ثوره الامام الحسن علیه السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المرجع الديني الأعلى الراحل آية الله العظمى

الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي

أعلى الله مقامه

هیئة محمد الأمین(صلی اللّه علیه و آله و سلم)

اشارة

لبنان

الأمين للطباعة والنشر والتوزيع ص.ب 6080 / 13 شوران -بيروت - لبنان هاتف 541650 / 01 فاكس 541483

إیران

مکتبة الأمين

ص، ب 4359 قم - إيران

ص.ب 15910 الرمز البريدي 35460

الكويت

ص.ب 15910 الرمز البریدي 35460

الدعية - الكويت

هاتف 2529640 فاكس 2544202

هیئة محمد الأمین(صلی اللّه علیه و آله و سلم)

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحیم

من هو الامام الحسن؟

وما الدور الذي قام به بعد والده الامام علي (علیه السلام).

واذا كان الامام الحسن قد ادى دورا رساليا في حياته و عمل على ترسيخ قواعد الرسالة المقدسة التي تحمل أعباءها الرسل العظام: فكيف اختلفت صور الاداء.

بين الامام علي (علیه السلام) والحسن وتناقضت بين الحسن و الحسين.. والف سؤال وسؤال يطرحها شبابنا الضائع اليوم حول عقيدته ورسالته وحول القادة العظام الذين قدموا انفسهم قرابين على مذبح الحرية والعمل.

والكتاب -المحاضرة -(1)يلقي نظرة تاريخية تحليلية في اعماق الحقبة الاولى من تاريخ الامة الاسلامية ويكشف بوضوح شامل مواقف وافكار وشخصية الامام الثائر « أبي محمد الحسن بن علي(علیه السلام)

ص: 3


1) هذا الكتاب لم يكن كتابا بالشكل المعتاد بل محاضرة القيت على ثلة من الشباب المؤمن المثقف الذي جاء من اقطار شتى لينور فكره وعقله بمباديء الاسلام الحقة ويربي نفسه على الالتزام بتعاليم السماء.

والحديث عن الثورة والثائر حديث طويل لا يسع المجال لاستعابه ونلخص باختصار: -

الثورة: موقف شجاع حاسم للتصدي للاوضاع الاجتماعية المتهرءة واعداد لمواجهة القوى الطاغوتية المتسلطة على رقاب الناس.

اما الثائر: من نذر نفسه لقضايا الحق والحرية والدفاع عن المستضعفين ولم يلتفت الى حطام الدنيا ولا يبالي بزخرفها(1)بل همه اداء رسالة الله الى الناس كافة والحسن بن علي هو ذلك الامام الثائر الذي قارع الظلم وحمل السلاح في وجه الجاهلية المقنعة بثوب الاسلام... وقد القى سلاح المواجهة الحادة مع العدو ليستبدل بتكتيك اخر ضمن استراتيجية محددة الافاق والاسس والاهداف.

ولم تك قط استراحة محارب.. بل اعداد لمعركة اكبر اثارا واعمق جذورا واشد وطأة... واعداد لهدم عروش الطفاة... وبناء لنواة الثورة...

فكانت الثورة.. وكان النصر

هذا عن الكتاب، وعن الثورة، والثائر.

أما الحديث عن الكاتب سماحة الإمام الراحل المجدد الشيرازي الثاني فهو أكبر من أن يعرف... المرجع الديني الأعلى للطائفة الشيعية ومؤلف ذائع الصيت كتب في الفقه والأصول والنحو والفلك والطب والادارة والاخلاق:

ص: 4


1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

وكتب للحوزات العلمية كما كتب للمثقفين واخرى لذوي الثقافة البسيطة من العمال، كما كتب للادباء.

ولا يخفى ان سماحته عمل على تقديم كافة الخدمات الضرورية للمجتمع من مشاريع الزواج والمستوصفات ومشاريع الدعم المادي للفقراء والمعدمين والمنكوبين.. وانشاء المكتبات الاسلامية. وبالرغم من كثرة مشاريعه فانه لم يتوانى عن متابعة احداث الساعة في قضايا السياسة والعلم والاجتماع. ففي كل حدث له رأي وموقف.

ولسماحة الامام الشيرازي رأي بارز في الثقافة واثرها في تغيير القطاعات الجماهيرية من المثقفين والعمال فهو يرى بان الكتيب الصغير له خدمة واثار كاثار الكتب الكبيرة والبحوث الموسعة بل في بعض الاحيان يكون الكراس اكثر خدمة وتغييرا في المجتمع.. ففي الوقت الذي يؤلف بحثا فقهيا موسعا لا يفوته أن يكتب قصصا للاطفال، وكراسا للشباب.

ونحن اذ نقدم هذا الكراس الى الشباب المسلم عامة.

والمفكرين المسلمين خاصة نهيب بهم جميعا ان ياخذوا من الامام الحسن(علیه السلام) دروسا ومواقف لبناء المجتمع الاسلامي الامثل، والقاء الضوء على حياة الامام ومواقفه الثائرة والجوانب المنسية من رسالته فما هذا الكتاب الا اشعاع بسيط من حياة الامام الحسن(علیه السلام).

مركز الثقافة الاسلامية

في مكتبة الرسول الاعظم(صلی اللّه علیه و آله و سلم)

ص: 5

ثورة الامام الحسن(علیه السلام)

نتكلم حول موضوعين:

الموضوع الاول: عن الامام الحسن(علیه السلام).

والموضوع الثاني: عن استفادتنا من سيرته الوضائه: - فانه ربما تثار حول الامام اسئلة واني اظن ان اجوبتها واضحة. وانما نتكلم حول الاسئلة والاجوبة. مزيدا للايضاح وتذكرة وازيادة بصيرة.

الى الخطباء

لقد رأيت في بعض الكتب كلاما عن الامام يبقى موارد للتساؤل والشك ولي على امثال هذه الكتب نقد. یجدر بالخطيب والمؤلف ان يتكلم وان يكتب ما يسد الثغرات و لايبقى موردا للتساؤل. او للخلخلة الفكرية.

مميزات الخطيب الناجح

اني معجب بالخطيب الشهير (الشيخ الفلسفي) وكثير من الخطباء مجيدون ولا اريد ان أقول انه الوحيد في هذه الميدان ولكن كمثال نذكره انه عندما يريد أن يتكلم يلاحظ عدة اشياء في كل خطاباته: الشيء الاول:

انه يلقي الضوء على المواضيع الاسلامية حسب الرؤية الحاضرة حتى ان الانسان المثقف او الخريج او الدكتور...الخ يرى الموضوع واضحا جميلا.

ص: 6

والشيء الثاني: انه يلقي موضوعه على الاكثر – حسب مختلف المستويات.. ان القاء الموضوع على المنبر أصعب من التأليف فالتأليف لطبقة خاصة عادة ولكن الخطيب يتكلم مع انسان تخرج من الجامعة. ويتكلم في نفس الوقت مع عامل لم يتلق من الثقافة الا اليسير. ومع ثالث امرأة ومع مسن في العمر واخر يفكر على الطور الحديث. ومع انسان يفكر على الطور القديم.

فاذا اردت ان تتكلم بحيث يستفيد الكل يجب أن تتعلم من المطر.

قال تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ(1)بِقَدَرِهَا»

لذا يجب ان يكون لك من اللباقة والقدرة على ارضاء كافة المستويات.

الميزة الثالثة:

انه لا يترك ثغرات واسئلة تدور في اذهان السامعين وهذا شيء مهم جدا. فاللازم على الخطيب أن يتكلم بحيث لا يبقى أي مجال للسؤال او الاشكال في ذهن المستمع.

هذه كانت مقدمة موجزة ذكرناها جانبيا والا فحديثنا حول «الامام الحسن». والحديث عنه(علیه السلام) ينقسم الى قسمين:

ص: 7


1) اودية: جمع وادي، والوادي مسير الماء.

ص: 8

القسم الاول

اشارة

كل منهما كان ثائرا .. والفرق؟

بالنسبة للامام الحسن(علیه السلام) تطرح اسئلة:

السؤال الأول: -

هل هناك فرق بين الامام الحسن(علیه السلام) وبين الامام الحسين(علیه السلام) في العمل والحركة؟

الجواب: -

كلا !.. ولكن كيف يكون ذلك؟

موجز الجواب: ان كلا من الحسن والحسين كان رجلا ثائرا والفرق هو ان الامام الحسن(علیه السلام) كان يعد للثورة. والامام الحسین(علیه السلام) قام بالثورة فعلا فالثورة تحتاج الى اعداد تنفيذ وتفجير فالرسول الاعظم(صلی اللّه علیه و آله و سلم) في مكة كان ثائرا ولكنه كان ثائرا اعداديا وفي المدينة كان ثائرا فعليا تنفيذيا.

لا يمكن للثورة ان تتم بدون اعداد وتهيئة. وكذلك الاعداد بدون نهوض وتفجير خارجي ليس له جدوى.

ص: 9

انك تعد مدرسة (مثلا) ولا تاتي بالطلاب أو انك تاتي بهم ولكنك لا تعد المدرسة كلاهما غلط اك ما اذا قمت باعداد المدرسة جلبت الطلاب اليها فانك قد قمت بعمل متكامل. ان الثورة تحتاج الى اعداد دائما والامام الحسن قام بهذا الدور ولذا فالظاهر انه لولا الامام الحسن(علیه السلام) لم يتمكن الامام الحسين(علیه السلام) من الثورة ابدا.

انه يستحيل ان تقوم ثورة لها مقومات الثورة الصحيحة بدون اعداد والذي يؤيد ذلك ان الحسين ايضا لم يثر ومكث بعد موت اخيه الحسن تسع سنوات.

واليك مثلا ترى في حياة الانبياء - عليهم السلام - ان قسما منهم لم يحاربوا وقسما اخر قد حارب. فلماذا هذا الفرق؟

ان الثورة عبارة عن البناء والبناء يحتاج الى مقدمات و مؤهلات و اذا لم يكن حديد ولا اسمنت ولا ابواب ولا خشب ولا عمال هل يتمكن البناء من البناء؟ بالطبع كلا. وهذا شيء واضح ان كلا من الامام الحسن والامام الحسين (علیهما السلام) قد اديا رسالة واحدة أدى نصف هذه الرسالة الامام الحسن حيث اعد للثورة اعدادا متكاملا ومحكما. بينما قام الامام الشهيد ابو عبدالله الحسين(علیه السلام) بالاداء الجيد للنصف الثاني حيث قام بالتفجير الصاعق للثورة وأني اظن أن مهمة الامام الحسن كانت اكثر واهم واثقل من مهمة الامام الحسين(علیه السلام) لان مهمة الاعداد اصعب من مهمة التفجير التي قام الامام الحسين بها.

ص: 10

فان الانسان اذا اراد ان يربي جيلا ثائرا لا بد ان يهان اهانات بالغة ويحتاج الى تخطيط سليم والى زمن طويل ويحتاج الى فكرة طويلة المدى والى طاقة... والى تقية متزايدة حتى يبقي على الجيل الناشيء ويحتاج الى كثير من عوامل البقاء طوال عشرين سنة أو ثلاثين.. ويحتاج الى اعداد نفسه لان لا يمدح ان الانسان الذي يثور سواء نجح او سقط هذا الانسان يجلب مدح الناس ويستقطب قلوبهم اليه، اما الانسان الذي يخطط.. ویعد.. ويستعد.. هذا يعمل بلا مدح انه كالبذرة تحت الارض فالبذرة التي تحت الارض تعمل.. وتعمل تحت الارض حتى تنمي نفسها. بعد النمو يظهر الرواء.. والجمال..

والخضرة.. والورد.. والثمرة. اما قبل النمو فلا يظهر اي شيء وانما مجرد بذرة تحت الارض مخفية مسكينة لا مدح.. لارائحة.. لالون لا طعم لارواء.. لكن الرواء.. والجمال.. والخضرة والورد والثمرة والاعجاب كلها مترتبة على تلك الاعمال التي تعملها البذرة تحت الارض. فمهمة الامام الحسن مهمة الاعداد وهي مهمة اصعب اذا رسالة الامام الحسن والحسين - (علیهما السلام) - رسالة واحدة انقسمت جزئين.

السؤال الثاني:-

اذا كان الامام الحسن(علیه السلام) بصدد الاعداد لثورة دون تفجير الثورة. فلماذا حارب معاوية حربا فاشلة في ظاهرها؟ مع العلم ان دوره دور الاعداد والاستعداد مع ان الحرب انتهت على الظاهر بالفشل. ثم بالصلح على ما يقال. ثم أنسحاب الامام من الميدان كاملا؟؟

ص: 11

الانتفاضات ضرورة لتفجير الثورة الكاسحة

الجواب:

دائما الثائرون يحتاجون الى انتفاضة. وهذه الانتفاضة تهز المجتمع. وفائدة الانتفاضة استقطاب العناصر الخيرة وكشف سوءة الطرف الاخر.

وهي ضرورة لكل ثورة في العالم - كل ثورة تقوم بحزم يجب ان تقوم بهذا العمل. فان من يريد أن يفجر ثورة يحتاج الى عملين:

العمل الأول: أن يستقطب العناصر الخيرة حول الانسان الثائر حتى يعرف الناس أن لهذا الانسان قابلية العمل والثورة والحركة فينتمون الى جبهته...

والعمل الثاني: أن يكشف عن سوءات العدو أو الجهة التي يريد محاربتها.

انظر في قصة ابراهيم(علیه السلام) - لماذا كسر ابراهيم الاصنام؟ مع العلم انه كان يعلم انه لا يقدر على أي شيء من تغيير تلك العناصر وتلك البلاد؟ لقد جاء ابراهيم(علیه السلام) وهو انسان واحد. وكان يعلم انه لا يتمكن من أي عمل لكنه جاء في ليلة او يوم عيد وكسر تلك الاصنام. مع العلم بانه عارف انه لا يستطيع بهذا العمل ان ينجز شيئا. (هذا شيء واضح وطبيعي). أن المدينة باكملها تعبد غير الله من الملك إلى أصغر رجل في ذلك البلد. وانسان واحد لا يتمكن من زحزحة الواقع الفاسد وانما كانت نتيجة هذا العمل ان يقضى عليه بالاعدام

ص: 12

كما قضى عليه فعلا. فكيف يقوم ابراهيم وهو نبي الله بهذا العمل؟

انما قام ابراهيم بهذا العمل الجرىء حتى يهز المجتمع هزا من اقصاه الى اقصاه.

ونفس العمل قام به الامام الحسن(علیه السلام) عمل انتفاضة وهذه الانتفاضة استوجبت ظهور معاوية على واقعه.

لان معاوية كان مستورا عن اعين المسلمين.

ولكن متى وكيف استطاع الامام أن يكشف ويفض-ح معاوية على واقعه؟

عندما صالحه الامام. فصعد معاوية المنبر وقال: كل شروط الصلح تحت قدمي. وقال:

• ما حاربتكم لتصلوا ولا اتصوموا-

متی تنكشف امثال هذه المواقف اللادينية واللاانسانية؟ أثناء الهزات التي تعصف بعدو الله المستتر برداء الصلاح وفي اثناء الازمات والانتفاضات ينكشف الصديق من العدو وينكشف اصدقاء الجبهة. واعداء الجبهة (وهذا شيء واضح).

فالامام الحسن(علیه السلام) مع علمه انه لا يربح الحرب حارب.

هل ان الامام لم يكن يعلم انه سيخسر الحرب؟

هل انه كان أقل علما مني. حتى العلم العادي بقطع النظر عن علم الامام - فخسارة الامام متوقعة. ومع ذلك حارب؟ 000 ! فلماذا حارب؟

ص: 13

لانه اراد استقطاب العناصر الخيرة حول هذه الجبهة سواء هو او خلفه او خلف خلفه. واراد كشف الجبهة الثانية على واقعها:

وبالفعل فقد أثمرت هذه الحرب للامام الحسن هذين الثمرتين:

لقد ظهر معاوية على واقعه وانه انسان دجال كذاب يخالف الشروط. لا يقاتل الناس الا لاجل الامارة والملك ويحارب الدين كما انكشفت جبهة الامام الحسن(علیه السلام) انه انسان يريد الدين يريد الفضيلة. يريد التقوى يريد الهداية يريد ان يسلك مسلك جده وابيه - وعلى هدى القرآن.

ص: 14

الخلاصة:

وبناء على هذا فالسؤال الاول: هل ان الامام الحسن والامام الحسين - في طريقين؟

والجواب: كلا. فكلا الامامين في طريق واحد هو طريق الثورة فالامام الحسن(علیه السلام) قام باعداد الثورة اما الامام الحسين مهمته تفجير الثورة والمواجهة الحاسمة مع العدو.

والسؤال الثاني: لماذا حارب الامام الحسن(علیه السلام)؟

والجواب: الامام الحسن - حارب لاجل كشف الجبهتين حتى تنكشف جبهة الحق - وتتعرى جبهة الباطل على واقعها.

وفي قصص أكثر الانبياء الذين وصلت الينا تواريخهم نری نفس الشيء واذكر لكم مثالا واحدا لتوضيح هذا:

نبي الله ابراهيم (النبي الامة) الذي احدث هزة عنيفة في مقاييس المجتمع حيث كشف عن جبهته وكشف عن جبهة نمرود.

هل بامكان الانسان الواحد أن يغلب؟

ما كان بامكانه ذلك. لكن ابراهيم(علیه السلام) اراد ان يستيقظ

ص: 15

المجتمع من سباته ويوجد في المجتمع هزة تسبب استقطاب العناصر الخيرة حول نفسه وكشف نمرود على واقعه. لان ابراهيم بهذا العمل لم يكشف نمرود فقط بل كشف معه ايضا حقيقة الشعب التابع له كما كشف القضاة الذين حكموا ضده وعدهم (300) قاضيا كانوا يشكلون مجلس المحلفين وقد خاصمهم ابراهيم لوحده فخصمهم. قال لهم اذا كانت الاصنام لا تشعر لماذا تعبدونها؟ واذا كانت تشعر لماذا لا تسئلونها من فعل هذا التحطيم بها؟ هكذا صنع ابراهيم !

والسؤال الثالث: -

اما كان بامكان الامام الحسن(علیه السلام) أن يتغلب على معاوية؟ ويقوم بنفس الاعمال التي قام بها معاوية من شراء الضمائر بالمال وما أشبه؟

لا. بل نفس الاعمال التي كان يعملها رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) فلقد كان يعطي لبعض الناس مالا. وللبعض الآخر زوجة ويتزوج من قسم ثالث. ويؤمر قسما ويرشي مجموعة اخرى من اجل تثبيت دعائم الحق والاسلام والهدف عمل كل هذه الوسائل ألم يكن بامكان الامام الحسن ان يصنع مثل هذا الصنيع؟ بمعنى ان يرشى رؤساء الكوفة. ياخذ منهم بنات ويعطي لهم بنات يستقطبهم. يتقرب اليهم يتكلم معهم يعمل جبهة. يصنع تنظيما. أما كان بامكان الامام الحسن(علیه السلام) ان يعمل ذلك حتى يتغلب؟

الجواب: لم يكن باستطاعة الامام الحسن ذلك؟ ولماذا

ص: 16

كان بامكان معاوية ولم يكن بامكان الامام الحسن؟

قسم من الناس يجيبون لان هذا العمل خداع ومكر لكن هذا الجواب غير صحيح فلقد مارس الرسول كل هذه الوسائل ولم تكن خداعا أو مكرا.

في سبيل الوصول الى الحق لك ان تعطي بنتك. وتاخذ بنتا وان تعطي رشوة. وان تعطي الى ابي سفيان الذي لا يستحق شيئا (100) من الابل. وان تقاطع فلان وفلانة. فالرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) عمل كل هذا.

وبالنسبة لنا اذا اردنا الباطل تصبح كل هذه الامور غير جائزة. اما اذا اردنا الحق فكل هذه الامور صحيحة (لان بالنيات ولكل امرء ما نوى) اذا نعيد السؤال من جديد.

ألم يكن بامكان الامام أن يقوم بهذه الاعمال؟ الجواب لا. فيقال وكيف كان بامكان معاوية ولم يكن بامكان الامام الحسن(علیه السلام)؟

المقاومة: خطط ونفسيات وتفكير وتشكيل جبهة..

الجواب:

جيش معاوية هو جيش الروم وقد عاش ما يقارب من خمس مائة سنة - مركزهم سوريا وتركيا وفلسطين. معاوية كان كان على رأس جيش طول عمره 500 سنة. جيش منظم مترابط ذو جبهة واحدة وعندما جاء الاسلام تغير اللون السابق فاللون المسيحي او البيزنطي.. اصبح لونا اسلاميا فمعاوية كان على رأس جبهة مطيعة غير مفككة. ولم يكن هذا

ص: 17

من صنع معاوية - وانما كان من قبل خمس مائة سنة. و الذي حدث أن معاوية جاء على رأس هذه الجبهة باسم الاسلام:

اما الامام الحسن جاء على رأس جبهة مفككة فالكوفة مدينة جديدة استحدثت منذ عهد عمر ومن عهد عمر الي عهد أمير المؤمنين لم يكن هناك خمس عشرة سنة فالبلد ململم جاء فيه من الفرس ومن العرب من اهل الشام من سائر الاماكن. مثل ذلك كوريا الرأسمالية حيث يقدر نفوس العاصمة - سيؤول - من الحرب العالمية الثانية ( 300) الف وفي حوالي 30 سنة بلغ نفوسها (4) ملايين. ونفس الشيء ينطبق على الكوفة، والكوفة لم تكن صالحة ومؤهلة للحرب. ولهذا لم يتمكن الامام علي(علیه السلام) من الحرب بهم ولا معاوية حارب بهم ولا الحسن حارب بهم ولا المختار حارب بهم ولا التوابون حاربوا بهم ولا مصعب حارب بهم. ولا الامويون استطاعوا ان يحاربوا بهم بعد ذلك. الحرب ليس معناها لملمة مجموعة من الناس والاعراب بدو وغير بدو ويحارب بهم. فان الحرب خطط ونفسيات وتفكير وجبهة وقرابات وصدامات ورواسب. وجبهة الامام كانت تفتقد كل ه------ذه الوسائل ولهذا نقول انه لم يستطع أحد أن يحارب بجيش الكوفة لا قبل الامام ولا بعده.

فبعد الامام الحسن المختار حارب لكنهم خانوه.

ومصعب حارب فخانوه. والامام الحسين حارب فخانوه وابن زیاد حارب فخانوه والحجاج ايضا خانوه ولما حكم الحجاج وكان يحارب بجيش الشام كما ذكر في التاريخ ولذا الامام الحسن(علیه السلام) ما تمكن من جعل جبهة مفككة غير قابلة

ص: 18

للحرب جبهة حربية حتى ولو رشى او تزوج او زوج او ما اشبه لم يكن يفيد معهم والى هذا يشير الامام علي(عليه السلام) بقوله:

ان صاحبكم يطيع الله وانتم تعصونه وصاحب اهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه وكان يقول (ليت معاوية - ) صارفني بكم صراف الدينار بالدرهم وياخذ منكم عشرة ويعطيني واحدا.

ولذا الامام الحسن لم يتمكن من الحرب بهم كما كان ابوه علي لم يكن قد حارب بجيش الكوفة.

فالسؤال القائل:

الم يكن باستطاعة الامام أن يتبع خطط رسول الل-ه التكتيكية لاحراز النصر؟ جوابه كلا. قيل لماذا؟ نقول:

لان المنطقة لم تكن قابلة وقبله لم تكن قابلة. وبعده ايضا لم تكن قابلة. وحتى العباسين عندما جاءوا إلى الحك--م حاربوا بالخراسانيين من الايرانيين وليس بأهل الكوفة. لان خراسان كانت ايضا قابلة وكانت جبهة واحدة وهي في ذلك اليوم تمتد الى طهران والى افغانستان فحقيقة الامر أن أهل الكوفة لم يكونوا قابلين لان يحارب الثائر بهم سواء كان حقا محضا كاميرالمؤمنين علي او الامام الحسن، او كان مبطلا محضا كابن زياد والحجاج بن يوسف ومن اشبههما.. فان هؤلاء كانوا جبهة مفككة ملمومة والجبهة المفككة الملمومة لا يمكن المقاومة بهم.

ص: 19

واخيرا: ناتي الى السؤال الرابع وهو هل ان الحسن(علیه السلام) لم يكن بامكانه الانتحار - ان صح التعبير - والتضحية كالامام الحسين. فهو لم يكن يستطيع أن يحرز النصر ويأخذ الزمام من يد معاوية.. ولكن هل لم يكن بامكان الامام الحسن الانتحار ! كما فعل الامام الحسين(علیه السلام) بان يجمع 72 رجلا ثم يصطدم بالجيش الاموي يقاتل ويقتل ويقتل كالامام الحسين فان هذا كان بامكان الامام الحسن:

والجواب: -

نعم هذا كان بامكان الامام الحسن(علیه السلام) فالانتحار بي-د كل انسان لكن الامام الحسن اذا كان يعمل هذا العمل. كان معناه هدم الاسلام بخلاف عمل الامام الحسين في عهد يزيد اذ كان معناه أحياء الاسلام: اما ان الامام الحسن اذا كان يعمل هذا العمل كان معناه هدم الاسلام فلانه كان هناك فرق بين معاوية وبين يزيد. ولذا فالحسين بنفسه لم يقم في زمن معاوية بالثورة.

ان معاوية كان خبيرا باساليب شيطانية وله عقلية خداع متمرسة ولديه جبهة ثقافية طائلة من علماء البلاط الذين يأخذون المال وينسبون الى رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) كل حديث امثال - أبي هريرة ومغيرة وشرحبيل وسمرة بن جندب وغيرهم من الذين كانوا يبيعون ضمائرهم بالمال واذا كان الامام الحسن يحارب معاوية ويقتل لكنت ترى سيلا من الاحاديث الواردة عن رسول الله وعن علي في سب الامام الحسن(علیه السلام) وكانت تلك الاحاديث تبقى الى اليوم.

ص: 20

وكنت ترى ان المسلمين يعملون بتلك الاحاديث كما هم عليه الآن بالنسبة الى الاحاديث التي رواها هؤلاء.

واما يزيد فلم تكن عنده جبهة ثقافية ولم تكن له هذه العقلية، وانما عقلية يزيد عقلية حرب وأكل وشرب وخيل و افتخار وسيادة وسلطة...

ومثل هذا الرجل ينكره الاسلام قطعا ويمكن الاصطدام به.

اما أن تصطدم بشخص وراءه جبهة ثقافية عريضة وله عقلية الخداع والمكر والتمويه فذلك انتحار معنوي وهدم للاسلام فاذا اصطدم الامام الحسن بمعاوية كان معاوية يضع الا الاحاديث عن لسان رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وعن لسان اصحابه حول ان الحسن كذا او انه كذا وكذا.

اتعجب من بعض الخطباء

والحديث المشهور الذي يقرأه الكثيرون (وهو من وضع معاوية) واني اتعجب حتى من بعض خطبائنا الذين يقرؤنه في المجالس عن لسان رسول الله «ان الامام الحسن سيد وسيصلح الله به طائفتين عظيمتين من أمتي».

ماذا يعني هذا الحديث الذي هو موضوع قطعا ان الذي وضع هذا الحديث اراد ان يبين (من لسان الرسول) ان معاوية وعصابته طائفة عظيمة من الامة وعلي واصحابه طائفة عظيمة من الامة تحاربا والامام الحسن هو الذي تمكن من الاصلاح بينهما.

ص: 21

فان هذا الحديث كذب مرتين مرة لان معاوية وجماعته اعتبرت طائفة عظيمة من امة رسول الله ومرة ثانية لان عليا ما تمكن من الاصلاح وتمكن من الحرب. وانما الحسن تمكن من ذلك وكان من الضروري أن يقوم علي بهذا العمل ولكنه لم يقم وانما قام به ابنه.

اذن صار جواب السؤال الرابع ان الامام الحسن كان بامكانه التضحية والانتحار (ان صح التعبير) كما فعله الامام الحسين(علیه السلام) لكن انتحاره وتضحيته كان معناه هدم الاسلام بعكس تضحية الامام الحسين التي كانت تضحية تعني احياء الاسلام.

لان الامام الحسين(علیه السلام) اصطدم بباطل غير مثقف بينما اذا اصطدم الامام الحسن مع معاوية فان الاخير كان يكسح ويصفي الامام عسكريا وثقافيا هذا موجز عما اردنا بيانه حول الامام الحسن وحول الامام الحسين وحول هذه النهضة.

ماذا نستفيد من نهضة الامام الحسن(علیه السلام)؟ ومن أعداده للثورة؟

لكي ترتفع الى مستوى المواجهة

اذا قاوم الانسان بالسيف فقط ليس بصحيح، والذي لا يقاوم نهائيا كذلك ليس بصحيح. الانسان يقوم بالسيف هذا ليس اسوة. والانسان لا يقوم اصلا هذا ايضا ليس اسوة. الاسوة هي ان يعمل عمل رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) ويطوره حسب الزمان

ص: 22

الحاضر وتوضيح كلمة (تطويره) بهذا المثال: انسان لا يذهب الى الحج لان رسول الله لم يذهب بالطائرة. وانسان يذهب الى الحج بالفرس والجمل لان رسول الله كان يفعل ذلك فكلاهما خطأ لان الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لم يقل ان بعد الف سنة ايضا يجب عليك ان تركب الخيل والبغال والحمير، موضوعنا نحن هو اننا يلزم أن نفكر ونعمل كما كان يفكر ويعمل الامام الحسن(علیه السلام). لماذا؟

لاننا نحن الان في زمان تكالبت علينا قوى الكفر من كل جانب ومكان قوى الشرقين وقوى الغربيين وقوى اليهود وقوى المسيحيين وقوى الفساد: والفساد ليس شيئا قليلا أبدا. الخمر والقمار السفور والزنا و 000 و 000 هذه قوى الشر التي شكلت جبهة عريضة اهول ما تكون. ومجموع هذه القوى طويلة عريضة عميقة فنحن في الحقيقة بحاجة الى اكبر قدر من العلم والوعي والعقلية حتى نتمكن ان نبقى على انفسنا ثم انفسنا حتى نصل الى مستوى المواجهة. لان هناك ننمي ثلاثة اشياء: -

1 - ابقاء نفسك.

2 - انماء نفسك.

3 - ثم تكسح وتاخذ مكان أولئك الذين ملوا الدنيا فسادا نحن بحاجة الى ممارسات الحسن(علیه السلام) في العصر الحاضر الذي اصبح الاسلام فيه غريبا. طبعا نحن بحاجة الى

ص: 23

اكبر قدر من العقلية الناضجة والفكر والتخطيط والاستشارة والوقت والخلق والدقة والاستقامة والا لا نتمكن أن نفعل شيئا

نماذج للاقتداء

1 - هناك مرقد عالم في كربلاء المقدسة اسمه (شريف العلماء) توفي هذا العالم قبل أكثر من (100 سنة) وهو استاذ العلماء وقد ربى جيلا من العلماء وكان يحضر تحت منبره اكثر من الف عالم ومجتهد. يذكرون في سبب نبوغ هذا العالم انه كان يطالع من أول الليل الى الصباح سنوات طويلة لا ينام الليل ابدا وهذه المدة الطويلة لا ينامها الانسان شيء هائل وغريب لكن ذلك الشيء الهائل الغريب صنع هذا العبقري الهائل العظيم وكان سنوات اخرى طويلة لا ينام في أول الليل الى الصباح. وانما كان كله يفكر وقد ذكروا ان مجموع سهره كان (14 سنة 7 سنوات دراسة 7 سنوات تفكير). من هنا صار هذا العالم عبقريا عظيما على رأس جميع الفقهاء والعلماء المتأخرين والغريب ان هذا العالم توفى في شبابه.

من هذه الناحية العلم مثل العمل دون أي فرق اذا اردت ان تكون في العلم دقيقا، تصبح عبقريا فما الذي يج--ب ان تصنع نفس الشيء يكون بالنسبة الى العمل. العلم والعمل جناحان فان أي علم من العلوم له جناحان: جناح الثقافة وجناح التطبيق.

وهناك قصة ثانية لعبد الكريم قاسم زعيم ثورة (14)

ص: 24

تموز لقد كتب في الصحف (واني لا اعتقد بقاسم وانما اذكرها كقصة) انه كان يخطط ضد نوري السعيد 15 سنة وكان بيده السلاح والقوة والمال باعتباره زعيما في الجيش. كان يخطط حتى اذا جاء الوقت المناسب قام بانقلابه ونجح في هدفه انك اذا اردت ان تصلح مدينة وتصلح الناس بان يصلوا ويصوموا ولا يشربوا الخمر الخ ماذا تصنع؟ اليس عليك أن تفكر وتخطط (15) سنة؟ !

ولا اقول ان على الانسان طول هذه الفترة الا يعمل شيئا وانما اقول يجب عليه أن يواصل التفكير والتخطيط وبتعبير اخر يفكر هائما في انجح طريق يوصله إلى الهدف وبهذه الطريقة يكون بالامكان أن تطبق حكم الله تعالى في الارض!

ولنضرب مثالا اخر بابن سينا فانه بلا شك عبقري والدليل على ذلك هو أنه فرض نفسه على البشر هذه المدة الطويلة منذ وفاته الى اليوم.

يقول ابن سينا: انه وصل الي كتاب (الفلاسفة) فطالعته مرة واحدة فلم افهمه ومرة ثانية وما فهمت ومرة ثالثة وما فهمت فقراته (40) مرة حتى فهمت ما يقول وبهذا الاسلوب الدؤب سيطر ابن سينا على الحياة!

ولذأت بمثال اخر: «اديسون» المعروف قبل أن يكتشف الكهرباء..كان ذات مرة يعمل عملا فيزيائيا ! واذا به يرى

ص: 25

ان شرارة كهربائية قفزت من الجهاز الذي كان يعمل عليه فجرب الامر مرة ثانية فخرجت الشرارة عند ذلك جرب تجربة لحفظ هذه الشرارة في زجاج. التجربة الأولى فشلت التجربة الثانية فشلت. الثالثة والرابعة فشلت وهكذا فشلت كل تجاربه حتى ان كثيرا من اصدقائه اتهموه بالجنون. ولكن بقي عنيدا حتى تمكن من أن يحفظ الشرارة في الزجاجة اما عدد تجاربه في هذا الامر فاكثر من تسعة آلاف تجربة.

ولقد كتبت مجلة (العربي) في احدى اعدادها: ان في القمر الصناعي (ثلاثة ملايين) جزء اما العلماء الذين يتناوبون شؤون القمر الصناعي فهم (300) الف عالم.

نحن في الحقيقة يجب علينا ان ناخذ من الامام الحسن(علیه السلام) كيفية الاعداد وعلينا ان نتحمل كل مشاكل الاعداد مع كثرتها! وهذا أصعب الامور وفي رأيي هذا اصعب بكثير من الثورة فان الاعداد اصعب من الثورة.

لان الثورة ليست الا (اعداد النفس للقتال اما الاعداد ففيها الوف المشاكل) بما فيها اعداد النفس للقتال ولعل ما هو ضروري عندنا من ان الامام الحسن(علیه السلام) افضل من الامام الحسين(علیه السلام) سره هذا، والله سبحانه العالم وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

ص: 26