تاریخ مدینه منوره

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: تاريخ المدينة المنورة / ابن فرحون، قاهره

نويسنده: ابن فرحون، عبد الله بن محمد

تاريخ وفات مؤلف: 769 ه. ق

محقق / مصحح: عمر، على

موضوع: جغرافياى شهرها

زبان: عربى

تعداد جلد: 1

ناشر: مكتبة الثقافة الدينية

مكان چاپ: قاهره

سال چاپ: 1427 ه. ق

اشارة

[مقدمة التحقيق]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مؤلف الكتاب هو: أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمريّ التونسي الأصل، المدني المولد و المنشأ(1).

قرأ القرآن على الشيخ أبي عبد اللّه القصري المقرئ و روى عنه.

و سمع الحديث بالمدينة على والده، و على أبي عبد اللّه محمد بن حريث البلنسي ثم السبتي، خطيب سبتة و فقيهها و غيرهما كثير.

و سمع بمكة من الشيخ: رضي الدين الطبري، و خرّج له الفقيه المحدّث شرف الدين بن بكر المصري- نزيل مكة- مشيخة كبيرة حافلة مشتملة على ذكر شيوخه و مروياته.

أخذ علم الفقه و العربية عن والده؛ و كان من كبار الأئمة الأعلام، و مصابيح الظلام، عالما بالفقه، و التفسير، و فقه الحديث و معانيه، و كان يقول:

لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه.

و كان بارعا في علم العربية، و تآليفه فيها شاهدة له بذلك، و لما لقيه الشيخ أثير الدين أبو حيّان شيخ عصره، و إمام وقته في العربية، و وقف على كلامه في إعراب بانت سعاد، قال: ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثل هذا الرجل، و استعظم علمه، و أثنى عليه، و كان ابن فرحون يقول: اشتغلت في علم العربية، و أنا ابن ثماني عشرة سنة.


1) هكذا ترجم له ابن أخيه البرهان إبراهيم بن علي في طبقات المالكية له.

و كذلك أثنى عليه المجد الفيروزابادي في كتابه المغانم المطابة 3/ 125، بقوله: و أول من رأيته، و وقع نظري عليه من أهل العلم بالحرم الشريف و ذلك في حوالي الخمسين و السبعمائة فشاهدت منه طود و قار، و عليم علم لا يهتدى إلى تيار مائه اختفار، و غزارة فضل للناس ...

و كانت مشاركته في أصول الدين مشاركة حسنة، و حدّث و درّس بالحرم النبوي و أفاد أكثر من خمسين سنة، و انفرد آخر عمره بعلو الإسناد، و لم يكن بالمدينة أعلى سندا منه، و إليه انتهت الرياسة بالمدينة المنورة.

و كان كهفا لأهل السّنّة، يذبّ عنهم، و يناضل الأمراء و الأشراف، و انتهى به ذلك إلى أن امتحن و رصد في السّحر في طريق الحرم؛ فطعن طعنة عظيمة أريد بها قتله، فصرف اللّه عنه شرّها، و عافاه منها.

و كان عليه مدار أمور الناس بالمدينة النبوية، و ناب في القضاء نحو أربع و عشرين سنة، و أمّ في المحراب النبوي بعض الصلوات، و دعي إلى أن يقوم بالخطابة و الإمامة نائبا فامتنع؛ إعظاما للمقام النبوي.

و كان كثير التلاوة ليلا و نهارا، خصوصا في آخر عمره، حتى إنه شوهد في أيام الموسم و الناس في أشد ما هم فيه من الاشتغال، و هو مشغول بورده في التلاوة، لا يقطعه عنه شي‌ء.

و كان يحيي غالبا الثلث الأخير من الليل بالصلاة و التلاوة مع حداثة سنه إلى أن ثقل بمرض الموت.

و كان مواظبا على الصلوات في الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة، و ما يفتح باب الحرم في السّحر إلا و هو على الباب، و حجّ نحو خمس و خمسين

حجة و لم يخرج من المدينة إلا إلى مكة المشرفة للحج إلى أن مات بالمدينة.

و كان ممن جمع اللّه تعالى له العلم و العمل، و الدنيا و الدين، فكان أعظم أهل المدينة يسارا، و أكثرهم عقارا، و أوسعهم جاها، و أنفذهم كلمة، و أعظمهم حرمة، و ألينهم عريكة، و أحسنهم بشاشة و بشرا، صبورا على الأذى، يجزي بالحسنة السيئة، و يسع الناس بخلقه، و يواسي الفقراء بمعروفه، و يصل أعداءه ببره، و يحفظ من مات منهم في ذريته. و بهمته و سياسته أزال اللّه تعالى أحكام الطائفة الإمامية من المدينة، فعزلت قضاتهم، و انكسرت شوكتهم، و خمدت نارهم، و ذلك أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست و أربعين و سبعمائة، سعى في عزل قضاتهم؛ فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم، و الإعراض عن حكّامهم.

فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السّنّة، و علوّ أمرهم، و كم له من حسنات في تمهيد إعزاز السّنّة، و إخماد البدعة!!

و له تآليف عديدة في أنواع شتى، ذكر كثيرا منها ابن أخيه البرهان بن علي في طبقات المالكية له.

و ترجم له السخاوي في التحفة اللطيفة 2/ 403 ترجمة حافلة.

و قد ظلّ ابن فرحون لفترات طويلة تجاوزت عصره من أبرز وجوه المدينة الفكرية لدى مؤرخي المدينة و غيرهم، و قد تجلى ذلك حين اعتمدت المؤلفات اللاحقة على كتاباته إلى حدّ بعيد.

فاستعان الفاسي (ت 832 ه) بكتابات ابن فرحون في كتابه: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين.

كما نقل عنه ابن حجر (ت 852 ه) في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.

كما أفاد منه السخاوي (ت 902 ه) في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، فنقل معظم مادته الخاصة بالمدنيين نقلا حرفيّا.

كذلك أفاد منه السمهودي 911 ه) في كتابه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى).

و كتاب (نصيحة المشاور في تسلية المجاور) الذي نقدم له اليوم عنوانه هكذا كما جاء في طرة المخطوطة التي اعتمدت عليها و لم ألتفت للعنوان الذي أثبت على غلاف طبعات الكتاب من قبل و هو: (نصيحة المشاور و تعزية المجاور).

و حينما شرعت في تحقيق هذا الكتاب رجعت إلى نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 6 ش‌تاريخ تمت كتابتها في شهر ذي القعدة سنه 1093 ه تقع في 151 ورقة، في كل صفحة 19 سطرا، و في حواشيها ما يشير إلى قراءتها و مقابلتها.

كما أني تخيرت مما طبع نسخة قريبة من الصحة: النسخة المطبوعة بدار المدينة المنورة سنة 1996، على الرغم مما بها من تصحيفات و تحريفات في بعض المواضع.

هذا و قد جعلت من منهجي في هذا الكتاب ألا أسرف في التعليق أو أستطرد في الشرح و التفسير إلا بالقدر الذي يعين على فهم النص و به تستقيم العبارات؛ محاولا أن يبدو الكتاب في أقرب صورة من نسخة المؤلف.

القاهرة في جمادي الآخرة 1426 ه

أغسطس 2005 م

د/ على عمر

[نماذج من صور المخطوط]

[مقدمة المولف]

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أذلّ بالعلم رقاب أهل الجهل، و كسر بصدمته كلّ بارد الشكل سخيف العقل، و جعل اليد العليا لمن اتبع هدي المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و شرّف و كرّم، أحمده على ما خوّل من النعم، و دفع من النقم، و أصلي على خير أنبيائه صلاة دائمة بدوامه، كفيلة بفضله و إنعامه، و بعد:

فإن اللّه تعالى رفع أهل العلم بما علّمهم، و شرّفهم بما وهبهم، من معرفة كتابه و سنّة نبيه صلى اللّه عليه و سلم، ثم عظّم لهم الأجر بما سلّط عليهم من جهلة الناس- نعوذ باللّه من الوسواس الخناس- تجدهم يحرصون على هضم جانب العلماء، و لو تمكّنوا لأبادوهم عن آخرهم بسعيهم عليهم و توقع هلكهم(1)، كلّ ذلك لأجل قيامهم عليهم بالحق عند خلافهم الشرع، و ما هذه إلا بليّة، و فتنة جاهلية، قدّرها اللّه تعالى على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.

قال عليّ- رضي اللّه عنه:

كل امرئ قدره ما كان يحسنه‌و للرجال على الأفعال أسماء

و ضد كل امرئ ما كان يجهله‌و الجاهلون لأهل العلم أعداء

في أبيات له- رضي اللّه عنه- هذا في زمانه، و لا شك أن زمانه خير من زماننا، و من زمان من قبلنا، لكن جهل زماننا مركّب من جهلين: يجهلون، و يجهلون أنهم يجهلون.


1) في المطبوع:( هلاكهم).

و لبعضهم(1):

إذا كنت لا تدري و لم تك بالذي‌تسائل ذا علم فيا ضيعة العمر!

و من أعظم الأشياء أنك جاهل‌و أنك لا تدري بأنك لا تدري

تراهم لباس الفضلاء يلبسون، و بالحدس و التخمين يفتون، و يقولون ما لا يفعلون، هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر: 9.

و اعلم- أرشدنا اللّه و إياك- أن من سعى على العلماء بجهل و عناد؛ ليخمل ذكرهم، و يسقط كلمتهم و أمرهم و نهيهم، فهو بلا شك إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، و يكفيه ذلك عند اللّه هوان.

و أما من ظنّ في نفسه أهلية الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر- و لم يره الناس لذلك أهلا- فلا يترك قوله أصلا، حتى يظهر حجته، و يبدي صفحته، فإمّا أعذر فنجا، و إما أسره الحق فارتدى، و ما أحقه بالتعزير و الهوان الشديد.

قال مالك(2)- رحمه اللّه: لا خير فيمن يرى نفسه بحالة لا يراه الناس لها أهلا.

و قال: ليس كلّ من أحب أن يجلس في المسجد للحديث و الفتيا جلس؛ بل حتى يشاور أهل الصلاح و الفضل، و علماء تشير إليه جهة المسجد، فإن رأوه أهلا لذلك جلس، و ما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني أهل لذلك(3).


1) ساقط من المطبوع.

2) ترتيب المدارك 1/ 141، الديباج المذهب 1/ 86.

3) ترتيب المدارك 2/ 142، و الديباج المذهب 1/ 86.

[كلام المولف حول وضع علامة فى المسجد لمكان العالم و المفتي و حجز الامكنة]

و لما بلغني عن بعض المتعصّبة من المتفقهة، و عن جماعة من أهل الشر متعددة، إنكارهم وضع حجر أو أحجار بالمسجد الشريف، وضعت علما على موضع حاكم، أو مفت، أو عالم و لم أر معه صوابا، و لا كان لفضوله يستحق جوابا، أردت أن أبدي ما عندي في ذلك.

و ما ذكره الرّواة عن الإمام مالك- رضي اللّه عنه- ليكون عدّة لأهل العلم إذا عوندوا، و حجة لهم إذا بوحثوا، و أضيف إلى ذلك شيئا من أحوال من كنت في زمانه من المشايخ الصلحاء، و الأكابر العلماء، و الخدّام الأرقاء، و أسمّي من حضرني اسمه، و شيئا من كراماته؛ ليحيا بها ذكره، و ينشر بها علمه، و ألحق بذلك أشياء حسنة من تاريخ من كان قبلنا من الثقات يرتاح إليها من سمع لها و لم يقف على صحة نقلها، فيجدها هنا و عسى أن يقف على ذلك منصف، فيتصف بأخلاقهم السّنية، و يتأدب بآدابهم العلية.

قال علماؤنا- رضي اللّه عنهم-: يستحب اتخاذ موضع من المسجد للقاضي و العالم و المفتي؛ حتى إليهم ينتهي المستفتي، و بذلك قال علماء الحنفية.

قال مؤلف (الاختيار في شرح المختار): و يجلس للقضاء جلوسا ظاهرا في المسجد؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كان يفصل بين الخصوم في المسجد، و كذا الخلفاء الراشدون من بعده، و دكّة علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- في مسجد الكوفة إلى الآن معروفة.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «إنما بنيت المساجد لذكر اللّه تعالى و للحكم»، و لئلا يشتبه على الغرباء مكانه، انتهى كلامه.

و نقل القاضي عياض- رحمه اللّه تعالى- عن ابن المنذر أن مالكا كان له

موضع في المسجد قال: و هو مكان عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- و هو المكان الذي كان يوضع فيه فراش النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا اعتكف، كذا قال الأويسي.

و نقل أهل السير: أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا اعتكف في رمضان طرح فراشه وراء أسطوانة التوبة، و روى الطبراني في معجمه عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- أن ذلك مما يلي القبلة يستند إليها.

و في كتاب (إقليد الإقليد المؤدّي إلى النظر السديد) من كلام الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن أحمد بن حمزة: إن اتخاذ العلماء المصاطب و المنابر جائز في المسجد للتعليم و التذكير، و هم أحق بها.

و مما رويته بسندي إلى الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن إسماعيل قال:

رأيت طنفسة كانت لعبد اللّه بن الحسن بن الحسين تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك، قال: فحبس عبد اللّه بن الحسن سنة أربعين و مائة، و بقيت الطّنفسة بعده أياما، ثم رفعت، ثم إن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنهم- أيام كان واليا على المدينة عام خمسين و مائة، عمل المرمر في جوانب المسجد حتى ألحقه بالسواري، فسأله أبو مودود عبد العزيز بن أبى سليمان أن يدع له مصلى فتركه.

قلت: و هذا كله يدل على أن التابعين فمن بعدهم كان لهم من المسجد أماكن يختصون بها، و يحافظون على بقائها برسمها؛ لتكون باسمهم؛ لفضلهم و علمهم.

و روينا بالسند الصحيح إلى ابن عمر- رضي اللّه عنهما- أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا اعتكف يطرح له و سادة، و يوضع له سرير من جريد فيه سعف يوضع له

فيما بين الأسطوانة التي و جاه القبر و بين القناديل، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يضطجع عليه.

قال أبو و جزة السعدي، و هو يذكر السرير، و يمتدح آل الزبير لقربهم منه محلّا:

و إذا غدا آل الزبير غدا الندى‌و إذا انتدوا فإليهم ما ينتدي

و إذا هموا راحوا فإنهم همواأهل السرير و أهل صدر المسجد

قال القرطبي في تفسير" المجادلة": القاعد في موضع من المسجد إذا قام لغيره، و كان قيامه في موضع مثل الأول يسمع فيه كلام الإمام لم يكره له ذلك، و إن كان أبعد من الإمام كره له ذلك؛ لأن فيه تفويت حظه من القرب، و إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكّر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم المأمور من المكان.

و روي أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه، قال: و على هذا من أرسل بساطا أو سجادة تبسط له في موضع من المسجد.

روى مسلم عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا قام أحدكم ...» و في حديث أبي عوانة: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه، فهو أحق به».

قال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه؛ لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أحرى و أولى، و قد قيل: إن ذلك أولى، و قد قيل: إن ذلك على الندب؛ لأنه موضع غير

متملّك، لكنه يختصّ به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه تملّك منفعته، إذ قد منع غيره من مزاحمته.

و قال في" الإقليد": و ما في جوامع مصر من ذلك مما لم ينكره أهل العلم، دليل على ذلك، فأما ما وضع منها لطلب الأجرة كالمعلمين، فلا يكونون أحق بها، بل ينبغي إزالتها، و كذلك إن وضع للعالم في الموضع حصير فهو أحق بذلك الموضع، و إن تأخر حتى سبقه غيره، و يراعى في ذلك حق من يقصد العلماء فيجدهم في مكانهم.

و في" الموطأ": أنه كانت طنفسة توضع لعقيل(1)بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- يوم الجمعة تحت الحائط الغربي فإذا غشيها الظل يخرج عمر- رضي اللّه عنه- فيخطب؛ و هذا يرسّخ ما تقدم.

قال الباجي- رحمه اللّه- في كلامه على حديث صفوان مع السارق لردائه:

قال ابن القاسم في" العتبية": فمن سرق من بسط المسجد التي توضع فيه في رمضان فإن كان عندها صاحبها قطع.

قلت: و هذا يدل على أن السلف كانوا يضعون البسط في المسجد في رمضان؛ ليحفظوا بها أماكن صلاتهم.

قال القاضي أبو بكر في قوله عليه الصلاة و السلام: «منى مناخ من سبق إليه برحله»، دليل على ما يفعله الصوفية اليوم من تقديم سجاجيدهم إلى المسجد ليحفظوا أماكنهم للصلاة.


1) تحرف في المطبوع إلى:( لعليّ) و صوابه في الموطأ ص 17، الذي ينقل عنه المصنف.

و عن مالك- رحمه اللّه- أنه كان يقول: إذا ارتسم موضع من المسجد برجل فهو أحق به، و على هذا أكثر العلماء.

قال صاحب" الإقليد": و مما يدل على ذلك العامود المخلّق الآن في المسجد النبوي، و عنده كان جلوس النبي صلى اللّه عليه و سلم، و من كان له موضع من المسجد معلوم يجوز أن يخرق الصفوف إليه إذا تأخر.

و نقل القاضي عياض في" المدارك" أن سحنون إمام المالكية في زمانه لما ولي القضاء، و كثر عليه الناس، أمر ببناء بيت في المسجد لنفسه يحكم فيه، فكان لا يحضر عنده إلا الخصمين، و من يشهد بينهما.

و قال في" الإكمال" عند قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إذا قام أحدكم من المسجد، ثم رجع إليه فهو أحق به إذا قام لحاجة»: اختلف في معناه.

فقال محمد بن مسلمة: يحمل الحديث على مجلس العالم إذا قام لحاجته، فهو أحق به، و اختلف فيمن رسم من العلماء و القراء موضعا من المسجد للتدريس و الفتيا.

فحكي عن مالك- رحمة اللّه عليه-: أنه أحق به إذا عرف به.

قلت: و ما يقوي ذلك ما كان في زمانه صلى اللّه عليه و سلم، من أمر الصّفّة و أهلها، و اختصاصهم بها، و كانت في أواخر المسجد.

و مما يرسخ هذا وضع أزواجه صلى اللّه عليه و سلم- رضي اللّه عنهن- أخبيتهن بالمسجد حين أردن الاعتكاف، و لم ينكر عليهن صلى اللّه عليه و سلم وضعها، و إنما خشي عليهن الغيرة التي بينهن من الحرص على القرب منه، فلا تسلم لهن نية الاعتكاف.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «البرّ ترون بهن» فمنعهن جميعهن.

و مما امتاز به العلماء ما نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي عن ابن حبيب قال:

و أرخص مالك- رحمة اللّه عليه- للعالم إذا كان مجلسه في مؤخر المسجد- أو وسطه- أن يصلي في موضعه مع أصحابه و إن تقدمتهم الصفوف.

قلت: و إنما قال ذلك مع قوله صلى اللّه عليه و سلم: «خير صفوف الرجال أولها و شرها آخرها»؛ لأنه إذا تقدم عن الجماعة و تركهم لم يسهل عليه تخليفهم، و إن ذهب هو و هم إلى الصف المتقدم قبل الصلاة انقطع اشتغالهم، و إن اشتغلوا فيه شوشوا على المصلين، و إن تقدموا بعد إقامة الصلاة كان سعيهم من آخر المسجد إلى أوله عمل و الإمام يصلي، و ربما فاتتهم الركعة الأولى، فأرخص لهم في ذلك.

و مما تترشح به مسألتنا ما ورد في صحيح البخاري في حديث الوليدة التي اتهمت بالوشاح: فقالت عائشة- رضي اللّه عنها: كان لها خباء في المسجد، أو حفش، و هو البيت الصغير.

و في البخاري أنه عليه الصلاة و السلام ضرب لسعد خيمة في المسجد حين أصيب يوم الخندق في أكحله؛ ليعوده من قرب.

و من ذلك أيضا بناء المقصورة في أيام عبد الملك، و المتولي على عمارتها عمر ابن عبد العزيز، فاقتطع لها قطعة من قبلة المسجد لما أراد حفظ والي المدينة من الغيلة.

و قد ذكر ابن رشد في" البيان و التحصيل" أن مروان بن الحكم فعل معه كما فعل مع عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- فأراد اليماني قتله في صلاة

الصبح، فأمر بمقصورة يصلي فيها و يتحصن بها، فلما دعت الضرورة إلى قطع جانب المسجد جاز ذلك للحاجة إليه، ثم لم تزل حتى احترقت بحريق المسجد في ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع و خمسين و ستمائة، و منها بقيت أثرا إلى الآن.

و من ذلك بناء القبة التي في صحن المسجد الشريف، عمّرها الإمام الناصر لدين(1)اللّه لحفظ حواصل الحرم، و المصحف الكريم العثماني و عدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت بعد الثلاثمائة، و كانت عمارتها سنة ست و سبعين و خمسمائة، و جميع ما فيها سالم إلى اليوم، و قد سلمت من الحريق ببركة المصحف الكريم، و لكونها متوسطة في المسجد، و من ذلك الدكة الخشب التي يبلغ عليها المؤذنون خلف الإمام.

و مما يشيد بناء هذه المسألة و يقوي أركانها، إباحة العلماء المالكيين التعزير في المسجد الشريف، و إنما ذلك تيسير للحكام لئلا يتكلفوا الخروج عند إقامة الحدود، مع العلم بما يجب للمسجد من التنزيه عما هو أقل من هذا، مثل رفع الصوت بالعلم، بل أدنى من ذلك، حتى قيل: لا توقد فيه النار، لكنهم راعوا المصلحة العامة، و رأوا أن المسجد بني للشرع و أهله، و لم يبن لغيره.

ثم يرجع الكلام مع هذا الذي تصدى للإنكار و الإفتاء، هلا أنكر (عليه(2)غير مجلس الحكام من مجالس لغيره نصبت، و متكآت خصصت، و بالفضة بيّضت، و دكاك عند الأبواب، و مواضع من المسجد محجزة، و خلوات مبتدعة؟


1) وفاء الوفا 3/ 301

2) ساقط من المطبوع.

لو تكلم في جميعها لساعده الخلق، و شكره الحق، بل تكلم بالهوى، و من اتبع هواه فقد غوى. ثم إنه لم ينكر الحجر المرآة الذي عن قريب وضع، و أثبت في الحائط من داخل المسجد و جصص، و هو من البدع المنكرة، يستدعي شرورا متعددة، و منكرات متجددة، و لا يسع ذكرها هنا لكثرة تعدادها.

ثم هذا الحجر الذي وقع فيه الكلام، وضعه متقدم، وضع في. زمن غير هذا الزمن، فإن خفي عليه ذلك، فليسأل عن ذلك من سبقه من أهل ذلك الزمان الذي هو خير الزمنين، و أعدل القرنين، و إنما غيّر اسمه، و رفع علمه، لما ذهب أهله، و من كان يجلس عنده، و يستند إليه، مثل القاضي سراج الدين و مثل الشيخ عبد العزيز الجبرتي الذي كان للقرآن تاليا، كان يجلس إليه إذا دخل المسجد سحرا فيرفع صوته بالقراءة بحسن نية و أداء حسن عن روية.

و إنما العلة في هذا المنكر غمة من العلم و أهله، و ما وهبوا من بذله و نشره، و رأى أن رفع أهل العلم عيب فيه، و علم على كونه ليس من أهله، و في مثل هذا أنشد بعضهم:

إذا محاسني اللاتي أدلّ بهاصارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر

[كلام المولف حول المنارتين الشماليتين]

و ما أحق شي‌ء بالإزالة ما أحدث بالمنارتين الشماليتين، قدم باباهما على بابيهما الأصليين، و جعل ما بين البابين في كل منارة خلوة اقتطع بها جانب من المسجد كبير، لا شك في تحريمه و وجوب تغييره، و قد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة، عملت وقاية من الشمس إذا غربت، فكانت بدعة و ضلالة يصلي فيها الإمامية من الشيعة؛ لأنها قطعت الصفوف، و اتسمت بمن ذكر من الصنوف، فغلبت المفسدة بها، و ندم على ذلك من وضعها.

و لقد كنت أسمع الشريف عزازا(1)يقف على بابها، و يؤذن بأعلى صوته من غير خوف و لا فزع(2)حي على خير عمل(3)و كانت مواطن تدريسهم و خلوة علمائهم، حتى قيّض اللّه لها من سعى فيها، فأصبحت ليلة مخلّعة أبوابها، معوجة أخشابها، متصلة صفوفها، و أدخل بعضها في الحجرة الشريفة، و جعل فيها الباب الشامي، و كان في ذلك مع زيادة الرواقين اللّذين(4)زادهما الملك الناصر جملة مصالح و دفع مفاسد، فلذلك سكت أهل العلم، و لم يعدوا ذلك من تحجير المسجد و تضييقه.

[كلام المولف حول السقاية التي كانت فى وسط المسجد]

و لقد كان في وسط المسجد سقاية يحمل إليها الماء من العين، بناها شيخ الخدام في ذلك الوقت، و أوقف عليها أوقافا من ماله، و كانت متقدمة على النخل، تقديرها خمسة عشر ذراعا في مثلها، و جعل في وسطها مصرفا للماء مرخّما، و نصب فيها مواجير للماء و أزيارا، و دوارق و أكوابا، حجرها بالخشب و الجريد، و جعل لها علقا من حديد، و استمرت السنين العديدة، فكثر الشر فيها و التزاحم عندها، و صار يدخلها من يتوضأ فيها، و ربما يزيل عنه فيها الأذى من استقرب المدى.

ثم تعدى الحال في شرها إلى أن تضورب عليها بالسلاح، و طلب الخدام شريفا أساء على أهل الحرم، فسل سيفه على الناس، و غلقت الأبواب، و احتمى بالسكين حتى جاءت رسل الأمير فأخرجوه، و ذلك كله بسبب السقاية و من فيها.


1) تحرف في المطبوع إلى:( عزاز).

2) تحرف في المطبوع إلى:( و لا فشل) و صوابه لدى السخاوي في التحفة اللطيفة 3/ 187 و هو ينقل عن ابن فرحون.

3) التحفة اللطيفة 3/ 187.

4) تحرف في المطبوع إلى:( الّذين).

فلما غلبت مفسدتها على مصلحتها، أزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي و الشيخ ظهير الدين، فانظر هذا التحجير الكثير في وسط المسجد كيف اغتفر للمصلحة حتى كثرت المفسدة، و تعدت فأزيلت.

[كلام المولف على البدع التي احدثتها الإمامية حول الحجرة الشريفة]

و مما أدركت من البدع التي أراح اللّه منها، ما كان يفعله الشرفاء من آل سنان و غيرهم، كانوا إذا أظل الحاج يسارعون إلى الحجرة بصناديق و كراسي ينصبونها حول الحجرة الكريمة يتخذونها مقامات، يجلسون عليها للتزوير عند الصندوق الذي يقابل رأس النبي صلى اللّه عليه و سلم واحد، و عند المسمار الذي في الرخام اليوم واحد، و عند أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- واحد، و عند بيت فاطمة- رضي اللّه عنها- واحد، و عند المحراب الذي في الحجرة واحد، لا يقدر أحد أن يشاركهم في مناصبهم، و لا ينفصل عنهم الزائر إلا بشي‌ء، و إن كان معه شمع أو ماء ورد، أو هدية أو نذر، فهم الآخذون له يجعلونه في صناديقهم بدعا مقرونة بجاه الولاة من الشرفاء.

لم يزل كذلك حتى قويت السّنّة و أهلها، و اتفقت الجماعة كلها على قاضيها و شيخها، فزال ذلك ببركة نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و إنما ذلك بسبب اجتماع الكلمة، و حسن النية، وفّقنا اللّه لما يرضيه، و رضّانا بما يقضيه، و زال ببركة الاجتماع أشياء كثيرة من هذه الأنواع.

منها:

أني أدركت قرّاء الإمامية و أئمتها إذا دخل شهر رمضان أخذوا من القبة شمعا و شمعدانات على عددهم ينصبونها بعد صلاة العشاء الآخرة في مجالسهم، و يدعون في كتبهم، و يرفعون أصواتهم حول الروضة و الناس في الصلاة لا يعلمون صلاتهم من رفع أصواتهم و لا يسمعون قراءة إمامهم؛ لكثرة

قرّائهم و يجتمع عليهم من الناس خلق كثير، و يتخللون تلك الأدعية بسجدات لهم مؤقتة، و لم يزالوا كذلك إلى أن اجتمعت الكلمة، و ظهر الحق؛ فمنعوا من ذلك إلا في بيوتهم و مجالسهم، فانحسمت المادة، و زالت تلك العادة.

و لقد أدركت جماعة من المجاورين و الخدام لا يقرءون كتبهم، و لا يسمعون حديث نبيهم إلا خفية، حتى قدم الصاحب ابن حنا- رحمه اللّه تعالى-، و أقام بالمدينة فكثّر من قراءة المواعيد، و قام على آل سنان و القياشين، فهابوا مكانه من السلطان، و أذعنوا و استعملوا التقية حتى رجعوا فيما زعموا كلهم سنّة.

[كلام المولف على صلاة الرغائب و إنكاره لها]

و كان يأتيه من الينبع قوافل بالدقيق و القمح و الأرز، و أنواع الحبوب، فيعطي منه الخدام و المجاورين، و يمد رؤساء الإماميين و كبار الشرفاء المقيمين، حتى أشهدوا على أنفسهم أنهم سنّة، و لا يحكمون بأحكام البدعة، و كان الحكام منهم و الفقهاء منهم، و لم يزالوا كذلك حتى سافر الصاحب عنهم؛ فرجعوا إلى حالهم، و لكن بعد هضم جانبهم و كسر شوكتهم، فاستمرت المواعيد و القراءات و الاستماعات و السماعات، و ذهب ببركة إقامته كثير من البدع المؤسسة في المسجد الشريف، منها: صلاة الرغائب التي روي أنها تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب.

أدركت القاضي سراج الدين الآتي ذكره يصليها في جماعة في الروضة المشرفة، بلا تكبير، و لا معارض، و سنده في ذلك ما رواه فيها و أخذ به كثير من الصوفية، و قد نصّ العلماء على أنها من البدع و إن كانت من فضائل الأعمال المسندة لحديث ضعيف، لكنه عارض العمل به بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام، و لا يومه بصيام» و رحمه اللّه و جزاه خيرا.

و في إقامته بالمدينة توفيت زوجته في شهر رجب، و هي بنت الشيخ ابن أبي حمزة، و قيل: إنها ورثت سر الشيخ والدها نفعنا اللّه به، و حملت من المدينة إلى عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سيد الشهداء، و دفنت عند شهداء أحد- رضي اللّه عنهم- و قبرها معروف يزار للبركة- رحمها اللّه-.

و أما الصاحب زين الدين، فكانت وفاته بمصر سنة أربع و سبعمائة، و كان في الزمن الأول مقرئ الحرم و رئيسه: الشرف(1)الموصلي محمد بن سعيد، فبلغني أن شريفا سمع يوما ابن سعيد(2)يقرأ: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ (التوبة: 101.

فضربه برجله و قال: قم يا عدو اللّه، كم تكذب على اللّه! و خوفه بالقتل حتى دخل على بعض الشرفاء فأمنه منه، و توفي محمد بن سعيد بمصر سنة تسع و تسعين و ستمائة.

فنحن اليوم في عافية و نعم من اللّه متتالية، ببركة هذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم، لو سلمنا من البغضاء التي يتحملها بعضنا في بعض، أزالها اللّه بالاجتماع و الموافقة على الكلمة السنية، و الشريعة العلية.

و إنما ذكرت هذه البدع- و إن لم تكن مقصودنا استرسالا عند ذكر ما ابتدع لمصلحة- ليعلم أن الحق يدوم بدوام الباعث عليه، و يزول بزواله، و لو طال زمانه و كثر أتباعه، و يعلم أن للاجتماع أثرا، و للتفريق أشرا، و لقد كان الأولى بالناس اليوم إنكار البدع المتعلقة بالصلاة التي هي عماد الدين.


1) تحرف في المطبوع إلى:( الشريف).

2) تحرف في المطبوع إلى:( أن سعيدا يقرأ) و انظر لذلك التحفة اللطيفة 3/ 476.

[كلام المولف حول ما أحدث من تقطيع الصفوف و تقديم من هو أهل للتقديم]

فمن ذلك:

ما أحدث في الصفوف من التقطيع، و تقديم من هو أهل للتأخير، و تأخير من هو أهل للتقديم، و تأديب من صلى وحده مع القدرة على الدخول في الصف.

قال ابن حبيب (من علمائنا): أدركت بالمدينة رجالا موكّلين بالصفوف، فإذا رأوا رجلا يصلي خلف الصف وحده و في الصف له مدخل، تركوه حتى يفرغ من صلاته، ثم ذهبوا به إلى الحبس، و مذهب أحمد بن حنبل بطلان الصلاة، و لقد رأيت عن يمين الإمام و شماله أهل الصناعات الدنية، كالدباغ و الحداد و الجزار، و من اشتهر منهم بقلة الدين، و ذلك يتكرر منهم كثيرا، و يليه أيضا من جهة الفقراء من لا يفهم صلاته، و لا يعقل ما وجب عليه منها و فيها، و يترك الفقهاء و القراء في أطراف الصفوف، و خلف تلك الجلوف.

و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «ليليني منكم أولو الأحلام و النهى».

قال القاضي أبو بكر بن العربي: ينبغي أن لا يصلي خلف الإمام إلا من يصلح للاستخلاف، لما يتوقع من حاجة الإمام إلى من يستخلفه، أو يرد عليه، أو يصلح صلاته.

قال: و لو سبقه من ليس هو كذلك أقيل، و قدم إلى الإمام من هو أحق.

و أغرب من هذا كله أنه يأتي عاميّ أو جاهل إلى مكان عالم أو فقيه له يصلي فيه نحو العشرين سنة- أو أكثر منها- فيجلس فيه، فإذا قيل له: هذا موضع فلان، يقول: ليس في المسجد موضع لأحد، و أنا و هو في ذلك سواء، أين هذا المتعرض للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من هذه المنكرات الخفيات؟!

[كلام المولف حول ما يقع عند فتح أبواب الحرم الشريف في السحر]

و من ذلك ما يقع عند فتح أبواب الحرم الشريف في السّحر لصلاة الصبح من الزحمة و الجري العظيم، و قلة الأدب في تلك الحضرة الشريفة، و في ذلك الوقت المبارك، و المضاربة و المشاتمة حتى إنهم ليقتل بعضهم بعضا من شدة الخنق، و لقد أراد تكروريّان أن يقتتلا بالسكاكين في الروضة لأجل ذلك، و هذه المصيبة العظيمة تدفع بأيسر شي‌ء، و هو لو كان قومة المسجد و أصحاب النوبة يفتحون للأول فالأول من الناس، ما حصل هذا البلاء العظيم و لكنهم يتركون الناس على الأبواب حتى تضيق أنفسهم، فيدخلون دفعة واحدة يحطم بعضهم بعضا، و إثم ذلك على من منعهم، وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (البقرة: 114.

[كلام المولف حول السجاجيد التي تؤبد في المسجد]

و من ذلك السجاجيد التي يؤبدونها في المسجد ليلا و نهارا، و لقد كنت أعرف خداما موكلين بالسجاجيد كريحان الموصلي، إذا وضع أحد سجادته- و ما كان أهلا لذلك- أخذوها و رموها، و متى غلبوا عليهم و كثروا، جمعوا السجاجيد و أخفوها حتى يحترق عليها صاحبها؛ فيردونها عليه و يتوبونه، و لقد أحرقت مرة على باب النساء، و ما زالوا على سائر الأزمان يهتبلون بذلك اهتبالا عظيما، فإنا للّه و إنا إليه راجعون!!

قال الشيخ أبو عبد اللّه القصري- رحمه اللّه-: رأيت في المنام كأن نارا استعرت في الروضة و هي تعمل في السجاجيد، و أنا أصيح: و اللّه يا رب ما سجادتي من تلك السجاجيد!! و كان يحكي هذه الرؤيا في الميعاد، و كان- رضي اللّه عنه- يقول: إذا جئت إلى الروضة و لم أجد لي فيها مدخلا فرحت و سررت لما أرى من الحرص على الخير، و كان- رحمه اللّه- يقصد طرف الصف من جهة المنبر حتى يرفع البساط، و يصلي على الرمل.

[كلام المولف حول علو الرمل في الروضة الشريفة]

و من ذلك: علو الرمل في الروضة، و وضع بعضه على بعض، و لقد كنت دائما أرى الشيوخ من أهل الخير ينفضون الرمل من الروضة ينسفونها نسفا بالمساحي حتى يعلو ما حول المحراب من الرخام محافظة على قرب مقام المأموم من الإمام في العلو، و بالغوا مرة في الحفر، فوجدوا يدا مقطوعة مكفنة مدفونة في الروضة، كأنها قطعت ظلما، فأراد من هي منه أن تكون بحضرة النبي صلى اللّه عليه و سلم، جهلا منه و قلة يقين باللّه، فإن اللّه تعالى يعلم من ظلم فيكافيه، و من ظلم فيجازيه، و مرة وجدوا إصبعا مدفونة تحت الشباك.

و ما زال العلماء و الأئمة يتحرجون من كون الحضرة منخفضة انخفاضها اليوم، فمن قائل بالكراهة، و من قائل بالمنع، و قد اعتبرتها اليوم بالذراع فوجدتها ذراعا بالرمل و البساط الذي علا عليها، و على ترخيمها، و في المذهب قولان في صحة صلاة الإمام و المأموم، و على هذا يجب القول بالمنع، و أما في أيام القاضي سراج الدين فمن بعده إلى أيام شرف الدين، فإنهم كانوا يرفعون مقام الإمام بشي‌ء من الرمل حتى تزول الكراهة و المنع.

و لما قام في ذلك شرف الدين الأميوطي- رحمه اللّه-، و أراد إزالة الخشب و ما حوله و طمس المقام أو رفعه، قام في وجهه الخدام و كرهوا أن يتغير مقام النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و استعانوا على القاضي بالأشراف، فكفّ و انتقل عن المحراب، و صار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود، و لزمها إلى أن مات- رحمه اللّه.

ثم إن الخدام رفعوا الرمل الذي كان يرتفع به المقام فنزل بزواله، ثم جعلوا الرمل على الترخيم الذي حول المحراب، فارتفع مقام المأموم و انخفض مقام الإمام و اتضع، و صار من الفقهاء من يدفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه صلى اللّه عليه و سلم و موقع قدميه، و يقول: في هذا من الفضل ما يوازي لي ما في ذلك

من النقصان، و هذه و اللّه أعلم، نزعة صوفية لا علمية و لا عملية، كذلك كل من رأيته بحث في هذه المسألة لا يصوب الانخفاض إلا لمعنى ليس من الشريعة، و ما أقرب قولهم إلى قلوب العامة و ضعفة الفقهاء، و أسرعه إليها!!

إذ يقال: ما يدنيني من محل كان الرسول صلى اللّه عليه و سلم يصلي فيه و يجلس عليه، و يمس جبهته و يديه أحق بأن أمرغ وجهي عليه، و أملأ محاجري من تراب قدميه، و هذا حق و كلنا نقول به و نحبه، و لكن الخير كله في اتباع سنته، و ما أمر به، و ما حض عليه، و هو صلى اللّه عليه و سلم لم يكن موقفه من المأموم أخفض و لا أعلى، بل كان هو و أصحابه في الموقف سواء، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى، بل التمادي في المكروهات و البدع الموضوعات يعظمها و يصيرها كبائر، فمن قدر على التغيير و الإزالة فلم يفعل؛ يخاف عليه أن عمله لا يقبل، و أن اللّه تعالى عن ذلك منه يسأل، ثم إن القيام في ذلك صار جانبا عن هذه المعاني، بل داخله حفظ النفس و التعصب في صورة التعبد و التقرب- أعاذنا اللّه من حظوظ أنفسنا، و هدانا لما فيه صلاح ديننا، و ألف بين قلوبنا، برحمته و كرمه!!

[كلام المولف حول كتابة المصحف الشريف في قبلة المسجد و ما يترتب على ذلك]

ثم مع ما في المقام الشريف من الكراهة في الانخفاض أضف إليه كتابة القرآن العزيز في قبلة الإمام و المأموم، و لا خلاف بين الناس في كراهة هذا حتى قيل ببطلان صلاة من قرأه و اشتغل به مع التزويق العظيم و التذهيب الأنيق الذي يشغل المصلي، و لو كان بالولاية متحليا، ألا ترى كيف ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الخميصة لما خاف أن يشغله علمها في الصلاة؟ و قال: «ردوا هذه الخميصة على أبي الجهم، و ائتوني بأنبجانية أبي الجهم فإن علمها كاد يفتني في صلاتي».

و هذا إنما هو تعليم للأمة و تحذير لهم من أن يكون مثل هذا في الجملة من

السّنّة.

و انظر إلى فعل أبي طلحة- رضي اللّه عنه- لما كان يصلي في حائطه، فطار دبسي، فطفق يتردد يلتمس مخرجا، فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، و قال: يا رسول اللّه هو صدقة للّه فضعه حيث شئت.

و في" الموطأ"(1)أيضا: أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقفّ- واد من أودية المدينة- في زمان الثمر(2)، و النخيل قد ذللت، فهي مطوّقة بثمرها، فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى!! فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء عثمان بن عفان- و هو يومئذ خليفة- فذكر له ذلك.

و قال: هو صدقة فاجعله في سبيل الخير، فباعه عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه- بخمسين ألفا، فسمي ذلك المال: الخمسين.

و كم مثل هذا أثبتته السّنّة خوفا من مثل هذه البدعة.

[كلام المولف على تزويق المسجد و زخرفته]

قال أبو الحسن اللخمي في" التبصرة": قال مالك- رحمة اللّه عليه-: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، و أرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن صلاتهم و إن عظم ما كان


1) الموطأ( باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها) ص 75.

2) في المطبوع:( التمر) و المثبت من قراءة النص و مثله في الموطأ الذي ينقل عنه المصنف.

أنفق فيه.

قلت: و إنما زخرف المساجد من زخرفها لمعنى قصدوه، لا للزخرفة؛ لأن الوقت كان من الكفر و الجاهلية قريبا، فما كان يقوم للمسجد من التعظيم و التفخيم قبل ما صنع فيه ما يقوم له بعد ذلك، فأرادوا ذلك المعنى.

و مما يدل عليه: أن جامع بني أمية لما بني على هيئته اليوم بالفسيفساء و ولي عمر بن عبد العزيز، كره أن يكون المسجد على هيئة تشغل المصلي، فأمر بأن تستر القبلة و الجدار بالقباطي، ثم قدم الشام راهبان فسألا عن الكشف حتى ينظرا إليه، فأرسلا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يسألانه في ذلك، فإذن لهما، فلما رأياه استعظما ذلك، و دخل عندهما من ملك الإسلام رهبة و عظمة، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز.

فقال: أرى ما هناك يغيظهما و يكبتهما(1)، ارفعوا القباطي فرفعوها.

و أما ما يتأوله بعض الناس أن الزخرفة مأذون فيها من قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تقوم الساعة حتى تزخرف المساجد» فهو غلط بيّن؛ لأنه صلى اللّه عليه و سلم عد هذا من الأشياء التي تدل على فناء الدين و ذهاب من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.

فقال: «من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد كأنها البيع و الكنائس» و إنا للّه و إنا إليه راجعون!!

ذهب الرجال العاملون بعلمهم‌و المنكرون لكل أمر منكر

و بقيت في خلف يزين بعضهم‌بعضا ليدفع معور عن معور


1) في المطبوع:( يغيظهم و يكبتهم).

و ما أشين البدعة في مثل هذه الحضرة التي عرض على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم تزيينها و رفع جذوعها، فقال: «بل عريش كعريش أخي موسى».

أما ما فعل من ذلك لضرورة أو لعذر ما، فيكاد أن يغتفر منه شي‌ء ما وجد مبتدعه لبدعته عذرا إن خفف من ذلك قدرا، و إنما الميزان القويم، و القسطاس المستقيم، في اتباع هذا النبي الكريم، فالناس اليوم في جانب عن سنته و اتباع ملّته و طريقته، و ما أحق المجاورين له بالأدب معه، و السؤال عن أحواله و أقواله فيتبعونها، خصوصا قومة مسجده الشريف، و خدّامه، و يعلمون أن من خدمته صلى اللّه عليه و سلم تعظيم العلم و أهله و رفع منزلتهم و القيام بحقهم، و التغافل عن زللهم و الشفقة على ضعيفهم؛ لأن منزلتهم من النبي صلى اللّه عليه و سلم رفيعة، و نسبتهم إليه عظيمة، إذ جعلهم الوارثين له، و لا ميراث لهم إلا ما حملوه من سنته و شريعته.

و في الحديث أن أبا هريرة- رضي اللّه عنه- دخل السوق فقال لأهله:

أراكم ههنا و ميراث رسول اللّه يقسم في المسجد؟! فذهب الناس إلى المسجد و تركوا السوق فلم يروا شيئا، فقالوا: يا أبا هريرة: ما رأينا ميراثا يقسم، قال:

فما رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما يذكرون اللّه- عزّ و جلّ- و يقرءون القرآن، و ينشرون العلم، فقال: ذلك ميراث محمد صلى اللّه عليه و سلم.

فواجب إذن تعظيمهم و توقيرهم، و ما أحق من إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم انتمى بهذا المعنى؛ فإن سر المخدوم يسري إلى خادمه فيتأدب بآدابه، و يشكر اللّه تعالى إذ جعله على بابه و من حجابه، و أن أهله لنسبة الخدمة، و كفى بها من نسبة، فيقال: خادم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و يمثل نفسه الغوية بين يديه صلى اللّه عليه و سلم فيرضى لها من الأدب ما يعلم أنه يرضاه لو رآه، و أين القلب الصافي و العقل الوافي، الذي ينظر الأولياء بهما في هذه المعاني.

تنبيه‌

اشارة

حكى لي الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة جمال الدين محمد بن أحمد المطري أنه كان بالمدينة الشريفة رجل صالح عظيم القدر من أرباب القلوب يقال له: الزجّاج، و كان شيخا لجمال الدين و للشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن، و كانا بعد موت والديهما مؤذنين متآخيين في رئاسة الأذان، يتعاقبون في الوقت، قال لي: فكنا نجي‌ء إلى باب المسجد في السّحر للدخول لأجل الأذان، فنجد الشيخ قاعدا على الباب في ذكر و قراءة، قال فأدق الباب، فيقول لي صاحب النوبة: من هذا؟ فأقول له: محمد؛ فيفتح لي، ثم يجي‌ء صاحبي فيفعل معه مثل ذلك.

ثم كذلك لثالثنا و كان اسمه عبد الرحمن، من قرابة الشيخ محمد بن صالح نائب الإمامة و الخطابة. قال: فخلا الشيخ بي و قال لي: يا محمد، أنت تتصور ما أنا و أنت فيه كل ليلة؟ فقلت له: لا علم لي، فقال لي: صدقت، لو علمت لظهر عليك أثره، ثم قال لي: أحضر عقلك و انظر إلي كيف أبقى بعدك محجوبا عن الدخول، و أنت مأذون لك دوني، فتدخل و تجتمع بمحبوبك و تخلو به و تتلذذ بمناجاته، و أنا مطرود وراء الباب مبعود، يا بني هذا حال الآخرة، لا يفعل بك مثل ما هو اليوم يفعل بي، قال: فوجدت بذلك موعظة عظيمة كنت عنها غافلا.

فانظر إلى هذا الشيخ كيف نبه على هذا الكيف، و حال من انتمى إلى هذا المحل يجري هذا المجرى أليس هو صلى اللّه عليه و سلم يسمع من يسلم عليه؟

فإذا وقف أحدنا بين يديه كوقوف المملوك بين يدي المالك، و قد خالفه في أمره له و نهيه، و ارتكب من الأخلاق السيئة ما لا يرضى به، أليس جديرا بأن

يعرض عنه، و يغضب عليه، و يقول له بلسان الحال: أنت لا تصلح لقربي، و لا أن تكون في زمرتي، و لا أرضى أن تكون معي، بأي وجه تأتي إلي و أنت المسي‌ء إلى جيراني و أحبابي، و من هو منتم إلى سنتي؟

فما الجواب يا ضعيف الرأي، و قد أخرك عملك، و جنى عليك خلقك؟

و لا أقول هذا لغيري حتى أبدأ بنفسي، لهذا أمثال في شريعته صلى اللّه عليه و سلم تشهد لما ذكرته؛ قال علماؤنا- رحمهم اللّه: إذا أكرى رجل داره لرجل، فظهر منه دعارة، أو فسق، أو شرب خمر، أو سرقة، أو شبه ذلك مما يؤذي الجيران، فإن الحاكم يكف أذاه عن ربّ المنزل و عن الجيران، فإن كفّ و إلا أخرج منها و لزمه كراؤها، فإن جاء من يكتريها، و إلا تركت خالية و وزن كراؤها.

و كذلك لو كانت الدار ملكه، و ظهر منه شي‌ء من ذلك عاقبه الحاكم على ذلك، فإن لم ينته أخرجه منها و باعها عليه؛ ليستريح جيرانه من ضرره.

وفقنا اللّه للأدب في هذه الحضرة الشريفة، و رزقنا حسن جواره صلى اللّه عليه و سلم و شرفه و كرمه.

فاحذر أن يمحى اسمك من جيران المجاورين، و أن تحبط خدمتك لهذا النبيّ الكريم صلى اللّه عليه و سلم، و أن تنفى عن هذا المحل الأسنى إن لم يكن حسّا فبالمعنى، فيجب على كلّ من انتمى إلى هذا الجناب الكريم أن يتخلق بأخلاقه صلى اللّه عليه و سلم، و يعامل جيرانه بما يرضيه من احترام الكبير و الصغير، و الشفقة عليهم و العفو عن المسي‌ء.

[أخلاق النبى صلى الله عليه و آله و سلم]

فمن أخلاقه صلى اللّه عليه و سلم: الحلم، و الاحتمال، و العفو مع القدرة، و الصبر على ما يكره.

و لما كسرت رباعيته و شجّ وجهه يوم أحد، قيل له: يا رسول اللّه! لو دعوت عليهم؟ فقال: «إني لم أبعث لعّانا، و لكن بعثت داعيا و رحمة لهم، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(1).

قال القاضي عياض: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل (و درجات الإحسان‌و حسن الخلق، و كرم النفس و غاية الصبر و الحلم، إذ لم يقتصر صلى اللّه عليه و سلم على السكوت عنهم حتى عفا، ثم أشفق عليهم و رحمهم و دعا و شفع لهم.

فقال:" اللهم (اغفر أواهد"، ثم أظهر سبب تلك الشفقة عليهم و الرحمة بقوله:" لقومي" ثم اعتذر عنهم بجهلهم(2).

و لما قال له الرجل: اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه، لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله، و وعظ نفسه و ذكّرها بما قال له(3).

[عظيم عفوه و صفحه صلى الله عليه و آله و سلم]

و من عظيم عفوه و صفحه: عفوه عن اليهودي الذي سحره، و عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة، و كفه عن المنافقين مع علمه بنفاقهم و سوء نيّاتهم، و عفوه عن الأعرابي الذي جبذه بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف(4).

و لما أظهره اللّه على قريش، لم يشكّوا في استئصال ساقتهم، و إبادة خضرائهم، فعفا عنهم، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «ما تقولون إني فاعل بكم»؟ فقالوا: خيرا، أخ كريم و ابن أخ كريم.


1) الشفاء 1/ 72- 73.

2) الشفاء 1/ 73 و ما بين حاصرتين منه.

3) الشفاء 1/ 73.

4) الشفاء 1/ 74.

فقال عليه الصلاة و السلام: «أقول كما قال أخي يوسف: قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يوسف: 92، اذهبوا فأنتم الطلقاء»(1).

و روي أن أعرابيّا جاء يطلب منه شيئا فأعطاه ثم قال له(2): «أحسنت إليك؟، فقال الأعرابي: لا، و لا أجملت، فغضب المسلمون و قاموا، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام و دخل منزله و أرسل إليه و زاده شيئا، ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: «أحسنت إليك»؟ قال: نعم فجزاك اللّه من أهل و عشيرة خيرا، فقال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «إنك قلت ما قلت و في نفس أصحابي منك شي‌ء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد، أو العشي جاء فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أكذلك؟» قال نعم جزاك اللّه من أهل و عشيرة خيرا(3).

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «مثلي و مثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلّوا بيني و بين ناقتي، فإني أرفق بها منكم و أعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها حتى جاءت و استناخت، و شدّ عليها رحلها و استوى عليها، و إني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار»(4).

و لما كذبه قومه؛ ناداه ملك الجبال و سلّم عليه و قال: مرني بما شئت، إن


1) الشفاء 1/ 75.

2) تحرف في المطبوع إلى( ثم قاله).

3) الشفاء 1/ 83.

4) الشفاء 1/ 83.

شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده و لا يشرك به شيئا» و قال له جبريل عليه السلام: إن اللّه تعالى أمر السماء و الأرض و الجبال أن تطيعك، فقال عليه الصلاة و السلام:

«أؤخر عن أمتي لعل اللّه أن يتوب عليهم»(1).

و رفقه عليه الصلاة و السلام بالأعرابي الذي بال في المسجد، و قال لأصحابه: «لا تزرموه».

[حسن عشرته و أدبه صلى الله عليه و آله و سلم]

و أما حسن عشرته و أدبه فقد انتشرت به الأخبار الصحيحة.

و قال علي- رضي اللّه عنه- و كرم اللّه وجهه في وصفه عليه الصلاة و السلام: كان أوسع الناس صدرا، و أصدقهم لهجة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشرة، و من ذلك قصته صلى اللّه عليه و سلم مع قيس بن سعد، لما زار سعدا و أراد الانصراف، قرب سعد حمارا و وطاء عليه بقطيفة فركب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال سعد: يا قيس اصحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال قيس: فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«اركب» فأبيت، فقال لي: «إما أن تركب، و إما أن تنصرف» فانصرفت(2).

و في رواية أخرى: «اركب أمامي، فصاحب الدابة، أولى بمقدمها»(3)

و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يؤلفهم، و لا ينفرهم، و يكرم كريم قوم و يوليه عليهم.


1) الشفاء 1/ 84.

2) الشفاء 1/ 81.

3) الشفاء 1/ 81.

و قالت عائشة- رضي اللّه عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ما دعاه أحد من أصحابه و أهل بيته إلا قال: «لبيك»(1).

و كان يمازح أصحابه و يخالطهم و يحادثهم و يداعب صبيانهم و يجالسهم، و يجلسهم في حجره، و يجيب دعوة العبد و الحر(2)و الأمة و المسكين و يعود المرضى في أقصى المدينة(3).

و لقد قال يوما: «أين فلان»؟

فقيل: مريض، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «نذهب إليه لنعوده».

فقيل له: بعيد منزله.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «منه كان يأتينا».

و كان صلى اللّه عليه و سلم يقبل عذر المعتذر.

و قال أنس: ما التقم أحد أذن(4)رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فينحّي رأسه، حتى يكون الرجل الذي ينحّي رأسه، و ما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر،


1) الشفاء 1/ 82.

2) تحرف في المطبوع إلى:( العبد الحر) و هو تحريف قبيح، و صواب القراءة من الأصل، و مثلها في الشفاء الذي ينقل عنه المصنف.

3) الشفاء 1/ 82.

4) ما التقم أحد أذن النبي: أي ما حدثه أحد عند أذنه، استعار وضع اللقمة في الفم لوضع الفم عند الأذن.

و لم يزل على خلق عظيم، و لم ير(1)مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له، و كان يبدأ من لقيه بالسلام، و يبدأ أصحابه بالمصافحة، و لم ير قط مادّا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيّق بهما على أحد(2)، حتى إنه يوما أراد أن يمد رجله لتعب لحقه، فتلطف إلى جلسائه، فمد رجله الكريمة.

و قال لهم صلى اللّه عليه و سلم: «ما تشبه هذه»؟.

فدارت أذهانهم إلى وجوه المشابهة، فلما أعيوا و قد استراح، مد الأخرى و قال: «هذه» يعني صلى اللّه عليه و سلم أنه لا يشبهها إلا الأخرى، فحصل مقصوده مع بقاء حسن الأدب معهم صلى اللّه عليه و سلم.

و كان صلى اللّه عليه و سلم يكرم من يدخل عليه، و ربما بسط له ثوبه، و يؤثره بالوسادة (التي تحته، و يعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، و يكنّي أصحابه و يدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، و لا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّز، فيقطعه بنهي أو قيام، و يروى: بانتهاء(3).

و يروى: أنه كان لا يجلس إليه أحد و هو يصلي إلا خفف صلاته، و سأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته، و كان أكثر الناس تبسما، و أطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب(4).

و كان صلى اللّه عليه و سلم يفلي ثوبه، و يحلب شاته، و يرقع ثوبه، و يخصف نعله، و يخدم


1) تحرف في المطبوع إلى:( يرى).

2) الشفاء 1/ 82.

3) الشفاء 1/ 82، و ما بين حاصرتين منه.

4) الشفاء 1/ 82.

نفسه، و يقمّ البيت، و يعقل البعير، و يعلف الناضح، و يأكل مع الخادم و يعجن معها، و يحمل بضاعته من السوق.

و قال أنس رضي اللّه عنه: خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عشر سنين، فما قال لي:

أفّ قط(1)، و لا قال لي في شي‌ء صنعته: لم صنعته، و لا لشي‌ء تركته: لم تركته(2)؟.

و كان صلى اللّه عليه و سلم قد وسع الناس بسطه و خلقه، فصار لهم أبا و صاروا عنده في الحق سواء(3).

و كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ و لا غليظ، و لا صخّاب في الأسواق، و لا فحاش، و لا عياب، و لا مزاح، و لا يجزي بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح(4)صلى اللّه عليه و سلم.

و لو تتبّع هذا لملأ الصحف فصوله و أبوابه، و أعجز الكتّاب تدوينه و كتابه، فحق على جميع أمته العامي و الشريف، و القوي منهم و الضعيف، خصوصا من جاوره و خدم ضريحه، أن يقتبس من أخلاقه، و يتأدب بآدابه، و يروض نفسه الغوية على اتباع سنته العلية، و لو أن يكف يده إذا غلب على لسانه، و يعظّم من


1) يقال: أف له أي قذرا له، و قيل: احتقارا له، و قيل استقلالا، و فيه ست لغات حكاهن الأخفش، و هي: ضم الهمزة مع تثليث الفاء بلا تنوين، و ضمها مع تثليث الفاء بالتنوين، و حكى المصنف و غيره زيادة على ذلك: ضم الهمزة و سكون الفاء و كسر الهمزة و فتح الفاء، أفى و أفه: بضم همزتيهما.

2) الشفاء 1/ 82.

3) الشفاء 1/ 81.

4) الشفاء 1/ 81.

تفقه في دينه، و اتبع سنة نبيه محمد صلى اللّه عليه و سلم و سنن آله و صحابته، و إذا رأى من حملة القرآن و العلم أحدا سرّ به و برؤيته، و سأل من دعوته، و لا يسي‌ء الظن بأحد بأدنى هفوة أو زلة، فإن الإنسان ليس بمعصوم و لو حاز كلّ العلوم.

فصل [في ذكر من أدركهم المؤلف من شيوخ الخدام]

اشارة

و لقد أدركت من الخدام الصالحين، و من المجاورين العالمين العاملين، أقواما على الخير متعاونين، و على البر متظاهرين، و بسنته صلى اللّه عليه و سلم عاملين، رحمهم اللّه أجمعين.

فأول من أدركته من مشايخ الخدام بالحرم الشريف ممن عقلته:

[ العزيزي: عزيز الدولة.]

((1)العزيزي: عزيز الدولة.)

و في أيامه غرس كثير من النخل الذي بالمسجد اليوم، و كان منه شي‌ء قبل العزيزي و مات أكثره.

و إن قلت: كيف فعل ذلك و هو من البدع المنهي عنها، و كيف ترك و رأيه في ذلك؟.

قلت: المسألة مختلف فيها، فمنهم من كره، و منهم من منع، و لا يكون الإنكار سمحا إلا في مسائل الإجماع فيها، و أما حكم ثمره فقد سئل مالك- رحمه اللّه- عن شجرة نبتت في صحن المسجد، أو المقبرة، أو محجة الطريق؟، قال: أكلها حلال لجميع المسلمين.

و كان كثير الخير و البر، وقف من النخيل شيئا، و حرر من الأرقاء جمعا غفيرا، و كان العزيزي- رحمه اللّه- يوالي الأشراف، و يحسن إليهم إحسانا كثيرا، حتى اتهم بمذهبهم؛ لكثرة اختلاطه بهم، و قضاء حوائجهم، كنت إذا


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1244

مررت عليه مع جماعته ذاهبا إلى سيدي الشيخ أبي محمد البسكري و هم جلوس بين باب النساء و باب جبريل صفّا واحدا، أقول بأعلى صوتي: السلام عليكم، فيردون كلهم حتى تسمع لهم لجة عظيمة، ثم ينادوني، و يقولون: خذ جزاء تحيتك، فيعطيني كل منهم على قدره، و أول من يبدأني الشيخ- رحمه اللّه- و أحيانا يذهب بي إلى بيته و يخرج الكيس من خرزة حجر أعرف اليوم مكانها من البيت، فيعطيني و يبرني و يفرح بي جزاه اللّه خيرا، و أعظم له أجرا، توفي عزيز الدولة سنة سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة:

[ شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري- رحمه اللّه.]

((1)شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري- رحمه اللّه.)

كان من أحسن الناس شكلا، و أتمهم كمالا، و كان مهيبا قد ملأ قلوب الشرفاء رعبا، كان إذا انكسر قنديل، أو وقع تجصيص يصيح حين وقعته صيحة يغلب بها، يرجف أهل المسجد من قوتها و عظم مبلغها.

و كان يقول: إنه توءم، مات أخوه بعد أن ولدتهما أمهما، و كان له على الأميرين سلار و بيبرس الجاشنكير دلية بتربيته(2)، حتى إنهما لما حجا والوه بأحسن الموالاة، فكلمهما في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم، فأنعما، ثم إنه خشي أنهما يشتغلان بملكهما عن ذلك، أو يستثقلان النفقة على عمارتها، فقال:

أنا لا أطلب منكما مالا، عندي من قناديل الذهب و الفضة ما يقوم بها و زيادة، فأنعما له بإرسال الصناع، و شرع هو في تحصيل الحجر و المؤنة بينما يأتي الحاج،


1) من مصادر ترجمته( الدرر الكامنة 3/ 261، التحفة اللطيفة 3/ 425.

2) في المطبوع:( بتربية) و المثبت من الأصل.

فحمل من الحجر ما يحتاج إليه من أنواعه كلها، فكانت كالجبال فيما بين بابي الرحمة و السلام، و أمر بالحفر لها في مكانها اليوم، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان بن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة، ثم وجدوا باب فخار ملأى بدراهم مظفرية قد استحالت صفتها من طول مكثها، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع، و ذلك تحصيب عام في سائر مسجدهم القديم؛ لأنهم لما أسسوا الرواقين اللذين زادهما الملك الناصر شمالي الروضة المقدسة في سنة تسع و عشرين و سبعمائة، وجدوا ذلك التحصيب، فوقفت عليه فوجدته يشبه ما وجدوا في أساس المئذنة، و سمكه نحو ذراعين بالعمل أو أكثر، ثم إنهم نزلوا في الأساس حتى بلغوا الماء، و كان بعض المؤرخين يذكر أن هناك مئذنة مشرفة على دار مروان فهدمها غيرة على أهله من مؤذنها، فلم يجدوا لذلك صحة و لا أثرا ألبتة.

و كان الحريري- رحمه اللّه- مباشرا ذلك كله مجتهدا بنفسه و ماله و خدامه، ثم إنه أمر من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا و الشيخ علي الفراش، و غيرهما ممن ليس له في البناية كبير قدم أن يحفروا الأساس، فحفروه إلى أن ظهر الماء، و أخرجوا منه شيئا شرب منه الشيخ، و شرب الناس منه، يرون ذلك بركة و مسرة و تفاؤلا بتمام العمل، ثم دكوا الأساس، فلما جاء الموسم و حضرت الصناع و المعلمون، كان فيهم المقدم عليهم في البناية و الهندسة و الدراية.

فقال للشيخ: لم استعجلت علينا؟. لا نبني على هذا حتى تنقضه جميعه، فإنا لا نأمن عاقبته، و ألح في نقضه، فألح الشيخ في تركه على حاله فرجع إلى مصر من حينه، و قال: أنا أخشى من الدرك، و ما يلحقني في صنعتي من

العيب، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين: اعملوا عملكم و اللّه تعالى يتممه ببركة هذا النبي الكريم، فعملوها على ما هي اليوم عليه، و عم نفعها و عظم أجرها، و صارت في صحيفة من سعى فيها، و العمل اليوم عليها؛ لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم قال لي- رحمه اللّه: لو تركت لي هذه المئذنة لكفت المدينة، و هو الحق، فإن المدينة من جهة الشمال قليلة العرض، و إنما امتدادها و قوة عمارتها و كثرة أبياتها من جهة الغرب، و كانت عمارتها في سنة ست و سبعمائة.

و إنما ذكرت حكاية المئذنة؛ لأن ذكرها مما نحن بسبيله من المحدثات في المسجد للمصلحة العامة للمسلمين.

و مما للشيخ الحريري من الآثار الحسنة: تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل و تبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة بعد صلاة العشاء الأخيرة، و ذلك أنهم كانوا قبل الحريري و صدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام و بعض الفراشين شعلا من سعف، فيطوفون بها عوض الفوانيس يجرون بها كأشد ما يكون من الجري، فإن وصلوا باب النساء خرجوا بها، و خبطوا بما بقي معهم منها، فكانت تسود المسجد و تسود بابه أيضا، و فيها من البشاعة ما لا يخفى، فأمر بالفوانيس عوضا، و ترتبت في صحيفته- رحمه اللّه تعالى- و كان يوالي المجاورين و يحسن إليهم و يقضي حوائجهم.

و سيأتي فعله مع المجاورين حين أمر الأمير منصور بإخراجهم و ارتحالهم بأولادهم و عيالهم، و مناقبه كثيرة، و حسناته عديدة، توفي سنة إحدى عشرة و سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة:

[سعد الدين الزاهري.]

((1)سعد الدين الزاهري.)

و لم يمكث إلا قليلا نحو سنتين، و كان قد عمي و كف بصره، فلم يقم بوظيفة المشيخة على ما ينبغي، فلما حج الملك الناصر الحجة الثانية و هي سنة تسع عشرة و سبعمائة و قدم المدينة زائرا و دخل الحرم، فوجده أعمى، فعظم ذلك على السلطان فعزله.

ثم ولي في الحين:

[ ظهير الدين مختار، الأشرفي- رحمه اللّه.]

((2)ظهير الدين مختار، الأشرفي- رحمه اللّه.)

و كان له هيبة وصولة مع زمانه بالنسبة إلى من قبله، فقام بالمشيخة أحسن قيام، و أدخل الرعب في قلوب الشرفاء و الأمراء، و استخلص من أيديهم أوقافا و أملاكا كانوا هم و آباؤهم فيها كالمارستان اليوم، و الفرن الذي أمامه، و الحوش الذي بإزائه، و دار المدرسة الشهابية، و نخيل و غير ذلك.

و لأجل هيبته عزّ المجاورون و الخدام، و قويت حرمتهم، و لم يزل كذلك حتى حج النائب أرغون، و شكوا إليه ما يلقون من الشيخ، فكأنه تكلم عليه بحضرتهم كلاما غض من صولته، ورده عن شدته، و لم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى توفاه اللّه إلى رحمته.

و كان من المجاورين من يركن إلى الأمراء و يجتمع بهم في منازلهم، و يطلعهم على أحوال الخدام و المجاورين، فأقسم فيهم أن من طلع القلعة


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 140.

2) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 345.

منهم لم يكن له وظيفة ألبتة، فانكف الناس، و أخرج جماعة من الأسباع و استبدل بهم.

و أخرج جماعة من الفراشين و قطع معلومهم، حتى غابوا في الهند سنين عديدة، مثل ياقوت الصالحي، و بردة الحريري، و سعيد التاجي، و غيرهم من أهل الأخبار، و كان يجلس قريبا من الأسباع، فأي من غاب عن وظيفته، أخذ قسط ذلك اليوم في حينه، و بذلك انضبطت الوظائف، و صار ليس له مخالف، و عمرت الأوقاف في أيامه، وكان له منه نصيب وافر، و لما توفي والدي- رحمه اللّه- أيامه حفظ علينا وظائفه، و رفق بإخوتي- رحمه اللّه- توفي سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة:

[ ناصر الدين نصر عطا اللّه.]

((1)ناصر الدين نصر عطا اللّه.)

و كان قبل ذلك من إخوان المجاورين و أحبابهم، مآخيا لجمال الدين المطري لا يخرج عن رأيه و لا مشورته، و إن كان الشيوخ كلهم بهذه المنزلة معه، فكان هذا له أعظم و به أبر، و كان من أحسن الناس صورة و أكملهم معنى، و كان يحفظ القرآن، كثير الصيام، مهيبا في جماعته من غير ضرر، و لا تهديد، و لا وعد و لا وعيد، وجد الأحوال بعد الظهير، متمهدة فزادها تمهيدا، و مع ذلك فإذا قام في أمر تمّمه، لا يرجع عن رأيه فيه لأحد، و لو قام في ذلك و قعد، و كانت مدة ولايته أربع سنين، توفي سنة سبع و عشرين و سبعمائة.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 189، الدرر الكامنة 4/ 393.

ثم خلفه في المشيخة:

[ عز الدين دينار.]

((1)عز الدين دينار.)

فكان- رحمه اللّه- ذا حشمة، و دين، و عزة و حسن يقين، صحب المشايخ الكبار من المجاورين، فتأدب بآدابهم، و اكتسب من أخلاقهم، فلزم قراءة القرآن، و جاهد نفسه بالصيام و القيام و الصدقة و الإحسان، و أوقف أملاكا ما بين نخيل و دور، و أعتق خدما و عبيدا و إماء يزيد عددهم على الثلاثين، و علق من خدامه في الحرم سبعة، و كفل أيتاما و حرما، و نعمهم بالمأكل، و الملبس، و المسكن حتى كانوا يعدون من عياله، و له مناقب جليلة، و محاسن عديدة.

منها: أنه لما سافر إلى الديار المصرية استخلف على بيته و أمواله بعض أصدقائه من المجاورين، و كان في البيت إماء و عبيد و خدام، فاستأمنهم الوكيل و ظن أنهم لا يتفقون على الخيانة فخربوا البيت، وضيعوا أكثر ما فيه، فلما قدم الشيخ عز الدين من مصر، فقد ما خلفه في بيته فسأله عنه، فقال: لا علم لي بشي‌ء، غير أني كنت أخرج لهم نفقتهم، و أصرف عليهم ما يحتاجون إليه، و لا أعلم من حالهم شيئا، و لم أظن فيهم أنهم يتواطئون على الخيانة، فحاسبه على ما خلفه في بيته، فوجدوه قد نقص مقدار أربعة و عشرين ألف درهم.

فقال له: هذه لازمة لك بحكم الشرع؛ لأنك فرطت فيما و كلتك فيه.

فقال: نعم، ألتزم بها و أقوم بأدائها، فتقوم من أملاكي و نخيلي ما شئت، فخلا الشيخ بأصحابه و شاورهم في ذلك، فقالوا له: المفرط أولى بالخسارة.


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 2/ 40 و الدرر الكامنة 2/ 103

فقال لهم الشيخ: لم يصب رأيكم، رجل صحبته في اللّه، و أقرأني القرآن، أغرمه شيئا أفسده عبيدي و لم يتدنس منه بشي‌ء، معاذ اللّه من ذلك، و أبرأ ذمته، و لم يزل له صديقا إلى أن فرق الموت بينهما رحمهما اللّه تعالى.

و له بالحرم الشريف آثار حسنة، و كان فيه من الشدة في الدين على الأشراف ما كان في ظهير الدين و زيادة، مع الانقياد إلى الشرع و الموافقة على الخير، و كان حين ولايته في القاهرة سعى في المشيخة صفي الدين جوهر خادم اللالا فأعطيها، و كان بينه و بين جمال الدين المطري شي‌ء ألقاه بينهما بعض الناس، فلما شاع في المدينة خبر ولايته، تسلط أهل الشرع على جمال الدين، و شغبوا عليه بكثرة القال و القيل و توعّدوه، و كانوا عصبة شر عفا اللّه عنا و عنهم، فلحقه من كلامهم هم و غم.

و قال لي- رحمه اللّه: رأيت ليلة في منامي، و قد همني ما أسمع منهم من الأذى، كأن باب جبريل حول إلى باب الرحمة، و أنا أقول: كيف يزال باب ثابت إلى غيره، و يبقى هذا الباب ما له باب؟

فلم يكن إلا قليل، إذ جاء الخبر بأنهم رجعوا عن خادم اللالا، و ولوا عز الدين. و كان عز الدين في باب الرحمة كما هو اليوم، و بيت جوهر اللالا كما هو اليوم مجاور رباط صفي الدين السّلامي- رحمه اللّه- فتفسر المنام، فزال عن جمال الدين ما كان يجد، و رجع كل من أهل الشر إلى ورائه، و كان بين عز الدين دينار و بين جمال الدين من الاتحاد و المحبة، و سماع الكلمة، مثل ما كان بينه و بين ناصر الدين نصر عطا اللّه و أكثر، و كان الشيخ عز الدين رحمه اللّه لأولاد المجاورين كالأب الشفيق، إذا رأى أحدهم سأله عن حاله و حال أهل بيته و أولاده. يقول: كيف أولادنا؟ كيف إخواننا؟ و يقضي الحوائج

بطيب نفس لا يتنكر و لا يحرد، فإذا انزعج أو غضب، رجع عن قريب لم يؤيس من خيره، و لو آيس بقوله، و صرّح بعذره، و طالت مدته أكثر من غيره، و سأذكر وفاته- رحمه اللّه- في ولاية الشيخ افتخار الدين ياقوت، ثم سعي عليه فعزل.

[ و ولي شرف الدين مختص الديري:]

((1)و ولي شرف الدين مختص الديري:)

فجاء الناس بأخلاق تركية لم تتهذب برياضة، و لا بحجّ و زيارة، و قام بهيبة و عزّة، و لقد جلس يوما في المجلس الذي كان غيره يجلس فيه، فجاء شهاب الدين العادلي؛ ليجلس في صفّه لا في جنبه، فأقامه بنهرة، و عزّ عليه أن يستوي معه في صفّه، و كذلك فعل بغيره حتى كان لا يجلس إليه، إلا من يدلّ عليه، لكنه كان له رغبة عظيمة في العمارة، فانعمرت الأوقاف في أيامه، و لو استمر فيها لكثر خيرها.

كان يخرج كل يوم غالبا فيباشر الغرس و العمارة، و يخرج معه بعيش رغيد، و خير كثير، و كان جماعة الخدام في أيامه و قبلها، يباشرون الأوقاف بأنفسهم، و يحضرون الجداد بأعوانهم و خدامهم و عبيدهم، و لا يتناولون على ذلك أجرة ألبتة، و يخرجون معهم بالأطعمة الكثيرة الفاخرة المليحة، و لهذا كانت الأوقاف مباركة و غلاتها متزايدة، و البركة عليها لائحة، حتى خلفهم من لا يتحرك في وقف إلا بأجرة، وليته يعمل فيها بنية صالحة؛ حتى يثاب عليها في الآخرة، و كانت أيضا تعمر ببركة نيته، و لو أخذ أجرته، لكن اليوم أكثر الأوقاف دامرة؛ لأن غلتها لا تردّ في عمارتها كما أوجبه الشرع لها، فلذلك خربت و قلّ خيرها.


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1384، الدرر الكامنة 4/ 344.

و لقد شاهدت منذ زمان كان الناس فيه ناس، يعطي الزائر فوق الصاع من التمر البرني، حتى إن العصبة إذا أخذوا التمر يكومونه على أنطاعهم كوما، يتعسل بعضه فوق بعض، و مع ذلك يبقى التمر السنتين و الثلاث حتى يسودّ، و لا يجدون من يأخذه.

و لقد كنت في حال صغري، إذا رآني خزنة التمر ينظرون من يحمل لي منه، فيذهب به إلى بيتنا، حتى أنكر ذلك والدي و والدتي، فهددني والدي، و قال:

لئن رجعت تأتي إلينا من تمر الفقراء بشي‌ء، فعلنا بك و فعلنا، و كان لا بد لي من المرور عليهم؛ لأن التمر كان يخزن في دار الخدام المجاورة للتربة التي عمرتها زوجة ابن علم، و في المدرسة الشهابية، و لمّا لم يكن بدّ أنهم يعطوني، ترصّد لي حمّال يقال له: ناشي، يأخذ ما يعطوني.

فأقول له من خوف أهلي: خذه و لا تأتيهم به، فيأخذه، فعل معي ذلك مرارا، كل ذلك منهم؛ محبة في أولاد المجاورين و رفقا بأهاليهم.

و كان النخل من الغابة و العمرية إذا استجد، لا يخلص منه في شهر ليلا و نهارا.

و لقد رأيت الحمّالين يضعون أحمالهم من باب رباط الفاضل، إلى باب التربة التي نزلها الشيخ افتخار الدين، و من رباط دكالة أيضا إليه إذا جاءوا مع المغرب، لا يفرغون عن حمله و تفريغ غرائره إلا قريب الصبح، هذا كله من التمر البرني، و أما ألوان النخيل فلم تكن في حساب، فأين تلك البركات ذهبت؟! و اللّه مع نيات القوم، و اللّه المستعان.

ثم سعي على الشيخ فعزل، و ولي:

[ شرف الدين الخزنداري.]

((1)شرف الدين الخزنداري.)

و كان وصوله بالمشيخة في أواخر سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و كان فحلا حذقا صلبا، عارفا بأمور الدنيا و تصاريفها، طالت مدته فولي الولاية في القاهرة على أخباز الخدام نقادة(2)و غيرها، فثوّر الفلاحين بدهائه، و أتعبهم بأمره و نهيه و تعنّتاته، و كان ذا حقد شديد(3)، إذا استرضي لا يرضى مع طلاقة الوجه و لين الكلمة.

و ممن كان من أحبابه و أخلائه الشيخ:

[ عبد الرحمن بن ياقوت المؤذن الكبير]

((4)عبد الرحمن بن ياقوت المؤذن الكبير)

القدر في القراءة مع حسن الصوت و سلامة الصدر، و حسن الخلق، و الكرم العظيم في الحضر و السفر.

سافر معه إلى القاهرة و بات معه ذات ليلة في دار واحدة، فكأن الشيخ عبد الرحمن قام من نومه بدهشة اختل فيها عقله، فأخذ السيف و ضرب به شرف الدين ضربة أخطأته، فمسك و قيّد، حتى زال عنه ذلك، فغضب عليه و سعى به عند الولاة و الحكام حتى سجن، ثم جعل في رجليه قيد، و أدخل في الذين يخدمون في أعمال السلطان من أهل الجرائم الكبار، و هو مسكين ضعيف البنية، كثير الصوم و العبادة و تلاوة القرآن، فاستمر على ذلك مدة و الناس


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1216.

2) لدى رمزي في القاموس الجغرافي ق 2 ج 4 ص 189( نقادة) هي من القرى القديمة، من أعمال القوصية.

3) في المطبوع( و كان إذا حقد شديدا) و المثبت من الأصل.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 548.

يدخلون على شرف الدين ليغفر له فلم يفعل، حتى سخّر اللّه له من أطلقه من ذلك و أرسله إلى الحجاز.

فلما وصل الخزندار إلى المدينة أتبعه في وظائفه، و في نفسه و عياله، و سعى عليه عند الأمراء ليخرجوه من المدينة، فلم يطيعوه في ذلك، و منعوه من الدخول إلى القاهرة و السفر إليها، و الإقامة بها؛ بسبب ما يكتب فيه لأصحابه، و لم يزل معه كذلك إلى أن طالت المدة و نسيت القضية، و عاش بعده الشيخ عبد الرحمن إلى الآن، نفعنا اللّه به.

و كانت مدة ولاية شرف الدين الخزنداري سنتين، ثم سعى عليه شرف الديري(1)فتولى المشيخة، فلم يكمل له سنة، حتى جاء الخبر بعزله، و تولية عز الدين و استنابة شمس الدين الجمداري(2)عنه، ثم جاء عز الدين مع الحاج، و سافر الديري إلى مصر و أقام بها إلى أن توفّي، و أقام شرف الدين الخزنداري في المدينة مع الشيخ عز الدين معظما محترما مسموع الكلمة، و كان له من الخدام جماعة، و حفدة لا يخرجون عن رأيه، و لم يكن ما بينه و بين عز الدين حسنا، و كان عز الدين يعامله بالحلم و الصبر و المداراة، و كان شرف الدين قد سافر إلى مصر في ولاية عز الدين الأخيرة، و سعى في المشيخة فلم تحصل له و ولي النيابة بمرسوم سلطاني، و كان نائبا لعز الدين.

ثم إن الشيخ افتخار الدين توفّي فجأة و أصبح في فراشه ميّتا، و ذلك ليلة الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر أحد شهور سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و استمر عز الدين في الولاية على الطريقة الأولى من فعل الخيرات و عتق


1) يقصد: شرف الدين مختص الديري، و قد تقدّم ذكره.

2) هو: شمس الدين صواب الجمداري، و ستأتي ترجمته.

المماليك، و وقف النخيل على الفقراء، رحمه اللّه و نفع به.

فلما ضعف في بدنه و قوته لكبر سنّه، لزم العزلة و الإقبال على الخير، ثم سعي عليه لأجل ذلك، فولي الشيخ:

[ افتخار الدين ياقوت بن عبد اللّه الخزنداري.]

((1)افتخار الدين ياقوت بن عبد اللّه الخزنداري.)

و ذلك في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، و هو من المشايخ الرؤساء، لم يقم أحد بحرمة المنصب مثله، من أكمل الناس عقلا، و أعظمهم حرمة، مع التدين و العبادة و الورع.

ذكر أنه خدم الملوك بالديار المصرية مدة خمس و عشرين سنة، لا يتناول جامكية إلا من الجزية المأخوذة من أهل الكتاب تورعا من أموال السلطان، و كان يشهد عند القضاة فيقبلون شهادته، و له اجتهاد عظيم، و مثابرة على سماع الحديث، و كتب العلم و الرقائق، مع ملازمته للصلوات في الصف الأول، و الناس لا ينكرون عليه إلا قوة نفسه، و ذهابه في رأيه قدما لا يرجع لأحد فيه، و فيه من شرف النفس ما إنه لا يتناول ما شرط له في الأوقاف على النظر، بخلاف غيره من الشيوخ، و فيه من الهيبة على أصحابه ما انصلح به كثير من شأنهم، و تأدّب به كثير من شبابهم، و صبيانهم، و صار له هيبة في الناس و خفارة، و حفظ الحرم حفظا حسنا، و صادف وقتا سيئا جرى فيه على الشدّ، و زاد على الحدّ، حتى ضاقت عليه الأنفس من غير جماعته، وسعوا في حل ولايته، و إنما أتى عليه لوثوقه برأيه، و عدم قبوله نصح أصحابه، و كأنه لم يسمع قول القائل:


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 408.

و لن يهلك الإنسان إلا إذا أتى‌من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه

و اللّه تعالى يقضي لنا و له بالخير.

و كان يتأدب مع الشيخ عز الدين لمّا كان عز الدين معزولا، و يأتيه إلى مجلسه، و يعرفه الشهر يتقرب إليه حتى أحبه عز الدين.

و كان يقول: هذا خادم محتشم رئيس، و لقد صدق فيما قال، و توفّي عز الدين في أيامه، و ذلك في سنة إحدى و ستين و سبعمائة.

فصل [في ذكر من أدركهم المؤلف من الخدام الصلحاء]

اشارة

ثم إني أدركت من الخدام الصلحاء الخدام المتخلّلين أيام هؤلاء الشيوخ أقواما لهم جلالة، و عليهم من اللّه مهابة، منهم:

[ طواشي شبل الدولة كافور بن عبد اللّه الخضري.]

((1)طواشي شبل الدولة كافور بن عبد اللّه الخضري.)

كان فيه رحمه اللّه من الدين و الخير و البر، ما لا عليه من مزيد.

و أخبرني من أثق به أنه كان يضع معلومه في غلف أباليج السكر، و يضعها في بيته من غير غلق زهدا في الدنيا، و قلة حرص عليها، و في كل يوم يملأ منها كيسه، و يجعلها في جيبه يعدّ ذلك لمن يقف عليه من السؤال، أو من الحرم و الأيتام، و كذلك رأيته لا تزال يده تنفق سرّا و علانية.

كان شيخا في الرواية، سمع على جماعة لهم ذكر في طبقات المحدثين، ربّى أيتاما كثيرين، و أعتق جماعة مباركين، كان منهم خيار الفراشين الشيخ عبد اللّه الخضري، ولد لعبد اللّه أولاد قرّاء و متصوفة، و لهم اليوم عقب رحمهم اللّه، و كان الخضري و العادلي متجاورين في المسكن، متعاونين على البر و الخير، تغمدهم اللّه برحمته أجمعين.

و منهم:

[شهاب الدين رشيد بن عبد اللّه السّعيدي رحمه اللّه.]

((2)شهاب الدين رشيد بن عبد اللّه السّعيدي(3)رحمه اللّه.)


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 424، المغانم المطابة 3/ 1273.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 64 المغانم المطابة 3/ 1206.

3) تحرف في المطبوع إلى:( السعدي).

كان متفقها متدينا متعبدا، يصحب العلماء و يشتغل عليهم، و يشتري كتب العلم، و يوقفها عليهم، له خزانة جيدة كان فيها كتب غريبة أعرفها في دار الزيات، و له رباط و دور وقفها بعد أن تعب في عمارتها و إنشائها، و له من اسمه نصيب وافر رحمه اللّه.

و منهم:

[ شمس الدين صواب الحموي الناصري.]

((1)شمس الدين صواب الحموي الناصري.)

كان من شيوخهم و رؤسائهم قليل الكلام، لا تراه إلا مشتغلا بنفسه، إذا جلس إلى الشيخ أمر بمعروف و نهي عن منكر، و كان صاحب رأي صائب، و له حسنات خفيات(2).

ثم ظهر بعده على طريقته أو أزيد خادمه:

[ أمين الدين مفيد.]

((3)أمين الدين مفيد.)

حفظ القرآن و ربع" التنبيه"، و صحب أهل الخير و اشتهر بالدين و الأمانة، فاعتمد عليه، و سلم إليه ما يعدّ من الحاصل، للصرف على الفقراء و الأوقاف و غيرها، و هو الأمين على ما في القبة التي وسط الحرم، و بيده مفاتيح حاصلها، و هو أهل لذلك فنعم الحسنة خلفها شمس الدين بعده، و توفّي سنة تسع عشرة و سبعمائة، و توفي أمين الدين مفيد في سنة أربع و سبعين و سبعمائة.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 246.

2) التحفة اللطيفة 2/ 246 نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1221.

و منهم:

[15- سعد الدين نجيب الفاخري.]

له اعتقاد في الصالحين، و حسن ظن فيه، مع سلامة باطن، فيخدع لمن تزيّا بزي الفقراء، و كان سليم القلب، و حسن الخلق، كثير الخير و الصلة، و عليه خفارة و حشمة.

و اتّفق أن جاء إلى المدينة في أيامه.

[16- رجل من اليمن ادّعى أنه شريف]

، كان له شكالة حسنة، مع طول قامة و سكون و حشمة، و كان معه جماعة في طوله يتبعونه و يعظمونه، فأظهر أنه صاحب الزمان، و سكن مع أصحابه في دار النفيس شامي المسجد الشريف، فانعطف عليهم الناس و هادوهم، و تمكنوا من خاطر الفاخري تمكينا جيدا، و وعدوه أنه يكون عنده من المقربين إذا خرج، فأقام على ذلك مدة تهدى إليه البذلات الرفيعة، و الموائد الفاخرة تجري عليه من عنده، و من عند إخوانه جماعة من الشرفاء، و كان في حفظ نفسه و مراعاة رئاسته عجبا، فلما طال مقامه و أبطأت عداته تكعكع عنه الناس قليلا، فلما أحس بذلك سافر إلى العراق، فلم يطلع بعد ذلك خبره.

ثم ظهر بعد ذلك رجل من أهل تونس، و كان والدي- رحمه اللّه- يعرفه في تونس هو و أبوه، يقال له:

[17- ابن حماس،]

ظهر بهذه الطريقة، و اتّسم بأنه من أرباب الحقيقة، و انعطف عليه هذا الطواشي و غيره، فأسكنوه و قربوه، و أتحفوه بأنواع الملابس و فاخر الأطعمة، و كان قد تبدّن و سمن من كثرة ما يأكل.

و كان يقول: الآن قام من عندي الخضر- عليه السلام-، و قال: لي كذا و كذا إلى أن قال: لي ملك كذا و كذا.

ثم ترقّى حتى قال: كلمني القلم، و رأيت الملكوت، و أنواعها من هذه التّرّهات و الخزعبلات، و قام عليه جماعة من أهل الخير، و بلغوا الحاكم مقالته و نصب خيالاته، فأدعي في مجلس كبير و حضره شيخ الخدام، و جماعة من لفيف العوام، فسألوا عما نقلوا عنه، فكان يقول مقالة غير مقالة الآخر، لم يجتمع على الشهادة اثنان فخلّي سبيله، ثم سافر إلى القاهرة، و اشتهر بها ذكره و كثر أتباعه، ثم انتقل إلى العراق فقيل: إنه قتل بها.

قال لي والدي- رحمه اللّه-: إن هذا الرجل كان له مال كثير ورثه من والده، فأخرجه على الفقراء، و تصدق به كله، و خرج فقيرا، لكنه لم يقف عند حده، بل طمع في الولاية، و هي لا تحصل إلا بالموهبة الإلهية و العناية الربانية، و إنما ذكرت حال هذين الرجلين؛ تنبيها على حسن اعتقاد الخدام في المجاورين، و جميل ظنهم فيهم رحمهم اللّه تعالى.

و منهم:

[18- عز الدين مختار الحلبي.]

كان من كبار الخدام، و ممن اتصف بأحوال الصالحين و محبة العلماء، أثنى عليه الشيخ عبد الواحد الجزولي- رحمه اللّه- و ذكر له مناقب كثيرة، و كان مسكّنا(1)مع والدنا في داره التي أوقفها على جمال الدين المطري مجاورة لرباط


1) في المطبوع:( مسكننا) و المثبت من الأصل.

الشيرازي، و هي اليوم وقف على أولاده رحمهم اللّه تعالى.

و منهم:

[ شفيع الكرموني.]

((1)شفيع الكرموني.)

كان- رحمه اللّه- من أحسن الخدام شكالة و طولا، و أعدلهم بنية، و كان من أقدرهم على مخالطة الناس، و كان له صولة عظيمة في المسجد على من رأى منه أدنى مخالفة، خصوصا من رأى منه أدنى مخالطة لأهل الشر(2).

و قد بنى هو و الشيخ ناصر الدين نصر عطا اللّه، دارين عظيمتين غرما عليهما مالا عظيما، و تعبا فيهما تعبا كثيرا، فلم يسكنا فيهما، و لم يتمتعا بهما حتى توفّيا، عوضهما اللّه خيرا و رحمهما(3).

و لشفيع اليوم خادم صالح عاقل، لم أر أحسن من سكونه، و قلة فضوله و عزلته عن الناس، جزاه اللّه خيرا، فقد سلم الناس من يده و لسانه.

و منهم:

[ شمس الدين صواب المغيثي- رحمه اللّه-.]

((4)شمس الدين صواب المغيثي- رحمه اللّه-.)

ما كان أدينه و أورعه، كان أول من يأخذ من محط خدمة المسجد الشريف،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 221.

2) التحفة اللطيفة 2/ 221 نقلا عن المصنف.

3) التحفة اللطيفة 2/ 221 نقلا عن المصنف.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 247. المغانم 3/ 1219.

و تعليق قناديله، و أول من يسبق إلى المسجد من المصلين، لزم أسطوانة المهاجرين حتى عرف بها، و هي الأسطوانة الثالثة من أسطوان التوبة عند المحققين، و كان إذا جاءت نوبته في الخدمة يضع الأطعمة الكثيرة، و الألوان الفاخرة، و يدعو لطعامه من عرف و من لم يعرف، و كذلك كان يفعل جميعهم سوى أنهم يتفاضلون في السخاء و الكرم و طيب النفس، يريدون بذلك وجه اللّه تعالى(1).

و كان- رحمه اللّه- على أهل الدولة، له عقدة لا تنحل، و شفرة لا تنكل، نفعنا اللّه به بعد وفاة والدنا في سبع سيده، و ذلك أن بعض أهل الشر بذل للأمير منصور في وظائف والدي مبلغا جيدا، حتى تكون كلها له و يخرجنا منها، فأرسل الأمير إلى شيخ الخدام ظهير الدين يعرفه بأنه قد حصل له في هذه الوظائف كذا و كذا، فإن دفع أولاد المتوفّى هذا المبلغ، و إلا أخذتها منهم للذي بذل إليّ(2)ذلك، فعرض علينا الشيخ ذلك، و قال: هل في حالكم شي‌ء و لو ألف درهم؟ فقلت له: و اللّه لم يخلّف لنا والدنا دينارا و لا درهما واحدا، غير نفقة من الحبّ أوصى بثلثها، و دارا نسكنها، و كتبا نقرأ فيها، فإن كتب اللّه قسمته، و إلا فهي رزية و بلية، نرجو من اللّه العظيم كشفها و العوض عنها.

فقام حينئذ شمس الدين المغيثي و صاح على الشيخ، و قال: في مثل هذا تتهاون، و اللّه لا يصل هذا اللعين إلى وظيفتنا، و لا يقرأ فيها أبدا إلا أن يفعل بي كذا و كذا، فبلغ ذلك الأمير، فلم يسمع من الذي سعى عليها بعد ذلك في حقنا كلمة، ورد اللّه كيد ذلك الرجل في نحره ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و ببركة والدنا،


1) التحفة اللطيفة 2/ 247 نقلا عن ابن فرحون.

2) في المطبوع( لي) و المثبت من الأصل.

ثم دارت الدائرة على ذلك الرجل، فأخرج من جميع وظائفه التي تتعلق بالحرم الشريف، و اللّه تعالى مع الضعيف.

توفّي شمس الدين في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة فيما يغلب على الظن- رحمه اللّه-، و دفن أمام باب قبة سيدي إبراهيم بن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و منهم:

[ عز الدين دينار البدري.]

((1)عز الدين دينار البدري.)

رحمه اللّه من خادم، إذا(2)قيل للنبي صلى اللّه عليه و سلم خادم، كان مسكنه دار الشرابي بزقاق الخدام، قد جعلها موئلا للإخوان، و مرفقا لكل مرتاد، يعدّ فيها للمرضى أنواعا من الأمواه و الأشربة و الأغذية، لا يمرض فقير أو مجاور أو خادم إلا جاءه في الحين، و حمل إليه من كل ما يحتاجه، و كان عطاؤه عطاء السلاطين، و إن أعطى ماء لسان الثور، أو ماء خلّاف، و ما أشبه ذلك ملأ الإناء، و كذا يفعل في الشراب و السكر و غير ذلك، و متى وصف لمريض فقير دواء سعى في تحصيله حتى يأتيه به، ثم إنه لا يزال يطبخ في بيته الأشياء اللطيفة المناسبة، و يحملها بنفسه على يده، لا يستعين بعبده، و لا بغلامه(3).

و لا أقول إنه يفعل ذلك مع أصحابه و من يعرفه من عناياه(4)، و أحبابه، بل يجري خيره على جميع الناس، و يأتيهم في الرّبط و المدارس، و يترقق لهم


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 43.

2) في المطبوع:( إذ) و المثبت من الأصل.

3) أورده السخاوي في التحفة 2/ 43، نقلا عن ابن فرحون.

4) يعني: من يعتني به من أقاربه.

و يشفق عليهم، و يشهيهم- رحمه اللّه-، هذه حاله فيما ملكت يمينه.

و أما غير ذلك من مساعدة الضعيف، و القيام مع المنكسر بدين أو فقر فالعجب العجاب، و يخرج من ماله و يتضمن في ذمته، و يدخل على الغريم في بيته، و لقد ضمن مرة نحو خمسين ألف درهم طولب بها، و ضيّق عليه فيها، ففرج عنه ببركة نيته، و لو تتبعت آثاره الحسنة، و مناقبه الجميلة، لكان سيرة مدونة.

و أما سعيه في التئام الكلمة و إصلاحه بين الناس، و جمع الشمل بين الإخوان، و التأليف بين الأقران، فمن عجائب الزمان رحمه اللّه تعالى رحمة تنزله الجنان، و تبعده عن النيران، توفّي- رحمه اللّه- سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة.

و منهم:

[ شمس الدين رشيد الدورخاني.]

((1)شمس الدين رشيد الدورخاني.)

رحمه اللّه، كان فيه من مكارم الأخلاق، و من محبة الإخوان و الشفقة على طلبة العلم و سذاجته، و قلة حذاقته في الدنيا ما لا مزيد عليه، يعطي العطايا الجزيلة، بيته بيت الملوك، و نوبته اقرأ من كتاب اللّه ما بعد يأتيك(2)، كان سيده يحبه فيتحفه في كل سنة بما يحتاج إليه من السّكّر و الشراب و أنواع الحبوب، و حبّب اللّه إليه الإنفاق، فاتسع الناس في خيره حتى مات مستورا رحمه اللّه تعالى في سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 65.

2) نقله السخاوي في التحفة 2/ 65 عن المؤلف.

و منهم:

[ شمس الدين صواب الجمداري.]

((1)شمس الدين صواب الجمداري.)

رحمه اللّه تعالى كان من أجاويدهم و ذوي الرأي منهم، ممن يعظّم الشرع و أهله، عليه سكينة و وقار و حسن أخلاق، و بشاشة عند التلاقي، كانت له رئاسة و حشمة، و إطعام للكسرة، و كان نائبا للشيخ عز الدين، و له عتقاء حسنة، و بنى دارا و أوقفها، و اشترى في آخر عمره نخلا جيدا و أوقفه، و له غير ذلك من الأوقاف، كان ذا حياء لا تكاد تراه يمزح و لا يضحك، و لا يجلس إلا في وقت ضرورة في أيام نوبته، و له خادم رئيس قليل الخلطة بالناس، توفّي الجمداري رحمه اللّه تعالى في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة(2).

و منهم:

[ جمال الدين محسن الإخميمي.]

((3)جمال الدين محسن الإخميمي.)

و منهم:

[ ظهير الدين مختار الزمردي.]

((4)ظهير الدين مختار الزمردي.)

كانا على نسق واحد من حسن الهيئة و المهابة و الرجلة(5)و الحذاقة، مع


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 245.

2) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة 2/ 245، نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 448، المغانم 3/ 1276.

4) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1276.

5) الرجلة: القوة.

المحافظة على المروءة، و السلامة من الناس في مخالطتهم، توفّي الزمردي بمكة سنة خمسين و سبعمائة.

و أما جمال الدين الإخميمي رحمه اللّه تعالى، فإنه رأس الخدام حتى عيّن لمشيخة الحرم لكن أدركته المنية.

و كان رحمه اللّه رأس الخدام في وقته، و أكثرهم حشما، و أبعدهم من الشر و أهله، لين الجانب، كثير الأدب، حسن الخلق رحمة اللّه عليه، و بنى دارا حسنة و أوقفها، فلما كملت مات قبل أن يسكنها عوضه اللّه خيرا(1).

و كان لي من وده و موالاته نصيب وافر، و كان له نخل أوقفه، و غلام أعتقه، و جعله مع الفراشين هو من خيارهم، جزاه اللّه خيرا و رحمه رحمة واسعة، توفّي سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و منهم:

[ شهاب الدين مرشد القارئ.]

((2)شهاب الدين مرشد القارئ.)

رحمه اللّه، كان قريبا من الناس، سريع الميل إلى من يؤانسه و يجالسه، و كان يتعانى الأشياء الحسنة اللطيفة من الأشربة و الأمواه و المعاجين و الفاكهة، و لا يزال بيته معمورا بالضيفان، مبذولا للإخوان، يعمل الأشياء الفاخرة من الحلوى العزيزة الوجود في الحجاز، و يهديها لأصحابه، و يتحف بها من يرغب في بركته و دعائه من صالحي المجاورين.


1) نقله السخاوي في التحفة 3/ 448 عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1276.

و كان- رحمه اللّه- قلّ أن تطلب منه حاجة فيقول: لا أجدها، بل يحرص على تحصيلها و يطلبها من مظانّها، حتى يقضي حاجة صاحبها، سجيّة صالحة، و تجارة رابحة.

و منهم:

[ الطواشي نصر- رحمه اللّه-.]

((1)الطواشي نصر- رحمه اللّه-.)

كان من عباد اللّه الصالحين، كان من الخدام القدماء الصلحاء، المتمرنين على العبادة، المتصفين بصفات أهل السعادة، كان يجاور سنة بالمدينة و سنة بمكة، و كان يختار سكنى رباط دكالة، لم يزل فيه ليقرب من صحبة المشايخ الصلاح الساكنين به، و كان يصوم الثلاثة الأشهر متوالية، و كان لا يصحب إلا المجاورين الذين لهم في العبادة قدم، و هم في الناس كنار على علم، له اليوم خادم صالح من أهل القرآن، عاش بين الإخوان بعقله، و ساس وقته بفعله، و كانت وفاة سيده فيما يغلب على الظن سنة ست و ثلاثين و سبعمائة.

و منهم:

[ مختار المعروف- بالمولّه-.]

((2)مختار المعروف- بالمولّه-.)

كان من إخوان نصر الطّواشي في خلقه، صحب المشايخ الكبار، مثل الشيخ أبي محمد البسكري و غيره، فتأدب بآدابهم، و اكتسب من أخلاقهم، و كان له كرم و اعتقاد حسن، و كان من الخدام الذين لهم أخباز، و كان الشيخ عمر الخراز من إخوانه، و كان عمر يأخذ الدّين الكثير لأجل عياله، فيأتي الموسم و عليه فوق


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1292.

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1292.

الثلاثة الآلاف درهم فيقضيها الطواشي مختار، و ربما يقول له: خذ من خبزي بغير ميزان، فيحفن له حفنات تقضي دينه، و يعينه على وقته.

و بلغني أنه يجمع الفقراء و يعطيهم ثوبه يفلّونه، يريد بذلك المؤانسة، ثم يعطيهم التمر و الخبز يرون أنه أجرة، و ما هو إلا ليحصل الثواب و الأجر بلا منة عليهم، رحمة اللّه عليه، توفّي سنة إحدى و أربعين و سبعمائة.

و منهم:

[ عز الدين ريحان الطباخي.]

((1)عز الدين ريحان الطباخي.)

رحمه اللّه، كان حنفيّا، متفقّها، ملازما للعلماء، محبّا في الفضلاء، مساعدا عند الشيوخ على تسديد الأمور المعضلات، و ترقيع الخصومات، كثير الحج إلى بيت اللّه الحرام، توفّي رحمه اللّه في سنة ست و أربعين و سبعمائة.

و منهم:

[ ريحان الهندي.]

((2)ريحان الهندي.)

من الخدام الذين طالت إقامتهم في الخدمة الشريفة، له مآثر حسنة، و وقف رباطين حسنين، عمّ النفع بهما، و نخيلا جيدة، و سقاية للماء، و دارين، و كان كثير المعروف، محبّا للخير و أهله، مؤثرا الباقي على الفاني(3)، رحمه اللّه.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 71.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 72.

3) نقله السخاوي عن المؤلف بالنص.

و منهم:

[31- أمين اللّه خالص البهادي.]

كان فيه من السكون و الخير المكنون، ما لا مزيد عليه، و كان يتعانى الفلاحة، فيخالط الناس فيسلم منهم و يسلمون منه، متواضعا متأدبا يرحم المسكين، و يعين من به يستعين.

طالت أيامه و كثر ماله، حتى أوقف الأوقاف، و له رباط بباب البقيع، و له عتقاء من عبيد و إماء، و غرس في الحرم خادمه سرورا لقراءة القرآن، و ألزمه حضور الأسباع، فجادت قراءته و حسن صوته، فظهر بين أقرانه برجلة، و شجاعة.

و منهم:

[ عنبر الموصلي.]

((1)عنبر الموصلي.)

و هو من قدمائهم، كان خادما للشيخ محمد الأعمى، خدمه محبة للّه و موالاة، فاكتسب من أخلاقه الحسنة و رياضته مدة حياته، ما حصّل به خيري الدنيا و الآخرة، بنى دارا قبالة دار العشرة و أوقفها(2).

و منهم:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 373.

2) العبارات بنصها لدى السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

[ مفتاح الهندي.]

((1)مفتاح الهندي.)

كان من الكبار، عاش مائة سنة على عبادة و مجاهدة من أرباب الكرامات، وقف نخلا جيدا بالحشان، و نخلا آخر ببئر عز العرب، كان يعمل كل سنة في شهر ربيع الأول مولدا للنبي صلى اللّه عليه و سلم ينفق فيه نفقة جليلة، و كان يقول: إنه يعرف يوم وفاته، و إنه يموت في شهر رجب- أظنه السادس أو الرابع منه- فكان كذلك، و كان غالبا يعمل مولده في بيتي، و يحضر كأنه واحد من الجماعة.

و حضر يوما مع الجماعة، فلما خرجوا قدمت له طعاما فيه لحم، فوقفت في حلقه لحمة، شهق منها شهقة ما شككت أنه مات، ثم إنه أفاق بعد ذلك، و قال لي عند إفاقته: خفت عليّ أن أموت، لا أموت اليوم، بل بقي لي كذا و كذا ثم أموت، فكان كما قال رحمه اللّه و نفع به.

و منهم:

[ الطواشي صندل.]

((2)الطواشي صندل.)

كان من أكابر القدماء الرؤساء المتعففين الدينين، كثير الصدقة بالبر و الخير، و أوقف و أعتق، و أثر آثارا حسنة، و كان من أحسن الناس خلقا و خلقا، محبّا في المجاورين، شفوقا على أولادهم، قد سلم الناس من يده و لسانه.

و منهم:


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1293.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 243.

[35- نجيب النظامي.]

توفّي و هو ساجد في صلاة التراويح، رحمة اللّه عليه عند باب الرحمة.

و اعلم أنه كان قبل هؤلاء و معهم و بعدهم جماعة كثيرون، ينيّفون(1)على المائة لو عددتهم كلهم متصفون بالخير الكثير، و الدين المتين، و الأوقاف من الدور و النخيل، و عتق الأرقاء من الخدام، الذين كثير منهم اليوم في الحرم الشريف، و العبيد و الإماء مع الاجتهاد في قراءة القرآن، و الإكثار من سماع الحديث، و لو تتبعتهم و ذكرت صفاتهم و ما علمت من أحوالهم، لطال الكلام و اتسع المقال.

منهم:

كافور المحسني، نائب المشيخة، و التاجي، و الناصحي، و صواب الأبكي، و مختار البغدادي الحلي، و كافور التكريتي، و عنبر المخلصي، و عنبر الفارقي، و شبل الدولة كافور الجلدكي، و نصر الصالحي، و دينار القرطبي، و الجواجاني، و صندل البغدادي، و الفخري، و مختار خادم اللالا، و غيرهم طبقات عديدة يطول ذكرهم تغمدهم اللّه برحمته.

ثم إن في الحرم الشريف اليوم جماعة كثيرة من نمط هؤلاء المتقدم ذكرهم، متصفون بما اتصف به إخوانهم من الديانة، و صحبة الصالحين، مع الحسنات الكثيرة الظاهرة و الخفية، و الأوقاف العظيمة من النخيل و الدور و العتقاء مع قراءة القرآن، و المواظبة لاستماع الحديث، و المثابرة على الصلاة في الصف


1) في المطبوع:( ينوفون).

الأول دائما، و فيهم جماعة متبتلون للعبادة على طريقة السلف الصالح نفع اللّه بهم، و لم أترك ذكرهم إلا أن الغرض في هذا تنبيه الشاهد بأحوال الغائب، و تحريض الخلف، على اتباع السلف، و قد ذكرت منهم جماعة مع ذكر معتقيهم.

و سيأتي ذكر بعضهم في أثناء الكتاب إن شاء اللّه تعالى، و لم أقصد الترتيب فيما وضعت، و إنما وجه اللّه العظيم أردت، فيما سأذكره و فيما قد ذكرت، و جمع الكلمة قصدت، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت.

فصل في ذكر جماعة من المجاورين القدماء و المشايخ الصلحاء و التعريف بكشف أحوالهم و مناقبهم‌

اشارة

و أصف لفروعهم طيب أصولهم؛ ليتخلّقوا بأخلاقهم، و يتأدبوا بآدابهم، و يكتسبوا من محاسنهم في الأقوال و الأفعال.

و في مثل ذلك يقال:

أرى كل عود نابت في أرومةأبى صالح العيدان أن يتغيرا

بنو الصالحين الصالحون و من يكن‌لآباء صدق فهو بالخير أجدرا

فمن أوّلهم و أولاهم بالذكر ذو الولاية العليّة، و المقامات السنيّة:

[ الشيخ الصالح الولي الرباني، أبو محمد عبد اللّه البسكري.]

((1)الشيخ الصالح الولي الرباني، أبو محمد عبد اللّه البسكري.)

كان في بلاده من أكابرها في النسب، و من أعيانها في المال و الحسب، خرج عن ذلك كله، و انقطع إلى اللّه تعالى و رسوله، و خرج مجردا فقيرا، صحب مشايخ وقته شرق البلاد و غربها(2).

و منهم:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 368.

2) نقله السخاوي من ابن فرحون بالنص.

[ الشيخ أبو محمد المرجاني.]

((1)الشيخ أبو محمد المرجاني.)

و غيره.

ثم أوى إلى المدينة في وقت شديد، على قدم التجريد، فأقام أولا بالمدرسة الشهابية مدة، ثم انتقل إلى رباط دكالة و معه جماعة من أهل المجاهدة و الصبر، فمكث به سنين لا يعلم حاله أحد، و لم يتعرض لزوجة و لا ولد، كان أصحابه يطوون الأيام على غير شي‌ء من الطعام.

أخبرني بعض خدام الشيخ رحمه اللّه: أنه كان له أصحاب مغاربة مثل:

يوسف الخولي، و حسن الخولي، و محمد المكناسي، إذا جاءوا من عملهم من الحدائق حملوا معهم شيئا من رمام البقول الذي لا يصلح إلا للدواب، كالسلق، و بقايا اللفت، و من هذا الجنس، فيأتونهم به فيأخذه خادمهم و يسلقه، و يضعه في قصعة إلى أن يأتوا من صلاة العشاء، فيقدمه لهم و هم صائمون، فيأخذ كلّ منهم كفايته، و ما فضل عنهم أخذه الخادم و رماه في خارج باب البلدة، تأكله البهائم.

استمروا على ذلك سنين لا يعملون غير ذلك إلا في النادر، حتى فطن بهم بعض الناس، و كان يأتيهم بشي‌ء من الأعشار كعشر الشعير و التمر، منهم تركي الأمير جماز يقال له: سنجر، و أبو شميلة الدارنجي فترفع حالهم و كثر أتباعهم، و مال الناس إليهم لما رأوا من خيرهم و اعتزالهم، ثم قصدهم الخدام و صحبوهم، و اشتهر في البلاد ذكرهم، و ذكر الشيخ أبو محمد، فكان يقصد من


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 354.

البلاد البعيدة كاليمن و غيرها.

و كان الشيخ مبسوط اليد لا يدّخر شيئا، و لا يرد فقيرا، و لا يبيت على معلوم، كان إذا جاء قادم من مكة أضافه و وانسه، ثم يقول له: ارفع طرف الحصير، فيرفعه فما وجده تحته فهو له، سواء كان درهما أو مائة، و إذا أطعم الفقير لم يدع في بيته قمحا و لا سمنا و لا عسلا، بل يعمل له الجميع حتى إنه عمل يوما للفقراء طعاما و لم يجد له إداما غير برنية شراب أهديت له لمرض كان به، فأمر بصبّها و إيدام الجماعة بها، و ظهر في الناس بالكرامات و الإخبار بالمغيبات، حتى انعطف عليه الناس لعلمه و عمله، و كرمه و حسن خلقه، و كان مع ذلك مهيبا في جماعته، بل في الحرم الشريف.

قال لي من أثق به: إنه كان إذا دخل المسجد خضع له كل من فيه، من كبير و صغير، و متى رأى منكرا غيّره بلسانه أو بيده، و كان أعظم أصحابه.

[ الشيخ عبد الواحد الجزولي رحمه اللّه من العلماء الزهاد]

((1)الشيخ عبد الواحد الجزولي رحمه اللّه من العلماء الزهاد)

، و منقطعا كانقطاع الشيخ أبي محمد، و مجاورا له في رباطه، مكبّا على نسخ العلم، عالما بالحديث و القراءات، له كتب كثيرة بخطه أوقفها كلها، و فرّقها قبل موته بقليل رحمه اللّه، كان إذا رأى منكرا غيره بيده و لسانه، و اتفق أن بعض المشايخ الكبار مرتب في قراءة ختمة قبل صلاة الجمعة يجلس لقراءتها على كرسي، و يرفع صوته بالقراءة، فقال له الشيخ عبد الواحد: لا تجلس في هذا الوقت، و لا ترفع صوتك بالقراءة فيتأذى الناس برفع صوتك، فقال: هذه وظيفة مشروطة بهذه


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 104.

الصفة، فلا بد أن أفعل الشرط، و إلا آكل حراما، فقال له: قد نهيتك، فإن لم تفعل و جلست بعد هذا أخذت بلحيتك هذه، و أنزلتك من على كرسيّك، فإن شئت فافعل، و إن شئت فدع، فترك ذلك رحمه اللّه.

فلما ذهب أولئك الشيوخ الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر، عادت القراءة كما كانت، و هي الختمة التي تقرأ اليوم في الروضة قبل الصلاة.

و كان مما يعد من كرامات الشيخ أبي محمد البسكري، أنه لا يأتيه مظلوم يشتكي عليه ظالمه إلا شفع له، فإن شفع فيه، و إلا عجلت عقوبة الظالم في وقته.

أخبرني من أثق به: أن الشيخ:

[ أبا العلا إدريس رحمه اللّه]

((1)أبا العلا إدريس رحمه اللّه)

تكلم بكلام وصل إلى الأمير جماز، فغضب عليه و أمر بإخراجه من المدينة، و ذلك أن شيخ الخدام في وقتهم كان يحسن إليهم و إلى سائر المجاورين، و يفرق عليهم من التمر كل سنة قدر كفايتهم و عيالهم، و كان شيخ الخدام يومئذ يجري في الأوقاف مجرى أهل المدينة في مغارساتهم و معاملاتهم على جاري العادة في المدينة، و أحكام قضاتهم، و لهم عادة في المغارسة غير جائزة بإجماع من الأمة، و الأملاك لا تعمر إلا بها، و لا يرغب في خدمتها إلا من يأخذها بذلك.

فبلغ ذلك الشيخ أبا العلا رحمه اللّه، و كان من الورعين الزاهدين، فلما جاء


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 283.

وقت تفريقه التمر على المجاورين أرسل إليه بنصيبه على العادة فتورع وردّه، فجاءه الشيخ، و قال: لأي شي‌ء ترد التمر و أنت لم تزل تأخذه؟ و إذا كانت غنيّا عنه صرفته على مستحقيه و لا ترده في وجهي؟

فقال له: أنت خالفت في الأوقاف المعاملة الشرعية، و عملت فيها ما لا يجوز، و أدخلت علينا الشبهة فيما نتناوله منها، و هذا لا يجوز لك، و لا يحل لنا أن نأخذه منك، فاشتدّ على الشيخ كلامه و أن يسمع منه مثل هذا الكلام، و كانوا يغارون على عرضهم و دينهم من مثل هذا الكلام، أو دون هذا، فكأنه شكى حاله معه إلى الأمير جماز، و قد تقدم أنه كان بينه و بين الشرفاء خلة و صحبة أكيدة، فاغتاظ الأمير، و أمر بإخراج الشيخ أبي العلا من المدينة.

فبلغ ذلك الشيخ أبا محمد البسكري و الجماعة فعزّ ذلك عليهم، و أرسل الشيخ أبو محمد إلى الشيخ بأن يترك له صاحبه و لا يشدّد عليه، و يرد الأمير عنه، فلم يفعل.

فقيل لي: إن الشيخ أبا محمد بعث إليه جماعة من أصحابه بعد العشاء الآخرة، فدخلوا عليه في بيته فوجدوه قد اضطجع على سريره، فوقفوا بين يديه كاشفين رءوسهم في الاستغفار، فغفل عنهم فنام و غلب عليه النوم، فما قام حتى ذهب جانب من الليل فوجدهم قياما على حالهم فعزّ عليه.

و قال: اذهبوا حتى يأتيني هو بنفسه أو شيئا نحو ذلك، فرجعوا و لم تنقض لهم حاجة، و أخبروا الشيخ أبا محمد بما تمّ لهم معه، فغاظه ذلك و خرج لصلاة الصبح، فاجتمع بالقويضي ابن أبي النصر، و كان مفتي الإمامية و شيخهم، و كان يعتقد الشيخ أبا محمد، فحكى الشيخ الحكاية، فجاء إلى شيخ الخدام فكلمه فأنعم له و قبل شفاعته، ثم جاء إلى الشيخ أبي محمد، فقال له: قد

أنعم و رضي و جعل له بذلك عليه يدا.

فلما خرج جمع الشيخ أبو محمد أصحابه، و حكى لهم ما جرى من الشيخ و كونه لم يقبل الفقراء، و لم يعزّ عليه وقوفهم بين يديه كاشفين رءوسهم، و قبل شفاعة ابن أبي النصر، فجمعوا خواطرهم عليه فمرض من حينه، و اشتكى حتى طلب منهم التحليل و الرضا، فنفد سهمهم و انقضى فيه الأمر فقضى.

أخبرني أقضى القضاة جمال الدين المطري- و كان ملازما خدمتهم؛ لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم-: أن الشيخ أبا محمد لما دخل مكة المشرفة قصد زيارة الشيخ نجم الدين الأصبهاني، فلما جلس إليه أراد أن يسأل الشيخ نجم الدين عن اسمه، فبدره الشيخ نجم الدين، و قال له: اسمي مكتوب بين عينيك، ففهم الشيخ مقاله، و أنه كاشفه، و أن اسمه كاسمه عبد اللّه رحمهما اللّه.

و لما عزمت على التوجه إلى مكة المشرفة في طريق المشيان في حال الشبوبية، أظنّه عام عشر و سبعمائة، جاء والدي إلى الشيخ أبي محمد فأخبره بعزيمتي، فقال له: ابعثه إليّ، فجئته.

فقال: بلغني أنك تريد مكة المشرفة، فقلت: نعم يا سيدي؛ لأجل العمرة في رمضان، فقال لي: من رفيقك؟ فذكرت له جماعة من الفراشين و غيرهم، فقال لي: ليس في هؤلاء من هو من جنسك و لا من يليق بك، و لكان اصبر قليلا حتى ننظر لك، فقلت له: ضاق الوقت، و قد دخل شهر رمضان و مضى أكثره، فقال لي: اسمع ما أقول لك، فذهبت عنه و وثقت بوعده، فما كان إلا قليلا إذ ورد المدينة زائرا.

[40- الشيخ محمد بن عمران الخضري و جماعة من الصالحين]

، فدعاني الشيخ و قال لي: سافر مع هذا، فسافرت معهم، فرأيت من الشيخ محمد بن عمران و أصحابه من الخدمة و الشفقة و المؤانسة، ما لو كان والدي معي لم يرفأ بي كذلك، و لم أحمل معهم غير عصاي التي كانت بيدي رحمهم اللّه أجمعين.

فدخلت مكة ليلة الثامن و العشرين من رمضان، و خرجت يوم العيد متوجها إلى المدينة مع الشيخ الصالح.

[41- محمود اللاري]

، ذي الأخلاق الحميدة، و المعاشرة الجميلة، و الديانة التامة، و المبادرة إلى انتظار الصلوات من أول الأوقات، فصحبته في الطريق فكان نعم الصاحب، و كان ذلك بإشارة الشيخ أبي عبد اللّه النحوي، و إشارة أبي عبد اللّه الشريف الفاسي رحمهما اللّه، فوصلت المدينة في ستة أيام، و ذلك كله ببركة الشيوخ و خاطر والدي رحمه اللّه.

و كان الشيخ أبو محمد البسكري قد ابتلي في آخر عمره بالبواسير نسأل اللّه العافية لنا و لكم، فانقطع في بيته و لزم حجرته، و قاسى منها مقاساة عظيمة حتى كان يقول: لو جاز لي أن أسأل اللّه تعالى لي الموت لسألته، من شدة ما قاسى، رحمه اللّه.

و له من المناقب و الأحوال العليّة ما لا أحصيه عدّا، و لا ينتهي حدّا، نفع اللّه به، و هو صاحب القصيد المشهورة المباركة التي أولها:

دار الحبيب أحق أن تهواهاو تحنّ من طرب إلى ذكراها

و رأى بعض الصالحين النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و أشكّ هل كان هو الشيخ رحمه اللّه أو غيره؟ و أنشد هذه القصيدة فلما بلغ آخرها.

و هو قوله:

و الحمد للّه الكريم و هذه‌نجزت و ظنّي أنه يرضاها

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: رضيناها رضيناها(1).

و أما من بعده في هذا المقام الرفيع، و المرتع المريع.

فصاحبه الشيخ:

[ عبد الواحد الجزولي.]

((2)عبد الواحد الجزولي.)

كان فيه من الشدة في الدين، و قوة اليقين، مع العلم و العمل ما لا عليه مزيد(3).

و قد تقدم ذكره مع الشيخ أبي محمد البسكري رحمه اللّه، توفّي قبل والدي بسنين أظنها أربعا أو خمسا، و أما ذكر جماعتهم فقد تقدم ذكر بعضهم.

و ممن كان يخدمهم من الأعيان الشيخ سعيد و الشيخ ريحان النوبي و الشيخ موفق الحبشي و كثيرون على أخلاق شيوخهم و طريقتهم، و خلف الشيخ أبا محمد في مكانه و منزله جماعة صلحاء.


1) و ممن ذكر ذلك أيضا: السخاوي في( التحفة اللطيفة) 2: 66، و السمهودي في( وفاء الوفا) 5/ 127، و ذكر القصيدة بتمامها.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 104 و قد تقدم ذكره برقم 38.

3) العبارة بنصها لدى السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

منهم:

[ الشيخ عز الدين الواسطي.]

((1)الشيخ عز الدين الواسطي.)

كان من أهل العلم و العمل، و أرباب القلوب، دخل المدينة للزيارة فوقف على باب السلام، و سلم من مكانه و رجع إلى منزله، فقيل له في ذلك، فقال:

إني لم أجدني أهلا للدخول إليه، و لا للوقوف بين يديه، من أنا حينئذ حتى أصلح لذلك(2).

ثم أقام بالمدينة فكان لا يزال لسانه رطبا بذكر اللّه و بتلاوة القرآن، و كان يقرأ قراءة لم يسمع السامعون مثلها، و كان مسكنه في الرباط المذكور في بيت الشيخ أبي محمد على تقشف و فقر.

كانت يوما عند الشيخ أبي الحسن الخراز فقال لي و لجماعة معي: رأيت البارحة هذا الفقير الذي أقام عندنا على المنبر يخطب، فلا بدّ له من ذلك.

و كذلك رأيته بعد وفاة الشيخ أبي الحسن على المنبر خطيبا، لما سافر القاضي سراج الدين استنابه في الإمامة و الخطابة، فقام بها أحسن قيام، و كان عليه روح، و للناس فيه اعتقاد عظيم، و هذا مع ما يوجد فيه من سلامة الباطن و السذاجة و التغفل، حتى يظن الذي يراه أن به هبلا، و هو في علمه و اجتهاده متقن العلم و العمل لا يعتريه خلل، إذا أخذت معه في شي‌ء من أحوال الدنيا، كان جوابه بأحوال الأخرى، فينقطع معه الكلام.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 59، المغانم المطابة 3/ 1245.

2) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

و كان إذا جاء أحد و شكى إليه من ضرر أو مرض، قال له: قل: يا أول الأولين، و يا آخر الآخرين، و يا ذا القوة المتين، و يا راحم المساكين، و يا أرحم الراحمين سخّر لي كذا، أو اصرف عنّي كذا، فإن جاءه يشكو من فاقة و قلة، قال له: قل: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر: 2(1).

و مما جرى من أحواله أن المدينة حوصرت أياما، و اشتد حال الناس من التضييق عليهم و الخوف من عدوهم، و مع ذلك لا يدري ما الناس فيه فاختفوا في بيوتهم، فلقيه شخص من الهاربين من أرباب الدولة و الشيخ قد توضأ، و خرج إلى المسجد فقال له: يا سيدي أين تريد؟ قال: المسجد، قال:

المدينة دخلت و أبواب المسجد غلّقت، لا يدخله أحد.

قال: أي شي‌ء تقول؟ فأعاد عليه، قال: و من هم هؤلاء المساكين الذي أخافوا المدينة و أهلها، و يريدون أن يمنعونا من صلاة الصبح في جماعة؟ ثم مضى إلى المسجد فعلم بمكانه ففتح له، و دخل و صلّى ما كأن شيئا جرى، فكان ذلك الشخص يحكي هذه الحكاية، و يعجب الناس بها(2).

و لقد أخبرني بعد وفاة والدي و كان يقرأ على والدي العربية، و يقطع الكتاب من أوله إلى آخره، ثم يعيده مرة أخرى لطلب المؤانسة معنا، و المحبة في والدي فبشرني بأنني أكون في مقامه، و أتولى ثلاث و لا يات في ذلك العام فكان كذلك، جاءني موسم بالتدريس في المدرسة الشهابية، و جاءني تدريس درس القاضي فخر الدين ناظر الجيش، و جاءني تدريس من المغرب، أقامني


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

فيه شعيب بن أبي مدين، و ذلك كله في عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة، فأعان اللّه تعالى و رزقني على الإشغال(1)إقبالا كثيرا، و حسدت حسدا عظيما، و قصدت بالأذى فزادني طولا، كثير يظنون أنهم يسعون في إخمالي و حط منزلتي، و ما سعوا إلا في ظهوري و نشر فضيلتي(2).

و للّه در القائل:

من خص بالشكر الصديق فإنني‌أحبو بخالص ودي الأعداء

ورووا علي معايبي فحذرتهاو نفيت عن أخلاقي الأقذاء

جعلوا التنافس في المعالي ديدني‌حتى رفعت بفعلي الجوزاء

و لربما انتفع الفتى بعدوّه‌فالسّمّ أحيانا يكون شفاء

و مع ذلك فقابلتهم بالحلم عليهم، و الإحسان إليهم، و صبرت إلى أن فرّج اللّه تعالى، و النصر مع الصبر فلله الحمد على كل حال.

و للّه در القائل:

ما دمت حيّا فدار الناس كلّهم‌فإنما أنت في دار المدارات

من يدر داري و من لا يدر سوف يرى‌عما قريب قرينا للندامات

و مما جرى لي مع هذا الشيخ في سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة، أنه تحامل عليّ بعض القضاة، و لفيف من أولئك الحسدة، فرموني عند الأمير طفيل برمية بلية، و ذكروا له أن شخصا مات و ترك عندي مالا كثيرا، و لم يكن من ذلك شي‌ء، إلا


1) في الأصل و المطبوع و التحفة:( الاشتغال)، و الاشتغال: الدراسة في فن من الفنون، و الإشغال: التدريس في فن من الفنون.

2) التحفة: 3/ 60.

أن ذلك الشخص أودعني مبلغا قليلا، وصّى به في شراء نخيلات تكون وقفا على رباط السبيل، فقلت للأمير و أعوانه: ليس عندي غير هذا، و قد وصاني فيه بكذا، و معي على ذلك شهود جياد أحدهم الشيخ عز الدين دينار شيخ الحرم، و الآخر الشيخ عز الدين الواسطي، و كان الأمير طفيل غائبا في الفلاة، و اشتغل بي ذلك القاضي و تلك الجماعة، و كانت قضية عويصة، صادفت أوقاتا شنعة، وعدا بشعة، لها قضية طويلة جرى لي في أثنائها ألطاف عديدة.

و ذلك أن وزير الأمير قام عليّ في ذلك بحس القاضي، و بنى على كلامهم، فلما خفت كثرة الأعداء و اشتغالهم بي و تطلبهم عثراتي، شكوت ذلك إلى شيخ الخدام عز الدين رحمه اللّه، و سألته الجلوس في المسجد و المبيت فيه حتى يحضر الأمير من البادية، و كان على مسيرة أيام من المدينة، فجلست في المسجد مع أخي محمد رحمه اللّه ليلا و نهارا، و خرج أخي عليّ رحمه اللّه خفية، و ركب راحلة توجه إلى الأمير في هذا الأمر، و كان له عليه دليّة و صحبة أكيدة، و محاسنة و ملايمة، فأقمت في المسجد عشرة أيام بلياليها، بين قيام و صيام و اعتكاف حصل لي بذلك خير كثير، فكنت في ليلة أصلي عند أسطوانة التوبة، و هي التي في آخر صف الروضة الملاصقة للشباك اليوم، على ما ذكره عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و تبعه مالك بن أنس رحمة اللّه عليه، و ما قيل فيها غير ذلك فغلط، أوجبه أشياء يطول ذكرها، فلحقتني سنة و أنا ساجد عندها، فرأيت شخصا قد خرج ربع القامة، حسن الوجه و الهيئة، مليح الثياب فمرّ عليّ، و قال: قم قضيت الحاجة.

فاستيقظت فلم أر أحدا، فلم يكن إلا قليل إذ جاء أخي بمرسوم الأمير أن لا يتعرض لي أحد، حتى يقدم إلى المدينة، فلما قدم بعد مدة اجتمعت به، فقال: لئن لم تأتني على ما قلت بشهود، و إلا فالذي يقال عنك صحيح.

و كان معي الشيخ عز الدين دينار شيخ الخدام رحمه اللّه، و الشيخ عز الدين الواسطي كما تقدم، فقلت له: معي عز الدين دينار، فقال: لا أقبله، ذلك صاحبك و هو عدونا، فجئت إلى الشيخ عز الدين، و ذكرت له الحكاية، و عهدي منه أنه لا يفهم على الناس ما بينهم من أمور الدنيا و لا يذكر الشهادة، فقال لي: إذا خرج الأمير إلى المسجد لصلاة الجمعة اجتمعت به.

و كان لا يجتمع بأحد من أرباب الدنيا، و لا يعرف الأمير و لا الوزير، لكنه عندهم معلوم السيرة، مشهور الطريقة، فلما حضر الأمير في المسجد، و جلس مجلسه المعروف جئت إليه، و قلت له على خوف: ما تقول في الشيخ عز الدين الواسطي؟ فقال: أقبله و من هنا مثله؟! فناديت الشيخ عز الدين، و في ظني أنه لا يعلم ما قلت له، بل لا يذكر مجلسي معه، فلما جاءه عظّمه الأمير طفيل و قام له، فبدأه الشيخ بغضب، و رفع صوت و انزعاج، و قال: يا طفيل اتق اللّه، كررها ثلاثا، و هو يقول: اللّه يجعلنا يا عز الدين من المتقين.

ثم قال له: أما تتبع جدك و أفعاله، كان جدك علىّ بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- متصفا بكذا و كذا، و ذكر له من الوعظ ما أبهته حتى ودّ أنه لم يأته.

ثم قال له: ليس لك عند هذا الفقيه شي‌ء و لا دعوى، و ذلك الرجل الميت كان فقيرا من الفقراء، و الذي يقول لك الفقيه هو الصحيح و السلام.

فقبل كلامه و حمله على الشهادة، و رأى الناس أن هذا كان من الشيخ بغير قوته، و لا جاري عادته، بل أجراه اللّه على لسانه لما أراد اللّه لي بإحسانه و فضله.

و الذي لقيت من الأعداء و الحسدة البغضاء الذين أبادهم اللّه، و لم يبلغوا

مما أمّلوا من الشر شيئا لا يحصى، و في كيفية نصر اللّه عليهم في قصص طويلة لا تستقصى، و لا يسع تدوينه في كتاب، و إلى اللّه عز و جل معهم المآب.

و ما أحسن قول القاضي صدر الدين بن القماح رحمه اللّه:

اصبر على حلو القضاء و مرّه‌و اعلم بأن اللّه بالغ أمره

فالصدر من لقي الأمور بصدره‌و بصبره و بحمده و بشكره

و الحرّ سيفّ و الذّنوب لصفوه‌صدأ و صيقله نوائب دهره

فإذا أصبت بما أصبت فلا تقل‌أوذيت من زيد الزمان و عمره

و اثبت فكم همّ أهمّك عسره‌ليلا فبشّرك الصّباح بيسره

و لكم على يأس أتى فرج الفتى‌من سرّ غيب لا يمرّ بفكره

و لربّ ليل في الخطوب كوحلةصابرته حتى ظفرت بفجره

و مع ذلك فالخير كله في الحلم و الصبر، و دفع السيئة بالحسنة، و في تقوى اللّه جماع خيري الدنيا و الآخرة، توفّي الشيخ عز الدين رحمه اللّه في (سنة إحدى و أربعين و سبعمائة.

ثم سكن الحجرة مسكن الشيخ عز الدين.

[ أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق التلمساني.]

((1)أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق التلمساني.)

رحمه اللّه، و كان من أحبابي الكبار، و أصحابي الأخيار، بل لم أصحب مثله في الناس و لم أر مثله على قياس، أقام بمكة قبل أن يأتي المدينة، فلزم الطواف حتى زمن و أقعد، فلما قدم المدينة لزمني و لزمته، فمنّ عليه بالعافية، و أول ما


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 247.

نزل نزل في بيتي(1).

و كان معه ولده الفقيه العلامة الخطيب المشهور اليوم في بلاد المغرب بالعلوم و الفوائد، و التصانيف و الرئاسة، و أحبّه الملوك و أحبته الرعية لما اشتمل عليه من المحاسن و العلوم، ثم تسلط عليه أعداء حساد، فامتحن بهم، ثم نجاه اللّه من كيدهم، و حسدهم أسوة بأهل الخير من السلف الصالح.

و كان قدومهم هذا إلى المدينة في عام ثمانية و عشرين و سبعمائة، و كان الولد أبو عبد اللّه المذكور حينئذ لم يبلغ الحلم، فاشتغل بالعلم حتى رجعا إلى بلدهما تلمسان، فأقاما سنتين، ثم رجعا إلى المدينة، فأقام الشيخ و رجع ولده، و استقر الشيخ في الحجرة المذكورة، ثم انتقل إلى بيتي، ثم اشترى نصف دويرة، و سكنها حتى سافر إلى مكة، و مات بها في سنة أربعين أو إحدى و أربعين و سبعمائة(2).

كان له من الكرامات و الأحوال الجليلة العزيزة اليوم ما لا يحصر و لا يعدّ، منها أن سلّط عليه شخص من بلاده يقال له: عثمان بن المعذور، كثير الشر يطلب منه كل حين النفقة، و يشغب عليه وقته بكثرة التردد إليه، فملّه الشيخ أبو العباس و أراد قطعه عنه، فعمل على بابه غلقا له مفتاحان، و أراد إغلاقه حتى يظنّ أنه ليس في البيت أحد، فيخلو بنفسه في بيته حتى يخرج إلى المسجد لصلاته، ثم يرجع إلى بيته، فتسلط عليه هذا الرجل حتى وقف له بالليل عند خروجه في السحر إلى المسجد، و قال له: أنت فلان؟ و حقّ كذا و كذا إن لم


1) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

تعطني ما أطلبه منك لأقتلنك، و لأفعلن بك كيت و كيت، ثم ذهب إلى الشرفاء فسعى به و قال لهم: عند فلان من الذهب عشرة آلاف و بالغ في الأذيّة، و الشيخ يحيله على اللّه تعالى، و يصبر على أذاه حتى مرض الشيخ في بيته، و كان مجاورا لي، فكأنه غفل عن الباب فدخل عليه و هو مريض، فروعه و لو لم أعاجله بالدخول عليه لما كنت أدري ما يفعل به، ثم ذهب إلى الأمير و قال: إن مات ابن مرزوق استغنيت الدهر، و كل ماله عند ابن فرحون، فبلغه ذلك و أخبرته بما صدر منه، فقال لي: وصل إلى هذا الحد؟ أنا إن شاء اللّه أريك فيه(1).

فو اللّه لم تمر عليه أيام قليلة أقل من جمعة، حتى حمل إلى المقبرة بعد عذاب شديد ناله في مرضه، و ذلك سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة(2).

و كان الشيخ لا يأكل الرطب و لا الفاكهة و لا البطيخ و لا العنب و لا اللحم و السمن حتى نحل ورقّ، و عزمت عليه بظاهر الشرع(3).

و كان صائم الدهر، قائم الليل، و لا يفتر من ذكر اللّه تعالى، يتفقد الفقراء في بيوتهم، و يعالج الطّرحاء في مكانهم، و يطوف على المرضى بالمدينة فيتفقدهم أينما كانوا بالطعام و الدواء، و يشهيهم فيعمل لهم ما يشتهون، و يطلب منا المساعدة على ذلك(4).


1) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

2) العبارة لدى السخاوي بالنص نقلا عن المصنف.

3) العبارة بنصها لدى السخاوي في التحفة.

4) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

و كان لا يزال متبسما يسأل عن الصغير و الكبير، و يأتي إلى بيوت أصحابه و يدعو لصغارهم، و كان لي منه نصيب أيّ نصيب، إن قلت: لم أنل الخير إلا معه، و لم أر السعد إلا في أيامه، كنت صادقا(1).

و كان يتفقد نفسه إذا وقع في شي‌ء من الهمّ، حتى إنه جاء يوما من المسجد و بيده قطيعة من حديد، تساوي فلسا، أو لا تساوي، فنادى ولدي أحمد فأعطاه إياها ليلعب بها، ثم خرج عنّا، فلما دخل المسجد رجع بسرعة، فقال: ايتوني بتلك الحديدة، فأتيناه بها، ثم بعد ذلك جاءنا على عادته فسألته عن حكايتها؟

فقال: لما رجعت إلى المسجد فقدت سكينا كانت معي في المحفظة، قال:

فتفقدت نفسي و تفكرت فيما عملت حتى عوقبت في السكين، فلم أجد إلا تلك الحديدة فرددتها في موضعها فوجدت السكين، و كان في هذا المقام و أعلى من هذا المقام(2).

و اتّفق أن مرض في بيتي مرضة شديدة، آيس من نفسه فيها، فدخلت عليه يوما و ولدي أحمد عنده، و كان صغيرا و أسمعه يقول: يا ولدي يا أحمد أقوم من هذا المرض و أتعافى؟ ثم سمعته يقول: فيها البركة يا ولدي، فقلت له: ما يقول لك، و ما معنى كلامك؟ فقال: قلت له: كذا و كذا، فقال: إشارة بيده أربع فتأولتها(3)أربع سنين، فأنا أعيش أربع سنين، فكان كذلك، مات في الأربعة


1) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

3) تحرف في المطبوع إلى:( فتوالتها) و صوابه من الأصل و مثله لدى السخاوي الذي ينقل عن المصنف.

بمكة رحمه اللّه(1).

و كان ليلة يصلي واقفا في السطح، و كان بإزائه نساء في عرس، فضربوا الدفوف و المعازف و الرباب، و أنواع الطرب بحذائه، حتى إنه لم يدر ما يصلي، فرأيته قد نزل إلى أسفل البيت، فلم يكن إلا قليلا حتى طلع إلى مكانه، و سكن ذلك اللعب و اللهو، فسألت عن سبب سكوتهم؟ فقالوا: بينما نحن في ذلك الحال إذ وقعت عروسنا من الدرجة فانعطبت في رجلها، فعلمت أن ذلك ببركة خاطره؛ إذ كانوا على أنواع من المعاصي و الملاهي، نفعنا اللّه به و جمعنا و إياه في مستقر رحمته، فقد انتفعنا بصلاحه و بخاطره و بخدمته و بولده أبي عبد اللّه محمد من بعده حفظه اللّه تعالى، وردّه إلى ما كان عليه والده من الانقطاع عن الناس، و العزلة عن الخلق، فهو- و إن كان على خير-، فحال الشيخ أكمل و أقرب إلى السلامة في الدنيا و الآخرة، و قد تقدم ذكر وفاته جمعنا اللّه و إياه في مستقر رحمته(2).

ثم أدركت من الشيوخ الكبار:

[ عليّا الواسطي.]

((3)عليّا الواسطي.)

كان من الأولياء ملازم الصوم، عديم النوم، كان يقيم بالمدينة أو بمكة، حتى إذا اشتاق إلى وطنه أخذ ركوته، و خرج حتى يأتي أرض العراق لا


1) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة 1/ 249 نقلا عن المصنف.

2) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 279.

يعترضه أحد من الأعراب، و من وجده أكرمه و بلّغه إلى حيث يأمن عليه، قد عرفته العرب و اعتقدته آل مهنّا اعتقادا عظيما، حتى كانوا يصدرون عن رأيه، و يتبركون بعصاه و ثوبه، و كان إذا جاء المدينة سكن إحدى المدرستين الشهابية أو الأزكجية، و يخدمه جمال الدين المطري و يقوم به، و يقتصر الشيخ عليه لا يكاد أحد يدنو منه لهيبته في النفوس(1).

و حكى لي جمال الدين رحمه اللّه: أن الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له:

أنا أضمن لك على اللّه قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة، و هي إزالة هذا الشّبّاك الذي على الحجرة الشريفة، فبلغه ذلك فتوقف و لم يفعل، وليته فعل فإن الشباك الذي يدور على الحجرة، قطع جانبا من المسجد، و حجز كثيرا من الروضة المشرفة، و في كل زمان يجدّد و يعمّر بما يتقوى به و يتأبّد، و أدخلت فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة، و قد تقدم ذلك، و للشيخ رحمه اللّه أنواع من الكرامات، لحق بها أهل الولايات، توفّي رحمه اللّه في حدود الثلاثين و سبعمائة(2).

و مثله من سكان المدرسة الشهابية:

[ الشيخ أبو الربيع سليمان الغماري رحمه اللّه.]

((3)الشيخ أبو الربيع سليمان الغماري رحمه اللّه.)

كان من شأنه التجرد و التقلل من الدنيا و التعبد، كان يأخذ في الموسم قوته


1) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة اللطيفة 3/ 279 نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 187.

كفافا و يتصدق بما زاد، و كان الشيخ عمر الخراز يشتري له إدامه و يحاول هو ذلك بنفسه، و لم يزل كذلك حتى كفّ بصره، فعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من الإدام فلم يفعل، و كان يضع القديرة على كانون فحم، و يضع فيها ما تيسر، فإذا طابت أكل ما وجده فيها على أي وجه كان، و ينزل إلى البئر فيملأ الإبريق بنفسه، فيقول له القيّم أو غيره ممن يعتقده: يا سيدي أنا أكفيك ذلك، فيأبى، و لم يزل على هذه الحالة حتى توفّي رحمه اللّه(1).

أخبرني جمال الدين المطري رحمه اللّه: أن السنة التي جاء فيها التتر إلى أطراف الشام، و تحرك عليهم فيها الملك الناصر، أيقن الناس أنه لا يكون في تلك السنة حاج، و أن المسلمين اشتغلوا بأنفسهم، فهمّ الأشراف بالمجاورين و الخدام، و قالوا: نغتالهم و نقتلهم، و نطيّب المدينة منهم، و جال الكلام بين الناس، حتى أرجفوا بالمجاورين و الخدام، قال لي جمال الدين: فجئت إلى الشيخ أبي الربيع في الحرم فقلت: يا سيدي، ما ترى ما الناس فيه من الوعيد و التهديد؟ فقال لي: ما يقولون؟ فقلت: كذا و كذا، فقال: بل يكذبون، بل هذه السّنة آمن السنين، و السلطان طيب، و سيجي‌ء في هذه السنة، و كانت سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، قال: فلم نلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر بحج السلطان من الشام، و جاءت الإقامات، و تهدمت الإرجافات، و قوي رجال السنة، و الحمد للّه بعد تلك المخافة، فلله الحمد(2).

و أخبرني الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن سالم المكيّ، أنه كان ساكنا في المدرسة


1) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر بطوله لدى السخاوي بالنص نقلا عن ابن فرحون.

الشهابية في بيت بإزاء بيت الشيخ أبي الربيع، قال الفقيه محمد: فكنت أدرس" التنبيه" و أرفع صوتي، و كنت جهوري الصوت لا أحسن أقرأ إلا كذلك، و لا أحفظ إلا برفع صوتي، قال: فتشوّش الشيخ من رفع صوتي، فقال لي: يا محمد، اخفض من صوتك، قال: فقلت: يا سيدي ما أقدر أن أقرأ إلا هكذا، فقال لي: فاخفض قليلا، فلم أفعل، فأصابني عارض من نزلة منعتني أن أتكلم، فمرّ عليّ، فقال لي: يا محمد ما ترفع صوتك! فقلت بالإشارة: يا سيدي، أنا تائب إلى اللّه تعالى، ففرّج اللّه عني في الحين(1).

و كان الشيخ أبو الربيع- رحمه اللّه- فقيه المدينة و مفتيها على مذهب مالك، و كان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل: هل سألت الشيخ أبا عبد اللّه بن فرحون؟ يعني والدي- رحمه اللّه-، فإن قال: لا، يقول: اذهب و اسأله و أخبرني بما يقول لك، و إن قال: سألته، يقول له: ماذا قال لك؟ فإذا أخبره نظر، فإن كان مما اتفقا عليه أمر السائل به، و إن كان فيه مخالفة مّا، قال له:

اذهب حتى أجتمع به، فيجتمعان و يحرران المسألة، ثم يأمران جميعا السائل بما يتفقان عليه، و لم يزالا كذلك حتى توفّي قبل والدي بمدة طويلة رحمه اللّه(2).

و جاءت إلى السراج وظيفة التدريس في درس سلار، فنكب عن والدي، و طلع إلى الشيخ أبي الربيع في بيته المدرسة، و قال له: خذ هذه الوظيفة فدرّس فيها، فقال له: يا سراج الدين، و أين أنت عن الشيخ أبي عبد اللّه بن فرحون؟

و اللّه إنه أعلم مني و أحق بها مني، و امتنع منها حتى رجع السراج يطلب لها


1) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر لدى السخاوي نصّا عن ابن فرحون.

والدي، و كان ذلك من السراج لشي‌ء خشي من وقوعه، فوقع ما توقع، و اللّه غالب على أمره(1).

و أخبرني الشيخ عمر الخزار: أنه حضر موته فكان يقرأ القرآن، فلما فاضت روحه كان يقرأ آية في سورة يوسف انتهت قراءته إليها، و هي قوله تعالى:

تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (يوسف: 11(2).

فانظر إلى هذا الرجل و مقامه، و ما كان من علو شأنه، كان لي منه رحمه اللّه نصيب وافر و دعاء كثير، أرجو من اللّه العظيم أن يحقق لي قبوله بمنه و كرمه.

ثم ممن صحبنا، و منّ اللّه علينا بحبّه و صداقته و الأخذ عنه.

[ الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن محمد]

((3)الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن محمد)

بن علي بن حريث القرشي البلنسي ثم السبتي العبدري.

أقام بالمدرسة الشهابية في المبرك هو و الشيخ أبو عبد اللّه القصري، كانا رحمهما اللّه متواخيين من عند شيخهما الإمام العلامة أبي الحسين عبيد اللّه بن أبي الربيع، و عنه أخذ الفقه و الحديث، و كتب الشيخ أبو عبد اللّه القصري في ترجمة ابن أبي الربيع: إنه أعلم من رأيناه، و أفضل من لقيناه.

كان الشيخ رحمه اللّه على طريقة الأولياء العلماء العاملين، و كان إمام جامع سبتة، و كان معه مال حلال ورثه، و كان يسأل اللّه تعالى أن تكون وفاته عند


1) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر لدى السخاوي في التحفة بنصه نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 199.

آخر درهم منه و كذلك كان، لم يتناول من حين دخل الحجاز إلى أن توفّي طعاما، و لا شرابا، و لا ملبسا إلا من ماله، و ما قدم به معه، كان يلبس حسنا، و يأكل طيّبا.

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري يلبس خشنا، و يأكل قوتا، إدامه باذنجانة واحدة، أو قليلا من حمص، و كان لا يأكل من لحم الحجاز، و لا من سمنه، و كان يهدى إليه من الشام شي‌ء من قديد اللحم فيقبله و يتبرضه(1)، و اتفق أن طبخ الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث القرشي طبيخا طيّبا، و سأل الشيخ أبا عبد اللّه القصري أن يأكل منه معه، فأبى.

فقال له الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث: كل منه فإنه أحلّ من طعامك ليس فيه شبهة، فقال له الشيخ عن حرج: كيف يكون أحلّ من طعامي، و ما معك هو من أجرتك على الإمامة بسبتة؟

فقال: و اللّه ما تناولت من معلوم الإمامة درهما و لا دينارا، و إنما جمعته حتى تصوّر منه جملة اشتريت بها ربعا لي وقفته على الجامع، فإن شئت فكل و إلا لا تأكل.

و ولي خطابة سبتة ثلاثين سنة، و تفقه عليه أهلها، و كان يروي" الموطأ" عن ابن أبي الربيع عن ابن بقي، سمعته عليه بالحضرة المشرفة من الروضة، و كان إقامته بالحجاز تسع سنين، توفّي رحمه اللّه بمكة في سنة اثنتين و عشرين و سبعمائة.

و أما صاحبه شيخنا الإمام العلامة الأستاذ المقرئ الولي المحقق السري.


1) يستكفي به.

[أبو عبد اللّه محمد بن غصن القصري الأنصاري]

((1)أبو عبد اللّه محمد بن غصن القصري الأنصاري)

، جاور بالمدينة ثلاث مرات، الأولى عام تسع و سبعمائة، و الثانية عام ثمانية عشر و سبعمائة، و الثالثة عام عشرين و سبعمائة، و كان عالم زمانه بالقراءات، مشهورا بالكرامات، قرأت عليه و أخذت عنه، و جودت القرآن عليه، فرأيت من سني أحواله، ما لم أره في أحد من أقرانه(2).

ذكر لي عنه من أثق به: أنه في تونس ظهر حاله ظهورا عظيما، و اتبعه خلق كثير، و اعتقده الخاصة و العامة، حتى خاف منه صاحب تونس، و خشي على ملكه منه، فأمره بالرحلة عنه، و ذلك أنه لو أمر الناس بخلعه لفعلوا(3).

قيل لي: إنه في يوم واحد فكّ كثيرا من الأسرى من أيدي الفرنج بأموال لا تعد و لا تحصى، و كان إذا تكلم في ميعاده في تونس على ما في الكرم و الجود و الإحسان إلى الخلق و ترك الحقوق، و التعامي عن الخصوم، لا يقوم إلا و قد ألقى الناس من وثائق الديون و شبهها ما يشبه ربضة الثور الكبير(4)، رضي اللّه عنه.

فلما قدم المدينة المشرفة أراد إخفاء حاله، و كان قصده التأدب مع المقام الشريف، فلزم الصلاة و الإقراء حتى اشتهر حاله و كراماته، فاجتمع عليه أهل الخير و مشايخ الحرم، و سألوه أن يجعل لهم يوما يعظهم فيه، فأنعم لهم بيوم في الجمعة بعد توقف كثير و معالجة كبيرة، و ربما رأى في النوم أنه أذن له في ذلك،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 702.

2) أورده بنصه السخاوي في التحفة اللطيفة 3/ 703.

3) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة 3/ 703.

4) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

فوعد الناس بالجلوس لهم بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة فكان الناس إذا صلوا ذهبوا إلى مجلسه في آخر الحرم حتى إنه ليسمع للمسجد من سعيهم ارتجاج عظيم، و لم يبق أحد في المدينة إلا حضر مجلسه من مجاورين و خدام و رجال و نساء و صبيان، و كان قد جعلني قارئ مجلسه، فأمرني أول يوم بأن أقرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ الآية (الحج: 73(1).

و من الحديث: حديث أبي سعيد الخدري: «إنّ الحلال بيّن و الحرام بيّن».

و كان يتكلم جالسا، فإذا غلب عليه الحال قام على قدمه و صاح بأعلى صوته، فكأنما يقدّ بوعظه القلوب قدّا، و يفتح عنها بابا موصدا، و انتفع الناس بكلامه.

و من جملة كراماته أن الأمير الكبير كبيش بن منصور كان متوليّا في المدينة نيابة عن أبيه، فبلغه أن عمه مقبل بن جماز أقبل من الشام يريد المدينة، فأمر كبيش بالاحتفاظ منه، و نادى في الناس: أن لا ينام أحد في بيته، و ليذهبوا كلهم إلى القلعة يبيتون فيها و حولها، و أن من تخلف عن ذلك حلّ ماله و دمه، فلحق الناس من ذلك كرب عظيم، و لم يسعهم غير الطاعة.

فكان الناس كلهم مجاورهم و خادمهم و ضعيفهم و قويهم و عالمهم و جاهلهم مستوين في هذا الأمر، و لم يبق من الجماعة غير والدي و الشيخ أبي محمد البسكري و الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و من حبسه عذر، و أقام الناس على ذلك أياما كثيرة حتى اطمأنوا، و بات الناس في منازلهم، و ذهب عنهم الفزع في زعمهم.


1) التحفة اللطيفة 3/ 703.

فلما كان في بعض الأيام، قام الشيخ أبو عبد اللّه في الناس في الروضة، فصاح قائلا: اللهمّ من أراد المدينة بسوء مساء فخذه صباحا، و من أرادها صباحا فخذه مساء.

و دعا و اجتهد و احمرّ وجهه، و قام على قدميه حتى قال من لا يعرف حاله:

هذا منه هوس، فإن الناس قد أمنوا و طابت قلوبهم، و هذا الرجل يذكّر بالشر و يدعو على من أمن شرّه.

فلم يكن بعد ذلك إلا ليلة أو ليلتان، إذ أصبح الأمير مقبل في المدينة قد دخلها هو و جماعة بالليل من خلف قلعتها، و ذلك أنهم نصبوا سلما استعملوه في الشام قطعا موصلا، هو اليوم في الحرم الشريف، و كان دخولهم ليلة السبت ثامن عشرين من شعبان سنة تسع و سبعمائة.

فلما أصبح مقبل و جماعته في الحصن، أراد أمير المدينة الهرب، ثم ثبّته اللّه، فقاتلهم كبيش مع أهل المدينة، فانتصروا و قتل الأمير مقبل، و جوشن و قاسم ابنا قاسم بن جماز، و أثخن باقيهم بالجروح، فعلموا أن الشيخ رحمه اللّه حدّث بذلك، و كشف عنه و حذّر الناس، و لكان ما فهموا.

و من جملة ما رأيت من الشيخ رحمه اللّه، أنه لما قدم المدينة بعد مجاورته بمكة في آخر عام اثنين و عشرين و سبعمائة، وجد والدي قد توفّي إلى رحمة اللّه قال لي: ما منعك أن تقوم بوظائف والدك؟ فقلت له: يا سيدي لم يبق لي ركن، و لا معي من يساعدني غير اللّه تعالى، فقال لي: اثبت على وظائف والدك، فأنت إن شاء اللّه تعان عليها، فقلت: الاشتغال (و الإشغال‌يطلب مادة و صفاء فكر، و قد انكسر خاطري، فقال: ألم تكن تشغل الناس بالعربية في أيام والدك؟

فقلت: بلى، فقال: فدم على ذلك، و من جاءك يقرأ شيئا في الفقه فأقرئه و لو أن

تصحح له كتابه، فقبلت كلامه، و حملت نفسي على الاشتغال و صبرت، و لازمت، و كانت حلقتي فوق حلقة والدي في حياته، و للّه الحمد، و اشتغلت اشتغالا جيدا حصلت في سنتي ما لم يحصله غيري في مدة عمره(1).

ثم سافر الشيخ إلى القدس الشريف فوافاه بها الشيخ أبو يعقوب رسول السلطان أبي الحسن المديني، و قد أرسل لإقامة درس بالمدينة و وظيفة أخرى، فاستشاروه فيما جاءوا به و من يتقدم فيه، فأشار عليهم بأن لا يقدّم عليّ أحد، ففعلوا ذلك، و حصل لي الخير ببركة الشيخ و إشارته رحمه اللّه(2).

ثم سافر أخي عليّ- رحمه اللّه- إلى مصر، فلقي بها الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي و الشيخ أبا عبد اللّه بن الحداد، فسألهما المساعدة في السعي لي في وظيفة التدريس بالمدرسة الشهابية و غيرها، فطالبهما قاضي القضاة تقي الدين الإخنائي المالكي بإثبات الأهلية، فكتب بذلك محضرا و شهدا بما فيه.

فلما وقف عليه ابن الأثير كاتب السر، قال: بعد أن تشهدا بذلك فأنا أفعل لكما ما تحبّان، و جاءني في الموسم مرسوم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون رحمة اللّه عليه بالمدرسة المذكورة.

[و كان الشيخ أبو عبد اللّه الوادي آشي.]

((3)و كان الشيخ أبو عبد اللّه الوادي آشي.)

من شيوخنا المباركين الذي صحبوا والدي و رعوه في ذريته.


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون و ما بين حاصرتين منه.

2) الخبر بنصه لدى السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 675.

و كان رحمه اللّه شيخا في الحديث قد أفنى عمره في السماع، ثم الإسماع، و كان يحرص على إسماع الصغار، و يأخذ خطوط الشيوخ لهم من غير أن يعلموا بذلك رجاء نشر العلم، و أن يذكر فيدعى(1)له.

و كان من أحسن الناس في علمه و أنسه، و فوائده، و فرائده، و صلّى بالناس صلاة التراويح في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلم أسمع أحسن من جودة قراءته و جودة حفظه و ترتيب مواقفه، و كان من القراء المجودين توفّي بمدينة تونس بعد الحج و الزيارة في حدود خمسين و سبعمائة رحمه اللّه(2).

قلت: و قد ذكرت الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي استطرادا في ذكر النعم التي منّ اللّه تعالى بها، و كان باب الخير و السعادة فيها شيخنا أبو عبد اللّه القصري رحمة اللّه عليه، و له موضوعات مفيدة منها:

اختصار الكافي في" القراءات" لم يسبق إلى مثله، صغير الحجم غزير العلم، انتفع به الطلبة و حفظوه، و له مقدمة في النحو، و أخرى في الحديث، و أخرى في نصح الشباب.

و كان أخص أولاد المجاورين به الشيخ الفقيه العالم المتقن المقرئ، نائب الخطابة و الإمامة بالحرم الشريف النبوي:

[شمس الدين محمد بن الشيخ صالح بن إسماعيل الكناني الشافعي]

((3)شمس الدين محمد بن الشيخ صالح بن إسماعيل الكناني الشافعي)


1) الخبر بنصه لدى السخاوي.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 583.

المدني، جوّد على الشيخ القراءات السبع و أتقنها، و ورث من الشيخ ما كان يعلمه منها، و انتفع به أهل المدينة و غيرهم من الواردين و حصّلوا و انتفعوا(1).

و كان شمس الدين ملازما للشيخ أبي عبد اللّه، حتى كأنه ولده و كان الشيخ أبو عبد اللّه يتمثل في شمس الدين و أخيه عليّ، قوله تعالى: فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (الكهف: 82(2).

و كان والدهما الشيخ:

[صالح صالحا على اسمه]

((3)صالح صالحا على اسمه)

، و كان صانعا مبيضا، متقنا ناصحا، يشتغل بالتبييض في الحرم الشريف(4).

و ذكر ولده شمس الدين أنه حج ثماني عشرة حجة، أعني والده، و أنه أعتق نحو ثلاثين مملوكا تقبل اللّه منه، و سأل اللّه يوما أن يرزقه ولدا صالحا قارئا لكتاب اللّه، ثم تزوج فرزق هذين الولدين، و أعطي فوق ما سأله في ولده شمس الدين(5).

و كان ولده عليّ رجلا صالحا يخدم مشهد سيدنا حمزة- رضي اللّه عنه-.


1) التحفة نقلا عن المصنف.

2) التحفة نقلا عن المصنف.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 228، و هو: صالح بن إسماعيل بن إبراهيم الكناني.

4) نقله السخاوي في التحفة عن المصنف.

5) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون.

و كانت وفاة الشيخ أبي عبد اللّه القصري في القدس الشريف في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة في عيد الأضحى رحمة اللّه عليه(1).

و توفّي الشيخ صالح عام سبعة و سبعمائة، و قد قارب عمره السبعين.

و كان من أرباب القلوب و أصحاب العوارف و المعارف و العكوف على العبادة و الخير:

[الشيخ العالم الورع الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن مالك]

((2)الشيخ العالم الورع الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن مالك)

بن سهل المقرئ النحوي المتقن، المحدث الإمام الفلكي الأندلسي الغرناطي.

صحبته فلم أر أحدا وصل إلى مقامه في التوجه و المحافظة على أوراده من صيامه و قيامه، كان من بيت الوزارة بالأندلس، فلما توفّي والده تخلّى عن القربة من أهل الإمارة، و اشتغل بنفسه و ورث مالا كثيرا فكان يقتات به و ينفق منه، و لا يأكل من غيره و لو عرض عليه، كان- رحمه اللّه- رحلة في الفقه، و له يد طولى في علم الهيئة، لم يصل أحد إلى ما وصل إليه إلا القليل، و كان يقسم لي باللّه تعالى أنه ما ازداد بعلمها إلا يقينا، له مقامات لا يصل إليها أحد من المجاهدات إلا من سبقت له العناية الأزلية و المواهب العلية.

نزل معي في منى و كان لا يترك قيام الليل لا في سفر و لا في حضر، فقام تلك الليلة في منى على عادته، فلما أصبح طلبت منه مناسك الحج لابن مسدي- رحمه اللّه-، و كان لا يتركها إذا حجّ، و كانت نسخة عظيمة بخط أخي عليّ-


1) التحفة اللطيفة 1/ 704.

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة، 3/ 1288.

رحمه اللّه- مجلدا كبيرا، و في هذا الكتاب التعرض لذكر المذاهب كلها، و أردت أن أكشف على مسألة، فقال لي: و اللّه قد سرقت البارحة هي و البرنس و السيف.

فقلت له: و كيف ذلك؟ قال: جاء السارق من وراء المحارة و أنا في الصلاة أنظر إليه، فهمّت نفسي بأخذه أو الصّياح عليه، فآثرت صلاتي. و قلت: دعه، ما أنا فيه خير مما يفوتني. انظر هذا المقام العظيم.

و أخبرني- رحمه اللّه-: أنه اغتسل في منزلة من منازل الحاج بالليل، فحلّ حزامه و كان فيه مال عظيم جلّ ما يملكه. قال: فاشتغلت و نسيت حتى رحلت، ثم تذكرت بعد مرحلة، فحصل له من الأسف و الحزن على ذلك المال الحلال أمر عظيم، فما كان إلا قليل إذ جاءني من يستفتيني، في لقطة، فقلت له:

في أي شي‌ء هي؟ قال: في حزام. فقلت له: هاتها. فهي لي بأمارة كذا و كذا، رحمة اللّه عليه.

توفّي- رحمه اللّه- بمصر سنة ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة اثنتين و ستين و ستمائة و رثاه الشيخ أثير الدين بن حيان و غيره.

و كان مثل هؤلاء في العبادة و الزهد، و القناعة و محبة الإقامة بالمدينة؛ ليموت بها.

[53- الشيخ أبو عبد اللّه بن سليمان- رحمه اللّه-]

كان مكبّا على فعل الخير، ملازما للصلاة و الصوم، و كان أبوه في تونس وزير سلطانها، بل هو في الحقيقة ملكها، فخرج ولده هذا عن حال أبيه، و صحب الشيخ أبا محمد المرجاني فتخلق بأخلاقه و تأدب بآدابه، حتى ظهرت

أنوار العلم و العمل عليه، و انتهت الكرامات إليه. و كان من أحبابي الذين انتفعت بهم و بدعائهم، و كانت له في تونس زاوية، و له أولاد و ذرية- رحمه اللّه- و جمعنا و إياه في مستقر رحمته.

و ممن كان من هؤلاء الجماعة في المدرسة الشهابية.

[54- الشيخ يعقوب الشريف]

كان له فقه و علم و اشتغال و عليه هيبة و جلالة، و إذا رأيته ملأ عينك بشرا من نظافته و جماله و عزته، أقام سنين كثيرة و كان له غيرة عظيمة على أهل السّنّة، لا يزال ينكر المنكر، و يتعرض لأهل البدع فيأخذ منهم بلسانه فيسفههم، و يحطّ منهم، و كان الوقت لينا على حال أهل السّنة لا يتمكن فيه من القيام بالحق، كما هو اليوم الحمد للّه.

و كان في أيامه شخص من كبار الإمامية اسمه يعقوب بن الصفي يقف في وسط الروضة، و يقول بأعلى صوته.

إذا كان رفضا حبّ آل محمدفليشهد الثقلان أني رافضي

فيفزع من ذلك أهل السّنة، و كان له في مثل هذا التعصب أمثاله و له أعوان، فأنكر الشريف يعقوب عليه، و باحثه و خطأه في مسائل بحث فيها، فرفع الأمر إلى الأمير منصور، فرفع الشريف و رمي في الجب، و لم يخرجوه منه حتى غرّموه ألف درهم، و كان لا مال له، فضيقوا عليه و نكلوا به و تشفّوا من أهل السّنّة، فجمعت له غرامته و دفعت إليهم.

فلما جاء الموسم ارتحل إلى العراق و أقام فيه مدة، و صحب الفقيه العلامة المصنف شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر المالكي، و غيره فأحسنوا إليه

إحسانا كثيرا، ثم جاء المدينة فأقام بها و قد جمع شيئا من الدنيا فسلط اللّه عليه رجلا من أهل الشر اشتغل به، فآذاه، و بالغ في أذيته حتى وصل إلى أن قال له:

ما أنت شريف، فلحقته حمية أزعجته، فسافر يريد بلده؛ لإثبات نسبه، فلقيه جماعة كثيرة من كبار أهل تونس و علمائها و رؤسائها، فقالوا له: أين تذهب؟

فقال: جرى لي كذا و كذا، و أنا أريد بلدي، و إثبات نسبي و آتي به معي، و إلا فلا أرجع إلى المدينة و أنا بهذه الحالة. فقالوا كلهم: نحن نشهد بأنك شريف النسب، و أن جماعتك و أهلك كلهم كذلك، لم يزل هذا معلوما، و بيننا مشهورا. فقال إذا جئتم المدينة اجتمعوا بشيخ الخدام و شيخ الحرم و فقهائه و اذكروا لهم.

فذهب و قدموا المدينة و حضروا في المسجد الشريف و أدّوا ما عندهم من الشهادة بين الخدام و المجاورين، ثم إنه ذهب إلى أقصى الغرب فاجتمع بأبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، فأكرمه و خوّله مالا كثيرا فانتقل إلى الأندلس؛ رغبة في الشهادة.

فلما استقر بها و كثر خيره، و خيله، و خوله، و عبيده، و جواريه، أتاه أجله فتوفى- رحمه اللّه- عن وصية أخرج منها خمسمائة دينار لوقف يشترى بالمدينة يصرف ريعه على من بالمدينة في المدرسة الشهابية من المالكية و الشافعية، و إنما خص به الشهابية؛ لأنها كانت مستقره و لم يكن في وقته غير هاتين الطائفتين.

حتى جاء:

[شمس الدين بن العجمي]

((1)شمس الدين بن العجمي)

فولّف جماعة من الطلبة الشافعية، و أمرهم بالاشتغال بمذهب أبي حنيفة، فأجابوه إلى ذلك، و تفقه منهم جماعة و صاروا أئمة وقتهم، و انتفع الناس بعلومهم، و ظهر مذهب أبي حنيفة بالمدينة ببركة هذا الرجل و حسن نيته، و كان ذلك في حدود ثلاث و عشرين و سبعمائة.

فلما وصلت الوصية على يد ولد ابن سهل وزير الأندلس، جرى فيه أحوال وقصّته طويلة و خرج آل منصور من المدينة بسببها؛ لأن الأمير طفيل أراد أن يأخذه كله، فكتب فيه القاضي شرف الدين الأميوطي إلى السلطان فعزله، في قصة تشتمل على غرائب لا يسع ذكرها هذا المكان و وقف على الفقهاء من ذلك المال الحديقة المسماة (بغشاوة)، و وقفت على الوصية و قرأتها و كان القاضي تقي الدين الهوريني يصرفها على شرط الواقف، و لا يتخصص بشي‌ء منها- رحمه اللّه-.

[و منهم الشيخ محيي الدين الحوراني]

((2)و منهم الشيخ محيي الدين الحوراني)

أقام بمكة مدة طويلة تفقه بها، و أدرك الحافظ محب الدين الطبري الكبير فتفقه عليه. ثم أقام بالمدينة نحوا من عشرين سنة على اشتغال بالعلم، و تجرّد


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 195، العقد الثمين 3/ 83.

2) من مصادر ترجمته: العقد الثمين 7/ 435 و قد و هم مصحح المطبوع حين ذكره بالهامش باسم: أحمد بن عبد الواحد بن مري، و أنه ولد سنة 583 ه و توفي سنة 677 ه. و أحمد بن عبد الواحد هذا الذي ذكره المصحح هنا ليس هو المترجم و إنما هو كما جاء في ترجمته في العقد الثمين 3/ 83 تقي الدين الحوارني، و أحاله المصحح كذلك إلى التحفة اللطيفة 1/ 195 و المراد بالمترجم هنا هو يحبى بن زكريا محي الدين الحوارني ت 722 ه كما ورد في العقد الثمين 7- 435.

من الدنيا و كانت له خزانة عظيمة مشتملة على كتب حفيلة، مثل: (الرافعي) و (ابن الرفعة)، و (الروضة)، و غير ذلك من الكتب المنتقاة، أوقفها كلها و جعل مقرها بالمدرسة في خزانتها، و كانت أمام بيته الذي هو في الزاوية الملاصقة لإيوان الشافعية، و كان يظن أن المدرسة تكون أبدا على حالها في أيامه، فشرط أن لا تغير الخزانة من موضعها و لو رأى حالها اليوم ما قيدها بهذا الشرط.

و لما خيف عليها أمر القاضي بحملها و وضعها في خزانة الكتب اليوم، و هو البيت الذي على باب المدرسة أصلح اللّه أمرها، وردّ إليها حالها.

و كان الشيخ محيي الدين نائبا في الحكم عن القاضي سراج الدين لما سافر إلى مصر، فحكم و عدل، و درّس فما قصّر، و كان والدي- رحمه اللّه- يحضر درس السّرّاج، فلما سافر السّرّاج، قال محيي الدين الحوراني: لا يحل لي و لا لك أن تحضر معي و أنت قادر على القيام بشرط الواقف في تدريس جماعتك و الانفراد بهم في إيوانهم.

فتوقف والدي خوف فتنة السّرّاج، و لما يعلم من خلقه و كراهيته لهذا الأمر، فعزم محيي الدين على والدي و شدّد عليه، فجلس والدي في إيواننا اليوم، و هو الإيوان الذي فيه الشباك و درّس، و التفّت عليه الطائفة المالكية و بعض الشافعية، و كان طلبة المالكية أكثر من طلبة الشافعية، فلما جاء السّرّاج من البلاد عزّ عليه ما وقع و أنّب الحوراني و هجره و سفّه رأيه.

و قال له: فتحت عليّ بابا كنت قد سددته، و حسمت مادته، و اللّه لا تركته حتى أغلب عليه. ثم إنه اجتمع بوالدي و ألان له الكلام و أضمر له الخداع.

و قال له: من بقي عندي إذا انعزلت عني و من يفهم عنّي، ما كان هذا فيك ظني، الصحبة كانت للّه، فلا تقطعها بكلام أولادك، و لا بكلام غيرهم من حسّادك، فلما أكثر عليه من هذا، لان له و عزم على الحضور عنده، و ترك الدرس و التدريس، و كان مع والدي كما قال بعضهم:

من لي بمن يبق الفؤاد مودةو إذا ترحّل لم يزغ عن عهده

يا بؤس نفسي من أخ لي باذلاحسن الوفاء بقربه لا بعده

يولي الصفاء بنطقه لا خلقه‌و يدسّ صابا من حلاوة شهده

لاهمّ إني لا أطيق فراسةبل أستعيذ من الحسود و كيده

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري يؤمئذ بالمدينة، و كان يحضر الدرس على يمين والدي، و الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث على يساره، فأغاظهما ذلك و كثرت أنا عليهما الشكوى، فاجتمع الشيخ أبو عبد اللّه القصري بوالدي و قال: لا سبيل إلى أن ترجع إليه، و لا يخلصك هذا من اللّه.

و شدّد عليه و أقسم عليه حتى رجع من ذلك الرأي، فأصبح في مجلسه مع جماعته و السّرّاج منفرد مع أصحابه، فعاود الاجتماع به و كثّر عليه.

و قال له: ألم أقل لك لا تسمع من هؤلاء الذين يريدون فرقتنا و ذهاب أبّهتنا؟ ما هذا مليح، و الرأي أن لا تفعل، و ترجع إلى مكانك معي، فأنا أعلم أنك لا تحب الفتنة و لا الظهور، و في هذا الذي أنت فيه تجري أمور.

و لم يزل به حتى رجع إليه، فرجعت إلى الشيخ أبي عبد اللّه و عرفته بما يفعل السّرّاج معه، فعاوده الشيخ و أقسم عليه و شدّد عليه العزيمة.

فقال له والدي: أخشى أن يتعدى الحال إلى فرقة و عصبية، فيذهب نور

العلم و تفسد النيّة، و هذا اليوم حاكم و أنا من طبعي و عادتي أني لا أناصي أحدا، و لو كان لي ولدا. فقال له: الترك أسهل عليك، و علينا أسلم لنا إذا عجزنا. فعاد والدي إلى عادته من تدريس جماعته و تركه، و لم يعاوده و لم يجتمع به فساءه ذلك و اغتاظ، و أمر القيّم أن يخرج من بالمدرسة من المالكية و لا يفرش لهم، و لا يتركهم يسكنون فيها حتى يرجعوا عن رأيهم و يحضروا على عادتهم معه، فترك والدي حينئذ المدرسة و التدريس بها، و اشتغل بنفسه و بحاله.

فقال له الشيخ أبو عبد اللّه: ما هذا رأي اجلس للجماعة بالمسجد، و ادع للواقف الذي أنشأ المدرسة، و لا تقطع الجماعة و إفادتهم حتى يقضي اللّه بما فيه الخيرة لهم.

فأطاعه والدي، و أخرج النقيب المالكية من المدرسة، فمنهم من انتقل إلى الربط، و منهم من سكن بالكرى، و منهم من طلب السفر.

ثم جلس والدي في المسجد فاجتمع عليه في المسجد خلق كثير، فكان السّرّاج يمر على والدي و يرى حلقته و كثرة جماعته فيسوءه ذلك، و خشي على نفسه أن يسمع عنه أن أخرج الفقهاء من المدرسة لأجل الهوى، و تعب قلبه لذلك.

فجمع أصحابه، و قال لهم: يا أصحابنا هؤلاء الجماعة قدناهم إلينا بالسلاسل فلم ينقادوا، و ما يعود انفرادهم في المسجد علينا بخير، و الرأي عندي أن يرجعوا إلى المدرسة و نحن إلينا المرجع في العلوم، فنعطيهم ما نشاء و نحكم عليهم و نضيّق عليهم فلعلهم يرجعون إلينا.

و أرسل إلى والدي. و قال له: ارجعوا إلى مكانكم و قوموا بما يجب عليكم، فلي النظر و التفقد على الطلبة، فلم يرع كلامه والدي، و رجع و درّس على

عادته، فلما جاء وقت تفرقة التمر الموقوف على طلبة العلم بالمدرسة من الوقف المسمى (بالمليكي و البصة)، أرسل إلى والدي بثمانين صاعا، و قال له: فرق على جماعتك، و أخذ هو و جماعته نحو المائتي صاع، فشاور والدي فيها أصحابه و الشيخ أبا عبد اللّه. فقالوا: ردها لا تأخذها، و لا تأخذ إلا النصف، أو يحضر كتاب الوقف، فردّها.

فقال السّرّاج: لا نزيدكم عليها و لستم مثلنا، و لا اشتغالكم كاشتغالنا، و الحكم في ذلك لي، فإن كنتم محصّلين و فيكم المشتغلون، فالموعد بيني و بينكم يوم الخميس عند القبة؛ حتى أختبر الجماعة و أعرف أهل العلم من أهل الجهل.

فوافقه والدي و حضر معه عند القبة، و أحضر الجماعة، فأخذ السّرّاج يوبخهم و يؤنبهم.

و يقول لكل واحد: ما كتابك؟ و ما قرأت منه؟ و ما معك من الحاصل؟

و ما تقول في مسألة كذا؟ و يتعنّتهم، و كان منهم جماعة مشتغلون، أحدهم الشيخ موسى الجزولي. فقال له: هات كتابك فاعرضه عليّ. قال: لست بشيخي حتى أعرضه عليك. اسأل عني و عن علمي إذا جهلتني، فقال لآخر:

ما كتابك؟ فقال: كتابي (الرسالة)، فقال: كتاب الكسالى، ثم قال لآخر: ما كتابك؟ فقال: (الجلّاب). فقال: هات اعرض و إلا فأعرض، ثم قال لآخر: ما كتابك؟ فقال له: (الطليطليّ)، فقال له: أنحست.

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري في القبة يقرأ القراءات، فبلغه خبره و ما عمل مع الطلبة و تهكمه بهم، فقام من مجلسه و قد امتلأ غيظا، و قد صار وجهه مثل قطعة السّحر من شدة ما وجد، فجلس قريبا منه.

و قال: بلغني أنك قلت في كتاب (الرسالة): كذا، و فيها من المسائل كذا

و كذا، و فيها من حديث الرسول صلى اللّه عليه و سلم كذا، و مصنفها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد كان من العلماء الأتقياء العاملين، ثم تقول: في كتاب (الطليطليّ) كذا، و كان من صفات مؤلفه كذا و كذا، ثم تسلط على طلبة العلم و توبخهم و تهينهم و تفعل معهم و تفعل، و كم لك عندي من قضية و زلّة، فعلت كذا في وقت كذا، و أمرت بكذا في وقت كذا. فقال له القاضي: اترك هذا يا أبا عبد اللّه و اشتغل بنفسك.

ثم دفع الرمل بيده في وجه الشيخ، غير أنه لم يصل إليه، فقعد الشيخ على ركبتين و كساه بالرمل حتى دخل في فمه، فجعل يقول له: لا تفعل يا أبا عبد اللّه، لا تفعل لا تفعل، و قام إليه الظهير شيخ الخدّام، و جماعتهم فقبّلوا رأسه و سألوه الكفّ عنه و الرجوع إلى مجلسه، فرجع إلى مكانه و انكسرت شوكة السّرّاج بعد ذلك، و ترك الشر و زاد الجماعة من التمر.

فلم يلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر أن القاضي فخر الدين ناظر الحرمين يريد الحج، فخاف السّرّاج على نفسه، و خشي أن يشكو عليه الشيخ، فلما قدم الفخر المدينة، رأيت الفخر يدور المسجد يطلب الشيخ أبا عبد اللّه القصري، و السّرّاج خلفه يطلب الاجتماع بالفخر و هو لا يلتفت إليه، فلم يذكر الشيخ له شيئا مما وقع بينه و بينه، و لا بيننا و بينه حتى سافر، و من يومئذ استمر حال المالكية و ظهر أمرهم و قوى مذهبهم و كثرت جماعتهم و أولادهم، فقرءوا الكتب المطولة، و فقهوا ببركة والدي و الشيخ أبي عبد اللّه القصري- رحمهما اللّه-.

ثم توفّي والدي عام اثنين و عشرين و سبعمائة، فتعطّلت المدارس و استبشر

المراوش(1)، و زعموا أن لا تقوم بعد والدي للمالكية راية، و لو علموا ما في الغيب ما عملوا، فلم تكن إلا سنة واحدة حتى جاءني البشير بالتوقيع و المراسيم، فأراد السّرّاج و من معه من الأعوان الكلام في ذلك، فخاف على منصبه و رجع على عقبه و استقللت ببركة هذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم.

و كان لي في ظهور مذهب مالك و نشره بالمدينة عمل عظيم، أرجو به من اللّه الثواب الجسيم، و النعيم المقيم، فإنه لم يكن له ظهور من قبل ذلك بسنين، فالحمد للّه على ما أعطى و منع، وضيق و وسع، و لو أذكر لك ما قاسيت في ذلك الوقت و بعده من أهل الشر و الحسد و البغي لوقفت على صبر عظيم، و على خطب جسيم، و عذاب أليم، من سواد خلف لئيم، أعوذ باللّه من أمثالهم و من الشيطان الرجيم، أخذوني تارة بالخدع و الملق، و تارة يجاهرون فأعوذ برب الفلق.

و ما أحسن ما قيل في مثلهم:

إن شر الناس من يشكر لي‌حين يلقاني و إن غبت شتم

و يحييني إذا لا قيته‌فإذا يخلو له لحمي كدم

و لكن تخلل ذلك من اللطف ما يجلّ عن الوصف، و النصر مع الصبر، و ما شبه حالي معهم بقول القائل- رحمه اللّه-:

ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم‌أفاعي رمال لا تقصّر في لسعي

ظننت بهم خيرا فلمّا بلوتهم‌حللت بواد منهم غير ذي زرع


1) الأشرار.

نسأل اللّه الكريم أن يقينا شرور أنفسنا و كيد الحساد، و يرزقنا الاستعداد ليوم المعاد بفضله و إحسانه.

و كانت وفاة الشيخ محيي الدين الحوراني بعد وفاة والدي بثلاثة أيام، و كان قد ابتلي بالبواسير- و العياذ باللّه- فصبر حتى جاءه اليقين، و دفن بالبقيع إلى جنب والدي رحمهما اللّه تعالى.

و من العلماء الذين كانوا في المدرسة الشهابية

[الشيخ نور الدين حسن الأسواني.]

((1)الشيخ نور الدين حسن الأسواني.)

أخو الشيخ شرف الدين الزبير الأسواني رحمهما اللّه تعالى.

كان من العلماء المتقشفين المتخيلين، كان- رحمه اللّه- إذا خرج من بيته يقف ساعة يعوّذ بابه، و يحوط عليه يظن أنه يخلف على بيته، فإذا رجع إلى بيته تخيل أنه كلّه تحوّل و تغيّر، فيدّعو على من فعل ذلك، و ما ثمّ غير الخيال، و كان على باب بيته ورقة طويلة عريضة فيها من التعاويذ و الأقسام و عزائم الجان أنواع، و هذا كله مع الصلاح الكثير و الانقطاع العظيم، و كان يتهم الشيخ محيي الدين الحوراني بأنه يسحره في كتابه و في قدره(2).

قال لي يوما: بينما قدري على النار إذ صار أسفلها مثل: الغربال ينزل منه


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 485. المغانم المطابة 3/ 1196.

2) في الأصل و المطبوع( قدرتي).

المرق نزول المطر، فعلمت أنها مسحورة، فقرأت عليها كذا و كذا فزال ذلك عنها.

و كان إذا أعاره أحد كتابا ثم جاءه يطلبه منه يدخل بيته فيدوّر عليه ثم يخرج.

و يقول له: كتابك أخذ من بيتي الساعة، و لكنه سيردونه إليّ عن قريب؛ لأن هذه عادتهم معي فيه. فيذهب صاحب الكتاب و هو مشوش الخاطر، ثم يرجع إليه فيجد كتابه. فيقول: هذا كتابك ردّوه إليّ.

و كان متعبدا متحرّزا كثير الصدقة، جرى له مع السّرّاج حكاية اختصارها: أنه قال للسراج: عملت قصيدة ذكرت فيها من صفات النبي صلى اللّه عليه و سلم ما لم يذكره غيري. فقال له: هات منها، فذكر أبياتا منها:

فبوطئه صار التراب طهورا(1)

فقال السّرّاج عند ذلك: كذب، من قال هذا؟

فأخذ عليه و هجره، و بعث إلى القاهرة يستفتي فيما يجب في ذلك عليه، و مكث أياما كثيرة لا يصلي خلفه و يتركه حتى يقيم الصلاة و يدخل السّرّاج في المحراب في العشاء الآخرة، فيتقدم إلى الشمعة فيقد منها شمعة و الإمام يصلي، و ربما ركع و هو قائم يحسن الطوافة يفتل رأسها حتى أنكر الناس فعله و السّرّاج يتغافل عنه و يكره شره؛ لأنه كان له بالقاهرة أهل و قرابة أجلهم


1) التحفة اللطيفة 1/ 486.

الشيخ حسين الأسواني أخوه علّامة القاهرة في وقته، و ولده أيضا من المتفننين المتقنين، و لم يرجع الشيخ حسن عن فعله حتى قام عليه النكير و اجتمع عليه الناس الصغير و الكبير(1).

و أخبرني: أنه لما انتقل من المدرسة و منع من الجامكية- و كانت الجامكية يومئذ لها صورة-، لقيه رجل فأعطاه صرة فيها القدر الذي كان يدفع إليه في المدرسة(2)، و لم يعرفه و لا دري من هو، و كان أخوه شرف الدين الزبير مثله في الصلاح و الدين و سلامة الباطن، و كان إماما في علم القراءات و انتفع الناس به، و كان يسمّع عليه الحديث، سمعنا عليه (الشفا) للقاضي عياض، و (دلائل النبوة) للبيهقي، مع سراج الدين الدمنهوري رحمهم اللّه و غير ذلك، و كان فقيها شافعيّا من أعظم الناس ديانة و عفة مع كثرة عيال، و كان يصلي في الروضة إلى جنب المنبر، و يعزّ عليه إذا رأى أحدا في موضعه لكثرة ملازمته، و كان متصديّا للإقراء، و ظهر في آخر عمره رحمة اللّه عليه.

و حكى لي من أثق به: أنه جاء كتاب من مكة إلى شمس الدين صواب المغيثي بأن يعطي لشرف الدين الزبير مائة درهم، و لم يعلم بما في الكتاب أحد فحصل عند الطواشي من المائة خمسون درهما، فأرسلها مع جمال الدين المطري إليه، و كان المطري يفرح بخدمة الصالحين و إدخال المسرة عليهم، فجاءه بالخمسين، فقال له الزبير: بقي لي عندك خمسون درهما. فقال له: من أين؟ ما أعطيت إلا هذه، فقال له: ردّها ما هي إلا مائة. فاشتدّ ذلك على جمال الدين،


1) التحفة 1/ 486.

2) التحفة 1/ 486.

و حنق عليه و جاء إلى المغيثي: و حكى له ما جرى له. و قال ما أتيتني بخير اتهمني و ردّها علي. فقال له الطواشي: صدق الشيخ، كانت مائة درهم تيسّر نصفها، فأردت أن يعجّل له لينتفع به حتى يحصل الباقي، فرجع جمال الدين إلى الشيخ و أخبره. فقال له: ألم أقل لك؟

فقال: من أين عرفت أنها مائة؟ فقال رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم فشكوت عليه حالي، فأعطاني مائة، فلما أعطيتني خمسين علمت أن الرؤيا حق، فطلبت الباقي فلا تلمني.

و ذكر لي: أنه كان يوما على فاقة، فرأى النبي صلى اللّه عليه و سلم أعطاه ستة عشر درهما.

و قال: خذ هذه فأنفقها، و الأمر أقرب من ذلك. قال: فانتظرت شيئا فلم يأتني شي‌ء، فلما صليت صلاة الظهر صلى إلى جنبي الشيخ أبو بكر الشيرازي، فجعل تحت سجادتي شيئا ثم مضى، و كان التعامل يومئذ بين الناس بالعلوية، و هي قطيعات فضّة مسكوكة باسم صاحب المدينة، كل واحد صرفه بسدس درهم، و لم يكن يومئذ فلوس. قال: فكشفت السجادة فوجدت علوية صرفها ذلك العدد. أعني الستة عشر التي أعطانيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فحمدت اللّه، و قلت:

الأمر أيسر من ذلك، فما فرغت حتى فتح اللّه بغيرها، و كان بيتهم بيت صلاح و خير و علم رحمهم اللّه أجمعين.

و كان له ولدان أحدهما الفقيه العالم المتفنن بدر الدين عبد اللّه، و شمس الدين محمد، فأمّا محمد فأقام بمصر، و أمّا.

[58- عبد اللّه فأقام عند والده و ساعده على وقته]

، و كان مشتغلا بالعلم

مشاركا في فنون، و لما توفى والده في سنة سبع أو ثمان و أربعين ضم شمل عيال والده، و أضافهم إلى عياله و ارتكب بسبب كثرتهم و قلة شفقتهم عليه ديونا(1)عظيمة، و في السنة التي توفى فيها و هي سنة اثنتين و ستين و سبعمائة عزم على السفر إلى مصر؛ لأجل ثقل دينه فمرض قبل السفر بيوم فبطّل و اتكل في قضاء دينه على اللّه فمرض أياما يسيرة ثم توفى- رحمه اللّه تعالى-، فحسب ما عليه من الدين فكان ثمانية آلاف درهم و كسر، فأشفق الناس عليه لتعلق ذمته بهذا المبلغ و كونه لم يخلف ما يقضى منه دينه و لا ربع دينه، و كان في المدينة رجل يقال له: الشيخ أبو بكر بن قرنيع من تجار اليمن من ذوي المعروف. فقال: أنا أتكفل بقضاء دينه، و لم تكن بينه و بينه خلطة توجب شيئا من ذلك فصالح عنه جميع الغرماء و أرضاهم.

و أخبرنا شمس الدين العلامة الخوارزمي- و كان عندنا مجاورا-: أنه رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم قد جمع غرماء عبد اللّه و هو يتعطفهم و يأمرهم بالإسقاط عنه و الصبر عليه، و ابن الزبير حاضر بين يديه و الجماعة يجيبون النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى ما سألهم و هو عليه الصلاة و السّلام مسرور بذلك منهم، فصحّت الرؤيا و ظهرت عنايته صلى اللّه عليه و سلم بعبد اللّه بن الزبير- رحمه اللّه-.

و كان برباط الأصبهاني جماعة أولهم و أولاهم بالذكر، الحبر الكبير و السيد الشهير ذو العلوم المتعددة و المقامات الربانية، و الكرامات الإلهية.

[عز الدين يوسف بن الحسن الزّرنديّ.]

((2)عز الدين يوسف بن الحسن الزّرنديّ.)


1) في المطبوع:( ديون).

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1320.

المحدث، سكن رباط الأصبهاني فعمره و ردّه إلى أهله على شرط واقفه بعد أن كان منزلا للنساء و الفتيان، و كان شيخ الربط كلها يتفقدها و يعمرها، سكن في حجرة الرباط فما كان يعرف الرباط إلا به.

أخبرتني جدتي أنها كانت ساكنة فيه مع بناتها و جماعة أهلها، و كان الرباط قد اسودّ و تغير بالدخان و الوقيد فيه حتى قام به الشيخ- رحمه اللّه- فعمره، و أخرج منه النساء و غيرهم، و فيه ولد أولاده، فلم يزل فيه حتى كثر عياله و انتشر فانتقل عنه، و كان الشيخ عز الدين- رحمه اللّه- قد لزم قراءة (البخاري) في الروضة المشرفة فيختمه في كل جمعة.

و أخبرني: أنه ختمه في ثلاثة أيام؛ لأنه صار على قلبه و طرف لسانه يؤديه بفصاحة و معرفة لا يمل سامعه قراءته، و من غاب أعاد له ما فاته.

و كان- رحمه اللّه- حسن الأخلاق جميل المعاشرة غير مهتمّ بأمور الدنيا، مقبلا على شأنه و عبادته، و مناقبه- رحمه اللّه- كثيرة لا يسع ذكرها هذه العجالة، توفّي- رحمه اللّه- بطريق العراق ذاهبا في سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، و أحيا ذكره أولاده النجباء الفقهاء الأئمة الأعلام.

[شمس الدين محمد.]

((1)شمس الدين محمد.)

[و شهاب الدين أحمد.]

((2)و شهاب الدين أحمد.)


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 295.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 272.

[و نور الدين علي.]

((1)و نور الدين علي.)

و أكبرهم أخونا في اللّه شمس الدين محمد- رحمه اللّه-.

كنت معه كالأخوين المتراضعين، رءوسا في المدينة و صنف الكتب العديدة و درّس في الحديث و الفقه، ثم ارتحل إلى شيراز بنية العودة إلى المدينة، فولي بها القضاء و كان فيه علما يشار إليه، توفّي- رحمه اللّه- سنة سبع أو ثمان و أربعين و سبعمائة، و خلّف ذرية صالحة أولادا نجباء مشتغلين بالعلم أكبرهم سراج الدين عبد اللطيف، اشتغل و حصّل في شبيبته، رأس(2)بين أقرانه، ذا عفة و ديانة و صيانة، و رزق أولادا مباركين مشتغلين بالعلم.

و أما أخوه:

[63- مجد الدين:]

فكان مشتغلا بالعلم، ثم سافر إلى الهند فرأس فيها رئاسة عظيمة، و أقبل عليه سلطان الهند و أنعم عليه، و اعتمد عليه في مهماته، و هو الآن عنده في محل رفيع و جاه وسيع وفقه اللّه لما يرضيه.

و أما شهاب الدين أحمد(3)ولد الشيخ عز الدين، فكان ذا عقل و رئاسة و دين عظيم مع سياسة الإخوان و الأحباب. و رزق ولدان نجيبان أحدهما:


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 3/ 142.

2) رأس فلان رئاسة: شرف قدره.

3) الماضي برقم 61.

[عبد اللّه.]

((1)عبد اللّه.)

و الآخر:

[محمد.]

((2)محمد.)

فأما عبد اللّه فحوى كل العلوم المتداولة بين الناس، و حفظ اثنى عشر كتابا في فنون متعددة، سافر به والده إلى دمشق فرأس و برع و اشتهر، و ولي الوظائف الجليلة ثم ماتا جميعا في الطاعون رحمهما اللّه، و ذلك في سنة تسع و أربعين و سبعمائة.

و أما محمد فتصوّف و سلك طريق القوم مع الاشتغال بالعلم و لا سيما علم الفرائض، و سافر العراق و مصر و الشام و هو على طريقة حسنة و همّة عليّة، نفع اللّه به.

و بقي من أولاد الشيخ عز الدين ثالثهم القاضي نور الدين عليّ(3)، صانه اللّه. حاز من العلوم ما لم يحزه أخواه، فانفرد اليوم بعلم اللغة و علم الحديث و الرجال، و ولي الحكم و الحسبة بتوقيع شريف من غير سعي و لا طلب، بل ساقها اللّه إليه، لما علم من حاجة الخلق إليه، فقام بها أحسن قيام، و نرجو له من اللّه الزيادة و التمام، فإنه سيف لأهل السنة دامغ للبدعة و المضلة، و قرئ مرسوماه بالوظيفتين في يوم واحد على دكّة المؤذنين بعد صلاة الجمعة، و ذلك أول سنة سبع و ستين و سبعمائة. و له التصانيف الحسنة و الدروس المفيدة، متّع


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 292.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 513.

3) الماضي برقم 62.

اللّه المسلمين ببقائه.

ثم سكن الحجرة المتقدم ذكرها بعد الشيخ عز الدين العالم الورع:

[شهاب الدين القرمي- رحمه اللّه-]

((1)شهاب الدين القرمي- رحمه اللّه-)

، يا له من رجل! ما كان أكثر خيره، و ما أحسن عبادته و عفته و صيانته و أغرز علمه و حلمه، لم أر أحدا من أضرابه أكثر منه اتّباعا للسّنّة و لا محافظة عليها، و لا أكرم منه و لا أطيب من نفسه، حسن المحاضرة و المداعبة و النوادر، كان في القرم و خوارزم واعظا مجيدا مربّيا، و كان بارعا في علومه مع جودة و سكون و حشمة، توفّي- رحمه اللّه- في طريق مكة عند قديد قافلا من الحج إلى المدينة المشرفة في سنة أربع و أربعين و سبعمائة.

و كان من شيوخ الوقت و الأئمة الكبار في العلم و العمل و معرفة الحديث و الرجال.

[الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهري الأخلاطي.]

((2)الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهري الأخلاطي.)

ارتحل إلى المغرب في حال شبوبيته، و أدرك رجالا من أعيان المغاربة و الأندلسيين و علمائهم، فأخذ عنهم و اشتغل عليهم، و طالت إقامته فيهم حتى كان الذي يجتمع به لا يشك أنه مغربي الأصل، و كان قد يسّر اللّه عليه تدوين الحديث و العلم، فلا تسأله عن شي‌ء من علم الحديث و رجاله إلا وجدت عنده منه طرفا جيدا، و حفظا حسنا، صنّف تصانيف كثيرة، و اختصر مطوّلات


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 281، المغانم المطابة 3/ 1168.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 460، الدرر الكامنة 3/ 309.

عديدة، و تردد إلى مكة و المدينة، ثم أقام بالمدينة المشرفة في آخر مدّته، و تزوج بها زوجة يمنية فولدت له بنتين، سماهما طابة، و طيبة، و سرّ بهما في آخر عمره، ثم إنهما توفّيتا في حياته فحزن لفقدهما حتى كاد يفنى لفنائهما، توفّي- رحمه اللّه- في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة(1).

و كان لنا شيخ عظيم القدر، كاشف لأسرار الحقيقة(2)يقال له:

[الشيخ سعادة]

((3)الشيخ سعادة)

، كانت إقامته بمكة و المدينة يتردد بينهما، و كان قد اشتهر في زمانه بين إخوانه أنه من أرباب الخطوة، و ممّن تطوى له الأرض، كان يتأهّب لصلاة الجمعة بمكة فيرى في المدينة يصلّيها، ثم يرجع فربما أدرك الصلاة، و ربما يوافق دخوله المسجد الحرام خروج الناس من الصلاة(4).

فيقال له: يا سيدي فاتتك الجمعة. فيقول: نصليها إن شاء اللّه، يريد الجمعة المستقبلة(5).

و خرج معه خادمه مرة فقال له لما أن قربا من المدينة: يا سيدي، قد يسألني بعض الفقراء عن مدة سفرنا، فما يكون جوابي؟ فقال له الشيخ: اكتم ما رأيت، و لا تقل إلا حقّا، فلما دخلوا المدينة المشرفة سلّم عليهم بعض الفقراء، و قالوا


1) التحفة 3/ 460.

2) في الأصل و المطبوع:( كاشف الأسرار الحقيقية)، و المثبت لدى الفاسي في العقد الثمين و هو ينقل عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 121، العقد الثمين 4/ 530.

4) أورده الفاسي في العقد الثمين نقلا عن ابن فرحون.

5) الفاسي في العقد الثمين نقلا عن ابن فرحون.

للخادم: متى خرجتم من مكة؟ فقال: يوم الجمعة. و تخلّص منهم بذلك، فكتم الحال، و صدق في المقال(1).

و له حكايات غريبة في خروجه من بلده من المغرب و وصوله إلى الحرمين الشريفين من هذا النوع شاهده من لا يتّهم، و حكى عنه ذلك من له في المجاهدة أوفى قدم، و حاله و حكاياته بمكة عند أهلها مشهورة، و كان إذا قدم المدينة احتفل الجماعة به و تبركوا بدعائه و بكلامه، و أكثر إقامته بمكة في رباط الموفّق، توفّي- رحمه اللّه- بمكة سنة ثلاثين و سبعمائة(2).

و كان من الأولياء الكبار القدماء الذين ينفقون من الغيب:

[الشيخ محمد الهوري]

((3)الشيخ محمد الهوري)

أكثر إقامته بمكة ثم انتقل إلى المدينة فأقام بها، فصادف غلاء عظيما، و عدم التمر حتى وصل صاعه إلى الخمسين و لا يوجد، و ذلك في سنة خمس و تسعين و ستمائة، و كان الشيخ- رحمه اللّه- يسكن في الحصن العتيق في بيت فيه شباك إلى الحرم، و كان يتصدق بالتمر البرني(4)على الناس لا يعلم من أين يأتيه، و لا له من يشتريه، بل لو أراد ذلك لما وجد لقلته(5)و عدمه.


1) أورده الفاسي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده الفاسي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: العقد الثمين 2/ 413.

4) التمر البرني: أصفر مدوّر، و هو من أجود التمر.

5) أورده الفاسي بنصّه نقلا عن ابن فرحون.

و كان يقول لكل من وقف عليه من الكبار أو الصغار: كم في بيتك من العيال؟ فيذكر له عددهم قلّوا أو كثروا، فلا يكاد يزيدهم على تمره تمرة، حتى يكاد يعمّ أهل البلاد كلهم فقيرهم و غنيهم، كبيرهم و صغيرهم، ثم يصبح على ذلك كل يوم من أول النهار إلى آخره.

جئته مرة فأعطاني عشر تمرات، فلما خرجت من عنده استقللتها فأعطيتها فقيرا سقّاء، و كنت يومئذ صغير السن جدّا، ثم إني ندمت على إعطائي له، فأنا إلى اليوم أذكرها لما وجدت حينئذ من فقدها، و كانت تلك السنة شديدة، و أظنها السنة التي حج فيها الأمير سلار، فإن التمر بلغ في الحاج خمسين، و لم يوجد من كثرة الحواجّ و الأمراء، و كانت الترك و الأمراء ليسوا مثل اليوم في الهدية، بل يحملون التمر بالمئين.

و أذكر في تلك السنة أن أعيان المجاورين كانوا يطلبون الحثالة من شدة الشهوة في التمر، و ما كان أحلاها إذا وجدت، و اتّفق أن جاء والدي من عند الشيخ يعقوب الشريف المتقدم ذكره في محفظته بمدّ تمر، فسررت به و إخوتي، حتى و لو كانت دراهم ما فرحنا بها كذلك.

هذا كان الحال في تلك السنة، و أما حال الناس في غيرها فكانوا في حال دون هذا، السعيد و هو الذي يتغذّى بليلة، و البليلة: حثالة و حشف مدقوقان يجعلان في قدح و يجعل عليه الماء ساعة، فإذا ابتلّ قدّم إلى العيال أكله كأنه عندهم حلوى، و يكون ذلك غذاؤهم حتى يأتي العشاء بما تيسر من جشيشة أو حريرة، و الناس اليوم ملوك أو كالملوك و لا يشكرون اللّه تعالى، بل غلب عليهم بطر النعمة حتى اشتغل بعضهم بعضا من شدة الحسد و البغضاء.

ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب‌فالناس بين مخاتل و محارب

يفشون بينهم المودة و الصفاو قلوبهم محشوة بعقارب

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر: 9.

و أخبرني جماعة عن هذا الشيخ الهوري(1): أنه لما قدم بمكة المشرفة أنفق على أهلها و ضعفائها أموالا مستكثرة، فرفع خبره إلى الشريف- أظنه حميضة- فجال ذلك في صدره، ثم دخل على الشيخ في بيته على غفلة فرحّب الشيخ به و أجلسه في وسط بيته، و قدم إليه كسيرات و شيئا من المخلّلات، فقال: ما أريد إلا أن تريني ما في بيتك أو تعطيني ما يكفيني و حاشيتي. فقال له الشيخ:

البيت بين يديك، و اللّه ما أدّخر عنك شيئا. فقام الشريف و أعوانه إلى البيت ففتشوه و حفروه، فلم يجدوا في بيته شيئا غير أواني المخلل و شيئا لا يعبأ به فتركوه و انصرفوا، و لم يزل مستمرّا على ذلك الإنفاق إلى أن توفّي- رحمه اللّه(2).

قال لي الشيخ جمال الدين المطري- رحمه اللّه-: كان شيوخ مكة ينكرون عليه شيئا من أحواله، و ذلك أنه كان كثير الطواف ليلا و نهارا، فيطوف معه بالليل نساء مخدّرات و غير مخدّرات، فيأخذ في مؤانستهن و الكلام معهن.

و يقول: أنت فلانة كيف أنت؟ و كيف حالك؟ يعرفهنّ واحدة واحدة، ربما تكون المرأة لا يعرف أحد اسمها فيسميها، فينكر عليه الشيوخ فلا يلتفت


1) تحرف في الأصل و المطبوع إلى( الهروي).

2) أورده الفاسي عن ابن فرحون بالنص.

إلى كلامهم(1). و يرى أن ذلك طريقته و طريقة شيوخه للتستّر بهذه الأحوال، و كان من أهل الريف، توفّي بمكة- رحمه اللّه- و نفعنا بعباده الصالحين.

ثم كان من المشايخ الكبار أولي التحقيق، و السادة من أهل الطريق.

[أبو بكر الشيرازي.]

((2)أبو بكر الشيرازي.)

كان من أصحاب السّيّد الكبير شيخ زمانه سيدي أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي، كان الشيخ أبو بكر بالمدينة كالشيخ نجم الدين الأصبهاني بمكة، كنت إذا رأيته رأيت رجلا من أهل الجنة، شهرة مناقبه الجمّة تغني عن تعدادها، سكن رباط الشيرازي حتى توفّي- رحمه اللّه-.

كان على قدم أي قدم من الصيام و القيام و إطعام الطعام، و كثرة الإحسان للإخوان، و تفقد المجاورين و المساكين، جاورناه فوق عشرين سنة، فما رأيت مثله لا يعلم ما الناس فيه، و لا يسأل عما لا يعنيه- رحمه اللّه- و نفعنا به.

كان بيته قلّ أن يخلو من الطعام الفاخر، لكل وارد و صادر، قد اشتهر بورعه و صلاحه و خيره في أقطار الأرض حتى إنه ليقال: من في المدينة يزار بعد النبي صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه؟ فيقال: الشيخ أبو بكر الشيرازي و كفى به، و قد تقدم شي‌ء من ذكره قبل هذا، توفّي- رحمه اللّه- في سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من أصحابه و ألزامه.


1) أورده الفاسي عن ابن فرحون بالنص.

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1167.

[الشيخ أحمد الششتري.]

((1)الشيخ أحمد الششتري.)

لزمه و قام بخدمته و ولده شمس الدين من بعده، فاكتسبا من آدابه، و تخلقا بأخلاقه، كان الشيخ أحمد- رحمه اللّه- من الرجال الملازمين للسكينة و الوقار، المحبين في الفقراء و المساكين، و أهل الصّلاح و الدين، ملازم الصف الأول، و يدخل المسجد في الوقت الأول، و كان مع أهله في بيته على خلق أهل الخير لا يبيت على معلوم، و لا كان في غير حق اللّه يقوم(2).

ثم لحقه في خلقه و خلق الشيخ أبي بكر ولده:

[شمس الدين محمد بن أحمد الششتري]

((3)شمس الدين محمد بن أحمد الششتري)

على خير و عفّة و صلاح، باشتغال بالعلم و سماع الحديث،- رحمه اللّه- سافر و ارتحل، و له حسنة عظيمة رباط بالقرب من المسجد الشريف، هو عشّ الصالحين، نفع اللّه به.

و له في المدينة آثار حسنة، و معالم مستحسنة، توفّي الشيخ أحمد- رحمه اللّه- سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة(4).

و كان من أهل الرباط المذكور.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 280.

2) أورده السخاوي عن ابن فرحون بالنص.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 477.

4) أورده السخاوي عن ابن فرحون بالنص.

[السيد أحمد الخراساني]

((1)السيد أحمد الخراساني)

كان آية من آيات اللّه في باب العزلة و الصبر على القلة، له كل يوم ختمة الروضة المشرفة، كان لا يعرف من الناس إلا نفسه، جلس إليه أرغون نائب السلطان الملك الناصر فسأله عن حاله، فلم يشفه في الجواب. و سأله عن قراءته. فقال له: كل يوم ختمة(2). فقال له: فكيف لا، و أنت ليس لك شاغل من أهل و عيال. طالت مدة حياته و هو على حاله لم يتبدل و لم يتغير(3).

و سكن معهم الرباط جماعة كثيرة من أهل الخير. منهم الشيخ محمد الكازروني و عمر الكازروني، و الفيروزابادي و جماعة غيرهم.

و كان من السّادة الكبار و الأئمة الأخيار في الجد و الاجتهاد:

[الشيخ صفي الدين أبو بكر أحمد السّلّامي- رحمه اللّه-.]

((4)الشيخ صفي الدين أبو بكر أحمد السّلّامي(5)- رحمه اللّه-.)

لو رأيته لرأيت رجلا أيّ رجل، كان ذا دنيا عظيمة فتخلّى عنها و تركها و رغب في الآخرة و أقبل عليها، و انقطع في المدينة على عبادة عظيمة لا يفتر ليلا


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 279.

2) تحرف في المطبوع إلى:( كل يوم جمعة) و صواب القراءة من النص، و مثلها لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن ابن فرحون. و الختمة: قراءة القرآن مرة واحدة.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1169.

5) قيده الفيروزابادي في المغانم المطابة: بتشديد اللام، نسبة إلى السّلّامية: قرية كبيرة بشرقي دجلة على مرحلة من الموصل.

و لا نهارا، كان يقف في أواخر المسجد إلى أسطوان من الصبح إلى الظهر، و من الظهر إلى العصر، لا يقطع ذلك إلا بالصلوات الفرائض في الروضة الشريفة، و ذلك مع شيخوخته و كبر سنّه، فإذا جنّ عليه اللّيل حنّ إليه كما تحنّ الوالدة إلى ولدها.

و كان له إيثار عظيم بالدنيا، و كان قرابته مع السلّاميين يبعثون إليه بالأموال الكثيرة؛ ليفرقها على مصارفها و يزيد عليها من ماله، لم يكن للدنيا في عينه بهجة، و له في الإيثار بها غرائب كان يحكيها عنه عز الدين دينار شيخ الخدام، فإنه كان يصحبه و يعتقده، و مثله يعتقد.

أعتق خداما و مماليك، و بني له رباطان أحدهما مجاور للميضأة موقوف على الرجال و النساء، و الآخر موقوف على الرجال، و اشترى الدار التي كان يسكنها و هي في ظهر رباطه الموقوف على الرجال، و كان الرباط حوشا لهذه الدار، فأفرده للرجال و سد الباب الذي بينهما و هو بيّن إلى الآن، و أوقف الدار المذكورة على الفقراء و المجردين إن لم يكن سلّاميون، فإن كان منهم في المدينة سكنها و هو أولى من غيره، فإن سافر أو مات رجعت إلى الفقراء المجردين حكمها حكم الرباط و مجاور لها.

و وقفت على ورقة الوقفية و رأيت فيها من الشروط ما ذكرت، و إنما ذكرت ذلك و إن لم يكن مما نحن فيه؛ لأن بعض الناس وضع يده على هذه الدار، و سكن فيها نحو عشرين سنة منفردا بشبهة أنه عتيق لعتقاء الواقف، فظهر كتاب الوقف في هذه السنة و هي سنة سبع و ستين و سبعمائة، فانتزعت الدار من يده و أعيدت إلى شرط الواقف.

توفّي صفي الدين- رحمه اللّه- بالمدينة النبوية و دفن بالبقيع إلى جنب قبة

سيدنا إبراهيم بن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حدود خمس عشرة و سبعمائة.

و كان من أخص الناس بالشيخ صفي الدين السّلّامي:

[الشيخ محمد الكازروني]

((1)الشيخ محمد الكازروني)

انتفع بصحبته و انتفع الشيخ به و بمساعدته في إنشاء الربط و عمارتها، و كان الشيخ محمد يحكي عن الشيخ غرائب من المقامات الجليلة و الخصال الحميدة، و اقتبس الشيخ محمد من بركته و من دعائه حتى وجد أثر ذلك في أولاده، فرزق ذرية صالحين منهم الولد الصالح.

[صفي الدين أحمد]

((2)صفي الدين أحمد)

، قد نال الدرجة العليا في الصّلاح و الدين، و العلم المتين، و كان لي كالولد البار تغمده اللّه برحمته، فما كان أحسن خصاله الحميدة و أخلاقه السعيدة، و آرائه الرشيدة(3)، جمعنا اللّه و إياه في فسيح الجنان و جوار الرحمن ببركه هذا النبي عليه الصلاة و السلام.

و سيأتي شي‌ء من محاسنه و محاسن أخيه عز الدين حماه اللّه تعالى بعد هذا.

صحبت الشيخ محمدا حضرا و سفرا، ماشيا و راكبا، فما رأيت من الأصحاب مثله في سعة خلقه، و طول صبره، و حسن عشرته، و طيب نفسه في إنفاقه، و حسن ظنه في رفاقه و لو كانوا قطاع طريق(4).


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 567.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 231.

3) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

4) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف.

رأيته يسلم المال الكثير للجمالين من أهل الصفراء، و يأمنهم عليه و يغيب عنه و هو تحت أيديهم فلا يتهمهم، و مع ذلك تجده محفوظا في نفسه و ماله، و كان لا يردّ من أراد منه قرضا أو معاملة، يعامل الناس على حسب أخلاقهم، لم أره ضيّق على غريم، و لا حبسه، و له من الأموال العظيمة على صعاليك المدينة، فإذا طلبوا منه زيادة زادهم و صبر عليهم(1).

قلت له في ذلك، فقال: من كان لي عنده شي‌ء بفائدة حرصت على رأس المال، و ما بقي إن جاء في الدنيا و إلا فهو لي في الآخرة، و لذلك حفظه اللّه في ذرّيته فجاء منهم الفضلاء العلماء.

منهم:

[الفقيه عز الدين بن عبد السلام]

((2)الفقيه عز الدين بن عبد السلام)

و تفقّه و درّس في الحرم الشريف في موضع صفي الدين أخيه، و انتفع به أهل زمانه(3).

توفّي والدهم- رحمه اللّه- سنة إحدى و خمسين.

و كان من السادة المحفوظين و الأخيار المعدودين الأخوان الصالحان المتحابان في اللّه:

[78- الشيخ أبو الحسن الخراز.]


1) الخبر لدى السخاوي بالنص نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 11.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

[79- و الشيخ أبو عبد اللّه محمد الخراز.]

أقاما في بيت واحد فوق الثلاثين سنة مجتمعين على صناعة واحدة يخرزون في بيتهم هم و أتباعهم لأنفسهم النّعال و غيرها، و يرفعون ما فضل عن قوتهم فيتصدقون منه و يؤثرون، و ما بقي رفعوه إلى أيام الحاج، و يؤلفون من أتاهم و قصدهم من الأخيار حتى من أتاهم إنه لا يفارقهم.

كان الشيخ أبو الحسن له سابقة في مجاهدة الإفرنج بالأندلس، فكان لا يزال يعد الوقائع و الحروب و ما جرى لهم من النصر على أعدائهم، و يذكر من كانت له شجاعة و فروسية و فتك في النصارى، و كان حسن التصوير في كلامه يستلذ السامع بحديثه، فلذلك كان بيتهم لا يزال بالأخيار معمورا و أكثرهم الخدام الأخيار، و كان لهم أوراد و أذكار مقدرة في أوقات معلومة لا يزال والدي و نظراؤه يأتونهم بعد العشاء الآخرة للذكر و قراءة المسبعات حتى يمضي جزء من الليل، و اتحد بسببهم حال المجاورين و الخدام و حصل بينهم إخاء، و ارتفق بعضهم ببعض في الدين و الدنيا رحمهم اللّه، و قد تقدم ذلك.

و كان من حالهم و خصالهم الحميدة أنهم يتفقدون المساجد المشهورة فيعمرونها و يساعدهم عليها الخدام بأنفسهم و خدمهم و أطعمتهم، و يجعلونها نزاهات، و هي في الحقيقة عبادات.

كانوا إذا نزل الغيث و أصاب أحدا يخرجون إلى سيدنا حمزة عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيبيتون عنده في القبة في صلاة و عبادة و ذكر، و يجتمع معهم جلّ الخدام و المجاورين و رؤساء المؤذنين و فضلاء المدرسين، و عامة الناس أجمعين من فقير و مجاور، أو مديني يكون لهم خادم، حتى إنه لم يبق في المدينة من أهلها إلا القليل، فيخرج كل جماعة بما يقدرون عليه من الطعام الفاخر و غير الفاخر،

و يأتون الخدام بأنواع من الحلوى و الأطعمة الملونة فتكون ليلتهم في الذكر و العبادة تعدل ألف ليلة؛ لما اشتملت عليه من خيرات الدنيا و الآخرة.

و كان جماعة الفقراء و شيوخهم الشيخ علي و أخوه الشيخ محمد الخرازان، يحملون معهم القرب يظن الناس أنها ماء، و هي ملأى من طبيخ الأرز و البسلا يعدونه للفقراء الذين يتبعونهم و يخرجون معهم، ثم يلحقهم مددهم ممن تأخر عنهم في صبيحة ليلتهم، فإذا أصبحوا و صلّوا الصبح سرحوا إلى الجبل فطلعوا فيه جماعات جماعات، و لهم في الجبل مقامات، يجلسون فيها فمنها موضع للطعام، و منها موضع وسط الجبل متسع تمد فيه الحلوى و الأطعمة المحلاة، و منها موضع بعده يمدون فيه أنواعا من المحمضات و الحريفات حتى إذا انتهوا إلى رأس الجبل، صلوا في تلك المساجد، و اجتمعوا لقراءة القرآن و الدعاء و الذكر، و كان لمحمد بن إبراهيم في تلك المواضع عمل عظيم و تذكير كثير، فتراهم يبكون و يتواجدون و تظهر عليهم آثار الرحمة و ذكر اللّه لهم فيمن عنده رحمهم اللّه.

ثم بعد ذلك ينزلون إلى عند المهراس، فيفرقون ما بقي معهم، و يمدونه للفقراء الذين(1)يتبعونهم حتى إن الطعام ليبقى ليس له آكل، و يرجعون إلى المدينة على خير رجعة بقلوب صافية و أخوّة متزايدة و شوق إلى مثل ذلك الاجتماع.

و كان معهم من الكبار مثل الشيخ عبد الواحد الجزولي المتقدم ذكره،


1) تحرف في المطبوع إلى( للذين).

و الشيخ محمد اليمني، و والدي، و مثلهم كثير كالصّحيناتيين بأجمعهم، و كان أكثر الناس صحبة لهم الشيخ أحمد القرشي والد محمد الصحيناتي، و كان يعد من الصالحين الكبار المتقشفين الموسوسين عند الطهارة و عند الغسل و الصلاة، كان يدخل العين قبل قيام المؤذن للتذكير، فلا يزال فيها حتى يمل منه الناس من كثرة الوسواس، نسأل اللّه العافية، و كان على قدم عظيم ربما لم يكن فيهم مثله، ملازم الجماعة و مجالس العلم و الخير، و يهادي الجماعة و يتتلمذ لهم،- رحمه اللّه-.

و كان للشيخ أبي الحسن الخراز أحباب أفراد من الناس الأكياس، منهم:

[الشيخ عمر بن عياد الخرّاز الأنصاري.]

((1)الشيخ عمر بن عياد الخرّاز الأنصاري.)

و الشيخ عمر المدّاس.

و عبد اللّه الخراز.

و جماعة كثيرون.

فأما الشيخ عمر، فبلده الأندلس من أعمال الجزيرة الخضراء- أعادها اللّه على المسلمين- و له مع الإفرنج وقائع و مواطن عجيبة، و كان والده عياد شيخ بلده، فلما ضعف أهل تلك الناحية و غلب عليها الإفرنج- خذلهم اللّه- خرجوا من تلك البلاد، و توجّه الشيخ عمر و أخوه إلى الحجاز، فمات أخوه في نواحي الشام، و وصل الشيخ عمر إلى المدينة، و أقام بها، و صحب الشيخ أبا


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 354.

محمد البسكري و جماعته، و كان خصيصا بالشيخ أبي الحسن الخراز و جماعته، و كان- رحمه اللّه- على قدم عظيم في الصّلاح و الخير و محبة الصالحين و قضاء حوائجهم، و عدم الاكتراث بالدنيا في المأكل و الملبس، و كان له عليّ تربية و شفقة، و كان يحملني في صغري و يفكه أصحابه بي(1).

و لما حج والدي بوالدتي و كنت معهما صغيرا لم أفطم من الرضاع، كان هذا الشيخ عمر يقوم عن والدتي بتربيتي، حتى إنه كان يتنجس مرارا فلا يتقذّر و لا يتسخط، فله علي حق يستوجب به الدعاء مني، و كان له من الخدام أعوان صالحون قد تقدم ذكرهم في ذكر مختار المولد، و لما بنى داره ساعده فيه إخوان محبون و أصدقاء ملاطفون، فخفّت عليه مئونتها رحمهم اللّه أجمعين(2).

له عقب أولاد صلحاء، و ذريّة فقهاء، انتفع بهم أهل زمانهم أكبره اليوم الشّيخ عبد اللّه، محب في خدمة الفقراء مسارع إلى قضاء حوائج الإخوان محبب إلى الناس.

[ثم الفقيه العالم النبيه تاج الدين عبد الواحد.]

((3)ثم الفقيه العالم النبيه تاج الدين عبد الواحد.)

اشتغل اشتغالا كثيرا و تفنن في علوم عديدة، و أفاد دروسا و جلس في مجلس شيخه الشيخ عبد السلام بعد وفاته، فانتفع به الطلبة. توفّي الشيخ عمر- رحمه اللّه- في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة.


1) الخبر لدى السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) التحفة اللطيفة 3/ 354.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 101.

و كان من الشيوخ المعمّرين في المدرسة الشيرازية:

[الشيخ إبراهيم العريان.]

((1)الشيخ إبراهيم العريان.)

• رحمه اللّه-، كان كاسمه عريانا أبدا صيفا و شتاء على قدم التجرد، في وسطه بلاس(2)و على رأسه قبع صوف، و كان أصله من الروم، فأقام بالمدينة فوق خمسين سنة على طريقة حسنة مستقرّا في المدرسة المذكورة، عاش على ذلك حتى بلغ حدّا اشتهر فيه بين الناس و أهل البلاد، فصار مقصودا مشهورا، له في المدينة آثار حسنة أكثرها في المدرسة و لولاه لسقطت طبقاتها.

أقام فيها تلك الأساطين حتى حملت السقف و الرواشين، و كانت المدرسة مختومة في أيامه لا يدخلها و لا يسكنها إلا الأخيار من الناس، اشترى نخلا و أوقفه و اجتهد في عمارته بنفسه و ماله، صحبته من المدينة إلى مكة- رحمه اللّه-، و كان لا يعاشر إلا بالملاطفة لقوة أخلاقه- رحمه اللّه-. توفّي بالمدينة سنة ثلاثين و سبعمائة(3).

ثم خلف الشيخ إبراهيم في المدرسة:

[الشيخ سليمان الونشريسي.]

((4)الشيخ سليمان الونشريسي.)

من أصحابنا الكبار، له مجاهدة و توجه عظيم و مكاشفة في كل حين، و متى


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 154.

2) البلاس: ثوب من الشّعر غليظ.

3) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 189.

شكي إليه من شدة أو خوف اشتغل خاطره بتفريجها، و أطلعه اللّه في المنام على عاقبتها فلا يمضي يوم حتى يخبر بما يكون من أمرها، و ذلك شي‌ء كان منه دائما للإخوان و المعتقدين(1).

و كان مكبّا على الصيام و القيام، و لسانه لا يزال رطبا بذكر اللّه و تلاوة القرآن، إذا قرأ القرآن لا يقرأ كقراءة الناس اليوم، بل يرفع صوته و يرتله ترتيلا عجيبا مع تدبر و تأمل حتى يغيب عن حواسه، و كانت قراءته في المصحف نظرا؛ ليقوى بذلك على التدبر، و لأنها أفضل من القراءة غيبا، و له شي‌ء من التصنيف ذكر فيه أحوال القوم و طريقتهم، و فصّله بمواعظ و تقريبات ينتفع بها من وقف عليها(2).

ذكر لي- رحمه اللّه- أنه لما قدم المدينة سكن في رباط السبيل و هو على قلة وفاقة، و كان يطوي الأيام لا يجد شيئا و لا يفطن له لتعففه و تكففه حتى سقطت قوته و خشي على نفسه، قال: و كان جواري رجل صالح يذهب كل يوم إلى البر، فيأتي بحزمة حطب يبيعها و يتقوت بها و هو شيخ كبير، و كنت أشفق عليه لما أرى ضعفه، و كنت أقرأ على الشيخ عبد الحميد القرآن تجويدا مع جماعة من الناس لا يعلم أحد بحالي و لا ما أقاسي من الجوع و القلة. قال:

فجلست يوما في القبلة في المسجد فجاءني إنسان من ورائي ورمى في حجري رغيفا في الغلس، و ذهب و لم أعلمه و لا عرفت مكانه(3).


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف.

قال: فأخذت الرغيف فأكلته فوقع في فمي شي‌ء أخرجته فوجدته دينارا مغربيّا، فأخذته و ذهبت به في الوقت إلى السوق و أخذت به طعاما و تقوّتّ(1)به أياما، ثم عدت إلى ما كنت فيه من الفاقة، فعاد إليّ ذلك الرجل ورمى في حجري رغيفا و ذهب في الغلس، فلم أعرفه، فوجدته مثل الرغيف الأول، فاشتريت طعاما و بقيت متعجبا من ذلك الرجل، فعند فراغ ما عندي جاء في الثالثة فرمى آخر على غفلة منّي فتعجبت من هذا الرجل الذي يعرف الوقت الذي أصل فيه إلى الضرورة و لو أنه كان معي في البيت ما كان يصل إلى حقيقة ما وصل إليه هذا الرجل! ما هذا إلا ملك أو ولي من الأولياء.

قلت: و اللّه لأراقبنّه حتى أعلم مكانه.

قال: فلما فرغ ما بيدي ارتقبت الوقت الذي يجي‌ء فيه، فإذا هو قد جاء على العادة فحققت النظر حتى عرفته فإذا هو جاري الحطّاب.

فقلت: هذا هو الحق؛ لأنه يعلم من حالي ما لا يعلمه غيره؛ لأن الباب بالباب.

قال: فمالت نفسي إليه، و القلب يميل إلى من أحسن إليه، فوانسته فانعطف علي و إن كان كره ظهور إحسانه إليّ، ثم إني تخيلت منه أنه ينفق من الغيب، أو معه علم من الصنعة؛ لأن من ظفر بإحدى الخصلتين زهد في الدنيا، و طلبها بتعب النفس ليكون ذلك من الشكر للّه تعالى على أن ملكه ما لم يملكه غيره.


1) تقوّت بالشي‌ء: أكله.

قال: فأنست به حتى سألته عن سبب تكلفه نقل الحطب مع السعة، و قلت له: هذا غير نظر منك لك.

فقال: أردت أشياء يا مسكين منها التستر عن الخلق، و منها تذليل النفس و تهذيبها، فإن النفس إذا ملكت طاشت و طغت.

و لم أزل به حتى أخبرني أنه علم ورثه و انفرد به، فسألته أن يعلمنيه لأذكره به و أستعين به على حالي.

فقال لي: إن صحبتني إلى بلادي علمتك، و إلا هنا فلا، فأقام إلى الموسم ثم سافر و لم يقطع اللّه بي، قلت: و ما مات الشيخ حتى تزوج زوجة صالحة كان يقول: إنه في بركتها، و اتسع حاله و اشتهر ذكره، و كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و زوجته ميمونة على قدم في العبادة و الخير.

توفّي الشيخ- رحمه اللّه- عقيب الحج، و كان قد حج ماشيا في طريق المشيان، فلما كمل حجه اجتمع بي في منى، و قال لي: قد عجزت عن الرجوع ماشيا فاكتريت له، و كان في صحبتنا إلى المدينة فلم يقم بعد الموسم إلا قليلا ثم انتقل إلى رحمة اللّه تعالى أول سنة ست و خمسين و سبعمائة.

و كان لي من الإخوان في اللّه العلماء الربانيّون أصحاب الأحوال و المكاشفات.

[الشيخ الصالح العالم العامل شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز]

((1)الشيخ الصالح العالم العامل شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز)

بن


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 186، العقد الثمين 3/ 78.

القاسم بن عبد الرحمن النويري العقيلي.

نسبة إلى عقيل بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

كان له تردد كثير إلى الحجاز يتكرر كل سنة مع الرجبية إلى مكة المشرفة في البحر تارة و في البر أخرى، فلما أقمت بمكة عام ثمانية عشر و سبعمائة صادفت مجيئه إلى مكة و أنا بها، فصحبته فوجدته من رجال الآخرة، و من بيت العلم و العمل و المكاشفة.

فقال لي: أريد المدينة في هذه السنة و قد عزمت على طريق المشيان فاعمل على الصحبة.

قلت له: يا سيدي أنا لي عن أهلي مدة طويلة أكسبتني قوة شوق و وجد، و إن سافرت معك في طريق المشيان تعبت معك؛ لأني أجد في المشي و أنت لا تقدر على ذلك، فعذرني و تأخر.

فلما جاء الموسم جاءني و دخل منزلي فاستبشرت ببركة دخوله و حصل لي به أنس كثير، و وعدني بخير كثير، ثم تكرر إلى مكة بعد ذلك سنين إلى عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة.

ثم بلغني أنه لما جاء مع الرجبية تزوج بنت القاضي نجم الدين الطبري قاضي مكة المشرفة و إمام أئمتها و كبيرها أبو اليمن محمد بن محمد الطبري الشافعي، و كان غرضهم من تزويجه أن تحل للشيخ خليل(1)المالكي إمام مقام


1) ستأتي ترجمته فيما بعد.

المالكي؛ لأنه كان حنث فيها، و لم يطلع على ذلك و لا ذكروا ذلك له لما كانوا عليه من الورع و الخير و الدين، فلما حصل معهم قاموا بحقه و خدموه و سعوا في رضاه من غير أن يشعروه أن لهم غرضا غير بركته و خدمته.

فلما رأى ذلك منهم اغتبط بهم و أنس بينهم و وجد منهم الشفقة العظيمة، فأقام بمكة و ترك الرجوع إلى بلده، فرزق منها أئمة مكة اليوم و قضاتها و خطباؤها و علماؤها الفقيه الإمام العالم القاضي:

[كمال الدين أبو الفضل الشافعي.]

((1)كمال الدين أبو الفضل الشافعي.)

[و القاضي نور الدين المالكي.]

((2)و القاضي نور الدين المالكي.)

فتقدما على أقرانهما و رأسا.

فولي القاضي كمال الدين قضاء مكة و خطابة الحرم و نظره.

و ولي القاضي نور الدين مقام الفقيه خليل بعد ابن أخيه عمر- رحمه اللّه- في إمامة المقام و في إمامة الحج، و كان من حال والدهما أنه صحب زوجته إلى أن توفّي والدها القاضي نجم الدين في سنة ثلاثين و سبعمائة عن اثنتين و سبعين سنة- رحمه اللّه-، و هو معهم على ما يحب من العزة و الإكرام و ترك المساءلة عما يجب عليه من النفقة و الإدام و الكسوة و ما جرت به العادة من الأزواج، فبعد موت والدها لم ير منهم ذلك الوجه الذي كان يعهده، فجاء مع زوجته المدينة


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 474، العقد الثمين 1/ 300.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 214، العقد الثمين 6/ 132.

زائرا و أراد أن يقيم بها؛ ليذللها و يهذبها بالغربة و البعد عن أهلها.

فقال له أهلها: لا يمكن ذلك و شدّدوا في رجوعها معهم. فقال على طريق التغليظ عليهم و التشديد و إقامة العذر: أنا قد حلفت بالطلاق الثلاث أن لا يكون لها معكم سفر في هذا الوقت. و لم تكن له نية و إنما أراد التهويل عليهم، فعزموا عليه و التزموا بالرجوع إلى ما كان عليه.

فسافروا معهم و قرروا عليه يمينه، و أخذوه بظاهر لفظه فطلقوها منه، فاشتد عليه الأمر و عظم عليه ما وقع منه و فيه، و لم يجد من يساعده على ما نواه إذ أسرته البينة.

فلما رأى أنها بلية لا يمكن زوالها رجع إلى المدينة المشرفة، و أقام بها و كان يصلي إلى جنبي الصلوات، فأرى منه من التوجع و الالتهاب و الشوق ما لم أره من أحد فكنت أعذره في الباطن و أهون عليه الأمر في الظاهر، فيقول: و ويل للشجيّ من الخليّ.

ثم إنه لم يجد ما يغيظهم به إلا أخذ أولاده منهم، فأخذهم منهم بالشرع فأقاما معه و هما صغيران فتعب و تعبا، فيسّر اللّه تعالى من أخذهم منه خلسة، و حملهم إلى مكة عند أمهم و خالهم القاضي شهاب الدين فربوهما أحسن تربية فجاء منهما ما تقدم ذكره، و لما علم الفقيه خليل- رحمه اللّه- أن في فراقها له شبهة تورع عن زواجها و تركها فلم يزل كذلك حتى توفي شهاب الدين النويري بالمدينة حينئذ تزوجها و ماتت عنده رحم اللّه الجميع، و كان الشيخ شهاب الدين من بيت الكرامات و المكاشفات لهم حكايات و مقامات مشيدات.

جلست إليه يوما بعد أن صليت ركعتين و كان قد أظلنا مجي‌ء الحاج فكانت صلاتي كلها وسوسة بما يجي‌ء به الحاج و ما يكون من وظائفي و ما يجي‌ء منها و غير ذلك.

فقال لي عقيب فراغي: يا فقيه ما أقل أدب العبد مع اللّه تعالى خلقه و أوجده و تكفل برزقه و جعل الرزق يجري مع الحاجة لا يتعداها، و لم يرد منه إلا الإخلاص و التوكل و العبادة و قد جرب العبد وعده تعالى فوجده صحيحا لا يختل معه، و رزقه يأتيه كل حين و كل يوم و كل ساعة حسب ما يقدره اللّه تعالى، ثم إنه سبحانه أمر بصلاة و زكاة و صيام و وقّت له من ذلك وقتا، و أمره بأن لا يتعداه بتقديم و لا تأخير ففعل العبد ذلك، و قدر له رزقا و وقته عنده بوقت معلوم، ثم إن العبد يسي‌ء إلى ربه بأن يتهمه فيما وعده به، فيقول: يا ترى يجيئني شي‌ء من هذه السنة أم لا؟ و إن جاء فهل يجي‌ء كاملا أو ينقطع بعضه؟

و من هذه الأشياء التي هي إلى الشرك أقرب، أليس هذا من قلة الأدب؟

فعلمت أنه إنما أرادني بهذا الكلام فاستغفرت اللّه العظيم، و رجعت فنلت بذلك خيرا كثيرا، و له كرامات لا يسع ذكرها ههنا.

و لما كان في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة قدمت قافلة مكة و معهم القاضي شهاب الدين و مطلقته و ولداه، فطلع بها شهاب الدين إلى الأمير ودي بن جماز صاحب المدينة و كلمه في شأن زوجته و أولاده و أخذ خطه بأن يعقد لهم مجلس شرعي، و كان ذلك في أول نهار الأربعاء خامس شهر محرم من السنة المذكورة، فمرض في أواخر ذلك النهار، و لم يزل مريضا إلى أن توفّي بعد العصر يوم الأحد سادس عشر المحرم، و دفن بعد المغرب بالبقيع قريبا من مالك بن أنس مما يلي الطريق- رحمه اللّه-.

و لما ذكر.

[الفقيه خليل استطرادا فلا بد من ذكره استبدادا]

((1)الفقيه خليل استطرادا فلا بد من ذكره استبدادا)

فقد كان من أئمة الدين و المتسمين باليقين، كانت مكة المشرفة بلده و دار إقامته، و لكن قل أن تجي‌ء قافلة من مكة للزيارة و ما هو معها شوقا لهذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم، و كان قد أقام و جاور و قرأ على والدي العربية و كان ملازما لدرسه و انتفع و حصل، و كان يقول لي: ما عند الشيخ من كتب العربية؟ فأقول له: ما علمت عنده شيئا سوى شي‌ء من" شرح الجمل" لابن عصفور، فيقول لي: ما هذا من جوانح ابن عصفور، هذا الذكر العظيم و الإلقاء و التفهم لا يكون إلا عن إلهام أو كثرة اشتغال، و كثرة كتب يلتقط محاسنها و يرتب قوانينها، فأقول له: ما عنده غير ما ذكرت لك.

كان حال الفقيه خليل معلوما مشهورا من البر و الصدقة و مواساة الفقراء و تحمل الدّين العظيم لأجلهم، ينتهي دينه في بعض السنين إلى قريب من مائة ألف درهم (نقرة(2)، يقرضهم ثم يقضي اللّه تعالى على أبر(3)ما يكون و كان(4)له من الدين فوق ما يصفه الواصفون، و من العلم مثل ذلك، و من الورع و التمسك بالسنة فوق ذلك، قل عن البحر فالبحر يوقف دونه، كان لي منه النصيب الوافر في دعائه و مكاتبته و نشر ذكري عند أهل الخير جزاه اللّه خيرا،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 21، العقد الثمين 4/ 324.

2) ساقط من المطبوع و الدرهم النقرة: هي الدراهم التي كانت تغلب فيها نسبة الفضة على النحاس.

3) في المطبوع( أيسر) و المثبت من الأصل و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف.

4) تحرف في المطبوع إلى( كان) و صوابه لدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف.

و كان عنده من الوسوسة في طهارته ما اشتهر مثلا في الأقطار، توفّي الفقيه خليل- رحمه اللّه- في سنة ستين و سبعمائة.

و فيها توفّي القاضي شهاب الدين قاضي مكة و كانا سراجي مكة هذا في فنه و هذا في فنه، و قلّ أن يخلفهما مثلاهما فيما بقي من الدهر رحمهما اللّه تعالى.

و من إخواننا المكّيّين(1)المكثرين من الإقامة في المدينة المحبين في هذا المقام الشريف، إخوانا في اللّه.

[محمد بن سالم الفقيه الشافعي.]

((2)محمد بن سالم الفقيه الشافعي.)

كان أخا صادقا ذا ورع و دين و علم و اجتهاد في الصلاة و الصيام و القيام، و كسب من الدنيا كثيرا لما كان يعاني من التسبب و الحركة و السفر، فلما انقطع من ذلك قلت عليه الدنيا فصبر و صابر على العبادة و التخلي عن أصحابه، و من كان يعرفه أيام يسره و شبابه، له أحوال المشايخ الكبار مع طهارة اللسان و العرض في كل إنسان و لو أوذي حمل و صبر، رأيته كثيرا ما يجعل في فيه حصاة تمنعه من الكلام خوفا من لسانه و صونا لفضول كلامه(3).

صحبته فوق ثلاثين سنة فلم أر كأنسه و كرمه و محبته، تراه يترك في أيام الموسم حوائجه و حوائج أهله، و يتطلب أصحابه فينزلهم في منزله و يضيفهم و يبذل لهم الخدمة و الطعام و الماء البارد الحلو، و يخلي لهم داره


1) تحرف في المطبوع إلى( المالكيين).

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 570، العقد الثمين 2/ 19.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

التي هو فيها، هذا دأبه مع كل معارفه(1)، حتى إنه ليذهب إليهم و هم في منازلهم فيرحلهم إلى بيته و يعزم عليهم في ذلك، و كان بشوشا ضحوكا مزّاحا في حق، و متى جرى منه جفوة(2)أو غيبة ذهب إلى ذلك الشخص و تحلل منه و سأله المغفرة له(3).

و خلّف أولادا كان أنجبهم أوسطهم.

[عبد الرحمن]

((4)عبد الرحمن)

كان فيه من الحياء و الأدب و قضاء الحوائج ما كان في والده و زيادة، توفّي- رحمه اللّه- سنة ست و ستين و سبعمائة، و أما والده فتوفّي سنة أربع و ستين فيما يغلب على ظني رحمهما اللّه تعالى.

و كان ممن رفع مكانته و شهر بين الناس منزلته محل الوالد الشيخ الفقيه الجليل العلامة السيد الشريف:

[أبو الخير بن سيدنا و شيخنا أبي عبد اللّه الفاسي الحسني.]

((5)أبو الخير بن سيدنا و شيخنا أبي عبد اللّه الفاسي الحسني.)

نزيل مكة المشرفة، نشأ في عبادة اللّه تعالى و تبتل للاشتغال بالمذهب المالكي حتى رآه الناس أهلا للتدريس و الإلقاء و الإفادة، فدرّس و اشتغل و صحب رجالا من مشايخ الوقت و ارتحل إلى الإسكندرية و أدرك بها من أهل


1) تحرف في المطبوع إلى:( معارف) و صوابه من الأصل، و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف.

2) لدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف" هفوة".

3) نقله السخاوي بنصه من ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 532.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 633، العقد الثمين 2/ 112.

العلم و الصلاح و الأئمة جماعة كثيرين فصحبهم، و أخذ عنهم و كسب من أخلاقهم و محاسن صفاتهم ما أظهر عليه نورا و بهاء و رئاسة لم تكن لأحد من نظرائه- رحمه اللّه-، توفّي عام سبعة و أربعين و سبعمائة بالمدينة المشرفة، و دفن حيال قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام.

و كان من أصحابنا الكبار الذين لهم ورع و دين و صلابة و يقين، الشيخ العارف و المتعبد الورع الزاهد:

[91- أبو عبد اللّه محمد بن عرفة التونسي.]

كان من أصحاب الوالد رحمهما اللّه، لم أر أحدا مثله في اجتهاده و تحريه في العبادة و مواظبته على الحج و الزيارة، كان من أعيان أهل تونس لم يزل يتكرر على المدينة من بلده لتكون وفاته بأحد الحرمين فكان كذلك، توفّي- رحمه اللّه- بالمدينة في حدود سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و له ولد علامة ورع زاهد و عليه اليوم في تونس مدار الفتيا و الاشتغال في علوم الكتاب و السنة.

و كان من كبار الأولياء المتحلين بالعلم و العمل و الزهد و الورع قاضي طنجة الشيخ:

[أبو الغمر الطنجي.]

((1)أبو الغمر(2)الطنجي.)

انفرد في مدة إقامته بالمدينة المنورة النبوية عن أقرانه في العلم و العمل و الانقطاع و التوجه العظيم و الصوم و المجاهدة حتى لم يبق منه إلا الخيال، فإن مسكنه برباط دكالة بالحجرة التي هي مسكن الأولياء و الأخيار، فكان يقرئ


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 114، العقد الثمين 4/ 503.

2) قيّده السخاوي في التحفة اللطيفة:" بغين معجمة وراء مهملة".

العلم فيها، قرأت عليه الفرائض و الحساب، و كان يؤثرني و يدعو لي، و مالت نفسه إلى الزواج و أحب أن يكون على السنة في التزويج، فخطب له أصحابه امرأة حسنة و سيمة، فلما دخل عليها قبل اجتماعه بها نظر إليها فوجدها موشومة الشفة فأقام ليلته، ثم خرج و لم يمسها و دفع لها صداقها كاملا و طلقها، ثم لم يتزوج حتى توفّي.

أقام بالمدينة مدة طويلة، ثم انتقل إلى مكة فأقام بها مثلها على عبادة و كثرة طواف حتى إنه كاد لا يوجد إلا فيه.

قال لي الشيخ العالم الحافظ المحدث أبو عبد اللّه الوادي آشي: إنه سأله، فقال له: يا سيدي هل وقفت في مدة إقامتك بمكة على مغربة أو كرامة أعدها عنك أو أرويها لمن بعدك؟ فقال لي: و ما تحت ذلك من طائل؟ فألححت عليه، فقال لي: كنت ليلة أطوف بالبيت وحدي فيما ظهر لي، فرأيت عن يميني و عن شمالي رجالا يطوفون معي رءوسهم مشرفة على البيت.

و اجتمعت به عام ثمانية عشر و سبعمائة بمكة، فوجدته قد ضعف و اشتد عليه السعال، و انتفعت بمجالسته، و أفادني بوعظه و بحكمته و بعلم استبد به، ثم قال لي: ما أظنه إلا حضر أجلي و أحب أن تكون وفاتي بالمدينة في جوار سيدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقلت له: اعمل على ذلك، فأوصاني أن أشترى له من الدقيق و غيره ما يكفيه لسنته، و كان ذلك في شهر رمضان، و كان يبيت عند بيت الفقيه خليل المالكي، فطاف يوما ثم خرج من المطاف و دخل دهليز الفقيه خليل عند باب إبراهيم، ثم دعا بفراش و استقبل القبلة ثم قضى أجلا، و مضى عجلا- رحمه اللّه-، و ذلك في السنة المذكورة، فلم أر جنازة كثر تابعها رجالا و نساء، و كبارا و صغارا مثل جنازته- رحمه اللّه-.

رأيت النعش محمولا على رءوس الأصابع، و رأيت الكفن قد اسودّ من أيدي الناس يلمسونه للبركة، و صلى عليه القاضي نجم الدين رحمهما اللّه تعالى.

و رأيت اليوم على طريقته و أزيد في الورع و الزهد صاحبنا الشيخ:

[موسى بن علي المراكشي.]

((1)موسى بن علي المراكشي.)

نفع اللّه به و بدعائه، و إنما نبهت عليه لما خالطني من محبته و اعتقاده، و لما احتوى عليه من العلم و العمل و الورع الكثير الذي هو من صفات الأولياء الكبار المحققين من الأبدال، أعانه اللّه على ما هو ملتزمه من الخير الكثير و الدين المتين، حتى إنه لا يتناول من الحلال إلا القوت الشظف اليسير، لا يأكل في أرض الحجاز لحما و لا تمرا و لا سمنا، و إنما يعمل له شي‌ء يسير من الخبز بلا أدم في أكثر الأوقات، و إن كان إدام في بعض الأوقات فلفت مسلوق، و ربما اكتفى المدة الطويلة بالحريرة من دقيق الشعير ليس لها إدام، مع الصيام الدائم و القيام المستمر في صحته و مرضه إلا أن يمرض مرضا طويلا فحينئذ يفطر، و أما في العلم بمذهب مالك و غيره و الأصول و الفرائض و غير ذلك من العلوم فهو رحلة، صحبته حضرا و سفرا، فرأيته رجلا علم ما يطلب فهان عليه ما يجد، و ذلك مع نضارة الشباب و أنوار من مواهب الملك الوهاب نفع اللّه به، و أكثر إقامته بالمدينة، و هو الآن بمكة شرفها اللّه تعالى.

و كان من شيوخنا و أصحابنا والدنا الشيخ:


1) من مصادر ترجمته: العقد الثمين 7/ 299.

[أبو عبد اللّه القبتوري.]

((1)أبو عبد اللّه القبتوري(2).)

من العلماء المتقنين من أهل الأندلس له علو سند في" الموطأ" و" الشفاء"، و انقطع في المدينة مع أصحاب له، كان ملازما للمسجد لا يرى إلا وحده ذاكرا أو مصليّا، كان الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد الغرناطي يحكي عنه مغربات في أفعاله و أقواله، اشترى هو و أخو الشيخ أبو العلا و آخر معهما قطعة أرض في طريق البقيع جعلوها تربة لهم فدفنوا فيها، و هي في طرف البقيع على طريق المار إلى مسجد الإجابة بين نخل يحفها من جوانبها قد دثر رسمها، و ما أخوفني أن تملك و تغرس؛ لأن العارف بها اليوم قليل، و لو كانت على السبيل، و لكنه ببركة نياتهم يحفظون إن شاء اللّه تعالى ممن ينشر قبورهم أو يشوش عليهم فإنهم كانوا من عباد اللّه الصالحين رحمهم اللّه.

و كان من قدماء الشيوخ المباركين المشهورين الشيخ:

[95- محمد البلاسي.]

كان شيخا صالحا، و كان يجلس في وسط الحرم مع جماعة من الفقراء المجلويين، و كان ممن قطع البلاد شرقا و غربا لا تفنى حكاياته و غرائبه.

و مما أخبر به من الغرائب أنه دخل قرية في اليمن مع جماعة من الفقراء، فوقفوا على امرأة تبيع اللبن، فكأن واحدا من الفقراء نظر اللبن فوجده مشوبا بالماء فصبه على رأسها.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 18، الدرر الكامنة 2/ 85.

2) قيده السخاوي في التحفة اللطيفة:( بقاف مفتوحة، بعدها باء موحدة ساكنة، ثم تاء مثناة مفتوحة، ثم واو ساكنة بعدها راء).

قال الشيخ محمد: فلمناه على ذلك، ثم رجعنا إلى منزلنا و قد أغظناها فلم ندر بصاحبنا إلا و قد رجع في صورة حمار و له ذنب كذنب الحمار، فعلمنا أنها سحرته، فجئنا إليها و استرضيناها فلم ترض، فدخلنا على مشايخ بلدها فغلبوا عليها ففكت سحرها عن صورته، و بقي معه ذنب الحمار أبت أن تزيله، فسافرنا من تلك القرية و صاحبنا على حاله، و لم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة و نحن في شدّة عظيمة من ذلك الأمر، و قد قلّت الحيلة فيه؛ فسأل صاحبي قومة المسجد الشريف أن يبيت في المسجد فأذنوا له، فبات بين تضرع و بكاء و دعاء و توسل بالنبي صلى اللّه عليه و سلم حتى غلب عليه النوم، فبات حول الضريح المكرم فأصبح و قد أزال اللّه عنه ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و للّه در القائل:

فلذ ببرّ رحيم بالبريّة إن‌عاقتك شدّة دهر عق و اعتصم

واف كريم رحيم قد وفا و وقى‌و عمّ نفعا فكم ضرّ شفى و كم!!

و كم حبا و على المستضعفين حباو كم صفا و ضفا جود الجبر هم!!

حان على كل جان واف إن قصدواواق شفى من شفا جهل و من عدم

كهف الأرامل و الأيتام كافلهم‌وافي النّدا لموافي ذلك الحرم

و هذه الأبيات من قصدية غرّاء اشتملت على فنون البديع أولها:

بطيبة انزل و يمّم سيّد الأمم‌و انشر له المدح و انثر أطيب الكلم

و هي من نظم صاحبنا و أخينا في اللّه الشيخ الإمام العلامة، وحيد دهره، و فريد عصره، لسان الأدب، حجة العرب، مجمع أشتات الفضائل:

[شمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن علي بن جابر الهواري نسبا الأندلسي مولدا و منشأ.]

((1)شمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن علي بن جابر الهواري نسبا الأندلسي مولدا و منشأ.)

قرأها علينا بحضرته في الروضة النبوية في سنة ستّ و ستين و سبعمائة رفيقه و أخوه في اللّه تعالى الشيخ الإمام العالم العامل رحلة زمانه و نادرة إخوانه:

[أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الغرناطي]

((2)أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الغرناطي)

، و كانا قد سألاني أن يسمّعا عليّ (صحيح البخاري) فأجبتهما إلى ذلك اغتناما لمجالستهما و اقتباسا من فوائدهما، فكان الشيخ أبو جعفر هو القارئ فإذا فرغ من قراءة (الحديث(3)أنشد شيئا من ديوان‌

[98- الشيخ أبي عبد اللّه رفيقه]

، و ديوانه ديوان عظيم في مجلدين، و قد يسر اللّه عليه النظم مع البلاغة و الفصاحة و دقة المعنى(4).

ذكر أنه قال: أقدر أن أنظم في اليوم الواحد- بلا كلفة- ثلاثمائة بيت و كان ينظم الأبيات العديدة تقترح عليه و هو على السماط فيملي الكاتب بلا تكلف، و غالب تصانيفه نظما، و لأبي جعفر نظم حسن بديع نفع اللّه(5)بهما، و كانا قد سبقت لهما بالمدينة مجاورة في سنة ستّ و خمسين و سبعمائة فانتفع الطلبة بهما في هاتين المجاورتين، و قرئ عليهما كتب عديدة في العربية


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 274 الدرر الكامنة 1/ 340.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 274 الدرر الكامنة 1/ 340.

3) ساقط من المطبوع.

4) التحفة اللطيفة 3/ 482.

5) أورده السخاوي 3/ 482.

و الأصلين و اللغة و العروض و البديع و غير ذلك، و سمع عليهما الحديث(1).

و في المجاورة الأولى شرح الشيخ أبو عبد اللّه (ألفية ابن مالك) شرحه المفيد الذي عمّ النفع به و اشتهر اشتهارا عظيما(2).

و له و للشيخ أبي جعفر تصانيف كثيرة و أوضاع مفيدة، و لو رمنا ذكرها و وصف محاسنها لخرجنا عن المقصود(3).

و قرئ عليّ بحضرتهما تأليفي المسمى ب (العدة في إعراب العمدة) قراءة بحث و تفهم و حصل بذلك خير كثير، فإني وضعته على مثال لم أسبق إليه، و حررته على منوال لم ينسج عليه فصوّبا و الحمد للّه على ما وضعته و شكرا لي على ما صنعت، جزاهما اللّه خيرا(4).

و كان القارئ للكتاب المذكور: الأخ الصادق، و الولد الشفيق، العالم، العامل المفنن‌

[تاج الدين عبد الواحد بن عمر بن عياد الأنصاري]

((5)تاج الدين عبد الواحد بن عمر بن عياد الأنصاري)

المتقدم ذكر والده، و أخوّة هذين الشخصين العالمين العاملين و اتحادهما و اتفاقهما في الأخلاق، و الأقوال، و الأفعال لم أر مثلهما و لم أسمع بذلك، لا يملك أحدهما دون الآخر شيئا و لا يتخصص عن صاحبه بشي‌ء من أمور الدنيا قلّ أو جلّ،


1) الخبر لدى السخاوي 3/ 482 نقلا عن ابن فرحون.

2) التحفة اللطيفة 3/ 482.

3) التحفة اللطيفة 3/ 482.

4) التحفة نقلا عن ابن فرحون.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 101.

و لا يلبس أحدهما غير ملبس الآخر، لكل واحد منهما مثلما لصاحبه إن فصّلا ثيابا فمن نوع واحد و لون واحد، و كذلك في العمائم، و الفوط، و الدلوق، و ثياب الجمالة، و ثياب المهنة، و كذلك لباس الشتاء و لباس الصيف، و كذلك الفرش، و الأوطئة، و الأنطاع، و الوسائد، و النعال و غير ذلك، و إذا لبسا لونا لبساه جميعا بياضا كان أو غيره لا يمكن أن يغير أحدهما لباسه دون الآخر، يأكلان و يرقدان جميعا في بيت واحد، و أعرض كلاهما عن الزواج، و التسري؛ رغبة في دوام الصحة، و خوفا من الأسباب الموجبة للفرقة(1).

و كان معهما مملوك لهما يخدمهما، و كان الشيخ أبو عبد اللّه ضريرا بسبب جدري عرض له في صغره بعد أن دخل المكتب في أواخر السنة الخامسة من عمره، فكان يعتمد على الشيخ أبي جعفر في خروجهما إلى المسجد أو رجوعهما، و في بلادهما كانا كذلك لا يفترقان أصلا و لا يعتمد على الغلام إلا في النادر، و إذا حصل للشيخ أبي جعفر عذر عظيم، و إذا دخل الإنسان بيتهما لم يفرق بين مجلسيهما إلا بالكتب؛ لقربها من الشيخ أبي جعفر لتساوي الفرشين و جميع ما يتعلق بهما من الأغطية و الأوطئة(2).

و من أعجب الأشياء أنهما يمرضان جميعا و يصحّان جميعا، و هذا شاهدته منهما في المجاورة الثانية؛ مرض الشيخ أبو جعفر في يوم، و مرض الشيخ أبو عبد اللّه في اليوم الثاني، و تمادى بهما المرض مدة طويلة و كان مرضهما واحدا، و ولدا في سنة واحدة: أبو عبد اللّه في ألمرية، و أبو جعفر بغرناطة، و ذلك سنة ثمان و سبعمائة ثم اجتمعا في شبوبيتهما في مجالس العلم، فألف أحدهما الآخر


1) التحفة 3/ 482 نقلا عن ابن فرحون.

2) الخبر لدى السخاوي في التحفة 3/ 483 بالنص نقلا عن ابن فرحون.

ثم اجتمعا فلم يفترقا، لا فرّق اللّه بينهما بسوء(1).

ثم ارتحلا من بلاد الأندلس و دخلا غالب بلاد المغرب و رويا الحديث، و أخذا العلم عن الشيوخ، و لهما تأليف في ذكر من اجتمعا به من الأكابر في رحلتيهما، ثم قدما إلى المشرق بعلم كثير(2).

و كانا في سنة إحدى و أربعين مقيمين بدمشق، و اجتمع بهما أخي عليّ- رحمه اللّه- في تلك السنة و كانوا جميعا في دار الحديث ثم ارتحلا إلى بلاد حلب فأوطناها إلى الآن، و رتب لهما السلطان في (ألبيرة) من أعمال حلب ما يكفيهما و اشتهر فضلهما و ذكرهما(3).

و خدمهما رؤساء البلاد و سراة الناس، و مدحهما الأدباء و كتّاب الإنشاء، و تخرج بهما الطلبة(4).

و هما اليوم في تلك البلاد ملاذا للغرباء، و ملجأ للمظلومين، و شفاعتهما مقبولة و كلمتهما عالية- أبقاهما اللّه تعالى بقاء جميلا(5).

و اعلم أنه كان للشيخ محمد البلاسي عبد اسمه سعيد، أعتقه و جعله من جملة الفراشين بالحرم، و أعقب سعيد ولدا مباركا نجيبا فراشا في الحرم اشتهر باسم:

[100- الشيخ محمد البلاسي]

سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة، و كان برباط


1) نقله السخاوي في التحفة 3/ 483 عن ابن فرحون.

2) نقله السخاوي في التحفة 3/ 483 عن ابن فرحون.

3) أورده السخاوي في التحفة 3/ 483 نقلا عن المصنف.

4) نقله السخاوي في التحفة 3/ 483.

5) نقله السخاوي في التحفة 3/ 484.

مراغة- الموقوف على الفقراء الصوفية المجردين- جماعة صالحون أكثرهم مغاربة ممن جاهد و اجتهد، جمعوا بين العلم و العمل.

منهم الشيخ الصالح:

[أبو عبد اللّه محمد العصيّاتي]

((1)أبو عبد اللّه محمد العصيّاتي)

، كانت إحدى رجليه قصيرة، مخلوعة، مذبذبة لا يتحمل على الأخرى إلا بعصاتين، و كانت له أحوال عجيبة و مكشافات صحيحة! ألفه الخدام و اعتقدوه و قاموا بحقه لما علموا مكانته، و كان أعظمهم له موالاة و خدمة

[الطواشي شمس الدين شفيع- رحمهما اللّه تعالى.]

((2)الطواشي شمس الدين شفيع- رحمهما اللّه تعالى.)

قال لي يوما: رأيت الشيخ عز الدين الزرندي المتقدم ذكره في النوم، و كان قد توفّي في طريق العراق بعد الإقامة الطويلة في الحرمين، فقال لي: سلّم على أولادي و قل لهم: قد حملت إليكم و دفنت بالبقيع عند قبة سيدي العباس، فإذا أرادوا زيارتي، فليقفوا هنالك و يسلّموا عليّ و يدعوا لي.

قلت: ما ذكره الشيخ الصالح(3)من رؤياه حق، فقد شاهدت شخصا كان مسرفا على نفسه شديدا في تشيعه، و كان يوما يهدم حائطا، فذكر عنه أنه صدر منه كلام في حق الصّحابة فسقط عليه الحائط؛ فهلك فدفن بالبقيع.

فلما كان اليوم الثاني من موته أصبح القبر خاليا منه ليس في اللحد أحد


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1322.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 221.

3) تحرف في المطبوع إلى:( الشيخ صالح) و صواب القراءة من النص.

و لا حول القبر نبش و لا أثر، و قد زال التراب الذي دفن به القبر حتى انكشف اللبن و ليس للتراب أثر، و لا عنه خبر و قد خلا من عند رأسه ثلاث لبنات لا غير، و وقفت على القبر مع القاضي جمال الدين المطري لما شاع في المدينة خبره و قيل: أصبح قبر ابن هيلان خاليا منه ليس فيه فأمر القاضي جمال الدين المطري أبا قميص حفّار القبور بأن ينزل و يجس اللحد؛ فهاب و الناس حول القبر يأتون من المدينة أرسالا أرسالا، ثم دخل أبو قميص بعد العزيمة عليه فنظر و فتش فلم يجد شيئا ألبتّة، و نزل غيره و فعل كفعله فلم يجد الآخر شيئا، و كان ذلك آية من آيات اللّه تعالى!! فلما كثر خروج الناس و اشتهر أمره أمر يوسف الرومي الوزير يومئذ بدفنه فدفن القبر نسأل اللّه حسن الخاتمة!

و قال لي الشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن عن رجل صالح كان يدفن موتى المدينة و قد طال في تلك الحرفة عمره قال: قلت له: هل رأيت يا سيدي من أعجوبة في هذا البقيع؟!

فقال: لم أر إلا الخير إلا أنني حملت ميتا في أيام الحج و لم أجد من يساعدني عليه غير رجل واحد فحملته معه و وضعناه في اللحد، ثم ذهب صاحبي و تركني فذهبت أحمل اللبن لأجل لحده، فلما جئت به لم أجد الميت في لحده؛ فذهبت و تركت القبر على حاله.

و كان في الرباط المذكور من الرجال المنقطعين عن هذه الدار الشيخ:

[قاسم التكروري:]

((1)قاسم التكروري:)

كان ملازما للسياحة في الجبال و البرية لا يأتي إلا من جمعة إلى جمعة يقتات بالبقول، و يتتبع مجتمعات الماء التي يربى فيها


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 406.

الحوت كنفج و السدّ و غيرهما، فيصيد منه شيئا و يقتات منه و شيئا يهديه لأصحابه و أحبابه، بلغ من قوة عزيمته في دينه أن جعل في عنقه غلّا ثقيلا يتذكر به حال الآخرة، فنهي عن ذلك فأبى حتى قيل له: خالفت السّنّة، و ارتكبت البدعة؛ فترك ذلك بعد شدة و كان يسرد الصوم أبدا حتى العيدين، فقيل له في ذلك فقال: إن أكلت شيئا مرضت، فقيل له: كل و لو مثل حبة من الطعام و إلا فتأثم بالإجماع، فكأنه فعل و اللّه أعلم، توفي رحمه اللّه في (خليص) متوجها إلى مكة سنة تسع و أربعين و سبعمائة(1).

و أيضا كان في الرباط المذكور الشيخ:

[عثمان المجكسي.]

((2)عثمان المجكسي.)

[105- و الشيخ موسى الغزاوي من الشيوخ الصالحين]

، كثيرة مناقبهم، عديدة محاسنهم، كان الشيخ عثمان قد اشتغل بطرف من العلم و الحديث، و لازم مجالس الشيوخ العالمين العاملين انتفع بهم، و تجرد عن الدنيا، و كان على طريقة السلف الصالح(3).

و كان ذا عبادة وجد و اجتهاد لم يبق منه إلا العظم و الجلد، يحسبه الذي يراه أنه لكما قام من المرض من صفرة لونه و شدة ضعفه، و كان لا يزال مكشوف الرأس ذا شعرة مسدولة إلى شحمة أذنه لا يحلق رأسه إلا في الحج


1) أورده السخاوي بنصه في التحفة اللطيفة 406. نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 174.

3) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

اتباعا للسلف. و كانت له أحوال و مكاشفات صحيحة ظاهرة(1).

و كان ابن أخي محمد بن محمد، قد صحبه و لازمه فكان يحكي عنه أحولا جليلة و أصله من الأندلس جاء منها ماشيا إلى مكة المشرفة، فأقام بها سنين و كان يسكن في رباط ربيع(2)، و ذكر أنه كان يوما ينزف(3)الماء من بئر الرباط فثقلت به الدلو فوقع في البئر و هي من أطول آبار مكة و طول آبارها لا يخفى على من حج البيت الحرام، فنزلوا إليه فوجوده سالما صحيحا(4).

ثم ارتحل إلى المدينة و سكن الرباط المذكور و كان بينه و بين الشيخ موسى شأن و فتن سببها أن الشيخ عثمان اشتغل بالعلم و صحب شيوخ المغرب أهل التربية و الدراية، فكان ينكر على الشيخ موسى بعض أحواله التي تخرج عن ميزان الشرع فيقع بينهما عن ذلك التهاجر و الشر(5).

حكى لي الشيخ عثمان أن الأسد عرض له في طريقة ليلة و كان وحده، قال: فجلست بين يديه فصار ساعة يصيح و يضرب بذنبه و ساعة يعلو عليّ بيديه، ثم يرجع عني و يكف يديه كأن من غلها(6)، و لم يزل هذا دأبه معي إلى أن تبلّج الصبح فانصرف عني و تركني(7).


1) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة عن المصنف.

2) التحفة اللطيفة 3/ 175.

3) لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن المصنف:( ينزح).

4) التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

5) التحفة اللطيفة 3/ 175 نقلا عن ابن فرحون.

6) لدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف:( كأن أحدا غلها).

7) التحفة اللطيفة 3/ 175 نقلا عن المؤلف.

و كانت له كرامات و عجائب و مغربات يكاد يحكي بعضها إذا طابت نفسه و انشرح لجليسه قلبه، و قد جرى لي معه ما أكد عندي ولايته، و ذلك أن المدينة نهب غالب بيوتها عند خروج آل منصور منها و كان الأمير يومئذ طفيل(1)بن منصور- رحمه اللّه- و كان ذلك في شهر ذي الحجة في سنة خمسين و سبعمائة، و كنت قد تأخرت عن الحج في تلك السنة، و لم يكن التأخير عن الحج من عادتي بل لي الآن و الحمد للّه نحو خمس و خمسين حجة و لكن كانت الخيرة فيما قدر اللّه تعالى، و أسفرت العاقبة عن لطف عظيم شملني و شمل أقاربي و جيراني بل و أهل زقاقي.

و كان مما جرى أن نهب جميع ما للحجاج من ودائع في المدينة، و حصل لأهلها من العرب إزعاج و إرعاب عظيم و تبعهم الصعاليك من أهل المدينة و الخيابرة و غيرهم، فلم يتركوا أثاثا و لا متاعا، و كان أمرا عظيما لم يجر مثله في زمن من الأزمان التي أدركناها و سمعنا بها، و مع ذلك فلم يصل أحد إلينا و لا إلى جيراننا و لا لأقاربنا على بعد منازلهم عنا و ذلك ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم و بركة حضوري لأني اجتمعت بالأمير طفيل و كلمته في ذلك فقال: قد أجرنا حارتك و جميع أقاربك فطب نفسا فما لأحد إلى ذلك وصول. جزاه اللّه خيرا.

و كنت أخرج إلى المسجد في ذلك اليوم للصلاة فأجد المسجد مغلقا؛ فأدور إلى باب النساء فأستفتح فيفتح لي فأجد المسجد خاليا لا أرى فيه إلا خادما مجردا أو فقيرا أو ترابيّا، و أمرّ في طريقي فأبصرهم ينهبون الناس و يكسرون الأبواب و يحملون من البيوت الأحمال فلا أقدر على الكلام، و جلّ ما أخذوا أمتعة الحاج و بيوت الخدام، و كانت قضية قبيحة و فعلة شنيعة لم


1) له ترجمة في التحفة اللطيفة 2/ 285.

يظهر لها بركة على من تعاطى منها شيئا عربا أو حضرا، و لم تبق في أيديهم شهرا حتى محقت، و لم يسلم من الدخول فيها أحد من الأمراء الذين كانوا في المدينة إلا الأمير الكبير الورع الزاهد زين الدين عطية(1)بن منصور أميرنا اليوم، متع اللّه المسلمين ببقاء دولته و أصلح له الرعية، و أصلح لهم منه الطوية!!

و خرجت مرة من البيت للصلاة فإذا أنا بأمير كبير قد دخل حارتنا و معه ما ينيف على عشرين رجلا من الأعوان، و معه نجّار بيده قدوم فما شككت أنه ظن أني في الصلاة فأراد أن يخلفني على بيتي أو بيت من يعز عليّ، و كان قبل ذلك في نفسه شي‌ء مني فوقفت في وجهه. و قلت: خيرا، ما هذه الهمة و إلى أين هذه العزمة؟ فقال: لي غرض قلت: له: اجلس هاهنا لأتحدث معك، و الشرّ يبدو لي من وجهه فجلس. فقلت: ما تريد: فقال: عزمت الزواج و ما وجدت مفرشة أدفعها في الجهاز، و نحن عازمين على الخروج من المدينة.

فقلت له: عندي ما تريد و هذه ساعة مباركة إذ بدا لك عندي حاجة، و لم يكن ذلك من خلقي و لكن شرح اللّه صدري لذلك، فدخلت البيت و أخرجت له فراش بيتي و كانت مفرشة حسنة جدّا فأخذها.

و قال: إن قلت لك التي أطلب أحسن من هذه فما صدقت ثم انصرفت إلى المسجد فرأيت الشيخ عثمان جالسا في الروضة ليس في الحرم غيره فلما أقبلت عليه بدرني بالكلام. و قال لي: اللّه ألهمك، اللّه ألهمك!!

قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام: (يا موسى خف من لا يخافني)،


1) ترجمته في التحفة اللطيفة 3/ 197.

فعلمت أنه كاشفني و صوب رأيي- رحمة اللّه عليه- توفي سنة أربع و خمسين و سبعمائة.

و أما الشيخ موسى فكانت له إقامة طويلة بغزّة قرية من قرى الشام فنسب إليها و إنما هو مغربي، و كان له بغزة سمعة و صولة و فتك بالخاطر.

قال لي: كنت إذا نهيت ظالما عن ظلمه فلم يمتثل أمري قتلته بخاطري، و اشتهر ذلك عنه.

و قال لي: فلما قدمت المدينة المشرفة أردت تلك السيرة فمنعت منها، و كنت رأيت في منامي قبل دخولي المدينة أن رجلا غلب عليّ و أخذ مني سكيني فدفنها في كومة تراب في ناحية مسجد مصلى العيد؛ فعلمت أني قد سلبت حالي في التصرف في أهل المدينة، و ذلك لبركة النبي صلى اللّه عليه و سلم إذ لا يقدر أحد بحضرته يتصرف بغير أمره.

و قال لي: عزمت عليك مرارا إذ أغظتني في قضية كذا و كذا. و عدد عليّ قضايا أنكرتها. قال فمنعت منك حتى رأيتك في النوم متعلقا بأعلى شباك الحجرة و أنا واقف تحتك و معي سكين أشير بها إليك و أنت تهزأ بي؛ فعلمت أني لم أسلط عليك، فكففت و تركت الخاطر عني، و كان يصحب الناس بالمرائي التي له، و يرى أنها كالوحي لا تكاد تخطئ، فتراه يهجرك ثم يصلك من غير موجب لذلك بينكما.

أخبرني أخي علي- رحمه اللّه- أنه قال لي يوما: أنت تدّعي أنك تكشف البواطن فزوجتي هذا شهرها فأخبرني بحملها.

فقال له: كأنك تمتحنني و ما أنت بمصدق بحالي! سآتيك إن شاء اللّه

بالخبر؛ قال: فغاب عني أياما ثم جاءني إلى البيت فقال لي: زوجتك تلد ولدا يشبه هذه و أشار إلى إحدى بنتيّ، فكان كذلك فناديته عند الولادة و جئته بالمولود فحنكه، و دعا له و سماه حسنا، و حسن ظني فيه و تأدبت معه بعد ذلك، توفي- رحمه اللّه- في سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و كان برباط الفاضل(1): الشيخ الصالح الولي الرباني:

[عبد الرحمن الجبرتي.]

((2)عبد الرحمن الجبرتي.)

كان من أرباب القلوب و الكرامات و كان طول إقامته بالمدينة إذا صلى الصبح خرج إلى البريّة فما يأتي منها إلى غروب الشمس و لا يعلم أحد مكانه، ينتقل كل يوم في موضع، و قلّ أن يرى في المدينة نهارا؛ هروبا من الاختلاط بالناس، و يخبر أحيانا بالمغيبات(3).

و كان يقول لبعض من يأنس به و يحبه: يا فلان ألا تعطيني كذا. فيفرح الرجل بقوله فإذا أعطاه شيئا امتنع، و قال: إلى وقت آخر إن شاء اللّه، و يؤانس أصحابه بأنواع مثل ذلك، و كان يقول- رحمه اللّه- إنه من ذرية النجاشي صاحب المواصلة مع النبي صلى اللّه عليه و سلم و إنه من بيت الملك ببلاده فخرج عن ذلك و صحب الصالحين(4).


1) هو القاضي الفاضل محيي الدين بعد الرحيم البيساني( سير أعلام النبلاء 21/ 338) ولدى السخاوي في التحفة اللطيفة 2/ 572: عبد الرحيم بن علي البيساني القاضي الفاضل أنشأ للرجال رباطا بالمدينة.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 2/ 555.

3) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

4) أورده السخاوي بنصه في التحفة اللطيفة نقلا عن المؤلف.

و كانت له مع الشيخ العالم العامل قطب زمانه:

[أبي محمد عبد اللّه بن أسعد اليافعي.]

((1)أبي محمد عبد اللّه بن أسعد اليافعي.)

نفع اللّه به سياحات في ظهر المدينة، و كان الشيخ عبد الرّحمن يحكي لبعض أصحابه أنه اتفق له مع الشيخ عبد اللّه كرامات في أيام السياحة، و كان الشيخ عبد اللّه قبل توطنه مكة و زواجه بها أقام بالمدينة على قدم التجرد و الوحدة و السياحات، ثم تزوج بالمدينة في سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة الحرة الصالحة العابدة ستيت أم محمد بن علي اليماني، ثم فارقها و ارتحل إلى مكة و لم يزل يتردد إلى المدينة و يجاور بها(2).

و مناقب الشيخ عبد اللّه، و كراماته، و أحواله، و علومه، و مصنفاته، و مجاهداته لا يحصرها حد و لا تنتهي بالعد كما قيل:

يفنى الكلام و لا يحيط بوصفه‌حسب المبالغ أن يكون مقصرا(3)

نفع اللّه به، و كثير من الصالحين يشير إلى أنه قطب مكة و هو خليق بذلك.

و اتفق في سنة ست و ستين و سبعمائة أن جاء مع القافلة من مكة المشرفة لزيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم فجاء بزوجته بنت القاضي نجم الدين و أم أولاده بنت شهاب الدين الإمام، فتوفيت زوجته بنت القاضي نجم الدين في أواخر شعبان ثم توفيت بنت الإمام أول ليلة من شهر رمضان و دفنتا في قبلة قبة سيدنا إبراهيم


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 294.

2) أورده السخاوي نقلا عن المصنف.

3) التحفة اللطيفة 2/ 296.

ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلما كان بعد العيد خطب منّي ابنتي ملوك التي كانت زوجة الشيخ عيسى الهسكوري فزوجتها منه رجاء بركته نفع اللّه به(1).

و كان هذا الشيخ:

[108- عيسى الهسكوري من الأولياء الكبار]

له مناقب جليلة، و أحوال جميلة، و طريقة علية و كان أحد شيوخ الهساكرة هو و أبوه و عمه و بنو عمه لهم الدنيا العريضة و الأتباع الذين لا يحصون كثرة، و الخيول المسومة و الكلمة العالية، فخرج عن ذلك كله في نضارة شبابه و علو قدره بين أقرانه و عشيرته و تجرد و صحب الشيوخ على طريقة عظيمة، و لزم الشيخ عمر المغربي صاحب الشيخ عبد المؤمن شيخ المغرب في وقته، و قدم الشيخ عيسى مع الشيخ عمر إلى مصر و كانا من أكبر أصحابه و كان هو إمام الفقراء في الصلوات، و أقام مع الفقراء في زاوية الشيخ عمر السبتي بمصر في الحجارين، و صحبه إلى القدس فمات الشيخ عمر بالقدس بعد أن عمر فيه زاوية للفقراء.

ثم ارتحل الشيخ عيسى إلى المدينة و تردد بين الحرمين الشريفين زمانا طويلا ثم أوطن المدينة الشريفة و تزوج البنت المذكورة و صحبها صحبة جميلة و تأدبت بآدابه، و اكتسبت من أخلاقه، ثم سافر الشيخ إلى مصر بعد أن أولدها ثلاث بنات، فقتل- رحمه اللّه- بعد خروجه من القدس و هو متوجه إلى دمشق قتله قطاع الطريق، فمات شهيدا- رحمه اللّه- و ذلك في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة.

و كان من الشيوخ المفيدين المقربين إلى اللّه و رسوله المنقطعين بالمجاورة بين الحرمين الشريفين الشيخ الصالح الورع المربي:


1) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

[عبد الحميد بن علي الموغاني.]

((1)عبد الحميد بن علي الموغاني.)

كان من أهل الخير و الصلاح و إيصال النفع للناس في التربية العليا. قد تخلى عن الدنيا و أقبل على الآخرة، و لزم تلقين القرآن طول النهار في المسجد، لا تراه إلا في حلقة بين كبار و صغار و كهول مشايخ(2). و انتفع عليه من أولاد المدينة خلق كثير، و لكن مع تجويد(3)و تحرير و تربية لهم و ضبط و شد حتى إنه ليضرب ذا الشيبة بيده و يأخذ بلحيته و أذنه، أقام بمكة هو و أخوه في اللّه الشيخ الصالح المهذب الشيخ يحيى التونسي، و كانا قد اصطحبا قديما و تآخيا في اللّه و صحبا الشيوخ و جالا البلاد على قدم التجرد و زيارة الصالحين و لقاء المشايخ(4).

و اتفق لهما في أيام سياحتهما و مدة تنقلهما في البلاد عجائب و غرائب، و لقيا من الشيوخ السادة الأعلام جماعة كثيرة منهم الشيخ أبو العباس المرسي فمن بعده من المشايخ الشاذلية و غيرهم، و في أيام إقامتهما بمصر ورد عليهما من العجم الشيخ العلّامة نادرة زمانه الشيخ نجم الدين الأصبهاني شيخ مكة المشرفة في وقته فصحباه و خدماه و اجتمعا به أيضا عند الشيخ أبي العباس المرسي بثغر الإسكندرية و صحباه معهما إلى مكة المشرفة، و كان مسيرهم على طريق الصعيد(5).

و حكى لنا صاحبنا الشيخ يحيى بن موسى القسنطيني عن الشيخ يحيى التونسي قال: لما خرجنا مع الشيخ نجم الدين في صحبة القافلة في طريق


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 457، العقد الثمين 5/ 104.

2) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

3) في المطبوع:( التجويد) و المثبت من قراءة النص و مثلها لدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف.

4) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

5) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن المصنف.

عيذاب نفد زادنا، و قسى اللّه تعالى قلوب أهل القافلة علينا فكنا نحن و الشيخ ليس لنا قوت إلى نبات الأرض، فلما أشرفنا على القرب من قبر الشيخ أبي الحسن الشاذلي- رحمة اللّه عليه- قال لنا الشيخ نجم الدين: إذا كان غدا إن شاء اللّه ستردون قبر الشيخ أبي الحسن و ضيافتكم عنده زبيب و لوز، قال الشيخ: فكان كذلك(1).

قال: ثم سافرنا فلما وصلنا إلى بلد عيذاب، تلقانا الناس و أضافونا ضيافات كثيرة، فكان الشيخ يبعث الطعام إلى أهل القافلة التي صحبناها فندموا على تفريطهم في خدمة الشيخ.

ثم قال لنا الشيخ: يا يحيى و عبد الحميد، لن تجوعا بعد هذه الجوعة التي حصلت لكما إلى أن تلقيا اللّه تعالى، فكان كذلك.

و حكى الشيخ يحيى المتقدم ذكره عن الشيخ يحيى التونسي قال: حكى لنا الشيخ نجم الدين أنه كان في ابتداء أمره مشتغلا بالعلم، و كان له بساتين و أملاك و دائرة كبيرة، فانتقل عن أهله و ترك جميع أملاكه و صحب بعض الشيوخ المشار إليهم في زمانه ببلاد العجم فأقام عنده مدة.

ثم قال له: يا سيدي أريد أن تدلني على طريق السلوك.

فقال له: نعم، امض إلى منزلك و اكشف لي عن مسألة كذا و كذا، و أخبرني بما قيل فيها، فذهب ثم رجع و أخبره بما سأل عنه. فقال له: يا ولدي أقبل على الاشتغال بالعلم، فأقبل عليه، و هو في أثناء ذلك يسأله أن يسلكه في علم الطريقة، فلما ألحّ عليه في بعض الأيام قال له: امض فانظر ما قال العلماء


1) التحفة 2/ 458.

في مسألة كذا و كذا. فذهب ففتح الكتاب الذي فيه المسألة فوجد جميع أوراقه بياضا ليس فيها كتب، ثم فتح آخر فوجده كذلك، حتى نظر في كتبه كلها فوجدها صحائف بيضا؛ فرجع إلى الشيخ و هو مهتال لما رأى! فأخبره خبره.

فقال: الآن صفا قلبك، و صح توجهك و صدقت في طلبك، ادخل الخلوة، فدخل الخلوة فأقام أربعين يوما، ثم خرج و هو جوهرة مضيئة، فسأل الشيخ أن يلبسه الخرقة لينتمي إليه، فقال له الشيخ: لست لي تلميذا، شيخك أمامك، قال له: يا سيدي فأين أطلبه؟ قال: هو في ناحية المغرب فقال له: يا سيدي لست أعرفه، فقال: هو يعرفك فاعزم على السفر.

قال الشيخ نجم الدين: فودعت الشيخ و قصدت البلاد أطوفها و كل شيخ أسمع به أقصده و أزوره، و كل زاوية أسمع بها أقصدها، فلم أظفر بقصدي، فبينا أنا متوجه إلى مصر في موضع يقال له: الرمل، و قد أضرّ بي العطش و آيست من نفسي، فملت من الطريق إلى شجرة و حفرت لنفسي حفرة لأرقد فيها فإذا أنا بشيخ قد ظهر لي من عرض البرية و بيده ركوة فيها ماء فوقف عليّ و قال: يا عبد اللّه أنت عطشان؟! فقلت: نعم يا سيدي!! فقال:

اشرب، فشربت حتى رويت و حمدت اللّه تعالى.

فقال لي: الحق بي إلى مصر، و غاب عني، فسرت إلى مصر، فلما دخلت القاهرة قصدني أهل خانقاة سعيد السعداء فسألوني النزول عندهم فوافقتهم على ذلك، ثم إني لم أقم عندهم إلا قليلا حتى قيل: ورد شيخ من الإسكندرية يقال له: الشيخ أبو العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي، و هو شيخ تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه.

و خرج أهل الخانقاه لتلقيه، فلم يتفق لي الخروج معهم، فلما وصل

الخانقاه قصدته لأسلّم عليه، فلما وقع بصري عليه، تحققت أنه الشيخ الذي سقاني في البرية، فاستحييت من عدم خروجي مع الجماعة للقائه، فلمّا سلمت عليه أنصفني في السلام ثم خلا بي.

و قال لي: أنت قادم و لك علينا حق و إنما جئت لزيارتك، فإذا سافرت فالحق بي إلى الإسكندرية.

قال: فأقام الشيخ أبو العباس في الخانقاه ثلاثة أيام ثم سافر، فأقمت بعده يوما أو يومين، ثم لحقت به، فألبسني الخرقة و تتلمذت له، ثم استأذنته في الإقامة عنده، فقال لي: دار إقامتك مكة المشرفة.

قال الشيخ يحيى التونسي، و ذلك كله وقع بحضورنا، فإنا كنا مع من تلقى الشيخ نجم الدين ثم تلقيت الشيخ أبا العباس، ثم اجتمعنا مع الشيخ نجم الدين عند أبي العباس بالإسكندرية، و صحبناه من هناك إلى مكة المشرفة، فأقام بها، و أقمت أنا و عبد الحميد عنده مدة طويلة، و تزوجت الزوجة التي حنثت فيها بمكة، و هي أم أولاد عبد الحميد، قال: ثم ارتحلنا إلى المدينة فأقمنا بها.

قلت: و كانت وفاة الشيخ نجم الدين بمكة سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، و لما حنث الشيخ يحيى في زوجته التي تزوجها بمكة قدم و أراد من يحللها له، فلم يجد من يفعل ذلك ممن يثق به إلا صاحبه الشيخ عبد الحميد، فسعى في زواجه بها، فلما حصلت عند عبد الحميد تشوف الشيخ يحيى إلى أن يطلقها لتحل له، فلم يفعل و اغتبط بها.

و قال له: لا أكون محللا لك، و لم آخذها بهذه النية، بل لصحبة الأدب

فاقطع رجاك منها، و لا تكن ممن يفسد ما هو للّه بما هو للدنيا.

فكف عنها الشيخ يحيى، و أقامت مع الشيخ عبد الحميد فولدت له إبراهيم و إسماعيل و بنتا، فقرأ أولاده القرآن في حياته و رأس إبراهيم، و اشتغل بالعلم و خالط الرؤساء و ولي نظر الأوقاف، و أصاب إسماعيل فالج أضرّ به في قوته و كلامه فلا يكاد يفهم إلا بكلفة.

و سافر الشيخ عبد الحميد بأولاده يريد التعريف بهم و الإعانة عليهم، و كان يقول قبل سفره: ما أظن أجلي إلا قد قرب، فإني مسافر من غير ضرورة، و ما أظن ذلك إلا للنقلة إلى التربة، فكان كذلك.

توفي رحمه اللّه بقطية في طريق مصر، و ذلك في سنة سبع و عشرين و سبعمائة، و عاش بعده الشيخ يحيى التونسي مدة طويلة، و كان حسن المحاضرة يقطع مجلسه بإنشاد الشعر الرقيق، و الحكايات الغريبة، و الأمثال المستظرفة غير أنه لم تكن له عربية، بل كان فصيحا بالسجية و السليقة.

و قد سأل معاوية فقال: كيف ابن زياد؟ قالوا: ظريف على أنه يلحن.

فقال: أو ليس ذلك أظرف له؟ قالوا: أو إنما استظرفه لأن السّليقة و تجنب الإعراب مما يستملح في البذلة من الكلام، و من ذلك قول الشاعر:

منطق صائب و يلحن حيناو أحلى الحديث ما كان لحنا

و السليقة يراد بها طبع الإنسان، يقال: فلان يتكلم بالسليقة، أي: بطبعه لا عن تعلم.

و كان من أكرم الناس، فقير الذات، ينفق ما بيده، فإذا فني اقترض الألف و الألفين، ثم يقضي قضاء جميلا، و كان له معتقدون، و رزق حظوة عند القضاة

و أكابر الناس لظرفه و حسن أخلاقه و محاضرته، تولى نائبا في الإمامة و الخطابة عن القاضي شرف الدين بن الأميوطي، و كانت خطبته كلاما ملفقا غير مرتب و لا مفقّر فيحمل في ذلك على السذاجة، و قلة الاحتفال بالتصنع في الأمور، و عاش حتى صار لا يقدر على حبس الإراقة و لو كان في المسجد.

و قال له بعض الخدام: أتعبتنا بغسل موضعك من المسجد. فقال له: و على أي شي‌ء تأخذون الجامكية إلا على مثل هذا. و قال لبعض الشيعة و قد رآه يتوضأ و يمسح على رجليه، لم لا تغسلهما؟ فقال: لأنهما طاهرتان. فقال له:

فإذن ما غسلت وجهك إلا لكونه نجسا.

و امتحن بالخدام فأذوه و ضربوه ضربا شديدا، و اتهموه بأنه تكلم فيهم عند الأمير منصور، ثم إنه صبر و لم يظهر من الجزع ما يوجب التعصب له، بل صبر و احتمل حتى بلغه الأجل.

و كان- رحمه اللّه- كلما سمع بحكاية من الصالحين أو غيرهم مما دوّن في الكتب يقول: هذه بعينها أو قريبا منها اتفق لي، و إن سمع بمغربة قال: أنا رأيت هذه، بكثرة تغربه في البلاد و سياحته، و من اجتمع بهم من سائر الطوائف.

و كان الشيخ:

[يحيى القسنطيني]

((1)يحيى القسنطيني)

من أخص الناس به و أكثرهم ملازمة له على طريق الخدمة أولا، ثم على طريق الصحبة آخرا، و تخلق الشيخ يحيى


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 429.

القسنطيني بأخلاقه و اكتسب من آدابه، و كان ملازما له في شبوبيته حضرا و سفرا، فتعرف بأصحاب الشيخ و معارفه و صاروا له إخوانا من بعده، و كانت وفاة الشيخ يحيى التونسي- رحمه اللّه- سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة إحدى و أربعين و ستمائة.

و أما الشيخ يحيى القسنطيني فإنه اليوم من رجال زمانه و رؤساء إخوانه، و قرأ القرآن في شبوبيته فحفظه و جوّده، ثم حفظ (الرسالة) في مذهب مالك، و اشتغل بالعلم و سمع الحديث، و أقرأ القرآن و انتفع عليه جماعة، ورزق حسن السمت و وفرة العقل و صدق اللهجة، و الصّدع بالحق مع الدين المتين، و حسن اليقين، و رزق أولادا نجباء، توفي أكبرهم الفقيه شهاب الدين:

[أحمد سنة تسع و خمسين و سبعمائة]

((1)أحمد سنة تسع و خمسين و سبعمائة)

، و كان اشتغل اشتغالا كثيرا و له محفوظات عديدة، و حصّل علماء. و كان فيه أهلية الترقي إلى الفتيا، و خلف ولدين حفظا القرآن و كفلهما جدهما وفّقهما اللّه تعالى.

و كان من شيوخ المتصدرين للإقراء و الإفادة الشيخ:

[112- محمد الخزار]

، كان من المجاورين القدماء الأخيار المتبتّلين لإقراء القرآن المفيدين بحسن الصبر و طول البال على الطلبة من غير معلوم له على ذلك بل للّه تعالى، انتفع به جماهير أولاد المجاورين و جواهرهم، مثل: الشيخ محمد الحلبي، و شمس الدين الششتري و نظرائهم، و ممن انتفع عليه الشيخ يحيى القسنطيني.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 271.

و أخبرني أنه أقرأ القرآن في بلاده بغداد فوق خمسمائة نفس كلهم حفظ القرآن عليه و جوّده بين يديه، و كانت صنعته حز الخشب بالمخراط الشريف يعمل السبح و يبيعها و يتقوت بثمنها، أقام على ذلك مدة، و تزوج بنت عليّ الفراش، فرأت معه سعادة لحسن خلقه و طيب عشرته، ثم توفي عن بنت صالحة لحقتها بركة أبيها، و توفي في طريق الشام متوجها إلى المدينة في الموضع المعروف بالأخيضر، و مات و هو ساجد في الصّلاة و ذلك سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من الشيوخ المتصدرين للإقراء الشيخ الصالح المقري المجود:

[برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن سعد القاهري المعروف بابن الجابي المسروري الإربلي الأصل.]

((1)برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن سعد القاهري المعروف بابن الجابي المسروري الإربلي الأصل.)

كان من الشيوخ القدماء المقرئين السبع، أقام بالمدينة بعد إقامة طويلة بمكة، و انتفع الناس به وجوّدوا عليه، و كان شيخا مهيبا، حسن الصمت مليح الشيبة متقدما على أبناء جنسه، استنابه القاضي شرف الدين في الإمامة و الخطابة مدة غيبته في القاهرة سنة اثنتين و أربعين و كان قد استنابه جمال الدين المطري في الخطابة و الإمامة أيضا في سنة ثمان و ثلاثين و كان القاضي شرف الدين غائبا في القاهرة، و كان مجيدا في أدائهما و القيام بهما، و كان قد كف بصره في آخر عمره فصبر و احتسب. توفي- رحمه اللّه- سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و مولده بالقاهرة في سنة اثنتين و ستين و سبعمائة(2).

و كان مثله في التصدر و الإفادة و الجودة و التحصيل:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 146.

2) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون.

[الشيخ محمد العقيبي المقرئ]

((1)الشيخ محمد العقيبي المقرئ)

؛ كان إماما في القراءات و موادها ملازما للمشتغلين، انتفع الناس عليه بدمشق و رأس فيها و انفرد، ثم بمكة ثم بالمدينة، و كان من الأولياء و أهل الفراسة و كان فيه حدّة عظيمة على الطلبة و هيبة عليهم، توفي- رحمه اللّه- في سنة أربع و ستين و سبعمائة.

و كان في الحرم الشريف جماعة من المؤذنين الأخيار، منهم الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة:

[جمال الدين محمد المطري الأنصاري الخزرجي العبادي]

((2)جمال الدين محمد المطري الأنصاري الخزرجي العبادي)

كان إماما من أئمة الحديث و التاريخ و الفقه، و المشاركة في العلوم، ولي نيابة الحكم و الخطابة و الإمامة عن القاضي شرف الدين الأميوطي، و كان متخلقا بأخلاق كل من ذكرته من الصالحين، ليس منهم شيخ و لا كبير قدر إلا و هو معه في حوائجه يساعده في قليله و كثيره، لم نجد بعد والدنا مثله في الإحسان إلينا و الشفقة علينا في تربيتنا، و تعليمنا و السعي في مصالحنا، إن قلت قام مقام والدنا فما تعديت خط الاستواء(3).

كان لكل قادم إلى المدينة كالأهل لهم في إسكانهم و كسوتهم، و التعريف بهم و تربيتهم عند الشيخ و الخدام، و كان حسن المحاضرة، إذا جلست إليه لم تحب أن تفارقه، لم يأت بعده مثله و لا علمت فيمن كان في عصرنا من له فضله، كان جامعا للمحاسن و الفضائل، صدرا من صدور الأفاضل، و قد


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 603.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 466.

3) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون.

تخلل ذكره مع من ذكرنا من الشيوخ العاملين و الأولياء الصالحين لم يسمع أحسن من صوته في المؤذنة، كان يفضّل على صاحبه محمد بن إبراهيم، إلا أنه كان لا يبذل علمه كما كان محمد بن إبراهيم، كان في عزة نفسه و المحافظة على مروءته في أعلى المقامات و أسنى التنزهات(1).

و قد عرضت لي حكاية عنه فيها تسليك لمن ذاته عليّة، و تعزية لمن نفسه خسيسة ردية، و ذلك أنه كان في بداية شأنه و عنفوان شبابه محببا إلى أقرانه و إخوانه، لا يخرجون إلى زيارة و لا يجتمعون في متنزّه إلا أخذوه معهم، و كان قد شركه في المئذنة و الرئاسة بها الشيخ عز الدين المؤذن، لأن المدينة لم يكن فيها من يوثق به في معرفة الأوقات و تحريرها، بعثوا لها من مصر ثلاثة رؤساء، أحدهم والد الشيخ جمال الدين أحمد بن خلف، و الثاني الشيخ إبراهيم والد محمد بن إبراهيم، و الثالث عز الدين المؤذن المتقدم ذكره، فتوفى والد جمال الدين و والد محمد بن إبراهيم- رحمهما اللّه تعالى- و كان النهاية في معرفة الوقت و حسن الصوت، و بقي عز الدين فطالت مدته حتى أسن و عجز(2).

و كان حسن الهيئة ذا لحية طويلة و رئاسة مليحة، و اتفق أنه خرج جمال الدين المطري يوما مع أصحابه فباتوا في مسجد قباء و قال لعز الدين: قم عني في نوبتي، فأخلفه عز الدين فلم يقم، و بقيت المئذنة شاغرة من الريس، فلما جاء جمال الدين تكلم عليه الشيخ عزيز الدولة و أغلظ عليه فقال له: ما غبت حتى استنبت و لكني غرني عز الدين المؤذن، فلم يقبل عذره و كثر عليه الكلام، فقال له جمال الدين المطري: لك عندي غير هذه المئذنة، الطلاق


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

الثلاث يلزمه إن أذنت في هذه المئذنة حتى يموت عز الدين المؤذن و يموت الشيخ عزيز الدولة فتركه الشيخ و ترك الكلام معه، و صار إذا كان الوقت يؤذن على باب جبريل في الأوقات كلها و أصحابه يقتسمون عليه الجامكية، و كانت الجامكية يومئذ قليلة، فلما طال عمر عز الدين قيل له: اعمل ما عمله غيرك من ترك الزوجة بطلقة مخالعة، ثم ارجع إلى مئذنتك، ثم راجع فقال: لا أفعل هذا، و لا يسمع عني ذلك، و لو كان لي في المئذنة ما عسى أن يكون ثم إنه مات عزيز الدولة. فقيل له: إنما كان غضبك من كلام الشيخ و قد مات فافعل ما يفعله الناس، فامتنع و صبر(1).

فلما بنيت المئذنة الجديدة، قيل له: هذه المئذنة لم تكن حين يمينك موجودة فاستقل بها، فلم يفعل، و استمر كذلك حتى أراد اللّه تعالى، فجاء عز الدين المؤذن ليلة و قد مضى من الليل نصفه، فدق باب الحرم و دخل و قد لحقه اختلال، فطلع المئذنة الجديدة و تكلم على عادته فأنكر الناس قيامه، ثم سكت و لم ينزل، فطلعوا إليه فوجدوه ميتا- رحمه اللّه- و ذلك في سنة عشر و سبعمائة(2).

و فيها توفي عزيز الدولة أيضا فانحلت اليمين، و طلع المئذنة في أيام الحريري و كان من أكبر أحبابه، فانظر إلى هذه النفس الأبية و الهمة العلية، توفي- رحمه اللّه- سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و كان مولده في سنة إحدى و سبعين و ستمائة(3).


1) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) التحفة اللطيفة: 3/ 469.

ثم خلفه في أخلاقه و سيادته ولده الشيخ الإمام العلامة:

[عفيف الدين عبد اللّه]

((1)عفيف الدين عبد اللّه)و زاد عليه بالمشيخة في الحديث و لقاء الشيوخ، فإنه رحل إلى العراق و سمع بها الحديث، ثم رحل إلى مصر و دمشق و حلب و كثير من الأقاليم، و لقي من شيوخ هذا الفن ما لا يحصى كثرة، و اشتهر ذكره شرقا و غربا بسب هذا العلم و بما كان فيه من مكارم الأخلاق و الإحسان إلى الغرباء الواردين عليه (من العلماء(2).

و كان منجمعا منقبضا عن الناس ما عدا الغرباء الواردين عليه، فإنه كان لهم كالأب الشفيق، و انتهت إليه مشيخة الصوفية بمكة و المدينة، فإنه كان في زيّهم و لباسهم و أخلاقهم في أعلى المراتب(3).

و كان إماما في علمي(4)الرجال و الحديث مع مروءة و سكينة و حشمة، مع ما رزق من الشكالة الحسنة و الخصال المستحسنة(5).

و لم يتزوج قط، بل كان عنده جوار يقومون بخدمته و خدمة أصحابه(6).

و لما توفي والده جمال الدين- رحمه اللّه- قام بخدمة أخيه:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة: 2/ 388.

2) ما بين حاصرتين لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن ابن فرحون.

3) التحفة اللطيفة نقلا عن المؤلف.

4) تحرّف في المطبوع إلى( علم) و صوابه من قراءة النص، و مثله لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن المصنف.

5) التحفة 2/ 389.

6) التحفة 2/ 389.

[تقي الدين أبي الحرم عبد الرحمن.]

((1)تقي الدين أبي الحرم عبد الرحمن.)

و كفل أيضا ابن أخيه:

[عبد العزيز بن يحيى بن العفيف]

((2)عبد العزيز بن يحيى بن العفيف)

فربّاهما جميعا و اشتغلا بالعلم على الشيوخ، و كان كلّ شيخ ذي علم يرد المدينة يحسن إليه و يلزمهما العكوف عليه(3).

و كان عبد العزيز حنبلي المذهب فبرع في عدة علوم و أتقنها و كان يحفظ أصولا متعددة و فنونا كثيرة على أقرانه و أبناء جنسه، ثم اشتغل بمذهب الشافعي و أقبل على حفظ (المنهاج) للنووي من غير إعراض عن مذهبه، بل ليجمع بين المذهبين(4).

ثم ارتحل إلى دمشق رغبة في لقاء الشيوخ و الأخذ عنهم فتوفى بها، و ذلك في سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة، و كان مولده في رجب في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة(5).

و أما أخوه فإنه لم يفارقه حتى مات، و حصل علما و أفاد و درّس و تعلق بأهداب طريقة والده و رئاسته، و رزق أولادا نجباء أكبرهم الولد النجيب أبو حامد ربّاه عمه و انفرد بتربيته و تعليمه، فلو عاش لحصّل ببركته خيرا كثيرا،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة: 2/ 529.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 45.

3) التحفة 2/ 389.

4) نقله السخاوي في التحفة 3/ 45 عن ابن فرحون.

5) أورده السخاوي في التحفة 3/ 45 عن ابن فرحون.

و كان مولده في الحرم بمكة المشرفة سادس و عشرين ذي القعدة سنة تسع و عشرين و سبعمائة(1).

و كانت محنة الشيخ عفيف الدين التي أصيب بها في دنياه من جهة الأمير ثابت بن جماز في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة.

و ذلك أن الطواشي مختارا البغدادي كان وصيا على أولاد العفيف بن مزروع، و كان صديقا للشيخ عفيف الدين ملازما له معتقدا فيه، فلما توفي الطواشي كان الوالي في المدينة يومئذ ثابت بن جماز نيابة عن أخيه ودي فطلب العفيف و اتهمه أن للطواشي عنده مالا، فحلف له أن ليس عنده شي‌ء، فلم يصدقه و أنزله إلى الجبّ مع شمس الدين بن عبد العزيز؛ لكونه كان من أخصّاء العفيف و أحبابه(2).

و طلبوا حاشية العفيف، فمسكوا ريحان عتيق جمال الدين المطري فذكروا أنهم قرروه فلم يقر، فضربه الأمير ثابت بيده ضربا و جيعا بالدبوس، فأظهر لهم شيئا مما هو للعفيف كان قد أخفاه، فأخذوا جميع ما فيه من الكتب و المتاع و الأثاث حتى الحصر التي على الأرض، فأما ابن عبد العزيز فأخرج من ليلته.

و أما الشيخ عفيف الدين فبقي فيه نحو يومين و ليلتين، ثم خرج على أن يدفع لهم سبعة أحمال رز، فحسب ثمنها ألف درهم و خمسمائة و خمسة و سبعون درهما، و ضمنه ابن عبد العزيز و عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم المؤذن، فدفع لهم


1) التحفة اللطيفة 2/ 529- 530.

2) التحفة 2/ 389.

ذلك بعد أن اقترضه، و لم نعلم أنه قبل من أحد من أصحابه شيئا لا فيما غرم و لا فيما جدّد في بيته من أثاث و غيره و صبر و احتسب. و كانت عنده ودائع للناس غرمها لأصحابه و أخلف اللّه عليه و جمل حاله و أعقبت هذه القصة صاحبها خيرا، و كان الأمير المذكور قد أمر بإخراج جميع المجاورين غنيهم و فقيرهم في يوم وفاة الخادم المذكور، و أنظرهم ثلاثة أيام ليتجهزوا فيها و صمم على ذلك، ثم تركهم في يوم خروج العفيف بعد شفاعات، ثم شوش عليهم و طلب عشرة آلاف درهم من أحد عشر نفرا و ألزمهم بالخروج من المدينة إن لم يدفعوها، فخرجوا الجماعة إلى قباء و جرى في ذلك كلام كثير، ثم طلع القاضي شرف الدين إلى الأمير و تكلم معه كلاما غليظا.

و قال: أنا أول من يسافر معهم، فرجع الأمير عن رأيه و بعث إليهم فدخلوا المدينة آمنين.

و أخبر محمد بن يعقوب وزير الأمير أن الحاصل الذي جمعه من بيت العفيف مع حاصل آخر كان له و حاصل آخر كان لزوجة ولده سعد، خرج به الأمير المذكور في الليل من باب السر الذي في القلعة و دفنه خارج المدينة تحت حوش ودي، و كان معه عبد واحد لم يطلع على ذلك أحد غيره، ثم افتقده بعد أيام فلم يجده، فقرّر العبد فلم يقرّ بشي‌ء، فقتله معاقبا مخنوقا و جملة ما ضاع له تسعة آلاف درهم و مائة درهم، و ذلك بعد قضية العفيف بخمسين يوما.

ثم خرج الأمير من المدينة إلى العرب، فلم يحل عليه الحول حتى قتل في شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين، و ذكر من حضر الواقعة أن أصحابه انهزموا

و تركوه في المعركة غير مدفون، و ذكر لي السيد سلطان بن محارد(1)، أنّ امرأة كان قتل ثابت ولدها فنذرت أنها متى ظفرت بجيفته، لتأخذنّ عظما من عظامه فتجعله خلالا لمنسجها تضرب به عند النسج مفتول الصوف، فلما توفي لم تزل تطلب جيفته حتى وقعت بها، فأخذت من عظامه عظاما، فأوفت بنذرها و جعلته بيدها تتشفّى به، حتى دخل عليها و سئلت تركه فتركته بعد حين.

ثم إن الشيخ عفيف الدين اشترى كتبه من الوزير المذكور و عوضه خيرا مما ذهب له، و مات- رحمه اللّه- عن غير عقب في سنة خمس و ستين و سبعمائة، و كان مولده سنة ثمان و تسعين و ستمائة.

و كان منهم الفقيه:

[محمد بن إبراهيم المؤذن.]

((2)محمد بن إبراهيم المؤذن.)

و قد تقدم ذكره في مواضع متعددة، كان- رحمه اللّه- من أدين الناس و ألينهم عريكة و أحسنهم مخالطة، لو دعاه أصغر الناس إلى بيته أو نخله ذهب معه، و كان إذا جلس مجلسا عمّره بالذكر و المدح، و كان إذا طلع المئذنة و تكلم فيها يوجد على كلامه روح(3).

و كان- رحمه اللّه- لا يزال متبسما و هو مبهدل في لباسه و حركاته، يحب الفقراء و يخدمهم و يقضي حوائجهم، و كان أمين الحكم في أيام القاضي سراج الدين توفي- رحمه اللّه- سنة تسع و عشرين و سبعمائة.


1) ترجم له السخاوي في التحفة: 2/ 167.

2) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة: 1295.

3) التحفة اللطيفة: 3/ 457 نقلا عن ابن فرحون.

و أعقب ولده:

[أبا محمد عبد اللّه]

((1)أبا محمد عبد اللّه)

كان من أحبابنا و أصحابنا بل من أولادنا،، وجدنا منه برّا عظيما و أدبا كثيرا، و كان له وجاهة عند أمراء المدينة آل جماز فنفع كثيرا من الناس بشفاعته، و كان محببا إلى الناس لما احتوى عليه من حسن السيرة و صفاء السريرة، و كان بينه و بين أخويّ خصوصا أخي محمدا ملاءمة عظيمة، و محبة أكيدة لا يكاد ينشرح إلا معهما، و لا يطيب له أنس إلا بهما، و كان- رحمه اللّه- يحب التنزه و المشي إلى متفرجات المدينة و متنزهاتها، إذا خرج يخرج معه الأطعمة الفاخرة و الأشياء المعدومة التي لا تكاد توجد عند غيره، فيتحف بها الجماعة، و كان فيه كرم و طيب نفس(2).

و ولي الرئاسة بعد والده و عقّب أولادا فقهاء نجباء، أفضلهم:

[شهاب الدين أحمد.]

((3)شهاب الدين أحمد.)

تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وجدّ في الطلب و اجتهد، و شارك في فنون متعددة و هو اليوم من أعيان جماعتهم(4). و لكن توفى عبد اللّه والدهم في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و مولده سنة أربع و سبعمائة.

و كان منهم:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 383.

2) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 193.

4) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

[محمد بن عبد الرحمن المؤذن]

((1)محمد بن عبد الرحمن المؤذن)

هو و أبوه وجده، كان فقيها متفننا اشتغل بالعلم حتى ألف و صنّف، و كان في النحو و اللغة إماما، و في علم الأدب و الشعر هماما، و كاتبني بقصيدة له أبانت عن فصاحته و بلاغته و قوة عربيته مطلعها:

حنانيك عبد اللّه زين المواكب‌فما أنت إلا البدر بين الكواكب

و أبيات كثيرة كان من إخواننا في الاشتغال بالعربية، كنا نحضر جميعا عند والدي- رحمه اللّه- و عند الشيخ أبي عبد اللّه النحوي- رحمه اللّه- ولي معه مباحثات في مسائل كثيرة، و كان ذا حردة و أنفة لا يجلس إلا مع الكبار و لا يتكلم إلا بكلمات كبار من غير تكبر، و كان ورعا دينا حسن الصورة؛ توفي- رحمه اللّه- في سنة عشرين و سبعمائة.

و كان منهم بل من خيارهم القاضي:

[123- فخر الدين السنجاري أبو بكر بن (عمر]

(123- فخر الدين السنجاري أبو بكر بن (عمر(2))

. عمل مؤذنا رجاء بركة النسبة إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، و كان جهوري الصوت، على كلامه روح عظيم يدل على خشوعه و حضور قلبه، و كان معظّما عند الناس يقضي حوائجهم و يلبي دعوتهم، و كان له بالقاهرة وجاهة، ينتمي إلى السبكيين؛ فكانوا يرعونه في نفسه ثم في ذريته من بعده، و كان يقال له: سمسار الخير؛ لكثرة سعيه في مصالح شتى و في وظائف كثيرة تأسست ببركته و إشارته.

منها: درس المالكية، و درس الشافعية اللذان رتبهما الأمير سلار، و كذا


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 641.

2) سقط من المطبوع و بالهامش:( سقط بجميع النسخ) و المثبت من قراءة الأصل.

درس الحنفية الذي بالمدرسة الأركوجية، و سقايات للماء و غير ذلك.

توفي- رحمه اللّه- سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة ست و ستين و ستمائة.

و عقب ولده:

[124- شمس الدين محمدا.]

كان فقيها حنفيّا اشتغل بمذهب أبي حنيفة بالقاهرة على مشايخ المذهب، و جاء إلى المدينة مع والده فولي تدريس الحنفية في الشهابية، و الأركوجية، و كان من الأخيار دينا عاقلا حسن الأخلاق مبادرا لقضاء حوائج الإخوان كهفا للفقراء و المساكين و كان مؤذنا حسن الصوت، فتزوج بنت القاضي شرف الدين الأميوطي، فرزق منها ذرية مباركة و سعيدة- أصلحهم اللّه تعالى.

توفي- رحمه اللّه- بعد أن نهب بيته في نهبة المدينة المتقدم ذكرها، و كانت وفاته في أوائل سنة إحدى و خمسين و سبعمائة.

و كان منهم الشيخ الفقيه الصالح الأديب:

[125- أبو عبد محمد بن محمد بن محمد الغرناطي.]

و نعم الرجل، كان- رحمه اللّه- في بدء أمره مشتغلا بالعلم قد جوّد القراءات السبعة، و أحكم الفرائض و الحساب حتى لم يكن في المدينة مثل بديهته في ذلك، و كان قد جبّ نفسه لعارض عرض له خاف على نفسه من السّلطان، غلب على ظنه أنه لا ينفك عنه إلا بما فعل، و زيّن له أن الذي يفعله

أسلم في دينه من حالته التي هو عليها و العياذ باللّه، فندم حيث لا ينفعه الندم.

و في مثل ذلك قيل:

كلّ يحاول حيلة يرجو بهادفع المضرّة و اجتلاب المنفعه

و المرء يغلط في تصرف حاله‌فلربّما اختار الغنى على الدّعه

ثم إنه حسن حال و عبادته و تبتله، و رغب فيه جماعة من الخدام و أدخلوه في خدمة الحرم الشريف، و قدموه عليهم في حفظ حواصلهم و أوقافهم، و رأس بينهم رئاسة جليلة و دخل في جملة المؤذنين أصحاب المعلوم.

فلما كبر و أسن نزل عنه، و لم يزل بين الخدام معظما محترما مشهورا بعفة اليد و اللسان في إقامة طويلة بينهم و كان قد تأثل دنيا، فكان يرسل ما فضل عنه إلى إخوته في بلادهم غرناطة حتى إنه لما توفّي لم يوجد له ما كان يتهم به من المال، و أوقف كتبه و جعل مقرها في المدرسة الشهابية، و أعتق عبيدا و إماء و قدم لنفسه ذخيرة صالحة بعتقه خادمه نجيبا أحد خدام الحرم الشريف اليوم و من أميزهم عقلا و معرفة و ديانة، و حصل له به ذكر جميل و خير كثير غير قليل.

و كان أبو عبد اللّه مجيدا في صنعة الدهان و التزويق، فعمل في الحرم الشريف مع الدهّانين و أثّر تأثيرا حسنا، كان لي منه- رحمه اللّه- نصيب وافر و ودّ عظيم و مبادرة لقضاء حوائجي، و كان يحضر معنا الدرس و يرعانا لما كان بينه و بين والدي- جزاه اللّه خيرا- و لكن توفي- رحمه اللّه- في سنة أربع و خمسين و سبعمائة و له إحدى و ثمانون سنة و لم يخلف عقبا.

و كان منهم الأخ في اللّه الشيخ:

[على بن معبد المصري الأصل الشهير بالقدسي المؤذن.]

((1)على بن معبد المصري الأصل الشهير بالقدسي المؤذن.)

كان- رحمه اللّه- ملازما لوظيفة الأذان و الإقامة يغيب الناس و لا يغيب، قلّ أن تشغر وظيفته الإقامة على الدكة مدة حياته إن حضر أصحاب النوبة و إلا قام عنهم، و كانت نوبته في المئذنة لا تختل أبدا في صيف و لا موسم و لا غير ذلك، و كان ليلة نوبته لا يرقد إلا في المدرسة الشهابية، و إذا كان أيام الصيف خرج عياله إلى نخلهم و أقام هو في المدينة، رغبة في الصلاة في الجماعة، و كان من حسن الخلق مع الديانة و الصيانة، و قلّة الكلام في أعراض الناس، في الذروة العليا و المقام الأسنى، ورزق أولادا مباركين مؤذنين و بناتا مباركات، و كان له عائلة كبيرة لا يهتبل بحالهم و لا يهمه أمرهم، بل هو مشغول بنفسه و بالقيام بوظائفه، مع البهدلة في ملبسه و حاله كله مبهدل(2).

و كان قدومه إلى المدينة في سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، و رغب ابن أخته:

[127- محمد بن يوسف]

في الإقامة بالمدينة المنورة و زين له ذلك، فأقام عنده و سعى في أن يكون مؤذنا، فأذن له فكان يؤذن احتسابا، ثم شغرت وظيفة ابن الحسيني المؤذن فتولى مكانه، و كان الحسيني من المؤذنين القدماء الأخيار و تزوج محمد ابنة خاله فرزق منها أولادا مباركين، و كان محمد لا يعرف إلا بخاله فيقال له: محمد ابن أخت القدسي، و كلاهما مصريّ ليسا من القدس الشريف.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 263.

2) التحفة: 3/ 263.

و كان الشيخ عليّ قديم الهجرة بالمدينة من المجاورين القدماء صحب جماعة من الصالحين الأخيار و خدمهم و نال منهم، و كان يحكي من أخبارهم و أحوالهم ما يتأسى به و ينتفع به من اختل عليه حاله و صدئ من الغفلة قلبه.

توفي- رحمه اللّه- في سنة اثنتين و ستين و سبعمائة و قد قارب الثمانين(1).

و كان منهم الفقيه الزكي النبيل:

[سراج الدين عمر بن الأعمى]

((2)سراج الدين عمر بن الأعمى)

، كان من المؤذنين الذين ساروا بين إخوانهم و شرفوا بعقولهم و آدابهم كان خلطا فكها حسن القراءة حسن الصوت أديبا مؤذنا مجيدا، و كان مليح الخط جوّد عليه أكثر أولاد المجاورين، و كان كثير المساعدة للإخوان عند الشرفاء و الأمراء، و كان محببا إليهم مكرّما لديهم يجسر على الأمراء بالكلام و يقول الجد في صورة المزح(3)و يقضي حوائجه منهم لنفسه و لمن استغاث به، و ترك أولادا قرّاء مؤذنين، مات أكبرهم محمد في الغرب بعد غيبة طويلة، و خلف ولدا صالحا نجيبا مؤذنا صيتا ذا صوت حسن، توفي عمر- رحمه اللّه- في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة.

و كان منهم:

[حسن القطان.]

((4)حسن القطان.)

[و أحمد القطان]

((5)و أحمد القطان)

، فأما حسن فخلف ولدين من جاريتين تسرّا بهما


1) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة 3/ 263 نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 365.

3) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن المصنف.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 501 نقلا عن ابن فرحون.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 212.

قرب وفاته فمات و هما حاملتان فولدتا جميعا ذكرين، كان خيارهما:

[حسين.]

((1)حسين.)

نشأ في خير و اشتغل بالعلم و ولي وظيفة والده في الأذان، و كان صيتا حسن الأذان حسن العشرة و المداراة فعاش في الناس بعقله، ثم توفي و خلف أولادا صغارا- لطف اللّه بهم(2).

و أما الولد الآخر فتغرب و امتحن في الشام بمحنة قطعت فيها يده و كان بريئا، و كان من أعقل الناس و أشغلهم بنفسه و تدبير بيته، و كان صيتا مؤذنا مجتهدا، خلف ولدين صالحين مباركين صيتين، توفي بالشام زمن الطاعون- رحمه اللّه.

و منهم الفقيه:

[عبد الرحمن بن ياقوت. و قد تقدم ذكره في ترجمة الشيخ شرف الدين الخزنداري- عفا اللّه عنه.]

((3)عبد الرحمن بن ياقوت. و قد تقدم ذكره في ترجمة الشيخ شرف الدين الخزنداري- عفا اللّه عنه.)

و كان من أبناء المجاورين و رؤساء الناس و صدور الفقهاء، الإمام العلامة.

[133- يوسف بن جمال القرشي الهاشمي]

، كان فقيها رئيسا محصّلا لعلوم


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 505.

2) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 548.

شتى، رحل إلى العراق فتفقه بها على مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه و أدرك بها شيوخا أئمة في العمل فأخذ عنهم و انتفع بهم، و كتب كتبا جليلة في كلّ علم، و كسب مالا و نخيلا و دورا، و كان ذا عيال كثيرة و نفقة غير مقدرة فأفنى جلّ ماله في حياته، و باع أكثر كتبه في المدينة، و بعث منها كثيرا إلى الشام فبيع بها.

و كان أخوه الشيخ العلامة:

[علم الدين يعقوب]

((1)علم الدين يعقوب)

فيه رئاسة و حفظ للمنصب و النسب، فولي القضاء بالمدينة كما سيأتي ذكره، و جرى بينهما من التحاسد و التباغض ما لم يجر بين أحد من الإخوان، و سرى ذلك في عقبهم حتى تلف حالهم، و افترقت كلمتهم، و طمع فيهم عدوهم؛ فصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حيث قال: «إياكم و البغضة فإنها الحالقة».

و توفّي الفقيه يوسف في حياة أخيه يعقوب، فجفا أيتام أخيه، ثم إن الشرفاء غرموا الفقيه يعقوب شيئا بعد التضييق عليه، فرأيت الفقيه يوسف في المنام و هو على حالة حسنة و هو يشير إلى أخيه يعقوب كالمتشمت به، و يقول لي: ما عرف قدري حتى فقدني.

و خلف الفقيه يوسف أولادا و بناتا، كان أدينهم، و أصلحهم، و أكثرهم اشتغالا بالعلم، و أوصلهم للرحم الفقيه:

[جمال الدين اخترمته المنية شابّا]

((2)جمال الدين اخترمته المنية شابّا)

، و خلف أولادا مباركين، وفّقهم(3)


1) من مصادر ترجمته، المغانم المطابة 1319.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 428.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

اللّه.

توفّي الفقيه يوسف- رحمه اللّه- في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة إحدى و ستين و ستمائة، و توفّي ولده جمال الدين في سنة تسع و خمسين و سبعمائة- رحمة اللّه عليهم.

و كان ممن صحبته في اللّه الفقيه الفاضل المتفنن المتعبد:

[شهاب الدين الصنعاني.]

((1)شهاب الدين الصنعاني.)

كان جلّ عمره في دمشق، ثم قدم المدينة فانقطع بها، و تأهل، و ولد له بنت في آخر عمره، كان- رحمه اللّه- كثير الصيام لا تكاد تراه مفطرا، و كان ملازما للمسجد.

و له من التصانيف عدد كثير في فنون منها: في مذهب الشافعي، و في اللغة، و العروض، و غير ذلك، و تولى نيابة الحاكم عن القاضي سراج الدين، و تولى التدريس في درس الحديث للقلانسي قبل جمال الدين المطري.

صحبته طويلا فلم أسمعه يحلف باللّه تعالى، و أخبرني أنه على ذلك منذ عقل عقله، و لا رأيته يخرج مثل غيره لا عند حكومة، و لا عند كلام يسمعه في عرضه، و لا يكاد يعاتب أحدا؛ للينه، و حسن خلقه، و كثرة خيره، و كان قد سلّط عليه بعض الناس، و اشتغل به، و هو لا ينزعج لشي‌ء من ذلك، قد أمن الناس شره، و بأسه- رحمه اللّه. توفّي سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة(2).


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 278.

2) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

و كان من الشيوخ المعدودين في زمانهم من العلماء الحكماء المجيدين، و المطلعين على علوم الأولين من حكمة، و منطق، و هندسة، و فلسفة:

[أبو محمد عبد اللّه بن حجاج المغربي الشهير بمكشوف الرأس؛]

((1)أبو محمد عبد اللّه بن حجاج المغربي الشهير بمكشوف الرأس؛)

لأنه كان لا يزال كذلك، كان حبرا، منقطعا للمجاورة، مشغولا بنفسه، و جمع من الكتب الجليلة ما لم يجمعه أحد من جنسه، أتى بها من بلاده، كانت مشتملة على أصول و أمهات، و دواوين من تفسير القرآن، و كتب الفقه، و الحديث، و التاريخ، و الطب، و المنطق، و الحكمة، و علوم شتى، و كان عنده من كلّ فنّ تصانيف عديدة(2).

و كان له عيال و أولاد، و كان إذا أراد الحجّ إلى بيت اللّه الحرام أدخل عند عياله جميع ما يحتاجون إليه من طعام و ماء، و سدّ عليهم الباب بالبناء؛ حتى لا يصل أحد إلى بيته، و لا يطلع على حاله، و لا يزال البيت كذلك حتى يأتي من مكة و يفتح عنهم(3).

توفّي- رحمه اللّه- و ترك أولاده صغارا فوصّى عليهم، و على ماله، و كتبه نور الدين بن الصفي فقيه الإمامية في وقتهم و رئيسهم؛ لأنه كان جاره، و كان بينهما مؤانسة، و لم تزل الكتب عند ابن الصفي حتى تلفت و أكلتها الأرضة، و ذهب خيارها، و وقع عليها المطر.

ثم كبر الأولاد، و سافروا إلى مصر، و بعثوا مع القاضي فخر الدين


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 310.

2) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

السنجاري بوكالة على تسلّم الكتب و بيعها فبيعت، و ملأت المدينة حتى صار في كلّ بيت منها جانب من علوم لا يعرفها أحد من أهل هذا الزمان، و لا يفهمها إلا من عالج أصولها، و أدرك شيوخها، و لقد باع بعض الناس منها نحو أربعة عشر مجلدا كل كتاب بدرهم نسخا مليحة صحيحة في فنون قل من يفهمها في المدينة، توفّي- رحمه اللّه- في سنة إحدى و سبعمائة.

و كان من الأشياخ المباركين، و أحبابنا السالكين:

[الشيخ أبو البركات أيمن بن محمد السعدي]

((1)الشيخ أبو البركات أيمن بن محمد السعدي)

و كتب بخطّه في آخر كتاب: أيمن بن محمد بن محمد، و عدّد من أجداده أحد عشر نفرا كلهم اسمه محمد، كان له كلّ يوم و ليلة ثلاث ختمات، و ترك أهله و إخوانه في تونس، و هاجر إلى اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و سلم و كان له ديوان كبير في مدح سيدنا و ذخرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم(2).

قال لي: رأيت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في النوم فأنشدته بعض قصائدي فيه، فبصق في فيّ و قال لي: «لا فضّ فوك» فلم تسقط له سنّ، و كان قد جاوز السبعين حين أخبرني بذلك، و لقد أعطيته يوما خشكنانة(3)يابسة قديمة لا تكاد تنكسر إلا بالحجر، فأخذها و قرضها كأنها قطعة سكّر، و كان يأخذ الدرهم النحاس فيقطعه بأسنانه نصفين(4)، و كان أعجوبة الزمان، و طرفة الإخوان من أدب، و شعر، و حكايات، من جلس إليه لا يكاد يحب فراقه، و كان حسن البديهة


1) من مصادر ترجمة: التحفة اللطيفة 1/ 352، المغانم المطابة 3/ 1176.

2) التحفة اللطيفة 1/ 352.

3) الخشكنانة: خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة، و تملأ بالسكر أو اللوز أو الفستق و تغلى؛ و تحرف في المطبوع إلى( خشكانة).

4) التحفة اللطيفة.

سريع الجواب(1).

حكى لنا أنه كان ساكنا في مدرسة في مدينة تونس، قال: فنزلت يوما في درج المدرسة و كنت(2)على عجل، و اتفق أن كان قاضي القضاة ابن عبد الرفيع طالعا في الدرجة، و لم أشعر به، فما سمع حسّي قال- قبل أن يراني: من النازل؟ فقلت: الطالع؛ فغضب عليّ، و أمر بإخراجي من المدرسة، و له مثل هذا كثير، و سأذكر منه شيئا في ترجمة السراج(3).

و من شعره(4):

بلغت بشعري في الصبا، و عقيبه‌جميع الأماني من جميع المطالب

فلما رأت عيناي سبعين حجةقريبا هجرت الشّعر هجر الأجانب

أيجمل بالشيخ الذي ناهز الفنابقاء على ذكر الصبا، و الكواعب

حثثت السرى ليل الشباب فكيف لاأنيخ لدى صبح المشيب نجائبي؟!

لعمرك إن العمر يوم و ليلةيكران و الدنيا مناخ لراكب

و قال في معنى قول الحكماء: (من طال عمره كانت مصيبته في أحبابه، و من قصر عمره كانت مصيبته في نفسه(5).


1) نقله السخاوي في التحفة 1/ 352 عن المصنف.

2) في المطبوع:( كنت) و المثبت من قراءة النص. و مثله لدى السخاوي في التحفة نقلا عن المصنف.

3) التحفة نقلا عن المصنف.

4) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

5) النص في المطبوع فيه تحريف و سقط، و قد اعتمدنا في تكملة النص و تصويبه على قراءة الأصل، و على ما ورد لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن ابن فرحون.

إذا طال عمر المرء سرّ، و ساءه‌على أيّ حال كان فقد الحبائب

و في نفسه إن مات قبل انتهائه‌مصيبته فالمرء رأس المصائب(1)

و أنشد(2)لنفسه في يوم العيد:

إنّ عيدا بطيبة، و صلاةبمصلّى الرسول في يوم عيد(3)

نعم ضاق واسع الشّكر عنهافهي بشرى لكلّ عبد سعيد

كم تمنيتها فنلت التمني‌آخر العمر من مكان بعيد!!

و إذا كان في البقيع ضريحي‌و توسّدت طيب ذاك الصعيد

فاشهدوا لي بكلّ خير، و يسرعند ربي، و مبدئي، و معيدي

و له في الغزل(4):

و كم رمت كتم الحبّ عمّن أحبّه!و كيف بكتم الحبّ عن ساكن القلب؟

إذا اختلج السرّ المصون بخاطري‌تقلّب مني القلب جنبا إلى جنب

فيبدو و لا تبدو سرائر لوعتي‌و تخفي و لا تخفى و في الحال ما ينبي

و له في النخل و قد رآه مجدودا(5).

انظر إلى النّخل و أعناقهاقد جرّت من تمرها الزاهي

مثل عروس تمّ أسبوعهافجرّدت من حليها الباهي

ما زيّنها إلا عراجينهاو كلّها من حكمة اللّه!


1) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن المصنف.

2) في المطبوع( أنشد) و المثبت من قراءة النص؛ و ما ورد لدى السخاوي في التحفة، هو بنقل عن ابن فرحون.

3) التحفة 1/ 353 نقلا عن المصنف.

4) أورده السخاوي في التحفة 1/ 353 نقلا عن المصنف.

5) التحفة 1/ 354.

و له أيضا(1):

ما لي أجي‌ء إلى الزيارة دائمافيقال لي: سر، إنه مشغول

حتى لقد حدثت نفسي أنني‌فيما يقول القائلون الغول

رأيته بعد وفاته في النوم، و تحققت وفاته؛ فقلت: يا أبا البركات، أخبرني ما صنع للّه بك؟ فرأيته كأنه كره العلم مني بموته، فتغير عند ذلك، فقلت:

باللّه عليك أخبرني، فقال لي: و اللّه ما لقيت من اللّه إلا خيرا، فقلت: و اللّه لا بدّ، و كان في ذهني ما كان يحكيه في شيبوبته، و أيام ما كان فيه من التخليط الذي نحن فيه من قراءة الأسباع، و الربعات و الدروس، و تناول الصرر(2).

و قلت: (إن(3)من حاله كذلك لا يسلم من تباعة(4)و لو بالسؤال عن ذلك. فقال لي: و اللّه و لا شي‌ء، فأعدت عليه ثلاث مرات، فقبض على شي‌ء يسير من جلد ظاهر كفه بأسنانه و قال: و اللّه و لا مثل هذه فأوقع اللّه في ذهني أنه في دار الحق، و أنه لم يقل إلا حقا؛ فبكيت، و أردت أن أسأله عن حاله ثم أنسيت و قلت له: أنت صاحبي فلا تنساني و اشفع لي(5)توفّي- رحمه اللّه- في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة تسع و خمسين و ستمائة.

و كان من المشايخ الأجلاء مشايخ الغرب المجولين المسافرين:


1) التحفة 1/ 354.

2) التحفة 1/ 354.

3) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوع، و هو في الأصل و التحفة.

4) التّباعة: تباعة الأمر: عاقبته و ما يترتب عليه من أثر.

5) نقله السخاوي في التحفة 1/ 354 عن ابن فرحون.

[الشيخ علي بن فرغوص التلمساني- رحمه اللّه]

((1)الشيخ علي بن فرغوص التلمساني- رحمه اللّه)

، كان له حال عجيب جليل، و مقام عظيم، له رحلة طاف فيها كثيرا من بلاد المشرق و المغرب، و استفاد علوما جليلة من علم الحرف، و أسرار الطلاسم و التربيعات، و علم السيمياء و الكيمياء، و الروحانيات، و جميع ما تأخذ معه فيه تجد عنده منه طرفا جيدا، و كان يحكي في مجالسه غرائب و نوادر(2).

انعطف عليه المجاورون و جميع أهل المدينة، و كبار الدولة، و وزراؤها و كذلك أهل مكة بأجمعها؛ فكان(3)يمشي طريق المشيان مع جماعته فلا يقطعها إلا في شهر؛ لأن العرب كلّها صارت تعرفه، و تحبه، و تعزم عليه؛ فكان يجعل سفره سياحة، و له مناقب جليلة، و محاسن جميلة لا يسوغ ذكرها هنا- رحمة اللّه عليه(4).

و كان من إخواننا الأصفياء الأتقياء المتعبدين و المتفقهين.

[140- الشيخ محمد الهزميري.]

قال المدينة و أقام بها مدة طويلة لا يعيش إلا من الحطب، يأتي بالحزمة فيبيعها، و يتقوّت بثمنها، ثم انتقل إلى قدم التوكل فصحب الشيخ أبا بكر الشيرازي فكان يأخذ نفسه بالمجاهدة، و العبادة و قيام الليل، و كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان في المسجد الشريف فلا يخرج من معتكفه حتى


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 244.

2) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

3) في المطبوع:( و كان).

4) التحفة اللطيفة 3/ 245.

تتورم قدماه و ساقاه، و كان هو و الشيخ أبو بكر يتقوّتون في كلّ ليلة بعشر زبيبات كلّ واحد خمس زبيبات، و أوقات يطويان، حتى إنهما إذا خرجا من معتكفهما لا يعرفان من النحول و الذبول، ثمّ إن الشيخ أحمد التستري زوّجه ابنته؛ فلم يقم معها فطلقها، و تزوج أخت الفقيه محمد بن صالح نائب الخطابة و الإمامة؛ فرزق منها ولدا صالحا قارئا متفقها، و مات- رحمه اللّه- في طريق مكة بوادي الصفراء محرما بالحج في سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من إخواننا المتّقين، الصلحاء، المتعبدين، الموسوسين في العبادة:

[الشيخ أسعد الرومي.]

((1)الشيخ أسعد الرومي.)

كان من كبار الأخيار، ذا عزلة و اجتهاد و قرأ معنا في سبع ابن سلعوس، فكان يتبع(2)الحروف، و يرجع من حيث أوقفه النّفس حتى لا يخلّ بشي‌ء من القراءة، و كان متعوبا في غسله و وضوئه؛ فلما توفّي غسله الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد الغرناطي، و طيّبه بأطيب الطيب، و جهّزه أحسن جهاز، و توفّي بالمدرسة الشهابية- رحمة اللّه عليه(3).

و كان من المشايخ الكبار المشتغلين بالعلم و العمل:

[أبو عبد اللّه محمد التكروري الخطيب.]

((4)أبو عبد اللّه محمد التكروري الخطيب.)


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 306.

2) لدى السخاوي و هو نقل عن المصنف:( يشبع).

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 615.

كان خطيب بلد سلطان التكرور، و هي بلد مالي، و كان خطيب التكرور هذا على طريقة عظيمة من الدين، و العلم، و البر، و الصدقة، و تفقد الإخوان، و صحبة العلماء و تفقدهم، و تعظيمهم، و محبة أولادهم، و كان- رحمه اللّه- فوق ما أصف(1)، و لما توفّي جاء الحفّارون إلى جهة قبر سيدي عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه- فحفروا له في موضع معمور بالأموات منذ كانت المقبرة؛ فانكشف لهم قبر تحت الأرض معقود فيه دكة، و هو نظيف كأنه مكنوس كنسا، فوضع فيه كأنه بيت نزله(2)

و النّزل: المنزل. قال تعالى: في المؤمنين الصالحين:\i كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا\E( الكهف: 107.

و توفّي- رحمه اللّه- سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة(3).

و كان من المشايخ الصلحاء القدماء في المجاورة بالحرمين الشريفين:

[أبو فارس عبد العزيز بن زكنون التونسي- رحمه اللّه.]

((4)أبو فارس عبد العزيز بن زكنون التونسي- رحمه اللّه.)

كان- رحمه اللّه- فاضلا في علم القراءات، متقنا في التاريخ، مجتهدا في العبادة، ساكنا محبّا في السلامة من الناس، و لا يكاد يسلم(5).

قرأ عليه من أولاد المجاورين جماعة كشمس الدين الحليمي، و شمس


1) التحفة اللطيفة 3/ 616.

2) في المطبوع:( بيت نزيل فيه)، و في الأصل:( بيت نزل فيه) و المثبت رواية السخاوي و هو ينقل عن المصنف.

3) التحفة اللطيفة 3/ 616.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 24.

5) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

الدين الششتري، و طبقتهما(1)، و يقال عنه: إنه صحب ابن سبعين، و كان من أحبابنا، و لم أر عليه ما يشينه في دينه(2)، اشترى نخيلات و أوقفها، و آل أمرها إلى الخراب حتى إنه لا يكاد اليوم أحد يعرفها، توفّي- رحمه اللّه- في سنة ستّ و أربعين و سبعمائة(3).

و كان من أكابر المجاورين المتأخرين أصحاب المجاهدة، و الصبر العظيم على مشقة العبادة، و العزلة عن الناس.

[الشيخ شمس الدين الخجندي- رحمه اللّه]

((4)الشيخ(5)شمس الدين الخجندي- رحمه اللّه)

• كان يسكن بالكرا خوفا من مساكنة أهل الرباط، و كان يعمل أربعينيات يعتزل فيها عن الناس، و كلامهم، و يأكل فيها اليسير من الطعام، و لا يقطع الصلاة في المسجد الشريف، بل يجعل على رأسه ما يغطي به وجهه، و يمنعه من الاشتغال بالنظر إلى ما يشغله، و يأتي إلى الروضة في الصف الأول فيصلى، ثم يرجع في الحين إلى بيته، فلا يزال في صلاة، و ذكر و دعاء(6).

أخبرني الفقيه سراج الدين عبد اللطيف ابن العلامة شمس الدين محمد الزرندي- و كان جاره، و داره تطلّ على دار الشيخ- قال: لا أقوم في ساعة من


1) في الأصل المطبوع:( و طبقتهم) و المثبت رواية السخاوي.

2) نقله السخاوي في التحفة.

3) نقله السخاوي في التحفة.

4) من مصادر ترجمته: التحفة 3/ 614، الدرر الكامنة 4/ 318 المغانم المطابة 3/ 1287.

5) الشيخ سقطت من المطبوع.

6) نقله بنصه السخاوي في التحفة اللطيفة.

الليل إلا و أسمعه بين ذكر و قراءة، و دعاء، و استغفار مع بكاء و عويل، و كان قد بورك له في الطعام(1).

أخبرني الشيخ شمس الدين الحليمي- رحمه اللّه- قال: أعطاني الشيخ صاعا من الدقيق و قال: اعمل منه رشيدة، و أرسل لي كلّ ليلة منها بحفنة مطبوخة؛ قال: ففعلت، و استمر على ذلك مدة، ثم قال: اعمل لي منه كلّ ليلة قرصا، ففعلت مدة، ثم قال: اعمل منه في كلّ ليلة جمعة قصعة طعام للفقراء، ففعلت، و كان كلّ ليلة جمعة يجتمع عنده الفقراء فيذكرون إلى أن يذهب جزء كبير من الليل، و يقدم لهم ذلك الطعام الذي لا يظنّ أنّه يكفي ثلاثة فيأكل منه فوق العشرين، قال محمد المذكور: و لا نزال ننفق مما يعطينا حتى نمل، ثم نأخذ الفضلة بعد ذلك(2).

و أخبرني بذلك جماعة من أهل الخير ممن يعرف حاله قالوا كلهم: لم نر قطّ مثل بركة طعامه، و كان يتواجد في الذكر و يقوم و يدور في الحلقة فيجد الجماعة منه قوة، و صلابة يعجز عنها أقوياء الشباب، بحيث إن الجماعة يملون، و لا يمل، و متى مسك على أحد منهم أتعبه، و كان قد أسن، و كبر، و كنت أحضر عنده أحيانا، و كان له وجه و ضي‌ء، عليه نور العبادة و الخير، و له لحية طويلة مليحة تبلغ إلى سرته، و مات- رحمه اللّه- عن وصية، و تثبت، و صدقة بجميع ما يملكه حتى بفراشه من تحته، و توفّي- رحمه اللّه- سنة أربع و ستين و سبعمائة(3).


1) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده السخاوي بنصه في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

3) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون.

و كان ممن أدركناه من الأكابر، الصلحاء المتقدمين في عمارة الحرم بالنجارة:

[الشيخ أبو بكر بن يوسف المعروف بالمحجوب النجّار]

((1)الشيخ أبو بكر بن يوسف المعروف بالمحجوب النجّار)

، قدم المدينة بعد حريق الحرم بالمنبر الشريف الموجود اليوم فوضعه فأحسن (في(2)وضعه، و في نجارته، و كتب اسمه عليه و ذلك في سنة ستّ و ستين و ستمائة، ثم انقطع بالمدينة إلى أن توفّي بها- رحمه اللّه- و كان مختلطا بالصالحين، متقنعا بكسب يده، متعففا عن الأطماع المدنّسه للأعراض، مكبّا على الخير.

كنت أجلس إليه فيحكي عن أهل زمانه غرائب و عجائب، و كنت لا أزال أرى حوله عددا من الحيوان بين هرر و دواب قد ألفوه بالإحسان إليهم، و كان يقول: هذا الهرّ جدّ هذا الهر، و هذا خال هذا، و هذا ابن عمّ هذا، قد ربّى منهم كثيرا، و عرف أنسابهم، و كان يحسن إلى الدّواب المضيعة في الأسواق، و يرى ذلك كلّه من جملة الصدقات، و ربما يتمثل في ذلك بقوله عليه الصلاة و السلام: «في كلّ ذات كبد حرّاء أجر».

أخبرني الشيخ عبد اللّه بن عمر الخرّاز- و كان حفيد الشيخ أبي بكر بن بنته عائشة- قال: قال لي الشيخ أبو بكر: لما قدمت المدينة لم يكن بها من يتسمى بهذا الاسم؛ فظهر لي كراهة أهل المدينة مع ما انضاف إلى ذلك من تسمية بنتي عائشة، فهممت بتغيير اسمي، قال: فرأيت سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال لي: «لم تغيّر اسمك»؟ فقلت له: يا رسول اللّه إجلالا لصاحبك- رضى اللّه عنه- فقال: «لا تفعل انظر إلى هؤلاء الذين تخشى منهم» و أشار إلى آخر الحرم. قال:


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 1/ 469.

2) ساقط في المطبوع.

فنظرت فإذا بسبعين شخصا أعرفهم من أهل المدينة، وجوههم وجوه بني آدم، و باقي أجسامهم على صفة الخنازير، ثم قال لي صلى اللّه عليه و سلم: خذ هذه العصا، و أخرجهم من المدينة. قال: فقلت يا رسول اللّه أحبّ أن أعمّر حتى أدفنهم فقال: «ستعيش بعدهم» قال: فانتبهت و أنا مسرور، و انصرف عني ذلك الخاطر، و صاروا ينقرضون طبقة بعد طبقة، قال: و كنت إذا جئت إلى جماعة الخرّازين يقولون: كم بقي من غرمائك؟ فأقول: عشرين، عشرة، خمسة. حتى انقرضوا عن آخرهم في حياتي، و عاش مائة سنة و نيّفا- تغمده اللّه برحمته.

و كان من المشايخ العلماء الورعين المتنسكين المبرزين في الخير:

[الشيخ إبراهيم التلمساني الشافعي]

((1)الشيخ إبراهيم التلمساني الشافعي)

أقام في المدينة على أحسن طريقة، لا يشبهه أحد في العزلة، و الانقطاع عن الناس، عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، متحرزا من إخوانه، ملازما لأواخر المسجد، يشتغل في مذهبه طول نهاره، و لا يدخل بيته إلا وقت الوضوء، و لا يأتيه أحد إلا من يتبرك به، و يرتجيه، و انتفع به الطلبة، و تخرج عليه جماعة فظهروا نجباء علماء اخترمتهم المنية شبّانا، منهم ولدا الشيخ أحمد الشويكي، و كانت أمّهما زوجة الشيخ، و كانت زوجة صالحة، و منهم صفي الدين بن الشيخ محمد الكازروني، و انتفع به أيضا الفقيه عبد السلام أخو صفي الدين، و عبد القادر الحجار و غيرهم، و كانت له نيّة صالحة ينتفع بها من يشتغل عليه، و يحسن ظنه فيه، و كان مع هذه العزلة العظيمة و الانفراد عن الخليقة يؤذى بأنواع من الكلام.


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 113 و الدرر الكامنة 1/ 79 و المغانم المطابة 3/ 1179

و لكن صدق القائل(1):

و من الذي ينجو من الناس سالماو للناس قيل بالظنون و قال

فكانوا يرون أنه يقول بالجهة، و يشيعون عنه ذلك، و لم أسمع منه ما يدل على ذلك، و كان صفي الدين الكازروني ممن لا يخفى عني حاله، و كان يثني عليه ثناء كثيرا، و ينكر أن يكون له اعتقاد يخالف اعتقاد إمامه الشافعي- رضي اللّه عنه- و كان إذا بلغه ما يقال عنه لا يعاتب قائله، بل و لا يتكلم في عرضه بشي‌ء، و كان لسان حاله ينشد(2):

دع النّاس ما شاءوا يقولون إنني‌لأكثر ما يحكى عليّ حمول

فما كلّ من أغضبته أنا معتب‌و لا كلّ ما يروى عليّ أقول

و كان له كتب جليلة في الفقه، و الأصول، و الحديث، و اللغة، و غير ذلك، أوقف أكثرها بمكة المشرّفة، و وقف بعضها بالمدرسة الشهابية، و أعتق عبدا، و ربّاه، و أحسن إليه، توفّي- رحمه اللّه- في سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و كان من أصحابه و أحبابه‌

[147- الشيخ علي السخاوي]

من الفقراء الجياد الملازمين للروضة المشرّفة، و كان فيه تأنيس كثير لأصحابه، و دعاء عظيم لإخوانه، و كنت إذا جئت الصف الأول، و لم أجد لي فيه مدخلا يفسح لي، و يعزم علي و يقول: سمّ الخياط مع الأحباب(3)ميدان.


1) التحفة اللطيفة 1/ 114.

2) التحفة اللطيفة 1/ 115.

3) في المطبوع( المحبوب) و المثبت من قراءة النص.

و كان لي من الإخوان الفقيه الفاضل العابد الورع الزاهد:

[شمس الدين محمد بن يوسف الحليمي- رحمه اللّه-]

((1)شمس الدين محمد بن يوسف الحليمي- رحمه اللّه-)

كان فيه من الخير و الصلاح و العزلة عن الناس ما لا مزيد عليه، و كان من الأولياء الأكياس، و من الناس الذين هم الناس، و كان فاضلا في مذهب أبي حنيفة مشاركا في عدة علوم.

رحل إلى دمشق في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و اشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي فآثره الشيخ على غيره، و اعتنى به، و تفرس فيه الخير، فرجع و قد حصّل و استفاد، و كان إذا جلس في مجلس تكلم و أفاد، فقدت من دعاويه، و أنسه، و ولايته، و نصيحته ما لم أفقده من أحد من الأصحاب، و كان ساكنا جواري حتى مات- رحمه اللّه- فلم أر منه غير الخير، و المودة، و المحبة في الغيبة و الحضر.

كان يقول لي: و اللّه ما وقفت تجاه الحجرة المشرفة و دعوت لنفسي إلا دعوت لك، و لا ختمت ختمة إلا دعوت لك بدءها و آخرها، و كان يقول:

من شدة المودّة: أسأل اللّه تعالى أن لا يريني لك يوما أكرهه، و أن يجعل يومي قبل يومك، و على الجملة فكان من إخوان الصفاء، و أهل الوفاء، ليس من الإخوان الذين قال فيهم:

و إنّ من الإخوان إخوان نعمةو إخوان حيّاك الإله و مرحبا

و إخوان كيف الحال و الأهل كلّهم؟و ذلك لا يسوي نقيرا مترّبا

و ما أشبه الناس اليوم في تواددهم، و تصافيهم بقول القائل:


1) من مصادر ترجمته: الدرر الكامنة 4/ 316.

دهرنا دهر افتراق‌ليس ذا دهر التلاقي

قلّ ما يلقاك إلابسلام و اعتناق

فإذا ولّيت عنه‌ثبت منه بالطّلاق

نسأل اللّه تعالى العافية، و أن يذهب عنّا التدابر، و التحاسد، و التباغض بمنّه، و كرمه.

و من أعظم حسناته- رحمة اللّه عليه- تربيته لأولاد الشيخ الصالح محمود العجمي الذي تقدّم ذكره في ترجمة الشيخ أبي محمد البسكري، و كان قد تزوج أختهم لأبيهم في حياة الشيخ محمود، و كانت وفاته- رحمة اللّه عليه- سنة إحدى و خمسين و سبعمائة؛ فلما توفّيت والدتهم لم يبق لهم أحد يكفلهم، و كانوا صغارا فكفلهم و ضمهم إلى عياله، و هم: عبد الرحمن، و عبد الرحيم، و عبد اللطيف فأقرأهم القرآن حتى حفظوا، ثم شغلهم بمذهب أبي حنيفة، و كان أبوهم شافعيّ المذهب، و تولى شمس الدين- رحمه اللّه- تقرئتهم، و تعليمهم العلم بنفسه.

و أخبرنا- رحمه اللّه- أنه جمع ما ورثوه من والدهم و والدتهم من الأثاث فباعه، فكان مبلغه ثمانمائة درهم، فكان ينفقهم من بعضها، و يتّجر لهم ببعضها، و لم يزل ينمّيها لهم، و يوفرها عليهم، و يتورّع في مالهم حتى بلغ ما لهم عشرة آلاف درهم، و كان إذا فضل شي‌ء من غدائهم و عشائهم يأمر بجمعه و حفظه حنى يجتمع منه كسرا يابسة، فيجعله لهم غدا مثل البقسماط المثرود، و يجمع فصّي تمرهم الذي يأكلونه، فإذا اجتمع باعه، و صرف ثمنه في مصالحهم.

و بلغنا أنه كان إذا هلّ الهلال يكتال نفقتهم، و يعزلها، و كان يبدأ بكيل نفقته

قبل نفقتهم، فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن يتعلق شي‌ء في الصاع من حبّهم فيختلط بحبّنا.

فانظر إلى هذا الورع ما أحسنه!! و إلى ديانته، و صبره، و مروءته ما أحسنها!! و كان- رحمه للّه- عفيف النفس عن التشوف للصدقات الواردة للمجاورين، قليل السعي في الوظائف، مقتنعا باليسير من الدنيا، مظهرا للتجمل في ملبسه، و حال أولاده و عياله، و من أعقل الناس و أكثرهم نصحا، و أحزمهم رأيا، مخالطا للناس، مباينا لهم، لا يخوض معهم في شي‌ء مما تخشى عاقبته من أمور الدارين، و لا يذكر أحدا بغيبة، فإن ذكرت بحضرته أنكر أشدّ الإنكار، و إن سمعها من ذي حرمة التمس للمقول فيه عذرا و مخلصا، و كان من أحسن الناس خلقا و أكثرهم فكاهة في حقّ، و أحسنهم هديا، و بالجملة فكان حسنة زمانه، و نادرة إخوانه، توفّي- رحمه اللّه- في سنة ستّ و ستين و سبعمائة.

و هو خال صاحبنا في اللّه تعالى الفقيه العالم العامل الورع الزاهد:

[شمس الدين محمد بن محمد بن يحيى الخشبي.]

((1)شمس الدين محمد بن محمد بن يحيى الخشبي.)

ذو النفس الزكية، و الأخلاق الرضية، و الطريقة المرضية، اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، و شارك في علوم عديدة و أتقنها، ثم أكبّ على الإفادة، و الاشتغال، و نشر العلم طول نهاره، و صحب الشيخ العالم الرباني شيخ وقته، و بركة عصره الشيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعي- نفع اللّه به.


1) من مصادر ترجمته، الدرر الكامنة 4/ 247.

و صحب الشيخ موسى الغزّاوي، و الشيخ سليمان الونشريسي، و خلائق لا يحصون كثرة فاكتسب من أخلاقهم، و تأدّب بآدابهم، و سار على هديهم، و هو اليوم أحد المؤذنين بالحرم الشريف النبوي و ليس فيهم- بل و لا في المدينة اليوم- من يعلم علم الميقات مثله، و كان قد ربّاه والده محمد بن يحيى، و أنشأه الشيخ محمد بن إبراهيم المتقدم ذكره، و أصله من العبابيه فرقة كبيرة من أولاد المدينة منهم يوسف الشر بشير شيخ الشيعة و فقيههم، و كان جدهم مغربيّا سنيّا، تزوج من بنات المدينة، و مات عن أولاد صغار، فنشأوا في مذهب أمهم ثم كثروا، و انتشروا، و تمذهبوا بمذهب الشيعة و غلو فيه.

و كذلك الفرقة المعروفون بالمزاتيين: أبوهم أيضا من الغرب، و هم طائفة كبيرة، و كان الشيخ محمد بن يحيى رجلا صالحا متصوفا متعبدا مشتغلا بالعلم، و مؤذنا بالحرم الشريف، استنقذه اللّه من تلك الطائفة، و كان شافعيّا أشعريّا متيقظا في دينه، و إنما اشتغل ولده بمذهب أبي حنيفه لأن والده- رحمه اللّه- توفّى في سنة خمسة عشرة و سبعمائة، و خلفه صغيرا، و كان مولده في آخر سنة ثلاثة عشرة، فقدّر أن الشيخ محمد بن داود تزوج والدته و كان شافعي المذهب، فلمّا قدم الشيخ شمس الدين ابن العجمي المدينة و أسس قواعد المذهب فيها، أمر ابن داود، و شمس الدين الخشبي، و شمس الدين الحليمي بالاشتغال عليه ففعلا، و كثرت الحنفية بالمدينة ببركتهما، و رزق شمس الدين الخشبي أولادا نجباء قرة أعين نشأوا على طريقة والدهم و فّقهم اللّه تعالى.

و خلف الشيخ محمد بن داود ولده(1)وليّ الدين، و ارتحل إلى دمشق صغيرا فلزم خدمة العلم العالم، الشيخ الإمام، العلامة قاضي القضاة؛ تقي


1) تحرف في المطبوع إلى:( ولد) و صواب القراءة من النص.

الدين السبكي، ثم صحب ولده الإمام العلامة قاضي القضاة تاج الدين فسعد بصحبتهما، و رأس في دمشق ببركتهما.

و كان من إخواننا الفقيه الأجل العالم العامل المتفنن:

[بهاء الدين عمر بن محمد الهندي الحنفي.]

((1)بهاء الدين عمر بن محمد الهندي الحنفي.)

كان من إخواننا الكبار، و أصحابنا الأخيار، كان منقطعا في الحرم الشريف غالب نهاره للتدريس و الإفادة، محبّا في الطلبة حريصا عليهم حتى إنه يبعث للطالب إلى بيته إذا تأخر عن الإتيان(2)، و قرأ عليه بعض الطلبة (الكافية) لابن الحاجب في بيته بالليل حتى أنهاها بحثا و فحصا، و كان في علمي(3)الأصول، و الفقه، و العربية إمام زمانه مع حلم، و أدب، و عقل راجح، و حسن خلق، و كان- رحمه اللّه- تلحقه حدّة في البحث ثم يرجع و يستغفر و ينصف في المجلس، و كان كثيرا ما يقول: باللّه لا تأخذ عليّ في البحث، فما أراجعك إلا طلبا للاستفادة، و كان عفيفا عن كل ما يدنس العرض، لم أر أوفى منه في حفظ أصحابه في الغيبة(4)، و الحضرة(5).


1) من مصادر ترجمتة: التحفة اللطيفة 3/ 356.

2) نقله السخاوي في التحفة 3/ 356

3) في المطبوع( في علم الأصول) و المثبت من قراءة النص. ولدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف:( و كان في الأصلين و الفقه و العربية) ..

4) في المطبوع:( في المغيبة) و المثبت من قراءة النص ولدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف:( في حفظ أصحابه غيبة و حضورا).

5) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف.

خرج إلى مكة حاجّا في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، فرماه بعيره في المحاطب قريبا من مضيق المنحنى فيبست أعضاؤه، و بطلت أكثر حركاته، فحمل إلى مكة، و تأخر عن الحج، و ودعناه عند توجهنا إلى المدينة فوصانا بولديه صدر الدين، و أبي عبد اللّه، ثم لم يقم بعد ذلك إلا قليلا، و انتقل إلى رحمة اللّه و رضوانه(1).

و كان من أصحابنا جماعة مباركون، كانوا إخوة في اللّه متلائمين، و على فعل الخير، و الاشتغال بالعلم متظاهرين.

منهم الأخوان في اللّه العاملان العالمان السيدان:

[الشيخ أبو علي الحسن بن عيسى الحاحائي.]

((2)الشيخ أبو علي الحسن بن عيسى الحاحائي.)

[و الشيخ عبد السلام بن سعيد بن عبد الغالب القرويّ]

((3)و الشيخ عبد السلام بن سعيد بن عبد الغالب القرويّ(4))

، كان الشيخ حسن- رحمه اللّه- من العلماء الأتقياء الأقوياء في دينهم مع التفنن في علوم عديدة، إماما في مذهب مالك و في العربية و أصول الفقه، رحلة في علم الحساب و الفرائض، و مشاركا في اللغة، و غيرها، متصديا للإشغال(5)، انتفع به الطلبة من جميع المذاهب الأربعة، و كان


1) نقله السخاوي بنصه في التحفة اللطيفة.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 494، المغانم المطابة 3/ 1197.

3) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 7، المغانم المطابة 3/ 1231.

4) لدى المجد في المغانم المطابة:( القروي): بفتح القاف و الراء، قال جماعة منهم ياقوت الحموي: ينسب إلى قيروان، مدينة عظيمة بإفريقية، قرويّ).

5) في الأصل و المطبوع( للاشتغال) و المثبت لدى السخاوي و هو ينقل عن ابن فرحون. و الاشتغال: الدراسة في فن من الفنون، و الإشغال: التدريس في فن من الفنون.

ساكنا برباط دكالة في حجرة الصالحين، و كان أفضل جماعتنا في الدرس بعد وفاة أخي- رحمه اللّه- و كان حسن الأخلاق مرغبا للطلبة في الاشتغال مع الهيبة، العظيمة عليهم، توفّي- رحمه اللّه- في سنة تسع و أربعين أو في سنة خمسين و سبعمائة(1).

و أما الشيخ عبد السلام فعاش بعده مدة طويلة، و انتفع به الطلبة المالكية في المذهب، و كان قد جمع إلى العلم الغزير الدين المتين، و العقل الراجح، كان في عقله و سكونه، و حسن خلقه، و جميل معاشرته، و سلامة الناس من يده، و لسانه بالصبر على الأذى، و مقابلة السيئة بالحسنة، كقول ابن دريد:

و الناس ألف منهم كواحدو واحد كألف إن أمر عنا(2)

و كان قد رأس و اشتهر ذكره، فلم يزده ذلك إلا خمولا و انقباضا، لم أر و لم أسمع منه ما يسوءني قطّ، مع الصحبة الطويلة، و الملازمة العظيمة في الدرس و غيرها، و كان يتأدب معي في الدرس كأصغر الطلبة، يقع بيني و بينه في الدرس خروجا من حسن خلقه، و كان شيخا مليح الشكالة، حسن السمت حييّا، وقورا شفوقا.

و كان قد صحب:

[153- الشيخ أبا هادي شيخ وقته و فريد دهره]

(153- الشيخ أبا(3)هادي شيخ وقته و فريد دهره)

، مناقبه أشهر من أن


1) أورده السخاوي بنصه في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف.

3) تحرف في المطبوع إلى( أبو) و صوابه من الأصل.

تذكر، و محاسنه لا تعد، و لا تحصر- رحمة اللّه عليه.

و كان الشيخ عبد السلام عنده مقدّما على أصحابه القراء، و المشتغلين بالعلم، و كان الشيخ أبو الطيب يقول في حقه: من أراد أن ينظر إلى من يقدر على مساكنة الحية في جحرها و يسلم منها، و تسلم منه، فلينظر إلى الشيخ عبد السلام بن غلاب- رحمة اللّه عليهما.

و كان الشيخ أبو هادي قد جاور عندنا في حدود خمس و عشرين و سبعمائة، فأنزلته عندي، و كنت أواليه، و أخدمه، و كان منفردا عن التلامذة و الأتباع، و كان أكثر عبادته التفكر، و كان مسكني يشرف على مسكنه، فكان يعبد اللّه بالفكرة فغالب ما كنت أراه رافعا بصره إلى السماء مستغرقا بجميع حواسه في الفكرة، و حصل لي بصحبته خير كثير.

و لما قدم الشيخ عبد السلام إلى المدينة أقام بالمدرسة الشهابية على قدم التجريد مدة سنين، ثم سعى اللّه له في الزواج على يد الشيخ الصالح خادم الفقراء الشريف أبي القاسم المهدوي فزوجه بابنة الشيخ يحيى التونسي المتقدم ذكره، و كانت أختها تحت الشريف، و كان الشريف خادم الفقراء عند الشيخ أبي هادي، و من هناك تأكدت الأخوة بينهما، و كان الشريف ذا همة و مروءة، و خدمة للفقراء، و محبة في الصالحين، توفّي في ذي الحجة من سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و وصى على أولاده الشيخ عبد السلام فخلفه فيهم بأحسن الخلافة، و كانت وفاة الشيخ عبد السلام في أوائل سنة ستّ و ستين و سبعمائة.

و كان من قدماء الطلبة الشيخ:

[قاسم السلاوي]

((1)قاسم السلاوي)

، كان من إخواننا الفضلاء العلماء الأكياس، و كان يحضر الدرس عند والدي- رحمه اللّه- و كان من النجباء المتفننين ماهرا في علم الفرائض، نقّالا للفروع، و كان من الزعماء الذين تركوا شهامتهم، و قوة بطشهم في بلادهم، و هاجر إلى اللّه و رسوله، و كان فقيرا ضيّق الحال(2).

و كان مقدّما في العلم و التعليم معلّمنا الشيخ:

[محمد السبتي.]

((3)محمد السبتي.)

كان بلا شك من المحدثين، و كان من قدماء المجاورين، و له على أولاد المجاورين- بل و أهل المدينة- يد طولى، و منة عظيمة في تعليمهم القرآن، إن قلت: إنه لم ينجب أحد من الأولاد في زمانه على يد غيره من المعلمين فلست من الكذّابين، و كان في كتّابه فوق مائة متعلم بين صبي يفاع، و صغير، و يراع، و قد رتّب كتّابه فجعل العرفاء فوق من دونهم، و قدّم على كل طائفة واحدا منهم، و انتظم له سلك التعليم أكثره بالتخويف و التهديد، و كانت له فراسة عظيمة في الولدان حتى إنه ليقول للواحد منهم: أنت كنت في مكان كذا و فعلت كذا و كذا، فيكون ذلك حقّا، و كان يهاب في غيبته أكثر من حضوره.

و مما جرى لنا يوما معه أن الطواشي شفيع الكرموني جاء إليه يوما فقال له: إنّ عمّار الحرم قد فقدوا مربّعة خشب مدهونة يكون قدرها ذراعا في ذارع، و ما نظن أخذها إلا بعض الأولاد، فقال: اذهب فستأتيك- إن شاء اللّه- ثم


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 407.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 606.

قال لنا: اقرءوا، و ارفعوا أصواتكم؛ ففعلنا، ثم قال لنا: اسكتوا؛ فسكتنا، فقال: قم يا حسين فأت بالمربّعة، فقال: ما أخذتها و جعل يبكي، فقال له: اقرأ على حالك، ثم دعا بعض الأولاد، و قال له: امض إلى بيته، و قل لأهله:

حسين يقول لكم: ابعثوا في المربّعة التي أتيتكم بها البارحة، فما كان إلا قليلا إذ جاء بها، و هو ينظر فبهت! فضربه، ثم أمر بجميع الصبيان فضربوه، و كانت فراسته قلّ أن تخطئ(1).

و كان يقول للصبيان: أنت تكون ظالما، و أنت تكون فقيها، فما يتعدّى أحد منهم- فيما علمت- ما توسم فيه، و كان يعزم على الجانّ و يستحضرهم، و كان حجابه مشهورا بالنفع، يأخذ ورقة على طول المصروع فيكتبها له، و يعلّقها عليه فيبرأ من حينه، و لم يزل كذلك حتى أفلجوا بنته، و كانت تزحف، ثم انطلق نصفها الأيمن، و بقيت كذلك حتى توفّيت، و لم يرجع عن حاله معهم حتى أفلجوه هو أيضا(2).

أصبح ذات يوم قد صرع في وسط داره، و قد بطل كله، فرأيته بعد العزة و القوة يمشي في الأسواق يزحف، و قد نفر عنه من كان يعرفه، و صار من الحاجة، و القلة بحيث إنه يسأل و يطلب فلا ينظر إليه ابتلاء من اللّه تعالى، نسأل اللّه العافية، و بقي على ذلك سنين متعللا حتى توفّي- رحمه اللّه- و ولد ولده مهدي اليوم مقيم بالسوارقية توفّي في حدود عشرين و سبعمائة(3).

و كان ممن صحبته في اللّه تعالى:


1) التحفة اللطيفة 3/ 617.

2) التحفة اللطيفة 3/ 617.

3) التحفة اللطيفة 3/ 617.

[الشيخ عثمان التكروري]

((1)الشيخ عثمان التكروري)

[و الشيخ إلياس]

((2)و الشيخ إلياس)

[و الشيخ صالح بن عمر الحاجان.]

((3)و الشيخ صالح بن عمر الحاجاني(4).)

[و الشيخ محمد التلمساني.]

((5)و الشيخ محمد التلمساني.)

[160- و الشيخ إبراهيم المكناسي.]

[و الشيخ أبو محمد البسكري.]

((6)و الشيخ أبو محمد البسكري.)

و الأخوان الصالحان.

[علي.]

((7)علي.)

[163- و محمد السلاويان.]

فأما الشيخ عثمان فكان من الأخيار الصالحين المشتغلين بالعلم، خرج من المدينة في أثناء السنة يريد القدس الشريف هو و جماعة معه؛ فهلكوا بالعطش في الطريق، و مات من غير عقب- رحمه اللّه(8).

و أما الشيخ إلياس فكان من الأخيار المعدودين، كان في سلامة القلب،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 173.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 338.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 233.

4) ترجمته في التحفة اللطيفة 2/ 233.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 233.

6) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 368.

7) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 274.

8) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

و حسن السيرة، و التفرد عن الخلق على قدر عظيم، قرأ على الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و كان من أكابر أصحابه، و ممن انتفع به، و كان موته فجأة؛ و ذلك أنه خرج يوما إلى البقيع فزار أهله، و سلّم عليهم، ثم رجع فما بات إلا معهم- رحمه اللّه تعالى(1).

و أما الشيخ صالح فكان من إخواننا و أصحابنا القدماء، و كان ممن توسّط حاله بين التصرف في أمور الدنيا و الآخرة، و كان سعيه في معيشته بتعفف و ديانة، و كان من أحسن الناس خلقا، و أرعاهم صحبة، كثير التلاوة لكتاب اللّه تعالى(2). توفّي عن عقب صالحين(3)مباركين مشتغلين بالعلم، فأما أكبرهم فحبّب إليه التغرّب فاستقر بالقاهرة، و مات:

[عبد الرحمن. غريبا شهيدا.]

((4)عبد الرحمن. غريبا شهيدا.)

و كان قد حصّل، و اشتغل، و سمع كثيرا- تغمده اللّه برحمته(5).

[و أقام بالمدينة سراج الدين عمر]

((6)و أقام بالمدينة سراج الدين عمر)

، فاشتغل بالفقه، و الحديث، و قرأ القراءات السّبع على الشيخ محمد بن صالح المتقدم ذكره، و انتفع به، و لزم الخير و أهله(7)، و كانت وفاة، والدهم في طريق مكة المشرفة محرما بالحج،


1) أورده السخاوي بنصه 1/ 338 نقلا عن ابن فرحون.

2) أورده السخاوي بنصه 2/ 233 نقلا عن ابن فرحون.

3) في المطبوع( صالح) و المثبت من قراءة النص ولدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف( توفي عن عقب صالحين منهم عبد الرحمن، و عمر).

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 497.

5) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

6) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 336.

7) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

بالمفازة التي بين بدر و رابغ، و ذلك في سنة أربع و أربعين و سبعمائة.

و أما الشيخ محمد التلمساني، فكان من أهل الخير، و الصلاح، مكبّا على الاشتغال بالفقه، و كان خصيصا بالشيخ العلامة أبي العباس الشاذلي- رحمه اللّه- و كان محبّا للعلماء و خدمتهم، طالبا للسلامة و العزلة، قليل السعي في طلب الدنيا، و كان يشتغل بتجليد الكتب، و انتفع الناس به في ذلك، و خلّف ولدا مباركا نجيبا مشتغلا بالعلم حصل، و انتفع، و قام ببر والده بعد وفاته؛ فخلص ذمته من أشياء كانت عليه، و لم يوص بها، فأداها مع عجزه و ضعفه- نفعه اللّه بنيته، و أعانه على فعل الخير، و توفّي- رحمه اللّه- في سنة أربع و خمسين و سبعمائة.

و أما الشيخ إبراهيم المكناسي فكان والده من أصحاب الشيخ أبي محمد البسكري- رحمه اللّه- و قد تقدم ذكر ذلك، و كان إبراهيم على طريقة حسنة، و ديانة، و عزلة، و كان حافظا لكتاب اللّه صيّتا، حسن الصوت و الأداء، و كان من القراء في سبع ابن السلعوس، و من أحسنهم مراسلة و موافقة للجماعة(1).

و خلف أولادا قراء نجباء مشتغلين بالعلم، عاشوا بين الناس بعفتهم، و عقلهم، و صيانتهم، و أعلاهم في ذلك منزلة.


1) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

[الفقيه: عبد اللّه:]

((1)الفقيه: عبد اللّه:)

له ورع، و ديانة، و اشتغال بالعلم(2)توفّي والدهم- رحمه اللّه- في سنة سبع و أربعين و سبعمائة.

و أما الشيخ أبو محمد عبد اللّه البسكري فكان من المشايخ الصلحاء الأخيار. مكبّا على الاشتغال بالعلم و العمل، كثير العبادة، و العزلة، و كان من أعيان جماعتنا في الدرس، و كان هو قارئ الدولة في التهذيب، و اشتغل و حصل، و كتب بخطه كثيرا، و خلف ولدا مباركا.

و أما الشيخ الصالح أبو الحسن علي، و أخوه أبو عبد اللّه محمد السلاويّان فكانا على قدم عظيم في العفة و الديانة و الانقطاع عن الناس، و كان الشيخ علي مشتغلا بالعلم، و له محفوظات في فنون من العلم(3)، و كان أخوه محمد كثير الديانة و الصلاح، و كان يشتغل بالخياطة، و يتقنع بما يفتح اللّه تعالى عليه فيها، و كانا على قدم الشيوخ الذي ذكرناهم أولا، و لهما عقب صالح نشأوا في عبادة اللّه تعالى، و الاشتغال بالعلم، و التبهدل في الطريقة، و العفة، و حسن السريرة، و الانقطاع عن الناس وفقهم اللّه تعالى و أعانهم.

و كان من إخواننا و أصهارنا:

[الشيخ شهاب الدين أحمد بن بالغ المصري.]

((4)الشيخ شهاب الدين أحمد بن بالغ المصري.)


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 290.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) التحفة اللطيفة 3/ 274.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 171، المغانم المطابة 3/ 1163.

كان من أكرم الناس، و أحسنهم خلقا، و أبذلهم لما في يده، و أحبهم في الاجتماع بالأصحاب و لو غرم عليهم المئين من المال، و كان يسعى في دنياه بتعفف(1)و دين و رضى بما قدّر و قسم، و كان يخدم الشريفة زينب زوجة الأمير منصور، فيذهب في وسط السّنة إلى العراق؛ ليقبض حوالة كانت لها، و يتسبب لنفسه، و ينتفع بما يفتح اللّه تعالى عليه، و يجلس مجاورا في سكون لا يتكلم إلا بخير، و لا يسعى إلا في خير، حتى يقلّ ما في يده فيسافر و يسلمه اللّه تعالى(2).

و لقد مررت عليه يوما في الموسم و هو جالس في وسط الحرم، و هو ينظر في الناس؛ فقلت له: مثلك يجلس في هذا الوقت و لا يسعى في مصالحه، و الموسم تغتنم أيامه، فقال: و اللّه ما لي فيه حاجة، و لا معي ما أتعب نفسي فيه، اجلس حتى نتفرج على سعي الناس فيما لا يفيدهم!

قلت له: و ما ذاك؟ قال: انظر إلى بعض الناس يدخل من هذا الباب بجد و اجتهاد حتى أقول: هو في جهد عظيم، فإذا وصل إلى الباب الآخر رجع على عقبيه، ثم يذهب إلى الباب الآخر ثم يرجع، قال: فقلت له: ما خبرك؟ فقال:

ما لي هناك شي‌ء أطلبه، غير أن نفسي لا تدعني أستقر(3).

و قلت له يوما: يا شهاب الدين، لم لا تشتري لأولادك دارا و نخلا، يكون لهم سترا من بعدك؟ و كانت تحته خالتي الشريفة مباركة بنت الشيخ عبد الواحد الشريف الحسيني، فقال لي: تكون تعلم أني أتحقق أن زوجتي تتزوج


1) في المطبوع( بتعفيف) و المثبت من الأصل.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون

3) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

من بعدي، و أن ابنتي تتزوج، و أما ولدي فله اللّه تعالى إن كان شقيّا فلا ينفعه ما أتركه، و إن كان سعيدا فلا يضره أن لا أترك له شيئا(1).

ثم اشترى لهم دارا و نخلا، فكان الأمر من بعده كما قال سواء، تزوجت المرأة، ثم تزوجت البنت بأخي علي فسعدت معه و ولدت منه أولاده النجباء.

و أما، ولده:

[شمس الدين محمد.]

((2)شمس الدين محمد.)

فلم ينتفع بما تركه له، بل اتفق جميعهم على بيعه، و سافر ولده إلى البلاد، و فتح اللّه عليه و تزوّج و ولد (له‌الأولاد، و عاش بغير ما تركه له والده، و كان من أعقل الناس، و أحسنهم خلقا و خلقا، و أجملهم صحبة، و كان قارئا حسن الصوت(3).

و كان الشيخ شهاب الدين من الشيوخ العارفين الذين في كلامهم عظة المتعظين، و توفّي شهاب الدين في سنة تسعة عشر و سبعمائة، و توفّي ولده محمد في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة- رحمهما اللّه تعالى.

و كان من إخواننا:


1) التحفة اللطيفة 1/ 172.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 465.

3) التحفة 3/ 465 و ما بين الحاصرتين منه.

[شمس الدين محمد بن عبد العزيز الجبرتي.]

((1)شمس الدين محمد بن عبد العزيز الجبرتي.)

تقدم ذكر والده في صدر الكتاب، و كان شمس الدين على برّ، و صدقة، و إحسان إلى الناس، و إيثار للفقراء، و كان من رؤساء المدينة و أجاويدها، ذا همة عالية، و مروءة سنيّة، و كان ممن يرجع إليه في الرأي(2).

صحب بعد والده أمراء مصر و أخصهم به نائب السلطنة؛ فأحسنوا إليه و والوه لما وجدوا فيه من الديانة، و الخدمة، و حفظ المودة، و كان يقضي حوائج الناس بما في يده و بما هو عند غيره، و يسعى في تحصيله و لو يرهن من حلي عياله؛ كراهة أن يرجع سائله خائبا(3).

و كان مشهورا بالذكر الجميل، و ولي شهادة الحرم الشريف، و النظر على جميع ما يأتيه من الحواصل، و ما ينشأ فيه من العمارات، و النظر على الميضات(4)التي على باب السلام التي أنشأها السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي في سنة ستّ و ثمانين و ستمائة(5).

و كان إليه المرجع في جميع الآراء الصادرة عن شيوخ الحرم الشريف، و ملك الأملاك الحفيلة من النخيل و الدور، قلّ من نال من أولاد المجاورين


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 648.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

4) في المطبوع:( الميضأة) و المثبت من قراءة النص، و مثله لدى السخاوي في التحفة 3/ 648 و هو ينقل عن ابن فرحون.

5) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

مثله(1)، و خلف أولادا نجباء، أعقلهم و أرأسهم ولده الكبير سمّي باسم جده:

[عبد العزيز.]

((2)عبد العزيز.)

و باشر وظائف والده، و قام مقامه في الحفاظة، و النباهة، و الكياسة، و المروءة، و سياسة الناس، و لين الجانب(3).

توفّي شمس الدين- رحمه اللّه- في سنة خمس و ستين و سبعمائة.

و كان من قدماء المجاورين، و ذوي العقل، و الرأي منهم:

[الشيخ أحمد السقا]

((4)الشيخ أحمد السقا)

. كان أول دخوله المدينة يتسبب بسقي الماء من العين، ثم أغناه اللّه عن ذلك فعاش بعقله بين الناس، و رأس حتى كان وزيرا للأشراف(5)و كان أمينا حافظا، و كان متواضعا لا يستنكف عن عمل يعود نفعه على نفسه و عياله، و ربما خرج إلى البر فيأتي على دابة بما يحتاج إليه من حشيش و حطب و غير ذلك(6).


1) التحفة اللطيفة نقلا عن المؤلف.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 39.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته، التحفة اللطيفة 1/ 160.

5) تحرّف في المطبوع إلى( وزير الأشراف) و صوابه من قراءة النص، و مثله لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن ابن فرحون.

6) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

خلف ذرية صالحة: ذكورا(1)و إناثا.

فمن أولاده:

[علم الدين سليمان رأس بين إخوانه]

((2)علم الدين سليمان رأس بين إخوانه)

، قارئا خدوما للإخوان، تولى نظارة الربط و الأوقاف من النخيل و غيرها، فلم ير أحسن منه قياما بها من العفة و النصح، و عمّر ربطا كثيرة كانت قد أشرفت على الخراب، و قلّ أن يشبهه أحد من أبناء جنسه في حسن طريقته، أعانه اللّه تعالى(3).

و كان من أولاد المدينة من نسل المجاورين المشاكير جماعة كثرة فضلاء، أصلهم من مكة ينتسبون إلى قريش، و كان جدهم اسمه مشكور، أدركت ولده عبيدا(4)مؤذنا بالحرم الشريف، و كان اسمه:

[عبد الرحمن.]

((5)عبد الرحمن.)

و كان له إخوة أحدهم:

[حسن بن مشكور.]

((6)حسن بن مشكور.)


1) التحفة 1/ 191.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 175.

3) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

4) تحرّف في المطبوع إلى:( عبيد) و صوابه من قراءة النص.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 542.

6) من مصادر ترجمته: التحفة 1/ 499.

و الآخر:

[أحمد بن مشكور.]

((1)أحمد بن مشكور.)

[و علي بن مشكور.]

((2)و علي بن مشكور.)

فأما عبد الرحمن فخلف:

[محمدا.]

((3)محمدا.)

[و عليّا.]

((4)و عليّا.)

و مشكورا.

و أما نور الدين علي فحاز من المناصب أجلّها، و كان من فضلاء الشافعية، و ولي شهادة الحرم الشريف، و وزارة أمير المدينة، و كان كاتبا نحريرا فقيها فطنا فهما، تبتّل آخر عمره، و أقبل على العبادة، و الورع حتى لقي اللّه تعالى، و خلّف أولادا مباركين مشتغلين بالعلم، أوسطهم المسمى باسم جده عبد الرحمن- وفّقهم اللّه تعالى(5).

و أما محمد فقرأ، وجوّد، و رأس، و أعقب ولدا نجيبا مشتغلا بالعلم،


1) من مصادر ترجمته التحفة 1/ 269.

2) من مصادر ترجمته ترجمته التحفة 3/ 262.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 641.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 240.

5) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون.

مخالطا للرؤساء، ذا عقل، و ديانة، و حسن مدارة للخلق، و كان غالب المشاكير يتسببون بالعطارة.

توفّي عبيد بن مشكور في سنة سبعمائة، و ولده محمد في حدود تسع و عشرين و سبعمائة، و ولده علي في سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و أخوه مشكور في سنة ثلاث و خمسين، و عمهم حسن في سنة ثلاث و أربعين، و خلف ولدا ارتحل إلى بعض قرى الشام و رأس فيها.

و أما عليّ بن مشكور فخلف ولده يوسف، و انتقلت ذريته إلى وادي الصفراء، و هم اليوم بها.

و كان من أولاد المدينة، و مشاهير بيوتهم الشكيليون، أصلهم أيضا من مكة جدّهم:

[179- مسعود النجّار]

أسنّ حتى اختلط، و كان قد تأثل(1)مالا من نخيل و دور، و كان زرّاعا مبختا في التجارة و له ذرية صالحة من الأولاد، و أولاد الأولاد و كلّهم قراء، أنجب أولاده الفقيه:

[حسن.]

((2)حسن.)

خلف أولادا، و أولاد أولاده كلّهم قراء، و كان قد اشتغل بالفقه و النحو، و شارك في غير ذلك.


1) تأثل: اكتسب.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 499.

و كان ولده:

[محمد بن حسن.]

((1)محمد بن حسن.)

مشتغلا بالعلم مؤذنا بالحرم الشريف توفّي سنة خمسين و سبعمائة.

[و بقي اليوم ولده أحمد و هو من جملة المؤذنين أيضا]

((2)و بقي اليوم ولده أحمد و هو من جملة المؤذنين أيضا)

، و يتلو حسنا في الفضيلة، و يزيد عليه في أشياء أخوه.

[عبد اللّه، رأس في زمانه، و كان صهر القاضي سراج الدين.]

((3)عبد اللّه، رأس في زمانه، و كان صهر القاضي سراج الدين.)

و كان أسن أولاده محمد بن مسعود.

ولد له:

[حميدان.]

((4)حميدان.)

[و حسين.]

فأما حميدان فكان قارئا رئيسا، و ولي الحسبة في أيام وديّ في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و كان له هيبة، و همة، و حسن سياسة، و كثر ماله، و عمر المغسلة من ماله، و لم يطل عمره، توفّي سنة خمس و أربعين و سبعمائة(5).


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 599.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 269

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 416.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 534.

5) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

و أما حسين فكان قارئا مجوّدا حسن الصوت، لم يسمع أصوت منه، و لا أحسن قراءة، و غالب الشّكيليّين كانوا قرّاء في سبع ابن السلعوس، و كانوا يتسببون بالعطارة(1).

و كان من أولاد مسعود:

[الفقيه عليان.]

((2)الفقيه عليان.)

مشتغلا بمذهب أبي حنيفة، و كان رجلا ديّنا، منعزلا عن الناس، متسببا في العطارة و غيرها، على طريقة حسنة(3).

و من إخوته:

[187- مبارك بن مسعود]

، كان زرّاعا على طريقة جده، و لكل منهم عقب صالح مشتغلون بأنفسهم، و سد خلتهم، متقنعون في دنياهم- رحم اللّه من خلفهم.

و كان بالمدينة من أهل الخير و الصلاح جماعة من البكريين ينسبون إلى سيدنا أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه(4). كانوا أمنة للخدام و المجاورين، لهم حكايات حسنة، و مناقب كثيرة، و كانوا يسمون بالخلفان، أبادهم الدهر و لم


1) نقله السخاوي بنصه في التحفة 1/ 515 نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 211.

3) نقله السخاوي بنصه في التحفة 3/ 211 نقلا عن ابن فرحون.

4) في المطبوع:( .. من البكريّين إلى سيدنا أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- ينتسبون) و المثبت من الأصل.

يبق منهم اليوم في المدينة بشر، و ارتحل بعضهم إلى مصر فأقاموا بها و تناسلوا فيها، و كان بالمدينة منهم شخص يقال له:

[جمال.]

((1)جمال.)

كانت له صورة جميلة، و أفعال جليلة، و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري إذا رآه يقول: ينبغي أن يتزوج هذا زوجتين، و ثلاث، و يعان على ذلك حتى يكون له بالمدينة ذرية بكرية، توفّي- رحمه اللّه- و خلف بنتا فتزوجت ثم توفّيت- رحمهم اللّه أجمعين(2).

و كان بالمدينة جماعة من العمريّين: ينتسبون إلى سيدنا عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- كانوا جماعة كثيرة لهم شوكة، و حرمة، و كلمة نافذة، و كانوا أهل حشمة، و خيل، و عبيد، و أتباع، و لهم بالمدينة أملاك عظيمة، و كانوا أهل نصرة لأهل السّنّة مختلطين بالمجاورين و الخدام، و كانوا حسنة زمانهم، و زينة وقتهم، و كان جمال الدين المطري بهم خصيصا(3)و كان شيخهم:

[على بن مطرف.]

((4)على بن مطرف.)

قتل شهيدا مخنوقا في المدينة المشرفة، و له قصة يطول شرحها، و ذلك في


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 429.

2) نقله السخاوي بنصه في التحفة 1/ 429 عن ابن فرحون.

3) نقله السخاوي بنصه في التحفة 3/ 262 عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 262.

سنة ثمان و عشرين و سبعمائة(1).

و كان لنا منهم الأخ الصالح المقرئ الفقيه الحنفي:

[عز الدين حسن بن يعلى العمري رحمه اللّه.]

((2)عز الدين حسن بن يعلى العمري رحمه اللّه.)

كان في الحقيقة حسنة زمانه منهم، منعطفا على قراءة القرآن، و على صحبة الإخوان، و النصيحة لهم، و القيام بواجب الشرع، و البغض على أهل الشر و البدع- رحمه اللّه تعالى و غفر له- خلف ذرية صالحة كلّهم قرأ القرآن، و جوّده، و اشتغل بالعلم، و تبتّل له، توفّي- رحمه اللّه- في سنة ستّ و سبعمائة(3).

و كان في المدينة جماعة من ذرية الأنصار لهم حارة يسكنونها وحدهم منهم(4):

[عبد اللّه الحاذي]

((5)عبد اللّه الحاذي)

، كانت جدتي لأمي منهم، و كان الحذاة اسم علم عليهم، و إذا قيل: فلان من الحذاة علم أنه من ذرية الأنصار، و كانت تحكي عن أيامها و أهلها غرائب من سلامة الباطن و السذاجة، و التعفف الذي لم يسمع مثله عن أجدادهم- رضي اللّه عنهم- و كانت قد أسنّت، و عمّرت ممتّعة


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 498.

3) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

4) نقله السخاوي بنصه في التحفة 2/ 440.

5) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 440.

بسمعها، و بصرها حتى جاوزت المائة- أو قريبا منها- و اللّه أعلم.

أخبرتني عن أخ لها أنه دخل بيته بالمدينة فوجد حية منطوية على بيت الطهارة، فضربها و قتلها فلم يخرج من موضعه حتى سقط سقف البيت عليه فمات، و هذه القضية تشبه قضية الأنصاري التي جرت يوم الخندق في زمن النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و كانت قد أدركت النار التي خرجت شرقي المدينة، و كانت تحكي لنا عنها عجائب، و كانت تحدثنا أيضا عن حريق الحرم الشريف، توفّيت- رحمها اللّه- في سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة.

فأما ظهور النار فكان آية عظيمة، فيها تصديق لما في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‌ء لها أعناق الإبل ببصرى».

و قد شرح كثير من الناس أمرها، و أرّخوا خبرها، و بعضهم يزيد على بعض في وصفها، و سأذكر خلاصة ما قيل في ذلك معتمدا على ما نقله الشيخ الإمام العلامة الحافظ المؤرخ ذو التصانيف المفيدة شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن إسماعيل- الشهير بأبي شامة- الدمشقي الشافعي- رحمة اللّه عليه- في كتابه (مذيل الروضتين في أخبار الدولتين) نقله من رسائل وصلت إلى دمشق من المدينة.

فمن ذلك كتاب القاضي:

[شمس الدين سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة يومئذ، كتبه إلى بعض أصحابه.]

((1)شمس الدين سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة يومئذ، كتبه إلى بعض أصحابه.)

قال: لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة أحد شهور سنة أربع و خمسين و ستمائة حدث في المدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، و باتت باقي تلك الليلة تزلزل، ثم استمرت تزلزل كلّ يوم و ليلة مقدار عشر مرات، و ذكر بعضهم في كتابه أربع عشرة مرة، قال: و اللّه لقد زلزلت مرة، و نحن حول الحجرة الشريفة، اضطرب لها المنبر حتى إنا سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه(2).

قلت: و كان المنبر على غير هذا الصفة اليوم، و اضطربت قناديل الحرم الشريف.

و زاد القاشاني: ثم في اليوم الثالث- و هو يوم الجمعة- زلزلت الأرض زلزلة عظيمة إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، و سمع لسقف المسجد صرير عظيم، ثم بعد ذلك انقطعت الزلازل، و انبجست من الأرض نار عظيمة، كان ابتداؤها مثل مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ثم تزايدت حتى صارت مثل المدينة العظيمة، و ما ظهرت لأهل المدينة إلا ليلة السبت فأشفقوا منها إشفاقا عظيما(3).


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 195.

2) الذيل على الروضتين 191.

3) الذيل على الروضتين 191، وفاء الوفا 1/ 276.

قال القاضي سنان: و طلعت إلى الأمير، و كان عزّ الدين منيف بن شيحة، و قلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى اللّه تعالى، فأعتق كل مماليكه، وردّ على الناس مظالمهم(1).

زاد القاشاني: و أبطل المكس.

قال سنان: ثم قلت للأمير: انزل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم؛ فهبط، و بتنا في المسجد ليلة الجمعة و ليلة السبت، و معنا جميع أهل المدينة، حتى النساء، و الصغار، و لم يبق أحد في النخيل، حتى جاء إلى الحرم الشريف، و بات الناس يتضرعون، و يبكون، و يصلون، و أحاطوا بالحجرة الشريفة، كاشفين رءوسهم، و أقروا بذنوبهم، و ابتهلوا إلى اللّه- عزّ و جل- و استجاروا بنبيه صلى اللّه عليه و سلم، و أخلصوا إلى اللّه تعالى، و تاب كل من في المدينة(2).

ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في السماء أكثر من علو ثلاث منائر، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يصير كالسّحاب الأبيض، و بقيت السماء كالعلقة، و الناس في مثل ضوء القمر و ألسنة النار حمر طالعة تظهر في الليل مثل المشاعل، و أيقن الناس بالهلاك، و بقيت على حالها تلتهب التهابا عظيما، و هي كالجبل العظيم، و كالمدينة عرضا، يخرج من وسطها مهود و جبال نيران تصعد في السماء ثم تهوي فيها، ثم تخرج كذلك ثم تعود، و حسه كالرعد، و بقيت كذلك أياما ثم سالت سيلا نارا في وادي أحيليين- موضع شرقي المدينة بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية


1) الذيل على الروضتين 191.

2) الذيل على الروضتين 191.

مسيرة من الصبح إلى الظهر- و تزايد ذلك السيل من النار، و سد الطريق ثم طلع إلى الحرة، و هو بحر نار يجري، و فوقه حرة تسير إلى أن قطعت وادي الشظاة، و سدت طريق الماء، و الحجارة مع النار تتحرك و تسير، و هي تأكل الحجارة و تذيبها، ثم صار يخرج من النار حجارة ترمي بها خلفها و أمامها حتى بنت لها جبلين خلفها و أمامها، و لذلك انسدّ طريق الماء، و لها صوت عظيم من آخر الليل إلى ضحوة النهار، ثم انحدر ذلك السيل مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد، و كادت تقارب حرة العريض، و خاف الناس منها خوفا عظيما، و وجلت القلوب، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة، و طفيت مما يلي العريض بقدرة اللّه تعالى(1)و رجعت تسير في الشرق، و استمر عظمها و زيادتها في تلك الحرة، و هي ترمي بشرر كالقصر، و تأكل الأرض و الحجارة.

و ذكر جمال الدين المطري أن عزّ الدين سنجر أخبره أن الأمير منيف بن شيحة بعثه يكشف خبرها، فقرب منها فلم يجد لها حرّا و لا ألما، و رآها تأكل الحجر دون الشجر.

و ذكر أنه وضع فيها سهما فوقع فيها النصل، و لم يتغير العود، و أنه أدار السهم فاحترق الريش فقط، و قدّر طول ذلك الوادي من النار بأربعة فراسخ، و عرضه أربعة أميال، و عمقه قامة و نصف قامة، و هو يجري على وجه الأرض، و تخرج منها مهاد و جبال صغار فتسير على الأرض، و هو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد صار أسود، و قبل الجمود لونه أحمر،


1) الذيل على الروضتين 192.

و أما أمّ النّار الكبيرة؛ فهي جبال نيران حمر، و الأمّ الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، و كان ضوؤها يرى بمكة المشرفة، و الشمس و القمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسفين.

قال العلامة أبو شامة: و ظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، و كنا حيارى من سبب ذلك!! إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار، و كلّ من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: و لا أقدر أشرح وصفها على الكمال(1)!!

و قال سنان في آخر كتابه: و ما أقدر أصف عظمها و ما فيها من الأهوال!!

قال القاشاني: و كتبت هذا الكتاب و لها شهر في مكانها لا تتقدم و لا تتأخر، و ذكر جمال الدين المطري أنها بقيت ثلاثة أشهر.

و مما قيل في هذه النار(2).

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنالقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لهاحملا و نحن بها حقّا أحقاء

زلازل تخشغ الصمّ الصلاب لهاو كيف يقوى على الزلزال شماء؟

أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت‌عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجري فوقه سفن‌من الهضاب لها في الأرض إرساء

كأنما فوقه الأجبال طافيةموج علاه لفرط الهيج غثاء

ترمي لها شررا كالقصر طائشةكأنها ديمة تنصبّ هطلاء


1) الذيل على الروضتين 192.

2) الذيل على الروضتين 193.

منها تكاثف في الجوّ الدّخان إلى‌أن عادت الشمس منه و هي دهماء

قد أثرت سفعة في البدر لفحتهافالتمّ من بعد ذاك النور ليلاء

فيا لها آية من معجزات رسول اللّه يعقلها القوم الألباء!!

و في هذه السنة أصاب بغداد غرق عظيم، حتى دخل الماء من أسوار بغداد إلى البلد، و غرق كثير من البلد، و دخل الماء دار الخلافة، و انهدمت دار الوزير و ثلاثمائة و ثمانون دارا، و تلف من خزانة السلاح شي‌ء كثير، و أشرف الناس على الهلاك، و عادت السفن تدخل إلى وسط البلد، و تخرق أزقة بغداد.

و في السنة الثانية أخذت التتار بغداد، و انقطعت الخلافة عن بغداد، و في ذلك يقول العلامة أبو شامة(1).

بعد ستّ من المئين و خمسين‌لدى أربع جرى في العام

نار أرض الحجاز مع حرق‌المسجد مع تغريق دار السلام

ثم أخذ التتار بغداد في‌أول عام من بعد ذاك بعام

لم يعن أهلها، و للكفر أعوان‌عليهم يا ضيعة الإسلام

و انقضت دولة الخلافة منهاصار مستعصم بغير اعتصام

و أما حريق المسجد الشريف فكان من أول ليلة من شهر رمضان من هذه السنة المذكورة، و كانت ليلة الجمعة، و كان ابتداء حريقه من الزاوية الغربية من الشمال، و ذلك أن بعض الفراشين دخل إلى خزانة ثمّ و معه نار فعلقت في آلات ثمّ و أعجزه طفيها(2).


1) الذيل على الروضتين 194.

2) الذيل على الروضتين 194.

و نقل جمال الدين المطري أنه احترق فيها(1)، ثم اتصلت النار في السقف بسرعة و دبت في السقوف آخذة قبلة، فأعجلت الناس على قطعها بعد أن نزل الأمير، و اجتمع معه غالب أهل المدينة، فلم يقدروا على قطعها، و ما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد جميعها، و وقع بعض أساطينه، و ذاب رصاصها، و احترق سقف الحجرة الشريفة- صلّى اللّه على ساكنها و سلّم- و وقع ما وقع منه في الحجرة، و على القبور الشريفة، و كان ذلك قبل أن ينام الناس، و أصبح الناس يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة.

و كتب بذلك إلى الخليفة المستعصم باللّه أبي أحمد عبد اللّه بن المستنصر باللّه أبي جعفر المنصور، فبعث الصنّاع و الآلات على الموسم، و ابتدئ في عمارته في أول سنة خمس و خمسين و ستمائة.

فلما شرعوا في العمارة لم يجترئوا على النزول إلى القبور الشريفة المقدسة ليكنسوا ما عليها، فكاتبوا الخليفة في ذلك فلم يرد في ذلك جوابا؛ لاشتغاله بالتتار، و استيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة، فأبقوا ذلك على حاله، و عمّروا سقف الحجرة و ما حولها إلى باب جبريل، و إلى القبلة و سقف الروضة الشريفة إلى المنبر.

ثم كانت وقعة التتار و دخولهم بغداد في شهر المحرم أول سنة ستّ و خمسين؛ فقتل الخليفة المذكور.

ثم وصلت الآلات من مصر فعمروا بها، و كان المتولي عليها الملك


1) يعني ذلك الخادم.

المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك الصالحي، و وصل أيضا من صاحب اليمن آلات و أخشاب، و هو الملك المظفر، و عمل منبرا و أرسله في سنة ستّ و خمسين، و لم يزل يخطب عليه إلى سنة ست و ستين و ستمائة، فأمر الملك الظاهر بإزالته فأرسل هذا المنبر الموجود الآن، و قد تقدم ذكره مع الشيخ أبي بكر النجّار الذي وضع هذا المنبر الشريف مع صناع معه.

و في سنة ثمان و خمسين و ستمائة تولى ملك مصر و الشام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، فكمل في أيامه المسجد الشريف على ما كان عليه قبل الحريق- رحمة اللّه عليه- و كان ابتداء العمارة في سنة ثلاث و ستين، ففرغ في أربع و ستين.

و أنشد الإمام العلامة أبو شامة(1)لبعضهم.

لم يحترق حرم النبيّ لحادث‌يخشى عليه و لا دهاه العار

لكنما أيدي الروافض لامست‌ذاك الجناب فطهرته النار

و سأذكر طرفا من وقعة التتار إذ تكرر ذكرها استطرادا، و تلخيص ما وقع أن وزير المستعصم مؤيد الدين محمد بن محمد بن العلقمي الرافضي كان بينه و بين أبي بكر بن المستعصم، و الدوادار(2)عداوة عظيمة؛ لأذيتهما لإخوانه الرافضة، و نهب محلتهم المسمّاة بالكرخ؛ فكاتب التتار، و حرّضهم على قصد


1) الذيل على الروضتين 194.

2) في المطبوع:( كان بينه و بين أبي بكر المستعصم والد بكر عداوة عظيمة)، و المثبت رواية الأصل، و انظر لذلك تاريخ الإسلام حوادث و وفيات 651- 660 ه) ص 34، و تاريخ ابن الوردي 2/ 279.

بغداد؛ لأجل ما جرى على الرافضة من النهب، و الخزي، فظن المخذول أن الأمر يتم له، و أنه يقيم خليفة علويا.

فأرسل أخوه إلى هولاكو، و سهّل عليه أخذ بغداد، و طلب أن يكون نائبا لهم عليها، فوعده بذلك، ثم ساروا و نزلوا على بغداد فأشار ابن العلقمي على المستعصم باللّه أني أخرج إليهم في تقرير الصلح؛ فخرج الخبيث و توثق لنفسه و رجع.

فقال للمستعصم: إن الملك هولاكو قد رغب أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر، و أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية ثم يرتحل عنك.

فأجابه الخليفة إلى ذلك، و خرج إليه الخليفة في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء و الوزراء و الرؤساء؛ ليحضروا العقد بزعمه؛ فخرجوا إليهم فضربت رقابهم، و صار يبعث إلى طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، ثم أمر هولاكو بالمستعصم، و ولده أبي بكر فرفسا حتى ماتا، ثم حينئذ دخل التتار بغداد، و بذلوا السيف، و استمر القتل و السبي نيفا و ثلاثين يوما فقلّ من نجا.

و يقال: إن هولاكو أمر بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف و ثمانية آلاف، و كسور، فعند ذلك نودي بالأمان.

ثم هلك ابن العلقمي في السنة المذكورة قبل شهر رجب، و خيب أمله، و انعكست عليه آراؤه، و أكل يده ندما، فإنه بعد تلك الرتبة الرفيعة، و وزارة العراق منفردا أربع عشرة سنة، ولي وزارة التتار مشاركا لغيره، و انحطت

رتبته حتى كان يركب إكديشا، و كان ذا حقد و غلّ على أهل السّنّة، و كان المستعصم آخر الخلفاء العراقيين، و كانت دولتهم خمسمائة سنة و أربعا و عشرين سنة، و كان هذا الخليفة حليما كريما سليم الباطن قليل الرأي حسن الديانة، لكنه كان لا يخرج عن رأي ابن العلقمي(1)، و بقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين.

هذه نبذة من وقعة التتار لا يسع هذا المختصر ذكر تفاصيلها، و قد خرجنا بذكر هذه الأشياء عن المقصود؛ لكن لفوائد تتشوق النفوس إليها، و تتم الفائدة بالوقوف عليها، لنرجع إلى ما نحن بصدده.

فأقول: و كان للحرم الشريف أبّهة عظيمة و منظر بهي كنت إذا دخلت المسجد الشريف وجدت الروضة المشرفة قد غصت بالمشايخ المعتبرين مثلي و مثل الشيخ أبي محمد البسكري، و الشيخ عبد الواحد الجزولي، و الشيخ عز الدين الزرندي، و الشيخ أبي بكر الشيرازي، و الشيخ أبي العباس بن الشريف أحمد الخراز، و الشيخ على الواسطي، و الشيخ أبي الربيع سليمان الغماري، و الشيخ أبي عبد اللّه(2)بن حريث، و الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و جمال الدين المطري، و عبد اللّه الحمداني، و جماعة الخدام الذين تقدم ذكرهم لك، و مثل هؤلاء السّادة كثير.

و كان في صحن المسجد الشريف صفوف عليها جلالة، و مهابة، و خفارة، يستحيي الإنسان يمر بين أيديهم، كان في وسط الحرم صفّ للقرشيين


1) في المطبوع:( عن رأي العلقمي).

2) في المطبوع:( و الشيخ عبد اللّه).

الجمالين، و الصيحانيين شيوخا حسانا بشيبات حسنة، و مبيضين ثيابهم يحيكون عمائمهم، عليهم هيبة، و سكون، و وقار.

منهم جمال القرشي جدهم الكبير، و حسين القرشي، و أحمد القرشي، و أولادهم، و أولاد أولادهم مثل يعقوب بن جمال، و يوسف بن جمال، و كان يجلس إليهم جماعة حالهم مثل حالهم.

و صف آخر دونهم للبصريين، و الجزريين وصف آخر للعمريين كان شيخهم نور الدين على بن مطرف يجلس عن يمينه، و شماله أكابر العمريين، و مشايخهم ذو أبهة، و هيبة و صور جميلة.

ثم صف آخر للمشايخ من الفقراء المتنسكين المجاورين في رباطاتهم، كشيوخ العجم على حدة، و شيوخ المغاربة على حدة.

ثم صف آخر للخدام المخبزين(1)على نسق من تقدم من هيئاتهم، و صفاتهم، كأن تلك الصفوف سرج من نورهم، و جلالتهم.

و كان في الرواق الشرقي جماعة من أعيان الفراشين، من أهل الخير، و الصلاح، و عظم المنزلة.


1) في المطبوع:( المحبرين).

منهم:

[الشيخ على (الحجار الفراش.]

((1)الشيخ على (الحجار(2)الفراش.)

كان من الفقراء الجياد المجردين له رواية، و سماع قديم، و سمع الناس عليه كثيرا، و له خدمة للمشايخ الكبار، و حضر وقعة عكّا فأبلى فيها بلاء حسنا، و كان يحكي عنها عجبا، كان فيه من الأنس، و الحكايات المعجبات، و أخبار الصالحين ما لا مزيد عليه، و كان يحاول النجارة، و البناية، و الحجارة، و كلّ ما دخل فيه من الأعمال أتقنه، و أحكمه، لم أدرك في الفراشين مثله، و رزق ذرّية صالحة محفوظين مباركين قرامهم، و أولادهم من بعدهم، و فيهم من هو مشتغل بالعلم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الديانة العظمية، و الورع، و التصوف، و كلّ نسائهم، و من توالد منهم على خير، و صلاح، و سذاجة نفع اللّه بهم، و توفّي الشيخ على الحجار في سنة أربعين و سبعمائة(3).

و منهم: الشيخ عبد اللّه الخضري تقدم ذكره.

[و منهم: أحمد الأميني كان من عقلائهم، و رؤسائهم، و جامع شملهم.]

((4)و منهم: أحمد الأميني كان من عقلائهم، و رؤسائهم، و جامع شملهم(5).)


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 276.

2) الإضافة من التحفة اللطيفة.

3) أورده السخاوي في التحفة نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته، التحفة اللطيفة 1/ 279.

5) أورده السخاوي في التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

[و منهم على بن ميمون. والد يوسف العجيلي، و ولده على طريقته، و سلامة باطنه و قلة شره.]

((1)و منهم على بن ميمون. والد يوسف العجيلي، و ولده على طريقته، و سلامة باطنه و قلة شره(2).)

و منهم:

[سعيد الهندي، كان شيخا حسنا على طريقة عظيمة في الديانة، و ملازمة الروضة.]

((3)سعيد الهندي، كان شيخا حسنا على طريقة عظيمة في الديانة، و ملازمة الروضة(4).)

و منهم:

[عمير السوارقي]

((5)عمير السوارقي(6))

، من قدماء الفراشين رغبة في التقرب بالخدمة لا أن يحصّل منها دنيا له حسنات كثيرة، و أوقاف عديدة، و عتقاء، و صحبته إلى مكة في طريق المشيان، فكان محافظا على دينه، و له أولاد مباركون توفّي سنة ست و ستين و سبعمائة(7).


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 265.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 2/ 164.

4) أورده السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

5) من مصادر ترجمته، التحفة اللطيفة 3/ 371.

6) قيده السخاوي في التحفة( بمهملة و قاف و نسبة لقرية بين الحرمين).

7) أورده السخاوي في التحفة بنصه عن ابن فرحون.

و منهم الحاج:

[بردة عتيق الحريري، كان رجلا صالحا مباركا مشغولا بنفسه، لا يعرف الفضول، و لا أهله، انقرضت ذريته.]

((1)بردة عتيق الحريري، كان رجلا صالحا مباركا مشغولا بنفسه، لا يعرف الفضول، و لا أهله، انقرضت ذريته.)

و منهم:

[سعيد الباجي، و ليس له ذرية.]

((2)سعيد الباجي، و ليس له ذرية.)

و منهم:

[عنبر الصرخدي]

((3)عنبر الصرخدي)

، كان من أتباع الشيخ عز الدين شيخ الحرم، و كان يظن أنه من عتقائه لمخالطته عياله، و ترك أولادا صغارا كفلهم الشيخ عز الدين، و أقرأهم القرآن، و كفل أولادهم من بعدهم حتى انقرضوا.

و من قدمائهم اليوم:

[إقبال الحريري]

((4)إقبال الحريري)

، أسن و كبر و هو على طريقة حسنة من السكون، و الاشتغال بنفسه، و كان من الذين أدركتهم من أعيانهم اثنا عشر فراشا كان منهم الشيخ:


1) من مصادر ترجمته، التحفة اللطيفة 1/ 366.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 2/ 164 نقلا عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 373 نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 337 نقلا عن المنصف.

[عمر الفراش]

((1)عمر الفراش)

، و كان يقرأ القرآن، و كان من ألطف الناس بنية و حديثا، و خدمة.

و ممن دخل معهم في أواخر الوقت رغبة في التماس بركة الخدمة.

[203- الشيخ يوسف الصعيدي الشهير بصبي الخطيب]

، كان من قدماء المجاورين، على طريقة حسنة قرأ القرآن على الشيخ عبد الحميد و غيره، و كان ملازما للسراج قاضي المدينة فعرف به، و كان نقيبا على الفقهاء، و كان يلبس القضاة جميعهم ثياب الخطابة، و صحب خلقا من الصالحين، و خدم كثيرا من الشيوخ المتقدم ذكرهم، له عليّ خدمة، و موالاة عظيمة، و فقدت دعاه و محبته، توفّي سنة ست و ستين و سبعمائة، و قد ناف على الثمانين- رحمة اللّه عليه.

و كان ممن أدركته من السقائين بالحرم الشريف الشيخ:

[204- محمد السقا المعروف بأبي حسين]

هو جد أولاد الشيخ محمد الكازروني لأمهم، كان حسن الوجه طويل السبلة، تصل لحيته إلى سرّته، و ربما عثر بها، حسن الصوت، و كانت له بالمدينة إقامة طويلة، و مجاورة جميلة، كان- رحمه اللّه- يملأ المسجد الشريف بالدوارق يصفّها من باب الرحمة إلى باب النساء، و يجعل في أعناق الدوارق مقطعا يقيدها به حتى لا تسرق، و لا تغيّر من مكانها، و ما علمت يأخذ على ذلك أجرة حكى لي- رحمه اللّه- أنه ربى من شاربه سبلتين حتى طالتا، و جعلهما منعطفتين على فمه كالقرنين.


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 367 نقلا عن المصنف.

قال: و كان مشايخ المجاورين، و العلماء منهم يقولون لي: السّنّة قص الشارب، فأنقص ما طال من هذين القرنين الذي شوّها وجهك و غيّرا جمالك، فأقول لهم: هذه سنّة شيخي لا أتركها لقولكم، قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم، إذ رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في المسجد الشريف، و الناس حوله، و أنا من وراء الشباك الحديد الذي في القبلة في دار آل عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- قال: فكلما هممت بالدخول من الشباك يدخل رأسي، فإذا بلغ إلى حدّ(1)القرنين منعاني من الدخول و رأيتهما قد صارا من حديد فعجزت عن إدخالهما، فاحترق قلبي من شدة الألم على عدم وصولي إليه صلى اللّه عليه و سلم، ثم انتبهت، و تناولت المقص، و قصصتهما من ساعتي قبل قص الرؤيا، فلما أصبحت شكرني الجماعة على ذلك، فقلت:

و اللّه ما فعلته إلا لأجل كذا، و علمت أن الخير كله في اتباع السّنّة.

ثم خلفه في سقي الماء بالحرم الشريف، و في السقاية التي كانت في المسجد المتقدم ذكرها، الشيخ:

[حسين بن علي بن رستم الشيرازي]

((2)حسين بن علي بن رستم الشيرازي)

كان من الشيوخ القدماء على طريقة حسنة، و تسبّب في الحلال بتعفف، و صيانة(3)، و خلف ولدين.

أحدهما: الفقيه الفاضل:


1) في المطبوع إلى( أحد) و المثبت من الأصل.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 512.

3) نقل السخاوي في التحفة 1/ 512 هذه الترجمة نصّا عن ابن فرحون،

[شمس الدين محمد بن حسين اشتغل بالطب]

((1)شمس الدين محمد بن حسين اشتغل بالطب)

، و رحل إلى الشام، و خالط الصوفية و رأس فيهم، و تخلق بأخلاق أهل زمانه، و تأدب بآدابهم(2).

و الآخر:

[حسن، فيه مكارم الأخلاق، و خدمة للفقراء، و موالاة حسنة أعانه اللّه تعالى و سدده و أصلحه.]

((3)حسن، فيه مكارم الأخلاق، و خدمة للفقراء، و موالاة حسنة أعانه اللّه تعالى و سدده و أصلحه(4).)

و اعلم أنا لم نقصد إلا ذكر من اشتهر بالعلم، و العمل، أو بالمناقب الحسنة، و الطريق المستحسنة، فإن تخلل أولئك ذكر من هو أنزل منهم(5)درجة، فما(6)ذكرته إلا استطرادا أو لمقصد ينبني على ذكره و لو تتبعت ذكر من أدركته في المدينة من الأخيار، و ذكر مناقبهم لملئت الأوراق بما يحمّل النجيبات العتاق؛ لكن اقتصرت على من حضر في فكري، و في ذلك ذكرى لمن كان له قلب و اللّه الموفق.

و كان رؤساء المدينة يألفون(7)المجاورين، و يخدمونهم، و يتقربون إلى خواطرهم بقضاء الحوائج، و الهدايا، و الطرف مع حسن الاعتقاد فيهم، و التماس بركتهم، و أدعيتهم منهم:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 506.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 478.

4) نقل السخاوي في التحفة 1/ 478 هذه الترجمة نصّا عن ابن فرحون.

5) في المطبوع( من) و المثبت من قراءة النص.

6) في الأصل:( فإنما ذكرته استطرادا).

7) في المطبوع( يوالون) و المثبت من قراءة النص و ألفه إلفا: أنس به و أحبّه.

[نور الدين علي بن الصّفيّ]

((1)نور الدين علي بن الصّفيّ(2))

. كان من رؤساء (أهل(3)المدينة، و خيارهم، و كان يوالي المجاورين، و يخدمهم في قضاء حوائجهم، مع جلالة قدره، و علو كلمته، و محبّة الأمراء له(4)، و قد تقدم أن الشيخ العالم العلامة أبا محمد عبد اللّه بن حجاج الشهير بمكشوف الرأس لما توفّي أسند وصيته إليه لما كان بينهما من المودة، و في هذا دليل على ما ذكرناه و له في هذا الباب مناقب كثيرة(5).

و منهم:

[نور الدين على بن يحيى.]

((6)نور الدين على بن يحيى.)

صاحب الرباط المشهور، و السقاية (التي على باب السلام، و له أوقاف من النخيل على الرباط، و السقاية(7)، و كان يتحبب إلى المجاورين(8)،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 224.

2) تحرف في المطبوع إلى( الصيفي).

3) ساقط في المطبوع.

4) نقله السخاوي في التحفة 3: 224 نصّا عن ابن فرحون.

5) نقله السخاوي في التحفة 3/ 224 نصّا عن ابن فرحون.

6) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 267.

7) ما بين حاصرتين ساقط من المطبوع و هو في الأصل، و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن ابن فرحون.

8) تحرّف في المطبوع إلى( بالمجاورين) و صوابه من الأصل، و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف.

و الخدام، و يخدمهم، و يقضي حوائجهم.

حكى لي الشيخ جمال الدين المطري رحمه اللّه، أن الشرفاء في سنة فتنة اقتسموا المدينة في زعمهم لينهبوها، و كانت المدينة محشوة بالأشراف منهم الملاعبة(1)في حارة الخدام ساكنين معهم مخالطين لهم، و كذلك الندور(2)في حوش الحسن، و ما حوله، و الوحاحدة في السويقة، و ما حولها، و المنايفة عند المدرسة الشهابية، و آل منصور في البلاط، فأرجفوا بالناس، و أشاعوا أنهم يغلقون أبواب الحرم بعد صلاة الصبح على الناس، و يعقبونهم على بيوتهم فينهبوها، و أنهم يقتلون من في الحرم من الناس، و كان لذلك أسباب، و ترتيبات من أهل الشر، فاستعدّ المجاورون، و الخدام لذلك، و استصحبوا أسلحتهم عند خروجهم، و عند دخولهم(3).

فقام نور الدين علي بن يحيى في بعض الأيام بعد صلاة الصبح، و صاح بأعلى صوته، أيها الناس، الفتنة خامدة، لعن اللّه مثيرها، و كرر ذلك مرارا(4).

فقام الناس إليه، و كثر الكلام و اللغط، و لم يزل ابن يحيى يسكّن ما عند الناس، و ساعده أشياخ مثله في حلمه و عقله.

قال الشيخ جمال الدين: فسكنت الفتنة، و تركوا حمل الأسلحة، و لم تزل


1) تحرّف في المطبوع إلى:( المداعبة) و صوابه من الأصل.

2) في المطبوع( البدور) و المثبت من الأصل.

3) نقله السخاوي في التحفة بنصه عن ابن فرحون.

4) نقله السخاوي عن ابن فرحون.

كلمة المجاورين، و الخدام واحدة يهمّ كبيرهم ما يهمّ صغيرهم، و يقومون لقيام أضعفهم، و هم اليوم في خلف نرجو من اللّه صلاحه، تستعين إحدى الطائفتين على الأخرى بغير جنسهم ليهينوهم، و يذلوهم فإنا للّه و إنا إليه راجعون، أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا، و من الشيطان الرجيم.

و كان علي بن يحيى وزيرا للأمير منصور لا يخرج عن رأيه، ربما كان يستخلفه على المدينة في بعض الأحيان؛ لوثوقه بعقله، و حسن رأيه، و سياسته للأمور، توفّي- رحمه اللّه- في سنة سبع و عشرين و سبعمائة.

ثم ولي الوزارة يوسف بن مقدم، و كان من بيتها و أهلها، إلا أن شدد، و أخذ الناس بالهيبة، و القوة حتى استغاث الناس منه، فعزل، و بعده أقام ابن يحيى من السوقة الذين ليس لهم قدم في الرئاسة حسنة، فصارت سيئة، فوليها ابن النجار، و على يديهما انتشر، و سبب محاولتها خرّج أهلها من المدينة، و تمكن منها عدوهم.

و كان مثل ابن يحيى المتقدم في العقل، و السياسة، و الرئاسة:

[210- نجم الدين يوسف الرومي]

، و كان وزيرا للأمير طفيل،- رحمه اللّه- توفّي سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة، و هو الذي أنشأ الدرجة الموجودة اليوم لبئر أريس بقباء، عمّرها في سنة أربع عشرة و سبعمائة.

و كان الجماعة الخرازون قد ابتدءوا في عمارتها، فسألهم أن يتركوا ذلك له؛ ليفوز بحسنتها، و كان الحامل لهم على ذلك أنهم كانوا إذا جاءوا إلى مسجد قباء لا يجدون ما يتوضئون به إلا من الحديقة الجعفرية، فكانوا يتحرجون من دخولها لما سمعوا أنها مغصوبة من ملاكها.

و كان هؤلاء الجماعة رحمهم اللّه قد خرجوا لعمارة بئرين بذي الحليفة، كانتا مردومتين، غير البئرين اللتين عند المسجد اليوم، و خرج معهم جماعة كثيرة من الخدام، و المجاورين، و تبعهم من الناس خلق كثير، فكانوا ينيّفون على المائة و أقام الناس على حفرها و بنائها نحوا من شهر و في كل يوم يأتيهم من المدينة ما يكفيهم من الطعام، و كان أكثر ذلك من عند الخدام.

و كان الشيوخ يحفرون بأنفسهم حتى إن الشيخ محمد الخراز وقع عليه، و هو في البئر حجر فشجّ وجهه و رأسه، و أيقنوا بوفاته فنزلوا به على أعواد كالميت، و تركوه في بيته، و لم يقطعهم ذلك عن عملهم(1)، و ما ظن أحد أنه يعيش منها، فسلمه اللّه تعالى؛ لحسن(2)نيته.

و عاش إلى أن توفّي في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و انتفع الحاج بهاتين البئرين نفعا عظيما، و اليوم أكثر العرب يستقون منها، و كانوا يفعلون في المساجد الدامرة، و الأوقاف الخربة كذلك.

و اليوم نحن في حال غير ذلك الحال، كان الخدام ذلك الزمان يثابرون على فعل المعروف، و يزدحمون على مواساة الفقير، و يرحمون الشيخ الكبير، و يقيلون عثرة الصغير، و يسترون عورات الناس.

و كان كبار الخدام يجلسون مع شيخهم(3)بعد صلاة العصر على الدكة


1) في المطبوع:( من العمل) و المثبت من الأصل.

2) في المطبوع:( بحسن) و المثبت من الأصل.

3) في المطبوع:( شيوخهم) و المثبت من الأصل.

التي بين باب جبريل، و باب النساء، فلا يمر صغير إلا أغاثوه، و رحموه، و لا يمر بائع حطب أو حشيش قد كسدت بضاعته، إلا شروها بأوفى ثمن؛ ليفرجوا عنه من غير حاجة منهم إليه، و لا يمر بهم صغير من أولاد المجاورين إلا فرحوا به، و قبّلوه و لطفوا به، يشركون فقراءهم في معلومهم.

إذا غضب أمير المدينة على أحد من المجاورين طلع أكابرهم إلى القلعة، و دخلوا على الأمير، و خلصوه، و ربما طيبوا نفس الأمير بشي‌ء من مالهم.

و كذلك إن وقع أحد في غرامة، أو جناية، أو دين ثقيل أغاثوه، و ساعدوه، و لم يزل المجاورون يعرفون لهم حقهم، و يصبرون على جفوتهم، و على عزتهم عليهم، و على ما عساه يصدر منهم؛ لأجل ما يصدر منهم من الإحسان، و اللطف، و الحمية، و نرجو من اللّه أن يعيد تلك المؤاخاة، و يلم شعث المصافاة.

فإن قلت: أين أولئك الناس الذين هم الناس؟ قلت: نرجو أن يعود ذلك قريبا؛ لأن الجامع باق لا يبيد، و لا يفنى، و هو السّنّة المحمدية، و الشريعة السنيّة العليّة، فتجمعنا- إن شاء اللّه- السّنّة، التي تخلصنا من أهل البدعة، فنكون- إن شاء اللّه تعالى- إخوة متناصرين، و على الخير متعاونين، لا يأتينا الشيطان من طريق، و لا باب، و لا يكلمنا عدو بظفر، و لا ناب.

أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة: 22

اتفق في بعض السنين تضييق على القاضي سراج الدين من الأمير، و طلب منه عشرة آلاف درهم، فتنكّد من ذلك، و جاء إلى الخدام،، و شكا إليهم فأدخلوه الحجرة، و منعوا أحدا يصل إليه، ثم إنه خدع فخرج فطلبه

الأمير إلى القلعة، و منعه من النزول للصلاة ثم خلوا سبيله، و احتالوا عليه حتى أخذوا منه ما طلبوا.

فعزّ ذلك على الخدام، و أشاعوا القضية، فوصل الخبر إلى السلطان، فاحتاط على خبز الأمير، و عزل عنه غلمانه، و نوابه، فاعتذروا بأن الأمير ما أخذها إلا قرضا، و دفعوا المال لوكيل القاضي، و جاءته الدراهم محمولة إلى المدينة، و كم أعدد من محاسنهم، و أذكر من مآثرهم، و كلما ذكرت القوم و صفاتهم ازدادت الحرقة، و ثارت اللوعة؛ لفقدهم تغمدهم اللّه برحمته، و أسكنهم فسيح جنته:

صاحت بهم حادثات الدّهر فانقلبوامستبدلين عن الأوطان أوطانا

أخلوا مدائن كان العزّ مفرشهاو استفرشوا حفرا غبرا، وقيعانا

و كان على طريقة الوزيرين المتقدمين في العقل، و الرئاسة، و جمع الكلمة، و تسديد الأمور:

[عز الدين حسن بن على بن سنجر المسكي.]

((1)عز الدين حسن بن على بن سنجر المسكي.)

كان وزيرا للأمير طفيل(2)رحمه اللّه، و كان عاقلا حليما سايسا للأمور، لم ينخرم نظام دولة الأمير طفيل إلا بعد وفاته(3).


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 484.

2) هو طفيل بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني. ترجمته في التحفة اللطيفة 2/ 258.

3) نقله السخاوي عن ابن فرحون.

و سأذكر من قضاياه الحسنة قضية واحدة تدل على غيرها، و هي: أن الأمير طفيل كان في سنة ست و أربعين قد نفد ما في خزانته من التمر، فوفد عليه جماعة من العرب يطلبون الكيل من عنده، و كان التمر في المارستان فاضلا عما يحتاجه الفقراء، فأخبره بعض الناس بذلك، و زيّن له طلب ذلك التمر من القاضي و الشيخ على سبيل القرض إلى أيام الصيف، و كان القاضي يومئذ تقي الدين الهوريني، فأرسل إليهما الأمير طفيل في ذلك، و طلب منهما نحو خمسمائة صاع فلم يمنعاه، و ألانا القول لرسوله، فطمع الأمير طفيل في قضاء حاجاته، و أخبر وزيره المذكور بذلك، فنزل من عنده، و اجتمع بالقاضي نور الدين الزرنديّ، و قال له: قد علمت أن الأمراء كالأسود، إذا لاحت لهم فريسة و ثبوا عليها من غير نظر في العواقب، و قد بلغني ما أجاب به القاضي رسول الأمير في قضية كذا، و لم يرضني ذلك، فأنا أسألك(1)من إحسانك أن تجتمع بالقاضي، و تأمره بالتصميم على المنع في هذه القضية(2).

فقال له القاضي نور الدين: هذا يدل على كمال عقلك، و حسن نظرك؛ و لكن ينبغي أن تخبرني بوجه المفسدة التي تخشاها(3).

فقال له: اعلم أن الأعداء كثير، و الضد قائم، و أخذ تمر المارستان فيه شناعة، و ربما أشاع الأعداء عند السلطنة أن الأمير طفيل أخذ تمر المارستان قهرا، فيترتب على ذلك ما لا يخفى عليك.


1) في المطبوع:( و أنا أسألك من إحسانك) و المثبت من الأصل.

2) التحفة اللطيفة.

3) في المطبوع:( نخشاها) و المثبت من الأصل.

فشكره القاضي نور الدين الزرنديّ على ذلك، و اجتمع بالقاضي، و أخبره بذلك فسرّ القاضي بذلك، فلما جاءه رسول الأمير يستنجز وعده قال له: لا سبيل إلى ذلك، و أغلظ له في القول، فأخبر الأمير وزيره بذلك، فقال له: لا تتكلم في ذلك، و خوّفه من العواقب، فرجع الأمير إلى قوله، و سكت عن القضية.

فانظر إلى عقل هذا الوزير، و حسن تدبيره، و سياسته. توفّي- رحمه اللّه- في سنة ثمان و أربعين و سبعمائة.

و كان من أعظم الناس موالاة للمجاورين، و اختلاطا بهم القاضي:

[نجم الدين مهنّا بن سنان.]

((1)نجم الدين مهنّا بن سنان.)

كان هو القاضي في الحقيقة من بين سائر قرابته، و به يناط الحلّ و العقد، و إليه ترجع محاكمات السّلطنة(2)و أنكحتهم و عقودهم، و غير ذلك.

و كان مع هذا يتحبب إلى المجاروين و يمدحهم بالفضائل الحسنة، و يستقضيهم الحوائج، و يحضر مواعيدهم و مجالس الحديث، و لا يصلي قط إلا في الروضة المشرفة، و كان يستعمل التقية كثيرا.

و كان إذا نسخ كتابا و مرّ به ذكر أبي بكر و عمر- رضي اللّه عنهما-، يترضى


1) من مصادر ترجمته: المغانم المطابة 3/ 1304.

2) تحرف في المطبوع إلى( الشيعة) و صوابه من الأصل، و مثله في المغانم المطابة 3/ 1305.

عليهم الخط تقية، و كان يحط على أصحابه من الفقهاء الإمامية، و يتبرأ منهم، و له فيهم هجو ظريف فمن ذلك قوله(1):

أرى الدنيا تميل عن الكرام‌و ترغب في مصاحبة اللئام

فيزداد اللئيم بذاك لؤماو يصبح ساحبا ذيل احتشام

و ينسب نفسه للعلم حمقاو عند اللّه فهو من الطّغام

و يفتي المسلمين بغير علم‌و يخبط خبط عشوا في الظلام

فكم أفتى بتحريم لحلّ‌و كم أفتى بتحليل الحرام

فمن حفظ الزيارة فهو مفت‌يدرّس في الفروع و في الكلام

كذاك من اشترى كرا و صلى‌عليه فإنه رأس السنام

تشدّ إليه أكوار المطاياو يقصد في المهمات العظام

و لو قد جاءه شخص كبيرو باحثه لكان من العوام

و ما صلى و صام و قام إلاليحفظ ما حواه من الحطام

و لو تلف الذي هو في يديه‌إذا ترك الصلاة مع الصيام

فقد ترك الزكاة لأن فيهاخروج المال و هو إليه ظامي

و أما الخمس فهو به بخيل‌و يبخل بالبشاشة و الكلام

ألم تسمع كلام اللّه حقّاو قول اللّه أحسن في النظام

بأنا لا نمهلم لخيرو لكن كي يزيدوا في الإثام

فمهلا سوف ترتجع الليالي‌عطاياها و يجدب بالخطام(2)

و تطلب أن يقال و لات حين‌و قد خلص المخفّ من الزّحام

و كان لديه فضيلة و عربية و آداب، و حسن محاضرة، توفّي سنة أربع


1) المغانم المطابة 3/ 1306.

2) في المغانم المطابة:( و يجدب بالحطام).

و خمسين و سبعمائة.

و كان مثله خلائق متصفون بهذه الأخلاق و لم أعدّه منهم و أذكره فقد كادوا يكونون على الفكر لبدا، و في قصص من ذكرنا للألبّاء رشدا، و إنما أردت أن يقف ذو العقل الوافر و النظر السديد الباهر على شي‌ء من حال المتعاصرين من قبل وقتنا فيرى ما بين العصرين و أهلهما، سامح اللّه الجميع بفضله و كرمه.

فصل في ذكر قضاتنا و أئمتنا

اشارة

و كان أولى أن يكونوا أحق بالتقديم في الذكر، غير أن قصدي من معظم من ذكرته، تنبيه من قدمته، و إنما ذكرت من سواهم تبركا بهم، و حضّا لغيرهم على اقتفاء آثارهم؛ فالضدّ يظهر حسنه بالضدّ، و لم أجر فيما ذكرته على منوال، و لا رتبته على مثال، بل من سبق إلى الفكرة ذكره قدمته، و من أخّره الفكر لم يسرع به الذكر.

فأول من أدركته من قضاتنا و أئمتنا الشيخ الإمام العلامة:

[سراج الدين عمر]

((1)سراج الدين عمر)

، بن أحمد بن الخضر(2)بن ظافر بن طراد بن أبي الفتوح الأنصاري الخزرجي، كان رحمه اللّه فقيها مجيدا أصوليّا نحويّا متفننا في علوم جمة، حدّث عن الرشيد العطّار، و أجاز له الشّرف المرسيّ(3)

تحرف المطبوع إلى:( الشريف المريسي)، و في الأصل إلى:( الشرف المريسي)، و صوابه في التحفة و المغانم.

المنذري و تفقه بعز الدين بن عبد السلام قليلا، ثم بالسديد التّزمنتي، و النّصير بن

1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 312، الدرر الكامنة. 3/ 149، طبقات الشافعية للإسنوي 2/ 72، المغانم المطابة 3/ 1235.

2) تحرف في المطبوع إلى( ابن أحمد الخضري بن ظافر) و صوابه من الأصل، و مثله في مصادر الترجمة.

3) التحفة اللطيفة نقلا عن المؤلف.

الطّباخ و أئمة وقته(1).

قدم المدينة سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة متوليا للخطابة، و كانت الخطابة بأيدي آل سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الشريف الحسيني، و كان الحكم أيضا راجعا إليهم، و لم يكن لأهل السنة خطيب و لا إمام و لا حاكم منهم، و الظاهر أن ذلك منذ استولى العبيديون على مصر و الحجاز، فإن الخطبة في المدينة كانت باسمهم(2).

فلما كان في سنة اثنتين و ستين و ستمائة، وقع في مصر قحط و وباء لم يسمع في الدهور بمثله، و كاد الخراب يستولي على وادي مصر، حتى ذكر أن المرأة خرجت و بيدها مدّ جوهر فقالت: من يأخذه بمدّ برّ(3)؟ فلم يلتفت إليها أحد، فألقته، و قالت: لا أريد شيئا لا ينفعني وقت الحاجة، فلم يلتفت (أحد إليه(4)، و اشتغل العبيديون بما أصابهم من ذلك، فحينئذ تغلب الخلفاء العباسيون على الحجاز، و أقيمت الخطبة لهم من ذلك العهد إلى يومنا، و اللّه أعلم(5).

و كان أخذ الخطابة من آل سنان في سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، و استمروا


1) التحفة نقلا عن المؤلف.

2) التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

3) تحرف في المطبوع إلى:( بمدين) و صوابه من الأصل، و مثلها لدى السخاوي في التحفة و هو ينقل عن المصنف.

4) التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون و ما بين حاصرتين منه.

5) التحفة اللطيفة نقلا عن ابن فرحون.

حكاما على حالهم، و كان لأهل السّنة إمام يصلي بهم الصلوات فقط، و كان السلطان يومئذ الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، فأول خطيب خطب لأهل السّنّة القاضي سراج الدين، و كان السطان بعد ذلك يبعث مع الحاج شخصا يقيم لأهل السّنّة الخطابة و الإمامة إلى نصف السنة، ثم يأتي غيره مع الرجبية إلى ينبع، ثم إلى المدينة، و كل من جاء لا يقدر على الإقامة نصف سنة إلا بكلفة و مشقة؛ لتسلط الإمامية من الأشراف و غيرهم عليه(1).

فأوّل من خطب السراج كما تقدم، ثم من بعده شخص يقال له: شمس الدين الحلبي.

ثم من بعده:

[214- شرف الدين السّنجاري.]

(214- شرف الدين السّنجاري(2).)

ثم استقر سراج الدين المذكور خطيبا فخطب بالمدينة أربعين سنة، ثم سافر إلى مصر يتداوى فأدركه الموت بالسويس متوجها إلى مصر، و ذلك في سنة ست و عشرين و سبعمائة(3).


1) أورده السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

2) تحرف في المطبوع إلى:( السخاوي) و صوابه من الأصل و المغانم و المطابة 3/ 1237. و مما يؤخذ على محقق المطبوع أنه شرح هذا الخطأ في الهامش- دون إعمال فكر و روية- بقوله:( هو أبو عبد اللّه محمد بن موسى السخاوي القاهري، قاضي طبيبة و نزليها، ولد سنة 819 ه، و توفيّ سنة 895 ه. فيكف يكتب ابن فرحون المتوفى سنة 769 ه، عن شخص ولي بعد وفاته بكثير؟!.

3) نقله السخاوي في التحفة نصّا عن ابن فرحون.

و أما الأئمة من أهل السّنّة فلم يزالوا بالمدينة قبل هذا التاريخ، و أدركت ذرية المجد(1)إمام الحرم كان معظما عند الشرفاء و محببّا إليهم، و قد ملك أملاكا أصلها(2)من تمليك الشرفاء له: كأثارب و غيرها، و بلغني أن عبد المنعم كان وزيرا، و كان مدرسا في المدرسة الشهابية، و كان يجلس للتدريس و السيف معروض بين يديه، و كان مدرس المالكية يومئذ الشيخ أبا إسحاق له كتب في المدرسة بخطه أوقفها، و كان منهم رجل صالح عالم مصنف و هو صاحب الضوابط الكلية في علم العربية.

و كان منهم النظام له ذرية و كان لهم بالمدينة أملاك، و ذكر أنهم أقاموا في منصبهم مستضعفين يجنيهم الشرفاء و يؤذونهم، فارتحلوا بأولادهم و تركوا أملاكهم.

و كنت أسمع من كبار أهل المدينة أن الشرفاء بعثوا إليهم و آمنوهم(3)على أن يرجعوا إلى المدينة، فلم يفعلوا حتى أخذت أملاكهم و تملكت.

و بالمدينة موضع يسمى: النظامية منسوب إليهم، و كذلك(4)موضع يقال له: (الإمامية) منسوب إلى إمام المسجد الشريف.


1) في المطبوع،( ذرية لمحمد)، و بهامشه: يعني أبا عبد اللّه السخاوي المتقدم ذكره، و قد ثبت في الهامش المتقدم خطأ ذلك.

2) تحرف في المطبوع إلى:( أصلهم) و صوابه من الأصل.

3) في المطبوع:( و أمنوهم).

4) تحرف المطبوع إلى( و كان) و صوابه من الأصل.

فلما قرّر القاضي سراج الدين بالمدينة خطيبا فقط عملوا(1)معه من القبائح و الأذى ما لم يصبر عليه غيره فصبر و احتسب، و أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء و هو يخطب على المنبر.

فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام و جلسوا بين يديه، فكان هذا هو السبب في إقامة صف الخدام يوم الجمعة قبالة الخطيب، و خلفهم غلمانهم و عبيدهم؛ خدمة و حماية للقضاة، و تكثيرا للقلة و نصرا للشريعة.

فانظر كيف كان اتحادهم و اجتماع قلوبهم رحمهم اللّه تعالى.

و كان يصبح باب بيته مغلوقا (عليه(2)، و في بعض الأحيان يلطخونه بالنجاسة و يتبعونه بكل أذى و هو صابر، و ربما عذرهم لاحتراقهم على خروج المنصب من أيديهم بعد توارثهم له، فقد كان سنان قاضي المدينة خطيبها، و كذلك ولده عبد الوهاب فيما يغلب على ظني.

حكى لي الشريف سلطان بن نجاد(3)أحد شيوخ الشرفاء الوحاحدة قال:

أدركت القاضي شمس الدين سنان يخطب على المنبر و يذكر الصحابة و يترضي عنهم، ثم يذهب إلى بيته فيكفّر عن ذلك بكبش يذبحه و يتصدق به، يفعل ذلك (في(4)كل جمعة عقب الصلاة.


1) تحرف في المطبوع إلى( خطيبا فلطا لما عملوا) و صوبه من الأصل.

2) ساقط في المطبوع.

3) لدى السخاوي في التحفة اللطيفة 2/ 167:( سلطان بن محارد).

4) ساقط من المطبوع.

و مما حكاه ابن جبير في (رحلته) و عده من غرائبه التي رآها في رحلته، أنه قدم المدينة زائرا مع الحاج، فحضر صلاة الجمعة و هم بالمدينة.

قال: فطلع الخطيب و كان من الشرفاء الإمامية فخطب، ثم جلس في أثناء الخطبة، و تقدم من عنده من غلمانه يطوفون على الناس و يأخذون منهم شيئا للخطيب فجمعوا له شيئا، ثم جاءوا به إليه فرده، و قال: لا يكفيني، فعادوا على الناس الرجال منهم و النساء فزادوهم فلم يقبل، و الناس في ضيق من تأخير جمعتهم، قال: ثم لم يزل كذلك حتى قرب وقت العصر فنزل وصلى.

ثم إن السراج تزوج بنت القيشاني و كان رئيس الإمامية و فقيهها، حتى قيل: إن المدينة لم يكن بها من يعرف مذهب الإمامية حتى جاءها القيشانيون من العراق، و ذلك أنهم كانوا أهل مال عظيم، فصاروا يؤلفون ضعفة الناس بالمال، و يعلمونهم قواعد مذاهبهم، و لم يزالوا على ذلك حتى ظهر مذهبهم و كثر المشتغلون به، و عضده الأشراف في ذلك الزمان، و لم يكن لهم ضدّ، و لا في مصر، و لا في الشام من يلتفت إليهم؛ لأن الملك العادل نور الدين الشهيد كان حاكما على البلدين، لكن همه الجهاد و لا يستقر له قرار.

ثم ولي بعده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فسار على طريقة الملك العادل، و زاد عليه و كان صاحب المدينة:

[أبو فليتة: قاسم بن المهنّا.]

((1)أبو فليتة: قاسم بن المهنّا.)

يحضر معه الفتوحات، و يلازمه في الغزوات، فلم يكن أحد يجسر على


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 404.

الكلام في الإمامية في ذلك الزمان(1).

و لما صاهرهم السراج انكفّ عنه الأذى قليلا، و صار يخطب و يصلي من غير حكم و لا أمر و لا نهي.

و كان إذا عقد في البلد عقد نكاح بغير إذن؛

[على بن سنان]

((2)على بن سنان)

و أمره طلب الفاعلين لذلك، و عزرهم و سلط عليهم الشرفاء، و كان المجاورون و أهل السّنّة إذا أرادوا عقد نكاح، أو فصل حكومة على مذهبهم يأتون والدي ليعقد لهم، أو يصلح بينهم، فيقول لهم: لا أفعل حتى يأتيني كتاب ابن سنان فيذهبوا إلى علي بن سنان فيعطونه ما جرت به عادته، فيكتب لهم إلى والدي ما صورته: يا أبا عبد اللّه اعقد نكاح فلان على فلانة، أو أصلح بين فلان و فلانة(3).

و لم يزل الأمر على ذلك حتى كانت أيام شيخ الخدام الحريري و قد تقدم ذكرها و تاريخها، فكثر المجاورون و سألوا الملك الناصر محمد بن قلاوون أن يكون لأهل السّنّة حاكم يحكم بينهم، و يحملهم على مذهبهم، فجاء تقليد بذلك للقاضي سراج الدين و جاءته على ذلك خلعة و ألف درهم، و كان فيه معرفة و مداراة، فقال: أنا لا أتولى حتى يحضر الأمير منصور بن جماز، فأحضروه، فقال له السراج: قد جاءني من السلطان مرسوم بكذا، و أنا لا أقبل


1) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 224.

3) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

حتى تكون أنت المولّي لي، فإنك إن لم تكن معي لم يتم أمري، و لا ينفذ حكمي، فقال له: قد رضيت، و أذنت فاحكم و لا تغيّر شيئا من أحكامنا و لا حكّامنا.

فاستمرّ الحال على ذلك يحكم بين المجاورين و أهل السّنّة، و آل سنان يحكمون في بلادهم على جماعتهم و على من دعي إليهم من أهل السّنّة، فلا يقدر أحد على الكلام في ذلك و التقدم في الأمور لهم، و أمر الحبس راجع إليهم، و الأعوان تختص بهم، و الإسجالات تثبت عليهم، و السراج يستعين بأعوانهم و بحبسهم.

استمر ذلك الحال مدة السراج حتى مات، و كان السراج رحمه اللّه يواسي الضعفاء و يتفقد الأرامل و الأيتام ببره و زكاته، و يقصدهم في بيوتهم بنفسه، و كان لا يرد من سأله قرضا، بل يأخذ منه و يعطيه ما أراد، و كان قبل ولايته الحكم طوعا للناس الذين عاصروه من أهل الصلاح، يصلي كما يشتهون من تطويل و تقصير، و تكميل السورة في الركعة و ملازمة الطيلسان و مسح جميع رأسه.

و كان إذا جلس للدرس ينتظر كبار أصحابه، و كان مرارا يبعث إلى والدي و هو في بيته بأن الجماعة يتنظرونك، فيتوضأ و يصلي الضحى، ثم يخرج إليه فيجده جالسا مع الجماعة لم يشرع في الدرس.

فلما ولي الحكم تنكرت عليهم أخلاقه، و صار يرمي عليهم كلمات يغيظهم بها و إن لم يكن تحتها طائل، فنفرت نفوسهم منه، و تفرقوا عنه.

كان يحضر درسه جمال الدين المطري و والدي و جماعة المالكية و غيرهم، و الشيخ أبو عبد اللّه النحوي و كان من الأئمة الكبار، يقال: إنه كان يتقن اثني

عشر علما، و كان منهم الشيخ عز الدين الزرندي، و كان منهم الشيخ الأديب أبو البركات، فما من هؤلاء أحد إلا نفر عنه، و فارق درسه لما يسمع منه.

فجلس يوما في درسه فلم ير من الجماعة أحد إلا من لا نوبة له، فقال: أين أصحاب اليمين؟ أين أصحاب الشمال؟ أصحابنا ضد الأنصار يكثرون عند الطمع، و يقلون عند الفزع.

و قال له بعض الطلبة: قال الشيخ أبو إسحاق، في هذه المسألة كذا، فقال:

قلقل اللّه أنيابه، فقيل له في ذلك، فقال: تقلقلت منذ زمان، و إذا قيل له قال النووي قال: ذلك يملك النّوي(1). و يقول للمالكية: أنتم تقولون: الكلب حيوان ذو صوف، فلحمه لحم خروف، فيتأذون من ذلك.

و كان يحضر درسه أيضا الفقيه الفاضل:

[أبو العباس أحمد الفاسي.]

((2)أبو العباس أحمد الفاسي.)

فجلس يوما قريبا منه، و كان يتجاهل، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أحمد الفاسي، فقال له: من فسا يفسوفسوا فهو فاس.

و لقيه الشيخ أبو البركات بعد أن ترك درسه، و خرج من المدرسة، و سكن رباط دكالة، فقال له السراج: من هذا؟ و كان يظهر التعامي و قلة السمع، و ما


1) تحرف في المطبوع إلى( قال: كذا نعلك النووي). و صواب القراءة من النص. و ملك العجين يملكه ملكا، أنعم عجنه.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 184.

هما به، فقال: أنا أبو البركات، فقال: بل أبو الهلكات، فقال له أبو البركات:

طائركم معكم و افترقا، و لقيه يوما في الطريق، فقال له: أنت أبو البركات؟

فقال: نعم، فقال: أو حشتنا أو حشنا أنسك. فقال له أبو البركات:

إذا ترحلت عن قوم و قد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلون هم

فقال له السراج: فالراحلون أنت، و افترقا و كان فيه صبر عظيم، و احتمال كثير.

و كان في أيامه رجل إمامي من حلب، و كان يسكن في دار تميم الدراي له ثروة و رئاسة، فكان يجلس السراج على طريقه عند باب الرحمة، فإذا دنا منه يقول له: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (العلق: 16، هكذا أبدا و هو لا يجاوبه، و لا يعيد الكلام له. حتى انتقم اللّه له منه؛ و ذلك أنه كانت له جارية كأنه نقم عليها شيئا فعقابها حتى قتلها، فبلغ ذلك الأمير منصور فمسكه، و دخل بيته و أخذ منه ألف دينار، و تقدم ذكر وفاة السراج، و كان مولده في سنة خمس أو ست و ثلاثين و ستمائة رحمة اللّه عليه.

ثم ولي منصب الحكم بعده الشيخ الإمام العالم الفاضل:

[علم الدين يعقوب بن جمال القرشي المتقدم ذكره.]

((1)علم الدين يعقوب بن جمال القرشي المتقدم ذكره.)

و كان الفقيه علم الدين نائبا للقاضي سراج الدين في الأحكام، فلما توفّي السراج سعى له بعض أصحابه في الاستقلال بالمنصب، و وجدوا من رضي بمنصب الخطابة و الإمامة، فأجيب إلى ذلك و ولي القضاء.


1) من مصادر ترجمته، المغانم المطابة 3/ 1319.

و ولي الخطابة و الإمامة الأخ في اللّه:

[بهاء الدين سلامة المصري.]

((1)بهاء الدين سلامة المصري.)

كان فاضلا أديبا من صدور الكتّاب الرّوساء المعتمد عليهم، و كان يفك الخط المعمي بسرعة حسب ما يقف عليه يكتبه تحته نثرا كان أو نظما.

و كان له خط حسن قليل المثل، و ربما كان يكتب المصاحف و يهديها لأصحابه من الأمراء فيبعثون بالألف درهم، و ما قاربها على كل مصحف.

ثم تخلف عن صنعة الكتابة للسلطان، فأبقى السلطان عليه معلومه و زاده معلوما آخر في دمشق، و أقام بالمدينة سنتين، ثم عزل نفسه و استقال؛ لأنه لم ير نفسه أهلا لما شرطه الواقف من معرفة القراءات و معرفة الفرائض، فخاف على دينه، و آثر رضى ربه، فأرسل يستقيل(2).

فلما عزل ولي القاضي شرف الدين الأميوطي الوظيفتين جميعا، و عزل القاضي علم الدين(3).

و كان الفقيه يعقوب رحمه اللّه حاكما عادلا فقيها فاضلا و رئيسا، و كان مقدما عند القاضي سراج الدين يحبه و يعظمه و يشاوره.

قال لي رحمه اللّه: و اللّه ما فرحت بهذا المنصب، و إني لأرجو أن يقيلني اللّه


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 54.

2) التحفة اللطيفة 1/ 54.

3) التحفة اللطيفة 1/ 54.

تعالى منه، و ذكر لي أنه رأى في المنام كأنه على سطح قباء، و أنه على طرف الحائط قد تدلى و لم يبق إلا أن يسقط فيهلك، و هو من الخوف في أعظم ما يكون حتى نجاه اللّه تعالى، فكان ذلك تسلية له عند العزل.

و كان قد جرى في أحكامه على السّداد و خصوصا على الخدام، و منعهم من الشمع و الدراهم، و غير ذلك مما يجمعونه في صندوق النذر في أيام الموسم، و قال لهم: هذا يجري في مصالح الحرم لا يجوز لكم قسمه بينكم، فتضيقوا من ذلك و عزّ عليهم فغلبهم عليه، و لم يصرف لهم منه شيئا رحمه(1)اللّه.

توفّي رحمه اللّه في سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و مولده في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة.

ثم ولي الخطابة و الإمامة الشيخ الإمام العلامة زين الفقهاء صدر المدرسين:

[شرف الدين أبو الفتح محمد بن القاضي]

((2)شرف الدين أبو الفتح محمد بن القاضي)

عز الدين أبي عبد اللّه محمد بن الشيخ كمال الدين أبي العباس أحمد بن العلامة شيخ الشافعية إبراهيم ابن يحيى بن أبي المجد اللخمي الشافعي المصري، و المعروف بابن الأميوطي تغمده اللّه برحمته، كان شرف الدين فقيها فروعيّا، حافظا للمذهب، قلّ أن رأيت مثله في حفظه و غزارة علمه، و أما كلامه على الحديث و استنباطه لعلومه و ما يستلوح من فوائده فالعجب العجاب.


1) التحفة اللطيفة 1/ 54.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 54.

قال لي أخي علىّ رحمه اللّه: قطعت هذه البلاد شرقا و غربا لم أر أحدا يتكلم على الحديث مثله، كان كريما جوادا، حسن المحاضرة، لين العريكة حتى ينحرف فكأنه غير الذي تعرف، و لما قدم المدينة عرض على القاضي يعقوب بن جمال النيابة عنه في الأحكام فامتنع، فنزل له عن تدريس المدرسة الشهابية فقبلها، و استمر مدرسا للشافعية محببا إلى الناس.

و كان في القاضي شرف الدين شدة على الأشراف، و كان له هيبة عظيمة ساقهم المرّ، و أذاقهم الصّبر، و أما سطوته على الإمامية و توبيخه لهم في المحافل و سبهم على المنبر فأمر مشهور لا يحتاج إلى وصف، و لا تكاد السنين تبيد ذكره(1).

و كان إذا قام في الأمر لا يرجع عنه و لو خوّف في عاقبته، و كان متمسكا بالسّنّة يتبع أشدّها، و يحمل نفسه على أشقّها، رأيته في يوم صائف محرما متجردا راكبا على حمار لم يزل عليه حتى كمل حجّه، و رجع إلى المدينة ليس له مركب غيره، و رأيته و قد أكلته الشمس، و تقشر جلده، و دمي وجهه، فعرضت عليه الركوب في الشقدف(2)فلم يفعل.

و كان قد أراد أن يسوي الحفرة التي في محراب النبي صلى اللّه عليه و سلم ببناء أو خشب(3)فلم يوافق على ذلك، فترك الصلاة في المحراب و صلى عن يسار المحراب قريبا من الشباك، و استمر على ذلك حتى مات رحمه اللّه، و قد تقدم


1) التحفة 1/ 54.

2) الشقدف: ما يوضع على الجمل يجلس فيه الراكب.

3) في المطبوع:( ببنيان أو أخشاب).

الكلام على ذلك.

و هو الذي أبطل صلاة النصف من شعبان، و كان تبطيلها عزيزا على النفوس فقد اعتادوا صلاتها، و مبتدعات كانت معها، منها:

زينة المسجد الشريف، و كثرة الوقيد، و كثرة النساء و اختلاطهن بالرجال، و الصياح من الصغير و الكبير حتى لا يبقى للحرم حرمة، و لا يملكه القوم.

و كان له غيرة على أهل السّنّة و إن علم من كثير منهم الكراهة له، فيسدد أحوالهم و يقيم حرمتهم عند أمراء المدينة، و يجاهد بنفسه في حقهم.

و له تواليف مفيدة في الكلام على الحديث و غيره، منها: (الجواهر السّنيّة في الخطب السّنّيّة) قلّ أن يخلو منها خطبة إلا و فيها ذكر البدعة و أهلها، و توبيخهم بما(1)هم عليه.

و نزل مرة من على المنبر؛ لضرب رجل من الإمامية كان يتنفّل زيادة على تحية المسجد، و يؤدي ظهر الجمعة أربعا في أثناء ذلك التّنفل؛ لأنهم لا يعتقدون إقامة الجمعة إلا خلف إمام معصوم، و هذا كان عادتهم معه و مع غيره، فنهاهم عن ذلك فانتهوا إلا من قوي تشيعه و تعصبه، فكان يصيح عليهم و هو على المنبر، و يأمر بجرهم عنده فيضربهم.

و كان الإمامية يصلون صلاة العيد في المسجد الذي في المصلّى المنسوب بزعمهم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فمنعهم من الصلاة فيه،


1) المطبوع( لما) و المثبت من الأصل.

و ألزمهم بالدخول مع أهل السّنّة في المسجد الموجود اليوم، و ذلك في يوم عيد الأضحى من سنة ست و ثلاثين و سبعمائة.

و كان عليهم سيفا لا يغمد، لكنه لم يتعرض لحكامهم، فكانوا في أيامه على عادتهم مع السراج، و كان يحبس في حبسهم و يستعين بغلمان الوالي، و كان حبس المدينة واحدا يجلس فيه الأمير و القاضي، و هو الموجود اليوم في ساحة القلعة.

كان لي معه- أعني القاضي شرف الدين- مقامات سوء لا يحسن ذكرها هنا؛ لأنها مبنيّة على حظوظ نفوس الحسدة الذين كانوا حوله، حتى إني وصلت أنا و هو إلى الملك الناصر لما حج الثالثة سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، فأمره السلطان أن لا يتعرض لي و أن ينصفني من نفسه، و وصّى صاحب المدينة بمراعاتي و النظر في الأحوال التي أشكوها منه، فلم يفد فيه ذلك.

و لما تحقق الأمير طفيل رحمه اللّه أني معهم مظلوم، و أنهم قد تظافروا و تعاضدوا على أذيتي عند القاضي شرف الدين بعث إلى أحمد الفاسي نائب القاضي شرف الدين و نفاه إلى خيبر، و استقر بها مدة، و لم يرجع إلا بعد أن استعطفه شرف الدين، و دخل عليه مرارا كثيرة، فلما جاء من خيبر أقام أيّاما قليلة، ثم توفّي إلى رحمة اللّه في سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة.

و تهدد الأمير طفيل لبقية الجماعة البعداء الذين أهلكهم فعلهم، و ما اللّه بغافل عنهم، و الموعد بيني و بينهم يوم القيامة.

هذا مع كونه إذا رآني عظمني، و قام لي و نوه في المجلس بذكري حتى أقول صفا قلبه، فإذا خلا به شياطين الإنس عطفوا قلبه إلى كلامهم، ثم إنّ اللّه

تعالى أحوجه إلى مساعدتي له في قضية، فساعدته فيما طلب، و بذلت جهدي له، و حصل على مقصوده، فصفا قلبه و أعرض عن جميع ما كان سمعه، و رأيت منه إنصافا أزال ما رأيت منه من الشقاء و التعب رحمه اللّه و عفا عمّن كان السّبب.

و لهذه الأطراف تتمّات فيها عجائب و تحتها غرائب، لو بسطت القول فيها لخرجت عن المقصود، و إنما الغرض التنظير بمن فيه تقريع(1)بأهل زماننا، و اللّه تعالى يغفر للجميع.

و استناب القاضي شرف الدين في فصل الخصومات دون الخطابة و الإمامة، الفقيه:

[أحمد الفاسي المراسني.]

((2)أحمد الفاسي المراسني.)

ثم الفقيه العالم الفاضل الأصولي الفروعي:

[أبا العباس أحمد التادلي.]

((3)أبا العباس أحمد التادلي.)

و كان ورعا عفيفا ديّنا فاضلا في مذهب مالك، إماما في أصول الفقه، و له شرح (رسالة ابن أبي زيد) كتابا حفيلا ممتعا، و له (شرح عمدة الأحكام) من أحسن ما وضع عليها، و له (شرح تنقيح القرافي) في أصول الفقه لم يوضع


1) تحرف في المطبوع إلى:( تفريع) بالفاء: و صوابه من الأصل.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 276.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 184.

عليها فيما رأينا أحسن منه، و كل تواليفه و تقاييده مفيدة، و تولّى درس غشاوة فلم يتناول من تمر الحديقة التي تفرق اليوم على الجماعة شيئا؛ بسبب ما ذكرناه في ترجمة الشريف يعقوب، و كان يصرف نصيبه إلى الفقيه محمد التلمساني؛ لكونه من طلبة المدرسة الشهابية(1).

ثم نقم عليه القاضي شرف الدين شيئا، منها: دخوله في قضية ابن مطرف في العهن(2)فإن الفقيه شهاب الدين التادلي أثبت له محضرا مشتملا على أنّ بيع عليّ المذكور للعهن، كان و هو في الحبس مقهورا مغصوبا، و أن البيع باطل، فلما أثبت التادلي المحضر لنافع بن علي بن مطرف توجه إلى رباط الفخر و أخذ جميع ما فيه من التمر، فغضب القاضي شرف الدين، و لم يصلّ بالناس صلاة الظهر، و لا أحد من جهته، و صلى بالناس ثلاثة أئمة: عز الدين الواسطي، و أخي علي، و شخص آخر، و لم يأت يوم الجمعة إلا بكلفة بعد أن دخل عليه مانع بن علي، و ذلك في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة(3).

ثم عزله و استناب شيخنا الإمام العلامة:

[جمال الدين المطري في الحكم و الخطابة و الإمامة.]

((4)جمال الدين المطري في الحكم و الخطابة و الإمامة.)

فكان جمالا للمنصب رحمه اللّه، و توفّي القاضي شرف الدين رحمه اللّه


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) العهن: الصوف.

3) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

4) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 466، و المغانم المطابة 3/ 1289.

بالمدينة و دفن شامي قبة سيدنا عثمان رضي اللّه عنه، و ذلك في سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و مولده بالقاهرة سنة أربع و سبعين و ستمائة(1).

ثم ولي بعده الحكم و الخطابة و الإمامة الشيخ الإمام العلامة:

[تقي الدين عبد الرحمن بن جمال الدين]

((2)تقي الدين عبد الرحمن بن جمال الدين)

عبد(3)المؤمن بن رشيد الدين(4)ابن عبد الملك الهوريني الشافعي المصري.

قدم المدينة في ذي الحجة آخر سنة خمس و أربعين.

و كان رحمه اللّه من قضاة العدل، انتهت إليه الرئاسة و السياسة مع العلم الغزير و العقل الراجح الذي ليس عليه مزيد(5)، لم يرق المنبر أحسن منه صورة و شكالة و شيبة، مع الهيبة العظيمة، و القيام في الحق، و النصرة للشرع(6). و في تلك السنة استنابني في الحكم عنه فسلكت مع الناس سبيل السياسة،


1) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 508، و الدرر الكامنة 2/ 334، و المغانم المطابة 3/ 1229.

3) تحرف في المطبوع إلى:( جمال الدين بن عبد المؤمن) و صوابه من الأصل و مصادر الترجمة.

4) تحرف في المطبوع إلى: عبد المؤمن بن أسيد بن عبد الملك). و صوابه من الأصل و مصادر الترجمة.

5) تحرف في الأصل إلى:( من يد) و هو تحريف قبيح، و صوابه من الأصل و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن المؤلف.

6) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

و سددت الأحكام، و جريت على الصلح بين الخصوم، فمال إليّ أهل للمدينة، و رأوا أني لا آخذ منهم شيئا في حكم و لا إثبات، و لا وراقة، بل ربما أعطي من عندي من أتحقق ضرورته من الغرماء، فأحبني أهل البلد و مالوا عن قضاة الإمامية و اعتزلوهم(1)و تركوا المحاكمة عندهم، حتى إنّ القاضي حسن بن سنان الملقب عزيز(2)صار يجلس على باب زقاقنا فإذا رأى الخصمين دعاهما إليه فلا يلتفتان إليه؛ لأنهم كانوا إذا حكموا ألحقوا المحكوم له رسولا، أو ورقة يطلبون منه شيئا، و إن كتبوا ورقة طلبوا عليها أجرا، و يقبلون من الشهود من كان من رعاع الناس.

و بلغني أنهم اجتمعوا بالأمير طفيل و شكوا عليه ما يلقون مني، فقال لهم إذا سكت عنكم و عن أحكامكم فلا تطلبوا منه غير ذلك.

و قال لي القاضي نجم الدين مهنا بن سنان- و كان أعلمهم و أرأسهم:

قطعت رزقنا يا فلان، فقلت له: ما تريدون مني إذا لم أتعرض لكم؟ فقال:

و اللّه ما قطع رزقي إلا أنت صرت تكتب للناس بلا شي‌ء، فمن بقي يأتي إلينا، و كان مهنا بن سنان كاتب المدينة.

و لم أزل معهم كذلك حتى خمل ذكرهم، و ماتوا أحياء، و لم يبق لهم في البلد أمر و لا نهي إلا في الشي‌ء التافه و الأمر النادر.

و لقد أدركت من حكامهم فوق عشرة من آل سنان و من الصّفيان الذين


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) تحرف في المطبوع إلى:( عزير) و صوابه من الأصل.

كانوا عند رباط المعين كلهم يحكم و يفصل الخصومة، إلا أن الحكم كان له إذا حكم عليه القاضي من آل سنان أو يقول: ارفعني إلى الفقيه فيرفعه و لا يراجعه، و كان الفقيه على يصلح و يسدد من غير أن يتطلع لشي‌ء بخلاف القضاة يومئذ، ثم لم يزل أمرهم يتقاصر، و عددهم يقل، حتى مات كبارهم.

ثم إن الفقيه الهوريني كفّ بصره في أثناء تلك السنة بسبب ماء نزل في عينيه، فسافر إلى مصر مع الحاج ليقدح عينيه و يعود إلى المدينة، و استمريت نائبا عنه في سنة سبع و أربعين و شدّدت على الإمامية في نكاح المتعة و نكلت بفاعلها، و حملت الناس على مذهب مالك، و أخملت البدعة و أظهرت السنّة، و عزرت من تكلم في الصحابة رضي اللّه عنهم، فلم يزد الناس إلا طاعة و إقبالا.

و في تلك السنة لقيني عز الدين حسن المسكي وزير الأمير طفيل، و كان من الوزراء العقلاء، فقال لي: يا فلان خرج اليوم ملك من يد صاحبه يساوي عشرة آلاف، بشهادة فلان و فلان، و اللّه هذان ما يقبلان فيما يساوي عشرة دراهم، و كيف يحل لكم أن تبقي المدينة بلا شهود؟، فأمرته أن يأمر غلام الأمير فينادي في الأسواق: لا يضع أحدكم خطه في ورقة إلا أن يكون مرضيّا عند الحكام.

و لما وصل القاضي تقي الدين إلى مصر، أقام بها يعالج عينيه بالقدح، فسعى عليه بدر الدين حسن صهر القاضي شرف الدين الأميوطي فعزلوا القاضي تقي الدين، و كان يحب الإقامة بالمدينة؛ رغبة في الوفاة بها، فلم ترجع

إليه صحة عينيه حتى خرج عنه المنصب(1)، و سيأتي ذكر ولايته الثانية، و ذكر وفاته و مولده رحمه اللّه.

ثم ولي الحكم و الخطابة و الإمامة الشيخ الفاضل المتفنن:

[بدر الدين حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القيسي الشافعي المصري.]

((2)بدر الدين حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القيسي الشافعي المصري.)

و قدم إلى المدينة في شهر ذي الحجة من سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و كان مقيما في المدينة مع القاضي شرف الدين، و ينوب عنه في بعض الأحيان، و كانت ابنة القاضي شرف الدين عنده.

فلما وصل إلى المدينة حاكما، حاول أن يسلك في طريقته و أحكامه مسلك القاضي شرف الدين، و كان حاكما جزلا صلبا مهيبا، فأقام بالمدينة سنة تسع و أربعين سنة خمسين، و كان قد شدد على الأشراف و كتب إلى السلطان يشكو من طفيل، كما فعل القاضي شرف الدين مع طفيل أيضا، فلما بلغ طفيلا الخبر صدر منه كلام و تهديد في جهة القاضي بدر الدين، فلما بلغه ذلك خاف على نفسه، فخرج إلى مكة معتمرا و معه جماعة، مثل: محمد بن الشوبكية، و محمد ابن بالغ، و مختار الزمردي و غيرهم من الجماعة، و لما توجه إلى مكة استنابني في الحكم إلى الموسم(3).


1) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 470.

3) أورده السخاوي في التحفة 2/ 509 بنصه عن ابن فرحون.

ثم قدم مع الحاج و سافر إلى مصر و استمررت نائبا عنه حتى جاء الخبر أنه توفّي بالقاهرة في أثناء سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و جاء الخبر إلى طفيل بأنه قد عزل، و ولي إمارة المدينة سعد بن ثابت فخرج منها طفيل رحمه اللّه(1).

ثم ولي الحكم و الخطابة و الإمامة القاضي الأجلّ الخطيب المصقع:

[شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن زكي الدين]

((2)شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن زكي الدين)

عبد المعطي بن سالم بن عبد العظيم بن محمد الكناني المصري الشافعي العسقلاني المحتد المعروف بابن السبع.

ذكر أنه تفقه بالقاضي نجم الدين ابن الرفعة، و أنه قرأ القراءات على الشطنوفي، و أن مولده سنة ثمان و ستمائة بالقاهرة، و كان رحمه اللّه بشوشا للناس محسنا للأصحاب حليما كريما جوادا، و كان شاهدا عدلا بالقاهرة.

فلما ولي الأحكام الشرعية، ثقل بها فما حملها و لم يقم برسمها و لا شرطها؛ لأنه لم يلحق بمن قبله في علومهم و لا في قيامهم بحرمة المنصب، و كان عاملا على السياسة و المسالمة فاشتغل الناس به، و طعنوا عليه بأنه لم تجتمع عليه شروط الواقف، و هي العلم بالقراءات، و معرفة الأصلين و غير ذلك، و بكونه إذا دخل الحجرة المشرفة للزيارة يقبّل الأرض عند تمثله بين يدي النبي صلى اللّه عليه و سلم، و بأشياء لا يليق ذكرها كانت سببا في عزله، و كانت ولايته و ولاية الأمير سعد


1) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 654.

في سنة واحدة، و هي سنة خمسين و سبعمائة(1).

و لما استقر الأمير سعد بالمدينة، بدأ بمنع آل سنان و غيرهم من التعرض للأحكام و عقد الأنكحة و غيرها، ورد الأمر جميعه لأهل السنة؛ تقربا إلى قبول السلطنة بإظهار السنة و أهلها، و إخمال البدعة و أهلها، و أمر بالنداء بالمدينة في يوم الثامن و العشرين من شهر ذي الحجة أحد شهور سنة خمسين و سبعمائة: أن لا يحكم في المدينة مع القاضي شمي الدين غير فلان، و من تعرض لذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.

فمن يومئذ انقطع أمرهم و نهيهم بالكلية، و ظهر علم أهل السّنّة، و اجتمعت الكلمة، و وجدنا على الحق أعوانا، ثم إن الأمير سعدا منع أيضا أن يدخلوا معه إلى الحجرة المشرفة إذا أراد الزيارة، و أقام مقامهم الفقيه برهان الدين إبراهيم بن عبد اللّه المؤذن، و صاروا كما قال تعالى: فَوَقَعَ الْحَقُ (الأعراف: 118 الآية.

و لما تم الأمر لأهل السنة و انقطع دابر القوم، وقع بينهم افتراق الكلمة و ظهرت الفتنة(2)، فأسخطوا بذلك الرحمن، و أرضوا الشيطان، و أصبح كلّ من المجاورين فيما بينهم و بين الخدام متحزبين أحزابا، منتظرين لبعضهم عذابا، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من شر الشيطان الرجيم.

و لما رأيتهم على هذا الحال، و قد كثر بينهم القيل و القال، لزمت بيتي رغبة


1) أورده السخاوي نقلا عن ابن فرحون.

2) تحرف في المطبوع إلى:" و ظهرت من الفتنة" و صوابه من الأصل.

في السلامة، متمثلا بقول العلامة أبي شامة، رحمه اللّه:

ألا يا لائمي مالي سوى البيت موضع‌أرى فيه عزّا أنه لي أنفع

و قد يسر اللّه الكريم بفضله‌غنى النفس مع شي‌ء به أتقنّع

و في حسن ظني أن ذا يستمر لي‌إلى الموت إن اللّه يعطي و يمنع

و لنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار القاضي شمس الدين بن السبع رحمه اللّه، كان خطيبا مصقعا، إذا خطب على المنبر، يسمع من طرف السوق مع ما في السوق من اللغط، و لو أنصت له منصت من أعلى سور المدينة سمع كلامه مع الفصاحة العظيمة و حسن الأداء، و بدت منه سقطات لا تليق بالحكام، و اشتهرت عنه بين الناس منها: أنه صحف المثل المشهور: (إذا قالت حذام فصدقوها)، فنطق بها بضم الخاء المعجمة و تشديد الدال المهملة، و يقال: إنه زعم بذلك خدام الحرم الشريف النبوي(1).

فلما كانت سنة أربع و خمسين و سبعمائة سافر جماعة من المجاورين و أشاعوا عنه تلك الأشياء، و كان القاضي عز الدين بن جماعة من أعظم الناس كراهة في ولايته بالمدينة المشرفة، و كذلك الشريف أبو العباس الصفروي المغربي(2).

و كان للصفروي و جاهة عند الأمراء فشجع المجاورين على الكلام مع الأمراء فيه، فكتبوا فيه قصة و عددوا فيها ما نقموا عليه، و ساعدهم في باطن الأمر القاضي عز الدين و الصفروي رحمهما اللّه، فعقد لهم مجلس في دار العدل و أحضر الحجازيون جميعا، فشهدوا عند القاضي عز الدين بمحضر القضاة


1) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون.

2) نقله السخاوي في التحفة اللطيفة.

الأربعة، فقبل شهادة بعضهم، و ثبت ما نسب إليه فعزل، و ولي القاضي بدر الدين ابن الخشاب، و بعث باقي القضاة في وسط السنة نجابا(1)إلى المدينة بالعزل، و يستنجز محضرا بصدق ما شهد به عليه في القاهرة، فرأيت أن ذلك قد تعين عليّ لضيعة المنصب النبوي، فتقدمت في ذلك، و أثبت محضرا بذلك، و بعث إليّ بدر الدين ابن الخشاب يسألني القيام بالوظيفة نائبا عنه(2).

و كان الأمير شيخو يشد من ابن السبع، فأخذ مرسوم السلطان بالكشف على ابن السبع في المدينة، و بعثه مع الأمير سيف الدين عمر شاه أمير الركب المصري، و بعث معه خلعة و تقليدا، فوقع لي مجلس عظيم مع الأمير عمر شاه و مع الحافظ الإمام شمس الدين ابن النقاش، و جماعة غيرهما من المتعصبين له، فردهم اللّه بالحق، ورد أمير الحاج المرسوم و الخلعة(3)، و سيأتي ذكر ولايته الثانية.

و استقر في المنصب الشيخ الإمام العالم الأوحد وحيد دهره، و نادرة عصره:

[بدر الدين إبراهيم بن أحمد بن عيسى القرشي المخزومي المعروف بابن الخشاب.]

((4)بدر الدين إبراهيم بن أحمد بن عيسى القرشي المخزومي المعروف بابن الخشاب.)

و كان قدومه إلى المدينة في ذي الحجة من شهور سنة أربع و خمسين


1) النجاب: هو حامل الرسائل و المراسيم السلطانية إلى الأمراء و المكلف بالنداء عليها.

2) نقله السخاوي في التحفة اللطيفة.

3) نقله السخاوي في التحفة اللطيفة.

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 102.

و سبعمائة، و قدم معه قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة مجاورا بأهله و أولاده، و قدم معه صهره الشيخ الإمام العالم صدر القضاة فخر الدين ابن الكويك، و كان معهم أيضا الشيخ شهاب الدين بن النقيب، و كانت سنة حسنة تنقضي في ذكر محاسنها الأزمنة(1).

و كان القاضي بدر الدين ابن الخشاب حسنة زمانه، قد جاوز الذروة العليا و الغاية القصوى في العلم الباهر، و العقل الوافر، و حسن الفصل للخصومات مع الجزالة و الهيبة و القيام في الحق، حاكم إن قيل حاكم، و قام بالخطابة و الإمامة أحسن قيام، و انقضت تلك السنة كأنها أحلام، و كان القاضي شمي الدين ابن السبع مجاورا بمكة(2).

و لما خلت الديار المصرية من القاضي عز الدين ابن جماعة، تكلم نور الدين ابن شمس الدين ابن السبع لوالده، و ساعده الأمير شيخو، فجاءنا الخبر في الموسم الشامي بأن بدر الدين ابن الخشاب قد عزل وردّ ابن السبع إلى منصبه، فلما جاء الركب المصري جاء التقليد و الخلعة لابن السبع، و استقر في المنصب من أول سنة ست و خمسين و سبعمائة، و جرى على أخلاقه المعهودة، و سألني أن أكون نائبا عنه فامتنعت.

فكان يقول لي كلما لقيني: أنا أسأل اللّه العظيم عند هذا النبي الكريم كلما زرته أن يسخرك لي، و إذا سألني عن خطبته أقول له: حسنة، يقول: هذه إجازة منك و اللّه، و يسرّ بذلك، و لا ينقم على أحد من الجماعة الذين تكلموا


1) أورده السخاوي بنصه.

2) أورده السخاوي بنصه.

فيه في القاهرة، و حاسن الناس و مشى الحال، و قام بوظائفه على طريقة أشبه من طريقته الأولى، و كان يذكر أنه يعرف بابن السبع من جهة الخئولة؛ لأن جده لأمه كان رجلا صالحا ركب السبع فجرى عليه هذا اللقب.

و أما جده لأبيه فكان أميرا صاحب إقطاع، عتيقا لشخص لم يحضرني الآن اسمه، و ذكر أنه سمع الكتب الستة على الشيخ شرف الدين الدمياطي، و" السيرة" على الأبرقوهي، و لبس منه الخرقة بإلباسه من الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمهم اللّه، و استمر في الوظيفة إلى الحادي عشر من شهر ربيع الآخر أحد شهور سنة تسع و خمسين و سبعمائة، فاتفق في صبيحة العاشر من الشهر المذكور أن جاء ركب كبير إلى أن قربوا من باب البلد و نزلوا تحت القلعة، و لم يتحقق الناس من هم(1)و ظنوا أنهم قفل من أهل ينبع.

ثم كشف الحال فإذا هم(2)جماعة الأمير جماز بن منصور قدم المدينة متوليا لها بمرسوم السلطان و معه القاضي تقي الدين الهوريني متوليا و معهم مرسوم بعزل شيخ الخدام عز الدين دينار، و ولاية الشيخ افتخار الدين، فعجب الناس من وصولهم إلى أبواب المدينة، و لم يبلغهم الخبر.

و في صبيحة الحادي عشر دخلوا المدينة، و خرج آل جماز من المدينة أشرّ خروج، حفاة فارين من الأسوار و الأبواب، فنادى الأمير جماز في أصحابه:

أن لا يتبعهم منكم أحد، و منّ عليهم، و عفا عنهم.


1) في المطبوع:( منهم) و المثبت من الأصل.

2) في المطبوع:( ثم كشف الحال أنهم جماعة) و المثبت من الأصل.

و استقر في القلعة الأمير جماز.

و في منصب الحكم القاضي تقي الدين الهوريني، و في مشيخة الحرم الخزنداري نيابة عن افتخار الدين، و استقر القاضي تقي الدين على عادته في فصل الأحكام، و سياسة الأنام مقبلا على العبادة و الاشتغال بما يقربه من اللّه، و جريت معه على العادة في نيابة الحكم، فحاول الأمير جماز رجوع الإمامية إلى ما كانوا عليه، و أذن ليوسف الشريشير أن يحكم بين الغرماء، و ظهرت كلمتهم، و ارتفعت رايتهم، و أظهر الأمير لي و للمجاورين الجفاء و الغلظة في الكلام، فسافر الناس في أثناء السنة إلى مصر و تحدثوا بذلك فبلغ السلطان فاغتاظ لذلك، و بلغه أيضا ما جرى للشيخ ضياء الدين الهندي من الضرر في القلعة، فبعث مع الموسم شخصين أشقرين شقيين فقتلاه، و انتقل إلى رحمة اللّه شهيدا فباءا بذنبه، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (الشعراء: 227.

فلما كان في أول سنة ستين و سبعمائة توفّي القاضي تقي الدين إلى رحمة اللّه تعالى، و ذكر أن مولده في سنة أربع و تسعين و ستمائة تغمده اللّه برحمته، و وصل الخبر بموته إلى القاهرة.

فولي المنصب الشريف الشيخ الإمام العلامة المتفنن:

[تاج الدين محمد بن عثمان الكركي]

((1)تاج الدين محمد بن عثمان الكركي)

، فوصل إلى المدينة في آخر سنة ستين و سبعمائة، و كان فاضلا في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه، و في أصول الفقه، مشاركا في العربية و غيرها، تفقه بالشيخ برهان الدين ابن الفركاح


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 663.

و طبقته مثل قاضي القضاة ابن البارزي و غيره، و مولده في سنة عشر و سبعمائة(1).

و جاء إلى المدينة بأخلاق رضيّة، و نفس زكية، فوجد اختلافا كثيرا فسكّنه، و عيوبا جمة فسترها، و تحبب إلى قلوب المجاورين و الخدام، و استمال الطلبة و حضّهم على الاشتغال، و تبتل للإفادة فعكفت على محبته و اعتقاده القلوب، و انطلقت الألسن بذكره و شكره(2).

و كنت أقول لأصحابي: هذا رجل لا يتطرق العيب إليه، و لا يجد العدوّ فيه مطعنا، فلما طالت إقامته في المدينة و كبر سنه و أولاده، لاذ به و بهم جماعة من شباب الطلبة الذين لم تحنّكهم(3)

و حنّكت السّنّ و التجارب فلانا: أحكمته.

الليالي و الأيام، و لم يربّهم ذو النهي و الأحلام، فأظهروا إليه النصيحة بالكلام في أعراض أصحابه، و نقل مجالسهم إليه، و التنميم عليهم، فأفسدوا عقيدته في أصحابه، و كان رجلا متخيلا، فصار يحمل نصحهم له على الغش له و النصيحة مرّة، فيتحقق عداوتهم له، و يصدق النمامين بالظن و الحدس و التخمين، و صار يتكلم في المجالس العامة بما نفّر(4)عنه الكبار و ذوي العقول الراجحة(5).

1) نقله السخاوي في التحفة.

2) نقله السخاوي في التحفة.

3) رواية المطبوع:( لم تحكمهم الليالي) و المثبت من قراءة النص، و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن المصنف.

4) تحرف في المطبوع إلى:( تفرّ).

5) نقله السخاوي في التحفة.

ثم سعوا بينه و بين الخدام فأفسدوا ما بينه و بينهم من الألفة و المحبة، و كان قد فوّض إلى الشيخ افتخار الدين أحكام الحرم و الوظائف، و الكلام على الربط و الأوقاف، و كنت ألومه على ذلك فلا يرجع إلى كلامي ففسد حال الناس من الجهتين، و أضرمت نار الفتنة، و افترقت الكلمة، و تحزب الناس أحزابا، و حاول أن يعيد الأمور التي تتعلق به إليه بعد أن جعلها بيد الشيخ، فلم يتمكن من ذلك(1).

و استحكم الفساد، و صارت آراؤه تصدر عن مشاورة الشبان، و بدت منه أشياء لا تليق بعقله و حسن سياسته، و نفر عنه أكثر المجاورين و الخدام، و مالت عنه قلوبهم و اجتمعت كلمتهم على غيره، فحينئذ أسفر له ضوء الصبح، و تبين له سبيل النجح(2)، فلم يكن تلا في الحال، و انفرد في غوغاء أهل قيل و قال، و في مثل ذلك يقال(3):

لا خير في الناس فوضى لا سراة لهم‌و لا سراة إذا جهالهم سادوا

إذا تولى سراة الناس أمرهم‌نمى على ذاك أمر الناس و ازدادوا

تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت‌فإن تولت فبالأشرار تنقاد

و اتفق له مع الخدام موطن في بيته حضره جماعة من الأشراف، فلولا لطف اللّه تعالى لكان يحكي يوم الدار.

و لما سافر الناس إلى مصر قل الشاكر و كثر الشاكي، و كان قد عزلني عن


1) نقله السخاوي في التحفة.

2) في المطبوع( النجاح).

3) في المطبوع( و في مثل ذلك يقول القائل).

نيابته في الأحكام، في أثناء السنة و هي سنة خمس و ستين و سبعمائة، توقيع شريف بأن أجري على عادتي في الأحكام أيضا ما قويت به شوكتهم، و علت به كلمتهم، فحينئذ أقبل على شأنه، حافظا للسانه، متحرزا من إخوانه.

ثم سافر إلى مصر مع الركب المصري ليمهّد الأحوال، و يدرك جميع الآمال، فلما وصل إلى مصر تحقق أن سعيه في ذلك يسقط حشمته، و ينقص حرمته، فاختار المقام بمصر فعزل.

و ولي المنصب الشريف الشيخ الإمام العلامة جامع أشتات الفضائل:

[شمس الدين محمد بن سليمان الشهير بالحكري المصري الشافعي]

((1)شمس الدين محمد بن سليمان الشهير بالحكري(2)المصري الشافعي)

، وصل (إلى(3)المدينة المشرفة في ذي الحجة سنة ست و ستين و سبعمائة، إمام فاضل في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه، رحلة في علم القراءات و ما يتعلق بها من العربية و التصريف و غير ذلك، له تآليف عديدة مفيدة، منها: (شرح الحاوي) و (شرح الألفية) و غير ذلك، و قام بالخطابة(4)و الإمامة أحسن قيام، لم يل هذا المنصب أحد ألين منه عريكة، و لا أكثر تواضعا، و لا أصح منه سريرة، و لا أصفى قلبا للمجاورين، غير أنه وجد عند الخدام بقايا ذلك العناد الذي تأسس في أيام القاضي تاج الدين، فحاول


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 580.

2) تحرف في المطبوع إلى( الشهير الحكري) و صوابه من الأصل.

3) ساقط من المطبوع.

4) في المطبوع:( الخطبة) و المثبت من الأصل.

إصلاح ذلك بالقوة و الشدة فزادوا في مناصاته(1)على الحد، و جرى بينه و بينهم مقامات لا يليق ذكرها(2)، و صار حاله مع شيخ الخدام كما قيل:

بليت بشخص صاحب غير منصف‌إذا جاءه وصلي أتاني جفاؤه

إذا ما استوى أمري تعوّج أمره‌مخالفة في كلّ شي‌ء أشاؤه


1) في المطبوع:( في مناصّته) و المثبت من الأصل، و مثله لدى السخاوي و هو ينقل عن ابن فرحون. و يقال: فلان يناصي فلانا: ينازعه و يباريه.

2) نقله السخاوي في التحفة.

فصل [في ذكر أمراء المدينة و مدة ولايتهم]

اشارة

قد عنّ لي أن أذكر من أدركته من أمرائنا و مدة ولايتهم على سبيل الاختصار، معرضا عمّا يتعلق بقصصهم، و شرح حالهم و سيرهم مع رعاياهم إلا ما لا بد منه، فإن ذلك هو المقصود و الذي أردناه.

فأوّل من أدركته من الأمراء الأمير:

[عز الدين جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا]

((1)عز الدين جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا)

بن حسين بن مهنا بن داود بن قاسم بن عبد اللّه بن ظاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و عن فاطمة الزهراء البتول و عن ذريتهما الطيبة الطاهرة، و حشرنا في زمرتهم، و نفعنا بمحبتهم، و صلّي اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

كان الأمير جماز رحمه اللّه شجاعا مهيبا سايسا حازما ذا رأي مصيب و همة عالية، ترقت همته إلى أن قصد صاحب مكة، و هو الأمير نجم الدين أبو نمي محمد بن صاحب مكة أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني، و حاصره و انتزع منه مكة المشرفة، فاستولى عليها و حكم فيها و أقام بها(2)مدة يسيرة، ثم عادت إلى أبي نمي، و ذلك في سنة سبع و ثمانين و ستمائة.

و كان والده الأمير:

[شيحة متوليا على المدينة]

((3)شيحة متوليا على المدينة)

انتزعها من الجمامزة في سنة أربع و عشرين


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 422.

2) نقله السخاوي في التحفة عن ابن فرحون

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 225.

و ستمائة، و طريق و صولها إليه أن صاحب المدينة- المتولي عليها في أيام الخليفة أمير المؤمنين المستضي‌ء بأمر اللّه بن المستنجد باللّه العباسي- هو الأمير عز الدين أبو فليتة قاسم(1)بن مهنا(2)، هكذا ذكره مؤلف (الروضتين في أخبار الدولتين) النورية، و الصلاحية.

قال العلامة أبو شامة في (الروضتين)(3): و كان السلطان الملك الناصر:

[صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده اللّه برحمته]

((4)صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده اللّه برحمته)

محبّا في للأمير قاسم بن مهنا، يستصحبه معه في غزواته و فتوحاته، فحضر معه أكثر الفتوحات، و كان السلطان صلاح الدين يجلسه عن يمينه و يستوحش لغيبته، و يستأنس بشيبته.

قال: و ما حضر الأمير قاسم مع السلطان صلاح الدين حصار بلد أو حصن إلا فتح اللّه تعالى على المسلمين، فكان السلطان يعتقد بركة نسبه الطاهر، و يكرمه و يتحفه بأجل الكرامات.

و كانت فتوحات السلطان صلاح الدين و مآثره الحسنة للإسلام و المسلمين تحاكي فتوحات الصحابة رضي اللّه عنهم.

و قد عدّد (صاحب (الروضتين)(5)منها شيئا كثيرا.


1) تقدم ذكر ترجمته.

2) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون.

3) الروضتين 3/ 309، 4/ 45.

4) من مصادر ترجمته: وفيات الأعيان 7/ 139.

5) انظر: الروضتين في أخبار الدولتين، ج 2 ص 125 و ما بعدها.

فمن كلامه حكاية من كتاب كتبه السلطان صلاح الدين إلى الخليفة في بغداد: و الآن قد خلص بحمد اللّه القدس الشريف من أيدي النصارى، و جميع مملكة القدس و ضياعه و أعماله و الكرك أيضا و حصونه، و الشوبك و أعماله و جميع البلاد الشمالية إلى منتهى أعمال بيروت، و جميع أقاليم أنطاكية، و عسقلان و عكا و طرابلس و الرملة.

و ذكر في موضع آخر نسخة من كتاب السلطان و عدّد فيه خمسين موضعا ما بين مدينة كبيرة و صغيرة و حصون حصينة.

قال: و هذا خلاف ما لكل من الأعمال التي حولها.

و كان رحمه اللّه قد أفنى عمره في الجهاد لا يفتر عنه فصلا متواليا حتى توفي إلى رحمة اللّه تعالى. و كان الذي رباه و دربه على ذلك و رقاه إلى الرتبة العالية

[الملك العادل نور الدين محمود الشهيد بن زنكي آق سنقر رحمة اللّه عليه.]

((1)الملك العادل نور الدين محمود الشهيد بن زنكي آق سنقر رحمة اللّه عليه.)

و قد خرجت بذكر هذين الملكين عن المقصود الذي أردناه؛ لكن لمصلحة عظيمة، و هي إقامة الحجة على المتأخرين من الملوك، فإنهم يستبعدون من أنفسهم طريقة الخلفاء الراشدين و من حذا حذوهم من الأئمة السابقين، و يقولون: نحن في الزمن الأخير، و ما لأولئك من نظير.

فقد أظهر اللّه تعالى الحجة عليهم بمن هو في عصرهم من بعض ملوك دهرهم، فلن يعجز عن التشبيه بهما أحد إن وفقه اللّه الكريم و سدده.


1) من مصادر ترجمته: وفيات الأعيان 5/ 184.

و كان الملك العادل الكامل نور الدين ملكا عادلا زاهدا عابدا ورعا، متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا في سبيل اللّه تعالى(1)، و كان مواظبا على الصلوات في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، عفيف البطن و الفرج، مقتصدا في الإنفاق، متحريا في المطاعم و الملابس، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه و لا في ضجره، و أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها، أو إرشاد إلى سنّة يتبعها.

و قال أبو الحسن ابن الأثير(2): و قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، و فيه إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين و عمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين.

و كان كثير الصدقات، بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار، مثل:

دمشق و حلب و حماة و حمص و بعلبك، و بنى أيضا سور بعلبك(3)، و كمّل بناء سور المدينة الشريفة النبوية، و هو سورها الموجود اليوم، و اسمه مكتوب على باب البقيع رحمه اللّه.

و أجرى العين التي تحت جبل أحد و أظنها عين الشهداء، فإن العين التي أجراها معاوية مستبطنة للوادي و قد دثرت، و رسومها موجودة إلى اليوم و اللّه أعلم.

و أما السور الذي داخل المدينة، فإنما أحدثه الوزير جمال الدين محمد بن


1) ابن خلكان 5/ 185.

2) الكامل في التاريخ لابن الأثير 11/ 403.

3) ابن خلكان 5/ 185.

أبي منصور الأصبهاني، و كان وزيرا للشهيد والد(1)الملك العادل، ثم استوزره بعد زنكي ولده غازي بن زنكي، و كان ممن يضرب به المثل في الجود و الكرم و الإحسان إلى أهل الحرمين، و عمّر الحرمين الشريفين، و بنى الرباط المقابل لباب جبريل الشهير برباط الأصفهاني، و كان يدعى له على المنبر النبوي، و يقال: اللهم صن حريم من صان حرم نبيك بالسور محمد بن علي بن أبي منصور.

و ذلك أن العرب كانوا قد استباحوا أهل المدينة مرارا، فكانوا لا يتركون لأحد ما يواريه و لا ما يسد جوعته، فبنى عليهم هذا السور المذكور، فاحتموا به من العربان، و هذا السور باق إلى اليوم، قد أدخله الناس في دورهم و تملكوه، و كانت وفاة جمال الدين الوزير في سنة تسع و خمسين و ستمائة.

و لنرجع إلى ذكر مآثر الملك العادل رحمه اللّه، فمن جملة حسناته أن بنى بالموصل الجامع النوري، و بحماة الجامع الذي على نهر العاصي و جامع الرها، و جامع منبج(2)

( منبح: بالفتح ثم السكون و باء موحدة و جيم: بلد قديم كبير واسع، بينه و بين الفرات ثلاثة فراسخ.

، و بيمارستان دمشق، و دار الحديث بها، و له من المناقب و المآثر ما يستغرق الوصف(3).

و كان مع سعة ملكه و كثرة ذخائر بلاده و أموالها، لا يأكل و لا يلبس و لا يتصرف إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، و من بيت مال


1) تحرف في المطبوع إلى:( الوالد).

2) تحرف في المطبوع إلى( مبج) و هو تحريف قبيح، صوابه من الأصل و ياقوت، و لديه:

3) ابن خلكان 5/ 185.

المسلمين بعده، إلى أن حضر الفقهاء و استفتاهم فيما يحل له أخذه من مال المسلمين، فأخذ ما أفتوه به و لم يتعرض إلى غيره ألبتة، و لم يلبس قط ما حرّمه الشرع من حرير أو ذهب، و أبطل المكوس من جميع بلاده، و منع شرب الخمر و قمع البدع، و أخرج الروافض من حلب و أعمالها، و شتت شملهم، و كان ورده من نصف الليل إلى طلوع الفجر في صلاة و تلاوة و ذكر.

و بعثت إليه زوجته تستقل النفقة على نفسها و عيالها فتنكر لذلك(1)و قال:

من أين أعطيها، و اللّه لا أخوض نار جهنم في هواها، إن(2)كانت تظن أن الذي بيدي من الأموال هي لي فبئس الظن، إنما هي أموال المسلمين و أنا خازنهم عليها، فلا أخونهم فيها، ثم قال: لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكا و قد وهبتها لها فلتأخذها.

قال ابن الأثير: و كان بالجزيرة رجل من الصالحين، و كان نور الدين يكاتبه، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالكرة. فكتب إليه يقول له(3): ما كنت أظنك تلهو و تلعب و تعذب الخيل بغير فائدة.

فكتب إليه بخطه(4): و اللّه ما يحملني على ذلك اللهو و البطر، إنما نحن في ثغر العدو قريب منا، و بينما نحن جلوس إذ يقع صوت فنركب في الطلب، و لا يمكننا ملازمة الجهاد شتاء و صيفا، إذ لا بد للجند من الراحة، و متى تركنا الخيل على مرابطها صارت جماما لا قدرة لها على إدمان السير في الطلب، و لا


1) في المطبوع:( فتنكر ذلك).

2) في المطبوع:( فإن).

3) في المطبوع:( بقوله).

4) في الأصل( بخط يده).

معرفة لها بسرعة الانعطاف و الكر و الفر في المعركة، فقصدنا أن نروضها بهذا اللعب.

فانظر إلى هذه النية الصالحة في اللعب و كان لا يفعل شيئا إلا بنية صالحة، و كان رحمه اللّه متبعا للشريعة و أوامرها، و ألزم بذلك أتباعه و ذويه فمن ذلك:

أنه كان يوما يلعب بالكرة بدمشق فرأى شخصا يكلم غلامه- أعني الملك العادل- فأرسل الملك العادل يسأل عن حاجة الرجل، فأخبر أن فلان بن فلان قد جاء و معه غلام القاضي، و ذكر أن له مع الملك العادل حكومة، فرمى بالجوكان من يده و سار إلى القاضي، و قال له: إني جئت محاكما فاسلك معي مثل ما تسلكه مع غيري، فساوى بينهما و تحاكما، فلم يثبت على الملك العادل شي‌ء، و كانت الحكومة في ملك. فقال نور الدين للقاضي و لجميع من حضر:

هل ثبت له عندي شي‌ء؟ قالوا: لا. قال: اشهدوا أني وهبت له هذا الملك و هو له دوني، و قد كنت أعلم أنه لا حق له عندي، و إنما حضرت معه لئلّا يظن أني ظلمته. و استدعي مرة أخرى إلى مجلس الحكم بحلب، فأجاب إلى ذلك.

قال ابن الأثير: و من عدله أنه لم يكن يعاقب العقوبة التي يعاقب بها الملوك في هذه الأعصار على الظن و التهمة، و كتب إليه الشيخ عمر الملّا و كان رجلا صالحا كبير الشأن: إنّ المفسدين و قطّاع الطريق قد كثروا، و يحتاج في هذا الأمر إلى نوع سياسة من قتل و صلب و ضرب، و إذا أخذ مال إنسان في البرية من (يجي‌ء(1)يشهد له.

فكتب نور الدين على ظهر الكتاب: إن اللّه تعالى قد خلق الخلق و هو أعلم


1) ساقط من المطبوع.

بمصلحتهم، و شرع لهم شريعة، و مصلحتهم تحصل فيما شرّعه على وجه الكمال، فلو علم أن على الشريعة زيادة في المصلحة لشرعه، فما لنا حاجة إلى الزيادة على ما شرعه اللّه تعالى.

قال: فجمع عمر الملّا أهل الموصل و أقرأهم الكتاب، و قال: انظروا كتاب الزاهد إلى الملك العادل، و كتاب الملك إلى الزاهد. و قد صنّف الناس في سيرة الملك العادل مصنفات عديدة، فلنقتصر على ما ذكرناه.

و ذكر شمس الدين ابن خلكان أن الحصون التي افتتحها من الإفرنج تنيف على خمسين حصنا، مثل بهسنا(1)

ولدي ياقوت:( بهسنا- بفتحتين و سكون السين، و نون، و ألف: قلعة حصينة بقرب مرعش، و هي من عمل حلب).

، و بانياس، و مرعش، و حارم، و غير ذلك، و كان قد ملك مصر و الشام و أعمالها، و حلب و أعمالها، و الحجاز و اليمن، و كان يخطب له مع الخليفة على سائر منابر تلك البلاد، و كان مولده رحمه اللّه في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و وفاته في سنة تسع و ستين و خمسمائة(2).

و أما الملك الناصر صلاح الدين فسيرته مثل سيرته؛ لأنه انتشى بين يديه فتخلق بأخلاقه، و تأدّب بآدابه، و كان نور الدين أكثر اجتهادا في العبادة منه، و أكثر ورعا و تقشفا، و كان صلاح الدين أحسن منه أخلاقا و أكثر حلما و صبرا على ما ذكر، و قيل: إنه كان أكرم منه و أجسر منه على الدخول في المهمات الكبار، و كان محببا إلى الرعايا أكثر من الملك العادل، و كان في الجهاد أعلى درجة منه، و لو لم يكن له إلا فتح القدس لكفاه، و كان فتح القدس في سنة


1) في الأصل و المطبوع:( بهشنا) و صوابه لدى ابن خلكان الذي ينقل عن المصنف.

2) ابن خلكان 5/ 185.

ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و كان استيلاء الفرنج عليه في سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة، و كان الحاكم على القدس يومئذ العبيديون، و كنا قد ذكرنا بعض فتوحاته.

و أما أوقافه و صدقاته فتكافئ ما فعله الملك العادل رحمه اللّه أو تكاد، و هو الذي ثبّت قاعدة الخدام في الحرم النبوي، و أوقف عليهم الأوقاف، و كتاب الوقف موجود عندهم إلى اليوم، و كان الموقوف عليهم نحو العشرين خادما بأعيانهم، ثم من بعدهم على خدام الحرم النبوي، ثم أوقف عليهم الملك الصالح بن الملك الناصر محمد بن قلاوون وقفا آخر، و لهم اليوم منذ تقرروا في الحرم بالجامكية نحو مائتي سنة.

و من العجائب أن أوقاف صلاح الدين في مدارسه أكثرها مشهورة باسم غيره من سكانها، أو نظارها، أو المشرفين على عمارتها، و هذه صدقة السر بعينها، و من أعظم حسناته محوه لدولة العبيديين، و طمس معالمهم و رسومهم و آثارهم.

و كان بنو عبيد قد أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون، فملكوا البلاد، و قهروا العباد، و قد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنّ نسبتهم غير صحيحة و المعروف أنهم بنو عبيد، و كان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي.

و قيل: كان والد عبيد هذا يهوديّا من أهل سلمية من بلاد الشام، و كان حدادا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد اللّه، و زعم أنه فاطمي، و ادّعى نسبا غير صحيح، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك و تسمى المهدي، و بنى المهدية بالمغرب، و نسبت إليه، و كان زنديقا خبيثا، عدوّا للإسلام متظاهرا بالتشيع تسترا به،

حريصا على إزالة الملة الإسلامية، قتل من الفقهاء و المحدّثين و الصالحين جماعة كثيرة، و كان قصده إعدامهم من الوجود ليبقى العالم كالبهائم، فيتمكن من إفساد عقائدهم،: وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (الصف: 8، و نشأت ذريته على ذلك، و انبثت الدعاة لهم في البلاد يضلون الضعفاء من الناس، و بقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها، و ذلك من ذي الحجة سنة تسع و تسعين و مائتين إلى سنة سبع و ستين و خمسمائة.

و في أيامهم كثرت الروافض و استحكم أمرهم، و كثرت المكوس على الناس، فاقتدى بهم غيرهم، و أفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال بثغور الشام و غيرها، و ظهرت النصيرية و غيرهم من طوائف المعتزلة، و هم إلى الآن.

و كانوا أربعة عشر مستخلفا ثلاثة منهم بإفريقية، و هم الملقبون: بالمهدي، و القائم، و المنصور .. و أحد عشر بمصر و هم الملقبون: بالمعز و هو أولهم، و إليه نسبت المعزية، و العزيز، و الحاكم، و الظاهر، و المستنصر، و المستعلي، و الآمر، و الحافظ، و الظافر(1)، و الفائز، و العاضد. يدّعون الشرف و نسبتهم على الحقيقة إلى يهودي أو مجوسي كما تقدم، و اشتهر ذلك عند العوام، فصاروا يقولون:

الدولة الفاطمية، و كانوا يأمرون الخطباء بذلك على المنابر و يكتبون على جدران المساجد، و مثالبهم كثيرة، و مخازيهم عديدة.

و لكن لا بد من ذكر نبذة يسيرة هاهنا(2)ليعذر من أزال دولتهم، و أمات بدعتهم، و أباد أمتهم، و أطفأ جمرتهم.


1) تحرف في المطبوع إلى:( الظاهر) و صوابه من الأصل.

2) في الأصل:( منها).

كان المهدي يرسل إلى الفقهاء و العلماء من يتسور عليهم و يذبحهم في فرشهم، و أرسل دعاتهم إلى الروم و سلطهم على الناس فمن وجدوه يفهم شيئا. قالوا له: هو المهدي بن رسول اللّه، و حجة اللّه، و يقولون لطائفة أجهل من هؤلاء: هو اللّه الخالق الرازق، تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا، و لما هلك قام ابنه المسمّى بالقائم و زاد شره على شر أبيه، و جاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية: العنوا عائشة و بعلها، العنوا الغار و من حوى.

و بعث إلى أبي طاهر القرمطي أمير البحرين و حضّه على قتل المسلمين و إحراق المساجد و المصاحف، فقدم إلى مكة و قتل الحجيج، و حمل الحجر الأسود و أقام عندهم في البحرين نحو ثمانية عشر سنة و أزيد، ثم ردّوه بعد قصص كثيرة يتعذر شرحها هنا.

و أمّا المعزّ فكان يسرّه ما ينزل بالمسلمين من الفرنج، و احتجب عن الناس بمصر، ثم ظهر و أوهم الناس أن اللّه تعالى رفعه إلى السماء، و أخبرهم بما كان يصدر منهم في أيام تحجبه بما يخبره به الجواسيس، فامتلأت قلوب العامة و الجهلة منه، و استدعى فقيه الشام أبا بكر بن محمد الرملي و يعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب فأمر بسلخه فسلخ حيّا، و حشا جلده تبنا و صلب رحمه اللّه، و كان يقول و هو يسلخ: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (الإسراء: 58.

و أمّا المسمّى بالحاكم فأمر بكتب سبّ الصحابة على حيطان الجوامع و القياسر و الشوارع، و كتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسّبّ، و في أيامه طوف برجل مغربي و نودي عليه هذا: جزاء من يحب أبابكر و عمر ثم ضربت عنقه، و أمر بقطع لسان أبي القاسم الواسطي أحد الصالحين؛ بسبب أنه أذّن في

بيت المقدس و قال في أذانه: (حيّ على الفلاح)، و كانت ولايتهم على الناس محنة من اللّه تعالى.

و كان ضرر هؤلاء على الإسلام أشد من ضرر الكفار، و في أيامهم استعاد النصارى القدس الشريف من المسلمين و بقي بأيديهم نحو ثلاث و تسعين سنة، حتى فتحه اللّه تعالى على يد السلطان صلاح الدين رحمه اللّه، و كان ظهوره منّة من اللّه تعالى على العباد و البلاد، محا اللّه به هذه الدولة الخبيثة.

و كان قد دخل مصر مع عمّه‌

[أسد الدين شيركوه]

اشارة

((1)أسد الدين شيركوه)

، و كان عمّه أسد الدين قد بعثه الملك العادل نور الدين المتقدم ذكره، فلما رأى أسد الدين مصر و أهلها طمع في استمالتهم و علم أنهم ليس لهم صحبة، و لا للعاضد منهم نجدة، فلما رجع إلى نور الدين أخبره بذلك فجهزه بالجيوش و الأموال، فبلغ ذلك العاضد و وزيره(2)المسمى شاور فاتفقا على منعه من الدخول إلى مصر، و علما أنه لا طاقة لهم به، فاستنجدوا بمن قرب منهم من النصارى، و كانت السواحل كلها للنصارى، فأنجدوهم و منعوا أسد الدين و صلاح الدين من الدخول، و لهم في ذلك قصص عجيب لا يسع ذكره هنا.

فلما دخلوا النصارى(3)إلى مصر و رأوها؛ طمعوا فيها كما طمع فيها أسد الدين، فلما انصرفوا إلى بلادهم تجهزوا لذلك، و عملوا(4)عليه، فلما تحقق


1) من مصادر ترجمته: ابن خلكان 2/ 479.

2) في المطبوع:( فبلغ ذلك العاضد وزيره).

3) في المطبوع:( فلما أدخلوا).

4) تحرف في المطبوع إلى( و حملوا) و صوابه من الأصل.

العاضد ما عزموا عليه، بعث إلى نور الدين يستنجده عليهم، فسيّروا إليه أسد الدين و صلاح الدين، و معهما الجيوش، فسبقوا النصارى إلى مصر، و حموها منهم فرجعوا خائبين، و أقام أسد الدين في مصر و معه صلاح الدين، و صارت لهما يد على العاضد يدلان بها عليه، و علما أنهما لن يصلا إلى مقصودهما مع وجود الوزير.

و صار أسد الدين يأمر في البلد و ينهى مدلّا عليهم بما فعله معهم، و يظهر لهم نصحا و صداقة، و يريد أن يصل إلى مقصوده بالاستدراج، و كان رأي صلاح الدين غير ذلك، فلم يزل صلاح الدين يتوقع قتله لوزير العاضد حتى ظفر به في الطريق خلوة، فقبض عليه و لم يكن ذلك بأمر عمه أسد الدين و قيّده، ثم قتله بأمر العاضد، و توزر أسد الدين للعاضد أشهرا يسيرة، ثم توفي إلى رحمة اللّه.

فقام صلاح الدين مقامه و استمال قلوب الناس بالسخاء و البذل حتى قويت شوكته، و نفذت كلمته، و تمكن من الخزائن و الذخائر، فصار ينفقها في الأمراء و الجند و وجوه الناس، فلم ينتبه العاضد لنفسه حتى وجد نفسه وحيدا فريدا، فكتب الملك العادل إلى الملك الناصر يحضه على قطع اسمهم من الخطبة، و أن يخطب للخلفاء العباسيّين، فحاول هذه القضية أياما حتى وجد عليها مساعدا، و أمر أن يخطب للخليفة المستضي‌ء بأمر اللّه فخشي الخطيب من ذلك، و لم يمكنه المخالفة، فخطب و دعا للخلفاء المهديين، فبلغ ذلك العاضد، فقال: هل سموا في الخطبة أحدا؟ قيل له: لا. قال: سيسمون في الجمعة الآتية.

و لم يمكنه مقاومة صلاح الدين فسكت، و انقطع في بيته و تمرض، فخطب في الجمعة الآتية للإمام المستضي‌ء بأمر اللّه، فقيل: إنه كان عنده خاتم تحته سم فامتصه، و بقي أياما ثم هلك، و ذلك في سنة سبع و ستين و خمسمائة.

فقبض السلطان صلاح الدين على أولاد العاضد و ملك القصر و ما فيه، و أباد تلك الدولة و أهلها، و أزال اللّه تعالى عن المسلمين الذلة، و أعقبهم بعد خوفهم أمنا، فلله الحمد و له المنة.

و هذا الذي ذكرته قطرة من بحر، فإن قصص صلاح الدين أمر عجيب، و استيلاؤه على هذه أمر غريب، و من يومئذ ملك صلاح الدين مصر و أعمالها و أظهر العدل فيها، و أكثر من الأوقاف و المدارس و أنواع القربات، و لم يزل بها حاكما حتى توفي الملك العادل، فملك دمشق و كثيرا من أعمالها، و هو الذي افتتح اليمن للملك العادل، بعث أخاه إلى اليمن فملكها، و كان أخوه فيها نائبا من جهة الملك العادل.

ثم في آخر الأمر ملك السلطان صلاح الدين جميع ما كان يملكه الملك العادل، و خطب له في مصر و الشام و حلب، و جميع تلك الأعمال، و كذلك في مكة و المدينة و اليمن، و مع اتساع هذا الملك لم يخلف في خزانة ملكه بعد وفاته غير دينار واحد، و ستة و ثلاثين درهما، و لم يخلف ملكا و لا دارا و لا بستانا و لا مزرعة، فإنه كان مغرما بالجهاد و النفقة فيه، و بذل المكرمات على أمر الجيوش، و كان يجلس في كل يوم و ليلة مرة لبثّ المكارم، و كشف المظالم، و يجود (بالمال)(1)قبل حصوله، و يقطعه الناس قبل وصوله.

و كان يهب الأقاليم، و لما فتح آمد طلبها منه ابن قرا(2)أرسلان فأعطاه


1) ساقط من المطبوع.

2) تحرف في المطبوع إلى:( قره رسلان) و صوابه من الأصل، و الكامل في التاريخ لابن الأثير.

إياها، و لما فتح القدس جمع(1)ما حصل له من الأموال و فرقها(2)على الأمراء و حبا بها الفقهاء، و العلماء و الزهاد، و لم يرحل من القدس و معه شي‌ء لنفسه، و كان الذي أنفقه يقارب مائتي ألف دينار و عشرين ألف دينار، ثم جاءه وفود و لم يبق معه درهم واحد، فباع فرسه من بيت المال و فرق ثمنها عليهم، و كرمه أظهر من أن يسطر، و مع ذلك فما سمع يقول: أعطينا فلانا(3)كذا، و ما منعه من الحج إلا اشتغاله بالجهاد، و ضيق ما في يده مع المملكة الواسعة؛ لكنه كان قد أسقط جميع المكوس و الأعشار من البلدان.

و كان رحمه اللّه حسن العقيدة، قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع المشايخ أهل العلم، و كان يقرئ تلك العقيدة أولاده الصغار و يقرءونها عليه من حفظهم، و كان شديد المواظبة على الجماعة، و إذا مرض طلب الإمام إلى عنده حتى تحصل له فضيلة صلاة الجماعة، و كان يتكلف الصلاة قائما في مرض موته رحمه اللّه.

و كان شديد الرغبة في سماع الحديث، و سماع القراءات ممن له صوت حسن، و كان كثير التعظيم لشعائر الدين مبغضا لجميع الوظائف المبتدعة، و كان حسن الظن باللّه كثير الاعتماد عليه، و كان معظما للشرع منقادا لأوامره، و قد جرى له في المحاكمات نحو(4)ما جرى للملك العادل رحمهما اللّه تعالى.

و كان من أعظم الشجعان قوي النفس، شديد البأس على الكفار، عظيم


1) تحرف في المطبوع إلى:( جميع) و صوابه من الأصل.

2) في المطبوع:( فرقها).

3) تحرف في المطبوع إلى:( فلان).

4) في المطبوع:( و قد جرى من المحاكمة نحو) و المثبت من الأصل.

الثبات لا يهوله أمرهم، و لا تهمه كثرتهم أصلا، و كان منصورا عليهم في الغالب.

و كان شديد المواظبة على الجهاد عظيم الاهتمام به، و لو حلف حالف أنه ما أنفق بعد تبتله للجهاد دينارا و لا درهما إلا في الجهاد أو في الإرفاد ترغيبا في الجهاد، لصدق و بر في يمينه، و الذي وهب من الخيل في مرج عكا عشرة آلاف رأس.

و كان المسلمون في تلك الواقعة بالنسبة إلى النصارى مثل الشامة فيهم، و لقد وصل إلى النصارى على كثرتهم نجدة جاءتهم في البحر فعدّ ما وصل إليهم في ليلة واحدة فكان نيّفا و سبعين مركبا. و هو لا يزداد إلا قوة نفس، و ثبات قلب، و لقد انهزم المسلمون في ذلك اليوم الميمنة و الميسرة و القلب، و وقع الكوس و العلم، و هو ثابت في نفر يسير من المسلمين قد انحاز بهم إلى الجبل، و هو يرد الناس و يخجلهم، و لم يزل يجمع الناس حتى ردوا على العدوّ و قتلوا منهم سبعة آلاف ما بين راجل و فارس، و لم يزل مصابرا لهم حتى ظهر له ضعف المسلمين، فصالح النصارى ففرحوا منه بذلك، و كان هذا دأبه إذا رأى الغلبة له استأصلهم، و إذا رأى الغلبة لهم صالحهم، كل ذلك ليتوفر جيش الإسلام و يقوى.

و كان رحمه اللّه سلطانا عادلا رفيقا(1)حليما ناصرا للضعيف على القوي، و كان حسن الأخلاق لطيف العشرة حافظا لأنساب العرب و وقائعهم، عالما بعجائب الدنيا و نوادرها، و كان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير، طاهر اللسان من السب و الشتم، لم يكتب بقلمه أذى لمسلم قط.


1) تحرف في المطبوع إلى:( رفيعا) و صوابه من الأصل.

و مناقبه قد صنفت فيها مصنفات عديدة، و لا شك أن سيرته و سيرة الملك العادل حجة اللّه تعالى على من بعدهما من الملوك و الأمراء و غيرهم، و لهذا ذكرت هذه النبذة اليسيرة، ليتنبه بها من يقف عليها و اللّه الموفق.

و في أيامه رحمه اللّه ركب الفرنج من الأمر العظيم فكرا و افتضوا من البحر طريقا بكرا، و ذلك أنهم عمروا مراكب حربية و شحنوها بالمقاتلة و الأسلحة و الأزواد و وجهوها إلى سواحل الحجاز، فبعضهم توجه إلى عيذاب، و أذاقوا أهلها العذاب، و أسروا تجار اليمن، و نهبوا ما معهم، و بعضهم توجه إلى أرض الحجاز.

و كان الذي فعل ذلك الإبرنس صاحب الكرك، و ذلك أنه لما صعب عليه ما يواليه من ممالك السلطان صلاح الدين، أعمل الحيلة فبنى سفنا و أتقنها، ثم نقل أخشابا إلى الساحل ثم ركب المراكب هناك و عمرها.

فلما توجهوا إلى أرض الحجاز، أشرف أهل المدينة على الخطر، و وصل إلى مصر الخبر، و بها الملك العادل أخو صلاح الدين نائبا عنه، فاشتد حزن المسلمين لفناء بيت اللّه الحرام، و مقام خليله الأكرم، و ضريح نبيه الأعظم، فجهّز الملك العادل مراكب في البحر و شحنها بالمقاتلة أهل النخوة للدين، و الحمية البائعين للّه تعالى أنفسهم، فقصدوهم، و كانوا قد افترقوا فرقتين كما تقدم، فألقوا المراكب التي توجهت إلى الحجاز في أرض رابغ، و من جهة ينبع في أرض الحوراء و الآخرين في عيذاب، فواقعوهم و أوقعوا بهم فظفرهم اللّه بجميعهم، و تبعوهم(1)في الجبال و الشعاب و حاصروهم حتى أمكنهم اللّه منهم و لم


1) في المطبوع( و تبعهم).

يفتهم(1)منهم أحد، و عادوا إلى القاهرة بالأسارى، فأمر السلطان صلاح الدين بضرب رقابهم حتى لا تبقى منهم عين تطرف، و لا أحد يخبر عن طريق ذلك البحر و لا به يعرّف.

و كان الذي دل الإفرنج على ذلك الطريق و أخبرهم بعورات الساحل ناس من العرب أشبهوهم في الكفر، ثم إن السلطان صلاح الدين توجه بهمته إلى جهادهم، ففتح اللّه تعالى عليه الكرك و أعمالهم، و طهّر اللّه تعالى الناحية منهم، قال اللّه تعالى: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (الأحزاب: 25.

و كانت وفاة السلطان صلاح الدين رحمه اللّه في سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، و مولده في اثنتين و ثلاثين و خمسمائة.

و اتّفق في سنة سبع عشرة و سبعمائة أن خرجت طائفة من النصيرية القائلين بقول العبيديين، القائلين بقولهم في بلاد الشام، و كان أكثر أتباع العبيديين القائلين بقولهم ظاهرا و باطنا في ثغور الشام، فخرجت هذه الجماعة النصيرية عن الطاعة و أقاموا شخصا ادّعوا أنه المهدي، و قاتلوا الناس، و ادّعوا أن المسلمين كفرة و أن دين النصيرية هو الحق، و رفعوا أصواتهم بقول: لا إله إلا علي، و لا حجاب إلا محمد، و بسب أبي بكر و عمر، و خربوا المساجد، و جعلوها خمّارات، فخرج عليهم عسكر المسلمين فكسروهم، و قتلوا منهم جماعة و اضمحل أمرهم، و مزقهم اللّه كل ممزق.

انعطاف على ما تقدم من ذكر الأمير قاسم بن مهنا و ذريته‌

و كان الأمير قاسم بن مهنا منفردا بولاية المدينة المشرفة، من غير مشارك


1) تحرف في المطبوع إلى( و لم يقهم منهم).

و لا منازع، فلما توفي تولى موضعه أكبر أولاده، و هو جماز جدّ الجمامزة، و استمر فيها إلى أن توفي، ثم استقرّ في موضعه ولده قاسم بن جماز بن قاسم بن مهنا، و استقر فيها إلى أن قتله بنو لأم.

و كان الأمير شيحة نازلا في عربه قريبا منه، فلما بلغه قتل قاسم توجه إلى المدينة مسرعا حتى دخلها و ملكها، و ذلك في سنة أربعة و عشرين و ستمائة فاستقر فيها، و لم يتمكن الجمامزة من نزعها منه و لا من ذريته، و أقام شيحة في الولاية مدة طويلة، و كان يستنيب في الولاية على المدينة إذا غاب ولده عيسى، فقدر أن الأمير شيحة توجه إلى العراق فظفر به بنو لأم فقتلوه، و كان ولده عيسى في المدينة، فطمع الجمامزة في المدينة فجاء منهم جماعة على غفلة قاصدين الاستيلاء على المدينة، ففطن بهم الأمير عيسى فقبض عليهم، و قيل: إنه قتلهم، و اللّه أعلم.

و استقر الأمير:

[عيسى على الولاية مدة]

((1)عيسى على الولاية مدة)

، ثم إنه ظهر لأخويه منيف و جماز الكراهية لإقامتهما معه في المدينة فأخرجهما، و منعهما من الدخول.

فاتفق رأيهما على خلعه من الولاية، و إعمال الحيلة في ذلك، فكاتبا وزيره في ذلك، و كان من العنانيين فأمرهما بالقدوم عليه، و احتال لهما إلى أن أدخلهما الصحن العتيق بالليل، و لم يكن يومئذ للإمارة حصن غيره، فقبضا على عيسى و قيّداه، و أصبح حاكم المدينة الأمير:


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 382.

[أبو الحسين منيف بن شيحة]

((1)أبو الحسين منيف بن شيحة)

، و ذلك في سنة تسع و أربعين و ستمائة، و لم يزل حاكما بالمدينة و أخوه جماز يوازره و يساعده إلى أن توفي في سنة سبع و خمسين و ستمائة، فوليها من ذلك التاريخ الأمير عز الدين جماز بن شيحة، و لم ينازعه أخوه الأمير عيسى بن شيحة.

ثم إن ابن أخيه:

[مالك بن منيف]

((2)مالك بن منيف)

انتزعها منه في سنة ست و ستين و ستمائة فاستند عليه الأمير جماز بأمير مكة و بغيره من العربان، و سار إلى المدينة، فلم يقدروا على إخراجه منها، فلما أيسوا رحل صاحب مكة و غيره من العربان، و بقي الأمير جماز مع جماعته، فأرسل إليه الأمير مالك بن منيف يقول له ما معناه: أراك حريصا على إمارة المدينة و أنت عمي و صنو أبي، و قد كنت له معاضدا و مساعدا و يجب علينا أن نحترمك و نرعى لك حقوقك، و قد استخرت اللّه تعالى و نزلت لك عن إمارة المدينة طوعا لا كرها، فسرّ بذلك الأمير جماز و حمد اللّه تعالى على حقن الدماء و بلوغ المقصود، و استقل بالإمارة من يومئذ، فلم تخرج عن يده إلى أن مات، و استقرت بيد ذريته إلى الآن.

و كان الأمير جماز ذا رأي مصيب و كرم عظيم على إخوته و بنيهم يؤلفهم بالعطاء الجزيل، حتى استمال قلوبهم، و قوي أمره بينهم و عضده أولاده، و كان إخوته ثمانية، منهم: منيف و عيسى و محمد جد الفواطم، و أبو رديني جدّ الردنة، و كان أولاد جماز أحد عشر ولدا، و عاش الأمير عيسى إلى أن توفي في سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة. و أقام جماز في الولاية مستقلّا بها من غير منازع من يوم سلّمها له مالك بن منيف إلى سنة سبعمائة.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 93.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 94.

فلما كان عام سبعمائة خلع الأمير جماز نفسه من الولاية و نزل عنها لولده الأمير:

[منصور،]

((1)منصور،)

و أمر أن يخطب له على المنبر، و حالف الناس على طاعته و نصرته و ذلك؛ لأنه كان قد أضر في آخر عمره و شاخ و ضعف، و كان ولده منصور أبرّ أولاده به، فحسده إخوته، و تقدم أنهم كانوا أحد عشر، منهم:

منصور و سند و مقبل و ودي و قاسم و مسعود و راجح و مبارك و ثابت و آخرون.

و كان للأمير منصور أيضا أحد عشر ولدا، و هم: كبيش و كبش و طفيل و جماز و ريان و عطية و كوير و حقان و نعير و نجاد، و شخص آخر لعله نمي، فوقع الحسد و التباغض و التدابر بين الأمير منصور و إخوته إلا القليل، و طلع الأمير منصور إلى القلعة الموجودة اليوم، و كان الأمير جماز قد بناها لنفسه ليتحصن فيها و يكشف منها ضواحي المدينة، فلما خلع نفسه عن الولاية نزل إلى داره التي في عرصة(2)السوق المعروف بدار خزيمة(3)، و استقر فيها إلى أن مات في سنة أربع و سبعمائة.

ثم إن أولاد الأمير جماز انفردوا و أمّروا عليهم أخاهم:

[مقبلا و صاروا يحاصرون المدينة و لا يقدرون عليها]

((4)مقبلا و صاروا يحاصرون المدينة و لا يقدرون عليها)

، ثم إنه اتفق في سنة تسع و سبعمائة أن سافر الأمير مقبل إلى الشام لبعض مصالحه، فلما عزم على


1) من مصادر ترجمته: تاريخ أمراء المدينة 267 و ما بحواشيه من مصادر.

2) تحرف في المطبوع إلى:( عرضة) بالضاد المعجمة، و العرصة: ساحة الدار، و البقعة الواسعة بين الدور لا بناء فيها.

3) في المطبوع:( حرثمة) و المثبت رواية الأصل.

4) من مصادر ترجمته: تاريخ أمراء المدينة 272.

السفر إلى إخوته استعمل سلما طويلا مفصلا يتركب بعضه في بعض، و هو اليوم موجود في الحرم الشريف.

فلما حاذى المدينة ساروا إليها مع جماعة يسيرة من أصحابه و نصب السلم على الحصن و دخله على غفلة، و ذلك في ليلة السبت ثامن عشرين شهر كذا من السنة المذكورة و كمن في الحصن إلى الصباح، و لم يكن بالمدينة غير كبش بن منصور، فظن مقبل أن أهل المدينة لا يواجهونه بالمقاتلة نهارا، و أن كبشا ينجو بنفسه من الذبح هاربا فلما علم بهم كبش استصرخ بأهل المدينة فأصرخوه و قاتلوا معه، فقتل الأمير مقبل و قتل أيضا أبناء أخيه جوشن و قاسم أبناء قاسم ابن جماز، فعظمت الواقعة على أولاد مقبل و إخوته، فقدموا عليهم الأمير ودي ابن جماز و قاموا في طلب الثأر، و استحكم بينهم الفساد، و كثرت بينهم الحروب، و عظمت على منصور النفقات للجيوش.

فلما كان في سنة ست عشرة و سبعمائة حصل له ضيق و شدة، فطلب من الخدام المخبزين ألف درهم من كل واحد، فامتنعوا و قالوا: لا نفعلها سنّة أبدا، فأنزل منهم جماعة في الجبّ، فجاءه بعض المجاورين و قالوا: نحن نتقدمهم في النزول، و وقع في ذلك كلام كثير، ثم فرج اللّه عنهم.

فبلغ ذلك السلطان، فأمر أمير الحاج المصري بمسك منصور، فلما قدم أمير الحاج مسك الأمير منصور و ولده كبش و سار بهما معتقلين إلى مصر، فلما دخل الركب إلى القاهرة رسم عليهما في دار الضيافة نحو شهر، ثم استدعاهما السلطان الملك الناصر، و تهددهما على ما فعل منصور، و شرط عليه شروطا أنه لا يؤذي المجاورين و الخدام، و أنّ ولده كبشا يحمل عياله إلى مصر و يقيم عند السلطان، ثم أخلع عليهما و خلّا سبيلهما.

و اتفق في أول يوم من المحرم بعد مسك منصور و رحيل الحاج من المدينة، أن الأمير ودي و أولاد مقبل أغاروا على المدينة، فخرج إليهم جماز بن منصور فقاتلهم، فقتل من أهل المدينة نحو سبعة أنفس، و رجع جماز إلى المدينة، ثم بعد ذلك بأيام أغاروا مرة ثانية، فملكوها و خرج جماز بن منصور منها، فوصل الخبر إلى السلطان و منصور عنده، فسير معه عسكرا عدتهم تسعون فارسا تركا و عربا، فوصلوا إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة سبع عشرة و سبعمائة، فامتنع أولاد مقبل من الخروج ساعة، ثم رأوا أن لا طاقة لهم بالحاضرين فخرجوا على خيولهم هاربين.

فأرسل منصور خلفهم فمسك مبارك بن مقبل، ثم منّ عليه و خلّا سبيله، و بقي العسكر في المدينة يومين أو ثلاثة ثم رحلوا منها، فجمع ودي و أولاد مقبل عربا كثيرة و ساعدهم قتادة صاحب ينبع فحاصروا المدينة، فخرج منها منصور هو و ولده كبش و توجها إلى السلطان، فوجدوا في طريقهم عسكرا وجهه السلطان إلى مكة و مقدمهم سيف الدين أيتمش(1)، فسألهم المساعدة على ودي، و أن يمكنوه من المدينة، فاستمهلوه و كتبوا إلى السلطان بذلك، و ساروا إلى مكة، فبعث إليهم السلطان يأمرهم بنصرته، فقدموا معه إلى المدينة، فخرج إليهم ودي و أولاد مقبل و جرى بينهم قتال، و قتل ماجد بن مقبل. و كانت الوقعة(2)في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، و انكسر ودي و جماعته، و تسلم منصور المدينة، و دخلها العسكر فنهبوها حتى القلعة و بيوت الشرائف، و أقاموا نحو ثلاثة أيام، ثم رحلوا، و استمر ودي و أصحابه يغيرون على المدينة


1) تحرف في الأصل و المطبوع إلى:( أيدمش) و صوابه لدى ابن فهد في غاية المرام 2/ 63.

2) في المطبوع:( الواقعة) و المثبت رواية الأصل.

إغارة بعد إغارة.

و لما استقر الأمير منصور في المدينة نزل من الحصن و جلس في وسط الحرم، و قال: اجمعوا كل من في المدينة من المجاورين و الخدام فجمعوا، و كأنه تخيل أنّ ما جرى عليه من المسك و الاعتقال كان عن مكاتبة من الخدام و المجاورين.

ثم قال لكل من الحاضرين: ما اسمك، فإذا عرفه قال له: ما بلدك؟ فإذا أخبره قال له: دونك بلدك، فإن تخلفت حلّ مالك و دمك. و تبعهم بهذا الكلام واحدا واحدا، ثم قام فحصل للناس همّ و غمّ، و بقوا في شدة عظيمة خصوصا من له عيال.

فقال لهم شيخ الخدام الحريري: لا يهمنكم ما وقع، من كان معه شي‌ء فليكتر لنفسه، و من كان فقيرا فأنا أحمله و أحمل عياله حتى تبلغوا مأمنكم، و بعث لبني سالم و غيرهم من العربان يأتونه بالجمال.

و كان للأمير منصور زوجة صالحة، فقالت له: يا منصور هب أنك تسلم من الملك الناصر، ألا تخاف من يسمع بذلك من العربان كآل فضل و خالد و بني لأم، فإنهم يرون هذا منا كفرا. و لم تزل به حتى أرسل إلى الجماعة بأنهم يستقرون على أنهم لا يكتبون فيه، و لا يشهدون عليه.

و كان بعض الشياطين أشار عليه بأن يأخذ الخمس من الناس، فوكل بذلك شخصا من أهل الشر يزعم أنه من كبار المجاورين الناصحين لهم، فكان يأتي الرجل الصالح في رباطه و المرأة الصالحة في رباطها فيقول: كم جاءك يا فلان في هذه السنة من الصدقة.

فيقول له: كذا و كذا. فيكتب ما قيل له و يزيد عليه، و يتتبع الوظائف كلها

فيأخذ منها الخمس من كل خمسة دراهم درهما، و ضاق الناس من ذلك و استمر ذلك ثلاث سنين، ثم قطعه اللّه تعالى.

و اتفق أن طلع عليه والدي رحمه اللّه لما طلب منه ذلك، فلما رآه الأمير منصور قال له: ما اسمك؟ فقال له: فلان، فقال له: كم لك في المدينة؟ فقال له:

نحو عشرين سنة. فقال له: أنت عندنا هذه المدة و لا نعلم بك ما أظنك إلا رجلا جيدا.

ثم قال له: أشهدك اللّه هل تعلم أن الذي أطلبه منك حق عليك أم لا؟

فقال: اللهم لا. فقال الأمير لغلمانه: لا تتعرضوا له.

و كان له اعتقاد حسن و فيه شفقة و رحمة، و كان رحمه اللّه يحضر ميعاد محمد ابن إبراهيم المؤذن بعد العصر فيستدنيه فيقرأ قريبا منه، فلا يزال يبكي حتى تبلّ دموعه ثيابه رحمة اللّه عليه.

و لما كان في سنة خمس و عشرين و سبعمائة في شهر رمضان، كان الأمير منصور نازلا معه في عربه في أعز ما يكون، و آمن ما يكون، و كان حديثة(1)بن قاسم بن جماز أخو فضل بن قاسم نازلا معه، و كان آمنا من جهته، فخلا به يوما فضربه بالرمح فقتله، و ظن أنه ينجو على فرس كانت هناك، فأدركه بعض أصحاب الأمير فمسكوه و قتلوه في تلك الساعة، و كان مولد الأمير منصور رحمه اللّه في سنة خمس و خمسين و ستمائة.

ثم تولى إمارة المدينة:


1) في المطبوع:( حرّيثة) و المثبت رواية الأصل، و مثله لدى السخاوي في التحفة اللطيفة 1/ 464.

[كبيش بن منصور و كانت ولايته نحو سنة و خمسة أشهر، و لم تصف له تلك الأيام.]

((1)كبيش بن منصور و كانت ولايته نحو سنة و خمسة أشهر، و لم تصف له تلك الأيام.)

و لما كان في سنة سبع و عشرين في صفر جاء ودي و ولده عسكر و جماعة من أصحابه، فدخلوا المدينة على غفلة في وقت السحر من ناحية ذروان، و كان في المدينة:

[طفيل نائبا عن كبيش،]

((2)طفيل نائبا عن كبيش،)

فالتقاهم في ذروان، فقتل هاشم بن علي و سنان، و انكسر طفيل و جماعته، فخرج من درب البلاط و نجا بنفسه و أصحابه، و استقر ودي في المدينة و توجه طفيل إلى السلطان فأخبره الخبر و أقام في مصر، فطمع ودي في مرسوم السلطان، فجهّز خيلا و هدية و توجّه إلى السلطان في شهر رمضان من السنة المذكورة، فلما دخل على السلطان قبل الخيل و الهدية، و استمهله حتى انسلخ شهر رمضان.

فلما كان ليلة العيد مسكه و قيده و حبسه، و رجع طفيل إلى كبيش عند العرب فجهز كبيش خيلا هدية و بعثها مع طفيل إلى السلطان، فوصل بها في الثاني عشر من شهر شعبان سنة ثمان و عشرين، فقبلها السلطان.

فلما كان في الحادي و العشرين من الشهر المذكور، وصل الخبر إلى مصر أن أولاد مقبل بن جماز قتلوا الأمير كبيشا في يوم الجمعة سلخ شهر رجب من السنة المذكورة، فأعطى السلطان إمارة المدينة للأمير طفيل بن منصور، و أخلع عليه و كتب تقليده، و توجّه إلى المدينة، فوصلها في الحادي عشر من شهر شوال من


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 426، تاريخ أمراء المدينة 270 و ما بحواشيه من مصادر.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 258.

السنة المذكورة، و خرج منها عسكرودي و أصحابه.

و استمر طفيل- رحمه اللّه- في المدينة حاكما مدة ثمان سنين و ثلاثة عشر يوما، و استمر عسكر ودي و أولاد مقبل يشنون الغارات على المدينة و يرعون زروعها و يحرقون نخيلها و يجدون ثمرها، و في تلك الغارات قتل علي بن ودي، و عجاجة و غيرهما، و ذلك في سنة تسع و عشرين، ثم خرج إليهم القاضي شرف الدين و الخدام و صالحوهم على خمسة عشر ألف درهم، و على ثمرة أملاكهم، و أملاك من يلوذبهم.

فلما تم الصلح بينهم و بين الأمير طفيل، استنجد طفيل:

[بصالح بن حديثة من آل فضل]

((1)بصالح بن حديثة(2)من آل فضل)

[و بعمر بن وهيبة من آل مرا]

((3)و بعمر بن وهيبة من آل مرا)

و

[بعسّاف بن متروك الزراق]

((4)بعسّاف بن متروك الزراق)

، فجاءوه في جموع عظيمة، و كانوا


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 229 و جاء بها: و استنجد به طفيل أمير المدينة في نصرته سنة تسع و عشرين و سبعمائة.

2) تحرف في المطبوع إلى:( حريث) و صوابه من الأصل، و مثله لدى السخاوي في التحفة 2/ 229 و هو ينقل عن المصنف.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 364 و قد تحرف( عمر بن وهيبة) في المطبوع إلى:( عمرو بن وهيبة) و صوابه من الأصل و التحفة اللطيفة. و ورد لدى السخاوي في ترجمته:( استنجد به طفيل أمير المدينة في سنة تسع و عشرين و سبعمائة).

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 187 و قد تحرف( الزرّاق) في المطبوع إلى( الرزاق) و صوابه من التحفة اللطيفة. ولدى السخاوي في ترجمته:( استنجد به طفيل أمير المدينة في سنة تسع و عشرين و سبعمائة).

ألفين، منهم: ألف فارس و خمسمائة راحلة و باقيهم راجلة(1)، و جمع طفيل من بني حسين ما أمكن، و خرج بالترك الذين كانوا معه في المدينة و ساروا جيشا عظيما، و أغاروا على عسكر ودي و أولاد مقبل، و كانوا ثمانية عشر فارسا و قيل خمسة و عشرون، و قيل سبعون(2)، فكسروا هذا الجمع العظيم، و خلصوا منه سالمين بقدرة اللّه تعالى، و ذلك بسبب الغدر بهم عقيب المصالحة.

و أما ودي فاستمر محبوسا من التاريخ المتقدم إلى خامس شهر رمضان من سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، فكانت مدة حبسه نحو أربع سنين، ثم فرج اللّه تعالى عنه.

و لما كان في سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، توجه طفيل إلى مصر و استخلف في المدينة ولده المسمى:

[عجمي، و كان وزير طفيل يومئذ:]

((3)

( استخلفه أبوه على المدينة، حين توجه لمصر في سنة ست و ثلاثين و سبعمائة).

عجمي، و كان وزير طفيل يومئذ:)

[علي بن مبارك الحسامي]

((4)علي بن مبارك الحسامي)

فلما كان في شهر رجب جاء ودي و جماعته على المدينة و حاصروها، فلما كان في بعض الليالي دخلوا المدينة على غفلة في


1) في المطبوع:( و كانوا ألفي فارس و خمسمائة راحلة و باقيهم رجال) و المثبت رواية الأصل.

2) رواية المطبوع:( و قيل خمسة عشر، و قيل ستة عشر، و المثبت رواية الأصل.

3) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 179 ولدى السخاوي في ترجمته:

4) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 246، ولدى السخاوي في ترجمته:( وزير طفيل بن منصور، كان حيّا سنة ست و ثلاثين و سبعمائة).

وقت السحر من الحديقة التي في زقاق قريش و كان في المدينة الأمير عطية(1)، و الأمير زيان(2)أبناء منصور و غيرهم، فأدركوهم في الحديقة المذكورة، و وقع بينهم قتال شديد، ثم رجعوا من حيث دخلوا من السور و أقاموا محاصرين المدينة.

ثم اتفق أن جاء كتاب من عند السلطان إلى الأمير ودي بأن لا يتعرض للمدينة، و لا يقربها فرحل عنها، و وقع من القاضي شرف الدين الأميوطي ما تقدم ذكره في ترجمة الشريف يعقوب، و أمر الوصية التي بعث بها الشريف يعقوب من العرب، فغضب السلطان على طفيل.

فلما كان في شهر شوال من السنة المذكورة وصل جخيدب(3)بن منيف بن قاسم بن جماز، و سعد بن ثابت بن جماز(4)من مصر و معهما كتاب من السلطان إلى القاضي شرف الدين، مضمونه أن نحن قد سلمنا إمارة المدينة إلى الأمير أبي(5)مزروع ودي بن جماز، و قد كتبنا له بذلك تقليدا، فيمكن نوابه من المدينة، و يمنع آل منصور أن يتعرضوا لأذيّة الناس، و أن لا يمسكوا(6)شيئا من جمال السواني فيرتحلوا عليها.

فخرج آل منصور من المدينة، و لم يتعرضوا لجمال السواني، و تحمل الوزير


1) التحفة اللطيفة 3/ 197.

2) التحفة اللطيفة 2/ 91.

3) تحرف في المطبوع إلى:( جحيدب) بالحاء المهملة، و صوابه من الأصل، و التحفة اللطيفة 1/ 410 نقلا عن المصنف.

4) التحفة اللطيفة 2/ 125.

5) تحرف في المطبوع إلى:( ابن).

6) في المطبوع:( و أن يمسكوا) و المثبت من الأصل.

المذكور بأهله و أولاده و ماله على البقر، ثم وصل الأمير ودي إلى المدينة في شهر ذي القعدة، و قرئ منشوره على دكة المؤذنين العليا، و حبس الأمير طفيل نحو أربعين يوما، ثم خرج من الحبس، و أنعم عليه بأخباز يستعين بها، و رسم لهم بأملاكهم التي بالمدينة. و استمر الأمير ودي حاكما في المدينة.

فلما توفي الملك الناصر في شهر ذي الحجة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة توجه ودي إلى مصر فقرر على ولايته، و رجع إلى المدينة و استمر حاكما إلى سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.

فلما كان في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، توجه طفيل إلى المدينة و معه جميع آل منصور بأهلهم و أموالهم، و نزلوا تحت جبل سلع مما يلي المدينة، و كان نائب المدينة عن ودي، جخيدب، و معه قلاوون بن حسن بن مقبل(1)، فلما كان في السحر تلك الليلة التي قدموا فيها، نصبوا سلما على السور و دخل المدينة من آل منصور فلم يقاتلهم أحد، ثم داروا على الدروب فكسروا أقفالها، و فتحوا أبوابها، و دخلوا المدينة جميعهم و نهبت في تلك الليلة بعض الدور، و كسرت العرب جميع دكاكين السوق، فلما طلع النهار نادى الأمير طفيل بالأمان، فأمن الناس و خرجوا إلى الأمير طفيل و هنوه بالنصر و الولاية، و قبض طفيل على جخيدب و قلاوون و قيدهما في بعض دور المدينة، فأقاما نحو ثمانية أيام، ثم قتلا خنقا و العياذ باللّه.

و استقر الأمير طفيل في المدينة، فكان مدة ولاية الأمير ودي سبع سنين و شهرا و أربعة أيام، ثم إن الأمير طفيلا بعث إلى مصر أخاه جمازا مع الركب


1) التحفة اللطيفة 3/ 418. و ورد فيها:( أشركة ودي مع جخيدب في نيابته بالمدينة).

المصري فأنعم عليه السلطان و قرر طفيلا على إمارة المدينة، و كتب له بعد تقليدا، و بعث إليه بالخلعة و التقليد، و كان السلطان يومئذ الملك الصالح إسماعيل بن محمد، ثم توجه طفيل إلى مصر فأكرمه السلطان و قرره على ولايته، و مكث الأمير ودي عند أهله و أقاربه إلى أن توفي رحمه اللّه في سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

و كان أميرا رئيسا محتشما مهيبا معظما، ذا عقل و رأي، و دهاء و شجاعة.

و كان ولده عسكر أعظم منه في هذه الأوصاف كلها، توفي رحمه اللّه في حياة والده بالمدينة المشرفة في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة تسع و تسعين و ستمائة.

و لما توفي الأمير ودي قدّم آل جماز عليهم:

[فضل بن قاسم]

((1)فضل بن قاسم)

، فلما كان في شهر المحرم سنة تسع و أربعين، جاء الأمير فضل مع جماعة من أصحابه إلى المدينة و تسوروا السور و دخلوا المدينة، و جاءوا إلى الساحة و كسروا قفل درب الغنم، و دخلوا بخيلهم و رجلهم و لم يشعر بهم أحد، ثم قصدوا القلعة و دقوا بابها، فلما علم بهم من كان بالقلعة، صاحوا و استيقظ أهل المدينة و فزعوا إلى القلعة، فالتقوا مع آل جماز، و جرى بينهم قتال، ثم انتصر أهل المدينة عليهم، و أخرجوهم من الدرب فرجعوا إلى أهلهم و لم يحاصروا المدينة، و استمر الأمير طفيل رحمه اللّه حاكما على طريقة حسنة، و مآثر مستحسنة، إلى سنة خمسين و سبعمائة، فصدرت منه أشياء عن تدبير بعض الوزراء لا تليق بمثله، فكتب فيه القاضي شرف الدين الأميوطي،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 395.

و قد ذكرنا ذلك.

و في(1)أثناء تلك السنة جاء الخبر أن السلطان قد ولى:

[سعد بن ثابت بن جماز]

((2)سعد بن ثابت بن جماز)

إمارة المدينة فلما كان في شهر ذي القعدة جمع الأمير طفيل جميع آل منصور و خلقا كثيرا من العرب، و عزم على منع سعد بن ثابت من دخول المدينة، فقدم سعد مع الركب الشامي، فبلغه ما عزم عليه الأمير طفيل، فطلب المساعدة من أمراء الركب الشامي، فامتنعوا، و قالوا: لا بد من إذن السلطان لنا في ذلك، فرحل سعد من البركة، و بعث إلى السلطان يستأذنه في ذلك، و دخلت الحجّاج(3)جميعها دفعة واحدة، و هم خائفون مما يحدث عند تغير الدول و العياذ باللّه، و أقاموا في المدينة يومين، و رحلوا جميعهم دفعة واحدة في صبيحة اليوم الثالث، و أودعوا في المدينة ما جرت عادتهم في ذلك.

فلما كان في اليوم السادس عشر من ذي الحجة جاء قاصد الأمير طفيل من مكة، و أخبر آل منصور بما أزعجهم و هو مرسوم السلطان لجميع أمراء الحجاج أن يمكنوا سعدا من المدينة(4).

فلما كان في ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور، اتفق رأي آل منصور على نهب المدينة، و كان الأمير طفيل لذلك كارها ثم غلب على رأيه، و نهب آل منصور و أتباعهم، و من معهم من بني حسين، و من حضر المدينة من الخيابرة، و غيرهم، جميع الوضيع الذي للحاج الشامي، و لم يسلم لهم إلا النادر في بيوت


1) تحرف في المطبوع إلى( في أثناء).

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 2/ 125.

3) في المطبوع:( الحواج).

4) في المطبوع:( في المدينة) و المثبت من الأصل.

معدودة كما تقدم، و نهبوا دور الخدام و المدارس، و استمر النهب من عشية الخميس إلى آخر نهار الجمعة، و خرج آل منصور جميعهم من المدينة في ليلة السبت.

و جلست:

[هيمان بنت مبارك بن مقبل]

((1)هيمان بنت مبارك بن مقبل)

في القلعة في شباك الإمارة يوم السبت، و تسلمت مفاتيح الدروب(2)و حكمت في المدينة يوم السبت و يوم الأحد إلى الظهر، ثم وصل محمد بن مقبل بن جماز و غيره، و دخل الأمير سعد ابن ثابت يوم الثلاثاء مع الركب المصري، و قرئ منشوره يوم الجمعة الخامس و العشرين من ذي الحجة سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

و في سنة إحدى و خمسين ابتدأ الأمير سعد في عمل الخندق الذي حول السور، و مات و لم يكمله، و أكمله الأمير فضل في ولايته، و لما كان في شهر شوال من السنة المذكورة جاء آل منصور على غفلة، و دخل المدينة منهم ثلاثة أمراء من سور باب البقيع، و حاولوا كسر قفل الدرب، فأعجلهم بعض الترك من المدينة، فرجعوا من حيث دخلوا و أصبحوا محاصرين المدينة، و رعوا الزرع و قطعوا الأشجار.

و لما كان في أول سنة اثنتين و خمسين، توجه الأمير طفيل إلى مصر فغضب عليه السلطان و حبسه في القلعة، و كتب السلطان إلى الأمير سعد يأمره يحضر ما أخذ طفيل للحاج، و لأهل المدينة، فحضر بعض ذلك، و كتب به محضرا و سير به إلى السلطان و كثرت شكاوي التجار على طفيل فغرم للبعض و صالح البعض، و ندم على ما وقع، و استمر محبوسا إلى أن توفي في الحبس في شهر شوال


1) من مصادر ترجمتها: تاريخ أمراء المدينة 280.

2) في المطبوع:( الدرب) و المثبت من قراءة النص.

من السنة المذكورة.

و كان رحمه اللّه خليقا للملك، سلطانا مهيبا معظما محببا إلى الرعية، عالي الهمة، كامل السؤدد، جم المناقب، يوالي المجاورين، و يحسن إليهم و يقبل شفاعتهم، و والانا بأحسن الموالاة، و نصرنا في مواطن عديدة، و كان بينه و بين أخي علي صحبة أكيدة قلّ أن يرد شفاعته، تغمده اللّه برحمته.

و في هذه السنة توجه الأمير سعد لقتال آل منصور، فانهزم عنه أصحابه، و جرح و رجع إلى المدينة في شهر ربيع الآخر و هو مريض، فتوفي من ذلك الجرح في ثامن عشر، فكانت ولايته سنة و ثلاثة أشهر و ستة و عشرين يوما.

و كان في دولته من أحسن الأمراء سيرة، شجاعا، وافر الحشمة، ناصرا للسنّة، قامعا للبدعة، متخلقا بذلك، مستجلبا به رضا السلطنة.

و لما توفي الأمير سعد رحمه اللّه اجتمع آل جماز و أجمعوا على تقديم الأمير فضل بن قاسم بن جماز(1)، و حالفوه على الطاعة و النصرة، و خطب له على المنبر، و توجه مانع بن علي إلى السلطان يستنجز له مرسوما، فأجابهم السلطان إلى ذلك، و بعث إليه بالتقليد و الخلعة، و وصل بهما مانع بن علي في شهر جمادى الآخرة و قرئ منشوره على دكة المؤذنين، و استمر في الولاية إلى آخر السنة سنة أربع و خمسين و سبعمائة، فمرض مرضا شديدا و توفي في السادس و العشرين من ذي القعدة، و دفن في قبة الحسن و العباس، كان رحمه اللّه شهما، شجاعا، مقدما، مهيبا، سايسا، ذا رأي صليب، و غور، و دهاء و معرفة بالأمور.

و لما توفي الأمير فضل؛ أجمع رأي آل جماز على تقديم الأمير:


1) سبقت ترجمته برقم 247.

[مانع بن علي بن مسعود بن جماز]

((1)مانع بن علي بن مسعود بن جماز)

، و حالفوه على الطاعة، و توجه إلى مصر محمد بن مقبل بن جماز يسعى لمانع في تقرير الولاية، و سافر معه محمد بن مبارك بن جماز، و قيل: إنه قصده السعي لنفسه في الولاية، فولى السلطان الأمير مانع، و بعث له بالتقليد و الخلعة مع محمد بن مقبل.

و كان الأمير مانع قبل ولايته متعبدا متدينا، سليم الباطن، فلما تولى إمرة المدينة؛ ضعف رأيه عن تدبيرها، و كثرت الفتن في أيامه، و تتابعت الغارات على المدينة من آل منصور و ضعف عن دفعهم، فكان يستعين عليهم ببني لام، و يجزل لهم العطايا، فنفذ ما بيده و طلب المساعدة من أهل المدينة، فساعدوه مرارا، ثم طلب المساعدة من الخدام و المجاورين، فساعدوه و تكلفوا ذلك مرارا، ثم حصل منه جور على المجاورين و أهل المدينة، فبلغ السلطان ذلك، فبعثوا إلى الأمير:

[جماز بن منصور 2]

((2)جماز بن منصور 2)

، و كان مقدما على جماعته من بعد وفاة الأمير طفيل، و ولوه إمارة المدينة، و وصل إلى المدينة مستصحبا للتقليد و الخلعة في الحادي عشر من شهر ربيع الأول من سنة تسع و خمسين سبعمائة، و لم يكن الأمير مانع يومئذ بالمدينة، و كان فيها نائبه محمد بن مقبل، و قد تقدم ما جرى للأمير جماز معهم في ذكر ولاية القاضي تقي الدين الهوريني.

و لما استقر الأمير جماز في المدينة جرى في أحكامه على الشدة، حتى خرج عن الحد، و دانت له البادية و الحاضرة، و كان خليقا للملك، شهما، شجاعا، وافر الحرمة، عظيم الهيبة، ظاهر الجبروت، هذا و غالب أيامه كان مريضا،


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 94.

2) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 1/ 94.

و كانت ولايته ثمانية أشهر و عشرة أيام، و قتل شهيدا في اليوم الحادي و العشرين من شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، قتله فداويان قدما مع الركب الشامي لذلك، و قتل و هو في أعز ما يكون و أنصاره بين يديه واقفون(1).

و ذلك لما قدم الركب الشامي خرج لتلقي المحمل السلطاني على عادة من تقدمه من الأمراء، فلما وصل إلى المحمل ترجل عن فرسه و أظهر الطاعة للسلطان، و فرش له بساط، و أخرجت الخلعة السلطانية فلبسها و أعطي العمامة، فاشتغل بلفها، فخرج عليه رجلان أشقران خبيثان فضرباه بخنجرين، فأنفذا مقاتله و اختفيا من حينهما، فلم يعلم لهما خبر.

و ظن آل منصور أن الأمر أشد من ذلك، و أن الأمر غير قاصر، فلم يتعرض له أحد غير أنه نهبت جميلات يسيرات من أطراف الحاج، فلما تراجع آل منصور هموا بإقامة فتنة، و سفك دماء و ما لا خير فيه، فعصم اللّه الناس من ذلك بالأمير:

[هبة بن جماز بن منصور]

((2)هبة بن جماز بن منصور)

، فظهر منه يومئذ من الاحتساب في مصيبته، و الصبر على رزيته، ما يعجز عنه الأئمة الأعلام، فأمّن الناس و طيّب قلوبهم، و نادى فيهم بالأمان، فاطمأن الحاج و جرى على عادته في البيع و الشراء، جزاه اللّه خيرا، و ساعده على ذلك عمه الأمير زيان بن منصور المتحلي بحسن الأخلاق، و الشيم، و الصيانة، و الشجاعة، و الكرم. و لما وقع بالأمير جماز ما وقع اجتمع الناس على الأمير هبة بن جماز و سألوه أن يقبل الولاية فامتنع و قال: أنا أجلس في القلعة لحفظ المدينة و أهلها، و حفظ الأحواج،


1) تحرف في المطبوع إلى( رافعون) و صوابه من قراءة الأصل.

2) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1/ 95.

فانظروا لهذا الأمر غيري، فسألوا الأمير زيان في ذلك، فامتنع و قال: لا أتقدم على أخي عطية، و هو خيرنا و أديننا، فاتفق رأي الناس على تقدمته، و كان غائبا عند العرب، فكتب إلى السلطان شفاعة في أن يولي عليهم الأمير:

[زين الدين عطية بن منصور]

((1)زين الدين عطية بن منصور)

، و ذكروا أن آل منصور قابلوا ما وقع للأمير بالصبر و الاحتساب، و حفظ الحاج و الطاعة للسلطان، و توجه الأمير نعير بن منصور إلى مصر ساعيا للأمير عطية في الولاية، و استمر هبة بن جماز حاكما إلى رحيل الركب المصري من المدينة، ثم خرج من المدينة و توجه إلى عربه، و طلع الأمير زيان إلى القلعة و حكم في المدينة.

و لما وصل نعير إلى مصر حبسه السلطان أياما، ثم طلب و أخلع عليه، و كتب للأمير عطية تقليدا بإمارة المدينة، و بعث بالتقليد و الخلعة مع الأمير نعير، فوصل إلى المدينة في يوم السبت الثامن من شهر ربيع الآخر سنة ستين و سبعمائة، و وصل في تلك الأيام الأمير زين الدين عطية فلبس الخلعة و قرئ منشوره على دكة المؤذنين.

و كانت ولايته من اللّه تعالى (عطية)(2)كاسمه، لما انطوت عليه سيرته من الخير و الصلاح و التوكل على اللّه تعالى، و الزهد في الدنيا و الكراهة في الأمر و النهي، و سعيه في مصالح دينه، قانتا للّه خائفا منه منيبا إليه، أوقاته مقسمة في الطاعة ما بين خلوة في عبادة، أو نظر في مصالح رعيته، دائم الصمت، كثير الخشية، يجلس في النادي فلا يخوض معهم و لا يضحك لضحكهم، قد لزم السكون و اشتغل قلبه بذكر معاده، إذا صلى الصبح جلس في مصلاه و لا يتكلم


1) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 3/ 197.

2) ساقط من المطبوع.

حتى يصلي الضحى مع حسن توجه و إقبال على اللّه تعالى.

و انصلح بصلاحه جميع قرابته، ورد المدينة إلى حالة يغبط أهلها على سكانها من العافية و الأمن العظيم، و سلامة الناس في أنفسهم و أهليهم(1)و أموالهم، و كان في الولاية كارها لولا ما يخاف من خروجها عن آل منصور لو تخلى عنها، و لم يزل يشكو من المكس و العشور، و يمنع وزيره أن يدخله في مطعومه أو مشروبه، حتى طهره اللّه بحسن نيته، و صلاح سريرته، و عوضه عنه خيرا منه من جهة السلطان الملك الأشرف شعبان، بإشارة الأمير الكبير، ذي الحسنات العديدة، و المآثر الحميدة أتابك الدولة المنصورية(2)سيف الدين يلبغا، فسرّ بذلك و حمد اللّه تعالى عليه.

و مع هذا فما كان أمير المدينة و لا يظهر بولايتها عزّا و لا فخرا، و لم يقم فيها سنة متوالية منذ ملكها إلى الآن، بل يقيم فيها إخوته و ولده كراهية من مباشرة الأحكام، و خوفا من الوقوع في مظالم العباد، و يوصي كل من استنابه في المدينة بحسن السيرة، و صفاء السريرة، و لا جرم أن أخاه و ولده، جدد اللّه سعدهم ساروا في الناس أحسن سيرة، و تخلقوا بأخلاقه الحميدة، جزاهم اللّه عن الناس خيرا.

و لمّا نهب آل منصور وضيع الحاج، كان الأمير زين الدين حاضرا معهم فلم يتدنس بشي‌ء من ذلك، و تورع عنه، و من شأنه التورع عن المواريث التي يعلم أن أهلها غيب، و يحفظها عليهم، و ينفذ وصايا الأموات الذين لا وارث لهم، و يخرج الزكاة من ماله على المستحقين، و يحسن إلى أرامل الشرفاء و أيتامهم من صلب


1) في المطبوع:( و أهلهم) و المثبت من الأصل.

2) في المطبوع،( المنصورة).

ماله، و مناقبه كثيرة، و محاسنه عديدة، وفّقه اللّه لفعل الخير، و وقاه كل ضير.

و لا شك أن ولاية هذا الأمير و حسن سيرته، حجة للّه تعالى على من عاصره من الأمراء و على من يأتي من بعده، كما أن سيرة الملكين العادلين، نور الدين الشهيد و صلاح الدين بن أيوب حجة اللّه تعالى على من خلفهم من الملوك و السلاطين، فإنه لا يعجز أحد عن التشبيه بمن عاصره، أو قربت أيامه من أيامه، و خلفه من محل ولايته، إذا حسّن نيته، و سأل اللّه تعالى الإعانة و التوفيق.

فيجب على أهل المدينة الدعاء لهذا الأمير، و إخلاص الطاعة له، و نشر محاسنه، فبالشكر تدوم النعم، فلا زالت سعادته طالعة في برج سيادته، و سيادته محفوفة بحفظ اللّه تعالى و كلاءته.

فصل [في ذكر أحوال والد المؤلف و أخويه]

اشارة

و لنختم الكتاب بذكر شي‌ء من أحوال والدي و أخويّ رحمهم اللّه.

فأما والدي فهو:

[أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفضل]

((1)أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفضل)

بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري، الأبّدي المحتد، ثم الجيّاني التونسي المولد و المنشأ، و اليعمري نسبة إلى يعمر- بفتح الياء المثناة من تحت و العين المهملة الساكنة و الميم المفتوحة و الراء المهملة بلا شك- و هو يعمر بن مالك بن بهثة بن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان

قال ابن حزم في كتاب (جمهرة الأنساب): و من بني يعمر الأبّديون بالأندلس، و هم ناقلة من ناحية منبج، و هم بنو بكر بن عبد الحميد بن معمر بن الطّفيل بن جعفر بن صالح بن الحشرج بن ضبيع بن ذؤيب بن يعمر بن مالك بن بهثة(2).

و قيل في يعمر: إنه بضم الميم، و الأول أصح و أشهر.

و يعمر بفتح الميم مضارع قولهم: عمر الرجل، بفتح العين و كسر الميم: إذا عاش زمانا طويلا. و إنما سمي بذلك تفاؤلا بطول العمر.

و الأبّدي بضمّ الهمزة و تشديد الباء الموحدة، و بعدها دال مهملة نسبة إلى بلدة الأندلس من كورة جيّان، و جيّان بفتح الجيم و تشديد الياء المثناة من تحت


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 706 نقلا عن ابن فرحون.

2) جمهرة أنساب العرب 293.

بعدها ألف و نون.

كان رحمه اللّه قد اشتغل بالعلم على شيوخ بلده، و برع في الفقه و الأصول و العربية، و شارك في علوم عديدة، و سمع الحديث على الحافظ جمال الدين أبي بكر بن يوسف بن مسدي، و صحب الشيخ أبا محمد المرجاني، و خرج في صحبته للحج من تونس، فلما وصل إلى مكة لحقه مرض فقال له الشيخ أبو محمد: هذا إشارة إلى الإقامة.

فأقام بها و لم يتعرف بأحد من الناس، و لم يكن معه من النفقة غير ما أعدّه للطريق. فبنى على التوكل على اللّه تعالى، فعرف مكانه من العلم و اشتهر بحسن الخط مع الضبط و الصحة، فسأله بعض الناس في نسخ (الروضة) للشيخ محيي الدين النووي رحمه اللّه، فنسخها له جميعا و استعان بما حصل له.

ثم انتقلت تلك النسخة مع بعض الشافعية إلى المدينة، و هي اليوم في المدينة موقوفة في المدرسة الشهابية، مع نسخة أخرى نسخها بعد إقامته في المدينة.

ثم حج و رجع إلى تونس، فوجد الشيخ أبا محمد المرجاني قد انتقل إلى رحمة اللّه تعالى، فحمل ما له من الكتب، و كانت كلها أو غالبها بخط يده، و كانت كتبا كثيرة جليلة، فلما وصل إلى الإسكندرية باعها، حتى لم يبق معه إلا ما هو محتاج إليه من خطه و خط والده.

ثم قدم المدينة فسكن المدرسة الشهابية بين تلك الجماعة الذين تقدّم ذكرهم و فضائلهم، و كانت نيته أن لا يشتغل بشي‌ء غير نفسه، و لا يتعرف(1)بأحد من


1) في المطبوع( و لا يتعرض) و المثبت رواية الأصل.

أبناء جنسه، فألزموه حضور الدرس؛ لأجل المسكن، فلما حضر معه الطلبة اشتهر بينهم بعلمه و فضيلته.

و كان متفننا في عدة علوم، فعظم عند الجماعة و أحبوه و لزموه، و اشتغلوا عليه بالفقه و العربية، و اشتغل عليه جماعة في علم الهيئة، فأبان عن فضيلة تامة فكثر عليه المشتغلون في علم الميقات.

قال لي رحمه اللّه: كنت قد قطعت وقتي مع المشتغلين بعلم الميقات، و حرت في الخلاص منهم. حتى سمعت شخصا من العوام يقول يوما لجلسائه: ما رأيت أعلم من هذا المنجم، قال: فقلت في نفسي: لقد أسأت باشتهاري بهذا العلم، حتى يطلق على هذا الاسم، فتركت الاشتغال به.

و كان له اختلاط بالجماعة الذين تقدم ذكرهم: كالشيخ أبي محمد البسكري و أصحابه، و الشيخ أبي الحسن، و الشيخ عبد الواحد الجزولي، و الشيخ أبي العلاء الأندلسي، و الشيخ أبي إسحاق، و جماعة من الصلحاء الخدام، و خلائق لا يحصون كثرة، فعرضوا عليه الزواج فامتنع من ذلك فكثروا عليه و رغبوه في والدتي، و كانت الكبيرة من أربع بنات شرائف. كان والدهن يقال له: الشريف عبد الواحد الحسيني، ثابت النسبة، و كان يتناول من وقف بلقس بعد أن أثبت نسبه(1)في القاهرة.

و لما حج نقيب الأشراف شرف الدين أوقفه على تلك النسبة، فلما رأى عليها خطوط القضاة المصريين، أثبت اسم بنته مباركة في الشرفاء الذين يصرف إليهم وقف بلقس، و استمرت تقبضه إلى أن توفيت إلى رحمة اللّه تعالى.


1) في المطبوع:( نفسه) و المثبت رواية الأصل.

و كان زواجه لوالدتي من برّه بنا، إذا ألحقنا بنسب النبي صلى اللّه عليه و سلم فجعلنا من ذريته إجماعا، و شرفاء عند أكثر العلماء، و بذلك أفتى ناصر الدين المسدالي و غيره ممن هو مثله في العلم، و كمل برّه بأن علّمنا فأحسن تعليمنا كما ترى، و أدبنا فأحسن تأديبنا، درى بذلك من دري، و كان من أسباب تزوجه و تأهله في المدينة بعد تبتله و كراهته لذلك.

اتفق في بعض الأيام أن الجماعة سألوا والدي أن يقرأ عليهم شيئا من كتب الرقائق فأجابهم إلى ذلك.

قال لي رحمه اللّه: و كان من جملة ما قرأته أن رجلا كان يسأله جاره أن يزوجه إحدى بناته فيقول له: لا حاجة لي بالزواج فرأى ليلة في منامه أن القيامة قد قامت، و أنّ الناس في شدة حرّ عظيم، و عطش شديد. و كان بينهم ولدان معهم إدوات(1)يتخللون الناس.

قال الرائي: فقلت لولد منهم يا ولدي أنا عطشان فاسقني، فقال له: اذهب فما لك فينا ولد، قال: فاستيقظ الرجل و به رجفة عظيمة، فدقّ الباب على جاره، و قال: زوجني إحدى بناتك الآن، فلي قصة عجيبة. فزوّجه و لم يأت عليه الصباح إلا و هو مع زوجته.

فلما قرأ والدي هذه الحكاية، رغّب الجماعة والدي في الزواج فأطاعهم و تزوج والدتي رحمهما اللّه، و كان بناؤه بها ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر صفر عام اثنين و تسعين و ستمائة، فولدت له خمسة ذكور توفي منهم في حياته اثنان، و كان يقول: عندي مسرة بمن قدمته أكثر من مسرتي بكم رجاء ما وقع في تلك


1) في الأصل:( أكواب) و الإداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء.

الحكاية نفعه اللّه بهما، و كنت أول أولاده، و كان مولدي يوم الثلاثاء السادس من جمادى الآخرة عام ثلاثة و تسعين و ستمائة.

كان رحمه اللّه لا يزال مشغولا بنفسه و بذكره و قراءته و اشتغاله بكتب العلم، ليس مع الناس في شي‌ء من أحوالهم الدنيوية، و لم يصده العيال عن شي‌ء من الأوراد و الأفعال الصالحة التي كان عليها، و كان ذا عيال كثيرة لم يمسه منهم قرابة لكن أصهاره قد جمعه معهم في بيت و في نفقته، و مع ذلك لم يكن يهمه شأنهم و لا شأن أولاده، بل قدم اشتغاله بالآخرة على كل شي‌ء حتى كأنه خلى من التعلقات رحمه اللّه، و كلما نظرت إلى حالي و سعة مسكني وضيق خلقي و قلة صبري مع ما رأيته من ضيق مسكنه و سعة خلقه و طول صبره صغرت عند نفسي، و أيست من خيري، و أنى لي بحسن أخلاقه و حفظ لسانه.

حكى الشيخ محمد الخراز رحمه اللّه و الشيخ عمر الخراز رحمه اللّه، أنه لما حج والدي معهما مع جماعته المباركين الذي تقدم ذكرهم كانوا رفقة واحدة، مع عدة جمالين، قالا: فلما حججنا و رجعنا و كنّا قريبا من المدينة المشرفة، اجتمع الجمالون يتحدثون و يذكرون سيرة ركابهم معهم، فقال جمّال والدي لأصحابه: يا جماعة أمّا رفيقي الذي أركبته فأخرس لم يتكلم منذ صحبته بكلمة، فقال له رفيقه: بل و اللّه سمعته يوما يتكلم مع أصحابه، و كانت هذه طريقته سفرا و حضرا، لا يراه أحد جالسا في طريق و لا في حلقة فضول، و لا يتكلم إلا جوابا، و إن جاوب لم يفتح للفضول بابا.

كان القاضي فخر الدين محمّد بن محمّد بن الحارث المعروف بابن المسكين الفقيه الشافعي إذا لقيني يقبل عليّ و يسلّم، و يقول: رحم اللّه والدك الشيخ أبا عبد اللّه، ما كان أحسنه و أكثر أدبه و خيره.

و حكي لي أنه اتفق له معه قضية، قال لي رحمه اللّه: كنت إذا صليت صلاة الصبح أجلس في مصلاي حتى تطلع الشمس و أصلي الضحى و أنصرف، و كان يومئذ في الروضة المباركة جماعة من الأشياخ المباركين، قال: و كنت أرتقب بصلاتي ارتفاع الشمس، و أرى الناس ينتظرون الشيخ أبا عبد اللّه و يقومون لقيامه، و كان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار.

قال: فقلت: لا أقدر أقول للجماعة كلها: أخّروا صلاتكم حتى ترتفع الشمس، و لكن أجتمع بهذا الشيخ الذي يؤمّهم في هذا الوقت، قال:

فاجتمعت به و كنت به جاهلا فقلت له: رأيتك تقوم لصلاة الضحى قبل وقتها، و قد نهى النبي صلى اللّه عليه و سلم عنها حتى ترتفع الشمس و تبيض، و هذا وقت تكره فيه الصلاة، و كثرت عليه من الأدلة، و أنا في اجتهاد وحدة حتى فرغ ما عندي، فالتفت إليّ، و قال: بعد اليوم نؤخّر كما قلت، و سكت عني، و اشتغل بما كان فيه، فانصرفت عنه و سألت عنه، فقيل لي: هذا الشيخ أبو عبد اللّه بن فرحون، فندمت و قلت: أيّ حاجة دعتني إلى التعرض لهذا الشيخ، قال: فرحت إليه و اعتذرت فتبسم و قال: ما قلت إلا خيرا. فأنا أدعو له كلما ذكرته.

قال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الغرناطي، كنت جالسا في المسجد الشريف مع الشيخ أبي القاسم القبتوري و قد تقدم ذكرهما، فقال لي يا محمد رأيت قط الكبريت الأحمر الذي لا يتغير أبدا و لا يتحوّل؟ فقلت له: لا، فقال: انظر إلى عبد اللّه بن فرحون منذ دخل المدينة لم يتغير حاله.

قلت: كان رحمه اللّه قد ترك الاشتغال بنا، فكنا نغيب فلا يسأل عنّا، و نمرض فلا يهمّه مرضنا، بل يسأل اللّه لنا و يدعو لنا، فنحن نتقلب في بركته

و بركة دعائه.

أخبرني أنه يوما خرج في الموسم عند قدوم بني عقبة يريد شراء نفقته، و كان غالب عيش المدينة من زرعها و زرع السوارقية، لا يأتي من الشام إلا قليل حتى كان السعيد (من)(1)يدخل بيته حمل أو حملان(2)، و كان للدّرّاب(3)على من يشتري شيئا مكس كثير، و خراج عظيم.

قال: فاشتريت حمل قمح، فلما دنوت من الدرب، قال لي صاحب الجمل:

أنا ما أدخل به أخاف أن أطالب بخراجه، قال: فقلت له: سق الجمل و أنا أتكفل بما يريدون منك، ففعل، فلما أردت الدخول قرأت أوائل سورة (يس)، و تعوذت، و دخلت مع الجمل فلم يرونا، و لا عرفونا، فجاءهم من ذكر لهم أني اشتريت حمل قمح فقالوا: لم يدخل به من عندنا و لا رأيناه، فدفع اللّه شرهم عنه بصدقه و ضرورته لعياله، فمن كان مع اللّه كان اللّه معه، توفي رحمه اللّه يوم الخميس الرابع و العشرين من شهر ربيع سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، جدّد اللّه عليه الرحمة.

و رآه أخي علي في المنام بعد وفاته، فقال له: يا سيدي ما فعل اللّه بك، قال:

أعطاني و حباني، فها أنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

و أما أخي:


1) ساقط من المطبوع.

2) في المطبوع:( جمل أو جملان) بالجيم المعجمة.

3) في المطبوع:( و كان للدارب) و المثبت من قراءة النص.

[نور الدين أبو الحسن]

((1)نور الدين أبو الحسن)

علي (كنيته)(2)و اسمه من العلو و الدين، مع ما حوى من: علم الفقه و الأصول و العربية و الحديث و اللغة و المعاني و البيان و الأدب، مع المشاركة العظيمة في سائر العلوم، و كان قد بلغ في العلوم الأدبية إلى النهاية، فإن قلت: لم يكن في زمانه بالمدينة و الحجاز من برع براعته، و لا ساد سيادته، فشهادة(3)حق عليها كل الخلق، ممن جل و دق، و كان يلقي درس الفقه في (مختصر ابن الحاجب)، فيحضره الشيخ حسن الحاحائي، و الشيخ عبد السلام بن غلام، و كانا من الفقه بمكان، لم يلحقهما في علمهما و عملهما مثلهما و قد تقدم ذكرهما، و كانا يدققان معه في البحث المتين فيظهر بذهن ثاقب و حفظ معين.

و له تواليف مفيدة في العربية و الحديثة و اللغة و التصوف، و له (ديوان) كبير في مدح النبي صلى اللّه عليه و سلم، و في مدح غيره، و له مجلدات من جمعه مشتملة على فوائد و غرائب.

و كان الشيخ الإمام العلامة حجة العرب، و ترجمان الأدب:

[256- سراج الدين الدمنهوري]

قد جاور في المدينة في سنة خمس و أربعين و سبعمائة، فكان إذا جلس في درس يقول للطلبة: إذا حضر الفقيه نور الدين فأحضروا معكم الدواة و الورق، حتى تقيدوا من فوائده و من أشعاره و استشهاداته، فكان كذلك.


1) من مصادر ترجمته: التحفة اللطيفة 3/ 252، المغانم المطابة 3/ 1249.

2) ساقط من المطبوع.

3) في المطبوع:( مشاهدة) و المثبت من الأصل.

و كان هذا الشيخ سراج الدين الدمنهوري من العلماء الأستاذين الذين انفردوا في زمانهم عن أقرانهم بعلوم جمة، كالقراءات و العربية و اللغة، مع الفقه الغزير، و المشاركة في كثير من العلوم، و لكن كان في تلك العلوم في أعلى درجاتهم من الحفظ و الذكر.

عرضت عليه شرحي و إعرابي (لبانت سعاد) المسمى (بشفاء الفؤاد من بانت سعاد)، فوجدته في مذاكرتي له بحرا زاخرا، و كان أخي علي أحيانا يأتيه فيتعجب من حفظه و ذكره و يقول لي: قلّ إن رأيت مثله. توفي رحمه اللّه في ثاني شهر ربيع الأول في سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة.

و كان لأخي ميعاد وعظ يقرأ في كلّ جمعة بعد الصلاة على كرسي عال بالروضة المشرفة بصوت حسن و أداء حسن، لا يمل السامع من قراءته بل يتلذذ بإطالته، و كان وعظه من كلام ابن الجوزي في (التبصرة)، فكان بعض الناس يقول: عاش ابن الجوزي للناس.

و كان هو رحمه اللّه(1)أول من اتعظ بقوله و انتفع بوعظه، فصار يلازم الصيام و يسرده و يقوم من الليل أكثره، و رقّت نفسه و درّت دمعته كأنه (علم)(2)بقرب(3)الأجل، فبادر للعمل، كان رحمه اللّه يقول: و اللّه ندمت(4)على ما أفنيت فيه عمري من الاشتغال بعلم الأدب، يا ليته كان في الكتاب و السّنّة.


1) ( و كان رحمه اللّه هو) رواية المطبوع، و المثبت رواية الأصل.

2) ساقط من المطبوع و هو في الأصل و التحفة.

3) في المطبوع:( يقرب) بالياء، و المثبت من الأصل و التحفة.

4) تحرف في المطبوع إلى( و اللّه ما ندمت) و صواب القراءة من النص و مثله في التحفة للسخاوي و هو ينقل عن المصنف.

كان يرى لي أكثر ما يرى الولد لوالده في التعظيم و الحباء(1)و الإكرام، و أما الغيرة علي و الانتصار لي، و اهتمامه بحالي و ما يعرض لي من عدوّ يشنأني(2)فلا يوصف قدره، فلله دره، و بلّ بالرحمة قبره.

توفي رحمه اللّه في يوم الجمعة الثالث و العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ست و أربعين و سبعمائة، و مولده ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول عام ثمانية و تسعين و ستمائة.

و أما أخي:

[257- محمد رحمه اللّه تعالى]

فكان على طريقة والده من العزلة، و محبة الوحدة و الخلوة، و قلة الخلطة، كان بي حفيّا، و في دينه قويّا، صبر على مجاهدة النفس في العبادة، حتى صارت له سجية و عادة.

كان رحمه اللّه من عظم شفقته علي يجلس دائما على طريقي إلى الصف الأول، فلا يمر يوم حتى يقف معي و يسألني عن حالي و يدعو لي بقلب صاف، و ودّ واف، و متى فقدني في وقت صلاة، وقف عليّ في بيتي و سأل عن حالي.

خلفه ولده محمد فسلك طريقته، و زاد بصحبة المشايخ و الفقراء و الأخذ عنهم، له اشتغال في الفقه و النحو و اللغة، و مع ذلك تراه كأنه أحد الترابية أعانه اللّه و وفقه.


1) في الأصل و التحفة:( الجباء) و الحباء: يقال: حاباه حباء اختصه و مال إليه.

2) تحرف في المطبوع إلى:( عدوّ شافي) و هو تحريف قبيح، و صواب القراءة من النص و التحفة للسخاوي و هو ينقل عن المصنف.

و كانت وفاة أخي محمد رحمه اللّه في شهر جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و سبعمائة، و مولده ليلة السبت سلخ شوال سنة سبعمائة، تغمده اللّه برحمته، و أسكنهم فسيح جنته، كما نقلهم من لين المهود، إلى ضيق اللحود، فما أعظم مصيبة فراق الإخوان، و قولي: كان فلان و كان فلان و كان(1)، ربّ ارزقني صبرا فلم يبق إلا القليل، و متعني بسمعي و بصري و كلاهما عليل، و اللّه تعالى هو الباقي بعد كل خلّ و خليل.

لو أنّ ما أبقت الأيام من جسدي‌يكون فوق حباب الماء ما غرقا

أو كان في مقلة نامت لما انتبهت‌أو كان في لهوات الماء ما شرقا

يا رب اعترتني أسقامي حتى نحلت، و كرّ عليّ الجديدان حتى ذبت و ازددت و هنا و ضعفا لما طعنت، فإن سألتني: ما حالك؟ قلت:

ما حال من أبلت الأيام جدّته‌و خانه ثقاته السمع و البصر

و قلت أيضا:

تفكرت في خمس و سبعين قد مضت(2)

من العمر لو مرت على حجر فني

ذهبن بعيش أخضر غير يابس‌شباب و شيب و استلاب محاسن

................ ....(3)

زهت يا لها في وقتها من محاسن

و قد سلبت عني صفيّ أحبّتي‌و غابت و لم تقبل فدي من خزائني

سلام على الدنيا سلام مودّع‌فكم جرّعتني مترعات الغبائن

و لما كان في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة في شهر شعبان تحامل عليّ الأعداء،


1) في المطبوع:( و قولي: كان فلان و فلان) و المثبت من الأصل.

2) في المطبوع:( قدّمت) و المثبت من قراءة النص.

3) بياض في الأصل و المطبوع.

و قصدوا إتلافي و إعدامي، و كمنوا لي في السّحر عند خروجي لصلاة الصبح، و رصدوني عند رأس الزقاق تحت دار سلطان بن نجاد، و كان في أيام الصيف و المدينة خالية من أكثر الناس، فخرجت على عادتي و بيدي مصباح، و قدر اللّه أن الغلام تأخر عني في البيت فكنت وحدي.

فلمّا خرجت من زقاقنا و توجهت إلى السوق سمعت خلفي عدوا شديدا، فلم ألتفت إليه، و ظننت أنه مارّ، فعدا عليّ و ضربني في ظهري بسكين ضربة شديدة عظيمة وقعت بها على الأرض، ثم رجع من حيث جاء و ظنّ أنه بلغ مقصوده، فوقي اللّه شره و عتوه، لكنه ظلعني و وهنني، فصرت لا أحمل نفسي إلا بكلفة و مشقة، و ما دفع اللّه كان أعظم.

و لما تأخرت بسببها عن الصلاة في المسجد الشريف في شعبان و أكثر شهر رمضان المبارك، شكوت حالي و قصصته على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقلت:

إليك رسول اللّه من عبدك الذي‌تعوّق عن مغناك من فتك ضربة

عبيدك عبد اللّه جارك عمره‌نزيلك لم يبرح مؤمّل عطفة

إليك رسول اللّه أشكو مصيبتي‌و شدةّ أهوال أطافت بمهجتي

أغاروا على نفسي سحيرا بمديةلإتلاف روحي بل و إذهاب جثّتي

يريدون أن يخفوا لنور أتمّه‌إلهي فما اسطاعوا فباءوا بخيبة

شكوت رسول اللّه ما قد أصابني‌على غير ذنب بل على نشر سنّة

أحلّوا دمي يا ربّ أنت حسيبهم‌فعوّضهم يا ربّ كلّ بليّة

فإن بيدي تأخذ فتلك عقيدتي‌و إلا فيا و يحي و ويلي و حسرتي

ألست مقيما في جوارك سيدي‌و قبلي أبي سبعين عاما بطابة

أترضى رسول اللّه ما قد أصابني‌و حقّك ما يرضيك هاتيك نيّتي

و حقّك قد عانيت حتفي مع أنني‌صريع على وجهي و باهي شيبتي

أقلب وجهي في جهات تخيّلي‌و ليس سوى باب الحبيب لعلّتي

هو الباب للداعين إن هم لبابه‌لجوا لم يصبرهم و لا بعض ساعة

هو البحر يجري كلّ حين و دائمالجيرانه برّا بهم ذا محبّة

دعوت دعا عبد ضعيف مطعّن‌وراء حجاب قد ثوى بمضرّة

لتطلق أقدامي فأسعى بها إلى‌حبيبي الذي من جاءه فاز بنعمة

ألا يا محبّين الحبيب محمداو من جاور المختار في عزّ نعمة

عسى أنكم إن خلتم لي معاهداتبوّأتها مستجلبات لرحمة

ضربتم بسهم في دعائكم و لاينسيكم بعدي فقلبي بحضرة

و قولوا أخونا ربّ عيق ببيته(1)

و آمننا فاقبله معنا بمنّة

لئن كنت قهرا قد تأخرت عنكم‌فقلبي فيكم شاهد بمودتي

عراص لها نفسي قد اشتدّ شوقهاو حقّ لنفسي أن تضاعف زفرتي

معالم وحي منتهي الخير عندهافلا قطر في الدنيا إذا كالمدينة

فإن تذكروني في الدعاء فذاكم‌و إلا سأستجدي صحابي بمكّة

سلام عليكم من ضعيف مضرّج‌كسير غضيب ذي ضنى و صبابتي

بطيّب طيب قد كتبت حروفه‌ليسري بأخباري إلى خير بلدة

صلى الموت قد عاينته يا أحبّتي‌ولكن قضى في العمر تأخير مدّتي


1) في المطبوع:( و قولنا أخو يا رب ..) و هو غير صحيح عروضيا.

فلي أسوة الفاروق في ضربة قضى‌و أسوة عثمان شهيد بضربة

لفزت بها في الفائزين وليتهابقايا لانتهاء منيّتي(1)

فلا ملتجا للملتجين كبيته‌سوى المصطفى للملتجين بروضة

لئن عاقني عنكم بلائي فلم أحج‌فذاك على قلبي أشدّ رزيّة

فلا تحسبوا لي سلوة عن جلالهاسأسعى و لو سحبا(2)على صفح و جنتي

و قد زرتها خمسين حجّا و عمرةفما زادني إلا حفيل محبتي

فيا ربّ هلّا(3)دعوة في مشاعرأعلّ بها حينا محاجر مقلتي

أرى زمزما بعد الحطيم و أهلهاو ميزاب بيت اللّه حتى بطوفة

فأدعو بقلب مخلص في مقامه‌و ملتزم مستعطفا لشكيتي

لعلّي أرى نصري قريبا معجّلابذاك لي ادعوا(4)أنتم لي ذخيرتي

ولي صحتي ربي الكريم يعيدهافتقوى بها رجلي علي طيّ ركبتي

أقاموا ليغتالوا بليل عدمتهم‌أكانوا فلا كانوا سحيرا بخلوة

على غير ما ذنب أظنّ أتيته‌بلى(5)لي ذنب إنني حزب شرعة


1) في المطبوع:( و لكن بقاء لإنهاء لمدتي) و هو غير صحيح عروضيّا، و صواب القراءة من النص و الأبيات من الطويل.

2) في المطبوع:( صفحا) و المثبت من الأصل.

3) في الأصل:( هل لي).

4) تحرف في المطبوع إلى( بذاك لي أدعو أنتم) و هو غير صحيح عروضيا، صواب.

5) في المطبوع:( قبل) و هو غير صحيح عروضيّا، و صواب القراءة من النص، و الأبيات من الطويل.

فأصبح مسرورا بما قد أصابني‌شقيّ يعادي أو محاسد نعمة

لقد لزمت نفسي لهمّي لوعةفصارت كأمثال للازب ضربة

و قد سئمت نفسي المطاعم كلّهافكالصّاب أو كالصّبر تسري بريقتي

و عن مضجعي تنبو جنوبي كأنهاعلى حسك السّعدان لي طول ليلتي

عليك رسول اللّه منّي تحيةتفوق مدى الأيام كلّ تحية

عليك رسول اللّه ما حجّ بيته‌و ما زار ركب مصطفاه بحجرة

و آلك و الصحب الكرام فهديهم‌بأنواره تجلى دجى كلّ ظلمة

أبو بكر الصديق أعظم بشأنه‌و صاحبه الفاروق شيخ الصحابة

و عثمان ذو النورين و العلم الرضى‌أخو المصطفى عال عليّ لنصرة

و باقي كرام عشرة بمحمدأعوذ بهم من شرّ كلّ مصيبة

علاؤهم عندي يحلّ مضايقي‌و حبّهم ألقاه في لحد حفرتي

و الحمد للّه ربّ العالمين و هو حسبنا و نعم الوكيل.

و قلت هذه الأبيات في فضل المدينة المشرفة، و التشويق إلى سكناها و الإقامة بها، و الدفن في بقيعها و جمعت فيها ما حضرني من فضلها من الأحاديث الصحيحة التي لا اختلاف فيها، و سمّيتها (تشويق النفوس إلى نص العروس).

فقلت الحمد للّه ولي التوفيق:

بفضل الإله مالك الملك غافرمقسّم أرزاق العباد و قاهر

تقسّمت الأوطان بين المعاشرفكان نصيبي كابرا بعد كابر

مدينة خير الرّسل مهبط وحيه‌سقاها إلهي ماطرا بعد ماطر

و مدّ عليها و بله و سيوله‌فيغدودق الوادي بأحد و حاجر

و تزهو تلاع بالعقيق و زهوهاو سلع إلى السقيا إلى سفح عائر

و وادي قناة يا له كم به ثوى‌شهيد كعبد اللّه والد جابر

و بئر أريس مع قباء و رامةبها طبت في وقت من الهمّ شاغر

و في خيف بطحان السعيد مساجدترى بين نخل كالنجوم الزّواهر

دعا المصطفى فيها ففرّ عداته‌و كانت قلوب القوم عند الحناجر

كريم مقامات تجلّت بقاعهابها أمن عاص من مقيم و زائر

كلفت بها حتى ألفت جمالهاو حتى بدا مني خفيّ الضّمائر

و كنت إلى الراحات ترتاح مهجتي‌و تهذي بربات الخدود السواجر(1)

و ألهو إذا وقتي خلا من منغّص‌بإخوان صدق نزهة للمحاضر

فبعد الصبا عفت الهوى و مزاحه‌و قلت: أيا نفسي كفى أن تكابري

فنكّب إذن عن عزّة و سعادهاو حاشاك أن تهوى كحيل المحاجر

ودع عنك لبنى و استماع غنائهاو أقبل على الأخرى بقلب و بادر

فلو نظرت سعدى إليّ تعجبت‌و قالت بمن اعتاض عني مسامري

ألم تعلمي أني تعوّضت طيبةفلا تطمعي في العود يا أمّ عامر

تبدّلت من كلّ البلاد بأسرهابلاد رسول اللّه أبرك طاهر

فما مثلها عندي شبيه لذاتهاسوى مكّة سادت بتلك المشاعر


1) في الأصل( السواحر).

فضائل صحّت في الصحاح لطيبةفخذها بقلب و استمعها لآخر

شهيد لنا أو شافع سيد الورى‌لصبر على لأوائها المتكاثر

كذاك لمن وافى بها مثل ذاله‌ليهن بوعد من صدوق لشاكر

و كم صحّ في أخبارها من فضائل‌فمن تربها للداء دفع الضّرائر

حباها بمثلي ما دعاه لمكّةفجاور و طب نفسا بهذي المفاخر

و ذلك ضعف الضعف صدق محقق‌فكن قانعا فيها بقوت و صابر

و كم من كرامات تجلّت لأهلهابلفظ روينا مسند متواتر

فمن سعدكم يا نازلين جواره‌بتحويل حماها و نفي المضارر

و طابت فما الدجال يهدي خلالهاو لا مجرم إلا ابتلي بالدوائر

و من أهلها بالسوء قصدا أرادهم‌أذيب كملح ذاب ويل لماكر

و لمّا أن اختار المهيمن حفظهاحماها بأملاك شداد البوادر

فمن عزّها أملاكه في نقابهاترددّ دجّالا محلّا بكافر

و طاعن طاعون كذاك تردّه‌و إن عمّ تطوافا فليس بعابر

و أمّن من خسف و من أن يصيبناعذاب و هو فينا بقدرة قادر

و منها لمجذوم دواء سباخهافخذها كرامات أتت ببشائر

و كان إذا ليل سجى قام داعيالأهل بقيع الغرقد المتفاخر

فيهدي إليهم من حفيل دعائه‌و يسأل مولاه بإحضار خاطر

و وصّى جميع النّاس طرّا بجاره‌فقال: احفظوني أمتي في مجاوري

و قد قال: ما من ذاك و اللّه أبتغي‌مكانا لدفني من جميع المقابر

سوى هذه يعني بها ترب طيبةفأكرم لترب للرسول مباشر

دعا و دعا حتى دعا في ثمارهافصار بها يزكو كحائط جابر

كذلك في صاع و مدّ دعا لنافيشبعنا ربع و شطر لصابر

و جاء أنها تنفي الذّنوب مصحّحاو إطلاقه يحوي عظيم الكبائر

لها مسجد للمصطفى أيّ مسجدبه حجرة فيها الدليل لحائر

صلاة بألف يا سعادتنا به‌فوائد طابت متجرا لمتاجر

به روضة مع منبر وسط جنّةعلت يا لها من روضة لمفاخر

و منبره و الحوض تحت رتاجه‌و هل مثله من منبر في المنابر

و حول ضريح المصطفى قد تعاقبت‌ملائكة سبعون ألف مظاهر

ذكرت قليلا من فضائل طيبةو من رام حصرا ما يكون بقادر

ألا لا تلوموني فإني أحبّهافكم خوّلتني ما تمنّت خواطري

فمن طيبها طيبي و أحمد طيبهاسوى البيت ما يلقى لها من مناظر

أيا عاذلي فيها تأمّل جمالهاو أنوار خير الخلق باد و حاضر

سألزمها دهري و أحكي علومهاو أدفع عنها طاقتي كلّ جائر

و ألزم ذاتي صحنها و رحابهاو حجرتها و السر خلف الستائر

حلفت يمينا ليس في الكون مثلهالأنّ بها قبر الشفيع الموازر

فمرغ بها خديك حبّا لأحمدو قل: يا حبيبي يا شفيعي و ناصري

جوارك يا خير البرية أرتجى‌فكن لي مجيرا عند عدّ جرائري

لذلي لعصياني تدارك بنظرةفعندي ذنوب أعدمتني بصائري

فظنّي إن حالي(1)

و الأبيات من الطويل.

إليك شكوته‌تجيب بيا لبيك لست بكاسري

فياربّ عد يا ذا الجلال بمنّةفقد رجفت مني لخوفي بوادري

و صلّ على المختار من آل هاشم‌و آل و صحب في مساء و باكر

أخصّ أبابكر حبيب محمدو صاحبه الفاروق ماضي الأوامر

و ليس كعثمان الشهيد بداره‌و من كعليّ في قتال العساكر

زبير و سعد و ابن عوف و طلحةو بعد سعيد و الختام بعامر

فعفوا و صفحا يا كريم بحبّهم‌فإني غريق في ذنوب غوابر

مدحتك لا و اللّه غيرك مقصدي‌و ما هبت تقصيري لأنّك عاذري

عبيد ضعيف عاجز بك ملتجي‌غريب غدت أحبابه في المقابر

و في دار خير الرّسل عندك مولدي‌و فيها مقامي لم أحل دهر داهر

ولي قد مضى سبعون عاما مصانةتنيف بسبع طاب زرعا لباذر

تخلّلها خمسون حجّا و عمرةتنيف بسبع حبذا من ذخائر

ولي نسب أرجو إليك يجرّني‌شريف كريم فاخر بعد فاخر

عليك أصلّي يا شفيعا مشفّعاحنانيك من ماح مقفّ و حاشر

عليك صلاة اللّه بدءا و موئلاعليك سلام اللّه مدّ المحابر

عليك صلاة اللّه جهدي و طاقتي‌و بعد فأفديه بسمعي و ناظري


1) في المطبوع:( فظنّي أنّ حالي) و هو غير صحيح عروضيّا، و صواب القراءة من النص.

و يا ربّ فاغفر للجميع بجاهه‌و باللطف عاملنا و لطف مثابر

على سنّة المختار ثبّت قلوبناو لا تخزنا في يوم كشف السرائر

و هذا لتشويق النفوس و سمتهافسارع على نصّ العروس و بادر

و الحمد للّه رب العالمين حمدا كثيرا إلى يوم الدين، قال المؤلف رحمه اللّه تعالى: قد انتهى ما أردت إيراده عظة لمن اتعظ و دان، و تسلية لمن يظلم و يهان، و تعزية لمن يغرّه الحدثان بقوله: كان فلان و كان، و اختم لنا بخير، و أصلح حالنا، و ألّف بين قلوبنا، و طهّرها من الكبر و الحسد، و البغضاء التي تفرّق بين الأصحاب، و تفتح من الشرّ كلّ باب بمنّه و كرمه.

قال المؤلف: و كان الفراغ من تأليفه في الحادي و العشرين من شهر رمضان أحد شهور سنة سبع و ستين و سبعمائة.

و كان الفراغ من نسخ هذا التاريخ الميمون يوم الأربعاء أحد عشر في شهر ذي القعدة سنة 1093 ه.

فهرس الموضوعات‌

الموضوع الصفحة

مقدمة التحقيق 3

مقدمة المؤلف 7

كلام المؤلف حول وضع علامة في المسجد لمكان العالم و المفتي و حجز الأمكنة 9

كلام المؤلف حول المنارتين الشماليتين 16

كلام المؤلف حول السقاية التي كانت في وسط المسجد 17

كلام المؤلف على البدع التي أحدثتها الإمامية حول الحجرة الشريفة 18

كلام المؤلف على صلاة الرغائب و إنكاره لها 19

كلام المؤلف حول ما أحدث من تقطيع الصفوف و تقديم من هو أهل للتقديم 21

كلام المؤلف حول ما يقع عند فتح أبواب الحرم الشريف في السحر 22

كلام المؤلف حول السجاجيد التي تؤبد في المسجد 22

كلام المؤلف حول علو الرمل في الروضة الشريفة 23

كلام المؤلف حول كتابة المصحف الشريف في قبلة المسجد و ما يترتب على ذلك 24

كلام المؤلف على تزويق المسجد و زخرفته 26

تنبيه 28

أخلاق النبي صلى اللّه عليه و سلم 29

عظيم عفوه و صفحه صلى اللّه عليه و سلم 30

حسن عشرته و أدبه صلى اللّه عليه و سلم 32

فصل في ذكر من أدركهم المؤلف من شيوخ الخدام 37

ذكر عزيز الدولة و ماله من محاسن 37

ذكر شبل الدولة كافور المظفري 38

ذكر سعد الدين الزاهري و سبب عزله 41

ذكر ولاية ظهير الدين مختار الأشرفي 41

ذكر ناصر الدين نصر عطا اللّه 42

ذكر عز الدين دينار و سيرته و محاسنه و عزله 43

ذكر شرف الدين مختص الديري و ما كان من صفاته 45

ذكر شرف الدين الخزنداري و اعتزاله 47

ذكر عبد الرحمن بن ياقوت المؤذن 47

ذكر افتخار الدين ياقوت بن عبد اللّه الخزنداري و سيرته 49

فصل ذكر من أدركهم المؤلف من الخدام الصلحاء 51

ذكر طواشي شبل الدولة كافور الخضري 51

ذكر شهاب الدين رشيد عبد اللّه السعيدي 51

ذكر شمس الدين صواب الحموي الناصري 52

ذكر أمين الدين مفيد 52

ذكر سعد الدين نجيب الفاخري 53

ذكر حال رجل من اليمن ادعى أنه شريف 53

ذكر حال الرجل الآتي من تونس و كشف والد المؤلف لحاله 53

ذكر عز الدين مختار الحلبي 54

ذكر شفيع الكرموني 55

ذكر شمس الدين صواب المغيثي 55

ذكر عز الدين دينار 57

ذكر شمس الدين رشيد الدورخاني 58

ذكر شمس الدين صواب الجمداري 59

ذكر جمال الدين محسن الإخميمي 59

ذكر ظهير الدين مختار الزمردي 59

ذكر شهاب الدين مرشد القارئ 60

ذكر الطواشي نصر 61

مختار المعروف ب (الموله) 61

عز الدين ريحان الطباخي 62

ريحان الهندي 62

أمين اللّه خالص البهادي 63

عنبر الموصلي 63

مفتاح الهندي 64

الطواشي صندل 64

نجيب النظامي 65

كافور المحسني و غيره 66

فصل في ذكر جماعة من المجاورين القدماء و المشايخ الصلحاء 67

الشيخ أبو محمد عبد اللّه البسكري 67

الشيخ أبو محمد عبد اللّه المرجاني 68

الشيخ عبد الواحد الجزولي 69

ذكر الشيخ أبي العلا إدريس و ما جرى له مع الأمير جماز 70

عزم المؤلف على التوجه إلى مكة المشرفة و ما جرى له مع الشيخ أبي محمد البسكري 72

ذكر الشيخ محمد بن عمران الخضري 73

ذكر محمود اللاري 73

ذكر الشيخ عبد الواحد الجزولي 74

ذكر الشيخ عز الدين الباسطي و بعض سيرته 75

حكاية حصار المدينة و ما جرى من الشيخ عز الدين 76

ذكر ما جرى للمؤلف من و شاية بعض حاسديه عند الأمير و دفاع الشيخ عز الدين عنه 77

ذكر الشيخ أبي العباس أحمد بن مرزوق و بعض أحواله 80

ذكر الشيخ علي الواسطي و ما طلبه من الملك الناصر 84

ذكر الشيخ أبي الربيع الغماري و بعض أحواله 85

الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد السبتي 88

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن غصن القصري و بعض أحواله و أخباره 90

الشيخ أبو عبد اللّه الواد آشي 93

ذكر الشيخ شمس الدين الكناني 94

الشيخ صالح 95

ذكر الشيخ أبي القاسم محمد بن محمد الأندلسي و بعض أخباره و أحواله 96

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه سليمان 97

ذكر الشيخ يعقوب الشريف و ما جرى له مع أحد كبار الإمامية و الأمير منصور 98

ذكر الشيخ شمس الدين العجمي 100

ظهور مذهب الإمام أبي حنيفة بالمدينة المنورة 100

ذكر الشيخ محيي الدين الحوراني و ما جرى له مع والد المؤلف و السراج 100

ذكر فتنة الشيخ سراج الدين و ما جرى لوالد المؤلف معه 101

ذكر سنة وفاة والد المؤلف 105

ظهور مذهب الإمام مالك على يد المؤلف بالمدينة المنورة 106

ذكر الشيخ نور الدين حسن الأسواني و أخيه شرف الدين و بعض أخبارهما 107

ذكر الشيخ عز الدين يوسف الزرندي و أحواله و أبنائه 111

الشيخ شهاب الدين القرمي 115

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الآقشهري 115

ذكر الشيخ سعادة المغربي و بعض أحواله 116

ذكر الشيخ الهوري و بعض أحواله 117

ذكر الشيخ أبي بكر الشيرازي و بعض أحواله 120

ذكر الشيخ أحمد الششتري و ابنه شمس الدين محمد 121

ذكر السيد أحمد الخراساني 122

ذكر الشيخين محمد و عمر الكازروني 122

ذكر الشيخ صفي الدين أبي بكر السلامي 122

ذكر الشيخ محمد الكازروني و صحبة المؤلف له 124

ذكر الشيخين أبي الحسن الخراز و أبي عبد اللّه الخراز و بعض أحوالهما و خصالهما 125

الشيخ إبراهيم العريان 130

ذكر الشيخ سليمان الونشريشي و بعض أحواله 130

ذكر الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز النويري و بعض أحواله و أخباره 133

ذكر الشيخ خليل بن عبد الرحمن القسطلاني 138

ذكر الشيخ محمد بن سالم الشافعي و صحبة المؤلف له 139

الشيخ أبو الخير بن عبد اللّه الفاسي 140

الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن عرفة التونسي 141

ذكر الشيخ أبي الغمر الطنجي و بعض أحواله 141

الشيخ موسى بن علي المراكشي 143

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه القبتوري و بعض أخباره 144

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه محمد الهواري و بعض أخباره و مؤلفاته 146

ذكر الشيخ عبد الواحد بن عمر الأنصاري و بعض أحواله و أخباره 147

الشيخ قاسم التكروري 151

ذكر الشيخ عثمان المجكسي و الشيخ موسى الغزاوي و بعض أخبارهما 152

ذكر ما حصل من نهب لودائع الحجاج و ما جرى للمؤلف مع أحد الأمراء 154

المشاركين في الفتنة

ذكر بقية أخبار الشيخ موسى الغزاوي و أصله 156

ذكر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي و من صاحبه و بعض أخباره 157

ذكر خطبة ابنة المؤلف و ترجمة صهره 158

ذكر الشيخ عبد الحميد الموغاني و يحيي التونسي و بعض أخبارهما 160

ذكر لقاء الشيخ نجم الدين الأصبهاني لسيدي أبي العباس المرسي و ما وقع له معه 160

ذكر بقية أخبار الشيخ يحيى التونسي 160

ذكر الشيخ محمد الخراز 166

ذكر الشيخ برهان الدين إبراهيم الإربلي 167

ذكر الشيخ محمد العقيي 168

ذكر الشيخ جمال الدين محمد المطري الأنصاري و بعض أخباره 168

ذكر الشيخ عفيف الدين عبد اللّه بن محمد المطري و بعض أخباره 171

ذكر محنة الشيخ عفيف الدين المطري مع الأمير ثابت بن جماز 173

ذكر الشيخ محمد عبد الرحمن المؤذن 175

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن محمد الغرناطي و بعض أخباره 178

ذكر الشيخ علي بن معبد المصري المؤذن و بعض أخباره 180

ذكر الشيخ سراج الدين عمر بن الأعمى 181

ذكر الأخوين حسن و أحمد القطان 181

ذكر الشيخ يوسف بن جمال القرشي 182

ذكر أخيه العلامة علم الدين يعقوب القرشي 183

ذكر الشيخ شهاب الدين الصنعاني و صحبة المؤلف معه 184

ذكر الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن حجاج المغربي 185

ذكر الشيخ أبي البركات أيمن بن محمد السعدي و بعض أخباره 186

ذكر الشيخ علي بن فرغوص التلمساني و بعض أخباره 190

ذكر الشيخ محمد الهزميزي 190

ذكر الشيخ أسعد الرومي 191

ذكر الشيخ أبي عبد اللّه محمد التكروري الخطيب و بعض أخباره 191

ذكر الشيخ أبي فارس عبد العزيز بن زكنون التونسي 192

ذكر الشيخ شمس الدين الخجندي و بعض أخباره 193

ذكر الشيخ أبي بكر يوسف النجار و بعض أخباره 195

ذكر الشيخ إبراهيم التلمساني و بعض أخباره 196

ذكر الشيخ علي السخاوي 197

ذكر الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الحليمي و بعض أخباره و أحواله 198

ذكر الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الخشبي 200

ذكر الشيخ عمر بن محمد الهندي الحنفي 202

ذكر الشيخ أبي علي الحسن بن عيسى الحاحائي و الشيخ عبد السلام القروي 203

ذكر الشيخ قاسم السلاوي و بعض أخباره 206

ذكر صحبة المؤلف لبعض الشيوخ و بعض أخبارهم 207- 208

ذكر أصهار المؤلف و بعض أخبارهم 211

ذكر زملاء الشيخ و من هم في طبقته 213

ذكر الشيخ أحمد السقا و بعض أخباره 215

ذكر أخبار أبناء المشاكير ممن جاور بالمدينة 216

ذكر أخبار البكريين بالمدينة المنورة 220

ذكر أخبار العمريين بالمدينة المنورة 221

ذكر أخبار بعض الأنصار بالمدينة المنورة 222

ذكر أخبار النار التي كانت بالمدينة المنورة و ما نقل عنها 223

ذكر حريق المسجد النبوي و عمارته 228

ذكر وقعة التتار و ما جرى للخليفة المستعصم من مكيدة وزيره العلقمي الرافضي 229

وصف للمؤلف للمسجد النبوي و هيئة جلوس الناس فيه 232

ذكر الشيخ علي الفراش 234

ذكر جملة من الفراشين على سبيل الجملة 234

ذكر السقائين بالحرم الشريف و بعض أخبارهم و نسلهم 237

ذكر رؤساء المدينة و بعض أخبارهم 239

ذكر أحوال كبار الخدام و مناقبهم 240

ذكر ما حصل للشيخ سراج الدين عمر الدمنهوري من تضييق عليه من

قبل أمير المدينة و قيام الخدام لنصرته 244

ذكر أخبار الوزير عز الدين حسن بن علي بن سنجر و ما يدل على رجاحة عقله 246

ذكر أحوال قاضي الشيعة نجم الدين مهنا بن سنان و شي‌ء من شعره 247

فصل في ذكر قضاة و أئمة أهل السنة 250

ذكر الشيخ سراج الدين عمر بن أحمد الخضر الأنصاري 250

ذكر تاريخ تحول الخطابة لأهل السنة و بيان أن الشيخ عمر أول من تقدم في ذلك الأمر 251

ذكر أحوال قاضي الشيعة شمس الدين سنان و أنه كان يكفر عن ترضيته على الصحابة 254

ذكر من أدخل مذهب الإمامية بالمدينة المنورة 255

ذكر تولي الشيخ علم الدين يعقوب القرشي منصب الحكم 259

ذكر تولي الشيخ بهاء الدين بن سلامة المصري للخطابة و الإمامة 260

ذكر تولي الشيخ شرف الدين محمد اللخمي الشافعي الخطابة و الإمامة 261

ذكر المكان الذي كان يصلي فيه الإمامية صلاة العيد 263

ذكر ما جرى بين المؤلف و القاضي شرف الدين 264

ذكر الشيخ أبي العباس أحمد التادلي 265

ذكر تولي الشيخ تقي الدين الهوريني لمنصب الحكم و الإمامة و الخطابة 267

ذكر استنابة المؤلف في الحكم من قبل الشيخ تقي الدين و ما جرى له مع حكام الإمامية 267

ذكر تولي الشيخ شمس الدين محمد بن زكي العسقلاني للحكم و الخطابة و الإمامة 271

ظهور علم أهل السّنّة و منع آل سنان الإمامية من التعرض للأحكام و عقد الأنكحة 272

ذكر بقية أخبار الشيخ شمس الدين بن السبع و سبب عزله 273

ذكر تولي الشيخ بدر الدين إبراهيم بن أحمد المعروف بابن الخشاب للمنصب 274

ذكر عزل الشيخ ابن الخشاب و عودة شمس الدين بن السبع لمنصبه 275

ذكر تولي الشيخ تاج الدين محمد الكركي للمنصب و بعض أخباره 277

ذكر عزل المؤلف من نيابة الحكم و صدور الأمر الشريف بأن يجري على 279-

عادته دون معارضة له 280

ذكر تولي الشيخ شمس الدين محمد بن سليمان الحكري للمنصب 280

فصل في ذكر أمراء المدينة و مدة ولايتهم 283

ذكر الأمير جماز بن شيحة الحسيني و بعض أخباره و مناقبه 283

ذكر مصاحبة أمير المدينة عز الدين أبي فليتة للملك الناصر صلاح الدين في فتوحاته 284

ذكر مناقب ملوك آل أيوب و مآثرهم 285

ذكر بعض أخبار دولة بني عبيد و جرائمهم 291

ذكر بعض أخبار الملك صلاح الدين الأيوبي و مناقبه 295

ذكر ولاية الأمير قاسم بن مهنا و ما جرى في عهد ولايته 300

ذكر خلع الأمير جماز بن شيحة نفسه من الإمارة و تولية ابنه المنصور 303

ذكر ما جرى بين الأمير منصور و إخوته و تقاتلهم 303

ذكر إغارة الأمير و دي على المدينة و تولي أمرها 305

ذكر ما جرى للمجاورين و الخدام مع الأمير منصور بعد توليه أمر المدينة 306

ذكر مقتل الأمير منصور و تولي الأمير كبيش بن منصور الإمارة 307

ذكر مقتل الأمير كبيش بن منصور و إعطاء السلطان إمارة المدينة للأمير طفيل بن منصور 308

ذكر إغارة الأمير ودي على المدينة و انهزامه بعد حصول قتال له مع أبناء الأمير طفيل 309

ذكر خروج آل منصور من المدينة و تسليم الأمير ابن مزروع ودي بن جماز إمارة المدينة 311

ذكر مدة ولاية الأمير طفيل و بعض أخباره و ما حصل له من الأمير ودي 312

ذكر خبر تولية الأمير سعد بن ثابت لإمارة المدينة و منع الأمير طفيل و آل منصور له 314

ذكر نهب آل منصور للمدينة و عدم دخول الأمير طفيل في ذلك 314

ذكر حكم هيمان بنت مبارك للمدينة و تسلم الأمير سعد بن ثابت للإمارة 315

ذكر تولي الأمير فضل بن قاسم لإمارة المدينة و مدة بقائه 316

ذكر تولي الأمير مانع بن علي لإمارة المدينة و ذكر أحواله و أخباره 317

ذكر تولي الأمير جماز بن منصور لإمارة المدينة و ذكر بعض أحواله 317

ذكر مقتل الأمير جماز بن منصور و امتناع الأمير هبة بن جماز تولي الإمارة 318

ذكر تولي الأمير عطية بن منصور لإمارة المدينة و ذكر أحواله و أخباره 319

فصل في ذكر أحوال والد المؤلف و أخويه 323

ذكر أخبار والد المؤلف رحمه اللّه 323

ذكر أخبار أخي المؤلف علي رحمه اللّه 330

ذكر أخبار أخي المؤلف محمد رحمه اللّه 332

ذكر ما حصل للمؤلف من عذر و طعن و إنشائه لقصيدة يعرض بها حاله 333

ذكر قصيدة المؤلف المسماة: (تشويق النفوس إلى نص العروس) 337

فهرس مراجع التحقيق‌

•

تاريخ الإسلام: للذهبي، دار الكتاب العربي بيروت 1960 م.

•

تاريخ أمراء المدينة: لعارف عبد الغني، دمشق 1996 م.

•

تاريخ ابن الوردي، المطبعة الحيدرية بالنجف 1969 م.

•

التحفة اللطيفة: في تاريخ المدينة الشريفة، للسخاوي، نشرة أسعد طرابزوني 1979 م.

•

ترتيب المدارك و تقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض، وزارة

الأوقاف و الشئون الإسلامية، المملكة المغربية 1981 م.

•

الدرر الكامنة: في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، دار الجيل، بيروت، 1993 م.

•

الديباج المذهب: لابن فرحون، مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، 2003 م.

•

الذيل على الروضتين: لأبي شامة، دار الجيل، بيروت.

•

الروضتين: في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية لأبي شامة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1997 م.

•

الشفا: بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 2000 م.

•

العقد الثمين: في تاريخ البلد الأمين للفاسي، مطبعة السنة المحمدية القاهرة 1958 م.

•

القاموس الجغرافي: للبلاد المصرية لمحمد رمزي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993 م.

•

الكامل في التاريخ لابن الأثير: طبعة دار صادر، بيروت، 1965 م.

•

المغانم المطابة: في معالم طابة للفيروزآبادي، مركز بحوث و دراسات المدينة المنورة 2002 م.

•

الموطأ: للإمام مالك، طبعة دار النفائس، بيروت 1990 م.

•

وفاء الوفا: بأخبار دار المصطفى للسمهودي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي 2001 م.

•

وفيات الأعيان: لابن خلكان، دار صادر، بيروت، 1968.