ghaemiyeh.com
حقُوق الطَّبع محفوظَة الطبعَة الأولى
1428ه - 2007م
دار الكتاب العزبي
بغداد - شارع المثني
تلفون: 4154561 - 7901419375
الطباعة والنتيرول الى تربية
بيروت - لبنات
خَليون: 07942161 - 3/115425. تلفاكس: 0776408
http://www.Dar-ALamira.com email: info@dar-alamira.com
محرر الرقمي: زهراء الشريفيان
مکتبة الجوادین العامة
موسسة السید هیة الدین الحُسیني
الشهرستاني تأسست سنة 1260ه - 941ه
صحن الکاظمیة - العراق
شَرح نهج البلاغة
ابن أبي الحديد
تحقيق محمَّد إبراهيم
المجلد الثاني 3 - 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
واعلم أنّ الذي ذكره المرتضى رحمه الله تعالى، وأورده على قاضي القضاة جَيّد ولازم، متى ادّعى قاضي القضاة أنّ العدالة إذا ثبتتْ ظنَّا أو قطعاً لم يجز العدُول عنها والتبرُّؤ إلاّ بما يُوجِب القطع، ويُعْلَم به علماً يقينيًّا زوالُها، فأمّا إذا ادْعَى أنّ المعلوم لا يزول إلا بما يُوجب العلم، فلا يَرِدُ عليه ما ذكره المرتَضى رحمه الله تعالى.
وله أن يقول: قد ثَبتتْ بالإِجماع إمامةُ عثمان، والإِجماع دليل قطعي عند أصحابنا، وكلّ مَنْ ثبتتْ إمامتُه ثبتتْ عدالتُه بالطريق التي بها ثبتتْ إمامته، لأنه يجوز أن تكونَ إمامتُه معلومةٌ وشرائطها مظنونة، لأنّ الموقوفَ على المظنون مظنون، فتكون إمامتُه مظنونة، وقد فرضناها معلومة، وهذا خُلْف ومُحال. وإذا كانت عدالتُه معلومة لم يَجُز القولُ بانتفائها وزوالها إلاّ بأمر معلوم.
والأخبارُ التي رُوِيَتْ في أحداثه أخبارُ آحاد لا تفيد العلْم، فلا يجوز العدولُ فلا يجوز العدول عن المعلوم بها، فهذا الكلامُ إذا رُتِّب هذا الترتيب الدفعَ به ما اعترض به المرتَضى رحمه الله تعالى.
فأمّا كلامُ المرتَضى رحمه الله تعالى عَلى الفصل الثاني من كلام قاضي القضاة، وهو الفصلُ المحكيّ عن شيخنا أبي عليّ رحمه الله تعالى، فنحن نورده. قال رحمه الله تعالى:
أما قوله: لو كان ذُكِرَ من الأحداث قادِحاً لوجب من الوقت الذي ظهرت الأحداث فيه أن يطلبوا رجلاً ينصِبونه في الإمامة لأنّ ظهورَ الحدَث كموته، فلمّا رأيناهم طلبوا إماماً بعد قتله دلَّ على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث. فليس بشيء معتَمد، لأنّ تلك الأحداثَ وإن كانت مزيلةً عندهم لإمامته، وفاسخةً لها، ومقتضيةٌ لأنْ يعقدوا لغيره الإمامة، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على أن يتفقوا على نصب غيره، مع تشبّثه بالأمر، خوفاً من الفتنة والتنازع والتجاذب، وأرادوا أن يخلعَ نفسَه، حتى تزولَ الشبهة، وينشَط مَنْ يصلُح للأمر لقبول العَقْد والتكفُّل بالأمر. وليس يجرِي ذلك مجرَى موته، لأنّ موته يَحْسِم الطمع في استمرار ولايته، ولا تبقى شبهة في خلوّ الزمان من إمام. وليس كذلك حَدَثه الذي يَسُوغ فيه التأويل عَلَى بُعْده، وتبقى معه الشّبهة في استمرار أمره. وليس نقول: إنهم لم يتمكنوا من ذلك كما سأل نفسَه، بل الوجه في عدولهم ما ذكرناه من إرادتهم حَسْمَ المواد وإزالة الشبهة وقطع أسباب الفتنة.
قال: فأمّا قوله: إنه معلوم من حال هذه الأحداث أنّها لم تحصل أجمع في الأيام التي حُصِر فيها وقُتِل، بل كانت تقعُ حالاً بعد حال، فلو كانت توجبُ الخلْع والبراءة، لما تأخّر من المسلمين الإنكارُ عليه، ولكان المقيمون من الصحابة بالمدينة أوْلَى بذلك من الواردين من البلاد، فلا شكّ أنّ الأحداثَ لم تحصُل في وقت واحد إلاّ أنه غير منكَر أن يكونَ نكيرُهم إنّما تأخّر لأنهم تأوّلوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه، حتى زاد الأمرُ وتفاقم، وبَعُدَ التأويل، وتعدّر التخريج، ولم يبق للظنّ الجميل طريق، فحينئذ أنكروا، وهذا مستمرّ عَلَى ما قدّمنا ذكره، من أنّ العدالة والطريقة الجميلة يتأوّل لها في الفعل والأفعال القليلة، بحسب ما تقدّم من حُسْن الظن به، ثم ينتهي الأمر بعد ذلك إلى بُعْدِ التأويل، والعمل على الظاهر القبيح.
قال: عَلى أنّ الوجهَ الصحيح في هذا الباب أنّ أهل الحقّ كانوا معتقدين بخلعه من أوّل حَدَث، بل معتقدين أنّ إمامته لم تثبت وقتاً من الأوقات، وإنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدّمناه من أسباب الخوف والتَّقِيَّة، لأن الاعتذارَ بالوجَل كان عامّاً، فلما تبيّنَ أمره حالاً بعد حال، وأعرضت الوجوهُ عنه، وقلّ العذارُ له، قوِيت الكلمة في خَلعه. وهذا إنما كان في آخر الأمر دونَ أوّلهِ. فليس يقتضي الإمساك عنه إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نِسْبة الخطأ إلى الجميع، على ما ظنه.
قال: فأما دفعُهُ بأن تكون الأمّة أجمعت على خلعه بخروجه نفسه وخروج مَنْ كان في حيّزه عن القوم، فليس بشيء، لأنّه إذا ثبتَ أن مَنْ عَداه وعَدَا عبيده والرُّهَیْطَ من فُجّار أهله وفُسّاقهم، كمرْوان ومَنْ جرى مجراه، كانوا مجمعين على خلعه، فلا شبهة في أنّ الحقّ في غير حيّزه؛ لأنه لا يجوز أن يكون هو المصيب، وجميعُ الأمة مبِطل، وإنّما يدّعى أنّه على الحق لمن ينازع في إجماع مَنْ عداه، فأمّا مع التسليم لذلك، فليس يبقى شبهة، وما نجد مخالفينا يعتبرون في باب الإجماع بإجماع الشُّذَّاذ والنفر القليل الخارجين من الإجماع، ألا ترى أنّهم لا يحفِلون بخلاف سعْدٍ وأهله وولده في بَيْعة أبي بكر لقلّتهم وكثرة مَنْ بإِزائهم، ولذلك لا يعتدُّون بخلاف من امتنع مَن بَيْعة أمير المؤمنين علیه السلام، ويجعلُونَه شاذّاً، لا تأثير بخلافة، فكيف فارقوا هذه الطريقة في خَلْع عثمان! وهل هذا إلاّ تقلّب وَتَلَوّن!
قلت: أما إذا احتجّ أصحابُنا على إمامة أبي بكر بالإجماع، فاعتراض حُجّتهم بخلاف سعد وولده وأهله اعتراض جَيّد، وليس يقول أصحابنا في جوابه: هؤلاء شذّاذ فلا تحفل بخلافهم، وإنما المعتبر بالكَثْرة التي بإزائهم. وكيف يقولون هذا، وحجّتهم الإجماع ولا إجماعَ! ولكنّهم يُجِيبون عن ذلك بأنّ سعداً مات في خلافة عمر، فلم يبق مَنْ يخالف في خلافة عمر، فانعقد الإجماع عليها، وبايع ولد سعد وأهله من قَبْل، وإذا صَحّت خلافة صَحّت خلافة أبي
بكر، لأنها فرع عليها، ومحال أن يصحّ الفرع، ويكون الأصلُ فاسداً، فهكذا يجيب أصحابُنا عن الاعتراض بخلاف سعد إذا احتجّوا بالإجماع، فأمّا إذا احتجُّوا بالاختيار فلا يتوجّه نحوَهم الاعتراض بخلاف سعد وأهله وولده، لأنّه ليس من شرط ثبوت الإمامة بالاختيار إجماعُ الأمة على الاختيار، وإنما يكفي فيه بَيْعة خمسة من أهل الحلّ والعقد على الترتيب الذي يرتُب أصحابُنا الدّلالة عليه، وبهذا الطريق يثبت عندهم إمامةُ عليّ علیه السلام، ولم يُحْفَل بخلاف معاوية وأهل الشام فيها.
قال رحمه الله تعالى: فأمّا قوله: إنّ الصحابة كانت بَيْن فريقين: مَنْ نصره كزيد بن ثابت وابن عمر وفلان وفلانَ، والباقون ممتنعون انتظاراً لزوال العارض ولأنّه ما ضيّق عليهم الأمر في الدفع عنه، فعجيب، لأنّ الظاهر أنّ أنصاره هم الذين كانوا معه في الدار، يقاتلون عنه، ويدفعون الهاجمين عليه.
فأمّا مَنْ كان في منزله ما أغنى عنه فتيلاً، فلا يُعدّ ناصراً، وكيف يجوز ممّن أراد نُصرَته، وكان معتقِداً الصوابه، وخطأ المطالبين له بالخلع، أن يتوقّف عن النصرة طلباً لزوال العارض! وهلْ تُرادُ النّصرة إلاّ لدفع العارض، وبَعْد زواله لا حاجة إليها! وليس يحتاج في نصرته إلى أن يضيّق هو عليهم الأمر فيها، بل مَنْ كان معتقداً لها لا يحتاج حمله إلى إذنه فيها، ولا يُحْفَل بنهيه عنها؛ لأنّ المنكَر مما قد تقدّم أمر الله تعالى بالنهي عنه، فليس يحتاج في إنكاره إلى أمر غيره.
قال: فأمّا زيد بن ثابت، فقد رُوِي ميلُه إلى عثمان، وما يغني ذلك وبإزائه جميعُ المهاجرين والأنصار! ولميله إليه سبب معروف، فإن الواقدي روى في «كتاب الدّار» أن مَرْوان بن الحكم لما حُصِرَ عثمان الحضر الأخير أتى زيدَ بن ثابت فاستصحبَه إلى عائشة ليكلِّمها في هذا الأمر، فمضيا إليها وهي عازمة على الحجّ، فكلَّماها في أن تُقيمَ وَتَذُبّ عنه، فأقبلتْ على زيد بن ثابت، فقالت: وما منعك يا بن ثابت ولك الأشاريف قد اقتطعكها عثمان، ولك كذا وكذا، وأعطاك عُثمان من بيت المال عشرة آلاف دينار! قال زيد: فلم أرْجعْ عليها حرفاً واحداً، وأشارت إلى مروان بالقيام، فقام مَرْوان وهو يقول:
حَرّق قَيْسُ عَلَيَّ البلا *** دَحتى إذا اضطرمَتْ أجذَما(1)
فنادتْه عائشة، وقد خرج من العتبة: يا بن الحكم، أعليّ تُمثَّل الأشعار! قد والله سمعتُ ما قلتَ، أتراني في شكّ من صاحبك! والذي نفسي بيده لوددت أنّه الآن في غِرارة من غرائري مَخيط عليه، فألقيه في البحر الأخضر، قال زيد بن ثابت: فخرجنا من عندها على اليأس منها.
1) الإجذام: الإقلاع عن الشيء. اللسان، مادة (جذم)
ورَوى الواقديّ أن زيد بن ثابت اجتمع عليه عِصابة من الأنصار، وهو يدعوهم إلى نُصْرة عثمان فوقف عليه جَبَلة بن عمرو بن حَبّة المازنيّ، فقال له: وما يمنعُك يا زيدُ أن تذُبَّ عنه؟ أعطاك عشْرة آلاف دينار وحدائق من نخل لم تَرِثْ عن أبيك مثل حديقة منها.
فأمّا ابنُ عمر فإنّ الواقدي روَى أيضاً عنه أنه قال: والله ما كانَ فينا إلا خاذلٌ أو قاتل. والأمر على هذا أوضح من أنْ يخفى.
فأما ما ذكره من إنفاذ أمير المؤمنين علیه السلام الحسَن والحسين عليهما السلام، فإنما أنفذهما - إنْ كان أنفذَهما - ليمنعا من انتهاك حريمه وتعمّد قتله، ومنع حُرمِه ونسائه من الطعام والشراب، ولم يُنفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع، وكيف وهو علیه السلام مصرّح بأنّه يستحقّ بأحْدَاثه الخلْع، والقوم الذين سعَوْا في ذلك إليه كانوا يغدُون ويروحون، ومعلوم منه ضرورةً أنه كان مساعداً على خلْعه ونقض أمره، لا سيّما في المرة الأخيرة.
فأما ادعاؤه أنّه علیه السلام لَعَن قَتَلَته، فهو يعلم ما في هذا من الروايات المختلفة التي هي أظهر هذه الرواية، وإن صحّت فيجوز أن تكونَ محمولة على لَعْن مَنْ قتله متعمِّداً قتله، قاصداً إليه، فإن ذلك لم يكن لهم.
فأما ادّعاؤه أنّ طلحة رجعَ لما ناشده عثمان يوم الدّار، فظاهرُ البطلان وغير معروفٍ في الرواية، والظاهر المعروف أنه لم يكن على عثمان أشدَّ طلحة، ولا أغلظَ منه.
قال: ولو حكيْنا من كلامه فيه ما قد رُوي لأفنينا قِطْعة كثيرة من هذا الكتاب، وقد رُوِي أنّ عثمان كان يقول يوم الدار: اللهم اكفِني طلحة، ويكرّر ذلك، علماً بأنّه أشدّ القوم عليه. ورُوِيَ أنّ طلحَة كانَ عليه يومَ الدار دِرْعٌ وهو يُرامي الناس، ولم ينزعْ عن القتال حتى قتل الرّجُل.
فأما ادّعاؤه الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ستكون فتنة، وإنّ عثمان وأصحابه يومئذ على الهدى»(1)، فهو يعلم أنّ هذه الرواية الشاذّة لا تكون في مقابلة المعلوم ضرورة من إجماع الأمة على خَلْعه وخَذْله، وكلام وجوه المهاجرين والأنصار فيه، وبإزاء هذه الرواية ما يملأ الطروس عن النبي صلى الله عليه وآله وغيره، مما يتضمّن ما تضمَّنَتْهُ. ولو كانت هذه الرواية معروفةٌ لكان عثمانُ أوْلى الناس بالاحتجاج بها يوم الدار، وقد احتج عليهم بكلّ غنّ وسمين، وقبل ذلك لما خُوصم وطولب بأنْ يخلع نفسه، ولاحتج بها عنه بعض أصحابه وأنصاره، وفي علمنا بأنّ شيئاً من ذلك لم يكُنْ، دلالة على أنّها مصنوعة موضوعة.
فأما ما رواه عن عائشة من قولها: «قُتِل واللهِ مظلوماً»، فأقوال عائشة فيه معروفة ومعلومة، وإخراجُها قميصَ رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي تقول: «هذا قميصه لم يَبْلَ، وقد أبْلَى عثمانُ سنَّتَه»، إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرة.
1) لم أجده
فأما مدحُها له وثناؤُها عليه، فإنّما كانا عَقِيب عِلْمها بانتقال الأمر إلى مَن انتقل إليه، والسببُ فيه معروف، وقد وقفت عليه، وقُوبل بين كلامها فيه متقدماً ومتأخراً.
فأمّا قوله: لا يمتنع أن يتعلّق بأخبار الآحاد في ذلك؛ لأنّها في مقابلة ما يدّعونه مما طر أيضاً الآحاد، فواضح البطلان؛ لأن إطباق الصحابة وأهل المدينة - إلاّ مَنْ كان في الدار معه على خلافه، فإنهم كانوا بين مجاهد ومقاتل مبارز، وبين متقاعد خاذل - معلومٌ ضرورة لكلِّ مَنْ سمع الأخبار، وكيف يدّعي أنّها من جهة الآحاد حتى يعارض بأخبار شاذة نادرة! وهل هذا إلاّ مكابرة ظاهرة!
فأمّا قوله: إنا لا نعدل عن ولايته بأمور محتَملة، فقد مضى الكلام في هذا المعنى، وقلنا إن المحتمل هو ما لا ظاهر له، ويتجاذبه أمور محتملة، فأمّا ما له ظاهر فلا يسمّى محتملاً وإن سماه بهذه التسمية، فقد بينَّا أنّه مما يُعْدَل من أجله عن الولاية، وفضلنا ذلك تفصيلاً بيِّناً.
وأما قوله: إنّ للإمام أن يجتهد برأيه في الأمور المنُوطة به، ويكون مصيباً وإن أفضت إلى عاقبة مذمومة، فأوّل ما فيه أنّه ليس للإمام ولا غيره أن يجتهد في الأحكام، ولا يجوز أن يعمل فيها إلا على النصّ، ثم إذا سلّمنا الاجتهاد، فلا شكّ أن هاهنا أموراً لا يسوغ فيها الاجتهاد، حتى يكون مَنْ خبّرنا عنه بأنه اجتهد فيها غير مصوّب، وتفصيل هذه الجملة يبيّن عند الكلام على ما تعاطَاه من الأعذار عن إحداثه على جهة التفصيل.
قلت: الكلام في هذا الموضع على سبيل الاستقصاء إنما يكون في الكتب الكلاميّة المبسوطة في مسألة الإمامة، وليس هذا موضع ذاك، ولكن يكفي قاضي القضاء أن يقول: قد ثبت بالإجماع صحّة إمامة عثمان، فلا يجوز الرجوع عن هذا الإجماع إلا بإجماع معلوم على خَلْعه وإباحة قَتْله، ولم يُجمع المسلمون على ذلك؛ لأنّه قد كان بالمدينة مَنْ يُنكر ذلك وإنْ قَلّوا، وقد كان أهلُ الأمصار يُنكرُون ذلك، كالشام والبَصْرة والحجاز واليمن ومكّة وخراسان، وكثير من أهل الكوفة، وهؤلاء مسلمون، فيجب أن تُعتبَر أقوالهم في الإجماع، فإذا لم يدخلوا فيمن أجْلَب عليه لم ينعقد الإجماع على خلعه ولا على إباحة دمه فوجب البقاءُ على ما اقتضاه الإجماع الأوّل.
فأمّا الكلام في المطاعن المفصّلة التي طُعِن بها فيه، فنحن نذكرها، ونحكي ما ذكره قاضي القضاة وما اعترضه به المرتضى رحمه الله تعالى.
الطعن الأول: قال قاضي القضاة في «المغني»: فممّا طُعِن به عليه قولهم: إنّه ولّى أمورَ المسلمين مَنْ لا يصلحُ لذلك ولا يؤتَمن عليه ومَنْ ظهر منه الفسق والفساد، ومَنْ لا علمَ عنده، مراعاة منه لحرمة القرابة، وعدولاً عن مراعاة حرمة الدّين والنظر للمسلمين، حتى ظهر
ذلك منه وتكرّر، وقد كان عمرُ حَذّره من ذلك، حيث وصفه بأنّه كلِفٌ بأقاربه، وقال له: إذا وُلِّيتَ هذا الأمرَ فلا تسلّط بني أبي مُعَيْطٍ على رقاب الناس. فوقع منه ما حذّره إياه، وعُوتب في ذلك فلم ينفع العتبُ، وذلك نحو استعماله الوليد بن عُقْبة، وتقليده إياه، حتى ظهر منه شربُ الخمر، واستعمالُه سعيد بن العاص حتى ظهرتْ منه الأمور التي عندها أخرجَه أهل الكوفة، وتوليتُه عبد الله بن أبي سَرْح، وعبد الله بن عامر بن کُريز، حتى رُوِي عنه في أمر ابن أبي سَرْح أنّه لما تظلّم منه أهلُ مصر وصَرَفه عنهم بمحمد بن أبي بكر كاتَبه بأنْ يستمر على ولايته، فأبطن خلافَ ما أظهر، فِعْل من غرضه خلاف الدين. ويقال: إنه كاتَبَه بقتل محمد بن أبي بكر وغيره ممّن يرِد عليه، وظفِر بذلك الكتاب، ولذلك عَظُم التظلّم من بعد، وكَثر الجمع، وكان سبب الحِصار والقتل، حتى كان من أمْرِ مَرْوان وتسلّطه عليه وعلى أموره ما قُتل بسببه، وذلك ظاهر لا يمكن دَفْعُه.
قال رحمه الله تعالى: وجوابُنا عن ذلك أن نقول: أمّا ما ذُكِر من تَوْليته مَنْ لا يجوز أن يُسْتعمل، فقد علمنا أنّه لا يمكنُ أن يُدَّعى أنه حين استعملَهم عَلِمَ من أحوالهم خلافَ الستر والصلاح، لأنّ الذي ثبتَ عنهم من الأمور القَبيحة حَدَث من بعد، ولا يمتنع كونُهم في الأوّل مستورين في الحقيقة أو مستورين عنده، وإنّما كان يجب تخطئته لو استعملهم، وهم في لا يصلحون لذلك.
فإنْ قيل، فلمَّا علم بحالهم كان يجب أن يعزلهم!
قيل: كذلك فَعَل، لأنه إنما استعمل الوليد بن عُقْبة قبل ظهور شرب الخمر عنه فلما شُهِد عليه بذلك جَلَده الحدّ وصرَفه. وقد رُوي مثلُه عن عمر، فإنّه ولّى قُدامة بن مَظْعون بعضَ أعماله، فشهِدوا عليه بشرب الخمر، أشخصه وجلَده الحدّ فإذا عُدّ ذلك في فضائل عمر لم يجزُ أن يعدّ ما ذكروه في الوليدِ من معايب عثمان. ويقال: إنّه لما أشخصه أقام عليه الحدّ بمشهد أمير المؤمنين علیه السلام.
وقد اعتذر من عَزْله سعد بن أبي وقّاص بالوليد، بأن سعداً شكاه أهلُ الكوفة، فأداء اجتهادُه إلى عزله بالوليد.
فأمّا سعيد بن العاص فإنه عزله عن الكوفة وولّى مكانه أبا موسى، وكذلك عبد الله بن أبي سَرْح عزله وولّى مكانه محمد بن أبي بكر، ولم يظهر له من مَرْوان ما يوجب أن يصرفَه عَمّا كان مستعملاً فيه، ولو كان ذلك طَعْناً لوجب مثلُه في كلِّ مَنْ ولّى، وقد علمنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله ولّى الوليد بن عُقْبة، فحدث منه ما حدث. وحَدَث من بعض أمراء أمير المؤمنين علیه السلام الخيانة، كالقَعْقاع بن شور؛ لأنه ولاه على مَيْسان فأخذ مالها ولحق بمعاوية، وكذلك فعل الأشعث بن قيس بمال أذْرَبيجَان. وولّى أبا موسى الحُكْم، فكان منه ما كان، ولا
يجب أن يُعاب أحد بفعل غيره، وإذا لم يلحقه عيب في ابتداء ولايته فقد زال العيبُ فيما بعده.
وقولهم: إنّه قَسّم أكثر الولايات في أقاربه، وزال عن طريقة الاحتياط للمسلمين، وقد كان عمر حذّره من ذلك، فليس بعيب، لأن توليةَ الأقارب كتولية الأباعد، في أنّ يحسُن إذا كانوا على صفات مخصوصة. ولو قِيلَ إنّ تقديمهم أولى لم يمتنع، إذا كان المولِّي لهم أشدّ تمكناً من عزلهم، والاستبدال بهم، وقد ولّى أمير المؤمنين علیه السلام عبد الله بن العباس البصرة، وعُبيد الله بن العباس اليمن، وقُتَم بن العباس مكّة، حتى قال مالك الأشتر عند ذلك: عَلى ماذا قتلنا الشيخ أمس فيما يُرْوَى، ولم يكن ذلك بعيب إذا أدّى ما وجب عليه في اجتهاده.
فأمّا قولهم: إنّه كتب إلى ابن أبي سَرْح حيث ولّى محمد بن أبي بكر بأنّه يقتلُه ويقتل أصحابه، فقد أنكرَ ذلك أشدّ إنكار، حتى حلف عليه، وبيّن أن الكتاب الذي ظهر ليس كتابه ولا الغلام غلامه ولا الراحلة راحلته، وكان في جُمْلة مَنْ خاطبه في ذلك أميرُ المؤمنين علیه السلام، فقبِل عذره. وذلك بيّن، لأنّ قول كلّ أحد مقبول في مثل ذلك، وقد علم أنّ الكتاب يجوز فيه التزوير، فهو بمنزلة الخبَر الذي يجوز فيه الكذب.
فإن قيل: فقد علم أنّ مروان هو الذي زَوّر الكتاب؛ لأنه هو الذي كان يكتب عنه، فهلاً أقام فيه الحدّ!
قيل: ليس يجب بهذا القدر أن يُقْطَع على أنّ مروان هو الذي فعل ذلك؛ لأنّه وإن غلب ذلك في الظَّنّ، فلا يجوز أن يحكم به، وقد كان القوم يسومونَه تسليمَ مروان إليهم، وذلك ظلم لأنّ الواجب على الإمام أن يُقيم الحدَّ على مَنْ يستحقه أو التأديب، ولا يحلّ له تسليمُه إلى غيره، فقد كان الواجب أن يُثبِتُوا عنده ما يوجب في مروان الحدّ والتأديب ليفعَله به، وكان إذا لم يفعل والحال هذه يستحق التعنيف، وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أن الأمر بالقتل لا يوجب قوداً ولا دية ولا حدَّا، فلو ثبت في مَرْوان ما ذكروه لم يستحقّ القتل وإن استحق التعزير، لكنّه عدل عن تعزيره، لأنّه لم يثبت، وقد يجوز أن يكونَ عثمان ظنّ أنّ هذا الفْعل فعْل بعض من يعادي مَرْوان تقبيحاً لأمره، لأن ذلك يجوز، كما يجوز أن يكون من فعله، ولا يعلَم كيف كان اجتهاده وظنه! وبعد فإنّ هذا الحدَث من أجل ما نقَموا عليه، فإن كان شيء من ذلك يُوجب خَلْع عثمان وقتله، فليس إلاّ هذا، وقد علمنا أنّ هذا الأمرَ لو ثبت ما كان يُوجب القتل، لأنّ الأمر بالقتل لا يوجب القتل، سيما قَبْل وقوع القتل المأمور به، فنقول لهم: لو ثبت ذلك على عُثمان أكان يجبُ قتله! فلا يمكنهم ادّعاء ذلك؛ لأنه بخلاف الدّين، ولا بد أن يقولوا: إنّ قتلَهُ ظلم، وكذلك حَبْسُه في الدار، ومنعه من الماء، فقد كان يجب أن يدفع القوم عن كلّ ذلك، وأن يقال: إنّ من لم يدفعْهم وينكر عليهم يكون مخطئاً.
وفي القول بأنّ الصحابة اجتمعوا على ذلك كلّهم تخطئة لجميع أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وآله، وذلك غير جائز، وقد عُلِم أيضاً أنّ المستحقّ للقتل والخلع لا يحلّ أن يمنع الطعامَ والشرابَ، وعُلِم أن أمير المؤمنين علیه السلام لم يمنعْ أهل الشام من الماء في صِفِّين، وقد تمكن من منعهم، وكلّ ذلك يدلُّ على كَوْن عثمان مظلوماً، وأنّ ذلك من صُنع الجهّال، وأنّ أعيانَ الصحابة كانوا كارهين لذلك. وأيضاً فإنّ قتله لو وجب لم يَجُزْ أن يتولّاه العوامُّ من الناس، ولا شبْهَة أنّ الذين أقدَموا على قتله كانوا بهذه الصّفة، وإذا صَحَّ أن قتله لم يكنْ لهم، فمنْعُهم والنكِيرُ عليهم واجب.
وأيضاً فقد عُلم أنه لم يكن من عثمان ما يستحقّ به القتل، من كُفْرٍ بعد إيمان، أو زنّى بعد إحصان، أو قتلِ نفسٍ بغير حقّ، وأنه لو كان منه مَا يوجب القتل لكان الواجبُ أن يتولاء الإمام، فقتلُه على كلِّ حالٍ منكَر، وإنكارُ المنكرِ واجب.
وليس لأحدٍ أن يقول: إنّه أباح قتلَ نفسه، من حيث امتنع من دَفْع الظلم عنهم؛ لأنّه لم یمتنع من ذلك، بل أنصفهم، ونظر في حالهم، ولأنه لو لم يفعلْ ذلك لم يحلّ لهم قتلُه، لأنه يمتنع من إما يحلّ قتلُ الظالم إذا كان على وجه الدّفع، والمروِيّ أنهم أحرقوا بابه، وهجموا عليه في منزله، وبَعجُوه بالسيف والمشاقِص(1)، وضربوا يَد زوجته لما وقعتْ عليه، وانتهبوا متاعَ داره، ومِثْلُ هذه القِتْلة لا تحلّ في الكافر والمرتَدِّ، فكيف يُظنّ أنّ الصحابة لم ينكِرُوا ذلك، ولم يعدّوه ظلماً، حتى يقال إنّه مستحقٌّ من حيث لم يَدْفع القوم عنه! وقد تظاهَر الخير بما جَرَى من تجمّع القوم عليه، وتوسّط أمير المؤمنين علیه السلام لأمرهم، وأنّه بذل لهم ما أرادوه، وأعتبهم وأشهدَ على نفسِه بذلك، وإن الكتاب الموجودَ بعد ذلك المتضمّن لقتل القوم، ووقف عليه - وممّن أوقفه عليه أمير المؤمنين علیه السلام - فحلفَ أنّه ما كتبه، ولا أمرَ به، فقال له: فمَنْ تتهم؟ قال: ما أنّهم أحداً، وإنّ للناس لَحِيَلاً.
والرواية ظاهرة أيضاً بقوله: إن كنت أخطأتُ أو تعمّدت فإني تائبِ ومستغفر، فكيف يجوز والحال هذه أن تُهتَك فيه حرمةُ الإسلام وحرمةُ البلد الحرام! ولا شبهةَ في أنّ القتل على وجه الغيلة لا يحلّ فيمن يستحقّ القتل، فكيف فيمن لا يستحقّه! ولولا أنّه كان يمنع من محاربة القوم ظنَّا منه أنّ ذلك يؤدِّي إلى القتل الذِّريع لكَثُر أنصاره.
وقد جاء في الرواية أن الأنصارَ بدأت معونته ونُصرته، وأن أمير المؤمنين علیه السلام قد بعث إليه ابنه الحسن علیه السلام، فقال له: قل لأبيك فلتأتني، فأراد أميرُ المؤمنين علیه السلام المسير إليه، فمنعَه من ذلك محمد ابنه، واستعان بالنّساء عليه، حتى جاء الصريخ بقتل عثمان، فمدّ يده إلى القبلة، وقال: اللّهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. فإنْ قالوا: إنّهم اعتقدُوا أنه من المفسدين في الأرضِ، وأنّه داخل تحت آية المحاربين.
1) المشاقص: جمع مشقص وهو السهم العريض النصل. اللسان، مادة (شقص)
قيل: فقد كان يجب أن يتولّى الإمام هذا الفعل؛ لأنّ ذلك يجري مجرى الحدّ، وكيف يُدّعى ذلك، والمشهور عنه أنه كان يمنع من مقاتلتهم، حتى رُوِي أنّه قال لعبيده ومواليه، وقد همّوا بالقتال: مَنْ أغمد سيفه فهو حُرّ! ولقد كان مؤثراً لنكير ذلك الأمر بما لا يؤدي إلى إراقة الدماء والفتْنة، ولذلك لم يستعِنْ بأصحاب الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وإن كان لما اشتدّ الأمر أعانَه مَنْ أعان؛ لأنّ عند ذلك تَجِب النُّصْرة والمعونة، فحيث كانت الحال متماسكة، وكان ينهى عن إنجاده وإعانته بالحرب امتنعوا وتوقَّفوا، وحيثُ اشتدّ الأمر أعانه ونصره مَنْ أدركه، دون من لم يغلب ذلك في ظنه.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: أما قوله: لم يكن عالماً بحال الفَسَقة الذين ولاهم قبل الولاية، فلا تعويلَ عليه، لأنّه لم يولّ هؤلاء النَّفَر إلاّ وحالُهم مشهورة في الخلاعة والمجانة والتجرّم والتهتك، ولم يختلف اثنان في أنّ الوليد بن عُقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر والاستخفاف بالدّين على استقبال ولايته للكوفة، بل هذه كانت سنَّتَه والعادة المعروفة منه، وكيف يخفَى عَلَى عثمان - وهو قريبه ولصيقهُ وأخوه لأمّه - مِنْ حاله ما لا يخفى عَلَى الأجانب الأباعدا ولهذا قال له سعد بن أبي وقاصٍ - في رواية الواقديّ، وقد دخل الكوفة -: يا أبا وهب، أمير أم زائر؟ قال: بل أمير، فقال سعد: ما أدري أحَمُقْتُ بعدك أم كِسْتَ بعدي! قال: ما حَمُقْتَ بعدي ولا كِسْتُ بعدك، ولكنّ القوم ملكوا فاستأثروا، فقال سعد: ما أرَاك إلاّ صادقاً.
وفي رواية أبي مِخْنف لوط بن يحيى الأزديّ أنّ الوليد لما دخل الكوفة مَرَّ عَلَى مجلس عمرو بن زُرارة النَّخعيّ، فوقف، فقال عمرو: يا معشرَ بني أسد، بئسما استقبلَنا به أخوكم ابنُ عَفّان! أمِنْ عدله أن ينزعَ عَنّا ابنَ أبي وقاص، الهيّن الليّن السّهل القريب، ويبعثَ بَدَله أخاه الوليد، الأحمق الماجن الفاجر قديماً وحديثاً! واستعظم الناسُ مقدَمه، وعَزْلَ سعد به، وقالوا: أراد عثمان كرامةَ أخيه بهوان أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم! وهذا تحقيقُ ما ذكرناه من أَنّ حاله كانت مشهورة قبل الولاية، لا ريب فيها عند أحدٍ، فكيف يقال: إنه كان مستوراً حتى ظهر منه ما ظهر! وفي الوليد نزل قوله تعالى: «وأَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًأ لَا يَسْتَوُونَ»(1)، فالمؤمن ها هنا أمير المؤمنين علیه السلام، والفاسق الوليد، على ما ذكره أهل التأويل. وفيه نزل قوله تعالى: «يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاءِ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ»(2)، والسبب في ذلك أنه كذب عَلَى بني المصطلق عند رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وادّعى أنّهم
منعوه الصَّدَقَة. ولو قصصنا مخازِيَه المتقدّمة ومساوِيةَ لطال بها الشرح.
وأما شربُهُ الخمر بالكوفة وسُكره، حتى دخل عليه مَنْ دخل وأخذ خاتَمه من إصبعه، وهو لا يعلم، فظاهر، وقد سارت به الرّكبان. وكذلك كلامه في الصلاة، والتفاته إلى مَنْ يَقْتدي به فيها وهو سكران، وقوله لهم: أزيدكم؟ فقالوا: لا، قد قَضَيْنا صلواتنا، حتى قال الحطيئة في ذلك:
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ *** أَنَّ الْوَليدَ أَحَقُّ بالعُذرِ
نَادَى وَقَدْ نَفَدَتْ صَلَاتُهُمُ *** أزيدكم - ثَمِلًا - وما يدري
ليزيدهُم خَيْراً وَلَوْ قَبِلُوا *** منه لقادهمُ على عَشْرٍ
فأبوْا أبا وهبٍ ولو فعلوا *** لقرنتَ بين الشَّفْعٍ والوَتْر
حَبَسُوا عِنانك إذا جريت ولو *** خَلَّوْا عِنانك لم تَزَلْ تجرِي
وقال فيه أيضاً:
تكَلَّمَ في الصَّلَاةِ وَزَادَ فِيها *** عَلَانِيَةً وجاهَرَ بالنفاق
وَمَجْ الخمرَ فِي سَنَنِ المصلَّى *** ونادَى والجميعُ إلى افتراق
أزيدكُم عَلَى أن تَحمَدُوني *** فما لكمْ وما ليَ مِنْ خَلَاقٍ
وأما قوله: إنه جلده الحدّ وعزله، فبعدَ أيّ شيء كان ذلك، ولم يعزله إلاّ بعد أن دافع ومانع، واحتجّ عنه وناضل! ولو لم يقهرْه أمير المؤمنين علیه السلام على رأيه لما عَزَله، ولا أمكن من جَلْده.
وقد روى الواقدِيّ أنّ عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بِشرْب الخمر أو عدَهم وتهدّدهم.
قال الواقديّ: ويقال إنه ضربَ بعضَ الشهود أيضاً أسواطاً، فأتوا أميرَ المؤمنين علیه السلام، فشكوْا إليه، فأتى عثمان، فقال: عطلّت الحدود، وضربت قوماً شهدوا على أخِيك، فقلَبْتَ الحُكْم، وقد قال لك عمر: لا تحملْ بني أمية وآل أبي مُعَيط على رقاب الناسِ! قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تعزِله ولا تولّيه شيئاً من أمور المسلمين، وأن تسأل عن الشهود، فإن لم يكونوا أهلَ ظِنّة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحدّ، وتكلّم في مثل ذلك طلحة والزُّبير وعائشة، وقالوا أقوالاً شديدة، وأخذته الألسنُ من كلّ جانب، فحينئذ عَزَله، ومكّن من إقامة الحدّ عليه(1).
1) انظر الغدير للعلامة الأميني: 120/8
وقد روى الواقدي أنّ الشهود لما شَهدوا عليه في وجهه، وأراد عثمان أن يحدّه البسه جُبّة خزّ، وأدخله بيتاً، فجعل إذا بعث إليه رجلاً من قريش ليضربه، قال له الوليد: أنشدُك الله أن تقطع رحمي وتُغضب أمير المؤمنين! فلمّا رأى عليّ علیه السلام ذلك، أخذَ السوطَ ودخل عليه، فجلده به. فأيّ عذر لعثمان في عزله وجلده بعد هذه الممانعة الطويلة، والمدافعة الشديدة!
وقصّة الوليد - مع السّاحر الذي كان يلعبُ بين يديه، ويغرّ الناس بمكرِه وخديعته، وأن جُندَب بن عبد الله الأزديّ امتعض من ذلك ودخل عليه فقتله، وقال له: أحي نفسك إن كنت صادقاً، وأن الوليد أراد أن يقتل جُندباً بالساحر، حتى أنكر الأزدي ذلك عليه، فحبسه وطالَ حبسُه حتى هرب من السجن - معروفة مشهورة.
فإن قيل: فقد ولّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عُقْبة هذا صَدَقة بني المصْطَلق، وولّاه عمر صدقةً تَغْلب، فكيف تدّعون أنّ حاله في أنّه لا يصلح للولاية ظاهرة!
قلنا: لا جَرَم، إنه غرّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وكَذَب على القوم حتى نزلت فيه الآية التي قدمنا ذكْرها، فعزله. وليس خَطْب ولاية الصدقة مثل خَطْب ولاية الكوفة، فأما عمر فإنه لما بلغه قوله:
إذا ما شددتُ الرأس مني بِمِشْوَذٍ *** فويلكِ مني تغلبَ ابنة وائِل(1)
عَزَله.
ما وأما عَزْلُ أمير المؤمنين علیه السلام بعضَ أمرائه لمَا ظهر من الحدّث كالقعقاع بن شُور وغيره، وكذلك عَزْلُ عُمر قدامةَ بن مظعون لما شُهِد عليه بشرْب الخمر، وجلده له، فإنه لا يشبِه ما تقدّم، لأن كلّ واحد ممن ذكرناه لم يولِّ إلا مَنْ هو حَسَنُ الظاهر عنده وعند الناس، غير معروف باللعب ولا مشهور بالفساد. ثم لما ظهر منه ما ظَهر لم يحامِ عنه ولا كَذَّب الشهودَ عليه و کَابَرهم، بل عزله مختاراً غير مضطرّ، وكلّ هذا لم يجرِ في أمراء عثمان، وقد بينّا كيف كان عزل الوليد وإقامة الحدّ عليه.
فأمّا أبو موسى فإنَّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يولِّه الحُكْم مختاراً، لكنه غُلِب على رأيه وقُهِر عَلَى أمره، ولا رأيَ لمقهور.
فأمّا قوله: إن ولايةَ الأقارب كولاية الأباعد، بل الأقارب أوْلى، من حيث كان التمكّن من عزلهم أشدّ. وذكْر توليةِ أمير المؤمنين علیه السلام أولادَ العباس رحمه الله تعالى وغيرَهم - فليس بشيءٍ، لأنّ عثمان لم يُنْقَمْ عليه توليةُ الأقارب من حيث كانوا أقاربَ، بل من حيث كانوا أهل بيت الظُّنَّة والتهمة، ولهذا حذّره عمر وأشعرَ بأنه يحمِلُهم عَلَى رقاب الناس. وأميرُ
1) المشوذ: العمامة. القاموس، (مادة شوذ)
المؤمنين علیه السلام لم يولّ مِنْ أقاربه متَّهماً ولا ظَنيناً، وحين أحسَّ من ابن العباس ببعض الرِّيبة لم يمهلْه ولا احتمله، وكاتَبه بما هو شائع ظاهر، ولو لم يَجِبْ على عثمان أن يعدِل عن ولاية أقاربه إلا من حيثُ جعل عمر ذلك سببَ عدوله عن النصّ عليه، وشرط عليه يوم الشورى الا يحمل أقارِبَه عَلَى رقاب الناس، ولا يؤثرَهم لمكان القرابة بما لا يُؤثِرُ به غيرَهم - لكان صارفاً قوياً، فضْلاً عن أن ينضاف إلى ذلك ما انضاف من خِصَالهم الذميمة وطرائقهم القبيحة.
فأما سعيد بن أبي العاص، فإنّه قال في الكوفة: إنّما السواد بستانٌ لقريش، تأخذ منه ما شاءت وتترك، حتى قالوا له: أتجعلُ ما أفَاء الله علينا بستَاناً لك ولقومك! ونابذوه، وأفضَى الأمر إلى تسييره مَنْ سَيّر عن الكوفة، والقصة مشهورة، ثم انتهى الأمر إلى منع أهل الكوفة سعيداً من دخولها، وتكلّموا فيه وفي عثمان كلاماً ظاهراً، حتى كادوا يخلعون عثمان، فاضطُر حينئذٍ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى، فلم يصرف سعيداً مختاراً، بل ما صرفه جُمْلة، وإنما صرَفه أهلُ الكوفة عنهم.
فأما قوله: إنه أنكر الكتاب المتضّمن لقتل محمد بن أبي بكر وأصحابه، وحلَف على أنّ الكتاب ليس بكتابه، ولا الغلام غلامه، ولا الراحلة راحلته، وأنّ أمير المؤمنين علیه السلام قَبِل عذره، فأوّل ما فيه أنّه حکَى القصّة بخلاف ما جرت عليه، لأنّ جميعَ مَنْ يروِي هذه القصة ذكر أنّه اعترف بالخاتَم والغلام والرّاحلة، وإنما أنكر أن يكون أمرَ بالكتابة، لأنه روى أنّ القوم لما ظَفِروا بالكتاب قَدِموا المدينة، فجمعوا أمير المؤمنين علیه السلام وطلحة والزبير وسعداً وجماعة الأصحاب، ثم فكّوا الكتاب بمحضر منهم، وأخبروهم بقصّة الغلام، فدخلوا على عثمان والكتاب مع أمير المؤمنين، فقال له: أهذا الغلامُ غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعيرُ بعيرك؟ قال: نعم، قال: أفأنت كتبتَ هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله أنّه ما كتب الكتاب، ولا أمر به، فقال له: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرجُ غلامُك على بعيرك بكتاب عليه خاتَمك، ولا تعلم به(1)!
وفي رواية أخرى أنّه لما وَاقَفه عليه، قال عثمان: أما الخطّ فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتَمِي، قال: فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك وأنّهم كاتبي، فخرج أمير المؤمنين علیه السلام مغضباً، وهو يقول: بل بأمرك، ولزِم داره، ويَعُد عن توسط أمره، حتى جرى عليه ما جرى.
وأعجبُ الأمور قوله لأمير المؤمنين علیه السلام: «إني أتّهمُك» وتظاهرُه بذلك وتلّقيه إياه في وجهه بهذا القول، مع بعده من التهمة والظِّنة في كلّ شيء، وفي أمره خاصة، فإنّ القوم في الدَّفعة الأولى أرادوا أن يعجِّلوا له ما أخبروه، حتى قام أمير المؤمنين علیه السلام بأمره وتوسّط
1) انظر الثقات لابن حبان: 259/2، وتاريخ المدينة لابن شبة: 1160/4
وأصلحه، وأشار عليه بأن يقارِبهم ويعينهم، حتى انصرفوا عنه، وهذا فعل النَّصِيح المشفق الحدِب(1)المتحنِّن، ولو كان علیه السلام - وحُوشِيَ من ذلك - متّهماً عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة، لأنّ الكِتَاب بخطّ عدوّه مروان، وفي يد غلام عثمان، ومحمول عَلَی بعيرِه، ومختوم بخاتَمه، فأيّ ظن تعلّق بأمير المؤمنين علیه السلام في هذا المكان، لولا العداوة وقِلّة الشكر للنعمة!
ولقد قال له المصريون لما جَحَد أن يكون الكتاب كتابه شيئاً لا زيادة عليه في باب الحجّة؛ لأنّهم قالوا له: إذا كنتَ ما كتبتَ ولا أمرتَ به، فأنت ضعيف، من حيثُ تَمّ عليك أنْ يَكْتُبَ كاتبُك بما تختِمه بخاتَمك، ويُنفذه بيد غلامِك وعلى بعيرك بغير أمرك، ومَنْ تَمّ عليه ذلك لا يصلُح أن يكون والياً على أمور المسلمين. فاختلِعْ عن الخلافة على كلّ حال.
قال: ولقد كان يجب عَلَى صاحب «المغني» أن يستحيَ من قوله: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام قبِلَ عذرَه، وكيف يقبل عذْرَ مَنْ يتّهمه ويستغِشُّه، وهو له ناصح! وما قاله أمير المؤمنين علیه السلام بعد سماع هذا القول منه معروف.
وقوله: إنّ الكتاب يجوز فيه التزوير، ليس بشيءٍ، لأنه لا يجوز التزويرُ في الكتاب والغلام والبعير، وهذه الأمور إذا انضاف بعضُها إلى بعض بَعُدَ فيها التزويرُ، وقد كان يجب عَلَى كل حال أن يبحثَ عن القِصّة وعَمِّن زَوّر الكِتاب، وأنفذ الرسولَ، ولا ينام على ذلك، حتى يَعْرِف من أين دُهِي، وكيف تمّت الحيلة عليه، فيحترِز من مثلها، ولا يُغضي عن ذلك إغضاء ساترٍ له، خائف من بحثه وكشفه.
فأما قوله: إنه وإن غلبَ عَلَى الظَّن أنَّ مروان كتب الكتاب، فإنَّ الحكم بالظنّ لا يجوزُ، وتسليمه إلى القوم على ما سألوه إيَّاه ظلم؛ لأنَّ الحدَّ والأدب إذا وجبَ عليه، فالإمام يُقيمه دونهم، فتعلُّلٌ بما لا يجدِي؛ لأنّا لا نعمل إلا على قوله في أنّه لم يعلم أنَّ مرْوان هو الذي كتب الكتاب، وإنما غلب على ظنّه، أما كان يستحقّ مروان بهذا الظنّ بعض التعنيف والزجر والتهديد! أو ما كان يجب مع وقوع التهمة عليه، وقوة الأمارات في أنّه جالب الفتنة وسببُ الفُرقة أن يُبعِده عنه، ويطرُده مِن داره ويسلُبَه ما كان يخصّه به من إكرامه! وما في هذه الأمور أظهر من أن ينّبه له.
فأما قوله: إنَّ الأمر بالقتل لا يوجب قَوَداً ولا دِيَةً، سيَّما قبل وقوع القتل المأمور به، فهب
1) الحدِب: المشفق والمتعطف. اللسان، مادة (حدب)
أن ذلك على ما قال، أما أوجب الله تعالى على الأمر بقتل المسلمين تأديباً ولا تعزيراً ولا طرداً ولا إبعاداً!
وقوله: لم يثبت ذلك، قد مضى ما فيه، وبيّن أنه لم يستعمل فيه ما يجبُ استعماله من البحث والكشف، وتهديد المتّهم وطرده وإبعاده والتبرُّؤ من التهمة بما يُتبرّأ به من مثلها.
فأما قوله: إن قتله ظلم وكذلك حبسُه في الدار، ومنعه من الماء، وأنه لو استحق القتل أو الخلع لا يحلّ أن يُمنَع الطعامّ والشراب، وقوله: إن من لم يدفع عن ذلك الصّحابة يجب أن من يكون مخطئاً، وقوله: إنَّ قتله لو وجب لم يَجُزْ أن يتولاّه العوامّ من الناس، فباطل؛ لأنَّ الذين قتلوه غيرُ منكَرٍ أن يكونوا تعمّدُوا قتله، وإنما طالبوه بأن يخلَع نفسه لما ظهر لهم من إحداثه، ويعتزل عن الأمر اعتزالاً يتمكّنون معه من إقامة غيره، فلجّ وصمّم على الامتناع، وأقام على أمرٍ واحد، فقصد القوم بحصْرِه أن يُلْجِبُّوه إلى خلع نفسه، فاعتصَم بداره، واجتمع إليه نفر من أوْباش بني أميّة، يدفعون عنه، ويرمون مَنْ دنا إلى الدار، فانتهى الأمرُ إلى القتال بتدريج، ثم إلى القتل، ولم يكن القتال ولا القتل مقصوديْن في الأصل، وإنما أفضى الأمرُ إليهما على ترتیب، وجری ذلك مجرى ظالم غلب إنساناً على رَحْله أو متاعِه، فالواجبُ على المغلوب أن يُمانعه ويدافعه ليخلُص مالُه من يده، ولا يقصد إلى إتلافه ولا قتله، فإنْ أفضى الأمرُ إلى ذلك بلا قصد كان معذوراً، وإنّما خاف القومُ - في التأني به، والصبر عليه، إلى أن يخلع نفسَه - من كُتُبِه التي طارت في الآفاق، يستنصر عليهم ويستقدم الجيوش إليهم، ولم يأمنوا أن يَرِدَ بعض مَنْ يدفع عنه فيؤدّي ذلك إلى الفتنة الكبرى والبليَّة العظمي.
وأما منع الماء والطعام فما فُعِل ذلك إلا تضييقاً عليه، ليخرُج ويَحوَج إلى الخلع الواجب عليه. وقد يُستعمل في الشريعة مثل ذلك فيمن لجأ إلى الحرمَ من ذوي الجنايات، وتعذّر إقامة الحدّ عليه لمكانِ الحرَم. على أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام قد أنكر منعَ الماء والطعام، وأنفذ مَنْ مكّن مَنْ حَمَل ذلك؛ لأنّه قد كان في الدار من الحُرَم والنّسوان والصبيان مَنْ لا يحلّ منعُه من الطعام والشراب. ولو كان حكم المطالبة بالخلع والتجمّع عليه والتضافر فيه حكم منْع الطعام والشراب في القُبْحِ والمنكر لأنكره أميرُ المؤمنين علیه السلام، ومنَعَ منه كما منع من غيره، فقد رُوي عنه علیه السلام، أنّه لما بلَغه أنَّ القوم قَدْ منعوا الدار من الماء، قال: لا أرى ذلك، إنَّ في الدار صبياناً وعِيالاً، لا أرى أن يُقتل هؤلاء عطشاً بجُرْم عثمان. فصرّح بالمعنى الذي ذكرناه، ومعلوم أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام ما أنكر المطالبة بالخلْع، بل كان مساعداً على ذلك ومشاوَراً فيه.
فأما قوله: إن قتل الظالم إنما يحلّ على سبيل الدفع، فقد بيّنا أنه لا ينكَر أن يكون قَتْله وقع على ذلك الوجه؛ لأنه في تمسّكه بالولاية عليهم وهو لا يستحقها، في حكم الظالم لهم، فمدافعته واجبة.
وأما قصّة الكتاب الموجود، فلم يَحْكِها على الوجه، وقد شرحنا نحن الرواية الواردة بها.
وأما قوله: إنّه قال: إنْ كنتُ أخطأتُ أو تعمّدت، فإني تائب مستغفر، فقد أجابَهُ القوم عن هذا، وقالوا: هكذا قُلْتَ في المرّة الأولى، وخطبْتَ على المِنْبَر بالتوبة والاستغفار، ثم وجدْنا كتابَك بما يقتضي الإصرار على أقبح ما عتبنا منه، فكيفَ نثق بتوبتك واستغفارك!
فأمّا قوله: إنّ القتل على وجه الغيلة لا يحلّ فيمن يستحقّ القتل، فكيف فيمن لا يستحقه ! فقد بينا أنه لم يكن على سبيل الغِيلة، وأنه لا يمتنع أن يكونَ إنّما وقع على سبيل المدافعة.
فأمّا ادعاؤه أنّه مَنَع من نُصرته، وأقسم على عبيده بترْك القتال، فقد كان ذلك لَعَمْرِي في ابتداء الأمر ظنَّا منه أنّ الأمر ينصلِح، والقوم يرجعون عَمّا هَمّوا به، فلما اشتدّ الأمر، ووقع اليأس من الرجوع والنزوع، لم يمنع أحداً من نُصْرَته والمحاربة عنه، وكيف يمنع من ذلك، وقد بعث إلى أمير المؤمنين علیه السلام يستنصرُه ويستصرخه!
والّذي يدلّ على أنّه لم يمنع في الابتداء من محاربتهم إلا للوجه الذي ذكرناه دون غيره، أنّه لا خلافَ بين أهلِ الرواية في أنّ كتبه تفرّقت في الآفاق يستنصِرُ ويستدعِي الجيوش، فكيف يرغب عن نُصرة الحاضر مَنْ يستدعي نصرة الغائب!
فأما قوله: إنّ أميرَ المؤمنين علیه السلام أراد أن يأتِيةَ، حتى منعه ابنه محمد، فقولٌ بعيد مما جاءت به الرواية جدًّا ، لأنه لا إشكالَ في أن أميرَ المؤمنين عليه السّلام لما واجهه عثمان بأنه يتّهِمه ويستغِشّه، انصرف مغضَباً عامداً، على أنه لا يأتيه أبداً، قائلاً فيه ما يستحقّه من الأقوال.
فأما قوله في جواب سؤال مَنْ قال: إنّهم اعتقدوا فيه أنّه من المفسدين في الأرض، وأنّ آية المحاربة تتناوله، وأنّه قد كان يجب أن يتولى الإمام ذلك الفعل بنفسه، لأنّ ذلك يجري مجرى الحدّ، فطريف، لأنّ الإمام يتولّى ما يجري هذا المجرى إذا كان منصوباً ثابتاً، ولم يكن على مذهب القوم هناك إمامٌ يجوز أن يتولّى ما يجرِي مَجْرَى الحدود، ومتَى لم يكُنْ إمام يقوم بالدفع عن الدين والذّبّ عن الأمّة، جاز أن تتولّى الأمّة ذلك بنفوسها.
قال: وما رأيتُ أعجبَ من ادّعاءِ مخالفينا أنّ أصحابَ الرّسول صلی الله علیه وآله وسلم كانُوا كارِهين لما جرى على عثمان، وأنّهم كانوا يعتقدونه منكراً وظُلماً، وهذا يجري عند من تأمّله مجرَى دفع الضرورات قبل النظر في الأخبار، وسماع ما ورد من شَرْح هذه القصّة، لأنّه معلوم أنّ ما يكرهُه جميع الصحابة أو أكثرهم في دار عِزّهم، وبحيث ينفذ أمرُهم ونهيهم لا يجوز أن يتمّ. ومعلوم أنّ نفراً من أهل مصر لا يجوز أن يقدَموا المدينة فيغلبوا جميعَ المسلمين على آرائهم. ويفعلوا بإمامهم ما يكرهونه بمرأى منهم ومسمع، وهذا معلومٌ بُطْلانه بالبداهة والضرورات قبل تصفح الأخبار وتأمّلها.
وقد رَوَى الواقِديّ عن ابن أبي الزِّناد، عن أبي جعفر القاريّ مولى بني مخزوم، قال: كان المصرّيون الذي حَصَروا عثمان ستمائة، عليهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وكنانة بن بشر الكِنْديّ، وعمرو بن الحِمق الخُزاعي. والذين قدموا المدينة من الكوفة مائتين، عليهم مالك الأشتر النَّخَعيّ. والذين قدِموا من البصرة مائة رجل، رئيسهم حكيم بن جبل العبديّ، وكان أصحابُ النبي صلی الله علیه وآله وسلم الذين خذلوه لا يروْن أنّ الأمر يبلغ به القتل، ولعمري لو قام بعضُهم فحثا الترابَ في وجوه أولئك لانصرفوا ، وهذه الرواية تضمّنت من عدد القوم الوافدين في هذا الباب أكثر مما تضمّنه غيرها.
وروی شُعبْة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: قلت له: كيف لم يمنع أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عَنْ عثمان؟ فقال: إنما قَتَله أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
ورُوِيَ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، أنه سُئِل عن مقتل عثمان: هل شَهِده أحد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟ فقال: نعم، شهده ثمانمائة(1).
وكيف يقال: إن القوم كانوا كارهين، وهؤلاء المصريون كانوا يَغُدُون إلى كل واحد منهم، ويروحون ويشاورونه فيما يصنعونه! وهذا عبد الرحمن بن عوف وهو عاقِدُ الأمر لعثمان وجالبه إليه، ومُصَوِّرُه في يده، يقول - على ما رواه الواقديّ، وقد ذُكِر له عثمانُ في مرضه الذي مات فيه -: عاجلوه قبل أن يتمادَى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نعَمَهُ، فمنع منها، ووصى عبدَّ الرحمن ألاّ يصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير - أو سعد بن أبي وقّاص - وقد كان حَلَف لما تتابعتْ أحداثُ عثمان ألاّ يكلّمَه أبداً.
وروى الواقديّ، قال: لمّا تُوُفِّي أبو ذرّ بالرّبذَة تذاكر أميرُ المؤمنين علیه السلام وعبدُ الرحمن فعلَ عثمان، فقال أمير المؤمنين علیه السلام له: هذا عملُك! فقال عبدُ الرحمن: فإذا شئت فخذ سيفَك وآخذُ سيفي، إنه خالف ما أعطاني.
فأما محمد بن مسلمة، فإنه أرسلَ إليه عثمان يقول له عند قدوم المصريين في الدَّفعة الثانية: أردُدْ عنّي، فقال: لا والله لا أكذبُ الله في سنة مرتين، وإنما عَنَى بذلك أنه كان أحدَ من كلَّم المصريين في الدفعة الأولى، وضمن لهم عن عثمان الرضا.
وفي رواية الواقديّ أنّ محمد بن مسلمة، كان يموت وعثمان محصور، فيقال له: عثمان مقتول، فيقول: هو قَتَلَ نفسه.
فأمّا كلامُ أمير المؤمنين علیه السلام، وطلحة والزُّبير وعائشة وجميع الصحابة واحداً واحداً، فلو تعاطيْنا ذكرَه لطال به الشَّرْح، ومن أراد أن يقِف على أقوالهم مفصَّلة، وما صرَّحوا به من خَلْعه والإجلاب عليه، فعلَيْه بكتاب الواقديّ، فقد ذكرَ هو وغيرُه من ذلك ما لا زيادة عليه.
1) رواه ابن شبه في تاريخ المدينة: 1175/4
الطعن الثاني: كونه ردّ الحكَم بن أبي العاص إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم طَرَده، وامتنع أبو بكر من ردّه، فصار بذلك مخالفاً للسنّة ولسيرة مَنْ تقدّمه، مدعياً على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وعاملاً بدعواه من غير بيّنة.
قال قاضي القضاة رحمه الله: وجوابُنا عن ذلك أنّ المروِيّ في الأخبار أنّه لما عُوتب ذلك ذكر أنّه استأذن رسولَ الله صلی الله علیه وآله وسلم فيه، وإنما لم يقبل أبو بكر وعمر قوله لأنه شاهد واحد، وكذلك روى عنهما، فكأنهما جعلا ذلك بمنزلة الحُقوق التي تختصّ، فلم يقبلا فيه خَبَر الواحد، وأجرياه مَجْرى الشهادة، فلما صار الأمر إليه حكَم بعلمه، لأنّه للحاكِم أن يحكُم بعلمه في هذا الباب وفي غيره عند شيخينا، ولا يفصلان بين حدّ وحق، ولا بين أن يكون العلم قبل الولاية أو حال الولاية، ويقولان: إنه أقوى من البيّنة والإقرار.
وقال شيخنا أبو عليّ رحمه الله تعالى: إنّه لا وجهَ يقطع به على كذب روايته في إذن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في ردّه، ولا بدّ من تجويز كونه صادقاً، وفي تجويز ذلك كونه معذوراً.
فإن قيل: الحاكم إنما يحكم بعلمه مع زوال التهمة، وقد كانت التهمة في ردّ الحكم قوية لقرابته!
قيل: الواجب على غيره ألاّ يتّهمه، إذا كان لفعله وجه يصحّ عليه، لأنه قد نصب منصباً يقتضي زوالَ التهمة عنه، وحَمْل أفعال على الصحّة، ومتى طرقنا عليه التهمة أدّى إلى بطلان كثير من الأحكام. وقد قال الشيخ أبو الحُسين الخيّاط رحمه الله تعالى: إنه لو لم يكن في ردّه إذن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجاز أن يكون طريقه الاجتهاد، لأن النفيَ إذا كان صلاحاً في الحال يمتنع أن يتغيّر حكمه باختلاف الأوقات وتغيّر حال المنفي، وإذا كان لأبي بكر أن يسترد عمرَ من جيش أسامة للحاجة إليه - وإن كان قد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفوذه - من حيث تغيرت الحال، فغير ممتنع مثله في الحكم.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى على هذا، فقال: أمّا دعواه أنّ عثمان ادّعى أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أذن في رَدَّ الحَكَم فشيء لم يُسمع إلا من قاضي القضاة، ولا يُدْرَى من أين نقله، ولا في أيّ كتاب وجده! والذي رواه الناس كلّهم خلاف ذلك، روى الواقديّ من طرق مختلفة وغيره أنّ الحَكَم بن أبي العاص لما قدِم المدينة بعد الفتح، أخرجه النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلى الطائف، وقال: لا تساكنّي في بلد أبداً، فجاءه عثمان فكلّمه فأبى، ثم كان أبي بكر مثل ذلك، ثم كان من عمر مثل ذلك، فلما قام عثمان أدخله ووصله وأكرمه، فمشى في ذلك عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمّار بن ياسر، حتى دخلوا على عثمان فقالوا له: إنك قد أخلتَ هؤلاء القوم - يعنون الحَكَم ومن معه - وقد كان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وقد كان النبي أخرجهم، وإنا نذكّرك الله والإسلام ومَعادك، فإن لك معاداً ومُنقَلباً، وقد أبت ذلك الولاة قبلك، ولم يطمع أحد أن
يكلّمها فيهم، وهذا شيء نخاف الله فيه عليك. فقال عثمان: إنّ قرابتَهم منّي ما تعلمون، وقد كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حيثُ كلّمته اطمَعني في أن يأذن لهم، وإنما أخرجهم لكلمةٍ بلغته عن الحَكَم، ولم يضرّكم مكانهم شيئاً، وفي الناس مَنْ هو شرّ منهم. فقال عليّ علیه السلام: لا أجدَ شرُّا منه ولا منهم، ثم قال: هل تعلم عمر يقول: والله ليحملَنّ بني أبي مُعيط على رقاب الناس! والله إن فعل ليقتلُنَّه، فقال عثمان: ما كان منكم أحد ليكون بينه وبينه من القرابة ما بيني وبينه، وينال من المقدرة ما نلت إلا قد كان سيُدخلُه، وفي الناس مَنْ هو شرّ منه. قال: فغضب عليّ علیه السلام، وقال: والله لتأتينّا بشرٌ مِنْ هذا إن سلمت، وسترى يا عثمان غِبّ ما تفعله! ثم خرجوا من عنده.
وهذا كما ترى خلاف ما ادّعاه صاحب «المغني»؛ لأنّ الرجل لما احتفلَ ادّعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أطمَعه في ردّه، ثم صَرّح بأنّ رِعايته فيه القرابة هي الموجبة لردّه ومخالفة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم. وقد روى من طرق مختلفة أنّ عثمان لمّا كلم أبا بكر وعمر في ردّ الحَكَم أغلظا وزبَراه(1)، وقال له عمر: يخرجه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وتأمرني أن أدخله! والله لو أدخلته لم آمن أن يقول قائل: غَيّر عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والله لأنْ أشقّ باثنتين كما تُشق الأبلُمة(2)أحبّ إليّ من أن أخالِف لرسول الله أمراً، وإياك يا بن عفان أن تعاوِدَني فيه بعد اليوم، وما رأينا عثمان قال في جواب هذا التعنيف والتوبيخ من أبي بكر وعمر: إنّ عندي عهداً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، لا أستحقّ معه عتاباً ولا تهجيناً، وكيف تطيب نفس مُسلم موقّر لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم معظّم له أن يأتيَ إلى عدوّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مصرّح بعداوته والوقيعة فيه، حتّى بلغ به الأمرُ إلى أنْ كان يحكي مِشْيَته، طردَه رسول الله، وأبعده ولعنه، حتى صار مشهوراً بأنه طريدُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فيكرِمه ويردّه إلى حيث أخرج منه، ويصِلُه بالماء العظيم: إما من مال المسلمين أو مِنْ ماله! إنّ هذا لعظيم كبير قبل التصفّح والتأمّل والتعلّل بالتأويل الباطل!
فأمّا قولُ صاحب «المغني»: إنّ أبا بكر وعمر لم يقبلا قوله لأنّه شاهِد واحد، وجعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تخصّ، فأوّل ما فيه أنّه لم يشهدْ عندهما بشيء واحد في باب الحكم على ما رواه جميع الناس، ثم ليس هذا من باب الذي يُحتاج فيه إلى الشاهديْن، بل هو بمنزلة كلّ ما يقبَلُ فيه أخبارُ الآحاد. وكيف يجوز أن يُجرِيَ أبو بكر وعمر مَجْرَى الحقوق ما ليس منها! وقوله: لا بدّ من تَجويز كونه صادقاً في روايته، لأنّ القطْعَ على كذب روايته لا سبيل إليه ليس بشيء، لأنا قد بيّنا أنّه لم يَرْوِ عن الرسول إذناً، إنما ادّعى أنه أطمَعه في ذلك. وإذا لليل جوّزنا كونه صادقاً في هذه الرواية، بل قطعنا على صدقه لم يكن معذوراً.
فأمّا قوله: الواجبُ على غيرِه ألاّ يتهِمَه إذا كان لفعله وجهٌ يصحّ عليه، لانتصابه منصباً يُزيل التهمة، فأوّل ما فيه أنّ الحاكِم لا يجوز أن يحكُم بعلمه مع التّهمة، والتّهمة قد تكون لها أمارات وعلامات، فما وقع منها عن أمارات وأسباب تتّهم في العادة كان مؤثراً، وما لم يكن كذلك فلا تأثيرَ له، والحكّم هو عمّ عثمان، وقريبه ونسيبه، ومن قد تكلّم في ردّه مرة بعد أخرى، ولوالٍ بعد والٍ، وهذه كلها أسباب التّهمة، فقد كان يجب أنْ يتجنَّب الحكم بعلمه في هذا الباب خاصّة، لتطرّق التهمة إليه.
فأما ما حكاه عن أبي الحسين الخَيّاط من أنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يأذن في رَدّه لجاز أن يَرُدّه إذا أذاه اجتهادُه إلى ذلك، لأنّ الأحوالَ قد تتغيّر - فظاهر البُطْلان -، لأن الرّسولَ صلی الله علیه وآله وسلم إذا حَظر شيئاً أو أباحه لم يكن لأحدٍ أنْ يجتهد في إباحة المحظور أو حَظْر المباح، ومَنْ يجوِّز الاجتهادَ في الشريعة لا يُقدم على مثلِ هذا، لأنّه إنما يجوز عندهم فيما لا نصّ فيه ولو سَوّغنا الاجتهادَ في مخالفة ما تناوله النصّ لم يؤمَن أن يؤدّي اجتهاد مجتهد إلى تحليل الخمر وإسقاط الصلاة، بأن تتغير الحال، وهذا هَدْمٌ للشريعة. فأما الاستشهاد باسترداد عمر من جيش أسامة فالكلام في الأمرين واحد.
الطعن الثالث: أنه كان يؤثر أهلَ بيتهِ بالأموال العظيمة التي هي عُدّة المسلمين، نحو ما رُوي أنّه دفع إلى أربعة أنفسٍ من قريش زوَّجهم بناتِه أربعمائة ألف دينار، وأعطى مَرْوان مائة ألف عند فتح إفريقيَّة، ويروى خُمْس إفريقيَّة، وغير ذلك، وهذا بخلاف سيرة مَنْ تقدمه في القِسْمة على النّاس بقدر الاستحقاق، وإيثار الأباعد على الأقارب.
قال قاضي القضاة: وجوابُنا عن ذلك أنّ من الظاهر المشهور أنّ عثمانَ كان عظيمَ اليَسار، كثير المال، فلا يمتنع أن يكون إنما أعطى أهلَ بيتِه من ماله، وإذا احتمل ذلك وجب حملُه على الصحة.
وقد قال شيخُنا أبو عليّ رحمه الله تعالى: إنّ الذي رُوِي من دَفْعه إلى ثلاثة نفر من قريش زَوَّجهم بناتِه، إلى كلّ واحد منهم مائة ألف دينار، إنما هو من ماله، ولا رواية تصح أنه أعطاهم ذلك من بيت المال، ولو صحّ ذلك لكان لا يمتنع أن يكونَ أعطاهم من بيت المال ليرة عِوَضه من ماله، لأنّ للإمام عند الحاجة أن يفعل ذلك، كما له أن يُقرض غيره.
وقال شيخُنا أبو عليّ أيضاً: إن ما رُوِيَ من دفعه خُمس إفريقيّة لَمّا فُتِحت إلى مروان، ليس بمحفوظٍ ولا منقول على وجهٍ يجب قبوله، وإنما يَرْويه مَنْ يقصد التشنيع. وقد قال الشيخُ أبو الحسين الخياط: إن ابن أبي سَرْح لما غزا البحر، ومعه مَرْوان في الجيش، ففتَح الله عليهم،
وغنموا غنيمةٌ عظيمة، اشترى مَرْوان من ابن أبي سَرْح الخُمس بمائة ألف، وأعطاه أكثرها، ثم قَدِم على عثمان بشيراً بالفَتح، وقد كانتْ قلوب المسلمين تعلّقت بأمر ذلك الجيش: فرأى عثمان أن يَهَب له ما بقَى عليه من المال، وللإمام فِعْلُ مثل ذلك، ترغيباً في مثل هذه الأمور.
قال: وهذا الصُّنْع كان منه في السّنَة الأولى من إمامته، ولم يبرأ أحد منه فيها، فلا وجة للتعلّق بذلك.
وذكر أبو الحسين الخياط أيضاً فيما أعطاء أقاربه أنّه وصلهم لحاجتهم، فلا يمتنع مثلُه في الإمام إذا رآه صلاحاً. وذكر في إقطاعه القطائع لبني أميّة، أنّ الأئمة قد تحصُل في أيديهم الضيّاع لا مالكَ لها، ويعلمون أنّها لا بدّ فيها ممّن يقوم بإصلاحها وعمارتها، ويؤدي عنها ما يجب من الحقّ، فله أن يصرف من ذلك إلى مَنْ يقوم به، وله أيضاً أن يهدّ بعضها على بعض بحسب ما يعلم من الصلاح والتألّف، وطريقُ ذلك الاجتهاد.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: أما قوله: يجوز أن يكون إنما أعطاهم من ماله، فالرواية بخلاف ذلك، وقد صرّح الرجلُ بأنّه كان يعطي من بيت المال صلة لرحمه، ولما عوتب على ذلك لم يعتذر عنه بهذا الضَّرْب من العذر، ولا قال: إنّ هذه العطايا من مالي، فلا اعتراضَ لأحد فيها. روَى الواقديّ بإسناده عن المِسْوَر بن عُتْبة، قال: سمعتُ عثمانَ يقول: إنّ أبا بكرٍ وعمر كانا يتأوّلان في هذا المال ظَلَف(1)أنفسهما وذَوِي أرحامهما، وإنّي تأوّلتُ فيها صِلَةَ رحمي.
ورُوِي عنه أيضاً أنه كان بحضرته زياد بن عبيد، مولى الحارث بن كَلَدة الثقفي، وقد بعث إليه أبو موسى بمالٍ عظيم من البَصْرة، فجعل عثمان يقسمه بين ولده وأهله بالصِّحاف، فبكى زياد، فقال: لا تبكِ، فإنّ عمر كان يمنع أهله وذوي قرابته ابتغاءَ وجه الله، وأنا أعطي أهلي وولدي وقرابتي ابتغاءَ وجه الله.
وقد رُوِي هذا المعنى عنه من عدة طرق بألفاظٍ مختلفة.
ورُوِى الواقديّ أيضاً بإسناده، قال: قَدِمَتْ إبلٌ من إبل الصدقة على عثمان، فوهَبَها للحارث بن الحكَم بن أبي العاص.
وروى أبو مِخْنف والواقديّ أنّه ولّى الحكم بن أبي العاص صدقاتِ قُضَاعة، فبلغت ثلاثمائة ألف فوَهَبها له حين أتاه بها.
1) الظلف: الشدة والغلظ في المعيشة من ذلك. اللسان، مادة (ظلف). (ظلف)
وروى أبو مِخْنف والواقديّ أنّ الناس أنكروا على عثمان إعطاءَ سعيد بن العاص مائة ألف وكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن في ذلك، فقال: إن له قرابةً ورَحِماً، قالوا: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذَوُو رحم؟ فقال: إن أبا بكر وعمر كان يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسِبُ في إعطاء قرابتي، قالوا فَهدْيُهما - والله - أحبُّ إلينا من هَدْيك.
وروى أبو مِخْنف أنّ عبد الله خالد بن بن أسِيد بن أبي العِيص بن أمية، قدم على عثمان من مكة، ومعه ناس، فأمر لعبد الله بثلاثمائة ألف، ولكلّ واحد من القوم بمائة ألف وصَلّ بذلك على عبد الله بن الأرقم - وكان خازنَ بيت المال - فاستكثره وردّ الصكّ به. ويقال: إنه سأل عثمان أن يكتبَ عليه بذلك كتاباً، فأبى وامتنع ابن الأرقَم أن يدفَع المال إلى القوم، فقال له عثمان: إنّما أنت خازن لنا، فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازن المسلمين، وإنما خازنك غلامُك، والله لا ألي لك بيت المال أبداً، وجاء بالمفاتيح فعلّقها على المِنْبر، ويقال: بل ألقاها إلى عثمان فرفعها إلى نائل مولاه.
وروى الواقديّ أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمِل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله الأرقم في عَقِيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم، فلما دخل بها عليه، قال له: يا أبا محمد، إن أميرَ المؤمنين أرسل إليك يقول: إنا قد شغلناك عن التجارة، ولك ذَوو رحم أهلُ حاجة، ففرّقُ هذا المال فيهم، واستعنْ به على عيالك، فقال عبد الله بن الأرقم: مالي إليه حاجة، وما عملت لأنْ يُثيبَني عثمان، والله إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قَدْرُ عملي أنْ أُعطي ثلاثمائة ألف، ولئن كان من مال عثمان ما أحبُّ أنْ أرزاه(1)من ماله شيئاً. وما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه ويُنبَّه عليه.
فأما قولُه: ولو صح أنه أعطاهم من بيت المال لجاز أن يكون ذلك على طريق القرْض، فليس بشيءٍ، لأنّ الروايات أولاً تخالف ما ذكره، وقد كان يجبُ لما نقم عليه وجوهُ الصحابة إعطاءَ أقاربه من بيت المال، أنْ يقول لهم: هذا على سبيل القَرْض، وأنا أردّ عِوَضه، ولا يقول ما تقدم ذكره، من أنّني أصِلُ به رَحمِي، على أنّه ليس للإمام أن يقترِض من بيت مال المسلمين إلا ما ينْصَرف في مصلحة لهم مهمّة، يعودُ عليهم نفعها، أو في سَدّ خَلَّة وفاقة لا يتمكنون من القيام بالأمر معها: فأمّا أنْ يُقرِض المال ليتّسع به، ويُمرِّح فيه مترَفِي بني أمية وفُسّاقهم فلا أحد يجيز ذلك.
فأما قوله حاكياً عن أبي عليّ: إنْ دَفْعه خُمس إفريقيّة إلى مروان ليس بمحفوظٍ ولا منقول فباطل-، لأنّ العلم بذلك يجري مجرى العلم بسائر ما تقدم، ومَنْ قرأ الأخبار علم ذلك على وجه لا يعترض فيه شكّ، كما يعلم نظائره.
1) أرزاه من ماله: أصاب منه شيئاً. القاموس، مادة (رزا)
روى الواقديّ عن أسامة بن زيد، عن نافع مولى الزبير، عن عبد الله بن الزبير، قال: أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين إفريقيّة، فأصاب عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرْح غنائم جليلة، فأعطى عثمانُ مَرْوان بن الحكم تلك الغنائم. وهذا كما ترى يتضمّن الزيادة عن إعطاء الخمس، ويتجاوزه إلى إعطاء الأصل.
وروى الواقديّ، عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المِسْوَر، قالت: لما بنى مَرْوانُ داره بالمدينة، دعا الناس إلى طعامه، وكان المِسْوَر ممّن دعاء، فقال مروان وهو يحدّثهم: والله ما أنفقتُ في داري هذا من مال المسلمين دِرْهما فما فوقه، فقال المِسْوَر: لو أكلتَ طعامك وسكتّ كان خيراً لك. لقد غزوْت معنا إفريقيّة، وإنك لأقلّنا مالاً ورقيقاً وأعواناً، وأخفُّنا ثَقَلا، فأعطاك ابنُ عمّكَ خُمْس إفريقيّة، وعملت على الصدقات، فأخذت أموال المسلمين.
وروى الكلبيّ عن أبيه، عن أبي مخنف أنّ مروان ابتاعَ خُمس إفريقيّة بمائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار، وكلّم عثمان، فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان. وهذا بعينه هو الذي اعترف به أبو الحسين الخياط واعتذر عنه بأنّ قلوب المسلمين تعلّقت بأمر ذلك الجيش فرأى عثمان أن يهبَ لمروان ثُمْن ما ابتاعه من الخُمْس لما جاءه بشيراً بالفتح على سبيل راً الترغيب. وهذا الاعتذار ليس بشيءٍ، لأنّ الذي رويناه من الأخبار في هذا الباب خالٍ من البشارة، وإنما يقتضي أنّه سأله تَرْكَ ذلك عليه، فتركه وابتدأ هو بصِلته، ولو أتى بشيراً بالفتح كما ادَّعَوْا لما جاز أن يترك عليه خمس الغنيمة العائدَ نفعه على المسلمين؛ لأن تلك البشارة لا تبلغُ إلى أن يستحق البشير بها مائتي ألف درهم، ولا اجتهادَ في مثل هذا، ولا فرق بين من جَوّز أن يؤدِّيَ الاجتهاد إلى مثله ومَنْ جَوّز أن يؤدِّيَ الاجتهاد إلى دفع أصل الغنيمة إلى البشير بها، ومن ارتكب ذلك ألزم جواز أن يُؤدِّيَ الاجتهاد إلى إعطاء هذا البشير جميعَ أموال المسلمين في الشرق والغرب.
فأمّا قوله: إنه وصل بني عمِّه لحاجتهم، ورأى في ذلك صلاحاً، فقد بيّنا أن صِلاته لهم كانت أكثرَ مما تقتضيه الخَلّة والحاجة، وأنّه كان يصلُ فيهم المياسيرَ. ثم الصلاحُ الذي زعم أنّه رآه: لا يخلُو إمّا أن يكون عائداً على المسلمين، أو على أقاربه، فإن كان على المسلمين فمعلومٌ ضرورةً أنّه لا صلاح لأحد من المسلمين في إعطاء مَرْوان مائتي ألف دينار، الحكَم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وابن أسِيد ثلاثمائة ألف درهم، إلى غير ما ذكرنا، بل على المسلمين في ذلك غاية الضرر. وإن أراد الصَّلَاح الراجع إلى الأقارب فليس له أن يُصلِح أمرَ أقاربه بفساد أمر المسلمين، وينفعهم بما يضرّ به المسلمين.
وأما قوله: إنّ القطائعَ التي أقطعَها بني أميّة، إنما أقطعهم إياها لمصلحة تعودُ على لمسلمين، لأنّ تلك الضياع كانت خَراباً لا عامر لها، فسلّمها إلى من يعمرّها ويؤدِّي الحقَّ
عنه، فأول ما فيه أنّه لو كان الأمر على ما ذكره، ولم تكن هذه القطائع على سبيل الصِّلة والمعونة لأقاربه لما خَفِيَ ذلك على الحاضرين، ولكانوا لا يعدّون ذلك من ،مثالبه ولا يواقفونه عليه في جملة ما واقفوه عليه من إحداثه. ثم كان يجب لو فعلوا ذلك أن يكون جوابه بخلاف ما روى من جوابه، لأنّه كان يجب أن يقول لهم: وأيّ منفعة في هذه القطائع عائدة على قَرابتي حتى تعدّوا ذلك من جملة صِلاتي لهم، وإيصالي المنافع إليهم! وإنما جعلتهم فيهما بمنزلة الأكَرة الذين يُنتفع بهم أكثر من انتفاعهم أنفسهم، وما كان يجب أن يقول ما تقدمت روايته، من أني محتسِب في إعطاء قرابتي، وأن ذلك على سبيل الصلة لرحمي، إلى غير ذلك مما هو خالٍ من المعنى الذي ذكره.
الطعن الرابع: أنه حَمَى الحِمَى عن المسلمين، مع أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم جعلَهم سواء في 3 الماء والكلأ.
قال قاضي القضاة: وجوابنَا عن ذلك أنّه لم يحم الكلا لنفسِه، ولا استأثر به، لكنّه حماه لإبل الصدقة التي منفعتُها تعود على المسلمين. وقد رُوي عنه هذا الكلام بعينه، وأنه قال: إنما فعلت ذلك لإبل الصدقة، وقد أطلقته الآن، وأنا أستغفر الله، وليس في الاعتذار ما يزيد عن ذلك.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: أما أوّلاً فالمرويّ بخلاف ما ذكر، لأنّ الواقديّ روى بإسناده، قال: كان عثمان يحمي الرَّبَذَة والشرف والبقيع، فكان لا يدخل الحِمى بعير له ولا فرس ولا لبني أُمية حتى كان آخر الزمان، فكان يحمي الشَّرف لإبله وكانت ألفَ بعير، ولإبل الحكَم بن أبي العاص، ويحمي الرَّبذة لإبل الصدقة، ويحمي البَقِيع لخيل المسلمين وخيله وخَيْل بني أُمية.
قال: على أنه لو كان إنّما حماه لإبل الصدقة لم يكنْ بذلك مصيباً: لأنّ الله تعالى ورسوله أباحَا الكلأ، وجعلاه مشتركاً، فليس لأحدٍ أن يغيِّر هذه الإباحة . ولو كان في هذا الفعل مُصيباً، وأنه إنما حماه لمصلحة تعود على المسلمين لما جاز أن يستغفر الله منه ويعتذر؛ لأن الاعتذار إنما يكون من الخطأ دون الصواب.
الطعن الخامس: أنه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة وغيرها، وذلك مما لا يحلّ في الدین.
قال قاضي القضاة: وجوابنا عن ذلك أنّه إنما جاز له ذلك لعلمه بحاجة المقاتلة، واستغناء
أهل الصدقة، ففعل ذلك عَلَى سبيل الإفراض، وقد فعل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مثلَه، وللإمام في مثل هذه الأمور أن يفعل ما جرَى هذا المجرى، لأنّ عند الحاجة ربّما يجوز له أن يقترض من الناس، فأن يجوز له أن يتناول من مالٍ في يده ليردّ عوَضه من المال الآخر أولَى.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: إنّ المال الذي جعل الله تعالى له جهة مخصوصة، لا يجوز أن يُعدّل به عن جهته بالاجتهاد، ولو كانت المصلحة في ذلك موقوفة عَلَى الحاجة لشرَطها الله تعالى في هذا الحُكم؛ لأنه سبحانه أعلمُ بالمصالح واختلافها مِنّا، ولكان لا يجعل لأهل الصدقة منها القسْط مطلقاً.
وأما قوله: إنّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فَعَل مثله، فهي دَعْوَى مجرّدة من برهان، وقد كان يجب أن يروي ما ذُكر في ذلك. وأما ذكره من الاقتراض، فأين كان عثمان عن هذا العذر لمّا وُوقف عليه!
الطعن السادس: أنّه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كَسرَ بعض أضلاعه.
قال قاضي القضاة: قال شيخُنا أبو عليّ رحمه الله تعالى: لم يثبُتْ عندنا ولا صحّ عندنا ما يقال من طَعْنِ عبد الله عليه، وإكفاره له، والذي يصّح من ذلك أنّ عبد الله كَرِه منه جمعَه الناس على قراءة زيد بن ثابت وإحراقَه المصَاحف، وثَقُل ذلك عليه كما يثقُل على الواحد منا تقديم غيره عليه.
وقد قيل: إنّ بعضَ موالي عثمان ضربه لَمّا سمع منه الوقيعة في عثمان، ولو صحّ أنه أمَرَ بضربه لم يكن بأنْ يكون طعناً في عثمان بأوْلى من أن يكون طعناً في ابن مسعود، لأنّ للإمام تأديبَ غيره، وليس لغيره الوقيعةُ فيه إلا بعد البيان. وقد ذكر الشيخُ أبو الحسين الخيّاط أنّ ابن مسعود إنما عابه لعزّله إياه، وقد رُوي أنّ عثمان اعتذر إليه فلم يقبل عذرَه، ولما أحضره إليه عطاءه في مرضه، قال ابن مسعود: منعتَني إياه إذا كان ينفعُني، وجئتَني به عند الموت! لا أقبله. وأنه وسّط أم حبيبة زوج النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ليزيل ما في نفسه فلم يجب، وهذا يوجب ذمّ ابن مسعود إذ لم يقبل الندم، ويوجب براءة عثمان من هذا العيب، لو صحّ ما صحّ ما رووه من ضربه.
اعترض المرتضَى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: المعلوم المرويّ خلاف ما ذكره أبو عليّ، ولا يختلف أهلُ النقل في طعن ابن مسعود على عثمان، وقوله فيه أشدّ الأقوال
وأعظمها، والعلم بذلك كالعلم بكل ما يدّعي فيه الضرورة، وقد رَوَى كلّ مَنْ روَى السيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طُرُقهم أنّ ابن مسعود كان يقول: ليتني وعثمان برملِ عالج يحثُو عَلَيّ وأحثو عليه حتى يموتَ الأعجز مني ومنه.
روووا أنه كان يطعن عليه، فيقال له: ألا خرجْتَ عليه، ليخرج معك! فيقولُ: لأن أُزاوِلَ جبلاً راسياً أحبُّ إلي من أن أزاول مُلكاً مؤجلاً.
وكان يقول كلّ يوم جمعة بالكوفة جاهراً معلناً: «إنّ أصدقَ القول كتابُ الله، وأحسنَ الهدْى هديُ محمد، وشرّ الأمور محدَثاتها، وكلّ محدَث بِدْعة، وكل بِدْعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وإنما كان يقول ذلك معرّضاً بعثمان، حتى غضِب الوليد بن عُقْبة من استمرار تعريضه، ونهاه عن خطبته هذه، فأبى أن ينتهيَ، فكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان يستقدِمه عليه.
وروي أنّه لما خرج عبدُ الله بن مسعود إلى المدينة مزعَجاً عن الكوفة خرج الناس معه يشيّعونه، وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، ارجع، فوالله لا نوصله إليك أبداً، فإنا لا نأمنه عليك، فقال: أمر سيكون، ولا أحبّ أن أكون أوّلَ مَنْ فتحه.
وقد روى عنه أيضاً من طرق لا تحصى كثرةً أنه كان يقول: ما يزنُ عثمان عندَ الله جَناح ذباب، وتَعَاطِي ما رُوِيَ عنه في هذا الباب يطول، وهو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنه بلَغ من إضرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة أن قال لما حضره الموت: مَنْ يتقبَّلْ مِنّي وصيةً أوصِيه بها عَلَى ما فيها! فسكت القومُ، وعرفوا الذي يريد، فأعادها، فقال عمّار بن ياسر رحمه الله تعالى: أنا أقبلها، فقال ابن مسعود: ألا يصلّي عليّ عثمان، قال: ذلك لك، فيقال: إنه لما دُفِن جاء عثمان منكراً لذلك، فقال له قائل: إن عماراً ولِّي الأمر، فقال لعمّار: ما حملك عَلَى أَنْ لم تؤذِنّي؟ فقال: عهِد إلي ألا أوذِنك، فوقف على قبره وأثنى عليه، ثم انصرف وهو يقول: رفعتم والله أيديَكم عن خَيْرٍ مَنْ بَقِي، فتمثّل الزبير بقول الشاعر:
لَا الفينَّكَ بَعْدَ الموتِ تَنْدُبُنِي *** وفي حياتيَ مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي
ولما مَرِض ابنُ مسعود مرضَه الذي مات فيه، أتاه عثمان عائداً، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال الطبيبُ أمرضني، قال: أفلا آمر لك بعطائِك؟ قال: منعتَنيه وأنا محتاج إليه، وتُعطينيه وأنا مستغنٍ عنه! قال: يكونُ لولدك، قال: رزقهم على الله تعالى، قال: استغفِرْ لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسألُ الله ان يأخذَ لي منك حَقّي.
قال: وصاحبُ «المغني» قد حكَى بعض هذا الخبر في آخر الفصل الذي حكاه من كلامه، وقال: هذا يوجب ذَمّ ابن مسعود من حيث لم يقبل العذر وهذا منه طَرِيف، لأنّ مذهبَه لا يقتضي
قبول كلّ عذر ظاهر، وإنما يجب قبولُ العذر الصادق، الذي يغلب في الظن أن الباطن فيه كالظاهر، فمن أينَ لصاحب «المغني» أنّ اعتذار عثمانَ إلى ابن مسعود كان مستوفياً للشرائط التي يجب معها القبول وإذا جازَ ما ذكرناه لم يكن عَلَى ابن مسعود لومٌ في الامتناع من قبول عُذْره.
فأما قوله: إن عثمان لم يضر به، وإنما ضَرَبه بعضُ مواليه لما سمع وقيعتَه فيه، فالأمر بخلاف ذلك، وكلّ مَنْ قرأ الأخبار علم أنّ عثمان أمر بإخراجه عن المسجد على أعنَف الوجوه، وبأمْرِي جرى ما جرى عليه، ولو لم يكن بأمره ورضاء لوجب أن ينكر على مولاه كَسْر ضلعه، ويعتذر إلى مَنْ عاتبه على فعله بابن مسعود بأن يقول: إني لم آمر بذلك، ولا رضيته من فاعله، وقد أنكرت عليه فعله.
وفي علمنا بأنّ ذلك لم يكن دليلاً على ما قلنا، وقد روى الواقدي بإسناده وغيرُه أنّ ابن مسعود لما استقدم المدينة، دخلها ليلة جمعة، فلما علم عثمانُ بدخوله، قال: أيّها الناس، إنه قد طرقكم الليلة دُوَيْبة، مَن تمشِي على طعامه يقيء ويسلح(1). فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكنّني صاحب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يومَ بدر، وصاحبُه يوم أُحُد، وصاحبُه يوم بيعة الرضوان، وصاحبُه يوم الخندق، وصاحبُه يوم حُنين. قال: وصاحت عائشة: يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم! فقال عثمان: اسكتي ثم قال لعبد الله بن زَمْعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزَّى بن قصي: أخرِجْه إخراجاً عنيفاً، فأخذه ابنُ زمعة، فاحتمله حتى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض، فكسر ضِلَعاً من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابنُ زمعة الكافر بأمر عثمان.
وفي رواية أخرى إنّ ابنَ زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولّى لعثمان أسود مُسَدَّماً(2)طُوالاً. وفي رواية أخرى: إن فاعل ذلك يَحْمُوم مولى عثمان. وفي رواية، إنه لما احتمَله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله: أنشدك الله، ألا تخرجَني من مسجد خليلي صلی الله علیه وآله وسلم.
قال الرّاوي: فكأني أنظر إلى حُمُوشة(3)ساقي عبد الله بن مسعود ورجلاه تختلفان على عنق مولی عثمان حتى أخرج من المسجد، وهو الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السَاقا ابن أم عبد أثقلُ في الميزان يوم القيامة من جبل أُحد»(4).
وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القُرظيّ أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطاً في دفنِه أبا ذرّ. وهذه قصة أخرى، وذلك أن أبا ذرّ رحمه الله تعالى لما حضرتْه الوفاة بالرَّبذة، وليس معه إلا امرأته وغلامُه عَهِد إليهما أن غَسَّلاني ثم كفِّناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركب يمرّون بكم قولوا لهم: هذا أبو ذَرّ صاحب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فأعينونا على دَفْنِه، فلما مات فعلوا ذلك، وأقبل ابنُ مسعود في ركب من العراق معتمرين، فلم يرعْهمُ إلا الجنازة على قارعة الطريق، قد كادت الإبل تطؤها، فقام إليهم العبد، فقال: هذا أبو ذَرّ صاحب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فأعينونا على دفنه، فانهلّ ابنُ مسعود باكياً، وقال: صدق رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، قال له: «تمشي وحدَك، وتموت وحدَك، وتُبعث وحدَك»(1)، ثم نزل وأصحابه، فواروْه.
قال: فأما قولُه إن ذلك ليس بأن يكون طعناً في عثمان بأولى من أنْ يكون طعناً في ابن مسعود، فواضح البطلان، وإنما كان طعناً في عثمان دون ابن مسعود، لأنه لا خلاف في طهارة ابن مسعود وفضله وإيمانه، ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وثنائه عليه، وأنّه مات على الجُمْلة المحمودة منه، وفي جميع هذا خلاف بين المسلمين في عثمان.
فأما قوله: إن ابن مسعود كَرِه جَمْعَ عثمان النّاس على قراءة زيد، وإحراقَه المصاحف، فلا شك أنّ عبد الله كره ذلك، كما كرهه جماعة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وتكلّموا فيه، وقد ذكر الرواة كلامَ كل واحد منهم في ذلك مفصّلاً، وما كره عبد الله من ذلك إلا مكروهاً، وهو الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه: «مَنْ سرّه أن يقرأ القرآن غَضَّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»(2). ورُوِيَ عن ابن عباس رحمه الله تعالى أنه قال: «قراءة ابن أم عبد هي القراءة الأخيرة»(3)، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُعرَض عليه القرآن في كلّ سنة من شهر رمضان. فلما كان العام الذي تُوفِّي فيه عُرِض عليه دفعتين، فشهد عبد الله ما نُسِخ. منه، وما منه، وما صح فهي القراءة الأخيرة.
وروِيَ عن الأعمش، قال: قال ابن مسعود: لقد أخذتُ القرآن مِنْ فِي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، سبعين سُورة، وإن زيد بن ثابت لغُلام في الكتّاب، له ذؤابة.
فأما حكايتُه عن أبي الحسين الخياط أنّ ابن مسعود إنما عاب عثمان لعزله إياه، فعبد الله عِنْدَ كلِّ مَنْ عرفه بخلاف هذه الصورة، وأنه لم يكن ممّن يخْرج على عثمان ويطعن في إمامته بأمرٍ يعود إلى منفعة الدنيا، وإن كان عزلُه بما لا شبهة فيه في دين ولا أمانة عيباً لا شكّ فيه.
الطعن السابع: أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة، وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه نزل من القرآن، وأنه مأخوذ عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ولو كان ذلك مما يسوغُ لسبق إليه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ولفعله أبو بكر وعمر.
قال قاضي القضاة: وجوابنا عن ذلك أنّ الوجهَ ذلك أنّ الوجة في جمع القرآن على قراءة واحدة تحصين القرآن وضبطه، وقطع المنازعة والاختلافِ فيه. وقولهم: لو كان ذلك واجباً لفعله الرسول صلی الله علیه وآله وسلم غير لازم، لأنّ الإمام إذا فعله صار كانّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فعله، ولأنّ الأحوال في ذلك تختلف، وقد روي أنّ عمر كان عزم على ذلك فمات دونه. وليس لأحد أن يقول: إن إحراقه المصاحف اتسخفافٌ بالدين، وذلك لأنه إذا جاز من الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أن يخرب المسجد الذي بُني ضراراً وكفراً، فغير ممتنع إحراق المصاحف.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: إن اختلاف الناس في القراءة ليس بموجب لما صنعه، لأنهم يروُون أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلّها شافٍ كافٍ»(1)، فهذا الاختلاف عندهم في القرآن مباحٌ مسند عن الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسّع في الحروف ما هو مباح! فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادّعى، لما أباح النبي صلی الله علیه وآله وسلم في الأصل إلا القراءة الواحدة، لأنه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته، من حيث كان مؤيَّداً بالوحي، موفقاً في كلِّ ما يأتي ويَذَر. وليس له أن يقول: حَدَث من الاختلاف في أيام عثمان ما لم يكنْ في أيام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ولا ما أباحه، وذلك لأنّ الأمر لو كان على هذا لوجبَ أن ينهي عن القراءة الحادثة، والأمر المبتدع، ولا يحمله ما أحدث من القراءة على تحريم المتقدّم بلا شبهة.
وقوله: إن الإمام إذا فعل ذلك، فكأنّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فَعَله تعلّل بالباطل، وكيف يكون كما ادّعى، وهذا الاختلاف بعينه قد كان موجوداً في أيام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فلو كان سبب الانتشار الزيادة في القرآن، وفي قطعه تحصين له، لكان علیه السلام بالنهي عن هذا الاختلاف أوْلى من غيره اللهم إلا أن يقال: حدث اختلاف لم يكن، فقد قُلْنا فيه ما كفى.
1) أخرج نحوه النسائي في الافتتاح، باب: جامع ما جاء في القرآن (940)، وأبو داود في الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف (1477)، وأحمد في أول مسند البصريين، باب: حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة (19912)
وأما قوله: إن عمر قد كان عزم على ذلك فمات دونه، فما سمعناه إلا منه، ولو فعل ذلك أيّ فاعل كان لكان مُنْكَراً.
فأما الاعتذار عن كون إحراق المصاحف لا يكون استخفافاً بالدين، بحمله إياه على تخريب مسجد الضِّرار، فبيْن الأمرين بَونٌ بعيد، لأنّ البنيان إنما يكون مسجداً وبيتاً الله تعالى بنية الباني وقصده، ولولا ذلك لم يكن بعضُ البنيان بأن يكون مسجداً أوْلى من بعض، ولما كان قصد الباني لذلك الموضع غير القُرْبة والعبادة، بل خلافُها وضدّها من الفساد والمكيدة. لم يكن في الحقيقة مسجداً، وإن سمي بذلك مجازاً على ظاهر الأمر، فهذمُه لا حرجَ فيه، وليس كذلك ما بين الدَّفَّتين، لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظّم، الذي يجب صيانته عن البِذلة والاستخفاف، فأيّ نسبة بين الأمرين!
الطعن الثامن: أنه أقدم على عمار بن ياسر بالضّرب، حتى حَدَث به فَتْق، ولهذا صار أحد مَنْ ظاهر المتظّلمين من أهل الأمصار على قتله، وكان يقول: قتلناه كافراً.
قال قاضي القضاة: وقد أجاب شيخُنا أبو علي رحمه الله تعالى عن ذلك، فقال: إنّ ضرب عمار غير ثابت، ولو ثبت أنّه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله لم يجب أن يكون طعناً عليه، لأنّ للإمام تأديبَ مَنْ يستحق التأديب. وممّا يبعد صحة ذلك أنّ عماراً لا يجوز أن يكفِّره، ولما يقعْ منه ما يستوجب به الكفر، لأن الذي يكفّر به الكافر معلوم، ولأنه لو كان قد وقع ذلك لكان غيرُه من الصحابة أوْلى بذلك، ولوجب أن يجتمعوا على خَلْعه، ولوجب أن يكون قتله مباحاً لهم، بل كان يجب أن يقيموا إماماً ليقتله على ما قدمناه. وليس لأحدٍ أن يقول: إنما كفّره عمار من حيث وَثَب على الخلافة، ولم يكن لها أهلاً، لأنّا قد بينّا القولَ في ذلك، ولأنّه كان منصوباً لأبي بكر وعمر على ما تقدّم، وقد بينا أنّ صحة إمامتهما تقتضي صحةَ إمامة عثمان.
وقد روى أن عماراً نازع الحسن بن علي عليهما السلام في أمر عثمان فقال عمار: قتل عثمان كافراً، وقال الحسن علیه السلام: قتل مؤمناً، وتعلّق بعضهما ببعض، فصارا إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فقال: ماذا تريد من ابن أخيك؟ فقال: إني قُلْتُ كذا، وقال كذا، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: أتكفُر بربّ كان يؤمن به عثمان! فسكت عمّار، وقد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن عثمان لما نُقِمَ عليه ضَرْبه عماراً احتجّ لنفسه، فقال: جاءني سعد وعمّار، فأرسلا إليّ أن انتنا، فإنّا نريد أن نذاكرك أشياءَ فعلتَها، فأرسلت إليهما: إني مشغول، فانصرفا، فموعد كما يوم كذا، فانصرف سعد وأبَى عمار أن ينصرف، فأعدت الرسولَ إليه فأبى أن ينصرف، فتناوله بغير أمري ووالله ما أمرتُ به ولا رضيت، وها أنا، فليقتصَّ مني.
قال: وهذا من أنصفِ قول وأعدله.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: أما الدفع لضرب عمار، فهو هذا كالإنكار لطلوع الشمس ظهوراً وانتشاراً، وكلّ من قرأ الأخبار، وتصفّح السِّيرَ، يعلم من الأمر ما لا تثنيه عنه مكابرةٌ ولا مدافعةً، وهذا الفعل - أعني ضربَ عمار - لم تختلف الرواة فيه، وإنما اختلفوا في سببه، فروَى عباس بن هشام الكلبيّ عن أبي مِخْنف، في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سَفَط(1)فيه حُلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حَلّى به بعضَ أهله فأظهر الناسُ الطعنَ عليه في ذلك، وكلّموه فيه بكلّ كلام شديد، حتى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذَنّ حاجتنا من هذا الفيء، وإن رَغِمَتْ به أنوف أقوام! فقال له عليٍّ علیه السلام: إِذَنْ تُمنَعَ من ذلك، ويحالَ بينك وبينه، فقال عمار: أُشهد أن أنفي أوّل راغم من ذلك، فقال عثمان: أعلي يا بن ياسر تجترىء! خذوه، فأخِذ، ودخل عثمان، فدعا به فضربه حتى غُشِي عليه، ثم أخرج فحمل حتى أتِيَ به منزلَ أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضّاً وصلّى، وقال: الحمدُ الله، ليس هذا أول يوم أوذِينا في الله تعالى! فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ - وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم -: يا عثمان، أما عليّ فاتقيتَه، وأما نحن فاجترأت علينا، وضربت أخانا حتى أشْفَيْتَ(2)به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلَنّ به رجلاً من بني أُميّة عظيم الشأن! فقال عثمان: وإنّك لها هنا يا بن القَسْريّة، قال: قإنهما قَسْرِيتان - وكانت أم هشام وجدّته قَسْرِيتَين من بَجيلة - فشتمه عثمان، وأمرَ به فأخرج فأتى به أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها، فإذا هي قد غَضِبت لعمار، وبلغ عائشة رضي الله تعالى عنها ما صَنَع بعمار، فغضبت أيضاً، وأخرجت شَعراً من شعر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ونعلاً من نعاله، وثوباً من ثيابه، وقالت: ما أسرع ما تركتُم سُنّة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبْل بعد!
وروی آخرون أن السببَ في ذلك أنّ عثمان مَرّ بقبرٍ جديد فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن مسعود، فغضب عَلَى عمّار لكتمانه إياه موتَه، إذ كان المتولّي للصلاة عليه، والقيام بشأنه، فعندها وطىء عثمان عَمّاراً حتى أصابه الفَتْق.
وروى آخرون أنّ المقداد وعماراً وطلحة والزبير وعِدّة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كتاباً عدّدوا فيه أحدَاث عثمان، وخَوّفوه به، وأعلموه أنّهم مُواثبوه إن لم يُقْلِع، فأخذ عمار الكتاب، فأتاه به. فقرأ منه صَدْراً، ثم قال له: أعليّ تقدمُ من بينهم فقال: لأنّي أنصحهُم لك!
قال: كذبت يا بن سُمّية! فقال: أنا والله ابن سُميّة، وابن ياسر! فأمر عثمان غِلْماناً له، فمدّوا بيديْه ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه - وهي في الخفيَّن - على مَذاكِيره، فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشِي عليه.
قال: فضرْبُ عمار عَلَى ما ترى غيره مختلف فيه بين الرواة، وإنما اختلفوا في سببه والخبرُ الذي رواه صاحب «المغني»، وحكاه عن أبي الحسين الخياط ما نعرفه، وكتبُ السيرة المعلومة خالية منه ومن نظيره، وقد كان يجب أن يُضِيفه إلى الموضع الذي أخذ منه، فإنّ قوله وقول من أسند إليه ليس بحجة، ولو كان صحيحاً لكان يجب أن يقول بدل قوله: «ها أنا فليتقص مني» - إذا كان ما أمرَ بذلك، ولا رضي عنه، وإنما ضربه الغلام الجاني - فليقتص منه، فإنّه أولى وأعدل.
وبعد، فلا تنافيَ بين الروايتين لو كان ما رواه معروفاً، لأنه يجوز أن يكونَ غلامه ضربه في حال، وضربه هو في حال أخرى، والروايات إذا لم تتعارضْ لم يجز إسقاط شيء منها.
فأما قوله: إن عمّاراً لا يجوز أن يكفّره، ولم يقع منه ما يوجب الكفر، فإنّ تكفِيرَ عمّار وغير عمّار له معروف، وقد جاءت به الروايات، وقد رُوي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أنّ عماراً كان يقول: ثلاثة يشهدون عَلَى عثمان بالكفر وأنا الرابع، وأنا شرّ الأربعة، «وَمَن لَّمْ يحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فأَوَلَهكَ هُمُ الْكَفِرُونَ»(1)، وأنا أشهد أنه قد حَكَم بغير ما أنزل الله.
وروِي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنّه قيل له: بأيّ شيء كفرِّتم عثمان؟ فقال: بثلاث: جَعَل المالَ دُولةً بين الأغنياء، وجَعَل المهاجرين من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مَنْ حارب الله ورسوله، وعَمِل بغير كتاب الله.
ورُوِيَ عن حُذَيفة أنّه كان يقول: ما في عثمان بحمد الله أشُكّ، ولكني أشُكّ في قاتله، لا: أدري أكافر قتل كافراً، أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قَتله، وهو أفضلُ المؤمنين إيماناً! فأمّا ما رَواه من منازعة الحسن علیه السلام عَمّاراً في ذلك، وترافعهما إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فهو أوّلاً غير دافع لكوْن عمار مكفِّراً له، بل شاهد بذلك من قوله علیه السلام. ثم إنْ كان الخبر صحيحاً فالوجهُ فيه أنّ عمّاراً كان يعلم من لَحْن كلام أمير المؤمنين علیه السلام، وعَدوله عن أن يقضيَ بينهما بصريح من القول أنه متمسك بالتقيّة، فأمسك عمار متابعة لغرضه.
فأما قوله: لا يجوز أن يكفِّره من حيث وثب على الخلافة، لأنّه كان مصوِّباً لأبي بكر وعمر لما تقدم من كلامه في ذلك، فإِنا لا نسلم له أن عمّاراً كان مصوّباً لهما، وما تقدّم من كلامه قد تقدّم كلامنا عليه.
1) سورة المائدة، الآية: 440
فأما قوله عن أبي عليّ: إنه لو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله فيه لم يكن طعناً، لأنّ للإمام تأديبَ من يستحق ذلك، فقد كان يجب أن يستوحش صاحب كتاب «المغني» أو من حكى كلامه من أبي عليّ وغيره من أن يعتذِر - من ضرب عمار ووقْذِه حتى لِحقه من الغَشْي ما تَرَك له الصلاة، ووطئه بالأقدام امتهاناً واستخفافاً - بشيء من العذر، فلا عذر يُسمع من إيقاع نهاية المكروه بمن رُوِي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: «عمار جِلْدة ما بين العين والأنف ومتى تُنْكأ الجلدة يَدْمَ الأنف»(1). وروي أنه قال علیه السلام: «ما لهم ولعمار! يدعوهم إلى الجنة ويدعونَه إلى النار»(2). وروى العوّام بن حَوْشب عن سلمة بن كُهَيل عن علقمة عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله»(3)، وأيّ كلام غليظٍ سمعه عثمان من عَمّار يستحق به ذلك المكروه العظيم الذي يجاوز مقدار ما فرضه الله تعالى في الحدود! وإنما كان عمار وغيره أثبتُوا عليه أحدَاثه ومعايبه أحياناً على ما يظهر من سیِّيء أفعاله. وقد كان يجب عليه أحدُ أمرين: إما إن ينزع عَمّا يواقف عليه من الأفعال، أو يبين منْ عذره عنها وبراءته منها ما يظهر ويشتهر، فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه وتفسيقه زجَره عن ذلك بوعْظٍ أو غيره، ولا يُقدم على ما يفعله الجبابرة والأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى وحَكم به.
الطعن التاسع: إقدامه على أبي ذَرّ مع تقدّمه في الإسلام، حتى سيّره إلى الرَّبَذة ونفاه، وقيل: إنه ضَرَبه.
قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك: إنّ شيخنا أبا عليّ رحمه الله تعالى قال: إنّ الناس اختلفُوا في أمر أبي ذَرّ رحمه الله تعالى. ورُوِيَ أنه قيل لأبي ذَرّ: عثمانُ أنزلك الرَّبَذة؟ فقال: لا، بل اخترتُ لنفسِي ذلك.
وروِي أنّ معاوية كتب يشكُوه وهو بالشام، فكتب عثمان إليه أنْ صِرْ إلى المدينة، فلما صار إليها قال: ما أخرجَك إلى الشام؟ قال: لأنّي سمعتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول: «إذا بلغتْ عِمارة المدينة موضعَ كذا فاخرج عنها»(4)، فلذلك خرجتُ، فقال: فأيّ البلاد أحبُّ إليك بعد الشام؟ قال: الرّبَذة، فقال: صِرْ إليها.
1) انظر الغدير: 163/9، وكشف الغمة: 260/1
2) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (32247) بلفظه، ونحوه البخاري في الصلاة، باب: التعاون في بناء المسجد (447)، وأحمد في مسند المكثرين باب: مسند أبي سعيد الخدري (11451)
3) أخرجه أحمد في مسند الشاميين، باب حديث خالد بن الوليد (16373)، وابن حبان في «صحیحه» (7081)، والنسائي في «الكبرى» (8269)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (32252)
4) لم أجده
قال: وإذا تكافاتِ الأخبارُ لم يكن لهم في ذلك حجّة، ولو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن يُخْرجه إلى الرَّبذة لصلاح يرجع إلى الدين، فلا يكون ظُلماً لأبي ذَرّ، بل يكون إشفاقاً عليه، وخوفاً من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه، فقد رُوِيَ أنه كان يُغْلِظ في القول ويخشن الكلام، فيقول: لم يبقَ أصحابُ محمد على ما عَهد، ويُنَغّر(1)بهذا القول، فرأى إخراجه أصلح لما يرجع إليه وإليهم وإلى الدين، وقد رُوي أن عمر أخرَج عن المدينة نصرَ بن الحجاج لما خافَ ناحيته، وقد ندَب الله سبحانه إلى خفض الجناح للمؤمنين، وإلى القول الليّن للكافرين، وبيّن للرسول صلی الله علیه وآله وسلم أنه لو استعمل الفظاظة لانفضُّوا من حوله، فلما رأى عثمانُ من خُشونة كلام أبي ذَرّ، وما كان يُورِده مما يخشَى منه التنغير فَعَل ما فَعَل.
قال: وقد رُوِي عن زيد بن وهب، قال: قلتُ لأبي ذَرّ رحمه الله تعالى، وهو بالرِّبَذة ما: أنزلك هذا المنزل؟ قال: أخبِرُك، أني كنتُ بالشام في أيام معاوية، وقد ذكرت هذه الآية: «وَألَّذِینَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(2)، فقال معاوية: هذه في أهل الكتاب، فقلت: هي فيهم وفينا، فكتب معاوية إلى عثمان في فكتب إليّ أن أقدم عَلَيَّ، فقدمت عليه، فانثَال الناسُ إليَّ كأنهم لم يعرفوني، فشكوت ذلك إلى عثمان، فخيّرني وقال: انزِلْ حيث شئت، فنزلت الرَّبَذَة.
وقد ذكر الشيخُ أبو الحسين الخياط قريباً مما تقدّم، منْ أَنّ إخراج أبي ذَرّ إلى الرَّبذة كان باختياره، وروى في ذلك خبراً، قال: وأقلُّ ما في ذلك أنْ تختلف الأخبار فتطرح، ويُرجع إلى الأمر الأوّل في صحة إمامة عثمان وسلامة أحواله.
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال:
أمّا قول أبي عليّ إنّ الأخبار في سبب خروج أبي ذَرّ إلى الرّبَذَة متكافئة، فمعاذ الله أن تتكافى في ذلك! بل المعروفُ والظاهر أَنَّه نفاه أولاً إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه مِن المدينة إلى الرِّبَذَة. وقد رَوَى جميعُ أهلِ السِّيرَ عَلَى اختلاف طُرقِهم وأسانيدهم أنّ عثمانَ لما أعطى مَرْوان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكَم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم، جعل أبو ذَرّ يقول: بشِّر الكانزين بعذاب أليم، ويتلو قول الله تعالى: «يَكْتِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(3)فَرفع ذلك مَرْوان إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذَرّ نائلاً
مولاه: أن انْتَهِ عَمّا يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعَيْب مَنْ ترك أمر الله! فوالله لأن أُرْضِيَ الله بسخَط عثمان أحبّ إليَّ وخيرٌ لي من أن أسْخِطَ الله برضاه. فأغضب عثمان ذلك وأحفظه فتصابر.
وقال يوماً: أيجوز للإمام أن يأخذَ من المال، فإذا أيْسر قضى؟ فقال كعبُ الأحبار: لا بأس بذلك، فقال له أبو ذَرّ: يا بن اليهوديين، أتعلّمنا ديننا! فقال عثمان: قد كثر أذاك لِي وتولُّعك بأصحابي، الحقّ بالشام. فأخرجه إليها، فكان أبو ذَرّ يُنكِر على معاوية أَشياءَ يفعلها. فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذَرّ: إنْ كانتْ هذه من عطائي الذي حرمتُمُونيه عامي هذا قبلتُها، وإن كانتْ صلةٌ فلا حاجة لي فيها، وردّها عليه.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذَرّ: يا معاوية، إن كانت هذه من مال الله مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهو الإسراف.
وكان أبو ذَرّ رحمه الله تعالى يقول: والله لقد حدثَتْ أعمالٌ ما أعرِفها، والله ما هي في ذَرّ كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لأرَى حقاً يُطْفاً وباطلاً يُحْيا، وصادقاً مكذَّباً، وأثَرَة بغير تُقَى وصالحاً مستأثَراً عليه، فقال حَبيب بن مسلمة الفِهْريّ لمعاوية: إن أبا ذَرّ لَمُفْسِدٌ عليكم الشام، فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه. فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد، فاحمل جُنْدباً إلي على أغلظِ مَرْكب وأوعرِه، فوجّه به مع مَنْ سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قَتَب(1)، حتى قدِم به المدينة، وقد سقط لحمُ فَخِذَيْه من الجَهد، فلما قدم أبو ذرّ المدينة، بعث إليه عثمان أن الحق بأيّ أرضٍ شئت، فقال: بمكة؟، قال: لا، قال: فبيت المقدس؟ قال: لا، قال : فأحدُ المِصْريْن؟ قال: لا، ولكنّي مسيِّرُك إلى الرَّبَدة، فسيَّره إليها، فلم يزل بها حتى مات.
أما وفي رواية الواقديّ أنْ أبا ذَرّ لما دخل على عثمان، قال له: لا أنعَم الله بك عيناً يا جُنَيْدِب! فقال أبو ذَرّ: أنا جُنَيْدِب وَسمّاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبدَ الله، فاخترتُ اسمَ رسول الله الذي سمّاني به على اسمي، فقال عثمان: أنت الذي تزعمُ أنا نقول إن يدَ الله مغلولة، وإن الله فقير ونحن أغنياء! فقال أبو ذَرّ: لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مالَ الله على عباده، ولكني أشهد لسمِعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا بلغ بَنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مالَ الله دولاً، وعبادَ الله خَوَلاً، ودينَ الله دَخَلا»(2)، فقال عثمان لمَنْ حَضَره: أسمعتموها من نبيّ الله؟ فقالوا: ما سمعناه، فقال عثمان: ويلك يا أبا ذَرّا أتكذِب على رسول الله! فقال أبو ذَرّ لِمَنْ
حضر: أما تظنون أني صدقتُ! قالوا: لا والله ما ندري، فقال عثمان ادعُوا لي عليًّا، فدعى، فلما جاء قال عثمان لأبي ذَرّ: اقصُصْ عليه حديثك في بني أبي العاص، فحدّثه، فقال عثمان: لعليّ: هل سمعتَ هذا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟ فقال عليّ علیه السلام: لا، وقد صدق أبو ذَرّ، قال عثمان: بمَ عرفتَ صِدقه؟ قال: لأني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما أظلَّت الخضْراءُ ولا اقلّت الغبراء من ذي لَهجةٍ اصدّق من أبي ذرّ»(1)، فقال جميعُ مَنْ حَضَر من أصحاب النبي صلی الله علیه وآله وسلم: لقد صدق أبو ذرّ، فقال أبو ذرّ: أحدّثُكم أني سمعتُ هذا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثم تتّهمونَني! ما كنت أظنّ أني أعيشُ حتى أسمعَ هذا من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله وسلم!
وروى الواقديّ في خبر آخر بإسناده عن صَهْبان مولى الأسلميين، قال: رأيتُ أبا ذرّ يوم دُخِلَ به على عثمان، فقال له: أنتَ الذي فعلت وفعلت! فقال له أبو ذَرّ: نصحتك فاستغششتَنِي، ونصحتُ صاحبك فاستغشّني، فقال عثمان: كذبت، ولكنك تريد الفتنة وتحبّها، قد أنْغَلْتَ الشام علينا، فقال له أبو ذرّ: اتبغ سُنّة صاحِبَيْك، لا يكن لأحدٍ عليك كلام، قال عثمان: مالك ذلك لا أمّ لك! قال أبو ذَرّ: والله ما وجدتُ لي عذراً إلا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا عَلَيّ في هذا الشيخ الكذاب، إمّا أن أضربَه أو أحبِسه أو أقتله، فإنه قد فرّق جماعَة المسلمين، أو أنفيّه من أرض الإسلام. فتكلّم عليّ علیه السلام - وكان حاضراً - وقال: أشيرُ عليك بما قاله مؤمنُ آل فرعون: «وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبهُ وَإِن يَك له صادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ»(2)، قال: فأجابه عثمان بجوابِ غليظ، لا أحب ذكره، وأجابه علیه السلام بمثله، قال: ثمَّ إن عثمانَ حَظر على النّاس أن يقاعِدُوا أبا ذرّ، أو يكلموه، فمكثَ كذلك أياماً، ثم أمرَ أن يؤتَى به، فلما أتِيَ به وقف بين يديه، قال: ويحَك يا عثمان! أما رأيتَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ورأيت أبا بكر وعمر! هل رأيتَ هذا! هديَهم إنك لَتَبْطِسُ بِي بَطْشَ جبار، فقال: أخرُج عَنا من بلادنا، فقال أبو ذرّ: ما أبغض إليّ جوارك! فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئتَ، قال: فأخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ قال: حيث شئت، قال أبو ذَرّ: فهو إذن التعرّب بعد الهجرة، أأخرُج إلى نجد؟ فقال عثمان: الشرف الأبعد أقصَى فأقْصَى، أمض على وجهك هذا ولا تعدوَنَّ الرّبذة.
فخرج إليها.
وروى الواقديّ عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدولي،
قال: كنتُ أأحبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خُروجه، فنزلت الرَّبذَة، فقلت له: ألا تخبرني؟ أخرجتَ من المدينة طائعاً أم أخرجت مكرَهاً؟ فقال: كنت في ثَغْر من ثغور المسلمين، أغني عنهم، فأخرِجتُ إلى مدينة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فقلت: أصحابي ودارُ هجرتي، فأخرِجت منها إلى ما ترى، ثم قال بينا أنا ذاتَ ليلة نائم في المسجد إذْ مَرَّ بي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فضربني برجله وقال: «لا أراك نائماً في المسجد»، فقلت: بأبي أنت وأمي! غلبتْنِي عيني، فنمتُ فيه، فقال: «كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟» فقلت: إذن الحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، وأرض بقية الإسلام، وأرض الجهاد، فقال: «فكيف تصنع إذا أخرجت منها؟» فقلت: أرجع إلى المسجد، قال: «فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟» قلت: آخذ سيفي فأضرب به، فقال علیه السلام: «أَلا أَدلك على خيرٍ من ذلك، انْسَقْ معهم حيث ساقوك، وتسمَعُ وتطيع»(1)، فسمعت وأَطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقَيَنّ الله عثمان وهو آثم في جَنبي.
وكان يقول بالرَّبذة: ما ترك الحقّ لي صديقاً. وكان يقول: فيها رَدَّنِي عثمان بعد الهجرة أعرابياً.
والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصر وأوسع من أن نذكرها. وما يحمِلُ نفسَه على ادّعاء أن أبا ذرّ خرج مختاراً إلى الرَّبَذة إلا مكابر. ولسنا ننكِر أن يكون ما أورده صاحب كتاب «المغني» من أنه خرج مختاراً قد رُوِيَ، إلا أنه من الشاذّ النادر. وبإزاء هذه الرواية الفَذّة كلّ الروايات التي تتضمّن خلافها، ومن تصفَّح الأخبار علم أنّها غير متكافِئة على ما ظنّ صاحب المغني، وكيف يجوز خروجُه عن اختيار! وإنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص عليه: من خشونة المركب وقُبْح السَّيْر به للموجدة عليه. ثم لما قدِم مُنِع الناس من كلامه، وأغلظ له في القول، وكلّ هذا لا يشبه أن يكون خروجه إلى الرَّبَذة باختياره. وكيف يظنّ عاقل أن أبا ذرّ يختار الرَّبذة منزِلاً مع جَدْبها وقَحْطها وبُعدها عن الخيرات، ولم تكن بمنزِل مثله!.
فأما قوله: إنه أشفَق عليه من أن يناله بعضُ أَهلِ المدينة بمكروه من حيث كان يُغلِظ لهم القول، فليس بشيءٍ، لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضياً بقوله، عاتباً بمثل عتْبه إلاّ أنهم كانوا بين مجاهرٍ بما في نفسه، ومخفٍ ما عنده، وما في أهلِ المدينة إلا من رَثَى لأبي ذر مما حدَث عليه، ومن استفظعه، ومَنْ رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه.
فأما قوله: إن عمر أخرَج من المدينة نصر بن حجاج، فيا بُعْدَ ما بين الأمريْن! وما كنّا نظن أن أحداً يسوِّي بين أبي ذَرّ وهو وَجْهُ الصحابة وعينُهم، ومَنْ أجمع المسلمون على توقِيره
1) أخرج نحوه أحمد في مسند القبائل، باب: من حديث أسماء بن يزيد (27041)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (223/5)
وتعظيمه، وأنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مدَحه من صِدْقِ اللّهجَة بما لم يمدح به أحداً، وبين نصر بن الحجّاج الحَدَث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء بشبابه، ولا حَظِّ له في فَضْلٍ ولا دين! على أنّ عمر قد ذُمّ بإخراجه نَصْر بن الحجاج من غير ذنب كان منه، فإذا كان مَنْ أخرج نصر بن حجاج مذموماً، فكيف مَنْ أخرج أبا ذرّ!
فأما قوله: إنّ الله تعالى والرسول قد نَدَبا إلى خفض الجناح، ولين القول للمؤمن والكافر، فهو كما قال، إلا أنّ هذا أدب كان ينبغي أن يتأدّب به عثمان في أبي ذرّ، ولا يقابله بالتكذيب، وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وآله على صِدْقه، ولا يسمعه مكروهَ الكلام، فإنّما نصح له، وأهدى إليه عيوبَه، وعاتبه على ما لو نزع عنه لكان خَيْراً له في الدنيا والآخرة.
الطعن العاشر: تعطيلُه الحدّ الواجب على عُبَيد الله بن عمر بن الخطاب، فإنه قَتَل الهُرْمُزان مُسْلِماً فلم يَقُذه به، وقد كان أمير المؤمنين علیه السلام يطلُبه لذلك.
قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك: إنّ شيخنا أبا عليّ رحمه الله تعالى قال: إنّه لم يكن للهُرْمزان ولِيّ يطلب بدمه، والإمام وليّ مَنْ لا وليّ له، وللوليّ أن يعفوَ كما له أن يقتُل وقد رُوِيَ أنّه سأل المسلمين أن يعفوا عنه، فأجابوا عنه إلى ذلك.
قال: وإنما أراد عثمانُ بالعفو عنه ما يعودُ إلى عزِّ الدين، لأنه خاف أن يبلغ العدُوَّ قتله، فقال: قَتَلوا إمامهم وقتلوا ولَدَه ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة، وقد قال الشيخ أبو الحسين الخيّاط: إن عامَّة المهاجرين أجمعُوا على أنّه لا يُقاد بالهُرمزان، وقالوا لعثمان هذا دم سُفِك في غير ولايتك، وليس له وليّ يطلب به، وأمْرُهُ إلى الإمام، فاقْبَل منه الديّة، فذلك صلاح للمسلمين.
قال: ولم يثبت أنّ أميرَ المؤمنين علیه السلام كان يطلبُه ليقتلَه بالهُرْمزان، لأنّه لا يجوز قتلُ مَنْ عفا عنه وليّ المقتول، وإنما كان يطلبه ليضعَ من قدره، ويصغِّر من شأنه.
قال: ويجوز أن يكون ما رُوِي عن عليّ علیه السلام من أنه قال: لو كنتُ بَدَل عثمان لقتلته، ذلك أقوَى في الاجتهاد، وأقرب إلى التشدد عفا عنه أنه كان يرى
اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، قال:
أما قوله: لم يكن للهُرْمزان وليّ يطلب بدمه، فالإمام يكون وليّه، وله ان يعقو عنه، كما له أن يقتصّ، فليس بمعتَمد، لأنّ الهرمزان رجلٌ من أهل فارس، ولم يكن له وليّ حاضر يطالب بدمه، وقد كان الواجب أن يبذَل الإنصاف لأوليائه ويؤمنّوا مَتَى حضروا، حتى إنه لو كان
وليّ يريد المطالبة حضر وطالب. ثم لو لم يكن له ولي لم يكنْ عثمان وليَّ دمه لأنه قتل في أيام عمر، فصار عمر وليّ دمه، وقد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم تقم البيّنة العادلة على الهُرْمزان وجُفَينة، أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلامَ المغيرة بن شعبة بقتله، وكانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى، فقال: أيُّكم ولي هذا الأمر فليفعل كذا وكذا مما ذكرناه، فلما مات عُمَر، طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء الوصيّة في عبيد الله عمر، فدافع عن ذلك وعلّلهم، ولو كان هو ولي الدم على ما ذكروا لم يكن له أن يعفوَ وأن يُبطِل حدَّا من حدود الله تعالى، وأيّ شماتة للعدوّ في إقامة حدّ من حدود الله تعالى! وإنما الشماتةُ كلّها من أعداء الإسلام في تعطيل الحدود. وأيّ حَرّجَ في الجمْع بين قَتْل الإمام وابنه، حتّى يقال: كَرِه أن ينتشر الخبرُ بأنّ الإمام وابنَه قُتلا، وإنّما قُتِل أحدُهما ظلماً، والآخر عَدْلاً، أو أحدهما بغير أمرِ الله، والآخر بأمره سبحانه!
وقد روى زياد بن عبد الله البَكائيّ عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أنّ أمير المؤمنين علیه السلام أتى عثمان بعدما استخلف، فكلّمه في عُبيد الله ولم يكلِّمْه أحدٌ غيره، فقال: اقتُلْ هذا الفاسقَ الخبيث الذي قتل أميراً مسلماً، فقال عثمان: قَتَلوا أباه بالأمس، وأقتله اليوم وإنما هو رجلٌ من أهل الأرض، فلما أبى عليه مَرّ عُبيد الله على عليّ علیه السلام، فقال له: إيه يا فساق! أما والله لئن ظفرتُ بك يوماً من الدهر لأضرِبَنّ عنقَك، فلذلك خرج مع معاوية عليه(1).
وروی القنّاد، عن الحسن بن عيسى بن زيد، عن أبيه، أنّ المسلمين لما قال عثمان: إنّي قد عفوتُ عن عبيد الله بن عمر، قالوا: ليس لك أن تَعفوَ عنه، قال: بلى إنه ليس لجُفينة والهُرْمَزان قرابة من أهل الإسلام، وأنا وليّ أمر المسلمين، وأنا أولى بهما، وقد عفوتُ، فقال عليّ علیه السلام: إنه ليس كما تقول، إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصَى المسلمين، إنه قَتَلهما في إمرة غيرك، وقد حَكم الوالي الذي قُتِلا في إمارته بقتله، ولو كان قُتَلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه، فاتق الله، فإنّ الله سائلُك عن هذا! فلما رأى عثمان أنّ المسلمين قد أبوْا إلا قتل عبيد الله، أمره فارتحل إلى الكوفة، وأقطعه بها داراً وأرضاً، وهي التي يقال لها: كُوَيْفة ابن عمر، فعظُم ذلك عند المسلمين وأكبروه، وكثر كلامهم فيه.
وروِيَ عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام أنه قال: أمسى عثمان يَوْمَ ولّي حتى نَقَموا عليه في أمر عبيد الله بن عمر، حيث لم يقتله بالهُرمزان(2).
فأما قوله: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يطلبه ليقتلَه، بل ليضَع من قَدْره، فهو بخلاف ما صرّح به علیه السلام من أنّه إن تمكن ليَضرِبنّ عنقه.
وبعد: فإن ولي الدم إذا عَفَا عنه على ما ادَّعَوْا لم يكن لأحدٍ أن يستخفّ به، ولا يضعَ من قدرهِ كما ليس له أن يقتله.
وأما قوله: إن أمير المؤمنين علیه السلام لا يجوزُ أن يتوعّده مع عفو الإمام عنه، فإنما يكون صحيحاً لو كان ذلك العفو مؤثراً وقد بيّنا أنه غير مؤثر.
وأما قوله: يجوز أن يكون علیه السلام رأى أنّ قتله أقوى في الاجتهاد، وأقربٌ إلى التشدد في دین الله، فلا شكّ أنه كذلك، وهذا بناءً منه على أنّ كلّ مجتهد مصيب، وقد بينا أنّ الأمر بخلاف ذلك وإذا كان اجتهاد أمير المؤمنين علیه السلام يقتضِي قتلَه، فهو الذي لا يسوغُ خلافُه.
الطعن الحادي عشر: وهو إجماليّ، قالوا: وجدنا أحوالَ الصحابة دالَّةً على تصديقهم المطاعِنَ فيه، وبراءتهم منه، والدليل على ذلك أنّهم تركوه بعد قتلِه ثلاثة أيام لم يدفنوه، ولا أنكروا على مَنْ أجلب عليه من أهل الأمصار، بل أسلموه ولم يدفعوا عنه، ولكنهم أعانوا عليه، ولم يمنعوا من حَصْره ولا من مَنْع الماء عنه، ولا من قَتلِه، مع تمكّنهم من خلاف ذلك، وهذا ما أقوى الدَّلائل على ما قلْناه. ولو لم يدلّ على أمره عندهم إلا ما روي عن عليّ علیه السلام أنه قال: الله قتله وأنّه كان في أصحابه علیه السلام مَنْ يصرّح بأنّه قتل عثمان، ومع ذلك لا يُقيدهم بل ولا ينكر عليهم، وكان أهلُ الشام يصرِّحون بأن مع أمير المؤمنين قتلةَ عثمان، ويجعلون ذلك مِنْ أوكد الشّبه، ولا ينكَر ذلك عليهم، مع أنّا نعلم أن أمير المؤمنين علیه السلام لو أراد أن يتعاضد هو وأصحابهُ على المنع عنه لما وقع في عنه لما وقع في حَقّه ما وقع، فصار كَفُّه وكفُّ غيره عن ذلك الدلائل على أنّهم صدّقوا عليه ما نسب إليه من الأحداث، وأنهم لم يقبلوا منه ما جعله عذراً.
وأجاب قاضي القضاة عن هذا، فقال:
أما تركُه بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن عليه فليس بثابت، ولو صحّ لكان طعناً على مَنْ لَزمه القيامُ به، وقد قال شيخنا أبو عَلِيّ رحمه الله تعالى: إنّه لا يمتنع أن يشتغِلوا بإبرام البيعة لأمير المؤمنين علیه السلام خَوْفاً على الإسلام من الفتنة، فيؤخروا دفنه.
قال: وبعيدٌ مع حضورِ قريش وقبائل العرب وسائر بني أمية ومواليهم أن يُترَك عثمان ولا يُدفَن هذه المدة، وبعيدٌ أن يكونَ أمير المؤمنين علیه السلام لا يتقدّم بدفنه، ولو مات في جواره يهوديّ أو نصرانيّ ولم يكن له مَنْ يواريه ما تركه أمير المؤمنين ألاّ يدفن، فكيف يجوز مثل ذلك في عُثْمان، وقد رُويَ أنه دفن في تلك الليلة، وهذا هو الأولى.
فأمّا التعلّق بأنّ الصحابة لم تنكر على القوم، ولا دفعتْ عنه، فقد سبق القول في ذلك، والصحيح عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه تبرّأ من قَتْل عثمان، ولَعَن قتلته في البرّ والبحر والسهل
وإنما كان يجري من جيشه هذا القول منه على جهة المجاز، لأنّا نعلمُ أنّ جميعَ مَنْ ول: نحن قتلناه لم يقتُلْه، لأن في الخبر أنّ العدد الكثير كانوا يصرِّحُون بذلك، والذين عليه وقتلوه اثنان أو ثلاثة، وإنما كانوا يقصدون بهذا القول، أي أحسبوا أنّا قتلناه فما وذلك أنّ الإمام هو الذي يقول بأمر القَوَد، وليس للخارج عليه أنْ يطالب بذلك، ولم أمير المؤمنين علیه السلام أن يقتُلَ قَتَلَتَه لو عَرَفهم ببينّة أو إقرار، وميَّزهم من غيرهم إلا عندَ ولّي الدم، والذين كانوا أولياء الدّم لم يكونوا يطالبونه، ولا كانتْ صفتهم صفة مَنْ لأنهم كانوا كلّهم أو بعضهم يدّعون أنّ علياً علیه السلام ليس بإمام، ولا يحلّ لوليّ الدم مع عتقاد أنّ يطالب القَوَد، فلذلك لم يقتلهم علیه السلام، هذا لو صحّ أنه كان يميزهم، فكيف غير صحيح.
ما ما رُوي عنه من قوله علیه السلام: «قتله الله وأنا معه» فإنْ صحّ فمعناه مستقيم، يريد أنّ الله سيُميتني وسائر العباد.
قال سائلاً نفسه: كيف يقول ذلك وعثمان ماتَ مقتولاً من جهة المكلّفين! وأجاب بأنه، فالإماتة من قِبَل الله تعالى. ويجوز أنْ يكون ما ناله من الجراح لا يوجِبُ انتفاء الحياة لة، فإذا مات صحّت الإماتة على طريق الحقيقة.
رض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال:
تضعيفُه أن يكونَ عثمانُ تُرِك بعد القَتْل ثلاثة أيام لم يُدفن، فليس بحجة، لأنّ ذلك قد ماعةُ الرواة، وليس يخالف في مثله أحدٌ يعرف بالرواية، وقد ذكر ذلك الواقديّ وغيره، نّ أهل المدينة مَنَعُوا الصلاة عليه، حتى حُمِل بين المغرب والعَتمة، ولم يشهد جَنازته ان وثلاثة من مواليه، ولما أحسُّوا بذلك رَمَوْهُ بالحجارة وذكروه بأسوأ الذِّكْر، ولم يقع من دفنه إلا بعد أن أنكر أمير المؤمنين علیه السلام و المنع من دفْنَه، وأمر أهله بتولّي ذلك منه.
قوله: إنّ ذلك إن صحّ كان طعناً على مَنْ لزمه القيامُ بأمره، فليس الأمرُ على ما ظنه، طعناً على عثمان من حيث لا يجوز أن يمنَع أهل المدينة - وفيها وجوهُ الصحابة - من صلاة عليه إلا لاعتقادٍ قبيح أو لأنّ أكثرَهم وجُمهورهم يعتقد ذلك، وهذا طعن لا به، واستبعاد صاحب «المغني» لذلك، ظهور الرواية به لا يلتفت إليه، فأما أميرُ المؤمنین علیه السلام واستبعاد صاحب «المغني» منه ألاَّ يتقدم بدفنه، فقد بيَّنا أنّه تقدم بذلك بعد ومراوضة. وأعجب من كلِّ شيء قولُ صاحب «المغني»: إنهم أَخَرُوا دفنه تشاغلاً المؤمنين علیه السلام، وأي شُغْل في البيعة لأمير المؤمنين يمنع من دَفْنه، والدفُن فرضٌ
على الكفاية، لو قام به البعضُ وتشاغل الباقون بالبيْعة لجاز! وليس الدّفْنُ ولا البيعة أيضاً مفتقرة إلى تشاغل جميع أهل المدينة بها.
فأما قوله: إنّه قد رُوِيَ أنّ عثمان دُفِن تلك الليلة، فما تُعرَفُ هذه الرواية، وقد كان يجب أن يُسندها وَيُعزُوَها إلى راويها، أو الكتاب الذي أخذها منه، فالذي ظَهر في الرواية هو ما ذكرناه.
فأمّا إحالته على ما تقدّم في معنى الإنكارِ من الصّحابة على القوم المجْلِبين على عثمان فقد سبق القول ذلك.
فأما روايته عن أمير المؤمنين علیه السلام تبرؤه من قَتْل عثمان، ولعنَه قتَلتَه في البَرّ والبحر، والسهل والجبل، فلا شكّ في أنّه علیه السلام كان بريئاً من قَتله، وقد روى عنه علیه السلام أنه قال: والله ما قتلتُ عثمان، ولا مالات في قتله، والممالأة هي المعاونة والموازرة، وقد صدق علیه السلام أنّه ما قَتلَ ولا وَازر على القتل.
فأما لعنُه قَتَلته فضعيف في الرواية، وإن كان قد رُوِي فأظهر منه ما رواه الواقديّ، عن الحكَم بن الصَّلْت، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، قال: رأيتُ عليًّا علیه السلام على مِنبر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حِينَ قُتِل، وهو يقول: ما أحببتُ قتله ولا كرهتُه، ولا أمرت به، ولا نهيْت عنه.
وقد روي محمد بن سعد، عن عَفّان بن جرير بن بشير، عن أبي جَلْدة، أنّه سمع عليًّا علیه السلام يقول وهو يخطب، فذكر عثمان، وقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما قتلتُه ولا مالاتُ على قتله ولا ساءَني.
وروى ابن بشير، عن عُبيدة السلماني، قال: سمعت عليًّا علیه السلام يقول: مَنْ كان سائلي عن دم عثمان، فإنّ الله قَتَله وأنا معه. وقد رُوِيَ هذا اللفظ من طرق كثيرة.
وقد روى شعبة عن أبي حمزة الضّبعي، قال: قلتُ لابن عباس: إنّ أبي أخبرني أنه عليًّا، يقول: ألَا مَنْ كان سائلي عن دم عثمان، فإنّ الله قتله وأنا معه - فقال: صدق أبوك، هل تَدري ما معنى قوله! إنما عَنّى: الله قتله وأنا مع الله.
قال: فإن قيل: كيف يصحّ الجمع بين معاني هذه الأخبار؟
قلنا: لا تنافيَ بينها؛ لأنه علیه السلام تبرأ من مباشرة قتله والمؤازرة عليه، ثم قال: ما أمرتُ بذلك ولا نهيتُ عنه، يريد أنّ قاتِليه لم يرجِعُوا إليّ، ولم يكن منِّي قول في ذلك بأمرٍ ولا نهي. فأما قوله: «الله قتله وأنا معه»، فيجوز أن يكون المراد به: الله حَكَم بقتله وأوجبه وأنا كذلك، لأنّ من المعلوم أن الله تعالى لم يقتله على الحقيقة، فإضافة القتل إليه لا تكون إلا بمعنى الْحُكْمِ والرِّضا، وليس يمتنع أن يكونَ مِمّا حكم الله تعالى به ما لم يتولّه بنفسه، ولا آزر عليه، ولا شايع فيه.
فإن قال قائل: هذا ينافي ما رُوِي عنه من قوله: «ما أحببت قتلَه، ولا كرهتُه»، وكيف يكون مِنْ حُكْم الله وحكمه أن يُقتل وهو لا يحبّ قتله!
قلنا: يجوز أن يريد بقوله: «ما أحببت قتله ولا كرهته» أنّ ذلك لم يكن مني على سبيل التفصيل، ولا خطر لي ببال وإن كان على سبيل الجُملة يجبّ قتل مَنْ غلب المسلمين على أمورهم، وطالبوه بأن يعتزل؛ لأنه مسْتَوْلٍ عليهمْ بغير حقّ فامتنع من ذلك، ويكون فائدة هذا الكلام التّبرؤ من مباشرة قتله، والأمر به على سبيل التفصيل أو النهي عنه. ويجوز أنْ يريد أنّني ما أحببتُ قتله إن كانوا تعمّدوا القتل، ولم يقع على سبيل الممانعة وهو غير مقصود. ويريد قوله: «ما كرهتُه» أنّي لم أكرهه على كل حال، ومن كلّ وجه.
فأما لعنه قتَلتَه فقد بيَّنا أنّه ليس بظاهر ظهور ما ذكرناه، وإن صَحّ فهو مشروط بوقوع القتل على الوجه بَشير التُّجِيبيّ، وسودان بن حمران المراديّ، وما منهما من كان غرضه صحيحاً في لقتل، ولا له أن يقدم عليه، فهو ملعون به. فأما محمد بن أبي بكر فما تولى قتله، وإنما روي نه لما جثا بين يديه قابضاً على لحيته قال له: يا بن أخي، دَعْ لحيتي، فإن أباك لو كان حيًّا لم مني هذا المقْعد، فقال محمد: إن أبي لو كان حيًّا ثم يراك تفعل ما تفعل لأنكره عليك وجاه بجماعة قِدَاح كانت في يده فحَزّت في جِلْده ولم تَقْطَع، وبادره مَنْ ذكرناه في قتله بما نان فيه قتلُه.
فأما تأويله قول أمير المؤمنين علیه السلام: «قتلَه الله وأنا معه»، على أنّ المراد به، والله أماته رسَيُميتني فبعيد من الصواب، لأن لفظة «أنا» لا تكونُ كناية عن المفعول، وإنما تكون كناية عن لفاعل، ولو أراد ما ذكره لكان يقول: «وإياي معه»، وليس له أن يقول: إنّنا نجعل قوله: «وأنا سعه» مبتدأ محذوف الخبر، ويكون تقدير الكلام: «وأنا معه مقتول»، وذلك لأنّ هذا ترك لمظاهر وإحالة على ما ليس فيه، والكلام إذا أمكن حملُه على معنى يستقلّ ظاهرُه به من غير قدير وحذف كان أوْلى مما يتعلق بمحذوف، على أنّهم إذا جَعَلوه مبتدأ وقدَّروا خُبراً لم يكونوا انْ يقدِّروا ما يوافق مذهبَهم بأوْلى من تقدير خلافه، ويجعل بدلاً من لفظة «المقتول» المحذوفة فظة «مُعين» أو «ظهير». وإذا تكافأ القولان في التقدير وتعارضا سَقَطا، ووجب الرجوع إلى ظاهر الخبر، على أنّ عثمان مضى مقتولاً، فكيف يقال: إن الله تعالى أماتَه، والقتل كافٍ في نتفاء الحياة، وليس يحتاج معه إلى نافٍ للحياة يسمى موتاً.
وقول صاحب «المغني»: يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة، ليس شيءٍ، لأنّ المروي أنه ضُرِب على رأسه بعمود عظيم من حديد، وأنّ أحدَ قتلته قال: جلست على صدره فوجأته تسع طعنات، علمت أنه مات في ثلاث، ووجأته السِّتّ الأخَر لما كان في نسي عليه من الحَنَق.
وبعد: فإذا كان جائزاً، فمن أين عَلِمَه أمير المؤمنين علیه السلام حتى يقول: إن الله أماته؟ وإنّ الحياة لم تَنْتفِ بما فعله القاتلون، وإنما انتفت بشيء زاد على فعلهم من قِبَل الله تعالى مِمّا لا يعلمه على سبيل التفصيل إلاّ علاَّمُ الغُيوب سبحانه.
والجوابُ عن هذه المطاعن على وجهين، إجمالاً وتفصيلاً:
أما الوجه الإجماليّ، فهو أننا لا نُنْكر أنّ عثمان أحداثاً أنكرَها كثيرٌ من المسلمين، ولكنّا ندعي مع ذلك أنّها لم تبلغْ درجة الفِسْق، ولا أحبَطَتْ ثوابَه وأنّها من الصغائر التي وقعت مكفَّرة، وذلك لأنا قد علمنا أنه مغفور له، وأنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه:
أحدُها: أنّه من أهل بَدْر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ الله ألّمع على أهل بَدْر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»(1)، ولا يقال: إن عثمانَ لم يشهد بذراً، لأنا نقول: صدقتم، إنه لم يشهدها، ولكنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالمدينة لمرضها، وضرب له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بسهمه وأجْره باتفاق سائر الناس.
وثانيها: أنه من أهل بَيْعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم: «لَقَدْ رَضى اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(2). ولا يقال: إنه لم يشهد البَيْعة تحت الشجرة، لأنّا نقول: صدقتم، إنه لم يشهدها، ولكنه كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أرسَله إلى أهل مكة، ولأجله كانت بيعةُ الرضوان، حيث أرْجِفَ بأن قريشاً قتلتْ عثمان، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إن كانوا قَتَلُوه، لأضر مَنّها عليهم ناراً»(3)، ثم جلس تحت الشجرة، وبايع الناسَ على الموت، ثم قال: «إن كان عثمان حياً فأنا أبايع عنه»(4)، فصفح بشماله على يمينه، وقال: «شمالي خير من يمين عثمان روى ذلك جميعُ أرباب أهل السيرة متفقاً عليه.
وثالثها: أنه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنهم من أهل الجَنّة.
وإذا كانت الوجوهُ الثلاثة دالةً على أنه مغفور له، وأن الله تعالى قد رَضِيَ عنه، وهو من أهل الجنّة، بطل أن يكونَ فاسقاً، لأن الفاسق يخرُج عندنا من الإيمان، ويُحْبَط ثوابه، ويُحكم له بالنار ولا يُغفر له، ولا يُرضَى عنه، ولا يَرَى الجنة ولا يدخلها، فاقتضت هذه الوجوه
الصحيحة الثابتة أنْ يُحْكُم بأنّ كلّ ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفَّرة، توفيقاً بين هذه الوجوه، وبين روايات الأحداث المذكورة.
وأما الوجه التفصيليّ فهو مذكور في كتب أصحابنا المطوّلة في الإمامة، فلْيُطْلَبْ من مَظانّه، فإنهم قد استقصَوْا في الجواب عن هذه المطاعن استقصاءٌ لا مزيد عليه.
فأما خبر جرير بن عبد الله البَجَلِيّ، وبعث أمير المؤمنين علیه السلام إياه إلى معاوية، فنحن نذكره نقلاً من «کتاب صِفّين» لنصر بن مُزاحم بن بَشّار المِنْقريّ، ونذكر حالَ أمير المؤمنين علیه السلام منذ قَدِم الكوفة بعد وقعة الجمل، ومراسلته معاوية وغيره، ومراسلة معاوية له ولغيره، وما كان من ذلك في مبدأ حالتهما إلى أن سار عليٌّ علیه السلام إلى صفين.
قال نصر: حدّثني محمد بن عُبيد الله عن الجرجانيّ، قال: لما قَدِم عليّ علیه السلام الكوفة بعد انقضاء أمْرِ الجمل، كاتَب العمّال، فكتب إلى جرير بن عبد الله البَجليّ مع زَحْر بن قيس الجُعْفِيّ - وكان جرير عاملاً لعثمان على ثغر هَمَذان -:
أما بعد، ف«إنَّ اللهَ لَا يُفيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُفَرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُم وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ»(1). وإني أخبِرك عن نبإِ مَنْ سرنا إليه من جُموع طلحة والزبير، عند نكْثِهم بيعتي، وما صنعوا بعاملي عثمان بن حُنَيْف. إنّي نهضت من المدينة بالمهاجرين والأنصار، حتى إذا كنت بالعُذَيْب بعثتُ إلى أهل الكوفة الحسنَ بن عليّ، وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر، وقيس بن عبادة، فاستنفرتُهم فأجابوا، فسِرْت بهم حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء وأقَلْتُ العَثْرة، وناشدتهم عَهْدَ بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنتُ الله عليهم، فقتل مَنْ قتل، وولّوا مدبرين إلى مصرهم، وسألوني ما كنتُ دعوتهم إليه قبل اللقاء، فقبِلت العافية، ورفعتُ السيف، واستعملت عليهم عبدَ الله بن العباس، وسرتُ إلى الكُوفة، وقد بعثت إليك زَحْر بن قيس، فاسأله عَمّا بدا لك. والسلام.
قال: فلما قرأ جريرٌ الكتاب، قام فقال: أيها الناس، هذا كتاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وهو المأمون على الدِّين والدنيا، وقد كان من أمْرِه وأمر عدوّه ما نَحْمَدُ الله عليه، وقد بايعه الناس الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ولو جُعِل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقَّهم بها. أَلا وإنّ البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وإن علياً حاملُكم على الحق ما استقمتم، فإنْ ملتم أقام ميْلَكم. فقال الناس: سمعاً وطاعة، رضينا رضينا.
1) سورة الرعد، الآية: 11
فكتب جرير إلى عليّ علیه السلام جواب كتابه بالطاعة.
قال نصر: كان مع عليّ رجل من طيء، ابن أخت لجرير، فحمّل زحر بن قيس شعراً له إلى خاله جرير، وهو:
جَريرَ بن عبدِ الله لا ترددِ الهدَى *** وبايع عليَّا إنني لك ناصِحُ
فإنّ عليَّا خيرُ مَنْ وطِيءَ الحَصا *** سوى أحمدٍ، والموت غادٍ ورائحُ
وَدَعْ عنك قولَ النّاكثين فإنما *** أولاك - أبا عَمْروٍ - کلابٌ نوابح
وبايعْ إذا بايعتَه بنصيحةٍ *** وَلَا يَكُ مِنْها في ضَمِيرك قَادِحُ
فإنك إنْ تطلُبْ بها الدين تُعْطَهُ *** وإن تطلب الدنيا فإنك رابحُ
وإن قلتَ عثمان بن عفان حَقُّه *** عليّ عظيمٌ والشَّكُورُ مُناصِحُ
فحقُّ عليِّ إذ وَلِيكَ كَحَقِّهِ *** وشكرك ما أوليتَ في النَّاسِ صَالِحُ
وإن قلت لا أرضى عليَّا إمَامَنا *** فدعْ عنك بحراً ضلَّ فيه السوابحُ
أبى الله إلا أنهُ خيرُ دَهْره *** وأفضل مَنْ ضُمَتْ عَلَيْهِ الأباطحُ
قال نصر: ثم إن جريراً قام في أهل هَمَذان خطيباً، فقال: الحمد الله الذي اختار لنفسه الحمد، وتولّاء دون خَلْقه، لا شرِيكَ له في الحمد، ولا نظير له في المجْد، ولا إله إلا الله وَحْدَه، الدائم القائم، إله السماء والأرض، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالنور الواضح، والحق الناطق، داعياً إلى الخير، وقائداً إلى الهُدَى، ثم قال: أيّها الناس، إنّ علياً قد كتبَ إليكم كتاباً لا يقال بعده إلا رجيعٌ من القول، ولكنّ لا بدّ من ردّ الكلام. إن الناس بايعوا علياً بالمدينة عَنْ غير محاباة له ببيْعتهم، لعلمه بكتاب الله وسنن الحق، وإنّ طلحة والزُّبير نقضا بيعتَه على غيرِ محاباة حدثتْ، وألّبا عليه الناس، ثم لم يرضيَا حتى نَصَبا له الحرب، وأخرجا أمَّ المؤمنين فلقيَهما فاعذر في الدعاء، وأحسن في البقيّة، وحَمَل الناس على ما يعرفون، فهذا عِيان ما غاب عنكم، وإن سألتم الزيادة زدناكم، ولا قوة إلا بالله، ثم قال:
أَتَانَا كِتَابُ عَليَّ فَلَمْ *** نَرُدَّ الكتاب بأرْضِ الْعَجَمْ
وَلَمْ نَعْصِ مَا فِيهِ لَمّا أَتى *** وَلَما نُذَمَّ وَلَمّا نُلَمْ
وَنَحْنُ ولاةٌ على ثَغْرِنَا *** نَضِيمُ العزيزَ ونَحْمِي الذَّمَمُ
نُسَّاقِيهِمُ الموتَ عِنْد اللقاء *** بكأسِ المنايا ونَشْفِي القَرَمُ(1)
فصلّى الإلهُ على أحمدٍ *** رسول المليك تمام النِّعَمْ
1) القرم: شدة شهوة اللحم. اللسان، مادة (قرم)
رسول المليك ومِن بعده *** خليفتنا القائم المدَّعَمْ
عَلِيّا عنيْتُ وصيَّ النبيِّ *** نُجالدُ عنه غُواةَ الأمَمْ
له الفَضْلُ والسَّبْقُ والمكرُماتُ *** وييت النبوَّة لا يُهْتَضَمْ
قال نصر: فسرّ الناسُ بخطبة جرير وشعره.
وقال ابن الأزور القَسْرِيّ في جرير يمدحه بذلك:
لَعَمْرُ أبيكَ والأنباء تَنْمِي *** لَقَدْ جَلَّى بخطبتِهِ جَرِيرٌ
وَقَالَ مقالةً جَدَعَتْ رِجَالاً *** من الحيَّيْنِ خطبهمُ كَبيرُ
يدا بك قبل أمته عليٌّ *** ومُخُّكَ إِنْ رَدَدْتَ الحقّ رِيرُ(1)
أتاك بأمْرِه زِحْر بن قَيْس *** وزَحْرٌ بالتي حَدَثَتْ خَبِیرُ
فكنتَ لما أتاك به سميعاً *** وكدت إليه من فَرَحٍ تطيرُ
فأنت بما سعدتَ به وليّ *** وأنت لما تُعدّ له نَصِيرُ
وأحرزتَ الثَّواب ورُبَّ حادٍ *** حَدًا بالركب ليس له بعيرُ
قال نصر: وكتَب عليّ علیه السلام إلى الأشعث - وكان عامل عثمان على أذرَبيجَان - يدعُوه إلى البَيْعة والطاعة، وكتَب جرير بن عبد الله البجليّ إلى الأشعث، يحضّه على طاعة أمير المؤمنين علیه السلام، وقبولِ كتابه: أما بَعْد، فإني أتَتْني بَيْعة عليّ، فقبلتها ولم أجِدْ إلى دفعها سبيلاً، لأني نظرتُ فيما غابَ عَنِّي من أمر عثمان، فلم أجدْه يلزمني، وقد شهد المهاجرون والأنصار فكان أوفقُ أمرهم فيه الوقوف، فاقْبَلْ بيعَته، فإنك لا تنقلِب إلى خير منه، واعلم أن بيعةَ عليّ خيرٌ من مَصارع أهل البصرة. والسلام.
قال نصر: فقبل الأشعثُ البيعة، وسمِع وأطاع، وأقبل جريرٌ سائراً من تَغْرِ هَمَذان حتى وَرَد عليٍّ علیه السلام والكوفة فبايعه، ودخل فيما دخل فيه الناس من طاعته ولزوم أمره.
قال نصر: فلما أرادَ عليّ علیه السلام أن يبعث إلى معاوية رسولاً، قال له جرير: ابعثني يا أمير المؤمنين إليه، فإنه لم يَزَلْ لي مُسْتخِصًّا ووُدًّا، آتيه فأدعوه على أنْ يسلّم لك هذا الأمر، ويجامعك على الحق، على أن يكون أميراً من أمرائك، وعاملاً من عُمّالك، ما عمل بطاعة
1) الرير: الذائب من المخ. القاموس، مادة (رير)
الله، واتبع ما في كتاب الله، وادعُوا أهلَ الشام إلى طاعتك وولايتك، فجلّهم قومي وأهلُ بلادي، وقد رجوت الاّ يعصوني.
فقال له الأشتر: لا تبعثّه ولا تصدِّقه، فوالله إني لأظنّ هواهُ هواهم، ونيّته نيتهم.
فقال له عليّ علیه السلام: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا فبعثه علي علیه السلام، وقال له علیه السلام حين أراد أن يبعثه: إن حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الرأي والدِّين مَنْ قد رأيت، وقد اخترتُك عليهم لقولِ رسول الله فيك: «إنّك من خير ذي يَمَن»(1)، انت معاوية بكتابي، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا فانْبِذْ إليه وأعلِمه أني لا أرضى به أميراً، وأنّ العامّة لا ترضى به خليفة.
فانطلق جرير حتى أتى الشامَ، ونزل بمعاوية، فلما دخل عليه حَمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعد يا معاوية، فإنه قد اجتمع لابن عَمّك أهلُ الحرَمين، وأهلُ المِصْرين، وأهلُ الحجاز، وأهل اليمن، وأهل مِصْر، وأهل العَروض - والعَروض عُمَان - وأهلُ البحرين واليمامة، فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها، لو سال عليها سيل من أوديته غَرّقَها، وقد أتيتُك أدعوك إلى ما يرشدُك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل. ودفع إليه كتابَ علي علیه السلام، وفيه:
أبما بعدُ، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتْك وأنت بالشام؛ لأنّه بايعني القومُ الذي بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بُويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يَرُدّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، إذا اجتمعوا عَلَى رجل فسمَّوْه إمامًا، وكان ذلك الله رضاً، فإن خرج من أمرهم خارج بطعْنٍ أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبَى قاتلوه على اتّباع سبيل المؤمنين، وولاء الله ما تولّى، ويُصلِيه جهنّم وساءت مصيراً. وإنّ طلحةَ والزبير بَايعاني ثم نقضا بيْعتي، فكان نقضُهما كرِدّتهما، فجاهدتهما على ذلك، حتى جاء الحقّ، وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخُلْ فيما دخل فيه المسلمون، فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية، إلا أن تتعرّض للبلاء، فإن تعرّضت له قاتلتُك، واستعنت بالله عليك.
وقد أكثرتَ في قَتَلةِ عثمان، فادخُل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكِم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله، فأمّا تلك التي تُريدها فخُدْعة الصبيّ عن اللبن. ولَعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدّني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنّك من الطُّلَقاء الذين لا يحلّ لهم الخلافة، ولا تعرّض فيهم الشورى. وقد أرسلتُ إليك وإلى من قِبَلك جرير بن عبد الله البَجَليّ وهو من أهل الإيمان والهِجْرة، فبايع، ولا قوة إلا بالله.
1) أخرجه أحمد في أول مسند الكوفيين، باب: ومن حديث جرير بن عبد الله (18698)، والحاكم في «المستدرك» (1053)، والبيهقي في السنن الكبرى (5634)، والنسائي في «الكبرى» (8302)
فلما قرأ الكتاب، قام جرير فخطب، فقال:
الحمد لله المحمود بالعوائد، والمأمول منه الزوائد، المرتجَى منه الثواب المستعان على النوائب، أحمَده وأستعينُه في الأمور التي تحيّرُ دونها الألباب، وتضمحلّ عندها الأسباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلّ شيء هالك إلا وجهه، له الحُكم وإليه تُرْجعون. وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسلَه بعد فَتْرَةٍ من الرّسل الماضية، والقرون الخالية، والأبدان البالية، والجبلّة الطاغية فبلّغ الرسالة، ونصَح للأمة، وأدّى الحق الذي استودعه الله، وأمره بأدائه إلى أمته صلی الله علیه وآله وسلم، من رسول ومبتَعث ومنتجَب.
أيّها الناس، إنّ أمرَ عثمان قد أعيا مَنْ شهده، فكيف بمن غاب عنه! وإنّ الناس بايعوا عليًّا غير واترٍ ولا موتور، وكان طلحة والزبير مِمّن بايعاه ثم نكثا بيعتُه على غير حَدَث، ألا وإنّ هذا الدين لا يحتمل الفِتَن، ألا وإن العرب لا تحتمل الفتن، وقد كانتْ بالبصرة أمس روعة ملحمة إن يَشْفَع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس. وقد بايعت الأمة عليًّا، ولو مُلّكنا واللهِ الأمور، لم نختر لها غَيْره ومن خالف هذا استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس.
فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا قول لو جاز لم يقمّ الله دين، وكان لكل امرىءٍ ما في يديه، ولكنّ الله جعل للآخر من الولاة حَقّ الأول، وجعل الأمور موطأ ينسَخُ بعضُه بعضاً. ثم قعد.
قال نصر: فقال معاوية: انظر وتنظر واستطلع رأيَ أهل الشام.
فمضت أيام، وأمر معاوية منادياً ينادي: الصلاة جامعة! فلما اجتمع الناسُ صَعِد المنبر، ثم قال:
الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركاناً، والشرائع للإيمان برهاناً، يتوقّد قَبَسُه في الأرض المقدّسة، جعلها الله محلّ الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلّهم أرض الشام ورضِيَهم لها، ورضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه مِنْ طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه، والقُوام بأمره، والذّابِّين عن دينه وحُرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاماً، وفي سبيل الخيرات أعلاماً، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم أُلْفة المؤمنين، والله نستعين على ما تشعّب من أمر المسلمين بعد الالتئام، وتباعد بعد القرب. اللهم انصرْنا على أقوام يوقظون نائمَنا، ويُخيفون آمننا ويريدُون إراقة دمائنا، وإخافة سُبُلنا. وقد علم الله أنا لا نريد لهم عِقاباً، ولا نهتك لهم حجاباً، ولا نوطئهم زلقَا، غير أن الله الحميد كَسَانا من الكرامة ثَوْباً لن ننزعه طَوْعاً ما جاوَب الصَّدَى، وسقَط الندى، وعرِف الهدَى حملهم على ذلك البغيُ والحسد، فنستعين بالله عليهم.
أيها الناس، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم، وأني لم أقم رجلاً منكم على خَزاية قطّ، وأنّي وليّ عثمان، وقد قتل مظلوماً، والله تعالى يقول: «وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا»(1)، وأنا أحبُّ أن تُعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان.
فقام أهل الشام بأجمعهم، فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك، وأوثقوا له على أن يبذُلوا بين يديْه أموالهم وأنفسهم، حتى يدركوا بثاره أو تلتحق أرواحهم بالله.
قال نصر: فلما أمسى معاوية اغتمّ بما هو فيه، وجَنه الليل وعنده أهل بيته، فقال:
تَطَاوَلَ لَيْلِي واعْتَرَتْنِي وَسَاوِسِي *** لِآتِ أتى بالتُّرَّهاتِ الْبَسَابِسِ(2)
أتاني جريرٌ والحوادث جَمْةٌ *** بتلك التي فيها اجتداعُ المعاطسِ
أكايدُه والسيف بيني وبينَه *** ولست لأثوابِ الدنيء بَلابِسِ
إنِ الشّامُ أعطتْ طاعةً يمنّيةً *** تواصَفَهَا أَشْيَاخُها في المُجَالِسِ
فإنْ يَفْعَلُوا أصْدِم عليَّا بجبْهَةٍ *** تفتُّ عليه كلّ رطب ویابس
وإني لأرجو خير ما نال نائلٌ *** وما أنا مِنْ مُلكِ العراق بآيس
قلت: الجبهة هاهنا: الخيل، ومنه قول النبي الله صلی الله علیه وآله وسلم: «ليس في الجبْهة صَدَقة»(3)، أي زكاة.
قال نصر: فاستحثَّه جرير بالبَيْعة، فقال: يا جرير، إنها ليست بِخلْسة، وإنه أمر له ما بعده، فأبلِعْني ريقي حتى أنظر، ودعا ثقاتِه، فأشار عليه أخوه بعمرو بن العاص، وقال له: إنه مَنْ قد عرفتَ، وقد اعتزل عثمانَ في حياته، وهو لأمرِك أشدّ اعتزالاً إلا أن يثمّن له دينُه.
وقد ذكرنا فيما تقدّم خبر استدعائه عمراً، وما شرَطَ له من ولاية مصر، واستقدمِه شُرَحبيل بن السِّمط رئيس اليمنيّة وشيخها والمقدّم عليها، وتدسيس الرجال إليه يُغرونه بعليّ علیه السلام، ويشهدون عنده أنّه قتل عثمان، حتى ملؤوا صدرَه وقلبه حقْداً وَتِرَة وإحْنة عَلَى عليّ علیه السلام وأصحابه بما لا حاجة إلى إعادته.
قال نصر: فحدّثني محمد بن عُبيد الله عن الجرجانيّ، قال:
جاء شُرَحْيِيل إلى حُصَين بن نُمير، فقال: ابعث إلى جرير فليأتنا، فبعث حُصين بن نمير إلى جرير: أن زُرْنا فعندنا شُرحبيل، فاجتمعا عند حصين، فتكلّم شرحبيل، فقال: يا جرير أتيتنا أمل ملفّفٍ لِتُلْقِينَا في لَهَوَات الأسد، وأردتَ أن تَخلِطَ الشام بالعراق، وأطْريت عليًّا، وهو ناتل عثمان، والله سائِلك عَمَّا قلت يوم القيامة.
فأقبل عليه جريرٌ وقال: يا شُرَحبيل، أما قولك: إني جئت بأمر ملفّفٍ، فكيف يكون ملفّفاً قد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار، وقوتل على رَدّه طلحة والزبير!
وأمّا قولك: إني أُلقِيك في لَهَوات الأسْد، ففي لَهَواتِها ألقيتَ نفسك.
وأمّا خلطُ أهلِ الشام بأهلِ العراق، فخلطُهُما على حقّ خيرٌ مِنْ فُرقتهما على باطل.
وأما قولُك: إنّ عليَّا قَتَل عثمان، فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذْف بالغَيْبِ مِنْ مكان عيدٍ، ولكنكَ مِلْت إلى الدنيا، وشيء كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقّاص.
فبلَغ ما قالاه إلى معاوية، فبعث إلى جرير فزجرَه. قال نصر: وكُتِب إلى شرحبيل كتاب لا عرف كاتبه فيه:
شُرَحبْيل يا بنَ السَّمْط: لا تَتْبَع الهوَى *** فما لَكَ فِي الدُّنْيَا مِن الدِّين مِنْ بَدَل
وَلَا تَكُ كالمُجْرَى إلى شَرِّ غايَةٍ *** فَقَدْ خُرِّقَ السِّرْبالُ واسْتَنْوَقَ الجَمْل
وَقُلْ لابن حَرْب: مالك اليومَ خَلَّةٌ *** ترومُ بها ما رُمْتَ واقْطَع لَهُ الأمل
شرَحْبيلُ: إِنّ الحقِّ قَدْ جَدَّ جِدْهُ *** فَكُنْ فيه مأمونَ الأديم من النَّغَلْ(1)
وَأَرْودْ ولا تُفْرطْ بشيء نخافُهُ *** عَلَيْكَ، ولا تَعْجَلْ، فلا خَيْرَ فِي الْعَجَلْ
مقالُ ابنَ هندٍ في عليّ عضيهةٌ *** والله فِي صَدْرِ بن أبي طالبٍ أجَلّ
وَمَا مِنْ عليّ في ابن عفان سَقْطَةٌ *** بقولٍ، ولا مالا عليه ولا قتل
وَمَا كَانَ إلا لازماً قَعْرع بَيْتِهِ *** إلى أن أتى عثمانَ في داره الأجَلْ(2)
فَمَنْ قَال قَوْلاً غير هذا فحسبُه *** من الزُّور والبهتان بعضُ الذي احْتَملْ
وصيّ رسول الله مِن دونِ أهلِه *** ومَنْ باسمِه في فَضْلِهِ يُضْرَبُ المثلْ
قال نصر: فلما قرأ شُرَحْبيل الكتاب ذُعِرَ وفكَّر، وقال: هذه نصيحةٌ لي في ديني، ولا والله أعجّلِ في هذا الأمر بشيء وفي نفس منه حاجة، وكاد يحولُ عن نصر معاوية ويتوقف، فلّفق معاوية الرجالَ يدخلون إليه ويخرجون، ويعظّمون عنده قتلَ عثمان، ويرمُون به علیٍّا يقيمون الشهادة الباطلة، والكتبَ المختلفة حتى أعادوا رأيَه، وشَحَذوا عزمه.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد بإسناده قال: بعث معاوية إلى شُرَحْيِيل بن السِّمْط:
إنّه قد كان من إجابتك إلى الحقِّ، وما وقع فيه أجرُك على الله، وقَبِله عنكَ صُلَحاء الناس ما علمت، وإنّ هذا الأمر الذي نحن فيه لا يتّم إلا برضا العامّة، فسِرْ في مدائن الشام، ونادِ فيهم بأنّ علياً قَتَل عثمان، وأنه يجب على المسلمين أن يطلبو بدمه.
فسار شُرَحبيل، فبدأ بأهل حِمْص، فقام فيهم خطيباً - وكان مأموناً في أهل الشام ناسكاً مُتألِّهاً، فقال:
أيّها الناسُ، إن علياً قتل عثمان، فغضِب له قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلقيهَم فهزم الجمع، وقتل صلحاءهم وغلب على الأرض، فلم يبق إلا الشام، وهو واضع سيفه على عاتقه، ثم خائض غمراتِ المَوت، حتى يأتيكم أو يحدث الله أمراً، ولا نجد أحداً أقوى على قتاله من معاوية، فجِدّوا وانهضوا.
فأجابه الناس كلّهم إلا نُسّاكاً من أهل حِمْص، فإنهم قالوا له: بيوتُنا قبورنا ومساجدنا، وأنت أعلم بما ترى.
قال: وجعل شُرَحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها، لا يأتي على قوم إلاّ قبَلوا ما أتاهم به فبعث إليه النجاشيّ بن الحارث - وكان له صديقاً:
شُرَحْبِيلُ ما للدِّين فارقتَ ديننا *** ولكِنْ لبغض المالكيِّ جريرِ
وَشَحْنَاءِ دَبَّتْ بَيْنَ سعدٍ وبَيْنَهُ *** فأصبحتَ كالحادِي بغيرِ بَعِيرِ
ومَا أنت إذ كانت بجيلة عاتبتْ *** قريْشَا فياللهِ بُعْد نصیرِ
أتفصِل أمراً غِبْتَ عنه بشبهةٍ *** وقد حَارَ فيه عقلُ كلّ بَصيرِ
بِقَوْلِ رجالٍ لم يكونوا أئمةً *** ولا للتي لَقَّوْكَهَا بحضُورِ
وما قولُ قَومٍ غائبين تقاذفوا *** من الغيب ما دلّاهُم بغرورٍ
وتترك أنّ الناسَ أعطَوْ عهودهُم *** عليًّا على أُنسٍ به وسرورٍ
إذا قيل هاتُوا واحداً يقتدى به *** نظيراً له لم يُفصِحُوا بنظيرٍ
لعلك أن تشقى الغداة بحرِبه *** فليس الذي قد جئته بصغير
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد عن نُميْر بن وعلة، عن الشَّعبيّ، أن شُرَحبيل بن السِّمْط الأسود بن جَبَلة الكنديّ دخل على معاوية، فقال له: أنت عاملُ أمير المؤمنين وابن عمّه ونحن المؤمنون، فإن كنتَ رجلاً تُجاهِد علياً وقتلة عثمان حتى ندرِك ثأرنا أو تذهب أرواحنا استعملناك علينا، وإلاّ عزلناك واستعملنا غيرَك ممن نريد، ثم جاهَدْنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلِك.
فقال جرير بن عبد الله - وكان حاضراً: - مهلاً يا شُرَحَبيْل، فإن الله قد حَقَن الدِّماء، ولَم الشعث، وجَمَع أمر الأمة، ودنا من هذه الأمة سكون، فإياك أنْ تُفْسِد بين الناس، وأمسِكْ عن هذا القول قبل أن يشيعَ ويظهر عنك قولٌ لا تستطيع رَدّه، فقال: لا والله لا أسرّه أبداً. ثم قام فتكلم به، فقال الناس: صدق صدق، القولُ ما قال، والرأي ما رأى. فأيس جرير عند ذلك مِنْ معاوية ومن عوامّ أهل الشام.
قال نصر، وحدثني محمد بن عبيد الله، عن الجرجانيّ، قال كان معاوية قد أتى جريراً قبل ذلك في منزله، فقال له: يا جرير، إني قد رأيت رأياً، قال: هاته، قال: اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية، فإذا حضرتْه الوفاة لم يجعلْ لأحد بعده في عنقي بيعة، أسلم له هذا الأمر، واكتب إليه بالخلافة. فقال جرير: اكتُب ما أردت أكتب معك.
فكتب معاوية بذلك إلى عليّ، فكتب عليّ علیه السلام إلى جرير:
أما بعد، فإنما أراد معاوية ألاّ يكون لي في عنقه بَيْعة، وأن يختار من أمره ما أحبّ، وأراد أنْ يُرِيثَك ويُبْطئك حتى يذوقَ أهل الشام وإنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن أستعملَ معاوية على الشام، وأنا حينئذٍ بالمدينة، فأبيتُ ذلك عليه، ولم يكن ليراني أتخذ المضلِّين عَضُداً، فإن بايَعك الرجل وإلا فأقبِل، والسلام.
قال نصر: وفشا كتابُ معاوية في العرب، فبعثَ إليه الوليد بن عُقْبة:
معاويَ إنّ الشامَ شامُك فاعتِصمْ *** بشامِك لا تُدْخِلْ عليكَ الأفاعيَا
وحام عليها بالصّوَارم والقَنَا *** ولاتكُ مَوهونَ الذِّراعين وَانِيَا
وإنّ عليَّا ناظرٌ ما تجيُبه *** فَأهدِ له حَرْباً تُشِيب النَّواصِيَا
وإلاّ فسلّم إنّ في السِّلم راحةً *** لمن لا يريدُ الحربَ فاخْتَرْ مُعاويا
وإنّ كتاباً يا بنَ حربٍ كتبتَه *** على طمع، يُزْجي إليك الدّواهيا
سألتَ عليًّا فيهِ مَا لَنْ تنالَه *** ولَوْ نلتَه لم يَبْقَ إلا لَياليا
وَسَوْفَ تَرَى منه الّتي ليس بعدها *** بقاءٌ، فلا تكثر عليك الأمانِيَا
أمِثْلَ عَلِيَّ تعتريه بخُدْعَةٍ *** وقد كان ما جَرَّبْتَ من قبل كافيا!
قال: وكتب الوليد بن عُقْبة إلى معاوية أيضاً يُوقظة ويشير عليه بالحرب، وألا يكتب جواب جرير:
معاوىَ إنّ المُلْك قد جُبَّ غاربُهْ *** وأنت بما في كفِّك اليومَ صاحِبُهْ
أتاك كتابٌ من عَليِّ بخُطّةٍ *** هي الفصْلُ فَاخْتَرْ سِلْمَة أو تُحَارِبُة
فلا ترجُ عند الواترِينَ مَوَدَّةً *** ولا تأمَن اليومَ الّذي أنت رَاهِبُه
وحاربْه إن حاربْتَ حرب ابنِ حُرةٍ *** والاّ فَسِلْمٌ لا تدبّ عَقَارِبُه
فإنّ عليًّا غيرُ ساحب ذَيْلِهِ *** عَلَى خُدعةٍ ما سوَّغَ الماءَ شَارِيُهْ
وَلَا قابلٍ ما لا يريدُ وهذه *** يقوم بها يوماً علیه نواديه
فَلَا تَدَعَنَّ الملكَ والأمرُ مُقبلٌ *** وتطلبَ ما أعيْت عليكَ مذاهبُهْ
فإنْ كنتَ تنوِي أن تُجِيب كِتابَه *** فَقُبْحَ مُمْليه وقُبِّحَ كاتِبُة
وإن كنتَ تَنْوي أن تردّ كِتابه *** وأنت بأمْرٍ لا محالةَ رَاكِبُة
فالْق إلى الحيِّ اليمانينَ كِلْمَةٌ *** تنالُ بها الأمرَ الَّذِي أنتَ طالِبُة
تقول: أميرُ المؤمنين أصابَهُ *** عدوٌّ ومالاهم عليه أقارِبُة
أفانِينُ مِنْهُمْ قائِلٌ وَمُحَرِّضٌ *** بلا تِرَةٍ كانتْ، وآخرُ سالِبُة(1)
وكنتُ أميراً قَبْلُ بالشام فيكمُ *** فحسبي وإياكم من الحق واجِبُة
فجيئوا، ومَنْ أرسَى نَبِيراً مكانَه *** نُدافِع بحراً لا تُرَدّ غوارِبُهُ(2)
فأقللْ وأكثِرْ ما لها اليوم صاحبٌ *** سواك، فصرِّحْ لستُ ممَّنْ تُوارِبُهُ
قال نصر: وخرج جرير يوماً يتجسّس الأخبار، فإذا هو بغلام يتغنّى على قعود له، وهو: يقول:
حُكَيْمٌ وَعَمَّارُ الشَّجَا ومحمدٌ *** واشترُ والمكشُوح جَرُّوا الدَّواهِيا
وقد كان فيها للزبير عجاجة *** وصاحبه الأدنى أثاروا السدواهيا
فأما عليّ فاستجارَ ببيته *** فلا آمرٌ فيها ولم يَكُ ناهِيا
فَقُلْ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مَا شِئتَ بَعْدَهُ *** فلو قلت: أخطأ الناسُ لم تَكُ خَاطِيَا
وإن قلت: عُمَ القومُ فيهِ بفِتْنَة *** فحسْبُكَ من الَّذي كانَ كافيا
فقولا لأصحابِ النبيّ محمدٍ *** وَخُصّا الرجالَ الأقرَبِين الأدَانِيَا:
أيُقْتَلُ عثمان بن عفّان بَيْنَكُمْ *** عَلَى غَيْرِ شيء ليس إلّا تعاميا
فلا نوم حتى نستبيحَ حَرِيمَكُمْ *** ونخضِبَ من أهلِ الشَّنَآنِ الْعَواليَا
فقال جرير: يا بن أخي، مَنْ أنت؟ فقال: غلام من قريش، وأصلي من ثَقِيف، أنا ابن المغيرة بن الأخنس بن شُرَيق، قُتِل أبي مع عثمان يوم الدّار. فعجب جريرٌ من شعره وقوله، وكتب بذلك إلى عليّ علیه السلام، فقال عليّ: والله ما أخطأ الغلام شيئاً.
قال نصر: وفي حديث صالح بن صَدقة، قال: أبطأ جريرٌ عند معاوية حتى اتّهمه النّاس، وقال عليّ علیه السلام: قد وقّتُ لجرير وقتاً لا يُقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً وأبطأ عَلَى عليّ حتى أيَس منه.
قال: وفي حديث محمد وصالح بن صدقة، قالا: فكتب عليّ علیه السلام إلى جرير بعد ذلك: إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية عَلَى الفَضل، ثم خَيّره وخذه بالجواب بين حربٍ مُخزية أو سلم مُحْظية، فإنْ اختارَ الحرب فانبذ إليه، وإن اختار السّلم فخذه ببيعته. والسلام.
قال: فلما انتهى الكتابُ إلى جرير أتى معاوية، فأقرأه الكتاب، وقال له: يا معاوية، إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب، ولا يُشرَح صَدْر إلا بتوبة، ولا أظنّ قلبَك إلا مطبوعاً عليه، أُراك قد وقفت بين الحقّ والباطل، كأنك تنتظر شيئاً في يد غيرك.
فقال معاوية: ألقاك بالفَصْل في أول مجلس إن شاء الله.
فلما بايع معاوية أهلُ الشام بعد أن ذاقهم، قال: يا جرير الحق بصاحبك، وكتب إليه بالحرْب، وكتب في أسفل الكتاب شعر كعب بن جُعَيل:
أرَى الشّامَ تَكْرَهُ أهل العراقِ *** وَأهْلُ العِراق لهم كارهونا
وقد ذكرنا هذا الشعر فيما تقدم.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد في كتاب «الكامل»(1): إن عليًّا علیه السلام لما أراد أن يبعث جريراً إلى معاوية، قال: والله يا أميرَ المؤمنين ما أدّخِرُك من نُصْرَتي شيئاً، وما أطمع لك في معاوية. فقال عليّ علیه السلام: إنما قصدي حُجّة أقيمها عليه. فلما أتى جرير معاوية دافعه بالبيْعة، فقال له جرير: إنّ المنافقَ لا يصلّي حتى لا يجدَ مِنَ الصلاة بُدًّا. فقال معاوية: إنها ليست بخُدْعة الصبي عن اللّبن، فأبلْغني ريقي، إنه أمر له ما بعده.
قال: وكتب مع جرير إلى عليّ علیه السلام جواباً عن كتابه إليه: من معاوية بن صَخْر إلى عليّ بن
1) «الكامل في اللغة»: لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد النحوي، المتوفى سنة (385ه)، كشف الظنون (1382/2)
أبي طالب، أما بعد، فلعَمْرِي لو بايَعك القومُ الذين بايَعوك وأنت بريء من دم عثمان كنتَ كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنّك أغريتَ بعثمان المهاجرين، وخَذَلت عنه الأنصار، فأطاعَك الجاهلُ، وقَوِيَ بك الضعيف، وقد أبى أهلُ الشام إلاّ قتالك، حتى تدفَعَ إليهم قَتَلَة عثمان، فإن فعلتَ كانت شورى بين المسلمين، ولعمْرِي ليس حُجَجُكَ عليّ كحججك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة، لأنّ أهلَ البصرة أطاعوك ولم يُطِعْك أهلُ الشام. فأمّا شرفك في الإسلام، وقرابتُك من النبي صلی الله علیه وآله وسلم وموضِعُك من قريش، فلست أدفعُه.
ثم كتب في آخر الكتاب شعرَ كعب بن جعيل الذي أوله:
أرَى الشَّامَ تَكرهُ أهلَ العراقِ *** وَأهْلُ العراق لهمْ كارِهُونا
قال أبو العباس المبرّد رحمه الله تعالى: فكتب إليه عليّ علیه السلام جواباً عن كتابه هذا:
من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر بن حرب:
أما بعد، فإنه أتاني منك كتابُ امرىء ليس له بَصَرٌ يهديه، ولا قائدٌ يرشده، دعاء الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتّبعه، زعمتَ أنك إنما أفْسَد عليك بَيْعتي خطيئتي في عثمان، ولعَمْرِي ما كنتُ إلا رجلاً من المهاجرين، أوردتُ كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله لِيجمَعهم عَلَى الضلال، ولا ليضربهم بالعمَى. وبعد، فما أنت وعثمان! إنما أنتَ رجل من بني أميّة، وبنو عثمان أوْلَى بمطالبةِ دَمه، فإن زعمتَ أنك أقوى عَلَى ذلك، فادْخُل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القومَ إليّ. وأما تمييزُك بينكَ وبين طلحة والزبير، وبين أهل الشام وأهل البَصْرة، فلعمرِي ما الأمرُ فيما هناك إلا سواء، لأنها بيعة شاملة لا يستثنَى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النَّظَرة. وأمّا شَرَفِي في الإسلام وقرابتي من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وموضعي من قريش، فَلعمري لو استطعت دفعه لدفعته.
قال: ثم دعا النَّجاشيَّ أحد بني الحارث بن كعب، فقال له: إنَّ ابنَ جُعَيل شاعرُ أهل و الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجِبِ الرّجل. فقال: يا أميرَ المؤمنين، أسمعني قوله، قال: إذن أسمعك شِعْر شاعر، ثم أسمعه، فقال النجاشيُّ يجيبه:
دعاً يا مُعَاويَ ما لنْ يكونَا *** فَقَدْ حَقَّق الله ما تحذرونا
أتاكْم عليٌّ بأهلِ العراقِ *** وأهلِ الحجاز فما تصنعونا!
عَلَی کل جَرْدَاء خَيْفَانَةٍ *** وَأَشْعَثَ نَهْدٍ يَسُرّ الْعُيُونا
عَلَيْها فَوارِسُ مخشيّةٌ *** كاسْد العَرِين حَمَيْنَ الْعَرِينا
يَرَوْنَ الطَّعَانَ خِلال الْعَجَاجِ *** وَضَرْبَ الفوارسِ في النَّقْعِ دینا
هُمُ هَزَمُوا الجمعَ جَمْعَ الزُّبَيْرِ *** وَطَلْحَةَ وَالْمَعْشَرَ النَّاكِثينا
والوا يميناً عَلَى حَلْقَةٍ *** لنُهْدِي إلى الشّام حَرْباً زبوناً(1)
تُشِيبُ النَّواهِدَ قَبْل المشِيبِ *** وتُلْقِي الحواملُ مِنْها الجنِينَا
فإن تكرهوا المُلْكَ مُلْكَ العِرَاقِ *** فَقَدْ رَضِيَ القَوْمُ ما تكْرَهُونا
فقل للمضلّل مِنْ وَائِلٍ *** وَمَنْ جَعَلَ الْغَثّ يَوْماً سَمِينا
جَعَلَتُمْ عَلِيًّا وَأَشْيَاعَهُ *** نَظِيرَ ابْنِ هِنْدِ، أَمَا تَسْتَحُونَا!
إلى أفضل النّاس بعد الرسول *** وصِنْو الرسولِ مِنَ العالمینا
وَصِهْرِ الرسول وَمَنْ مِثلُه *** إذا كانَ يومٌ يُشِيب القُرُونا!
قلت: أبيات كعب بن جُعيل خيرٌ من هذه الأبيات، وأخبث مقصداً وأدهى وأحسن.
وزاد نصر بن مزاحم في هذه الرسالة بعد قوله: «ولا ليضر بهم بالعمى»: «وما ألَّبْت فتلزمني خطيئة الأمر، ولا قتلت فيجب عَلَيّ القصاص. وأما قولك إنّ أهل الشام هم الحكام عَلَى أهل الحجاز، فهات رجلاً من أهل الشام يقبل في الشورى، أو تحلُّ له الخلافة، فإنْ زعمتَ ذلكَ كَذَّبَك المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتُك به من قريش الحجاز. وأما وَلُوعك بي في أمر عثمان، فما قلت ذلك عن حقّ العيان، ولا يقين الخُبر.
وهذه الزيادة التي ذكرها نصر بن مزاحم تقتضي أنه كان في كتاب معاوية إليه علیه السلام أنّ أهل الشام هُم الحكام عَلَى أهل الحجاز، وما وجدنا هذا الكلام في كتابه.
وروى نصر بن مزاحم، قال: لما قُتِل عثمانُ ضَرَبت الرّكبان إلى الشام بقتله، فبينا معاوية يوماً إذا أقبل رجل متلّفف، فكشف عن وجهه، وقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الحجاج بن خزيمة بن الصِّمة، فأين تريد؟ قال إليك القُربان، أنعَى ابن عفان ثم قال:
إن بني عَمِّكَ عَبْد المطَّلِبْ *** هُمْ قتلوا شیخکمُ غَيْر كَذِبْ
وأنت أولَى الناس بالوثْبِ فثِبْ *** واغْضَبْ معاوي للإله واحْتسبْ
وَسِرْ بنا سَيْرَ الجرير المتلئبّ *** وانْهَضْ بأهل الشام تَرْشُدُ وتُصبْ
ثم أهْزُرِ الصَّعَدة للشأس الشَغِبْ
قال: يعني عليًّا علیه السلام.
1) حرب زبون: يدفع بعضها بعضاً كثرة. القاموس، مادة (زين)
قلت: المتلئبَ المستقيم المطّرد، يقال: هذا قِيَاسٌ متلئبّ، أي مستمرّ مطرد. ويقال: مكان شَأْس، أي غليظ صلب. والشَّغِب: الهائج للشرّ، ومن رواه: «للشاسي» بالياء فأصله «الشاصي» بالصاد، وهو المرتفع، يقال: شصا السحابُ إذا ارتفع، فأبدل الصاد سيناً، ومراده هنا نسبة عليّ علیه السلام إلى التيه والترفّع عن الناس.
قال نصر: فقال له معاوية: أفيك مَهَزّ؟ فقال: نعم، فقال أخْبِر الناس، فقال الحجاج: يا أميرَ المؤمنين - ولم يخاطَب معاويةُ ب«أمير المؤمنين» قبلها - إنّي كنتُ فيمَنْ خرج مع يزيد بن أسد القسْرِيّ، مغيثاً لعثمان، فقدمْتُ أنا وزفر بن الحارث، فلقِينَا رجلاً زعم أنه مِمّن قتل عثمان، فقتلْناه، وإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنك لتَقوَى على عليّ بدون ما يقوى به عليك لأنّ معك قوماً لا يقولون إذا قلت، ولا يسألون إذا أمرت، وإن مع عليّ قوماً يقولون إذا قال، ويسألون إذا أمر، فقليلٌ ممّن معك خيرٌ من كثير ممن معه. واعلمْ أنه لا يرضى عليِ إلا بالرضا، وأنّ رضاه سَخَطك، ولستَ وعليّ سواء، عليّ لا يرضى بالعراق دون الشام، أنت ترضیى بالشام دون العراق.
قال نصر: فضاق معاوية صدراً بما أتاه، ونَدِم على خِذلان عثمان وقال:
أتانِيَ أمرٌ فيه للنفس غمّةٌ *** وفيه بكاءٌ للعيونِ طويل
وفيه فناءٌ شاملٌ وخزايةٌ *** وفيه اجتداع للانوف أصيلُ
مصابُ أمير المؤمنين وهَدَّةٌ *** تكاد لها صمّ الجبالِ تَزُولُ
فالله عَيْنا مَنْ رَأى مِثْلَ هالكٍ *** أصيبَ بِلا ذَنْبٍ وَذَاكَ جَلِيلُ!
تَدَاعَتْ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ عُصْبَةٌ *** فَرِيقانِ مِنْهُمْ قَائِلٌ وخَذُولُ
دَعَاهُمْ فَصَمّوا عنه عِنْدَ دُعَائِهِ *** وَذَاكَ عَلَى ما في النُّفُوسِ دَلِيلُ
ندِمتُ على مَا كَان مِنْ تبعيَ الْهَوَى *** وقَصْرِيَ فيه حَسْرَةٌ وعوِيلُ
سَابغي أبا عمرو بكُلِّ مُثقَّفٍ *** وبيضٍ لهَا في الدَّارَعِينَ صَلِيل
تركتُك للقومِ الذين همُ همُ *** شَجَاك فماذا بعد ذاك أقول!
فلستُ مقيماً ما حييتُ ببلدَةٍ *** أجرّ بها ذَيْلِي وأنت قتيل
فلا نوم حتى تُشْجَر الخيلُ بالقنا *** يُشفَى من القوم الغُواة غَلِيلُ
وَنَظْحَنَهُمْ طحنَ الرّحَا بثفالها *** وَذَاكَ بما أسْدَوْا إليك قليل
فأمّا الّتِي فيها مودّةُ بيننا *** فليس إليها مَا حَیِيتُ سَبِيل
سأُلقِحُها حَرْباً عَوَاناً مُلِحْةٌ *** وإنّي بِهَا مِنْ عَامِنَا لَكَفِيلُ
قال نصر: وافتخَر الحجّاج على أهل الشام بما كان من تسليمه على معاوية بإمرة المؤمنين
قال نصر: وحدثنا صالح بن صدقة، عن ابن إسحاق، عن خالد الخُزاعيّ وغيره ممن لا يُتّهَم، أن عثمان لما قُتِل وَأُتِيَ معاوية بكتاب علي علیه السلام بعزله عن الشام، صعِد المنبر ونادى في الناس أن يحضرُوا، فحضروا، فخطَبهم. فحمِد اللهَ وأثنى عليه، وصلي على رسوله، ثم قال: يا أهلَ الشام، قد علمتم أني خليفةُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخليفة عثمان، وقد قتل وأنا ابن عمه ووليّه، والله تعالى يقول: «وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَنَا»(1)وأنا أحب أن تُعلِمُوني ما في نفوسكم من قَتْل خليفتكم.
فقام مُرّة بن كعب، وفي المسجد يومئذٍ أربعمائة رجلٍ من أصحاب النبي الله صلی الله علیه وآله وسلم نحوها، فقال: والله لقد قمتُ مقامي هذا، وإنّي لأعلمُ أنّ فيكم مَنْ هو أقدم صحبةً لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مِنّي ولكني شهدت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم نصف النهار في يوم شديد الحر وهم يقول: «لتكونن فتنة حاضرة»(2)فمرّ رجل مُقَنّع، فقال رسول الله: «وهذا المقنع يومئذٍ على الهُدَى»، فقمت فأخذت بمنكبه، وحَسَرْتُ عن رأسه، فإذا عثمان، فأقبلتُ بوجهه على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وقلت: هذا يا رسول الله؟ فقال: «نعم».
فأصفق أهلُ الشام مع معاوية حينئذٍ، وبايعوه على الطلب بدم عثمان أميراً لا يطمع في الخلافة ثم الأمر شورى.
وروى إبراهيم بن الحسن بن ديزيل في كتاب «صفين» عن أبي بكر بن عبد الله الهذليّ أن الوليد بن عقبة كتب إلى معاوية يستبطئه في الطلب بدم عثمان، ويحرضّه وينهاه عن قطع الوقت بالمكاتبة:
ألا أبلغْ معاويةَ بن حَرْبٍ *** فإنّك مِنْ أخي ثقَةٍ مُلِيمُ
قطعتَ الدهر كالسّدِم المعنَّى *** تُهدِّرُ في دمشْقَ ولا تريمُ
فإنك والكتابَ إلى عليّ *** كدابغة وقد حَلِم الأديم
لك الويلاتُ اقْحِمها عَلَيْهِم *** فخير الطالِبي التَّرةِ الغَشُومُ
قال: فكتب معاوية إليه الجواب بيتاً من شعر أوْس بن حَجر:
وَمُسْتَعَجِبٍ ممّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا *** وَلَوْ زَبَنَتْه الحَرْب لَمْ يَتَرَمْرَمِ(3)
وروى ابن ديزيل قال: لما عَزَم عليّ علیه السلام على المسير إلى الشام، دعا رجلاً، فأمره أن يتجهّز ويسير إلى دمشق، فإذا دخلَ أناخَ راحلتَه بباب المسجد، ولا يُلْقِي من ثياب سفره شيئاً : فإن الناس إذا رأوه عليه آثار الغُرْبة سألوه، فليقل لهم: تركتُ عليًّا قد نَهَد إليكم بأهل العراق. فانظر ما يكون من أمرهم.
ففعل الرجل ذلك، فاجتمع الناس وسألوه، فقال لهم، فكثروا عليه يسألونه فأرسل إليه معاوية بالأعول السّلميّ يسأله، فأتاه فسأله، فقال له، فأتى معاوية فأخبره، فنادى: الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس، وقال لهم إنّ علياً قد نَهَد إليكم في أهل العِراق، فما ترون؟ فضربَ الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلّمون، فقام ذو الكَلاعِ الحميريّ فقال: عليك أم رأيُ وعلينا أم فعالُ، وهي حْمير.
فنزل، ونادَى في النّاس بالخروج إلى معسكرهم، وعاد إلى عليّ علیه السلام، فأخبره فنادى: الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس، فأخبرهم أنّه قَدِم عليه رسول كان بعثه إلى الشام، وأخبره أنّ معاوية قد نَهَد إلى العراق في أهل الشام، فما الرأي؟
قال: فاضطرب أهل المسجد، هذا يقول: الرأي كذا، وهذا يقول: الرأي كذا، وكثر اللّغط واللّجَب، لم يفهمْ عليّ علیه السلام من كلامهم شيئاً، ولم يَدْرِ المصيبَ من المخطىء، فنزل عن المِنبر، وهو يقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون! ذهب بها ابن أكّالة الأكباد - يعني معاوية.
وروى ابن ديزيل عن عُقْبة بن مكرّم، عن يونس بن بكير، عن الأعمش، قال: كان أبو مريم صديقاً لعليِّ علیه السلام، فسمع بما كان فيه عليّ علیه السلام من اختلاف أصحابه عليه، فجاءه، فلم يَرُغ علياً علیه السلام إلا وهو قائم على رأسه بالعِراق، فقال له: أبا مريم، ما جاء بك نحوي؟ قال: ما غيرُك، عهدِي بك لو ولِّيت أمرَ الأمة كفيتَهم، ثم سمعت بما أنت فيه من الاختلاف فقال: يا أبا مريم، إني مُنِيتُ بِشرَار خَلْق الله، أريدهم على الأمر الذي هو الرأي، فلا بي يتّبعونني.
وروى ابن ديزيل عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن الحُباب، عن علاء بن جرير العنبريّ، عن الحكم بن عمير الثّماليّ - وكانت أمه بنت أبي سفيان بن حرب - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ذات يوم: «كيف بك يا أبا بكر إذا ولِّيت؟ قال: لا يكونُ ذلك أبداً، قال: «فكيف بك يا عُمَر إذا وليت؟» فقال: أكل حَجَراً، لقد لقيت إذَنْ شرًا، قال: «فكيف بك يا عثمان إذا ولّيت؟ قال: آكلُ وأُطعِم وأقسِّم ولا أظلم، قال: «فكيف بك يا عليّ إذا وليت؟» قال: أكل
القوت وأحمي الجَمْرة، وأقسِّم التمرة، وأخفي الصورة - قال: أيّ العورة - فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «أما إنكم كلّكم سَيَلِي وسيرى الله أعمالكم»، ثم قال: «يا معاوية، كيف بك إذا وليت؟» قال: الله ورسوله أعلم فقال: «أنت رأس الحُطم، ومفتاح الظلم، حصباً وحقباً، تتخذ الحسّن قبيحاً، والسيئة حسنة يربو فيها الصَّغير، ويهرّم فيها الكبير، أجلك يسير، وظلمك عظيم».
وروى ابن ديزيل أيضاً عن عمر بن عون، عن هشيم، عن أبي فلج، عن عمرو بن ميمون قال: قال عبد الله بن مسعود: كيف أنتم إذا لَقِيتُكم فتنة يَهرَم فيها الكبير، ويربُو فيها الصغير تجري بين الناس، ويتخذونها سُنّة، فإذا غُيّرت قيل: هذا مُنكَر!
وروى ابن ديزيل، قال: حدثنا الحَسن بن الرّبيع البَجليّ، عن أبي إسحاق الفزاريّ عن حُمَيد الطويل، عن أَنس بن مالك، في قوله تعالى: «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَو نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْتَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ»(1). قال: أكرَم الله تعالى نبيَّه علیه السلام أن يريه في أمته ما يكره رفعه إليه، وبَقِيت النّقمة.
قال ابن ديزيل: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا أسباط عن السّدّي، عن أبي المِنْهال، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «سألتُ ربّي لأمتي ثلاث خلال، فأعطاني اثنتّين، ومنعَني واحدة: سألتُه الاّ تَكفُر امتي صَفْقة واحدة فأعطانيها، وسألته الاّ يعذبهم بما عذّب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته الاّ يجعلَ بأسهم بينهم فمَنعنيها»(2).
قال ابن ديزيل: وحدّثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسيّ، قال: حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عمار بن زُرَيق، عن عمّار الدُّهنّي، عن سالم بن أبي الجَعْد قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إنّ الله تعالى قد آمنَنَا أن يظلِمنا، ولم يؤمنّا أن يَفْتِنَنا، أرأيت إذا أنزِلتُ فتنة، كيف أصنع؟ فقال: عليك كتابَ الله تعالى، قال: أفرأيت إن جاء قومٌ كلّهم يدعو
كتاب الله تعالى؟ فقال ابنُ مسعود: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول: «إذا اختلف النّاس كان ابن سُميّة مع الحقِّ»(1)، يعني عمّاراً.
وروی ابن دیزیل، قال: حدثنا يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا علي بن القاسم، عن سعيد بن طارق، عن عثمان بن القاسم، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «ألا أدلّكم على ما إن تَساءلتم عليه لم تَهْلِكوا؟ إنّ وَلِيّكم الله، وإن إمامَكم عليّ بن أبي طالب، فناصحوه وصدّقوه، فإن جبريل أخبرني بذلك»(2).
فإن قلت: هذا نصّ صريح في الإمامة، فما الذي تصنع المعتزلة بذلك؟ قلت: يجوز أن يريدَ أنّه أمامهم في الفتاوَى والأحكام الشرعيّة، لا في الخلافة وأيضاً فإنا قد شرحنا من قول شيوخِنا البغدادين ما محصّله: إنّ الإمامة كانت العليّ علیه السلام إن رغب فيه ونازع عليها، وإن أقرّها في غيره وسكتَ عنها تولّينا ذلك الغير، وقلنا بصحة خلافته، وأميرُ المؤمنين علیه السلام لم ينازع الأئمة الثلاثة، ولا جَرِّد السيف، ولا استنجد بالناس عليهم، فدلّ ذلك على إقراره لهم على ما كانوا فيه، فلذلك تولّيناهم، وقلنا فيهم بالطهارة والخيْر والصلاح، ولو حارَبَهم وجَرّد السيف عليهم، واستصرخ العرَب على حرْبهم لقلنا فيهم ما قلناه فيمن عامله هذه العاملة من التفسيق والتضليل.
قال ابن ديزيل: وحدثنا عمرو بن الربيع، قال: حدثنا السّريّ بن شيبان، عن عبد الكريم أنّ عمر بن الخطاب قال لما طُعِن: يا أصحابَ محمد تناصحوا، فإنكم إن لم تفعلوا غَلَبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
قلت: إنّ محمد بن النعمان المعروف بالمُفيد أحد الإمامية قال في بعض كتبه: إنما أراد عمر بهذا القول إغراءَ معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة وإطماعهما فيها؛ لأنّ معاوية كان عامله وأميره على الشام، وعمرو بن العاص عامله وأميره عَلَى مصر، وخاف أن يَضْعف عثمان عنها، وأن تَصير إلى عليّ علیه السلام، فألَقى هذا الكلمةَ إلى الناس لتنقل إليهما - وهما بمصر والشام - فيتغلبا عَلَى هَذَيْن الإقليمين إن أفضَتْ إلى عليّ علیه السلام.
وهذا عندي من باب الاستنباطات التي يُوجبها الشنان والحَنَق(1)، وعمر كان اتْقَى الله أن يخطُر له هذا، ولكنه من فراسته الصادقة التي كان يعلم بها كثيراً من الأمور المستقبلة، كما قال عبد الله بن عباس في وصفه: والله ما كان أوس بن حَجَر عَنّى أحداً سواه بقوله:
الألمعيّ الّذِي يظنّ بك الظَّنَّ *** كانْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا
وروى ابن دِيزيل، عن عَفّان بن مسلم، عن وهب بن خالد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن مُرة بن كعب، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنة فقرّبها، فمرّ رجل قد تقنّع بثوبه، فقال علیه السلام: «هذا وأصحابه يومئذٍ عَلَى الحق»، فقمت إليه فأخذت بمنكبه، فقلتُ: هو هذا؟ فقال: «نعم»، فإذا هو عثمان بن عفان(2).
قلت: هذا الحديث قد رواه كثيراً من محقِّقي أصحاب الحديث، ورواه محمد بن إسماعيل البخاريّ في «تاريخه الكبير» بعدة روايات. وليس لقائل أن يقول: فهذا الحديث إذا صححتموه كان حُجّة للسّفيانية، لأنا نقول: الخبرُ يتضمّن أن عثمانَ وأصحابه على الحقّ، وهذا مذهبنا ؛ لأنا نذهب إلى أنّ عثمان قتل مظلوماً، وأنه وناصِرية يوم الدار عَلَى الحقّ، وأنّ القوم الذين قَتَلوه لم يكونوا عَلَى الحق، فأما معاويةُ وأهل الشام الذين حاربوا عليًّا علیه السلام بصِفّين فليسوا بداخلين في الخبر، ولا في ألفاظ الخبر لفظ عموم يتعلّق به، ألا تَرى أنه ليس فيه كلّ مَنْ أظهر الانتصار لعثمان في حياته وبعد وفاته فهو عَلَى الحقّ، وإنّما خلاصته أنه ستقوم فِتْنة، يكون عثمان فيها وأصحابه الحقّ، ونحن لا نأبَى ذلك، بل هو مذهبنا.
وروی نصر بن مزاحم في كتاب «صفين»(3)قال: لما قَدم عبيدُ الله بن عمر بن الخطاب عَلَى معاوية بالشام، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص: إنّ الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشّام بقودم عبيد الله بن عمر، وقد رأيتُ أن أقيمَه خطيباً يشهد عَلَى عليّ بقتل عثمان، وينالَ منه، فقال: الرأيّ ما رأيتَ، إليه، فأتاه، فقال له معاوية: يا بن أخي، إنّ لك اسمَ بيك فانظر بملء عينيك، وانطق بملء فيك، فأنت المأمون المصدّق، فاصعَدِ المنبر واشتمِ عليًّا، واشهد عليه أنه قتل عثمان.
فقال: أيها الأمير، أما شتمُه، فإن أباه أبو طالب، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما
عسی أن أقول في حسبه! وأمّا باشه فهو الشجاع المطرِق، وأما أيامه فما قد عَرَفت، ولكني ملزِمُه دمَ عثمان، فقال عمرو بن العاص: قد وأبيك إذَنْ نكأت القرْحة(1).
فلما خرج عبيد الله بن عمر، قال معاوية: أما والله لولا قتلُه الهُرْمزان، ومخافتَهُ عليَّا عَلَى نفسه ما أتانا أبداً، ألا ترى إلى تقريظه عليًّا! فقال عمرو: يا معاوية إن لم تَغْلب فاخلُب، قال: وخرج حديثهما إلى عبيد الله، فلما قام خطيباً تكلّم بحاجته، فلما أنتهى إلى أمرِ عليّ أمسك ولم يقل شيئاً، فلما نزلت بعث إليه معاوية: يا بن أخي، إنك بين عِيّ وخيانة، فبعث إليه: إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفت أن الناس محتملوها عنِّي فتركتها.
قال: فهجَره معاوية واستخفّ به وفَسّقه، فقال عبيد الله:
مُعَاوِيَ لم أَحْرَض بخُطْبَةِ خاطبِ *** ولم أكُ عَيَّا في لُؤَيِّ بن غالِبِ
ولكنّنِي زاولتُ نفساً ابيَّةً *** على قَذْفِ شيخٍ بالعراقين غائب
وقذفي عليًّا بابن عَفَّانَ جَهْرَةٌ *** كِذابٌ، وما طِبِّي سَجَايا المُكاذِب
ولكنّه قد قرَّب القوم جُهدَه *** ودبّوا حواليْه دبيبَ العقاربِ
فَمَا قَال: أَحْسَنتم ولا قد أسأتُم *** وَأَطْرَق إطراق الشُّجاع الموائب
فأمّا ابن عفانٍ فأشْهَدُ أنه *** أصيبَ بريئاً لابساً ثوبَ نائبِ
وَقَدْ كانَ فيها للزبير عَجَاجَةٌ *** وطلحةُ فيها جاهدٌ غير لاعبِ
وَقَدْ أَظْهَرَا مِنْ بَعْدِ ذَلك تَوْبَةً *** فياليت شِعْرِي ما هُما في العواقب!
قال: فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه، وقال: حسبي هذا منك.
وروى نصر، عن عبيد الله بن موسى، قال: سمعتُ سُفيان بن سعيد المعروف بسُفْيان الثوريّ، يقول: ما أشكّ أنّ طلحة والزبير بايعا عليًّا، وما نقما عليه جَوْراً في حُكْم ولا استثثاراً بفىءٍ، وما قاتل عليًّا أحدٌ إلا وعليٌّ أولى بالحق منه.
وروى نصر بن مُزاحم أنّ علياً علیه السلام قدِم من البصرة في غُرّة شهر رجب من سنة ست وثلاثين إلى الكوفة، وأقام بها سبعة عشر شهراً، تجري الكُتب بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص، حتى سار إلى الشام.
قال نصر: وقد رُوِي من طريق أبي الكَنود وغيرِه أنه قَدِم الكوفة بعد وقعة الجمل، لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رجب سنة ست وثلاثين.
1) القرحة: الجراحة. اللسان، مادة (قرح)
قال نصر: فدخل الكوفَة ومع أشراف الناس من أهل البصرة وغيرهم، فاستقبله أهلُ الكوفة، وفيهم قرّاؤهم وأشرافُهم، فدعوا له بالبَركة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، أين تنزل؟ أتنزل القصر؟ قال: لا، ولكني أنزل الرّحبة، فنزلها وأقبل حتى دخل المسجدَ الأعظم، فصلّى فيه ركعتين، ثم صعِد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه وصلّى على رسوله، ثم قال:
أما بعد يا أهل الكوفة، فإنّ لكم في الإسلام فَضْلاً ما لم تبدِّلوا وتغيّروا، دعوتُكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر فغيّرتم، ألا إنّ فضلكم فيما بينكم وبين الله، فأمّا في الأحكام والقَسْم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم، ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباعُ الهوى، وطول الأمل، أما اتِّباعُ الهوَى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إنّ الدنيا قد ترَحْلَتْ مدبرة، وإن الآخرة قد تَرَحّلت مقبلة، ولكلّ واحدة متهماً بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، الحمد للهِ الَّذِي نَصَر وليَّه، وخَذَل عدوّه، وأعزّ الصادق المحق، وأذلّ الناكِث المبطل.
عليكم بتقوَى الله وطاعة مَنْ أطاع الله من أهل بيت نبيّكم، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلّين المدّعين المقابلين إلينا، يتفضلون بفضلنا، ويجاحدوننا أمرَنا وينازعوننا حقّنا، ويُباعدوننا عنه، فقد ذاقُوا وَبَال ما اجترحوا فسوف يلقوْن غَيَّا. ألا إنه قد قَعَدَ عن نصْرَتي رجال منكم، وأنا عليهم عاتبٌ زارٍ(1)، فاهجرُوهم واسمعوهم ما يكرهون، حتى يُعتبوا ليعرف بذلك حزبُ الله عند الفرقة.
فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي - وكان صاحبَ شُرطته - فقال: والله إني لأرى الهُجر وسماع المكروه لهم قليلاً، والله لو أمرتنا لنقتلّنهم. فقال علي علیه السلام: سبحان الله يا مالِ! جُزْت المَدَى، وعَدَوْت الحدّ، فأغرقت في النَّزْع. فقال: يا أمير المؤمنين، لَبَعْض الغَشْم أبلغ في أمرٍ يَنُوبُك من مهادنة الأعادي، فقال عليّ علیه السلام: ليس هكَذا قضى الله، یا مالِ، قال سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»(2)فما بالُ ذِكْرِ الغَشْم! وقال تعالى: «وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي القَتْلِ»(3). والإسراف في القتل أن تقتل غيرَ قاتلك، فقد نهَى الله عنه، وذاك هو الغَشْم.
فقام إليه أبو بُرْدة بن عوْفٍ الأزديّ - وكان ممّن تخلَّف عنه - فقال: يا أميرَ المؤمنين، ارأيت القَتْلى حول عائشة وطلحةَ والزبير، علام قُتِلوا؟ - أو قال: بم قتلوا؟ - فقال عليّ علیه السلام: قُتِلوا بما قَتَلُوا شيعتي وعُمّالي، وقتلوا أخا ربيعة الغبديّ في عِصابة من المسلمين،
قالوا: إنّا لا ننكث كما نكثتم، ولا نَغْدِر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم، فسألتهم أن يدفعوا إليّ قَتَلَة إخواني أقتلُهم بهم، ثم كتابُ الله حكمٌ بيني وبينهم، فأبوْا عليّ، وقاتلوني. وفي أعناقهم بَيْعتي، ودماء قريب من ألف رجل مِنْ شيعتي - فقتلتُهم، أفي شك أنتَ من ذلك! فقال: قد كنتُ في شَكٍّ، فأمّا الآن فقد عرَفْتُ، واستبان لي خطأ القوم، وإنك المهتدي المصيب.
قال نصر: وكان أشياخ الحيّ يذكرون أنّه كان عُثمانيًّا، وقد شَهِد على ذلك صِفّين مع عليّ علیه السلام، ولكِنّه بعدما رجع كان يكاتِبُ معاوية، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعةً بالفلُّوجة، وكان عليه كريماً.
قال: ثم إنّ عليًّا علیه السلام تهيّأ لينزل، وقام رجالٌ ليتكلَّموا، فلما رأوْه نَزل جلسوا وسكتوا.
قال: ونزل عليًّ علیه السلام بالكوفة على جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ.
قلت: جَعْدة ابن أخته أم هانيء بنت أبي طالب، كانت تحت هُبيرة بن أبي وهب المخزومي، فأولدها جَعدة، وكان شريفاً.
قال نصر: ولما قدم عليٌّ علیه السلام إلى الكوفة نَزَل على باب المسجد، فدخل فصلّى، ثم تحوّل فجلس إليه الناس، فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة، فقال قائل: استأثر الله به، فقال عليّ علیه السلام: إن الله تبارك وتعالى لا يستأثر بأحد من خَلْقه، إنما أراد الله جلّ ذكره بالموت إعزازَ نفسه، وإذلال خَلْقه، وقرأ «وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْبَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ یُحْیِیکُمْ»(1)، قال نصر: فلما لحِقه علیه السلام ثَقَلُه قالوا: أنَنْزِل القصر؟ فقال: قصر الخبال، لا تنزلوا فيه.
قال نصر: ودخل سليمان بن صُردَ الخُزاعيّ على عليّ علیه السلام، مرجِعَه من البَصْرة فعاتبه وعَذَله، وقال له: ارتبتَ وتربّصت وراغوت، وقد كنتَ من أوثقِ الناس في نفسي، وأسرعهم فيما أظنّ إلى نُصْرتي، فما قَعَدَ بكَ عن أهل بيت نبيّك؟ وما زهدك في نصرتهم؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لا تردّنّ الأمور على أعقابها، ولا تؤنِّبْني بما مضى منها، واستبْق مودّتي تخلصْ لك نصيحتي، فقد بقيت أمورٌ تعرف فيها عدوِّك من وَلِيّك.
فسكتَ عنه، وجلس سليمانُ قليلاً، ثم نهض، فخرج إلى الحسن بن عليّ علیه السلام، وهو قاعد في باب المسجد، فقال: ألا أعجِّبِّك من أمير المؤمنين، وما لقيتُ منه من التّوبيخ
1) سورة البقرة، الآية: 28
والتبكيت؟ فقال الحسن: إنما يعاتَبُ مَنْ تُرجى مودّته ونصيحتُه، فقال: لقد وَثَبَتْ أمور سَتُشْرَع فيها القَنا، وتُنتَضى فيها السيوف، ويحتاجُ فيها إلى أشباهي، فلا تستغِثّوا عَتْبي، ولا تتّهموا نصحي.
فقال الحسن: رحمك الله، ما أنتَ عندك بِظَنين.
قال نصر: ودخل عليه سعيد بن قيس الأزدِيّ، فسلّم عليه، فقال: وعليك السلام وإنّ كنتَ من المتربّصين! قال: حاش لله يا أمير المؤمنين! فإني لست من أولئك. فقال: لعلّ الله فعل ذلك.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن مِخْنف، قال: دخلتُ مع أبي على عليّ علیه السلام، مقدّمه من البصرة، وهو عام بلغتُ الحُلُم، فإذا بيت يديه رِجال يؤنّبُهم، ويقول لهم: ما أبطأ بكم عنّي، وأنتم أشرافُ قومكم! والله إن كان من ضَعْف النّية وتقصير البصيرة إنكم لَبُور(1)، وإن كان وإن كان من شَكٍّ في فضلي ومظاهرة عليّ، إنكم لعدوّ.
فقالوا: حاش لله يا أمير المؤمنين! نحن سِلْمُك وحَرْب عدوّك. ثم اعتذر القوم فمنهم من ذَكَر عذراً ومنهم من اعتلّ بمرض، ومنهم من ذكر غيبة، فنظرت إليهم فعرفتهم، فإذا عبد الله المعتمّ العبسي، وحنظلة بن الرَّبيع التميميّ، وكلاهما كانت له صحبة، وإذا أبو بُرْدة بن عوف الأزديّ، وإذا غريب بن شُرَحبيل الهمداني.
قال: ونظر عليّ علیه السلام إلى أبي، فقال: ولكن مِخْنف بن مسلم وقومه لم يتخلّفوا، ولم يكن مثلهم كمثَل القوم الذي قال الله تعالى فيهم: «وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن عَلَنَّ فَإِنْ أَصَبَكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَد أَنْعَمَ اللهُ عَلَى إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَبَكُمْ فَضَلُّ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَیْنَهُ مَوَدَّةً يَلَيْتَني كنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا»(2).
قال نصر: ثم إن عليًّا علیه السلام مكث بالكوفة، فقال الشنّي في ذلك، شنّ بن عبد القيس:
قُلْ لِهَذا الإِمَامِ قَدْ خَبَتِ الْحَرُ *** بُ وتَمَتْ بِذلكَ النَّعْمَاءُ
وَفَزَغْنَا مِنْ حَرْبِ مَنْ نَقَضَ الْعَهِدَ *** بالشامِ حَيّة صَمَّاءُ
تَنْفُتُ السّمَّ مَا لِمَنْ نَهِشَتْه *** - فارْمها قبل أن تَعَضّ - شِفاء
إنه والّذِي يحجُّ له النّا *** سُ ومِنْ دُونِ بَيْتِهِ الْبَيْدَاءُ
لَضَعيفُ النُّخَاع إنْ رُمِي اليو *** مَ بخيلٍ كانها أشْلَاءُ
تَتَبَارَى بكلّ أصيد كالفخ *** لِ بكفيْهِ صَعْدَةٌ سَمْرَاءُ
إنْ تَذَرْهُ فما معاوية الدَّهْ *** رَ بمعطيكَ ما أراك تَشَاءُ
وَلَنَيْلُ السَّماء أقربُ مِنْ ذا *** ك ونجمُ العَيُّوقِ والعَوَّاءُ(1)
قَاعدُ بالحَدِّ والحديدِ إليهمْ *** ليسَ واللهِ غيرَ ذاك دَوَاءُ(2)
قال نصر: وأتَمَّ عليّ علیه السلام صلاته يوم دخل الكوفة، فلما كانت الجمعة خطب الناس، فقال:
الحمد الله الذي أحمَده وأستعينه وأستهديه، وأعوذُ بالله من الضلالة، مَنْ يَهْدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، انتجبه لأمره، واختصّه بنبوّته. أكرمُ خَلْقه عليه، وأحبُّهم إليه، فبّلغ رسالة ربّه، ونصح لأمته، وأدى الذي عليه.
أوصيكم بتقوى الله، فإنّ تقوى الله خيرُ ما تَواصَى به عبادُ الله، وأقربُه إلى رضوان الله، وخيرُه في عواقب الأمور عند الله، وبتقوى الله أُمِرْتُم، وللإحسان والطاعةِ خلقتم، فاحذروا من الله ما حذّرَكم من نفسه، فإنه حذّر بأساً شديداً، واخشوا خشية ليست بتعذير واعملوا في غير رياء ولا سُمْعة، فإنّه من عمل لغير الله وَكَله الله إلى ما عمل له، ومن عمل الله مخلصاً تولّى الله أجره. أشفقوا مِن عذاب الله، فإنه لم يخلّقكم عَبثاً، ولم يترك شيئاً من أمركم سَدّى، قد سمّى آثاركم، وعلِم أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغترّوا بالدنيا فإنّها غرّارة لأهلها، مغرور مَنْ اغتر بها، وإلى فَنَاءِ ما هي، وإن الآخرة هي دارُ الحيوان لو كان يعلمون. أسأل الله منازلَ الشهداء، ومرافقةَ الأنبياء، ومعيشة السعداء، فإنما نحن به وله.
قال نصر: ثم استعمل علي علیه السلام العمّال وفَرّقهم في البلاد، وكتب إلى معاوية مع جَرير بن عبد الله البَجليّ ما تقدم ذكره.
قال نصر: وقالَ معاوية لعمرو بن العاص، أيام كان جريرٌ عنده ينتظر جوابَه: إنّني قد رأيتُ أن تُلْقِيَ إلى أهل مكّة وأهلِ المدينة كتاباً، نذكر فيه أمْرَ عثمان، فإمّا أن ندرِك به حاجَتنا، أو نكفّ القوم عنا، فقال له عمرو: إنما تكتب إلى ثلاثة نفر: رجلٍ راضٍ بعليّ فلا يزيده كتابُك إلا بصيرة فيه، أو رجل يهوَى عثمان، فلن يزيدَه كتابُك على ما هو عليه، أو رجلٍ معتزلٍ، فلست في نفسه بأوثقَ من عليّ.
قال: عليّ ذاك، فكتبا:
أما بعد، فإنه مهما غابَ عَنّا من الأمور فلم يغب عنّا أن علياً قتل عثمان، والدليلُ على ذلك مكانُ قتلته منه، وإنّما نطلب قتلته، حتى يُدفعوا إلينا، فنقُتَلهم بكتاب الله عَزّ وجلّ، فإن دفعهم عليّ إلينا كَفَفْنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب. فأما الخلافة فلسنا نطلُبها، فأعينونا على أمرِنا هذا، وانهضوا من ناحيتكم، فإنّ أيدينا وأيديَكم إذا اجتمعت على أمر واحد هاب عليّ ما هو فيه، والسلام.
فكتب إليهما عبد الله بن عمر:
أما بعدُ، فلعمري لقد أخطأتُما موضع النُّصرة وتناولتماها من مكان بعيد، وما زاد الله من شكّ في هذا الأمر بكتابكما إلا شكٌّا، وما أنتما والمشورة، وما أنتما والخلافة! أمّا أنتَ يا معاوية فطَليق، وأما أنت يا عمرو فظَنِين، ألا فكفّا أنفسكما، فليس لكم فينا وليّ ولا نصير والسلام.
قال نصر: وكتب رجل من الأنصار إليهما مع كتاب عبد الله بن عمر:
مُعَاوِيَ إنّ الحقَّ أبَلجُ واضحٌ *** وليس بما رَبَّصْتَ أنتَ ولا عَمْرُو
نصبتَ ابن عفانٍ لنا اليوم خُدْعة *** كما نُصِب الشيخان إذ قُضِيَ الأمر
فَهَذَا كَهَذَاك البلا حَذْوَ نَعْلِه *** سواءٌ كَرَقْرَاقِ يُغَرُّ به السِّفْرُ
رمَيْتُمْ عَلِيًّا بالذي لا يَضِيرُهُ *** وإنْ عَظُمَتْ فيه المكيدة والمَكْرُ
وما ذنبُه إن نال عثمان معشرٌ *** أتوْه من الأحْياء تجمعُهُمْ مِصْرُ
فشار إليه المسلمونَ ببْيعةٍ *** علانيةً ما كان فيها لهم قسْرُ
وبَايعهُ الشَّيْخان ثم تحمّلَا *** إلى العُمْرَة العُظمَى وبَاطنُها الْعَذْرُ
فكانَ الَّذِي قد كان مما اقتصاصُه *** يطولُ، فيالله ما أحْدَثَ الدَّهْر
وَمَا أنتُما والنَّصرَ مِنّا وأنْتما *** بَعيثَا حُرُوب ما يبوخُ لها جَمْرُ(1)
وما أنتما لله دَرُّ ابيكمَا *** وذِكُرَكما الشُّورى وقد وَضَحَ الْفَجْرُ
قال نصر: وقام عديّ بن حاتم الطائيّ إلى عليّ علیه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عندي رجلاً لا يوازَى به رجل، وهو يريد أن يزورَ ابن عمّه حابس بن سَعْد الطائيّ بالشام، فلو أمرناء
1) يبوخ: يسكن. اللسان، مادة (بوخ)
أن يلقَى معاوية لعلَّه أنْ يكسره ويكسر أهلَ الشام، فقال علي علیه السلام: نعم، فأمَره عديّ بذلك - وكان اسمُ الرجل خُفافَ بن عبد الله.
فقدم على ابن عمّه حابس بن سعد بالشام - وحابس سيد طَيَّىء بها - فحدث خُفاف حابساً شِهد عثمان بالمدينة، وسار مع عليّ إلى الكوفة، وكان الخُفاف لسان وهيئة وشِعْر، فغدا حابس بخُفاف إلى معاوية، فقال: إنّ هذا ابن عمّ لي، قدم الكوفة مع عليّ، وشهد عثمان بالمدينة، وهو ثقة. فقال له معاوية: هات، حدّثنا عن عثمان، فقال عثمان، فقال: نعم حصره المكشُوح مسلمة، وحُكّم فيه حُكيم، ووليه عمار، وتجرد في أمره ثلاثة نفر: عديّ بن حاتم والأشتر النخعيّ وعمرو بن الحمق، وجدّ في أمره رَجُلان وطلحة والزُّبير، وأبرأ الناس منه عليّ. قال: ثم مَهْ، قال: ثم تهافَتَ الناس على عليّ بالبيعة تهافُتَ الفَراش، حتى ضاعت النعل وسقط الرّداء، ووُطِئ الشيخ. ولم يُذكر عثمان ولم يُذكر له، ثم تهيّأ للمسير، وخفّ معه المهاجرون والأنصار، وكره القتال معه ثلاثة نفر: سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن بن مسلمة فلم يتسكرِه أحداً، واستغنى بمن خَف معه عَمّن ثَقُل. ثم سار حتى أتى جبل طيىء، فأتته منا جماعة كان ضارباً بهم الناس، حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسيرُ طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رجل إلى الكوفة يدعونهم، فأجابوا دعوته، فسار إلى البصرة، فإذا هي في كفّه، ثم قدم الكوفة فحمِل إليه الصبيّ، ودبّت إليه العجوز، وخرجت إليه العَرُوس فرحاً به وشوقاً إليه، وتركته وليس له همة إلا الشام.
فذعِر معاوية من قوله، وقال حابس: أيها الأمير، لقد أسمعني شعراً غيَّر به حالي في عثمان، وعظم به علياً عندي.
فقال معاوية: أسمعنيه يا خُفاف، فأنشده شعراً أوله:
قُلْتُ والليْلُ سَاقِطُ الأكْنافِ *** وَلِجَنْبي عَنِ الْفِرَاشِ تَجَافِ
قَدْ مَضَى مَا مَضَى وَمَرّ به الدّهْرُ *** كما مَرْ ذاهبُ الأسْلَافِ
إنّني والّذي يَحُجُ لَهُ النّا *** سُ على لُحَّقِ البُطون عجافِ
تَتَبارَى مثل القِسِيّ من النَّبْعِ *** بشُعْثٍ مثل السِّهام نحافِ
ارهَب اليَوم إن أتاكم عليٌّ *** صیْحةً مثل صَيْحَةِ الأحقافِ
إنه الليث غادياً وشُجَاعٌ *** مُظرِقٌ نافت بُسمِّ زُعاف(1)
1) سُمّ زعاف: قاتل. اللسان، مادة (زعف)
واضعُ السيفِ فوق عاتقة الأي *** مَن يَفْرِي به شؤون القِحَاف(1)
سَوَّمَ الخيلَ ثم قال لقوم *** بايعوه إلى الطعان خِفاف
استعدّوا لحربِ طاغية الشّا *** م فلَّبوْه كاليدينْ اللطافي
ثم قالوا أنتَ الجناح لك الرِّي *** شُ القُدامى ونحن منه الخوافي
فانظُر اليوم قبل بادرة القو *** م بسلم تهم أم بخلاف
قال: فانكسر معاوية، وقال: يا حابس، إني لأظنّ هذا عَيْناً لعليّ، وأخرجه عنك لئلا يُفْسِد علينا أهل الشام.
قال نصر: وحدّثنا عطية بن غَنّي، عن زياد بن رستَم، قال: كتب معاوية إلى عبد الله عمر خاصّة، وإلى سعد بن أبي وقّاص، وإلى محمد بن مسلمة، دُونَ كتابه إلى أهل المدينة، فكان كتابه إلى عبد الله بن عمر:
أما بعد، فإنه لم يكن أحدٌ من قريش أحبَّ إليّ أن يجتمعَ عليه الناس بعد قتل عثمان منك، ثم ذكرتُ خَذْلك إياه، وطعَنك على أنصاره، فتغيّرتُ لك، وقد هَوّن ذلك عليّ خلافك عَلَى عليّ، ومحا عنك بعضَ ما كان منكَ فأعِنّا - رحمك الله - عَلَى حَقٌّ هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدُها لك، فإن أبيتَ كانت شورى بين المسلمين.
فأجابه عبد الله بن عمر:
أمّا بعد، فإنّ الرأي الذي أطمعك فيّ، هو الذي صيّرك إلى ما صيرّك إليه، أُترُك عَلِيًّا في المهاجرين والأنصار، وطلحة والزبير وعائشة أمّ المؤمنين، وأتّبعك! وأمّا زعمك أني طعنتُ عَلَى عليّ، فَلعمري ما أنا كعليّ في الإيمان والهجرة، ومكانه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ونكايته في المشركين، ولكنّي عهد إليّ في هذا الأمر عهدٌ، ففزعت فيه إلى الوقوف وقلت: إن كان هذا هُدًى ففضلٌ تركتُه، وإن كان ضلالاً فشرّ نجوت منه، فأَغْنِ عَنّا نفسَك. والسلام.
قال: وكان كتاب معاوية إلى سعد:
أما بعدُ، فإنّ أحقّ الناس بنصر عثمان أهلُ الشورَى من قريش، الذين أثبتُوا حَقِّه واختاروه على غيره، وقد نَصَرَه طلحة والزبير، وهما شريكان في الأمر، ونظيراك في الإسلام، وخَفّت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهَنّ ما رضُوا، ولا تردّنّ ما قبلوا فإنّا نردّها شورى بين المسلمين.
فأجابه سعد:
أما بعدُ، فإن عُمر لم يُدخِلْ في الشّورى إلاّ مَنْ تَحِلَّ له الخلافةُ من قريش، فلم يكن أحد
1) شؤون القحاف: الشُّعَب التي تجمع بين قبائل الرأس وهي أربعة شؤون. اللسان، مادة (شان)
منا أحقّ بها من صاحبه إلاّ بإجماعنا عليه، ألَا إن عليًّا كان فيه ما فينا، ولم يكن فينا ما فيه وهذا أمر قد كرهت أَولَه، وكرهتُ آخره، فأما طلحةُ والزبير فلو لزما بيوتَهما لكان خيراً لهما. والله يغفر لأمّ المؤمنين ما أتت. والسلام.
قال: وكان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة:
أما بعدُ، فإنّي لم أكتبْ إليك وأنا أرجو مبايعتَك، ولكني أردْتُ أن أذكّرك النّعمةَ التي خرجتَ منها، والشكَّ الذي صرت إليه، إنك فارسُ الأنصار، وعُدّة المهاجرين، وقد ادّعيت على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أمراً لم تستطع إلا أن تمضيَ عليه، وهو أنّه نهاك عن قتال أهل القِبْلة، أفلا نهيتَ أهلَ القبلة عن قتال بعضهم بعضاً! فقد كان عليك أن تكرَه لهم ما كره رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ألم تر عثمانَ وأهل الدار من أهل القبلة! فأما قومك فقد عَصَوُا الله، وخذلُوا عثمان، والله سائلهم وسائلك عما كان يوم القيامة. والسلام.
قال: فكتب إليه محمد بن مسلمة:
أما بعد، فقد اعتزل هذا الأمر مَنْ ليس في يده من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مثل الذي في يده، قد أخبرني رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرتُ سيفي، وجلست في بيتي، واتّهمت الرأيَ على الدّين، إذ لم يصح لي معروف آمر به، ولا منكَر أنهى عنه. وأمّا أنت فلعمرِي ما طلبت إلى الدنيا، ولا اتّبعت إلا الهوى وإن تنصر عثمان ميّتاً فقد خذلته حيًّا، والسلام.
قد أتينا علَى ما أردنا ذكره من حال أمير المؤمنين علیه السلام، مذ قدم من حرب البصرة إلى الكوفة، وما جَرَى بينه وبين معاوية من المراسلات، وما جرى بين معاوية وبين غيره من الصحابة من الاستنجاد والاستصراخ، وما أجابوه به، ونحن نذكرُ الآن ما جرى لجرير بن عبد الله عند عَوْده إلى أمير المؤمنين من تهمة الشيعة له بممالأة معاوية عليهم، ومفارقته جنةً أمير المؤمنين.
قال نصر بن مُزاحم: حدثنا صالح بن صدقة، بإسناده، قال: قال لما رجع جريرُ إلى عليّ علیه السلام، كَثُر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية، فاجتمع جريرٌ والأشتر عند عليّ علیه السلام، فقال الأشتر: أما والله يا أميرَ المؤمنين، أن لو كنت أرسلتَني إلى معاوية، لكنتُ هذا الذي أرخَى خِنَاقة، وأقام عنده حتى لم يدعْ بابا يرجُو فَتْحَه إلاّ فَتَحه، ولا خيراً لك من بابا يخاف أمرَه إلاّ سدّه.
فقال جرير: لو كنتَ والله أتيتَهم لقتلوك - وخوّفه بعمرو، وذي الكلاع، وحَوْشب - وقال: إنهم يزعمون أنك من قَتَلة عثمان.
فقال الأشتر: والله لو أتيتُهم يا جرير لم يُعِيني جوابها، ولم يثقل عليّ مَحْملُها، ولحملت معاوية على خُطة أُعجِلُه فيها عن الفِكْر.
قال: فائْتِهم إذاً. قال: الآن وقد أفسدتهم ووقَع بينهمُ الشّرّ!
وروی نصر، عن نُمير بن وعلة، عن الشعبي قال: اجتمع جرير والأشتر عند عليّ علیه السلام، فقال الأشتر: أليس قد نهيتُك يا أميرَ المؤمنين أن تبعث جريراً، وأخبرتُك بعداوته وغشّه! وأقبل الأشتر يشتِمه، ويقول: يا أخا بَجِيلة، إنّ عثمان اشترى منك دينَك بهمَدان، والله ما أنت بأهل أن تُترك تمشي فوق الأرض، إنما أتيتهم لتتَّخِذَ عندهم يداً بمسيرِك إليهم، ثم رجعتَ إلينا من عندهم، تهددنا بهم، وأنت والله منهم، ولا أرى سعيَك إلا لهم، لئن أطاعني فيك أميرُ المؤمنين لَيحبسنّك وأشباهك في حبس لا تخرجون منه حتى تَستَتِمّ هذه الأمور، ويُهلِك الله الظالمين.
قال جرير: وددت والله أن لَوْ كُنتَ مكاني بُعِثْتَ، إذن والله لم ترجع.
قال: فلما سمع جرير مثل ذلك من قوله، فارقَ علیًّا علیه السلام، فلحِق بقَرْ قِيسياء ولحق به ناس من قَسْر من قومه، فلم يشهد صِفّين من قَسْر غير تسعة عشر رجلاً، ولكن شهدها من أحمَس سبعمائة رجل.
قال نصر: وقال الأشتر فيما كان من تخويف من جرير إياه بعمرو وحوشب وذي الكلاع:
لعمرُك يا جريرُ لَقول عَمْرو *** وصاحبه معاويَ بالشام
وذي كَلَعِ وحَوْشبَ ذي ظُلَيْمِ *** أخفٌّ عَليَّ من رِيش النعام
إذَا اجتمعوا عَليّ فخلِّ عنهم *** وعن بازٍ مخالبُه دوامي
وَلَسْتُ بخائفٍ ما خوّفُونِي *** وكيف أخاف أحلام النیامِ!
وَهَمّهمُ الذي حامُوا عليهِ *** من الدّنيا، وهَمِّي مَا أمامي
وإنْ أسْلَمُ أعمّهُمُ بحرْبٍ *** يَشِيب لهولها رأسُ الغلامِ
فإنْ أهْلِك فقد قدّمْتُ أمراً *** أفوز بفَلْجِه يَوْمَ الخِصامِ
وقد زادُوا عليّ وأوْعَدوني *** وَمَنْ ذا مات من خَوْفِ الكلام!
وذكر ابن قتيبة في «المعارف»(1)، أنّ جريراً قدِم على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم سنة عشرٍ من الهجرة هي شهر رمضان، فبايعه وأسلم، وكان جريرٌ صبيح الوجه جميلاً، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كان
1) «المعارف في التاريخ»: للإمام ابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري، المتوفى سنة (267ه). كشف الظنون (1724/2)
على وجهه مَسْحةَ ملك»(1). وكان عمر يقول: جرير يوسف هذه الأمة. وكان طُوالاً يقتل في ذِرُوة البعير من طوله، وكانت نعله ذراعاً، وكان يخضب لحيته بالزعفران من اللّيل ويغسِلُها إذا أصبح، فتخرجُ مثلَ لون التَّبُر. واعتزل عليًّا علیه السلام ومعاوية، وأقام بالجزيرة ونواحِيها حتى توفّيَ بالشّراة سنة أربعٍ وخمسين في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة.
فأما نسبه فقد ذكره ابن الكلبيّ في «جَمهرة الأنساب»(2)، فقال: هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلب بن جُشَم بن عُویْف بن حرب بن عليّ بن مالك بن سعد بن بدير بن قَسْر واسمه مَلَكُ بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نَبْت بن زيد بن كَهْلان.
ويذكر أهل السِّيَر أن عليًّا علیه السلام هدَم دار جرير ودور قوم ممّن خرج معه، حيث فارق عليًّا علیه السلام، منهم أبو أراكة بن مالك بن عامر القَسْري، كان خَتنه على ابنته، وموضع داره بالكوفة كان يعرف بدار أبي أراكة قديماً، ولعله اليوم نُسِي ذلك الاسم.
الأصل: تَبَحَ اللهُ مَصْقَلَةَ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيد، فَمَا انْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ، حَتَّى بَكَّتَهُ، وَلَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَانْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَه.
الشرح: خاس به يَخِيس ويخوس: أي غَدَرَ به، وخاسَ فلان بالعهد: أي نكَث. وقبَح الله فلاناً: أي نحاه من الخَيْر، فهو مقبوح.
والتبكيت، كالتقريع والتعنيف. والوُفور. مصدر وَفَر المال: أي تمّ، ويجيء متعدّياً. ویروی «موفوره»، والموفور: التامّ، وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
يَا مَنْ مَدَحْنَاهُ فأَكْذَبَنَا *** بِفَعاله وأنابنا خَجَلا
بُرداً قَشِيباً من مدائِحنا *** سُرْیلْتَ فاردُدْهُ لَنَا سَمَلا(1)
إنّ التّجارِب تهتِك المستورَ مِنْ *** أبنائها وتُبَهْرجُ الرَّجُلا(2)
فأمّا القول في نَسَب بني ناجية، فإنّهم ينسبون أنفسَهم إلى سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النَّضْر بن في كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وقريش تدفعُهم عن هذا النسب، ويسمّونَهم بني ناجية - وهي أمهم، وهي امرأة سامة بن لؤي ابن غالب، ويقولون: إن سامة خرج إلى ناحية البحرين مُغاضِباً لأخيه كعب بن لؤيّ في مُماظّة(3)كانت بينهما، فطاطات ناقتُه رأسَها لتأخذ العُشْب، فعَلِق بِمِشْفَرها أفعى، ثم عطفت على قَتَبها فحكّتْه به، فدبّ الأفعى على القَتَب حتى نهش ساق سامة فقتله، فقال أخوه كعب بن لؤيّ يرثيه:
عينُ جُودي لسامةَ بن لُؤَيِّ *** عَلِقَتْ ساقَ سامةَ الْعَلاقَةْ
رُبِّ كأسٍ هَرَقْتها ابن لُويٌّ *** حَذَرَ الموتِ لم تَكُنْ مُهَرَاقَةْ
قالوا: وكانت معه امرأته ناجية، فلما مات تزوّجَتْ رجلاً في البحرين، فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير، فلما ترعرع طمِعت أمه أنْ تُلْحِقه بقريش، فأخبرتُه أنّه ابنُ سامة بن لؤي بن غالب، فرحل من البحرين إلى مكة ومعه أمه، فأخبر كعب بن لؤي أنه ابن أخيه سامة، فعرف كعبٌ أمه ناجية، فظنّ أنه صادق في دعواه، فقبِله ومكث عنده مدة، حتى قَدِم مكة ركبٌ من البحرين، فرأوا الحارث، فسلّموا عليه، وحادثوه، فسألهم كعب بن لؤي من أين يعرفونه؟ فقالوا: هذا ابنُ رجلٍ من بلدنا يُعرف بفلان، وشرحوا له خَبَره، فنفاه كعب مكّة ونفى أمّه، فرجعا إلى البحرين، فكانا هناك، وتزوّج الحارث، فأعقب هذا العَقب.
وقال هؤلاء: إنه رَوَي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: أنه قال: «عَمّي سامة لم يُعقِب»(4).
وزعم ابنُ الكلبيّ أن سامَةَ بن لؤيّ ولَد غالب بن سامة، والحارث بن سامة - وأم غالب بن سامة ناجية - ثم هَلَكَ سامة، فخلف عليها ابنُه الحارث بن سامة، نكاحَ مَقْت، ثم هلك ابنا
سامة ولم يُعْقبا، وإن قوماً من بني ناجية بن جَرْم بن ربّان بن عِلَاف، ادّعوا أنهم بنوا سامة بن لؤيّ، وأنّ أمهم ناجية هذه، ونسبوها هذا النسب، وانتموّا إلى الحارث بن سامة، وهم الذين باعهم عليّ علىه السلام مَصْقلة بن هُبيرة. وهذا هو قول الهيثم بن عديّ. كل هذا ذكره أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني الكبيرة»(1).
ووجدت أنا في «جمهرة النسب» لابن الكلبيّ كلاماً قد صرّح فيه بأنّ سامة بن لؤيّ أعقَب، فقال: وَلَدَ سامة بن لؤيّ الحارث وأمه هند بنت تَيم - وغالب بن سامة - وأمه ناجية بنت جَرْم بن بابّان، من قُضاعة، فهلك غالب بعد أبيه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فولد الحارث بن سامة لؤياً وعبيدة وربيعة وسعداً، وأمهم سَلْمى بنت ثَيم بن شَيْبان بن محارب بن فهر وعبد البيت، وأمهِ نَاجية بنت جَرْب، خَلف عليها الحارث بعد أبيه بنكاح مَقْت، فهم الذين قتلهم عليّ علیه السلام.
قال أبو الفرج الأصفهاني: أما الزبير بن بَكار، فإنه أدخلهم في قريش، وهم قريش العازبة، قال: وإنما سُمّوا العازبة، لأنهم عَزَبوا عن قومهم فنُسِبوا إلى أمهم ناجية بنت جَرْم بن رَبّان بن علاف، وهو أول من اتخذ الرّحال العِلافيّة، فنسبت إليه، واسم ناجية ليلى، وإنما سميت ناجية، لأنها سارت مع سَامَة في مفازة، فعطِشت، فاستسقتْه، فقال لها: الماء بين يديك، وهو يُريها السراب، حتى أتت إلى الماء فشَرِيت قسميت ناجية.
قال أبو الفرج: وللزبير بن بكار في إدخالهم في قريش مذهب، وهو مخالفة أمير المؤمنين عليّ علیه السلام، وميله إليهم، لإجماعهم على بُغضُه علیه السلام، حسب المشهور المأثور من مذهب الزبير في ذلك.
ومن المنتسبين إلى سامة بن لؤيّ عليّ بن الجهم الشاعر، وهو عليّ بن الجَهم بن بدر بن جَهْم بن مسعود بن أسيد بن أذيْنة بن كَرّاز بن كعب بن جابر بن مالك بن عُتْبة بن الحارث بن عبد البيت بن سامة بن لؤيّ بن غالب.
هكذا ينسُب نفسَه، وكان مبغِضاً لعليّ علیه السلام، ينحو نحو مروان بن أبي حفصة في هجاء الطالبيّين وذمّ الشيعة، وهو القائل:
وَرَافِضَةٍ تقول بِشِعْبِ رَضْوَى: *** إمام، خابَ ذلك من إمام!
1) «الأغاني»: لأبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، المتوفى سنة (356ه)، وهو كتاب لم يؤلف مثله اتفاقاً. «كشف الظنون» (129/1)
إمامٌ من له عشرون ألفاً *** من الأتراك مُشْرَعة السهام!
وقد هجاه أبو عبادة البحتريّ، فقال فيه:
إذا ما حُصِّلَتْ عُلْيا قُريشِ *** فَلا في الْعير أنتَ ولا النّغفِير
وَلَوْ أعطاك ربّك ماتمنَّى *** لزاد الخلْقَ في عِظَم الأُيُورِ
وما الجَهُمُ بن بَدْرٍ حِينَ يُعْزَى *** من الأقمار ثَمّ ولا الْبُدُورِ
عَلَام هجوتَ مجتهداً عَلِيًّا *** بِما لَفُقْتَ مِنْ كَذِبِ وَزُورِ!
أمَالَكَ فِي إسْتِكَ الْوَجْعَاءِ شُغُلٌ *** يكفُّكَ عَنْ أذَى أهْل القُبُورِ!
وسمع أبو العيناءِ عليّ بن الجهم يوماً يطعنُ على أمير المؤمنين، فقال له: أنا أدرِي لم طعن على أمير المؤمنين! فقال: أتعني قصّة بَيْعة أهلي من مصقلة بن هُبيرة؟ قال: لا، أنت أوْضع من لك، ولكنّه علیه السلام قَتَل الفاعل مِنْ قوم لوط، والمفعول به، وأنت أسفلهما.
ومن شعر عليّ بن الجهم لما حبسه المتوكل:
المْ تَرَ مُظهرِينَ عَلَي عَتْباً *** وَهُمْ بالأمس الحوانُ الصَّفَاءِ
فَلَمّا أَنْ بُلِيْتُ غَدَوْا وَراحُوا *** عَلَيَّ أَشَدَّ أَسْبَاب الْبَلَاءِ
أبتْ أخطارُهم أَنْ يَنْصُروني *** بمالٍ أو بجاءٍ أو ثَرَاءٍ
وخافوا أن يقال لهمْ: خَذَلْتمْ *** صَدِيقاً، فادَّعَوْا قِدَمَ الجفاءِ
تضافرت الروافضُ والنصارى *** وأهلُ الاعتزال على هجاء
وَعَابُوني وَمَا ذَنْبي إليهمْ *** سِوَى عِلْمِي بأولَادِ الزِّنَاءِ
يعني بالروافض: نجاح بن مسلمة، والنصارى بَخْتِيشُوع، وأهل الاعتزال علي بن يحيى بن منجِّم.
قال أبو الفَرج: وكان عليُّ بنُ الجهم من الحَشوّية، شديد النَّصْب عدوًّا للتوحيد والعدْل، ما سَخِط المتوكّل على أحمد بن أبي دُوَاد وكفاء، شَمِت به عليّ بن الجهم، فهجاه، وقال:
يَا أَحْمَدُ بْنَ أبي دُوَادٍ دعوة *** بَعَثَتْ عليكَ جَنَادِلاً وَحَديدا
ما هذهِ البِدَعُ التي سميتَها *** - بالجهل منك - العدْلَ والتوحيدا
أفْسَدْتَ أمْرَ الدّين حين وَليتَهُ *** وَرَمَيْتَه بأبي الوليد وليدا
لا مُحْكَماً جَلْدَاً ولا مُسْتَظرَفاً *** كَهْلاً ولا مُسْتَحْدَثاً مَحْمُودًا
شَرهاً إذا ذُكِرَ المكارمُ والعُلَا *** ذَكَرَ القَلَايَا مُبْدئاً ومعيدا
وَيَوَدِّ لو وَيَودْ لو مُسخَتْ ربيعةُ كُلُهَا *** وَينوُ إيادٍ صَحْفَةٌ وَثَرِيدًا
وإذا تَرَبَّعَ في المجالِسِ خِلْتَهُ *** ضَبْعاً وَخِلْتَ بني أبيه قُرُودَا
وإذا تبسَّمَ َضاحِكاً شَبهُنَهُ *** شَرِقَاً تَعَجِّلَ شُرْبَهُ مَرْدُودا
لا أَصْبَحَتْ بالخيرِ عَيْنٌ أَبْصَرَتْ *** تِلْكَ المنَاخِرَ والثَّنايا السُّودَا
وقال يهجوه لما فُلِج:
لَمْ يَبْقَ مِنْكَ سَوَى خيالك لامعاً *** فَوْقَ الفِرَاشِ مُمَهْداً بِوِسَادِ
فرحتْ بمصْرَعك البرِّيةُ كُلُّهَا *** مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُوقِناً بمَعَادِ
كم مجلسٍ لله قَدْعَطُلْتَهُ *** كي لا يحدَّثَ فيه بالإسْنَادِ
وَلَكُمْ مصابيحٍ لنا أطْفَأتَها *** حَتَّى نَحيدَ عن الطريق الهادي
ولكم كريمةِ مَعْشَرٍ أرمَلْتها *** ومُحدّث أوثَقْتَ في الأقيْادِ
إنَّ الأساري في السُّجون تَفَرَّجُوا *** لمّا أنتكَ مَواكِبُ العُوّادِ
وَغَدا لمصرعك الطبيبُ فلم يَجِدْ *** لدواءِ دائِكَ حِيلَة المرتادِ
فذقِ الهوانّ معجِّلا ومؤجَّلاً *** والله ربُّ العَرْشِ بِالمِرصَادِ
لا زال فَالُجِك الّذِي بك دائماً *** وفُجِعْتَ قبل الموت بالأوْلادِ
وروى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» في ترجمة مروان بن أبي حفصة الأصغر أنّ عليّ بن الجَهم خطب امرأة من قريش، فلم يزوّجوه، وبلغ المتوكلَ ذلك، فسأل عن السبب، فحدِّث بقصة بني سامة بن لؤيّ، وأن أبا بكر وعمر لم يُدْخِلاهم في قريش، وأنّ عثمان أدخلهم فيها، وأنّ عليًّا علیه السلام أخرجَهم منها، فارتدّوا، وأنّه قَتَل من ارتدّ منهم، وسَبَى بِقيّتَهم، فباعهم من مَصْقلة بن هُبيرة، فضحك المتوكل، وبعث إلى عليّ بن الجَهْم فأحضره، وأخبره بما قال القوم، وكان فيهم مَرْوان بن أبي حفصة المكنى أبا السّمط وهو مَرْوان الأصغر، وكان المتوكّل يغريه بعلي بن الجهم، ويضعه على هجائه وثَلْبِه، فيضحك منهما، فقال مروان:
إِنَّ جَهْماً حین تَنْسُبُه *** لَيْسَ مِنْ عُجْمٍ وَلَا عَرَبِ
لَجّ في شَتْمِي بَلَا سَبَبٍ *** سارِق للشِّعر والنَّسَبِ
مِنْ أناسٍ يدّعون أباً *** مَالَهُ في النَّاسِ مِنْ عَقِبِ
فغضب عليّ بن الجهم، ولم يجبه لأنه كان يستحقره، فأوما إليه المتوكَّلُ أن يزيده، فقال:
أأنتم يا بُنَ جَهْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ *** وقد باعوکمُ ممّن تُرِیدُ
أترجو أن تكَاثِرَنا جِهاراً *** بأصْلِكُمُ وقد الجُدُودُ
فلم يجبه ابن الجهم، فقال فيه أيضاً:
عليّ تَعَرّضْتَ لِي ضلَّةً *** لجهلك بِالشِّعر يا مائِقُ(1)
تَرُومُ قُرَيْشاً وَأَنْسَابَها *** وأَنْتَ لأنْسَابِهَا سَارِقُ
فإنْ كان سامةُ جَدَّا لَكُمْ *** فَامُّكَ مِنِّي إذاً طَالِقُ
فأمّا نَسَبُ مَصْقلة بن هُبيرة، فإنّ ابنَ الكلبي، قد ذكره في «جمهرة النسب» فقال: هو مَصْقلة بن هُبيرة بن شِبْل بن يثربيّ بن امرىء القيس بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن شَيْبان بن ثعلبة بن عُكَابة بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب بن أَقْصَى بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان.
وأما خبر بني ناجية مع أمير المؤمنين علیه السلام، فقد ذكره إبراهيم بن هلال الثّقفي في كتاب «الغارات» قال:
حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان، عن نصر بن مزاحم، قال: حدثني عمر بن سعد، عمّن حدثه ممن أدرك أمْرَ بني ناجية، قال: لما بايع أهلٌ البصرة عليا بعد الهزيمة، دخلوا في الطاعة غَيْرَ بني نَاجية، فإنهم عَسْكَرُوا، فبعث إليهم عليّ علیه السلام رجلاً من أصحابه في خيل ليقاتِلّهم، فأتاهم، فقال: ما بالُكم عسكرتم، وقد دخل الناس في الطاعة غيركم! فافترقوا ثلاث فرق: فرقة قالوا: كنّا نصارى فأسلمنا، ودخلنا فيما دخل الناس فيه من الفتْنة، ونحن نبايع كما بايع الناس فأمرهم فاعتزلوا. وفرقة قالوا: كنّا نصارى فلم نسلم، وخرجنا مع القوم الذي كانوا خَرَجوا، قهرونا فأخرجونا كَرْهاً، فخرجنا معهم فهُزِموا، فنحن ندخل فيما دخل الناس فيه، ونعطِيكم الجزية كما أعطيناهم، فقال: اعتزلوا فاعتزلوا. وفرقة قالوا: كُنّا نصارى فأسلمنا فلم يُعْجِبْنا الإسلام، فرجَعْنا إلى النصرانية، فنحن نعطِيكم الجزية كما أعطاكم النصارى. فقال لهم: توبوا وارجِعوا إلى الإسلام، فأبْوا، فقتل مقاتلتهم وسَبَى ذراريّهم، وقدم بهم على عليّ علیه السلام(2).
قال ابن هلال الثقفيّ: وروى محمد بن عبد الله بن عثمان، عن أبي سيف، عن الحارث بن كعب الأزدّي، عن عَمّه عبد الله بن قُعَين الأزديّ، قال: كان الخِرِّيت بن راشد النّاجِيّ، أحد
بني ناجِيَة، قد شهد مع علي علیه السلام صِفّين، فجاء إلى عليّ علیه السلام بعد انقضاء صِفّين، وبعد تحكِيم الحَكَمين في ثلاثين من أصحابه، يمشي بينهم حتى قام بين يديه، فقال: لا والله لا أطِيعُ أمرك، ولا أصلّي خَلْفَك، وإني غداً لمفارق لك. فقال له: ثَكِلَتْك أمّك! إذا تنقض عهدَك، وتَعْصِي رَبِّك، ولا تضرّ إلا نفسَك، أخبرْنِي لم تفعلُ ذلك! قال: لأنّك حكّمت في الكتاب، وضعُفت عن الحق إذا جَدّ الجدّ، وركنت إلى القوم الّذي ظلموا أنفسَهم، فأنا عليك رادّ، وعليهم ناقم، ولكم جميعاً مباين.
فقال له عليّ علیه السلام: ويُحكَ! هلمّ إليّ أدارِسْك وأناظرك في السُّنن، وأفاتحْك أموراً من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت الآن له منكر، وتُبْصر ما أنت الآن عنه عم وبه جاهل، فقال الخَرّيت: فإني غادٍ عليك غداً. فقال عليّ علیه السلام: اغْدُ ولا يستهوينّك الشيطان، ولا يتقحْمَنَّ بك رأيُ السوء، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون، فوالله إن استر شدتَني واستنصحتني وقبلت مِنّي لأهدينّك سبيل الرشاد.
فخرج الخرِّيت من عنده مُنْصرفاً إلى أهله.
قال عبد الله بن قُعَين: فعجلت في أثره مُسْرِعاً، وكان لي من بني عَمّه صديق، فأردت أن ألْقَى ابنَ عمه في ذلك، فأعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين، وآمر ابنَ عمه أن يشتدّ بلسانه عليه، وأنْ يأمرَه بطاعة أمير المؤمنين ومُناصحته، ويخبره أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.
قال: فخرجتُ حتى انتهيت إلى منزله - وقد سبقني - فقمت عند باب دار فيها رجال من أصحابه، لم يكونوا شهدوا معه دخوله على أمير المؤمنين علیه السلام، فوالله ما رَجَع ولا ندِم على ما قال لأمير المؤمنين وما رَدّ عليه، ولكنه قال لهم: يا هؤلاء، إننّي قد رأيت أن أفارِق هذا الرجل، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غدٍ، ولا أرى إلا المفارقة، فقال له أكثرُ أصحابه: لا تفعلْ حتى تأتيَه، فإن أتاك بأمرٍ تعرفه قبلتَ منه، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقة! قال لهم: نِعْمَ ما رأيتم، قال: فاستأذنت عليهم فأذنوا لِي، فأقبلت على ابن عَمّه - وهو مدرك بن الريّان النّاجيّ، وكان من كُبراء العرب - فقلت له: إن لك عليّ حقٍّا لإحسانك ووُدّك وحق المسلم على المسلم. إنّ ابن عمك كان منه ما قد ذُكِر لك، فاخلُ به فاردد عليه رأيَه وعظُم عليه ما أتى، واعلم أنّي خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتَلك ونفسه وعشيرته فقال: جزاك الله خيراً من أخ! إن أراد فراق أمير المؤمنين علیه السلام ففي ذلك هلاكه، وإن اختار مُناصحته والإقامة معه ففي ذلك حظه ورُشْده.
قال: فأردت الرجوعَ إلى عليّ علیه السلام، لأعلمه الذي كان، ثم أطمأننتُ إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي، فبتّ ثم أصبحت، فلما ارتفعَ النهارُ أتيتُ أمير المؤمنين علیه السلام، فجلست
عنده ساعة، وأنا أريدُ أنّ أحدِّثه بالذي كان على خَلْوة، فأطلتُ الجلوسَ، ولا يزدادُ الناس إلا كثرة، فدنَوْت منه، فجلست وراءه، فأصغى إليّ برأسه، فأخبرتُه بما سمعته من الخرِّيت، وما قلتُ لابن عمه وما ردّ عليّ، فقال علیه السلام: دَعْه، فإن قَبِل الحقِّ ورجع عرفنا له ذلك وقبلناه منه، فقلت: يا أمير المؤمنين فلمَ لا تأخذه الآن فتستوثِقَ منه؟ فقال: إنّا لو فعلنا هذا بكلّ مَنْ يُتهم من الناس ملأنا السجون منهم، ولا أراني يسعُني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتي يُظهِروا لي الخلاف.
قال: فسكتُّ عنه وتنحّيت، فجلستُ مع أصحابي هُنيهة، فقال لي علیه السلام: أُدن مِنّي، فدنوت، فقال لي مُسِرّاً: اذهب إلى منزل الرجل فاعلَمْ، ما فعل، فإنه قَلّ يومٌ لم يكن يأتيني فيه و قبل هذه الساعة، فأتيتُ إلى منزله، فإذا ليس في منزله منهم دَيَّار، فدُرْتُ على أبواب دور أخرى، كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب فأقبلتُ إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فقال لي حين رآني: أوَطنوا فأقاموا، أم جبنوا فظعنوا؟ قلت: لا بل ظَعَنوا، فقال: أبعدَهم الله كما بَعِدت ثمود! أما والله لو قد أشْرِعَتْ لهم الأسِنّة، وصُبّت على هامهم السيوف لقد نَدِموا، إن الشيطان قد استهواهم وأضلّهم، وهو غداً متبرى منهم، ومُخلِّ عنهم. فقام إليه زياد بن خَصَفة، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّه لو لم يكن من مَضَرّة هؤلاء إلا فراقُهم إيانا لم يعظّم فقدُهم علينا، فإنّهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقَلّما ينقُصون من عددنا بخروجهم منّا، ولكنّا نخاف أن يُفْسِدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدَمون عليهم من أهل طاعتك، فائذن لي في اتّباعهم حتى أردّهم عليك إن شاء الله.
فقال له علیه السلام: فاخرُج في آثارهم راشداً، فلما ذهب ليخرج قال له: وهل تدرِي أين توجه القوم؟ قال: لا والله، ولكنّي أخرج فأسأل وأتْبَعُ الأثر، فقال: أخرج رحمك الله حتى تنزل ديرْ أبي موسى ثم لا تبرحْ حتى يأتيَك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة، فإن عمالي ستكتب إليّ بذلك، وإن كانوا متفرقين مستخفِين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى من حَوْلي من عُمّالي فيهم.
فكتب نسخةً واحدة وأخرجها إلى العمال:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قُرِىء عليه كتابي هذا من العمال، أمّا بعد، فإن رجالاً لنا عندهم تبعة، خرجوا هُرّاباً نظنّهم خرجوا نحو بلادِ البصرة، فاسأل عنهم أهلَ بلادك، واجْعَل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرْضك، ثم اكتب إليّ بما ينتهي إليك عنهم. والسلام.
فخرج زياد بن خَصَفة حتّى أتى داره، وجمع أصحابه فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معشرَ بكرْ بن وائل، إن أميرَ المؤمنين نَدَبني لأمرٍ من أموره مُهِمّ له، وأمرَني بالانكماش فيه بالعشيرة، حتى آتى أمره، وأنتم شيعتُه وأنصاره، وأوثق حَيّ من أحياء العرب في نفسه، فانتدبوا
معي الساعة، وعَجّلوا. فوالله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه مائة وثلاثون رجلاً، فقال: اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء، فخرج حتى قطع الجسْر، ثم أتى دير أبي موسى فنزله، فأقام به بقية يومها ذلك، ينتظر أمرَ أمير المؤمنين علیه السلام.
قال إبراهيم بن هلال: فحدّثني محمد بن عبد الله، عن ابن أبي سيف، عن أبي الصّلت التيميّ، عن أبي سعد، عن عبد الله بن وأل التّيْمي، قال: إنّي لعند أمير المؤمنين، إذا فيجٌ(1)قد جاءه يسعَى بكتاب مِنْ قَرَظة بن كعب بن عمرو والأنصاريّ - وكان أحدَ عماله - فيه:
لعبد الله علي أمير المؤمنين من قرظة بن كعب، سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:
فإني أخبرُ أمير المؤمنين، أن خيلاً مَرّتْ من قِبَل الكوفة متوجهة نحو نِفّر وأنّ رجلاً من دها قين أسفل الفرات قد أسلم وصلّى، يقال له زاذان فروخ، أقبل من عند أخوال له فلُقوه، فقالوا له: أمسلم أنت أم كافر؟ قال: بل مسلم، قالوا: فما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه خيراً، أقول: إنه أمير المؤمنين علیه السلام وسيّد البشر ووصيّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. فقالوا: كفرت یا عدوّ الله! ثم حملتْ عليه عصابة منهم، فقطّعوه بأسيافهم، وأخذوا معه رجلاً من أهل الذمة يهوديًّا، فقالوا له: ما دينك؟ قال: يهوديّ، فقالوا: خَلُّوا سبيلَ هذا، لا سبيلَ لكم عليه، فأقبل إلينا ذلك الذّميّ، فأخبرنا الخبر، وقد سألت عنهم، فلم يخبرني أحد عنهم بشيء، فليكتبْ إلي أمير المؤمنين فيهم برأيٍ أنتِه إليه، إن شاء الله.
أما بعد، فقد فهمتِّ ما ذكرت من أمر العصابة التي مَرّت بعملك، فقتَلِت البَرّ المسلم وأمن عندهم المخالف المشرك، وإنّ أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلُّوا، كالذين حسبوا الا تكون فتنة فعُموا وصَمُّوا، فاسمعْ بهم وأبْصِرْ يوم تُخْبر أعمالهم! فالزم عَمَلك وأقبِلْ عَلَى خراجك، فإنّك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك، والسلام.
قال: فكتب عليّ علیه السلام إلى زياد بن خَصَفة، مع عبد الله بن وآل التيميّ، كتاباً نسخته:
أما بعد، فقد كنتُ أمرتك أن تنزل دَيْر أبي موسى حتى يأتيك أمري، وذلك أنّي لم أكن علمتُ أين توجّه القوم، وقد بلغني أنّهم أخذوا نحو قرية من قُرى السّواد، فاتّيع آثارهم وسل عنهم، فإنّهم قد قتلوا رجلاً من أهل السَّواد مسلماً مُصلياً، فإذا أنتَ لحقتَ بهم فارددهم إليّ فإنْ أبَوْا فناجِزْهم واستعِنْ بالله عليهم، فإنّهم قد فارقوا الحقّ، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل. والسلام.
1) الفيج: رسول السلطان على رجله، فارسي معرب، وقيل: هو الذي يسعى بالكتب. اللسان، مادة (فيج)
قال عبد الله بن وآل: فأخذتُ الكتاب منه علیه السلام - وأنا يومئذٍ شابّ - فمضيت به غيرَ بعيد ثم رجعت إليه، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خَصَفة إلى عدوّك، إذا دفعتُ إليه كتابك؟ فقال: يا بن أخي، افعل، فوالله إنّي لأرجو أن تكونَ من أعواني على الحق وأنصاري على القوم الظالمين قال: فوالله ما أحبّ أنّ لي بمقالتِه تلك حُمْرَ النَّعم، فقلت له: يا أميرَ المؤمنين، أنا والله كذلك مِن أولئك، أنا والله حيث تحبّ.
ثم مضيت إلى زياد بالكتاب، وأنا على فَرس رائع كريم، وعليّ السلاح، فقال لي زياد يا ابن أخي، والله ما لي عنك من غنّى، وإني أحبُّ أن تكونَ معي في وجهي هذا، فقلت: إني قد استأذَنْتُ أمير المؤمنين في ذلك فأذِن لي، فَسُرَّ بذلك، ثم خرجنا حتّى أتينا الموضعَ الذي كانوا عنهم، فقيل: أخذوا نحو المدائن فلحقْناهم، وهم نزول بالمدائن، وقد أقاموا بها يوماً وليلة، وقد استراحوا وعَلَفوا خيولهم، فهم جامّون مريحون، وأتيناهم وقد تقطّعنا ولغِبنا(1)ونصِبنا، فلما رأوّنا وثبوا على خيولهم، فاستووا عليها، فجئنا حتى انتهينا إليهم، فنادى الخرّيت بن راشد: يا عميان القلوب والأبصار، أمعَ الله وكتابه أنتم أم مع القوم الظالمين؟ فقال له زياد بن خَصَفة: بل مع الله وكتابه وسُنّة رسوله، ومع مَنِ الله ورسوله وكتابه أثرُ عنده من الدنيا ثواباً ولو أنّها منذ يوم خلقت إلى يوم تَفْنى لأثر الله عليها. أيّها العُمْي الأبصار، الصم الأسماع!
فقال الخِرّيت: فأخبرونا ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجرّباً رفيقاً: قد ترى ما بنَا من النَّصَب واللّغوب، والذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام عَلَانية على رؤوس أصحابك، ولكن تنزلون ونزل، ثم نخلو جميعاً، فنتذاكر أمرَنا وننظر فيه فإن رأيتَ فيما جئنا له حظًّا لنفسك قبلتَه، وإن رأيت فيما أسمع منك أمراً أرجو فيه العافية لَنَا ولك لم أردّه عليك.
فقال الخرّيت: انزل، فنزل، فأقبل إلينا زياد، فقال: انزلوا عَلَى هذا الماء، فأقبلنا انتهينا إلى الماء، فنزلنا به، فما هو إلاّ أنْ نزلنا فتتفرقنا، فتحلّقْنَا عشرة وتسعة وثمانية وسبعة، تضع كلُّ حلقة طعامها بين أيديها، لتأكل ثم تقوم إلى الماء فتشرب.
وقال لنا زياد: علّقوا على خيولكم، فعلّقنا عليها مخاليَها، ووقف زياد في خمسة فوارس أحدُهم عبد الله بن وألٍ بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحَّوْا، فنزلوا وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرُّقنا وتحلّقنا، قال: سبحان الله! أنتم أصحاب حرب! والله لو أنّ هؤلاء جاؤكم الساعة على هذه الحالة ما أرادوا من غِرّتكم أفضلَ من أعمالكم التي أنتم عليها عجّلوا، قوموا إلى خيولكم. فأسرعنا فمنّا من يتوضأ، ومنا مَنْ يشرب، ومنّا مَنْ يسقي فرسَه، حتى إذا فرغنا من
1) لغب: أعيا أشد الإعياء. القاموس، مادة (الغب)
ذلك أتينا زياداً، وإنّ في يده لَعَرْقاً ينهسُه، فنهس منه نهستين أو ثلاثة، ثم أتى بإداوة فيها ماء، فشرب ثم ألقى الْعَرْق من يده، وقال: يا هؤلاء، إنا قد لَقِينا العدوّ، وإنّ القوم لفي عُدّتكم، ولقد حَزَرتُهم فما أظنّ أحدَ الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر، فإنّي أرى أمركم وأمرهم سيصير إلى القتال، فإن كان ذلك فلا تكونوا أعجزَ الفريقين.
ثم قال: ليأخذ كلُّ رجل منكم بعنان فرسه، فإذا دنوتُ منهم وكلّمت صاحبَهم، فإن تابَعني على ما أريد، وإلا فإذا دعوتُكم فاستَوُوا على مُتُون خيلكم، ثم أقبلوا معاً غيرَ متفرّقين. ثم استقدّم أمامنا وأنا معه، فسمعتُ رجلاً من القوم يقول: جاءكم القومُ وهم كالُّون مُعْيون، وأنتم جامُّون مُرِيحوُن، فتركتُموهم حتى نَزَلُوا فأكلوا وشرِبوا، وأراحوا دوابَّهم، هذا والله الرأي.
قال: ودعاء زيادٌ صاحبَهم الخرّيت، فقال له: اعتزل ننظر في أمرنا، فأقبل إليه في خمسة نفر، فقلتُ لزياد: أدعو لك ثلاثةَ نَفَر من أصحابنا، حتى نَلْقاهم في عَدَدهم؟ فقال: ادع مَنْ أحببتَ. فعدوت له ثلاثة، فكنا خمسة وهم خمسة.
فقال له زياد: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماماً، ولم أرضَ بسيرتكم سيرة، فرأيتُ أنْ اعتزِل، وأكون مع مَنْ يدعو إلى الشورى بين الناس، فإذا اجتمع الناسُ على رجل هو لجميع الأمة رِضاً منتُ مع الناس. فقال زياد: ويحكَ! وهل يجتمع الناس على رجل يُداني عليًّا عالماً بالله وبكتابه وسنة رسوله، مع قرابتِه وسابقتِه في الإسلام! فقال الخِرّيت: هو ما أقول لك، فقال: ففيم قتلتم الرجل المسلم؟ فقال الخِرّيت: ما أنا قتلتُه، قتلْته طائفة من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا قال: ما إلى ذلك من سبیل، قال: أو هكذا أنت فاعل! قال: هو ما تسمع.
قال: فدعوْنا أصحابنا، ودعا الخِرّيت أصحابَه، ثم اقتتلنا، فوالله ما رأيت قِتالاً مثله منذ خلقني الله، لقد تطاعَنّا بالرماح حتى لم يبقَ في أيدينا رُمْح، ثم اضطربنا بالسيوفِ حتى انحنت، وعُقرت عامّة خيلنا وخَيْلهم، وكَثُرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقُتِل مِنّا رجلان: مولىَ لزياد، كانت معه رايتُه يدعى سويداً، ورجل من الأبناء يدعى واقد بن بكْر، وصُرِع منهم خمسة نَفَر، وحالَ الليلُ بيننا وبينهم، وقد والله كرِهُونا وكرهناهم، وهَرُّونَا(1)وهَرَرْنَاهم، وقد جرح زياد وجِرِحْت. ثم إنا بتْنا في جانب وتنحَّوْا فمكثُوا ساعة من الليل ثم مضوْا، فذهبوا وأصبَحْنا، فوجدناهم قد ذهبوا، فوالله ما كرهنا ذلك، فمضينا حتى أتينا البَصْرة، وبلغنا أنّهم أتوا الأهواز، فنزلوا في جانب منها، وتلاحقَ بهم ناسٌ من أصحابهم نحو مائتين كانوا معهم بالكوفة، لم يكن لهم من القوّة ما ينهضُون به معهم حين نَهَضوا، فاتبعوهم من بَعْد لحوقهم بالأهواز، فأقاموا معهم.
1) هرَّه: كرهه. اللسان، مادة (هرر)
قال: وكتَب زياد بن خَصَفة إلى عليّ علیه السلام:
أما بعد، فإنا لقينا عدوّ الله النّاجيّ وأصحابه بالمدائن، فدعوناهم إلى الهُدَى والحقّ وكلمة عن السواء، فتولّوا عن الحقّ وأخذتهم العزة بالإثم، وزَيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم السبيل، فقصَدُونا وصَمدْنا صَمَدَهم، فاقتتلنا قتالاً شديداً ما بين قائم الظهر إلى أن دَلَكت الشمس، واستشهد منّا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسة نفر، وخَلَّوْا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إنّ القوم لما أدركوا الليل خَرَجوا من تحته متنكّرين إلى أرض الأهواز، وقد بلغني أنّهم نزلوا من الأهواز جانباً. ونحن بالبصرة نداوِي جراحنا، وننتظر أمرَك رحمك الله. والسلام.
فلما أتاه الكتاب، قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قَيْس الرِّياحيّ، فقال: أصلحك الله يا أمير المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مكان كلّ رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم! عشرة من المسلمين، فإذا لحِقُوهم استأصلوا شأفتَهم(1)، وقطعوا دابرهُم، فأما أن تلقاهم بأعدادهم فلعمري ليصبرُنّ لهم، فإنّهم قوم عرَب، والعُدّة تصبر للعدّة، فيقاتلون كل القتال.
قال: فقال علیه السلام له: تجهَّزْ يا معقِل إليهم، ونَدَب معه ألفين من أهل الكوفة، فيهم يزيد بن معقَّل، وكتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرة رحمه الله تعالى:
أمّا بعد، فابعثْ رجلاً من قِبَلِك صليباً شجاعاً، معروفاً بالصلاح في ألَفْي رجل من أهل البَصْرة، فليتْبع معقل بن قيس، فإذا خرج من أرض البَصْرة، فهو أميرُ أصحابه حتى يَلْقى معقِلاً، فإذا لقيه فمعقل أميرُ الفريقين، فليسمعْ منه وليُطِعْه ولا يخالفه، ومُرْ زياد بن خَصَفة فليُقْبِلْ إلينا، فنعم المرء زياد، ونعم القَبِيلُ قبيله والسلام.
قال: وكتب علیه السلام إلى زياد بن خَصَفة:
أما بعد، فقد بلغني كتابُك، وفهمت ما ذكرت به الناجِيّ وأصحابه، الذين طبع الله على قلوبهم، وزيّن لهم الشيطانُ أعمالهم، فهم حَيَارى عَمُون، يَحْسِبون أنّهم يُحْسِنون صُنْعاً، ووصفْتَ ما بلغ بك وبهم الأمر، فأما أنت وأصحابك فللّه سعيُكم وعليه جزاؤكم! وأيسرُ ثواب الله للمؤمن خَيرٌ له من الدنيا التي يُقبل الجاهلون بأنفسهم عليها، ف«مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(2): وأما عدوّكم الذين لقِيتم فحسبُهم خروجهم من الهُدَى، وارتكاسُهم في الضّلالة، وردّهم الحقَّ، وجِماحُهم التِّيه، فذرْهم وما يفترون، ودَعْهم في طُغيانهم يعمهون، فاسْمِع بهم وابصر، فكأنك بهم عن قليل بين أسير
وقَتِيل، فَأقْبِل إلينا أنت وأصحابُك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء. والسلام.
قال: ونزل الناجِيّ جانباً من الأهواز، واجتمع إليه علوجٌ كثير من أهلها، مِمّن أراد كَسْر الخراج ومن اللصوص، وطائفة أخرى من الأعراب ترى رأيه.
قال إبراهيم بن هلال: فحدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني ابن أبي سيف، عن الحارث بن كَعْب، عن عبد الله بن قُعَين، قال: كنت أنا وأخي كَعْب بن قُعَين في ذلك الجيش مع مَعْقل بن قيس، فلما أراد الخروج أتى أميرَ المؤمنين علیه السلام يودّعه، فقال: يا معقل بن قيس، اتقِّ الله ما استطعت، فإنَّه وصية الله للمؤمنين، لا تَبْغِ على أهل القِبْلة، ولا تَظْلِمْ أهلَ الذِّمة ولا تتكبّر، فإنّ الله لا يحبُّ المتكبّرين. فقال معقل: الله المستعان، فقال: خيرُ مستعان.
ثم قام فخرَج، وَخرجْنا معه، حتى نَزَل الأهواز، فأقمنا ننتظر بَعْثَ البصرة، فأبطأ علينا، فقام مَعْقِل فقال: أيُّها الناس، إنّا قد انتظرنا أهلَ البَصْرة، وقد أبظؤوا علينا، وليس بنا بحمد الله قِلّة ولا وَحْشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدوّ القليل الذُّليل، فإنى أرجو أن ينصرَكم الله ويُهلكهم. فقام إليه أخي كعب بن قُعين فقال: أصبتَ إن شاء الله رأينا رأيك، وإني لأرجُوا أن ينصرنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى، فإنّ في الموت على الحقّ لتعزيةً عن الدنيا. فقال: سيروا على بركة الله. فسِرْنا، فوالله ما زال معقل بن قيس لي ولأخي مكرِماً واداً، ما يعدِلُ بنا أحداً من الجند، ولا يزال يقول لأخي: كيف قلت: إن في الموتِ على الحقّ لتعزيةً عن الدنيا! صدقت والله وأحسنت، ووفقت وفّقك الله قال: فوالله ما سِرْنا يومًا، وإذا بفيْج يشتدّ بصحيفة يده.
من عبد الله بن عباس إلى مَعْقل بن قيس، أما بعد، فإنْ أدركَك رسولي بالمكان الذي كنتَ مقيماً به، أو أدركك وقد شَخَصْت منه، فلا تبرحَنّ من المكان الذي ينتهي إليك رسولي وأنت فيه، حتى يقدَم عليك بعثُنا الذي وجّهناه إليك، فقد وجّهْت إليك خالد بن معدان الطائِيّ، وهو من أهل الدّين والصلاح والنجدة، فاسمع منه واعرِف ذلك له إن شاء الله. والسلام.
قال: فقرأه معقِل بن قيس على أصحابه. فسرُّوا به، وحَمِدو الله، وقد كان ذلك الوجه هَالَهم. وأقمنا حتى قَدِم علينا خالد قدم علينا خالد بن معدان الطائيّ، وجاءنا حتى دخَلَ على صاحبنا، فسّلم عليه بالإمْرة، واجتمعنا جميعاً في عسكر واحد، ثم خرجنا إلى الناجيّ وأصحابه، فأخذوا يرتفعون نحو جِبال رَامَهُرْمُز، يريدون قلعة حصينة، وجاءنا أهل البلد، فأخبرونا بذلك، فخرجنا في آثارهم فلحقناهم، وقد دنَوْا من الجبل، فصففنا لهم، ثم أقبلنا نحوهم، فجعل مَعْقِل على ميمنته يزيد بن المعقل الأزديّ، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبيّ، ووقف الخِرّيت بن راشد الناجِيّ بمن معه من العَرب، فكانوا ميمنة، وجعلَ أهلَ البلد والعلُوجَ ومَنْ أراد كسر الخراج وجماعة من الأكراد ميسرة.
قال: وسار فينا مَعْقِل يحرّضنا، ويقول: يا عباد الله، لا تبدؤوا القوم، وخُضُّوا الأبصار، وأقلّوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضَّرْب، وأبشروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقةً مَرَقَتْ وعلُوجاً منعوا الخراج، ولصوصاً وأكراداً، فما تنتظرون! فإذا حملتُ فشدّوا شِدّة رجل واحد.
قال: فمرّ في الصفّ يكلّمهم، يقول هذه المقالة، حتى إذا مَرّ بالناس كلِّهم أقبل فوقف وسط الصفّ في القَلْب، ونظرنا إليه ما يصنع، فحرّك رأسَه تحرِيكتين، ثم حَمَل في الثالثة، وحَمَلْنا جميعاً، فوالله ما صَبَرُوا لنا ساعة حتى ولّوا وانهزموا، وقتلنا سبعين عَرَبيًّا من بني وحَمَلْنا ناجية، ومن بعضِ من اتّبعه من العرب، ونحو ثلاثمائة من العلُوج والأكراد.
قال كعب: ونظرتُ، فإذا صديقي مدرك بن الرّيان قتيلاً، وخرج الخِرّيت منهزماً، حتى لحق بِسيف من أسْياف البحر، وبها جماعةٌ من قومه كثير، فما زال يسيرُ فيهم ويدعوهم إلى خلاف عليّ علیه السلام، ويزّين لهم فِراقه، ويخبرهم أن الهُدَى في حربه ومخالفته، حتى اتبعه منهم ناس كثير.
وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى أمير المؤمنين علیه السلام بالفَتْح، وكنت أنا الذي قَدِم بالكتاب عليه، وكان في الكتاب:
لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، من مَعقل بن قيس. سلام عليك، فإني أحْمَد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو. أما بعد فإنّا لقِينا المارقين، وقد استظهروا علينا بالمشركين، فقتلنا منهم ناساً كثيراً ولم نَعْدُ فيهم سيرتك فلم نقتلْ منهم مُدْبِراً ولا أسيراً، ولم نُذَفّفْ منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
قال: فلما قدمتُ بالكتاب على عليّ علیه السلام، قرأه على أصحاب، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأيُ عامتّهم على قول واحد. قالوا: نرى أنْ تكتُبَ إلى معقل بن قيس، يَتَبْع آثارهم، ولا يزال في طلبهم حتى يقتلَهم أو ينفيَهم من أرض الإسلام، فإنا لا نأمن أن يُفْسِدوا عليك الناس.
قال: فردّني إليه، وكتب معي:
أما بعد، فالحمدُ الله على تأييده أولياءه، وخَذْله أعداءه، جزاك الله والمسلمين خيراً، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، فاسأل عن أخي بني ناجية، فإنْ بَلَغَك أنه استقرّ في بلدٍ من البلدان، فسِرْ إليه حتى تقتله أو تنفيَه، فإنّه لم يزل للمسلمين عدوُّا، وللفاسقين وليًّا، والسلام.
قال: فسأل مَعْقل عن مسيره والمكان الذي انتهى إليه، فنُبِّىء بمكان بسيف البحر بفارس وأنه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ علیه السلام، وأفسد مَنْ قبله من عبد القيس، ومَنْ والاهم من سائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صِفّين، ومنعوها في ذلك العام أيضاً، فسار إليهم
معقِل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة والبصرة، فأخذوا على أرض فارس، حتى انتهوا إلى أسياف البحر، فلما سمع الخِرِّيتُ بن راشد بمسيرِه، أقبل على من كان معه من أصحابه مِمّن يرى رأي الخوارج، فأسَرّ إليهم: إني أرى رأيكم، وإن عليًّا ما كان ينبغي له أن يُحَكِّم الرجال في دين الله، وقال لمن يرى رأيَ عثمان وأصحابه: إنّا على رأيكم، وإنّ عثمان قُتِل مظلوماً معقولاً. وقال لمن منع الصَّدَقة: شُدّوا أيديكم على صداقتكم، ثم صِلُوا بها أرحامكم، وعودوا إن شئتم على فقرائكم، فأرضَى كلّ طائفة بضرب من القول، وكان فيهم نصارى كثير، وقد كانوا أسلموا، فلما رأوْا ذلك الاختلاف، قالوا: والله لَديننا الذي خرجنا منه خيرٌ وأهْدَى من دين هؤلاء الذين لا ينهاههم دينُهم عن سفك الدماء، وإخافة السُّبل، فرجعوا إلى دينهم.
فلقي الخرِّيت أولئك، فقال: وَيُحكم! إنّه لا يُنْجِيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم ولقتالهم، أتدرون ما حُكْم عليّ فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى النصرانية؟ لا والله لا يسمعُ له قولاً، ولا يَرَى له عذراً، ولا يَقبل منه توبة، ولا يدعوه إليها، وإنّ حكمه فيه أن يُضْرَب عنقه ساعة يُسْتَمْكن منه، فما زال حتى خَدَعهم وجاءهم مَنْ كان من بني ناجية في تلك الناحية ومن غيرهم، فاجتمع إليه ناس كثير، وكان مُنْكراً داهياً.
قال: فلما رجع مَعْقَل، قرأ على أصحابه كتاباً من عليّ علیه السلام فيها:
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى مَنْ قُرِىءَ عليه كتابي هذا، مِنَ المسلمين والمؤمنين والمارقين والنصارى والمرتدين. سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه، والبعث بعد الموت وافياً بعهد الله، ولم يكن مِن الخائنين، أما بعدُ فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأنْ أعملَ فيكم بالحق وبما أمر الله تعالى في كتابه، فَمَنْ رجع منكم إلى رَحْله وكفّ يده، واعتزل هذا المارق الهالك المحارِب، الذي حارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فساداً، فله الأمان على ماله ودمِه. ومَن تابعه على حربِنا والخروج من طاعتِنا، استعنّا بالله عليه، وجعلناه بيننا وبينه، وكفى بالله وليّاً. والسلام.
قال: فأخرج معقل رايةَ أمانٍ فنصبها، وقال: مَنْ أتاها مِنَ الناس فهو آمن إلا الخِرّيت وأصحابه الذين نابذوا أوّل مرة، فتفرق عن الخرّيت كلُّ من كان معه مِن غير قومه، وعَبّاً معقل بن قيس أصحابه، ثم زحف بهم نحوه، وقد حَضَر مع الخِرّيت جميع قومه! مسلمهم ونَصرانيّهم، وما نعى الصدقة منهم، فجعل مسلميهم يَمْنة، والنصارى وما نعى الصدقة يَسْرة، وجعل يقول لقومه: امنعُوا اليوم حريمَكم، وقاتلوا عن نسائكم وأولادِكم، والله لئن ظهروا عليهم ليقتُلُنكم ولَيَسْلُبنّكم.
فقال له رجل منْ قومه: هذا والله ما جرَّتْهُ علينا يدُك ولسانك، فقال لهم: قاتلوا فقد سبقَ السيفُ العذَل.
قال: وسار معقِل بن قيس يحرّض أصحابَه فيما بين الميمنة والميسرة، ويقول: أيّها الناس ما تدرون ما سبق إليكم في هذا الموقف ممن الأجر العظيم! إن الله ساقكم إلى قوم مَنَعُوا! الصدقة، وارتدّوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلماً وعدواناً، إني شهيد لمن قُتِل منكم بالجنة، ومن عاش بأن الله يُقِرّ عينه بالفتح والغنيمة، ففعل ذلك حتى مَرّ بالناس أجمعين، ثم وقف في القَلْب برايته، وبعث إلى يزيد بن المعقل الأزديّ، وهو في الميمنة، أن أحمِلْ عليهم، فحمل فثبتوا له، فقاتل طويلاً وقاتلوه، ثم رجع حتى وقف موقِفَه الذي كان فيه من الميمنة، ثم بعث إلى المنجاب بن راشد الضبيّ، وهو في الميسرة: أن أحْمِل عليهم، فحمل فثبتوا له، فقاتل طويلاً وقاتلوه، ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان في الميسرة، ثم بعث معقل إلى ميمنته وميسرته: إذا حملتُ فاحملوا جميعاً. ثم أجرى فرسَه وضربها، وحمل أصحابه، فصبروا لهم ساعة.
ثم إنّ النعمان بن صهبان الراسبيّ بَصُر بالخِرّيت، فحمل عليه، فصرَعه عن فرسه، ثم نزل إليه وقد جَرَحه، فاختلفا بينهما ضربتين، فقتله النعمان وقُتِل معه في المعركة سبعون ومائة، وذهب الباقون في الأرض يميناً وشمالاً، وبعث معقِل الخيل إلى رحالهم، فسبيَ من أدرك فيها رجالاً ونساءً وصبياناً، ثم نظر فيهم، فَمَنْ كان مسلماً خلاه وأخذ بيعتَه، وخلَّى سبيل عيالِه، ومَنْ كان ارتدْ عن الإسلام عَرَض عليه الرجوعَ إلى الإسلام وإلاّ القتل، فأسلموا. فخّلى سبيلَهم، وسبيلَ عيالاتهم، إلا شيخاً منهم نصرانياً يقال له: الرماحس بن منصور، فإنه قال: والله ما زلت مصيباً من ديني دين الصدق، إلى دينكم، دين السوء، لا والله لا أدَعُ ديني ولا أقرَبُ دينكم ما حييت.
فقدّمه معقِل فضرب عنقه، وجمع الناس، فقال: أدّوا ما عليكم في هذه السنين من الصَّدَقة، فأخذ من المسلمين عِقالين، وعَمَد إلى النصارى وعِيالاتهم فاحتملهم معه، وأقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيّعونهم، فأمر معقل يردّهم، فلما ذهبوا لينصرفوا، تصايَحوا ودعا الرجال والنساء بعضَهم إلى بعض.
أما بعد، فإني أخبر أميرَ المؤمنين عن جُنْده وعن عدوه أنّا دفعنا إلى عدونا بأسْياف البحر، فوجدْنا بها قبائل ذات حَدّ وعدد، وقد جمعوا لنا، فدعوناهم إلى الجماعة والطاعة، وإلى حُكْم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين علیه السلام، ورفعنا لهم راية أمان، فمالت إلينا طائفة منهم، وثبتت طائفة أخرى، فقبِلنا أمر التي أقبلت وصمدنا إلى التي أدبرتُ، فضرب الله وجوههم، ونَصَرَنا عليهم، فأما مَنْ كان مسلماً، فإنّا مننّا عليه، وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأمّا مَنْ ارتدّ فعرَضْنا عليهم الرجوع إلى الإسلام، وإلا قتلناهم، فرجعوا إلى الإسلام، غيرَ رجل واحد فقتلناه، وأمّا النصارى، فإنّا سبيْناهم وأقبلنا
بهم، ليكونوا نكالاً لمن بعدهم من أهلِ الذِّمة، كي لا يمنعوا الجزية، ولا يجترؤوا على قتال أهل القِبْلة، وهم للصَّغار والذلة أهلٌ. رحمك الله يا أمير المؤمنين، وعليك الصلاة والسلام وأوجب لك جنات النعيم. والسلام.
قال: ثم أقبل الأساري حتى مرّ على مَصْقلة بن هُبيرة الشيبانيّ، وهو عامل لعليّ علیه السلام على أردَشير خُرّة وهم خمسمائة إنسان، فبكى إليه النساء والصبيان، وتصايح الرجال: يا أبا الفضل، يا حامل الثَّقَل، يا مُؤوي الضعيف، وفَكاك العصاة، امنن علينا فاشترنا وأعتْقنا. فقال: مصقلة: أقْسم بالله لأتصدقنّ عليهم، إن الله يجزي المتصدّقين. فبلغ قولُه معقلَ بن قيس، فقال: والله لو أعلمه قالها توجُّعاً لهم وإزراء عليّ لضربتُ عنقه، وإن كان في ذلك فناءُ بني تميم وبكر بن وائل.
ثم إن مصقلة بعث ذُهل بن الحارث الذهليّ إلى معقل، فقال: بعثني نصارى ناجية، فقال: أبيعكهم بألف ألف درهم، فأبى عليه، فلم يزل يُراوده حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم، ودفعَهم إليه، وقال: عَجِّل بالمال إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فقال مصقلة: أنا باعث الآن بصَدْر منه، ثم أتبعك بصَدْرٍ آخر، ثم كذلك حتى لا يَبْقى منه شيء. وأقبل معقل إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فأخبره بما كان من الأمر، فقال له: أحسنَت وأصبت وَوُفقت.
وانتظر عليّ علیه السلام مصقلة أن يبعث بالمال، فأبطأ به. وبلغ عليًّا علیه السلام أنّ مصقلة خلَّى الأسارى ولم يسألهم أن يُعينوه في فَكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة، ولا أراكم إلا ستروْنه عَنْ قريب مُبَلْدَحاً(1)، ثم كتب إليه:
أما بعد، فإنّ من أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغِشّ على أهل المِصْر غِشّ الإمام، وعندك من حَقٌّ المسلمين خمسمائة ألف درهم، فابعث بها إليّ حين يأتيك رسولي، وإلا فأقبِلْ إليّ حين تنظر في كتابي، فإني قد تقدمت إلى رسولي ألاّ يدعَك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك، إلا أن تبعث بالمال. والسلام.
وكان الرسول أبو جُرّة الحنفي، فقال له أبو جُرّة: إن تبعث بهذا المال وإلا فاشخَصْ معي إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البَصرة، وكان العمال يحملون المال من كُور البصرة إلى ابن عباس، فيكونُ ابن عباس هو الذي يبعثُ به إلى أمير المؤمنين علیه السلام، ثم أقبل من البَصْرة حتى أتى علياً علیه السلام بالكوفة، فأقرّه أياماً لم يذكر له شيئاً، ثم سأله المال، فأدى إليه مائتي ألف درهم، وعَجَز عن الباقي.
1) بلدح الرجل: أعيا وبلد. اللسان، مادة (بلدح)
قال: فروى ابن أبي سيف، عن أبي الصَّلت، عن ذَهل بن الحارث، قال دعاني مَصْقَلة إلى رحله، فقدَّم عشاء فطعمنا منه، ثم قال: والله إنّ أمير المؤمنين علیه السلام يسألُني هذا المال، ووالله ما أقدر عليه، فقلت له: لو شئت لم يمضِ عليك جُمعة حتى تجمعَ هذا المال، فقال: ما كنت لأحمّلها قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد.
ثم قال: والله لو أن ابن هند مطالبِي بها، أو ابن عفّان لتركها لي. ألم تر إلى عثمان كيف أعطى الأشعثَ مائة ألف درهم من خراج أذْرَبيجان في كل سنة! فقلت: إنّ هذا لا يَرى ذلك الرأي، وما هو بتارك لك شيئاً. فسكت ساعة، وسكتُّ عنه، فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية.
فبلغ ذلك عليَّا علیه السلام فقال: ما له تَرَّحَهُ الله! فَعَلَ فِعْل السَّيّد وفَرّ فرار العبد، وخان خيانة الفاجر، أما إنه لو أقام فَعَجز ما زدنا على حَبْسه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه، وإن لم نجد له مالاً تركناه. ثم سار عليٌّ علیه السلام إلى داره فهدمها.
وكان أخوه نعيم بن هبيرة الشيباني شيعةً لعلي علیه السلام، مناصخاً، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تَغْلِب، يقال له حُلْوان:
أما بعد فإني كلمت معاوية فيك، فوعدك الكرامة، ومناك الإمارة، فأقبل ساعة تلقى رسولي والسلام.
فأخذه مالك بن كعب الأرحبيّ فسرح به إلى عليّ علیه السلام، فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده، فمات. وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة شعراً لم يردّه عليه:
لا ترمينّ هَدَاك الله معترِضاً *** بالظنّ منك فما بالي وحُلْوانا
ذاكَ الحريصُ على ما نالَ من طَمَع *** وَهُوَ البعيدُ فَلَا يُورِثْك أحزانا
مَاذَا أَرَدْت إلى إرسالِهِ سَفَهاً *** تَرْجُو سِقَاط امرى، لم يُلْفَ وَسْنَانًا
عَرَّضْتَه لِعَلِيّ إنه أسَدٌ *** يَمْشِي الْعِرَضْنَة مِنْ آسادِ خَفَّانا
قَدْ كُنْتَ في خَيْرِ مُصطَافٍ وَمُرْتَبَعِ *** تَحْمِي العِرَاقَ وَتُدْعَى خَيْرَ شَيْبَانا
حَتَّى تَقحُمْتَ أَمراً كُنتَ تكرههُ *** لِلرّاكِبينَ لَهُ سِرًّا وَإِعْلَانَا
لَوْ كُنت أذيْتَ مال الله مصطبِراً *** للحقِّ زَكِّيت أحْيَانَا ومَوْتانَا
لكِنْ لَحِقْتَ بأهْلِ الشَّام ملتَمِساً *** فَضْلَ ابن هندٍ فَذَاكَ الرأيُ أشْجَانَا
فاليَوْمَ تقرَعُ سِنّ العَجْزِ من ندمٍ *** مَاذَا تقولُ وقَدْ كَانَ الذين كانا!
أصْبَحْتَ تُبْغضك الأحياة قاطبةً *** لم يَرْفَعِ اللهُ بالعصْيان إنسانا
فلما بلغ الكتاب إليه علم أنّ النصرانيّ قد هلك، ولم يلبَث التغَلِبيّون إلا قليلاً حتى بلَغهم
هلاكُ صاحبهم، فأتوا مَصقَلة، فقالوا: أنت أهلكت صاحبنا، فإما أن تجيئنا به، وإما أن تَدِيَهُ، فقال: أما أنْ أجِيء به، فلست أستطيع ذلك، وأما أنْ أدِيَه فنَعم، فَوَداه.
قال إبراهيم: وحدثني ابن أبي سيف، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه قال: قيل العليّ علیه السلام حين هرب مَصْقَلة: اردد الذين سُبُوا ولم تستوف أثمانَهم في الرّقّ، فقال: ليس ذلك في القضاء بحق، قد عَتَقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم، وصار مالي ديناً على الذي اشتراهم.
وروى إبراهيم أيضاً، عن إبراهيم بن ميمون، عن عمرو بن القاسم بن حبيب الثّمار، عن عمار الدُّهني، قال: لما هرب مصقلة قال أصحابُ عليّ علیه السلام له: يا أميرَ المؤمنين، فَيئنَا! قال: إنه قد صار علَى غَريم من الغرماء، فاطلبوه.
وقال ظبيان بن عُمارة، أحد بني سعد بن زيد مناة في بني ناجية:
هَلا صَبَرْت لِلقراع ناجيَا *** والمرْهَقَاتِ تَخْتَلِي الهَوادِيا
والطَّعْنِ في نُحوركم تَوَاليا *** وصائباتِ الأسهم القواضيا
وقال ظَبْيان أيضاً:
ألا فاصبرُوا للطعن والضَّرْب ناجيا *** وللمرهفَات يختلين الهوادِيا
فَقَدْ صَبّ ربُّ الناس خِزْياً عَلَيْكُمُ *** وَصَيَّركُمْ مِنْ بَعْدِ عِزّ مواليا
سَمَا لَكُمْ ِبالخَيْلِ جُرْداً عواديا *** أخو ثقة لا يبرح الدهر غازيا
فصبّحكمْ في رَحْلِكم وخُيولكم *** بِضَرْبٍ يُرى منه المدّجّجُ هاويَا
فَأَصْبَحتُمُ من بعد عِزِّ وكثرةٍ *** عبيدَ العصا لا تمنعون الذَّرَاريَا
قال إبراهيم بن هلال: وروى عبد الرحمن بن حبيب، عن أبيه، أنه لما بلغ عليًّا علیه السلام مصابُ بني ناجية، وقتلُ صاحبهم، قال: هوتْ أمّه! ما كان أنقصَ عقله وأجراه! إنه جاءني فقال: إن في أصحابك رجالاً قد خشيت أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت: إني لا آخذُ على التّهمة، ولا أعاقب على الظّن، ولا أقاتل إلاّ مَنْ خالفني وناصَبَني، وأظهر العداوة لي، ثم لست مقاتلَه حتى أدعوه وأعِذْرَ إليه، فإن تاب ورجع قبِلنا منه، وإن أبى إلا الاعتزامَ على استعنا بالله عليه، وناجزناه. فكفّ عني ما شاء الله، ثم جاءني مرة أخرى فقال لي: إني قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب وزيد بن حصين الطائي، إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتهما لم تفارقهما حتى تقتَلهما أو توثِقهما، فلا يزالان بمحبسك أبداً فقلت له: إنّي مستشيرُك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: إني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابَهما، فعلمتُ أنّه لا ورعَ له ولا عقل. فقلت له: والله ما أظنّ لك ورعاً ولا عقلاً، لقد كان ينبغي لك أنْ تعلم أني
لا أقتل مَنْ لم يقاتلني، ولم يظهر لي عداوته للذي كنت أعلمتُكَه من رأيي، حيث جئتني في المرة الأولى، ولقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي: اتقِ الله؛ بم تستحل قتلهم، ولم يقتلوا أحداً، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك!
فأمّا ما يقوله الفقهاء في مثل هذا السَّبْي، فقبل أن نذكر ذلك نقول: إنّ الرواية قد اختلفت في المرتدّين من بني ناجية، فالرواية الأولى التي رواها محمد بن عبد الله بن عثمان، عن نصر بن مزاحم، تتضّمن أنّ الأمير الذي من قِبَل عليّ علیه السلام قتل مقاتلة المرتدين منهم بعد امتناعهم من العوْد إلى الإسلام، وسَبَى ذراريهم، فقدم بها على علي ، فعلى هذه الرواية يكون الذين اشتراهم مَصْقَلة ذراري أهل الرّدّة.
والرواية الثانية التي رواها محمد بن عبد الله، عن ابن أبي سيف، تتضمّن أن معقِل بن قيس، الأمير من قِبَل علي علیه السلام لم يقتل من المرتدِّين من بني ناجية إلا رجلاً واحداً، وأمّا الباقون فرجعوا إلى الإسلام، والاسترقاقُ إنما كان للنصارى الذين ساعدوا في الحرب وشَهَروا السيف على جيش الإمام، وليسوا مرتدِّين، بل نصارى في الأصل، وهم الذين اشتراهم مَصْقلة.
فإن كانت الرواية الأولى هي الصحيحة ففيها إشكال، لأنّ المرتدّين لا يجوز عند الفقهاء استرقاقُهم، ولا أعرف خلافاً في هذه المسألة، ولا أظنّ الإماميّة أيضاً تخالف فيها، وإنما ذهب أبو حنيفة إلى أنّ المرأة المرتدّة إذا لحقت بدار الحرب جاز استرقاقُها، وسائر الفقهاء على خلافه، ولم يختلفوا في أنّ الذكور البالغين من المرتدّين لا يجوز استرقاقهم فلا أعلم كيف وقع استرقاق المرتدين من بني ناجية على هذه الرواية، على أني أرى أن الرواية المذكورة. لم يصرح بها في أسترقاقهم،، ولا بأنهم بيعوا على مَصْقلة، لأن لفظ الراوي: «فأبوا، فقتَل مقاتلتهم وسبي ذراريّهم فقدم بهم على عليّ علیه السلام»، وليس في الرواية ذكر استرقاقهم ولا بَيْعهم على مصقلة، بل فيها ما ينافي بَيْعهم على مصقلة. وهو قوله: فقدم بهم على عليّ علیه السلام»، فإن مصقلة ابتاعَ السِّبي من الطريق في أرْدَشِير خُرّة قبل قدومه على عليّ علیه السلام، ولفظ الخبر: «فقدم بهم على عليّ علیه السلام».
وإنما يبقى الإشكال على هذه الرواية أن يقال: إذا كان قد قدم بهم على عليّ علیه السلام، فمصقلة من اشترى! ولا يمكن دفع كون مصقلة اشترى قوماً في الجملة، فإن الخبر بذلك مشهور جداً يكاد يكون متواتراً.
فإن قيل: فما قولُكم فيما إذا ارتدّ البالغون من الرجال والنساء، ثم أولدوا ذرية صغار بعد الردّة، هل يجوز استرقاق الأولاد؟ فإن كان يجوز، فهّلا حملتم الخبر عليه!
قيل: إذا ارتدّ الزوجان فحملتْ منه في حال الردّة وأنت بولد كان محكوماً بكفره، لأنه ولد بین کافرین.
وهل يجوز استرقاقه؟ فيه للشافعيّ قولان، وأما أبو حنيفة فقال: إنْ ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقه، وإن وُلِد في دار الحرب جاز استرقاقُه، فإن كان استرقاقُ هؤلاء الذرية موافقاً لأحد قولِيَ الشافعي، فلعلّه ذاك.
وأما الرواية الثانية، فإن كانت هي الصحيحة - وهو الأولى - فالفقه في المسألة أن الذمّي إذا حارب المسلمين فقد نقضَ عهده، فصار كالمشركين الذين في دار الحرب، فإذا ظَفِر به الإمام جازَ استرقاقُه وبيعُه، وكذلك إذا امتنع من أداء الجِزْية أو امتنع من التزام أحكام الإسلام.
واختلف الفقهاء في أمور سبعة: هل ينتقضُ بها عهدهم، ويجوز استرقاقهم أم لا؟ وهي أن يزنيَ الذمِّي بمسلمة، أو يصيبها باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع الطريق لطريق على المسلمين، أو يؤوي للكفار عيناً، أو يدلّ على عورات المسلمين، أو يقتل مسلماً.
فأصحاب الشافعيّ يقولون: إن شرط عليهم في عَقْد الذِّمة الكفِّ عن ذلك، فهل ينقض عهدهم بفعله؟ فيه وجهان. وإن لم يشترط ذلك في عقد الذمّة، لم ينتقض عهدهم بذلك.
وقال الطحاويّ من أصحاب أبي حَنيفة: ينتقض عهدهم بذلك، سواء شورطوا عن الكفّ عنه في عقد الذّمة، أو لم يشارطوا عليه.
فنصارى بني ناجية على هذه الرواية قد انتقض عهدُهم بحرب المسلمين، فأبيحت دماؤهم، وجاز للإمام قتلهم وجاز له استرقاقهم كالمشركين الأصليين في دار الحرب، وأما استرقاق أبي بكر بن أبي قحافة لأهل الرِّدة وسَبْيَهُ ذراريّهم، فإن صحّ كان مخالفاً لما يقول الفقهاء من تحريم استرقاق المرتدّين، إلا أن يقولوا إنه لم يَسْبِ المرتدّين، وإنما سَبَى مَنْ ساعدهم وأعانهم في الحرب من المشركين الأصليين. وفي هذا الموضع نظر.
الأصل: الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَا مَخْلُو مِنْ نَعْمَتِهِ، وَلَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَلَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ، الذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ.
والدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَتَاءُ، وَلِأَهْلِهَا مِنْهَا الجَلاءُ، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَة، وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ، والتبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ. فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلَا تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَاف، وَلَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغَ.
الشرح: مُني لها الفناء، أي قدّر. والجَلاء، بفتح الجيم: الخروج عن الوطن، قال سبحانه:
«وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ»(1).
وحلوة خَضِرة، مأخوذ من قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلِفُكم فيها فناظر كيف تعلمون»(2).
والكَفاف من الرزق: قَدْر القُوت، وهو ما كَفَّ عن الناس، أي: أغنى.
والبلاغ والبُلْغة من العيش: ما يُتبلغ به.
واعلم أنّ هذا الفصل يشتمِلُ على فصلين من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: أحدُهما حَمْد الله والثناء عليه إلى قوله: «ولا تُفْقَدُ له نِعْمة». والفصل الثاني ذكر الدنيا إلى آخر الكلام. وأحدُهما غيرُ مختلط بالآخر ولا مَنْسُوق عليه، ولكنّ الرضيّ رحمه الله تعالى يلتقط كلامَ أمير المؤمنين علیه السلام التقاطاً، ولا يقفُ مع الكلام المتوالي، لأن غرضَه ذكرُ فصاحتِه علیه السلام لا غير، ولو أتى بخُطَبِه كلِّها على وجهها لكانت أضعافَ كتابه الذي جَمَعه.
فأما الفصل الأول، فمشتملٌ من علم البيان على باب كبير يعرف بالموازنة، وذلك غير مقنوط» فإن وازنه في الفقرة الثانية بقوله: «ولا مخلوّ». ألا ترى أنّ كلّ واحدة منهما على وزن «مفعول»، ثم قال في الفقرة الثالثة: «ولا مأيُوس»، فجاء بها عَلّى وزن «مفعول» أيضاً، ولم يمكنْه في الفقرة الرابعة ما أمكنه في الأولى، فقال: «ولا مستنکَف» فجاء به علی وزن «مستفعل» وهو وإن كان خارجاً عن الوزن، فإنه غيرُ خارج عن المفعولية؛ لأن «مستفعل» «مفعول» في الحقيقة، كقولك: زيد مستحسَن، ألا ترى أنّ «مستحسناً» من استحسنه، فهو أيضاً غیر خارج عن المفعولية.
ثم وازن علیه السلام بين قوله: «لا تبرح» وقوله: «لا تفقد»، وبين «رحمة» و «نعمة»، فأعطت هذه الموازنات الكلام من الطلاوة والصنعة ما لا تجده عليه لو قال: «الحمد الله غير مخلوّ من نعمته، ولا مبعَد من رحمته»؛ لأنّ «مبعد» بوزن «مفعل»، وهو غير مطابق ولا مماثل لمفعول بل هو بناء آخر.
1) سورة الحشر، الآية: 3
2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء (2742)، والترمذي في الفتن، باب: ما أخبر النبي صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة. (2191)، وابن ماجه في الفتن و باب: فتنة النساء (4000)، وأحمد في باقي مسند المكثرين، باب: مسند أبي سعيد الخدري (10759)
وكذلك لو قال: «لا تزول منه رحمة»، فإنّ «تزول» ليست في المماثلة والموازنة ل«فتفقده» ك«تبرح» ألا ترى أنها معتلة، وتلك صحيحة! وكذلك لو قال: «لا تبرح منه رحمة ولا يفقد له إنعام» فإن «إنعاماً» ليس في وزن «رحمة»، والموازنة مطلوبة في الكلام الذي يقصد فيه الفصاحة، لأجل الاعتدال الذي هو مطلوب الطبع في جميع الأشياء. والموازنة أعمّ من السّجع؛ لأن السجع تماثل أجزاء الفواصل لو أوردها على حرف واحد، نحو القريب، والغريب، والنسيب، وما أشبه ذلك. وأما الموازنة فنحو القريب والشديد، والجليل، وما كان على هذا الوزن وإن لم يكن الحرف الآخر بعينه واحداً، وكلّ سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعاً، ومثال الموازنة في الكتاب العزيز: «وَاليْنَهُمَا الكِتَبَ المُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَاط لمُسْتَقِيمَ»(1)، وقوله تعالى: «لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا»، ثم قال: «وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدَّا»، ثم قال: «تَؤُزُهُمْ أَنَّا» ثم قال: «نَعُدُّ لَهُمْ عَذَا»(2)فهذه الموازنة.
ومما جاء من المثال في الشعر قوله:
بأشدّهِمْ بَأْساً عَلَى أعْدَائِهِمْ *** وَأَعَزُهم فَقْداً عَلَى الأصحاب
فقوله: «وأعزهم» بإزاء «أشدهم»، وقوله: «فقدا» بإزاء «بأساً».
والموازنة كثيرة في الكلام وهي في كتابه الله تعالى أكثر.
فأما الفصلُ الثاني فيشتمل على التحذير من الدنيا، وعلى الأمر بالقناعة، والرضا بالكفاف فأما التحذيرُ من الدنيا فقد ذكرنا ونذكر منه ما يحضرنا، وأمّا القناعة فقد وَرَد فيها شيء كثير.
قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لأخوين من الأنصار: «لا تيئسا من روح الله ما تَهَزْهَزَتْ رُؤوسكما، الا فإنّ أحدكم يولد لا قِشْر عليه، ثم يكسوه الله ويرزقه»(3).
وعنه صلی الله علیه وآله وسلم - ويُعزَى إلى أمير المؤمنين علیه السلام-: «القناعة كنز لا يَنْفَد»(4).
وما يقال إنه من كلام لقمان الحكيم: «كفى بالقناعة عزًّا، ويطيب النفس نعيماً» ومن كلام عیسی علیه السلام: اتخِذُوا البيوت منازلَ، والمساجد مساكن، وكلوا من بَقْل البريّة، واشربوا من عيسى
الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام. لعمري لقد انقطعتم إلى غير الله فما ضيّعكم أفتخافون الضَّيْعة إذا انقطعتم إليه!
وفي بعض الكتب الإلهية القديمة: يقول الله تعالى: يا بن آدم، أتخاف أن أقتلك بطاعتي هَزلاً، وأنت تتفتّق بمعصيتي سِمَناً!
قال أبو وائل: ذهبتُ أنا وصاحب لي إلى سَلمان الفارسيّ، فجلسنا عنده، فقال: لولا أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم نهى عن التكلّف لتكلّفت لكم، ثم جاء بخبزٍ ومِلْح ساذج لا أبزار عليه، فقال صاحبي: لو كان لنا في مِلْحنا هذا سَعْتر(1)! فبعث سلمان بِمطْهَرته، فرهنها على سعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنّعنا بما رزقَنا، فقال سلمان: لو قنْعتَ بما رزقك لم تكن مِطْهرتي مرهونة!
عباد بن منصور: لقد كان بالبصرة مَنْ هو أفقهُ من عَمْرو بن عُبَيد وأفصح، ولكنه كان أصبَرهم عن الدينار والدرهم، فسادَ أهلَ البَصْرة.
قال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ مِنّي؟ فقال: لا يأخذ أحدٌ من أحدٍ إلاّ ذل له، وأنا أكره أن أذِلّ لغير الله.
كان معاشُ عمرو بن عُبَيد من دارٍ وَرِثَها، كان يأخذ أجرتها في كلِّ شهر ديناراً واحداً فيتبلَّغ به.
الخليل بن أحمد: كان الناس يكتسبُون الرّغائب بعلْمهِ، وهو بين أخصاص البَصْرة، لا يلتفت إلى الدنيا ولا يطلُبها.
وهب بنُ منبّه: أرْمَلْتُ مرّة حتى كدت أقنَط، فأتاني آتٍ في المنام ومعه شبه لوزة، فقال: افضُصْ، ففضضتها، فإذا حريرة فيها ثلاثة أسطر: لا ينبغي لمن عَقَل عن الله أمره، وعرف لله عدله أن يستبطيء الله في رزقه، فقنعت وصَبَرت، ثم أعطاني الله فأكثر.
قيل للحسن علیه السلام: إنّ أبا ذر كان يقول: الفقرُ أحبّ إليّ من الغنى، والسَّقَم أحبّ إليّ من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذرّ، أما أنا فأقول: من اتَّكل إلى حُسْنِ الاختيار من الله لم يتمنّ أنه في غير الحال التي اختارها الله له، لعمري يا بن آدم، الطير لا تأكل رَغَداً، ولا تخبأ لغد، وأنت تأكل رغداً، وتخبأ لغدٍ، فالطيرُ أحسنُ ظنًّا منك بالله عزَّ وجلَّ.
حَبَس عمر بن عبد العزيز الغَذَاء عن مَسْلَمة، حتى برَّح به الجُوع، ثم دعا بسَوِيق فسقاه، فلما فَرَغ منه لم يقدِرْ على الأكل، فقال: يا مسلمة، إذا كفاك من الدّنيا ما رأيت، فعلامَ التهافت في النار!
1) السعتر: نبت. اللسان، مادة (سعتر)
عبد الواحد بن زيد: ما أحسِب شيئاً من الأعمال يتقدَّم الصبر إلا الرضا والقناعة، ولا أعلم درجةً أرفع من الرضا، وهو رأس المحبّة.
قال ابن شُبْرُمة في محمد بن واسع: لو أنّ إنساناً اكتفى بالتراب لاكتفى به.
يقال من جملة ما أوحى الله تعالى إلى موسى علیه السلام: قل لعبادِي المتسخِّطين لرزقي: إياكم أنْ أغْضَب فأبْسُط عليكم الدنيا.
كان لبعض الملوك نديم، فَسَكِر، ففاتَتْه الصلاة، فجاءت جارية له بجَمْرة نار، فوضعتْها ل على رجله، فانتبه مذعوراً، فقالت: إنك لم تصبر على نارَ الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة! فترك الدنيا وانقطع إلى العبادة، وقعد يبيع البقل، فدخل عليه الفُضَيل وابن عُيَيْنَة، فإذا تحت رأسه لِبنة، وليس تحت جَنْبِه حصير، فقالا له: إنا رَوَيْنَا أنّه لم يَدَعْ أحدٌ شيئاً لله إلا عَوّضه خيراً منه، فما عوّضك؟ قال: القناعة والرضا بما أنا فيه.
أصابت داود الطائيّ ضائقة شديدة، فجاء حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركة أبيه، فقال داود: هي لعَمْرِي من مال رجل ما أقدِّم عليه أحداً في زهده وورعه وطيب كسبه، ولو كنتُ قابلاً من أحد شيئاً لقبلتها إعظاماً للميت، وإيجاباً للحيّ، ولكني أحبُّ أن أعيش في عِزّ القناعة.
سفيان الثوريّ: ما أكلتُ طعام أحدٍ قَطّ إلا هُنْت عليه.
مِسْعر بن كِدَام: مَنْ صَبَر على الخل والبَقْل لم يُسْتَعْبَد.
فُضَيل: أصلُ الزهد الرضا بما رزقك الله، ألا تراه كيف يصنع بَعبْدِه ما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها! تطعِمه مَرّة خبيصاً، ومرة صَبراً، تريد بذلك ما هو أصلح له.
المسيح علیه السلام: أنا الذي كببت الدنيا عَلَى وَجْهها، وقدرتها بقدرها، ليس لي ولد يموت، ولا بيت يَخْرَب، وسادي الحجر، وفراشي المَدَر، وسراجي القَمر.
أمير المؤمنين علیه السلام: أكل تَمْرَ دَقَل، ثم شرب عليه ماء، ومسح بطنه، وقال: من أدخلْته: بطنُه النار، فأبعده الله، ثم أنشد:
فإنّك إنْ أعْطَيْتَ بَطْنَك سُؤلَهُ *** وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمّ اجْمَعَا
في الحديث الصحيح المرفوع: «إن رُوح القُدُس نَفَتْ في رُوعي أنّه لن تموتَ نفس حتى تستكمل رزقَها، فأجملوا في الطَّلَب»(1).
1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (7694)، وابن أبي شيبة في «المصنف»، (34332)، والبزار في «المسند» (2914)، والبيهقي في «الشعب» (1185)
من كلام الحكماء: من ظفر بالقناعة فقد ظَفِر بالكيمياء الأعظم.
الحسن: الحريص الراغب، والقانع الزاهد، كلاهما مستوفٍ أجلَه، مستكمل أكْلَه، غير مُزداد ولا منتقَصٍ ممّا قُدّر له، فعلام التقحّم في النار!
ابن مسعود، رفعه: «إنّه ليس أحد بأكْيَسٍ من أحد، قد كُتِب النصيب والأجل، وقُسِمَتْ المعيشة والعمل، والناس يجرُون منهما إلى منتهى معلوم».
المسيح علیه السلام: انظروا إلى طير السماء تغدُو وتروح، ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث ولا تحصُد والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أوسع بطوناً من الطير، فهذه الوحوش من البقر والحُمُر، لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها.
سويد بن غفلة: كان إذا قيل له: قد وَلِي فلان، يقول: حسبي كِسْرتي ومِلْحي.
وفد عروة بن أذينة. على هِشام بن عبد الملك فشكا إليه خَلّته، فقال له: ألست القائل:
لَقَدْ عَلِمْتُ وما الإشراف من خُلُقِي *** أنّ الَّذي هَوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِيني
أسعَى له فيعنّيني تَطَلُّبُه *** ولو قعَدتُ أتاني لا يُعنّيني
فكيف خرجت من الحجاز إلى الشام تطلب الرزق! ثم اشتغل عنه، فخرج وقعد على ناقته ونَصّها راجعاً إلى الحجاز، فذكره هشام في الليل، فسأل عنه فقيل: إنه رَجَع إلى الحجاز، فتذمّر ونَدِم، وقال: رجل قال حِكْمة، ووفد عَلَيّ مستجدياً، فجبهته، ورددتُه! ثم وجّه إليه بألفي درهم، فجاء الرسول وهو بالمدينة، فدّفعها إليه، فقال له: قل لأمير المؤمنين، كيف رأيت سعيتَ فأكْدَيْت، وقعدت في منزلي فأتاني رزقي.
عمر بن الخطاب: تعلّم أنّ الطمع فَقْر، وأن اليأس غنًى، ومن يئس من شيء استغنى عنه.
أهدي الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم طائران، فأكل أحدهما عشيّة، فلما أصبح طلب غداء، فأتته بعضُ أزواجه بالطائر الآخر، فقال: «ألم أنهك أن ترفعي شيئاً لغدٍ، فإنّ مَنْ خَلَقَ الغَدَ خلق رزقه»(1).
وفي الحديث المرفوع: «قد أفْلَح مَنْ رُزِق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه»(2).
من حكمة سليمان علیه السلام: قد جَرّبنا لينَ العَيْش وشِدْته، فوجدنا أهنأه أدناه.
وهب، في قوله تعالى: «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوةً طَيبَةٌ»(1)، قال: القناعة.
بعض حكماء الشعراء:
فَلا تَجْزَعُ إذَا امْسَرْتَ يَوْماً *** فَقَدْ ایْسَرْتُ في الدَّهْرِ الطَّوِيلِ
وَلَا تَظْنُنْ برَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ *** فإنّ الله أولَى بالجميلِ
وإن العُسْرِ يَشْبَعُه يَسَارٌ *** وقيلُ الله أصْدَقُ كلِّ قِيلِ
وَلَوْ أن العقول تَجُرُّ رِزْقاً *** لَكَانَ الْمَالُ عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ
عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أردْتِ اللّحُوق بي فيكفيك من الدنيا زادُ الراكب، ولا تُخْلِقي ثوباً حتى تَرْقَعية، وإياك ومجالسة الأغنياء». يقال: إنّ جبرائيل علیه السلام جاء إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بمفاتيح خَزائن الدنيا، فقال: «لا حاجة لي فيها، بل جَوْعتان وشَبْعة»(2).
وُجِد مكتوباً على صخرة عادِيّة: يا بن آدم، لست ببالغ أمَلَك، ولا سابِقٍ أجلَك، ولا مغلوبٍ على رزق، ولا مرزْوق ما ليس لك، فعلام تقتل نفسك!
الحسين بن الضحاك:
يَا رَوْحُ مَنْ عَظُمَتْ قَنَاعَتُه *** حَسَمَ المطامعَ مِنْ غَدٍ وَغَدِ
مَنْ لم يَكُنْ لِلهِ مُتَّهِماً *** لَمْ يُمْسِ مُحْتاجاً إلى أحَدِ
أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: أتدرِي لمَ رزقتُ الأحمق؟ قال: لا، قال: ليعلم العاقل أنّ طلبَ الرزق ليس بالاحتيال.
قَنَط يوسف بن يعقوب علیه السلام في الجُبّ لجوع اعتراه، فأوحى إليه: انظر إلى حائط البئر، فنَظَر فانفرج الحائط عن ذَرّةٍ على صخرة، معها طعامها، فقيل له: أتراني لا أغْفُلُ عن الذرّة، وأغفلُ عنك، وأنت نبيّ ابن نبيّ!
دخل عليّ علیه السلام المسجد، وقال لرجل: أمْسِكَ عليّ بغلتي، فخلع لجامها، وذهب به فخرج عليّ علیه السلام بعد ما قَضَى صلاته. وبيده در همان ليدَعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عُطْلاً(3)، فدفع إلى أحد غلمانه الدرهميْن، ليشتريَ بهما لجاماً، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق، قد باعه الرجل بدرهمين، فأخذه بالدِّرهمين وعاد إلى مولاه، فقال عليّ علیه السلام: «إنّ العبدَ ليحرِمُ نفسَه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزاد على ما قُدّر له.
سلیمان بن المهاجر البَجَلِيّ:
كَسَوْتُ جَمِيلَ الصَّبْرِ وَجْهِي فَصَانَهُ *** بِهِ اللهُ عَنْ غِشَیانِ كُلِّ بَخِيلِ
فَلَمْ يتبذّلْني البخيلُ ولم أقُمْ *** عَلَى بابِهِ يَوْماً مقام ذَلِیل
وإنّ قليلاً يَستُر الوجهَ أن يُرَى *** إلى الناس مبذولاً لَغيرُ قليل
وقف بعض الملوك على سُقْراط وهو في المشْرَقة، فقال له: سَلْ حاجتك، قال: حاجتي أن تُزيل عَنِّي ظلَّك، فقد منعتَني الرّفْق بالشمس، فأحضر له ذهباً وكُسوة دِيباج، فقال: إنه لا حاجةَ بسقراط إلى حجارة الأرض ولُعاب الدود، إنما حاجتُه إلى أمر يصحَبُه حيثما توجَّه.
صلّی معروف الكرخيّ خَلْف إمام، فلما انفتل سأل ذلك الإمام معروفاً: من أين تأكل؟ قال: اصْبِر عليّ حَتَّى أعيدَ ما صليتُه خَلْفك، قال: لماذا؟ قال: لأنّ مَنْ شَكٍّ في الرزق شكّ في الرازق، قال الشاعر:
وَلا تُهْلِكُنَّ النَّفْسَ وَجْداً وَحَسْرَةً *** عَلَى الشيء أسْدَاهُ لغيرِك قادِرُهُ
ولَا تَيْأسنْ من صالحٍ أن تَنَالُهُ *** وإنْ كان نهباً بَيْنَ أيدٍ تُبَادِرُه
فإنّك لا تُعطِي امرأً حَظَّ نَفْسِهِ *** ولا تمنع الشّق الذي الغيثُ ناصِرُه
قال عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب علیه السلام: قد ملَلْتُ الناسَ، وأحببتُ أن الحق بصاحبيّ، فقال: إن سَرّك اللُّحوق بهما فقَصِّر أملَك، وكُلْ دون الشِّبَع، واخصِف النَّعل وكن كَمِيش الإزار، مرقوع القميص، تلحق بهما.
وقال بعض شعراء العجم:
غَلَا السِّعْرُ في بغدادَ مِنْ بَعْدِ رُخْصِهِ *** وإِنِّيَ في الحالَيْن بالله واثِقُ
فلَسْتُ أخافُ الضِّيقَ والله واسِعٌ *** غِنَاهُ، ولا الحِرْمانَ والله رَازِقُ
قيل لعليِّ علیه السلام: لو سُدّ على رَجُلٍ باب بيت وتُرِك فيه، من أين كان يأتيه رزقه؟ قال: مِنْ حيث كان يأتيه أجلُه.
قال بعض الشعراء:
صَبَرْتُ النفس لا أجْزَ *** ع من حادِثة الدهرِ
رأيتُ الرّزق لا يُكْسَ *** بُ بالعُرْفِ ولا النُّكْرِ
ولا بالسّلفِ الأمْثَ *** لِ أهل الفَضْل والذِّكْرِ
وَلَا بالسُّمُرِ اللُّدْنِ *** ولا بالخُدْمِ البُتْرِ
وَلَا بِالْعَقْلِ والدِّینِ *** وَلَا الْجَاهِ وَلَا الْقَدْرِ
وَلَا يُدْرَكُ بالطَّیْشِ *** وَلَا الْجَهْلِ وَلَا الهَذْرِ
وَلَكِنْ قِسَمٌ تجْرِي *** بِمَا نَدْرِي وَلَا نَدْرِي
جاء فتح بن شَخْرف إلى منزله بعد العِشاء، فلم يجدْ عندهم ما يتعَّشى به، ولا وَجَدَ دُهْناً للسراج وهم في الظلمة، فجلس ليلةً يبكي من الفرح، ويقول: بأيّ يد قد كانت منّي، بأيّ طاعة تنعم عليّ بأن أترَك على مثل هذه الحال!
لقي هَرِم بن حَيَّان أويساً القَرنِيّ، فقال: السلام عليك يا أويسَ بن عامر! فقال: وعليك السّلام يا هَرِم بن حيّان، فقال هَرِم: أما إنّي عَرَفَتُك بالصِّفة، فكيف عرفَتني؟ قال: إنّ أرواح المؤمنين لتُشام كما تشام الخيل، فيعرف بعضُها بعضاً. قال: أوصِني، قال: عليك بسِيف البحر، قل: فمن أين المعاش؟ قال: أفِّ لك! خالطت الشكّ الموعظة، أتفرّ إلى الله بدينك وتتهمه في رزقك!
منصور الفقيه:
المَوْتُ أسْهَلُ عِنْدِي *** بین القَنَا وَالأسِنّهْ
والخیلُ تجري *** سِراعاً مقطِّعاتِ الأعنَّهْ
مِنْ أن يكون لِنَذْلٍ *** عَلَيَّ فَضْلٌ وَمِنهْ
أعرابي:
اتيْئس أنْ يقارِنَك النَّجَاحُ *** فأين اللهُ والقَدَرُ المُتاحُ
قال رجل لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: أوصني، قال: «إيّاك والطمع، فإنّه فقر حاضر، وعليك باليأس مِمّا في أيدي الناس»(1).
حكيم: أحسنُ الأحوال حال يَغْبظُكَ بها مَنْ دونك، ولا يحقِرُك لها مَن فوقك.
أبو العلاء المعريّ:
فإن كُنْتَ تَهْوَى العيش فابغِ توسطاً *** فعندَ التناهي يَقصُر المتطَاولُ
تُوَفَّى البدورُ النَّقْصَ وَهْيَ أهلةٌ *** ويُدْرِكها النُّقصان، وهيَ كَوامِلُ
خالد بن صفوان: كن أحسنَ ما تكون في الظاهر حالاً، أقلّ ما تكون في الباطن مآلاً، فإنّ الكريمَ مَنْ كَرُمت عند الحاجة خَلّته، واللئيم من لؤمت عند الفاقة طعمته.
شعر:
1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (312)، والبيهقي في «الزهد الكبير» (101)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (221/4)
وَكَمْ مَلِكِ جانبتُه مِنْ كَرَاهَةٍ *** لإغلاقِ بابٍ أو لِتَشْدِيد حاجِبِ
ولي في غنَى نفسي مَرَادٌ ومذهبٌ *** إذا أَبْهِمَتْ دُوني وُجُوهُ المذاهبُ
بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يكون في دنياه كالمدّعو إلى الوليمة، إن أتته صحفة تناولها، وإن جازته لم يرصدها ولم يطلبها.
الأصل: «اللَّهُمْ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ، فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَر، وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الأهْل»(1)، وَلَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، والمُسْتَصْحَبُ لا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً.
قال الرضيّ رحمه الله: وابْتداء هذا الكلام مرويُّ عن رسو الله صلی الله علیه وآله وسلم، وَقَد قَفَّاه أَمِيرُ المؤمنين علیه السلام بأبلَغ كلامٍ، وتمِّمَهُ بأحسن تمَام، من قَوْله: «ولا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ»، إلى آخرِ الفصل.
الشرح: وَعْثَاء السفَر: مشقّتُه، وأصل الوَعْث المكان السّهْل الكثير الدّهس، تَغِيبُ فيه الأقدام، ويشقّ على مَنْ يمشي فيه، أوْعَثَ القوم، أيْ وقعوا في الوَعثْ. والكآبة: الحزن. والمنقلب، مصدر من انقلب منقلَباً، أي رَجَع، وسوء المنظر: قُبْح المرأى.
وصدر الكلام مرويّ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في المسانيد الصحيحة، وخَتَمه أميرُ المؤمنين علیه السلام وتمّمه يقول: «ولا يجمعهما غَيْرُك»، وهو الصحيح، لأنّ مَنْ يُسْتَصْحَبُ لا يكون مستخلَفاً، فإنه مستحيل أنْ يكونَ الشيء الواحد في المكانين مقيماً وسائراً، وإنما تصِحّ هذه القضية في الأجسام، لأنّ الجسم الواحد لا يكون في جهتين في وقتٍ واحد.
فأمّا ما ليس بجسم وهو البارىء سبحانه، فإنه في كلّ مكان لا عَلَى معنى أنّ ذاتَه ليست مكانِيّة، وإنما المراد علمه وإحاطتُه ونفوذ حكمه وقضائه وقدرَه، فقد صدق علیه السلام أنّه المستخلَف وأنه المستصحب، وأنّ الأمرَيْن مجتمعان له جلّ اسمه.
1) أخرجه النسائي في الاستعاذة، باب الاستعاذة من كآبة المنقلب (5501)، وأبو داود في الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا سافر (2598)، وأحمد في باقي مسند المكثرين، باب: باقي المسند (9316)
وهذا الدعاء دَعَا به أمير المؤمنين علیه السلام بعد وَضْعِ رجله في الركاب، من منزله بالكوفة وَضْعِ متوجّهاً إلى الشام لحرب معاوية وأصحابه، ذكره نَضر بن مزاحم في كتاب «صفين» وذكره غيره أيضاً من رواة السيرة.
ال نصر: لما وضَعَ عليّ علیه السلام رِجْله في ركاب دابتّه يوم خرج من الكوفة إلى صِفّين، قال: بسم الله، فلّما جلس على ظهرها، قال: «سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ»(1)اللّهمّ إنّي أعوذ بك من وَعْثاء السفَر... إلى آخر الفصل. وزاد فيه نصر: «ومِنَ الحَيْرَةِ بعد اليقين». قال: ثم خرج أمامه الحرّ بن سهم بن طَرِيف، وهو يرتجز ويقول:
يَا فَرَسِي سِيري وأمِّي الشَّامَا *** وقطّعي الحُزُونَ والأعلاما
ونَابِذِي مَنْ خَالَف الإمَاما *** إني لأرْجُو إِنْ لَقِينَا الْعَامًا
جَمْعَ بنِي أمية الطَّغَامَا *** أن نقتل العاصِيَ والهُمَاما
وأن نُزِيلَ مِنْ رِجَالٍ هَامَا
قال: وقال حبيبُ بن مالك، وهو على شُرْطَة عليّ علیه السلام، وهو آخذٌ بِعنَان دابتّه: يا أمير المؤمنين، أتخرجُ بالمسلمينَ فيُصيبوا أجْرَ الجهاد بالقتال، وتخلِّفني بالكوفة لَحِشْرِ الرجال! فقال علیه السلام: إنّهم لَنْ يُصيبوا من الأجر شيئاً إلا كنتَ شريكَهم فيه، وأنت هَاهُنا أعظم غِناء له منك لو كُنْتَ معهم. فخرج عليّ علیه السلام، حتى إذا حَاذَى الكوفة صلّى ركعتين(2).
قال: وحدّثنا عمرو بن خالد، عن أبي الحسين زيد بن عليّ علیه السلام، عن آبائه: أن علياً علیه السلام خرج وهو يريد صِفّين، حتى إذا قطع النّهْر، أمر مناديَه، فنادى بالصلاة، فتقدّم، فصلّى ركعتين، حتى إذا قضى الصلاة، أقبلَ على الناس بوجهه، فقال: أيّها الناس، ألا مَنْ كان مُشَيْعاً أو مقيماً فليتمّ الصلاة، فإنا قوم سَفْر، ألا ومَنْ صَحِبَنا فلا يصومَنّ المفروض. والصلاة المفروضة ركعتان.
قال نصر: ثم خرج حتى نزل دير أبي موسى - وهو من الكوفة على فرسخين - فصلّى العصر، فلما انصرف من الصلاة، قال: سبحان الله ذي الطَّوْل والنعم! سبحان الله ذي القدْرة والإفضال، أسأل الله الرِّضا بقضائه، والعملَ بطاعته، والإنابة إلى أمره، إنه سميع الدعاء.
قال نصر: ثم خَرَج علیه السلام حتى نزل على شاطىء نَرْس - بين موضع حَمّام أبي بُرْدة وحمّام عمر - فصلّى بالناس المَغْرب، فلما انصرف، قال: الحمد لله الذي يُولُج اللَّيْل في النهار،
ويولج النّهار في الليل، والحمد الله كلما وَقَبَ ليل وغَسَق، والحمدُ الله كُلَّما لاح نجم وخَفَق.
ثم أقام حتى صلى الغداة، ثم شخص حتى بلغ إلى قبة قُبِّين، وفيها نخل طُوال إلى جانب البيعة من وراء النهر، فلما رآها، قال: «وَالنَّخْلَ بَاسِقَتِ ما طَلْعُ نَضِيدٌ»(1). ثم أقحم دابته النهر، فعبر إلى تلك البيعة فنزلها، ومكث قدر الغداء.
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد، عن محمد بن مِخْنَف بن سليم قال: إنّي لأنظر إلى أبي ال وهو يساير عليًّا علیه السلام، وعليّ يقول له: إنّ بابل أرضٌ قد خُسِفَ بها، فحركْ دابتك لعلّنا نصلّي العصر خارجاً منها. فحرّك دابتّه، وحرّك الناس دوابهم في أثره، فلما جاز جِسْر الفرات، نزل فصلّى بالناس العَصْر.
قال: حدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفيّ، عن أبيه، عن عبد خَير، قال: كنت عليّ أسير في أرض بابل، قال: وحضرتِ الصلاة صلاة العصر، قال: فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أَنْبَحَ من الآخر، قال: حتى أتيْنا على مكانٍ أحسن ما رأينا، وقد كادت الشمسُ أن تغيب. قال: فنزل عليٌّ علیه السلام، فنزلت معه، قال: فدعا الله، فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر. قال: فصليت العصر، ثم غابت الشمس، ثم خرج حتى أتى دير كعب، ثم خرج منه فبات بساباط، فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النُّزُل والطعام، فقال: لا، ليس ذلك لنا عليكم فلما أصبح وهو بمُظْلم ساباط، قرأ: «أَتَبَنُونَ بِكُل ربع ءَايَةً تَقْبَثُونَ»(2).
قال نصر: وبلغ عمرو بن العاص مسيرُه فقال:
لَا تَحْسَبَنَّي يا علي غَافِلَا *** لِأُورِدَنّ الكوفة القَنَابِلا
بِجَمْعِيَ العام وَجَمْعِي قابِلا
فبلغ ذلك علياً علیه السلام فقال:
لأوردَنَّ العاصيَ ابنَ الْعَاصِي *** سَبْعِين ألفاً عَاقِدِي النَّوَاصِي
مُسْتَحْقِبینَ حَلَقَ الدِّلَاصِ *** قَدْ جَنَبُوا الخَيْل مَعَ الْقِلَاصِ(3)
أسُودَ غِيل حِينَ لَا مَنَاصِ
قال نصر: وحدثنا منصور بن سلام التميميّ، قال: حدثنا حيان التَّيْميّ، عن أبي عبيدة، عن هر ثمة بن سليم، قال: غزوْنا مع عَلَيّ علیه السلام صِفّين، فلما نزل بكَرْبَلاء صلّى بنا، فلما سلّم رفع إليه من تُربتها فشمّها، ثم قال واهاً لك يا تُرْبة! ليُحشَرَنّ منك قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب.
قال: فلما رجع هَرْثمة من غزاته إلى امرأته جَرْداء بنت سمير - وكانتْ من شيعة عليّ علیه السلام - حدّثها هرثمة فيما حدّث، فقال لها: ألا أعجِّبُك من صديقك أبي حسن! قال: لما نزلْنا كَرْبلاء، وقد أخذ حَفْنَة مِنْ تربتها فشمّها، وقال: واهاً لك أيّتها التُّربة! ليُحشَرَنّ منك قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب»: وما عِلْمه بالغيب؟ فقالت المرأة له: دَعْنا منك أيها الرجل، فإنّ أميرَ المؤمنين علیه السلام لم يَقُلْ إلا حقًّا.
قال: فلما بَعَث عُبيد الله بن زياد البَعْث الذي بَعَثه إلى الحسين علیه السلام، كنتُ في الخيل التي بَعَثَ إليهم، فلما انتهيت إلى الحسين علیه السلام وأصحابه، عَرَفْتُ المنزل الذي نَزَلْنا فيه مع عليّ علیه السلام، والبُقْعة التي رفع إليه من تُرْبتها والقول الذي قاله، فكرِهْتُ مسيري، فأقبلت على فَرَسِي حتى وقفت على الحسين علیه السلام فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين: أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا بن رسول الله، لا معك ولا عليك، تركتُ ولدي وعِيالي أخاف عليهم من ابن زياد، فقال الحسين علیه السلام: فولِّ هرباً حتى لا ترى مقتلنا، فوالّذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحدٌ ثم لا يعينُنا إلا دخل النار.
قال: فأقبلتُ في الأرض أشتدّ هرباً، حتى خَفِيَ عليَّ مقتلهم.
قال نصر: وحدثنا مُصعب، قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله الكِنديّ عن أبي جُحيفة، قال: جاء عُروة البارقيّ إلى سعد بن وهب، فسأله فقال: حديث حَدّثتناه عن عليّ بن أبي طالب قال: نعم، بعثني مِخْنف بن سليم إلى عليّ عند توجّهه إلى صِفّين، فأتيته بكَرْبلَاء، فوجدته يُشير بيده، ويقول: هاهنا! فقال له رجل: وما ذاك يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ثَقَل لآل محمد ينزل: هاهنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم! فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: ويل لهم منكم تَقْتلونهم، وويلٌ لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار.
قال نصر: وقد روي هذا الكلام على وجه آخر، أنه علیه السلام قال: «فويلٌ لكم منهم، وويل لكم عليهم»، فقال الرجل أمّا «ويلٌ لنا منهم»، فقد عرفناه، فويل لنا عليهم، ما معناه! فقال: تَرَوْنَهم يُقتلون لا تستطيعون نُصْرتهم.
قال نصر: وحدثنا سعيد بن حكيم العبسيّ، عن الحسن بن كثير، عن أبيه، أنّ عليًّا علیه السلام أتي كَرْبلاء، فوقف بها، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هذه كَرْبَلاء، فقال: «ذات کَرْب وبلاء»، ثم أوماً بيده إلى مكان، آخر فقال: هاهنا مَرَاقُ دمائهم، ثم مضى إلى ساباط.
وينبغي أن نذكرها هنا ابتداء عزمه عَلَى مفارقة الكُوفة، والمسير إلى الشام وما خاطب به أصحابه، وما خاطبوه به، وما كاتب به العمال وكاتبوه جواباً عن كتبه، وجميع ذلك منقول من کتاب نَصْر بن مزاحم.
قال نصر: حدثنا عمر بن سعد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: لما أراد عليّ علیه السلام المسيرَ إلى الشام، دعا مَنْ كان معه من المهاجرين والأنصار، فجمعهم، ثم حَمِد الله وأثنى عليه، وقال: أما بَعْد، فإنّكم ميامين الرأي، مَرَاجيح الحِلْم، مبارَكُو الأمر، ومقاويل بالحقّ، وقد عَزَمْنا عَلَى المسير إلى عَدُوّنا وعدوّكم، فأشيروا علينا برأيكم.
فقام هشام بن عتبة بن أبي وقاص، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعدُ يا أمير المؤمنين، فأنا بالقوم جِدّ خَبِير، هم لك ولأشياعك أعداء، وهم لمن يَطْلب حَرْثَ الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجادلوك الجُهال جَهْداً، مشاحَة على الدنيا، وضَنَّا بما في أيديهم منها، ليس لهم إرْبة غيرها، إلاّ ما يخدعون به الجُهال من طلب دم ابن عفّان، كذبوا ليس لدمه ينفِرون، ولكن الدنيا يطلبون، انهض بنا إليهم، فإن أجابوا إلى الحقّ فليس بعد الحقّ إلا الضلال، وإن أبَوْا إلا الشقاق فذاك ظنّي بهم، والله ما أراهم يُبايعون وقد بَقي فيهم أحد ممّن يُطاع إذا نَهى، ويُسمع إذا أمَر.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد عن أبي الكَنود أنّ عمار بن ياسر قام فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: يا أميرَ المؤمنين، إن استطعت ألاّ تُقيم يوماً واحداً فافعل، اشخص بنا قبل استعار نار الفَجَرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادْعُهم إلى حَظِّهم ورشدهم فإن قَبِلُو سَعِدُوا وإنْ أبَوْا إِلَّا حَربَنَا، فَوالله إنّ سَفْكَ دمائهم، والجِدّ في جهادهم لَقُربة عند الله، وكرامة منه.
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، انْكَمِش بنا إلى عدوّنا ولا تعرّج، فوالله لجاهدهم أحبُّ إليّ من جهاد الترك والروم، لادهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. إذا غَضِبُوا على رجل حَبسوه وضربوه وحرموه وسيّروه، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قَطِين - قال: يعني رقيق.
فقال أشياخ الأنصار، منهم خُزيمة بن ثابت وأبو أيوب وغيرهما: لِمَ تقدَّمْتَ أشياخَ قومك وبدأتَهم بالكلام يا قيس؟ فقال: أما إني عارف بفضلكم معظِّم لشأنكم، ولكنِّي وجدتُ في نفسي الضّغْن الذي في صدوركم جاش حين ذكرتِ الأحزاب.
فقال بعضهم لبعض: ليُقمْ رجلٌ منكم فلْيُجبْ أمير المؤمنين عن جماعتكم، فقام سهل بن حنَيف، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، نحن سِلْمٌ لمن سَالَمْتَ، وحَرْب لمن حاربت، ورأينا رأيُك، ونحن يمينُك، وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة فتأمرَهم بالشُّخوص، وتخبرهم بما صنع لهم في ذلك من الفضل، فإنهم أهلُ البلد وهم الناس، فإن
استقاموا لك استقام لك الذي تُريد وتطلب، فأما نحن فليس عليك خلاف مِنّا، متى دعوتنا أجبناك، ومتى أمرتنا أطعناك.
قال نصر: فحدثنا عمر بن سعد، عن أبي مِخْنف، عن زكريا بن الحارث، عن أبي خُشيش، عن مَعبد، قال: قام عليٌّ علیه السلام خطيباً علَى مِن منبره، فكنتُ تحت المنبر، اسمع تحريضه الناس وأمرَه لهم بالمسير إلى صِفّين لقتال أهل الشام، فسمعته يقول: سيروا إلى أعداء الله، سيروا إلى أعداء القرآن والسّنَن، سيروا إلى بقية الأحزاب وقَتَلة المهاجرين والأنصار. فقام ال رجل من بني فَزارة، فقال له: أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلَهم لك، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلتهم! كلّا، ها اللهِ إذاً لا نفعل ذلك.
فقام الأشتر، فقال: مَنْ هذا المارق؟
فهرب الفزاريّ، واشتدّ الناس عَلَى إثره، فلحِق في مكانٍ من السوق تُبَاع فيه البراذين، فوطؤه بأرجلهم، وضربوه بأيديهم ونعال سيوفهم حتى قُتِل، فأتى عليّ علیه السلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين، قُتِل الرجل، قال: ومَنْ قَتله؟ قالوا: قتلتْه هَمْدان ومعهم شَوْب من الناس، فقال: قتيلُ عِميَّة، لا يُدْرَى مَنْ قتله! ديته من بيت مال المسلمين. فقال بعض بني تميم اللات بن ثعلبة:
أعوذُ بربِّي أن تكونَ مَنِيَّتي *** كَما ماتَ في سُوقِ البَرَاذِينِ أَرْبَدَ
تَعَاوَرَه هَمْدانُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ *** إذا رُفِعَتْ عنه يدٌ وُضِعَتْ يَدُ
فقام الأشتر، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يهدّنك ما رأيت، ولا يُؤيسَنّكَ مِنْ نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقيّ الخائن، إنّ جميعَ مَنْ ترى من الناس شيعتُك، لا يرغبون بأنفسهم نفسك، ولا يحبّون البقاء بعدك، فإن شئت فسِرْ بنا إلى عدوّك، فوالله ما ينجو من الموت عن مَنْ خافه، ولا يعطَى البقاء مَنْ أحبّه، وإنا لَعَلَى بَيِّنة من رَبِّنا، وإنّ أنفسَنا لن تَمُوت حتى يأتيَ أجلُها. وكيف لا نقاتلُ قوماً هم كما وصف أمير المؤمنين، وقد وثبتْ عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس، وباعوا خَلاقهم بَعَرضٍ من الدنيا يسير!
فقال عليٌّ علیه السلام: الطريق مُشْتَرك، والناس في الحقّ سواء، ومَنِ اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى ما عليه. ثم نزل فدخل منزله.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، قال: حدثني أبو زهير العبسيّ، عن النضر بن صالح أن الله بن المعتَمّ العبسيّ وحنظلة بن الربيع التميميّ، لما أمر عليٌّ علیه السلام الناس بالمسير إلى الشام دَخَلا عليه في رجال كثير من غَطفَان وبني تميم، فقال له حنظلة: يا أمير المؤمنين، إنا قَدْ
مشينا إليك في نَصِيحة فاقبلها، ورأيْنَا لك رأياً فلا تردّنّه علينا، فإنّا نظرنا لك ولمن معك، أقم وكاتِبْ هذا الرجل، ولا تعجَلْ إلى قتال أهل الشام، فإنا والله ما نَدْرِي ولا تدري لِمَنْ تكون الغَلَبة إذا التقيتم، ولا على مَنْ تكونُ الدَّبْرة!
وقال ابن المعتم مثل قوله، وتكلّم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامِهما، فحمد علي علیه السلام الله وأثنى، ثم قال:
أما بعدُ فإن الله وارثُ العباد والبلاد، وربّ السموات السبع، والأرضين السبع، وإليه ترجعون، يؤتي المُلْكَ مَنْ يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويَعِزّ مَنْ يشاء، ويذِلّ من يشاء. الدَّبْرة، فإنّها على الضالّين العاصين ظفِروا أو ظُفِر بهم، وايمُ الله إني لأسمع كلام قوم ما يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً.
فقام إليه مَعْقِل بن قيس الرّياحيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ هؤلاء والله ما آثروك بنُصْح، ولا دخلوا عليك إلا بغِشّ، فاحذرهم فإنهم أدنى العدّو.
وقال له مالك بن حبيب: إنه بلغني يا أميرَ المؤمنين أنّ حنظلة هذا يكاتِبُ معاوية، فادْفَعُه إلينا نحبِسْه حتى تنقضِيَ غَزاتك، وتنصرف.
وقام من بني عبس بن بكير وعيّاش بن رَبيعة العبْسيَان، فقالا: يا أميرَ المؤمنين إنّ صاحبنَا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنّه يكاتب معاوية، فاحبِسْه أو مَكَّنّا من حَبْسه، حتى تنقضِيَ غزاتك ثم تنصرف.
فقالا: هذا جزاء لمن نظر لكم، وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عَدُوّكم.
فقال لهما عليّ علیه السلام: الله بيني وبينكم، وإليه أكِلُكُم، وبه أستظهرُ عليكم، اذهبوا حیث شئتم.
قال نصر: وبعث علي علیه السلام إلى حَنْظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب - وهو من لام الصحابة - فقال له: يا حنظلة، أنت عَلَيّ أم لي؟ فقال: لا لك ولا عليك. قال: فما تريد؟ قال: أشخص إلى الرُّها، فإنه فَرْج من الفروج، اصمِد له حتى ينقضَي هذا الأمر.
فغضب من قوله خيار بني عمرو بن تميم وهم رهطه، فقال: إنّكم والله لا تغرّوني من ديني، دعوني فأنا أعلم منكم، فقالوا: والله إنْ لم تخرج مع هذا الرجل لا ندعُ فلانة تخرج معك لأم ولده - ولا وَلَدَها، ولئن أردت ذلك لنقتلتّك.
فأعانه ناس من قومه واخترطوا سيوفهم، فقال: أجِّلوني حتى أنظر. ودخل منزله وأغلق بابه، حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية، وخرج من بعده إليه من قومه رجال كثير، وهرب ابن المعتم أيضاً، حتى أتى معاوية في أحد عشر رجلاً من قومه.
وأما حنظلة فخرج إلى معاوية في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، لكِنّهما لم يقاتلا مع معاوية، واعتزلا الفريقين جميعاً.
وقال: وأمر عليٌّ علیه السلام بهدْم دار حنظلة، فهدمت هَدَمها عريفُهم شبث بن رِبْعِيّ وبكر بن تميم. فقال حنظلة يهجوهما:
أيا راكباً إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ *** مُغَلَغَلَةٌ عَنِّي سَرَاةَ بني عَمْرو
فأوصِيكُم بالله والبِرّ والتقي *** ولا تنظروا في النائبات إلى بكْرِ
ولا شبَثٍ ذي المَنْخَرَيْن كأنه *** أزبّ جِمالٍ قد رغا ليلة النّفْر
وقال أيضاً يحرّض معاوية بن أبي سفيان:
أبلغْ معاوية بن حَرْب خُطَّةً *** ولكل سائلةٍ تَسِيلُ قرارُ
لا تَقْبَلَنْ دَنِيَّةٌ تَرْضَوْنَها *** في الأمر حتى تُقتلَ الأنصارُ
وَكَمَا تبوءُ ماؤُهُمْ بدمائِكُمْ *** وَكَما تُهدَّمُ بالدِّيار ديار
وتُرى نساؤهُمُ يَجلْنَ حَواسِراً *** ولهنّ من شكل الرجال جَؤَار(1)
قال نصر: حدّثنا عمر بن سعد، عن سعد بن طريف، عن أبي المجاهد، عن المحلّ بن خليفة، قال: قام عديّ بن حاتم الطائيّ بين يدي عليٍّ علیه السلام، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: يا أمير المؤمنين، ما قلتَ إلا بعلم، ولا دعوتَ إلا إلى حقٍّ، ولا أمرتَ إلا بِرُشْدٍ، ولكن إذا رأيت أن تستأنيَ هؤلاء القوم وتستديمهم - حتى تأتيَهم كتُبك، ويَقْدَمَ عليهم رُسُلك - فعلت. فإن يقبلوا يُصيبوا رُشْدَهم، والعافية أوسعُ لنا ولهم، وإن يتمادَوْا في الشِّقاق ولا ينزِعوا عن الغيّ فسر إليهم. وقد قدّمنا إليهم العذر، ودَعَوْناهم إلى ما في أيدينا من الحق، فوالله لهم من الحق أبعد، وعلى الله أهون من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لمّا دعوناهم إلى الحق فتركوه، ناوجْنَاهم بُرَاكاء(2)القتالِ، حتى بلغنا منهم ما نحب، وبلَغ الله منهم رضاه.
فقام زيد بن حُصين الطائيّ - وكان من أصحاب البرانس المجتهدين - فقال: الحمدُ الله - حتى يرضى، ولا إله إلا الله ربنا، أما بعد: فوالله إنْ كنّا في شك من قتال مَنْ خالفنا، ولا تصلح لنا النّية في قتالهم حتى نستديمَهم ونستأنيَهم - ما الأعمال إلا في تَبَاب، ولا السعي إلا في ضلال، والله تعالى يقول: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ»(3)، إننا والله ما ارتبنا طَرْفة عين فيمن يتبعونه، فكيف باتباعِه القاسية قلوبهم، القليل من الإسلام حظُّهم، أعوانِ الظلَّمة وأصحاب الجوْر والعدوان ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، ولا التابعين بإحسان.
فقام رجل من طيّىء فقال: يا زيد بن حصين، أكلام سيدنا عدّي بن حاتم تُهَجِّن! فقال: زيد: ما أنتم بأعْرَف بحقِّ عدي منِّي، ولكني لا أدَعُ القول بالحقّ وإن سَخِط الناس.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن الحارث بن حصين قال: دخل أبو زينب بن عوف، عَلَى عليّ علیه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كنّا على الحق لأنت أهدانا سبيلاً، وأعظمُنا في الخير نصيباً، ولئن كنا على ضلال، إنّك لأثقلنا ظهراً وأعظمنا وِزراً، قد أمرتنا بالمسير إلى هذا العدوّ، وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية، وأظهرْنا لهم العداوة، نريد بذلك ما يعلمه الله تعالى من طاعتك، أليس الذي نحن عليه هو الحقّ المبين، والذي عليه عَدُوُّنا هو الحوب الكبير؟!
فقال علیه السلام: بَلَى، شهدت أنّك إنْ مضيت معنا ناصراً لدعوتنا، صحيح النية في نصرنا، قد قطعتَ منهم الولاية، وأظهرت لهم العداوة كما زعمت، فإنك ولي الله ، تَسْبَح في رضوانه، وتركُض في طاعته، فأبشر أبا زينب.
وقال له عمار بن ياسر: اثْبُت أبا زينب، ولا تشكّ في الأحزاب، أعداء الله ورسوله.
فقال أبو زينب: ما أحبّ أن لي شاهديْن من هذه الأمة شهدا لي عما سألت من هذا الأمر: الذي أهمني مكانكما.
قال: وخرج عمار بن ياسر، وهو يقول:
سِيرُوا إلى الأحْزَابِ أعداء النبيّ *** سِيرُّوا فخيرُ النَّاس أتباعُ عليّ
هذا أوان طابَ سلُّ المشرَفيّ *** وقوْدُنا الخيلَ وَهَرُ السَّمَهري
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أبي رَوْق، قال: دخل يزيد بن قَيْس الأرحَبِّي عَلَى عليّ علیه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين، نحنُ أولُوا جِهَازِ وعَدّة، وأكثر الناس أهل قوّة، ومَنْ ليس به ضَعْف ولا عِلّة، فمرْ منادِيَك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنُّخَيْلة، فإنّ أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النّؤوم، ولا مَنْ إذا أمكنتْه الفرص أجَلها، واستشار فيها، ولا مَنْ يؤخِّر عمل الحرب في اليوم لَغدٍ وبعد غد.
فقال زياد بن النّضر: لقد نصحَ لك يزيدُ بن قيس يا أمير المؤمنين، وقال ما يعرف، فتوكّل على الله، وثق به، واشخَصْ بنا إلى هذا العدوّ راشداً مُعاناً، فإن يُرِد اللهُ بهم خيراً لا يتركوك رغبة عنك إلى مَنْ ليس له مِثْلُ سابِقتك وقَدمِك، وإلا يُنيبوا ويقَبلوا ويأبْوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هَيِّناً، ونرجو أن يصرعهم الله مصارعَ إخوانهم بالأمس.
ثم قام عبدُ الله بن بُدَيلِ بن وَرْقاء الخُزاعيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ القوم لو كانوا الله يريدون، والله يعملون، ما خالفونا، ولكنّ القَوم إنما يقاتلوننا فراراً من الأسوة وحبًّا للأثرة،
وضَنَّا بسلطانهم، وكُرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحَنِ(1)في نفوسهم، وعداوة يجدُونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قَديمة، قتلت فيها آباءَهم وأعوانهم.
ثم التفت إلى الناس، فقال: كيف يُبايع معاوية عليٍّا، وقد قَتَل أخاه حنظَلة، وخالَه الوليد، وجدّه عُتْبة في موقف واحد، والله ما أظنّهم يفعلون، ولن يستقيموا لكم دون أن تُقْصَفَ فيهم قنَا المُرّان، وتقطع على هامهم السّيوف، وتنثَر حواجبهم بعَمَد الحديد، وتكون أمورٌ جمّة بين الفريقين.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن الحارث بن حصين عن عبد الله بن شَريك، قال: خرج حُجْر بن عديّ وعَمْرو بن الحَمِق، يُظهران البراءة من أهل الشام، فأرسل عليّ علیه السلام إليهما أنْ کُفّا عَمّا يبلُغني عنكما، فأتياه، فقالاً: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقّين؟ قال: بلى، قالا: أو ليسُوا مُبطِلين؟ قال: بلى، قالا: فلم منعتَنا مِنْ شتِمهم؟ قال كرهتُ لكم أن تكونوا لَعّانين: شَتَامين تشتِمون وتتبرّؤون، ولكن لو وصفتم مساوىء أعمالهم فقلتم: مِنْ سيرتِهم كذا وكذا ومِنْ أعمالهم كذا وكذا، كان أصوبَ في القول، وأبلغَ في العذْر، وقلتم مكان لعْنكم إياهم، وبراءتِكم منهم: اللّهمّ أحقِنْ دماءَهم ودماءَنا، وأصلِح ذات بينهم وبيننا، واهْدِهم من ضلالتهم حتى يعرف الحقَّ منهم مَنْ جَهِله، ويرعوِيَ عن الغيّ والعُدْوان مِنْهم من لَهِج به، لكان أحبّ إلي وخيراً لكم.
فقالا: يا أميرَ المؤمنين، نقبَلُ عِظَتك، ونتأدَّب بأدبك.
قال نصر: وقال له عمرو بن الحمقِ يومئذٍ: والله يا أميرَ المؤمنين إنّي ما أحبيبتُك ولا بايعتُك عَلَى قَرابةٍ بيني وبينك، ولا إرادة مال تُؤتينيه، ولا التماسِ سلطان ترفع ذكرى به، ولكنّني أحببتك بخصال خمس: أنك ابنُ عمّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ووصيُّه، وأبو الذريّة التي بقيَتْ فينا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأسبقُ الناس إلى الإسلام، وأعظمُ المهاجرين سَهْماً في الجهاد، فلو أنّي كُلّفتُ نقلَ الجبالِ الرّواسي، ونزحَ البحور الطوامي، حتى يأتي عليّ يومي في أمرٍ أقوِّي به وليّك، وأهينُ عدوك، ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كلّ الذي يحقّ عليَّ من حقك.
فقال عليّ علیه السلام: اللهم نَوِّر قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليتَ أنّ في جُنْدي مائة مثلك، فقال حُجْر: إذاً والله يا أميرَ المؤمنين، صَحّ جندُك، وقلّ فيهم مَنْ يغشّك.
قال نصر: وقام حجر بن عدي فقال: يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها ونَنْتِجُها، قد ضارستْنا وضارسناها، ولنا أعوانٌ وعشيرةٌ ذات عدد ورأي مجرّب، وبأس محمود، وأزمّتُنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرّقت شرّقنا. وإنْ غرَّبت غربنا، وما أمرتَنا
1) الإحن: الحقد، اللسان، مادة (أحن)
به من أمرٍ فعلنا. فقال عليّ علیه السلام: أكلّ قومك يرى مثلَ رأيك؟ قال: ما رأيتُ منهم إلا حُسْناً، وهذه يديّ عنهم بالسمع والطاعة وحسن الإجابة. فقال له عليّ علیه السلام خيراً.
قال نصر: حدّثنا عمر بن سعد، قال: كتب علیه السلام إلى عماله حينئذٍ يستفزُّهم، فكتب إلى مخنف بن سليم:
سلامٌ عليك، فإني أحْمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ جهاد مَنْ صَدَف عن الحقّ رغبة عنه، وعبّ في نُعاس العَمى والضلال، اختياراً له - فريضةٌ على العارفين. إنّ الله يَرْضَى عمّن أرضاه، ويسخَط عَلَى من عصاه، وإنا قد هممنا بالسَّيْر إلى هؤلاء القوم الذين عَمِلوا في عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفيء، وعطّلوا الحُدود، وأماتوا الحقّ وأظهروا في الأرض الفساد، واتخذوا الفاسقين وليجَةً من دون المؤمنين، فإذا وليٌّ الله أعظَم أحداثهم أبغضوه وأقصَوْه وحَرَموه، وإذا ظالم ساعدَهم عَلَى ظُلْمهم أحبوه، وأدنَوْه ويرّوه، فقد أصرّوا على الظُّلم، وأجمعوا على الخلاف، وقديماً ما صدُّوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم، وكانوا ظالمين.
فإذا أُتِيتَ بكتابي هذا، فاستخلِفْ على عَمَلِك أوثق أصحابك في نفسك، وأقبِلْ إلينا، لعلك تَلْقى معنا هذا العدوّ المُحِلّ، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع الحّق، وتباين الباطل، فإنه لا غَنَاء بنا ولا بك عن أجر الجهاد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة سبع وثلاثين.
قال: فاستعمل مِخْنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع، واستعمل عَلَى هَمَذان سعيد بن وهب، وكلاهما من قومه، وأقبل حتى شهد مع عليّ علیه السلام صفين.
قال نصر: وكتب عبدُ الله بن العباس من البصرة إلى عليّ علیه السلام يذكُر له اختلافَ أهل البصرة، فكتب إليه عليّ علیه السلام: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس.
أما بعدُ، فقد قَدِم عليّ رسولُك، وقرأتُ كتابَك، تذكُرُ فيه حالَ أهل البصرة واختلافَهم بعد انصرافي عنهم، وسأخبرك عن القوم، وهم بين مقيمٍ لرغبة يرجوها، أو خائف مِنْ عُقوبة يخشاها، فأرْغِب راغبَهم بالعدل عليه، والإنصاف له والاحسان إليه، واحلُلْ عُقدة الخوف عن قلوبهم، وانته إلى أمري ولا تعدُه، وأحسِنُ إلى هذا الحي من ربيعة وكلّ مَنْ قبلَك فأحسن إليه ما استطعت إن شاء الله.
قال نصر: وكتب إلى أمراء أعْمَاله كلّهم بنحو ما كتب به إلى مخنف بن سليم، وأقام ينتظرهم.
قال: فحدثنا عمر بن سعد، عن أبي رَوْق، قال: قال زياد بن النضر الحارِثيّ لعبد الله بن
بُديل: إن يومنَا اليوم عَصَبْصَب(1)ما يصبر عليه إلا كل مشيَّع القلب الصادق النّية، رابط الجأش. وايم الله ما أظنّ ذلك اليوم يبقى منهم، ولا منا إلا الرُّذَال.
فقال عبد الله بن بديل: أنا والله أظنّ ذلك. فبلغ كلامُهما عليًّا علیه السلام، فقال لهما: ليكُنْ هذا الكلام مخزوناً في صُدُوركما لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع، إن الله كتبَ القتْل على قوم والموتَ على آخرين، وكلٌّ آتِية منيَّتُه كما كتب الله له، فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في طاعته!
قال نصر: فلما سمع هاشم بن عُتْبة ما قالاه، أتى علياً علیه السلام، فقال: سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم، القاسية قلوبهم، الذين نبَذوا كتابَ الله وراء ظهورهم، وعَمِلوا في عباد الله بغير رضا الله، فأحلُّوا حرامه، وحرموا حلاله، واستوى بهم الشيطان، ووعدهم الأباطيل، ومنّاهم الأماني، حتى أزاغهم عن الهدى، وقَصَد بهم قَصْد الرّدَى، وحبّب إليهم الدنيا فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها، كرغبتنا في الآخرة وانتجاز مَوْعد ربنا. وأنت يا أمير المؤمنين أقربُ الناس مِنْ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم رحِمًا، وأفضلُ الناس سابقة وقَدَماً، وهمْ يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم، ولكن كِتب عليهم الشقاء، ومالت بهم الأهواء، وكانوا ظالمين، فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحةٌ لك ببذل النصيحة، وأنفسنا تنصُرك عَلَى مَنْ خالفك، وتولى الأمر دونك جَذِلَةٌ، والله ما أحبّ أنّ لي ما على الأرض ممّا أقلّت، ولا ما تحت السماء ممّا أظلّت، وأني واليتُ عدواً لك، أو عاديتُ ولياً لك.
فقال علیه السلام: اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك، والمرافقة لنبيك.
قال نصر: ثم إن علياً علیه السلام صَعِد المنبر فخطب الناس، ودعاهم إلى الجهاد، فبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم قال:
إن الله قد أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادته، فانصبوا أنفسكم في أداء حَقّه، وتنجزُوا موعوده، واعلموا أنّ الله جعل أمْرَاس(2)الإسلام متينة، وعراه وثيقة، ثم جعل الطاعة حظَّ الأنفس ورضا الرب، وغنيمة الأكياس عند تفريط العجزة، وقد حُمِّلت أمر أسْودِها وأحمرها، ولا قوة إلا بالله. ونحن سائرون إن شاء الله إلا من سَفِهَ نفسه، وتناول ما ليس له وما لا يدركه معاوية وجنده، الفئةِ الطاغية الباغية، يقودهم إبليس، ويُبرق لهم ببارق تسويفه، ويدلّيهم بغروره، وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام، فاستغنوا بما علمتم، واحذروا ما حذركم الله من الشيطان وارضوا بما عنده من الأجر والكرامة، واعلموا أن المسلوب من سُلِب دينَه وأمانَتَه،
والمغرور مَنْ أثر الضلالة على الهدى، فلا أعرفَنّ أحداً منكم تقاعَس عَنِّي، وقال: في غيري كفاية، فإن الذَّوْد إلى الذّوْد ،إبل، ومَنْ لا يَذُدْ عن حوضه يتهدم. ثم إني آمركم بالشدة في الأمر، والجهاد في سبيل الله، وَألاَّ تختابوا مسلماً، وانتظروا للنصر العاجل من الله إن شاء الله.
قال نصر: ثم قام ابنهُ الحسن بن عليّ عليهما السلام، فقال: الحمدُ لله لا إله غيرُه ولا شريك له.
ثم قال: إنّ مما عَظّم الله عليكم من حَقَّه، وأسبَغ عليكم من نِعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّى شكره، ولا يبلُغه قولٌ ولا صفة، ونحن إنما غضِبنا الله ولكم، إنه لم يجتمع قوم قطّ على أمرٍ واحد إلا اشتدّ أمرهم، واستحكمت عُقْدتهم. فاحتشِدوا في قتال عدوّكم معاوية وجنوده، ولا تخاذلوا، فإنّ الخذلان يقطعُ نياط القلوب، وإن الإقدام على الأسِنّة نخوة وعِصْمة، لم يتمنّع قوم قط إلا رفع الله عنهم العِلّة وكفاهم جوائح الذلة، وهداهم إلى معالم الملة، ثم أنشد:
والصُّلْحُ تأخُذُ منه ما رضيتَ *** والحربُ يكفِيكَ من أنفاسها جُرَعُ
ثم قام الحسينُ بن عليّ علیه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أهلَ الكوفة، أنتم الأحِبّة الكُرَماء، والشِّعار دون الدِّثار، جِدُّوا في إطفاء ما دَثَر بينكم، وتسهيل ما توفّر عليكم. ألا إنّ الحرب شَرُّها ذَرِيع وطعمها فظيع، فمن أخذ لها أهبَتها، واستعدّ لها عدّتها، ولم يألم كلُومَها قبل حلولها فذاك صاحبُها. ومَنْ عاجلها قبل أوانِ فُرْصَتِها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قَمَنٌ ألا ينفع قومَه، وأن يُهلك نفسَه، نسأل الله بقوته أن يَدْعمكم بالفيئة ثم نزل.
قال نصر: فأجاب عليَّا علیه السلام إلى السير جُلُّ الناس، إلا أنّ أصحابَ عبد الله بن مسعود أتوْه، فيهم عُبيدة السَّلْمانيّ وأصحابه، فقالوا له: إنا نخرج معكم، ولا نترك عسكرَكم ونعسكر على حِدَة، حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحلّ له أو بَدَا لَنَا بَغْيُ كُنَّا عليه. فقال لهم عليٌّ علیه السلام: مَرْحَباً وأهلاً، هذا هو الفقهُ في الدين والعلم بالسنّة، مَنْ لم يرضَ بهذا فهو خائن جبار.
وأتاه آخرُون من أصحاب عبد الله بن مسعود، منهم الربيع بن خُتَيْم، وهم يومئذٍ أربعمائة رجل، فقالوا يا أميرَ المؤمنين، إنّا قد شككنا في هذا القتال، على معرفتها بفضلك، ولا غَنَا بنا ولا بك ولا بالمسلمين عَمّن يقاتِلُ العدوّ، فولِّنَا بعض هذه الثغور نكمُن ثم نقاتل عن أهله، فوجَّه عليّ علیه السلام بالربيع بن خَيْثم على ثغر الرّيّ، فكان أولُ لواء عَقَده علیه السلام بالكوفة لواء الربيع بن خيَثْم.
قال نصر: وحدثني عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عَوْف بن الأحمر، أن علياً علیه السلام لم يبرح النُّخَيْلة، حتى قَدِم عليه ابنُ عباس بأهل البصرة. قال: وكان كتاب عليّ علیه السلام إلى ابن عباس:
أما بعدُ، فاشخَصْ إليّ بِمَنْ قِبَلَك من المسلمين والمؤمنين، وذكِّرهم بلائي عندهم، وعَفْوِي في الحرب، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفَضْل. والسلام.
قال: فلما وصلَ كتابهُ إلى ابن عباس بالبصرة، قام في الناس، فقرأ عليهم الكتاب وحَمِد الله وأثنى عليه، وقال:
أيّها الناس، استعدوا للشُّخُوص إلى إمامكم، وانفِروا خِفَافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم. وأنفسكم، فإنّكم تقاتلون المحلّين القاسطين، الذين لا يقرؤون القرآن، ولا يعرفون حكمه الكتاب، ولا يَدِينون دينَ الحق مع أمير المؤمنين، وابن عَمّ رسول الله، الأمرِ بالمعروف، والناهي عن المنكَر، والصادع بالحقّ والقِّيم بالهدى، والحاكِم بحكم الكتاب، الذي لا يرتشِي في الحُكْم، ولا يُداهِن الفُجّار، ولا تأخذُه في الله لومةُ لائم.
فقام إليه الأحنفُ بن قيس، فقال: نعم والله لنجِيبَنّك، ولنخرجَنّ معك على العُسْر واليسر، والرضا والكُرْه، نحتسب في ذلك الأجْر، ونأملُ به من الله العظيم حسنَ الثواب. وقام خالد المعمر السَّدُوسِيّ فقال: سمِعْنا وأطعنا، فمتى اسْتَنْفرْتَنا نَفَرْنا، ومتى دعوتَنا أجبنا.
وقام عمرو بن مرجوم العبديُّ، فقال: وفَّقَ الله أمير المؤمنين، وجمع له أمرَ المسلمين، ولعن المحلّين القاسطين، لا يقرؤون القرآن، نحن والله عليهم حَنقون(1)، ولهم في الله مفارقون، فمتَى أردتَنا صحبك خيلُنا ورجالُنا إن شاء الله.
قال: وأجابَ الناسُ إلى المسير، ونَشطوا وخَفّوا، فاستعمل ابنُ عباس على البَصْرة أبا الأسود الدُّؤُليّ وخرج حتى قدم على عليّ علیه السلام بالنُّخَيْلة.
قال نصر: وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية:
من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر، سلامٌ على أهل طاعة الله مِمّن هو سِلْم لأهل ولاية الله. أما بعد فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خَلَقَ خَلْقاً بلا عَبَث ولا سعف في قوته، لا حاجة به إلى خَلْقهم، ولكنه خَلَقهم عبيداً، وجعل منهم شقياً وسعيداً، وغيوياً ورشيداً، ثم اختارهم على عِلْمِه، فاصطفى وانتخب منهم محمداً صلی الله علیه وآله وسلم، فاختصَّه برسالته، واختاره لوحيه، وانتمنه على أمره، وبعثه رسولاً مصدِّقاً لما بين يديه من الكتب، ودليلاً على الشرائع، فدعا إلى سبيل أمره بالحِكْمة والموعظة الحسنة، فكان أوَّلَ مَنْ أجاب وأناب، وصدّق ووافق فأسلم وسلّم أخوه وابن عمة - علي بن أبي طالب علیه السلام فصدّقة بالغيب
1) الحنق: الغيظ. القاموس، مادة (حنق)
المكتوم، وآثره على كلّ حميم، ووقاه كلَّ هَوْل، وواساه بنفسه في كلِّ خوف. فحارب حَرْبه، وسالم سِلْمه، فلم يبرَحْ مبتذِلاً لنفسه في ساعات الأزْل، ومقامات الرَّوْع، حتى بَرَّز سابقاً لا نظير له في جهاده، ولا مقاربَ له في فعله.
وقد رأيتُك تسامِيه وأنت أنت، وهو هو السابق المبرّز في كلِّ خير، أوّل النَّاس إسلاماً، وأصدق الناس نِيّة، وأطيَبُ الناس ذُرِّيَّة، وأفضلُ الناس زَوْجَة، وخير الناس ابن عَمّ. وأنت اللعينُ ابن اللعين، لم تَزعلْ أنت وأبوك تَبْغِيان لدين الله الغوائل، وتجتهدان على إطفاء نور الله، وتجمَعان على ذلك الجموع، وتَبْذُلان فيه المال، وتحالفان في ذلك القبائل، عَلَى هذا مات أبوك، وعلى ذلك خَلَفْتَه والشاهدُ عليك بذلك مَنْ يأوي ويلجأ إليك من بقيّة الأحزاب ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
والشاهد لعليّ مع فضله وسابقته القديمة أنصارُه الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضلّهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويُهرَيقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتّباعه والشَّقَاق والعصيان في خلافه، فكيف - يا لك الويل - تعدِلُ نفسك بعليّ، وهو وارث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ووصيه وأبو ولده، وأوّلُ النَّاسِ له اتباعاً، وآخرهم به عهداً، يخبرُه بسرِّه، ويُشرِكه في أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه، فتمتّع ما استطعتَ بباطِلك، وليمدد لك ابن العاص في غَوايتك، فكأن أجلَك قد انقَضى، وكيدك قد وَهَى، وسوف تستبين لمن تكون العاقبة العليا. واعلم أنّك إنما تكايد رَبَّك الذي قد أمِنْتَ كيده، وأيسْتَ من روحه، وهُوَ لَكَ بالمْرصاد وأنت منه في غرور. وبالله ويأهل بیت رسوله عنك الغناء! والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب إليه مُعاوية:
من معاوية بن أبي سفيان، إلى الزّاري على أبيه محمد بن أبي بكر. سلام على أهل طاعة الله، أما بعد، فقد أتاني كتابُك تذكر فيه ما الله أهلُه في قدرته وسلطانه، وما أصفَى به نَبِيّه مع كلام الّفتَه ووضعته لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرتَ حقّ ابن أبي طالب وقديم سابقته، وقرابتَه من نبي صلی الله علیه وآله وسلم ونصرتَه له، ومواساته إياه في كلِّ خوف وهَوْل، واحتجاجَك عليّ، وفخرك بفضل غيرِك لا بفضلك. فاحمد إلهاً صرف ذلك الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كُنّا وأبوك معنا في حياة نبينا، نرى حقّ ابن أبي طالب لازِماً لنا، وفضله مبرزاً علينا. فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتمّ له ما وَعَده، وأظهر دعوتَه، وأفلج حُجَّته، قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقهُ، أوّل من ابتزَّه وخالفه، على ذلك اتَّفقا واتسقا، ثم دعَوَاه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهمَّا به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايعهما وسلّم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما. ثم أقاما بعدهما ثالثَهما
عثمان بن عفان، يهتدي بهديهما، ويسير بسيرتهما، فعبتَه أنت وصاحبُك، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، وبطنتُما وظهرتما، وكشفتما له عداوتَكما وغِلِّكما، حتى بلغتما منه مناكما، فخذ حذرَك يا بن أبي بكر، فترى وبالَ أمرك، وقِسْ شبَرك بفترك، تقصُرْ عن أن تساويَ أو توازيَ مَنْ يَزِنُ الجِبال حلمه، ولا تَلينَ على قَبْرِ قَناتُه ولا يُدْرِك ذو مَدّى أناتَة، أبوك يا مَهَّدَ له مِهَادَة وبَنى مُلْكه ،وشاده، فإِن يكنْ ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله، وإن يكن جَوْراً فأبوك أسّه ونحن شركاؤه، فبهَدْيهِ أخذنا، وبفعله اقتدينا، رأينا أباك فَعل ما فعلَ، فاحتذيْنا مثاله، واقتدينا بفعالِه، فعِبْ أباك بما بدا لك، أو دعْ. والسلام على من أنابَ، ورجع من غوايته وناب.
قال: وأمر عليٌّ علیه السلام الحارث الأعور أن ينادِيَ في الناس: اخرُجوا إلى معسكركم بالنُّخَيلة، فنادى الحارث في الناس بذلك، وبعث إلى مالك بن حبيب اليربوعيّ صاحب شرطته، يأمره أن يحشُر الناس إلى المعسكر، ودعا عُقْبة بن عمرو الأنصاريّ، فاستخلفه على الكوفة - وكان أصغر أصحاب العَقَبة السبعين - ثم خرج علیه السلام، وخرج الناس معه.
قال نصر: ودعا علي علیه السلام زياد بن النَّضْر وشرح بن هانىء - وكانا على مَذْحِج والأشعريين - فقال: يا زياد، اتَّقِ الله في كل مُمْسىّ ومُصْبَح، وخَفْ على نفسِك الدنيا الغَرور، ولا تأمنها على حال. واعلم أنك إن لم تَزَعْها(1)عن كثير مما تحبّ مخافة مَكْروهة، سَمَتْ بك الأهواء إلى كثير من الضّرر، فكن لنفسك مانعاً وازعاً من البغي والظلم والعدوان، فإني قد وليتك هذا الجُنْد، فلا تستطيلنّ عليهم، إنّ خيرَكم عند الله أتقاكم، تعلّم من عالمهم، وعَلّم جاهلهم، واحلم عن سَفِيههم، فإنك إنما تدرك الخير الحْلم وكَفّ الأذى والجهل.
فقال زياد: أوْصَيْتَ يا أمير المؤمنين حافظاً لوصيّتك، مؤدياً لأرَبك، يَرَى الرُّشد في نفاذِ أمرك، والغَيّ في تضييع عهدك.
فأمرهما أن يأخذَا في طريق واحد ولا يختلفا، وبعثَهما في اثني عشر ألفاً على مقدمته، وكلَّ واحد منهما على جماعة من ذلك الجيش، فأخذ شريح يعتزلُ بمن معه من أصحابه على حدَة، ولا يقرب زياداً، فكتب زياد إلى عليّ علیه السلام مع مَوْلىٌ له يقال له شوذب:
لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، مِنْ زياد بن النَّضْر:
سلام عليك، فإني أحْمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنك ولَّيْتني أمرَ الناس،
1) تزعها: تكففها. القاموس، مادة (وزع)
وإن شُرَيحاً لا يرى لي عليه طاعة ولا حقاً، وذلك من فِعْله بين استخفاف بأمرك، وترك لعهدك، والسلام.
وكتب شريح بن هانىء إلى عليّ علیه السلام: لعبد الله علي أمير المؤمنين من شُرَيح بن بن هانی سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعدُ، فإنّ زياد بن النضر حين أشركتَه في أمرك، وولّيته جنداً من جنودك، طَغى واستكبر، ومال به العُجْب والخُيَلاء والزَّهْو إلى ما لا يَرْضَى الله تعالى به من القَوْل والفعل، فإن رأى أميرُ المؤمنين علیه السلام أن يعزِلَه عَنّا ويبعث مكانه مَنْ يحبّ فليفعل، فإنا له كارهون.
والسلام فكتب عليّ علیه السلام إليهما: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى زياد بن النَّضْر وشُرَيح بن هانىء. سلامٌ عليكما، فإنّي أحمَد إليكما الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني قد وَلَّيتُ مقدمتي زيادَ بن النضر، وأمرتُه عليها، وشُرَيح بن هانىء عَلَى طائفة منها أمير، فإن انتهى جمعكما إلى بأس، فزياد بن النَّضْر عَلَى الناس كلَّهم، وإن افترقتما فكلُّ واحدٍ منكما أميرُ الطائفة التي ولّيناه أمرَها، واعلما أنّ مقدّمة القوم عيونُهم، وعيونُ المقدّمة طلائعهم، فإذا أنتما خَرَجْتُما من بلادكما فلا تسأما من تَوْجِيه الطّلائع، ومن نَفْضِ الشِّعاب والشّجر والخَمَر في كل جانب، كي لا يغترّكما عدوّ، أو يكون لهم كمين. ولا تسيّرنَّ الكتائبَ والقبائل من لَدُنْ الصبَّاح إلى المساء إلا على تعبئة، فإنْ دهمَكم عدوّ أو غشيَكم مكروه، كنتم قد تقدمتم في التعبئة، فإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكنْ معسكرُ كما في قُبُل الأشراف أو سِفاح الجبال وأثناء الأنهار، كيما يكون ذلك لكم رِدْاءً، وتكون مقاتلتكم من وَجْهٍ واحد أو اثنين، واجعلوا رقباءكما في صياصي الجبال وبأعالي الأشراف، ومناكب الأنهار يروْن لكم، كي لا يأتيكم عدوٍّ من مكان مخافةٍ أو أمن.
وإيّاكم والتفرّق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً، فإذا غشيَكم الليل فنزلتم فخِفّوا عسكركم بالرماح والتِّرَسة، ولتكنْ رماتكم من وراء تِرَسِكم ورماحكم يُلُونهم. وما أقُمتم فكذلك فافعلوا كي لا تصابَ لكم غَفْلة، ولا تُلْقَى لكم غِرّة، فما قوم يحفُّون عسكرَهم برماحهم وتِرَستهم من ليلٍ أو نهارٍ إلا كانوا كأنّهم في حصون. واحرُسا عسكركما بأنفسكما، وإياكما أن تذوقا نَوْماً حتى تُصْبِحا إلا غِرَاراً أو مَضْمضة. ثم ليكن ذلك شأنَكما ودأبَكما حتى تنتهيا إلى عدوّكما، وليكن كلّ يوم عندي خبر كما ورسولٌ مِنْ قِبَلِكما. فإني - ولا شيء إلا ما شاء الله - حثيثُ السَّيْر في أَثَرِكما. عليكما في جَرْيكما بالتُّؤَدة، وإياكما والعَجَلة، إلا أن تمكّنكما فرصة بعد الإعذار والحجّة، وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عَلَيْكُمَا إلا أن تُبداً، أو يأتيَكما أمري، إن شاء الله.
قال نصر: وكتبَ عليّ علیه السلام إلى أمراء الأجناد - وكان قد قسّم عسكرَه أسْبَاعاً - فجعل
على كل سُبْع أميراً، فجعل سعد بن مسعود الثقفيّ على قَيْس وعبد القيس، ومعقِل بن قيس اليربوعيّ على تَميم وضَبّة والرِّباب وقريش وكنانة وأسد، ومِخْنف بن سُلَيم عَلَى الأزْد وبَجيلة وخَثعم والأنصار وخُزاعة، وحُجر بن عديّ الكنديّ على كِنْدة وحَضَرموت وقُضاعة، وزياد بن النَّضْر على مَذْحِج والأشعريين، وسعيدَ بن مُرجة الهمْدانيّ على هَمْدان ومَنْ معهم من حِمْير، وعديّ بن حاتم الطائيّ علي طيئ، تجمعهم الدعوة مع مَذْحِج، وتختلف الرايتان: راية مذحِج مع زياد بن النضر، وراية طيّىء مع عديّ بن حاتم، هذه عساكر الكوفة. وأما عساكر البَصْرة ، فخالد بن معمر السّدوسيّ على بكر بن وائل، وعمرو بن مرجوم العبديّ على عبْد القيس، وابن شَيمان الأزديّ على الأزد، والأحنف على تَميم وضبّة والرِّباب، وشريك بن الأعور الحارثّ على أهل العالية.
أما بعد، فإني أبرَأ إليكم من مَعَرّة الجنود إلاّ من جوعة إلى شبعة، ومن فقر إلى غنّى، أو عمّى إلى هدًى، فإن ذلك عليهم. فأَغْرِبوا الناس عن الظلم والعُدْوان، وخذوا على أيدي سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالاً لا يرضى الله بها عَنّا فيردّ بها علينا وعليكم دعاءنا، فإنه تعالى يقول: «مَا يَعْبُوا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ»(1).
وإن الله إذا مَقَت قوماً من السماء هلكوا في الأرض، فلا تألوا أنفسكم خيراً، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة ولا دين الله قوة، وأبلوا في سبيله ما استوجب عليكم، فإنّ الله قد اصطنَع عندنا وعندكم ما يجب علينا أن نشكره بجهدنا، وأن ننصُرَه ما بلغت قوتنا ولا قوة إلا بالله.
قال: وكتب علیه السلام إلى جنوده يخبرهم بالّذي لهم وعليهم: أما بعد، فإنّ الله جعلكم في لام الحقّ جميعاً سواء، أسودكم وأحمركم، وجعلَكم من الوالي وجعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد، وبمنزلة الولد من الوالد، الذي لا يكفيه منعه إياهم طلب عدوّه والتهمة به، ما سمعتم وأطعتم وقضيتم الذي عليكم. فحقّكم عليهم إنصافكم والتعديل بينكم، والكفّ عن فيتكم، فإذا فعل معكم ذلك، وجبَتْ عليكم طاعته فيما وافق الحقّ، ونصرتُه والدفع عن سلطان الله، فإنكم وَزَعة(2)الله في الأرض، فكونوا له أعواناً، ولدينه أنصاراً، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، إن الله لا يحب المفسدين.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، قال: حدّثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتة، قال: قال عليّ علیه السلام: ما يقول الناس في هذا القبر؟ - وفي التَّخَيلة، وبالنُّخَيلة قبر عظيم يدفن اليهود
موتاهم حوله - فقال الحسن بن عليّ علیه السلام: يقولون هذا قبر هودٍ لما عصاه قومه، جاء فمات هاهنا، فقال: كذبوا، لأنا أعلم به منهم، هذا قبر يهودَا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بِكْر يعقوب، ثم قال: أهاهنا أحد من مَهَرة؟ فأتي بشيخ كبير، فقال: أين منزلُك؟ قال: على شاطىء البحر، قال: أين أنت من الجبل ؟ قال: أنا قريب منه، قال: فما يقول قومك فيه؟ قال: يقولون: إن فيه قبرَ ساحر، قال: كذبوا، ذاك قبر هود النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وهذا قبر يهودا بن يعقوب. ثم قال علیه السلام: يُحشَر من ظهر الكوفة سبعون ألفاً على غُرّة الشمس، يدخلون الجنة بغير حساب.
فال نصر: فلما نَزَل عليّ علیه السلام النُّخَيْلة متوجّهاً إلى الشام، وبلغ معاويَة خبرهُ، وهو يومئذ بدمشق، قد ألبَس منبر دمشق قميصَ عثمان مختضباً بالدم، وحول المِنْبر سبعون ألف شيخِ يبكون حوله، لا تجف دموعهم عَلَى عثمان، خطبهم، وقال:
يا أهل الشام، قد كنتم تكذّبونني في عليّ، وقد استبان لكم أمرُه، والله ما قَتل خليفَتَكم غيره وهو أمرَ بقتله، وألّب الناس عليه، وأوى قَتَلَتَهُ، وهم جنده وأنصاره وأعوانه، وقد خرج قاصداً بلادكم ودياركم لإبادتكم. يا أهل الشام، الله الله في دم عثمان! فأنَا وليُّه وأحقّ مَنْ بهم يا طلب بدمه، وقد جعل الله لوليّ المقتول ظلماً سلطاناً، فانصروا خليفتَكم المظلوم، فقد صنع القوم به ما تعلمون، قتلوه ظُلْماً وبغياً، وقد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. ثم نزل. قال نصر: فأعطوه الطاعة وانقدوا له، وجمع إليه أطرافه، واستعد للقاء عليّ علیه السلام.
الأصل: كَأَنِّي بِكِ يَا كُونَةُ تُمَدِّينَ مَدْ الْأَدِيمِ الْمُكَاظِيّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَتُرْكَبِين بِالزِّلَازِلِ، وَإنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءًا إِلا ابْتَلَاهُ اللهُ بِشَاغِل أو رماء بقاتل.
الشرح: عُكاظ: اسم سُوق للعرب بناحية مكة، كانوا يجتمعون بها في كلّ سنة، يقيمون شهراً ويتبايعون ويتناشدون شعراً ويتفاخرون، قال أبو ذُؤَيْب:
إذا بُنِيَ القِيابُ عَلَى عُكَاظٍ *** وَقَامَ الْبَيْعُ وَاجْتَمَعَ الأُلوفُ
فلما جاء الإسلام هدم ذلك، وأكثر ما كان يُباع الأديم بها، فنسب إليهما.
والأديم واحد والجمع أُدُم، كما قالوا: أفيق للجلْد الذي لم تَتِمٍّ دباغته، وجمعه أُفُقٌ. وقد يجمع أدِيم على آدِمة، كما قالوا: رغيف وأرغفة.
والزلازل هاهنا: الأمور المزعجة، والخطوب المحرّكة.
وقوله علیه السلام: تُمَدِّين مَدَّ الأديم»، استعارة لما ينالها من العَسْف والخبط.
وقوله: «تُعْرَكِين»، من عَرَكَتِ القومَ الحرب إذا مارستهم حتى أتْعبتهم.
وقد جاء في فضل الكوفة عن أهْل البيت علیهم السلام الشيء كثير، نحو قول أمير المؤمنين علیه السلام: نعمت المَدَرة.
وقوله علیه السلام: إنه يُحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً، وجوههم عَلَى صُورة القمر.
وقوله علیه السلام: هَذه مدينَتُنا ومَحلّتنا، ومقرّ شيعتنا.
وقوله جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم ارْمِ من رَماها، وعادٍ مَنْ عاداها.
وقوله: تربَةٌ تحِبُّنا ونُحبُّها.
فأمّا ما همّ به الملوك وأرباب السلطان فيها من السوء، ودفاع الله تعالى عنهم فكثير.
قال المنصور لجعفر بن محمد علیه السلام: إني قد هممتُ أن أبعثَ إلى الكوفة مَنْ ينقضُ منازِلَها، ويُجمر نخلّها، ويستصفي أموالها، ويقتل أهل الرِّيبة منها، فأشِرْ عليّ. فقال: يا أمير المؤمنين، إن المرء ليقتدِي بسلَفه، ولك أسلاف ثلاثة: سليمان أُعْطِيَ فشكر، وأيوب ابْتُلِيَ فصبر، ويوسف قَدَر فغفر، فاقتد بأيّهم شئت. فصمَت قليلاً، ثم قال: قد غفرت.
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزِيْ في كتاب «المنتظم»(1)أن زياداً لما حَصَبَهُ أهلُ الكوفة، وهو يخطب على المِنْبَر، قطع أيدي ثمانين منهم، وهمّ أن يخرّب دورَهم، ويُجَمِّر نخَلهم، فجَمعهم حتى ملأ ملأ بهم المسجد والرَّحبَة، يعرضهم على البراءة من عليّ علیه السلام، وعلم أنّهم سيمتنعون، فيحتجّ بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم.
قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاريّ: فإني لَمَعَ نفرٍ من قومي، والناس يومئذٍ في أمر عظيم، إذْ هَوّمت تهويمةٌ، فرأيت شيئاً أقبل، طويل العنق، مثل عُنُق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النَّقّاد ذو الرقبة، بُعِثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا : لا ، فأخبرتُهم وخرج علينا خارج من القصر، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يقول لكم: إني عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان،
1) «المنتظم في التاريخ الأمم»: لأبي الفرح عبد الرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي، المتوفى سنة (597ه)، من الهجرة إلى الخلافة المستعين على ترتيب السنين. »كشف الظنون»(1850/2)
يقول: إنّي لأجِد في النِّصْف من جسدي حرّ النار حتى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب:
ما كَانَ مُنْتَهِياً عَمّا أرادَ بِنَا *** حَتَّى تَنَاوَلَهُ النَّفَّادُ ذُو الرَّقبَةْ
فأثْبت العشِّقَّ منهُ ضربةٌ عَظُمَتْ *** كما تناول ظُلماً صاحب الرَّحَبةْ
قلت: قد يظن ظان أن قوله: «صاحب الرّحبة» يمكن أن يحتجّ به من قال: إنّ قبر أمير المؤمنين علیه السلام في رَحَبة المسجد بالكوفة، ولا حجة في ذلك، لأنّ أمير المؤمنين كان يجلس معظم زمانه في رَحَبة المسجد، يحكم بين الناس، فجاز أن ينسب إليه بهذا الاعتبار.
الأصل: الْحَمْدُ لِلّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإنْعَام، وَلَا مُكَافَاً الإِفْضَال. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَنِي، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومٍ هَذَا الْمِلطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْدِمَةٍ مِنْكُمْ، مُواطِنينَ أَكْنَاف دَجْلَةَ، فَأَنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ القُوَّةِ لَكُمْ.
قال الرضيّ رحمه الله: يعنِي علیه السلام بِالْمِلْطاط هاهنا: السَّمْتَ الذِي أَمَرَهم بلزومه، وهو شَاطىء الفُرَات، ويقال ذَلكَ أيْضاً لِشَاطِيء البحر، وأصله ما اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ، ويعني بالنُّطْفَةِ مَاء الفُرَات، وهو من غريب العِباراتِ وعجيبها.
الشرح: وقب الليل، أي دخل، قال الله تعالى: «وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ»(1). وغسق، أي أظلم. وخفق النجم، أي غاب.
ومقدِّمة الجيش، بكسر الدال: أوله وما يتقدّم منه على جمهور العسكر، ومقدِّمة الإنسان، بفتح الدال: صدره. والمِلْطاط: حافّة الوادي وشَفِيرُه، وساحل البحر، قال رؤبة:
نَحْنُ جَمَعْنَا النَّاسَ بِالْمِلْطاطِ
قال الأصمعيّ: يعني به ساحلَ البحر، وقول ابن مسعود: هذا المِلطاط طريق بقية المؤمنين، هُرّاباً من الدَّجال، يعني به شاطىء الفرات.
فأما قول الرضيّ رحمه الله تعالى: «الملطاط: السّمْت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطىء
1) سورة الفلق، الآية: 3
الفرات، ويقال ذلك لشاطىء البحر»، فلا معنى له، لأنه لا فرق بين شاطىء الفرات وشاطىء البحر، وكلاهما أمر واحد وكان الواجب أن يقول: المِلْطاط: السمت في الأرض، ويقال أيضاً لشاطيء البحر.
والشّرْذمة: نفر قليلون.
وموطنين أكناف دجلة، أي قد جعلوا أكنافها وَطَناً، [من] أوطنت البُقعة.
والأكتاف: الجوانب، واحدها كَنَف. والأمداد جمع مدد، وهو ما يمدّ به الجيش تقويةً له.
وهذه الخطبة خطب بها أميرُ المؤمنين علیه السلام وهو بالنُّخَيلة خارجاً من الكوفة ومتوجِّهاً إلى صِفّين لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاثين. وذكرها جماعة من أصحاب السير، وزادوا فيها: «وقد أمّرْتَ على المِصْر عُقْبة بن عمرو الأنصاريّ، ولم آلكم ولا نفسي، فإياكم والتَخَلّف والتربّص، فإني قد خَلّفت مالك بن حبيب اليَربوعيّ، وأمرتُه ألاَّ يترك متخلّفاً إلا ألحقه بكم عاجلاً، إن شاء الله». وروى نصر بن مزاحم عوض قوله: «فأُنهِضَهم معكم إلى عدُوّكم فأنْهِضَهُم معكم إلى عدو الله».
قال نصر: فقام إليه مَعْقل بن قيس الرّياحيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما يتخلّف عنك إلاّ ظَنِين، ولا يتربَّصُ بك إلا منافق، فَمُرْ مالكَ بن حبيب فليضرِبْ أعناقَ المتخلّفين. فقال: قد أمَرْتُه بأمري، وليس بمقصِّر إن شاء الله.
قال نصر بن مزاحم: ثم سار علیه السلام حتى انْتهى إلى مدينة بَهُرَسِير، وإذا رجل من أصحابه يقال له حُرّ بن سهم بن طَريف، من بني ربيعة بن مالك، ينظر إلى آثار كسرى، ويتمثل بقول الأسود بن يَعْفَرُ:
جرَتِ الرِّياحُ على محلّ ديارِهمْ *** فكأنما كانوا على ميعادِ
فقال له علیه السلام: ألا قلت: «كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّتٍ وَعُيُونَ * وَزُرُوع وَمَقَامٍ كَرِيمٍ *وَنَعْمَةٍ كَانُوا تَكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ»(1)، إنّ هؤلاء كانوا وارثين فأصْبَحوا مورَثين، ولم يشكروا النّعمة، فسلِبُوا دنياهم بالمعصية. إياكُم وكُفْرَ النّعم، لا تحلّ بكم النِّقم، انزلوا بهذه الفَجْوة.
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد، عن مسلم الأعور عن حبّة العُرنيّ، قال: أمر عليّ علیه السلام الحارث الأعور، فصاح في أهل المدائن: مَنْ كان من المقاتلة فليوافِ أميرَ المؤمنين علیه السلام
1) سورة الدخان، الآيات: 25 - 29
صلاةَ العصر. فوافوْه في تلك الساعة، فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ، فإني قد تعجَّبْت مِنْ تخلفكم عن دَعوتكم، وانقطاعكم عن أهل مِصْركم في هذه المساكن الظالم أهلها، الهالك أكثر ساكنيها، لا معروف يأمرون به، ولا منكَر ينهوْن عنه.
قالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنّا ننتظِر أمرَك، مُرْنا بما أحببت، فسارَ وخلَف عليهم عديّ بن حاتم، فأقام عليهم ثلاثاً ثمّ خرج في ثمانمائة رجل منهم، وخلّف ابنه زيداً بعده، فَلحِقه في أربعمائة رجل منهم.
وجاء عليّ علیه السلام حتى مَر بالأنبار، فاستقبله بنو خُشْنُوشَكْ، دهاقينها.
قال: فلما استقبلوه نزلوا عن خيولهم، ثم جاؤوا يشتدون معه، وبين يديه ومعهم براذين قد أوقفوها في طريقه، فقال: ما هذه الدّوابّ التي معكم، وما أردتم بهذا الذي صنعتم؟ قالوا: أمّا هذا الذي صنعنا فهو خُلُق مِنّا نعظّم به الأمراء، وأمّا هذه البراذين فهدّية لك، وقد صنعنا للمسلمين طعاماً، وهيأنا لدوابّكم علفاً كثيراً.
فقال علیه السلام: أما هذا الذي زعمتم أنّه فيكم خُلق تعظمون به الأمراء فوالله ما ينفع ذلك عليم الأمراء، وإنّكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم، فلا تعودوا له. وأما دوابّكم هذه، فإن أحببتم أن آخذَها منكم وأحسبها لكم من خَراجِكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذي صنعتم لنا، فإنا نكرهُ أن نأكلَ من أموالكم إلا بثمن. قالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نقوّمه ثم نقبل ثمنه، قال: إذاً لا تقومونه قيمته، نحن نكتفي بما هو دونه قالوا يا أمير المؤمنين، فإنّ لنا من العرب موالِيَ ومعارف، أتمنعنا أن نُهْدِيَ لهم أو تمنعهم أن يقبلوا منا؟ فقال: كلُّ العرب لكم موالٍ، وليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتَكم، وإن غَصَبكم أحد فأعلمونا. قالوا: يا أمير المؤمنين، إنّا نحب أن تُقْبَل هديتُنا وكرامتنا. قال: وَيْحَكم! فنحن أغْنى منكم. وتركهم وسار.
قال نصر: وحدثنا عبد العزيز بن سياه، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال حدثنا أبو سعيد التيميّ المعروف بعَقِيصَي، قال: كُنّا مع عليّ علیه السلام في مسيره إلى الشام، حتى إذا كُنّا حتى بظهر الكوفة من جانب هذا السّواد، عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا عليّ علیه السلام حتی أتى بنا إلى صخرة ضِرْس في الأرض، كأنّها رُبْضَةُ عنز، فأمرنا فاقتلعناها، فخرج لنا من تحتها ماء، فشرِب الناس منه وارتوَوْا. ثم أمرنا فأكفأناها عليه. وسار الناس حتى إذا مضى قليلاً، قال علیه السلام: أمِنْكم أحدٌ يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فانطلِقوا إليه، فانطلق مِنّا رجالٌ ركباناً ومشاة، فاقتصننا الطريق إليه، حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه، فطلبناه، فلم نقدر على شيء، حتى إذا عِيلَ علينا انطلقنا
دَيْر قريب مِنّا، فسألناهم: أين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا: ليس قُرْبنَا ماء، فقلنا: بلى إنّا شربنا منه، قالوا: أنتم شَرِبتم منه؟ قلنا: نعْم، فقال صاحب الدِّيْر: والله ما بُنِيَ هذا الدير إلا بذلك الماء، وما استخرجه إلاّ نبيّ أو وصيّ نَبيّ.
قال نصر: ثم مضى علیه السلام، حتى نزل بأرضِ الجزيرة، فاستقبله بنو تَغْلِب والنَّمِر بن قاسط بجزُور، فقال علیه السلام ليزيد بن قيس الارحبيّ: يا يزيد، قال: لَبيك يا أمير المؤمنين، قال: هؤلاء قومُك، من طعامهم فأطْعمَ، ومن شرابهم فأشرب.
قال: ثم سار حتى أتى الرّقّة - وجلّ أهلها عثمانية، فَرّوا من الكوفة إلى معاوية - فأغلقوا أبوابَها دونه، وتحصّنوا، وكان أميرهم سماك بن مخرقة الأسديّ في طاعة معاوية، وقد كان فارق علياً علیه السلام في نحو مائة رجل من بني أسد، ثم كاتب معاوية، وأقام الرّقّة حتى لَحِق به سبعمائة رجل.
قال نصر: فروى حَبّة أن عليًّا علیه السلام لما نزل على الرّقة، نزل بموضع يقال له البَلِيخ على جانب الفرات، فنزل راهب هناك من صَوْمعته، فقال لعليّ علیه السلام: إنّ عندنا كِتاباً توارثناه عن له الله آبائنا، كتبه أصحابُ عيسى ابن مريم، أعرضه عليك؟ قال: نعم فقرأ الراهب الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. الذي قضى فيما قضى، وسَطّر فيما كتب: أنه باعثٌ في الأمیّين رسولاً منهم، يعلّمهم الكتابَ والحكمة، ويدلّهم على سبيل الله، لا فظٍّ ولا غليظ، ولا صَخّابٌ في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفُو ويصفح، أمّته الحمادون الذين يحمَدون الله على كل نَشز، وفي كل صَعود وهَبوط، تذِلّ ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح وينصرُه الله على من ناوأه، فإذا توفّاه الله، اختلفت أمتهُ من بعده، ثم اجتمعت، فلبثت ما شاء الله، ثم اختلفت، فيمرّ رجال من أمته بشاطىء هذا الفُرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحقّ ولا يركُس(1)الحكم، الدنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت به الريح، والموت أهون عليه من شُرب الماء على الظمآن، يخاف الله في السرّ، وينصح له في العلانية، لا يخاف في الله لومةَ لائم، فمن أدرك ذلك النبيّ مِنْ أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومَنْ أدرك ذلك العبد الصالح فلينصرْه، فإنّ القتل معه شهادة.
ثم قال له: أنا مصاحبُك، فلا أفارقُك حتى يصيبَني ما أصابك. فبكى علیه السلام، ثم قال: الحمد لله الذي لم أكُنْ عنده منسيًّا، الحمد لله ذكرني عنده في كُتُب الأبرار.
فمضى الراهب معه، فكان فيما ذكروا يتغدّى مع أمير المؤمنين ويتعشّى، حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال علیه السلام: اطلبوه، فلما وجدوه صلى عليه ودفنه. وقال: هذا مِنّا أهلَ البيت، واستغفر له مراراً.
1) الركس: رد الشيء مقلوباً، وقلب أوله على آخره. القاموس، مادة (ركس)
روى هذا الخبر نصر بن مزاحم في كتاب «صفين» عن عرم بن سعد، عن مسلم الأعور عن حبَّة العُرنيّ. ورواه أيضاً إبراهيم بن ديزيل الهمدانيّ، بهذا الإسناد عن حَبّة أيضاً في كتاب صفين.
وروى ابن ديزيل في هذا الكتاب، قال: حدثني يحيى بن سليمان، قال: حدّثني يحيى بن الملك بن حُميد بن عتيبة، عن أبيه، عن إسماعيل بن رَجاء، عن أبيه ومحمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رَجاء، عن أبي سَعِيد الخُدْرِيّ، رحمه الله قال: كنا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فانقطع شِسْعُ نعلِه، فألقاها إلى عليّ علیه السلام يُصلحها، ثم قال: «إنّ منكم مَنْ يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلتُ على تنزيله»، فقال أبو بكر الصديق: أنا هو يا رسول الله؟ فقال: «لا»، فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه ذَاكُم خَاصِفُ النعل»(1)- ويَدُ عليّ علیه السلام على نَعْل النبيّ صلى الله عليه وآله يصلحها.
قال أبو سعيد: فأتيتُ عليًّا علیه السلام فبشرّته بذلك فلم يحفِل به، كأنه شيء قد كان علمه من قبل.
وروی این ديزيل في هذا الكتاب أيضاً، عن يحيى بن سليمان، عن إبراهيم الهَجَريّ، عن أبي صادق، قال: قَدِم علينا أبو أيوب الأنصاريّ العِراق، فأهْدَت له الأزد جُزراً، فبعثوها معي، فدخلت إليه فسلّمت عليه، وقلت له: يا أبا أيوب، قد كرَّمك الله عزّ وجلّ بصحبة نبیه صلی الله علیه وآله وسلم، ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس بسيفك، تقاتلهم هؤلاء مرة وهؤلاء مرة! قال: إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عَهِد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وَجْهُنا إليهم - يعني معاوية وأصحابه - وعهد إلينا أن نقاتل المارقين، ولم أرهم بعد.
وروی ابن ديزيل أيضاً في هذا الكتاب، عن يحيى، عن يَعْلى بن عُبيد الحنفيّ، عن إسماعيل السّديّ، عن زيد بن أرقم، قال: كنا مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو في الحُجْرة يُوحَى إليه ونحن ننتظره حتى اشتدّ الحرّ، فجاء علي بن أبي طالب ومعه فاطمة وحسن وحسين عليهما السلام، فقعدوا في ظل حائط ينتظرونه، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، راهم فأتاهم وَوَقَفْنا نحن مكاننا، ثم جاء إلينا وهو يظلُّهم بثوبه، ممسكاً بطَرَف الثوب، وعليّ ممسِكٌ بطَرفِهِ الآخر، وهو
1) أخرجه الترمذي في المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب (3715)، وأحمد في باقي مسند المكثرين، باب: مسند أبي سعيد الخدري (10896)
يقول: «اللهم إني أحبّهم، فأحبّهم، اللهم إني سلم لمن سالمَهم، وحرب لمن حاربهم»(1)قال: فقال ذلك ثلاث مرات.
قال إبراهيم في الكتاب المذكور: وحدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن فُضَيل، قال: حدثنا الحسن بن الحكم النَّخَعيّ، عن رباح بن الحارث النخعيّ، قال: كنت جالساً عند علي علیه السلام، إذ قَدِم عليه قوم متلثِّمُون، فقالوا: السلام عليكَ يا مولانا، فقال لهم: أوَلستُم قوماً عَرَبَّا! قالوا: بلى، ولكنّا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غَدير خُمّ: «مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»(2)، قال: فلقد رأيتُ عليّاً علیه السلام ضحك حتى بدت نواجذُه، ثم قال: أشهدوا.
ثم إنّ القومَ مضوْا إلى رحالهم فتبعتُهم، فقلت لرجل منهم: مَنِ القوم؟ قالوا: نحن رَهْطٌ من الأنصار، وذاك - يعنون رجلاً منهم - أبو أيوب، صاحب منزل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، قال: فأتيته فصافُحته.
قال نصر: وحدثني عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن أبي الوَدّاك، أنّ عليَّا علیه السلام بعث مِنَ المدائن مَعْقل بن قيس الرياحي، في ثلاث آلاف، وقال له: خُذْ عَلَى الموصل، ثم نَصِيبين ثم القَني بالرَّقة، فإني موافيها. وسكَّن الناس وأَمِّنْهم، ولا تقاتل إلا مَنْ قاتلك، وسِر البَرْدَیْن(3)، وغَوِّرُ بالناس. أقم الليل، ورفِّه في السير، ولا تَسِرْ أوّل الليل، فإن الله جعله البردين سكناً، أرحْ فيه بدنَك وجندكَ وظهرك، فإذا كان السَّحَر، أو حين يتبلج الفجر فسر.
فسار حتى أتى الحديثة - وهي إذ ذاك منزل الناس، وإنما بَنَى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان - فإذا بكبْشين ينتطحان، ومع معقل بن قيس رجل من خَثْعم يقال له شداد بن أبي ربيعة - قتِل بعد ذلك مع الحَرُوريَّة - فأخذ يقول: إيه، إيهِ! فقال معقِل: ما تقول؟ فجاء رجلان نحو الكبشين، فأخذ كلُّ واحد منهما كبشاً وانصرفا، فقال الخثعميّ لمعقِل: لا تَغْلِبون ولا تُغلَبون. فقال معقِل: من أين علمت؟ قال: أمَا أبصرت الكبْشين، أحدهما مشرّق والآخر مغرّب، التقيا فاقتتلا وانتطحا، فلم يزل كلّ واحد من مصاحبه منتصفاً، حتى أتى كلّ واحد منهما صاحبُه فانطلق به، فقال معقل: أو يكون خيراً مما تقول يا أخا خثعم! ثم مضى حتى وافى عليَّا علیه السلام بالرّقة.
قال نصر: وقالت طائفة من أصحاب عليّ علیه السلام له: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى معاوية: ومَنْ قِبَله من قومك، فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظَماً. فكتب إليهم علیه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية ومن قِبَله من قريش:
سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنّ لله عباداً آمنوا بالتنزيل، وعَرَفوا التأويل، وفَقُهوا في الدين، وبيِّن الله فضلَهم في القرآن الحكيم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول، تكذِّبون بالكتاب، مجمعون على حرب المسلمين، من ثقفْتُم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه، حتى أراد الله تعالى إعزازَ دينه وإظهارَ أمره، فدخلت العرب في الدِّين أفواجاً، وأسلمت له هذه الأمة طوعاً وكرهاً، فكنتم فيمن دخل في هذا الدين، إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السَّبْق بسبقهم، وفاز المهاجرون الأولون بفضْلِهم. ولا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين، ولا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمرَ الذي أهلُه وأوْلَى به، فيجوز ويظلم، ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدرَه، ويعدو طورَه، ويُشْقِي نفسه بالتماس ما ليس بأهله، فإنّ أولى الناس بأمر هذه الأمة قديماً وحديثاً أقربُها من الرسول، وأعلمُها بالكتاب، وأفقهُها في الدين، أوّلها إسلاماً، وأفضلها جهاداً، وأشدّها بما تحمله الأئمة من أمر الأمة اضطلاعاً. فاتقوا الله الذي ترجعون، ولا تَلْبِسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.
واعلموا أنّ خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون، وأنّ شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهلَ العلم، فإنّ للعالم بعلمه فضلاً، وإن الجاهلَ لا يزداد بمنازعته العالم إلا جهلاً. ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، وحَقْن دماء هذه الأمة، فإن قبلتم أصبتُم رُشْدكم، واهتديتم لحظّكم، وإن أبيتم إلا الفرقة وشَقّ عصا هذه الأمة لم تزدادوا من الله إلا بعداً، ولا يزداد الربّ عليكم إلا سخطاً والسلام.
فكتب إليه معاوية جوابَ هذا الكتاب سطراً واحداً، وهو: أما بعد فإنه:
لَيْسَ بينِي وَبَيْن قَيْسٍ عِتَابُ *** غَيْر طَعْنِ الكُلى وضَرْبِ الرّقابِ
فقال عليّ علیه السلام لما أتاه هذا الجواب: «إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَت وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»(1).
قال نصر: وقال عليّ علیه السلام الأهل الرَّقة: جَسِّروا لي جسراً أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام، فأبَوْا، وقد كانوا ضَمُّوا السفن إليهم، فنهض من عندهم ليعبرَ على جِسْر مَنْبج، وخلّف عليهم الأشتر، فقال: يا أهلَ هذا الحصن إني أقسم بالله إن مَضَى أمير المؤمنين علیه السلام ولم
1) سورة القصص، الآية: 56
تجسِّرونا له عند مدينتكم حتى يَعْبُرَ منها، لأجرَدنّ فيكم السيف، فلأقتلَنّ مقاتلَكم، ولأخْرَبَنّ ارضكم، ولأخذنّ أموالكم.
فلقيَ بعضهم بعضاً، فقالوا: إنّ الأشتر يعفِي بما حلَف عليه، وإنما خلّفه عليّ عندنا ليأتيَنا بشرّ فبعثوا إليه: إنّا ناصبون لكم جِسراً، فأقبلوا فأرسلو الأشتر إلى عليّ علیه السلام، فجاء، ونصبوا له الجسر، فعبر الأثقال والرجال، وأمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس: حتى لم يبق من الناس أحد إلا عَبر، ثم عبر آخر الناس رجلاً.
قال نصر: وازدحمت الخيلُ حين عَبَرت، فسقطت قَلَنْسُوة عبد الله بن أبي الحصين، فنزل: فأخذها، وركب، ثم سقطتْ قلنوة عبد الله بن الحجاج، فنزل فأخذها، ثم ركب فقال لصاحبه:
فإنْ يَكُ ظَنُّ الزّاجري الطيرَ صادقاً *** كما زعموا، أقْتَلْ وشيكا وتُقْتل
فقال عبد الله بن أبي الحصين: ما شيء أحبّ إليّ مما ذكرت، فقتلا معاً يوم صفين.
قال نصر: فلما قطع عليّ علیه السلام الفُرات، دعا زياد بن النضر وشُرَيح بن هانىء فسرّحهما أمامه نحو معاوية، على حالهما الذي كانَا عليه حين خرجا من الكوفة، في اثني عشر ألفاً، وقد كانا حيث سرحهما من الكوفة مقدِّمة له أخذاً على شاطىء الفرات من قِبَل البرّ، مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات، فبلغهم أخذُ عليّ علیه السلام طريقَ الجزيرة، وعلما أنّ معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله، فقالا: والله ما هذا برأي، أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر، وما لنا خيرٌ في أنّ نلقي جموعَ الشام في قلّة من العدد، منقطعين عن المدد. فذَهبوا ليعبرُوا من عانات، فمنعهم أهلُها، وحبسوا عنهم السفن، فأقبلوا راجعين حتى عَبرُوا من هِيت، ولَحِقُوا علياً علیه السلام بقرية دون قِرْقِيسياً، فلما لحقوا علياً علیه السلام عَجِب، وقال: مقدّمتي تأتي من ورائي فقام له زياد وشُريح، وأخبراه بالرأي الذي رأيا. فقال: قد أصبتُما رُشْدكما. فلما عَبَرُوا الفرات قدّمهما أمامه نحو معاوية، فلما انتهيا إلى معاوية، لقيهَما أبو الأعور السُّلَمِيّ في جنود من أهل الشام، وهو على مقدّمة معاوية، فدعواه إلى الدُّخول في طاعة أمير المؤمنين علیه السلام فأبى، فبعثوا إلى عليّ علیه السلام: إنّا قد لقينا أبا الأعور السلميّ بسور الروم في عالم جند من أهل الشام، فدعوناه وأصحابه إلى الدخول في طاعتك، فأبَى علينا، فمرنا بأمرك.
فأرسل عليٌّ علیه السلام إلى الأشتر، فقال: يا مال، إن زياداً وشُريحاً أرسلا إليّ يعلمانِنِي أنهما لقيا أبا الأعور السلميّ في جند من أهل الشام بسور الروم، ونبّأني الرسول أنه تركهم متواقفين، فالنَّجَاءَ النجاء إلى أصحابك، فإذا أتيتهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إن لم يبدؤوك، والقهم واسمع منهم، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم، والإعذار إليهم مرة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زياداً، وعلى ميسرتك شُرَيحاً، وقِفْ من أصحابك وسطاً، ولا تدنْ منهم دنوَّ مَنْ يريد أن يُنشِب الحرب، ولا تتباعدْ عنهم تباعدَ مَنْ يهاب الناس، حتى
أقدم عليك، فإني حثيث السير إليك إن شاء الله.
قال: وكتب عليٌّ علیه السلام إليهما - وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفيّ أما بعد، فإني قد أمْرّتُ عليكما مالكاً، فاسمعا له وأطيعا أمره، وهو ممن لا يُخاف رهَقُه ولا سِقاطه(1)، ولا بُطَوْه عَمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعُه إلى ما البطء عنه أمثل، وقد أمرتُه بمثل الذي أمرتكما، ألاّ يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم ويدعوهم، ويُعذِر إليهم إن شاء الله.
قال: فخرج الأشتر حتى قدِم على القوم، فاتبّع ما أمره به علي علیه السلام، وكفَّ عن القتال، فلم يزالوا متواقفين، حتى إذا كان عند المساء، حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له واضطربوا ساعة. ثم إن أهلَ الشام انصرفوا، ثم خرج هاشم بن عُتْبة في خيل ورجالٍ حَسَنٍ عُدّتها وعددها، فخرج إليهم أبو الأعور السلميّ، فاقتتلوا يومَهم ذلك، تحمل الخيلُ على الخيل، والرجالُ على الرجال، وصبرَ بعضُهم لبعض، ثم انصرفوا. وبكَر عليهم الأشتر، فقتِل من أهل الشام عبد الله بن المنذر التَّنُّوخيّ، قتله ظَبْيان بن عُمارة التميميّ، وما هو يومئذٍ إلا فتى حديث السنّ. وإن كان الشامي لفارس أهلِ الشام، وأخذ الأشتر يقول: ويَحْكم أروني أبا الأعور!
ثم إن أبا الأعور دعا الناس، فرجعوا نحوه فوقف على تلّ من وراء المكان الذي كان فيه أوَّلَ مرة، وجاء الأشتر حتى صَفّ أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أوَّل مرة، فقال الأشتر لسنان بن مالك النّخعيّ. انطلق إلى أبي الأعور، فادعُه إلى المبارزة، فقال: إلى مبارزتي أم إلى مبارزتك؟ فقال: أَوَلَوْ أمرتُك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم، والذي لا إله إلا هو، لو أمرتني أن اعترضه صفَّهم بسيفي لفعلتُ حتى أضرِبَهُ بالسيف. فقال: يا بن أخي، أطال الله بقاءك، قد واللهِ ازددتُ فيك رغبة، لا أمرتُك بمبارزته، إنما أمرتُك أنْ تدعوَه لمبارزتي، فإنه لا یبارز - إن كان ذلك من شأنه - إلا ذوِي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف، ولكنك حديثُ السنّ، وليس يبارز الأحداث، فاذهب فادعه إلى مبارزتي.
فأتاهم فقال: أنا رسول فأمّنوني، فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور.
قال نصر: فحدثني عمر بن سعد، عن أبي زهير العبسيّ، عن صالح بن سنان، عن أبيه، قال: فقلت له: إن الأشتر يدعوك إلى المبارزة، قال: فسكت عني طويلاً، ثم قال: إنّ خفة الأشتر وسوءَ رأيه وهوانه دعاه إلى إجلاء عمال عُثمان، وافترائه عليه، يقبِّح محاسنه، ويجهل حقه، ويُظهر عداوته. ومن خفّة الأشتر وسوء رأيه أنّه سار إلى عثمان في داره وقراره، فقتله فيمن قتله، وأصبح متَّبَعاً ،بدمه، لا حاجة لي في مبارزته.
فقلت: إنّك قد تكلّمت فاسمع حتى أجيبَك، فقال: لا حاجةَ لي في جوابك ولا الاستماع
1) السقاط: الخطأ في الحساب والقول. القاموس، مادة (سقط)
منك، اذهب عَنّي، وصاح بي أصحابه فانصرفت عنه، ولو سمع لأسمعتُه عذرَ صاحبي وحجته. فرجعت إلى الأشتر، فأخبرته أنه قد أبى المبارزة، فقال: لنفسه نظر.
قال: فتواقفنا، فإذا هم قد انصرفوا. قال: وصبّحنا عليّ علیه السلام غُدْوةَ سائراً نحو معاوية، خالد بن فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الأرض وَسعَة المنزل، وشريعة الماء، مكانٍ أفيح، وكان أبو الأعور على مقدّمة معاوية، واسمه سفيان بن عمرو، وقد جعل على ساقته بُسْر بن أرطاة العامريّ، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن الويد وجعل على ميمنته حبيب بن مسلمة الفهريّ، وعلى رجّالته من الميمنة يزيد بن زُحْر الضّبيّ، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الرّجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائيّ، وعلى خيلِ دمشق الضَّحاك بن قيس الفهريّ، وعلى رَجّاله أهل دمشق يزيد بن أسد بن كُرْز البجليّ، وعلى أهل حِمْص ذا الكَلاع، وعلى أهل فلسطين مَسلمة بن مَخلد، وكان وصول علي علیه السلام إلى صِفّين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين.
الأصل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيّاتِ الأُمُور، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الفُهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ البَصِيرِ، فَلا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنكِرُه، وَلَا قَلْبُ مَنْ أثبته يُبْصِرُه.
سَبَقَ فِي العُلُو فَلا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدَّنُو فَلَا شَيْءَ اقْرَبُ مِنْهُ، فَلا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَان بِهِ.
لَمْ يُطْلِعِ العُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلامُ الوُجُود، عَلَى إِقْرَار قَلْب ذِي الْجُحُود، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ المُشَبِّهُونَ بِهِ وَالجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوا كَبِيراً!
الشرح: بطنتُ سرّ فلان، أي أخفيتُه. والأعلام: جمع علَم، وهو المنارُ يهتدى به، ثم جعل لكلّ ما دل على شيء، فقيل لمعجزات الأنبياء أَعلام، لدلالتها على نبوّتهم.
وقوله علیه السلام: «أعلام الظهور»، أي الأدلة الظاهرة الواضحة.
وقوله فيما بعد: «أعلام الوجود» أي الأدلة الموجودة، والدلالة هي الوجود نفسه، وسيأتي ذلك.
وقوله: «وامتنع على عين البصير»، يقوله: إنه سبحانه ليس بمرئيّ بالعين، ومع ذلِك فلا يمكِنُ مَنْ لم يَرَهُ بعينه أن ينكره، لدلالة كلّ شيء عليه بل لدلالته سبحانه على نفسه.
ثم قال: «ولا قلب من أثبته ببصره»، أي لا سبيل لمن أثبت وجودَه أن يحيط علماً بجميع أحواله ومعلوماته ومصنوعاته، أو أراد أنه لا تعلم حقيقة ذاته، كما قاله قوم من المحققين.
وقد روِي هذا الكلام على وجه آخر، قالوا في الخطبة: «فلا قَلْبُ مَنْ لم يَرَهُ ينكِره، ولا عينُ مَنْ أثبته تبصره»، وهذا غير محتاج إلى تفسير لوضوحه.
وقوله علیه السلام: «فلا استعلاؤه باعده»، أي ليس علوّة ولا قربه كما نعقله من العلوّ والقرب لا المكانيّين، بل هو علوّ وقرب خارج من ذلك، فليس علوّه يقتضي بُعدَه بالمكان عن الأجسام، ولا قربُه يقتضي مساواته إياها في الحاجة إلى المكان والجهة.
والباء في «به» متعلقة ب«ساواهم»، معناه: ولا قربُه ساواهم به في الحاجة إلى المكان، أي: لم يقتض قربه مماثلة ومساواته إياهم في ذلك.
وهذا الفصل يشتمل على عدّة مباحث من العلم الإلهي:
أولها: كونه تعالى عالماً بالأمور الخفيّة. والثاني: كونه تعالى مدلولاً عليه بالأمور. أفعاله والثالث: أن هويّته تعالى غير معلومة للبشر. والرابع: نفي تشبيهه بشيء الظاهرة، يعني من مخلوقاته. والخامس: بيان أنّ الجاحد لإثباته مكابر بلسانه، وعارف به بقلبه.
ونحن نذكر القول في جميع ذلك على سبيل اقتصاص المذاهب والأقوال، ونحيل في البرهان على الحقّ من ذلك وبطلان شبَه المخالفين فيه، على ما هو مذكور في كتبنا الكلامية، إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لذلك، وإنْ كنّا قد لا نخلي بعض فصوله من إشارة إلى الدليل موجَزة، وتلويح إلى الشبهة لطيف، فنقول: أمّا.
فاعلم أنّ أمير المؤمنين علیه السلام إنما قال: «بَطَن خفِيّات الأمور» وهذا القدر من الكلام يقتضي كونه تعالى عالماً، يعلم الأمورَ الخفية الباطنة، وهذا منقسم قسمين:
أحدهما: أن يعلم الأمور الخفية الحاضرة.
الثاني: أن يعلم الأمور الخفية المستقبلة.
والكلام من حيث إطلاقه يحتمل الأمرين، فنحمله عليهما معاً. فقد خالف في كلّ واحدة المسألتين قوم، فمِنَ الناس مَنْ نَفَى كونه عالماً بالمستقبَلات، ومِنَ الناسَ مَنْ نَفى كونه من عالماً بالأمور الحاضرة، سواء كانت خفيّة أو ظاهرة، وهذا يقتضينا أن نشرحَ أقوال العقلاء في هذا المسائل، فنقول: إنَّ الناس فيها عَلَى أقوال:
القول الأول: قولُ جمهور المتكلّمين، وهو أنّ البارىء سبحانه يعلم كلّ معلوم: الماضي والحاضر والمستقبل، ظاهرها وباطنها، ومحسوسها وغير محسوسها، فهو تعالى العالم بما. كان وما هو حاضر، وما سيكون وما لم يكنْ، أن لو كان كيف كان يكون، كقوله تعالى: «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ»(1)، فهذا علم بأمرٍ مقدّر على تقدير وقوع أصله الذي قد علم أنه لا يكون.
القول الثاني: قولُ مَن زعم أنه تعالى لا يعلم الأمور المستقبَلة، وشبهَّوه بكونه مدركاً، قالوا: كما أنّه لا يدرك المستقبلات، فكذلك لا يعلم المستقبلات. وهو قول هِشام ابن الحكم.
القول الثالث: قولُ مَنْ زعم أنه لا يعلم الأمور الحاضرة، وهذا القول نقيض القول الثاني وشبهوه بكونه قادراً، قالوا: كما أنه لا يقدِر على الموجود، فكذلك لا يعلم الموجود، ونسب ابن الراونديّ هذا القول إلى معَمر بن عبّاد، أحد شيوخنا وأصحابُنا يكذّبونه في ذلك، ويدفعون الحكاية عنه.
القول الرابع: قول مَنْ زعم أنّه تعالى لا يعلم نفسَه خاصة، ويعلم كل ما عدا ذاتِه، ونسب ابنُ الراونديّ هذه المقالة إلى مَعْمر أيضاً، وقال: إنه يقول: إن العالم غير المعلوم، والشيء لا يكون غير نفسه وأصحابنا يكذّبون ابن الراونديّ في هذه الحكاية وينزِّهون معمراً عنها.
القول الخامس: قول من قال: إنه تعالى لم يكن فيما لم يزل عالماً بشيء أصلاً، وإنما أحدث لنفسه علماً علم به الأشياء، وهو قول جهم بن صفوان.
القول السادس: قول مَنْ قال إنه تعالى لا يعلم كلَّ المعلومات على تفاصيلها، وإنما يعلم ذلك إجمالاً وهؤلاء يسمون المسترسِليّة، لأنهم يقولون: يسترسِل علمه على المعلومات إجمالاً لا تفصيلاً، وهو مذهب الجُوَينِيّ من متكلّمي الأشعرّية.
القول السابع: قول مَنْ قال إنه تعالى يعلم المعلومات المفصلة ما لم يُفضِ القولُ به إلى محال، وزعموا أن القول بأنّه يعلَم كلَّ شيء يُفضي إلى محال، وهو أنْ يعلم ويعلم أنه يعلم،
1) سورة الأنعام، الآية: 28
وهلمّ جراً إلى ما لا نهاية له، وكذلك المحال لازم إذا قيل إنه يعلم الفروع، وفروع الفروع ولوازمها ولوازم لوازمها إلى ما لا نهاية له. قالوا: ومحال اجتماع كلِّ هذه العلوم غير المتناهية في الوجود، وهذا مذهب أبي البركات البغداديّ صاحب المعتبر.
القول الثامن: قولُ مَنْ زعم أنه تعالى لا يعلم الشخصيّات الجزئية، وإنما يعلم الكليّات التي لا يجوز عليها التغيير، كالعلم بأنّ كل إنسان حيوان، ويعلم نفسه أيضاً، وهذا مذهب أرسطو وناصري قوله من الفلاسفة كابن سينا وغيره.
القول التاسع: قول مَنْ زعم أنه تعالى لا يعلم شيئاً أصلاً، لا كلياً ولا جزئياً، وإِنما وجد العالم عنه لخصوصيّة ذاته فقطْ من غير أن يعلمه، كما أن المغناطيس يجذِب الحديد لقوّة فيه أن يعلم بالجذب، وهذا قول قوم من قدماء الفلاسفة.
فهذا تفصيل المذاهب في هذه المسألة.
واعلم أن حجّة المتكلمين على كونه عالماً بكل شيء، إنما تتّضح بعد إثبات حدوث العالم، وأنه فعله بالاختيار، فحينئذٍ لا بدّ من كونه عالماً، لأنه لو لم يكن عالماً بشيءٍ أصلاً لما صحّ أن يحدث العالم على طريق الاختيار، لأنّ الإحداث على طريق الاختيار إنما يكون بالغرض والداعي، وذلك يقتضي كونه عالماً، فإذا ثبت أنّه عالم بشيء أفسدوا حينئذٍ أن يكون عالماً بمعنى اقتضى له العالمية، أو بأمر خارج عن ذاته، مختاراً كان أو غير مختار.
فحينئذٍ ثبت لهم أنه إنما علم لأنه هذه الذات المخصوصة لا لشيء أزيد منها، فإذا كان لهم ذلك وَجَب أن يكون عالماً بكل معلوم، لأنّ الأمر الذي أوجب كونَه عالماً بأمرٍ ما هو ذاته يوجب كونه عالماً بغيره من الأمور، لأنّ نسبة ذاته إلى الكلّ نسبة واحدة.
فأمّا الجواب عن شُبه المخالفين فمذكور في المواضع المختصّة بذلك، فليطلب من كتبنا الكلامية.
فنقول: إنّ الذي يستدلّ به على إثبات الصانع يمكن أن يكون من وجهين، وكلاهما يصدق عليه أنه أعلام الظهور أحدهما الوجود والثاني الموجود.
أما الاستدلال عليه بالوجود نفسه فهي طريقة المدقّقين من الفلاسفة، فإنهم استدلّوا على أنّ مسمّى الوجود مشترك، وأنه زائد على ماهيّات الممكنات، وأنّ وجودَ البارىء لا يصحّ أن يكون زائداً على ماهيّته، فتكون ماهيّته وجوداً، ولا يجوز أن تكون ماهيته عارية عن الوجود، فلم يبقَ إلا أن تكون ماهيته هي الوجود نفسه، وأثبتوا وجوبَ ذلك الوجود، واستحالةَ تطرّق
إليه بوجه ما، فلم يفتقروا في إثبات البارى إلى تأمّل أمْر غير نفس الوجود.
وأمّا الاستدلالُ عليه بالموجود لا بالوجود نفسه، فهو الاستدلال عليه بأفعاله، وهي طريقة المتكلمين. قالوا: كلّ ما لم يُعْلَم بالبديهة ولا بالحسّ فإنما يُعلم بآثاره الصادرة عنه، والبارىء تعالى كذلك، فالطريق إليه ليس إلا أفعالهُ: فاستدلّوا عليه بالعالَم، وقالوا تارة: العالم محدث وكلّ محدّث له محدث. وقالوا تارة أخرى: العالَم ممكن، فله مؤثر.
وقال ابن سينا: إنّ الطريقة الأولى وهي الاستدلال عليه بالوجود نفسه أغلى وأشرف لأنه لم يحتج فيها إلى الاحتجاج بأمر خارج عن ذاته، واستنبط آيةً من الكتاب العزيز في هذا المعنى، وهي قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»(1).
قال ابن سينا: أقول: إنّ هذا حُكْم لقوم - يعني المتكلمين وغيرهم، ممن يستدل عليه تعالى بأفعاله، وتمام الآية: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّكُمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدُ»(2).
قال: هذا حكمُ الصَّدِّيقين الذين يستشهدون به لا عليه، يعني الذين استدلوا عليه بنفس الوجود، ولم يفتقروا إلى التعلق بأفعاله في إثباتِ ربوبيته.
وذلك معنى قوله علیه السلام: «وامتنعَ عَلَى عَيْنِ البصير»، وقوله: «ولا قلبُ من أثبته يبصره»، وقوله: «ولم يُطْلع العقولَ على تحديد صفته»، فنقول: إنّ جمهورَ المتكلمين زعموا أن نعرف حقيقة ذات الإله، ولم يتحاشوا من القول بأنّه تعالى لا يعلم من ذاته إلا ما نعلمه نحن منها.
وذهب ضِرار بن عمرو: أنّ لله تعالى ماهيةً لا يعلمها إلا هو، وهذا هو مذهب الفلاسفة. وقد حُكِيَ عن أبي حنيفة وأصحابه أيضاً، وهو الظاهر من كلام أمير المؤمنين علیه السلام في الفصل.
وهو معنى قوله علیه السلام: «بعد وقرُب»، أي في حال واحدة، وذلك يقتضي نفيَ كونه تعالى جسماً؟ وكذلك قوله علیه السلام: «فلا استعلاؤه باعدَه، ولا قرُبه ساواهم في المكان به، فنقول: إنّ مذهبَ جُمهور المتكلمين نفيُ التشبيه، وهذا القول يتنوّع أنواعاً:
النوع الأول: نفي كونه تعالى جسماً مركباً، أو جوهراً فرداً غير مركب، والمراد بالجوهر هاهنا الجرم والحجم. وهو قول المعتزلة، وأكثر محققي المتكلّمين من سائر الفرق، وإليه ذهبت الفلاسفة أيضاً.
وقال قوم من مستضعفي المتكلّمين خلافَ ذلك، فذهب هشام بن الحكم إلى أنَّه تعالى جسم مركب كهذه الأجسام، واختلفت الحكاية عنه، فروي عنه أنه قال: إنه يشيرُ نفسَه سبعة أشبار. وروي عنه أنه قال: إنه على هيئة السّبيكة. وروي عنه أنّه قال: إنّه على هيئة البِلِّورة الصافية المستوِية الاستدارة من حيث أتيتَها رأيتَها على هيئة واحدة، وروي عنه أيضاً قال: إنه ذو صورة. وأصحابُه من الشيعة يدفعون اليومَ هذه الحكايات عنه، ويزعمون أنه لم يزِدْ على قوله: إنه جسم لا كالأجسام، وإنه إنما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه إثباته.
وصدّقوا عنه أنه كان يطلِق عليه كونَه نوراً، لقول الله سبحانه: «اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُوروه»(1)وحكىَ عن محمد بن النعمان الأحول، المعروف بشيطان الطاق، وهشام بن سالم المعروف بالجُواليقيّ، وأبي مالك بن الحضرميّ، أنه نورٌ على صورة الإنسان، وأنكروا مع ذلك أنْ يكون جسماً، وهذه مناقضة ظاهرة.
وحُكِيَ عن علي بن ميثم مثله. وقد حكي عنه أنه كان يقول بالصورة والجسم.
وحكى عن مقاتل بن سليمان وداود الجواربيّ، ونعيم بن حمّاد المصري، أنه في صورة الإنسان، وأنه لحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع ذلك لا يشبه غيره، ولا يشبهه غيره، وافقهم على ذلك جماعة من العامّة ومَنْ لا نظر له.
وحُكِيَ عن داود الجواربيّ أنَّه قال: افعوني من الفرْج واللّحية وسلُوني عمّا وراء ذلك وحكى عنه أنه قال: هو أجوف من فيه إلى صدره، وما سوى ذلك مصمت.
وحكى أبو عيسى الوراق أنّ هشام بن سالم الجواليقيّ كان يقول: إن له وفرة سوداء.
وذهب جماعة من هؤلاء إلى القول بالمؤانسة والخلْوة والمجالسة والمحادثة.
وسئل بعضهم عن معنى قوله تعالى: « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ»(2)، فقال: يُقْعَد معه عَلَى سريره ويغلفه بيده.
وقال بعضهم: سألت مُعاذاً العنبريّ، فقلت: أله وجه؟ فقال: نعم، حتى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر وبطن، واستحييت أن أذكر الفرْج، فأومأت بيدي إلى فَرْجي، فقال: نعم، فقلت أذكر أم أنثى؟ فقال: ذكر.
ويقال: إنّ ابنَ خزيمة أشكل عليه القولُ في أنه: أذكر أم أنثى، فقال له بعض أصحابه: إنّ هذا مذكُورٌ في القرآن، وهو قوله تعالى: «وَلَيْسَ الذَّكَر كالأُنثَی»(1)، فقال: أفدتَ وأجدت، وأودعه كتابه.
ودخل إنسان على مُعاذ بن معاذ يوم عِيد، وبين يديه لحم في طَبيخ سِكْباج(2)، فسأله عن البارى تعالى في جملة ما سأله، فقال: هو والله مثلُ هذا الذي بين يديّ، لحم ودم.
وشهد بعضُ المعتزلة عند معاذ بن معاذ، فقال له: لقد هممتُ أنْ أسقِطك، لولا أني سمعتُك تلعن حمّاد بن سلمة، فقال: أمّا حماد فلم ألعنْه، ولكني ألعن من يقول: إنه سبحانه، ينزل ليلةَ عرفة من السماء إلى الأرض على جمل أحمر في هَوْدج من ذهب، فإن كان حَمّاد هذا أو يقوله فعليه لعنة الله. فقال: أخرجوه، فأخرج.
يروي وقال بعضهم: خرجْنا يوم عيد إلى المصلّى، فإذا جماعة بين يدي أمير، والطبول تضرب والأعلام تخفِق فقال واحد مِنْ خلفنا: اللهم لا طَبْلَ إلا طبلُك، فقيل له: لا تقل هكذا، فليس الله تعالى طبل، فبكى، وقال أرأيتم هو يجيء وحده ولا يُضرب بين يديه طَبْل، ولا ينصَب على رأسه عَلَم، فإذَنْ هو دون الأمير.
وروى بعضهم أنه تعالى أجْرَى خيلاً، فخلق نفسه من مثلها.
وروى قوم منهم أنه نظر في المرآة فرأى صورةَ نفسه، فخلق آدم عليها.
ورووا أنه يضحك حتى تبدو نواجذُه.
ورووا أنّه أمرد جَعْد قَطَطْ(3). في رجليه نعلان من ذَهب، وأنّه في روضة خضراء عَلَى كرسيّ تحمله الملائكة.
ورووا أنه يضع رجلاً على رِجْل، ويستلقي فإنّها جَلْسَةَ الربّ.
وروَوْا أنه خَلَق الملائكة مِنْ زَغَبِ(4)ذراعيه، وأنه اشتكى عينَه فعادتْه الملائكة وأنه يُتصوّر بصورة آدم ويحاسِب الناس في القيامة، وله حُجّاب من الملائكة يحجبُونه.
ورووا عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «رأيت ربي في أحسنِ صورة، فسألته عمّا يختلف فيه الملأ الأعلى، فوضع يدَه بين كتفِيّ، فوجدت بَرْدَها، فعلمت ما اختلفوا فيه»(5).
1) سورة آل عمران، الآية: 36
2) السِّكياج: طعام يعمل من اللحم والخل مع توابل. المعجم الوسيط، مادة (سكيج)
3) القطط: القصير الجعد من الشعر. القاموس، مادة (قطط)
4) الزغب: صغار الشعر والريش. القاموس، مادة (زغب)
5) أخرج الترمذي نحوه في تفسير القرآن، باب ومن سورة ص (3234)، وأحمد في أول مسند المدنيين أجمعين، باب: حديث بعض أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (16185)، والدارمي في الرؤيا، باب: في رؤية الرب تعالى في النوم (2149)
ورووا أنّه ينزل إلى السماء الدنيا في نصف شعبان، وأنه جالس على العرش قد فضل منه أربع أصابع من كل جانب. وأنه يأتي الناسَ يوم القيامة، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول لهم: أفتعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة، فيكشف لهم عن ساقه، وقد تحوّل في الصورة التي يعرفونها، فيخرُّون له سجداً.
ورووا أنه يأتي في غَمام، فوقه هواء، وتحته هواء.
وكان بِطَبَرِسْتَان قاصّ من المشبّهة، يقصّ على الناس، فقال يوم في قَصَصه: إنّ يوم القيامة تجيء فاطمة بنت محمد، معها قميص الحسين ابنها تلتمس القِصاص من يزيد بن معاوية، فإذا رآها الله تعالى مِنْ بعيد، دعا يزيد وهو بين يديه، فقال له: ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة، فيدخل ويختبيء، وتحضر فاطمة، فتتظلّم وتبكي، فيقول: سبحانه: انظري يا فاطمة إلى قدمي، ويخرجها إليها، وبه جُرْح من سهم نمرود، فيقول: هذا نمرود فيقول: هذا جرح نمرود في قدمي، وقد عفوت عنه، أفلا تعفين أنت عن يزيد! فتقول هي: اشهد يا ربّ أني قد عفوت.
وذهب بعضُ متكلِّمي المجسمة إلى أنّ الباري تعالى مركَّب من أعضاء على حروف المعجم.
وقال بعضهم: إنه ينزل على حمار في صورة غلام أمرد، في رجليه نعلان من ذهب، وعَلَى وجهه فراش من ذهب يتطاير.
وقال بعضهم: إنه في صورة غلام أمْرَد صبيح الوجه، عليه كساء أسود ملتحف به.
وسمعت أنا في عصري هذا مَنْ قال في قوله تعالى: «وتَرَى الْمَلَيكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ»(1): إنّهم قيام على رأسه بسيوفهم وأسلحتهم، فقال له آخر على سبيل التهكّم يحرسونه من المعتزلة أن يفتكوا به! فغضب وقال: هذا الحاد.
ورووا أنّ النار تزفِر وتتغيظ تغيظاً شديداً، فلا تسكن حتى يضع قدمَه فيها، فتقول: قط قط أي: حسبي حسبي. ويرفعون هذا الخبر مسنداً. وقد ذكر شبيه به في الصِّحاح.
وروي في الكتب الصِّحاح أيضاً: «إنّ الله خَلَق آدم على صورته»(2)، وقيل: إن في التوراة نحو ذلك في السِّفْر الأول.
واعلم أنّ أهل التوحيد يتأولون ما يحتمِل التأويل من هذه الروايات على وجوه محتملة غير
مستبعدَة، وما لا يحتمل التأويل منها يقطعُون ببطلانه وبأنه موضوع، وللاستقصاء في هذا المعنى موضعٌ غير هذا الموضع.
وحكى أبو إسحاق النظّام ومحمد بن عيسى برغوث أنّ قوماً قالوا: إنّه تعالى الفضاء نفسُه، وليس بجسم، لأنّ الجسم يحتاج إلى مكان ونفسه مكان الأشياء.
وقال بُرْغوث: وطائفة منهم يقولون: هو الفضاء نفسُه، وهو جسم تحلّ الأشياء فيه، وليس بذي غاية ولا نهاية، واحتجوا بقوله تعالى: «وَجَهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ»(1).
فأما مَنْ قال: إنّه جسم لا كالأجسام، على معنى أنّه بخلاف العَرَض الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل، ونفوا عنه معنى الجِسْمِيَّة، وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه شيء لا كالأشياء، وذات لا كالذوات، فأمْرُهم سهل، لأنّ خلافهم في العبارة، وهم: عليّ بن منصور، والسكاك، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وكلّ هؤلاء من قُدّماء رجال الشيعة. وقد قال بهذا القول ابن كَرّام وأصحابه، وقالوا: معنى قولنا فيه سبحانه إنه جسم: إنّه قائم بذاته لا بغيره.
والمتعصّبون لهشام بن الحكم من الشِّيعة في وقتنا هذا يزعمون أنه لم يقل بالتّجسيم المعنويّ، وإنما قال إنه جسم لا كالأجسام، بالمعنى الذي ذكرناه عن يونس والسكاك وغيرهما، وإن كان الحسن بن موسى النُّوبَخْتِيِّ - وهو من فضلاء الشيعة - قد رُوي عنه التجسيم المَحْض في كتاب «الآراء والديانات»(2).
النوع الثاني: نفي الأعضاء والجوارح عنه سبحانه، فالذي يذهب إليه المعتزلة وسائر المحقّقين من المتكلمين نُفي ذلك عنه، وقد تأوّلوا ما ورد في القرآن العزيز من ذلك، من نحو قوله تعالى: «لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ»(3)، وقوله سبحانه: «عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللهِ»(4). وغير ذلك، وحملوه على وجوه صحيحة جائزة في اللغة العربية.
وأطلقت الكَرّامية عليه سبحانه لفظ «اليدين والوجه»، وقالوا: لا نتجاوز الإطلاق، ولا نفسر ذلك ولا نتأوله، وإنما نقتصر على إطلاق ما ورد به النصّ.
وأثبت الأشعريّ اليدين صفة قائمة بالباريء سبحانه، وكذلك الوجه من غير تجسيم.
وقالت المجسّمة: إنّ الله تعالى يديْن، وهما عضوان له، وكذلك الوجه والعينين، وأثبتوا له رِجْلين قد فَضَلنا عن عرشه، وساقَيْن يكشف عنهما يوم القيامة ، وقَدَماً يضعهما في جهنم فتمتليء. وأثبتوا له ذلك معنٌى لا لفظاً، وحقيقة لا مجازاً.
فأما أحمد بن حنبل فلم يثبت عنه تشبِيه ولا تجسيم أصلاً، وإنما كان يقول بترك التأويل فقط، ويطلِق ما أطلقه الكتاب والسنّة، ولا يخوض في تأويله، ويقف على قوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ»(1)، وأكثر المحصّلين من أصحابه على هذا القول.
النوع الثالث: نفي الجهة عنه سبحانه، فالذي يذهب إليه المعتزلة وجمهورُ المحّققين من المتكلّمين أنه سبحانه ليس في جهةٍ ولا مكان، وأنّ ذلك من توابع الجِسْمية أو العرضية اللاحقة بالجسيمة، فإذا انتفى عنه كونُه جسماً وكونه عَرَضاً لم يكن في جهة أصلاً، وإلى هذا القول يذهب الفلاسفة.
وذهبت الكَرامِية والحَشَوِيّة إلى أنّ الله تعالى في جهة فَوْق، وإليه ذهب هشام بن الحكم وعليّ بن منصور، ويونس بن عبد الرحمن، وهشام بن سالم الجَواليقيّ، وكثير من أهل الحديث.
وذهب محمد بن الهيصَم، متكلّم الكرّامية إلى أنه تعالى ذاتٌ موجودة منفردة بنفسها عن سائر الموجودات، لا تحلّ شيئاً حلول الأعراض، ولا تمازج شيئاً ممازجة الأجسام بل هو مباينٌ للمخلوقين، إلا أنّه في جهة فَوْق، وبينه وبين العرش بعد لا يتناهَى.
هكذا يحكي المتكلمون عنه، ولم أره في شيء من تصانيفه وأحالوا ذلك، لأن ما لا يتناهَى لا يكون محصوراً بين حاصرين. وأنا استبعِد عنه هذه الحكاية، لأنّه كان أذْكى مِنْ أن يذهبَ عليه فساد هذا القول. وحقيقة مذهب مثبتي المكان أنه سبحانه متمكن على العرش كما يتمكن الملك على سريره، فقيل لبعض هؤلاء: أهو أكبرُ من العرش، أم أصغر، أم مساوٍ له؟ فقال: بل أكبر من العرش، فقيل له: فكيف يحمله؟ فقال: كما تحمِلُ رجلا الكركيّ جسمَ الكركيّ وجسمه أكبر من رجليه. ومنهم مَنْ يجعلُه مساوياً للعرش في المقدار، ولا يمتنع كثير منهم من إطلاق القول بأن أطرافه تفضُلُ عن العرش، وقد سمعت أنا مَنْ قال منهم: إنه مستوٍ على عرشه كما أن مستوٍ على هذه الدَّكة ورجلاه على الكرسِيّ الذي وسع السماوات والأرض، والكرسيّ تحت العرش، كما يجعله اليوم الناس تحت أسرتهم كراسيّ يستريحون بوضع أرجلهم عليها.
1) سورة آل عمران، الآية: 7
وقال هؤلاء كلُّهم: إنه تعالى ينزل ويصعَد حقيقة لا مجازاً، وإنه يتحرّك وينزل، فمن ذلك نزولُه إلى السماء الدنيا، كما ورد في الخبر، ومن ذلك إتيانه ومجيئه، كما نطَق به الكتاب العزيز في قوله سبحانه: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْفَمَامِ»(1)، وقوله: «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلكُ صَفًّا صَفًّا»(2).
وأطلق ابن الهيصم عليه هذه الألفاظ اتباعاً لما ورد في الكتاب والسنة، وقال: لا أقول بمعانيها، ولا أعتقد حركته الحقيقية، وإنما أرسلها كما وردت. وأما غيره فاعتقد معانيها حقيقة.
وقال ابن الهيصم في كتاب «المقالات»: إن أكثر الحشوِيّة يُجيز عليه تعالى العدْوَ والهرولة. وقال قوم منهم: إنّه تعالى يجوزُ أن ينزلَ فيطوف البلدان، ويدور في السِّكَك.
وقال بعض الأشعریّين: إنّ سائلاً سأل السّكَاك فقال: إذا أجزْتَ عليه الحركة، فهلا أجزتَ عليه أن يطفر! فقال: لا يجوز عليه الطَّفْر، لأن الطَّفْر إنما يكون فِراراً من ضدّ، أو اتصالاً بشكل. فقال له: فالحركة أيضاً كذلك! فلم يأت بفرق.
فأما القول بأنّه تعالى في كلّ مكان فإنّ المعتزلةَ يقولن ذلك، وتريد به أنّه وإن لم يكن في مكان أصلاً، فإنه عالم بما في كلّ مكان، ومدبّر لما في كلّ مكان، وكأنه موجود في جميع الأمكنة لإحاطته بالجميع.
وقال قوم من قدماءِ الفلاسفة: إنّ البارى تعالى روح شديد في غاية اللطافة، وفي غاية القوة، ينفذُ في كلّ العالم. وهؤلاء يطلقون عليه أنّه في كل مكانٍ حقيقة لا تأويلاً، ومِن هؤلاء من أوضحَ هذا القول، وقال: إنه تعالى سَارٍ في هذا العالم سرَيَان نفس الواحد مِنّا في بدنه، فكما أنّ كلّ بدن منا له نفس سارية فيه تدبره، كذلك البارىء سبحانه هو نفس العالم، وسارٍ في كل جزء من العالم، فهو إذاً في كلّ مكان بهذا الاعتبار؛ لأنّ النفس في كلّ جزء من البدن.
وحكي الحسن بن موسى النوبختيّ عن أهلِ الرِّواق من الفلاسفة أنّ الجوهرَ الإلهيّ سبحانَه رُوح ناريّ عقليّ، ليس له صورة، لكنّه قادر على أن يتصوّر بأيّ صورة شاء، ويتشبّه بالكلّ، وينفذ في الكلّ بذاته وقوته، لا بعلمه وتدبيره.
النوع الرابع: نفي كونه عَرَضاً حالاً في المحلّ، فالذي تذهب إليه المعتزلة وأكثر المسلمين والفلاسفة نفيُ ذلك القول باستحالته عليه سبحانه لوجوب وجوده، وكونِ كلّ حالِ في الأجسام ممكناً بل حادثاً.
وذهبت الحُلولية من أهل الملّة وغيرها، إلى أنه تعالى يحلّ في بعض الأجسام دون بعض كما يشاء سبحانه، وإلى هذا القول ذهب أكثر الغُلاة في أمير المؤمنين. ومنهم من قال بانتقاله من أمير المؤمنين علیه السلام إلى أولاده، ومنهم من قال بانتقاله من أولاده إلى قوم من شيعته وأوليائه واتبعهم على هذه المقالة قومٌ من المتصوّفة كالحلّاجِية والبِسْطامية وغيرهم.
وذهبت النّسْطُورية من النَّصارى إلى حلول الكَلِمة في بدن عيسى علیه السلام، كحلول السَّواد في الجسم. فأما اليعقوبية من النصارى فلا تثبت الحلول، وإنما تثبت الاتحاد بين الجوهر الإلهي والجوهر الجسماني وهو أشدُّ بُعْداً من الحُلول.
النوع الخامس: في نفي كونه تعالى محلٍّا لشيء، ذهبت المعتزلة وأكثر أهل الملة والفلاسفة إلى نفي ذلك، والقول باستحالته على ذاته سبحانه.
وذهبت الكرّامية إلى أنّ الحوادث تحلّ في ذاته، فإذا أحدث جسماً أحدث معنى حالاً في ذاته، وهو الإحداث، فحدثَ ذلك الجسم مقارناً لذلك المعنى أو عَقِيبه، قالوا: وذلك المعنى هو قول «كن» وهو المسمى خَلْقاً، والخلق غير المخلوق، قال الله تعالى: «مَّا أَشْهَدتُهُمْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ»(1)، قالوا: لكنّه قد أشهدَنا ذواتها ، فدلّ على أنّ خلقها غيرها.
وصرح ابن الهيّصم في كتاب «المقالات» بقيام الحوادث بذات البارىء فقال: إنه تعالى إذا أمرَ أو نهى، أو أراد شيئاً كان أمرُه ونهيه وإرادته كائنة بعد أنْ لم تكن، وهي قائمة به؛ لأنّ قوله يسمع، وكذلك إرادته منه توجد.
قال: وليس قيامُ الحوادث بذاته دليلاً على حدوثه، وإنما يدلّ على الحدوث تعاقب الأضاد التي لا يصحّ أن يتعطّل منها، والباري تعالى لا تَتعاقب عليه الأضاد.
وذهب أبو البركات البغداديّ صاحب «المعتبر»(2)إلى أنَّ الحوادث تقوم بذات البارىء سبحانه، وأنه لا يصحّ إثبات الإلهية إلا بذلك. وقال: إنّ المتكلّمين ينزهونه عن ذلك، والتنزيه عن هذا التنزيه هو الواجب.
وذهب أصحابُنا وأكثر المتكلّمين إلى أنّ ذلك لا يصحّ في حق واجب الوجود، وأنّه دليل على إمكان ذاته، بل على حدوثها. وأجازوا مع ذلك عليه أَنْ يتجدّد له صفات - يعنون
الأحوال لا المعاني - نحو كونه مدركاً بعد أنْ لم يكن. وكقول أبي الحسين: إنه يتجدّد له عالمية بما وجد، وكان من قبل عالماً بأنه سيوجد، وإحدَى هاتين الصفتين غير الأخرى.
قالوا: إن الصفاتِ والأحوال قيلٌ مفرد عن المعاني، والمحالُ إنما هو حلول المعاني في ذاته لا تجدّد الصفات لذاته. وللكلام في هذا الباب موضع هو أليَق به.
النوع السادس: في نفي اتحاده تعالى بغيره. ذهب أكثرُ العقلاء إلى استحالة ذلك، وذهبت: اليعقوبيّة من النصارى إلى أنّ الكلمة اتحدت بعيسى، فصارت جوهراً من جوهريْين: أحدهما إلهيّ، والآخر جسمانيّ. وقد أجاز الاتحاد في نفس الأمر لا في ذات البارىء قومٌ من قدماء الفلاسفة، منهم فرفريوس، وأجازه أيضاً. منهم من ذهب إلى أنّ النفس إنما تعقل المعقولات، لاتحادها بالجوهر المفارق المفِيض للنفوس على الأبدان، وهو المسمى بالعقل الفعّال.
النوع السابع: في نفي الأعراض الجسمانيّة عنه من التّعب والاستراحة، والألم واللّذة، والغمّ والسرور، ونحو ذلك.
وذهب المعتزلةُ وأكثر العقلاء من أهلِ الملّة وغيرهم إلى نفي ذلك، والقول باستحالته عليه سبحانه.
وذهبت الفلاسفة إلى جواز اللّذة عليه، وقالوا: إنّه يلتذ بإدراك ذاته وكماله لأنّ إدراك الكمال هو اللّذة أو سبب اللذة، وهو تعالى أكمل الموجودات، وإدراكه أكمل الإدراكات، وإلى هذا القول ذهب محمد الغزاليّ من الأشعرية.
وحكى ابن الرّاونديّ عن الجاحظ أنّ أحد قدماء المعتزلة - ويعرف بأبي شعيب - وكان يجوّز عليه تعالى السرور والغمّ، والغَيْرة والأسف، ويذكر في ذلك ما روي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «لا أحد أغيرُ من الله»(1)، و«أنه تعالى يفرح بتوبة عبده ويسرّ بها»(2). وقال تعالى: «فَلَمَّا
1) أخرجه البخاري في تفسير القرآن، باب قول الله عز وجل: «إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَیمشَ» [الأعراف: 33] (4637)، ومسلم في التوبة، باب: غيرة الله تعالى (2760)، والترمذي في الدعوات، باب: منه (3530) دون قوله: «وأنه تعالى...» إلخ
2) أخرجه البخاري في الدعوات، باب: التوبة (6308) ومسلم في التوبة، باب: الحض على التوبة، (2675)، والترمذي في صفة القيامة، باب منه (2498)، وابن ماجه في الزهد، باب: التوبة (4247)
ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»(1)، وقال مقال المتحسر على الشيء: «يَنحَسْرَةٌ عَلَى الْعِبَادِ»(2)، وحُكِي عنه أيضاً أنه يُجَوِّز عليه أن يتعب ويستريح، ويحتج بقوله: «وَمَا مَسَنَا مِن لَّغُوبٍ»(3).
وهذه الألفاظ كلّها عند أصحابنا متأوّلة محمولة على محامل صحيحة، تشتمل على شرحها الكتب المبسوطة.
النوع الثامن: في أنّه تعالى ليس بمتلوّن. لم يصرح أحد من العقلاء قاطبة بأن الله تعالى متلوّن، وإنما ذهب قوم من أهل التشبيه والتّجسيم إلى أنّه نور، فإذا أبصرته العيون وأدركته أبصرت شخصاً نُورانيَّا مضيئاً، لم يزيدوا على ذلك، ولم يصرِّحوا بإثبات اللون بهذه العبارة، وإن كان كلّ مضيء ملوّناً.
النوع التاسع: في أنه تعالى لا يشتهِي ولا ينفِر. ذهب شيوخنا المتكلّمون إلى أنّه سبحانه لا يصحّ عليه الشهوة والنُّفرة، لأنهما إنما يصحّان على ما يقبل الزيادة والنقصان بطريق الاغتذاء، والنموّ، والباريء سبحانه وتعالى يتعالَى عن ذلك. وما عرفتُ لأحدٍ من الناس خلافاً في ذلك، اللهم إلا أنْ يطلق هاتان اللفظتان على مسمّى الإرادة والكراهية على سبيل المجاز.
النوع العاشر: في أنّ البارى تعالى غير متناهي الذات. قالت المعتزلة: لما كان البارىء تعالى ليس بجسم ولا جسمانيّ، وكانت النهاية من لواحق الأشياء ذوات المقادِير، يقال: هذا الجسم متناهٍ، أي ذو طَرَفٍ.
قلنا: إن ذاتَ البارى تعالى غيرُ متناهية، لا على معنى أنّ امتداد ذاته غير متناه، فإنه سبحانه ليس بذي امتدادٍ، بل بمعنى أن الموضوع الذي يصدُق عليه النهاية ليس بمتحقّق في حقه سبحانه، فقلنا: إن ذاتَه غير متناهية، كما يقول المهندس: إنّ النقطة غير متناهية، لا على معنى أنّ لها امتداد غير متناهٍ، فإنها ليست بممتدّة أصلاً: بل على معنى أنّ الأمر الذي تصدُق عليه النهاية - وهو الامتداد - لا يصدق عليها، فإذن صدق عليها أنها غيرُ متناهيةٍ. وهذا قول الفلاسفة وأكثر المحققين.
وقالت الكرّامية: البارى تعالى ذاتٌ واحدة منفردة عن العالَم قائمة بنفسها، مباينة للموجودات، متناهية في ذاتها، وإن كنا لا نطلق عليها هذا اللفظ لما فيه من إيهام انقطاع و جمودها، وتصرّم بقائها.
وأطلق هِشام بن الحكم وأصحابُه عليه تعالي القولَ بأنه متناهي الذات، غير متناهي القدرة. وقال الجاحظ: إن لي قوماً زعموا أنه تعالى ذاهبٌ في الجهات الستّ، التي لا نهايةَ لها.
النوع الحادي عشر: في أنه تعالى لا تصحّ رؤيته. قالت المعتزلة: رؤية البارى تعالى مستحيلة في الدنيا والآخرة، وإنما يصحّ أن يُرَى المقابل ذو الجهة.
وقالت الكرّامية والحنابلة والأشعريّة: تصح رؤيتُه ويُرى الآخرة، يراه المؤمنون، ثم اختلفوا، فقالت الكرّامية والحنابلة، يُرى في جهة فوق، وحكى عن مضر وكهمس وأحمد الجبيّ أنهم أجزوا رؤيتَه في الدّنيا، وملامسته ومصافحته، وزعموا أنّ المخلصين يعانقون متى شاؤوا، ويسمّون الحبيّة.
وحكى شيخنا أبو الحسين في «التصفّح»(1)عن أيوب السجستانيّ من المرجئة أن البارى تعالى تصحّ رؤيته ولمسه.
وذهب قوم إلى أنهم لا يزالون يروّن الله تعالى، وأن الناس كلّهم كافرهم ومؤمنهم يرونه، ولكن لا يعرفونه.
وقال مَنْ ترفّع عن هذه الطبقة منهم: لا يجوز أن يُرى بعين خلقت للفناء، وإنما يرى في الآخرة بعين خلقت للبقاء.
وقال كثير من هؤلاء: إن محمداً صلی الله علیه وآله وسلم رأى ربّه بعيني رأسهِ ليلة المعراج.
وروَوْا عن كعب الأحبار أنّ الله تعالى قَسّم كلامه ورؤيتَه بين موسى ومحمد علیهما السلام.
وروَوْا عن المبارك بن فضالة أنّ الحسن كان يحلِف بالله: قد رأى محمدٌ ربه. وتعلق كثير منهم بقوله تعالى: «وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى»(2)، وقالوا: کلّمه موسى علیه السلام مرتين، ورآه محمد صلى الله عليه وآله مرتين.
وأنكر ابن الهيصم مع اعتقاده أقوال الكرامية ذلك، وقال: إنّ محمداً صلی الله علیه وآله وسلم لم يَرَهُ، ولكنه سوف يراه في الآخرة.
قال: وإلى هذا القول ذهبتْ عائشة وأبو ذَرّ وقتادة، وقد روى مثله عن ابن عباس وابن مسعود.
واختلف من قال: إنه يُرى في الآخرة، هل يجوز أن يراه الكافر؟ فقال أكثرهم: إن الكفار لا يروْنه لأنّ رؤيته كرامة، والكافر لا كرامةَ له. وقالت السالمية وبعض الحشَويّة: إنّ الكفار يروْنه يوم القيامة، وهو قول محمد بن إسحاق بن خزيمة، ذكر ذلك عنه محمد بن الهيصم.
فأما الأشعريّ وأصحابه، فإنهم لم يقولوا كما قال هؤلاء: إنه يُرى كما يُرى الواحد مِنّا بل قالوا: يُرى، وليس فوقاً ولا تحتاً ولا يميناً ولا شمالاً ولا أماماً ولا وراءً، ولا يرى كلُّه ولا بعضه، ولا هو في مقابَلة الرائي ولا منحرفاً عنه، ولا تصحّ الإشارة إليه إذا رُئِيَ، وهو مع يرى ويبصر. وأجازوا أيضاً عليه أن تُسمع ذاته، وأن تشمّ وتذاق وتحسّ، لا على طريق الاتصال، بل تتعلق هذه الإدراكات كلّها بذاته تعلُّقاً عارياً عن الاتصال.
وأنكرت الكرّامية ذلك ولم يُجيزوا عليه إلا إدراك البصر وحدَه، وناقضهم شيخنا أبو الحسين في «التصفّح» وألزمهم أحد أمرين: إما نفي الجميع أو إثبات إدراك من جميع الجهات، كما يقول الأشعرية.
وذهب ضرار بن عمرو، إلى أنّ الله تعالى يُرى يوم القيامة بحاسّة سادسة لا بهذا البصر. وقيل ذلك عن جماعة غيره.
وقال قوم: يجوز أن يحوّل اللهُ تعالى قُوّة القلب إلى العين، فيُعلم الله تعالى بها، فيكون ذلك الإدراك علماً باعتبار أنه بقوّة القلب، ورؤية باعتبار أنّه قد وقع بالمعنى الحالّ في العين.
فهذه الأنواع الأحد عشر هي الأقوال والمذاهب التي يشتمل قوله علیه السلام بنفي التشبيه عليها. وسيأتي من كلامه علیه السلام في نفي التشبيه ما هو أشدّ تصريحاً من الألفاظ التي نحن في شرحها.
وهو معنى قوله علیه السلام: «فهو الذي تَشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الحجود».
لا شبهة في أنّ العلم بافتقار المتغيّر إلى المغيّر ضروريّ، والعلم بأن المتغير ليس هو المغير إما أن يكون ضرورياً أو قريباً من الضروريّ، فإذاً قد شهدت أعلام الوجود على أنّ الجاحد
لإثبات الصانع، إنما هو جاحد بلسانه لا بقلبه، لأنّ العقلاء لا يجحدون الأوليات بقلوبهم، وإن كابروا بألسنتهم. ولم يذهب أحدٌ من العقلاء إلى نفي الصانع سبحانه.
وأمّا القائلون بأنّ العالم وجد عن طبيعة، وأنّ الطبيعة المديرّة له، والقائلون بتصادم الأجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له، حتى حَصَل منها هذا العلم. والقائلون بأن أصل العالم وأساس بنيته هو النّور والظلمة، والقائلون بأنّ مبادىء العالم هي الأعداد المجردة، والقائلون بالهيُولى القديمة التي منها حَدَث العالم، والقائلون بعِشْق النفس للهَيْولَى حتى تكونت منها هذه الأجسام، فكل هؤلاء أثبتوا الصانع، وإنما اختلفوا في ماهيته وكيفية فعله.
وقال قاضي القضاة: إن أحداً من العقلاء لم يذهب إلى نفي الصانع للعالم بالكلية، ولكن قوماً من الورّاقين اجتمعوا ووضعوا بينهم مقالة، لم يذهب أحد إليها، وهي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه، ولا إليه للعالم ولا صانع أصلاً، وإنما هو هكذا ما زال، ولا يزال من غير صانع ولا مؤثر.
قال: وأخذ ابن الراونّدي هذه المقالة فنصرَها في كتابه المعروف بكتاب «التاج» قال: فأما الفلاسفة القدماء والمتأخرون ، فلم ينفوا الصانع، وإنما نفو كونَه فاعلاً بالاختيار، وتلك مسألة أخرى. قال: والقول بنفِي الصانع قريب من القول بالسَّفْسطة، بل هو هو بعينه، لأنّ من شَكٍّ في المحسوس أعذر ممّن قال: إن المتحركات تتحرك من غير محرك حَرّكها.
وقول قاضي القضاة، هذا هو محضُ كلام أمير المؤمنين علیه السلام وعينه، وليس قول الجاحظ هذا؛ لأنّ الجاحظ يذهب إلى أنّ جميع المعارف والعلوم الإلهية ضرورية، ونحن ما ادّعينا هذا المقام إلا أن العلم بإثبات الصانع فقط هو الضروري، فإين أحدُ القولين من الآخر؟!
الأصل: إِنّمَا بَدْهُ وُقُوعِ الفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَع، وَأَحْكَامُ تُبْتَدَعِ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عليهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ الله، فَلَوْ أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى المُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقِّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ المُعَانِدِين، وَلَكِنْ يُؤخَذُ مِنْ هَذَا ضَغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْتُ، فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى.
الشرح: المرتاد: الطالب. والضِّغْث من الحشِيش: القبضة منه، قال الله تعالى: «وَخُذْ بِیَدِكَ مِغْثًا»(1).
يقول علیه السلام: إنّ المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة التي يفتتن الناس بها، أصلُها اتباع الأهواء، وابتداع الأحكام التي لم تعرف يخالف فيها الكتاب، وتحمل العصبيّة والهوى على تولّي أقوام قالوا بها، على غير وثيقة من الدّين. ومستندُ وقوع هذه الشبهات امتزاجُ الحقّ بالباطل في النظر الذي هو الطريق إلى استعلام المجهولات، فلو أن النظر تُخَلّص مقدماته وترتَّب قضاياء من قضايا باطلة، لكان الواقع عنه هو العلم المحض، وانقطع عنه ألسن المخالفين، وكذلك لو كان النظرُ تخلص مقدماته من قضايا صحيحة، بأن كان كله مبنياً على الفساد، لظهر فسادُه لطلبة الحقّ، وإنما يقع الاشتباه لامتزاج قضاياه الصادقة بالقضايا الكاذبة.
مثال ذلك احتجاجُ مَنْ أجاز الرؤية بأنّ البارى تعالى ذاتٌ موجودة، وكلّ موجود يصحّ أن يُرَى، فإحدى المقدمتين حقّ، والأخرى باطل، فالتبس أمرُ النتيجة على كثير من الناس.
ومثال ما يكون المقدّمتان جميعاً باطلتين، قول قوم من الباطنية: البارىء لا موجود ولا معدوم، وكلّ ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً يصحّ أن يكون حياً قادراً، فالباري، تعالى صحّ أن يكون حيَّا قادراً فهاتان المقدمتان جميعاً باطلتان. لا جَرَم أنّ هذه المقالة مرغوبٌ عنها عند العقلاء.
ومثال ما تكون مقدّماته حقاً كلّها: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر ممكن، فالعالم ممكن، فهذا مما لا خلافَ فيه بين العقلاء.
فإن قيل: فما معنى قوله علیه السلام: «فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجُو الّذين سبقتْ لهم من الله الحسنى»، أليسَ هذا إشعاراً بقول المجبِرة وتلويحاً به؟!
قيل: لا إشعار في ذلك بالجبْر، ومراده علیه السلام أنه إذا امتزج في النظر الحقّ بالباطل، وتركبت المقدمات من قضايا صحيحة وفاسدة تمكّن الشيطان من الإضلال والإغواء، ووسوس إلى المكلف، وخيّل له النتيجة الباطلة، وأماله إليها، وزيّنها عنده، بخلاف ما إذا كان المقدّمات حقاً كلّها، فإنه لا يقدر الشيطانُ على أن يخيّل له ما يخالف العقل الصّريح، ولا يكون له مجال في تزيين الباطل عنده، ألا تَرَى أنّ الأوّليات لا سبيل للإنسان إلى جَحْدها وإنكارها، لا بتخييل الشيطان ولا بغير ذلك!
ومعنى قوله: «على أوليائه»، أي على مَنْ عنده استعداد للجهل، وتمرّن على اتباع الهوى،
1) سورة ص، الآية: 44
وزهد تحقيق الأمور العقلية على وجهها، تقليداً للأسلاف، ومحبّةً لاتباع المذهب المألوف، فذاك الذي يستولي عليه الشيطان ويضلّه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وهم الذين يتبعون محض العقل، ولا يركنون إلى التقاليد، ويسلكون مسلك التحقيق، وينظرون النظر الدقيق، يجتهدون في البحث عن مقدمات أنظارهم، وليس في هذا الكلام تصريح بالجَبْر، ولا إشعار به على وجه من الوجوه، وهذا واضح.
وحَمل الراونديّ قوله علیه السلام: «فلو أنّ الباطل خَلَص...» إلى آخره، على أنّ المراد به نفي القياس في الشرع، قال: لأنّ القائسين يحملون المسكوت عنه على المنطوق، فيمتزج المجهول بالمعلوم، فيلتبس ويُظنّ؛ لامتزاج بعضه ببعض حَقًّا، وهذا غير مستقيم، لأن لفظ الخطبة أن الحق يمتزِج بالباطلَ، وأصحاب القياس لا يسلمون أنّ استخراج العلّة من الحكم المعلوم باطل بل يقولون إنه حقّ، وإن الدليلَ الدالّ على ورود العبارة بالقياس قد أمنّهم من كونه باطلاً.
واعلم أنّ هذا الكلامَ الذي قاله علیه السلم حقّ إذا تأملته، وإن لم تفسره على ما قدمناه من التفسير، فإنّ الذين ضلّوا من مقّلدة اليهود والنصارى وأرباب المقالات الفاسدة من أهل الملة الإسلامية وغيرها، إنما ضلَّ أكثرهم بتقليد الأسلاف، ومَن يحسنُ الظنّ فيه من الرؤساء ضلَّ وأرباب المذاهب، وإنما قّلدهم الأتباع، لما شاهدوا من إصلاح ظواهرهم، ورفضهم الدنيا وزهدهم فيها، وإقبالهم على العبادة، وتمسكهم بالدِّين، وأمرهم بالمعروف ونهيِهم عن المنكر، وشدّتهم في ذات الله، وجهادهم في سبيله، وقوتهم في مذاهبهم، وصلابتهم في عقائدهم، فاعتقد الأتباع والخلَف والقرون التي جاءت بعدهم أنّ هؤلاء يجب اتبّاعهم، وتحرم مخالفتهم، وأنّ الحق معهم، وأن مخالِفَهُم مبتدع ضالّ، فقلدوهم في جميع ما نقل إليهم عنهم، ووقع الضلال والغلط بذلك؛ لأنّ الباطل استتر وانغمر بما مازجه من الحقّ الغالب الظاهر المشاهد عِياناً، أو الحكم الظاهر، ولولاه لما تروّج الباطل، ولا كان له قبول أصلاً.
الأصل: قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَتَأْخِيرٍ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَدُّوا السَّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَشْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ فِي مَوْتَكُمْ ظَاهِرِينَ. أَلَا وَإِنْ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةٌ مِنَ الغُوَاةِ، وَعَمْسَ عَلَيْهُم الخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ المَنِيّة.
الشرح: استطعموكم القِتال، كلمة مجازية، ومعناها: طلبوا القتال منكم، كأنه جعل القتال شيئاً يُستطعم، أي يُطلب أكله، وفي الحديث: «إذا استطعمكم الإمام فأطعموه»(1)، يعني إمام الصلاة، أي إذا أرتِجَ فاستفتحكم عليه. وتقول: فلان يستطعمني الحديث أي: يستدعيه مِنّي ويطلبه.
واللّمَمَة، بالتخفيف: جماعة قليلة.
وعَمّس عليهم الخبر، يجوز بالتشديد، ويجوز بالتخفيف، والتشديد يعطي الكثرة ويفيدها، ومعناه أيهم عليهم الخبر، وجعله مظلماً. ليلٌ عَمَاس، أي مظلم، وقد عمِس الليل نفسه بالكسر، إذا أظلم وعمّسه غيره، وعمّست عليه عَمْساً، إذا أريته أنّك لا تعرف الأمر وأنت به عارف.
والأغراض: جمع غَرَض وهو الهدف.
وقوله: «فأقروا على مذلّة وتأخير مَحَلّة»، أي أثبتوا على الذلّ وتأخر المرتبة والمنزلة، أو فافعلوا كذا وكذا.
ونحو قوله علیه السلام: «فالموت في حياتكم مقهورين» قول أبي نصر بن نُباتة: والحسينُ الذي رأى الموت في الْعِزّ حياة، والعيشَ في الذُّلِّ قثلاً. وقال التِّهاميّ:
وَمَن فاته نَيْلُ العُلَا بعُلُومِه *** وَأَقْلَامِه فَلْيَبْغِهَا بِحُسَامِهِ
فموتُ الفتى في العزّ مثلُ حياتِه *** وعِيشتُه في الذُّلُ مثلُ حِمامِه
والأشعار في الإباء والأنَف من احتمال الضيْم والذلّ والتَّحريض على الحرْب كثيرة ونحن نذكر منها ها هنا طَرَفاً، فمن ذلك قول عمرو بن بَرّاقة الهَمَدانيّ:
وَكَيْفَ ينامُ اللَّيْلَ مَنْ جُلْ مَالِهِ *** حُسَامٌ كلون الملح أبيضُ صارمُ
كَذَبْتُمْ وبيتِ اللهِ لا تأخذُونَها *** مراغَمَةً ما دامَ للسّيْفِ قائمُ
وَمَنْ يَطْلُبَ المالَ الممنَّع بالقَنا *** يَعِشْ ماجداً أو تخترِمْه الخوارم
ومثله:
ومن يطلبُ المال الممنَّعَ بالْقَنَا يَعِشْ ماجِداً أو يُؤذَ فيما يُمَارِسُ
1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (5583)، والدارقطني (4001)، وابن عبد البر في (108/21)
و قال حرب بن مِسْعر:
عَطَفْتُ عَلَيْهِ المُهر عَظفَةَ بَاسِلٍ *** كَمِيٌّ ومَنْ لا يَظْلِم النَّاس يُظْلَم
فَأوجَرْتُهُ لَدْنَ الكُعُوب مَثَقَّفاً *** فخرّ صرِيعاً لليَدَيْنِ َولِلْفَمَ
وقال الحارث بن الأرقم:
وَمَا ضَاقَ صَدْرِي يَا سُلَيْمَى بِسُخْطِكُمْ *** وَلَكِنَّنِي فِي الْحَادِثَاتِ صَلِيبُ
تَرُوكٌ لدارِ الخَسْفِ والضّيم، مِنْكِرٌ *** بَصِيرٌ بفعل المكرُمات أريبُ
إذَا سَامَنِي السُّلْطَانُ ذُلاً أبيتُهُ *** ولم أعطِ خَسْفاً مَا أَقَامَ عَسِيبُ
وقال العباسِ بن مِرْداس السُّلِمَيّ:
بأبِي فَوارسَ لَا يَعْرَى صَوَاهِلُها *** أَنْ يَقْبَلُوا الخَسْف مِنْ مَلْكٍ وإِن عَظُما
لَا والسيوفُ بأَيْدِينا مُجَرَّدَةٌ *** لا كانَ مِنَّا غَدَاةَ الرُّوعَ مِنْهَزِما
وقال وهب بن الحارث:
لا تحسبّني كَأَقْوَامٍ عَبَثْتَ بِهمْ *** لن يأنفُوا الذُّلَّ حتى تأنف الحُمُرُ
لا تُعلَقنِّي قذاة لستُ فاعلَها *** واحذر شَبَاتِي فَقِدْماً يَنْفَع الحذَرُ(1)
فقد عَلِمْتَ بأنّي غَيْرُ مُهْتَضَمِ *** حَتَّى يلوحَ ببطنٍ الرّاحَةِ الشَّعَرُ
وقال المسيّب بن عَلَس:
ابْلِغْ ضُبَيعةَ أنّ البِلا *** دَفيها لذي قُوّةٍ مُغْضَبُ
وقدْ يقعدُ القومُ في دارهمْ إذا لم يُضَامُوا وإنْ أجْدَبُوا
وَیَرْتَحِلُ القوم عِندَ الهوَا *** ن عَنْ دارهِمْ بَعْدَ ما أخصَبُوا
وَقَدْ كَانَ سَامَةٌ في قَوْمِهِ *** لَهُ مَطعَمْ وَلَهُ مَشْرَبُ
فَسَامُوهُ خَسْفاً فَلَمْ يَرْضَهُ *** وَفِي الأَرْضِ عَنْ ضَيْمِهِمْ مَهْرَبُ
وقال آخر:
إنّ الهوانَ حِمارُ القوم يُعْرِفُه *** والحرُّ ينكرهُ والرّسْلَةُ الأجُدُ
وَلَا يُقِيمُ عَلَى خَسْفٍ يُرَادُ بِهِ *** إلا الأذَلَّان غَيْرُ الحيِّ وَالْوتِدُ
هَذَا عَلى الخسْفٍ مَشْدُودٌ بِرُمْتِه *** وَذَا يُشَجُّ فَلَا يأوِي له أحدٌ
فإنْ أقمْتُمْ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِكم *** فإنّ رَحْلِي لَهُ وَالٍ وَمُعْتَمَدُ
1) الشباة: طرف السيف وحدُّه. اللسان، مادة (شبو)
وفي البلاد إذا ما خفتُ بادرَةً *** مكروهةً عن ولاة السَّوْءِ مُفْتَقَدُ
وقال بعض بني أسد:
إنّي امرؤٌ من بني خُزَيمة لا *** أطعمُ خسفاً لناعِب نَعَبا
لستُ بمعطٍ ظُلامةً أبداً *** عُجْماً ولا اتّقي بها عَرَبَا
دخل مويلك السَّدوسيّ إلى البصرة يبيع إبلاً، فأخذ عامل الصدقة بعضها فخرج إلى البادية وقال:
ناقُ إني أرَى المُقَامَ على الضَّيْم ***عَظِيماً في قبّةِ الإسْلَامِ
قَدْ أُراني وَلِي مِن الْعَامِلِ النَّصْ *** فُ بحدّ السِّنَان أوْ بالحُسَام
وقال يزيد بن مفرِّغٍ الحميري:
لا ذعرتُ السَّوامَ في فَلَقِ الصُّبْ *** ح مُغِيراً وَلَا دُعِيتُ يَزيدَا
يَوْمَ أَعْطَى مِنَ الْمَخَافَةِ ضَيْماً *** والمنايا يَرْصُدْنَني أنْ أحِيدَا
وقال آخر:
لا تحسبِني يا أما *** مة عاجِزاً دَنِساً ثِيَابُة
إني إذا خفتُ الهوا *** نَ مُشَيَّعٌ ذُلُلٌ رِكابُة
مثله قول عنترة:
ذُلُلْ رِكَابي حَيْثُ شئتُ مُشايعي *** لُبِّي وأحْفِزُهُ براي مُبْرَمِ
وقال آخر:
أخَشْيَةَ الموتِ دَرّ دَرُّكُم *** أعطيتم القوم فوقَ ما سألوا
إِنَّا لَعَمْرُ الإله نَأْبَى الذي قَا *** لوا وَلَمَّا تَقَصَّفُ الأسَلُ(1)
نَقْبَلُ ضَيْماً وَنَحْنُ نَعْرِفُهُ *** ما دام مِنَّ بِظَهْرِها رَجُلُ
وقال آخر:
وَرُبَّ يَوْمٍ حَبَسْتُ النَّفْسَ مُكْرَهَةٌ *** فيه لأكْبِتَ أعداءً أحَاشِيها
آبى وأنف من أشياء أخُذُها *** رَثّ القُوى، وضعيفُ القومِ يُعْطِيها
مثله للشدّاخ:
أبَيْنَا فلا نُعْطِي مليكاً ظُلَامَةٌ *** ولا سُوقة إلا الوَشيج المقَوَّما
وإلا حُسَاماً بَبْهَرُ العَيْنَ لَمْحُهُ *** كصاعقةٍ في عارضٍ قد تَبَسَّمَا
1) الأسل: الرماح والنبل. القاموس، مادة (أسل)
سيّد أهل الإباء، الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدِّنيّة، أبو عبد الله الحسينُ بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، عُرِض عليه الأمان وأصحابه، فأنِفَ من الذّلّ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوعٍ من الهوان إن لم يقتُله، فاختار الموت على ذلك. وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلويّ البصريّ، يقول: كانّ أبيات. أبي تمام في محمد بن حُميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين علیه السلام:
وَقَدْ كَانَ قَوْتُ الموتِ سَهْلاً فَرَدَّهُ *** إليه الحفاظُ المُر والخلُقُ الوَعْرُ
ونفسٌ تعاف الضَّيْمَ حتّى كأنّه *** هو الكفرُ يوم الرَّوْع أو دُونَهُ الكُفْرُ
فأثبتَ في مُسْتَنْقَعِ الموتِ رِجْلَهُ *** وقال لها: من تحت أَخمَصك الحَشْرُ
تَرَدَّى ثياب الموتِ حُمْراً فما أَتَى *** لَهَا الليْل إلا وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ
لما فَرّ أصحابُ مصعب عنه، وتخلّف في نفر يسير من أصحابه، كسر جَفْنَ سيفِه، وأنشد:
فإنّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آل هاشمٍ *** تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التّاسيَا
فعلم أصحابُه أنّه قد استقتل.
ومن كلام الحُسين علیه السلام يوم الطفّ، المنقول عنه، نقله عنه زينُ العابدين عليّ ابنُه علیه السلام: ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ، قد خَيّرنا بين اثنتين: السِّلة أو الذِّلّة، وهيهات مِنّا الذلة! يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابتْ، وحُجُرٌ طَهُرت، وأنوفٌ حَمِيّة، ونفوس أبية».
وهذا نحو قول أبيه علیه السلام، وقد ذكرناه فيما تقدم: «إنّ امراً أمكن عدوّاً من نفسه، يعرُق لحمه ويفري جِلْده، ويهشِم عظمه، لعظيمٌ عجزهُ، ضعيف ما ضُمّت عليه جوانح صدره، فكن أنت ذاك إن شئت، فأما أنا فدون أن أعطِيَ ذلك ضربٌ بالمشرِفيّة تطير منه فَراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام».
وقال العباس بن مرداس السُّلميّ:
مقال امرىءٍ يُهدي إليك نَصِيحَةً *** إذا معشرٌ جادوا بعرضِك فابْخَلِ
وإن بَوَّؤوك منزلاً غير طائلٍ *** غليظاً فلا تنْزل به وتحوّلِ
ولا تَطْعَمَنْ ما يعلِفونَكَ إِنَّهُمْ *** أتوْك على قُرْبَاهُمُ بالمثمّلِ(1)
1) المثمَّل: السمُّ المقوّى بالسلع وهو شجر مر. اللسان، مادة (ثمل)
اراك إذاً قد صرت للقوم ناضحاً *** يقال له بالغَرْب أدْبِرْ وأقبِلِ
فخُذْها فليستْ للعزيز بخُطَّةٍ *** وَفِيهَا مقامٌ لامرىءٍ مُتَذَلّلِ
وله أيضاً:
فحاربْ فإنْ مولاك حارد نَصْرُهُ *** ففي السَّيْف مولى نصرُه لا يحاردُ(1)
وقال مالك بن حَرِيم الهمْدانيّ:
وَكُنْتُ إِذا قومٌ غَزَوْنِي غَزَوْتُهُمْ *** فَهَلْ أَنَا فِي ذَا يَالَ هَمْدَانَ ظَالِمُ!
متى تَجْمَع القَلْبَ الذّكِيّ وَصَارِماً *** وَأَنْفاً حَمِيَّا تجتنْبك المظالمُ
وقال رُشَيْد بن رُمَيْض العنَزي:
باتوا نِياما وابنُ هند لم ينَمْ *** بَاتَ يُقاسيها غُلامٌ كالزَّلَمْ(2)
خَدَلجُ السّاقَيْن خَفَّاق القَدَم *** قد لَفَّا اللَّيلُ بِسَّواقٍ حُطَمْ(3)
ليسع براعِي إبلِ وَلَا غَنَمْ *** وَلا بجزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ
مَنْ يَلْقَنِي يُودِ كَمَا أَوْدَتَ إِرَم
وقال آخر:
وَلَسْتُ بمبتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبةٍ *** وَلَا مُرْتَقِ مِنْ خَشْيَةِ المَوتِ سُلَّمَا
وَلَمّا رأيتُ الودَّ ليسَ بنافِعِي *** عَمَدْتُ إلى أمرِ الّذِي كانَ أحْزَمَا
ومن أباة الضيم يزيد بن المهلب، كان يزيد بن عبد الملك يشنوه قبل خلافته، لأسباب ليس موضع ذكرها، فلما أفضَتْ إليه الخلافة، خلعه يزيد بن المهلّب، ونزع يده من طاعته، وعلم أنّه إنْ ظَفِر به قتله وناله من الهوان ما القتل دونه، فدخل البصرة ومَلَكَها عَنْوةٌ، وحبس عديّ بن أرطاة عامل يزيد بن عبد الملك عليها، فسرّح إليه يزيد بن عبد الملك جيشاً كثيفاً، ويشتمل على ثمانين ألفاً من أهل الشام والجزيرة، وبعث مع الجيش أخاه مَسْلَمَةَ بن عبد الملك، وكان أعرف الناس بقيادة الجيوش وتدبيرها، وأيمن الناس نقيبةً في الحرب، وضمّ إليه ابنَ أخيه العبّاس بن الوليد بن عبد الملك، فسار يزيد بن المهلّب من البصرة، فقدِم واسط، فأقام بها أياماً، ثم سار عنها فنزل العَقْر، واشتملت جريدة جيشه على مائة وعشرين ألفاً، وقدِم مسلمة بجيوش الشام، فلما تراءى العسكران وشبّت الحربُ، أمرَ مسلمة قائداً من
قُوّاده أن يحرق الجسور التي كان عَقَدها يزيد بن المهلّب فأحرقها، فلما رأى أهلُ العِراق الدخان قد علا انهزموا، فقيل ليزيد بن المهلّب: قد انهزم الناس، قال: ومِمّ انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم الناس مِنْ مثله؟ فقيل له: إنّ مسلمة أحْرَق الجسور فلم يثبتوا، فقال: قبحهم الله بق دُخّن عليه فطار! ثم وقف ومعه أصحاب، فقال: اضربوا وجوهَ المنهزمين، ففعلوا ذلك حتى كَثُروا عليه، واستقبله منهم أمثال الجبال، فقال: دعوهم قَبَحهم الله! غنمٌ عَدًا في نواحيها الذئب. وكان يزيد لا يحدّث نفسه بالفرار، وقد كان أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي بواسط، فقال له:
فعِشْ مَلِكاً أو من كريماً فإن تَمْتُ *** وسيفك مشهور بكفّك تُعْذَرِ
فقال: ما شعرت، فقال:
إن بني مروان قد بادَ ملكُهُمْ *** فإن كنت لم تشعر بذلك فاشْعُرِ
فقال: إما هذا فعسى. فلما رأى يزيد انهزام أصحابه، نزل عن فرسه، وكسر جَفْن سيفه واستقتَل، فأتاه آتٍ فقال: إن أخاك حبيباً قد قُتِل، فزاده ذلك بصيرة في توطينه نفسه على القتل وقال: لا خير في العَيْش بعد حبيب والله لقد كنت أبغَضُ الحياةَ بعد الهزيمة، وقد ازددتُ لها بغضاً، امضوا قُدُماً. فعلم أصحابه أنه مستميت، فتسلّل عنه مَنْ يكره القتال، وبَقِيَ معه جماعة خشية، فهو يتقدم كلما مرّ بخيلٍ كَشَفها، وهو يقصد مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما دنا منه، أدنَى مسلمةُ فرسَه ليركبَ، وحالت خيولُ أهل الشام بينهما، وعطفت على يزيد بن المهلب، فجالدهم بالسيف مصلتاً حتى قتل وحُمِل رأسه إلى مسلمة، وقتل معه أخوه محمد بن المهلب. وكان أخوهما المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام في جهة أخرى، ولا يعلَمُ بقتل. أخويه يزيد ومحمد، فأتاه أخوه عبد الملك بن المهلب، وقال له: ما تصنع وقد قتل يزيد و محمد، وقبلهما قتل حبيب، وقد انهزم الناس!
وقد روى أنه لم يأته بالخَبرِ على وجهه، وخاف أن يخبره بذلك فيستقتل ويُقتل، فقال له: إن الأمير قد انحدر إلى واسط، فاقتصّ أثره، فانحدر المفضل حينئذٍ، فلما علم بقتل إخوته: حلَف ألا يكلم أخاه عبد الملك أبداً: وكانت عين المفضَّل قد أصيبت من قبل في حرب الخوارج، فقال: فضحني عبد الملك فضحه الله! ما عذري إذا رآني الناس فقالوا: شيخ أعور مهزوم، ألا صدقني فقتلت! ثم قال:
وَلَا خَيْرَ فِي طَعْنِ الصَّنَادِيدِ بِالْقَنَا *** وَلَا فِي لِقَاءِ النَّاسِ بَعْدَ يَزِيدِ
فلما اجتمع مَنْ بقي من آل المهلب بالبصرة بعد الكسرة، أخرجوا عديّ بن أرطاة أمير البصرة من الحبس، فقتلوه وحملوا عيالهم في السفن البحرّية، ولجَّحوا في البحر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك بعثا عليه قائد من قواده فأدركهم في قَنْدَابيل، فحاربهم وحاربوه، وتقدّم مسلمة
بنو المهلب بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وهم: المفضّل بن المهلّب، وزياد بن المهلب، ومروان بن المهلب، وعبد الملك بن المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب، والمنهال بن أبي عُيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيْصة بن المهلب. وحملت رؤوسهم إلى مسلمة بن عبد الملك، وفي أذن كلّ واحد منهم رقعة فيها اسمه، واستؤسر الباقون في الوقعة، فحمِلوا إلى يزيد بن عبد الملك بالشام، وهم أحدَ عشر رجلاً، فلما دخلوا عليه قام كثير بن أبي جمعة، فأنشد:
حَلِيمٌ إِذا مَا نَالَ عَاقَبَ مُجْمِلاً *** أشدَّ العقاب أو عفا لم يُثَرِّبِ
فعفْواً أميرَ المؤمنين وحِسْبَةٌ *** فَمَا تَأْتِهِ مِنْ صَالِحٍ لك يكتبِ
أساؤوا فإن تصفحْ فإنك قادرٌ *** وأفضل حلم حسبةً حلمُ مغضَبِ
فقال يزيد: أطّلت(1)بك الرحم يا أبا صخر! لولا أنهم قَدَحوا في الملك لعفوت عنهم، أمر بقتلهم فقتلوا، وبَقي منهم صبيّ صغير، فقال: اقتلوني فلست بصغير، فقال يزيد بن عبد الملك: انظروا هل أنبت! فقال: أنا أعلم بنفسي، قد احتلمتُ ووطئت النساء فاقتلوني فلا خيرَ في العيش بعد أهلي! فأمر به فقتل.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: وأسماء الأسارى الذين قتلوا صبراً - وهم أحد عشر مُهَلّبِياً: المُعارك وعبد الله والمغيرة والمفضّل والمنجاب بنو يزيد بن المهلب. ودُريد والحجاج وغسان وشبيب والفضل بنو المفضل بن المهلب لصلبه. والفضل بن قبيصة بن المهلب. قال: ولم يبق بعد هذه الوقعة الثانية لأهل المهلّب باقية إلا أبو عيينة بن المهلب. وعمر بن يزيد بن المهلب. وعثمان بن المفضّل بن المهلب، فإنهم لحقوا بِرتْبيل، ثم أُمِنُوا بعد ذلك.
وقال الرضيّ الموسويّ رحمه الله تعالى:
ألا لِلّه بادِرَةُ الطَّلَابِ *** وعَزْمٌ لَا يُرَوَّعُ بِالْعِتَابِ
وكلّ مشمّر البُرْدَين يهوِي *** هِوِيّ المصلَتَات إلى الرقابِ
أهَاتِبُهُ عَلَى بُعْدِ الثنائِي *** فيعذِلُنِي عَلَى قُرْبِ الآيَابِ
رأيتُ العَجْزَ يخضعُ لِليَّالِي *** ويرضى عن نوائِبها الغِضَابِ
وآمل أنْ تطاوِعَنِي اللَّيالِي *** وينشب في المُنَى ظفري ونابي
ولولا صولة الأقدَارِ دُونِي *** هَجَمْتُ عَلَى الْعُلَا مِنْ كُلِّ بَابِ
1) أطَّت: صوتت. القاموس، مادة (أطط)
وقال أيضاً:
لا يُبذّ الهمومَ إلا غلامٌ *** يَرْكَبُ الهَوْلَ والحُسامُ ردِيفُ
ما يُذِلّ الزَّمَانُ الفَقْرِ حُرَّا *** كيفما كان فالشرِيفُ شَرِيفُ
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وَلَسْتُ أضِلْ في طُرْقِ الْمَعالي *** وَنَارُ العِزّ عَالَيةُ الشُّعَاعِ
وَدُونَ الْمَجْدِ رَأَيٌ مُسْتَطِيلٌ *** وَبَاعٌ غَيْرُ مَجْبُوبِ الذّرَاعِ
وَيُعْجِبُنِي البعادُ كان قَلْبِي *** يحدّث عن عديّ بن الرُقاعِ
فَرِدْ نِهْيَ العلاء بلا رقيبٍ *** وشمِّر في الأمُورِ بِلَا نِزَاعِ
وَلَا تَغْرُركَ قَعْقَعَةُ الأعادي *** فذاك الصَّخْرَ خَرَّ من اليَفَاعِ(1)
وَنَحْنُ أحقُّ بالدُّنْيَا وَلَكِنْ *** تُخيّرتِ القَطوفُ عَلَى الوَسَاعِ
وقال حارثة بن بدر الغُدانيّ:
أهانُ وأقصَى ثم ينتصحُونَني *** وَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْطِي نصيحته قَسْرًا
رأيت أكفّ المصلتين عليكمُ *** ملاءً وكفي من عطائكم وصفرا
مَتَى تسألوني مَا عَلَيَّ وَتَمْنعُوا ال *** ذِي لِي، لا أستطيعُ في ذلكُمْ صَبْرا
وقال بعض الخوارج:
تُعَيُرُني بالْحَربِ عِرْسي وما دَرَتْ *** بأني لها في كل ما أمَرَتْ ضِدّ
لَحَا الله قوماً يَقْعُدونَ وَعِنْدَهُم *** سُيُوفٌ ولم يعصب بأيديهمُ قِدّ
وقال الأعشى:
أبا الموت خَشَّتْنِي عِبَادٌ وإنّما *** رأيتُ منايا القوم يَسْعَى دليلها
وما موتة إنْ مِنّها غير عاجز *** بعارٍ إذا ما غالتِ النفسَ غولُها
وقال آخر:
فلا أسمْعَنْ فيكم بأمر هَضيمةٍ *** وضيم ولا تسمْع به هامتي بَعْدِي
فإنّ السنانَ يَرْكبُ المرءُ حَدّه *** من الضيّم، أو يعدُو على الأسَدِ الْوَرْدِ
ومثله :
إذا أنت لم تُنْصِفْ أخاك وَجَدْتَه *** على طرف الهِجْرانِ إن كانَ يَعْقِلُ
1) اليفاع: ما ارتفع من الأرض. اللسان، مادة (يفع)
وَيَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ *** إذا لم يكن من شَفْرَةِ السَّيْفِ مَعْدِلُ
وقال آخر:
كَرِهُوا الموتَ فاسْتُبِيح حِمَاهُمُ *** وأقامُوا فعل اللئيم الذَّليلِ
أمن الموت تهربون فإنّ الْ *** مؤتَ الذَّليل غيرُ جميلٍ
وقال بشامة بن الغدير:
وإنّ الّتي سامَكُم قومَكُمْ *** هُمُ جعلُوها عليكم عُدُولا
أخِزْيٌ الحياةِ وكُرْه الممات *** فكلًا أراهُ طَعَاماً وَبيلَا
فإن لم يكن غيرُ إحداهما *** فسيرُوا إلى الموت سَيْراً جميلا
وَلَا تَقْعُدُوا وَبِكُمْ مِنَةٌ *** كَفَى بالحوادث للمرء غُولا
قال يزيد بن المهلّب في حرب جُرجان لأخيه أبي عيينة: ما أحسنُ منظرٍ رأيتَ في هذه الحرب؟ قال: سيف بن أبي سَبْرة وبيضته، وكان عبدُ الله بن أبي سَبْرة حَمل على غلام تركيّ قد أفرج الناس له، وصدوا عنه لبأسه وشجاعته، فتضاربا ضَرْبَتَيْن، فقتله ابن أبي سبرة بعد أن ضربه التركيّ في رأسه، فنشب سيفُه في بيضة ابن أبي سَبْرة، فعاد إلى الصفّ وسيفه مصبوغ بدم التركيّ وسيف التركي ناشب في بيضته كجزء منها يَلْمعَ، فقال الناس: هذا كوكب الذنب وعجبوا من منظره.
وقال هُدْبة بن خَشْرم:
وإني إذا ما الموتُ لم يَكُ دُونَهُ *** قِدى الشبر أحمى الأنف أن أتأخّرَا
ولكنّنِي أعْطِي الحفيظَة حَقَّهَا *** فأعرِفُ معروفاً وأنكر منكراً
وقال آخر:
إني أنا المرءُ لا يُغِضي عَلَى تِرَةٍ *** ولا يقَرّ على ضَيْم إذا غُشِما
ألقى المنيَة خَوْفاً أن يقال فتًى *** أمسى - وقد ثبت الصّفان - منهزماً
وقال آخر:
قَوّض خِيامَك والتمِسْ بَلَداً *** تنأى عن الغاشِيك بالظّلْمِ
أو شُدّ شدة بَيْهَسٍ فعَسى *** أن يتَّقُوك بصفحة السّلْمِ
استنصر سبيع بن الخطيم التيميّ من بني تيم اللات بن ثعلبة زيدَ الفوارس الضبيّ فنصر فقالَ:
نَبّهتُ زيداً فلم أفْزَعُ إلى وَكَلٍ *** رثُّ السلاح ولا في الحيّ مغمورِ
سَالَتْ عليهِ شِعَابُ الحيّ حين دَعَا ***أنصارَه بوجوهٍ كالدّنانيرِ
وقال أبو طالب بن عبد المطلب:
كذبتم وبيت الله نُخْلِي مُحَمَّداً *** ولما نطاعِنْ دونه ونُنَاضلِ
وَنَنْصُره حتی نُصَرَّعَ حوله *** ونَذْهَلَ عن أبنائنا والحلائلِ
لما برز عليّ وحمزةُ وعبيدة علیهم السلام يوم بَدْر إلى عُتْبة وشيبة والوليد، قَتَل عليّ علیه السلام الوليدَ، وقتل حمزةُ شيبة، على اختلاف في رواية ذلك: هل كان شيبة قرنَهُ أم عتبة؟ وتجالَد عُبيدة وعُتْبة بسيفهما، فجرحَ عُبيدة عُتْبة في رأسه، وقطع عُتبة ساق عُبَيدة، فكرّ عليّ وحمزة عليهما السلام على صاحبهما، فاستنقذاه من عُتْبة، وخبطاء بسيفيهما حتى قتلاه واحتملا صاحبَهما، فوضعاه بين يديْ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في العَرِيش، وهو يجود بنفسه، وإنّ مُخ ساقه لَيسِيلُ، فقال: يا رسول الله، لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أني أولى منه بقوله:
كَذَبْتُم وبيتِ الله تُخْلِي مُحَمَّداً *** وَلَمَّا نَطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ
وننصره حتى نصرَّعَ حولَه *** ونذهلَ عن أبنائنا والحلائلِ
فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «اللهم أنجِزُ لي ما وعدتَني! اللهمّ إن تهلِكْ هذه العصابة لا تُعبد في الأرض»(1).
لما قدم جيش الحَرّة إلى المدينة، وعلى الجيش مُسلم بن عقبة المريّ، أباح المدينة ثلاثاً، واستعرض أهلَها بالسيف جَزْراً كما يَجْزُرُ القصاب الغنم، حتى ساخت الأقدام في الدّم، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار وذريّة أهل بدر، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كلّ من استبقاه من الصحابة والتابعين، وعلى أنّه عبدِ فنّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية. هكذا كانت صورة المبايعة يوم الحَرّة، إلا عليّ بن الحسين بن عليّ عليهم السلام، فإنه أعظمه وأجلسه معه على سريره، وأخذ بيعته على أنّه أخو أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وابن عمه، دفعاً له عَمّا بايع عليه غيره، وكان ذلك بوصاةٍ من يزيد بن معاوية له، فهرب عليّ بن عبد الله بن العباس رحمه الله
1) أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763)، والترمذي في تفسير القرآن باب: ومن سورة الأنفال (3081)، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب: : أول مسند عمر بن الخطاب (208)
تعالى إلى أخواله من كِنْدة، فحمَوْه من مُسلم بن عقبة، وقالوا: لا يبايع ابنُ أختنا إلا على ما بايع عليه ابنُ عمه عليّ بن الحسين، فأبى مسلم بن عقبة ذلك، وقال: إني لم أفعل ما فعلت إلا بوصاةِ أمير المؤمنين، ولولا ذلك لقتلتُه، فإن أهل هذا البيت أجْدَرُ بالقتل، أو لأخذت بيعته على ما أخذتُ عليه بيعة غيره. وسَفَر السُّفراء بينه وبينهم، حتى وقع الاتفاق على أن يبايع ويقول: أنا أبايع لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، والتزم طاعته، ولا يقول غير ذلك. فقال عليّ بن عبد الله بن العباس:
أبي العباسُ رأسُ بني قصيِّ *** وأخوالِي المُلُوكَ بَنُو وَلِيعَةْ
هُمُ منعوا ذِمارِي يوم جاءت *** كتائبُ مُسْرِفِ وَبَنُو اللَّكِيعَةُ(1)
أراد بيَ التي لا عِزّ فيها *** فحالت دونه أيدٍ مَنيعةْ
مُسرِف كناية عن مُسلم، وأم عليّ بن عبد الله بن العباس زُرعة بنت مشرّح بن معدي كرَب بن وليعة بن شُرَحْبيل بن معاوية بنِ كنْدة.
قال الحُصين بن الحِمام:
وَلَسْتُ بمبتاع الحَياةِ بِسُبَّةٍ *** وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الموتِ سُلَّما
تَأخَرْتُ استبقي الحياة فلم أجِدْ *** لنفسِي حياةً مثلَ أن أتقدّما
فلسنًا على الأعقاب تدْمَى كلومُنا *** ولكن على أقدامِنا تَقْطُر الدِّمَا
نفلّق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ *** علينا، وهمْ كانُوا أعقّ وأظْلَمَا
أبَى لابن سلمى أنّه غيرُ خالد *** مُلاقِي المنايا أيَّ صَرْفٍ تَيَمَّمَا
ابن سلمى يعني نفسه، وسَلمى أمه.
وقال الطرمّاح بن حكيم:
وَمَا مُنِعَتْ دارٌ ولا عَزَّ أَهلُها *** مِنَ النَّاس إلا بالْقَنَا والقَنَابل
وقال آخر:
وإن التي حدثتها في أنوفنا *** وأعناقنا من الأباء كماهيا
وقال آخر:
فإِنْ تَكُنِ الأيام فينَا تَبَدَّلَتْ *** ببوْسَي ونُعْمي والحوادِثُ تَفْعَلُ
فَمَا لَيْنَتْ مِنَّا قَنَاءً صَلِيبَةً *** وَلَا ذللتْنا للتي ليس تجملُ
1) الذمار: هو كل ما يلزم الرجل حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه وإن ضيعه لزمه اللوم. اللسان، مادة (ذمر)
وَلَكِنْ رَحَلْنَاها نُفُوساً كريمةً *** تحمّل ما لا يستطاع فتحمِلُ
وقال آخر:
إذا جانبٌ أعياك فاعمِد لجانبٍ *** فإنك لاقٍ في البلاد معوّلَا
وقال أبو النشناش:
إذا المرء لم يَسْرَح سواماً ولم يُرِحْ *** سَوَاماً ولم تَعْطِفْ عَلَيْهِ أقاربُهْ
فَلَلْمَوتُ خيرٌ للفتى من قُعودِهِ *** عديماً ومِنْ مَوْلًى تَدِبُّ عَقَارِبُة
ولم أرَ مثل الهمّ ضاجَعَهُ الفَتَى *** ولا كَسَوادِ الليل أخْفَقَ طالبُهْ
فعِش معدِماً أو مُتْ كريماً فإنّني *** أرى الموت لا ينجُو من الموتِ هَارِبُهُ
وفد يحيى بن عُرْوة بن الزُّبير عَلَى عبد الملك، فجلس يوماً على بابه ينتظر إذنَه، فجرى ذكرُ الله بن الزُّبير، قنال منه حاجب عبد الملك، فلطَم يحيى وجهَه حتى أدْمى أنفه، فدخل على عبد أنفه، فقال: مَنْ ضربك؟ قال: يحيى بن عُروة، قال: أدخله - وكان عبد الملك متكئاً فجلس - فلما دخل قال: ما حملَك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن عمّي عبد الله كان أحسنَ جواراً لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قذعاً(1)، ولا يذكركم عندها إلا بخير، وإن كان لَيقولُ لها: مَنْ سبّ أهلك فقد سبّ أهله فأنا والله المعمّ المُخْوِل، تفرّقت العرب بين عَمّي وخالي، فكنت كما قال الأول:
يداه أصابَتْ هذهِ حَتْفَ هذِهِ *** فلم تجد الأخرى عليها مُقَدِّما
فرجع عبد الملك إلى متّكّئِه، ولم يزل يُعرَف منه الزيادة في إكرام يحيى بعدها.
وأمّ يحيى هذه ابنة الحَكم بن أبي العاص عَمّة عبد الملك بن مروان.
وقال سعيد بن عمر الحرَشيّ أمير خراسان:
فلستُ لعامرٍ إنْ لَمْ تَرَوْني *** أمامَ الْخَيْلِ أطْعَنُ بالعوالي وأضرِبُ هامةَ
وأضربُ هامةَ الجبّار مِنْهمْ *** بماضي الغرب حُودِثَ بالصقالِ
فما أنا في الحروب بمستكينٍ *** ولا أخشى مصاوَلَة الرجالِ
أبَي لي وَالدي من كلّ ذم *** وخالِي حين يُذكَرُ خَيرُ خالٍ
1) القذع: الفحش من الكلام الذي يقبح ذكره. ا ه لسان العرب، مادة (قذع)
قال عبد الله بن الزبير لما خطب حين أتاه نعي مُصْعَب: أما بعد فإنه أتانا من العراق خَبَرٌ أفرحَنا وأحزننا، أتانا خبرُ قتل المصعَب، فأما الذي أحزنَنَا فلوعة يجِدُها الحميم عند فراق ميمه ثم يرعوي بعدها ذو اللُّبّ إلى حسن الصبر وكرم العزاء.
وأما الذي أفْرَحَنا، فإنّ ذلك كان له شهادة، وكان وله خيرة، إنا والله ما نموت حبَجاً(1)كما يموت آل أبي العاص، ما نموت إلا قتلاً قعصاً بالرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف. فإنّ يهلك المصعب، فإن في آل الزبير لَخَلَفاً.
وخطب مرة أخرى فذكره فقال: لودِدْت والله أنّ الأرض قاءتْنِي عنده حين لفظ غُصَّتَه وقَضَى نَحْبَه.
شعر:
خُذِيه فَجُرِّبه ضُبَاع وأبْشِري *** بلحم امرىءٍ لم يشهدَ اليوم ناصرُهُ
وقال الشَدّاخ بن يعمُر الكِنانّي:
قاتِلُوا القومَ يا خُزَاع ولا *** يَدْخُلُكُمُ مِنْ قِتَالهمْ فَشَلُ
القوم أمثالكم لَهُمْ شَعَرٌ *** في الرأس لا يُنشرون إنْ قُتلوا
وقال يحيى بن منصور الحنفيّ:
ولما نأتُ عَنّا العشيرةُ كلها *** أنَخْنا محالفنا السيوف على الدهرِ
فما أسلمتْنا عند يوم كريهةٍ *** ولا نحن أغضينا الجُفُون على وِتْر
قيل لرجل شهد يوم الطّفّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلُتم ذرية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم! فقال: عَضَضْتَ بالجنْدَل، إنك لو شِهدت ما شَهِدْنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عِصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطُم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلْقِي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائلها بينها وبين الوُرُود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كَفَفْنَا عنها رويداً لأتَتْ على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أمّ لك!
السخاء من باب الشجاعة، من باب السخاء، لأنّ الشجاعة إنفاق العمر وبذلَه فكانت سخاء، والسخاء إقدام على إتلاف هو عَدِيل المهجة، فكان شجاعة.
1) قال ابن الأثير: (الحبج بفتحتين هو أكل البعير لحاء العرفج ويسمن عليه وربما بَشَم فقتله) ا ه. لسان العرب مادة (حبج)
أبو تمام في تفضيل الشجاعة على السخاء:
كمْ بَيْنَ قَوْمِ إنما نفقاتُهُمْ *** مالٌ وقوم يُنْفِقُونَ نُفُوسا
قيل لشيخنا أبي عبد الله البصريّ رحمه الله تعالى: أتجد في النُّصوص ما يدلّ على تفضيل عليّ علیه السلام، بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه، فإنّ ذاك أمرٌ مفروغ منه؟ فذكر حديث الطائر المشويّ، وأنّ المحبّة من الله تعالى إرادة الثواب. فقيل له: قد سبقك الشيخُ أبو عليّ رحمه الله تعالى إلى هذا، فهل تجد غير ذلك؟ قال نعم قول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَنٌ مَّرْصُوصٌ»(1)، فإذا كان أصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص، فكل مَنْ زاد ثباته زادت المحبة له، ومعلوم أن عليَّا علیه السلام ما فَرّ في زَحْفِ قَطّ، وفرّ غيرُه في غير موطن.
وقال أبو تمام:
السَّيْف أصْدَقُ أنباءً من الكُتبِ *** في حدّه الحَدّ بَيْنَ الجِدِّ واللّعِب
بيضُ الصفَائحِ لَا سُودُ الصَّحَائِفِ في *** مُتونِهِنَّ جِلَاء الشّكّ والرِّيَب
وَالْعِلْمُ في شُهُبِ الأرْمَاحِ لامعةٌ *** بين الخميسَيْنِ لا في السَّبْعةِ الشُّهُبِ
وقال أبو الطيب المتنّبي:
حتَّى رَجَعْتُ وَأَقْلَامي فَوَائِلُ لي: *** المجدُ للسَّيْفِ لَيْسَ المجدُ لِلقَلمِ
اكْتُبْ بِنَا أبداً بعد الكِتاب بِهِ *** فإنما نحن للأسْيْافِ كالخَدَمِ
أسْمَعْتَني وَدَوائي ما أَشَرْتُ بِه *** فإنْ غَفَلْتُ فدائي قِلّةُ الفَهَم
مَنِ اقْتَضَى بسوى الهنديّ حاجَتَهُ *** أجاب كلَّ سؤالٍ عن «هَلٍ» بِلَمِ
قال عطاف بن محمد الألوسي:
أمكابدَ الزَّفَرَات مؤصَدة *** تلتذّ خوف القطْع بالشَّلَلِ
صَرف هُمومَكَ تَنْتَدِبْ هِمماً *** فالسُّكْرُ يُعْقِبُ نشوَة الثّملِ
ولِلَيْلةِ الميلادِ مَفْرَحَةٌ *** تُنسي الحواملَ أشهرَ الحَبلِ
سِرْ في البِلَا تخوضها لَجُجاً *** فالدُّرّ ليس يُصابُ في الوَشَلِ
1) سورة الصف، الآية: 4
واجْعل لصبْوَتِك الظُّبَا سَكَناً *** والدّور أكواراً على الإبلِ
والعيشُ والوطن الممهد في *** غَرَبِ الحُسَام وغَارِب الجملِ
واشْدُدْ عَلَيْكَ وَخُذْ إليك وَدَعْ *** ضَعَة الخُمول وَفَتْرَةَ الْكَسَلِ
وَارْمَ العُدَاةَ بِكُلِّ صَائِبَةٍ *** مَا الرَّمْيُ مَوْقُوفاً عَلَى ثُعَلِ
لا تَحْسَبِ النّكَبَات مَنقصةً *** قَدْ يُستجادُ السَّيْفُ بالفَلَلِ
وقال عُرْوة بن الورد:
لَحا اللهُ صعلوكاً إذا جن ليلُهُ *** مُصَافي المُشَاشِ الفاً كلُّ مَجْزرٍ
يَعُدّ الغِنى مِنْ نَفْسه كل ليلَةٍ *** أَصَابَ قِراها مِنْ صَدِيق ميَسَّر
يَنَامُ عِشاءً ثمّ يُصْبِحُ نَاعِساً *** يحُتّ الحَصَا مِنْ جَنْبِه المتعفّرِ
يُعينُ نِسَاءَ الحيّ ما يَستَعِنَّهُ *** وَيُمْسِي طَلِيحاً كالبعيرِ المحَسَّر
ولكنّ صُعْلُوكاً صَفِيحَةُ وَجْهِهِ *** كَضَوْءِ شهاب القابِس المُتَنَوِّرِ(1)
مِطلاً عَلَى أَعْدَائِهِ يَزْجُرُونَه *** بِسَاحَتِهِمُ زَجْر المَنِيح المشَهَّر
وإن قَعدُوا لا يأمنون اقترابَه *** تَشَوُّفَ أهل الغائب المتنظَّرِ
فذلك إن يَلْقَ المِنيَّةَ يَلْقَهَا *** حَمِيداً وإن يَسْتَغْنِ يوماً فأجْدِر
وقال آخر:
ولستُ بمولى سَوْءَةً أُدَّعى لها *** فإنّ لسوآتِ الأمور موالياً
وسيان عِنْدِي أنْ أمُوتَ وأنْ أُرَى *** كَبْعضِ رجال يُوطِئُونَ المخازيا
ولن يجدَ النَّاسُ الصديقَ وَلَا العِدَا *** أديمي إذا عَدّوا أدِيمَي وَاهِيا
وإنّ نِجارِي بابن غَنْم مُخَالِفٌ *** نجارَ لئامٍ فابغْنِي مِنْ وَرَائِيا(2)
وَلَسْتُ بِهَیّابٍ لِمَنْ لا يَهابُني *** وَلَسْتُ أرَى للمرءِ مَا لَا يَرَى لِيَا
إذا المرءُ لم يُحبْيِكَ إلّا تكَرُّهاً *** عِرَاضَ العَلُوقِ لم يكُنْ ذَاكَ باقِيا
نَهار بن توْسعة في يزيد بن المهلّب:
وَمَا كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ أميرٍ *** كما كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ يزيدِ
فأخطأ ظَنَّنَا فيه وَقدْماً *** زَهِدْنا في معاشرة الزَّهيدِ
إذا لم يعطِنا نصَفاً أميرٌ *** مشینا نحو مَشْيَ الأسُودِ
كان هُدْبة اليشكريّ - وهو ابن عم شوذب الخارجيّ اليشكُري - شجاعاً مقداماً، وكان ابنُ عمه بِسْطام الملقب شوْذباً الخارج في خلافة عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك، فأرسل إليه يزيد بن عبد الملك جيشاً كثيفاً فحاربه، فانكشفت الخوارج، وثبتَ هُدْبة وأبَى الفرار، فقاتل حتى قُتل، فقال أيوب بن خوليّ يرثيه:
فَيَا هُدْبَ لِلْهَيْجَا وَيَا مُذبَ لِلنَّدَى *** وَيَا هُدْبَ لِلْخَضم الألدِّ يُحَارِبُهُ
وَيَا هُدْبَ كَمْ مِنْ مَلْحَمٍ قَدْ أَجَبْتَهُ *** وَقَدْ أَسْلَمَتْه لِلرِّمَاحَ كَتَائِبُهْ
تَزَوّدتَ مِنْ دُنْيَاكَ دِرْعاً وَمِغْفَراً *** وَعَضْباً حُسَاماً لم تخْنك مَضَارِبُهُ
وَأَجْرَدَ مَحْبُوكَ السَّراةِ كَأَنَّه *** إذا انْفَضٌ وافى الرِّيش حُجْنٌ مَخَالِبُهُ
كانت وصايا إبراهيم الإمام وكتبه تَرِدُ إلى أبي مسلم بخراسان: إن استطعت ألّا تَدَع بخُرسان أحداً يتكلّم بالعربية إلا وقتلته فافعل، وأيّما غلام بلغَ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله، وعليك بُمضَر، فإنهم العدُوّ القريب الدار، فأبِدْ خَضْرَاءِهم، ولا تَدَعْ على الأرض منهم ديّاراً.
قال المتنبيّ:
لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرّفيع مِنَ الأذَى *** حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جوانبه الدَّمُ
وله:
وَمَنْ عَرَفَ الأَيَّامَ مَعْرِفَتِي بِهَا *** وَبِالنَّاسِ رَوَى رُمْحَهُ غَيْرَ رَاحِمِ
فَلَيْسَ بِمَرْحُومٍ إِذَا ظَفِرُوا بِهِ *** وَلَا فِي الرِّدَى الجاري عَلَيْهِم بآثمِ
وقال المتنبي أيضاً:
رِدِي حِيَاضَ الرِّدَى يَا نَفْسُ وَاطَّرِحِي *** حيَاضَ خَوْفِ الرَّدَى لِلشَّاء والنَّعَمِ
إنْ لم أذَرْكِ عَلَى الأَرْماح سائِلةً *** فَلا دُعِيتُ ابن أم المَجْدِ والكَرَمِ
ومن أباة الضيم قُتيبة بن مسلم الباهليّ أمير خراسان وما وراء النهر، لم يصنع أحدٌ صنيعه في فتح بلاد الترك، وكان الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان بن عبد الملك من العَهْد بعده، ويجعلَه في ابنه عبد العزيز بن الوليد، فأجابه إلى ذلك قُتيبة بن مسلم وجماعة من الأمراء، فلما مات الوليد قبل إتمام ذلك، وقام سليمان بالأمر بعده - وكان قتيبةُ أشدّ الناس في أمر سليمان وخلعِه عن العهد - علم أنه سيعزِل عن خراسان ويولِّيها يزيدَ بن الملهبِ؛ لودِّ كان بينه وبين سلیمان، فكتب قتيبة إليه كتاباً يهنئه بالخلافة، ويذكُر بلاءَه، وطاعتَه لعبد الملك وللوليد بعده، وأنه على مثل ذلك إن لم يعزله عن خُراسان، وكتب إليه كتاباً آخر يذكّره فيه بفتوحه وآثاره، ونكايتِه في الترك، وعِظَم قدره عند ملوكهم، وهيبة العجم والعرَب له وعِظَم صيته فيهم، ويذمّ آل المهلب، ويحلف له بالله: لئن استعملَ يزيد بن المهلب على خراسان ليخلعنّه، وليملأنّها عليه خيلاً ورَجلاً، وكتب كتاباً ثالثاً فيه خَلع سليمان، وبعث بالكتُب الثلاثة مع رجل من قومه من باهلة يثق به، وقال له: ادْفَعْ الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيدُ بن المهلب حاضراً عنده فقرأ الكتاب ثم دفعه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني، فإن قَرَاء وألقاه إليه أيضاً فادفع إليه الثالث، وإن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى يزيد، فاحتبس الكتابين الآخريْن معك.
فقدم الرسولَ على سليمان، ودخل عليه وعنده يزيد بن المهلِب، فدفع إليه الكتاب الأول الأول، فقرأ وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الكتابَ الثاني، فقرأ وألقاه إلى يزيد أيضاً، فدفع إليه الكتاب الثالث، فقرأه وتغيّر لونه وطواه، وأمسكه بيده، وأمر بإنزال الرسول وإكرامه، ثم أحضره ليلاً، ودفع إليه جائزته، وأعطاه عَهْد قتيبة على خُراسان، وكان ذلك مكيدةً من سليمان يسكنه لِيَطمئنّ ثم يعزله، وبعث مع رسوله رسولاً، فلما كان بحُلْوان بلغه خَلْعُ قتيبة سليمان بن الملك، فرجع رسول سليمان إليه، فلما اختلفتِ العربُ على قتيبة حينَ أبدَى صفحته السليمان، وخلع رِبْقَة الطاعة، بايعوا وكيعَ بن أبي سود التميمّ على إمارة خراسان، كانت أمراء القبائل قد تنكَّرَتْ لقتيبة لإذلاله إياهم، واستهانته بهم واستطالته عليهم، وكرهوا إمارته، فكانت بيعة وكيع في أوّل الأمر سرَّا، ثم ظهر لقتيبة أمرُه، فأرسل إليه يدعوه، فوجده قد طلَا رِجْلَه بمَغْرة(1)، وعلّق في عنقه خَرَزاً، وعنده رجلاً يَرْقَيَان رجلَه، فقال للرسول: قد ترى ما برجلي! فرجع وأخبر قتيبة، فأعاده إليه، فقال: قل له ليأتيني محمولاً، قال: لا أستطيع.
فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتني به، فإن أبَى فاضربْ عنقَه، وائتني برأسه، ووجّه معه خيلاً. فقال وكيع لصاحب الشرطة: البَثْ قليلاً تلحق الكتائب، وقام فلبس سلاحه، ونادى في الناس فأتوه، فخرَج فتلقاه رجل، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بني أسد،
1) المغرة: طين أحمر يصبغ به. اللسان، مادة (مغر)
فقال : ما اسمك؟ فقال ضِرْغام، فقال: ابن مَنْ؟ قال: ابن لَيْث، فتيمّن به وأعطاه رايته، وأتاه: الناس أرسالاً من كل وجه، فتقدم بهم، وهو يقول:
قَرْمٌ إذا حُمِّل مَكْرُوهَةً *** شَدَّ الشَّرَاسِيفَ لَهَا والحَزِيمْ(1)
واجتمع إلى قتيبة أهلِه وثقاته، وأكثرُ العرب ألسنتُهم له وقلوبهم عليه. فأمر قتيبة رجلاً فنادى أين بنو عامر؟ وقد كان قتيبة جَفَاهم في أيام سُلطانه - فقال له مَجْفر بن جزء الكلابيّ: نادِهم حيثُ وضعتَهم، فقال قتيبة: أنشدُكم الله والرحِم - وذاك لأن باهلة وعامراً من قيس عيلان - فقال قال مجفر: أنت قطعتَها، قال: فلكم العُتْبى، فقال مجفر: لا أقالنا الله إذاً، فقال قتيبة:
يَا نَفْسُ صَبْراً عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَلمٍ *** إذْ لم أجِدْ لِفُضُول العيش أقْرَانا
ثم دعا ببرذون له مَدَرّب ليركَبه، فجعل يمنعه الركوب حتى أعيا. فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فجلس، وقال: دعوه، فإنّ هذا أمرٌ يُراد. وجاء حيان النَّبَطّيّ - وهو يومئذٍ أمير الموالي، وعدتهم سبعة آلاف، وكان واجداً على قُتيبة - فقال له عبد الله بن مسلم أخو قتيبة: احمل يا حيان، فقال: لم يأن بعد، فقال له: ناولْني قوسَك، فقال حيان: ليس هذا بيوم قوس. ثم قال حيان لابنه: إذ رأيتَني قد حوّلت قلنسوتي، ومضيتُ نحو عسكر وكيع، مالت الموالي معه بأسْرها، فبعث قتيبة أخاه صالح بن مسلم إلى الناس، فرماه رجلٌ من بني ضَبّة فأصاب رأسه، فحُمل إلى قتيبة ورأسه مائل، فوضَعه على مصلّاه، وجلس عند رأسه ساعة، وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة نحوه فرماه الغوغاء وأهلُ السوق فقتلوه، وأشِير على قتيبة بالانصراف، فقال: الموتُ أهونُ من الفرار. وأحرق وكيع موضعاً كانت فيه إبل قُتيبة ودوابّه، وزحَفَ بمن معه حتى دنا منه، فقاتل دونه رجل من أهله قتالاً شديداً، فقال له قتيبة: انجُ بنفسِك، فإنّ مثلك يُضَنّ به عن القتل، قال: بئسما جَزَيْتُك به أيها الأمير إذاً، وقد أطعمتَنِي الجَرْدَق(2)، والبستني النُّمرق. وتقدّم الناسُ حتى بلغوا فُسطاط قتيبة، فأشار عليه نُصحاؤه بالهرب، فقال: إذاً لست لمسلم بن عمرو! ثم خرَج إليهم بسيفِه يجالدهم، فجرح جراحات كثيرة، حتى ارتُثِّ وسقط، فأكبّوا عليه، فاحتزُّوا رأسه، وقُتِل معه من إخوته عبد الرحمن الله، وصالح، والحصين، وعبد الكريم، ومسلم، وقُتِل معه جماعة من أهلِه وعدة مَنْ قتل معه من أهله وإخوته أحد عشر رجلاً. وصعد وكيع بن أبي أسود المنبر وأنشد:
مَنْ يَنكِ الْعَيْرَ يَنِكُ نَيْاكا
إنّ قتيبة أراد قتِلي، وأنا قَتَال الأقران، ثم أنشد:
قَدْ جَرَّبُونِي ثُمَّ جَرِّبُونِي *** مِنْ غَلْوَتَيْن وَمِنَ الْمِئِينِ
حَتَّى إذا شبْتُ وشَيَّبُونِي *** خَلَّوا عِناني ثم سَيَّبُونِي
حَذَارِ مني وتنکَّبونِي *** فإنّني رامٍ لِمَنْ يَرْمِیني
ثم قال: أنا أبو مطرّف، يكررها مراراً، ثم قال:
أنا ابن خنْدِف تنْمِينِي قبائلها *** للصّالِحات وَعَمِّي قَيْسُ عَيْلَانا
ثم أخذ بلحيته، وقال: إنّي لأقتلنّ ثم لأقتلنّ ولأصلبنّ ثم لأصلبنّ، إن مَرْزُبَانكُم هذا ابن الزانية، قد أغلَى أسعاركم، والله لَئنْ لم يَصِرُ القفيز بأربعة دراهم لأصلبنّه، صلوا على نبيكم.
ثم نزل وطلبَ رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له: إن الأزد أخذتْه. فخرج مُشْهراً، وقال: والله الذي لا إله إلّا هو لا أبرحُ حتى أوتي بالرأس، أو يذهب رأسي معه، فقال له الحُصَين بن المنذر: يا أبا مطرّف فإنك تؤتَى به. ثم ذهب إلى الأزد، فأخذ الرأس وأتاه به، فسيَّره إلى سُليمان بن عبد الملك، فأدخِل عليه ومعه رؤوس إخوته وأهله، وعنده الهُذَيل بن زُفَر بن الحارث الكلابيّ، فقال: أساءك هذا يا هذيل؟ قال: لو ساءني نساء ناساً كثيراً. فقال سليمان: ما أردت هذا كلِّه، وإنما قال سليمان ذلك للهُذيل؛ لأنّ قيس عَيْلان تجمع كِلَاباً وباهلة، قالوا: ما وَلِيَ خُراسان أحدٌ كقُتيبة بن مسلم، ولو كانت باهلة في الدناءة والضَّعة واللؤم إلى أقصى غاية، لكان لها بقتيبة الفَخْر على قبائل العرب.
قال رؤساء خراسان من العجم لما قتِل قتيبة: يا معشرَ العرب، قتلتم قتيبة، والله لو كان مِنّا ثم مات لجعلناه في تابوت، فكنّا نستفتح به إذا غَزَوْنا.
وقال الأصبهبذ: يا معشر العرب، قتلتم قُتيبة ويزيد بن المهلّب، لقد جئتِم شيئاً إدُّا! فقيل له: أيُّهما كان أعظم عندكم وأهْيبَ؟ قال: لو قُتيبة بأقصى حُجْرةٍ في المغرب مكبّلاً بالحديد والقيود، ويزيد معنا في بلدنا والٍ علينا، لكان قتيبة أهيَبَ في صدورنا وأعظم.
وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهليّ يرثي قُتيبة:
كأنّ أبا حفص قُتيبة لم يَسرْ *** بجيش إلى جيشٍ وَلَمْ يَعْلُ مِنْبَرا
وَلم تَخْفِق الرَّاياتُ والجيش حَوْلَهُ *** صُفوفاً ولم يشهد له الناسُ عَسْكَرا
دَعَتْهُ المنايا فاستجابَ لربّه *** وَرَاحَ إلى الجَنّات عَنَّا مُطَهَّرَا
فَمَا رُزِيء الإسلامُ بَعْدَ محمدٍ *** بمثلٍ أبي حَفْصٍ فَبَكَّيهِ عَبْهَرًا
عَبْهر: أمّ ولد له.
وفي الحديث الصحيح: «إنّ من خَيْرِ النّاسِ رَجُلاً ممسكاً بعِنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع هَيْعَة طار إليها»(1).
كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد: واعلم أنّ عليك عُيوناً من الله تَرْعاك وتَراك، فإذا لقيت العدوَّ فاحرِص على الموت تُوهَبْ لك الحياة، ولا تغسِّل الشهداء من دمائهم، فإنّ دم الشهيد يكون له نوراً يوم القيامة.
عمر: لا تزالون أصحّاء ما نزعتم ونزوتم. يريد: ما نزعتُم في القَوْس، ونزوتم على الخيل.
بعض الخوارج:
وَمَنْ يَخْشَ أَظفارَ المَنايا فإننا *** لَبِسْنا لهنّ السابغاتِ مِنَ الصبْرِ
وإنّ كرِيةَ الموت عذبٌ مذاقُه *** إذا ما مزجناه بطيبٍ مِنَ الذِّكْرِ
حضّ منصور بن عَمّار في قصصه على الغَزْو والجهاد، فطرِحَتْ في المجلس صُرّة فيها شيء، ففُتِحَتْ فإذا فيها ضفيرتا امرأة، وقد كتبت: رأيتُك يا بن عَمّار تحضّ على الجهاد، والله إني لا أملِك لنفسي مالاً، ولا أملك سوى ضفيرتيّ هاتين، وقد ألقيتُهما إليك، فتالله إلا جعلتَهما قَيْد فرسٍ غازٍ في سبيل الله، فلعل الله أنْ يرحَمني بذلك.
فارتجّ المجلس بالبكاء والضجيج.
لبعض شعراء العجم:
وَاسَوءَتَا لامْرِىءٍ شَبيبَتُهُ *** في عُنْفُوَانٍ وَمَاؤُهُ خَضِلُ(2)!
رَاضٍ بِنَزْرِ المعاشِ مُضْطَهِدٍ *** عَلَى تراثِ الآباءِ يَتَّكلُ
لَا حَفظَ اللَّهُ ذَاكَ مِنْ رَجُلٍ *** وَلَا رَعَاهُ مَا أطّتِ الإبلُ
كلا وَرَبِّي حَتَّى تكون فتًى *** قد نهكتْهُ الأسفارُ والرِّحَلُ
مُشَمِّراً يطلبُ الريِّاسة أوْ *** يُضْرَبُ يَوْماً بِهُلْكهِ المَثَلُ
حَتى مَتى تتبعُ الرِّجال وَلَا *** تُتْبَعُ يوماً، لأمِّكَ الْهَبَلُ!
عبد الله بن ثعلبة الأزدي:
فَلئِن عَمِرْتُ لأشفينَّ *** النفس من تلك المساعي
ولأعْلِمَنَّ الْبَطْن *** أنَّ الزّادَ ليسَ بِمُسْتَطاعِ
أمّا النهارُ فَقَدْ *** أرَى قومي بمرقَبَةٍ يَفَاعِ
في قَرّة هَلَكِ وَشَوْ *** كِ مثل أنيابِ الأفاعي
تَرِدُ السِّباعُ مَعِي فتحسبني *** السِّبَاعُ من السِّبَاعِ
مجير الجراد أبو حَنْبل حارثة بن مرّ الطائيّ، أجارَ جراداً نزل به ومنِعَ مِنْ صيده، حتى طار من أرضه، فسمِّي مجيرَ الجرادِ.
وقال هلال بن معاوية الطائيّ:
وبالجبلين لنا مَعْقِلٌ *** صَعَدْنَا إِلَيْهِ بِصُمُ الصَّعَادِ
مَلَكْناهُ في أُولَيَاتِ الزَّمَا *** ن مِنْ قَبْل نُوحٍ ومِن قبل عادٍ
وَمِنّا ابنُ مُرٌ أبو حَنْبَلٍ *** أجارَ من الناس رَجُلَ الجرَادِ
وَزَیْدٌ لنَا ولنا حاتمٌ *** غياث الورى في السِّنين الشداد
وقال یحیی بن منصور الحنفيّ:
وَلَمَّا نَأتْ عَنّا الْعَشيرَةُ كُلُّهَا *** أَنخْنَا فَحَالْفنَا السُّيوفَ عَلَى الدَّهْرِ
فما أسلَمَتْنَا عِنْدَ يومِ كريهةٍ *** وَلَا نَحْنُ أَغْضَيْنَا الجُفُونَ عَلَى وِتْرِ
وقال آخر:
أرِقّ لأرْحَام أرَاها قَرِيبَةً *** لحارِ بن كعب لا لَجرْمِ وَرَاسِبٍ
وإنا نَرَى أقدامَنَا في نعالهمْ *** وأنفَنا بين اللَّحَى والحواجبِ
وإقدامنا يَوْمَ الوَغَى وإباءنا *** إذا ما أبَيْنا لا نُدِرّ لعَاصِب
حاصرت الترك مدينة بَرْذعة من أعمال أذْرَبيجان في أيام هشام بن عبد الملك حصاراً شديداً، واستضعفتها وكادت تملكها، وتوجّه إليها لمعاونتها سعيد الحرَشيّ من قِبَل هشام بن عبد الملك في جُيوش كثيفة، وعلم الترك بقربه منهم فخافوا، وأرسل سعيد واحداً من أصحابه إلى أهل بَرْذعة سِرَّا يعرّفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر خوفاً ألّا يدركهم. فسار الرجلُ، ولقَيه
قومٌ من الترك، فأخذُوه وسألوه عن حاله، فكتَمهم فعذّبوه، أخبرهم وصدقهم فقالوا: إن فَعَلْتَ ما نأمُرك به أطلقناك، وإلا قتلناك، فقال: ما تريدون؟ قالوا: أنت عارف بأصحابك ببرذَعة وهم يعرفونك، فإذا وصلتَ تحت السُّور فنادِهم: إنه ليس خَلْفي مَدَد، ولا من يكشف ما بِكُم، وإنما بُعثت جاسوساً. فأجابهم إلى ذلك، فلما صار تحت سورها، وقف حيث يسمع أهلُها كلامه، وقال لهم: أتعرفونني؟ قالوا: نعم، أنت فلان ابن فلان، قال: فإنّ سعيداً الحرَشِيّ قد وصل إلى مكان كذا في مائة ألف سيف، وهو يأمركم بالصبر وحفظ البلد، وهو مصبِحكم أو ممسيّكم، فرفع أهل برذعة أصواتهم بالتكبير، وقتلت الترك ذلك الرجل، ورحلوا عنها ووصل سعيد فوجد أبوابها مفتوحة وأهلها سالمين.
وقال الراجز:
مَنْ كان ينِوي أهله فلا رَجَعْ *** فَرّ من الموت وفي الموتِ وَقَعْ
أشرف معاوية يوماً فرأى عسكر عليّ علیه السلام بِصفّين فهاله، فقال: مَنْ طلب عظيماً خاطر بعظيمته.
وقال الكلحبة:
إذَا المرْء لم يَغْش المكارة أوشكت *** حِبالُ الهوينَی بالفتى أنْ تَقَطّعا(1)
ومن شعر الحماسة:
أقُولُ لها وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعاً *** مِنَ الأبطالِ وَيْحَكِ لا تُرَاعِي
فإِنَّكِ لَوْ سَأَلَتِ بَقَاءَ يَوْم *** عَلَى الأجلِ الَّذي لَكِ لم تُطَاعِي
فصبراً في مجالِ الْموتِ صَبْراً *** فَمَا نَيْلُ الخلودِ بِمُسْتَطَاعِ
وَلَا ثَوْبُ البقاءِ بثَوْبِ عِزٍّ *** فيطوَى عَنْ أخي الخَنَع اليراع(2)
سَبيلُ الموتِ غَايَةُ كلّ حَيٌّ *** فداعيهِ لأهْلِ الأرض دَاعِ
وَمَن لا يُعْتَبَطُ يَسْام وَيَهْزَمَ *** وَتُسْلِمُهُ المنون إلى انقطاعِ
وما للمرءِ خَيْرٌ في حياةٍ *** إذا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتَاعِ
ومنه أيضاً:
وفي الشرِّ نجاةٌ حين لَا يُنْجِيكَ إِحْسَانُ
ومنه أيضاً:
وَلم نَدْر إنْ جِضْنا عَنِ الموت جَيْضةً *** كَمِ العمرُ باقٍ والمدى مُتَطاولُ(1)
ومنه أيضاً:
وَلَا يَكْشِفُ الغَماء إلا ابنُ حُرَّةٍ *** يَرَى غَمَرات الموتِ ثُمَّ يَزُورُها
ومنه أيضاً:
فَلَا تَحْسَبي أنِّي تَخَشَعْتُ بَعْدَكُمْ *** لِشَيءٍ وَلَا أَنِّي مِنَ المَوْتِ أَفْرَقُ
وَلَا أن نَفسي يَزْدَهِيها وَعِيدكُمْ *** وَلَا انني بالمشي في القَيْدِ أَخْرَقُ
ومنه أيضاً:
سَأَغْسِلُ عَنِّي العارَ بالسَّيْفِ جَالباً *** عَلَيَّ قضاءَ اللهِ مَا كان جالباً
واذْهَلُ عن دارِي وأجْعَلُ هَدْمَها *** لِعِرْضِيَ مِنْ باقي المذمَّةِ حَاجِبَا
وَيَصْغُر في عيني تلادِي إذا انْتَنَتْ *** يميني بإدراك الّذي كنتُ طالباً
فإِنْ تَهْدِمُوا بالغدرِ داري فإنّها *** تراثُ كريم لا يُبَالي العواقِبَا
أخِي عَزَمَاتٍ لا يُطيع على الّذي *** يَهُمُّ به مِنْ مُفْظِع الأمر عاتِبا
إذا هَمّ ألقَى بين عينيهِ عزمَهُ *** ونكبَ عن ذِكرِ العواقب جانِباً
فَيَا لَرِازَمِ رَشِّحُوا بِي مُقَدِّماً *** إلى الموت خوَّاضاً إليه السَّباسِبًا
إذا همّ لم تُرْدَعْ عَزِيمةُ هَمِّه *** ولم يأتِ ما يأتِي مِنْ الأمْرِ هَائِبَا
وَلَم يَسْتَشِرْ في أمره غَيْرَ نفسِه *** وَلَمْ يرضَ إلا قائم السيفِ صَاحبا
ومنه أيضاً:
هُمَا خُطّنَا إِمّا إسارٌ وَمِنْةٌ *** وإما دمٌ، والقتلُ بالحَرِّ أجدرُ
ومنه أيضاً:
وإنَّا لَقَوْمٌ لَا نَرَى القتل سُبّةٌ *** إذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُولُ
يقصِّر حبُّ الموتِ آجالنا لنا *** وتكرهُه آجالُهم فتطولُ
وَمَا مات منَّا سيدٌ حَتفَ أنفِه *** وَلَا طُلَّ مِنَّا حيثُ كان قَتِيلُ
تَسِيلُ عَلَى حدّ الظُّبَاةِ نُفُوسُنَا *** وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ السُّيوفِ تَسِيلُ
ومنه أيضاً:
1) جاض يجيض جيضاً: أي مال وحاد عنه. اللسان، مادة (جيض)
لَا يَرْكَنَنْ أحدٌ إلى الإحْجَامِ *** يَوْمَ الوَغى مُتَخَوِّفاً لِحَمام
فَلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحٍ دَرِيتةً *** مِنْ عَن يميني تَارَةً وأمَامِي
حَتى خَضَبْتُ بما تحدَّر مِنْ دَمِي *** أكنافَ سَرْجِي أو عِنانَ لِجامِي
ثم انصرفتُ وقَدْ أصبْتُ ولم أُصَبْ *** جَذَعَ البصيرَة قارح الأقدام
ومنه أيضاً:
وإنِّي لدَى الحربِ الضّروس موكّلٌ *** بإقدامِ نَفْسٍ لا أريدُ بقاءَها
متى يأتِ هذا الموت لا تُلْفَ حَاجَةٌ ***لنفسِيَ إلا قد قَضَيْتُ قَضَاءَها
كتب عبدُ الحميد بن يحيى عن مَرْوان بن محمد إلى أبي مسلم كتاباً، حُمِل على جَمَلٍ لعظمه وكثرته. وقيل: إنّه لم يكن في الطول إلى هذه الغاية، وقد حُمِل على جمل تعظيماً لأمره وقال لمروان بن محمد: إنْ قرأه خالياً نَخِبَ(1)قلبه، وإن قرأه في ملأ من أصحابه ثبّطهم وخذلهم، فلما وصل إلى أبي مسلم أحرقه بالنار ولم يقرأه، وكتب على بياض كان على رأسه وأعاده إلى مروان:
مَحَا السيّفُ أسطارَ البلاغة وانتحتْ *** إليك ليوثُ الغاب من كلِّ جانب
فإن تقدموا نُعْمِلْ سيوفاً شحيذةً *** يهون عليها العَتْبُ من كلّ عاتب
ويقال: إنّ أول الكتاب كان: لو أراد الله بالنملة صلاحاً لما أنبت لها جناحاً. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سَيّار، وهو أول كتاب صَدَر عن أبي مُسلم إلى نَصْر، وذلك حين لبس السواد، وأعلن بالدّعوة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة: أما بعد، فإن الله جلّ ثناؤه ذكر أقواماً فقال: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونَنَّ أَهْدَى مِنْ إحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَّبِي وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا مُنَتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا»(2).
فلما ورد الكتابُ إلى نصر تعاظَمه أَمرُه، وكَسَر له إحْدَى عينيه، وقال: إنّ لهذا الكتاب لأخوات، وكتب إلى مَرْوان يستصرِخه، وإلى يزيد بن هبيرة يستنجِده، فقعدا عنه حتى أفضى ذلك إلى خروج الأمر عن بني عبد شمس.
الرَّضِيُّ الموسويّ رحمه الله تعالى:
سَأَمْضِي لِلَّتِي لا عيْبَ فِيهَا *** وإنْ لم أَستفِدْ إلا عناءَ
وأطْلُبُ غايةً إِنْ طَوَّحَتْ بِي *** أَصَابَتْ بِي الحِمامَ أو العَلَاءَ
نَمانِي مِنْ أباةِ الضيم آبٍ *** أفاضَ عليّ تلك الكِبْريَاءَ
وَمِنَّا كُلِّ أغْلبَ مُستميتٍ *** إذا أنْتَ لَدَدْتَه بالذلِّ قَاءَ
إِذَا مَاضِيمَ نَمَّرَ صَفْحَتَيْهِ *** وَقَامَ عَلَى بَرَاثِنِهِ إِبَاءَ
ونأبى أنْ يُنال النِّضف مِنَّا *** وأنْ نُعطي مقارعَنا السَّواء
ولَوْ كان العِداءُ يسوغُ فينا *** لَمَا سُمْنا الورى إلّا العَدَاءِ
وله :
سَيُقطِعُك المهند ما تمّنى *** ويُعطيك المثقفُ ما تشاءُ
وما ينجي من الغَمَرات إلا *** طِعانٌ أو ضِرابٌ أو رِماء
ومن أهل الإباء الذين كرهو الدنّية واختاروا عليها المنيّة، عبدُ الله بن الزبير، تَفرّق عنه - لما حاربه الحجَّاج بمكة، وحصره في الحرم - عامّة أصحابه، وخرج كثير منهم إلى الحجّاج في الأمان، حتى حَمْزَة وخُبَيْبٌ ابناء، فدخل عبد الله على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وكانت قد كُفّ بصرُها، وهي عجوز كبيرة، فقال لها: خَذَلني النّاس حتى ولدي وأهلي، ولم یبقَ معي إلّا من ليس عنده من الدَّفْع أكثرُ من ساعة، والقوم يُعطونني من الدّنيا ما سألتُ، فما رأيك؟ فقالت: أنت يا بنيّ أعلمُ بنفسك إن كنت تعلم أنّك على حقّ وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتِل أكثرُ أصحابك، فلا تمكِّن من رَقَبَتك يتلاعب بها غِلمانُ بني أميّة، وإن كنت إنما أردتَ الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكتَ نفسك، وأهلكت مَنْ قُتِل معك، وإن كنت قاتلِتَ على الحقّ، فما وهنّ أصحابُك إلا ضعفت، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهلِ الدين. وكم خلودك في الدّنيا! القتلُ أحسن.
فدنا عبد الله منها فقبَّل رأسها، وقال: هذا والله رأيي، والله ما ركنتُ إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضبُ لله تعالى عزّ وجلّ أنْ تُستَحلّ محارمُه، ولكنني أحببتُ أن أعلم رأيك، فقد زِدْتِني بصيرة، فانظري يا أماه إني مقتول يومي هذا، فلا يشتدّ جَزَعُك، وسلّمي لأمر الله، فإنّ ابنَك لم يتعمَّدْ إتيان منكر، ولا عملاً بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم الله، ولم يظلِمْ مسلماً ولا معاهَداً، ولا بلغني ظلمٌ عن عامل من عُمالي فرضيتُ به بل أنكرتُه، ولم يكن شيء عندي آثرَ من رضا الله، اللهمّ إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي، أنتَ أعلم بي، ولكنّي أقولُه تعزيةً لأمي لتسلوَ عَنّي. فقالت: إنّي لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك
حَسَناً إن تقدمتَني فاخرج لأنظُرَ إلى ماذا يصير أمرك؟ فقال: جَزَاك الله خيراً يا أمي! فلا تَدَعي الدّعاء لي حيًّا وميتاً. قالت: لا أدَعُه أبداً، فمن قُتِل على باطلٍ فقد قتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طولَ ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيبَ في الظلماء، وذلك الصوم في هواجِر مكة والمدينة، وبرَّه بأبيه ،وبي، اللهمّ إني قد أسلمتُ لأمرك، ورضيتُ بما قضيت فيه، فأثِبْني عليه ثوابَ الصابرين.
وقد رُوِيَ في قصّة عبد الله مع أمّه أسماء رواية أخرى، أنّه لما دخل عليها وعليه الدرع والمِغْفر - وهي عمياء لا تبصر - وقف فسلّم، ثم دنا فتناول يدَها فقبّلها، قالت: هذا ودَاع فلا تَبْعُد، فقال: نعم، إنما جئتُ مودِّعاً، إنّي لأرى هذا اليوم آخرَ أيامي من الدنيا، واعلمي يا أمي أني إذا قتلتُ فإنما أنا لحم لا يضرُّني ما صنع بي، فقالت: صدقت يا بنيّ، أقِمْ على بصيرتك، ولا تمكِّن ابن أبي عقيل مِنْك، ادنُ مني لأودّعك، فدنا منها فقبلته وعانقته، فوجدت مس الدِّرْع، فقالت: ما هذا صنع من يريد ما تريد. فقال: إنما لبسته لأشدَّ منك، قالت: إنه لا يشدُّ مني، ثم انصرف عنها، وهو يقول:
إني إذا أعرفُ يَوْمِي أصبرُ *** إذْ بعضهم يعرف ثم ينكِرُ
وأقام أهلُ الشام على كل باب من أبواب الحرَم رجالاً وقائداً، فكان لأهلِ حمْص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهلِ دمشق باب بني شَيْبة، ولأهل الأردن باب الصّفا، ولأهل فلسطين باب جُمَح، ولأهل قِنِّسْرِين باب بني سَهْم. وخرج ابنُ الزبير فمرة يحمل هاهنا ومرة يحمل ها هنا، وكأنه أسد لا يُقدم عليه الرجال، وأرسلتْ إليه زوجته: أأخرج فأقاتل معك؟ فقال: لا، وأنشد:
كُتِبَ الْقَتْل والقِتالُ عَلَيْنا *** وعَلَى المُحصنَاتِ جَرُّ الذُّيولِ
فلما كان الليل، قام يصلّى إلى قريب السَّحَر ثم أغفى محتبياً بحمائل سيفه، ثم قام فتوضأ وصلّى، وقرأ: «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ»(1)، ثم قال بعد انقضاء صلاتِه: مَنْ كان عَنِّي سائلاً فإني في الرَّعِيل الأول، ثم أنشد:
ولَسْتُ بمبتاع الحياة بِسُبَّةٍ *** ولا مرتقٍ من خَشْیَةِ الموتِ سُلَّمَا
ثم حَمَل حتى بلغ الحَجون، فرُمِيَ بآجرة، فأصابت وجهه فَدَمِي، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه، أنشد:
وَلَسْنَا عَلَى الْأعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنا *** وَلَكِنْ عَلَى أقْدَامِنَا تَقْطر الدِّمَا
ثم حمل على أهل الشام فغاص فيهم، واعتوره بأسيافهم حتى سقط، وجاء الحجاج فوقف
1) سورة القلم، الآية: 1
عليه وهو ميت، ومعه طارق بن عمرو، فقال: ما ولدت النساء أذْكَر من هذا! وبعث برأسه إلى المدينة، فنُصب بها، ثم حمل إلى عبد الملك.
أبو الطيب المتنبي:
أَطَاعِنُ خَيْلاً مِنْ فَوَارِسِهَا الدَّهْرُ *** وحيداً وما قولِي كَذَا وَمَعِي الصَّبْر!
وأشجَعُ مِنّي كلَّ يوم سَلَامَتِي *** وَمَا ثَبَتَتْ إلا وفي نفسهَا أمْرُ
تَمَرَّسْتُ بالآفاتِ حَتَّى تركتُها *** تقولُ: أماتَ الموتُ؟ أم ذُعِرَ الذَّعْرُ؟
وَأَقْدَمْتُ إقدَام الأبيّ كأنْ لِي *** سِوَى مُهْجَتي أو كان لِي عِنْدَهَا وتُري
ذَر النَّفْسَ تأخذْ حَظَّها قَبْلَ بَينها *** فمفترِقٌ جاران دارهُمَا العمرُا
ولا تحسَبنَّ المَجْدَ زِقَّا وقينَةً *** فما المجدُ إلا السَّيْفُ والفَتْكَةُ البِكْرُ
وَتَضْريبُ هَامَاتِ الملوك وأنْ تُرَى *** لَكَ الهَبواتُ السُّودُ والعسكر المَجْرُ
وتَرْكُكَ في الدُّنْيا دَويَّا كَأنما *** تداوَلَ سَمْعَ المرءِ أنْمُلُهُ العَشْرُ
وقال أبو حيُّوس:
ولستُ كَمْن أخْنَى عَلَيْه زمانه *** فظلّ عَلَى أحْداثِهِ يتعتَّبُ
تَلَذُّ له الشكْوى وإن لم يُفِدْ بِهَا *** صَلاحاً كما يلتذّ بالحَكِّ أجْرَبُ
ولكنني أحمُي ذِمارِي بعزمةٍ *** تنوبُ منابَ السَّيْفِ والسَّيْف مقضَبُ
وليس الفتى مَنْ لم تسم جسمَه الظُّبا *** ويُخطَمُ فيهِ مِنْ قَنا الخَط أكْعُبُ
وله أيضاً:
أخفَق المترَف الجنوحُ إلى الخَفْضِ *** وفاز المخاطرُ المِقْدَام
وإذا ما السُّيوف لم تشهد الحر *** بَ فسيّانِ صَارمٌ وَكَهَامُ
وممن تَقَبَّل مذاهبَ الأسلاف في إباء الضيم وكراهية الذلّ، واختار القتلَ على ذلك وأن يموتَ كريماً، أبو الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام، أمه أم ولد، وكان السببُ في خروجه وخلعه طاعةَ بني مروان، أنّه كان يخاصِم عبدَ الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام في صدقاتِ عليّ علیه السلام، هذا يخاصِم عن بني حسين، وهذا عن بني حسن، فتنازعا يوماً عند خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم أمير المدينة، فأغلظ كل واحدٍ منهما لصاحبه، فسرّ خالد بن عبد الملك بذلك، وأعجبه سِبابهما، وقال لهما حين
سكنا: اغْدُوا عليّ، فلستُ بابن عبد الملك إنْ لم أفْصِلْ بينكما غداً، فباتت المدينة تَغْلِي كالمِرْجل، فمن قائل يقول: قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، وجَمَع الناس، فمن بين شامتٍ، ومغموم. ودعا بهما وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبدُ الله يتكلّم، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، أعتقَ زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً، ثم أقبل على خالد، فقال له: أجَمْعتَ ذرّية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لأمرٍ ما عليه أبو بكر ولا عمر، فقال خالد: أما لهذا السفيه أحدٌ يكلّمه!
فتكلّم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حَزْم، فقال: يا بن أبي تراب، ويا بن حسين السفيه! أما تَرَى عليك لوالٍ حقاً ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيها القحطانيّ، فإنّا لا نجيب مثلَك، فقال الأنصارّي: ولم ترغبُ عني؟ فوالله إنّي لخيرٌ منك، وأبي خير من أبيك، وأمّي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، أفذهبت الأحساب؟ فتكلّم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت أيها القحطانيّ، والله لَهُوَ خَيرٌ منك نفساً وأباً وأماً ومَحْتِداً، وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفَّا الحصا، فضرب به الأرض، وقال: إنه والله مالَنَا على هذا من صبر. وقام.
فقام زيد أيضاً، وشخص من فوره إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هِشامٌ لا يأذن له وزيد يرفع إليه القِصص، وكلّما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلِها: ارجع إلى أرضِك، فيقول زيد: والله لا أرجع إلى ابن الحارث أبداً. ثم أذن له بعد حَبْسٍ طويل وهشام في عِلِّية له، فرقَى زيد إليها، وقد أمر هشام خادماً له أن يتبعه حيث لا يراه زيد، ويسمع ما يقول. فصعد زيد - وكان بادناً - فوقف في بعض الدرجة، فسمعَه الخادم، وهو يقول: ما أحبّ الحياة إلا مَن ذلّ! فأخبر الخادم هشاماً بذلك، فلما قعد زيد بين يدي هشام وحدّثه حلَف له على شيء، فقال هشام: لا أصدّقك، فقال زيد: إن الله لا يرفع أحداً عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحداً عن أن يرضى بذلك منه، قال له هشام: إنّه بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها، ولستَ هناك؛ لأنّك ابنُ أمة، فقال زيد: إنّ لك جواباً، قال: تكلّم، قال: إنه ليس أحد أوْلَى بالله، ولا أرفعَ درجة عنده من نبيّ ابتعثه، وهو إسماعيل بن إبراهيم، وهو بن أمَة، قد اختاره الله لنبوّته، وأخرج منه خيرَ البَشَرِ، فقال هشام: فما يصنعُ أخوك البقرة؟ فغضب زيد، حتى كاد يخرج من إهبابِه، ثم قال: سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباقر وتسميه أنت البقرة! لشدَّ ما اختلفتما! لتخالفنّه في الآخرة، كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة، وترد النار.
فقال هشام: خُذُوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه ، فأخذ الغلمان بيده فأقاموه، فقال هشام: احمِلوا هذا الخائن الأهوج إلى عامله، فقال زيد: والله لئن حملتَني إليه لا أجتمع أنا وأنت حَيّين، وليموتَنّ الأعجل مِنّا. فأخرج زيد وأشخص إلى المدينة، ومعه نفر يسيّرونه حتى
طردُوه عن حدود الشام، فلما فارقوه عدل إلى العراق، ودخل الكوفة، وبايعَ لنفسه، فأعطاه البيعة أكثر أهلها، والعاملُ عليها وعلى العراق يومئذٍ يوسف بن عمر الثقفيّ، فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ. وخذل أهلُ الكوفة زيداً، وتخلّف معه ممن تابعه نفر يسير، وأبلى بنفسه بلاءً حسناً وجهاداً عظيماً، حتى أتاه سَهْم غربٍ، فأصاب جانب جَبْهته اليُسرى، فثبت في دماغه، فحين نزع منه مات علیه السلام.
عنّف محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب علیه السلام زيداً لما خرج، وحذّره القتل، وقال له: إن أهل العراق خَذَلوا أباك عليَّا وحسناً وحسيناً عليهم السلام، وإنك مقتول، وإنهم خاذلوك، فلم يَثْنِ ذلك عَزْمه. وتمثّل:
بكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الحُتُوف كأنّني *** أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحُتُوف بمعزلِ
فَأجبَتُها إنّ المِنَّية مَنْهَلٌ *** لا بُدَّ أنّ أُسْقَى بِذَاك المَنْهَلِ
إِن المِنيّة لو تمثّل مُثِّلَتْ *** مِثْلِي، إذا نزلوا بضَيْقِ المنزِلِ
فاقْنَيْ حَيَاءَك لا أبا لك واعلم *** أني امرؤ سأموت إِن لم أقتلِ
العلويّ البصريّ صاحب الزّنج يقول:
وإذا تُنَازِعُني أقولُ لها قَرِي *** مَوْتُ الملوكِ عَلَى صُعُود المنْبَرِ
مَا قَدْ قَضَى سَيَكُونُ فاصطبِري له *** ولكِ الأمان مِنَ الَّذِي لَمْ يُقْدَرِ
وقال أيضاً:
إني وقوميَ في أنْسَابِ قَوْمِهِمُ *** كمسجدِ الخَيْف في بُحْبُوحة الخیْفِ
ما عُلّق السيفُ مِنّا يا بن عاشرةٍ *** إلا وعزمتُه أمضَى من السَّیْفِ
بعض الطالبيين:
وإنّا لتُصْبِحُ أسيافُنَا *** إذا ما انْتُضِين لِيَوْمٍ سَفُوكِ
مَنَابِرهُنّ بطونُ الأكفِّ *** وأغمادُهُنّ رؤوس الملوكِ
بعض الخوارج يصف أصحابه:
وَهُم الأسودُ لَدَى العَرِينِ بَسَالَةٌ *** وَمِنَ الحُشُوعِ كَأَنَّهُمْ أَحْبَارُ
يَمضُون قد كَسَرُوا الجُفُون إلى الدعا *** مُتَبَسْمينَ وفيهمُ اسْتِبْشَارُ
فكأنما أعداؤهُمْ أحبابُهُمْ *** فرَحاً إذا خَطَرَ الْقنَا الخَطَّارُ
يَرِدُون حَوْمَاتِ الحِام وإنَّها *** تَاللهِ عِنْدَ نُفُوسِهِمْ لَصِغَارُ
وَلَقَدْ مَضَوْا وأنا الحبيبُ إليهمُ *** وهُمُ لديّ أحبّةٌ ابْرَارُ
قَدَرٌ يخلُفنِي ويُمْضِيهمْ به *** يا لهفَ كيف يفوتني المقدار!
وفي الحديث المرفوع «خُلِّقان يحبّهما الله: الشجاعة والسخاء»(1).
كان بِشْر بن المعتمر من قدماء شيوخنا رحمه الله تعالى يقول بتفضيل عليّ علیه السلام ويقول: كان أشجَعهم وأسخاهم، ومنه سَرَى القولُ بالتفضيل إلى أصحابنا البغداديين قاطبة، وفي كثير من البصريين.
دخل النّضر بن راشد العبديّ على امرأته في حَرْب الترك بخُراسان في ولاية الجنيد بن عبد الرحمن المريّ في خلافة هشام بن عبد الملك، والناس يقتتلون، فقال لها: كيف تكونين إذا أُتِيتِ بي في لِبْدِ قتيلاً مُضَرَّجاً بالدماء؟ فشقّت جيبَها، ودعتْ بالويل، فقال: حسبك! لو أعولَتْ عَلَيّ كلّ أنثى لعصيتها شوقاً إلى الجنة، ثم خرج فقاتل حتى قُتل، وحمل إلى امرأته في لِبْد ودمه يقطر من خلاله.
قال أبو الطيب المتنبيّ:
إذَا غَامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ *** فَلَا تَقْنَعْ بما دُونَ النُّجُومِ
قطعمُ الموتِ في أمرٍ حقیرٍ *** کَطَعْم الموتِ في أمْرٍ عَظيمِ
يَرى الجُبْنَاءُ أن الجُبْنَ حَزْمٌ *** وَتِلْكَ خَديعةٌ الطَّبْعِ اللَّثيمِ
وكلّ شجاعةٍ في المرءِ تُغْنِي *** ولا مثلَ الشَّجَاعةِ في الحكِيمِ
وقال:
إذا لم تجِدْ ما يَبتُرُ العُمْرَ قاعداً *** فقمْ واطلبِ الشيءَ الذي يَبْتُر العُمْرَا
وقال:
اهُمُّ بشيء والليالي كأنَّهَا *** تُطاردُني عن كوْنه وأطاردُ
وحيداً من الخلّان في كلّ بَلْدَةٍ *** إِذَا عَظُم المطلوبُ قَلّ المساعِدُ
1) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (7659) بلفظ: «فالسخاء والسماحة بدل قوله: «الشجاعة والسخاء»
قيل لأبي مسلم في أيام صباه: نراك تنظر إلى السماء كثيراً كأنّك تسترق السمع، أو تنتظر نزولَ الوحي! قال: لا، ولكن لي همة عالية، ونفس تتطلع إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمَج والرَّعاع، وحال متناهية في الاتضاع. قيل: فما الذي يَشفي علتَك، وَيُرْوِي غُلتك؟ قال: الملْك، قيل: فاطلب الملك، قال: إن المُلْك لا يطلب هكذا. قيل: فما تصنع وأنت تذوب حَسَراً، وتموت كمداً؟ قال: سأجعل بعض عقلي جَهْلاً، وأطلب به ما لا يطلب إلا بالجهل، وأحرس بالباقي ما لا يحرس إلا بالعقل، فأعيش بين تدبيرِ ضِدَّيْن، فإن الخمول أخو العدْمِ، والشهرة أخت الكون.
قال ابن حيُّوس:
أمواتُهُم بالذِّكْرِ كالأحياء *** ولحيِّهمْ فَضْلٌ عَلَى الأَحْيَاءِ
نَزَلُوا عَلَى حُكْم المروءة وامتطّوْا *** بالبأسِ ظَهْرَ العِزّة القَعْسَاءِ
والعزّ لا يَبْقَى لغير معوَّدٍ *** أَن يكشف الغمّاء بالغَمّاءِ
لا تحْسَبِ الضَّراء ضَرّاءً إذا *** أفْضَتْ بصاحِبها إلى السَّرّاءِ
وقال:
وهي الرياسةُ لا تبوحُ بسرِّها *** إلا لأروَعَ لا يُباح ذِمارُهُ(1)
يَحْمِي حِمَاهُ قَلْبُه ولسانُهُ *** وتذودُ عنه يمينُه ویسارُهُ
لا العذل ناهِيه، ولا الحِرْص الَّذِي *** أَمَر النُّفُوسِ بِشُحِّها أَمَّارُهُ
فليعلم الساعي ليبلغ ذَا المدى *** أنّ الطريق كثيرةٌ أخطارُه
كان ثابت قُطْنة في خيل عبد الله بن بِسْطام في فتح شكند من بلاد الترْك في أيام هشام بن عبد الملك، فاشتدّت شوكةُ الترك، وانحاز كثيرٌ من المسلمين واستؤسر منهم خَلق، فقال ثابت: والله لا ينظرُ إليَّ بنو أميّة غداً مشدوداً في الحديد، أطُلب الفداء، اللهمّ إنّي كنتُ ضيف ابن بِسْطام البارحة، فاجعلني ضيفَك الليلة، ثم حمل وحمل معه جماعة، فكسرتْهم الترك، فرجع أصحابُه وثبت هو، فَرُمِي بِرْذَوْنُه فشبّ، وضربه فأقدم، فصرع ثابت وارتُثَّ، فقال: اللهم إنك استجبْتَ دعوتي وأنا الآن ضيفك، فاجْعَلْ قِرَايَ الجنة، فنزل تركيّ فأجهز عليه.
قال يزيد بن المهلّب لابنه خالد، وقد أمره على جيش في حرْب جرجان: يا بنّي، إن غُلِبْتَ على الحياة فلا تُغْلَبَنَّ على الموت، وإياك أنْ أراك غداً عندي مهزوماً!
1) الذُّمار: هو كل ما يلزم الرجل حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه، وإن ضيعه لزمه اللوم. اللسان، مادة (ذمر)
عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «الخيرُ في السَّيْف، والخير مع السيف، الخير بالسيف»(1)، كما يقال: المنيّة ولا الدنيّة، والنار ولا العار، والسيف ولا الحيْف.
قال سيفُ بن ذي يَزَن لأنوشِرْوان حين أعانه بَوَهْرز الديلميّ ومن معه: أيها الملك، أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفاً؟ فقال: يا أعرابيّ، كثيرُ الحطَب يكفيه قليل النار.
لما حبَسَ مَرْوان بن محمد إبراهيم الإمام خرج أبو العباس السَّفاح، وأخوه أبو جعفر، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم الإمام، وعيسى وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد أبناء عليّ بن عبد الله بن العباس، وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس و ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس من الحُمَيْمَة من أرض السَّراة، يطلبون الكوفة، وقد كان داود بن عليّ بن عبد الله بن العباس وابنُه موسى بن داود بالعراق، فخرجا يطلبان الشام فتلّقاهما أبو العباس وأهلُ بيته بدُومة الجَندَل، فسألهم داودُ عن خروجهم، فأخبروه أنّهم يريدون الكوفة لَيظهُروا بها، ويَدْعُوا إلى البيعة لأبي العباس. فقال: يا أبا العباس، يظهر أمرك. الآن بالكوفة، ومَرْوان بن محمد شيخ بني أمية بحرَّان مُطِلٍّ على العراق في جيوش أهل الشام والجزيرة، ويزيد بن عمر بن هبيرة شيخ العرب بالعِراق في فُرْسان العرب! فقال: يا عمّ مَنْ أحبَّ الحياة ذلّ، ثم تمثّل بقول الأعشى:
فما ميتة إن متُّها غَيْرَ عاجِزٍ *** بعارٍ إذا ما غالَتِ النَّفْسَ غُولُهَا
فقال داود لابنه موسى: صدقَ ابن عمّك، ارجع بنا معه، فإمّا أن نهلِك أو نموت كراماً.
وكان عيسى بن موسى: يقول بعد ذلك إذا ذكر خروجهم من الحُمَيْمَة يريدون الكوفة: إن ثلاثة عشر رجلاً خرجوا من ديارهم وأهلِيهم يطلبون ما طلْبنا لعظيمةٌ هِمَمُهم، كبيرة نفوسهم، شَديدة قلوبهم.
أبو الطيب المتنبي:
وإذا كَانَتِ النُّفُوسُ كباراً *** تُعِبَتْ في مُرَادِهَا الأجْسَامُ
وله:
إلى أيّ حينٍ أنت في زِيِّ مُحْرِم *** وَحَتَّى مَتى في شِقْوَةٍ وإلَى كَمِ!
1) انظر تاريخ الطبري: 301/5، وفتوح البلدان: 414/2
وإلا تَمُتْ تحتَ السُّيُوفِ مكَرَّماً *** تَمُتْ وتقاسي الذُّلَّ غير مُكَرَّمِ
فثِبْ واثقاً بالله وَثبَةَ ماجِدٍ *** يَرَى الموْتَ في الهيجا جَنَى النَّحْلِ فِي الْفَمِ
وقال آخر:
إنْ تَقْتُلُوني فآجالُ الرِّجَالِ كَمَا *** حُدِّثْتُ قَتْلٌ وما بالقَتْلِ مِنْ عَارِ
وإن سلِمْتُ لوقتٍ بعده فعسَى *** وكلّ شيء إلى حَدِّ ومِقْدَارِ
خطب الحجاجُ، فشكا سوءَ طاعة أهل العراق، فقام إليه جامع المحاربيّ، فقال: أيها الأمير، دَعْ ما يباعِدُهم منك إلى ما يقرّبُهم إليك، والتمس العافية ممّن دونك تُعْطَها ممّن فوقك، فلو أحبُّوك لأطاعوك، إنهم ما شنؤوك(1)بنسبك ولا لبأوك، ولكن لإيقاعك بعْدَ وعيدِك، ووعيدِك بعد وَعْدِك.
فقال الحجاج: ما أراني أرُدّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف، فقال جامع: أيها الأمير، إن السيف إذا لَاقى السيفَ ذهب الخيار، فقال الحجاج: الخيار يومئذٍ الله، فقال: أجل، ولكنك لا تدري لمن يجعله الله، فقال: يا هناء، إيهاً فإنك من مُحارب، فقال جامع:
وللحَرْبِ سُمِّينا فكُنّا محارباً *** إذا ما الْقنا أَمْسَى مِنع الطَّلَعْنِ أَحْمَرا
ومن الشعر الجيد في تحسين الإباء والحميّة والتَّحْرِيض على النهوض والحرْب وطلب المُلْك والرياسة، قصيدة عُمارة اليمنيّ شاعر المصريين في فخر الدين توران شاه بن أيوب، التي يغريه فيها بالنُّهوض إلى اليمن، والاستيلاء على مُلْكها، وصادفت هذه القصيدة محلًا قابلاً، ومَلَك توران شاه اليمن بما هزّت هذه القصيدة من عطفه، وحركت من عزمه، وأولها:
العِلم مُذْ كانَ محتاجٌ إلى العَلَمِ *** وَشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغْنِي عَنِ الْقَلَمِ
وَخَيْرُ خيلِكَ إِنْ غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ *** عَزْمٌ يفرّق بين السّاقِ والقَدَمِ
إنّ المعالي عَرُوسٌ غير واصلةٍ *** مالم تخلِّق رِدَاءيها بنضْح دَمِ
تَرَى مَسامِع فَخْرِ الدِّينِ تَسْمَعُ ما *** أمْلَاهُ خاطرُ أفكارِي عَلَى قَلَمِي
فإنْ أصبتُ فلي حظُّ المصيب وإنْ *** أخطأت قَصْدَك فاعذِرْنِي وَلَا تَلُم
كم تترِك البيضَ في الأجْفَانِ ظامئةً *** إلى الموارِدِ في الأعناقِ والقِمَمِ
1) شنأه: أبغضه. اللسان، مادة (شنا)
ومقلةَ المجدِ نحو العزم شَاخِصَةً *** فاترك قعودك عن إدراكها وَقُم
فعمّك الملك المنصور سَوَّمَها *** من الفُرَاتِ إلى مصرٍ بلا سأمِ
واخلُقْ لنفسِك أمراً لا تضافُ به *** إلى سواك، وأورِ النار في العلَم
وانْهَ المشيرين إن لَجتْ نصيحتُهُمْ *** أو لا، فأنعم على العُمْيان بالصَّمَمِ
واعزِمْ وَصَمِّمْ فقد طالت وقد سَمُجَتْ *** قضيّة لفظتْها السنُ الأممِ
فربّ أمرٍ يَهَابُ النَّاسُ غايتَهُ *** والأمرُ أهونُ فيه مِنْ يدٍ لفَمَ
فكيف إن نهضتْ فيما هَممْتَ به *** أُسْدٌ تسير من الخَطّيّ في أَجَم
لا يدرك المجدَ إلّا كلّ مقتحم *** في مَوْج ملتطمٍ أو فوج مُضْطَرِمِ
لا ينقض الخَطْوة الأولى بثانيةٍ *** ولا يفكّر في العُقْبَى مِنَ النَّدَمَ
كأنما السَّيْفُ افْتَاهُ بقتلِهِمُ *** في فَتْح مكّة حَلَّ القتل في الحرمِ
ولم يراعُوا لعثمانٍ ولا عمرٍ *** ولا الحُسَيْن ذمام الأشْهرِ الحُرُمِ
فما ترومُ سوی فتحٍ صوارِمُه *** يُضحكْن في كلّ يومِ عابسَ الْمُهَمِ
حتى كأنّ لسان السَّيْف في يده *** يروي الشريعةَ عن عادٍ وعَنْ إرم
هذا ابن تومرتَ قد كانَتْ بدايته *** فيما يقول الورَى لحماً على وَضَمِ(1)
وقد ترّقى إلى أنْ صار طَالِعُهُ *** من الكواكب بالأنفاس والكظمِ
وكان أوّلُ هذا الدين مِنْ رجل *** سعى إلى أن دَعَوْهُ سَيِّدَ الأممِ
والبدرُ يبدُو هلالاً ثم يكشف بال *** أنوارِ ما سترته شَمْلُة الظُّلَمِ
والغيثُ فَهْو كما قد قيل أوّله *** قَطْرٌ وبدء خراب السدّ بالعَرم
تَنْمُو قوى الشيء بالتَّدْريج إن رزقت *** لُطْفاً ويقوى شرارُ النار بالضّرَمِ
حاسِبْ ضميرَك عن رأي أتاكَ وَقُلْ *** نصيحة وَرَدَتْ من غيرِ مُتَّهَمِ
أقسمت ما أنتَ ممَّنْ جُلُّ همَّتِه *** ما راقَ من نعم أورَقْ مِنْ نِعَمِ
وإنما أنت مرجوٌّ لواحدةٍ *** بنى بها الدهر مَجْداً غيرَ مُنْهَدِمِ
كأنني بالليالي وهي هاتِفَةٌ *** قد صمّ سمع رجال دُونهَا وعَمِي
وبالعلا كلما لاقْتك قائلة *** أهلاً بِمُنْشِرِ آمالي مِنْ الرِّممِ
1) الوَضَم: ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير. القاموس، مادة (وضم)
ومن أباة الضَّيْم الذين اختارُوا القتلَ على الأسر، والموت على الدنيّة، مُصْعب بن الزبير، كان أميرَ العراقين من قِبَل عبد الله بن الزبير، وكان قد كَسَر جيوش عبد الملك مِراراً، وأعياهُ أمره. فخرج إليه من الشام بنفسه، فلِيمَ في ذلك، وقيل له: إنّك تغرّر بنفسك وخلافتِك، فقال: إنه لا يقوم لحرْب مُصْعَبٍ غيري، هذا أمر يحتاج إلى أن يقومَ به شجاع ذُو رأي، وربّما بعثت شجاعاً ولا رَأُي له، أو ذا رَأُي ولا شجاعة عنده، وأنا بصير بالحرب، شجاع بالسيف. فلما أجمع على الخروج إلى حرب مُصْعب جاءته امرأته عاتِكة بنت يزيد بن معاوية، فالتزمتْه، وبكت لفراقه، وبكى جواريها حولها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جُمْعة! كأنه شاهد هذه الصورة حيث يقول:
إذا هَمّ بالأعْداءِ لَمْ يَثْنِ عَزْمَهُ *** حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرِّ يَزِينُها
نَهَتْهُ فَلَمَّا لم ترَ النَّهْيَ عاقَهُ *** بَكَتْ فَبَكَى ممَّا عَرَاهَا قَطِينُها
فسار عبدُ الملك حتّى إذا كان بمسْكِن من أرض العراق، وقد دنا منه عَسْكر مصعب، بمُصعب أصحابُه وقُوّاده وخذلوه، فقال لابنه عيسى: الحق بمكة فانج بنفسك، وأخبر عَمّك عبد الله بما صنع أهلُ العراق بي، ودعني فإني مقتول، فقال: لا تتحدّث نساء قريش أني قررت عنك، ولكن أقاتل دونك حتى نقتل، فالفرار عار، ولا عار في القتل، ثم قاتل دونه حتى قُتل. وخفّ مَنْ يحامي عن مُصعب من أهل العراق، وأيقن بالقتل، فأنفذ عبد الملك إليه أخاه محمد بن مروان، فأعطاه الأمان وولاية العراقين أبداً ما دام حيًّا، وألفي ألف درهم صلة، فأبى وقال: إنّ مثلي لا ينصرف عن هذا المكان إلا غالباً أو مقتولاً، فشدّ عليه أهل الشام ورمؤه بالنَّبْل فأثخنوه، وطعنه زائدة بن قيس بن قدامة السعديّ، ونادى: بالثارات المختار! فوقع إلى الأرض، فنزل إليه عبد الملك بن زياد بن ظَبْيان، فاحتزّ رأسه، وحمله إلى عبد الملك.
لما حُمِل رأسُ مصعب إلى عبد الملك بكى وقال: لقد كان أحبّ الناس إلي وأشدّهم مودة لي، ولكن الملك عقيم.
كتب مصعب إلى سُكَينة بنت الحسين علیها السلام، وكان زوجتَه لما شخص إلى حرب عبد الملك وهي بالكوفة بعد ليالٍ من فراقها:
وكان عزيزاً أن أبيتَ وبينَنا *** حِجابٌ فقد أصَبَحْتِ مِنِّي عَلَى عَشْرٍ
وأبكاهُما والله للعين فاعلمِي *** إذا ازددت مثليها فَصِرْتُ عَلَى شَهْرٍ
وأنْكَى لقلبِي منهُما اليومَ أنْنِي *** أخاف بالا نلتقي آخر الدهرِ
ثم أرسل إليها وأشخصها، فشهدتْ معه حربَ عبد الملك، فدخل عليها يوم قُتِل، وقد نزع ثيابه ثم لَبِس غلالة، وتوشح بثوبٍ واحد، وهو محتضِنّ سيفه، فعلمتْ أنه غيرُ راجع،
فصاحت: واحزناه عليك يا مصعب! فالتفت إليها، وقال: إنّ كل هذا في قلبك! قالت: وما أخفي أكثر. قال: لو كنت أعلم هذا لكان لي ولك شأن، ثم خرج فلم يرجع.
فقال عبد الملك يوماً لجلسائه: مَنْ أشجعُ الناس؟ فقالوا: قطريّ، شبيب، فلان وفلان، قال عبد الملك: بل رجل جَمَع بين سُكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وأمَة الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وقُلابة ابنة زبّان بن أنيف الكلبيّ سيد العرب، ووليّ العراقين خمس سنين، فأصاب كذا وكذا ألف درهم، وأعطِي الأمان على ذلك كلِّه وعلى ولايته وماله فأبى، ومشى بسيفِه إلى الموت حتى قُتِل، ذاك مصعب بن الزبير، لا مَنْ قطع الجسور مرة ها هنا ومرة قال ها هنا!
سُئِل سالم بن عبد الله بن عمر،أيّ ابنَي الزبير أشجع؟ فقال: كلاهما جاءه الموت، وهو ينظر إليه. لما وضِع رأس مصعب بين يدي عبد الملك أنشد:
لقد أرْدَى الفوارسُ يومَ حِسْيٍ *** غُلاماً غيرَ مَنَّاعِ المتاعِ
ولا فرِح بخير إنْ أتاه *** وَلَا هَلِع من الحَدَثان لَاعِ
ولا وقافَةٌ والخيل تَرْدِي *** ولا خالٍ كأنبُوبِ اليَرَاعِ
كان ابن ظبيان يقول: ما نَدِمْتُ على شيء نَدَمي على ألا أكونَ لمَّا حمَلت إلى عبد الملك رأسَ مصعب فسجَد قتلتُه في سَجْدَته، فأكون قد قتلت مَلِكَي العرب في يومٍ واحد.
قال رجل لعبد الله بن ظَبْيان: بماذا تحتجْ عند الله عزّ وجلّ غداً، وقد قتلت مصعباً؟ قال: إن تُركت أحتجّ كنت أخطبَ من صعصعة بن صوحان!
كان مصعب لما خرج إلى حرب عبد الملك سأل عن الحسين بن علي علیه السلام، وكيف كان قتله؟ فجعل عروة بن المغيرة يحدّث عن ذلك، فقال متمثلاً بقوله سليمان بن قتَّة:
وإنّ الْأُلَى بالطَّفّ من آل هاشمٍ *** تأسَّوْا فَسَنُّوا للكرامِ التاسِّيَا
قال عُروة: فعلمت أن مصعباً لا يفرّ.
لما كان يوم السَّبَخة، وعسكر الحجاج بإزاء شَبِيب، قال له الناس: أيّها الأمير، لو تنحيَّت عن هذه السبخة، فإنها منتنة الريح! قال: ما تنحُّونَنِي - والله - إليه أنتن، وهل ترك مصعب لكريم مَفَرَّا! ثم أنشد قول الكَلْحبَة:
إذَا المَرْءُ لَمْ يَغْشَى الْكَرِيهِةَ أَوْ شَكَتْ *** جِبَالُ الهُويني بالفَتى أنْ تَقَطَّعا
وروى أبو الفرج في كتاب «الأغاني»: خطبة عبد الله بن الزبير في قتل مُصعب برواية هي
أتمّ مما ذكرناه نحن فيما تقدم، قال: لما أتى خبرُ المصعَب إلى مكة، أضرب عبد الله بن الزبير ذكره أياماً؛ حتى تحدث به جميعُ أهلِ مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مَلِيَّا لا يتكلم، فنظر الناس إليه، وإن الكآبة على وجهه البادية، وإنّ جبينه ليرشَح عرقاً، فقال واحد لآخر: ما له لا يتكلم؟ أتراه يهابُ النطق! فوالله إنه لخطيب. فما تراه يهاب؟ قال: أراه يريد أن يذكر قتل المُصعب سيّد العرب، فهو يقطّع بذلك. فابتدأ فقال: الحمدُ لله الذي له الخلق والأمر، مِلك الدنيا والآخرة، يعِزّ مَنْ يشاء، ويُذِلُّ مَنْ يشاء، ألا إنّه لا يذلّ مَنْ كان الحق معه وإن كان مفرداً ضعيفاً، ولا يعزّ من كان الباطل معه، وإن كان ذا عدد وكثرة. ثم قال: أتانا خبر من العراق، بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرّنا، أتانا أن مُصعباً قتل رحمه الله، فأما الذي أحزننا من ذلك فإنّ لفراقِ الحميم لَذْعة ولوعة، يجدها حَمِيمُه عند المصيبة، ثم يرعوي ذو الرأي والدِّين إلى جميل الصبر، وأمّا الذي سَرّنا منه فأنَّ قتلَه كان له شهادة وإن الله جاعل لنا وله في ذلك الخيرة ألا إن أهل العراق باعوه بأقل الأثمان وأخسرها وأسلموه إسلام النَّعَم المخطمة فقتل، وإن قُتِل لقد قُتِل أبوه وعمّه وأخوه، وكانوا الخيارَ الصالحين، وإنّا والله ما نموت حَتْف آنافنا، ما نموت إلا قتلاً قتلاً، وقَعْصاً قَعْصاً، بين قِصَد الرماح، وتحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مَرْوان، والله ما قتِل منهم رجل في جاهلية ولا إسلام، وإنما الدنيا عاريّة من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه، ولا يَبيد مُلْكه، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ اللثيم البَطِر، وإن تدبِرُ عَنّي لا أبكِي عليها بكاء الخرِف المُهْتَر. ثم نزل.
وقال الطَّرِمّاح بن حَكيم، وكان يرى رأي الخوارج:
وإني لَمُقْتادٌ جَوادِي فقاذفٌ *** به وَبِنَفْسي اليوم إحدى المتالفِ
لأكسِبَ مالاً أو أأوب إلى غِنّى *** مِنَ الله يكفيني عِدَاةَ الخلائِفِ
فيا ربّ إن حانت وفاتي فلا تكنْ *** على شَرْجَعٍ يُعلَى بِخُضْرِ المطارفِ
ولكنّ قبري بطن نَسْرٍ مَقِيلُه *** بجوّ السماء في نسور عَوَاكِفِ
وأُمْسِي شهيداً ثاوياً في عِصابة *** يُصابون في فجِّ من الأرض خائفِ
فوارسُ أشتاتٌ يؤلّف بينَهُمْ *** هُدَى الله نَزَّالُون عِنْدَ المواقِف
قال ابن شُبْرُمة: مررت يوماً في بعض شوارع الكوفة، فإذا بنعشٍ حوله رجال، وعليه مُطرف خَزّ أخضر، فسألت عنه فقيل: الطِّرِمّاح، فعلمت أنّ الله تعالى لم يَسْتَجِب له.
وقال محمد بن هانیء:
ولم أجِد الإنسانَ إلا ابنَ سَعْيِهِ *** فَمَنْ كَانَ أَسْعَى كَانَ بِالْمَجْدِ أَجْدَرًا
وبالهمّة العلياءِ تَرْقَى إلى العُلَا *** فَمن كَانَ أَعْلى هِمَّةٌ كَانَ أَظْهَرَا
وَلَمْ يتأخَرُ مَنْ أَرَادَ تَقدُّماً *** وَلَمْ يَتَقَدَّمَ مَنْ أَرَادَ تَأخُّرا
الرضيّ الموسويّ رحمه الله تعالى:
وَمَنْ أَخَرَتْهُ نَفْسُهُ مَاتَ عَاجِزاً *** وَمَنْ قَدَّمَتْهُ نَفْسُهُ مَاتَ سَيِّدَا
وله رحمه الله:
مَا مُقامِي عَلَى الْهَوَانِ وَعِنْدِي *** مِقْوَلٌ صَارِمٌ وَأَنْفٌ حَمِيُّ
وإباء محلّق بي عَنِ الضَّيْ *** مِ كَمَا زَاغَ طائرٌ وَحْشِيُّ
أبو الطيب المتنبّي:
تَقُولِينَ مَا فِي النَّاسِ مِثْلُكَ عَاشِقٌ *** جِدِي مِثْلَ مَنْ أحببتُه تَجِدِي مثلِي
محبٌّ كَنَى بالبيض عَنْ مُرْهَفَاتِهِ *** وبالْحُسْنِ في أجسامِهِنَّ عَن الصَّقْلِ
وبالسُّمْرِ عَنْ سُمْرِ القنا غَيْر أَنّنِي *** جَنَاهَا أَحِبَائِي وأَطرافُهَا رُسُلِي
عدِمْتُ فواداً لم يَبِثْ فيه فَضْلَةٌ *** لغيرِ ثنايا الْغُرِّ والحَدَقِ النُّجْلِ
تُريدينَ إدراكَ المعالِي رخيصَةً *** وَلاَ بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إبْرِ النَّحْلِ
ابن الهبارية: الهِمَمُ الْعَلِيّة، والمهَجُّ الأبية، تقرّب المنيّة، منك أو الأمنيّة.
أبو تمام:
فَتَى النَّكَبَاتِ مَنْ يأوي إذا مَا *** قطفْنَ بِهِ إلى خُلُقٍ وساعِ
يُثيرُ عَجَاجَةٌ فِي كُلِّ فَجٍ *** يَهِيمُ بها عَدِيّ بن الرِّقَاعِ
يَخُوضُ مَعَ السِّباع الماءَ حَتَّى *** لَتَحْسِبُه السِّبَاعُ من السِّبَاع
قلَبُ الْعَزْمَ إن حاولتَ يوماً *** بأنْ تَسْطِيع غَيْرَ المستطاعِ
فَلَمْ تَرْكَبْ كناجيةٍ المهارِي *** وَلَمْ تُرْكِبُ هُمُومَكَ كالزَّمَاعِ
وله أيضاً:
إنَّ خَيْراً مما رأيتُ من الصَّفْ *** حِ عن النَّائِبات والإِغْمَاضِ
غُرْبَةٌ تَقْتدِي بغُرْبة قَیْ *** سِ بن زُهَيْرِ والحارثِ بن مُضاضِ
غَرَضَيْ نَكْبَتَين مَافَتَلاَ رَأْ *** ياً فخافا عليه نَكْثَ انتقاضِ
مَنْ أبَنَّ البُيوتَ أصبح في ثَوْ *** بِ مِنَ الْعَيْشِ لَيْسَ بِالْفَضْفَاضِ
صَلَتَانٌ أعداؤه حَيْثُ حَلُّوا *** في حديثٍ من ذِكْرِهِ مُسْتَفاضِ
والْفَتَى مَنْ تعرّقته اللَّيالِي *** والفيافي، كالحَيَّةِ النَّضْنَاضِ(1)
كلَّ يَوْم له بِصَرْفِ اللَّيالِي *** فَتْكَةٌ مِثْلُ فَتْكةِ البَرَّاضِ(2)
وله أيضاً:
إن تَرَيْني تَرَيْ حُسَاماً صَقيلاً *** مَشْرَفِيَّا مِنَ السُّيُوفِ الحِدَادِ
ثانيَ اللَّيلِ ثالث البِيد والسَّيْ *** رِ نَدِيمَ النُّجُومِ يَرْبَ السُّهَادِ
أخذ هذا اللفظ أبو عُبادة البحتريّ فقال:
يا ندِيميّ بالسّواجير من شَم *** س بن عمرو ويُحتر بن عَتود
اطلبا ثالثاً سواي فإنّي *** رابعُ العِيس والدُّجى والبِيدِ
لستُ بالعاجز الضَّعيف ولا القا *** ثل يوماً إن الغِنَي بالجدود
وإذا استصعبتْ مقادةُ أمرٍ *** سَهَّلَتْهُ أيدِي المهارِي القُودِ
وقال الرضيّ رحمه الله تعالى:
ولم أرَ كالرَّجَاء اليَومَ شَيئاً *** تَذِلُّ لَهُ الجماجمُ والرقابُ
وَبَعْضُ العُدُمِ مَأنُرَةٌ وَفَحُرٌ *** وَبَعْضُ المَالِ مَنْقَصةٌ وَعَابُ
بنَانِي والعِنانُ إذا نَبَتْ بِي *** رُبّا أَرْضٍ، وَرِجْلِي والرِّكَابُ
وَقَدْ عَرَفَتْ تَوَقُلِيَ(3)اللَّيَالِي *** كَمَا عَرَفَتْ تَوَقَلِيَ العِقابُ
لأمْنَعَ جَانِباً وَأَفِيدَ عِزَّا *** وَعِزَّ المَوْتِ مَا عَزّ الجَنَابُ
إذا هَوْلٌ دَعَاكَ فَلا نَهَبْهُ *** فَلَمْ يَبْقَ الَّذِينَ أَبَوْا وَهَابُوا
كُلَيْبٌ عَافَصَتْهُ يَدٌ وَأَوْدَى *** عُتَيْبَةَ يَوْمَ أَقْعَصَهُ ذُؤابُ
سَواءٌ مَنْ أقلَّ التَّرْبَ مِنَّا *** وَمَنْ وَارَى مَعَالِمَه التُّرَابُ
وَإِنَّ مُزايل الْعيشِ اغتباطاً *** مُسَاوٍ للّذين بَقُوا وَشَابُوا
وَأَوَّلُنَا الْعَنَاءُ إِذَا طَلَعْنا *** إلى الدنيا، وآخرُنا الذَّهابُ
إلى كم ذا التردّد في الأماني *** وكم يُلْوِي بِنَاظِرِي السَّرَابُ!
وَلَا نَقْعُ يُشَارُ وَلا قَتَامٌ(1)*** وَلا طَعْنٌ يُشَبُ وَلا ضِرَابُ
وَلا خَيْلٌ مُعَقَّدةُ النَّواصِي *** يَمُوجُ عَلَى شَکَائِمِها(2)اللُّعابُ
عَلَيْهَا كُلُّ مُلْتَهب الحوَاشِي *** يُصِيبُ مِن العَدُوِّ وَلاَ يُصَابُ
سَأَخْطُبُهَا بِحَدَّ السَّيْف فِعلاً *** إِذَا لَمْ يُغْنِ قَولٌ أو خِطَابُ
وَآخُذُها وإِنْ رَغِمَتْ أُنوفٌ *** مغالبةً وإنْ ذَلَّتْ رِقَابُ
قعد سليمان بن عبد الملك يَعْرِض وَيَفْرِض، فأقبل فتًى من بني عبس وَسِيم، فأعجبَه، فقال: ما اسمك؟ قال: سليمان، قال: ابن مَنْ؟ قال ابنُ عبد الملك، فأعرض عنه، وجعل يفرض لمن دونه، فعلم الفتى أنه كره موافقّة اسمِه واسم أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين لا عدمتَ اسمك، ولا شَقِيَ اسمٌ يوافق اسمك! فاقْرِضُ، فإنما أنا سيفٌ بيدك، إن ضربتَ به قطعت، وإن أمرتني أطعْت، وسَهْمٌ في كنانتك، أشتدّ إن أُرسِلْت، وأنفُذُ حيث وجِّهت. فقال له سليمان، وهو يَرُوزه ويختبره: ما قولك يا فتى، لو لقيت عدواً؟ قال: أقول: حسبي الله ونعم الوكيل. قال سليمان: أكنت مكتفِياً بهذا لو لقيت عدوّك دُون ضرب شديد! قال الفتى: إنما سألتَني يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل فأخبرتك، ولو سألتني: ما أنتَ فاعل لأنباتُك، إنه لو كان ذلك لضربتُ بالسيف حتى يتعقّف، ولطعنتُ بالرمح حتى يتقصّف، ولعلمْتُ إن ألِمْت فإنهم يألمون، ولرجوت من الله ما لا يرجون. فأعجب سليمان به وألحقه في العطاء بالأشراف، وتمثّل:
إذا ما اتَّقى الله الفتى ثم لم يكُنْ *** عَلَى أَهْلِهِ كَلاَّ فقد كَمَلَ الْفَتَى
السرّ تحت قوله: «ثم لم يكن على أهله كلاًّ»، يقال في المثل: «لا تكن كَلاًّ على أهلك فتهلك».
عديّ بن زيد:
فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إمّا هَلَكْنَا *** وَهلْ بِالمَوْتِ يَا للنَّاسِ عَارُ!
الرضيّ الموسويّ رحمه الله تعالى:
إذا لَمْ يَكُنْ إلا الحِمَامُ فإنَّني *** سَأَكْرِمُ نَفْسِي عَنْ مَقَالِ اللَّوائِمِ
وَأَلْبَسُها حَمْراءَ تَضْفُو ذُیُّو لُهَا *** من الدم بُعْداً عَنْ لِبَاسِ الْمَلاوِمِ
فَمِنْ قَبْلُ مَا اخْتَار ابنُ الأَشْعَثِ عَيْشَهُ *** عَلَى شَرَفٍ عَالٍ رفيع الدَّعَائم
فطار ذَمِيماً قد تقلّد عارَها *** بِشَرِّ جَنَاحَ يومَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ
وَجَاءَهُمُ يَجْرِي البَرِيدُ بِرَأْسِهِ *** وَلم يُغْنِ إيغالٌ به في الهزَائم
وَقَدْ حاصَ مِنْ خَوْف الرَّدَى كل حَيْصَةٍ *** فلم ينجُ والأقدارُ ضَرْيَةَ لاَزِمِ
وَهَذا يزيد بنُ المهلّب نافرَتْ *** به الذلَّ أعراقُ الجُدود الأكارِمِ
فَقَالَ وَقَدْ عَنْ الفِرارُ أو الرِّدَى: *** لحا الله أَخْزَى ذُكْرةً في الْمَوَاسِمِ
وَمَا غَمَرَاتُ الموتِ إِلاّ انْغِمَاسَةٌ *** ولا ذِي المنايا غيرُ تهويمٍ نائمِ
رأى أنّ هذا السَّيْفَ أهونُ مَحْمَلاً *** من العارِ يَبْقَى وَسمُه في المخاطِمِ
وَما قَلّدَ البيضَ المباتيرَ عُنْقَهُ *** سوى الخوف مِنْ تقليدها بالأداهِمِ
فعافَ الدَّنايَا وامْتَطى الموْتَ شَامخاً *** بمارنِ عِزٌ لا يذلُّ لِخَاطِمِ
وقَدْ حَلَّقَتْ خَوْف الهوان بمُصْعَبٍ *** قوادمُ آباءٍ كرامِ المقادِمِ
عَلَى حِينَ أعْطَوْهُ الأمان فعافَهُ *** وَخُيِّرَ فاختَارَ الرَّدى غَيْرَ نَادِم
وَفي خِدْرِه غَرَّاءُ مِنْ آل طلحةٍ *** عَلاَقَةٌ قَلْبٍ للنَّدِيمِ المُخَالِمِ(1)
تَحبِّبُ أيَّامَ الحياةِ وإنّها *** لأعْذَبُ مِنْ طَعْم الخلودِ لطاعمِ
فَفَارَقَها والمُلْكَ لَمَّا رَآهُما *** يَجُرَّانِ إذلال النُّفوس الكَرَائم
وَلَمَّا الاحَ الحَوْفَزَانُ(2)مِن الرَّدَى *** حَذَاه المَخازِي رُمْحُ قَيْس بن عاصِم
وغادَرَها شَنْعَاء إِنْ ذُكِرَتْ لَهُ *** منَ العارِ طَأطَأ رأسَ خَزْيانَ وَاجِمِ
كذاك ميسي بَعْدَ الفرار أُمَيَّةٌ *** بِشِقْشِفَةٍ لَوْثَاءَ مِنْ آل دَارِمِ
وَسَلَّ لها سَلَّ الحُسَامِ ابْنُ مَعْمَرٍ *** فَكَرْ عَلَى اعقابِ نابٍ بصارم
يُرَدُهُ ذِكْرِي كلُّ نَجْدٍ وَغائِرٍ *** وَالْجَمَ خوْفي كلّ باغٍ وظَالمِ
وَهَدَّدَني الأعداءُ في الْمَهْدِ لم يَحِنُ *** نُهُوضِي وَلَمْ تُقْطَعْ عقودُ تمائمي
وَعِنْدي يَوْمٌ لَوْ يَزِيدُ وَمُسْلِمٌ *** بَدَا لَهُمَا لاسْتَصْغرا يَوْمَ وَاقمِ(1)
عَلَى العزٌ مُتْ لا مِيتَةٌ مُسْتَكِينَةً *** تُزيلُ عَنِ الدُّنْيَا بِشَمُ المَرَاغِمِ
وَخَاطِرْ على الجُلَّى خِطارَ ابنِ حُرَّةٍ *** وإِنْ زَاحَمَ الأمرُ العظيمُ فَزَاحِم
ومن أُباةِ الضَيْمِ ومُؤْثِري الموت على الحياة الذليلة محمد وإبراهيم، ابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام. لما أحاطتْ عساكر عيسى بن موسى بمحمد وهو بالمدينة، قيل له: انجُ بنفسك، فإنّ لك خَيلاً مُضمَّرة ونجائب سابقة، فاقعد عليها، والتحق بمكة أو باليمن. قال: إني إذاً لعبد! وخرج إلى الحرب يباشرها بنفسه وبمواليه، فلما أمسى تلك الليلة وأيقن بالقتل، أشير عليه بالاستتار، فقال: إذَنْ يستعرض عيسى أهلَ المدينة بالسيف، فيكونُ لهم [يوم] كيوم الحرّة، لا والله لا أحفظُ نفسي بهلاك أهل المدينة، بل أجعل دمي دون دمائهم. فبذل له عيسى الأمانَ على نفسه وأهله وأمواله، فأبى ونَهَد إلى الناس بسيْفه، لا يقاربه أحد إلا قتله، لا والله ما يبقِي شيئاً، وإن أشبَه خَلْق الله به فيما ذُكِر هو حمزة بن عبد المطلب. ورَمَى بالسِّهام، ودَهَمته الخيل، فوقف إلى ناحية جِدارٍ، وتحاماه الناس فوجد الموت، فتحامل على سَيْفه فكسره، فالزيديّة تزعم أنه كان سيفَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ذا الفقار.
وروى أبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب «مقاتل الطالبيين» أن محمداً علیه السلام، قال لأخته ذلك اليوم: إني في هذا اليوم على قِتال هؤلاء، فإن زالت الشمس، وأمطرت السماء فإني مقتول، وإن زالت الشمس ولم تُمْطر السماء، وهبّت الريح، فإني أظفر بالقوم، فأجِّجي التنانير، وهيّئي هذه الكتب - يعني كتب البيعة الواردة عليه من الآفاق - فإن زالت الشمس، ومطرت السماء فاطرَحِي هذه الكتب في التنانير، فإن قدرتم على بَدَني فخذوه، وإن لم تقدروا على رأسي فخذوا سائر بدني، فأتُوا به ظُلّة بني بلية على مقدار أربعة أذرع أو خمسة منها، فاحفروا لي حفيرة، وادفنوني فيها. فمطرت السماء وقت الزوال، وقتل محمد علیه السلام، وكان عندهم مشهوراً أنّ آية قَتْل النفس الزكيّة أن يسيل دم بالمدينة حتى يدخل بيت عائكة، فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل ذلك البيت! فأمطرت السماء ذلك اليوم، وسال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتِكة، وأخذ جسده، فحفِر له حفيرة في الموضع الذي حَدّه لهم، فوقعوا على صخرة فأخرجوها، فإذا فيها مكتوب: «هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام»، فقالت زينب أخت محمد علیها السلام: رحم الله أخي، كان أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع.
1) واقم: أطم من آطام المدينة. اللسان، مادة (وقم)
وروى أبو الفرج، قال: قَدِم على المنصور قادم، هَرب محمد! فقال له: كَذبْت! إنا أهل البيت لا نفرّ.
وأما إبراهيم علیه السلام، فروى أبو الفرج عن المفضّل بن محمد الضّبيّ، قال: كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متوارياً عندي بالبَصْرة، وكنت أخرُج وأتركه، فقال لي: إذا خرجتَ ضاق صدري، فأخرج إليّ شيئاً من كتبك أتفرّج به، فأخرجت إليه كتباً من الشعر، فاختارَ منها القصائد السبعين التي صدَّرْت بها كتاب «المفضليات»، ثم أتممت عليها باقيَ الكتاب.
فلما خرج خرجت معه، فلما صار بالمِرْبدِ، مربد سليمان بن عليّ، وقف عليهم، وأمّنهم واستَسْقَى ماء، فأُتِيَ به فشرب، فأخرج إليه صبيان من صبيانهم فضمّهم إليه، وقال: هؤلاء والله مِنّا ونحن منهم، لحمنا ودمنا، ولكن آباءهم انْتَزَوْا على أمرنا، وابتَزُّوا حقوقنا، وسفكوا دماءنا، ثم تمثل:
مَهْلاً بَني عَمِّنا ظلامَتَنا *** إنّ بنا سَورةً من الغَلَقِ(1)
لمثلكمْ نَحْمِلُ السيوفَ ولاَ *** تُغْمَزُ احسابُنَا مِنَ الرَّقَقِ
إنِّي لأَنْمِي إذا انتميتُ إلى *** عِزّ عَزِيزِ وَمَعْشَرٍ صُدْقِ
بِيض سِبَاطٍ كانَ اعْيُنَهُمْ *** تُكْحَلُ يومَ الهِيَاجِ بِالْعَلَقِ
فقلت له: ما أجودَ هذه الأبيات وأفحلها! فلِمَنْ هي؟ فقال: هذه يقولها ضِرار بن الخطّاب الفِهْريّ يومَ عبرَ الخندق على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وتمثل بها عليّ بن أبي طالب يوم صفّين والحسين يوم الطّفّ، وزيد بن علي يوم السَّبَخَة، ويحيى بن زيد يوم الجُوزجان، فتطيّرتُ له من تمثُّله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قُتِل. ثم سرنا إلى باخُمرَى، فلما قرب منها أتاه نعيُ أخيه محمد، فتغيّر لونه وجَرِض بريقه، ثم أجهش باكياً، وقال: اللهم إن كنت تعلم أنّ محمداً يطلب مرضاتك، ويؤثر أن تكون كلمتك العليا، وأمرُك المتّبع المطاع فاغفر له وارحمه وارض عنه، واجعل ما نقلتَه إليه من الآخرة خيراً مما نقلتَه عنه من الدنيا، ثم انفجر باكياً ثم تمثّل:
أبا المُنازِل يا خيرَ الفوارس مَنْ *** يُفْجَعْ بمثلك في الدّنيا فَقَدْ فُجِعا
الله يعلمُ أني لو خشِيتُهُم *** أو آنس القلبُ من خوفٍ لهم فَزَعا
لم يقتلوك ولم أُسلِم أخي لهُم *** حَتّى نعيش جميعاً، أو نموت معاً
1) الفلق: ضيق الصدر وقلة الصبر. اللسان، مادة (غلق)
قال المفضّل: فجعلت أعزّيه وأعاتبه على ما ظهر من جَزَعه، فقال: إني والله في هذا، كما قال دُرَيد بن الصِّمّة:
يقولُ الا تَبْكي أخاك وقَدْ أرَى *** مكانَ البُكا، لكن يُنيتُ على الصَّبْرِ
لمقتلِ عبد الله والهالكِ الّذي *** على الشّرَف الأعلى قتيلِ أبي بكرِ
وعبد يغوث تحجل الطّيْر حَوْلَهُ *** وجلَّ مصاباً جَثْوُ قبرٍ على قبر
فإمّا تريْنا لا تزال دماؤنا *** لدى واترٍ يَسْعَى بها آخرَ الدَّهر
فإنّا للَحْمُ السَّيْف غَيْرَ نَكِيرةٍ *** ونُلْحِمهُ طوراً، وليس بذي نُكْرِ
يُغَار علينا واترين فيُشْتَفَى *** بِنَا إِنْ أصِبْنا أو نُغيرُ على وِتْرِ
بذاك قَسَمْنا الدهر شطرين بيننا *** فما ينقضي إلا ونحنُ على شَطْرِ
قال المفضّل: ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد، فتمثّل إبراهيم علیه السلام قوله:
إن يقتلوني لا تُصِبْ أرماحهمْ *** ثأري ويسعى القوم سَعْياً جاهدًا
نبئت أنّ بني جَذيمة أجمعت *** أمراً تدبِّره لتقتلَ خالدًا
أرمي الطريق وإن رُصِدْتُ بضيقِه *** وأنازِلُ البطَلَ الكَمِيّ الحارِدا
فقلت له: مَنْ يقول هذا الشعر يابن رسول الله؟ فقال: يقوله خالد بن جعفر بن كلاب يوم شِعْب جبَلة، وهذا اليوم الذي لقيَتْ فيه قيس تميماً. قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر، فطعن رجلاً وطعنه آخر، فقلت له: أتُباشر القتال بنفسك! وإنما العسكر منوط بك، فقال: إليك يا أخا بني ضَبّة، فإني لكما قال عُويف القوافي:
الّمتْ سُعادُ والمامُها *** أحاديث نفسٍ وأحلاَمُهَا
مُحَجَّبةٌ من بَني مالك *** تَطَاوَلُ في المجدِ أعْلاَمُها
وإنّ لنا أصلَ جُرثومَةٍ *** تَرُدُّ الحوادثَ أيامُها
ترد الكتيبة مفلولةً *** بها أفْنُها وبها ذَامُها(1)
والتحمت الحرب واشتدّت، فقال: يا مفضّل، احكني بشيء، فذكرت أبياتاً لعويفِ القوافي لما كان ذكره هو من شعره، فأنشدته:
ألاَ أَيُّها الناهِي فَزَارَةً بَعْدَما *** أحدّتْ لسيرٍ، إنّما أنتَ ظَالِمُ
أبى كلُّ حُرِّ أن يبيت بوَتْرِه *** وتمنع منه النوم إذ أنت نائمُ
أقول لفتيانٍ كرامِ تَرَوْحُوا *** على الجُرْدِفي أفواهِهِنَّ الشَّكَائِمُ
1) الأفن: النقص اللسان مادة (أفن). والذام: العيب. اللسان، مادة (ذيم)
قفوا وقفةٌ من يحيَ لا يَخْزَ بعدها *** وَمَنْ يُخْتَرمُ لا تتبعْهُ اللوائم
وهل أنت إن باعدتَ نفسك عنهمُ *** لتسلمَ فيما بعد ذلك سالمُ
فقال: أعد، وتبينت من وجهه أنه يستقتل، فانتهبت وقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا، بل أعد الأبيات، فأعدتها، فتمطّى في ركابَيْه فقطعهما، وحمل فغاب عنّي، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به علیه السلام.
قلت: في هذا الخَبر ما يحتاج إلى تفسير، أما قوله:
إن بنا سورةٌ من الغَلَقِ
فالغلق: الضّجَر وضيق الصدر والحدّة، يقال: احتدّ فلان فنشب في حِدَّته وغلِق والسَّوْرة: الوثوب، يقال: إن لغضبِه لسورة وإنه لسوّار، أي وَثّاب معربد. وسَوْرة الشراب: وثوبه في الرأس، وكذلك سَوْرة السمّ، وسورة السلطان: سطوته واعتداؤه».
وأما قوله: «المثلكم نحمل السيوف» فمعناه أنّ غيركم ليس بكفء لنا لنحمِل له السُّيُوف وإنما نحملها لكم، لأنّكم أكفاؤنا، فنحن نحاربكم على الملك والرياسة وإنْ كانت أحسابُنا واحدة، وهي شريفة لا مغمَز فيها.
والرَّقق، بفتح الراء: الضعف، ومنه قول الشاعر:
لم تلق في عظمها وَهْناً وَلَا رَقَقاً
وقوله:
تُكحَل يوم الهيَاج بالعلَقِ
فالعلَق الدم، يريد أنْ عيونَهم حُمْر لشدّة الغيظ والغضب، فكأنها كُحِلَتْ بالدم.
وقوله: «لكن بنيت على الصبر»، أي خُلقت وبنيت بِنْيَة تقتضي الصبر، والشرف الأعلى: العالي، وبنو أبي بكر بن كلاب، من قَيْس عيلان، ثم أحد بني عامر بن صعصعة.
وأما قوله:
إن يَقْتُلونَي لا تُصِب أرماحُهم
فمعناه أنّهم إن قتلوني ثم حاولوا أنْ يصيبوا رجلاً آخر مثلي يصلح أن يكون لي نظيراً، وأن يجعله دمه بَواء لدمي، وسَعَوا في ذلك سَعْياً جاهداً، فإنهم لم يجدوا ولم يقدروا عليه.
وقوله: «أرمي الطريق ...» البيت، يقول: أسلك الطريق الضيّق، ولو جعل عَلَيّ فيه الرَّصد لقتلي.
والحارد: المنفرد في شجاعته، الذي لا مثل له.
فأما حديث الماء وغَلَبُ أصحابِ معاوية على شَرِيعة الفرات بصِفين، فنحن نذكره من كتاب «صفين» لنصر بن مزاحم.
قال نصر: كان أبو الأعور السُّلميّ على مقدّمة معاوية، وكان قد نَاوَش مقدّمة عليّ علیه السلام وعليها الأشتر النَّخَعِي مناوشةً ليست بالعظيمة، وقد ذكرنا ذلك فيما سَبَق من هذا الكتاب، وانصرف أبو الأعور عن الحرب راجعاً، فسبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقُناصرين إلى جانب صِفّين، وساق الأشتر يتبعه، فوجده غالباً على الماء، وكان في أربعة آلافٍ من مستبصرِي أهل العراق، فصدّموا أبا الأعور وأزالوه عن الماء، فأقبل معاوية في جَميع الفَيْلق بقضّه وقَضِيضَه(1)، فلما رآهم الأشتر انحاز إلى عليّ علیه السلام، وغلب معاويةُ وأهل الشام على الماء، وحالوا بين أهل العراق وبينه، وأقبل عليّ علیه السلام في جُموعه، فطلب موضعاً العسكره، وأمرَ النَّاسَ أن يضعوا أثقالهم، وهم أكثر من مائة ألف فارس، فلما نزلوا تسرّع فوارس من فوارس عليّ علیه السلام علي خيولهم إلى جهة معاوية يتطاعنون ويرمون بالسهام ومعاوية بَعْدُ لم ينزل، فناوشهم أهلُ الشام القتال، فاقتتلوا هَوِيًّا.
قال نصر: فحدّثني عمر بن سعد، عن سعد بن طَرِيف، عن الأصبغ بن نُباتة: فكتب معاوية إلى علي علیه السلام: عافانا الله وإياك.
ما أحسن العدلَ والإنصاف مِنْ عَمَلٍ *** وأقبحَ الطّيْش ثم النَّفْسُ في الرَّجُلِ
وكتب بعده:
ارْبِطْ حِمَارَكَ لا تنْزعْ سويْتَه *** إذا يُرَدَّ وقَيْدُ العَيْرِ مَكْرُوبُ
لیست ترى السيِّدُ زيداً في نفوسهمُ *** كما يراه بنو کُوزٍ ومرهوب
إن تسألوا الحقّ نُعْطِ الحقْ سائلَه *** والدِّرْع مَحْقَبَةٌ والسَّيْف مقروبُ
أو تأنفونَ فإنّا مَعْشَرٌ انُفٌ *** لا نطعَم الضيم إن السّمّ مشروب
فأمر عليٌّ علیه السلام أنْ يوزِعَ الناس عن القتال، حتى أخذ أهل الشام مصافّهم ثم قال: أيُّها الناس، إنّ هذا موقفٌ، مَنْ نَطِف فيه نَطِف يوم القيامة، ومن فَلَج فيه فلجَ يوم القيامة، ثم قال لما رأى نزول معاوية بصفين:
لقد أتانا كاشراً عن نَابِهِ *** يُهَمْطُ النَّاسَ على اعتِزابِهِ(2)
فليأتِينَا الدَّهْرُ بما أَتَى بِهِ
قال نصر: وكتب علي علیه السلام إلى معاوية جواب كتابه، أما بعد:
فإنّ لِلْحَرْب عُراماً شَرَرا *** إنَّ عليها قائداً عَشَنُزَرًا(1)
يُنْصِفُ مَنْ أَحْجَر أَوْ تَنَمَّرا *** عَلَى نواحِيها مِزَجُّا زَمْجَرًا
إذا وَنين سَاعَةً تَغُشْمَرَا
وكتب بعده:
ألمْ تَرَ قَوْمِي إِن دَعَاهُمُ أخوهُم *** أجابُوا، وإنْ يَغْضَبْ على الْقَوْمِ يَغْضَبُوا
هُمُ حِفظوا غيبي كما كُنْتُ حافظاً *** لقوميَ أُخْرَى مثلها إن يُغَيَّبُوا
بنو الحربِ لم تقعدْ بهم أمَّهَاتُهُمْ *** وآباؤهمْ آباء صِدْقٍ فانْجَبُوا
قال: قد تراجع النَّاس كلّ من الفريقين إلى معسكرهم، وذهب شبابٌ من الناس إلى أن يستقوا فمنعهم أهلُ الشام. قلت: في هذه الألفاظ ما ينبغي أن يشرح.
قوله: «فاقتتلوا هَوِيُّا»، بفتح الهاء، أي قطعة من الزمان، وذهب هَوِيٌّ من الليل، أي فريق منه. والنَّفْش: كثرة الكلام والدعاوي، وأصله من نفْش الصوف.
والسَّوِيّة: كساء محشوّ بثُمام(2)ونحوه، كالبرذعة. وكَرَب القَيْد، إذا ضيّقه على المقيّد، وقَيْد مكروب، أي ضيق. يقول: لا تنزع برذعة حمارك عنه واربطه وقَيّده، وإلا أعيد إليك وقيْده ضيّق وهذا مثل ضَرَبه لعليّ علیه السلام، يأمره فيه بأن يردَعَ جيشه عن التسرّع والعجلة في الحرب.
وزيد المذكور في الشعر، هو زيد بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذُهْل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضَبّة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، وهو المعروف بزيد الخيل، وكان فارسهم. وبنو السيِّد من ضَبّة أيضاً أيضاً وهم بنو السيِّد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أدّ بن طابخة، إلى آخر النسب، وبنو السيد بنو عمّ زيد الفوارس، لأنه من بني ذُهل بن مالك، وهؤلاء بنو السيِّد بن مالك، وبينهم عداوة النسب، يقول: إن بني السيِّد لا يروْن زيداً في نفوسهم كما تراه أهله الأدْنَوْن منه نَسَباً، وهم بنو كوز وبنو مرهوب، فأما بنو كوز فإنهم بنو كُوز بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك. وأما بنو مرهوب، فإنّهم بنو مَرهوب بن عبيد بن هاجر بن كعب بن بجَالة بن ذُهْل بن مالك، يقول: نحن لا نعظم زيداً ولا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله وبنو عمه الأدْنَوْن، والمثل لعليّ علیه السلام، أي نحن لا نرى في عليّ ما يراه أهلُ العراق من تعظيمه وتبجيله.
وقوله:
والدَّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْف مَقْرُوب
أي والدرع بحالها في حِقابها، وهو ما يشدّ به في غلافها، والسيف بحاله أي في قرابه، وهو جَفْنه، يقال: حقبت الدرعَ وقربت السيف، كلاهما ثلاثيان، يقول: إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب، بل نجيبكم إليه والدّروع بحالها لم تلبس، والسيوف في أجفانها لم تشهر. وأما إثبات النون في «تأنفون» فإنّ الأصوب حذفُها لعطف الكلمة على المجزوم قبلها، ولكنه استأنف ولم يعطف، كأنه قال: أو كنتم تأنفون، يقول: وإن أنِفْتم وأبيتم إلا الحرب، فإنا نأنف مثلكم أيضاً، لا نطعم الضيم ولا نقبله. ثم قال: إنّ السمّ مشروب، أي أنّ السمّ قد نشربه ولا نشرب الضيم، أي نختار الموت على الضيم والذلة. ويروي:
وإن أنفتم فإن معشر أُنُفٌ *** لا نَطْعَمُ الضيّم إن الضيّمْ مرهوب
والشعر لعبد الله بن عَنّمة الضبيّ، من بني السّيّد، ومن جملته:
وقد أرُوح أمامَ الحيّ يقدُمني *** صَافِي الأديم كُمَيْت اللَّوْن مَنْسُوبُ
مُحَنّبٌ مثل شاةِ الرَّيْلِ مُختَفِزُ *** بالقُصْرَيَيْنِ عَلَى أولاه مَصْبُوبُ(1)
يَبُذّ ملجَمَهُ هَادِله تَلَعٌ *** كأنه من جُذوع العين مَشْذُوبُ(2)
فذاك ذُخري إذا ما خيلهمْ رَكَضَتْ *** إلى المثُوّبِ أو مقاء سُرْحُوبُ(3)
فأما قوله علیه السلام: «هذا موقفٌ مَنْ نَطِف فيه نَطِف يوم القيامة»، أي مَنْ تلطخ فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدوّ. يقال: نَطِف فلان بالكسر إذا تدنس بعيب. ونَطُف أيضاً إذا فسد، يقول: مَنْ فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غداً عند الله.
قوله: «مَنْ فَلَج فيه» بفتح اللام، أي مَنْ ظهر وفاز، وكذلك يكون غداً عند الله، يقال، فَلَج زيدٌ على خصمه بالفتح، يفلُج، بضم اللام، أي ظهرتْ حجته عليه، وفي المثل: من يأت الحَكَم وحده يَقلُج.
قوله: «يهمّط الناس»، أي يقهرهم ويخبطهم، وأصله الأخذ بغير تقدير.
وقوله: «على اعتزابه» أي على بعده عن الإمارة والولاية على الناس. والعُرَام بالضم: الشّرَاسة والهَوَج. والعشنزر: الشديد القويّ.
وأحجر: ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أو بيوتهم. وتَنَمَّر، أي تنكر حتى صار كالنَّمر. يقول: هذا القائد الشديد القويّ ينصف مَنْ يظلم الناس ويتنكّر لهم، أي ينصف منه، فحذف حرف الجر كقوله: «وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ»(1). أي من قومه. والمِزَجّ، بكسر الميم: السريع النفوذ، وأصله الرمح القصير، كالمِزَجّ، بكسر الميم: السريع النفوذ، وأصله الرمح القصير، كالمزْراق.
ورجل زمجر، أي مانع حوزته، والميم زائدة. ومن رواها «زَمْخَرا» بالخاء، عَنَى به المرتفع العالي الشأن، وجعل الميم زائدة أيضاً، من زَخَر الوادي، أي علا وارتفع.
وغَشْمَر السيل: أقبل، والغشْمرة: إثبات الأمر بغير تثبيت، يقول: إذا أبطأنَ ساقَهُنَّ سَوْقاً عنيفاً.
والأبيات البائية لربيعة بن مقروم الطائي.
قال نصر: حدّثنا عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما قدمْنا على معاوية وأهل الشام بصِفِّين، وجَدْناهم قد نَزَلُوا منزِلاً اختاروه مستوياً بساطاً واسعاً، وأخذوا الشَّريعة فهي في أيديهم، وقد صفّ عليها أبو الأعور الخيلَ والرَّجّالة، وقدم الرامية ومعهم أصحابُ الرّماح والدَّرّق، وعلى رؤوسهم البِيض، وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء، ففزعْنا إلى أمير المؤمنين علیه السلام فأخبرناه بذلك، فدعا صَعْصَعةَ بن صُوحان فقال: انت معاوية وقل له: إنا سِرْنا إليك مسيرَنا هذا وأنا كَرِهٌ لقتالكم قبل الإعذار إليكِم، وإنّك قدّمت خيلك، فقاتلتنا قبل أنْ نقاتلك، وبدأتنا بالحرب، ونحن مِمّن رأينا الكَفَّ حتى ندعوَك ونحتجّ عليك، وهذه أخْرَى قد فعلتموها، قد حُلْتُم بين النّاس وبين الماء، فخلّ بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له قدمتم له، وإن كان أحبَّ إليك أن ندع له، وندعَ الناس يقتتلون حتى يكونَ الغالب هو الشارب، فَعَلْنا.
فلما مضى صعصعة برسالتِه إلى معاوية، قال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عُقبة: أمنعهم الماء كما منعوه ابن عفان، حَضَرُوه أربعين يوماً يمنعونه بَرْد الماء ولين الطعام، اقتلهم عطشاً، قتلهم الله!
1) سورة الأعراف، الآية: 155
وقال عمرو بن العاص: خَلّ بين القوم وبين الماء، فإنهم لن يعطشوا وأنت رَيّان، ولكن لغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم. فأعاد الوليد مقالتَه.
وقال عبد الله بن سَعيد بن أبي سَرْح - وكان أخا عثمان من الرضاعة -: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعُهم هزيمتهم، امنعهم الماء منعَهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة بن صُوحان: إنما يمنعه الله يوم القيامة الفَجَرة الكَفرة، شَرَبَة الخَمْر، ضَرْبك وضَرْب هذا الفاسق - يعني الوليد بن عقبة.
فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كُفّوا عن الرجل، فإنما هو رسول.
قال عبد الله بن عوف بن أحمر: إن صعصعة لمّا رجع إلينا حدّثنا بما قال معاوية، وما كان منه وماردّه عليه قلنا: وما الذي ردّه عليك معاوية؟ قال: لما أردتُ الانصراف من عنده قلت: ما ترد عليّ؟ قال: سيأتيكم رأيي، قال: فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والصُّفوف والخيل. فأرسل إلى أبي الأعور: امنعهم الماء، فازدلفنا والله إليهم فارتمينا واطّعنا بالرماح، واضطربنا بالسيوف، فطال ذلك بيننا وبينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا: لا والله لا نسقِيهم. فأرسل إلينا عليٌّ علیه السلام أن خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى معسكركم، وخلُّوا، بينهم وبين الماء، فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم.
وروی نصر بن محمد بن عبد الله، قال قام ذلك اليوم رجل من أهل الشام من السَّكون، يعرف بالشّليل بن عمر إلى معاوية فقال:
اسْمَع اليوم ما يَقُول الشَّلِيلُ *** إن قولي قولٌ له تاويلُ
امنعِ الماءَ من صحابِ عليِّ *** أن يذوقوه، فالّذليل ذليلُ
واقْتُل القوم مِثْلَ ما قُتِل الشي *** خ صدّى فالقصاصُ أمرٌ جميل
إنّنا والذي تُساق له البُدْ *** نُ هَدَايَا كأنهنّ الفيُول
لو عَلِيٌّ وصحبه وردوا الما *** ء ذقتموه حتى تقولوا
قَدْ رَضِينا بأمرِكُمْ عليْنَا *** بَعْدَ ذاكَ الرِّضَا جِلادٌ ثَقِيلُ
فامُنَعِ القوم ماءكمْ، ليس لِلْقَوْ *** م بقاء وإن يكنْ فقليل
فقال معاوية: أمّا أنت فتدرِي ما تقول - وهو الرأي - ولكنّ عمراً لا يدري. فقال عمرو: خلِّ بينهم وبين الماء، فإن علياٌ لم يكن ليظماً وأنت رَيّان، وفي يده أعنّة الخيل، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت، وأنت تعلم أنّه الشجاع المُطْرق ومعه أهل العراق وأهل الحجاز، وقد سمعته أنا مراراً وهو يقول: لو استمكنْتُ من أربعين رجلاً يعني في الأمر الأول!
ورَوَى نَصْر، قال: لما غَلَب أهل الشام على الفُرات، فرِحُوا بالغلبة، وقال معاوية: يا أهل الشام، هذا والله أوّلُ الظُّفَر، لا سَقَاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتى يُقْتَلوا بأجمعهم عليه. وتباشر أهلُ الشام، فقام إلى معاوية رجُلٌ من أهل الشام هَمْدانيّ، ناسِكٌ يتألّه ويكثر العبادة، يعرف بمعرّيّ بن أقبل، وكان صديقاً لعمرو بن العاص وأخاً له، فقال: يا معاوية، سبحان الله! لأنْ سبقتُمُ القومَ إلى الفرات فغلبتمُوهم عليه، تمنعونهم الماء! أمّا والله لو سبقُوكم إليه لسقؤكم منه. أليس أعظم ما تنالون من القوم أنْ تمنعوهم الفرات فينزلوا على فُرْضَةٍ أخرى ويجاوزوكم بما صنعتم! أما تعلمون أنّ فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف، ومَنْ لا ذنب له. هذا والله أول الجوْر! لقد شجّعتَ الجبان، ونَصَرْت المرتاب وحَمَلت من لا قتالك على كتِفَيْك. فأغلظ له معاوية، وقال لعمرو: اكفِنِي صديقك. فأتاه عمرو فأغلظ له، فقال الهمدانيّ في ذلك شعراً:
لعْمر أبي معاويةَ بن حرْبٍ *** وعَمْرٍو، ما لدائهما دَواءُ
سوَى طَعْنِ يحارُ العقل فيهِ *** وضربٍ حين تختلِطُ الدّماء
ولست بتابعٍ دینَ ابنِ هِنْدِ *** طَوَالَ الدّهر ما أَرْسَى حِرَاءُ
لَقَدْ ذهبَ العِتاب فلا عتابٌ *** وَقَدْ ذهبَ الوَلَاءُ فلا وَلَاءُ
وقولي في حوادث كلِّ خطب: *** على عمرٍو وصاحبه العَفَاءُ
الا الله دَرُّك يابن هندٍ *** لقد بَرح الخفاءُ فَلَا خَفَاءُ!
أتحمون الفرات على رجالٍ *** وفي أيديهمُ الأسلُ الظُّمَاءُ
وفي الأعْناقِ أسْيَافُ حِدَادٌ *** كأنّ القومَ عِندَهُمُ نِسَاءُ
أترجُو أنْ يجاوركُم عليّ *** بلَا ماءِ وللأحزاب ماءُ
دعاهم دعوةً فأجاب قومٌ *** كجُرْب الإبْل خَالَطها الهِناءُ(1)
قال: ثم سار الهمدانيّ في سواد الليل حتى لحق بعليّ علیه السلام.
قال: ومكث أصحابُ علي علیه السلام بغير ماء، واغتمّ عليّ علیه السلام بما فيه أهل العراق:
قال نصر: وحدّثنا محمد بن عبد الله، عن الجرجانيّ، قال: لما اغتم عليّ بما فيه أهلُ، العراق من العطش، خرج ليلاً قبل رايات مذحِج، فإذا رجل ينشد شعراً:
أيمنعُنا القومُ مَاء الفُراتِ *** وَفِينَا الرِّمَاحُ وَفينَا الحجفْ
1) الهناء: ضرب من القطران اللسان، مادة (هنا)
وَفينَا الشَّوازبُ مِثْل الوَشِيجِ *** وفينا السُّيُوفُ وَفينَا الزَّغفْ
وَفينَا عَلِيُّ لَهُ سَوْرَةٌ *** إِذا خَوَّفُوهُ الرَّدَى لم يَخَفْ
ونحنُ الذين غداةَ الزُّبَيْر *** وَطَلْحَةَ خُضْنَا غِمَارَ التَّلفْ
فما بالُنا أمسِ أسْدَ العرينِ *** وما بالُنا اليومَ شَاءَ النَّجَف
فما لِلْعِرَاقِ وَمَا لِلْحِجَازِ *** سِوَى الشَّامِ خَصْمٌ فَصُكُّوا الهدَفْ
وَثُورُوا عَلَيْهِم كَبُزْلِ الجِمَالِ *** دُوَيْنُ الذَّمِيلِ وَفَوْقَ القَطَفْ(1)
فإمَّا تَفُوزُوا بِمَاءِ الفُرَاتِ *** وَمِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَيْهِ جِيَفْ
وإما تموتُوا عَلَى طَاعَةٍ *** تُحِلّ الجِنَان وَتَحْبُو الشرفْ
وإلّا فانْتُمْ عَبِيدُ الْعَصَا *** وَعَبْدُ العَصَا مُستَذَلُّ نَطِفْ
قال: فحرّك ذلك عليًّا علیه السلام، ثم مضى إلى رايات كِنْدة، فإذا إنسانٌ يُنشِد إلى جانب منزل الأشعث، وهو يقول:
لَئِنْ لَمْ يُجَلِّ الأشعتُ اليومَ كُرْبَةٌ *** مِنَ الموتِ فيها للنفوسِ تعنّتُ
فنشربَ مِنْ ماءِ الغُراتِ بِسَيْفِهِ *** فَهَبْنَا أُناساً قَبْلَ ذاك فموَّتوا
فإنْ أنتَ لم تجمَعْ لَنَا اليومَ أَمْرَنَا *** وتَنْضُ التي فيهَا عَلَيْكَ المَذَلَّةُ
فَمَنْ ذَا الَّذي تُثْنَى الخَنَاصِرُ بِاسْمِهِ *** سِوَاكَ وَمَنْ هذا إليه التَّلفتُ!
وَهَلْ مِنْ بقاءِ بَعْدَيومٍ وَلَيْلَةٍ *** نَظَلَّ خُفوتاً وَالْعَدُو يُصَوِّتُ!
هَلُمّوا إلى مَاءِ الفُرَاتِ وَدُونَهُ *** صُدُورُ الْعَوَالي وَالصَّفيحُ المشتّتُ
وَأَنْتَ امرؤٌ مِنْ عُصْبَةٍ يمنيَّةٍ *** وكلّ امرىءٍ من سِنْخِهِ حِين يَنْبُتُ(2)
قال: فلما الأشعث قولَ الرجل، قام فأتى علياً علیه السلام، فقال: يا أميرَ المؤمنين، سمع أيمنعُنا القوم ماءَ الفُرات وأنت فينا، والسيوفُ في أيدينا! خلِّ عنّا وعن القوم، فوالله لا نرجعُ حتى نرِدَه أو نموت، وَمُرِ الأشترَ فليعلُ بخَيله، ويقفَ حيث تأمره. فقال عليّ علیه السلام: ذلك إليكم.
فَرَجَعَ الأشعتُ فنادَى في النَّاسِ: مَنْ كان يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا، فإنّي
ناهض. فأتاه اثنا عشر ألفاً من كِنْدة وأفناءِ قحْطان، واضعي سيوفهم على عواتقهم، فشدّ عليه سلاحه ونهضَ بهم، حتّى كاد يخالط أهل الشام، وجعل يُلْقي رمحه، ويقول لأصحابه: بأبي وأمّي أنتم! تقدموا إليهم قَابَ رُمْحِي هذا. فلم يزل ذلك دأبَه حتى خالط القوم، وحسر عن رأسه، ونادى: أنا الأشعث بن قيس! خَلُّوا عن الماء. فنادى أبو الأعور: أما والله حتى لا تأخذَنا وإياكم السيوفُ. فقال الأشعث: قد والله أظنّها دَنَتْ منّا ومنك. وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره عليّ، فبعث إليه الأشعث: أقحِم الخيلَ، فأقحمَها حتى وضعت سنابِكَها في الفرات، وأخذت أهلَ الشام السيوف، فولوا مدبرين.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شِمْر، عن جابر، عن أبي جعفر وزيد بن الحسن، قال: فنادي الأشعث عَمْرو بن العاص، فقال: ويحك يا بنَ العاص! خَلّ بيننا وبين الماء، فوالله لئن لم تفعل لتأخذُنا وإياكم السيوف. فقال عمرو: والله لا نخلِّي عنه حتى تأخذَنا السيوف وإياكم، فيعلَم ربُّنا أيّنا أصبرُ اليوم. فترجّل الأشعث والأشتر، وذَوُو البصائر من أصحاب عليّ علیه السلام وترجَّل معهما اثنا عشر ألفاً، فحملوا على عمرو وأبي الأعور ومَنْ معهما من أهلِ الشام الماء، حتى غمست خيلُ عليّ علیه السلام سنابكَها في الماء.
قال نصر: فروى عمر بن سعد أنّ عليَّا علیه السلام قال ذلك اليوم: هذا يوم نصرتم فيه بالحمِيّة.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، قال: سمعت تميماً الناجيّ يقول: سمعت الأشعث يقول: حال عمرو بن العاص بيننا وبين الفُرات، فقلت له: ويحَك يا عمرو! أما والله إن كنتُ لأظنّ لك رأياً، فإذا أنت لا عَقْل لك. أتُرانا نخلّيك والماء، تَرِبَتْ يداك! أما علمْتَ أنا معشر عرب ثكلتُك أمُّك وهبلتك! لقد رُمتَ أمراً عظيماً. فقال لي عمرو: أم والله لتعلمن اليومَ أنا سَنَفي بالعهد، ونُحْكِم العَقْد، ونلقاكم بصبرٍ وجِدّ. فنادى به الأشتَر: يا بنَ العاص، أمَا والله لقد نزلْنا هذه الفُرْضة، وإنا لنريد القتال على البصائر والدين، وما قِتالُنا سائر اليوم إلا حميّة.
ثم كبَّر الأشتر وكَبّرنا معه وحَمَلْنا، فما ثار الغُبار حتى انهزم أهل الشام.
قالوا: فَلَقِيَ عَمْرو بن العاص بعد انقضاء صِفين الأشعث، فقال له: يا أخا كِنْدَة، أما والله لقد أبصرت صواب قولك يوم الماء، ولكن كُنْتَ مقهوراً على ذلك الرأي، فكابرتُك بالتهدّد والوعيد، والحرب خُدْعة.
قال نصر: ولقد كان من رأي عَمْرو التَّحْلِيَةُ بين أهل العراق والماء. ورجع معاوية بأُخَرة إلى قوله بعد اختلاط القوم في الحرب، فإن عَمْراً - فيما روينا - أرسل إلى معاوية: أن خَلِّ بين
القوم وبين الماء، أترى القوم يموتون عطشاً وهم ينظرون إلى الماء! فأرسل معاوية إلى يزيد بن أسد القسريّ: أن خَلِّ بين القوم وبين الماء يا أبا عبد الله، فقال يزيد - وكان شديدَ العثمانية -: كَلّا والله لنقتلنّهم عطشاً كما قتلوا أمير المؤمنين.
قال: فحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، قال: خطب عليٌّ علیه السلام يوم الماء فقال: «أمّا فإنّ القوم قد بَدَؤُوكم وفاتحوكم بالبغي، واستقبلوكم بالعدوان، وقد استطعموكم القتال حيث الماء، فأقِرّوا على مذلّة وتأخير مهلة...»، الفصل إلى آخره.
قال نصر: وكان قد بلغَ أهلَ الشام أنّ علياً علیه السلام جعل للناس إن فتح الشام أن يَقْسِم بينهم التبر والذهب - وهما الأحمران - وأنْ يعطِيَ كلاً منهم خمسمائة كما أعطاهم بالبصرة، فنادى ذلك اليوم منادي أهل الشام: يا أهل العراق، لماذا نزلتم بعَجَاج من الأرض؟ نحن أزْدُ شَنُوءة لا أزْدُ عمان، يا أهل العراق:
لا خَمْسَ إلا جَنْدلُ الأحرِّين *** والخمسُ قَدْ تُجشِّمُكَ الأمَرِّيْن
قال نصر: فحدّثني عمرو بن شمر، عن إسماعيل السّديّ، عن بكر بن تغلب، قال: حدّثني مَن سَمع الأشعث يوم الفُرات - وقد كان له غَنَاء عظيم مِنْ أهل العراق، وقَتَل رجالاً من أهل الشام بيده، وهو يقول: واللهِ إنْ كُنتُ لَكارِهاً قتال أهلِ الصلاة، ولكن معي مَنْ هو أقْدَمُ منّي: في الإسلام، وأعلم بالكتاب والسّنة، فهو الّذي يَسْخَى بنفسه.
قال نصر: وحمل ظَبْيان بن عُمارة التميميّ على أهل الشام، وهو يقول:
هَلْ لَكَ يا ظَبْيَانُ مِنْ بَقَاءِ *** في سَاكِني الأرْضِ بِغَيْرِ ماءِ!
لَا وإلهِ الأرضِ والسّماءِ *** فاضرِبْ وُجُوه الغُدُرِ الأعداءِ
بالسَّيْف عِنْدَ حَمَس الهيْجَاءِ *** حَتى يجيبُوك إلى السَّوَاءِ
قال: فَضَرَبَهُمْ والله حتى خَلَّوْا له الماء.
قال نصر: ودعا الأشتر بالحارث بن همام النَّخعيّ، ثم الصُّهبانيّ، فأعطاه لواءه، وقال له: يا حارث، لولا أني أعلم أنّك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك، ولم أحْبُك بكرامتي، فقال: والله يا مالك لأسُرّتّك أو لأموتَنّ، فاتّبِعْني. ثمّ تقدّم باللواء وارتجز، فقال:
يا أخا الْخَيْراتِ يا خيْرَ النَّخَعُ *** وَصَاحِبَ النَّصْر إذا عَمّ الْفَزَعُ
وكاشِفَ الخَطْبِ إذا الأمْرُ وَقَعْ *** ما أنتَ في الحرْبِ العَوانِ بالجَدَعْ
قد جَزِعَ القومُ وعُمّوا بالجَزَعْ *** وجُرِّعُوا الغيظ وغَصُّوا بالجُرَعْ
إِنْ تَسقنا الماء فليست بالبِدَعْ *** أو نعطش اليوم فجُند مُقْتَطَعْ
مَاشِئتَ خُذْمِنْها وَمَا شِئْتَ فَدَعْ
فقال الأشتر: اذن منّي يا حارث، فدنا منه فَقَبّل رأسه، فقال: لا يتبَعْ رأسَه اليومَ إلّا خَیّرٌ ثم صاح الأشتر في أصحابه: فدتكُمْ نَفْسي، اشدّوا شِدّة المحرَج الرّاجي للفرَج، فإذا نالتْكم الرماح فالتووا فيها، فإذا عضتْكُم السيوف فليعضّ الرجُلُ على نواجذه، فإنّه أشدّ لشؤون الرأس، ثم استقَبْلُوا القَوْمَ بِهَامِكم.
قال: وكان الأشتر يومئذٍ على فَرَس له محْذوف أدْهم، كأنه حَلَك الغُراب، وقتل بيده مِنْ أهل الشام من فرسانهم وصناديدهم سبعة: صالح بن فيروز العكّيّ، ومالك بن أدهم السَّلْمانيّ، ورياح بن عَتِيك الغسانيّ، والأجلح بن منصور الكِنْديّ - وكان فارس أهل الشام - وإبراهيم بن وضّاح الجُمحِيّ، وزامل بن عبيد الحزاميّ، ومحمد بن روضة الجمحيّ.
قال نصر: فأول قتيل قتله الأشتر بيده ذلك اليوم صالح بن فيروز، ارتجز على الأشتر وقال له:
يا صَاحِبَ الطَّرْفِ الحصان الأدْهَمِ *** أقدِمْ إذا شئت عَلَيْنا أَقْدِم
أنا ابنُ ذي العزّ وذِي النَّكرّمِ *** سَيدُ عَكٌ كُلِّ عَكِّ فاعلمِ
قال: وكان صالح مشهوراً بالشّدة والبأس، فارتجز عليه الأشتر، فقال له:
أنا ابنُ خير مَذْحِجِ مركبَا *** وخَيرُها نَفساً وأمَّا وأَبَا
اليتُ لا أرجعُ حتى أضرِبَا *** بسيفيَ المصقولِ ضرباً مُعْجِبا
ثم شدّ عليه فقتله، فخرج إليه مالك بن أدهم السَّلمانيّ - وهو من مشهوريهم أيضاً - فحمَلَ على الأشتر بالرمح، فلما رَهَقَه التوى الأشتر على فرسه ومارَ السنان فأخطأه، ثم استوى على فرسه، وشدّ على الشاميّ فقتله طعْناً بالرمح، ثم قتل بعده رياح بن عقيل وإبراهيم بن وضاح، ثم برز إليه زامل بن عَقِيل - وكان فارساً - فطعن الأشتر في موضع الجَوْشن(1)فصرَعه عن فرسه، ولم يصب مقتلاً، وشدّ عليه الأشتر بالسيف راجلاً فكشف قوائم فرسه، وارتجز عليه فقال:
1) الجوشن: الصدر، وقال الجوهري الجوشن الدرع. اللسان، مادة (جشن)
لَا بُدّ مِنْ قتلي أو مِنْ قَتْلِكًا *** قتلتُ منكم أرْبعاً من قبلكا
كلّهم كانُوا حُمَاةٌ مِثلَكًا
ثم ضربه بالسيف وهما راجلان فقتله، ثم خرج إليه محمد بن روضة، فقال وهو يضرب في أهل العراق ضَرْباً منكراً:
يَا سَاكِنِي الكُوفَةِ يا أَهْلَ الفتَنُ *** يا قاتِلي عُثْمَانَ ذَاكَ المُؤْتَمَنْ
أورث قلبي قتلُه طول الحَزَنْ *** أضربُكم وَلَا أَرَى أبا حَسَنُ!
فشدّ عليه الأشتر فقتله، وقال:
لا یبعِد اللهُ سِوَى عُثْمَانَا *** وَأَنْزَلَ الله بِكُمْ هَوَانا
وَلَا يُسَلّي عَنْكُمُ الأَحْزَانَا
ثم برز إليه الأجلح بن منصور الكِنديّ - وكان من شجعان العرب وفُرسانها - وهو على فرَس له اسمه لاحق، فلما استقبله الأشتر، كره لقاءه واستحيا أن يرجعَ عنه، فتضاربا بسيفيهما، فسبقه الأشتر بالضَّرْبة فقتله، فقالت أخته ترثيه:
ألا فابْكِي أَخا ثِقَةٍ *** فقَدْ والله أُبْكِسینَا
لقتل الْمَاجد القَمْقَا *** م لا مِثلَ له فینا(1)
أتانَا اليومَ مقتلُه *** فقد جُزّتْ نَوَاصِينَا
كريمٌ الجِدُ الجَدّيْ *** ن يَشْفِي مِنْ أعادِينَا
شفانا الله من أهل ال *** عراقِ فقد أبادُونَا
أمَا يخشوْنَ رَبَّهُمُ *** ولَمْ يرعَوْا له دينا!
قال: وبلَغ شعرُها عليًّا علیه السلام، فقال: أما إنهُنَّ ليس بمَلْكهنّ ما رأيتم من الجزَع، أما إنهم قد أضرُّوا بنسائهم، فتركوهنّ أيامَى حَزَانى بائسات. قاتل الله معاوية! اللهم حَمّله آثامهم وأوْزَاراً وأثقالاً مع أثقاله! اللهم لا تعفُ عنه!.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبيّ، عن الحارث بن أدهم، وعن صعصعة، قال: أقبل الأشترُ يوم الماء، فضرب بسيفه جمهورَ أهل الشام حتى كشفهم عن الماء، وهو يقول:
1) القمقام: السيد الكثير الخير الواسع الفضل. اللسان، مادة (قمم)
لا تَذْكُرُوا مَا قَدْ مَضَى وَفَاتَا *** وَاللَّهِ رَبِّي الباعثِ الأمْوَانَا
مِنْ بَعْدِ ما صاروا كَذَا رُفَاتَا *** لأوردَنّ خَيْلِيَ الفُراتَا
شُعْثَ النَّواصِي أو يقالَ ماتا
قال: وكان لواء الأشعث بن قيس مع معاوية بن الحارث، فقال له الأشعث: الله أبوك، ليست النَّخَع بخيرٍ مِنْ كِنْدة، قَدِّم لواءك فإنّ الحظّ لمن سبق. فتقدم لواء الأشعث، وحملت الرجال بعضُها على بعض، وحمل في ذلك اليوم أبو الأعور السلميّ، وحمل الأشترُ عليه، فلم ينتصف أحدُهما من صاحبه، وحمل شُرحبيل بن السِّمْط على الأشعث، فكانا كذلك، وحمل حوشب ذو ظليم على الأشعث أيضاً، وانفصلا ولم ينلْ أحدهما من صاحبه أمراً، فما زالوا انكشفَ أهل الشام عن الماء، وملك أهلُ العراق المشرَعة.
قال نصر: فحدّثنا محمد بن عبد الله، عن الجرجاني، قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية لما ملك أهلُ العراق الماء، ما ظنّك يا معاوية بالقوم إن منعوك اليوم الماء كما منعتَهم أمس! أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه! ما أغنى عنك أن تكشِف لهم السوءة. فقال معاوية: دع عنك ما مضى، فما ظنك بعلي؟ قال: ظني أنه لا يستحلّ منك ما استحللت منه، وأنّ الذي جاء له غير الماء. قال: فقال له معاوية قولاً أغضبه، فقال عمر:
أمرتُك أمراً فَسَخَّفْتَهُ *** وخالفني ابن أبي سَرْحَة
وأغمضتَ في الرّأيِ إغماضةً *** ولم تَرَ في الحرب كالفُسْحَهْ
فكيفَ رأيت كِباشَ العِرَاقِ *** ألم ينطحُوا جَمْعَنَا نطْحَهْ!
فإن ينطحونا غداً مثلها *** نَكنْ كالزبيريّ أو طلحَةْ
أظنَّ لها اليومَ ما بعدَها *** وميعاد ما بيننا صُبحَهْ
وإن أخروها لِمَا بَعْدَها *** فقد قَدَّمُوا الخْبطَ والنَّفْحَة
وقد شرب القومُ ماء الفراتِ *** وَقَلَّدَك الأشتر الْفَضْحَهْ
قال نصر: فقال أصحاب عليٌّ علیه السلام له: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك. فقال: لا خلّوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون، سنعرض عليهم كتابَ الله، وندعوهم إلى الهدى، فإن أجابوا وإلا ففي حَدِّ السيف ما يغني إن شاء الله.
قال: فوالله ما أمسى الناس حتى رأوا سُقاتهم وسقاةَ أهل الشام وَرواياهم وروايا أهل الشام، يزدحمون على الماء، ما يؤذِي إنسانٌ إنساناً(1).
1) انظر بحار الأنوار للمجلسي: 443/32
الأصل: أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ نَصَرَّمَتْ وَآذَنَتْ بِالْقِضَاءِ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَانَهَا، وَتَحْدُرُ بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرٌ فِيهَا ما كانَ حُلُواً، وَكَدِرَ مِنهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ المَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَها الصَّدْیَانُ لَمْ يَنْقَعْ. فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ المَقْدُورٍ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالِ، وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلِ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ فِيهَا الْأَمَدُ. فَوَاللَّهِ لَوْ حَنْتُمْ حَنِينَ الوُلَّهِ العِجَال، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ جُوَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَان وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالأوْلَادِ، اليَمَاسَ القُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبه، وَحَفِظَتْهَا رسلُهُ لكَانَ قَلِيلاً فيما أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ. وَبِاللهِ لَوْ أَنْمَانَتْ قُلُوبُكُمْ انْمِياناً ، وَسَالَتْ عُيونُكُمْ - مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ - دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا - مَا الدُّنْيَا . بَاقِيَةٌ - مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ - وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ - انْعُمَهُ عَلَيْكُم العِظَامِ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ للإُيمَان.
الشرح: تصرّمت: انقطعت وفنيت، وآذنت بانقضاء: أعلمت بذلك، آذنته بكذا، أي أعلمته. وتنكّر معروفها: جُهِل منها ما كان معروفاً.
والحذّاء: السريعة الذهاب، ورحِم حذاء: مقطوعة غير موصولة. ومن رواه «جذَّاء» بالجيم، أراد منقطعة الدَّرّ والخير.
وتحفز بالفناء سكانها: تُعجلهم وتسوقهم. وأمَرّ الشيء: صار مُرًّا. وكدر الماء، بكسر الدال، ويجوز كَدُر بضمها. والمصدر من الأوّل كَدَراً، ومن الثاني كُدُورة.
والسَّملة، بفتح الميم: البقيّة من الماء تَبْقى في الإناء.
والمَقْلة، بفتح الميم وتسكين القاف: حصاة القَسْم التي تلقى في الماء ليعرف قَدْر ما يُسقى كلّ واحد منهم، وذلك عند قلة الماء في المفاوز، قال:
قَذَفُوا سَيْدَهُمْ في ورطةٍ *** قَذْفَكَ الْمَقلَة وَسْطَ المعتركْ
والتمزّز: تمصّص الشراب قليلاً قليلاً. والصديان: العطشان.
ولم ينقع: لم يَرُو، وهذا يمكن أن يكونَ لازماً، ويمكن أن يكون متعدِّياً، تقول: نقع الرجل بالماء، أي روى وشفي غليله، ينقع. ونقع الماء الصدىَ ينقع، أي سكّنه.
فاز معوا الرحيل، أي اعزموا عليه، يقال: أزمعت الأمر، ولا يجوز أزمعت على الأمر، وأجازه الفرّاء.
قوله: «المقدور على أهلها الزوال»، أي المكتوب، قال:
واعْلم بأنّ ذَا الجلال قد قَدَرْ *** في الصحف الأولى الذي كان سُطِرْ
أي كتب. والوُلّه العجال: النُّوق الوالهة الفاقدة أولادَها، الواحدة عَجُول، والوَلَه: ذهاب العقل وفْقد التمييز.
وهدِيل الحمام: صوت نوحه. والجؤار: صوت مرتفع، والمتبتِّل: المنقطع عن الدنيا. وانماث القلب، أي ذاب. وقوله: «ولو لم تبقوا شيئاً من جُهْدكم» اعتراض في الكلام.
وأنعمه، منصوب؛ لأنه مفعول «جزت».
وفي هذا الكلام تلويح وإشارة إلى مذهب البغداديّين من أصحابنا في أنّ الثواب على فعل الطاعة غير واجب، لأنه شكر النعمة، فلا يقتضي وجوبَ ثواب آخر، وهو قوله علیه السلام: «لو انمائت قلوبكم انمياثاً...»، إلى آخر الفصل.
وأصحابنا البصريون لا يذهبون إلى ذلك، بل يقولون: إنّ الثواب واجب على الحكيم سبحانه لأنه قد كلّفنا ما يشقّ علينا، وتكليف المشاقّ كإنزال المشاقّ، فكما اقتضت الآلام والمشاقّ النازلة بنا من جهته سبحانه أعراضاً مستحقّة عليه تعالى عن إنزالها بنا؛ كذلك تقتضي نعمه التكليفات الشاقة ثواباً مستحقًا عليه تعالى عن إلزامه إيانا بها، قالوا: فأما ما سلف من نعمة علينا فهو تفضُّل منه تعالى، ولا يجوز في الحكمة أن يتفضَّل الحكيم على غيره بأمر من الأمور ثم يُلزمه أفعالاً شاقة ويجعلها بإزاء ذلك التفضُّل، إلا إذا كان في تلك الأمور منافع عائدة على ذلك الحكيم، فكان ما سلَف من المنافع جارياً مجرى الأجرة، كمن يدفع درهماً إلى إنسان ليَخِيط له ثوباً، والبارى تعالى منزَّه عن المنافع، ونعمه علينا منزهة أن تجري مجرى الأجرة على تكليفنا المشاقّ.
وأيضاً فقد يتساوى اثنان من الناس في النعم المنعَم بها عليهما، ويختلفان في التكاليف، فلو كان التكليف لأجل ما مضى من النعم لوجب أن يقدر بحسبها. فإن قيل: فعلَى ماذا يُحمل كلام أمير المؤمنين علیه السلام، وفيه إشارة إلى مذهب البغداديين؟.
قيل: إنه علیه السلام لم يصرح بمذهب البغداديين ولكنه قال: لو عبدتموه بأقصى ما ينتهي
الجُهْد إليه ما وّفيتم بشكر أنعمه وهذا حقٌّ غيرُ مختلف فيه، لأنّ نعم البارىء تعالى لا تقوم العباد بشكرها، وإن بالغوا في عبادته والخضوع له والإخلاص في طاعته، ولا يقتضي صدق هذه القضية وصحتها صحةَ مذهب البغدادين في أنّ الثواب على الله تعالى غيرُ واجب، لأنّ التكليف إنما كان باعتبار أنه شكر النعمة السالفة.
فأما ما قاله الناس في ذمّ الدنيا وغرورها وحوادثها وخطوبها وتنكّرها لأهلها، والشكوى منها، والعتاب لها والموعظة بها، وتصرمها وتقلّبها فكثير، من ذلك قول بعضهم:
هيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بملءٍ فِيهَا *** حَذَارِ مِنْ بَعْشِي وَفَتْكِي
فلا يغررْكُمُ حُسْنِ ابتسامي *** فَقَوْلِي مُضْحِكٌ والفعل مُبْكِ
وقال آخر:
تنحَّ عَنِ الدُّنْيَا وَلَا تَطْلُبَنْها *** وَلَا تَخْطُبَنْ قتالةً مَنْ تُنَاكِحُ
فَلَيْسَ يَفِي مَرْجُوهَا بِمَخُوفها *** وَمَكْرُومُها إمّا تأمّلْتَ راجِحُ
لَقَدْ قال فيها القائلون فأكْثَرُوا *** وَعِنْدِي لها وصفٌ لعَمْرُك صَالِحُ
سُلافٌ، قُصَاراها دُعَافٌ، ومركبٌ *** شهيّ إذا استلذذته فهو جَامِحُ(1)
وَشَخْصٌ جَمِيلٌ يُعْجِبُ النَّاسَ حُسْنُه *** ولكنْ له أفعالُ سُوء قبائح
وقال أبو الطيّب:
أبَداً تَسْتَردُّ ما تَهَبُ الدُّنْيَا *** فَيَا لَيْتَ جُودَها كَانَ يُخْلَا
ماتَهَ وهي مَعْشُوقَةٌ عَلَى الْغَدْرِ لَا *** تَحْفَظُ عَهْداً ولا تتمّم وَصْلَا
كلُّ دَمْع يَسِيلُ مِنْها عَلَيْهَا *** وبفكّ اليدَيْنِ عَنْهَا تُخَلَّى
شيَمُ الغانيَات فِيها ولا أدْ *** رِي لذا أنّتَ اسمَها الناس أم لا!
وقال آخر:
إنّما الدّنيا عَوَارٍ *** والعسواري مُسْتَرَدَّهْ
شدّة بعد رَخَاءِ *** ورخاء بعد شِدَّهُ
وقال محمد بن هانىء المغربيّ:
وَمَا النَّاسُ إِلا ظَاعِنُ فَمُودْعٌ *** وثاوٍ قريح الجَفْنِ يَبْكِي لرّاحل
1) الذعاف: السُّم. القاموس المحيط، مادة (ذعف)
فما الدهر إلا كنالزمان الَّذِي مَضَى *** ولا نحنُ إلا كالقرُون الأوائل
نُسَاقُ من الدُّنيا إلى غير دائمٍ *** ونبكي من الدنْيَا على غيرِ طائلِ
فما عاجلٌ نَرجوه إلّا كآجلٍ *** ولا أجلٌ نَخْشاهُ إلا كعاجلِ
قال ابن المظفرّ المغربيّ:
دُیْنَاكَ دَارُ غُرورٍ *** ونعمة مُستَعَارَهْ
ودَآرُ أکْلٍ وَشُرْبٍ *** وَمَكْسَبٍ وَتِجَارَهْ
ورأس مالك نَفْسٌ ***فخفْ علیها الخَسارهْ
ولا تَبِعْهَا بأکلٍ *** وطیب عَرْفٍ وشَارَهْ
وقال أبو العتاهية:
ألا إنّما التقوى هِيَ البرُّ والكَرَمُ *** وَحُبُّكَ للدُّنيا هو الْفَقْرُ والعَدَمُ
وَليس عَلَى عَبْد تَقِيٌّ غضاضَةٌ *** إِذا صَحَّح التَّقْوى وإن حاك أو حَجَمْ
وقال أيضاً:
تَعلّقْتَ بآمالٍ *** طوالٍ أيِّ آمالِ
وأَقْبَلْتَ على الدُّنْيَا *** مُلِحَّا أيَّ إقبال
أیا هَذَا تَجَهَّزْ لِ *** فِراقِ الأهل والمال
أيام بِدَّ مِنَ المَوْتِ *** عَلَی حالٍ مِنَ الحالِ
وقال أيضاً:
سَكَنٌ يَبْقَى لَهُ سَكَنُ *** مَابِهذَا يُؤذِنُ الزَّمَنُ!
نَحْنُ في دارٍ يُخَبِّرنا *** ببلاها ناطقٌ لسِنُ
دَارُ سُوءِ لم يدم فَرَحٌ *** لامرىءٍ فیهَا وَلَا حَزَنُ
في سبیل الله أنفُسُنَا *** كُلّنا بالمَوْتِ مُرْتَهَنُ
كلّ نفسٍ عِنْدَ مَوْتَتها *** حَظِّها مِنْ مالِها الكَفَنُ
إنّ مالَ المرء ليس له *** مُنْهُ إلا ذِکْرُهُ الحسنُ
وقال أيضاً:
أَلَا إِنَّنَا كُلنا بَائِدُ *** وأيّ بنَي آدمٍ خَالِدُ!
ب آدم خَالِدُ!
وَيَدْؤُهُمُ كَانَ مِنْ رَبِّهِمْ *** وَكُلُّ إلى رَبِّهِ عَائِدُ
فواعجبَا كيف يَعْصِي الإل *** هَ أمْ كيْف يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
وفي كلّ شيء له آيةٌ *** تَدُلّ على أنّه الواحِدُ
وقال الرضي المُوسويّ:
یا آمنَ الأيام بادِرُ صَرْفَهَا *** واعْلَمُ بأنّ الطّالِبينَ حِثاثُ
خُذْ مِنْ ثَرائِكَ مَا اسْتَطَعْتَ فإِنَّمَا *** شُرَكَاؤك الأيام والوُرَّاثُ
لَمْ يَقْضِ حَقَّ الْمَالِ إِلَّا مَعْشَرٌ *** نَظَرُوا الزَّمَانَ بِعِيثُ فيه فَعَاثَوا
تَحثو على عَيْبِ الغَني يَدُ الغِنَى *** وَالْفَقْرُ عَنْ عَيْبِ الْفَتَى بَحَّاثُ
المَالُ مَالُ الْمَرْءِ ما بلغت به *** الشَّهَوَاتُ أو دُفِعَتْ به الأحداثُ
مَا كَانَ مِنْهُ فَاضِلاً عَنْ قُوتِهِ *** فليعلمنّ بأنّه مِيرَاثُ
مالي إلى الدنيا الدنّية حاجةٌ *** فَلْيَجْنِ ساحرَ كيدها النَّفَّاثُ
طَلَّقْتُها أَلفاً لأحْسِمَ دَاءها *** وطلاقُ مَنْ عَزَمَ الطَّلَاقَ ثَلَاثُ
وَثَبَاتُهَا مَرْهُوبَةٌ، وَعِدَاتُهَا *** مَكْذُوبَةٌ، وحبالها انكاثُ
أمّ المصائب لا تزال تَرُوعُنَا *** مِنْهَا ذُكُورُ حَوادِث وإناثُ
إني لأعجب للذين تمسكوا *** بحبائل الدنيا وهن رثاث
كنزوا الكُنوز واعقلوا شهواتِهم *** فالأرضُ تشبَعُ والبطونُ غِرَاتُ
أتُراهُمُ لَمْ يَعْلَمُوا أنّ التقى *** أَزْوَادُنا، وديارنا الأجْدَاثُ!
وقال آخر:
هذهِ الدنيا إذا صَرَفتْ *** وَجْهَها لم تنفع الحِيَلُ
وإذا ما أَقْبَلَتْ لِعَمٍ *** بَصَّرَتْهُ كَيْفَ يفتعِلُ
وإذا ما أدْبَرّتْ لِذكِي *** غَابَ عَنْهُ السَهْلُ والجِبَلُ
فَهْيَ كالدُّولابِ دَائِرَةٌ *** تَرْتَقِي طَوْراً وَتَسْتَفِلُ
فِي زَمَانٍ صَارَ تَعْلَبُهُ *** أسَداً وَاسْتَذَابَ الحَمَلُ
فالذُّنابَي فيه ناصيةٌ *** والنَّواصِي خُشَعٌ ذُلُلُ
فاصْبِرِي يَا نَفْسُ وَاحْتَمِلِي *** إِنْ نَفْسَ الحرّ تَحْتَملُ
وقال أبو الطيب:
نُعِدُّ المشرَفيَّةَ والْعَوالِي *** وتَقْتُلُنَا الْمَنُونُ بِلا قِتَالِ
وَنَرْتَبِطُ السِّوَابِقَ مُقْرَبَاتٍ *** وَما يُنجِينَ مِنْ خَبَبِ اللَّيَالِي
وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنْيا قديماً *** وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلى الْوِصَالِ!
نصيبُك في حياتك مِن حَبيبٍ *** نَصِيبُكَ في منامك مِنْ خَيَالِ
رَمَانِي الدَّهْرُ بالأرْزاء حَتَّى *** فُؤادِي في غِشَاء مِنْ نِبَالِ
فصِرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهامٌ *** تَكَسَّرَتِ النَّصَالُ عَلَى النَّصَالِ
وَهَانَ فَمَا أبالي بالرَّزَايا *** لأنّي مَا انْتَفَعْتُ بِانْ أُبَالِي
يُدَفِّنُ بَعْضُنَا بَعْضاً وَيَمْشِي *** أواخرُنا عَلَى هَامِ الأَوَالِي
وَكَمْ عَيْنٍ مُقَبْلَةِ النَّواحِي *** كَحِيلٍ في الجنادلِ والرمالِ
وَمُغْضٍ كانَ لا يُغْضي لخطبٍ *** وبالٍ كان يُفْكِرُ في الهُزَالِ
وقال أبو العتاهية في أرجوزته المشهورة في ذم الدنيا وفيها أنواع مختلفة من الحکمة:
مَا زَالَتِ الدُّنْيَا لَنَا دَارَ أَذَى *** ممزوجَةَ الصَّفْو بألوانِ الْقَذَى
الخيرُ والشَّرُّ بِهَا أَزْوَاجُ *** لِذَا نِتاجٌ، ولذا نِتَاجُ
مَنْ لَكَ بِالْمَحْضِ ولَيْسَ مَحْضُ *** يَخْبُثَ بَعْضٌ ويَطِيبُ بَعْضُ
لِكُلِّ إنسانٍ طَبِيعَتَانِ *** خَيْرٌ وَشَرٌ وَهُمَا ضِدَّانِ
والخيرُ والشّرُّ إذا ما عُدّا *** بينهمَا بَونٌ بعيدٌ جِدّا
إنك لو تستنشق الشَّحِيحَا *** وجدته أنتن شيءٍ ريِحَا
حَسْبُكَ مِمَّا تَبْتَغِيهِ الْقُوتُ *** مَا أَكْثَرَ الْقُوتَ لِمَنْ يَمُوتُ!!
الْفَقْرُ فِيمَا جَاوَزَ الْكَفَانَا *** مَنِ اتَّقَى اللَّهُ رَجَا وَخَافَا
هِيَ الْمَقَادِيرُ فَلَمْنِي أَوْ فَذَرْ *** إِنْ كُنتُ أخْطَأْتُ فَمَا أخْطا الْقَدْرُ
لكلّ ما يؤذِي وإنْ قلَّ المْ *** ما أَطوَلَ اللَّيْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَنمْ!
ما انتفعَ المرءُ بمثلِ عَقْلِهِ *** وَخَيْرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعلِهِ
إنّ الفساد ضِدُّهُ الصلاحُ *** وربّ جِدِّ جَرَّهُ المُزاحُ
مَنْ جَعَل النَّمَام عَيْناً هَلَكًا *** مُبْلغك الشَّرِّ كباغِيهِ لَكَا
إنَّ الشَّبابَ وَالفَرَاغَ والجِدْهُ *** مَفْسَدَةٌ للمرء أيّ مَفْسَدهْ
يُغْنِيكَ عَنْ كُلِّ قَبِيح تَرْكُهُ *** قَدْ يِوهِن الرَّأيَ الأصيلَ شَكُّه
مَا عَيْشُ مَنْ آفَتُه بَقَاهُ *** نَغّصَ عَيْشاً نَاعِماً فَنَاهُ
يَا رُبَّ مَنْ أَسْخَطَنَا بِجُهْدِهِ *** قَدْ سَرْنَا اللَّهُ بِغَيْرِ حَمْدِهِ
مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغِيبُ *** إلّا لأمْرِ شَأنُهُ عَجِیبُ
لكلّ شيءٍ قَدَرٌ وَجَوْهَرُ *** وَأَوْسَطُ وَأَصْغَرٌ وَأَكْبَرُ
وَكُل شيء لاحقٌ بجوهرِهِ *** أصْغَرُه متَّصِل بأكْبَرِهِ
مَنْ لَكَ بِالمَحْضِ وَكُلُّ مُمْتَزِجُ *** وَسَاوِسٌ فِي الصَّدْرِ مِنْكَ تَعْتَلِجْ
عجِبتُ واستغرقني السُّكُوتُ *** حَتّى كأنّي حائرٌ مَبْهُوتُ
إذا قَضَى الله فكيف أصْنَعُ *** والصَّمْتُ إن ضاق الكلامُ أوْسَعُ
وقال أيضاً:
كلٌّ عَلَى الدُّنْيَا لَهُ حِرْصُ *** والحادِثاتُ لَنَا بِهَا قَرْضُ
وكأنَّ مَنْ وارَوْه في جَدَثٍ *** لم يَبْدُ مِنْهُ لنَاظرِ شَخْصُ
يَهْوَى مِن الدّنيا زيادتَهَا *** وزيادةُ الدُّنيا هِي النَّقْصُ
لِيَدِ الْمَنِيّة في تَلَطّفها *** عَنْ ذُخْرِ كلِّ نَفِيسةٍ فَحْصُ
وقال أيضاً:
أبْلَغَ الدَّهْرُ في مواعظه بَلْ *** زادَ فِيهِنَّ لِي من الإبْلَاغِ
أيّ عَيْش يكونُ أطيبَ من عيشِ *** كَفاف قوتٍ بقَدْرِ الْبَلَاغِ
غصبتنيَ الأيّام أهْلِي ومالي *** وشبابي وصحتي وفَرَاغي
صَاحِبُ الْبَغْيِ لَيْس يَسْلَمُ مِنْهُ *** وَعَلَى نَفْسِهِ بَغَى كُلُّ باغ
رُبّ ذي نعمة تعرض مِنْهَا *** حائلٌ بينَهُ وَبَيْن المساغِ
وقال ابن المعتز:
حَمْداً لربِّي وذما للزَّمَانِ فَمَا *** أقلّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَسَرَّاتِي!
كفَّت يَدِي أملي عن كلِّ مُطَلَب *** وَأَغْلَقَتْ بَابَها مِنْ دُونِ حاجَاتي
وله أيضاً:
ألستَ ترى يا صاح ما أعجبَ الدَّهْرَا *** فَذَمَّا لَهُ، لَكِنْ لِلْخالِقِ الشَّكْرَا
لَقَدْ حَبَّبَ الموتَ البقاءُ الَّذِي أَرَى *** فَيَا حَبَّذَا مِنِّي لِمَنْ سَكَنَ الْقَبْرَا
وَسُبْحانَ رَبي راضياً بقضائِه *** وَكانَ التِّقائي الشرِّ يُغْرِي الشَّرًا
قُلْ لدنياك: قدْ تمكَّنْتِ منِّي *** فَافْعَلِي مَا أردْتِ أن تفعلِي بي
واخرقي كيف شئت خَرْقَ جَهُولٍ *** إن عندي لك اصطبارَ لَبِيب
وقال أبو العلاء المَعرَّيّ:
والدهرُ إبْرَامٌ ونَقْضٌ وَنَفْ *** رِيق وَجَمْعٌ وَنَهَارٌ وَلَيْلُ
لو قال لي صاحبه سمِّهِ *** ما جزت عن ناجية أو بديلْ
وقال آخر:
والدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالَةٍ *** لا بُدَّانُ يُدْبِرَ أَوْ يُقبِلَا
وقال أبو الطيب:
فَما لي وللِدُّنْيا طلابي نجومُها *** وَمَسْعَايَ مِنْهَا في شدوق الأرَاقِمِ
وقال آخر:
لعَمْرُكَ مَا الأيّام إلّا مُعارَةٌ *** فما اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فتزوّدِ
وقال آخر:
لَعَمْرُكَ مَا الأيّام إلا كما تَرى *** رزيّة مالٍ، أو فِرَاقُ حَبِيب
الوزير المهلبيّ:
ألا مَوْتُ يُباعُ فأشتَرِيهِ *** فَهَذا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ
أَلَا رَحِمَ المهيمنُ نَفْسَ حُرِّ *** تصدّقَ بالمماتِ عَلَى أَخِيهِ
وله:
أشْكُو إلَى الله أحداثاً من الزَّمَنِ *** يَبرينَني مثل بَرْي القِدح بالسَّفَنِ
لَمْ يَبْقَ بالعيشِ لي إلا مرارتُه *** إذا تَذَوّقتُهُ، والحلْو مِنْه فنِي
لا تَحْسَبَنْ نِعَماً سَرَّتْكَ صُحْبَتُها *** إلا مفاتيحَ أبوابٍ من الحَزَنِ
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ألَا أيُّها الدَّهْر الذي قَد مللتُه *** سألتُك إلا ما سَلَلْتَ حَيَاتي
فقد وجلالِ الله حَبَّبْتَ جاهِداً *** إِلَيَّ - عَلَى كُره المَمَاتِ - مَمَاتِي
وله:
أَلَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَهْدِمَ ما بنَى *** وَيَسْلُبُ ما أَعْطَى وَيُفْسِدُ ما أَسْدَى
فَمَنْ سَرَّهُ الَّا يَرَى ما يَسُوءُهُ *** فَلَا يَتَخِذْ شيئاً يخافُ لَهُ فَقْدَا
البحتريّ:
كَانَ اللَّيالي أغْرِيتْ حَادِثَاتُهَا *** بِحُبِّ الَّذِي نأبَي، وبَعْضِ الَّذِي نَهْوَى
وَمَنْ عَرَفَ الأَيّام لَمْ يَرَ خَفْضَها *** نعيماً ولم يعدُدْ مضرَّتها بَلْوَى
أبو بكر الخوارزميّ:
مَا أثْقَلَ الدَّهْرَ عَلَى مَنْ رَكِبَهُ
حَدَّثَني عَنْهُ لِسَانُ التَّجْرِبَهُ
لا تَشْكُرِ الدَّهْر لخير سَبَّبَهْ
فإنّه لم لم يتعمِّد بالهِبَهْ
وإنما أخطأ فِيكَ مَذْهَبَهُ
كالسَّيْلِ قَدْ يَسْقِي مكاناً أَخْرَبَهْ
والسُّمّ يَسْتَشفِي به مَنْ شَرِبَهُ
وقال آخر:
يَسْعَى الْفَتَى في صَلَاحِ الْعَيشِ مُجْتَهِداً *** والدَّهْرُ مَا عَاشَ في إفسادِهِ سَاعي
آخر:
يَغُرُ الْفَتَى مَرُّ الليالي سَلِيمَةٌ *** وَهُنَّ بِهِ عَمَّا قَلِيلٍ عَواثِرُ
آخر:
إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ على أنَاسِ *** كلاكِلَه أناخَ بآخَرِينا
فَقُلْ للشَّامِتين بِنا أفِيقُوا *** سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَما لَقِينا
آخر:
قُلْ لِمَنْ أَنْكَرَ حَالاً مُنْكَرَهُ *** وَرَأى مِنْ دَهرِهِ ما حَسيّرَهْ
لَيْسَ بالْمنكَرِ ما انْكَرْتَهُ *** كُلُّ مَنْ عَاشَ رَأَى مَا لَمْ يَرَهْ
ابن الروميّ:
سَكَنَ الزَّمانُ وَتَحْتَ سَكْنَتِهِ *** دَفَعُ مِنَ الْحَرَكَاتِ والْبَطْشِ
كَالْأَفْعُوَانِ تَرَاهُ مُنْبَطِحاً *** بالأرْضِ ثُمَّ يَثُورُ لِلنَّهْش
أبو الطيب:
إنَّا لَفِي زَمَنِ تَرْكُ القَبِيحِ بِهِ *** مِنْ اكْثرِ النَّاسِ إحْسانٌ وإجْمَالُ
ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُه الثَّاني وَحَاجَتُهُ *** ما قَاتَهُ، وَقُضُولُ العَيْشِ أَشْغَالُ
وقال آخر:
جَارَ الزَّمَانُ عَلَيْنا فِي تَصَرُّفِهِ *** وَأَيُّ حُرِّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ لَمْ يَجُر!
عِنْدِي مِنَ الدَّهْر ما لو أن أيْسَرَهُ *** يُلْقَى عَلَى الفلكِ الدَّوارِ لم يَدْرِ
آخر:
هَذَا الزَّمانُ الذي كُنّا نُحاذِرُه *** فِيما يحدّث كعْبٌ وابنُ مسعودِ
إنْ دامَ هَذا ولم تعقب لَهُ غِيَرٌ *** لَمْ يُبْكَ مَيْتٌ، وَلَمْ يُفْرَحْ بمولودِ
آخر:
يا زَمَاناً أَلْبَسَ الأحْ *** رَارَ ذُلًّا ومَهانَهْ
لَسْتَ عِنْدِي بِزَمانِ *** إنما أنْتَ زَمانَه
أجُنُونٌ ما نراه *** مِنْكَ یَبْدُو أمْ مَجَانَهْ!
الرضي الموسويّ:
تَأبى اللَّيالي أنْ تُدِيما *** يُؤساً لَخْلقٍ أو نعیما
والْمَرْءُ بالإقْبال يَبْ *** لُغُ وادِعاً خَطَراً جَسیما
فإذا انْقَضَى إقْبَالُهُ *** رَجَعُ الشفيعُ لَهُ خَصِيما
وَهُوَ الزَّمَانُ إذَا نَبَا *** سَلَبَ الَّذِي أَعْطَى قَدِيما
كَالرِّيحِ تَرْجِعُ عَاصِفاً *** مِنْ بَعْدِ مَا بَدَأَتْ نَسِيما
أبو عثمان الخالديّ:
ألِفْتُ مِنْ حَادِثاتِ الدهره أَكْبَرَها *** فَمَا أعادي عَلَى أحداثها الصُّغَرِ
تَزيدُني قَسْوَةٌ الأيام طيب نثاً *** كأنِّني المِسْكُ بين الفِهْرِ والحَجَرِ
السريّ الرّفّاء:
تَنَكَّدَ هذا الدَّهْرُ فيمَا يَرُومُهُ *** عَلَى أَنَّهُ فِيمَا نُحَاذِرُهُ نَدْبُ
فَسَيْرُ الذِي نَرْجُوهُ سيْرٌ مقيَّدٌ *** وَسيْر الَّذي نَخْشَى غَوَائلَهُ وَثْبُ
ابن الروميّ:
ألّا إِنَّ في الدنْيَا عَجَائِبَ جَمَّةً *** وَأَعْجَبُها ألا يشِيبَ وَلِيدُهَا
إذا ذَلَّ في الدُّنْيَا الأعزاء واكتَسَتْ *** أذِلتُها عِزَّا وساد مَسُودُهَا
هُنَاكَ فَلَا جَادَتْ سماءٌ بصَوْبِها *** وَلا أَمْرَعَتْ أرضٌ، ولا اخْضَرَّ عُودُها(1)
1) المريع الخصيب. القاموس المحيط، مادة (مرع)
أرى النَّاسَ مَخْسُوفاً بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ *** على الأَرْضِ لَمْ يُقلبْ عَلَيْهِمْ صَعِيدُهَا
وَمَا الْخَسْفُ أن يُلْفَى أسافلُ بلدةٍ *** أعَاليَها بل أنْ يَسُودَ عَبيدُهَا
السري الرفاء:
لَنا من الدَّهرُ خَصْمٌ لا تُطالبُهُ *** فما على الدَّهرِ لَوْ كَفَّتْ نوائبُهُ!
يَرْتَدُّ عَنْهُ جَرِيحاً مَنْ يُسالِمهُ *** فَكَيْفَ يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُحَارِبُهُ!
وَلَوْ أَمِنْتُ الذي تجني أراقمُهُ *** عليَّ هانَ الذي تجنى عَقَارِبُهُ
أبو فراس بن حمدان:
تَصَفَحْتُ أَحْوَالَ الزَّمَانِ وَلَمْ يَكُنْ *** إِلَى غَيْرِ شاك للزَّمانِ وُصُولُ
أكلّ خليلٍّ هكَذَا غَيْرُ منصِفٍ *** وكلُّ زمانِ بالكرام بخیلُ!
ابن الروميّ:
رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَرْفعُ كلِّ وَغْدٍ *** وَيَخْفِضُ كلّ ذِي شِيَمٍ شَرِيفهْ
كمثلِ الْبَحْرِ يَغْرَقُ فيه حَيّ *** وَلَا يَنْفكَ تَطْفُو فيه جِيفَة
أو الميزان يخفِضُ كلّ وافٍ *** وَيَرْفَعُ كلَّ ذي زِنَةٍ خَفِيفَهُ
ابن نُباتة:
وأصْغَرُ عيبٍ في زَمَانِك أنَّه *** به العِلْمُ جَهلٌ، والعفاف فُسُوقُ
وَكَيْفَ يُسَرّ الحرفيه بمَطْلَبٍ *** وما فيه شيء بالسرور حَقِيقٌ!
أبو العتاهية:
لِتَجْذبِّني يَدُ الدُّنْيَا بِقُوَّتها *** إلى المنايا، وإنْ نَازَعْتُها رَسُنِي
للهِ دُنْيَا أناسٍ دائبينَ لَهَا *** قَدْ ارْتَعَوْا في غياض الغَيِّ والفِتَنِ
كسائمات رواعٍ تبتغي سَمِناً *** وَحْتُفُها لَوْ دَرَتْ فِي ذَلِكَ السَّمَنِ
وله أيضاً:
أَنْسَاكَ مَحْيَاك المماتا *** فَطَلبْتَ في الدُّنْيَا الثباتَا
وَوَثِقْتَ بِالدُّنْيَا وأنْتَ *** ترى جَمَاعَتَها شَتَاتَا
وَعَزَمْتَ وَيْكَ عَلَى الْحَيا *** ووَطُولِهَا عَزْماً بَتَاتًا
يَا مَنْ رَأَى أَبَوَيْهِ - فِيمَنْ قَدْ *** رَأَى - كانَا فَمَانَا
هل فيها لك عِبْرَةٌ *** أم خِلْتَ أنْ لَكَ انفلاتَا!
ومن الذي طلب التَّفَلُّ *** لت مِنَ مَنِيَّتِهِ فَفَاتَا!
كلُّ تُصَبِّحُه المنيّةُ *** أو تُبَیِّتُه بَيَاتًا
وله:
أرى الدُّنْيا لِمَنْ هِيَ في يَدَيْهِ *** عَذَاباً، كُلَّمَا كَثرت لَدَيْهِ
تُهِينُ المكرِمينَ لهَا بِصْغُر *** وتُكْرَمُ كلَّ مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ
إذا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ شَيءٍ فَدَعْهُ *** وَخُذْمَا أَنْتَ محْتَاج إليهِ
وله:
أَلَمْ تَرَ رَيْبَ الدَّهْرِ في كلِّ سَاعَةٍ *** لَهُ عَارِض فيه المنيّةُ تَلْمَعُ
أيَا بَانيَ الدُّنْيَا لِغَيْرِكَ تَبْتَنِي *** وَيا جَامِعَ الدُّنْيَا لغَيْرِكَ تَجْمعُ
ارَى الْمَرُة وثاباً عَلَى كلِّ فُرْضَةٍ *** وَللْمَرءِ يوماً لا محَالَة مَصْرَعُ
يُنازِلُ ما لا يمْلكُ الملكَ غَيْرُه *** مَتَى تَنْقَضِي حَاجَاتِ مَنْ لَيْسَ يَشْبَع!
وأيّ امرىء في غايةٍ ليس نفسه *** إلى غايةٍ أُخْرَى سِوَاهَا تَطَلَّع!
وله :
سل الأيّامَ عَنْ أمم نَقَضَتْ *** سَتُخْبِركَ المَعالِمُ والرُّسوم
تَرُومُ الخُلْدَ في دار التَّفَاني *** وَكَمْ قَدْ رَامَ قَبْلَكَ مَا تَرُومُ!
لأمْرِ مَا تَصَرَّمَتِ اللّيَالي *** وأمرٍ ما تَقَلَّبَتِ النُّجُومُ
تَنَامُ وَلَمْ تَنَمْ عَنْكَ المَنَايَا تَنَبَّهُ *** لِلْمَنِيّة يا نؤومُ
إلى دَيّانِ يَوْمِ الدِّين نَمضِي *** وَعِنْدَ الله تجتمع الخُصُومُ
حسبنا الله وحده، وصلواته على خيرته من خلقه سيدنا محمد وآله الطاهرينِ.
تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية
شرح نهج البلاغة
الجزء الرابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأصل: وَمِنْ تَمَامِ الْأَضْحِيَةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنُهَا، وَسَلَامَةِ عَيْنهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأَضْحِيَةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عضباءَ القُرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ.
قال الرضيّ رحمه الله: والمَنْسَكُ هاهنا: المَدْبَحُ.
الشرح: الأضحية: ما يذبح يوم النحر، وما يجري مجراه أيام التشريق من النَّعم. واستشراف أذنها: انتصابها وارتفاعها، أذن شَرْفاء أي منتصبة.
والعضباء: المَكسورة القرن. والتي تجرّ رجلها إلى المنْسَك، كناية عن العَرْجاء، ويجوز ا المِنْسِك، بفتح السين وكسرها.
واختلف الفقهاء في وجُوب الأضحية، فقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار، ويعتبر في وُجوبها النصاب، وبه قال مالك والثوريّ، إلا أن مالكاً لم يعتبر الإقامة.
وقال الشافعيّ: الأضحيَة سُنّة مؤكدة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
واختلفوا في العَمياء، هل تجزىء أم لا؟ فأكثر الفقهاء على أنّها لا تجزىء، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام في هذا الفصل يقتضي ذلك، لأنه قال: إذا سلِمت العين سلمت الأضحية، فيقتضي أنّه إذا لم تسلم العين لم تسلم الأضحية. ومعنى انتفاء سلامة الأضحية انتفاء إجزائها.
وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: تُجزىء العمياء.
وقال محمد بن النعمان المعروف بالمفيد رضي الله تعالى عنه، أحد فقهاء الشيعة في كتابه المعروف «بالمقنعة» إنّ الصادق علیه السلام سُئِل عن الرّجل يُهْدِي الهدْيَ أو الأضحية وهي سمينة، فيصيبها مرض، أو تفقأ عينُها أو تنكسر، فتبلغ يوم النحر وهي حية، أتجزىء عنه؟ فقال: نعم(1)
1) وسائل الشيعة: 135/14 رقم 18806
فأما الأذن، فقال أحمد: لا يجوز التضحية بمقطوعة الأذن، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يقتضي ذلك. وقال سائر الفقهاء. تجزىء إلا أنه مكروه.
وأما العضّباء، فأكثر الفقهاء على أنها تجزىء، إلا أنه مكروه، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يقتضِي ذلك، وكذلك الحكم في الجَلْحَاء، وهي التي لم يخلق لها قَرْن، والقضماء: وهي التي انكسر غلاف قَرْنها، والشرفاء: وهي التي انثقبتْ أذنها من الكَيّ، والخرقاء: وهي التي شُفّت أذنها طولاً.
وقال مالك: إن كانت العَضْباء يخرج من قرنها دم لم تجزىء.
وقال أحمد والنَّخعيّ: لا تجوز التضحية بالعَضْباء.
فأما العرجاء التي كنى عنها بقوله: «تجر رجلَها إلى المنسَك»، فأكثر الفقهاء على أنها لا تجزيء، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يقتضي أنها تجزىء. وقد نقل أصحاب الشافعيّ عنه في أحد قوليه أنّ الأضحية إذا كانت مريضة مرضاً يسيراً أجزات.
وقال الماورديّ من الشافعيّة في كتابه المعروف ب«الحاوي»(1): إن عجزت عن أن تجرّ رجلها خِلْقَةً أجزات، وإن كان ذلك عن مرض لم تجزىء.
الأصل: فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبْلِ الهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا، وَقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْض لَدَيَّ. وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَه حَتَّى مَنَعَني النَّوْمَ، فَما وَجَدْتُنِي يَسَعُني إِلَّا قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ القِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ العِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآخِرَةِ.
الشرح: تَداكُّوا: ازدحموا. والهِيم: العِطاش. ويوم وِرْدها: يوم شربها الماء. والمثاني: الحِبال، جمع مَثناة ومِثناة بالفتح والكسر، وهو الحبل.
1) «الحاوي الكبير في الفروع»: للقاضي أبي الحسن علي بن محمد الماوردي البصري الشافعي، المتوفى سنة (450ه)، وهو كتاب عظيم في عشر مجلدات، ويقال: إنه ثلاثون مجلداً، لم يؤلف مثله في المذهب. «كشف الظنون» (628/1)
وجهاد البُغاة واجب على الإمام، إذا وجد أنصاراً، فإذا أخلّ بذلك أخل بواجب، واستحقّ العقاب. فإن قيل: إنه علیه السلام قال: «لم يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمد صلی الله علیه وآله وسلم»، فكيف يكون تارك الواجِب جاحداً لما جاء به النبي صلی الله علیه وآله وسلم!
قيل: إنه في حكْم الجاحد، لأنه مخالف وعاصٍ، لا سيما على مذهبنا في أنّ تارك الواجب يخلدُ في النار وإن لم يجحد النبوة.
اختلف الناس في بيعة أمير المؤمنين علیه السلام، فالذي أكثرُ الناس وجمهورُ اربابِ السِّيرَ أنّ الكلام طلحة والزبير بايعام طائعيْن غير مكرهيْن، ثم تغيّرت عزائمهما، وفسدت نيّاتهما، وغدرَا به.
وقال الزبيريون، منهم عبد الله بن مصعب، والزبير بن بكّار وشيعتهم ومَنْ وافق قولَهم من بني تَيْم بن مرة، أرباب العصبيّة لطلحة: إنهما بايعَا مكرهيْن، وإنّ الزبير كان يقول: بايعتُ واللُّج على قَفَيّ، واللُّجّ سيف الأشتر، وقفي لغة هُذَليّة، إذا أضافوا المقصور إلى أنفسهم قلبوا الألف ياء، وأدغموا إحدى الياءين في الأخرى، فيقولون: قد وافق ذلك هويّ، أي هَوَايَ وهذه عصيّ، أي عصايّ.
وذكر صاحب كتاب «الأوائل»(1)أنّ الأشتر جاء إلى عليّ علیه السلام حين قتل عثمان، فقال: قم فبايع الناس، فقد اجتمعوا لك، ورغِبُوا فيك والله لئن نَكَلت عنها لتعصِرَنّ عليها عينيك مرة رابعة، فجاء حتى دخل بئر سكن، واجتمع الناس، وحضر طلحة والزُّبَيْرُ، لا يشكّان أنّ الأمر شورى، فقال الأشتر: أتنتظرون أحداً! قم يا طلحة فبايع، فتقاعس فقال: قم يا بن الصَّعْبة - وسلّ سيفه - فقام طلحة يجرّ رجله، حتى بايع فقال قائل: أولُ مَنْ بايعه أشل! لا يتم أمره، ثم لا يتمّ، قال: قم يا زبير، والله لا ينازع أحد إلا وضربت قُرْطَه بهذا السيف، فقام الزبير فبايع، ثم انثال الناسُ عليه فبايعوا.
وقيل: أوّلُ مَنْ بايعه الأشتر، ألقى خَمِيصَةً كانت عليه، واخترطَ سيفه، وجذَب عليّ علیه السلام فبايعه وقال للزبير وطلحة: قوما فبايعا، وإلا كنتما الليلة عند عثمان، فقاما يعثران في ثيابهما لا يرجوان نجاةً، حتى صَفَقَا بأيديهما على يده، ثم قام بعدهما البصريّون، وأولهم عبد الرحمن بن عدَيْس البَلويّ، فبايعوا. وقال له عبد الرحمن:
1) «أوائل الأدلة في أصول الدين» للشيخ الإمام أبي القاسم عبيد الله بن أحمد البلخي المتوفى سنة (319ه). «كشف الظنون» (200/1)
خُذْهَا إليكَ واعْلَمَنْ أبا حَسَنْ *** أَنَّا نُمرّ الأمر إمرار الرَّسَنُ
وقد ذكرنا نحن في شرح الفصل الذي فيه أن الزبير أقَرّ بالبيعة، وادعى الوليجة أن بيعة أمير المؤمنين لم تقع إلا عن رضا جميع أهل المدينة، أوّلهم طلحة والزبير، وذكرنا في ذلك ما يبطل رواية الزبير.
وذكر أبو مِخْنف في كتاب «الجمل»(1)أنّ الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لينظروا مَنْ يولّونه أمرَهم، حتى غَصّ المسجدُ بأهله، فاتفق رأيُ عمار وأبي الهيثم بن التَّيَّهان ورفاعة بن رافع ومالك بن عجلان وأبي أيوب خالد بن يزيد على إقعاد أمير المؤمنين علیه السلام في الخلافة، وكان أشدّهم تهالكاً عليه عمّار، فقال لهم: أيها الأنصار، قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه، وأنتم على شَرَف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم، وإنّ علياً أوْلَى الناس بهذا الأمر، لفضله وسابقته، فقالوا: رضينا به حينئذٍ، وقالوا بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار والمهاجرين: أيّها الناس، إنا لن نألوَكم خيراً وأنفسَنا إن شاء الله، وإن عليًّا مَنْ قد علمتم، وما نعرف مكانَ أحدِ أحْمَل لهذا الأمر منه، ولا أوْلَى به. فقال الناس بأجمعهم: قد رضِينا، وهو عندنا ما ذكرتم وأفضل. وقاموا كلّهم، فأتوا علياً علیه السلام، فاستخرجوه من داره، وسألوه بَسْط يده، فقَبَضها فتداكُوا عليه تداكَّ الإبل الهِيم على وِرْدها، حتى كاد بعضُهم يقتل بعضاً، فلما رأى منهم ما رأى، سألهم أن تكونَ بيعتُه في المسجد ظاهرة للناس. وقال: إن كرِهَني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر.
فنهض الناس معه حتى دخل المسجد، فكان أوّل من بايعه طلحة. فقال قبيصة بن ذؤيب الأسديّ: تخوفت ألّا يتم له أمرُه، لأنّ أوّل يد بايعته شَلّاء، ثم بايعه الزبير، وبايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، وعبد الله بن سلام.
فأمر بإحضار عبد الله بن عمر، فقال له: بايع قال: لا أبايع حتى يبايعَ جَميعُ الناس، فقال له علیه السلام: فأعطني حَمِيلاً ألّا تبرح، قال: ولا أعطيك حَمِيلاً، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين؟ إنّ هذا قد أمِنَ سوطك وسيفك، فدعْني أضرب عنقَه، فقال: لست أريد ذلك منه على كُره، خلوا سبيله، فلما انصرف قال أمير المؤمنين: لقد كان صغيراً وهو سيء الخلق، وهو في كِبَره أسوا خُلُقاً. ثم أتي بسعد بن أبي وقّاص، فقال له بايع، فقال: يا أبا الحسن خَلّني، فإذا لم يبق غيري بايعتُك، فوالله لا يأتيك مِن قِبَلِي أمر تكرهه أبداً، فقال: صدق، خلُّوا سبيلَه. ثم بعد إلى محمد بن مسلمة، فلما أتاه قال له: بايع، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرَني إذا اختلف
1) «الجَمَل»: لأبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف إمامي من أهل الكوفة، عالم بالسير والأخبار، المتوفى سنة (157ه). «الأعلام للزركلي» (245/5)
الناسُ وصاروا هكذا - وشبك بين أصابعه - أن أخرج بسيفي فأضرب به عُرض أحد فإذا تقطع أتيتُ منزلي، فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيَني يد خاطية، أو منّية قاضية. فقال له علیه السلام: فانطلق إذاً، فكن كما أمِرْت به.
ثم بعث إلى أسامة بن زيد، فلما جاء قال له: بايع، فقال: إني مولاك ولا خلاف مني عليك، وستأتيك بيعتي إذا سكن الناس. فأمره بالانصراف، ولم يبعث إلى أحد غيره.
وقيل له: ألا تبعث إلى حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن سلام! فقال: لا حاجةَ لنا فيمن لا حاجةَ له فينا.
فأما أصحابُنا فإنهم يذكرون في كُتُبهم أنّ هؤلاء الرّهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به. ندبهم إلى الشخوصَ معه لحرب أصحاب الجمل، وأنهم لم يتخلفوا عن البَيْعة، وإنما تخلّفوا عن الحرب.
وروى شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب «الغرر» أنهم لما اعتذروا إليه بهذه الأعذار، قال لهم: ما كلّ مفتون يعاتَب، أعندكم شكّ في بيعتي؟ قالوا: لا، قال: فإذا بايعتم: فقد قاتلتم. وأعفاهم من حضور الحرب.
فإن قيل: رويتم أنه قال: إن كَرِهَني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر، ثم رويتم أنّ جماعة من أعيان المسلمين كرهوا ولم يقف مع كراهتهم.
قيل: إنما مراده علیه السلام أنّه متى وقع الاختلاف قبل البيعة نفضتُ يدي عن الأمر ولم أدخل فيه، فأما إذا بويع ثم خالف ناس بعد البيعة، فلا يجوز له أن يرجع عن الأمر ويتركه؛ لأن الإمامة تثبت بالبيعة، وإذا ثبتت لم يجزْ له تركها.
وروى أبو مخنف عن ابن عباس قال: لما دخل عليّ علیه السلام المسجد، وجاء الناس ليبايعوه خِفْتُ أن يتكلّم بعض أهل الشنآن لعليّ علیه السلام ممن قتل أباه أو أخاه، أو ذا قرابته في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فيزهد عليّ في الأمر ويتركه، فكنت أرصد ذلك وأتخوّفه، فلم يتكلم أحد حتى بايعه الناس كلهم راضين مسلمين غيرَ مكرهين.
لما بايع الناس علياً علیه السلام، وتخلّف عبد الله بن عمر، وكلّمه عليّ علیه السلام في البيعة فامتنع عليه، أتاه في اليوم الثاني، فقال: إني لك ناصح، إنّ بيعتَك لم يرض بها كلهم؛ فلو نظرت لدينك وردَدْت الأمر شورى بين المسلمين! فقال عليّ علیه السلام: ويحك! وهل ما كان عن مني له! ألم يبلغْك صَنِيعُهم؟ قم عَنِّي يا أحمق، ما أنت وهذا الكلام! فلما خرج أتى علياً في اليوم الثالث آتٍ، فقال: إنّ ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك، فأُمر بالبَعْث في
أثره، فجاءت أمُّ كلثوم ابنته، فسألته وضرِعت إليه فيه وقالت: يا أمير المؤمنين، إنما خرج إلى مكة ليقيم بها، وإنه ليس بصاحب سلطان ولا هو من رجال هذا الشأن، وطلبت إليه أن يقبل. شفاعَتها في أمره، لأنه ابنُ بعلها. فأجابها وكفَّ عن البعثة إليه، وقال: دعوه وما أراده(1).
الأصل: أَمَّا قَوْلُكُمْ: اكُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِبَةَ الْمَوْتِ! فوالله مَا أَبَالِي، دَخَلتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكًّا فِي أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَأَنَا اطمَعُ أنْ تَلْحَقِّ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ اقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوهُ بِآثَامِهَا.
الشرح: من رواه: «أكُلَّ ذلك» بالنصب فمفعول فعل مقدر، أي تفعل كلّ ذلك، وكراهية منصوب؛ لأنه مفعول له ومن رواه «أكُلُّ ذلك» بالرفع أجاز في «كراهية» الرفع والنصب، أما الرفع فإنه يجعل «كلّ» مبتدأ، وكراهية خبره، وأما النصب فيجعلُها مفعولاً له كما قلنا في الرواية الأولى، ويجعل خبر المبتدأ محذوفاً، وتقديره: أكلّ هذا مفعول! أو تفعله كراهية للموت! ثم أقسم أنه لا يبالي أتعرَّض هو للموت حتى يموتَ، أم جاءه الموت ابتداء من غير أن يتعرّض له. وعشا إلى النار يَعْشُو: استدلّ عليها ببصر ضعيف، قال:
مَتَى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضَوْءِ نَارِهِ *** تَجِدْ خَيْر نَارٍ عِنْدَها خَيْر مُوقِد
وهذا الكلام استعارة، شبه مَنْ عساه يلحق به من أهل الشام بمن يعشو ليلاً إلى النار، وذلك لأن بصائرَ أهل الشام ضعيفة، فهم من الاهتداء بهداه علیه السلام كمن يعشُو ببصرٍ ضعيف إلى النار في الليل، قال: ذاك أحبّ إليّ من أن أقتلهم على ضلالهم، وإن كنتُ لو قتلتهم على هذه الحالة لباؤوا بآثامهم، أي رجعوا، قال سبحانه: «إنّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ»(2)أي ترجع.
لما ملك أمير المؤمنين علیه السلام الماء بصفين ثم سَمَح لأهلِ الشام بالمشاركة فيه والمساهمة،
رجاء أن يعطفوا إليه، واستمالة لقلوبهم وإظهاراً للمعدلة وحسن السيرة فيهم، مكث أياماً لا يُرسِل إلى معاوية، ولا يأتيه مِنْ عند معاوية أحدٌ، واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال وقالوا: يا أمير المؤمنين، خَلَّفْنا ذراريَّنا ونساءنا بالكوفة، وجئنا إلى أطراف الشام لنتَّخذها وطناً، ائذن لنا في القتال، فإنّ الناس قد قالوا. قال لهم علیه السلام: ما قالوا؟ فقال منهم قائل: إنّ الناس يظنون أنكّ تكرهُ الحرب كراهيةً للموت، وإن من الناس من يظن أنك في شكٍّ مِنْ قتال أهلِ الشام. فقال علیه السلام: وَمَتَى كنتُ كارهاً للحرب قطّ! إنّ من العجب حُبِّي لها غلاماً ويَفعاً، وكراهيتي لها شيخاً بعد نفاد العمر وقرب الوقت! وأما شكّي في القوم فلو شككت فيهم لشككتُ في أهل البصرة، والله لقد ضربتُ هذا الأمر ظهراً وبطناً، فما وجدت يسعُني إلا القتال أو أن أعصيَ الله ورسوله، ولكني أستأني بالقوم، عسى أن يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَ لي يوم خيبر: «لأنْ يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك مِمّا طلعت عليه الشمس»(1).
قال نصر بن مزاحم: حدثنا محمد بن عبيد الله عن الجرجانيّ، قال: فبعث عليّ علیه السلام إلى معاوية بشير بن عمرو بن مِحْصَن الأنصاريّ، وسعيد بن قَيْس الهمْدانِيّ وشَبَثَ بن الرِّبْعي التميميّ، فقال: ائتوا هذا الرجل، فادعوه إلى الله عز وجلّ، و إلى الطاعة والجماعة، وإلى اتباع أمر الله سبحانه. فقال له شَبَث: يا أمير المؤمنين، ألا تطمِعُه في سلطان تولّيه إياه، ومنزلة يكون له بها أثْرَة عندك إن هو بايعك؟ فقال: ائتوه الآن والقَوْه واجتجّوا عليه، وانظروا ما رأيه هذا.
فأتوه فدخلوا عليه، فحمِد أبو عمرو بن مِحْصَن الله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله مجازِيك بعمِلك ومحاسبُك بما قدَّمَت يداك، وإنّني أنشدُك الله ألا تفرّق جماعةَ هذه الأمة، وألا تسفِك دماءها بينها. فقطع معاوية عليه الكلامَ وقال: فهّلا أوصيتَ صاحبك! فقال: سبحان الله! إنّ صاحبي لا يوصَى، إنّ احبي ليس مِثْلَك صاحبي أحقّ الناس بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول.. فقال معاوية: فتقول ماذا؟ قال: أدعوك إلى تقوى ربّك، وإجابة ابن
1) أخرجه البخاري، في الجهاد والسير، باب: فضل من أسلم على يديه رجل (3009)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل علي بن أبي طالب (2406)، وأبو داود في العلم، باب: فضل نشر العلم (3661)، وأحمد في باقي مسند الأنصار، باب: حديث أبي مالك سهل بن سعد الساعدي (22314)
عمك إلى ما يدعُوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دينك، وخير لك في عاقبة أمرك. قال: ويُطَلّ دم عثمان! لا والرحمنِ لا أفعل ذلك أبداً.
فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبدره شَبَث بن الرّبعي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معاوية، قد فهمتُ ما رَدَدْت على ابنِ مِحْصَن، إنه لا يخفى علينا ما تقرّ وما تطلب، إنك لا تجد شيئاً تستغوِي به الناس، ولا شيْئاً نستميل به أهواءهم، وتستخلِص به طاعتهم إلا أن قُلْتَ لهم: قُتِل إمامُكم مظلوماً، فهلموا نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء طَغام رُذَال، وقد علمنا أنك أبطأتَ عنه بالنّصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي تطلب، وربّ مبتغٍ أمراً، وطالب له يحولُ الله دونه، وربّما أوتى المتمنِّي أمنيَّتِه، وربما لم يُؤتَها، ووالله مَا لَكَ في واحدة منهما خير، والله لئن أخطأك ما ترجُوا إنك لَشرُّ العرب حالاً، ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبُه حتّى تستحقَّ صَلَي النار، فاتق الله يا معاوية، ودَعْ ما أنتَ عليه، ولا تنازع الأمر أهلَه.
فحمِد معاوية الله وأثنى عليه، وقال:
أما بعد فإنّ أول ما عرفتُ به سفهك وخفّة حِلْمك قطعُك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه. ثم عتبتَ بعد فيما لا علم لك به، ولقد كَذَبْتَ ولَوْمت أيها الأعرابيّ الجلف الجافي في كلّ ما وصفت وذكرت. انصرفوا من عندي فإنّه ليس بيني وبينكم إلا السيف.
وغضب فخرج القوم وشَبَث يقول: أعلينا تُهوّل بالسيف! أما والله لنعجلَنّه إليك، فأتوا علياً علیه السلام، فأخبروه بالذي كان من قوله، وذلك في شهر ربيع الآخر.
قال نصر: وَخَرَجَ قرامُ أهلِ العِراق، وقراءُ أهل الشام فعسكروا ناحية صِفّين ثلاثين ألفاً.
قال: وعسكر عليٌّ علیه السلام على الماء، وعكسر معاوية فوقَه على الماء أيضاً، ومشت القُرّاء فيما بين عليًّ علیه السلام ومعاوية، منهم عَبيدة السّلماني، وعلقمة بن قَيْس النَّخَعِيّ، وعبد الله بن عتبة، وعامر بن عبد القيس - وقد كان في بعض تلك السواحل - فانصرف إلى عسكر علي علیه السلام، فدخلوا على معاوية فقالوا: يا معاوية، ما الذي تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: ممّن تطلب بدم عثمان؟ قال: أطلبه من عليّ، قالوا: وعليّ قتله؟ قال: نعم هو وآوی قَتلته، فانصرفوا من عنده فدخلوا على عليّ علیه السلام، فقالوا: إن معاوية يزعُمُ أنك قتلت عثمان، قال: اللهمّ لكَذَب فيما قال، لم أقتله.
فرجعوا إلى معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنه إن لم يكن قَتَله بيده فقد أمر ومالاً، فرجعوا إلى عليّ فقالوا: إن معاوية يزعم أنّك إن لم تكن قتلتَ بيدك، فقد أمرت ومالات على قَتْل عثمان فقال: اللهم لَكَذَب فيما قال، فرجعوا إلى معاوية، فقالوا: إنَّ علياً يزعم أنَّهُ لم يفعل، فقال معاوية: إن كان صادِقاً فليُقِدْنا من قَتلةِ عثمان، فإنهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضَده
فرجعوا إلى عليّ علیه السلام، فقالوا: إنّ معاويةَ يقول لك: إنْ كنتَ صادقاً فادفع إلينا قَتَلة عثمان مکِّنَّا منهم، فقال لهم: إنّ القوم تأوَّلوا عليه القرآن، ووقعت الفرقة، فقتلوه في سلطان، وليس على ضَرْبهم قَوْد، فَخصمَ عليّ معاوية.
قلت: على ضَرْبهم هاهنا، على مثلهم، يقال: زيدٌ ضَرْب عمرو ومِنْ ضَرْبه، أي مِثله ومِنْ صِنْفه، ولا أدرِي لم عَدَل علیه السلام عن الحجّة بما هو أوضح من هذا الكلام، وهو أنْ يقول: إن الذين باشروا قتله بأيديهم كانوا اثنين وهما قُتيرة بن وهب وسُودان بن حُمران، وكلاهما قتل يوم الدار، قَتلهما عبيد عثمان، والباقُون الذين هم جندِي وعَضُدي كما تزعمون، لم يقتلوا بأيديهم، وإنما أغَرَوْا به، وحصروه وأجْلَبُوا عليه، وهَجَمُوا على داره، كمحمد بن أبي بكر والأشتر وعمرو بن الحمِق وغيرهم، وليس على مثل هؤلاء قَوَد -.
قال نصر: فقال لهم معاوية: إنْ كان الأمرُ كما تزعمون، فلِمَ ابتزَّ الأمْرَ دوننا على غير مشورة مِنّا ولا ممن ها هنا معنا؟ فقال عليّ علیه السلام: إنّ الناس تَبَع المهاجرين والأنصار وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم، فرضُوا بي وبايعوني، ولست أستحلّ أن أدع ضَرْب معاوية يحكُم بيده على الأمة ويركبهم ويشُقُّ عصاهم.
فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك، فقال: ليس كما يقول، فما بالُ مَنْ ها هنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر ويؤامَرُوا فيه!
فانصرفوا إلى عليّ علیه السلام، فأخبروه بقوله: فقال: ويَحْكم! هذا للبدريّين دون الصحابة، ليس في الأرض بَدْرِيّ إلا وقَدْ بايعني وهو معي، أو قد قام ورَضِيَ، فلا يغرّنكم معاوية من أنفسكم ودينكم.
قال نصر: فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر: ربيع الآخر، وجُمَادَيَيْن، وهم مع ذلك يَفْزَعون الفَزْعة فيما بينهما، فيزحف بعضهم إلى بعض، وتحجز القرّاء بينهم.
قال: فزعوا في ثلاثة أشهر خمساً وثمانين فَزْعة، كلُّ فزعة يزْحَفُ بعضهم إلى بعض وتحجز القراء بينهم لا يكون بينهم قتال.
قال نصر: وخرَج أبو أمامة الباهليّ وأبو الدرداء، فدخلا على معاوية - وكانا معه - فقالا: يا معاوية، علامَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله لهو أقْدَمْ منك إسلاماً، وأحقّ بهذا الأمر، وأقرب من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فعلام تقاتله؟ فقال: أقاتله على دَمِ عثمان، وأنه أوى قَتلته، فقولوا له: فَلْيُقِدْنا مِنْ قتلته وأنا أوّل من بايعه من أهل الشام.
فانطلقوا إلى عليّ علیه السلام فأخبروه بقول معاوية، فقال: إنما يطلب الذين تَرَوْن، فخرج
عشرون ألفاً أو أكثر متسربلين الحديد، لا يُرى منهم إلا الحَدَق، فقالوا: كُلّنا قتله، فإن شاؤوا فَلْيَرُوموا ذلك منّا. فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئاً من القتال.
قال نصر: حتى إذا كان رجب، وخَشِي معاوية أن يتابع القرّاء عليًّا علیه السلام، أخذ في المكر، وأخذ يحتال للقراء لكيما يُحجموا ويكفُّوا حتى ينظروا.
قال: فكتب في سهم: مِنْ عبد الله الناصح، إني أخبركم أنّ معاوية يريد أن يُفَجِّر عليكم الفرات فيغرِقَكم، فخذوا حذركم. ثم رمى بالسهم في عسكر عليّ علیه السلام، فوقع السهم في يَدِ رجل فقرأه ثم أقرأه صحبَه، فلما قرأه وقرأته الناس وأقرأه مَنْ أقبل وأدبر، قالوا: هذا أخ لنا ناصح، كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية، فلم يزل السَّهْم يُقرأ ويرتفع حتى رُفع إلى عليّ علیه السلام، وقد بعث معاوية مائتي رجل من العَمَلة إلى عاقول من النهر، بأيديهم المرور والزِّبُل يحفرون فيها بحيال عسكر عليّ علیه السلام. فقال عليّ علیه السلام: ويحكم! إن الذي يعالج. معاوية لا يستقيم له، ولا يقوى عليه، إنما يريد أن يُزِيلكم عن مكانكم، فانهوا عن ذلك، فقالوا له: لا نَدَعهم والله يحفِرون، فقال عليٌّ علیه السلام: لا تكونوا ضَعْفي، ويحكم! لا تغلبوني على رأيي. فقالوا: والله لنرتحلنّ، فإن شئت فارتحل، وإن شئت فأقم، فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليًّا، وارتحل عليٌّ علیه السلام في أخريات الناس، وهو يقول:
فَلَوْ أني أُطِعْتُ عصمتُ قومي *** إلى ركن اليمامة أو شَمَامِ
ولكنّي مَتَى ابْرَمْتُ أمراً *** مُنيتُ بخُلْف آراءِ الطَّعَامِ
قال: وارتحل معاوية حتى نزل معسكر عليّ علیه السلام الذي كان فيه، فدعا عليّ علیه السلام الأشتر فقال: ألم تغلبني على رأيي أنت والأشعث! فدونكما. فقال الأشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين، سأداوي ما أفسدتُ اليوم من ذلك، فجمع كِنْدة فقال لهم: يا معشر كِنْدة، لا تفضوني اليوم ولا تُخزوني، فإني إنما أقارع بكم أهل الشام، فخرجوا معه رجّالة يمشون، وبيده رمح له يلقيه على الأرض، ويقول: امشوا قيد رمحي هذا، فيمشون، فلم يزل يَقِيس لهم الأرض برمحه، ويمشون معه رَجّالة حتى لَقِيَ معاوية وسط بني سُلَيْم واقفاً على الماء، وقد جاءه أداني عسكره، فاقتتلوا قتالاً شديداً على الماء ساعة، وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا، وأقبل الأشتر في خَيْل من أهل العراق فحمل على معاوية، والأشعث يحارب في ناحية أخرى، فانحاز معاوية في بني سُليم، فردّ وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ، ثم نزل ووضع أهل الشام، والأشعث يهدِرُ ويقول: أرضيتك يا أمير المؤمنين! ثم تمثل بقول طَرَفة بن العبد:
قفداء لِبَني سَعْد عَلَى *** ما أصاب الناس من خَيْرٍ وَشَرّ
ما أقلّت قدماي إنّهم *** نِعَم الساعون في لحَيّ الشُّطُرْ
وَلَقَدْ كُنْتُ عليكم عاتباً *** فعقَبْتُم بذَنوب غَيْر مُرّ
كنت فيكم كالمغطّي رأسَه *** فانجلَى اليوم قِنَاعي وَخُمُرْ
سادراً أحسب غيّيّ رَشَداً *** فتناهيتُ وقد صابت بِقُرّ(1)
وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على الماء، فقال عليّ علیه السلام: أنتما كما قال الشاعر:
تلاقِينَ قَيْساً وأشياعَهُ *** فَيُوقد لِلْحَرْب نَاراً فَنَارًا
أخُو الحرب إن لَقِحَتْ بازِلاً *** سَما للعلا وأجلّ الخِطارا
قال نصر: فكان كلّ واحدٌ من عليّ ومعاوية يُخرج الرجلَ الشريفَ في جماعة، فيقاتل مثله، وكانوا يكرهون أن يتزاحفُوا بجميع الفَيْلق مخافة الاستئصال والهلاك، فاقتتل الناسُ ذَا الحجّة كلّه، فلما انقضَى تداعوا إلى أن يكفَّ بعضُهم عن بعض إلى أن ينقضيَ المحرّم، لعلّ الله أن يُجزِي صلحاً أو إجماعاً، فكف الناس في المحرّم بعضُهم عن بعض.
قال نصر: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي المجاهد عن المحلّ بن خليفة، قال: لما توادَعُوا في المحرّم، اختلفت الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصُّلْح، فأرسل عليّ علیه السلام إلى معاوية عديّ بن حاتم الطائيّ وشَبَث بن ربِعيّ التميميّ ويزيد بن قَيْس وزياد بن خَصَفة، فلما دخلوا عليه، حَمِد الله تعالى عديّ بن حاتم الطائيّ، وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، فإنّا أتيناك لندعوَك إلى أمرٍ يجمع الله فيه كلمتَنا وأمّتنا، ويحقن به دماءَ المسلمين. ندعُوك إلى أفضل الناس سابقة، وأحسنهِم في الإسلام آثاراً، وقد اجتمع إليه الناس، وقد أرشدهم الله بالذي رَأَوْا وأتوا، فلم يبق أحدٌ غيرُك وغيرُ مَنْ معك، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل.
فقال له معاوية: كأنّك إنما جئت مُهَدداً، ولم تأت مصلحاً! هيهات يا عديّ! إني لابنُ حرب! ما يُقعْقَعُ لي بالشِّنان. أما والله إنك من المجلبين على عثمان، وإنَّك لَمِن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتُله الله.
فقال له شَبَث بن رِبعيّ وزياد بن خَصَفة، وتنازعا كلاماً واحداً: أتيناك فيما يصلِحنا وإياك، فأقبلتَ تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينفعُ من القول والفعل، وأجِبْنا فيما يعمّنا وإياك نفعُه.
وتكلّم يزيد بن قيس الأرحبيّ، فقال: إنا لم نأتِك إلا لنبلِّغك ما بعثنا به إليك، ولِنُؤدَّي عنك ما سمعنا منك، ولم نَدَعْ أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حُجّة، أو أنه راجع
1) السادر: المتحيِّر. القاموس المحيط، مادة (سدر)
بك إلى الألفة والجماعة إنّ صاحبَنا مَنْ قد عَرَفْتَ وعرف المسلمون فضلَه، ولا أظنه يخفى عليك، إنّ أهلَ الدين والفضل لا يعدِلُونك بعليّ، ولا يميّلون بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية ولا تخالف علياً، فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعملَ بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلِّها منه.
فحمد الله معاوية وأثنى عليه، وقال: أما بعد. فإنّكم دعوتم إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة التي دعوتُم إليها فنِعِمّا هي! وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها، إنْ صاحبكم قتل خليفتنا، وفرّق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقَتَلَتَنَا، وصاحبكم يزعُم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه أرأيتم قَتَلَةَ صاحبنا! الستم تعلمون أنهم أصحابُ صاحبكم، فليدفعهم إلينا فلْنقتلهم به، ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.
فقال له شَبَث بن ربعي: أيسرّك بالله يا معاوية أن أمكِنْت من عمار بن ياسر فقتلته! قال: وما یمنعْني ذلك! والله لو أمكنني صاحبِكُم من ابن سُميّة ما قتلته بعثمان، ولكني كنت أقتلُه بنائل مولى عثمان!
فقال شَبث: وإلّه السماء ما عَدَلْتَ معدِلاً، ولا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تُنْذَرَ الهام عن كواهل الرجال، وتضيق الأرض والفضاء عليك برُحْبها.
فقال معاوية: إنه إذا كان ذلك كانت عليك أضيَق.
ثم رجع القوم عن معاوية، فبعث إلى زياد بن خَصَفة من بينهم، فأدخل عليه، فحمد معاوية الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أخا ربيعة، فإن علياً قطع أرحامنا، وقتل إمامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصرة بأسرتك وعشيرتك، ولك عليّ عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أولِّيّك أيّ المصرين أحببت.
قال أبو المجاهد: فسمِعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث.
قال: فلما قضى معاوية كلامه، حَمِدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعدٌ، فإني لَعَلَى بيّنةٍ من ربي وبما أنعم عَلَيّ، فلن أكون ظهيراً للمجرمين، ثم قمت.
فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جانبه - ما لهم عَضَبهم الله ما قلبُهم إلا قلب رجل واحد!
قال نصر: وحدثنا سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكَنُود، قال: بعث معاوية حبيب بن مَسْلمة الفِهْريّ إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وبعث معه شُرحْبيل بن السِّمط ومعن بن يزيد بن الأخْنس السُّلميّ، فدخلوا على عليٍّ علیه السلام فتكلم حبيب بن مسلمة، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال:
أما بعدُ فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديّاً، يعمل بكتاب الله ويُثيب إلى أمر الله
فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته. فعدوْتم عليه فقتلتموه، فادفع إلنيا قتلَة عثمان نقتلهم به، فإن قلت: إنك لم تقتله، فاعتزل أمرَ الناس، فيكونَ أمرهم هذا شورى بينهم، يولِّي الناس أمرَهم مَنْ أجمع عليه رأيهم.
فقال له علي: وما أنت لا أمّ لك والولايةَ والعزل والدخول في هذا الأمر! اسكت فإنك لست هناك، ولا بأهل لذاك! فقام حبيب بن مسلمة وقال: أما والله لترينّي حيثُ تكره. فقال علیه السلام: وما أنتَ! ولو أجْلَبْت بخيلك ورَجِلك. اذهب فصوّب وصعِّد ما بدا لك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت!
فقال شُرَحْبّيل بن السَّمط: إنْ كلمتك، فلَعَمْرِي ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي، فهل عندك جواب غير الجواب الذي أجبتَه به؟ فقال نعم قال فقله، فحمد الله عليٌّ علیه السلام وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، فإنّ الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه فأنقَذ به من الضّلالة، ونَعَش به من الهلكة، وجمع به بعد الفُرقة، ثم قَبَضه الله إليه، وقد أدّى ما عليه، فاستخلف النَّاس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسْنَا السيرة، وعَدَلا في الأمَّة، ووجَدْنا عليهما أن تولَّيا الأمر دوننا، ونحن آلُ الرسول، وأحقُّ بالأمر، فغفرنا ذلك لهما، ثم وَلِيَ أمرَ الناس عثمان، فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فسار إليه ناسٌ فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرَهم، فقالوا لي: بايع، فأبيْتُ عليهم، فقالوا لي: بايع، فإنّ الأمة لا تَرضَى إلا بك، وإنا نخاف إنْ لم تفعلْ أن يفترِق الناس، فبايعتُهم فلم يَرُعْني إلّا شقاق رجلين قد بايعا، وخلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله سابقة في الدين، ولا سلفَ صِدْق في الإسلام، طليق ابن طليق، وحزب من الأحزاب، لم يَزَل الله ولرسوله وللمسلمين عدواً هو وأبوه حتى دخَلا في الإسلام كارهين مكرهين، فيا عجباً لكم، ولإجلا بكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل بيت نبيّكم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا تعدِلوا بهم أحداً من الناس، إني أدعوكم إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم، وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لنا ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.
فقال له شُرَخبيل ومَعْن بن يزيد: اتشهدُ أنّ عثمان قُتِل مظلوماً؟ فقال لهما: إنّي لا أقول ذلك، قالا: فمَنْ لم يشهد أن عثمان قتل مظلوماً، فنحن براء منه! ثم قاما فانصرفا. فقال علي علیه السلام: «إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَ يَهْدِى الْمُني عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِنَايَتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ»(1).
1) سورة النمل، الآيتان: 80، 81
ثم أقبل على أصحابه، فقال: لا يَكن هؤلاء في ضلالتهم بأوْلَى بالجدّ منكم في حقكم وطاعة إمامكم. ثم مكث النَّاسُ متوادعين إلى انسلاخ المحرّم، فلما انسلخ المحرّم واستقبل الناس صَفَراً من سنة سبع وثلاثين، بعث عليّ علیه السلام نَفَراً من أصحابه، حتى إذا كانوا من معسكر معاوية بحيث يسمعونهم الصوت، قام مَرْثَد بن الحارث الجُشَمِيّ، فنادى عند غروب الشمس: يا أهل الشام إنّ أمير المؤمنين علياً وأصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقولون لكم: إنّا لم نَكُفْ عَنْكُمْ شَكّا في أمركم، ولا إبقاء عليكم، وإنما كَفَفْنا عنكم خروج المحرّم، وقد انسلخ وإنا قد نَبَذْنا إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.
قال: فتحاجز الناس وثارُوا إلى أمرائهم.
قال نصر: فأما رواية عمرو بن شَمَر، عن جابر، عن أبي الزبير أنّ نداء مَرثَد بن الحارث الجُشَميّ، كانت صورته يا أهلَ الشام، ألَا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استدمْتُكم واستأنيْتُ بكم، لتراجِعوا الحقّ، وتَتُوبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، فلم تتناهَوْا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حَقّ، وإني قد نبذتُ إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.
قال: فثار الناس إلى أمرائهم ورؤسائهم.
قال نصر: وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتِّبان الكتائب، ويُعبِّيَان العساكر، وأوقدُوا النيران، وجاؤوا بالشموع، وباتَ عليٌّ علیه السلام تلك الليلة كلّها، يعبّي الناس، ويُكتِّبُ الكتائب، ويدور في الناس ويحرِّضهم.
قال نصر: حدثنا عمر بن سعد، بإسناده عن عبد الله بن جُندب، عن أبيه أن عليًّا علیه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوّه، فيقول:
لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فهي حُجّة أخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتُموهم فلا تقتلوا مُدبِراً، ولا تُجهزوا على جَريح، ولا تكشفوا عَوْرة، ولا تُمَثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتِكوا سِتراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تَهِيجوا امرأةٌ، وإنْ شَتَمْنَ أعراضكم، وتناولُنَ أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضِعاف القوى والأنفس والعقول، ولقد كُنَّا وإنا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وهن مشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعيِّر بها عَقِبه من بعده.
قال نصر: وحدثنا عمر سعد، عن إسماعيل بن يزيد - يعني ابن أبي خالد - عن أبي صادق، أنّ علياً علیه السلام حرّض الناس في حروبه، فقال:
عبادَ الله، اتقوا الله وغُضّوا أبصاركم، واخفضُوا الأصوات، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم عَلَى المنازلة والمجاولة والمبارزة والمعانقة، واثبتوا: «وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ»(1)اللهم ألهْمُهم الصبر، وأنزِل عليهم النصر، وأعظِم لهم الأجر.
قال نصر: وكان ترتيب عسكر عليّ علیه السلام، بموجب ما رواه لنا عمرو بن شمر عن جابر، عن محمد بن علي، وزيد بن حسن، ومحمد بن عبد المطلب: أنّه جَعَلَ عَلَى الخيل عَمّار بن ياسر، وعلى الرجَّالة عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ، ودفع اللواء إلى هاشم بن عُتْبة بن أبي وقّاص الزّهريَّ، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس، وعَلَى الميسرة عبدَ الله بن العباس، وجعل عَلَى رَجّالة الميمنة سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، وعَلَى رَجَّالة الميسرة الحارث بن مرة العبديّ، وجعل القَلْبَ مُضَر الكوفة والبصرة، وجعل عَلَى مَيمنة القلْب اليمن وعلى ميسرته ربيعة، وعقد ألوية القبائل، فأعطاها قوماً منهم بأعيانهم، وجعلهم رؤساءهم وأمراءهم، وجعل عَلَى قريش وأسد وكنانة عبدَ الله بن عباس، وعَلَى كِنْدة حُجْر بن عديّ الكنديّ، وعَلَى بَكْر البصرة الحُصين بن المنذر الرقاشيّ، وعَلَى تميم البصرة الأحنف بن قيس، وعَلَى خُزاعة عمرو بن الحمِق، وعَلَى بَكْر الكوفة نُعَيْم بن هُبيرة، وعَلَى سَعْد البصرة وربابها جارية بن قُدامة السعديّ، وعَلَى بَجِيلة رفاعة بن شدّاد، وعلى ذُهْل الكوفة رُوَيْماً الشيبانيّ - أو يزيد بن رُويم - وعلى عمرو البصرة وحَنْظَلتِها أعٌين بن ضُبَيْعَة، وعلى قُضاعة وطيّىء عديّ بن حاتم الطائيّ، وعلى لهازم الكوفة عبد الله بن حَجَل العجْليّ، وعلى تميم الكوفة عُمير بن عطارد، وعلى الأزْد واليمن جُنْدَب بن زهير، وعلى ذُهْل البصرة خالد بن المعمَّر السّدوسيّ، وعلى عَمْرو الكوفة وحَنْظلتها شَبَث بن رِبْعيّ، وعلى هَمْدان سعيد بن قيس، وعلى لهازم البصرة حُرَيث بن جابر الجُعفيّ، وعلى سعد الكوفة ورِبابها الطُّفَيل أبا صُرَيمة، وعَلَى مَذْحِج الأشتر بن الحارث النَّخَعِيُّ، وعَلَى عبد القيس الكوفة صَعْصعة بن صُوحان، وعَلَى عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة، وعَلَى قيس الكوفة عبد الله بن الطُّفَيْل البَكّائي، وعَلَى قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشميّ وعَلَى قيس البصرة قبيصة بن شدّاد الهلاليّ، وعَلَى اللفيف من القواصي القاسم بن حنْظلة الجُهَنيّ.
وأما معاوية فاستعمل عَلَى الخيل عُبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعَلَى الرجّالة مسلم بن عقبة المَزنِّيّ، وجعل عَلَى الميمنة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعَلَى الميسرة حبيب بن مسلمة
1) سورة الأنفال، الآيتان: 45، 46
الفهريّ، وأعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل عَلَى أهل دمشق - وهم القلب - الضحاك بن قيس الفِهريّ، وعلى أهلِ حِمْص - وهم الميمنة - ذا الكَلاع الحميريّ، وعلى أهل قِنِّسرين - وهم في الميمنة أيضاً - زُفَر بن الحارث الكلابيّ، وعلى أهل الأردن - وهم الميسرة - سفيان بن عمرو أبا الأعور السّلَميّ، وعلى أهل فلسطين - وهم في الميسرة أيضاً - مسلمة بن مَخْلد، وعلى رجّالة أهل دمشق بسر بن أبي أرضأة العامري بن لؤي بن غالب، وعلى رجالة أهل حمص حوشباً ذا ظليم، وعلى رجالة قيس طريف بن حابس الألهاني، وعلى رجالة الأردن عبد الرحمن بن قيس القيني، وعلى رجالة أهل فلسطين الحارث بن خالد الأزدي وعلى رجالة قيس دمشق همام بن قَبِيصة، وعلى قضاعة حِمْص وإيادها بلال بن أبي هُبيرة الأزديّ، وحاتم بن المعتمر الباهليّ، وعلى رجّالة الميمنة حابس بن سعيد الطائيّ، وعلى قُضاعة دمشق حَسّان بن بَحْدل الكلبيّ، وعلى قُضاعة عباد بن يزيد الكلبي، وعلى كِنْدة دمشق حسان بن حويّ السّكسكيّ، وعلى كِنْدة حِمْص يزيد بن هبيرة السَّكونيّ، وعلى سائر اليمن يزيد بن أسد البَجَليّ، وعلى حِمْيّر وحضرموت اليمان بن غفير وعلى قضاعة الأردنّ حبيس بن دُلجة الفيْنيّ، وعلى كنانة فلسطين شريكاً الكنانِيّ، وعلى مذحج الأردنّ المخارق بن الحارث الزبيدي، وعلى جذام فلسطين ولحمها ناتل بن قيس الجذامي، وعلى همدان الأردن حمزة بن مالك الهمداني، وعلى الخثعم بن عبد الله الخثعمي، وعلى غسان الأردف يزيد بن الحارث، وعلى جميع القواصي القعقاع بن أبرهة الكَلاعِيّ، أصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان.
قال نصر: فأما رواية الشعبيّ التي رواها عنه إسماعيل بن أبي عُميرة، فإنّ علياً علیه السلام بعث على ميمنتِه عبد الله بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزاعيّ، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس، وعلى خيل الكوفة الأشتر، وعلى البصرة سهل بن حُنيف، وعلى رجّالة الكوفة عَمّار بن ياسر، وعلى رجّالة أهل البصرة قيس بن سعد - وكان قد أقبل من مصر إلى صِفّين - وجعل معه هاشم بن عُتبة، وجعل مسعود بن فدكي التميميّ على قراء أهل البصرة، وأما قرّاء أهل الكوفة فصاروا إلى عبد الله بن بُدَيل، وعمار بن ياسر.
قال نصر: وأما ترتيب عسكر الشام - فيما رواه لنا عمر بن سعد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية - فإن معاوية بعث على ميمنته ذا ذا الكَلَاع وعلى ميسرته حبيب بن مَسْلَمة الفِهْريّ، وعلى مقدّمته من يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السّلمِيّ، وكان على خَيْل دمشق كلّها عمرو بن العاص، ومعه خيول أهل الشام بأسرها، وجعل مسلم بن عُقْبة المُرّيّ على رجالة دمشق، والضحاك بن قيس على سائر الرجّالة بعد
قال نصر: وتَبَايع رجال من أهل الشام على الموت وتحالفوا عليه وعَقّلوا أنفسهم بالعمائم، وكانوا صُفوفاً خمسة معقّلين، كانوا يخرجون فيصطفّون أحدَ عشر صفاً، ويخرجُ أهلُ العراق فيصطفُّون أحدَ عشر صفاً أيضاً.
قال نصر: فخرجوا أول يوم من صفر من سنة سبع وثلاثين، وهو يوم الأربعاء، فاقتتلوا، وعَلى مَنْ خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قِتالاً شديداً جُلَّ النهار، ثم تراجعوا وقد انتصفَ بعضُهم من بعض. ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عَتْبة في خَيْل ورجال حَسَنٍ عددها وعُدّتها، فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السُّلَميّ فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمِلُ الخيل على الخيل والرجال على الرجال. ثم انصرفوا وقد صَبَر القوم بعضهم لبعض، وخرج في اليوم الثالث عَمّار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشدّ قتال كان، وجعل عمّار يقول: يا أهل الشام، أترِيدون أنْ تنظُروا إلى مَنْ عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين. فلما أراد الله أنْ يُظهر دِينَه، وينصر رسوله أتى إلى النبيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم، وهو والله فيما يرى راهبٌ غير راغب. ثم قبض الله ورسولَهُ، وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم، ومودّة المجرم! ألا وإنه معاوية، فقاتلوه والعنوه، فإنه ممّن يطفىء نور الله، ويظاهر أعداء الله.
قال: وكان مع عمَّار زيادُ بن النضر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل فصبروا له، وشَدّ عمار في الرّجّالة، فأزال عمرو بن العاص عن مَوْقِفه، وبارز يومئذٍ زياد بن النضر أخاً له من بني عامر يعرف بمعاوية بن عمرو العُقيليّ، وأمهما هند الزبيديّة، فانصرف كلّ واحد منهما عن صاحبه بعد المبارزة سالماً، ورجع الناس يومهم ذلك.
قال نصر: وحدثني أبو عبد الرحمن المسعوديّ قال: حدثني يونس بن الأرقم، عمّن حدثه من شيوخ بَكْر بن وائل، قال: كنا مع عليّ علیه السلام بصِفّين، فرفع عمرو بن العاص شُقّة خميصة سوداء في رأس رُمْح، فقال ناس: هذا لواء عَقَده له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فلم يزالُوا يتحدّثون حتى: وصل ذلك إلى عليّ علیه السلام، فقال: أتدرُون ما أمرُ هذا اللواء! إنّ عدوِّ الله عَمْراً أخرج له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هذه الشُّقّة، فقال: مَنْ يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله؟ قال: «فيها ألا تقاتل بها مسلماً، ولا تقرّبها من كافر»(1)، فأخذها، فقد والله قَرّبها من المشركين، وقاتل بها اليوم المسلمين، والَّذّي فَلَق الحبّة، وبرى النَّسَمة، ما أسلموا ولكنهم استسلموا وأسرُّوا الكفر، فلما وجدوا عليه أعواناً أظهروه.
1) ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (68/3)
وروى نصر، عن أبي عبد الرحمن المسعوديّ، عن يونس بن الأرقم، عن عوف بن عبد الله ، عن عمرو بن هند البَجَليّ، عن أبيه، قال: لما نظر عليّ علیه السلام إلى رايات معاوية وأهل الشام قال: والذي فلَقَ الحبّة، وبرأ النسمة، ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسرُّفوا الكفر، فلما وجدوا عليه أعواناً، رجعوا إلى عَدَواتهم لنا، إلا أنّهم لم يتركوا الصلاة.
وروى نصر، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما كان قتال صِفّين قال رجل لعمّار: يا أبا اليقظان، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قاتلوا الناس حتى يُسلموا، فإذا أسلموا عَصَموا منّي دماءهم وأموالهم»(1)؟ قال: بلى، ولكن والله ما أسلموا، ولكن استسلموا، وأسرّوا الكفر حتى وَجَدُوا عليه أعواناً.
وروى نصر، عن عبد العزيز عن حبيب بن أبي ثابت، عن منذر الثوريّ، قال: قال محمد بن الحنفيّة: لما أتاهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مِن أعلى الوادي ومن أسفله، وملأ الأودية كتائب - يعني يوم فتح مكة - استسلموا حتى وجدوا أعواناً(2).
وروی نصر، عن الحكم بن ظهير عن إسماعيل، عن الحسن، قال: وحدثنا الحكم أيضاً عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن زرّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطُب على مِنْبَري فاضربوا عنقه»، فقال الحسن: فوالله ما فعلوا ولا أفلحوا(3).
الأصل: وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِیٌّا عَلَى اللُّقَمِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الأَلمِ، وَجِدًّا فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ. وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلِ مِنَّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ
تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا، أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأسَ المَنُونِ، فَمَرَّةٌ لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَمَرَّةٌ لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا الْنَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَمُتَبَوِّعاً أَوْطَانَهُ.
وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلَا أَخْضَرَّ لِلْإِيْمَانِ عُودٌ. وَايْمُ اللهِ لَتَحْلِينَّهَا دَماً، ولتبعُنَّهَا نَدَماً!
الشرح: لَقَمُ الطريق: الجادّة الواضحة منها. والمَضَض: لذع الألم وبرحاؤه. والتَّصاول: يحمل كلُّ واحدٍ من القِرنين على صاحبه. والتخالس: التسالُب والانتهاب والكبت: الإذلال. وجران البعير: مقدّم عنقه. وتبوّات المنزل: نزلته. ويقال لمن أسرف في الأمر: لَتَحتلِبَنَّ دماً، وأصله الناقة يُفْرَط في حَلْبها فيحلب الحالب الدم.
وهذه ألفاظ مجازية من باب الاستعارة، وهي:
قوله: «استقرّ الإسلامُ ملقياً جِرانه»، أي ثابتاً متمكّناً، كالبعير يلقي جِرانه على الأرض.
وقوله: «متبوناً أوطانه»، جعله كالجسم المستقرّ في وطنه ومكانه.
وقوله: «ما قام للدين عمود»، جعله كالبيت القائم على العُمُد.
وقوله: «ولا اخضرّ للإيمان عود»، جعله كالشّجرة ذات الفروع والأغصان.
فأما قتلهم الأقاربَ في ذات الله فكثير، قتلَ عليّ علیه السلام الجمَّ الغفير من بني عبد مناف وبني عبد الدار في يوم بَدْر وأُحُد، وهم عشيرته وبنو عَمِّه، وقَتَل عمرُ بن الخطاب يومَ بَدْر خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وقتل حمزةُ بن عبد المطلب شيبةَ بن ربيعة يوم بَدْر، وهو ابنُ عمه، لأنهما ابنا عبدِ مناف، ومثل ذلك كثير مذكور في كتب السيرة.
وأما كَوْنُ الرجل منهم وقِرْنِه يتصاولان ويتخالسان، فإنّ الحال كذلك كانت، بارز عليّ علیه السلام الوليدَ بن عُثبة، وبارز طلحةَ بن أبي طلحة، وبارز عمرو بن عبدوَدّ، وقتل هؤلاء الأقران مبارزة، وبَارَزَ كثيراً من الأبطال غيرهم وقَتَلهم، وبارز جماعةٌ من شُجْعان الصحابة جماعةً من المشركين، فمنهم مَنْ قُتِلَ، ومنهم مَنْ قَتَلَ وكتب المغازي تتضمّن تفصيل ذلك.
وهذا الكلام قاله أمير المؤمنين علیه السلام في قصة ابن الحضرميّ حيث قدم البَصْرة من قِبَل معاوية، واستنهض أميرُ المؤمنين علیه السلام أصحابه إلى البصرة، فتقاعدوا.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفّي في كتاب «الغارات»:
حدّثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا الحسن بن علي الزّعفرانيّ، عن محمد بن
عثمان، عن ابن أبي سيف، عن يزيد بن حارثة الأزديّ، عن عمرو بن محصن، أن معاوية لما أصابَ محمد بن أبي بكْر بمصر وظهر عليها، دعا عبد الله بن عامر الحضرميّ، فقال له: سر إلى البصرة، فإن جّل أهلها يرون رأينا في عثمان، ويعظّمون قتلَه، وقد قُتِلوا في الطلب بدمِه، فهم موتورون حَنِقون(1)لما أصابهم، ودُّوا لو يجدون مَنْ يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، واحذرْ ربيعة، وأنزل في مُضَر، وتودّدِ الأزد، فإنّ الأزد كلَّها معك إلا قليلاً منهم، وإنهم إن شاء الله غيرُ مخالفيك.
فقال عبد الله بن الحضرميّ له: أنا سهمٌ في كنانتك، وأنا مَنْ قد جَرَّبت، وعدوّ أهل حربك، وظهيرك على قتلة عثمان، فوجِّهْنِي إليهم متى شئت. فقال: اخْرُج غداً إن شاء الله . فودّعه وخرج من عنده.
فلما كان الليل جَلس معاوية وأصحابه يتحدَّثون، فقال لهم معاوية: في أيّ منزل ينزل القمر الليلة؟ فقالوا: بسعد الذَّابح، فكرِه معاوية ذلك، وأرسل إليه الاّ تبرح حتى يأتيَك أمري. فأقام.
ورأى معاوية أن يكتبَ إلى عمرو بن العاص وهو يومئذٍ بمصر، عاملُه عليها، يستطلع رأيه في ذلك، فكتب إليه، وقد كان تَسمَّى بإمرة المؤمنين بعد يوم صِفِّين، وبعد تحكيم الحكمين: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص:
سلام عليك، أما بعد، فإني قد رأيتُ رأياً هممت بإمضائه، ولم يخذُلني عنه إلّا استطلاع رأيك، فإن توافقني أحَمد الله وأمضه، وإن تخالفني فإني أستخيرُ اللهَ وأستهديه. إني نظرتُ في أمر أهل البصرة فوجدتُ معظَم أهلِها لنا وليّاً ولعليّ وشيعته عدوًّا، وقد أوقع بهم عليّ الوَقْعة التي علمت، فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرج ولا تريم، وقد علمتَ أنّ قتلنا ابن أبي بكر، ووقعتنا بأهل مصر قد أطفأتْ نيران أصحاب عليّ في الأفاق، ورفعت رؤوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد، وقد بلغ مَنْ كان بالبصرة على مثلِ رأينا من ذلك ما بلغ الناس، وليس أحد ممّن يرى رأينا أكثرَ عدداً، ولا أضرّ خلافاً على عليّ من أولئك، فقد رأيتُ أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرميّ، فينزل في مُضَر ويتودَّد الأزد، ويحذر ربيعة، ويبتغي دم ابن عفان، ويذكّرهم وقعة عليّ بهم، التي أهلكَتْ صالحي إخوانهم وآبائهم وأبنائهم. فقد رجوتُ عند ذلك أن يُفْسِدَ على عليّ وشيعته ذلك الفَرْج من الأرض، ومتى يُؤتَوْا من خَلفهم وأمامهم يضلّ سعيهم، ويبطل كيدُهم. فهذا رأيي. فما رأيك؟ فلا تحبس رسولي إلا قَدْر مضيّ الساعة التي ينتظرُ فيها جواب كتابي هذا. أرشدنا الله وإياك، والسلام عليك ورحمة الله وبرکاته.
1) الحنق: شدة الاغتياظ. اللسان، مادة (حنق)
فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:
أما بعدَ، فقد بلغني رسولُك، وكتابك، فقرأته وفهمتُ رأيَك الذي رأيته، فعجبت له، وقلت: إنَّ الذي ألقاه في روعِك، وجعله في نفسك هو الثائر بابن عفان، والطالب بدمه، وإنه لم يك مِنْك ولا منَّا منذ نهضنا في هذه الحروب وبادينا أهلها، ولا رأى الناس رأياً أضرّ على عدوك. ولا أسرّ لوليّك مِنْ هذا الأمر الذي ألهمتَه فامض رأيَك مسدِّداً، فقد وَجَّهْتَ الصَّليب الأريب الناصح غير الظَّنين والسلام.
فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحَضْرميّ - وقد كان ظنّ حين تركه معاوية أياماً لا يأمرُه بالشخوص، أن معاوية قد رجع عن اشخاصه إلى ذلك الوجه - فقال: يابنَ الحضرميّ، سرّ على بركة الله إلى أهل البصرة فانزل في مُضَر، واحْذَرُ ربيعة، وتودّد الأزْد، وانْعَ ابن عفان، وذكّرهم الوقَعة التي أهلكتْهم، ومَنِّ لمن سمع وأطاع دُنْيا لا تفنى، وأَثَرَةً لا يفقِدها حتى يفقدنا أو نفقده.
فودعه ثم خرج من عِنده، وقد دفع إليه كتاباً، وأمره إذا قدِم أن يقرأه على النّاس.
قال عمرو بن محصن: فكنتُ معه حين خرج، لما خرجنا سرنا ما شاء الله أن نَسِير، فسنَحَ لنا ظبي أعْضب عن شمائلنا، فنظرت إليه، فوالله لرأيتُ الكراهيَة في وجهه، ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم، فسمعَ بقُدُومنا أهلُ البصرة، فجاءنا كلّ مَنْ يرى رأي عثمان، فاجتمع إلينا رؤوس أهلِها، فحمد الله ابنُ الحضرميّ وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، أيها الناس، فإن إماكم إمام الهدى عثمان بن عَفّان، قتله عليّ بن أبي طالب ظُلماً، فطلبتم بدمه، وقاتلتم مَنْ قَتَله، فجزاكم الله مِنْ أهل مصر خيراً، وقد أصيبَ منكم الملأ الأخيار، وقد جاءكم الله بإخوان لكم لهم بأسٌ يُتَّقَى، وعدد لا يُحصى، فَلَقوا عدوَّكم الذين قتلوكم، فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين، ورجعوا وقد نالوا ما طلبوا، فمالئوهم وساعدوهم وتذكروا ثأرَكم لتَشفوا صِدروكم من عدوّكم.
فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلاليّ، فقال: قَبّح الله ما جنتنا به، وما دعوتنا إليه! جئتَنا والله بمثل ما جاء به صاحِباك طلحة والزبير، أتَيَانا وقد بايعنا علياً، واجتمعنا له، فكلمتنا واحدة ونحن على سبيل مستقيم، فدعوَانا إلى الفرقة، وقاما فينا بزُخرف القول، حتى ضربنا بعضَنا بعض عُدواناً وظُلماً، فاقتتلنا على ذلك، وأيمْ الله، ما سلِمْنا من عظيم وبال ذلك، ونحن الآن مجمعون على بَيْعة هذا العبد الصالح الذي أقال العَثْرة، وعفا عن المسيء وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا. أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافَنا من أغمادها، ثم يضرب بعضنا بعضاً، ليكون معاوية أميراً، وتكون له وزيراً، ونعدِل بهذا الأمر عن عليّ! والله ليوم من أيام عليّ مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم خيرٌ من بلاء معاوية وآل معاوية لو بقوا في الدنيا، ما الدنيا باقية.
فقام عبد الله بن خازم السُّلَمِيّ، فقال للضحاك: اسكت، فلست بأهلٍ أنْ تتكلم في أمرِ العامة. ثم أقبل على ابن الحضرميّ، فقال: نحن يدُك وأنصارك، والقول ما قلت: وقد فهمنا عنك، فدعنا أنى شئت! فقال الضّحاك لابن خازم: يا بن السوداء: والله لا يعِزّ من نصرت، ولا يذِلّ بخذلانك مَنْ خذلت، فتشاتما.
قال صاحب كتاب الغارات: والضحاك هذا هو الذي يقول:
يا أَبهذا السائلي عن نَسَبِي *** بين ثقيفٍ وهلال منصِبي
أمِّيَ أسماء وضَحَاكٌ أبي
قال: وهو القائل في بني العباس:
مَا وَلَدَتْ من ناقة لفحلِ *** في جَبَلٍ نعلمُه وَسَهْلِ
كستة منْ بطْن أم الفضلِ *** أكْرِمْ بها من كَهْلَةٍ وكَهْلِ
عمَ النبيّ المصطفى ذي الفضلِ *** وخاتم الأنبياء بعد الرُّسُلِ
قال: فقام عبدُ الرحمن بن عمير بن عثمان القرشيّ ثم التيميّ، فقال: عباد الله، إنا لم ندعوكم إلى الاختلاف والفُرقة، ولا نريد أنْ تقتتلوا ولا تتنابزوا، ولكنا إنّما ندعوكم إلى أنْ تجمَعُوا كلمتكم، وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم، وأنْ تَلُمُوا شَعَثَكُمْ وتُصلِحوا ذاتَ بينكم، فمهلاً مهلاً! رحمكم الله! استمعوا لهذا الكتاب، وأطيعوا الذي يقرأ عليكم.
ففضوا كتابَ معاوية وإذا فيه: مِنْ عبد الله معاوية أمير المؤمنين، إلى من قرىء كتاب هذا عليه من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة:
سلام عليكم. أما بعدُ، فإنّ سَفك الدماء بغير حلّها، وقتل النفوس التي حَرّم الله قتلها هلاكٌ موبق، وخسران مبين، لا يقبل الله مِمّن سَفَكها صَرْفاً ولا عَدْلاً، وقد رأيتُم رحِمكم الله آثار ابن عفان وسيرتَه، وحُبّه للعافية، ومَعْدَلته، وسَدّه للثغور، وإعطاءه في الحقوق، وإنصافه للمظلوم، وحُبّه الضعيف، حتى توثّب عليه المتوثبون، وتظاهر عليه الظالمون، فقتلوه مسلماً محرماً، ظمآن صائماً، لم يسفِكْ فيهم دماً، ولم يقتُلْ منهم أحداً ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوطٍ، وإنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه، وإلى قتال مَنْ قتله، فإنا وإياكم على أمرِ هُدًى واضح، وسبيل مستقيم. إنكم إن جامعتمونا طفئت الناثرة(1)، واجتمعت الكلمة، واستقام أمرُ هذه الأمة، وأقرّ الظالمون المتوثبون الذين قَتَلوا إمامهم بغير حق، فأخِذُوا بجرائرهم وما قَدّمت
1) النائرة: نارت الناثرة: أي هاجمت الحصائجة، اللسان، مادة (نار)
أيديهم. إنّ لكم أنْ أعمَل فيكم بالكتاب، وأنْ أعطيكم في السَّنَة عطاءَيْن، ولا أحتمل فضلاً من فيئكم عنكم أبداً. فسارعوا إلى ما تُدْعون إليه رحمكم الله! وقد بعثتُ إليكم رجلاً من الصالحين، كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان وعماله وأعوانه على الهدى والحق، جعلنا الله وإياكم ممّن يجيب إلى الحق ويعرفه، ويُنكِر الباطل ويَجْحَده، والسلام عليكم ورحمة الله.
قال: فلما قُرِىء عليهم الكتاب، قال معظهم: سمعنا وأطعمنا.
قال: وروی محمد بن عبد الله بن عثمان، عن عليّ، عن أبي زهير، عن أبي مِنْقر الشيبانيّ، قال: قال الأحنف لما قرى عليهم كتاب معاوية: أمّا أنا فلا ناقةَ لي في هذا ولا جَمَل. واعتزل أمرهم ذلك.
وقال عمرو بن مرجوم، من عبد القيس: أيّها الناس، الزموا طاعتكم، ولا تنكُلُوا بيعتَكم فتقع بكم واقعة وتصيبكم قارعة، ولا يكن بعدها لكم بقيّة، ألا إنّي قد نصحتُ لكم، ولكن لا تحبون الناصحين.
قال إبراهيم بن هلال: وروى محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف، عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عبّاد، أن الذي كان سَدَّدَ لمعاوية رأيه في تسريح ابن الحضرميّ كتاب كتبه إليه عبّاس بن ضحاك العبديّ، وهو ممن كان يرى رأي عثمان، ويخالف قومَه في حبهم عليًّا علیه السلام ونصرتهم إياه، وكان الكتاب:
أما بعد، فقد بلغنا وقعتُك بأهلِ مصر، الذين بَغَوْا على إمامهم، وقتلوا خليفتَهم طمَعاً وبَغْياً، فقرّت بذلك العيون، وشُفِيت بذلك النفوس، وبردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين، ولعدوّه مفارقين، ولكن موالين، وبك راضين، فإن رأيتَ أن تبعثَّ إلينا أميراً طيباً ذكياً ذَا عَفاف ودين، إلى الطلب بدم عثمان فَعَلْت، فإني لا أخال الناس إلا مجمعين عليك، وإن ابن عباس غائب عن المصر. والسلام.
قال: فلما قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمتُ رأياً سوى ما كتب به إلي هذا، وكتب إليه جوابه:
أما بعد، فقد قرأتُ كتابَك، فعرفت نصيحتَك، وقَبِلت مشورتك، رحمك الله وسددك، اثْبُتْ هداك الله على رأيك الرشيد، فكأنّك بالرجل الذي سألت قد أتاك، وكأنّك بالجيش قد أطل عليك فسررت وحبِيت، والسلام.
قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني علي بن أبي سيف عن أبي زهير قال: لما نزل ابن الحضرميّ في بني تميم أرسل إلى الرؤوس فأتوه، فقال لهم: أجيبوني إلى الحقّ، وانصروني على هذا الأمر.
قال: وإنّ الأميرَ بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس، وقدم على عليّ علیه السلام إلى الكوفة يعزّيه عن محمد بن أبي بكر، قال: فقام إليه ابن ضَحَّاك فقال: والذي له أسعى، وإياه أخشى، لننصرنّك بأسيافنا وأيدينا.
وقام المثنّى بن مخرمة العبديّ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنجاهدنّك بأسيافنا وأيدينا، ونبالنا وأسنّة رماحنا. نحن نَدَع ابن عمّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وسيد المسلمين، وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ! والله لا يكون ذلك أبداً حتى نسيّر كتيبة، ونفلّق السيوف بالهام.
فأقبل ابنُ الحضرميّ على صَبرة بن شَيْمان الأزديّ فقال: يا صَبْرة، أنت رأسُ قومك، وعظيمٌ من عظماء العرب، وأحد الطّلبة بدم عثمان، رأينا رأيُك، ورأيُك رأيُنا، وبلاء القوم في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت ورأيت، فانصرني وكُنْ من دوني. فقال له: إن أنت أتيتني فنزلت في داري نصرتَك ومنعتك. فقال: إنّ أمير المؤمنين معاوية أمرَني أنْ أنزل في قومه من مُضر، فقال: اتَّبع ما أمرك به.
وانصرف من عنده، وأقبل الناسُ إلى ابن الحُضْرميّ، وكثر تَبَعهُ، ففزع لذلك زياد وهَالَهُ، وهو في دار الإمارة، فبعث إلى الحُضَين بن المنذر ومالك بن مِسْمَع، فدعاهما، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإنكم أنصارُ أمير المؤمنين وشيعتُه وثقته، وقد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم، فأجيروني حتى يأتيَني أمْرُ أمير المؤمنين ورأيُه.
فأما مالك بن مسمع، فقال: هذا أمر فيه نَظَر، أرجع إلى مَنْ ورائي، وأنظر وأستشير في ذلك.
وأمّا الحضين بن المنذر فقال، نعم، نحن فاعلون، ولن نخذُلَك ولن نُسلِمك.
فلم يَرَ زياد من القوم ما يطمئنّ إليه، فبعث إلى صَبْرة بن شَيْمان الأزدي، فقال: يابن شَيمان، أنت سيدُ قومك، وأحد عظماء هذا المِصْر، فإن يكن فيه أحدٌ هو أعظم أهله فأنت ذاك، أفلا تجيرني وتمنعُني، وتمنع بيتَ مال المسلمين! فإنما أنا أمين عليه. فقال: بَلى، إن تحمّلت حتى تنزِل في داري منعتُك، فقال: إني فاعل.
فارتحل ليلاً حتى نزل دار صَبْرة بن شَيْمان، وكتب إلى عبد الله بن عباس - ولم يكن معاوية ادَّعى زياداً بعد، لأنه إنما ادّعاه بعد وفاة عليّ علیه السلام:
للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد.
سلام عليك، أما بعدُ فإنّ عبد الله بن عامر بن الحضرميّ أقبل مِنْ قِبل معاوية حتى نزل في بني تميم، ونَعى ابن عفّان، ودعا إلى حرب، فبايَعه جُلُّ أهلِ البصرة، فلما رأيت ذلك استجرتُ بالأزْد، بصَبْرَة بن شَيْمان وقومِه لنفسي ولبيت مال المسلمين، ورحلتُ من قصر الإمارة فنزلت فيهم، وإنّ الأزد معي، وشيعة أمير المؤمنين من فُرسان القبائل تختلف إليّ وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرميّ، والقصر خالٍ منّا ومنهم، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين، ليرى فيه رأيه، وأعْجِل إليّ بالذي تَرى أن يكون منه فيه. والسلام عليك ورَحمة الله وبركاته.
قال: فرفع ذلك ابنُ عباس إلى عليّ علیه السلام، وشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، وكانتُ بنو تميم وقيس، ومَنْ يرى رأي عثمان قد أمرُوا ابن الحضرميّ أن يَسير إلى قصر الإمارة حين خَلّاه زياد، فلما تهيّأ لذلك ودعا أصحابَه، ركبت الأزد، وبعثت إليه وإليهم: إنا والله لا نَدَعكم تأتونَ القصر فتُنزلون فيه مَنْ لا نَرْضَى، ومَنْ نحن له كارهون، حتى يأتيَ رجل لنا ولكم رضا، فأبى أصحابُ ابن الحضرميّ إلا أنْ يسيروا إلى القصر، وأبت الأزد إلا أن يمنعوهم. فركب الأحنف، فقال لأصحاب ابن الحضرميّ: إنكم والله ما أنتم أحقّ بقصر الإمارة من القوم، وما لكم أن تؤمَّروا عليهم مَنْ يكرهونه، فانصرفوا عنهم: ففعلوا، ثم جاء إلى الأزد، فقال: إنه لم يكن ما تكرهون، ولا يُؤتَى إلّا ما تُحِبّون، فانصرفوا رحمكم الله ففعلوا.
قال إبراهيم، وحدثنا محمد بن عبد الله بن أبي سيف، عن الكلبيّ، أنّ ابن الحضرميّ لما أتى البصرة، ودخلها نزل في بني تميم في دار سبيل، ودعا بني تميم وأخلاط مُضَر، فقال زياد لأبي الأسود الدؤليّ: أما ترى ما صَغَى أهلُ البصرة إلى معاوية، وما في الأزد لي مطمع، فقال: إن كنتَ تركتهم لم ينصروك، وإن أصبحت فيهم منعوك.
فخرج زيادٌ من ليلته، فأتى صَبْرة بن شَيْمان الحُدانيّ الأزديْ، فأجاره، وقال له حين أصبح: يا زياد، إنه ليس حسناً بنا أن تقيم فينا مختفياً أكثر من يومك هذا، فأعدّ له منبراً وسريراً في مسجد الحدّان، وجعل له شُرَطاً، وصلى بهم الجمعة في مسجد الحُدّان.
وغلب ابنُ الحضرمي على ما يليه من البصرة وجَباها، وأجمعت الأزد على زياد، فصعِد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا معشر الأزد، إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي، وأولى الناس بي. وإني لو كنت في بني تميم وابنُ الحضرميّ فيكم لم أطمعْ فيه أبداً وأنتم دونه، فلا يطمع ابنُ الحضرميّ فيّ وأنتم دوني، وليس ابنُ آكلةِ الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدْني إلى الغلبة من أمير
المؤمنين في المهاجرين والأنصار، وقد أصبحت فيكم مضموناً، وأمانة مؤداة، وقد رأينا وقعَتَكم يوم الجمل، فاصبِروا مع الحقّ صبرَكم مع الباطل، فإنكم لا تُحْمَدون إلا على النجدة، ولا تُعْذرون على الجبن.
فقام شَيْمان أبو صبرة - ولم يكن شهد يوم الجمل، وكان غائباً - فقال: يا معشَر الأزد، ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر، وقد كنتم أمس على عليّ علیه السلام، فكونوا اليوم له، واعلموا أنّ إسلامكم له ذلّ، وخذلانكم إياه عار، وأنتم حيٌّ مضماركم الصبر وعاقبتكم الوفاء، فإن سار القوم بصاحبهم فسِيرُوا بصاحبكم، وإن استمدُّوا معاوية، فاستمدّوا علياً علیه السلام، وإِنْ وَادَعُوكم فوادِعُوهم.
ثم قام صبرة ابنه، فقال: يا معشر الأزْد، إنا قلنا يومَ الجمل: نمنع مِصْرنا، ونطيع أُمَّنا نطلب دم خليفتنا المظلوم، فجدّدنا في القتال، وأقمنا بعد انهزام الناس، حتى قُتِل منا مَنْ لا خير فينا بعده، وهذا زياد جاركم اليوم، والجار مضمون، ولسنا نخاف من عليّ ما نخاف من معاوية، فهَبُوا لنا أنفُسكم، وامنعوا جاركم أو فأبلِغوه مأمنه.
فقالت الأزد: إنما نحن لكم تبع فأجيروه. فضحك زياد، وقال: يا صبرة، أتخشون ألّا تقوموا لبني تميم! فقال صبرة: إن جاؤونا بالأحنف جتناهم بأبي صَبْرة، وإن جاؤونا بالحباب جئت أنا، وإن كان فيهم شباب كثير. فقال زياد: إنما كنت مازحاً.
فلما رأت بنو تميم أنّ الأزد قد قامت دون زياد بعثتْ إليهم: أخرجوا صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا، فأيّ الأميرين غلَبَ - عليّ أو معاوية - دخلنا في طاعته، ولا نهلِك عامّتنا.
فبعث إليهم أبو صبرة: إنما كان هذا يُرْجى عندنا قبل أن نجيره، ولعمري ما قَتْل زياد وإخراجه إلا سواء، وإنكم لتعلمون أنّا لم تُجِرْه إلا كرماً، فالهوا عن هذا.
قال: وروى أبو الكَنود أنَّ شَبث بن رِبعيّ قال لعليّ علیه السلام: يا أمير المؤمنين، ابعث إلى هذا الحيّ من تميم، فادْعُهم إلى طاعتك، ولزوم بيعتك، ولا تسلّط عليهم أزد عُمان البُعداء البغضاء، فإن واحداً من قومك خيرٌ لك من عشرة من غيرهم.
فقال له مُخْنَف بن سليم الأزديّ: إن البعيد البغيض، من عَصَى الله وخالف أمير المؤمنين، وهم قومك، وإن الحبيب القريب مَنْ أطاع الله ونصر أمير المؤمنين وهم قومي، واحدهم خيرٌ الأمير المؤمنين من عشرة من قومك.
فقال أمير المؤمنين علیه السلام: مه! تناهوا أيها الناس، ولير دَعْكم الإسلام ووقارُه عن التباغي والتهاذي، ولتجتمِعْ كلمتكم، والْزَموا دينَ الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلاً من مشركين متباغضين
متفرّقين، فألّف بينكم بالإسلام فكثُرتم، واجتمعتم وتحاببتم. فلا تَفرّقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم، وإذا رأيتم الناس بينهم النّائرة وقد تداعَوا إلى العشائر والقبائل فا قصِدوا لهامهم ووجوههم بالسَّيْف حتى يفزَعوا إلى الله، وإلى كتابه وسنة نبيّه، فأمّا تلك الحميّة من خَطَرات الشياطين فانتهوا عنها، لا أبا لكم تفلحوا وتنجحوا!.
ثم إنه علیه السلام دعا أعْيَن بن ضُبَيعة المجاشعيّ، وقال: يا أعْيَن، ألم يبلغك أن قومَك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرميّ بالبصره، يَدْعُون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال القاسطين عليَّ!
فقال: لا تُسَأ يا أمير المؤمنين، ولا يكن ما تكره ابعثني إليهم، فأنا لك زعيم وتفريق جماعتهم، وتَفْي ابن الحضرميّ من البصرة أو قتله.
قال: فاخرج الساعة.
فخرج من عنده ومضى حتى قدم البصرة.
هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات.
وروى الواقديّ أن علياً علیه السلام، استنفرَ بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصْرة مَنْ يكفيه أمر ابن الحضرميّ، ويردّ عادية بني تميم الذين أجاروه بها، فلم يُجِبه أحد، فخطبهم، وقال: أليس من العَجَب أن ينصرَني الأزد، وتخذُلَني مضر! وأعجب من ذلك تقاعدُ تميم الكوفة بي، وخلاف تميم البَصْرة عليّ، وأن استنجد بطائفة منها، تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد، فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب. فكأني أخاطبُ صُمَّا بُكماً لا يفقهون حِواراً، ولا يجيبون نداء، كلُّ هذا جبناً عن البأس، وحُبًّا للحياة، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتُل آباءنا وأبناءنا... الفصل إلى آخره.
قال: فقام إليه أعين بن ضُبْيعة المجاشعيّ، فقال: أنا - إنْ شاء الله - أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخَطْب، وأتكفَّلُ لك بقتل ابن الحضرميّ، أو إخراجه عن البصرة، فأمره بالتهيؤ للشخوص، فشَخص حتى قدم البصرة(1).
قال إبراهيم بن هلال: فلما قدمها دخلَ على زياد وهو بالأزْد مقيم، فرحّب به وأجلسه إلى
1) انظر الغارات: 397/2
جانبه، فأخبره بما قال له عليّ علیه السلام، وما رَدّ عليه، وما الذي عليه رأيه، فإنه إذ يكلِّمه جاءه کتاب من عليّ علیه السلام فيه:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد:
سلام عليك، أما بعد، فإني قد بعثت أعْين بن ضُبيعة، ليفرّق قومَه عن ابن الحضرميّ، فارقُبْ ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به، وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش(1)فهو ما نحبّ، وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان، فانبذْ بمن أطاعك إلى مَنْ عصاك، فجاهدهم، فإن ظهرتَ فهو ما ظننت، وإلّا فطاوِلْهم وماطِلْهم، فكأنّ كتائب المسلمين قد أطلّت عليك، فقَتَل الله المفسدين الظالمين، ونصر المؤمنين المحقّين، والسلام.
فلما قرأه زياد أقرأه أعين بن ضُبَيعة، فقال له: إني لأرجو أن يُكفَى هذا الأمر إن شاء الله ثم خرج من عنده فأتى رَحْله، فجمع إليه رجالاً من قومه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا قوم، على ماذا تقتلون أنفسكم، وتُهْريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار! وإني والله ما جئتُكم حتَّى عَبَّيْت إليكم الجنود، فإن تُنيبوا إلى الحقّ يقبل منكم، ويكفّ عنك وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبَوَاركم.
فقالوا: بل نسمع ونطيع. فقال: انهضوا الآن على بركة الله عزَّ وجل فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرميّ، فخرجوا إليه مع ابن الحضرميّ فصافّوه وواقفهم عامة يومه يُناشدهم الله، ويقول: يا قوم لا تنكثُوا بَيْعَتكم، ولا تخالفوا إمامَكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجَرَّبتم كيفَ صنع الله بكم عند نَكْثكم بيعتكم وخلافِكم.. فكفوا عنه، ولم يكن بينه قتال، وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه، فانصرف عنهم وهو منهم منتصف. فلما أوى إلى رحله تَبعه عشرة نفر يظنّ الناس أنّهم خوارج، فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه، ولا يظن أنّ الذي كان يكون، فخرج يشتدّ عُرياناً، فلحقوه في الطريق فقتلوه، فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة مَنْ معه من الأزد وغيرهم من شيعة عليّ علیه السلام، فأرسل بنو تميم إلى الأزد، والله ما عرضْنا لجاركم إذ أجرتموه ولا لمالٍ هُوَ لَهُ، ولا لأحدٍ ليس على رأينا، فما تريدون إلى حَرْبنا وإلى جارنا فكأنّ الأزد عند ذلك كَرِهَتْ قتالهم.
فكتب زياد إلى عليّ علیه السلام: أما بعد يا أميرَ المؤمنين، فإن أعْيَن بن ضُبيعة قدِم علينا مِنْ قبلك بجدّ ومناصحة وصدق ويقين، فجمع إليه مَنْ أطاعه من عشيرته، فحثهم على الطاعة والجماعة، وحذّرهم الخلاف والفرقة، ثم نهض بمَنْ أقبل معه إلى مَنْ أدبر عنه، فواقفهم عامَّة النهار، فهالَ أهلَ الخلاف تقدُّمُه، وتصدَّع عن ابن الحضرميّ كثير مِمَّن كان يريد نُصرته، فكان
1) الأوباش من الناس الأخلاط، والضروب المتفرقون، اللسان، مادة (وبش)
كذلك حتى أمسى، فأتى في رَحْله فبيَّته نفر من هذه الخارجة المارقة، فأصيب رحمه الله تعالى فأردتُ أن أناهضَ ابنَ الحضرمي عند ذلك، فحدث أمرٌ، قد أمرتُ صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين، وقد رأيتُ إنْ رأى أميرُ المؤمنين ما رأيت، أن يبعث إليهم جارية بن قُدامة فإنه نافذ البصيرة، ومطاع في العشيرة، شديدٌ على عدوّ أمير المؤمنين، فإنْ يقدُم يفرِّق بينهم بإذن الله. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فلما جاء الكتاب، دعا جارية بن قُدامة، فقال له: يابنَ قدامة، تمنع الأزد عاملي وبيت مالي، وتشاقّني مضر وتنا بذني! وبنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة، وعرَّفها الهدى، وتداعَوْا إلى المعشر الذينَ حادّوا الله ورسوله، وأرادوا إطفاء نور الله سبحانه، حتى علَتْ كلمة الله، وهلك الكافرون.
فقال: يا أمير المؤمنين، ابعثني إليهم، واستَعِنْ بالله عليهم. قال: قد بعثتك إليهم، واستعنت بالله عليهم.
قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني ابنُ أبي السيف، عن سليمان بن أبي راشد، عن كعب بن قُعين، قال خرجتُ مع جارية من الكوفة إلى البَصْرة في خمسين رجلاً من بني تميم، ما كان فيهم يمانيُّ غيري، وكنتُ شديدَ التشيُّع، فقلت لجارية: إن شئتَ كنتُ معك، وإن شئت ملتُ إلى قومي! فقال: بل معي، فوالله لوَدِدْت أنّ الطير والبهائم تنصرُني عليهم، فضلاً عن الإنس.
قال: وروى كعب بن قعين أنّ عليًّا علیه السلام كتب مع جارية كتاباً، وقال: اقرأه عَلَى أصحابك، قال: فمضينا معه، فلما دخْلنا البصرة، بدأ بزياد فرحّب به وأجلَسه إلى جانبه، وناجاه ساعة وساءلَهُ، ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أنْ قال: احذرْ على نفسك، واتَّقِ أَنْ تَلْقَى ما لَقِي صاحبُك القادمُ قَبْلك.
وخرج جارية من عنده، فقام في الأزد، فقال: جزاكم الله من حَيَّ خيراً! ما أعظَم غَناءكم، وأحسنَ بلاءكم، وأطوعكم لأميركم! لقد عرفتم الحقِّ إذ ضَيْعه من أنكره، ودَعَوْتم إلى الهدى إذ تركه مَنْ لم يعرفه. ثم قرأ عليهم وعلى مَنْ كان معه من شيعة عليِّ علیه السلام وغيرهم - كتاب علي علیه السلام، فإذا فيه:
من عبد الله عليِّ أمير المؤمنين إلى مَنْ قرى عليه كتابي هذا من ساكِني البصرة من المؤمنين والمسلمين:
سلام عليكم، أما بعد فإنّ الله حَليم ذو أنَاةٍ، لا يَعْجَلُ بالعقوبة قبل البيّنة، ولا يؤخذ المذنب عند أول وَهْلة، ولكنه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة، ليكون أعظم للحجّة، وأبلغ في المعذرة، وقد كان من شقاق جُلّكم أيها الناس ما استحققتم أنْ تعاقَبوا عليه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السَّيْف عن مُدْبركم، وقبلت من مُقْبلكم، وأخذت بيعتَكم، فإن تَفُوا ببْيعتي، وتقبلُوا نصيحتي، وتستقيموا على طاعتي، أعملْ فيكم بالكتاب والسنة وقَصْد الحق، وأُقِمْ فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أنّ والياً بعد محمد صلی الله علیه وآله وسلم أعلمْ بذلك منِّي، ولا أعمل بقولي. أقول قولي هذا صادقاً، غيرَ ذامِّ لمِن مضَى، ولا منقصاً لأعمالهم، وإن خَبَطَتْ بكم الأهواء المُرْدِية، وسَفَهُ الرأي الجائر إلى منابذتي، تريدون خِلافي! فها أنا ذا قَرَّبْتُ جيادي، وَرَحَلْت ركابي، وايمْ الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأ وقِعَنّ بكم وَقْعَةً، لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلَعْقَة لاعق، وإني لظانّ ألّا تجعلوا - إن شاء الله - على أنفسكم سبيلاً. وقد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم ولنّ أكتب إليكم من بعده كتاباً، إن أنتم استتفششتم نصيحتي، ونابذتُمُ رسولي، حتى أكونَ أنا الشَّاخص نحوكم، إن شاء الله تعالى. والسلام.
قال: فلما قرىء الكتاب على الناس قام صَبْرة بن شَيْمان فقال: سمعنا وأطعنا، ونحن لمنْ حارب أمير المؤمنين حَرْب، ولمن سالم سِلْم، إن كَفَيْتَ يا جارية قومَك بقومك فذاك وإنْ أحببت أن تنصرك نصرناك.
وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك ونحوه، فلم يأذن لأحدٍ منهم أن يسير معه، ومضى نحو بني تميم.
فقام زياد في الأزد، فقال:
يا معشر الأزد، إنّ هؤلاء كانوا أمس سِلماً، فأصبحوا اليوم حرباً، وإنكم كنتم حَرْباً فأصبحتم سلماً، وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة، ولا أقمت فيكم إلا على الأمل، فما رضيتم أن أجرتموني، حتى نصبتم لي منبراً وسريراً، وجعلتم لي شُرَطاً وأعواناً، ومنادياً وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلا هذا الدرهم، لا أجْبيه اليوم، فإن لم أجْبه اليوم أجْبِه غداً إن شاء الله. واعلموا أنّ حربكم اليومَ معاوية أيسر عليكم في الدنيا والدين من حربكم أمس عليَّا، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة، وإنما أرسله عليَّ ليصدَع أمرَ قومه، والله ما هو بالأمير المطاع، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعاً، وأنتم الهامة العظمى، والجَمْرة الحامية، فقدَّموه إلى قومه، فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه، إن رأيتم ذلك.
فقام أبو صبرة شَيْمان فقال: يا زياد، إني والله لو شهدتُ قومي يوم الجمل، رجوتُ ألا يقاتلوا علياً، وقد مضى الأمرُ بما فيه. وهو يوم بيوم، وأمّر بأمر، واللهُ إلى الجزاء بالإحسان
أسرعُ منه إلى الجزاء بالسيّء، والتوبة مع الحقّ، والعفْو مع الندم، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء، واستئناف الأمور، ولكنها جماعة دماؤها حرام، وجروحُها قصاص ونحن معك نحبّ ما أحببتَ.
فعجب زياد من كلامه، وقال: ما أظنّ في الناس مثل هذا.
ثم قام صبرة ابنه، فقال: إنا والله ما أصِبْنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصِبْنا أمس يوم الجمل، وإنا لنرجو اليوم أن نُمَحّص ذلك بطاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، وأمّا أنْتَ يا زياد فوالله ما أدركت أمَلك فينا، ولا أدركْنَا أملنا فيك دُون رَدّك إلى دارك، ونحن رادْوك إليها غداً إن شاء الله تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحدٌ أوْلَى بك مِنّا، فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك وإنا والله نخاف من حرب عليّ في الآخرة، ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا، فقدّم هواك وأخِّر هوانا، فنحن معك وطوعك.
ثم قام خنقُر الحمّانيّ، فقال: أيّها الأمير، إنّك لو رضيت مِنّا بما ترضى به من غيرنا، لم نرض ذلك لأنفسنا، سِرْ بنا إلى القوم إن شئت، وايمُ الله ما لقينا قوماً قطّ إلا اكتفينا بعفونا دون جَهْدنا، إلا ما كان أمس.
قال إبراهيم: فأمّا جارية، فإنّه كلم قومه فلم يجيبوه، وخرج إليه منهم أوباشٌ فناوشوه بعد ان شتموه وأسمعوه، فأرسل إلى زياد والأزْد، يستصرِخهم، ويأمرهم أن يسيروا إليه، فسارت الأزّد بزياد، وخرج إليهم ابنُ الحضرميّ، وعلى خيله عبد الله بن خازم السُّلميّ، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي - وكان من شيعة عليّ علیه السلام، وصديقاً لجارية بن قدامة - فقال: ألا أقاتل معك عدوّك؟ فقال: بلى، فما لبثت بنو تميم أنّ هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل السعدي، فحصروا ابنَ الحضرميّ وحدُّوه، فأتى رجل من بني تميم، ومعه عبد الله خازم السلميّ، فجاءت أمه وهي سوداء حبشية اسمها عجلى، فنادته، فأشرف عليها، فقالت: يا بُنيّ، انزل إليّ، فأبى فكشفت رأسها وأبدت قِناعها، وسألته النزول فأبى، فقالت: والله لتنزلنّ أو لأتعرّينّ، وأهوت بيدها إلى ثيابها، فلما رأى ذلك نَزَل، فذهبت به، وأحاط جارية وزياد بالدّار، وقال جارية: عليّ بالنار فقالت الأزد: لسنا من الحريق بالنار في شيء، وهم قومُك وأنت أعلم، فحرّق جارية الدَّار عليهم، فهلك ابنُ الحضرميّ في سبعين رجلاً، أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التيميّ، وسُمِّيَ جارية منذ ذلك اليوم محرِّقاً، وسارت الأزْد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة، ومعه بيت المال، وقالت له: هل بقي علينا مِنْ جوارك شيء؟ قال: لا، قالوا: فبرّئنا منه؟ فقال: نعم، فانصرفوا عنه، وكتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
أما بعد، فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قَدِم من عندك، فناهَضَ جَمْع ابن الحضرميّ بمن
نصره وأعانه من الأزد، ففضّه واضطره إلى دارٍ مِنْ دور البصرة في عدد كثير من أصحابه، فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما، فقتِل ابن الحضرمي وأصحابه، منهم من أحرق بالنار ومنهم من ألقى عليه جدار، ومنهم من هُدِم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قُتِل بالسيف وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا، فصفح عنهم، وبعداً لمن عصى وغوى! والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل كتاب زياد قرأه عليّ علیه السلام على الناس، وكان زيد قد أنفذه مع ظَبْيان بن عُمارة، فسرّ علي علیه السلام بذلك وسُرّ أصحابه، وأثنى على جارية وعلى الأزد، وذمّ البصرة فقال: إنها أول القُرى خراباً، إما غرقاً وإما حرقاً، حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة. ثم قال لظَبْيان: أين منزلك منها؟ فقال: مكان كذا، فقال: عليك بضواحيها.
وقال ابن العرندس الأزديّ يذكر تحريق ابن الحضرميّ، ويعيِّر تميماً بذلك:
رَدَدْنا زياداً إلی دارِهِ *** وجار تميم ينادي الشَّجَبْ
لحا الله قوماً شَوَوْا جارهم *** لَعَمْرِي لبئس الشَّواء الشُّصُبْ
ينادي الخناق وأبناءها *** وقد شَيْطوا رأسَها باللَّهَبْ
والخناق لقب قوم بني تميم.
الأصل: أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجلٌ رَحْبُ البُلْعُوم، مُندَحِقُ البَطْنِ، يَأكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطلُبُ مَا لا يَجِدُ، فَاقْتُلوه - وَلَنْ تَقْتُلُوه. أَلَا وَإِنَّهُ سَيَامُرُكُمْ بسبِّي والبَرَاءةِ مِنّي فأمَّا السَّبُ فَسُبُوني، فإنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَلَكُمْ نَجاةٌ، وَأَمَّا البَرَاءةُ فَلَا تَتَبَرَّؤُوا مِنِّي، فإني وُلِدْتُ عَلَى الفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيْمَانِ وَالْهِجْرَةِ.
الشرح: مُنْدَحق البطن: بارزها، والدَّحُوق من النوق: التي يخرج رَحِمها عند الولادة.
وسيظهر: سيغلب. ورحْب البُلعوم: واسعه.
وكثير من الناس يذهب إلى أنه علیه السلام عَنَى زياداً، وكثير منهم يقول: إنّه عَنَى الحجّاج. وقال قوم: إنه عَنَى المغيرة بن شعبة، والأشبه عندي أنه عَنَى معاوية، لأنه كان موصوفاً بالنَّهَم وكثرة الأكل، وكان بطيناً، يقعُد بطنُه إذا جلس على فَخُذَيه، وكان معاوية جواداً بالمال والصِّلات،
وبخيلاً على الطعام، يقال: إنه مازح أعرابياً على طعامه، وقد قُدّم بين يديه خروف، فأمعن الأعرابيّ في أكله، فقال له: ما ذنبه إليك، أنطحك أبوه؟ فقال الأعرابيّ: وما حُنُوُّك عليه؟ أ أرضعْتك أمه!
وقال لأعرابي يأكلُ بين يديه، وقد استعظم أكله: ألا أبغِيك سكيناً ؟ فقال: كلّ امرىء سكينهُ في رَأْسِه، فقال: ما اسمُك؟ قال: لُقيم، قال: منها أُتيت.
كان معاوية يأكل فيكثر، ثم يقول: ارفعوا، فوالله ما شبِعت ولكن مَلِلْت وتعِبت.
تظاهرت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دَعَا عَلَى معاوية لَمَّا بعث إليه يستدعيه، فوجده يأكل، ثم بعث فوجده يأكل، فقال: «اللهم لا تُشْبع بطنه»(1)، قال الشاعر:
وَصَاحِبِ لِي بَطْنُه كَالْهَاوِيَة *** كَانَ فِي أَحْشَائِهِ مُعَاوِيهْ
وفي هذا الفصل مسائل:
الأولى: في تفسير قوله علیه السلام: «فاقتتلوا ولن تقتلوه» فنقول: إنه لا تنافيَ بين الأمر بالشيء : والإخبار عن أنه لا يقع، كما أخبر الحكيم سبحانه عَنْ أنَّ أبا لَهب لا يؤمن وأَمَره بالإيمان، وكما قال تعالى: «فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إن كُنتُمْ صَدِقِينَ»(2)، ثم قال: «وَلَا يَنْتَونَهُ أَبَدا»(3)، وأكثر التكليفات على هذا المِنْهاج.
واعلم أن أهل العدل والمجبرة لم يختلفوا في أنه تعالى قَدْ يأمر بما يعلم أنه لا يقع، أو أنه لا يقع، وإنما اختلفوا: هل يصحّ أن يريدَ ما يعلم أنه لا يقع، أو يخبر عنه أنه لا يقع؟ فقال أصحابنا: يصحّ ذلك، وقال المجبرة: لا يصحّ، لأنّ إرادة ما يعلم المريد أنه لا يقع قضية متناقضة، لأنّ تحت قولنا: «أراد» مفهوم أنّ ذلك المراد مما يمكن حصوله، لأنّ إرادة المحال ممتنعة. وتحت قولنا: «إنه يعلم أنه لا يقع» مفهوم أن ذلك المراد مما لا يمكن حصوله، لأنا قد فرضنا أنه لا يقع وما لا يقع لا يمكن حصولُه مع فرض كونه لا يقع، فقال لهم أصحابنا: هذا يلزمكم في الأمر، لأنّكم قد أجزتم أنْ يأمرَ بما يعلم أنّه لا يقع، فقالوا في الجواب: نحن عندنا أنه يأمر بما لا يريد، فإذا أمر بما يعلم أنه لا يقع، أو يخبر عن أنه لا
یقع، كان ذلك الأمر أمراً عارياً عن الإرادة، والمحال إنما نشأ من إرادة ما علم المريد أنه لا يقع، وها هنا لا إرادة.
فقيل لهم: هب أنكم ذهبتم إلى أن الأمر قد يعْرَى من الإرادة مع كونه أمراً، ألستم تقولون: إن الأمر يدلّ على الطلب، والطلب شيء آخر غير الإرادة! وتقولون: إن ذلك الطلب قائم بذات البارىء، فنحن نُلْزِمكم في الطالب القائم بذات البارىء، الذي لا يجوز أن يَعْرَى الأمر منه ما ألزمتمونا في الإرادة.
ونقول لكم: كيف يجوز أن يطلب الطالب ما يعلم أنّه لا يقع! أليس تحت قولنا: طلب مفهوم، أن ذلك المطلوب مما يمكن وقوعه! فالحال في الطلب كالحال في الإرادة، حَذُو النّعل بالنّعل. ولنا في هذا الموضع أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا الكلامية.
المسألة الثانية: في قوله علیه السلام: «يأمركم بسبِّي والبراءة مني»، فنقول: إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ عليّ علیه السلام والبراءة منه.
وخطب بذلك على منابر الإسلام، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أنْ قام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فأزاله. وذكر شيخُنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إنّ أبا تراب الْحَد في دينك، وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً أليماً. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز.
وذكر أبو عثمان أيضاً أنّ هشام بن عبد الملك لما حجّ خطب بالموسم، فقام إليه إنسان، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يومٌ كانت الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبي تراب، فقال: اكفف فما لهذا جئنا.
وذكر المبرّد في «الكامل»(1)أن خالد بن عبد الله القسريّ لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليًّا علیه السلام على المِنْبر، فيقول: اللهمّ الْعن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام، صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته، وأبا الحسن والحسين! ثم يقبل على الناس، فيقول هل كَّنَّيت!.
وروى أبو عثمان أيضاً أن قوماً من بني أميّة قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنّك قد بلغت
1) «الكامل في اللغة» لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد، المتوفى سنة (285)، «كشف الظنون» (1382/1)
ما أمّلت، لو كففت عن لَعْن هذا الرجل! فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكرٌ فضلاً!.
وقال أبو عثمان أيضاً: وما كان عبد الملك - مع فَضْله وأناته وسَدَداه ورُجْحانه - ممن يخفى عليه فضلُ عليّ علیه السلام، وأنّ لعنه على رؤوس الأشهاد وفي أعطاف الخطب، وعلى صَهَوات المنابر مما يعود عليه نقصه، ويرجع إليه وهنه، لأنهما جميعاً من بني عبد مناف، والأصل واحد، والجرثومة منبت لهما، وشرف عليّ علیه السلام وفضله عائد عليه، ومحسوب له ، ولكنه أراد تشيِيدَ الملك وتأكيدَ ما فعله الأسلاف، وأن يقرّر في أنفُس الناس أنّ بني هاشم لا حَظِّ لهم في هذا الأمر، وأنّ سيّدهم الذي به يصولون، وبفخره يفخرون هذا حاله وهذا مقداره، فيكون مَنْ ينتمِي إليه ويُدلِي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه أشْحَط وأنْزَحَ.
وروى أهل السِّيرة أن الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر علياً علیه السلام، فقال: «لعنه الله بالجر - كان لص ابن لص».
فعجب الناس من لَحْنه فيما لا يلحن فيه أحد، ومن نسبته علياً علیه السلام إلى اللصوصيّة وقالوا: ما ندري أيّهما أعجب! وكان الوليد لحّاناً.
وأمر المغيرة بن شعبة - وهو يومئذٍ أمير الكوفة مِنْ قِبَل معاوية - حُجْر بن عديّ أن يقوم في الناس، فليلعنَ علياً علیه السلام، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيّها الناس، إن أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة: لعنه الله، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد.
وأراد زياد أن يَعْرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من عليّ علیه السلام ولعنه وأن يقُلَ كل من امتنع من ذلك، ويُخرِّب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون، فمات - لا رحمه ثلاثة أيام، وذلك في خلافة معاوية.
وكان الحجاج - لعنه الله - يلعنُ عليًّا علیه السلام، ويأمر بلعنه. وقال له متعرّض به يوماً وهو راكب: أيها الأمير، أنّ أهلِي عَفّوني فسمّوْني علياً، فغِّيرْ اسمي، وصلني بما أتبلّغ به فإني فقير. فقال: لِلُطف ما توصلت به قد سمْيتُك كذا، ووليتك العمل الفلانيّ فاشخَصْ إليه.
فأما عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإنه قال: كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عُتبة بن مسعود، فمرَّ بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان، ونحن نلعنُ عليًّا، فكره ذلك ودخل المسجد، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه ورْدي، فلما رآني قام فصلّى وأطال في الصلاة - شِبّه المعرِض عَنِّي - حتى أحسست منه بذلك، فلما انفتل من صلاته كَلَح في وجْهي، فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال لي: يا بنيّ، أنت اللاعن عَليًّا منذ اليوم؟ قلت: نعم، قال: فمتى: علمتَ أن الله سَخِط على أهل بدر بعد أن رَضِيَ عنهم! فقلت: يا أبت، وهل كان عليّ من أهل
بدر! فقال: ويحك! وهل كانت بدر كلُّها إلا له! فقلت: لا أعود، فقال: اللهَ أنك لا تعود! قلت: نعم فلم ألعنه بعدها. ثم كنتُ أحضرُ تحت مِنْبر المدينة، وأبي يخطب يوم الجمعة - وهو حينئذٍ أمير المدينة - فكنت أسمع أبي يمر في خِطَبِه تهدِر شقاشقه، حتى يأتيَ إلى لعن عليّ علیه السلام فيجمْجِمُ، ويعرِض له من الفهامة والحَصَر ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوماً: يا أبتِ، أنت أفصحُ الناس وأخطبهم، فما بالِي أراك أفصحَ خطيب يوم حَفْلك، حتى إذا مَرَرْتَ بلعْن هذا الرجل، صِرْتَ ألكن عليًّا!! فقال: يا بنيّ، إنّ مَنْ ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد. فوقرت كلمتُه في صدري، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صِغَري، فأعطيت الله عهداً، لئن كان لي هذا الأمر نصيب لأغيِّرتّه، فلما مَنّ الله عليّ بالخلافة أسقطت ذلك، وجعلت مكانه: «إنَّ الله يأمرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَاي ذِي الْقُرْن وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(1)، وكتب به إلى الآفاق فصار سنّة.
وقال كثيّر بن عبد الرحمن يمدح عُمَرَ ويذكر قطعه السبَّ:
وَليت فلم تشتِم علياً ولم تُخِفْ *** بريّاً ولم تَقْبَلُ إِسَاءَةَ مُجْرِم
وكفَّرت بالعفو الذنوب مع الّذِي *** أتیتَ فأضحى راضياً كلُّ مسلِم
ألا إنما يكفي الفَتَى بعد زَيْغهِ *** من الأوَدِ البادي ثِقافُ المقوّمِ
وما زلتَ تَوّاقاً إلى كلِّ غايةٍ *** بلغت بها أعْلَى العَلاء المُقَدَّمِ
فلما أتاك الأمر عَفْواً ولم يكنْ *** لطالبِ دنيَا بَعْدَهُ مِنْ تَكَلُّمِ
تركتَ الذي يَفْنَى لأنْ كان بائداً *** وأثرَت ما يَبْقَى برأيٍ مصمّمِ
وقال الرضيّ أبو الحسن رحمه الله تعالى:
يَابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ بَكَتِ الْعَ *** يُنُ فتَّى مِنْ أُمَيَّةٍ لَبَّكَيْتُكْ
غير أني أقول إنّكَ قَدْ طِبْ *** تَ وإِن لم يَطِبْ ولَمْ يَزْكُ بيتُكْ
أنتَ نزَّهتَنا عن السبّ والقَذْ *** فِ، فلو أمكنَ الجزاء جَزَيْتُكْ
ولو أنِّي رأيت قبرك لاسْتَحي *** يتُ مِنْ أن أُرَى وَمَا حَيّيْتُكَ
وقليلٌ أنْ لو بَذَلْتُ دِماء ال *** بُدن صِرْفاً على الذُّرا وَسَقَيْتُكْ
دَيْر سَمْعَانَ، فيك مأوى أبِي حف *** صٍ بودّي لو أنني آويتُكْ
دَيْرَ سَمْعَانَ، لا أغبِّك غيثٌ *** خَیْرُ مَيْتٍ من آل مَرْوَانَ مَيتُكْ
1) سورة النحل، الآية: 90
أَنْتَ بِالذِّكْرِ بَيْنَ عَيْنِي وَقَلْبِي *** إِنْ تدانيتُ مِنْكَ أوْ إِنْ نايتُكْ
وإذا حرّك الحشا خاطرٌ من *** ك توهّمْتُ أَنَّني قد رأيتُكْ
وعجيب أني قليتُ بَنِي مَرْ *** وان طُرٌّا وأنَّنِي ما قليتُكْ
قرّب العدلُ منك لما نأى الجوْ *** رُبهم فاجتويتُهمْ واجْتَبيتُكْ
فَلَوْ أنْي ملكتُ دفعاً لمانا *** بك من طارِقِ الردى لَفَدَيتُكْ
روى ابن الكلبيّ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قال الحجاج يوماً لعبد الله بن هانىء، وهو رجل من بني أوْد - حيّ من قَحْطان - وكان شريفاً في قومه، قد شهد مع الحجاج مشاهده كلّها، وكان من أنصاره وشيعته: والله ما كافاتك بعد! ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة سيّد بني فزارة: أنْ زَوّج عبد الله بن هانىء بابنتك، فقال: لا والله ولا كرامة! فدعا بالسياط، فلما رأى الشرّ قال: نعم أزوّجه، ثم بعث إلى سعيد بن قيس الصمداني رئيس اليمانية: زوج ابنتك من عبد الله بن أود، فقال: ومَنْ أوْد! لا والله لا أزوّجه ولا كرامة فقال: عليّ بالسيف، فقال: دَعْنَي حتى أشاور أهلي، فشاورهم فقالوا: زَوِّجْه ولا تعرِّض نفسك: لهذا الفاسق، فزوّجه. فقال الحجاج لعبد الله: قد زوَّجْتُك بنت سيّد فزارةَ وبنت سَيّد همدان وعظيم كهلان وما أوْدٌ هناك فقال: لا تَقُل أصلح الله الأمير ذاك! فإنّ لنا مناقبَ ليست لأحدٍ من العرب، قال: وما هي؟ قال: ما سُبِّ أمير المؤمنين عبد الملك في نادٍ لنا قَطّ، قال: منقبة والله، قال: وشهد مِنّا صِفِّين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلاً، ما شهد منا مع أبي تراب إلا رجل واحد، وكان والله ما علمته امْرَأ سوء قال: منقبة والله، قال: ومنّا نسوة نَذَرْن: إن قتل الحسين بن علي على أنْ تنحر كلّ واحدة عشر قلائص، ففعلن، قال: منقبة والله، قال: وما مِنّا رجل عُرِضَ عليه شتمُ أبي تراب ولعنه إلا فعل وزاد ابنيْه حسناً وحسيناً وأمهما فاطمة، قال: منقبة والله، قال: وما أحدٌ من العرب له من الصباحة والملاحة ما لنا، فضحك الحجاج، وقال: أما هذه يا أبا هانى فدعها. وكان عبدُ الله دميماً شديد الأذمة مجدوراً، في رأسه عَجَر، مائل الشَّدق أحوَل، قبيح الوجه، شديد الحول.
وكان عبد الله بن الزبير يُبْغض علياً علیه السلام، وينتقصِه وينال من عِرْضه.
وروى عمر بن شبّه وابنْ الكلبيّ والواقديّ وغيرهم من رواة السير، أنه مكث أيام ادعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلِّي فيها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: لا يمنعني من ذِكْره إلا أن تشمَخَ رجال بآنافها.
وفي رواية محمد بن حبيب وأبي عبيدة معمر بن المثنى: أنّ له أَهَيْلَ سوء يُنغِصون رؤوسهم عند ذكره.
وروى سعيد بن جُبير أن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن عباس: ما حديثٌ أسمعه عنك؟ قال: وما هو؟ قال: تأنيبي وذّمي! فقال: إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «بئس المرء المسلم يَشْبَع ويجوعُ جاره»(1)، فقال ابن الزبير: إني لأكتُم بغضَكم أهلَ هذا البيت منذ أربعين سنة، وذكر تمام الحديث.
وروى عمر بن شبّة أيضاً عن سعيد بن جُبير، قال: خطب عبدُ الله بن الزبير، فنال من علي علیه السلام، فبلغ ذلك محمد بن الحنفيّة، فجاء إليه وهو يخطُب، فوضِع له كرسيّ، فقطع عليه خطبتَه، وقال: يا معشرَ العرب، شاهت الوجوه! أيُنتقصُ عليّ وأنتم حضور! إنّ عليًّا كان يدَ الله على أعداء الله، وصاعقة من أمره أرسله على الكافرين والجاحدين لحقّه، فقتلهم بكفرهم فشنئوه وأبغضوه، وأضمروا له الشّنَف(2)والحسد، وابن عمه صلی الله علیه وآله وسلم حيّ بعدُ لم يمت، فلما نقله الله إلى جواره، وأحبّ له ما عنده، أظهرتْ له رجال أحقادها، وشفَتْ أضغانها، فمنهم من ابتز حقه، ومنهم من ائتمر به ليقتله، ومنهم مَنْ شتمه وقذفه بالأباطيل، فإن يكن لذرّيته وناصري دعوته دولة تنشر عظامهم، وتحفِر على أجسادهم، والأبدانُ منهم يومئذٍ بالية، بعد أن تقتل الأحياء منهم، وتذلّ رقابهم، فيكون الله عزّ اسمُه قد عذَّبَهُم بأيدينا وأخزاهم، ونصرنا عليهم، وشَفَا صدورَنا منهم، إنه والله ما يشتم علياً إلا كافر يُسِرّ شتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخاف أن يبوحَ به، فيكني بشتم عليّ علیه السلام عنه. أما إنه قد تخطت المنيُة منكم مَن امتدّ عمره، وسمع قولَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فيه: «لا يحبّك إلا مؤمن ولا يُبغضك إلا منافق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»(3)، فعاد ابن الزبير إلى خطبته، وقال: عذرتُ بني الفواطم يتكلّمون، فما بال ابن أم حنيفة! فقال محمد: يا بن أمّ رُومان، وما لي لا أتكلم! وهل فاتني من الفواطم إلا واحدة! ولم يفتني فخرها، لأنها أمّ أخويّ أنا ابن فاطمة بنت عمران بن عائذ بن مخزوم، جدة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم، كافلة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والقائمة مقام مه، أما والله لولا خديجة بنت خويلد ما تركتُ في بني أسد بن عبد العزى عظماً إلا هشمته! ثم نام فانصرف.
1) أخرج نحوه الحاكم في «المستدرك» (2166)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/10)، وأبو يعلى في «مسنده» (2699)، والطبراني في «الكبير» (751)
2) الشنف شدة البغضة. اللسان، مادة (شنف)
3) أخرجه الترمذي في المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب (3736)، وأحمد في مسند العشرة المبشرين في الجنة، باب: ومن مسند علي بن أبي طالب (733)، دون قوله: «وسيعلم... إلخ»
وذكر شيخُنا أبو جعفر الإسكافيّ رحمه الله تعالى - وكان من المتحققّين بموالاة عليّ علیه السلام، والمبالغين في تفضيله، وإن كان القولُ بالتَّفْضِيل عاماً شائعاً في البغداديين من أصحابنا كافة، إلا أنّ أبا جعفر أشدُّهم في ذلك قولاً، وأخلصهم فيه اعتقاداً - أن معاويةَ وضعَ قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ علیه السلام، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرْغَبُ في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.
روى الزهريّ أن عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدثتْني عائشة، قال: كنتُ عند رسول الله إذ أقبل العباس وعليّف فقال: يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملّتي - أو قال ديني(1).
وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان عن عُروة عن عائشة في علیه السلام، فسألتُه عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما، وبحديثهما! الله أعلم بهما، إنيّ لأتهمهما في بني هاشم.
قال: فأمّا الحديث الأول فقد ذكرناه، وأما الحديث الثاني فهو أن عُروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي صلی الله علیه وآله وسلم إذ أقبل العباس وعليّ، فقال: «يا عائشة، إن سَرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرت، فإذا العباس وعليّ بن أبي طالب(2).
وأما عمرو بن العاص، فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إنّ آل أبي طالب ليسوا بأولياء إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين»(3).
وأما أبو هريرة، فروى عنه الحديث الذي معناه أن علياً علیه السلام وخطب ابنة أبي جهل في حياة الخطب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: «لاها الله لا تجتمع ابنة وليّ الله وابنة الله أبي جهل! إنّ فاطمة بَضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان عليّ يريد ابنةَ أبي جهل
فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد»(1)، أو كلاماً هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسيّ.
قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المِسْوَر بن مخرمة الزهريّ، وقد ذكره المرتَضى في كتابه «المسمى تَنْزيه الأنبياء والأئمة» وذكر أنه رواية حسين الكرابيسيّ، وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت عليهم السلام، وعدواتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايتُه.
ولشياع هذا الخبر وانتشارِه ذكره مرْوان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة عليهم السلام ويُنْحِي عليهم، ويذمّهم، وقد بالغ حين ذمّ علياً علیه السلام ونال منه، وأولها:
سلام على جمل، وهيهات من جمل *** ويا حبّذا جملٌ وإِن صَرَمَتْ حبلي
يقول فيها:
عليّ أبوكمْ كان أفضلَ منكمُ *** أباء ذوُو الشورى وكانوا ذَوِي الفَضْلِ
وساء رسولَ الله إذا ساء بنتَه *** بخِطْبته بنتَ اللعين أبي جهلِ
فذمَّ رسول الله صهر أبيكمُ *** على مِنْبَرِ بالمنطق الصادع الفَضْلِ
وحكّم فيها حاكمْين أبوكمُ *** هما خلعاء خَلْعَ ذِي النَّعْل للنعلِ
وقد باعها من بعده الحسنُ ابنُه *** فقد أُبطلت دعواكمُ الرثَّةُ الحبْلِ
وخلّيتمُوها وهي في غيرِ أهلها *** وطالبتُموها حين صارتْ إلى أهلِ
وقد رُوي هذا الخبر على وجوه مختلفة، وفيه زيادات متفاوتة، فمن الناس من يروي فيه: مهما ذممنا من صهرٍ فإنا لم نذمَ صهر أبي العاص بن الربيع»، ومن الناس من يروي فيه: «ألا إن بني المغيرة أرسلوا إلى عليٍّ ليزوجوه كريمتهم...» وغير ذلك.
وعندي أن هذا الخبر لو صحّ لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة ولا قَدْح، لأنّ الأمة مجمعة على أنّه لو نكح ابنةَ أبي جهل، مضافاً إلى نكاح فاطمة عليها السلام لجاز، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع، فابنةُ أبي جهل المشارُ إليها كانت مسلمة، لأنّ هذه
1) أخرج نحوه البخاري في المناقب، باب: مناقب قرابة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (3714)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي صلی الله علیه وآله وسلم (2449)، والترمذي في المناقب، باب: فضل فاطمة بنت محمد صلی الله علیه وآله وسلم (3867)، وأبو داود في النكاح، باب: ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (2071)
القصة كانت بعد فتح مكة، وإسلام أهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر موافقون على ذلك، فلم يبق إلا أنه إنْ كان هذا الخبر صحيحاً فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لمّا رأى فاطمة عليها السلام قد غارت، وأدركها ما يدرِك النساء، عاتب علياً علیه السلام عتابَ الأهل، وكما يستثبت الوالد رأي الولد، ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته. ولعلّ الواقع كان بعض هذا الكلام فحرَّف وزيد فيه. ولو تأملت أحوال النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع زوجاته، وما كان يجري بينه وبينهنّ من الغضب تارة والصلح أخرى، والسخط تارة والرضا أخرى، حتى بلغ الأمرُ إلى الطلاق مرة، وإلى الإيلاء مرة، وإلى الهَجّر والقطيعة مرة، وتدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كُنّ يلقَيْنَه علیه السلام به، ويُسْمعْنه إياه، لعلمت أنّ الذي عاب الحسَدة والشائنون عليًّا علیه السلام به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط، ولو لم يكن إلا قصة مارية وما جرى بين رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبين تَيْنِك الامرأتين من الأحوال والأقوال، حتى أنزل فيهما قرآن يُتْلَى في المحاريب، ويكتَب في المصاحف، وقيل لهما ما لا يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حياً، منابذا الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: «وَإِن تَظهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَيْكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ»(1)، ثم أردف بعد ذلك بالوعيد والتخويف: «عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَقَكُنَّ»(2)الآيات بتمامها، ثم ضرب لهما مثلاً امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعلَيْهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وتمام الآية معلوم. فهل ما روي في الخبر مِنْ تَعَصُّب فاطمة على عليّ علیه السلام وغَيْرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم، إذا قُويس إلى هذه الأحوال وغيره ممّا كان يجري إلّا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس! ولكنّ صاحب الهوى والعصبية لا علاج له.
ثم نعود إلى حكاية كلام شيخنا أبي جعفر الإسكافيّ رحمه الله تعالى. قال أبو جعفر وروى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عامَ الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة مَن استقبله من الناس جَثا على ركبتيه، ثم ضرب صَلْعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسله، وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إنّ لكل نبيٍّ حَرَماً، وإِنْ حَرَمي بالمدينة، ما بين عَيْر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»(3)، وأشهد بالله أن عليًّا أحدث فيها: فلما بلغ معاوية قولُه أجازه وأكرمه وولّاء إمارة المدينة.
قلت: أما قوله: «ما بين عَيْر إلى ثور»، فالظاهر أنّه غلط من الراوي، لأن ثوراً بمكة وهو
1) سورة التحريم، الآية: 4
2) سورة التحريم، الآية: 5
3) أخرجه البخاري في الفرائض، باب: من تبرأ من مواليه (6755)، ومسلم في العتق باب: تحريم: تولي العتيق غير مواليه (1370)، والترمذي في الولاء والهبة، باب: ما جاء فيمن تولى غير مواليه (2127)، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة باب: ومن مسند علي بن أبي طالب (616)
جبل يقال له: ثَوْر أطحل، وفيه الغار الذي دخله النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأبو بكر، وإنما قيل: «أطحل»: لأن أطحل بن عبد مناف بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن عدنان كان يسكنه. وقيل: اسم الجبل أطْحَل، فأضيف «ثور» إليه، وهو ثوْر بن عبد مناف، والصواب: «ما بين عَير إلى أُحُد».
فأما قول أبي هريرة: «إنّ علياً علیه السلام أحدَث في المدينة»، فحاش لله! كان عليّ علیه السلام أتقى لله من ذلك، والله لقد نَصَر عثمان نصراً لو كان المحصورُ جعفر بن أبي طالب لم يبذُلْ له إلا مثله.
قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضيّ الرواية، ضربَه عمر بالذرة، قد أكثرتَ من الرواية وأحْر بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم!.
وروى سفيان الثوريّ عن منصور، عن إبراهيم التيميّ، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلّا ما كانَ من ذِكْر جنة أو نار.
وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال كان إبراهيمُ صحيحَ الحديث، فكنتُ إذا سمعت الحديث أتيتُه فعرضتُه عليه، فأتيته يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه.
وقد روي عن علي علیه السلام أنه قال: ألّا إنّ أكذبَ الناس - أو قال: أكذب الأحياء - على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أبو هريرة الدَّوْسيّ.
وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يخالف قياسَنا ما تصنع به؟ قال: إذا جاءت به الرواة الثقاتُ عَمِلْنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ فقل: ناهيك بهما! فقلت: عليّ وعثمان، قال: كذلك، فلما رآني أعُدّ الصحابة قال: والصحابةُ كلّهم عدول ما عدَا رجالاً، ثم عدّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
وروى سُفيان الثوريّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار، أنّ أبا هريرة لما قدِم الكوفة مع معاوية، كان يجلس بالعشِيّات بباب كِنْدة، ويجلس الناس إليه، فجاء شابُّ من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشُدُك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب: «اللهمّ والِ مَن والاه وعاد من عاداه»! فقال: اللهم نعم، قال: فأشهد بالله لقد واليتَ عدوّه، وعاديت وليّه! ثم قام عنه:
وروت الرواة أنَّ أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق، ويلعب معهم، وكان يخطُب وهو أمير المدينة، فيقول: الحمد لله الذي جعل الدّين قياماً، وأبا هريرة إماماً، يُضحك الناس بذلك. وكان يمشي وهو أمير المدينة في السُّوق، فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه، ضرب برجليه الأرض، ويقول: الطريق الطريق! قد جاء الأمير! يعني نفسه.
قلت قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب «المعارف» في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجّة لأنه غيرُ متّمم عليه.
قال أبو جعفر: وكان المغيرة بن شعبة يلعَنُ علياً علیه السلام لعناً صريحاً على مِنْبر الكوفة، وكان بلغه عن عليّ علیه السلام في أيام عمر أنه قال: لئن رأيتُ المغيرة لأرجْمَنّه بأحجاره - يعني واقعة الزنى بالمرأة التي شهد عليه فيها أبو بكْرة، ونَكَل زياد عن الشهادة - فكان يُبغضه لذاك ولغيره من أحوال اجتمعت في نفسه.
قال: وقد تظاهرت الرواية عن عروة بن الزبير أنه كان يأخذه الزَّمَع عند ذكر عليّ علیه السلام فيسبه ويضرب بإحدى يديه على الأخرى، ويقول: وما يفني أنه لم يخالف إلى ما نُهي عنه، وقد أراق مِنْ دماء المسلمين ما أراق!.
قال: وقد كان في المحدّثين مَنْ يُبغضه علیه السلام، ويروي فيه الأحاديثَ المُنكرة، منهم حَرِيز بن عثمان كان يُبغضه وينتقصه، ويروي فيه أخباراً مكذوبة. وقد روى المحدِّثون أن حَرِيزاً رئِيَ في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: كاد يغفر لي لولا بغض عليّ.
قلت: قد روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب «السقيفة» قال: حدثني أبو جعفر بن الجنيد، قال: حدثني إبراهيم بن الجنيد، قال: حدثني محفوظ بن المفضل بن عمر، قال: حدثني أبو البهلول يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا حمزة بن حسان - وكان مولّى لبني أمية، وكان مؤذِّناً عشرين سنة، وحجّ غير حجة، وأثنى أبو البهلول عليه خيراً - قال: حضرت حَرِيز بن عثمان، وذكَر علي بن أبي طالب، فقال: ذاك الذي أحلّ حرم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، حتی كاد يقع.
قال محفوظ: قلت ليحيى بن صالح الوُحاظيّ: قد رويت عن مشايخ مِنْ نظراء حَرِيز! فما بالك لم تحمِلْ عن حَرِيز! قال: إني أتيته فناولَني كتاباً، فإذا فيه: حدثني فلان عن فلان أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم لما حضرتْه الوفاة! أوصى أن تُقطعَ يدُ عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فرددت الكتاب، ولم أستحل أنْ أكتب عنه شيئاً.
قال أبو بكر: وحدّثني أبو جعفر، قال: حدّثني إبراهيم، قال: حدّثني محمد بن عاصم، صاحب الخانات، قال: قال لنا حريز بن عثمان: أنتم يا أهل العراق تحبُّون عليّ بن أبي طالب علیه السلام ونحن نبُغضه، قالوا: لم؟ قال: لأنه قتل أجدادي.
قال محمد بن عاصم: وكان حَرِيز بن عثمان نازلاً علينا.
قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: وكان المغيرة بن شعبة صاحبَ دنيا، يبيع دينه بالقليل النَّزر
منها ويُرضِي معاوية بذكر عليّ بن أبي طالب علیه السلام، قال يوماً في مجلس معاوية: إن علياً لم يُنْكِحْه رسولُ الله ابنته حیَّا، ولكنه أراد أن يكافىء بذلك إحسان أبي طالب إليه.
قال: وقد صح عندنا أن المغيرة لعنَه على منبر العراق مراتٍ لا تحصى، ويروى أنه لما مات ودفنُوه، أقبل رجل راكب ظَلِيماً، فوقف قريباً منه ثم قال:
أمن رَسْمِ دارٍ من مغيرة تعرفُ *** عليها زواني الإنس والجن تَعْزِفْ
إنْ كنتَ قد لاقيتَ فِرْعَوْنَ بَعْدَنا *** وهامان فاعلم أن ذا العرش منصِفُ
قال: فطلبوه فغاب عنهم ولم يَرَوْا أحداً، فعلموا أنه من الجنّ.
قال: فأما مروان بن الحكم فأحقر وأقلّ من أن يذكر في الصحابة الذين قد غمصّناهم وأوضحنا سوء رأينا فيهم، لأنه كان مجاهراً بالإلحاد هو وأبوه الحكم بن أبي العاص، وهما الطَّريدان اللعينان، كان أبوه عدوَّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لا يحكِيه في مَشْيه، ويغمز عليه عينَه، ويُدْلِع له لسانه ويتهكم به، ويتهانَف عليه(1)، هذا وهو في قبضتِه وتحت يده، وفي دار دَعْوته بالمدينة، وهو يعلم أنه قادر على قتله أيّ وقت شاء من ليل أو نهار، فهل يكون هذا إلا من شانيء شديد البِغْضة، ومستحكم العدواة، حتى أفضى أمرُه إلى أن طرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة وسيّره إلى الطائف!
وأما مَرْوان ابنُه فأخبَثُ عقيدةَ، وأعظم الحاداً وكفراً، وهو الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسين علیه السلام إلى المدينة، وهو يومئذٍ أميرها وقد حمل الرأس على يديه فقال:
يا حَبَذا بردُك في اليَدَيْنِ *** وَحُمْرَةٌ تَجْرِي عَلَى الخَدَّيْنِ
كأنّما بِتّ بمسجدين
ثم رمى بالرأس نحو قبر النبيّ، وقال يا محمد، يوم بيوم بدر. وهذا القول مشتق من الشعر الذي تمثّل به يزيد بن معاوية وهو شعر ابن الزَّبَعْرَى يوم وصل الرأس إليه.
والخبر مشهور.
قلت: هكذا قال شيخنا أبو جعفر، والصحيح أنّ مروان لم يكن أميرَ المدينة يومئذٍ بل كان أميرَها عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يحمّل إليه الرأس، وإنما كتب إليه عُبيد الله يبشّره بقتْل الحسين علیه السلام، فقرأ كتابه على المنبر، وأنشد الرجز المذكور، وأوماً إلى القبر قائلاً: يوم بيوم بَدْر، فأنكر عليه قوله قومٌ من الأنصار. ذكر ذلك أبو عُبيدة في كتاب المثالب».
1) تهانف به: تضاحك، والمهانفة الملاعبة أيضاً. اللسان، مادة (هنف)
قال: وروى الواقدي: أن معاوية لما عادَ من العراق إلى الشام بعد بَيْعة الحسن علیه السلام واجتماع الناس إليه خطب فقال: أيها الناس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي: «إنك ستلِي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدسة، فإن فيها الأبدال»(1)، وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب. فلعنوه، فلما كان من الغد كتب كتاباً، ثم جمعهم فقرأه عليهم، وفيه: هذا كتابٌ كتبه أمير المؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعثَ محمداً نبياً، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب» فاصطفى له مِنْ أهله وزيراً كاتباً أميناً، فكان الوحي ينزلُ على محمد وأنا أكتبه، وهو لا يعلم ما أكتب، فلم يكن بيني وبين الله أحدٌ من خَلْقِه. فقال له الحاضرون كلهم: صدقت يا أمير المؤمنين.
قال أبو جعفر: وقد روى أن معاوية بذَل لِسَمُرة بن جُنْدَب مائة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ الدُّ الخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِمُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل والله لا يُحِبُّ الفَسَادَ»(2)، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن مُلجم، وهي قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ»(3)، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك.
قال: وقد صحّ أنّ بني أميّة مَنَعُوا من إظهار فضائل عليّ علیه السلام، وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتى إنّ الرجلَ إذا رَوَى عنه حديثاً لا يتعلَّق بفضله بل بشرائع الدِّين لا يتجاسرُ على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب.
وروى عطاء، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: ودِدْتُ أن أترَك فأحدَّثَ بفضائل عليّ بن طالب علیه السلام يوماً إلى الليل، وأنّ عُنُقي هذه ضربت بالسيف.
قال: فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لا نقطع نقلُها للخوف والتقيّة من بني مروان مع طول المدّة، وشدة العداوة، ولولا أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرًّا يعلمه مَنْ يعلمه لم يُرْوَ في فضله حديث، ولا عُرِفَتْ له منقبة، ألا ترى أنّ رئيس قرية لو سخُط على واحد من أهلها، ومنع النّاسَ أن يذكروه بخير وصلاح لحمل ذكره، ونسي اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حيِّ ميتاً! هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه الله تعالى في هذا المعنى في كتاب التفضيل.
وذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أنّ عدة من الصحابة والتابعين والمحدّثين كانوا، منحرفين عن عليّ علیه السلام، قائلين فيه السوء، ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ميلاً مع الدنيا، وإيثاراً للعاجلة، فمنهم أنس بن مالك، ناشد عليّ علیه السلام الناسَ في رَحَبة القصر - أو قال رحبة الجامع بالكوفة -: أيّكم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه»(1)؟ فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يقم، فقال له: يا أنس، ما يمنعك أن تقوم فتشهد، ولقد حضرتها! فقال: يا أمير المؤمنين، كبرتُ ونسيت، فقال: اللَّهم إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة. قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيتُ الوَضَح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. وروى عثمان بن مُطرَّف أنّ رجلاً سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن عليّ بن أبي طالب، فقال: إني آليتُ ألّا أكتم حديثاً سئلت عنه في عليّ بعد يوم الرّحبة، ذاك رأسُ المتقين يوم القيامة، سمعته والله من نبيكم(2).
وروى أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي سليمان المؤذن، أنّ علياً نَشَد الناس مَنْ سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه» فشهد له قوم، وأمسك زَيْد بن أرقم، فلم يَشْهَد - وكان يعلمها - فدعا عليّ علیه السلام عليه بذهاب البصر فعميَ، فكان يحدث الناس بالحديث بعدما كُفُّ بصره.
قالوا: وكان الأشعث بن قيس الكنديّ وجرير بن عبد الله البَجَلِيّ يُبغضانه، وهدم عليّ علیه السلام دار جریر بن عبد الله. قال إسماعيل بن جرير: هدم عليّ دارَنا مرتين.
وروى الحارث بن حصين، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى جرير بن عبد الله نَعْلَين من نعاله، وقال: «احتفظ بهما، فإن ذهابَهما ذهاب دينك»(3)، فلما كان يومُ الجمل ذهبت إحداهما، فلما أرسله عليّ علیه السلام إلى معاوية ذهبت الأخرى، ثم فارق علياً واعتزل الحرب.
وروى أهل السيرة أنّ الأشعث خطب إلى عليّ علیه السلام ابنته، فزَبَرَه، وقال: يابن الحائك، أغرك ابنُ أبي قحافة!
وروى أبو بكر الهذليّ عن الزّهري، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف، قال: قام الأشعث إلى علي علیه السلام، فقال: إنّ الناس يزعمون أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عهِد إليك عَهْداً لم يعهده إلى غيرك، فقال: إنه عهد إليّ ما في قراب سيفي، لم يعهد إليّ غير ذلك. فقال الأشعث: هذه إن قلتها فهي عليك لا لك، دَعْها ترحل عنك، فقال له: وما علمك بما عليّ مما لي! منافق ابن كافر حائك ابن حائك! إنّي لأجد منك بنّة الغزل. ثم التفت إلى بن عدي بن الخيار، فقال: يا عبيد الله، إنك لتسمع خلافاً وترى عجباً، ثم أنشد.
أصبحت هُزْءًا لراعي الضأن أتبعُه *** ماذا يَرِيبك مني راعيَ الضّان!
وقد ذكرنا في بعض الروايات المتقدمات أنّ سبب قوله: «هذه عليك لا لك»، أمر آخر، والروايات تختلف. وروى يحيى بن عيسى الرمليّ، عن الأعمش: أن جريراً والأشعث خرجا إلى جبّان الكوفة، فمرّ بهما ضبّ يعدو، وهما في ذمّ عليّ علیه السلام، فنادياه: يا أبا حِسْل، هلم يدك نبايعك الخلافة، فبلغ عليًّا علیه السلام قولهما، فقال: أما إنهما يحشران يوم القيامة وإمامهما ضبّ.
وكان أبو مسعود الأنصاريّ منحرفاً عنه علیه السلام. روى شريك، عن عثمان ابن أبي زُرْعة، عن زيد بن وهب، قال: تذاكرنا القيام إذا مرّت الجنازة عند عليّ علیه السلام، فقال أبو مسعود: الأنصاري: قد كنا نقوم، فقال عليّ علیه السلام: ذاك وأنتم يومئذٍ يهود.
وروى شعبة، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل، قال: حضرتُ علياً علیه السلام وقد سأله رجل عن امرأة تُوفِّيَ عنها زوجها وهي حامل، فقال: تتربَّصُ أَبْعَدَ الأَجَلَيْن، فقال رجل: فإن أبا مسعود يقول: وضعها انقضاء عدّتها، فقال عليّ علیه السلام: إن فروجاً لا يعلم، فبلغ قوله أبا مسعود، فقال: بلى، والله إني لأعلم أنّ الآخر شرّ.
وروى المنهال، عن نعيم بن دجاجة، قال: كنت جالساً عند عليّ علیه السلام، وإذ جاء أبو مسعود، فقال عليّ علیه السلام: جاءكم فرّوج، فجاء فجلس، فقال له عليّ علیه السلام، بلَغني أنك تُفتي الناس قال: نعم، وأخبرهم أن الآخر شرّ، قال: فهل سمعت من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: «لا يأتي على الناس سنة مائة وعلى الأرض عين تطرف»(1)، قال:
1) أخرجه أحمد في مسند العشرة المبشرين في الجنة، باب: ومن مسند علي بن أبي طالب (716) بلفظ: «لا يأتي على الناس مائة سنة»، والحاكم في «المستدرك» (8520)
أخطأت استُك الحفرة، وغلطت في أول ظنك، إنما عَنَى مَنْ حضره يومئذ، وهل الرخاء إلا بعد المائة!
وروى جماعة من أهل السِّيَر أن علياً علیه السلام كان يقول عن كعب الأحبار: إنه لكذّاب، وكان : كعب منحرفاً عن عليّ علیه السلام. وكان النعمان بن بشير الأنصاريّ منحرفاً عنه، وعدوُّا له، خاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أمراء يزيد ابنه حتى قتل وهو على حاله.
وقد روى أنّ عمران بن الحصين كان من المنحرفين عنه علیه السلام، وأنّ علياً سيّره إلى المدائن ، وذلك أنه كان يقول: إن مات عليّ فلا أدري ما موته، وإن قتل فعسى أنّي إن قتل رجوت له.
ومن الناس من يجعل عمران في الشيعة.
وكان سَمُرة بن جندب من شرطة زياد، روى عبد الملك بن حكيم عن الحسن، قال: جاء رجل من أهل خُراسان إلى البصرة، فترك مالاً كان معه في بيت المال، وأخذ براءة، ثم دخل المسجد فصلّى ركعتين، فأخذه سَمُرة بن جُنْدَب، واتّهمه برأي الخوارج، فقدّمه فضرب عنقه، وهو يومئذٍ على شُرْطة زياد، فنظروا فيما معه فإذا البراءة بخط بيت المال، فقال أبو بكرة: يا سَمُرة، أما سمعت الله تعالى يقول: «قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّ»(1)! فقال: أخوك أمرني بذلك.
وروى الأعمش، عن أبي صالح، قال: قيل لنا: قد قَدِم رجل من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فأتيناه فإذا هو سَمُرة بن جَنْدَب، وإذا عند إحدى رجليه خَمْر، وعند الأخرى ثَلْج، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: به النقرس، وإذا قوم قد أتوه، فقالوا يا سَمُرة، ما تقول لربِّك غداً؟ تؤتى بالرجل فيقال لك: هو من الخوارج فتأمر بقتله، ثم تؤتى بآخر فيقال لك: ليس الذي قتلته بخارجيّ، ذاك فتى وجدناه ماضياً في حاجته، فشبّه علينا، وإنما الخارجيّ هذا، فتأمر بقتل الثاني! فقال سَمُرة: وأيّ بأس في ذلك! إن كان من أهل الجنة، مضى إلى الجنة، وإن كان من أهل النار مضى إلى النار!.
وروى واصل مولى أبي عيينة، عن جعفر بن محمد بن عليّ علیه السلام عن آبائه، قال: كان السُمرة بن جُنْدَب نخل في بستان رجل من الأنصار، فكان يؤذيه، فشكا الأنصاريّ ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فبعث إلى سَمُرة، فدعاه فقال له: بع نخلك من هذا، وخذ ثمنه، قال: لا
1) سورة الأعلى، الآيتان: 14، 15
أفعل، قال: فخذ نخلاً مكان نخلك، قال: لا أفعل، قال: فاشترِ منه بستَانه، قال: لا أفعل قال: فاترك لي هذا النخل ولك الجنة، قال: لا أفعل، فقال صلی الله علیه وآله وسلم للأنصاري: «اذهب فاقطع نخله، فإنه لا حق له فيه»(1).
وروى شريك قال: أخبرنا عبد الله بن سعد عن حُجْر بن عدي، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أبي هريرة، فقال: ممن أنت؟ قلت من أهل البصرة، قال: ما فعل سَمُرة بن جندب؟ قلت: هو حيّ، قال: ما أحدٌ أحبّ إليّ طول حياة منه. قلت: ولم ذاك؟ قال: إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لي وله ولحذيفة بن اليُمان: «آخركم موتاً في النار»(2)، فسبَقنا حذيفة، وأنا الآن أتمنّى أن أسبِقَه، قال: فبقي سَمُرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين.
وروى أحمد بن بشير عن بن بشير عن مسعر بن كدام، قال: كان سَمُرة بن جندب أيام مسير الحسين علیه السلام إلى الكوفة على شُرْطة عبيد الله زياد، وكان يحرِّض الناس على الخروج إلى الحسين علیه السلام وقتاله.
ومن المنحرفين عنه، المبغضين له عبد الله بن الزبير، وقد ذكرناه آنفاً، كان علي يقول: ما زال الزبير مِنّا أهل البيت حتى نشأ ابنُه عبد الله، فأفسده(3).
وعبد الله هو الذي حَمَل الزبيرَ على الحرب، وهو الذي زيْن لعائشة مسيرَها إلى البصرة، وكان سبَّاباً فاحشاً، يُبغض بني هاشم، ويلعن ويسبّ علي بن أبي طالب علیه السلام، وكان عليٌّ علیه السلام يقنُت في صلاة الفجر وفي صلاة المغرب، ويلعن معاوية، وعَمْراً، والمغيرة، والوليد بن عقبة، وأبا الأعور، والضحاك بن قيس، ويُسْر بن أرطاة، وحبيب بن مسلمة، وأبا موسى الأشعري، ومَرْوان بن الحكم، وكان هؤلاء يقتُتُون عليه ويلعنونه.
وروى شيخُنا أبو عبد الله البصريّ المتكلم رحمه الله تعالى، عن نصر بن عاصم اللّيْثي، عن أبيه، قال: أتيت مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! فقلت ما هذا؟ قالوا: معاوية قام الساعة، فأخذ بيد أبي سفيان، فخرجا من المسجد،
فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لأمّتي من معاوية ذي الأستاه»(1)، قالوا: يعني الكبير العَجُز.
وقال: روى العلاء بن حريز القشيريّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاوية: «لتتخذَنّ يا معاوية البدعة سنة، والقبح حسناً، أكلُك كثير، وظلمك عظيم»(2).
قال: وروى الحارث بن حَصِيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، قال: قال عليٌّ علیه السلام: نحن وآل أبي سفيان قوم تعادَوْا في الأمر، والأمر يعود كما بدأ.
قلت: وقد ذكرنا نحن في تلخيص نقض «السفيانية» ما فيه كفاية في هذا الباب.
وروی صاحب كتاب الغارات عن أبي صادق، عن جُندب بن عبد الله، قال: ذُكِر المغيرة بن شعبة عندَ عليّ علیه السلام وجدّه مع معاوية، قال: وما المغيرة! إنما كان إسلامه لفجّرةٍ وغَدْرة غدرها بنفر من قومه فتك بهم، وركبها منهم، فهرب منهم، فأتى النبي صلی الله علیه وآله وسلم كالعائد بالإسلام، والله ما رأى أحدٌ عليه منذ ادّعى الإسلام خُضوعاً ولا خشوعاً، ألا وإنه يكون من ثَقِيف فراعنة قبل يوم القيامة يجانبون الحق، ويسعِّرون نيران الحرب ويوازرون الظالمين، ألا إن ثقيفاً قوم غُدُر، لا يوفون بعهد، يبغضون العرب كأنهم ليسوا منهم، ولربَ صالح قد كان منهم فمنهم عروة بن مسعود وأبو عُبيد بن مسعود المستشهد يوم قُسّ النّاطف، وإن الصالح في ثقيف لَغرِيب.
قال شيخنا أبو القاسم البلخي: من المعلوم الذي لا ريبَ فيه لاشتهار الخبر به وإطباق الناس عليه، أنّ الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيط كان يُبغِض علياً ويشتِمه، وأنه هو الذي لَاحَاهُ في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ونابذه، وقال له: أنا أثبتُ منك جناناً، وأحدّ سناناً، فقال له عليّ علیه السلام: اسكت يا فاسق، فأنزل الله تعالى فيهما: «أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُنَ»(3)الآيات المتلوة، وسمّى الوليد بحسب ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفاسق، فكان لا يُعْرَفُ إلا بالوليد الفاسق.
وهذه الآية من الآيات التي نزل فيها القرآن بموافقة عليّ علیه السلام، كما نزل في مواضع
بموافقة عمر، وسماه الله تعالى فاسقاً في آية أخرى، وهو قوله تعالى: «إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاء فَتَبَیَّنُوا»(1)، وسبب نزولها مشهور، وهو كَذِبه على بني المصطلِق، وادّعاؤه أنهم منعوا الزكاة وشهروا السيف، حتى أمر النبي صلی الله علیه وآله وسلم بالتجهّز للمسير إليهم، فأنزل الله تعالى في تكذيبه وبراءة ساحة القوم هذه الآية.
وكان الوليد مذموماً معيباً عند رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يشنؤه ويُعرِض عنه، وكان الوليد يُبغِض رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً ويشنؤه، وأبو عُقْبة بن أبي مُعيط هو العدوّ الأزرق بمكة، والذي كان يؤذي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في نفسه وأهله، وأخباره في ذلك مشهورة، فلما ظفر به يوم بَدْر ضرب عنقَه. وورث ابنُه الوليد الشنآن والبغضة لمحمد وأهله، فلم يزل عليهما إلى أن مات.
قال الشيخ أبو القاسم: وهو أحد الصبية الذين قال أبو عُقْبة فيهم، وقد قُدّم ليُضرَب عنقه: مَنْ للصبية يا محمد؟ فقال: «النار، أضربوا عنقه».
قال: وللوليد شعر يقصد فيه الردّ على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حيث قال: «إن تولوها عليًّا، تجدوه هادياً مهدياً»(2). قال: وذلك أن علياً علیه السلام لما قتِل قصد بنوه أن يُخْفُوا قَبره خوفاً من بني أمية أن يحدِثوا في قبره حَدَثاً، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة - وهي ليلة دفعه - إيهامات مختلفة، فشدّوا على جمل تابوتاً موثَقاً بالحبال، يفوح منه روائح الكافور، وأخرجوه من الكوفة سواد الليل صحبة ثقاتهم، يُوهمون أنهم يحملونه إلى المدينة فيدفنونه عند فاطمة عليها السلام، وأخرجوا بَغْلاً وعليه جِنازة مغطاة، يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة، وحفروا حفائر عِدّة، منها بالمسجد، ومنها برحبة القصر، قصر الإمارة، ومنها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزوميّ، ومنها في أصل دار عبد الله بن يزيد القَسري بحذاء باب الورّاقين مما يلي قبلة المسجد، ومنها في الكُنَاسة، ومنها في الثّوِيَّة، فعميَ عَلَى الناس موضع قبره، ولم يَعْلَم دفنه على الحقيقة إلا بنوه والخواصّ المخلِصون من أصحابه، فإنهم خرجوا به علیه السلام وقت السَّحر في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان، فدفنوه على النَّجف، بالموضع المعروف بالغرِي، بوصاة منه علیه السلام إليهم في ذلك، وعهدٍ كان عهد به إليهم، وعميَ موضع قبره على الناس واختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافاً شديداً، وافترقت الأقوال في موضع قبره الشريف وتشّعبت، وادَّعى قوم أنّ جماعة من طيّىء وقعوا على جملٍ في تلك الليلة، وقد أضله أصحابه ببلادهم، وعليه صندوق، فظنُّوا فيه مالاً، فلما رأوا ما فيه خافوا أن يُطْلَبوا به، فدفنوا الصندوق بما فيه، ونحروا البعير وأكلوه، وشاع ذلك في بني أمية وشيعتهم، واعتقدوه حقاً، فقال الوليد بن عُقْبة من أبيات يذكره علیه السلام فيها:
فإن يك قَدْ ضَلْ البعير بحمْله *** فَمَا كان مَهْدِيّاً ولا كان هادياً
وروى الشيخ أبو القاسم البلخِيّ أيضاً، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة الضبيّ، قال: مرَّ ناس بالحسن بن عليّ علیه السلام، وهم يريدون عيادَة الوليد بن عقبة، وهو في عِلّة له شديدة، فأتاه الحسن علیه السلام معهم عائداً، فقال للحسن: أتوب إلى الله تعالى مما كان بيني وبين جميع الناس، إلا ما كان بيني وبين أبيك، فإني لا أتوب منه.
قال شيخنا أبو القاسم البلخيّ: وأكَّدَ بُغْضَه له ضربه إياه الحدّ في ولاية عثمان، وعزله عن الكوفة.
وقد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدّثين، على أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال: لا يُبغضك إلا منافق، ولا يحبّك إلا مؤمن»(1).
قال: وروى حَبّة العُرَنيّ، عن عليّ علیه السلام أنه قال: إن الله عز وجل أخذ ميثاق كلّ مؤمن على حُبّي وميثاق كل منافق على بغضي، فلو ضربتُ وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صيبت الدنيا على المنافق ما أحبّني(2).
وروى عبدالكريم بن هلال، عن أسلم المكيّ، عن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً علیه السلام، وهو يقول: لو ضربتُ خياشيمَ المؤمن بالسيف ما أبغضني ولو نثرت على المنافق ذهباً وفضة ما أحبّني، إن الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبِّي، وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن، ولا يحبُّني منافق أبداً(3).
قال الشيخ أبو القاسم البلخيّ: وقد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من الصحابة، قالوا: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلا يبغض عليّ بن أبي طالب(4).
ذكر إبراهيم بن هلال صاحب كتاب «الغارات» فيمن فارق علياً علیه السلام والتحق بمعاوية يزيد بن حُجَيّة التيميّ، من بني تيم بن ثعلبة بن بكر بن وائل، وكان علیه السلام قد استعملَه على الرّي ودَسْتَبْي، فكسرَ الخوارج، واحتجن المال لنفسه، فحبسه عليّ علیه السلام، وجعل معه سعداً مولاه، فقرّب يزيد ركائبه، وسعد نائم، فالتحق بمعاوية، وقال:
خَادَعَتْ سَعْداً وارْتَمَتْ بِي ركائبي *** إلى الشَّامِ وَاخْتَرْتُ الَّذِي هو أَفْضَلُ
1) أخرجه مسلم، کتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي بن أبي طالب من الإيمان (78)، والنسائي، في كتاب: الإيمان وشرائعه، باب: علامة الإيمان (5018)
2) انظر بشارة المصطفى: 172، وينابيع المودة: 152/1
3) أخرجه المجلسي في البحار: 295/39
4) أخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى: 91، والحاكم في المستدرك: 129/3
وغادرتُ سعداً نَائماً في عبَاءةٍ *** وسعدٌ غلامٌ مُسْتَهَامٌ مُضَلَّلُ
ثم خرج حتى أتى الرَّقة، وكذلك كان يصنع مَنْ يفارق علياً علیه السلام، يبدأ بالرَّقة حتى يستأذِن معاوية في القدوم عليه، وكانت الرَّقة والرُّها وقَرْقِيسِيا وحَرَّان من حَيّز معاوية، وعليها الضحاك بن قيس، وكانت هِيت وعَانات ونصيبين ودارا وآمِد وسِنْجار من حَيِّز عليّ علیه السلام وعليها الأشتر، وكانا يقتتلان في كل شهر.
وقال يزيد بن حُجَيَّةَ وهو بالرَّقة يهجو علياً علیه السلام:
يا طولَ لَيْلِيّ بالرَّقَاتِ لَمْ أَنَمُ *** مِنْ غَيْرِ عِشْقٍ صَبَتْ نَفْسِي وَلَا سَقَم
لكنْ لذكرِ أمورٍ جَمَّةٍ طَرَقَتْ *** أخشَى على الأصْلِ مِنْهَا زَلّة القَدمِ
أخشى عَلِيًّا عليْهم أَن يكون لَهُمْ *** مثلَ العَقُور الذي عَفَّى عَلَى إرَمِ
وبعد ذلك ما لا نذكره.
قال إبراهيم بن هلال: وقد كان زياد بن خَصَفة التيميّ، قال لعليّ علیه السلام يوم هرب يزيد بن حُجَيّة: ابعثني يا أمير المؤمنين في أثره أردّه إليك. فبلغ قوله يزيد بن حُجَيَّة، فقال في ذلك:
أبلغ زياداً أنّني قد كفيتُهُ *** أمورِي وخَلّيت الّذي هُوَ عاتِبُهْ
وَبَابٌ شديدٌ مُوثَقٌ قد فتحتُه *** عليك، وقد أعْيَتْ عَلَيْكَ مَذَاهِبُهْ
هُبِلْتَ أمَا ترجو غنائي ومشهدِي *** إذِ الخصم لم يُوجَدْ لَهُ مَنْ يُجَاذِبُهُ!
فأقسِمُ لولا أن أمَّكَ أمُّنَا *** وأنك مولَّى ما طفِقْتُ أعاتِبُهْ
وأقسم لو أدركْتَنِي مَا رَدَدْتَني *** كلانا قد اصطفّت إليه جَلائِبُهُ
قال ابن هلال: وكتب إلى العراق شعراً يذمّ فيه علياً علیه السلام، ويخبره أنّه من أعدائه فدعا عليه وقال لأصحابه عَقِيبَ الصلاة: ارفعوا أيديَكم فادعُوا عليه، فدعا عليه وأمَّن أصحابُه.
قال أبو الصلت التيميّ: كان دعاؤه عليه: اللهمّ إن يزيد بن حُجَيّة هرب بمالِ المسلمين ولحق بالقوم الفاسقين، فاكفِنا مكره وكيدَه واجْزِه جزاء الظالمين.
قال: ورفع القومُ أيديَهم يُؤمنون، وكان في المسجد عِفاق بن شُرَحْبيل بن أبي رهم التَّيمّي شيخاً كبيراً، وكان يعدّ ممن شهد على حُجْر بن عديّ حتى قتله معاوية، فقال عِفاق: على مَن يدعو القوم؟ قالوا: على يزيد بن حُجَيّة، فقال: تربَتْ أيديكم! أعَلَى أشرافنا تدعُون! فقاموا إليه فضربوه حتى كاد يهلِك. وقام زياد بن خَصَفَة - وكان من شيعة عليّ - فقال: ادعوا ابن عَمّي، قال عليّ علیه السلام: دعوا للرَّجُل ابن عمّه، فتركه الناس، فأخذ زياد بيده فأخرجه من المسجد، وجعل يمشي معه يمسح التراب عن وجهه، وعِفاق يقول: والله لا أحبّكم ما سعيت ومشيت، والله لا أحبّكم ما اختلفت الدّرّة والجَرّة، وزياد يقول: ذلك أضرّ لك، ذلك شَرٌّ لك.
وقال زياد بن خَصَفْة يذكر ضرب الناس عِفاقاً:
دعوت عِفاقاً للهُدَى فاستغشَّنِي *** وولِّى فَرِيَّا قولُه وَهُوَ مُغْضَبُ
ولولا دفاعي عن عِفَاقٍ ومشهدِي *** هوت بِعفاقٍ - عَوْضُ - عَنْقَاءُ مُغْرِبُ
أنبِّئه أنّ الهدى في اتّباعنا *** فيأبى، ويُضْرِيه المراء فيشغَبُ
فإن لا يشَايعْنَا عِفاقٌ فإننا *** على الحق ما غنّى الحَمام المطرِّبُ
سَيُغْنى الإله عن عِفاق وَسَعْيه *** إذا بعثت للناس جَاواء تُحْرَبُ
قبائل من حَيَّيْ معدّ ومثلُها *** يمانية لا تنثنِي يمانية حين تُنْدَبُ
لَهُمْ عَدَدٌ مثلُ التراب وطاعةٌ *** تودّ، وبأس في الوغى لا يؤنَّبُ
فقال له عِفاق: لو كنتُ شاعراً لأجبتك، ولكني أخبركم عن ثلاث خصال كنّ منكم، والله أرى أن تُصيبوا بعدهنّ شيئاً مما يسرّكم:
أمّا واحدة، فإنكم سرتُم إلى أهل الشام حتى إذا دخلتم عليهم بلادهم قاتلتموهم، فلما ظنّ القومُ أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف، فسخِروا بكم فردّوكم عنهم، فلا والله لا تدخلونها بمثل ذلك الجِدّ والحدّ والعدد الذي دخلتم به أبداً.
وأما الثانية، فإنكم بعثتم حَكَماً وبعث القوم حَكماً، فأما حكَمُكم فخلعكم، وأمّا حَكَمهم فأثبتهم، فرجع صاحبهم يُدْعَى أمير المؤمنين، ورجعتم متلاعنين متباغضين، فوالله لا يزال القوم في عَلاء، ولا تزالون في سِفال.
وأما الثالثة، فإنه خالفكم قُرّاؤكم وفُرسانكم فعدَوْتُم عليهم فذبحتموهم بأيديكم، فوالله لا تزالون بعدها متضعضعين.
قال: وكان يمرّ عليهم بعد، فيقول: اللهم إني منهم بريء، ولابن عفان وليّ! فيقولون: اللهم إنّا لعلي أولياء، ومن ابن عفان برآء، ومنك يا عِفاق!
قال: فأخذ لا يُقْلِع، فدعوا رجلاً منهم له سجاعة كسجاعة الكهان، فقالوا: ويحك! أما تكفِينا بسجْعك وخطبك هذا! فقال: كفيتكم، فمرَّ عِفاق عليهم، فقال كما كان يقول: فلم يمهله أن قال له: اللهم اقتُل عِفاقاً، فأنه أسرَّ نفاقاً، وأظهر شِقاقاً، وبيَّن فراقاً، وتلوّن أخلاقاً.
فقال عِفاق: وَيُحكم! من سَلَّط علي هذا؟ قال: الله بعثني إليك، وسلّطني عليك لأقطع لسانك، وأنصِل سِنامك، وأطرد شيطانك.
قال: فلم يك يمرّ عليهم بعد، إنما يمرّ على مزَينة.
وممن فارقه علیه السلام عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود بن أوس بن إدريس بن مُعَتِّب الثقفيّ،
شهد مع عليّ علیه السلام صفين، وكان في أول أمره مع معاوية، ثم صار إلى عليّ علیه السلام، ثم رجع بعد إلى معاوية، وكان عليّ علیه السلام يسميه الهجنّع، والهجنّع: الطويل.
ومنهم القعقاع بن شُور، استعمله عليٌّ علیه السلام علی کَسْکَر، فنقم منه أموراً، منها أنه تزوّج امرأة فأصدقها مائة ألف درهم، فهرب إلى معاوية.
ومنهم النجاشيّ الشاعر من بني الحارث بن كعب، كان شاعرَ أهل العراق بصفّين، وكان عليّ علیه السلام يأمره بمحاربة شعراء أهل الشام، مثل كَعَب بن جُعَيل وغيره، فشرب الخمر بالكوفة، فحدّه عليّ علیه السلام، فغضب ولحق بمعاوية، وهجا علياً علیه السلام.
حدث ابن الكلبيّ عن عوانة، قال: خرج النجاشيّ في أول يوم من شهر رمضان، فمرّ بأبي سَمَّال الأسديّ، وهو قاعد بفناء داره، فقال له: أين تريد؟ قال: أردت الكُنَاسة، فقال: هل لك في رؤوس وألَيات قد وُضِعت في التَّنُّور من أول الليل، فأصبحت قد أينعت وقد تهرّأت؟ قال: وَيْحك! في أول يوم من رمضان! قال: دعنا مما لا نَعرف، قال: ثم مه، قال: أسقيك من شراب كالوَرْس، يُطيِّب النفس، ويجري في العِرْق، ويزيد في الطَّرْق، يهضم الطعام، ويُسهل للفدْم(1)الكلام، فنزل، فتغدّيا، ثم أتاه بنبيذٍ فشرباء، فلما كان آخر النهار علت أصواتُهما، ولهما جارٌ من شيعة عليٍّ علیه السلام، فأتاه فأخبره بقصّتهما، فأرسل إليهما قوماً فأحاطوا بالدار فأما أبو سمَّال فوثَب إلى دُور بني أسد فأفلت، وأخذ النجاشيّ فأتى علیه السلام به، فلما أصبح أقامه في سراويله، فضربه ثمانين، ثم زاده عشرين سوطاً، فقال: يا أمير المؤمنين، أما الحدّ فقد عرفته، فما هذه العِلاوة؟ قال: لجراءتك على الله، وإفطارك في شهر رمضان. ثم أقامه في سرَوايله للناس، فجعل الصبيان يصيحون به: خَرِيَ النجاشيّ، خري النجاشي! وجعل يقول: كلّا إنها يمانية وِكاؤها شعر.
قال: ومرّ به هند بن عاصم السّلوليّ، فطرح عليه مُطرَفاً، فجعل الناس يمرّون به ويطرحون عليه المطارف، حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة، فمدح بني سَلُول فقال:
إذا الله حَيَّا صالحاً من عباده *** تقيًّا فحيّا الله هِنْدَ بْنَ عاصمِ
وكلّ سَلُولِيّ إذا ما دعوتُه *** سريع إلى داعي العلا والمكارم
هم البيضُ أقداماً وديباجُ أوجهٍ *** جلوها إذا اسودّتْ وجوهُ الملائمِ
1) القدم من الناس: العبي عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم. اللسان، مادة (قدم)
ولا يأكل الكلب السَّروق نعالَهُمْ *** ولا يبتغي المخّ الذي في الجماجِمِ
ثم لحق معاوية، وهجا عليًّا علیه السلام، فقال:
ألَا مَنْ مبلغٌ عَنِّي عَلِيًّا *** بأنّي قَدْ أمِنْتُ فلا أَخَافُ
عَمِدْتُ لمستقرّ الحقِّ لمَّا *** رأيتُ أموركُمْ فيها اختِلافُ
وروی عبد الملك بن قُريب الأصمعيّ، عن ابن أبي الزّناد، قال: دخل النجاشيّ على معاوية، وقد أذن للناسَ عامة، فقال لحاجبه: ادعُ النجاشيّ، والنجاشيّ بين يديه، ولكن اقتحمته عينه، فقال: هأنذا النجاشيّ بين يديك يا أمير المؤمنين، إنّ الرجال ليست بأجسامها، إنّما لك من الرجل أصغراه: قلبه ولسانه قال: ويحك! أنت القائل:
ونَجِّي ابن حَرْبِ سبحٌ ذو عُلالةٍ *** أجش هزيمٌ والرِّماحُ دَواني
إذا قلتُ أطراف الرماح تَنُوشَه *** مرَتْه بِهِ الساقان والقَدَمانِ
ثم ضرب بيده إلى ثَدْيه، فقال: ويحك! إنّ مثلي لا تعدُو به الخيل، فقال: يا أمير المؤمنين، إني لم أغنِك، إنما عنيتُ عُتْبَة.
وروی صاحب كتاب «الغارات» أن علياً علیه السلام لما حدَّ النجاشيّ غضبت اليمانية لذلك، وكان أخصّهم به طارق بن عبد الله بن كعب النّهْديّ، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنا نرى أنّ أهل المعصية والطاعة، وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيّان في الجزاء، حتى رأينا ما كان من صنيعك بأخي الحارث، فأوغرتْ صدورنا، وشَتَّتَتَ أمورنا، وحملتَنا على الجادَة التي كنا نرى أن سبيل مَنْ ركبها النار. فقال عليّ علیه السلام: «وَإِنَّهَا لكبيرة إلا على الخشِعِينَ»(1)، يا أخا نَهْد، وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حُرمة من حُرّم الله، فأقمنا عليه حدًّا كان كفارته! إن الله تعالى يقول: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ! أعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»(2)قال: فخرج طارق من عنده، فلقَيه الأشتر، فقال: يا طارق، أنتَ القائل لأمير المؤمنين: «أَوْغَرْتَ صدورَنا، وَشَتْتْ أمورنا»؟ قال طارق: نعم أنا قائلها، قال: والله ما ذاك كما قلتَ، إنّ صدرَنا له لسَامِعة، وإن أمورنا له لجامعة. فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر أنه غيرُ ما قلت، فلما جَنّه الليل هَمَس هو والنجاشيّ إلى معاوية، فلما قدما عليه، دخل آذنه فأخبره بقدومهما، وعنده وجوه أهل الشام، منهم عمرو بن مرة الجهنيّ وعمرو بن صيفيّ وغيرهما، فلما دخلا نظر إلى طارق، وقال: مرحباً بالمورِق غصنُه، والمعرق أصلُه، المسوّد غير المسود، من رجل كانت منه هفوة ونبوة، باتّباعه صاحبَ الفتنة، ورأس الضلالة والشبهة، الذي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رَجْلها، ثم أوجف في عَشْوة
ظُلْمتها وتيه ضلالتها، واتبعه رجرجة من الناس، وأشبابةٌ من الحُثالة لا أفئدة لهم: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»(1).
فقام طارق، فقال: يا معاوية إني متكلّم فلا يسخطك، ثم قال: وهو متكيء على سيفه: إنّ المحمود على كلٌ حال ربِّ علا فوق عباده، فهم منه بمنظر ومسمع، بعث فيهم رسولاً منهم، يتلو كتاباً لم يكن من قبله ولا يخطّه بيمينه، إذاً لارتاب المبطلون، فعليه السلام من رسول كان خلفاً عن بالمؤمنين برًّا رحيماً! أما بعد فإنّ ما كنا تُوضِع فيما أوْضَعنا فيه بين يدي إمام تقيٍّ عادل، رجال من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، أتقياء مرشدين، ما زالوا مناراً للهدى، ومعالم للدين، خلفاً عن سلف مهتدين، أهل دين لا دنيا، كلّ الخير فيهم، واتَّبعهم من الناس ملوك وأقيال، وأهلُ بيوتات وشرَف، ليسوا بناكثين ولا قاسطين، فلم يكن رغبةٌ مَنْ رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحقّ حيث جُرِّعُوها، ولوعورته حيث سلكوها، وغلبت عليهم دنيا مؤثَرة، وهو متّبع، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وقد فارق الإسلام قبلنا جَبَلة بن الأيهم فرراً من الضيم وأَنَفاً من الذُّلة، فلا تفخرَنّ يا معاوية، إن شَدَدْنا نحوك الرحال وأَوْضعْنا إليك الركاب. قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولجميع المسلمين.
فعظُم على معاوية ما سمعه وغضب، لكنه أمسك، وقال: يا عبد الله، إنا لم نُردْ بما قلناه أن نوردَك مَشْرَع ظمأ، ولا أن نُصدرك عن مَكْرَع رِيّ، ولكنّ القول قد يجري بصاحبه إلى غير ما ينطوي عليه من الفعل، ثم أجلسه معه على سريره، ودعا له بمقطّعات ويُرود فصبّها عليه، وأقبل نحوه بوجهه يحدّثه حتى قام.
وقام معه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفيّ الجهنيّان، فأقبلا عليه بأشدّ العتاب وأمضِّه، يلومانه في خطبته، وما واجه به معاوية.
فقال طارق: والله ما قمت بما سمعتماه حتى خُيِّل لي أن بطن الأرض خير لي من ظهرها عند سماعي ما أظهرَ من العيب والنقص لمن هو خير منه في الدنيا والآخرة، وما زهَتْ به نفسه، وملَكه عجبه، وعاب أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم واستنقَصهم، فقمت مقاماً أوجب الله عليّ فيه ألا أقول إلّا حقاً، وأيّ خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غداً! فبَلغ عليًّا علیه السلام قولُه، فقال: لو قُتل النهديّ يومئذٍ لقتل شهيداً.
وقال معاوية للهيثم بن الأسود أبي العُريان - وكان عُثمانياً، وكانت امرأته عَلَويّة الرأي،
1) سورة محمد، الآية: 24
تكتب بأخبار معاوية في أعنّة الخيل وتدفَعُها إلى عسكر عليٍّ علیه السلام بِصِفِّين فيدفعونها إليه - فقال معاوية بعد التحكيم: يا هيثم، أهلُ العراق كانوا أنصحَ لعليِّ في صِفّين أم أهل الشام لي؟ فقال: أهل العراق قبل أن يُضْرَبوا بالبلاء كانوا أنْصَح لصاحبهم، قال: كيف قلت ذلك؟ قال: لأنّ القوم ناصحوه على الدّين. وناصَحَك أهل الشام على الدنيا، وأهل الدين أصْبَرُ، وهم أهل بصيرة، وإنما أهل الدنيا أهلُ طمع، ثم والله ما لبث أهلُ العراق أنْ نبذُوا الدِّين وراء ظهورهم، ونظروا إلى الدنيا، فالتحقوا بك.
فقال معاوية: فما الذي ينفع الأشعثَ أن يقدَم علينا، فيطلب ما قِبَلنا؟ قال: إن الأشعث يكرِم نفسَه أن يكون رأساً في الحرب، وذَنَباً في الطمع.
ومن المفارقين لعليّ علیه السلام أخوه عَقِيل بن أبي طالب، قَدِمَ على أمير المؤمنين بالكوفة يسترِفدُه، فعرض عليه عطاءه، فقال: إنما اريدُ من بيت المال، فقال: تقيم إلى يوم الجمعة، فلما صلّى علیه السلام الجمعة، قال له: ما تقولُ فيمن خان هؤلاء أجمعين؟ قال بئس الرجل ! قال: فإنك أمرتَنِي أن أخونهم وأعطيَك، فلما خرج من عنده شخَص إلى معاوية، فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم، وقال له: يا أبا يزيد، أنا خير لك أم عليّ؟ قال: وجدت عليًّا أنْظرَ لنفسه منهُ لي، ووجدتك أنظر لي منك لنفسك.
وقال معاوية لعَقِيل: إنّ فيكم يا بني هاشم ليناً، قال: أجل إنّ فينا ليناً من غير ضعْف، وعِزٍّا من غير عُنْف، وإن لينَكم يا معاوية غَدْر، وسلْمكم كُفْر. فقال معاوية: ولا كل هذا يا أبا يزيد!.
وقال الوليد بن عُقْبة لعقِيل في مجلس معاوية: غَلبك أخوك يا أبا يزيد على الثروة! قال: نعم، وسبقني وإياك إلى الجنة، قال: أما والله إن شِدْقَيْه لمضمومان من دم عثمان، فقال: وما أنتَ وقريش! والله ما أنتَ فينا إلا كنطيح التَيْس. فغضب الوليد وقال: والله لو أنّ أهل الأرض اشتركوا في قتله لأرِهقُوا صَعُوداً، وإن أخاك لأشدّ هذه الأمة عذاباً، فقال: صه! والله إنا لنرغب بعبدٍ من عبيده عن صُحْبة أبيك عُقْبة بن أبي مُعَيط.
وقال معاوية يوماً - وعنده عَمْرو بن العاص، وقد أقبل عَقِيل: لأضحكنّك من عقيل فلما سلّم قال معاوية: مرحباً برجل عمّه أبو لهب فقال عَقِيل: وأهلاً برجل عَمْته: «حَمَّالَةَ العَطَبِ لَا فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدِ»(1)، لأنّ امرأة أبي لهب أمّ جميل بنت حرب بن أمية.
1) سورة المسد، الآيتان: 4، 5
قال معاوية: يا أبا يزيد ما ظنّك بعمك أبي لهب! قال: إذا دخلت النارَ فَخُذ على يسارك تجده مفترشاً عَمّتك حمالة الحطب، أفناكحَّ في النار خيرٌ أم منكوح! قال كلاهما شرّ والله.
وممن فارقه علیه السلام حنظلة الكاتب، خرج هو وجرير بن عبد الله البَجَلِيّ من الكوفة إلى قرقيسيا، وقالا: لا نقيمُ ببلدة يُعاب فيها عثمان.
وممن فارقه وائل بن حجر الحضرميّ، وخبره مذكور في قصة بُسْر بن أرطاة.
وروی صاحب كتاب «الغارات» عن إسماعيل بن حكيم، عن أبي مسعود الجريريّ، قال: كان ثلاثة من أهل البصرة يتواصُلون على بُغْض عليّ علیه السلام: مطرِّف بن عبد الله بن الشَّخّير. والعلاء بن زياد، وعبد الله بن شقيق.
قال صاحب كتاب «الغارات»: وكان مطرِّف عابداً ناسكاً، وقد روى هشام بن حسان عن ابن: أن عمّار بن ياسر دخل على أبي مسعود وعنده ابن الشَّخّير، فذكر علياً بما لا يجوز أن يُذكر به، فقال عمار: يا فاسق وإنك لها هنا فقال أبو مسعود: أذكِّرك الله يا أبا اليقظان في ضَيْفي!
قال: وأكثر مبغضيه علیه السلام أهل البصرة كانوا عثمانيّة، وكانت في أنفسهم أحقاد يوم الجمل، وكان هو علیه السلام قليل التألّف للناس، شديداً في دين الله، لا يبالي مع علمه بالدين، واتباعه الحقِّ مَنْ سخط ومَنْ رَضِيَ.
قال: وقد روى يونس بن أرقم، عن يزيد بن أرقم، عن أبي ناجية، مولى أم هانىء قال: كنت عندَ عليّ علیه السلام، فأتاه رجل عليه زِيُّ السَّفر. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من بلدة ما رأيت لك بها محبًّا، قال: منْ أين أتيتَ؟ قال: من البصرة، قال: أما إنهم لو يستطيعون أن يحبُّوني لأحبوني، إني وشيعتي في ميثاق الله لا يزاد فينا رجلٌ ولا ينقص إلى يوم القيامة.
وروى أبو غَسّان البصري، قال: بَنَى عبيد الله بن زياد أربعة مساجد بالبصرة تقوم على بغض عليّ بن أبي طالب والوقيعة فيه: مسجد بني عديّ، ومسجد بني مجاشع، ومسجد كان في العلّافين على فُرْضَة البصرة، ومسجد في الأزد.
ومما قيل عنه إنه يبغض عليًّا علیه السلام ويذمّه، الحسن بن أبي الحسن البصريّ أبو سعيد وروى عنه حماد بن سلمة أنه قال: لو كان عليّ يأكل الحَشَف(1)بالمدينة لكان خيراً له مما دخل فيه. ورواه عنه أنه كان من المخذّلين عن نصرته.
وروى عنه أن عليًّا علیه السلام رآه وهو يتوضّأ للصلاة - وكان ذا وسوسة - فصبّ على أعضائه ماء كثيراً، فقال له: أَرَقْتَ ماءً كثيراً يا حسن، فقال: ما أراق أمير المؤمنين من دماء المسلمين أكثر! قال: أو ساءك ذلك؟ قال: نعم. قال: فلا زلت مسوّاً.
قالوا: فما زال الحسن عابساً قاطعاً مهموماً إلى أن مات.
فأما أصحابنا فإنهم يدفعون ذلك عنه وينكِرونه ويقولون: إنه كان من مُحبّي عليٍّ بن أبي طالب علیه السلام والمعظّمين له.
وروى أبو عمر بن عبد البر المحدّث في كتابه المعروف: «الاستيعاب في معر الصحاب»(2)أنّ إنساناً سأل الحسن عن عليّ علیه السلام، فقال: كان والله سهماً صائباً من مرامي الله على عَدُوِّه، وربانيّ هذه الأمة وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لم يكن بالنُّؤَمة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسَّرُوقة لمال الله أعطى القرآنِ عزائمه ففازَ منه برياض مُونِقة، ذلك عليّ بن أبي طالب یالكَعَ!.
وروى الواقديّ، قال: سئِل الحسنُ عن عليّ علیه السلام - وكان يظنّ به الانحراف عنها ولم يكن كما يظنّ - فقال: ما أقول فيمنُ جَمَع الخصال الأربع: ائتمانه على براءة، وما قال لَهُ الثقلان الرسول في غزاة تَبُوك، فلو كان غير النبوّة شيء يفوته لاستثناء، وقول النبي صلی الله علیه وآله وسلم «الثَّقلان كتاب الله وعِتْرتي»(3)، وإنه لم يؤمر عليه أمير قطّ وقد أُمِّرت الأمراء على غيره.
وروى أبَان بنُ عياش، قال: سألتْ الحسن البصريّ عن عليّ علیه السلام، فقال: ما أقولُ فيه! كانت له السابقة، والفضْل والعلْم والحكمة والفقه والرأي والصُّحبة والنِّجْدة والبلاء والزهد والقضاء والقرابة، إن عليٍّا كان في أمرِه عليًّا، رحم الله عليٍّا، وصلى عليه! فقلت: يا أبا سعيد اتقول: «صلّى عليه» لغير النبيّ! فقال: ترحَّمْ على المسلمين إذا ذكّروا، وصلِّ على النبيّ وعلى آله. فقلت أهو خيرٌ مِنْ حمزة وجعفر؟ قال: نعم، قلت: وخيرٌ من فاطمة وابنيها؟ قال:
نعم، والله إنه خيرُ آل محمد كلِّهم، ومَنْ يَشُكّ أنّه خير منهم، وقد قال رسول الله وأبوهما خير منهما»(1)! ولم يجر عليه اسم شرك، ولا شرب خمر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: «زوّجتُك خيرَ أمتي»(2)، فلو كان في أمته خيرٌ منه لاستثناه، ولقد آخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابِه، فأخى بين عليّ ونفسه، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرُ الناس نفساً، وخيرُهم أخاً. فقلت: يا أبا سعيد، فما هذا الذي يقال عنك إنّك قلته في عليّ؟ فقال: يابن أخي، أحقِنُ دمي من هؤلاء الجبابرة، ولولا ذلك لشالَتْ بي الْخُشُب.
قال شيُخنا أبو جعفر الإسكافيّ رحمه الله تعالى، ووجدته أيضاً في كتاب «الغارات» لإبراهيم بن هلال الثقفي: وقد كان بالكوفة من فقهائها مَنْ يعادي علياً ويُبغضه، مع غَلبة التشّيع على الكوفة، فمنهم مرّةُ الهمدانيّ.
وروى أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن عن فِطْر بن خليفة، قال: سمعت مُرَّة يقول: لأنْ يكون علي جملاً يَستَقِي عليه أهلُه خير له ممّا كان عليه.
وروى إسماعيل بن بَهرام، عن إسماعيل بن محمد، عن عمرو بن مرة، قال: قيل لمرّة الهْمدانيّ: كيف تخلّفْت عن عليّ؟ قال: سَبَقَنا بحسناته، وابتُلِينا بسيئاته.
قال إسماعيل بن بَهْرَام: وقد روينا عنه أنه قال أشدَّ فُحْشاً من هذا، ولكنا نتورَّع عن ذكره.
وروى الفضل بن دُكَين، عن الحسن بن صالح، قال: لم يصلِّ أبو صادق على مُرَّة الهْمدانيّ.
قال الفضلُ بن دُكين: وسمعتُ أنّ أبا صادق قال في أيام حياة مُرّة: والله لا يظلّني وإياه سقفُ بيتٍ أبداً.
قال: ولما مات لم يحضُره عمرو بن شُرَحبيل، قال: لا أحضُره لشيء كان في قلبه عَلَى عليّ بن أبي طالب.
قال إبراهيم بن هلال: فحدّثنا المسعوديّ، عن عبد الله بن نُمير بهذا الحديث. قال: ثم كان عبد الله بن نُمير يقول - وكذلك أنا، والله لو مات رجلٌ في نفسه شيء عَلَى عليّ علیه السلام لم أحضُرُه، ولم أصلِّ عليه.
ومنهم الأسود بن يزيد ومَسْروق بن الأجدع، روى سَلَمة بن كهيل: أنّهما كانا يمشيان إلى بعض أزواج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فيقعان في عليّ علیه السلام، فأمّا الأسود فمات عى ذلك، وأما مسروق فلم يمُتْ حتى كانَ لا يصلّي الله تعالى صلاةً إلا صلّى بعدها عَلَى عليّ بن أبي طالب علیه السلام، لحديث سمعه من عائشة في فضله.
وروى أبو نعيم الفضل بن دُكَين، عن عبد السلام بن حَرْب، عن ليث بن أبي سُلَيم، قال: كان مسروق يقول: كان عليّ كحاطب ليل، قال: فلم يمت مسروق حتى رجع عن رأيه هذا.
وروى سَلمَة بن كُهَيْل، قال: دخلتُ أنا وزُبيد اليماميّ على امرأةِ مسروق بعد موته فحدثتْنا، قالت: كان مسروق والأسود بن يزيد يُفْرِطان في سبّ علي بن أبي طالب، ثم ما مات مسروق حتى سمعتُه يصلّي عليه، وأما الأسود فمضى لشأنه. قال: فسألناها: لم ذلك؟ قالت: شيء سمعه مِنْ عائشة تَرْوِيه عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فيمن أصابَ الخوارج.
وروى أبو نعيم، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال: ثلاثة لا يؤمَنُون عَلَى عليّ بن طالب، مسروق، ومُرّة، وشريح.
وروى أنّ الشعبيّ رابعهم.
وروى عن هيثم، عن مجالد، عن الشعبيّ، أن مسروقاً ندِم عَلَى إبطائه عن عليّ بن أبي طالب علیه السلام.
وروى الأعمش، عن إبراهيم التّيميّ، قال: قال عليّ علیه السلام الشريح، وقد قضى قضيَّة نَقَم عليه أمرَها: والله لأنفينّك إلى بَانِقْيَا شهرين تقضي بين اليهود، قال: ثم قُتِلَ عليّ علیه السلام ومضى دهر، فلما قام المختار بن أبي عبيد قال لشُرَيح: ما قال لك أميرُ المؤمنين علیه السلام يوم کذا؟ قال إنه قال لي كذا، قال: فلا والله لا تقعد، حتى تخْرج إلى بانِقْيَا تقضي بين اليهود. فسيّره إليها فقَضى بين اليهود شهرين.
منهم أبو وائل شقيق بن سلمة، كان عُثمانياً يقع في عليّ علیه السلام، ويقال: إنه كانَ يرى رأي الخوارج، ولم يخْتلف في أنه خرج معهم، وأنّه عاد إلى عليّ علیه السلام مِنِيباً مقلعاً.
روی خلف بن خلیفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربعة آلاف، فخرج إلينا عليِّ، فما زال يكلّمنا حتى رجع منا ألفان.
وروی صاحب كتاب «الغارات»، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفَضْل بن دُكَين، عن سفيان الثوريّ، قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدت صِفّين وبئس الصّفوف كانت!
قال: وقد روى أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، قال: كان أبو وائل عثمانياً، وكان زِرُّ بن حُبَيش عَلَوِيًّا.
ومن المبغضين القالين: أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، ورِث البِغُضة له، لا عن کلالة.
وروى عبد الرحمن بن جُندَب، قال: قال أبو بُرْدة لزياد: أشهد أن حُجْر بن عديّ قد كفر بالله كفرة أصلَع، قال عبد الرحمن: إنّما عَنى بذلك نِسْبَة الكفر إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام، لأنّه كان أصلع.
قال: وقد روى عبد الرحمن المسعوديّ، عن ابن عياش المنتوف، قال: رأيت أبا بُرْدة قال لأبي العادية الجُهنيّ قاتل عمار بن ياسر: أأنت قتلتَ عمار بن ياسر؟ قال: نعم، قال: ناولني يدَك، فقبَّلَها، وقال: لا تمسَّك النار أبداً.
وروى أبو نُعيم عن هشام بن المغيرة، عن الغضبان بن يَزيد، قال: رأيت أبا بُرْدة قال لأبي العادية قاتلِ عمار بنَ ياسر: مرحباً بأخي هاهنا! فأجلسه إلى جانبه.
ومن المنحرفين عنه علیه السلام أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ القاريء، روى صاحب كتاب الغارات» عن عطاء بن السائب، قال: قال رجل لأبي عبد الرحمن السُّلميّ: انْشُدُكَ بالله، إن سألتُك لتخبرنيّ؟ قال: نعم، فلما أكّد عليه قال: بالله هل أبغضتَ عليًّا إلا يوم قسم المال في الكوفة فلم يصلْك ولا أهلَ بيتك منه بشيء! قال: أما إذ أنْشَدْتَني بالله، فلقد كان كذلك.
قال: وروى أبو عمر الضّرير، عن أبي عوانة، قال: كان بين عبد الرحمن بن عطية وبين أبي عبد الرحمن السُّلمِيّ شيء في أمر عليّ علیه السلام، فأقبل أبو عبد الرحمن على حَيّان فقال: هل تَدْرِي ما جَرّاً صاحبَك عَلَى الدماء؟ يعني علياً، قال: «وما جَرّاه لا أباً لغيرك! قال: حدثنا أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(1)، أو كلاماً هذا معناه.
وكان عبد الله بن عُكَيْم عُثمانياً، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى عَلَوِيًّا، فروى موسى الجهنيّ، عن ابنة عبد الله بن عُكَيْم، قالت: تحدثا يوماً، فسمعت أبي يقول لعبد الرحمن: أما صاحبَك لو صَبَر لأتاه الناس.
وكان سهم بن طريف عُثمانيًّا، وكان عليّ بن ربيعة عَلَوِيًّا، فضرب أمير الكوفة عَلَى الناس
1) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس (3007)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر (2494)
بعثاً، وضرب عَلَى سهم بن طريف معهم، فقال سهم لعليّ بن ربيعة: اذهب إلى الأمير فكلمه في أمري ليُعْفِيَني، فأتى عليّ بن ربيعة الأمير، فقال: أصلحك الله! إن سهماً أعمى فأغفه قال: قد أعفيتُه، فلما التقيا قال: قد أخبرت الأميرَ أنّك أعمى، وإنما عنيت عمى القلب.
وكان قيس بن أبي حازم يُبْغِض عليًّا علیه السلام، روى وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: أتيت علياً علیه السلام ليكلم لي عثمان في حاجة، فأبَى فأبغضتُه.
قلت: وشيوخنا المتكلّمُون - رحمهم الله - يُسقِطون روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنكم لترونَ ربّكم كما تروْن القمر ليلة البدر»(1)، ويقولون: إنه كان يُبغِض علياً علیه السلام، فكان فاسقاً، ونقلوا عنه أنه قال: سمعت علياً علیه السلام يخطب على المنبر، ويقول: «انفروا إلى بقية الأحزاب»، فدخل بغضُه في قلبي.
وكان سعيد بن المسيّب منحرفاً عنه علیه السلام، وجبّهه عُمر بن عليّ علیه السلام في وجهه بكلام عليك شديد.
روى عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي داود الهمدانيّ، قال شهدت سعيد بن المسيّب - وأقبل عمر بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فقال له سعيد: يابن أخي، ما أراك تكثر غِشْيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يفعل إخوتك وبنو أعمامك! فقال عمر: يابن المسيّب، أكلما دخلت المسجد أجىء فأشهِدَك! فقال سعيد: ما أحبّ أن تغضب، سمعت أباك يقول: إنّ لي الله مقاماً لهو خيرٌ لبني عبد المطلب ممّا على الأرض من شيء. فقال عمر: وأنا سمعت أبي يقول: ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا، حتى يتكلم بها، فقال سعيد: يابن أخي، جعلتَني منافقاً! قال: هو ما أقول لك. ثم انصرف.
من وكان الزهريّ من المنحرفين عنه علیه السلام.
وروى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة، قال: شهدتُ مسجد المدينة، فإذا الزهريّ وعُروة بن الزبير جالسان يذكران علياً علیه السلام، فنالا منه، فنالا منه فبلغ ذلك عليّ بن
1) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر (573)، ومسلم، کتاب: الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (181)
الحسين علیه السلام، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أمّا أنتَ يا عُروة، فإن أبي حاكم أباك إلى الله، فحكم لأبي على أبيك، وأما أنت يا زهريّ، فلو كنتَ بمكة لأريتُك كِيرَ أبيك.
وقد روي من طرق كثيرة، أنّ عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحدٌ من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عليه يزهو إلا عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد.
وروى عاصم بن أبي عامر البَجَليّ، عن يحيى بن عروة، قال: كان أبي إذا ذكَر علياً نال منه.
وقال لي مرّة: يا بني والله ما أحجم الناسُ عنه إلا طلباً للدنيا، لقد بَعَثَ إليه أسامة بن زيد أن ابعثْ إليّ بعطائي، فوالله إنّك لتعلم أنك لو كنتَ في فم أسد لدخلتُ معك. فكتب إلي: إنّ هذا المال لمن جَاهد عليه، ولكنّ لي مالاً بالمدينة فأصِبْ منه ما شئت.
قال يحيى: فكنت أعجبُ من وصفه إياه بما وصفه به، ومن عيبه له وانحرافه عنه.
وكان زيد بن ثابت عُثمانياً شديداً في ذلك الوقت، وكان عمرو بن ثابت عثمانياً، من أعداء عليّ علیه السلام ومُبغضيه، وعمرو بن ثابت هو الذي روى عن أبي أيوب الأنصاريّ حديثَ: «ستة أيام من شوّال».
روي عن عمرو أنه كان يركب ويدور القرَى بالشام ويجمع أهلها، ويقول: أيّها الناس، إن علياً كان رجلاً منافقاً، أراد أن ينخس برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهلُ تلك القرية، ثم يسير إلى القرية الأخرى، فيأمرهم بمثل ذلك، وكان في أيام معاوية.
وكان مكحولٌ من المبغضين له علیه السلام، روى زهير بن معاوية عن الحسن بن الحرّ، قال: لقيت مكحولاً، فإذا هو مطبوع - يعني مملوءاً - بغضاً لعليّ علیه السلام - فلم أزل به حتّى لان وسكن.
وروى المحدّثون عن حماد بن زيد، أنه قال: أرى أن أصحاب عليّ أشدٌ حباً له من أصحاب العِجّل العجلهم. وهذا كلام شنيع.
وروى عن شبابة بن سوّار أنه ذكر عنده ولد عليّ علیه السلام، وطلبهم الخلافة فقال: والله لا يصِلُّون إليها أبداً، والله ما استقامت لعليّ، ولا فرح بها يوماً، فكيف تصير إلى ولده هيهات هيهات! لا والله لا يذوقُ طعم الخلافة مَنْ رَضِيَ بقتل عثمان.
وقال شيخنا أبو جعفر الإسكافيّ: كان أهلُ البصرة كلّهم يُبغضونه، وكثير من أهل الكوفة وكثير من أهل المدينة، وأما أهلُ مكة فكلّهم كانوا يُبغضونه قاطبةً، وكانت قريش كلها على خلافه، وكان جُمهور الخلق مع بني أميّة عليه.
وروى عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكْرة، قال: سمعت علياً علیه السلام، وهو يقول: ما لقيَ أحدٌ من الناس ما لقيت! ثم بكى علیه السلام.
وروى الشعبيُّ، عن شريح بن هانىء، قال: قال عليّ علیه السلام: اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا رَحِمِي، وأصغوا إنائي، وصَغَّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي(1).
وروى جابر عن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً علیه السلام، يقول: اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا رحِمي، وغَصَبُوني حَقِّي، وأجمعوا على منازعتي أمراً كنت أولى به ثم قالوا: إنّ من الحق أن نأخذه، ومن الحق أن تَتركه.
وروى المسيّب بن نَجبة الفزاريّ، قال: قال عليٌّ علیه السلام: من وجدتموه من بني أميّة في ماء فغطُّوا على صِماخه، حتى يدخل الماء في فيه(2).
وروى عمرو بن دينار، عن ابن أبي مُليكة، عن المِسْوَر بن مخرمة، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف عمرَ بن الخطاب، فقال: ألم نكن نقرأ من جملة القرآن: قاتلوهم في آخر الأمر كما قاتلتموهم في أوله؟ قال: بلى، ولكن ذاك إذا كان الأمراء بني أمية والوزراء بني مخزوم!
وروى أبو عمر النّهديّ، قال: سمعت عليّ بن الحسين يقول: ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبُّنا.
وروی سفيان الثوريّ، عن عمرو بن مرة، عن أبي البخْتريّ، قال: أثني رَجلٌ على علي بن أبي طالب في وجهه - وكان يُبغضه - فقال علي: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك(3).
وروى أبو غسان النهديّ، قال: دخل قوم من الشيعة على عليّ علیه السلام في الرّحبَة، وهو على حصير خَلَق، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: حبُّك يا أمير المؤمنين، قال: أما إنه مَنْ أحبّني رأني حيث يحبّ أن يراني، ومن أبغضني رأني حيث يكره أن يراني، ثم قال: ما عَبَدَ اللهَ أحدٌ قبلي
إلا نبيه علیه السلام، ولقد هَجَم أبو طالب علينا وأنا وهو ساجدان، فقال: أو فعلتموها! ثم قال: لي وأنا غلام: وَيُحك، انصر ابن عمك! وَيُحك لا تخذْله، وجعل يحثّني على مؤازرته ومكانفته، فقال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «أفلا تصلّي أنت معنا يا عمّ!» فقال: لا أفعل يابن أخي، لا تعلوني استي. ثم انصرف(1).
وروى جعفر بن الأحمر، عن مسلم الأعور، عن حبّة العُرَني، قال: قال عليٌّ علیه السلام: مَنْ أحبّني كان كان معي، أما أنك لو صُمْت الدهر كلَّه، وقمت الليل كله، ثم قُتِلت بين الصفا والمروة - أو قال بين الرُّكن والمقام - لما بعثك الله إلا مع هواك بالغاً ما بلغ، إنْ في جنة ففي جنة، وإن في نار ففي نار.
وروى جابر الجعفيّ، عن عليّ علیه السلام أنه قال: مَنْ أحبَّنا أهل البيت فليستعدّ عدة للبلاء(2).
وروى أبو الأحوص، عن أبي حيّان عن عليّ علیه السلام: يهلِك فيّ رجلان، محبّ غال عليّ ومبغض قالٍ(3).
وروى حماد بن صالح عن أيوب، عن كهمس، أنّ علياً علیه السلام قال: يهلك فيّ ثلاثة: اللاعن والمستمع المقرّ، وحامل الوِزرْ، وهو الملك المترّف، الذي يُتَقَرّب إليه بلعنتي ويُبرأ عنده من ديني، ويُنتقص عنده حسبي، وإنما حَسَبي حسب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وديني دينه، وينجو فيّ ثلاثة: مَنْ أحبني ومَنْ أحبّ محبّي، ومَنْ عادى عدوي، فمن أشرب قلبُه بغضي أو ألب على بغضي، أو انتقصني، فلم يعلم أنّ الله عدوه وخصمه؟ والله عدو للكافرين(4).
وروی محمد بن الصَّلْت، محمد بن الحنفيّة، قال: مَنْ أحبَّنا نفعه الله بحبّنا، ولو كان عن أسيراً بالدَّيْلم(5).
وروى أبو صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عليّ علیه السلام، قال: قال لي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّ فيك لَشَبَهاً من عيسى ابن مريم، أحبّته النصارى حتى أنزلته بالمنزلة التي ليست له، وأبغضته اليهود حتى بهتَتْ أمّه»(6).
ورَوَى صاحب كتاب «الغارات» حديثَ البراءة على غَيْرِ الوجه المذكور في كتاب «نَهْج البلاغة»، قال: أخبرنا يوسف بن كليب المسعوديّ، عن يحيى بن سليمان العبديّ، عن أبي
مريم الأنصاريّ، عن محمد بن عليّ الباقر علیه السلام، قال: خطب عليٌّ علیه السلام على مِنْبر الكوفة، فقال: سيُعرَض عليكم سَبّي، وستذبحون عليه، فإن عُرِض عليكم سَبّي فسُبّونِي، وإن عرض عليكم البراءة مني، فإني على دين محمد صلی الله علیه وآله وسلم؟ ولم يقل: «فلا تَبْرؤوا مني»(1).
وقال أيضاً: حدّثني أحمد بن مفضل، قال: حدثني الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد علیه السلام، قال: قال عليّ علیه السلام: والله لتُذبحنّ على سبِّي - وأشار بيده إلى حَلْقه - ثم قال: فإن أمَرُوكم بسبّي فسبُّوني، وإن أمرُوكم أن تبروا فإني على دين محمد صلی الله علیه وآله وسلم، ولم ينههم عن إظهار البراءة(2).
وروى شيخُنا أبو القاسم البلخيّ رحمه الله تعالى، عن سلمة بن كُهيل، عن المسيّب بن نَجْبة، قال: بينا عليّ علیه السلام يخطُب إذ قام أعرابيّ، فصاح: وامظلمتاه! فاستدناه عليّ علیه السلام، فلما دنا قال له: إنما لك مظلمة واحدة، وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر وفي رواية عباد بن يعقوب، أنّه دعاه فقال له: وَيحك! وأنا والله مظلوم أيضاً، هاتِ فلنَدْعُ عَلَى مَنْ ظلمنَا.
وروی سَدِير الصيرفيّ، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، قال: اشتكى عليّ علیه السلام شَكاة، فعاده أبو بكر وعمر، وخرجا من عنده، فأتيا النبي صلی الله علیه وآله وسلم، فسألهما: «مِنْ أين جئتّما»؟ قالا: عُدْنا عليًّا، قال: «كيف رأيتماه»؟ قال: رأيناه ويُخاف عليه مما به، فقال: «كلا إنه لن يموت حتى يُوسَع غدراً وبغياً، وليكوننّ في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعده»(3).
وروى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن الغنويّ، أن علياً علیه السلام خطب بالرّحبة، فقال: أيها الناس، إنكم قد أبيتم إلا أن أقولها! وربّ السماء والأرض، إنّ من عهد النبيّ الأميّ إلي: «إنّ الأمة ستغدر بك بعدي».
وروى هيثم بن بشير، عن إسماعيل بن سالم مثله، وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بلفظ أو قريب منه.
وروى أبو جعفر الإسكافي أيضاً أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم دخل عَلَى فاطمة عليها السلام، فوجد عليا نائماً، فذهبت تنبّهه، فقال: «دعيه فربّ سهرٍ له بعدي طويل، ورب جفوة لأهل بيتي مِنْ أجله شديدة» فبكت، فقال: «لا تبكي فإنكما معي، وفي موقف الكرامة عندي»(4).
وروى الناس كافة أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال له: «هذا وليّي وأنا وليُّه عاديت مَنْ عاداه وسالمت من سالمه»(1)، أو نحو هذا اللفظ.
وروى أيضاً محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن زيد بن علي بن الحسين علیه السلام، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لعليّ علیه السلام: «عدوك عدوّي وعدوّي عدوّ الله عزّوجلّ»(2).
وروی یونس بن حباب، عن أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعليّ بن أبي طالب معنا، فمرنا بحديقة، فقال عليّ: يا رسول الله، ألا تَرَى ما أحسن هذه الحديقة! فقال: «إن حديقتك في الجنّة أحسن منها»، حتى مررْنا بسبع حدائق، يقول عليّ ما قال، ويجيبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أجابه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف فوقفنا، فوضع رأسه عَلَى رأس عليّ وبكى، قال عليّ؛ ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «ضغائن في صدور قوم لا يُبدُونها لك حتى يفقدوني»، فقال: يا رسول الله، أفلا أضع سيغي عَلَى عاتقي فأبيد خضراءهم! قال: «بل تصبر»، قال: فإن صبرتُ! قال: «تلاقي جهداً»، قال: أفي سلامةٍ من ديني؟ قال: «نعم»، قال : فإذاً لا أبالي(3).
وروى جابر الجعفيّ، عن محمد بن عليّ علیه السلام، قال: قال عليّ علیه السلام: ما رأيت منذ بعث الله محمداً صلی الله علیه وآله وسلم رخاء، لقد أخافتْني قريش صغيراً، وأنصبتني كبيراً، حتى قبض الله رسوله، فكانت الطامّة الكبرى، والله المستعان على ما تصفون!.
وروی صاحب كتاب «الغارات» عن الأعمش، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سيظهر عَلَى الناس رجل من أمتي، عظيم السرْم(4)، واسع البُلعوم، يأكل ولا يشبع، يحمل وزِرْ الثَّقَلين، يطلب الإمارة يوماً، فإذا أدركتموه فابقروا بطنَه، قال: وكان في يد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قضيب، قد وضع طرفه في بطن معاوية(5).
قلت: هذا الخبر مرفوع مناسب لما قاله عليّ علیه السلام في «نهج البلاغة»، ومؤكّد لاختيارنا أنّ المراد به معاوية، دون ما قاله كثير من الناس أنّه زياد والمغيرة.
وروی جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدرِيّ قال: ذکَر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يوماً لعليّ ما يلقى بعدَه من العَنت فأطال، فقال له علیه السلام: أنشدك الله
والرَّحم يا رسول الله لما دعوت الله أن يقبِضَني إليه قبلك! قال: كيف أسأله في أجلٍ مؤجّل! قال: يا رسول الله، فعلام أقاتل مَنْ أمَرتني بقتاله؟ قال: «عَلَى الحدث في الدين»(1).
وروى الأعمش، عن عمار الدُّهنّي، عن أبي صالح الحنفي، عن عليّ علیه السلام، قال: قال لنا يوماً: لقد رأيت الليلة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في المنام، فشكوت إليه ما لقيتُ حتى بكيت، فقال لي: «انظر»، فنظرت فإذا جلاميد، وإذا رجلان مصفّدان - قال الأعمش: هما معاوية وعمرو بن العاص - قال: فجعلتُ أرضخُ رؤوسهما ثم تعود، ثم أرضخُ ثم تعود، حتى انتبهت.
وروى نحو هذا الحديث عمرو بن مُرّة، عن أبي عبد بن سلمة، عن عليّ علیه السلام، عن عليّ علیه السلام، قال: رأيتْ الليلة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فشكوت إليه، فقال: هذه جهنّم فانظر مَنْ فيها، فإذا معاوية وعمرو بن العاص معلِّقين بأرجلهما منكّسين، تُرْضَخ رؤوسهما بالحجارة - أو قال: تُشدّخ.
وروى قيس بن الربيع، عن يحيى بن هانىء المراديّ، عن رجل من قومه يقال له زياد بن فلان، قال: كنا في بيتٍ مع عليّ علیه السلام نحن شيعته وخواصّه، فالتفت فلم ينكرْ منّا أحداً، فقال: إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون أيديكم ويسمُلون أعينَكم، فقال رجلٌ منا : وأنت حيّ يا أمير المؤمنين؟ قال: أعاذني الله من ذلك، فالتفتّ فإذا واحدٌ يبكي، فقال له: يابنَ الحمقاء، أتريد اللذات في الدنيا والدرجات في الآخرة! إنما وعد الله الصابرين.
وروى زرارة بن أعين عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن عليّ علیه السلام، قال: كان عليّ علیه السلام إذا صلى الفجر لم يزلْ معقباً إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس، فيعلِّمهم الفقه والقرآن، وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك، فقام يوماً فمرّ برجل فرماه بكلمة هُجْر - قال: لم يسمّه محمد بن عليّ علیه السلام - فرجع عَوْدَه على بدئه حتى صعد المنبر، وأمر فنوديَ: الصلاة جامعة! فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ثم قال: أيّها الناس إنه ليس شيء أحبّ إلى الله ولا أعَمّ نفعاً من حلم إمام وفقهه، ولا شيء أبغض إلى الله ولا أعمّ ضرراً من جهل إمام وخُرْقة، ألا وإنه مَنْ لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من الله حافظ، ألا وإنه من أنصَف من نفسه لم يزِدْه الله إلا عزًّا ألا وإنّ الذلّ في طاعة الله أقربُ إلى الله من التعزّر في معصيته. ثم قال: أين المتكلّم آنفاً؟ فلم يستطع الإنكار، فقال: هأنذا يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني لو أشاء لقلت، فقال: إن تعف وتصفح، فأنت أهل ذلك، قال: قد عفوت وصفحت، فقيل لمحمّد بن علي علیه السلام: ما أراد أن يقول؟ قال: أراد أن ينسبه.
وروى زرارة أيضاً، قال: قيل لجعفر بن محمد علیه السلام: إن قوماً ها هنا ينتقصون عليًّا علیه السلام، قال: بمَ ينتقصونه لا أبالهم! وهل فيه موضع نقيصة! والله ما عَرَض لعليّ أمران قطّ
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 79/28
كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدّهما وأشقّهما عليه، ولقد كان يعمل العمل كأنّه قائم بين الجنة والنار، ينظر إلى ثواب هؤلاء فيعمل له، وينظر إلى عقاب هؤلاء فيعمل له، وإن كان ليقوم إلى الصلاة، فإذا قال: وجَّهت وجهيَ تغيّر لونه، حتى يعرف ذلك في وجهه، ولقد أعتق ألف عبد من كدّ يده، كلّ منهم يعرق فيه جبينه، وتحفى فيه كفُّه، ولقد بُشِّرَ بعين نَبَعَتْ في ماله مثل عنق الجَزور، فقال: بشّر الوارث بِشرّ، ثم جعلها صدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، ليصرف الله النار عن وجهه، ويصرف وجهه عن النار(1).
وروى القنّاد، عن أبي مريم الأنصاريّ، عن عليّ علیه السلام: لا يحبني كافر ولا ولد زنى.
وروی جعفر بن زياد، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كنا بنور إيماننا نحبّ عليّ بنَ أبي طالب علیه السلام، فمن أحبّه عرفنا أنه منا(2).
المسألة الثالثة: في معنى قوله علیه السلام: «فسبّوني، فإنه لي زكاة، ولكم نجاة» فنقول: إنه أباح لهم سبَّه عند الإكراه، لأنّ الله تعالى قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر فقال: «إِلَّا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَن»(3)، والتلفّظ بكلمة الكفر أعظم من التلفظ بسبّ الإمام.
فأما قوله: «فإنه لي زكاة ولكم نجاة»، فمعناه أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك، ومعنى الزكاة يحتمل أمرين: أحدهما: ما ورد في الأخبار النبوية أن سبّ المؤمن زكاة له وزيادة في حسناته.
والثاني: أن يريد به أن سبَّهم لي لا ينقص في الدنيا مِنْ قدري، بل أزيد به شَرَفاً وعُلُوَّ قدر، وشياع ذكر، وهكذا كان، فإن الله تعالى جعل الأسباب التي حاول أعداؤه بها الغضّ منه عللاً لانتشار صيته في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد لمح هذا المعنى أبو نصر بن نباتة، فقال للشريف الجليل محمد بن عمر العَلَويّ: وأبوك الوصي أوَّلُ من شا *** دَ منار الهدى وصامَ وَصَلَّى
نشرت حبله قريش فأعطتْهُ إلى صُبْحَة القيامة فَتْلَا
واحتذيت أنا حذوه، فقلت لأبي المظفر هبة الله بن موسى الموسويّ رحمه الله تعالى: في قصيدة أذكر فيها أباه:
أمّك الدرة التي أنجبت من *** جَوْهَرِ المجدِ راضياً مَرْضِيّا
وأبوك الإمامُ موسى كظيم *** الغيظِ حتى يُعِيدَهُ مَنْسِيّا
وأبوه تاج الهُدَى جَعْفَرُ الصا *** دق وخياً عن العُيوب وَحِيّا
وأبوه محمد باقرُ العِلْمِ *** مَضَى لَنَا هَادِياً مَهْدِيّا
وأبوه السجاد أتقى عباد ال *** لمَّه لله مخلصاً ووفيّا
والحسين الذي تخير أن يَقْضِي *** عَزيزاً ولا يعيشَ دنِيّا
وأبوه الوصِيّ أولُ مَنْ طَا *** ف وَلَبّى سَبْعاً وساقَ الهدِيّا
طامَنتْ مجده قريش فأعطتْهُ *** إلى سدْرَة السَّماء رقيّا
أحْمَلَتْ صيتَه فَطَار إلى أن *** مَلأ الأفْقَ ضَجَةٌ وَدَوِيّا
وأبو طالب كفيلُ أبي الق *** اسِم كَهْلاً وَيَافِعاً وَفَتيّا
وَلشَيْخِ البَطْحَاء تَاجُ مَعَدِّ *** شيبةِ الحمْدِ هل علمت سَمِيّا!
وأبو عمر العُلَا هَاشِمُ الجو *** دِ ومَن مثلُ هاشم بَشَرِيّا!
وأبوه الهمامُ عبد منافٍ *** قُلْ تقُلْ صادقاً وتُبْدِي بَدِيّا
ثم زيدٌ - أعني قصيَّ الذي لمْ *** يك عن ذِرْوَةِ العلاءِ قَصِيّا
نسبٌ إن تلفّع المحضُ *** لِفاعاً كان السليبَ العَريّا
وإذا أظلمت مُناسخة الأن *** ساب يوماً كان الْمُنيَر الجَلِيّا
ياله مجْدَة عَلَى قَدَمِ *** الدَّهْرِ وقد يَفْضُلُ العَتِيقُ الطَّرِيّا
وذكرناها هنا ما قبل المعنى وما بعده، لأنّ الشعر حديث، والحديث - كما قيل - يأخذ بعضه برقاب بعض، ولأنّ ما قبل المعنى وما بعده مكمّل له، وموضح مقصده.
فإن قلت: أي مناسبة بين لفظ «الزكاة» وانتشار الصيت والسّمع؟
قلت: لأنّ الزكاة هي النماء والزيادة، ومنه سميت الصدقة المخصوصة زكاة لأنها تنمي المال المزكي، وانتشار الصيت نماء وزيادة.
المسألة الرابعة: أن يقال: كيف قال علیه السلام: «فأمَا السَّبُ فسُبّوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة السَّبُ وأما البراءة فلا تبرؤوا مني»؟ وأيّ فرق بين السبّ والبراءة؟ وكيف أجاز لهم السبّ ومنعهم. التبرّؤ، والسبّ أفحش من التبرّؤ.
والجواب، أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك فإنه لا فرق عندهم بين سبّه والتبرّؤ منه، في
أنّهما حرام وفسق وكبيرة، وأنّ المكرَه عليهما يجوز له فعلُهما عند خَوْفه على نفسه، كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف.
ويجوز ألّا يفعلهما وإن قتل، إذا قصد بذلك إعزاز الدين، كما يجوز له أن يُسلم نفسه للقتل ولا يُظهر كلمة الكفر إعزازاً للدين، وإنما استفحش علیه السلام البراءة لأنّ هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلا عن المشركين، ألا ترى إلى قوله تعالى: «بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(1)، وقال تعالى: «أَنَّ اللهَ بَرِعهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ»(2)، فقد صارت بحسب العرْف الشرعيّ مطلَقة على المشركين خاصَّة، فَإذَنْ يُحمل هذا النهي على تَرجيح تحريم لفظ البراءة على لفظ السبّ، وإن كان حكمهما واحداً، ألا ترى أنّ إلقاء المصحف في القذر أفحش من إلقاء المصحف في دَنَ الشراب وإن كان جميعاً محرّمين، وكان حكمهما واحداً!
فأما الإمامية فتروي عنه علیه السلام أنه قال: إذا عُرِضتم على البراءة منّا فمدّوا الأعناق.
ويقولون: إنه لا يجوز التبّرؤ منه، وإن كان الحالف صادقاً، وإن عليه الكفارة.
ويقولون إنّ حكم البراءة من الله تعالى ومن الرسول ومنه علیه السلام، ومن أحد الأئمة عليهم السلام، حكم واحد.
ويقولون: إنّ الإكراه على السبّ يُبيح إظهاره، ولا يجوز الاستسلام للقتل معه، وأما الإكراه على البراءة، فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل ويجوز أن يظهر التَّبرؤ، والأولى أن يستسلم للقتل.
المسألة الخامسة: أن يقال كيف عَلّل نهيَه لهم على البراءة منه علیه السلام، بقوله: «فإني ولدْت على الفطرة»، فإن هذا التعليل لا يختص به علیه السلام، لأن كلّ أحدٍ يولَد على الفطرة، قال صلی الله علیه وآله وسلم: «كلّ مولودٍ يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه وينصرانه»(3).
والجواب، أنه علیه السلام عَلَلّ نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور وعلل، وهي كونه ولد على الفطرة، وكونه سبق إلى الإيمان والهجرة، ولم يعلل بآحاد هذا المجموع، ومراده ها هنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولَدْ في الجاهلية، لأنه ولد علیه السلام لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل، والنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم و أُرسِل لأربعين سنة مضت من عام الفيل، وقد جاء في الأخبار الصحيحة
أنه صلی الله علیه وآله وسلم مكَث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء، ولا يخاطبه أحد، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته علیه السلام فحُكم تلك السنين العَشْر حكم أيام رسالته صلی الله علیه وآله وسلم: فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولّي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوّة، وليس بمولود في جاهلية محضة، ففارقت حالُه حال مَنْ يدعى له من الصحابة مماثلته في الفضل. وقد روى أنّ السنَّةَ التي ولد فيها عليٌّ علیه السلام هي السنة التي بدىء فيها برسالة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فأُسمِع الهُتاف من الأحجار والأشجار، وكشف عن بصره، فشاهد أنواراً وأشخاصاً، ولم يخاطَب فيها بشيء. وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ بها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتى كُوشِف بالرسالة، وأنزل عليه الوحي، وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يتيمّن بتلك السنة وبولادة عَليِّ علیه السلام فيها، ويسمِّها سنَة الخَير وسنة البركة، وقال لأهله ليلة ولادته، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية، ولم يكن منْ قبلِها شاهد من ذلك شيئاً: «لقد وُلد لنا الليلة مولود يَفْتَحُ الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة»، وكان كما قال صلوات الله عليه، فإنه علیه السلام كان ناصره والمحاميَ عنه وكاشف الغمّاء عن وجهه، وبسيفه ثبتَ دينُ الإسلام، ورست دعائمه، وتمهّدت قواعده علیه السلام.
وفي المسألة تفسير آخر، وهو أن يعني بقوله علیه السلام: «فإني ولدتُ على الفطرة»، أي على الفِطْرة التي لم تتغيّر ولم تحُلْ، وذلك أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كلّ مولودٍ يولد على الفِطْرة» تَحُلْ، أنّ كلَّ مولود فإنّ الله تعالى قد هيّاه بالعقل الذي خلقه فيه وبصحّة الحواس والمشاعر لأنْ يعلَم التوحيد والعدْل، ولم يجعل فيه مانعاً يمنعه عن ذلك، ولكن التربية والعقيدة في الوالدين والإلْف لاعتقادهما وحسن الظنّ فيهما يصدّه عما فُطِر عليه، وأميرُ المؤمنين علیه السلام دون غيره ولد على الفطرة التي لم تَحُلْ ولم يصدّ عن مقتضاها مانع، لا من جانب الأبوين ولا من جهة غيرهما، وغيره ولد على الفِطْرة، ولكنه حال عن مقتضاها، وزال عن موجبها.
ويمكن أن يفسر بأنه علیه السلام أراد بالفِطْرة العِصْمة، وأنّه منذ ولد لم يواقع قبيحاً، ولا كانَ كافراً طَرْفَة عین قطّ، ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء من الأشياء المتعلّقة بالدين. وهذا تفسير الإمامية.
المسألة السادس: أن يقال: كيف قال: «وسبقتُ إلى الإيمان»، وقد قال قوم من الناس: إن أبا بكر سَبَقه، وقال قوم: إن زيد بن حارثة سبَقه؟.
والجواب، أنّ أكثر أهل الحديث وأكثر المحقّقين من أهل السيرة روَوْا أنه علیه السلام أوّل من أسلم، ونحن نذكر كلام أبي عمر يوسف بن عبد البرّ، المحدّث في كتابه المعروف بالاستيعاب».
قال أبو عمر في ترجمة علي علیه السلام: المرويّ عن سلمان وأبي ذَرّ والمقداد وخَبّاب وأبي سعيد الخدريّ وزيد بن أسلم أن علياً علیه السلام أول من أسلم، وفَضّله هؤلاء على غيره.
قال أبو عمر: وقال ابن إسحاق: أوّل من آمن بالله وبمحمد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وهو قول ابن شهاب، إلا أنه قال: «من الرجال بعد خديجة».
قال أبو عمر: وحدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفَضْل، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدّثنا علي بن عبد الله الدَّهقان، قال: حدَّثنا محمد بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: لعليّ علیه السلام اربع خصال، ليست لأحد غيره: هو أوّل عربيّ وعجميّ صلى مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وهو الذي كان معه لواؤه كل زَحْف، وهو الذي صبر معه يوم فَرّ عنه غيره، وهو الذي غَسّله وأدخله قبره.
قال أبو عمر: ورُوي عن سلمان الفارسيّ أنه قال: أوّل هذه الأمة ورُوداً على نبيّها صلی الله علیه وآله وسلم الحوض، أولها إسلاماً: عَلِيّ بن أبي طالب. وقد رُوي هذا الحديث مرفوعاً عن سلمان عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، أنه قال: «أوّل هذه الأمة وروداً عَليّ الحوض أوّلشسها إسلاماً: علي بن أبي طالب».
قال أبو عمر: ورفعه أوْلى، لأن مثله لا يُدْرَك بالرأي.
قال أبو عمر: فأما إسناد المرفوع، فإن أحمد بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ قال: حدَّثنا بن الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثني يحيى بن هاشم، قال: حدثنا سفيان الثوريّ سلمة بن كُهَيل، عن أبي صادق، عن حَنش بن المعتمِر، عن عُليم الكِنديّ، عن سلمان الفارسيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أوّلكم وارداً عَلَيّ الحوض أوّلُكم إسلاماً، عَليٌّ بن أبي طالب»(1).
قال أبو عمر: وروى أبو داود الطيالسيّ، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس أنه قال: أول مَنْ صلى مع النبي صلی الله علیه وآله وسلم بعد خديجة عَليٌّ بن أبي طالب(2).
قال أبو عمرو: وحدَّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبَغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، قال: حدثنا الحسن بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج عن عمرو بن میمون، عن ابن عباس، قال: كان عَليّ أول من آمن من الناس بعد خديجة.
قال أبو عمر: هذا الإسناد لا مطعن فيه لأحد، لصحته وثقة نَقَلَتِه، وقد عارض ما ذكرنا في
باب أبي بكر الصديق، عن ابن عباس: والصحيح في أمر أبي بكر أنه أول مَنْ أظهر إسلامه، كذلك قاله مجاهد وغيره، قالوا: ومنعه قومه.
قال أبو عمر: اتفق ابنُ شهاب، وعليّ علیه السلام بن محمد بن عَقِيل، وقتادة، وابن إسحاق عَلَى أنَّ أول من أسلم من الرجال عليّ، واتفقوا على أن خديجة أوّل من آمن بالله ورسوله وصدّقه فيما جاء به، ثم عليٌّ بعدها.
وروي عن أبي رافع مثل ذلك.
قال أبو عمر: وحدّثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد السلام بن صالح، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن محمد الدروارديّ، قال: حدثنا عُمر مولى غُفْرة، قال: سئل محمد بن كعب القرظيّ عن أول مَنْ أسلم: عليٍّ أم أبي بكر؟ فقال: سبحان الله! عَليٌّ أولهما إسلاماً، وإنما شُبِّه على الناس، لأنّ علياً أخْفَى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر، فأظهر إسلامه.
قال أبو عمر: ولا شك عندنا أنّ علياً أوّلُهما إسلاماً، ذكر عبد الرزاق في جامعه، عن مَعْمر، عن قتادة، عن الحسن وغيره قالوا: أول مَنْ أسلم بعد خديجة علِيٌّ بن أبي طالب علیه السلام.
وروی معمر، عن عثمان الجزريّ، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: أَوَّل مَنْ أسلم عَليّ بن أبي طالب.
قال أبو عمر: وروى ابنُ فضيل عن الأجْلح، عن حَبّة بن جوين العُرنيِّ، قال: سمعت علياً علیه السلام. يقول: لقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة خمس سنين.
قال أبو عمر: وروى شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حبة العرني، قال: سمعت علياً يقول: أنا أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو عمر: وقد روى سلم بن أبي الجعْد، قال: قلت لابن الحنفيّة: أبو بكر كان أولهما إسلاماً؟ قال: لا.
قال أبو عمر: وروى سالم الملائيّ، عن أنس بن مالك، قال: استنبِىء النبي صلی الله علیه وآله وسلم الإثنين، وصلَّى عليٌّ يوم الثلاثاء.
قال أبو عمر: وقال زيد بن أرقم: أَوَّلُ مَنْ آمن بالله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب.
قال: وقد روى حديث زيد بن أرقم من وجوه، ذكرها النسائي وأسْلم بن موسى وغيرهما، منها ما حدثنا به عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا عليّ بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة
الأنصاريّ قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أوّل مَنْ صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب.
قال أبو عمر: وحدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، حدثنا أبي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن أبي الأشعث، عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكنديّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنت امرأ تاجراً، فقدِمت الحجّ، فأتيت العبّاس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة - وكان امرأ تاجراً - فوالله إنّي لعنده بمنى. إذْ خرج رجل من خِباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها قد مالت قام يصلِّي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخِباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامتْ خلْفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهقَ الحلُم من ذلك الخباء، فقام معه يصلّي، فقلتُ للعباس: ما هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي، قلتُ: مَنْ هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد، قلت: ما هذا الفتى؟ قال: عليّ بن أبي طالب ابن عمه، قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلّي وهو يزعم أنه نبيّ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابنُ عمه هذا الغلام، وهو يزعم أنه سيفتَح على أمته كنوزَ كسرى وقيصر، قال: فكان عُفَيف الكنديّ يقول - وقد أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه: لو كان الله رزقني الإسلام يومئذٍ كنتُ أكون ثانياً مع عليّ.
قال أبو عمر: وقد ذكرنا هذا الحديث من طُرق في باب عفيف الكنديّ من هذا الكتاب.
قال أبو عمر: ولقد قال عليّ علیه السلام: صلّيت مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كذا وكذا، لا يصلِّي من غيري إلا خديجة.
فهذه الروايات والأخبار كلها، ذكرها أبو عمر يوسف بن عبد البرّ في الكتاب المذكور وهي كما تراها تكاد تكون إجماعاً.
قال أبو عمر: وإنما الاختلافُ في كميّة سنِّه علیه السلام يوم أسلمَ، ذكر الحسن بن علي الحلوانيّ في كتاب «المعرفة» له، قال، حدّثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، أنه بلغه أنّ علياً والزبير أسلما وهما ابنا ثماني سنين كذا يقول أبو الأسود يتيم عروة، وذكره أيضاً ابنُ أبي خيثمة عن قُتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن أبي الأسود، وذكره عمر بن شَبّة، عن الحزاميّ، عن أبي وهب، عن الليث، عن أبي الأسود، قال الليث: وهاجرا وهما ابنا ثمان عشرة سنة.
قال أبو عمر: ولا أعلم أحداً قال بقول أبي الأسود هذا.
قال أبو عمر: وروى الحسن بن علي الحلوانيّ، قال حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة، عن الحسن، قال: أسلم عليّ وهو ابن خمس عشرة سنة.
قال أبو عمر: وأخبرَنا أبو القاسم خلَف بن قاسم بن سهل، قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل الطوسيّ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السرّاج قال: حدثنا محمد بن مسعود، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قل: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: أسلم عليّ - وهو أول مَنْ أسلم - وهو ابن خمس عشرة سنة، أو ست عشرة سنة.
قال أبو عمر: قال ابنْ وضّاح: وما رأيت أحداً قطّ أعلم بالحديث من محمد بن مسعود، ولا بالرأي من سُحنون.
قال أبو عمر: قال ابن إسحاق: أول ذكَرٍ آمن بالله ورسوله عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وهو يومئذٍ ابن عشر سنين.
قال أبو عمر: والروايات في مَبْلغ سنِّه علیه السلام مختلفة، قيل: أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: ابن اثنتي عشرة سنة. وقيل، ابن خمسَ عشرةَ سنة. وقيل: ابن ستَّ عشرةَ، وقيل: ابن عشر. وقيل: ابن ثمان.
قال أبو عمر: وذكر عُمر بن شَبّة، عن المدائنيّ، عن ابن جَعْدة، عن نافع عن ابن عمر قال: أسلم عليّ وهو ابن ثلاثَ عشرةَ سنة.
قال: وأخبرنا إبراهيم بن المنذر الحراميّ، قال: حدثنا محمد بن طلحة، قال: حدثني جدي إسحاق بن يحيى، عن طلحة، قال: كان عليّ بن أبي طالب علیه السلام والزبير بن العوام وطَلْحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص أعماراً واحدة.
قال: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا إسماعيل بن عليّ الخطبيّ قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حُجَيْن أبو عمر،قال: حدثنا حِبّان، عن معروف، عن أبي معشر، قال: كان عليّ علیه السلام وطلحة والزبير في سن واحدة.
قال: وروى عبد الرزاق، عن الحسن وغيره: أنَّ أوَّلَ مَنْ أسلم بعد خديجة عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وهو ابن خمس عشرة سنة، أو ست عشرة.
قال أبو عمر: وروى أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدثنا شريح بن النعمان، قال: حدثنا: الفرات بن السائب، عن ميمون بن مِهران، عن ابن عمر، قال: أسلم عليّ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال أبو عمر: هذا أصحّ ما قيل في ذلك والله أعلم.
انتهى حكاية كلام أبي عمر في كتاب «الاستيعاب».
واعلم أنّ شيوخنا المتكلِّمين لا يكادُون يختلفون في أنّ أوّل الناس إسلاماً علي بن أبي طالب علیه السلام، إلا مَنْ عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين، فأما الذي تقررت المقالةُ عليه الآن فهو القول بأنه أسبقُ الناس إلى الإيمان، لا تكاد تجد اليوم في تَصانيفهم وعند متكلميهم والمحققين منهم خلافاً في ذلك.
واعلم أنّ أمير المؤمنين علیه السلام ما زال يدّعي ذلك لنفسه، ويفتخر به، ويجعله في أفضليّته عَلَى غيره، ويصرّح بذلك، وقد قال غير مرة: أنا الصدِّيق الأكبر، والفاروق الأوّل أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصلّيت قبل صلاته.
وروى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد بن قتيبة في كتاب «المعارف» وهو غير متّهم في أمره.
ومن الشعر المرويّ عنه علیه السلام في هذا المعنى الأبيات التي أولها:
محمد النبيّ أخي وصِهْرِي *** وحمزة سيّدُ الشهداء عَمِّي
من جملتها:
سبقتكُم إلى الإسلام طُرًّا *** غلاماً ما بلغتُ أوَانّ حلِمي
والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جداً لا يتسع هذا الكتاب لذكرها، فلتُطْلَبْ من مظانّها.
ومن تأمل كتب السَّيَر والتواريخ عَرَف مِنْ ذلك ما قلناه.
فأمّا الذاهبون إلى أنّ أبا بكر أقدَمهما إسلاماً فنفر قليلون، ونحن نذكر ما أورده ابن عبد البر أيضاً في كتاب «الاستيعاب» في ترجمة أبي بكر.
قال أبو عمر: حدثني خالد بن القاسم، قال: حدثنا أحمد بن محبوب، قال حدثنا: محمد بن عبدوس، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شيخ لنا، قال: أخبرنا مجالد، عن الشعبي، قال: سألت ابنَ عباس - أو سئل: - أيّ الناس كان أوّل إسلاماً؟ فقال: أمَا سمعتَ قول حسان بن ثابت:
إذا تذكَّرْتَ شجُواً مِنْ أخِي ثِقةٍ *** فاذكُرْ أخاكَ أبا بكرٍ بما فعلا
خَيرَ البريّة أتقاها وأعدلَها *** بعدَ النبيّ وأوفاها بما حَمَلا
والثانيَ التاليَ المحمودَ مَشْهَدُه *** وأوّلُ الناس منهم صَدَّقَ الرسلا
ويُروى أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، قال الحسان: «هل قلت في أبي بكر شيئاً؟»، قال: نعم، وأنشده هذه الأبيات، وفيها بيت رابع:
وثانيَ اثنين في الغار المنيفِ وَقَدْ *** طاف العدوّس به إذ صَعَّدُوا الجَبَلا
فسُرّ بذلك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وقال: «أحسنتَ يا حسان»(1)، وقد روى فيها بيت خامس:
وَكَانَ حِبَّ رسولِ الله قد علمُوا *** من البرِيَّةِ لم يَعْدِلْ بِهِ رَجُلًا
وقال أبو عمر: وروى شُعبة، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، قال: أوّل مَنْ أسلم أبو بكر.
قال: وَروى الجريريّ، عن أبي نصر، قال: قال أبو بكر لعليّ علیه السلام: أنا أسلمت قبلك، في حديث ذكره فلم ينكِرْه عليه.
قال أبو عمر: وقال فيه أبو مِحْجَن الثَّقفيّ:
وَسُمِّيتَ صِدِّيقاً وكلُّ مهاجر *** سواك يسمّى باسمه غیر منکَرِ
سبقتَ إلى الإسلام واللهُ شاهدٌ *** وكنتَ جلِيساً بالعريشِ المُشَهَّرِ
وبالغار إذ سُمِّيت خِلا وصاحباً *** كنت رفيقاً للنبيّ المطهَّرِ
قال أبو عمر: وروينا من وجوه، عن أبي أمامة الباهليّ، قال: حدثني عمرو بن عبَسة قال: أتيت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وهو نازل بعُكَاظ، فقلت: يا رسول الله، من اتَّبعك عَلَى هذا الأمر؟ فقال: حرّ وعبد: أبو بكر وبلال. قال: فأسلمت عند ذلك، وذكر الحديث(2).
هذا مجموع ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ في هذا الباب في ترجمة أبي بكر، ومعلوم أنّه لا نسبة لهذه الروايات إلى الروايات التي ذكَرها في ترجمة عليّ علیه السلام الدالّة عَلَى سَبْقه، ولا ريب أنّ الصحيح ما ذكره أبو عمر أنّ علياً علیه السلام كان هو السابق، وأن أبا بكر هو أوّلُ من أظهر إسلامَه، فظنّ أن السبق له.
وأما زيد بن حارثة، فإنّ أبا عمر بن عبد البرّ، رضي الله تعالى عنه ذكر في كتاب الاستيعاب»، أيضاً في ترجمة زيد بن حارثة، قال: ذكر معمر بن شبة في جامعه عن الزهريِّ أنه قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة.
قال عبد الرزّاق: وما أعلم أحداً ذكره غير الزهريّ.
ولم يذكر صاحب «الاستيعاب» ما يدلّ على سبق زيد إلا هذه الرواية، واستغربها، فدل مجموع ما ذكرناه أن علياً علیه السلام أوّل الناس إسلاماً، وأن المخالف في ذلك شاذّ، والشاذّ لا يعتدّ به.
1) أخرج بنحوه: الحاكم في «المستدرك» (414ط)، والطبراني في «المعجم الكبير» (12562)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (369/6)
2) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (419ط)، والنسائي، كتاب: المواقيت، باب: إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح (584)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في أي ساعات الليل أفضل (1364)
المسألة السابعة: أن يقال: كيف قال: «إنه سبق إلى الهجرة» ومعلوم أنّ جماعة من المسلمين هاجروا قبله، منهم عثمان بن مظعون وغيره، وقد هاجر أبو بكر قبله، لأنه هاجر في صحبة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم، وتخلف عليّ علیه السلام عنهما، فبات على فراش رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومكث أياماً يردّ الودائع التي كانت عنده، ثم هاجر بعد ذلك؟.
والجواب، أنّه علیه السلام لم يقل: «وسبقت كلّ الناس إلى الهجرة»، وإنما قال: «وسبقت» فقط، ولا يدلّ ذلك على سَبْقه للناس كافة، ولا شبهة أنّه سبق معظم المهاجرين إلى الهجرة، ولم يهاجر قبلَه أحد إلا نفر يسير جداً.
وأيضاً فقد قلنا إنه علّل أفضليَّته وتحريم البراءة منه مع الإكراه بمجموع أمور: منها ولادته على الفِطْرة، ومنها سبقه إلى الإيمان، ومنها سَبْقه إلى الهجرة، وهذه الأمور الثّلاثة لم تجتمع لأحد غيره، فكان بمجموعها متميّزاً عن كل أحد من الناس.
وأيضاً فإنّ اللام في «الهجرة» يجوز ألّا تكون للمعهود السابق، بل تكون للجنس، وأميرُ المؤمنين علیه السلام سبق أبا بكر وغيره إلى الهجرة التي قبل هِجْرة المدينة، فإنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم هاجرَ عن مكة مراراً يطوف على أحياء العرب، وينتقل من أرض قوم إلى غيرها، وكان عليٌّ علیه السلام معه دون غيره.
أما هجرته إلى بني شيبان، فما اختلف أحد من أهل السيرة أنّ علياً علیه السلام كان معه هو وأبو بكر، وأنّهم غابوا عن مكة ثلاثة عشر يوماً وعادوا إليها، لَمّا لم يجدوا عند بني شيبان ما أرادوه من النُّصْرَة.
وروى المدائنيّ في كتاب «الأمثال» عن المفضّل الضبيّ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج عن مكة يعرِض يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى ربيعة، ومعه عليٌّ علیه السلام وأبو بكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدّم أبو بكر - وكان نَسّابة - فسّلم فرّدوا علیه السلام، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أمِنْ هَامتها، أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، فقال: من أيّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذُهْل الأكبر، قال: أفمنكم عَوْف الذي يقال له: لا حُرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم بِسطام ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أقمنكم جَسّاس حامي الذّمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الحوْفَزان، قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال أفمنكم المزدَلِف صاحب العمامة الفَرْدِة؟ قالوا: لا قال: أفأنتم أخوالُ الملوك من كِنْدة؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذن ذهْلاً الأكبر، أنتم ذُهل الأصغر. فقام إليه غلام قد بَقَل وجهه، اسمه دَعْفِل فقال:
إنّ علي سائِلنا أنْ نَسْأَلَهُ *** والعِبْء لا تعرُفُه أو تحمِلَهْ
يا هذا، إنك قد سألتنا فأجبناك، ولم نكتمك شيئاً، فمّمن الرجل؟ قال: من قريش قال: بخ بخ! أهل الشرف والرِّياسة، فمِنْ أيّ قريش أنت؟ قال: من تَيْم بن مرّة، قال: أمكنتَ والد الرامي من الثَّغْرةِ، أمِنكم قصي بن كِلَاب الذي جَمَع القبائل من فِهْر فكان يدعى مجمِّعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هَشم لقومه الثريد؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبةُ الحمد، مُطعم طير السَّماء؟ قال: لا، قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا، قال: أفمِن أهل النَّدوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمِنْ أهل الرَّفَادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمِن أهل الحِجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السِّقاية؟ قال: لا، قال: فاجتذب أبو بكر زِمام ناقته، ورجع إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هارباً من الغُلام، فقال: دَعْفل:
صَادَفَ دَرَة السيل دَرءُ يصدعه
وقال أما والله لو ثبتَّ لأخبرتُكَ أنك من زَمَعات قريش، فتبسم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. وقال عليّ علیه السلام لأبي بكر: لقد وقعت يا أبا بكر من الأعرابيّ على باقعة، قال: أجل: إن لكل طامّة طامّة والبلاء موكل بالمنطق، فذهبت مثلاً.
وأما هجرته صلی الله علیه وآله وسلم إلى الطائف، فكان معه عليّ علیه السلام وزيد بن حارثة في رواية أبي الحسن المدائني، ولم يكن معهم أبو بكر. وأما رواية محمد بن إسحاق، فإنه قال: كان معه زيد بن حارثة وَحْدَه، وغاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن مكة في هذه الهجرة أربعين يوماً، ودخل إليها في جوار مُطعِم بن عديّ.
وأما هجرته صلی الله علیه وآله وسلم إلى بني عامر بن صعصعة وإخوانهم من قَيْس عيلان، فإنه لم يكن معه إلا عليّ علیه السلام وَحْدَه، وذلك عَقِيب وفاة أبي طالب، أوحى إليه صلی الله علیه وآله وسلم: اخرج منها، فقدمات ناصرُك، فخرج إلى بني عامر بن صعصعة، ومعه عَلِيّ علیه السلام وحدَه، فعرض نفسَه عليهم وسألهم النصر، وتلا عليهم القرآن فلم يجيبوه، فعادا عليهما السلام إلى مكة، وكانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام، وهي أوّل هجرة هاجرها صلی الله علیه وآله وسلم بنفسه.
فأما أوّل هجرة هاجرها أصحابه ولم يهاجر بنفسه فهجرةُ الحبشة، هاجر فيها كثيرٌ من اصحابه علیه السلام إلى بلاد الحبشة في البحر، منهم جعفر بن أبي طالب علیه السلام، فغابوا عنه سنين، ثم قدم عليه منهم مَنْ سلم وطالت أيامه وكان قدوم جعفر عليه عامَ فتح خَيْبر(1)، فقال صلی الله علیه وآله وسلم: «ما أدري بأيّهما أنا أسرّ، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر»!.
1) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4249)، والطبراني في «الكبير» (1469)، والبيهقي في «السنم الكبرى» (101/7)، و«شعب الإيمان» (8968)
الأصل: أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ. أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللهِ، وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. فأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ.
أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلَّا شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَآثَرَةٌ يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُم سُنَّةٌ.
قال الرضيّ رحمه الله: قوله علیه السلام: «وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ»، يُرْوَى عَلى ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها أن يكونَ كما ذَكَرْناهُ: «آبِر» بالرَّاءِ، من قولهمْ: رَجُلٌ آبِرٌ، للذي يَأبُرُ النَّخْل، أي يُصْلِحُهِ.
وَيُرْوَى: «آثِرٌ» بالثَّاء، بثلاث نقطٍ، يُراد به الذي يَأثِرُ الحدِيثَ، أي يرويه ويحكيه وهو أصح الوُجُوه عنْدِي، كأنهُ علیه السلام قال: لَا بَقِيَ منكم مُخْبِرَ.
وَيُرْوى: «آبِزٌ» بالزَّاي المعجمةِ، وهو الوَاثِبُ، والهَالِكُ أيضاً يُقَالُ له: آبِزٌ.
الشرح: الحاصب: الريح الشديدة التي تُثير الحصباء، وهو صغار الحصى، ويقال لها أيضاً حَصِبَهْ، . قال لَبيد:
جَرَّتْ عَلَيْهَا إِذْ خَوَتْ من أَهْلِهَا *** أَذيالَها كلُّ عُوفٍ حَصِبَهْ
فأما التفسيرات التي فَسّر بها الرضي رحمه الله تعالى قوله علیه السلام: «آبر» فيمكن أن يزاد لك فيها، فيقال: يجوز أن يريد بقوله: «ولا بقي منكم آبِر» أي نَمّام يفسد ذات البين، والمثبرة: النميمة، وأبر فلان، أي نَمَّ، والأبر أيضاً: مَنْ يبغي القوم الغوائل خفْيةً، مأخوذ من أبَرْتُ الكلب إذا أطعمتَه الإبرة في الخبز، وفي الحديث: «المؤمن كالكلب المأبور»(1)، ويجوز أن يكون أصلُه «ها بر»، أي مَنْ يضرب بالسيف فيقطع، وأبدلت الهاء همزة، كما قالوا في: «آل» أهل، وإن صحّت الرواية الأخرى «آثر» بالثاء بثلاث نقط، فيمكن أن يريد به ساجي باطن خُت البعير، وكانوا يُسَجُّون باطن الخفّ بحديدة ليقتض أثره، رجل آثر وبعير مأثور.
1) لم أجده في كتب الحديث، وقد ذكره ابن منظور في لسان العرب، مادة (أبر)، وكذلك أبو بكر الرازي في «مختار الصحاح»، مادة (أبر)
وقوله علیه السلام: «فأوبوا شرّ مآب»، أي ارجعوا شرّ مرجع والأعقاب: جمع عَقِب بكسر القاف، وهو مؤخّر القدم، وهذا كله دعاء عليهم قال لهم أوّلاً: أصابكم حاصِب وهذا من دعاء العرب، قال تميم بن أبي مُقْبل:
فَإِذَا خَلَتْ من أهْلِها وقطيِنها *** فأصابَها الحصْباء والسّفَّانُ
ثم قال لهم ثانياً: «لا بقي منكم مخبر». ثم قال لهم ثالثاً: «ارجعوا شَرِّ مرجع»، ثم قال لهم رابعاً: «عودوا على أثر الأعقاب»: وهو مأخوذ من قوله تعالى: «وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللهُ»(1)، والمراد انعكاس حالهم، وعوْدهم من العِزّ إلى الذلّ، ومن الهداية إلى الضلال.
وقوله علیه السلام: «وأثْرَة يتَّخذها الظالمون فيكم سنّة» فالأثرة ها هنا الاستبداد عليهم بالفيء الغنائم وإطّراح جانبهم، وقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم للأنصار: «ستلقوْن بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى القوْني»(2).
واعلم أن الخوارجَ عَلَى أمير المؤمنين علیه السلام كانوا أصحابَه وأنصارَه في الجمل وصِفّين قبل لتحكيم، وهذه المخاطبة لهم، وهذا الدعاء عليهم، وهذا الإخبار عن مستقبل حالهم، وقد قع ذلك، فإنّ الله تعالى سَلَّط عَلَى الخوارج بعده الذلّ الشامل، والسيف القاطع، والأثرة من لسلطان وما زالت حالُهم تضمحلّ، حتى أفناهم الله تعالى وأفنى جُمهورهم، ولقد كان لهم من سيف المهلَّب بن أبي صفرة وبنيه الحتْف القاضي، والموت الزؤام.
ونحن نذكر من أخبار الخوارج وحروبهم ها هنا طرفاً.
فمنهم عُروة بن حُدَيْر أحد بني ربيعة بن حنظلة من بني تميم، ويعرف بعُرْوة بن أدَيّة وادية حدة له جاهليّة، وكان له أصحاب وأتباع وشيعة، فقتله زياد في خلافة معاوية صبراً.
ومنهم نجدة بن عُويمر الحنفيّ، كان من رؤسائهم، وله مقالة مفردة من مقالة الخوارج وله نباع وأصحاب، وإليهم أشار الصَّلَتَان العبديّ بقوله:
أرى أمَّةٌ شَهَرتْ سيفَها *** وقد زيد في سوطِها الأصبحِي
بنجديّة أو حَرُوريَةٍ *** وأزرق يدعو إلی دعو إلى أزْرِقي
فملَّتنا أنّنا مسلمونَ *** على دِين صدِّيقنا والنَّبِي
أشابَ الصغيرَ وأفنَى الكب *** يرَ مَرُّ الغَدَاةِ وكَرُّ العَشِي
إذا ليلة أهْرَمَتْ يومَها *** أتى بعد أتي بعد ذلك يوم فَتِي
نُرُوح ونغدو لحاجاتِنا *** وحاجةُ مَنْ عَاشَ لا تنقضِي
تموت مع المرء حاجاتُه *** وتبقى له حاجة ما بَقِي
وكان نجدة يصلّي بمكة بحذاء عبد الله بن الزبير في جمعه في كلّ جُمْعَةِ، وعبد الله يطلب الخلافة، فيمسكان عن القتال من أجل الحرَم.
وقال الراعي يخاطب عبد الملك:
إنِّي حَلَفْتُ عَلَى يمينٍ بَرَّةٍ *** لا أكذبُ اليومَ الخليفةَ قيلَا
ما إن أتيتُ أبا حُبَيبِ وافداً *** يوماً أريدُ لبيعتي تبديلا
ولَمّا أتيت نُجيدة بن عُوَيْمرٍ *** أبغِي الهُدَى فيزيدُني تضليلا
مِنْ نعمةِ الرحمن لا مِنْ حيلتِي *** أنِّي أعدَّ لَهُ عَلَيّ فُضُولا!
واستولى نَجْدة على اليمامة، وعظُم أمره، حتى ملك اليمن والطائف وعُمان والبحرين ووادي تميم وعامر، ثم إن أصحابه نَقَموا عليه أحكاماً أحدثها في مذهبهم، ومنها قوله: إنّ المخطىء، بعد الاجتهاد معذور، وإن الدين أمران: معرفة الله ومعرفة رسوله، وما سوى ذلك: فالناس معذورون بجهله، إلى أن تقوم عليهم الحُجَّة، فمن استحلّ محرّماً من طريق الاجتهاد فهو معذور، حتى إنّ مَنْ تزوّج أخته أو أمه مستحلًّا لذلك بجهالة فهو معذور ومؤمن، فخلعوه وجعلوا اختيار الإمام إليه، فاختار لهم أبا فُدَيك، أحد بني قيس بن ثعلبة، فجعله رئيسَهم. ثم أن أبا فُدَيك أنفذ إلى نَجْدة بعد مَنْ قتله، ثم تولاه بعد قتله طوائف من أصحابه بعد أن تفرّقوا عليه، وقالوا: قتل مظلوماً.
ومنهم المستورد بن سعد أحد بني تميم، كان ممن شهد يوم النُّخَيْلة ونجا بنفسه فيمن نجا من سيفِ علي علیه السلام، ثم خرج بعد ذلك بمدّة على المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان في جماعة من الخوارج، فوجه المغيرة إليه معقل بن قيس الرِّياحيِّ، فلما تواقفًا دعاه المستورد إلى المبارزة، وقال له: علام تقتَل الناس بيني وبينك؟ فقال معقل: النّصَفَ سألت، فأقسم عليه أصحابُه، فقال ما كنت لأبي عليه، فخرج إليه فاختلفا ضربتيْن،
خرّ كلّ واحد منهما من ضربة صاحِبه قتيلاً. وكان المستورد ناسكاً كثير الصلاة، وله آداب وحكم مأثورة.
ومنهم حَوْثرة الأسديّ، خرج على معاوية في عام الجماعة في عِصابة من الخوارج فبعث إليه معاوية جيشاً من أهل الكوفة، فلما نظر حَوْثرة إليهم، قال لهم: يا أعداء الله، أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدُّوا سلطانه، وأنتم اليوم تقاتلون معه لتشدُّوا سلطانه! فلما التحمت الحرب قتِل حوثرة، قتَله رجل من طيّيء، وفضت جموعه.
ومنهم قُريب بن مرّة الأزديّ، وزَحّاف الطائي، كانا عابدين مجتهدين من أهل البصرة فخرجا في أيام معاوية في إمارة زياد، واختلف الناس، أيهما كان الرئيس؟ فاعترضا الناس فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضُبيعة من ربيعة بن نزار فقتلاه - وكان يقال له رُؤبة الضُّبَعي - وتنادى الناس، فخرج رجل من بني قَطيعة، من الأزد، وفي يده السيّف، فناداه الناس من ظهور البيوت الحروريّة: انجُ بنفسك، فنادوْه: لسنا حَرُورية، نحن الشُّرَط فوقف فقتلوه، فبلغ أبا بلال مرداس بن أُدَيّة خبرُهما، فقال: قريب، لا قرّبه الله! وزحّاف لا عفا الله عنه! ركبَاها عَشْواء مظلِمة - يريد اعتراضهما الناس - ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلا قَتَلا من وجدا، حتى مَرّا على بني عليّ بن سُود، من الأزد، وكانوا رماة، كان فيهم مائة يُجيدون الرمي، فرموهم رمْياً شديداً فصاحوا: يا بني عليّ، البقيا، لا رِمَاء بيننا. فقال رجل من بني عليّ بن سود:
لا شَيْء للقومِ سِوَى السِّهامِ *** مشحوذةً في غَلسِ الظَّلامِ
فعرّد عنهم الخوارج، وخافوا الطلب، واشتقّوا مقبرة بني يشكُر حتى نفذُوا إلى مُزَينَة ينتظرون مَنْ يلحق بهم من مُضَر وغيرها، فجاءهم ثمانون، وخرجت إليهم بنو طاحِيَة، من بني سُودِ، وقبائلُ من مُزَيَّنة وغيرها، فاستقتلت الخوارج، وحاربت حتى قُتِلت عن آخرها، وقُتِل قُرَيب وزَحّاف.
ومنهم أبو بلال مرداس بن أدَيّة، وهو أخو عروة بن حُدير الذي ذكرناه أولاً، خرج في أيام بن زياد، وأنفذ إليه ابنُ زياد عباسَ بن أخضر المازنيّ فقتله وقتل أصحابه، وحُمل رأسه إلى ابن زياد، وكان أبو بلال عابداً ناسكاً شاعراً، ومن قدماء أصحابنا مَنْ يدّعيه، لِمَا كان يذهب إليه من العَدْل وإنكار المنكر، ومن قدماء الشيعة من يَدَّعيه أيضاً.
ومنهم نافع بن الأزرق الحنفي، وكان شجاعاً مقدماً في فقه الخوارج، وإليه تنسب الأزارقة، وكان يفتي بأنّ الدار دار كفر، وأنهم جميعاً في النار، وكلَّ مَنْ فيها كافر، إلّا من أظهر إيمانه، ولا يحلّ للمؤمنين أن يجيبوا داعياً منهم إلى الصلاة، ولا أن يأكلوا مِنْ ذبائحهم
ولا أن يناكحوهم، ولا يتوارث الخارجيّ وغيره، وهم مثل كفّار العرب وعَبَدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف والقعَد بمنزلتهم، والتقيّة لا تحلّ، لأن الله تعالى يقول: «إذا منْهُمْ يَخشَونَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ»(1)، وقال فيمن كان على خلافِهم: «يُهدون في سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائمٍ»(2)، فتفرّق عنه جماعة من الخوارج، منهم نجدة بن عامر، واحتج نَجْدة بقول الله تعالى: «وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ»(3)، فسار نَجْدَة وأصحابه إلى اليمامة وأضاف نافع إلى مقالته الّتي قدّمناها، استحلالَه الغدر بأمانه لمن خالفه، فكتب نَجْدة إليه:
أمّا بعدُ، فإنّ عهدي بك وأنت لليتيم كالأبِ الرحيم، وللضّعيف كالأخ البرّ، تعاضد قوي المسلمين، وتصنع للأخرق منهم، لا تأخذُك في الله لومة لائم، ولا ترى معونةَ ظالم كذلك كنت أنت وأصحابك، أولاً تتذكر قولك: لولا أني أعلمُ أنَّ للإمام العادل مثل أجر رعيته ما تولّيت أمر رجلين من المسلمين! فلما شَرَبْتَ نفسَك في طاعة رَبِّك ابتغاء مرضاته، وأصبت من الحقّ فَصّه، وصبَرْت على مُرّه، تجرّدَ لك الشيطان، ولم يكن أحدٌ أثقلَ عليه وطأة منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك، وأغواك فغويت، وأكفرت الذين عَذَرهم الله تعالى في كتابه، من قَعَدةِ المسلمين وضَعَفتهم، قال الله عزّ وجلّ، وقوله الحقّ، ووعده الصدق: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ»(4): ثم سماهم تعالى أحسن الأسماء فقال: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ»(5)ثم استحلَلْت قتل الأطفال، وقد نهى - رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - عن قَتْلهم(6)، وقال الله جل ثناؤه: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(7)، وقال سبحانه في القَعَدة خيراً، فقال: «وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا»(8). فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلةَ مَنْ هو دون المجاهدين، أوَمَا سمعت قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي القَلَمِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»(9)فجعلهم من المؤمنين. وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم ثم إنك لا تؤدي أمانةً إلى مَنْ خالفك، والله تعالى قد أمر أن تؤدَّي الأمانات إلى أهلها. فاتق الله في نفسك، واتَّقِ يوماً لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، فإن الله بالمرصاد وحكمُه العدل، وقولُه الفصل. والسلام.
فكتب إليه نافع:
أما بعد، أتاني كتابُك تعِظُني فيه، وتذكّرني وتنصحْ لي وتزجرني، وتصفُ ما كنتُ عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسألُ الله أن يجعلني من القوم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وعبتَ عليّ ما دِنْتُ به، من إكفار القَعَدةِ وقَتْل الأطفال، واستحلالِ الأمانة من المخالفين، وسأفسر لك إن شاء الله...
أما هؤلاء القَعَدةُ، فليسوا كمن ذكرت ممّن كان على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلاً، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقاً، وهؤلاء قد تفقّهوا في الدين، وقرؤوا القرآن والطريقُ لهم نَهْجُ واضح. وقد عرفت ما قال الله تعالى فيمن كان مثلَهم، إذ قالوا: «كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ»(1)فقال: «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا»(2)، وقال سبحانه: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خَلَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(3)، وقال: «وَجَاءَ الْمُعَذِرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ»(4)فخبّر بتحذيرهم، وأنهم كَذَبُوا الله ورسوله، ثم قال: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(5)فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما الأطفال، فإن نوحاً نبيّ الله كان أعلَم بالله منِّي ومنك، وقد قال: «وَرَبِّ لَا تَذَرُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الكَفِرِينَ دَیَّارًا * إِنَّكَ إِن نَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا»(6)، فسماهم بالكفر وهم أطفال، وقبل أن يولدوا، فكيف كان ذلك في قوم نوح، ولا تقوله في قومنا، والله تعالى يقول: «اكْفَارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَيكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ»(7)، وهؤلاء كمشركي العرب، لا يقبل منهم جِزْية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
وأمّا استحلال أمانات مَنْ خالفنا فإنّ الله تعالى أحلّ لنا أموالهم، كما أحلَّ دماؤهم لنا، فدماؤهم حَلال طِلْق، وأموالهم فيء للمسلمين، فاتَّقِ الله وراجع نفسَك، فإنه لا عذرَ لك إلا بالتوبة، ولن يسعَك خِذلاننا والقعود عنّا وترك ما نهجناه لك من مقالتنا، والسلام على من أقرّ بالحقّ وعمل به.
وكتب إلى مَنْ بالبصرة من المحكّمة: أما بعد فإنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون. إنَّكم لتعلمون أنّ الشريعة واحدة، والدين واحد، فقيم المقام بين أظهر الكفار ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله عز وجل إلى الجهاد، فقال: «وَقَتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كافَّةً»(8)، ولم يجعلْ لكم في التخلّف عذراً في حالٍ من الأحوال، فقال: «أنفِرُوا خِفَافًا
وَثِقَالًا»(1)وإنما عذر الضعفاء والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون، ومَنْ كانت إقامته لعِلّة، ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: «لَّا يَسْتَوِي القَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أَوْلِي الضَّرَرِ والمجهدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ»(2)، فلا تغتروا وتطمئنوا إلى الدنيا، فإنها غرّارة مكارة، لذتها نافدة، ونعيمها بائد حُفُّتَّ بالشهوات اغتراراً، وأظهرت حَبْرَة وأضمرت عَبْرة، فليس أكلٌ منها أكْلَة تسرّه، ولا شاربٌ منها شربة تؤنقه إلا ودنا بها درجَة إلى أجله، وتباعد بها مسافة أمله، من وإنما جعلها الله دار المتزوّد منها، إلى النعيم المُقيم، والعيش السليم، فليس يرضى بها حازم داراً ولا حكيم قراراً، فاتقوا الله وتزوّدوا، فإن خير الزاد التقوى، والسلام على من اتبع اهدى.
فلما أظهر نافعٌ مقالَته هذه، وانفرد عن الخوارج بها، أقام في أصحابه بالأهواز يستعرض الناس، ويقتُل الأطفال، ويأخذ الأموال، ويَجْبي الخراج، وفشا عُمّاله بالسواد، فارتاع لذلك أهلُ البصرة، واجتمع منهم عشرة آلاف إلى الأحنف، وسألوه أن يؤمِّر عليهم أمير يحميهم من الخوارج، ويجاهدَ بهم، فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو المسمّى بِبّة، فسأله أن يؤمِّر عليهم - وبيّة يومئذ أميرُ البصرة من قِبَل ابن الزبير - فأمّر عليهم مسلم بن عبيس بن كَرَيْز، وكان ديّناً شُجاعاً، فلما خرج بهم من جِسْر البصرة، أقبل عليهم وقال: أيّها الناس إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا فضة، وإني لأحارب قوماً إن ظفرتُ فما وراءهم إلا السيوف والرماح، فمن كان شأنه الجهاد فلينهضْ، ومَنْ أحبّ الحياةَ فليرجع.
فرجع نفرٌ يسير، ومضى الباقُون معه، فلما صاروا بدُولاب خرج إليهم نافع وأصحابه فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى تكسرت الرماح: وعُقِرت الخيل: وكثُر الجراح والقتل، وتضاربوا بالسيوف والعَمَد، فقتِل ابنُ عُبَيْس أمير أهل البصرة، وقتِل نافع بن الأزرق أمير الخوارج وادَّعى قَتْلَه سلامة الباهليّ، وكان نافع قد استخلف عبيد الله بن بشير بن الماحُور السّليطي اليربوعي، واستخلف ابن عُبَيْس الربيع بن عمرو الأجذم الغُدانيّ اليربوعيّ، فكان الرئيسان من بني يَرْبُوع، فاقتتلوا بعد قتل ابن عُبيس ونافع قتالاً شديداً نيفاً وعشرين يوماً، حتى قال الربيع لأصحابه: إنّي رأيت البارحة كأنّ يدي التي أصيبت بِكابُل انحطت من السماء فاسْتَشَلْتني فلما كان الغد قاتلهم إلى الليل. ثم عاودهم القِتال، فقتِل، فتدافع أهلُ البصرة الراية، حتى خافوا العَطَب، إذ لم يكن لهم رئيس. ثم أجمعوا على الحجاج بن رباب الحميريّ، فأباها فقيل له: ألا ترى رؤساء العرب قد اختاروك من بينهم! فقال: إنها مشؤومة، لا يأخذها أحدٌ إلا قتل، ثم أخذها فلم يَزَلْ يقاتل القوم بدُولاب حتى التقى بعمران بن الحارث الراسبيّ، وذلك بعد أن اقتتلوا زُهاء شهر فاختلفا ضربتيْن، فخرّا ميتين.
وقام حارثة بن بدر الغُدانيّ بأمر أهل البصرة بعده، وثبت بإزاء الخوارج يناوشهم القتال مناوشةٌ خفيفة، ويرْجِي الأوقات انتظاراً لقدوم أمير من قبل بِبّة يلي حَرْب الخوارج: وهذه الحرب تسمى حرب دُولاب: وهي من حروب الخوارج المشهورة، انتصف فيها الخوارج من المسلمين، وانتصف المسلمون منهم، فلم يكن فيها غالب ولا مغلوب.
ومنهم عبيد الله بن بشير الماحُوز اليربوعيّ، قام بأمر الخوارج يوم دُولاب بعد قَتْل نافع بن الأزرق وقام بأمر أهل البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيميّ» ولاه عبد الله بن الزُّبير ذلك، ولقيه كتابُه بالإمارة وهو يريد الحج، وقد صار إلى بعض الطريق، فرجع فأقام بالبصرة، وولى أخاه عثمان بن عبيد الله بن معمر محاربة الأزارقة، فخرج إليهم في اثني عشر ألفاً، فلقيه أهلُ البصرة الذين كانوا في وجه الأزارقة، ومعهم حارثة بن بدر الغُدانيّ، يقوم بأمرهم عن غير ولاية، وكان ابن الماحوز حيتنذٍ في سوق الأهواز، فلما عبر عثمان إليهم دُجَيلاً، نهضت إليه الخوارج، فقال عثمان الحارثة: ما الخوارج إلا ما أرى، فقال حارثة حسبك بهؤلاء! قال: لا جَوَم لا أتعدّى حتى أناجَزهم، فقال حارثة: إنَّ هؤلاء القوم لا يقاتلون بالتعسّف، فأبق على نفسك وجندِك، فقال: أبيتم يا أهلَ العراق إلا جُبْناً! وأنت يا حارثة ما علمك بالحرب! أنت والله بغير هذا أعلم - يُعَرِّض له بالشراب، وكان حارثة بن بدر صاحب شراب - فغضب حارثة، فاعتزل، وحاربهم عثمان يومه إلى أن غربت الشمس، فأجْلَت الحرب عنه قتيلاً، وانهزم الناس، وأخذ حارثة بن بدر الراية، وصاح بالناس: أنا حارثة بن بدر! فئاب إليه قوم فعبر بهم دجيلاً، وبلغ قتل عثمان البصرة، فقال شاعر من بني تميم:
مضى ابن عُبَيْسٍ صابراً غير عاجزٍ *** وأعقَبَنا هذا الحجازيّ عثمانُ
فأرعَدَ مِن قبل اللقاء ابنُ مَعْمَرٍ *** وأبرق، والبرقُ اليمانيّ خَوَّانُ
فَضَحْتَ قريشاً غَثَّها وسمينَها *** وقيل بنوتیم بن مرةَ غُزلان
فلولا ابنُ بدرٍ للعراقَيْنِ لم يَقُمْ *** بما قام فيه للعِرَاقيْنِ إنسانُ
إذا قيل مَنْ حامى الحقيقة؟ أومأت *** إليه مَعَدُّ بالأكفّ وقحطان
ووصل الخبر إلى عبد الله بن الزبير بمكة، فكتب إلى عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر بعزْله وولى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ المعروف بالقُباع البصرة، فقدمها، فكتبَ إليه حارثة بن بدْر يسأله الولاية والمدد، فأراد توليتَه، فقال له رجل من بَكْرِ بن وائل: إن حارثة ليس بذلك، إنما هو صاحب شراب، وكان حارثة مستهتراً بالشراب، معاقراً للخمر، وفيه يقول رجل من قومه:
الم ترَ أنّ حارثةَ بن بَدْرٍ *** يُصَلِّي وهوَ أكْفَرُ من حِمارٍ
ألم ترَ آنّ للفتيانِ حَظًّا *** وحظُّكَ في البغايا والعُقَارِ
فكتب إليه القُباع: تُكْفى حربَهم إن شاء الله. فأقام حارثة يُدافعهم حتى تفرّق أصحابه عنه وبقي في خِفٌ منهم، فأقام بنهر تِيرَي، فعبرت إليه الخوارج، فهرب مَنْ تخلّف معه من أصحابه، وخرج يركُض حتى أتى دُجَيلاً، فجاس في سفينة، وأتبعه جماعة من أصحابه، فكانوا معه فيها، ووافاه رجلٌ من بني تميم، عليه سلاحه والخوارج وراءه، وقد توسّط حارثة دُجيلاً، فصاح به: یا حارثة، ليس مثلي يضيع! فقال للملّاح: قرّب، فقرّب إلى جُرُف، ولا فُرْضة هناك، فَطَفَر بسلاحه في السفينة، فساخت بالقوم جميعاً، وهلك حارثة.
وروى أبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب «الأغاني الكبير» أن حارثة لما عقدوا له الرئاسة، وسلّموا إليه الراية، أمرهم بالثّبات، وقال لهم: إذا فتح الله عليكم فللعرب زيادة فريضتين، وللموالي زيادة فريضة، ونَدَب الناس، فالتقوْا وليس بأحدٍ منهم طِرْق قد فشت فيهم الجراحات، وما تطأ الخيلُ إلّا على القتلى، فبيناهم كذلك، إذ أقبل جمعٌ من الشراة من جهة اليمامة، - يقول المكَثِّر: إنهم مائتان، والمُقَلّل: إنهم أربعون - فاجتمعوا وهم مُريحون مع أصحابهم، فصاروا كَوْكَبَةً واحدة، فلما رآهم حارثة بن بدر ركض برايته منهزماً، وقال لأصحابه:
كَرنِبُوا وَدَوْلِبُوا *** أَوْ حَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا
وقال:
ايْر الحِمار فريضةٌ لعبيدِكُمْ *** والخصيَتَان فريضة الأعراب
قال: کَرنبوا، أي اطلبوا كرنَبي، وهي قرية قريبة من الأهواز، ودولبوا: اطلبوا دُولاب، وهي ضيعة بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ.
قال: فتتابع الناس عَلَى أثره منهزمين، وتبعتهم الخوارج، فألقى الناس أنفسَهم في الماء، فغرق منهم بدُجَيل الأهواز خلق كثير.
ومنهم الزُّبير بن علي السليطيّ التميمي، كان على مقدمة ابن الماحوز، وكان ابن الماحوز يخاطَب بالخلافة، ويخاطب الزبير بالإمارة. ووصل الزبير بعد هلاك حارثة بن بدر، وهرب أصحابُه إلى البصرة، فخافه الناس خوفاً شديداً، وضجّ أهلُ البصرة إلى الأحنف، فأتى القُباع، فقل: أصلح الله الأمير! إنّ هذا العدوّ قد غَلبا على سوادنا وفيئنا، فلم يبق إلا أن يحصُرَنا في بلدنا حتى نموت هُزالاً. قال: فسمّوا إليّ رجلاً يلي الحرب، فقال الأحنف: لا أرى لها رجلاً إلا المهلّب بن أبي صُفرة، فقال: أو هذا رأي جميع أهل البصرة؟ اجتمعوا إليّ في غدٍ لأنظر.
وجاء الزبير حتى نزل على البصرة، وعَقَد الجسْرَ ليعبُر إليها، فخرج أكثرُ أهل البَصْرة إليه، وانضمّ إلى الزبير جميع كُوَر الأهواز وأهلها رغبة ورهبة، فوافاه البصريون في السُّفُن وعلى الدّوابّ، فاسودّت بهم الأرض، فقال الزبير لما رآهم: أبي قومُنا إلا كفراً، وقطع الجسر، وأقام الخوارج بإزائهم، واجتمع الناس عند القُباع، وخافوا الخوارج خوفاً شديداً، وكانوا ثلاث فرق: سمَّى قومٌ المهلّب، وسمّى قوم مالك بن مِسْمع، وسمّى قوم زياد بن عمرو بن أشرف العتكيّ، فاختبر القُباع ما عند مالك وزياد، فوجدهما مُتثاقلين عن الحرب، وعاد إليه مَنْ أشار بهما، وقالوا: قد رجعْنا عن رأينا، ما نرى لها إلا المهلّب، فوجّه إليه القُباع فأتاه، فقال له: يا أبا سعيد، قد ترى ما قد رَهِقْنا من هذا العدوّ، وقد أجمع أهلُ مصرك عليك، وقال له الأحنف: يا أبا سعيد، إنّا والله ما آثرناك، ولكنا لم نَرَ مَنْ يقوم مقامك.
ثم قال القُبَاع - وأوماً إلى الأحنف: - إنّ هذا الشيخَ لم يسمِّك إلا إيثاراً للدّين والبقيا وكلُّ مَنْ في مِصْرك مادًّ عينَه إليك، راجٍ أن يكشف الله عنه هذه الغمّة بك، فقال المهلّب: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّي عند نفسي لدون ما وصفتم، ولست آبَي ما دعوتم إليه، لكنّ لي شروطاً أشترطها، قالوا: قل، قال: على أن أنتخب مَنْ أحببت! قال الأحنف: ذاك لك، قال: وَلي إمرَة كلّ بلد أغلب عليه! قالوا: لك ذلك، قال: ولي فَيْء كلّ بلد أظفر به! قال الأحنف: ليس ذلك لك ولا لنا، إنما هو فَيْء للمسلمين، فإن سلبتَهم إياه كنت عليهم كعدّوهم، ولكن لك أن تعطيَ أصحابك من فيء كلّ بلد تغلب عليه ما أحبت، وتُنفق منه على محاربة عدوّك، فما فَضَل عنكم كان للمسلمين، فقال المهلّب: لا حول ولا قوة إلا بالله! فمنْ لي بذلك؟ قال الأحنف: نحن وأميرك وجماعة أهلِ مصرك، قال: قد قبلت. فكتبوا بينهم بذلك كتاباً، وَوُضِع على يدي الصَّلْت بن حُرَيث بن جابر الجعفيّ، وانتخب المهلّب من جميع الأخماس، فبلغت نُخْبتَه اثني عشر ألفاً، ونظروا في بيت المال، فلم يكن إلا مائتي ألف درهم، فعجزتْ، فبعث المهلّب إلى التجار، فقال: إنّ تجاراتِكم منذ حول قد فَسَدت بانقطاع مواد الأهواز وفارس عنكم، فهلموا فبيعوني واخرُجوا معي أو فِّكم حقوقَكم. فبايعوه وتاجروه، فأخذ منهم المال ما أصلَح به عسَكَره، واتخذ لأصحابه الخفاتين والرّانَات المحشوّة بالصوف، ثم نهض - وكان أكثر أصحابه رَجّالة - حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفُن فأصلحت وأحضرت، فما ارتفع النهار حتى فَرَغ منها، ثم أمر الناس بالعُبور، وأمر عليهم ابنة المغيرة، فخرج الناس، فلما قاربوا الشطّ خاضت إليهم الخوارج، فحاربوهم وحاربهم المغيرة، ونَضَحهم بالسهام حتى تنحَّوا، وصار هو وأصحابه على الشطّ، فحاربوا الخوارج، فكشفوهم وَشَغلوهم حتى عقد المهلب الجسْر وعبر، والخوارج منهزمون، فنهى الناس عن اتباعهم، ففي ذلك يقول شاعر من الأزد:
إنّ العراق وأهلَه لم يخبُرُوا *** مثلَ المهلَب في الحروب فسلّوا
أمضى وأيمَن في اللِّقاء نقيبةً *** وأقلَّ تهليلاً إذا ما أحجمُوا
وأبلى مع المغيرة يومئذ عطية بن عمرو العنبريّ، من فرسان تميم وشجعانهم. ومن شعر عطية:
يُدعى رجالٌ للعطاء وإنما *** يُدْعَى عطيّة للطَّعان الأجردِ
وقال فيه شاعر من بني تميم:
وما فارسٌ إلّا عطيةً فَوْقَهُ *** إذا الحربُ أبْدَتْ عَنْ نَوَاجِذِها الفَمَا
به هَزَم الله الأزارقَ بَعْدَمَا *** أباحُوا مِنَ المِصْرَيْنِ حَلًّا ومَحْرَمَا
فأقام المهلّب أربعين ليلة يَجْبِي الخراج بكُور دَجْلة، والخوارج بنهر تِيَري، والزبير بن علي منفرد بعسكره عن عكسر ابن الماحُوز، فقضى المهلب التجار، وأعطى أصحابه، فأسرع الناس إليه رغبة في مجاهدة العدوّ وطمعاً في الغنائم والتجارات، فكان فيمن أتاه محمد بن واسع الأزديّ وعبد الله بن رباح ومعاوية بن قُرّة المُزَني، وكان يقول: لو جاءت الديلم من ها هنا والحَروريّة من ها هنا لحاربتُ الحروريّة، وجاءه أبو عمران الْجَوْني. وكان يروى عن كعب أنّ قتيل الحُروريّة يفضُل قتيل غيرهم بعشرة أبواب.
ثم أتى المهلب إلى نهر تيري، فتنحّوْا عنه إلى الأهواز، وأقام المهلّب يَجْبِي ما حواليه من الكُوَر، وقد دسَ الجواسيس إلى عسكر الخوارج يأتونه بأخبارهم ومَنْ في عسكرهم، وإذا حُشوة، ما بين قَصّاب وحَدّاد وداعر. فخطب المهلب الناس، وذكر لهم ذلك، وقال: أمثل هؤلاء يغلبونكم على فيتكم! ولم يزل مقيماً حتى فَهمهم، وأحكم أمرهم وقَوّى أصحابه، وكثُرت الفرسان في عسكره، وتتامّ أصحابُه عشرين ألفاً.
ثم مضى يؤمّ كُوّر الأهواز، فاستخلَفَ أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تِيرَي، وجعل المغيرة على مقدَّمته، فسار حتى قاربهم، فناوشهم وناوشوه، فانكشف عن المغيرة بعضُ أصحابه، وثبت المغيرة نفسُه بقية يومه وليلته يوقد النيران، ثم غاداهم فإذا القوم قد أوقدوا النيران في بقية متاعهم، وارتحلوا عن سوق الأهواز، فدخلها المغيرة، وقد جاءت أوائل خيل المهلب، فأقام بسوق الأهواز، وكتب بذلك إلى الحارث القُباع كتاباً يقول فيه:
أما بعد، فإنا مذ خَرَجْنا نؤمّ العدوّ، في نعم من فضل الله متّصلة علينا، ونِقَم متتابعة عليهم نُقدِم ويحجمون، ونَحِلُّ ويرتحلون، إلى أن حَلَلْنا سوق الأهواز، والحمد لله رب العالمين الذي من عنده النصر، وهو العزيز الحكيم.
فكتب إليه الحارث:
هنيئاً لك أخا الأزد الشّرف في الدنيا والأجر في الآخرة، إن شاء الله.
فقال المهلّب لأصحابه: ما أجفَى أهل الحجاز أما تروْنه عرف اسمي وكنيتي واسم أبي!.
قالوا: وكان المهلّب يِبثّ الأحراس في الأمن، كما يبثّهم في الخوف، ويُذْكِي العيون في الأمصار كما يُذْكِيها في الصحاري، ويأمر أصحابَه بالتحرز، ويخوِّفهم البَيَات، وإن بَعُد منه العدوّ، ويقول: احذروا أنْ تُكَادوا كما تكيدون، ولا تقولوا هَزمناهم وغَلَبناهم، والقوم خائفون وجِلون، فإن الضرورة تفتح باب الحيلة.
ثم قام فيهم خطيباً، فقال: أيها النّاس، قد عرفتُم مذهب هؤلاء الخوارج، وأنهم إن قَدَرُوا عليكم فَتنُوكم في دينكم، وسفكوا دماءكم، فقاتلوهم على ما قاتَلهم عليه أوّلُكم عليّ بن أبي طالب، لقد لقيهم الصابر المحتسب مسلم بن عُبَيس، والعَجِل المفرَّط عثمان بن عبيد الله، والمعصيّ المخالف حارثة بن بدر، فَقَتلوا جميعاً وقُتِلوا، فالقوهم بحدِّ وَجِد فإنما هو مَهَنَتكم وعبيدكم، وعارٌ عليكم ونقص في أحسابكم وأديانكم أنْ يغلبكم هؤلاء على فيئكم، ويطاؤوا حريمكم.
ثم سار يريدهم وهم بمنَاذر الصغرى، فوجه عبيد الله بن بشير بن الماحُوز رئيسُ الخوارج رجلاً يقال له واقد، مولّى لآل أبي صُفْرة مِنْ سَبْي الجاهلية، في خمسين رجلاً، فيهم صالح بن مخراق إلى نهر تِيري، وبها المعارك بن أبي صُفْرة، فقتلوه وصلبوه، فنُمِيَ الخبر إلى المهلّب، فوجه ابنَه المغيرة، فدخل نهر تِيري، وقد خرج واقد منها، فاستنزل عمّه فدفنَه، وسكن الناس واستخلف بها ورجع إلى أبيه، وقد نزل بسُولاف والخوارج بها، فواقعهم، وجعل على بني تميم الحريش بن هلال، فخرج رجلٌ من أصحاب المهلّب، يقال له عبد الرحمن الإسكاف، فجعل يحضُّ الناس ويهوّن أمر الخوارج، ويختالُ بين الصّفّين، فقال رجل من الخوارج لأصحابه: يا معشر المهاجرين، هل لكم في قِتْلة فيها الجنّة! فحمل جماعة منهم على الإسكاف فقاتلهم وحده فارساً، ثم كَبَابه فرسُه، فقاتلهم راجلاً قائماً وباركاً، ثم كَثُرت به الجراحات فذبّب بسيفه، ثم جعل يحثُو في وجوههم التراب، والمهلّبُ غير حاضر، فقُتِلَ، ثم حضر المهلب فأعلم، فقال للحريش ولعطية العنبري: أسلمتُمًا سيد أهل العراق، لم تُعِيناه ولم تستنقذاه حسداً له، لأنه رجل من الموالي، ووبّخهما. وحمل رجلٌ من الخوارج على رجل من أصحاب المهلّب فقتله، فحمل عليه المهلّب فطعنه فقتله ومال الخوارجُ بأجمعهم على العسكر، فانهزم الناس، وقتل منهم سبعون رجلاً، وثبت المهلّب وابنه المغيرة يومئذ، وعرف مكانه.
ويقال: حاص المهلب يومئذ حَيْصة. ويقول الأزد: بل كان يردّ المنهزمة ويحمي أدبارهم وبنو تميم تزعم أنه فَرّ، وقال شاعرهم:
بِسُولَافِ اضَعْتَ دماء قومي *** وَطِرْتَ على مُواشِكَةٍ دَرُورٍ
وقال آخر من بني تميم:
تبعنا الأعْوَرَ الكَذَابَ طَوْعاً *** يُزَجِّي كلٌّ أربعة حماراً
فيا ندمي عَلَى تَرْكِي عَطَائي *** معايَنَةً وأطلبُه ضِمَارا
إذا الرحمن يسّر لي قُفُولاً *** فخرّقَ في قُرَى سولاف نارا
قوله: «الأعور الكذاب»، يعني به المهلّب، كانت عينه عارَتْ بسهم أصابها، وسَمَّوْه الكَذَّاب، لأنه كان فقيهاً، وكان يتأوّل ما ورد في الأثر من أنّ كلّ كذب يكتِّب كذباً إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين رجلين، وكذب الرجل لامرأته بوعْد، وكذب الرجل في الحرب بتوعّد وتهدُد. قالوا: وجاء عنه صلی الله علیه وآله وسلم: «إنما أنت رجل فخذُل عَنَّا ما استطعت»(1). وقال: «إنما! الحرب خُدعة»(2)، فكان المهلّب ربما صنع الحديث ليشدّ به من أمر المسلمين ما ضعف، ويضعَّف به من أمر الخوارج ما اشتدّ، وكان حَيّ من الأزد يقال لهم النَّدَب، إذا رأوا المهلب رائحاً إليهم قالوا: راح ليكذب، وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كلّ الْفَتى *** لوكنت تصدُق ما تقول
فبات المهلب في ألفين، فلما أصبح رجع بعضُ المنهزمة، فصاروا في أربعة آلاف، فخطب أصحابه، فقال: والله ما بكم من قلّة، وما ذهب عنكم إلا أهل الجُبْن والضعف والطَّبَع والطمع فإن يمسسكم قَرْح فقد مَسَ القوم قَرْح مثله، فسيروا إلى عدوِّكم على بركة الله.
فقام إليه الحريش بن هلال، فقال: أنشدك الله أيها الأمير أنْ تقاتلهم، إلا أن يقاتلوك، فإن في أصحابك جراحاً، وقد أثخنتْهم هذه الجولة.
فقبل منه، ومضى المهلب في عشرة فأشرف على عسكر الخوارج، فلم ير منهم أحداً يتحرك، فقال له الحَريش: ارتحل عن هذا المنزل، فارتحل، فعَبر دُجَيلاً وصار إلى عاقول لا يؤتى إلا من جهة واحدة فأقام به، وأقام الناس ثلاثاً مستريحين.
وفي يقوم سُولاف يقول ابن قيس الرقيات:
الا طَرَقت من آل مَيَّةَ طَارِقَة *** عَلَى أَنَّها معشوقة الدّلّ عاشِقَهُ
تراءت أرض السُّوس بيني وبينها *** ورستاق سولافِ حَمَتْه الأزارقة
إذا نحن شئنا صادفتنا عِصابة *** حَرُورية فيها من الموت بارقه
أجازت علينا العسكريْنِ كليهما *** فباتت لنا دُون اللَّحَافِ معانقَهْ
فأقام المهلب في ذلك العَاقُول ثلاثة أيام ثم ارتحلَ، والخوارج بسِلّي وسِلِّبْرَي فنزل قريباً منهم، فقال ابن الماحُوز لأصحابه: ما تنتظرون بعدوّكم وقد هزمتموهم بالأمس، وكسرتم حدهم! فقال له واقد مولى أبي صفرة: يا أمير المؤمنين إنما تفرّق عنهم أهل الضعف والجُبْن، وَبَقِيَ أهل النجدة والقوة، فإن أصبتهم لم يكن ظفراً هيّناً، لأني أراهم لا يُصابون حتى يصيبوا، وإن غَلَبوا ذهب الدين. فقال أصحابه: نافَق واقد، فقال ابن الماحوز: لا تعجلوا على أخيكم، فإنه إنما قال هذا نظراً لكم.
ثم وجّه الزبير بن عليّ إلى عسكر المهلّب، لينظرَ ما حالُهم، فأتاهم في مائتين فحزَرهم ورجع. وأمر المهلب أصحابه بالتحارُس، حتى إذا أصبح ركب إليهم في تعبئة، فالتقوا بسلّي وسلّبْري، فتصافُّوا ، فخرج من الخوارج مائة فارس، فَرَكزوا رماحهم بين الصفين، واتكاوا عليها، وأخرج إليهم المهلّب أعدادهم، ففعلوا مثل ما فعلوا، لا يرعوْن إلا الصلاة، حتى إذا أمسوْا رجع كلّ قوم إلى معسكرهم، ففعلوا هكذا ثلاثة أيام.
ثم إن الخوارج تطاردُوا لهم في اليوم الثالث، فحمَل عليهم هؤلاء الفرسان، فجالوا جماعة، ثم إنّ رجلاً من الخوارج حمل على رجل فطعنه، فحمل عليه المهلّب فطعنه، فحمل الخوارج بأجمعهم، كما صنعُوا يوم سُولاف فضعضعُوا الناس، وفُقِد المهلّب وثبت المغيرة في جمع أكثرهم أهل عُمَان.
ثم نَجم المهلب في مائة، وقد انغمس كُمَّاه في الدم، وعلى رأسه قلنسوَة مربعة فوق المغفر محشوة قزًّا وقد تمزّقَتْ، وإنّ حشوَها ليتطاير وهو يَلْهث، وذلك في وقت الظهر، فلم يزل يحاربُهم حتى أتى الليل، وكَثُر القتلى في الفريقين، فلما كان الغد غاداهم، وقد كان وجه بالأمس رجلاً من طاحيةَ بن سود بن مالك بن فَهْم، من الأزد من ثقاته وأصحابه، يردُ المنهزمين، فمرّ به عامر بن مِسْمَع فردّه، فقال: إنّ الأمير أذن لي في الانصراف، فبعث إلى المهلب، فأعلمه فقال: دعْه فلا حاجة لي في مثله من أهل الجبن والضعف. ثم غاداهم المهلّب في ثلاثة آلاف، وقد تفرّق عنه أكثر الناس، وقال لأصحابه: ما بكُم من قِلّة! أيعجز أحدُكم أن يلقي رمحه ثم يتقدم فيأخذه ففعل ذلك رجل من كِنْدة، واتبعه قوم، ثم قال المهلب لأصحابه: أعدّوا مخاليَ فيها حجارة، وارْمُوا بها في وقت الغفلة، فإنها تصدّ الفارس، وتصرَعُ الراجل، ففعلوا. ثم أمر منادياً ينادي في أصحابه، يأمرهم بالجدِّ والصِّبْر، ويطمعهم في العدوّ، ففعل ذلك حتى مرّ ببني العدَوّية، من بني مالك بن حنظلة، فنادى فيهم فضربوه، فدعا المهلّب بسيِّدهم - وهو معاوية بن عمرو - فعل: يركُله برجله فقال: أصلح الله الأمير! اعفني من أمّ كَيْسان - والأزد تسمى الركبة أم كَيْسان - ثم حمل المهلب وحملوا، واقتتلوا قتالاً شديداً، فجهد الخوارج، ونادى مناد منهم: إلا إن المهلب قد قُتِل.
فركب المهلب بِرذوناً وَرْداً، وأقبل يركُض بين الصَّفّين، وإنّ إحدى يديه لفي القَباء، وما يشعر لها، وهو يصيح: أنا المهلب! فسكن الناس بعد أن كانوا قد ارتاعوا وظنّوا أن أميرهم قد قتل، وكَلّ الناس مع العصّر، فصاح المهلّب بابنه المغيرة: تقدّم، ففعل وصاح بذكْوان مولاه: قدِّم رايتك، ففعل، فقال له رجل من ولد»: إنك تغرّر بنفسِك، فزَبره وزجَره، وصاح: يا بني سلمة، آمركم فتعصونني! فتقدّم وتقدم الناس فاجتلدوا أشد جِلاد، حتى إذا كان مع المساء قتل ابن الماحُوز، وانصرف الخوارج ولم يشعر المهلب بقتله، فقال لأصحابه: ابغوا لي رجلاً جَلْداً يطوف في القتلى، فأشاروا عليه برجل من جَرْم، وقالوا: إنا لم نر قطّ رجلاً أشد منه، فجعل يطوف ومعه النيران، فحمل إذا مرّ بجريح من الخوارج، قال: كافر وربّ الكعبة! فأجهز عليه، وإذا مَرّ بجريح من المسلمين أمر بسقيهِ وحمله، وأقام المهلب يأمرهم بالاحتراس، حتى إذا كان في نِصْف اللَيل، وجّه رجلاً من اليَحْمَد في عشرة، فصاروا إلى عسكر الخوارج، فإذا هم قد تحمّلوا إلى أرَّجان، فرجع إلى المهلب فأعلمه، فقال لهم: أنا الساعة أشدّ خوفاً، احذروا البَيات.
ويروى عن شعبة بن الحجاج أنّ المهلب قال لأصحابه يوماً: إنّ هؤلاء الخوارج قد ينسوا من ناحيتكم إلا من جهة البيت، فإن يكن ذلك فاجعلوا شِعاركم: «حم لا يُنصرون» فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان يأمر بها(1).
ويروى أنه كان شعار أصحاب عليّ بن أبي طالب علیه السلام.
فلما أصبح القوم غَدَوْا على القتلى، فأصابوا ابن الماحُوز قتيلاً، ففي ذلك يقول رجل من الخوارج:
بِسِلّي وسَلّبْري مَصَارع فتيةٍ *** كِرامٍ وَعَقْرَي من كُمَيْتٍ ومن وردِ(2)
وقال آخر:
بِسلي وسِلبْري جماجم فتيةٍ *** كرام وسَرْعی لم توسَّد خدودها
وقال رجل من مَوالي المهلّب: لقد صرعت يومئذ بحجر واحد ثلاثة، رميت به رجلاً فصرعته، ثم رميت به رجلاً فأصبت به أصل أذنه فصرعته، ثم أخذت الحجر وصرعت به ثالثاً، وفي ذلك يقول رجل من الخوارج:
أتانا بأحجَار ليَقتلنَا بها *** وهَل يُقْتَلُ الأبطالُ وَيْحَكَ بالحجَرْ!
وقال رجل من أصحاب المهلب في يوم سِلِّي وسِلِّبْرَي وقتل ابن الماحوز:
ويوم سلّي وسِلّبْري أحاطَ بهم *** مِنّ صواعقُ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ
حتى تركنا عُبيد الله مُنْجَدِلاً *** كما تجدّل جِذْعٌ مالَ مُنْقَعِرُ
ويروى أن رجلاً من الخوارج يوم سِلَّي حمل على رجل من أصحاب المهلب، فطعنه، فلما خالطه الرّمح صاح: يا أمّتاه! فصاح به المهلب: لأكَثر الله منك في المسلمين! فضحك الخارجيّ، وقال:
أمُّكَ خَيْرٌ لك منِّي صاحبًا *** تَسقيك مَحْضاً وتَعُلّ رائبا
وكان المغيرة بن المهلب إذا نظر إلى الرماح قد تَشاجرت في وجهه، نَكَسَ عَلَى قَرَبُوس السِّرْج، وحَمَل من تحتها، فبراها بسيفه، وأثر في أصحابها، فتُحُوميت الميمنة من أجله، وكان أشدّ ما تكون الحربُ استعاراً أشَدّ ما يكون تبسماً. وكان المهلّب يقول: ما شَهِد معي حَرْباً قط إلا رأيت البُشْرَى في وجهه.
وقال رجل من الخوارج في هذا اليوم:
فإِنْ تَكُ قَتْلَى يَوْمَ سِلّي تتابعت *** فكَمْ غادرتْ أسيافُنا مِنْ قُمَاقِم!
غَدَاةَ نَكُرُّ المشرَفِيَّةٌ فِيهُمُ *** بِسُولافَ يومَ المَازِقِ المُتلاحِمِ
فكتب المهلب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القُباع:
أما بعد، فإنا لقينا الأزارقة المارقة بحَدِّ وجِدّ، فكانت في الناس جَوْلة، ثم ثابَ أهلُ الحفاظ، بنيَّات صادقة، وأبدانٍ شداد، وسيوف حِدَاد، فأعقب الله خيرَ عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئةَ رماحنا وضرائبَ سيوفنا ، وقتل الله أميرهم ابنَ الماحوز، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأوّلها. والسلام.
فكتب إليه القُباع:
قد قرأت كتابك يا أخا الأزد، فرأيتك قد وُهِب لك شرفُ الدنيا وعِزُّها، وذُخِر لك إن شاء الله ثوابُ الآخرة، وأجرُها، ورأيتُك أوثقَ حصون المسلمين وهادّ أركان المشركين، وذا الرئاسة وأخا السّياسة، فاستدِم الله بشكره يتممْ عليك نعمَه والسلام.
وكتب إليه أهل البصرة يهنئونه، ولم يكتب إليه الأحنف، ولكن قال: اقرؤوا علیه السلام وقولوا: أنا لك على ما فارقتك عليه. فلم يزل يقرأ الكتب وينظر في تضاعيفها، ويلتمس كِتاب الأحنف فلا يراه، فلما لم يرَه، قال لأصحابه: أما كَتَب أبو بحر؟ فقال له الرسول: إنَّه حَمَّلني إليك رسالة، فأبلغه، فقال: هذا أحبُّ إلي من هذه الكتب.
واجتمعت الخوارج بأرّجان، فبايعوا الزبير بن عليّ، وهو من بني سَليط بن يربُوع، من رهط ابن الماحُوز، فرأى فيهم انكساراً شديداً، وضعفاً بيّناً، فقال لهم: اجتمعوا، فاجتمعوا فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على محمد رسوله صلی الله علیه وآله وسلم، ثم أقبل عليهم فقال: إن البلاء للمؤمنين وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخِزْي، وإن يُصَب منكم أميرُ المؤمنين، فما صار إليه خيرٌ مما خَلَفَ، وقد أصبتم منهم مسلم بن عُبَيْس وربيعاً الأجذم والحجاج بن رباب وحارثة بن بدر، وأشجَيْتُم المهلّب وقتلتم أخاه المُعارك، والله يقول لإخوانكم المؤمنين: «إن يَمْسَكُمْ فَرحُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْحُ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ»(1)، فيوم سِلّي كان لكم بلاء وتمحيصاً، ويوم سُولاف كان لهم عقوبة ونكالاً، فلا تُغْلَبنّ على الشُّكر في حينه، والصبر في وقتْه، وثقوا بأنكم المستخَلفون في الأرض، والعاقبة للمتقين.
ثم تحمّل للمحاربة نحو المهلبّ، فنفحهم المهلّب نفحة فرجعوا وأكْمَنُوا للمهلّب - في غَمْضِ من غُموض الأرض يقرُب من عسكره - مائة فارس ليغتالُوه، فسار المهلّب يوماً يُطِيف بعسكره، ويتفقّد سوادَه، فوقف على جبل، فقال: إنّ من التدبير لهذه المارِقة أنْ تكون قد أكْمَنَتْ في سفح هذا الجبل كميناً، فبعث المهلّب عشرة فوارس، فاطّلعوا على المائة، فلما علموا بهم قطعُوا القنطرة ونجوْا وانكشفت الشمس فصاحوا: يا أعداء الله، لو قامت القيامة لجددنا ونحن في جهادكم.
ثم يئس الزّبَير من ناحية المهلب، فضرب إلى ناحية أصبهَان، ثم كرّ راجعاً إلى أرَّجان وقد جمع جموعاً، وكان المهلّب يقول: كأني بالزبير وقد جمع لكم، فلا تَرْهبوهم، فتنجبَ قلوبُكم، ولا تغفلوا الاحتراسَ فيطعموا فيكم. فجاؤوه من أرّجان، فلقوه مستعداً آخذاً بأفواه الطرق، فحاربهم فظهر عليهم ظهوراً بيّناً، ففي ذلك يقول رجل من بني يربوع:
سَقَى اللهُ المهلّبَ كُلِّ غَيْثٍ *** مِنَ الْوَسْمِي يَنتَجِرُ انْتِحَارًا
فما وَهَنَ المهلَّب يوم جاءتْ *** عوابس خيلهم تبغي الغِوارا
وقال المهلب يومئذٍ: ما وقفتُ في مضِيق من الحرب إلا رأيت أمامي رجالاً من بني الهجَيم بن عمرو بن تميم يجالِدُون، وكأنَّ لحاهم أذناب العَقَاعق وكانوا صبروا معه في غير مواطن.
وقال رجل من أصحاب المهّلب من بني تميم:
الَا يا مَنْ لِصَبٌ مُسْتَهامٍ *** قَريح القَلْبِ قَدْ مَل المَزُونَا
لهان على المهلَّب مالقيناً *** إذا ما راح مروراً بَطِینا
1) سورة آل عمران، الآية: 140
يَجُرّ السابِرِيَّ وَنَحْنُ شُعْثٌ *** كأنّ جلودنا كُسِيَتْ طَحِينَا
و حمل يومئذ الحارث بن هلال على قيس الإكاف، وكان من أَنْجَدِ فُرْسان الخوارج فطعنَه فدَقَ صلبه، وقال:
قيس الإكاف غَداة الرَّوعِ يَعْلَمُنِي *** ثَبْتَ المَقَام إذا لاقيتُ أفرَانِي
وقد كان بعض جيش المهلب يوم سِلَّى وسلّبْري صاروا إلى البصرة، فذكروا أن المهلب قد أصيب فهم أهل البصرة بالنّقلة إلى البادية، حتى ورد كتابُه بظَفَرِه، فأقام الناس، وتراجع مَنْ كان ذهب منهم، فعند ذلك قال الأحنف: البَصْرة بَصْرة المهلّب. وقدم رجل من كِنْدة يعرف با بن أرْقم، فنعى ابنَ عمّ له، وقال: إني رأيت رجلاً من الخوارج، وقد مكّن رمحه من صُلبه فلم ينشب أنْ قدم المنعيّ سالماً، فقيل له ذلك، فقال: صدق ابن أرقم، لمّا أحسَسْتُ برمحه بین كتفيّ صِحْت به: البَقِيّة، فرفعه وتلا: «بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»(1)ووجّه و المهّلب بعقبِ هذه الوقعة رجلاً من الأزْد، برأس عبيد الله بن بشير بن الماحُوز إلى الحارث بن عبد الله، فلما صار بكُرْبُج ديار لقيته إخوة عبيد الله: حَبيب وعبد الملك وعليّ بنو بشير بن الماحُوز فقالوا: ما الخبر؟ وهو لا يعرفهم، فقال: قتل الله ابن الماحُوز المارق، وهذا رأسُه معي، فوثبوا عليه فقتلوه وصلبوه، ودفنوا رأس أخيهم عُبيد الله، فلما ولِيَ الحجاج دخل عليه علي بن بشير، وكان وَسيماً جسيماً، فقال: مَنْ هذا؟ فخبَره، فقتله ووهب ابنَه الأزهر وابنَته لأهل الأزديّ المقتول، وكانت زينب بنت بشير لهم مواصلة، فوهبوهما لها.
قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد في كتاب «الكامل»: ولم يزل المهلّب يقاتل الخوارج في ولاية الحارث القُباع، حتى عُزل ووليّ مصعب بن الزبير، فكتب إلى المهلّب أن أقدِم عليّ، واستخلف ابنَك المُغيرة. ففعل بعد أن جمع الناس، وقال لهم: إنّي قد استخلفتُ المغيرة عليكم، وهو أبو صغيركم رقّةً ورحمة، وابنُ كبيركم طاعةً وبِرًّا وتبجيلاً، وأخو مثله مواساةً ومناصحة، فلتحسُنْ له طاعتُكم، وليلن له جانبكُم، فوالله ما أردتُ صواباً قطّ إلا سبقني إليه.
ثم مضى إلى مصعب، فكتب مصعب إلى المغيرة بولايته، وكتب إليه: إنك إن لم تكن كأبيك، فإنك كافٍ لما وليت، فشمّر والتزر، وجِدّ واجتهد.
ثم شَخص المصعب إلى المَزار، فقتل أحمر بن شُمَيط، ثم أتى الكوفة فقتل المختار، وقال للمهلب: أشر عليّ برجل أجعله بيني وبين عبد الملك، فقال له: اذكر واحداً من ثلاثة:
1) سورة هود، الآية: 86
محمد بن عمير بن عُطارد الدارميّ، أو زياد بن عمرو بن الأشرف العَتَكيّ، أو داود بن قَحْذَم قال: أو تكفيني أنت؟ قال: أكفيك إن شاء الله. فشخَص فولّاه الموصل فخرج إليها، وصار مُصعب إلى البصرة لينفِر إلى أخيه بمكة. فشاور الناس فيمن يستكفِيه أمرَ الخوارج، فقال قوم: وَلِّ عبد الله بن أبي بَكْرة، وقال قوم: وَلّ عمر بن عبيد الله بن معمر، وقال قوم: ليس لهم إلا المهلّب فاردده إليهم، وبلغت المشورةُ الخوارج فأدارُوا الأمر بينهم، فقال قطريّ بن الفجاءة المازنيّ - ولم يكن أمَّروه عليهم بَعْد -: إن جاءكم عبد الله بن أبي بَكْرة أتاكم سيِّدٌ سَمْح كريم جواد مُضِيع لعسكره، وإن جاءكم عُمر بن عبيد الله أتاكم فارس شُجاع، بطل جادّ، يقاتل لدينه ولملكه، وبطبيعة لم أرَ مثلها لأحد، فقد شهدته في وقائع، فما نُودِيَ في القومِ لحرب إلا كان أول فارس، حتى يَشُدّ على قرنه ويضربه، وإن رُدّ المهلِّب فهو مَنْ قد عرفتموه، إذا أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر، يمدّه إذا أرسلتموه، ويُرسله إذا مددتموه، لا يبدؤُكم إلا أن تبدؤوه، إلا أن يرى فرصة فينتهزها، فهو الليث المبرّ، والثعلب الرّواغ، والبلاء المقيم.
فولَّى مصعبٌ عليهم عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، ولّاه فارس، والخوارج بأرَّجان يومئذ وعليهم الزُّبير بن عليّ السَّلِيطيّ، فشخص إليهم فقاتلهم، وألح عليهم حتى أخرجهم منها فألحقهم بأصبهانَ، فلما بلغ المهلب أنّ مصعباً ولّى حربَ الخوارج عمرَ بن عبيد الله، قال: رماهُمْ بفارس العرب وفَتَاها. فجمع الخوارج له، وأعدُّوا واستعدُّوا، ثم أتوّا سَابور. فسار إليهم حتى نزل منهم على أربعة فراسخ، فقال له مالك بن أبي حَسّان الأزدي: إنّ المهلب كان يُذكي العيون، ويخاف البَيات، ويرتقب الغَفْلة، وهو على أبعد من هذه المسافة منهم.
فقال عمر: اسكُتْ، خَلَع الله قلبَك! أتراكَ تَمُوتُ قبل أجلِك! وأقام هناك، فلما كان ذات ليلة بيّته الخوارج، فخرج إليهم فحاربهم حتى أصبح، فلم يظفروا منه بشيء. فأقبل على مالك بن أبي حسان، فقال: كيف رأيت؟ فقال: قد سلّم اللهُ، ولم يكونوا يطمعُون في مثلها من المهلّب، فقال: أما إنكم لو ناصحتمُوني مناصحَتكم المهلّب، لرجوت أنْ أنفِيَ هذا العدو ولكنَّكم تقولون: قرشيّ حجازيّ، بعيد الدار خيرُه لغيرنا، فتقاتلون معي تعذيراً. ثم زحف إلى الخوارج من غَد ذلك اليوم، فقاتلهم قتالاً شديداً، حتى ألجأهم إلى قنطرةٍ، فتكاثف الناس عليها حتى سقطت، فأقام حتى أصلحها، ثم عبَر، وتقدّم ابنه عبيدُ الله بن عمر - وأمّه من بني سَهْم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب - فقاتلهم حتى قُتِل، فقال قطريّ للخوارج: لا تقاتلوا عُمَر اليوم، فإنه موتور، قد قتلتم ابنَه - ولم يعلم عمرُ بقتلِ ابنه حتى أفضَى إلى القوم، وكان معه ابنه النّعمان - بن عباد - فصاحَ به عمر: یا نعمان، أين ابني؟ قال احتسِبْه فقد استشهد صابراً مقبلاً غير مدبر، فقال: إنا لله وإنا إليهِ رَاجِعون! ثم حَمَل على الخوارج حملة لم يُر مثلُها، وحمل أصحابُه بحمْلته، فقتلوا في وجههم ذلك تسعين رجلاً من الخوارج، وحمل على قَطَرِيّ فضربه
على جبينه ففلَقه، وانهزمت الخوارجُ وانتهبها، فلما استقرُّوا ورأى ما نزلَ بهم، قال: ألم أشر عليكم بالانصراف! فجعلوه حينئذ من وجُوههم، حتى خرجوا من فارس، وتلقّاهم في ذلك الوقت الفِزْر بن مِهزم العبديّ، فسألوه عن خبره، وأرادوا قتله، فأقبل على قطريّ، وقال: إني ؤمن مهاجر، فسأله عن أقاويلهم فأجاب إليها، فخّلْوا عنه، ففي ذلك يقول في كلمة له:
فشدّوا وَثاقي ثم الجوْا خُصُومَتي *** إلى قطريِّ ذِي الجَبين المفلَّقِ
وحاججْتُهم في دينهم فحججْتُهُمْ *** وما دينهم غيرُ الهوَى والتخلّقِ
ثم رجعوا وتكانَفوا، وعادوا إلى ناحية أرّجان، فسار إليهم عمر بن عبيد الله، وكتب إلى معصب:
أما بعد، فإني لقيت الأزارقة، فرزق الله عزّ وجل عُبيد الله بن عمر الشهادة، ووهب له لسعادة، ورزقنا بعد عليهم الظفر، فتفرقوا شَذَر مَذَر. وبلغني عنهم عودةٌ فيممْتُهم، وبالله ستعين، وعليه أتوكل.
فسار إليهم ومعه عطية بن عمرو، ومُجّاعة بن سُعْر فالتقوا، فألحْ عليهم عمر حتى خرجهم، وانفرد من أصابه، فعمد إلى أربعة عشر رجلاً من مَذْكوريهم وشجعانهم، وفي يده عمود. فجعل لا يضرب رجلاً منهم ضربة إلا صَرَعه، فركض إليه قطريّ على فرس طِمِرّ وعمر على مُهْر، فاستعلاء قطريّ بقوة فرسه، حتى كاد يصرعُه، فبَصُرَ به مَجّاعة، فأسرع إليه فصاحت الخوارج: يا أبا نعامة، إنّ عدوّ الله قد رَهِقك. فانحطّ قطري على قَرَبُوسه وطعنه مُجّاعة، وعلى فطريّ دِرْعان فهتكهما وأسرع السِّنان في رأس قَطَرِيّ، فكشط، جلده ونجا وارتحل القوم إلى صفَهان، فأقاموا بُرهة، ثم رجعوا إلى الأهواز، وقد ارتحل عمر بن عبيد الله إلى إصْطَخْر، عامر مُجّاعة فجبَى الخراج أسبوعاً، فقال له: كم جبيت؟ قال: تسعمائة ألف فقال: هي لك.
وقال يزيد بن الحكم لمُجّاعة:
وَدَعَاكَ دَعْوَةَ مُرْهَةٍ فأَجَبْتَهُ *** عُمَرٌ وقد نَسِيَ الحياةَ وَضَاعَا
فَرَدَدْتَ عَادِيَةَ الكَتِيبة عَنْ فَتَّى *** قد كادَ يُتْرَكُ لَحْمُهُ أوْزَاعا
قال: ثم عُزل مُصْعَبُ بن الزُّبير، وولّى عبدُ الله بن الزبير العراقَ ابنه حمزة بن عبد الله الزبير، فمكث قليلاً، ثم أعيد مُصعب إلى العراق، والخوارج بأطراف أصبّهان، والوالي عليها عتّاب بن ورقاء الرِّياحيّ، فأقام الخوارج هناك يجبون شيئاً من القرى، ثم أقبلوا إلى الأهواز من ناحية فارس، فكتب مُصعب إلى عمر بن عبيد الله: ما أنصفتنا! أقمتَ بفارس تَجْبي الخراج، ومثل هذا العدّو يجتاز بك لا تحاربه! والله لو قاتلت ثم هُزمت لكان أعْذَر لك!
وخرج مُصعب من البصرة يريدهم، وأقبل عمرُ بن عبيد الله يريدهم، فتنحّى الخوارج إلى
السُّوس، ثم أتوا إلى المدائن، وبسطوا في القتل، فجعلوا يقتلون النساء والصبيان، حتى أتوا المذار، فقتلوا أحمر طيّىءٍ، وكان شجاعاً، وكان من فرسان عُبيد الله بن الحرّ، وفي ذلك يقول الشاعر:
تَرَكْتُمْ فَتَى الفَتِيانِ أَحْمَرَ طَبيءٍ *** بِسَابَاطَ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ خَلِيلُ
ثم خرجوا عامدين إلى الكوفة، فلما خالطوا سوادَها - وواليها الحارث القُباع - تثاقل عن الخروج، وكان جَباناً، فذَمره إبراهيم بن الأشتر، ولامه الناس، فخرج متحاملاً حتى أتى النُّخيلة، ففي ذلك يقول الشاعر:
إنّ القُباع سَارَ سَيْراً نُكْرًا *** يَسِيرُ يوماً ويُقيم عَشْرا
وجعل يعد الناس بالخروج ولا يخرج، والخوارج يَعِيثون، حتى أخذوا امرأة، فقتلوا أباها بين يديها، وكانت جميلة، ثم أرادوا قتلَها، فقالت: أتقتلون مَنْ يُنَشّاً في الحِلْية وهو في الخصام غير مبين! فقال قائل منهم: دعوها، فقالوا: قد فتنتك، ثم قدموها فقتلوها.
وقربوا امرأة أخرى وهم بإزاء القُباع، والجسْر معقود بينهم، فقطعه القُباع وهو في ستة آلاف، والمرأة تستغيث به وهي تُقْبل، وتقول: علام تقتلونَنِي! فوالله ما فَسَقْت، ولا كَفَرت ولا زَنَيْت، والناس يتفلّتون إلى القتال، والقُباع يمنعهم.
فلما خاف أن يعصُوه أمر عند ذاك بقَطْع الجسر، فأقام بين دَبيرى وتباها خمسة أيام والخوارج بقُرْبه، وهو يقول للناس في كل يوم: إذا لقيتُم العدوَّ غداً، فأثبتوا أقدمَكم واصبروا يا فإن أوّل الحرب الترامِي، ثم إشراع الرِّماح، ثم السلَّة، فشكلت رجلاً أمُّه فرَّ من الزحف!
فقال بعضهم لما أكثر عليهم: أما الصِّفة فقد سمعناها، فمتى يقع الفعل؟
وقال الراجز:
إن القُبَاعَ سَارَ سَيْراً ملْسًا *** بَيْنَ دَبَاها ودَبِيرَى خمسا
وأخذ الخوارج حاجتَهم، وكان شأن القُباع التحصُّنَ منهم، ثم انصرفوا ورجع إلى الكوفة، وساروا من فورهم إلى أصبَهان، فبعثَ عتّاب بن وَرْقاء الرياحيّ إلى الزُّبير بن علي: أنا ابنُ عَمّك، ولست أراك تقصد في انصرافك من كلِّ حَرْب غيري. فبعث إليه الزبير: إنّ أدنَى الفاسقين وأبعدهم في الحقّ سواء.
فأقام الخوارجُ يُغَادُونَ عتاب بن وَرْقاء القتال ويُراوِحُونه، حتى طال عليهم المقام، ولم يظفروا بكبير شيء، فلما كثُر عليهم ذلك انصرفوا، لا يمرّون بقريةٍ بين أصبَهان والأهواز إلا استباحوها، وقتلوا مَنْ فيها. وشاوَر المُصْعَبُ النَّاس فيهم، فأجمع رأيُهم على المهلّب، فبلغ الخوارج مُشاورَتُهم، فقال لهم قطرِيّ: إِنْ جاءكم عَنّاب بن وَرَقاء، فهو فَاتِكٌ يطلع في أول
المِقْنَب ولا يظفَر بكثير، وإن جاءكم عمر بن عُبيد الله ففارس يُقدِم، إما عليه وإمَّا لَهُ، وإن جاءكم المهلَّب فرجلٌ لا يُناجِزُكم حتى تُناجزوه ويأخذُ منكم ولا يُعطيكم، فهو البَلاء الملازم، والمكروه الدائم.
وعزم مُصعَب على توجيه المهلّب، وأن يشخَص هو لحرب عبد الملك. فلما أحس به الزُّبير خرج إلى الرَّيّ - وبها يزيد بن الحارث بن رويم - فحارَبه ثم حصَره، فلما طال عليه الحِصار خرج إليه، فكان الظُّفُر للخوارج، فقتل يزيد الحارث بن رُويم، ونادى یزید ابنه حَوْشبًا، ففرّ عنه وعن أمّه لطيفة وكان عليّ بن أبي طالب علیه السلام ادخل على الحارث بن رويم يعود ابنه يزيد، فقال: عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليك، فسّماها يزيد لطيفة فقتِلت مع بَعْلها يزيد يومئذٍ. وقال الشاعر:
مواقِفُنا في كلِّ يوم كَرِيهَةٍ *** أسر وأشْفَى مِنْ مواقِف حَوْشَبِي
دعاه أبوهُ والرِّماح شَوَارعٌ *** فلم يستجِبْ بل رَاغِ تَرْوَاغَ ثَعْلَب
وَلَوْ كَانَ شَهمَ النَّفْسِ أوْ ذَا حَفِيظةٍ *** رَأى ما رأى في الموت عيسى بنُ مُصْعَبِ
وقال آخر:
نَجى حَلِيلتَه وأسْلَمَ شَيْخَهُ *** نَصْبَ الأسِنَّة حَوْشَبُ بْنُ يَزِيد
قال: ثم انحط الزبير على أصفهان، فحَصر بها عَتّاب بن ورقاء سبعة أشهر، وعتّاب يُحاربه في بعضهنّ، فلما طال به الحِصار قال لأصحابه: ما تنتظرون! والله ما تُؤْتَوْن من قِلَّة، وأنكم لَفُرْسان عشائركم، ولقد حاربتموهم مراراً فانتصفتم منهم، وما بَقِيَ مع هذا الحصار إلا أن تَفْنَى ذخائركم، فيموتَ أحدكم، فيدفِنه أخوه، ثم يموت أخوه فلا يجدُ مَنْ يدفنه، فقاتلُوا القوم وبكم قوّة من قبل أن يَضْعُفَ أحدُكم عن أن يمشيَ إلى قِرْنه.
فلما أصبَح صلّى بهم الصبح، ثم خرج إلى الخوارج وهم غَارُّون، وقد نصَبَ لواءً لجارية له يقال لها ياسمين، فقال: مَنْ أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين، ومن أرادَ الجهاد فليخرج معي، فخرج في ألفين وسبعمائة فارس، فلم يشعر بهم الخوارج حتى غَشُوهم فقاتلوهم بجد تر الخوارجُ منهم مثله، فعقروا منهم لم خَلْقاً كثيراً وقُتل الزبير بن عليّ وانهزمت الخوارج، يتبعهم عتّاب، ففي ذلك يقول القائل:
وَیَوْمٌ بجَيٍّ تلافیتُه *** وَلَوْلَاك لاضطلِمَ العَسْكرُ
وقال آخر:
خَرَجْتُ من المدينة مُسْتَميتاً *** ولم اكُ في كَتِيبَةِ يَاسَمِينَا
الَيْسَ مِن الفضائل أن قَومِي *** غَدَوا مستلمين مجاهدينا
قال: وتزعم الرواة أنّهم في أيام حصارهم كانوا يتواقفون، ويحمل بعضُهم على بعض وربما كانت مُواقَفة بغير حَرْب، وربما اشتدّت الحرب بينهم، وكان رجلٌ من أصحاب عَنّاب - يقال له: شريح، ويكنى أبا هُريرة - إذا تحاجز القومُ مع المساء نادى بالخوارج والزبير بن عليّ:
يا بنَ أبي الماحوز والأشْرَارِ *** كَيْفَ تَرَوْنَ يا كِلابَ النَّارِ
شدَّ ابي هُرَيْرَة الهرَّارِ *** يَهُرُّكمْ باللّيل والنَّهارِ
ألم تَرُوا حَيَّا على المِضْمار *** يُمْسي من الرَّحْمن في جِوَار
فغاظهم ذلك، فكمَن له عبيدة بن هِلال، فضربه بالسَّيف، واحتمله أصحابه، وظنت الخَوارج أنه قد قتل، فكانوا إذا تواقفوا نادوْهم: ما فعل الهرّار؟ فيقولون: ما به من بأس حتى أبلَّ من عِلَّته، فخرج إليهم، فقال: يا أعداء الله، أتروْن بي بأساً، فصاحوا به: قد كنا نرى أنك قد لَحِقْت بأمّك الهاوية، إلى النار الحامية.
ومنهم قَطَرِيّ بن الفجاءة المازني، قال أبو العباس:
لما قِتل الزّبير بن عليّ أدارت الخوارجُ أمرَها، فأرادوا توليَةَ عبيدة بن هلال، فقال: أدلْكم على مَنْ هو خيرٌ لكم مني؟ مَنْ يطاعِن في قُبُل، ويحمي في دُبُر، عليكم بقَطَرِيّ بن الفُجَاءة المازنيّ. فبايعوه. وقالوا: يا أمير المؤمنين، امضِ بنا إلى فارس، فقال: إنّ بفارس عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، ولكن نسير إلى الأهواز، فإن خرج مُصْعب من البصرة دخلناها، فأتوا الأهواز ثم ترفّعوا عنها على إيذَج - وكان المُصعب قَدْ عَزَم على الخروج إلى باجُميرا - وقال لأصحابه: إنّ قَطِريَّا لمُطلٍّ علينا، وإن خرجنا عن البصرة دخَلها، فبعث إلى المهلّب فقال: اكفِنا هذا العدوّ، فخرج إليهم المهلّب، فلما أحسّ به قطريّ يمّم نحو كِرْمان، وأقام المهّلب بالأهواز، ثم كرّ عليه قَطَريّ، وقد استعدّ، وكانت الخوارج في حالاتهم أحسَن عُدّة ممن يقاتلهم بكثرة السلاح وكثرة الدواب، وحَصَانة الجُنَن. فحارَبَهُم المهلّب، فدفعهم فصاروا إلى رَامَهُرْمُزْ، وكان الحارث بن عُميرة الهمدانيّ قد صار إلى المهلب مراغِماً لعتاب بن ورقاء ويقال: إنّه لم يُرضِه عن قتله الزبير بن عليّ، وكان الحارث بن عَمِيرة، هو الذي قتله وخاض إليه أصحابه، ففي ذلك يقول أعشى هَمْدان:
إنّ المكارِمَ اكْمِلَتْ أسبابُها *** لابن اللُّیوثِ الغُرّ مِنْ هَمْدَانِ
للفارسِ الحامِي الحقيقة مُعلماً *** زادِ الرِّفاق وفارس الفُرْسان
الحارث بن عَميرة اللَّيث الَّذِي *** يحمي العراق إلى قُرَى نَجْرانِ
ودّ الأزارقُ لو يصابُ بطعنةٍ *** ويموتُ مِنْ فرسانهم مائتان
قال أبو العباس: وخرج مُصعب إلى باجُمَيْرًا، ثم أتى الخوارج خبرُ مقتله بمَسْكِن، ولم: يأتِ المهلّب وأصحابه، فتواقفوا يوماً برامَهُرْمُز على الخندق، فناداهم الخوارج: ما تقولون في مُصعب؟ قالوا: إمام هدًى، قالوا: فما تقولون في عَبْد الملك؟ قالوا: ضالّ مضلّ، فلما كان بعد يومين أتى المهلّبَ قتلُ المصعب، وأنّ أهل العراق قد اجتمعوا على عبد الملك، عليه كتاب عبد الملك بولايته، فلما تواقفوا ناداهم الخوارج: ما تقولُون في المصعب؟ قالوا: لا نخبركم، قالوا: فما تقولون في عبد الملك؟ قالوا: إمام هدى، قالوا: يا أعداء الله، بالأمس ضالّ مضل، واليوم إمام هدى! يا عبيدَ الدنيا عليكم لعنة الله.
وروى أبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب «الأغاني الكبير»(1)، قال: كان الشُّراة والمسلمون في حرب المهلّب وقطريّ يتواقفون ويتساءلون بينهم عن أمر الدين وغير ذلك، على أمانٍ وسكون، ولا يَهيج بعضُهم بعضاً، فتواقف يوماً عبيدة بن هلال اليشكريّ، وأبو حُزَابة التميميّ، فقال عبيدة: يا أبا حُزابة، إني أسألك عن أشياء، أفتصدقُني عنها في الجواب؟ قال: نعم، إن ضمنت لي مثلَ ذلك، قال: قد فعلت، قال: فسَلْ عمّا بدا لك، قال: ما تقولون في أئمتكم؟ قال: يبيحون الدم الحرام، قال: ويحك! فكيف فعلُهم في المال؟ قال: يَجِبُونه من غير حلِّه وينُفِقونه في غير وجهه، قال: فكيف فعلُهم في اليتيم؟ قال: يظلمونه ماله، ويمنعونه حقّه ويَنِيكون أمه، قال: ويحك يا أبا حُزابة! أمثل هؤلاء تَتّبع! قال: قد أجبتك، فاسمع سؤالي ودع عتابي على رأيي، قال: سل، قال: أيّ الخمر أطيب، خمر السّهّل أم خَمْر الجبل؟ قال: ويحك! أمثلي يُسألُ عن هذا قال: قد أوجبتَ على نفسك أن تجيب، قال: أمّا إذ أبيت، فإنّ خمر الجبل أقوى وأسكر، وخمر السهل أحسن وأسلس، قال: فأيّ الزّواني أفره(2)؟ أزواني رامَهُرمز، أم زواني أرّجان؟ قال: ويحك! إن مثلي لا يسأل عن هذا، قال: لا بدّ من الجواب أو تغدِر.
قال: أمّا إذا أبيت فزواني رَامُهرمز أرقّ أبشاراً، وزواني أرّجان أحسن أبداناً. قال: فأيّ الرجلين أشعر، جرير أم الفرزدق؟ قال: عليك وعليهما لعنة الله، قال: لا بدّ أن تجيب، قال: أيّهما الذي يقول:
وطوى الطِّرادُ مع القِياد بطونَها *** طَيّ التِّجار بحضْرَمَوْتَ بُروداً
قال: جریر، قال: فهو أشعرُهما.
قال أبو الفرج: وقد كان الناسُ تجادلوا في أمر جرير والفرزدق في عسكر المهلَّب، حتى تواثَبُوا، وصاروا إليه محكِّمين له في ذلك، قال: أتريدون أن أحكُم بين هذين الكلبين المتهارشين، فيمضغاني! ما كنت لأحكم بينهما، ولكني أدلّكم على مَنْ يحكم بينهما، ثم يهونُ. عليه سِبابهما، عليكم بالشّراة، فاسألوهم إذا تواقفتم، فلما تواقَفوا سأل أبو حُزابة عبيدة بن ذلك، فأجابه بهذا الجواب.
وروى أبو الفرِج أنّ امرأةً من الخوارج كانت مع قطريّ بن الفُجاءة، يقال لها أمّ حكيم وكانت مِنْ أشجع الناس وأجملهم وجهاً، وأحسنهم بالدِّين تمسكاً، وخطبها جماعة منهم فردتهم ولم تجبْهم، فأخبر مَنْ شاهدها في الحرب أنّها كانت تحمل على الناس وترتجز فتقول:
أَحْمِلُ رأساً قَدْ سَيْمْتُ حَمْلَهُ *** وَقَدْمَلِلْتُ دَمْنَهُ وَغَسْلَهُ
الا فتًى يَحْمِلُ عَنِّي ثِقْلَة
والخوارج يفدّونها بالآباء والأمَّهات، فما رأينا قبلها ولا بعدها مثلها.
وروى أبو الفرج، قال: كان عبيدة بن هلال، إذا تكافّ الناس ناداهم، ليخرجْ إليّ بعضكم، فيخرج إليه فِتْيانٌ من عَسْكر المهلّب، يقول لهم: أيّما أحبّ إليكم؟ أقرأ عليكم القرآن أم أنشِدكم الشَّعر؟ فيقولون له: أمّا القرآن فقد عرفناه مثل معرفِتك، ولكن تنشدنا، فيقول: يا فَسَقة، قد والله علمت أنّكم تختارون الشعر على القرآن ثم لا يزال يُنشِدُهم ويستنشدهم حتى يمَلُّوا ويفترقوا.
قال أبو العباس: وولّى خالد بن عبد الله بن أسِيد فقدم فدخلَ البصرة، فأراد عزل المهلّب فأشير عليه بألّا يفعل، وقيل له: إنَّما أمِنَ أهل هذا المِصْر، لأن المهلّب بالأهواز وعمر بن عبيد الله بفارس، فقد تنحَّى عمر، وإن نَحيَّتَ المهلب لم تأمَنْ على البصرة. فأبى إلّا عَزْله، فقدم المهلّب البصرة، وخرج خالد إلى الأهواز، فاستصحبه، فلما صار بكُرْبَج دينار لقيه قطريّ، فمنعه حطّ أثقاله، وحاربه ثلاثين يوماً.
ثم أقام قطريّ بإزائه، وخندقَ على نفسه، فقال المهلّب لخالد: إنّ قَطرِيَّا ليس بأحق بالخندق منك، فعبر دُجَيلاً إلى شقّ نهر تِيرَى، واتبعه قطريّ فصار إلى مدينة نهر تِيرَى، فبنى سورها، وخندق عليها، فقال المهلّب لخالد: خَنْدق على نفسك، فإني لا آمنُ البَيات، فقال:
يا أبا سعيد، الأمر أعجل من ذاك، فقال المهلّب لبعض ولده: إنّي أرَى أمراً ضائعاً، ثم قال لزياد بن عمرو: خندق علينا، فخندَق المهلّب على نفسه، وأمر بسفنه ففرغَتْ، وأبي خالد أن يفرِّغ سفنه، فقال المهلّب لفيروز حصين: صِرْ معنا، فقال: يا أبا سعيد، إن الحزم ما تقول غير أنّي أكره أنْ أفارِق أصحابي، قال: فكن بقُرْبنا، قال: أمّا هذه فنعم.
وقد كان عبد الملك كتبَ إلى بشر بن مروان يأمره أن يمدّ خالداً بجيشٍ كثيف، أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: ففعل، فقدِم عليه عبد الرحمن، فأقام قَطَرِيّ يُغادِيهم القتال ويُراوِحهم أربعين يوماً، فقال المهلّب لمولى أبي عُيينة: سِر إلى ذلك الناوس، فبتْ عليه كلّ ليلة، فمتى أحسست خَبَراً للخوارج، أو حركةً أو صهيلَ خيل، فاعْجَل إلينا.
فجاءه ليلة، فقال: قد تحرّك القومُ، فجلس المهلب بباب الخندق، وأعدّ قَطَرِيٌّ سفناً فيها حطب وأشعلها ناراً، وأرسلها على سُفن خالد، وخرج في أدبارها حتى خالَطهم، لا يمرُّ برجل إلا قَتَله، ولا بدابة إلا عَقَرها ولا بفُسطاط إلا هَتَكه، فأمر المهلّب يزيد ابنه، فخرج في مائة فارس. فقاتل، وأبْلَى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يومئذٍ بلاءً حسناً، وخرج فيروز حصين في مواليه، فلم يزل يرميهم بالنُّشاب هو ومن معه، فأثّر أثراً جميلاً، وصُرع يزيد بن المهلب يومئذٍ، وصُرع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فحامي عنهما أصحابُهما حتى ركبا، وسقط فيروز حُصين في الخندق، فأخذ بيده رجل من الأزْد، فاستنقذه، فوهب له فيروز عشرة آلاف، وأصبح عسكر خالد كأنه حرّة سوداء، فجعل لا يرى إلا قتيلاً أو جريحاً، فقال للمهلب: يا أبا سعيد، كدنا نفتضح! فقال: خَنْدِق على نفسك، فإن لم تفعل عادوا إليك، فقال: اكفني أمرَ الخندق، فجمع له الأحْماس فلم يبق شريف إلا عمل فيه، فصاح بهم الخوارج: والله لولا هذا الساحر المَزُونّي، لكان الله قد دمَّر عليكم - وكانت الخوارجُ تسمي المهلّب الساحر، لأنهم كانوا يدبّرون الأمرَ فيجدون المهلب قد سبق إلى نقض تدبيرهم.
وقال أعشى هَمْدان لابن الأشعث، يذكره بلاء القحطانيّة عنده، في كلمة طويلة:
وَيَوْمَ أهوازِكَ لا تَنْسَهُ *** ليس الثَّنَا والذَّكَرُ بالبائد
ثم مضى قَطَرِيٌّ إلى كِرْمان، وانصرف خالد إلى البصرة، وأقام قطريّ بِكَرْمان شهراً، ثم عمَد لفارس، فخرج خالد إلى الأهواز وندَب الناس للرحيل، فجعلوا يطلُبونَ المهلب، فقال خالد: ذهب المهلّب بحظّ هذا المِصْر، إني قد ولّيت أخي قتال الأزارقة. فولى أخاه عبد العزيز، واستخلف المهلب على الأهواز في ثلاثمائة، ومضى عبد العزيز والخوارج بدار بجرد وهو في ثلاثين ألفاً، فجعل عبد العزيز يقول في طريقه: يزعم أهلُ البصرة أنّ هذا الأمر لا يتمّ إلا بالمهلّب، سيعلمون!
قال صقعب بن يزيد: فلمّا خرج عبد العزيز عن الأهواز، جاءني كُرْدُوس، حاجب
المهلّب، فدعاني، فجئت إلى المهلب وهو في سطح، وعليه ثياب هَرَويّة، فقال: يا صَقْعب ضائع كأني أنظر إلى هزيمة عبد العزيز، وأخشى أن توافينَي الأزارقة ولا جند معي، فابعث فلان رجلاً من قِبَلك يأتيني بخبرهم سابقاً إليّ به، فوجّهت رجلاً من قِبَلي يقال له عمران بن وقلت له: اصحب عسكر عبد العزيز، واكتب إليّ بخبر يوم فيوم، فجعلت أورده على المهلّب فلما قاربهم عبد العزيز وقف وقفة، فقال له الناس: هذا منزل، فينبغي أن تنزِل فيه أيّها الأمير حتى نطمئن ثم نأخذ أهبَتنا، فقال: كلّا، الأمر قريب، فنزل الناس عن غير أمره، فلم يسْتتم النزول، حتى ورد عليه سعد الطلائع في خمسمائة فارس، كأنهم خَيْط ممدود، فناهضهم عبدُ العزيز فواقفوه ساعة، ثم انهزموا عنه مكيدة، واتّبعهم فقال له الناس: لا تتبعهم، فإنّا على غير تعبية، فأبَى، فلم يزل في آثارهم حتى اقتحموا عَقَبة، فاقتحمها وراءهم والناس ينهونه ويأبي، وكان قد جعل على بني تميم عَبْس بن طَلْق الصَّريميّ الملقّب عَبْس الطَّعان، وعلى بكْر بن وائل مقاتل بن مِسْمَع، وعلى شُرْطته رجلاً من بني ضُبيعة بن ربيعة بن نِزار. فنزلوا عن العقبة، ونزل خلْفهم وكان لهم في بطن العقبة كمين، فلما صاروا من ورائها، خرج عليهم الكَمِين، وعطف سعد الطلائع، فترجّل عبس بن طلْق، فقُتِل وقُتِل مقاتل بن مسمع، وقتل الضُّبَيعيّ، صاحب شُرْطة عبد العزيز، وانحاز عبدُ العزيز واتّبعهم الخوارج فرسخْين يقتلونهم كيف شاؤوا، وكان عبد العزيز قد أخرج معه أمّ حفص بنت المنذر بن الجارُود امرأته، فسَبَوا النساء يومئذٍ، وأخذُوا أسَارَى لا تحصى، فقدفُوهم في غارٍ بعد أن شدُّوهم وثاقاً، ثم سدوا عليهم بابه، حتى ماتوا فيه. وقال بعض مَنْ حضر ذلك اليوم: رأيتُ عبد العزيز، وإنّ ثلاثين رجلاً ليضربُونه بسيوفهم، الفاً، فما تَحِيكُ في جَنْبه، ونودي على السَّبْي يومئذ، فغُولِيَ بأمّ حَفْص، فبلغ بها رجل سبعين وكان ذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا، ولحِقُوا بالخوارج، ففرَضوا لكلِّ رجل منهم خمسائة، فكاد ذلك الرجل يأخذ أمّ حفص، فشَقّ ذلك على قَطَرِيّ، وقال: ما ينبغي لرجل مسلم أن يكون عنده سبعون ألفاً، إنّ هذه لفِتنْة! فوثب عليها أبو الحديد العبديّ فقتلها: فأتي به قطريّ، فقال: مَهيم يا أبا الحديد! فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت المؤمنين تزايدوا في هذه المشركة فخشيت عليهم الفتنة، فقال قطريّ: أحسنت، فقال رجل من الخوارج:
كَفَّانا فِتْنَةً عَظُمَت وَجَلَّتْ *** بحمد الله سيف أبي الحديدِ
أهابَ المسلمون بها وقالُوا *** على فَرْطِ الهوى هل من مزيد!
فزاد أبو الحديد بنصل سَيْفٍ *** رقيق الحدٌّ فعلَ فتّى رشيدِ
وكان العَلاء بن مطرّف السعدي ابنَ عم عمرو القنا، وكان يحب أن يلقاه في صدر مبارزة فلحقه عمرو القنا يومئذٍ، وهو منهزم، فضحك منه وقال متمثّلاً:
تمنّانِي لِيَلْقَانِي لَقِيطُ *** أعام لك ابن صعصعة بن سعد
ثم صاح به: انج يا أبا المصدّى، وكان العلاء بن مطرّف قد حمل معه امرأتين: إحداهما من بني ضَبّة، يقال لها أمّ جميل، والأخرى بنت عمه، يقال لها فلانة بنت عَقِيل فطلّق الضبية وحملها أولاً، وتخلص بابنة عمه، فقال في ذلك:
الستُ كريماً إذ أقولُ لِفِتْيَنِي *** قِفُوا فاحملوها قبل بنتِ عَقِيلٍ
ولو لم يكن عُودِي نُضَاراً لأصْبَحَتْ *** تَجُرُّ على المُتَنَيْن أمّ جميل
قال الصقعب بن يزيد وبعثني: المهلب لآتيه بالخبر، فصرت إلى قنطرة أربك عَلَى فرس اشتريته بثلاثة آلاف درهم، فلم أحسّ خيراً، فسرت مُهَجّراً إلى أن أمسيت، فلما أمسينا وأظلمنا، سمعتُ كلام رجل عرفتُه من الجهاضم، فقلت: ما وراءك؟ قال: الشرّ، قلت: فأين عبد العزيز؟ قال: أمامك، فلما كان آخر الليل، إذا أنا بزُهاء خمسين فارساً معهم لواء، قلت: لواء مَنْ هذا؟ قالوا: لواء عبد العزيز، فتقدّمت إليه، فسلّمت عليه، وقلت: أصلح الله الأمير لا يكبُرَنّ عليك ما كان، فإنّك كنت في شرّ جند وأخبثه، قال لي: أو كنت معنا؟ قلت: لا ولكن كأني شاهد أمرك، ثم أقبلت إلى المهلّب وتركته، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: ما يسرّك هُزم الرجلُ وفَلّ جيشه، فقال: وَيْحك وما يسرّني من هزيمة رجل من قُرَيش وفَلّ جيشٍ من المسلمين قلت: قد كان ذلك، سناءك أو سرّك، فوجّه رجلاً إلى خالد يخبره بسلامة أخيه. قال الرجل : فلما خبرت خالداً، قال: كَذَبْتَ ولَؤُمت، ودخل رجل من قريش فكذّبني، فقال لي خالد: والله لقد هَمَمْتُ أنّ أضرب عنقك، فقلت: أصلح الله الأمير! إن كنت كاذباً فاقتلني وإن كنت صادقاً فأعطني مُطْرَف هذا المتكلم، فقال خالد: لبئس ما أخطرت به دَمَك فما برحتُ حتى دخل عليه! بعض الفلٌ، وقدم عبد العزيز سوق الأهواز، فأكرمه المهلّب وكساه وقدم معه على خالد، واستخلف المهلّب ابنه حبيباً، وقال له: تجسّس الأخبار، فإن أحسست بخيل الأزارقة قريباً منك فانصرف إلى البصرة على نهر تِيرَى. فلما أحسَّ حبيب بهم دخل البصرة، وأعلم خالداً بدخوله، فغضِب وخاف حبيب منه، فاستتر في بني عامر بن صعصعة وتزوّج هناك في استتاره الهلالية، وهي أم ابنه عباد بن حبيب. وقال الشاعر لخالد يُفَيِّل رأيه:
بعثتَ غلاماً من قريشٍ فروقةً *** وتتركُ ذا الرأي الأصيلَ المهلبا
أبَى الذّمّ واخْتَارَ الوفاء وأحكِمَت *** قُواهُ، وَقَدْ سَاس الأمورَ وَجَرَّبا
وقال الحارث بن خالد المخزوميّ:
فَرّ عبد العزيز إذا رَاءَ عيسى *** وابنَ داودَ نازلَا قَطَرِيَّا
عَاهَدَ الله إنْ نَجَا مِلْمَنايا *** لَيعودنّ بعدَها حُرْمیَّا
يسكُنُ الخلّ والصِّفاح *** فغورينا مِرَاراً ومَرَّةٍ نَجْدِيّا
حَيْثُ لا يشهد القِتالَ ولا *** يسمع يوماً لكر خَيْلٍ دوِیّا
وكتب خالد إلى عَبْد الملك بعُذْر عبد العزيز، وقال للمهلب: ما ترى أميرَ المؤمنين صانعاً بي؟ قال: بعزِلك، قال: أتراه قاطعاً رَحمِي! قال: نعم، قد اتَتْه هزيمةُ أميَّةَ أخيك ففعل - يعني هرب أميّة من سِجسْتَان - فكتب عبد الملك إلى خالد:
أما بعد، فإني كنت حَدَدْتُ لك حَدًّا في أمر المهلّب، فلمّا ملكتَ أمرك، نبذتَ طاعتي: وراءك، واستبدَدْت برأيك، فولّيتَ المهلّبَ الجِباية، ووليت أخاك حَرْب الأزارقة، فقَبح الله هذا رأياً! أتبعثُ غلاماً غِرًّاً لم يجرَّب الأمور والحروب للحرب، وتترك سيّداً شجاعاً مدبِّراً حازماً قد مارَس الحَروب فَفَلج، فشعلته بالجباية! أما لو كافأتك على قدّر ذنبك لأتاك من نكيري ما لا بقيَّةَ لك معه! ولكن تذكّرتُ رحِمك فكَفَّتُتي عنك، وقد جعلت عقوبتّك عَزّلك. والسلام.
قال: وولّى بشر بن مروان الإمارة وهو بالكوفة، وكتب إليه:
أما بعد، فإنكّ أخو أمير المؤمنين، يجمعُك وإياه مروان بن الحكم، وإنّ خالداً لا مجتمَع له مع أمير المؤمنين دون أمية، فانظر المهلّب بن أبي صُفْرة، فولِّه حرْب الأزارقة، فإنه سيّد بطل مجرِّب، وامددْه من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل، والسلام.
فشقّ على بشر ما أمرَه به في المهلّب، وقال: والله لأقتلنّه، فقال له موسى بن نصير: أيها الأمير، إنّ للمهلّب حِفاظاً ووفاء وبلاء.
وخرج بِشْر بن مَرْوان يريد البصرة، فكتبَ موسى بن نُصير وعِكْرمة بن رِبْعيّ إلى المهلّب أن يتلقاه لقاءَ لا يعرفه به، فتلقاه المهلّب على بَغْلٍ، وسلّم عليه في غُمار الناس، فلمّا جلس بِشر مجلسه، قال: ما فعل أميركم المهّلب؟ قالوا: قد تلقّاك أيّها الأمير، وهو شاكٍ.
فهمّ بِشْر أنّ يولِّيَ حربَ الأزارقة عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وشَدَّ عَزمه أسماء بن خارجة، وقال له: إنما ولّاك أميرُ المؤمنين لترى رأيك، فقال له عِكْرمة بن ربْعيّ: اكتُب إلى أمير المؤمنين فأعلمه علّة المهلّب، فكتب إليه بذلك، وأنّ بالبَصْرة مَنْ يغني غناءه، ووجّه بالكتابِ مع وفد أوفدهم إليه، رئيسُهم عبد الله بن حكيم المُجاشعِيّ.
فلما قرأ عبدُ الملك الكتاب خَلا بعبدِ الله، فقال له: إنّ لك ديناً ورأياً وحزماً، فَمَنْ لقتال هؤلاء الأزارقة؟ قال: المهلّب، قال: إنه علِيل، قال ليست عِلّتُه بمانعة، فقال عبد الملك: لقد أراد بِشْر أن يفعل ما فعل خالد، فكتب إليه يعزم عليه أن يولِّيَ المهلّب الحربَ، فوجّه إليه، فقال: أنا علِيل، ولا يمكنني الاختلاف، فأمَر بِشْر بحمْل الدّواوين إلي، فجعل ينتخب فعزم
عليه بِشْرُ بالخروج، فاقتطع أكثر نخبته، ثم عزم عليه ألا يقيم بَعْد ثالثة، وقد أخذت الخوارج الأهواز وخلَّفوها وراء ظهورهم، وصاروا بالفرات، فخرج المهلّب حتى صار إلى شَهار طاق، فأتاه شيخ من بني تميم، فقال: أصلح الله الأمير! إنّ سنّي ما تَرَى، فهبْنِي لعيالي، فقال: على أن تقول للأمير إذا خَطَب فحثّكم على الجهاد: كيف تحثُّنا على الجهاد، وأنت تحبِس عنه أشرافنا، وأهلَ النَّجْدة منا! ففعل الشيخُ ذلك، فقال له بشْر: وما أنت وذاك ثم أعطى المهلب رجلاً ألفَ درهم، على أن يأتيَ بشراً فيقول له: أيُّها الأمير، أعِن المهلّب بالشُّرْطة والمقاتلة، ففعل الرجل ذلك، فقال له بشر: وما أنت وذاك؟ فقال: نصيحةٌ حضرتْنِي للأمير والمسلمين، ولا أعود إلى مثلها، فأمده بِشْر بالشُّرطة والمقاتلة، وكتب إلى خليفته على الكوفة أن يعقد لعبد الرحمن بن مِخْنف على ثمانية آلاف، من كلّ رُبع الفين، ويوجّه بهم مدداً للمهلّب.
فلما أتاه الكتاب، بعث إلى عبد الرحمن بن مِخْنف الأزْدِيّ يعقد له، واختار من كلِّ ربع ألفين، فكان على رُبْع أهل المدينة بِشْر بن جَرِير بن عبد الله البَجَلِيّ، وعلى رُبْع تميم وهَمْدان محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهَمْدانيّ، وعلى رُبع كِنْدة محمد بن إسحاق بن الأشعث بن قَيْس الكِنْدي، وعلى رُبْع مَذْحِج وأسد زَحْر بن قيس المذْحِجيّ، فقدموا على بِشْر بن مروان، فخلا بعبد الرحمن بن مِخْنف، وقال له قد عرفتَ رأيي فيك، وثقتي بك فكن عند ظنّي بك، وانظر إلى هذا المزُونيّ، فخالفه في أمره، وأفْسِدْ عليه رأيه.
فخرج عبدُ الرحمن، وهو يقول: ما أعجبَ ما طَلَبَ مِنّي هذا الغُلام يأمُرني أن أصغر شأنَ شيخٍ من مشايخ أهلي، وسَيِّد من ساداتهم فلحق بالمهلّب.
فلما أحسَّ الأزارقة بدنوّ المهلّب منهم انكشفِوا عن الفُرات، فاتبعهم المهلّب إلى سوق الأهواز، فنفاهم عنها، ثم اتبعهم إلى رَامَهُرْمُز فهزمهم عنها، فدخلوا فارسَ، وأبْلَى يزيد ابنه في وقائعه هذه بلاءً شديداً، تقدّم فيه وهو ابنُ إحدى وعشرين سنة.
فلما صار القومُ إلى فارس، وجَّه إليهم ابنَه المغيرة، فقال له عبد الرحمن بن صالح: أيها الأمير، إنه ليس لك برأي قتلُ هذه الأكلُب، ولئن والله قتلتهم لتقعدنّ في بيتك، ولكنْ طاولهم، وكُلْ بهم. فقال: ليس هذا من الوفاء، فلم يلبَثْ بَرامَهُرمز إلا شهراً، حتى أتاه موت بِشْر بن مروان.
فاضطرب الجُند على ابن مِخْنف، فوجّه إلى إسحاق بن الأشعث وابن زَحْر فاستحلفهما ألا يبرحا، فحلفا له ولم يفِيا، وجعل الجند من أهل الكوفة يتسلّلُون حتى اجتمعوا بسُوق الأهواز، وأراد أهلُ البضرة الانسلالَ من المهلّب فخطبهم فقال: إنّكُم لستُم كأهل الكُوفة، إنما تذبون عن مصِركم وأموالكم وحرمكم.
فأقام منهم قومٌ، وتسلّل منهم قومٌ كثير.
وكان خالد بن عبد الله خليفة بشر بن مروان، فوجّه مولّى له بكتاب منه إلى مَنْ بالأهواز، يحلف بالله مجتهداً: لئن لم يرجعوا إلى مراكزهم، وانصرفوا عصاةٌ لا يظفَرُ بأحدٍ إلا قتله. فجاءهم مولاه، فجعل يقرأ عليهم الكتابَ، ولا يرى في وجوههم قَبولاً، فقال: إني أرى وجوهاً ما القبولُ مِنْ شأنها، فقال له ابن زَحْر: أيها العبد، اقرأ ما في الكتاب، وانصرفْ إلى صاحبك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا. وجعلوا يستحثُّونه بقراءته، ثم قصدوا قَصْد الكوفة، فنزلوا النُّخَيْلة، وكتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في دخول الكوفة، فأبى، فدخلوها بغير إذن.
فلم يزل المهلّب ومَنْ معه من قواده وابن مِخْنف، في عدد قليل، فلم يلبثُوا أن ولِيَ الحجّاج العراق.
فدخَل الكوفة قبل البَصْرة، وذلك في سنة خمس وسبعين، فخطبهم الخطبة المشهور وتهدّدهم، ثم نزل فقال لوجوه أهلها: ما كانت الولادةُ تَفعل بالعُصاة؟ قالوا: كانت تضرب وتحبس، فقال: ولكن ليس لهم عندي إلا السيف، إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون، ولو ساعت المعصية لأهلها، ما قوتل عدوّ، ولا جُبِيَ فَيْء، ولا عَزّ دين.
ثم جلس لتوجيه الناس، فقال: قد أجّلتكم ثلاثاً، وأقسم بالله لا يتخلف أحدٌ من أصحاب ابن مِخْنَف بعدَها إلا قتلُته. ثم قال لصاحب حَرَسه ولصاحب شُرْطَته: إذا مضت ثلاثة أيام فاشحذا سيوفكما. فجاءه عُمير بن ضابيء البرجُميّ بابنه فقال: أصلح الله الأمير! إنّ هذا أنف لكم مِنّي، وهو اشدّ بني تميم أبداناً، وأجمعهم سلاحاً، وأربطهم جاشاً، وأنا شيخٌ كبير عليل واستشهد جُلساءه، فقال له الحجاج: إنّ عذْرك لواضح، وإن ضَعفك لَبَيِّن، ولكني أكره أر يجتريء بك الناس عليّ، وبعد، فأنت ابن ضابي صاحب عثمان، وأمر به فقتِل، فاحتمل النّاس، وإن أحدَهم ليُتَّبع بزاده وسلاحه، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسديّ.
أقولُ لعبد الله يَوْمَ لقيتُهُ *** أرَى الأمر أمْسَى مُنصِباً متشعّباً
تجهّز فإما أن تَزُور ابن ضابِيءٍ *** عُمَيراً، وإمَّا أن تَزُور المهلبا
هما خُطّتَا خَسْفٍ نَجَاؤُكَ منهما *** رُكُوبُكَ حَوْلِيًّا مِنَ الثَّلْجِ أَشْهَبَا
فما إنْ أرَى الحجَّاجَ يَعْمِدُ سَيْفَهُ *** مَدَى الدَّهر حتى يترك الطفل أشْيَبَا
فَأضْحَى ولو كَانَت خُرَاسَانُ دُونَهُ *** رآها مَكَانَ السُّوقِ أَوْمى أَقْرَبا
وهَرَبَ سَوَّارُ بنُ المُضْرَبِ السَّعْدِي من الحجاج، وقال:
أقاتِليَ الحجّاج إن لم أزُرْ لَهُ *** دَرَابَ وأترْكْ عِنْدَ هِنْد فُؤادِيَ
فخرج الناس عن الكوفة، وأتى الحجاج البصرة، فكان أشدّ عليهم إلحاحاً، وقد كان أتاهم خبره بالكوفة، فتحمّل الناس قبل قدومه. وأتاه رجل من بني يَشْكُر، وكان شَيْخاً أعور، يجعل على عينه العوراء صُوفة، فكان يلقَّب ذا الكُرْسُفَة، فقال: أصلح الله الأمير! أنّ بي فَتْقاً وقد عَذَرني بِشْر بن مروان، وقد رددت العطاء، فقال: إنك عندي لصادق، ثم أمر به فضربتْ عنقُه، ففي ذلك يقول كعب الأشقريّ - أو الفرزدق.
لَقَدْ ضَرَبَ الحَجّاجُ بالمِصِرِ ضَرْبَةٌ *** تَفَرْقَرَ منهَا بَطنُ كلِّ عرِيفِ
ويُروى عن أبي البشر، قال: إنّا لنتغدّى معه يوماً، إذ جاءه رجل من بني سُليم برجل يقوده، فقال: أصلح الله الأمير إنّ هذا عاصٍ، فقال له الرجل: أنشُدُك الله أيها الأمير في دمي فوالله ما قَبَضْتُ ديواناً قطّ، ولا شهدت عكسراً قَطّ، وإني لَحَائك، أخذتُ من تحتِ الحَفّ. فقال: اضربوا عُنقَه. فلما أحسّ بالسّيف سجَد، فلحقه السيف وهو ساجد، فأمسكنا عن الأكل، فأقبل علينا، وقال: ما لي أراكم قد صَفِرتْ أيديكم، واصفَرّت وجوهكم، وحَدّ نظرُكم من قَتْل رجل واحد ألا إنّ العاصيَ يجمع خِلالاً، يُخِلُّ بمركزه، ويَعْصِي أميرَه، ويغرّ المسلمين، وهو أجير لهم، وإنما يأخذُ الأجرة لِمّا يعمل، والوالي مخيّر فيه، إن شاء قتل وإن شاء عفا.
ثم كتب إلى المهلب:
أما بعد، فإن بشراً استكره نفسَه عليك، وأراك غِنَاه عنك، وأنا أريك حاجتي إليك فأرِني الجدّ في قتال عدوك، ومَنْ خِفْتَه على المعصية مِمّن قبلك فاقتله، فإني قاتل مَنْ قبلي ومَنْ كان عندي ممّن هرب عنك، فأعلِمّني مكانَه، فإني أرى أن آخذ السَّمي بالسّميّ، والوليّ بالولي.
فكتب إليه المهلّب:
ليس قِبَلي إلا مطيعٌ - وإنّ الناسَ إذا خافوا العقوية كبّروا الذّنب، وإذا أمِنُوا العقوبة صغروا الذنب، وإذا يَئسوا العفو أكفرهم ذلك، فهب لي هؤلاء الذين سميتَهم عصاة، فإنهم فُرسان بطال، أرجو أن يقتُلَ الله بهم العدوّ - ونادم على ذنبه.
فلما رأى المهلّب كثرة الناس عنده قال: اليوم قُوتل هذا العدوّ.
ولما رأى ذلك قَطرِيّ، قال لأصحابه: انهضوا بنا نريد السَّرْدَن، فنتحصن فيها، فقال عبيدة بن هلال: أو تأتي سابُور، فتأخُذَ منها ما نُريد، وتصير إلى كَرْمان. فأتوْا سابور، وخرج المهلب في آثارهم فأتى أرّجان، وخاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسَّرْدَن - وليست بمدينة ولكنها جبال مُحدِقة منيعة - فلم يصبْ بها أحداً، فخرج فعسكر بكازرُون، واستعدّوا لقتاله فخندقَ
على نفسه، ووجّه إلى عبد الرحمن بن مخنف: خَنْدِق على نفسك. فوجّه إليه: خنادقُنا سيوفُنا، فوجه المهلب إليه: إني لا آمن عليك البَيات، فقال: ابنه جعفر: ذلك أهونُ علينا من ضَرْطة جمل، فأقبل المهلّب على ابنه المغيرة، فقال: لم يصيبوا الرأي، ولم يأخذوا بالوثيقة.
فلما أصبح القومُ عاودوه الحرب، فبعثَ إلى ابن مخنف يستمدّه، فأمدّه بجماعة، جعل عليهم ابنه جعفراً، فجاؤوا وعليهم أقبِيةٌ بيض جُدُد، فأبلْوا يومئذٍ حتى عرف مكانهم المهلّب، وأبْلَى بنوه يومئذٍ كبلاء الكوفيين أو أشدّ.
ثم أتى رئيسٌ من الخوارج، يقال له صالح بن مخراق، وهو ينتخبُ قوماً من جلّة العَسْكر حتى بلغ أربعمائة، فقال لابنه المغيرة: ما أراء يُعِدّ هؤلاء إلا للبيات.
وانكشفت الخوارج، والأمر للمهلّب عليهم، وقد كَثُر فيهم الجراح والقتل، وقد كان الحجّاج يتفقَّد العصاة، ويوجه الرجال، وكان يحبسهم نهاراً، ويفتح الحبس ليلاً، فيتَسَلَّلُ الرجال إلى ناحية المهلب، وكأنَّ الحجاج لا يعلم، فإذا رأى إسراعهم تمثّل:
إنْ لَهَا لَسَائقاً عَشْنزَرا *** إذا وَثَبْنَ وَثْبَةٌ تَغَشْمَرا(1)
ثم كتب الحجّاج إلى المهلّب يستحثّه:
أما بعد، فإنه قد بلغني أنّك قد أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدو، وإني ولّيتُك وأنا أرى مكانَ عبد الله بن حكيم المجاشعيّ. وعباد بن الحصين الحَبَطيّ، واخترتك وأنت من أهل عُمان، ثم رجلٌ من الأزد، فالقهم يوم كذا في مكان كذا، وإلا أشرعتُ إليك صدر الرمح.
فشارو المهلّب بنيه فقالوا: أيها الأمير، لا تُغُلِظ عليه في الجواب.
فكتب إليه:
وردّ إليّ كتابك، تزعُم أني أقبلتُ على جباية الخراج، وتركتُ قتال العدوّ، وَمَنْ عَجَزَ عن جباية الخراج، فهو عن قتال العدو أعْجَز. وزعمتَ أنّك وليّتني، وأنت ترى مكان عبد الله حكيم وعَبّاد بن الحصين، ولو ولّيتهما لكانا مستحِقّيْن لذلك لفضلهما وغَنائهما وبطشهما وزعمتَ أنك اخترَتني وأنا رجلٌ من الأزد، ولعمرِي إنّ شرٌّا من الأزد لقبيلة تنازعتْها ثلاث قبائل، لم تستقرّ في واحدة منهنّ. وزعمتَ أني لم ألَقهم يوم كذا في مكان كذا أشرعتَ إليّ صدر الرمح، لو فعلتَ لقلبتُ لك ظهر المجنّ. والسلام.
1) العشنزر: الشديد الخلق العظيم من كل شيء. اللسان، مادة (عشرز)، وتغشمره: أخذه قهراً. اللسان، مادة (غشمر)
قال: ثم كانت الوقعة بينه وبين الخوارج عَقِيب هذا الكتاب.
فلما انصرف الخوارج تلك الليلة، قال لابنه المغيرة: إني أخاف البَيات على بني تميم، فانهض إليهم فكن فيهم، فأتاهم المغيرة، فقال له الحريش بن هلال. يا أبا حاتم، أيخاف الأميرُ أن يؤتَى من ناحيتنا قُل له: فليبت آمناً، فإنا كافوه ما قِبَلَنا إن شاء الله.
فلما انتصف الليل، وقد رجع المغيرة إلى أبيه، سرى صالح بن مخراق في القوم الذين كان أعدّهم للبيات إلى ناحية بني تميم، ومعه عبيدة بن هلال، وهو يقول:
إنّي لَمُلْكِ للشُّراةِ نارَها *** ومانعٌ ممّنْ أتاها دارها
وغاسِلٌ بالسيف عنها عَارَها
فوجد بني تميم أيقاظاً متحارسين، وخرج إليهم الحريش بن هلال، وهو يقول:
وَجَدْتُمُونَا وُقراً أنجَادًا *** لا تُشْفاً مِيلاً(1)ولا أوْغَادَا
ثم حمل على الخوارج، فرجعوا عنه، فاتبعهم ثم صاح بهم: إلى أين يا كلاب النار! فقالوا: إنما أُعِدَّتْ لك ولأصحابك، فقال الحريش: كلّ مملوك لي حُرّ إن لم تدخلوا النّار، ما دخلها مجوسيٌّ فيما بين سَفَوان وخُراسان.
ثم قال بعضهم لبعض: نأتي عسكرَ ابن مِخْنف، فإنه لا خندق عليه، وقد بَعَث فرسانهم اليوم مع المهلّب، وقد زعموا أنّا أهونُ عليهم من ضَرْطة جمل. فأتوهم فلم يشعر ابن مِخْنف وأصحابه، إلا وقد خالطُوهم في عسكرهم.
وكان ابن مخنف شريفاً، وفيه يقول رجل من بني عامر لرجل يعاتبه، ويضرب بابن مخنَف المثل:
تَرُوحُ وتَغْدُو كلَّ يوم مُعَظَّماً *** كأنك فينا مِخْنفٌ وابن مِحْنَفِ
فترجّل عبد الرحمن تلك الليلة يجالدهم، حتى قتل وقتل معه سبعون رجلاً من القرّاء فيهم نفر من أصحاب عليّ بن أبي طالب، ونفر من أصحاب ابن مسعود. وبلغ الخبرُ المهلّب - وجعفر بن عبد الرحمن بن مِخْنف عند المهلّب - فجاءهم مُغيثاً فقاتل حتى ارتُثّ، ووجّه المهلّب إليهم ابنه حبيباً، فكشفهم، ثم جاء المهلّب حتى صلّى على عبد الرحمن بن مِخْنف وأصحابه، وصار جندُه في جند المهلّب، فضمهم إلى ابنه حبيب، فعيّرهم البَصرِيّون، وسَّموْا جعفراً خضفة الجمل.
وقال رجل منهم لجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف:
1) الكُشُف: الذين لا يصدقون القتال، أو الذين ليس معهم تروس. اللسان، مادة (كشف)
تركت أصحابَكُم تَدْمَى نُحُورُهُمُ *** وجَبْتَ تَسْعى إلينا خَضْفَة الجملِ
فلامَ المهلّب أهل البصرة، وقال: بتسما قلتم، والله ما فَرّوا ولا جَبُنوا، ولكنهم خالفوا أميرهم، أفلا تذكرون فراركم بدُولابَ عَنِّي، وفرارَكم بدَارس عن عثمان!.
ووجه الحجَّاج البراء بن قبِيصة إلى المهلّب يستحثّه في مناجزة القوم، وكتب إليه: إنّك تحبُّ بقاءهم لتأكُلَ بهم، فقال المهلّب لأصحابه: حَرِّكُوهم، فخرج فُرسان من أصحابه فخرج إليهم من الخوارج جَمْعُ كثير، فاقتتلوا إلى الليل: فقال لهم الخوارج: ويْلَكم! أما تَمَلُّون فقالوا: لا، حتَّى تملُّوا، فقالوا: فمن أنتم؟ قالوا: تميم، فقالت الخوارج: ونحن تميم أيضاً، فلما أمسَوْا افترقوا ، فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلّب، وخرج إليهم من الخوارج عشرة، واحتفر كلّ واحدٍ منهم حَفِيرة، وأثبت قدميه فيها، كلّما قُتِل رجل جاء رجل من أصحابه فاجترّه وقام مكانه حتى أعْتموا، فقال لهم الخوارج: ارجعوا، فقالوا: بل ارجعوا أنتم، قالوا لهم: وَيْلكم مَنْ أنتم! قالوا: تميم، قالوا: ونحن تميم أيضاً: فرجع البرَاء بن قبيصة إلى! الحجاج فقال له: مَهيم؟ قال: رأيت أيها الأمير قوماً لا يعين عليهم إلا الله.
وكتب المهلّب جواب الحجاج: إنّي منتظر بهم إحدى ثلاث: موتاً ذريعاً، أو جُوعاً مُضِراً، أو اختلافاً من أهوائهم.
وكان المهلّب لا يتكل في الحراسة على أحد، كان يتولّى ذلك بنفسه، ويستعين عليه بولده، وبمن يحلّ محلهم في الثقة عنده.
قال أبو حَرْملة العبديّ يهجو المهلّب، وكان في عسكره:
عَدِمْتُكَ يا مُهَلّبُ من أميرِ *** أما تَنْدَى يمينُك للفقير!
بِدُولَابٍ أضعتَ دماء قومِي *** وطرْتَ عَلَى مُوَاشِكَةٍ دَرُورٍ
فقال له المهلّب: ويحك! والله إنّي لأقِيكم بنفسي وولدي، قال: جعلني الله فداء الأميرا فداك الذي نَكْره منك، ما كلُّنا يحبّ الموت. قال: ويحك! وهل عنه مِنْ محيص! قال: لا، ولكنا نكره التعجيل، وأنت تُقدِم عليه إقداماً، قال المهلّب: وَيلك أما سمعت قول الكلْحبة اليربوعيّ:
فقلتُ لكأسٍ الجميها فإنّما *** نَزَلْنَا الكَثِيبَ مِنْ زَرُودَ لنَفْزَعا
فقال: بلى، قد سمعت، ولكنّ قولي أحبّ إليّ منه:
وَلَمّا وقفتمْ عُدْوةً وعدوّكُمْ *** إلى مهجتي وَلَّيْتُ أعداءكُمْ ظَهْرِي
وطرتُ ولم أحفل ملامَةَ جاهِلٍ *** يُسَاقِي المنايا بالرديّنيّة السُّمْر(1)
1) الردينية: ردينة اسم مرأة، والرماح الردينية منسوبة إليها. اللسان، مادة (ردن)
فقال المهلب: بئس حشو الكتيبة أنت والله يا أبا حرملة! إن شئت أذِنْتُ لك فانصرفت إلى أهلك. قال: بل أقيم معك أيها الأمير، فوهب له المهلب وأعطاه فقال يمدحه:
يَرَى حَتْماً عَلَيْهِ أَبو سَعِيدٍ *** جِلَادَ الْقَوْمِ في أولَى النَّفِير
إذا نادَي الشُّراةُ أبا سعيدٍ *** مَشَى في رِفْل محكَمة الْقَتِيرِ
قال: وكان المهّلب يقول: ما يسرّني أنّ في عسكري ألف شجاع مكان بيهس بن صُهيب، فيقال له: أيها الأمير، بَيْهس ليس بشجاع، فيقول: أجل، ولكنّه سديد الرأي، محكم العقل، وذو الرأيِ حذر سَؤول، فأنا آمن أن يُغْتَفَل، ولو كان مكانه ألف شجاع لخِلْت أَنهم يَنْشَامون حيث يحتاج إليهم.
قال: ومطرت السماء مطراً شديداً وهم بسابور، وبين المهلب وبين الشُّراة عقبة، فقال المهلب: مَنْ يكفينا أمر هذه العقبة الليلة؟ فلم يقم أحد، فلبس المهلّب سلاحه، وقام إلى العقبة واتَّبعه ابنه المغيرة، فقال رجل من أصحابه: دعانا الأمير إلى ضَبْط العقبة، والحظّ في ذلك لنا، فلم نطِعْه، وليس سلاحه واتّبعه جماعة من العسكر، فصاروا إليه، فإذا المهلّب والمغيرة ولا ثالث لهما، فقالوا: انصرف أيها الأمير، فنحنُ نكفِيك إن شاء الله، فلما أصبحُوا إذ هم بالشُّراة على العقبة، فخرج إليهم غلام من أهل عُمان على فرس، فجعل يحملُ وفرسه تَزْلق، ويَلْقاه مُدرك في جماعة معه، حتى ردوهم عن العقبة. فلما كان يوم النّحْر والمهلّب على المنبر يخطب الناس، إذ الشّراة قد أكبّوا، فقال المهلب: سبحان الله! أفي مثل هذا اليوم! يا مغيرة اكفنيهم، فخرج إليهم المغيرة، وأمامه سعد بن نجد القُرْدوسيّ وكان سعد مقدّماً في شجاعته، وكان الحجاح إذا ظن برجلٍ أن نفسه قد أعجبته قال له: لو كنت سعد بن نجد القرْدُوسيّ ما عدا! فخرج أمام المغيرة، ومع المغيرة جماعة من فُرسان المهلب، فالتقوا، وأمام الخوارج غلام جامع السلاح، مديد القامة، كريه الوجه، شديد الحَمْلة، صحيح الفروسيّة، فأقبل يحمل على الناس، ويرتجز فيقول:
نَحْنُ صَبَحْنَاكُمْ غداةَ النَّحْرِ *** بالخيلِ أمثالِ الوشيجِ(1)تَجْرِي
فخرج إليه سعد بن تجد القُرْدوسيّ من الأزد، فتجاولا ساعة ثم طعنه سعد فقتله، والتقى الناس، فصُرع المغيرة يومئذٍ، فحامي عليه سعد بن نجد ودينار السجستانيّ وجماعة من الفرسان، حتى ركب وانكشف الناس عند سَقطة المغيرة حتى صاروا إلى المهلب، فقالوا: قُتِل المغيرة، فأتاه ديار السجستانيّ، فأخبره بسلامته، فأعتق كلّ مملومك كان بحضرته.
قال: ووجّه الحجاج الجرّاح بن عبد الله إلى المهلّب يستبطئه في مناجزة القوم، وكتب إليه:
1) الوشيج: هي عامة الرماح واحدتها وشيجة. اللسان، مادة (وشج)
أما بعد، فإنك جَبَيْت الخراج بالعِلل، وتحصّلت بالخنادق، وطاولت القوم وأنت أعزُّ ناصراً، وأكثر عدداً، وما أظنّ بك مع هذا معصية ولا جُبْناً، ولكنك اتخذتهم أكلاً، بقاؤهم أيسرَ عليك من قتالهم، فناجزْهم وإلا أنكرتَني، والسلام.
فقال المهلّب للجرّاح: يا أبا عُقْبة، والله ما تركتُ حيلة إلا احتلتُها، ولا مكيدةً إلا أعملتُها، وما العجبُ من إبطاء النُّصْرة وتراخي الظّفَر، ولكنّ العجب أن يكون الرأيُ لمن يملِكهُ دون مَنْ يُبْصره.
ثم ناهضهم ثلاثةَ أيام، يغاديهم القتال، فلا يزالون كذلكَ إلى العصر. وينصرف أصحابه وبهم قَرْح، وبالخوارج فَرْح وَقَتْل. فقال له الجرّاح: قد أغذَرْت.
فكتب المهلّب إلى الحجاج:
أتاني كتابك تستبطئُني في لقاء القوم، على أنّك لا تظنُّ بي معصية ولا جُبْناً، وقد عاتبتَني معاتبة الجبان، وأوعدتني وعيدَ العاصي، فسلِ الجرّاح والسلام.
فقال الحجاج للجرّاح: كيف رأيتَ أخاك؟ قال: والله أيّها الأمير، ما رأيت مثلَه قطّ، ولا ظننت أنْ أحداً يبقى على مثلِ ما هو عليه، ولقد شهدتُ أصحابه أياماً ثلاثة يَغْدُون إلى الحرب، ثم ينصرفون عنها، وهم يتطاعنون بالرماح، ويتجالدون بالسيوف ويتخابطون بالعَمَد، ثم يروحون كأن لم يصنَعُوا شيئاً، رَوَاحَ قومٍ تلك عادتهم وتجارتهم.
فقال الحجّاج: لَشَدّ ما مدحته أبا عُقْبة! فقال: الحقّ أولَى.
وكانت رُكْبُ الناس قديماً من الخشب، فكان الرّجل يضرب ركباه فينقطع، فإذا أراد الضّربَ أو الطعن لم يكن له معتمَد، فأمر المهلّب بضَرْب الرُّكْب من الحديد: فهو أول من أمر بطبعها، وفي ذلك يقول عمران بن عصام العنزِيّ:
ضَرَبُوا الدّرَاهِم في إمارَتِهِمْ *** وَضَرَبْتَ لِلْحَدَثَانِ وَالْحَرْبِ
حَلَقاً تَرَى مِنْهَا مَرافِقَهُمْ *** کَمناكِبِ الجِمَالَةِ الْجُوبِ
قال: وكتبَ الحجّاج إلى عتّاب بن وَرْقاء الرياحيّ، من بني رياح بن يَرْبوع - وهو والي أصْفهان - يأمره بالمسير إلى المهلّب، وأن يضمّ إليه جند عبد الرحمن بن مخْنف، فكلُّ بلد يدخلانه من فُتوح أهل البصرة فالمهلّب أميرُ الجماعة فيه، وأنت على أهل الكوفة، فإذا دخلتُم بلداً فَتحَهُ أهل الكوفة فأنتَ أميرُ الجماعة، والمهلّب على أهل البصرة.
فقدِم عَتّاب في إحدى جُمادَيَيْن من سنة ست وسبعين على المهلّب، وهو يسابور - وهي من
فتوح أهل البصرة - فكان المهلب أميرَ الناس وعَتّاب على أصحاب ابن مخنف، والخوارج بأيديهم كِرْمان، وهم بإزاء المهلّب بفارس، يحاربونه من جميع النواحي.
قال: ووجّه الحجّاج إلى المهلّب رَجُلَيْن يستحثّانه لمناجزة القوم: أحدُهما يقال له زياد بن عبد الرحمن، من بني عامر بن صعصعة، والآخر من آل أبي عَقِيل من رهط الحجاج، فضم المهلّب زياداً إلى ابنهِ حَبيب، وضمّ الثَّقَفِي إلى ابنه يزيد، وقال لهما: خذا يزيد وحبيباً بالمناجزة، وغادوا الخوارج. فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل زياد بن عبد الرحمن العامريّ، وفقد الثقفيّ. ثم باكروهم في اليوم الثاني، وقد وُجِد الثقفيّ، فدعا به المهلّب، ودعا بالغداء، فجعل النَّبْل يقع قريباً منهم ويتجاوزهم، والثقفيّ يَعْجَب من أمر المهلّب، فقال الصَّلتان العبديّ:
الا يا اصْبَحَانِي قَبْل عَوْنِ الْعَوَائقِ *** وَقَبْلَ الخَتِرَاطِ الْقَوْم مثل الْعَقَائِقِ
غداةَ حَبيبٍ في الحَدِيدِ يقودُنا *** يخوض المنايا في ظلال الخوافِق
حَرُونٌ إذا ما الحربُ طَار شَرَارُها *** وَهَاجَ عَجَاجُ النَّقْعِ فَوْقَ الْمَفَارِقِ
فمَنْ مبلغ الحجَّاج أن أمينَه *** زياداً أطاحتهُ رماحُ الأزارقِ!
فلم يزل عتّاب بن وَرْقاء مع المهلّب ثمانية أشهر حتى ظهر شَبيب بن يزيد، فكتب الحجّاج إلى عتاب يأمُره بالمصير إليه ليوجّهه إلى شَبِيب، وكتب إلى المهلّب يأمره أن يرزُق الجند، فرزَق أهلَ البصرة، وأبى أن يرزُقَ أهل الكوفة، فقال له عتّاب: ما أنا ببارح حتى تَرْزُق أهلَ الكوفة، فأبى، فجرتْ بينهما غِلْظة، فقال له عتاب: قد كان يبلغني أنّك شجاع، فرأيتُك جَبَاناً، وكان يبلغني أنّك جوادٌ، فرأيتك بخيلاً. فقال له المهلّب: يابن اللَّخْناء(1)، فقال له عتّاب لكنك مُعَمّ مُخُول! فغضبت بكْر بن وائل للمهلّب للحلْف، ووثب نُعَيم بن هُبيرة، ابن أخي مصْقلة بن هُبيرة على عتّاب فشتَمه، وقد كان المهلّب كارهاً للحلْف، فلما رأى نُصرة بكر بن وائل له سرّه، واغتبط به، فلم يزل يؤكّده، وغضبت تميم البَصْرة لعتّاب، وغضبت أزْدُ الكوفة للمهلّب، فلما رأى ذلك المغيرةُ مشى بين أبيه وبين عتّاب، وقال لعتّاب: يا أبا ورقاء، إنّ الأميرَ يصيرُ إلى كلِّ ما تحبّ، وسأل أباه أن يرزُقَ أهل الكوفة، ففعل فصلَح الأمر، فكانت تميم قاطبةً وعتاب بن ورقاء يَحْمَدون المغيرة بن المهلّب، وكان عتاب يقول: إنّي لأعرف فضله على أبيه.
وقال رجلٌ من الأزد، من بني إياد بن سُود،
ألا أَبْلِغْ أَبا وَرْقَاءَ عَنَّا *** فَلَوْلَا أَنَّنَا كُنَّا غِضَابا
على الشَّيْخ المهلّب إذْ جَفَانَا *** لَلَاقَتْ خيلُكم مِنا ضِرَابا
1) اللخناء: هي التي لم تختن. اللسان، مادة (لخن)
قال: وكان المهلّب يقول لبنيه: لا تبدؤوا الخوارج بقتال حتى يبدؤوكم، ويَبْغُوا عليكم فإنهم إذا بَغَوْا عليكم نُصِرْتُمْ عليهم.
فشخص عَتّاب إلى الحجاج في سنة سبع وسبعين، فوجهه إلى شبيب فقتله شبيب.
وأقام المهلّب على حربهم، فلما انقَضَى من مقامه ثمانية عشر شهراً اختلفوا وافترقت كلمتهم. وكان سبب اختلافهم أنّ رجلاً حداداً من الأزارقة، كان يعمل نِصالاً مسمومة، فَيرمَى بها أصحاب المهلّب، فرفع ذلك إلى المهلّب، فقال: أنا أكفيكموه إن شاء الله، فوجّه رجلاً من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكري قطريّ، فقال له: ألقِ هذا الكتابَ في العسكر والدّراهم، واحذر على نفسك - وكان الحدّاد يقال له أبْزَى - فمضى الرجل، وكان في الكتاب: أما بعد، فإن نصالَك قد وصلت إليّ، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبِضْها وزدنا من هذه النَّصال.
فوقع الكتاب إلى قَطَرِي، فدعا بأبْزَى، فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: لا أدري، قال فما هذه الدراهم؟ قال: لا أعلم فأمر به فقُتِل. فجاءه عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة فقال له : أقتلت رجلاً على غير ثِقةٍ ولا تبين! قال قطريّ: فما حال هذه الألف؟ قال: يجوز أن يكون أمرُها كَذباً، ويجوز أن يكون حَقًّا، فقال قَطَرِيّ: إنّ قتلَ َرجُلٍ في صلاح الناس غير منكَر، وللإمام أن يحكُم بما رآه صلاحاً، وليس للرعيَّة أن تعترض عليه. فتنكّر له عبدُ رَبِّه في جماعة معه، ولم يفارقوه.
وبلغ ذلك المهلب فدسَّ إليهم رَجُلاً نصرانيَّا، جعل له جُعْلاً يُرْغَب في مثله، وقال له: إذا رأيتَ قَطَرِيًّا فاسْجُد له، فإذا نهاك فقل: إنّما سجدتُ لك، ففعل ذلك النَّصرانيّ، فقال قطريّ: إنما السجود الله تعالى، فقال ما سجدتُ إلا لَكَ، فقال رجل من الخوارج: إنه قد عَبَدَك من دون الله، وتلا: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِدُّونَ»(1)، فقال قطريّ: إنّ النصارى قد عبدُوا عيسى ابن مريم فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً. فقام رجل من الخوارج إلى النَّصرانيّ فقتله، فأنكر قطريّ ذلك عليه، وأنكر قوم من الخوارج إنكارَه.
وبلغ المهلّب ذلك، فوجَّه إليهم رجلاً يسألهم، فأتاهم الرجل، فقال: أرأيتُمْ رجُليْن خرجَا مهاجريْن إليكم، فمات أحدهما في الطريق، وبلغ الآخر إليكم فامتحنتموه فلم يَجُزِ المحنة، ما تقولون فيهما؟ فقال بعضهم: أمّا الميت فمؤمن من أهل الجَنّة، وأما الذي لم يَجُزِ المحنة فكافر حتى يُجيز المحنة.
وقال قوم آخرون: بل هما كافران حتى يجيز المحنة، فكثر الاختلاف.
1) سورة الأنبياء، الآية: 98
وخرج قطَريٌّ إلى حدود إصطَخْر، فأقام شهراً، والقومُ في اختلافهم. ثم أقبل فقال لهم صالح بن مخراق: يا قوم إنكم أقررتم عين عدوكم، وأطعمتموه فيكم بما يظهر من خلافكم فعودوا إلى سلامة القلوب، واجتماع الكلمة.
و خرج عمرو القنا - وهو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم - فنادى: يا أيها المحِلّون، هل لكم في الطَّرَاد فقد طال عهدي به ثم قال:
المّ تَرَ أنّا مذ ثلاثين ليلةً *** جَدِيبٌ وأعداءُ الكتاب على خَفْضِ
فتهايج القوم، وأسرع بعضُهم إلى بعض، وكانت الوقعة، وأبلى يومئذٍ المغيرة بن المهلّب وصار في وسط الأزارقة، فجعلت الرماح تحطُّه وترفَعُه، واعتورتْ رأسه السيوف، وعليه ساعد حديد، فوضع يده على رأسه، فلم يعمل السيف فيه شيئاً، واستنقذه فرسانٌ من الأزد بعد أن صرع، وكان الذي صَرَعه عبيدة بن هلال بن يشكر بن بكر بن وائل، وكان يقول يومئذٍ:
أنا ابن خیرٍ قومِه هلالِ *** شيخٌ على دينِ أبي بلالِ
وذاكَ دينِي آخرَ الليالي
فقال رجلٌ للمغيرة: كنّا نعجب كيف تُصْرَع، والآن نعجب كيف تنجو وقال المهلّب لبنيه: إِنَّ سَرْحَكُم لغارّ، ولست آمنهم عليه أفوكّلتم به أحداً؟ قالوا: فلم يستّمّ الكلام حتى أتاه آتٍ فقال: إن صالح بن مخراق قد أغارَ على السَّرْح، فشقّ على المهلّب، وقال: كل أمرٍ لا أليه بنفسي فهو ضائع، وتذمّر عليهم، فقال له بشر بن المغيرة: أرح نفسك، فإن كنتَ إنما تريد مثلك فوالله ما يعدِل خيرُنا شِسْعَ نعلك، فقال: خذوا عليهم الطريق، فبادر بشر بن المغيرة، ومدرك والمفضّل ابنا المهلّب، فسبق بشر إلى الطريق، فإذا رجل أسود من الأزارقة يَشُلّ الشرح، وهو يقول:
نَحْن قَمعناكمْ بشلِّ السَّرْحِ *** وَقَدْ نَكَأَنَا الْفَرْحَ بَعْدَ القَرْحِ
ولحقه المفضّل ومدرك، فصاحا برجل من طيّىء: اكفِنا الأسود، فاعتوره الطائيّ وبشر بن المغيرة فقتلاه، وأسَرَا رجلاً من الأزارقة من هَمْدان، واستردا السِّرْح.
قال: وكان عيّاش الكنديّ شجاعاً بئيساً، فأبلى يومئذ، فلما مات على فراشه بعد ذلك قال: المهلّب: لا وألت نفسُ الجبان بعد عيّاش! وقال المهلّب: ما رأيت تالله كهؤلاء القومِ كلما انتقص منهم يزيد فيهم!.
ووجّه الحجاج رجلين إلى المهلّب يستحثّانه بالقتال: أحدهما من كَلْب، والآخر من سُلَيم، فقال المهلّب متمثّلاً بشعر لأوس بن حَجَر:
ومستعجِبٍ مما يرى من أنَاتِنَا *** وَلَوْ زَيَنَتْهُ الحربُ لَمْ يَتَرَمْرَم
فقال المهلّب ليزيد ابنه: حَرّك القوم، فحركهم فتهايَجُوا، وذلك في قرية من قرى إصطخر، فحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحاب المهلّب وطعنه، فشكّ فخذِه بالسَّرْج، فقال المهلّب للسُّلميّ والكلبيّ: كيف يُقَاتَل قوم هذا طعنهم! وحمل يزيد عليهم، وقد جاء الرقاد - وهو من فرسان المهلب - وهو أحد مالك بني بن ربيعة، على فرس له أدْهم، وبه نَيّف وعشرون جِراحة، وقد وضع عليها القُطْن، فلما حمل يزيد ولّى الجمع، وحَمَاهم فارسان منهم، فقال يزيد لقيس الخُشَنيّ، مولى العتيِك: مَنْ لهذين؟ قال: أنا، فحمل عليهما، فعطف عليه أحدهما فطعَنه قيس فصرعه، وحمل عليه الآخر فتعانقا، فسقطا جميعاً إلى الأرض، فصاح قيس الخشنيّ: اقتلونا جميعاً، فحملت خيل هؤلاء وخيل هؤلاء، فحجزُوا بينهما، فإذا مُعانِق قيس امرأة، فقام قيس مستخيِباً، فقال له يزيد: يا أبا بشر، أمّا أنتَ فبارزتها على أنّها رجل فقال: أرأيت لو قُتِلْتُ، أما كان يقال: قتلته امرأة! وأبلى يومئذٍ ابن المنجب السّدُوسيّ، فقال غلام له يقال له خِلاج: والله لوددنا أنا فَضَضْنا عسكرهم حتى نصيرَ إلى مستقرّهم، فأستلِب مما هناك جاريتين. فقال له مولاه ابن المنجب: وكيف تمنّيت ويحك اثنتين! فقال: لأعطيَك إحداهما! وآخذ الأخرى، فقال ابن المنجب:
أخلاجُ إنكَ لَنْ تعانِقَ طِفْلَةٌ *** شَرِقاً بها الجاديّ كالتَّمْثال
حَتَّى تلاقيَ في الكَتِيبة مُعْلِماً *** عَمْرو القَنَا وعبيدة بن هلالِ
وترى المقعْطَر في الفَوَارِس مقدِماً *** في عُصْبَةٍ نَشِطُوا عَلَى الضَّلالِ
أو أنْ يعلْمَك المهلّب غَزْوَهُ *** وَتَرى جبالاً قد دَنَتْ لِجِبال
قال: وكان بدر بن الهُذيل من أصحاب المهلّب شجاعاً، وكان لَحانه، كان إذا أحسَّ بالخوارج ينادي: «يا خيلِ الله ارْكَبِي»، وإليه يشير القائل:
وَإِذَا طَلَبْتَ إِلَى المهلّب حَاجَةٌ *** عَرَضَتْ توابعُ دونَهُ وعَبِيدُ
العبد كُرْدُسٌ ويَدرّ مثلُه *** وعلاجُ باب الأحمرين شَدِيدُ
قال: وكان بشر بن المغيرة بن أبي صُفرة أبلى يومئذ بلاء حسناً عُرف مكانه فيه، وكانت بينه المهلّب جَفْوة، فقال لبنيه: يا بني عمّ، إني قد قصرت عن شَكاةِ العاتب، وجاوزتُ شَكَاة المستعتِب، حتى كأني لا موصول ولا محروم، فاجعلوا لي فُرْجَةً أعيش بها، وهبوني امرأ رجوتم نصره، أو خفتم لسانه. فرجعوا له ووصلوه، وكلّموا فيه المهلّب، فوصله.
وولّى الحجاج كَرْدماً فارس، ووجّهه إليها والحرب قائمة، فقال رجل من أصحاب المهلّب:
وَلَوْ رَآها كَرْدَمٌ لكَرْدَمَا *** كَرْدَمَةَ الْعَيْر أحسَّ الضَّيْغَمَا
فكتب المهلّب إلى الحجّاج يسأله أنْ يتجافَى له عن إصطخر ودَارا بجرد لأرزاق الجند، ففعل. وقد كان قطريّ هدم مدينة إصطخر، لأن أهلها كانوا يكاتِبون المهلب بأخباره، وأراد مثل ذلك بمدينة فَسا، فاشتراها منه آزاد مَرْد بن الهِريذ بمائة ألف درهم فلم يهدمها. فواقعه وجهُ المهلّب فهزمه، فنفاه إلى كِرْمان، وأتبعه المغيرة ابنه، وقد كان دفع إليه سيفاً وجّه به الحجاج إلى المهلّب، وأقسم عليه أن يتقلده، فدفعه إلى المغيرة بعدما تقلده، فرجع به المغيرة إليه وقد دماه، فسر المهلّب، وقال: ما يسرُّني أن يكونَ كنت دفعته إلى غيرك من ولدي، وقال له: اكفني جباية خراج هاتين الكورَتَيْن، وضم إليه الرّقاد، فجعلا يَجْيبان، ولا يعطيان الجند شيئاً، ففي ذلك يقول رجل من بني تميم في كلمة له:
وَلَوْ عَلِم ابنُ يُوسُف ما يلاقِي *** من الآفاتِ والكُرَب الشِّدادِ
لفاضت عينُه جَزَعاً علينا *** وأصلح ما استطاع مِن الفسَادِ
الا قلْ لِلأمير جُزِيتَ خَيْراً *** ارِحْنَا مِنْ مُغِيرَة والرُّقادِ
فما رزق الجنودَ بهم قفيزاً *** وقد سَاسَتْ مطامِيرُ الحَصَادِ
أي وقع فيها الوس.
قال: ثم حاربهم المهلّب بالسِّيرَجان حتى نفاهم عنها إلى جِيرَفْت واتبعهم ونزل قريباً منهم. ثم اختلفت كلمة الخوارج، وكان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اتُّهم بامرأة رجل نَجّار رأوه يدخل مراراً إليها بغير إذن، فأتى قَطَرِيّاً فذكروا ذلك له، فقال لهم: إن عبيد من الدِّين بحيثُ علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، فقالوا: إنّا لا نقارّ على الفاحشة، فقال: انصرفوا ثم بعث إلى عبيدة، فأخبره، وقال له: أنا لا أقارّ على الفاحشة. فقال: بهَتُوني يا أمير المؤمنين فما ترى؟ قال: إني جامع بينك وبينهم، فلا تخضَعْ خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاولُ البريء، فجمع بينهم، فتكلموا، فقام عبيدة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ»(1)حتى تلا الآيات، فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه، وقالوا: استغفِر لنا. ففعل، فقال عبدُ ربه الصغير مولَى بني قيس بن ثعلبة: والله لقد خدعَكم، فتابَعَ عبد ربّه منهم ناس كثير، ولم يظهروا، ولم يجدوا على عَبيدة في إقامة الحدّ ثبتاً.
وكان قَطَرِيّ قد استعملَ رجلاً من الدَّهاقين، فظهرت له أموال كثيرة، فأتوا قَطَرِيًّا فقالوا: إنّ عمر بن الخطاب لم يكن يُقارّ عماله على مثل هذا، فقال قَطَرِي: إنِّي استعملتُه وله ضياع
1) سورة النور، الآية: 11
وتجارات، فأوغَرَ ذلك صدورَهم، وبلغ المهلّبَ ذلك، فقال: اختلافهم أشدُّ عليهم مِنّي، ثم قالوا لقَطَريّ: إلا تخرج بنا إلى عَدُوّنا؟ فقال: لا، ثم خرج فقالوا: قد كَذَبَ وارتدّ فاتبعوه يوماً، فأحسّ بالشرِّ، ودخل داراً مع جماعة من أصحابه، فاجتمعوا عليه وصاحوا: اخرج إلينا يا دابة، فخرج إليهم، فقال: أرجعتم بَعْدِي كفاراً! قالوا: أولستَ دابة قال الله تعالى: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا»(1)، ولكنّك قد كَفَرْت بقولك: «إنا قد رَجَعْنا كفاراً»، فتب إلى الله. فشاور عبيدة في ذلك، فقال له: إن تبتَ لم يقبلوا منك، فقل: إنِّي استفهمت فقلت: «أرجعتم بعدي كفاراً؟» فقال لهم ذلك، فقبلوا منه، فرجع إلى منزله.
ومنهم عبد ربِّه الصغير، أحد موالي قيس بن ثعلبة.
لما اختلفت الخوارج على قطَريّ بايعه منهم جمع كثير، وكان قَطَرِيٌّ قد عزم على أن يبايع للمقعطر العبديّ، ويخلع نفسَه، فجعله أمير الجيش في الحرب قبل أن يعهدَ إليه بالخلافة، فكرهه القوم وأبوْه، وقال صالح بن مخراق عنهم وعن نفسه: ابغ لنا غير المقعطَر، فقال لهم قَطَريّ: إنّي أرى طولَ العهد قد غيّركم، وأنتم بصدد عدوّ، فاتقوا الله وأقبِلوا على شأنكم واستعدّوا للقاء القوم، فقال صالح: إنّ الناس قبلنا قد سألوا عثمان بن عفان أن يعزِل سعيد بن العاص عنهم ففعل. ويجب على الإمام أن يُعفِيَ الرعيّة مما كرِهَتْ. فأبى قَطَرِيّ أن يعزل المقعطر، فقال له القوم: فإنا قد خلعناك وبايعنا عبد ربه الصّغير - وكان عبد ربّه هذا مُعلِّمَ كتاب، وكان عبد ربّه الكبير بائع رمان: وكلاهما من موالي قيس بن ثعلبة - فانفصل إلى عبد ريِّه الصغير أكثر من شَطْرِهم: وجلُّهم الموالي والعجم، وكان منهم الموالي والعجم، وكان منهم هناك ثمانية آلاف وهم القرّاء، ثم ندم صالح بن مخراق، وقال القَطَرِيّ: هذه نفخة من نفخات الشيطان فأعفِنا من المقعطر، وسِرْ بنا إلى عدونا وعدوّك، فأبى قطريّ إلا المقعطر، وحمل فتَى من الشُّرَاة على صالح بن مخراق، فطعنه فأنفذه، وأوجرَه الرمح.
فنشبت الحرب بينهم، فتهايجوا. ثم انحاز كلّ قوم إلى صاحبهم، فلما كان الغد اجتمعوا فاقتتلوا، فأجلَتِ الحرب عن الَفْي قتيل، فلما كان الغد عاودوا الحرب، فلم ينتصف النهار حتى أخرجت العجم العربَ عن المدينة، فأقام عبد ربه بها، وصار قَطَرِيٌّ خارجاً من مدينة جِيرفْت بإزائهم، فقال له عبيدة بن هلال: يا أمير المؤمنين، إن أقمتَ لم آمن هذه العبيد عليك، إلا أن تخندقّ على نفسك، فخندَق على باب المدينة وجعل يُناوشهم، وارتحل المهلّب، وكان منهم على ليلة، ورسول الحجاج معه يستحثّه، فقال له: أصلح الله الأمير عاجِلْهم قبل أن
1) سورة هود الآية: 6
يصطلحوا، فقال المهلّب: إنّهم لن يصطلحوا، ولكن دَعْهم فإنهم سيصيرون إلى حال لا يفلِحون معها، ثم دسّ رجلاً من أصحابه، فقال: انت عسكر قَطَرِيّ، فقل: إني لم أزل أرى قَطَرِيًّا يصيب الرأي، حتى نزل منزله هذا، فظهر خطؤه: أيقيم بين المهلّب وعبد ربّة، يغاديه القتال هذا، ويراوحه هذا فنُمِيَ الكلام إلى قَطريّ فقال: صدق: تنحّوْا بنا عن هذا الموضع، فإن اتّبعَنا المهلّبُ قاتلناه، وإن أقام على عبد ربِّه رأيتم فيه ما تحبُّون.
فقال له الصّلت بن مرة: يا أميرَ المؤمنين، إن كنت إنما تريد الله فأقْدِمْ على القوم، وإن كنت إنما تريد الدنيا فأعلم أصحابك حتى يستأمنوا، ثم قال:
قُلْ للمحِلّين قد قَرّتْ عيونُكُمْ ٭٭٭ بفرقَةِ القوم والبغضاء والهَرَبِ
كنّا أناساً على دين فغيّرَنَا ٭٭٭ طولُ الجِدَالِ وخَلْطُ الجِد باللعبِ
ما كان أغنى رجالاً قَلّ جيشُهم ٭٭٭ عن الجِدَالِ وأغناهم عن الخُطَبِ
إنّي لأهونُكُم في الأرض مضطرَباً ٭٭٭ مالي سوى فرسِي والرُّمح من نَشَب(1)
ثم قال: أصبح المهلّب يرجو منّا ما كنا نطمع منه فيه.
وارتحل قَطريّ، وبلغ ذلك المهلّب، فقال لهُزَيم بن أبي طَحْمَة المجاشعيّ: إني لا آمن أن يكونَ كاذباً بترك موضعه، اذهب فتعرّف الخبَر، فمضى الهُزَيم في اثني عشر فارساً، فلم يَرَ في المعسْكر إلا عبداً وعِلْجاً مريضين، فسألهما عن قَطَرِيّ وأصحابه، فقالا: مضوْا يرتادون غير هذا المنزل، فرجع هُزيم إلى المهلّب، فأخبره، فارتحل حتى نزلَ خندق قطريّ، فجعل يقاتل عبدَ ربِّه أحياناً بالغداة، وأحياناً بالعَشِيِّ، فقال رجل من سَدُوس، يقال له المعتق، وكان فارساً:
ليت الحرائرَ بالعراق شَهِدْنَنَا ٭٭٭ ورأينَنَا يالسّفْح ذي الأجبالِ
فنكحن أهل الجِدّ من فرساننا ٭٭٭ والضاربين جَماجم الأبطالِ
ووجّه المهلّب يزيدَ ابنَه إلى الحجاج يخبره بأنه قد نزل منزل قَطَرِيّ، وأنه مقيم على عبد ربِّه، ويسأله أن يوجِّه في أثر قطَرِيّ رجلاً جَلْداً. فسرّ بذلك الحجاج سروراً أظهره. ثم كتب إلى المهلّب يستحثّه لمناجزة القوم مع عبيد بن موهب:
أما بعد، فإنّك تتراخَى عن الحرب حتى تأتيَك رُسُلي فيرجعون بعذْرِك، وذلك أنك تُمسِك تَبرأ الجراح، وتُنْسي القتلى، وتحملَ الكالَ ثم تلْقاهم، فتحمل منهم ثَقَلَ ما يحتملون منك من وَحْشة القتل، وألم الجراح، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حُسِم، والقَرْن قد
1) النشب المال. اللسان، مادة (نشب)
قُصِم، ولعمري ما أنت والقوم سواء، لأنّ مِنْ ورائك رجالاً، وأمامك أموالاً، وليس للقوم إلا ما نعهد، ولا يُدْرَك الوجيفُ بالدبيب، ولا الظفر بالتعذير.
فلما ورد عليه الكتاب، قال لأصحابه: يا قوم إن الله قد أراحكم من أمور أربعة: قطريّ بن الفجاءة، وصالح بن مخراق، وعبيدة بن هلال، وسعد بن الطلائع، وإنما بين أيديكم عبد ربِّه الصغير في خُشار(1)من خُشار الشيطان، تقتلونهم إن شاء الله تعالى.
فكانوا يتَغَادوْن القتال ويتراوحون، فتصيبهم الجِراح، ثم يتحاجزون، فكأنما انصرفوا عن مجلس كانوا يتحدّثون فيه، يضحك بعضهم إلى بعض، فقال عبيد بن موهب للمهلّب: قد بان عذرُك، فاكتب فإني مخبرٌ الأمير.
فكتب إلى الحجاج:
أما بعد، فإني لم أعطِ رُسُلَك على قول الحقّ أجراً، ولم أحتجْ منهم عن المشاهدة إلى تلقينٍ. ذكَرتَ أني أجمُّ القوم، ولا بدّ من وقت راحةٍ يستريح فيه الغالب، ويحتالُ فيه المغلوب، وذكرت أنّ في الجِمام ما ينسى القتلى، وتبرأ منه الجراح، وهيهات أن يُنْسَى ما بيننا وبينهم! تأبَى ذلك قَتْلَي لم تُجَنّ، وقُروح لم تتقرّف، ونحن والقوم على حالة، وهم يرقبون مِنّا حالاتٍ، إن طمعوا حاربوا، وإن مَلِّوا وقفوا، وإن ينسوا انصرفوا. وعلينا أن نقاتلَهم إذا قاتلوا، ونتحرّز إذا وقفوا، ونطلب إذا هربوا، فإن تركتَني والرأي، كان القَرْنُ مقصوماً والداءُ بإذن الله محسوماً، وإن أعجلتَني لم أبغكَ ولم أعصِك، وجعلتُ وجْهي إلى بابك وأعوذُ بالله من سَخَطِ الله ومَقْتِ الناس.
قال: ولما اشتدّ الحصار على عَبْد ربِّه، قال لأصحابه: لا تفتقِروا إلى مَنْ ذهب عنكم من الرجال، فإنّ المسلم لا يفتقر مع الإسلام إلى غيره، والمسلم إذا صحّ توحيدُه عَزّ بربِّه وقد أراحكم الله من غِلْظة قطَرِيْ، وعجلة صالح بن مخراق ونخوته، واختلاط عبيدة بن هلال، ووكَلَكم إلى بصائركم، فالقَوْا عدوّكم بصبر ونيّة، وانتقِلوا عن منزلكم هذا، فمن قُتل منكم قتل شهيداً، ومن سَلِم من القتل فهو المحروم.
قال: وورد في ذلك الوقت على المهلّب عبيدُ بن أبي رَبيعة بن أبي الصَّلت الثَّقَفِيّ من عند الحجاج، يستحثُّه بالقتال، ومعه أمينان، فقال للمهلّب: خالفتَ وصيّة الأمير، وآثرت المدَافعة والمطاولة. فقال له المهلّب: والله ما تركتُ جهداً.
فلما كان العشيّ خرجت الأزارقة، وقد حملوا حريمهم وأموالهم، وخِفَّ متاعِهم لينتقلوا،
1) خشارة الناس سفلتهم. اللسان، مادة (خشر)
فقال المهلّب لأصحابه: الزموا مَصافّكم، وأشرِعوا رماحكم، ودعوهم والذّهاب فقال له عُبَيْدة بن أبي ربيعة: هذا لعمري أيسر عليك، فغضب وقال للناس: ردُّوهم عن وجههم، وقال لبنيه: تفرقوا في الناس، وقال لُعبيدة بن أبي ربيعة: كُنْ مع يزيد، فخذه بالمحاربةِ أشدّ الأخذ، وقال لأحد الأمينيْن: كن مع المغيرة، ولا تُرَخّصْ له في الفُتور.
فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى عُقرت الخيل، وصُرع الفرسان، وقُتِلت الرَّجّالة، وجعلت الخوارج تقاتل عن القَدَح يؤخذ منها، والسَّوْط والعَلَف والحشيش أشدّ قتال.
وسقط رمحٌ لرجل من مُراد، من الخوارج، فقاتلوا عليه حتى كَثُر الجراح والقتل، وذلك مع المغرِبِ، والمراديّ يرتجز، ويقول:
الليلُ ليلٌ فيه وَيْلٌ وَيْلُ ٭٭٭ قَدْ سَالَ بالقوم الشّراةِ السّيْلُ
إن جاز للأعداء فينَا قَوْلُ
فلما عظُم الخطب في ذلك الرمح بعث المهلّب إلى المغيرة: خَلّ لهم عن الرمح، عليهم لعنة الله! فخلّوا لهم عنه، ومضت الخوارج، فنزلت على أربعة فراسخ من جِيرَفْت، فدخلها المهلّب، وأمر بجمع ما كان لهم من متاع، وما خلّفوه من دقيق، وجَثَم عليه هو والثقفيّ والأمينان، ثم اتبعهم فوجدهم قد نزلُوا على ماء وعين لا يشرب منها أحد إلا قويّ يأتي الرجل بالدلو قد شَدَّها في طرف رمحه فيستقي بها، وهناك قرية فيها أهلُها، فغاداهم القتال، وضمّ الثقفيَّ إلى ابنه يزيد، وأحدَ الأمينين إلى المغيرة، فاقتتل القوم إلى نصف النهار.
وقال المهلّب لأبي علقمة العبديّ - وكان شجاعاً، وكان عاتياً هازلاً -: أمددنا يا أبا علقمة بخيل الْيَحْمَد، وقل لهم: فليعيُرونا جماجمهم ساعة، فقال: أيُّها الأمير، إن جماجِمهم ليست بفخّار فتُعار، ولا أعناقُهم كَرَادِيَ(1)فتنبت.
وقال لحبيب بن أوس: كُرّ على القوم، فلم يفعل، وقال:
يقول ليَ الأميرُ بغير علمٍ ٭٭٭ تَقَدَّمْ حين جَدَّ به المِرَاسُ
فمالي إن أطعتُك منْ حياةٍ ٭٭٭ ومالِيَ غيرَ هذا الرأس رَاسُ
وقال لمْعن بن المغيرة بن أبي صُفْرة: احمِلْ، فقال: لا، إِلّا أنْ تزوِّجَنِي ابنتك أمّ مالك، فقال: قد زوَجتُك، فحمل على الخوارج فكشفهم، وطعن فيهم، وقال:
لَيْتَ مَنْ يَشْتري الحياة بمالٍ ٭٭٭ مَلكَةً كان عندنا فَيَرانا
نصِلُ الكَرَّ عند ذاكَ بطعْنٍ ٭٭٭ إنّ للموتِ عندنا ألواناً
1) الكرد: هو أصل العنق. اللسان، مادة (كرد)
قوله: «مَلْكَةً»، أي تزويجاً ونكاحاً.
قال: ثم جال الناس جولةً عند حَمْلةٍ حَمَلَها عليهم الخوارج، فالتفت المهلّب، فقال للمغيرة ابنه: ما فعل الأمينُ الذي كان معك؟ قال: قُتِل وهرب الثقفيّ، فقال ليزيد: ما فعل عُبيد بن أبي ربيعة؟ قال: لم أره منذ كانت الجوْلة، فقال الأمين الآخر للمغيرة: أنت قتلتَ صاحبي، فلما كان العشيّ رجع الثقفيّ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة:
ما زلتَ يا ثَقَفِيّ تخطُبُ بيننا ٭٭٭ وتُغُمُّنَا بوَصيّةِ الحجّاجِ
حتى إذا ما الموتُ أقبل زَاخِراً ٭٭٭ وَسَقَى لَنَا صِرْفاً بغيرِ مِزاج
وَلَّيْتَ يا ثقفيٌّ غَيْر مناظِرٍ ٭٭٭ تنساب بين أحِزَّةِ وفجَاجِ
ليست مقارعةُ الكُماة لَدَى الوغى ٭٭٭ شُرْبَ المُدامة في إناء زُجاج
فقال المهلّب للأمين الآخر: ينبغي أن تتوجّه مع ابني حبيب في ألف رجل، حتى تبيِّتُوا عسكرهم، فقال: ما تريد أيها الأمير إلّا أن تقتلَني كما فعلت بصاحبي! فضحك المهلّب وقال: ذاك إليك. ولم يكن للقوم خنادق، فكان كلٌّ حذِراً من صاحبه، غير أنّ الطعام والعُدّة مع المهلّب، وهو في زُهاء ثلاثين ألفاً، فلما أصبح أشرف على وادٍ فإذا هو برجلٍ معه رمح مكسور مخضوب بالدم، وهو ينشد:
وإني لأُعْفِي ذَا الخِمار وصنعتِي ٭٭٭ إذا راحَ أطواءً بنيّ الأصاغرُ
أَخَادِعُهُم عنه لِيَغْبُقَ(1)دُونَهُمْ ٭٭٭ واعْلَمُ غير الظّنّ إني مغاوِرُ
كأنّي وأبدانَ السِّلَاح عشيّة ٭٭٭ يمرّ بنا في بَطنِ فَيْحَانَ طائرُ
فقال له: أتميميٌّ أنت؟ قال: نعم، قال: أحنظليّ؟ قال: نعم، قال: أيربوعيّ؟ قال: نعم، قال: أمِنْ آل نُويرة؟ قال، نعم، أنا ولد مالك بن نويرة، قال: قد عرفتك بالشِّعر.
قال أبو العباس: وذُو الخمار فرس مالك بن نويرة.
قال: فمكثوا أياماً يتحاربون ودوابُّهم مسرَجة، ولا خنادقَ لهم، حتى ضَعُف الفريقان فلما كان الليلةُ التي قُتِل في صبيحتها عَبْد رَبَّه، جمع أصحابه، فقال: يا معشرَ المهاجرين، إن قَطَرِيًّا وعبيدةَ هربا طلباً للبقاء، ولا سبيلَ إلى البقاء، فالقَوْا عَدُوّكم غداً، فإن غلبوكم على الحياة، فلا يغلِبُنّكم على الموت، فتَلَقَّوُا الرِّماح بنحوركم، والسيوف بوجوهكم، وهَبُوا أنفسكم لله في الدنيا يهبْها لكم في الآخرة.
فلما أصبحوا، غَادُوا المهلَّب، فاقتتلوا قتالاً شديداً أنْسى ما كان قَبْلَه، وقال رجل من
1) الغبق: هو شرب العشي. اللسان، مادة (غبق)
الأزد، من أصحاب المهلّب: مَنْ يُبَايِعُنِي على الموت؟ فبايعه أربعون رجلاً من الأزْد، فصُرع بعضهم، وقتِل بعضهم، وجرح بعضهم.
وقال عبد الله بن رزام الحارثيّ للمهلب: احمِلوا، فقال المهلّب: أعرابيّ مجنون - وكان من أهْلِ نَجْران - فحمل وحْده، فاخترق القوم حتى خرج من ناحية أخرى، ثم كرّ ثانية ففعل فَعْلَته الأولى، وتهايج الناس، فترجَّلت الخوارج، وعَقَروا دوابَّهم، فناداهم عمرو القَنَا - ولم يترجّل هو ولا أصحابه، وهم زهاء أربعمائة - فقال: موتوا على ظهور دوابّكم كراماً، ولا تعقِروها، فقالوا: إنّا إذا كُنّا على الدواب ذكرنا الفِرار، فاقتتلوا، ونادى المهلّب بأصحابه: الأرضَ الأرضَ! وقال لبنيه: تفرَّقوا في الناس ليروْا وجوهكم، ونادت الخوارج: ألا إنّ العيال لمنْ غَلَب، فصبَر بنو المهلّب، وقاتل يزيد بين يدي أبيه قتالاً شديداً، أبْلَى فيه، فقال له أبوه يا بنيّ، إني أرى موطناً لا ينجُو فيه إلا مَنْ صَبَر، وما مَرَّ بي يوم مثلُ هذا منذ مارستُ الحروب.
وكسرت الخوارجُ أجفانَ سيوفها، وتجاوَلُوا، فأجلت جَوْلتُهم عن عبد ربّه مقتولاً. فهرب عمرو القنا وأصحابُه، واستأمن قوم، وأجْلَت الحرب عن أربعة آلاف قتيل وجريح من الخوارج ومأسور، وأمرَ المهلّب أن يُدفَع كلُّ جريح إلى عشيرته، وظفِرَ بعسكرهم، فحوى ما فيه، ثم انصرف إلى جِيرَفْت فقال: الحمد لله الذي رَدَّنا إلى الخفضِ والدَّعة، فما كان عيشنا ذلك العيش.
ثم نظر المهلّب إلى قوم في عسكرِه ولم يعرفهم، فقال: ما أشدّ عادة السلاح! ناولْني دِرْعي، فلبِسها ثم قال: خذوا هؤلاء، فلما صيَّرهم إليه، قال: ما أنتم؟ قالوا: جئنا لنطلب غِرَّتك للفتك بك. فأمر بهم فقتلوا.
ووجه كعب بن مَعدان الأشقريّ ومرة بن بليد الأزديّ، فوردا على الحجاج، فلما طلعا عليه، تقدم كعب فأنشده:
يَا حَفْصُ إِنِّي عَدانِي عنكم السّفرُ
فقال الحجاح: أشاعر أم خطيب؟ قال: شاعر، فأنشده القصيدة، فأقبل عليه الحجاج وقال: خبِّرني عن بني المهلّب قال: المغيرة سيدُهم وفارسهم، وكفى بيزيد فارساً شجاعاً! وجوادُهم وسَخيُّهم قَبِيصة، ولا يستحِي الشجاعُ أنْ يفِرُّ من مُدْرِك، وعبدُ الملك سمّ ناقع وحَبيب مَوت ذُعاف، ومحمد ليثُ غاب، وكفاك بالفضل نَجْدة! فقال له: فكيف خلّفتَ جماعة الناس؟ قال: خلّفتهم بخير، قد أدركوا ما أمَّلوا، وأمِنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلّب فيهم؟ قال: كانوا حُمَاة السَّرْح فإذا أليلوا ففُرسان البَيات، قال: فأيُّهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحَلْقة المفرَغة، لا يُدرَي أين طرفاها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوّكم؟ قال: كنا إذا أخذْنا عفوْنا وإذا أخذوا يئسنا منهم، وإذا اجتهدنا واجتهدوا طمَعنا فيهم. قال الحجاج: إنّ
العاقبة للمتقين، فكيف أفلتَكم قَطَرِي؟ قال: كدناه وظنّ أن قد كادنا، بأن صِرْنا منه إلى التي نحبّ. قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: كان حربُ الحاضر أثرَ عندنا من اتباع الفَلّ، قال: فكيفُ كان المهلّب لكم وكنتم له؟ قال: كانَ لنا منه شفقةٌ الوالد، وله منّا برّ الولد، قال: فكيف كان اغتباطُ الناس به؟ قال: نشأ فيهم الأمن، وشَمِلهم النَّفَل، قال: أكنت أعددت لي هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: هكذا والله تكون الرجال! المهلب كان أعلَم بذلك حيث بعثَك.
هذه رواية أبي العباس.
وروى أبو الفرج في الأغاني أنّ كعباً لما أوفده المهلّب إلى الحجاج أنشده قصيدته التي أولها:
يَا حَفْصُ إني عَدَانِي عَنْكُمُ السَّفَرُ ٭٭٭ وقد سهرتُ وآذَى عينيَ السَّهَرُ
يذكر فيها حروبَ المهلّب مع الخوارج، ويصف وقائعه فيهم في بلد، وهي طويلة، ومن جملتها:
کنا نهوّن قبل اليوم شأنهمُ ٭٭٭ حتى تفاقم أمر كان يُحْتَقَرُ
لَمّا وَهَنّا وَقَدْ حَلُّوا بساحَتِنا ٭٭٭ واستنفرَ الناسُ تاراتٍ فما نَفَرُوا
نَادَى امرؤٌ لا خلافٌ في عشيرتِه ٭٭٭ عَنْه، وَلَيْسَ بِهِ عن مثله قِصَرُ
خَبُّوا كمينَهُمُ بالسَّفْح إذْ نزلوا ٭٭٭ بكازَرُون فما عَزُّوا ولا نَصَرُوا
باتَتْ كتائِبنا تَرْدِي مُسوَّمةً ٭٭٭ حَوْلَ المهلّب حتى نَوّر القمرُ
هُنَاكَ وَلَّوْا خَزَايا بَعْدَ ما هُزِمُوا ٭٭٭ وحال دونهمُ الأنهار والجُدُرُ
تأبى علينا حزازاتُ النُّفوس فما ٭٭٭ تُبْقي عَلَيْهِمْ وَلا يُبْقُونَ إِن قَدَرُوا
فضحك الحجاج، وقال: إنّك لمنصِف يا كعب، ثم قال له: كيف كانتْ حالكم مع عدوّكم؟ قال: كنّا إذا لقِيناهم بعفوِنا وعَفْوهم يئسنا منهم، وإذا لقيناهم بجِدّنا وجِدّهم طمِعْنا فيهم. قال: فكيف كان بنو المهلّب؟ قال: حماة الحرِيم نهاراً، وفُرسان الليل تيقظاً، قال: فأين السَّماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال صفْهم لي رجلاً رجلاً. قال: المغيرة فارسهم وسيِّدهم، نار ذَاكية، وصَعَدَة عالية. وكفى بيزيدَ فارساً شجاعاً! ليثُ غاب، وبحرٌ جَمّ العُباب. وجوادهم قَبيصة، ليث المَغار، وحامي الذَّمار، ولا يستحي الشجاع أن يفِرّ من مُدرِك، وكيف لا يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادِر! وعبد الملك سَمّ ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الدّعاف، طود شامخ، وبحر باذح، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام وكفاك بالمفضّل نَجْدة، ليثٌ هَدَّار وبحر مَوّازا ومحمد ليث
غاب، وحُسام ضِراب. قال: فأيّهم أفضل؟ قال: كالحلقْة المفرَغة لا يعرف طرفاها، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: لي أحسنِ حال، أرضاهم العدلُ، وأعناهم النَفَل. قال: فكيف رضاهم بالمهلّب؟ قال: أحسن رضا، لا يعدمون منه إشفاق الوالد، ولا يعدم منهم برّ الولد. وذكر تمام الحديث.
وقال: إن الحجاج أمرر له بعشرين ألف درهم، وحمله على فَرَس، وأوفده على عبد الملك، فأمر له بعشرين ألفاً أخرى.
قال أبو الفرج: وكعب الأشقريّ من شعراء المهلّب ومادحيه، وهو شاعر مجيد. قال عبد الملك بن مروان للشعراء: تُشبّهونني مرةً بالأسد، ومرة بالبازي، ألا قلتم كما قال كعب الأشقري للمهلب وولده:
بَرَاكَ اللّهُ حِين بَرَاكَ بَحْراً ٭٭٭ وَفَجَّرَ مِنْكَ أنْهاراً غِزَارا
بَنُوكَ السابِقونَ إلى المعالي ٭٭٭ إذا ما أعظمَ النَّاسُ الخِطَارا
كأنهمُ نجومٌ حَوْلَ بَدْرٍ ٭٭٭ تكمَّل إذا تكمَّل فاستدارا
مُلوكٌ ينزِلُون بكُلِّ ثَغرٍ ٭٭٭ إذا ما الهامُ يَوْمَ الرَّوْع طارا
رِزَانٌ في الخطوب تَرَى عليهم ٭٭٭ من الشَّيْخ الشمائل والنِّجَارا
نجومٌ يُهتدَى بهمُ إذا ما ٭٭٭ أخُو الغَمَرات في الظلماء حارا
قال أبو الفرح، وهذا الشعر من قصيدة لكعب، يمدح بها المهلّب، ويذكر الخوارج ومنها:
سَلُوا أهلَ الأباطحِ مِنْ قُرَيْشٍ ٭٭٭ عن المجدِ المؤثّلِ أيْنَ صَارَا
لَقَوْمُ الأَزْدِ في الغمرات أمضَى ٭٭٭ وأوفى ذمَّةً وأعزّ جارا
هُمُ قادُوا الجياد عَلَى وجاها ٭٭٭ من الأمصار يقذفن المِهارا
إلَى كِرْمَانَ يَحْمِلْنَ الْمَنايَا ٭٭٭ بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ يُوقِدْنَ نَارًا
شوازب ما أصبنا الثار حتى ٭٭٭ رددها مكلّمةً مرارا
غَدَاة تركْنَ مَصْرَعَ عَبْدِ رَبِّ ٭٭٭ نَثَرْنَ عليه مِنْ رَهْجٍ غُبارا
ويوم الزّحْفِ بالأهوازِ ظلْنا ٭٭٭ نُرَوِّي منهمُ الأسَلَ الحِرَارا(1)
فقرّت أعينٌ كانت حَزِيناً ٭٭٭ قليلاً نومُها إلا غِرارا
ولولا الشيخُ بالمِصْرَينِ يَنْفِي ٭٭٭ عدوّهُمُ قد نزلُوا الدِّيارا
ولكنْ قارعَ الأبطال حتَّى ٭٭٭ أصابوا الأمْنَ واحْتَلّوا القَرَارا
1) الأسل: الرماح. اللسان، مادة (أسل)
إذا وَهَنُوا وَحَلّ بهمّ عَظِيمٌ ٭٭٭ يَدُقّ العظمَ كانَ لهم جُبَارا
وَمُبْهَمةٍ يحيدُ الناسُ عنها ٭٭٭ تَشُبّ الموت شدّ لها إزارا
شهابٌ تنجلي الظلماء عنه ٭٭٭ يَرَى في كلِّ مُظْلِمَةٍ منارا
براكَ الله حينَ بَرَاكَ بَحْراً ٭٭٭ وفجّر منك أنهاراً غِزارا
الأبيات المتقدمة.
قال أبو الفرج: وحدّثني محمد بن خلف وكيع، بإسناد ذكره، أنّ الحجّاجَ لما كتب إلى المهلّب يأمُره بمناجزة الخوارج حينئذٍ، ويستبطئه، ويضعّفه ويعجِّزِه من تأخيره أمرهم ومطاولته لهم، قال المهلّب لرسوله قل له: إنما البلاء أن يكون الأمر لمن يملكه، لا لمن يعرفه، فإن كنتَ نصبَتني لحربَ هؤلاء القوم - على أن أدبّرها كما أرى، فإذا أمكنتْنِي فرصة انتهزتها، وإن لم تمكنّي توقفت - فأنا أدبِّر ذلك بما يصلحه، وإن أردت أن أعملَ برأيك وأنا حاضر وأنت غائب - فإن كانَ صواباً فلك، وإن كان خطأ فعليّ - فابعثْ مَنْ رأيتَ مكاني، وكتب من فَوْرِه بذلك إلى عبد الملك، فكتب عبدُ الملك إلى الحجّاج: لا تعارض المهلّب فيما يراه، ولا تُعجله ودَعْه يدبِّر أمره.
قال: وقام كعب الأشقريّ إلى المهلب، فأنشده بحضرة رسول الحجاج:
إنّ ابنَ يوسفَ غَرّه من أمركُمْ ٭٭٭ خَفْضُ المُقام بجانب الأمصارِ
لو شهدَ الصَّفَيْن حيثُ تلاقَيَا ٭٭٭ ضاقتْ عليه رَحِيبَةُ الأقطار
من أرض سابورِ الجنود وخيلُنا ٭٭٭ مثلُ القداح بَرَيْتَهَا بشِفارِ
من كلّ صنديدٍ يُرى بلبانِه(1)٭٭٭ وَقْعُ الظُّباة مع القَنا الخَطَّار
لَرَأَى مُعاوَدَة الرِّبَاعِ غَنِيمةٌ ٭٭٭ أزمانَ كان محالفَ الإقتار
فدع الحروب لشِيبها وشبَابها ٭٭٭ وعليك كلّ غريرةٍ مِعْطار
فبلغت أبياتُه الحجاج، فكتب إلى المهلّب يأمره بإشخاص كعبٍ الأشقريّ إليه، فأعلم المهلّب كعباً بذلك، وأوفده إلى عبد الملك من ليلته، وكتب إليه يستوهبهُ منه، فقدم كعب على عبد الملك برسالة المهلّب، فاستنطقه فأعجبه، وأوفدَه إلى الحجاج، وكتب إليه يُقسم عليه أن يصفحَ، ويعفو عَمّا بَلَغَه من شعره، فلما دخلَ قال: إيه يا كعب!
لَرأَي مُعَاوَدَة الرِّبَاع غنيمة
فقال: أيها الأمير، لودِدْتُ في بعض ما شاهدتُه من تلك الحروب، وما أورَدَناه المهلّب من
1) اللبان: الصدر وقيل: وسطه وقيل: ما بين الثديين، اللسان، مادة (لبن)
خطرها، أنْ أنْجُوَ منها وأكون حجّاماً أو حائكاً، قال: أولَى لك! لولا قَسَمُ أمير المؤمنين ما نفعك ما تقول، الحَقْ بصاحبك، وردّه إلى المهلب.
قال أبو العباس: وكان كتاب المهلّب إلى الحجاج، الذي بشره فيه بالظفر والنصر:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الكافي بالإسلام فَقْدَ ما سواه، الحاكم بألّا ينقطع المزيد من فضله حتى ينقطعَ الشكر من عباده، أما بعد:
فقد كان من أمرنا ما قد بلَغك، وكُنّا نحنُ وعدُّونا على حالْين مختلفْين، يسرّنا منهم أكثر مما يسوءنا، ويسوءهم مِنّا أكثر مما يسرّهم، على اشتداد شوكتهم، فقد كان عَلا أمرُهم حتى ارتاعت له الفتاة، ونُوّم به الرضيع، فانتهزتُ الفرصة منهم في وقت إمكانها، وأدنَيتُ السّواد من السواد، حتى تعارفت الوجوه، فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجلَه، فقُطِعَ دابرُ القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين.
فكتب إليه الحجاج:
أمّا بعد، فقد فعل الله بالمسلمين خَيْراً، وأراحهم من بأسِ الجلاد، وثِقَلٍ الجهاد، ولقد كنت أعلم بما قِبَلك، فالحمدُ الله رب العالمين، فإذا وَرَدَ عليك فاقْسِم في المجاهدين فيْهم وَنَفَّل الناس على قدر بلائهم، وفَضّل مَن رأيت تفضيلَه، وإن كانت بقيَت من القوم بقية فخلِّف خيلاً تقوم بإزائهم، واستعمِلْ على كِرمان مَنْ رأيت، وَولّ الخيل شَهْماً من ولدك، ولا ترخّص لأحدٍ في اللحاق بمنزلة دون أن تَقْدُم بهم عليّ، وعجّل القدوم إن شاء الله.
فولّى المهلب يزيد ابنه كرْمان، وقال له: يا بنيّ، إنّك اليومَ لست كما كنت، إنما لك من كرْمان ما فَضَل عن الحجّاج، ولن تحتمل إلا عَلَى ما احتمل عليه أبوك، فأحْسِنُ إلى مَنْ تبعك، وإن أنكرتَ من إنسان شيئاً فوجّه إليّ، وتفضّل على قومك، إن شاء الله.
ثم قدم المهلب على الحجاج، فأجلَسه إلى جانبه، وأظهر بِرّه وإكرامه، وقال: يا أهل العراق، أنتم عَبيدُ قِنِّ للمهلب، ثم قال: أنت والله كما لقِيط:
فَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لله دَرُّكُمُ ٭٭٭ رَحْب الذِّرَاع بأمْرِ الحرْب مُضْطَلِعا
لا يطعَم النومَ إلا رَيْثَ(1)يبعثُه ٭٭٭ هَمٌّ يكاد حشاه يَقْصِمُ الضِّلعا
لا مترَفاً إن رخاءُ العيش ساعَدَهُ ٭٭٭ ولا إذا عضّ مکروهٌ بهِ خَشَعَا
ما زال يحلب هذا الدّهرَ أشْطُرَهُ ٭٭٭ يكون متَّبِعاً طوراً ومُتَّبَعا
1) الريث: الإبطاء. اللسان، مادة (ريث)
حَتى استمرّتْ عَلَى شَررٍ مَرِيرَتُه ٭٭٭ مستحكم الرَّأي لا قَحْماً وَلَا ضَرَعاً
وروى أنه قام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير! والله لكأني أسمع الساعة قطَريًّا وهو يقول لأصحابه: المهلب والله كما قال لقيط الإياديّ، ثم أنشد هذا الشعر. فسُرّ الحجاج حتى امتلأ سروراً، فقال المهلب: أما والله ما كُنّا أشدّ من عدوّنا ولا أحَدّ، ولكن دَمَغَ الحقّ الباطله وقهرتِ الجماعة الفتنة، والعاقبة للمتقين، وكان ما كرهْنَاه من المطاولة خَيراً لنا مما أحببناه من المعاجلة.
فقال الحجاج: صدقت، اذْكر لي القوم الّذين أبْلَوْا، وصف لي بلاءهم، فأمر الناس فكتبوا ذلك إلى الحجاج، فقال لهم المهلب: ما ذَخَرَ الله لكم خيرٌ لكم من عاجل الدنيا إن شاء الله، فذكرهم المهلب على مراتبهم في البلاء، وتفاضلهم في الغَنَاء، وقدّم بنيه: المغيرة ويزيد، ومدركاً، وحبيبِاً، وقَبيصة، والمفضّل، وعبد الملك، ومحمداً، وقال: والله لو واحد يقدمُهم في البلاء لقدَّمتهُ عليهم، ولولا أنْ أظلِمهم لأخرّتُهم. فقال الحجاج: صدقت، وما أنت أعلم بهم مني، وإن حضرتَ وغبتُ إنهم لسيوفٌ من سيوف الله. ثم ذكر مَعن بن المغيرة والرّقاد وأشباههما.
فقال الحجاج: مَن الرُّقاد؟ فدخل رجل طويل أجْنا(1)، فقال المهلب: هذا فارس العرب فقال الرُّقاد للحجاج: أيها الأمير، إني كنت أقاتِل مَعَ غير المهلب فكنت كبعض الناس، فلما صرتُ مع مَنْ يُلزِمني الصبر، ويجعلني أسوةَ نفسه وولِده، ويجازيني على البلاء، صرت أنا وأصحابي فُرساناً.
فأمر الحجّاج بتفضيل قوم على قوم على قدرِ بلائهم، وزاد ولد المهلّب ألفيْن الفيْن، وفعل بالرُّقاد وبجماعة شبيهاً بذلك.
وقال يزيد بن حَبْنَاءَ من الأزارقة:
دَعِي اللَّوْمَ إِنَّ الْعَيْشَ ليس بدائِم ٭٭٭ ولا تعجلي باللّوْم يا أمِّ عاصِم
فإنْ عَجِلتْ منك الملامةُ فاسمعِي ٭٭٭ مقالةَ مَعْنِيٍّ بحقِّكِ عَالِمِ
ولا تعذُلينا في الهَدِيّة إنما ٭٭٭ تكونُ الهدايا من فُضُول المغانم
وليس بمُهْدٍ مَنْ يكون نهارِهُ ٭٭٭ جِلاداً، ويُمسي ليلُه غيرَ نائمِ
يُرِيد ثوابَ الله يوماً بطعْنَةٍ ٭٭٭ غَمُوسٍ كَشِدْقِ العنبريّ ابن سالِم
أَبِيتُ وَسِرْبَالي دِلَاصٌ(2)حَصِينَةٌ ٭٭٭ وَمَغْفِرُها، والسَّيْفُ فوقَ الحيازِمِ
حلفتُ برب الواقِفِين عَشِيَّةً ٭٭٭ لدى عَرَفَاتٍ حَلْفَةً غيرَ آثِم
لقد كانَ في القوم الذين لقيتُهُمْ ٭٭٭ بِسَابُورَ شغلٌ عن بُزوز اللَّطَائِمِ
تَوَقّدُ في أيديهُمُ زاعِبيَّةٌ ٭٭٭ وَمُرْهَفَةٌ تَفْرِي شُؤون الجماجِمِ
وقال المغيرة الحنظليّ من أصحاب المهلّب:
إني أمرؤٌ كَفَّني رَبِّي وأكرَمِني ٭٭٭ عن الأمور التي في غِبِّها وَخَمْ
وإنما أنا إنسانٌ أعيشُ كما ٭٭٭ عاشتْ رجالٌ وعاشت قَبلها أمَمُ
مَا عَاقَني عَنْ قُفولِ الجُنْدِ إذا فَفَلُوا ٭٭٭ عِيٌّ بما صَنَعُوا حولي وَلَا صمَمُ
وَلَوْ أردتُ قُفولاً ما تجهّمَنِي ٭٭٭ إذنُ الأمير ولا الكُتّابُ إذ رَقَمُوا
إنّ المهلّب إن أشْتَقْ لرؤيتِهِ ٭٭٭ أو أمتدحْهُ فإن الناس قد عَلِمُوا
أنْهُ الأريبُ الذي تُرْجَى نوافلُه ٭٭٭ والمستنيرُ الَّذِي تُجْلَى به الظَّلَمُ
والقائلُ الفاعلُ الميمونُ طائره ٭٭٭ أبو سعيدٍ إذا ما عُدَّتِ النِّعَمُ
أزمان کَرْمان إذ غصّ الحديدُ بهم ٭٭٭ وإذ تَمَنيَّ رجالٌ أنّهُمْ هُزِموا
وقال حبيب بن عوف من قواد المهلّب:
أبا سعيدٍ جَزَاكَ اللهُ صَالِحَةً ٭٭٭ فَقَدْ كَفَيْتَ وَلَمْ تَعْنُفْ على أحَدِ
داويتَ بالحلمِ أهل الجَهْلِ فَانْقَمَعُوا ٭٭٭ وكنتَ كالوالدِ الحانِي على الوَلَدِ
وقال عبيدة بن هلال الخارجيّ يذكر رجلاً من أصحابه:
يَهْوِي فترفعُه الرِّمَاحُ كأنّه ٭٭٭ شِلْوٌ تَنَشَّبَ في مخالِبِ ضَارِ
يَهْوِي صريعاً والرِّماح تَنُوشه ٭٭٭ إن الشُّراةِ قصيرة الأعمارِ
ومنهم شبيب بن يزيد الشيبانيّ، وكان في ابتداء أمره يصحب صالح بن مسرّح، أحد لخوارج الصُّفْرِية، وكان ناسكاً مصفرّ الوجه، صاحب عبادة، وله أصحاب يقرِئهم القرآن يفْقههم ويقصْ عليهم، ويقدَم الكوفة، فيقيم بها الشهرَ والشهرين. وكان بأرض الموصل الجزيرة، وكان إذا فَرَغ من التَّحميد والصلاة على النبي صلی الله علیه وآله، ذكر أبا بكر فأثنى عليه، وثَنَّى عُمَر، ثم ذكر عثمان وما كان من أحداثه، ثم علياً علیه السلام وتحكيمَه الرجالَ في دين الله، ويتبرَّأ من عثمان وعليّ، ثم يدعو إلى مجاهدة أئمة الضلال، وقال: تيسَّرُوا يا إخواني من دَار الفناء لى دار البقاء، واللّحاق بإخواننا المؤمنين، الذين باعُوا الدنيا بالآخرة ولا تجزَعُوا من القتل في لله، فإنّ القتلَ أيسرُ من الموت، والموت نازل بكم، مفرّق بينكم وبين آبائكم وإخوانكم،
وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتدّ لذلك جزعُكم، ألا فبيعوا أنفسكم طائعين وأموالكم، تدخلوا الجنة... وأشباه هذا من الكلام.
وكان فيمن يحضرُه من أهل الكوفة سُوَيد والبَطِين، فقال يوماً لأصحابه: ماذا تنتظرون؟ ما يَزيد أئمةُ الجوْر إلا عتوَّا وعلوَّا، وتباعداً من الحق، وجراءةً على الرّبّ، فراسِلوا إخوانكم حتى يأتوكم، وننظر في أمورنا ما نحن صانعون. وأيّ وقت إن خرجنا نحن خارجون. فبينا هو كذلك إذ أتاه المحلّل بن وائل بكتاب من شبيب بن يزيد، وقد كتب إلى صالح:
أما بعد، فقد أردت الشخوص، وقد كنتَ دعوَتني إلى أمرٍ أستجيب لك، فإن كان ذلك من شانك، فإنّك شيخ المسلمين، ولم يعدلْ بك منّا أحد، وإن أردت تأخير ذلك أعلمني، فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمنُ أن تخترِمَني المنية، ولمّا أجاهد الظالمين، فيا له غبناً ويا له فضلآً!، جعلنا الله وإياكم ممن يريد الله بعلمه ورضوانه والنظر إلى وجهه ومرافقة الصالحين في دار السلام. والسلام عليك.
فأجابه صالح بجواب جميل، يقول فيه: إنه لم يمنعني من الخروج - مَعَ ما أنا فيه من الاستعداد - إلا انتظارك، فاقْدَم علينا، ثم اخرج بنا، فإنك ممّن لا تقضى الأمور دونَه، والسلام عليك. فلما ورد كتابُه على شَبِيب، دعا القرَّاء من أصحابه، فجمعهم إليه، منهم أخوه مصاد بن يزيد، والمحَلّل بن وائل، والصقر بن حاتم، وإبراهيم بن حجر وجماعة مثلهم، ثم خرج حتى قَدِم على صالح بن مسرّح، وهو بداراتِ أرض الموصل فبثّ صالح رسله، وواعدهم بالخروج، في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وتسعين.
فاجتمع بعضهم إلى بعض، واجتمعوا عنده تلك الليلة، فحدّث فَرْوَة بن لَقِيط، قال: إني لمعهم تلك الليلة عند صالح، وكان رأيي استعراض الناس، لِمَا رأيتُ من المكر والفساد في الأرض، فقمت إليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تَرَى السِّيرَة في هؤلاء الظلمة، أنقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ فإنّي أخبرُك برأيي فيهم قبل أن تخبرني بذلك، إنا نخرج على قوم طاغِين، قد تركوا أمر الله، أو راضين بذلك، فأرى أن نضعَ السيف، فقال: لا، بل ندعوهم، ولعمري لا يجيبُك إلا مَنْ يرى رأيَك، وليقاتلنّك مَنْ يُزْرِي عليك، والدعاء أقْطَعُ لحجّتهم، وأبلغ في الحجّة عليهم لك. فقلت: وكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به؟ وما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلَنا وإن تجاوزْنا وعفونا فموسّع علينا. ثم قال صالح لأصحابه ليلته تلك: اتَّقُوا اللهَ عبادَ الله، ولا تعجَلُوا إلى قِتَالِ أحدٍ من الناس، إلّا أن يكونوا قوماً يريدونكم وينصبون لكم، فإنكم إنما خَرَجْتُمْ غَضَباً لله حيث انتُهِكَتْ محارمُه، وعُصِي في الأرْض، وسُفِكَت الدماء بغيرَ حَقِّها، وأخذت الأموال غَضْباً، فلا تَعيبُوا على قومِ أعمالاً ثم تعملونها، فإن كلّ ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤولون، وإن عظمكم رجالة، وهذه دوابّ
لمحمد بن مروان في هذا الرُّستاق(1)، وابدؤوا بها فاحملوا عليها راجلَكم، وتَقَوَّوْا بها على عدوّكم. ففعلوا ذلك، وتحصّن منهم أهل دارا.
وبلغ خبرُهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخفّ بأمرهم، وبعث إليهم عديّ بن عميرة في خمسمائة، وكان صالح في مائة وعشرة، فقال عديّ: أصلح الله الأمير! تبعثُني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة، ومعه رجالٌ سُمُّوا لِي كانوا يعازّوننا، وإنّ الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة! فقال له: إني أزيدُك خمسمائة، فسرْ إليهم في ألف فارس.
فسار مِنْ حَرّان في ألف رجل، وكأنّما يُساقون إلى الموت - وكان عديّ رجلاً ناسكاً - فلما نزل دوغان نزل بالناس، وأنفذ إلى صالح بن مسرّح رجلاً دسّه إليه فقال: إنّ عديًّا بعثني إليك يسألك أن تخرُج عن هذا البلد، وتأتي بلداً آخر فتقاتل أهله، فإني للقتال كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنت ترى رأينا، فأرنا من ذلك ما نعرف، ثم نحن مُدْلِجُون عنك، وإن كنت على رأي الجبابرة وأئمة السوء، رَأَيْنا رأينا، فإنَّا بدأنا بك، وإلا رَحَلْنا إلى غيرك.
فانصرف إليه الرسول، فأبلغه فقال له عديّ: ارجعْ إليه فقل له: إنّي والله لا أرى رأيَك ولكنّي أكره قتالك وقتال غيرك من المسلمين.
فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا واحتبس الرجلَ عنده، ومضى بأصحابه حتى أتى عديًّا في سوق دَوْغَان، وهو قائم يصلِّي الضّحى، فلم يشعر إلا بالخيل طالعة عليهم، فلما دنا صالح منهم، رآهم على غير تعبية، وقد تنادَوْا، وبعضُهم يجولُ في بعض، فأمرَ شبيباً فحمل عليهم في كتيبة، ثم أمرَ سُوَيْداً فحمل في كتيبة، فكانت هزيمتُهم، وأتى عديٌّ بدايَّته فركبها ومضَى على وجهه، واحتَوَى صالح على عسكره وما فيه، وذهب فَلُّ عديّ حتى لَحِقُوا بمحمد بن مروان، فغضِب، ثم دعا بخالد بن جَزْء السُّلمي فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جَعْوَنَة في ألف وخمسمائة، وقال لهما: اخرجا إليَّ هذه الخارِجةَ القليلة الخبيثة وعَجِّلا الخروج، وأغِذّا السّير فأيّكما سَبَق، فهو الأمير على صاحبه، فخرجا وأغَذّا في السير، وجعلا يسألان عن صالح، فقيل لهما: توجّه نحو آمِد، فاتّبعاه حتى انتهيا إليه بآمِد، فنزلا ليلاً، وخندقا وهما متساندان، كلُّ واحدٍ منهما على حِدَتِه، فوجّه صالح شبيباً إلى الحارث بن جَعْوَنة في شطْر أصحابه، وتوجَّه هو نحو خالِد السُّلَميُّ، فاقتتلوا أشدّ قتال اقتتله قوم، حتى حَجَز بينهم الليل، وقد انتصف بعضُهم من بعض.
فتحدّث بعضُ أصحابِ صالح، قال: كنا إذا حَمَلْنا عليهم استقبلْنا رجالَهم بالرماح ونَضَحنا رُماتَهم بالنّبل، وخيلُهم تطاردنا في خلال ذلك، فانصرفنا عند الليل، وقد كرهْناهم وكَرِهونا،
1) الرستاق: فارسي وهو السواد. اللسان، مادة (رستق)
فلما رجعنا وصلّينا وتروّحنا وأكلنا من الكِسَر، دعانا صالح وقال: يا أخِلَائي، ماذَا تَرَوْن؟ فقال شبيب: إنّا إن قاتلنا هؤلاء القوم وهم معتصمون بخندقهم، لم تنل منهم مون بخندقهم ، لم نَنَلْ منهم طائلاً والرأي أن نَرْحَل عنهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتهم حتى قطعوا أرض الجزيرة، وأرض الموصل، ومَضَوْا حتى قطعوا أرض الدَّسْكرة. فلما بلغ ذلك الحجَّاج سَرّح عليهم الحارث بن عميرة في ثلاثة آلاف، فسار وخرج صالح نحو جلُولاء وخَانقِين واتبعه الحارث حتى انتهى إلى قرية يقال لها المديج، وصالح يومئذٍ في تسعين رجلاً، فعبّى الحارث بن عميرة أصحابه ميمنة وميسرة، وجعل صالح أصحابه ثلاثة كَرادِيس وهو في كُردوس، وشبيب في مَيْمَنة في كُرْدُوس، وسُوَيْد بن سُلَيم في كُرْدُوس في ميسرته، في كلّ كُرْدُوس منهم ثلاثون رجلاً، فلما شدّ عليهم الحارث بن عميرة انكشف سويد بن سليم، وثبت صالح فقُتِل، وضارب شبيب حتى صُرع عن فرسه، فوقَع بين رجاله، فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح، فوجَدَه قتيلاً فنادى: إليّ يا معشر المسلمين! فلاذوا به، فقال لأصحابه: ليجعلْ كلِّ رجلٍ منكم ظهرَه إلى ظهر صاحبه، وليطاعِنْ عدوَّه إذا قدم عليه، حتى ندخل هذا الحِصْن، ونرى رأينا.
ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحِصْن، وهم سبعون رجلاً مع شبيب، وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسِياً، وقال لأصحابه: أَحرقوا الباب، فإذا صار جَمْراً فدَعوه، فإنهم لا يقدرون على الخروج حتى نصبح فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثم انصرفوا إلى معسكرهم.
فقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تنتظرون! فوالله إن صَبَّحوكم غُدْوَة إنه لهلاككم فقالوا له: مُرْنا بأمرك، فقال لهم: إن الليل أخفى للويل، بايعوني إن شئتم، أو بايعوا مَنْ شئتْم منكم، ثم اخرجوا بنا حتى نشُدَّ عليهم في عسكرهم، فإنهم آمنون منكم، وإني أرجو أنْ ينصرَكم الله عليهم. قالوا: ابسط يدك، فبايعوه، فلما جاؤوا إلى الباب، وجدُوه جَمْراً، فأتوه باللّبود فبَلُّوها بالماء، ثم ألقوْها عليه وخرجوا، فلم يشعُر الحارث بن عميرة إلا وشبيب وأصحابه يضربُونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، فضارب الحارث حتى صُرع، واحتمله أصحابه، وانهزموا وخلُّوا لهم المعسكر وما فيه، ومضَوْا حتى نزلوا المدائن، وكان ذلك الجيش أولَ جيش هزمه شبِيب.
ثم ارتفع في أداني أرض الموصل، ثم ارتفع إلى نحو أذربيجان يَجْبي الخراج، وكان سفيان بن أبي العالية قد أمِر أن يحارب صاحب طبَرِسْتَان، فأمر بالقفول نحو شبيب، وأن يصالح صاحب طَبَرِسْتان، فصالحه، فأقبل في ألف فارس، وقد ورد عليه كتاب من الحجاج:
أما بعد، فأقِمْ بالدَّسْكرة فيمن معك، حتى يأتيَك جيش الحارث بن عميرة. قاتل صالح بن مسرّح، ثم سِرْ إلى شبيب حتى تناجِزه.
ففعل سفيان ذلك، ونزل إلى الدّسكرة حتى أتوْه، وخرج مرتحلاً في طلب شبيب فارتفع شبيب عنهم، كأنه يكره قتالهم ولقاءهم، وقد أكُمَنَ لهم أخاه مَصَاداً في خمسين رجلاً في هَضْم من الأرض، فلما رأوْا شبيباً جمع أصحابه، ومضى في سَفْح من الجبل مشرقاً قالوا: هرب عدو الله، واتبعوه. فقال لهم عَدِيّ بن عميرة الشيبانيّ: أيّها الناس، لا تعجَلوا عليهم حتى نَضْرِب في الأرض ونستبرِئها، فإن يكونوا أكمنوا كميناً حَذِرْناه، وإلا كان طلبُهم بين أيدينا لن يفوتَنا. فلم يسمعوا منه، فأسرعوا في آثارهم.
فلما رأى شبيب أنّهم قد جازوا الكمين، عَطَف عليهم، فحمَلَ من أمامهم، وخرج الكَمِين من ورائهم، فلم يقاتل أحد، وإنما كان الهزيمةُ، وثبت سُفيان بن أبي العالية في مائتي رجل، فقاتل قتالاً شديداً حتى انتصفَ من شبيب، فقال سويد بن سليم لأصحابه: أمِنْكم أحد يعرف أميرَ القوم ابن أبي العالية؟ فقال له شبيب: أنا مِنْ أعرف النّاس به، أما ترى صاحبَ الفرسِ الأغرّ الذي دونه المرامية! فإنه هو، فإن كنتَ تريده فأمهِلْه قليلاً.
ثم قال: يا قَعْنَب، اخرُج في عشرين، فأتهِم من ورائهم. فخرج قَعْنَب في عشرين فارتفع عليهم، فلما رأوْه يريد أنْ يأتيَهم من ورائهم، جعلوا ينتقصون ويتسلَّلُون، وحَمَل سويد بن سُلَيم على سُفْيان بن أبي العالية يطاعِنُه، فلم تصنع رماحُهما شيئاً، ثم اضطرَبا بسيفيهما، ثم اعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرضِ يعترِكان، ثم تحاجزا، وحَمَل عليهم شبيب، فانكشف مَنْ كان مع سفيان، ونزل غلام له يقال له غَزْوان عن بِرْذَوْنِه، وقال لسفيان: اركب يا مولاي، فركب سُفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتل دونه غزوان حتى قُتِل، وكان معه رايته، وأقبل سفيان منهزماً، حتى انتهَى إلى بابل مَهْرُوذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجاح، وكان الحجاجُ أمَرَ سَوْرة بن أبجر أن يلْحَق بسفيان، فكاتَبَ سورة سفيانَ، وقال له: انْتَظِرني، فلم يفعل وعَجِل نحو الخوارج، فلما عرف الحجاج خبرَ سفيان، وقرأ كتابه، قال للناس: مَنْ صنع کما صنع هذا وأبلى كما أبلى فقد أحسن. ثم كتب إليه يعذره، ويقول: إذا خَفَّ عليكَ الوَجَع فأقبِلْ مأجوراً إلى أهلك. وكتب إلى سورة بن أبجر:
أما بعد يا بن أمّ سورة، فما كنتَ خليقاً أن تجترىءَ على تركِ عهدي، وخذلان جُندي فإذا أتاكَ كتابي فابعث رجلاً مِمّن معك صَليباً إلى المدائن، فلينتخبْ من جندها خمسمائة رجل، ثم ليقدم بهم عليك، ثم سِرْ بهم حتى تَلْقَى هذه المارقة، واحزم أمركَ، وكِدْ عَدُوّك، فإنّ أفضَل أمر الحروب حُسْنُ المكيدة. والسلام.
فلما أتى سَوْرةَ كتابُ الحجاج بعث عديّ بن عمير إلى المدائن، وكان بها ألف فارس
فانتخب منهم خمسمائة، ثم رحل بهم حتى قدِم على سَوْرة ببابل مَهْرُوذ، فخرج بهم في طلب شبيب، وخرج شبيب يَجُول في جُوخي، وسَوْرة في طلبه، فجاء شَبيب إلى المدائن فتحصَّنَ منه أهلُها فانتهب المدائن الأولى، وأصاب دوابَّ من دوابّ الجند، وقتل مَنْ ظَهر له، ولم يدخل البيوت، ثم أتى فقيل له: هذا سَوْرة قد أقبل إليك، فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان، فنزلوا به وتوضّئوا وصلوا ، ثم أتوْا مصارع إخوانهم الذين قتلهم عليّ بن أبي طالب، فاستغفروا لهم، وتبرؤوا من عليّ وأصحابه، وبكوْا فأطالوا البكاء، ثم عَبَرُوا جسر النهروان، فنزلوا جانبه الشرقيّ، وجاء سَوْرة حتى نزل بنفطرانا وجاءته عيونه، فأخبروه بمنزل شبيب بالنهروان، فدعا سورة رؤوس أصحابه، فقال لهم: إنّ الخوارج قَلّما يُلْقَوْن في صحراء أو على ظهرٍ إلا انتصفوا، وقد حُدِّثت أنّهم لا يزيدون على مائة رجل، وقد رأيتُ أنْ أنتخِبكم وأسير في ثلاثمائة رجل منكم، من أقويائكم وشجعانكم فأبّيتهم فإنهم آيسون من بَيَاتكم، وإني والله أرجو أن يصرَعهم الله مَصَارع إخوانهم في النهروان مِن قَبْل، فقالوا: اصْنَعْ ما أحببت.
فاستعمَل على عسكره حازم بن قُدامة، وانتخب ثلاثمائة من شجعان أصحابه، ثم أقبل بِهِمْ حتى قَرُب من النهروان، وبات وقد أذْكى الحرس، ثم بيّتهم، فلما دنا أصحاب سورة منهم نَذِروا بهم، فاستوَوْا على خيولهم، وتعبَّوْا تَعْبِيَتهم، فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم وقد نذِرُوا، فحمل عليهم سَوْرة، فصاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتى تركُوا له العَرْصة، وحمل شبيب، وجعل يضرب ويقول:
مَنْ يَنِكَ الْعَيْرَ يَنِكْ نَيَّاكا
فرجع سورة مفلولاً، قد هزم فرسانه وأهل القوّة من أصحابه، وأقبل نحو المدائن، وتَبِعه شبيب، حتى انتهى سورة إلى بيوت المدائن، وانتهى شَبيب إليهم، وقد دخل الناس البيوتَ وخرج ابن أبي عصيفر، وهو أمير المدائن يومئذٍ في جماعة، فلقَيهم في شوارع المدائن ورماهم النّاسُ بالنبل والحجارة من فوق البيوت.
ثم سار شبيب إلى تَكْرِيت، فبينا ذلك الجند بالمدائن إذ أرْجَف الناس فقالوا: هذا شبيب قد أقبلَ يريد أن يبيِّت أهل المدائن، فارتحل عامّةُ الجند، فلحِقوا بالكوفة، وإنّ شبيباً بتكْرِيت فلما أتى الحجاج الخبرُ، قال: قبح الله سَوْرة! ضَيّع العسكرَ وخرج يُبَيِّت الخوارج، والله لأسوءَنّه.
ثم دعا الحجاج بالجَزْل، وهو عثمان بن سعيد، فقال له: تيسّر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتَهم فلا تعجل عَجَلةَ الخرِق النَّزِق(1)، ولا تحجم إحجام الواني الفَرِق، أفهمت؟ قال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت، قال: فاخرج وعَسْكِرْ بدَيْرِ عبد الرحمن حتى يخرج الناس
1) النزَق: الخفة والطيش. اللسان. مادة (نزقه)
ليك، فقال: أصلَحَ الله الأمير! لا تبعثْ معي أحداً من الجُند المهزوم المفلول، فإنّ الرعبَ قد خل قلوبَهم، وقد خشيت ألّا ينفعك والمسلمين منهم أحدٌ، قال: ذلك لك، ولا أراك إلا قد حسنْتَ الرأي، ووُفِّقت، ثم دعا أصحابَ الدواوين، فقال: اضربوا عَلَى النَّاسِ البعث، أخرجوا أربعةَ آلاف من الناس، وعَجّلوا، فجمعت العُرَفاء، وجلس أصحابُ الدواوين، ضَرَبوا البعث، فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم باللّحاق بالعسكر، ثم نودي فيهم بالرحيل، رتحلوا، ونادى منادي الحجاج: أنْ بَرِئت الذِّمَّة مِنْ رجل أصبْنَاه من بعث الجَزْل متخلَّفاً.
فمضى بهم الجَزْل، وقد قدّم بين يديه عياض بن أبي لينة الكنديّ على مقدمته فخرج، حتى لى المدائن، فأقام بها ثلاثاً، ثم خرج وبعث إليه ابن أبي عصيفر بفَرَس وبِرْذَوْن وألفي درهم، وضع للناس من الحطب والعلَف ما كفاهم ثلاثة أيام، وأصاب الناس ما شاؤوا من ذلك.
ثم إنّ الْجزل خرج بالناس إثْرَ شبيب، فطلبه في أرض جُوخَى، فجعل شبيب يُرِيه الهيبة، خرج من رُسْتَاق إلى رُسْتاق، ومن طَسُّوج(1)إلى طَسُّوج ولا يقيم له، يريد بذلك أن يفرِّق جَزْل أصحابَه، ويتعجّل إليه فيَلْقاه في عَدَدٍ يسير على غيرِ تعبية، فجعل الجَزْل لا يسير إلّا على بِيَة، ولا ينزل إلا خَنْدَق على نفسه وأصحابه، فلما طال ذلك على شبيب، دعا يوماً أصحابه، لهم مائة وستون رجلاً، هو في أربعين، ومصاد أخوه في أربعين، وسويد بن سليم في أرْبعين، المحلّل بن وائل في أربعين، وقد أتته عيونه فأخبرته، أنّ الجزْل بن سعيد قد نزل ببئر سعد. ال لأخيه وللأمراء الذين ذكرناهم: إني أريد أن أبيِّت الليلة هذا العسكر فأُتِهم أنت يا مصاد ن قِبَل حُلْوان، وسآتيهم أنا من أمامهم من قِبَل الكوفة، وأتهِمْ أنت يا سُوَيْد من قِبَل المشرق، تِهمْ أنت يا مجلَّل، من قِبل المغرب، ولْيَلِجْ كلُّ امرىءٍ منكم على الجانب الذي يحمل عليه، لا تقلعوا عنهم حتى يأتِيَكم أمري.
قال فروة بن لقِيط: وكنتُ أنا في الأربعين الذين كانوا معه، فقال لجماعتنا: تيسَّرُوا، وليسِرْ امریءٍ منكم مع أميره، ولْيَنْظُر ما يأمره به أميره فليتبعْه، فلما قضمت دوابّنا - وذلك أول ما دأت العيون - خرجنا حتى انتهينا إلى دير الخرارة، فإذا القوم عليهم مَسْلحة بن أبي لينة، فما إلا أن رآهم مصاد أخو شَبيب حتى حمل عليهم في أربعين رجلاً، وكان شبيب أراد أن يرتفع يهم حتى يأتيهَم من ورائهم، كما أمره.
فلما لَقِي هؤلاء قاتلهم، فصبروا له وقاتلوه. ثم إنّا دفعنا إليهم جميعاً، فهزمناهم، وأخذوا طريق الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير يزدَجِرد إلا نحو ميل، فقال لنا شبيب: اركبوا
1) الطسوج: الناحية. اللسان، مادة (طسج)
معاشر المسلمين أكتافهم، حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم، فأتبْعناهم ملظّين بهم، ملحِّين عليهم، ما نُرفّهُ عنهم وهم منهزمون، ما لهم همّة إلا عسكرهم.
فمنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم، وَرَشَقُوهم بالنَّبْل، وكانت لهم عيون قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا، وكان الجزل قد خَنْدَق عليهم وتحرّز، ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الخرّارة، ووضع مسلحة أخرى مما يلِي حُلوان.
فلما اجتمعت المسالح، ورشقوهم بالنبل، ومنعونا من خَنْدَقهم، رأى شبيب أنّه لا يصلُ إليهم، فقال لأصحابه: سيروا ودعوهم، فلما سار عنهم أخَذَ على طريق حُلوان، حتى کان منهم على سبعة أميال، قال لأصحابه: انزلوا فأقضموا دوابَّكم، وقيلوا وتروّحوا، فصلوا ركعتين، ثم اركبوا. ففعلوا ذلك. ثم أقبل بهم راجعاً إلى عسكر الكوفة، وقال: سيروا على تعبيتكم التي عبّأتكم عليها أوّل الليل، وأطيفُوا بعسكرهم كما أمرتكم. فأقبلنا معه، وقد أدخلَ أهلُ العسكر مسالحهم إليهم، وأمِنُوا، فما شعروا حتى سَمِعوا وقع حوافر الخيل، فانتهينا إليهم قبيل الصبح، وأحطْنا بعسكرهم، وصحنا بهم من كل ناحية، فقاتلونا، ورمونا بالنَّبْل، فقال شبیب لأخيه مصاد، وكان يقاتلهم من الجانب الذي يلي الكوفة: خَلّ لهم سبيل طريق الكوفة، فخلى لهم، وقاتلناهم من تلك الوجوه الثلاثة الأخرى إلى الصبح ، ثم سرنا وتركناهم، لأنا لم نظفرْ بهم، فلما سار شبيب سار الجزل في أثره بطلبه، وجعل لا يسيرُ إلا على تعبية وترتيب، ولا ينزل إلا على خندق، وأما شبيب فضرب في أرض جُوخَى، وترك الجزل، فطال أمرُه على الحجاج، فكتب إلى الجزل كتاباً قرِىء على الناس وهو:
أما بعد، فإني بعثتُك في فرسان أهل المِصْر ووجوه الناس، وأمرتك باتّباع هذه المارقة وألّا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فجعلتَ التَّعرِيس في القُرى، والتخييم في الخنادق، أهونَ عليك من المضیِّ لمناهضتهم ومناجزتهم. والسلام.
قال: فشقّ كتابُ الحجاج على الجزلُ، وأرجف الناس بأمره، وقالوا: سيعزله، فما لَبِث الناس أنْ بعث الحجاج سعيد بن المجالد أميراً ،بدله وعَهِد إليه: إذا لقى المارقة أن يزحف إليهم، ولا يناظرهم، ولا يطاولهم، ولا يصنع صُنْع الجزل، وكان الجزل يومئذٍ قد انتهى في طلب شبيب إلى النّهروان، وقد لزم عسكره، وخندق عليهم، فجاء سعيد حتى دخلَ عسكرَ أهل الكوفة أميراً، فقام فيهم خطيباً، فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا أهلَ الكوفة، إنكم قد عجزتم وَوَهَنْتُم، وأغضبْتم عليكم أميرَكم، أنتم في طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين، قد أخربوا بلادكم، وكسروا خراجكم، وأنتم حَذِرون في جوف هذه الخنادق لا تُزايلونها إلّا أن يبلغَكم أنّهم قد ارتحلوا عنكم، ونزلوا بلداً سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله إليهم.
ثم خرج وخرج الناس معه، فقال له الجزْل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أقدمُ على شبيب وأصحابه في هذه الخيل، فقال له الجزل: أقِمْ أنت في جماعة الناس فارسهم وراجلهم، ولا تفرّق أصحابك، ودعني أصْحَرُ له، فإن ذلك خيرٌ لك وَشَرِّ لهم. فقال سعيد: بل تَقِفُ أنت في الصّف، وأنا أصحِرُ له، فقال الجزل: إني بريءٌ من رأيك هذا، سمع الله ومَنْ حضر من المسلمين! فقال سعيد: هو رأيي، إن أصبتُ فيه، فالله وَفِّقني، وإن أخطأُتُ فيه فأنتم برآء.
فوقف الجزل في صَفّ أهل الكوفة، وقد أخرجهم من الخندق وجعل على ميمنتهم عياض بن أبي لينةَ الكِنديَ، وعلى ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف أبا حُميد الراسبيّ، ووقف الجزْل في جماعتهم، واستقدم سعيد بن مجالد فخرج وأخرج الناس معه، وقد أخذ شبيب إلى بَرَاز الروز، فنزل قَطُفُتَا، وأمر دِهقانها(1)أن يشوِيَ لهم غنماً، ويعدّ لهم غداءً ففعل، وأغلق مدينة قَطْفُتا، ولم يفرغ الدَّهقان من طَعامه حتى أحاط بها ابن مجالد، فصعِد الدِّهقان، ثم نزل، وقد تغيَّر لونه، فقال شبيب: ما بالك؟ قال: قد جاءك جمع عظيم، قال: أَبَلَغ شواؤك؟ قال: لا، قال: دَعْهُ يبلغ، ثم أشرف الدَّهقان إشرافة أخرى، ثم نزل فقل: قد أحاطوا بالجوْسق، قال: هات شواءك، فجعل يأكل غير مكترِث بهم، ولا فَزع، فلما فَرَغ قال لأصحابه، قوموا إلى الصلاة، وقام فتوضأ، فصلى بأصحابه صلاة الأولى، ولبس درعه، وتقلّد سيفه، وأخذ عموده الحديد، ثم قال: أسرِجُوا إلى بغلتي، فقال أخوه: أفي مثل هذا اليوم تركب بغلة؟ قال: نعم، أسْرجوها، فركبها، ثم قال: يا فلان أنت على الميمنة، وأنت يا فلان، على الميسرة، وأنت يا مَصاد - يعني أخاه - على القلب، وأمر الدَّهقان ففتح الباب في وجوههم.
فخرج إليهم وهو يحكِّم، وحمل حملة عظيمة، فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى، حتى صار بينهم وبين الدَّيْرِ ميل، وشبيب يصيح: أتاكم الموت الزؤام! فاثبتوا، وسعيد يَصيح: يا معشر هَمْدان، إليّ إليّ، أنا ابن ذي مرّان فقال شبيب لمصاد: وَيْحَك! استعرضِهم استعراضاً، فإنهم قد تقطّعوا ، وإني حامل على أميرهم، وأثكَلَنِيكَ الله إن لم أَثْكِلْه ولده، ثم حمل على سعيد فعلاء بالعمود، فسقط ميّتاً وانهزم أصحابه، ولم يقتل يومئذ من الخوارج إلا رجل واحد.
وانتهى قتلُ سعيد إلى الجزْل، فناداهم: أيها الناس، إليّ إليّ وصاح عياض بن أبي لينة: أيها الناس، إن يكن أميركم هذا القادم هَلك، فهذا أميركم الميمون النقيبة، أقبِلوا إليه، فمنهم مَنْ أقبل إليه، ومنهم مَنْ ركب فرسه منهزماً، وقاتل الجزْل يومئذٍ قتالاً شديداً حتى صُرع، وحامي عنه خالد بن نَهِيك، وعياض بن أبي لينة، حتى استنقذاه مرتّثاً، وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة، وأتى بالجزْل جريحاً حتى دخل المدائن، فكتب إلى الحجاج:
1) دهقن الطعَام: إلانه. اللسان، مادة (دهقن)
أما بعد، فإني أخبر الأمير - أصلحه الله - أني خرَجتُ فيمن قِبَلي من الجند الذي وَجَّهني فيه إلى عدوّه، وقد كنتُ حفظتُ عهدَ الأمير إليّ فيهم ورأيه، فكنت أخرجُ إلى المارقين إذا رأيت الفرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورْطة، فلم أزل كذلك أديرُ الأمر، وأرفقُ في التدبير، وقد أرادني العدوّ بكل مكيدة، فلم يُصِبْ مني غِرّة، حتى قدم عليّ سعيد بن مجالد، فأمرتُه بالتؤدة، ونهيته عن العَجَلة، وأمرته ألَا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامّة فعصاني وتعجَّل إليهم في الخيل، فأشهدْتُ الله عليه وأهلَ المِصْرَيْن أنّي بَرِيء من رأيه الذي رأى، وأنّي لا أهوَى الذي صنع، فمضى فقُتل، تجاوز الله عنه! ودَفَع الناس إليَّ فنزلت ودعوتُهم إلى نفسي ورفعتُ رايتي، وقاتلت حتى صُرِعت، فحملني أصحابي من بين القتلى، فما أفقت إلّا وأنا عَلَى أيديهم، عَلَى رأس ميلٍ من المعركة، وأنا اليوم بالمدائن، وفيّ جِراحات قد يموتُ الإنسان من دونها، وقد يعافَى من مثلها، فليسأل الأمير أصلحَه الله عَنْ نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوّه، وعن موقفي يوم البأس، فإنه سيبين له عند ذلك أنّي صدقته ونصحت له. والسلام.
فكتب إليه الحجّاج:
أما بعد، فقد أتاني كتابُك وقرأته، وفهمت كلّ ما ذكرتَه فيه من أمر سَعِيد وأمر نفسِك وقد صدّقْتُك في نصيحتك لأميرك وحَيْطتك على أهل مِصْرك، وشدّتك عَلَى عدُوّك، وقد رضيتُ عَجلةَ سعيد وتؤدتَك. فأما عجلتُه فإنها أفضَتْ به إلى الجَنة، وأما تؤدتك فإنها لم تدع الفرصة إذا أمكنت حزم، وقد أحسنت وأصبت وأجرت، وأنتَ عندِي من أهل السمع والطاعة والنصیحة، وقد أشخصتُ إليك حيّان بن أبجر الطبيب ليداويَك، ويعالج جراحاتك، وقد بعثتُ - إليك بألفيْ درهم نفقةً تصرفها في حاجتك وما ينوبك. والسلام.
وبعث عبد الله بن أبي عصيفر والي المدائن إلى الجَزْل بألْف درهم، وكان يعوده ويتعاهَدُه بالألطاف والهدايا.
وأما شبيب، فأقبل حتى قَطَع دِجْلة عند الكَرْخ، وأخذ بأصحابه نحو الكوفة. وبلغ الحجّاج مكانُه بحمّام أعين، فبعث إليه سويد بن عبد الرحمن السعديّ، فجهزه بألفيّ فارس منتخَبين، وقال له: اخرُج إلى شبيب فألقَه ولا تَتْبعه، فخرج بالناس بالسَّبَخة، وبلغه أن شبيباً قد أقبل، فسار نحوه كأنما يُساق إلى الموت هو وأصحابه، وأمر الحجّاج عثمان بن قَطَن فعسكر بالناس في السَّبَخة، ونادى: ألا برِئت الذِّمَّةُ من رجل من هذا الجند، بات الليلة بالكوفة، ولم يخرج إلى عثمان بن قَطَن بالسَّبَخة، فبينا سويد بن عبد الرحمن يسيرُ في الألفين الذين معه، وهو يعبّيهم ويحرّضهم، إذْ قيل له: قد غشيَك شبيب، فنزل ونزل معه جُلّ أصحابه، وقدّم رايته، فأخبر أنّ شبيباً لما علم بمكانه تركه، ووجد مخاضةً فعبر الفرات، يريد الكوفة من غير الوجه الذي سويد بن عبد الرحمن به، ثم قيل: أما تراهم! فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم، فأتى
شبيب دارَ الرزق فنزلها، وقيل له: إنّ أهلَ الكوفة بأجمعهم معسكرون، فلما بلغهم مكانُ شبيب، ماجَ الناس بعضُهم إلى بعض، وجالوا وهَمّوا بدخول الكوفة، حتى قيل: هذا سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم، وهو يقاتلهم في الخيل ومضى شبيب حتى أخذَ علَى شاطيء الفرات، ثم أخذ عَلَى الأنبار، ثم دخل دَقُوقَاء، ثم ارتفع إلى أداني أذرَبيجان.
وخرج الحجاجُ من الكوفة إلى البصرة حيث بَعُد شبيب، واستخلف على الكوفة عُرْوة بن المغيرة بن شعبة، فما شعر الناس إلا بكتاب من مادارست، دِهْقان بابل مهروز إلى عروة بن المغيرة بن شعبة، أنَّ تاجراً من تجار الأنبار من أهل بلادي أتاني يذكر أن شبيباً يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، وأحببت إعلامك [ذلك] لترى رأيك، وإني لم ألبث بعد ذلك إذ جاءني اثنان من جيراني فحدَّثاني أن شبِيباً قد نزل خانيجَار.
فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرّح به إلى الحجاح إلى البصرة. فلما قرأ الحجاج أقبل جادًّا إلى الكوفة، وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية حَرْبَى على شاطيء دجلة، فعبرها وقال لأصحابه: يا هؤلاء، إنّ الحجّاج ليس بالكوفة، وليس دون أخذها شيء إن شاء الله. فسيروا بنا، فخرج يُبادر الحجاج إلى الكوفة، وكتب عروة إلى الحجاج: إن شبيباً قد أقبل مسرعاً يريد الكوفة، فالعجلَ العجلَ.
فطوَى الحجاج المنازلَ مسابقاً لشبيب إلى الكوفة، فسبقه ونزلها صلاة العصر، ونزل شبيب السَّبَخة صلاة العشاء الآخر، فأصاب هو وأصحابه من الطعام شيئاً يسيراً، ثم ركبوا خيولهم، فدخل شبيب الكوفة في أصحابه حتى انتهى إلى السوق، وشدّ حتى ضرب باب القصر بعموده، فحدّث جماعة أنهم رأوا أثر ضربة شبيب بالعمود بباب القصر، ثم أقبل حتى وقف عند باب المصطبة، وأنشد:
وَكَأَنّ حَافِرَها بكلّ ثَنِيَّةٍ ٭٭٭ فَرقٌ يكيلُ بِهِ شَحِيحٌ مُعْدِمُ
ثم أقحم هو وأصحابه المسجد الجامع، ولا يفارقه قومٌ يصلّون فيه، فقتل منهم جماعة ومرّ هو بدار حَوْشب - وكان هو على شُرْطة الحجاج - فوقف على بابه في جماعة، فقالوا: إنّ الأمير - يعنون الحجاج - يدعو حوشباً، وقد أخرج ميمون غلامه بِرْذَونه ليركب، فكأنه أنكرهم، فظنوا أنه قد اتهمهم فأراد أن يدخَل إلى صاحبه، فقالوا له : كما أنت حتى يخرج صاحبُك إليك، فسمع حوشب الكلام، فأنكر القوم، وذهب لينصرف فعجِلوا نحوه، فأغلق الباب دونه، فقتلوا غلامه ميموناً، وأخذوا بِرْذَونه، ومضوا حتى مرُّوا بالجحّاف بن نبْيط الشيبانيّ، من رهط حَوْشب. فقال له سويد: انزل إلينا، فقال: ما تصنع بنزولي! فقال: انزل إني لم أقضِك ثمن البَكْرة التي ابتعتها منك بالبادية، فقال الجحّاف: بئس ساعة القضاء هذه وبئس المكان لقضاء الدَّيْن هذا. ويحك! أما ذكرت أداء أمانتك إلا والليل مظلم، وأنت على
مَتْن فرسك! قبح الله يا سُوَيد ديناً لا يصلُح ولا يتمّ إلا بقتل الأنفس وسَفْك الدماء. ثم مَرُّوا بمسجد بني ذُهْل، فلقُوا ذُهل بن الحارث، وكان يصلّي في مسجد قومه، فيطِيل الصلاة إلى الليل، فصادفوه منصرفاً إلى منزله فقتلوه ثم خرجوا متوجّهين نحو الردمة، وأمر الحجاج المنادي: يا خيل الله اركبي وأبشري، وهو فوق باب القطر، وهناك مصباح مع غلام له قائم.
وكان أوّل مَنْ جاء من النّاس عثمان بن قَطَن، ومعه مواليه وناس من أهله وقال: أعلموا الأميرَ مكاني، أنا عثمان بن قَطَن، فليأمرني بأمره. فناداه الغلام صاحب المصباح: قِفْ مكانك حتى يأتيَك أمرُ الأمير، وجاء الناس من كلّ جانب، وبات عثمان مكانَه فيمن اجتمع إليه من الناس، حتى أصبح.
وقد كان عبدُ الملك بن مَرْوان بعثَ محمد بن موسى بن طلحة على سِجِسْتان، وكتب له عهدَه عليها، وكتب إلى الحجاج: إذا قدِم عليك محمد بن موسى الكوفة، فجهَّز معه ألفيْ رجل، وعَجَّل سَرَاحَه إلى سِجِسْتَان.
فلما قدم الكوفة، جعل يتجهّز، فقال له أصحابه ونصحاؤه: تعجّل أيها الرجل إلى عَمَلك، فإنك لا تدرِي ما يحدث، وعرض أمرُ شبيب حينئذٍ ودخولُه الكوفة، فقيل للحجاج: إنّ محمد بن موسى إن سار إلى سجستان مع نجدته وصِهر لأمير المؤمنين عبد الملك، فلجأ إليه أحدٌ ممن تطلبه، منعك منه. قال: فما الحيلة؟ قالوا: أنْ تذكُر له أنّ شبيباً في طريقه وقد أعياك، وأنك ترجو أن يريح اللهُ منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته.
فكتب إليه الحجاج: إنّك عامل على كل بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك تجاهده ومَن معه، ولك أجره وذكره وصيته، ثم تمضي إلى عملك، فاستجاب له.
وبعث الحجاج بن بشر بن غالب الأسديّ في ألفيْ رجل، وزياد بن قدامة في ألفين، وأبا الضريس مولى تميم في ألف من الموالي، وأعين صاحب حمام أعين مولی بشر بن مروان تمیم في ألف من الموالي، وأعين صاحب حمام أعين مولي بشر بن مروان في ألف، وجماعة غيرهم، فاجتمعتْ تلك الأمراء في أسفل الفرات وترك شبيب الوجهَ الذي فيه جماعة هؤلاء القُوّاد، وأخذ نحو القادسيّة، فوجه الحجاج زَحْر بن قيس في جَريدة خيل، نُقاوة، عدّتها وثمانمائة فارس، وقال له: اتبع شبيباً حتى تواقَعه حيثَما أدركته، فخرج زحْر بن قيس حتى انتهى إلى السَّيْلَحِين، وبلغ شبيباً مسيرُه إليه فأقبل نحوه فالتقيا، وقد جعل زحْر على ميمنته عبد الله بن كنّاز، وكان شجاعاً، وعلى ميسرته عديّ بن عديّ بن عُميرة الكنديّ، وجمع شبيب خيله كلها كبْكَبة واحدة، ثم اعترض بها الصّفّ يُوجف وجيفاً، حتى انتهى إلى زحْر بن قيس، فنزل زَحْر، فقاتل حتى صُرع وانهزم أصحابه، وظن أنه قد قتل.
فلما كان الليل وأصابه البرد، قام يمشي حتى دخل قرية، فبات بها وحُمِل منها إلى الكوفة،
وبوجهه أربع عشرة ضربة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجّاج، وعلى وجهه وجراحه القُطْن، فأجلسه معه على السرير. وقال أصحابُ شَبيب لشَبيب، وهم يظنون أنّهم قد قَتَلوا زَحْراً: قد مزمنا جندهم، وقتلنا أميراً من أمرائهم عظيماً، فانصرِفْ بنا الآن موفورين. فقال لهم: إنّ قتلَكم هذا الرجل وهزيمتَكم هذا الجند قد أرعب هؤلاء الأمراء، فاقصِدوا بنا قَصْدهم، فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون قَتْلِ الحجاج وأخْذ الكوفة شيء. فقالوا له: نحن طوعٌ لأمرك ورأيك، فانقَضَ بهم جَادًّا، حتى أتى ناحية عين التمر، واستخبَر عن القوم، فعرف اجتماعهم في رُوْذْبَار في أسفل الفرات، على رأس أربعة وعشرين فَرْسخاً من الكوفة.
وبلغ الحجاجَ مسير شبيب إليهم، فبعث إليهم: إنْ جَمَعَكم قِتال، فأميرُ الناس زائدة بن قدامة.
فانتهى إليهم شبيب، وفيهم سبعة أمراء، على جماعتهم زائدة بن قدامة، وقد عَبّى كلّ أمير أصحابه على حِدّة، وهو واقف في أصحابه، فأشرَف شبيبٌ على الناس، وهو على فرس أغرّ كُمَيت(1)، فنظر إلى تعبيتهم، ثم رجع إلى أصحابه، وأقبل في ثلاث كتائب يزحف بها، حتى إذا دنا من الناس مضتْ كَتِيبة فيها سويد بن سليم، فوقفت بإزاء ميمنة زائدة بن قدامة، وفيها زياد بن عمرو العَتَكِيّ، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفتْ بإزاء الميسرة، وفيها بشر بن غالب الأسديّ، وجاء شبيب في كَتِيبة، حتى وقف مُقابل القوم في القَلْب، فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس بين الميمنة والميسرة، يحرِّض الناس، ويقول: عبادَ الله، إنكم الطَّيِّبون لكثيرون، وقد نزل بكم الخبيثون القليلون، فاصبِروا جعلت لكم الفداء! إنّما هي حَمْلتان أو ثلاث، ثم هو النصر ليس دونه شيء، ألا تَرَوْنهم والله لا يكونون مائتي رجل، إنما هم أَكَلَة رأس وهم السُّرّاق المرَّاق، إنما جاوؤكم ليُهرِيقوا دماءكم، ويأخذوا فيئكم، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فُرْقة وأنتم أهلَ جماعة، عُضُّوا لأبصار واستقبلوهم بالأسنّة، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم.
ثم انصرف إلى موقفه، فحمل سُويد بن سليم على زيد بن عمرو العَتِكيّ، فكشف صَفّه وثبت زیاد قليلاً ثم ارتفع سويد عنهم يسيراً ثم كَرّ عليهم ثانية.
فقال فروة بن لَقِيط الخارجيّ: اطِّعَنَّا ذلك اليوم ساعة فصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن بزولوا، وقاتل زياد بن عمرو قتالاً شديداً، ولقد رأيت سويد بن سليم يومئذٍ وإنه لأشَدّ العرب قتالاً وأشجعهم، وهو واقف لا يعرِض لهم، ثم ارتفعنا عنهم، فإذا هم يتقوّضون، فقال بعض أصحابنا لبعض: ألا تَرَوْنهم يتقوّضون! احمِلُوا عليهم، فأرسل إلينا شبيبَ: خَلّوهم لا تحمِلُوا :
1) فرس کمیت: لون ليس بأشقر ولا أدهم. اللسان، مادة (كمت)
عليهم حتى يخفّوا، فتركناهم قليلاً، ثم حملنا عليهم الثالثة فانهزموا، فنظرت إلى زياد بن عمرو، وإنه ليضرَبُ بالسيوف، وما من سيف يُضْرَبُ به إلّا نَبَا عنه، ولقد اعتوره أكثرُ من عشرين سيفاً وهو مجفّف، فما ضرّه شيء منها، ثم انهزم.
وانتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة أمير سجِسْتَان عند المغرب، وهو قائم في أصحابه، فقاتلاه قتالاً شديداً، وصَبَرَ لنا.
ثم إن مصاداً حَمَل على بِشْر بن غالب في الميسرة فَصَبَر وكَرُم وأبْلَى، ونزل معه رجال من الله أهل البَصْرة نحو خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتى قتلوا، ثم انهزم أصحابُه فشدَدْنا على أبي الضريس فهزمناه، ثم انهينا إلى موقف أعين، ثم شددنا على أعْيَن فهزمناهم حتى انتهينا إلى زائدة بن قدمة، فلمّا انتهوْا إليه، نزل ونادى: يا أهلَ الإسلام، الأرضَ الأرض! ألا لا يكونُون على كفرهم أصبرَ منكم على إيمانكم. فقاتَلوا عامّة الليل إلى السَّحَر.
ثم إن شبيباً شدّ على زائدة بن قدامة في جماعة من أصحابه، فقتله وقتل رِبْضَةَ حوله من أهل الحفّاظ، ونادى شبيب في أصحابه: ارفعوا السيف، وادُعوهم إلى البيعة، فدعَوْهم عند الفجر إلى البيعة.
قال عبد الرحمن بن جندب: فكنتُ فيمَنْ تقدّم فبايعه بالخلافة، وهو واقف على فرسٍ أغرّ كُمَيت، وخيله واقفة دونه وكلُّ مَنْ جاء ليبايِعَه يُنزع سيفه عن عاتقه، ويؤخذ سلاحُه، ثم يدنو من شبيب فيسلِّم عليه بإمْرة المؤمنين، ثم يبايع، فإنا كذلك إذ أضاء الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة في أقصى العسكر مع أصحابه، وكان الحجّاج قد جَعَل موقفه آخر الناس وزائدة بن قدامة بين يديه، ومقام محمد بن موسى مقام الأمير على الجماعة كلِّها، فأمر محمد مؤذِّنه فأذّن، فلما سمع شبيب الأذان، قال: ما هذا؟ قيل: هذا ابنُ طلحة لم يبرخ، قال: ظننتُ أنّ حمقه وخِيَلاء، سيحملانه على هذا، نحُّوا هؤلاء عَنّا، وانزلوا بنا فلنصلِّ، فنزلَ وأذّن هو، ثم استقدم فصلَّى بأصحابه، وقرأ «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»(1)، و«أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ»(2)، ثم سلّم وركب، وأرسل إلى محمد بن موسى بن طلحة: إنك امرؤ مخدوع قد اتَّقَى بك الحجاج المنيَّة، وأنت لي جارٌ بالكوفة، ولك حقّ فانطلِقْ لما أُمِرتَ به، ولك الله ألّا أسوءك، فأبى محاربته فأعاد عليه الرسول فأبى إلّا قتاله، فقال له شبيب: كأني بأصحابك لو التقتْ حَلْقَتَا البِطان قد أسلموك، وصُرِعَت مصرَع أمثالك، فأطِعْني وانصرفْ لشأنِك، فإني أنفسُ بك عن القَتْل، فأبى وخرج بنفسه، ودعا إلى البِراز، فبرز له البَطين ثم قَعْنَب بن سويد، وهو يأبى إلا شبيباً. فقالوا لشبيب: إنَّه قد رَغِبَ عَنّا إليك، قال: فما ظنُّكم بمَنْ يرغب عن الأشراف! ثم برز
له، وقال له: أنشدك الله يا محمد في دمك، فإنّ لك جواراً! فأبى إلّا قتاله فحمل عليه بعموده الحديد، وكان فيه اثنا عشر رطْلاً، فهشم رأسَه وبيضةً(1)كانت عليه فقتله ونزل إليه فكَفَنه ودفنه، وَتَتَبّع ما غنم الخوارجُ من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه، وقال: هو جارِي بالكوفة، ولي أنْ أهبَ ما غنمت. فقال له أصحابه: ما دون الكوفة الآن أحد يمنعك، فنظر فإذا أصحابه قد فَشَا فيهم الجِراح، فقال: ليس عليكم أكثر مِمّا قد فعلتم.
وخرج بهم على نِفّرَ، ثم خرج بهم نحو بغداد، يطلب خَانِيجار. وبلَغ الحجّاج أنّ شَبِيباً قد أخذ نحو نِفَّر، فظنّ أنّه يريدُ المدائن، وهي باب الكوفة، ومَنْ َأخَذَ المدائن كان ما في يديه من أرض الكوفَةِ أكثر، فهالَ ذلك الحجّاج، وبعثَ إلى عثمان بن قَطَن، فسرَّحه إلى المدائن وولّاه مِنْبَرها والصلاة ومعونة جُوخَى كلها، وخراج الأسْتان، فجاء مسرعاً حتى نزل المدائن وعزل الحجّاجُ ابن أبي عصيفر عن المدائن، وكان الْجزْل مقيماً بِهَا يُدَاوِي جراحاته، وكان ابن أبي عصيفر يعوده ويكرمه، ويُلْطِفه، فلما قِدم عثمان بن قَطَن لم يكن يتعاهده ولا يُلْطِفُه بشيء، فكان الجْزل يقول: اللّهم زاد ابن أبي عصيفر فَضْلاً وكلاماً، وزد عثمان بن قطن ضيقاً وبخلاً.
ثم إنّ الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقال له: انتخب الناس، فأخرج ستمائة من قومه من كِنْدَة، وأخرج من سائر الناس ستة آلاف، واستحثّه الحجاج على الشخوص، فخرج بعسكره بدير عبد الرحمن، فلما استَتَمُّوا هناك كتب إليهم الحجاج كتاباً قرىء عليهم:
أما بعدُ فقد اعتدتم عادة الأذِلاءِ، وولَّيتم الدُّبُر يوم الزَّحْف، دأبَ الكافرين وقد صفحتُ عنكم مَرّةً بعد مرة، وتارة بعد أخرى، وإني أقسم بالله قَسَماً صادقاً لئن عُدْتم لذلك لأوقِعَنَّ بكم إيقاعاً يكون أشدَّ عليكم من هذا العدوّ الذي تنهزمون منه في بطون الأودية والشّعاب وتستترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فليخَفْ مَنْ كان له معقولٌ على نفسه، ولا يجعل عليها سبيلاً، فقد أعْذَر مَنْ أنذر. والسلام.
وارتحل عبدُ الرحمن بالناس حتى مَرَّ بالمدائن، فنزل بها يوماً ليشترِيَ أصحابُه منها حوائجهم، ثم نادى في الناس بالرحيل، وأقبل حتى دخل على عُثمان بن قطن مودّعاً، ثم أتى الجَزْل عائداً، فسأله عن جِرَاحته وحادثه، فقال الجزل: يابن عَمّ، إنّك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحْلاس(2)الخيل، والله لكأنّما خُلِقوا من ضُلوعها، ثم رُبُّوا على
ظهورها، ثم هم أسْدُ الأجَم، الفارسُ منهم أشدُّ من مائة، إن لم يُبْدَأ به بدأ هو، وإن هُجْهِج أقْدَم، وإني قد قاتلتُهم وبلوتُهم، فإذا أصحرتُ لهم انتصفوا مِنّي، وكان لهم الفضل عليّ، وإذا خندقتُ أو قاتلت في مَضِيق نلت منهم ما أحبّ، وكانتْ لي عليهم، فلا تَلْقَهُم وأنت تستطيع إلا وأنت في تعبية أو خندق، ثم ودعه، وقال له: هذه فرسي الفسيفساء خذها فإنها لا تجارَى، فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع شَبِيب عنه إلى دَقُوقاء وشهرزور، فخرج عبدُ الرحمن في طلبه، حتى إذا كان على تُخوم تلك الأرض أقام، وقال: إنّما هو في أرض الموصل، فليقاتِلْ أميرُ الموصل وأهلُها عن بلادهم أو فليدعوا.
وبلغ ذلك الحجّاج، فكتب إليه:
أما بعدُ فاطلبَ شبيباً واسلُكْ في أثره أيْنَ سلك حتى تدرِكه فتقتله أو تنفِيَه عن الأرض فإنما السلطانُ سلطانُ أميرِ المؤمنين، والجند جندُه. والسلام.
فلما قرأ عبدُ الرحمن كتابَ الحجاج خرجَ في طلب شبيب، فكان شبيب يَدَعُه، حتى إذا دنا منه ليبيّته فيجده قد خندق وحَذِر، فيمضي ويتركه، فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغ شبيباً أنّه قد تحمّل وسار بطلبه كَرّ في الخيل نحوه، فإذا انتهى إليه وجده قد صَفَّ خيلَه ورجّالته المرامية فلا يصيبُ له غِرّة ولا غفلة، فيمضي ويَدَعه.
ولما رأى شبيبٌ أنّه لا يصيب غِرّته، ولا يصل إليه، صار يخرج كلّما دنا منه عبد الرحمن، حتى ينزل على مسيرة عشرين فرسخاً، ثم يقيم في أرض غَلِيظة وَعْرَة، فيجيء عبدُ الرحمن في ثَقَلِه وخيله، حتى إذا دنا من شبيب ارتحل، فسار عشرين أو خمسة عشر فرسخاً، فنزل منزلاً غَلِيظاً خشناً، ثم يقيم حتى يبلُغَ عبدُ الرحمن ذلك المنزل، ثم يرتحل فعذَّب العسكر، وَشَقَّ عليهم، وأخفَى دوابَّهم، ولَقُوا منه كلّ بلاء.
فلم يزل عبد الرحمن يتبعه، حتى صار إلى خانِقين وجَلولاء، ثم أقبل على تَامَرّا، فصار إلى البَتّ، ونزل على تُخوم الموصل ليس بينه وبين الكوفة إلا نهر حَوْلَايا، وجاء عبدُ الرحمن حتى نزلَ بشرقّ حَوْلَايا، وهم في راذان الأعلى من أرض جُوخَى، ونزل في عواقيل من النهر ونزلها عبدُ الرحمن حيث نزلها، وهي تعجبه، يرى أنّها مثل الخندق الحصين.
فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن أنّ هذه الأيام أيام عيد لنا ولكم، فإن رأيتُم أن توادعونا حتى تمضِي هذه الأيام فعلتم، فأجابه عبد الرحمن إلى ذلك، ولم يكن شيء أحبَّ إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة، فكتب عثمان بن قَطَن إلى الحجاج:
أما بعد، فإنّي أخبرُ الأمير أصلحه الله، أنّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد حفر جُوخَى كلّها عليه خندقاً واحداً، وخلّى شبيباً، وكسر خراجها، فهو يأكل أهلها، والسلام.
فكتب إليه الحجاج:
قد فهمتُ ما ذكرت، وقد لَعمرِي فَعل عبد الرحمن، فسِرْ إلى الناس، فأنت أميرُهم وعاجل المارِقة حتى تلقاهم، فإن الله إن شاء ناصرك عليهم، والسلام.
وبعث الحجاج على المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدِم على عبد الرحمن ومَنْ معه، وهم معسكرون على نهر حوْلايا، قريباً من البتّ، وذلك يوم التروية عشاء، فنادى في الناس، وهو على تَلْعة: أيها الناس، اخرجوا إلى عَدُوّكم. فوثبوا إليه وقالوا: ننشدُك الله! هذا المساء قد غِشُينا، الناس لم يوطِّنوا أنفسَهم على القتال فبتِ الليلةُ ثم اخرج محمد ريح على تعبية، فجعل يقول: لأناجِزَنّهم الليلة، ولتكونَنّ الفرصة لي أو لهم، فأتاه عبدُ الرحمن بن محمد بن الأشعث، فأخذ بَعنان بَغْلته، وناشده الله لما نزل، وقال له عقيل بن شَدّاد السلوليّ: إنّ الذي تريدُه من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غداً، وهو خير لك وللناس، إنّ هذه ساعة ریح قد اشتدّت مساء، فانزل، ثم أبكِرْ بنا غدوة..
فنزل وسَفَت عليه الريح، وشقّ عليه الغبار، فاستدعى صاحب الخراج عُلُوجاً، فبنوْا له قُبّة، فيات فيها، ثم أصبح فخرج بالناس، فاستقبلتْهم ريح شديدة وغَبَرة، فصاح الناسُ إليه وقالوا: ننشدك الله ألّا تخرج بنا في هذا اليوم! فإنّ الريح علينا، فأقام ذلك اليوم.
وكان شبيب يخرج إليهم، فلما رآهم لا يخرجون إليه أقام، فلما كان الغد خرج عثمان يعبِّي الناس على أرباعهم، وسألهم: مَنْ كان على ميمنتكم وميسرتكم؟ فقالوا: خالد بن نَهِيك بن قيس الكِنْديّ على ميسرتنا، وعَقيل بن شَدّاد السلوليّ على ميمتنا، فدعاهما وقال لهما: قفا في مواقفكما التي كنتما بها، فقد ولّيتُكما المُجَنّبتَيْن، فاثبتا ولا تفرّا، فوالله لا أزولُ حتى تَزُولَ نخیل راذان عن أصولها. فقالا: نحن والله الذي لا إله إلا هو لا نفرّ حتى نظفر أو نقتل، فقال لهما: جزاكما الله خيراً! ثم أقام حتى صلّى بالناس الغداة، ثم خرج بالخيل، فنزل يمشي في الرّجال، وخرج شبيب ومعه يومئذٍ مائة وأحد وثمانون رجلاً، فقطع إليهم النهر وكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على الميسرة سويد بن سليم، وجعل في القلب مصَاداً أخاه وزحفوا، وكان عثمان بن قَطَن يقول لأصحابه فيُكثر: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا»(1).
ثم قال شبيب لأصحابه: إني حاملٌ على ميسرتهم، ما يَلي النهر، فإذا هزمتُها فليحمِلْ صاحبُ ميسرتي على ميمنتهم، ولا يبرحْ صاحبُ القلب حتى يأتيَه أمرِي، ثم حمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن، فانهزموا، ونزل عقيل بن شدَّاد مع طائفة من أهلِ الحفاظ، فقاتل حتى قُتِل، وقتلوا معه.
1) سورة الأحزاب، الآية: 16
ودخل شبيب عسكرَهم، وحمل سويد بن سليم في ميسرَة شبيب على ميمنة عثمان بن قَطَن فهزمها، وعليها خالد بن نَهِيك الكِنْديّ، فنزل خالد، وقَاتَل قتالاً شديداً، فحمل عليه شبيب مِنْ ورائه، فلم يَنْثَنِ حتى علاه بالسيف فقتَله، ومشى عُثمان بن قَطَن، وقد نزلت معه العُرَفاء والفُرْسان وأشرافُ الناس نحو القلب، وفيه أخو شَبِيب في نحو من ستين رجلاً، فلمّا دَنَا منهم عثمان، شَدَّ عليهم في الأشراف وأهل الصبر، فضربهم مَصَاد وأصحابه، حتى فَرّقوا بينهم، وحمل شبيبٌ من ورائهم بالخيل، فما شَعَرُوا إلّا والرِّماح في أكتافهم تَكُبّهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم أيضاً في خيله، وقاتل عثمان فأحسنَ القتال.
ثم إن الخوارجَ شَدُّوا عليهم، فأحاطوا بعُثْمان، وحَمَل عليه مَصاد أخو شبيب: فضربه ضربةً بالسيف استدار لها وسقط، وقال: «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا»(1)، فقتل وقُتِل العُرَفاء ووجوه الناس، وقُتِل مِنْ كِنْدة يومئذٍ مائة وعشرون رجلاً، وقتل مِنْ سائر الناس نحو ألف، ووقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الأرض، فعرَفه ابن أبي سَبْرة، فنزل وأركبه، وصار رديفاً له. وقال له عبدُ الرحمن: نادِ في الناس، الحقوا بدَيْر ابن أبي مريم، فنادى بذلك، وانطلقا ذاهبين، وأمر شبيب أصحابَه، فرفعوا عن الناس السيف ودعاهم إلى البيعة، فأتاه مَنْ بَقَي من الرجال، فبايعوه، وبات عبدُ الرحمن بدير اليَعار، فأتاه فارسان ليلاً، فخلا به أحدِهما يناجيه طويلاً، وقام الآخر قريباً منهما، ثم مَضَيا ولم يعرفا فتحدّث الناس أن المناجيَ له كان شبيباً، وأنّ الذي كان يرقُبُهما كان مصَاداً أخاه، واتّهم عبد الرحمن بمكاتبة شبيب من قبل.
ثم خرج عبد الرحمن آخرَ الليل، فسار حتى أتى دير ابن أبي مريم، فإذا هو بالناس قَبْله قد سَبَقوه، وقد وضع لهم ابن أبي سبرة صُبَر الشعير والقَتّ كأنها القصور، ونحر لهم من الجزور ما شاؤوا، واجتمع الناس إلى عبد الرحمن، فقالوا له: إن علم شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة، قد تفرّق الناس عنك، وقُتِل خيارهم، فالحق أيّها الرجل بالكوفة.
فخرج وخرج معه الناس، حتى دخل الكوفةَ مستتراً من الحجاج، إلى أن أخِذ له الأمان بعد ذلك.
ثم إن شبيباً اشتدّ عليه الحرّ وعلى أصحابه، فأتى ماه بهراذان، فصيَّف بها ثلاثة أشهر وأتاه ناسٌ ممن كان يطلب الدنيا والغنيمة كثير، ولحق به ناسٌ ممن كان يطلبهم الحجاج بمالٍ وتبعة، فمنهم رجل يقال له الحرّ بن عبد الله بن عوف، كان قتل دِهْقانين من أهل نهر در قيط كانا أساءا إليه، ولحق بشبيب حتى شهد معه مواطنه إلى أن هلك، وله مقام عند الحجاج وكلام سَلِم به من
1) سورة الأحزاب، الآية: 33
القتل، وهو أنّ الحجاج بعد هلاك شبيب، أمَّن كلَّ من خرج إليه ممن كان يطلبهم الحجاج بمالٍ، أو تبعة، فخرج إليه الحرّ فمن خرج، فجاء أهل الدهقانين يستعدُون عليه الحجّاج، فأحضره، وقال: يا عدوّ الله، قتلت رجلْين من أهل الخراج، فقال: قد كان أصلحك الله مِني ما هو أعظم من هذا، قال: وما هو؟ قال: خروجي عن الطاعة، وفراقي الجماعة، ثم إنك أمَّنت كلّ من خرج عليك، وهذا أماني وكتابك لي.
فقال الحجاج: قد لَعَمْرِي فعلتُ، ذلك أوْلى لك! وخَلّى سبيله.
ثم لما باخ الحرّ، وسكن عن شبيب خرج من ماه نهروان في نحو من ثمانمائة رجل فأقبل نحو المدائن، وعليها المطرّف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان فكتب ماذراسب وهو عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج يخبره خبر شبيب وقدومه إلى قناطر حذيفة، فقام الحجاج في الناس وخطبهم، وقال:
أيها الناس، لتقاتِلُنّ عن بلادكم وفيئكم، أو لأبعثنّ إلى قومٍ هم أطوع وأسمع، وأصبر على البلاء منكم، فيقاتلون عدوّكم ويأكلون فيئكم - يعني جند الشام.
فقام إليه الناس من كلّ جانب، يقولون: بل نحن نقاتلهم، ونغيِث الأمير، فليندبنا إليهم فإنّا حيث يسرّه.
وقام إليه زُهرة بن حَوّية - وهو يومئذٍ شيخ كبير لا يَسْتَمّ قائماً، حتى يؤخذ بيده - فقال: أصلح الله الأمير! إنك إنما تبعث الناس متقطعين، فاستنفِر إليهم الناس كافة، وابعث عليهم رجلاً متيناً شجاعاً مجرّباً، يرى الفِرار هَضْماً وعاراً، والصبر مجداً وكرماً.
فقال الحجاج: فأنت ذاك، فاخرج.
فقال: أصلح الله الأمير! إنّما يصلح هذا الموقف رجلٌ يحمل الرمح والدِّرْع، ويَهُزّ السيف، ويثُبت على مَتْن الفرس، وأنا لا أطيق ذلك، فقد ضعفت وضَعُف بصري ولكن ابعثني مع أميرٍ تعتمده، فأكون في عسكره، وأشير عليه برأيي.
فقال: جزاك الله عن الإسلام والطاعة خيراً، لقد نصحت وصدّقت، وأنا مخرج الناس كافة، ألا فسيرُوا أيها الناس.
فانصرف الناس يجهزون وينتشرون، ولا يدرون مَنْ أميرهم.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك:
أما بعد، فإني أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله، أنّ شبيباً قد شارفَ المدائن، وإنما يريدُ لكوفة، وقد عَجَز أهل العراق عن قِتَاله في مواطنَ كثيرة، في كلّها تُقتَل أمراؤهم ويُفَلّ خيولهم أجنادهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليَّ جنداً من جند الشام ليقاتلوا عدوَّهم، ويأكلوا لادهم فعل إن شاء الله.
فلما أتى عبدَ الملك كتابُه بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف، وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ من مذحِج في ألفين وسَرّحهم نحوه حين أتاه الكتاب.
وقد كان الحجّاج بعث إلى عَتّاب بن ورقاء الرِّياحيّ ليأتيَه، وكان على خيل الكوفة مع المهلّب، ودعا الحجاجُ أشراف أهل الكوفة، منهم زُهرة بن حَويّة، وقبيصة بن والق، فقال: مَنْ ترون أنْ أبعثَ على هذا الجيش؟ قالوا: رأيك أيها الأمير أفضلُ، قال: إنّي قد بعثتُ إلى عتّاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة، فيكون هو الذي يسير بالناس، فقال زُهرة بن حَويّة: أصلَحَ الله الأمير! رميتَهم بحَجَرهم، لا والله لا يرجعُ إليك حتى يظفَر أو يقتل.
فقال قبيصة بن والق: وإنّي مشيرٌ عليك أيها الأمير برأي اجتهدته، نصيحةً لك ولأمير المؤمنين ولعامّة المسلمين، إنّ الناس قد تحدَّثُوا أنّ جيشاً قد وَصَل إليك من الشام، لأنّ أهل الكوفة قد هُزِموا، وهان عليهم الفِرار والعار من الهزيمة، فكأنّما قلوبهم في صدور قوم آخرين، فإنْ رأيتَ أنْ تبعثَ إلى الجيش الذي قد أُمدِدْتَ به من أهل الشام، فليأخذوا حذرهم ولا يثبتوا بمنزلٍ إلا وهم يروْن أنهم يبيتون، فإن فعلت فإنك إنما تحارب حُوّلاً قُلَّباً مِحْلَالاً مظعاناً، إنّ شبيباً بينا هو في أرض إذا هو في أخرى، ولا آمن من أن يأتيَهم وهم غارّون، فإن يهلكوا يهلك العراق كلّه.
فقال الحجاج: لله أبوك! ما أحسنَ ما رأيت! وما أصحّ ما أشرت به! فبعث إليه الجيش الوارد عليه من الشام كتاباً قرؤوه وقد نزلوا هِيت، وهو:
أما بعد، فإذا حاذيتم هِيت، فدَعُوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا عَلَى عين التمر، حتى تقدموا الكوفة، إن شاء الله.
فأقبل القوم سِراعاً، وقدم عَتّاب بن ورقاء في الليلة التي قال الحجّاج إنه فيها قادم، فأمّره الحجّاج، فخرج بالنّاس، وعسكر بحمّام أَعْين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كَلْوَاذى، فقطع منها دِجْلة، وأقبل حتى نزل بَهُرسير، وصار بينه وبين مطرّف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة فقطع مطرف الجسر، ورأى رأياً صالحاً كادَ به شبيباً، حتى حبسه عن وجهه، وذلك أنّه بعث إليه: أن أبعثْ إليّ رجالاً من فقهاء أصحابك وقرَّائهم، وأظهر له أنّه يريد أن يدارسَهم القرآن وينظر فيما يدعون إليه، فإن وجد حقاً اتبعه، فبعث إليه شبيب رجالاً، فيهم قَعْنب وسويد والمحلّل، ووصّاهم ألّا يدخلوا السفينة حتى يرجع رسولُه من عند مطرّف، وأرسل إلى مطرّف: أن ابعثْ إليّ من أصحابك ووجوه فُرسانك بعدة أصحابي، ليكونوا رَهْناً في يدي حتى تردّ عليْ أصحابي. فقال مطرّف لرسله: القه، وقل له: كيف آمنك الآن على أصحابي إذ أبعثهم إليك، وأنت لا تأمنُني على أصحابك! فأبلغه الرسول، فقال: قل له: قد عَلِمت أنّا لا نستحلّ الغَدْر في ديننا، وأنتم قوم غُدُر تستحلّون الغَدْر وتفعلونه. فبعث إليه مطرّف جماعةً من وجوه
صحابه، فلما صارُوا في يد شبيب، سرَّح إليه أصحابه، فَعَبُروا إليه السفينة، فأتَؤه، فمكثوا ربعة أيام يتناظرون، ولم يتفَّقوا على شيء، فلما تبيّن لشبيب أن مطرّفاً كاده وأنه غير متابع له، لعبّى للمسير، وجَمَع إليه أصحابه، وقال لهم: إنّ هذا الثقفيّ قطعني عن رأيي منذ أربعة أيام، ذلك أنّي هممت أن أخرُج في جريدة من الخيل، حتى أَلْقَى هذا الجيش المقبل من الشام، أرجُو أن أصادِفَ غِرَّتَهم قبل أن يحذَرُوا، وكنت ألقهم منقطعين عن المِصر، ليس عليهم أمير الحجاج يستندون إليه، ولا لهم مِصْرٌ كالكوفة يعتصمون به، وقد جاءني عيوني أَنّ أَوائلَهم قد خلوا عَيْن التّمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاءني أيضاً عُيون من نحو عَتّاب أنه نزل حمام أَعْيَن بجماعة أهل الكوفة وأهل البصرة، فما أقربَ ما بيننا وبينهم! فتيسَّرُوا بنا للمسير ى عتّاب.
وكان عتاب حينئذ قد أخرَج معه خمسين ألفاً من المقاتلة، وهدّدهم الحجاج إن هربوا لعادة أهل الكوفة، وتوعَّدَهم، وعَرَض شبيب أصحابه بالمدائن، فكانوا ألفَ رجل فخطبهم قال: يا معشرَ المسلمين، إنّ الله عزّ وجلّ كان ينصركم وأنتم مائة ومائتان، واليوم فأنتم مئون ومئون]، أَلَا وَإِنِّي ،مصلٍّ، ثمّ سائر بكم إن شاء الله.
فصلّى الظهر، ثم نادى في النّاس، فتخلَّف عنه بعضُهم.
قال فروة بن لقيط: فلما جَاز ساباط، ونزلْنا معه، قَصّ علينا، وذكّرنا بأيام الله، وزهَّدَنا في دنيا، ورَغْبنا في الآخرة. ثم أذن مؤذنه فصلّى بنا العصر، ثم أقبل حتى أشرف على عَتّاب بن قاء، فلما رأى جيشَ عتاب نزل من ساعته، وأمر مؤذّنه، فأَذّن ثم تقدّم، فصلّى بأصحابه صلاةَ المغرب، وخرج عتّاب بالناس كلهم فعيّاهم، وكان قد خندق على نفسه مذ يوم نزل.
وجعل على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمْداني، قال له: يابن أخي ك شريف، فاصبر وصابر، فقال: أما أنا فوالله لأقاتلنّ ما ثَبَت معي إنسان.
وقال لقبيصة بن والق التغَلبيّ: اكفني الميسرة، فقال: أنا شيخ كبير، غايتي أنْ أثبتَ تحت يتي، أما تراني لا أستطيع القيام إلا أن أَقام، وأخي نعيم بن عليم ذُو غناء، فابعثه على میسرة. فبعثه عليها. وبعث حنظلة بن الحارث الرياحيّ ابن عمه، وشيخ أهل بيته على رجَّالة، وبعث معه ثلاثة صفوف: صفٌّ فيه الرجَّالة ومعهم السيوف، وصفٌّ هم أصحاب ماح، وصفٌّ فيه المرامية.
ثم سار عَتّاب بين الميمنة والميسرة يمرّ بأهل راية راية، فيحرّض مَنْ تحتها على الصَّبر ومن مه يومئذٍ: إنّ أعظمَ الناس نصيباً من الجنة الشهداء، وليس الله لأحَدٍ أمقتَ منه لأهل البغي، ترون عدوَّكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرى ذلك إلا قربةً لهم! فهم شرار أهل رض، وكلاب أهل النار. فلم يجبه أحد، فقال: أين القُصّاص يقصّون على الناس
ويحرّضونهم؟ فلم يتكلم أحد، فقال: أين من يَرْوِي شعر عنترة، فيحرّك الناس؟ فلم يجبه ولا ردّ عليه كلمة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، والله لكأني بكم وقد تفرّقتم عن عتاب وتركتموه تسفِي في اسْتِه الريح، ثم أقبل حتى جلس في القلب، ومعه زهرة بن حَوِيَّة، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
وأقبل شبيب في ستمائة، وقد تخلّف عنه من الناس أربعمائة، فقال: إنّه لم يتخلّفْ عَنِّي إلا مَنْ لا أحبّ أنْ أراه معي، فبعث سويد بن سليم في اثتين إلى الميسرة، وبعث المحلّل بن وائل في مائتين إلى القلب، ومضى هو في مائتين إلى الميمنة، وذلك بين المغرب والعشاء الآخرة، حین أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ قالوا: رايات هَمْدان. فقال: رايات طالَما حين نَصرَت الحقِّ، وطالما نصرت الباطل: لها في كلِّ نصيبٌ، أنا أبو المدلّة اثبتوا إن شئتم. ثم حمل عليهم، وهم على مسنَاة أمام الخندق، ففضّهم، وثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق.
فجاء شبيب فوقف عليه، وقال لأصحابه: مَثَل هذا قولُه تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ»(1).
ثم حمل على الميسرة فَفَضّها، وصمد نحو القلب، وعُتاب جالس على طِنْفِسةٍ، هو وزهرة بن حَوِيَّة، فغشيَهم شبيب، فانفضَّ الناسُ عن عتاب وتركوه، فقال عتاب: يا زُهرة، هَذَا يومٌ كثُر فيه العدد، وقلّ فيه الغَناء، لهفي على خمسمائة فارسٍ من وُجُوه الناس، ألا صابرٌ لعدوه! ألا مواسٍ بنفسه! فمضى الناس عَلَى وجوههم، فلما دنا منه شبيب وَثَب إليه في عصابة قليلة صبرت مَعَه، فقال له بعضهم: إنّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد هرب، وانصفق معه ناس كثير، فقال: أما إنه قد فَرّ قبل اليوم، وما رأيت مثل ذلك الفتى، ما يبالي ما صنع ثم قاتلهم ساعة، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قَطّ موطناً لم أبلّ بمثله، وأقلّ ناصراً، ولا أكثر هارباً خاذلاً، فرآه رجلٌ من بني تغْلب من أصحاب شبيب - وكان أصاب دماً في قومه، والتحق بشبيب: فقال: إني لأظُنّ هذا المتكلّم عتّاب بن ورقاء، فحمَل عليه فطعنه، فوقع وقُتِل ووطئت الخيل زُهرة بن حَوِيَّة، فأخذ يذبّب بسيفه، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن ينهض فجاءه الفضل بن عامر الشيبانيّ فقتله، وانتهى إليه شبيب، فوجده صَرِيعاً فعرفه، فقال: مَنْ قتل هذا؟ قال الفضل: أنا قتلته، فقال شبيب: هذا زَهرة بن حَوِيَّة، أما والله لئن كنتَ قُتِلتَ عَلَى ضلالةٍ، لربَّ يوم من أيام المسلمين قد حَسُن فيه بلاؤك، وعظم فيه غنَاؤك، ولربّ خيلٍ للمشركين هزمَتها، وسَرِيّة لهم ذعرتَها، ومدينةٍ لهم فتحتَها! ثم كان في علم الله أن تُقْتل ناصراً للظالمين.
وقتل يومئذٍ وجوهُ العرب من عسكَر العراق في المعركة: واستمكن شبيبٌ من أهل العسكر،
1) سورة الأعراف، الآية: 175
فقال: ارفعُوا عنهم السيف، ودعاهم إلى البَيْعة، فبايعه الناس عامّة من ساعتهم واحتوى على جميع ما في العسكر، وبعث إلى أخيه وهو بالمدائن، فأتاه فأقام بموضع المعركة يومين، ودخل سفيان بن الأبرد الكلبيّ، وحبيب بن عبد الرحمن فيمن معهما إلى الكوفة فشدُّوا ظهرَ الحجاج، واستغنى بهِمْ عن أهل العراق، ووصلته أخبار عَتّاب وعسكره، فَصَعِد المنبر، فقال: یا أهلَ الكوفة، لا أعَزّ الله مَنْ أراد بكم العزّ، ولا نَصَر مَنْ أراد منكم النصر اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتالَ عدونا، والحقوا بالحيرة، فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا يقاتلنّ معنا إلّا مَنْ لم يشهد قتال عتّاب بن ورقاء.
وخرج شبيب يريد الكوفة، فانتهى إلى سورا، فقال لأصحابه: أيُّكم يأتيني برأس عاملها، فانتدب إليه قَطِين، وقَعْنب، وسويد، ورجلان من أصحاب شَبِيب، فكانوا خمسة وساروا حتى انتهوْا إلى دار الخراج، والعمال فيها، فقالوا: أجيبوا الأمير، فقال الناس: أيّ أميرٍ؟ قالوا: أمير قد خرج من قِبَل الحجاج، يريد هذا الفاسق شبيباً، فاغترّ بذلك عامل سُورَا فخرج إليهم، فلما خالطهم شَهَرُوا السيوف، وحكّموا وخَبَطُوه بها حتى قتلوه، وقبضوا ما وجدوا في دار الخراج من مالٍ، ولحقوا بشبيب.
فلما رأى شبيب البدرَ، قال: أتيتمونا بفتنة المسلمين! هلمّ يا غلام الحربة، فحرّق بها البِدر، وأمر أن تنخَسَ الدوابّ التي كانت البدَر عليها، فمرّت رائحة، والمال يتناثر من البدَر(1)حتى وردت الصّراة، فقال: إن كان بقيَ شيء فاقذفوه في الماء.
وقال سفيان بن الأبرد للحجّاج: ابْعَثِني إلى شَبِيب أستقبله قبل أنْ يَرِد الكوفة، فقال: لا، ما أحبّ أن نفترق حتى ألقه في جماعتكم، والكوفة في ظهرنا، وأقبل شبيب حتى نزلَ حَمّام أعين، ودعا الحجاج الحارث بن معاوية بن أبي زرعة بن مسعود الثقفيّ فوجّهه في ناس لم يكونوا شهدُوا يوم عتاب. فخرج في ألف رجل، حتى انتهى إلى شبيب ليدفعه عن الكوفة، فلما رآه شبيب حَمَل عليه فقَتَله، وفَلّ أصحابه. فجاؤوا حتى دخلوا الكوفة، وبعث شبيب البَطِين في عَشَرة فوارس يرتادون له منزلاً على شاطىء الفرات، في دار الرزق، فوجّه الحجاج حوشب بن يزيد، في جمع من أهل الكوفة، فأخذُوا بأفواه السكك، فقاتلهم البطيم فلم يَقْوَ عليهم، فبعث إلى شبيب، فأمدّه بفوارس من أصحابه، فعقروا فرس حَوْشب وهزموه، فنجا بنفسه، ومضى البَطِين إلى دار الرزق في أصحابه، ونزل شبيب بها، ولم يوجّه إليه الحجاج أحداً، فابتني مسجداً في أقصى السَّبَخة، وأقام ثلاثاً لم يوجِّه إليه الحجاج أحداً، ولا يخرج إليه من أهل
1) البِدَر: جمع بدرة وهي جلد السغلة إذا فُطِم. اللسان، مادة (بدر)
الكوفة، ولا من أهل الشام أحَدٌ، وكانت امرأته غزالة نَذَرت أن تصلّيَ في مسجد الكوفة ركعتين، تقرأ فيهما بالبقرة وآل عمران.
فجاء شبيبٌ مع امرأته حتى أوفَتْ بنذرها في المسجد، وأشير على الحجاج أن يخرُج بنفسه إليه، فقال لقتيبة بن مسلم: إنّي خارج، فاخرج أنت، فارتدْ لي معسكراً، فخرج وعاد، فقال: وجدت المَدَى سهلاً، فسر أيها الأمير على اسم الله والطائر الميمون، فخرج الحجّاج بنفسه، ومرَّ على مكان فيه كناسة وأقذار، فقال: ألقوا لي هنا بساطاً، فقيل له: إنّ الموضع قَذِرَ، فقال: ما تدعوني إليه أقذر، الأرضُ تحته طيبة، والسماء فوقه طيبة.
ووقف هناك وأخرج مولى له يعرف بأبي الورد، وعليه تِجْفَاف(1)، وأحاط به غِلْمان كثير وقيل: هذا الحجاج، فحمل عليه شبيب فقتله، وقال: إن يكن الحجاج، فقد أرَحْتُ الناس منه، ودلف الحجاج نحوه حينئذٍ، وعلى ميمنته مطر بن ناجية، وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء، وهو في زهاء أربعة آلاف، فقيل له: أيها الأمير لا نعرف شبيبًا بمكانك، فتنكَّر وأخفى مكانه، وتشبه به مولى آخر للحجاج في هيئته وزيه، فحمل عليه شبيب، فضربه بالعمود فقتله، ويقال إنه قال لما سقط: «أخ» بالخاء المعجمة فقال شبيب: قاتل الله ابن أمّ الحجاج! اتقى الموت بالعبيد، وذلك أن العرب تقول عند التأوه «أح» بالحاء المهملة.
ثم تشبّه بالحجاج أعْيَن صاحب حَمّام أعيَن، ولبس لبسته، فحمل عليه شبيب فقتله، فقال الحجاج: عليّ بالبغل لأركبه، فأتِيَ ببغل محجَّل، وقيل: أيها الأمير، أصلحك الله! إنّ الأعاجم كانت تتطيّر أن تركب مثل هذا البغل في مثل هذا اليوم، فقال: أدنوه مني فإنّه أغرّ محجّل، فركبه، ثم سار في الناس يميناً وشمالاً ثم قال: اطرحوا لي عَباءة، فطرِحَتْ له، فنزل فجلس عليها، ثم قال: ائتوني بكرسيّ، فأتِيَ به، فقام فجلس عليه ثم نادى أهلَ الشام، فقال: يا أهلَ الشام، يا أهلَ السمع والطاعة، لا يغلِبَنّ باطلُ هؤلاء الأرجاس حقَّكم، غُضّوا الأبصار، واجثوا على الرُّكَب، واستقبلوا القوم بأطراف الأسِنّة، فجثوْا على الرُّكَب، وكأنهم حَرّة سوداء.
ومنذ هذا الوقت ركدت ريح شبيب، وأذِن الله تعالى في إدبار أمره، وانقضاء أيامه فأقبل، حتى إذا دنا من أهل الشام عَبّى أصحابَه ثلاثة كراديس، كَتِيبة معه، وكَتِيبة مع سُويد بن سُليم وكتيبة مع المحلّل بن وائل، وقال لسُويَد: احمل عليهم في خيلك، فحمَل عليهم فثبتوا له حتى
1) التجفاف: ما جلل به الغرس من سلاح أو آله تقيه الجراج، وقد يلبسه الإنسان أيضاً. اللسان، مادة (جفف)
ذا غَشِي أطراف أسنتهم، وثبوا في وجهه، فقاتلهم طويلاً، فصبروا له، ثم طاعنوه، قُدُمًا قُدُمًا، حتى الحقوه بأصحابه.
فلما رأى شبيب صبرَهم، نادی: یا سُویَد، احمل في خيلك في هذه الرايات الأخرى لعلّك نزيل أهلها، فتأتِي الحجاجَ من ورائه، ونحمِل نحن عليه من أمامه. فحمل سويد على تلك لرايات، وهي بين جدران الكوفة، فرمى بالحجارة من سطوح البيوت، ومن أفواه السّكك، انصرف ولم يظفروا.
ورماهم عُروة بن المغيرة بن شعبة بالسهام، وقد كان الحجاج جعله في ثلاثمائة رامٍ من أهل لشام رِدْءاً له كي لا يؤتى من ورائه، فصاح شبيب في أصحابه:
يا أهلَ الإسلام! إنما شَرَيْتُم لله، ومن يكن شراؤه لله لم يضرَّه ما أصابه من ألم وأذى لله بوكم! الصبرَ الصبر، شَدّة كشدَّاتِكم الكريمة في مواطنكم المشهورة.
فشدّوا شَدّة عظيمة، فلم يُزل أهل الشام عن مراكزهم، فقال شبيب: الأرضَ! دبّوا دبيباً حت تِراسكم، حتى إذا صارت أسِنّة أصحاب الحجاج فوقها، فاذْلِقُوها صُعُداً، وادخلوا حتها، واضرِبُوا سوقهم وأقدامهم، وهي الهزيمةُ بإذن الله. فأقبلوا يدبُّون دبيباً تحت الجَحَف: لمْداً صمْداً، نحو أصحاب الحجاج.
فقال خالد بن عتاب بن ورقاء: أيها الأمير، أنا موتور، ولا أنّهم في نصيحتي، فأذَنْ لي تى آتِيَهم من ورائهم، فأغيرَ على معسكرهم وثَقلهم، فقال: افعل ذلك، فخرج في جَمْع من واليه وشَاكِريّتِه وبني عمّه، حتى صار من ورائهم، فالتقى بمصَاد أخي شبيب فقتله، وقَتَل غَزالَ مرأة شبيب، وألقى النار في معسكرهم، والتفت شبيب والحجّاج، فشاهدا النار، فأمّا الحجّاج كبّر وكبّر أصحابُه، وأما شبيب، فوثب هو وكلُّ راجل من أصحابه على خيولهم مرعوبين، بال الحجّاج لأصحابه: شُدّوا عليهم، فقد أتاهم ما أرعبهم، فشدُّوا عليهم فهزموهم، وتخلّف شبیب في خاصّة الناس، حتى خرج من الجسر، وتبعه خيل الحجّاج وغَشِيه النُّعاس، فجعل تفق برأسه، والخيل تطلبه.
قال أصغر الخارجيّ: كنت معه ذلك اليوم، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، التفتْ فانطر مَنْ لفك، فالتفتَ غير مكترِث، وجعل يخفِق برأسه. قال: ودَنوْا منا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين قد القوم منك، فالتفت والله ثانية غيرَ مكترث بهم، وجعل يخفِق برأسه، وبعث الحجاج خيلاً كُض تقول: دعوه يذهب في حرق الله، فتركوه وانصرفوا عنه.
ومضى شبيب بأصحابه، حتى قطعوا جسر المدائن، فدخلوا دَيْراً هناك، وخالد بن عتاب توهم، فحصرهم في الدير، فخرج شبيب إليه فهزمه وأصابه نحواً من فرسخين، حتى ألْقَى
خالد نفسه في دجلة هو وأصحابه بخيولهم، فمرّ به شبيب، فرآه في دجلة، ولواؤه في يده فقال: قاتله الله فارساً، وقاتل فرَسه! فرس هذا أشدُّ الناس قوة، وفرسه أقوى فرس في الأرض، وانصرف، فقيل له بعد انصرافه: إنّ الفارس الذي رأيت هو خالد بن عتاب بن ورقاء، فقال: معرق في الشجاعة! لو علمت لأقحمت خَلْفه، ولو دخل النار.
ثم دخل الحجاج الكوفة بعد هزيمة شبيب، فصعد المنبر، وقال: والله ما قُوتل شبيب قطّ قبل اليوم، ولّى هارباً، وترك امرأته يُكْسر في استّها القصب.
ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل اشام، وقال: احذر بَيَاته، وحيثما لقيته فنازله، فإنّ الله تعالى قد فَلَّ حَدَّه، وقصم نابه. فخرج حبيب في أثرِه حتى نزل الأنبار، وبعث الحجاج إلى العمال: أن دُسُّوا إلى أصحاب شبيب، مَنْ جاءنا منكم فهو آمن، فكان كلُّ مَنْ ليست له بصيرة في دين الخوارج، ممن هزَّه القتال. وكرهه ذلك اليوم يجيء فيؤمن. وقبل ذلك كان الحجّاج نادى يوم هُزِم شبيب: من جاءنا فهو آمن، فتفرّق عن شبيب ناس كثير من أصحابه.
وبلغ شبيباً منزلُ حبيب بن عبد الرحمن بالأنبار، فأقبل بأصحابه حتى دنا منه، فقال يزيد السّكسكي: كنت مع أهل الشام بالأنبار ليلةَ جاءنا شبيب، فبيّتنا، فلما أمسينا جمَعنا حبيب بن عبد الرحمن، فجعلَنا أرباعاً، وجعل على كلِّ رُبْع أميراً، وقال لنا: لِيَحْم كلّ رُبْعٍ منكم جانبَه فإن قُتِل هذا الربع فلا يُعنْهم الرُّبْع الآخر، فإنه بَلَغني أنّ الخوارج منكم قريب، فوطّنُوا أنفسَكم على أنكم مبيّتون فمقاتَلُون، قال: فما زِلنا على تعبيتنا حتى جاءنا شبيب تلك الليلة فبيَّتنا، فشدّ على رُبْعٍ مِنّا فصابرهم طويلاً، فما زالت قدمُ إنسان منهم. ثم تركهم وأقبل إلى ربع آخر فقاتلهم طويلاً فلم يظفر بشيء، ثم طاف بنا يحمل علينا رُبْعاً رُبْعاً، حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل ولصِق بنا حتی قلنا: لا يفارقنا، ثم ترجَّل فنازَلَنا راجلاً نِزَالاً طويلاً هو وأصحابه، فسقطتْ والله بيننا وبينهم الأيدي والأرجل، وفُقِئت الأعين، وكَثُرتْ القتلى، فقتلنا منهم نحو ثلاثين وقَتَلوا منّا نحو مائة، وايمُ الله لو كانوا أكثر من مائتي رجل لأهلكونا، ثم فارقونا وقد مَلِلْناهم ومَلّونا، وكرهناهم وَكرهونا، ولقد رأيتُ الرجل مِنّا يضرب الرجل منهم بالسيف فما يضره من الإعياء والضعف، ولقد رأيتُ الرجل منّا يقاتل جالساً ينفح بسيفه ما يستطيع أن يقومَ من الإعياء والبُهْر(1). حتى ركب شبيب، وقال لأصحابه الذين نزلوا معه: اركبُوا، وتوجّه بهم مُنْصرِفاً عنا.
فقال فروة بن لقيط الخارجي - وكان شهد معه مواطنه كلها - قال لنا ليلتنذ، وقد رأى بنا
1) البهر: الغلبة. اللسان، مادة (بهر)
كآبة ظاهرة، وجراحاتٍ شديدة: ما أشدّ هذا الذي بنا لو كنا نطلب الدنيا! وما أيسرَ هذا في طاعة الله وثوابه! فقال أصحابُه: صدقتَ يا أمير المؤمنين.
قال فَرْوة بن لقيط: وسمعتُه تلك الليلة يحدِّث سوَيد بن سُلَيم، ويقول له: لقد قتلت منهم أمسِ رَجُلَيْن من أشجع الناس، خرجت عشيَّة أمس طليعة لكم، فلقيتُ منهم ثلاثة نفر دخلُوا قرية يشترون منها حوائجهم، فاشترى أحدُهم حاجته، وخرج قبل أصحابه فخرجت معه، فقال لي: أراك لم تشتر عَلَفاً! فقلت: إنّ لي رُفقاء قد كَفَوْني ذلك، ثم قلت له: أين تَرَى عَدُوَّنا هذا نزل؟ فقال: بلغني أنه قد نزل قريباً منّا، وايمُ الله لوَدِدْتُ أني لقيتُ شبيبهم هذا قلت: أفتحِبّ ذلك؟ قال: إي والله، قلت: فخذ حِذْرَك، فأنا والله شبيب، وانتضيتُ السيف فخرّ والله ميتاً فقلت له: ارتفع ويحك! وذهبت أنظر فإذا هو قد مات فانصرفت راجعاً فاستقبلت الآخر خارجاً من القرية، فقال: أين تذهبُ هذه الساعة التي يرجع فيها الناس إلى معسكرهم؟ فلم أكلِّمه، ومضيت، فنفرتْ بي فرسي، وذهبت تتمطَّر، فإذا به في أثَرِي حتى لحقني، فعطفت عليه، وقلت: ما بالك؟ قال: أظنك والله من عَدُوِّنا. قلت أجل والله، قال: إذاً لا تبرح حتى أقتلك أو تقتلني، فحملت عليه وحَمَل عليّ، فاضطربنا بسَيْفيْنَا ساعة، فوالله ما فَضْلتُه في شدَّة نفَس ولا إقدام، إلّا أنّ سيفي كان أقطع من سيفه فقتلته.
وبلغ شبيباً أنّ جند الشام الذي مع حبيب حملوا معهم حَجَراً، وحلفوا لا يفرّون حتّى يفرّ هذا الحجرُ، فأراد أن يُكَذِّبهم، فعمَد إلى أربعة أفراس، وربط في أذنابها تِرَسَة، في ذنَب كل فرس تُرْسین، ثم نَدب ثمانية نفر من أصحابه، وغلاماً له يقال له حيّان - كان شجاعاً فاتكاً - وأمره أن يحمل معه إدَاوةً من ماء، ثم سار ليلاً حتى أتى ناحية من عَسْكرِ أهل الشام، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر الأربع، وأن يكون مع كلِّ رجلْين فرس: ثم يلبسوها الحديد حتى تَجِدَ حَرَّه، ثم يخلُّوها في العسكر، وواعدهم تَلْعَةً(1)قريبة من العسكر، وقال: مَنْ نجا منكم، فإن موعدَه التِّلعة، فكرِه أصحابُه الإقدام على ما أمرهم، فنزل بنفسه حتى صَنَع بالخيل ما أمرهم به، حتى دخلتْ في العسكر، ودخل هو يتلوها، ويشدّ خلفها شَدًّا محكماً فتفرّقت في نواحي العسكر، واضطرب الناس، فضرب بعضُهم بعضاً، وماجوا، ونادى حبيبُ بن عبد الرحمن: ويحكم إنها مكيدة! فالزَموا الأرض حتى يتبين لكم الأمر، ففعلوا وحصل شبيب بينهم، فلزم الأرضَ معهم، حتى رآهم قد سكنوا، وقد أصابَتْه ضربة عمود أوْهَنَتْه.
1) التلعة: أرض مرتفعة غليظة يتردد فيها السيل، والتلعة مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بطون الأرض اللسان، مادة (تلع)
فلما هدأ الناس ورجعوا إلى مراكزهم فخرج في غُمارهم، حتى أتَى التّلْعة، فإذا مولاه حيّان، فقال: أفرغ وَيْحَك على رأسي مِنْ هذه الإداوة! فلمّا مدّ رأسه ليَصُبّ عليه من الماء هَمّ حيان بضرب عنقه، وقال لنفسه: لا أجِدُ مكرمة لي، ولا ذِكْراً أرْفَعَ من هذا في هذه الخَلْوة، وهو أماني من الحجاج، فأخذته الرّعْدة حين هَمّ بما همّ به، فلما أبطأ عليه، قال له: ويحك! ما انتظارُك بحلِّها! ناولْنِيها، وتناول السِّكين من مَوْزِجه فخرقها به، ثم ناوله إيّاها، فأفرغ عليه من الماء، فكان حيّان بعد ذلك يقول: لقد هممت فأخذَتْني الرّعدة فجبُنت عنه، وما كنتُ أعهد نفسي جَبَاناً.
ثم إنّ الحجاج أخرج الناس إلى شبيب، وقَسَّم فيهم أموالاً عظيمة، وأعطى الجرْحَى وكلَّ ذي بلاء، وأمر سفيان بن الأبرد أن يسيرَ بهم، فشقَّ ذلك على حبيب بن عبد الرحمن وقال: تبعث سفيان إلى رجل قد فللتُه، وقتلتُ فرسانَه! وكان شبيب قد أقام بِكَرْمَان حتى جبر واستراش هو وأصحابه، فمضى سفيان بالرّجال، واستقبله شبيب بدُجيل الأهواز، وعليه جسر معقود، فعبر إلى سفیان، فوجده قد نزل بالرجال، وجعل مهاصر بن صيفيّ على خيله وبشر بن حسان الفِهْرِيّ عَلَى میمنته، وعمر بن هبيرة الفزاري على ميسرته، وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس، هو في كَتِيبة،
وسويد بن سليم في كَتيبة، وقَعْنب في كَتِيبة، وخلف المحلّل في عسكره، فلما حَمَلَ سُوَيد وهو في ميمنته على ميسرة سُفيان وقَعنب وهو في ميسرته على ميمنة سفيان، حَمَلَ هو على سفيان، ثم اضطربوا مليَّا، حتى رجعت الخوارج إلى مكانها الذي كانوا فيه.
فقال يزيد السّكسكي - وكان من أصحاب سفيان يومئذٍ: كَرّ علينا شبيب وأصحابه أكثر من ثلاثين كَرّة، ولا يزول من صفّنا أحدٌ، فقال لنا سفيان: لا تحملوا عليهم متفرقين، ولكن لتزحفْ عليهم الرجال زحفاً، ففعلنا، وما زلنا نطاعِنُهم حتى اضطرارناهم إلى الجسر، فقاتلونا عليه أشدَّ قتال يكون لقوم قَطّ. ثم نزل شبيب، ونزل معه نحو مائة رجل، فما هو إلا أن نَزَلُوا حتى أوْقَعُوا بنا من الضَّرْب والطعن شيئاً ما رأينا مثله قَطّ، ولا ظنناه يكون، فلما رأى سفيان أنّه لا يقدر عليهم، ولا يأمَنْ ظفرهم، دعا الرّماة فقال: ارشُقُوهم بالنَّبْل، وذلك عند المساء وكان الالتقاء ذلك اليوم نصفَ النهار، فرشَقهم أصحابُه، وقد كان سفيان صَفَهم على حِدَة وعليهم أمير، فلما رَشَقُوهم شَدُّوا عليهم، فشَدْدنا نحن، وشغلناهم عنهم، فلما رأوا ذلك ركب شبيبٌ وأصحابه، وكَرْوا على أصحاب النَّبْل كَرّة شديدة، صرعوا منهم فيها أكثر من ثلاثين رامياً، ثم عطف علينا يُطاعننا بالرماح، حتى اختلط الظلام، ثم انصرف عنا، فقال سفيان بن الأبرد لأصحابه، يا قوم، دعوهم لا تَتَّبعوهم، يا قوم دَعُوهم حتى نُصِّبحَهم. قال: فكففنا عنهم وليس شيء أحبَّ إلينا من أن ينصرفوا عنا.
قال فروة بن لقيط الخارجيّ: فلما انتهينا إلى الجسر، قال شبيب: اعبُروا معاشر المسلمين فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله تعالى، قال: فعبرنا أمامه، وتخّلف في آخرنا، وأقبل يعبُر الجسر، وتحته حصان جَمُوح، وبين يديه فرس أُنثى ماذيانة، فنزا حصانُه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الماذيانة، وزَلّ حافر فرس شبيب عن حَرْف السفينة، فسقط في الماء، فسمعناه يقول لما سقط: «لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا»(1)واغتمس في الماء ثم ارتفع فقال: «ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(2)ثم اغتمس في الماء، فلم يرتفع.
هكذا روى أكثرُ الناس. وقال قوم: إنه كان مع شبيب رجال كثيرٌ بايعوه في الوقائع التي كان يهزم الجيش فيها، وكانت بيعتُهم إياه على غير بصيرة، وقد كان أصاب عشائرهم وساداتهم، فهم منه موتورن، فلما تخلّف في أخْرَيات الناس يومئذ، قال بعضهم لبعض: هل لكم أنْ نقطع به الجسر، فندرك ثأرنا الساعة! فقالوا: هذا هو الرأي، فقطعوا الجسر، فمالت به السفينة، ففزع حصانُه ونَفَر، فسقط في الماء وغَرِق.
والرواية الأولى أشهر، فحدث قومٌ من أصحاب سُفْيان، قالوا: سمعنا صوتَ الخوارج يقولون: غَرِق أمير المؤمنين، فعبَرْنا إلى عسكرهم، فإذا هو ليس فيه صافر ولا أثر، فنزلْنا فيه، وطلبنا شَبيباً حتى استخرجناه من الماء، وعليه الدرْع، فيزعم الناس أنهم شقوا بطنه وأخرجوا قَلبَه فكان مجتمعاً صُلباً كالصخرة، وأنه كان يضرب به الأرض فينبُو، ويثب قامة الإنسان.
ويحكى أن أم شبيب كانت لا تصدّق أحداً نعاه إليها، وقد كان قيل لها مراراً إنه قد قتل فلا قبل، فلما قيل لها: إنه قد غرق بكتْ، فقيل لها في ذلك، فقالت: رأيت في المنام حين ولدْتُه نه خرج من فَرْجي نارٌ ملأت الآفاق، ثم سقطت في ماء فحمدت، فعلمت أنه لا يهلِك إلا الغرق.
وهذا آخر الجزء الرابع
من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
ويتلوه الجزء الخامس إن شاء الله
الموضوع الصفحا
الجزء الثالث
الحمد لله الوَاحد العدل الكريم...5
عود على بدء: بقية ردّ المرتضى...5
المطاعن على عثمان والردّ عليها...9
أخبار جرير بن عبد الله البجلي وبيعته لعلي علیه السلام...48
بيعة الأشعث لعليّ...50
بين عليّ علیه السلام ومعاويّة...50
متفرقات...60
جرير البجلي يفارق علياً علیه السلام...75
44 - ومن كلام له علیه السلام لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ إلى معاوية، وكان قد ابتاع سبيَ بني ناجية من عامل أمير المؤمنين علیه السلام وأعتقه، فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام، فقال:...77
من هم بنو ناجية؟...78
اخبار علي بن الجهم...79
نسب مصقلة وخبر بني ناجية مع علي علیه السلام...82
أخبار الخريت بن راشد الناجي...82
45 - ومن خطبة له علیه السلام في الزهد وتعظيم الله...97
الموازنة والسجع...98
التحذير من مفاتن الدنيا...99
46 - ومن كلام له علیه السلام عند عزمه على المسير إلى الشام...106
ما قاله علي علیه السلام يوم خروجه من الكوفة...107
علي علیه السلام في كربلاء: واهاً لكِ يا تربة...108
مفارقة علي علیه السلام والمسير إلى الشام...109
بین محمد بن أبي بكر ومعاوية...119
47 - ومن كلام له علیه السلام في ذكر الكوفة...124
الكوفة في نظر علي علیه السلام وجعفر بن محمد...125
48 - ومن خطبة له علیه السلام عند المسير إلى الشام...126
في الطريق إلى صفّين...127
49 - ومن خطبة له علیه السلام في تمجيد الله تعالى وتحميده...135
مباحث من العلم الإلهي...136
الفصل الأول وهو الكلام في كونه تعالى عالماً بالأمور الخفية...136
الفصل الثاني في تفسير قوله علیه السلام: «ودَلّت عليه أعلام الظهور»...138
الفصل الثالث في أن هويّته تعالى غير هوية البشر...139
الفصل الرابع في نفي التشبيه عنه تعالى...139
الفصل الخامس في بيان أن الجاحد له مكابر بلسانه ومثبت له بقلبه...150
50 - ومن خطبة له علیه السلام: في وقوع الفتن...151
51 - ومن كلام له علیه السلام لما غلب أصحاب معاوية أصحابَه علیه السلام على شريعة الفرات بصِفّين ومنعوهم من الماء...153
أشعار في الإباء والتحريض على الحرب...154
من هم أباة الضيم؟...157
شريعة الفرات بين معاوية وعلي علیه السلام...199
52 - ومن خطبة له علیه السلام، وقد تقدم مختارها برواية، ونذكر ما نذكره هنا برواية أخرى، لتغاير الروايتين...211
أشعار في ذم الدنيا...213
الجزء الرابع
الحمد الله الواحد العدل الحكيم، وصلى الله على رسوله الكريم ومنها في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية...225
رأي الفقهاء في وجوب الأضحية...225
53 - ومن كلام له علیه السلام في ذكر البيعة...226
بيعة علي علیه السلام...227
54 - ومن كلام له علیه السلام وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين...230
بعض ما جاء من أخبار في يوم صفِّين...230
55 - ومن كلام له علیه السلام يذكر حروبه مع الرسول...242
56 - ومن كلام له علیه السلام لأصحابه يخبر عن رجل يأمر بسبه...256
أهل العدل والمجبرة وبعض المسائل الكلامية...257
معاوية يأمر بسب علي علیه السلام...258
الأحاديث الموضوعة في ذمّ علي علیه السلام...263
فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ علیه السلام...270
سب علی علیه السلام عند الإكراه زكاة له...295
معنى السب والبراءة...296
علي علیه السلام يقول: إني وُلدت على الفطرة...297
المحققون من أهل السيرة: علي علیه السلام أول من أسلم...298
علي علیه السلام من السابقين إلى الهجرة...305
57 - ومن كلام له علیه السلام كلم به الخوارج...307
الخوارج: رجالَهم وحروبهم...308
عروة بن حدير...308
نجدة بن عويمر الحنفيّ...308
نافع بن الأزرق الحنفي...310
عبيد الله بن بشير بن الماحوز اليربوعي...314
الفهرس...389