود و عدم الوفاء، بان يقال بالانتقال الى الميت فى خصوص الصورة الاخيرة، و لا يمكن التزام اشتغال ذمة الوارث بلا بدل اصلا.
فالانصاف ان يقال: اذا قلنا ان المنتقل الى الوارث ليس الا التسلط على الحل، ان مقتضاه رجوع العوض او بدله الى الميت، الى ان قال: فالحق ما ذكره شيخنا المذكور من ان مقتضى الانحلال الرجوع الى الميت كما فى فسخ الاجنبى (1)الى آخر ما ذكره.
1) حاشية السيد اليزدى على مكاسب الشيخ الانصارى ج 2: 151
ص: 39
و اما ما اوجب بداءه و رجوعه عن هذا الكلام أيضا الى ما كان بانيا عليه أولا معتقدا انه من فروع كون الفسخ مجرد الحل لا الحل لنفسه، فهو انه اهتدى الى طريق التفصي عن ذلك الاشكال، فاختار ان حقيقة الفسخ ليس هو مجرد الحل، بل هو عبارة عن الرد و الاسترداد، و هو مستلزم للتعاوض و التبادل اذا كان العوض موجودا فى ملك من تملك بالعقد الاول، فيلزم الرجوع الى المالك الفعلى للطرف الاخر بذلك العقد، فاذا كانت العين موجودة بعد الموت و تملكها الوارث ثم فسخ، رجعت العين الاخرى الى ملك المفسوخ عليه، و رجع عوضها الى ملك الوارث ابتداءً، لانه ممن له العقد.
و اذا لم نكن موجودة حال الموت اما بان يكون العقد خاليا من العوض، كما اذا صالح الميت بلا عوض و جعل لنفسه الخيار، او بان يكون العوض تالفا فى يد الميت، رجعت العين الى ملك الميت ثم ورثه الوارث، سواء خلف الميت تركة اخرى غير ذلك العوض أم لا، و لا ينتقض بما اذا باعه الميت او وهبه حال حياته بلزوم رجوع العين الى ملك المشترى، او الموهوب له الّذي هو المالك الفعلى لانه ليس بمالك فعلى بذلك العقد، و يتفصى عن ذلك الاشكال الموجب للعدول: بان الفسخ يقتضي التعاوض و رجوع كل عوض مكان الاخر، فاذا كان العوض واصلا بيد الوارث بذلك العقد رجع العوض الاخر بالفسخ إليه ابتداءً، سواء كان موجودا فى ملكه او اتلفه، او باعه، و اذا لم يصل الى يد الوارث شيء بان لم يكن ذا عوض اصلا كالصلح بلا عوض، او كان و تصرف فيه الميت باتلاف، او بيع لم يرجع الى الوارث اذا لم يصل إليه عوض، بل الى الميت، فان كان له تركة تفيء باداء العوض المفسوخ عليه، او تفيء قيمة الراجع بادائه فهو، و إلا بقي مشغول الذمة، هذا محصل كلامه و مفتح مرامه.
فانظر ايدك اللّه أولا الى شدة اضطرابه و كثرة قلقه فى هذا المطلب اليسير.
فتارة يدعى ان الفسخ يقتضي الرجوع الى الوارث ابتداعا مطلقا، لانه ليس
ص: 40
عبارة عن الحل لنفسه، و ان الرجوع إليه ما لا اشكال فيه.
و اخرى يدعى انه يقتضي الرجوع الى الميت مطلقا، و انه الحق، و انه مقتضى الانصاف.
و ثالثة يزعم: انه يقتضي الرجوع الى المالك الفعلى و هو الوارث فى صورة وجود العين، و الميت فى صورة عدمه.
ثم تأمل ثانيا فى هذا الاخير الّذي استقر عليه، و اتقن سوره و سد ثغوره، و بنى عليه مسألتنا المبحوث عنها، و اقتضائه ان حقيقة الفسخ تارة هو التسلط على الرد فقط كما اذا صالح بلا عوض و جعل لصاحبه الخيار، و تارة هو الاسترداد فقط كما فى الصورة بعينها اذا جعل لنفسه الخيار و تارة هو التسلط على الرد فى مقابل الاسترداد، كما اذا باع بخيار من غير ان يجمعها جامع هو مجرد الحل، بناء على ما سيأتى منه من ان حقيقة الفسخ هى الرد و الاسترداد مستوضحا ذلك بحقيقة الإقالة، و ان الخيار و ان كان عندهم بمعنى ملك فسخ العقد، الا انه لا دليل عليه.
ثم ان الثالث المقتضى للتعاوض عنده تارة بين مالين موجودين، و اخرى بين معدومين، و ثالثة بين موجود و معدوم، ثم انه ما اذا باع الولد من ابيه دارا تساوى الف درهم بمائة درهم، و جعل لنفسه الخيار فمات الأب عن دين يبلغ الف درهم، و انتقلت الدار بالارث الى الولد على القول بعدم البقاء على حكم مال الميت و انتقال تركة المديون بدين مستوعب الى الورثة فاراد الولد اعمال خياره تقليلا لنصيب الديان فكيف التعاوض و التبادل فى المقام و هو مالك للعوضين، و كذا فى بعض الفروض الاخر التى سيأتى التنبيه، عليها فالفسخ هيولى مجردة تتنوع بصور مختلفة، و هلا سلك الجادة الواضحة، و لزم المحجة البيضاء الواسعة، من ان الفسخ حل للعقد موجب للرجوع الى الحالة السابقة على العقد، فان امكن العمل بموجبه و مقتضاه من غير مزاحمة دليل آخر عمل به، و الا كما لو باع او وهب العين او اتلفها عمل بما يقتضيه القواعد و ستسمع للكلام تتمة بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
ص: 41
ان عين مسألتنا هذه و هى ما اذا اشترى الارض و شرط للبائع الخيار، و ان لم ينصوا عليها، الا ان كثيرا منهم نصوا عليها، فيما اذا اشترى او باع و جعل لنفسه الخيار فمات، و تكلموا فى إرث الزوجة من الخيار و عدمه، و جعلوا ارثها من ثمن الارض الراجع بالفسخ من الامور المسلمة الواضحة، كحرمانها من الارض المردودة اذا كانت مبيعة، و كان للميت الخيار،.
و اختصاص ما اذا كان الخيار للميت بالذكر فى كلامهم ليس لان له مدخلا فى ارثها من الثمن فى المشتراة، و حرمانها من الارض فى المبيعة ضرورة ان علة حرمانها من الارض عندهم لا يمكن ان تكون ارثها من الخيار، و من يقول بحرمانها منها جزما مع القول بارثها من الخيار او مع احتمال ارثها منه لا يعقل ان لا يقول بحرمانها مع عدم احتمال ارثها، كما اذا كان الخيار للبائع و هو مفروض مسألتنا، فليس الحرمان عندهم لخصوصية فى خيار الميت المحتمل إرث الزوجة منها بالضرورة، بل ليس الا بملاحظة حال التركة بعد الفسخ، و انها و ان كانت نقدا فى حال الموت الا انها تبدلت ارضا مشتملة على المانع بعد الفسخ، و كذلك حال ارثها من ثمن الارض المشتراة بعد الفسخ، ليس السبب فيها ارثها للخيار، او تعلق حقها به، بل المنشأ فيه ارتفاع المانع بعد الفسخ، كما ان المنشأ فى عكسها وجود المانع، و ليس تعلق حق الخيار بالثمن على تقدير القول به بأقوى من تملكها الحقيقى للثمن فى الارض المبيعة، و مع ذلك تريهم يحكمون بالحرمان منها مع تملكها لمقابلها و اخذه منها.
ثم اىّ ربط بين تعلق حق الفسخ بشيء و بين تملكه بعد الفسخ، اذ مقتضى
ص: 42
الاول مجرد التسلط على حل العقد لا التسلط على المال الراجع بعد الحل، و لو كان ارثها للخيار علة لارثها من الثمن فى الارض المشتراة، لوجب القول بارثها من الارض المبيعة أيضا اذا قيل بارثها للخيار فيها مع تملكها لمقابلها، و ترى الكل نافين لارثها من الارض المبيعة جزما، و ان كانوا فى ارثها من الخيار ما بين ناف او مثبت او مستشكل.
و كذا ترى الجميع مثبتين لارثها من الثمن على تقدير الفسخ، و ان كان ثبوت الخيار لها محل كلام.
و بالجملة: لا مد خلية لكون الخيار للميت، و لا لارثها من الخيار فى شيء من الملازمتين، فكما ان حرمانها منها ليس مستندا الى ارثها للخيار بالضرورة، فكذا العكس، و هذا واضح جدا و قد اصاب المعاصر المخالف فى هذه المسألة فى استظهاره من صاحب الجواهر، و المحقق الانصارى، و بعض اخر، ان المدار عند هم فى الارث و الحرمان على زمان الفسخ، بمعنى ملاحظة التركة بعده، و ذكر ان لازم كلامهم إرث الزوجة من الثمن فى مسألتنا، بل اجاد فى استظهاره منهم المفروغية عن ذلك مع انهم أيضا لم يتعرضوا الّا لما اذا كان الخيار للميت.
و انما العلة فى اختصاص خيار الميت بالذكر فى كلامهم هى ان المقصد الاصلى فى كلام كل من وقفتا على قوله هو التكلم فى إرث الزوجة من الخيار الثابت لزوجها فيما اذا باع ارضا او اشتراها.
و من الواضح ان التكلم فى إرث الزوجة- من الخيار الثابت لزوجها فيما اذا باع ارضا او اشتراها- فى انها ترث من الخيار أم لا، موقوف على فرض الخيار للميت.
ثم انهم ما بين مثبت لخيارها فى الصورتين، و محتمل لنفيه فيهما و مفصل بين ثبوته فى الاول دون الثانى، او العكس، و هذا هو الّذي جعلوه محل الكلام،
ص: 43
و محط النزاع فى المقام، و منتصل سهام النقض و الابرام و اما انها ترث من الثمن الراجع على تقدير الفسخ فى الارض المشتراة و تحرم من الارض المردودة بعده فى المبيعة فمما لم يقع لاحد فيه كلام، بل ارسلوه ارسال المسلمات، و اجروا عليه حكم الواضحات الضروريات، و سكتوا عن الاحتجاج له بحجة و برهان، و اكتفوا فيه بما يرونه من العيان عن تجشم البيان، و قد اتضح و ان كان واضحا ان هاتين الملازمتين لا مدخلية فيهما للفاسخ بوجه و لا لكون الخيار للبائع او للمشترى، او لا جنبى.
و مع ذلك كله واجهني جاهل غبيّ، و غافل غوى، بدعوى ان مورد كلام هؤلاء الاعلام انما هو فيما اذا كان الخيار للميت، و السؤال انما هو فيما اذا كان الخيار للبائع، و لا ملازمة بينهما.
فقلت له اما يكفيك فى استعلامهم مذهبهم تسالمهم على حرمانها من الارض المبيعة الراجعة، فهل يجوز من له ادنى شعور ان ثبوت الخيار للميت و إرث الزوجة من الخيار، هو الّذي اوجب حرمانها من الارض؟ او ان تملكها للثمن هو الموجب للحرمان؟ كلا، لا يحتمله عامى، بل ليس الموجب الا ملاحظه التركة بعد الفسخ من غير مدخلية لذى الخيار، و من جوز غير هذا فهو ابله لا يعقل الخطاب و لا يحسن معه السؤال و الجواب و نعم ما قيل:
و اذا كنت بالمدارك غزا ثم ابصرت عارفا لا تمار و اذا لم تر الهلال فسلم لرجال رآه بالابصار
فى نقل عبائر جملة من الاساطين الذين وقفنا على كتبهم، و اقوالهم فى هذه المسألة.
فمنهم: آية اللّه التامة العامة، و حجته الخاصة على العامة، افضل الامامية من
ص: 44
العلامة على الاطلاق قال فى قواعده: الخيار موروث بالحصص، كالمال من اىّ انواعه كان، الا الزوجة غير ذات الولد فى الارض على اشكال، اقربه ذلك اذا اشترى بخيار لترث من الثمن انتهى. (1)
فهو (قدّس سرّه) و ان استشكل فى ارثها من الخيار، لكن جعل ترتب ارثها من الثمن على الفسخ واضحا مسلما، سواء قلنا: بان مراده (ره) ان الاقرب ارثها من الخيار، كما فهمه كثير من شراح كلامه، او ان الاقرب عدم ارثها من الخيار، كما فهمه المحقق الثانى (ره) مصرا عليه، و تبعه آخرون، فان المعنى على الاول: ان الاقرب ارثها من الخيار اذا اشترى الميت، فتفسخ لترث من الثمن، و على الثانى: ان الاقرب عدم ارثها من الخيار، حتى يترتب عليه إرث الثمن، او عدم ارثها اذا اشترى فارادت الفسخ لترث من الثمن، و على كل حال صراحة العبارة فى ترتب الارث من الثمن على إرث الخيار المجوّز لفسخها لا يتأمل فيها احد.
فتبيّن ان كون المدار على ملاحظة التركة بعد الفسخ امر مفروغ عنه، و ان الفسخ هو الموجب لارثها من الثمن، و الا فأي ملازمة بين ارثها من الخيار، و ارثها من الثمن الراجع، لو احتمل ان الثمن يرجع بالفسخ الى المالك الفعلى للطرف الاخر، و هم بقية الورثة لحرمان الزوجة بعد الموت، و عدم تملكها لبدل الثمن رأسا و ثبوت حق الخيار لها لا يلازم الا جواز فسخها، ثم يعمل الفسخ عمله من الرجوع الى حكم مال الميت كما يظهر تسلمه عند العلامة، او الى الورثة المالكين للارض كما يقوله قائل.
و منهم: ولده فخر المحققين فى الايضاح قال فى توضيح اشكال والده (ره):
ينشأ الاشكال من عدم ارثها، فلا تتعلق بها، فلا ترث من خيارها، و من ان الخيار لا يتوقف على الملك كالاجنبى.
1) إيضاح الفوائد 1: 487
ص: 45
ثم فرع المصنف دام ظله- يعنى والده العلامة رحمه اللّه- انه لو اشترى المورث بخيار فالاقرب ارثها من الخيار، لان لها حقا فى الثمن، و يحتمل عدمه، لانها لا ترث من الثمن الا بعد الفسخ، فلو علل بارثها دار و الاصحّ اختيار المصنف، لان الشراء يستلزم منعها من شيء نزّله الشارع منزلة جزء من التركة و هو الثمن، فقد تعلق الخيار بما ترث منه انتهى (1)و صراحة هذه العبارة أيضا فى ان الملازمة بين رجوع الثمن بالفسخ، و إرث الزوجة منها مفروغ عنها مما لا يخفى على احد.
و لو امكن منع الملازمة- كما عن ذلك البعض- كان اتعاب البال فى اثبات ارثها من الخيار، ثم تفريع ارثها من الثمن عليه من دون اثبات هذه الملازمة لغوا ضائعا و كان قوله: «فقد تعلق الخيار بما ترث منه» مصادرة محضة، بل يتعلق خيارها على القول الحادث بما لا ترث منه.
و منهم: افقه الفقهاء، و شمس العلماء الشهيد السعيد (ره) فى حواشيه على القواعد.
و منهم السيد الامام المرتضى علم الهدى، و السيد عميد الدين فى شرح القواعد، و المحكى عنهما قريب مما مر في عبارة فخر الاسلام
و منهم: خاتم المحققين مروج المذهب، المحقق الثانى (رحمه اللّه) فى جامع المقاصد قال: قوله «الا الزوجة غير ذات الولد فى الارض على اشكال، اقربه ذلك ان اشترى بخيار لترث منه» هذا الاستثناء من محذوف يدل عليه قوله موروث تقديره لجميع الوراث، او نحوه فيكون التقدير: الخيار موروث لجميع الوراث مقسوم عليهم كالمال الا الزوجة غير ذات الولد فى الارض، فانها لا ترث من الخيار المتعلق بها، سواء كانت مبيعة او مشتراة، على اشكال ينشأ من انه حق خارج عن الارض؟ فترث منه، و من انه من الحقوق المتعلقة بها؟ فارثه تابع لارثها، و مع انتفاء
1) إيضاح الفوائد 1: 487
ص: 46
التابع ينتفى متبوعه (1).
و الاقرب من هذا الاشكال عدم ارثها ان كان الميت قد اشترى ارضا بخيار فارادت الفسخ لترث من الثمن،.
و اما اذا باع ارضا بخيار فان الاشكال فى هذه الصورة بحاله، لانها اذا فسخت فى هذه الصورة لم ترث شيئا، و حمل الشارحان العبارة على ان الاقرب ارثها اذا اشترى بخيار لانها حينئذ تفسخ فترث من الثمن، بخلاف ما اذا باع بخيار، و هو خلاف الظاهر، فان المتبادر ان المشار إليه بقوله ذلك هو عدم الارث الّذي سيقت لاجله العبارة، ففهم إرادة الارث منها، ارتكاب لما لا يدل عليه دليل، مع انه من حيث الحكم غير مستقيم، فان الارض حق لباقى الوراث استحقوها بالموت، فكيف تملك ابطال استحقاقهم لها و اخراجها عن ملكهم.
نعم ان قلنا: ان الملك انما ينتقل بانقضاء مدة الخيار، استقام ذلك، و أيضا فانها اذا ورثت فى هذه الصورة وجب ان ترث فيما اذا باع الميت ارضا بطريق اولى، لانها ترث حينئذ من الثمن، و اقصى ما يلزم من ارثها من الخيار فى الارض ان يبطل حقها من الثمن و هو اولى من ارثها حق غيرها من الارض، التى اختصوا بملكها، فيكون قوله: ان اشترى بخيار الى آخره مستدركا.
و الحق: ان ارثها من الخيار فى الارض المشتراة مستبعد، و ابطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج الى دليل.
نعم قوله: «لترث من الثمن على هذا التقدير» يحتاج الى تكلف زيادة تقدير، بخلاف ما حملا عليه انتهى.
فلاحظ ايدك اللّه بعين البصيرة كلام هذا الفقيه المعلوم تبحره فى الفقه و اضطلاعه فى الفن كيف ينادى بوضوح الملازمتين، و ان المدار على ملاحظة التركة بعد الفسخ، و ان الزوجة لا ترث فى الارض المبيعة شيئا، لانها ترث من الثمن فى الارض المشتراة بعده، و كيف اخذ هذا المعنى امرا مسلما مفروغا
1) الظاهر انه سهو منه او من الناسخ و الصحيح ان يقال: و مع انتفاء المتبوع ينتفى التابع- منه
ص: 47
عنه، و اخذ يتشكل على الشارحين المحققين فى تفسير هما لعبارة القواعد بهذه الملازمة المسلمة عنده و عندهما، و كيف سكت عن الاستدلال لها، و الاحتجاج عليها، مع شدة حاجته فى اثبات اشكاله عليهما بثبوت هذا المعنى، و هل ذلك الا لان هذه المقدمة مفروغ عنها بينه و بين من يستشكل عليه، و لو كان احتمال ذلك القول اعنى انتقال العين الى المالك الفعلى بالفسخ قائما لانعكس الامر و كانت الزوجة ترث من الارض المبيعة الراجعة بعد الفسخ لتملكها لبدلها هو الثمن فلم ترث من الثمن الراجع فى الارض المشتراة لعدم تملكها لبدلها، بل بقية الورثة هم الذين ملكوا البدل.
و انظر إليه (قدّس سرّه) كيف ينكر ارثها من الخيار فى الارض المشتراة، لكنه يقرّ بالملازمة، و انها على تقدير الفسخ ترث من الثمن، و انه على تقدير الخيار فى الارض المبيعة لا يلزم إلا بطلان حقها من الثمن، و ان الاول اولى بالاشكال لما فيه من ابطال حق الغير، و لا يلزم فى الثانى الا بطلان حقها ثم ان الناظرين فى كلام المتعرضين للاشكال على مرامه.
و منهم: شيخنا العلامة الانصارى (رحمه اللّه) و ان لم يسلموا أولوية الاشكال فى الارض المشتراة، بل ربما عكسوا فرجحوا إرث الخيار فيها دون المبيعة، الا انهم باجمعهم سلموا منه هاتين الملازمتين، و انها لو فسخت حرمت فى المبيعة و لو فسخت ورثت فى المشتراة، بل جعلوا هذا المعنى المسلم منشأ للايراد عليه كشيخنا المذكور آنفا، بتقريب انها فى المبيعة لا يسترد شيئا فلا معنى لخيارها بخلاف المشتراة فانها تسترد الثمن.
و منهم: العلامة المقنن المحقق القمى (رحمه اللّه) فى اجوبة مسائله حيث انه بعد ان اطال القول فى إرث الزوجة من الخيار و عدمه، و فى جواز تفريق الورثة فى الفسخ و الامضاء و نقل كلمات القوم و تكلم فيها نقضا و ابراما قال ما لفظه: و تحقيق المقام بعد ما حققنا لك سابقا انه لا يصح التفريق فى الخيار، و لا بد من
ص: 48
التوافق هو ان الزوجة اذا وافقت الورثة فى الفسخ و الامضاء جاز فى الارض أيضا، و ان كان يختلف الحال بان ذلك يوجب فى بعض الصور استحقاقها من الثمن بقدر حصتها، كما لو كان الميت اشتراها، و فى بعضها لا تستحق شيئا، كما لو كان باعها، و فائدته حصول الموافقة ليصح العمل بمقتضى الخيار، و لينتقل إليها شيء فى بعض الصور، او ينتفع به الغير، سيما اذا ترقبت وصول نفعه إليها أيضا فى آخر.
و ذكر فى سابق هذا الكلام تصويرا لوصول نفع فسخ الارض المبيعة إليها مع حرمانها منها، فيما لو فرض ان الميت باع الارض بثمن بخس لكونها كاسدة حين البيع، و الآن ارتفعت و تريد الزوجة ان تتزوج باخى الميت، و المفروض ان الوارث هو الاخ، و هذه الزوجة، فهى باعتقاد ان ما كان للزوج فهو لها و لولدها الّذي يتولد منها، فلا ريب ان المصلحة لها حينئذ قطع النظر عن ذلك الثمن القليل و استرجاع الارض، و ان لم ترث منها بنفسها انتهى كلامه و رفع مقامه.
فانظر إليه (قدّس سرّه) كيف تكون الملازمتان واضحتين بديهيتين عنده، و الى حكمه بارثها من الثمن فى المشتراة، و الحرمان من الارض فى المبيعة من غير احتمال خلافهما، و الى ما صوّره فى رجوع النفع الى الزوجة، و لو كان الاخر كما يقوله القائل لم يحتج الى هذه المقدمات، بل بالفسخ ترجع الارض إليها فى مقابل حصتها المأخوذة منها، بل انعكس الامر و احتاج الى التكلف، لتصوير النفع و الفائدة فى فسخ الارض المشتراة دون المبيعة.
و منهم: الامام الباهر الماهر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فانه بعد ان ذكر ان دعوى تبعية إرث الخيار للمال لا شاهد عليها، بل يكفى فيه تعلقه بالمال كالشفعة، بل قد يورث ما لا تعلق له بالمال كحق القذف، و يقرب منه حق القصاص،.
ص: 49
قال ما لفظه: و من ذلك يظهر لك قوة القول بارث الزوجة غير ذات الولد للخيار فيما اذا اشترى ارضا و له الخيار، او باعها كذلك، و ان استشكل فى احدهما الفاضل فى القواعد، على ان حق الخيار فى الثانى منهما قد تعلق بالثمن الّذي انتقل إليها بالارث فيتبعه الخيار، و ان كان لو فسخت حرمت الا ان ذلك لم يثبت مانعيته من الارث كعدم ثبوت اشتراط إرثه بالتبعية لعين، فلها ان تفسخ فى الاول أيضا و ترث من الثمن (1)انتهى.
فلينظر الى هذا الفقيه المتبحر المسلم احاطته وسعة باعه هل استدل على الملازمة الاولى من قوله: لو فسخت حرمت، او على ما ذكره فى الثانى: من ان لها ان تفسخ و ترث من الثمن بشيء، او انه اجراهما مجرى الضروريات و ارسلهما ارسال المسلمات.
و منهم: العلامة النراقى فى نفائس الفنون الى اعلى المراقى الفاضل النراقى (رحمه اللّه) فانه بعد ان رجح ارثها من الخيار فى الارض اذا لم ينحصر الوارث فيها، قال: اذا كان ذو الخيار الموروث بائعا فان لم تجوز الزوجة الفسخ ترث حصتها من الثمن، و ان اختارت الفسخ مع سائر الورثة لم ترث من الارض و لا من ثمنها، لان بعد الفسخ يستحق المشترى الثمن من مال البائع اذ انتقاله إليه كان من جهة البيع و قد انفسخ، و انتقال حصتها من الثمن إليها قبل الفسخ كان انتقالا متزلزلا، الى ان قال: و ان كان ذو الخيار مشتريا فان اختارت الزوجة الاجازة لم ترث من الارض، و ان اختارت الفسخ ورثت من الثمن انتهى.
و هذه العبارة أيضا كسوابقها فى ارسال المعنى المبحوث عنه ارسال الواضحات المسلمات، بل اصرح منها حيث انه (قدّس سرّه) قد اخذ يستدل فى الصورة الاولى- و هى كون الارض مبيعة على ان الزوجة بعد فسخها لا ترث من الثمن، مع انه من الضروريات بعد الفسخ، و لم يستدل على مدعاه الاخر، من انها لا
1) جواهر الكلام 23: 77
ص: 50
ترث من الارض، مع انه الّذي يتعين الاحتجاج له لو كانت المسألة نظرية، و لا يكفى فيه بناء على ان الفسخ يقتضي العود الى المالك الفعلى ادلة حرمان الزوجة من الارض، حيث ان هذا الانتقال بعد الفسخ ليس بارث حتى ينفى بتلك الادلّة بل هو من مقتضيات الفسخ و عود المال مكان بدله الّذي ملكته الزوجة قطعا، فيتبين ان عدم ارثها من الارض الراجعة بالفسخ اوضح عنده من عدم ارثها من الثمن بعد الفسخ، و لذا سكت اخيرا عن الاستدلال لقوله فى الثانية و ان اختارت الفسخ ورثت من الثمن.
و منهم: الفقيه المتورع العلامة الشيخ على (قدّس سرّه) ابن كاشف الغطاء فيما حكى عنه بعض اعاظم الفقهاء من اصحابه، فانه بعد ما اختار عدم إرث الزوجة من الخيار ذكر احتجاجا له ان الاصحاب عللوا كون الخيار موروثا، بانه حق مالى، و مرادهم من الحق المالى ان يكون ذلك المال مما يعود الى من ينتقل إليه الخيار اذا فسخ بالخيار.
و لا ريب فى ان الزوجة المفروضة لا ترث من الارض اصلا فسخت او لم تفسخ، قال: مع ان مشروعية الخيار للارفاق، و لا ارفاق بحال الزوجة اصلا، بل الفسخ ضرر عليها، لانها ان لم تفسخ ترث من الثمن اذا كان غير ارض، بخلاف ما اذا فسخت فالثمن يأخذه المشترى، و الارض تاخذها الورثة انتهى.
فتأمل فى كلام هذا الفقيه البارع، و انه كيف نفى الريب عن عدم ارثها من الارض الراجعة بالفسخ فى مقابل ثمن المملوك فعلا للزوجة.
و منهم: اخوه العلامة المؤتمن الشيخ حسن (قدّس سرّه) فى شرح القواعد قال:
الا الزوجة غير ذات الولد فى الارض فانها لا تعلق لها بها فلا ترث خيارا فيها لتبعية الخيار لها، و اذا انتفى المتبوع انتفى تابعه، لكن على اشكال، ينشأ من انه حق مالىّ خارج عن الارض فيورث كسائر الحقوق، و من انه كخيار الاجنبى حيث انه يملك الخيار و لا يملك المال، و اقربه ذلك، اى عدم الارث فى صورة
ص: 51
ان اشترى الميت ارضا بخيار فتفسخ الّذي اشتراه من الارض لترث من الثمن فانها هنا لم ترث شيئا ليتبعه الخيار و فسخها و ارثها بعد ذلك موقوف على ثبوت تعلق حق بها فى الارض، فليس و ليس على انه لا يجرى فيما لو اشترى ارضا بارض، و اما لو باع الميت ارضا بخيار فان الارث هنا اقرب لتعلق ارثها بثمن المبيع، فيتبعه الخيار، و ان كان عند الفسخ و رجوع الارض لا ترث منها شيئا فيفوتها الثمن و المثمن انتهى.
و دلالة هذا الكلام على وضوح الملازمتين المتكرر إليها الاشارة واضحة جدا.
و منهم: المحقق الثالث و العلامة الثانى شيخنا المحقق الانصارى (رحمه اللّه) فانه بعد ان نقض و ابرم و اتقن و هدم و بنى على عدم إرث الزوجة للخيار فى الارض المبيعة لانها بعد الرجوع لا ترث منها، و حق الخيار علقة فى الملك المنتقل الى الغير من حيث التسلط على استرداده الى نفسه، او من هو منصوب من قبله، كما فى الاجنبى، و اختار ارثها من الخيار فى الارض المشتراة لتزلزل ملك البائع للثمن و كونه فى معرض الانتقال الى جميع الورثة، قال: و تزلزل ملك الطرف الاخر ثابت على كل حال، و ان لم نقل بثبوت الخيار للزوجة، فان باقى الورثة لو ردوا الارض و استردوا الثمن شاركتهم الزوجة فيه، فحق الزوجة فى الثمن المنتقل الى البائع ثابت، فلها استيفائه بالفسخ (1)انتهى.
فتراه (قدّس سرّه) يستدل على ثبوت الخيار للزوجة الّذي هو معركة الآراء بتلك المقدمة التى تراها ثابتة ضرورية من ان الثمن لو رجع و لو بفسخ الوارث شاركته الزوجة فيه، و تراه لا يحتج بهذه المقدمة التى عليها اساس مختاره و إليها ركون تفصيله بحجة و دليل لكونها واضحة السبيل.
و من الواضح انعكاس التفصيل لو احتمل رجوع العين الى المالك الفعلى
1) المكاسب/ 291 فى احكام الخيار
ص: 52
للطرف الاخر.
ففى الارض المشتراة لا يعود الى الزوجة شيء، لعدم تملكها لبدله، و فى الارض المبيعة تعود الارض إليها بالفسخ، لتملكها لبدلها، فكيف يظن بمن له ادنى تيقظ و فطانة ان يهمل فى مقام اثبات مختاره من التفصيل و النقض و الابرام فيه، اهم المقدمات التى لها مدخل فى مختاره بهذه المدخلية التامة الموجبة لاثبات ما نفاه و نفى ما اثبت، و هل هو الا لانه يرى وضوحها و عدم مجال التكلم فيها و الاستدلال عليها فكيف بانكارها.
و منهم: الفقيه المعاصر الّذي كان عامة فقهاء عصرنا متسالمين على فقاهته و احاطته وسعة باعه المولى على الكنى الرازى (قدّس سرّه) فانه اورد على ما تقدم نقله من الشيخ على (رحمه اللّه) من انكار ارثها من الخيار، و على ما احتج له بما لفظه:
ان المراد بكون الخيار حقا ماليا ليس الا تعلقه بالمال، و اما كونه مالا للمختار فكلا، قال: مع انه انما يتم فى صورة البيع، اما فى صورة الشراء فلا، لانها اذا فسخت شراء الارض فثمنها يرد الى الورثة التى هى منها فانها ترث من الثمن، كما لو كان الزوج فسخ فى حياته انتهى.
و لو لا وضوح ارثها من الثمن الراجع عنده لم يكن معنى لاخذ هذه المقدمة مسلمة و جعلها مبدأ للايراد و الاشكال على منكر ارثها من الخيار، فهؤلاء اثنا عشر من العلماء الاعلام و مبين الحلال و الحرام و هم اساطين مذهب الشيعة و دعائم الملة القويمة المنيعة، و بهم انتظمت احكام الشريعة، و لا تحصى مناقبهم الرفيعة و مزاياهم البديعة.
ثم ان كثيرا من فقهاء عصرنا و علماء مصرنا صرحوا فى الجواب عن اصل مسألتنا المبحوث عنها بارثها من الثمن الراجع بفسخ البائع، و ادعى غير واحد منهم انه من الواضحات التى لا ينبغى التكلم فيها، و فيهم جماعة فاقوا على جملة ممن سبقهم من فضلاء الاعصار الماضية، و فقهاء القرون الخالية، و انتشرت
ص: 53
معاليهم، و اشتهرت غوالى لآليهم.
و سارت مسير الشمس فى كل بلدة و هبّت هبوب الريح فى البر و البحر
و ما اظن فقيها تكلم فى المسألة الا و اختار ما اختاروه، و منهم الفاضل المعاصر المخالف كما فيما علقه على مكاسب شيخنا العلامة الانصارى (رحمه اللّه) و يا ليته بقى على ما رجحه و لم يعدل عما اعتقده، و لم: يرتكب خلاف ما سماه انصافا تارة، و حقا اخرى و لم يتصد لنقض هذا الفرع المبرم و هدم هذا الاصل المتين المحكم و ابطال هذا الحق الواضح المسلم، و اذا تمهدت المقدمات السبعة التامة فلنتكلم فى اصل المسألة و ما يتبعها فى ضمن فصول:
فى الاحتجاج لما اخترناه و الاستدلال على ما رجحناه فليعلم: انه لا ينبغى الاشكال فى ان الميت اذا باع ارضا بعقد بخيار له، او للمشترى، او الاجنبى فاقتسمت الورثة.
و منهم الزوجة النقد فيما بينهم، ثم فسخ ذو الخيار العقد و ردّت الارض، حرمت الزوجة منها بعد البناء على حرمان الزوجة من العقار، و لا يحكم برجوع بعض الارض إليها فى مقابل الثمن المأخوذ منها، كما عرفت انها من مسلمات اهل الفن، و الواضحات عندهم، و ان الحرمان المفروغ عنه عندهم ليس لكون الخيار للميت بل لملاحظة التركة بعد الفسخ بالضرورة كما لا ينبغى الاشكال فى العكس، و هو ما اذا اشترى الميت ارضا بخيار ثم وقع الفسخ، و ان كان من البائع الحى فى انها ترث من الثمن الراجع،.
و الدليل فى المسألتين: ان إرث الزوجة فى الاولى من التركة انما كان لكونها نقدا، كما ان حرمانها منها فى الثانية انما كان لكونها ارضا مشتملة على خصوصية مانعة من ارثها، فاذا وقع الفسخ كما هو المفروض و كان نفوذه و صحته متفقا عليه، و كان معنى الفسخ حل العقد و نقض الربط، كما مر فى المقدمة
ص: 54
الاولى، و سيأتى دفع ما يتوهم من غيره مشروحا فى الفصل الثانى ان شاء اللّه تعالى.
و كان مقتضى الحل العود الى الحالة الاولى من رجوع الارض الى البائع و الثمن الى الميت حقيقة، او حكما، كما مر في الرابعة و الخامسة و كان ترتيب هذا المقتضى على مقتضيه ممكنا، كما مر فى الثالثة، و لم يكن الانتقال الى الورثة بمانع اذ ليس فيه الا تملكهم لما ملكه مورثهم، لا سيّما ان قلنا: ان المال حال الانتقال إليهم كانه لم ينتقل و ان الميت كانه حي باق بل ليس اتلاف الميت للمبيع، او بيعه لغيره، و اتلاف ثمنه بمانع عن الرجوع إليه، و لم يتجدد بالارث شيء سوى تملك الورثة بسبب زالت سببيته، وجب ترتيب مقتضى الفسخ عليه، و جعل المال بعده ملكا للميت فى حكم مال الميت فترثه الزوجة تارة، و تحرم منه اخرى، فالفسخ بمهيته و حقيقته يقتضي تبدل عنوان التركة و رفع المانع الموجب لثبوت الممنوع تارة بعد وجود المقتضى من النسب او السبب كما فى الارض المشتراة، و وجود المانع المقتضى لعدم الممنوع كما فى المبيعة اخرى.
نعم او بنى على ان الفسخ بيع او معاوضة مستقلة، لزم العكس، و حرمان الزوجة من الثمن فى المشتراة و ارثها من الارض الراجعة فى المبيعة و لا يلتزم به احد.
و دعوى ان حقيقته الارجاع و الاسترجاع المستلزم للتعاوض او انه معاوضة بلسان الحل، او غيرها مما ابداه القائل بالخلاف مدفوعة، بما سنفصله فى الفصل الآتي، و نحذفه فى المقام حذرا من التكرار، و يختلج ببالى تفريعا على كون الفسخ حلا او بيعا او معاوضة مستقلة فروع ظريفة عديدة لا يخلوا لتنبيه عليها من فوائد أذكرها تنشيطا لاذهان الناظرين:
فيما اذا باع رطبا برطب او عنبا بعنب مثل بمثل، و كان لهما او لاحدهما الخيار، ثم اتفق جفاف احدهما عند احدهما، و نقصانه وزنا عن الاخر
ص: 55
الّذي حفظه الاخر عن الجفاف بعلاج، فاراد الفسخ، كان لهما ذلك قطعا، و لو كان بيعا، او معاوضة جديدة لم يكن لهما، لاستلزامه الربا الممنوع فى البيع، او مطلق المعاوضة.
فيما اذا اشترى عقارا بخيار فاخذ شريكه بالشفعة قبل انقضاء الخيار، كما عند غير الشيخ (ره) ثم اختار المشترى الفسخ بناء على بقاء خياره بطلت الشفعة قطعا عند الكل و لو كان معاوضة جديدة لكان كباقى تصرفات المشترى غير مبطل لها، و نسبة الحكم الى المشهور فى الروضة: انما هى فى قبال قول الشيخ (ره) المانع من صحة الاخذ بالشفعة فى زمن الخيار، كما ان احتمال الشهيد (ره) بطلان خيار المشترى باخذ الشفيع، اذ غرضه الثمن و قد حصل منه، خارج عن مفروضنا اذ المدعى ان كل من قال بجواز الاخذ بالشفعة فى زمن الخيار و عدم بطلان الخيار به يقول: بان الفسخ يبطل حق الشفعة، و المعاوضة الجديدة لا يبطله.
فيما اذا اشترى عقارا بخيار و عجز شريكه عن دفع الثمن و بطلت شفعته ثم وقع الفسخ فى حال قدرة الشريك على الثمن لم يكن له الاخذ بالشفعة اتفاقا، و لو كان بيعا جاز له ذلك و كذا لو كان معاوضة عند من يرى الشفعة فى مطلق المعاوضة.
اذا رضى الشفيع بالبيع على وجه تسقط شفعته ثم وقع الفسخ لم يجز الاخذ بها اجماعا، و نسب الخلاف الى ابى حنيفة فى خصوص الاقالة، حيث انه يجعلها بيعا فى حق غيرا لمتعاقدين.
اذا فسخ بيع الصرف لم يشترط التقابض فى المجلس و لو كان بيعا لاشترط.
اذا فسخ بيع المكيل و الموزون لم يشترط اعادة الكيل و الوزن قطعا و ان قلنا باشتراطهما فى كل معاوضة.
ص: 56
اذا باع دارا من ابيه بثمن معيّن فمات الأب و ورث البائع الدار هو و اخوه فاراد الفسخ بعيب او غبن كان له ذلك فتختص الدار به و يكون الثمن بينه و بين اخيه نصفين فيرّد عليه النصف، و لو كان معاوضة لزم اما معاوضة بعض ماله بماله، او تبعض تأثير الفسخ بالنسبة الى المالك الواحد، مع تعلقه بما يملك كله، الا ان يقال: بجواز الثانى، او بان الفسخ انما هو بالنسبة الى نصف الدار، و هما كما ترى.
اذا باع دارا من ابيه محاباة و جعل لنفسه الخيار فباع ما يساوى الف درهم بمائة درهم فمات الأب و انتقلت الدار إليه، و على ابيه دين مستغرق للالف، جاز له اعمال الخيار و فسخ البيع و اخذ الدار قطعا تقليلا لنصيب الديان، و ان قلنا: بانتقال التركة فى الدين المستوعب الى الورثة كما عن كثير، و لو كان الفسخ معاوضة لامتنع لامتناع معاوضة ماله بماله.
لو اشترت الزوجة من زوجها ارضا بخيار و دفعت الثمن فمات الزوج و ورثة الورثة و منهم الزوجة جاز لها فسخ العقد قطعا، و ردّت الارض الى الورثة و حرمت منها الزوجة عندنا و على كونها معاوضة جديدة لم تحرم، اما لعدم تأثير الفسخ بالنسبة الى حصتها لانها مالكة للعوض و المعوض جميعا، او لان الحصة ترجع إليها بالفسخ لانها مالكة فعلا لعوضها و الفسخ يوجب الرجوع الى من ملك العوض بالعقد، و لو التزم المخالف فى مسألتنا بالحرمان فى هذه الصورة كان التزاما بعود بعض الارض بالفسخ الى غير المالك فعلا لعوضه، و ان كل الارض يرجع الى بقية الورثة فى مقابل بعض الثمن المملوك لهم، و كان تفصيلا بين بيع الارض من اجنبى او من زوجته.
لو كان على الميت دين مستوعب لقيمة التركة فضمنه الورثة و أدّوا الى الدّيان مثل التركة او قيمتها و كان فيها ما اشتراه الميت بخيار للبائع
ص: 57
ثم باعوا التركة باضعاف قيمتها لم يكن للدّيان شيء و لو فسخ البائع بعد أدائهم و اخذ منهم التركة و رجع إليهم بالفسخ اضعاف ما دفعوه الى الديان تعلق حق الديّان به عندنا، لرجوع المال الى الميت حكما، فتقضى منه ديونه، و على احتمال كون الفسخ بيعا، او معاوضة، او مستلزما للمعاوضة مع من له العوض بذلك العقد يرجع الزائد بالفسخ الى الورثة و لم يقض منه ديونه لانقطاع حقهم عن بدله بضمان الورثة و دفعهم القيامة، الا ان يلتزم بكون الانقطاع مراعى بعدم الفسخ و فيه التزام بكون الفسخ حلا، و الا لكان انقطاع حقهم مراعى بعدم بيع الورثة بعد دفع القيامة باضعاف القيامة و هو باطل قطعا
انه لا يصح الفسخ بزيادة على الثمن و لا نقيصته، كما اجمعوا عليه فى الإقالة، تفريعا على كونها فسخا، بل لو شرط كان مخالفا لمقتضى حقيقة الإقالة عندهم، و لو كان معاوضة جديدة صح.
ما يقال انه لو كان على احد دين مؤجل فاشترى منه الدائن شيئا بذلك الدين حل الاجل فاذا فسخ، فان قلنا ان الفسخ حل للعقد الاول و نقض له، عاد الاجل الى ما كان، و ان قلنا انه معاوضة لم يعد الاجل، لان هذه المعاوضة الثانية انما وقعت بين الدين الحال و ذلك الشيء.
لو تلف احد العينين، او كلاهما جاز الفسخ و لو كان معاوضة لم يجز.
لو تعيّب المبيع فى يد المشترى بعد الفسخ رجع البائع إليه بالارش، و لو كان بيعا تخيّر بين اجازة الفسخ و الارض و بين فسخ الفسخ.
و قدتم العدد الميمون بهذا الاخير فلنقتصر عليه و ان شئت جعلت جملة منها من ثمرات الفرق بين كون الاقالة فسخا او بيعا، و عليك بالتأمل و التفكر لعلك تستخرج فروعا اخر، و من جرب نفسه فى تفريع الفروع و ابداء الثمرات
ص: 58
يعرف صعوبة مسلكه و غورة مذهبه، و انه زرع لا يزكوا فى كل ارض، حتى يصادف من الفكر ثرى طيبا و من التوفيق مطرا مصيبا، و من الطبع جواصا فيا، و من الجهد روحا دائما.
هذا كله اذا جعل الفسخ معاوضة مستقلة او بيعا، حيث انه مبادلة مال بمال، بل ربما سيستظهر من عبارة شيخنا العلامة الانصارى (ره) فى الامر الثالث من الامور المتعلقة بخيار الشرط ان تمليك الثمن من المشترى ليتملك منه المبيع على وجه المعاطاة، فسخ عنده و ان صرح فى مواضع بكون الفسخ رفعا للعقد و حلاله
لكن الاستظهار فى غير محله، و يبعد ساحة من دونه من نسبة كون الفسخ بيعا إليه
و توضيح اصل المقصد و المرام و تنقيح القول و الكلام فى المقام ان المفروض فى السؤال اشتراط خيار الفسخ للبائع او اشتراط الخيار له بالمعنى المعهود عند المتشرعة اى اختيار ابقاء العقد، و ازالته بان يكون له إنشاء الفسخ بالقول فى مدة كذا، او بالفعل الكاشف عما يدل القول و المفروض انه عمل بما شرط له، و ليس مفروض السائل انه شرط الخيار بمعنى آخر، او فيما اذا فسخ بمعنى اخر او انه جعل له الخيار و حق الفسخ بمعنى مردد بين كذا و كذا بالشبهة الموضوعية و لا اشكال فى ان شرط الخيار بالمعنى المعهود و ملك الفسخ بالمعنى المعهود المقرر فى محله الّذي ينشأ بالقول، شرط سائغ صحيح لا يخالف فى جوازه و صحته احد من المسلمين، و لا يتوقف فهم معناه و لا احراز صحته بعد وضوحها و بداهتها على وقوع هذا اللفظ فى الاخبار فهو كما اذا شرط بيطرة دابته مثلا، و فرضنا عدم وجود هذا اللفظ فى الاخبار.
مضافا الى ما عرفت فى المقدمة الثانية من وجود ما يساوق لفظ الفسخ
ص: 59
فى الاخبار، مثل رد البيع و لا بيع له» و التعبير عن عدم الخيار بانه «يمضى عليه البيع و وجب البيع و وجود لفظ الخيار المعلوم بالقرينة، انه اختيار ابقاء العقد و ازالته فهاتان مقدمتان واضحتان مسلمتان
و هناك مقدمة اخرى مسلمة هى ان الفسخ المشروط للبائع عبارة عن حل العقد و رفعه و اعدامه من حينه و جعل العقد بعد الفسخ كان لم يكن، و تقدير العقد الموجود معدوما من ذلك الحين، كما انه لو قلنا ان الفسخ يؤثر من اصله كان معناه تقديرا لموجود من اوّل الامر معدوما كما عرفت فى كلام الشهيد (ره) فى تحقيق الانفساخ بالتحالف و هذا معنى قطع استمرار العقد، اذا الاستمرار هو وجود الشيء مقيسا الى الزمان الثانى كما ان الحدوث وجوده مقيسا الى الزمان الاول، فهما اعتبار ان لاحقان لوجود واحد بحسب از منته و الفسخ بهذا المعنى يقتضي زوال علقة البدلية الحاصلة بالعقد بين المالين، و نسبته الى البيع كنسبة الطلاق الى النكاح من هذه الجهة، و ان تفارقا من جهة اخرى، فيقتضى رجوع المالين الى حالهما قبل الربط و عقد العقدة، فيرجع الثمن الى المشترى و المبيع الى البائع.
و ما ربما يتوهم اشكالا على كون حقيقة الفسخ ما ذكرنا سيأتى مفصلا دفعه
فاذا ضمت الى هذه المقدمات رابعة مسلمة أيضا من ان عود المال الى الميت بعد موته و صيرورته فى حكم ماله ممكن عند الكل، و واقع فى بعض الموارد بالنص و الاجماع و انه لم يحدث مانع عن تأثير هذا المقتضى اعنى الفسخ اثره اذا لم يتجدد شيء الا الانتقال الى الوارث و تملكهم للعوض بسبب زالت سببيته من هذا الحين، فاذا كان المقتضى المسلم اقتضائه و صحته و نفوذه موجودا و المانع مفقود، اثر المقتضى اثره، و هو الرجوع الى ملك الميت حقيقة ان قلنا بجوازه
ص: 60
و إلا فإلى حكم مال الميت فتقضى منه ديونه و تنفذ منه وصاياه، و ترث منه ورثته اذا لم يكن مشتملا على خصوصية مانعة كالثمن فى الارض المشتراة و تحرم منه الزوجة اذا كان مشتملا على المانع كالارض الراجعة بالفسخ فى المبيعة و اذا وجد المانع عن استرجاع نفس العين كما اذا باع الميت الارض المشتراة لاجنبى أو لأحد ورثته، او اتلفها، او تصرف فيها الورثة بالبيع و الوقف مثلا و قلنا بصحة هذه التصرفات فى زمن الخيار رجع الفاسخ بالمثل و القيامة
و مما يشهد برجوع الثمن بعد الفسخ الى حكم مال الميت و تقديره فى ملكه تعلق حق الديّان و الموصى لهم به فتؤدى منه ديونه، و تنفذ منه وصاياه
و دعوى: انه من جهة تعلق حقهم ببدله الّذي كان بيد الورثة.
مدفوعة بما مر في الفرع العاشر، من ان الورثة لو قطعوا تعلق حق الديان عن العوض بدفع مثله، او قيمته إليهم ثم وقع الفسخ من البائع و كان قيمة الراجع الى الورثة ازيد من العوض الّذي دفعوا تعلق حق الديان بالزائد، و ما ذلك الا لاقتضاء الفسخ الرجوع الى الميت، و لذا لو لم يكن فسخ و باع الورثة تركة ابيهم بعد دفع قيمتها الى الديان باضعاف القيامة التى دفعوها إليهم لم يتعلق بالزائد حق الديّان، و لو كان الفسخ معاوضة بين العين الراجعة، و بين مال الورثة لكان مثل بيعهم بعد دفع القيامة، و التالى باطل قطعا، و التزام ان انقطاع حق الديان مراعى بعدم الفسخ قد سمعت الجواب عنه من انه التزام بان الفسخ حل موجب للرجوع الى الميت فتذكر.
فاتضح ان الحق فى المسألتين اعنى الارض المشتراة و المبيعة ما فهمه الاصحاب من إرث الزوجة من الثمن فى الاولى و الحرمان من الارض فى الثانية، كما تبين انهم اجادوا فى ارسال المسألتين ارسال المسلمات و اجرائهما مجرى
ص: 61
الضروريات و عدم الاحتجاج لهما بشيء.
فى نقل رسالة الفاضل المعاصر التى اشرنا إليها فى الخطبة و توضيح ما عليها و ما فيها، و قطع قوادمها و حوا فيها نذكرها بعين الفاظها ثم نرد فيه بما سنح لنا من النظر فى نظره و لحاظه.
قال: سلمه اللّه بعد نقل السؤال بمثل ما تقدم ما لفظه: و ان كان يظهر من صاحب الجواهر و المحقق الانصارى (ره) و بعض آخر فى عكس المسألة و هو ما اذا كان الخيار للميت ان المدار فى حرمان الزوجة و عدمه انما هو حين الفسخ و لازمه ارثها فى مفروض السؤال عن تمام الثمن المردود بل لعله يظهر منهم المفروغية من ذلك الا ان الاظهر عندى انها فى فرض السؤال لا ترث مما يقابل الاراضى من من الثمن.
اقول: قد عرفت فى المقدمة السابعة ان صريح كلام كثير من الاساطين كهذين العظيمين ان ارثها من ثمن الارض الراجع بالفسخ اذا كانت مشتراة كحرمانها من نفس الارض الراجعة به اذا كانت مبيعة، من الامور الواضحة المفروغ عنها عندهم، و كلام الباقين كهذين العظيمين كلهم فيما اذا كان الخيار للميت و كما ان لازم كلامهما عنده إرث الزوجة من ثمن الارض كذلك لازم كلام الباقين من غير فرق كظهور كلام الكل فى المفروغية عن ذلك فنسبة الحكم الى هذين العظيمين
و بعض آخر مجهول و السكوت عن تسميته من قبلهم من اولئك العظماء اللذين يبخل الزمان بامثالهم، مع وقوفه على كلام جملة منهم و لا اقل فى طى كلام المحقق الانصارى (ره) خالية عن نكتة، اللهم الا ان تكون اظهار قلة الذاهب
ص: 62
إليه من الاصحاب ليتسع له مجال الاشكال و الارتياب، و قد نقلنا عن اثنى عشر من العظماء الاجلاء اللذين كانوا جميعا اعاظم مسلمين فى ازمنتهم مقدمين على من يعد فى زنتهم، و اقر لهم من بعد هم بالسير بدلالتهم و الاخذ من فضالتهم و الاهتداء بانوارهم و الاقتداء باطوارهم.
و قد اوضحنا سابقا ان فرضهم كون الخيار للميت انما هو لان المقصد الاصلى لهم انما هو التكلم فى إرث الخيار، لا لان كون الخيار للميت او كون الفاسخ زوجة او كون الميت مشتريا و اشباهه له مدخل فى تلك الملازمتين بالضرورة و ترى كلمات الكل اعم من كون الخيار للبائع الميت، او المشترى الميت.
و لذا تكلموا فى الارض المشتراة و المبيعة و هل يعقل ان يكون علة حكمهم بحرمان الزوجة من الارض المبيعة بعد الفسخ ثبوت الخيار لها، او لمورثها؟
و هل هى الا ان الملحوظ عندهم حال التركة بعد الفسخ؟
ثم ان هذا هو الصحيح فى التعبير، لا ما ذكره من ان المدار عندهم فى الحرمان و عدمه انما هو حين الفسخ.
قال:
و ذلك لانها حين الموت لم ترث منها بل انتقلت بتمامها الى بقية الورثة فبدلها المردود بالفسخ ينتقل إليهم دونها؟ فان الفسخ و ان لم يكن معاوضة جديدة بل هو حل للعقد الواقع سابقا الا انه لما كان مؤثرا من حينه يوجب زوال استمرار الملكية لا زوالها من الاول، و مقتضاء تبدل ملكية الوارث لما ورث، لا الانتقال الى الميت.
اقول:
قد نبهنا سابقا ان استمرار الملكية عبارة عن وجود الملكية فى الزمان
ص: 63
الثانى، و ان الحدوث و الاستمرار اعتباران لاحقان للوجود مقيسا الى الزمان الاول و الثانى، فاذا زال استمرار الملكية باعترافه فقد زال اصل ملكية الورثة فى الزمان الثانى، و هو زمان الفسخ، و اصل ملكية البائع أيضا فى الزمان الثانى، فيرجع المالان الى الحالة الاولى، و يعودان الى مالكهما حقيقة او حكما لوجود المقتضى و فقد المانع فيرتب على العود احكامه، فكون الفسخ من حينه موجبا لزوال الاستمرار كيف يترتب عليه ما ادعاه و كيف يكون ذلك مقتضاه، فما اثبته منفى، و ما نفاه ثابت.
نعم يؤثر كون الفسخ من حينه فى ان نماء الارض لبقية الورثة دون الزوجة و لا كلام لنا فيه كما لا كلام لاحد فى حرمان الزوجة قبل الفسخ من الارض بعد البناء على الحرمان فى اصل المسألة.
قال:
مع ان حقيقته اى الفسخ ليست مجرد الحل و رفع اثر العقد بمعنى قطع سبب ملكية كل من المالين حتى يعود الى مالكهما السابق بنفسهما بل حقيقة ارجاع كل منهما الى مالكه كيف و لو كان مجرد الحل يلزمه فيما لو تلف احد العوضين قبل الفسخ ان لا ينتقل الى البدل لعدم الوجه فى ضمانه لان المفروض انه اتلفه مالكه او تلف فى يده مع انه لا اشكال فى وجوب رد مثله او قيمته بعد الفسخ
فيظهر من هذا ان الفسخ ارجاع كل من العوضين الى مالكه السابق، و ان ضمان البدل فى صورة تلفهما، او تلف احدهما هو ضمان معاوضى لا ضمان اليد او الاتلاف فهو و ان لم يكن معاوضة الا انه مستلزم للتعاوض و التبادل و ان شئت فقل انه معاوضة بلسان الحل.
اقول:
فيه أولا ما عرفت مرارا من ان حقيقة الفسخ مجرد الحل و رفع اثر العقد
ص: 64
المستلزم لزوال علقة البدلية بين المالين الحاصلة بالعقد، و ان نسبته الى العقد كنسبة الطلاق الى النكاح من هذه الجهة فتذكر.
و ثانيا ان ما ذكره من ان حقيقة ارجاع كل من المالين الى مالكه، ان اراد به ارجاع كل منهما الى مالكه بتمليك و معاوضة و بيع و شبهها، ففيه:- مع وضوح فساده، و انه ليس حقيقة الفسخ فى شيء، حتى ان العامة الذاهبين الى كون الاقالة بيعا اتفقوا على كونها فسخا اذا وقعت بلفظ الفسخ، كما عرفت من التذكرة فيما نقلناه فى المقدمة الاولى فراجع- انه يلزمه الالتزام بجملة من الفروع الماضية فى الفصل الاول، و ان اراد ان الفسخ حل يترتب عليه الارجاع المذكور فان أراد أنه يترتب عليه ارجاع كل منهما الى من كان مالكه قبل العقد فهو الصحيح الّذي لا ينبغى العدول عنه، لكنه مناقض لغرضه و مرامه، و لما هو بصدد اثباته، من عدم الانتقال الى الميت، و عدم صيرورة العوض فى حكم ماله، فهو مما ينفعنا و يضره، و ان اراد انه يترتب عليه الارجاع الى المالك الفعلى
ففيه:- مع وضوح عدم ترتبه على الحل بل لا يترتب عليه إلا زوال العقد حكما، فيتبعه ما هو من لوازمه- انه ان اراد بالمالين عين ما وقع العقد عليه ففيه انه يسد باب الفسخ فيما اذا تلف احد العوضين، او كلاهما، فما اراد الزام وروده على القول بانه مجرد الحل، وارد عليه، مع عدم وروده على ذلك القول، و ان اراد انه يترتب عليه ارجاع كل من المالين بنفسه او ببدله الى المالك الفعلى
ففيه: انه قد سد باب هذا الوجه و القول على نفسه فيما سيأتي منه آنفا، من ان الفسخ غير مذكور فى الأدلة و انما المذكور فيها الرد و الاسترداد للعوضين اذ من المعلوم انه نص او ظاهر فى رد اصل المبيع و استرداد اصل الثمن و لذا جعل شيخنا الانصارى (ره) هذا المعنى مبدأ للقول بسقوط الخيار عند التلف، او احتماله.
قال (ره): و من هنا يمكن ان يقال فى هذا المقام و ان كان مخالفا للمشهور بعدم ثبوت الخيار عند التلف الا فى موضع دل عليه الدليل، اذ لم يدل ادلة الخيار
ص: 65
من الاخبار و الاجماع الا على التسلط على الرد و الاسترداد، و ليس فيها التعرض للفسخ المتحقق مع التلف أيضا، الى ان قال: نعم لو دل الدليل الشرعى على ثبوت خيار الفسخ المطلق الشامل لصورة التلف، او جعل المتبايعان منهما خيار الفسخ بهذا المعنى، ثبت مع التلف أيضا (1)انتهى.
فان تشبث فى اثبات الخيار مع التلف بلفظ الخيار الواقع فى النصوص بتقريب: ان المراد به ملك فسخ العقد بالقرينة فهو و ان كان صحيحا، الا انه يوجب بطلان المقدمة الآتية، القائلة: ان الموجود فى الاخبار هو الرد و الاسترداد للعوضين، بل الموجود فيها حينئذ لفظ الخيار أيضا، المراد به ملك الفسخ
نعم انما يفيد فى مسألة اخرى، اعنى لزوم الاقتصار فى الفسخ مع التلف بما تضمن لفظ الخيار، او بما جعل المتعاقدان لنفسهما، حق الفسخ، كما فى مسألتنا
هذا كله مضافا الى ما عرفت: ان المترتب على الحل هو العود الى الحالة الاولى، ما لم يمنع منه مانع لا العود الى المالك الفعلى
على ان الارجاع و الاسترجاع لو كان مأخوذا فى حقيقة الفسخ لم يتعقل الفسخ فى بعض الفروع الماضية، كالفرع الثامن المتضمن لبيع الولد داره من ابيه محاباة، ثم انتقال الدار إليه بموت الأب، الى اخر ما ذكرناه
و يرد عليه ثالثا: ان ما الزمه على القول بان الفسخ مجرد الحل من عدم اتجاه الرجوع الى البدل مع التلف، قد عرفت مفصلا فى المقدمة الرابعة الجواب عنه و ان المتلف و ان اتلف ملكه، الا ان ملكيته لم تكن مجانا، بل من حيث انه مبدل عما عند صاحبه، و ان له بدلا عنده فبعد الفسخ المزيل من حينه، لوصف المبدلية التى هى المقومة لملكيته فكانه اتلف ما كان ملكا لصاحبه، و مدار الفسخ على التقدير كما عرفت فى كلام شيخنا الشهيد و ان العقد الموجود يقدر معدوما
1) المكاسب/ 303
ص: 66
الملازم لتقدير الموجود فى ملك المتلف كأنّه لم يكن فى ملكه، بل فى ملك صاحبه
و رابعا: ان ما ذكره من ان الفسخ مستلزم للتعاوض و التبادل فيه- ما عرفت من عدم استلزامه له بالمرة- ان اراد معنى غير العود الى الحالة الاولى و اما كونه معاوضة بلسان الحلّ ففيه انه لو اراد انه حل يترتب عليه المعاوضة حتى يلتزم باحكامها ففيه ان الحل لا يترتب عليه الّا زوال المعاضة و العود الى الحالة الاولى و ان أراد أنه معاوضة حقيقة بصيغة الفسخ كما اذا قيل فى الاقالة انها بيع بلفظ الاقالة ففيه: مع عدم دلالة الفسخ على المعاوضة، لا حقيقة، و لا مجازا و لا كناية، بل معناه ازالتها و لذا اتفقوا جميعا حتى العامة على كون الاقالة بلفظ الفسخ فسخا، حتى من ذهب الى كونها بيعا اذا وقعت بلفظ الاقالة كما عرفت من التذكرة، انه حينئذ يصير معاوضة جديدة ابتدائية لا يلتزم به هو و لا غيره، و يترتب عليه جملة من التوالى الفاسدة المذكورة فى الفروع الماضية.
قال:
و يوضح ما ذكرنا حقيقة الإقالة فانها فسخ، مع انها رد و استرداد لكل من العوضين.
اقول:
يريد ان الاقالة فسخ قطعا، مع ان حقيقتها رد و استرداد لكل من العوضين فيدل على ان حقيقة الفسخ هى الرد و الاسترداد و فيه مع ما فيه من سوء التحرير ان شيئا من المقدمتين فى الاقالة ليس با وضح منه فى فسخ البيع الّذي عرفت الحال فيه، ان حقيقتها أيضا لغة و شرعا الفسخ و رفع العقد و ازالة المعاوضة.
اما شرعا فمعلوم عند الامامية انه مجرد الفسخ المترتب عليه الزوال و البطلان من الحين
ص: 67
اما لغة ففى القاموس: قلته البيع بالكسر و اقلته: فسخته
و فى المصباح المنير: اقاله اللّه عثرته: اذا رفعه من سقوطه، قال: و منه الاقالة فى البيع لانها رفع العقد
و فى المجمع اقاله يقيله اقالة، اى وافقه على نقض البيع و سامحه قال:
و تقايلا: اذا فسخا البيع، و عاد المبيع الى مالكه و الثمن الى المشترى
و بالجملة فالرد و الاسترداد يترتب فيها على الحل و الفسخ كنفس الفسخ، لا ان حقيقتها هى الرد و الاسترداد.
ثم ليعلم ان اللغويين ذكر و الاقالة فى القاف مع الياء، فهى من القيل فما ذكره بعض فضلاء العامة: من انها من القول، و الهمزة للازالة اى ازال القول الاول، لا وجه له.
قال: مع امكان ان يقال: ان الخيار عندهم و ان كان عبارة عن ملك فسخ العقد و حله، الا انه دليل عليه من الاخبار، اذ لم يرد فيها لفظ الفسخ، بل الموجود فيها هو الرد و الاسترداد للعوضين، و اذا كان كذلك، او كان معنى الفسخ و الحل ما ذكرنا، فلازمه ارجاع كل من المالين الى المالك الاخر فعلا و المفروض فى مسألتنا ان مالك الارض بقية الورثة فما يقابلها من الثمن المردود يرجع إليهم و الزوجة لم تملك الارض حتى تملك بدلها.
اقول: فيه أولا ان مسألتنا هذه فيما اذا كان الخيار بجعل المتعاقدين و شرطهما له فى ضمن العقد، و ان البائع عمل بما شرط له، و فسخ بالمعنى الضرورى فى اللغة، و المعهود عند المتشرعة، و بعد التسالم على صحة هذا الشرط، و وضوح معناه اىّ حاجة يبقى الى ورود هذا اللفظ فى الاخبار، و هل يجب ان يكون كل ما وقع متعلقا للشرط مذكورا فى الادلة، فاذا شرط قعش بنائه، او كنش كمامه فهل يتوقف صحته او نفوذه او شيء منه على ورود هذا الالفاظ فى الاخبار.
و ان منع عن إرادة المتبايعين لهذا المعنى، فهو كلام آخر لا ربط له بالورود
ص: 68
فى الخبر و عدمه، و سيأتى ما فيه.
و شيخنا العلامة الانصارى (ره) و ان سبقه بهذا المعنى، و نبه على عدم وجود لفظ الفسخ فى الادلة، و ان الموجود فيها هو الرد و الاسترداد، الا انه (ره) استعمله فى موضع لائق بهذا الكلام، حيث انه ذكره مقدمة لانكار نفوذ الفسخ عند تلف احد العينين، او كليهما، بتقريب ان الموجود فى الادلة هو الرد و الاسترداد للعوضين، و هو ظاهر فى بقائهما، فلا دليل على جواز الفسخ عند التلف، و مع ذلك صرح باستثناء ما اذا جعل المتبايعان منهما خيار الفسخ بالمعنى المطلق
نعم لو فرض الكلام فى بقاء خيار العيب بعد تلف المعيب مثلا، كان مساغ للقول بعدم وجود لفظ الفسخ فى دليله، و ان جواز الرد لا يشمل الفرض لكنه اجنبى عن مقامنا بالمرة
و ثانيا: عدم ارتباط العلة بالمعلول، و عدم المناسبة بين اجزاء الكلام، فان الدليل على كون الخيار معناه ملك الفسخ، لا يتوقف على ورود لفظ الفسخ فى الاخبار، بل يتوقف على قيام القرينة عليه، و هل يتوقف تحديد شيء بشيء ان يكون لفظ الحد واقعا فى الاخبار.
و لعمرى انه لعجيب، و انما المتعين لهذا القائل ان يقول: ان الفسخ و ان كان معناه حل العقد الا ان هذا اللفظ غير واقع فى الاخبار حتى نتبع مفاده، فيرد عليه: انه موجود فى متعلق الشرط، او مراده منه حسب ما هو المفروض، و لا حاجة الى وروده فى الاخبار، مضافا الى انه و ان كان غير موجود فيها الا ان ما يساوقه موجود فيها، كما عرفت مفصلا، و ان يقول: ان غرض الشارط من شرط خيار الفسخ هو مجرد التسلط على الرد و الاسترداد لا الفسخ بمعنى حل العقد، فيرد عليه:- مع كونه مجازفة، اذ ليس الكلام فى خصوص ما اذا علم ان الغرض هذا، و انه يقتضي ان يفصل بين الشارطين بحسب قرائن حالهم، و مقالهم، و كونهم من العلماء الواقفين على معنى الفسخ او من العوام- انه لا يرتبط هذا
ص: 69
أيضا بوجود لفظ الفسخ فى الاخبار و عدمه.
و ثالثا ان الدليل على كون الخيار معناه ملك فسخ العقد موجود فى الاخبار، كما عرفت من مقابلة الخيار بوجوب البيع و لزومه كثيرا، و التعبير عن ثبوت الخيار برد البيع و انه لا بيع له، و عن عدم ثبوت الخيار، بانه يمضى عليه البيع، و قد مرّ تفصيله فى المقدمة الثانية.
و رابعا: ان حال الادلة المتضمنة للخيار فى البيع حال الاخبار الواردة فى الخيار فى النكاح، و جواز فسخه بالعيوب المعروفة، حيث ان نصوص تلك الابواب على كثرتها لم يتضمن لفظ الفسخ، و ليس فيها الا ان المرأة ترد، او ترد الى اهلها.
نعم فى صحيحة الحلبى رد النكاح، كما ان فى بعض روايات البيع أيضا رد البيع و كما ان من الواضح الضرورى ان رد المرأة على اهلها لا يراد بها إلا ردها برد نكاحها، لا مجرد اخراجها من البيت من غير فسخ الزوجية، كذلك رد المبيع يراد به رده برد البيع.
نعم ربما يثمر هذا كما اشرنا سابقا فى عدم جواز الفسخ عند تلف المبيع.
و خامسا: ان الرد و الاسترداد بنفسه من غير ترتبه على الحل لو كان معنى الفسخ لم يتعقل فى بعض الفروض و الفروع التى نبهنا عليه، من كون مالك الثمن و المثمن واحدا فعلى من يرد و ممن يسترد.
و سادسا: ان كونه بمعنى الرد و الاسترداد بعد التنزل و التسليم كيف يكون ملازما للارجاع الى المالك الفعلى؟ و لم لا يكون المراد منه الرد و الاسترداد من المالك الاولى و عليه محققا او مقدرا كما عرفت انه من مسلمات اهل الفن.
قال: فان قلت: كون الفسخ عبارة عن ارجاع كل من المالين، لا يقتضي ما ذكرت من التبادل و التعاوض، و لا كونه معاوضة بلسان الحل، فان مجرد الاعادة و الرد و الاسترداد ليس مبادلة و لا تبديلا.
ص: 70
قلت: ذلك كذلك اذا جعلناه عبارة عن امرين: احدهما اعادة هذا، و الاخر اعادة ذلك، و ليس كذلك، بل هو امر واحد، و هو الاعادة، فى مقابل عود الاخر
سلمنا انه لا يستلزم التبادل و انه ليس الا الاعادة و الارجاع، الا انه ارجاع لكل منهما الى المالك الفعلى للآخر، و هو الوارث فى مسألتنا، لا الى مالكه السابق، و هو المورث.
اقول: فيه أولا: ان السؤال موجه، و الجواب غير حاسم، اذ بعد جعل الفسخ عبارة عن امر واحد، و هو الاعادة فى مقابل عود الاخر لا يلزم أيضا التعاوض، و كونه معاوضة بلسان الحل، اذ هو اعادة للمال الى مالكه، و استعادة مالك المال ماله.
و لو اريد بالتعاوض اللازم من هذا الامر الواحد التعاوض المترتب على الحل كما يظهر من تسميته معاوضة بلسان الحل.
ففيه: ان المترتب على الحل ليس الا زوال المعاوضة و عود المالين الى حالتهما الاولى
و لو اريد به تعاوض جديد غير مترتب على الحل فهو مع وضوح فساده، يتجه عليه لزوم الالتزام بجملة من الفروع السابقة، التى لا يمكن له الالتزام بشيء منها
و ثانيا: انه اذا سلم ان الفسخ ليس الا الرد و الاسترداد، و انه لا يستلزم التبادل، بقيت دعواه فى انه ارجاع الى المالك الفعلى مصادرة محضة، اذ ليس النزاع الا فى هذه المقدمة، و اكتفى فيها بالدعوى من غير بينة.
و ليس هذا الكلام باولى من ان يقال: ان الفسخ اذا لم يستلزم التبادل فهو ارجاع الى من اخذ منه أوّلا و استرجاع منه، بل الثانى هو المتعين، اذ الارجاع الى الورثة ليس من حيث انهم هم، و انهم زيد و عمرو، بل من حيث انهم قائمون مقام ميتهم، و انهم ورثته، فيلاحظ و يقدّر الرجوع الى الميت، فيرد عليهم، و
ص: 71
فى الاسترداد منهم كذلك
مضافا الى ما عرفت من فساد المبنى، و ان الفسخ هو الحل.
قال: و بالجملة استحقاق الزوجة لما يقابل الارض فرع عود الثمن المردود الى الميت و الارث منه جديدا، و لا وجه له و لا دليل عليه، بل المفروض التوريث منه حين الموت، و الانتقال عنه الى بقية الورثة، و الفسخ لا يوجب بطلان الارث و لذا لو فرضنا تصرف البقية فى الارض المنتقلة إليهم قبل الفسخ ببيع و نحوه لا نحكم ببطلانه بالفسخ.
اقول: فيه أولا: ان استحقاق الزوجة لثمن الارض و ان كان فرعا لعود الثمن الى الميت، الا ان الاصل ثابت و فرعه فى السماء و قد عرفت الوجه فيه، و الدليل عليه و وجود المقتضى له، و فقد المانع عنه، فلا نعيد.
و ثانيا: ان كون التوريث حال الموت ليس بمانع بعد فرض صحة الفسخ و تأثيره اثره، من ازالة سبب الانتقال الى الورثة.
و ثالثا: ان بطلان الارث بمعنى بطلان تملكه للارض، و عودها الى البائع واقع محقق لا اشكال فيه عندنا، و عنده، كما هو معنى بطلان التصرف فى زمن الخيار عند من يقول ببطلانه بالفسخ، و البطلان بمعنى آخر كسلب استحقاقهم عن الارض و بدلها بالمرة غير لازم، و لا يقول به احد، ففى البطلان بمعنى عدم تقدير الرجوع الى الميت، و عدم تلقيهم عنه، و هو عين الدعوى، اذ مفاد كلامه حينئذ: ان الفسخ لا يوجب الرجوع الى الميت.
و رابعا: ان بطلان الارث و لزوم إرث جديد مما التزم به هو أيضا كغيره فيما سيأتى، مما اذا باع و اتلف الثمن فى حياته فمات، و كان للمشترى الخيار ففسخ فانه يأخذ بدل الثمن من بقية تركة الميت، فيبطل ارثهم لها، و يرجع المبيع الى الورثة، فيرثونه بارث جديد
و من الواضح ان ما اعترف به فى هذا الفرض ليس لدليل خاص تعبدى، و لا لنص
ص: 72
توقيفى، بل لاقتضاء الفسخ ذلك.
و خامسا: ان تصرف الورثة فى الارض المنتقلة إليهم فى زمن خيار البائع مما اختلف الآراء فى جوازه، فعن الاكثر كما فى مفتاح الكرامة عدم الجواز بل فى كلام شيخنا العلامة الانصارى (ره)، ان ظاهر عبارتى الدروس و الجامع، الاتفاق على عدم نفوذ التصرفات الواقعة فى زمن الخيار
ثم قال. فالمسألة فى غاية الاشكال (1)انتهى.
فان قلنا: بالعدم حكمنا ببطلان تصرف البقية فى الارض ببيع و نحوه، و ان قلنا. بالجواز جمعا بين ادلة صحة بيع المالك و لزومه، و تسلط الناس على اموالهم، و ادلة بقاء الخيار و استحقاق الفسخ كان الفارق بين عدم الحكم بالبطلان فى المبيع و الحكم به فى الارث ان استرجاع العين من المشترى مخالف لادلة لزوم البيع، او الصلح، او غيرهما، و استرجاعها من الوارث ليس مخالفا لمقتضى دليل، او موجبا لرفع اليد عن ظاهر آية، او رواية، فان تملك الوارث ليس لكونه مشتريا او موهوبا، بل لكون المال بما يصدق عليه عنوان تركة الميت و انه مال بقى من ابيهم، او ارض تركها مورثهم، فاذا تبدل عنوان التركة بدليل مقتض لرجوع العين و الارض و الثمن الى الحالة الاولى، تبدل إرثه و بطل استحقاقه للعين الموروثة، و لا حاجة الى ما يأتى فى كلامه: من ان الوارث نفس الميت
و مع التنزل نقول: انا لو قلنا بالجواز جمعا بين ما دل على نفوذ تصرف المالك الواقع فى زمان ملكه و بين اعمال حق الفسخ الثابت لذى الخيار، فانما لا نقول بالبطلان فى البيع، و نقول به فى الارث لعين ما يقوله هذا القائل فى الفرق بين انتقال الارض فى زمن حياة المورث عنه الى اجنبى، او الى احد ورثته ببيع، او هبة، و بين انتقالها الى ورثته بالارث، حيث لا يحكم بانتزاع الارض من يد المشترى و الموهوب له فى الاول، و يحكم بانتزاعها من يد الوارث فى الثانى، فان لم يكن الانتزاع من يد الوارث بطلانا لارثه، كما يكرره، و يحتج
1) المكاسب 297
ص: 73
به، و يقول: انما هو تبديل لماله، فكيف لا يلتزم بالانتزاع من يد المشترى؟
فيدعى انه ليس إبطالا له، بل انما هو تبديل لماله الّذي بيده بما يدفع إليه من بدله
فان احتج فى الفرق بان المال حال الانتقال بالارث كانه لم ينتقل، و هو بعد فى يد الميت
قلنا بمثله فى الفرق
و دعوى استلزامه لرجوع المال الى الورثة ابتداءً، ممنوعة جدا، بل هذا التقريب مؤكد لملاحظة رجوع المال الى الميت لا مانع عنها، على ان كون تملكهم با لارث بمنزلة تملك الميت لا يوجب كون العقد عقدهم، و الفسخ وقعا على فعلهم، و النقض وارد على ابرامهم كما هو واضح.
قال: بل نقول- لو قلنا ان الفسخ ليس الا مجرد الحل، و رفع سبب الملكية لازمه، حيث انه رفع لها بحسب استمرارها لا من اصلها-: رجوع كل من المالكين الى المالك الفعلى للآخر، لا الى الميت، المستلزم لبطلان الارث بالنسبة الى ما انتقل إليه بالعقد، و حصوله مجددا بالنسبة إليه بعد الفسخ.
اقول: هذا هو الّذي صدر به كلامه، و بنى عليه مرامه، و ليس علاوة جديدة، و لا ترقيا حادثا، و يكشف اعادته عن كون هذا المعنى هو العمدة عنده، و الركن الاقوم فيما اختاره، و قد بدأ به فى صحبته وقعت بينى و بينه فى الحضرة الشريفة العلوية على مشرفها آلاف الف سلام و تحية،.
و قد تقدم الجواب عنه، و ان رفع الاستمرار كاف فى مدعانا، فان استمرار الملكية عين وجودها فى الزمان الثانى، فاذا ارتفع و زال بزوال سببه عاد الى ما كان و رجع الى الميت، و اما كونه مستلزما لبطلان الارث السابق و تجدده لاحقا، فقد مر بما فيه، و ان البطلان بمعنى انتزاع العين من يده و وصول شيء آخر إليه من حيث كونه وارثا حق لا مزية فيه.
قال: و دعوى ان ملكية الوارث حين الموت لم تكن مستقرة بل متزلزلة،
ص: 74
مدفوعة: بان مقتضى تزلزلها و زوالها حين الفسخ عن الشيء بحدوث ملكيته لبدله لا عوده الى المالك السابق الّذي زال ملكيته بالموت.
اقول: بل مقتضى تزلزلها، و ورود الفسخ على سبب ملكيته، عوده الى المالك السابق، و ليس مقتضى الفسخ، اعنى العود الى الحالة الاولى، مختلفا بحسب الفروض و المقامات، بل مقتضاه واحد فى جميع الموارد، و ان اختلف مصاديق العود، فيعمل به ما لم يتجدد مانع، و لم يحدث فى مفروض مسألتنا شيء الا الانتقال الى الوارث الّذي هو كعدم الانتقال عنده.
قال: و دعوى ان مقتضى القاعدة عود الملك بالفسخ الى العاقدين، و الوارث ليس عاقدا، مدفوعة: بمنع ذلك بل مقتضاهما العود الى من له العقد، سواء كان هو العاقد، او من يقوم مقامه، و الوارث قائم مقام الميت و عقده عقد له أيضا، فملكيته انما جاءت من قبل عقد مورثه، حيث انه نائب عنه، بل وجود تنزيلى له، و لهذا لم يعد الانتقال إليه من التلف، حتى يستلزم الرجوع الى البدل بعد الفسخ، كما هو كذلك اذا باعه الميت قبل موته ثم فسخ الطرف الآخر فانه يعد تلفا و ينتقل الى البدل، و السر فى الفرق ان الوارث كانه هو العاقد، و ملكيته ملكية المورث العاقد، بخلاف المشترى من الميت، ففى الارث كأن العين لم ينتقل من العاقد الى غيره حتى يكون بمنزلة التلف، فبعد الفسخ يرجع الطرف الاخر الى نفس العين، و يأخذها من الوارث، بخلاف البيع فانه يرجع الى بدل العين.
اقول: فيه أولا: ان ما ذكره بصورة الدعوى موجه، و المنع غير موجه، فان القاعدة المقتضية للرجوع الى العاقد التى يدعيها المدعى هى ان الفسخ لكونه حلا للعقد مقتض لذلك، و مجرد الارث ليس بمانع، و اما القاعدة التى ادعى القائل ان مقتضاها الرجوع الى الاعم منه و من الوارث، فمما لم يقرع سمع احد من الخاصة و العامة الى الآن، و لم يخرج هو أيضا من عهدة اثباتها الا
ص: 75
على وجه غريب، زعم تفرعه على كون الفسخ مجرد الحل، لا الحل لنفسه، بل ادعى انه لا اشكال بناء عليه فى الرجوع الى الوارث، و قد نقلناه بتفصيله من تعليقته على مكاسب شيخنا الأنصاري (ره) فى المقدمة الخامسة، و اوضحنا فيه، و حكينا عدوله بنفسه عنه، و ادعائه انه خلاف الانصاف و الحق، و ان عدل من هذا المعدول إليه أيضا فى هذه الرسالة و فسخ ذلك الحق و الانصاف، فعاد الى ما اختاره أولا على ما هو مقتضى الفسخ.
ثم انه قد تقدم ان اختراع هذا التعبير الجامع اعنى من له العقد غير نافع، اذ من له الملك بالعقد ليس الا العاقد فى المفروض، و من ينتفع بالعقد مختلف جدا.
و ثانيا: ان قيام الدليل على تنزيله منزلة مورثه فى تملك ما كان متملكا لا يوجب ان يكون عقد مورثه عقدا له، و الاشتراء واقعا له، حتى لو فرض وجود دليل متضمن للفظ المنزلة، و ان الولد بمنزلة ابيه فيما خلّفه، لم يوجب ذلك كون العقد له، و لذا تسمع قطعا شهادة من يرثان من العاقد للعقد الّذي وقع منه اذا شهد فى حياته.
و ثالثا: عدم تعقل الفسخ المستلزم للتعاوض المقتضى عنده للعود الى المالك الفعلى للعوض فى بعض الفروع السالفة كالفرع الثامن مما نبهنا عليه فى الفصل الاول.
و رابعا: بعد تسليم ان مقتضى الفسخ العود الى من له العقد، و ان الميت و الوارث كليهما ممن له العقد، احدهما تحقيقا، و الاخر تنزيلا، فأيّ معيّن لخصوص التنزيلى بعد امكان اعتبار التحقيقى، و جعل المال فى حكم ماله، و اقتضاء الفسخ له، و عدم المانع عنه، و كونه كسائر الموارد التى التزم هو و غيره برجوع المال الى الميت حقيقة او حكما.
فان ادعى ان الدليل قاده إليه فى تلك الموارد قيل له: ان الدليل فى بعضها
ص: 76
هو اقتضاء الفسخ لذلك، كما سيأتى منه، و هو حاصل فى المقام، لا ان هناك دليلا خاصا تعبديا ناظرا الى مورد خاص.
قال: و من ذلك ظهر الجواب عما يمكن ان يقال: ان لازم ما ذكرت من العود الى المالك الفعلى العود الى المشترى فيما اذا حصل الفسخ بعد تصرف احدهما بالبيع، مع انه ليس كذلك قطعا، و ذلك لان المراد بالمالك الفعلى المالك بذلك العقد الّذي قد انفسخ، و المشترى ليس مالكا بذلك العقد بل بعقد آخر، بخلاف الوارث حيث ان ملكيته انما هى بعقد مورثه الّذي هو عقد له أيضا.
اقول: فيه أولا: ان كون مراده بالمالك الفعلى من كان كذا، و ان كان يدفع هذا الاشكال، الا انه مطالب باقامة الدليل على اقتضاء الفسخ بنفسه لهذه التفاصيل.
و ثانيا: انه كما ان المشترى ليس مالكا بذلك العقد فكذلك الوارث، و كما ان تملك الوارث فرع على تملك المورث، فكذلك تملك المشترى منه، غاية الامران التملك فى احدهما قهرى حاصل بالموت، و ان لم يرض به العاقد، او كان كارها له، او لم يكن له وارث حال العقد، و فى الآخر اختيارى منوط بشروطه المقررة.
ثم انه ينقدح مما حققه من ان الوارث مالك بذلك العقد الغاز فقهى طريف لم يقرع سمع الاولين و الآخرين، اى عقد يترتب عليه تملك العوض و المعوض لشخص واحد بذلك العقد، فيجاب: بانه جميع عقود المعاوضة الواقعة بين المورثين و ورثتهم فى جميع الطبقات اذا مات المورث و انتقل الطرف الاخر أيضا الى الوارث.
قال: و الحاصل ان الوارث نائب عن الميت فى الملكية، فكما انه لو انفسخ العقد حين وجود الميت يملك، كذلك اذا انفسخ بعد موته يملك عوضه
ص: 77
نائبه بمجرد الفسخ، لا ان يكون نائبا عنه فى الملكية بعد الفسخ بمعنى ان يرجع المال إليه ثم الى الوارث بارث جديد.
اقول: ما اطرف هذا الحاصل و اعجبه، إذ فيه أولا: ان هذا المعنى مقلوب عليه، و منتج لنقيض مقصوده فنقول: كما انه لو انفسخ العقد حين وجود المنوب عنه ورثت زوجته من الثمن الراجع بالضرورة، فكذلك اذا انفسخ بعد موته تملك زوجته الثمن بمجرد الفسخ، لا ان يؤثر الفسخ بعد حياته غير ما كان يؤثره فى حياته، و هذا واضح جدا.
و بعبارة اخرى الملازمة بين ما اعترف به من ان فسخ الوارث بعد موته كفسخ المورث فى حياته، و بين إرث الزوجة من الثمن واضحة، بخلاف اقتضاء النيابة لعدم ارثها. و ثانيا: اذا كان الانتقال الى الوارث من حيث كونه نائبا، لا من حيث انه هو، كان ذلك مؤكدا للحاظ رجوع المال الى الميت، لا مانعا عنه، و قد تبين ان الرجوع الى الميت اما حقيقى او حكمى يقتضيه مراعاة القواعد.
قال: مع انه يمكن ان يقال. اذا سلمنا ان مقتضى القاعدة العود الى الميت حقيقة او حكما، انما نقول به بمقدار الضرورة، و حفظ القواعد، و تصحيحا للفسخ، لا فى جميع الآثار و اللوازم، التى منها الالتزام بارث جديد.
فنقول ان العوض كأنه انتقل الى الميت، و اعطى لمن ورث أولا، و هو بقية الورثة بالنسبة الى ما يقابل الارض فى مسألتنا.
اقول: بعد تسليم ان مقتضى القاعدة العود الى الميت، و المفروض عدم المانع من العمل على طبقها، وجب ترتيب ما هو من احكامه الشرعية، و منه إرث الزوجة، اذ المفروض ان القاعدة اقتضت كون تركة الميت بعد الفسخ راجعة إليه، و انها نقد لا مانع من إرث الزوجة منها، و الانتقال السابق الى الورثة الزائل بالفسخ ليس بمانع، فيجب إرث الزوجة من غير اشكال، و الالتزام بارث جديد
ص: 78
للورثة بمعنى بطلان تملكهم للارض و رجوع شيء آخر إليهم بتلق من مورثهم لا محذور فيه، بل لا بد من القول به على كل حال، و مجرد تسميته تبدلا لملكهم لا يجدى فى عدم كونه بطلانا، بل هو عبارة اخرى عن البطلان، الا ترى انه لو قيل بعدم نفوذ تصرف غير ذى الخيار كبيعه و انه بعد الفسخ يؤخذ المبيع من المشترى و يرد إليه ثمنه، كان بطلانا لبيعه بلا اشكال، مع انه تبديل لماله بمال آخر، بل ترى هذا القائل كغيره ملتزما بالامرين: من بطلان إرث الوارث لما ورث وارثه الجديد لغير ما ورث فيما سيأتى من بيع الميت ماله، و اتلافه العوض، و وقوع الفسخ من المشترى بعد ذلك، فانه يرجع المبيع الى الميت باعترافه، و يرث عنه الوارث بارث جديد، و يؤخذ من تركة الميت بدل المبيع، فيبطل إرث من ورثها، و هذا كله من جهة اقتضاء الفسخ ذلك، لا من جهة نص خاص فيه، فكيف التزم فى هذا الفرع بجميع آثار العود الى الميت، و اللوازم التى منها الالتزام بارث جديد، و لا يلتزم به فى المقام.
قال: فان قلت: ان الزوجة انما ترث من تمام الثمن المردود من جهة تعلق حقها بالارض لمكان كونها متزلزلة، و فى معرض التبدل بالثمن الّذي لا مانع لها من إرثه.
قلت: المفروض ان البيع بالنسبة الى الميت لازم، و الخيار انما هو للطرف المقابل، فلا حق له فى الثمن حتى يكون منتقلا الى الزوجة.
نعم يمكن هذه الدعوى فى عكس المسألة، و هو ما اذا كان الخيار للميت، و من ذلك يمكن ان يقال: ان نظر صاحب الجواهر (ره) و غيره الى دعوى ثبوت الحق، لا ان مقتضى الفسخ العود الى الميت حقيقة او حكما، فلا يلزم من حكمهم فى مسألة العكس حكمهم فى مسألتنا، و الحق عدم تماميتها فى مسئلة العكس أيضا، و ذلك لان الحق الثابت للوارث انما هو الخيار فى الفسخ و الامضاء، و لا حق له فى العين التى انتقلت عن الميت.
ص: 79
اقول اما السؤال فساقط جدا لا ينبغى ان يسطر و اما ما احتمله فى حق صاحب الجواهر (ره) ففيه: انه حاشا لمن دون صاحب الجواهر (ره) بدرجات ان يكون نظره الى هذا المعنى السخيف، و القول الواهى الساقط، و قد نقلنا عبارته سابقا فراجعها، حتى ترى انه لم يتشبث فى الارض المشتراة التى هى مسألتنا لارث الزوجة من الثمن الراجع، و لا لارثها من الخيار بشيء من تعلق حقها بالثمن، او بالارض، بل اجرى الاول مجرى الضروريات، و بنى الثانى على عدم ثبوت اشتراط تبعيته إرث الخيار لارث العين، و نسخ الجواهر منتشرة شرقا و غربا فليراجع.
و اما فى الارض المبيعة فحكم بحرمانها على تقدير الفسخ من الارض الراجعة من غير تعليله بشيء، بل ارسله ارسال المسلم الواضح، و من المعلوم بالضرورة عدم مدخلية خيارها فى حرمانها، و تشبث فى اثبات خيارها فى المبيعة بتعلق حقها بثمن المملوك لها، و هل يعقل ان يكون الحرمان من الارض مستندا عنده الى دعوى ثبوت الحق، كلا بل ليس مستندا الا الى ملاحظة التركة بعد الفسخ، و زوال المانع عنها به.
و اما كلام شيخنا الانصارى (ره) فهو اصرح من ان يتعرض لاثباته، حيث انه جعل كون الثمن فى معرض الانتقال الى جميع الورثة، و منهم الزوجة من الواضحات، فيما اذا كانت الارض مشتراة، سواء قيل بثبوت الخيار للزوجة و ان لها حقا فى الثمن أو لا، و من المعلوم ان ثبوت الحق لغير الزوجة فى فسخ الثمن لا يرتبط بارت الزوجة من الثمن.
قال: و اما ربما يقال: فى تأييد الرجوع بالفسخ الى الميت، ثم الارث من ان من المسلم تعلق الديّان و الوصايا بما يرجع بالفسخ، فيكشف عن عوده الى الميت ففيه: ان تعلق حق الدين و الوصية ليس من جهة العود إليه، بل من
ص: 80
جهة تعلقها بما يقابله من التركة حين الموت، لان مقتضى تعلق الدين بالارض حين موت المشترى، تعلقه بالثمن المردود، لانه بدلها، فكما ان ملكية الوارث للتركة يستلزم ملكهم لبدلها الراجع بالفسخ، فكذا حق الديان المتعلق بها يتعلق ببدلها.
و لذلك لا نقول بذلك فيما اذا لم يكن له عوض تعلق به حقهم حين الموت، كما اذا باع شيئا بشرط الخيار له اذا رد مثل الثمن و اتلف الثمن و مات و لم يكن له تركة اصلا، فانه اذا رد الوارث مثل الثمن من كيسه و فسخ البيع لا يتعلق بالمبيع الراجع حق الدّيان، لان المفروض انه لم يكن له بدل تعلق به حقهم، فيبقى الدين فى ذمة الميت و يرجع المبيع الى الوارث الّذي فسخ، و قد ادعى المحقق الانصارى (ره) السيرة على هذا، و لو كان مقتضى الفسخ العود الى الميت لزم تعلق حق الدّيان به بمجرد الفسخ، و ان الثمن المردود من مال الوارث، نعم يمكن منع السيرة المذكورة، بل منع جواز ردّ الوارث الثمن الا بعنوان كونه عن الميت، فكانه تملك الميت أولا ثم يفسخ و يعطيه للمشترى.
اقول: فيه أولا: انا نفرض الكلام فيما اذا ضمن الوارث قيمة التركة للدّيان و دفعها إليهم، و قطع تعلق حقهم بالتركة ثم اتفق فسخ البائع و رد المبيع الّذي يساوى اضعاف التركة الى الوارث، و اخذ عين التركة منه، فلا احدا يستشكل فى تعلق حق الدّيان بهذا المبيع المردود مع انقطاع تعلق حقهم عن بدله، و ما ذلك الا لرجوع المبيع الى ملك الميت بالفسخ، و الا فلو باع الوارث بعد الضمان و الغرامة المبيع باضعاف قيمته من غير ان يكون هناك فسخ، لم يتعلق به حق الدّيان، و اشرنا سابقا الى ان القول بان انقطاع حقهم مراعى بعدم الفسخ مما ينفعنا و يضره، لانه دليل ما ندعيه من اقتضاء الفسخ العود الى الميت، و الا فلو كان الفسخ معاوضة بين الفاسخ و الورثة للمبيع و التركة لم يتجه اصلا عود حق الديان، و كان كمعاوضة الورثة مع غير الفاسخ.
ص: 81
و ثانيا: ان ما ذكره و استشهد به من عدم تعلق حق الديّان بالمال الراجع اذا اتلف الميت بدله فى حياته، ليس امرا مسلما يستشهد به على شيء، و المحقق الانصارى (ره) الّذي نقل عنه دعوى السيرة احتمل فى المسألة وجهين، و جعل اولهما الرجوع الى حكم مال الميت، و تعلق حق الديان به، و عدّ ذلك مقتضى الفسخ، و هو الراجح عندنا، و ان استظهر بعد ذلك غيره على تأمل، يلوح منه قائلا آخر الامر: ان المسألة يحتاج الى تنقيح زائد، فكأنه كلام منه (ره) فى بادى النظر قبل تنقيح المبحث.
ثم ان دعوى السيرة فى هذه المسألة ممنوعة على مدعيها كائنا من كان، و متى كانت هذه القضية شائعة فى الادوار، و هذه المسألة واقعة فى الاعصار، و من الّذي احرز على المتدينين بعدم الزامهم و التزامهم باخراج الديون فى هذا الفرض، و ترى القائل احتمل المنع.
و ثالثا: ان المال بعد الفسخ فى هذه الصورة التى دفع الورثة البدل فيها من كيسهم اما ان يعود الى الميت، او الى الورثة، فان اختار الاول، فكيف لا يتعلق به حق الديان، و ان اختار الثانى، فكيف تخلف الفسخ عن مقتضاه الّذي كان مصرا عليه من الرجوع الى المالك الفعلى للطرف الآخر، و الورثة ليسوا بمالكين فعلا لما كان طرف العقد بالضرورة، بل الميت هو الّذي تصرف فيه و اتلفه، الا ان يتفصى باختلاف مقتضى الفسخ فى الموارد كما نقلنا سابقا بما فيه.
و رابعا: انه يأتى آنفا جزمه فى هذه الصورة برجوع المال الى الميت، قائلا: انه لو باع الميت و اتلف العوض فى حياته ثم وقع الفسخ ارجع الى الميت، سواء خلّف تركة اخرى أم لا، فما معنى رجوعه الى الميت و عدم تعلق حق الديان به، و كيف الجمع بين دعوى الرجوع الى الورثة ابتداءً فى هذا الفرض تارة، و دعوى الرجوع الى الميت فيه بعينه اخرى، و ما هذا التهافت و التناقض فى هذا الكلام المتصل، فان تفصى بان الجزم فيما يأتى مبنى على الاحتمال
ص: 82
للمنع الّذي ذكره اخيرا اتجه عليه مع ما فيه انه اعتراف بصحة التأييد و بطلان ما اطال به فى الجواب، فالآن قد حصحص الحق.
قال: و كيف كان فقد تحقق ان مقتضى الفسخ العود الى المالك الفعلى، و لا داعى للعود الى الميت حقيقة او حكما، بحيث يورث منه مجددا فالمناط فى الحرمان هو حال الموت لا حال الفسخ.
اقول: و كيف كان فقد تحقق ان مقتضى الفسخ العود الى الميت حقيقة او حكما، فتقضى منه ديونه، و تنفذ منه وصاياه، و ترث منه زوجته تارة و تحرم منه اخرى، و ان إرث بقية الورثة بمنزلة إرث مجدد، و انه لا داعى للعود الى الوارث ابتداءً و رفع اليد عن مقتضى الفسخ، و انه قد لا يرث حين الموت، و يرث حين الفسخ عنده أيضا، كما فيما اعترف به من مصالحة ماله بلا عوض، و جعل الخيار للمشترى، او بيع ماله بعوض قد اتلفه، بل قد لا يكون قابلا للارث حال الموت اصلا، و يرث حال الفسخ كما لو اسلم من كان كافرا حال الموت بعد ان وقع الفسخ و تبدلت التركة و لم تقسم، او اعتق العبد بعد الفسخ و قبل القسمة، و قد مرّ، و يأتى ان العود الى الميت فيما اعترف به ليس الا لاقتضاء الفسخ ذلك لا لدليل خاص قاده إليه.
قال: نعم لو فرض عدم وجود تركة للميت يرثها الوارث نلتزم بالعود الى الميت اذا كان المال منتقلا عنه و حصل الفسخ، كما اذا صالح ماله بلا عوض بشرط الخيار له، او للطرف الاخر، او لاجنبى، فمات قبل انقضاء مدة الخيار ففسخ وارثه او الطرف الاخر مثلا ذلك العقد، فانه ينتقل من الاول إليه، ثم الى وارثه لان الوارث لم يرثه حين الموت، و لا ورث بدله، فهو مال جديد حصل للميت بعد موته ينتقل منه الى وارثه، و تخرج منه الديون و الوصايا.
اقول: هذا و ان كان صحيحا لكونه احد مصاديق ما ندعيه من العود الى الميت، الا انه ليس لما ذكره من ان الوارث لم يرثه و لا بد له، بل لما ذكرنا
ص: 83
مرارا من جهة اقتضاء الفسخ لذلك، و لا خصوصية له بهذا الفرع، بل مقتضاه واحد فى جميع المقامات
ثم ان حقيقة خيار الفسخ عنده تارة هى التسلط على الاسترداد فقط، كما اذا كان الخيار فى الفرض الّذي ذكره للوارث، و تارة هى التسلط على الرد فقط، كما اذا كان الخيار للمصالح له، و ثالثة هى التسلط على الرد و الاسترداد، كما فى مسألتنا المبحوث عنها، من غير ان يجمعها جامع هو التسلط على فسخ العقد و حله ببناء على ما قرره سابقا من ان الخيار و ان كان مفسرا بملك الفسخ عند القوم الا انه لا دليل عليه.
ثم ان المعاوضة التى هى مقتضى الفسخ قد تقع بين المال الموجود و المعدوم كما فى الفرض الآتي الّذي تلف فيه البدل عند المورث، و قد تقع بين الموجودين كما فى مسألتنا.
قال: بل و كذا اذا كان له تركة لكن لم يكن بدل ما يرجع بالفسخ موجودا فيها، كما اذا باع شيئا و اخذ ثمنه، و اتلفه قبل موته، فانه لو انفسخ بعد الموت يرجع الى الميت أولا، لعدم ملكية الوارث لبدله حين الموت، حتى يرجع إليه، و ان ملك بقية التركة فانها لا دخل لها بذلك البدل، فحيث لم يرث البدل لم ينتقل إليه المبدل من الاول، بل بعد تملك الميت له و لو حكما.
اقول: قد عرفت منه آنفا حكمه بالرجوع الى الورثة ابتداءً فى هذه الصورة، اعنى ما اذا اتلف الميت العوض فى حياته، و انه لا يتعلق به حق الدّيان و به اجاب عما ذكر تأييدا للرجوع الى الميت بالفسخ، و قد حكم الآن بالرجوع الى الميت، و هذا هو التهافت الّذي عرفناك، فان اعتذر بأن المفروض هناك فيما اذا دفع الورثة البدل من كيسهم، و فى المقام فيما اذا دفعوا من بقية التركة، اتجه عليه ان نسبة بقية التركة إليهم كنسبة ما دفعوه من كيسهم، فى خروجها
ص: 84
عن طرفيه ما وقع العقد عليه، كما رأيت تصريحه به.
ففى الصورتين لم يملك الوارث الطرف الاخر بذلك العقد، فكيف حكم برجوع المال بالفسخ إليه هناك، و كيف تخلف الفسخ عن مقتضاه؟ و قد اسمعناك انه لو تفصى بان ما ذكره سابقا غير تام عنده، و لذا عقّبه بالمنع اخيرا، كان ذلك اعترافا ببطلان جوابه عن التأييد، و صحة ما ذكر فى التأييد، بل كونه حجة قاطعة هادمة لاساس جميع ما حرره فى المسألة، و ان الفسخ مقتضاه العود الى الميت، و المقتضى لتعلق حق الدّيان ليس تعلق حقهم ببدله من التركة.
قال: و مما يؤيد ما ذكرنا فى المقام من ان مقتضى القاعدة الانتقال الى الوارث أولا، لا الانتقال الى الميت، ثم الارث منه مجددا، ملاحظة مسئلة الاقالة التى هى فسخ للعقد من الطرفين بعد لزومه، فانه بناء على جواز اقالة الوارث للعقد الصادر من المورث، كما يظهر من صاحب الجواهر (ره) نقلا عن العلامة أيضا: لوا قال الوارثان يبعد غاية البعد انتقال العوضين الى الميتين، ثم الى الوارثين (1)فتأمل ثم انه قد ظهر مما ذكرنا حال جملة من الفروع.
اقول: و بهذا ختم سلمه اللّه تعالى كلامه، و فيه مضافا الى انه لم تتقدم منه قاعدة يقتضي الانتقال الى الوارث أوّلا، الا ما زعمه من كون حقيقة الفسخ عبارة عن الرد و الاسترداد المستلزم للمعاوضة، و قد عرفناك مفصلا ما فيها بما لا يمكن المزيد عليه، و دللناك على الجادة الواضحة، و المحجة الواسعة، ان ما ذكره من التأييد فى المقام بمسألة الاقالة لا وجه له اصلا: فانه استبعد قريبا، و استغرب اهلا آنسا اذ بعد البناء على كون الاقالة فسخا يعمل بمقتضاه، و يقدر الرجوع الى الميتين ثم الى الوارثين، و لا بعد فيه اصلا، و يتفرع عليه تعلق حق الدّيان بالمال الراجع بالاقالة، فاذا فرض انه صالح ماله بلا عوض من غير خيار
ثم اتفقت الاقالة من الورثة فلا اظنه يستشكل فى تعلق حق الدّيان به، لعين ما
1) جواهر الكلام 23: 75
ص: 85
ذكره آنفا فى الفسخ فى الفرض المزبور، من انه مال جديد حصل للميت بعد موته ينتقل منه الى وارثه، و تخرج منه الديون و الوصايا، مع ان الاستبعاد لو كان ناشئا من كون السبب هو الاقالة بعد اللزوم فهو موجود فى هذا الفرض و ان كان شيئا آخر فلا بد من بيانه، حتى ننظر فيه، و قد ظهر لك بما حققنا حال جملة من الفروع و لنكتف بهذا المقدار و لنمسك القلم عن الجرى فى هذه المضمار، فقد انزاح الشك و استوى المسلك و حصحص الحق الصراح و نصع الرأى فلا براح.
فى إرث الزوجة من الخيار فى الارض الّذي تعرّض له القوم اصالة، و نحن نتعرض له استطرادا، حيث ان الحكم فى مسألتنا الماضية غير متوقف عليه بالمرة، كما عرّفناك مرارا، و دللناك كرارا:
فنقول: بعد تسالمهم و اتفاقهم على ان الزوجة ترث من الخيار فى غير الارض، و ان المقتضى لارثها منه هو المقتضى لارث بقية الوارث من ما دل ان الخيار حق ثابت قابل للانتقال، و انه مما تركه الميت فيرثه المناسب و المسابب اختلفوا فى ارثها من الخيار فى الارض على اقوال:
ارثها منه مطلقا فى الارض المشتراة لمورثها و المبيعة، كالمحقق القمى، و صاحب الجواهر (ره) و غير واحد من الفقهاء المعاصرين.
عدم ارثها منه مطلقا، كالمحكى عن الفقيه النبيه الورع الشيخ على ابن كاشف الغطاء، بل عن المحقق الثانى (ره).
ارثها منه فى المشتراة دون المبيعة، و هو مستقرب العلامة فى وجه، و مختار فخر الاسلام، و عميد الدين، و الشهيد (ره) و شيخنا العلامة الانصارى (ره).
ص: 86
عكسها بمعنى عدم ارثها فى المشتراة و الاشكال فى المبيعة، و هو أيضا مستقرب العلامة فى وجه، و مختار المحقق الثانى فى جامع المقاصد، و الشيخ حسن (ره) فيما مر عنه.
ما اختاره فى المستند من التفصيل بين صورة انحصار الوارث فيها فلا ترث مطلقا: و عدم الانحصار فيها فترث مطلقا.
و الاظهر من بين الاقوال و اشبهها بالقواعد هو الاول، اذ بعد البناء على ارثها من الخيار فى غير الارض و انه ليس لنص توقيفى مختص به، و لا لاجماع قائم فيه بخصوصه، بل لاقتضاء القاعدة الثابتة بالنص، او الاجماع له، فمن المعلوم ان مقتضاها فى الارض و غيرها على حد سواء، لو لم يتم شيء مما ذكره المانعون او المفصلون، مما يرجع بعضها الى منع المقتضى، و بعضها الى ابداء المانع فلنتكلم فيها و فى توضيح عدم صلوحها للفرق.
فنقول: اما ما يحتمل كونه موجبا لعدم ارثها من الخيار فى المشتراة فأمور:
ان استصحاب بقاء الثمن على ملك مالكه محكم ما لم يعلم خلافه
ان الدليل المثبت لارث الزوجة من الخيار فى غير الارض اما الاجماع، او النص، و لا يتمشى الاحتجاج بشيء منها فيها: اما الاول: فواضح لانتفاء الاجماع فى محل الخلاف، و اما الثانى: فلانصرافه عن مثل الفرض المزبور الّذي لم ترث الزوجة فيه شيئا، مما يتعلق به الخيار، اعنى الارض و انتقل الى غيرها.
ان إرث الخيار على خلاف القاعدة و الخبر ضعيف ليس الحجة منه إلا موضع الانجبار، و الجابر فى المقام غير ثابت ان لم يثبت خلافه.
ان خيار الفسخ معناه التسلط على الرد المستتبع للاسترداد، او التسلط على الرد و الاسترداد جميعا فى عرض واحد، و من الواضح عدم تسلط الزوجة
ص: 87
على الارض بردها.
نعم لو كان معناه التسلط على الحل المستتبع للرد و الاسترداد، او التسلط على الاسترداد المستتبع للرد، امكن القول بثبوت خيارها: و لم يثبت.
انها لم ترث من الارض المشتراة المختلفة عن مورثها فى شيء، و الخيار من الحقوق المتعلقة بالعين، فارثه تابع لارثها، و اذا انتفى المتبوع انتفى التابع.
و دعوى تعلق حقها بالثمن الّذي عند البائع لكونه متزلزلا و فى معرض الانتقال الى جميع الورثة، و منهم الزوجة، و لو بفسخ غيرها، كما عرفت من شيخنا الانصارى (ره)، يمكن منعها، بان هذه الدعوى بعد التحرير يرجع الى ان يقال: ان الثمن متزلزل يمكن رجوعه بالفسخ، و كلما كان كذلك فالزوجة لها حق الفسخ فيه.
و فيه: ان غاية ما يقتضيه التزلزل المذكور امكان ارجاعه بفسخ من ثبت له حق الفسخ، و اما ان للزوجة حقا و انها أيضا مستحق ذلك فكلا، و اى ملازمة عقلا، او شرعا بين ثبوت حق الفسخ للمالك للعين، و ثبوته لغيره.
فان اريد من التزلزل امكان الرجوع لفسخ الزوجة، فالصغرى ممنوعة، اذ ليست الا مصادرة محضة، و ان اريد به امكان رجوعه بفسخ بقية الورثة فالكبرى ممنوعة.
ان الارض انتقلت الى بقية الورثة قطعا، و فسخ الزوجة عبارة عن ابطال حق ثبت لغيرها، و هو مع عدم قيام الدليل عليه مستبعد جدا.
ان خيارها فى الفرض المزبور انما هو لارثها من الثمن الراجع، و من المعلوم ان ارثها من الثمن متوقف على خيارها و فسخها، فلو علل الفسخ بارثها منه كان دورا واضحا.
ص: 88
ان الميت لو اشترى ارضا بارض فقد انقطع حق الزوجة عن الثمن و الثمن قطعا، و لا ترجع إليها على تقدير فسخها، او فسخ الورثة شيء اصلا، فلا معنى لفسخها، و ان كان فسخ بقية الورثة يترتب عليه بتبديل ارضهم بغيرها، و ربما كان لهم فيه مصالح فاذا لم ترث الخيار فى هذا الفرض ترتب عليه بطلان القول بإطلاق ارثها فى الارض المستند الى تعلق حقها بالثمن كما تقدم من شيخنا الماضى (ره) بل بطلان ارثها من الخيار فيها مطلقا فى الارض المشتراة، بضميمة عدم القول بالفصل فى صورة المشتراة.
و فى الكل نظر اما الاول:- فبعد تسليم جريانه، و صحته فى الشبهات الحكمية- و لنا فيه كلام طويل فى الاصول- فيه عدم جواز التشبث به بعد وجود الدليل و ثبوت المقتضى لارثها من غير مانع كما سيتضح.
و اما الثانى: فبان ما دل على ارثها من الخيار فى غير الارض من الاجماع او النص واف باثباته فى المقام أيضا.
اما الاول: فلانه لا يراد به اجماعات عديدة فى كل فرد فرد و موضع موضع مما يحكم فيه بالارث من الخيار للزوجة، او غيرها، فى الثوب، و الدار، و الفرس، و الخاتم، و الارض، و غيرها، بل الاجماع قائم على ان الخيار حق قابل للانتقال، و انه ما تركه الميت، فيثبت إرث الوارث، زوجة كانت او غيرها، بما دل على الارث مما ترك كتابا، او سنة، فهو من قبيل الاجماع على القاعدة يتمسك به فى الفروع الخلافية أيضا، نظير الاجماع على قاعدة الاشتراك فى التكليف، و اما النص فبعد البناء على دلالته على إرث الخيار، و غمض العين عما اورد عليه من المناقشة الغير المختصة بالمقام، لا يبقى فرق بين المفروض و غيره.
و دعوى الانصراف مما لا يصغى إليها، بعدم ثبوت المنشأ، و مجرد ندرة الفرض، و ندرة الوقوع، مع كونها ممنوعة جدا لا توجبه بعد وضوح صدق المفهوم
ص: 89
عليه، و عدم تشكيك فى اصل صدق الحق عليه، و ان حق الخيار فى الفرض مثله فى سائر الفروض، من غير ضعف، او قصور، كما ان من البين المبين ان مجرد كون فرد خاص متيقنا بحسب الخارج لا بحسب المفهوم فى مقام المحاورة لا يوجب الصرف، و الا لانسد باب التمسك بالإطلاقات، و ترتبت عليه مفاسد لا تحصى و اباطيل لا تستقصى، و لتحقيق المسألة مقام آخر.
و من جميع ما مرّ تبين الجواب عن الثالث، مضافا الى ان الاحتياج الى الجابر فى كل مقام و موضع بخصوصه مما لا معنى له، فان عمل القوم قديما و حديثا بحديث، و استناد هم إليه ان اوجب الوثوق بصدوره اخذنا به، و لو فى ما لم يأخذوا به ما لم يكشف عدم احتجاجهم به فى ذلك الموضع عن وصول معارض إليهم انكشف لديهم و خفى عنا، كما فى المقام حيث ان القوم ما بين مثبت و منكر، ثم المنكر لم يحتج الا بما سمعت، و تسمع ضعفه و قصوره.
و اما الرابع: فبما أوضحنا سبيله و قد منا تفصيله من ان معنى خيار الفسخ هو التسلط على حل العقد المترتب عليه ما هو من احكام الحل و لوازمه من الرد تارة و الاسترداد اخرى، و الرد و الاسترداد ثالثة فتذكر (1).
و اما الخامس: فبمنع المقدمة القائلة بتبعية إرث الخيار لارث العين، فانها ليست بينة و لا مبينة، بل يشبه اعادة الدعوى فى محل النزاع، و الكفاح و تكرار المدعى فى موضع الخصام و التشاح، و اما السادس: فلان الدليل على ثبوت حق الخيار لها المستلزم لا بطال حق غيرها هو الدليل على ثبوته لها فى غير المقام، سيما ان قلنا بعدم جواز الفسخ الا مع التوافق و اجتماع من لهم الفسخ، فالورثة هم الذين ابطلوا حقهم، و لا يتوقف اثبات هذا الحق لها او لغيرها فى كل فرع الى قيام دليل خاص به، فان عاد الى منع الدليل كما فى الوجه الثانى و الثالث عدنا الى ما اوردنا عليهما.
فقول المحقق الثانى (ره): ان ابطال حق غيرها يحتاج الى دليل.
1) سنوافيك تعليقة المؤلف هنا فى آخر الكتاب
ص: 90
قلنا: نعم و لكن قام الدليل و اتضح السبيل.
و اما السابع: فلمنع كونه دورا لاختلاف الطرفين، و عدم انعكاس المتوقف على جميع التقادير،.
فانه ان اريد ان فعلية الارث متوقفة على فعلية الفسخ منها بنفسها، او بموافقتها للورثة. فهو و ان كان صحيحا، الا ان من المعلوم انه لا عكس له صحيحا،.
و ان اريد ان استحقاق الارث متوقف على استحقاق الفسخ.
ففيه مع- وضوح منعه اذ بعد فسخ بقية الورثة أيضا استحق الارث ان قلنا بجواز التفريق- انه أيضا لا ينعكس، اذ استحقاقها للفسخ يتوقف على عموم الادلة، و ان قلنا بحرمانها من الراجع بعد الفسخ، كما فى المسألة الآتية، اعنى الارض المبيعة، و ليس حق الفسخ الا التسلط على حل العقد، سواء رجعت فائدة الحل إليها، او الى غيرها، بل اذا لم يكن له فائدة،.
و ان اريد ان استحقاق الارث متوقف على فعلية الفسخ منها.
ففيه: أيضا منع الطرفين و عدم التسليم كلتا المقدمتين- كما تبين، و انه لو سلم الاصل لم يسلم العكس.
و اما توقف فعلية الارث على استحقاق الفسخ، فغير محتملة جدا، و اشار المحقق القمى (ره) اجمالا الى ما فصلناه، فقال بعد نقل كلام فخر المحققين المتضمن للدوران فيه: ان طرفى الدور مختلفان، لان معنى قوله لا ترث من الثمن الا بعد الفسخ، ان استحقاقها للارث موقوف على فعلية الفسخ و تحققه، و معنى قوله «و لو علل بارثها دار» انه لو علل استحقاق الفسخ و جوازه لها باستحقاقها للارث من الثمن دار، و انت خبير بان هذا ليس دورا مصطلحا، و يصح ان يقال ارثها من الثمن موقوف على حصول الفسخ ممن يصح عنه الفسخ و جواز فسخها للبيع أيضا موقوف على جواز ارثها من الثمن و لا دور، بل يمكن منع المقدمة الثانية أيضا انتهى
و اما الثامن: ففيه أولا: عدم توقف ارثها للخيار على تعلق حقها بالعين، كما سمعت فنقول: باستحقاقها له فى هذا الفرض أيضا، و ان لم يرجع إليها فائدة،
ص: 91
بل ترتب على فسخها بالآخرة تبدل ملك الوارث من ارض الى ارض.
ثانيا ان الاشكال على دعوى عدم القول بالفصل فى المسائل المبنية على القواعد و الغير المعلوم عدم جواز الفصل بين شقوقها سخيف جدا، كما تبيّن فى محله.
و اما ما يحتمل كونه موجبا لعدم إرث الخيار فى المبيعة فوجوه أيضا جملة منها ما مرّ آنفا بجوابه بادنى تغيير كالوجه الاول بتقريب استصحاب بقاء الارض، و الوجه الثانى، و الثالث، و الرابع بتقريب ان الخيار معناه التسلط على الاسترداد المستتبع للرد، او التسلط على كليهما فى عرض واحد، و من المعلوم انها لا تسترد فى الفرض شيئا الى نفسها، و لا الى من هى منصوبة من قبله كالاجنبى.
و الثامن. بفرض المسألة فيما اذا باع ارضا بارض فهذه وجوه خمسة تبيّن الجواب عنها مما سلف، مضافا الى ما قد يورد على الرابع، من انها تسترد فى المقام على الميت الّذي هى منصوبة من قبله بنصب الشارع، و يزاد على الاحتجاج بهذه الوجوه فى المفروض وجه سادس، هو انها و ان ملكت الثمن فيه و تعلق حقها به، الا ان الخيار انما شرع للارفاق، و رفع الضرر، و من المعلوم ان فسخها فى الفرض ليس بارفاق لها، بل ضرر عليها، فهو سفه لا ارفاق، اذ قبل الفسخ كانت مالكة للثمن، و بالفسخ يفوت عنها الثمن و المثمن، و وجه السابع هو ان الاصحاب عللوا كون الخيار موروثا بانه حق مالى، و مرادهم بالحق المالى ان يكون ذلك المال مما يعود الى من ينتقل إليه الخيار اذا فسخ بالخيار. و لا ريب فى ان الزوجة المفروضة لا ترث من الارض اصلا فسخت او لم تفسخ.
و الجواب عن الاول ان الا رفاق حكمة لا علة يدور الحكم مداره، و الا لانتفى الخيار فيما اذا كان مضرا بحال المختار، مضافا الى امكان تصوير الفائدة و النفع لها، بما مر نقله عن المحقق القمى (ره) فانه (ره) أولا منع الملازمة بين الفسخ و حصول المال كما فى الاجنبى، قائلا: ان كون وضع اصل الخيار للارفاق و المصلحة لا ينافى طرد عدم المصلحة، اذا لارث معنى ثبت قسرا، و لا اختيار فيه
ص: 92
للمكلف، و الخيار للمورث و ان كان منبعثا عن داعى الارفاق و مصلحته، و قد انتقل قسرا بالأدلّة السابقة الى وارثه، فهو ثابت له سواء نفعه أم لا، فربما كان مال لشخص تقربه عينه، و يطيب معه معيشته و هوسم لوارثه، كما لو كان لاحد متسلط غالب قاهر جارية تسوى الف دينار و انتقلت الى وارث ضعيف عاجز و ارخت الظلمة بعد فوته عنان التغلب، و آذوه بانواع الاذى، او كان لمورثه ضيعة يطيب العيش بها، و لا يقدر احد ان يظلمه و انتقلت الى وارثه الضعيف الفقير العاجز عن الانتفاع بها، و كل يوم يتعدى عليه اهل الظلم، و اتباع السلطان فى اخذ التوجهات الغير المحصورة و لا مشترى لها، و لا يمكنه التخلص عنها.
لكنك خبير. بامكان الفرق بان الموروث فى هذه الفروض شيء نفيس لو بقى فيه صاحبه على اختياره و عمل فيه بما يقتضيه طبعه و ميله لكان فيه فوائد غير محصورة، بخلاف الموروث فى المقام، فانه لو عملت على طبقه الزوجة باختيارها كان مضرا بحالها مفوتا للثمن عليها. و الاولى ما ذكرنا أولا و ذكر (ره) ثانيا فى تصوير النفع لها، انه لو فرض ان الميت باع الارض بثمن بخس لكونها كاسدة حين البيع و الآن ارتفعت، و تريد الزوجة ان تتزوج باخى الميت، و المفروض ان الوارث هو الاخ و هذه الزوجة، فهى باعتقاد ان ما كان للزوج فهو لها و لولدها الّذي يتولد منها، فلا ريب ان المصلحة لها حينئذ قطع النظر عن ذلك الثمن القليل و رده و استرجاع الارض، و ان لم ترث منها بنفسها، و تبدل الاحوال فى الحكم و المصالح فى غاية الكثرة، فقد ترى ان الذين يقفون ضياعهم و املاكهم على اولادهم غرضهم غالبا ان لا تخرج من ايديهم، و لا يطمع فيها احد و يبقى لهم يشتغلون بها، و يتعيشون بها، و يلاحظون مصلحة اولادهم، مع انا نرى الامر بالعكس فى الاغلب، فكثيرا ما يعجز الاولاد عن تنسيق امرها و عمارتها بعد خرابها، و يهلكون من الجوع و العرى، و لا يقدرون على الانتفاع بها، و لو لم يكن وقفا لباعوها، و انتفعوا بقيمتها انتهى.
ص: 93
و الجواب عن الثانى: منع كون المراد من الحق المالى ما ذكر بل كون متعلقه المال سواء رجع الى المختار او من هو منصوب من قبله مال بسبب الخيار أم لا، او يقال: انه يعود الى الميت حكما بسبب خيارها و فسخها مال و هى منصوبة من قبلها تريد اعمال حقها بنصب الشارع، فترثه الورثة، و اذا قلنا بعدم جواز التفريق فى الفسخ كان الموجب لرجوع الارض الى الورثة هو موافقتها لهم فى الفسخ، و اذ قد اتضح الحال و تبين حق المقال فيما اشتهر من الاقوال، فلنتكلم فى تفصيل الفاضل النراقى (ره).
فنقول: انه (ره) بعد ان ذكر ان الخيار كما كان للمورث ينتقل الى مجموع الورثة و انه ليس مما يتحصص بالحصص و ان المورث لم يملك إلا فسخ الجميع و المنتقل إليهم انما هو حقه، قال: و اذا عرفت ان الخيار انما هو للجميع دون كل واحد، تعلم دخولها- يعنى الزوجة- فى اهل الخيار، اذ لم يثبت من ادلة الخيار الا الانتقال الى الجميع الذين منهم الزوجة، فلم يعلم الانتقال الى من سواها خاصة.
نعم لو انحصر الوارث فيها فالحق على ما ذكرنا من انحصار الدليل بالاجماع، عدم انتقال الخيار إليها، و اما على الاستدلال بالظواهر يجب الحكم بالثبوت، لعدم مخرج لارث الزوجة من الخيار، ثم اخذ فى شرح حكم خيارها بالنسبة الى المشتراة و المبيعة بما قد مناه نقله عنه و هو عجيب منه جدا بل لا يكاد تعجبى ينقضى عنه.
اذ- فيه مضافا الى ان كون الثابت هو الانتقال الى الجميع دون كل واحد، لو استلزم عدم ارثها فى صورة الانحصار من الخيار فى الارض لاقتضى عدمه فى هذه الصورة فى غير الارض أيضا، بل جرى هذا الكلام بعينه فى صورة انحصار الوارث مطلقا فى غير المنصوص إليه.
بتقريب ان يقال: ان الثابت بالاجماع انما هو الانتقال الى الجميع- انه
ص: 94
لا يفهم له معنى محصل اصلا، فان معنى ما تقدم منه من الاجماع، او دلالة دليل آخر على انتقال الخيار الى جميع الورثة لا يراد به قطعا انه يشترط فى إرث الخيار تعدد الورثة حتى ينتقل الى مجموعهم، او جميعهم، حتى لو كان واحدا لم ينتقل إليه إرث الخيار بالمرة، بل المراد منه بعد الفراغ عن اصل الانتقال منفردا كان الوارث، او متعددا بيان كيفيته اذا اتفق التعدد، و ان كلا منهم يستحق على حدة، او بضميمة البقية لبيان جواز تفريقهم فى اعمال الحق الثابت لهم، او عدمه، و لزوم اجتماعهم فيه، لا انه يشترط فى اصل ثبوت حق الخيار اجتماع الوارث مع وارث غيره، و عدم الانحصار فى واحد، فهو (ره) بعد ان سلم إرث الزوجة للخيار فى صورة اجتماعها مع وارث آخر بدليل دال عليه كيف يتأنى له انكاره فى صورة الانحصار؟ و كيف يفرع ذلك على ان الثابت من الدليل هو الانتقال الى الجميع؟ فهل ينبغى تخيل ان الدليل المثبت لارث الجميع من الخيار تضمن اشتراط اجتماعها مع وارث اخر؟ او يحتمل فيه ذلك كلّا، و السبيل فى المسألة واضح، و الدليل على الواقعة بين لائح، و معلوم انه الاجماع، او النص و شيء منهما لا يتوهم فيه ذلك.
اما الاجماع فلانه على القاعدة، و ان الخيار حق قابل للانتقال، او على نفس الحكم من إرث الوارث له على حد إرثه لسائر ما ترك، منفردا كان، او مجتمعا، و كذلك النص
و دعوى: ان القدر المتيقن من الاجماع، او منصرف النص، انما هو فى غير الارض مثلا على تقدير المساعدة عليها، لا ربط لها بالانحصار، و الاجتماع، و التفريع، على ان الثابت بالدليل هو الانتقال الى الجميع.
و بالجملة فصدور مثل هذا الكلام السخيف من مثل هذا العلامة الغطريف غريب جدا.
و حمله على إرادة ان الزوجة مع الانحصار يشاركها الامام عليه السلام،
ص: 95
فلا يمكن لها الفسخ، لعدم تمكنها من استعلام رضاه (ع) بالفسخ، فلا يتمشى لها الفسخ، بناء على ما تقرر عنده من اشتراط الفسخ بتوافق الكل فيه، و اجتماعهم عليه.
ساقط جدا، لا لمجرد ان نظره (ره) لو كان الى هذا الامر لم يكن فرق بين الاستدلال بالاجماع. او الظواهر، لعدم امكان استعلام رضاه (ع) بالفسخ، على التقديرين، بل لان عبارته صريحة فى التفصيل بين اصل ثبوت الحق لها فى صورة الاجتماع و عدمه فى صورة الانحصار، لا ان الخيار ثابت لها مطلقا، كما هو مقتضى هذا الحمل و التوجيه و ان التفصيل بين امكان اعمالها لحقها فى صورة دون اخرى، و هل يستفاد من التفصيل الاطلاق؟
قد عرفت سابقا: ان عبارة قواعد العلامة (ره) فى هذه المسألة لا تخلو عن اجمال، و انه قد اختلفت انظار الاعلام المتعرضين لشرح كلامه، و توضيح مرامه
فعن ولده السعيد، و السيد العميد، و شيخنا الشهيد، قدس اللّه اسرارهم، ان مراده استقراب ارثها من الخيار فى المشتراة لترث من الثمن، و عن المحقق الثانى، و بعض من لحقه انه اراد ان الاقرب عدم ارثها منه فيها.
و كان صاحب الجواهر (ره) لم يرجح احد الوجهين فنسب الى العلامة الاشكال فى احدى الصورتين من غير تعيين.
و الظاهر عندى ما فهمه الاوّلون فانه المفهوم من العبارة من غير تكلف، و اللام ظاهرة فى التعليل، لما قربه من الارث يعنى انها ترث من الخيار ليترتب عليه الارث من الثمن، و يمكن ان يكون نظره الى ما استقر عليه اختيار شيخنا العلامة الانصارى (ره) من ان الخيار فى المشتراة مما تعود فائدته إليها، فانها تفسخ و تسترد الثمن، فترث منه بخلافه فى المبيعة، فانها لا تسترد بالفسخ شيئا الى نفسها، لا أولا و لا آخرا، بل يفوتها الثمن و المثمن، فلا معنى لخيارها، بل سمعت عن بعضهم الحكم بكونه سفها، او انه خلاف الارفاق الّذي شرع الخيار
ص: 96
لاجله، و على ما رجحه المحقق الثانى يخرج اللام عن افادة الترتب و التعليل للحكم المذكور فى الكلام، بل يصير المترتب على شيء آخر غير مذكور فيه، فيكون مفاده: انها لا ترث من الخيار، فتريد الفسخ لترث من الثمن، و هو خلاف ظاهر لام التعليل الظاهرة فى الترتب على الحكم المذكور، لا ان المحذور هو مجرد زيادة التقدير، الّذي اعترف به، حتى يدفع بما احتمله بعضهم من كون اللام للغاية، فيكون المعنى: ان الأقرب عدم الارث من الخيار الّذي غايته إرث الثمن.
و يرد على هذا التوجيه: ان من المعلوم ان هذا الوصف العنوانى اعنى كون غايته كذا و ان كان ثابتا محققا، الا انه لا مدخل له فى كون عدم ارثها اقرب، لو لم يكن له مدخل فى عكسه، كما عرفته من شيخنا الماضى (ره) فذكره فى مثل هذا الكتاب المبنى على غاية الاختصار مع كونه غير نافع فى الحكم بل مخلا مضرا لغو صرف و باطل محض.
و يستفاد من المحقق الثانى: ان الباعث على عدم ارتضائه لهذا المعنى الّذي رجحناه امور.
انه خلاف ما سيقت العبارة لاجله فان مفادها ان الخيار موروث لجميع الوارث الا الزوجة، فانها لا ترث على اشكال، اقربه ذلك، فيكون اشارة الى عدم الارث، و انه الاقرب.
ان اصل هذا الحكم اعنى ارثها منه فى المشتراة غير مستقيم، فان الارض انتقلت الى بقية الورثة قطعا، و فى فسخها ابطال لحق ثابت لغيرها.
انه اذا ورثت الخيار فى هذه الصورة ورثت فى المبيعة بطريق اولى، اذ
ص: 97
لو فرض تسلطها على رد ملك غيرها و هو الارض، ثبت تسلطها على رد ملك نفسها، و هو الثمن بالاولوية، فيكون تقييد العلامة (ره) للارث بقوله: «اذا اشترى لغوا.
و فى الجميع نظر، اما فى الاول: فلان استثناء الزوجة و ان كان مفادها عدم الارث، الا ان جعل اسم الاشارة اشارة الى صدر العبارة انسب بما يقتضيه وضعه للبعيد، كما لا يخفى.
و اما فى الثانى: فلما عرفت مفصلا من استقامة الحكم، و انه مقتضى القاعدة، و مدلول الدليل، و انها مسلطة على فسخ العقد و حله المترتب عليه رد الارض الى مالكها، و استرداد الثمن إليها، و لو بالآخرة و قد مرّ انه على القول بعدم جواز التفريق فى الخيار فالورثة اذا ساعدوها فى الفسخ ففى الحقيقة هم الذين ابطلوا حق انفسهم.
و اما فى الثالث: فلما عرفت عن منع الاولوية، بل ذهاب جماعة من المحققين الى ثبوت الخيار لها فى المشتراة، لترتب استرداد الثمن عليه، بخلافه فى المبيعة، فانها لا تسترد شيئا الى نفسها، لا ابتداءً و لا بالآخرة.
و قد حان لى ان اختم الكلام فى هذا المرام، و قد كان فى بالى عقد فصل رابع فى تنقيح الفروع المناسبة للمقام مما سبقت الاشارة الى بعضها، و ما لم تسبق، و تحقيق الكلام فيها، و فى نظائرها، و ختم الرسالة بخاتمة، اتعرض فيها لقاعدة دائرة فى السنة الخاصة، و العامة، من ان الزائل العائد كالذى لم يزل، او كالذى لم يعد، حيث انى لم أر في كلام احد من الفضلاء تنقيحها، و تحقيق فروعها، و كان المناسب تقديم الكلام فيها فى بعض المقدمات السابقة، لكنى تذكرتها بعد اتمام بعض الفصول، و جميع المقدمات، الا انه منعنى عن كل ذلك تراكم الاهوال و تزاحم الاشتغال المكدرة للبال، على ان هذا المقدار أيضا مما غفل عنه الزمان، و نامت عنه عيون الحدثان، و هو عفو الساعة و هدية الوقت،
ص: 98
مع ما انا عليه من خور القناة و ضعف الغرمات، و تواتر الزفرات، و الاضطلاء بنيران الضغائن و الترات الكامنة فى صدور الحسدة الغواة، و عليك بامعان النظر فى هذه المسائل، لتميز بين الصحيح و الباطل، و تعرف القيم من القول من الجائر المائل، و نسأل اللّه تعالى ان يجعله خالصا لوجهه الكريم، و يمن علينا بقبوله بمنه العظيم، و ان يوفقنا جميعا لمرضاته، و يدرّ علينا اخلاف نعمه و هباته، و يجعلنا من اخوان الصدق الذين هم على سرر متقابلون، و بالحق عاملون، و إليه مسارعون، و عن داء اللجاج و التعصب منزهون خالون.
و الحمد للّه على آلائه العظام، و الصلاة على رسوله، و اهل بيته المعصومين المصطفين الكرام، نجز بيمنا مؤلفه الخاسرة، فقير عفو ربه فى الآخرة، ابن محمد جواد الشيرازى النمازى الميرزا فتح اللّه الشيرازى الاصفهانى الغروى موطنا و مدفنا، ان شاء اللّه تعالى فى شهر ذى القعدة من شهور السنة التاسعة عشر بعد الثلاث مائة و الألف من الهجرة المقدسة النبوية على هاجرها آلاف الف سلام و تحية
هذه التعليقة راجعة الى صفحة 89 و قد فاتنا نقلها فى موقعها فنثبتها هنا «فاذا صالح ماله الى عوض و جعل للمصالح له خيار الفسخ فانه حلّ يتتبع الرّد فقط و لو جعل الخيار لنفسه فهو مستتبع للاسترداد فقط و اذا صالح بعوض او باع فالخيار مستتبع لكليهما»- منه رحمه اللّه