ghaemiyeh.com
نام كتاب: رسالة في تحقيق معنى البيع موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، شيخ الشريعة، فتح اللّٰه بن محمد جواد نمازى تاريخ وفات مؤلف: 1339 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 تاريخ نشر: ه ق مقرر: محمد حسين سبحانى تبريزى تاريخ وفات مقرر: 1392 ه ق ملاحظات: در ضمن" نخبة الأزهار" چاپ شده است
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و المرسلين، محمد و آله الطيبين الطاهرين اما بعد: فهذه نتيجة ما تلقيته من بحث شيخنا العلامة الحجة الجامع لأنواع المعارف و العلوم الإسلامية، أستاذ الفقهاء و المجتهدين، اعنى به حضرة الشيخ فتح اللّه بن محمد جواد النمازى الشهير بشيخ الشريعة الأصفهاني دامت اظلاله.
و هذه الرسالة الموجزة تشير الى لباب القول في حقيقة البيع و أركانه، و ما يصح ان يقع عوضا أو معوضا، و تحقق الحال في الفرق بين الحق و الحكم. الى غير ذلك من شوارد المطالب.
المؤلف
ان البيع من المفاهيم الواضحة عند العرف بشيوع استعماله في محاوراتهم و هو يحدد عندهم- بإعطاء شيء في مقابل شيء آخر- أو- دفع شيء و أخذ شيء آخر و لما كان ذلك متحققا بالأموال و الأعيان، عرفه الفيومي في «مصباح اللغة»: انه مبادلة مال بمال.
و لما كان هذا المعنى متضمنا للنقل و الانتقال بسبب من الإيجاب و القبول عبر بعض عنه بالنقل، و بعض آخر بالانتقال، و ثالث بالعقد، بأن قالوا:
البيع هو النقل، البيع هو الانتقال، البيع هو العقد المفيد.
ثمَّ لما كان ذلك المعنى منسوبا إلى البائع و ناشئا من قبله.
عبروا عنه بإنشاء التمليك و بالتبديل.
و لما كان ذلك منسوبا إلى البائع و المشترى معا بنحو من الأنحاء عبر عنه بالمبادلة و يقال: هو مبادلة مال بمال.
و غير ذلك من الملاحظات الواقعة في تعريفه بعناية من العنايات.
و الاولى- ان لم يكن متعينا-، تعريفه بالمبادلة، اى مبادلة مال بمال كما مر من المصباح، و وجه ذلك، ان البيع في الحقيقة فعل البائع و المبادلة صفة متحققة بالمالين، فالبائع أولا يبدل أحدهما في مقابل
الأخر، و المشترى يمضى هذا الفعل الصادر من البائع و يرضى به.
و مما يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه، نسبة فعل باب المفاعلة إلى شخص واحد في بعض أبواب الفقه، مثل «صالحت» في باب المصالحة فإن المراد منه هو نفس فعل المصالح فقط و ليس النكتة فيه الا ما ذكر ثمَّ ان البيع قد يحصل بإنشاء الصيغة بأن يقال: بعت هذا بهذا، و قد يحصل بنفس الفعل من دون قصد الإنشاء.
و قد قيل في المقام: ان الملكية من الأمور الإنشائية فهي متوقفة على سبب و إنشاء مثل الإيجاب و القبول كالأفعال التوليدية المتوقفة على أسبابها.
أقول: لا يخفى ما فيه من الإشكال لأن هذا انما يتم بالنسبة إلى البيع، بالصيغة، و اما بالنسبة إلى البيع بالمعاطاة فلا، لأنها على القول بأنها بيع حقيقة، لا صيغة كي يتحقق بها البيع المعاطاتي حينئذ، فإنها لا بد اما ان تكون الصيغة هي المقاولة الواقعة بين الطرفين من البائع و المشترى قبل الإعطاء و الأخذ، و اما ان تكون نفس الافعال من الإعطاء و الأخذ اما الأول فليس بصيغة قطعا كي يتحقق به البيع و يكون منشأ لتحققه و موجودا بإيجاده.
و ان قلت: ان تلك المقاولة في الحقيقة إنشاء للبيع و في معناه قطعا.
قلنا: ان هذا تعميم في الصيغة، لا انها صيغة حقيقة كما لا يخفى.
و اما نفس الافعال- من الإعطاء و الأخذ بعد المقاولة- فكذلك، إذ ربما يكون كل واحد من البائع و المشترى ذاهلا صرفا و غافلا محضا
حين الإعطاء و الأخذ عن قصد الإنشاء بالافعال المذكورة كما هو واضح (1)فبناء على هذا يلزم ان لا يتحقق البيع و ليس الأمر كذلك.
فظهر من ذلك ان البيع على نحوين: نحو يحتاج إلى إنشاء الصيغة كما في المعاملة بالصيغة، و نحو آخر لا يحتاج اليه و هو البيع المعاطاطى كما مر.
1) اللهم الا ان يقال: ان الأسباب الفعلية، كالأسباب القولية، و يكفي في صحة الإنشاء بهما، التوجه الإجمالي الارتكازي، بحيث لو سئل عن جهة الأخذ و الإعطاء، لأجاب عن وجههما و بذلك تتم القاعد الكلية من احتياج البيع إلى الإنشاء مطلقا. (المؤلف)
ثمَّ ان المتبادر من المبيع كونه عينا لا منفعة و لا حقا، بخلاف العوض، فإنه يجوز أن يكون منفعة أو حقا، و لذا لو قال رجل: بعت سكنى دارى بكذا حملنا على الإجارة كما لا يخفى.
و لما كان اللازم فيه كونه عينا مطلقا، سواء كان امرا شخصيا موجودا في الخارج، أم أمرا كليا موجودا في الذمة، أشكل الأمر بالنسبة إلى الثاني لأن الملكية التي تحصل بالعقد و توجد بالإيجاب و القبول تشبه الاعراض فتحتاج الى متعلق خارجي، و المبيع إذا كان كليا في الذمة لا وجود له خارجا، و إذا لم يكن موجودا في الخارج لا يكون مالا و لا ملكا فإن الكلي في الذمة ليس الا عدما محضا و معدوما صرفا، و إذا كان ما في الذمة عدما صرفا، فكيف يكون ملكا حتى يتعلق به إنشاء التمليك؟ مع ان الملكية شبه العرض لأقوام له الا في الموضوع و المتعلق الخارجي.
و هذا هو الإشكال في المقام.
و قد يقال في الجواب عن ذلك: ان الملكية من قبيل الأمور الاعتبارية، لا من قبيل الأمور المتأصلة مثل القيام و القعود و الحلاوة و الحموضة و أمثال ذلك، فحينئذ لا مانع من كون محلها أيضا أمرا
اعتباريا و موجودا بالفرض و الاعتبار.
أقول: الحق في الجواب أن يقال: ان مقتضى اشتراط كون المبيع عينا ليس أن يكون عينا موجودا في الخارج فعلا لأن الأمور المتأصلة- فضلا عن الأمور الاعتبارية- التي يترقب وجودها في محلها تكون منشأ للأثر فعلا و محلا لترتب الاثار عليه كذلك.
و ان شئت تحقيق الحال فلا حظ نفسك: فإنه إذا أخبرك مخبر صادق بأن اللّه تبارك و تعالى يرزقك بعد سنة مثلا ولدا بارا صالحا، أو يرزقك نعمة اخرى من نعمه، أو أخبرك بأن الفلاني قد قصد قتلك بعد سنة، فعند ذاك تكون مسرورة بسبب البشارة فعلا و تكون خائفة بسبب التخويف منه، مع أن ما به البشارة و ما به التخويف لا وجود له فعلا.
بل يترقب وجودهما في المستقبل.
فما نحن فيه من هذا القبيل، فإن البائع إذا باع فعلا عشرين حقة من حنطة في الذمة و كان مترقبا وجودها بعد مدة، يكون المشترى مالكا على ما ذمة البائع من العين المبيعة الموجودة بالقوة لا بالفعل و لا يشترط في المبيع أن يكون موجودا بالفعل و هو واضح.
و أما أنه ليس بملك لبائعه فمدفوع بأنه ملك لمالكه فعلا، لكن وجوده متوقف الى مضى زمان، إذ غاية ما يعلم من أن هذا الشيء ملك لمالكه و ذاك ليس بملك له، أن له ربطا بمالكه أو لا ربط له و هذا المعنى موجود في المقام، فإن البائع في علم اللّه و نفس الأمر له ربط بمبيعه الذي هو أمر كلي و انه ملك له و ان لم يكن موجودا بالفعل. نعم تحققه في الخارج يحتاج الى وجوده الخارجي.
و من هنا ظهر أيضا أنه مال أيضا بل كونه مالا أظهر من كونه ملكا لان المال هو الذي يرغب فيه العقلاء و يبذلون بإزائه المال، و ما نحن فيه أيضا كذلك، إذ العقلاء يرغبون الى هذا الأمر الكلي المترقب حصوله بعد مدة من دون ريب و اشكال.
لا يقال: انه فرق بين المقامين فإن البشارة و الخوف هناك انما يقومان بنفس الإنسان الخارجي، بخلاف ما نحن فيه، فان الملكية أو المالية انما هي قائمة بنفس الشيء الذي سيوجد، إذ الملك بالحمل الشائع الصناعي محمول عليه كما لا يخفى.
لأنا نقول: انه لا فرق بينهما أصلا، إذ كما أن السرور و المحبة ربط و علقة و اضافة بين الأب و الولد مثلا قائمة بهما مع ان احد الطرفين اعنى الولد غير موجود، كذلك الملكية هي ربط و اضافة بين المالك و ملكه و قائمة بهما كما لا يخفى.
لا يقال: ان لازم ما ذكر من أن إطلاق المالك و ذي المال على الشخص ليس متوقفا على أن يكون له ملك أو مال فعلا، بل يكفي في صحته، كونه ذا مال و ذا ملك بالقوة، صحة إطلاق ذي المال و ذي الملك على الفقير غير القادر على تحويل العين في وقته و ليس الأمر كذلك لعدم صحة صدقه على مثل هذا الشخص المفروض بالبداهة.
لأنا نقول: ان عدم صدقه عليه فعلا لعدم الربط و العلقة بينه و بين هذا الشخص المفروض في علم اللّه و في نفس الواقع لعدم الإضافة بينهما بخلاف ما نحن فيه، فان المفروض أن العلقة و الإضافة فيما بينهما موجودة فعلا، لكن الطرف غير موجود فعلا و لكنه موجودة في ظرفه و عند
وقته و أو أنه كما مر آنفا (1)المؤلف
1) هذا ما افاده شيخنا العلامة دام ظله، و هو يرى ان الملكية من مقولة الإضافة و هي قائمة بين المالك الموجود، و المال المتحقق في ظرفه في المستقبل، و لأجل ذلك يفرق بين الملي و الفقير في الذمة فإن ظرف الإضافة في الأول موجودة في ظرفه و هذا كاف في تحمل الإضافة دون الثاني. هذا و في ما افاده دام ظله نظر: فإن الملكية لو كانت من مقولة الإضافة، أو من الأمور ذات الإضافة و ان لم تكن من مقولتها كالعلم و الرزق، لاحتاج الى طرف موجود بالفعل، و لا يكفى الوجود بالقوة في المستقبل، لامتناع قوام الأمر الموجود الفعلي، بأمر معدوم فعلا، و كونه موجودا في علم اللّه أو في عالم الدهر لا يناسب الأبحاث الفقهية و الاولى ما أفيد من ان الملكية من الأمور الاعتبارية، و هي ليست من الأمور المتأصلة المحتاجة إلى موضوع حقيقي، و يكفى اعتبار وجوده في ذمة البائع إذا كان قادرا على تحويل العين في موعده المقرر. و اما قياس ذلك بالسرور القائم بالوالد و الولد غير الموجود فعلا فمع الفارق، لان السرور قائم بين الوالد و الولد المتصور الذهني، لا الخارجي، و كذا الخوف، قائم بينه و بين القتل المتصور فتدبر.
ان المحققين من الاعلام عرفوا الحق بتعاريف:
تارة بأنه سلطنة مجعولة من الشارع للإنسان من حيث هو على غيره، أو سلطنة شخص على غيره.
و اخرى بأنه اعتبار خاص يلزمه السلطنة.
و ثالثة بأنه مرتبة خفيفة منتزع عن الملك.
ثمَّ فسروا الغير بأن المراد منه قد يكون الشخص، و قد يكون المال، و قد يجتمعان كما في الإجارة.
و لا يخفى ما فيه من الإشكال.
أما أولا فلان لحاظ الفرق بين الحق و الحكم مثل لحاظ الفرق بين الوجوب و الاستصحاب، أو بين الوجوب و الاستحاضة مثلا و أمثال ذلك في أنهما ليسا من سنخ واحد كي ينجر الأمر عند اشتباه أحدهما بالآخر الى التفريق و التميز في تشخيص أحدهما عن الأخر، بل هما سنخان متغايران غاية التغاير.
لان الحكم عبارة عن الأحكام الخمسة التكليفية من الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الإباحة و عن الأحكام الوضعية من السببية
و الشرطية و الجزئية و أمثالها.
و أما الحق عبارة عن أمر مترتب عليه و شيء متفرع عليه.
و بعبارة اخرى أن الحكم عبارة عن الأمور و الأوصاف القائمة بنفس الحاكم، و الحق عبارة عن الأوصاف و الأمور الثابتة القائمة ابتداء أو انتزاعا بنفس المحكوم ليفعل للغير أو يفعل الغير له، و بين المفهومين بون بعيد لا يشتبه أحدهما بالآخر أصلا.
و أما ثانيا فلان تعريفه بالسلطنة غير صحيح، إذ من الحقوق في الشرع ما لا يتصف بها أصلا بل يكون إطلاقه عليه غير صحيح عند العرف كما في حق الأخ المؤمن على أخيه المؤمن و حق الجار على الجار مع أن واحدا منهما لا يتصف بإسناد السلطنة إليه بأنه مسلط و ذو سلطنة على أخيه المؤمن أو جاره و هكذا.
فالظاهر ان معنى الحق فيهما هو معناه اللغوي و العرفي و هو اللائق و الجدير، و بالفارسي- سزاوار- يعنى أن ذا الحق يليق أن يفعل له بكذا بمعنى أن حاله و شأنه يقتضي أن يفعل له كما في قولنا أكرم العالم و المطعم و أهن الظالم و الفاسق، فان العالم و المطعم كان من حقهما أن يكرما و الظالم كان من حقه أن يهان و كذا الأب و الام كان من شأنهما أن يطاعا، و كذا غيرهما من ذوي الحقوق. و هذا المعنى مطرد في جميع الموارد التي ورد فيها حق من الحقوق المجعولة في لسان الشرع.
و أيضا انه اعتبر في الحق دائما كونه بالنسبة إلى الغير و قد لو حظ في جميع موارده ذلك المعنى، كما في حق التحجير و المارة و أمثالهما إذ مقتضى تعلق حقه على الأرض المحجرة انه كان لصاحب التحجير أن
يمنع الغير عنها، و كذا في حق المارة انه كان للمار حق في ثمرة واقعة في طريقه بحيث لا يجوز للغير أن يمنعه عنها.
بخلاف الحكم، فان اعتبار الغير ليس شرطا في لحاظ تعلقه، فإنه تارة يكون متعلقا بنفس الشخص كما في وجوب الصلاة و الزكاة و غيرهما و اخرى يكون بلحاظ الغير متعلقا على الشخص كما في قولك: يجب عليك أن تضرب زيدا أو يجب عليك إكرام العلماء و السادة أو غيرهما، الا انه ليس هذه الملاحظة و الاعتبار بلازم دائما و من هنا ظهر فساد ما في تفسير «الغير» من كونه تارة شخصا و اخرى مالا كما مر آنفا.
ثمَّ انه لا بد في موارد الحقوق الثابتة لذيها في الشرع من علل و أسباب تكون هي المنشأ لوجودها و ثبوتها.
و تلك العلة أو السبب قد يكون امرا ذاتيا بحيث لا يمكن إسقاط المعلول و المسبب كما في حق واجب الوجود على العباد إذ حقه تبارك و تعالى ان يعبده العباد و لا يشركوا به طرفة عين ابدا فان إسقاط ذلك الحق غير ممكن، و كما في الحق الثابت للوالدين بالنسبة إلى أولادهما فإنه لا يمكن إسقاط حق الأبوة و أمثاله مما كان معلوليته ناشئة عن أمر ذاتي غير قابل للتغير و الانقلاب و قد يكون معلولا عن أمر أصلي لا يمكن إسقاطه و تغييره في نفسه وحده الا مع إسقاط ذلك الأمر الأصلي، و هذا مثل حق الرجوع في الوكالة و أمثاله فإنه لا يمكن إسقاطه مع كون الوكالة باقية على ما هي عليه، الا ان يسقط معه نفس الوكالة و موضوعها، بان عزل الموكل
الوكيل في ضمن إسقاطه، الا انه مع إسقاط نفس الوكالة لا معنى لإسقاط ذلك الحق، لأنه يكون ساقطا بنفسه من دون حاجة الى إسقاطه ثانيا كما هو واضح، و كذا حق الرجوع في الدين و كذا حق الرجوع للزوج في الطلاق الرجعي و أمثالها فعلم ان إسقاط الحق في هذه الموارد غير ممكن الا مع إسقاط أصله و منشأه.
و قد يكون معلولا عن أمر يمكن إسقاطه بدونه كما في موارد من الخيارات كخيار الغبن و خيار العيب و خيار الشفعة و أمثال ذلك، فان في كل واحد منها حقا للمغبون في رجوعه في عين ماله ثمنا كان أو مثمنا و كذا الشريك أيضا يجوز له الرجوع في حق الشفعة إلى شريكه و يجوز لهم أيضا إسقاط حقوقهم و مصالحتها بشيء آخر و كذا سائر التقلبات الشرعية، و هذا بخلاف حق الرجوع في الوديعة و العارية و الهبة، فإن للمعير و المودع و الواهب حق رجوع في عاريته و وديعته و هبته و ليس لهم إسقاطه بنقل أو مصالحة أو بلا شيء بالإجماع و الاخبار.
هذا كله في بيان حال الحقوق.
و اما منشأ الاختلاف و التفاوت في جواز إسقاط بعض منها دون بعض آخر فيمكن ان يقال فيه كما قيل: ان الذي لا يجوز إسقاطه كما في العقود الجائزة فهو لكونه حكما شرعيا، و الذي يجوز إسقاطه كما في غيرها فهو لكونه حقا.
و لكن فيه ما لا يخفى، لان التميز فيما بين الحقوق بان هذا حق و ذاك حكم مع انه يطلق الحق على الجميع في الشرع يحتاج الى مميز و دليل كي يميزه هذا عن ذاك و ذاك من هذا مع ان ما ورد في لسان الشرع انما هو: يجوز لك الفسخ، أو: يجوز لك الاسترداد
أو: لك الرد، أو: لك الخيار، و أمثال ذلك، و هو أمر واحد، و شيء فارد، اما منتزع عنه الحكم أو الحق فلو انتزع معه الحكم لا يجوز إسقاطه لعدم كونه في يد المكلف ففي كلها كذلك، و لو انتزع منه الحق يجوز إسقاطه، ففي جميعها كذلك، و اما التفصيل بان بعضها حكم و بعضها حق من دون مفصل فهو كما ترى.
نعم ان صحة الكبريين الكليتين و هما: كل ما هو حكم لا يجوز إسقاطه و كل ما هو حق يجوز إسقاطه و نقله مسلمة من دون اشكال و خلاف فيها، و انما الشأن في تطبيق هاتين الكبريين على صغرياتهما، بمعنى ان اى مورد، من موارد صغرى تلك الكبرى دون صغرى الأخرى أو بالعكس.
لكن يمكن ان يقال في ضابطة التميز بين الصغريات، ان كل حق يكون سبب جعله إرفاقا للمكلف و دفعا للضرر المتوجه اليه يجوز، له حينئذ إسقاط هذا الحق، إذ في إسقاطه يتوجه اليه الضرر، لكنه من قبل نفسه اختيارا أو من جهة إقدامه عليه، لا من قبل الشرع فلا محذور، و ذلك مثل خيار التحجير و الشفعة و العيب و الشرط و غيرها من النظائر.
و كل حق ينجر إسقاطه إلى زوال الغرض أو الى توجه الضرر من قبل الشرع لا يجوز إسقاطه كما في حق الرجوع في العقود الجائزة و حق الوكالة و الوصاية و ولاية الحاكم و أمثالها، لان مقتضى إسقاط حق الرجوع في العارية و الوديعة و الهبة مثلا هو رفع اليد عن ملكيتها و هو موجب لوصول الضرر من قبل الشرع أو لزوال الغرض الأهم الذي ينافي لنفس جعل الحق، أعني جواز الرجوع فيها، و كذا إسقاط حق الوكالة أو حق الوصاية أو حق الولاية مثلا يقتضي رفع اليد عن
أصل الوكالة و الوصاية و الولاية، فظهر انه لا يجوز إسقاط الحق في أمثالها لما مر.
فهذا مجمل الكلام في المقام و أما التفصيل بين الموارد كلها على الوجه الذي ذكر لا تسعه هذه الرسالة، فلا بد له من محل آخر
و أما حق الرجوع في المطلقة الرجعية، هل يجوز صلحه أو هبته بشيء أو غيرها من الأسباب المسقطات و النواقل و لو كان الداعي على ذلك استخلاص الزوجة من يد زوجها و عدم تطرقه إليها بوجه، أو لا يجوز، وجوه، تارة يقال: انه جائز مطلقا، و اخرى ليس بجائز كذلك، و ثالثة يفصل بين القول ببقاء الزوجية بعد الطلاق الى انقضاء العدة و عدمه، فان قلنا بالبقاء بعده فلا يجوز فيه ذلك، و ان قلنا بعدم بقائها بعده فلا مانع من جوازه إذا تحقق ذلك فاعلم أنه يمكن الاستدلال على الوجه الأول بوجهين:
الأول: الروايات الواردة في جواز هبة حقوق المتمتع بها من النفقة و الأجرة و الكسوة و غيرها، فيستنبط من تلك الروايات أيضا انه يجوز للزوج صلح حق الرجوع إليها، إذا زوجية المطلقة ليست بأشد من زوجية المتمتع بها و أقوى منها، بل دلالتها هنا اولى من دلالتها هناك لان الغرض الا هم من الزوجية فيها هو الاستمتاع في أغلب الأوقات بخلاف الغرض من الزوجية في المقام، فان المقصود الأهم منها هنا هو التناسل و التوارث فيما بينهما.
الثاني: الروايات الدالة على جواز هبة الزوجة و إبرائها في النكاح الدائم كل ما وجب عليه إيفائه و براءة ذمته عنه من حقوقها من صداق أو كسوة أو نفقة أو قسم أو غيرها مما يسمى حقا لها، لئلا يطلقها، و يستكشف منها أيضا- لو لم نقل بالدلالة- بتنقيح المناط أن ما نحن فيه أيضا كذلك فيجوز مصالحة حق الرجوع إليها في أيام عدتها و قبل انقضاء مدتها، إذا الدوام لا خصوصية له في الجواز، و أن الزوجية فيها ليست بأشد منها أيضا كما مر.
مع ان دائرة الصلح أوسع من دائرة الهبة، كما يدل عليه «ان الصلح جائز بين المسلمين» (1).
هذا بالنسبة إلى بقاء الزوجية بينهما بعد الطلاق الى انقضاء العدة، و أما بالنسبة الى عدم بقائها فأوضح، إذ المحذور الذي يحتمل ما مانعيته في المقام أو يتراءى عن الصلح انما هو وجود الزوجية و بقائها لكونها منشأ لذلك الحق و من شئوناته، فإذا فرضنا انها ليست بباقية، و ان ذلك الحق و الأثر مجعول له من قبل الشرع في تلك الحال فلا مانع حينئذ من الصلح، و هذا هو المطلوب.
و مما يؤيد ذلك القول قوله تبارك و تعالى «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» (2)فإنه يدل على أن الزوجة بمجرد إيجاد الطلاق من المطلق قد خرجت عن الزوجية على ما يستفاد من كلمة «الرد».
و أما تسميتها زوجة في العبارة المتداولة «المطلقة رجعية زوجة»
فإنما هو تعبير للفقهاء و اصطلاح منهم و الا فليس بهذا المضمون رواية أصلا.
نعم ان الشارع قد جعل للزوج حقا و هو جواز رجوعه الى العقد السابق و استرداده لها اليه كما جعل لها حقوقا أيضا في تلك الحال، سواء فرضنا رجوعه إليها أم عدمه كما مر.
و حاصل التأييد أن الاسترداد و الرجوع حق للزوج كما يدل عليه التعبير بلفظ «أحق» في الآية، فاذا كان حقا له يجوز صلحه من دون اشكال.
لا يقال: فرق بين المقام و هو المطلقة الرجعية و بين المتمتع بها في إطلاق الزوجية عليها إذ المتمتع بها مستأجرة كما هو مقتضى الآية الشريفة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» (1)بخلاف المطلقة الرجعية فإنها زوجة حقيقة بناء على زوجيتها فحينئذ دعوى عدم أشدية الزوجية و عدم الأقوائية فيها عنها في المقايسة كما ترى.
لأنا نقول: ان المتمتع بها زوجة حقيقة بالضرورة من الدين، و الا فلازم ما ذكر ثبوت قول العامة من أن المتعة داخلة تحت قوله تعالى:
«فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ» (2)و لا أقل من كونه تأييدا لهم.
بيان الملازمة أن المتعة ليست بزوجة و لا ملك يمين على الفرض فتكون داخلا في ذيل الآية أعنى قوله تعالى «فَمَنِ ابْتَغىٰ.» و هذا المعنى مناسب لقولهم لا قولنا.
نعم ان زوجيتها فيها ليست مثل الزوجية في العقد الدائم بل هي خاصة منحصرة بمقدار أيام التمتع فقط بخلافها فان زوجيتها مطلقة دائمة، و هذا المقدار من الفرق لا يوجب نفى أصل الزوجية، بل يوجب الفرق في حيثيتها و كيفيتها كما لا يخفى.
و اما الاستدلال على الوجه الثاني، فبان يقال: ان حق الرجوع هنا منتزع عن حكم الشارع بجواز رجوعه الى زوجته المطلقة ما لم يخرج أيام العدة، و هو حكم- و لو باعتبار المنشأ- غير قابل للإسقاط و الصلح.
و اما الاستدلال على الوجه الثالث و هو التفصيل، فنقول: اما عدم جواز الصلح و الهبة مثلا بناء على بقاء الزوجية، فلان الحق الملحوظ في المقام لازم للزوجية و معلول لها فانفكاك اللازم و المعلول عن وجود الملزوم و العلة غير معقول. و اما جوازه بناء على عدم بقائها فظهر وجهه من أحد شقي الوجه الأول فراجع.
الا ان الحق انا لا نرى مانعا من جواز الصلح و غيره في المقام مع ما مر من كون دائرته أوسع كما مر من قوله صلى اللّه عليه و آله:
«الصلح جائز بين المسلمين» (1)و دعوى ان التمسك به هنا تمسك بالعام في الشبهة المصداقية لأنا نعلم بخروج بعض الافراد منه قطعا و نشك في ان هذا الفرد المشتبه علينا هل كان من افراد المخصص كي لا يجوز فيه الصلح أيضا أو من افراد العام كي يجوز فيه ذلك لكونه فردا من افراده. و القول بأنه فرد من افراد المخصص- بالفتح- لا من افراد المخصص- بالكسر- تمسك له في المصداق المشتبه.
1) الوسائل ج 13: 164
مدفوعة بأنه نعم لا إشكال في خروج بعض الافراد من ذلك العام الا ان الافراد الخارجة منها و كذا الافراد الباقية ليست معنونة بعنوان و موصوفة بوصف حتى لا يجوز التمسك به في المورد المشتبه لعدم العلم بعنوانه الموجب دخوله تحت العام و لسكوت نفس العام عن ذلك، بل الخارجة منها افراد غير معنونة، فأي مورد نعلم خروجه يترتب عليه حرمة الصلح قطعا و اى مورد نعلم دخوله أو نشك في خروجه يترتب على جوازه كما لا يخفى.
على ان المقام من قبيل الشبهة الحكمية دون المصداقية.
من الموارد التي يجوز مصالحتها من الحقوق حق اليمين الذي لمدعي الدعوى على منكرها و ان كان للاستخلاص من الإحلاف لأجل رفع النزاع و قطع الخصومة إذا صالح المجتهد أو غيره، فيصالح حق الدعوى له أو غيره من حقوقه بشيء من المال.
بل يمكن ان يشترط في ضمنه على المدعى عليه ان يحلف للمدعي اى حلف يريده من الحلف على اللّه أو بأحد الأولياء و القديسين و لكن هذا الحلف غير الحلف الذي تقطع به الخصومة، فإنه لا يجوز الا باسمه الخاص اعنى لفظ الجلالة و لا يجوز الإحلاف فيها لغير المجتهد.
و لا يخفى صحة هذه المصالحة لما مر من كونه حقا ثابتا في الشرع نعم يشكل الأمر فيما إذا علم القاضي بكذب المنكر فيما ينكره فإنه لا يجوز إحلافه حتى مثل ذاك الإحلاف لأنه أمر بالمعصية و هو غير جائز و باقي الكلام في كتاب القضاء.
قال الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه في مقام بيان صحة كون الحقوق عوضا في البيع و عدمها ما هذا حاصله:
انه لا بد في البيع ان يكون العوض فيه مما يقبل المعاوضة بالمال و يقبل النقل و الانتقال، و لذا علل عدم صحة كون الحقوق عوضا فيه بان البيع تمليك الغير. ثمَّ قال: و لا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه، لعدم مانع من كون هذا البيع تمليكا. فيكون أثره سقوط الدين عن ذمته، لعدم معقولية تسلط الشخص على نفسه. ثمَّ قال: و السر ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك، فإنه نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج الى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه فافهم. و اما الحقوق القابلة للانتقال كحق التحجير و نحوه فهي و ان قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح، الا أن في جواز وقوعها عوضا للبيع اشكالا من أخذ المال في عوضي المبايعة لغة و عرفا. (1)
أقول: لا يخفى ما فيه من الاشكال من وجوه أربعة بل خمسة.
1) المتاجر للشيخ الأنصاري ص 79 طبع تبريز.
الأول: ان تعليل عدم صحة كون الحق عوضا بان البيع تمليك الغير لا وجه له، إذ المدعى انه هل يجوز ان يكون الحق عوضا في البيع أولا و كون حقيقة البيع، هو تمليك المعوض للغير غير مرتبط لصحة جعل الحق عوضا حال الشراء و عدمها كي يعلل به. نعم هذا التعليل مناسب لعدم جواز الحق معوضا فيه كما هو واضح.
الثاني: سلمنا ارتباطه له، لكن جوابه من النقض، بقوله: «لأنه لا مانع من كونه تمليكا فيسقط» (1)أخص من المدعى، إذ المدعى انه هل يجوز جعل الحقوق عوضا في البيع مطلقا سواء كان البيع ممن هو عليه أم من غيره و لا اختصاص له بالأول كما هو المتوهم من النقض، و من قوله: «و السر ان الحق سلطنة فعلية.» (2)
الثالث: ان أصل المدعى غير مسلم، إذ من اين ثبت و علم ان الحق سلطنة فعلية بالنسبة إلى الغير كي لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد. هذا مع ان من الحقوق ما ليس هذا المعنى ملحوظا فيه مثل حق التحجير و أمثاله، فإن حق المحجر انما تعلق بالأرض المحجرة و هي صارت مالا له فقط من دون لحاظ الغير فيه،.
الرابع: ان جوابه قدس سره عن عدم صحة وقوع حق التحجير عوضا في المبايعة بعدم كونه مالا، مشعر، بل اعتراف بان ما سبق عليه في عبارته قدس سره (3)من الحقوق، و هو حق الخيار و حق الشفعة
كان من قبيل المال، فعلى هذا يوجد من الحقوق، ما يبدل بإزائه المال و يقبل المعاوضة و يصح نسبة النقل و الانتقال اليه.
الخامس: انه هل يعتبر في العوض ان يكون من قبيل المال و منحصرا فيه بحيث لو لم يكن مما ينتقل منه الى غيره يكون البيع فاسدا من أصله و لغوا، أو يكفي فيه ان يكون مما يقبل المعاوضة و ان لم يكن مالا، فيكون اثر النقل حينئذ السقوط، يعنى سقوط حق المشترى عن ذمة البائع إذا فرض له حق عليه. و التحقيق و الأقرب هو الثاني، لعدم الدليل على اعتبار كون العوض مالا بالخصوص. نعم ان ما هو لازم في تحقق البيع عدم كون العوض و المعوض مجانا و بلا شيء، و اما لزوم عدم كونهما من قبيل الحق فلا، بل يمكن دعوى عدم اعتبار كونه مالا في طرف المبيع أيضا كما لا يخفى.
و يمكن دفع هذه الإشكالات.
أما الأول فواضح. إذ من المعلوم ان التمليك انما هو من الطرفين إذ كما انه مسند إلى البائع بالنسبة إلى مبيعه كذلك مسند إلى المشتري بالنسبة إلى عوضه، غاية الأمر أنه في أحدهما أولا و بالأصالة و في الأخر ثانيا و بالتبع، فيكون حاصل التعليل بقوله: «لان البيع تمليك الغير» (1)أن الحق المذكور لا يقبل النقل و الانتقال فلا يصلح لتمليك المشترى عوضه، فحينئذ يكون مرتبطا بالمقام و واقعا في موقعه.
نعم لو قيده بلفظ العوض بأن قال لان البيع تمليك الغير بعوض لكان أوضح في الجواب لان فيه دلالة على كونه مما يقبل النقل و الانتقال
1) المتاجر ص 79
و لو تضمنا، و الحق الذي في المقام ليس مما يقبل ذلك.
و اما الثاني فلان قوله: «و السر ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد» (1)جواب عن سؤال مقدر ناش عن جواب النقض ببيع الدين على من هو عليه الذي نشأ من عدم اتصاف الحق بالنقل و الانتقال، بيان ذلك:
انه قدس سره لما دفع ورود النقض للمقام بما مر بأن في بيع الدين على من هو عليه، تمليكا و اتصافا بالنقل و الانتقال و أثره سقوط الدين عن الذمة بخلاف ما نحن فيه من الحق فإنه لا يتصف بهما فنشأ عنه سؤال و هو انه لما ذا لا يكون ما نحن فيه من قبيل بيع الدين على من هو عليه في كونه متصفا بالتمليك و الانتقال فيكون اثر الانتقال السقوط أيضا.
فأجاب عنه بما ذكر من ان الوجه و السر فيما بين المقامين، ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بل لا بد في تحقق معناه من لحاظ الغير و طرفيته له، بخلاف مسألة بيع الدين على من هو عليه و اما الثالث، فعن شقه الأول فإن الكلام فيما كان لشخص على غيره من الحقوق، فلا ريب انه نحو سلطنة منه على من هو عليه.
و اما عن شقه الثاني، فبعد تسليم الإطلاق أي مطلق الحق الثابت سواء كان على من هو عليه أم لا مثل الأرض المحجرة في الفرض نقول ان في حق التحجير أيضا سلطنة للمحجر على غيره، فان له ان يمنع غيره عن التصرف في أرضه المحجرة، لا انه مجرد اعتبار بينهما كما لا يخفى.
و اما الرابع، فان وجه الفرق بين تلك الحقوق و الحقوق
1) المتاجر ص 79
السابقة عليها ما ذكره قدس سره و هذا حاصله: انها و ان قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح بخلافها الا ان نفى المالية عنها هنا لا يكون إثباتا للمالية لها هناك غاية الأمر ان هناك مانعين من وقوعها عوضا للبيع أحدهما عدم قبولها النقل و ثانيهما عدم ماليتها، بخلافها هنا فان فيها مانعا واحدا و هو عدم المالية فيها. (1)
نعم يرد على الشيخ قدس سره إيراد آخر، و هو ان قوله رحمه اللّه: «و قوبلت بالمال في الصلح» اعتراف بأنها أموال، إذ لا نعني بالمال الا ما يبذل بإزائه المال و يرغب فيه العقلاء كما مر في السابق و اما الإشكال الخامس فالظاهر انه غير ممكن دفعه و وارد عليه كما لا يخفى.
1) راجع المتاجر ص 79
اعلم أن لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية، و لا حقيقة متشرعة، بل انما هو باق على معناه اللغوي و العرفي كما أشرنا الى ذلك في السابق و قلنا ان معناه من المفاهيم العرفية و المعاني الواضحة عند الناس، غير منقول عن معناه اللغوي و العرفي.
و مع ذلك قد اختلف الفقهاء كثر اللّه أمثالهم في تعيين معناه و تنقيح ما يراد من مصدر «بعت» من المعاني المحتملة.
ثمَّ ان مما ذكروا له من المعاني «التمليك» و «التبديل» و «النقل» و «الانتقال» و «الإيجاب و القبول» و «المبادلة» و كلها راجع الى معان ثلاثة: النقل و الانتقال و العقد من الإيجاب و القبول لا غير.
أما المعنى الثاني و الثالث من هذه الثلاثة فليسا معنى للبيع بلا إشكال. لأن الأول منهما أعنى الانتقال أثر للبيع و لازمه لا أنه نفسه و هو واضح. و الثاني محصل و سبب لتحقق معناه، لأنهما لفظان و اللفظ لا يعقل أن ينشأ باللفظ بل المعنى ينشأ به. فلم يبق ألا المعنى الأول و هو «النقل» و لا يخفى ما فيه أيضا من الإشكال، إذ المراد منه اما الفعل الإنشائي
الصادر من البائع و ان شئت قلت: ان يستعمل مصدرا لباع بمعنى أوجد البيع و هو بهذا المعنى عبارة عن الفعل الصادر من احد المتعاملين خاصة مباشرة أو توليدا. و اما ما يقصده البائع بقوله: «بعت» في العقد و هو النقل الاعتباري الإنشائي سواء ترتب عليه القبول أم لا.
فأيهما يراد لا يخلو من محذور بيان ذلك ان المراد لو كان الأول لا نتقض بسائر تصاريفه التي يراد فيها من البيع، النقل الاعتباري الإنشائي مثل «باع» و «بائع» و «مبيع». على انه لزم ان يصح نسبة البيع الى الدار و ان لم يتعقبه القبول بل من دون وجود المشترى و ان يصدقه العرف لو أخبرهم بهذا البيع و الحال ان الأمر ليس كذلك.
على انه لو كان بصدد الاخبار عما اراده من بيعه- و هو الفعل الإنشائي- و قال: بعث دارى يلزم ان لا يفهم العرف من اخباره إلا ما نواه و ليس الأمر هكذا.
و ان كان المراد النقل الاعتباري كما هو كذلك في الموارد المذكورة السابقة، لكنه ينتقض بالفعل الإنشائي الذي يدل عليه «البيع» الذي هو مصدر «بعت» و يلزم أن يكون البيع من قبيل الإيقاع لا العقد، فلا يحتاج الى تعقب القبول بعد الإيجاب كما هو مقتضى الإيقاع.
و يلزم صدور كل واحد من الإيجاب و القبول من ناحية البائع خاصة، مع أن القبول ليس مقدورا له، لأنه فعل الغير.
و قد تفطن بذلك صاحب المقابيس و ادعى أن للفظ «البيع» إطلاقات
تارة يستعمل مصدرا لباع بمعنى الفعل الإنشائي من إيجاد البيع و إنشائه الصادر من البائع خاصة.
و اخرى يستعمل فيما يقصده البائع بقوله «بعت» في العقد، من النقل الاعتباري الإنشائي الكاشف عن الرضا التنجيزي.
و ثالثة يراد منه الأثر المترتب على تحقق جزئي العقد معا و هو النقل العرفي مطلقا و الشرعي مع صحة العقد.
و رابعة نفس العقد المركب من الإيجاب و القبول، و هو الشائع المعروف بين الفقهاء، انتهى موضع الحاجة (1).
أقول: نعم يندفع المحذور ان المذكوران بما ادعى قدس سره من الإطلاقين الأولين للفظ البيع. لان استعمال كل واحد منهما في مورده غير استعمال الأخر في مورده و بالعكس.
لكن مقتضى ذلك هو القول بان البيع مشترك لفظي فيهما لا يستعمل الا مع القرينة و هو مستلزم لتعدد الوضع فيه، و هو خلاف الأصل، و لا دليل عليه بل الدليل على عدمه كما يجيء.
و الحق في المقام ان يقال ان معنى البيع، بالحمل الشائع الصناعي الذي هو سار في جميع تصاريفه و لا يلزم منه محذور أصلا هو النقل الاعتباري و ان الذي يصدر من البائع من قوله: بعت أو ملكت، هو صدور هذا المعنى المذكور منه و إظهاره ذلك على الغير بإنشائه، و يكون هذا المعنى منشأ بإنشائه بهما أو بغيرهما من الأسباب و مسببا عنه و له وجود أيضا فعلا و ليس تعقب القبول عنه شرطا متأخرا
1) المقابيس للمحقق التستري ص 107- 108 مع اختصار.
له حقيقة أو بمثابة الشرط المتأخر أصلا كي يكون حصول القبول و وجوده كاشفا عن حصوله من أول الأمر و عدمه عن عدمه كذلك حتى يدعى اشكال الاستحالة:
من انه كيف يكون الشيء موجودا مع ان من جملة شرائطه وجوده وجود شرطه المفروض عدم وجوده فعلا.
بل المتوقف على وجود القبول هو تحققه الخارجي و وقوعه في الخارج ليكون محلا لترتب الاثار و اللوازم.
و الذي ينبه على المختار من معنى البيع فضلا عن الدلالة عليه، انه لو فرضنا ان البائع أراد من لفظ «بعت» مثلا الفعل الإنشائي و أراد المشترى من لفظ «قبلت» أيضا هذا المعنى المذكور فما الذي يترتب على هذا البيع بعد إنشائهما فإن كان المترتب عليه هو النقل الاعتباري الذي هو نتيجة كلا الفعلين و حاصل عنهما، يلزم ترتب شيء أجنبي صرف عليه لعدم كونه متعلق قصدهما بالفرض.
و ان كان هو نفس الإنشاء الفعلي، فهو ليس بيعا في العرف، بل لا فائدة أصلا في ترتبه لأحد من المتبايعين كما هو واضح و هذا المعنى المدعى مطرد في جميع التصاريف غير مختص ببعضها دون بعض. فلا يرد حينئذ عليه محذور من المحاذير السابقة أصلا فتذكر.
إذا تحقق ما ذكرنا فاعلم ان القوم عرفوه بتعاريف عديدة قال المحقق الثاني في جامع المقاصد في تعريفه: «و الأقرب ان
البيع هو نقل ملك من مالك الى آخر بصيغة مخصوصة» (1).
و أورد عليه الشيخ الأنصاري قدس سره جملة من الاشكال (2).
منها: دعوى لزوم الدور في تعريفه لو أريد بالصيغة خصوص بعت، إذ المقصود معرفة مادة «بعت».
و لا يخفى ما فيه من الفساد، لان الغرض و المقصود كما ذكره رحمه اللّه معرفة معنى البيع و ان معرفته متوقفة على معرفة مادة «بعت» و ليس فيه اشكال، و اما توقف معرفة نفس بعت على معناه فغير مسلمة إذ يكفي في معرفته انه مما ينتقل به المبيع و يتحقق في ضمنه، و اما معرفة حقيقة البيع و انها ما ذا؟ كما هو المدعى فليست معرفة صيغة «بعت» متوقفة عليها و هو ظاهر.
و لا يخفى ان ما نسبه الشيخ اليه من التعريف ليس عين عبارته و ان كان مناسبا له، فلعله نقله بالمعنى، و قد ذكرنا عين عبارته فراجع
قال الشيخ الأنصاري- بعد سوق الإشكالات على تعاريف القوم للبيع-: فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال (3)و فيه مالا يخفى من الفساد أيضا، بل الإنصاف أنه اردء التعاريف اما انه إنشاء فليس بصحيح إذ حقيقة البيع ليست بإنشاء و الا يلزم إنشاء حين المعاملة مع الغير.
و اما التمليك فكذلك لانتقاضه بموارد عديدة، مع انها بيع حقيقة، كما في بيع الحصير و الأجر و الجص و غيرها من سائر الآلات و اللوازم للمسجد، بغلة موقوفة له، فان التمليك لا معنى له هنا، لعدم المملك عليه.
و كما في بيع العبد الذي كان تحت الشدة و المشقة بمال الزكاة و كما في بيع من ينعتق بمجرد الشراء كالعمودين و أمثال ذلك من الموارد فان التمليك فيها أيضا لا وجه له لما مر.
و لذا ادعى بعض من قال في البيع باعتبار التمليك، انه قبل الانعتاق يحصل الملك آنا ما ثمَّ يحصل العتق تصحيحا لما ادعاه مع ان فيه أيضا ما لا يخفى من ان في حصول الملكية لا يفرق بين كون زمانها مدة قليلة أو كثيرة، فإنه إما يحصل فيحصل مطلقا و اما لا يحصل فكذلك.
و اما التفصيل بين كونها آنا ما و بين غيره فهو كما ترى.
و اما التعبير بالعين، ففيه ان اعتباره في حقيقة البيع انما يتم لو سلمنا المسامحة في التعبير في كلمات بعض الفقهاء و في كثير من الاخبار كالخبر (1)الدال على جواز بيع خدمة المدبر و الخبر (2)الدال على جواز بيع سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها كما أشار إليها في أول البيع (3)
و الا إذا قلنا ان البيع كما يتعلق بالأعيان كذلك يتعلق بالمنافع كما ان ابدال المنافع أيضا مقتضى الاخبار (1)من دون الالتزام بالمسامحة فيها كما هو الظاهر منها، فلا يتم ما ذكره على ان حق التعبير ان يقيد لفظ «العين» بقيد «المتمول» و الا كان تعريفه صادقا على ما ليس بيعا شرعيا كما إذا باع قبضة من ماء أو تراب بدرهم في مكان لم يكن لهما قيمة هناك كساحل البحر أو البر.
و القول بان غالب موارد المبايعة هو المال و لذا لم يقيد به غير كاف، لان الشيخ قدس اللّه سره آتى بلفظ المال في جانب العوض، و غير تعريف السيد الطباطبائي، حيث انه اكتفى في جانب العوض بلفظ «العوض» لأجل أنه رأى انه عام شامل لما ليس بمال فبدله بلفظ المال.
مع انه يمكن الاكتفاء بتعريف السيد الطباطبائي و الاعتذار بان غالب الموارد في جانب العوض هو المال، و يندر ان يكون العوض غير المال فلا حاجة لتبديل لفظ «العوض» بالمال و لا يخفى انه لو لم يبدله كان أتم و أحسن لما مر من صدق البيع على ما كان أثره الانتقال فيه انعتاق المبيع كما في بيع العمودين أو سقوط الدين سقوطا.
نعم قد أجاد في إسقاط قيد التراضي عن التعريف مع ان السيد الطباطبائي أخذه في التعريف- لصدق البيع على بيع المكره بلا اشكال
1) راجع التعليقة على المتاجر للسيد الطباطبائي اليزدي قدس سره ص 54.
و اما اعتبار «المال» في طرف العوض ففيه انه كما يصح ان يكون المال عوضا عن المبيع و منتقلا الى ملك البائع كذلك يصح ان يكون الحق عوضا عنه و يكون انتقاله الى ملكه- في بعض الموارد- بمعنى سقوطه عن ذمته لا انه يصير ملكا له ثمَّ يسقط كما مر سابقا.
هذه هي الإشكالات الواردة على تعريف الشيخ الأنصاري ره للبيع.
و لكن يمكن الجواب عن ثاني الإشكالات و هو النقض بما ذكرنا من موارد عديدة و هو ان نقول:
ان ما يوقف للمساجد انما هي موقوفة لأجل صلاح المسلمين و لمصالحهم من صلاتهم و اعتكافهم فيها و غيرهما من المصالح الراجعة إليهم لا لأجل الأجر و الجص و غيرهما، فاذا يكون المالك تمام المسلمين فيصح التعبير بالتمليك.
نعم يشكل الأمر في إجارة الموقوفة لها، بأن أحدا من المسلمين إذا استجار العين الموقوفة لها سواء كان امام ذلك المسجد أو متوليه أو أحد المصلين فيه فيصير ذلك الشخص موجرا و مستأجرا من وجهة واحدة و هو غير معقول.
و اما الجواب عن النقص ببيع العبد الذي كان تحت الشدة فتقول:
ان المالك هنا الفقراء كما ورد في الروايات انه «إذا مات و لم يكن له وارث و قد صار حرا ذا مال يرثه الفقراء لأنه قد اشترى بسهم»
في الرواية (1)أو «بمالهم» كما في رواية أخرى (2)الا ان تلك الروايات مخالفة لظاهر آية (3)الزكاة حيث انه تبارك و تعالى قد جعل «وَ فِي الرِّقٰابِ» فيها قسيما للفقراء و عنوانا مستقلا في حد نفسه.
هذا كله بالنسبة إلى مختار الشيخ قدس سره في تعريف البيع و اما بناء على مختارنا فنقول:
انه كما في المصباح عبارة عن مبادلة مال بمال أو كما قلنا بعوض، أو عن الإعطاء و القبض، و آثار ذلك تختلف باختلاف الموارد فإن الأثر المطلوب منه قد يكون انعتاقا كما في بيع العمودين و قد يكون سقوطا و قد يكون غيرها، و اختلاف الاثار و اللوازم لا يوجب اختلاف الملزم و المؤثر.
و بناء على هذا لا يرد عليه اشكال بوجه مما ذكر.
اما بيع الات المساجد بالأموال الموقوفة لها فان من بيده تلك الأموال و الموقوفات قد يبادلها بما هو من لوازم المساجد و آلاتها.
و بمجرد تبديلها بها تصير موقوفة لها.
و لا يحتاج إلى إجراء صيغة الوقف عليها لأن أثر ذلك التبديل و الابدال هو الوقفية كما هو واضح. فحينئذ يصدق عليه انه اعطى شيئا و أخذ آخر و انه أبدله بعوض على المختار، أو أبدله بمال كما في تعريف المصباح.
و اما بيع العبد بمال الزكاة فنقول فيه: ان اثر تلك المبادلة صيرورته من أموال الفقراء، لما مر من انه انما اشترى من مالها على الفرض.
و المبادل في المقام يكون مخيرا في إبقاء العبد على حاله فيجعله خادما للفقراء أو غيرهم من مصارف مال الزكاة، أو بيعه و صرف قيمته فيها أو إعتاقه كما ورد في الرواية (1)من انه يشترى و يعتق.
و من هنا يعلم انه بمجرد الشراء لا يصير معتقا كما توهم، و الا فلا يكون حينئذ وجه لقوله عليه السلام: «يشترى و يعتق» كما لا يخفى و اما بيع العمودين فكذلك أيضا الا ان أثرها هنا الانعتاق و هو عتق قهري و لا ينافيه قوله: «لا عتق إلا في ملك (2)لأنه في المورد الذي لا يكون فيه مانع شرعي، بخلاف المقام فان الشارع قد نفى تملكهما عمن ينعتقا عليه، و هو مانع شرعي لا يمكن للمكلف رفعه بخلاف الموارد الأخر.
ثمَّ ان الشيخ قدس سره قد أورد أمورا بالنسبة إلى تعريفه:
منها: انه لو كان البيع إنشاء تمليك عين بمال لجاز الإيجاب بلفظ ملكت و الا فلا يكون مرادفا له.
و لا يخفى ان هذا ليس نقضا على مختاره و لا واردا عليه، لأنه إنما عرفه بإنشاء تمليك و مقتضاه جوازه بلفظ ملكت و هو عين مطلوبه كما صرح به أيضا بقوله: «و يرده انه الحق» (3)أي جواز الإيجاب به
و اما بناء على مختارنا فلا يجوز الإيجاب به، لان التمليك كما مر اثر المبادلة و لازمها لأنفسها.
و منها: عدم شموله على بيع الدين على من هو عليه، لان الشخص لا يملك ما لا على نفسه و لا يكون مديونا عليه.
و أجاب عنه أولا بأنه قد عرفت في السابق و ستعرف في اللاحق من تعقل تملك ما في ذمة نفسه فيرجع ذلك الى سقوطه.
و لا يخفى ما فيه، فانا لم نعرف منه الا مجرد دعوى تعقل تملك الشخص على نفسه من دون الإتيان بدليل و برهان قاطع لمدعاه، و الحال ان المستشكل انما يدعى الاستحالة و هذا بيانه:
انا لو قلنا ان في بيع الدين على من هو عليه تمليكا و لو كان مرجعه الى السقوط يلزم اتحاد الدائن و المديون عليه و تسلط الإنسان على نفسه و هو غير معقول و محال.
و أجاب ثانيا بأنه لو لم يعقل التمليك فيه لم يعقل البيع أيضا إذ ليس للبيع لغة و عرفا معنى غير المبادلة و النقل و التمليك و ما يساويها.
و حاصل ذلك الوجه دعوى المساواة بين لفظ بعت و ملكت و نقلت و ما يشبهها في المعنى، و لو فرضنا عدم صحة استعمال بعض منها لعدم تعقل التمليك فيه، يلزم عدم صحة الأخر أيضا قضاء لحق التساوي بينها، الا ان الثاني باطل، إذ المفروض افادة لفظ «بعت» التمليك فيكون الأول أيضا كذلك لما مر من مقتضى التساوي.
و فيه: ان له ان يمنع التساوي بينها كما هو الحق، إذ للفظ التمليك معنى خاص لا يصدق إلا في مورد يوجد فيه من يتملك بخلاف التبديل
و المبادلة و البيع فان معناها عام يصدق فيما كان من يتملك و ما لم يكن كما مر في الصور السابقة و بيع الدين أيضا من هذا القبيل في انه يجوز التبديل فيه دون التمليك لما مر.
و منها: شمول التمليك للمعاطاة، مع ان المشهور، بل المجمع عليه انه ليس ببيع.
و أجاب عنه بأنا ملتزمون بكونها بيعا لما سيجيء، و مراد كل من نفى بيعيته نفى صحته و لزومه لا كونه بيعا.
و لا يخفى أن هذا لا يكون نقضا على الشيخ قدس سره و لا على غيره ممن عرف البيع بالتمليك لأنها حينئذ تكون من افراده و مصاديقه.
نعم يمكن الاشكال عليه بوجه آخر و هو ان نقول: انه ما المراد من الإنشاء المأخوذ في تعريف البيع في المعاطاة فإن كان المراد منه المقاولة بين المتعاطيين من السؤال و الجواب عن القيمة و مقدار المبيع من حيث الوزن أو الكيل أو غير ذلك، مما هو متعارف حين المعاملة إظهاره و اعلامه، ففيه- مع انها ليست بإنشاء بلا اشكال تكون المعاطاة حينئذ بيعا بالصيغة و يكون هذا تعميما لصيغة البيع في انه قد تحصل بلفظ بعت و أمثاله، و قد تحصل بالمقاولة- لا بيعا بالافعال كما هو المختار.
و ان كان المراد منه هو إعطاء المبيع و أخذ الثمن مثلا، ففيه انه ليس بإنشاء أصلا بل هو إيفاء للمقاولة الواقعة فيما بينهما، و ان حالهما حال الإعطاء و الأخذ في البيع بالصيغة (1)
1) قد اشترنا الى ما هو الحق عندنا: من ان الأسباب الفعلية كالأسباب القولية و ان الفعل يقوم مقام القول إذا كان صريحا عند العرف في ما يفيده القول، فاذا كان الموضوع للأثر امرا إنشائيا، يكفي فيه اى سبب عرفي من القول و الفعل، فاشارة الأخرس إلى المفارقة عن زوجتها، كإلقاء القناع على رأسها. يقومان مقام «أنت طالق» إذا كان سببا عرفيا و لعله الى ذلك ينظر ما نقل عن أبي حنيفة من ان البيع ينعقد بما يرونه العرف بيعا و ما افاده شيخنا من ان حال الإعطاء و الأخذ في المعاطاة حالهما في البيع، بالصيغة، غير تام، لجريان المعاطاة، في الموارد التي لا توجد هناك المقاولة كما إذا كانت القيمة و سائر الخصوصيات معلومة، بحيث، لا يصدر من البائع و المشترى إلا الأخذ و الإعطاء فلا يكون حال الإعطاء و الأخذ، فيه حالهما في البيع بالصيغة، لكونهما فيه وفاء بالمقاولة دون المقام لعدمها بتاتا. و بهذا يستكشف تغاير حالهما في المعاطاة و البيع بالصيغة في عامة الموارد بل يمكن ان يقال: ان المعاطاة، بيع أصيل، و البيع بالصيغة متفرع عليه و المجتمع الإنساني في بدء امره كان يبيع و يشترى بالمعاطاة ثمَّ إذا بلغ إلى مرتبة من الحضارة، أخذ يدون القانون، فجعل اللفظ و الكتابة مكان المعاطاة، خصوصا فيما إذا لم يمكن حمل المبيع فاحتل البيع باللفظ و الكتابة مكان البيع بالمعاطاة- المؤلف
و منها: صدق تعريفه على الشراء على مستأجر العين بالعين فإن المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع، و المستأجر بقبوله الإجارة يملك ماله من العين على الموجر بعوض المستأجر به.
و أجاب قدس سره عن كليهما بأن التمليك فيهما ضمني و انما حقيقته التملك بعوض.
و منها: انتقاض طرده بالصلح على العين بمال.
و أجاب عنه بما حاصله: ان الصلح ليس عين البيع بل معناه الأصلي التسالم، و هو قد يفيد فائدة البيع إذا تعلق بالعين، و قد يفيد
فائدة الإجارة، و قد يفيد فائدة العارية، و قد يفيد الانتقال و الاسقاط و الإبراء إذا تعلق بالحقوق، و قد يفيد تقرير أمر بين المتصالحين كما في قول احد الشريكين لصاحبه صالحتك على ان يكون الربح لك و الخسران عليك فإنه يفيد مجرد التقرير.
و لو كانت عين تلك المعاني الخمسة حقيقة لزم كونه مشتركا لفظيا و هو واضح البطلان فيكون مفهومه معنى آخر و هو التسالم كما مر لكن يفيد في كل موضع فائدة من الفوائد المذكورة حسب ما يقتضيه متعلقه.
فالصلح على العين بعوض تسالم عليه و هو يتضمن التمليك، لا ان معناه هو عين إنشاء تمليك في خصوص المورد.
و لا يخفى ما فيه، اما أولا لأنا لا نسلم ان معناه التسالم الذي هو الجامع بين الموارد المذكورة، كي يفيد في كل موضع فائدة على حسب اقتضاه متعلقة، بل التحقيق انه أصل مستقل كما اتفق عليه كل الفقهاء و ان نسب الخلاف الى الشيخ في المبسوط، الا ان هذه النسبة اشتباه ناش من الاقتصار بأول كلامه من دون النظر إلى سائر عبائره فيه و الا فقد اعترف رحمه اللّه بكونه أصلا مستقلا في موردين، فراجع (1)و اما ثانيا، فلانه لو كان بمعنى التسالم، لصح ان يستعمل «سالمت» مكان «صالحت» و ليس كذلك بالاتفاق.
و اما ثالثا، فلان التسالم لو كان بمعنى الصلح لصلح تعديته بعن
1) راجع المبسوط ج 2 ص 288- 289 قال: فاذا ثبت هذا فالصلح ليس بأصل في نفسه. و قال في موضع آخر و يقوى في نفسي ان يكون هذا الصلح أصلا قائما بنفسه. فراجع
أيضا، و الحال انه لا يتعدى بها و هو واضح لمن كان له انس بعلم اللغة و محاورات العرب.
و الحق ان معنى الصلح كما في اللغة و العرف هو رفع الخصومة و التوفيق بين الطرفين سواء كان بينهما خصومة فعلية أم خصومة مترقبة أم لا يكون بينهما خصومة أصلا، إذ ليس ذلك مبتنيا على ملاحظة الخصومة و لو مترقبة كما عليه العامة، بل يستعمل في الصفح و الاعراض و رفع اليد و أمثال ذلك، و لذا يتعدى الى المفعول الأول بعن و الى الثاني بالباء.
ثمَّ إذا تعلق الصلح بالعين بأن يقال صالحت دارى هذه بعوض مثل مائة دينار، يكون هذا الصلح عين البيع من غير فرق بينهما أصلا كما هو الحال في المصالحات الواقعة في الأسواق على ما رأيناه فإن كل من المتصالحين لا يريد من صلحه إلا إعطاء ما عنده و أخذ ما عند الأخر أو بالعكس. فحينئذ يكون تلك المعاملة إما بيعا فاسدا إذا فرض الجهالة في البين في العوضين أو لا يكون بيعا كما لا يكون غيره لعدم تعلق الإرادة به و هو واضح.
و حينئذ يعتبر في صحته و لزومه ما يعتبر في البيع من الشرائط من عدم الجهالة في الموضعين و القبض في المجلس في مصالحة النقدين و غيرهما من الخيار فيه و غيره، بناء على ان البيع يحصل بكل لفظ دال عليه و لو كان دلالته بذكر قيود مخصوصة عليه من دون ان يكون مخصوصا بلفظ دون لفظ آخر و بصيغة دون صيغة أخرى كما يشير الى ذلك عبائر الفقهاء رحمهم اللّه من دون تخصيصهم ذلك بلفظ مخصوص أو صيغة مخصوصة.
و ان من قيده بصيغة مخصوصة عند تعريفه كجامع المقاصد
فمراده منه أيضا كل ما يدل على البيع و لو كان بواسطة ذكر قيود مخصوصة عليه كما مر، لا ان مراده خصوص لفظ «بعت» كما لا يخفى و مما يدل على انه لا يلزم في البيع ان يكون له لفظ صريح فيه، بل كما يحصل به، كذلك يحصل بغيره لكن بشرط ان يكون مؤداه كاشفا عنه و لو بواسطة ذكر لوازمه و قيوده، تحير الأصحاب و اختلافهم في موارد في أنها هل هي بيع أولا.
منها تقبل احد الشريكين حصة نفسه من الثمار على الأشجار بخمسة وزنات مثلا من الأخر.
و منها رجل اشترى متاعا بثمن و قال له رجل آخر: شركني فيما اشتريت من المتاع بنصف قيمته المأخوذة.
و منها قوله: لك ما عندك ولى ما عندي.
فإن تحيرهم فيها في كونها بيعا أو غيره من سائر العناوين، يدل على ان البيع في صحته و تحققه ليس لا بد ان يكون بلفظ خاص دون آخر، و الا فلا يكون لدعوى البيعية فيها مجال، بناء على الاختصاص لعدم وجود لفظ مخصوص فيها للبيع، بل اللازم حينئذ اتفاقهم طرا على إنكار البيعية فيها من أصله.
فحينئذ لما ثبت تلك المقدمة من عدم اختصاص البيع في صحته و لزومه بلفظ خاص، بل يتحقق بلفظ عام كما عليه الشيخ رحمه اللّه في آخر المعاطاة و المفروض تعلقه على عين في مقابل العوض يكون هذا القسم من الصلح بيعا و يعتبر فيه ما يعتبر فيه مما ذكر كما مر، من دون فرق بينهما فيكون مفهومه في خصوص هذا المورد مبادلة مال بمال، أو مبادلة عين بعوض.
و من هنا ظهر ما في قول الشيخ قدس سره: «و من هنا لم يكن طلبه من الخصم إقرارا بخلاف طلب التمليك» من الإشكال.
إذ عدم كون طلب الصلح من الخصم إقرارا و كون طلب التمليك و البيع إقرارا ليس من جهة ان الصلح في المورد المذكور ليس بيعا كي يكون إقرارا في حقه، بل من جهة ان حقيقته و مفهومه عام كما مر من كونه عبارة عن الصفح و التوفيق و رفع اليد و غيرها من نظائرها، و ان اثر هذا المفهوم العام يختلف باعتبار متعلقه، تارة يكون مفيدا فائدة التمليك، و اخرى فائدة الإبراء، و ثالثة فائدة الإجارة و هكذا من موارده، و من المعلوم ان العام لا دلالة له على الخاص بوجه.
و اما إذا كان متعلقه هو العين في مقابل المال كما هو المفروض في المقام يكون بيعا و يكون طلبه إقرارا له بلا اشكال كما في طلب التمليك و البيع.
فبناء على ذلك يكون تعريفه منتقضا بمثل ذلك بناء على مختاره و ليس كذلك بناء على ما اخترناه كما لا يخفى.
نعم ان ما صرنا اليه من دعوى البيعية فيه في مورد خاص كما مر تفصيله ينافي ما اتفق عليه القوم و يباينه من انهم اتفقوا على ان الصلح أصل مستقل في نفسه في قبال سائر العناوين، و اتفقوا أيضا على ان الجهالة في العوضين غير مضرة في صحة المصالحة و انه ليس كالبيع في اشتراط التعيين فيهما و ان ذهب بعض الاعلام كالمحقق الأردبيلي قدس سره و بعض آخر الى اشتراط التعيين فيه أيضا، الا انه يمكن ان يقال فرارا عن مخالفتهم: الإنصاف أن التبادل الملحوظ في باب الصلح
انما هو واقع بين الفعلين حقيقة أي فعل المصالح و فعل المصالح له، لما علم سابقا من ان معنى الصلح لغة و عرفا و في جميع المورد التي وقعت في الكتاب المجيد، هو الصفح و التجاوز، اى تجاوز أحدهما عن فعله في مقابل تجاوز الأخر عن فعله و ان كان هذا التجاوز و الاعراض لا يتحقق خارجا إلا في ضمن المتصالح عنه و المتصالح به و تبادلهما فيه الا ان متعلق الصلح هو الفعل أولا و بالذات و بالأصالة، و ان صدق عليه التبادل ثانيا و بالعرض و بالتبع.
بخلاف التبادل في باب البيع، فإنه انما هو فيما بين العوضين بالأصالة.
و بهذا يظهر الفرق بين المقامين، الا ان هذا خلاف ما عليه ديدن العرف في مصالحاتهم كما في زماننا هذا، فانا نراهم لا يصالحون في مورد الا كان غرضهم من المصالحة دفع المصالح عنه و أخذ المصالح به فقط بالنسبة إلى المصالح، و دفع المصالح به و أخذ المصالح عنه بالنسبة إلى المصالح له، فهذا عين البيع فلاحظ.
و منها: انتقاضه بالهبة المعوضة، و المراد منها هنا ما اشترط فيها العوض كي يكون موردا للنقض نعم يكون ما إذا وهب الواهب هبة مطلقة من دون اشتراط العوض ثمَّ وهب الموهوب له بعد هبته شيئا بداعي العوض خارجا فان هذه الهبة المطلقة و ان كانت تصير هبة لازمة أيضا بالإجماع مثل ما اشترط فيه العوض، كما تعرض لها في الشرائع، لكنها لا تكون موردا للنقض، لأنها ليست على صورة المقابلة كما هي
كذلك في مورد النقض لما هو مقتضى الشرط.
و أجاب عنه الشيخ (1)بأنها ليست إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة، و الا لم يعقل تملك أحدهما لأحد العوضين من دون تملك الأخر للعوض الأخر، مع ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب، بل غاية الأمر أن للواهب رجوعا في الهبة لو لم يؤد المتهب عوضها.
و الحاصل أن مخالفة الشرط لا يوجب بطلان عقد الهبة و عدم انعقادها كي لا يحصل التملك من أول الأمر، بخلاف عدم دفع الثمن في البيع، فإنه موجب لعدم انعقاد العقد من أول الأمر فلا يحصل الملكية عند الإمساك عن دفع الثمن، و هذا بخلاف الإمساك عن دفع العوض في الهبة المعوضة، فإن إمساك الموهوب له يكون سببا لجواز الرجوع له كما مر، فيكون حال تلك الهبة المشروطة في صورة عدم الوفاء بشرطها مثل حال الهبة غير المشروطة.
مضافا الى أن الجهل بالموهوب لا يضر بصحة الهبة، بخلاف الجهل بأحد العوضين في البيع فإنه يضر.
و منها: انتقاضه بالقرض لصدق التعريف عليه من كونه إنشاء تمليك عين بمال.
لكن فيه كما أفاد الشيخ (2)أيضا، ان الغرض الأصلي من القرض ليس المعاوضة و المقابلة، بل هو تمليك على جهة الضمان بالمثل و القيمة،
لا معاوضة العين بالمال حقيقة.
و قال فيه أيضا: «و لذا لا يجرى فيه ربا المعاوضة و لا الغرر المنفي فيها و لا ذكر العوض و لا العلم به». (1)
توضيح ذلك انه لا يعتبر في تحقق الربا في القرض ما يعتبر في تحققه في المعاوضات الأخر من اعتبار كون العوضين من جنس واحد، و اعتبار كونهما من قبيل المكيل و الموزون، بل يحرم فيه الزيادة مطلقا و ان لم يكونا من جنس واحد هذا.
لكن في دلالة ذلك على عدم كونه معاوضة إشكال بل منع و ان كان أصل المدعى حقا ثابتا لوضوح أن القرض تمليك بالضمان لا بعوض، و بعبارة اخرى انه صفح و اعراض عن شخصية الشيء المقروض به دون ماليته، و لذا لو تعذر مثله أو تنزل قيمته حين أداء المديون عن قيمته الأصلية و عن مالية الأولية، يجب عليه مراعاة قيمته الأصلية و لا يكفي أداء قيمته الحالية الناقصة عما في ذمته من المالية السابقة.
وجه المنع يمكن ان تكون دائرة الرباء في بعض المعاملات أوسع من البعض الأخر كما، هو كذلك في الرباء القرضي و الرباء المعاوضي، فهو في الأول أوسع لما عرفت.
و انه يجوز الاقتراض مع الجهل بالمقدار و سائر الأوصاف و ان كان غررا، و انه لا يجب ذكر العوض و لا العلم به و لو كان من المعاوضات المعهودة المخصوصة المتعارفة وجب فيه ذكر العوضين و العلم بكليهما كما هو واضح.
1) المتاجر ص 80 طبع تبريز
تمت الرسالة بيد مؤلفها الفقير، محمد حسين السبحاني الخيابانى التبريزي في النجف الأشرف، في جوار الحضرة العلوية على ساحتها الصلاة و التحية و لكن حالت العوائق، بين شيخنا العلامة دام ظله، و ما كان يرومه من ادامة البحث حسب ما في متاجر الشيخ الأنصاري قدس اللّه سره، فلأجل ذلك نختم البحث في هذا المقام مصلين على نبيه و آله و آخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين.