ghaemiyeh.com
سرشناسه:شوشتری، محمدتقی، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲
عنوان و نام پديدآور:بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]/ المصنف محمدتقی التستری
مشخصات نشر:دار امیرکبیر للنشر- بیروت - لبنان- 1376.
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
عنوان دیگر:نهج البلاغه
موضوع:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه -- نقد و تفسیر
شناسه افزوده:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه. شرح
رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲/ش۹
رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵
شماره کتابشناسی ملی:م۷۲-۸۰۹
بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]
المصنف محمدتقی التستری
الخطبة(176)
و من كلمات كان يدعو بها:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي- فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي- ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ- وَ سَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَ شَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَ هَفَوَاتِ اللِّسَانِ قول المصنف : «من كلمات كان يدعو بها» هكذا في(المصرية)بلا زيادة،و الصواب:زيادة عليه السّلام بعده كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 6:176 [1] لكن في شرح ابن ميثم 2:213 [2] نحو المصرية.
.و كيف كان،ففي(الكافي)عن علي بن النعمان رفعه أنّه عليه السّلام كان إذا صعد الصّفا استقبل الكعبة،ثم رفع يديه ثم يقول:اللّهم اغفر لي كلّ ذنب
1) 1)
أذنبته قطّ،فان عدت فعد عليّ بالمغفرة،فانّك أنت الغفور الرحيم.اللّهم افعل بي ما أنت أهله،فانّك إن تفعل بي ما أنت أهله ترحمني،و إن تعذبني فأنت غنّي عن عذابي،و أنا محتاج إلى رحمتك،فيا من أنا محتاج إلى رحمته ارحمني.
اللّهم لا تفعل بي ما أنا أهله،فإنّك إن تفعل بي ما أنا أهله تعذّبني،و لن تظلمني، أصبحت أتقي عدلك و لا أخاف جورك،فيا من هو عدل لا يجور ارحمني (1)
الكافي 4:432 ح 5. [1]
.و نقل ابن أبي الحديد من أدعية الصحيفة خمسة:الأوّل:«يا من يرحم من لا يرحمه العباد»و الثاني:«اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون» و الثالث:«يا ذا الملك المتأبّد بالخلود»و الرابع:«اللّهم إنّي أعوذ بك من هيجان الحرص»و الخامس:«الحمد للّه بكلّ ما حمده أدنى ملائكته إليه».ثم قال:إنّها من دعاء أمير المؤمنين عليه السّلام،و كان يدعو بها علي بن الحسين عليه السّلام في أدعية الصحيفة (2).
قلت:إنّ كلمات عترته عليه السّلام و علومهم و إن كانت من كلماته عليه السّلام و علومه، إلاّ أنّ أدعية الصحيفة السجادية من إنشاء السجّاد نفسه،و عليه أطبقت الإماميّة سلفا و خلفا،و إنّما نقل كلّ من البحراني و النّوري صحيفة من أدعيته عليه السّلام بالأسانيد-كما إنّ علي بن طاوس عقد في(مهجه)بابا لدعواته عليه السّلام كذلك.
قوله عليه السّلام «اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به منّي» هو تعالى أعلم بذنب عبده حيث أنّ العبد قد لا يرى بعض الامور ذنبا مع انّه عنده تعالى ذنب،بل أعظم ذنب،كما أنّ العبد ينسى كثيرا من ذنوبه و هو تعالى لا ينسى منها شيئا أصلا .
«فإن عدت فعد عليّ» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و لكن في(ابن
ميثم و الخطية)«لي» (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 6:176،و شرح ابن ميثم 2:213 نحو المصرية.
«بالمغفرة» فإنّ شأن العبد الخطأ،و شأن الربّ الغفران .«اللّهم اغفر لي ما وأيت» أي:وعدت «من نفسي و لم تجد له وفاء عندي» حتّى لا يؤدّي إلى النفاق «وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ » (2).
«اللهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ثمّ خالفه قلبي» لأنّ عبادة لم تكن للّه،لهي ذنب كبير «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » (3).
«اللّهم اغفر لي رمزات الألحاظ» جمع اللحظ:النّظر بمؤخّر العين،قال تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ » (4).
«و سقطات الألفاظ» قال تعالى في وصف المؤمنين: «وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ » (5).
«و شهوات الجنان» بالفتح أي:القلب،و لا يخلو قلب من شهوة امور غير مشروعة .
«و هفوات اللسان» أي:زلاّته.
و عن الصادق عليه السّلام:كان بالمدينة رجل بطّال يضحك الناس منه فقال:قد أعياني هذا الرجل-يعني علي بن الحسين عليه السّلام-أن أضحكه،فمرّ و خلفه
موليان له،فجاء الرجل حتّى انتزع رداءه من رقبته،فمضى عليه السّلام و لم يلتفت إليه،فأتبعه الناس و أخذوا منه الرداء و جاءوا به إليه،فقال لهم:من هذا؟قالوا:
رجل بطّال يضحك الناس.فقال:قولوا له،إنّ للّه يوما يخسر فيه المبطلون (1)
أخرجه الصدوق في أماليه:183 ح 6 المجلس 39. [1]
.الخطبة(213)
و من دعاء كان يدعو به عليه السّلام كثيرا:
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّتاً وَ لاَ سَقِيماً- وَ لاَ مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ- وَ لاَ مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي وَ لاَ مَقْطُوعاً دَابِرِي- وَ لاَ مُرْتَدّاً عَنْ دِينِي وَ لاَ مُنْكِراً لِرَبِّي- وَ لاَ مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي وَ لاَ مُلْتَبِساً عَقْلِي- وَ لاَ مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي- أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي- لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَ لاَ حُجَّةَ لِي- وَ لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلاَّ مَا أَعْطَيْتَنِي- وَ لاَ أَتَّقِيَ إِلاَّ مَا وَقَيْتَنِي- اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ- أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ- أَوْ أُضْطَهَدَ وَ الْأَمْرُ لَكَ- اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي- وَ أَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي- اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ- أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِكَ- أَوْ تَتَايَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ أقول:في(مهج ابن طاوس)،عن كتاب(دفع الهموم و الأحزان لأحمد بن داود النعماني):قال ابن عباس قلت لأمير المؤمنين عليه السّلام ليلة صفين:أما ترى الأعداء قد أحد قوابنا.فقال:قد راعك هذا؟قلت:نعم.فقال:اللّهم انّي أعوذ بك أن أضام في سلطانك(اللّهم انّي أعوذ بك أن اضل في هداك)اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتقر في غناك،اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضيّع في سلامتك،اللّهم إنّي أعوذ بك أن
1) 1)
اغلب و الأمر إليك (1)
مهج الدعوات:103. [1]
.هذا،و من دعاء علّمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاله عمير بن وهب-كما في ذيل الطبري- اللّهم إنّي ضعيف فقوّ في رضاك ضعفي،و خذ إلى الخير بناصيتي،و بلّغني برحمتك ما أرجو من رحمتك،و اجعل الإسلام منتهى رغبتي،و اجعل لي ودّا عند الناس و عهدا عندك (2)! و من دعاء أمير المؤمنين عليه السّلام في السجود كما في الكافي:ارحم ذلّي بين يديك،و تضرّعي إليك،و وحشتي من الناس،و آنسني بك يا كريم (3)! و كان عليه السّلام يقول:و عظتني فلم اتّعظ،و زجرتني عن محارمك فلم أنزجر،و عمّرتني أياديك فما شكرت،عفوك عفوك يا كريم!أسألك الراحة عند الموت،و أسألك العفو عند الحساب (4)! قول المصنف : «كان عليه السّلام يدعو به كثيرا» قال ابن أبي الحديد: «كثيرا» صفة مصدر محذوف،أي دعاء كثيرا (5).
قلت:بل صفة لوقت محذوف كما لا يخفى،فإن هذا الدعاء دعاء واحد لا كثير،و إنّما كان عليه السّلام يقرأه في أوقات كثيرة،فهو مفعول فيه معيّنا،و لا مجال لاحتمال كونه مفعولا مطلقا كما احتمله الخوئي أيضا (6).
قوله عليه السّلام «الحمد للّه الذي لم يصبح بي ميّتا و لا سقيما» قد يصبح كثير من الناس ميّتين أو سقيمين،فمن أصبح حيّا معافى يجب عليه
شكره تعالى على ذلك.
«و لا مضروبا على عروقي بسوء» أي:مرض.
و روى(أمالي الشيخ)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:في ابن آدم ثلاثمائة و ستون عرقا منها مائة و ثمانون متحركة و مائة و ثمانون ساكنة،فلو سكن المتحرك لم يبق الانسان،و لو تحرّك الساكن لهلك الإنسان!و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كل يوم إذا أصبح و طلعت الشمس يقول«الحمد للّه ربّ العالمين كثيرا طيّبا على كلّ حال»يقولها ثلاثمائة و ستين مرّة شكرا (1)
أمالي أبي جعفر الطوسي 2:210،المجلس 8. [1]
.و في(الحلية)عن وهب بن منبه قال:عبد عابد خمسين سنة،فأوحى إليه انّي قد غفرت لك.قال:أي ربّ و ما تغفر لي و لم أذنب.فأذن اللّه لعرق في عنقه،فضرب عليه،فلم ينم و لم يصلّ،ثم سكن،فنام فأتاه الملك،فشكا إليه ما لقي من ضربان العرق.قال الملك:إنّ ربّك يقول:إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون هذا العرق (2).
و في خبر:أنّ كلّ إنسان فيه عرق جذام،فإذا تحرّك سلّط اللّه عليه الزكام فلا تكرهوه (3).
و قال ابن أبي الحديد: «بسوء» أي:و لا أبرص،و العرب تكنّي عن البرص بالسوء،و من أمثالهم«ما أنكرك من سوء»أي:ليس إنكاري لك عن برص حدث بك فغيّر صورتك،و أراد«بعروقه»أعضاءه (4).
قلت:ما ذكره كلّه غلط و خبط،فلم يقل أحد أنّ السوء كناية عن البرص
عند العرب،و إنّما الآية «بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» (1)
النمل:12 و [1]القصص:32. [2]
كناية عن عدم البرص،كما أن قول أمير المؤمنين عليه السّلام لأنس لما أنكر تذكّره لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في غدير خم«إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة» (2)كناية عن البرص.كما أن تفسيره للمثل«ما أنكرك من سوء»بما قال،تفسير ركيك،فهذا الجوهري قال:معنى المثل أنّه لم يكن إنكاري إيّاك من سوء رأيته بك و إنّما هو لقلّة المعرفة (3).و قال الميداني:يعني ليس إنكاري إيّاك عن سوء بك لكنّي لا أثبتك (4)،كما أن قوله أراد بعروقه أعضاءه أيضا غلط،فالمراد بالعروق الأعصاب،و إنّما حمله على تأويله أنّ البرص يحدث في الأعضاء لا العروق.
«و لا مأخوذا بأسوأ عملي» «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (5)،و قد يأخذهم إذا أفرطوا في السوء،قال تعالى-بعد ذكر ما أنزل بالامم السالفة من العذاب- «وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (6).
«و لا مقطوعا دابري» أي:نسلي بعدم جعله من الظلمة،لأنّه تعالى قال فيهم: «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (7)و قال في قوم لوط: «أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ» (8).
«و لا مرتدا عن ديني» كبعض الناس يمسي مسلما و يصبح مرتدا،و هو فوق كلّ سوء «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (1)
البقرة:217. [1]
.و في رجال الكشّي:عن حمران بن أعين قلت لأبي جعفر عليه السّلام:ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها.فقال:ألا أخبرك بأعجب من ذلك.فقلت:بلى قال:
المهاجرون و الأنصار ذهبوا إلاّ ثلاثة (2).
و عن الجمع بين صحيحي الحميدي من مسند سهل بن سعد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يرد عليّ الحوض أقوام أعرفهم و يعرفوني،ثم يحال بيني و بينهم،فأقول انّهم امّتي!فيقال:إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك،فأقول:سحقا سحقا لمن بدّل بعدي و غيّر! و في آخر من مسند ابن عباس،سيجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال،فأقول يا ربّ أصحابي،فيقول إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك،إنّهم لن يزالوا مرتّدين على أعقابهم منذ فارقتهم! و من مسند أنس:ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتّى إذا رأيتهم و رفعوا إليّ اختلجوا دوني،فلأقولنّ أي ربّ أصحابي أصحابي،فيقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.و مثله في مسند ابن مسعود و مسند حذيفة.
و في مسند أبي هريرة قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم،فقال:هلمّوا.فقلت:إلى أين؟ قال:إلى النّار و اللّه!قلت:ما شأنهم؟قال:إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى!ثم إذا زمرة-إلى أن قال-قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فلا أراه
يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم (1)
نقل ابن طاوس في الطرائف 2:376-378، [1]كل هذه الأحاديث عن الجمع بين الصحيحين للحميدي و حديث سهل أخرجه البخاري في صحيحه 4:143 و 221،و مسلم في صحيحه 4:1794 ح 2293،و حديث ابن عباس أخرجه البخاري في 2:233 و 256 و 3:127 و 16 و 4:133،و مسلم في 4:2194 ح 58،و حديث أنس أخرجه البخاري في 4:141،و مسلم في 4:1800 ح 40،و حديث ابن مسعود أخرجه البخاري في 4:141 و 221، و مسلم في 4:1796 ح 32،و حديث حذيفة أخرجه البخاري في 4:141 و مسلم في 4:1797 ح 32،و حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في 4:142،و مسلم في 1:217 و 218 ح 37 و 39.
(2).«و لا مستوحشا من إيماني» فكثير من الناس يستوحشون من إيمانهم بعد أنسهم به،لعدم رسوخه فيهم،و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له عليه السّلام«الإيمان مخالط لحمك و دمك،كما خالط لحمي و دمي» (3).
«و لا ملتبسا عقلي» أي:مختلطا،و المؤمن يبتلى بكلّ بلاء و مرض،لكن لا يؤخذ منه عقله.
«و لا معذّبا بعذاب الامم من قبلي» قال تعالى في عاد و ثمود و قارون و فرعون و هامان: «فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا» (4)و قال في مردة اليهود: «وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ» (5).
حمد اللّه تعالى على أنّه لم يصبح به من أحد الأصناف التسعة،فإن حمده تعالى واجب على دفع البلاء كوجوبه على إعطاء النعماء،قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا اللّه تعالى،و لا تسمعوهم فإن ذلك يحزنهم.
و عن الباقر عليه السّلام:من نظر إلى مبتلى فقال ثلاث مرّات:«الحمد للّه الذي عافاني ممّا ابتلاك به،و لو شاء فعل»لم يصبه ذلك البلاء.
و عنه عليه السّلام:إذا رأيت مبتلى و أنت معافى فقل«اللّهم إنّي لا أسخر و لا أفخر و لكنّي أحمدك على عظيم نعمائك عليّ » (1)
أخرج هذه الأحاديث الكليني في الكافي 2:97 و 98 ح 20 و 22 و [1] 23،و الحديث الأخير عن الصادق عليه السّلام.
.«أصبحت عبدا مملوكا» «وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً» (2).
«ظالما لنفسي» «إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (3).
«لك الحجّة عليّ و لا حجّة لي» «قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» (4)«حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (5)«رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» (6).
«و لا أستطيع» هكذا في(المصرية)أخذا من نسخة(ابن أبي الحديد)، و الصواب:«لا أستطيع»كما في(ابن ميثم)بل و كما في(ابن أبي الحديد)في شرح الفقرة (7).
«أن آخذ إلاّ ما أعطيتني» «لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت».
«و لا أتقي إلاّ ما وقيتني» «وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا»
«مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَ لَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ » (1)
يوسف:67 و 68. [1]
.«اللهمّ إنّي أعوذ بك أن افتقر في غناك» «وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2).
و في الخبر:أوحى تعالى إلى موسى عليه السّلام:إنّه ما دام لم تنفد خزائني -و لن تنفد-فلا تغتمّ لرزقك (3).
و إنّما استعاذ عليه السّلام لأن العبد قد يستحق سلب نعمه تعالى «إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (4).
«أو أضلّ في هداك» «إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (5)قال تعالى: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (6).
«أو اضطهد» أي:أصير مقهورا للناس «و الأمر لك» و في نسخة(ابن ميثم) «و لك الأمر» (7).
«اللّهم اجعل نفسي أوّل كريمة تنتزعها من كرائمي» يكرم على الإنسان جميع جوارحه و قواه كما يكرم عليه نفسه و روحه،و انتزاع النفس أوّلها يلزم إبقاء باقيها إلى حين موته.
و في الخبر:إذا أنا أخذت من عبدي كريمتيه فصبر،لم أرض له ثوابا دون الجنّة (1)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير و أبو نعيم في حلية الأولياء،عنهما الجامع الصغير 2:83،و النقل بتصرف في اللفظ.
.«و أوّل وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي» هذا في معنى الأوّل،إلاّ أن الأوّل من حيث أنّ النفس و قواها كرائم على الانسان و هذا من حيث أنّها عوار من الربّ عند العبد،فليس له لو ارتجعها غير أوّل اعتراض و إنكار .
«اللّهمّ إنّا نعوذ بك أن نذهب عن قولك» بمخالفة أو امرك،و زو اجرك التي قلتها في كتابك و على لسان حججك.
«أو نفتنّ» هكذا في(المصرية)و الصواب:«أو نفتتن»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«عن دينك» بأن تتّفق أسباب،تخرج العبد عن الدين كما في قوم موسى مع العجل و السامريّ.
«أو تتايع» قال الجوهري:التتايع:التهافت في الشرّ و اللجاج،و لا يكون التتايع إلاّ في الشرّ (3).
«بنا أهواؤنا دون الهدى الذي جاء من عندك» قال تعالى: «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ» (4).
الخطبة(223)
و من دعاء له عليه السّلام:
اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ وَ لاَ تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالْإِقْتَارِ- فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقَكَ وَ أَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ- وَ أُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي وَ أُفْتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي- وَ أَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَ الْمَنْعِ- «إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قول المصنف : «و من دعاء له عليه السّلام» و ردت في المكارم من الصحيفة -الصحيفة السجادية-ص 105 و 111 دعاء 20 ، فقرات بلفظه و معناه و فقرات بمعناه فقط.
أما الاولى:فما فيه«اللّهم صلّ على محمّد و آله،و صن وجهي باليسار، و لا تبتذل جاهي بالإقتار،فاسترزق أهل رزقك،و استعطي شرار خلقك، فأفتتن بحمد من أعطاني،و ابتلي بذم من منعني،و أنت من دونهم ولي الإعطاء و المنع» (1)
الصحيفة السجادية:111 دعاء 20. [1]
.و أما الثانية:فما فيه«اللّهمّ اجعلني أصول بك عند الضرورة،و أسألك عند الحاجة،و أتضرّع إليك عند المسكنة،و لا تفتنّي بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت،و لا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت،و لا بالتضرّع إلى من دونك إذا رهبت،فاستحق بذلك خذلانك و منعك و إعراضك يا أرحم الراحمين» (2).
و لا غرو في توافقهما و تقاربهما،فكلاهما مؤيّد بالروح القدسي.
قوله عليه السّلام «اللّهم صن وجهي باليسار» صون الوجه أعزّ شيء عند الكرام، قال أبو تمام:
و ما ابالي و خير القول أصدقه حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
و قال آخر:
ما جود كفّك إن جادت و إن بخلت من ماء وجهي و قد أخلقته عوض
و عن الصادق عليه السّلام:المعروف ابتداء،و أما من أعطيته بعد المسألة فانّما كافيته بما بذل لك من وجهه،يبيت ليلته أرقا متململا بين الرجاء و اليأس لا يدري أين يتوجّه لحاجته ثم يعزم بالقصد لها،فيأتيك و قلبه يرجف،و فرائصه ترعد قد ترى دمه في وجهه لا يدري أ يرجع بكآبة أو فرح (1)
أخرجه الكليني في الكافي 4:23 ح 2. [1]
.و مراده عليه السّلام باليسار:الكفاف،المطلوب عند أولياء اللّه حتى لا يحتاج إلى الخلق،لا الغنى المطغى،المطلوب عند أهل الدنيا.
«و لا تبذل جاهي بالإقتار» أي:الافتقار و ضيق المعاش.
في(الكافي)عن لقمان قال لابنه:يا بنيّ،ذقت الصبر،و أكلت لحاء الشجر،فلم أجد شيئا هو أمرّ من الفقر،فان بليت به يوما فلا تظهر الناس عليه فيستهينوك و لا ينفعوك بشيء،إرجع إلى الذي ابتلاك به فهو أقدر على فرجك، و سله من ذا الذي سأله فلم يعطه أو وثق به فلم ينجه (2).
«فاسترزق طالبي رزقك» و قبيح أن يدع الإنسان الرازق،و يدعو المرزوق، فكما لا خالق غيره،لا رازق سواه «إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» (3).
«و استعطف شرار خلقك» فان أكثر النّاس لئام و شرار،و الكرام و الأبرار قليلون،فإذا ابتلي بالإقتار يضطر غالبا الى استعطاف الأشرار.
روي في(الكافي)،عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الأيدي ثلاث:يد اللّه العليا،و يد
المعطي التي تليها،و يد المعطى أسفل الأيدي.فاستعفوا عن السؤال ما استطعتم،إنّ الأرزاق دونها حجب،فمن شاء قنى حياءه و أخذ رزقه،و من شاء هتك الحجاب و أخذ رزقه،و الذي نفسي بيده لئن يأخذ أحدكم جبلا ثمّ يدخل عرض هذا الوادي فيحتطب حتى لا يلتقي طرفاه ثم يدخل به السوق فيبيعه بمدّ من تمر و يأخذ ثلثه و يتصدّق بثلثيه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو حرموه.
و عن الصادق عليه السّلام:جاءت فخذ من الأنصار إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالوا:لنا إليك حاجة.فقال:هاتوا،قالوا:عظيمة تضمن لنا على ربّك الجنّة؟ فنكس صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال:أفعل ذلك بكم على ألا تسألوا أحدا شيئا،فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان ناولنيه فرارا من المسألة فينزل فيأخذه،و يكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول ناولني حتى يقوم فيشرب! و عنه عليه السّلام:رحم اللّه عبدا عفّ و تعفّف و كفّ عن المسألة،فإنّه يتعجّل الدنية في الدنيا و لا يغنى الناس عنه شيئا.ثم تمثّل عليه السّلام ببيت حاتم:
إذا ما عرفت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس و الطمع الفقر (1)
الكافي 4:20 و 21 ح 3 و 5 و [1] 6.
«و ابتلى بحمد من أعطاني و افتن» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«و افتتن»كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«بذمّ من منعني» و حمد الناس كذمّهم مذموم،و فاعله ملوم .
«و أنت من وراء ذلك كلّه وليّ الإعطاء و المنع» .في(الفقه الرضوي):روى أنّ اللّه عز و جل أوحى إلى داود عليه السّلام:ما اعتصم بي عبد من عبادي،دون أحد
من خلقي،عرفت ذلك من نيّته،ثم تكيده أهل السماوات و الأرض و ما فيهنّ،إلاّ جعلت له المخرج من بينهنّ،و ما اعتصم عبد من عبيدي بأحد من خلقي دوني، عرفت ذلك من نيّته،إلاّ قطعت أسباب السماوات من يديه،و أسخت الأرض من تحته،و لم أبال بأي واد هلك.
و فيه:و روي عن العالم عليه السّلام يقول تبارك و تعالى:و عزّتي و جلالي، و ارتفاعي في علوي،لا يؤثر عبد هواي على هواه،إلاّ جعلت غناه في قلبه، و همّه في آخرته،و كففت عليه ضيعته،و ضمنت السماوات و الأرض رزقه، و كنت له من وراء حاجته،و أتته الدنيا و هي راغمة.و عزّتي و جلالي، و ارتفاعي في علو مكاني،لا يؤثر عبد هواه على هواي،إلاّ قطعت رجاءه،و لم أرزقه منها إلاّ ما قدرت له.
و روي أنّ بعض العلماء كان يقول:سبحان من لو كانت الدنيا خيرا كلّها أهلك فيها من أحبّ،سبحان من لو كانت الدنيا شرّا كلّها أنجى منها من أراد (1)
أخرجه صاحب فقه الرضا [1]فيه:358 و 359،و الأحاديث الثلاثة أخرجها البرقي في المحاسن،عنه مشكوة الأنوار:16 و 17 و 264،و الأول الكليني في الكافي 2:63 ح 1. [2]
.هذا،و واضح أنّ الخبر في جملة «و أنت من وراء ذلك كلّه ولي الإعطاء و المنع» إنّما هو «وليّ» و «من وراء» متعلّق به كقوله«من دونهم»في الصحيفة في قوله«و أنت من دونهم ولي الإعطاء و المنع» (2)،و جعل ابن أبي الحديد «من وراء ذلك» الخبر و قال «و انت من وراء ذلك» مثل قولك للملك العظيم«هو من وراء وزرائه»،فيكون «وليّ» خبرا بعد خبر،و يجوز أن يكون «وليّ» هو الخبر و «من وراء» حالا-إلخ (3).و كما ترى.
«إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فتقدر على صون وجهي حتّى لا أحتاج إلى
غيرك فافعل ذلك بي.
و في(الفقه الرضوي):نروي أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليسأله،فسمعه و هو يقول:«من سألنا أعطيناه و من استغنى أغناه اللّه»،فانصرف و لم يسأله، ثم عاد إليه فسمع مثل مقالته فلم يسأله،حتى فعل ذلك ثلاثا،فلما كان في اليوم الثالث مضى و استعار فأسا و صعد الجبل فاحتطب،و حمله إلى السوق، فباعه بنصف صاع من شعير،فأكله هو و عياله،ثم دام على ذلك حتى جمع ما اشترى به فأسا،ثم اشترى بكرين و غلاما و أيسر،فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخبره فقال:«أ ليس قلنا من سألنا أعطيناه و من استغنى أغناه اللّه» (1)
فقه الرضا:365. [1]
.الخطبة(46)
و من كلام له عليه السّلام عند عزمه على المسير إلى الشام:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ- وَ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ الْمَنْظَرِ- فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ- اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ- وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ- وَ لاَ يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ- لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً- وَ الْمُسْتَصْحَبُ لاَ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً أقول:هكذا في(المصرية)بدون نقل عن المصنف،و فيها سقط ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية):قال السيد:و ابتداء هذا الكلام مروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و قد قفّاه عليه السّلام بأبلغ كلام و تمّمه بأحسن تمام من قوله«لا يجمعهما غيرك»إلى آخر الفصل (2).
قول المصنف : «و من كلام له عليه السّلام عند عزمه على المسير الى الشام» في
( صفّين نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 132 نصر):لما وضع عليّ عليه السّلام رجله في ركاب دابّته يوم خرج من الكوفة إلى صفّين قال «بسم اللّه» ،فلما جلس على ظهرها قال «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» (1)
الزخرف:13 و 14. [1]
،ثمّ قال:اللّهم إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر-إلخ (2).قوله عليه السّلام «اللّهم إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر» قال الجوهري:الوعث:
المكان السهل الكثير الدهس،تغيب فيه الأقدام و يشقّ على من يمشي فيه، و وعثاء السفر:مشقّته (3).
«و كآبة» قال الجوهري:الكآبة:سوء الحال و الانكسار من الحزن و قد كئب الرجل يكاب كأبة و كآبة (4).
«المنقلب» قال الجوهري:المنقلب يكون مصدرا و يكون مكانا،مثل المنصرف (5).
«و سوء المنظر في الأهل» بالمرض و الموت «و المال» بالفساد و التلف .
«اللّهم أنت الصاحب في السفر،و أنت الخليفة في الأهل» عن الصادق عليه السّلام:ما استخلف عبد على أهله بخلافة أفضل من ركعتين يركعهما إذا أراد سفرا يقول«اللّهم اني استودعك نفسي و أهلي و مالي و ديني و دنياي و آخرتي و أمانتي و خواتيم عملي»إلاّ أعطاه اللّه ما سأل (6).
«و لا يجمعهما غيرك» من المخلوقين «لأن المستخلف» في الأهل «لا يكون
مستصحبا» في السفر «و المستصحب» مع المسافر «لا يكون مستخلفا» في أهله، لاستحالة كون جسم في مكانين،و أمّا اللّه تعالى فالسماء و الأرض و المشرق و المغرب عنده سواء «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» (1)
البقرة:115. [1]
«ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (2).قول المصنف:«و ابتداء هذا الكلام»من أوّله إلى«و أنت الخليفة في الأهل»«مروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم»لكن مع زيادة و نقصان،ففي(مجازات) المصنف:و من ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«اللّهم إنّا نعوذ بك من وعثاء السفر،و كآبة المنقلب،و الحور بعد الكور،و سوء المنظر في الأهل و المال»و قال المصنف ثمة:و الحور بعد الكور أي انتشار الامور بعد انضمامها و انفراجها بعد التيامها،و ذلك مأخوذ من حور العمامة بعد كورها،و هو نقضها بعدليّها و نشرها بعد طيّها (3)،قاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-كما في(السيرة)-في رجوعه من غزوة بني لحيان لمّا خرج إليهم لطلب ثأر أصحاب الرجيع (4).
«و قد قفّاه عليه السّلام»أي:أتبعه«بأبلغ كلام و تمّمه بأحسن تمام،من قوله لا يجمعهما غيرك إلى آخر الفصل» «و المستصحب لا يكون مستخلفا» .
لكن روى الكلام عنه عليه السّلام في ذهابه إلى صفين،و فيه قفّاه عليه السّلام بما قال و في إيابه من صفين،و فيه زاد قبله شيئا،ففي(صفين نصر بن مزاحم):قال عبد الرحمن بن جندب لما أقبل عليّ عليه السّلام من صفين أقبلنا معه،فأخذ طريقا
غير طريقنا الذي أقبلنا فيه،فقال«آئبون عائدون،لربّنا حامدون،اللّهم إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في المال و الأهل» (1)
وقعة صفين:528. [1]
.الخطبة(225)
و من دعاء له عليه السّلام:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الْآنِسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ- وَ أَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ- تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ وَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ- وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ- فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ- إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ- وَ إِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ لَجَئُوا إِلَى الاِسْتِجَارَةِ بِكَ- عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ- وَ مَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي- فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي- وَ خُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي- فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ- وَ لاَ بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ- اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ وَ لاَ تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ قول المصنف:«و من دعائه»هكذا في(المصرية)،و الصواب : «و من دعاء له عليه السّلام» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
قوله عليه السّلام «اللّهم إنك آنس الآنسين لأوليائك» كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا حضر وقت الصلاة يقول لبلال:اذّن و أرحني من غير اللّه تعالى (3).
و في التاسعة من مناجات الصحيفة:إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة
محبّتك فرام منك بدلا،و من ذا الذي آنس بقربك فابتغى عنك حولا (1)
ملحقات الصحيفة السجادية:356.
.و في الثالثة عشرة:أستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك،و من كلّ راحة بغير أنسك،و من كلّ سرور بغير قربك،و من كلّ شغل بغير طاعتك (2).
هذا،و الظاهر أنّ «الآنسين» محرّف«الأنيسين»،لأن أولياء اللّه مستأنسون باللّه تعالى و بذكره لا انّه تعالى مستأنس بهم.
و في(وقعة صفين):لما قدم عليّ عليه السّلام الكوفة سأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة،فقال قائل:استأثر اللّه به.فقال عليه السّلام:إنّ اللّه لا يستأثر بأحد من خلقه،إنّما أراد اللّه بالموت إعزاز نفسه و إذلال خلقه (3).
و مما ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد:أنّ الرواية الصحيحة «بأوليائك»،أي:أنت أكثرهم انسا بأوليائك (4).و ما في قول الخوئي:ان اللام في «لأوليائك» لتبيين الفاعل من المفعول،فإن قلت ما أحبّني لفلان فأنت فاعل الحبّ و فلان مفعوله،و إن قلت ما أحبني إلى فلان فالأمر بالعكس (5).
«و أحضرهم بالكفاية للمتوكّلين عليك» و في السير:إن ذا القرنين لمّا فرغ من عمل السدّ انطلق على وجهه،فبينا يسير هو و جنوده إذ مرّ على شيخ يصلّي،فوقف عليه بجنوده حتى انصرف من صلاته فقال له ذو القرنين:كيف لم يرعك ما حضرك من جنودي؟قال:كنت اناجي من هو أشدّ جنودا منك و أعزّ سلطانا و أشدّ قوّة،و لو صرفت وجهي إليك لم أدرك حاجتي قبله.فقال له ذو القرنين:هل لك في أن تنطلق معي فأواسيك بنفسي و أستعين بك على
بعض أمري.قال:نعم إن ضمنت لي أربع خصال:نعيما لا يزول،و صحّة لا سقم فيها،و شبابا لا هرم فيه،و حياة لا موت فيها.فقال له ذو القرنين:و أيّ مخلوق يقدر على هذه الخصال.فقال:فإنّي مع من يقدر عليها و يملكها و إيّاك (1)
رواه الصدوق في أماليه:144 ح 6،المجلس 32،و [1]في العلل 2:472 ح 34. [2]
.«تشاهدهم في سرائرهم» «يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى» (2).
«و تطّلع عليهم في ضمائرهم» «إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (3).
«و تعلم مبلغ بصائرهم» عن الصادق عليه السّلام:إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول:
يا رب ارزقني حتّى أفعل كذا و كذا من البرّ و وجوه الخير،فإذا علم اللّه تعالى ذلك منه بصدق نيّته كتب اللّه له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله،إنّ اللّه واسع كريم (4).
«فأسرارهم لك مكشوفة،و قلوبهم إليك ملهوفة» في المناجاة الثامنة:«فأنت لا غيرك مرادي،و لك لا لسواك سهري و سهادي،و لقاؤك قرّة عيني،و وصلك منّي نفسي،و إليك شوقي،و في محبّتك و لهي،و إلى هواك صبابتي،و رضاك بغيتي،و رؤيتك حاجتي،و جوارك طلبي،و قربك غاية سؤلي،و في مناجاتك روحي و راحتي،و عندك دواء علّتي،و شفاء غلّتي،و برد لوعتي،و كشف كربتي،فكن أنيسي في وحشتي،و مقيل عثرتي،و غافر زلّتي،و قابل توبتي، و مجيب دعوتي،و وليّ عصمتي،و مغني فاقتي،و لا تقطعني عنك و لا تبعدني منك يا نعيمي و جنّتي و يا دنياي و آخرتي» (5).
«ان أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك» في الخبر:لما طرح يوسف في الجبّ أخوته أتاه جبرئيل عليه السّلام فقال:يا غلام ما تصنع ههنا؟فقال:إن إخوتي ألقوني.
قال:أفتحبّ أن تخرج منه؟قال:ذاك إلى اللّه تعالى إن شاء أخرجني،فقال له جبرئيل:إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول لك ادعني بهذا الدعاء«اللّهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلا أنت الحنّان المنّان بديع السماوات و الأرض ذو الجلال و الإكرام،صلّ على محمّد و آل محمّد و اجعل لي من أمري فرجا و مخرجا» (1)
رواه القمي في تفسيره 1:354 و [1]العياشي في تفسيره 2:17 ح 6،و [2]الراوندي في قصص الأنبياء، [3]عنه البحار 12: 248 ح 13. [4]
-ثم كان من قصته ما ذكره اللّه تعالى في كتابه من مجيء السيارة (2)-.«و ان صبّت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك علما بأنّ أزمة الامور بيدك و مصادرها عن قضائك» في(العقد):قال المدائني:لما حجّ المنصور مرّ بالمدينة فقال لربيع:عليّ بجعفر بن محمد قتلني اللّه إن لم أقتله!فمطل به ثم ألحّ عليه،فحضر فلمّا كشف الستر بينه و بينه و مثل بين يديه همس جعفر بشفتيه ثم تقرّب و سلّم فقال:لا سلّم اللّه عليك يا عدوّ اللّه!تعمل عليّ الغوائل في ملكي قتلني اللّه إن لم أقتلك-إلى أن قال-قال المنصور:يا ربيع عجّل لأبي عبد اللّه كسوته و جائزته.قال ربيع:فلمّا حال الستر بيني و بينه أمسكت بثوبه فقلت له:إنّي منذ ثلاث أدفع عنك،و رأيتك إذ دخلت همست بشفتيك ثم رأيت الأمر انجلى عنك،و أنا خادم سلطان و لا غنى لي عنه.قال:قلت«اللّهم احرسني بعينك التي لا تنام،و اكنفني بحفظك الذي لا يرام،و لا أهلك و أنت رجائي،فكم من نعمة قد أنعمتها عليّ قلّ لك عندها شكري فلم تحرمني،و كم من بليّة ابتليتني بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني،بك أدرأ في نحره،و استعيذ بخيرك
من شرّه،فانّك على كلّ شيء قدير،و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و سلّم» (1)
العقد الفريد 2:28 و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(مروج المسعودي):أتي بعلي بن الحسين عليه السّلام إلى مسلم بن عقبة و هو مغتاظ عليه،فتبرأ منه و من آبائه،فلمّا رآه و قد أشرف عليه ارتعد و قام له و أقعده إلى جانبه و قال له:سلني حوائجك!فلم يسأله في أحد ممّن قدم إلى السيف إلا شفّعه فيه،ثم انصرف عنه فقيل لعليّ عليه السّلام رأيناك تحرّك شفتيك فما الذي قلت؟قال:قلت«اللّهم ربّ السماوات السبع و ما أظللن،و الأرضين السبع و ما أقللن،ربّ العرش العظيم،ربّ محمّد و آله الطاهرين،أعوذ بك من شرّه و أدرأ بك في نحره،أسألك أن تؤتيني خيره و تكفيني شرّه».و قيل لمسلم رأيناك تسبّ هذا الغلام و سلفه،فلما أتي به إليك رفعت منزلته.فقال:ما كان ذلك لرأي منّي،لقد ملىء قلبي منه رعبا (2).
و في(تأريخ الطبري):لما صبّحت الخيل الحسين عليه السّلام رفع يديه فقال «اللّهم أنت ثقتي في كلّ كرب و رجائي في كلّ شدّة،و أنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة و عدّة،كم من همّ يضعف فيه الفؤاد،و تقلّ فيه الحيلة،و يخذل فيه الصديق،و يشمت فيه العدوّ،أنزلته بك و شكوته إليك،رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته و كشفته،فأنت وليّ كلّ نعمة و صاحب كلّ حسنة و منتهى كلّ رغبة» (3).
و في(اللهوف):لما رمي رضيع الحسين عليه السّلام بسهم فذبحه في حجره تلقّى الدّم بكفيه،فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء ثم قال:هوّن عليّ ما نزل
بي أنّه بعين اللّه (1)
اللهوف:50. [1]
.و في(اعتقادات الصدوق):و لما اشتدّ الأمر بالحسين عليه السّلام نظر إليه من كان معه و إذا هو بخلافهم،لأنّهم كانوا إذا اشتدّ بهم الأمر تغيّرت ألوانهم و ارتعدت فرائصهم و وجلت قلوبهم،و كان الحسين عليه السّلام و بعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم و تهدأ جوارحهم و تسكن قلوبهم و نفوسهم،فقال بعضهم لبعض:انظروا إليه لا يبالي بالموت!فقال عليه السّلام لهم:يا بني الكرام،فما الموت إلا أنّها قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضرّ إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائم،فأيّكم يكره ذلك.إلخ (2).
و لنعم ما قيل بالفارسية على لسان حاله عليه السّلام:
گفت اگر بر سر من تير چه باران بارد يا فلك داغ عزيزان بدلم بگذارد
باده از مصطبه عشق مرا خوش دارد غم و شادى بر عاشق چه تفاوت دارد
«اللّهم ان فههت» أي:عييت «عن مسألتي أو عميت عن طلبتي فدلّني على مصالحي و خذ بقلبي إلى مراشدي» فأنت العالم بصلاحي «وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ» (3).
و في(مكارم الصحيفة):«اللّهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمنّي و التظنّي و الحسد ذكرا لعظمتك و تفكّرا في قدرتك،و تدبيرا على عدوّك، و ما أجري على لساني من لفظة فحش أو هجر أو شتم عرض أو شهادة باطل أو اغتياب مؤمن غائب أو سبّ حاضر و ما أشبه ذلك،نطقا بالحمد لك و إغراقا في الثناء عليك و ذهابا في تمجيدك و شكرا لنعمتك و اعترافا بإحسانك، و احصاء لمننك» (1)
الصحيفة السجادية:106 دعاء 20. [1]
.«فليس ذلك بنكر من هداياتك» لعبادك «و لا ببدع من كفاياتك» لأوليائك .
«اللهم احملني على عفوك و لا تحملني على عدلك» و إلاّ هلكت «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (2)«وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» (3)«وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» (4)أي:عدله تعالى.
هذا،و في(مناقب الكنجي)عن زر بن حبيش قال:قرأت القرآن من أوّله إلى آخره في جامع الكوفة على عليّ عليه السّلام،فلما بلغت الحواميم قال:بلغت عرائس القرآن.فلما بلغت رأس العشرين من حمعسق «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» (5)بكى حتى ارتفع نحيبه،ثم رفع رأسه الى السماء و قال:آمن على دعائي-ثم قال«اللّهم إنّي أسألك إخبات المخبتين،و إخلاص الموقنين، و مرافقة الأبرار،و استحقاق حقوق الإيمان،و الغنيمة من كلّ برّ،و السلامة من
كلّ عيب،و وجوب رحمتك و عزائم مغفرتك،و الفوز بالجنّة و النّجاة من النّار» قال:و إذا ختمت القرآن فادع به،فان حبيبي أمرني أدعو بهن عند ختم القرآن.
الحكمة(276)
و قال عليه السّلام:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ- مِنْ أَنْ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي- وَ تَقْبُحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي- مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي- بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي- فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي- وَ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي- تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ وَ تَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ «اللّهم إنّي أعوذ بك من أن» هكذا في(المصرية)أخذا من(ابن أبي الحديد)، و لكن في نسخة(ابن ميثم)«ان» (1)
شرح ابن أبي الحديد 19:167،و [1]شرح ابن ميثم 5:385. [2]
«تحسّن في لامعة العيون علانيتي،و تقبّح فيما أبطن لك سريرتي» .في(الكافي):عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فإذا صعد بحسناته يقول تعالى:اجعلوه في سجّين (2).
«محافظا على رئاء الناس من نفسي بجميع ما أنت مطلّع عليه منّي» عن الصادق عليه السّلام:من أظهر للناس ما يحبّ اللّه و بارز اللّه بما كرهه لقى اللّه و هو ماقت له (3).
«فابدي للناس حسن ظاهري و أفضي إليك بسوء عملي» عن الصادق عليه السّلام:
ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيئا أليس يرجع إلى نفسه،فيعلم أنّ ذلك ليس كذلك،و اللّه تعالى يقول: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (1)
القيامة:14. [1]
.و عنه عليه السّلام:ما من عبد يسرّ خيرا إلاّ لم تذهب الأيام حتّى يظهر اللّه له خيرا،و ما من عبد يسر شرّا إلاّ لم تذهب الأيام حتّى يظهر اللّه له شرّا.
و عنه عليه السّلام:من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه له أكثر مما أراد،و من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه و سهر من ليله أبى اللّه تعالى إلاّ أن يقلّله في عين من سمعه (2).
«تقرّبا إلى عبادك و تباعدا من مرضاتك» «تقربا» و «تباعدا» مفعول لهما لأبدي و أفضي.
و روي في(الكافي)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا،لا يريدون به ما عند ربّهم،يكون دينهم رياء،لا يخالطهم خوف،يعمّهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم.
و عن الصادق عليه السّلام:إيّاك و الرّياء،فإنّ من عمل لغير اللّه و كله اللّه إلى من عمل له،و كلّ رياء شرك،إنّه من عمل للنّاس كان ثوابه على النّاس.
و عنه عليه السّلام:قال تعالى:أنا خير شريك،من أشرك بي غيري في عمل عمله لم أقبله إلاّ ما كان لي خالصا (3).
هذا،و شهد اللّه تعالى له عليه السّلام و لعترته بالاخلاص في قوله عزّ و جلّ:
«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ»
«لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً» -إلى- «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» (1)
الانسان:8-22. [1]
.و مع ذلك،نسب الثاني إليه عليه السّلام الرياء،جرأة على ردّ اللّه تعالى!! ففي(أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب)-و قد نقله(ابن أبي الحديد)في موضع آخر-قال ابن عبّاس دخلت يوما على عمر فقال:يا ابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء،قلت:من هو؟قال:هذا ابن عمك -يعنيه عليه السّلام-فقلت:و ما يقصد بالرياء؟قال:يرشّح نفسه بين الناس للخلافة.قلت:و ما يصنع بالترشيح،قد رشّحه لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصرفت عنه-الخبر (2).
لكن لا غرو في نسبته الرياء إليه عليه السّلام بعد نسبته الهجر إلى نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما أراد استخلافه عليه السّلام.
الخطبة(89)
في الخطبة المعروفة بالاشباح بعد ذكره صفاته تعالى و خلقة السّماء و الملائكة و الأرض و إرساله الرّسل من آدم إلى الخاتم و بيان إحاطة علمه تعالى بكلّ شيء:
اَللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ- وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ- إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَأَكْرَمُ مَرْجُوٍّ- اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لاَ أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ- وَ لاَ أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ- وَ لاَ أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ
وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ- وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ- وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ الْمَرْبُوبِينَ- اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ- أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ- وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ- وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ- اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ- وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ- وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لاَ يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلاَّ فَضْلُكَ- وَ لاَ يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلاَّ مَنُّكَ وَ جُودُكَ- فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ- وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ- «إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » «اللّهم أنت أهل الوصف الجميل» العليم الكريم الرحيم،إلى غير ذلك من صفات الكمال و نعوت الجلال و الجمال .
«و التعداد الكثير» في أوصاف كمالك حتّى أنّها لا تحصى .
«إن تؤمّل فخير مؤمل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(مأمول)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 7:31،و شرح الخوئي 3:131،لكن في شرح ابن ميثم 2:368«مؤمل».
،و كونه تعالى خير مأمول لأنّه القادر على إعطاء كلّ أمل دون غيره .«و إن ترج فأكرم مرجوّ» لأنّه الذي لا يخيب رجاء راجيه .
«اللّهم و قد بسطت لي» بقوّة البيان.
«فيما لا أمدح به غيرك» لعدم اتصاف غيره بما مدحه .
«و لا اثني به على أحد سواك» لفقدان سواه لما به أثنى عليه،فتقول:
«إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (2)و «أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (3)،
فهل يكون أحد غيره كذلك .
«و لا أوجّهه» أي:مدحي و ثنائي،و أفرد الضمير لاتحادهما في المصداق «إلى معادن الخيبة» ممّن رجاهم غيره «و مواضع الرّيبة» باحتمال كونهم على ضدّ ما يمدحون به .
«و عدلت بلساني عن مدائح الآدميين» إلى مدحك «و» عن «الثناء على المخلوقين المربوبين» إلى الثناء عليك،لأنّك اللّه خالق الخلق و ربّ العالمين .
«اللّهم و لكلّ مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء» فأثبني جزاء ثنائي «أو عارفة» أي:معروف «من عطاء» فأعطني عطاء معروفا على ثنائي .
«و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة» «وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1)
المنافقون:7. [1]
«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» (2).«و كنوز المغفرة» أي:كنوز أسبابها،كقوله تعالى: «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » (3).
«اللّهمّ و هذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك» أي:بالإقرار بواحدانيتك المختصّة بك «و لم ير مستحقا لهذه المحامد و الممادح» جمعا المحمدة و المدحة، و جاء جمع الثاني بلفظ الأماديح أيضا،قال الشاعر:
لو كان مدحة حيّ منشرا أحدا أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح (4)
و الأصل في الحمد الارتضاء،يقال أحمدت الأرض ارتضيت سكناها، و قال قراد بن حنش:
لهفي عليك إذا الرعاة تحامدوا بحزيز أرضهم الدرين الأسودا (1)
أورده أساس البلاغة:94، [1]مادة(حمد).
«غيرك» لعدم صدقها في سواه تعالى «و بي فاقة» أي:حاجة «اليك لا يجبر مسكنتها إلاّ فضلك» لا استحقاقي .
«و لا ينعش» أي:لا يرفع «من خلتها» بالفتح أي:فاقتها «إلاّ منّك و جودك» على عبادك .
«فهب لنا في هذا المقام» مقام حمدك و ثنائك «رضاك» عنّا .
«و أغننا عن مدّ الأيدي إلى سواك» لأنّك الرّزّاق «إنّك على كلّ شيء قدير» على إغنائنا و إصلاح جميع شئوننا.
هذا،و روى(أمالي الشيخ)فيما رواه عن الغضائري أنّه عليه السّلام كان إذا رأى الهلال قال:اللّهم ارزقنا خيره و نصره و بركته و فتحه،و نعوذ بك من شرّه و شرّ ما بعده (2).
و روى(الكافي)عنه عليه السّلام قال:الدعاء مفتاح النّجاح،و مقاليد الفلاح، و خير الدعاء ما صدر عن صدر نقيّ و قلب تقيّ،و في المناجاة سبب النجاة، و بالاخلاص يكون الخلاص،فإذا اشتدّ الفزع فإلى اللّه المفزع.
أيضا:الدعاء ترس المؤمن،و متى تكثر قرع الباب يفتح لك (3).
و في(المحاسن و الأضداد للجاحظ):يقال أنّ عليّا عليه السّلام لمّا اتصل به مسير معاوية قال:لا أرشد اللّه قائده،و لا أسعد رائده،و لا أصاب غيثا،و لا سار إلاّ ريثا،و لا رافق إلاّ ليثا،أبعده اللّه و أسحقه،و أوقد على أثره و أحرقه،لا حطّ اللّه رحله،و لا كشف محلّه،و لا بشّر به أهله،لا زكّى له مطلب و لا رحب له
مذهب،و لا يسّر له مراما،لا فرّج اللّه له غمّه،و لا سرّى همّه،لا سقاه اللّه ماء،و لا حل عقده،و لا أروى زنده،جعله اللّه سفر الفراق،و عصا الشقاق!و أنشد:
بأنكد طائر و بشرّ فال لأبعد غاية و أخسّ حال
بحدّ السدّ حيث يكون منّي كما بين الجنوب إلى الشمال
غريبا تمتطي قدميك دهرا على خوف تحنّ إلى العيال (1)
المحاسن و الأضداد:99. [1]
الكتاب(15)
و كان عليه السّلام يقول إذا لقي العدو محاربا:
اللَّهُمَّ أَفْضَتِ إِلَيْكَ الْقُلُوبُ وَ مُدَّتِ الْأَعْنَاقُ- وَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ وَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ وَ أُنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ- اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ- وَ جَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ- اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا- وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا- «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» قول المصنف : «و كان عليه السّلام إذا لقي العدوّ محاربا» رواه نصر ابن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 230 و 231 )في ثلاث روايات:
إحداها:ما رواه مسندا عن سلام بن سويد:كان عليّ عليه السّلام إذا أراد أن يسير إلى الحرب و قعد على دابّته قال:الحمد للّه ربّ العالمين على نعمه علينا و فضله العظيم «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» (2)ثم يوجّه دابته الى القبلة ثم يرفع يديه الى السماء ثم يقول:اللّهم إليك نقلت الأقدام،و أفضت القلوب،و رفعت الأيدي،و شخصت الأبصار،
نشكو إليك غيبة نبيّنا،و كثرة عدوّنا،و تشتّت أهوائنا «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» (1)
الأعراف:89. [1]
سيروا على بركة اللّه (2).الثانية:مسندا عن تميم:كان علي عليه السّلام إذا سار الى القتال ذكر اسم اللّه حين يركب،ثم يقول:الحمد للّه على نعمه علينا و فضله العظيم «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» (3)ثم يستقبل القبلة ثم يرفع يديه إلى اللّه ثم يقول:اللّهم إليك نقلت الأقدام،و أتعبت الأبدان،و أفضت القلوب،و رفعت الأيدي،و أشخصت الأبصار «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» (4)سيروا على بركة اللّه،ثم يقول:اللّه أكبر،اللّه أكبر،لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر،يا اللّه يا أحد يا صمد،يا ربّ محمّد،بسم اللّه الرحمن الرحيم،لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم،إيّاك نعبد و إيّاك نستعين،اللّهمّ كفّ عنّا بأس الظالمين فكان هذا شعاره بصفين (5).
الثالثة:عن قيس بن الربيع عن عبد الواحد بن حسان عمّن حدّثه عن علي عليه السّلام سمعه يقول يوم صفين«اللّهم إليك رفعت الأبصار،و بسطت الأيدي، و دعيت الألسن،و أفضت القلوب،و تحوكم إليك في الأعمال،فاحكم بيننا و بينهم بالحقّ و أنت خير الفاتحين.اللّهم إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا،و قلّة عددنا، و كثرة عدوّنا و تشتّت أهوائنا،و شدّة الزمان،و ظهور الفتن،أعنّا عليهم بفتح تعجّله،و نصر تعزّ به سلطان الحقّ و تظهره» (6).
و الخبر الأوّل مطلق في كونه أيّ حرب،و الأخيران صرّح فيهما بكونه في صفين،لكن لم يذكر فيهما وقته.
و روى خبرا آخر انّه عليه السّلام قاله يوم الهرير،فروى عن جابر بن عمير الأنصاري قال:و اللّه لكأني أسمع عليّا عليه السّلام يوم الهرير-و ذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها و بين عك و لخم و جذام و الأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي،حتى استقلت الشمس و قام قائم الظهر-يقول لأصحابه متى نخلّي بين هذين الحيين قد فنينا و أنتم وقوف تنظرون،أما تخافون مقت اللّه.
ثم انفتل إلى القبلة و رفع يديه و نادى«يا اللّه يا رحمن يا رحيم،يا واحد يا أحد يا صمد،يا اللّه يا إله محمّد،اللّهم إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوب و رفعت الأيدي و مدّت الأعناق و شخصت الأبصار و طلبت الحوائج،إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا و تشتّت أهوائنا،ربّنا افتح بيننا و بين الحقّ و أنت خير الفاتحين»سيروا على بركة اللّه،ثم نادى«لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر كلمة التقوى».
قال جابر:لا و الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض،أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب،إنّه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول«معذرة إلى اللّه عزّ و جلّ و إليكم من هذا،لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزني عنه أنّي سمعت الرسول يقول كثيرا«لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي»و أنا قاتل به دونه.
قال جابر:فكنّا نأخذه فنقوّمه ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به في عرض الصف،و لا و اللّه ما ليث بأشدّ نكاية في عدوّه منه عليه السّلام (1)
وقعة صفين:477،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى(صفين عبد العزيز الجلّودي)-كما في(مهج علي بن طاوس)-
1) 1)
إنّه كان في أوّل القتال،ففيه:فلمّا زحفوا باللواء قال عليّ عليه السّلام:بسم اللّه الرحمن الرحيم،لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلّي العظيم،اللّهم إيّاك نعبد و إيّاك نستعين، يا اللّه يا رحمن يا رحيم يا أحد يا صمد يا إله محمّد،إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوب و شخصت الأبصار و مدّت الأعناق و طلبت الحوائج و رفعت الأيدي، اللّهمّ افتح بيننا و بين قومنا بالحقّ و أنت خير الفاتحين.ثم قال«لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر»-ثلاثا (1)
مهج الدعوات:96. [1]
.قلت:و حيث انّه كان دعاء يكرّر أمكن دعاؤه عليه السّلام به في كلّ ما روى،فعن جمل المفيد دعا به يوم الجمل أيضا (2).كما انّه روى الكلام عنه عليه السّلام في غير وقت الحرب،فروى(رسائل الكليني)-كما في(المحجّة)فيما كتبه عليه السّلام بعد منصرفه من النهروان لمّا سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان-إلى أن قال-فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا،و علّمت أهل القنوت أن يقولوا:«اللّهمّ لك أخلصت القلوب،و إليك شخصت الأبصار،و أنت دعيت بالألسن،و إليك تحوكم الأعمال،فافتح بيننا و بين قومنا بالحقّ.اللّهم إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا، و كثرة عدوّنا،و قلّة عددنا،و هو اننا على الناس،و شدّة الزمان،و وقوع الفتن بنا.اللّهم ففرّج ذلك بعدل تظهره،و سلطان حق تعرفه!» (3).
قال ابن أبي الحديد:كان سديف مولى المنصور يقول«اللّهم انّا نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا،و تشتّت أهوائنا،و ما شملنا من زيغ الفتن، و استولى علينا من عشوة الحيرة،حتى عاد فيئنا دولة بعد القسمة،و أمارتنا غلبة بعد المشورة،وعدنا ميراثا بعد الاختيار للامة،و اشتريت الملاهي
و المعازف بمال اليتيم و الأرملة،و أرعي في مال اللّه من لا يرعى له حرمة، و حكم في أبشار المؤمنين أهل الذمة،و تولّى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة،و لا راع ينظر إليهم بعين رحمة،و لا ذو شفقة يشبع الكبد الحرّى من مسغبة،فهم أولو ضرع و فاقة،و أسراء فقر و مسكنة،و حلفاء كآبة و ذلّة.اللّهم و قد استحصد زرع الباطل و بلغ نهايته،و استحكم عموده، و استجمع طريده،و حذف وليده،و ضرب بجرانه فأتح له من الحقّ يدا حاصدة،تجذّ سنامه و تهشم سوقه و تصرع قائمه،ليستخفي الباطل بقبح حليته و يظهر الحقّ بحسن صورته».
و وجدت هذه الألفاظ في دعاء منسوب إلى علي بن الحسين عليه السّلام،و لعلّه من كلامه و قد كان سديف يدعو به (1)
شرح ابن أبي الحديد 15:113. [1]
.قلت:ان كان أصل الكلام من السجاد عليه السّلام إلاّ أنّه لا بدّ أن يكون بعض فقراته من غيره،فهو لا يقول«عادت إمارتنا غلبة بعد المشورة وعدنا ميراثا بعد الاختيار للامّة»،فهل تلك المفاسد التي عدّت إلاّ نتيجة ذاك الاختيار يوم السقيفة و تلك المشورة يوم الدار؟ قوله عليه السّلام «اللّهم أفضت اليك» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«اللّهم إليك أفضت»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«القلوب» أي:تظهر القلوب أسرارها لك.
«و مدّت الأعناق» أي:تتضرع لك «و شخصت الأبصار» شخص بصره:إذا فتحه و جعله لا يطرف.
«و نقلت الأقدام» أي:مسيرنا كان لك «و انضيت الأبدان» يقال:انضيت
الثوب إذا ابليته،و انضى فلان بعيره أي:هزله،و تقديم الظرف للحصر،أي:ان وقوع جميع هذه الامور كان مختصا لك .
«اللّهم قد صرح» أي:انكشف و ظهر«مكتوم»هكذا في(المصرية)، و الصواب: «مكنون» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 15:112، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:385 نحو المصرية.
«الشنآن» أي:البغض.
«و جاشت» من جاشت القدر أي:غلت «مراجل» جمع المرجل قدر من نحاس «الأضغان» .
و روى نصر بن مزاحم في(صفينه):لما أراد عليّ عليه السّلام الشخوص إلى صفين التفت عبد اللّه بن بديل الخزاعي إلى الناس و قال:كيف يبايع معاوية عليّا عليه السّلام و قد قتل أخاه حنظلة و خاله الوليد و جدّه عتبة في موقف واحد (2).
«اللّهم إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا» قالت سيدة النساء مخاطبة لأبيها أو صفية لابن أخيها كما في(بيان الجاحظ):
قد كان بعدك أنباء و هنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها فاحتل لقومك و اشهدهم و لا تغب (3)
و قالت أروى بنت عبد المطلب كما في(طبقات كاتب الواقدي):
لعمرك ما أبكي النبي لموته و لكن لهرج كان بعدك آتيا (4)
و في(أنساب البلاذري):قالت امّ الفضل:كنت جالسة عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مريض،فبكيت فقال:ما يبكيك؟قلت:أخشى عليك و لا أدري ما نلقى من
الناس بعدك.فقال:أنتم المستضعفون (1)
انساب الأشراف 1:551. [1]
!! و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له عليه السّلام:إنّ الامة ستغدر بك بعدي (2).«و تشتّت» أي:تفرّق «أهوائنا،ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحقّ و أنت خير الفاتحين» الأصل فيه قول شعيب فيما حكى اللّه تعالى عنه (3).
هذا،و روى(الكافي)أنّه عليه السّلام كان إذا أراد القتال قال:اللّهم إنّك أعلمت سبيلا من سبلك جعلت فيه رضاك،و ندبت إليه أولياءك،و جعلته أشرف سبلك عندك ثوابا و أكرمها لديك مآبا،و أحبّها إليك مسلكا،ثم اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليك حقّا،فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه ثم وفّى لك ببيعه الذي بايعك عليه،غير ناكث و لا ناقض عهدا و لا مبدّل تبديلا،بل استيجابا لمحبّتك و تقرّبا به إليك،فاجعله خاتمة عملي و صيّر فيه فناء عمري، و ارزقي فيه لك و به مشهدا توجب لي به منك الرضا،و تحطّ به عنّي الخطايا، و تجعلني في الأحياء المرزوقين،بأيدي العداة و العصاة،تحت لواء الحقّ و راية الهدى،ماضيا على نصرتهم قدما غير مولّ دبرا و لا محدث شكا.اللّهم و أعوذ بك عند ذلك من الجبن عند موارد الأهوال،و من الضعف عند مساورة الأبطال،و من الذنب المحبط للأعمال،فأحجم من شكّ أو أمضي بغير يقين، فيكون سعيي في تباب و عملي غير مقبول (4).
و في(زهر آداب الحصري)و(مجالس ثعلب):«و من دعاء علي عليه السّلام في
حروبه»اللّهم أنت أرضى للرضى،و أسخط للسخط،و أقدر على تغيّر ما كرهت،و أعلم بما تقدر،لا تغلب على باطل،و لا تعجز عن حقّ،و ما أنت بغافل عمّا يعمل الظالمون (1)
زهر الآداب 1:44،و [1]مجالس ثعلب 2:416.
.الخطبة(210)
و من خطبة له عليه السّلام:
اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ- سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ- وَ الْمُصْلِحَةَ غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا- فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلاَّ النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ- وَ الْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ- فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ بِأَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً- وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ- ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ- وَ الْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ أقول:قال ابن ميثم:الفصل من خطبة كان يستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام (2).لكنه لم يأت له بمستند و لا أدري هل وقف فيه على رواية أو قاله تخمينا.
قول المصنف: «و من خطبة له عليه السّلام» قد ترى أنّه مناجاة مع اللّه تعالى كسابقه،فان كان جزء خطبة فهو اقتصر.
قوله عليه السّلام: «اللّهمّ أيّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة» مقالته عليه السّلام العادلة غير الجائرة،كلماته التي كان يدعو بها الناس إلى اللّه تعالى و إلى جهاد أعدائه،كقوله عليه السّلام«سيروا إلى أعداء السنن و القرآن،سيروا إلى
بقية الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار» (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:94. [1]
.«و المصلحة غير المفسدة في الدين و الدنيا» هكذا في(المصرية)، و الصواب:«و المصلحة في الدين و الدنيا غير المفسدة»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)،و ليكون «غير المفسدة» كقوله «غير الجائرة» وصف عليه السّلام مقالته بالوصفين للدلالة على أن مقالته عليه السّلام عادلة محضة و مصلحة خالصة،ليست كبعض المقالات المختلطة عدلها بجورها و صلاحها بفسادها ان لم يكن كلّها جورا أو فسادا.
«فأبى بعد سمعه لها إلاّ النكّوص» أي:الإحجام «عن نصرتك و الإبطاء عن إعزاز دينك» في(صفين نصر):لما قال عليه السّلام تلك الكلمات قام رجل من بني فزارة يقال له أربد،فقال:أ تريد أن تسيّرنا إلى اخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك،كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم،كلاها اللّه لا نفعل ذلك، فقام الأشتر فقال:من لهذا أيّها النّاس،فهرب و اشتدوا على أثره فلحق بمكان من السوق تباع فيه البراذين،فوطؤه بأرجلهم و ضربوه بأيديهم،و نعال سيوفهم حتى قتل،فقال عليه السّلام:قتيل عميّة لا يدري من قتله،ديته من بيت مال المسلمين.
و قام الأشتر فقال:كيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين عليه السّلام،و قد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين،فأسخطوا اللّه و اظلمت بأعمالهم الأرض و باعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير،فقال علي عليه السّلام:الطريق مشترك،و الناس في الحقّ سواء،و من اجتهد رأيه في
نصيحة العامة فله ما نوى و قضى ما عليه (1)
وقعة صفين:94 و 95. [1]
.«فإنّا نستشهدك عليه بأكبر الشاهدين شهادة» هكذا في(المصرية)،و هو غلط،فان أكبر الشاهدين شهادة هو اللّه تعالى لا غيره،قال عز و جل: «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللّهُ» (2)،و الصواب:«فانا نستشهدك عليه يا أكبر الشاهدين شهادة»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)،و قول محشي المصرية:«أكبر الشاهدين هو النبي أو القرآن (4)»غلط.
«و نستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك» من الجن و الأنس «و سماواتك» من الملائكة «ثم أنت بعده» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«بعد»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)«المغني عن نصره و الآخذ له بذنبه» .
في(صفين نصر):لما أمر عليّ عليه السّلام الناس بالمسير إلى الشام دخل عليه عبد اللّه بن المعتم،و حنظلة الكاتب في رجال كثير من غطفان و بني تميم،فقال حنظلة:انا نظرنا لك و لمن معك،أقم و كاتب هذا الرجل و لا تجعل إلى قتال أهل الشام،و لا تدري إذا التقيتم لمن تكون الغلبة و على من تكون الدبرة.و تكلّم ابن المعتم و القوم الذين دخلوا معهما بمثل ما تكلّم حنظلة.
فقال عليه السّلام:اما الدّبرة فانها تكون على الضالين،ظفروا أو ظفر بهم،و ايم اللّه لا سمع كلام قوم ما أراهم يريدون أن يعرفوا معروفا،و لا ينكروا منكرا.
فقال مالك بن حبيب له عليه السّلام:إنّ حنظلة هذا يكاتب معاوية فاحبسه،أو أمكنا منه نحبسه،فأخذا يقولان هذا جزاء من أشار عليكم بالرأي فيما بينكم
و بين عدوّكم،فقال عليه السّلام:اللّه بيني و بينكم و إليه أكلكم و به استظهر عليكم، اذهبوا حيث شئتم-إلى أن قال-فلحق ابن المعتم مع أحد عشر رجلا من قومه و حنظلة الكاتب مع ثلاثة و عشرين رجلا من قومه بمعاوية (1)
وقعة صفين:95 و 96،و [1]النقل بتلخيص.
.و لا تخفى نكات كلامه عليه السّلام من وصفه مقالته بالجامعة لكل حسن و المانعة عن كلّ قبح،و جعله النكوص عنه النكوص عن اللّه و عن دينه، و استشهاد الخالق و الخلائق على نكوصه و إعانة اللّه تعالى له و انتقامه من تاركيه.
و لما قال الأشتر له عليه السّلام-كما في(تأريخ اليعقوبي)-إنّ هوى جرير مع معاوية قال عليه السّلام:يا ويحهم مع من يميلون و يدعونني!فو اللّه ما أردتهم إلاّ على إقامة حقّ،و لا يريدهم غيري إلاّ على باطل (2).
الخطبة(153)
و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها بديع خلقة الخفاش-إلى أن قال-:
وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَ عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ- مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ- الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ- وَ يَبْسُطُهَا الظَّلاَمُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ- وَ كَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ- مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا- وَ تَتَّصِلُ بِعَلاَنِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا- وَ رَدَعَهَا تَلَأْلُؤُ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا- وَ أَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ ائْتِلاَقِهَا- وَ هِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحْدَاقِهَا- وَ جَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا- فَلاَ يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ- وَ لاَ تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ- فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا وَ بَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا- وَ دَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا- أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا- وَ تَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْ مِنَ فِيْءِ ظُلَمِ لَيَالِيهَا-
فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَ مَعَاشاً- وَ النَّهَارَ سَكَناً وَ قَرَاراً- وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا- تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ- كَأَنَّهَا شَظَايَا الْآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَ لاَ قَصَبٍ- إِلاَّ أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً- لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا وَ لَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ- تَطِيرُ وَ وَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِئٌ إِلَيْهَا- يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ وَ يَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ- لاَ يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ- وَ يَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ- وَ يَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ وَ مَصَالِحَ نَفْسِهِ- فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ قول المصنف : «بديع خلقه الخفاش» من اختلاف باصرته مع باصرة باقي الطيور و الحيوانات،و اختلاف اجنحته مع أجنحة باقي الطيور، و اختلاف ولدها مع ولد باقي الطيور و الحيوان.
و في(حياة حيوان الدميري):ليس هو من الطير في شيء،فانه ذو اذنين و أسنان و خصيتين و منقار و يحيض و يطهر و يضحك كما يضحك الإنسان و يبول كما تبول ذوات الأربع و يرضع ولده،و لا ريش له (1)
حياة الحيوان 1:296. [1]
.قول المصنف : «و من لطائف صنعته» من اضافة الصفة إلى الموصوف، و الأصل«و من صنائعه اللطيفة» «و عجائب حكمته» هو أيضا كسابقه،و الأصل «حكمته العجيبة » «ما أرانا من غوامض» أي:خفيّات «الحكمة» و هي إتقان الامور «في هذه الخفافيش» جمع الخفاش بالضم.
و قال الدميري:قال البطليوسي الخفاش له أربعة أسماء:خفاش، و خشاف،و خطاف،و وطواط.
و الحقّ أنّ الخفّاش و الخطّاف صنفان،و قال قوم الخفّاش الصغير
1) 1)
و الوطواط الكبير،و هو لا يبصر في ضوء القمر و لا في ضوء النهار (1)
المصدر السابق. [1]
.و في(الصحاح):الخفش:صغر في العين و ضعف في البصر خلقة، و الرجل أخفش،و قد يكون الخفش علّة،و هو الذي يبصر الشيء بالليل و لا يبصره بالنهار،و يبصره في يوم غيّم و لا يبصره في يوم صاح (2).
«التي يقبضها الضياء» أي:الشمس،قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً» (3)«الباسط لكلّ شيء» حي «و يبسطها الظلام» أي:الليل،قال تعالى:
«وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» (4)«القابض لكل حي» من الوحش و الطير .
«و كيف عشيت» في(الجمهرة):عشي الرجل فهو أعشى و المرأة عشواء و العشي مصدره،و هو على معنيين و هو الذي لا يبصر بالليل و يبصر بالنهار و هو الذي ساء بصره من غير عمى،كما قال الأعشى:
إن رأت رجلا أعشى أضربه ريب المنون و دهر خابل خبل
و العشو مصدر عشوت إلى ضوئك إذا قصدته بليل،ثم صار كلّ قاصد شيء عاشيا،قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد (5)
و(الصحاح)،اقتصر في معنى العشي على الأوّل، و(المصباح)على الثاني،كما أنّ(الصحاح)قال عشوته:قصدته (6).
و الصواب:ما عرفت من(الجمهرة).
«أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها» جعل تعالى الأبصار في باقي ذوي الأبصار بواسطة الشمس،و فيها بواسطة عدمها،فسبحان الذي خلق الأضداد.
«و تصل» أي:تلك الخفافيش «بعلانية» بتخفيف الياء اسم مصدر بمعنى الانتشار «برهان» جعله ابن دريد من«بره»فقال في باب فعلان:و برهان معروف من قولهم«هذا برهان هذا»أي:إيضاحه،و قال به ابن الأعرابي، و اختاره الأزهري،و جعله الجوهري و الفيروز آبادي و السجستاني في (غريب قرآنه)رباعيا،و أغرب قول،قول الزمخشري،فقال إنّه من البرهرمة أي:البيضاء من الجواهري (1)
جمهرة اللغة لابن دريد 3:416،و تهذيب اللغة للأزهري 6:294،و صحاح اللغة للجوهري 5:2078،و القاموس المحيط للفيروزآبادي 4:201،و غريب القرآن للسجستاني:و أساس البلاغة للزمخشري:21،و نقل قول ابن الاعرابي لسان العرب 13:476.
.«الشمس إلى معارفها» كباقي الطيور و الوحوش «و ردعها» أي:كفّها و منعها و الفاعل ضمير النور «تلألؤ» هكذا في(المصرية)و الصواب:«بتلألؤ» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«ضيائها عن المضي في سبحات» أي:أنوار «أشراقها و أكنّها» أي:سترها «في مكامنها» محالّ اختفائها «عن الذهاب في بلج» جاء في(الصحاح):«صبح أبلج»أي:مشرق مضيء،قال العجاج:«حتى بدت أعناق صبح أبلجا» (3).
«ائتلاقها» أي:لمعانها «فهي مسدلة» من أسدل ثوبه و شعره،أرخاه،و في (القاموس)سدل الشعر و أسدله،أرخاه.و أمّا اقتصار(الأساس)و(الصحاح)
على سدل و إنكار المصباح لأسدل ففي غير محلّه (1)
القاموس المحيط 3:395، [1]مادة(سدل)،و أساس البلاغة:207،مادة(سدل)،و صحاح اللغة 5:1728،مادة (سدل)،و المصباح المنير 1:328، [2]مادة(سدل).
«الجفون» في(المصباح) جفن العين غطاءها من أعلاها و أسفلها،و هو مذكر (2)«بالنهار على أحداقها» جمع حدقة كالحداق «و جاعلة الليل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها» .قال الدميري:يخرج البعوض في غروب الشمس لطلب قوّته و هو دماء الحيوان،و يخرج الخفاش طالبا للطعم،فيقع طالب رزق على طالب رزق فسبحان الحكيم (3).
«فلا يردّ أبصارها أسداف» من«أسدفت المرأة القناع»أرسلته «ظلمته و لا تمتنع من المضي فيه» أي:في التماس أرزاقها «لغسق» في(الصحاح):الغسق:
أوّل ظلمة الليل (4)«دجنته» بالضم أي:ظلمته .
«فإذا ألقت الشمس قناعها» في(المصباح):قناع المرأة ما تلبسه فوق الخمار (5)«و بدت أوضاح» في(الصحاح):الوضح:الضوء و البياض (6)«نهارها» نظير قوله تعالى: «وَ النَّهارِ إِذا تَجَلّى» (7)«وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها » (8)«و دخل من إشراق نورها على الضّباب» جمع الضب.
قال الدميري في(حياة حيوانه):الضب يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدق للشمس،و من شأنه في الشتاء ألاّ يخرج من جحره،قال امية
بن أبي الصلت في ابن جدعان:
يباري الريح تكرمة و مجدا إذا ما الضب أجحره الشتاء
و قال ابن خالويه في أوائل(كتاب ليس):الضب لا يشرب الماء و يعيش سبعمائة سنة،و يقال:إنّه يبول في كلّ أربعين يوما قطرة،و لا تسقط له سنّ، و يقال:إنّ أسنانه قطعة واحدة.و للتضادّ بينه و بين السمكة قال حاتم الأصم:
تكفّل بالأرزاق للخلق كلّهم و للضب في البيداء و للحوت في البحر (1)
حياة الحيوان 2:77 و 78. [1]
و في(المصباح):الضب:دابة تشبه الحرذون،و هي أنواع،فمنها ما هو على قدر الحرذون،و منها أكبر منه،و منها دون العنز و هو أعظمها،و من عجيب خلقته أنّ الذكر له زبّان،و الانثى لها فرجان تبيض منهما (2).
و في(الصحاح)في المثل«أعقّ من ضبّ»لأنّه ربما أكل حسوله، و الانثى ضبّة،و قولهم«لا أفعله حتّى يحنّ الضبّ في أثر الإبل الصادرة»«و لا أفعله حتّى يرد الضبّ»لأنّ الضبّ لا يشرب ماء.و من كلامهم الذي يضعونه على ألسنة البهائم،قالت السمكة:«و ردا يا ضبّ»،فقال«أصبح قلبي صردا، لا يشتهي أن يردا،إلاّ عرادا عردا،وصليانا بردا،و عنكثا ملتبدا» (3).
«في وجارها» في(القاموس):الوجار بالكسر و الفتح جحر الضبع و غيرها و«وجرة»موضع بين مكة و البصرة أربعون ميلا ما فيها منزل فهي مربّ للوحش (4).
«أطبقت الأجفان» جمع آخر للجفن غطاء العين غير الجفون «على مآقيها»
في الصحاح:مؤق العين طرفها مما يلي الأنف،و اللحاظ طرفها الذي يلي الاذن (1)
صحاح اللغة 4:1553، [1]مادة(مأق).
.و في(الجمهرة):المؤق موق العين،و فيه أربع لغات موق و ماق و مؤق و مأق،و يجمع آماقا و مآقي و أمواقا و اماقي (2)،و قال:مثل النهار يزيد أبصار الورى نورا و يعمي أعين الخفاش
«و تبلّغت» أي:اكتفت،قال:
تزجّ من دنياك بالبلاغ و باكر المعدة بالدباغ (3)
«بما اكتسبت من فيء ظلم لياليها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:الخفاش يخرج بالليل و يتقوّت بما يسري في الجوّ من الفراش و ما أشبهه،و قد قال قائلون:إنّه لا طعمة للخفاش،و إنّ غذاه من النسيم وحده،و ذلك يبطل من جهتين:أحدهما خروج الثفل و البول منه، فإن هذا لا يكون من غير طعمة،و الاخرى أنّه ذو أسنان،و لو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى،و ليس في الخلقة شيء لا معنى له (5).
«فسبحان من جعل الليل لها نهارا و معاشا،و النهار سكنا و قرارا» و هو دليل كمال قدرته و عظمته.
قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلاّ بالليل،كمثل البوم و الهام و الخفاش؟قال:لا يا مولاي.قال:إنّ
معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض و الفراش و أشباه الجراد و اليعاسيب،و ذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا تخلو منها موضع، و اعتبر ذلك بأنّك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذه الضروب شيء كثير،فمن أين يأتي ذلك كلّه إلاّ من القرب،فإن قال قائل:إنّه يأتي من الصحاري و البراري،قيل له كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد،و كيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه،مع ان هذه عيانا تتهافت على السرج من قرب،فيدلّ ذلك على أنها منتشرة في كلّ موضع من الجوّ،فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتقوت بها.فانظر كيف وجّه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلاّ بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو،و اعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظانّ أنّها فضل لا معنى له (1)
توحيد المفضل:119،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و جعل لها أجنحة من لحمها» يمكن أن يكون مستأنفة و ان يكون عطفا على «جعل الليل» و على «يقبضها الضياء الباسط لكلّ شيء» .
«تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران» بخلاف باقي الطيور،فجعل في أجنحتها و ذنبها ريشات طوال متان لتنهض بها للطيران،و كسى كلّها الريش ليتداخلها الهواء فيقلّها!فكيف تطير هذه مع خلوّها من جميع ما ذكر،و لكنّها لما كانت تلد،جعل جناحها من لحم،فلو كان من ريش لم يقدر لحملها مع حملها.
قال الصادق عليه السّلام في غيره من الطيور:جعل الطير مما تبيض بيضا،و لا تلد ولادة،لكيلا تثقل عن الطيران،فانّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم،لأثقلته و عاقته عن النهوض و الطيران،فجعل كلّ شيء من خلقه
1) 1)
مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه (1)
توحيد المفضل:114. [1]
.«كأنها شظايا» جمع الشظيّة بمعنى الشقّة «الآذان غير ذوات ريش و لا قصب» بخلاف سائر الطيور،فلها ريشات غرزت في ما كان كالقصب، و القصب بفتحتين كلّ نبات يكون ساقه أنابيب و كعوبا.
قال الدميري:قال وهب بن منبه:طلبوا من عيسى عليه السّلام خلق الخفّاش بإذن اللّه تعالى،لأنه من أعجب الطير خلقة،إذ هو لحم و دم يطير بغير ريش، و هو شديد الطيران سريع التقلّب،و هو مع ذلك موصوف بطول العمر،فيقال انه أطول عمرا من النّسر و من حمار الوحش (2).
«إلاّ انّك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما» جمع العلم بفتحتين بمعنى العلامة،ثم الظاهر كونه تميزا لما قبله «لها جناحان لمّا» هكذا في جميع النسخ، و الظاهر كونه محرّف«لم»لأن المقام ليس مقام توقع وقوع «يرقّا فينشقّا و لم» و في نسخة(ابن أبي الحديد)«و لمّا» (3)«يغلظا فيثقلا» و لم يمكنها الطيران .
«تطير و ولدها لاصق بها لاجئ إليها يقع» الولد «إذا وقعت و يرتفع» الولد «إذا ارتفعت» الامهات «لا يفارقها حتى تشتدّ أركانه،و يحمله للنهوض جناحه و يعرف مذاهب عيشه و مصالح نفسه» .
هذه أيضا أحد امتيازات الخفاش عن غيره.
و في(توحيد المفضل):انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع أمّهاتها مستقلة بأنفسها،لا تحتاج إلى الحمل و التربية كما تحتاج أولاد الإنس، فمن أجل أنّه ليس عند أمّهاتها ما عند أمّهات البشر من الرفق و العلم بالتربية،
و القوة بالأكفّ و الأصابع المهيّأة لذلك،أعطيت النهوض و الاستقلال بأنفسها.
و كذلك نرى كثيرا من الطير كمثل الدجاج و الدراج و القبج تدرج،و تلقط حين تنقاب عنها البيضة،فأمّا ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام، و اليمام،و الحمّر،فقد جعل في الامّهات فضل عطف عليها،فصارت تمجّ الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها،فلا تزال تغذوها حتّى تستقلّ بأنفسها،و لذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرا مثل ما ترزق الدجاج،لتقوى الام على تربية فراخها فلا تفسد و لا تموت،فكلا أعطى بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير (1)
توحيد المفضل:97،و [1]النقل بتصرف يسير.
.بيان:اليمام طير وحشي كالحمام،و الحمّر جمع حمرة طير كالعصفور.
و في(حيوان الدميري):تلد أنثى الخفّاش ما بين ثلاثة أفراخ و سبعة، و كثيرا ما يسفد و هو طائر في الهواء،و ليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره، و القرد و الإنسان،و يحمله تحت جناحه،و ربّما قبض عليه بفيه،و ذلك من حنوّه و إشفاقه عليه،و ربّما أرضعت الانثى ولدها و هي طائرة (2).
«فسبحان اللّه البارئ» أي:الخالق و الأصل الهمز «لكلّ شيء على غير مثال خلا» أي:مضى قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ» (3)«من غيره» .
و كلّ شيء من خلقه تعالى و إن كان لا تعدّ حكمه تعالى فيه،كما لا تعدّ نعمه تعالى على خلقه،إلاّ انّه عليه السّلام خصّ الخفاش هنا بالذكر،لاختصاصه بخصائص و كونه مشتركا بين الحيوان و الطير.
و في(توحيد المفضل):خلق الخفّاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير و ذوات الأربع،هو إلى ذوات الأربع أقرب،و ذلك انّه ذو أذنين ناشزتين و أسنان و وبر،و هو يلد أولادا و يرضع و يبول،و يمشي إذا مشى على أربع، و كل هذا خلاف صفة الطير-إلى أن قال-:
و أما المآرب فيه فمعروفة،حتّى أنّ زبله يدخل في بعض الأعمال،و من أعظم الأرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جلّ ثناؤه و تصرفها في ما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة (1)
توحيد المفضل:120. [1]
.و في(حيوان الدميري):إذا وضع رأس الخفّاش في حشو مخدة فمن وضع رأسه عليها لم ينم،و ان طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق و يغمر فيه مرارا حتى يتهرئ و يصفى ذلك الدهن عنه،و يدهن به صاحب النقرس و الفالج القديم،و الارتعاش و التورّم في الجسد فانه ينفعه و هو مجرّب،و ان ذبح في بيت و أخذ قلبه و احرق،فيه لم يدخله حيات و لا عقارب، و إن علّق قلبه وقت هيجانه على إنسان هيّج الباه،و إذا علّق عنقه على إنسان أمن العقارب،و من مسح بمرارته فرج امرأة قد عسرت ولادتها ولدت لوقتها، و ارتفع الدم عن النساء إذا أخذن من شحمه،و ان طبخ ناعما حتى يتهرئ و مسح به الإحليل أمن التقطير،و إن صبّ من مرقه و قعد فيه صاحب الفالج انحل ما به،و إذا طلب بزبله على القوابي قلعها،و من نتف أبطه و طلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت،و إذا طلى به عانات الصبيان منع من النبات (2).
هذا،و روى ابن قتيبة في(عيونه)عن الرياشي قال:روى عن عليّ عليه السّلام
ليس شيء يغيب أذناه إلاّ و هو يبيض،و ليس شيء يظهر اذناه إلاّ و هو يلد (1)
عيون ابن قتيبة 2:88. [1]
.و روى الصدوق في(خصاله)عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام عن الحسين عليه السّلام قال:كان علي عليه السّلام بالكوفة في الجامع إذ قام اليه رجل من أهل الشام،فسأله عن مسائل فكان فيما سأله أن قال له:أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم؟فقال عليه السّلام:آدم و حواء و كبش إبراهيم و عصا موسى و ناقة صالح و الخفّاش الذي عمله عيسى عليه السّلام فطار بإذن اللّه (2).
الخطبة(163)
و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس:
ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ- وَ سَاكِنٍ وَ ذِي حَرَكَاتٍ- فَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ- وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ- مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَ مَسَلِّمَةً لَهُ- وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلاَئِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ- وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ- الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ- وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِيَ أَعْلاَمِهَا- مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ- مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ- وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ- وَ الْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ- كَوَّنَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ- وَ رَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ- وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْسَّمَاءِ خُفُوفاً- وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً- وَ نَسَقَهَا عَلَى اخْتِلاَفِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ- وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ- فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لاَ يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ- وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ
فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلاَفِ مَا صُبِغَ بِهِ وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ- الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ- وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ- بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ- إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ- وَ سَمَا بِهِ مُظِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ- كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ- يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ- يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ- وَ يَؤُرُّ بِمَلاَقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ فِي الضِّرَابِ- أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ- لاَ كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ- وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ- أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ- فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ- وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ- ثُمَّ تَبِيضُ لاَ مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ- لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ- وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهِ مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ- وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ- فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ- قُلْتَ جَنِيٌّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ- وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلاَبِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ- أَوْ مُونِقِ عَصْبِ ؟الْيَمَنِ؟- وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ- قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ- يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَهُ- فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ- فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ- زَقَا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ- وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ- لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلاَسِيَّةِ وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ- وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ- وَ مَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ- وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ- أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ- وَ كَأَنَّهُ مُلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ- إِلاَّ أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ- أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ- وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ
الْأُقْحُوَانِ- أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ- وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ- وَ عَلاَهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَ بَرِيقِهِ- وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ- فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ- وَ لاَ شُمُوسُ قَيْظٍ وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ- فَيَسْقُطُ تَتْرَى وَ يَنْبُتُ تِبَاعاً- فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ- ثُمَّ يَتَلاَحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ- لاَ يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ- وَ لاَ يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ- وَ إِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ- أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً- وَ أَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً- فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ- أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ- أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ- وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ- وَ الْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ- فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاَّهُ لِلْعُيُونِ- فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَ مُؤَلَّفاً مُلَوَّناً- وَ أَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ- وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ- وَ الْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَ الْفِيَلَةِ- وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلاَّ يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ- إِلاَّ وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ الْفَنَاءَ غَايَتَهُ أقول:روتها كتب غريب الحديث كما يفهم من( النهاية -النهاية-ج 1 ص 37 و ج 2 ص 140 و ج 4 ص 97 و ج 5 ص 123 ) (1)
النهاية 1:37 و 2:140 و 4:97 و 5:123.
.«ابتدعهم» أي:اخترعهم «خلقا عجيبا» «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2)«من حيوان» بالتحريك «و موات» و المراد بحيوان ما فيه الروح و بموات ما لا روح فيه،و قد يجيئان بالعكس كقولهم«اشتر الحيوان و لا تشتر الموتان»أي:
اشتر الأرضين و الدور و لا تشتر الرقيق و الدواب،إلاّ انّه بالتأويل يرجع إلى المعنى الأصلي .
«و ساكن و ذي حركات» حتى في النجوم جعل ثوابت و سيارات.
ففي(توحيد المفضل):فكّر في النجوم و اختلاف مسيرها،فبعض لا يفارق مراكزها من الفلك و لا تسير إلاّ مجتمعة،و بعضها مطلقة تنتقل في البروج،و يفترق في مسيرها،فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين،أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب و الآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق كالنملة التي تدور على الرحى،فالرحى تدور ذات اليمين و النّملة تدور ذات الشمال،و النملة في ذلك تتحرك حركتين مختلفين احداهما بنفسه فتتوجّه أمامها و الاخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها،فاسأل الزاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد،و لا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها منتقلة!فان الإهمال معنى واحد،فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير،ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد و تدبير و حكمة و تقدير،و ليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.
فان قال قائل:و لم صار بعض النجوم راتبا و بعضها منتقلا؟قلنا:إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقل المنتقلة و مسيرها في كلّ
برج من البروج،كما يستدلّ بها على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس و النجوم في منازلها،و لو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف و لا رسم يوقف عليه،لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة،كما يستدلّ على سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها.
و لو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها و بطلت المآرب فيها،و لساغ لقائل أن يقول:إنّ كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال من الجهة التي و صفنا،ففي اختلاف سيرها و تصرّفها و ما في ذلك من المآرب،و المصالح أبين دليل على العمد و التدبير فيها (1)
توحيد المفضل:132،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته و عظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به و مسلّمة له».
قال الصادق عليه السّلام للمفضل:أول العبر و الدلالة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم و تأليف أجزائه و نظمها على ما هي عليه،فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك و خبّرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده،فالسماء مرفوعة كالسقف،و الأرض ممدودة كالبساط،و النجوم مضيئة كالمصابيح،و الجواهر مخزونة كالذخائر،و كلّ شيء فيها لشأنه معدّ،و الإنسان كالمملّك ذلك البيت،و المخوّل جميع ما فيه،و ضروب النبات مهيّأة لمآربه،و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و منافعه،ففي هذا دلالة واضحة على ان العالم مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملائمة،و ان الخلق له إله واحد،و هو الذي ألّفه و نظّمه بعضا إلى بعض،جلّ قدسه و تعالى جدّه و كرم وجهه و لا إله غيره،تعالى عمّا يقول الجاحدون،و جلّ عمّا ينتحله
1) 1)
الملحدون (1)
توحيد المفضل:47،و [1]النقل بتصرف يسير.
«و نعقت» أي:صاحت من«نعق الراعي بغنمه» «في أسماعنا دلائله على وحدانيّته» .و في كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد
قال هشام بن الحكم:كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، فخرج إلى المدينة ليناظره-إلى أن قال-فقال عليه السّلام:أتعلم أنّ للأرض تحتا؟قال:
نعم.قال:فدخلت تحتها؟قال:لا،قال:فتدري بما تحتها؟قال:لا أدري إلاّ إنّي أظنّ ان ليس تحتها شيء.قال:فالظنّ عجز ما لم تستيقن،أ فصعدت السماء؟ قال:لا،قال أ فتدري ما فيها؟قال:فأتيت المشرق و المغرب فنظرت ما خلفهما؟ قال:لا،قال:فعجبا لك لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب و لم تنزل تحت الأرض و لم تصعد السماء و لم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن و أنت جاحد ما فيهن و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟قال:و لعل ذاك،فقال عليه السّلام:أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم،فلا حجّة للجاهل على العالم.يا أخا أهل مصر تفهّم عني،لا تشك في اللّه أبدا،أما ترى الشمس و القمر و الليل و النّهار يلجئان ليس لهما مكان إلاّ مكانهما،فان كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلم يرجعان؟و ان لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا و النهار ليلا؟ اضطرا و اللّه يا أخا أهل مصر،الى دوامهما،و الذي اضطرهما أحكم منهما و أكبر.يا أخا أهل مصر،الذي تذهبون إليه و تظنّونه بالوهم،فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم؟القوم مضطرون يا أخا أهل مصر،السماء مرفوعة،و الأرض موضوعة،لم لا تسقط السماء على الأرض و لم لا تنحدر الأرض فوق طاقتها،فلا يتماسكان و لا يتماسك من عليهما؟فقال الزنديق:أمسكهما و اللّه ربّهما-و آمن على يديه.و قال له عليه السّلام:
1) 1)
اجعلني من تلامذتك،فقال عليه السّلام لهشام بن الحكم:خذه إليك فعلّمه،فكان معلم أهل مصر و أهل الشام (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:72 ح 1 و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و ما ذرأ» أي:خلق متفرقا «من مختلف صور الأطيار» و في(مجالس ثعلب):زعم بعض من يصيد الطير أنّه يحدث في كلّ سنة من الطير ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك (2).
«التي أسكنها أخاديد الأرض» أي:شقوقها المتسطيلة «و خروق» أي:
شقوق عريضة «فجاجها» الطرق الواسعة بين الجبال،قالوا:القبج و شبهه يسكن الفجاج.
«و رأسي» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و رواسي)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)،أي:ثوابت،قال تعالى: «وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» (4)«أعلامها» أي:جبالها قال جرير:«إذا قطعن علما بدا علم» (5).
قالوا:و الطير الذي أسكنها الجبال العقبان .
«من ذات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(ذوات)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (6)«أجنحة مختلفة و هيئات متباينة» هذه مع تلك.
قال الصادق عليه السّلام للمفضل:هل رأيت هذا الطائر الطويل الساقين و عرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه،فإنّه أكثر ذلك في ضحضاح من
الماء،فتراه بساقين طويلين كأنّه ربيئة فوق مرقبه،و هو يتأمّل ما يدب في الماء،فإذا رأى شيئا ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقة حتى يتناوله،و لو كان قصير الساقين و كان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور و يذعر منه فيتفرّق عنه،فخلق له ذانك العمودان ليدرك بهما حاجته و لا يفسد عليه،تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر!فإنّك تجد كلّ طائر طويل الساقين طويل العنق،و ذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض،و لو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض،و ربما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة و إمكانا،أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئا من الخلقة إلاّ وجدته على غاية الصواب:و الحكمة (1)
توحيد المفضل:188،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«مصرّفة في زمام التّسخير» في(توحيد المفضل):هذا الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه بعضها أسبوعا و بعضها أسبوعين و بعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة،ثم يقبل عليه فيزقّه الريح لتتسع حوصلته للغذاء،فمن كلّفه أن يلقط الطعم و الحبّ يستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته و يغذو به فراخه؟و لأي معنى يحتمل هذه المشقة و ليس بذي رويّة و لا تفكر؟و لا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العزّ و الرفد و بقاء الذّكر،فهذا من فعله يشهد أنّه معطوف على فراخه لعلّة لا يعرفها و لا يفكّر فيها و هي دوام النّسل و بقاؤه لطفا منه تعالى.
و فيه:انظر الى الدّجاجة كيف تهيج لحضن البيض و التفريخ،و ليس لها بيض مجتمع و لا وكر موطّى،بل تنبعث و تنتفخ و تمتنع من الطعم حتى يجتمع لها البيض فتحضنه و تفرخ،فما كان ذلك منها إلاّ لإقامة النّسل،و من أخذها بإقامة النّسل و لا رويّة لها و لا تفكير لو لا أنّها مجبولة على ذلك!
1) 1)
و فيه:فكّر يا مفضل،في خلقة عجيبة حصلت في البهائم،فإنّهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم،و إلاّ فأين جيف هذه الوحوش و السباع و غيرها،لا يرى منها شيء،و ليست قليلة فتخفى لقلّتها،بل لو قال قائل إنّها أكثر من الإنس لصدق،فاعتبر في ذلك بما تراه في الصحاري و الجبال من أسراب الظباء،و المهاء،و الحمير الوحش،و الوعول،و الايايل، و غير ذلك من الوحوش،و أصناف السباع من الأسد و الضباع و الذئاب و النمور و غيرها،و ضروب الهوام و دوابّ الأرض،و كذلك أسراب الطير من الغربان و القطا و الاوّز و الكراكي و حمام الطير و سباع الطير جميعا،و كلّها لا يرى منها إذا ماتت إلاّ الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع،فإذا أحسّوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها!!و لو لا ذلك لا متلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء و تحدث الأمراض و الوباء.فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس و عملوه بالتمثيل الأول الذي مثّل لهم (1)
توحيد المفضل:107،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:إشارة إلى قوله تعالى في تحيّر قابيل في جسد هابيل و بعثه تعالى غرابا بالبريّة كيف يواري سوأة أخيه (2).
كيف جعل طبعا و ادكارا في البهائم و غيرها ليسلم النّاس من معرّة ما يحدث عليهم من الأمراض و الفساد؟ «و مرفرفة» في(الجمهرة):رفرف إذا بسط جناحيه،و رفرفة الطائر أن يرفرف بجناحيه و لا يبرح كأنّه يحوم على الشيء (3)«بأجنحتها في مخارق» أي:
ممارّ «الجوّ» هو ما بين السماء و الأرض «المنفسخ» أي:المتسع «و الفضاء
المنفرج» أي:المنكشف «أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (1)
النحل:79. [1]
.«كوّنها بعد أن لم تكن في عجائب صور ظاهرة» وصف للمضاف.
في(توحيد المفضل):تأمّل جسم الطائر و خلقته،فانّه حين قدر أن يكون طائرا في الجو خفّف جسمه و أدمج خلقه،و اقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين،و من الأصابع على أربع،و من منفذين للزبل و البول على واحد يجمعهما،ثم خلق ذا جؤجؤ محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء و تنفذ فيه،و جعل في جناحيه و ذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران و كسا كلّه الريش ليتداخله الهواء فيقلّه!و لما قدّر أن يكون طعمه الحبّ و اللحم يبلعه بلعا بلا مضغ،خلق له منقار صلب حاس يتناول به طعمه،فلا ينسحج من لقط الحب،و لا يتقصف من نهش اللحم،و لما عدم الأسنان و صار يزدرد الحب صحيحا،و اللحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضغ!و اعتبر ذلك بأنّ عجم العنب و غيره يخرج من أجواف الإنس صحيحا و يطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر.ثم جعل مما يبيض بيضا و لا يلد ولادة لئلا يثقل عن الطيران،فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتّى تستحكم لأثقلته و عاقته عن النهوض و الطيران،فجعل كلّ شيء من أمره مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه!! (2)«و ركّبها في حقاق» جمع الحق بضم الحاء،و في(الجمهرة):الحق رأس
العضد الذي فيه الوابلة،و الحق أصل الورك الذي فيه عظم رأس الفخذ (1)
جمهرة اللغة 1:63. [1]
«مفاصل محتجبة» لئلا تصيبها آفة .«و منع بعضها بعبالة» أي:تاميّة،يقال امرأة عبلة أي:تامّة الخلق «خلقه أن يسمو» أي:يعلو «في السماء خفوفا» أي:سرعة.و في حديث خطبة مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:قد دنا منّي خفوف من بين أظهركم (2)،أي:سرعة ارتحال .
«و جعله يدفّ دفيفا» أي:يحرّك جناحيه في الطيران في قبال ما يصفّ صفّا و لا يحرّك،و ما دفّ يحل لحمه و ما صف يحرم .
«و نسقها» أي:نظّمها من نسقت الدّرّ،أي:نظمته «على اختلافها في الأصابيغ» أي:الألوان «بلطيف قدرته و دقيق صنعته» .
قال الديصاني لهشام بن الحكم:ألك ربّ؟قال:بلى،قال:أ قادر؟قال:
بلى،قال:أ يقدر أن يدخل الدنيا كلّها في البيضة لا يكبّر البيضة و لا يصغّر الدنيا؟فجاء هشام إلى الصادق عليه السّلام و قال له:قال لي الديصاني كذا و كذا.
فقال عليه السّلام له:كم حواسك؟قال:خمس.قال:أيّها أصغر؟قال:الناظر.قال:كم قدر الناظر؟قال:مثل العدسة أو أقل،قال:فانظر أمامك و فوقك و اخبرني بما ترى.فقال:أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و جبالا و أنهارا.فقال عليه السّلام:إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدس أو أقلّ منها قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا يصغّر الدنيا و لا يكبّر البيضة (3).
«فمنها مغموس» من غمسه في الماء «في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه» ككثير من الطيور التي على لون واحد.
«و منها مغموس في لون صبغ قد طوّق» قال ابن أبي الحديد:و روى «طورق» (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:267.
«بخلاف ما صبغ به» قالوا كالقبج و الفاختة و البلبل و نحوها.هذا،و في(بلدان الحموي)-في قابس-أخبر أبو الفضل الكلبي كاتب مونس حاجب إفريقية أنّهم كانوا في ضيافة ابن و انمو الصنهاجي فأتاه جماعة من أهل البادية بطائر على قدر الحمامة غريب اللون و الصورة ذكروا أنّهم لم يروه قبل ذلك اليوم في أرضهم كان فيه من كلّ لون أجمله و هو أحمر المنقار طويله،فسأل ابن وانمو العرب الذين أحضروه هل يعرفونه و رأوه، فلم يعرفه أحد و لا سمّاه،فأمر ابن وانمو بقصّ جناحيه و إرساله في القصر، فلما جنّ الليل أشعل في القصر مشعل من نار،فما هو إلاّ أن رآه ذلك الطائر فقصده و أراد الصعود إليه فدفعه الخدّام،فجعل يلحّ في التقدّم إلى المشعل، فأعلم ابن وانمو بذلك،فقام و قام من حضر عنده فأمر بترك الطائر،فطار حتى صار في أعلى المشعل و هو يتأجج نارا و استوى في وسطه و جعل يتفلّى كما يتفلّى الطائر في الشمس،فأمر ابن وانمو بزيادة الوقود في المشعل من حرق القطران و غيره،فزاد تأجّج النار و الطائر فيه على حاله لا يكترث،ثم وثب من المشعل بعد حين فلم ير به ريب (2).
«و من أعجبها خلقا الطاوس الذي أقامه في أحكم تعديل» روى(توحيد ابن بابويه)،أن أبا شاكر الديصاني دخل على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال له:إنّك أحد النجوم الزواهر و كان آباؤك بدورا بواهر و أمّهاتك عقيلات عباهر و عنصرك من أكرم العناصر،و إذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر،فخبّرني أيها البحر الخضم الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟فقال عليه السّلام:نستدل عليه بأقرب
الأشياء فدعا ببيضة فوضعها على راحته فقال:هذا حصن ملموم داخله غرقى رقيق لطيف فيه فضة سائلة و ذهبة مائعة،ثم تنفلق عن مثل الطاوس أدخلها شيء؟فقال:لا،قال:فهذا الدليل على حدوث العالم،قال:أخبرت فأوجزت و قلت فأحسنت،و قد علمت أنّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا أو سمعناه بآذاننا أو شممناه بمناخرنا أو ذقناه بأفواهنا أو لمسناه بأكفّنا أو تصوّر في القلوب بيانا أو استنبطه الروايات إيقانا،فقال عليه السّلام:ذكرت الحواس الخمس و هي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا يقطع الظلمة بغير مصباح (1)
توحيد الصدوق:292 ح 1. [1]
.و في خبر آخر:دخل الديصاني على الصادق عليه السّلام و قال له:دلّني على معبودي؟فقال عليه السّلام له:اجلس،و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال عليه السّلام للغلام:ناولني البيضة،فناوله إيّاها فقال:يا ديصاني،هذا حصن مكنون له جلد غليظ،و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق،و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة و فضّة ذائبة،فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة و لا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة!فهي على حالها لم يخرج منها مصلح فيخبر عن صلاحها و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها،لا يدرى للذّكر خلقت أم للانثى؟تنفلق عن مثل ألوان الطواويس،أ ترى لها مدبرا؟فأطرق مليّا ثم قال:
أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و ان محمّدا عبده و رسوله،و انّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه (2).
«و نضّد» من نضدت المتاع و نضدّته:ضم بعضه إلى بعض متسقا أو مركوما «ألوانه في أحسن تنضيد» .
قال المفضّل للصادق عليه السّلام:إن قوما من المعطّلة يزعمون أن اختلاف
الألوان و الأشكال في الطير إنّما يكون من قبل امتزاج الأخلاط،و اختلاف مقاديرها بالمزج و الإهمال،فقال عليه السّلام:هذا الوشي الذي تراه في الطواويس و الدراج و التدارج على استواء و مقابلة كنحو ما يخطّ بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف؟و لو كان بالإهمال لعدم الاستواء لكان مختلفا؟تأمّل يا مفضل،ريش الطير كيف هو،فانّك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلول دقاق قد ألف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط الى الخيط و الشعرة الى الشعرة،ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا و لا ينشق لتداخله الريح فيقلّ الطائر إذا طار،و ترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا، قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابة و هو القصبة التي في وسط الريشة و هو مع ذلك أجوف،ليخفّ على الطائر و لا يعوقه عن الطيران (1)
توحيد المفضل:117 و [1]النقل بتصرف يسير.
.«بجناح أشرج» من أشرجت العيبة:إذا داخلت بين أشراجها،أي:عراها «قصبه» و الأصل في القصب كلّ نبات ذي أنابيب.
«و ذنب أطال مسحبه» من سحب ذيله إذا جرّه .
«إذا درج» أي:مشى «إلى الأنثى نشره من طيّه» و قبله ذنبه مطوي «و سما به» أي:علا به «مظلا» هكذا في(المصرية)و الصواب:«مطلا»بالمهملة كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)،أي:مشرفا،قال الشاعر:
أنا البازي المطلّ على نمير
«على رأسه كأنّه قلع» بالكسر:الشّراع كما في(القاموس) (3).
هذا،و سأل ابن مقلة الوزير جحظة البرمكي عن لقبه«جحظة»قال:
لقيني ابن المعتز يوما فقال:ما حيوان إن تنكسه أتانا آلة للمراكب البحرية؟ فقلت«علق»إذا نكس صار«قلع».قال:أحسنت يا جحظة،أي ناتئ العين.
و كان هكذا كالجاحظ.
«داري» في(النهاية)«دارين»موضع بالبحر يؤتى منه بالطيب،و منه كلام علي عليه السّلام«كأنّه قلع داري»أي:شراع منسوب إلى هذا الموضع البحري (1)
النهاية 2:140، [1]مادة(دور).
. «عنجه» أي:عطفه «نوتيه» أي:ملاحة.قال الدميري:و في طبعه الإعجاب بريشه و عقده لذنبه كالطاق،لا سيّما إذا كانت الانثى ناظرة إليه (2).«يختال» أي:يتكبّر «بألوانه و يميس» أي:يتبختر «بزيفانه» في(الجمهرة):
زافت الحمامة تزوف زوفا:إذا نشرت جناحيها و ذنبها و سحبته على الأرض، و كذلك زوف الإنسان إذا مشى مسترخي الأعضاء،زاف يزوف زوفا و زاف يزيف زيفا و زيفانا (3).
«يفضي» من أفضى الرجل الى امرأته:أي:باشرها «كافضاء الدّيكة» إلى دجاجها.
«و يؤرّ» بالضم من أرّ المرأة أي:نكحها «بملاقحة» يقال ألقح الفحل الناقة إذا أحبلها «أرّ الفحول المغتلمة في الضراب» من اغتلم البعير إذا هاجت شهوته .
«أحيلك من ذلك على معاينة» قال ابن أبي الحديد:عاين عليه السّلام ذلك لمّا كان بالكوفة (4)«لا كمن يحيل على ضعيف إسناده» ففي كثير منها الوهم .
«و لو كان كزعم من يزعم أنّه يلقح» أي:يحبل «بدمعة تسفحها» أي:تصبّها «مدامعه» أي:أطراف عينه التي يخرج منها الدمع «فتقف» تلك الدمعة «في
ضفّتي» أي:جانبي «جفونه» أي:أغطية العين من أعلاها و أسفلها .
و أنّ أنثاه تطعم ذلك ثمّ تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس» من انبجس الماء انفتح «لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب» .
قال ابن أبي الحديد:زعم قوم أنّ الذكر يدمع عينه فتقف الدمعة بين أجفانه،فتأتي الانثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة،و هو عليه السّلام لم يحل ذلك، و لكنه قال ليس بأعجب من مطاعمة الغراب.و العرب تزعم أنّ الغراب لا يسفد، و من أمثالهم«أخفى من سفاد الغراب»فيزعمون أنّ اللقاح من مطاعمة الذكر و الانثى و انتقال جزء من الماء الذي في قانصته اليها من منقاره.و أما الحكماء فقلّ ان يصدقوا بذلك،على أنّهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا.قال ابن سينا:و القبجة تحبلها ريح تهب من ناحية الحجل الذكر و من سماع صوته، و النوع المسمّى(مالاقيا)يتلاصق بأفواهها ثم يتشابك فذاك سفادها.
و سمعت أنا أنّ الغراب يسفد و أنّه قد شوهد سفاده (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:270. [1]
.قلت:قوله«إنّه عليه السّلام لم يحلّ ذلك»إن أراد أنّه عليه السّلام احتمل وقوع اللقاح في الطاوس بالدّمعة كما يشهد له قوله«قلّ أن يصدق الحكماء بذلك»فغلط،كيف و قد قال عليه السّلام أولا«يفضي كافضاء الديكة و يؤرّ بملاقحه أرّ الفحول المغتلمة في الضّراب،أحيلك من ذلك على معاينة»و ان أراد أنّه عليه السّلام جوّز مجرّد الإمكان العقلي فالحكماء أيضا لم ينكروا الإمكان.
و في(حياة حيوان الدميري):في الغراب كلّه الاستتار عند السفاد،و هو يسفد مواجهة و لا يعود الى الانثى بعد ذلك لقلّة وفائه،و الانثى تبيض أربع بيضات و خمسا،و إذا خرجت الفراخ من البيض طردتها لأنها تخرج قبيحة المنظر جدّا،إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرءوس و المناقير جرداء اللون
1) 1)
متفاوتة الأعضاء،فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه،فيجعل اللّه قوته في الذباب و البعوض الكائن في عشّه إلى أن يقوى و ينبت ريشه،فيعود إليه أبواه و على الانثى أن تحضن،و على الذكر المطعم (1)
حياة الحيوان 2:173،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«تخال» أي:تظنّ «قصبه» أي:قصب الطاوس و المراد به عمود ريشه «مداري» شمع المدرى:القرن،قال النابغة يصف الثور و الكلاب:
شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها شك المبيطر أخذ يشفى من العضد (2)
«من فضة و ما أنبت عليه» هكذا في(المصرية)و الصواب:«عليها»كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)«من عجبت داراته» جمع دارة،و هي التي حول القمر،أي:الهالة «و شموسه» و المراد إشراقات ريشاته حتى كأنّ كلّ لون منها شمس «خالص العقيان» أي:الذهب الذي ينبت و لا يستذاب من الحجارة، قال الشاعر:
كلّ قوم صيغة من آنك و بنو العباس عقيان الذهب (4)
«و فلذ» جمع الفلذة،أي:القطعة «الزبرجد فان شبّهته بما أنبتت الأرض» من الزهر و الأنوار «قلت جنيّ» على فعيل «جنى» بلفظ المجهول من جنيت الثمرة «من زهرة» أي:نور «كلّ ربيع و إن ضاهيته» أي:شاكلته و شبهته «بالملابس فهو كموشي» من وشيت الثوب:رقمته و نقشته «الحلل أو مونق» أي:معجب «عصب اليمن» في(الجمهرة):العصب برد من برود اليمن معروفة كانت الملوك تلبسها.
قال الشاعر:
أ تجعل أجلافا عليها عباؤها ككندة تردى في المطارف و العصب
و قال السهيلي:العصب صبغ لا ينبت إلاّ باليمن (1)
جمهرة اللغة 1:296. [1]
.«و ان شاكلته» أي:ماثلته «بالحلي» أي:حليّ النساء «فهو كفصوص» فصّ الخاتم ما يركّب فيه من غيره «ذات ألوان» العقيق و الفيروزج و الياقوت و الزبرجد و غيرها «قد نطّقت» أي:جعلت لتلك الفصوص منطقة «باللّجين» أي:
الفضة «المكلّل» أي:جعل له إكليلا،أي تاجا مرصّعا بالجواهر.
و قد أخذ كلامه عليه السّلام في تشبيهاته للطاوس يحيى بن المنجمّ النديم، فقال-كما في(المعجم):
سبحان من من خلقه الطاوس طير على أشكاله رئيس
كأنّه في نفسه عروس إذ انّه يحلو به التعريس
ديباجة تنشر او سدوس في ريشه قد ركّبت قلوس
تشرف من دارته شموس في الرأس منه شجر مغروس
كأنّه بنفسج يميس أو زهر في روضه ينوس (2)
و نظير كلامه عليه السّلام في أنواع التشبيهات قول محمد بن القاسم الشاعر المعروف بمان الموسوس:
و كيف صبر النفس عن غادة تظلمها إن قلت طاوسة
و جرت إن شبّهتها بأنّه في جنّة الفردوس مغروسة
و غير عدل إن عدلنا بها لؤلؤة في البحر منفوسة
جلّت عن الوصف فما فكرة تلحقها بالنّعت محسوسة
و لابن السّماك تشبيهات في الحمام،فدخل-كما في(المروج)-على الرشيد و بين يديه حمامة تلتقط حبّا،فقال له صفها و أوجز فقال:
كأنّما تنظر من ياقوتتين و تلتقط بدرّتين
و تطأ على عقيقتين
و الآخر أيضا كما فيه:
هتفت هاتفة اذنها ألف بين ذات طوق مثل عطف النون أقنى الطرفين
و تراها ناظرة نحوك من ياقوتتين ترجع الأنفاس من ثقبين كاللؤلؤتين
و ترى مثل البساتين لها قادمتين و لها لحيان كالصدغين من عرعرتين
و لها ساقان حمراوان مثل الوردتين نسجت فوق جناحيها لها برنوستين
و هي طاوسية اللون بنان المنكبين تحت ظل من ظلال الأيك صافي الكتفين
فقدت الفا فناحت من تباريح و بين فهي تبكيه بلا دمع جمود المقلتين (1)
مروج الذهب 3:348. [1]
«يمشي مشي المرح» الكثير النشاط «المختال» المتكبّر «و يتصفّح» الأصل في تصفح الشيء النظر في صفحاته «ذنبه و جناحيه» هكذا في(المصرية) و الصواب:«و جناحه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) (2)«فيقهقه»
من القهقهة «ضاحكا لجمال» أي:حسن «سرباله» .في(المصباح):السربال:
قميص أو درع (1)
المصباح المنير 1:329 [1] مادة(سرب).
«و أصابيغ» أي:ألوان «وشاحه» في(الصحاح):الوشاح ينسج من أديم عريضا و يرصع بالجواهر و تشدّه المرأة بين عاتقيها (2).«فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا» أي:صاح و قولهم«هو أثقل من الزواقي»هي الديوك،لأنّهم كانوا يسمرون فاذا صاحت الدّيكة تفرّقوا (معولا) كمن رفع صوته بالبكاء«يكاد بصوت»هكذا في(المصرية)و الصواب:
«بصوت يكاد» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)«يبين» أي:
يوضّح «عن استغاثته و يشهد بصادق توجعه أي تشكيه لأن قوائمه حمش» أي:
دقيقة «كقوائم الديكة الخلاسية» المتولدة بين دجاجتين هندية و فارسية.
هذا،و كان المتوكّل أصغر الساقين،قال ابو حشيشة-كما في(تأريخ الطبري)-رأيته إذا جلس على السرير يكشف عن ساقيه كأنّما صبغا بزعفران (4).
و كان معاوية ذا عجيزة،و كان خريم الناعم ذا ساقين حسنين،فدخل خريم على معاوية فنظر إلى ساقيه،فقال:أي ساقين لو أنهما على جارية.فقال له خريم:في مثل عجيزتك.قال معاوية:واحدة باخرى و البادئ أظلم.
و قالوا:لما عرضت الخيزران على المهدي قال:و اللّه يا جارية،إنّك لعلى غاية المنى غير أنّك حمشة الساقين.فقالت:إنك أحوج ما تكون إليهما،لا تراهما.فقال:اشتروها فحظيت عنده،فأولدها الهادي و الرشيد .
«و قد نجمت» أي:ظهرت «من ظنبوب ساقه» أي:عظمها من قدام
«صيصية» الأصل فيها شوكة الحائك التي يستوي بها السداة،و منه صيصية الديك و نحوه «خفية» و لكون صيصيته خفية لم يحلّ لحمه،و إلاّ فعنهم عليهم السّلام:
كلّ طير له حوصلة أو قانصة أو صيصية حلال (1)
جاء أحاديث بهذا المضمون في الوسائل 16:345 باب 18،و المستدرك 3:75 باب 14.
.«و له في موضع العرف» أي:شعر الرقبة «قنزعة» الأصل فيها بعض الشعر يترك غير محلوق،قال زهير:
و أشعث قد طالت قنازع رأسه دعوت على طول الكرى و دعاني (2)
و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لام أيمن«غطّي عنّا قنازعك» (3).
«خضراء موشّاة» في(المصباح):و شيت الثوب فهو موشى،و الأصل مفعول (4).
«و مخرج عنقه» أي:طرفها الذي يلي الرأس «كالإبريق» فارسي معرّب.
«و مغرزها» بتقديم المهملة،أي:طرف العنق الذي يلي الجسد «إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية» في شدّة السواد «أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال» في البريق .
«و كأنه ملفع» هكذا في(المصرية)و الصواب:«متلفع»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)،أي:متغطّ «بمعجر» ما تشدّ المرأة على رأسها «أسحم» أي:أسود «إلاّ أنّه يخيّل» أي:يقع في الخيال «لكثرة مائه و شدّة بريقه أنّ الخضرة الناضرة ممتزجة به» قال الجوهري:النضرة الحسن،و قولهم«أخضر
ناضر»إنما هو كقولهم«أصفر فاقع»و«أبيض ناصع » (1)
صحاح اللغة 2:830، [1]مادة(نضر).
.«و مع فتق» أي:شق «سمعه خط كمستدقّ القلم» أي:خط القلم الدقيق «في لون الأقحوان» أي:البابونج،و هو نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض و وسطه أصفر «أبيض يقق» أي:شديد البياض «فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق» أي:
يلمع .
«و قلّ صبغ إلاّ و قد أخذ منه بقسط» أي:نصيب «و علاه بكثرة صقاله و بريقه و بصيص» أي:لمعان «ديباجه و رونقه فهو كالأزاهير» أي:الأنوار «المبثوثة» أي:
المنتشرة التي «لم تربّها» بفتح التاء و ضمها من ربّ ولده أو ربّاه.
ثم كأن في الكلام سقطا،و الأصل«إلاّ أنّها لم تربها» «أمطار ربيع» كالأزاهير النباتية «و لا شموس» أي:أضواء شمس «قيظ» شدة الحر في الصيف .
«و قد ينحسر» أي:يسقط «من ريشه و يعرى» أي:يصير عريانا «من لباسه فيسقط تترى» أي:واحدا بعد واحد «و ينبت» أي:ريشه «تباعا» أي:متواليا «فينحتّ» أي يتناثر أولا «من قصبه انحتات أوراق الأغصان» عن الأشجار.قدر اللّه تعالى ذلك في الطاوس لكون ريشه زينة و حلية ينتفع و يتمتّع به الناس .
«ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه» لئلا يبقى ذاشين.
و في(المصباح):يقال في جناح الطائر ستّ عشرة ريشة:أربعة قوادم، و أربع خواف،و أربع مناكب،و أربع أباهر (2).
«لا يخالف» لونه الأنف «سالف ألوانه و لا يقع لون في غير مكانه» لا يقع مثلا الأخضر في مكان الأحمر و الأسود في مكان الأصفر .
«و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك» من الإراءة و الكاف المفعول
الأول «حمرة و رديّة» و هي أحسن ألوان الحمرة،قال الجوهري:الورد الذي يشمّ،و بلونه قيل للأسد ورد،و للفرس ورد،و هو ما بين الكميت و الأشقر (1)
صحاح اللغة 1:547 [1] مادة(ورد).
.و قال الفيروز آبادي:لقب قيس بن حسّان بالورد لجماله (2).
«و تارة خضرة زبرجدية» و هي أحسن ألوان الخضرة.
«و أحيانا صفرة عسجدية» و في(القاموس):العسجد الذهب و الجوهر كلّه كالدّرّ و الياقوت (3)«فكيف تصل إلى صفة هذا» أي:الطاوس ذو الخلق العجيب «عمائق الفطن» أي:الفطن العميقة،و الفطانه:الحذاقة.
«أو تبلغه قرائح» جمع القريحة،و الأصل فيها أول ماء يستنبط من البئر «العقول أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين» أي:تجعل وصفه في نظام،و النظام الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ .
«و أقل أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه و الألسنة أن تصفه» يعني إذا عجزت الأوهام عن الدرك و الألسنة عن الوصف،لأقل أجزائه و هو شعرة من شعرات قصبه،بإراءتك لها تارة حمرة وردية و اخرى خضرة زبرجدية و ثالثة صفرة عسجدية،كيف تصل قرائح العقول إلى وصف كلّه و درك تمام أجزائه .
«فسبحان الذي» قال الجوهري:معنى«سبحان اللّه»:التنزيه له،و نصبه على المصدر،كأنّه قال«ابرئ اللّه من السوء براءة» (4).
«بهر» أي:غلب «العقول عن وصف خلق» أي:مخلوق،و المراد به هنا الطاوس «جلاّه» أي:كشفه «للعيون فأدركته» أي:أدركت العقول ذاك الخلق
«محدودا» طولا و عرضا «مكوّنا» بعد أن لم يكن «و مؤلّفا ملونا» بألوان «و أعجز الألسن عن تلخيص» أي:شرح «صفته و قعد بها» أي:بالألسن «عن تأدية نعته» أي:وصفه .
«و سبحان من أدمج» أي:لفّف «قوائم الذّرّة» في جسدها،و الذّر:أصغر النمل.
في(توحيد المفضل):تأمّل وجه الذّرّة الحقيرة الصغيرة،هل تجد فيها نقصا عمّا فيه صلاحها،فمن أين هذا التقدير و الصواب:في خلق الذرة إلاّ من التدبير القائم في صغير الخلق و كبيره؟ (1)
توحيد المفضل:111. [1]
«و الهمجة» أي:ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم و الحمير و أعينها «إلى ما فوقها» هكذا في(المصرية)و الصواب:«إلى ما فوقهما»أي:الذّرّة و الهمجة كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«من خلق الحيتان» في(معجم البلدان):يعرف بتنيس من السمك(79) صنفا البوري،البلمو،البرو،اللبب،البلس،السكس،الاران،المشموس،النسا، الطوبان،البقسمار،الاحناس،الانكليس،المعينة،البني،الابليل،الفريص، الدونيس،المرتنوس،الاسقملوس،النفط،الخبار،البلطي،الحجف القلارية الرخف العير التون اللت القجاج القروص الكليس الاكلس الفراخ القرقاج الزلنج اللاج الاكلت الماضي الجلاء السلاء البرقش البلك المسط القفا السور حوت الحجر البشين الشربوت البساس الرعاد المخيرة اللبس السطور الراي الليف اللبيس الا برميس الاتونس اللباء العميان المناقير القلميدس الحلبوة الرقاص القريدس الجبر هو كباره الصيح المجزع الدلينس الاشبال المساك الأبيض
الزقزوق ام عبيد السلور ام الاسنان الابسارية اللجاه (1)
معجم البلدان 2:53. [1]
.قلت:و منه الجري و المار ماهي و هما محرّمان.
في(توحيد المفضل):تأمّل خلق الحوت و مشاكلته للأمر الذي قدّر أن يكون عليه،فانّه خلق غير ذي قوائم،لأنّه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء،و خلق غير ذي ريّة لا يستطيع أن يتنفس و هو منغمس في اللجة،و جعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاديف من جانبي السفينة كسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع و الجواشن لتقيه من الآفات،و أعين بفضل حسّ في الشم لأن بصره ضعيف و الماء يحجبه فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه فيتّبعه،و إلاّ فكيف يعلم به و بموضعه؟و اعلم أنّ من فمه إلى صماخيه منافذ،فهو يعب الماء بفيه و يرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم.
فكّر الآن في كثرة نسله و ما خصّ به من ذلك،فانّك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة،و العلّة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان،فإن أكثرها يأكل السمك،حتى انّ السباع في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك،فإذا مرّ بها خطفته، فلما كانت السباع تأكل السمك،و الطير تأكل السمك،و الناس يأكلون السمك، و السمك تأكل السمك،كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة،فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق و قصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك و دواب الماء و الأصداف و الأصناف التي لا تحصى و لا يعرف منافعها إلاّ الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب
1) 1)
تحدث،مثل القرمز فإنّه عرف الناس صبغه،بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه،فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه،و أشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال و زمانا بعد زمان (1)
توحيد المفضل 123،و [1]النقل بتصرف يسير.
. «و الفيلة» من غرابة الخلقة.في(توحيد المفضل):تأمل مشفر الفيل و ما فيه من لطيف التدبير،فانه يقوم مقام اليد في تناول العلف و الماء و ازدرادهما إلى جوفه،و لو لا ذلك لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض لأنّه ليست له رقبة يمدها كسائر الأنعام، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسد له فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوّضه مكان العضو الذي عدم،ما يقوم مقامه إلاّ الرءوف بخلقه، و كيف يكون هذا بالإهمال كما قالت المعطّلة.
فإن قال قائل:فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الأنعام؟قيل له:إنّ رأس الفيل و اذنيه أمر عظيم و ثقل ثقيل،فلو كان ذلك على عنق عظيم لهدّها و أوهنها،فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا يناله ما وصفناه،و خلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه،فصار مع عدم العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.
انظر الآن كيف جعل حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام في أسفل بطنها،فإذا هاجت للضّراب ارتفع و برز حتى يتمكن الفحل من ضرابه،فاعتبر كيف جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للأمر الذي فيه قوام النسل و دوامه (2).
«و وأى» أي:وعد «على نفسه ألاّ يضطرب» أي:يتحرّك «شبح» أي:شخص
«مما أولج» أي:ادخل «فيه الروح إلاّ و جعل الحمام» بالكسر أي:الموت «موعده و الفناء غايته» أي:عاقبة أمره.
و في(الفقيه)عنه عليه السّلام:من مشى على وجه الأرض فانّه يصير إلى بطنها،و الليل و النهار مسرعان في هدم الأعمار،و لكلّ ذي رمق قوت،و لكلّ حبّة آكل،و أنت قوت الموت،و ان من عرف الأيام لن يغفل عن الاستعداد،لن ينجو من الموت غني بماله و لا فقير لإقلاله (1)
الفقيه 4:291 ح 56.
.هذا،و في(الكافي)عن الرضا عليه السّلام:الطاوس مسخ،كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن تحبّه فوقع بها ثم راسلته بعد،فمسخهما اللّه تعالى طاوسين أنثى و ذكرا،و لا يؤكل لحمه و لا بيضه.
و فيه أيضا عنه عليه السّلام أنّ الفيل كان ملكا زنّاء فمسخ.
و عن الكاظم عليه السّلام:لا يحلّ الفيل و قد حرّم اللّه الأمساخ و لحم ما مثّل به في صورها (2).
و روى عن يعقوب الجعفري ذكر عند أبي الحسن عليه السّلام حسن الطاوس فقال:لا يزيدك على حسن الدّيك الأبيض شيء،و الدّيك أحسن صوتا من الطاوس و هو أعظم بركة،ينبّهك في مواقيت الصلاة و إنّما يدعو الطاوس بالويل لخطيئته التي ابتلي بها (3).
و عن(تنبيه ورام):دخل طاوس اليماني على جعفر بن محمد عليه السّلام فقال له:أنت طاوس؟قال:نعم،قال:طاوس طير مشؤوم ما نزل بساحة قوم إلا آذنهم بالرحيل (4).
هذا،و في(القاموس)طويس مخنّث كان يسمّى طاوسا فلما تخنث تسمى بطويس،و هو أول من غنّى في الإسلام،و في المثل«أشأم من طويس»، و كان يقول إنّ امي تمشي بالنمائم بين نساء الأنصار ثم ولدتني في الليلة التي مات فيها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-إلى أن قال-و ولد لي في يوم قتل عليّ (1)
القاموس المحيط 2:227، [1]مادة(طوس).
.و زاد في أمثال الكرماني،انّ طويسا كان يقول:أنا أبو عبد النعيم أنا طاوس الجحيم
و أنا أشأم من دبب على ظهر الحطيم
أنا حاء ثم لام ثم قاف حشوميم (2)
يعني الحلقم.و كان يقال لعلي بن طاوس،آل طاوس لمقاماته الجليلة و مكارمه النبيلة.
و في(تأريخ الطبري)-في فتوح قتيبة في سنة(91)-ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار و بيت آلهة،و كان فيها طواويس فسمّوه منزل الطواويس (3).
و لأبي إسحاق الصابي فيما كتب إلى أبي الفرج عبد الواحد بن نصر الملقّب ببغاء في صفة الببغاء أبيات حسنة:
أنعتها صبيحة مليحة ناطقة باللغة الفصيحة
غدت من الأطيار باللسان يوهمني بأنّها إنسان
تنهي إلى صاحبها الأخبارا و تكشف الأسرار و الأستارا
سكاء إلاّ أنّها سميعة تعيد ما تسمعه طبيعة
و ربّما لقّبت العضيهة فتغتدي بذيئة سفيهة
زارتك من بلادها البعيدة و استوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز و الارز و الضيف في أبياتنا يعزّ
تراه في منقارها الخلوقي كلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالفصين في النور و الظلمة بصاصين
تميس في حلّتها الخضراء مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاص ليس لها من حبسها خلاص
تحبسها و مالها من ذنب و إنّما تحبسها للحبّ
تلك التي قلبي بها مشغوف كنيت عنها و اسمها معروف
نشرك فيها شاعر الزمان و الكاتب المعروف بالبيان
و ذاك عبد الواحد بن نصر تقيه نفسي عاديات الدهر
قول المصنف:«قال الشريف»هكذا في(المصرية)و ليس من النهج، و إنّما هو من الشرّاح«تفسير بعض ما جاء فيها من الغريب»هكذا في (المصرية و الخطية)،و لكن في(ابن أبي الحديد)«تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب»،و لكن العجيب انه ليس البيان في(ابن ميثم)رأسا (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:278،و [1]شرح ابن ميثم 3:307.
.«يؤرّ بملاقحه» هكذا في(المصرية)و لكن في(الخطيّة)«و يؤر بملاقحه»و في(ابن أبي الحديد) «قوله عليه السّلام و يؤر بملاقحه» (2).
«الأرّ كناية عن النكاح»المفهوم منه أن النكاح ليس معناه المطابقي بل الالتزامي«يقال أرّ المرأة يؤرها»هكذا في(المصرية و الخطية)،و في(ابن أبي
الحديد):يقال أرّ الرجل المرأة يؤرها (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:278. [1]
«أي نكحها»هكذا في(المصرية) و الصواب:«إذ أنكحها»كما في(ابن أبي الحديد و الخطية) (2).«و قوله كأنّه قلع داري عنجه نوتيه» زاد ابن أبي الحديد بعد «قوله»«عليه السّلام» (3)«القلع شراع السفينة و داري منسوب إلى دارين و هي بلدة على البحر يجلب منها الطيب».
و في(المعجم):فرضة بالبحرين يجلب اليها المسك من الهند،و النسبة إليها داري،قال الفرزدق:
كأن تريكة من ماء مزن و داري الذكي من المدام (4)
«و عنجة أي:عطفة،يقال عنجت الناقة كنصرت»هكذا في(المصرية) و كلمة«كنصرت»زائدة لعدم وجودها في(الخطيّة)و في(ابن أبي الحديد) (5)، و لكونه غلطا،لأن الأصل فيه كونه من باب ضرب و يأتي من باب نصر أيضا «أعنجها عنجا إذا عطفتها»و في(اللسان):عنج رأس البعير جذبه بخطامه حتى رفعه و هو راكب عليه (6).
«و النوتي الملاح»و في(الصحاح):هو من كلام أهل الشام (7).
«و قوله عليه السّلام «ضفتي جفونه» أراد»ليست الكلمة في(ابن أبي الحديد) (8)و انما هي في(المصرية)«جانبي جفونه و الضفتان الجانبان»يقال ضفة النهر بالكسر لجانبه.
الخطبة(183)
منها في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات:
وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ- لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ- وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ- أَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ- وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ- انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا- لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ- كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا- تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا- تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا- مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا- لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ- وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ- وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا- فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا- وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا- وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا- لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً- فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا- وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا- لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ- وَ لَمْ يُعِنْهُ فِي خَلْقِهَا قَادِرٌ- وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ- مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ- هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ- لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ- وَ غَامِضِ اخْتِلاَفِ كُلِّ حَيٍّ- وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ- وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ- وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ- فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ- وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلاَفِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ- وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلاَلِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ- وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ- فَالْوَيْلُ لِمَنْ جَحَدَ
الْمُقَدِّرَ وَ أَنْكَرَ الْمُدَبِّرَ- زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ- وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ- وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا- وَ لاَ تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ- إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ- وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ- وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ- وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ- وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ- يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ- وَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ- حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا- وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً- فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ «مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً» وَ يَعْنُو لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً- وَ يُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَ ضَعْفاً- وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً- فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ- أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ- وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْيَبَسِ- وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا- فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ- وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ- دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ- وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا- وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا- وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا قول المصنف : «منها في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«من الحيوان»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 13:55، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:129 [2] نحو المصرية.
،ثم المراد«بأصناف من الحيوان»النملة و الجرادة و الغراب و العقاب و الحمام و النعام.1) 1)
ثم الخطبة التي فيها العنوان مما اختلفت النسخ في محلها كما صرح به ابن ميثم،فنقلها ابن أبي الحديد و الكيذري بعد«المتقين»بخطب،و غيرهما قبل «المتقين»بخطب (1)
شرح ابن ميثم 3،413،و [1]شرح ابن أبي الحديد 10:132 و 13:55. [2]
.قوله عليه السّلام «و لو فكّروا» قال الجوهري:فكّروا و أفكروا و تفكّروا بمعنى واحد (2).
«في عظيم القدرة» أي:قدرته العظيمة «و جسيم النعمة» أي:نعمته الجسيمة «لرجعوا إلى الطريق» أي:طريق الحقّ «و خافوا عذاب الحريق» أي:
جهنم .
«و لكن القلوب عليلة» «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها» (3)«و البصائر مدخولة» كذهب دخله الغشّ «وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها » (4).
«ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه» أي:جعله محكما لو لم تكن قلوبهم عليلة «و أتقن تركيبه» لو لم تكن بصائرهم مدخولة.
«أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ» (5).
في(الأهليلجة)-في جواب المفضل في كثرة الزنادقة-لعمري ما أتى الجهال من قبل ربّهم و إنّهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البيّنات في خلقهم،و ما يعاينون من ملكوت السماوات و الأرض و الصنع العجيب المتقن الدال على الصانع،و لكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي،و سهّلوا
لها سبيل الشهوات،فغلبت الأهواء على قلوبهم و استحوذ الشيطان بظلمهم عليهم،و كذلك يطبع اللّه على قلوب المعتدين.و العجب من مخلوق يزعم أنّ اللّه تعالى يخفى على عباده،و هو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله و تأليف يبطل حجّته،و لعمري لو تفكّروا في هذه الامور العظام لعاينوا من أمر التركيب البيّن و لطف التدبير الظاهر،و وجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثمّ تحولها من طبيعة إلى طبيعة و صنيعة بعد صنيعة،ما يدلّهم ذلك على الصانع،فانّه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير و تركيب يدلّ على أنّ له خالقا مدبّرا،و تأليف تدبير يهدي إلى واحد حكيم (1)
نقله المجلسي في البحار 3:152. [1]
.«و فلق» أي:شقّ «له السمع و البصر» و هو دليل كمال قدرته و حكمته «و سوّى له العظم و البشر» ظاهر الجلد و ما سوى العظم .
«انظروا إلى النملة في صغر جثتها» أي:جسدها «و لطافة هيئتها» أي:
صغرها «لا تكاد» أي:لا يقرب «تنال» أي:تصاب «بلحظ البصر» أي:دقيق النظر بمؤخّر العين «و لا بمستدرك الفكر» أي:و لا تنال خصوصيات النّملة بالفكر الذي يستدرك أشياء لا تنال بلحظ البصر.
«كيف دبّت» أي:جرت «على أرضها و صبّت على رزقها» هذه الكلمة في غاية الفصاحة،كقوله تعالى: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» (2).فالأصل في الصبّ صبّ الماء،و النمل إذا استشمت بشمّها القوي ليس شمّ فوقه،صبت أنفسها عليه كصب الماء على محل حتى يغمره و لا يبصر المحل،و كذلك صب النمل أنفسها على قوت بحدّ لا يرى ذاك القوت.
«تنقل الحبة إلى جحرها» بتقديم الجيم:مسكن الحشرات تحت الأرض.
قال:و لا ترى الضب بها ينجحر (1)
أورده اساس البلاغة:52 [1] مادة(جحر).
.و أما الحديث العامّي«إذا حاضت المرأة حرم الجحران» (2)فتشبيه، كقول الشاعر:
لنعم القوم في الأزمات قومي بنو كعب إذا جحر الربيع (3)
أي:إذا أدخل الربيع لعدم نزول المطر فيه،الناس في مساكنهم،كما تدخل الحشرات في جحراتها.
«و تعدها» بالضم من«أعده»أي:هيّأه «في مستقرها» تحت الأرض .
«تجمع في حرّها» أي:الصيف «لبردها» أي:الشتاء «و في ورودها» أي:
تجمع في ورودها جحرها أيام الشتاء «لصدرها» و خروجها أيام الصيف التي تكون الأرض يابسة.
ثم في جميع النسخ (4)«و في ورودها» لكن مقابل الصدر بفتحتين الورد بالكسر فالسكون.قال الجوهري:الورد خلاف الصدر (5)،و قال ابن دريد:
الورد إتيان الماء ثم صار إتيان كلّ شيء وردا (6)،و قال:
ردى ردى ورد قطاة صماء و لو أرادت ورده لاستوردا (7)
«مكفولة برزقها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«مكفول»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (8)،فهكذا كان النهج،و لعل من جعله «مكفولة»
1) 1)
2) 2) رواه ابن الأثير في النهاية 1:240 [2] مادة(حجر).
3) 3) أورده أساس البلاغة:52 [3] مادة(جحر).
4) 4) كذا في نهج البلاغة 2:116،و [4]شرح ابن ميثم 4:129، [5]لكن في شرح ابن أبي الحديد 13:55،« [6]وردها».
5) 5) صحاح اللغة 1:546 [7] مادة(وردها).
6) 6) جمهرة اللغة 3:433. [8]
7) 7) قريب منه أورده في اساس البلاغة:495، [9]مادة(ورد).
8) 8) كذا في شرح ابن أبي الحديد 13:55،لكن في شرح ابن ميثم مكفولة 4:129«».
أراد التصحيح حيث ان المسند اليه النملة كقوله بعد «مرزوقة بوفقها» قال الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد
«لا يغفلها المنّان» أي:المعطي المنعم كما في(معاني الأخبار) (1)
قاله الصدوق في التوحيد:212 [1] لا معاني الاخبار.
.و في خبر:إذا قال العبد«يا عظيم المنّ»أعطاه اللّه يوم القيامة أمنيته و امنية الخلائق (2).
«و لا يحرمها الديّان» أي:المجازي و المكافي «و لو في الصفا» أي:الصخرة الملساء،يقال«ما تندي صفاته» «اليابس» و المراد المستحكم «و الحجر الجامس» أي:الجامد.
عن(تفسير العياشي)عن الصادق عليه السّلام:لمّا قال يوسف للذي نجا من صاحبي سجنه«اذكرني عند ربّك»أتاه جبرئيل فضرب برجله حتى كشط له عن الأرض السابعة،فقال له:يا يوسف انظر ما ذا ترى؟قال:أرى حجرا صغيرا،ففلق الحجر،فقال:ما ذا ترى؟قال:أرى دودة صغيرة.قال:فمن رازقها؟قال:اللّه.قال:فإن ربّك يقول لم أنس هذه الدودة في ذاك الحجر في قعر الأرض السابعة،أظننت أنّي أنساك حتى تقول للفتى اذكرني عند ربّك، لتلبثنّ في السجن بمقالتك هذه بضع سنين-الخبر (3).
و في(توحيد المفضّل):انظر الى النمل و احتشاده في جمع القوت و إعداده،فانّك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحبّ إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره،بل للنمل في ذلك من الجد و التشمير ما ليس
للناس مثله،أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل،ثم يعمدون إلى الحبّ فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم،فان أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجفّ.ثم لا يتخذ النمل الزبية إلاّ في نشز من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها،و كلّ هذا منه بلا عقل و لا روية بل خلقة خلق عليها لمصلحة من اللّه عزّ و جلّ (1)
توحيد المفضل:111. [1]
.و في(حياة حيوان الدميري):و له في الاحتكار من الحيل ما أنّه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسّمه نصفين،ما خلا الكسفرة فإنّه يقسمها ارباعا لما ألهم من ان كل نصف منها ينبت،و إذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض و نشره،و أكثر ما يفعل ذلك ليلا في ضوء القمر (2).
و قال ابن أبي الحديد:قال الجاحظ:و لها مع لطافة شخصها و خفّة وزنها في الشمّ و الاسترواح ما ليس لشيء!فربما أكل الإنسان الجراد أو يشبهه فيسقط من يده واحدة أو صدر واحدة و ليس بقربه ذرة و لا له عهد بالذرّ في ذلك المنزل،فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة فترومها و تحاول نقلها و جرها إلى جحرها،فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعة،فلا يلبث أن يجدها قد أقبلت و خلفها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنّها،فأعجب من صدق الشم لما لا يشمه الإنسان الجامع ثم انظر إلى بعد الهمّة،و الجرأة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة بل أضعاف أضعاف المائة،و ليس شيء من الحيوان يحمل ما يكون أضعاف وزنه مرارا كثيرة غيره.
و من أعاجيب الذّرّة أنّها لا تعرض لجعل و لا جرادة و لا خنفساء و لا
بنت وردان ما لم يكن بها خبل أو عقر أو قطع يد أو رجل،فإن وجدت بها من ذلك أدنى علّة و ثبت عليها حتّى لو أن حيّة بها ضربة أو خدش،ثم كانت من ثعابين مصر لو ثب عليها الذّرّ حتى يأكلها،و لا تكاد الحيّة تسلم من الذرّ إذ كان بها أدنى عقر،و قد عذّب اللّه بالذرّ امما،و أخرج أهل قرى من قراهم،و أهل دروب من دروبهم.
و عذب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي بأنواع العذاب،فقيل له ان أردت أن لا يفلح أبدا فمرهم فلينفخوا في دبره النمل،ففعلوا فلم يفلح بعدها.
و زعم البقطري أنّك لو أدخلت نملة في جحر ذرّ لأكلتها حتى تأتي عامتها.
و زعم(صاحب المنطق)أنّ الضبع تأكل النمل أكلا ذريعا،و ربما أفسدت الأرضة منازلهم و أكلت كلّ شيء لهم،فلا تزال كذلك حتى ينشأ في تلك القرى النّمل فيسلّط اللّه تعالى ذلك النمل على تلك الأرضة حتى تأتي على آخرها.
و قد زعم بعضهم أن تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا،لأكل النمل لها و كان ثمامة يرى أنّ الذّرّ صغار النمل،و نحن نراه نوعا آخر كالبقر و الجواميس.
و من أسباب هلاكه نبات أجنحته،و يقتل النمل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران و الكبريت الأصفر (1)
شرح ابن أبي الحديد 13:58-63. [1]
.«و لو فكّرت في مجاري أكلها في علوها» هكذا في(المصرية)و الصواب:
«و في علوها»كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«و سفلها» إنّما
قال عليه السّلام «و في علوها و سفلها» لأنّها مخلوقة نصفين و بينهما اتصال.
و في(تاريخ بغداد):قال مقاتل يوما سلوني عمّا دون العرش.فقال له رجل:أرأيت النملة أمعاؤها في مقدمها أو مؤخرها،فبقي لا يدري ما يقول (1)
تاريخ بغداد 13:166. [1]
.«و ما في الجوف من شراسيف» أي:أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن «بطنها» .
قال ابن أبي الحديد:الحكماء فانهم لا يثبتون للنمل شراسيف و لا أضلاعا و يجب إن صح قولهم أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على اعتقاد الجمهور و مخاطبة العرب بما تتخيّلة و تتوهمه حقّا (2).
و نقل الخوئي كلام الدميري«ليس للنمل جوف ينفذ فيه الطعام و انما قوته إذا قطع الحب في استنشاق ريحه».و قال:التجربة تشهد بخلافه، فشاهدنا كثيرا أنّ الذّرّ تجتمع على حبوبات،و تأكلها حتّى تفنيها (3).
«و ما في الرأس من عينها و اذنها» قال ابن أبي الحديد:لا يثبت الحكماء للنمل آذانا بارزة عن سطوح رؤوسها.و يجب إن صحّ ذلك أن نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على قوّة الإحساس بالأصوات،فإنّه لا يمكن للحكماء إنكار وجود هذه القوّة للنمل (4).
قلت:لو كانت لها آذان بارزة،لكانت تلد كالخفّاش.
«لقضيت من خلقها عجبا» قال ابن أبي الحديد:ذكر الحكماء من عجائب النمل أشياء:منها أنّه لا جلد له،و كذلك كلّ الحيوان المخرز،و منها أنّه لا يوجد في صقلية نمل كبار أصلا،و منها أنّ النمل بعضه ماش و بعضه طائر،و منها
أنّ حراقة النمل إذا اضيف إليها شيء من قشور البيض و ريش هدهد و علقت على العضد منعت من النوم (1)
شرح ابن أبي الحديد 13:63. [1]
.و قال الخوئي:قال الدميري:و من عجائب النمل اتخاذ القرية تحت الأرض و فيها منازل و دهاليز و غرف و طبقات معلّقات تملأها حبوبا و ذخائر للشتاء،و منه ما يسمّى الذّرّ الفارسي-و هو من النّمل بمنزلة الزنابير من النحل-و منه ما يسمّى بنمل الأسد لأنّ مقدمه يشبه وجه الأسد و مؤخره يشبه النمل.و سمّيت النملة نملة لتنمّلها،و هو كثرة حركتها و قلّة قوائمها.
و النمل لا يتزاوج و لا يتناكح،انما يسقط منه شيء حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيظا.حتى يتكوّن منه،و يحفر قرية بقوائمه و هي ست و جعل فيها تعاريج لئلا يجري اليها المطر.
و روى الطبراني و الدارقطني:أنّه لمّا كلّم اللّه تعالى موسى عليه السّلام كان يبصر دبيب النّملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ.
و قال البيهقي:كان عدي بن حاتم يفتّ الخبز لهن و يقول إنّهنّ جارات لهنّ علينا حقّ الجوار.
و يأتي في الوحش عن الفتح بن سخرب الزاهد انّه كان يفتّ الخبز لهنّ في كلّ يوم،فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله.
و البيض كلّه بالضاد المعجمة الابيظ النمل فإنّه بالظاء (2).
قلت:لم أر من ذكره غيره،و انما في الجمهرة«البيظ»زعموا مستعمل و هو ماء الفحل و لا أدري ما صحته،و قال قوم:ماء المرأة (3).
و في(تفسير القمي):في قوله تعالى: «حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ» (1)
النمل:18. [1]
:واد النمل،واد ينبت الذهب و الفضة،و قد و كلّ اللّه به النمل لو رامه البخاتي من الإبل ما قدر عليه (2).
و في(حياة حيوان الدميري):إذا سحق بيظ النمل و طلى به موضع الشعر منع إنبات الشعر،و إذا نثر بيظه بين قوم تفرّقوا شذر مذر،و من سقى منه وزن درهم لم يملك أسفله،و إن سدّت قريته بأخثاء البقر يهرب من مكانه و كذلك يفعل روث القط،و إذا سدّ جحر النمل بحجر المغناطيس مات،و إذا دقت الكراويا و جعلت في جحر النمل منعتهنّ الخروج و كذلك الكمون،و إذا صبّ ماء السداب في قرية النمل قتله،و ان علقت خرقة امرأة حائض حول شيء لم يقربه النمل،و إذا أخذت سبع نملات طوال و تركتها في قارورة مملوة بدهن الزيبق و سددت رأسها و دفنتها في رمل يوما و ليلة ثم أخرج و صفى الدهن عنها ثمّ مسح به الإحليل هيّج الباه (3).
هذا،و في(الكافي)عنه عليه السّلام:يا معشر التجار،الفقه ثمّ المتجر،الفقه ثمّ المتجر،الفقه ثمّ المتجر،و اللّه للربا في هذه الامّة أخفى من دبيب النمل على الصفا (4).
و روى(الخصال):أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن قتل ستة،النحلة و النملة و الضفدع و الصرد و الهدهد-إلى أن قال-و أمّا النملة فانّهم قحطوا على عهد سليمان فخرجوا يستسقون فإذا هم بنملة قائمة على رجليها مادة يدها إلى السماء و هي تقول«اللّهمّ إنّا خلق من خلقك لا غنى بنا عن فضلك فارزقنا من
عندك و لا تؤاخذنا بذنوب سفهاء ولد آدم»فقال سليمان عليه السّلام:ارجعوا إلى منازلكم فإنّه تعالى قد سقاكم بدعاء غيركم (1)
الخصال 1:326 ح 18.
.و روى(عقاب الأعمال)عن الصادق عليه السّلام:إنّ المتكبّرين يجعلون في صورة الذّرّ يتوطأهم الناس حتى يفرغ اللّه من الحساب (2).
و في(الأغاني):كان لهارون خدم صغار يسمّيهم النّمل،يتقدّمونه و بأيديهم قسي البندق يرمون بها من يعارضه في طريقه (3)(4).
«و لو ضربت في مذاهب فكرك» يمكن أن يكون الكلام من قبيل قوله تعالى:
«وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» (5)أي:سرتم،و ان يكون من قبيل قول ذي الرمة:
ليالي اللهو تطبيني فاتبعه كأنني ضارب في غمرة لعب (6)
أي:سابح «لتبلغ غاياته» أي:لتصل إلى حدّ هو منتهى ما يمكن أن يصل إليه فكرك «ما دلّتك الدلالة إلاّ على أن فاطر النّملة» أي:خالقها الابتدائي.
و عن ابن عباس:كنت لا أدري ما «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (7)حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر،فقال أحدهما أنا فطرتها أي:أنا ابتدأتها (8)«هو فاطر النخلة» .
في(توحيد المفضل):فكّر في النخل،فانّه لمّا صار فيه إناث تحتاج إلى
1) 1)
2) 2) عقاب الأعمال:265 ح 10.
3) 3) لم أجده في الأغاني. [1]
4) 4) أسقط الشارح هنا فقرات«و لقيت من وصفها تعبا...و لم يعنه في خلقها قادر».
5) 5) النساء:101. [2]
6) 6) أورده لسان العرب 1:549 [3] مادة(ضرب).
7) 7) الانعام:14 و [4]مواضع اخرى.
8) 8) اخرجه أبو عبيد في فضائله،و عبد بن حميد،و ابن المنذر،و ابن ابي حاتم،و البيهقي في الشعب،عنهم الدر المنثور 5:244. [5]
التلقيح جعلت فيه ذكورة اللقاح،فصار الذكر من النخل بمنزلة الذّكر من الحيوان الذي يلقّح الإناث لتحمل.تأمّل خلقة الجذع كيف هو،فانك تراه كالمنسوج نسجا من خيوط ممدودة كالسدى و أخرى معه معترضة كاللحمة كنحو ما ينسج بالأيدي و ذلك ليشتدّ و يصلب،و لا يتقصف من حمل القنوان الثقيلة و هزّ الرياح العواصف إذا صار نخلة،و ليتهيأ للسقوف و الجسور و غير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعا،و كذلك ترى الخشب مثل النسج،فانك ترى بعضه متداخلا بعضا كتداخل أجزاء اللحم،و فيه مع ذلك متانة ليصلح لما يتخذ منه من الآلات،فانّه لو كان مستحصفا كالحجارة لم يكن أن يستعمل في السقوف و غير ذلك مما يستعمل فيه الخشبة كالأبواب و الأسرّة و التوابيت و ما أشبه ذلك.
و من جسيم المصالح في الخشب أنّه يطفو على الماء،فكلّ الناس يعرف هذا منه و ليس كلّهم يعرف جلالة الأمر فيه،فلولا هذه الخلة كيف كانت هذه السفن و الأظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة،و أنّى كان ينال الناس هذا الرفق و خفّة المؤنة في حمل التجارات من بلد إلى بلد،و كانت تعظم المؤنة عليهم في حملها حتى يلفى كثير مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقود أصلا أو عسر وجوده (1)
توحيد المفضل:162،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قال الشارح:و من عظيم الحكمة في الخشب عدم تأثّره من الكهرباء الذي استخدمه البشر الذي سخّر تعالى له ما في السماوات و الأرض في هذه الاعصار و منعه من تأثيره حتى لا يتلف الإنسان و الحيوان،و لولاه لما استفيد كما ينبغي من هذه النعمة الجليلة.
قال عليه السّلام:تأمل يا مفضل،الحكمة في خلق الشجر و أصناف النبات،
1) 1)
فانّها لما كانت تحتاج إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوان و لم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان و لا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت اصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إلى الأغصان و ما عليها من الورق و الثمر، فصارت الأرض كالام المربية لها،و صارت اصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء كما ترضع أصناف الحيوان امهاتها.ألم تر إلى عمد الفساطيط و الخيم كيف تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط و لا تميل،فهكذا تجد النبات كلّه له عروق منتشرة في الأرض،ممتدة إلى كلّ جانب لتمسكه و تقيمه،و لو لا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال و الدوح العظام في الريح العاصف؟فانظر الى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة،فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط و الخيم متقدمة في خلق الشجر،فالصناعة مأخوذة من الخلقة.
تأمل يا مفضل،خلق الورق،فانك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع،فمنها غلاظ ممتدة في طولها و عرضها،و منها دقاق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما،و لو كان مما يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل،و لا حتيج إلى آلات و حركة و علاج و كلام،فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال و السهل و بقاع الأرض كلّها بلا حركة و لا كلام إلاّ بالإرادة النافذة في كلّ شيء و الأمر المطاع.و اعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق، فانها جعلت تتخلل الورقة بأسرها و توصل الماء اليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء الى كلّ جزء منه،و في الغلاظ منها معنى آخر،فانّها تمسك الورقة بصلابتها و متانتها لئلا تنتهك و تتمزّق، فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنيعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها و عرضها للتماسك فلا تضرب،فالصناعة تحكي الخلقة
و ان كانت لا تدركها على الحقيقة.
فكّر في هذا العجم و النوى و العلّة فيه،فإنّه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق،كما يحرز الشيء النفيس الذي يعظم الحاجة إليه في مواضع،فإن حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر،ثم هو بعد يمسك بصلابته رخاوة الثمار و رقتها،و لو لا ذلك لتشدّخت و تفسخت و أسرع اليها الفساد،و بعض العجم يؤكل و يستزج دهنه فيستعمل فيه ضروب من المصالح،و قد تبين لك بما قلت موضع الارب في العجم و النوى.
فكّر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة و فوق العجم من العنبة،فما العلّة فيه و لما ذا يخرج في هذه الهيئة،و قد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل،كمثل ما يكون في السدر و الدلب و ما أشبه ذلك،فلم صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة،الا ليستمتع بها الانسان؟ فكّر في ضروب من التدبير في الشجر،فانك تراه يموت في كلّ سنة موتة فتحتبس الحرارة الغريزية في عوده و يتولّد فيه مواد الثمار،ثم يحيى و ينتشر فيأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع،كما يقدم إليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدي واحدا بعد واحد،فترى الأغصان في الأشجار تتلقاك بثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد،و ترى الرياحين تتلقاك في أفنانها كأنها تجيئك بأنفسها،فلمن هذا التقدير إلاّ لمقدّر حكيم؟و ما العلّة فيه إلا تفكيه الإنسان بهذه الثمار و الأنوار،و العجب من اناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها.
و اعتبر بخلق الرمانة و ما ترى فيها من أثر العمد و التدبير،فانك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها و حبّ مرصوف صفا كنحو ما ينضد بالأيدي،و ترى الحب مقسوما أقساما،و كلّ قسم منها ملفوفا بلفائف
من حجب منسوجة أعجب النسج و ألطفه و قشره يضم ذلك كلّه!فمن التدبير في هذه الصنعة انّه لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحبّ وحده، و ذلك ان الحب لا يمد بعضه بعضا،فجعل ذلك الشحم خلال الحب ليمدّه بالغذاء.ألا ترى أنّ اصول الحبّ مركوزة في ذلك الشحم،ثم لف بتلك اللفائف لتضمه و تمسكه فلا يضطرب،و غشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة لتحصنه و تصونه من الآفات.و هذا قليل من كثير من وصف الرمانة و فيه أكثر،و هذا لمن أراد الإطناب و التذرع في الكلام،و لكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة و الاعتبار.
فكّر يا مفضل،في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء و القثاء و البطيخ و ما في ذلك من التدبير و الحكمة،فانه حين قدّر أن يحمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطا على الأرض، و لو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع و الشجر لما استطاع أن يحمل مثل هذه الثمار الثقيلة،و لتقصف قبل إدراكها و انتهائها إلى غاياتها.
فانظر كيف صار يمتد على وجه الأرض ليلقى عليها ثماره فتحملها عنه، فترى الأصل من القرع و البطيخ مفترشا للأرض و ثماره مبثوثة عليها و حواليه كأنّه هرّة ممتدة و قد اكتنفتها أجراؤها لترضع منه، و انظر كيف صارت الأصناف توافي في الوقت المشاكل لها من حمّارة القيظ و وقدة الحر،فتلقاها النفوس بانشراح و تشوّق اليها،و لو كانت توافي في الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها و اقشعرارا منها مع ما يكون فيها من المضرّة للأبدان!ألا ترى أنّه ربما أدرك شيء من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي لا يمتنع
من أكل ما يضرّه و يسقم معدته (1)
توحيد المفضل:160 و [1]النقل بتصرف يسير.
(2).«و غامض اختلاف كلّ حي» في(توحيد المفضل):فكّر في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان و في خلقها على ما هي عليه مما فيه صلاح كلّ واحد منها، فالإنس لما قدّر أن يكونوا ذوي ذهن و فطنة و علاج بمثل هذه الصناعات من البناء و التجارة و الصياغة و الخياطة و غير ذلك،خلقت لهم أكفّ كبار ذوات أصابع غلاظ ليتمكنوا من القبض على الأشياء و أوكدها هذه الصناعات.و أما آكلات اللحم لما قدّر أن يكون معائشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة ذوات براثن و مخالب تصلح لأخذ الصيد و لا تصلح للصناعات، و آكلات النبات لما قدّر أن يكن لا ذوات صنعة و لا ذوات صيد خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاولت طلب الرعي و لبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض عند تهيئها للركوب و الحمولة.
تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد و براثن شداد و أشداق و أفواه واسعة،فانّه لما قدّر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك،و أعينت بسلاح و أدوات تصلح للصيد،و كذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير و مخاليب مهيّأة لفعلها.
و لو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد اعطيت ما لا تحتاج إليه لأنّها لا تصيد و لا تأكل اللحم،و لو كانت السباع ذوات أظلاف كانت منعت ما تحتاج إليه-أعني السلاح الذي تصيد به و تعيش-أفلا ترى كيف اعطي كلّ واحد من الصنفين ما يشاكل كلّ طبعه بل ما فيه صلاحه و بقاؤه! انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتتهيأ للمشي،و لو كانت
افرادا لم يصلح لذلك،لأن الماشي ينقل قوائمه يعتمد على بعض،فذو القائمتين ينقل واحدة و يعتمد على واحدة،و ذو الأربع ينقل اثنتين و يعتمد على اثنتين.و ذلك من خلاف،لأن ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه و يعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على الأرض،فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره و ينقل الأخيرتين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض و لا يسقط إذا مشى.
أما ترى الحمار كيف يذلّ للطحن و الحمولة و هو يرى الفرس مودعا منعما،و البعير لا يطيقه عدّة رجال لو استعصى،كيف كان ينقاد للصبي؟ و الثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه و يحرث به؟و الفرس الكريم يركب السيوف و الأسنة بالمواتاة لفارسه،و لقطيع من الغنم يرعاه واحد و لو تفرّقت الغنم فأخذ كلّ واحد منها في ناحية لم يلحقها، و كذلك جميع الأصناف المسخّرة للإنسان،فبم كانت كذلك إلاّ أنّها عدمت العقل و الرويّة؟فإنّها لو كانت تعقل و تتروى في الامور كانت خليقة أن تلتوي على الإنسان في كثير من مآربه،حتى يمتنع الجمل على قائدة،و الثور على صاحبه،و تتفرّق الغنم عن راعيها و أشباه هذا من الامور.
و كذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل و روية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تجتاحهم،فمن كان يقوم للأسد و الذئاب و النمور و الدببة لو تعاونت و تظاهرت على الناس؟أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها و صارت مكان ما كان يخاف من أقدامها و نكايتها تهاب مساكن الناس و تحجم عنها،ثم لا تظهر و لا تنتشر لطلب قوتها إلاّ بالليل،فهي مع صولتها كالخائف من الإنس بل مقموعة ممنوعة منهم،و لو كان غير ذلك لساورتهم في مساكنهم و ضيّقت عليهم.
ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه و محاماة عنه و حافظ له،ينتقل على الحيطان و السطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل
صاحبه و ذبّ الذعار عنه،و يبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه و دون ماشيته و ماله،و يألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع و الجفوة،فلم طبع الكلب على هذه الألفة و المحبّة إلاّ ليكون حارسا للإنسان عينا-أي جاسوسا-له بأنياب و مخاليب و نباح هائل ليذعر منه السارق و يتجنب المواضع التي يحميها و يخفرها؟ يا مفضل تأمّل وجه الدابّة كيف هو؟فانّك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردّى في حفرة،و ترى الفم مشقوقا شقّا في أسفل الخطم،و لو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الأرض.ألا ترى أنّ الانسان لا يتناول الطعام بفيه و لكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات،فلمّا لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خرطومها مشقوقا من أسفله ليقبض على العلف ثمّ تقضمه،و اعينت بالجحفلة لتتناول بها ما قرب و ما بعد (1)
الجحفلة:للحافر كالشفة للإنسان.
.اعتبر بذنبها و المنفعة لها فيه،فإنّه بمنزلة الطبق على الدبر و الحياء جميعا يواريهما و يسترهما،و من منافعها فيه أن ما بين الدبر و مراقي البطن منها و ضر يجتمع عليها الذباب و البعوض،فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن تلك المواضع.و منها:أنّ الدابة تستريح إلى تحريكه و تصريفه يمنة و يسرة،فانه لما كان قيامها على الأربع بأسرها و شغلت المقدمتان بحمل البدن عن التقلب و التصرف كان لها في تحريك الذنب راحة.و فيه منافع اخرى يقصر عنها الوهم فيعرف موقعها في وقت الحاجة إليها،فمن ذلك،أنّ الدابة ترتطم في الوحل فلا يكون شيء أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها،و في شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مآربهم،ثم جعل ظهرها
1) 1)
مسطحا مبطحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها،و جعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها،و لو كان أسفل البطن كما كان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها.ألا ترى انّه لا يستطيع أن يأتيها كفاحا (1)
أي مستقبلا
كما يأتي الرجل المرأة! فكّر في خلق الزرافة و اختلاف أعضائها و شبهها بأعضاء أصناف من الحيوان،فرأسها رأس فرس و عنقها عنق جمل و أظلافها أظلاف بقرة و جلدها جلد نمر،و زعم ناس من الجهّال باللّه عزّ و جلّ أن نتاجها من فحول شتى،قالوا و سبب ذلك:إنّ أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة و ينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى،و هذا جهل من قائله و قلّة معرفة بالباري جلّ قدسه،و ليس كلّ صنف من الحيوان يلقح كلّ صنف،فلا الفرس يلقح الجمل و لا الجمل يلقح البقر،و إنّما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله و يقرب من خلقه،كما يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل،و يلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع.على انّه ليس يكون في الذي يخرج بينهما عضو كلّ واحد منهما كما في الزرافة -عضو من الفرس و عضو من الجمل و أظلاف من البقرة-بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما،كالذي تراه في البغل فإنّك ترى رأسه و اذنيه و كفله و ذنبه و حوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس و الحمار، و شحيحه كالممتزج من صهيل الفرس و نهيق الحمار.فهذا دليل على أنّ الزرافة ليست من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون،بل هي خلق عجيب من خلق اللّه للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شيء،و يعلم أنّه تعالى خالق أصناف الحيوان كلّها،يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيّها1) 1)
شاء و يفرّق ما شاء منها في أيّها شاء،و يزيد في الخلقة ما شاء و ينقص منها ما شاء،دلالة على قدرته على الأشياء و انّه لا يعجزه شيء أراده جلّ و تعالى!فأما طول عنقها و المنفعة لها في ذلك فإن منشأها و مرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء،فهي تحتاج إلى طول العنق لتتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتقوت من ثمارها.
تأمل خلقة القرد و شبهه بالإنسان في كثير من أعضائه-أعني الرأس و الوجه و المنكبين و الصدر-و كذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الإنسان، و خصّ مع ذلك بالذهن و الفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمي إليه، و يحكي كثيرا مما يرى الإنسان يفعله،حتى انّه يقرب من خلق الإنسان و شمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للإنسان في نفسه،فيعلم أنّه من طينة البهائم و سنخها،إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، و أنّه لو لا فضيلة فضله بها في الذهن و العقل و النطق كان كبعض البهائم،على أن في جسم القرد فضولا اخرى تفرّق بينه و بين الإنسان،كالخطم و الذنب المسدل و الشعر المجلّل للجسم كلّه.و هذا لم يكن مانعا للقرد أن يلحق بالإنسان لو أعطي مثل ذهن الإنسان و عقله و نطقه،و الفصل الفاصل بينه و بين الإنسان بالحقيقة هو النقص في العقل و الذهن و النطق.
انظر يا مفضل،إلى لطف اللّه جلّ اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامها هذه الكسوة من الشعر و الوبر و الصوف لتقيها من البرد و كثرة الآفات، و ألبست الأظلاف و الحوافر و الأخفاف لتقيها من الحفا،إذ كانت لا أيدي لها و لا أكفّ و لا أصابع مهيأة للغزل و النسج،فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها و الاستبدال بها،فأما الإنسان فإنّه ذو حيلة و كفّ مهيأة للعمل،فهو ينسج و يغزل و يتّخذ لنفسه الكسوة و يستبدل بها حالا بعد حال،و له في ذلك صلاح من جهات:من ذلك أنّه يشتغل
بصنعته اللباس عن العبث و ما تخرجه إليه الكفاية،و منها أنّه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء و لبسها إذا شاء،و منها أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال و روعة فيتلذذ بلبسها و تبديلها،و كذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف و النعال يقي بها قدميه،و في ذلك معائش لمن يعمله من الناس و مكاسب يكون فيها معائشهم،و منها أقواتهم و أقوات عيالهم،فصار الشعر و الوبر و الصوف تقوم للبهائم مقام الكسوة و الأظلاف و الحوافر و الأخفاف مقام الحذاء (1)
توحيد المفضل:96-107،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و ما الجليل و اللطيف و الثقيل و الخفيف و القوي و الضعيف في خلقه إلاّ سواء» في اشتمال الكل على حكم لا تعدو كشف الجميع عن مدبر قادر،قال تعالى: «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (2).
و في(توحيد المفضل):تأمّل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عمّا فيه صلاحها،فمن أين هذا التقدير و الصواب:في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق و كبيره.فكّر يا مفضل،في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مآربهم،فالتراب للبناء،و الحديد للصناعات،و الخشب للسفن و غيرها،و الحجارة للارحاء و غيرها،و النحاس للأواني،و الذهب و الفضة للمعاملة و الذخيرة،و الحبوب للغذاء،و الثمار للتفكّه،و اللحم للمأكل،و الطيب للتلذذ،و الأدوية للتصحّح،و الدواب للحمولة، و الحطب للتوق،و الرماد للكلس،و الرمل للأرض،و كم عسى أن يحصي المحصي من هذا و شبهه.أرأيت لو أن داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوّة من كل ما يحتاج إليه الناس و رأى ما فيها مجموعا معدّا لأسباب معروفة،
أ كان يتوهم ان مثل هذا يكون بالإهمال و من غير عمد،فكيف يستجيز قائل أن يكون هذا من صنع الطبيعة في العالم و ما أعد فيه من هذه الأشياء؟ اعتبر يا مفضل،بأشياء خلقت لمآرب الإنسان و ما فيها من التدبير،فإنّه خلق له الحبّ لطعامه و كلّف طحنه و عجنه و خبزه،و خلق له الوبر لكسوته فكلّف ندفه و غزله و نسجه،و خلق له الشجر فكلّف غرسها و سقيها و القيام عليها،و خلقت له العقاقير لأدويته فكلّف لقطها و خلطها و صنعها،و كذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال.فانظر كيف كفي الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة و ترك عليه في كلّ شيء من الأشياء موضع عمل و حركة لما له في ذلك من الصلاح،لأنّه لو كفي هذا كلّه حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل و عمل لما حملته الأرض أشرا و بطرا،و لبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى امورا فيها تلف نفسه،و لو كفي الناس كلّ ما يحتاجون إليه لما تهنّأوا بالعيش و لا وجدوا له لذّة،ألا ترى لو أن امرأ نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم و مشرب و خدمة لتبرم بالفراغ و نازعته نفسه إلى التشاغل بشيء! فكيف لو كان عمره مكفيا لا يحتاج إلى شيء،فكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للإنسان ان جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة، و لتكفه عن تعاطي ما لا يناله،و لا خير فيه إن ناله (1)
توحيد المفضل:111 و 85 و 86،و [1]النقل بتصرف يسير.
؟ «و كذلك السماء» في(توحيد المفضل):فكّر في لون السماء و ما فيه من صواب التدبير،فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة و تقوية للبصر،حتى ان من صفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره إدمان النظر إلى الخضرة و ما قرب منها إلى السواد،و قد وصف الحذّاق منهم لمن كلّ بصره الإطلاع في أجانة خضراء مملوّة ماء،فانظر،كيف جعل اللّه تعالى أديم السماء بهذا اللون1) 1)
الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له،فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر و الروية و التجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة،حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون،و يفكّر فيها الملحدون،قاتلهم اللّه!أنّى يؤفكون (1)
توحيد المفضل:127،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و الهواء» في(توحيد المفضل)-بعد ذكر حكمة كثرة ماء البحار-و هكذا الهواء لو لا كثرته و سعته لاختنق هذا الأنام من الدخان و البخار الذي يتحيّر فيه و يعجز عمّا يحول إلى السحاب و الضباب أولا أولا (2).
«و الرياح» في(توحيد المفضل):انبّهك على الريح و ما فيها،أ لست ترى إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس و يمرّض الأصحاء و ينهك المرضى و يفسد الثمار و يعفن البقول و يعقب الوباء في الأبدان و الآفة في الغلات؟ففي هذا بيان أن هبوب الرياح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق،و أنّبئك عن الهواء بخلّة اخرى،فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء و الهواء يؤدّيه إلى المسامع،و النّاس يتكلّمون في حوائجهم و معاملاتهم طول نهارهم و بعض ليلهم،فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما تبقى الكتابة في القرطاس لامتلأ العالم منه،فكان يكربهم و يفدحهم،و كانوا يحتاجون في تجديده و الاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس،لأن ما يلفظ من الكلام أكثر مما يكتب،فجعل الخلاّق الحكيم جلّ اسمه هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثم يمحى فيعود جديدا نقيّا،و يحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع،و حسبك بهذا النسيم المسمّى هواء عبرة و ما فيه من المصالح،فانّه حياة هذه الأبدان،
و الممسك لها من داخل بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه،و فيه تطرد هذه الأصوات فيؤدي البعد البعيد،و هو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى موضع.ألا ترى،كيف تأتيك الرائحة من حيث تهبّ الريح؟فكذلك الصوت،و هو القابل لهذا الحر و البرد اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه، و منه هذه الريح الهابة،فالريح تروّح عن الأجسام،و تزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتى يستكثف فيمطر،و تفضّه حتى يستخف فيتفشى،و تلقح الشجر و تسيّر السفن و ترخي الأطعمة و تبرّد الأطعمة و تشبّ النار و تجفف الأشياء النديّة.
و بالجملة إنّها تحيي كلّ ما في الأرض،فلو لا الريح لذوي النبات و لمات الحيوان و حمت الأشياء و فسدت (1)
توحيد المفضل:140-142،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و الماء» فيه:اعلم أنّ رأس معاش الإنسان الخبز و الماء،فانظر كيف دبّر الأمر فيهما،فإنّ حاجة الإنسان إلى الماء أشدّ من حاجته إلى الخبز،و ذلك ان صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش،و الذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز،لأنّه يحتاج إليه لشربه و وضوئه و غسله و غسل ثيابه و سقي أنعامه و زرعه،فجعل الماء مبذولا لا يشترى ليسقط عن الإنسان المؤنة في طلبه و تكلّفه،و جعل الخبز متعذّرا لا ينال إلاّ بالحيلة و الحركة ليكون للإنسان شغل يكفّه عمّا يخرجه إليه الفراغ من الأشر و العبث.
ألا ترى أن الصبي يدفع الى المؤدّب و هو طفل لم يكمل ذاته للتعليم كلّ ذلك ليشتغل عن اللعب و العبث اللذين ربّما جنيا عليه و على أهله المكروه العظيم، و هكذا الإنسان لو خلا من الشغل يخرج من الأشر و البطر إلى ما يعظم ضرره عليه و على من قرب منه،و اعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة،و رفاهية العيش
1) 1)
و الترفّه و ما يخرجه ذلك إليه (1)
توحيد المفضل:87،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فانظر إلى الشمس» فيه:فكّر يا مفضل،في طلوع الشمس و غروبها لإقامة دولتي النهار و الليل،فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه،فلم يكن الناس يسعون في معائشهم و يتفرّقون في امورهم و الدنيا مظلمة عليهم،و لم يكونوا يتهنّون بالعيش مع فقدهم لذّة النور و روحه،و الارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره و الزيادة في شرحه.بل تأمل المنفعة في غروبها!فلولا غروبها لم يكن للناس هدء و لا قرار مع عظيم حاجتهم إلى الهدء و الراحه لسكون أبدانهم و جموم حواسهم،و انبعاث القوة الهاضمة لهظم الطعام،و تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء.ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل و مطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم،فان كثيرا من الناس لو لا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدء و لا قرار، حرصا على الكسب و الجمع و الادّخار.
ثم كانت الأرض تستحم بدوام الشمس بضيائها و يحمى كلّ ما عليها من حيوان و نبات،فقدرها اللّه بحكمته و تدبيره تطلع وقتا و تغرب وقتا،بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا و يقرّوا،فصار النور و الظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم و قوامه.
ثم فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس و انحطاطها،لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة،و ما في ذلك من التدبير و المصلحة،ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر و النبات فيتولد فيهما مواد الثمار،و يتكثّف الهواء فينشأ منه السحاب و المطر،و يشتدّ أبدان الحيوان و تقوى،و في الربيع تتحرّك
1) 1)
و تظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات و تنور الأشجار و يهيج الحيوان للسفاد،و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار و تتحلّل فضول الأبدان و يجفّ وجه الأرض فتتهيّأ للبناء و الأعمال،و في الخريف يصفوا الهواء و ترتفع الأمراض و يصحّ الأبدان و يمتدّ الليل فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله و يطيب الهواء فيه-إلى مصالح اخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام.
فكّر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة و ما في ذلك من التدبير،فهو الدور الذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة،الشتاء و الربيع،و الصيف،و الخريف،و يستوفيها على التمام.و في هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات و الثمار و تنتهي إلى غاياتهم،ثم تعود فيستأنف النشو و النمو.ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، فبالسنة و أخواتها يكال الزمان من لدن خلق اللّه تعالى العالم إلى كلّ وقت و عصر من غابر الأيام،و بها يحسب النّاس الأعمار و الأوقات المؤقتة للديون و الإجارات و المعاملات،و غير ذلك من امورهم،و بمسير الشمس تكمل السنة و يقوم حساب الزمان على الصحّة.
انظر الى شروقها على العالم،كيف دبّر أن يكون؟فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها و منفعتها إلى كثير من الجهات،لأن الجبال و الجدران كانت تحجبها عنها،فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب،ثم لا تزال تدور و تغشي جهة بعد جهة حتى تنتهي الى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النّهار،فلا يبقى موضع من المواضع إلاّ أخذ بقسطه من المنفعة و الأرب التي قدّرت له،و لو تخلفت مقدار عام أو بعض عام كيف يكون حالهم بل كيف يكون لهم مع ذلك بقاء؟أفلا ترى كيف كان يكون للناس هذه الامور الجليلة
التي لم يكن عندهم فيها حيلة،فصارت تجري على مجاريها لا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم و ما فيه بقاؤه (1)
توحيد المفضل:128-131،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و القمر» فيه:استدل بالقمر،ففيه دلالة جليلة تستعملها العامة في معرفة الشهور و لا يقوم عليه حساب السنة،لأن دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة و نشوء الثمار (2).
«و النبات و الشجر» فيه:فكّر يا مفضل،في هذا النبات و ما فيه من ضروب المآرب:فالثمار للغذاء،و الأتبان للعلف،و الحطب للوقود،و الخشب لكلّ شيء من أنواع التجارة و غيرها،و اللحاء و الورق و الأصول و العروق و الصموغ لضروب من المنافع.أرأيت لو كنّا نجد الثمار التي نغتذي بها مجموعة على الأرض،و لم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها،كم يدخل علينا من الخلل في معاشنا؟و ان كان الغذاء موجودا فان المنافع بالخشب و الحطب و الأتبان و ساير ما عددناه كثيرة عظيم قدرها جليل موقعها.هذا مع ما في النبات من التلذّذ بحسن منظره و نضارته التي لا يعدلها شيء من مناظر العالم و ملاهيه! فكّر يا مفضل،في هذا الريع الذي جعل في الزرع،فصارت الحبّة الواحدة تخلف مائة حبة و أكثر و أقلّ،و كان يجوز للحبة أن تأتي بمثلها،فلم صارت تريع هذا الريع إلا ليكون في الغلة متسع لما يرد في الأرض من البذر، و ما يتقوّت الزراع إلى ادراك زرعها المستقبل؟ألا ترى انّ الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم و ما يقوتهم إلى إدراك زرعهم!فانظر كيف تجد هذا المثال قد تقدم في تدبير
الحكيم،فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت و الزراعة، و كذلك الشجر و النبت،و النخل يريع الريع الكثير،فإنّك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما،فلم كان كذلك،إلاّ ليكون فيه ما يقطعه الناس و يستعملونه في مآربهم و ما يرد فيغرس في الأرض؟و لو كان الأصل منه منفردا لا يفرخ و لا يريع لما أمكن أن يقطع منه شيء لعمل و لا لغرس،ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف.
تأمل يا مفضل،نبات هذه الحبوب من العدس و الماش و الباقلاء و ما أشبه ذلك،فانّها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها و تحجبها من الآفات إلى ان تشتدّ و تستحكم،كما تكون المشيمة على الجنين لهذا المعنى بعينه، و أمّا البرّ و ما أشبهه فانه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها أمثال الأسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزرع.
فان قال قائل:أو ليس قد ينال الطير من البرّ و الحبوب؟قيل له:بلى على هذا قدّر الأمر فيها،لأنّ الطير خلق من خلق اللّه تعالى،و قد جعل اللّه تعالى له فيما تخرج الأرض حظّا،و لكن حصّنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كلّ التمكّن فيعبث فيها و يفسد الفساد الفاحش،فانّ الطير لو صادف الحبّ بارزا ليس عليه شيء تحول دونه،لأكبّ عليه حتى ينسفه اصلا،فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير فيموت و يخرج الزارع من زرعه صفرا، فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه شيئا يتقوّت به و يبقى أكثره للإنسان،فانّه أولى به إذ كان هو الذي كدح فيه،و شقى به،و كان الذي يحتاج إليه أكثر مما يحتاج إليه الطير.
فكّر في هذه العقاقير و ما خصّ به كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء،فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج، و هذا ينزف المرة السوداء مثل الافتيمون،و هذا ينفي الرّياح مثل السكبينج،
و هذا يحلّل الأورام و أشباه هذا من أفعالها.فمن جعل هذه القوى فيها إلاّ من خلقها للمنفعة؟و من فطّن الناس لها إلاّ من جعل هذا فيها؟و متى كان يوقف على هذا منها بالعرض و الاتفاق كما قال القائلون؟و هب أنّ الانسان فطن لهذه الأشياء بذهنه و لطيف رويّته و تجاربه،فالبهائم كيف فطنت لها حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير فيبرأ،و بعض الطير يحتقن من الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم،و أشباه هذا كثير.
و لعلّك تشكّك في هذا النبات النابت في الصحاري و البراري حيث لا إنس و لا أنيس،فتظنّ أنّه فضل لا حاجة إليه!و ليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش و حبّه علف للطير و أفنانه حطب فيستعمله الناس،و فيه بعد أشياء تعالج بها الأبدان و اخرى تدبغ بها الجلود و اخرى تصبغ الأمتعة،و أشباه هذا من المصالح.أ لست تعلم أنّ من أخسّ النبات و أحقره هذا البردي و ما أشبهها؟ ففيها مع هذا ضروب من المنافع،فقد يتخذ من البردي القراطيس التي يحتاج إليها الملوك و السّوقة،و الحصر التي يستعملها كلّ صنف من الناس،و يعمل منه الغلف التي يوقّى بها الأواني،و يجعل حشوا بين الظروف في الأسفاط لكيلا تعيب و تنكسر،و أشباه هذا من المنافع.
و اعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق و كبيره و بماله قيمة و ما لا قيمة له،و أخسّ من هذا و أحقره الزبل و العذرة التي اجتمعت فيها الخساسة و النجاسة معا،و موقعها من الزروع و البقول و الخضر أجمع الموقع الذي لا يعدله شيء،حتى أنّ كلّ شيء من الخضر لا يصلح و لا يزكو إلاّ بالزبل و السماد الذي يستقذره الناس و يكرهون الدنو منه! و اعلم انّه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته،بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين،و ربما كان الخسيس في سوق المكتسب،نفيسا في سوق العلم،فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته،فلو فطن طالبوا الكيمياء
لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان و غالوا بها (1)
توحيد المفضل:154-156 و 163-165،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و الماء و الحجر» الظاهر أنّه عليه السّلام أراد في الجمع بينهما أنّه تعالى خالق ما هو في اللينة كالماء،و ما هو في الصلابة كالحجر،فهو خالق الضدّين،و لا يكون خلق الضدّين إلاّ عن كمال قدرة و عن تدبير حكيم لا خصوص الماء و الحجر.
«و اختلاف هذا الليل و النهار» مر الكلام في أصلهما،و أما في مقدارهما فقد قال الصادق عليه السّلام للمفضل:فكّر في مقادير النّهار و الليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق،فصار منتهى كلّ واحد منهما إذا امتدّ إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك.أ فرأيت لو كان النهار مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة، ألم يكن في ذلك بوار كلّ ما في الأرض من حيوان و نبات.أما الحيوان فكان لا يهدأ و لا يقرّ طول هذه المدّة،و البهائم ما كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النّهار،و لا الإنسان كان يفتر عن العمل و الحركة،و كان ذلك ينهكها أجمع و يؤدّيها إلى التلف،و أما النّبات فكان عليه حرّ النّهار و وهج الشمس حتى يجف و يحترق،و كذلك الليل لو امتدّ مقدار هذه المدّة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة و التصرّف في طلب المعاش حتى يموت جوعا،و تخمد الحرارة الطبيعية عن النبات حتى يعفن و يفسد،كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس (2).
«و تفجّر هذه البحار» قال الصادق عليه السّلام:فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار و قلت ما الأرب فيه،فاعلم إنّه مكتنف و مضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك و دوابّ البحر و معدن اللؤلؤ و الياقوت و العنبر،
و أصناف شتّى تستخرج من البحر و في سواحله منابت العود اليلنجوج و ضروب من الطيب و العقاقير،ثم هو بعد مركب للناس،و محمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة،كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق و من العراق إلى الصين،فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلاّ على الظهر لبارت،و بقيت في بلدانها و أيدي أهلها،لأن أجر حملها يجاوز أثمانها فلا يتعرّض أحد لحملها،و كان يجتمع في ذلك أمران:أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها،و الآخر انقطاع معاش من يحملها و يتعيّش بفضلها (1)
توحيد المفضل:146،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و كثرة هذه الجبال و طول هذه القلال» قال عليه السّلام للمفضّل:انظر إلى هذه الجبال المركومة من الطين و الحجارة التي يحسبها الغافلون فضلا لا حاجة إليها،و المنافع فيها كثيرة:فمن ذلك أن تسقط عليها الثلوج فتبقى في قلالها لمن يحتاج إليه و يذوب ما ذاب منه،فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الأنهار العظام،و ينبت فيها ضروب من النبات و العقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل،و يكون فيها كهوف و معاقل للوحوش من السباع العادية، و يتخذ منها الحصون و القلاع المنيعة للتحرز من الأعداء،و ينحت منها الحجارة للبناء و الإرحاء،و يوجد فيها معادن لضروب من الجواهر،و فيها خلال أخر لا يعرفها إلا المقدّر لها في سابق علمه (2).
«و تفرّق هذه اللغات و الألسن المختلفات» قد حقّق في فلسفة اللغات أن الأصل فيها حكاية الأصوات،إلاّ أنّ الطبائع مختلفة في التعبير عنها،فحصل التفرّق و الاختلاف،مثل«قطا»في العربية و«كغا»في الفارسية و«خشب»في العربية و«چوب»في الفارسية،و مثل«الطائر»في العربية و«پرنده»في
الفارسية و«بيرد»في الافرنجية و«بهنده»في التسترية،فكلّها حكاية صوت الطيران،كما أن الأوّل حكاية صوت نغمته و الثاني حكاية صوت الضرب به.
كما قد يحصل الاشتراك من الحكاية لتشابه صوت طبيعتين مثل «شير»في الفارسية للّبن حكاية صوت حلبه،و للأسد حكاية زئيره (1)
كلام الشارح في اشتقاق هذه الألفاظ مخدوش بلا أصل،خلاف لجميع محققي اللغة و الاشتقاق،بل جميع الألفاظ التي ذكرها الشارح لها اشتقاق معلوم ذكره علماء اللغة في كتبهم.
،و هو أحد الآيات على وجود الصانع لايجاده اختلاف الطبائع «وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ » (2).«فالويل لمن جحد المقدّر و أنكر المدبّر» قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر في وصول الغذاء إلى البدن و ما فيه من التدبير،فانّ الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه و تبعث بصفوه إلى الكبد في عروق دقاق و أشجة بينهما،قد جعلت كالمصفى للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها،و ذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف.
ثم إنّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما و ينفذه الى البدن كلّه في مجاري مهيّأة لذلك،بمنزلة المجاري التي تهيّأ للماء ليطرد في الأرض كلّها، و ينفذ ما يخرج منه من الخبث و الفضول الى مغائض قد أعدّت لذلك،فما كان منه من جنس المرّة الصفراء جرى الى المرارة،و ما كان من جنس السوداء جرى الى الطحال،و ما كان من البلّة و الرطوبة جرى إلى المثانة.
فتأمّل حكمة التدبير في تركيب البدن و وضع هذه الأعضاء منه مواضعها و إعداد هذه الأوعية فيه لتحمّل تلك الفضول،لئلا تنتشر في البدن فتسقمه و تنهكه،فتبارك من أحسن التقدير و أحكم التدبير،
و له الحمد كما هو أهله و مستحقّه (1)
توحيد المفضل:56،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع و لا لاختلاف صورهم صانع» مع أنّ اختلاف صورهم كأصل إيجادهم آية واضحة لمبدعهم،و قد قرّرهم نوح عليه السّلام به فقال: «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» (2).
قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما تتشابه الوحوش و الطير و غير ذلك،فانّك ترى السّرب من الظباء و القطا تتشابه حتى لا يفرّق بين واحد و بين الاخرى،و ترى الناس مختلفة صورهم و خلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة،و العلّة في ذلك أن النّاس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم و حلاهم لما يجري بينهم من المعاملات،و ليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كلّ واحد منهم بعينه و حليته.ألا ترى أنّ التشابه في الطير و الوحش لا يضرّها شيئا؟ و ليس كذلك الإنسان،فإنّه ربما تشابه التوأمان تشابها شديدا فتعظم المؤنة على الناس في معاملتهما حتّى يعطي أحدهما بالآخر و يؤخذ بذنب أحدهما الآخر،و قد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصور،فمن لطف بعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب:إلاّ من وسعت رحمته كلّ شيء،و لو رأيت تمثال الإنسان مصوّرا على حائط و قال لك قائل إنّ هذا ظهر هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أ كنت تقبل ذلك؟بل كنت تستهزئ به،فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد و لا تنكره في الإنسان الحيّ الناطق (3).
«و لم يلجئوا إلى حجّة فيما ادعوا» «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (1)
البقرة:111،و [1]النمل الانشقاق:64. [2]
.«و لا تحقيق لما أوعوا» بفتح الهمزة أي:اضمروا،قال تعالى: «وَ اللّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ» (2).
و في(توحيد المفضل):إن الشكّاك جهلوا الأسباب و المعاني في الخلقة، و قصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب:و الحكمة فيما ذرأ الباري جلّ قدسه و برأ من صنوف خلقه في البرّ و البحر و السهل و الوعر،فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود و بضعف بصائرهم الى التكذيب و العنود،حتى أنكروا خلق الأشياء و ادعوا أن تكونها بالإهمال،لا صنعة فيها و لا تقدير و لا حكمة من مدبّر و لا صانع،تعالى اللّه عمّا يصفون و قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون! فهم في ضلالهم و غيّهم و تجبرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء و أحسنه،و فرشت بأحسن الفرش و أفخره،و أعدّ فيها ضروب الأطعمة و الأشربة و الملابس و المآرب التي يحتاج إليها و لا يستغنى عنها، و وضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير و حكمة من التدبير، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا و شمالا و يطوفون بيوتها إدبارا و إقبالا،محجوبة أبصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار و ما أعدّ فيها،و ربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه،و أعدّ للحاجة إليه و هو جاهل للمعنى فيه و لما أعدّ و لما ذا جعل كذلك،فتذمّر و تسخّط و ذمّ الدار و بانيها.
فهذا حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة و ثبات الصنعة،فانّهم لما عزبت أذهانهم عن معرفة الأسباب و العلل في الأشياء
صاروا يجولون في هذا العالم حيارى!فلا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته و حسن صنعته و صواب هيئته.
و ربما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه و الارب فيه فيسرع إلى ذمّه و وصفه بالإحالة و الخطأ،كالذي أقدمت عليه المنانية-أصحاب الماني- الكفرة،و جاهرت به الملاحدة المارقة الفجرة،و أشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال (1)
توحيد المفضل:44،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و هل يكون بناء من غير بان» إشارة إلى عدم إمكان وجودهم من غير موجد.
و في توحيد المفضل:فكّر في أعضاء البدن أجمع و تدبير كلّ منها للارب،فاليدان للعلاج،و الرجلان للسعي،و العينان للاهتداء،و الفم للاغتذاء، و المعدة للهضم،و الكبد للتخليص،و المنافذ لتنفيذ الفضول،و الأوعية لحملها، و الفرج لإقامة النسل،و كذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملّتها و أعملت فكرك فيها وجدت كلّ شيء منها قد قدّر لشيء على صواب و حكمة.
فقال المفضّل له عليه السّلام:إنّ قوما يزعمون إن هذا من فعل الطبيعة، فقال عليه السّلام:سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم و قدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟فان أوجبوا لها العلم و القدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق فإن هذا صفته،و إن زعموا أنّها تفعل هذه الأفعال بغير علم و لا عمد و كان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم أنّ هذا الفعل لخالق حكيم،فإنّ الذي سمّوه طبيعة هو سنّته في خلقه الجارية على ما أجراها عليه (2).
«أو جناية» هكذا في النسخ (1)
نهج البلاغة 2:118،و شرح ابن أبي الحديد 13:56،و شرح ابن ميثم 4:131.
،و الظاهر كونه مصحّف«جنى»توهما من النساخ أن«جان»بعده من الجناية فحرّفوا «من غير جان» من«جنيت الثمرة»، إشارة إلى عدم إمكان فنائهم بغير مفن،كما في عدم إمكان وجودهم بغير موجد،فكانوا يقولون: «ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ» (2).قال تعالى: «فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (3).و أيضا لو كان فناؤهم من غير مفن،لكان الواجب ألاّ يموت أحد غير من قتل،إلا بعد خمود الحرارة الغريزية،كما لم ينهدم بناء إلاّ بعد زوال استمساك أجزائه،و لم نر أحدا وصل إلى الخمود.
هذا،و قد قال ابن أبي الحديد:«و هذه كلمة ساقته إليها القرينة،و المراد عموم الفعليّة لا خصوص الجناية،أي مستحيل أن يكون الفعل من غير الفاعل» (4).
فيقال له:هل كان عليه السّلام شاعرا اضطرته القافية،و لكن ابن أبي الحديد كما قيل بالفارسية «سخن شناس نه اى دلبرا خطا اينجا است»
.
و في(توحيد المفضّل):و ممّا ينتقده الجاحدون للعمد و التقدير الموت و الفناء،فانّهم يذهبون إلى انّه ينبغي أن يكون الناس مخلّدين في هذه الدنيا مبرّئين من هذه الآفات،فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته فينظر ما محصوله.أ فرأيت لو كان كلّ من دخل العالم و يدخله يبقون و لا يموت أحد
منهم،ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن و المزارع و المعائش؟فانّهم و الموت يفنيهم أولا فأولا يتنافسون في المساكن و المزارع،حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب و تسفك فيهم الدماء،فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون و لا يموتون؟و كان يغلب عليهم الحرص و الشره و قساوة القلوب،فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء يناله،و لا أفرج لأحد عن شيء يسأله،و لا سلا عن شيء مما يحدث عليه،ثم كانوا يملّون الحياة و كلّ شيء من امور الدنيا كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتى يتمنّى الموت و الراحة من الدنيا.
فإن قالوا:انّه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره و الأوصاب حتى لا يتمنّوا الموت و لا يشتاقوا إليه،فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه العتو و الأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا و الدين.
و إن قالوا:انّه كان ينبغي ألاّ يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن و المعائش،قيل لهم:إذن كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم و الاستمتاع بنعم اللّه تعالى و مواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلاّ قرن واحد لا يتوالدون و لا يتناسلون.
فإن قالوا:انّه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق و يخلق إلى انقضاء العالم،يقال لهم:رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن و المعائش عنهم،ثم لو كانوا لا يتوالدون و لا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالقرابات و ذوي الأرحام و الانتصار بهم عند الشدائد، و موضع تربية الأولاد و السرور بهم،ففي هذا دليل على أنّ كلّ ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ و سفه من الرأي و القول (1)
توحيد المفضل:171،و [1]النقل بتصرف يسير.
.1) 1)
«و ان شئت قلت في الجرادة» قال تعالى: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» (1)
القمر:7. [1]
.و في(حياة حيوان الدميري)-و نقله الخوئي أيضا-الجراد إذا خرج من بيضه يقال له الدبي،فإذا طلعت أجنحته و كبرت فهو الغوغاء،و ذلك حين يموج بعضه في بعض،فإذا بدت فيه الألوان و اصفرّت الذكور و اسودّت الإناث سمّي جرادا،و إذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصّلدة و الصخور الصّلبة التي لا تعمل فيها المعاول،فيضربها بذنبه فتصدع له فيلقي بيضه في ذلك الصدع فيكون له كالأفحوص و يكون حاضنا له و مربيا، و للجرادة ستّ أرجل و يدان في صدرها و قائمتان في وسطها و رجلان في مؤخّرها،و طرفا رجليها منشاران،و هو من الحيوان المنقاد لرئيسه،فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جميعه ظاعنا و إذا نزل أوّله نزل جميعه،و لعابه سمّ نافع للنبات (2).
«اذ خلق لها عينين حمراوين و أسرج لها حدقتين قمراوين» أي:بيضاوين.
«و جعل لها السمع الخفيّ» حتى لم يعلم محل سامعتها «و فتح لها الفم السوي» أي:المستوي.
«و جعل لها الحسّ القوي» الظاهر أن المراد به شمّه،و إن كان يطلق على السمع و البصر و الذوق و اللمس أيضا.
«و نابين» قال الفيروزآبادي:الناب:السن خلف الرباعية،جمعه أنياب (3)«بها تقرض» أي:تقطع.
«و منجلين» المنجل:ما يحصد به «بهما تقبض يرهبها الزرّاع في زرعهم» .
قال أعرابي-كما في(الصناعتين)-باكرنا و سمّي خلفه ولّى،فالأرض كأنّها و شي منشور عليه لؤلؤ منثور،ثم أتتنا غيوم جراد بمناجل حصاد، فاحترثت البلاد و أهلكت العباد (1)
الصناعتين:262. [1]
.و في(حياة حيوان الدميري):وقعت جرادة بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فإذا مكتوب على جناحيها بالعبرانية«نحن جند اللّه الأكبر و لنا تسع و تسعون بيضة،و لو تمت لنا المائة لأكلنا الدنيا بما فيها».
و فيه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:مكتوب على الجرادة«أنا اللّه لا إله إلا أنا ربّ الجراد و رازقها،إن شئت بعثتها رزقا لقوم،و إن شئت بعثتها بلاء على قوم» (2).
«و لا يستطيعون ذبّها» أي:دفعها.
في(حياة حيوان الدميري):قال الأصمعي:أتيت البادية فإذا أعرابي زرع برّا له،فلما قام على سوقه و جاء سنبله،أتاه رجل جراد،فجعل الرجل ينظر اليه و لا يدري كيف الحيلة فيه،فأنشأ يقول:
مرّ الجراد على زرعي فقلت له لا تأكلنّ و لا تشغل بإفساد
فقام منهم خطيب فوق سنبلة انا على سفر لا بدّ من زاد (3)
«و لو أجلبوا» أي:تجمّعوا «بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها» أي:
توثباتها و تسرعاتها «و تقضي منه شهواتها» في(بديع ابن المعتز):قال ادد بن مالك بن يزيد ابن كهلان-و هو طي-في وصيته لولده:لا تكونوا كالجراد أكل
ما وجد و أكله من وجده .
«و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة» أي:دقيقة.
في(حياة حيوان الدميري):في الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه:وجه فرس،و عينا فيل،و عنق ثور،و قرنا إيل،و صدر أسد،و بطن عقرب،و جناحا نسر،و فخذا جمل،و رجلا نعامة،و ذنب حيّة.و قد أحسن محيى الدين في وصفه:
لها فخذا بكر و ساقا نعامة و قادمتا نسر و جؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الأرض بطنا و أنعمت عليها جياد الخيل بالرأس و الفم (1)
حياة الحيوان 1:188. [1]
و في(توحيد المفضل):انظر إلى هذا الجراد ما أضعفه و أقواه،فانّك إذا تأمّلت خلقه رأيته كأضعف الأشياء،و إن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه،ألا ترى أنّ ملكا من الملوك لو جمع خيله و رجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك،أ فليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه؟انظر إليه كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل،فيغشي السهل و الجبل و البدو و الحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته،فلو كان هذا مما يصنع بالأيدي متى كان يجتمع منه هذه الكثرة و في كم سنة كان يرتفع؟فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤدها شيء و لا يكثر عليه (2).
و في(المعجم):في الجراد طير إذا طار بسط و إذا دنا من الأرض لطع، رجلاه كالمنشار و عيناه كالزجاج،عينه في جبينه و رجله أطول من قامته، جيدها كجيد البقر و رأسها كرأس الفرس و قرنها كقرن الوعل و رجلها كرجل
الجمل و بطنها كبطن الحية،تطير بأربعة أجنحة و تأكل بلسانه،فتبارك اللّه ما أحسنها و أحسن ما فيها،انهام طعام طاهر حيا و ميتا،تجدب أقواما و تخصب آخرين-يعني إذا دخلت البوادي و الفيافي و مواضع الرمال فهي خصب لهم و ميرة،و إذا حلت بمادي الزرع و الأشجار فهي جدب لأنها تأتي على الشوك و الشجر و الرطب و اليابس فلا تبقي و لا تذر! و فيه عن ابن عباس:مكتوب على جناح الجراد«إنّا نغلي الأسعار مع تدافق الأنهار» (1)
لم أجده في معجم الأدباء. [1]
.و قال بعض الخطباء:إن اللّه سبحانه خلق خلقا و سمّاها جرادا،و ألبسها أجلادا،و جنّدها أجنادا،و أدمجها إدماجا،و كساها من الوشي ديباجا،و جعل لها ذرية و أزواجا،إذا أقبلت خلتها سحابا أو عجاجا،و إذا أدبرت حسبتها قوافل و حجاجا،مزخرفة المقاديم مزبرجة المآخير،مزوقة الأطراف منقطعة الاخفاف،منمنمة الحواشي منمّقة الغواشي،ذات أردية مزعفرة و أكسية معصفرة و أخفية مخططة،معتدلة قامتها مؤتلفة خلقتها مختلفة حليتها، موصولة المفاصل مدرجة الحواصل،تسعى و تحتال و تميس و تختال و تطوف و تجتال.فتبارك خالقها و تعالى رازقها،أوسعها رزقا و أتقنها خلقا و فتق منها رتقا،و شبح أعراقها و ألجم أعناقها،و طوقها أطواقها،و قسم معائشها،و أرزاقها،تنظر شزرا من ورائها،و ترقب النازل من سمائها، و تحرس الدائر من حولها،سلاحها عتيد و بأسها شديد و مضرّتها تعديد، تدبّ على ستّ و تطير،فسبحان من خلقها خلقا عجيبا،و جعل لها من كلّ ثمر و شجر نصيبا،جعل لها إدبارا و إقبالا و طلبا و احتيالا،حتى دبّت و درجت و خرجت و دخلت و نزلت و عرجت،مع المنظر الأنيق و العصب الدقيق و البدن
1) 1)
الرقيق، «هذا خَلْقُ اللّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » .
«فتبارك الذي يسجد له من في السماوات و الأرض طوعا و كرها» الأصل فيه قوله تعالى: «وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» (1)
الرعد:15. [1]
.«و يعنو له خدا و وجها» هكذا في(المصرية)و الصواب:«و يعفّر»من عفّره في التراب:مرّغه فيه،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)، و ان كان«يعنو»صحيحا من حيث المعنى،كقوله تعالى «وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ » (3).
«و يلقي» أي:يرمي «إليه بالطاعة» هكذا في(المصرية)و الصواب:
«بالطاعة إليه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4)«سلما و ضعفا» «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» (5).
«و يعطي له القياد» أي:الانقياد «رهبة و خوفا» «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (6).
هذا،و عن المدائني:ركب يزيد النهشلي بعيرا فقال:اللّهم إنّك قلت «وَ ما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ» (7)و إنّي لبعيري هذا لمقرن،فنفر به بعيره فطرحه و بقيت رجله في الغرز،فجعل يضرب برأسه كلّ حجر و مدر حتى مات (8).
«فالطير مسخرة لأمره» «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافّاتٍ» (1)
النور:41. [1]
.في(توحيد المفضل):تأمل جسم الطائر و خلقته،فانّه حين قدر أن يكون طائرا في الجوّ خفف جسمه و أدمج خلقه و اقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين و من الأصابع الخمس على أربع و من منفذين للزبل و البول على واحد يجمعهما،ثم خلق ذا جؤجؤ محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيفما أخذ فيه،كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء و تنفذ فيه،و جعل في جناحيه و ذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران،و كسى كلّه الريش ليتداخله الهواء فيقله،و لما قدر أن يكون طعمه الحب و اللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الاسنان و خلق له منقار صلب جاسي يتناول به طعمه، فلا ينسجح من لقط الحب و لا يتقصف من نهش اللحم،و لما عدم الاسنان و صار يزدرد الحبّ و اللحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضع،و اعتبر ذلك بأن عجم العنب و غيره يخرج من أجواف الإنس صحيحا و يطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر،ثم جعل مما تبيض و لا تلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران،فانّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته و عاقته عن الطيران،فجعل كلّ شيء خلقه مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه (2).
«أحصى عدد الريش منها و النّفس» كما أحصى عدد أنفاس البشر،قال تعالى: «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» (3).
«و أرسى» أي:أثبت «قوائمها على النّدى» أي:البلل،كما في طير البحر (و اليبس) كما في طير البر .
«و قدّر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«قدر»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 13:66،و شرح ابن ميثم 4:131 نحو المصرية.
«أقواتها» حتى للفراخ في البيض و طير الليل.و في(توحيد المفضل):اعتبر بخلق البيضة و ما فيها من المخ الأصفر الخاثر و الماء الأبيض الرقيق،فبعضه ينشو منه الفرخ،و بعضه يغتذي به إلى أن تنقاب عنه البيضة،و ما في ذلك من التدبير،فانه لو كان نشو الفرخ في تلك القشرة المستحفظة التي لا مساغ لشيء إليها ما جعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها كان كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه.
و فيه:يا مفضل،أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلاّ بالليل كمثل البوم و الهام و الخفاش؟قال:لا.قال:إنّ معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض و الفراش و أشباه الجراد و اليعاسيب،و ذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع (2).
«و أحصى أجناسها» «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (3).
هذا،و في(حياة حيوان الدميري):قال بعض الحكماء:كلّ انسان مع شكله كما أن كلّ طير مع جنسه.
و كان مالك بن دينار يقول:لا يتّفق اثنان في عشرة إلاّ و في أحدهما
وصف من الآخر،فإن أشكال الناس كأجناس الطير،و لا يتفق نوعان منه في طيران إلاّ لمناسبة بينهما،فرأى يوما حمامة مع غراب،فعجب من اتفاقهما و ليسا من شكل واحد،فلما مشيا إذا هما أعرجان فقال:من هاهنا اتفقا (1)
حياة الحيوان 1:261. [1]
.«فهذا غراب» في(حياة حيوان الدميري):سمّي الغراب لسواده،و منه قوله تعالى: «وَ غَرابِيبُ سُودٌ» (2)و هما لفظان بمعنى واحد.و جمع ابن مالك صيغ جمعه في قوله:
بالغرب أجمع غرابا ثم أغربة و أغرب و غرابين و غربان
و قال الشاعر:
ان الغراب و كان يمشي مشية فيما مضى من سالف الأجيال
حسد القطاة و رام يمشي مشيها فأصابه ضرب من العقال
فأضلّ مشيته و أخطأ مشيها فلذلك سمّوه أبا المرقال
و هو أصناف:الغداف،و الزاغ،و الأكحل،و غراب الزريج،و الأورق،و هذا الصنف يحكي جميع ما يسمعه،و الأعصم-و هو عزيز الوجود،قالت العرب:
«أعز من الغراب الأعصم»و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم في مائة غراب»و غراب الليل،قال الجاحظ:هو غراب ترك أخلاق الغربان و تشبّه بأخلاق البوم.
و قال أرسطا طاليس:الغربان أربعة أجناس:أسود حالك،و أبلق، و مطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب،و أسود طاوسي براق الريش و رجلاه كلون المرجان يعرف بالزاغ.
و في الغراب كلّه الاستتار بالسفاد،يسفد مواجهة و لا يعود إلى الانثى
بعد ذلك لقلّة وفائه.و الانثى تبيض أربع بيضات و خمسا،و إذا خرجت الفراخ من البيض طردتها لأنها تخرج قبيحة المنظر جدّا،إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرءوس و المناقير جرداء اللون متفاوتة الأعضاء،فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه فيجعل اللّه قوته في الذباب و البعوض الكائن في عشّه الى أن يقوى و ينبت ريشه فيعود إليه أبواه،و على الانثى أن تحضن،و على الذكر أن يأتيها بالمطعم،و في طبع الغراب أنّه لا يتعاطى الصيد،بل ان وجد جيفة أكل منها و إلاّ مات جوعا،و يتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير،و فيه حذر شديد و تنافر.و الغداف يقاتل البوم و يخطف بيضها و يأكل بيضها،و من عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه يحمل الذكر و الانثى في أرجلهما الحجارة و يتحلقان الجو و يطرحان الحجارة عليه،و العرب تتشأم بالغراب و لذا اشتقوا من اسمه،الغربة.
و قال صاحب المجالسة:سمّي غراب البين لأنّه بان عن نوح عليه السّلام لما وجّهه لينظر إلى الماء فذهب و لم يرجع.و ذكر ابن قتيبة إنّه سمّي فاسقا فيما أرى لتخلّفه حين أرسله نوح عليه السّلام ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره و وقع على جيفة،قال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقّع و جرى ببينهم الغراب الأبقع
و قال صاحب منطق الطير:الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحلّ و الحرم من الفواسق.و قال الجاحظ:غراب البين نوعان:غراب صغير معروف باللؤم و الضعف،و آخر ينزل في دور الناس و يقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها،و يقال:إذا صاح الغراب مرّتين فهو شرّ و إذا صاح ثلاث فهو خير.
و لما كان صافي البصر حاده،سمّي أعور،قال الجاحظ:سمّوه بالأعور تطيّرا منه و ليس به عور،و قيل:إنّما سمّوه أعور تفؤلا بالسلامة منه كما
سمّوا البريّة بالمفازة و اليد الشمال باليسار،و قيل:إنّما سمّوه أعور لتغميض احدى عينيه أبدا من قوّة بصره،قاله ابن الأعرابي.
و حكى المسعودي عن بعض حكماء الفرس قال:أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتى انتهيت في ذلك إلى الكلب و الهرّة و الخنزير و الغراب،قال:
فأخذت من الكلب ألفه لأهله و ذبّه عن صاحبه،و من الهرّة حسن تأنّيها و تملقها عند المسألة،و من الخنزير بكوره في حوائجه،و من الغراب شدّة حذره.و قالوا أغرب من الغراب،و أشبه بالغراب من الغراب (1)
حياة الحيوان 2:172-179،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و هذا عقاب» قال:
عقاب عقنباة كأن وظيفها و خرطومها الأعلى بنار ملوّح
و في(حياة حيوان الدميري):و العرب تسمّي العقاب الكاسر،و هي مؤنثة اللفظ،و قيل يقع على الذكر و الانثى و تمييزه باسم الإشارة.
و في(الكامل):العقاب سيّد الطيور و الانثى منه تسمّى لقوّة،و قال الخليل:اللّقوة بالفتح و الكسر العقاب السريعة الطيران.
و تسمّى العقاب عنقاء مغرب لأنّها تأتي من مكان بعيد:فمنها ما يأوي الجبال،و منها ما يأوي الصحاري،و ما يأوي الغياض،و ما يأوي حول المدن.
و قال ابن خلّكان في(العماد الكاتب):العقاب جميعه انثى،و إنّ الذي يسافده طير آخر من غير جنسه،و قيل:إنّ الثعلب يسافده،و هذا من العجائب، و لابن عنين الشاعر في ابن سيدة:
ما أنت إلا كالعقاب فامّه معروفة و له أب مجهول
و العقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب و تحضنها ثلاثين يوما،و ما عداها من الجوارح يبيض بيضتين و يحضن عشرين يوما.فإذا خرجت فراخ
1) 1)
العقاب ألقت واحدا منها لأنّه يثقل عليها طعم الثلاث و ذلك لقلّة صيدها،و الفرخ الذي يلقيه يعطف عليه طائر آخر يسمّى كاسر العظام،و من عادة هذا الطائر أن يزقّ كل فرخ ضائع.و العقاب خفيفة الجناح سريعة الطيران،و تتغدّى بالعراق و تتعشى باليمن،و ريشها الذي عليها فروتها في الشتاء و حليتها في الصيف،و متى ثقلت عن النهوض و عميت حملتها الفراخ على ظهورها و نقلتها من مكان إلى مكان،فعند ذلك تلتمس لها غياضا من أرض الهند على رأس جبل فيغمسا فيها ثمّ تضعها في شعاع الشمس،فيسقط ريشها،و ينبت لها ريش جديد و تذهب ظلمة بصرها ثمّ تغوص في تلك العين،فإذا هي قد عادت شابة كما كانت.
قال التوحيدي:و من عجيب ما ألهمته أنّها إذا اشتكت أكبادها أكلت أكباد الأرانب و الثعالب فتبرأ،و هي تأكل الحيّات إلاّ رؤوسها و الطيور إلاّ قلوبها،قال امرؤ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا و يابسا لدى و كرها العناب و الحشف البالي
و قال طرفة:
كأن قلوب الطير في قعر عشّها نوى القسب ملقى عند بعض المآدب
و قيل لبشار:لو خيّرك اللّه أن تكون حيوانا ما ذا تختار؟قال:العقاب لأنّها تلبث حيث لا يبلغها سبع و لا ذو أربع،و تحيد عنها سباع الطير،و لا تعاني الصيد إلاّ قليلا،بل تسلب كلّ ذي صيد صيده.
و من شأنها أنّ جناحها لا يزال يخفق،قال عمرو بن حزم:
لقد ترك عفراء قلبي كأنّه جناح عقاب دائم الخفقان (1)
حياة الحيوان 2:126 و 127 و [1]النقل بتصرف يسير.
و في(عجائب المخلوقات):أنّ حجر العقاب حجر يشبه نوى(التمر
1) 1)
هندي)إذا حرّك يسمع منه صوت و إذا كسر لا يوجد فيه شيء،يوجد ذاك الحجر في عشّ العقاب و العقاب يجلبه من أرض الهند،و إذا قصد الإنسان عشّه يرمي إليه بهذا الحجر ليأخذه و يرجع،فكأنه عرف أنّ قصدهم إيّاه لخاصّيته.فمن خواصّه أنّه إذا علق على من بها عسرا لولادة تضع سريعا، و من جعله تحت لسانه يغلب الخصم (1)
عجائب المخلوقات 1:334 و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و هذا حمام» في(حياة حيوان الدميري):قال الجوهري:الحمام عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت و القماري و ساق حر و القطا و الوراشين و أشباه ذلك يقع على الذكر و الانثى.و قال الأموي:الدواجن التي تستقر في البيوت تسمّى حماما أيضا،و أنشد للعجاج:
إنّي و ربّ البلد المحرّم و القاطنات البيت عند زمزم
قواطنا مكة من ورق الحم-يريد الحمام
و عن الأصمعي:أنّ كلّ ذات طوق-أي الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة-فهي حمام.و قال الكسائي:الحمام البرّي و اليمام الذي يألف البيوت-إلى أن قال-و الحمام يقع على اليعاقيب و الشفنين و الزاغ و الورداني و الطوراني،و الذي يألف البيوت قسمان:أحدهما البرّي و هو الذي يلازم البروج و ما أشبهها،و الثاني الأهلي و منه الرواعب و المراعيش و العداد و السداد و المضرب و القلاب المنسوب و هو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل و تلك كالبراذين.
و قال الجاحظ:الفقيع من الحمام كالصقلاب من الناس،و هو الأبيض، و كان في منزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حمام أحمر يقال له وردان.
و من طبع الحمام أنّه يطلب و كره و لو أرسل من ألف فرسخ،و يحمل
1) 1)
الأخبار و يأتي بها من البلاد البعيدة في المدّة القريبة،و فيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد،و ربما اصطيد و غاب عن وطنه عشر حجج فأكثر،ثم هو على ثبات عقله حتى يجد فرصة فيطير إلى وطنه.و سباع الطير تطلبه أشدّ الطلب،و خوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره،و هو أطير منه،و من سائر الطير كلّه،لكنّه يذعر منه و يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد، و الشاة إذا رأت الذئب،و الفأر إذا رأى الهرّ.
و من عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة في عيونه عن المثنى بن زهير قال:لم أر شيئا قط من رجل و امرأة إلاّ و قد رأيته في الحمام،و رأيت حمامة لا تريد إلاّ ذكرها و ذكرا لا يريد إلاّ أنثاه إلاّ أن يهلك أحدهما أو يفقد، و رأيت حمامة تتزيّن للذكر ساعة يريدها،و رأيت حمامة تمكّن غير زوجها، و رأيت حمامة تقمط حمامة و يقال أنّها تبيض من ذلك،و لكن لا يكون لذلك البيض فراخ،و رأيت ذكرا يقمط ذكرا،و رأيت ذكرا يقمط كلّ ما لقي و لا يزاوج، و أنثى يقمطها كلّ ما رآها من الذكور و لا تزاوج،و ليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلاّ الإنسان و الحمام،و هو عفيف في السفاد يجرّ ذنبه ليعفي أثر الانثى،كأنّه قد علم ما فعلت فيجتهد في إخفائه،و قد يسفد لتمام ستّة أشهر و الانثى تحمل أربعة عشر يوما و تبيض بيضتين أحدهما ذكر و الثانية انثى،و بين الأولى و الثانية يوم و ليلة،و الذكر يجلس على البيض و يسخنه جزء من النهار و الانثى بقية النهار و كذلك في الليل،و إذا باضت الانثى و أبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذّكر و اضطرّها للدخول، و إذا أراد الذكر أن يسفد الانثى أخرج فراخه عن الوكر،و قد ألهم هذا النّوع إذا خرجت فراخه من البيض بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا و يطعمها إيّاه ليسهل
به في سبيل المطعم.و زعم ارسطو أنّ الحمام يعيش ثمان سنين (1)
حياة الحيوان 1:256-259،و [1]ما نقله من عيون ابن قتيبة 2:91،و النقل بتصرف يسير.
.فيه:و في التأريخ أن المسترشد لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوّقة،فأتاه آت فقال له:خلاصك في هذا.فقيل له:بما أوّلته؟فقال:
ببيت أبي تمام:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة من حائهن فانهنّ حمام
فقتل بعد أيام سنة(529).
و عن سفيان الثوري:كان اللعب من عمل قوم لوط.
و عن إبراهيم النخعي:من لعب بالحمام الطيّارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.
و في(مسند البزاز):إنّ اللّه تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار و أرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على فم الغار،و ان ذلك ممّا صدّ المشركين عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و إنّ حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين (2).
قلت:بل الصحيح في حمام الحرم ما رواه(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال:أصل حمام الحرم بقية حمام كان لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام اتّخذها كان يأنس بها.
و عنه عليه السّلام:لما قال له رجل بلغني أنّ عمر رأى حماما يطير و رجل تحته يعدو،فقال شيطان يعدو تحته شيطان،ما كان اسماعيل عليه السّلام عندكم؟فقيل:
صديق،فقال:إن بقية حمام الحرم من حمام إسماعيل عليه السّلام (3).
هذا،و روى عنه عليه السّلام:يستحب أن تتخذ طيرا مقصوصا تأنس به مخافة
الهوامّ.
و عنه عليه السّلام:شكا رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الوحشة،فأمره أن يتخذ في بيته زوج حمام.
و عنه عليه السّلام:ليس من بيت فيه حمام إلاّ لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجنّ،إن سفهاء الجنّ يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام و يتركون الإنسان.
و عنه عليه السّلام:احتفر أمير المؤمنين عليه السّلام بئرا فرموا فيها،فأخبر بذلك فجاء حتى وقف عليها فقال:لتكفّن أو لأسكننّها الحمام.ثم قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:ان حفيف أجنحتها تطرد الشياطين (1)
الكافي 6:546 و 548 ح 3 و 6 و [1] 5 و 17.
.و في(حياة حيوان الدميري):كان هارون يعجبه الحمام و اللعب به، فأهدي له حمام و عنده أبو البختري القاضي،فروى له أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال«لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو جناح»وضع«أو جناح»للرشيد،فأعطاه جائزة سنيّة،فلما خرج قال:تاللّه لقد علمت أنّه كذب على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
«و هذا نعام» في(الصحاح):النّعامة من الطير يذكر و يؤنث،و النّعام اسم جنس مثل حمام و حمامة (3).
و في(حياة حيوان الدميري):قال الجاحظ:و الفرس يسمّونها(أشتر مرغ)و تأويله بعير و طائر،قال:
و مثل نعامة تدعى بعيرا تعاصينا إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت فإنّي من الطير المرفّه في الوكور
و تزعم الأعراب أنّ النعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها فلذلك
سمّيت بالظليم.
و النّعام عند المتكلّمين على طبائع الحيوان ليست بطائر و ان كانت تبيض و لها جناح و ريش،و يجعلون الخفّاش طيرا و ان كان يحبل و يلد و له أذنان بارزتان و ليس له ريش لوجود الطيران فيه،و هم يسمّون الدّجاجة طيرا و ان كانت لا تطير.
و من أعاجيبها أنّها تضع بيضها طولا بحيث لو مد عليها خيط لاشتمل على قدر بيضها،و لم تجد لشيء منه خروجا عن الآخر،ثمّ أنّها تعطي كلّ بيضة منها نصيبها من الحضن إذ كان كلّ بدنها لا يشتمل على عدد بيضها، و هي تخرج لعدم الطعم،فإن وجدت بيض نعامة اخرى تحضنه و تنسى بيضها،و يضرب بها المثل في ذلك،قال ابن هرمة:
فاني و تركي الأكرمين و قدحي بكفي زنادا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء و ملبسة بيض اخرى جناحا
و يقال:إنّها تقسّم بيضتها أثلاثا،فمنه ما تحضنه و منه ما تجعل صفاره غذاء و منه ما تفتحه و يجعله في الهواء حتى يتعفن و يتولد منه دود،فتغذي به فراخها إذا خرجت.و النعام من الحيوان الذي يراوح و يعاقب الذكر الانثى في الحضن،و كلّ ذي رجلين إذا انكسرت له احداهما استعان بالاخرى في نهوضه ما خلا النّعامة فانّها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا،قال الشاعر:
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد على اختها نهضا و لا باستها حبوا
و ليس للنعام حاسة السمع و لكن له شمّ بليغ،فهو يدرك بأنفه ما يحتاج فيه إلى السمع،فربما شمّ رائحة القناص من بعد،و لذلك تقول العرب«أشمّ من نعامة»كما تقول«أشم من ذرّة».
قال ابن خالويه:ليس في الدنيا حيوان لا يسمع و لا يشرب الماء أبدا إلاّ
النعام و لا مخ له،و متى دميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية،و الضب أيضا لا يشرب و لكنه يسمع.و من حمقها أنّها إذا أدركها القنّاص أدخلت رأسها في كثيث رمل تقدّر أنّها قد استخفت منه،و هي قوية البصر على ترك الماء،و أشدّ ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح،و كلّما اشتدّ عصوفها كانت أشدّ عدوا، و يبتلع العظم الصلب و الحجر و المدر و الحديد فتذيبه كالماء.
قال الجاحظ:من زعم أنّ جوف النّعام إنّما يذهب الحجارة لفرط الحرارة فقد أخطأ،و لكن لا بد مع الحرارة من غزائر،اخر،بدليل أنّ القدر يوقد عليها الأيام و لا تذهب الحجارة،و كما ان جوف الكلب و الذئب يذيبان العظم و لا يذيبان نوى التمر،و كما أن الإبل تأكل الشوك و تقتصر عليه و إن كان شديدا كشجر ام غيلان و تلقيه روثا،و إذا أكلت الشعير ألقته صحيحا،و إذا رأت النعامة في اذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها،و النعام تبتلع الجمر فيطفئها جوفه،و لا يكون الجمر عاملا في إحراقه،و في ذلك أعجوبتان:
إحداهما:التغذّي بما لا يتغذّى به،و الثانية:الاستمراء و الهضم،و هذا غير منكر لأن السمندر يبيض و يفرخ في النار-و أعلم حمزة يوم بدر بريش نعامة.
و قالوا:«مثل النعامة لا طير و لا جمل»يضرب لمن لم يحكم له بخير و لا شرّ.
و قالوا«أروى من النعامة»لأنّها لا تشرب الماء،فإن رأته شربته عبثا.
و قالوا«ركب جناح نعامة»يضرب لمن جدّ في أمر.
و قالوا«تكلم فلان فجمع بين الأروى و النعامة»إذا تكلّم بكلمتين مختلفتين،لأن الأروى يسكن الجبال و النعامة تسكن الفيافي.
و قالوا«أحمق من نعامة»و«أجبن من نعامة».
و مرارته سمّ ساعة،و ذرقه إذا أحرق و سحق و طلي على السعفة أبرأها من وقته،و قشر بيضه إذا طرح في الخلّ بعد ما يخرج جميع ما فيه تحرّك في
الخل و زال من موضعه الى آخر،و إذا عمل من الحديد الذي يأكله و يخرج منه سكين أو سيف لم يكلّ و لم يقم له شيء (1)
حياة الحيوان 2:355-359 و [1]النقل بتصرف يسير.
،و في اللسان قال الشاعر:إن بني و قدان قوم سك مثل النّعام و النّعام صك
سك أي:صمّ (2).
«دعا كلّ طائر باسمه» الظاهر أنّه مأخوذ من قوله تعالى: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» (3).
و عن(تفسير العياشي):سئل عليه السّلام عن الآية ما ذا علّم آدم؟قال:
الأرضين و الجبال و الشعاب و الأودية.ثم نظر إلى بساط تحته فقال:و هذا البساط مما علّمه (4).
و في أصل عبد الملك بن حكيم عن الصادق عليه السّلام:اهدي للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ناحية فارس خوخ،فوضع بين يديه،فقال لأبي بكر:أي شيء هذا؟قال:ما أعرفه،ثم قال لعمر فقال ما أعرفه،ثم قال لعثمان فقال ما أعرفه،ثم قال لعليّ عليه السّلام فقال له:بأبي أنت و امّي تسمّيه أهل فارس الخوخ.فقال عمر:ما علّم عليّ ما يسمّيه أهل فارس،فوضع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده على علي و قال لعمر:إليك عنه،فإنّ اللّه تعالى قد علّمه الأسماء التي علّمها أباه آدم (5).
و الظاهر أنّ المراد بالاسم المسمّى،لقوله تعالى بعد ما مرّ:
«ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ» (6)و المراد بالمسمّى الحقائق و إلاّ فكلّ
أهل لغة يدعون طائرا باسم.
كما إنّ الظاهر أنّ المراد بقوله عليه السّلام «دعا» الإرادة بوجوده،قال تعالى:
«إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (1)
يس:82. [1]
،و ليس المراد الدعاء الظاهري كما في قوله تعالى: «ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً» (2).هذا،و في(المعجم)،لتنيس موسم يكون فيه من أنواع الطيور ما لا يكون في موضع آخر،و هي مائة و نيف و ثلاثون صنفا و هي:السلوى،القبج، المملوح،النصطفير،الزرزور،الباز الرومي،الصفري،الدبسي،البلبل،السقاء، القمري،الفاختة،النواح،الزريق،النوبي،الزاغ،الهدهد،الحسيني،الجرادي، الابلق،الراهب،الخشاف،البزين،السلسلة،در داري،الشماص،البصبص، الأخضر،الأبهق،الأزرق،الخضير،أبو الحناء،أبو كلب،أبو دنيار،وارية الليل، وارية النهار،برقع ام علي،برقع ام حبيب،الدوري،الزنجي،الشامي،شقراق، صدر النحاس،البلسطين،الستة الخضراء،الستة السوداء،الاطروش، الخرطوم،ديك الكرم،الضريس،الرقشة الحمراء،الرقشة الزرقاء،الكسر جوز،الكسر لوز،السماني،ابن المرعة،اليونسة،الوروار،الصردة،الحصية الحمراء،القبرة،المطوق،السقسق،السلار،المرغ،السكسكة،الارجوجة، الخوخة،فرد قفص،الاورث،السلونية،السهكة،البيضاء،اللبس،العروس، الوطواط،العصفور،الروب،اللفات،الجرين،القليلة،العسر،الأحمر،الأزرق، البشريز،البون،البرك،البرمسي،الحصاري،الزجاجي،البج،الحمر،الرومي، الملاعقي،البط،الصني،الغرناق،الاقرح البلوى،السطرف،البشروش،وز الفرط،أبو قلمون،أبو قير،أبو منجل،البجع الكركي،الغطاس،البلجوب،
البطميس،البجوية،الرقادة،الكروان البحري،الكروان الحرحي،القرلّي، الخروطة،الحلف،الأرميل،القلقوس،اللدد،العقعق،البوم،الورشان،القطا، الدراج،الحجل،البازي،الصردي،الصقر،الهام،الغراب،الابهق،الباشق، الشاهين،العقاب،الحداء،الرخمة،و يصل إليه طير كثير لا يعرف اسمه صغار و كبار (1)
معجم البلدان 2:52. [1]
.و يمكن أن يكون قوله «دعا كلّ طائر باسمه» من يكون اسمها حكاية صوتها،كما في القطاة فقالوا«أصدق من قطاة»لأنّها إذا صوتت عرفت، و قالوا«أنسب من قطاة»أيضا لذلك،و يقال لها لذلك الصادقة،قال أبو وجرة السعدي:
ما زلن ينسبن وهنا كلّ صادقة باتت تباشر عرما غير أزواج
و في(أمثال الميداني)في«أصدق من قطاة»الضمير في«ما زلن»راجع إلى الاتن التي وردت الماء،و معنى«ينسبن كلّ صادقة»اثارتها القطا عن أماكنها حتى قالت قطا قطا،و جعل الفعل لهن مجازا (2).
قلت:و في الفارسية يقال لها«كغا»،و هو أيضا حكاية صوته و اختلاف التعبير من اختلاف الطبع (3).و قيل في القطا«حذاء مدبرة سكاء مقبلة للماء في النحر منها نوطة عجب».قال ابن الأعرابي:قيل لها حذاء لقصر ذنبها و سكاء لأنّه لا اذن لها (4).
«و كفل له برزقه» في(توحيد المفضل):فكّر في حوصلة الطائر و ما قدر له،فان مسلك الطعام إلى القانصة ضيق،لا ينفذ فيه الطعام إلاّ قليلا قليلا،فلو
كان الطائر لا يلقط حبّة ثانية حتى تصل الاولى إلى القانصة لطال عليه،و متى كان يستوفي طعمه فإنّما يختلسه اختلاسا لشدّة الحذر،فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة،ثم تنفذه إلى القانصة على مهل.و في الحوصلة أيضا خلّة اخرى،فإنّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزقّ فراخه فيكون ردّه للطعم من قرب،أسهل عليه (1)
توحيد المفضل:116 و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و أنشأ السحاب الثقال» «وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (2).
«فأهطل» أي:تتابع و أدام «ديمها» مطرها الذي ليس فيه رعد،و لا برق،قال امرؤ القيس:
ديمة هطلاء فيها و طف طبق الأرض تحرّى و تدر (3)
«و عدد قسمها» في(توحيد المفضل):فكّر في الصحو و المطر كيف يتعاقبان على هذا العالم بما فيه صلاحه،و لو دام أحدهما عليه كان في ذلك فساده،ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفنت البقول و الخضر و استرخت أبدان الحيوان و حصر الهواء،فأحدث ضروبا من الأمراض و فسدت الطرق و المسالك!و إنّ الصحو إذا دام جفّت الأرض و احترق النبات و غيض ماء العيون و الأودية،فأضرّ ذلك بالنّاس و غلب اليبس على الهواء،فأحدث ضروبا اخرى من الأمراض،فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء و دفع كلّ واحد منهما عادية الآخر،فصلحت الأشياء و استقامت (4).
«فبلّ الأرض بعد جفوفها» بابعاد الشمس عنها و إنزال المطر عليها «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ» (1)
الأنبياء:30. [1]
.و في(توحيد المفضل):تأمّل نزول المطر على الأرض و التدبّر في ذلك، فانّه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ و ارتفع منها فيرويها،و لو كان أنّما يأتيها من بعض نواحيها لما علا المواضع المشرفة منها و يقلّ ما يزرع في الأرض.ألا ترى أنّ الذي يزرع سيحا أقل من ذلك!فالأمطار هي التي تطبق الأرض و ربما تزرع هذه البراري الواسعة و سفوح الجبال و ذراها فتغل الغلة الكثيرة،و بها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤنة سياق الماء من موضع إلى موضع و ما يجري في ذلك بينهم من التشاجر و التظالم حتى يستأثر بالماء ذوو العز و القوّة و يحرمه الضعفاء.
ثم إنّه حين قدّر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قعر الأرض فيرويها،و لو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها،ثمّ كان يحطم الزروع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب المزروع و يحيي الأرض و الزرع القائم، و في نزوله أيضا مصالح اخرى فإنّه يلين الأبدان و يجلو كدر الهواء،فيرتفع الوباء الحادث من ذلك و يغسل ما يسقط على الشجر و الزرع من الداء المسمّى باليرقان الى أشباه هذا من المنافع (2).
«و أخرج نبتها بعد جدوبها» أي:قحطها.
و في(توحيد المفضل):و لو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته
قناطير من ذهب و فضة،ألم يكن سيعظم عندهم و يذهب له به الصوت،فأين هذا من مطرة رواء يعمّ به البلاد و يزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب و الفضة في أقاليم الأرض كلّها،أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها و أعظم النعمة على الناس فيها و هم عنها ساهون،و ربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيتذمر و يسخط ايثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جميلا محمود العاقبة و قلّة معرفة لعظيم الغناء و المنفعة فيها (1)
المصدر السابق. [1]
.1) 1)
الخطبة(77)
و من كلام له عليه السّلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج،فقال له:يا أمير المؤمنين،إن سرت في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.فقال عليه السّلام:
أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ- الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ- وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ- فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ؟الْقُرْآنَ؟- وَ اسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ- فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ- وَ تَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ- أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ- لِأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ- الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَ أَمِنَ الضُّرَّ ثم أقبل ع على الناس فقال أَيُّهَا النَّاسُ- إِيَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلاَّ مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ- فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ- وَ الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ
كَالْكَافِرِ- وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ قال الخوئي 2الخوئي-منهاج البراعة-ج 2 ص 215 تا 218 :مستند هذا الكلام روي مختلفا،منها قول ابن أبي الحديد 1/1ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-شرح خطبة(36)ج 2 ص 269 في خطبة(36):روى ابن ديزيل 2/1ابن ديزيل-كتاب ابن ديزيل- قال:عزم عليّ عليه السّلام على الخروج من الكوفة الى الحرورية،و كان في أصحابه منجم،فقال له:لا تسر في هذه الساعة،و سر على ثلاث ساعات مضين من النهار،فانّك ان سرت في هذه الساعة أصابك و أصاب أصحابك أذى و ضرر شديد،و ان سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت بمطلوبك و ظهرت و أصبت ما طلبت.فقال له علي عليه السّلام:أ تدري ما في بطن فرسي هذه أ ذكر هو أم انثى؟قال:ان حسبت علمت.فقال:من صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن،قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ» (1)
:34.
.ثم قال:ان محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما كان يدّعي علم ما ادّعيت علمه،أ تزعم انّك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها و صرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها،فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون اللّه ضدّا و ندا،اللّهم لا طير إلاّ طيرك و لا ضير إلاّ ضيرك و لا إله غيرك.ثم قال:نخالف و نسير في الساعة التي نهيتنا عنها.
ثم أقبل على الناس و قال:أيّها الناس إيّاكم و تعلّم النجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر و البحر،إنما المنجم كالكاهن و الكاهن كالكافر و الكافر في النار،أما و اللّه لئن بلغني انك تعمل بالنجوم لأخلدنك في السجن أبدا ما بقيت و لأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان.
ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر،ثم قال:لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجّم لقال الناس سار في تلك الساعة فظفر لقمان
1) 1)
و ظهر،أما انّه ما كان لمحمّد منجّم و لا لنا من بعده حتى فتح اللّه علينا بلاد كسرى و قيصر،أيّها الناس توكلوا على اللّه وثقوا به فانّه يكفي ممّن سواه.
قال:و منها ما في( البحار 1/1-بحار الأنوار-ج 58 ص 223 ح 4 )عن( مجالس 2/1الشيخ الصدوق-أمالي-ص 338 ح 16 المجلس 64 الصدوق)و عن( نجوم 2/1ابن طاوس-نجوم- ابن طاوس)عن( عيون جواهر 3/1الشيخ الصدوق-عيون الجواهر- الصدوق)باسناده عن نصر بن مزاحم 4/1نصر بن مزاحم-كتاب نصر بن مزاحم- باسناده عن عبد اللّه بن عوف قال:لمّا أراد أمير المؤمنين عليه السّلام المسير الى النهروان أتاه منجم فقال له:لا تسر في هذه الساعة و سر في ثلاث ساعات مضين من النهار.فقال عليه السّلام:و لم ذلك؟قال:لأنّك ان سرت في هذه الساعة أصابك و أصاب أصحابك أذى و ضرّ شديد،و ان سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت و ظهرت و أصبت ما طلبت فقال عليه السّلام له:أ تدري ما في بطن هذه الدابة أ ذكر أم انثى؟قال:ان حسبت علمت.قال عليه السّلام:من صدّقك على هذا القول كذّب بالقرآن،قال تعالى «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (1)
لقمان:34. [1]
ما كان محمّد يدّعي ما ادّعيت،أ تزعم انّك تهدي الى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء،و الساعة التي من سار فيها حاق به الضر،و من صدّقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة باللّه عزّ و جلّ في ذلك الوجه و أحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه و ينبغي له أن يوليك الحمد دون ربه عز و جل، فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون اللّه ضدّا و ندا.ثم قال:اللهمّ لا طير إلاّ طيرك و لا ضير إلاّ ضيرك و لا خير إلاّ خيرك،بل نكذّبك و نخالفك و نسير في الساعة التي نهيت عنها.
قال:و منها ما فيه و في الاحتجاج 1-الاحتجاج-ج 1 ص 239 عن سعيد بن جبير قال:استقبل أمير المؤمنين عليه السّلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له عليه السّلام بعد التهنئة:تناحست
1) 1)
النجوم الطالعات و تناحست السعود بالنحوس،و إذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء،و يومك هذا صعب قد انقلب فيه كوكبان و انقدحت من برجك النيران و ليس الحرب لك بمكان.
فقال عليه السّلام:ويحك يا دهقان المنبّئ بالآثار المحذّر من الأقدار،ما قصّة صاحب الميزان و قصّة صاحب السرطان،و كم المطالع من الأسد و الساعات من المحركات،و كم بين السراري و الدراري؟قال:سأنظر-و أو ما بيده الى كمه و أخرج منه اسطرلابا ينظر فيه-فتبسم عليه السّلام و قال:أ تدري ما حدث البارحة؟وقع بيت بالصين،و انفرج برج ماجين،و سقط سور سرنديب، و انهزم بطريق الروم بأرمينية،و فقد ديان اليهود بأيلة،و هاج النمل بوادي النمل،و هلك ملك إفريقية،أ كنت عالما بهذا؟قال:لا.فقال عليه السّلام:البارحة سعد سبعون ألف عالم،و ولد في كلّ عالم سبعون ألفا،و الليلة يموت مثلهم و هذا منهم و أو ما بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي-و كان جاسوسا للخوارج في عسكره-فظن انّه يقول خذوه فأخذ بنفسه فمات.
فخر الدهقان ساجدا فقال عليه السّلام:ألم أروك من عين التوفيق؟قال:بلى.
قال:أنا و صاحبي لا شرقي و لا غربي،نحن ناشئة القطب و أعلام الفلك،أما قولك«انقدحت من برجك النيران»فكان الواجب أن تحكم به لي لا علي،أما نوره و ضياؤه فعندي و أما حريقه و لهيبه فذهب عنّي،فهذه مسألة عميقة أحسبها ان كنت حاسبا.
قال:و فيه عن ابن رستم الطبري 2/1ابن رستم الطبري-كتاب ابن رستم الطبري- مسندا عن قيس بن سعد قال:كنت كثيرا اساير أمير المؤمنين عليه السّلام إذا سار إلى وجه من الوجوه،فلما قصد أهل النهروان و صرنا بالمدائن خرج اليه قوم من دهاقينهم معهم براذين قد جاءوا بها هدية إليه فقبلها،و كان فيمن تلقاه دهقان يدعى سر سفيل و كانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى،فلما بصر به عليه السّلام قال له:لترجع عمّا قصدت.قال:
و لم؟قال:تناحست النجوم الطوالع،فنحس أصحاب السعود و سعد أصحاب النحوس،و لزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاختفاء و الجلوس،و ان يومك هذا مميت قد اقترن فيه كوكبان قتالان،و شرف فيه بهرام في برج الميزان، و انقدحت من برجك النيران،و ليس الحرب لك بمكان.
فتبسم عليه السّلام و قال:أيها الدهقان المنبّئ بالأخبار و المحذر من الأقدار،ما نزل البارحة في آخر الميزان و أي نجم حل في السرطان؟قال:سأنظر ذلك و أخرج من كمّه اسطرلابا و تقويما.فقال عليه السّلام:أنت مسيّر الجاريات؟قال:لا.
قال:فأنت تقضي على الثابتات؟قال:لا.قال:فأخبرني عن طول الأسد و تباعده عن الطوالع و المراجع و ما للزهرة من التوابع و الجوامع.قال:لا علم لي بذلك.
قال:فما بين السراري الى الدراري،و ما بين الساعات إلى المعجزات،و كم قدر شعاع المبدرات،و كم يحصل الفجر من الغدوات؟قال:لا علم لي بذلك.
قال:فهل علمت أن الملك انتقل اليوم من بيت الى بيت بالصين،و انقلب برج ماجين،و احترق دور بالزنج،و طفح جب سرنديب،و تهدّم حصن الأندلس،و هاج نمل الشح،و انهزم مراق الهندي،و فقد ديان اليهود بأيلة، و هزم بطريق الروم برومية،و عمي راهب عمورية،و سقطت شرفات القسطنطينية،أ فعالم أنت بهذه الحوادث و ما الذي أحدثها شرقيها أو غربيها من الفلك؟قال:لا علم لي بذلك.
قال:و بأي الكواكب تقضي في أعلى القطب و بأيّها تنحس من تنحس.
قال:لا علم لي بذلك.قال:فهل علمت أنّه سعد اليوم اثنان و سبعون عالما في كلّ عالم سبعون عالما منهم في البر و منهم في البحر و بعض في الجبال و بعض في الغياض و بعض في العمران و ما الذي أسعدهم.قال:لا علم لي بذلك.
قال:يا دهقان أظنّك حكمت على اقتران المشتري و زحل لما استنارا لك
في الغسق،و ظهر تلألؤ شعاع المريخ و تشريقه في السحر،و قد سار فاتصل جرمه بجرم تربيع القمر،و ذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلّهم يولدون اليوم و الليلة و يموت مثلهم و يموت هذا-و أشار الى جاسوس في عسكره لمعاوية-فإنّه منهم.فلما قال عليه السّلام ذلك ظن الرجل انّه قال خذوه،فأخذ شيء بقلبه فمات لوقته.فقال عليه السّلام:ألم أرك عين التقدير في غاية التصوير؟ قال:بلى أنا و صحبي هؤلاء لا شرقيون و لا غربيون،انما نحن ناشئة القطب، و ما زعمت انه انقدح البارحة من برجي النيران فقد كان يجب أن تحكم لي به لأن نوره و ضياءه عنده و لهبه ذاهب عنه،يا دهقان هذه قصة عجيبة فاحسبها و ولدها ان كنت عالما بالأكوار و الأدوار.فقال:لو علمت ذلك لعلمت تحصى عقود القصب في هذه الأجمة.
و مضى عليه السّلام فهزم أهل النهروان فقال الدهقان:ليس هذا العلم مما في أيدي زماننا،هذا علم مادته في السماء (1)
نقله الخوئي في شرحه 2:215-218،و ما عن ابن أبي الحديد في شرحه 2:269 و ما عن أمالي الصدوق ففيه: 338 ح 16 المجلس 64،و ما عن فرج المهموم [1]ففيه:57،و رواه في بحار الأنوار 58:223 ح 4،و [2]ما عن الاحتجاج ففيه 1:239،و ما عن ابن رستم الطبري فرواه عنه في فرج المهموم:102. [3]
.قلت:الأصل في الأولين واحد،و في الأخيرين واحد،و انما مستند العنوان الأولان دون الأخيرين،فانّهما و ان تضمنا نهي منجم له عليه السّلام عن السير لما أراد النهروان،لكن مضمونهما غير مضمونه،كما لا يخفى.
و مما هو مستنده غير ما مر ما رواه سبط ابن الجوزي في تذكرته سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 158 عن عكرمة عن ابن عباس و عن الشعبي عن أبي أراكة ان أمير المؤمنين عليه السّلام لما انصرف من الأنبار أو الكوفة لقتال الخوارج بالنهروان كان معه مسافر بن عوف ابن الأحمر-و كان ينظر في النجوم-فقال لعليّ عليه السّلام:لا تسر في هذه
1) 1)
الساعة و سر في ثلاث ساعات من النهار.قال:و لم؟قال:لأنّك ان سرت الساعة أصابك و من معك بلاء و شدّة،و ان سرت في الساعة الثالثة ظفرت.
فقال عليه السّلام:اللّه لا إله إلاّ هو و على اللّه فليتوكل المؤمنون،قال اللّه تعالى لنبيّه:
«قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ» (1)
الأعراف:188. [1]
و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:من صدّق منجما أو كاهنا فكأنما كذّب ما انزل على محمّد-و في رواية فقد كفر -و سمعته يقول انما أخاف على امتي اثنين التصديق بالنجوم و التكذيب بالقدر.
إلى أن قال:من صدقك بهذا القول كذّب بالقرآن،قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ» (2)،و ما كان محمّد يدّعي ما ادّعيت علمه،فمن صدقك في قولك كان كمن اتخذ من دون اللّه اندادا،اللّهمّ لا طائر إلاّ طائرك و لا خير إلاّ من عندك و لا إله غيرك.
ثم قال:يا ابن الأحمر نكذّبك و نخالفك و نسير في الساعة التي نهيت عنها،ثم أقبل على الناس و قال:إيّاكم و تعلّم النجوم إلاّ ما تهتدون به في ظلمات البر و البحر،المنجم كافر و الكافر في النار،يا ابن الأحمر و اللّه لئن بلغني انّك بعدها تنظر في النجوم و تعمل فيها لأجلدنّك جلد المفتري، و لأخلدنك في الحبس ما بقيت و بقيت،و لأحرمنك العطاء ما عشت و كان لي سلطان.ثم سار عليه السّلام في الساعة التي نهاه عن السير فيها فظفر بالخوارج و أبادهم.
ثم قال:فتحنا بلاد كسرى و قيصر و تبّع و حمير و جميع البلدان بغير
قول منجم،أيّها الناس توكّلوا على اللّه و اتقوه و اعتمدوا عليه،ألا ترون انّه لو سرنا في الساعة التي أشار إليها المنجم لقال الناس انما ظفرنا بقول المنجم، فثقوا باللّه و اعلموا أن هذه النجوم مصابيح جعلت زينة،و رجوما للشياطين، و يهتدى بها في ظلمات البر و البحر،و المنجمون أضداد الرسل يكذبون بما جاءوا به من عند اللّه لا يرجعون إلى قرآن و لا شرع،انما يتسترون بالإسلام ظاهرا و يستهزؤن بالنبيين باطنا،فهم الذين قال اللّه فيهم: «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» (1)
يوسف:106. [1]
.و في رواية:ان ابن احمر قال له عليه السّلام:لا تسر في هذه الساعة.قال:و لم؟ قال:لأن القمر في العقرب.فقال عليه السّلام:قمرنا أو قمرهم (2).
و في(أنساب البلاذري):في مسيره عليه السّلام إلى النهروان و أتاه مسافر بن عفيف الأزدي،فقال:لا تسر في هذه الساعة.فقال له:و لم،أ تدري ما في بطن هذه الفرس؟قال:ان نظرت علمت.فقال عليه السّلام:ان من صدّقك في هذا القول يكذّب بكتاب اللّه،لأن اللّه يقول في كتابه «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (3).و تكلّم في ذلك بكلام كثير-و قال:لئن بلغني انّك تنظر في النجوم لأخلدنك في الحبس ما دام لي سلطان،فو اللّه ما كان محمّد بمنجم و لا كاهن (4).
قول المصنف:(و من كلام له عليه السّلام قاله لبعض أصحابه)قد عرفت من رواية سبط ابن الجوزي انّه كان مسافر بن عوف بن احمر،و مقتضى رواية
المبرد الآتية انّه كان عفيف بن قيس،فلا بد أن أحدهما تصحيف.
(لما عزم عليه السّلام على المسير الى الخوارج)قد عرفت من رواية كتابي الصدوق و رواية(تذكرة سبط ابن الجوزي):ان ذلك كان في مسيره عليه السّلام الى خوارج النهروان،و مثلها رواية الطبري الآتية.
و روى(كامل المبرد):انّه كان في مسيره عليه السّلام الى خوارج النخيلة،فقال:
لما أراد علي المسير الى خوارج النخيلة بعد النهروان-و كانوا قد فارقوا عبد اللّه بن وهب و لجئوا و أقاموا بالكوفة معتزلين ثم ندموا على فراق اخوانهم فسار عليه السّلام إليهم،فقال له عفيف بن قيس:لا تخرج في هذه الساعة فانّها ساعة نحس لعدوّك عليك.فقال عليه السّلام له:توكلت على اللّه وحده و عصيت رأي كلّ متكهن أنت تزعم انّك تعرف وقت الظفر من وقت الخذلان،انّي توكلت على اللّه ربي و ربّكم،ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها،ان ربي على صراط مستقيم.ثم سار إليهم فطحنهم جميعا و لم يفلت منهم إلاّ خمسة المستورد من سعد بن زيد مناة و ابن جوين الطائي و فروة بن شريك الأشجعي،و هم الذين ذكرهم الحسن البصري،فقال:دعاهم إلى دين اللّه فجعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و استكبروا استكبارا،فسار اليهم أبو الحسن فطحنهم طحنا،و فيهم يقول عمران بن حطان:
اني أدين بما دان الشراة به يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
و قال الحميري يعارض هذا المذهب:
اني أدين بما دان الوصي به يوم النخيلة من قتل المحلينا
و بالذي دان يوم النهروان به و شاركت كفّه كفّي بصفينا
تلك الدماء معا يا رب في عنقي و مثلها فاسقني آمين آمينا (1)
كامل المبرد 7:175. [1]
1) 1)
(فقال له:يا أمير المؤمنين ان سرت في هذا الوقت خشيت)هكذا في المصرية و ابن أبي الحديد و زاد ابن ميثم(عليك) (1)
ليست هناك زيادة في شرح ابن أبي الحديد 6:199 و [1]لا في شرح ابن ميثم 2:215.
.(ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم)في(روضة الكافي)عن هشام الخفاف قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام:كيف بصرك بالنجوم؟فقلت:ما خلّفت بالعراق أبصر بالنجوم منّي.قال:كيف دوران الفلك عندكم؟فأخذت قلنسوتي من رأسي فأدرتها و قلت:هكذا.فقال:لو كان الأمر كما تقول فما بال بنات النعش و الجدي و الفرقدين لا تدور يوما من الدهر في القبلة؟قلت:هذا و اللّه شيء لا أعرفه و لا سمعته.فقال:كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟فقلت:و هذا نجم ما عرفته و لا سمعته.فقال:سبحان اللّه،فأسقطتم نجما بأسره،فعلى ما تحسبون؟ثم قال:فكم الزهرة من القمر جزءا في ضوئه؟قلت:هذا شيء لا يعلمه إلاّ اللّه.قال:فكم القمر جزءا من الشمس في ضوئها؟قلت:ما أعرف هذا.قال:صدقت.ثم قال:ما بال العسكرين يلتقيان، في هذا حاسب،فيحسب هذا لصاحبه بالظفر،و ذاك لصاحبه،ثم يهزم أحدهما الآخر،فأين كانت النحوس؟فقلت:لا أعلم.قال:صدقت.ان أصل الحساب حق، و لكن لا يعلم ذلك إلاّ من علم مواليد الخلق (2).
(فقال عليه السّلام)هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)و لكن في(ابن ميثم) (فقال له ) (3).
«أ تزعم انّك تهدي الى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء» في السير:لما حاصر المعتصم عمورية قال المنجمون له:انّا نجد في كتبنا ان
هذه المدينة لا تفتح إلاّ في وقت أدراك التين و العنب،و بيننا و بين ذلك الوقت أشهر،و يمنعك من المقام البرد و الثلج،فأبى ان ينصرف،و اكبّ عليها حتى فتحها،فأبطل ما قالوا،و في ذلك يقول أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحد بين الجد و اللعب
يا يوم وقعة عمورية انصرفت عنك المنى معسولة الحلب
و قال أيضا:
أين الرواية أو أين النجوم و ما صاغوه من زخرف فيها و من كذب
و في صلة(تاريخ الطبري):خالف خالد بن محمد الشعراني المعروف بأبي يزيد و اجتمع له نحو عشرة آلاف فارس و راجل،فكتب المقتدر الى بدر الحمامي في انفاذ جيش إليه،فكتب بدر إليه قبل انفاذ الجيش يرغّبه في الطاعة و خوّفه و بال المعصية،فأجابه في طالعي كوكب بيباني لا بد أن يبلغني غاية ما اريد،فأنفذ بدر جيشا إليه و اخذ أسيرا فقيل فيه:
يا أبا يزيد قائل البهتان لا تغترر بالكوكب البيباني
و اعلم بأن القتل غاية جاهل باع الهدى بالغي و العصيان (1)
صلة تاريخ الطبري:42.
«و تخوّف من الساعة» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)و لكن في (ابن ميثم و الخطية)(الساعة) (2).
«التي من سار فيها حاق» أي:أحاط «به الضرّ» في(المروج)-في حرب عبد الملك و مصعب-كان مع عبد الملك منجم،و قد التقى مقدمة مصعب،و عليها إبراهيم ابن الاشتر،و مقدمة عبد الملك،و عليها أخوه محمد بن مروان،فأشار المنجم على عبد الملك ألا يحارب له خيل في ذلك اليوم فإنّه منحوس،و ليكن
حربه بعد ثلاث أيّام،فبعث عبد الملك إلى أخيه ألا يقاتل في ذاك اليوم،فقال أخوه:انا لا التفت إلى زخاريف منجمك،و قاتل و ظفر (1)
مروج الذهب 3:106. [1]
.و في(تاريخ الطبري):لما اعتل الواثق علّته التي مات فيها و سقي بطنه أمر بإحضار المنجمين،فأحضروا و فيهم الحسن بن الفضل،و الفضل بن إسحاق الهاشمي،و إسماعيل بن نوبخت،و محمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلي،و سند صاحب محمد بن الهيثم،و عامة من ينظر في النجوم،فنظروا في علّته و نجمه و مولده،فقالوا يعيش دهرا طويلا و قدروا له خمسين سنة مستقبلة،فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات.
و عولج بالإقعاد في التنور مسخنا،فوجد لذلك خفة،فأمرهم بزيادة الاسخان في الغد و قعد فيه أكثر،فحمى عليه،فاخرج و صير في محفة، فضربت بوجهه،فعلموا انّه مات (2).
«فمن صدق بهذا» هكذا في(المصرية)و الصواب:(صدقك)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«فقد كذّب القرآن و استغنى عن الاعانة» هكذا في(المصرية)و الصواب:
(الاستعانة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«باللّه في نيل المحبوب و دفع المكروه» و القرآن يقول: «وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
في(تاريخ الطبري):كان المنجمون في سنة(284)يوعدون الناس
بغرق أكثر الأقاليم،و ان اقليم بابل لا يسلم منه إلاّ اليسير لكثرة الأمطار و زيادة الأنهار و العيون و الآبار،فقحط فيها الناس،فلم يروا المطر إلاّ يسيرا، و غارت الأنهار و العيون و الآبار حتى احتاج الناس الى الاستسقاء،فاستسقوا ببغداد مرّات (1)
تاريخ الطبري 8:192،سنة 284. [1]
.و في الجزري:كان المنجمون قديما و حديثا حكموا ان في سنة(582) تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان و يحدث باقترانها رياح شديدة،فلم يكن لذلك صحّة و لم يهبّ من الرياح شيء حتى ان الغلات،الحنطة و الشعير تأخر نجازها لعدم هواء يذري به الفلاحون.و نقله القفطي و قال:قالوا باجتماع الكواكب السبعة و في رأسهم أبو الفضل الخازمي،و زاد أن الشعراء أكثروا في ذمّهم،و منها قول الواسطي:
قل لأبي الفضل قول معترف مضى جمادى و جاءنا رجب
و ما جرت زعزع كما حكموا و لا بدا كوكب له ذنب
كلا و لا اظلمت ذكاء و لا أبدت أذى من ورائها الشهب
فارم بتقويمك الفرات و الاسطر لاب خير من صفرة الخشب
فليبطل المدعون ما وصفوا في كتبهم و لتحرق الكتب (2)
و فيه قتل أبو طالب السميري وزير محمود السلجوقي في سنة(516) و كان برز مع السلطان ليسير الى همدان،فدخل الحمام و كان المنجمون يأخذون له الطالع ليخرج،فقالوا هذا وقت جيد و ان تأخر يفوت طالع السعد، فأسرع و ركب و أراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع،فخرج و خرج بين يديه الرجّالة و الخيّالة و هو في موكب عظيم،فاجتاز في منفذ ضيق فيه حظائر
الشوك،فتقدّم أصحابه لضيق الموضع،فوثب عليه باطني و ضربه بسكين فوقعت في البغلة و هرب و تبعه الغلمان فخلا الموضع،فظهر آخر و ضربه بسكين في خاصرته و جذبه عن البغلة و ضربه عدّة ضربات،و عاد أصحاب الوزير و قد ذبح مثل الشاة،فحمل قتيلا و به نيف و ثلاثون جراحة و انتهب ماله و أخذ السلطان خزانته،و كانت زوجته قد خرجت في هذا اليوم في موكب كبير في نحو مائة جارية و جمع من الخدم و الجميع بمراكب الذهب،فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات و قد تبدلن بالعزّ هوانا و بالمسرّة أحزانا، فسبحان من لا يزول ملكه،و كان ظالما كثير المصادرة للناس سيئ السيرة (1)
كامل ابن الأثير 10:601،سنة 516. [1]
.«و تبتغي» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و ينبغي)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«في قولك للعامل بأمرك ان يوليك الحمد دون ربه لأنّك بزعمك أنت هديته الى الساعة التي نال فيها النفع و أمن الضر» في(الاحتجاج):عن هشام بن الحكم ان زنديقا قال لأبي عبد اللّه عليه السّلام:ما تقول في علم النجوم.فقال:هو علم قلّت منافعه و كثرت مضاره،ان أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء، و ان أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله،و ان حدث به سوء لم يمكنه صرفه، و المنجم يضاد اللّه في علمه يزعم انّه يرد قضاء اللّه عن خلقه (3).
و عن(استخارات ابن طاوس)عن كتاب محمد بن علي بن محمد ممّا يدعو الصادق عليه السّلام:اللّهم انّك خلقت أقواما يلجئون إلى مطالع النجوم لأوقات
حركاتهم و سكونهم،و خلقتني ابرأ إليك من اللجأ إليهم و من طلب الاختيارات بها،و أيقن انّك لم تطلع أحدا على غيبك في مواقعها و لم تسهل له السبيل الى تحصيل أفاعيلها،و انّك قادر على نقلها في مداراتها عن السعود العامة و الخاصة الى النحوس و عن النحوس الشاملة المضرّة الى السعود لأنّك تمحو ما تشاء و تثبت و عندك أم الكتاب،و ما أسعدت من اعتمد على مخلوق مثله و استبد الاختيار لنفسه و لا اشقيت من اعتمد على الخالق الذي أنت (1)
نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار 58:228 ح 12 و [1]النقل بتلخيص.
.هذا،و في(بلدان الحموي):خرج عروة الصعاليك و أصحابه الى خيبر يمتارون منها،فعشّروا خوفا من وباء خيبر،و أبى عروة أن يعشر- و التعشير نهاق الحمير،و كانوا إذا خافوا وباء مدينة أرادوا دخولها وقفوا على بابها و عشروا كالحمير-فدخلوا و امتاروا و رجعوا،فلما بلغوا الى روضة الأجداد ماتوا إلا عروة فقال:
و قالوا أحب و انهق لا تضرّك خيبر و ذلك من دين اليهود و لوع
لعمري لئن عشرت من خشية الردى نهاق الحمير انني لجزوع
فلا و ألت تلك النفوس و لا أتت على روضة الأجداد و هي جميع (2)
و قال امية بن أبي الصلت و جمع آخر:
عبادك يخطئون و أنت رب بكفيك المنايا و الحتوم
و لا انثنى عن طيره عن مريرة إذا الأخطب الداعي على الدوح صرصرا (3)
لا يعلم المرء ما تصبحه إلا كواذب مما يخبر الفال
و الفال و الزجر و الكهّان كلّهم مضللون و دون الغيب اقفال
إني بأحكام النجوم مكذّب و لمدّعيها لائم و مؤنب
الغيب يعلمه المهيمن وحده و عن الخلائق أجمعين مغيّب
اللّه يعطي و هو يمنع قادرا فمن المنجم ويحه و الكوكب
لست أدري و لا المنجم يدري ما يريد القضاء بالانسان
غير انّي أقول قول محقّ و أرى الغيب فيه مثل العيان
ان من كان محسنا قابلته بجميل عواقب الاحسان
يا من يقدّر أن الدهر ينصره بكوكب عاجز،باللّه فانتصر
لا تشركن برب العرش تجهله كواكبا كلّها تجري على قدر
عطارد زهرة و الشمس مع زحل كالمشتري الفرد و المريخ كالقمر
و لقد غدوت-و كنت لا أغدو على واق و حاتم (1)
قال الشارح في الهامش:الواقي الصرد،و حاتم الغراب الأسود.
فإذا الاشائم كالايامن و الأيامن كالأشائم
و كذاك لا خير و لا شرّ على أحد بدائم
«ثم أقبل عليه السّلام على الناس فقال:أيّها النّاس إيّاكم و تعلّم النجوم» .
في(ادباء الحموي):كان بكركر من نواحي العقص ضيعة نفيسة لعليّ بن يحيى المنجم،و قصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة يسمّيها خزانة الحكمة، يقصدها الناس من كلّ بلد،فيقيمون فيها،و يتعلّمون منها صنوف العلم، و النفقة في ذلك من ماله،فقدم أبو معشر المنجم من خراسان يريد الحجّ،و هو إذ ذاك لا يحسن كبير شيء من النجوم،فوصفت له الخزانة،فمضى إليها،فلما رآها هاله أمرها،فأقام بها،و أضرب عن الحجّ،و تعلّم فيها علم النجوم،و أغرق فيه حتى ألحد،و كان ذلك آخر عهده بالحجّ و بالدين و الإسلام .
«إلاّ ما يهتدى به في بر أو بحر» «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ » (2).
«فانها تدعو إلى الكهانة» في(الاستيعاب):كان سواد بن قارب الدوسي أو السدوسي يتكهن في الجاهلية،ثم أسلم،و قال له عمر يوما:ما فعلت كهانتك يا سواد؟فغضب و قال:ما كنّا عليه نحن و أنت يا عمر من جهلنا،
و كفرنا شر منه،فمالك تعيّرني بشيء تبت منه (1)
الاستيعاب 2:123. [1]
.و في(النهاية):الكاهن:الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان و يدّعي معرفة الأسرار،و قد كان في العرب كهنة كشقّ و سطيح، فمنهم من يزعم ان له تابعا من الجن يلقي إليه الأخبار،و منهم من يزعم أنه يعرف الامور بمقدّمات أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من يسأله أو حاله أو فعله،و هذا يخصونه باسم العرّاف كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق و مكان الضالة و نحوهما،و كان يقال لقريظة و النضير الكاهنان و هما قبيلا اليهود بالمدينة،و هم أهل كتاب و فهم و علم،و العرب تسمّي كلّ من يتعاطى علما دقيقا كاهنا،و منهم من كان يسمّى المنجم و الطبيب كاهنا (2).
هذا،و في(سنن أبي داود):كان اسامة أسود و زيد أبيض،و روى عن عائشة قالت:دخل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مسرورا و قال:ألم تر ان مجزّزا المدلجي رأى زيدا و أسامة قد غطيا رأسيهما بقطيفة و بدت أقدامهما،فقال:ان هذه الأقدام بعضها من بعض (3).
«و المنجم» هكذا في(المصرية)و الصواب:(النجم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (4).
و في(المروج):ذكر محمد بن علي العبدي الخراساني أن القاهر قال له:
أنت علاّمة بأخبار بني العباس،فأخبرني عن المنصور.فقال:كان أوّل خليفة قرّب المنجمين،و عمل بأحكام النجوم،و كان معه نوبخت المجوسي المنجم، و أسلم على يديه،و هو أبو هؤلاء النوبختية،و كان معه إبراهيم الفزاري
المنجم صاحب القصيدة في النجوم،و غير ذلك من علوم النجوم و هيئة الفلك، و كان معه علي بن عيسى الاسطرلابي المنجم.
إلى أن قال:ثم أفضى الأمر إلى المأمون،فكان في بدء أمره لما غلب عليه الفضل بن سهل و غيره يستعمل النظر في النجوم و قضاياها،و ينقاد إلى موجباتها،و يذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك، و اجتهد في قراءة الكتب القديمة،و أمعن في درسها،و واظب على قراءتها، و بلغ درايتها،فلما كان من الفضل بن سهل ما اشتهر،و قدم العراق،انصرف عن ذلك كلّه،و أظهر القول بالتوحيد،و الوعد و الوعيد،و جالس المتكلّمين، و قرّب إليه كثيرا من الجدليين و النظارين،كأبي الهذيل،و النظام،و غيرهما، و ألزم مجلسه الفقهاء،و أهل المعرفة من الأدباء (1)
مروج الذهب 4:222-227. [1]
.«كالكاهن» في(المروج):كان سطيح الكاهن-و هو من غسان-يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب لأعظم فيه،إلاّ جمجمة الرأس،و كانت إذا لمست باليد يلين عظمها،و كان شقّ الكاهن-و كان من ربيعة-في عصره،و كذلك كان سمقلة و زوبعة الكاهنان في عصر واحد (2)،و قالوا:يقال لقريظة و النضير الكاهنان.
و في(تشريف علي ابن طاوس)نقلا من(مجموع محمّد بن الحسين المرزبان)بعد ذكر ان طريفة بنت الخير من أهل ردمان زوجة عمران بن عامر أخي عمرو بن عامر رأت في منامها ان مأرب يخرب بالغرق،فأتى عليهم السيل العرم-قال:و طريفة هذه لمّا حضرتها الوفاة تفلت في فم سطيح،
فانتقلت كهانتها فيه،و قبرها بأصل عقبة الجحفة (1)
الملاحم و الفتن و [1]هو كتاب تشريف المنن:185.
.و مثلا لكاهن العائف و الزاجر،و في(انساب السمعاني):اللهبي بالكسر فالسكون نسبة إلى لهب بطن من الأزد،يعرفون بالعيافة وجودة الزجر، و فيهم يقول كثير:
تيممت لهبا ابتغي العلم عندهم و قد رد علم العائفين الى لهب
و في(الاستيعاب):روينا من وجوه ان عمر كان يرمي الجمرة،فأتاه حجر،فوقع على صلعته،فأدماه و ثمّة رجل من بني لهب،فقال لا يحجّ بعدها فقتل بعد رجوعه (2).
«و الكاهن كالساحر» في(المروج):و في سنة(35)كثر الطعن على عثمان، و ظهر عليه النكير لأشياء ذكروها من فعله،و من ذلك فعل الوليد بن عقبة عامله على الكوفة في المسجد،كان بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة ممّا يلي جسر بابل يقال له زرارة،يعمل أنواعا من الشعبدة و السحر يعرف بمطروي،فأحضره،فأراه في المسجد ضربا من التخاييل- و هو أن أظهر له فيلا عظيما على فرس في صحن المسجد-ثم صار اليهودي ناقة يمشي على جبل،ثم أراه صورة حمار دخل من فيه،ثم خرج من دبره،ثم ضرب عنق رجل،ففرّق بين جسده و رأسه،ثمّ أمرّ السيف عليه،فقام الرجل- و كان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي،فجعل يستعيذ باللّه من فعل الشيطان،و من عمل يبعد من الرحمن،و علم أن ذلك ضرب من التخييل و السحر،فاخترط سيفه،و ضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه إلى ناحية من بدنه،و قال:جاء الحقّ و زهق الباطل،ان الباطل كان
زهوقا،و قال ان كنت صادقا فأحي نفسك.فأنكر الوليد عليه ذلك،و أراد أن يقيده به،فمنعه الأزد،فحبسه،و أراد قتله غيلة،و نظر السجّان الى قيامه ليلة الى الصبح،فأطلقه،فقال له:تقتل بي.قال:ليس ذلك بكثير في مرضاة اللّه، و الدفع عن وليّ من أولياء اللّه،فلما أصبح الوليد و قد استعدّ لقتله لم يجده، فسأل السجان،فأخبره بهربه،فضرب عنق السجّان،و صلبه بالكناس (1)
مروج الذهب 2:338 و 339. [1]
.و روي في خبر آخر:ان الساحر يريهم أنّه يدخل في فم الحمار و يخرج من دبره،و يدخل في است الحمار و يخرج من فيه،و يريهم انّه يضرب رأس نفسه،فيرمي به،ثم يشتدّ،فيأخذه،ثم يعيده مكانه-الخبر (2).
«و الساحر كالكافر» في(المروج):روى الحسن البصري عن جندب ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:حد الساحر ضربة بالسيف (3).
و في(التهذيب):عن إسحاق بن عمار ان عليّا عليه السّلام كان يقول:من تعلّم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه و حدّه القتل إلاّ أن يتوب (4).
و في(الكافي):عن السكوني قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ساحر المسلمين يقتل، و ساحر الكفار لا يقتل.قيل:و لم؟قال:لأن الكفر أعظم من السحر،و لأن السحر و الشرك مقرونان (5).
و في(الفقيه):روي ان توبة الساحر أن يحلّ و لا يعقد (6).
1) 1)
2) 2) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1:219. [2]
3) 3) أخرج الحديث من طريق الحسن عن جندب الترمذي في سننه 4:60 ح 1460،و الحاكم في المستدرك 4:360، و [3]ابن قانع و الحسن بن سفيان في مسنده عنهما الاصابة 1:250،و [4]ابن عبد البر في الاستيعاب 1:218،و [5]لم يوجد في مروج الذهب بل الظاهر انّه اشتبه على الشارح بين المروج و الاستيعاب. [6]
4) 4) التهذيب 10:147 ح 17.
5) 5) الكافي 7:260 ح 1. [7]
6) 6) الفقيه 2:110 ح 9.
«و الكافر في النار» فينتج المقدمات الثلاث كون المنجم في النار.
ثم لا خلاف أن الاعتقاد بأنّها مؤثرات كفر،و هو الذي يشير إليه كلامه عليه السّلام،و أما بأنّها علامات فخلافي،فالمرتضى في(مسائله السلارية) -كما في(نجوم ابن طاوس)-على انكاره،فقال:ان جريان عادة اللّه بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه،أو اتصاله أو مفارقته،و ان كان جائزا،لكن لا طريق الى العلم بثبوته،و من أين لنا ان اللّه تعالى قد أجرى العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا،و ان المشتري إذا كان كذلك كان سعدا،فان عولوا على التجربة،فلا نسلم صحّة التجربة، و قد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم،فهلا نسبتم الصحّة إذا اتفقت إلى الاتفاق الذي يقع في المخمن و المرجم،فإذا قلتم سبب الخطأ زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسيير الكواكب،قلنا:و لم لا؟كانت سبب اصابتهم التخمين.
و قلت لبعض من كان مشغوفا بالنجوم:هاهنا شيء قريب في بطلان النجوم،لو فرضنا طريقا يمشي فيه الناس ليلا و نهارا،و في محجته آبار متقاربة،و بين بعضها و بعضها طريق يحتاج سالكه الى تأمّل،حتى يتخلّص من السقوط في تلك الآبار،هل يجوز أن يكون سلامة من يمشي فيه من العميان كالبصراء؟فقال:لا.فقلت:إذا كان هذا محالا فأحيلوا نظيره،فان مثال البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم من السعد و النحس،و مثال العميان من لا يعرفها،و مثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي يمضي عليه الخلق، و مثال آباره محنه،و لو صحّ النجوم وجب أن تكون سلامة المنجمين أكثر، و قد علمنا ان الحال فيهم غير متفاوتة.
إلى أن قال:من أدلّ الدليل على بطلان النجوم ان من جملة معجزات الأنبياء عليهم السّلام الأخبار عن الغيوب،و لو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا لم يكن معجزا،و قد أجمع المسلمون قديما و حديثا على تكذيب المنجمين،و في
الروايات عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ذلك ما لا يحصى،و كذلك عن علماء أهل بيته و خيار أصحابه،فأما اصابتهم في الكسوفات فلها أصول صحيحة في الحساب،و ليس كذلك ما يدّعونه من تأثيرات الكواكب في الخير و الشر و النفع و الضر (1)
فرج الهموم:43-53 و النقل بتلخيص.
.و ابن طاوس على اثباته صنّف فيه كتابه(فرج المهموم في معرفة نهج الحلال في علم النجوم)نقل فيه مقدارا من محاجّة الصادق عليه السّلام لمنجم هندي كما في الرسالة الأهليلجية،و ان الهندي قال له:في علم أهل بلاده بالنجوم ان ملوك الهند لا يتخذون إلاّ الخصيان لأن لكل منهم منجما،فإذا أصبح أتى باب الملك،فقاس الشمس و حسب،فأخبره بما كان في يومه ذاك،و ما حدث في ليلته التي كان فيها،فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئا أخبره به.و ان في الهند قوما بمنزلة الخناقين عندكم يقتلون الناس بلا سلاح و لا خنق من النجوم.فقال عليه السّلام له:أخبرني من وضع هذا العلم الدقيق؟قال:الحكماء.
إلى أن قال ابن طاوس بعد ذكر الخبر بطوله:انظر الى انّه عليه السّلام ما أبطل هذا العلم بالكليّة،بل جعل الطريق إليه تعريف اللّه أنبياءه بالوحي،و أصحاب النجوم على اختلاف طبقاتهم اتفقوا على ان هذا العلم من ادريس عليه السّلام.
و في(المنتخب)من طريق أصحابنا في دعاء كلّ يوم من رجب«و معلم ادريس عدد النجوم و الحساب و السنين و الشهور و الأيام».
و في(الجامع الصغير ليونس بن عبد الرحمن)بإسناده:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:أخبرني عن علم النجوم.فقال:هو علم الأنبياء.
و في كتاب(التجمل)من اصول أصحابنا عن أبي جعفر عليه السّلام:علم نبوّة نوح بالنجوم.
1) 1)
و روى القمي في قوله تعالى: «فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» (1)
الأنعام:76. [1]
ان آزر كان منجما لنمرود،فقال له:اني أرى في حساب النجوم انّه يجيء في هذا الزمان رجل ينسخ هذا الدين.فقال له:أفولد؟قال:لا.قال:فينبغي أن يفرّق بين الرجال و النساء،ففرّق و حملت ام إبراهيم بإبراهيم و لم يبن حملها.و في(عرائس الثعلبي):ان فرعون رأى في منامه ان نارا قد أقبلت من بيت المقدس،حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها و أحرقت القبط، و تركت بني إسرائيل،فدعا فرعون السحرة و الكهنة و المعبرين و المنجمين، و سألهم عن رؤياه.فقالوا:يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك،و يغلبك على سلطانك.
و في كتاب(نبوّة ابن بابويه):قدم على مريم و فد من علماء المجوس زائرين معظمين لأمر ابنها و قالوا:انا ننظر في النجوم،فلما ولد ابنك طلع بمولده نجم لا يفارقه حتى يرفعه الى السماء.
و نقل ما في الطبري في مولد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ان علماء كسرى تسكعوا بعلمهم،فلا يمضي لساحر سحره،و لا لكاهن كهانته،و لا يستقيم لمنجم علم نجومه.
و نقل ما فيه-في ظهور المسلمين على الفرس-بأن رستم لما أمره يزدجرد بالخروج من ساباط بعث إلى أخيه ان السمكة قد كدرت،و النعائم قد حبست،و حسنت الزهرة،و اعتدل الميزان،و ذهب بهرام،و لا أرى هؤلاء القوم إلاّ سيظهرون علينا.
و نقل عن كتاب(أوصياء علي بن محمد بن زياد الصيمري)في مولد الصاحب عليه السّلام:انّه كان بقم منجّم يهودي موصوف بالحذق،فأحضره أحمد
1) 1)
بن اسحاق و قال له:قد ولد مولود في وقت كذا،فخذ الطالع و اعمل ميلادا.
فأخذ الطالع و عمل عملا له،فقال لأحمد:لا يكون مثل هذا المولد إلاّ لنبي أو وصيّ نبي،و ان النظر فيه يدلّني على انّه يملك الدنيا شرقا و غربا،و برا و بحرا، و سهلا و جبلا،حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد إلاّ دان له.و قال:انّه بنفسه طلب ذلك من قدامة بن الأحنف البصري المنجم،فقال مثل ذلك.
و نقل قول المفيد في(مقالاته):أما الأحكام على الكائنات بدلالتها، و الكلام على مدلول حركاتها،فإنّ العقل لا يمنع منه،و لسنا ندفع أن يكون تعالى أعلمه بعض أنبيائه،و جعله علما له على صدقه،غير انّا لا نقطع عليه،و لا نعتقد استمراره في الناس الى هذه الغاية،فاما ما نجده من أحكام المنجمين في هذا الوقت،و اصابة بعضهم فيه،فإنّه لا ينكر أن يكون ذلك بضرب من التجربة،و بدليل عادة،و قد يختلف أحيانا،و يخطئ المعتمد عليه كثيرا،و لا تصحّ إصابته فيه أبدا،لأنّه ليس بجار مجرى دلائل العقول،و لا براهين الكتاب،و لا أخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هذا مذهب جمهور متكلّمي أهل العدل،و إليه ذهب بنو نوبخت من الإمامية،و أبو القاسم و أبو علي من المعتزلة.
ثم نقل كلام المرتضى و ردّ عليه،ثم نقل خبر الكليني في(روضته)عن الصادق عليه السّلام انّه قال لابن سيابة:ضلّ علماء النجوم،فمنهم من يصيب، و منهم من يخطئ.
و نقل خبر(الروضة)أيضا عنه عليه السّلام:ما يعلم النجوم إلاّ أهل بيت من العرب،و أهل بيت في الهند،و حدّثني ان الذين في الهند أولاد وصيّ إدريس.
و نقل مثله عن أصل ابن أبي عمير.
و نقل خبر أصل معاوية بن حكيم عن الصادق عليه السّلام:ان في السماء أربعة نجوم ما يعرفها إلاّ أهل بيت من العرب،و أهل بيت من الهند،يعرفون منها نجما واحدا،فلذلك قام حسابهم.
و نقل عن أصل عبد اللّه بن القاسم و كتاب أبي القاسم النيسابوري قال عليه السّلام لرجل يماني:أخبرني كم لضوء القمر على ضوء الزهرة.
و خبر(نوادر الحكمة):قال الرضا عليه السّلام للحسن بن سهل:كم لنور الشمس على نور القمر فضل(درجة)؟ و خبر(دلائل النعماني)و(واحدة ابن جمهور):ان الفضل بن سهل سأل الرضا عليه السّلام عن تقدّم الليل و النهار من جهة الحساب،فقال عليه السّلام له:أ لستم تقولون ان طالع الدنيا السرطان؟الخبر.
و نقل خبر(دلائل الحميري):ان الصادق عليه السّلام قال لبياع السابري:تعد الطوالع؟قال:نعم.فقال:كم تسقي الشمس من نورها القمر.فقال:هذا شيء لم أسمعه.فقال:و كم تسقي الزهرة الشمس من نورها-إلى أن قال-ليس يعلم النجوم إلاّ أهل بيت من قريش،و أهل بيت من الهند.
و نقل خبر أصل التجمل:ان محمّدا و هارون ابني أبي سهل كتبا إلى الصادق عليه السّلام:ان أبانا و جدّنا كانا ينظران في النجوم،فهل يحلّ النظر فيه؟قال نعم.
و روى عنهما خبرا آخر مثله مع زيادة.
و عن الصادق عليه السّلام«في يوم نحس مستمر»ان القمر كان منحوسا بزحل.
و نقل عن ربيع الزمخشري قال ابن عباس:النجوم علم عجز عنه الناس، و وددت أني علمته.
و نقل من كان منجما من الإمامية كالنوبختية و غيرهم،و نقل عن الفقيه خبره قال ابن أبي عمير:كنت أنظر في النجوم،و أعرف الطالع،فيدخلني من ذلك شيء،فشكوت ذلك إلى الكاظم عليه السّلام،فقال:إذا وقع في نفسك شيء فتصدّق على أوّل مسكين،ثم امض،فإن اللّه يدفع عنك.و رواه عن كتاب التجمل
و فيه:فشكوت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام.
ثم قال ابن طاوس:لو لم يكن في الشيعة عارف بالنجوم إلاّ محمد بن أبي عمير لكان حجّة في صحتها (1)
هذا خلاصة كتاب فرج المهموم من أوّله إلى صفحة 124.
.قلت:لم يعلم كون ابن أبي عمير فيه هو ابن ابي عمير المعروف،لأن ذاك يروي عن ابن اذينة،و لم يلق الصادق عليه السّلام،و هذا روى عنه ابن اذينة و روى عنه عليه السّلام.
و نقل رواية الكشي:أنّ الكاظم عليه السّلام لما مات وقف عليه أبو خالد السجستاني،ثم نظر في نجومه،فعلم انّه قد مات،فخالف أصحابه.
و قال في مجموع عتيق:ان بوران بنت الحسن بن سهل برعت في النجوم،فعثرت يوما بقطع على المعتصم سببه الخشب-الى أن قال-فخلا المعتصم ذلك اليوم بالحسن،فأشار عليه أن ينتقل من المجلس السقفي الى مجلس أزجى لا يوجد فيه وزن درهم من الخشب-إلى أن قال-فجاء خادم، و معه المشط و المسواك،فقال الحسن للخادم:امتشط بالمشط،و استك بالمسواك.فقال:كيف أتناول آلة الخليفة.فقال له المعتصم:و يلك امتثل قوله، ففعل،فسقطت ثناياه،و رفع ميتا،و نقله عن وزراء ابن عبدوس.
و نقل أيضا عنه:ان يحيى البرمكي قال:لا يكون هلاك بيتهم إلاّ بسبب ابنه جعفر،و انه كتب رقعة،و أعطاها إسماعيل بن صبيح كاتبه،و قال له:اكتب فيها«إذا دخلت سنة(187)فكان هارون أوقع بهم تلك السنة».و انه رأى في النوم ان صائحا يصيح على جانب من الجسر:
كأن لم يكن بين الحجوم إلى الصفا أنيس و لم يسمر بمكة سامر
فأجابه هو من الجانب الآخر:
1) 1)
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا صروف الليالي و الجدود العواثر
فانتبه،فلجأ الى أخذ الطالع،فوقف على انّه لا بد من انقضاء مدتهم،كان يحكي ذلك لأبي موسى بن صير الوصيف،فما أتم كلامه حتى دخل عليه مسرور الخادم برأس جعفر.
و نقل عن(أخبار وزراء عبد الرحمن بن المبارك):ان جعفر البرمكي لما عزم على الانتقال الى قصره الذي بناه جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه، فاختاروا له وقتا من الليل،فلما حضر الوقت خرج على حمار إليه،و الطرق خالية،و الناس ساكنون،فلما وصل الى سوق يحيى رأى رجلا ينشد:
يدبر بالنجوم و ليس يدري و ربّ النجم يفعل ما يريد
فاستوحش و قال للرجل:ما أردت بهذا؟قال:شيء عرض لي و جرى على لساني.
و نقل خبر(العيون):ان المأمون لما عزم على عقد عهد للرضا عليه السّلام قال بعضهم:لأعرفن ما في نفس المأمون،أ يحب اتمام الأمر أم لا؟فكتبت إليه عزم ذو الرئاستين على عقد العهد،و الطالع السرطان،و هذا يدلّ على نكبة المعقود له.فكتب إلي ان وقف أحد على ما عرفتنيه،أو رجع الفضل عن عزمه،علمت انك سببه،فضاقت عليّ الدنيا،ثم بلغني ان الفضل قد تنبّه،و رجع عن عزمه- و كان حسن العلم بالنجوم-فركبت إليه،فقلت له:أتعلم في السماء نجما أسعد من المشتري-الخبر.
و قال:روى محمّد بن خالد البرقي في(قصص أنبيائه):ان يوشعا لما انتهى الى البلقاء لما فتح مدائن الشام،فجعلوا يخرجون يقاتلونه،فلا يقتل منهم رجل،فسأل يوشع عن ذلك،فقيل ان في مدينته امرأة منجم تستقبل الشمس بفرجها،ثم تحسب،فتعرض عليها الخيل،فلا تخرج رجلا حضر أجله.فصلّى يوشع ركعتين و دعا ربّه أن يؤخر الشمس،فاضطرب عليها
الحساب،فدخلت في دين يوشع.
و نقل عن نشوار التنوخي حكايات عن(اصابات أبي علي الجبائي):
منها:ان ابنه ابا هاشم لما اعتل قلقت اخته،فقيل لها:أليس حكم أبوه انّه يعيش نيفا و سبعين سنة شمسية؟فقالت:بلى و لكن قال ان أفلت من السنة السادسة و الأربعين،فمات في تلك العلّة.
و منها:انّه اجتاز بدار في عسكر مكرم،فسمع فيها صيحة ولادة،فقال:
ان صح ما يقول المنجمون فهذا المولود ذو عاهة،ففحص فإذا المولود أحنف.
و منها انّه في عسكر مكرم أخذ طالع مولود بعض غلمانه،فقال:ان صح التنجيم يموت الولد بعد خمسة عشر يوما،فمات كذلك.
و نقل حكايات عن(اصابات أبي معشر):
منها:انّه ضربه المستعين أسواطا لأنّه أصاب في شيء،و أخبر به قبل وقته،فكان يقول:أصبت فعوقبت.
و منها:انّه قال:أخذت طالع المعتز و المستعين،فحكمت على المستعين بالخلع و القتل،و للمعتز بالخلافة بعد فتنة و حروب،فكان كما قال.
و منها:ان الموفق قال له و لمنجم آخر:خذا الطالع في شيء قد أضمرته، فقالا تسألنا عن حمل غير انسي.فقال:هو كذلك فما هو.ففكرا طويلا فقالا:
حمل بقرة.قال:هو كذلك فما تلد؟قالا:ثورا.قال:فما صفته؟قال أبو معشر:
أسود في جبهته بياض-و قال الآخر أسود في ذنبه بياض-فقال الموفق:
احضروا البقرة،فأحضرت و ذبحت فأخرج منه ثور أبيض طرف أنفه،و قد التف ذنبه فصار على وجهه.
و منها:أن الموفق قال له و لرفيقه:أي شيء في كمي؟فقال رفيقه-بعد ما أخذا الزائجة-شيء من الفاكهة،و قال هو شيء من الحيوان.فقال الموفق
لرفيقه أصبت،و لأبي معشر أخطأت-و رمى تفاحة من يده-فعاود أبو معشر الزائجة،ثم سعى نحو التفاحة،فأخذها و كسرها،فإذا هي تنثر دودا،فقال:أنا أبو فلان.
و عن(ربيع الزمخشري):ان امرأة افتقدت خاتما،فقال أبو معشر:خاتم أخذه اللّه،فوجدته في اثناء ورق المصحف.
و عن(بصائر التوحيدي):قال أبو معشر:حضرت أنا و سلمة و الزبادي و الهاشمي عند الموفق-و كان الزبادي استاد أهل زمانه في النجوم-فأضمر الموفق شيئا،فقال كلّ منهم شيئا،فقال لهم:أخطأت،ثم قال،هات ما عندك.
قلت:أضمرت اللّه عزّ و جلّ.فقال لي:أحسنت و اللّه أنى لك هذا؟قلت:الرأس يرى فعله،و لا يرى نفسه،كان في رابع درجة من الفلك،و لا أعرف له مثلا إلاّ اللّه عزّ و جلّ،فهو فوق كلّ ذي سلطان،و ليس فوقه شيء.
و عن(أسرار أبي سعيد شاذان):قال أبو معشر:نزلت في خان ببعض قرى الري،فصعدت الى سطح الخان،و أخذت الارتفاع،فإذا الطالع لمسيرهم الثور و فيه المريخ،و القمر في الأسد،فقلت للقافلة:اللّه اللّه في أنفسكم لا ترحلوا،فأبوا و ذهبوا،فعاد جماعة منهم مجروحين قد قطع عليهم الطريق على فرسخين،فلما رأوني أخذوا الحجارة و العصا،و قالوا:يا ساحر يا كافر أنت قتلتنا و قطعت علينا الطريق،و تناولوني ضربا،فما خلصت منهم إلاّ بعد جهد،و عاهدت اللّه ألا أكلّم أحدا من السوقة في شيء من هذا العلم.
و عن(تاريخ محمّد بن عبد الملك الهمداني)أنّه كتب الى أبي معشر بصورة مولد صاحب الزنج قبل خروجه،فقال:ان كان هذا الولد صحيحا، فانّه الرجل الذي ذكر في كتاب الدول،و سيكون من أمر هذا الفتى شيء عظيم من اقدامه على الدماء و اخراب المدن.
و عنه:ان صاحب الزنج كان يقول في الليلة التي انقضى أمره:ان مضت
هذه الليلة بقيت لأربع عشرة سنة اخرى غير الماضية،كان يقول ذلك من طريق النجوم التي علمها من أبي معشر.
و في(الأسرار):انّه على تقدّمه في هذه الصناعة كان يصيبه الصرع عند امتلاء القمر في كلّ شهر مرّة.
و عن(البصائر):قال يحيى بن أبي منصور:دخلت أنا و جماعة من المنجمين على المأمون،و عنده انسان قد تنبأ و نحن لا نعلم-الى أن قال-فقال كلّ من حضر غيري:كلّ ما يدّعيه صحيح،و له حجّة زهرية و عطاردية،فقلت أنا:هو في طلب تصحيح الذي يطلبه،لا ينتظم الذي قالوا،انما هو ضرب من التزويق و الخداع،فقال:للّه درّك.ثم قال:و هذا الرجل يزعم انّه نبي.فقلت:أ فمعه شيء يحتجّ به؟فقال:نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه،فلا يتغيّر مني شيء، و يلبسه غيري،فيضحك و لا يتمالك حتى ينزعه،و معي قلم آخذه،فأكتب به، و يأخذه غيري،فلا تنطلق اصبعه.فقلت:هذه الزهرة و عطارد زور عمله بهما، فأمره المأمون أن يفعل ما كان فعل،ففعل،فعلم انّه علاج من الطلسمات، فما زال به المأمون حتى تبرأ من دعوى النبوّة،و وصف الحيلة التي احتالها في الخاتم و القلم،و كان أعلم الناس بالنجوم.قال أبو معشر:و هو الذي عمل طلاسم الخنافس في ديور كثيرة.
و عن(أسرار أبي معشر):ان فتى من ولد يعقوب بن فرازون النصراني قال لقاسم بن عبد اللّه و هو ابن ست عشرة سنة-و أبوه متعطّل-انّك تتقلّد الوزارة،فاكتب لي خطا بكذا،و صار كما قال.
و عن نشوار التنوخي:ان أباه حول مولد نفسه في السنة التي مات فيها، فقال لنا:هذه سنة قطع على مذهب المنجمين،و قال إذا كان العصر لسبع بقين من الشهر فهي ساعة قطع،فمات كما قال.
و عنه:قال غلام زحل لأبي يوسف اليزيدي-في اليوم الذي عزم فيه
الركوب الى الابلة ليسلّم فيه على أخيه أبي عبد اللّه اليزيدي-أيّها الاستاذ لا تركب في هذا اليوم،فان تحويله يوجب عليك قطعا بالحديد.فقال:يا فاعل انّما أركب الى أخي،فممن أخاف،و خرج،فعاد غلام زحل،فأخرج جميع ما كان له في دار أبي يوسف،و قال:هذه الدار بعد ساعة تنهب،و مضى اليزيدي الى أخيه،فقتله في ذلك اليوم.
و عنه:ان أباه قال:ان اليزيدي لما أنفذه برسالة الى ابن بويه خرج بطالع،فقالوا له:بالطريق لص يعرف بالكرخي مستفحل الأمر-الى أن قال:
و جعلت افكر في الطالع الذي خرجت،و الناس قد أبرزوا الى الشط،و أنا في جملتهم،و هم يفرغون السفن-الى أن قال:حين رآني رئيسهم انكب عليّ يقبّل يدي و قال:انا الصبي الذي ربيت في دارك.
و عن كتاب جليس المعافى بن زكريا:ان عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر كان ذات ليلة عند أهله فقال:مولدي في السرطان،و طالع السنة السرطان،و القمر يكسف الليلة في السرطان،فلما انكسف من القمر ثلثه،قال:
ما تقولون في رجل قاعد عندكم يقضي و يمضي،و قد ذهب ثلث عمره،فلما انكسف ثلثا القمر عمد الى جواريه،فاعتق منهن من أحب،و الى ضياعه فوقف منها ما وقف،فلما انقضى من الثلث الثالث دقيقتان قال لهم:إذا استغرق القمر فامضوا الى أخي عبيد اللّه،ثم قام،فاغتسل،و لبس اكفانه،و اضطجع،فلما استغرق القمر في الانكساف فاضت نفسه،فانطلقوا الى أخيه ليعلموه،فإذا هو في طيارة قد سبقهم،فقال لهم:مات أخي؟قالوا:نعم.فقال:ما زلت آخذ الطالع حتى استغرق الخسوف،فعلمت انه قد قبض.و قال:
كسف البدر و الأمير جميعا فانجلى البدر و الأمير عميد
عاود البدر نوره فتجلّى و نور الأمير ليس يعود
و عن(مجموع عتيق):ان الصاحب قال لبدر بن حسنويه يوما انّه يموت
بعد مائة و ثلاة أيام،و يجلس الشاهنشاه له في العزاء سبعة أيّام،و يستوزر أبا العباس الضبي،فصار كما قال.
و عن كتاب(ملح الحسين بن خالويه):ان ملك الهند الذي كتب الى عمر ابن عبد العزيز«من ملك الأملاك الذي في مربطه ألف فيل،و تحته بنات ألف ملك،و له نهران يجيئان له باللؤلؤ و العنبر و الكافور»كانت امه راعية، فأدركها الطلق قبل طلوع الشمس،فمر بها منجم هندي،فقال:ان لم يولد هذا المولود حتى يطلع قرن الشمس ملك الهند.فجمعت المرأة عباءة كانت معها، و اسنثفرت بها،فلما ذر قرن الشمس قذفت بعباءتها،فولد و بلغ ما قال المنجم.
و عن(تاريخ الحاكم النيسابوري):ان سابور ذا الاكتاف مات أبوه هرمز،و هو جنين،و أعلمه المنجمون،انّه يولد له ذكر يملك الأرض،فوضع التاج على بطن امّه،و كتب عنه الى ملوك الآفاق و هو جنين.
و عن(خط الشيخ):قال بعضهم حكم المنجمون في سنة(170)ان في ليلة واحدة يموت ملك عظيم،و يقوم ملك كريم،و يولد ملك حكيم،فمات الهادي،و قام الرشيد،و ولد المأمون.
و عن(تذييل صدقة بن حسن):انه كان لقماج صاحب بلخ منجم يعرف بالعماد،فأخبره ان خراسان تخرب،و يهلك أهلها في العام القابل من قوم بغزنة مما وراء النهر،فصار كما قال:و ملكت الغز خراسان،و فعلوا بهم كما فعل التتر بعد.
و عن(تاريخ الحاكم):ان هارون لما خرج من بغداد و دخل الري،جمع المنجمين،و سألهم النظر في خروجه،فقالوا تهلك بخراسان بقرية يقال لها سناباذ،فسألهم عنها،فقالوا من قرى بيهق،فتنحى عن الطريق،و لم يدخل بيهق،ثم خرج من نيسابور الى طوس،و نزل قرية حميد الطوسي،فسأل عن اسمها فقيل سناباذ،و مرض،فعلم انها تربته.
و نقل ما في(اكمال الصدوق)في يوذاسف ان أباه جمع المنجمين لتقويم ميلاده،فقالوا يبلغ من الشرف ما لا يبلغه أحد،و انّه بعد دعاهم،فقال أحدهم:سيكون هذا إماما.
و عن نشوار التنوخي:ان المعتصم سايره يوما الزيات و ابن ابي دؤاد الى رحبة الجسر،فجعل يضحك و لا شيء يضحكه،فسأله ابن أبي دؤاد فقال:
أما إذ سألتماني كان منجم أيام فتنة ابن شكلة يقعد على الطريق،فركبت يوما حمارا متنكرا لبعض شأني،فرأيت ذلك المنجم،فتطلعت إليه نفسي أن أسأله عن أمر إبراهيم هل يتمّ له شيء أو يغلب المأمون،فقلت لغلامي:اعطه درهمين و قلت له خذ الطالع،ثم قال لي:أنت هاشمي؟قلت:نعم.قال:فهذا الطالع الأسد،و انّه يوجب لك الخلافة،و انت تفتح الآفاق،و تزيل الممالك، و يعظم جيشك،و تبني بلادا عظيمة-و قصّ عليّ جميع ما أنا فيه الآن-فقلت له:
فهذا السعود،فهل علي من النحوس؟قال:لا و لكنك اذا ملكت فارقت وطنك، و كثرت أسفارك.قلت:فهل غير هذا؟قال:نعم،ما شيء أنحس عليك من شيء واحد يكون المتولون عليك في أيام ملكك اصولهم دنية سفلة،فيغلبون عليك، و يكونون أكابر مملكتك.و لما بلغت الرحبة وقعت عيني على موضعه بالطريق،فذكرته،و تأملتكما حولي،و أنتما أكبر أهل مملكتي،و أحدكما ابن زيات،و الآخر ابن قيار،و أخذني الضحك إذ ترأس في دولتي أولاد السفل، فانكسرا،و ودا انّهما لم يسألاه عن ضحكه.
و قال:و في حديث ملوك الفرس ان كسرى قال لولده شيرويه:و أما أنت خاصة فان المنجمين قضوا في تولدك انّك مزر علينا،و ناقض ما أبرمنا، و وجدنا قرمسا ملك الهند كتب إلينا في سنة(36)من ملكنا-الى ان قال:
وجدناه قد وقع على كتابه اليك بالهندية«اكتم ما فيه»،فأمرنا أن يصرف لكلّ واحد ما بعث إليه من هدية و كتاب،و احتبسنا ما كتبه إليك من أجل التوقيع
الذي كان فيه،و دعونا بكاتب هندي،و أمرناه بفض خاتم الكتاب و قراءته، فكان فيه ابشر و قرّ عينا،فانّك متوج في ماه آذار و يوم آذار.
و نقل عن الطبري:ان المنجمين كانوا قد قالوا لأبي مسلم تقتل في الروم،فكان قتله في رومية المدائن.
و عن نشوار التنوخي:ان منجما كان بعبر الرؤيا صاح على بابويه- و كان يصيد السمك-فأدخله و قال له:رأيت ليلة كأني جالس أبول،فخرج من ذكري نار عظيمة كالعود،ثم تشعبت يمنة و يسرة،و اماما و خلفا،حتى ملأت الدنيا.فقال له الرجل:لا افسرها لك بأقلّ من ألف درهم.فسخر منه و قال له:
ويلك نحن فقراء نصطاد سمكا لنأكله،و لكن نعطيك سمكة من أكبر هذه الأسماك-و كان قد صاد مقدارا من السمك-فقبل و قال لبويه يكون لك أولاد، و يفترقون في الدنيا،فيملكون،و يعظم سلطانهم قدر ما احتوت النار من الأرض-فصفعوه و قالوا سخرت بنا،و أخذت السمكة حراما،و قال له بويه انا صيّاد فقير،و أولادي هؤلاء-و أشار الى علي و الحسن و أحمد-أي شيء يكون منهم.
و قال:ذكر الزمخشري ان المنصور لما أراد السفر الى عبد اللّه بن معاوية الطالبي سأل نوبخت عمّا يؤول إليه أمره،فقال له:تصير ملك العرب، و ينالك في وجهك هذا مكروه،فأخذه سليمان بن حيبب المهلبي،فحبسه.
و نقل عن كتاب(المنجمين لمحمود بن الفضل):أن الربيع قال للمنصور:زعم ما شاء اللّه المنجم أن الذي يحجّ بالناس في هذه السنة يموت في طريقه،فحجّ المنصور فمات بذات عرق (1)
هذه خلاصة كتاب فرج المهموم من صفحة 131 و ما بعدها.
.و أقول:ان كلا من المرتضى و ابن طاوس أفرط فيما قال،اما المرتضى
1) 1)
فحمله ما نقل من صواب المنجمين فيما اخبروا على الاتفاق غير صحيح،لأن في أخبارهم ذكر خصوصيات لا يمكن كونها اتفاقا،و انما يمكن حمل مثل اخبارهم بأن المريض الفلاني يموت أو يصح،أو المرأة الفلانية تلد غلاما أو جارية،أو في اليوم المعين ينزل المطر أو لا ينزل،و ما من هذا القبيل على الاتفاق دون نظير كلّ ما مر،و كيف يمكن انكار الأمر المتواتر و لو كان إجماليا،فانّه و ان لم يكن ما نقل عن كلّ من المنجمين ثابتا،إلاّ ان المجموع لا يمكن انكاره،فيمكن ان يجمع من اصاباتهم مجلّدات ضخمة،و أما خطؤهم فمن نقص علمهم،لا من عدم صحته رأسا.
و في(أخبار حكماء القفطي):للحسن بن الخصيب كتاب في أحكام النجوم حكم فيه بأحكام لم يصح منها شيء،و منها انّه قال:إذا نزل زحل في دقائق من أوّل درجة من الجوزاء يموت ملك مصر في ذاك الأوان.و رأيت هذا في عمري مرتين و لم يصحّ شيء منه.
و فيه:انّه لما قال أبو الفضل الخازمي انّه لما اجتمعت الكواكب السبعة في برج الميزان في سنة(582)يحدث هواء شديد يهلك العامر،و وافقه منجموا الأقطار سوى شرف الدولة العسقلاني،فقال:وجدت في اقتران الكواكب و المكافاة ما يدفع ضرر بعضها عن بعض،و شرط أن يكون تلك الليلة التي أنذروا بوقوع الهواء فيها لا يهبّ فيها نسيم.قال:و عمل الناس السراديب في البلاد السهلية و المغائر في الجبلية،فلما كان الموعد لم يهبّ نسيم.
كما ان الأخبار أيضا متواترة إجمالا بصحّة أصلها،و نقص علم المنجمين،و اما ما قاله من أنه لو كانت النجوم تدلّ على الاصابة لكان المنجمون سالمين فغير صحيح،فعدم سلامتهم لا تدلّ على عدم اصابتهم، بل على عدم نفع الحذر من الخلاص عن القضاء و القدر،فالحسن بن سهل أراد
العمل بعلمه في دفع النحس عن أخيه الفضل،فلم يتيسر له.
فروى العيون عن ياسر الخادم قال:ورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن اني نظرت في تحويل هذه السنة،فوجدت انّك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد و حرّ النار،و أرى ان تدخل أنت و أبا الحسن الرضا و المأمون الحمام في هذا اليوم،و تحتجم،و تصب الدم على بدنك ليزول نحسه عنك.فكتب الفضل بذلك الى المأمون،و سأله ان يدخل الحمام معه، و كتب المأمون ذلك الى الرضا عليه السّلام،فكتب الرضا إليه انّي لست بداخل غدا الحمام،و لا أرى لك أن تدخله،و لا أرى للفضل أن يدخله،فأعاد إليه عليه السّلام ذلك، فكتب إنّي لست بداخل الحمام غدا،فإنّي رأيت في هذه الليلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في النوم يقول لي:لا تدخل الحمام غدا،فكتب إليه المأمون صدقت و صدق النبي، و اني لست بداخل الحمام غدا،و الفضل هو أعلم و ما يفعل.قال ياسر:فلما أمسينا و غابت الشمس قال لنا الرضا عليه السّلام قولوا نعوذ باللّه من شرّ ما ينزل في هذه الليلة،فأقبلنا نقول،فلما كان قريبا من طلوع الشمس،و إذا بالمأمون قد دخل من باب داره الذي كان الى دار الرضا عليه السّلام،و قال له:آجرك اللّه في الفضل،كان دخل الحمام،فدخل عليه قوم بالسيوف و قتلوه (1)
عيون الأخبار للصدوق 2:161. [1]
.و كان المأمون لا يقيم برقة العراق لأنّه سمع من النجوم أن موته بالرقة،فمات برقة الروم،فقال فيه أبو سعيد المخزومي كما في المروج-و مر أن أباه يتحامى عن بيهق فمات بطوس-:
هل رأيت النجوم أغنت عن المأ مون شيئا و ملكه المانوس
خلفوه بعرصتي طرسوس مثل ما خلفوا أباه بطوس (2)
و هل كان منع نمرود و فرعون عن وصول الرجال الى النساء لما سمعا من المنجمين بولادة شخص يكون هلاكهما على يده مغنيا لهما شيئا.
و كذلك منع ابرويز من ولادة يزدجرد،فسمع من المنجمين ان به ينقرض ملكهم ما أفاده شيئا.
ففي(تاريخ الطبري):قال هشام بن محمد:ولد لكسرى ابرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا أكبرهم شهريار و كانت شيرين تبنته،فقال المنجمون لكسرى:انّه سيولد لبعض ولدك غلام يكون خراب هذا المجلس و ذهاب هذا الملك على يديه،و علامته نقص في بعض بدنه.فحصر ولده لذلك عن النساء، فمكثوا حينا لا يصلون الى امرأة حتى شكا ذلك شهريار الى شيرين،و بعث اليها يشكو الشبق،و يسألها ان تدخل عليه امرأة و إلا قتل نفسه،فأرسلت إليه اني لا أصل الى إدخال النساء عليك إلاّ أن تكون امرأة لا يؤبه بها و لا يجمل بك أن تمسّها.فقال لها:لست ابالي ما كانت بعد أن تكون امرأة.فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها-و كانت فيما يزعمون من بنات أشرافهم،إلاّ أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الامور،فأسلمتها في الحجامين،فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها،فحملت يزدجرد،فأمرت بها شيرين، فقصرت حتى ولدت و كتمت أمر الولد خمس سنين.
ثم انّها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر،فقالت له:هل يسرّك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه.فقال:لا ابالي.
فأمرت يزدجرد،فطيب و حلّي،فأدخلته عليه و قالت له:هذا يزدجرد بن شهريار.فدعا به،فأجلسه في حجره،و قبّله،و عطف عليه،و أحبه حبّا شديدا، و جعل يبيته معه،فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه إذ ذكر ما قيل،فدعا به، فعرّاه من ثيابه،و استقبله و استدبره،فاستبان النقص في أحد و ركيه، فاستشاط غضبا و احتمله ليجلد به الأرض،فتعلقت به شيرين و ناشدته اللّه أن
لا يقتله،و قالت له:ان يكن أمر قد حضر في هذا الملك فليس له مردّ.فقال:ان هذا هو المشئوم الذي اخبرت عنه،فأخرجيه،فلا انظر إليه.فأمرت به،فحمل إلى سجستان.
و قال آخرون بل كان بالسواد عند ظؤرته في قرية يقال لها خمانية، و وثبت فارس على كسرى،فقتلته،و ساعدها على ذلك ابنه شيرويه ابن مريم الرومية،و كان ملكه(38)سنة (1)
تاريخ الطبري 1:617. [1]
.و كان مروان الحمار أراد دفع القضاء عنه بالنجوم فلم يتيسر له.ففي أخبار طوال الدينوري:لما هرب مروان من عساكر أبي مسلم طلبته الخيل، فحال بينها و بينه الليل،فعبر مروان النيل في سفينة،فصار في الجانب الغربي -و كان منجما-فقال لغلامه:اني ان سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على أعقابها،فقتل في تلك الليلة في النوم.
و كان المنصور جمع عنده المنجمين لدفع القضاء عنه،فلم يتيسر له.
و في(المروج):قال الفضل بن الربيع:كنت مع المنصور في السفر الذي مات فيه،فنزل منزلا،فبعث إليّ و هو في قبة و وجهه الى الحائط،فقال:ألم أنهك أن تدع العامة يدخلوا هذه المنازل،فيكتبوا فيها ما لا خير فيه.قلت:و ما هو؟قال:
أما ترى على الحائط مكتوبا:
أبا جعفر حانت وفاتك و انقضت سنوك و أمر اللّه لا بد نازل
أبا جعفر هل كاهن أو منجم يرد قضاء اللّه أم أنت جاهل
فقلت:و اللّه ما أرى على الحائط شيئا و انه لنقي أبيض.قال:فاذن نفسي نعيت إليّ (2).
و مرّ أن جعفر البرمكي أمر المنجمين لاختيار وقت له لانتقاله الى قصر له بناه،فانتقل إليه في ذاك الوقت،فسمع من ينشد:
يدبر بالنجوم و ليس يدري و ربّ النجم يفعل ما يريد (1)
مر نقله عن فرج المهموم [1]عن أخبار و زراء عبد الرحمن بن المبارك.
و في(المروج):قال الأصمعي:وجه إليّ الرشيد في ليلة قتل جعفر البرمكي،فقال:قلت شعرا فاسمعه:
لو أن جعفرا أهاب أسباب الردى لنجا بمهجته طمّر ملجم
و لكان من حذر المنون بحيث لا يسمو إليه به العقاب القشعم
لكنه لما تقارب وقته لم يدفع الحدثان عنه منجم (2)
و في(كامل الجزري):قال منجم ليحيى بن تميم صاحب إفريقية:ان عليه قطعا في يوم الأضحى من سنة(509)فلا يركب الى المصلى،فلم يخرج و أخرج أولاده و أهل دولته،فلما انقضت الصلاة حضروا عنده للسلام عليه و انصرفوا الى الطعام،فقام ليحضر معهم فلم يمش غير ثلاث خطى حتى وقع ميتا (3).
و فيه:كان المنجمون يقولون لسعد الدولة المعروف بالطواشي:انّك تموت مترديا،حتى انّه ولى بيروت و أرضها مفروشة بالبلاط،فقلعه خوفا أن يزلق به فرسه،فأنفذه أمير الجيوش لحرب الفرنج،فانهزم فتردى به فرسه فسقط ميّتا و لم ينفعه الحذر مع القدر،كان ذلك في سنة(496) (4)و أما ابن طاوس فزعمه ان اصاباتهم مفيدة،فرد على المرتضى في قوله بأنّه لو كانوا مصيبين كانوا سالمين من الآفات،بأنّه ليس كلّ من عرف علما
عمل بعلمه،و خلص نفسه من الردى.
و أورد عليه نقضا لو أن قائلا قال لك:لو كان العقل موجودا مع الموصوفين به لكان السالمون به من الآفات أضعاف الهالكين مما ليس لها عقول،و نحن نرى الآفات على الفريقين على المناسبة (1)
فرج المهموم:48 و 49. [1]
.فيقال له:انما الناس لم يعملوا بعلمهم في أمر الدين،و أما فيما كان راجعا الى دنياهم فيتهالكون عليه.و انما الجواب الصحيح للمرتضى ما قلنا، و نزيد ان اصابة الآفات لأهل النجوم و لغيرهم على السواء قد يكون لعدم فهم المنجم لقصر علمه،كما عرفت في علّة الواثق و قضية الوزير السلجوقي،و قد يكون لكون ما فهمه من النجوم مجملا لا يصل معه الى المراد،كما في تنحي هارون عن دخول بيهق لئلا يرد في سناباد،و محل قتل أبي مسلم بالروم و الرومية،و موت المأمون برقة الروم و رقة العراق.
و في(تاريخ اليعقوبي):كان الفضل بن سهل كثيرا ما يقول في أيام المأمون:
لئن نجوت أو نجت ركائبي من غالب و من لفيف غالب
اني لنجّاء من الكرائب
و لا يدري من غالب،و لا يذهب إلاّ إلى قريش،حتى دخل عليه غالب الرومي صاحب ركاب المأمون،فقتله،فقال له الفضل:لك مائة ألف دينار.
فقال:ليس بأوان تملّق،و لا رشوة،و قتله (2).
و في(الادباء):كان في قابوس بن وشمكير عسف و شدّة،فسئمه عسكره،فتغيّروا عليه،و حسنوا لابنه منوجهر حتى قبض عليه،و قالوا له:إن
لم تقبض عليه قتلناه،و اذا قتلناه فلا نأمنك على نفوسنا،فنحتاج أن نلحقك به، فوثب عليه،و قبض عليه،و سجنه في القلعة،و منعه ما يتدثر به في شدّة البرد، فجعل يصيح:أعطوني و لو جلّ دابة حتى هلك.و كان حكم على نفسه في النجوم أن منيته على يد ولده،فأبعد ابنه دارا لما كان يراه من عقوقه،و قرّب ابنه منوجهر الذي أخذه لما رأى من طاعته له.
و لغلام زحل جمع آخر في صوابهم و خطئهم،ففي(أخبار حكماء القفطي):اجتمع يوما الضميري و النوشنجاني و العروضي و المقدسي و غلام زحل عند أبي سليمان المنطقي،و كلّ واحد منهم امام في شأنه و فرد في صناعته،فذكروا علم النجامة و قالوا:هي من العلوم التي لا تجدي.فقالوا و أطالوا،فقال غلام زحل:ان صحتها و بطلانها متعلقان بآثار الفلك،و قد يقتضي شكل الفلك في زمان ألا يصحّ منها شيء،و ان غيص على دقائقها، و بلغ الى أعماقها،و قد يزول ذلك الشكل،فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه، و ان قورب في الاستدلال،و قد يتحوّل هذا الشكل في وقت آخر الى أن يكثر الصواب فيها أو الخطأ و يبقى زمنا.قال:و متى وقف الأمر على هذا الحد لم يثبت على قول قضاء و لا وثق بجواب،فقال أبو سليمان المنطقي:هذا أحسن ما يمكن أن يقال في الباب و اسم غلام زحل عبيد اللّه بن الحسن.
كما أن ما نقل ابن طاوس عن المرتضى انّه قال:مما أفحم به القائلون بصحّة الأحكام و لم يحصل منهم على جواب انّهم ان قيل لهم في شيء بعينه خذوا الطالع و احكموا هل يؤخذ أو يترك،فان حكموا بأحدهما و فعل خلاف ما حكموا به فقد أخطئوا،و ما أجابه عنه من أن هذه المسألة انما تلزم من يقول ان النجوم علّة موجبة،فأما من يقول انها ليست بفاعل مختار يمكنهم أن يقولوا:ان النجوم و ان دلّت على فعل فإن اللّه تعالى فاعل مختار و قادر على
الترك و الفعل لا يطلع على ما يريده تعالى أحدا (1)
فرج المهموم:47. [1]
.ليس يصحّ جوابه،فان المرتضى انما قال العبد يقدر على خلاف ما أخبروا به،و هو قال ان اللّه قادر على خلاف ما أخبروا.كما لا يصحّ سؤال المرتضى فلم يعلم أصابة المنجم إلاّ بعد وقوع ما أخبر به كموارد اتفقت الموافقة،و اما إذا لم تقع موافقة فيحمل على خطئهم في الحساب،فإنّه لا ريب ان خطأهم أكثر من صوابهم،و لو فرض اصابته فالناس لا يقدرون على خلافه.
و في كتاب النظامي العروضي المترجم بچهار مقاله في الحكاية الثانية من العشر التي نقلها في(اصابات المنجمين):ان محمود الغزنوي كان في غزنين جالسا على سطح قصره الذي كان في بستانه الذي كان له ألف شجر، و كان للقصر أربعة أبواب،فقال لأبي ريحان البيروني:احكم من النجوم اني أخرج من أي باب من هذه الأبواب،و اكتب ذلك في رقعة،و اجعلها تحت فراشي،فأخذ أبو ريحان الأسطرلاب،و أخذ الارتفاع،و تفكّر ساعة،ثم كتب شيئا،و جعله تحت فراش السلطان،فأمر السلطان بإحضار الفعلة،و احداث باب خامس،ففعلوا،و خرج منه،ثم طلب ورقة أبي ريحان،فرأى انّه كتب:ان السلطان لا يخرج من هذه الأبواب،بل من باب آخر يحدثه.فغضب لاصابته، لأنّه أراد أخذ الخطأ عليه،فحكم أن يرموه من سطح القصر الى الأرض ففعلوا.
و كان قنص هناك مشدود على الجدار،فوقع فيه،فخرقه،و وصل الى الأرض هينا بحيث لم يصله جرح،فلما رأى ذلك السلطان طلبه و قال:هل علمت باسقاطك من القصر؟قال:نعم.قال:حجّتك.فقال:يا غلام ايتني بالتقويم، فأخرج تحويله منه،فرأى انّه كتب في أحكام ذلك اليوم انه يهوى به من
1) 1)
موضع مرتفع و لكنه يسلم،فغضب محمود ثانيا لإصابته و أمر بحبسه.
و في(أخبار حكماء القفطي):قال غرس النعمة محمد بن هلال:قال أبي:
ركبت أنا و أبو علي بن الحواري و أبو الحسن الديلمي و أبو طاهر الطبيب العلوي إلى دعوة أبي القاسم الوتّار،فلقينا أبو الحسن البتي و سألنا أن نمضي معه إلى مؤيد الملك أبي علي الرخجي وزير الوقت في حاجة له إليه،فرأينا شكحا المنجّم الأعمى،فقلنا له:لا بد من أن تأخذ طالع الوقت،و تحسب لنا فيما نمضي،و ما يجري لنا فيه اليوم.فقال:أنتم بطرون امضوا في طريقكم.فقلنا:
ما نبرح إلاّ بعد ذلك،فأخذ له طالع الوقت غلام كان معه،فقال:أنتم أضياف.
فقلنا:طريق.فقال:يقدم اليكم فيها السماء بنجومها،و للاستاذ أبي الحسن الذي معكم حاجة لا تقضى.فقال له:لا بشّرك اللّه بخير ويلك ما هذا مما تدلّ عليه النجوم غير أنّك رزقت حذقا رديا.ثم فارقناه و قصدنا مؤيد الملك،فما قضى الحاجة،و خرق رقعته،فعرفناه خبر شكح المنجم طلبا لأن يرجع عن فعله،فما رجع.و مضينا الى ابن الوتّار،و نحن نتوقع السماء التي ذكرها،فقدم الينا في آخر الطعام مقلي النرجسية،و قد صبغ بياض البيض و الباقلاء و اللحم بالنيل،حتى صار كزرقة السماء،و طرح صفار البيض عليه،فصار كالنجوم، فعجبنا من ذلك،و استظرفناه،و لم نشتغل عند ابن الوتّار في الدعوة ذلك اليوم إلاّ بحديث شكح المنجم.
كما أن طعن ابن طاوس في عنوان النهج بأن عيون جواهر ابن بابويه رواه عن نصر عن عمر بن سعد و هو قاتل الحسين عليه السّلام (1)
فرج المهموم:57. [1]
أيضا غلط منه، فان قاتله عليه السّلام كان عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري،و من روى عنه نصر انما هو عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي كما يظهر من أوّل1) 1)
كتابه،و نصر لم يدرك القاتل،و كيف يطعن في خبر نصر،و نصر ممّن يعتمد عليه العامة و الخاصة،مع انّه رواه غير نصر،كما عرفت عند ذكر أسانيده.
كطعنه في متن العنوان بأنّه لو كان صحيحا لكان عليه السّلام حكم على المنجم بالكفر،لأنّه تضمن ان المنجم كالكافر،و ما عرفنا انّه عليه السّلام حكم بذلك، بل قال لأصحابه سيروا و هو أحدهم.
و يبطل قوله في الخبر«من صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن»ان الطلائع في الحروب يدلّون على السلامة من هجوم الجيوش،و كثير من النحوس (1)
فرج المهموم:58 و 59. [1]
.ففي ما قاله ابتداء أنّه ورد ان شارب الخمر كعابد الوثن،مع انه ليس بكافر مثله،و من أين انّه عليه السّلام قال للمنجم ثانيا،ففي الخبر انّه عليه السّلام أعرض عنه، و أقبل على أصحابه،و حذّرهم من تعلّم النجوم،ثم أمرهم بالمسير،مع ان في رواية ابن ديزيل و رواية سبط ابن الجوزي انّه عليه السّلام قال له«لئن بلغني انّك تعمل بالنجوم لأخلدنك في السجن»كما مر.
و أي ربط لقوله لما أورده من النقض على قوله «فمن صدقك بهذا،فقد كذّب القرآن» و كيف لا يكون المصدق له مكذّبا بالقرآن،و قد كان قال له عليه السّلام ان سرت في هذه الساعة تهلك،و ان سرت في ساعة أنا أقول تظفر،و قد قال تعالى: «وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ» (2)،فانّه ان قلنا بصحّة كون النجوم علامات،فلا يقدر المنجم أن يجعل ما جعله تعالى سعدا نحسا أو بالعكس،و هذا موضع اشتباههم و خلطهم.
و أما النهي عن التزوّج و القمر في العقرب،و السفر يوم الاثنين فشيء آخر.
هذا،و من اصاباتهم ما في(المعجم):ذكر أبو سهل بن نوبخت أمرني المنصور لمّا أراد بناء بغداد بأخذ الطالع،ففعلت،فإذا الطالع في الشمس و هي في القوس،فخبرته بما تدلّ النجوم عليه من طول بقائها،و كثرة عمارتها، و فقر الناس الى ما فيها.ثم قلت:و أخبرك خلة اخرى أسرك بها.قال:و ما هي؟ قلت:نجد في أدلّة النجوم انّه لا يموت بها خليفة أبدا حتف أنفه،فتبسّم،قال:
و لذلك يقول عمارة بن عقيل:
قضى ربّها ألا يموت خليفة بها انّه ما شاء في خلقه يقضي
قال:و المنصور مات و هو حاجّ،و المهدي بما سبذان،و الهادي بعيساباد قرية أو محلة بالجانب الشرقي من بغداد،و الرشيد بطوس،و قتل الأمين بالجانب الشرقي،و مات المأمون بالبذندون،و مات المعتصم و الواثق و المتوكل و المنتصر و باقي الخلفاء بسامراء،ثم انتقل الخلفاء الى التاج من شرقي بغداد،و تعطّلت مدينة المنصور منهم (1)
معجم البلدان 1:460. [1]
.قلت:و أخطأ أبو سهل و المنصور في السرور بعدم موت خليفة فيها، فإن لفظه كان سرورا،و معناه كان حزنا،لأن معناه أن خلفاءها يموتون غرباء بعيدين عن دار ملكهم .
«سيروا على اسم اللّه» قال الشاعر:
لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقاد التمائم ان الاشائم كالأيامن و الأيامن كالأشائم
في باب الأيام من أبواب(حجّ الفقيه):روي عن عبد الملك بن أعين قلت
1) 1)
للصادق عليه السّلام:انّي قد ابتليت بهذا العلم،فأريد الحاجة،فإذا نظرت الى الطالع و رأيت الطالع الشر جلست و لم أذهب فيها،و إذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة.فقال لي:تقضي؟فقلت:نعم.قال:احرق كتبك (1)
الفقيه 2:175 ح 14.
.و في(تاريخ الطبري):نادى علي عليه السّلام بالرحيل الى الخوارج،و خرج، فعبر الجسر،فصلّى ركعتين بالقنطرة،ثم نزل دير عبد الرحمن،ثم دير أبي موسى،ثم أخذ على قرية شاهي،ثم على دباها،ثم على شاطئ الفرات،فلقيه في مسيره ذلك منجم أشار عليه بسير وقت من النهار و قال له:ان سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت و أصحابك ضرّا شديدا،فخالفه و سار في الوقت الذي نهاه.فلما فرغ من النهر قال:لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهّال سار في تلك الساعة فظفر (2).
و فيه:لما أراد علي عليه السّلام المسير الى أهل النهر من الأنبار قدم قيس بن سعد بن عبادة،و أمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره،ثم جاء مقبلا و وافاه قيس و سعد بن مسعود الثقفي بالنهر-الى أن قال بعد ذكر اتمامه عليه السّلام الحجّة عليهم-تنادوا لا تكلّموهم،فعبأ علي الناس،فجعل على ميمنته حجر بن عدي،و على ميسرته شبث أو معقل بن قيس الرباحي،و على الخيل أبا أيوب الأنصاري،و على الرجالة أبا قتادة الأنصاري،و على أهل المدينة قيس بن سعد ابن عبادة،و عبأت الخوارج،فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي،و على ميسرتهم شريح بن أوفى العبسي،و على خيلهم حمرة بن سنان الأسدي،و على الرجّالة حرقوص بن زهير السعدي.
الى أن قال:فو اللّه ما لبثوهم ان أناموهم (1)
تاريخ الطبري 4:61-64،سنة 37. [1]
.هذا،و في(الأغاني):مر امرؤ القيس في مسيره الى بني أسد ليثأر بأبيه منهم بتبالة،و بها صنم للعرب تعظّمه يقال له ذو الخلصة،فاستقسم عنده بقداحه-و هي ثلاثة الآمر و الناهي و المتربص-ثم أجالها،فخرج الناهي،ثم أجالها فخرج الناهي،ثم أجالها فخرج الناهي،فجمعها،و كسرها،و ضرب بها وجه الصنم،و قال له:مصصت بظر امك لو أبوك قتل ما عقتني،ثم خرج فظفر ببني أسد.
و كتبوا من خطئهم ما في(التقريب):فتح المعتصم عمورية،و كان المنجمون أجمعوا على أنها لا تفتح في تلك الغزاة،قال أبو تمام:
أين الرواية أو أين النجوم و ما صاغوه من زخرف فيها و من كذب
و من صوابهم ما في حكماء القفطي:حكى ابن نصر الكاتب ان بعضهم خاطر مخرج الضمير المنجم على دنانير في إخراج ما خبأ له،فخرج الضمير الزايجة و لم يزل يقول خبأت جوهرا من جواهر الأرض لا طعم له و لا رائحة.
ثم قال:و هو حجر،ثم رمى عمامته عن رأسه و مضى الى السوق على تلك الحال و عاد و قال خبأت مسنا مثل هذا-و رمى من يده قطعة من مسن-و أخذ الدنانير قلنا لم عدوت مكشوف الرأس؟قال:دلّني كوكب على لون و كوكب آخر على لون غيره و تقابلت الدلالتان فلم تعلق أحداهما بالاخرى،و لم أدر إذا ما امتزجا ما اللون الذي يخرج بينهما،و عمي قلبي من الفكر،فكشفت رأسي و عدوت الى الصباغ و قلت له:إذا مزجت اللون الفلاني باللون الفلاني أي شيء يخرج بينهما؟قال مسني فقلت هو مسن زجرا و تخمينا،فخرج الحدس صحيحا.
1) 1)
و في(الصحاح):«و المسن حجر يحدد به».
و ما فيه قال الحسن بن رافع الكاتب:جلست في بعض الدكاكين الشارعة على طريق أحمد بن طولون قبل أن يدخل مصر بساعة، و الناس مجتمعون لتأمله عند دخوله،و جلس معي شاب مكفوف ينسب الى قبيل صاحب الملاحم المعروف بالمكفوف الملاحمي،فسأله رجل عمّا يجده في كتبهم له،فقال:هذا رجل صفته كذا و كذا،و يتقلّد و ولده قريبا من أربعين سنة.فما تمّ كلامه حتى مر بنا ابن طولون،و كان كما ذكر لم يغادر شيئا منه.
و اتفق أن نظر بعض المنجمين في مصر طالع الدخول في الأسطرلاب، فكان ثلاث عشرة درجة من برج العقرب،فقال بعض من له يد في الحكم النجومي:هذا طالع من قامت به دولة بني العباس،فان صدق الحكم يملك هذا البلد و يملكه قوم من نسله قرآنين،و هو قريب من أربعين سنة،فعجب الحاضرون من اتفاق القولين في ذلك.و كان الأمر كما قيل،فإنّه ملك و ولده و ولد ولده ثمانيا و ثلاثين سنة .
الخطبة(208)
و من كلام له عليه السّلام و قد سأله سائل عن أحاديث البدع،و عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر،فقال عليه السّلام:
إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلاً- وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً- وَ عَامّاً وَ خَاصّاً- وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهْماً- وَ لَقَدْ كُذِبَ عَلَى ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ عَلَى عَهْدِهِ- حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ- مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- وَ إِنَّمَا أَتَاكَ
بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ- رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلاَمِ- لاَ يَتَأَثَّمُ وَ لاَ يَتَحَرَّجُ- يَكْذِبُ عَلَى؟رَسُولِ اللَّهِ؟ مُتَعَمِّداً- فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ- وَ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ- وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ- وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ- وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ- عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلاَمُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلاَلَةِ- وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ- فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ- فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَ الدُّنْيَا- إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ- وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ؟رَسُولِ اللَّهِ؟ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ- فَوَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ- وَ يَرْوِيهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ- وَ يَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ- وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ- وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ شَيْئاً- يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لاَ يَعْلَمُ- أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لاَ يَعْلَمُ- فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ- فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ- وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ- وَ آخَرُ رَابِعٌ- لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ- مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ تَعْظِيماً؟لِرَسُولِ اللَّهِ ص؟- وَ لَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ- فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ- لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ- فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ- وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ- وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ- وَ عَرَفَ و المتشابِهَ وَ مُحْكَمَهُ
وَ قَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ الْكَلاَمُ- لَهُ وَجْهَانِ فَكَلاَمٌ خَاصٌّ وَ كَلاَمٌ عَامٌّ- فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ- وَ لاَ مَا عَنَى؟رَسُولُ اللَّهِ؟- فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ يُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ- وَ مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ- وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ؟رَسُولِ اللَّهِ؟ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ- حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَ الطَّارِئُ- فَيَسْأَلَهُ حَتَّى يَسْمَعُوا- وَ كَانَ لاَ يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ- فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلاَفِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ أقول:و رواه( الكافي الكليني-الكافي-كتاب العقل و الجهل باب اختلاف الحديث ج 1 ص 62 ح 1 )في كتاب العقل و الجهل في باب اختلاف الحديث، و رواه الصدوق في( اعتقاداته الشيخ الصدوق-الاعتقادات-ص 49 )و في( خصاله الشيخ الصدوق-الخصال-باب الأربعة،ج 1 ص 255 ح 131 )في باب الأربعة،و رواه ابن شعبة الحلبي في( تحف عقوله ابن شعبة الحلبي-تحف العقول-ص 193 )،و رواه محمد بن جرير بن رستم الطبري في ( مسترشده محمد بن جرير بن رستم الطبري-المسترشد- )،و رواه سبط ابن الجوزي في( تذكرته سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 142 و 143 )،و كذا جدّه في( مناقبه ابن الجوزي-المناقب- )، و رواه( غيبة النعماني-الغيبة-باب ان الأئمة عليهم السّلام اثنا عشر ص 49 النعماني)في باب ان الأئمة عليهم السّلام اثنا عشر (1)
رواه الصدوق في الاعتقادات:49،و [1]في الخصال 1:255 ح 131،و ابن شعبة في تحف العقول:193،و النعماني في الغيبة:49،و [2]يأتي تخريج غيره في موضعه.
.روى الأول عن القمي عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قلت لأمير المؤمنين عليه السّلام:اني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبي غير ما في أيدي الناس،ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم،و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و الأحاديث عن النبيّ أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون ان ذلك كلّه باطل،أفترى الناس يكذبون على رسول اللّه متعمدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟
1) 1)
فأقبل عليه السّلام عليّ و قال:قد سألت فافهم الجواب،ان في أيدي الناس حقّا و باطلا،و صدقا و كذبا،و ناسخا و منسوخا،و عامّا و خاصّا،و محكما و متشابها،و حفظا و وهما،و قد كذب على النبي على عهده حتى قام خطيبا فقال:«أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»،ثم كذب عليه من بعده،و انما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالإسلام لا يتأثم و لا يتحرّج ان يكذب على النبي متعمدا،فلو علم الناس انّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه و لكنّهم قالوا هذا صحب النبي و رآه و سمع منه،فأخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله،و قد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم،فقال تعالى: «وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» (1)
:4.
ثم بقوا بعده،فتقرّبوا الى أئمة الضلالة و الدعاة الى النار بالزور و البهتان و الكذب،فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا،و انما الناس مع الملوك و الدنيا إلاّ من عصم اللّه، فهذا أحد الأربعة.و رجل سمع من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه فلم يتعمد كذبا،فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه فيقول انا سمعته من النبي، فلو علم المسلمون انّه و هم لم يقبلوه و لو علم هو انّه و هم لرفضه.
و رجل ثالث سمع من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا أمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم،فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ،فلو علم انّه منسوخ لرفضه،و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه انّه منسوخ لرفضوه المنافقون.
1) 1)
و آخر رابع لم يكذب على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مبغض للكذب خوفا من اللّه تعالى و تعظيما لرسوله و لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه،فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه،و علم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ،فان أمر النبيّ مثل القرآن ناسخ و منسوخ،و خاص و عام،و محكم و متشابه،و قد كان يكون من النبي الكلام له و جهان:كلام عام و كلام خاص مثل القرآن و قال تعالى في كتابه: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1)
الحشر:7. [1]
فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه و رسوله به،و ليس كلّ أصحاب النبيّ كان يسأله عن الشيء فيفهم،و كان منهم من يسأله و لا يستفهمه حتى ان كانوا ليحبون ان يجيء الاعرابي و الطارئ فيسأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى يسمعوا.و قد كنت أدخل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلّ يوم دخلة و كلّ ليلة دخلة،فيخليني فيها أدور معه حيث دار،و قد علم أصحاب النبيّ انّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري،فربما كان في بيتي يأتيني و كنت إذا دخلت عليه في منازله أخلا بي و أقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري،و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة و لا أحد من ابنيّ،و كنت إذا سألته أجابني،و إذا سكت عنه و فنيت مسائلي ابتدأني،فما نزلت على النبي آية من القرآن إلاّ أقرأنيها و أملاها عليّ،فكتبتها بخطي و علّمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها،و محكمها و متشابهها،و خاصّها و عامّها،و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها،فما نسيت آية من كتاب اللّه تعالى و لا علما أملاه عليّ،و ما ترك شيئا مما علّمه اللّه من حلال و لا حرام،و لا أمر و لا نهي كان أو يكون و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علمنيه،ثم وضع يده على صدري
1) 1)
و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا-الخبر (1)
الكافي 1:62 ح 1. [1]
.و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):قال الشعبي حدّثني من سمع عليّا عليه السّلام -و قد سئل عن سبب اختلاف الناس في الحديث-يقول:الناس أربعة:منافق مظهر للايمان،و مضيع للإسلام،و قلبه يأبى الايمان لا يتأثم و لا يتحرّج،كذب على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متعمدا،فلو علم الناس حاله لما أخذوا عنه،و لكنهم قالوا صاحب رسول اللّه فأخذوا بقوله،و قد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبر و وصفهم بما وصف،ثم انهم عاشوا بعده فتقرّبوا الى أئمة الضلالة و الدعاة الى النار بالزور و البهتان،فولوهم الأعمال و جعلوهم على رقاب الناس، فأكلوا بهم الدنيا،و انما الناس تبع للملوك إلاّ من عصمه اللّه.
و رجل سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ثم غاب عنه و نسخ ذلك القول و الفعل و لم يعلم،فلو علم أنّه نسخ ما حدّث به،و لو علم الناس انّه نسخ لما نقلوا عنه.
و رجل سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول قولا فوهم فيه،فلو علم أنّه و هم فيه لما حدّث عنه و لا عمل به.
و رجل لم يكذب و لم يغب حدّث بما سمع و عمل به.فأما الأول فلا اعتبار بروايته لا يحلّ الأخذ عنه،و أما الباقون فينزعون الى غاية،و يرجعون الى نهاية و يستقون من قليب واحد،و كلامهم أشرق بنور النبوّة ضياؤه و من الشجرة المباركة اقتبست ناره-و هذه رواية الشعبي.
و في رواية كميل بن زياد عنه انّه قال:ان في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا،و ناسخا و منسوخا،و عامّا و خاصّا،و محكما و متشابها، و حفظا و وهما،و قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عهده حتى قام خطيبا فقال:
1) 1)
من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار،و انما يأتيك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس-و ذكرهم (1)
تذكرة الخواص:142 و 143. [1]
.و في(مناقب ابن الجوزي)-كما في(البحار)-قال علي عليه السّلام و قد سئل عن أحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من رواية الشعبي عن ضرار بن ضمرة و عبد خير قالا له:قيل له ما سبب اختلاف الناس في الحديث-إلخ،مثل ما في تذكرة سبطه الى اقتبست ناره»ثم قال:و في رواية انّه قال «في أيدي الناس» -إلخ مثله (2).
و رواه( الاحتجاج -الاحتجاج-ج 1 ص 263 )جزء ما رواه عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليه السّلام أنّه عليه السّلام خطب لما كان معه ناس من أهل بيته و خاص شيعته- فقال:لقد عمل الولاة قبلي بامور عظيمة خالفوا فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متعمدين لذلك،و لو حملت الناس على تركها و حولتها الى مواضعها التي كانت عليها على عهد النبي لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي إلاّ قليلا من شيعتي،الذين عرفوا فضلي و إمامتي من كتاب اللّه و سنّة نبيه،أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السّلام-إلى أن قال-فقال له رجل:اني سمعت من سلمان و أبي ذر و المقداد أشياء في تفسير القرآن و الرواية عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و سمعت منك تصديق ما سمعت منهم،و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و الأحاديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنتم تخالفونهم و تزعمون أن ذلك باطل، فترى الناس يكذبون متعمدين على النبي و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ فأقبل عليه السّلام فقال له:قد سألت فافهم الجواب،ان في أيدي الناس حقّا و باطلا- إلخ مثله (3).
و رواه الكشي الكشي-اختيار معرفة الرجال-عنوان سليم بن قيس ص 104 ح 167 في عنوان سليم بن قيس عن ابان بن أبي عياش عن سليم-و زاد-قال أبان:فقدر لي بعد موت الحسين عليه السّلام أني حججت فلقيت محمد بن علي عليه السّلام فحدثته بحديث سليم،فقال:صدق سليم،أتى أبي بعد جدّي الحسين و أنا عنده فحدّثه بهذا الحديث،فقال له أبي:صدقت حدّثني بهذا الحديث أبي الحسين و عمّي الحسن عن أمير المؤمنين-إلخ (1)
اختيار معرفة الرجال:104 ح 167.
.و بالجملة رواه العامة و الخاصة بطرق متعددة،العامة عن ضرار بن ضمرة و عبد خير و كميل و الخاصة عن سليم و غيره كما عرفت.
قول المصنف:(و من كلام له عليه السّلام و قد سأله سائل عن أحاديث البدع) هكذا في المصرية و ابن ميثم و لكن في نسخة ابن أبي الحديد(عن مسائل البدع) (2).
(و عمّا في أيدي الناس)غير شيعته(من اختلاف الخبر)مع ما عنده عليه السّلام و عند شيعته(فقال عليه السّلام)هو توكيد بعد قوله «و من كلام له» كما لا يخفى.
قوله عليه السّلام : «ان في أيدي الناس حقّا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و محكما و متشابها و حفظا و وهما» و اطلق السائل على جميعها عنوان الكذب،فبيّن عليه السّلام ان لها عناوين،و بيّنها عموم من وجه،فالناسخ و المنسوخ،و العام و الخاص،و المحكم و المتشابه،كلّها صدق من حيث الصدور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لكن العمل بالجميع ليس بحق،فلا يجوز العمل بالمنسوخ،و لا بالعام في غير مورده الخاص،و لا بالمتشابه،و انما الحق الناسخ و الخاص و المحكم،كما أن الوهم ليس بكذب و انما هو باطل،و الحفظ حق و صدق و خاص و محكم.
«و لقد» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و قد)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 11:38 [1] لكن شرح ابن ميثم 4:19. [2]
.«كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على عهده» ذكر عليه السّلام ذلك لرفع استبعاد الكذب على النبيّ بعده،فالسائل كان تعجب من أن يكذبوا عليه بعده (حتى قام خطيبا) .
المفهوم من خبر مجادلة الجواد عليه السّلام مع يحيى بن أكثم في أخبار وضعوها في الفضائل للشيخين ان قيام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك خطيبا كان في حجّة الوداع قائلا:قد كثرت عليّ الكذّابة و ستكثر،فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوء مقعده من النار (2).
«فقال:من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» قال سبط ابن الجوزي:
رواه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مائة و عشرون من الصحابة ذكرتهم في كتابي(حق اليقين ) (3).
«و انما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس» بحكم الاستقصاء .
«رجل منافق مظهر للايمان» بلسانه. «متصنع بالاسلام» كالمغيرة بن شعبة مشير الصديق لهم و الفاروق،فانما تصنّع بالإسلام لغدره بقومه. «لا يتأثم و لا يتحرّج» أي:لا يعد شيئا اثما له و لا حرجا عليه. «يكذب على رسول اللّه متعمدا» لعدم اعتقاده باللّه.
روى نصر بن مزاحم:ان عثمان لما قتل و أتى معاوية كتاب علي عليه السّلام بعزله عن الشام خرج حتى صعد المنبر،ثم نادى في الناس أن يحضروا،
فخطبهم و قال:يا أهل الشام قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب،و خليفة عثمان،و قتل مظلوما،و قد تعلمون أني وليّه،و قال اللّه في كتابه «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً» (1)
الاسراء:33. [1]
،و أنا أحب أن تعلموني ما في أنفسكم من قتل عثمان.فقام مرة بن كعب السلمي و في المسجد يومئذ أربعمائة رجل أو نحو ذلك من أصحاب النبي،فقال:و اللّه لقد قمت مقامي هذا،و اني لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة للنبي مني،و لكني قد شهدت منه مشهدا لعلّ كثيرا منكم لم يشهده،و إنّا كنّا معه نصف النهار في يوم شديد الحر،فقال:لتكونن فتنة حاضرة-فمر رجل مقنع-فقال النبي هذا المقنع يومئذ على الهدى،فقمت، فأخذت بمنكبيه و حسرت عن رأسه،فإذا عثمان،فأقبلت بوجهه الى النبي، فقلت:هذا.قال:نعم.فأصفق حينئذ أهل الشام مع معاوية و بايعوه على الطلب بدم عثمان أميرا لا يطمع في الخلافة ثم الأمر شورى (2).
و من الغريب ان ابن أبي الحديد نقله في شرح عنوان«من كلام له عليه السّلام و قد اشير عليه بالاستعداد للشام»عن كتاب ابن ديزيل و قال:هذا الحديث رواه كثير من محققي أصحاب الحديث،و رواه البخاري في تاريخه بعدّة روايات.و ليس لقائل أن يقول فهذا الحديث إذا صححتموه كان حجّة السفيانية،لأنّا نقول الخبر تضمن على أن عثمان و أصحابه على الحق،و هذا مذهبنا فإنّا نذهب ان عثمان قتل مظلوما،و انّه و ناصريه يوم الدار على الحق، و ان القوم الذين قتلوه لم يكونوا على الحق،فأما معاوية و أهل الشام الذين
حاربوا عليّا بصفين فليسوا بداخلين في الخبر (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:100. [1]
.فان مرة بن كعب وضعه معاوية قبل،و علمه وضع هذا الحديث ليقدر على محاربة أمير المؤمنين عليه السّلام،و يجعله باطلا،و يجعل نفسه حقّا،و هل كان فهم ابن أبي الحديد دون فهم أهل الشام،فانّهم مع كونهم كالأنعام فهموا بفطرتهم المانعة من الجمع بين الضدين أن مقتضى الحديث حقّيّة معاوية و بطلان علي،فاصفقوا صفقة واحدة مع معاوية على الطلب بدمه،لكون اتحاد معاوية و عثمان من البديهيات،و قد كان معاوية قال لعثمان:اجعل لي الطلب بدمك.فقال له:هذه لك ان قتلت فلا يطل دمي.
و إذا كان محققوا حديثهم و امام حديثهم البخاري و رووه فويل لأحاديثهم،فآثار الوضع عليه كالشمس لائحة،لكن لما اتخذوا عثمان الذي أباح المسلمون دمه و كفّروه إماما،لا بد لهم من أن يبنوا له موضوعات معاوية و اتباعه.
ثم قول ابن أبي الحديد:عثمان و أصحابه يوم الدار كانوا على الحق، فعمدة أصحابه و أنصاره انما كان مروان طريد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لعين النبي، و من يستهزء بالوليد بن عتبة لما تحرج من شركته في دم الحسين عليه السّلام.
ثم المنافق الذي لا يتحرّج أن يكذب على النبيّ متعمدا قد يضعه من رأس كخبر مرة هذا،و ان كان وضعه في مقابل قول النبي في أمير المؤمنين في ما رواه جمع منهم ابن مردويه و أخطب خوارزم و المعافى بن زكريا و غيرهم مسندا عن أبي ذر و المقداد و سلمان قالوا:كنّا قعودا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما معنا غيرنا إذ أقبل ثلاث رهط من المهاجرين و البدريين،فقال:تفترق امتي ثلاث فرق بعدي،فرقة أهل حق لا يشوبون بباطل مثلهم كمثل الذهب
1) 1)
كلّما فتنته بالنار إزداد جودة و طيبا إمامهم هذا-و أشار الى أحدهم-و هو الذي أمر اللّه به في كتابه إماما و رحمة،و فرقة أهل باطل لا يشربونه بحق مثلهم كمثل خبث الحديد كلما فتنته بالنار إزداد خبثا و إمامهم هذا-و أشار الى آخر من الثلاثة-و فرقة أهل ضلالة مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و إمامهم هذا-و أشار الى آخر.قال:فسألتهم عن أهل الحق و إمامهم،فقالوا هو علي بن أبي طالب إمام المتقين،و امسكوا عن الاثنين،فجهدت أن يسمّوهما، فلم يفعلوا (1)
رواه عنهم ابن طاوس في الطرائف 1:241 ح 346. [1]
.و قد يأخذ ذاك المنافق كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فيخرجه عن مورده،أو يزيده و ينقصه،و يجعله كذبا،فروى الخطيب الناصبي في محمد بن اسحاق ابن مهران المعروف بشاموخ رواية شاموخ عن جابر أن النبي قال«إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنّه أمين مأمون»،فإن الأصل في الخبر ما رواه نصر بن مزاحم عن عمرو بن ثابت عن إسماعيل عن الحسن البصري قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه».قال الحسن فحدّثني بعضهم ان أبا سعيد الخدري قال:فلم نفعل و لم نفلح.
و رواه نصر بلفظ آخر باسناد عن الحسن و اسناد عن ابن مسعود قالا:
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه»قال الحسن:فما فعلوا و لا أفلحوا (2).
فترى بدل قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«فاقتلوه»من القتل بقوله«فاقبلوه»من القبول-و زاد قوله«فانه أمين مأمون»شاهدا لتبديله.
و من الغريب أن الخطيب قد يروي أحاديث مجمع عليها في أمير
المؤمنين عليه السّلام و يطعن فيها بأنها منكرة،و لم يقل هنا سوى«ان رجال السند ما بين محمد بن إسحاق و ابي الزبير مجهولون»حشره اللّه مع ذلك الأمين المأمون.
و من هذا القبيل رواية أبي بكر أن النبي قال:«نحن معاشر الأنبياء ما تركناه صدقة» (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2:185 و 301 و 3:17 و 55 و 4:164،و مسلم في صحيحه 3:1380 و 1381 ح 52-54 و غيرهم.
فان الأصل فيه ان النبي قال-كما قال الصادق عليه السّلام- «ان العلماء ورثة الأنبياء،و ان الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما،و لكن ورثوا العلم،فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر» (2)فالخبر انما كان في مقام ان الأنبياء لما لم يكونوا من أهل الدنيا الذين همّهم جمع المال ما يتركون بعدهم شيئا مهما من عرض الدنيا،و انما يتركون أحاديث مبينة لأحكام الدين لأنها الأصل عندهم،لا انهم مخصوصون من بين الناس بحكم في الميراث،و خارجون من العموم،فزاد عليه«ما تركناه صدقة»حتى يسلخه عن المعنى الأوّل و يسوقه الى مراده،و إلا فكيف يعقل أن تكون فاطمة التي شهد اللّه تعالى بعصمتها في آية التطهير (3)و شهد عزّ و جلّ باختصاصها من بين نساء العالم بالنبي في آية المباهلة (4)و قال فيها أبوها في المتواتر«انها سيّدة نساء العالمين» (5)و في المستفيض انّها بضعة منه،و رضاها رضاه،1) 1)
2) 2) رواه عن طريق الصادق عليه السّلام و غيره عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الكليني في الكافي 1:32 ح 2،و [1]الصفار في البصائر:30 و 31 ح 1 و 3 و [2]البخاري في صحيحه 1:23،و أبو داود في سننه 3:317 ح 3641 و [3]غيرهم.
3) 3) انظر الآية 33 من سورة الأحزاب.
4) 4) انظر الآية 61 من سورة آل عمران.
5) 5) أخرجه البخاري في صحيحه 4:96،و مسلم في صحيحه 4:1904 و 1905 ح 98 و 99 و الحاكم في المستدرك 3: 151 و 154 و 156.
و سخطها سخطه (1)
أخرجه جمع كثير منهم البخاري في صحيحه 2:302 و 303 و 308 و 3:265،و مسلم في صحيحه 4:1902- 1904 ح 93-96.
و ان يكون أمير المؤمنين عليه السّلام الذي نص القرآن بكونه نفس النبي (2)و كان ملازما للنبي من مولده فضلا عن بعد بعثة النبي الى وفاة النبي ليلا و نهارا لم يسمعا هذا الحديث،و سمعه أبو بكر الذي تمنى حال الموت ان لو سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن حكم ميراث الجد هل بدلت قضية العقول لهؤلاء المدّعين للألباب،و هل التقليد و العصبية يبلغان بالإنسان هذه المرتبة.و لقد وضعوا أحاديث تضحك الثكلى من قلّة حياء واضعيها،و صلب وجوههم.فإن أغلب الكذّابين انّما يفترون في امور غير معلومة حقّها و باطلها، و أما من يكذب على خلاف العيان فكمن يبهت في وجه الانسان.نظير ما رواه الكشي في سفيان الثوري عن ميمون بن واقد قال:أتى قوم أبا عبد اللّه عليه السّلام من الأمصار و أنا عنده يسألونه عن الحديث،فقال لي:أتعرف أحدا من القوم؟ قلت:لا.قال:فكيف دخلوا عليّ؟قلت:هؤلاء قوم يطلبون الحديث من كلّ وجه لا يبالون ممّن أخذوا الحديث.فقال لرجل منهم:هل سمعت من غيري الحديث؟قال:نعم.قال:فحدثني ببعض ما سمعت.قال:انما جئت لأسمع منك لم أجئ احدثك.قال:اجعل الذي حدّثك أحاديثه أمانة لا تحدث بها أحدا أبدا.
قال:لا.قال:فاسمعنا ببعض ما اقتبست.قال:حدّثنا سفيان الثوري عمّن حدّثه عن محمد بن علي انّه قال:من لا يمسح على خفيه فهو صاحب بدعة،و من لم يشرب النبيذ فهو مبتدع،و من لم يأكل الجريث و طعام أهل الذمة و ذبائحهم فهو ضال،أما النبيذ فقد شربه عمر،و أما المسح فقد مسح عمر على الخفين ثلاثا في السفر و يوما و ليلة في الحضر،و اما الذبائح فقد أحلها علي و قال
كلوها فان اللّه يقول: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» (1)
المائدة:5. [1]
ثم سكت.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا.فقال:حدثتك بما سمعت.قال:أكلّ الذي سمعت هذا؟قال:لا.قال:فزدنا.قال:حدّثنا عمرو بن عبيد عن الحسن قال:
أشياء صدّق الناس بها و أخذوا بها ليس في كتاب اللّه لها أصل،منها عذاب القبر،و منها الميزان،و منها الحوض،و منها الشفاعة،و منها النيّة ينوي الرجل من الخير و الشر و لا يعمله فيثاب عليه و لا يثاب الرجل إلاّ بما عمل ان خيرا فخيرا و إن شرّا فشرا.قال ميمون:فضحكت من حديثه،فغمزني أبو عبد اللّه عليه السّلام أن كفّ حتى نسمع-فرفع الرجل رأسه إليّ و قال:ما يضحكك منّي من الحق أو الباطل.قلت:أو أبكي انّما يضحكني منك تعجبي كيف حفظت هذه الأحاديث،فسكت.
فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا.قال:حدّثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر انّه رأى عليّا على منبر الكوفة و هو يقول:لئن أتيت برجل يفضلني على أبي بكر و عمر لأجلدنّه حد المفتري.
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا.فقال:حدّثني سفيان عن جعفر انّه قال:
حبّ أبي بكر و عمر ايمان و بغضهما كفر.
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا،فقال:حدّثني يونس بن عبيد عن الحسن ان عليّا أبطأ عن بيعة أبي بكر و عمر فقال له عتيق:ما خلّفك يا علي عن البيعة،و اللّه لقد هممت أن أضرب عنقك.قال له علي:يا خليفة رسول اللّه لا تثريب.قال:لا تثريب.
قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا.قال:حدّثني سفيان الثوري عن الحسن أن
1) 1)
أبا بكر أمر خالد بن الوليد أن يضرب عنق عليّ إذا سلم من صلاة الصبح،و ان أبا بكر سلم بينه و بين نفسه ثم قال:يا خالد لا تفعل ما أمرتك.
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:زدنا.قال:حدّثني نعيم بن عبد اللّه عن جعفر بن محمّد أنّه قال:ود علي بن أبي طالب انّه بنخيلات ينبع يستظل بظلّهن و يأكل من حشفهن،و لم يشهد يوم الجمل و لا النهروان.
قال عليه السّلام:زدنا.قال:حدّثنا عباد عن جعفر بن محمد انّه قال علي-لما رأى كثرة الدماء يوم الجمل-لابنه الحسن:يا بني هلكت.فقال له الحسن:يا أبة أ ليس قد نهيتك عن هذا الخروج.فقال:يا بني لم أدر ان الأمر يبلغ هذا المبلغ.
فقال عليه السّلام له:زدنا.قال:حدّثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد ان عليّا لما قتل أهل صفين بكى عليهم ثم قال جمع اللّه بيني و بينهم في الجنّة.
قال ميمون:فضاق بي البيت و عرقت و كدت أن أخرج من مسكي، فأردت أن أقوم إليه و أتوطأه،ثم ذكرت غمزة أبي عبد اللّه عليه السّلام فكففت.فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:من أي البلاد أنت؟قال:من أهل البصرة.قال:فهذا الذي تحدث عنه و تذكر اسمه جعفر بن محمد تعرفه؟قال:لا.قال:فهل سمعت منه شيئا قط؟قال:لا.قال:فهذه الأحاديث عندك حق؟قال:نعم.قال:فمتى سمعتها؟ قال:لا أحفظ إلا أنّها أحاديث مصرنا منذ دهر لا يمترون فيها.فقال عليه السّلام:لو رأيت هذا الرجل الذي تحدّث عنه،فقال لك هذه التي ترويها عنّي كذب لا أعرفها و لم أحدث بها هل كنت تصدقه؟قال:لا.قال:و لم؟قال:لأنّه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عنق رجل لجاز قوله.فقال عليه السّلام له:اكتب«بسم اللّه الرحمن الرحيم حدّثني أبي عن جدي-قال:ما اسمك؟قال:و ما تسأل عن اسمي-ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام،ثم أسكنها الهواء،فما تعارف منها ثمة ائتلف هاهنا و ما تناكر منها ثمة اختلف هاهنا، و من كذب علينا أهل البيت حشره اللّه يوم القيامة أعمى يهوديا،و ان أدركه
الدجال آمن به و ان لم يدركه آمن به في قبره»يا غلام ضع لي ماء.فقال:لا تبرح و قام القوم فانصرفوا و قد كتبوا الحديث الذي سمعوا منه.ثم انّه عليه السّلام خرج و وجهه منقبض.فقال:أما سمعت ما يحدّث به هؤلاء.قلت:نعم ما هؤلاء و ما حديثهم.قال:كان أعجب حديثهم عندي الكذب عليّ و الحكاية عني ما لم أقل و لم يسمعه أحد،و قولهم لو أنكر الأحاديث ما صدقناه ما لهؤلاء،لا أمهل اللّه لهم و لا املي لهم.
ثم قال:ان عليّا عليه السّلام لما أراد الخروج من البصرة قام على أطرافها ثم قال:لعنك اللّه يا أنتن الأرض ترابا و أسرعها خرابا و أشدها عذابا،فيك الداء الدوي.قيل:ما هو؟قال:كلام القدري الذي فيه الفرية على اللّه و بغضنا أهل البيت و استحلالهم الكذب علينا (1)
اختيار معرفة الرجال:393 ح 741 و [1]النقل بتصرف يسير.
.و من أخبارهم الواضحة الوضع روايتهم أن عائشة زوجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الآخرة (2)،فمع كونه خلاف صريح القرآن،حيث ضرب تعالى مثلا لها و لصاحبتيها امرأة نوح و امرأة لوط و قال: «كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ» (3)و قال تعالى لهن: «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً» (4)و لا فاحشة أبين مما أيت به في الجمل من الخروج على الامام،و قتل آلاف من المؤمنين و المسلمين،و كيف
1) 1)
2) 2) أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة عنه منتخب كنز العمال 5:117،عن ابن عباس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الحاكم في المستدرك 4:10،عن عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و روى عن ضمرة بن حبيب و عيسى بن طلحة و مسلم البطين و أبي محمد مولى الغفاريين مرفوعا و عن علي عليه السّلام و عمّار موقوفا.
3) 3) التحريم:10. [2]
4) 4) الاحزاب:30. [3]
تكون زوجته في الآخرة،و لما قيل لها ندفنك عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالت:اني أحدثت بعده أحداثا،فادفنوني في البقيع مع اخواني (1)
اخرج هذا المعنى البخاري في صحيحه 4:266 و ابن سعد في الطبقات 8:51.
.و من المضحك أنّهم وضعوا ذلك على لسان أمير المؤمنين عليه السّلام،كما وضعوا لأبيها و صاحب أبيها على لسانه في مقابل ان الشيعة بل هم أنفسهم رووا عنهما فضائله عليه السّلام،حيث ان اللّه تعالى أجرى الحق على لسانهما كثيرا إتماما للحجّة عليهم،ليهلك من هلك عن بيّنة،و يحيي من حيي عن بيّنة.
و من أكاذيبهم تلقيبهم للرجلين بالصديق و الفاروق،و لأبي عبيدة بأمين الامة،و لابن عوف بأمين السماء و الأرض،و لخالد بسيف اللّه،و لجمع منه بالعشرة المبشرة،لمخالفة ما قالوا مع العقول،و تناقضه مع تواتر المنقول.
أما الأول فلأن الصّديقية لو كان بمجرد تصديقه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله فهو أمر عام لجميع المسلمين،فاختصاصه به تحكم.فإن قالوا انّه أوّل من آمن فهو دفع للبداهة،فانّه يعلم جميع الناس حتى اليهود و النصارى و الملاحدة ان محمّدا لما أظهر دعوته كان أوّل من آمن به عليّ عليه السّلام،لأن ذلك من التواترات لا تختص بالديانات،حتى ان الجاحظ في كتابه العثمانية لم يستطع دفعه،إلا انّه أظهر شبهة بأن عليّا و ان كان أوّل من أسلم،إلا أن اسلامه لما لم يكن بالغا التكليف لم يكن مقبولا (2)،فطعن في النبي بقبوله.فإن قالوا قال حسان الشاعر في ذلك شعرا،فقال شاعر آخر في مسيلمة:
لهفي عليك ابا ثمامة كم آية لك فيهم
كالشمس تطلع من غمامة
و لم لم يفتروا على حسان!و كذا الصديقية ليست بجزاف،و قد ذكر تعالى في أصل الصادقية أو صافا فقال: «وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (1)
البقرة:177. [1]
.و من أين اتصافه بهذه الصفات،و كيف!؟و كان عدم صبره حين البأس، و فراره في احد و حنين،و لا سيما في خيبر معلوم،و لقد أشار أمير المؤمنين عليه السّلام الى كذب خبر تلقيبهم له بالصدّيق في مقاله الذي اتفق عليه الفريقان انّه قال على المنبر:«أنا عبد اللّه،و أخو رسوله،و أنا الصدّيق الأكبر،لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتر،صلّيت مع رسول اللّه قبل الناس بسبع سنين» (2).
و أما الثاني فكيف يكون فاروقا بين الحق و الباطل من لم يفرق بين حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وفاته،و هو أمر يعلمه كلّ صبي و غبي،و من منع من وصيّة النبي،و سمّى كلامه هذيان المرض مكذبا بقوله تعالى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (3).
و لم لم يفرق بين أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و غيره كصاحبه الصديق،حيث لم يصدّق قول النبي في استحقاق رئيس الخوارج القتل،ففي كامل المبرد:نظر النبي الى رجل ساجد فقال:ألا رجل يقتله.فحسر أبو بكر عن ذراعه،و انتضى السيف،و صمد نحوه،ثم رجع الى النبي،فقال له:أ أقتل رجلا يقول لا إله إلاّ
اللّه؟فقال النبي ثانيا:ألا رجل يفعل،ففعل عمر مثل أبي بكر،فقال النبي انّه أول فتنة و آخرها،و لو قتل ما اختلف اثنان (1)
كامل المبرد 7:110 و 152 و [1]النقل بالمعنى.
.فان قالوا كان فاروقا لأنّه عز الإسلام بإسلامه،قيل لهم لم يكن له شجاعة و لا شرف،و انما عز الاسلام بإسلام حمزة الجامع بينهما القادر على أن يشجّ مثل أبي جهل الذي أذعنت قريش لرئاسته منذ صباه،و حكم الشيطان بصواب رأيه من بين آراء قريش في إرادتهم الكيد بالنبي،و لم يكن أحد مثله في نفوذ الكلمة،حتى انّه صار سببا لحصول غزوة بدر،مع كراهة جميع قريش حضورها،لا سيما شيخا عبد شمس عتبة و شيبة.
و هذا نص الجزري في إسلام حمزة:ان أبا جهل مر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس عند الصفا،فآذاه و شتمه و نال منه و عاب دينه،و مولاة لعبد اللّه بن جذعان في مسكن لها تسمع ذلك،ثم انصرف عنه،فجلس في نادي قريش عند الكعبة،فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ان أقبل من قنصه متوشحا قوسه- و كان إذا رجع لم يصل الى أهله حتى يطوف بالكعبة و كان يقف على أندية قريش و يسلّم عليهم و يتحدّث معهم-و كان أعزّ قريش و أشدّهم شكيمة،فلما مر بالمولاة و قد قام النبي و رجع الى بيته قالت له:يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام-تعني أبا جهل-فإنّه آذاه و سبّه،ثم انصرف عنه و لم يكلّمه محمّد،فاحتمل حمزة الغضب لما أراد اللّه به من كرامته،فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به حتى دخل المسجد،فرآه جالسا في القوم، فأقبل نحوه و ضرب رأسه بالقوس،فشجّه شجّة منكرة و قال:أ تشتمه و أنا على دينه أقول ما يقول.و قام رجال من بني مخزوم الى حمزة لينصروا أبا
1) 1)
جهل،فقال أبو جهل:دعوا أبا عمارة،فإني سببت ابن أخيه سبّا قبيحا.و تمّ حمزة على اسلامه،فلما أسلم حمزة عرفت قريش ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد عزّ و ان حمزة سيمنعه(يحامي عنه)،فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه-إلخ (1)
هذا نصه في الكامل 2:83 و [1]قال نحوه في اسد الغابة 2:46. [2]
.و قد صرّح بأن اسلامه كان قبل إسلام عمر.و أما عمر فغاية ما قيل انّه أظهر اسلامه لأبي جهل و كان خاله،فنهره أبو جهل،و لم يستطع عمر ردا عليه.فقال الجزري أيضا قال عمر:لما أسلمت أتيت باب أبي جهل،فضربت عليه بابه،فخرج إلي و قال مرحبا بابن اختي ما جاء بك؟قلت:جئت لأخبرك أني قد أسلمت و صدقت ما جاء به محمد،فضرب الباب في وجهي و قال:قبّحك اللّه و قبّح ما جئت به (2).
و مع مقام حمزة ذلك لم نسمه فاروقا،لأن الفاروق الحقيقي انما كان أمير المؤمنين عليه السّلام الذي أعزّ الاسلام بسيفه في غزوات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و لو لم يكن له عليه السّلام آثار فيها إلاّ غزوة الأحزاب و قتله عمرو بن عبدود فارس يليل لكفاه.
قال أبو بكر بن عياش:لقد ضرب علي عليه السّلام ضربة ما كان في الاسلام أعزّ منها يوم عمرو،و قد قال النبي في ضربته تلك:انّها أفضل من عبادة الثقلين (3).
و هو عليه السّلام الذي فرّق بين الحق و الباطل،و ميّز بينهما،و قد تواتر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله انّه كان يقول:علي مع الحق و الحق معه يدور حيثما دار (4).
و تواتر أن عمر نفسه كان يفزع إليه في كلّ موضع يلتبس الحق عنده، فيكشفه له،فيقول:لا عشت لمعضلة ليس لها أبو الحسن،حتى انّه صار كلامه مثلا،فقالوا«معضلة و لا أبا الحسن» (1)
رواه جمع كثير منهم ابن سعد في الطبقات 2:ق 1022،و الخوارزمي في مناقبه:51.
.و قد رووا ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله انما لقب هذا اللقب أمير المؤمنين،فروى أبو بكر بن أبي الثلج عن أبي سخيلة قال:أنا و عمّار حاجّين،فنزلنا عند أبي ذر، فأقمنا عنده ثلاثة أيام،فلما دنا منّا الخفوق قلت له:يا أبا ذر ألا ترى قد دنا اختلاط من الناس فما ترى؟قال:الزم كتاب اللّه و علي بن أبي طالب،فاشهد على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله انّه قال:علي أوّل من آمن بي،و أوّل من يصافحني يوم القيامة، و هو الصدّيق الأكبر،و الفاروق بين الحق و الباطل (2).
فان أرادوا في التلقيب بالصدّيق و الفاروق مجرّد اسم بلا مسمّى،بل مع معنى بالضد كما قالوا في الفارسية «بر عكس نهند نام زنگى كافور»
،كما في ألقاب الخلفاء العبّاسية«المتوكل على اللّه»،و«المعتصم باللّه»،فلا مشاحة،إلاّ انّهم لم ينسبوها الى الشارع الحكيم الذي لا يقول و لا يفعل شيئا جزافا.
فإن تجاوزنا في الصدّيقية و الفاروقية عن أمير المؤمنين عليه السّلام،لم لا نسمّي أبا ذر صديقا،و قد قال النبي فيه«ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» (3)،و لم لا نسمّي ذا الشهادتين فاروقا،و قد فرّق بين ادّعاء النبي و ادعاء غيره،فشهد له بما لم تره عينه لعصمته،فجعل النبي لذلك شهادته شهادة رجلين،و سمّاه ذا الشهادتين (4).
1) 1)
2) 2) رواه عن طريق ابن أبي الثلج المفيد في الإرشاد:21 و [1]عن طريق غيره أبو علي الطوسي في أماليه 1:256 جزء 9، و [2]ابن السماك في الفضائل [3]عنه البحار 38:210 ح 10. [4]
3) 3) أخرجه الترمذي في سننه 5:669 ح 3801 و 3802 و ابن ماجة في سننه 1:55 و 156 و غيرهما.
4) 4) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1:417،و [5]ابن الأثير في اسد الغابة 1:114،و [6]ابن حجر في الاصابة 1:425 و 426
و لا بد انّهما تقارضا التلقيب كأمر الخلافة،فلقب الثاني الأول الصديق، و الأول الثاني الفاروق.
و في كتاب معاوية الى محمّد بن أبي بكر:فقد كنّا-و أبوك فينا-نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا،و فضله مبرزا علينا،فلما اختار اللّه لنبيه ما عنده كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه حقّه،و خالفه على أمره-إلخ (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:120،و [1]المسعودي في المروج 3:12،و [2]البلاذري في أنساب الأشراف 2:396. [3]
.و أما الثالث(أبو عبيدة)فانما كان أمين الرجلين،و تواطأ الثلاثة،فيقول الأول للناس بايعوا أحد هذين،و هما يقولان بل يبايعونك أنت صاحب الغار، و كيف كان أمين الامة،و قد نسبه أمير المؤمنين عليه السّلام الى الخيانة و اتباع الهوى فيما فعل.ففي(خلفاء ابن قتيبة):قال أبو عبيدة بن الجراح لعليّ:يا ابن عم انك حديث السن و هؤلاء مشيخة قومك،ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالامور،و لا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك،و أشدّ احتمالا و استطلاعا،فسلّم لأبي بكر هذا الأمر،فإنّك ان تعش و يطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق في فضلك و دينك،و علمك و فهمك،و سابقتك،و نسبك و صهرك.
فقال علي كرم اللّه وجهه:اللّه اللّه يا معشر المهاجرين،لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره و قعر بيته الى دوركم و قعور بيوتكم،و تدفعون أهله عن مقامه في الناس و حقه،فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت،و نحن أحق بهذا الأمر منكم.ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه،الفقيه في دين اللّه،العالم بسنن رسول اللّه،المتطلّع لأمر الرعية،الدافع عنهم الامور السيئة،القاسم بينهم بالسوية؟و اللّه انّه لفينا،فلا تتبعوا الهوى،فتضلوا عن
1) 1)
سبيل اللّه،فتزدادوا من الحق بعدا (1)
الامامة و السياسة 1:11. [1]
.و أما الرابع(ابن عوف)فكان أمين عمر لانتخاب عثمان من الستة، و أمين عثمان باختياره،و هل تسميتهما له بالأمين إلا كتسمية بني العباس لأبي مسلم الخراساني أمين آل محمّد،و لقد كان الأمينان أمين أبي بكر و عمر، و أمين عمر و عثمان أولى من أبي عمرة الذي ولاّه المنتصر مظالمه بما قالوا فيه:
يا ضيعة الإسلام لمّا ولّي مظالم الناس أبو عمره
صيّر مأمونا على اللّه و ليس مأمونا على بعره
فلم يكن لأثر مأمونية أبي عمرة لعمر اللّه في ضيعة الإسلام و فساده واحد من ألف من أثر مأمونية الرجلين في ضيعة الإسلام و فساده،ثم كيف يكون ابن عوف يوما أمينا لعمر،يوما منافقا لعثمان.
و أما الخامس(خالد)فإن الرجل انما كان سيف أبي بكر لا سيف اللّه، و ما نقلوه من انّه لما قتل جعفر الطيار و صاحباه في مؤتة،و اخبر النبي بشهادتهم،قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:«ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللّه خالد بن الوليد،فعاد بالناس،فمن يومئذ سمّي خالد سيف اللّه» (2)مما يضحك الثكلى، فان خالدا صار يومئذ عارا على الاسلام حيث حمل عسكر الإسلام على الفرار.روى محمد بن إسحاق في مغازيه عن داود بن سنان عن ثعلبة بن أبي مالك قال:انكشف خالد بالناس حتى عيّروه بالفرار و تشاءم الناس به (3).
و قال الواقدي في كتابه:قال أبو بكر بن عبد اللّه بن عتبة:ما لقي جيش
بعثوا مبعثا ما لقى أصحاب مؤتة من أهل المدينة،لقوهم بالشر حتى أن الرجل ينصرف الى بيته و أهله فيدق عليهم فيأبون أن يفتحوا له،يقولون ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت،و جلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس (1)
مغازي الواقدي 2:765. [1]
.و قال محمد بن إسحاق:قال أبو سعيد الخدري:أقبل خالد بالناس منهزمين،فلما سمع أهل المدينة بهم تلقوهم بالجرف،فجعلوا يحثون في وجوههم التراب،و يقولون:يا فرار أ فررتم في سبيل اللّه (2).
و في(تاريخ الطبري):قالت ام سلمة لامرأة مسلمة بن هشام بن المغيرة:مالي لا أرى مسلمة يحضر الصلاة مع النبي و المسلمين؟قالت:و اللّه ما يستطيع أن يخرج،كلّما خرج صاح الناس«أ فررتم في سبيل اللّه»حتى قعد في بيته فما يخرج (3).
و لعمر اللّه ان التلقيب كان من أبي بكر،فلا يحتاجون الى الافتراء على النبي،و ان كان عمر أيضا منكرا لكونه سيف اللّه،فلما غدر خالد بمالك بن نويرة،و قتله،و زنى بزوجته،قال عمر لأبي بكر-كما هو نص الجزري- ان سيف خالد فيه رهق،و أكثر عليه في ذلك،فقال:يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد،فاني لا اشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين،و ودي مالكا،و كتب الى خالد ان يقدم عليه،ففعل،و دخل المسجد،و عليه قباء، و قد غرز في عمامته أسهما،فقام اليه عمر،فنزعها،و حطّمها،و قال له:أقتلت امرأ مسلما،ثم نزوت على امرأته،و اللّه لأرجمنّك بأحجارك،و خالد لا يكلّمه
يظن ان رأي أبي بكر مثله-إلخ (1)
رواه ابن الأثير في الكامل 2:358،سنة 11،و [1]الطبري في تاريخه 2:503 سنة 11. [2]
.و مما وضعوا له ما في تاريخ الطبري في يوم يرموك:خرج جرجة و نادى ليخرج إليّ خالد،و قال له:بم سميت سيف اللّه؟قال:لما بايعت النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد تكذيبه قال لي:أنت سيف من سيوف اللّه سلّه اللّه على المشركين،فسمّيت سيف اللّه بذلك (2).
و ما في(تاريخ الطبري)-بعد ان روى عن الزهري أن قريشا قدموا خالدا في خيلهم لئلا يدخل النبي مكة-و بعضهم قال:ان خالدا كان يومئذ مع النبي و ان النبي أتى منى فأتاه عينه و قال له:ان عكرمة بن أبي جهل خرج عليك في خمسمائة،فقال النبي لخالد:هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.فقال خالد:أنا سيف اللّه و سيف رسوله-فيومئذ سمّي سيف اللّه-ارم بي حيث شئت (3).
قلت:تسميتهم له بسيف اللّه-بعد تلك الأعمال الشنيعة التي صدرت منه في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من غدره ببني جذيمة،و قتله لجمع حتى قال النبي:«اللّهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد»و بعث فوديهم (4)،و في تقوية صديقهم بعده صلّى اللّه عليه و آله،حتى انه لم يكتف بقتل مالك و أصحابه غدرا،و زناه بامرأته،بل أمر بأن يجعل رأس مالك و أصحابه أثا في قدورهم-نظير تسمية بلعاء بن قيس برصه سيف اللّه،ففي معارف ابن قتيبة في عنوان البرص:كان بلعاء أبرص،و يقول برصي سيف اللّه جلاه.
و لم لم يلقبوا الأشتر بسيف اللّه،مع أن آثاره في الجمل و صفين
و النهروان في إحياء الدين و قمع الملحدين معلومة،و قد وصفه أمير المؤمنين عليه السّلام بسيف اللّه.
ففي(تاريخ الطبري):انه عليه السّلام كتب الى أهل مصر:بعثت إليكم عبدا من عباد اللّه لا ينام أيام الخوف،و انّه سيف من سيوف اللّه لا كليل الظبة و لا نابي الضريبة-إلخ (1)
تاريخ الطبري 4:72 سنة 38،و [1]النقل بتصرف في اللفظ.
.و أما خبر العشرة المبشرة فراويه سعيد بن زيد ابن عم عمر،و هو أحد العشرة،و الباقون غير أمير المؤمنين عليه السّلام-و لا يحتاج الى خبرهم-أبو بكر، و عمر،و عثمان،و طلحة،و الزبير،و ابن عوف،و سعد،و كيف يقبل شهادته لنفسه،و ان ضم معه غيره.
مع ان أحد العشرة-و هو سعد بن أبي وقاص-قال:ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يشهد لأحد أنّه من أهل الجنة إلاّ لعبد اللّه بن سلام،ففي الاستيعاب:روى ابن وهب و أبو مسهر و جماعة عن مالك بن أنس عن أبي النضر عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أبيه قال:ما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول لأحد يمشي على وجه الأرض انّه من أهل الجنّة،إلاّ لعبد اللّه بن سلام.
قال:و هذا حديث ثابت صحيح لا مقال فيه لأحد (2).مع ان سعدا تخلّف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام و حروبه،و هو كبيرة موبقة.
و منهم طلحة و الزبير،و قد حاربا أمير المؤمنين عليه السّلام،و استحلا دمه، و هو كنفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و استحلاّ دم الحسن و الحسين عليهما السّلام،و هما ابنا النبي صلّى اللّه عليه و آله،و سيدا شباب أهل الجنّة،و أهل بيت العصمة،و قتلا ألوفا من المسلمين،و من المؤمنين المتفق على ايمانهم،و قد قال سبحانه: «وَ مَنْ يَقْتُلْ»
«مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً » (1)
النساء:93. [1]
فاللّه تعالى يقول بخلودهما في النار،فكيف يقول نبيه بكونهما من المبشرة بالجنة،فلو قيل بكونهما من المبشرة بالنار كان أقرب الى الاعتبار.و لعمر اللّه ان حديث العشرة المبشرة كحديث عمر في ستة شوراه ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات راضيا عنهم،مع قوله بعد ساعة في أحدهم ان النبي صلّى اللّه عليه و آله مات ساخطا عليه.فقال الجاحظ في عثمانيّته:قال عمر ان النبي مات و هو راض عن هذه الستة من قريش،علي،و عثمان،و طلحة،و الزبير،و سعد،و عبد الرحمن بن عوف،و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم.
ثم دعاهم،فدخلوا عليه و هو ملقى،فقال:أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي؟ثم أقبل على طلحة-و كان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قاله في عمر-فقال له:أقول أم أسكت؟قال له طلحة:قل فإنّك لا تقول من الخير شيئا.قال:أما اني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم احد بالباو الذي حدث لك، و لقد مات النبي ساخطا عليك،للكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب.
قال:ان كلمة طلحة هي انّه لما انزلت آية الحجاب قال طلحة بمحضر ممّن نقل الى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما الذي يغنيه حجابهن اليوم،و سيموت غدا، فننكحهن.
قال:لو قال قائل لعمر أنت قلت ان النبي صلّى اللّه عليه و آله مات و هو راض عن الستة،فكيف تقول لطلحة الآن ان النبي مات ساخطا عليك للكلمة التي قلتها،لكان قد رماه بمشاقصه و لكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا،فكيف هذا (2).
و بالجملة هؤلاء العشرة أكثرهم يكفر بعضهم بعضا،و يستحل بعضهم دماء بعض،فكيف يعقل أن يقول نبيهم صلّى اللّه عليه و آله انّهم مبشرة بالجنة.أما يستحيون هؤلاء من الدهرية بأن يقولوا أظهر المليون المسلمون،و في دينهم هذه التناقضات و التهافتات،و من أهل الكتاب أن يقولوا ان في كتابكم «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ» (1)
آل عمران:19. [1]
و اسلامكم شيء على خلاف العقول.ألم يكونوا أصحاب أحداث،و قد تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:سيجاء برجال من امتي أعرفهم و يعرفوني،ثم يحال بيني و بينهم،و يؤخذ بهم ذات الشمال،فأقول امتي،فيقال انّك لا تدري ما أحدثوا بعدك،انّهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم،فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي و غيّر (2).
ويحهم بدلوا الاثني عشر أهل بيت العصمة و الطهارة باتفاق الامة بتسعة أجلاف استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة،و اتخذوا الههم هواهم «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ» (3).
هذا،و في تاريخ بغداد عن بعضهم قال:دخلت على محمد بن محمد الباغندي،فقال:لا تكتبوا عن ابني أحمد فانّه كذّاب.ثم دخلت على ابنه،فقال:لا تكتبوا عن أبي فانّه كذّاب-و كان الابن أوثق.
هذا،و كما كذب على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كذب عليه عليه السّلام و على أهل بيته،و روى (الكافي):ان معمر بن خيثم قال للباقر عليه السّلام بلغنا عن علي عليه السّلام انّ من اكتنى و ليس له أهل فهو أبو جعفر.فقال:ليس هذا من حديث علي،إنّا لنكني أولادنا في
صغرهم مخافة النبزان يلحق بهم (1)
الكافي 6:19 ح 11. [1]
،و الجعر النجو .«فلو علم الناس انّه منافق كاذب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوا قوله،و لكنّهم قالوا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رآه و سمع منه و لقف» أي:أخذ «عنه» .
و المفاسد التي حدثت في الاسلام كلّها من أولئك المنافقين الذين جعلوا أنفسهم مؤمنين،و إلا فمثل عبد اللّه بن أبي سلول أو عيينة بن حصن لم يحصل منهم فساد في الدين،فكان عيينة لما أسلم اقرّ أنّه منافق،و لما ارتد في أيام طليحة فأسر و أدخل المدينة كان الصبيان يقولون له يا عدوّ اللّه أكفرت بعد إيمانك،فيقول لهم:ما آمنت باللّه طرفة عين.
و من الغريب قولهم بعدالة كلّ الصحابة،فقال أبو عمر في(استيعابه):
أجمع أهل السنة و الجماعة على أن الصحابة كلّهم عدول (2).
و قال الجزري في كتابه:المجهول لا تصحّ روايته،و الصحابة كلّهم عدول،لا يتطرّق إليهم الجرح،لأن اللّه تعالى زكّاهم و عدّلهم-إلخ (3).
و لم أفهم معنى اجماعاتهم،فإجماعهم هذا كإجماعهم في بيعة أبي بكر، كما ان عدالتهم هذه أي عدالة لا ينقضها شيء،فمن صحابتهم المغيرة بن شعبة الذي كان نفاقه لا ينكره أحد،حتى ان عثمان لما انكر عليه توليته فسّاق بني امية استند الى تولية عمر المغيرة مع وضوح نفاقه،و لمّا صار عثمان خليفة و قال له المغيرة لو بايعوا غيرك ما بايعناه قال له ابن عوف:يا أعور لو كان قد بويع غيره لبايعته و لقلت له هذا القول،و منهم عمرو بن العاص،و منهم معاوية بن أبي سفيان،و كانت أعمالهم عارا لعالم البشرية،و سوادا لوجه
التاريخ،و من بلغ كلامه هذه المرتبة لا تستحق المكالمة،و في مثلهم قال تعالى: «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ» (1)
المؤمنون:54. [1]
.و كيف يقولون بعدالتهم،و من صحابتهم الوليد بن عقبة،و قد نص القرآن على فسقه في قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً» (2)و في قوله تعالى: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (3)باجماع المفسرين بإرادته.
«فيأخذون بقوله» لغفلتهم عن نفاقه،و جهلهم بتعمّد كذبه «و قد أخبرك اللّه عن المنافقين بما أخبرك و وصفهم بما وصفهم به لك» من قوله تعالى: «وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» (4)و قوله تعالى: «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» (5)،و قوله تعالى: «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» (6).
فكيف يكون الصحابة كلّهم عدولا،و هؤلاء المنافقون الذين بيّن تعالى في غير موضع من كتابه ذمّهم و أوصافهم هم جمع من الصحابة.
و قد روى الحميدي في(الجمع بين الصحيحين)من مسند سعيد بن
المسيب و من مسند عائشة و من مسند ام سلمة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:بينما أنا قائم إذا زمرة،حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم،فقال:هلموا.فقلت:إلى أين؟قال:الى النار و اللّه.قلت:ما شأنهم؟قال:انهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى.ثم إذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم،فقال:
هلموا،فقلت:الى أين؟فقال:الى النار و اللّه.قلت:ما شأنهم؟قال:انهم ارتدّوا على أدبارهم،فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (1)
نقله عن الجمع بين الصخيحين ابن طاوس في الطرائف 2:376 و [1]الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 4:142 عن سعيد بن المسيب عن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و أخرجه مسلم في صحيحه 4:1794 ح 28 و 29 عن عائشة و ام سلمة و قد أخرجا هذا الحديث عن ابن عباس و ابن مسعود و ابي هريرة و ابي سعيد و حذيفة و سهل بن سعد و أنس و اسماء بنت أبي بكر أيضا.
«ثم بقوا بعده عليه و آله السلام» هكذا في(المصرية)و ليس في(ابن أبي الحديد)جملة التسليم و في(ابن ميثم)رمز(عليه السّلام) (2).«فتقرّبوا الى أئمة الضلالة و الدعاة الى النار بالزور و البهتان فولوهم الأعمال» جزاء كذبهم لهم.
قال ابن أبي الحديد:فان قلت:من هم أئمة الضلالة الذين تقرب اليهم المنافقون الذين رأوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و صحبوه بالزور و البهتان،و هل هذا إلا تصريح بما تذكره الإمامية،و تعتقده الإمامية؟ و قال:ليس الأمر كما ظننت و ظنوا،و انما يعني معاوية و عمرا و من شايعهما على الضلال،كالخبر الذي رواه من رواه في حق معاوية«اللّهم قه العذاب و الحساب،و علمه الكتاب»و كرواية عمرو تقربا الى معاوية«ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء،انما وليي اللّه و صالح المؤمنين»،و كرواية قوم في أيام معاوية أخبارا كثيرة من فضائل عثمان تقرّبا الى معاوية بها،و لسنا
نجحد فضل عثمان و سابقته،و لكنّا نعلم أن بعض الأخبار الواردة فيه موضوع،كخبر عمرو بن مرة-شامي له صحبة-فيه و هو مشهور،و ليس يجب من قولنا ان بعض الأخبار الواردة في حق فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضله،فانا مع اعتقادنا ان عليّا عليه السّلام أفضل الناس نعتقد ان بعض الأخبار الواردة في فضائله مختلق.
قال:و قد روي ان أبا جعفر محمد بن علي الباقر قال لبعض أصحابه:يا فلان،ما لقينا من ظلم قريش إيانا،و تظاهرهم علينا،و ما لقي شيعتنا و محبّونا من الناس،ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قبض و قد أخبر انّا أولى الناس بالناس،فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه،و احتجت على الأنصار بحقّنا و حجتنا، ثم تداولتها قريش،واحد بعد واحد،حتى رجعت الينا،فنكثت بيعتنا،و نصبت الحرب لنا،و لم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل،فبويع ابنه الحسن عليه السّلام،عوهد،ثم غدر به،و أسلم،و وثب عليه أهل العراق حتى طعن الخنجر في جنبه،و انتهب عسكره،و عولجت خلاخيل امهات أولاده،فوادع معاوية،و حقن دمه و دماء أهل بيته،و هم قليل حق قليل،ثم بايع الحسين عليه السّلام من أهل العراق عشرون ألفا،ثم غدروا به،و خرجوا عليه،و بيعته في أعناقهم، ثم لم نزل أهل البيت نستذل و نستضام،و نقصى و نمتهن،و نحرم و نقتل، و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا،و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقربون به الى أوليائهم و قضاة السوء و عمّال السوء في كل بلدة،فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة،و رووا عنّا ما لم نقله و ما لم نفعله ليبغّضونا الى الناس و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السّلام،فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة،و قطّعت الأيدي و الأرجل على الظنة،و كان من يذكّر بحبنا،و الانقطاع الينا سجن،أو نهب ماله،أو هدّمت داره،ثم لم يزل البلاء يشتدّ و يزداد الى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل
الحسين عليه السّلام،ثم جاء الحجّاج،فقتلهم كلّ قتلة،و أخذهم بكلّ ظنة و تهمة،حتى ان الرجل ليقال انّه زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال انّه من شيعة علي، و حتى صار الرجل الذي يذكر بخير،و لعلّه يكون ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة،و لم يخلق اللّه تعالى شيئا منها،و لا كانت،و لا وقعت،و هو يحسب انّها حق لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب و لا بقلّة ورع.
قال:و روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال:كتب معاوية نسخة واحدة الى عمّاله بعد عام الجماعة:ان برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته،فقامت الخطباء في كلّ كورة و على كلّ منبر يلعنون عليّا عليه السّلام،و يبرءون منه،و يقعون فيه،و في أهل بيته،و كان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي، فاستعمل عليهم زياد بن سمية و ضمّ إليه البصرة،فكان يتتبع الشيعة و هو بهم عارف،لأنّه كان منهم أيام علي،فقتلهم تحت كلّ حجر و مدر،و أخافهم، و قطع الأيدي و الأرجل،و سمل العيون،و صلبهم على جذوع النخل،و طردهم و شردهم عن العراق،فلم يبق بها معروف منهم.
و كتب معاوية الى عمّاله في جميع الآفاق:لا تجيزوا لأحد من شيعة علي و أهل بيته شهادة.و كتب اليهم:ان انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه، و أهل ولايته و الذين يروون فضائله و مناقبه،فادنوا مجالسهم،و قرّبوهم، و اكرموهم،و اكتبوا إليّ بكل ما يروي كلّ رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته،ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لما كان يبعثه اليهم معاويه من الصلات و الكساء و الحباء و القطائع،و يفيضه في العرب منهم و الموالي،فكثر ذلك في كلّ مصر،و تنافسوا في المنازل و الدنيا.
فلبثوا بذلك حينا،ثم كتب الى عمّاله أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا
في كلّ مصر،و في كل وجه و ناحية،فإذا جاءكم كتابي هذا،فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأولين،و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب،إلا و أتوني بمناقض له في الصحابة،فإن هذا أحبّ إليّ،و أقرّ لعيني،و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته،و أشدّ عليهم من مناقب عثمان و فضله،فقرئت كتبه على الناس،فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها،و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر،و ألقى الى معلمي الكتاب،فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع،حتى رووه و تعلّموه كما يتعلّمون القرآن، و حتى علّموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم،فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليّا و أهل بيته،فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه.و شفع ذلك بنسخة اخرى:«من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم،فنكلوا به و اهدموا داره»،فلم يكن البلاء أشد و لا اكثر منه بالعراق،و لا سيما بالكوفة، حتى ان الرجل من شيعة عليّ عليه السّلام ليأتيه من يثق به،فيدخل بيته،فيلقي إليه سره،و يخاف من خادمه و مملوكه،و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه،فظهر حديث كثير موضوع و بهتان منتشر،و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة.
و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون،و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك،فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يقربوا مجالسهم،و يصيبوا به الاموال و الضياع و المنازل،حتى انتقلت تلك الاخبار و الاحاديث إلى يدي الديانين الّذين لا يستحلّون الكذب و البهتان، فقبلوها و رووها،و هم يظنون أنها حق،و لو علموا أنها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها،فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن عليّ عليه السّلام،فازداد البلاء
و الفتنة،فلم يبق أحد من هذا القبيل الا و هو خائف على دمه،أو طريد في الارض،ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسين عليه السّلام،و ولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة،و ولي عليهم الحجاج بن يوسف،فتقرب إليه أهل النسك و الصلاح و الدين ببغض علي،و موالاة أعدائه،و موالاة من يدعي قوم من الناس انهم اعداؤه،فأكثروا في الرواية من فضلهم و سوابقهم و مناقبهم، و أكثروا من الغض من علي و عيبه و الطعن فيه و الشنئان له،حتى ان انسانا وقف للحجاج-و يقال أنه جد الاصمعي عبد الملك بن قريب-فصاح به أيها الاميران أهلي عقوني فسموني عليا،و اني فقير بائس،و اني إلى صلة الامير محتاج،فتضاحك له الحجاج و قال:للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.
و قال:و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه-و هو من اكابر المحدثين و أعلامهم-في تاريخه ما يناسب هذا الخبر.
و قال:ان أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنف بني هاشم،و لا يلزم من هذا أن يكون علي يسوؤه ان يذكر الصحابة و المتقدمون عليه بالخير و الفضل،لان معاوية و بني امية كانوا يبنون الامر من هذا على ما يظنونه في عليّ عليه السّلام من أنه عدو من تقدم عليه،و لم يكن الامر في الحقيقة كما يظنّونه، و لكن كان يرى انه أفضل منهم،و انهم استأثروا عليه بالخلافة من غير تفسيق منه لهم و لا براءة منهم (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:42-47. [1]
.قلت:أما قوله ليس الامر كما ظننت و ظنوا من كون المراد من قوله «فتقربوا إلى أئمه الضلالة» الثلاثة،و انما يعني معاوية-إلخ،فغلط،لانه عليه السّلام لم يخبر عن الزمان الآتي بل سئل عليه السّلام عن اختلاف كان قد وقع،فأجاب بما
1) 1)
أجاب،و الرضي و ان أجمل في قوله«سأله سائل عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر»إلا انك عرفت تفصيله من اسانيده،و ان السائل قال له:سمعت من شيعتك سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا في التفسير و أحاديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله انت تصدّقهم،و الناس لا يقبلونها،و يروون خلافها،فهل كل احاديثهم افتراء على النبيّ؟فأجابه عليه السّلام بأن الاحاديث عن النبيّ أربعة اقسام:
احدها الافتراء،و بعضها و هم،و بعضها منسوخ،و غير ذلك.و كيف يحمله على زمان سلطنة معاوية بعده و بني امية بعد معاوية و قد قال عليه السّلام قبله ان في أيدي الناس حقا و باطلا-إلى قوله-و قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على عهده حتى قام خطيبا-إلخ.ثم كيف يحمل قوله عليه السّلام «ثم بقوا بعد النبيّ،فتقربوا إلى أئمة الضلالة» على ما قال.
و ما رواه عن الباقر عليه السّلام و المدائني و ابن عرفة من كثرة جعل الاخبار زمن معاوية و بعده في عثمان،ثم في أبي بكر و عمر،ثم في باقي الصحابة،لا ينافي كون الاساس من زمن الثلاثة قبله عليه السّلام،و مما وضع لهم تقربا إليهم التلقيب بالصديق،و الفاروق،و أمين الامة،و أمين الارض و السماء، و الحواري،و الستة الّتي مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راضيا عنهم،و العشرة الّتي بشرهم بالجنة،و غير ذلك من كونهم خليفة الرسول و أمير المؤمنين.
و في(خلفاء ابن قتيبة):في كيفية بيعة عليّ عليه السّلام مع أبي بكر بعد ذكر ارادة عمر حرق البيت على عليّ و فاطمة لما تخلف هو و جمع معه،ثم خروج الجمع لما رأوا ذلك للبيعة،و تخلفه عليه السّلام معتذرا بحلفه الا يضع ثوبه على عاتقه حتى يجمع القرآن،فقال عمر لأبي بكر:ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة.
فقال أبو بكر لقنفذ-و هو مولى له-ادع لي عليا،فذهب إليه فقال له:ما حاجتك؟ فقال:يدعوك خليفة رسول اللّه فقال عليّ:لسريع ما كذبتم على رسول اللّه، فرجع فأبلغ الرسالة،فبكى أبو بكر طويلا،فقال عمر الثانية:لا تمهل هذا
المتخلف عنك بالبيعة.فقال أبو بكر لقنفذ عد إليه،فقل له:أمير المؤمنين يدعوك لتبايع،فجاءه قنفذ و أدى ما امر به،فرفع عليّ صوته و قال:سبحان اللّه لقد ادعى ما ليس له،فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة،فبكى أبو بكر طويلا-الخبر في اخراج عمر له عليه السّلام قهرا و فاطمة تصيح يا أبة يا رسول اللّه ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب و ابن أبي قحافة،و قول علي ان لم ابايع فمه،و قولهما له اذن و اللّه نضرب عنقك،و قوله اذن تقتلون أخا رسوله،و انكار عمر كونه أخا الرسول، و لحوق علي بقبر النبي و نداءه يا ابن ام ان القوم استضعفوني،و كادوا يقتلونني (1)
الامامة و السياسة 1:13. [1]
.أو ليس المغيرة قال لعمر و كانوا يقولون له خليفة:ألسنا المؤمنين و انت أميرنا؟قال:بلى.قال:فأنت أمير المؤمنين (2).
و لعمر اللّه اذا كان المؤمنون مثل المغيرة،ففاروقهم أمير أولئك المؤمنين،فشكره عمر ذلك و لغيره،فولاه البصرة،ثم لما زنا محصنا دافع عنه،و منع زيادا عن أداء الشهادة لئلا يثبت عليه الرجم،ثم ولاّه الكوفة ما دامت حياته،ثم تعهد لمعاوية اجراء مقاصده ان ولاه،كما اجرى لعمر مقاصده.
و في تاريخ الطبري:لما ولّى معاوية في سنة(41)المغيرة الكوفة قال له:أردت ايصاءك بأشياء كثيرة،فانا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني،و يسعد سلطاني،و يصلح به رعيتي،و لست تاركا ايصاءك بخصلة، لا تتحمّ عن شتم علي و ذمه،و الترحم على عثمان و الاستغفار له،و العيب على أصحاب علي،و الاقصاء لهم،و ترك الاستماع منهم،و باطراء شيعة عثمان،
و الادناء لهم،و الاستماع منهم.فقال المغيرة:قد جربت و جربت،و عملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع و لا رفع و لا وضع-إلخ (1)
تاريخ الطبري 4:188-سنة 51. [1]
.و ما ذكره من ان افتعال عمرو بن العاص ان النبيّ قال«ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء»كان تقربا منه إلى معاوية،ليس كما قال:و كيف و قد قال شيخه النقيب-و لم يكن اماميا كما نقل في شرح قوله«للّه بلاد فلان»-ان الرجل(أي عمر)ما اهمل أمر نفسه في دفع النص على عليّ،بل أعد أعذارا و اجوبة،و ذلك لانه قال لقوم عرضوا له بحديث النص:ان النبيّ رجع عن ذلك باقامة أبي بكر مقامه في الصلاة،و أوهمهم ان ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة-إلى أن قال-ثم عاب عليا بخطبة بنت أبي جهل،فأوهم ان النبيّ كرهه لذلك،و أرضاه عمرو بن العاص،فروى حديثا افتعله و اختلقه على النبيّ،قال سمعته يقول«ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء،انما وليّي اللّه و صالح المؤمنين»،فجعلوا ذلك كالناسخ لقول النبيّ في عليّ عليه السّلام«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» (2).
كما أن كثرة الافتعالات زمان معاوية و بعده منشؤها الافتعالات أيام الثلاثة،كما أن منشأ خلافة معاوية و من بعده خلافة الثلاثة،و كتب معاوية إلى محمد ابن أبي بكر-لما كان محمد قد كتب إليه:«رأيتك تسامي عليا،و أنت أنت،و هو هو»-فقد كنا و ابوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب،و قديم سوابقه، و قرابته إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله،و مواساته اياه في كل هول و خوف،فلما اختار اللّه لنبيه ما عنده كان أبوك و فاروقه أول من ابتزه حقه.إلى أن قال:فخذ حذرك عن أن توازي من أبوك مهّد مهاده،و بني له ملكه و شاده،فان يك ما نحن فيه
صوابا فأبوك استبد به،و نحن شركاؤه،و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلمنا إليه،و لكنا رأينا اباك فعل به ذلك من قبلنا،فأخذنا بمثله،فعب أياك بما بدا لك أودع ذلك (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:118،و [1]المسعودي في المروج 3:11،و [2]البلاذري في انساب الاشراف 2:393. [3]
.و أما قول ابن أبي الحديد:و لسنا نجحد فضل عثمان و سابقته،و لكنّا نعلم ان بعض الأخبار الواردة فيه موضوع،فيقال له:ثبّت له فضلا و سابقة غير الدفاع عن أعداء الاسلام كالمغيرة بن أبي العاص،و ابن أبي سرح، و الحكم بن أبي العاص،و تولية دبره في الجهاد،لا سيما في أحد،ففر الى جبل، و اختفى فيه ثلاث ليال،حتى قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله«لقد ذهبت فيها عريضة طويلة» (2)و لواحقه معلومة.
و قوله:و ليس يجب من قولنا أن بعض الأخبار الواردة في حق فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضله،صحيح كبرى إلا أنّ صغراه في مورد عثمان سابقة و لاحقة.
و أما قوله:أن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقرّبا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به أنف بني هاشم، فقالوا:الشاهد يرى ما لا يرى الغائب،و هو عكس،و قال:انا الغائب أرى ما لم يروه.
و قوله:و لا يلزم من هذا أن يكون عليّ يسوؤه أن يذكر الصحابة و المتقدمون عليه بالخير و الفضل،فيه-بعد الغض عن عدم فضل لهم،فلم يذكر الثاني للأوّل يوم السقيفة إلا كونه صاحب الغار،و أمره بالصلاة،و لا يخفى ما فيهما من العوار-أنّه لا يمكن أن يكتب معاوية الى محمد بن أبي بكر
بما لا يعرف من حال أبيه و صاحبه معه عليه السّلام،و قد عرفت مقدارا مما كتب إليه، و ممّا كتب إليه:ان أباك و صاحبه دعواه الى بيعتهما،فأبطأ عنهما،و تلكأ عليهما،فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم،ثم انّه بايعهما،و سلّم لهما،و أقاما لا يشركانه أمرهما،و لا يطلعانه على سرّهما-إلخ (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:120 و [1]المسعودي في المروج 3:12 و [2]البلاذري في أنساب الأشراف 2:396. [3]
.و كيف لا يسوؤه ما قال و هو أمر فطري،إلاّ ان هؤلاء ينكرون البديهيات،و يجمعون بين المتناقضات،و معاوية و باقي بني امية و ان كانوا جبابرة و فجرة كفرة،الا انهم لم يكونوا سفهاء مثل هؤلاء يجمعون بينه عليه السّلام و بين الثلاثة،فتضاده معهم لا سيما الأخير كتضاد النبي صلّى اللّه عليه و آله مع أبي جهل، و كتضاده مع مسيلمة،و انما كانوا يتقون.
و كيف لا و قد كتب معاوية الى الحسن عليه السّلام جواب كتابه في الشكاية منهم«ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعد النبي،فصرحت بتهمة ابي بكر الصديق،و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الأمين،و حواري النبي،و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك،انّك امرؤ عندنا و عند الناس غير الظنين،و لا المسيء،و لا اللئيم،و أنا أحب لك القول السديد،و الذكر الجميل» (2).
و قوله:و لم يكن الأمر في الحقيقة كما يظنونه،و لكنه كان يرى انّه أفضل منهم،و انهم استأثروا عليه بالخلافة من غير تفسيق منه لهم و لا براءة منهم،كلام غير معقول،فالخلافة ان كانت من اللّه كما هو معتقده عليه السّلام فقيام غيره بها يكون مثله مثل قيام مسيلمة في قبال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فهل يعقل أن يرضى به النبي،و ان كانت مجرد رئاسة و سلطنة-و يدعي الخصم خلافه، فقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لتعبيره عن أبي بكر بقوله له«صاحبك»،
فجعل ذلك ارتدادا منه،و ان غالط عمر يوم السقيفة فقال لأبي بكر:رضيك النبي لديننا بأمرك الصلاة،فلا نرضاك لدنيانا نجعلك خليفة (1)
روى هذا المضمون الجوهري في السقيفة:63 و غيره. [1]
-فكيف يعقل الا يبرأ منهم بعد حصول هذه المفاسد في الدين من قيام عثمان و معاوية و يزيد و باقي بني امية،و بعد حصول القتل و الأسر و الحبس له و لأهل بيته، و لوقوع شيعته في تلك الشدائد،هل يعقل ذلك عند غبي لو لا المكابرة،و انما شيء نسبه بنو امية إليه عليه السّلام كذبا تصديه لقتل عثمان.قال ابن أبي الحديد:و اعلم ان أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة،فانهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم نحو حديث السطل،و حديث الرمانة، و حديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين و يعرف-كما زعموا-بذات العلم، و حديث غسل سلمان الفارسي،وطي الأرض،و حديث الجمجمة،و نحو ذلك، فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث،نحو«لو كنت متخذا خليلا»فانهم وضعوه في مقابلة حديث «الاخاء»،و نحو«سد الأبواب»فانّه كان لعلي عليه السّلام فقلبته البكرية الى أبي بكر، و نحو«إيتوني بدواة و بياض اكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان.ثم قال:يأبى اللّه و المسلمون إلا أبا بكر»فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه«إيتوني بدواة و بياض اكتب لكم ما لا تضلون بعده،فاختلفوا عنده،و قال قوم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه»،و نحو حديث«أنا راض عنك فهل أنت راض عني»و نحو ذلك،فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع أحاديث،فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا انّه فتله في عنق خالد،و حديث اللوح الذي زعموا انّه كان في غدائر الحنفية أم محمد،و حديث
1) 1)
«لا يفعلن خالد ما أمر به»،و حديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة، و حديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس الى بيعته، و أحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعين الأولين و كفرهم و على أدون الطبقات و فسقهم،فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي عليه السّلام و في ولديه،و نسبوه تارة الى ضعف العقل،و تارة الى ضعف السياسة،و تارة الى حب الدنيا و الحرص عليها،و لقد كان الفريقان في غنية عمّا اكتسباه و اجترحاه،و لقد كان في فضائل علي عليه السّلام الثابتة الصحيحة و فضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما،فان العصبية لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل الى ذكر الرذائل،و من تعديد المحاسن الى تعديد المساوئ و المقابح،نسأل اللّه أن يعصمنا من الميل الى الهوى (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:48. [1]
.قلت:كلامه كلّه خلط و خبط،أما قوله:أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة،فمضحك،فهو قد نقل قول معاوية في كتابه الى عماله«لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب،ألا و أتوني بمناقض له في الصحابة،فإن هذا أحب اليّ و أقرّ لعيني،و ادحض لحجّة أبي تراب و شيعته،و أشدّ إليهم من مناقب عثمان و فضله» (2)،فتراه يعترف بأن أحاديث فضائله عليه السّلام روتها فرق المسلمين،و أمر بجعل أخبار في الفضائل للشيخين ليدحضوا حجّة الشيعة بتفرّده عليه السّلام بالفضائل،فليتفرد بالإمامة بحسب الفطرة و قضية العقول.
و قوله:حملهم على وضعها عداوة خصومهم،كلام بلا معنى،و انما كان له معنى لو كان قد قال وضعوا أحاديث في مثالب الشيخين لعداوة خصومهم.
و قوله:نحو حديث السطل،خبط،فانه روته العامة،رواه أخطب خطباء خوارزم في(مناقبه)عن رجالهم عن أنس،و رواه ابن المغازلي في(مناقبه) و ابن مندة الاصفهاني في كتابه،و رواه الكنجي الشافعي في(مناقبه)و قال بعده:«هذا حديث حسن عال،و غالب رواته الفقهاء الثقات»،و رواه ابن سويدة التكريتي في كتاب(الإشراف على مناقب الأشراف) (1)
رواه الخوارزمي في مناقبه:215،و ابن المغازلي في مناقبه:94 ح 139 و الكنجي في كفاية الطالب:289،و [1]ابن مندة في كتابه كما يظهر من اسناد ابن المغازلي و الصدوق و ابن سويدة في الأشراف كما نقل عن الكنجي في الكفاية:295 و [2]روى الحديث من الشيعة الصدوق في أماليه:187 ح 4،المجلس 40،من طرق أهل السنة و بعض آخر بلا اسناد.
،و لم يعلم رواية الشيعة له،و لا أنّهم استصحوها من رواية العامّة.قوله:و حديث الرمانة،أيضا خبط،فانما روته العامة عن أنس،و لم تروه الشيعة (2).
و أما قوله:و حديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين،فروته العامة و الخاصة،و انما أنكره ابن أبي الحديد لكونه معتزليا،و في الإرشاد للمفيد بعد نقل الخبر،و نقله الخوئي أيضا:المعتزلة لميلها الى مذاهب البراهمة تدفعه، و لعبدها عن معرفة الأخبار،و هي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن،و ما تضمنه من أخبار الجن،و ايمانهم باللّه و رسوله،و ما قص اللّه
من نبئهم في القرآن في سورة الجن،و قولهم «إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ» (1)
الجن:1 و 2. [1]
-الى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة.و إذا بطل اعتراض الزنادقة في ذلك بتجويز العقول وجود الجن،و امكان تكليفهم، و ثبوت ذلك مع اعجاز القرآن،و الاعجوبة الباهرة فيه،كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة في الخبر الذي رويناه،لعدم استحالة مضمونه في العقول،و في مجيئه من طريقين مختلفين،و برواية فريقين متباينين برهان صحته.و ليس إنكار من عدل عن الانصاف في النظر من المعتزلة و المجبرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه،كما أنّه ليس في جحد الملاحدة و أصناف الزنادقة،و اليهود و النصارى،و المجوس و الصابئين لما جاء صحته من الأخبار بمعجزات النبي صلّى اللّه عليه و آله كانشقاق القمر،و حنين الجذع، و تسبيح الحصى في كفه،و شكوى البعير،و كلام الذراع،و مجيء الشجر، و خروج الماء من بين أصابعه في الميضاة،و اطعام الخلق الكثير من الطعام القليل،قدح في صحتها و صدق رواتها و ثبوت الحجّة بها،بل الشبهة لهم في دفع ذلك و ان ضعفت أقوى من شبهة منكري معجزات أمير المؤمنين عليه السّلام و براهينه،لما لاخفاء عليها و على أهل الاعتبار به مما لا حاجة بنا الى شرح وجوهه في هذا المكان،و لا أزال أجد الجاهل من الناصبة و المعاندة يظهر التعجب من الخبر بملاقاة أمير المؤمنين عليه السّلام الجن، و كفّه شرّهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه،و يتضاحك لذلك،و ينسب الرواية الى الخرافات الباطلة،و يصنع مثل ذلك في الأخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته عليه السّلام،و يقول انها من موضوعات الشيعة،و تخرص ممّن افترى
1) 1)
منهم للتكسب بذلك أو التعصب.
و هذا بعينه مقال الزنادقة كافة و أعداء الاسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجن و اسلامهم في قوله تعالى: «إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ » (1)
الجن:1 و 2. [1]
و فيما ثبت الخبر به عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن و مشاهدته لهم كالزط (2)،و في غير ذلك من معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و أنهم يظهرون التعجب من جميع ذلك،و يتضاحكون عند سماع الخبر به و الاحتجاج بصحته، و يستهزئون و يلغطون فيما يسرفون به من سبّ الاسلام و أهله،و استحماق معتقديه و الناصرين له،و نسبتهم إيّاهم الى العجز و الجهل و وضع الأباطيل، فلينظر القوم ما جنوه على الاسلام بعد اوتهم لأمير المؤمنين عليه السّلام، و اعتمادهم في دفع فضائله و آياته على ما يضاهئون به أصناف الزنادقة و الكفار مما يخرج عن طريق الحجاج الى أبواب الشغب و المسافهات (3).و أما قوله:و حديث غسل سلمان الفارسي،وطي الأرض،و حديث الجمجمة،و نحو ذلك،فالغسل و الجمجمة لم يرويا في كتاب معتبر و لا في سند معتبر،حتى ان الكشي من علماء الشيعة مع شهرته عندهم برواية المراسيل عنون سلمان الفارسي في كتابه و لم يذكر حديث الغسل (4)،و أما طي الأرض فقد روته العامة،رواه ابن المغازلي في(مناقبه)و الثعلبي في (تفسيره)عن أنس قال:اهدي للنبي صلّى اللّه عليه و آله بساط فقال لي:يا أنس ابسطه،
1) 1)
2) 2) رواه الجاحظ في كتاب الفتيا عنه الفصول المختارة 2:164.
3) 3) الإرشاد:180 و [2]شرح الخوئي 6:318،و النقل بتلخيص.
4) 4) حديث غسل سلمان رواه الراوندي في الخرائج عنه البحار 22:368 ح 7،و [3]السروي في مناقبه 2:301 و شاذان بن جبرئيل في الفضائل:86،و حديث الجمجمة رواه السروي في مناقبه 2:336،و صاحب عيون المعجزات كما في البحار 41:215 و [4]شاذان في الفضائل:70 و 72.
فبسطته،ثم قال ادع العشرة فدعوتهم،فلما دخلوا عليه أمرهم بالجلوس على البساط،ثم دعا عليّا،فناجاه طويلا،ثم رجع،ثم قال:يا ريح احملينا،فاذا البساط يدفّ دفا،ثم قال:يا ريح ضعينا،ثم قال أ تدرون في أي مكان أنتم؟قلنا:
لا.قال:هذا موضع الكهف و الرقيم،قوموا فسلّموا على اخوانكم.قال أنس:
فقمنا رجلا رجلا،فسلّمنا،فلم يردوا علينا.فقام علي عليه السّلام،فقال:السلام عليكم يا معشر الصديقين و الشهداء.فقالوا:و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته.
فقلت:ما بالهم ردوا عليك و لم يردوا علينا؟فقال لهم:ما بالكم لا تردّون على اخواني؟فقالوا:انّا معشر الصدّيقين و الشهداء لا نكلّم بعد الموت إلاّ نبيّا أو وصيّا-الخبر (1)
أخرجه ابن المغازلي في مناقبه:232 ح 280 و الثعلبي في تفسيره عنه الطرائف 1:83 و [1]أبو اسحاق القزويني في تفسيره عنه سعد السعود:112 و [2]السروي بطرق في مناقبه 2:337.
.و لا نلتزم بصحته.و يكفينا تواتر صدور المعجزات عنه عليه السّلام كما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و منها في اخباره عليه السّلام بالغيوب التي رواها المخالف،و لا ننكر وضع جمع من الغلاة أحاديث له عليه السّلام.
قال شيخنا محمد بن علي بن بابويه في(فقيهه):أن روايات كون الشهادة بالولاية جزء الاذان من وضع الغلاة (2).
و قال ابن شهر آشوب في(مناقبه):روت الغلاة انّه عليه السّلام صعد الى السماء على فرس و ينظر اليه أصحابه،و روت الغلاة في حصن ذات السلاسل انه عليه السّلام مر في الهواء و الترس تحت قدميه،و نزل على الحائط،و ضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها و سقطت الغزائر و فتح الحصن (3).و وضع الغلاة فيه ليس نقصا فيه و لا في شيعته،كوضع الغلاة في عزير انّه ابن اللّه،
و في المسيح انّه ابن اللّه.
و نحن نقلب عليه قوله:«ان أصل الأكاذيب كان من جهة الشيعة»ان الأصل فيها معاندوهم العامة تهجينا لهم،فقد قال الباقر عليه السّلام-فيما روي عنه- ان أعداءنا رووا عنّا ما لم نقله و ما لم نفعله ليبغضونا الى الناس (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 11:43.
.و في(عيون ابن بابويه):ان إبراهيم بن أبي محمود قال للرضا عليه السّلام:يا ابن رسول اللّه ان عندنا أخبارا في فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام و فضلكم أهل البيت،و هي من رواية مخالفيكم،و لا نعرف مثلها عندكم،أفندين بها؟فقال:ان مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا،و جعلوها على ثلاثة أقسام:أحدها الغلو،و ثانيها التقصير في أمرنا،و ثالثها التصريح بمثالب أعدائنا،فإذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا،و نسبوهم الى القول بربوبيتنا،و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا،و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبوا بأسمائنا (2).
و أما قوله:فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابل هذه الأحاديث نحو«لو كنت متخذا خليلا»فانهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء،فالظاهر انّه لم يدر ما يقول.فهل حديث اخائه عليه السّلام مما صنعته الشيعة،أو من الأخبار المتواترة التي صنفت فيه الكتب،و قد أخرجه أحمد ابن حنبل أحد أئمتهم الأربعة،و الترمذي صاحب أحد صحاحهم الستة (3).
و قوله:و نحو سدّ الأبواب،فإنّه كان لعليّ عليه السّلام،فقلبته البكرية الى أبي بكر،عجيب،فإنّه يثبت قول معاوية بوضع الفضائل للشيخين في مقابل كلّ
فضيلة له عليه السّلام،لا قوله«لما رأت البكرية ما صنعت الشيعة»،و كان عليه أن يقول:فلما رأت البكرية ما صنع اللّه تعالى له أرادوا إطفاء نوره.
ثم ان الشيعة قالت سدّت الأبواب إلاّ باب علي عليه السّلام لكونه كنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أما هم فلم خصوه بأبي بكر،فان كان هو الصدّيق فهو الفاروق، و كان أبو بكر في خلافته محتاجا الى عمر،فطلب من اسامة أن يخلفه عنده و ان كان النبي صلّى اللّه عليه و آله عيّنه مثله في جيشه و لعن المتخلّف،و لم يكن عمر محتاجا اليه،فاستقل بالامور،فلم يستدع عمر كوة فلم يجب اليها،و في بعض أسانيده التي رواها ابن سعد الناصبي:ان الناس لما قالوا:أغلق أبو ابنا و ترك باب خليله،قال النبي:اني أرى على باب أبي بكر نورا،و أرى على أبوابكم ظلمة (1)
طبقات ابن سعد 2: [1]ق 252.
.فلا بد أن فاروقهم ممّن قال تعالى: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » (2)فكيف صار فاروقا و صار خليفة.و قد يضعون في مقابل الشيعة ان يضموا الى فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام و شيعته فضائل مجاعل لأئمتهم،نظير ما في(الاستيعاب):عن أبي سعيد الخدري قال:قال النبي:ارحم امتي فيها أبو بكر،و أقواهم في دين اللّه عمر،و أصدقهم حياء عثمان،و أقضاهم علي بن أبي طالب، و أفرضهم زيد،و أقرؤهم لكتاب اللّه ابي بن كعب،و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل،و أمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح،و أبو هريرة وعاء للعلم،و عند سلمان علم لا يدرك،و ما أظلت الخضراء و لا أقلّت الغبراء
من ذي لهجة أصدق من أبي ذر (1)
الاستيعاب 1:8. [1]
.فهل كان من رحم أبي بكر أن يسلط خالد بن الوليد الذي كان صنعه صنع الجاهلية،كما ثبت من أيام النبي صلّى اللّه عليه و آله على المسلمين،حتى يقتلهم بغير حق و يزني مع نسائهم و لا يؤاخذه،فقتل خالد غير مالك بن نويرة عبد العزى بن أبي رهم النمري و لبيد بن جرير،مع أنّه كان معهما كتاب من أبي بكر باسلامهما.و في(تاريخ الطبري):كان عمر يعتمد على خالد-أي:في جناياته و خياناته-بقتل عبد العزى و لبيد مضافا الى قتل مالك بن نويرة،فيقول أبو بكر-أي:في الاعتذار لخالد-كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب في ديارهم (2).
و هل كان من قوة عمر في الدين أن يمنع النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية، و ينسبه في استدعائه لما يكتب به وصية الى الهجر و الهذيان،و ان يحرق أهل بيت نبيه حتى فاطمة بضعته،لو لم يخرجوا للبيعة مع صاحبه.
و هل كان من حياء عثمان ان أهل مصر لما فزعوا اليه من ابن أبي سرح المنافق الذي أباح النبي صلّى اللّه عليه و آله دمه،و كان قد ولاّه عليهم،أن يبدله بمحمد بن أبي بكر،أجابهم في الظاهر،و كتب اليه في السر أن يبقى على عمله،و ان يقتل أولئك الجماعة،و يسمل أعينهم،و يقطع أيديهم و أرجلهم.
و إذا كان زيد أفرضهم فلم مات أبو بكر و في نفسه من ميراث الجد شيء،و قضى عمر في الجد مائة قضية مختلفة،ألم يرجعا اليه في ذلك حتى يخرجهما من الحيرة.
و اذا كان أبي بن كعب أقرأهم لم حرق عثمان مصحفه.
و إذا كان معاذ أعلم بالحلال و الحرام فلم حرّم عمر ما حلله اللّه،
و أحلّ ما حرمه اللّه.
و أما أبو عبيدة فصدق في كونه أمينا،إلا انّه لعمر اللّه كان أمين شيخي الامة لا أمين الامة.
و أما أبو هريرة فان كان وعاء للعلم فلم ضربه عمر بالدرة،و نسبه الى الوضع،و نسبته عائشة الى الكذب.
و هذا الضم أحد أنحاء تلبيساتهم في ترويج زيف نفودهم،و الأصل فيه عمر في شوراه في حديثه ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات و هو راض عن هؤلاء الستة، و ابن عمه سعيد بن زيد في حديثه العشرة المبشرة،كما ان أحد أنحائها وضعهم أحاديث غلو فيهم عليهم السّلام حتى يجعلوا ذلك دليل بطلانهم كما عرفت.
و مما وضعوا في مقابل خبر رواه بعض الشيعة-و رواه أعثم الكوفي منهم-انّه صلّى اللّه عليه و آله فوّض اليه عليه السّلام طلاق نسائه لو خالفنه فطلّق عائشة (1)
رواه أعثم الكوفي في الفتوح،و من الشيعة الصفار في البصائر:314 ح 9،و الصدوق في كمال الدين 2:459 و السروي في مناقبه 2:133 و 134.
«ان النبي قال ان عائشة زوجتي في الدنيا و الآخرة» (2).و مما وضعوا في مقابل خبر ابتياع النبي صلّى اللّه عليه و آله ناقة من اعرابي،ثم أنكر بعد،و عدم عرفان شيخيهما الحكم فيه (3)ما في(طبقات ابن سعد):ان النبي صلّى اللّه عليه و آله ابتاع بعيرا من رجل الى أجل،فقال الرجل:ان جئت فلم أجدك؟قال:
فأت أبا بكر.قال:فان جئت فلم أجد أبا بكر؟قال:فأت عمر.قال:فإن جئت فلم
1) 1)
2) 2) أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة عنه منتخب كنز العمال 5:117،عن ابن عباس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الحاكم في المستدرك 4:10 عن عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و روي أيضا عن ضمرة بن حبيب و عيسى بن طلحة و مسلم البطين و أبي محمد مولى الغفاريين مرفوعا و عن علي عليه السّلام و عمّار موقوفا.
3) 3) رواه السروي في مناقبه 2:357.
أجد عمر؟قال:ان استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت (1)
طبقات ابن سعد 2: [1]ق 2502.
.فما رووه يدل على طمس نور ذي نوريهم،و ان من أدرك زمانه يجب أن يموت.و من العجيب أن صاحب(الاستيعاب)بدّل قول عثمان-لما قال ابن عوف لأهل الشورى:أيّكم يخرج منها نفسه،و يتقلدها على أن يوليها أفضلكم، و لم يجبه أحد،فقال:انا انخلع منها-أنا أوّل من رضي،فإني سمعت النبي يقول«أنت أمين في الأرض،و أمين في السماء»كما جاء في(تاريخ الطبري)، فنسبه الى علي عليه السّلام،فقال في كتابه:ان عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى:هل لي أن اختار لكم و انتفى منها.قال علي عليه السّلام:أنا أوّل من رضي، فانّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:«أنت أمين في أهل السماء و أمين في أهل الأرض» (2).فهذه شدة صلابة الوجه في الوضع،فان محاجاته عليه السّلام يوم الشورى مع ابن عوف و غيره ملأت ما بين السماء و الأرض.
و في تاريخ الطبري ان عثمان لما قال لابن عوف ما مر و قال القوم:
رضينا و علي ساكت،قال له ابن عوف:ما تقول أنت؟قال:اعطني موثقا لتؤثرن الحق،و لا تتبع الهوى،و لا تخص ذا رحم،و لا تألو الامة-الى أن قال بعد بيعة ابن عوف لعثمان-قال علي لابن عوف:حبوته حبو دهر،ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا،فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون.و اللّه ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك،و اللّه كلّ يوم هو في شأن.فقال ابن عوف:يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا-مهددا له بضرب عنقه ان خالف كما أمر عمر (3)-فهل قلّة حياء أكثر من هذا.
و من المضحك ان الإمامية لما رووا عن أسيد بن صفوان الصحابي حضور الخضر عليه السّلام في وفاة أمير المؤمنين،و ثنائه عليه بما في خبره،و قد رواه محمد بن يعقوب الكليني في باب مولده (1)
الكافي 1:454 ح 4. [1]
،بدله صاحب(الاستيعاب) بثنائه على أبي بكر عن أسيد ذاك،فقال روى أسيد عن علي حديثا حسنا في ثنائه على أبي بكر (2)،و لا يكاد تعجّبي ينقضي منه،فانه نهب الخبر في سنده و متنه،سنده من الثلاثة الأخيرة،و متنه بتمامه،إلاّ انّه بدل«رجلا غاب»المراد به الخضر عليه السّلام.و من المضحك ما وضعوه على لسان الهواتف،ففي(طبقات ابن سعد):
ان النبي و أبا بكر لما نزلا في هجرتهما خيمة أم معبد أصبح بمكة صوت عال بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون من يقول،و هو يقول:
جزى اللّه رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي ام معبد (3)
فلم يقنعوا بكونه صاحبه،بل جعلوه معادله كرفيقين من باقي الطبقات يسافران معا.
و من المضحك ما رواه ابن سعد أيضا:ان النبي خرج و معه أبو بكر، فعرض له سراقة بن جعشم،فساخت فرسه،فقال:يا هذان ادعوا لي اللّه و لكما الا أعود،فدعوا اللّه،فعاد،فساخت،فقال ادعوا اللّه لي و لكما ألا أعود،و عرض عليهما الزاد و الحملان،فقال:اكفنا نفسك.فقال:قد كفيتكماها (4).
فجعلوه شريكا للنبي صلّى اللّه عليه و آله في المعجزة،فلم لا يقولون نشهد أن محمدا و أبا بكر رسول اللّه،فيبخسوه حقه،الا انّهم ليضعوا ما شاءوا،و يجعلوه فوق
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فقالوا ان النبي ركب خلف أبي بكر،و الناس في الطريق يعرفون أبا بكر لكونه شيخا و لا يعرفون النبي لكونه شابا،و يقولون له من هذا الغلام؟ فمع قطع النظر عن مقام النبوة جعلوا ابن ابي قحافة أعرف من ابن عبد المطلب،و كيف يعقل ألا يعرف من كان مضى من ادعائه النبوة ثلاث عشرة سنة،و كيف لم يستحيوا في كذبهم و هو صلّى اللّه عليه و آله وقت هجرته كان ابن ثلاث و خمسين سنة،بعث و هو ابن اربعين،و أقام بمكة ثلاث عشرة سنة،ثم هاجر، يجعلونه هم شريك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فوقه،و انّ اللّه تعالى أخرجه من الايمان في صحابته الغار،فخص النبي بإنزال السكينة في آية الغار،مع انّه قال في نبيه و في المؤمنين «فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (1)
الفتح:26. [1]
و في المؤمنين: «لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» (2)«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» (3)فقال في آية الغار: «فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها» (4).بل أخرجه منه أيضا في قصة حنين،فإن الرجل لما رأى كثرة جنود النبي صلّى اللّه عليه و آله في حنين أعجبته كثرتهم فقال:لن نغلب اليوم من قلة،ثم انهزم فيمن انهزم،و فر فيمن فر،و انما ثبت أمير المؤمنين عليه السّلام مع جمع،فأنزل تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى» الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها 1.
بل أخرجه منه أيضا في قصة حنين،فإن الرجل لما رأى كثرة جنود النبي صلّى اللّه عليه و آله في حنين أعجبته كثرتهم فقال:لن نغلب اليوم من قلة،ثم انهزم فيمن انهزم،و فر فيمن فر،و انما ثبت أمير المؤمنين عليه السّلام مع جمع،فأنزل تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى» الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها (1)
روى هذا السبب في نزول الآية الواقدي في مغازيه 3:890،و الآيتان 25 و 26 من سورة التوبة. [1]
.و أما قوله:و نحو«إئتوني بدواة و بياض اكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان،ثم قال يأبي اللّه و المسلمون إلا أبا بكر»فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه«إئتوني بدواة و بياض اكتب لكم ما لا تضلون بعده،فاختلفوا عنده،و قال قوم لقد غلبه الوجع،حسبنا كتاب اللّه»، فكسابقه في الخلو عن الربط،فانّه ليس منقبة مجعولة لأبي بكر في مقابلة منقبة مجعولة له عليه السّلام كما هو مدعاه،بل هي منقبة مجعولة لأبي بكر في مقابلة مثلبة محققة لعمر قد أطبق كتب صحاحهم و سيرهم و تواريخهم على نقلها،و كان ابن عباس يبكي بكاء الثكلى إذا ذكرها،و تجري دموعه على وجهه،و يقول الرزية كلّ الرزية ان حيل بين نبينا و الوصية.
و مثله في الخلو عن الربط قوله:و نحو حديث«انا راض عنك يا أبا بكر، فهل أنت عني راض»جعلوا اللّه مشفقا من أبي بكر ألا يرضى عنه،فيحصل الخلل في ألوهيته،و لا أقل إلا يعبده اتباعه.
و أما قوله:فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث،فكسابقه في الخلو عن المعنى،فلم يدر ما يقول،فالشيعة يخلون رواياتهم و يكفيهم كتاب فضائل أحمد بن حنبل أحد أئمتهم الأربعة،و تفسير الثعلبي امامهم في التفسير،و يكفيهم في وضع خصومهم كلام أئمة تاريخهم و سيرهم المدائني،و الاسكافي،و غيرهما.
و أما قوله:فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا انّه فتله في عنق خالد،و حديث اللوح الذي زعموا انّه كان في غدائر الحنفية أم محمد،فنسبتهما الى الشيعة غلط،فليسا في كتاب معروف و لا قال بهما معروف،فهل رأى
ص:
1) 1)
شيئا منهما في كتب المفيد أو المرتضى أو غيرهما من المعروفين.
و أما قوله:و حديث«لا يفعلن خالد ما أمر به»،فقد روت ذلك العامة، ففي(مسترشد ابن رستم الطبري)روى صناديدهم سفيان بن عيينة، و الحسن بن صالح بن حي،و وكيع بن الجراح،و عباد بن يعقوب الأسدي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس:ان أبا بكر قال لخالد ابن الوليد:إذا انصرفت من الفجر فاضرب عنق علي،فصلّى،ثم ندم،فجلس في صلاته حتى كادت الشمس أن تطلع،ثم قال في صلاته:يا خالد لا تفعل ما أمرتك به-ثلاثا-فالتفت علي،فإذا خالد مشتمل على السيف في جانبه،فقال:يا خالد اذن كنت فاعلا.فقال:أي و اللّه لو لا انّه نهاني.فقال له:
كذبت أنت أضيق حلقة است من ذلك،أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو لا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا و أضعف جندا.فقيل لسفيان و ابن حي:ما تقولان في ما كان من الأول في ذلك؟فقالا:كانت سبة لم تتم.ثم جعل سفيان هذا الفعل أصلا و قال في الرجل:إذا أحدث قبل أن يسلم إذا فرغ من التشهد ان صلاته تامة.قال:فكره علي عليه السّلام أن يقدم عليه حتى استثبت و أوجب الحجّة عليه،فقال:أبعد قول رسول اللّه«من كنت مولاه فعليّ مولاه»، و بعد قوله«أنت مني بمنزلة هارون من موسى»،و بعد كذا و كذا-و عدد خصالا هذه سبيلها-قال:نعم،فقبض على صدره بيده،فجعل يرغو رغاء البعير،و نبغ بوله في المسجد،و اجتمع الناس عليهما يمدونهما لتخليصه من يده،فراموا مراما صعبا،فناداهم الأول لو تمالأ عليه أهل الأرض ما استنقذوه منه،و لكن ناشدوه بحق صاحب القبر،فلما ناشدوه خلّى عنه،و قال:لو عزمت على ما هممت به لشققتك شقّ الثوب-و رواه عن الحسن العرني بطريق آخر.
و فيه:روى العرني عن إسماعيل بن ابراهيم عن عمرو بن نصر قال:
سمعت خالد القسري يثلب عليا عليه السّلام و يقول:و اللّه لو كان في أبي تراب خير ما أمر أبو بكر الصديق بقتله.و روى مثله الفضل بن شاذان في(ايضاحه) (1)
المسترشد:،و [1]الايضاح:80.
.و نقل نفسه في موضع آخر عن أستاده النقيب-و قال لم يكن إماميا- قال:روي ان رجلا جاء الى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة،فسأله عمّا يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم،نحو الكلام و الفعل الكثير.فقال:انه جائز قال أبو بكر في تشهده ما قال.فقال الرجل:و ما قال؟ قال:لا عليك،فأعاد عليه ثانية و ثالثة،فقال:أخرجوه أخرجوه كنت أحدّث انّه من أصحاب أبي الخطاب (2).
و ما ينكر ابن أبي الحديد من أن يأمر أبو بكر بقتله عليه السّلام خالدا،ثم يندم و يقول لا يفعلن خالد ما أمرته،و قد كتب معاوية الى محمد بن أبي بكر:ان اللّه لما اختار لنبيّه ما عنده كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه حقّه و خالفه،و على ذلك اتفقا و اتسقا،فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم-إلخ (3).فما معنى«هما به الهموم،و أرادا به العظيم»غير ارادة قتله.
و أما قوله:و حديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة،فانما روت الشيعة انّها كتبت في الكعبة لا علّقت عليها،و كان ذلك من أسرارهم،فكيف كانوا يعلقونها،و كيف يمكنهم تعليقها،و كان في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلطانه، و ما ينكر من كتابتها،ألم يأمر النبي بخروجهم في جيش اسامة،و لعن المتخلّف،و كرّر ذلك كلّما أفاق من مرضه،و لم يمتثلوا أمره،و كيف منعوه من الوصية حتى أخرجهم من عنده،و كيف تقدّموا للصلاة بالناس حتى اضطر
في شدّة مرضه أن يخرج جارا رجليه معتمدا على نفرين حتى يؤخرهم، و كان اعتقاده انّهم خرجوا في الجيش.
و ما ينكر من ذلك و قد قال عمر-كما في(تاريخ الطبري)-لابن عباس:
أ تدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد؟كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة و الخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا،فاختارت قريش لأنفسها،فأصابت و وفقت،فقال:لو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار اللّه عز و جل لها لكان الصواب:بيدها،و أما قولك«انّهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة و الخلافة»فان اللّه تعالى وصف قوما بالكراهية فقال «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (1)
محمد:9. [1]
.فقال له عمر:بلغني انك تقول انما صرفوها عنّا حسدا و ظلما.فقال له ابن عباس:اما قولك«ظلما»فقد تبيّن للجاهل و الحليم،و اما قولك «حسدا»فإن إبليس حسد آدم،فنحن ولده المحسودون.فقال له عمر:هيهات أبت و اللّه قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول و غشا ما يزول.فقال له ابن عباس:مهلا لا تنسب قلوب قوم أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا بالحسد و الغش،فان قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قلوب بني هاشم.فقال عمر:اليك عني يا ابن عباس.فقال:افعل-إلخ (2).
فهل هناك أدلّة أوضح من هذه؟ألم تكن مكالمات عمر هذه تظهر باطنهم و خافيهم و عداوتهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله فضلا عن أهل بيته؟ألم يكن مغزى قول عمر«ما منع قومكم منكم بعد محمد كرهوا ان يجمعوا لكم النبوة و الخلافة»على عدم اعتقاده بالنبي صلّى اللّه عليه و آله؟ألم يكن مرمى كلامه«أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا ما يزول،و حسدا ما يحول»أن النبي صلّى اللّه عليه و آله كان كذلك كما
أبداه ابن عباس؟قال ذلك لأنّه رأى ان النبي تارة يؤمّر مولاه زيدا عليهم، و اخرى مولاه اسامة عليهم،و يأمرهم بالخروج من المدينة الى غير ذلك، و كانوا أيضا قد طعنوا في النبي في حياته في تأمير مولييه عليهم حتى خطب فيهم و قال:طعنتم فيهما و هما أهل للامارة عليكم (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2:303،و مسلم في صحيحه 4:1884 ح 63 و 64،و الترمذي في سننه 5:676 ح 3816.
.و أما قوله:و حديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر،فسبق الناس الى بيعته،فانما ورد في بعض كتب الشيعة و ليس من أخبارهم المتواترة (2)،و مع ذلك فأي استبعاد في صحته،و لم لا يفرح ابليس،و يكون الأول في البيعة،و يبكي شوقا،مع ترتب تلك المفاسد على خلافته من سلطنة بني امية،و سلطنة يزيد،و قتل الحسين عليه السّلام سيد شباب أهل الجنة و ريحانة النبي،و اسر بنات النبي،بل و قتل امير المؤمنين و الحسن عليهما السّلام،و قتل باقيهم و اسرهم و حبسهم،و لعب بني امية بدين النبي كما اعترف به أبو سفيان أيام عثمان مخاطبا لحمزة لما ضرب قبره برجله.
و قد رووا عن ابن عمر انّه قال:ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم السقيفة لما قال:أصبتم و أخطأتم،أصبتم سنة الأولين،و أخطأتم أهل بيت نبيّكم،أما و اللّه لو وضعتموها حيث وضعها اللّه لأكلتم من فوق رؤوسكم، و من تحت أرجلكم رغدا،أما و اللّه حيث عدلتم بها عن أل بيت نبيكم ليطمعن فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء،فقلت يريد شقّ عصا المسلمين،و وقوع الخلاف بينهم،و لا أحببت أحدا كحبي لسلمان يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر النبي فقلت:رحم اللّه سلمان لقد طمع فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء (3).
و أما قوله:و أحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعين الأولين و كفرهم و على أدون الطبقات فسقهم،فإن أراد بأكابر الصحابة الأشراف و من كان من قريش،و من نال السلطنة و الكبر الدنيوي،فأي استبعاد في فسقه و نفاقه،فالمترفون و الكبراء الدنيوية في كلّ عصر كانوا أعداء الدين و مخالفي رسل اللّه تعالى،و ان أراد من قطع على كبره و جلاله في الدين كحمزة،و جعفر الطيار،و سلمان،و أبي ذر،و المقداد، و عمار،و حذيفة،و نظرائهم،فمعاذ اللّه أن يطعن فيهم الشيعة.
و قد تواتر من طريقهم في أحاديث الذود عن الحوض أحداث جمع من صحابته بعده و ارتدادهم في الدين (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2:233 و 256 و 3:127 و 160 و 4:133،و مسلم في صحيحه 4:2194 ح 58 و جمع آخر.
.و قال أبو المقدام للباقر عليه السّلام:ان الناس يزعمون ان بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس عليها كانت رضى للّه،و ما كان ليفتن امة محمّد صلّى اللّه عليه و آله بعده.فقال له:أو ما يقرءون كتاب اللّه،أو ليس اللّه يقول «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» (2)فقال له:انهم يفسرونه على وجه آخر.فقال عليه السّلام:أو ليس تعالى أخبر عن الذين من قبلهم انهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات حيث يقول «تِلْكَ الرُّسُلُ» -الى أن قال- «وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» (3)،و في هذا ما يستدل به على ان اصحاب محمّد قد اختلفوا من بعده،
فمنهم من آمن،و منهم من كفر (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:270 ح 398. [1]
.و لا ريب أن الصحابة الذين وقعوا في هول من نسبة الشيعة إليهم ما نسبوا،اختلفوا بعد النبي معه عليه السّلام في أمر الخلافة بالضرورة،فإما أن يكون هو كفر و هم آمنوا،أو بالعكس و التعيين معه.
و قال البراء بن عازب-و قد رواه نفسه في موضع آخر-لم أزل لبني هاشم محبّا،فلما قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خفت أن تتمالأ قريش على اخراج هذا الأمر من بني هاشم،فأخذني ما يأخذ الواله العجول مع ما بي من الحزن لوفاة النبي،فجعلت أتردد و أرمق وجوه الناس،و قد خلا الهاشميون بالنبي لغسله و تحنيطه،و قد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة و من اتبعه من اصحابه،فلم أحفل بهم و علمت انّهم لا يؤلون الى شيء،فجعلت أتردد بينهم و بين المسجد و أتفقد وجوه قريش،فاني لكذلك إذ فقدت أبا بكر و عمر،ثم لم ألبث حتى إذا أنا بأبي بكر و عمر و أبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة،و هم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمر بهم أحد إلا خبطوه،فإذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر شاء أم أبى،فأنكرت عند ذلك عقلي جزعا منه،فخرجت مسرعا حتى أتيت المسجد،ثم أتيت بني هاشم و الباب مغلق عليهم،فضربت الباب ضربا عنيفا و قلت:يا أهل البيت.فخرج إلى الفضل بن العباس.فقلت:قد بايع الناس أبا بكر.فقال العباس:قد تربت أيديكم منها الى آخر الدهر،أما اني قد حذرتكم.فمكثت اكابد ما في نفسي،فلما كان الليل خرجت الى المسجد، فلما صرت فيه تذكرت اني كنت اسمع همهمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالقرآن، فانبعثت من مكاني فخرجت نحو الفضاء،فوجدت نفرا يتناجون،فلما دنوت منهم سكتوا،فانصرفت عنهم فعرفوني و ما عرفتهم،فدعوني فأتيتهم و اذا
1) 1)
المقداد و أبو ذر و سلمان و عمار و عبادة ابن الصامت و حذيفة و الزبير، و حذيفة يقول«و اللّه ليفعلن ما أخبرتكم به فو اللّه ما كذبت و لا كذبت»،و اذا القوم يريدون أن يعقدوا شورى بين المهاجرين و الأنصار،فقال حذيفة:
انطلقوا بنا الى ابي بن كعب فقد علم مثل ما علمت،فانطلقنا إليه و ضربنا عليه بابه،فأتى حتى صار خلف الباب،ثم قال:من أنتم؟فكلّمه المقداد،فقال:ما جاء بك؟قال:افتح فان الأمر الذي جئنا فيه أعظم من أن يجري من وراء الباب.
فقال،ما أنا بفاتح بابي و قد علمت ما جئتم له،كأنكم أردتم النظر في هذا العقد.
قلنا:نعم.قال:أ فيكم حذيفة؟فقلنا:نعم.فقال:القول ما قال حذيفة،فأما أنا فلا أفتح بابي حتى يجري عليّ ما هو جار عليه،و ما يكون بعدها شرّ منها،و الى اللّه تعالى المشتكى.
فرجعوا ثم دخل ابي بيته و بلغ أبا بكر و عمر الخبر،فأرسلا الى أبي عبيدة و الى المغيرة بن شعبة فسألاهما الرأي،فقال المغيرة:أرى أن تنطلقوا الى العباس،فتطمعوه في أن يكون له في هذا الأمر نصيب يكون له و لعقبه من بعده،فتقطعوه بذلك عن ابن أخيه علي بن أبي طالب،فان العباس لو صار معكم هان عليكم أمر علي وحده،فانطلقوا حتى دخلوا على العباس في الليلة الثانية من وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله،فتكلّم أبو بكر فقال:ان اللّه ابتعث محمّدا نبيا حتى اختار له ما عنده،و ترك للناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصلحتهم متفقين لا مختلفين،فاختاروني عليهم واليا و ما أخاف و هنا،غير اني لا أنفك من طاعن يبلغني فيقول بخلاف قول العامة،فيتخذكم لجأ، فتكونون حصنه المنيع-الى أن قال-و قد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك و لعقبك إذ كنت عمّ النبي،و ان كان المسلمون قد رأوا مكانك من النبي و مكان أهلك،ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم،و على رسلكم
بني هاشم،فان النبي منّا و منكم.
فاعترض كلامه عمر فقال:أي و اللّه و أخرى انا لم نأتكم حاجة اليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم،فيتفاقم الخطب بكم و بهم،فانظروا لأنفسكم و للعامة.فتكلّم العباس فقال:فان كنت بالنبي طلبت هذا الأمر فحقنا أخذت،و ان كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم.الى أن قال:فان كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين،و ما أبعد قولك«طعنوا عليك»من قولك«مالوا إليك»،و أما ما بذلت لنا فإن يك حقك أعطيتناه،فأمسكه عليك فلسنا محتاجين إليك،و ان كان حق المؤمنين،فليس لك ان تحكم في حقهم،و ان كان حقنا فإنّا لا نرضى منك ببعضه دون بعض.
و أما قولك ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منّا و منكم،فان النبي شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها،فنحن أولى به منكم،و أما قولك انا نخاف ان يتفاقم الخطب بكم،فهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك.و اللّه المستعان (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:219. [1]
.و أما قوله:فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي و في ولديه، و نسبوه تارة الى ضعف العقل،و تارة الى ضعف السياسة،و تارة الى حب الدنيا و الحرص عليها،فكلام مختل،فلم ينسبه أحد الى ضعف العقل،و أما نسبته عليه السّلام الى ضعف السياسة فان ذلك ليس مثلبة كما هو محل كلامه،بل من جلائل صفاته،و مصداق قوله تعالى: «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» (2)،فأشار عليه المغيرة بإقرار معاوية على الشام، و تولية طلحة البصرة،و الزبير الكوفة،حتى يستقر امره كما أشار على أبي بكر و عمر يجعل نصيب للعباس حتى يقويا به على ابطال امره عليه السّلام
و تضعيف جانبه،و ان لم يقبل منهما العباس كما عرفت،فلم يقبل عليه السّلام هذا الرأي من المغيرة و قال:« «وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» ».
و أما نسبته عليه السّلام الى حب الدنيا و الحرص عليها،فهو من فاروقهم لمّا عين ستة الشورى،و ذكر مثالب الباقين،جعل هذا مثلبة فيه (1)
رواه ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:25.
،فأخذوه عنه، فدفعوه بذلك عن حقّه و اختاروا عثمان.و أما قوله:و لقد كان في فضائل علي الثابتة الصحيحة و فضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما،مما يضحك الثكلى، فان المحقق من فضائل صدّيقهم ما استند إليه فاروقهم لإشادة ذكره، و استحقاقه للخلافة،من كونه صاحب الغار،و كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمره في مرضه بالصلاة بالناس،مع انهما بالرذائل أقرب الى الفضائل،فأما مصاحبته الغار فالنبي صلّى اللّه عليه و آله خرج وحده و تبعه الرجل،فظنّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من تعاقبه لأخذه، فأسرع في المشي حتى دميت رجله،و الصاحب في السفر يكون أنيسا، لا سيما للخائف الهارب،و كان سببا لازدياد وحشته،لإظهاره الاضطراب و القلق،حتى قال صلّى اللّه عليه و آله له:لا تخف و لا تحزن (2)،و قد عرفت انّه تعالى أخرجه من الايمان حيث خص انزال السكينة في الغار به دونه،و أما صلاته فلم تكن عن أمره،كما هو المستفاد من أخبارهم الصحيحة، و انما تضمن أمره اخبارهم المجعولة،كما لا يخفى على من تدبرها،و قد عزله بحضوره أخيرا،و إلا فأي معنى في حضوره مع شدّة مرضه،هل أراد تعليمه الصلاة،أو أراد تعليمه إمامة الصلاة «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ»
«أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ» (1)
ق:37.
.فلو كان له فضل آخر من علم مع عدم عرفانه معنى الأب،و حكم ارث الجد،أو جهاد مع كونه من القاعدين في بعض الغزوات،و الفارين في الأكثر، فليذكره حتى لا يجهل قدره،و لو كان قد قال لقد كان في مثالبه المحققة من عزله عن أداء سورة برائة،و فراره يوم خيبر كصاحبه،حتى قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في أمير المؤمنين عليه السّلام معرضا بهما قولا يقتضي كونهما ممن لا يحب اللّه و رسوله،و لا يحبهما اللّه و رسوله،فضلا عن فرارهما،و تخلفه عن جيش اسامة مع لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله المتخلف،الى غير ذلك-كفاية في عدم لياقته لما تصداه عند غير ذي مكابر لكان صوابا،و اجتنب جزافا.
و أما قوله:و في فضائله عليه السّلام ما يغني،فلم أدر ما أراد،هل في استحقاقه الخلافة بعد الثلاثة كما زعموا فغلط،فقد كانت فضائله فضائل تسببت زعم جمع علوه على النبوة،و ادعوا له الألوهية،و كيف لا يكون كذلك و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله له:لو لا أن تقول طوائف امتي فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك مقالا لا تمر في مكان إلا أخذوا التراب من تحت قدميك (2).و كان فيه عليه السّلام من الفضائل ما كان في الأنبياء كلّهم،كيف لا و نبينا أفضلهم،و قد جعله تعالى نفسه،و هل كان فيه غير فضيلة حتى تحتاج الشيعة الى الجعل له، و انما سعى فاروقهم لنحت نقص له-كما سعى في نحت فضل لصاحبه- فسمّى حسن خلقه عليه السّلام دعابة،و بهته بخطبته بنت أبي جهل،فافترى شيئا لو فرض واقعيته كان طعنا للنبي لا فيه.
و أما قوله:نسأله تعالى أن يجرينا على ما عودنا من حب الحقّ أين وجد فطريف،فلم نجد بدا من أن نقول كما علّمنا اللّه تعالى «وَ إِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (1)
سبأ:28. [1]
،أو كما قيل بالفارسية:ما ز محبان علي و عمر هيچ نگوئيم ز خير و ز شر
حشر محبان علي با علي حشر محبان عمر با عمر
هذا،و في(تاريخ خلفاء السيوطي):قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
لما ولى يزيد-أي:ابن عبد الملك-قال:سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فأتى بأربعين شيخا،فشهدوا له ما على الخلفاء حساب و لا عذاب.و قال ابن الماجشون أقام يزيد أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز،ثم عدل عن ذلك (2).
و في(العقد):ان الوليد بن عبد الملك قال للزهري:يحدّثنا أهل الشام ان اللّه إذا استرعى عبدا رعيته كتب له الحسنات،و لم يكتب عليه السيئات.فقال الزهري:حدثنا كلّ نبي خليفة أكرم على اللّه أم خليفة؟قال:بل خليفة نبي.قال:
فان اللّه تعالى يقول لنبيه داود: «يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» (3)فهذا وعيد لنبي خليفة، فما ظنّك بخليفة غير نبي.فقال ان الناس ليغرونا عن ديننا.
«و جعلوهم حكّاما على رقاب الناس» هكذا في(المصرية)و الصواب:
«و جعلوهم على رقاب الناس»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«و أكلوا بهم الدنيا و انما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصم اللّه» لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبّة حمراء،فجعل الناس يسلّمون على معاوية،ثم يميلون الى يزيد،حتى جاء رجل،ففعل ذلك،ثم رجع الى معاوية و قال:اعلم انّك لو لم تولّ هذا امور المسلمين لأضعتها،و الأحنف جالس،فقال له:ما بالك لا تقول؟فقال:أخاف اللّه إن كذبت،و أخافكم ان صدقت.فقال:جزاك اللّه عن الطاعة خيرا،و أمر له بألوف،فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب، فقال للأحنف:اني لأعلم ان شرّ من خلق اللّه هذا و ابنه،و لكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب و الأقفال،فلسنا نطمع في استخراجها إلا بما سمعت.
فقال له الأحنف:يا هذا امسك،فان ذا الوجهين خليق ألا يكون عند اللّه وجيها.
و في(الأغاني)في مطيع:ان المنصور كان يريد البيعة للمهدي،و كان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك،فأمر بإحضار الناس فحضروا،و قام الخطباء فتكلموا،و قال الشعراء فأكثروا،و فيهم مطيع بن أياس،فلما فرغ من كلامه في الخطباء و إنشاده في الشعراء قال للمنصور:حدثنا فلان عن فلان قال:المهدي منّا محمّد ابن عبد اللّه،و امه من غيرنا،يملؤها عدلا كما ملئت جورا،و هذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك.ثم أقبل على العباس فقال له:أنشدك اللّه هل سمعت هذا؟فقال:نعم،مخافة من المنصور،فأمر الناس بالبيعة للمهدي،فلما انقضى المجلس قال العباس:أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على اللّه و رسوله حتى استشهدني على كذبه،فشهدت له خوفا،و شهد كلّ من حضر بأني كاذب.قال:و بلغ الخبر جعفرا أخا المهدي و كان ماجنا فأخرج ايره،فقال:ان كان محمّدا أخي المهدي فهذا القائم من الآل.
هذا،و في(تاريخ بغداد)في عبد اللّه بن محمد المعروف بابن ابي شيبة قال ابن عرفة:و في سنة(234)أشخص المتوكل الفقهاء و المحدثين-و كان
فيهم مصعب الزبيري،و إسحاق بن أبي إسرائيل،و إبراهيم بن عبد اللّه الهروي،و عبد اللّه و عثمان ابنا محمد بن أبي شيبة-فقسمت بينهم الجوائز، و أجريت عليهم الأرزاق،و أمرهم المتوكل أن يجلسوا و أن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية-أي:رؤية اللّه.
هذا،و من كذابيهم الخبيثين«السري عن شعيب عن سيف»يكثر عنهم الطبري في(تاريخه)لا سيما في حرب الجمل،و كذا في حصر عثمان و قتله، و في قصة أبي ذر،و من أكاذيبهم الواضحة أن أبا ذر خرج بنفسه الى الربذة، و ان عثمان نهاه عن الخروج و قال له:ان هذا تعرّب بعد الهجرة،و من أكاذيبهم الواضحة ان صاحبة كلاب الحوأب سلمى التي اعتقتها عائشة،قد رجعت الى قومها،لا عائشة،كما ذكره الطبري في ردة هوازن في سنة(11) (1)
تاريخ الطبري 2:491 سنة 11. [1]
.و في(ادباء الحموي)-في إبراهيم الفزاري-ان هارون أمر بضرب عنق زنديق أخذه،فقال له:لم تضرب عنقي؟قال:لأن أريح الناس منك.فقال له:
فأين أنت من ألف حديث وضعتها على النبي ما فيها حرف نطق به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.
و في(رجال الكشي):قال العبيدي:قال بعض أصحابنا ليونس بن عبد الرحمن:ما أشدّك في الحديث،و أكثر انكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الأحاديث.فقال:حدّثني هشام بن الحكم انّه سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن و السنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة،فان المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي،فاتقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى و سنّة نبينا صلّى اللّه عليه و آله،فإنّا إذا حدّثنا قلنا
1) 1)
قال اللّه عز و جل،و قلنا قال رسول اللّه (1)
اختيار معرفة الرجال:224:401.
.هذا،و في(وزراء هلال الصابي):ان رجلا من اليهود ادّعى ان معه كتابا من النبي صلّى اللّه عليه و آله،فأمره علي بن محمد بن الفرات بإخراج الكتاب،فلما قرأه قال:
هذا مزور،لأن خيبر افتتحت بعد تاريخ كتابك بسبعة و ستين يوما،و لكنّا نحتمل عنك جزيتك إعظاما لحق من لجأت بالاعتصام به.قال قريب بن قريب:
فرجع الى كتب التاريخ،فوجد كما ذكره ابن الفرات.
هذا،و كما كان في المحدثين كذّابون،كذلك في اللغويين،كما قالوا في حق المبرد و أبي عمر الزاهد،و كذلك في(الادباء)،فقالوا ان حمّاد الراوية كان يفتعل القصائد على العرب.
و في(العقد الفريد):يقال ان الشعر المنسوب الى ابن اخت تأبط شرا:
ان بالشعب الى جنب سلع لقتيلا دمه ما يطلّ
لخلف الأحمر،و انما نحله إيّاه،فكان يقول الشعر و يحسن،و ينحله الشعراء،و كذلك حمّاد الراوية يحقق الشعر القديم،و يقول ما من شاعر إلا و قد حققت في شعره أبياتا،فجازت عنه إلا الأعشى أعشى بكر،فاني لم أزد في شعره غير بيت:
و أنكرتني و ما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب و الصلعا
و كذلك كان بعضهم يفتري في الكتب،و في(التنبيه و الاشراف للمسعودي):كان الجاحظ يؤلف الكتاب الكثير المعاني،الحسن النظم، فينسبه الى نفسه،فلا يرى الاسماع تصغي اليه،ثم يؤلف ما هو أنقص رتبة، و أقلّ فائدة،ثم ينحله ابن المقفع،أو سهل بن هارون،أو غيرهما ممن طارت
1) 1)
اسماؤهم في المصنفين،فيقبلون على كتبها و نسخها (1)
التنبيه و الاشراف:66. [1]
.و كما كذب على النبي صلّى اللّه عليه و آله كذب على علي عليه السّلام،فروى مسلم أنّه عليه السّلام سمع ابن عباس يلين في متعة النساء،فقال له:مهلا ان النبي نهى عنها يوم خيبر و عن لحوم الحمر الانسية (2).فانه عليه السّلام انما كان يقول:لو لا ما سبقني ابن الخطاب في تحريم المتعة ما زنى إلا شقي (3)،و حليتها من ضروريات مذهب أهل بيته.
«فهذا» أي:المنافق المظهر الايمان،المتصنع بالاسلام،غير المتأثم و المتحرج من الكذب متعمدا على النبي. «أحد الأربعة» من الآتين بالحديث .
«و رجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه» أي:اشتبه.
هذا،و عن حمقاء ابن الجوزي:سأل المأمون رجلا عن قاضي بلدهم فقال:لا يفهم،و إذا فهم وهم.قال:ويحك كيف ذلك.قال:جاء رجل و ادّعى على آخر بأربعة و عشرين درهما،فاعترف الرجل بها،فقال له القاضي:اعطه ماله، فقال للقاضي:ان لي حمارا اشتغل عليه بأربعة دراهم كلّ يوم،فجعلت اخبّئ كلّ يوم درهمين،حتى جمعت مبلغ الدين في اثنى عشر يوما،فذهبت الى هذا و بقي غائبا حتى اليوم،فإن رأيت أن تمسكه حتى اجمع له أربعة و عشرين درهما فأعطيها.فقال:ذلك لك،ثم حبس صاحب الحق حتى اعطاه ماله، فضحك المأمون و عزله.
«و لم يتعمد كذبا فهو في يديه» معتقدا صحته (و يرويه) هكذا في(المصرية)و الصواب:(يرويه)كما في(ابن أبي الحديد
و ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 11:39،و [1]شرح ابن ميثم 4:20 [2] مثل المصرية.
.«و يعمل به و يقول:أنا سمعته من رسول اللّه،فلو علم المسلمون انّه وهم فيه لم يقبلوا منه،و لو علم هو انّه كذلك لرفضه» أي:تركه.
روى ابن سعد في(طبقاته)عن بكر المزني قال:سمعت أنسا يحدث قال:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يلبي بالحجّ و العمرة معا جميعا،فحدثت بذلك ابن عمر،فقال:لبى بالحجّ وحده،فلقيت أنسا،فحدثته يقول ابن عمر،فقال أنس:ما يعدوننا إلا كالصبيان،سمعت النبي يقول:لبيك عمرة و حجّا معا (2).
و في(تاريخ الطبري)عن ابن عمر قال:اعتمر النبي صلّى اللّه عليه و آله ثلاث عمر، فبلغ عائشة فقالت:لقد علم انّه اعتمر أربع عمر منها عمرته التي قرن معها الحجّة.
و في خبر آخر عنه:اعتمر النبي صلّى اللّه عليه و آله أربع عمر أحداهن في رجب، فقالت عائشة:ما اعتمر في رجب (3).
و في(سنن أبي داود)عن سعيد بن جبير:قلت لابن عباس:عجبت لاختلاف أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله في اهلاله حين أوجب.فقال:اني لأعلم الناس بذلك،انها انما كانت منه صلّى اللّه عليه و آله حجّة واحدة،فمن هناك اختلفوا،خرج حاجّا، فلما صلّى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه،فأهلّ بالحجّ حين فرغ من ركعتيه،فسمع ذلك منه أقوام،فحفظته عنه،ثم ركب،فلما استقلت به ناقته أهلّ و أدرك ذلك منه أقوام،و ذلك ان الناس كانوا يأتون ارسالا،فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل،فقالوا:انما استهل صلّى اللّه عليه و آله حين
استقلت به ناقته،ثم مضى،فلما علا على شرف البيداء أهلّ و أدرك ذلك منه أقوام،فقالوا انما أهلّ حين علا على شرف البيداء،و ايم اللّه لقد أوجب في مصلاه،و أهلّ حين استقلت به ناقته،و أهلّ حين علا على شرف البيداء (1)
سنن ابي داود 2:150 ح 1770. [1]
.و فيه:بعد روايته عن حفص عن همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«كلّ غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع و يحلق رأسه و يدمى»فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به،قال:إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة،و استقبلت به أوداجها،ثم توضع على يافوخ الصبي،حتى يسيل على رأسه مثل الخيط،ثم يغسل رأسه بعد و يحلق«و يدمى»،و هم من همام،و انما قالوا«يسمى»،فقال همام«يدمى»،قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة:«و يسمى»،و قال اياس بن دغفل و اشعث عن الحسن:«و يسمّى»و رواه أشعث عن الحسن عن النبي«و يسمى» (2).
قلت:و من الغريب أنّه نقل تفسيرا لوهمه.
و روى(الكافي)عن زرارة:كنت عند الباقر عليه السّلام و عنده أنصاري،فمرت به جنازة،فقام الأنصاري و لم يقم هو عليه السّلام،فقال له:ما أقامك؟قال:رأيت الحسين يفعل ذلك.فقال:و اللّه ما فعله الحسين،و لا قام لها أحد منّا أهل البيت.
فقال الأنصاري:شككتني قد كنت أظن اني رأيت (3).
هذا،و في أخبار(حكماء القفطي):قيل من جملة سعادة حنين العبادي صحبته حبيش بن الحسن له.كان حبيش من الناقلين من اليوناني و السرياني الى العربي،و أكثر ما نقله حبيش نسب الى حنين،كثيرا ما يرى
الجهال شيئا من الكتب القديمة مترجما بنقل حبيش،فيظن الغر منهم ان الناسخ أخطأ في الاسم،و يغلب على ظنّه أنه حنين و قد صحف،فيكشطه و يجعله لحنين.
و قال ابن أبي الحديد:قال أصحابنا في الخبر الذي رواه عبد اللّه بن عمر «ان الميت ليعذب ببكاء أهله»ان ابن عباس لما روى له هذا الخبر قال:ذهل ابن عمر،انما مر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على قبر يهودي،فقال:ان أهله ليبكون عليه و انه ليعذب.
و قالوا أيضا:ان عائشة أنكرت ذلك و قالت:ذهل ابن عمر كما ذهل في خبر قليب بدر،انما قال النبي انهم ليبكون عليه و انّه ليعذب بجرمه.
قالوا:و موضع غلطه في خبر القليب انّه روى ان النبي صلّى اللّه عليه و آله وقف على قليب بدر،فقال«هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا».ثم قال:انهم يسمعون، فأنكرت عائشة ذلك و قالت:انما قال انهم يعلمون ان الذي كنت أقول لهم هو الحق،و استشهدت بقوله تعالى «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى» (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:47.و الآية 80 [1] من سورة النمل.
.قلت:ما ذكرته عائشة من غلط ابن عمر في خبر القليب غلط،فهو خبر صحيح روته الخاصة أيضا،و استشهادها بقوله تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى» كتفسيرها أيضا غلط،لأن المراد بالآية انّك لا تسمع أحياء قلوبهم ميتة،فهو نظير قوله تعالى الآخر له صلّى اللّه عليه و آله: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» (2)و قوله تعالى: «وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا» (3)و لو كان المراد الأموات لما كان للكلام معنى،لأنّه لا وجه
لتخصيصه بذلك،فكلّ الناس لا يسمعون الموتى.نعم تخطئتها له في خبر تعذيب الميت ببكاء أهله صحيحة،إلا أن الأصل في وهمه أبوه عمر،فرووا أن عمر سمع صوت نائحة،فضربها حتى سقط خمارها،و قال:انها تؤذي أمواتكم في قبورهم و أحياءكم في دورهم (1)
رواه ابن سعد في الطبقات 3:ق 1481.
.و روى(العيون)انه قيل للرضا عليه السّلام:ان الناس يروون ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:ان اللّه خلق آدم على صورته.فقال:قاتلهم اللّه،لقد حذفوا أوّل الحديث.ان النبي مر برجلين يتسابان،فقال أحدهما لصاحبه:قبّح اللّه وجهك و وجه من يشبهك،فقال النبي له:لا تقلّ هذا للرجل،فان اللّه تعالى خلق آدم على صورته (2).
«و رجل ثالث سمع من رسول اللّه شيئا يأمر به ثم انّه» هكذا في(المصرية) أخذا من(ابن أبي الحديد)و ليس(انّه)في(ابن ميثم) (3).
«نهى عنه و هو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم،فحفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ،فلو علم انّه منسوخ لرفضه،و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه» و قد عرفت أن رواية الكافي زادت في الخبر «فان أمر النبي مثل القرآن ناسخ و منسوخ » (4).
«و آخر رابع لم يكذب على اللّه و لا على رسوله مبغض للكذب خوفا من اللّه» هكذا في(المصرية)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)بدل(من اللّه)«للّه» (5).
«و تعظيما لرسول اللّه و لم يهم» أي:لم يحصل له وهم،مضارع و هم
بالفتح الاشتباه في غير الحساب،و فيه يقال و هم بالكسر يوهم،كما أنّه فيه يقال غلت و في غيره غلط.
«بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)و في(ابن ميثم)(على ما سمعه ) (1)
المصدر السابق. [1]
.«لم يزد فيه و لم ينقص منه،فحفظ الناسخ فعمل به و حفظ المنسوخ فجنب عنه،و عرف الخاص و العام فوضع كلّ شيء موضعه،و عرف المتشابه و محكمه» .
و المتصفون بهذه الصفات في الاتيان بالحديث كما ينبغي هم شيعته الخواص من سلمان و أبي ذر و مقداد،فان السائل قال له عليه السّلام سمع منهم أحاديث،و هو عليه السّلام يصدقها،و في أيدي الناس أحاديث على خلافها،و مقام الثلاثة و جلالهم عند الكلّ معلوم،و هم الذين أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه و آله بحبهم كامامهم.
ففي(الاستيعاب)من حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:أمرني ربي بحبّ أربعة،و أخبرني انّه يحبهم:علي،و أبو ذر،و المقداد،و سلمان (2).
و مما يشهد أنّهم كانوا يضعون كلّ شيء موضعه ما رواه(الاستيعاب) عن أبي جحيفة:ان سلمان جاء يزور أبا الدرداء،فرأى ام الدرداء مبتذلة.فقال:
ما شأنك؟قالت:ان أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا.فلما جاء أبو الدرداء رحب بسلمان و قرب له طعاما،فقال له سلمان:أطعم.قال:اني صائم.
قال:أقسمت عليك الا ما طعمت،اني لست بآكل حتى تطعم و بات سلمان عنده، فلما كان الليل قام أبو الدرداء،فحبسه سلمان و قال له:ان لربك عليك حقّا،و ان لأهلك عليك حقّا،و ان لجسدك عليك حقّا،فأعط لكلّ ذي حقّ حقه.فلما كان
وجه الصبح قال:قم الآن،فقاما،فتوضّآ،ثم خرجا الى الصلاة،فلما صلّى النبي قام إليه أبو الدرداء و أخبره بما قال سلمان،فقال النبي مثل ما قال سلمان.
و في رواية شاذان عن علي عليه السّلام:سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم، علم العلم الأول و الآخر،بحر لا ينزف،و هو منّا أهل البيت (1)
الاستيعاب 2:59 و 60. [1]
.و من متشابه حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله:«اختلاف امتي رحمة»،و قوله:
«مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم»-الخبر،و قوله:«ان اللّه ليبغض البيت اللحم»-الخبر.
فقال عبد المؤمن الأنصاري للصادق عليه السّلام:ان العامة روت ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«اختلاف امتي رحمة»،فقال:صدقوا.فقال عبد المؤمن:ان كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب.فقال عليه السّلام:ليس حيث تذهب و ذهبوا، انما أراد النبي قوله تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (2)،أمرهم تعالى أن ينفروا الى رسوله و يختلفوا اليه و يتعلموا،ثم يرجعوا الى قومهم فيعلموهم، انما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافهم في دين اللّه،انما الدين واحد (3).
و روي عنه عليه السّلام أيضا:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و ان قال:«مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم،بأيّها أخذ اهتدى،و بأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم»إلا انّه فسّر أصحابه بأهل بيته،فقيل له:يا رسول اللّه من أصحابك؟قال:أهل بيتي (4).
فلو لم يفسر كلامه صلّى اللّه عليه و آله في الخبرين بما فسّره عليه السّلام لكان مضمونهما
خلاف مقتضى العقول،لا يمكن أن يتفوّه به ذو شعور،فكيف مثل الرسول، فالاختلاف في الدين له من المفاسد ما لا تحصى،و امته صلّى اللّه عليه و آله بعده اختلفوا أشدّ الاختلاف،و وقع بينهم التباغض و التعاند،حتى سلوا السيوف،و سفك بعضهم دم بعض،فمن أصحابه أمير المؤمنين عليه السّلام،و من أصحابه طلحة و الزبير،فاختلفوا يوم الجمل،فلو لم يكن المراد من أصحابه أهل بيته الذين هم أصحابه في الحقيقة و من كلّ جهة،لكان من لحق به مهتديا،و من لحق بهما كان مهتديا،و من قتل أمير المؤمنين في تلك الحرب لو كان ممكنا له مهتديا كان إذ كان أخذ بقول طلحة و الزبير،الا ان جمعا منهم ذهبوا الى هذا الرأي،و ان قتلى الفريقين في الجنّة،أف لهذا الدين المتناقض.
و من رأس أصحابه عندهم صدّيقهم و فاروقهم،و اختلفا في سيفهم، فالصدّيق جعله سيف اللّه،و الفاروق سيف الشيطان،فلم تركوا قول الفاروق مع كونه في ذلك على الحقّ،و اتبعوا قول الصدّيق مع كون قوله عن هوى نفسه،و لِمَ لَمْ يجمعوا بينهما بمقتضى خبرهم؟! و أما أهل بيته و هم أصحابه الذين كانوا من جنسه و من طينته،فكانوا يقولون ان ما قاله أو لنا يقوله آخرنا،حتى قالوا يجوز لكم أن تنسبوا ما قاله آخرنا الى أولنا،لأن قولنا واحد،و قولنا قول اللّه و قول رسوله،و هم نجوم الأرض،فبقول أيّهم أخذوا اهتدوا كما يهتدون بنجوم السماء.
و روي انّه قيل للصادق عليه السّلام أيضا:بلغنا أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال«ان اللّه تعالى ليبغض البيت اللحم و اللحم السمين»،فقال عليه السّلام:عنى النبي«بالبيت اللحم»البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة،و انا لنأكل اللحم و نحبّه (1)
أخرجه الصدوق في معاني الأخبار:388 ح 24 و النقل بتصرف يسير.
.و عنى صلّى اللّه عليه و آله باللحم السمين المتبختر المختال في مشيته.
1) 1)
و من متشابهه قوله صلّى اللّه عليه و آله:«السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه»،فسأل ابن أبي عمير الكاظم عليه السّلام عن معناه،فقال معناه ان السعيد من علمه اللّه و هو في بطن امه انّه سيعمل أعمال السعداء،و الشقي من علّمه اللّه و هو في بطن امه انّه سيعمل أعمال الأشقياء (1)
أخرجه الصدوق في التوحيد:356 ح 3.
.و منه قوله صلّى اللّه عليه و آله:«اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»سأله عليه السّلام أيضا ابن ابي عمير عن معناه،فقال:ان اللّه عز و جل خلق الجن و الانس ليعبدوه،و لم يخلقهم ليعصوه،كما قال «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ» (2)فيسر كلا لما خلق له،فالويل لمن استحب العمى على الهدى (3).
و كيف لا يكون المعنى ما قاله عليه السّلام و الأصل فيه قوله تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» (4).
هذا،و ممن كان حديثه صحيحا ثمانية عشر نفرا من أصحاب الباقر الى الرضا عليه السّلام،فقال الكشي:أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام و انقادوا لهم بالفقه،فقالوا أفقه الأولين ستة:زرارة،و معروف بن خربوذ،و بريد،و أبو بصير الأسدي،و الفضيل بن يسار،و محمد بن مسلم الطائفي،و أفقههم زرارة (5).
و قال أيضا:أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء و تصديقهم لما يقولون،و أقرّوا لهم بالفقه من دون اولئك،و هم ستة:جميل بن
دراج،و عبد اللّه بن مسكان،و عبد اللّه بن بكير،و حمّاد بن عثمان،و حمّاد بن عيسى،و ابان بن عثمان-إلخ (1)
اختيار معرفة الرجال:375.
.إلا ان الظاهر كون«ابن بكير»في نسخة الكشي مصحف«ابن سنان».و قال أيضا:أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ من هؤلاء و تصديقهم،و أقروا لهم بالفقه و العلم،و هم ستة اخر:يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيى،و محمد بن أبي عمير،و عبد اللّه بن المغيرة،و الحسن بن محبوب،و أحمد ابن محمد بن أبي نصر-إلخ (2).و لا سيما الثالث.
و قال له ابو الفضل بن شاذان:لقيت مشايخ العامة فكيف لم تسمع منهم؟قال:قد سمعت منهم غير أني رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامة و علم الخاصة،فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة،و حديث الخاصة عن العامة،فكرهت أن يختلط علي فتركت ذلك و أقبلت على هذا (3).
«و قد كان يكون من رسول اللّه الكلام له وجهان فكلام خاص» سئل الصادق عليه السّلام كما روى(المعاني)-عن الوباء تكون في ناحية المصر،فيحول الرجل الى ناحية اخرى،أو يكون في مصر فيخرج منه الى غيره،فقال عليه السّلام:لا بأس،انّما نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو،فوقع فيهم الوباء،فهربوا منه،فقال النبي:الفارّ منه كالفارّ من الزحف،كراهة أن يخلو مراكزهم (4).
و في(النهج):سئل عليه السّلام عن قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غيروا الشيب،و لا تشبهوا باليهود.فقال:انما قال ذلك و الدين قلّ،فأما الآن و قد اتسع نطاقه،و ضرب بجرانه،فامرؤ و ما اختار (1)
نهج البلاغة 4:5 حكمة 16. [1]
.و كذلك أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالهرولة في الحديبية،و انما كان لأجل أن يرى كفار قريش منهم قوة،و أما رواية العامة انها و ان كان الأصل فيها ذلك إلا انها صارت سنّة فمن مجعولاتهم،فزعمه فاروقهم،ففي سنن ابي داود عنه قال:
فيم الرملان و الكشف عن المناكب،و قد أطّأ اللّه الاسلام و نفى الكفر و أهله،مع ذلك لا ندع شيئا كنّا نفعله على عهد النبي (2).
و قد حقق ذلك ابن عباس،ففي(سنن ابي داود)أيضا عن أبي الطفيل قلت لابن عباس:يزعم قومك ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قد رمل بالبيت و ان ذلك سنّة.قال:
صدقوا و كذبوا.قلت:و ما صدقوا و كذبوا؟قال:صدقوا قد رمل النبي،و كذبوا ليس بسنّة،ان قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمدا و أصحابه حتى يموتوا موت النغف،فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل،فيقيموا بمكة ثلاثة أيام،فقدم صلّى اللّه عليه و آله و المشركون من قبل قعيقعان،فقال لأصحابه«ارملوا بالبيت ثلاثا و ليس بسنة» (3).
و مثله السعي راكبا،ففي خبره أيضا قلت له:يزعم قومك أنّه صلّى اللّه عليه و آله طاف بين الصفا و المروة على بعير و ان ذلك سنة.فقال:صدقوا و كذبوا.
صدقوا قد طاف بين الصفا و المروة على بعير،و كذبوا ليس بسنة،كان الناس لا يدفعون عن النبي و لا يصرفون عنه،فطاف على بعير ليسمعوا كلامه
و لا يروا مكانه و لا تناله أيديهم (1)
المصدر السابق. [1]
.(بيان)النغف:دود يكون في أنوف الابل و الشاة و في النواة.
و روى الصدوق:ان رجلا قال للصادق عليه السّلام:بلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:
«أيما رجل ترك دينارين فهما كي بين عينيه».فقال عليه السّلام:أولئك قوم كانوا أضيافا على النبي،فإذا أمسى قال لأصحابه:يا فلان اذهب فعش هذا،فإذا أصبح قال:يا فلان اذهب فغد هذا،فلم يكونوا يخافون أن يصبحوا بغير غداء و لا عشاء،فجمع رجل منهم دينارين،فقال النبي فيه هذه المقالة،و للرجل أن يأخذ ما يكفيه و يكفي عياله من السنة الى السنة (2).
و روى(سنن أبي داود):أن رجلا سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن المباشرة للصائم،فرخص له،و أتاه آخر فنهاه،فاذا الذي رخص له شيخ،و الذي نهاه شاب (3).
و في الفقيه عن خالد بياع القلانس قلت للصادق عليه السّلام:رجل أتى أهله و عليه طواف النساء.قال:عليه بدنة،ثم جاءه آخر،فسأله،فقال:عليه بقرة،ثم جاءه آخر،فسأله،فقال:عليه شاة.فقلت له بعد ما قاموا:كيف قلت:عليه بدنة؟ قال:أنت موسر عليك بدنة،و على الوسط بقرة،و على الفقير شاة (4).
و في(التهذيب)عنه عليه السّلام ذكر أبو الخطاب فلعنه ثم قال:انه لم يكن يحفظ شيئا،حدثته أن النبي صلّى اللّه عليه و آله غابت له الشمس في مكان كذا و كذا،و صلّى المغرب بالشجرة،و بينهما ستة أميال،فأخبرته بذلك
في السفر،فوضعه في الحضر (1)
التهذيب 2:258 ح 65.
.و روى الصدوق،ان رجلا سأل الصادق عليه السّلام عمّا يحلّ من مال الابن.
فقال:قوته بغير سرف.فقال الرجل:فقول النبي:«انما أنت و مالك لأبيك» كيف؟فقال عليه السّلام:جاء رجل بأبيه الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال:ان أبي هذا قد ظلمني ميراثي من امي.فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه و على نفسه.فقال له:أنت و مالك لأبيك،و لم يكن عند الرجل شيء،أو كان النبي يحبس الأب بالابن (2).
و قال الباقر عليه السّلام:انما نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أكل لحوم الحمر من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها،و ليست الحمير بحرام،قال تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» (3)-الآية (4).
«و كلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللّه سبحانه» كلمة«سبحانه» أخذتها(المصرية)عن(ابن أبي الحديد)،و ليست في(ابن ميثم) (5).
«به و لا ما عنى رسول اللّه» هكذا في(المصرية)و فيها سقط،و الأصل«به رسول اللّه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (6).
«فيحمله السامع و يوجهه على غير معرفة بمعناه و ما قصد به و ما خرج من أجله» في(المروج):روى أبو مسعود البدري:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:«لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة أحد إلاّ مات»،و استفاضت روايته،فجزع الأكثر، فأفضى ذلك الى علي عليه السّلام،فقال:صدق أبو مسعود فيما قاله و ذهب عنه
المراد بذلك،و انما مراد النبي صلّى اللّه عليه و آله انّه لا يبقى على وجه الأرض أحد بعد رأس مائة ممن رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله إلاّ مات (1)
رواه أحمد بطريقين في مسنده 1:93 و جمع آخر و لكن لم اظفر عليه في مروج الذهب. [1]
.و صدق عليه السّلام،فكان آخر من مات ممن رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله أبا الطفيل الكناني مات سنة مائة،و كان يقول ما بقي على وجه الأرض عين تطرف ممن رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله غيري.
و في خبر آخر أنّه عليه السّلام قال له لما روي ذلك:«أخطأت استك الحفرة، و غلطت في أوّل ظنّك،انما عنى من حضره يومئذ،و هل الرخاء إلا بعد المائة (2).
قلت:و الظاهر انّه عليه السّلام أشار في قوله«و هل الرخاء إلا بعد المائة»الى تزلزل أمر بني امية الذين كان الناس منهم في غاية الشدّة،فبعد سنة مائة قام مبلغو العباسيين و دعاتهم.
و روى(الكافي):أن الناس كانوا اذا مرت عليهم جنازة يقومون،سمعوا ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرت عليه جنازة فقام،و كان الحسين عليه السّلام يوما جالسا،فمرت جنازة،فقام الناس و لم يقم عليه السّلام،و قال:انما مرت جنازة يهودي على النبي صلّى اللّه عليه و آله،فقام لأنّه كره أن يعلو رأسه جنازة يهودي (3).
و روت العامة أن النبي صلّى اللّه عليه و آله مر على شاة مهزولة ميتة،فقال:«ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها»،فقالوا لروايتهم بطهارة اهاب الشاة الميتة،فقال الصادق عليه السّلام:تلك الشاة المهزولة الميتة كانت شاة سودة بنت زمعة زوجته،فقال ما قال،و مراده بكلامه أنّهم لم لم يذكوها حتى
ينتفعوا بأهابها اذ كان لحمها لا ينتفع به لهزالها،و ليس مراده صلّى اللّه عليه و آله ما توهموا (1)
رواه الكليني في الكافي 6:259 ح 7،و [1]الطوسي في التهذيب 9:79 ح 70.
.و روى(سنن أبي داود)عن أبي بكرة:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:لا يقولن أحدكم اني صمت رمضان كلّه،قمته كلّه.و قال:لا أدري أكره التزكية،أو قال لا بد من نومة أو رقدة (2).
و أقول:لم يرد صلّى اللّه عليه و آله واحدا مما قال،و انما أراد لا تقتصروا على قول «رمضان»بل قولوا«شهر رمضان»،لأن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى كما نبّه على ذلك أهل بيته عليهم السّلام (3).
و روى(سنن أبي داود)عن غالب بن أبجر قال:أصابتنا سنة،فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي،و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي و قلت له ذلك،فقال:اطعم أهلك من سمين حمرك،انما حرمتها من أجل جوال القرية-يعني الجلاّلة (4).
و روى(سنن أبي داود)في باب الصلاة بجمع عن عمر:كان أهل الجاهلية لا يفيضون حتى يروا الشمس على ثبير،فخالفهم النبي،فدفع قبل طلوع الشمس (5).
قلت:سمع أن النبي صلّى اللّه عليه و آله خالف أهل الجاهلية في الافاضة و لم يعرف مراده صلّى اللّه عليه و آله.روى الصدوق و الشيخ عن معاوية بن عمار عن الصادق عليه السّلام
1) 1)
2) 2) سنن أبي داود 2:319 ح 2415. [2]
3) 3) روى هذا الكليني في الكافي 4:69 ح 2،و [3]الصدوق في الفقيه 2:112 ح 11،و معاني الأخبار:315 ح 1 عن الباقر عليه السّلام و رواه الصدوق في فضائل الأشهر الثلاثة:98 ح 84 [4] عن الرضا عليه السّلام.
4) 4) سنن أبي داود 3:356 ح 3809. [5]
5) 5) سنن أبي داود ح 2:194 1938. [6]
قال:كان أهل الجاهلية يقولون اشرق ثبير كيما نغير،و انما أفاض النبي صلّى اللّه عليه و آله خلاف أهل الجاهلية،كانوا يفيضون بايجاف الخيل و ايضاع الابل،فأفاض النبي صلّى اللّه عليه و آله خلاف ذلك بالسكينة و الوقار و الدعة (1)
أخرجه الصدوق في العلل 1:444 ح 1،و [1]الطوسي في التهذيب 5:192 ح 14.
.و انما في بعض الأخبار أفضلية الافاضة قبل الطلوع بقليل إذا لم يجز وادي محسر،و ان لم يعمل به إلا بعض اصحابنا و قد اجمعوا على الجواز بعده (2).
فإن قيل:أي ربط لنقل فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله مع قول أهل الجاهلية؟قلت:انما ربطه انهم قالوا«كيما نغير»أي:نسرع في السير بالايجاف و الايضاع، فخالفهم النبي في ذلك لا في انتظار اشراق ثبير بالشمس كما توهمه عمر.
و عنون(ميزان الذهبي)لسعدة بن اليسع و قال:روى عن جعفر عن أبيه ان النبي صلّى اللّه عليه و آله كسا عليّا عليه السّلام بردة يقال لها«السحاب»،فأقبل و هي عليه،فقال النبي:هذا علي قد أقبل في السحاب.قال جعفر:فحرفها هؤلاء و قالوا علي في السحاب.
و قيل للصادق عليه السّلام:ان العامة رووا ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:ان العرش اهتز لموت سعد بن معاذ.فقال عليه السّلام:أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالعرش السرير الذي كان عليه (3).
و قيل للصادق عليه السّلام:ان العامة رووا ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:«حدّث عن بني اسرائيل و لا حرج».قال عليه السّلام:نعم.قيل فنتحدث بما نسمع و لا حرج علينا؟ فقال:لا كيف و قد قالوا:«كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع»،و انما مراد
النبي أن ما حكى القرآن انّه كان في بني إسرائيل فحدّث انه كان في هذه الامة و لا حرج (1)
أخرجه الصدوق في معاني الأخبار:158 ح 1.
.قلت:و صدق عليه السّلام،ففي الأخبار المستفيضة ان بني اسرائيل لو كانوا دخلوا جحر ضب لدخلته هذه الامة (2)،و بنو اسرائيل افتتنوا بعد غيبة موسى، و عبدوا العجل،و أرادوا قتل خليفته هارون،فلا بد بمقتضى تلك الأخبار المتواترة و ذاك الخبر وقوع مثله في هذه الامة بعده،و الى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه السّلام لما جاءوا به لبيعة أبي بكر و هددوه بالقتل،فلاذ عليه السّلام بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال:يا ابن أمّ ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني،كما روى ذلك ابن قتيبة في خلفائه (3).
و نظيره ما رواه(الكافي)عن محمد بن مارد قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:
حديث روي لنا انك قلت:«اذا عرفت فاعمل ما شئت».فقال:قد قلت ذلك.قلت:
و ان زنوا،أو سرقوا،أو شربوا الخمر.فقال لي:انا للّه و إنّا إليه راجعون،و اللّه ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل،و وضع عنهم.انما قلت اذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير أو كثيره،فإنّه يقبل منك (4).
و قال عباد بن صهيب للصادق عليه السّلام:أنتم أفضل أم أبو ذر و قد قال النبي فيه«ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»؟ فقال عليه السّلام:ان أبا ذر كان في قوم من الصحابة،فتذاكروا فضائل الامة،فقال أبو ذر:أفضلهم علي بن أبي طالب صدّيقهم،و فاروقهم،و هو قسيم الجنة
و النار،و حجة اللّه على الامة،فما بقي أحد منهم إلا أعرض عنه بوجهه،و أنكر على أبي ذر قوله و كذّبه،فذهب أبو امامة الباهلي من بينهم الى النبي صلّى اللّه عليه و آله، فأخبره بقول أبي ذر،و اعراضهم عنه،و تكذيبهم له،فقال النبي:ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء-يعني منكم يا ابا امامة-على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
و قال عليه السّلام لعباد:نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد،كما ان شهر رمضان لا يقاس به شهر،و ان كان من الأربعة الحرم-أي:شهر غيره-فان فيه ليلة العمل فيها أفضل من ألف شهر (1)
أخرجه الصدوق في علل الشرائع 1:177 ح 2،و [1]النقل بتصرف في العبارة.
.قلت:و صدق عليه السّلام،الخبر لا يستفاد منه أفضلية أبي ذر من أهل بيته عليهم السّلام،حيث انّه صلّى اللّه عليه و آله قال بالإضافة الى خصمائه من الصحابة،و انما يستفاد منه حقيقة أمر خلفائهم،فلما قال أبو ذر لعثمان-و هو ابن عفان بن أبي العاص-اني سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:«اذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال اللّه دولا،و عباده خولا،و دينه دغلا»و كذّبه عثمان،صدقه أمير المؤمنين عليه السّلام بالحديث المتفق عليه من النبي فيه:«ما أظلت الخضراء» -الخبر (2).
و روى سنن ابي داود عن أبي مرة مولى ام هاني انّه دخل مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص على أبيه،فقرب اليهما طعاما،فقال:اني صائم.فقال:كل فهذه الأيام التي كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يأمرنا بافطارها،و ينهانا عن صيامها،قال مالك:و هي أيام التشريق (3).قلت:انما نهى صلّى اللّه عليه و آله عن صيام تلك الأيام لمن كان
بمنى،لا لمن كان في سائر الأمصار.
و قال ابراهيم بن هاشم القمي:قالت امرأة لأبي عبد اللّه عليه السّلام:اني كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر.فقال عليه السّلام لم أفتوك بثمانية عشر يوما؟فقال رجل:للحديث الذي روى ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر ذلك.فقال:ان أسماء سألت النبي صلّى اللّه عليه و آله و قد أتى بها ثمانية عشر يوما،و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل،و تفعل ما تفعله المستحاضة (1)
رواه الشيخ الحر في وسائل الشيعة 2:614 ح 11،و [1]المسئول عنه الباقر عليه السّلام.
.قلت:و مراده عليه السّلام بعد العشرة.
و قد لا يتدبر السامع في السؤال فلا يفهم الجواب.روى الشيخ عن أبي بصير أن رجلا سأل الصادق عليه السّلام عن التكبير على الجنائز،فقال:خمس تكبيرات،ثم دخل آخر،فسأله عن الصلاة على الجنائز،فقال:أربع صلوات، فقال الأوّل له عليه السّلام:سألتك فقلت خمسا،و سألك هذا فقلت أربعا.فقال عليه السّلام:انّك سألتني عن التكبير،و سألني هذا عن الصلاة (2).
و مراده عليه السّلام بالصلاة الدعاء،فبين الخمس تكبيرات أربعة أدعية.
و نظير توجيه السامع كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله على غير معرفة بمعناه،و ما قصد به،و ما خرج من أهله،توجيه السامع كلام الامام كذلك،فروى الشيخ عن الصفار عن العبيدي عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن الصادق عليه السّلام قلت له:رجل قطع بعض لسان انسان،فأفصح ببعض،و لم يفصح ببعض.
قال:يقرأ المعجم،فما أفصح به طرح من الدية،و ما لم يفصح به لزم الدية.قلت:
كيف هو؟قال:على حساب الجمل ألف ديته واحد،و الباء اثنان،و الجيم ثلاثة،
و الدال أربعة،و الهاء خمسة،و الواو ستة،و الزاي سبعة،و الحاء ثمانية،و الطاء تسعة،و الياء عشرة،و الكاف عشرون،و اللام ثلاثون،و الميم أربعون، و النون خمسون،و السين ستون،و العين سبعون،و الفاء ثمانون،و الصاد تسعون،و القاف مائة،و الراء مائتان،و الشين ثلاثمائة،و التاء أربعمائة-و كلّ حرف تزيد بعد هذا من«الف ب ت ث»زدت له مائة درهم.
ثم قال:ما تضمن الخبر من الحساب يشبه ان يكون من كلام بعض الرواة من حيث سمعوا انّه قال«يفرق ذلك على حروف الجمل»ظنوا انّه على ما يتعارفه الحسّاب من ذلك،و لم يكن القصد ذلك،و انما كان القصد أن يقسم على الحروف كلها أجزاء متساوية،و يجعل لكلّ حرف جزء من جملتها (1)
أخرجه الطوسي في التهذيب 10:263 ح 76،و الاستبصار 4:293 ح 6.
.و نظيره قول الصادق عليه السّلام:«الام و البنت سواء»،و مراده انّه اذا ملك امرأة و بنتها،فله وطي أيهما شاء،فتحرم الاخرى.
و الشاهد على ان مراده عليه السّلام ذلك ان أحمد بن محمد بن عيسى رواه في نوادره في باب الجمع بين الام و البنت في الملك،و توهم الشيخ أو مشايخ قبله غير ذلك،فرواه الشيخ و قال:يعني اذا تزوج المرأة،ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فانه ان شاء تزوج امها،و ان شاء ابنتها،و هو شاذ-إلخ (2).
و على ما عرفت فليس بشاذ.
و روى الكشي عن الرضا عليه السّلام قيل له:ان ابن بكير روى ان الصادق عليه السّلام سئل أيام خروج محمد بن عبد اللّه عن الخروج،فقال:اسكنوا ما سكنت السماء و الأرض.فقال:ابن بكير اذا كان هكذا فما من خروج و ما من قائم.فقال عليه السّلام:
انما قال الصادق اسكنوا ما سكنت السماء من النداء،و الأرض في الخسف بالجيش،و ليس على ما تأوله ابن بكير (1)
رواه عن طريق الكشي أبو علي الطوسي في أماليه 2:26 جزء 14 و [1]رواه أيضا الصدوق في معاني الأخبار:266 ح 1.
.و في الكافي في باب صومه صلّى اللّه عليه و آله بعد روايته عن سماعة و عن الحلبي عن الصادق عليه السّلام انّه صلّى اللّه عليه و آله صام شعبان،فأما الذي جاء في صوم شعبان انه سئل عليه السّلام عنه فقال:ما صامه النبي و لا أحد من آبائي.قال ذلك لأن قوما قالوا ان صيامه فرض مثل شهر رمضان و ان الكفارة في افطاره كالكفارة في افطار شهر رمضان،أي:ما صاموه فرضا تكذيبا لهم (2).
هذا،و قد يحمل فعله صلّى اللّه عليه و آله على غير مراده،ففي سنن أبي داود مسندا عن عائشة قالت:ما سبح النبي سبحة الضحى قط،و اني لأسبّحها،و ان كان النبي ليدع العمل و هو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (3).
فان ما قالته مغالطة،فانه صلّى اللّه عليه و آله لا يداوم على المسنونات لئلا يظن كونها فرائض،و اما عدم فعله صلّى اللّه عليه و آله لصلاة مخصوصة أبدا،كما أقرت به،فدليل على عدم مشروعيتها،لا عدم وجوبها .2 «و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه من» هكذا في(المصرية)و كلمة«من» زائدة،فليست في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«كان يسأله و يستفهمه حتى ان كانوا ليحبون ان يجيء الاعرابي و الطارئ» هكذا في(المصرية)و الصواب:«أو الطارئ»كما في(ابن أبي الحديد و ابن
ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 11:39،و [1]شرح ابن ميثم 4:21 [2] مثل المصرية.
.و في(القاموس):«طرا طروا»:اتى من مكان بعيد (2)،و في الجمهرة:«طرأت على القوم»إذا قدمت عليهم أو نزلت بهم و هم لا يعلمون فانا طارئ.«فيسأله حتى يسمعوا» رووا ان عمر خطب الناس فقال:اني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم،و آمركم بأشياء لا تصلح لكم،و ان من آخر القرآن نزولا آية الربا،و انه قد مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و لم يبيّنها لنا (3).
قلت:فإذا كان اعترف بأن النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يبين له آية الربا،و لا يدري الصلاح و الفساد فيما يأمر و يزجر،فلم منع النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الوصيّة و قال يكفينا كتاب اللّه،و قد اعترف أيضا بعدم تبين ما قاله تعالى في القرآن انّه بينه من قوله في آخر سورة النساء: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ» -الى- «يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (4).
بل لم يعرف لفظ القرآن فضلا عن معناه،فروى الثعلبي في تفسيره في قوله تعالى: «وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» (5)يروى ان عمر بن الخطاب قرأ«و الأنصار»برفع الراء،و قرأ «الذين»بغير واو،فقال له ابي بن كعب انما هو«و الأنصار و الذين»بالواو- فعاودوه مرارا،فقال أبي:و اللّه لقد قرأتها على النبي«و الذين اتبعوهم باحسان»،و انك يومئذ تبيع القرص ببقيع الغرقد.فقال:صدقت حفظتم
و نسينا،و تفرغتم و شغلنا،و شهدتم و غبنا.ثم قال عمر لابي:أفيهم الأنصار؟ قال:نعم و لم يستأمر الخطاب و لا ابنه.فقال عمر:كنت أظن انا قد رفعنا درجة لا يبلغها أحد بعدنا (1)
رواه عن الثعلبي ابن طاوس في عين العبرة:17 و [1]عن جمع آخر السيوطي في الدر المنثور 3:269. [2]
.و كيف قال«يكفينا كتاب اللّه و الرجل يهجر»،و كان كثيرا ما يسأل باقي الصحابة عمّا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله،ففي الجمع بين الصحيحين قال أبو أوفى:
سألني عمر بن الخطاب عمّا قرأ به النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم العيد،فقلت: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ» ،و «ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» (2).
و في(تاريخ بغداد):سأل عمر الناس بمنى عن الدية،فقال الضحاك بن سفيان:كتب الي النبي صلّى اللّه عليه و آله أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
و في(الجمع بين الصحيحين)في مسند أبي سعيد الخدري ان أبا موسى استأذن عليه عمر-ثلاثا-فلم يأذن له،فقال له عمر:فما حملك على ما صنعت؟قال:كنّا نؤمر بهذا.قال:لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن.فشهد له أبو سعيد الخدري بذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،فقال عمر:خفي هذا عليّ من أمر النبي، ألهاني عنه الصفق بالأسواق (3).
و رووا ان عمر خرج الى الشام حتى اذا كان ببعض الطريق لقيه امراء الأجناد،فأخبروه ان الوباء قد وقع بالشام،فقال لابن عباس:ادع لي
1) 1)
2) 2) نقله عن الجمع بين الصحيحين ابن طاوس في الطرائف 2:475،و [3]الحديث أخرجه مسلم في صحيحه 2:607 ح 14 و 15 و المسئول عنه أبو واقد الليثي و يعني بالسورتين القمر و ق.
3) 4) نقله عن الجمع بين الصحيحين ابن طاوس في الطرائف 2:476،و [4]الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 4:88، و منسلم في صحيحه 3:1694 و 1695 ح 33-35،عن أبي سعيد لكن لفظ ابن طاوس الى حديث عبيد بن عمير عن أبي موسى الذي أخرجه مسلم في صحيحه 3:1965 ح 36 أقرب من حديث ابي سعيد.
المهاجرين،فدعاهم،فسألهم،فاختلفوا،فجاء عبد الرحمن بن عوف،فقال:اني سمعت من النبي صلّى اللّه عليه و آله اذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه،و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 12:77.
.«و كان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألت عنه و حفظته» قال الشاعر:
أتاك المرجفون برجم غيب و جئتك بعد بالأمر المبين
صحيح ما اقول بفضل خبر و لا أقضي بمشتبه الظنون
فمن يك قد أتاك بزور قول فإني قد أتيتك باليقين
و كيف لا و قد قال تعالى فيه: «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» (2)و قال النبي:أنا مدينة العلم و علي بابها (3)،و ان عنده علم ظاهر القرآن و باطنه (4)،و لما قال عليه السّلام أعلم كلّ آية نزلت في قريش،قيل له:فما آيتك؟قال:قوله تعالى:
«أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (5)فالنبي على بيّنة و أنا شاهد منه (6).
و قال ابن أبي الحديد:كان عليه السّلام مخصوصا من دون الصحابة بخلوات كان يخلو بها مع النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يطّلع الناس على ما يدور بينهما،و كان كثير السؤال للنبي صلّى اللّه عليه و آله عن معاني القرآن و معاني كلامه،و إذا لم يسأل ابتدأه النبي بالتعليم و التثقيف،و لم يكن أحد من أصحاب النبي كذلك،بل كانوا أقساما،
1) 1)
2) 2) الحاقة:12. [1]
3) 3) أخرجه جمع منهم الحاكم في المستدرك 3:126 و 127 و [2]الكلابي في مسنده كما في منتخبه:426 ح 2.
4) 4) رواه الكنجي في كفاية الطالب:292 عن ابن مسعود موقوفا.
5) 5) هود:17. [3]
6) 6) رواه ابن المغازلي في مناقبه:270 ح 318،و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة عنهم الدر المنثور 3: 324. [4]
منهم من يهابه أن يسأله،و هم الذين كانوا يحبون ان يجيء الاعرابي أو الطارئ،فيسأله و هم يسمعون،و منهم من كان بليدا بعيد الفهم قليل الهمّة في النظر و البحث،و منهم من كان مشغولا عن طلب العلم و المعاني بعبادة أو دنيا،و منهم المقلّد الذي يرى أن فرضه السكوت و ترك السؤال،و منهم المبغض الشانئ الذي ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته بالسؤال عن دقائقه و غوامضه،و انضاف الى الأمر الخاص بعليّ عليه السّلام ذكاؤه و فطنته، و طهارة طينته و اشراق نفسه وضوؤها،و اذا كان المحل قابلا متهيئا،و كان الفاعل مؤثرا موجودا،و الموانع مرتفعة حصل الأثر على أتم ما يمكن،فلذلك كان علي-كما قال الحسن البصري-ربانيّ هذه الامة و ذا فضلها،و لذا تسميه الفلاسفة امام الأئمة و حكيم العرب (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:48. [1]
.قلت:و من الخلوات التي قال خلوته صلّى اللّه عليه و آله معه عليه السّلام يوم الطائف، فأغضب الرجلين و غيرهما من نظرائهما.روى الترمذي مسندا عن جابر قال:
دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله عليّا يوم الطائف فانتجاه طويلا،فقال الناس:لقد طال نجواه مع ابن عمه،فبلغ ذلك النبي فقال:ما انتجيته و لكن اللّه انتجاه.قال الترمذي:
معناه ان اللّه أمرني أن أنتجي معه (2).
و كان هذا حال النبي صلّى اللّه عليه و آله معه عليه السّلام الى حين وفاته.روى أحمد ابن حنبل مسندا عن ام سلمة قالت:و الذي يحلف به ان كان علي ابن ابي طالب عليه السّلام لأقرب الناس عهدا بالرسول صلّى اللّه عليه و آله،مرض النبي مرض موته،فلما كان اليوم الذي قبض فيه دعا عليا،فناجاه طويلا و سارّه كثيرا ثم قبض (3).
ثم انه لم يذكر ان ائمته من أي قسم من الصحابة،فان أو لهم آسى حين احتضاره كما في الخلفاء على امور،منها انه ليت سأل النبي عن ميراث بنت الأخ و العمة،فإن في نفسه من ذاك شيئا (1)
رواه ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:18،و [1]الطبري في تاريخه 2:619،سنة 13،و [2]الجوهري في السقيفة:39 و غيرهم.
،و لم يكونوا ممن يهابوا النبي صلّى اللّه عليه و آله ان يسألوه،فلما توفي عبد اللّه بن ابي و سأل ابنه النبيّ أن يصلّى عليه،فتقدّم للصلاة،جاء الثاني،فجذبه من خلفه و قال له-كما رووا-ألم ينهك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟فقال النبي له:اني خيّرت فاخترت (2).و من المضحك انهم قالوا ان عمر قال للنبي:ألم ينهك اللّه عن الصلاة على المنافقين،ثم قالوا:أنزل اللّه تعالى تصديقا لعمر «وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ» (3).
و لم يكونوا من قسم المقلدة الذين يرون فرضهم السكوت و ترك السؤال،فاعترض الثاني على النبي صلّى اللّه عليه و آله في قبوله صلح الحديبية،مع تصريح النبي صلّى اللّه عليه و آله بأنه صلاح رآه اللّه تعالى بكونه دنية في الدين (4).
و كيف كانوا من ذاك القسم و كانوا يجتهدون في مقابل اللّه تعالى،فقال الثاني:متعتان كانتا على عهد رسول اللّه،و أنا أنهى عنهما،و اعاقب عليهما (5).
فبقي ان يكونوا داخلين في الأقسام الباقية،اما من البليدين فقال تعالى:
«وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ» (6)فلم يفهم الأول المراد من الابّ،مع
قوله تعالى بأنّه متاع لأنعامهم (1)
رواه ابو عبيد في فضائله و عبد بن حميد في مسنده عنهما الدر المنثور 6:317،و [1]الجاحظ في كتاب الفتيا و الثعلبي في تفسيره عنهما مناقب السروي 2:357.
،و لما شكت امرأة زوجها الى الثاني لم يفهم مرادها،حتى دله كعب بن سور القاضي (2)،و أعطى الهرمزان الأمان،و لم يشعر حتى ذكر ذلك له أنس و غيره (3)،و أما من المشغولين بطلب الدنيا فمرة أنه قال لابي«تفرغتم و شغلنا» (4)،و قال لأبي سعيد الخدري«خفي هذا علي من أمر النبي ألهاني عنه الصفق بالأسواق» (5)،الا انهم لم يكونوا من المبغضين بالوصف الذي ذكر من عدم حضورهم لصرف وقتهم بسؤال الدين،لأنّهم كانوا من الأول ممّن يحب الرئاسة على المسلمين.هذا،و السؤال واجب.و في بديع ابن المعتز عنه عليه السّلام:«العلم قفل مفتاحه السؤال» «فهذه» الامور التي ذكرت «وجوه ما عليه الناس في اختلافهم» في أحاديثهم «و عللهم» أي:عيوبهم «في رواياتهم» من كذب بعضهم متعمدا،و وهم بعضهم لا قصدا،و عدم فهم بعضهم المراد بلادة.
هذا،و أما اختلاف أحاديث الشيعة فيزاد فيها على العلل الثلاث التقية، فروى العيون عن الرضا عليه السّلام-في خبر-أنا لم نرخص فيما لم يرخص فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و لا نأمر بخلاف ما أمر به رسول اللّه،إلاّ لعلّة خوف ضرورة -الخبر (6).
1) 1)
2) 2) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 3:303 و 305 و [2]ابن أبي شيبة في المصنف و الزبير بن بكار في المؤفقيات و ابن دريد في الأخبار المنشورة عنهم الاصابة 3:315. [3]
3) 3) رواه الطبري في تاريخه 3:183،سنة 17،و البلاذري في فتوح البلدان:374،و الثقفي و ابن أبي شيبة و علي بن حجر عنهم الاصابة 3:618. [4]
4) 4) رواه ابن طاوس في عين العبرة:17، [5]عن الثعلبي و السيوطي في الدر المنثور 3:269 عن جمع.
5) 5) رواه مسلم في صحيحه 3:1695 ح 36.
6) 6) عيون الأخبار الصدوق 2:19 ح 45. [6]
و لذا قالوا في الجمع بين الحديثين المختلفين بالأخذ بالحديث المخالف للعامة،و روى العلل عن الصادق عليه السّلام قال:أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقوله العامة؟ان عليّا عليه السّلام لم يكن يدين اللّه بدين إلا خالف عليه الامة الى غيره إرادة لإبطال أمره،و كانوا يسألونه عن الشيء الذي لا يعلمونه،فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلتبسوا على الناس (1)
علل الشرائع 2:531 ح 1. [1]
.و من علل الحديث ان لا ينقل صدر الحديث أو ذيله الدالاّن على المراد،فيحمل على غير ما اريد به،فالكلام لا يصحّ الاستناد اليه إلا بعد تمامه،فلو لم يراع ذلك يكون نظير ما قالوا ان المخبل السعدي و الزبرقان بن بدر توافقا للمهاجاة،و اجتمع الناس عليهما،فابتدأ المخبل، فقال:
نبئت ان الزبرقان يسبني سفها و يكره ذو الخرير خصالي
الى أن أراد انشاده:
و أبوك بدر كان مشترط الخصى و أبي الجواد ربيعة بن قبال
فلما بلغ الى قوله«و أبي»انقطع عليه كلامه اما بشرق أو انقطاع نفس، فما علم الناس ما يريد أن يقوله بعد قوله«و أبي»،فسبقه الزبرقان قبل أن يتم و يبين،فقال:صدقت و ما في ذاك ان كان شيخانا قد اشتركا في صنعه،فغلبه الزبرقان،و ضحكوا من قوله،و تفرقوا و انقطع بالمخبل قوله،فترى جعل «و أبي»لعدم تمام الكلام عطفا على«و أبوك»،فيكون الخبر«كان مشترط الخصى»لهما مع انّه كلام مستأنف.
1) 1)
الخطبة(17)
و من كلام له عليه السّلام فى صفة من يتصدّى للحكم بين الأمة و ليس لذلك بأهل:
إنَّ أَبْغَضَ الْخَلاَئِقِ إِلَى اللَّهِ رَجُلاَنِ- رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ- فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ- مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَةٍ وَ دُعَاءِ ضَلاَلَةٍ- فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ- مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ- حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ- عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ- قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ- بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ- حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَ اكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ- جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ- فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ- هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ- فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ- لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ- فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ- وَ إِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ- جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالاَتٍ عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ- لَمْ يَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ- يُذْرِي الرِّوَايَاتِ إِذْرَاءَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ- لاَ مَلِيءٌ وَ اللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ- وَ لاَ هُوَ أَهْلٌ لِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ- لاَ يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ- وَ لاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ- وَ إِنْ أَظْلَمَ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ- لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ- تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ- وَ تَعَجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو- مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً وَ يَمُوتُونَ ضُلاَّلاً- لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ- وَ لاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً- وَ لاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ أقول:قال ابن قتيبة في( عيون أخباره ابن قتيبة-عيون الاخبار- ):حدّثني علي بن محمد،عن إسماعيل بن إسحاق الأنصاري عن عبد اللّه بن لهيعة عن عبد اللّه بن هبيرة عن علي عليه السّلام قال:ذمتي رهينة و أنا به زعيم لمن صرحت له العبر،لا يهلك على التقوى زرع قوم و لا يظمأ على التقوى سنخ أصل،ألا و ان أبغض خلق اللّه الى اللّه:رجل قمش جهلا غارا بأغباش الفتنة عمياء بما في عقد الهدنة،سمّاه أشباهه من الناس عالما و لم يعن في العلم يوما سالما،بكّر فاستكثر ما قلّ منه فهو خير مما كثر،حتى اذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره،ان نزلت به احدى المبهمات هيأ حشوا رثا من رأيه،فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت،لا يعلم اذا أخطأ لأنّه لا يعلم أ أخطأ أم أصاب،خباط عشوات،ركاب جهالات،لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم و لا يعض في العلم بضرس قاطع يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم،تبكي منه الدماء و تصرخ منه المواريث و يستحل بقضائه الفرج الحرام،لا مليء و اللّه بإصدار ما ورد عليه و لا أهل لما قرّظ به.
و قال ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 1 ص 285 نقله ابن قتيبة في( غريبه 1ابن قتيبة-غريب الحديث- ) (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:285. [1]
.و رواه باب البدع و الرأي من كتاب العقل و الجهل من الكافي الكليني-الكافي-كتاب العقل و الجهل باب البدع و الرأي ج 1 ص 54 ح 6 مسندا و مرفوعا و مرسلا هكذا.
محمد بن يحيى عن بعض أصحابه-و علي بن إبراهيم عن هارون بن
1) 1)
مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام،و علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن محبوب رفعه عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:ان من أبغض الخلائق الى اللّه تعالى لرجلين:رجل و كله اللّه الى نفسه،فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة،قد لهج بالصوم و الصلاة،فهو فتنة لمن افتتن به،ضال عن هدى من كان قبله،مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد موته،حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته،و رجل قمش جهلا في جهال الناس،عان بأغباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما،و لم يغن فيه يوما سالما،بكّر فاستكثر ما قل منه خير مما كثر،حتى اذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره،و ان خالف قاضيا سبقه لم يأمن من ان ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله،و ان نزلت به احدى المبهمات المعضلات هيألها حشوا من رأيه ثم قطع به،فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت،لا يدري أصاب أم أخطأ،لا يحسب العلم في شيء مما أنكر و لا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا،ان قاس شيئا بشيء لم يكذّب نظره، و ان أظلم عليه امر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له لا يعلم ثم جسر فقضى،فهو مفتاح عشوات ركاب شبهات خباط جهالات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم و لا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم،يذري الروايات ذرو الريح الهشيم،تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء،يستحل بقضائه الفرج الحرام و يحرم بقضائه الفرج الحلال،لا مليء باصدار ما ورد عليه و لا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق (1)
الكافي 1:54 ح 6. [1]
.و في( ارشاد الشيخ المفيد-الارشاد-ص 123 المفيد):و من كلامه عليه السّلام في أهل البدع و من قال في الدين برأيه و خالف طريق أهل الحق في مقاله ما رواه ثقات أهل النقل عند العامة
1) 1)
و الخاصة في كلام افتتاحه:الحمد للّه و الصلاة على نبيه،أما بعد فذمتي بما أقول رهينة و أنا به زعيم،انه لا يهيج على التقوى زرع قوم و لا يظمأ عنه سنخ أصل،و ان الخير كلّه فيمن عرف قدره و كفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره،و أن أبغض الخلائق الى اللّه تعالى رجل و كله اللّه الى نفسه جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة،قد لهج فيها بالصوم و الصلاة،فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن يدي من كان قبله مضل لمن اقتدى به حمال خطايا غيره رهن بخطيئته،قد قمش جهلا في جهال عشرة غار بأغباش الفتنة عمي عن الهدى، قد سماه أشباه الناس عالما،و لم يغن فيه يوما سالما،بكر فاستكثر مما قلّ منه خير مما كثر،حتى اذا ارتوى من آجن،و استكثر من غير طائل،جلس للناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره،ان خالف من سبقه لم يأمن نقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله،و ان نزلت به احدى المبهمات هيألها حشوا من رأيه،ثم قطع عليه،فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ،و لا يرى ان من وراء ما بلغ مذهبا،ان قاس شيئا بشيء لم يكذّب رأيه،و ان أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من نفسه من الجهل و النقص و الضرورة كيلا يقال انّه لا يعلم ثم أقدم بغير علم،فهو خائض عشوات ركاب شبهات خباط جهالات،لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم،و لا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم.يذري الروايات ذرو الريح الهشيم،تبكي منه المواريث،و تصرخ منه الدماء،و يستحل بقضائه الفرج الحرام،و يحرم به الحلال،لا يسلم باصدار ما عليه ورد،و لا يندم على ما منه فرط.
أيّها الناس عليكم بالطاعة و المعرفة بمن لا تعذرون بجهالته،فان العلم الذي هبط به آدم و جميع ما فضلت به النبيّون الى نبيكم خاتم النبيين في عترة نبيكم-الى أن قال-أما بلغكم ما قال فيهم نبيكم صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع:«اني
تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي:كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي،و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض،فانظروا كيف تخلفوني فيهما» ألا ان هذا عذب فرات فاشربوه،و هذا ملح اجاج فاجتنبوه (1)
الارشاد:123،و [1]النقل باختلاف في اللفظ.
.و رواه( أمالي الشيخ الطوسي-أمالي- ج 1 ص 240 جزء 9 الشيخ)عن المفيد عن المراغي عن أحمد بن الصلت عن حاجب ابن الوليد عن الوصاف بن صالح عن أبي إسحاق عن خالد بن طليق عن علي عليه السّلام قال:ذمتي بما أقول رهينة-الى أن قال-غير مليء و اللّه بإصدار ما ورد عليه،و لا نادم على ما فرط منه،و أولئك الذين حلت عليهم النياحة و هم أحياء.فقام رجل فقال له عليه السّلام:فمن نسأل بعدك،و على ما نعتمد؟فقال:
استفتحوا بكتاب اللّه،فانّه امام مشفق،و هاد مرشد،و واعظ ناصح،و دليل يؤدي الى جنة اللّه عز و جل.و رواه الاحتجاج -الاحتجاج-ج 1 ص 262 مع زيادة الارشاد (2).
و في( تاريخ أحمد بن أبي يعقوب البغدادي اليعقوبي-تاريخ اليعقوبي-ج 2 ص 211 ):و قضى علي عليه السّلام على رجل بقضية،فقال:قضيت عليّ بقضية هلك فيها مالي،و ضاع فيها عيالي.
فغضب حتى استبان الغضب في وجهه ثم قال:يا قنبر ناد في الناس الصلاة جامعة،فاجتمع الناس ورقى المنبر،فحمد اللّه و أثنى عليه،ثم قال:أما بعد، فذمتي رهينة،و أنا به زعيم،بجميع من صرحت له العبر أن لا يهيج على التقوى زرع قوم،و لا يظمأ على التقوى سنخ أصل،و ان الخير كلّه فيمن عرف قدره،و كفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره،ان من أبغض خلق اللّه الى اللّه-الى ان قال-و يستحل بقضائه الفرج الحرام،و يحرم بمرضاته الفرج الحلال،فأين يتاه بكم،بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم؟انّا من سنخ اصلاب السفينة، و كما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو.أنا رهين بذلك،و ويل لمن
تخلف عنهم،اني فيكم كالكهف لأهل الكهف،و اني فيكم باب حطة،من دخل منه نجا،و من تخلف عنه هلك،حجّة من ذي الحجّة،في حجّة الوداع:اني قد تركت بين أظهركم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا:كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي (1)
تاريخ اليعقوبي 2:211. [1]
.ثم ان رواياتهم من ابن قتيبة و الكليني و الطبرسي و(الإرشاد و الأمالي) و اليعقوبي على اختلافهم في الزيادة و النقصان خالية من ذيل العنوان من قوله«الى اللّه أشكو»الى آخر العنوان،و انما روى الروضة جزء خطبته عليه السّلام في ذي قار منه قوله:ثم انّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق،و لا أظهر من الباطل،و لا أكثر من الكذب على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله،و ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته،و لا سلعة أنفق بيعا،و لا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، و ليس في العباد و لا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف،و لا أعرف من المنكر،و ليس فيها فاحشة أنكر و لا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان،فقد نبذ الكتاب حملته،و تناساه حفظته-الخبر (2).
قول المصنّف:(و من كلام له عليه السّلام في صفة من يتصدى للحكم بين الامة و ليس لذلك بأهل)هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و في نسخة(ابن 66ميثم ): «و من كلام له في صفة من يتصدى من الامة للحكم و ليس لذلك بأهل» (3).
و كيف كان 6فقال بعضهم في عدم أهلية بعض المتصدين للامور:
فديوان الضياع بفتح ضاد و ديوان الجراح بغير جيم
اذا ولى ابن عيسى و ابن موسى فما أمر الأنام بمستقيم
قوله عليه السّلام «ان أبغض الخلائق الى اللّه رجلان» لكثرة مفاسدهما في الاجتماع «رجل وكله اللّه الى نفسه» لعدم لياقته لأن يكلأه،قال تعالى في ضربه مثلا ما بعوضة فما فوقها: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ » (1)
البقرة:26 و 27. [1]
.«فهو» لكلته الى نفسه «جائر عن قصد السبيل» أي:مائل عنه،و الأصل فيه قوله تعالى: «وَ عَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ » (2).
«مشغوف» يجوز بالعين و الغين يقال شعفه الحب،أي:احرق قلبه، و يقال شغفه الحب،أي:بلغ شغاف قلبه،أي:غلافه،و قرئ بهما قوله تعالى:
«قَدْ شَغَفَها حُبًّا» (3).
«بكلام بدعة و دعاء ضلالة» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:ابى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة.قيل:و كيف؟قال:انه قد أشرب قلبه حبها (4).
«فهو فتنة لمن افتتن به» في(الكافي)عنهم عليهم السّلام:من أتى ذا بدعة فعظمه، فانما يسعى في هدم الاسلام (5).
1) 1)
2) 2) النحل:9. [2]
3) 3) يوسف:30: [3]لفظ المصحف و مشهور القراءات بالغين المعجمة و روي عن الأئمة علي و السجاد و الباقر و الصادق عليهم السّلام و عن يحيى بن يعمر و ابن محيصن و في رواية عن الحسن و قتادة و مجاهد القراءة بالعين المهملة راجع مجمع البيان 5:228.
4) 4) الكافي 1:54 ح 4. [4]
5) 5) الكافي ح 1:58 19. [5]
«ضال عن هدى من كان قبله» في(الكافي)عنه عليه السّلام:ما ابتدع أحد بدعة الا ترك بها سنّة (1)
الكافي 1:58 ح 19. [1]
.«مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته» في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام:
من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم،و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه حيث أحل و حرم في ما لا يعلم (2).
«حمال خطايا غيره» ممن اقتدى به فله مثل أوزار أعمالهم.
و في خبر:ان مبتدعا أراد التوبة،فقال له رسول زمانه:لا تقبل توبتك حتى تحيى من مات عاملا ببدعتك (3).
«رهن بخطيئته» في(الكافي)عنه عليه السّلام:من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس،و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس (4).
«و رجل» هو الثاني من رجلين هما أبغض الخلائق الى الخالق «قمش» أي:
جمع من هنا و هناك «جهلا» و ان سمّاه علما.قال مسعر بن كدام التابعي«من أبغضني جعله اللّه محدّثا».
و قال ابن سلك الفالي:
تصدر للتدريس كلّ مهوس بليد يسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم ان يتمثلوا ببيت قديم شاع في كلّ مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها و حتى سامها كل مفلس
«موضع» من أوضع أي:مسرع «في جهال الامة» لتعلم الأباطيل «عاد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:ما في(الخطية)«غاد»،و قال(ابن ميثم)و روى
(غار)و(غاد) (1)
شرح ابن ميثم 1:315.
من غدا يغدو أي:متعجل.قال امرؤ القيس:و قد اغتدى و الطير في وكناتها بمنجرد قيد الاوابد هيكل (2)
«في أغباش» جمع الغبش:ظلمة آخر الليل «الفتنة» أي:ما يوجب ضلال الناس «عم بما في عقد الهدنة» الفقرة ليست في رواية الخاصة،و انما هي في رواية ابن قتيبة في كتابيه،و رواه الجزري في(النهاية)«عميانا في غيب الهدنة»و قال أي لا يعرفون ما في الفتنة من الشر،و لا ما في السكون من الخير (3)،و لا بد انه جعلها متصلة بالفقرة التي قبلها،فأشار الى معناهما.
و عن الزمخشري:ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع و دوّنوها،ثم رخصوا فيها لامراء السوء و هوّنوها،انما حفظوا و علقوا و صفقوا و حلقوا ليقمروا المال،و ييسروا و يفقروا الأيتام و ييسروا،أكمام واسعة فيها أصلال لاسعة،و أقلام كأنها أزلام،و فتوى يعمل بها الجاهل فيتوى .
«قد سمّاه أشباه الناس» في الصورة الذين هم كالبهائم في الحقيقة «عالما و ليس به» فكيف يكون من قمش جهلا عالما.
قال الصاحب في قابوس:«تسمى شمس المعالي و هو كسوفها ».
«بكّر» أي:أصبح «فاستكثر من جمع ما قلّ» بالضم و الرفع،أي:قليل،و لا يحتاج الى تكلفات ابن أبي الحديد و ابن ميثم (4)«منه خير مما كثر» .
قد مر في العنوان السابق عند قوله عليه السّلام«يكذب على رسول اللّه متعمدا» ان جمعا من طالبي حديث العامة من أهل البصرة الذين كانوا يأخذون عن كلّ أحد،و رووا عن الصادق عليه السّلام و لا يعرفونه،فقال عليه السّلام لبعضهم:حدّثني
ببعض ما سمعت من غيري.فقال:حدثني سفيان عن محمد ابن علي أن من لم يمسح على خفيه فهو صاحب بدعة،و من لم يشرب النبيذ فهو مبتدع،و من لم يأكل الجريث و طعام أهل الذمة و ذبائحهم فهو ضال،مسح على الخف، و شرب النبيذ عمر،و أحل الذبائح علي.و عن محمد بن المنكدر:ان عليّا قال:
من فضّلني على أبي بكر و عمر جلدته حد المفتري،و ان جعفرا قال:حب أبي بكر و عمر ايمان،و ان عليا ود أنه بنخيلات ينبع يأكل من حشفهن،و لم يشهد يوم الجمل و لا النهروان،و انه لما قتل أهل صفين بكى عليهم،و قال جمع اللّه بيني و بينهم في الجنة،و انّه عليه السّلام قال له:لو قال لك جعفر الذي تروي عنه ان هذه الاحاديث كذب و لم أحدث أنا بها هل كنت تصدقه؟قال:لا لأنّه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عنق رجل لجاز قوله (1)
رواه الكشي في معرفة الرجال اختياره:393 ح 741 و [1]النقل بتلخيص.
.«حتى اذا ارتوى من» ماء «آجن» أي:المتغير الطعم و اللون «و اكتنز» أي:
امتلأ «من غير طال» (2)بالفتح أي:فائدة.
نقل ابن قتيبة في(مختلفه):طعن متكلميهم في أهل حديثهم انهم مع افترائهم على اللّه تعالى في أحاديث التشبيه-كحديث عرق الخيل-قالوا حديثه انّه تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل،فأجراها حتى عرقت،فخلق نفسه من ذاك العرق-و زغب الصدر و نور الذراعين-قالوا:حديثه انه تعالى خلق الملائكة من شعر ذراعيه أو نورهما-و عيادة الملائكة،و قفص الذهب على جمل أورق عشية عرفة،و الشاب القطط،و دونه فراش الذهب،و كشف الساق يوم القيامة اذا كادوا يباطشونه،و خلق آدم على صورته،و وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتي،و قلب المؤمن بين
اصبعين من أصابع اللّه تعالى.
و مع روايتهم كلّ سخافة تبعث على الاسلام الطاعنين،و تضحك منه الملحدين،و تزهد من الدخول فيه المريدين،و تزيد في شكوك المرتابين، كروايتهم في عجيزة الحوراء انها ميل في ميل،و فيمن قرأ سورة كذا،كذا و كذا،و من فعل كذا و كذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر،في كلّ قصر سبعون ألف مقصورة،في كلّ مقصورة سبعون ألف مهاد،على كلّ مهاد سبعون ألف كذا،و كروايتهم في الفارة انها يهودية،و انها لا تشرب ألبان الابل كما ان اليهود لا تشربها،و في الغراب انّه فاسق،و في السنور انها عطسة الأسد،و في الخنزير انّه عطسة الفيل،و في الاربيانة انها كانت خياطة تسرق الخيوط فمسخت،و ان الضب كان يهوديا عاقا فمسخ،و ان سهيلا كان عشارا باليمن،و ان الزهرة كانت بغيا عرجت الى السماء باسم اللّه الأكبر فمسخها اللّه شهابا،و ان الوزغة كانت تنفخ النار على ابراهيم،و ان العظاية تمج الماء عليه، و ان الغول كانت تأتي مشربة أبي أيوب كلّ ليلة،و ان عمر صارع الجني فصرعه،و ان الأرض على ظهر حوت،و ان أهل الجنة يأكلون من كبده أول ما يدخلون،و ان ذئبا دخل الجنة لأنّه أكل عشارا،و اذا وقع الذباب في الاناء فامقلوه،فإن في أحد جناحيه سمّا و في الآخر شفاء،و انّه يقدم السم و يؤخر الشفاء،و ان الابل خلقت من الشيطان،مع أشياء كثيرة يطول ذكرها.
و من عجيب شأنهم انهم ينسبون الشيخ الى الكذب،و لا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدّثون بقدح يحيى بن معين و علي بن المديني و أشباههما، و يحتجون بحديث ابي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة،و قد أكذبه عمر و عثمان و عائشة،و يحتجون بقول فاطمة بنت قيس و قد أكذبها عمر و عائشة،و قالوا:لا ندع كتاب ربنا و سنّة نبينا لقول امرأة،و يبهرجون الرجل
بالقدر،فلا يحملون عنه كغيلان و عمرو بن عبيد و معبد الجهني و عمرو بن فائد،و يحملون عن أمثالهم من أهل مقالتهم كقتادة و ابن أبي عروبة و ابن أبي نجيح و محمد بن المنكدر و ابن أبي ذئب،و يقدحون في الشيخ يسوي بين علي و عثمان أو يقدم عليا عليه،و يروون عن ابي الطفيل و جابر الجعفي و كلاهما يقول بالرجعة و هم مع هذا أجهل الناس بما يحملون،و أبخس الناس حظّا فيما يطلبون،و قالوا في ذلك:
زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير اذا غدا بأحماله أرواح،ما في الغرائر
قد قنعوا من العلم برسمه،و من الحديث باسمه،و رضوا بأن يقولوا فلان عارف بالطرق و رواية للحديث،و زهدوا في أن يقال عالم بما كتب أو عامل بما عمل،قالوا:و ما ظنكم برجل منهم يحمل عنه العلم و تضرب اليه أعناق الطي خمسين سنة أو نحوها سئل في ملإ من الناس عن فأرة وقعت في بئر فقال«البئر جبار»،و آخر سئل عن قوله تعالى: «رِيحٍ فِيها صِرٌّ» (1)
آل عمران:117. [1]
فقال:هو هذا الصرصر،يعني صراصر الليل،و آخر حدّثهم عن سبعة و سبعين و يريد شعبة و سفيان،و آخر روى لهم:«يستر المصلى مثل أجرة الرجل» يريد مثل آخرة الرجل،و سئل آخر متى يرتفع هذا الأجل؟فقال:الى قمرين- يريد شهري هلال،و قال آخر:«يدخل يده في فيه،فيقضمها قضم الفجل»يريد قضم الفحل،و كلما كان المحدث أموق كان عندهم أنفق،و اذا كان كثير اللحن و التصحيف كانوا به أوثق-إلخ .
«جلس بين الناس قاضيا» قال عليه السّلام لشريح:قد جلست مجلسا ما جلسه
1) 1)
الا نبي أو وصي نبي أو شقي (1)
أخرجه الكليني في الكافي 7:406 ح 2،و [1]الصدوق في الفقيه 3:4 ح 2،و الطوسي في التهذيب 6:217 ح 1.
.و مر الباقر عليه السّلام على محمد بن مسلم عند قاضي المدينة فقال له:و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة عليه،فتعمّك معه (2).
و عن الصادق عليه السّلام:ان النواويس شكت الى اللّه تعالى شدّة حرّها،فقال لها اسكني،فان موضع القضاة أشدّ حرا منك (3).
«ضامنا لتخليص ما التبس» أي:اشتبه «على غيره» قال ابو محمد الواسطي في بعضهم:و ما ذلك التيه و الصلف،إلا لأنّه كلّما جر جريرا اعتقد انّه قد جر جريرا،و كلّما ركب الكميت ظن انّه قد ارتكب الكميت،و زعم انّه قد بلد لبيدا،و عبد عبيدا .
«فان نزلت به احدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا» أي:رذلا باليا «من رأيه ثم قطع به» أي:يصير عنده أمرا مقطوعا به «فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت» .
و في رواية(الاحتجاج):فهو من رأيه في مثل نسج غزل العنكبوت الذي إذا مرت به النار لم يعلم بها (4).
«لا يدري أصاب أم أخطأ،فان» هكذا في(المصرية)و الصواب:(ان)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)«اصاب خاف أن يكون قد أخطأ و ان أخطأ رجا أن يكون قد أصاب» و ذلك لعدم حصول علم له و يقين،بل حدس و تخمين.
قال ابن مناذر في خالد الخزاعي قاضي المهدي:
أصم أعمى عن سبيل الهدى قد ضرب الجهل عليه بالحجاب
يا عجبا من خالد كيف لا يخطئ فينا مرة بالصواب
و قال أبو الأسود-كما في(الأغاني)-في جد عبيد اللّه بن الحسن قاضي البصرة،الحصين بن أبي الحر العنبري:
يصيب و ما يدري و يخطي و ما درى و كيف يكون النوك الا كذلكا
فتقدم رجل مع خصم له الى عبيد اللّه القاضي،فخلط الرجل في قوله، فتمثل عبيد اللّه بقول أبي الأسود في جده،فقال له الرجل:ان أحقّ الناس بستر هذا الشعر لأنت،و قد علمت فيمن قيل،فتبسم عبيد اللّه،و غرم له ما كان خصمه يطالب به .
«جاهل خبّاط» من«خبط البعير»ضرب الأرض بيده لضعف بصرها،أو من«خبط الرجل»إذا طرح نفسه حيث كان لينام،أو من«خبطت الشجرة»إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها.
«جهالات» ،مضاف اليه لخباط «عاش» في(الصحاح):العشوة ان تركب امرا على غير بيان،يقال«او طأتني عشوة و عشوة»أي:أمرا ملتبسا،و ذلك اذا اخبرته بما أوقعته به في حيرة أو بلية «ركاب عشوات» أي:حيرات و ظلمات.
في(مختلف ابن قتيبة)قال يحيى بن مخنف:جاء رجل من أهل المشرق الى أبي حنيفة بكتاب و هو بمكة،فعرضه عليه و قد جمعه مما سمعه منه، فرجع عن ذلك أبو حنيفة،فوضع الرجل التراب على رأسه ثم قال:يا معاشر الناس أتيت هذا الرجل عام أول فأفتاني هذا الكتاب،فهرقت به الدماء و أبحت به الفروج،ثم رجع عنه الآن.فقال أبو حنيفة:هذا رأي رأيته،و قد رجعت عنه.
فقال له الرجل:فتؤمنني ألا ترى من قابل شيئا آخر.قال:لا أدري كيف يكون.
قال الرجل:لكني أدري أن من أخذ عنك فهو ضالّ.
و قال الجاحظ:قال النظام:رويتم عن إسماعيل عن الشعبي ان قوما سألوا زيد بن ثابت عن شيء فكتبوه،فقال:و ما يدريكم لعليّ قد أخطأت و انما اجتهدت لكم رأيي.
و عن المغيرة عن ابراهيم:ان عمر قضى بقضاء،فقال له رجل:أصبت و اللّه.فقال:و ما يدريك أني أصبت،و اللّه ما يدري عمر أصاب أم أخطأ.
و عن عمرو عن طاوس ان ابن عمر سئل عن شيء فقال:لا أدري،فان شئت أخبرتك بالظن.
قال النظام:فقد أقرّ القوم على أنفسهم أنّهم بالظن كانوا يريقون الدماء، و بالظن يبيحون الفروج،و بالظن يحكمون بالأموال،و بالظن يوجبون العبادات،و قد نهى تعالى ان يحكموا بالظن و يشهدوا،فقال «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» (1)
الزخرف:86. [1]
،فأمر بالعلم و اليقين،و خالف القوم،فعملوا بالظن، و علموا ان الناس منقادون لهم،و انهم ما قالوا من شيء حتم لا مردّ له.و اذا كان هذا المذهب موجودا في الأكابر و الأصاغر من السلف،فما ظنّك بالتابعين،ثم ما ظنّك بالفرق التي تليهم،و اذا كان هذا ما أقروا به على أنفسهم، فما لم يقروا به-و رأوا ستره-أكثر (2).«لم يعضّ على العلم بضرس قاطع» كما قال بعضهم في وصف بعض:
كان يغلط في علمه من وجوه أربعة:يسمع غير ما يقال له،و يحفظ غير ما يسمع،و يكتب غير ما يحفظ،و يحدث بغير ما يكتب.
هذا و لليزيدي في الكسائي و اصحابه:
فهم من النحو و لو عمروا أعمار عاد في أبي جاد
و أنشد أبو دلامة يوما السفاح و الناس يستحسنونه،فقال له:و اللّه ما يدرون ما أقول،و انما يستحسنونه باحسانك،ثم أنشد:
أنعت مهرا كاملا في خلقه مركبا عجانه في ظهره
فاستحسنوه،فقال له:ألم أقل لك انّهم لا يحسنون شيئا،كيف يكون عجانه في ظهره؟و قال البحتري:
جزل الرقاعة فدم يدعى أدبا و ليس يفرق بين التين و الطين
و قال بعضهم:رأيت ابن الجصاص يقبل المصحف و يبكي،فقلت له:ما يبكيك؟فقال:أكلت اليوم مخيضا و بصلا مع النساء،ثم نظرت في المصحف فرأيته فيه: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» (1)
البقرة:222،و [1]الأصل فيه«المحيض»بالحاء المهملة.
،فتعجبت من قدرة اللّه كيف بيّن كلّ شيء في القرآن حتى المخيض و أكله مع النساء.و عن ابن الراوندي:مررت بشيخ و بيده مصحف،و هو يقرأ«و للّه ميزاب السماوات و الأرض» (2)،فقلت:ما ميزابهما؟قال:هذا المطر.قلت:انما هو «ميراث السموات و الأرض».قال:أنا من أربعين سنة أقرؤها هكذا.
هذا،و في العقد قال مساور العزاف في أهل القياس:
و كنّا من الدين قبل اليوم في سعة حتى بلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذ قامت مكاسبهم فاستعملوا الرأي بعد الجهد و البؤس
فلقيه أبو حنيفة و قال له:هجوتنا نحن نرضيك،فبعث اليه بدراهم،فكف عنه و قال:
إذا ما الناس يوما قايسونا بمسألة من الفتيا ظريفة
أتيناهم بمقياس صحيح بديع من طراز أبي حنيفة
اذا سمع الفقيه بها دعاها و أثبتها بحبر في صحيفة
«يذري» من«أذريت الشيء»إذا ألقيته كالقائك الحب للزرع «الروايات اذراء الريح الهشيم» أي:النبات اليابس المتكسر.
في الكشي:ان سلمان كان يقول للناس:هربتم من القرآن الى الأحاديث، وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير و القمطير،و الفتيل و حبة خردل، فضاق عليكم ذلك،و هربتم الى الأحاديث التي اتسعت عليكم (1)
اختيار معرفة الرجال:18 ح 42.
.هذا،و قال ابن أبي الحديد:قوله«يذروا الروايات»هكذا أكثر النسخ، و أكثر الروايات«يذري»من أذرى،و قد أوضحه قوله«اذراء الريح»،و الاجود الرواية الاخرى«يذرو الروايات ذرو الريح»،كما نقله غريب حديث ابن قتيبة، قال تعالى: «فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ» (2).
قلت:مثل ما نقله عن(غريب ابن قتيبة عيون ابن قتيبة)،ثم ما نقله عن (النهج)«يذرو الروايات اذراء الريح»ليس كما قال،فنقل ابن ميثم عنه«يذري الروايات اذراء الريح»و نسخته بخط المصنف (3).
كما ان ما قاله من أن«يذري»من أذرى ليس بمتعين،انما يكون من أذرى اذا كان بضم الياء،و أما اذا كان بفتحها فمن«ذرا».قال الجوهري:«ذرت الريح التراب تذروه و تذريه ذروا و ذريا أي:سفته».قلت:و ذروا أحسن،قال تعالى: «وَ الذّارِياتِ ذَرْواً» (4)و المراد بها الرياح.
و بالجملة(النهج)«تذري اذراء»و كتابا ابن قتيبة«تذرو ذروا»
و(الكافي)و(الإرشاد)«يذري ذروا»كما مر (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:285، [1]نقلا عن غريب ابن قتيبة و الكافي 1:55 و الإرشاد:124.
.«لا مليء و اللّه بإصدار ما ورد عليه» .
قال الشاعر:
هو لمن يأتيه جهلا به مثل سراب البيد للصّادي
في(تاريخ بغداد):قدم الى أبي يوسف مسلم قتل ذميا،فأمر به ان يقاد به،و وعدهم ليوم،و أمر بالقاتل فحبس،فلما كان في اليوم الذي وعدهم، حضر أولياء الذمي وجيء بالمسلم القاتل،فلما همّ أبو يوسف أن يقول:
اقيدّوه،رأى رقعة قد سقطت،فتناولها صاحب الرقاع و حبسها،فقال:ما هذه التي حبستها،فدفعها إليه،فإذا فيها أبيات شعر قالها ابو المضرجي:
يا قاتل المسلم بالكافر جرت و ما العادل كالجائر
يا من ببغداد و أطرافها من فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسف إذ يقتل المسلم بالكافر
فاسترجعوا و ابكوا على دينكم و اصطبروا فالأجر للصابر
فأمر بالقمطر،فشد و ركب الى الرشيد،فحدثه بالقصة و اقرأه الرقعة، فقال له الرشيد:اذهب فاحتل،فلما عاد ابو يوسف الى داره،و جاءه أولياء الذمي يطالبونه بالقود،قال لهم:ايتوني بشاهدين عدلين ان صاحبكم كان يؤدي الجزية.
و فيه:قال سليمان بن فليح:حضرت مجلس هارون الرشيد و معه أبو يوسف،فذكر سباق الخيل،فقال ابو يوسف:سابق النبي صلّى اللّه عليه و آله من الغاية الى بنية الوداع.فقلت للرشيد:انه صحف،انما هو«من الغابة الى ثنية الوداع»، و هو في غير هذا أشدّ تصحيفا.
1) 1)
و فيه قال سعيد بن منصور:قال رجل لأبي يوسف:رجل صلّى مع الامام في مسجد عرفة ثم وقف حتى دفع بدفع الامام ماله؟قال:لا بأس به.
فقال له:سبحان اللّه،قد قال ابن عباس:من أفاض من عرفة فلا حجّ له،مسجد عرفة في بطن عرنة.فقال:أنتم أعلم بالأحكام،و نحن أعلم بالفقه.فقال:اذا لم تعرف الأصل كيف تكون فقيها.
و فيه:قال يحيى القطان:قال جار له:حدّثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة عن جواب التيمي،فقال:مرجئ عن مرجئ عن مرجئ.
و فيه:قال عبد اللّه بن إدريس:كان أبو حنيفة ضالا مضلا،و أبو يوسف فاسق من الفاسقين.
و فيه:قال ابو صخرة الرياشي في يحيى بن أكثم:
لا أفلحت امة و حق لها بطول مكس و طول تعاس
ترضى بيحيى ان يكون سائسها و ليس يحيى لها بسواس
قاض يرى الحدّ في الزناء و لا يرى على من يلوط من بأس
قلت:لو كان قال:
قاض يرى الحدّ في النكاح و لا يرى على من يلوط من بأس
كان أتم معنى و أكمل وصفا له،فكان المأمون أراد أن ينادي في الناس بإباحة المتعة حسبما دل عليها الكتاب و السنة،فخوفه يحيى بالعامة،و ان عمر جعلها زنا،و جعل الرجم فيها.
و كان يستدل لعمله الذي كان مكبا عليه بقوله تعالى: «أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً» (1)
الشورى:50. [1]
.هذا،و في أخبار حكماء القفطي في زكريا الطيفوري قال:كان يوسف
1) 1)
لقوة الكيميائي يدخل على المأمون كثيرا و يعمل بين يديه،فقال له المأمون يوما:ويحك يا يوسف ليس في الكيمياء شيء؟فقال:بلى الصيدلاني لا يطلب منه شيء من الأشياء كان عنده أو لم يكن،إلا أخبر بأنّه عنده،و دفع الى طالبه شيئا مما عنده،و قال هذا الذي طلبت،فان رأى الخليفة أن يضع اسما لا يعرف، و يوجّه الى جماعة من الصيادلة في طلبه فليفعل،فقال المأمون:قد وضعت الاسم و هو شفطيا و شفطيا ضيعة من الضياع قرب بغداد-فسير المأمون جماعة الى الصيادلة يسألهم عن شفطيا،فكل ذكر انّه عنده،و أخذ الثمن و دفع شيئا من حانوته،فصاروا الى المأمون بأشياء مختلفة،فمنهم من أتى بقطعة حجر،و منهم من أتى بقطعة وتد،و منهم من أتى ببعض البزور (1)
اخبار الحكماء.
.«و لا هو أهل لما فوّض اليه» هكذا في(المصرية)،و هذه الجملة ليست في (ابن ميثم و الخطية)،و أما وجودها في نسخة(ابن أبي الحديد)فالظاهر كونها من زيادات المحشين حيث قال في شرح«لا مليء باصدار ما ورد عليه»:و في كتاب ابن قتيبة تتمة هذا الكلام«و لا أهل لما قرظ به»قال:أي:ليس بمستحق للمدح الذي مدح به،و الذي رواه عن التتمة هو الصحيح الجيد،لأنّه يستقبح في العربية ان تقول«لأزيد قائم»حتى تقول«و لا عمرو»أو«و لا قاعد» (2).
قلت:الأمر كما قال من تكرار«لا»،فيجب تكراره اذا دخلت على الاسمية و اهملت،كقوله تعالى: «لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» (3)الا ان قوله حتى يقول«و لا عمرو»أو«و لا قاعد»غلط،فبعد«لأزيد قائم»يتعيّن أن يقول«و لا عمرو»أو«و لا عمرو قاعد»،و انما يصح«و لا قاعد»
اذا قيل«زيد لا قائم»نحو: «إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ» (1)
البقرة:68. [1]
.و كيف كان فالتكرار واجب،و النهج خال منه،و قد نقل التكرار غير ابن قتيبة الكليني و المفيد على اختلافهما في لفظ الفقرتين كما مر.
كما أن ما نقله عن ابن قتيبة من قراءته«قرظ»بالقاف و الظاء المعجمة، و تفسيره بالمدح غلط،و انما هو«فرط»بالفاء و الطاء المهملة،يقال«فرطتهم» أي:سبقتهم الى الماء،و الفرط بفتحتين الذي يتقدم الواردة،فيهيّىء لهم الأرسان و الدلاء،و يمدر الحياض،و يستقي لهم،حيث قال عليه السّلام«لا مليء باصدار ما ورد عليه»قال بمناسبته«و لا أهل لما فرط به»بقاعدة البلاغة، و الجمع بين الورد و الفرط في كلام العرب كثير،قال القطامي:
فاستعجلونا و كانوا من صحابتنا كما تقدم فرّاط لورّاد
و قال الراجز:
و منهل وردته التقاطا لم ار اذ وردته فرّاطا (2)
و من كلامهم «وردت قبل فراط القطا»
أي:متقدمات القطا الى الورد، و حينئذ فالمعنى«و لا هو أهل لما تقدم به،كالفرط الذي يتقدم القوم».
و أيضا لم يكن قبل الفقرات أن أحدا مدحه حتى يقال«و لا هو أهل لما قرظ به»،و انما ذكر قبله أوصافه الرذيلة «لا يحسب العلم في شيء مما أنكره» في (مختلف ابن قتيبة):كان الأوزاعي يقول:انا لا ننقم على أبي حنيفة الرأي،و اننا كلّنا نرى،و لكنّا ننقم عليه أنّه يجيء بالحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله فيخالفه الى غيره.
و فيه:و قال حماد بن زيد:شهدت أبا حنيفة و قد سئل عن محرم لم يجد
ازارا،فلبس سراويل،فقال عليه الفدية،فقلت:سبحان اللّه،حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله في المحرم اذا لم يجد أزارا لبس سراويل،و اذا لم يجد نعلين لبس خفين.فقال:دعنا من حديث النبي،حدثنا حمّاد بن أبي مسلم عن ابراهيم النخعي قال:عليه الكفارة.
و روى علي بن عاصم انّه حكي لأبي حنيفة قضية عن ابن مسعود، فقال:هذا قضاء الشيطان .
«و لا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره» في(مختلف ابن قتيبة):روى أبو عاصم عن أبي عوانة قال:كنت عند أبي حنيفة،فسئل عن رجل سرق تمرا.
فقال:عليه القطع.فقلت:حدّثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى عن رافع ابن خديج قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:لا قطع في ممر و لا كثر.قال:ما بلغني هذا،و لو بلغني ما أفتيت بخلافه.قلت:فرد الرجل الذي أفتيته.فقال:دعه انما جرت به البغال الشهب .
«و ان أظلم أمر» هكذا في(المصرية)و الصواب:«و ان أظلم عليه أمر» «اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه» .
في(تاريخ بغداد):سئل قيس بن الربيع عن أبي حنيفة،فقال:انا أعلم الناس به،كان أعلم الناس بما لم يكن،و أجهلهم بما كان .
«تصرخ من جور قضائه الدماء و تعج» أي:تصيح «منه المواريث» قد عرفت ان ابن قتيبة و الكليني و المفيد زادوا في رواياتهم«و يستحلّ بقضائه الفرج الحرام» (1)
عيون الاخبار:،و [1]الكافي 1:56،و [2]الارشاد:124. [3]
.في(خلاف الشيخ):روى ابن المبارك عن أبي حنيفة ان امرأة شكت إليه زوجها،و آثرت فراقه،فقال لها:ارتدّي،فيزول النكاح.
1) 1)
و فيه قال علي بن عاصم:قال أبو حنيفة لزوج امرأة-في قصة معروفة- قبّل امها بشهوة،فان نكاح زوجتك ينفسخ.
و فيه قال محمد بن الحسن:لو أن رجلا حضر عند الحاكم،فادّعى«ان فلانة زوجتي»و هو يعلم انّه كاذب،و شهد له بذلك شاهدان زورا،فحكم الحاكم له بها،حلّت له ظاهرا و باطنا (1)
الخلاف 3:39 و 40.
.و كذلك على قولهم ان رجلا تزوج بامرأة جميلة،فرغب فيها أجنبي قبل دخول زوجها بها،فأتى هذا الأجنبي الحاكم،فادعى انها زوجته،و ان زوجها طلقها قبل الدخول بها،و شهد له بذلك شاهدان زورا،و حكم الحاكم بذلك،نفذ حكمه،و حرمت على الأول ظاهرا و باطنا،و حلت للمحتال ظاهرا و باطنا.
و في(تاريخ بغداد):جاء إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة الى أبي بكر بن عياش،فضرب ابن عياش يده على ركبتي إسماعيل و قال له:كم من فرج حرام قد أباحه جدك.
و فيه عن خالد بن يزيد بن أبي مالك:أحل أبو حنيفة الزنا،و أهدر الدماء، أما الدماء فقال لو ان رجلا ضرب رجلا بحجر عظيم فقتله،كان على العاقلة دية،و تكلّم-و لم يحسن النحو-فقال:لو ضربه بأبا قبيس كان على العاقلة- إلخ.
و لما مدح مساور أبا حنيفة بما مر في شرح«لم يعض على العلم»أجابه بعضهم فقال:
اذا ذو الرأي خاصم في قياس و جاء ببدعة هنة سخيفة
اتيناهم بقول اللّه فيها و آثار مبرزة شريفة
فكم من فرج محصنة عفيف أحل حرامه بأبي حنيفة
1) 1)
أحل أبو حنيفة بنت صلب تكون من الزنا عرسا صحيحة
هذا،و في(تاريخ بغداد):لما عزل إسماعيل بن حمّاد عن البصرة، شيّعوه فقالوا:عففت عن أموالنا و عن دمائنا.فقال لهم:و عن أبنائكم-يعرض بيحيى ابن أكثم في اللواط.
و قال البحتري في ابن أبي الشوارب القاضي-و سمّاه ابن أبي الشوارب و السبال:
نصرت الأوصياء على اليتامى و قدمت النساء على الرجال
و أحرزت الوقوف فصرت أولى بهن من الكلالة و الموالي
«الى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا و يموتون ضلالا» ورد ابن أبي ليلى على الصادق عليه السّلام،فقال له:أنت قاضي المسلمين؟قال:نعم.قال:تأخذ مال هذا فتعطيه هذا،و تفرّق بين المرء و زوجه،لا تخاف في ذلك أحدا؟قال:نعم.
قال:فبأي شيء تقضي؟قال:بما بلغني عن النبي،و علي،و أبي بكر،و عمر.
قال:فبلغك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان عليا أقضاكم.قال:نعم.قال:فكيف تقضي بغير قضاء علي،فما تقول اذا أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال:يا رب ان هذا قضى بغير ما قضيت-فاصفرّ وجهه (1)
أخرجه الكليني في الكافي 7:408 ح 5،و [1]الطوسي في التهذيب 6:220 ح 13.
.و لما ورد غيلان بن جامع المحاربي قاضي ابن هبيرة على الصادق عليه السّلام قال عليه السّلام له:ما أظن ابن هبيرة وضع على قضائه إلا فقيها.قال:
أجل.قال:تجمع بين المرء و زوجه،و تفرّق بينهما،و تقتل،و تضرب الحدود، و تحكم في أموال اليتامى.قال:نعم.قال:و بقضاء من تقضي؟قال:بقضاء عمر،و ابن مسعود،و ابن عباس،و أقضي بشيء من قضاء علي.قال عليه السّلام:
ألستم تزعمون يا أهل العراق و تروون ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:«علي أقضاكم»؟
1) 1)
قال:نعم.قال:فكيف تقول اذا جمع اللّه الأولين و الآخرين في صعيد،ثم وجدك قد خالفت قضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و علي عليه السّلام،فجعل غيلان ينتحب،فقال عليه السّلام له:
أيّها الرجل أقصد لشأنك (1)
أخرجه الكليني في الكافي 7:429 ح 13. [1]
.و في(يتيمة الثعالبي):ان عمرو بن العاص غير الخاتم من يمينه الى شماله،فاقتدى العامة به الى يومنا هذا.
و قال السلامي:ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و الخلفاء كانوا يتختمون في أيمانهم، فنقلها معاوية الى اليسار،و أخذ الناس بذلك.قال الثعالبي:
سنّ التختم في اليمين محمد للقائلين بدعوة الاخلاص
فسعى ابن هند في إزالة رسمه و أعانه في ذلك ابن العاص (2)
«ليس فيهم سلعة» أي:متاع «أبور» أي:أكسد «من الكتاب اذا تلي حق تلاوته» .
في(الحلية)في أبي سالم الدباغ قال:رأيت النبي صلّى اللّه عليه و آله في المنام،فقلت:
اقرأ عليك يا رسول اللّه؟فقال:نعم،فاستفتحت و استعذت،و قرأت عليه فاتحة الكتاب،و عشرين آية من أول سورة البقرة،فلم يردّ علي شيئا،فقلت:يا رسول اللّه لم تردّ عليّ شيئا أحبّ أن تأخذ عليّ كما أنزل.فقال:لو أخذت عليك كما أنزل رجمك الناس بالحجارة .
«و لا سلعة أنفق بيعا» أي:أروج «و لا أغلى ثمنا من الكتاب اذا حرّف عن موضعه»هكذا في(المصرية)و الصواب: (مواضعه) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3).
و في(العقد):ان عائشة لما كتبت الى زيد بن صوحان«ثبّط الناس عن علي»،كتب اليها انك امرت بأمر و أمرنا بغيره،امرت ان تقري في بيتك،و امرنا ان نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة،فتركت ما أمرت به،و كتبت تنهانا عمّا أمرنا به.
و في(تاريخ الطبري):أقبل زيد و معه كتاب من عائشة اليه خاصة، و كتاب منها الى أهل الكوفة عامة تثبطهم عن نصرة علي عليه السّلام،و تأمرهم بلزوم الأرض.فقال:أيها الناس انظروا الى هذه امرت أن تقرّ في بيتها،و أمرنا نحن أن نقاتل حتى لا تكون فتنة،فأمرتنا بما أمرت به،و ركبت ما أمرنا به.
فقام اليه شبث بن ربعي فقال له:و ما أنت و ذاك أيها العماني،سرقت أمس بجلولاء،فقطعك اللّه و تسب ام المؤمنين (1)
تاريخ الطبري 3:498،سنة 36. [1]
.انظروا الى أن امهم أمرت بالمنكر،و نهت عن المعروف،و حرّفت الكتاب،و ابنها شبث الجافي الجلف و قاتل الحسين عليه السّلام أنكر على زيد إنكاره عليها مخالفة كتاب اللّه،و كان زيد قطع يده في سبيل اللّه تعالى،فسمّى الخبيث قطع يده في سبيل اللّه سرقة،و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله قد أخبر زيدا بأن يده تقطع في سبيل اللّه،ثم يتبع اللّه آخر جسده بأوله (2)،و صار كما قال،فاستشهد في الجمل،و قال قبل قتله:ما أراني إلا مقتولا رأيت يدي نزلت من السماء و هي تستشيلني-اف لهم و لدينهم.
و في(تاريخ بغداد)عن الشافعي:نظرت في كتب لأصحاب أبي حنيفة، فإذا فيها مائة و ثلاثون ورقة،فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب و السنة.
و في(الاستيعاب)عن الحسن:كتب زياد الى الحكم بن عمرو الغفاري و هو على خراسان ان معاوية كتب الي ان تصطفي له البيضاء و الصفراء،فلا تقسم بين الناس ذهبا و لا فضة،فكتب اليه الحكم:اني وجدت كتاب اللّه قبل كتاب معاوية.ثم قال للناس:أغدوا على مالكم،فقسمه بينهم،ثم قال:اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني اليك-فمات بخراسان بمرو (1)
الاستيعاب 1:315. [1]
.و في(عيون ابن قتيبة)عن سديف مولى اللهبيين انه كان يقول:اللهم اشتريت المعازف و الملاهي بسهم الايتام و الأرملة،و حكم في أبشار المسلمين أهل الذمة،و تولى القيام بامورهم فاسق كلّ محله.اللهم و قد استحصد زرع الباطل،و بلغ نهايته،و اجتمع طريده،اللهم فأتح لهم من الحق يدا حاصدة تبدد شمله،و تفرّق أمره.
و ذكر رجل قوما فقال:يصومون عن المعروف و يفطرون على الفحشاء.
و سأل الحلبي الصادق عليه السّلام عن الحجّ فقال له:تمتع.ثم قال له:إنّا اذا وقفنا بين يدي ربنا قلنا يا رب أخذنا بكتابك و سنّة نبيك،و قال الناس رأينا رأينا (2).
كانوا كما قيل في البر مكيين،و كما قيل في بشر بن الوليد قاضي المأمون:
اذا ذكر الشرك في مجلس أنارت وجوه بني برمك
و ان تليت عندهم آية اتوا بالأحاديث عن مزدك
ينفي شهادة من يدين بما به نطق الكتاب و جاءت الآثار
هذا،و عن عوانة:خطبنا عتبة بن النهاس العجلي،فقال:ما أحسن ما قال تعالى في كتابه:
ليس حي على المنون بباق غير وجه المسبح الخلاق
فقمت اليه فقلت:أيها الرجل ان اللّه عز و جل لم يقل هذا،انما قاله عدي ابن زيد،فنزل عن المنبر.
و عنه اتي عتبة بامرأة من الخوارج،فقال:يا عدوّة اللّه ما خروجك على الخليفة،ألم تسمعي قول اللّه:
كتب القتل و القتال علينا و على المحصنات جر الذيول
فحركت رأسها و قالت:يا عدو اللّه،حملني على الخروج جهلكم بكتاب اللّه عز و جل .
«و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر» في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:يأتي بعدي زمان لا يأمرون بالمعروف،و لا ينهون عن المنكر، فعجبوا،فقال:يأتي زمان يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف،فعجبوا أكثر،فقال:يأتي زمان يصير المعروف عندهم منكرا،و المنكر معروفا (1)
أخرجه الكليني في الكافي 5:59 ح 14،و [1]الطوسي في التهذيب 6:177 ح 8،و الحميري في قرب الاسناد 26. [2]
.و في الحلية في أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك:ما أعرف اليوم شيئا مما كنّا عليه على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله،قيل:فأين الصلاة؟قال:أو لم تضعوا في الصلاة ما قد علمتم.
هذا،و يأتي في فصل القرآن قوله عليه السّلام:و ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب اذا تلي حق تلاوته،و لا أنفق اذا حرّف عن مواضعه،و لا في البلاد شيء أنكر من المعروف،و لا أعرف من المنكر (2).
الخطبة(85)
بعد ذكر العالم العارف:
وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ- فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَ أَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ- وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ شَرْكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ- قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ- وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ- يُؤَمِّنُ مِنَ الْعَظَائِمِ وَ يُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ- يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فِيهَا وَقَعَ- وَ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَ بَيْنَهَا اضْطَجَعَ- فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ- لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ- وَ لاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ «و آخر» غير عبد أعانه اللّه على نفسه مع سائر محامده «قد تسمى عالما و ليس به» هو نظير قوله عليه السّلام في سابقه«قد سماه أشباه الناس عالما و ليس به».
فممن تسمى عالما و ليس به من أئمتهم الأربعة مالك بن أنس الذي كان مغنيا من تلامذة طويس المغني-كما في(الأغاني)-و كان قبيح الوجه،فأشارت امه اليه بطلب الفقه فصار امام ضلال،كان يقول -كما في العقد-و اللّه ما اقتتل علي و عثمان و طلحة و الزبير إلا على الثريد الأعفر.
و منهم سفيان الثوري،كان في شرطة هشام بن عبد الملك،و شهد قتل زيد بن علي،و كان من الكذّابين في الحديث.
و منهم مسروق بن الأجدع،أوصى أن يدفن في مقابر اليهود ليخرج من قبره،و ليس هناك من يؤمن باللّه و رسوله غيره .
«فاقتبس» أي:اكتسب «جهائل» جمع الجهالة «من جهال و أضاليل من ضلال» .
في(المسترشد):روى أبو أيوب الشاذكوني قال:حدّثنا معاذ بن أعضف سمعت شعبة يقول:قد أخذت من أربعمائة شيخ،ثلاثمائة و ثمانية و تسعون مدلسون،إلا رجلين أبو عون و عمرو بن مرة.
و في(تاريخ بغداد)عن أبي بكر بن أبي داود:جميع ما روى أبو حنيفة من الحديث مائة و خمسون حديثا،أخطأ في نصفها.
و فيه عن النضر بن شميل:في كتاب(حيل أبي حنيفة)كذا كذا مسألة كلّها كفر،و قال عبد اللّه بن المبارك:من نظر في كتاب حيله أحل ما حرم، و حرّم ما أحل.و قيل له:ما وضع كتاب الحيل إلا شيطان؟فقال:بل كان الذي وضعه أشرّ من الشيطان،و كان حمّاد بن سلمة يكنّيه أبا جيفة .
«و نصب للناس شركا» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«أشراكا»كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 6:372،لكن في شرح ابن ميثم 2:297 [1] مثل المصرية.
،و الاشراك:جمع الشرك بفتحتين حبالة الصائد.«من حبائل» جمع حبالة،و في(ابن ميثم و الخطية)(من حبال) (2)«غرور و قول زور» أي:الكذب و الباطل.
قال الصادق عليه السّلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ،و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك.
قال ابن شبرمة:ما ذكرت هذا الحديث من جعفر بن محمد الا
كاد أن يتصدع له قلبي (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:43 ح 9. [1]
.«قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحق على أهوائه» في(تاريخ بغداد):قال شريك:كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب اللّه،قال تعالى: «وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» (2)و «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ» (3)،و زعم أبو حنيفة ان الايمان لا يزيد و لا ينقص،و زعم ان الصلاة ليست من دين اللّه.
قلت:بل بثلاثة آيات،فلما سألوا النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد تحويل القبلة عن صلواتهم الاولى نزل «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» (4).
و فيه:قيل لأبي حنيفة:ما تقول في رجل قتل أباه،و نكح امه،و شرب الخمر،في رأس أبيه؟فقال:مؤمن.
و فيه:سئل ابو حنيفة عن رجل لزم غريما له،فحلف له بالطلاق ان يعطيه حقّه غدا،الا ان يحول بينه و بينه قضاء اللّه،فلما كان من الغد جلس على الزنا،و شرب الخمر.قال:لم يحنث .
«يؤمّن من العظائم و يهون كبير الجرائم» في(تاريخ بغداد)عن مالك بن أنس:كانت فتنة أبي حنيفة أضرّ على هذه الامة من فتنة ابليس في الوجهين جميعا،في الأرجاء،و ما وضع من نقض السنن.
و في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام:اتقوا المحقرات من الذنوب،فان لها طالبا، يقول أحدكم:اذنب و استغفر،ان اللّه تعالى يقول: «وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» (5)و قال تعالى: «إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ»
«مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » (1)
الكافي 2:270 ح 10.و [1]الآية 16 من سورة لقمان. [2]
.«يقول أقف عند الشبهات و فيها وقع» «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ » (2).
«و اعتزل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«و يقول اعتزل»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)«البدع و بينها اضطجع» بعد كون أقواله و أعماله بدعا غير السنن،و بتسميته بدعة السنن لا تنقلب عن حقيقتها .
«فالصورة صورة انسان و القلب قلب حيوان» «وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» (4)«أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً» (5)«بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ » (6).
«لا يعرف باب الهدى فيتبعه» و الاتباع فرع العرفان «و لا باب العمى فيصدّ عنه» فكانوا لا يفرّقون بين أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله الذين قال فيهم:«مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح،من ركبها نجا،و من تخلّف عنها هلك» (7)،و قال فيهم:«اني
1) 1)
2) 2) التوبة:49. [3]
3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 6:372، [4]لكن في شرح ابن ميثم 2:297 [5] مثل المصرية.
4) 4) الاعراف:179. [6]
5) 5) الفرقان:44. [7]
6) 6) المؤمنون:63. [8]
7) 7) هذا حديث السفينة له طرق كثيرة منها ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3:150،و [9]الخطيب في تاريخ بغداد 12: 91،و ابو نعيم في حلية الأولياء 4:306،و صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:57 و 76.
تارك فيكم الثقلين،ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا،كتاب اللّه،و أهل بيتي» (1)
هذا حديث الثقلين [1]له طرق كثيرة منها ما أخرجه مسلم في صحيحه 4:1873 و 1874 ح 36 و 37،و الترمذي في سننه 5:662 و 663 ح 3786 و 3788،و الحاكم في المستدرك 3:148،و [2]صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:57 ح 76.
و بين مخالفيهم،فتركوا أهل بيته و اتبعوا أعداءه،كما أن من لم يعرف الطريق يدع الصراط و يسلك التيه .«فذلك ميت الأحياء» و قد قال تعالى لنبيه: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» (2)«وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (3).
الحكمة(183)
و قال عليه السّلام:
مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلاَّ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلاَلَةً أقول:فان غير ذلك غير معقول،لاستحالة اجتماع الضدين و النقيضين في العقول.
و من الغريب ان العامّة لم تقنع بقولهم بذلك،بل نسبته الى اللّه تعالى و الرسول،فمنهم عبيد اللّه بن الحسن المتكلّم،و كان ولي قضاء البصرة.
قال ابن قتيبة في(مختلفه):كان عبيد اللّه يقول:ان القرآن يدل على الاختلاف،فالقول بالقدر صحيح و له أصل في الكتاب،و القول بالاجبار صحيح و له أصل في الكتاب،و من قال بهذا فهو مصيب،و من قال بهذا فهو
مصيب،لأن الآية الواحدة ربما دلّت على وجهين مختلفين،و احتملت معنيين متضادين.
و سئل يوما عن أهل القدر و أهل الإجبار،فقال:كلّ مصيب،هؤلاء قوم قد عظموا اللّه،و هؤلاء قوم قد نزّهوا اللّه.
و فيه:قال عبيد اللّه:كلّ من سمّى الزاني مؤمنا فقد أصاب،و من سمّاه كافرا فقد أصاب،و من قال هو كافر و ليس بمشرك فقد أصاب،و من قال هو كافر مشرك فقد أصاب،لأن القرآن قد دلّ على كلّ هذه المعاني.
و فيه:قال عبيد اللّه:القول بالقرعة و خلافه كلّ منهما صواب،و القول بالسعاية و خلافه كلّ منهما صواب،و كذلك قتل المؤمن بالكافر و الا يقتل مؤمن بكافر،بأيهما أخذ الفقيه فهو مصيب.و لو قال قائل:ان القاتل في النار كان مصيبا،و لو قال:هو في الجنة كان مصيبا،و لو وقف فيه و أرجأ أمره كان مصيبا،إذ كان انما يريد بقوله ان اللّه تعالى تعبّده بذلك،و ليس عليه علم الغيب.
و كان يقول في قتال علي لطلحة و الزبير و قتالهما له:ان ذلك كلّه طاعة للّه.
قال ابن قتيبة:و في هذا القول من التناقض و الخلل ما ترى.
قلت:و كيف افترى على القرآن بما نسب اليه من الجمع بين المتضاد، و أي باطل أبطل منه و قد قال تعالى: «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (1)
فصلت:42. [1]
،و كيف نسب الاختلاف الى القرآن و امتيازه من الكتب لكونه كتاب اللّه تعالى بعدم وقوع اختلاف فيه أصلا، «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ »1) 1)
«غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (1)
النساء:82. [1]
.و أما ما توهمه فانما هو لأن القرآن فيه «آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» (2)،و هو لزيغ قلبه اتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة،و ابتغاء تأويله،كما أنه لزيغه ترك الراسخين في العلم،و اتبع الثابتين في الجهل.
و من الغريب ان شيخ تاريخهم الطبري يأتي في كتابه كثيرا من هذا المتضادّ من روايات سيف الخبيثة،فروى عنه أن بعد الجمل قالت عائشة و علي كلّ منهما:وددت اني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة،و كان قولهما واحدا (3).
و روى:عنه أنّه قال بعد الجمل:كلّما نعي الى عائشة من كان معها و من كان عليها قالت يرحمه اللّه،فقال لها رجل من أصحابها:كيف ذلك؟قالت:كذلك قال النبي فلان في الجنة و فلان في الجنة.و قال علي أيضا يومئذ:اني لأرجو ألا يكون أحد من هؤلاء نقي قلبه إلا أدخله اللّه الجنّة،و ان عليّا صلّى على قتلى الكوفة و على قتلى البصرة،و صلّى على قريش من هؤلاء و هؤلاء.
و ان رجلا من أصحاب علي قال لعائشة:جزيت عنّا امنا عقوقا،و آخر منهم قال لها:يا امنا توبي فقد خطئت.فقال علي للقعقاع بن عمرو:اضرب أعناقهما.
ثم قال:لانهكنهما عقوبة فضربهما مائة مائة مجردين (4).
أف منهم و من هذه الأكاذيب الأعاجيب،و من هذه التناقضات و التهافتات.
و أغرب من ذلك أن أبا المعالي الجويني منهم-و كان بالتكنية بأم السفالى أولى منه بأبي المعالي-أنكر المتواترات و البديهيات،و قال ما كان بينهم اختلاف رأسا،و قال ما كان القوم إلا كبني ام واحدة،و لم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط،و لا وقع بينهم اختلاف و نزاع (1)
نقل كلامه ابن أبي الحديد في شرحه 20:12.
.ثم ليس تكميلهم للدين بزعمهم نقصه منحصرا بإمام فروع بعضهم، بل كان كذلك أئمة أصول كلّهم و فروع كلّهم،فقال فاروقهم:«متعتان كانتا على عهد رسول اللّه،و أنا أنهى عنهما،و اعاقب عليهما» (2).
الخطبة(18)
و من كلام له عليه السّلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا:
تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ- فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ- ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ- فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلاَفِهِ- ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ- فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً وَ إِلَهُهُمْ وَاحِدٌ- وَ نَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وَ كِتَابُهُمْ وَاحِدٌ- أَ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالاِخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ- أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ دِيناً نَاقِصاً- فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ- أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى- أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً- فَقَصَّرَ؟الرَّسُولُ ص؟ عَنْ تَبْلِيغِهِ وَ أَدَائِهِ- وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» - وَ قَالَ وَ فِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ- وَ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً- وَ أَنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ»
«اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» - وَ إِنَّ؟الْقُرْآنَ؟ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ- لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَ لاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِهِ قول المصنّف : «و من كلام له عليه السّلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا» تعبيره عنهم بالعلماء غير حسن،فان العلم لا اختلاف فيه حتى يصدق اختلاف العلماء،و كان عليه أن يقول«اختلاف الناس»أو يقول«اختلافهم» مثله عليه السّلام،فانه قال «ترد على أحدهم القضية» -إلخ و لم يقل«على أحد العلماء»، و لو كان قد قال:«في ذم اختلاف علمائهم»لا«العلماء»مطلقا لم يكن أبعد كثيرا.
و كيف كان ففي(تاريخ بغداد):حجّ الأعمش من الكوفة،و مالك بن أنس من المدينة،و عثمان البتي من البصرة،فجلسوا في المسجد الحرام يفتون و يخالف بعضهم بعضا،فقال رجل للأعمش:أ تخالف أهل المدينة؟فقال:
قديما اختلفنا و إيّاهم،فرضينا بعلمائنا و رضوا بعلمائهم.
قوله عليه السّلام(ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه،ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه)هكذا في (المصرية)و الصواب:«بخلاف قوله»،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:288، [1]لكن في شرح ابن ميثم 1:320 [2] مثل المصرية.
.روى ابن الشيخ في(أماليه)عن عبد الوارث بن سعيد قال:قدمت مكة، فوجدت فيها أبا حنيفة،و ابن أبي ليلى،و ابن شبرمة،فسألت أبا حنيفة،فقلت:
ما تقول في رجل باع بيعا،و شرط شرطا؟قال:البيع باطل،و الشرط باطل،ثم أتيت ابن أبي ليلى،فسألته،فقال:البيع جائز،و الشرط باطل،ثم أتيت ابن شبرمة،فسألته،فقال:البيع جائز،و الشرط جائز.فقلت:سبحان اللّه،ثلاثة من
1) 1)
فقهاء أهل العراق اختلفتم عليّ في مسألة واحدة،فأتيت أبا حنيفة،فأخبرته فقال:ما أدري ما قالا،حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نهى عن بيع و شرط،البيع باطل،و الشرط باطل.ثم اتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته،فقال:ما أدري ما قالا،حدثني هشام عن عروة عن عائشة قالت:
أمرني النبي صلّى اللّه عليه و آله ان اشتري بريرة،فأعتقها،البيع جائز،و الشرط باطل.ثم أتيت ابن شبرمة،فأخبرته،فقال:ما أدري ما قالا،حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد اللّه قال:بعث النبي ناقة شرط لي حلابها، البيع جائز،و الشرط جائز (1)
امالي ابن على الطوسي 2:4،جزء 14. [1]
.قلت:و الكل اخطئوا،و الصواب:ما قاله أهل بيت النبي عليه السّلام الذين هم أدرى بما في البيت من التفصيل في الشرط،من جواز الشرط الا ما أحل حراما،أو حرم حلالا،المعتَق للمعتِق،و شرطه للبائع من المعتق من المستثنى،كما في خبر ابن أبي ليلى،و كان في النسخة نقص ليس الخبر تمامه،و شرط الحلاب من المستثنى منه،كما في خبر ابن شبرمة،و خبر أبي حنيفة مجمل لا يحل العمل به،و يحمل على المفصل .
«ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا» و هو أمر منكر مخالف لفطر البشر.
و من كتاب طويل كتبه ابن المقفع للمنصور-و قد نقله في اختيار المنظوم و المنثور-و مما ينظر الخليفة فيه من أمر هذين المصرين،و غيرهما من الامصار و النواحي اختلاف هذه الاحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء و الفروج و الاموال،فيستحل الدم و الفرج بالحيرة،و هما يحرّمان بالكوفة،و يكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة،فيستحل في
1) 1)
ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى،غير انه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم و حرمهم،يقضي به قضاة جائز أمرهم و حكمهم،مع أنه ليس ممن ينظر في ذلك من أهل العراق و أهل الحجاز فريق الا قد لجّ بهم العجب بما في أيديهم،و الاستخفاف بمن سواهم،فأقحمهم ذلك في الامور التي يتبيغ بها من سمعها من ذوي الالباب،أما من يدعي لزوم السنّة منهم فيجعل ما ليس له سنّة سنّة حتى يبلغ ذلك به الى أن يسفك به الدم بغير بينة و لا حجّة على الأمر الذي يزعم انه سنّة،و إذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول اهرق فيه دم على عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله أو أئمة الهدى من بعده،و إذا قيل له أي دم سفك على هذه السنّة التي تزعمون؟قالوا:فعل ذلك عبد الملك بن مروان،او أمير من بعض أولئك الامراء،و انما يأخذ بالرأي،فيبلغ به الاعتزام على رأيه أن يقول في الامر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين،ثم لا يستوحش لانفراده بذلك،و امضائه الحكم عليه،و هو مقرّ أنّه رأي منه لا يحتج بكتاب و لا سنّة،فلو رأى الخليفة أن يأمر بهذه القضية، و السنن المختلفة،فترفع إليه في كتاب،و يرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنّة أو قياس،ثم نظر الخليفة في ذلك،و أمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه اللّه،و يعزم له عليه،و ينهى عن القضاء بخلافه،و كتب بذلك كتابا جامعا عزما لرجونا اللّه أن يجعل أمر هذه الاحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا-إلخ.
الا أن الأصل في اختلاف القضاة اختلاف الإمام الذي استقضاهم في آرائه،فما دام لم يكن له علم لا بد له أن يصوّب آراءهم صوابا كانت ام خطأ.
ففي(الاستيعاب)-في عبد الرحمن بن سهل الأنصاري-جاءت جدتان الى أبي بكر،فأعطى ام الام السدس دون ام الاب،فقال له عبد الرحمن:أعطيت التي
لو ماتت لم يرثها،و تركت التي لو ماتت ورثها،فجعله أبو بكر بينهما (1)
الاستيعاب 2:420. [1]
.و روى ابن سعد في(طبقاته)عن إسماعيل الأسدي عن أيوب عن محمد قال:سألت عبيدة عن شيء من ميراث الجد،فقال:ما تريد إليه،لقد حفظت فيه مائة قضية عن عمر.قلت:كلها عن عمر؟قال:كلها عن عمر (2).
و في(مروج المسعودي)-في دخول رجلين من الخوارج على عمر بن عبد العزيز-فقال أحدهما له:رأيناك خالفت اعمال أهل بيتك،و سميتها المظالم،و سلكت غير سبيلهم،فان زعمت انك على هدى و هم على ضلال فالعنهم،و تبرأ منهم،فهذا الذي يجمع بيننا و بينك أو يفرق.فقال لهما:ارأيتما أبا بكر و عمر،أ ليسا من اسلافكم،و من تتولونهما،و تشهدون لهما بالنجاة؟ قالا:بلى.قال:فهل علمتم ان ابا بكر حين قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و ارتدت العرب قاتلهم،فسفك الدماء،و أخذ الاموال،و سبى الذراري؟قالا:نعم.قال:فهل علمتم أن عمر حين قام بعد أبي بكر رد تلك السبايا الى أصحابها؟قالا:نعم.
قال:فهل برىء عمر من أبي بكر؟قالا:لا-إلخ (3).
قلت:ان الخوارج حيث كانوا طالبين للحق-و اخطئوه-كانوا قد يتكلمون بمقتضى أدلة العقول،و الفطرة التي فطر الناس عليها من عدم امكان كون الحق في جهتين،و عدم امكان كون عمر بن عبد العزيز و باقي بني امية على الحق،مع اختلافه معهم في العمل،كعدم امكان كون عبد الملك في اليوم الآخر من خلافة ابن الزبير عدو اللّه ملعونا،و في غده الذي تسلط على العراق و بايعه أهلها وليا للّه و خليفة له واجب الاطاعة،و انه لا حكم الا للّه في اختيار
الخليفة دون الناس-في قصة حرب الخوارج مع المهلب من قبل ابن الزبير أولا-الا أنه لما كان أساسهم على أحقّيّة خلافة الشيخين كانوا يلزمونهم بعدم الضرر بذلك استنادا الى فعلهما و خلافتهما،مع أن جميع هذه الاختلافات في أصول الدين و فروعه متفرعة من ذاك الاصل،و كل مفسدة حصلت من سفك الدماء،و نهب الاموال،و هتك الاعراض و النواميس مبتن على ذاك الاساس،فالرجلان و ان قبلا عدم ضرر اختلاف الرجلين،الا أن العقل السليم و الفطرة المستقيمة لا يقبلان ذلك،و لو نازعونا في ذلك لحاكمهم اليهما العقل و الفطرة .
«و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد» فكيف يحكم كل قاض برأي، و كيف يصوّب امامهم جميع آرائهم.
روى(الكافي)عن القمي عن ابيه عن ابن أبي عمير عن عمير بن اذينة عن الفضيل بن يسار قلت لابي عبد اللّه عليه السّلام:ان الناس يقولون ان القرآن نزل على سبعة أحرف.فقال:كذب أعداء اللّه،و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد (1)
الكافي 2:630،ح 13. [1]
.«ا فأمرهم اللّه تعالى» هكذا في(المصرية)و الصواب:«سبحانه»كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)،و لان الأمر بالاختلاف نقص من الآمر،فالمناسب تنزيهه تعالى عنه.
«بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه» و ليس الاول،فلا بد من الثاني.و كيف لا و قد ذم الاختلاف،فقال: «وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ»
«وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (1)
البقرة:253. [1]
«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » (2).«أم أنزل اللّه دينا ناقصا،فاستعان بهم على اتمامه» و قد قال تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (3).
لكن روى الخطيب عن يوسف بن اسباط قال:قال أبو حنيفة:لو أدركنى النبي و أدركته لاخذ بكثير من قولي.
و عن أبي إسحاق الفزاري:سألت ابا حنيفة عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له:ان هذا يروي فيه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله كذا و كذا.فقال:حك هذا بذنب خنزير.
و عن بشر بن مفضل:قلت لابي حنيفة ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:البيعان بالخيار ما لم يفترقا.فقال:هذا رجز.
و عن يحيى بن آدم:ذكر لأبي حنيفة ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:الوضوء نصف الايمان.فقال:لتتوضأ مرتين حتى تستكمل الايمان.
قال يحيى:و معنى الحديث انه تعالى سمّى الصلاة ايمانا في قوله «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» (4)و لا تقبل صلاة الا بطهور.
و عن الفضل بن موسى السيناني قال أبو حنيفة:من أصحابي من يبول قلتين،يردّ على النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله:إذا كان الماء قلتين لم ينجس.
و عن يوسف بن أسباط:ردّ أبو حنيفة على النبي صلّى اللّه عليه و آله أربعمائة حديث او أكثر،قيل له:مثل ما؟قال النبي:للفرس سهمان،و للرجل سهم،و قال
أبو حنيفة:انا لا اجعل سهم بهيمة اكثر من سهم مؤمن.و اشعر النبي البدن، و قال أبو حنيفة:الاشعار مثلة،و قال:البيعان بالخيار ما لم يتفرقا،و قال أبو حنيفة:إذا وجب البيع فلا خيار،و كان النبي يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر،و قال أبو حنيفة:القرعة قمار .
«أم كانوا شركاءه» هكذا في(المصرية)و الصواب:«شركاء له»،كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:288 [1] لكن في شرح ابن ميثم 1:320 [2] مثل المصرية.
.«فلهم أن يقولوا و عليه ان يرضى» و قد قال تعالى: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللّهِ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ » (2).
«أم انزل اللّه سبحانه» هكذا في(المصرية)و ليست الكلمة في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3)«دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه و أدائه» و لا يمكن ذلك في حقّه «و اللّه سبحانه يقول «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» » و الآية 38 من الأنعام .
«و قال فيه» هكذا في(المصرية)و الصواب:«و فيه»،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4)مع زيادة كلمة(و قال) «تبيان لكل» و هكذا في(المصرية) و الصواب:(كل)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (5)«شيء» قال تعالى:
«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» (6)،
فقوله عليه السّلام: «فيه تبيان كل شيء» اشارة الى الآية،لا انه آية كما جعله (المصرية)،و الأصل في الوهم(ابن أبي الحديد)كما يأتي كلامه.
قال الباقر عليه السّلام:إذا حدثتكم بشيء فاسألوني انه أين من كتاب اللّه تعالى.ثم قال في حديثه:ان اللّه تعالى نهى عن القيل و القال،و افساد المال، و كثرة السؤال.فقيل له:يا ابن رسول اللّه أين هذا من كتاب اللّه تعالى؟قال:
قوله عز و جل: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ» (1)
النساء:114. [1]
،و قال: «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً» (2)،و قال تعالى: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » (3).«و ذكر» اللّه تعالى «ان الكتاب» أي:القرآن «يصدّق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه» بخلاف باقي الكتب «فقال سبحانه «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» » و الآية 82 من النساء و قبله «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» .
هذا و قال ابن أبي الحديد في شرح كلامه عليه السّلام من قوله«و الههم واحد -الى-لوجدوا فيه اختلافا كثيرا»:و تلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه:
الأوّل-انه لمّا كان الاله واحدا،و الرسول واحدا،و الكتاب واحدا،وجب أن يكون الحكم في الواقعة واحدا،كالملك الذي يرسل الى رعيته رسولا بكتاب يأمرهم فيه بأوامر يقتضيها ملكه و امرته،و لا يجوز أن تتناقض،و الا لنسب الى السفه و الجهل.
الثاني-لا يخلو الاختلاف الذي ذهب إليه المجتهدون اما أن يكون
مأمورا به أو منهيا عنه،و الاول باطل،لانه ليس في الكتاب و السنة ما يمكن الخصم أن يتعلق به في كونه مأمورا به،و الثاني حق و يلزم منه تحريم الاختلاف.
الثالث-اما أن يكون دين الاسلام ناقصا أو تاما،فان كان الاول و كان اللّه قد استعان بالمكلفين على اتمام شريعة ناقصة أرسل بها رسوله فهو كفر، و ان كان الثاني فاما أن يكون الرسول قد قصّر في التبليغ أن يكون قد أبلغه على كماله،فان كان الاول فهو كفر،و ان كان الثاني فقد بطل الاجتهاد،لان الاجتهاد انما هو فيما لم يتبين،و ما بيّن فلا مجال للاجتهاد فيه.
الرابع-الاستدلال بقوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (1)
الانعام:38. [1]
و قوله: «فيه تبيان كل شيء» و قوله سبحانه: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2).الخامس-قوله تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (3)،فجعل الاختلاف دليلا على أنه ليس من عند اللّه،لكنه من عنده تعالى بالادلة القاطعة على صحة النبوة،فوجب ألا يكون فيه اختلاف.
قال ابن أبي الحديد-بعد ما مر-:و اعلم أن هذه الوجوه هي التي تتعلق بها الامامية،و نفاة القياس و الاجتهاد في الشرعيات،و قد تكلم عنها أصحابنا في كتبهم،و قالوا انه عليه السّلام كان يقيس و يجتهد،و ادعوا اجماع الصحابة على صحة الاجتهاد و القياس،و دفعوا صحّة هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب إليه عليه السّلام،و قالوا انه من رواية الامامية،و هو معارض بما ترويه الزيدية عنه
و عن أبنائه عليهم السّلام في صحة القياس و الاجتهاد،و مخالطة الزيدية لأئمّة أهل البيت كمخالطة الامامية لهم،و معرفتهم بأقوالهم و أحوالهم و مذاهبهم كمعرفة الامامية،لا فرق بين الفئتين في ذلك،و الزيدية قاطبتها،جاروديتها، و صالحيتها تقول بالقياس و الاجتهاد،و ينقلون في ذلك نصوصا عن أهل البيت،و إذا تعارضت الروايتان تساقطتا-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:290. [1]
.قلت:أما ما قاله من دفع أصحابه أن تكون هذه الجمل من كلامه عليه السّلام و انه من رواية الامامية فهب انه كلام أعرأبي أو رجل من الامامية،أليس دليلا عقليا و برهانا قطعيا لا يحتاج قائله الى العصمة،و كون مطلق كلامه الحجة، فهي نظير قوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (2).
و أما ما ذكره من أن اصحابه ادعوا اجماع الصحابة على صحة الاجتهاد و القياس،فهو نظير ادعائهم اجماع الامة على بيعة أبي بكر ببيعة عمر و أبي عبيدة المتواطئين معه،و قد قال النظام:نحن لا نزعم ان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله أطبقوا على الرأي،و لما كان فيهم عمر و عثمان،و معهم سلطان الرعية و الرهبة،شاع لهم ذلك في الدنيا،و انقادت لهم العوامّ،و جاز للباقين السكوت على التقية،و انهم قد علموا أنه غير مقبول منهم و لا مسموع منهم (3).
و أما ما ذكره من أن الزيدية رووا عنهم عليهم السّلام صحة القياس و الاجتهاد، و الزيدية كالامامية كانوا مخالطين لهم،فكلام باطل،فالزيدية كالعامة أعداء الائمة عليهم السّلام،و الامامية كانوا يتقون منهم كما كانوا يتقون من العامة،و هذا أمر واضح لا مرية فيه لمن له اطلاع عن الفريقين،قال الصادق عليه السّلام كما في
خبر عمر بن يزيد:الزيدية هم النصاب،و قال عليه السّلام:لا تصدق عليهم بشيء،و لا تسقهم من الماء ان استطعت (1)
اختيار معرفة الرجال 228:409. [1]
.و قال أبو بصير:ذكر أبو عبد اللّه عليه السّلام كثير النوا،و سالم بن أبي حفصة، و ابا الجارود-و هم من رؤساء الزيدية-فقال:هم كذّابون مكذّبون،كفار عليهم لعنة اللّه،يأتونا فيخبرون انهم يصدقونا و ليس كذلك،و يسمعون حديثنا و يكذبون به (2).
و في(رجال الكشي):ان الصادق عليه السّلام قال لأبي الجارود بمنى في فسطاطه-رافعا صوته-كان أبي و اللّه امام أهل الأرض حيث مات لا يجهله إلاّ ضالّ،و قال له في العام المقبل مثل ذلك،فقيل له بعد ذلك بالكوفة:أما سمعت ما قال لك أبو عبد اللّه مرتين؟فقال:انما يعني أباه عليا (3).
و فيه:قيل للصادق عليه السّلام:ان سالم بن أبي حفصة يروي عنك انك تتكلم على سبعين وجها لك عن كلها المخرج.فقال:ما يريد سالم مني،يريد أن أجيء بالملائكة فما جاء بها النبيون،و لقد قال إبراهيم «إِنِّي سَقِيمٌ» (4)و ما كان سقيما و ما كذب،و قال: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» (5)و ما فعله الكبير و ما كذب،و لقد قال يوسف: «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» (6)و ما كانوا سارقين و ما كذب (7)- الى غير ذلك من الاخبار.
و كيف شرّك الزيدية مع الامامية مع اختلاف مبناهما،فالامامية انما قالوا بنفي القياس و الاجتهاد لوجود امام معصوم في كل عصر يعلم جميع الاحكام مثل النبي صلّى اللّه عليه و آله بالالهام من اللّه تعالى،و الزيدية غير قائلين بذلك، فلا بد أن يقولوا بها كالعامة.
و لم يكن النقل عنه عليه السّلام بالقول بالقياس و الاجتهاد منحصرا بالزيدية، فقد قال بنسبتهما إليه النظام على ما حكى عنه تلميذه الجاحظ،فقال:اختلف قول علي في امهات الأولاد،فقال بشيء،ثم رجع عنه،و قد حكي عن عبيدة السلماني انه قال:سألت عليا عن بيع امّهات الأولاد،فقال:كان رأيي و رأي عمر الا يبعن،و انا الآن أرى أن يبعن.فقلت:رأيك مع رأي عمر أحب الينا من رأيك وحدك.
و قضى فى الجد بقضايا مختلفة،و ندم أيضا على احراق المرتد بعد الذي كان بلغه من فتيا ابن عباس،و ودى رجلا جلده في الخمر ثمانين فمات، و قال انما وديته لان هذا شيء جعلناه بيننا،و رأى الرجم على مولاة حاطب فلما سمع قول عثمان تابعه،و نازعه زيد بن ثابت في المكاتب فأفحمه،و قال في امر الحكمين:
لقد عثرت عثرة لا انجبر سوف اكيس بعدها و استمر
و اجمع الرأي الشتيت المنتشر
(1)و ننقل في الجواب كلام شيخنا محمد بن محمد بن النعمان المفيد،ففيه مقنع و كفاية في الباب،قال-بعد خبر بيع أمهات الاولاد-هذا خبر قد أطبق الفقهاء و نقاد الآثار على بطلانه،و من صححه منهم فلم يثق بهذه الحكاية من عنده و قال تخرصها ليتجمل بالكذب فيما ادعاه،لان امير المؤمنين عليه السّلام كان
1) 1) نقله عنه الشريف المرتضى في الفصول المختارة 2:167-171. [1]
أعظم في نفوس المهاجرين و الانصار من أن يقدموا عليه في حكم حكم به هذا الاقدام،فكيف بعبيدة مع صغر سنّه في الحال وضعة قدره،و لم يكن عبيدة و لا أضرابه من الذين يتجاسرون على الإمام عليه السّلام بهذا المقال،و لو كان عبيدة صادقا لما أخل ذلك بما قلنا من عصمته عليه السّلام من قبل انه كان رأيه في أيام عمر الا يخالفه في الفتيا خوفا من انتشار الكلمة و وقوع الفساد،و ذلك هو الذي توجبه الحكمة في تدبير الدين و استصلاح الأنام،فلما أفضى الأمر إليه زال ما كان يخافه فيما سلف من اظهار الخلاف،فحكم بما لم يزل يعتقده،كما كان رأي النبي صلّى اللّه عليه و آله في عام الحديبية امضاء أحكام الكفار و الكفّ عن حربهم،ثم زالت العلة الموجبة لذلك عام الفتح،فرأى حربهم و خلاف ما كان رآه قبل.
فأما اعتراض عبيدة في قوله بالردّ،فهو نظير ردّ الخوارج عليه في التحكيم،و حرب طلحة و الزبير و معاوية اهل الشام له عليه السّلام،و لم يخل ذلك بكمال عصمته عليه السّلام،كما لم يقدح خلاف المشركين للنبي صلّى اللّه عليه و آله و ردّهم عليه و حربهم له في نبوّته و عصمته.و من اعتمد على ما اعتمد عليه الجاحظ و استاده و اشياعهما في هذا الباب فقد وضح جهله و بان عجزه (1)
الفصول المختارة 2:168. [1]
.و قال-و في الجواب عن قوله بقضائه في الجد مختلفا-بأنه تخرص منه لاخفاء به،فلا يحفظ عنه عليه السّلام في الجد الاقول واحد،و لم يختلف من أهل النقل عنه في ذلك اثنان،و من اعتمد على البهت هان امره (2).قلت:لعله غلط فيما سمعه من عمر فنسبه إليه عليه السّلام.
و قال في الجواب عن خبر الاحراق بأنه من أطرف شيء سمع و أعجبه، و ذلك أن ابن عباس أحد تلامذته و الآخذين العلم منه،و هو الذي كان يقول:
يجلس أمير المؤمنين عليه السّلام بيننا كأحدنا يداعبنا و يبسطنا،و اللّه ما ملأت طرفي قط منه هيبة له،فكيف يجوز من مثل ما وصفناه التقدم عليه عليه السّلام في الفتيا، و اظهار الخلاف عليه في الدين،لا سيما في الحال التي هو مظهر له فيها الاتباع و التعظيم و التبجيل.
و قال:و كيف يكون ما حكاه إبراهيم النظام من ندمه عليه السّلام على احراق المرتدّ حقا،و قد احرق في آخر زمانه الأحد عشر الذين ادعوا الربوبية فيه، افتراه ندم على ندمه الأول،كلا و لكن الناصبة تتعلق بالهباء المنثور (1)
الفصول المختارة 2:169. [1]
.قلت:انما ندم أبو بكر على احراقه الفجاة السلمى،و تمنى وقت موته ترك ذلك (2)،فنسب فعله إليه عليه السّلام كما نسب اختلاف آراء عمر في الجد إليه عليه السّلام بدون موافقة موافق أو مخالف له.
و قال في خبر وديه من مات في الحد بأنه شيء لم يسمع به الا من هذه الجهة،و لا رواه أحد من أهل الآثار،فكيف و هو عليه السّلام كان يقول«من ضربناه حدا في حق من حقوق اللّه،فمات،فلا دية له علينا،و من ضربناه حدّا في حق من حقوق المخلوقين،فمات،فديته علينا»و لا خلاف أن حد الخمر من حقوق اللّه تعالى خاصة،و لكني أظن ان النظام أراد أن يدخل حد القذف،فغلط بحد الخمر لاتفاقهما في العدد (3).
قلت:انما روت الخاصة و العامة وقوع مثل ذلك عن عمر،و لفظ العامة فيه هكذا:استدعى عمر امرأة ليسألها عن امر-و كانت حاملا-فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها،فأجهضت به جنينا ميتا،فاستفتى أكابر الصحابة في ذلك،
فقالوا:لا شيء عليك،انما انت مؤدب.فقال له علي عليه السّلام:ان كانوا راقبوك فقد غشّوك،و ان كان هذا جهد رأيهم فقد اخطئوا،عليك غرة-يعني عتق رقبة- فرجع عمر و الصحابة الى قوله (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:174 و المفيد في الارشاد:109. [1]
.و كأن النظام التزم ان يشركه عليه السّلام في عيوبهم.و قال في قوله تابع عثمان و أفحمه زيد في المكاتب،هذا كذب ظاهر،لان الاتفاق حاصل على أنه عليه السّلام كان أعلم القوم،و انهم كانوا يرجعون إليه،و لا يرجع الى احد منهم،و كيف يكون ما رواه حقا،و الخبر المستفيض عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال:«علي اقضاكم»،و ليس يصح أن يكون اقضى الامة من أفحمه زيد بن ثابت في المكاتب،فان كان قد أفحمه على ما قال النظام،فقد أكذب النبي في قوله،و ليس المكاتب من الفرائض في شيء،فيتعلق بالخبر الذي يروونه«زيد أفرضكم»،مع أن الاجماع موجود على مذهبه عليه السّلام في الرجم و المكاتب خلاف قول عثمان و زيد،و هذا دليل على بطلان ما ادعاه (2).
و قال في الجواب عن شعر الحكمين:انه لا ينضاف إليه بالضرورة،لأنّا نعلم بالضرورة انه عليه السّلام كان يظهر التدين بصوابه في التحكيم،و تضليل من خطأه في ذلك،حتى قتل أربعة آلاف على تخطئتهم له في التحكيم،فكيف يسوغ من عاقل أن يضرب الرقاب على قول قيل فيه،و هو يشهد به على نفسه، هذا ما لا يتوهمه الا مؤف العقل غير معدود في جملة المكلفين،و كيف يصح ذلك مع أن الخوارج انما ساموه ان يعترف لهم بالخطأ فيما صنعه في باب الحكمين ليرجعوا الى ولايته،فردّ عليهم ذلك،و وجّه بابن عباس لمناظرتهم فيه،و لو كان قد قال هذا الشعر كما حكاه إبراهيم لكان الغاية في بغية القوم
منه،و لرضوا به،و لدخلوا في ولايته،اذ صريحه شهادة منه على نفسه بالخطأ،و الندم على صنعه.
قال:و الذي يدل على بطلان جميع ما حكاه هذا الرجل عنه أنه لو كان له اصل لكان أوكد الحجج لاعدائه من الخوارج و غيرهم،ممن رأى حربه بالبصرة أو صفين،و من قعد عن نصرته،و لشيعة عثمان خاصة،حتى كانوا يحتجّون به عليه في المقامات،و يشنعون به على رءوس الجماعات،و قد احطنا علما باحتجاج جميع من خالفه،أو قعد عنه أو نازعه و حاربه،فلم نجد فيه أنهم قالوا له:تناقضت أحكامك،و اختلفت آراؤك،و لا فضل لك في العلم، لان زيدا نازعك فأفحمك،و عثمان خالفك فأسكتك،و تحكم بشيء ثم تندم عليه،و تخطئ في أمر و تعترف بخطئك فيه،ثم تقيم عليه،بل وجدنا جماعة من ذكرنا معترفين بفضله عليه السّلام في العلم و الشجاعة و الحكم و القرابة بالنبي و الزهد،و انما كان بعضهم يتعلق عليه بايوائه قتلة عثمان-و هم أهل البصرة و الشام-و بعضهم بتحكيم الرجال-و هم اهل النهروان-و بعضهم بقتال أهل القبلة-و هم المعتزلة للقتال-و قد اجتهدت بنو امية السفيانية و المروانية في نحت مثالب له عليه السّلام،فلم يحفظ عن أحد منهم في سلطانه سقط له في العلم،و لا تجهيل في الاحكام،و اكثر ما كانوا يخبطون به في ذلك،و يشبهون على الاغفال خذلانه لعثمان،و نصرته لقتلته،و الاستبداد بالامر دون الرجال،و ما أشبه ذلك،و لو كان شيء مما حكاه إبراهيم عنه عليه السّلام محفوظا لنشره من ذكرناه،و في عدول الكافة عنه سيما الخوارج-و قد جرت بينه و بينهم المناظرات-دليل على وقاحة إبراهيم و بهته و عناده-إلخ (1)
الفصول المختارة 2:171. [1]
.قلت:و لا سيما الراوي عن الجاحظ،و لعله هو الاصل في الافتراء،فان
1) 1)
مثله منه كثير،كما لا يخفى على من راجع كتابيه المروانية و العثمانية،و قد نقضهما و بيّن كثيرا من افتراءاته جمع من علمائهم و منهم الاسكافي،و قد صرح المسعودي بأن الجاحظ كان يصنف الكتب فاذا لم ير اقبالا عليها ينسبها الى ابن المقفع و سهل خازن كتب حكمة المأمون لاشتهارهما في التصنيف (1)
التنبيه و الاشراف:66.
.ثم كيف ينسب ابن أبي الحديد الى اهل البيت عليهم السّلام القول بالرأي و قد سئل الباقر عليه السّلام عن الحديث يرسله و لا يسنده،فقال:إذا حدّثت الحديث و لم اسنده،فسندي فيه«أبي عن جدي عن أبيه عن جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن جبرئيل عن اللّه عز و جل» (2).
و قال سالم بن أبي حفصة-و كان من الزيدية البترية-لما هلك أبو جعفر محمد بن علي قلت لأصحابي:انتظروني حتى أدخل على أبي عبد اللّه جعفر ابن محمد،فأعزيه بأبيه،فدخلت عليه،فعزيته به:ثم قلت:انّا للّه و انّا إليه راجعون، ذهب و اللّه من كان يقول«قال رسول اللّه»،فلا يسأل عمن بينه و بينه،لا و اللّه لا يرى مثله،فسكت أبو عبد اللّه ساعة،ثم قال:قال اللّه تعالى:«ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة،فأربيها له كما يربى أحدكم فلوه حتى أجعلها له مثل جبل أحد»،فخرجت الى اصحابي،فقلت لهم:ما رأيت أعظم من هذا:كنا نستعظم قول أبي جعفر«قال رسول اللّه»بلا واسطة،فقال أبو عبد اللّه«قال اللّه»بلا واسطة (3).
و بالجملة الوجوه الخمسة في كلامه عليه السّلام لعدم جواز الاختلاف في
الدين براهين عقلية تبطل كل نحلة و ملة من الفرق الاسلامية الا الامامية .
«و ان القرآن ظاهره أنيق» أي:حسن معجب «و باطنه عميق» قال الباقر عليه السّلام:ما يستطيع أحد يدعي انه عنده جميع القران كله ظاهره و باطنه غير الاوصياء (1)
اخرجه الكليني في الكافي 1:228،ح 2. [1]
.و عنه عليه السّلام:ظهر القرآن الذين نزل القرآن فيهم،و بطنه الذين عملوا بمثل اعمالهم (2).و في معنى الظهر و البطن،و التنزيل و التأويل كان النبي صلّى اللّه عليه و آله في غزواته يقاتل على ظاهر القرآن و تنزيله،و كان امير المؤمنين عليه السّلام يقاتل في حروبه الجمل و صفين و النهروان على باطن القران و تأويله.
و في(صفين نصر)-في حديث قتل عمار-و قال عمار حين نظر الى راية عمرو بن العاص:و اللّه ان هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات،و ما هذه بأرشدهن،ثم قال:
نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله و يذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق الى سبيله
ثم استسقى-و قد اشتد ظمأه-فاتته امرأة طويلة اليدين بضياح من لبن،فقال حين شرب:
الجنة تحت الاسنة اليوم القى الاحبه
محمدا و حزبه (3)
«لا تفنى عجائبه» هكذا في(المصرية)و فيها سقط،ففي(ابن أبي الحديد
و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:288، [1]لكن في شرح ابن ميثم 1:320 [2] مثل المصرية.
«لا تفنى عجائبه و لا تنقضي غرائبه».و في(الكافي)عن ابن السكيت قال للهادي عليه السّلام:لم بعث اللّه موسى بالعصا و آلة السحر،و عيسى بآلة الطب،و محمّدا بالكلام و الخطب؟فقال عليه السّلام له:كان الغالب على أهل عصر موسى السحر،فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن في وسعهم،و كان عيسى في وقت قد ظهرت فيه الزمانات،و احتاج الناس الى الطب،فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن عندهم مثله من احياء الموتى،و ابراء الاكمه و الابرص،و كان الغالب على عصر محمد الخطب و الكلام الفصيح و الشعر،فأتاهم من عند اللّه من مواعظه و حكمه ما ابطل به قولهم،و أثبت به الحجّة عليهم.فقال ابن السكّيت:تاللّه ما رأيت مثلك قط،فما الحجة على الخلق اليوم؟فقال عليه السّلام:العقل يعرف به الصادق على اللّه فتصدقه،و الكاذب على اللّه فتكذبه.فقال ابن السكيت:هذا و اللّه هو الجواب (2).
و في(العيون):سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام:ما بال القرآن لا يزداد عند النشر و الدرس الاغضاضة؟فقال:ان اللّه تعالى لم ينزله لزمان دون زمان،و لا لناس من دون ناس،فهو في كل زمان جديد،و عند كل قوم غض الى يوم القيامة (3).
«و لا تكشف الظلمات الا به» روى(الكافي):أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال في خطبته بمنى أو مكة:ما جاءكم عني يوافق القرآن فأنا قلته،و ما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله.و ان الصادق عليه السّلام قال:كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف (4).
الحكمة(205)
و قال عليه السّلام:
كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ- إِلاَّ وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ أقول:و نظيره قوله عليه السّلام أيضا-كما رواه أبو هلال العسكري في (صناعته)-كل شيء يعز إذا نزر ما خلا العلم فانه يعز إذا غزر.
في(المروج):ان الاسكندر لما قتل فورا من ملوك الهند،و انقاد إليه جميعهم،بلغه أن في أقاصي أرضهم ملكا ذا حكمة و سياسة يقال له كند-الى أن قال-فكتب كند الى الاسكندر:ان عنده فيلسوفا يخبره بمراده قبل أن يسأله لحدة مزاجه،و حسن قريحته،و اعتدال بنيته،و اتساعه في علمه،و ان الاسكندر أراد اختبار الفيلسوف،فدعا بقدح،فملأه سمنا،و أدهقه،و لم يجعل للزيادة عليه سبيلا،و دفعه الى رسول له،و قال له:امض به الى الفيلسوف،و لا تخبره بشيء،فلما رود الرسول بالقدح قال الفيلسوف بصحة فهمه:لامر ما بعث هذا الملك بهذا السمن الي،و أجال فكره،ثم دعا بنحو ألف ابرة،فغرز أطرافها في السمن،و انفذها الى الاسكندر-الى أن قال بعد ذكر التلاقي بينهما-قال الاسكندر للفيلسوف:ما بالك حين أنفذت اليك قدحا مملوءا سمنا غرزت فيه ابرا و رددته الي؟فقال الفيلسوف:علمت أيها الملك انك تقول ان قلبي قد امتلأ علما كامتلاء هذا الاناء من السمن،فليس لاحد من الحكماء فيه مستزاد،فأخبرت الملك ان علمي يستزيد في علمه و يدخل فيه دخول هذه الابر في هذا الاناء (1)
مروج الذهب 1:324-329 و [1]النقل بتلخيص.
.هذا،و شبه علم عند عالم سوء بمتاع جيد في وعاء سوء،ففي كتاب زيد
1) 1)
الزراد عن أبي جعفر عليه السّلام قال:ان لنا أوعية نملؤها علما و حكما و ليست لها بأهل،و ما نملؤها إلا لتنقل الى شيعتنا،فانظروا الى ما في الأوعية،فخذوها،ثم صفّوها من الكدر تأخذونها بيضاء نقية صافية،و اياكم و الأوعية،فانها وعاء سوء فتنكبوها.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:ذهب العلم و بقي غبرات العلم في أوعية سوء، فاحذروا باطنها فان في باطنها الهلاك،و عليكم بظاهرها فان في ظاهرها النجاة (1)
أصل زيد الزراد:4.
.الحكمة(338)
و قال عليه السّلام:
الْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَ مَسْمُوعٌ- وَ لاَ يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ أقول:و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله تقسيمه من حيث آخر،ففي كنز الكراجكي قال النبي:العلم علمان،علم في القلب،فذلك العلم النافع،و علم في اللسان،فذلك حجّة على العباد (2)،كما أنّ عنه عليه السّلام:تقسيم العقل كالعلم،ففي مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي قال علي عليه السّلام:العقل عقلان،عقل الطبع،و عقل التجربة، و كلاهما يؤدي الى المنفعة (3).
و كيف كان فالمراد بالعلم المطبوع في العنوان العقل،و بالعلم المسموع ظاهره،و معلوم أنّه ما دام لم يكن للانسان عقل لم ينفعه ما اكتسبه من العلم.
قالوا:أراد رجل أن يتعلم من الخليل علم العروض،و اشتغل عليه مدة، فأعياه،فقال له:كيف تقطع بيت عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه و جاوزه الى ما تستطيع
فترك الحضور،فعجب الخليل من فهمه مراده.
و قيل لحكيم:متى يكون الأدب شرّا من عدمه.قال:إذا كثر الأدب، و نقصت القريحة.
الحكمة(92)
و قال عليه السّلام:
أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اللِّسَانِ- وَ أَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَ الْأَرْكَانِ أقول:هكذا في(المصرية)في العدد،و هو محرف عن موضعه،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)هذا قبل حكمة(91)«ان هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان».
و كيف كان فهذا نظير ما مر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:العلم علمان،علم في القلب، فذلك العلم النافع،و علم في اللسان،فذلك حجة على العباد (1)
كنز الفوائد:239. [1]
.أما علم وقف على اللسان،فكونه أوضع علم لأن صاحبه كالكلاب و القردة،و الحمير و البعير،قال تعالى: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ»
1) 1)
«إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» (1)
الاعراف:175 و 176. [1]
.و في الخبر عن الصادق عليه السّلام:كان لموسى جليس قد وعى علما كثيرا، فاستأذنه لزيارة أقاربه،فقال عليه السّلام:ان اللّه قد حملك علما فلا تضيعه.فقال:لا يكون إلا خيرا،و مضى،فطالت غيبته،فسأل موسى عنه،فلم يخبره عنه أحد، فسأل جبرئيل عنه،فقال له:هو ذا على الباب قد مسخ قردا في عنقه سلسلة، ففزع موسى و قال:يا ربّ صاحبي و جليسي،فأوحى إليه لو دعوت حتى تنقطع ترقوتاك ما استجيب لك فيه،اني حمّلته علما،فضيعه و ركن الى غيره (2).
و قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللّهِ» (3)أي:كذبوه عملا،و ان صدقوه لسانا،و قال الشاعر:
زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر
و كيف لا يكون ذاك العلم أوضع علم،و صاحبه اسوأ حالا من الجاهل، و عن الصادق عليه السّلام:يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (4).و عن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ» (5)هم قوم و صفوا عدلا بألسنتهم،ثم خالفوه الى غيره (6).
و في الخبر:ان أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:44 ح 1. [1]
.و قال عيسى عليه السّلام:ويل لعلماء السوء،كيف تلظى عليهم النار (2).
و أما كون علم ظهر في الجوارح و الأركان أرفع علم فلأنه الذي قال تعالى في صاحبه: «يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» (3)و قال الصادق عليه السّلام فيه:ان العلماء ورثة الأنبياء،و ذلك ان الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما،و انما ورثوا أحاديث،فمن أخذ منها أخذ بحظ وافر (4).
و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في صاحب ذلك العلم:اللّهم ارحم خلفائي،اللّهم ارحم خلفائي،اللّهم ارحم خلفائي.قيل:و من هم؟قال:الذين يتعلمون حديثي و سنتي،ثم يعلّمونها امتي (5).
و قال الصادق عليه السّلام:من تعلم العلم،و عمل به،و علّم للّه،دعي في ملكوت السماوات عظيما،فقيل:تعلم للّه،و عمل للّه،و علّم للّه (6).
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:يا طالب العلم،ان العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع،و عينه البراءة من الحسد،و اذنه الفهم،و لسانه الصدق، و حفظه الفحص،و قلبه حسن النية،و عقله معرفة الأشياء و الامور،و يده الرحمة،و رجله زيارة العلماء،و همّته السلامة،و حكمته الورع،و مستقره
1) 1)
2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:47 ح 2. [2]
3) 3) المجادلة 11. [3]
4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:32 ح 2،و [4]الصفار في البصائر:30 و 31 ح 1 و 3. [5]
5) 5) أخرجه الصدوق في معاني الأخبار:374 ح 1،و الفقيه 4:302 ح 95،و أماليه:152 ح 4،مجلس 34،و [6]عيون الأخبار 2:36 ح 94،و [7]الخطيب في شرح أصحاب الحديث:30 ح 58،و الطبراني في المعجم الأوسط و الرامهرمزي في المحدث الفاضل و ابن النجار في تاريخه،عنهم كنز العمال 10:229 ح 29208.
6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 1:35 ح 9،و [8]القمي في تفسيره 2:146. [9]
النجاة،و قائدة العافية،و مركبه الوفاء،و سلاحه لين الكلمة،و سيفه الرضا، و قوسه المداراة،و جيشه محاورة العلماء،و ماله الأدب،و ذخيرته اجتناب الذنوب،و زاده الموادعة،و دليله الهدى،و رفيقه محبة الأخيار (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:48 ح 2،و [1]ابن شعبة في تحف العقول:200.
.الحكمة(366)
و قال عليه السّلام:
الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ- وَ الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ- فَإِنْ أَجَابَهُ وَ إِلاَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ أقول:نسبه باب استعمال(علم الكافي 3الكليني-الكافي-باب استعمال علم ج 1 ص 44 ح 2 )الى الصادق عليه السّلام،رواه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر عنه عليه السّلام،و زاد بعد«فمن علم عمل»«و من عمل علم» (2)،و كيف كان فالزيادة ساقطة من النهج لاقتضاء الكلام لها .
«العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل» روى(الخصال):ان رجلا جاء الى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:ما حق العلم؟قال:الانصات له.قال:ثم مه؟قال:الاستماع له.
قال:ثم مه؟قال:الحفظ له.قال:ثم مه؟قال:العمل به.قال:ثم مه؟قال:نشره (3).
و روى(العيون)عنه عليه السّلام:الدنيا كلّها جهل إلا مواضع العلم،و العلم كلّه حجّة إلاّ ما عمل به،و العمل كلّه رياء إلاّ ما كان مخلصا،و الاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له (4).
و روى(كنز الكراجكي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:من ازداد في العلم رشدا،فلم
يزدد في الدنيا زهدا،لم يزدد من اللّه إلاّ بعدا (1)
كنز الفوائد:239. [1]
.و روى(المنية)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه،أتعب صاحبه نفسه في جمعه،و لم يصل الى نفعه (2).
«و العلم يهتف» أي:يصيح «بالعمل فان أجابه و إلا ارتحل عنه» في(تفسير القمي و الكافي):ان رجلا جاء الى علي بن الحسين عليه السّلام،فسأله عن مسائل،ثم عاد ليسأل عن مثلها،فقال عليه السّلام:مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون،و ما عملتم بما علمتم،فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد من اللّه إلا بعدا (3).
الحكمة(98)
و قال عليه السّلام:
اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ «اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية» و يعبر عنه بالدراية «لا عقل رواية» .
و في(كنز الكراجكي)عنه عليه السّلام:عليكم بالدرايات لا بالروايات،همّة السفهاء الرواية،و همّة العلماء الدراية (4).
«فان رواة العلم كثير و رعاته قليل» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:رواة الكتاب كثير،و رعاته قليل،و كم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية،و الجهّال يحزنهم حفظ الرواية،فراع يرعى
حياته،و راع يرعى هلكته،فعند ذلك اختلف الراعيان،و تغاير الفريقان (1)
الكافي 1:49 ح 6. [1]
.و أكثر رواة العامة كما قال عليه السّلام غير أهل دراية،روى الكشي عن ميمون بن عبد اللّه قال:أتى قوم أبا عبد اللّه عليه السّلام يسألونه الحديث-و كانوا لا يبالون ممن أخذوا-فقال لرجل منهم:هل سمعت من غيري؟قال:نعم.قال:
فحدثني ببعض.فقال:حدثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد قال:النبيذ كلّه حلال إلا الخمر-الى أن قال-فقال عليه السّلام له:هذا الذي تحدث عنه و تذكر اسمه جعفر بن محمد هل تعرفه؟قال:لا.قال:هل سمعت منه شيئا قط؟قال:
لا.قال:فهذه الأحاديث عندك حق؟قال:نعم أحاديث أهل مصرنا منذ دهر لا يمترون فيها.فقال عليه السّلام له:لو رأيت هذا الرجل الذي تحدّث عنه فقال لك هذه الأحاديث التي ترويها عني كذب لا أعرفها و لم أحدث بها،هل كنت تصدقه؟ قال:لا.قال:و لم؟قال:لأنّه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عنق رجل لجاز قوله-الخبر (2).
هذا،و في الكافي عنه عليه السّلام قال:إذا حدثتم بحديث فاسندوه الى الذي حدثكم،فان كان حقا فلكم و ان كان كذبا فعليه (3).
الحكمة(372)
و قال عليه السّلام لجابر بن عبد اللّه الأنصاريّ:
يَا؟جَابِرُ؟ قِوَامُ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ- عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ- وَ جَاهِلٍ لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ جَوَادٍ لاَ يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ- وَ فَقِيرٍ لاَ يَبِيعُ آخِرَتَهُ
بِدُنْيَاهُ- فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ- اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ إِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ- بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ- يَا؟جَابِرُ؟ مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ- كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ- فَمَنْ قَامَ لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَ الْبَقَاءِ وَ مَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَ الْفَنَاءِ أقول:رواه ابن بابويه في( توحيده الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 306 )مسندا عن الأصبغ مع اختلاف و زيادة و نقصان هكذا:قال لما جلس علي عليه السّلام في الخلافة و بايعه الناس خرج الى المسجد متعمما بعمامة النبي-الى أن قال-ثم قال:سلوني قبل أن تفقدوني،فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكئا على عصاه فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه،فقال له عليه السّلام:دلّني على عمل إذا عملته نجاني اللّه من النار.قال له:اسمع يا هذا ثم افهم ثم استيقن قامت الدنيا بثلاثة:بعالم ناطق مستعمل لعلمه،و بغني لا يبخل بماله على أهل دين اللّه،و بفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه،و بخل الغني،و لم يصبر الفقير،فعندها الويل و الثبور، و عندها يعرف العارفون باللّه ان الدار قد رجعت الى بدئها-أي:الكفر بعد الايمان-أيها السائل فلا تغترّن بكثرة المساجد و جماعة أقوام أجسادهم مجتمعة و قلوبهم شتى،ايها الناس انما الدنيا ثلاثة،زاهد و راغب و صابر،فأما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه و لا يحزن على شيء منها فاته،و أما الصابر فيتمناها بقلبه،فان أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها،و اما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام.فقال له عليه السّلام:
فما علامة المؤمن في ذلك الزمان.قال:ينظر الى ما أوجب اللّه عليه من حق فيتولاه و ينظر الى ما خالفه فيتبرأ منه و ان كان حميما قريبا.قال:صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين.ثم غاب الرجل فلم نره،فطلبه الناس فلم يجدوه،
فتبسم عليه السّلام و قال:مالكم هذا أخي الخضر (1)
التوحيد:306.
.و رواه في( خصاله الشيخ الصدوق-الخصال-ج 1 ص 197 ح 5 )في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام قال:قال أمير المؤمنين:قوام الدنيا بأربعة:بعالم ناطق مستعمل له،و بغني لا يبخل بفضله على أهل دين اللّه،و بفقير لا يبيع آخرته بدنياه،و بجاهل لا يتكبر عن طلب العلم.فإذا كتم العالم علمه،و بخل الغني بماله،و باع الفقير آخرته بدنياه، و استكبر الجاهل عن طلب العلم،رجعت الدنيا الى ورائها القهقرى، فلا يغرنّكم كثرة المساجد،و أجساد قوم مختلفة قلوبهم.قيل له:كيف العيش في ذلك الزمان؟فقال:خالطوهم بالبرانية-يعني في الظاهر-و خالفوهم في الباطن،و للمرء ما اكتسب،و هو مع من أحب،و انتظروا مع ذلك الفرج من اللّه عز و جل (2).
قول المصنف(و قال عليه السّلام لجابر بن عبد اللّه الأنصاري)أقول:قد عرفت من خبر التوحيد انّه عليه السّلام قال ذلك للخضر،و أما خبر الخصال فساكت عن المسئول له،فلا بد أن المصنف وقف عليه في خبر آخر.
و كيف كان ففي ذيل الطبري:شهد جابر العقبة في السبعين من الأنصار الذين بايعوا النبي عندها،و كان أصغرهم يومئذ،و أراد شهود بدر، فخلفه أبوه على اخواته و كن تسعا،و خلفه أيضا حين خرج الى احد،و شهد جابر باقي المشاهد.
و روي عنه ان النبي صلّى اللّه عليه و آله غزا سبعا و عشرين غزوة،و غزوت معه ست عشرة غزوة،و لم أقدر أن أغزو حتى قتل أبي باحد،فكان أوّل غزوة غزوتها معه حمراء الأسد.
مات جابر سنة(74)و هو ابن(94)،و كان قد ذهب بصره (1)
منتخب ذيل المذيل:29.
.و في تاريخه:ولى عبد الملك سنة(74)الحجاج المدينة،فاستخف بأصحاب النبي، و ختم في أعناقهم،و رئي جابر مختوما في يده (2).قوله عليه السّلام «يا جابر قوام الدين و الدنيا» هكذا في(المصرية)أخذا من(ابن أبي الحديد)،و الصواب:ما في(ابن ميثم):(يا جابر قوام الدنيا) (3)«بأربعة عالم مستعمل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(يستعمل)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4)(علمه) في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:من تعلم العلم،و عمل به، و علّم للّه،دعي في ملكوت السماوات عظيما،فقيل:تعلّم للّه،و عمل للّه، و علّم للّه (5).
«و جاهل لا يستنكف ان يتعلم» في(الكافي)عن السجاد عليه السّلام:أوحى اللّه تعالى الى دانيال ان أمقت عبيدي اليّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم،التارك للإقتداء بهم،و أن أحب عبيدي إليّ التقي الطالب للثواب الجزيل،اللازم للعلماء، القابل عن الحكماء (6).
«و جواد لا يبخل» الصواب:ما في روايتي الصدوق«و غني لا يبخل» (7)فالغني قد يبخل،و قد لا يبخل،و اما الجواد فلا يمكن بخله.
«بمعروفه» قد عرفت ان رواية(التوحيد)«بماله»،و رواية(الخصال)
«بفضله» (1)
المصدر السابق.
،أي:بفضل ماله،و هما أحسن.في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ان من بقاء المسلمين و بقاء الاسلام ان تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق،و يصنع فيها المعروف،و ان من فناء الاسلام و فناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق، و لا يصنع فيها المعروف.
و عن أبي جعفر عليه السّلام ان اللّه تعالى جعل للمعروف أهلا من خلقه حبب اليهم فعاله،و وجّه لطلاّب المعروف الطلب اليهم،و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيب للأرض المجدبة ليحييها و يحيي به أهلها،و ان اللّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف،و بغّض اليهم فعاله،و حظر على طلاّب المعروف الطلب اليهم،و حظر عليهم قضاءه كما حظر الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها و يهلك أهلها (2).
«و فقير لا يبيع آخرته بدنياه» في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال تعالى:ان من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال،ذا حظ من صلاة،أحسن عبادة ربه بالغيب،و كان غامضا في الناس جعل رزقه كفافا،فصبر عليه و عجلت منيته،فقلّ تراثه و قلّ بواكيه.
و عن الصادق عليه السّلام:جاء رجل موسر نقي الثوب الى النبي،فجلس،فجاء رجل معسر درن الثوب،فجلس الى جنب النبي بجنب الموسر،فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه،فقال له النبي:أخفت أن يمسك من فقره شيء؟قال:لا.قال:فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟قال:لا.قال:فخفت أن يوسخ ثيابك؟قال:لا.قال:فما حملك على ما صنعت؟فقال:ان لي قرينا يزين
لي كلّ قبيح،و يقبّح لي كلّ حسن،و قد جعلت له نصف مالي.فقال النبي للمعسر:أتقبل؟قال:لا.قال الرجل:و لم؟قال:أخاف أن يدخلني ما دخلك (1)
الكافي 2:140 ح 1 و:262 ح 11. [1]
.«فاذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا.
و عنه عليه السّلام:قصم ظهري رجلان:عالم متهتّك،و جاهل متنسك،هذا ينفّر الناس بتهتكه،و هذا يضلّ الناس بتنسكه.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:ان أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه.
و قال عيسى بن مريم عليه السّلام:ويل لعلماء السوء كيف تلظى عليهم النار.
و عنهم عليهم السّلام:يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (2).
«و إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:يأتي على الناس زمان من سأل الناس عاش،و من سكت مات (3).
«يا جابر من كثرت نعم اللّه عليه كثرت حوائج الناس إليه» لامتحان شكره «فمن قام للّه فيها بما يجب فيها» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن أبي الحديد):
(فمن قام بما يجب للّه فيها)،و في(ابن ميثم)و كذا(الخطية)(فان أقام بما يجب
للّه فيها) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 19:303، [1]لكن في شرح ابن ميثم 5:426 مثل المصرية.
«عرّضها للدوام و البقاء» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(عرض نعمة اللّه لدوامها)كما في(ابن أبي الحديد)و كذا(ابن ميثم) (2).«و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفساد» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(و من ضيّع ما يجب للّه فيها عرّض نعمته لزوالها)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3)،و لكن في نسخة الثاني(و ان ضيع).
و كيف كان ففي(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام:ان الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك:ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و أبشر،و ملك ينادي يا صاحب الشر انزع و اقصر،و ملك ينادي اعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا،و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض.
و عن الرضا عليه السّلام:ان النعم كالابل المعتقلة في عطفها على القوم ما أحسنوا جوارها،فإذا أساءوا معاملتها نفرت عنهم.
و عن الصادق عليه السّلام:من عظمت عليه النعمة اشتدت مؤنة الناس عليه، فان هو قام بمؤنتهم اجتلب زيادة النعمة عليه من اللّه،و ان لم يفعل فقد عرض النعمة لزوالها (4).
الحكمة(457)
و قال عليه السّلام:
مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَ طَالِبُ دُنْيَا أقول:روى الكافي 3الكليني-الكافي-ج 1 ص 46 ح 1 عن سليم بن قيس عنه عليه السّلام قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله
منهومان لا يشبعان طالب دنيا و طالب علم،فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل اللّه له سلم،و من تناولها من غير حلّها هلك،الا ان يتوب و يراجع،و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا،و من أراد به الدنيا فهي حظّه (1)
الكافي 1:46 ح 1. [1]
.«منهومان» أي:مولعان «لا يشبعان» و في الخبر:أربعة لا يشبعن من أربعة:الأرض من المطر،و العين من النظر،و الانثى من الذكر،و العالم من العلم (2).
«طالب علم» روى الخطيب عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش انّه شرب بوله في طلب الحديث خمس مرات،قال:أحسبه فعل ذلك في السفر عند عدم الماء.
و عن محمد بن جعفر بن رميس القصري قال:بعت صف الحدادين ببغداد بثلاثة آلاف دينار،فأنفقتها كلّها على الحديث.
و في(عيون القتيبي):قيل لبزر جمهر:بم أدركت ما أدركت من العلم؟ قال:ببكور كبكور الغراب،و حرص كحرص الخنزير،و صبر كصبر الحمار.
و حكي عن أبي ريحان البيروني:ان بعض العلماء دخل عليه و هو يجود بنفسه،فقال له في تلك الحال:كيف قلت لي يوما حساب الجدات؟فقال:أفي هذه الحال.فقال:أودّع الدنيا و أنا عالم بها خير من أن اخليها و أنا جاهل بها، فذكرها له و خرج،فسمع الصراخ عليه.
و قال أبو الجوائز:
رويت و ما رويت من الرواية و كيف و ما انتهيت الى نهاية
و للأعمال غايات تناهى و ان طالت و ما للعلم غاية
و قال ابن أبي الحديد:مات الجاحظ و الكتاب على صدره،و كان أبو علي في النزع و هو يملي على ابنه أبي هاشم مسائل في علم الكلام،و كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد يأخذ الكتاب في خفه و هو راكب،فإذا جلس في دار الخليفة اشتغل بالنظر فيه الى ان يجلس الخليفة،و ما فارق الكتاب قط إلا في الخلاء.
و أعرف انا في زماننا من مكث نحو خمس سنين لا ينام إلا وقت السحر صيفا و شتاء مكبا على كتاب،و كانت و سادته التي ينام عليها الكتاب (1)
شرح ابن أبي الحديد 20:174. [1]
.«و طالب دنيا» في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام:مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز،كلّما ازدادت من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما (2).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:مر عيسى على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابها،فقال:أما إنهم لم يموتوا إلا بسخط،و لو ماتوا متفرقين لتدافنوا.فقال الحواريون:يا روح اللّه ادع اللّه أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها.فدعا عيسى ربه،فنودي من الجو نادهم،فقام عيسى بالليل على شرف من الأرض،فقال:يا أهل هذه القرية،فأجابه منهم مجيب:لبيك يا روح اللّه.فقال:و يحكم ما كانت أعمالكم؟قال:عبادة الطاغوت،و حب الدنيا مع خوف قليل،و أمل بعيد،و غفلة في لهو.فقال:كيف كان حبكم للدنيا؟قال:
كحب الصبي لامه،إذا أقبلت علينا فرحنا،و إذا أدبرت عنّا حزنا-الخبر (3).
و قال ابن أبي الحديد:كان في القرآن آية أنزلت ثم رفعت:لو كان لابن آدم و اديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا،و لا يملأ عين ابن آدم إلاّ
الحكمة(478)
و قال عليه السّلام:
مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا- حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا أقول:في( تفسير الطبرسي الطبرسي-مجمع البيان-ج 2 ص 552 )عن الثعلبي باسناده عن الحسن بن عمارة قال:أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث،فقلت:أرأيت أن تحدثني.فقال:أما علمت اني تركت الحديث.فقلت:اما ان تحدثني و اما أن احدثك.فقال:حدثني.
فقلت:حدّثني الحكم بن عيينة عن نجم الجزار قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:ما أخذ اللّه على أهل الجهل ان يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا- فحدثني بأربعين حديثا (2).
و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام في كتاب عليّ عليه السّلام:ان اللّه تعالى لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال، لأن العلم كان قبل الجهل (3).
و في(المروج):دخل أبو حازم الأعرج على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان:عظني و أوجز.فقال له:نزه ربك،و عظمه ان يراك حيث ما نهاك،أو يفقدك حيث أمرك به.فبكى سليمان،فقال له بعض جلسائه:
أسرفت عليه.فقال له أبو حازم:اسكت،فان اللّه تعالى أخذ الميثاق على
العلماء ليبيننه للناس و لا يكتمونه (1)
مروج الذهب 3:177. [1]
.و مراده عليه السّلام بالأخذ على العالم التعليم قبل الأخذ على الجاهل التعلم فيما إذا كان الجاهل قابلا و أهلا لا مطلقا،فروى(الكافي)ان رجلا قال لأبي جعفر عليه السّلام ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار.فقال عليه السّلام:فهلك اذن مؤمن آل فرعون،ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه تعالى نوحا،فليذهب الحسن يمينا و شمالا،فو اللّه ما يوجد العلم إلا هاهنا.
و روي ان عيسى عليه السّلام قام خطيبا في بني اسرائيل فقال:لا تحدثوا بالحكمة الجهّال فتظلموها،و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم (2).
هذا،و في(أذكياء ابن الجوزي)عن الحميدي قال:كنّا عند سفيان بن عيينة،فحدثنا بحديث زمزم انّه لما شرب له،فقام رجل من المجلس،ثم عاد فقال لسفيان:أليس الحديث الذي حدثتنا أن زمزم لما شرب له بصحيح؟قال:
بلى.فقال:اني قد شربت الآن دلوا من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث.فقال له سفيان:أقعد فحدثه بمائة حديث.
و عن ابن أبي ذر قال:كان إذا ورد الحاج إذا ورد جلس سفيان بن عيينة بباب بني هاشم على موضع عال ليرى الناس،فجاء رجل من أصحاب الحديث،فقعد بين يديه،فقال له:حدثني،فحدثه أحاديث،فقال:زدني،فزاده، فقال:زدني،فزاده،فقال:زدني،فدفع في صدره،فوقع الى الوادي،فتفاشى ذلك،فاجتمع الحاج و قالوا:سفيان بن عيينة قتل رجلا من الحاج،فلما كثر ذلك أشفق سفيان،فنزل الى الرجل،فوضع رأسه في حجره و قال له:مالك أيّ
شيء أصابك،فلم يزل يركض رجليه و يزيد من فيه-و كثر الضجيج:«سفيان بن عيينة قتل رجلا»،فقال له:قم و يلك أما ترى الناس يقولون،فقال له-و هو يخفي صوته-لا و اللّه لا أقوم حتى تحدثني مائة حديث عن الزهري و عمرو بن دينار،ففعل فقام.
الحكمة(4)
و قال عليه السّلام:
نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى وَ الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ الْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ- وَ الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ أقول:جعل العنوان الرابع على ما في(المصرية)،و لكن في(ابن ميثم و الخطية)جعل من الثاني الى السادس الخمسة واحدا (1)
شرح ابن ميثم 5:238. [1]
،و اما ابن أبي الحديد فلم يعلم الأصل فيه،حيث انّه قد يقطع العنوان الواحد المقطوع،إلا انّه جعل هنا أوّل العنوان«و العلم وراثة كريمة»،و جعل«نعم القرين الرضى»جزء السابق (2)،و يمكن تأييده بأن( أمالي الشيخ المفيد-الامالي-ص 336 ح 7،مجلس 39 المفيد)رواه عنه عليه السّلام هكذا:«العلم وراثة كريمة،و الآداب حلل حسان،و الفكر مرآة صافية،و الاعتبار منذر ناصح، و كفى بك أدبا لنفسك تركك ما كرهته من غيرك » (3).«نعم القرين الرضى» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ان أعلم الناس باللّه أرضاهم بقضاء اللّه.
و قيل له عليه السّلام:بأي شيء يعلم المؤمن؟قال:بالتسليم للّه،و الرضى فيما
ورد عليه من سرور أو سخط.
و عنه عليه السّلام:لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول لشيء قد مضى لو كان غيره.
و أوحى اللّه تعالى الى موسى:ما خلقت خلقا أحب إليّ من عبدي المؤمن، و اني ابتليه لما هو خير له،و اعافيه لما هو خير له،و أزوي عنه ما هو شر له،لما هو خير له،و أنا أعلم بما يصلح عليه عبدي،فليصبر على بلائي،و ليشكر نعمائي،و ليرضى بقضائي،اكتبه في الصدّيقين عندي،إذا عمل برضائي و أطاع أمري (1)
الكافي 2:60-63 ح 2 و 7 و [1] 12 و 13.
.و قال ابن أبي الحديد:كان يقال:من سخط القضاء طاح،و من رضى به استراح،و كان يقال:عليك بالرضا،و لو قلبت على جمر الغضى،و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال تعالى:من لم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي (2).
«و العلم وراثة كريمة» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر،و ان العلماء ورثة الأنبياء،انّ الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما،و لكن ورثوا العلم،فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر (3).
و في(المعجم)في حديث سعيد بن العاص قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن.
و يكفي العلم وراثة كريمة قوله تعالى: «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ» (4)فقرن صاحب العلم بذاته تعالى و بملائكته.
و في(طرائف المقدسي)قال علي عليه السّلام:كفى بالعلم شرفا أنّه يدعيه من لا يحسنه،و يفرح إذا نسب إليه.
و يقال:العلماء في الأرض كالنجوم في السماء،و لو لا العلم لكان الناس كالبهائم.
و قال بعض الحكماء:العلم حياة القلوب و مصباح الأبصار.
و في(تاريخ بغداد):جلس ابن معروف يوما للحكم في جامع الرصافة، فاستدعى أصحاب القصص إليه،فتتبعها و وقّع على أكثرها،ثم نظر في بعضها،فإذا فيها ذكر له بالقبيح و وضاعته و سقوط أصله،فقلب الرقعة و كتب على ظهرها:
العالم العاقل ابن نفسه أغناه جنس علمه عن جنسه
كن ابن من شئت و كن كيسا فانما المرء بفضل كيسه
كم بين من تكرمه لغيره و بين من تكرمه لنفسه
من انما حياته لغيره فيومه أولى به من أمسه
و عن أبي الأسود:
العلم زين و تشريف لصاحبه فاطلب هديت فنون العلم و الأدبا
كم سيد بطل آباؤه نجب كانوا فأضحى بعدهم ذنبا
و مقرف خامل الآباء ذي أدب نال المعالي بالآداب و الرتبا
و لآخر:
يعد رفيع القوم من كان عالما و ان لم يكن في قومه بحسيب
و ان حل ارضاعا عاش فيها بعلمه و ما عالم في بلدة بغريب
و لابن جني:
فان أصبح بلا نسب فعلمي في الورى نسبي
و في(المروج):سئل انوشيروان ما أعظم الكنوز قدرا،و أنفعها عند الاحتياج اليها؟فقال:معروف أودعته الأحرار،و علم تورثه الأعقاب.
و قيل له:من أطول الناس عمرا؟فقال:من كثر علمه فتأدب به من بعده (1)
مروج الذهب 1:296. [1]
.«و الآداب حلل مجددة» قال عليه السّلام أوّلا: «العلم وراثة كريمة» ،و ثانيا:
«و الآداب حلل مجددة» ،و بين العلم و الأدب عموم و خصوص.
و في(المعجم)قالوا:الفرق بين الأديب و العالم ان الأديب من يأخذ من كلّ شيء أحسنه فيؤلفه،و العالم من يقصد بفن من العلم فيتعلمه،و لذا قال علي عليه السّلام:«العلم أكثر من أن يحصى،فخذوا من كلّ شيء أحسنه»،و قال عبد اللّه بن المبارك:تعلموا العلم شهرا و الأدب شهرين.
و في تاريخ بغداد في أبي تمام عنه:
أو يفترق نسب يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد
و روى الزبير بن بكار عن النضر بن شميل قال:دخلت على المأمون بمرو و عليّ أطمار،فقال:يا نضر تدخل عليّ في مثل هذه الثياب،قلت:ان حر مرو شديد لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق.قال:بل أنت رجل متقشف.ثم تجارينا الحديث،فأجرى ذكر النساء،فقال:حدثني هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال«إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد-و فتح السين-من عوز»فقلت:صدقوك،و حدثني عوف الاعرأبي عن الحسن عن علي عليه السّلام عن النبي«إذا تزوج المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد-و كسرت السين-من عوز»،و كان المأمون متكئا، فاستوى جالسا و قال:سداد لحن عندك؟قلت:نعم هاهنا.قال:أو تلحنني؟
1) 1)
قلت:انما لحن هشيم،و تبعت لفظه.فقال:ما الفرق بينهما؟قلت:السداد-أي:
بالفتح-القصد في الدين و الطريقة و الأمر،و السداد-أي:بالكسر-البلغة،و كلّ ما سددت به شيئا فهو سداد،قال العرجي:
أضاعوني و أي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر
فأطرق مليا،ثم قال:قبح اللّه من لا أدب له،ثم أخذ قرطاسا،و أنا لا أدري ما يكتب،و كتب فيه شيئا،ثم قال:كيف تقول إذا أمرت من يترب الكتاب.قلت:
أتربه.قال:فهو ما ذا؟قلت:فهو مترب.قال:فمن الطين؟قلت:طنه.قال:فهو ما ذا؟قلت:فهو مطين.قال:هذه أحسن من الاولى.ثم قال:يا غلام أتربه وطنه و ابلغ معه الى الفضل بن سهل،فلما قرأ الفضل الكتاب قال:امر لك بخمسين ألف درهم،فما كان السبب،فأخبرته فقال:لحنته؟قلت:كلا،انما لحن هشيم- و كان لحانا-فتبع لفظه،فأمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم،فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف أستفيد مني (1)
رواه الزبير بن بكار في الموفقيات،و رواه أيضا النووي في تهذيب الأسماء 2:127،و [1]ابن الانباري في نزهة [2]الاولياء:57،و الشيرازي في الألقاب [3]عنه الجامع الصغير 1:23.
.و في(المعجم)عن الشعبي قال:حلى الرجال العربية و حلى النساء الشحم.
و قال الأصمعي:كنت عند الرشيد إذ دخل رجل و معه جارية للبيع، فتأملها،ثم قال له:خذ جاريتك،فلو لا كلف في وجهها،و خنس في أنفها لاشتريتها.فانطلق بها،فلما بلغت الستر قالت لهارون:أرددني اليك أنشدك بيتين حضراني،فردها،فأنشأت تقول:
ما سلم الظبي على حسنه كلا و لا البدر الذي يوصف
1) 1)
الظبي فيه خنس بيّن و البدر فيه كلف يعرف
فأعجبته بلاغتها،فاشتراها و قرّب منزلتها،و كانت أحظى جواريه.
و فيه:قيل لما عرضت الخيزران على المهدي قال:و اللّه يا جارية،انك لعلى غاية المنى،غير انك حمشة الساقين.فقالت:انك أحوج ما تكون اليهما لا تراهما.فقال:اشتروها،فحظيت عنده،فأولدها موسى و هارون.
و في(المعجم):قال إبراهيم الصابي:كنت في مجلس الوزير المهلبي في بعض أيام الحداثة جالسا في مجلس أنسه،و بين يديه أبو الفضل بن الحسين، و أبو أحمد بن عبد الرحمن،و أبو علي الأنباري،و أبو الفرج بن أبي هشام، و غيرهم من كتّابه،و قد أخذ الشراب منهم،و زاد بهم على حد النشوة،إذ حضر رسول معز الدولة يذكر أن معه أمرا مهمّا،فقال الوزير فليدخل،فدخل و قال:الأمير يقول تكتب عني الساعة الى محمد بن الياس صاحب كرمان تخطب فيه ابنته لبختيار.فقال الوزير:هذا كتاب يحتاج فيه الى تثبت،و ما في الكتّاب مع السكر من فيه فضل،ثم التفت الى أبي علي الأنباري و قال له:تتمكن من كتابته؟قال:اما الليلة فلا،و رآني الوزير مصغيا فقال:تكتبه يا إبراهيم؟ قلت:نعم.قال:افعل فقمت الى صفة يشاهدني فيها،و استدعيت دواتي،و كتبت كتابا اقتضبته بغير روية،و لا نسخة،و الوزير و الحاضرون يلاحظونني، و يعجبون من اقدامي،ثم اقتضابي و اطالتي،فلما فرغت منه و حملته إليه، وقف عليه و وجهه متهلل،ثم قال للجماعة:هذا كتاب حسن دال على الكفاية المبرزة،و لو كتبه صاحيا مرويا لكان عجبا،فكيف إذ يكتبه منتشيا مقتضيا، قم يا أبا إسحاق و اجلس حيث أجلستك الكفاية-أومأ الى جانب ابنه أبي الغنائم.
و في(الأغاني)عن أبي هفان:كان العتابي ذات يوم جالسا ينظر في
كتاب،فمر به بعض جيرانه فقال:أيش ينفع العلم و الأدب من لا مال له.فقال العتابي:
يا قاتل اللّه أقواما إذا نقموا ذا اللب ينظر في الأدب و الحكم
قالوا و ليس بهم إلا نفاسته أ نافع ذا من الاقتار و العدم
و ليس يدرون ان الحظ ما حرموا لحاهم اللّه من علم و من فهم
و قال ابن أبي الحديد:روى الهيثم عن سعيد الجدلي قال:لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب،دعا الناس يحرّضهم على فرائضهم،فحضرنا بين يديه فقال:من القوم؟قلنا:جديلة.فقال:جديلة عدوان؟قلنا:نعم،فانشد:
عذير الحي من عدوا ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا فلم يرعوا على بعض
و منهم كانت السادا ت و الموفون بالقرض
و منهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي
و منهم من يجيز الناس بالسنة و الفرض
ثم أقبل على رجل منّا و سيم جسيم قدمناه أمامنا،فقال:أيّكم يقول هذا الشعر؟قال:لا أدري.فقلت أنا من خلفه:يقول ذو الأصبع-فتركني و أقبل على ذلك الرجل الجسيم،فقال:ما كان اسم ذي الأصبع.قال:لا أدري.فقلت من خلفه اسمه حرثان-فتركني و أقبل عليه،فقال له:و لم سمّي ذا الأصبع؟قال:لا أدري،فقلت أنا من خلفه نهشته حية في أصبعه-فأقبل عليه و تركني،فقال:
من أيّكم كان ذو الأصبع؟قال:لا أدري،فقلت أنا من خلفه من بني ناج الذين قيل فيهم:
فأما بنو ناج فلا تذكرنهم و لا تتبعن عيناك من كان هالكا
فأقبل على الجسيم فقال:كم عطاؤك؟قال:سبعمائة درهم.ثم أقبل عليّ
و قال:كم عطاؤك؟قلت:أربعمائة.فقال،يا أبا الزعيزعة،حط من عطاء هذا ثلاثمائة،و زدها في عطاء هذا،فرحت و عطائي سبعمائة و عطاؤه أربعمائة.
و أنشد منشد بحضرة الواثق:
أ ظلوم ان مصابكم رجلا اهدى السلام تحية ظلم
فقال«رجل»هو خبر«إنّ»و وافقه على ذلك قوم و خالفه قوم،فقال الواثق من بقي من علماء النحويين؟قالوا:المازني،فأمر باشخاصه،فلما دخل عليه قال:ممن الرجل؟قال:من مازن.قال:مازن ربيعة أو قيس أو اليمن؟قال:
بل ربيعة.قال:با اسمك-يريد ما اسمك،لأن مازن ربيعة يبدلون الميم باء و الباء ميما،فقال مكر-أي:بكر-فضحك الواثق و قال:اجلس،فسأله عن البيت فأنشده منصوبا،فقال:أين خبر«إنّ»؟فقال«ظلم».قال:كيف؟قال:ألا ترى ان لم يجعل«ظلم»الخبر يكون الكلام معدوم الفائدة.فقال:قبّح اللّه من لا أدب له.
ثم قال:ألك ولد؟قال:بنية.قال:فما قلت حين ودعتها؟قال:ما قالت بنت الاعشى حيث يقول:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل أرانا سواء و من قديتم
ابانا فلا رمت من عندنا فانا بخير إذا لم ترم
أبانا إذا أضمرتك البلا د نجفى و تقطع منّا الرحم
قال:فما قلت لها؟قال:أنشدتها بيت جرير:
ثقي باللّه ليس له شريك و من عند الخليفة بالنجاح
فقال:ثق بالنجاح،ثم أمر له بألف دينار و كسوة،و رده الى البصرة (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:94-96. [1]
.«و الفكر مرآة صافية» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:نبه بالتفكر قلبك،و جاف عن الليل جنبك،و اتق اللّه ربك.
1) 1)
و عنه عليه السّلام:سئل عمّا يروي الناس«ان تفكر ساعة خير من قيام ليلة» كيف يتفكر؟فقال:يمر بالخربة أو بالدار فقال:أين ساكنوك،أين بانوك،مالك لا تتكلمين.
و عن الرضا عليه السّلام:ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم،انما العبادة التفكر في أمر اللّه تعالى (1)
الكافي 2:54 و 55 ح 1 و 2 و [1] 4.
.و قال ابن أبي الحديد:كان يقال،الفكرة الصحيحة اسطرلاب روحاني.
و قال أوس بن حجر:
ان الذي جمع السماحة و النجد و الحزم و النهي جمعا
الالمعى الذي يظن بك الظن كأن قد رأى و قد سمعا (2)
الحكمة(81)
و قال عليه السّلام:
قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ قال؟الرضي؟:و هي الكلمة التي لا تصاب لها قيمة- و لا توزن بها حكمة و لا تقرن إليها كلمة أقول:رواه( العيون الشيخ الصدوق-عيون الأخبار-ج 2 ص 53 ح 204 و الخصال الشيخ الصدوق-الخصال-ج 2 ص 420 ح 14 و المعاني الشيخ الصدوق-معاني الاخبار-ج 1 ح 2 و أمالي الشيخ الطوسي-الامالي-ج 2 ص 108 جزء 17 الشيخين و الكافي الكليني-الكافي-نوادر كتاب العقل ج 1 ص 50 ح 14 )، و رواه أبو هلال العسكري في( صناعتيه أبو هلال العسكري-الصناعتين- )،و رواه الجاحظ في( بيانه الجاحظ-البيان و التبيين-ج 1 ص 106 )،و رواه الحموي في( معجمه الحموي-معجم الادباء-ج 1 ص 66 )،و رواه ابن عبد ربه في( عقده ابن عبد ربه-العقد الفريد- )،و رواه الخطيب الخطيب-تاريخ بغداد-ج 5 ص 35 في أحمد بن محمد ابن جناح في أحمد بن محمد ابن جناح،و رواه( تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 154 سبط ابن الجوزي)،و رواه( الشعراء ابن قتيبة-الشعر و الشعراء- ) (3).
روى(الكافي)في نوادر كتاب عقله مسندا عن ابن عائشة البصري رفعه ان عليا عليه السّلام قال في بعض خطبه:ايها الناس،اعلموا انّه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه،و لا بحكيم من رضى بثناء الجاهل عليه،الناس أبناء ما يحسنون،و قدر كلّ امرئ ما يحسن،فتكلموا في العلم تبين أقداركم (1)
الكافي 1:50 ح 14. [1]
.و روى عنه عليه السّلام قال:أقل الناس قيمة أقلّهم علما،اذ قيمة كلّ امرئ ما يحسنه،و كفى بالعلم شرفا انّه يدعيه من لا يحسنه و يفرح إذا نسب إليه، و كفى بالجهل ضعة،انّه يتبرأ منه من هو فيه،و يغضب إذا نسب إليه 2.
و روي(المعاني):ان الباقر عليه السّلام قال للصادق:اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم و معرفتهم،فان المعرفة هي الدراية للرواية،و بالدرايات للروايات يعلو المؤمن الى أقصى درجات الايمان،اني نظرت في كتاب لعليّ عليه السّلام فوجدت فيه«ان قيمة كلّ امرئ و قدره معرفته»ان اللّه تعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا 3.
و في معجم الحموي قال علي عليه السّلام:«قيمة كل انسان ما يحسن»،فنظمه شاعر و قال:
لا يكون الفصيح مثل العيي لا و لا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء قدر ما يحسن المرء قضاء من الامام علي 4
و قال العسكري في(صناعتيه):وجد ابن طباطبا قول علي عليه السّلام : «قيمة كلّ امرئ ما يحسنه» ،فقال:
فيا لائمي دعني اغالي بقيمتي فقيمة كلّ امرئ ما يحسنه
1) 1)
و قال السبط في(تذكرته):و من كلام علي عليه السّلام فيما رواه السدي عنه:
«قيمة كل امرئ ما يحسنه»،و من هاهنا أخذ القائل:
قال علي بن أبي طالب و هو الامام العالم المتقن
كلّ امرئ قيمته عندنا و عند أهل الفضل ما يحسن (1)
تذكرة الخواص:154. [1]
و تأتي روايات الباقين.
قول المصنّف:(و قال عليه السّلام)قاله على ما قال ابن عبد ربه لصعصعة،ففي (عقده):كتب صعصعة بن صوحان إليه عليه السّلام يسأله في شيء،فوقع في كتابه «قيمة كلّ امرئ ما يحسنه».
قوله عليه السّلام «قيمة كل امرئ ما يحسنه» في(المعجم):قال سعيد بن سلم:
دخلت على الرشيد فبهرني هيبة و جمالا،فلما لحن خف في عيني.
و قال الواقدي:صلّى رجل من آل الزبير خلف المنصور و قرأ «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» (2)فلحن في موضعين،فلما سلم التفت الزبيري الى رجل كان الى جانبه فقال:ما كان أهون هذا القرشي على أهله.
و قال أبو عمرو الشيباني:تكلّم المنصور في مجلس فيه اعرأبي فلحن، فصر الاعرأبي اذنيه،فلحن مرة اخرى أعظم من الاولى،فقال الاعرأبي:أف لهذا ما هذا،ثم تكلّم فلحن في الثالثة،فقال الاعرأبي:اشهد لقد و ليت هذا الأمر بقضاء و قدر .
(قال الرضي)من الغريب ان بيان الرضي ليس في(ابن ميثم) (3)رأسا.و لعله سقط من النسخة.و كيف كان فقوله«قال الرضي»ليس
كلام المصنف لخلو الخطية عنه.
(و هي)هكذا في(المصرية)،و الصواب:«هذه»كما في(ابن أبي الحديد و الخطية) (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:230. [1]
(الكلمة التي لا تصاب لها قيمة)و يكفيها قيمة انّه صدقها اللّه تعالى.روى الشيخ في(أماليه)مسندا عن عبد العظيم الحسني عن أبي جعفر الثاني عن آبائه عليهم السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:قلت أربعا أنزل تعالى تصديقي في كتابه لها قلت:«المرء مخبوء تحت لسانه فاذا تكلّم ظهر»،فأنزل تعالى: «وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» (2)،و قلت:«من جهل شيئا عاداه»،فأنزل تعالى «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» (3)،و قلت:«قيمة كل امرئ ما يحسن»، فأنزل تعالى في قصة طالوت: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ» (4)،و قلت:«القتل يقل القتل»،فأنزل تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (5).
(و لا توزن بها حكمة)روى(الخصال)مسندا عن الشعبي قال:تكلم علي عليه السّلام بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة،و أيتمن جواهر الحكمة،و قطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن،ثلاث منها في المناجاة،و ثلاث منها في الحكمة،و ثلاث منها في الأدب،فأما اللاتي في المناجاة فقال:«الهي كفى لي عزا أن أكون لك عبدا،و كفى بي فخرا أن تكون لي ربا،أنت كما أحب،فاجعلني كما تحب»،و اما اللاتي في الحكمة فقال:«قيمة
كلّ امرئ ما يحسنه،و ما هلك امرؤ عرف قدره،و المرء مخبوء تحت لسانه»، و اما اللاتي في الأدب فقال:«امنن على من شئت تكن أميره،و احتج الى من شئت تكن أسيره،و استغن عمن شئت تكن نظيره» (1)
الخصال 2:420 ح 14.
.«و لا تقرن اليها كلمة»روى المفيد في(أماليه):ان الخليل بن أحمد قال:
أحث كلمة على طلب العلم قول علي عليه السّلام:«قدر كلّ امرئ ما يحسن» (2).
و روى الخطيب أن الجاحظ قال:لا أعلم في كلام الناس كلمة أحكم من هذه الكلمة،أي«قيمة كلّ امرئ ما يحسن» (3).
و في(بيان الجاحظ):قال علي بن أبي طالب عليه السّلام«قيمة كلّ امرئ ما يحسن»،فلو لم تقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، و مجزية مغنية،بل لوجدناها فاضلة على الكفاية،و غير مقصرة عن الغاية، و أحسن الكلام ما كان يغنيك قليله عن كثيره،و معناه في ظاهر لفظه،و كأن اللّه تعالى قد ألبسه من الجلالة،و غشاه من نور الحكمة،على حسب نيّة صاحبه، و تقوى قائله،فإذا كان المعنى شريفا،و اللفظ بليغا،و كان صحيح الطبع بعيدا من الاستكراه،و منزها عن الاخلال مصونا عن التكلف،صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة،و متى فصلت الكلمة على هذه الشريطة،و نفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها اللّه من التوفيق،و منحها من التأييد ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة،و لا يذهل عن فهمها عقول الجهلة (4).
و فيه أيضا:أجمعوا على أنهم لم يجدوا كلمة أقل حرفا،و لا أكثر ريعا، و لا أعم نفعا،و لا أحث على بيان،و لا أدعى إلى تبيين،و لا أهجر لمن ترك
التفهم و قصر في الافهام من قول علي عليه السّلام:«قيمة كلّ امرئ ما يحسنه» (1)
نقله الشارح عن البيان و التبيين [1]هنا و في غير هذا الموضع لكن لم يوجد هذا في نسختنا من البيان. [2]
.الحكمة(82)
و قال عليه السّلام:
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ- لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلاً- لاَ يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَخَافَنَّ إِلاَّ ذَنْبَهُ- وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ- أَنْ يَقُولَ لاَ أَعْلَمُ- وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ- وَ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ لاَ خَيْرَ فِي جَسَدٍ لاَ رَأْسَ مَعَهُ- وَ لاَ فِي إِيمَانٍ لاَ صَبْرَ مَعَهُ أقول:رواه ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الاخبار- )مسندا هكذا قال:روى أبو خالد بن الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق قال:قال علي عليه السّلام:كلمات لو رحلتم المطي فيهن لا تصيبوهن قبل أن تدركوا مثلهن:لا يرجون عبد إلا ربه، و لا يخافن إلا ذنبه،و لا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم،و لا يستحيي إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول اللّه أعلم-إلخ.
و رواه الجاحظ مرفوعا في( بيانه الجاحظ-البيان و التبيين-ج 2 ص 79 )مع أدنى اختلاف (2).
و رواه( الخصال الشيخ الصدوق-الخصال-ج 1 ص 315 ح 95 و 96 )مسندا عن الرضا عن آبائه عليهم السّلام قال علي عليه السّلام:
خمس لو رحلتم فيهن ما قدرتم على مثلهن:لا يخاف عبد إلا ذنبه،و لا يرجوا إلا ربه،و لا يستحيي الجاهل إذا سئل عمّا لا يعلم أن يتعلّم،و الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد،و لا ايمان لمن لا صبر له (3).
و روي عن الشعبي قال:قال علي عليه السّلام:خذوا عني كلمات لو ركبتم المطي فانضيتموها لم تصيبوا مثلهن:ألا لا يرجو أحد إلا ربه،و لا يخافن إلا ذنبه،و لا يستحيي إذا لم يعلم أن يتعلم،و لا يستحيي إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول اللّه أعلم،و اعلموا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد و لا خير في جسد لا رأس له (1)
الخصال 1:315 ح 96.
.«أوصيكم بخمس» خصال «لو ضربتم إليها» أي:الى تحصيلها «آباط الابل» قال الجوهري:الابط ما تحت الجناح يذكر و يؤنث،و الجمع آباط.
و ضرب آباط الابل كناية عن غاية الاسراع،كما ان الضرب على الآذان كما في قوله تعالى: «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً» (2)كناية عن الانامة،كما ان ضرب المسكنة على انسان كما في قوله تعالى: «وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ» (3)كناية عن الزام المذلة.
«لكانت لذلك أهلا» في(تاريخ بغداد):قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش:شربت بولي في الحديث خمس مرات،أحسب ان ابن خراش فعل ذلك في السفر اضطرارا عند عدم وجود الماء .
«لا يرجونّ أحد منكم إلا ربّه و لا يخافن إلاّ ذنبه» عدم رجاء غير الرب،و عدم خوف غير الذنب اثنتان من الخمس القيمة.
و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال:كان في وصايا لقمان الأعاجيب، و كان أعجب ما فيها أن قال لابنه:خف اللّه خيفة لو جئته ببرّ الثقلين لعذبك، و ارج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك.
و كان أبي عليه السّلام يقول:ليس من عبد مؤمن إلا و في قلبه نوران:نور خيفة، و نور رجاء،لو وزنا لم يزد أحدهما على الآخر (1)
الكافي 2:67 ح 1. [1]
.هذا،و في(المناقب):سأل رسول ملك الروم أبا بكر عن رجل لا يرجو الجنة،و لا يخاف النار،و لا يخاف اللّه،و يحب الفتنة،و يبغض الحق،و يشهد بما لا يرى.فلم يجبه أبو بكر،و قال له عمر:ازددت كفرا الى كفرك،فأخبر بذلك علي عليه السّلام فقال:هذا رجل من أولياء اللّه،لا يرجو الجنة،و لا يخاف النار،و لكن يخاف اللّه و يرجوه،و لا يخاف اللّه من ظلمه،و انما يخاف اللّه من عدله،و يحب المال و الولد و هما فتنة،و يبغض الموت و هو حق،و يشهد بالجنة و النار و هو لم يرهما-الخبر (2).
«و لا يستحين أحد إذا سئل عمّا لا يعلم ان يقول لا أعلم» قد عرفت أن(عيون القتيبي)و(خصال الصدوق)في أحد طريقيه رواه«و لا يستحيي إذا سئل عمّا لا يعلم ان يقول اللّه أعلم» (3)و الأصح رواية المصنف«ان يقول لا أعلم»،ففي الكافي عن الصادق عليه السّلام:للعالم إذا سئل عن شيء و هو لا يعلمه أن يقول:اللّه أعلم،و ليس لغير العالم أن يقول ذلك.
و عنه عليه السّلام:إذا سئل الرجل منكم عمّا لا يعلم فليقل:لا أدري،و لا يقل:اللّه أعلم،فيوقع في قلب صاحبه شكا،و إذا قال المسئول:لا أدري فلا يتهمه السائل (4).
و كيف كان فهذا هو الثالثة من الخمس،و في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام:من أفتى الناس بغير علم و لا هدى لعنته ملائكة الرحمة،و ملائكة
العذاب،و لحقه وزر من عمل بفتياه.
و عن ابن شبرمة:ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمد عليه السّلام إلا كاد أن يتصدع له قلبي،فقال حدثني أبي عن جدي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله-و أقسم باللّه ما كذب أبوه على جده و لا جده على النبي صلّى اللّه عليه و آله-قال:من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك،و من أفتى الناس بغير علم و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه،فقد هلك و أهلك (1)
الكافي 1:42 و 43 ح 3 و 9. [1]
.هذا،و في(الأغاني)قال محمد بن حبيب:سألت ابن الاعرأبي عن ثمان عشرة مسألة كلّها من غريب شعر الطرماح،فلم يعرف منها واحدة يقول في جميعها لا أدري لا أدري.
و في(المعجم):زعموا ان المبرد ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه و قضى سلامه قال له عيسى:أيها الشيخ،ما«الشاة المجثمة»التي نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أكل لحمها؟فقال:هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة،فقال:هل من شاهد؟قال قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد نسمه إلا عنيز لجبة مجثمه
فاذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري،فلما دخل قال له:أيها الشيخ ما«الشاة المجثمة»التي نهينا عن أكلها؟فقال:هي التي جثمت على ركبها،و ذبحت من خلف قفاها.فقال له:كيف تقول و هذا شيخ العراق-يعني المبرد-يقول هي مثل اللجبة القليلة اللبن-و أنشده البيتين-فقال الدينوري:
ايمان البيعة تلزمني ان كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه و ان كان البيتان إلا لساعتهما هذه.فقال المبرد:صدق الدينوري،فانني أنفت أن أرد عليك من العراق و ذكري ما قد شاع،فأوّل ما تسألني عنه لا أعرف،
1) 1)
فاستحسن منه الإقرار و ترك البهت.
«و لا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه» هذا هو الرابعة من الخصال الخمس القيمة.
عن أبي جعفر عليه السّلام:العلم خزائن و مفاتيحها السؤال،فاسألوا فانّه يوجر في العلم أربعة:السائل،و المتكلم،و المستمع،و المحب لهم (1)
أخرجه الصدوق في الخصال 1:244 ح 101 و صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:42 ح 11.
.و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا (2).
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:اف لكل مسلم لا يفرغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه فيتعاهده و يسأل عن دينه (3).
هذا،و في(تاريخ الطبري):دخل على المنصور رجل،فازدراه و اقتحمته عينه،فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما،فقال له:انّى لك هذا؟ قال:لم أبخل بعلم علمته،و لم استحي من علم أتعلمه.قال:فمن هناك (4).
«و عليكم بالصبر فان الصبر من الايمان كالرأس من الجسد و لا خير» هكذا في (المصرية)،و الصواب:(لا خير)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (5)(في جسد لا رأس معه و لا في ايمان لا صبر معه) .
و في الخبر:دخل عليه السّلام المسجد،فاذا هو برجل على بابه كئيب حزين، فقال عليه السّلام له:مالك؟قال:أصبت بأبي و أخي.فقال له:عليك بتقوى اللّه الذي تقدم عليه غدا،و الصبر في الامور،فانه بمنزلة الرأس من الجسد،فاذا فارق الرأس
الجسد فسد الجسد،و إذا فارق الصبر الامور فسدت الامور (1)
رواه الكليني في الكافي 2:90 ح 9. [1]
.و لكون الصبر بتلك المنزلة من الايمان قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله: «وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً» (2)،و قال له: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقّاها» (3)،و قال له: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا» (4)،و قال له: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» (5).
و قال الصادق عليه السّلام لحفص بن غياث-بعد ذكر الآيات المتقدمة في أمر اللّه تعالى نبيه بالصبر-ثم بشّره في عترته،فقال: «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ» (6).فعند ذلك قال النبي:الصبر من الايمان كالرأس من الجسد،فأنزل تعالى: «وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ» (7).فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:انّه بشرى و انتقام،فأباح اللّه تعالى له قتال المشركين،فقتلهم على أيدي نبيّه و أحبائه،و جعل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة،فمن صبر،و احتسب،لم يخرج من الدنيا حتى يقرّ اللّه عينه في
الحكمة(274)
و قال عليه السّلام:
لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً- إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَ إِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا أقول:روى ابن عساكر في(ترجمته عليه السّلام):ان عمر قال له:عظني.فقال له:لا تجعل يقينك شكّا،و لا علمك جهلا،و لا ظنّك حقّا،و اعلم أنّه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت-إلخ (2).
قوله عليه السّلام «لا تجعلوا علمكم جهلا» و لا تكونوا كعالم قتله جهله،و معه علمه لا ينفعه «و يقينكم شكّا» .
رووا ان الربيع بن زياد قدم على عمر بخمسمائة ألف من البحرين، فاستشار الصحابة فاشير عليه بنصب الديوان فنصبه و قسّم المال بين الناس،ففضلت عنده فضلة،فقال لهم:ما ترون في ذلك؟فقالوا:انّا شغلناك بولاية امورنا عن تجارتك وضيعتك فهو لك.فالتفت الى علي عليه السّلام فقال له:ما تقول أنت؟قال:قد أشاروا عليك.قال:فقل أنت.فقال له:لم تجعل يقينك ظنا.
فلم يفهم عمر قوله،فقال له:لتخرجن مما قلت.قال:أجل و اللّه لأخرجن منه، أتذكر حين بعثك النبي صلّى اللّه عليه و آله،فأتيت العباس،فمنعك صدقته،فكان بينكما شيء،فجئتما الي و قلتما انطلق معنا الى النبي،فجئنا إليه،فوجدناه خاثرا فرجعنا،ثم غدونا عليه فوجدناه طيب النفس،فأخبرته أنت بالذي صنع
العباس فقال لك:يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه،فذكرنا له ما رأينا من خثوره في اليوم الأول و طيب نفسه في اليوم الثاني،فقال:انكم أتيتموني في اليوم الأول و قد بقي عندي من مال الصدقة ديناران،فكان ما رأيتم من خثوري لذلك،و اتيتموني في اليوم الثاني و قد وجهتهما،فذاك الذي رأيتم من طيب نفسي.اشير عليك ألا تأخذ من هذا الفضل شيئا و ان تفضّه على فقراء المسلمين.
فقال له عمر:صدقت و اللّه لأشكرن لك الاولى و الأخيرة (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 12:99.
.و رواه أبو نعيم في(حليته)في عنوان سعيد بن فيروز-و زاد:فقال له علي عليه السّلام:انك تؤخر الشكر و تعجل العقوبة.
قلت:أشار عليه السّلام الى قول عمر بمقتضى حوزته الخشناء له«لتخرجن مما قلت».
هذا،و قال إبراهيم الصولي في قينة كان يهواها-كما في(معجم الحموي)-:
و علمتني كيف الهوى و جهلته و علمكم صبري على ظلمكم ظلمي
و أعلم مالي عندكم فيردني هواي الى جهلي فارجع عن علمي
«إذا علمتم فاعملوا» و لا يكن علمكم مع الجهل سواء فتكونون جعلتم علمكم جهلا بعد العمل.
و في(كنز الكراجكي)عنه عليه السّلام:تعلموا العلم،و تعلموا للعمل السكينة و الحلم،و لا تكونوا جبابرة العلماء،فلا يقوم علمكم بجهلكم (2).
و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:لا تكونوا علماء جبارين،
فيذهب باطلكم بحقكم.
و في(ذيل الطبري)عن زياد بن لبيد قال:ذكر النبي صلّى اللّه عليه و آله شيئا و قال «و ذاك عند أوان ذهاب العلم»،قلنا له:و كيف يذهب العلم و نحن نقرأ القرآن و نقرئه أبناءنا و أبناءهم الى يوم القيامة؟قال صلّى اللّه عليه و آله:ثكلتك امك يا زياد ان كنت لأراك أفضل رجل بالمدينة،أو ليس هذه اليهود و النصارى يقرءون التوراة و الانجيل و لا يعلمون بشيء مما فيهما (1)
منتخب ذيل الهذيل:71.
.«و إذا تيقنتم فأقدموا» في(أمالي المفيد)عنه عليه السّلام:لا ترتابوا فتشكوا،و لا تشكوا فتكفروا،و لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا،و لا تدهنوا في الحق فتخسروا (2).
و حيث ان لازم اليقين الاقدام و لازم الشك الاحجام،فاذا أحجم مع اليقين و لم يقدم فكأنه جعل يقينه شكا.
هذا،و من قواعد الفقه في الطهارة و الحدث،و الطاهر و النجس عدم نقض اليقين بالشك بل بيقين مثله،و يعبر عنه بالاستصحاب،لكن المتيقن منه الموضوعات دون الأحكام.
الحكمة(284)
و قال عليه السّلام:
قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ أقول:يعني قطع العلم الذي آتاه اللّه الناس بتوسط عقولهم التي هي رسل باطنة يميزون بها الحق من الباطل،و العلم الذي بيّنه في شرائعه على لسان
رسله الظاهرة في حلاله و حرامه،و طرق طاعاته و مخالفاته،عذر المتعللين و المعتذرين عن عدم العمل بأنا كنّا عن هذا غافلين.
قال الكاظم عليه السّلام لهشام بن الحكم:يا هشام ان للّه على الناس حجتين:
حجّة ظاهرة و حجّة باطنة،فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة، و أما الباطنة فالعقول (1)
أخرجه الكليني في الكافي 1:16. [1]
.و سأل ابن السكيت الهادي عليه السّلام عن علّة بعث موسى بالعصا و اليد البيضاء و آلة السحر،و بعث عيسى بآلة الطب،و بعث محمّد بالكلام و الخطب.
فقال عليه السّلام له:بعث كلّ واحد منهم على طبق ما كان الغالب في زمانه حتى يكون عجزهم عن مقاومته مع كمالهم في ذلك الأمر أتمّ في الحجّة عليهم.فقال له ابن السكيت:ما الحجة اليوم على الخلق؟فقال عليه السّلام:العقل يعرف به الصادق على اللّه فيصدقه،و الكاذب على اللّه فيكذبه.فقال ابن السكيت:هذا و اللّه هو الجواب (2).
و في الخبر:يؤاخذ اللّه الناس الذين خالفوا أمره يوم القيامة عالمهم لم لم يعمل،و جاهلهم لِمَ لم يتعلّم،بعد بيان اللّه تعالى له كيفية طاعته في كتبه،و على ألسنة رسله.
و يمكن أن يكون المراد بالعلم القرآن لكونه مقطوعا،و بالمتعللين المتمسكين بالاخبار الواهية.روى الكشي عن الباقر عليه السّلام قال:كان سلمان يقول للناس:هربتم من القرآن الى الأحاديث،وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير و القطمير،و الفتيل و حبة خردل،فضاق عليكم ذلك،و هربتم الى
الأحاديث التي اتسعت عليكم (1)
اختيار معرفة الرجال:18 ح 42.
.قلت:و كانت لبني إسرائيل تعللات كذلك،فرد تعالى عليهم: «وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (2).
هذا،و قال ابن أبي الحديد:معنى كلامه عليه السّلام قطع العلم عذر الذين يعللون أنفسهم بالباطل،و يقولون:ان الرب كريم رحيم،فلا حاجة لنا الى اتعاب أنفسنا بالعبادة،كما قال الشاعر «قدمت على الكريم بغير زاد»
-إلخ (3)و هو كما ترى.
الحكمة(288)
و قال عليه السّلام:
إِذَا أَرْذَلَ اللَّهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ في(عيون ابن قتيبة):قال رجل لخالد بن صفوان:مالي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار و تتدارسون الآثار و تتناشدون الأشعار وقع علي النوم.
قال:لأنك حمار في مسلاخ انسان.
و في(ادباء الحموي):روى ان الخليل بن أحمد كان يقطّع بيتا من الشعر،فدخل عليه ولده في تلك الحال،فخرج الى الناس و قال:ان أبي قد جن، فدخل الناس عليه و هو يقطّع البيت،فأخبروه بما قال ابنه،فقال لابنه:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني و علمت انك جاهل فعذرتكا
و كما عاقب اللّه تعالى الرذال بحظر العلم عليهم و منعه عنهم،كذلك عاقب العالم غير العامل بعلمه بسلب لذة مناجاته عنه،ففي الكافي عن الصادق عليه السّلام:أوحى اللّه تعالى الى داود عليه السّلام لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا،فيصدك عن طريق محبتي،ان أدنى ما أنا صانع بهم ان أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم (1)
الكافي 1:46 ح 4 و [1]النقل بتقطيع.
.الحكمة(382)
و قال عليه السّلام:
لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ- فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا- فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «لا تقل ما لا تعلم» في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السّلام:ما علمتم فقولوا،و ما لم تعلموا فقولوا:اللّه أعلم،ان الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء و الأرض (2).
و قال ابن المقفع:فان استطعت ألا تخبر بشيء إلاّ و أنت به مصدق و ألا يكون تصديقك إلاّ ببرهان فافعل.
«بل لا تقل كلّ ما تعلم» لأن كثيرا من الناس غير قابلين لفهم كثير من الحقائق.
و في(عيون ابن قتيبة):قال سلمان:لو حدثت الناس بكل ما أعلم لقالوا رحم اللّه قاتل سلمان.
«فان اللّه فرض على جوارحك كلّها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة» قال تعالى: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً» (1)
الاسراء:36. [1]
.و في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام:حق اللّه على العباد أن يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون.
و عن الصادق عليه السّلام:ان اللّه تعالى خص عباده بآيتين من كتابه:الا يقولوا حتى يعلموا،و لا يردّوا ما لم يعلموا،قال تعالى: «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ» (2)و قال: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» (3).
الحكمة(90)
و قال عليه السّلام:
الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- وَ لَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ أقول:رواه( الكافي الكليني-الكافي-ج 1 ص 36 ح 3 و المعاني الشيخ الصدوق-معاني الأخبار-ص 226 ح 1 و التحف ابن شعبة-تحف العقول-ص 204 و مناقب ابن الجوزي و تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 140 سبطه)و رواية الأول هكذا:«ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه،و لم يؤمنهم من عذاب اللّه،و لم يرخص لهم في معاصي اللّه،و لم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره،ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم،ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر،ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر»،و مثله المعاني
و التحف،لكن فيهما:«ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه»و اسناد الاخيرين أبو نعيم باسناده عن عاصم بن ضمرة عنه عليه السّلام 1.
«الفقيه كلّ الفقيه» بنصب كلّ على المصدرية،أي:فقيه كامل الفقه «من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه» لأنه تعالى قال: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» 2.
«و لم يؤيسهم من روح اللّه» فقد قال تعالى: «وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» 3.
«و لم يؤمنهم من مكر اللّه» فقد قال تعالى: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» 4و قال لنبيّه: «قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» 5.
الحكمة(172)
و قال عليه السّلام:
النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا أقول:كرره المصنف في 438 غفلة.و كيف كان فمر في عنوان (16)رواية(أمالي الشيخ)عنه عليه السّلام قال:قلت أربعا أنزل اللّه تعالى تصديقي في
كتابه-الى أن قال-و قلت«من جهل شيئا عاداه»،فأنزل تعالى: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» (1)
أمالي أبي علي الطوسي 2:108 جزء 17.و الآية 39 [1] من سورة يونس.
.هذا و في(المناقب)-بعد ذكر قضاياه عليه السّلام من زمن الثلاثة-قال أبو الحسن المرادي:
يا سائلي عن علي و الاولى عملوا به من السوء ما قالوا و ما فعلوا
لم يعرفوه فعادوه لجهلهم و الناس كلّهم أعداء ما جهلوا (2)
و في الجهشياري:قال يحيى البرمكي لابنه جعفر:يا بني انتق من كلّ علم شيئا،فانه من جهل شيئا عاداه،و أنا أكره أن تكون عدوا لشيء من الأدب.
من الخطبة(152)
فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ- وَ لْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ- فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ- يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ- فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ- فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ- فَلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلاَّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ- وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَسَائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ- فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ- فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ- وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ- وَ قَدْ قَالَ؟الرَّسُولُ؟ الصَّادِقُ ص- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ- وَ يُحِبُّ الْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً- وَ كُلُّ نَبَاتٍ لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ- وَ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ
غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ- وَ مَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ «فليصدق رائد» الرائد:الذي يرسل في طلب الكلاء،و ورد استعارة «الحمى رائد الموت»من راد الكلاء يروده «أهله» و من أمثالهم«لا يكذب الرائد أهله» (1)
أورده الميداني في مجمع الأمثال 2:233،و [1]الزمخشري في المستقصي 2:274. [2]
«و ليحضر عقله» .الأصل في العقل المنع،و سمي نهي الانسان عقلا لمنعه عن الخطأ، و سميت الدية عقلا لمنعها عن القصاص،و سمّي الحصن عقلا و معقلا لمنعه المتحصن به،فقالوا:
ما ينفع التحصن بالعقول ما ينفع التمسك بالعقول
«و ليكن من أبناء الآخرة» في الخبر:«إذا دعيت الى وليمة و جنازة أجب الجنازة،لأنها تذكرك الآخرة » (2).
«فانه منها قدم» قال ابن سينا في أبيات له في النفس:
هبطت اليك من المحلّ الأرفع و رقاء ذات تعزز و تمنّع
«و اليها ينقلب» «وَ إِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ » (3).
«فالناظر بالقلب العامل بالبصر» أي:بالبصيرة «يكون مبتدأ عمله» أي:
أوّله «ان يعلم أ عمله عليه أم له» كما ان من يمشي في طريق يجب عليه قبل وضع قدمه أن يعلم اين يضعه لئلا يقع في مهواة أو يزل و يعثر.
قال ابن أبي الحديد:جملة«يكون مبتدأ عمله»مع خبره«بالبصر» المتقدم عليه خبر«الناظر»،و«أن يعلم»بدل من«بالبصر»،فيصير تقديم الكلام:فالناظر بقلبه العامل بجوارحه يكون مبتدأ عمله بالفكر و البصيرة بأن
يعلم أعمله له أم عليه (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:177. [1]
.قلت:بل«بالبصر»متعلق«بالعامل»مثل«بالقلب»«بالناظر»،و«مبتدأ» منصوب خبر«يكون»،و«ان يعلم»في موضع الرفع اسمه،و تقدير الكلام:
الذي ينظر بالقلب و الذي يعمل بالبصيرة يكون علمه بكيفية عمله مبتدأ عمله .
«فان كان له مضى فيه و ان كان عليه وقف عنه» كمن أراد أن يلحق بأهل الجمل،فرأى ان الأمر فيهم بيد عائشة،فتذكر قول النبي صلّى اللّه عليه و آله:لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة،فرجع (2).
«فان العامل بغير علم كسائر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«كالسائر» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«في غير» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«على غير»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4)و(الخطية) «طريق» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد) و لكن في(ابن ميثم) (5)(الطريق).
و كيف كان ففي(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح (6).
«فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا من حاجته» أي:مقصده،قال تعالى:
«يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (7)،
«مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ » (1)
إبراهيم:18. [1]
.«و العامل بالعلم كسائر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«كالسائر»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«على الطريق الواضح» و كمن يمشي بسراج «فلينظر ناظر أ سائر هو أم راجع» قال تعالى: «اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللّهِ» «وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (3)«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (4)و لنعم ما قيل بالفارسية:
ترسم نرسى بكعبه أى اعرابى اين ره كه تو مىروى بتركستان است
«و اعلم ان لكل ظاهر باطنا على مثاله،فما طاب ظاهره طاب باطنه و ما خبث ظاهره خبث باطنه» قال ابن أبي الحديد:مأخوذ من قوله تعالى: «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً» (5)،مثل ضربه تعالى لمن يؤثر فيه الوعظ و من لا يؤثر فيه،و مراده عليه السّلام ان لكلتي حالتي الانسان الظاهرة ميلة الى العقل،و ميلة الى الهوى أمرا باطنا يناسبهما،فالمتبع لعقله يرزق السعادة،و المتبع لهواه يرزق الشقاوة (6).
«و قد قال الرسول الصادق صلّى اللّه عليه و آله:ان اللّه يحب العبد و يبغض عمله و يحب العمل و يبغض بدنه» و شخصه،قال ابن أبي الحديد:الخبر مذكور في كتب المحدثين (1)
شرح ابن أبي الحديد 7:179. [1]
.قلت:و كأن في الكلام سقطا .«و اعلم ان لكلّ عمل نباتا» الظاهر ان الأصل«و اعلم ان لكلّ غرس نباتا»، و صحفه النساخ،و إلاّ فلا مناسبة لا ثبات نبات للعمل .
«و كلّ نبات لا غنى به عن الماء» و لو كان ماء منقوعا في الأرض «و المياه مختلفة فما طاب سقيه طاب غرسه و حلت» من الحلو «ثمرته» و مورد قوله تعالى:
«وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (2)السقي بماء واحد،و موضوع كلامه السقي بمياه مختلفة فلا تخالف.
«و ما خبث سقيه خبث غرسه» كخضراء الدمن التي حذّر منها ظاهرا و باطنا «و امرت ثمرته» أي:صارت مرا.
الحكمة(73)
و قال عليه السّلام:
مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً- فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ- وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ- وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ- مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ هكذا في(المصرية )،و الصواب: «فعليه ان يبدأ» كما في(ابن أبي الحديد
و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 18:220، [1]لكن في شرح ابن ميثم 5:275 [2] مثل المصرية.
.«بتعليم نفسه قبل تعليم غيره» بحملها على العمل،و في الأمثال العربية «ان كنت ذا طب-بالحركات الثلاث-فطب لعينيك» (2)و في الفارسية«گر اگر طبيب بودى سر خود دوا نمودى».
«و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه» و لذا قال شعيب عليه السّلام لقومه:
«وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ» (3).
و في خطبة عمرو بن كلثوم:أما بعد فانه لا يخبر عن قصد المرء أصدق من تركه تزكية نفسه،و لا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته و ائتمانه إياهم على حرمته .
«و معلم نفسه و مؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس و مؤدبهم» الذي لم يكن معلم نفسه و مؤدبها،لانه ممن يأمر الناس بالمعروف و ينسى نفسه،و هو في غاية القبح.
هذا،و مر في فصل علمه قوله عليه السّلام لكميل:«ان هذه القلوب أوعية-الى- و العلماء باقون ما بقي الدهر،أعيانهم مفقودة،و أمثالهم في القلوب موجودة -الى-كذلك يموت العلم بموت حامليه» (4).
الخطبة(144)
و من كلام له عليه السّلام لعمر بن الخطاب و قد استشاره في غزو الفرس بنفسه:
إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ- وَ لاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لاَ قِلَّةٍ- وَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ- وَ جُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ- حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُمَا طَلَعَ- وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ- وَ اللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ- وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ- يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ- فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَ ذَهَبَ- ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً- وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلاً- فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلاَمِ- عَزِيزُونَ بِالاِجْتِمَاعِ- فَكُنْ قُطْباً وَ اسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ- وَ أَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ- فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ- أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ
يَدَيْكَ- إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا- هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ- فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَ طَمَعِهِمْ فِيكَ- فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ- وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ- فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ- وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَةِ قال ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 9 ص 96 :اختلف الحال التي قال عليه السّلام هذا الكلام لعمر،فقيل في غزاة القادسية ذهب إليه المدائني في فتوحه 1المدائني-الفتوح- فقال:استشار عمر في أمر القادسية،فأشار عليه علي عليه السّلام ان لا يخرج بنفسه،و قال«انك ان تخرج لا تكون للعجم همّة إلا استيصالك،لعلمهم انك قطب رحى العرب فلا تكون للإسلام بعدها دولة»،و أشار عليه غيره أن يخرج بنفسه فأخذ برأي علي عليه السّلام.
و قيل في غزاة نهاوند ذهب إليه الطبري فقال:ان عمر لما أراد أن يغزو العجم و جيوش كسرى و هي مجتمعة بنهاوند استشار أصحابه،فقام عثمان، فقال:أرى أن تكتب الى أهل الشام فيسيروا من شامهم،و تكتب الى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم،ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين الى مصرين البصرة و الكوفة،فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين-الى أن قال-فقال علي بن أبي طالب:«أما بعد فان هذا الأمر لم يكن نصره بكثرة و لا قلّة،انما هو دين اللّه الذي أظهره و جنده الذي أعزّه و أمدّه بالملائكة حتى بلغ ما بلغ،فنحن على موعود من اللّه و اللّه منجز وعده و ناصر جنده،و ان مكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه و يمسكه،فان انحل تفرّق ما فيه و ذهب ثم لم يجتمع
بحذافيره أبدا،و العرب اليوم و ان كانوا قليلا فانهم كثير عزيز بالاسلام،أقم مكانك و اكتب الى أهل الكوفة فانهم أعلام العرب و رؤساؤهم،و ليشخص منهم الثلثان و ليقم الثلث،و اكتب الى أهل البصرة أن يمدّوهم ببعض من عندهم،و لا تشخص الشام و لا اليمن فانك ان أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم الى ذراريهم،و ان أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ذراريهم،و متى شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها و أطرافها حتى يكون ما تدع وراءك أهم اليك مما بين يديك من العورات و العيالات،إنّ الأعاجم إن ينظروا اليك غدا قالوا هذا أمير العرب و أصلهم،فكان ذلك أشد لكلبهم عليك.و أما ما ذكرت من مسير القوم فان اللّه هو أكره لمسيرهم منك و هو أقدر على تغيير ما يكره،و أما ما ذكرت من عددهم فانا لم نكن نقاتل في ما مضى بالكثرة و انما كنّا نقاتل بالصبر و النصر».قال عمر:أجل هذا الرأي و قد كنت أحب أن أتابع عليه (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:96،و [1]تاريخ الطبري [2]الطبري-تاريخ الطبري-ج 3 ص 210 تا 212،سنة 21 [3]3:210-212،سنة 21.
.قلت:بل لا خلاف ان هذا الكلام قال عليه السّلام في نهاوند،و صرح به غير الطبري و المفيد في(إرشاده)،و أبو حنيفة الدينوري في(طواله)،و أعثم الكوفي في(تاريخه)،و أما المدائني فلم يقل انّه عليه السّلام قال هذا الكلام في القادسية،و انما قال:أشار عليه السّلام على عمر بعدم خروجه في القادسية،فعمر استشار المسلمين في كلّ منهما،و هو عليه السّلام أشار عليه في كليهما،كما صرح به أعثم الكوفي،و زاد انّه أشار على عمر في القادسية بتولية سعد،و في نهاوند بتولية النعمان (2).
و بالجملة العنوان كلامه عليه السّلام في نهاوند ردّا لرأي عثمان،و لم يقل أحد
في القادسية ان عثمان أو غيره أشار على أشخاص أهل الشام و اليمن،أو البصرة و الكوفة.
لكن الغريب ان البلاذري نقل انّه عليه السّلام أشار في القادسية بالشخوص فأبى،كما نقل ان عمر طلب منه عليه السّلام الشخوص فأبى،فقال:كتب المسلمون الى عمر يعلمونه كثرة من تجمع لهم من أهل فارس و يسألونه المدد،فأراد أن يغزو بنفسه و عسكر لذلك،فأشار عليه العباس و جماعة من مشايخ الصحابة بالمقام،و توجيه الجيوش و البعوث،ففعل ذلك،و أشار عليه علي عليه السّلام بالمسير،فقال له:اني قد عزمت على المقام،و عرض على علي الشخوص فأباه (1)
فتوح البلدان:255. [1]
.و كيف كان فقال الدينوري:كانت وقعة نهاوند في سنة(21)،و ذلك أن العجم لما قتلوا بجلولاء،و هرب يزدجرد الملك فصار بقم،و وجه رسله في البلدان يستجيش،فغضب له أهل مملكته،فانحلت إليه الأعاجم من أقطار البلاد،فأتاه أهل قومس و طبرستان و جرجان و دنباوند و الري و اصبهان و همذان و الماهين،و اجتمعت عنده جموع عظيمة،فولى أمرهم مردانشاه ابن هرمزد،وجههم الى نهاوند،و كتب عمار بذلك الى عمر-الى أن قال-ثم تكلم عثمان،فقال:اكتب الى أهل الشام فيسيروا من شامهم،و الى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم،و الى أهل البصرة فيسيروا من بصرتهم،و سر أنت بأهل هذا الحرم حتى توافي الكوفة،و قد وافاك المسلمون من أقطار أرضهم و آفاق بلادهم،فانك إذا فعلت ذلك كنت أكثر منهم جمعا و أعز نفرا.فقال المسلمون من كل ناحية:صدق عثمان.فقال عمر لعلي عليه السّلام:ما تقول أنت يا أبا الحسن؟ فقال:انك ان أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم الى ذراريهم،و ان
1) 1)
سيرت أهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشة على أرضهم،و ان شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك الأرض من أقطارها،حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم اليك مما قد أمك،و ان العجم إذا رأوك عيانا قالوا:هذا ملك العرب كلّها،فكان أشدّ لقتالهم،و انا لم نقاتل الناس على عهد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و لا بعده بالكثرة،بل اكتب الى أهل الشام أن يقيم منهم بشامهم الثلثان و يشخص الثلث،و كذلك الى عمان،و كذلك سائر الأمصار و الكور»فقال عمر:و هو الرأي كنت رأيته،و لكني أحببت ان تتابعوني عليه.فكتب بذلك الى الأمصار.
ثم قال:لأولين الحرب رجلا يكون غدا لأسنة القوم جرزا،فولّى الأمر النعمان بن مقرن المزني-و كان من خيار الصحابة-و كان على خراج كسكر، فدعا عمر السائب بن الأقرع،فدفع إليه عهد النعمان بن مقرن و قال له:ان قتل النعمان فولّي الأمر حذيفة.و ان قتل حذيفة فولّي الأمر جرير البجلي،و ان قتل جرير فالأمير المغيرة،و ان قتل المغيرة فالأمير الأشعث.و كتب الى النعمان:
ان قبلك رجلين هما فارسا العرب عمرو بن معد يكرب و طليحة بن خويلد، فشاورهما في الحرب و لا تولهما شيئا من الأمر.
ثم قال للسائب:ان أظفر اللّه المسلمين فتول أمر المغنم،و لا ترفع إلي باطلا،و ان يهلك ذلك الجيش فاذهب فلا أرينك.
فسار السائب حتى ورد الكوفة،و دفع الى النعمان عهده،و وافت الأمداد،و خلف أبو موسى بالبصرة ثلثي الناس،و سار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفة،فتجهز الناس،و ساروا الى نهاوند،فنزلوا بمكان يسمى الاسفيدهان-من مدينة نهاوند على ثلاثة فراسخ قرب قرية يقال لها قديس جان-و أقبلت الأعاجم يقودها مردانشاه بن هرمزد،حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين،و خندقوا على أنفسهم،و أقام الفريقان بمكانيهما،فقال
النعمان لعمرو و طليحة:ما تريان،فان هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه،و امدادهم تترى عليهم كلّ يوم.فقال عمرو:الرأي ان تشيع ان عمر توفي ثم ترتحل بجميع من معك،فان القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا،فتقف لهم عند ذلك.ففعل النعمان ذلك،و تباشرت الأعاجم،و خرجوا في آثار المسلمين،حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم،ثم تزاحفوا فاقتتلوا،فلم يسمع إلا وقع الحديد على الحديد،و كثرت القتلى من الفريقين،و حال بينهما الليل،فانصرف كلّ فريق الى معسكره،و بات المسلمون و لهم أنين من الجراح،ثم أصبحوا و ذلك يوم الأربعاء،فتزاحفوا و اقتتلوا يومهم كلّه و صبر الفريقان،ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس،و تزاحفوا يوم الجمعة و توافقوا،و ركب النعمان برذونا أشهب و لبس ثيابا بيضا و سار بين الصفوف يذمر المسلمين و يحضهم، و جعل ينتظر الساعة التي كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يقاتل فيها و يستنزل النصر،و هي زوال النهار و مهب الرياح،و سار في الرايات يقول لهم اني هازّ لكم الراية ثلاثا، فاذا هززتها أوّل مرة فليشد كلّ رجل منكم حزام فرسه،و ليستلم شكته،فاذا هززتها الثانية فصوبوا رماحكم،و هزوا سيوفكم،فاذا هززتها الثالثة فكبروا و احملوا فاني حامل،فلما زالت الشمس بأدنى صلّوا ركعتين ركعتين و وقف و نظر الناس الى الراية،فلما هزها الثالثة كبروا و حملوا و انتقضت صفوف الأعاجم،و كان النعمان أول قتيل،فحمله أخوه سويد بن مقرن الى فسطاطه، فخلع ثيابه،فلبسها و تقلّد سيفه،و ركب فرسه،فلم يشك أكثر الناس أنّه النعمان و ثبتوا يقاتلون عدوهم،ثم أنزل اللّه نصره و انهزمت الأعاجم،فذهبت على وجوهها حتى صاروا الى قرية من نهاوند على فرسخين،فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم،و أقبل حذيفة-و قد كان تولى الأمر بعد النعمان- حتى أناخ عليهم فحاصرهم بها،فخرجوا ذات يوم مستعدين للحرب،فقاتلهم
المسلمون،فانهزمت الأعاجم و انقطع عظيم من عظمائهم يسمى دينار،فحال المسلمون بينه و بين الدخول الى الحصن،و اتبعه رجل من عبس يقال له سماك بن عبيد،فقتل قوما كانوا معه و استسلم له الفارسي،فاستأسره سماك،فقال لسماك:انطلق بي الى أميركم،فاني صاحب هذه الكورة لأصالحه على هذه الأرض،و افتح له باب الحصن،فانطلق به الى حذيفة، فصالحه عليها و كتب له بذلك كتابا،فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند و نادى:افتحوا باب الحصن و انزلوا فقد أمنكم الأمير و صالحني على أرضكم،فنزلوا إليه،فعند ذلك سميت(ماه دينار).
و أقبل رجل من أشراف تلك البلاد الى السائب بن الأقرع-و كان على المغانم-فقال له:أ تصالحني على ضياعي و تؤمنني على أموالي حتى أدلكم على كنز لا يدرى ما قدره،فيكون خالصا لأميركم الأعظم،لأنّه شيء لم يؤخذ في الغنيمة-و كان سبب هذا الكنز ان النخارجان الذي كان يوم القادسية أقبل بالمدد،فألفى العجم قد انهزموا،فوقف فقاتل حتى قتل-كان من عظماء الأعاجم و كان كريما على كسرى ابرويز،و كانت له امرأة من أكثر النساء جمالا،و كانت تختلف الى كسرى،فبلغ ذلك النخارجان،فرفضها فلم يقربها، و بلغ ذلك كسرى فقال يوما للنخارجان-و قد دخل عليه مع العظماء و الاشراف-بلغني ان لك عينا عذبة الماء،و انك لا تشرب منها.فقال النخارجان:أيها الملك،بلغني ان الأسد ينتاب تلك العين،فاجتنبتها مخافة الأسد.فاستحلى كسرى جواب النخارجان و عجب من فطنته،فدخل دار نسائه-و كانت له ثلاثة آلاف امرأة لفراشه-فجمعهن و أخذ ما كان عليهم من حلي،فجمعه و دفعه الى امرأة النخارجان،و دعا بالصاغة فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين،فتوجه به،فبقي ذلك التاج
و تلك الحلي عند ولد بني تلك المرأة،فلما وقعت الحروب بناحيتهم ساروا به الى قرية لابيهم سميت باسمه يقال لها الخوارجان و فيها بيت نار،فاقتلعوا الكانون و دفنوا الحلي تحته و أعادوا الكانون كهيئته،فقال له السائب:ان كنت صادقا فأنت آمن على أموالك و ضياعك و أهلك و ولدك،فانطلق به حتى استخرجه في سفطين أحدهما التاج و الآخر الحلي،فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال و فرغ،حمل السفطين في خرجين على ناقة و قدم بهما على عمر،فكان من أمرهما الخبر المشهور،اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتلة و الذرية جميعا،ثم حملهما الى الحيرة،فباعهما بفضل كثير و اعتقد بذلك أموالا بالعراق-و كان أول قرشي اعتقد بالعراق-فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم:
ألا طرقت رحلي و قد نام صحبتي بايوان سيرين المزخرف حلتي
و لو شهدت يومي جلولاء حربنا و يوم نهاوند المهول استهلت
اذن لرأت ضرب امرئ غير خامل مجيد بطعن الرمح أروع مصلت
و روى قريبا من ذلك من كلامه عليه السّلام،و كون السبب تكاتب أهل همدان و الري و اصبهان و قومس و نهاوند،المفيد في( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-قضاياه عليه السّلام في أيام عمر ص 111 )في قضاياه عليه السّلام في أيام عمر عن شبابة بن سوار عن أبي بكر الهذلي (1)
الارشاد:111. [1]
.قول المصنف:(و من كلام له عليه السّلام لعمر بن الخطاب و قد استشاره في غزو الفرس بنفسه)هكذا في(المصرية)،و الصواب:ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم):و من كلام له عليه السّلام و قد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه.لكن ليس في نسخة(ابن أبي الحديد):(ابن الخطاب) (2).
قوله عليه السّلام : «ان هذا الأمر لم يكن نصره و خذلانه بكثرة و لا قلّة» هكذا في (المصرية)و الصواب:«و لا بقلة»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
راجع شرح ابن أبي الحديد 9:95،و [1]شرح ابن ميثم 3:194. [2]
.و كيف كان فظن صاحب عمر ان نصر المسلمين انما كان بالكثرة،كما في يوم حنين قال تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (2).
قالوا:خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله متوجها الى حنين في عشرة آلاف من المسلمين،فظن أكثرهم انهم لن يغلبوا لما شاهدوه من جمعهم و كثرة عدتهم و سلاحهم،و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال:لن نغلب اليوم من قلة.فلما التقوا لم يلبثوا حتى انهزموا،و لم يبق مع النبي صلّى اللّه عليه و آله إلا تسعة من بني هاشم، و أيمن بن أم أيمن (3).
قال ابن قتيبة في(معارفه):كان الذين ثبتوا يوم حنين بعد هزيمة الناس علي و العباس،و الفضل بن عباس،و أبو سفيان بن الحارث،و ابنه،و ربيعة بن الحارث،و اسامة بن زيد،و أيمن بن ام أيمن،و قتل يومئذ،قال العباس:
نصرنا رسول اللّه في الحرب سبعة و قد فرّ من قد فرّ منهم فأقشعوا
و ثامننا لقي الحمام بسيفه بما مسه في اللّه لا يتوجع
-يعني أيمن .
«و هو دين اللّه الذي أظهره» «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ»
«لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » (1)
التوبة:33 و [1]الصف:9. [2]
.«و جنده الذي أعده و أمده» «وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَ ما جَعَلَهُ اللّهُ إِلاّ بُشْرى وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» (2).
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً» (3).
«لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ» -الى- «وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ » (4).
«حتى بلغ» الإسلام «ما بلغ و طلع حيثما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«حيث»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)«طلع» «إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» (6).
«إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً » (1)
النصر:1-3. [1]
.«و نحن على موعود من اللّه و اللّه منجز وعده و ناصر جنده» في(تاريخ الطبري)عن عمرو بن عوف المزني قال:خط النبي صلّى اللّه عليه و آله الخندق عام الاحزاب من أجم الشيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد،ثم قطعه أربعين ذراعا بين كلّ عشرة،فاحتق المهاجرون و الأنصار في سلمان-و كان رجلا قويا- فقالت الأنصار سلمان منّا و قالت المهاجرون سلمان منّا،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله سلمان منّا أهل البيت،فكنت أنا و سلمان و حذيفة و النعمان بن مقرن المازني و ستة من الأنصار في أربعين ذراعا،فحفرنا تحت ذناب حتى بلغنا الندى، فأخرج اللّه تعالى من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة،فكسرت حديدنا و شقت علينا،فقلنا يا سلمان أرق الى النبي صلّى اللّه عليه و آله،فأخبره خبر هذه الصخرة، فاما ان نعدل عنها فان المعدل قريب،و اما أن يأمرنا فيها بأمره،فانا لا نحب أن نجاوز خطه،فرقى سلمان حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو ضارب عليه قبة تركية،فقال له:بأبينا أنت و امنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة، فكسرت حديدنا و شقت حتى ما نحك فيها قليلا و لا كثيرا،فمرنا فيها بأمرك، فهبط النبي صلّى اللّه عليه و آله مع سلمان في الخندق و رقينا نحن التسعة على شقة الخندق، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله المعول من سلمان،فضرب الصخرة ضربة صدعها و برقت منها برقة أضاءت ما بين لابيتها-الى المدينة-حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم،فكبّر النبي تكبير فتح و كبّر المسلمون،ثم ضربها النبي الثانية، فصدعها و برق منها برقة أضاء ما بين لا بيتها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم،فكبّر النبي تكبير فتح و كبر المسلمون،ثم ضربها النبي الثالثة،
1) 1)
فكسرها و برق منها برقة اضاء ما بين لا بيتها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم،فكبر النبي تكبير فتح و كبر المسلمون.
ثم أخذ بيده سلمان فرقا،فقال سلمان له صلّى اللّه عليه و آله:بأبي أنت و امي لقد رأيت شيئا ما رأيته قط،فالتفت النبي الى القوم فقال:هل رأيتم ما يقول سلمان؟ فقالوا:نعم بأبي أنت و امنا قد رأيناك تضرب،فيخرج برق كالموج،فرأيناك تكبر و نكبر و لا نرى شيئا غير ذلك.قال:صدقتم ضربت ضربتي الاولى، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب،فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها،ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب،فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها،ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق منها الذي رأيتم أضاءت له منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل ان امتي ظاهرة عليها،فابشروا يبلغهم النصر،و ابشروا يبلغهم النصر،و ابشروا يبلغهم النصر.
فاستبشر المسلمون و قالوا:الحمد للّه،موعد صادق بار،وعدنا النصر بعد الحصر،فطلعت الاحزاب،فقال المؤمنون:هذا ما وعدنا اللّه و رسوله، و صدق اللّه و رسوله،و ما زادهم إلا ايمانا و تسليما،و قال المنافقون:ألا تعجبون يحدثكم و يمنّيكم و يعدكم الباطل،يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى،و انها تفتح لكم،و أنتم تحفرون الخندق و لا تستطيعون أن تبرزوا،فأنزل القرآن «وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً » (1)
تاريخ الطبري 2:235 سنة 5.و [1]الآية 12 من سورة الأحزاب. [2]
.«و مكان القيّم بالأمر مكان النظام» الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ «من الخرز»
1) 1)
بالتحريك،و خرزات الملك جواهر تاجه.
«يجمعه و يضمه فاذا»هكذا في(المصرية )،و الصواب: «فان» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 9:95،و [1]شرح ابن ميثم 3:194 [2] مثل المصرية.
«انقطع النظام تفرق الخرز و ذهب» هكذا في (المصرية)،و الصواب:«تفرق و ذهب»بدون«الخرز»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).في(عيون القتيبي):مثل الاسلام و السلطان و الناس مثل الفسطاط و العمود و الأطناب و الأوتاد،فالفسطاط الاسلام و العمود السلطان و الاطناب و الأوتاد الناس،لا يصلح بعضه إلا ببعض .
«ثم لم يجتمع بحذافيره» أي:بأسره و كماله و نواحيه «أبدا و العرب اليوم و ان كانوا قليلا» بالعدد «فهم كثيرون بالاسلام» قال تعالى: «وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ» (3)و حد عليه السّلام القليل كالآية،و قالوا:و يجوز فيه الجمع .
«عزيزون بالاجتماع» تحت لواء الاسلام،مثلوا الجمع المجتمع باخشاب مجتمعة لم يقدر أحد كسرها،و الجمع المتفرق بأخشاب متفرقة يكسرها كلّ أحد .
«فكن قطبا و استدر الرحى بالعرب و أصلهم» قال الجوهري:صليت الرجل نارا،إذا أدخلته النار،فان ألقيته فيها القاء كأنك تريد الإحراق قلت:أصليته.
«دونك نار الحرب فانك ان شخصت» أي:تحركت «من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها و أقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات» قال الجوهري:العور كل خلل يتخوّف منه في ثغر أو حرب.
«أهم اليك مما بين يديك» من الأعداء «ان الأعاجم» و المراد به هنا من لسانه غير عربي،قال تعالى: «وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ» (1)
الشعراء:198. [1]
.«ان ينظروا اليك غدا يقولوا هذا أصل العرب، فاذا قطعتموه»هكذا في (المصرية)و الصواب : «فاذا اقتطعتموه» كما في الثلاثة (2)،أي:قلعتموه «استرحتم فيكون ذلك أشدّ لكلبهم» بالتحريك أي:شدتهم و إذا هم «عليك و طمعهم فيك » .
«فأما ما ذكرت من مسير القوم الى قتال المسلمين فان اللّه سبحانه هو اكره لمسيرهم منك و هو أقدر على تغيير ما يكره» «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (3)«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » (4).
«و أما ما ذكرت من عددهم فانا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة و انما كنّا نقاتل بالنصر و المعونة» «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَ اللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ » (5).
الخطبة(132)
و من كلام له عليه السّلام و قد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم بنفسه:
وَ قَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ- لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ- وَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ الَّذِي
نَصَرَهُمْ- وَ هُمْ قَلِيلٌ لاَ يَنْتَصِرُونَ- وَ مَنَعَهُمْ وَ هُمْ قَلِيلٌ لاَ يَمْتَنِعُونَ- حَيٌّ لاَ يَمُوتُ- إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ- فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ- لاَ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلاَدِهِمْ- لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ- فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً- وَ احْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاَءِ وَ النَّصِيحَةِ- فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ- وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى- كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ وَ مَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ قول المصنف(و من كلام له عليه السّلام و قد شاوره عمر في الخروج الى غزو الروم بنفسه)هكذا في(المصرية و ابن ميثم)،و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية)بدل«الى غزو الروم بنفسه»«الى الروم» (1)
كذا في شرح ابن ميثم 3:161، [1]لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 8:296« [2]الى غزو الروم»بلا«نفسه».
.و كيف كان قال ابن أبي الحديد:هذه الغزاة هي غزاة فلسطين التي فتح فيها بيت المقدس،و قد ذكرها الطبري في تاريخه،و قال:ان عليا عليه السّلام و هو كان المستخلف على المدينة لما شخص عمر الى الشام،و ان عليا قال له:لا تخرج بنفسك انك من تريد يكون عدوا كلبا.فقال عمر:أنى أبادر بجهاد العدو موت العباس،انكم لو فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل،فمات العباس لست سنين من امارة عثمان و انتقض بالناس الشر (2).
قلت:ما نقله عن الطبري من رواياته عن سيف و روايات سيف موضوعة في كلها أو في جزئها لم يخل خبر منه من تحريف.
ثم أي وقت عرف عمر الملاحم حتى يخبر بها أمير المؤمنين عليه السّلام،و لم لم يتعلم من النبي صلّى اللّه عليه و آله حكم الفرار من الطاعون حتى ذكره له عبد الرحمن ابن
عوف كما رواه الطبري (1)
تاريخ الطبري 3:159،سنة 17.
،و لم لم يتعلم منه حكم الحبشة،ففي أغاني أبي الفرج قال أبو عمرو الشيباني:كان عمر بعث علقمة بن محرز الكناني الى الحبشة و كانوا لا يشربون قطرة من الماء إلا باذن الملك و الا قوتلوا عليه، فنزل الجيش على ماء قد ألقت لهم فيه الحبشة سمّا،فوردوه مغترين،فشربوا منه،فماتوا عن آخرهم،فأراد عمر أن يجهز اليهم جيشا عظيما،فشهدوا عنده ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:أتركوا الحبشة ما تركوكم.و قال:وددت ان بيني و بينهم جبلا من نار.ثم موت العباس لم يكن في عصر عمر حتى يبادر بجهاد العدو موته، ثم انتقاض الشر بالناس انما كان من أحداث عثمان و أعمال عماله،كالوليد بن عقبة في صلاته الصبح بالناس أربعا سكران،و من ابن أبي سرح في قتله الناس بغير حق،و نظرائهما،و كان عمر هو السبب في تولي عثمان،فدبر الأمر له و لبني امية بما دبر في الشورى و كيفية اجرائها،فعمر نقض الشر على الناس،فقوله هذا نظير أن يضرم أحد نارا في دار ثم يقول:بادرت بالأمر الفلاني قبل أن تحرق النار الدار.
ثم انّه يدّعي انّه امام المسلمين و يسأل اليهود عن الدجّال،و لا يدري انّه يفتح ايليا حتى يخبره يهودي بذلك،كما روى جميع ذلك الطبري.
قال ابن أبي الحديد أيضا:قال الطبري:قد كان الروم عرفوا من كتبهم ان صاحب فتح مدينة ايليا-و هي بيت المقدس-رجل اسمه على ثلاثة أحرف،فكان من حضر من امراء المسلمين يسألون عن اسمه،فيعلمون انّه ليس بصاحبهم،فلما طال عليهم الأمر في حرب الروم استمدوا عمر و قالوا:ان لم تحضر بنفسك لم يفتح علينا،فكتب اليهم أن يلتقوه برأس الجابية-ليوم
1) 1)
سمّاه لهم-فلقوه و هو راكب حمار،و كان أول من لقيه يزيد بن أبي سفيان،ثم أبو عبيدة،ثم خالد ابن الوليد على الخيول،و عليهم الديباج و الحرير،فنزل عمر عن حماره و أخذ الحجارة رماهم بها و قال:سرعان ما لفتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي،و انما شبعتم منذ سنتين مسرع ما ندت بكم البطنة،و اللّه لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم،فقالوا:انما هي يلامقة و تحتها السلاح.فقال:فنعم اذن،فلما علم الروم مقدم عمر نفسه سألوه الصلح،فصالحهم و كتب لهم كتابا على أن يؤدوا الجزية-الى أن قال- شخص عمر من المدينة الى الشام أربع مرات،و دخلها مرة راكب فرس، و مرة راكب بعير،و مرة راكب بغل،و مرة راكب حمار (1)
شرح ابن أبي الحديد 8:298-300. [1]
.قلت:في(تاريخ الطبري):و أما الثالثة فقصّر عنها ان الطاعون مستعر- إلخ (2).
و كيف كان فالعنوان لا يدل على انّه عليه السّلام قال هذا الكلام في مشاورة عمر معه في الخروج الى غزو الروم،و لم أقف على من روى ذلك،حتى ان المفيد في الارشاد روى في العنوان السابق انّه عليه السّلام أشار على عمر في غزوة نهاوند في قضاياه في زمن عمر (3)،و اقتصر على ذاك،فلعل العنوان أيضا كلامه عليه السّلام في القادسية أو في نهاوند برواية اخرى غير ما مر،و ان المصنف قال بكونه في غزو الروم حدسا،فلم يكن عليه السّلام يشير برأي لم يؤخذ به.
و بالجملة المحقق رواية أصل العنوان دون سببه.
قوله عليه السّلام «و قد توكل اللّه لأهل هذا الدين باعزاز الحوزة» أي:الناحية «و ستر
العورة» قال الجوهري:العورة كلّ خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب . «و الذي نصرهم و هم قليل لا ينتصرون» فكانوا يعذبونهم في مكة و منهم عمار و أبوه و امه،و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يمر عليهم و يقول:صبرا آل ياسر،و حتى كانوا يكرهونهم على اظهار الكفر و منهم عمار فنزل فيه: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » (1)
رواه من طرق عديدة السيوطي في الدر المنثور 4:132.و الآية 106 [1] من سورة النحل.
.«و منعهم و هم قليل لا يمتنعون» «وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » (2).
«حي لا يموت» أي:هو اللّه تعالى،و«حي»خبر لقوله«و الذي ».
«انك متى تسر الى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب» أي:تصير منكوبا «لا تكن للمسلمين كانفة» أي:من يكونون في كنفه و صيانته «دون أقصى بلادهم» من العدو «ليس بعدك مرجع يرجعون إليه» .
قال ابن أبي الحديد فان قلت:فلم كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يشاهد الحروب بنفسه،و لم شاهد أمير المؤمنين عليه السّلام الجمل و صفين و النهروان بنفسه.
و أجاب:بأن النبي صلّى اللّه عليه و آله كان موعودا بالنصر في قوله تعالى: «وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ» (3)و ان امير المؤمنين عليه السّلام كان عالما من جهة النبي انّه لا يقتل في هذه الحروب،لقوله له«انك تقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين» (4).
قلت:الصواب في الجواب هو انهما عليهما السّلام لم يشاهدا حربا في الخارج
سوى غزوة النبي صلّى اللّه عليه و آله لتبوك،فانه كان غزوا مع الروم،فخلف أمير المؤمنين عليه السّلام الذي كان بمنزلة نفسه في أهله و قال له ما قال.ففي تاريخ الطبري قال ابن إسحاق:خلف النبي صلّى اللّه عليه و آله عليا على أهله و أمره بالإقامة فيهم، فأرجف المنافقون بعلي و قالوا ما خلفه إلا استثقالا له و تخففا منه،فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي سلاحه،ثم خرج حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو بالجرف، فقال:زعم المنافقون انك انما خلفتني انك استثقلتني و تخففت مني.فقال، كذبوا و لكني خلفتك لما ورائي،فارجع،فاخلفني في أهلي و أهلك،أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (1)
تاريخ الطبري 2:368،سنة 9. [1]
.«فابعث اليهم رجلا مجربا» من المجربين للحرب.
كان المهلب بن أبي صفرة،و هو الذي حمى البصرة من الخوارج حتى قيل بصرة المهلب،تمثل فيه الحجاج بقول لقيط الأيادي لقومه لما بعث كسرى جيشا لقتالهم:
فقلدوا امركم للّه درّكم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا أن ترجى العيش ساعده و لا إذا حل مكروه به خشعا
لا يطعم النوم الا حيث يبعثه هم يكاد حشاه يقطع الضلعا
مسهر النوم تغيبه اموركم يروم منها على الأعداء مطلعا
ما انفك للخلف هذا الدهر اشطره يكون متبعا طورا و متبعا
فليس يشغله مال يثمره عنكم و لا ولد يبغي له الرفعا
حتى استمر على شزر مريرته مستحكم السن لا فحما و لا ضرعا
«و أحفز» أي:سق «معه أهل البلاء و النصيحة،فان أظهر اللّه فذاك» أي:
الظفر «ما تحب و ان تكن الاخرى» أي:الهزيمة «كنت ردءا» أي:عونا
1) 1)
«للناس و مثابة» أي:مرجعا «للمسلمين» .
هذا،و في(تاريخ الطبري)عن ابن عمر قال:جمع الناس بالمدينة حتى انتهى إليه فتح القادسية و دمشق،فقال:اني كنت امرأ تاجرا يغني اللّه عيالي بتجارتي،و قد شغلتموني بأمركم،فما ذا ترون انّه يحل لي من هذا المال؟ فأكثر القوم و علي عليه السّلام ساكت،فقال له:ما تقول أنت؟فقال:لك ما أصلحك و أصلح عيالك بالمعروف،ليس لك من هذا المال غيره.فقال القوم:القول قول علي بن أبي طالب (1)
تاريخ الطبري 3:111 سنة 15. [1]
.و في(مناقب السروي):روى شريك و غيره ان عمر أراد بيع اهل السواد،فقال له علي عليه السّلام:هذا مال أصبتم و لن تصيبوا مثله،و ان بعتم بقي من يدخل في الاسلام لا شيء له.قال:فما أصنع؟قال:دعهم شوكة للمسلمين، فتركهم على انهم عبيد،ثم قال علي عليه السّلام:فمن أسلم منهم فنصيبي منه حر (2).
و في(كامل الجزري):أرسل سعد في الخمس كلّ شيء أراد أن تعجب منه العرب و أراد اخراج خمس القطيف فلم يعتدل قسمته و هو بهار كسرى، فقال للمسلمين:هل تطيب أنفسكم عن تربعة أخماس القطيف؟فقالوا:نعم، فبعثه الى عمر-و هو بساط واحد طوله ستون ذراعا و عرضه ستون ذراعا مقدار جريب كانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه فكأنهم في رياض،فيه طرق كالصور و فيه فصوص كالأنهار أرضها مذهبة و خلال ذلك فصوص كالدرر،و في حافاته كالأرض المزروعة،و الأرض المبقلة بالنبات في الربيع و الورق من الحرير على قضبان الذهب و زهره الذهب و الفضة و ثمره الجوهر.فقال عمر:أشيروا عليّ فيه،فمن مشير بقبضه
و آخر مفوض إليه،فقال له علي عليه السّلام:لم تجعل علمك جهلا و يقينك شكا،انك ان تبقه على هذا اليوم لم تعدم في الغد من يستحق به ما ليس له-إلخ (1)
كامل ابن الاثير سنة 2:518 16. [1]
.1) 1)
مر في فصل الامامة العامة قوله عليه السّلام:«لو أحبني جبل لتهافت»و قوله:
«من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا»و قوله:«ناصرنا و محبنا ينتظر الرحمة و عدوّنا و مبغضنا ينتظر السطوة» (1)
مر في العنوان 21 و العنوان 7 من الفصل السابع.
.حكمة(45)
و قال عليه السّلام:
لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا- عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي- وَ لَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ- عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي- وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ؟النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ص؟- أَنَّهُ قَالَ يَا؟عَلِيُّ؟ لاَ يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ وَ لاَ يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ أقول:رواه إبراهيم الثقفي في( غاراته إبراهيم الثقفي-الغارات-ج 1 ص 41 )و الكليني في( روضته الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 268 ح 398 )و الشيخ في( أماليه الشيخ الطوسي-الامالي-ج 1 ص 209 جزء 8 )و الطبرسي في( بشارته الطبرسي-بشارة المصطفى-ص 152 )،و رواه أبو الطفيل 1أبو الطفيل-نقل أبو الطفيل- و حبة العرني 1حبة العرني-نقل حبة العرني- . .
1) 1)
أما الأول فروى كما في البحار و نقل ابن أبي الحديد في موضع آخر، و عن إسماعيل بن ابان الأزدي عن عمرو بن شمر عن جابر عن رفيع عن فرقد البجلي قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:ان قلت لكم انفروا الى عدوكم قلتم القر يمنعنا،أ فترون عدوكم لا يجدون القر كما تجدونه؟و لكنكم أشبهتم قوما قال لهم النبي صلّى اللّه عليه و آله:انفروا في سبيل اللّه،فقال كبراؤهم:لا تنفروا في الحر فقال تعالى لنبيه: «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» (1)
التوبة:81. [1]
و اللّه لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا-إلخ.مثله لكن فيه بدل بجماتها«بحذافيرها»- و زاد«و قد خاب من حمل ظلما و افترى» (2).و أما الثاني فروى عن أبي يحيى كوكب الدم قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:
ما كان حواري عيسى عليه السّلام بأطوع له من حوارينا لنا،و انما قال عيسى لهم من أنصاري الى اللّه قالوا نحن أنصار اللّه،فلا و اللّه ما نصروه من اليهود و لا قاتلوهم دونه،و شيعتنا و اللّه لم يزالوا منذ قبض اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه و آله ينصروننا،و يقاتلون دوننا،و يعذبون،و يحرقون،و يشردون في البلاد، جزاهم اللّه عنّا خيرا،و قد قال أمير المؤمنين عليه السّلام:و اللّه لو ضربت خيشوم محبينا بالسيف ما أبغضونا،و اللّه لو أدنيت الى مبغضينا،و حثوت لهم من المال ما أحبونا (3).
و أما الثالث فروى عن الجعابي باسناده عن سويد بن غفلة قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:و اللّه لو صببت الدنيا على المنافق صبا ما أحبني،و لو ضربت بسيفي هذا خيشوم المؤمن لأحبني،و ذلك اني سمعت الرسول صلّى اللّه عليه و آله يقول:يا
علي لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق (1)
امالي أبي علي الطوسي 1:209،جزء 8. [1]
.و أما الرابع فروى عن ابن عقدة باسناده عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:و الذي فلق الحبة و برأ النسمة انّه لعهد النبي الامي:انه لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق،و لو ضربت أنف المؤمنين بسيفي هذا ما أبغضوني أبدا،و لو أعطيت المنافقين هكذا و هكذا ما أحبوني أبدا (2).
و أما الخامس فروى عنه عليه السّلام:لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني،و لو صببت على المنافق ذهبا و فضة ما أحبني،ان اللّه أخذ ميثاق المؤمنين بحبي و ميثاق المنافقين ببغضي فلا يبغضني مؤمن و لا يحبني منافق أبدا» (3).
و أما السادس فروى-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر كسابقه-انه عليه السّلام قال:ان اللّه أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي و ميثاق كلّ منافق على بغضي،فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني،و لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني (4).
«لو ضربت خيشوم» أي:أقصى أنف «المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني» .
في(الكافي)عن الحارث بن حصيرة قال:مررت بحبشي و هو يستقي بالمدينة و إذا هو أقطع،فقلت له:من قطعك؟قال:خير الناس،كنّا ثمانية أخذنا في سرقة،فذهب بنا الى علي بن أبي طالب،فأقررنا فقال:أما تعرفون انها
حرام؟قلنا:نعم،فأمر بنا،فقطعت أصابعنا من الراحة،و خليت الابهام،ثم أمر بنا،فحبسنا في بيت يطعمنا فيه السمن و العسل حتى برئت أيدينا،ثم أمر بنا، فأخرجنا و كسانا،فأحسن كسوتنا،ثم قال:ان تتوبوا و تصلحوا فهو خير لكم يلحقكم اللّه بأيديكم في الجنة،و الا تفعلوا يلحقكم اللّه بأيديكم في النار (1)
الكافي 7:264 ح 22. [1]
.و في(المناقب)عن ابن عباس:دخل أسود على أمير المؤمنين عليه السّلام و أقرّ أنّه سرق فقال:طهرني فاني سرقت،فأمر بقطع يده،فاستقبله ابن الكواء فقال:
من قطعك؟قال:ليث الحجاز،و كبش العراق،و مصادم الأبطال،و المنتقم من الجهّال،كريم الأصل،شريف الفضل،محل الحرمين،وارث المشعرين،أبو السبطين،أول السابقين،و آخر الوصيين من الريسين،المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل،الحبل المتين،المحفوظ بجند السماء أجمعين،ذاك و اللّه أمير المؤمنين،على رغم الراغمين.فقال له ابن الكوّاء:قطع يدك و تثني عليه.
قال:لو قطعني اربا اربا ما ازددت له إلا حبا.فدخل ابن الكوّاء عليه عليه السّلام و أخبره بقصة الأسود،فقال عليه السّلام له:يا ابن الكواء ان محبينا لو قطعناهم اربا اربا ما ازدادوا لنا إلا حبّا،و ان في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن و العسل ما ازدادوا لنا إلا بغضا (2).
«و لو صببت الدنيا بجمّاتها» قال ابن دريد:الجم الكثير من كل شيء،قال أبو خراش الهذلي«ان تغفر اللّهم تغفر جمّا» «على المنافق على أن يحبني ما أحبني» في(تاريخ الطبري)-بعد ذكر ضربة ابن ملجم له عليه السّلام-فأدخل اللعين عليه،فقال له:أي عدو اللّه ألم أحسن اليك؟قال:بلى.قال:فما حملك على هذا؟
قال:شحذته أربعين صباحا،و سألت اللّه أن يقتل به شر خلقه.فقال عليه السّلام:لا أراك إلا مقتولا به،و لا أراك إلا من شرّ خلقه (1)
تاريخ الطبري 4:111،سنة 40. [1]
.«و ذلك أنه قضى» أي:قدّر «فانقضى» أي:تقضى و فرغ منه «على لسان النبي الامي» من ام القرى و هو مكة «انّه قال:يا علي» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و ليس«يا علي»في(ابن ميثم و الخطية) (2)«لا يبغضك مؤمن» روى الثعلبي في(تفسيره)مسندا عن البراء بن عازب قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي:قل «اللّهم اجعل لي عندك عهدا و اجعل لي في صدور المؤمنين ودا»فقالها فأنزل تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» (3).
قال سبط ابن الجوزي:قال ابن عباس:هذا الود جعله اللّه لعلي عليه السّلام في قلوب المؤمنين (4).
و في(مروج المسعودي):قال معاوية لضرار بن ضمرة:كيف حزنك على أبي الحسن؟قال:حزن من ذبح ولدها على صدرها فما ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها (5).
و في(الاستيعاب):قال معاوية لأبي الطفيل:كيف وجدك على خليلك أبي الحسن؟قال:كوجد ام موسى على موسى،و اشكو الى اللّه التقصير (6).
«و لا يحبك منافق» روى الخطيب-في أبي علي بن هشام-عن زر بن حبيش عنه عليه السّلام قال:ان فيما عهد إلي رسول اللّه:ألا يحبك إلا
مؤمن،و لا يغبضك إلا منافق.
و روي-في الربيع بن سهل-عن علي بن ربيعة قال:سمعت عليّا على منبركم هذا و هو يقول عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله إليّ انّه لا يحبّك إلاّ مؤمن،و لا يبغضك إلاّ منافق.
و روى في-الحسن بن مزيد-أبو علي الحنظلي الجصاص المخرمي الذي وثقه عن سويد بن غفلة ان عمر بن الخطاب رأى رجلا يسب عليا فقال:
إنّي اظنك منافقا،سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:انما عليّ مني بمنزلة هارون من موسى إلا انّه لا نبي بعدي.
و روى(إرشاد المفيد)مسندا عن الحرث الهمداني قال:رأيت عليا عليه السّلام و قد جاء ذات يوم فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:قضاء قضاه اللّه على لسان النبي انه لا يحبني إلا مؤمن،و لا يبغضني إلا منافق،و قد خاب من افترى (1)
الارشاد:25. [1]
.و روى ابن عقدة-كما في(أمالي الشيخ)-باسناده عن عبد اللّه بن يحيى قال:سمعت عليا عليه السّلام يقول:صليت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله قبل أن يصلي معه أحد من الناس ثلاث سنين،فكان مما عهد إلي ألا يبغضني مؤمن،و لا يحبني كافر أو منافق،و اللّه ما كذبت و لا كذبت،و لا ضللت و لا ضل بي،و لا نسيت ما عهد إليّ (2).
و روى البلاذري و الترمذي و السمعاني-كما في(مناقب السروي)-عن أبي سعيد الخدري قال:كنّا لنعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم علي ابن أبي طالب عليه السّلام.
و روى(فضائل أحمد بن حنبل)-كما فيه-ان جابرا و أبا سعيد الخدري قالا:كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ببغضهم عليا.
و روى أبانة العكبري-كما فيه-عن جابر و زيد بن أرقم قالا:ما كنّا نعرف المنافقين و نحن مع النبي صلّى اللّه عليه و آله إلا ببغضهم عليّا عليه السّلام (1)
كذا جاء في مناقب السروي 3:207 و ما رواه عن الترمذي 5:635 ح 3717،و [1]ما رواه عن البلاذري في أنساب الاشراف 2:96 ح 19. [2]
.و بالجملة قول النبي صلّى اللّه عليه و آله له«لا يحبك إلا مؤمن،و لا يبغضك إلا منافق» من الاخبار المتواترة،قال السروي:صرّح أبو القاسم البلخي بأنه رواه كثير من أرباب الحديث عن جمع من الصحابة (2).
و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:قال شيخنا أبو القاسم البلخي:قد اتفقت الاخبار الصحيحة التي لا ريب عند المحدثين فيها،على ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لعلي:لا يبغضك إلا منافق،و لا يحبك إلا مؤمن (3).
ثم ان من الواضح ان عدم حب أولياء اللّه ينافي الايمان،الا ان حبهم لا يستلزمه،فهو أعمّ قضية الشرط و المشروط،و كذلك في جنب بغضهم فان بغضهم ينافي الايمان،و أما عدم بغضهم فهو أعم من الايمان،فيمكن ان يكون منافقا غير مبغض لهم،لكنّه خصوصية لأمير المؤمنين عليه السّلام حسب ما قال نفسه«بأنّه قضي على لسان النبي فانقضى»ان يكون حبه و بغضه عليه السّلام مع الايمان و النفاق كالسبب و المسبب.
و روى ابن عقدة-كما في(أمالي الشيخ)-باسناده عن عبد اللّه بن يحيى ان عليّا عليه السّلام قال:ان ابني فاطمة يشترك في حبهم البر و الفاجر،و اني كتب لي
أن يحبني كلّ مؤمن،و يبغضني كلّ منافق (1)
أمالي أبي علي الطوسي 1:344 جزء 12. [1]
.و بمضمونه أخبار اخر،و وجدنا الأمر كذلك،فابن الزبير كان لا يظهر البغض مع الحسن و الحسين،بل كان يجالس الحسين كثيرا،و كان من أشد مبغضي أمير المؤمنين.
و عن الباقر عليه السّلام:ان اللّه تعالى نصب عليّا علما بينه و بين خلقه،فمن عرفه كان مؤمنا،و من انكره كان كافرا،و من جهله كان ضالا،و من نصب معه شيئا كان مشركا،و من جاء بولايته دخل الجنة (2).
هذا و محبه عليه السّلام يراه حال احتضاره حيث يحب،و مبغضه يراه في ذاك الوقت بحيث يكره.
روى(الكافي)عن عباية عنه عليه السّلام قال:و اللّه لا يبغضني عبد أبدا يموت على بغضي الا رآني عند موته حيث يكره،و لا يحبني عبد أبدا فيموت على حبي الا رآني عند موته حيث يحب (3).
و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:روى أبو غسان النهدي قال:دخل قوم من الشيعة على عليّ عليه السّلام في الرحبة،و هو على حصير خلق،فقال:ما جاء بكم؟قالوا:حبك.قال:أما انه من أحبني رآني حيث يحب أن يراني،و من ابغضني رآني حيث يكره أن يراني.ثم قال:ما عبد اللّه أحد قبلي الا نبيه صلّى اللّه عليه و آله، و لقد هجم علينا أبو طالب و انا و هو ساجدان،فقال:أو فعلتموها.ثم قال لي و انا غلام:ويحك انصر ابن عمك (4).
و روى الكشي عن الشعبي قال:سمعت الحرث الاعور يقول:أتيت
عليّا عليه السّلام ذات ليلة فقال:يا أعور ما جاء بك؟فقلت:حبك و اللّه.فقال:أما اني سأحدثك لتشكرها،أما انه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحب،و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره-الخبر (1)
اختيار معرفة الرجال:88 ح 142. [1]
.و في(الكافي)عن ابن أبي يعفور:دخلت على خطاب الجهني-و كان شديد النصب-و هو في الموت،فسمعته يقول:يا علي مالي و لك،فأخبرت بذلك ابا عبد اللّه عليه السّلام فقال:رآه و رب الكعبة (2).
هذا،و كما امر بحبه عليه السّلام حتى روى الخوارزمي في(مناقبه):«ان الناس لو اجتمعوا على حبه لما خلق اللّه تعالى النار» (3)كذلك أمر بحب شيعته الخاص كسلمان و أبي ذر و المقداد،روى الطبري في ذيله عن بريدة قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أن اللّه تعالى أمرني بحب أربعة.قيل:يا رسول اللّه من هم سمّهم لنا؟فقال:علي منهم-يقول ذلك ثلاثا-و أبو ذر،و المقداد،و سلمان،أمرني بحبهم و أخبرني انه يحبهم (4).
هذا،و كما كانوا يعرفون المنافقين من زمان حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ببغضه عليه السّلام كذلك كان يعرف أصحاب أبي الخطاب المبتدع ببغض أجلة اصحاب الباقر و الصادق عليهما السّلام:زرارة،و محمّد بن مسلم،و أبو بصير،و بريد العجلي.
روى الكشي عن جميل بن دراج قال:دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فاستقبلني رجل خارجا من عنده فقال عليه السّلام:لقيت الرجل؟قلت:بلى هو من أصحابنا من اهل الكوفة.فقال:لا قدس اللّه روحه،انه ذكر أقواما كان أبي
ائتمنهم على حلال اللّه و حرامه،و كانوا عيبة علمه،و كذلك اليوم هم عندي هم مستودع سري أصحاب أبي حقا،اذا أراد اللّه بأهل الأرض سوءا صرف بهم عنهم السوء،هم نجوم شيعتي احياء و أمواتا،يحيون ذكر أبي بهم يكشف اللّه كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين و تأول الغالين.فقلت:من هم؟فقال:من عليهم صلوات اللّه و رحمته أحياء و أمواتا بريد العجلي، و زرارة،و أبو بصير،و محمّد بن مسلم،يا جميل سيبين لك امر هذا الرجل.
قال جميل:فو اللّه ما كان الا قليلا حتى رأيت ذلك الرجل ينسب إلى أصحاب أبي الخطاب.فقلت:اللّه أعلم حيث يجعل رسالته و كنا نعرف أصحاب أبي الخطاب ببغض هؤلاء (1)
اختيار معرفة الرجال:137 ح 220.
.هذا و كما ان حبه عليه السّلام علامة الايمان،و بغضه علامة النفاق،كذلك حبه علامة طيب المولد،و بغضه علامة عدم طيب المولد،فعن الهروي في الغريبين قال عبادة بن الصامت:كنا نسبر أولادنا بحب عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،فاذا رأينا احدهم لا يحبه علمنا انه لغير رشده (2).
و في(المناقب)عن انس:كان الرجل بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه،ثم يقف على طريق عليّ عليه السّلام،فاذا نظر إليه قال:يا بني تحب هذا الرجل؟ فان قال نعم قبّله،و ان قال لا خرق به،و قال له:الحق بأمك (3).
و عن كتاب ابن مردويه عن أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك بن انس ان انس بن مالك قال:ما كنا نعرف الرجل لغير أبيه الا ببغض عليّ بن أبي طالب عليه السّلام (4).
و قال ابن أبي الحديد-في موضع آخر-روى جعفر بن زياد عن أبي هارون العبدي،عن أبي سعيد الخدري قال:كنا نختبر أولادنا بحب عليّ بن أبي طالب،فمن أحبه عرفنا أنه منا (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:110. [1]
.و روى الكشي في(رجاله)و الصدوق في(معانيه و أماليه)عن أبي الزبير المكي قال:رأيت جابرا متوكئا على عصاه و هو يدور في سكك الأنصار و مجالسهم و هو يقول:علي خير البشر فمن أبي فقد كفر،يا معشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب عليّ بن أبي طالب،فمن أبي فانظروا في شأن امه (2).
و روى(العلل)عن أبي أيوب الأنصاري قال:اعرضوا حب عليّ عليه السّلام على أولادكم،فمن أحبه فهو منكم،و من أبى فاسألوا امه من اين جاءت به، سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول لعلي:لا يحبك الا مؤمن،و لا يبغضك الا منافق،أو ولد زنية،أو من حملت به امه و هي طامث (3).
و في(مروج المسعودي):ذكر عيسى بن أبي دلف ان دلفا أخاه-و كان أبوه يكني ابا دلف به-كان ينتقص عليّا عليه السّلام و يضع منه و من شيعته، و ينسبهم إلى الجهل،و انه قال يوما-و هو في مجلس أبيه و لم يكن أبوه حاضرا-انهم يزعمون انه لا ينتقص عليّا أحد الا كان لغير رشده،و أنتم تعلمون غيرة الأمير و انه لا يتهيأ الطعن على احد من حرمه و انا ابغض عليّا، فما كان بأو شك من أن خرج أبوه،فقال:قد سمعت ما قاله دلف،و الحديث لا يكذب و الخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف،هو و اللّه لزنية و حيضة،و ذلك
اني كنت عليلا،فبعثت أختي إليّ جارية لها كنت معجبا بها،فلم اتمالك أن وقعت عليها-و كانت حائضا-فعلقت بدلف،فلما ظهر حملها وهبتها لي.
و بلغ من عداوة دلف هذا لابيه و نصبه-لان الغالب على أبيه التشيع-ان شنّع عليه بعد وفاته و قال-كما حدث الفرهياني-رأيت في المنام آتيا أتاني فقال:أجب الامير،فقمت معه،فأدخلني دارا وحشة و عرة و أصعدني على درج منها،ثم ادخلني غرفة في حيطانها أثر الرماد،و اذا به عريان واضع راسه بين ركبتيه فقال-كالمستفهم-دلف؟قلت:دلف (1)
مروج الذهب 3:475. [1]
.و في نهج العلامة قال لي والدي:اجتزت يوما في بعض دروب بغداد مع أصحابي فأصابني عطش،فقلت لبعض أصحابي:أطلب ماء من بعض الدروب،فمضى يطلب الماء،و وقفت أنا و باقي أصحابي ننتظر الماء و صبيان يلعبان احدهما يقول:الامام هو علي،و الآخر يقول:أبو بكر.فقلت صدق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قوله«ما يحبك يا علي إلاّ مؤمن،و لا يبغضك إلاّ ولد حيضة»، فخرجت المرأة بالماء،فقالت:باللّه عليك يا سيدي أسمعني ما قلت:فقلت:
حديث رويته عن النبيّ لا حاجة إلى ذكره،فكررت السؤال،فرويته لها،فقالت:
يا سيدي و اللّه انه لخبر صدق،ان هذين ولداي،فالذي يحب عليّا ولد طهر، و الذي يبغضه حملته في الحيض،جاء والده إليّ،فكابرني على نفسي حالة الحيض،فنال مني،فحملت بهذا الّذي يبغض عليّا.
هذا و كما كان واجبا موالاته عليه السّلام كذلك موالاة أوليائه،و روى(أمالي المفيد)عن حنش بن المعتمر-في خبر-انه عليه السّلام قال له:من سره أن يعلم أ محب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه،فان كان يحب ولينا فليس بمبغض لنا،و ان
1) 1)
كان يبغض ولينا فليس بمحب لنا (1)
أمالي المفيد:334 ح 4،مجلس 39.
.و في زياراتهم عليهما السّلام«اني عدو لمن عاداكم و ولي لمن والاكم» (2).
الحكمة(117)
و قال عليه السّلام:
هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ غَالٍ وَ مُبْغِضٌ قَالٍ الحكمة(469) و قال عليه السّلام:
يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَ بَاهِتٌ مُفْتَرٍ قال الرّضيّ:و هذا مثل قوله عليه السّلام:«هلك فيّ رجلان:محبّ غال و مبغض قال».
أقول:أما الأوّل فروى أبو الأحوص-و قد نقله ابن أبي الحديد ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 4 ص 105 في موضع آخر-عن أبي حيان عن عليّ عليه السّلام قال:يهلك فيّ رجلان:محبّ غال و مبغض قال (3).
و أما الثاني فرواه أبو العباس الثقفي-و قد نقله ابن أبي الحديد ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 5 ص 5 في موضع آخر-عن عليّ بن محمّد النوفلي عن ابيه و مشيخته قالوا:قال عليّ عليه السّلام:يهلك في رجلان:محب مطر يضعني غير موضعي و يمدحني بما ليس فيّ،و مبغض مفتر يرميني بما انا منه بريء (4).
و مصداق ما قاله عليه السّلام من وقوع الخلاف فيه ما رواه المدائني-و قد نقله
ابن أبي الحديد في موضع آخر-انه عليه السّلام خطب فقال:لو كسرت لي الوساده لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم،و بين اهل الانجيل بإنجيلهم،و بين اهل الفرقان بفرقانهم،و ما من آية في كتاب اللّه انزلت في سهل أو جبل الا و أنا عالم متى أنزلت،و فيمن أنزلت.فقال رجل من القعود تحت منبره:ياللّه و للدعوى الكاذبة،و قال آخر إلى جانبه:اشهد انك انت اللّه رب العالمين.قال:فانظر إلى هذا التناقض و التباين فيه (1)
شرح ابن أبي الحديد 6:136. [1]
.و به عليه السّلام فسر قوله تعالى: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» (2).
و روى(العقد)عن الشعبي قال:كان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في هذه الآية مثل المسيح في بني اسرائيل،أحبه قوم فكفروا في حبه،و ابغضه قوم فكفروا في بغضه.
قوله عليه السّلام في الأوّل «هلك فيّ رجلان محب غال» قال ابن أبي الحديد:هنا قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:و اللّه لو لا اني أشفق ان تقول طوائف من امتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بأحد من الناس الا أخذوا التراب من تحت قدميك،قال:و مع كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يقل فيه ذلك المقال فقد غلت فيه غلاة كثيرة العدد منتشرة في الدنيا يعتقدون فيه ما تعتقد النصارى في ابن مريم و أشنع من ذلك الاعتقاد (3).
و قال عند قوله عليه السّلام«مصارعهم دون النطفة،و اللّه لا يفلت منهم عشرة، و لا يهلك منكم عشرة»:و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته،و أحواله
المنافية لقوى البشر،غلا فيه من غلا حتى نسب إلى أن الجوهر الالهي حل في بدنه كما قالت النصارى في عيسى،و قد أخبره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك فقال«يهلك فيك محب غال و مبغض قال»-إلى أن قال-و أول من جهر بالغلو في أيامه عبد اللّه بن سبأ،قام و هو يخطب فقال له انت انت-و جعل يكررها،فقال له:
ويلك من أنا؟فقال:أنت اللّه،فأمر بأخذه و اخذ قوم كانوا على رأيه.
و قال أبو العباس أحمد بن عبيد اللّه الثقفي:قد كان عليّ عليه السّلام عثر على قوم خرجوا من محبته،باستحواذ الشيطان عليهم إلى أن كفروا بربهم، و جحدوا ما جاء به نبيهم،و اتخذوه ربا و الها،و قالوا أنت خالقنا و رازقنا، فاستتابهم و توعّدهم،فأقاموا على قولهم،فحفر لهم حفرا دخن عليهم طمعا في رجوعهم،فأبوا فحرقوا بالنار و قال:
ألا ترون قد حفرت حفرا اني اذا رأيت امرا منكرا
او قدت نارى و دعوت قنبرا
قال:و روى أصحابنا في كتب المقالات:انه لما حرقهم صاحوا إليه:الآن ظهر لنا ظهورا بينا انك انت الا له،لان ابن عمك الّذي أرسلته قال:لا يعذّب بالنار إلاّ رب النار.
و روى أبو العباس عن محمّد بن سليمان المصيصي عن النوفلي عن أبيه و باقي مشيخته،أن عليّا عليه السّلام مرّ بقوم يأكلون في شهر رمضان نهارا، فقال:اسفر أنتم أم مرضى؟قالوا:و لا واحدة.قال:أ فمن أهل الكتاب أنتم؟ قالوا:لا.قال:فما بال الاكل في شهر رمضان.قالوا:أنت أنت:لم يزيدوه على ذلك،ففهم مرادهم،فنزل عن فرسه،فألصق خده بالتراب،ثم قال:ويلكم انما أنا عبد من عبيد اللّه،فاتقوا اللّه،و ارجعوا إلى الاسلام،فأبوا،فدعاهم مرارا، فأقاموا على امرهم،فنهض عنهم ثم قال:شدوهم وثاقا،و عليّ بالفعلة و النار
و الحطب،فدخن عليهم،و جعل يهتف بهم،و يناشدهم ارجعوا إلى الاسلام، فأبوا،فأمر بالحطب و النار،و ألقى عليهم فاحترقوا،فقال الشاعر:
لترم بي المنية حيث شائت اذا لم ترم بي في الحفرتين
اذا ما حشتا حطبا بنار فذاك الموت فقدا غير دين
فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حطبا.قال أبو العباس:ثم ان جماعة من اصحاب عليّ عليه السّلام منهم عبد اللّه بن عباس شفعوا في عبد اللّه بن سبأ خاصة و قالوا:انه تاب فاعف عنه،فأطلقه بعد أن اشترط عليه الا يقيم بالكوفة.فقال:
اين أذهب؟فقال:إلى المدائن،فنفاه إلى المدائن،فلما قتل عليه السّلام أظهر مقالته، و صارت له طائفة يتبعونه،و لما بلغه قتل عليّ عليه السّلام قال:و اللّه لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة،لعلمنا انه لم يمت و لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه.
قال اصحاب المقالات:و اجتمع إلى عبد اللّه بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول،منهم عبد اللّه بن صبرة الهمداني،و عبد اللّه بن عمرو بن حرب الكندي،و آخرون غيرهما،و تفاقم أمرهم،و صارت لهم دعوة يدعون إليها، و شبهة يرجعون إليها،و هي ما ظهر و شاع بين الناس من أخباره بالمغيبات حالا بعد حال،فقالوا:ان ذلك لا يمكن الا للّه تعالى،أو من حلت ذات الا له في جسده.
و تعلق بعضهم بشبهة ضعيفة نحو قول عمر-و كان عليّ عليه السّلام قد فقأ عين انسان ألحد في الحرم-ما اقول في يد اللّه فقأت عينا في حرم اللّه،و نحو قول عليّ:و اللّه ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية بل بقوة الهية،و نحو قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«لا اله إلا اللّه وحده وحده صدق وعده،و نصر عبده،و هزم الأحزاب وحده»،و الّذي هزم الاحزاب هو عليّ،لانه قتل بارعهم و فارسهم
عمروا لما اقتحموا الخندق،فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مغلوبين من غير حرب سوى قتل فارسهم-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 4:4-7. [1]
.و في(بيان الجاحظ):قال جرير بن قيس:قدمت المدائن بعد ما ضرب عليّ عليه السّلام،فلقيني ابن السوداء-و هو ابن حرب-فقال لي:ما الخبر؟قلت:ضرب عليّ ضربة يموت الرجل من أيسر منها أو يعيش من أشد منها.قال:لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا انه لا يموت حتى يذودكم بعصاه (2).
و في الخبر قيل للصادق عليه السّلام:ان رجلا من ولد عبد اللّه بن سبأ يقول بالتفويض،يقول:ان اللّه تعالى خلق محمّدا و عليّا،ثم فوض الأمر إليهما،فخلقا و رزقا،و احييا و اماتا.فقال:كذب عدو اللّه،اقرءوا عليه آية الرعد: «أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ» (3).
و في(التحف):قال أمير المؤمنين عليه السّلام:اياكم و الغلو فينا،قولوا انا عباد مربوبون و قولوا في فضلنا ما شئتم (4).
«و مبغض قال» من قلي يقلي،و هنا بمعنى الشديد و أصله البغض.
و من مبغضيه عليه السّلام بنو باهلة،ففي(صفين نصر):ان بني باهلة كرهوا أن يخرجوا معه عليه السّلام إلى صفين،فدعاهم،فقال:يا معشر باهلة،أشهد اللّه انكم تبغضوني و أبغضكم،فخذوا عطاءكم و اخرجوا إلى الديلم (5).
و في(أمالي المفيد)عن الحرث بن حصيرة قال:حدثني جماعة من
أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال:ادعوا لي غنيا و باهلة و حيا آخر قد سماهم فليأخذوا عطاياهم،فو الّذي فلق الحبة و برأ النسمة ما لهم في الاسلام نصيب،و اني شاهد عند الحوض و عند المقام المحمود انهم اعداء لي في الدنيا و الآخرة،و لآخذنّ غنيا أخذة بفرط باهلة،و لئن ثبتت قدماي لاردن قبائل و لابهرجنّ ستين قبيلة مالها في الاسلام من نصيب.
و عن عبد الرزاق بن قيس قال:كنت جالسا مع عليّ عليه السّلام على باب القصر حتى ألجأته الشمس إلى حائط القصر،فوثب ليدخل فقام رجل من همدان فتعلق بثوبه و قال:حدثني حديثا جامعا ينفعني اللّه به.فقال عليه السّلام:حدثني خليلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اني أرد انا و شيعتي الحوض رواء مرويين،مبيضة وجوههم،و يرد عدونا ظماء مظمئين،مسودة وجوههم،خذها إليك قصيرة من طويلة،أنت مع من أحببت و لك ما اكتسبت،ارسلني يا أخا همدان،ثم دخل القصر (1)
أمالي المفيد:338 و 339 ح 4 و 4،مجلس 40.
.و من مبغضيه عليه السّلام القالين خطاب الجهني كما مر،و منهم الجعد الهمداني،و في(نوادر ديات الكافي):ان الجعد كان يسبه،فاستأذن أبو الصباح الصادق عليه السّلام لقتله،فقال له:ستكفي بغيرك،فوجد الجعد من يومه ميتا على فراشه كالزق المنفوخ و اذا تحته أسود (2).
و منهم حريز بن عثمان الرحبي،ففي(أنساب السمعاني):كان يسبه عليه السّلام كل بكرة سبعين مرة،و كل عشاء سبعين مرة.
و قوله عليه السّلام في الثاني «يهلك فيّ رجلان محب مفرط» هكذا في(المصرية)،
و الصواب:«مطر»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
شرح ابن أبي الحديد 20:220،و شرح ابن ميثم 4:464. [1]
،و كما عرفته من رواية الثقفي (2)من«أطرى»،و المراد به ما في ذاك الخبر من وصفه بخلاف الواقع من الالوهية(و باهت)أي:الآتي بالبهتان،و في الجمهرة:رجل باهت و بهّات و مباهت و بهوت(مفتر)الآتي بالافتراء.و من الباهتين المفترين عليه عليه السّلام عائشة،و ابن اختها عروة بن الزبير، روى عبد الرزاق عن معمر قال:كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السّلام،فسألته يوما عنهما،فقال:ما تصنع بهما و بحديثهما؟اللّه أعلم بهما،اني لا تهمهما في بني هاشم.و الحديثان قال عروة قالت عائشة:كنت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اذ أقبل العباس و عليّ فقال:يا عائشة ان هذين يموتان على غير ملتي.و قال عروة قالت عائشة:كنت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا عائشة ان سرك ان تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا-فنظرت فاذا العباس و عليّ-روى هذا الاسكافي في(نقضه) (3).
كما أنه كان من بغض المرأة له عليه السّلام أنها لم تستطع أن تذكر اسمه،كما قاله ابن عباس في حديثها:ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه توجه إلى المسجد متكئا على رجل (4)،و لما سمعت ببيعة الناس له عليه السّلام قالت:ليت السماء أطبقت على الأرض،و ليت الجبال تدكدكت على السهل،و لم تقع بيعة الناس لعليّ (5)،و لما سمعت بموته عليه السّلام سرت و أنشدت اشعارا شماتة حتى لامتها زينب بنت ام
سلمة،و مدحت قاتله ابن ملجم،و اعتقت عبدها المسمى باسم قاتله شكرا- روى ذلك الطبري و المسعودي و الاصبهاني (1)
رواه الطبري في تاريخه 4:115،سنه 40 و أبو الفرج الاصبهاني في المقاتل:26 و 27،و ابن سعد في الطبقات 3 ق 1:27،و المفيد في الجمل:83،و السبط في التذكرة:61،لكن لم يوجد في مروج الذهب و لا اثبات الوصية للمسعودي.
.كما ان عروة كان تأخذه الرعدة عند ذكره عليه السّلام و يسبه و يضرب باحدى يديه على الاخرى و يقول:كيف لم يخالف و قد أراق من الدماء ما أراق (2).و كان يعذر أخاه عبد اللّه بن الزبير لما حصر بني هاشم في الشعب و جمع الحطب لتحريقهم و يقول:أراد ادخالهم في طاعته كما جمع الحطب لا حراقهم فيما سلف في السقيفة-ذكره المسعودي و غيره (3).
و من الباهتين المفترين عليه عليه السّلام الزبير بن بكار،كما قال أبو الفرج، فأدخل بني ناجية في قريش لكونهم مبغضين له عليه السّلام،و منهم على بن الجهم الشاعر الهاجي له،فرد عليه البحتري:
علام هجوت مجتهدا عليّا بما لفقت من كذب و زور
اما لك في استك الوجعاء شغل يكفك عن أذى أهل القبور
و منهم عمرو بن العاص،فقال:سمعت النبيّ يقول:ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء،انما وليّي اللّه و صالح المؤمنين،و من المضحك أن مسلما و البخاري نقلاه في صحيحيهما (4).اف لهم و لما يعبدون من دون اللّه.
و منهم أبو هريرة،فقال:ان عليّا خطب ابنة أبي جهل في حياة النبيّ
فأسخطه،فخطب على المنبر فقال:لاها اللّه لا تجتمع ابنة ولي اللّه و ابنة عدوّ اللّه.
ان فاطمة بضعة مني،يؤذيني ما يؤذيها،فان كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي و ليفعل ما يريد (1)
رواه عن أبي هريرة الاسكافي في النقض عنه شرح ابن أبي الحديد 4:64، [1]لكن المشهور في الحديث رواية المسور بن مخرمة و عبيد اللّه بن أبي رافع و جمع آخر.
.قول المصنف :(و هذا مثل قوله عليه السّلام هلك)هكذا في(المصرية)، و الصواب:«يهلك»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)،و منه يظهران الصواب:نقله الثاني لكون مستنده بلفظ«يهلك» (3)(فيّ رجلان)و في(ابن أبي الحديد):(اثنان)،و ليست في(الخطية)رأسا،و لكن في(ابن ميثم)كما نقل و هو الصواب (4):(محب غال و مبغض قال)كما في عنوانه الأوّل.
قال ابن أبي الحديد:الهالك فيه عليه السّلام المفرط أي:الغلاة و من قال بتكفير أعيان الصحابة،و المفرط أي:من استنقص به أو أبغضه أو حاربه أو أضمر له غلا،و لذا قال أصحابنا انه عليه السّلام أفضل الخلق في الآخرة،و أعلاهم منزلة في الجنة،و أفضل الخلق في الدنيا،و أكثرهم خصائص و مزايا و مناقب،و كل من عاداه أو حاربه أو أبغضه فانه عدو للّه سبحانه و خالد في النار.
فاما الأفاضل من المهاجرين فلو أنه أنكر إمامتهم لقلنا انهم من الهالكين،لانه قد ثبت ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له:«حربك حربي،و سلمك سلمي»، و انه قال:«اللهم وال من والاه،و عاد من عاداه»و قال له:«لا يحبك الا مؤمن، و لا يبغضك الا منافق»،و لكنا رأيناه رضي امامتهم،و بايعهم،و صلى خلفهم، و أنكحهم،و أكل من فيئهم،و لما برئ من معاوية برئنا منه.
و الحاصل انا لم نجعل بينه و بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الا رتبة النبوة،و أعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه و بينه،و لم نطعن في أكابر الصحابة الّذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم،و القول بالتفضيل قول قديم قال به كثير من الصحابة و التابعين،و من الصحابة عمار،و المقداد،و أبو ذر،و جابر بن عبد اللّه،و ابي بن كعب،و حذيفة،و بريدة،و أبو أيوب،و سهل بن حنيف، و عثمان بن حنيف،و أبو الهيثم بن التيهان،و خزيمة بن ثابت،و أبو الطفيل، و العباس و بنوه،و بنو هاشم كافة،و بنو المطلب كافة،و كان الزبير من القائلين به في بدء الأمر ثم رجع،و كان من بني امية من يقول بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص،و منهم عمر بن عبد العزيز.
ثم نقل خبر ابن الكلبي فيمن حلف بطلاق امرأته ان عليّا خير هذه الامة و اولاهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ان اباها اعتقد حرمتها عليه بذلك،فرفع إلى عمر بن عبد العزيز،فحكم عقيليا،فقال:برقسمه فان فاطمة عليها السّلام لما اشتهت عنبا في وعكها-و لم يكن وقت العنب-قال النبيّ:«اللهم ائتنا به مع أفضل امتي عندك منزلة»،فطرق عليّ عليه السّلام الباب،و دخل و معه مكتل ألقى عليه طرف ردائه،فقال:
ما هذا؟فقال:عنب-فقال عمر بن عبد العزيز:لقد سمعت حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وعيته،يا رجل خذ بيد امرأتك-و اما من قال بتفضيله على الكافة من التابعين،فخلق كثير كأويس القرني،و زيد بن صوحان،و صعصعة،و جندب الخير،و عبيدة السلماني،و غيرهم ممن لا يحصى كثرة-و لم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر الا لمن قال بتفضيله،و جميع ما ورد في فضل الشيعة و كونهم موعودين بالجنة فهؤلاء هم دون غيرهم،و لذلك قال أصحابنا المعتزلة في تصانيفهم نحن الشيعة حقا (1)
شرح ابن أبي الحديد 20:220-226. [1]
.1) 1)
قلت:كلامه كل خلط و خبط،فهو عليه السّلام انما قال بهلاك محبه الغال القائل بالوهيته،من أين زاد عليه:«من قال بتكفير صحابة تقدموا عليه عليه السّلام».
و أما قوله«و لو أنه انكر امامتهم لقلنا انهم من الهالكين»فمن المضحك، فالانكار أحمر أو اخضر،و له قرن أو ذنب،و كيف لم ينكر و قد ملأ انكاراته يوم السقيفة،و يوم الشورى ما بين السماوات و الأرض،و هذا كتابه إلى معاوية في جواب كتابه:«و قلت اني كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع،و لعمر اللّه لقد أرادت ان تذم فمدحت،و ان تفضح فافتضحت،و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما» (1)
رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3:33، [1]ضمن كتاب 28.
.و ألم يأمر عمر يوم الشورى بقتل من خالف دستوره في تمهيده انتقال الأمر إلى عثمان،و كيف يعقل تقدم جمع جهّال ذوي بدع و مناكير على مثله عليه السّلام الّذي كان شريكا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله في كل كمال و فضيلة سوى أصل النبوة،ألم يقل النبيّ للناس:«من كنت أولى به فعلي أولى به» (2)،فهل كان ذلك منه لفظ بلا معنى؟ و كلام هذا الرجل هنا نظير كلام عابدي الاصنام ان اللّه تعالى خالق السماوات و الأرض و ما بينهما،و مع ذلك فالاصنام آلهة مثله و شركاؤه،قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ» (3).ألم يكف الرجل في انكاره عليه السّلام أمر شيخيه اغضاؤه عن حقه يوم الشورى لما طلبوا منه العمل بسنتهما (4)،و كذلك يوم حدوث الخوارج و بيعة
أصحابه عليه السّلام له ثانية (1)
رواه الطبري في تاريخه 4:56،سنة 37،و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:146.
،فذلك يكفي اتمام حجة لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.أ لم يكفه شكاياته عليه السّلام طول أيامه في امرة الثلاثة و في إمرته،أ لم يكفه شكايات سيدة نساء العالمين و تكفيرها لهم صريحا في كلماتها و موتها كمدا مما عاملوها،و دفن أمير المؤمنين لها سرا،و قد كان عليه السّلام يقول:«ظلمت عدد المدر و الوبر» (2).
و أما قوله«لو أنكر عليهم كما أنكر على معاوية لتبرأنا منهم»فغلط و مغالطة،فالفرق بين يوم السقيفة و يوم معاوية كثير،فيوم معاوية كان كما قال عليه السّلام لو لم يكن أنكر و شهر السيف كان كفرا و اضمحلالا للاسلام (3)،كما ان يوم السقيفة لو كان خرج لاضمحل أصل الاسلام لحدوث عهدهم بالكفر، و هو عليه السّلام كان كالنبيّ عليه السّلام يتحمل كل مشقة في سبيل الاسلام بعده كما معه، و الثلاثة كانوا لا يبالون أن يبدل الاسلام بالكفر،فاغتنموا عداوة قريش المؤلفة الّذين حاربوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كان وترهم على يده عليه السّلام ان ينالوا بها الرئاسة و الامرة،و لم يكن لهم أثر في الاسلام الا الفرار في الغزوات.
و قد روى المدائني-و نقله نفسه في موضع آخر-عن عبد اللّه بن جنادة قال:قدمت من الحجاز أريد العراق في اول امارة عليّ عليه السّلام،فمررت بمكة، فاعتمرت،ثم قدمت المدينة،فدخلت مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله اذ نودي الصلاة جامعة،فاجتمع الناس،و خرج عليّ عليه السّلام متقلدا سيفه،فشخصت الأبصار
نحوه،فحمد اللّه و صلّى على رسوله،ثم قال:أما بعد فان اللّه تعالى لما قبض نبيه صلّى اللّه عليه و آله قلنا نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون الناس،لا ينازعنا سلطانه منازع،و لا يطمع في حقنا طامع،اذ انبرى لنا قومنا،فغصبونا سلطان نبينا،فصارت الأمرة لغيرنا،و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف،و يتعزز علينا الذليل،فبكت الاعين منا لذلك،و خشنت الصدور،و جزعت النفوس،و ايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و ان يعود الكفر،و يبور الدين،لكنّا على ما كنّا لهم-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:307. [1]
.و مثله كتاب الحسن إلى معاوية (2).ثم عدة شيعته كعمار،و المقداد،و حذيفة،و أبي ذر،و غيرهم من القائلين بأفضليته فقط كما يقول هو مغالطة،فانكاراتهم يوم الشورى و يوم السقيفة مذكورة في السير كعدة العباس،و خالد بن سعيد الاموي،فالعباس انما أتاه أبو بكر و عمر باشارة المغيرة على أن يجعلوا له في الأمر نصيبا،و يجعلاه شريكا في سلطنتهم،لئلا يساعد أمير المؤمنين عليه السّلام،فردهم بما هو مذكور في السير (3).و خالد ممن أنكر بيعة أبي بكر حتى اضطغن عمر عليه ذلك،فمنع ابا بكر من توليته لما احتاج إليه أبو بكر لامارة جند بعد استقرار الأمر له لذلك (4).
كما أن قوله بأنه عليه السّلام صلى خلفهم و انكحهم و اكل من فيئهم،فرضي بامامتهم غلط،فالتقية تجوز اظهار الكفر،مع ان صلاته عليه السّلام خلفهم كانت لا عن اقتداء،فقالت عترته عليه السّلام انه بعد صلاة جمعته خلفهم كان يضيف إليها
ركعتين (1)
رواه الكليني في الكافي 3:374 ح 6.
،و أما انكاحهم فكان الرجل ذا سلطان فأجبره كما لا يخفى على من راجع سيرهم،و كفاهم بذلك طعنا و شناعة،و قد قالت عترته عليه السّلام ان الرجل قال للعباس:أي عيب في حتى لا ينكحني ابن اخيك؟فلو لم يقبل لا ضعن شهودا على سرقته فأقطع يده (2).و في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر«فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم» (3).
و أما أكله من فيئهم فانما كان لأن حكم اللّه-كما بينه عترته عليهم السّلام-ان الجهاد اذا لم يكن من قبل الامام فكل ما غنموه له عليه السّلام (4)،و الكتاب و السنة يحكمان بثبوت الخمس له،فمنعوه الخمس كما أخذوا فدك منه غصبا و أجروه في الخمس كرجل منهم،فلم لا يأخذ جزءا من جزء من حقه.
و أما قوله«و لم تكن مقالة الامامية و من نحا نحوها من الطاعنين في امامة السلف مشهورة»ففيه انه اذا كان مثل أمير المؤمنين عليه السّلام أيام سلطنته يتقي من الشكاية منهما حتى تقلد سيفه لما أراد أن يخطب تلك الخطبة في أول أمره (5)،و كذلك بعد فتح مصر لما سألوه عن رأيه في الثلاثة و أراد بيان حقيقة أمرهم كتب عليه السّلام مقالته،و أمر جعدة بن هبيرة أن يقرأها،و عين عشرة من ثقاته مع السيوف ان ثار أحد (6)،و كذلك ابنه الحسن عليه السّلام في أيام امارته قبل
1) 1)
2) 2) رواه الكليني في الكافي 4:346 ح 2،و [1]أحمد بن محمّد بن عيسى في النوادر:129 ح 332.
3) 3) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:120،و [2]المسعودي في مروج الذهب 3:12،و [3]البلاذري في أنساب الاشراف 2: 396. [4]
4) 4) أخرجه الطوسي في التهذيب 4:135 ح 12.
5) 5) النظر إلى الخطبة الّتي رواها المدائني عن عبد اللّه بن جنادة و مر نقلها آنفا.
6) 6) رواه عن رسائل الكليني ابن طاوس في كشف المحجة:174.
تفويض الأمر إلى معاوية،مع كونه سيد شباب أهل الجنة،و من أهل بيت العصمة و الطهارة،و ممن باهل به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و عدّ في القرآن ابن النبيّ،لما كتب إلى معاوية التشكي منهما كتب إليه معاوية يرميه بالخروج عن الدين، ففي مقاتل أبي الفرج انه عليه السّلام لما كتب إلى معاوية«ان قريشا استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا،فالموعد اللّه و هو الولي النصير،و قد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا و سلطان نبينا و ان كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الاسلام،فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده»كتب إليه معاوية:«رأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصدّيق،و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الامين،و حواري النبيّ،و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك،فانك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين و لا المسيء و لا اللئيم،و انا أحب لك القول السديد،و الذكر الجميل»- إلخ (1)
مقاتل الطالبيين:35 و 36. [1]
.كيف يجترئ شيعته على اظهار طعن فيهما،فكان اولئك الاحزاب لما أرادوا أكل الدنيا بواسطتهما يقتلون من سمعوا منه أدنى غمز فيهما،ألم يقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لأنه عبّر عن أبي بكر في مكالمته معه بصاحبك و لم يقل خليفة رسول اللّه.و من أين انهم لم يطعنوا فيهم سرا،فروى أحمد بن أبي طاهر في أول بلاغات نسائه أن عائشة بلغها ان ناسا نالوا من أبيها،فبعثت إلى جماعة منهم،فعذلت و قرعت ثم قالت:أبي ما أبي-إلخ.
و في(تاريخ الطبري):ان الأشراف لما أرادوا خلع المختار قال شبث-في جملة ما طعن عليه-و أظهر هو و سبائيته البراءة
1) 1)
من أسلافنا الصالحين (1)
تاريخ الطبري 4:518،سنة 66. [1]
.ثم ما يفعل في ذي نوريه،فكان يكفره أبو ذر،و عمار،و ابن مسعود، و حجر ابن عدي،و عمرو بن الحمق،و مالك الأشتر،و محمّد بن أبي بكر، و محمّد بن أبي حذيفة،بل الشيعة و غيرهم أبا حوادمه،و لم يجيزوا دفنه، فالمسلمون ذلك اليوم جمهورهم إذ كانوا يقولون:أبو بكر،و عمر،و علي، و الاموية يقولون:أبو بكر،و عمر،و عثمان،و انما حمل عثمان على جمهور المسلمين معاوية و عبد الملك بالسيف،فكانوا يقولون به تقية،فكيف جعله هو و اصحابه من أفاضل المهاجرين،و من الخلفاء الراشدين،و دانوا اللّه بولايته.
و روى المفيد في(أماليه)عن الأصبغ قال:دخل الحارث الهمداني في نفر من الشيعة على أمير المؤمنين عليه السّلام و كنت فيهم،فجعل الحارث يتأود في مشيته و يخبط الأرض بمحجنه-و كان مريضا-فأقبل عليه السّلام عليه و كانت له منه منزلة،فقال:كيف تجدك يا حارث؟فقال:نال الدهر مني،و زادني أوارا و غليلا اختصام أصحابك ببابك.قال:و فيم خصومتهم؟قال:فيك و في الثلاثة قبلك،فمن مفرط منهم غال،و مفرّط قال،و متردد مرتاب لا يدري أ يقدم أم يحجم.فقال عليه السّلام:حسبك يا أخا همدان،الا أن خير شيعتي النمط الأوسط، فإليهم يرجع الغالي،و بهم يلحق التالي.فقال له الحارث:لو كشفت-فداك أبي و أمي-الرين عن قلوبنا،و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.فقال:فانك امرؤ ملبوس عليك،ان دين اللّه لا يعرف بالرجال بل بآية الحق،فاعرف الحق تعرف أهله،يا حارث ان الحق أحسن الحديث،و الصادع به مجاهد،و بالحق أخبرك،فارعني سمعك،ثم خبّر به من كان له حصافة من أصحابك،ألا اني عبد اللّه و اخو رسوله و صديقه الأول صدقته و آدم بين الروح و الجسد،ثم اني
1) 1)
صديقه الأوّل في امتكم،فنحن الأولون و نحن الآخرون،و نحن يا حارث خاصته و خالصته،و أنا صنوه و وصيه و وليه و صاحب نجواه و سرّه،اوتيت فهم الكتاب و فصل الخطاب،و علم القرون و الأسباب،و استودعت ألف مفتاح كل مفتاح يفتح ألف باب و يفضي كل باب إلى ألف ألف عهد،و آيدت و مددت بليلة القدر نفلا،و ان ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل و النهار حتى يرث اللّه الأرض و من عليها،و ابشرك يا حارث لتعرفني عند الممات و عند الصراط و عند الحوض و عند المقاسمة.قال:و ما المقاسمة؟ قال:مقاسمة النار أقاسمها قسمة صحيحة،أقول:هذا وليي فاتركيه و هذا عدوي فخذيه.
ثم أخذ عليه السّلام بيد الحارث و قال:أخذت بيدك كما أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيدي و قال لي-و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي-انه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و بحجزته-يعني عصمته من ذي العرش تعالى-و أخذت أنت يا علي بحجزتي،و أخذ ذريتك بحجزتك و أخذ شيعتكم بحجزتكم،فما ذا يصنع اللّه بنبيه و ما يصنع بوصيه،خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة انت مع من أحببت و لك ما اكتسبت-يقولها ثلاثا-فقام الحارث يجر رداءه و هو يقول:ما أبالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني.قال جميل بن صالح:
و أنشدني السيد الحميري فيما تضمنه هذا الخبر:
قول علي لحارث عجب كم ثم اعجوبة له حملا
يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن او منافق قبلا
يعرفني طرفه و اعرفه بنعته و اسمه و ما عملا
و أنت عند الصراط تعرفني فلا تخف عثرة و لا زللا
اسقيك من بارد على ظمأ تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين توقف لك عرض دعيه لا تقربي الرجلا
دعيه لا تقربيه ان له حبلا بحبل الوصيّ متصلا (1)
أمالي المفيد:3 ح 3،مجلس أو النقل بتصرف يسير.
و بالجملة ان أخواننا كما قال عليه السّلام يعرفون الحق بالرجال،فلما رأوا الرجلين صارا سلطانين و لهما اسم في التاريخ استبعدوا كونهما على الباطل، و الا فبعد كونه عليه السّلام كنفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنص القرآن و كونه شريكا للنبيّ في جميع الفضائل سوى النبوة،لا يعقل أن يكون من تقدم عليه على الحق،لا سيما مع ترتب تلك المفاسد على تصديهما للامر،و لو قيل بصحة تقدمهما عليه عليه السّلام مع ذلك فليقل بجواز تقدمهما على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و من الواضح ان نصبهما و نصب الثالث كان دينا من قريش أعداء النبيّ اخترعوه لا صلاح دنياهم.
و قد أقر بذلك فاروقهم في مكالمته مع ابن عباس،ففي تاريخ الطبري أن عمر قال لابن عباس:أ تدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد؟كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة و الخلافة،فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا،فاختارت قريش لانفسها،فأصابت و وفقت،فقال له ابن عباس:لو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه لها لكان الصواب:بيدها غير مردود،و أما كراهتهم لان تكون فينا النبوة و الخلافة فقد قال تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (2).
و في(تاريخ الطبري)أيضا:ان عمارا قال يوم الشورى:ان اللّه تعالى اكرمنا بنبيه،و اعزنا بدينه،فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيته.فقال رجل من بني مخزوم:لقد عدوت طورك يا ابن سمية،
و ما أنت و تأمير قريش لانفسها (1)
تاريخ الطبري 3:297،سنة 23. [1]
.ثم لاغرو من بني اميّة و باقي أعدائه و مبغضيه عليه السّلام أن يسمعوا شيعته الّذين على النمط الاوسط غلاة و سبائية تابعي ابن سبأ الغالي تهجينا لهم عند عامتهم،فكتب زياد لما أراد قتل حجر و أصحابه إلى معاوية:ان طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حجر-إلخ (2).
و كذلك كان مصعب بن الزبير أيام امارة أخيه يعبر عنهم بالسبائية، و كذلك أبو حمزة الخارجي كان يعبر عن الشيعه بالسبائية،انما العجب من المدعين للعلم منهم و المعرفة الذين يدعون حبه كابن قتيبة،و ابن عبد ربه، و كثير من مصنفيهم يذكرون في عنوان الشيعة مذاهب الغلاة يموهون بذلك على الناس كون الشيعة عبارة عن الغلاة،و من بغضهم له عليه السّلام جعلوا أباه كافرا مع تواتر الأخبار عنه باقراره بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله غير مرة.
و لا لوم عليهم فكلهم من مبغضيه عليه السّلام،لانه لازم قولهم بامامة الثلاثة، فلا يمكن أن يكون عدو صديقك صديقك،و مباينته مع صدّيقهم و فاروقهم معلوم،و لذلك كانوا يسألونه مرة بعد مرة عنهم كما في خبر الحرث المتقدم، و خبر آخر رواه خلفاء ابن قتيبة و غارات الثقفي و رسائل الكليني (3).
هذا و الخلفاء الامويين كلهم كانوا مظهرين بغضهم له عليه السّلام سوى عمر بن عبد العزيز،و روى(الأغاني)عن يزيد بن عيسى بن مورق قال:دخلت على عمر ابن عبد العزيز زمن ولي و كان بخناصره،فقال لي:من أنت؟قلت:مولى عليّ.فقال:و أنا و اللّه مولى عليّ،أشهد على عدد ممن أدركوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله
يقولون ان النبيّ قال:من كنت مولاه فعلي مولاه.
و العباسيون يظهرون التولية له عليه السّلام سوى المتوكل،فكان أبغض له من الاموية،فروى الخطيب أن نصر بن عليّ الجهضمي لما روى أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال«من أحبني و أحب هذين-و كان قد أخذ بيد الحسن و الحسين- و أباهما و امهما كان معي في درجتي يوم القيامة»أمر المتوكل بضربه ألف سوط.
و روي ان البحتري الشاعر كان يكنّى أبا عبادة و أبا الحسن،فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة .
و فيه عناوين:الأول في كتابه عليه السّلام برقم(45)إلى عثمان بن حنيف:
من الكتاب(45)
وَ كَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ- إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ؟ابْنِ أَبِي طَالِبٍ؟- فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ- وَ مُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ- أَلاَ وَ إِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً- وَ الرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً- وَ النَّبَاتَاتِ الْبَدْوِيَّةِ أَقْوَى وَقُوداً وَ أَبْطَأُ خُمُوداً-.وَ أَنَا مِنْ؟رَسُولِ اللَّهِ؟ كَالصِّنْوِ مِنَ الْصِّنْوِ- وَ الذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ- وَ اللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا- وَ لَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا- وَ سَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ- وَ الْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ- حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ «و كأني بقائلكم يقول اذا كان هذا» أي:القرصين «قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران» جمع القران بالكسر،و هو القرين في الحرب
«و منازلة» أي:محاربة «الشجعان» فلا بد ان قوته أكثر،لأن قوته معلومة لا ينكرها أحد.
و في(تاريخ الطبري):عن أبي رافع مولى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:خرجنا مع عليّ عليه السّلام في خيبر حين بعثه النبيّ برايته،فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم،فضربه رجل من اليهود،فطرح ترسه من يده،فتناول بابا كان عند الحصن،فتترس به عن نفسه،فلم يزل في يده و هو يقاتل حتى فتح اللّه عليه،ثم ألقاه من يده حين فرغ-فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب،فما نقلبه.
و عن بريدة الأسلمي قال:خرج مرحب صاحب الحصن و عليه مغفر معصفر يمان و حجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه و هو يرتجز،فاختلفا ضربتين،فبدره عليّ عليه السّلام،فضربه،فقدّ الحجر و المغفر و رأسه حتى وقع في الاضراس و اخذ المدينة (1)
تاريخ الطبري 2:301،سنة 1. [1]
.و كما أن ذاك القوت و تلك القوّة متضادان لا يجتمعان في غيره عليه السّلام، كذلك زهده الّذي طلق الدنيا ثلاثا،و قتله لجمع لا يحصى في غزوات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و في الجمل و صفين و النهروان مما لا يجتمعان في غيره.
قال المصنف في أول كتابه:و من عجائبه الّتي انفرد بها و أمن المشاركة فيها ان كلامه عليه السّلام الوارد في الزهد و المواعظ و التذكير و الزواجر إذا تأمله المتأمل و فكر فيه المتفكر و خلع من قلبه أنه كلام من مثله ممّن عظم قدره و نفذ أمره و احاط بالرقاب ملكه،لم يعترضه الشك في انه كلام من لا حفظ له في الزهادة و لا شغل له بغير العبادة،قد قبع في كسر بيت أو انقطع في سفح جبل لا يسمع إلاّ حسه و لا يرى إلاّ نفسه،و لا يكاد يوقن بأنه كلام من
1) 1)
ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطع الرقاب و يجدل الابطال و يعود به ينطف دما و يقطر مهجا،و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد و بدل الابدال،و هذه من فضائله العجيبة و خصائصه اللطيفة الّتي جمع بها بين الاضداد و ألف بين الاشتات (1)
نهج البلاغة 1:12. [1]
.«ألا و ان الشجرة البرية أصلب عودا و الرواتع» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية) (2)(الرواتع)فلا بد أنه من«ارتع الغيث»أي:أنبت ما ترتع فيه الابل «الخضرة أرق جلودا» شبه عليه السّلام نفسه بالشجرة البرية الّتي لا تسقى إلاّ برطوبة باطن الأرض و غيره بالرواتع الخضرة من كثرة سقيها بالماء،و حينئذ إذا كان مثله مثل الشجرة البرية يمكن الجمع فيه بين ذاك القوت و تلك القوة،و انما يتضادان في غيره الّذين كالرواتع الخضرة،و قال علماء البيان:قد يكون التشبيه لبيان امكان المشبه،قال الشاعر:
فان تفق الانام و انت منهم فان المسك بعض دم الغزال
«و النباتات البدوية» هكذا في(المصرية)و لكن في(ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية) (3)«و النباتات العذية»بالفتح فالكسر من العذي بالكسر فالسكون الزرع الّذي لا يسقيه الاماء المطر «أقوى وقودا و أبطأ خمودا» تشبيه آخر لنفسه و للناس لتقريب امكان اجتماع قوته و قوّته «و أنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كالصنو من الصنو» قال الجوهري:إذا خرجت نخلتان و ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منها صنو و الاثنان صنوان،و الجمع صنوان برفع النون،و قال أبو زيد ركيتان صنوان اذا تقاربتا و نبعتا من عين واحدة.
قال النجاشي شاعر العراق في صفين في رد كعب بن جعيل شاعر الشام:
فقل للمضلل من وائل و من جعل الغثّ يوما سمينا
جعلتم عليّا و اشياعه نظير ابن هند الا تستحونا
إلى اول الناس بعد الرسول و صنو الرسول من العالمينا
هذا و قال البحتري في يوسف بن محمّد:
نسب بيننا يؤكد منه أدب و الأديب صنو الأديب
و ما نقلناه «كالصنو من الصنو» في(المصرية و الخطية)،و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم):(كالضوء من الضوء) (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:289،و [1]شرح ابن ميثم 4:112.
.و روي عن الصادق عليه السّلام قال:ان اللّه كان إذ لا كان،فخلق الكان و المكان، و خلق نور الأنوار الّذي نوّرت منه الانوار،و أجرى فيه من نوره الّذي نوّرت منه الانوار،و هو النور الّذي خلق منه محمّدا و عليّا،فلم يزالا نورين أولين،إذ لا شيء كوّن قبلهما،فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الاصلاب الطاهرة،حتى افترقا في اطهر طاهرين في عبد اللّه و أبي طالب (2).
و روى الكنجي الشافعي مسندا عن سلمان عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه مطيعا يسبح ذلك النور و يقدسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام،فلما خلق اللّه آدم ركز ذلك النور في صلبه،فلم نزل في شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب،فجزء أنا و جزء عليّ.
و عن أبي عقال قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله-في خبر-فأيهم أحب إليك؟قال:عليّ بن أبي طالب.فقال:و لم؟فقال:لأنه خلقت أنا و عليّ من نور واحد.
و عن معجم الطبراني مسندا عن أبي أمامة الباهلي قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ان اللّه خلق الانبياء من أشجار شتى،و خلقني و عليّا من شجرة واحدة،فأنا اصلها،و علي فرعها،و فاطمة لقاحها،و الحسن و الحسين ثمرها،فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا و من زاغ عنها هوى-الخبر (1)
كفاية الطالب:315-317. [1]
.و في كتاب سبط ابن الجوزي:ذكر أهل السير إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعث أبا بكر يحج بالناس سنة تسع و أعطاه أربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم،فلما سار دعا النبيّ عليّا و قال له:أخرج بهذه الآيات،فأدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذ منه الآيات،فرجع أبو بكر إلى النبيّ و قال:بأبي أنت و أمي هل نزل فيّ شيء؟فقال:لا و لكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني.
و في(فضائل أحمد بن حنبل)قال لأبي بكر:ان جبرئيل جاءني فقال:
ابعث عليّا-الخبر (2).
و عن كتاب محدث الشام باسناده عن جابر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله-في خبر-يا عليّ خلقت أنا و أنت من شجرة انا أصلها،و أنت فرعها،و الحسن و الحسين أغصانها،فمن تعلق بغصن منها دخل الجنة يا عليّ لو أن امتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا،و صلوا حتى يكونوا كالاوتار،ثم أبغضوك لأكبهم اللّه في النار (3).
و في خطبة له عليه السّلام-و قد نقلها ابن أبي الحديد في موضع آخر-و اني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء،كنا ظلالا تحت العرش قبل خلق البشر،و قبل خلق الطينة الّتي كان منها البشر،أشباحا عالية،لا أجساما نامية.ان أمرنا
صعب مستصعب،لا يعرف كنهه الا ثلاثة:ملك مقرب،أو نبي مرسل،أو عبد امتحن اللّه قلبه للايمان،فاذا انكشف لكم سر،أو وضح لكم أمر فاقبلوه،و الا فاسكتوا تسلموا،و ردوا علمه إلى اللّه،فانكم في أوسع مما بين السماء و الأرض (1)
شرح ابن أبي الحديد 13:105. [1]
.و روى ابن بابويه في(معانيه و علله)مسندا عن محمّد بن حرب الهلالي قلت لجعفر بن محمّد:في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.فقال:ان شئت أخبرتك بمسألتك قبل ان تسألني.فقلت له:يا ابن رسول اللّه و بأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي؟فقال:بالتوسم و التفرس،أما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (2)و قول النبيّ:«اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه».فقلت:فأخبرني.فقال:أردت ان تسألني عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يطق حمله علي عند حط الاصنام من سطح الكعبة مع قوته و شدته و مع ما ظهر منه في قلع باب خيبر و الرمي به إلى ورائه أربعين ذراعا و كان لا يطيق حمله أربعون رجلا،و قد كان النبيّ يركب الناقة و الفرس و الحمار و ركب البراق ليلة المعراج و كل ذلك دون عليّ في القوة و الشدة.فقلت له:عن هذا و اللّه أردت أن أسألك فأخبرني.قال:ان عليّا قال:لما علوت ظهر النبيّ شرفت و ارتفعت حتى لو شئت أن انال السماء لنلتها أما علمت ان المصباح هو الّذي يهتدي به في الظلمة و انبعاث فرعه من أصله،و قد قال عليّ عليه السّلام:أنا من أحمد كالضوء من الضوء،أما علمت أن محمّدا و عليّا صلوات اللّه عليهما كانا نورا بين يدي اللّه تعالى قبل خلق الخلق بألفي عام،و ان الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلا قد تشعب منه شعاع لامع،فقالت:الهنا من هذا النور؟فأوحى
إليهم:هذا نور من نوري أصله نبوة و فرعه امامة،أما النبوة فلمحمد عبدي و رسولي و أما الامامة فلعليّ حجتي و وليي،و لولاهما ما خلقت خلقي.أما علمت أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله رفع يد عليّ بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض ابطيهما فجعل ولي المسلمين و امامهم،و قد احتمل الحسن و الحسين يوم حظيرة بني النجار،فلما قال له بعض أصحابه:ناولني أحدهما،قال:نعم الراكبان هما و أبوهما خير منهما،و ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يصلي بأصحابه فأطال سجدة من سجداته،فلما سلم قيل له لقد أطلت هذه السجدة،فقال:ان ابني ارتحلني فكرهت ان اعاجله حتى ينزل،و انما اراد بذلك رفعهم و تشريفهم،فالنبيّ إمام نبيّ و عليّ إمام ليس بنبيّ و لا رسول فهو غير مطيق لأثقال النبوة.
فقلت له:زدني يا ابن رسول اللّه.فقال:ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حمل عليّا عليه السّلام على ظهره يريد بذلك انه أبو ولده و امام الائمة من صلبه،كما حول رداءه في صلاة الاستسقاء و أراد أن يعلم أصحابه بذلك أنه قد تحول الجدب خصبا.
فقلت:زدني.فقال:احتمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا يريد أن يعلم قومه أنه هو الّذي يخفف عن ظهر النبيّ ما عليه من الّدين و العداة و الاداء عنه من بعده، و احتمله ليعلم بذلك أنه قد احتمله،و ما حمل إلاّ لأنه معصوم لا يحمل وزرا فتكون أفعاله عند الناس حكمة و صوابا،و قد قال النبي لعليّ عليه السّلام:ان اللّه تعالى حمّلني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي،و ذلك قوله تعالى «لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» -الخبر (1)
معاني الاخبار:350 ح 1،و [1]علل الشرائع 1:173 ح 1.و الآية 2 [2] من سورة الفتح.
.و في(العقد):كتبت ام سلمة إلى معاوية:انكم تلعنون اللّه و رسوله على منابركم،و ذلك انكم تلعنون عليّا و من أحبه،و أنا اشهد أن اللّه أحبه و رسوله.
و روى(الإرشاد)عن أبي مخنف:ان الناس سألوه عما يصنع بقاتله؟
1) 1)
فقال:اصنعوا به كما يصنع بقاتل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار، فأحرقت جثته أم الهيثم النخعية (1)
الارشاد:18. [1]
.و روى سبط ابن الجوزي عن سنن الترمذي عن عمران بن الحصين قال:بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جيشا و استعمل عليهم عليّا عليه السّلام،فمضى في السرية، فأصاب جارية من السبي،فتعاقد أربعة منهم إذا قدموا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخبروه،فلما قدموا قام الأوّل فقال:ألا ترى إلى عليّ فعل كذا و كذا،فأعرض عنه،ثم قام الثاني فقال كذلك فأعرض عنه،و قام الثالث و الرابع فقالا كذلك فأعرض عنهما،ثم أقبل عليهم-و الغضب يعرف في وجهه-و قال:ما تريدون من عليّ-قالها ثلاثا-عليّ مني و أنا منه.
و عن(فضائل أحمد بن حنبل)عن عمرو بن شاس:خرجت مع عليّ عليه السّلام إلى اليمن فجفاني جفوة،فلما قدمت المدينة أظهرت شكايته،فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فدخلت يوما المسجد،فجعل يحد إلى النظر ثم قال:أما و اللّه لقد آذيتني.فقلت:أعوذ باللّه من ذلك.فقال:أما علمت أن من آذى عليّا فقد آذاني.
و عنه قال:لما قصد صاحب لواء المشركين يوم احد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فداه عليّ عليه السّلام بنفسه و حمل على صاحب اللواء فقتله،فنزل جبرئيل فقال:يا محمّد ان هذه لهي المواساة.فقال النبيّ:عليّ مني و أنا منه.فقال جبرئيل:و انا منكما -و رواه الطبري.
و عن(فضائل ابن حنبل)أيضا باسناده عن السلوي-و كان قد شهد حجة الوداع-قال:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول في ذلك اليوم:عليّ مني و أنا منه، و لا يقضي ديني سواه.
1) 1)
و عنه أيضا باسناده عن أنس قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يمضي فيهم امري يقتل المقاتلة و يسبي الذرية.
قال أبو ذر:فما راعني الابرد كف عمر خلفي قائلا:من تراه يعني؟فقلت:ما يعنيك و انما يعني خاصف النعل يعني عليّا عليه السّلام (1)
كذا جاء في تذكرة الخواص:36 و 38 و 39 و [1] 43،و ما رواه عن الترمذي في سننه 5:632 ح 3712.
.و في(الاسد):عن عبد الرحمن بن بشير قال:كنا جلوسا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذ قال:ليضربنكم رجل على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله.فقال أبو بكر:أنا هو؟قال:لا.قال عمر:أنا هو؟قال:لا و لكن خاصف النعل-و كان عليّ يخصف نعل النبيّ (2).
و عن(فضائل ابن حنبل)عن زيد بن أرقم:كان لنفر من الصحابة أبواب شاعرة في المسجد،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سدوا هذه الابواب الا باب عليّ،فتكلم الناس في ذلك فقال:ما سددت شيئا و لا فتحته،و لكني امرت بشيء فاتبعته.
و عن سنن الترمذي باسناده عن أبي سعيد الخدري قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ:لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك.
و عن(فضائل أحمد بن حنبل)عن عمر سمع رجلا يذكر عليّا عليه السّلام بشرّ فقال:ويلك تعرف من في هذا القبر-و اشار إلى قبر النبيّ-إذا آذيت عليّا فقد آذيته.
و عن ابن عباس قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خطبة خطبها في حجة الوداع:
لأقتلن العمالقة في كتيبة،فقال له جبرئيل:أو عليّ بن أبي طالب.فقال:أو عليّ بن أبي طالب (3).
و لعليّ بن محمّد العلوي الحماني كما روى المرتضى في(فصوله)عن (عيون محاسن المفيد):
بين الوصي و بين المصطفى نسب تختال فيه المعالي و المحاميد
كانا كشمس نهار في البروج كما ادارها ثم احكام و تجويد
كسيرها انتقلا من طاهر علم إلى مطهرة آباؤها صيد
تفرقا عند عبد اللّه و اقترنا بعد النبوّة توفيق و تسديد (1)
الفصول المختارة 1:19. [1]
هذا،و في السير:أن في سنة(180)هاجت العصبية بالشام فقال هارون لجعفر البرمكي:اما تخرج انت أو أخرج أنا؟فقال جعفر بل أقيك بنفسي،فخرج فأصلحها،فقال منصور النميري:
فان أمير المؤمنين بنفسه اتاكم و الا نفسه فخيارها
«و الذراع من العضد» روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن أنس قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ:تؤتى يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها،و ركبتك مع ركبتي حتى ندخل الجنة جميعا (2).
و روى الخطيب-في أحمد بن محمّد بن صالح-عن حبشي بن جنادة قال:كنت جالسا عند أبي بكر فقال:من كانت له عند النبيّ عدة فليقم؟فقام رجل فقال:ان النبيّ وعدني بثلاث حثيات من تمر،فقال:أرسلوا إلى عليّ فقال:
يا ابا الحسن ان هذا يزعم أن النبيّ وعده أن يحثي له ثلاث حثيات من تمر، فاحثها له،فحثاها فقال أبو بكر:عدوها،فعدوها فوجدوها في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الاخرى،فقال أبو بكر:صدق اللّه و رسوله قال لي النبيّ ليلة الهجرة و نحن خارجان من الغار:كفي و كف عليّ في العدل سواء.
قلت:الخبر هكذا،و الظاهر أن فيه سقطا،و ان الأصل«وعدني بثلاث حثيات كل حثية ستين تمرة»،و لعله لذا أرسل أبو بكر إليه عليه السّلام و إلا فأبو بكر كان يأمر بالنداء في عداته صلّى اللّه عليه و آله في قباله عليه السّلام لأنه كان منجز عداته،و صرّح بذلك المأمون في خبر رد فدك بأنه كان يقبل ادّعاء كل من ادّعى عدة من النبيّ و لم يقبل ادعاء فاطمة بنحلة النبيّ لها فدك (1)
رواه ابن طاوس في الطرائف 1:248.
.هذا،و قالت امرأة في ابنها و كان أوّل ولدها و كانت هي و زوجها أول تزوجهما و يقال أشد الناس بكر ابن بكرين.
يا بكر بكرين و يا خلب الكبد أصبحت مني كذراع من عضد
«و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها» في(تفسير القمي):لما كتب عليه السّلام إلى معاوية«لا تقتل الناس،و لكن هلمّ إلى المبارزة»،و قال لمعاوية جلساؤه:قد أنصفك،قال:بل ما أنصفني،لأرمينه بمائة ألف سيف من أهل الشام قبل ان يصل إلي،ما أنا من رجاله و لقد سمعت النبيّ يقول له:لو بارزك أهل المشرق و المغرب لقتلتهم أجمعين (2).
و في كتب(غريب الحديث):كانت ضربات عليّ عليه السّلام أبكارا (3)-أي:
يموتون من ضربته الاولى-و في(عيون القتيبي):كانت درع عليّ عليه السّلام صدرا لا ظهر لها،فقيل له في ذلك فقال:إذا استمكن عدوي من ظهري فلا يبق.
و في(إرشاد المفيد):و من آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام انه مع طول ملاقاته الحروب و ملابسته اياها،و كثرة من مني به فيها من شجعان الاعداء و صناديدهم،و تجمعهم عليه،و احتيالهم في الفتك به،و بذل الجهد في ذلك ما
ولى قط عن احد منهم ظهره،و لا انهزم عن أحد منهم،و لا تزحزح عن مكانه، و لاهاب أحدا من أقرانه،و أما سواه عليه السّلام فلم يلق أحد منهم خصما له في حرب الا و ثبت له حينا و انحرف عنه حينا،و أقدم عليه وقتا و أحجم عنه زمانا،و إذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت له ما ذكرناه من انفراده بالآية الباهرة، و المعجزة الظاهرة،و خرق العادة فيه بما دل اللّه به على امامته،و كشف به عن فرض طاعته،و أبانه بذلك عن كافة خليقته (1)
الارشاد:162. [1]
.و في(جمله)روى الواقدي عن محمّد بن الحنفية قال:لما نزلنا البصرة و عسكرنا بها دفع أبي إلي اللواء و قال:لا تحدثن شيئا حتى يحدث فيكم،ثم نام فنالتنا نبل القوم،فأفزعته و هو يمسح عينيه من النوم،و أصحاب الجمل يصيحون يا لثارات عثمان،فبرز و ليس عليه الا قميص واحد،فقلت:يا ابه في مثل هذا اليوم بقميص واحد.قال:احرز امرأ أجله و اللّه قاتلت مع النبيّ و أنا حاسر أكثر مما قاتلت و أنا دارع،و دعا بدرعه البتراء-و كان بين كتفيه منها متوهيا-و جاء و في يده شسع نعل،فقال له ابن عباس:ما تريد بهذا الشسع؟ قال:اربط بها ما قد توهى من هذا الدرع من خلفي.فقال له:أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا؟فقال:لم؟قال:أخاف عليك.قال:لا تخف ان أوتي من ورائي، و اللّه يا ابن عباس ما وليت في زحف قط (2).
و في(تاريخ الطبري)عن جون بن قتادة قال:كنت مع الزبير يوم الجمل فجاء فارس فقال:جاء القوم حتى أتوا مكان كذا فسمعوا بما جمع لكم من العدد و العدة فقذف في قلوبهم الرعب فولوا مدبرين.فقال له الزبير:أيها عنك الان فو اللّه لو لم يجد ابن أبي طالب الا العرفج-شجر ينبت
في السهل-لدبّ إلينا فيه.
و فيه:عن بريدة الأسلمي:لما نزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحصن خيبر أعطى اللواء عمر بن الخطاب و نهض معه من الناس من نهض،فانكشف هو و أصحابه، فرجعوا يجبنه أصحابه و يجبنهم،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا عطين اللواء غدا رجلا يحب اللّه رسوله و يحبه اللّه و رسوله،فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر و عمر،فدعا عليّا عليه السّلام و هو أرمد،فتفل في عينيه و اعطاه اللواء،و نهض معه من نهض،فلقي أهل خيبر،فاذا مرحب يرتجز و يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرّب
اطعن أحيانا وحينا اضرب اذا الليوث اقبلت تلهب
فاختلف هو و عليّ عليه السّلام ضربتين،فضربه عليّ على هامته حتى عض السيف منها بأضراسه و سمع أهل العسكر صوت ضربته،فما تتامّ آخر الناس مع عليّ عليه السّلام حتى فتح اللّه له.
و في اسناد آخر عنه قال:كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ربما أخذته الشقيقة،فيلبث اليوم و اليومين لا يخرج،فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، و ان أبا بكر أخذ راية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،ثم نهض فقاتل قتالا شديدا،ثم رجع،فأخذها عمر،فقاتل أشد من القتال الأوّل،ثم رجع،فأخبر النبيّ بذلك،فقال:أما و اللّه لأعطينها غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله يأخذها عنوة و ليس ثم عليّ،فتطاولت لها قريش و رجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح فجاء عليّ عليه السّلام على بعير له حتى أناخ قريبا من خباء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو أرمد،و قد عصب عينيه بشقة برد قطري،فقال له النبيّ:ما لك؟قال:رمدت بعد.
فقال له النبيّ:ادن مني،فدنا منه،فتفل في عينيه،فما وجعهما حتى مضى
لسبيله،ثم أعطاه الراية-الخبر (1)
تاريخ الطبري 2:300،سنة 7. [1]
.و في(مقاتل أبي الفرج)بأسانيد عن عدة قالوا:خطب الحسن عليه السّلام بعد وفاة أبيه فقال:لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل،و لا يدركه الآخرون بعمل،و لقد كان يجاهد مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيقيه بنفسه،و لقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه،و ميكائيل عن يساره،فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه (2).
و روي عن الحسن عليه السّلام قال:ما قدمت راية قوتل تحتها أمير المؤمنين عليه السّلام إلا نكسها اللّه تعالى و غلب أصحابها و انقلبوا صاغرين،و ما ضرب عليه السّلام بسيفه ذي الفقار أحدا فنجا،و كان اذا قاتل جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره،و ملك الموت بين يديه (3).
و في(خلفاء ابن قتيبة)عن حية بن جهين قال:نظرت إلى عليّ عليه السّلام يوم الجمل و هو يخفق نعاسا،فقلت له:تاللّه ما رأيت كاليوم قط،و ان بإزائنا لمائة ألف سيف،و قد هزمت ميمنتك و ميسرتك و أنت تخفق نعاسا-إلى أن قال- فشق عليّ عليه السّلام في عسكر القوم يطعن و يقتل،ثم خرج و هو يقول الماء الماء، فأتاه رجل باداوة فيها عسل و قال له:الماء لا يصلح لك في هذا المقام و لكن أذوقك هذا العسل.فقال:هات،فحسا منه حسوة ثم قال:ان عسلك لطائفي.
فقال الرجل له عليه السّلام لعجبا منك و اللّه لمعرفتك الطائفي و غيره و قد بلغت القلوب الحناجر.فقال له عليّ عليه السّلام:و اللّه يا ابن أخي ما ملأ صدر عمك شيء قط و لاها به شيء (4).
«و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها» كان عليه السّلام كما قال ابن النطاح في أبي دلف العجلي:
و لو أن خلق اللّه في مسك فارس و بارزه كان الخلي من العمر
و في(مناقب السروي):قال عمر بن سعد يوم الطف لقومه:الويل لكم أ تدرون من تبارزون،هذا ابن أنزع البطين،هذا ابن قتّال العرب،فاحملوا عليه من كل جانب (1)
مناقب السروي 4:110.
.و في(إرشاد المفيد):و فيما صنعه أمير المؤمنين عليه السّلام ببدر قال اسيد بن أبي اياس يحرض مشركي قريش عليه:
في كل مجمع غاية أخزاكم جذع ابر على المذاكي القرّح
للّه درّكم الما تنكروا قد ينكر الحر الكريم و يستحي
هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح
و في فعاله يوم أحد يقول الحجاج بن علاط السلمي:
للّه أي مذبب عن حزبه اعني ابن فاطم المعم المحولا
جادت يداك له بعاجل طعنة تركت طليحة للجبين مجدّلا
و شددت شدة باسل فكشفتهم بالسفح اذ يهوون اسفل اسفلا
و عللت سيفك بالدماء و لم يكن لترده حران حتى ينهلا (2)
و في(تاريخ الطبري)-في احد بعد هزيمة الناس-قال أبو رافع:أبصر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش،فقال لعليّ:احمل عليهم،فحمل عليهم، ففرق جمعهم و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي،ثم ابصر جماعة من مشركي قريش،فقال لعليّ:احمل عليهم،فحمل عليهم ففرق جماعتهم،و قتل شيبة بن
مالك أحد بني عامر ابن لؤي،فقال جبرئيل للنبي:ان هذه للمواساة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:انه مني و أنا منه.فقال جبرئيل:و انا منكما-فسمعوا صوتا:لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ (1)
تاريخ الطبري 2:197،سنة 3. [1]
.و في(صفين نصر):اجتمع ليلة عند معاوية،أخوه عتبة،و الوليد بن عقبة،و مروان بن الحكم،و عبد اللّه بن عامر،و ابن طلحة الطلحات،فقال عتبة:
ان أمرنا و أمر عليّ لعجب،ليس منّا إلاّ موتور اما أنا فقتل جدي،و اشرك في دم عمومتي يوم بدر،و أما أنت يا وليد فقتل أباك،و أيتم اخوتك،و أما أنت يا مروان فكما قال الأوّل:
و افلتهن علباء جريضا و لو ادركنه صفر الوطاب
فقال لهم معاوية:فهذا الاقرار فأين الغير؟فقال له مروان:أي غير تريد.
قال:اريد أن تشجروه بالرماح.فقال له:و اللّه انك لهازل،و لقد ثقلنا عليك،فقال الوليد بن عقبة في ذلك:
يقول لنا معاوية بن حرب أما فيكم لواتركم طلوب
يشد على أبي حسن عليّ بأسمر لا تهجنه الكعوب
فيهتك مجمع اللبات منه و نقع القوم مطرد يثوب
فقلت له أتلعب يا ابن هند كأنك وسطنا رجل غريب
أ تأمرنا بحية بطن واد اذا نهشت فليس لها طبيب
و ما ضبع يدب ببطن واد أتيح له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منا إذا ما لقيناه و ذا منّا عجيب (2)
و روى أبو عبيدة-و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-ان عليّا عليه السّلام
استنطق الخوارج لقتل عبد اللّه بن خباب،فأقروا به،فقال:انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة،فتكتبوا كتائب،و أقرت كل كتيبة بمثل ما أقرت به الاخرى من قتل ابن خباب،و قالوا:و لنقتلنّك كما قتلناه.فقال عليه السّلام و اللّه لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا،و أنا اقدر على قتلهم به لقتلتهم.ثم التفت إلى أصحابه و قال:شدوا عليهم،فأنا أول من يشد عليهم،و حمل بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات،كل حملة يضرب به حتى يعرج متنه،ثم يخرج فيسويه بركبتيه،ثم يحمل به حتى أفناهم (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:282. [1]
.و روى(أمالي الشيخ)مسندا عن المغيرة بن الحارث:ان الناس فروا جميعا يوم حنين عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الا سبعة من بني عبد المطلب أبو سفيان و ربيعة و نوفل بنو الحرث بن عبد المطلب و العباس و ابنه الفضل و أمير المؤمنين عليه السّلام و اخوه عقيل،و النبيّ على بغلته الدلدل و هو يقول:
أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب
إلى أن قال:قال العباس لابنه:ما تلك البرقة.قال:سيف عليّ يزيل به بين الاقران.فقال:بر ابن برّ فداه عم و خال.قال:فضرب عليّ عليه السّلام يومئذ أربعين مبارزا كلهم يقدّه حتى أنفه و ذكره.قال:و كانت ضرباته مبتكرة (2).
و روى(صفين نصر بن مزاحم)عن ابن نمير الأنصاري أو أبيه قال:
و اللّه لكأني اسمع عليّا عليه السّلام حين سار أهل الشام-ذلك بعد ما طحنت رحا مذحج فيما بيننا و بين عك و لخم و جذام و الاشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي من حين استقبلت الشمس-ثم ان عليّا قال:حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا،و أنتم وقوف تنظرون إليهم،أما تخافون مقت اللّه.ثم
توجّه إلى القبلة و رفع يديه ثم نادى:«يا اللّه يا رحمن يا واحد يا صمد يا إله محمّد،اللهم اليك نقلت الاقدام،و أفضت القلوب،و رفعت الأيدي،و امتدت الأعناق،و شخصت الأبصار،و طلبت الحوائج.إنّا نشكو إليك غيبة نبينا، و كثرة عدونا،و تشتت أهوائنا،ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و انت خير الفاتحين»سيروا على بركة اللّه.ثم نادى لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر.
قال الأنصاري:لا و اللّه الّذي بعث محمّدا بالحق نبيا ما سمعنا برئيس منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب،انه قتل في ما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا،فيقول:معذرة إلى اللّه تعالى و إليكم من هذا،لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزني أني سمعت النبيّ يقول كثيرا:«لا سيف الا ذو الفقار،و لا فتى الا عليّ» و انا أقاتل به دونه.
قال:فكنا نأخذ السيف من يده فنقّومه،ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به في عرض الصف،فلا و اللّه ما ليث بأشد نكاية في عدوه منه-رحمة اللّه عليه رحمة واسعة (1)
وقعة صفين:477. [1]
.و عن زيد بن وهب قال:مر علي عليه السّلام يومئذ و معه بنوه نحو الميسرة، و اني لأرى النبل يمر بين عاتقه و منكبيه،و ما من بنيه أحد إلاّ يقيه بنفسه، فيكره عليّ عليه السّلام ذلك و يأخذ بيده فيلقيه بين يديه أو من ورائه،فبصر به أحمر مولى بني امية،فقال:عليّ و رب الكعبة قتلني اللّه ان لم أقتلك أو تقتلني.و أقبل نحوه عليه السّلام،فخرج إليه كيسان مولى عليّ فاختلفا ضربتين،فقتله مولى بني امية و خالط عليّا ليضربه بالسيف،فانتهزه عليّ عليه السّلام،فوضع يده في جيب درعه،فجذبه،ثم حمله على عاتقه،و كأني انظر إلى رجليه يختلفان على عنق
1) 1)
عليّ عليه السّلام،ثم ضرب به الأرض،فكسر منكبه و عضده،فكأني أنظر إلى عليّ عليه السّلام قائما و شبلاه يضربان الرجل حتى اذا قتلاه (1)
وقعة صفين:249. [1]
.و فيه-بعد ذكر طلبه عليه السّلام لمعاوية إلى المبارزة و اباء معاوية-فبرز عروة بن داود الدمشقي و قال:ان كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إليّ،فتقدم عليه السّلام إليه،فقال له أصحابه:ذر هذا الكلب،فإنّه ليس لك بخطر.
فقال:و اللّه ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه دعوني و إيّاه،ثم حمل عليه،فضربه، فقطعه قطعتين سقطت أحدهما يمنة و الاخرى يسرة،فارتج العسكران لهول الضربة.ثم قال عليه السّلام:يا عروة،اذهب فأخبر قومك،أما و الّذي بعث محمّدا بالحق لقد عاينت النار و أصبحت من النادمين (2).
و فيه:قال الشعبي:ذكر معاوية بعد عام الجماعة يوم صفين،فقال عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد:أما و اللّه لقد رأيت يوما من الايام و قد غشينا ثعبان مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا و بين الافق،و هو على أدهم سائل يضربهم بسيفه ضرب غرائب الابل كاشرا عن أنيابه كشر المخدر الحرب.فقال معاوية:و اللّه انه يجالد و يقاتل عن ترة له (3).
و في(بلدان الحموي):قال الدار قطني:كان الجوزجاني من الحفاظ المصنفين،لكن كان فيه انحراف عن عليّ عليه السّلام.قال ابن عديس:كنا عنده، فالتمس من يذبح له دجاجة،فتعذر عليه،فقال:يتعذر عليّ ذبح دجاجة و عليّ قتل سبعين ألفا في وقت واحد (4).
و في(تاريخ الطبري):قال الزبير بن الحرث،قلت لأبي لبيد لم تسب عليّا،
قال:لأنه قتل منا يوم الجمل ألفين و خمسمائة و الشمس هاهنا.
و قال ابن أبي يعقوب:قتل عليّ عليه السّلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة ألف، ثلاثمائة و خمسون من الازد،و ثمانمائة من بني ضبة،و ثلاثمائة و خمسون من سائر الناس (1)
تاريخ الطبري 3:547،سنة 36. [1]
.«و سأجهد» أي:سأسعى «في أن اطهر الأرض» فالأرض تنجس بالأشخاص الرجسة كما بالأعمال الرجسة،و في(الكافي)عن أبي الحسن عليه السّلام:حق على اللّه ألا يعصى في دار الا أضحاها للشمس حتى تطهرها (2).
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ساعة من امام عدل أفضل من عبادة سبعين سنة، و حدّ يقام للّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحا.
و عن أبي جعفر عليه السّلام:حد يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة و أيامها (3).
«من هذا الشخص المعكوس» قال ابن دريد في(جمهرته):عكست البعير عكسا اذا عقلت يديه بحبل،ثم رددت الحبل من تحت بطنه فشددته بحقوه، و البعير معكوس.
و قال الجوهري:العكس أن تشد حبلا في خطم البعير إلى رسغ يديه ليذل و اسم ذاك الحبل العكاس،و العكس درك آخر الشيء إلى أوله، و منه عكس البلية عند القبر،لانها كانوا يربطونها معكوسة الرأس إلى ما يلي كلكلها و بطنها،و يقال إلى مؤخرها مما يلي ظهرها،و يتركونها
على تلك الحال حتى تموت.
«و الجسم المركوس» في(الأساس):أركسه و ركسه:قلبه على رأسه.
و هو منكوس مركوس،و هذا ركس رجس،و أركسه في الشّر ردّه فيه «كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها» (1)
أساس البلاغة:176، [1]مادة(ركس)،و الآية 91 من سورة النساء. [2]
.في(صفين نصر)عن صعصعة:برز من أهل الشام رجل من ذي يزن اسمه كريب بن الصباح،ليس في أهل الشام يومئذ اشهر شدة بالبأس منه، فنادى:من يبارز،فبرز إليه المرتفع بن وضاح الزبيدي فقتله كريب،ثم نادى من يبارز فبرز إليه الحارث بن حلاج فقتله كريب،ثم نادى من يبارز،فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتله كريب،ثم رمى بأجسادهم بعضهم فوق بعض،ثم قام عليها بغيا و اعتداء،ثم نادى هل بقي مبارز،فبدر إليه عليّ عليه السّلام و قال له:ويحك لا يدخلنك ابن آكلة الاكباد النار و اني أدعوك إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه.فقال كريب:ما أكثر ما سمعنا هذه المقالة منك،لا حاجة لنا فيها، أقدم إذا شئت.فقال عليه السّلام:لا حول و لا قوة الا باللّه،ثم مشي إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها يتشحط في دمه،ثم نادى عليه السّلام من يبارز،فبرز إليه الحارث ابن وداعة الحميري فقتله،ثم نادى من يبارز،فبرز إليه المطاع بن المطلب فقتله،ثم نادى من يبارز،فلم يبرز إليه أحد،ثم نادى عليه السّلام:يا معشر المسلمين «الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (2)،ثم قال:ويحك يا معاوية هلم إليّ فبارزني و لا تقتلن الناس بيننا.
فقال عمرو:اغتنمه منتهزا،قد قتل عليّ ثلاثة من أبطال العرب و اني أطمع أن
تظفر به.فقال له معاوية:ان تريد إلاّ أن اقتل فتصيب الخلافة،اذهب إليك فليس يخدع مثلي (1)
وقعة صفين:315. [1]
.و روى أيضا:أن عليّا عليه السّلام ركب فرسه الّذي كان للنبيّ و كان يقال له المرتجز،ثم تعصب بعمامة النبيّ السوداء،ثم نادى«أيها الناس من يشري نفسه للّه يربح،هذا يوم له ما بعده،ان عدوكم قد قرح كما قرحتم»فانتدب له من بين العشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا وضعوا سيوفهم على عواتقهم، و تقدمهم عليّ و هو يقول:
دبّوا دبيب النمل لا تفوتوا و أصبحوا بحربكم و بيتوا
حتى تنالوا الثار أو تموتوا أو لا فاني طالما عصيت
قد قلتم لو جئتنا فجئت ليس لكم ما شئتم و شئت
و حمل الناس حملة واحدة،فلم يبق لاهل الشام صف الا انتقض، و اهمدوا ما أتوا عليه حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية و عليّ عليه السّلام يضربهم بسيفه و هو يقول:
اضربهم و لا أرى معاوية الأخرز العين العظيم الحاويه
هوت به في النار ام هاويه
فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه،فلما وضع رجله في الركاب تمثل بأبيات عمرو بن الاطنابة:
أبت لي عفتي و أبى بلائي و أخذي الحمد بالثمن الربيح
فثنى رجله عن الركاب-إلخ.و ذكر فزعه إلى عمرو في تدبير و تدبيره له رفع المصاحف (2).
«حتى تخرج المدرة» الحجر الصغير «من بين حبّ الحصيد» شبه عليه السّلام معاوية بحجر و مدر يكون في الحنطة و الشعير فينقيان من المدره إذا أريد طحنهما للطعام.
هذا،و جهد عليه السّلام أن يطهر الأرض من ذاك الرجس النجس القذر الكدر، لكن تخلية الناس له عليه السّلام يوم السقيفة و يوم الشورى و تقديمهم للاول المستلزم لحكومة الثاني و للثالث عليه،ثم عدم جدهم معه عليه السّلام في مجاهداته مع معاوية،و قيام الناكثين و القاسطين و المارقين في قباله،و ترك كثير من الناس له،و لحوقهم لمعاوية أوجبت في حكمة اللّه تعالى تسليط معاوية عليهم،ثم باقي بني امية «وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (1)
الانعام:129. [1]
.و روى محمّد بن يعقوب في(نوادر نذر كافيه)عن عدي بن حاتم ان أمير المؤمنين عليه السّلام قال في يوم التقى هو و معاوية بصفين،و رفع صوته ليسمع أصحابه:و اللّه لأقتلن معاوية و أصحابه،ثم يقول في آخر قوله«ان شاء اللّه»-يخفض بها صوته-قال عدي:و كنت قريبا منه عليه السّلام فقلت:يا أمير المؤمنين انك حلفت على ما فعلت ثم استثنيت،فما أردت بذلك.فقال لي:ان الحرب خدعة،و أنا عند المؤمنين غير كذوب،فأردت ان أحرض أصحابي عليهم كيلا يفشلوا و كي يطمعوا فيهم،فأفقههم ينتفع بها بعد اليوم إن شاء اللّه، و اعلم ان اللّه جلّ ثناؤه قال لموسى عليه السّلام حيث أرسله إلى فرعون «فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى» (2)و قد علم اللّه انه لا يتذكر و لا يخشى،
الحكمة(318)
وَ قِيلَ لَهُ ع بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الْأَقْرَانَ- فَقَالَ:
مَا لَقِيتُ رَجُلاً إِلاَّ أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ قال؟الرضي؟:يومئ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب أقول:هكذا في(المصرية)و«رجلا»محرف«أحدا»بشهادة(ابن أبي الحديد و الخطية)،و ليس في الثاني«قال الرضي»و لا«بذلك»،و في نسختي من ابن ميثم هنا سقط (2).
و كيف كان ففي(إرشاد المفيد):لما انهزم الأحزاب و ولوا عن المسلمين الدبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على قصد بني قريظة،و انفذ إليهم أمير المؤمنين عليه السّلام في ثلاثين من الخزرج و قال له:انظر بني قريظه هل نزلوا حصونهم،فلما شارف سورهم سمع منهم الهجر،فرجع إلى النبيّ فأخبره،فقال:دعهم فان اللّه سيمكّن منهم،ان الّذي أمكنك من عمرو بن عبدود لا يخذلك،فقف حتى يجتمع الناس إليك،و بشر بنصر من عند اللّه،فإن اللّه تعالى قد نصرني بالرعب من بين يدي مسيرة شهر.قال عليه السّلام:فاجتمع الناس إليّ و سرت حتى دنوت من سورهم،فأشرفوا عليّ،فلما رأوني صاح صائح منهم قد جاءكم قاتل عمرو، و قال آخر اقبل إليكم قاتل عمرو،و جعل بعضهم يصيح ببعض و يقولون ذلك، و ألقى اللّه في قلوبهم الرعب و سمعت راجزا يرتجز:
قتل عليّ عمرا صاد عليّ صقرا
قصم عليّ ظهرا أبرم عليّ أمرا
هتك على سترا
فقلت:الحمد للّه الّذي أظهر الاسلام و قمع الشرك (1)
الارشاد:57. [1]
.و فيه-بعد ذكر فتح مكة-بلغ أمير المؤمنين عليه السّلام ان اخته امّ هاني آوت أناسا من بني مخزوم منهم الحرث بن هشام و قيس بن السائب،فقصد عليه السّلام نحو دارها مقنّعا بالحديد،فنادى:اخرجوا من آويتم،فجعلوا يذرقون كما يذرق الحباري خوفا منه،فخرجت إليه أم هاني-و هي لا تعرفه-فقالت:يا عبد اللّه،أنا ام هاني ابنة عم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و اخت عليّ بن أبي طالب،انصرف عن داري.فقال عليه السّلام لها:أخرجوهم.فقالت:و اللّه لأشكونّك إلى النبيّ،فنزع المغفر عن رأسه،فعرفته،فجاءت تشتد حتى التزمته و قالت:فديتك حلفت لأشكونك إلى النبيّ.فقال لها:اذهبي فأبري قسمك (2).
و قال الوليد بن عقبة ردا على معاوية لما قال له و لمروان و عتبة:لا تستطيعون ان تشجروا عليّا بالرماح لأنه ما قابله أحد الا هلك الا عمرو بن العاص لخصيتيه فقال:
دعا للقاه في الهيجاء لاق فاخطأ نفسه الاجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه نجا و لقلبه منها و جيب
كأن القوم لما عاينوه خلال النقع ليس لهم قلوب
فلما سمع ذلك عمرو بن العاص غضب و قال-كما في(صفين نصر)- ان كان الوليد صادقا فليقف حيث يسمع صوت عليّ،و قال:
يذكّرني الوليد دعا عليّ و بطن المرء يملؤه الوعيد
متى يذكر مشاهدة قريش يطر من خوفه القلب الشديد
كما أن عمرا قال في رد معاوية لما شمت بكشفه و كان عليه السّلام دعا معاوية إلى البراز فأبى:
معاوى ان ابصرت في الخيل ابا حسن يهوى دهتك الوساوس
و ايقنت ان الموت حق و انه لنفسك ان لم تمض في الركض حابس
فانك لو لاقيته كنت بومة اتيح لها صقر من الجور آنس
دعاك فصمت دونه الاذن هاربا فنفسك قد ضاقت عليها الا مالس
و ايقنت ان الموت أقرب موعد و ان الّتي ناداك فيا الدهارس
أبى اللّه إلاّ انه ليث غابة أبو اشبل تهدي إليه الفرائس (1)
وقعة صفين:418. [1]
و في(إرشاد المفيد):و من آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام:انه لم يعهد لأحد من مبارزة الأقران،و منازلة الأبطال ما عرف له عليه السّلام من كثرة ذلك على مر الزمان،ثم انه لم يوجد في ممارسي الحروب الا من عرته بشر و نيل منه بجراح أو شين الا أمير المؤمنين عليه السّلام،فانه لم ينله مع طول زمان حربه جراح من عدو و لا شين،و لا وصل إليه أحد منهم بسوء حتى كان من امره مع ابن ملجم على اغتياله اياه ما كان،و هذه اعجوبة افرده اللّه بالآية فيها.
1) 1)
و من آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام انه لا يذكر ممارس للحروب لقي فيها عدوا الا و هو ظافر به حينا و غير ظافر به حينا،و لا نال أحد منهم خصمه بجراح الا و قضى منها وقتا و عوفي منها زمانا،و لم يعهد من لم يفلت منه قرن في حرب و لا نجا من ضربته أحد فصلح منها سواه،فانه لا مرية في ظفره بكل قرن بارزه،و اهلاكه كل بطل نازله-إلخ (1)
الإرشاد:162. [1]
.قلت:و أما نجاة عمرو بن العاص و بسر بن ارطأة منه عليه السّلام فانما لكشفهما عورتهما،فتركهما تكرما.
و في(أدب كتاب الصولي):القط أكثر ما يستعمل فيما وقع السيف في عرضه،و القد لما وقع في طوله،و منه قولهم كان عليّ بن أبي طالب إذا علا بسيفه شيئا قدّه،و إذا اعترضه قطّه.
و في(نهاية ابن الأثير):في الحديث«كانت ضربات عليّ بن أبي طالب مبتكرات لا عونا»أي:ان ضربته كانت بكرا يقتل بواحدة منها،و لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانيا (2).
و في(مناقب السروي):كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذا خرج من بيته تبعه«أحداث المشركين يرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبه و عرقوبه،و كان عليّ عليه السّلام يحمل عليهم فينهزمون،فنزل «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» (3).
و قيل لخلف الأحمر:ايما أشجع عنبسة و بسطام أم عليّ عليه السّلام؟فقال:
انما يذكر عنبسة و بسطام مع الناس و البشر،لا من يرتفع عن هذه الطبقة.
فقيل له:فعلى كل حال.قال:و اللّه لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:146. [1]
.و في(فصول المرتضى):قد جاء الأثر من طرق شتى بأسانيد مختلفة عن زيد بن وهب قال:سمعت عليّا عليه السّلام يقول-و قد ذكر حديث بدر-و قتلنا من المشركين سبعين و أسرنا سبعين،و كان الّذي أسر العباس رجل قصير من الأنصار،فأدركته،فالقى العباس عليّ عمامته لئلا يأخذها الأنصاري،و أحب أن أكون أنا الّذي اسرته،و جئت به إلى النبيّ،فقال الأنصاري له صلّى اللّه عليه و آله:جئتك بعمّك العباس أسيرا.فقال العباس:كذبت ما أسرني إلا ابن أخي،و لكأني بحلجته و حسن وجهه،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ان الملائكة الّذين أيدني اللّه تعالى بهم على صورة عليّ ليكون ذلك أهيب لهم في صدور الأعداء.
و جاء عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام في حديث بدر:لقد كان يسأل الجريح من المشركين فيقال له:من جرحك؟فيقول:عليّ بن أبي طالب فاذا قالها مات (2).
هذا و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا ممن نصر بالرعب،فقد عرفت من خبر الارشاد أنه قال:نصرني ربيّ بالرعب من بين يدي مسيرة شهر.و كيف لا و قد قال تعالى: «وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (3).
و في(تاريخ الطبري):كان أبي بن خلف يلقى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمكة فيقول:يا محمّد ان عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها.فيقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:بل أنا اقتلك ان شاء اللّه.فلما اسند النبيّ يوم احد في الشعب،أدركه
أبي و هو يقول:اين محمّد لا نجوت ان نجوت.فقال القوم للنبيّ:أ يعطف عليه رجل منا.قال:دعوه،فلما دنا تناول النبي صلّى اللّه عليه و آله الحربة من الحارث ابن الصمة فطعنه في عنقه،فلما رجع ابي إلى قريش،و قد خدشه في عنقه خدشا غير كبير،فاحتقن الدم قال:قتلني و اللّه محمّد.قالوا:ذهب و اللّه فؤادك و اللّه ان بك بأس.قال:إن محمّدا قال لي بمكة أنا اقتلك،فو اللّه لو بصق عليّ لقتلني،فمات بسرف في قفولهم إلى مكة (1)
تاريخ الطبري 2:200،سنة 3. [1]
.و مثل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله القائم عليه السّلام،روى النعماني عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» (2)هو أمرنا امر اللّه تعالى الا نستعجل به، يؤيده بثلاثة أجناد بالملائكة و بالمؤمنين و بالرعب،و خروجه كخروج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و ذلك قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ» (3).
بل كانوا عليهم السّلام كلهم كذلك،فمسلم بن عقبة الّذي كان صاحب وقعة الحرة بالمدينة،و بايع الناس على انهم عبيد ليزيد و من أبى امره على السيف، و عامل مشايخ بني اميّة بما هو مذكور في السير،أرتعب من عليّ بن الحسين عليه السّلام،ففي مروج المسعودي:نظر الناس إلى عليّ بن الحسين و قد لاذ بالقبر و هو يدعو،فأتى به إلى مسرف و هو مغتاظ عليه،فتبرا منه و من آبائه، فلما رآه و قد أشرف عليه ارتعد و قام له و أقعده إلى جانبه و قال له:سلني حوائجك،فلم يسأله في أحد ممن قدم إلى السيف الا شفعه فيه،ثم انصرف عنه.
إلى أن قال:و قيل لمسلم:رأيناك تسب هذا الغلام و سلفه،فلما أتى به رفع منزلته،فقال:ما كان ذلك لرأي مني،لقد ملئ قلبي منه رعبا (1)
مروج الذهب 3:70. [1]
.و لمهابته عليه السّلام كان الناس يتنكبون له إذا دخل المطاف،مع ان في ذاك المقام السلطان و السوقة سواء،و يشهد له قصته عليه السّلام مع هشام،فقال الفرزدق فيه أبياتا منها:
يغضي حياء و يغضي من مهابته فلا يكلّم إلاّ حين يبتسم
هذا،و من قصص الرعب ما في(تاريخ الطبري)عن شبيب الخارجي قال لأصحابه:قتلت أمس رجلين أحدهما أشجع الناس و الآخر أجبن الناس، خرجت عشية أمس طليعة لكم،فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم،فاشترى أحدهم حاجته ثم خرج قبل أصحابه،و خرجت معه، فقال:كأنك لم تشتر شيئا.فقلت:ان لي رفقاء قد كفوني ذلك.فقلت له:أين ترى عدونا هذا قد نزل؟قال:بلغني انه نزل قريبا منا،و ايم اللّه لوددت اني قد لقيت شبيبهم هذا.قلت:فتحب ذلك؟قال:نعم.قلت:فخذ حذرك فأنا و اللّه شبيب، و انتضيت سيفي فخر و اللّه.فقلت له:ارتفع ويحك و ذهبت أنظر،فاذا هو قد مات،فانصرفت-الخبر (2).
و ما في(عيون القتيبي)عن خلف الأحمر قال:كان أبو عروة السباع يصيح بالسبع و قد احتمل الشاة،فيسقط،فيموت،فيشق بطنه،فيوجد فؤاده قد انخلع.
و ما في(أغاني الاصبهاني):لقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب كان جبانا اهوج و عليه حلة جيدة،فقال لتأبط شرا:بم تغلب
الرجل و انت كما أرى دميم ضئيل.قال:باسمي،انما أقول ساعة ألقى الرجل انا تأبط شرا،فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت.قال:هل لك أن تبيعني اسمك؟قال:نعم.قال:فبم تبتاعه.قال:بهذه الحلة و بكنيتي.قال له افعل،ففعل و قال له تأبط شرا لك اسمي و لي كنيتك،و اخذ حلته و أعطاه طمريه-و في ذلك يقول:
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها تأبط شرا و اكتنيت ابا وهب
فهبه تسمى اسمي و سمّيت باسمه فأين له صبري على معظم الخطب
و أين له بأس كبأسي و سورتي و أين له في كل فادحة قلبي
و لبعضهم في أبي الندي:
ينال من الأعداء خوف أبي الندي و هيبته ما لا تنال العساكر
من الخطبة(190)
بعد ذكر أمر الله تعالى له بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و جهاده معهم:
أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاَكِلِ الْعَرَبِ- وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ؟رَبِيعَةَ؟ وَ؟مُضَرَ ؟ «أنا وضعت في الصغر» هكذا في(المصرية)،و كلمة«في الصغر»زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 13:197،و [1]شرح ابن ميثم 4:308. [2]
و عدم صحة معناها «بكلاكل» أي:صدور،و نقله ابن ميثم(بكلكل)و اشار إلى نقل ابن أبي الحديد(بكلاكل) (2)«العرب» حتى سمّوه عليه السّلام قتّال العرب،ففي(المناقب):قال عمر بن سعد يومالطف لقومه:الويل لكم أ تدرون من تبارزون؟هذا ابن أنزع البطين،هذا ابن قتّال العرب،فاحملوا عليه من كل جانب (1)
مناقب السروي 4:110.
.و وصفه بكلاكل العرب كناية عن إذلالها،كبعير تسقطه على الصدر فلا يقدر على التحرك،كما ان قولك«ألقي عليه كلكلا»كناية عن اضمحلاله له، كبعير يسقط بصدره على انسان،قال الراجز:
لو انها لاقت غلاما طائطا ألقى عليها كلكلا علا بطا
و حينئذ فالباء في «بكلاكل» للتعدية لا زائدة،كما قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم (2)،فمعنى«وضعت بالشيء»غير معنى وضعت الشيء.
قال ابن دريد:و ربما قالوا الكلكال في الشعر،قال دكين الراحز:
أقول إذ خرّت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال
و قال الجوهري:الكلكل ربما جاء في الشعر مشددا،قال الشاعر:
كأن مهواها على الكلكل موضع كفي راهب يصلي
«و كسرت نواجم» أي:طوالع(القرون)هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«قرون» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3)(ربيعة و مضر) و المراد بهما هنا القبيلتان اللتان يضرب بهما المثل في الكثرة،و الاصل فيهما مضر و ربيعة ابنا نزار بن معد بن عدنان،قال الجوهري:يقال لمضر «مضر الحمراء»و لربيعة«ربيعة الفرس»لانهما لما اقتسما الميراث اعطي مضر الذهب،و اعطي ربيعة الخيل،و يقال:كان شعار مضر في الحرب العمائم،و الرايات الحمر،و لاهل اليمن الصفر،و فسر بعضهم به
قول أبي تمام في وصف الربيع:
محمرة مصفرة فكأنها عصب تيمن في الوغا و تمضر
و في(معارف ابن قتيبة):و أما مضر و ربيعة فاليهما ينسب ولد نزار، و هم الصريح من ولد إسماعيل عليه السّلام.
قال ابن أبي الحديد:فان قلت:أما قهره لمضر فمعلوم،فما حال ربيعة و لم نعرف انه قتل منهم أحدا؟ قلت:بلى قد قتل بيده و بجيشه كثيرا من رؤسائهم في صفين و الجمل، فقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل (1)
شرح ابن أبي الحديد 13:198. [1]
.قلت:لا يبعد أن يريد عليه السّلام بكسره نواجم قرون ربيعة و مضر في حروبه عليه السّلام في غزوات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فكان حروبه مع ربيعة و مضر دون اليمن،و لأنه عليه السّلام ذكر أهل الجمل و صفين كالنهروان قبل هذا الكلام.
و في خطبة الصديقة عليها السّلام في فدك-كما رواها أحمد بن أبي طاهر البغدادي-فأنقذكم اللّه برسوله بعد اللّتيّا و الّتي،و بعد ما مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب،كلما حشوا نارا للحرب اطفأها اللّه،و كلما نجم قرن للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها،فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه و يخمد لهبها بحده،مكدودا في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه سيدا في أولياء اللّه،و أنتم في بلهنية وادعون آمنون-إلخ.
و أما في صفين فكان أكثر مقتوليه عليه السّلام من اليمن اتباع معاوية أهل الشام،فلم لم يذكرهم كما ان أكثر أتباعه عليه السّلام كانوا من ربيعة،كما أن
1) 1)
بعضهم من مضر،و بعضهم من اليمن،و هم مذحج و همدان،و قال-كما في صفين نصر-في ربيعة و مذحج:
جزى اللّه قوما صابروا في لقائهم لدى البأس حرت ما أعفّ و أكرما
و أحزم صبرا حين تدعى إلى الوغا إذا كان اصوات الكماة تغمغما
ربيعة أعني انّهم أهل نجدة و بأس إذا لاقوا خميسا عرمرما
و قد صبرت عك و لخم و حمير لمذحج حتى لم يفارق دم دما
و نادت جذام يال مذحج ويلكم جزى اللّه شرا أينا كان أظلما (1)
وقعة صفين:289. [1]
و حتى أن معاوية كان نذر في سبي نساء ربيعة و قتل المقاتلة،فقال خالد بن معمر-كما في(صفين نصر)-:
تمنى ابن حرب نذرة في نسائنا و دون الّذي ينوي سيوف قواضب (2)
و كانت ربيعة تعاقدت ألا ينظر رجل منها خلفه حتى يرد سرادق معاوية،فلما نظر معاوية إليهم قد أقبلوا قال:
إذا قلت قد ولّت ربيعة أقبلت كتائب منهم كالجبال تجالد
و قال لعمرو:ما ترى؟قال:أرى إلاّ تحنث أخوالي اليوم،فخلى معاوية عن سرادقه لائذا إلى بعض مضارب العسكر،و بعث إلى خالد بن المعمر ان ظفرت فلك إمرة خراسان ان لم تتم،فطمع خالد في ذلك و لم يتم،فأمّره معاوية حين بايعه على خراسان إلاّ أنه مات قبل ان يصل إليها (3).
و في(صفين نصر):جمع عليّ عليه السّلام أهل همدان،فقال:يا معشر همدان،أنتم درعي و رمحي،ما نصرتم الا اللّه،و لا أجبتم غيره،و في
هذا اليوم قال عليّ:
و لو كنت بوابا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام (1)
وقعة صفين:437. [1]
و في(موفقيات الزبير بن بكار)عن عمّه مصعب بن عبد اللّه:كان عليّ بن أبي طالب شديد الروغان من قرنه،لا يكاد أحد يتمكن منه،و كانت درعه صدرا لا ظهر لها،فقيل له:ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك فيقول:إذا أمكنت عدوّي من ظهري فلا أبقى اللّه عليه ان أبقى عليّ.
من الكتاب(36)
في كتابه عليه السّلام إلى عقيل أخيه:
وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ- فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ- لاَ يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً- وَ لاَ تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً- وَ لاَ تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ- وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً- وَ لاَ مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً- وَ لاَ سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ- وَ لاَ وَطِيءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُتَقَعِّدِ- وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو؟بَنِي سَلِيمٍ؟- فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ
يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ
«و أما ما سألت عنه من رأيي في القتال فان رأيي قتال المحلّين حتى ألقى اللّه» كان عقيل كتب إليه عليه السّلام-كما في( خلفاء ابن قتيبة-الإمامة و السياسة-ج 1 ص 54 ابن قتيبة)بعد شخوصه من المدينة في الطريق-اني خرجت معتمرا،فلقيت عائشة معها طلحة و الزبير و ذوهما متوجهون إلى البصرة قد أظهروا الخلاف،و نكثوا البيعة،و ركبوا عليك قتل عثمان،و معهم على ذلك كثير من الناس من طغامهم و أوباشهم،ثم
1) 1)
مرّ عبد اللّه بن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني اميّة،فقلت لهم بعد أن عرفت المنكر في وجوههم:أ بمعاوية تلحقون عداوة، و اللّه انها منكم ظاهرة غير متنكرة،تريدون بها اطفاء نور اللّه و تغيير أمره، فأسمعني القوم و أسمعتهم-إلى أن قال بعد ذكر سماعه لما وصل إلى مكة غارة الضحاك بن قيس على الحيرة و اليمامة-فظننت حين بلغني ذلك أن انصارك خذلوك،فاكتب إليّ يا ابن امي برأيك و أمرك،فان كنت الموت تريد تحملت إليك بني أخيك و ولد أبيك،فعشنا ما عشت،و متنا معك إذا مت،فو اللّه ما أحب أن أبقى بعدك،فو اللّه الأعز الأجل ان عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنيء و لا مريء و لا نجيع-إلخ.
فكتب إليه جوابه و فيه هذا (1)
الإمامة و السياسة 1:54. [1]
،و مراده عليه السّلام بالمحلين الناكثون و القاسطون.«لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة و لا تفرقهم عني وحشة» لما كان عقيل كتب إليه عليه السّلام«ظننت أن انصارك خذلوك»قال هذا في جواب كلامه،و كيف لا يكون عليه السّلام كذلك و هو أمير المؤمنين و قال تعالى في المؤمنين: «وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (2)و هو عليه السّلام سيد المتوكلين و قد قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » (3).
«و لا تحسبنّ ابن أبيك و لو» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و في (ابن ميثم)(و ان) (4)«أسلمه» أي:تركه «الناس متضرعا متخشعا» قال الدارمي:
و لست إذا ما سرّني الدهر ضاحكا و لا خاشعا ما عشت من حادث الدهر
و قال آخر:
قد عشت في الناس أطوارا على طرق شتى و قاسيت فيها اللين و الفظعا
كلاّ بلوت فلا النعماء تبطرني و لا تخشعت من لاوائها جزعا
لا يملأ الهول صدري قيل موقعه و لا أضيق به ذرعا إذا وقعا
«و لا مقرا للضيم» أي:الذلة «واهنا» أي:ضعيفا.
و في(تاريخ الطبري):ان قيس بن الأشعث قال للحسين عليه السّلام يوم الطف:
أو لا تنزل على حكم بني عمك،فانهم لن يروك الا ما تحب.فقال عليه السّلام:لا و اللّه لا أعطيهم بيدي اعطاء الذليل،و لا اقرّ لهم إقرار العبيد (1)
تاريخ الطبري 4:323،سنة 61. [1]
.«و لا سلس الزمام للقائد» كبعير يقوده بزمامه الانسان حيث شاء «و لا وطيء» أي:لين «الظهر للراكب المتقعد» هكذا في(المصرية)و الصواب:
«المقتعد»من باب الافتعال كما يشهد له(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)و عدم كونه وطيء الظهر كقعود الراعي،قال أبو عبيدة:القعود من البعير الّذي يقتعده الراعي في كل حاجة و بتصغيره جاء المثل«اتخذوه قعيد الحاجات»إذا امتهنوا الرجل في حوائجهم (3)(و لكنه كما قال أخو بني سليم:
فان تسأليني كيف أنت فانني صبور على ريب الزمان صليب
يعزّ عليّ ان ترى بي كآبة فيشمت عاد أو يساء حبيب)
قال ابن أبي الحديد:الشعر ينسب إلى العباس بن مرداس السلمي و لم أجده في ديوانه (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:152. [1]
.قلت:بل الظاهر أن البيتين لصخر بن عمرو السلمي،قال في الأغاني كان صخر طعن في جنبه في حرب،فمرض قريبا من حول و قد نتأت في موضع الطعنة قطعة مثل الكبد،فأحمسوا له شفرة،ثم قطعوها لعله يبرأ،فسمع أن اختها تقول:كيف كان صبره.فقال:
أجارتنا ان الخطوب تنوب على الناس كل المخطئين يصيب
فان تسأليني هل صبرت فانني صبور على ريب الزمان صليب
كأني-و قد أدنوا إلي شفارهم- من الصبر دامي الصفحتين ركوب
أجارتنا لست الغداة بظاعن و لكن مقيم ما أقام عسيب
فمات،فقبر قريبا من عسيب-جبل بأرض بني سليم.
فترى البيت الثاني عين البيت الأوّل مع اختلاف يسير في اللفظ،و تركه البيت الثاني لاختلاف الرواة في النقل،و أظن ان بيته الأوّل و بيته الأخير ممّا خلط،و انهما لامرئ القيس خلطا ببيتي هذا لكونهما على روي واحد،و يشهد للخلط أنه قال:ان اخته قالت كيف صبره و قال هو في البيتين«أجارتنا» و الجارة تقال للغريبة.
و على ما استظهرناه يكون الخطاب في قوله«فان تسأليني»لاخته خنساء،كما ان الظاهر أن المراد بعاد في قوله«فيشمت عاد»مثل امرأته، و بحبيب في قوله«أو يساء حبيب»مثل أمه،ففي(شعراء ابن قتيبة):طال مرض صخر من جرحه،فكان قومه إذا سألوا امرأته عنه قالت:لا هو حي فيرجى،و لا ميت فينسى،و صخر يسمع كلامها،فيشق ذلك عليه،و إذا سألوا
1) 1)
أمه قالت:اصبح صالحا بنعمة اللّه،ففي ذلك يقول:
أرى أم صخر ما تملّ عيادتي و ملّت سليمى مضجعي و مكاني
و ما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك و من يغتر بالحدثان
و اي امرئ ساوى بأم،حليلة فلا عاش الا في شقا و هو ان
لعمري لقد نبّهت من كان راقدا و أسمعت من كانت له اذنان
و كيف كان فنسب إليه عليه السّلام من الشعر قريبا من هذا المعنى:
ولي فرس للخير بالخير ملجم و لي فرس للشرّ بالشر ملجم
فمن رام تقويمي فاني مقوّم و من رام تعويجي فإنّي معوّج (1)
نقله ابن عساكر في ترجمة عليّ عليه السّلام 3:307، [1]بفرق في اللفظ.
هذا،و في معنى البيت الأوّل قول ابن الجراح الوزير:
و من يك عنّي سائلا شامتا لما نابني أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة صبورا على أهوال تلك الزلازل
إذا سر لم يبطر و ليس لنكبة إذا نزلت بالخاشع المتضائل
و قريب منه قول تأبط شرا:
و ما ولدت امي من القوم عاجزا و لا كان ريشي من ذنابي و لا لغب
و قول ابن وادع العوفي:
لا استكين إذا ما أزمة أزمت و لن تراني بخير فاره الطلب
هكذا نقله ابن برّي،و نقل الزمخشري الشطر الثاني«و لا تراني الا فاره اللبب» (2).
مر في فصل بيعته قوله عليه السّلام لعمار في المغيرة:«دعه يا عمار فانه لم يأخذ من الدين إلاّ ما قاربه من الدنيا»-إلخ.
و في فصل الامامة الخاصة قوله عليه السّلام لأنس:«ان كنت كاذبا»-إلخ.
و في فصل صفين في ابن العاص و معاوية:«و لم يبايع حتى شرط».
و فيه:«و لا المهاجر كالطليق»-إلخ.
و فيه:«أين عمار و أين ابن التيهان و أين ذو الشهادتين»-إلخ (1).
الكتاب(13)
و من كتاب له عليه السّلام إلى أميرين من أمراء جيشه:
وَ قَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا- وَ عَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا؟مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ؟- فَاسْمَعَا لَهُ وَ أَطِيعَا وَ اجْعَلاَهُ دِرْعاً وَ مِجَنّاً- فَإِنَّهُ مِمَّنْ لاَ يُخَافُ وَهْنُهُ وَ لاَ
1) 1) راجع العنوان 13 من الفصل الثلاثين و العنوان 28 من الفصل الثامن و العناوين 5 و 6 و 10 من الفصل الثاني و الثلاثين.
سَقْطَتُهُ- وَ لاَ بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ- وَ لاَ إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ قول المصنف :(و من كتاب له عليه السّلام إلى أميرين من امراء جيشه)و هما زياد بن النضر و شريح بن هاني،قدمهما عليه السّلام أمامه نحو معاوية،فاستقبلهما أبو الاعور السلمي في جند من أهل الشام من قبل معاوية،فكتبا إليه عليه السّلام بذلك،فبعث الأشتر مددا لهما و كتب إليهما بالعنوان مع زيادة«و قد امرته بمثل الّذي أمرتكما به ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم،فيدعوهم فيعذر إليهم».
قوله عليه السّلام «و قد أمّرت عليكما» يا زياد و يا شريح «و على من في حيزكما» كان في حيز كل منهما ستة آلاف رجل «مالك بن الحارث الأشتر» و الأشتر من انقلب جفن عينه،كان مشتهرا باللقب.
قال نصر بن مزاحم كما في(صفينه)و أبو مخنف كما في(تاريخ الطبري):فخرج الأشتر حتى قدم على القوم،فاتبع ما امره به عليّ عليه السّلام و كف عن القتال،فلم يزالوا متوافقين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الاعور،فثبتوا و اضطربوا ساعة،ثم انصرف أهل الشام،ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل و رجال،و خرج إليهم أبو الاعور،فصبر بعضهم لبعض،ثم انصرفوا و بكر عليهم الأشتر،فقتل منهم عبد اللّه بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي،و كان ظبيان يومئذ حدث السن،و التنوخي فارس أهل الشام،و أخذ الأشتر يقول:و يحكم أروني أبا الأعور،و قال لسنان بن مالك النخعي:انطلق إليه فادعه إلى المبارزة.فذهب فدعاه،فسكت عنه طويلا ثم قال:إن خفة الأشتر و سوء رأيه هو الّذي دعاه إلى اجلاء عمال عثمان من العراق،و افترائه عليه يقبح محاسنه،و يجهل حقه،و يظهر عداوته،و من خفة الأشتر و سوء رأيه انه سار إلى عثمان في داره و قراره،فقتله فيمن قتله،
فأصبح متبعا بدمه،لا حاجة لي في مبارزته.
قال سنان:فقلت لأبي الأعور:إنك قد تكلمت فاستمع مني حتى أخبرك.
فقال لي:لا حاجة لي في جوابك و لا الاستماع منك اذهب عني،و صاح بي أصحابه،فانصرفت عنه و لو سمع مني لا خبرته بعذر صاحبي و حجّته، فرجعت إلى الأشتر،فأخبرته أنه قد أبى المبارزة،فقال لنفسه ننظر،فتوافقنا حتى الليل،فلما أصبحنا نظرنا،فاذاهم قد انصرفوا (1)
وقعة صفين:154،و [1]تاريخ الطبري 3:565،سنة 36. [2]
.«فاسمعا له و أطيعا و اجعلاه درعا و مجنا» أي:ترسا.كان عليه السّلام قد بعث رجالا إلى الكوفة لصدّ أبي موسى الأشعري عن تثبيط الناس،و كان لم يبال بهم حتى بعث عليه السّلام الأشتر إليه ففر منه،و كان الناس يحتمون عن البراز إليه كما يحتمون عن البراز إليه عليه السّلام،كما عرفته من قصة أبي الأعور.
هذا،و في(كامل المبرد):روي ان الحجاج لما ورد عليه ظفر المهلب و قتله لعبد ربه الصغير و هرب قطري منه تمثل فقال:للّه در المهلب،و اللّه لكأنه ما وصف لقيط الأيادي حيث يقول:
و قلّدوا أمركم للّه دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا ان رخاء العيش ساعده و لا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره يكون متّبعا طورا و متّبعا
حتّى استمرت على شزر مريرته مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا
فقال إليه رجل و قال:و اللّه لكأني اسمع هذا التمثيل من قطري في المهلب،فسر بذلك سرورا تبين في وجهه (2).
و في(الأغاني)قال أبو المثلم في صخر الغي:
لو كان للدهر مال عند متلده لكان للدهر صخر مال قينان
آب الهضيمة آت العظيمة متلاف الكريمة لا سقط و لا و ان
حامي الحقيقة نسال الوديعه معتاق الوثيقة جلد غير شيبان
رقاء مرقبة مناع مغلبة ركاب سلهبة قطاع اقران
بسّاط أودية شهاد اندية حمال ألوية سرحان فتيان
يحمى الصحاب إذا جد الضراب و يكفى القائلين إذا ما كيل الهاني
و يترك القرن مصفرا انامله كأن في ريطتيه نضح ارقان
يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه من التلاد و هوب غير منّان
«فإنّه ممّن لا يخاف وهنه و لا سقطته» و في رواية الطبري و نصر«رهقه و لاسقاطه» (1)
تاريخ الطبري 3:565،سنة 36،و وقعة صفين:114. [1]
.في(صفين نصر):كان الأصبغ بن ضرار الأزدي طليعة و مسلحة لمعاوية،فبعث عليّ عليه السّلام الأشتر،فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل،و كان عليّ عليه السّلام ينهى عن قتل الأسير الكافّ،فغدا الأشتر به علي عليّ عليه السّلام و قال له:
هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس،فو اللّه لو علمت أن قتله الحق لقتلته،و قد بات عندنا الليلة و حركنا فان كان فيه القتل فاقتله و ان غضبنا فيه،و ان كنت فيه بالخيار فهبه لنا.قال:هو لك يا مالك،فاذا أصبت أسيرا فلا تقتله،فان أسير أهل القبلة لا يفاد و لا يقتل،فرجع به الأشتر إلى منزله و قال:لك ما أخذنا منك ليس لك عندنا غيره (2).
«و لا بطؤه عمّا الاسراع إليه أحزم و لا اسراعه إلى ما البطء عنه أمثل» في (تاريخ الطبري):قيل لعليّ عليه السّلام بعد كتابة الصحيفة في صفين:ان الأشتر لا
يقرّ بما في الصحيفة،و لا يرى إلاّ قتال القوم.فقال عليه السّلام:أنا و اللّه ما رضيت أيضا-إلى أن قال:و أما الّذي ذكرتم من ترك الأشتر أمري و ما أنا عليه،فليس من أولئك،و لست أخافه على ذلك،يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوّي ما أرى،إذن لخفت على مؤنتكم،و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم (1)
تاريخ الطبري 4:42،سنة 37. [1]
.و أما ما رواه(الكافي)عن السجاد عليه السّلام ان عليّا كتب إلى الأشتر و هو على مقدمته يوم البصرة بألا يطعن في غير مقبل،و لا يجهز على جريح،و من أغلق بابه فهو آمن،فأخذ الكتاب،فوضعه بين يديه على القربوس من قبل أن يقرأه ثم قال اقتلوا،فقتلهم حتى أدخلهم سكك البصرة،ثم فتح الكتاب،فقرأه، ثم امر مناديا فنادى بما في الكتاب» (2)،فمحمول على أنه علم جوازه في نفس الأمر،و انه عليه السّلام أمر بما أمر مصلحة،فروي عن الصادق عليه السّلام ان سيرة عليّ عليه السّلام في أهل البصره كانت خيرا لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس،انه علم ان للقوم دولة،فلو سباهم لسبيت شيعته،و القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لانه لا دولة لهم بعده (3).
و اما قول ابن أبي الحديد:روى أن عليّا عليه السّلام لما ولى بني العباس على الحجاز و اليمن و العراق قال الأشتر:فلما ذا قتلنا الشيخ بالأمس،و ان عليّا لما بلغته هذه الكلمة أحضره و لاطفه و اعتذر إليه و قال له:فهل و ليت حسنا أو حسينا أو أحدا من ولد جعفر أو عقيلا أو واحدا من ولده،و انما وليت ولد عمي العباس لاني سمعت العباس يطلب من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الامارة مرارا،فقال له:يا عم ان الامارة ان طلبتها وكلت إليها،و ان طلبتك أعنت عليها،و رأيت بنيه في أيام
عمر و عثمان يجدون في أنفسهم أن ولّي غيرهم من أبناء الطلقاء و لم يولّ أحد منهم،فأحببت ان أصل رحمهم،و ازيل ما كان في أنفسهم،و بعد فإن علمت أحدا هو خيرا منهم فاني أولّيه،فخرج الأشتر و قد زال ما في نفسه (1)
شرح ابن أبي الحديد 15:98. [1]
.فمن رواياتهم المجعولة،فان فاروقهم و ان موّه على الاغبياء و نبه الطلقاء في اشتراطه عليه عليه السّلام،كما على عثمان الا يولّي أحدا من اقاربه، و هو عليه السّلام كان يوليهم لاقامة العدل و الايمان،و عثمان لاقامة الكفر و الطغيان، فموّه بالجمع بينهما كما موّه بكونهما من بني عبد مناف،و لازمه كون محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أبي سفيان مثلين،الا انه كان صورة ظاهر،فعثمان لم يول غير أقاربه،كما ان فاروقهم لم يول هاشميا في أيامه لئلاّ يصل الأمر إليه عليه السّلام بذلك،كما اقربه لابن عباس.
و كيف لم يكن الخبر مجعولا و أي عيب كان لو وليّ عليه السّلام الحسن و الحسين عليهما السّلام،و قد شهد القرآن بطهارتهما،و كونهما ابنيّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و ممن باهل بهما (2).
و كيف لم يكن مجعولا و قد قال نفسه ان مالكا كان شديد التحقق بولائه،و انه عليه السّلام قال:كان مالك لي كما كنت للنبيّ،و ان معاوية قنت عليه كما قنت عليه عليه السّلام و على الحسين و على ابن عباس،و انه اشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة،و انه حضر مع استاذه الدباس عند ابن سكينة المحدث لقراءة الاستيعاب،فلما انتهى إلى خبر حضور حجر و الأشتر لدفن أبي ذر و قولهما في عثمان،قال استاذه:لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت،فما قال المرتضى و المفيد الا بعض ما كان حجر و الأشتر
الكتاب(39)
و من كتاب له عليه السّلام إلى عمرو بن العاص:
فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ- ظَاهِرٍ غَيُّهُ مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ- يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ وَ يُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ- فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَ طَلَبْتَ فَضْلَهُ- اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ إِلَى مَخَالِبِهِ- وَ يَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ- فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَ آخِرَتَكَ- وَ لَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ- فَإِنْ يُمَكِّنِّي اللَّهُ مِنْكَ وَ مِنِ ابْنِ؟أَبِي سُفْيَانَ؟- أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا- وَ إِنْ تُعْجِزَا وَ تَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا أقول:رواه( صفين 1نصر بن مزاحم-صفين- نصر بن مزاحم)مع اختلاف-على نقل ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 16 ص 163 -من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمّد و آل محمّد في الجاهلية و الاسلام،سلام على من اتبع الهدى.أما بعد:
فانك تركت مروتك لا مرىء فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه و يسفه الحليم بخلطته فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل«وافق شن طبقه»،فسلبك دينك و أمانتك و دنياك و آخرتك،و كان علم اللّه بالغا فيك،فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا أو أتى الصبح يلتمس فضل سؤره و حوايا فريسته،و لكن لا نجاة من القدر و لو بالحق أخذت لادركت ما رجوت، و قد رشد من كان الحق قائده،فان يمكّن اللّه منك و من ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله اللّه من ظلمة قريش على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و ان تعجزا أو
1) 1)
تبقيا بعدي فاللّه حسبكما و كفى بانتقامه انتقاما و بعقابه عقابا (1)
جاء في شرح ابن أبي الحديد 16:163، [1]لكن لم يوجد في النسخة المطبوعة من وقعة صفين.
.«فانك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ» و المراد معاوية «ظاهر غيّه مهتوك ستره» .
في(بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي)و(عقد ابن عبد ربه):ان معاوية حج،فسأل عن امرأة يقال لها الدارمية الحجونية-كانت امرأة سوداء كثيرة اللحم-فأخبر بسلامتها،فبعث إليها،فجيء بها،فقال لها:كيف حالك يا ابنة حام؟قالت:بخير و لست لحام،انما انا امرأة من قريش من بني كنانة،ثم من بني أبيك.قال:صدقت،هل تعلمين لم بعثت إليك؟قالت:لا.قال:بعثت إليك لا سألك علام أحببت عليّا و أبغضتني،و علام واليته و عاديتني.قالت:أو تعفيني من ذلك.قال:لا أعفيك و لذلك دعوتك.قالت:فأما إذ أبيت فاني أحببت عليّا على عدله في الرعية،و قسمه بالسوية،و أبغضتك على قتالك من هو أولى بالامر منك،و طلبك ما ليس لك،و واليت عليّا على ما عقد له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الولاية،و واليته على حبه المساكين،و اعظامه لأهل الدين،و عاديتك على سفكك الدماء،و شقك العصا.
قال:صدقت فلذلك انتفخ بطنك،و كبر ثديك،و عظمت عجيزتك.فقالت:
يا هذا بهند و اللّه يضرب المثل في ذا لابي.فقال لها:هل رأيت عليّا؟قالت:أي و اللّه.قال:كيف رأيته؟قالت:لم يفتنه الملك الّذي فتنك،و لم تصقله النعمة الّتي صقلتك.قال:فهل سمعت كلامه؟قالت:نعم.قال:فكيف سمعته.قالت:كان و اللّه كلامه يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صداء الطست.قال:
صدقت.
و فيهما:دخلت اروى بنت الحرث بن عبد المطلب على معاوية-و هي
1) 1)
عجوزة كبيرة-فقال لها:كيف كنت بعدنا؟فقالت:لقد كفرت يد النعمة، و اسأت لابن عمك الصحبة،و تسميت بغير اسمك،و أخذت غير حقك من غير دين كان منك،و لا من آبائك،و لا سابقة في الاسلام بعد أن كفرتم بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فأتعس اللّه منكم الجدود،و أضرع منكم الخدود،ورد الحق إلى أهله،و لو كره المشركون،و كانت كلمتنا العليا،و نبيّنا هو المنصور،فوليتم علينا من بعده، و تحتجون بقرابتكم من النبيّ،و نحن أقرب إليه منكم،و أولى بهذا الأمر،فكنا فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون،و كان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى،فغايتنا الجنّة،و غايتكم النار.
فقال لها عمرو بن العاص:كفّي أيتها العجوز الضالة،و اقصري عن قولك من ذهاب عقلك،إذ لا تجوز شهادتك وحدك.فقالت له:و أنت يا ابن النابغة تتكلم و امّك كانت أشهر امرأة تبغي بمكة،و آخذهن الاجرة،ادعاك خمسة نفر من قريش،فسئلت امّك عنهم،فقالت:كلّهم أتاني،فانظروا أشبههم به،فالحقوه،فغلب عليك شبه العاص بن وائل،فلحقت به.
و في(مفاخرات ابن بكار):اجتمع عند معاويه عمرو و الوليد بن عقبة و عتبة ابن أبي سفيان و المغيرة فقالوا له:ان الحسن قد أحيا أباه و خفقت النعال خلفه-إلى أن قال-فقال لهم معاوية:اما إذ عصيتموني و بعثتم إليه،فلا تمرضوا له في القول،و اعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب،و لكن اقذفوه بحجره و قولوا له أبوك قتل عثمان و كره خلافة الخلفاء من قبله.
إلى أن قال:فقال معاوية له عليه السّلام:ان هؤلاء بعثوا إليك و عصوني.فقال:
سبحان اللّه الدار دارك و الاذن فيها إليك،و اللّه ان كنت أجبتهم اني لاستحيي لك من الفحش،و ان كانوا غلبوك اني لاستحيي لك من الضعف.إلى أن قال:يا معاوية ما هؤلاء شتموني و لكنك شتمتني فحشا ألفته،و سوء رأي عرفت به،
و خلقا سيئا شبت عليه،و بغيا علينا و عداوة منك لمحمد و أهله.إلى أن قال:
قال عليه السّلام لهم:و أنشدكم اللّه هل تعلمون ان أبي أول الناس ايمانا و انك يا معاوية و أبوك من المؤلفة قلوبهم تسترون الكفر و تظهرون الاسلام، و أنشدك اللّه يا معاوية أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر و أنت تسوقه و أخوك عتبة هذا يقوده،فرآكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:اللهم العن الراكب و القائد و السائق أتنسى يا معاوية الشعر الّذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك:
يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الّذين ببدر أصبحوا فرقا
خالي و عمّي و عمّ الام ثالثهم و حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
و واللّه لما أخفيت من أمرك أكثر ممّا أبديت،و لما أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يكتب إلى بني خزيمة فبعث إليك و نهمك إلى أن تموت-الخبر (1)
نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 6:285 و 288.
.«يشين الكريم بمجلسه،و يسفّه الحليم بخلطته» في(العقد الفريد):قال معاوية لجارية بن قدامة:ما كان أهونك على اهلك إذ سموك جارية؟فقال:ما كان أهونك على أهلك إذ سموك معاوية-و هي الانثى من الكلاب-قال:لا ام لك.قال:امّي ولدتني للسيوف الّتي لقيناك بها و هي في أيدينا.قال:انك لتهددني.قال:انك لم تصاحبنا قسرا،و لم تملكنا عنوة،و لكنك أعطيتنا عهدا و ميثاقا،و أعطيناك سمعا و طاعة،فان وفيت لنا و فينا لك،و ان فزعت إلى غير ذلك فانا تركنا وراءنا رجالا شدادا و ألسنة حدادا.قال:لاكثر اللّه أمثالك.قال جارية:قل معروفا،فان شر الدعاء المحتطب.
و فيه:دخل خريم الناعم على معاوية،فنظر إلى ساقيه،فقال:أي ساقين لو أنهما على جارية.قال خريم:في مثل عجيزتك.قال معاوية:
1) 1)
واحدة باخرى و البادي أظلم.
و في(الأغاني):نظر معاوية إلى رجل في مجلسه فرأى فيه حسنا و شارة و جسما،فاستنطقه فوجده سديدا،فقال له:ممن أنت؟قال:ممن أنعم اللّه عليه بالاسلام فاجعلني حيث شئت.قال:عليك بهذه الازد الطويلة العريضة الّتي لا تمنع من دخل فيها،و لا تبالي من خرج منها.فغضب النعمان بن بشير و وثب من بين يديه و قال:أما و اللّه انك ما علمت ليسيء المجالسة لجليسك، عاق لزوارك،قليل الرعاية لأهل الحرمة بك.
و في(العقد):تكلم الناس عند معاوية في يزيد ابنه إذ أخذ له البيعة و سكت الاحنف،فقال:مالك لا تقول أبا بحر.قال:أخافك ان صدقت،و أخاف اللّه ان كذبت.
و فيه:بينا معاوية جالس و عنده وجوه الناس إذ دخل رجل من أهل الشام،فقام خطيبا فكان آخر كلامه أن سب عليّا عليه السّلام،فأطرق الناس و تكلم الاحنف،فقال:ان هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين لعنهم،فاتق اللّه و دع عليّا،فقد لقي ربه،و كان و اللّه المبرز سيفه،الطاهر ثوبه،الميمون نقيبته،العظيم مصيبته،فقال له معاوية:لقد أغضيت العين على القذى و قلت ما ترى،و ايم اللّه لتصعدن المنبر فتلعنه طوعا أو كرها.فقال له الأحنف:ان تعفني فهو خير لك،و ان تجبرني فو اللّه لا تجري فيه شفتاي،و مع ذلك لأنصفنّك في القول و الفعل،قال:ما أنت قائل ان أنصفتني.قال:أصعد المنبر و أقول:أيها الناس ان معاوية أمرني أن ألعن عليّا،و ان عليّا و معاوية اختلفا فاقتتلا،و ادعى كل واحد منهما انه بغي عليه و على فئته،فاذا دعوت فأمنوا،ثم أقول«اللهم العن(أنت و ملائكتك و أنبيائك و جميع خلقك)الباغي منهما على صاحبه لعنا كثيرا»،لا أزيد على هذا حرفا،و لا أنقص منه حرفا،و لو كان فيه
ذهاب نفسي.فقال معاوية:اذن نعفيك .
«فاتبعت أثره و طلبت فضله اتباع الكلب» قد عرف أن في رواية نصر «فصرت كالذئب» (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:163.
«للضرغام» أي:الأسد كالضيغم «يلوذ» أي:يلجأ «إلى مخالبه» في(الصحاح):المخلب للطائر و السباع بمنزلة الظفر للإنسان.«و ينتظر ما يلقي إليه من فضل» أي:زيادة «فريسته» في(الصحاح):فرس الأسد فريسته و افترسها أي:دق عنقها،و أصل الفرس هذا،ثم كثر حتى صار كل قتل فرسا،و أبو فراس كنية الأسد.
«فأذهبت دنياك» بكونك تابعا كالعبد لمعاوية «و آخرتك» .
و في(المروج)-بعد ذكر جعل معاوية جعالة لقتل العباس بن ربيعة الهاشمي،و تصدي رجلين من لخم لذلك،و قتل أمير المؤمنين عليه السّلام لهما-قال معاوية:قبّح اللّه اللجاج،ما ركبته قط الا خذلت.فقال عمرو بن العاص له المخذول و اللّه اللخميان لا أنت.قال:اسكت أيها الرجل،فليس هذا من شأنك.
قال:و ان لم يكن رحم اللّه اللخميين-و لا أراه يفعل ذلك-قال:ذلك و اللّه أضيق لحجتك،و أخسر لصفقتك.قال عمرو:قد علمت ذلك،و لو لا مصر و ولايتها لركبت المنجاة،فانّي أعلم أن عليّا على الحق،و أنا على الباطل.فقال معاوية:
مصر و اللّه أعمتك،و لو لا مصر لالفيتك بصيرا (2).
و في(المروج):مات عمرو سنة(43)و له تسعون سنة،و في أبيه-و كان من المستهزئين بالنبيّ-نزلت «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (3)،و خلف عمرو من العين ثلاثمائة و خمسة و عشرون ألف دينار،و ألفى ألف درهم،و ضيعته
المعروفة بالرهط قيمتها عشرة آلاف ألف درهم،و فيه يقول ابن الزبير الأسدي:
ألم تر أن الدهر أخنت صروفه على عمرو السهمي تجبي له مصر
فلم يغن عنه حزمه و احتياله و لا جمعه لما أتيح له الدهر (1)
مروج الذهب 3:23. [1]
و في(تاريخ اليعقوبي):لما حضر عمرو الوفاة نظر إلى ماله،فرأى كثرته،فقال:يا ليته كان بعرا،يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة أصلحت لمعاوية دنياه و أفسدت ديني،آثرت دنياي و تركت آخرتي،عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي،كأني بمعاوية قد حوى مالي و أساء فيكم خلافتي.
و توفي سنة(43)ليلة الفطر،فاستصفى معاوية ماله،فكان أول من استصفى مال عامل،و لم يكن يموت لمعاوية عامل إلاّ شاطر ورثته ماله،و كان يكلم في ذلك،فيقول هذه سنّة سنّها عمر (2).
و ذكروا أن معاوية قال يوما لجلسائه:ما أعجب الأشياء؟فقال كل واحد شيئا،فقال عمرو:أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق-و عرّض بغلبة معاوية في امره معه عليه السّلام-فقال معاوية:بل أعجب الأشياء أن يعطى الانسان ما لا يستحق،و كان لا يخاف-عرض بعمرو في أخذه مصر منه.
«و لو بالحق أخذت أدركت ما طلبت» في(تاريخ الطبري):قال النضر بن صالح العبسي:كنت مع شريح بن هاني في غزوه سجستان،فحدثني أن عليّا عليه السّلام أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص.قال:قل له إذا لقيته:ان عليّا يقول لك«ان أفضل الناس عند اللّه عزّ و جلّ من كان العمل بالحق أحب إليه و ان نقصه و كرثه من الباطل و ان حسن إليه و زاده يا عمرو انك و اللّه لتعلم أين
موضع الحق،فلم تجاهل ان أوتيت طمعا يسيرا كنت به للّه و لأوليائه عدوّا، فكان و اللّه ما أوتيت قد زال عنك،فلا تكن للخائنين خصيما و لا للظالمين ظهيرا،اما أني أعلم بيومك الّذي أنت فيه نادم و هو يوم وفاتك،تمنى انك لم تظهر لمسلم عداوة،و لم تأخذ على حكم رشوة».قال شريح:فبلغته ذلك، فتمعر وجهه ثم قال:متى كنت أقبل مشورة علي أو انتهي إلى أمره أو اعتد برأيه؟فقلت له:و ما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك و سيّد المسلمين بعد نبيّهم مشورته،فقد كان من هو خير منك أبو بكر و عمر يستشير انه و يعملان برأيه.فقال:ان مثلي لا يكلم مثلك.فقلت له:و بأي أبويك ترغب عني أبأبيك الوشيظ أم بامك النابغة؟فقام عن مكانه (1)
تاريخ الطبري 4:50،سنة 37. [1]
.و في(الصحاح)الوشيظ:لفيف من الناس ليس أصلهم واحدا .
«فان يمكني اللّه» هكذا في(المصرية)و هو غلط،و الصواب:«فان يمكن اللّه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«منك و من ابن أبي سفيان» قد عرفت أن في رواية نصر«و من ابن آكلة الأكباد» (3). «أجزكما بما قدّمتها» .
و في(صفين نصر):قال جابر الأنصاري:و اللّه لكأني أسمع عليّا عليه السّلام يوم الهرير بعد ما طحنت رحا مذحج فيما بيننا و بين عك و لخم و جذام و الأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي يقول:حتى متى نخلي بين هذين الحيين-إلى أن قال جابر-لا و الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليّ عليه السّلام.انه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب (4).
«و ان تعجزاني»هكذا في(المصرية)أخذ من(ابن أبي الحديد)، و الصواب: «و ان تعجزا» كما في(ابن ميثم) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 16:161،و شرح ابن ميثم 5:85، [1]مثل المصرية.
«و تبقيا فما امامكما شر لكما» .في(صفين نصر):عن أبي برزة الأسلمي انهم كانوا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فسمعوا غناء،فتشرفوا له،فقام رجل فاستمع له-و ذاك قبل أن يحرم الخمر- فأتاهم ثم رجع فقال:هذا معاوية و عمرو بن العاص يجيب أحدهما الآخر و هو يقول:
يزال حواري تلوح عظامه زوى الحرب عنه ان يحس فيقبرا
فرفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يديه فقال:اللهم اركسهم في الفتنة ركسا،اللهم دعهم إلى النار دعا (2).
و في(تفسير القمي)في قوله تعالى: «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا» (3)مر النبيّ بعمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و هما في خالط يشربان و يغنيان بهذا البيت في حمزة لما قتل:
كم من حواري تلوح عظامه وراء الحرب أن يجر فيقبرا
فقال:اللهم العنهما،و اركسهما في الفتنة ركسا،و دعهما إلى النار دعا (4).
و في(صفين نصر):دخل زيد بن أرقم على معاوية،فاذا عمرو جالس معه على السرير،فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما،فقال له عمرو:أما وجدت لك مجلسا الا أن تقطع بيني و بينه؟فقال زيد:ان النبيّ غزا غزوة و أنتما معه،فرآكما مجتمعين،فنظر إليكما نظرا شديدا،ثم رآكما اليوم
الثاني و اليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما،فقال في اليوم الثالث:إذا رأيتم معاوية و عمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما،فانهما لن يجتمعا على خير (1)
وقعة صفين:218. [1]
.و في(العقد):جلس عبادة بن الصامت بين عمرو و معاوية-و ذكر سببه،فقال:بينا نحن نسير في غزوة تبوك إذ نظر إليكما تشيران و أنتما تتحدثان،فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلينا و قال:إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما، فانهما لا يجتمعان على خير.
الخطبة(82)
مكرر و من كلام له عليه السّلام في ذكر عمرو بن العاص:
عَجَباً؟لاِبْنِ النَّابِغَةِ؟ يَزْعُمُ لِأَهْلِ؟الشَّامِ؟ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً- وَ أَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ أُعَافِسُ وَ أُمَارِسُ- لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً وَ نَطَقَ آثِماً- أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ وَ يَعِدُ فَيُخْلِفُ- وَ يَسْأَلُ فَيُلْحِفُ وَ يُسْأَلُ فَيَبْخَلُ وَ يَخُونُ الْعَهْدَ وَ يَقْطَعُ الْإِلَّ- فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَ آمِرٍ هُوَ- مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا- فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَرْمَ سَبَّتَهُ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ- وَ إِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الْآخِرَةِ- إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ؟مُعَاوِيَةَ؟ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً- وَ يَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً أقول:رواه ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الاخبار- )عن زيد بن وهب مثله مع اختلاف يسير و في آخره:كان أكبر همه أن يبرقط و يمنح الناس استه قبحه اللّه و ترحه.
1) 1)
و في( العقد ابن عبد ربه-العقد الفريد- ):قال عليّ عليه السّلام:عجبا لابن النابغة،يزعم اني تلعابة،أعافس و امارس،أما و شر القول الكذب،انه يسأل فيلحف،و يسأل فيبخل،فاذا احمر البأس و حمي الوطيس و أخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له همّ إلا غرقة ثيابه،و يمنح الناس استه فضه اللّه و ترحه.
و روى( أمالي الشيخ الطوسي-الأمالي-ج 1 ص 131 الشيخ)عن الزبير بن بكار قال:قال عليّ بن محمّد:كان عمرو ابن العاص يقول:ان في عليّ دعابة،فبلغ ذلك عليّا عليه السّلام فقال:زعم ابن النابغة اني تلعابة مزاحه ذو دعابة،اعافس و امارس.هيهات يمنع من العفاس و المراس ذكر الموت و خوف البعث و الحساب،و من كان له قلب.ففي هذا له عن هذا واعظ و زاجر.أما و شر القول الكذب،و انه ليحدث فيكذب،و يعد فيخلف،فإذا كان يوم البأس فأي زاجر و آمر هو ما لم تأخذ السيوف هام الرجال،فإذا كان ذلك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه (1)
أمالي أبي علي الطوسي 1:131. [1]
.«عجبنا»هكذا في(المصرية)،و الصواب: «عجبا» كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«لابن النابغة» قال ابن أبي الحديد في(أنساب أبي عبيدة):اختصم أبو سفيان و العاص في عمرو يوم ولادته،فقيل لتحكم امّه،فقالت:هو من العاص.فقال أبو سفيان:أما اني لا أشك أني وضعته في رحمها،فأبت إلاّ العاص.و في ذلك يقول حسّان في هجو عمرو:
أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت لنا فيك منه بيّنات الدلائل
ففاخر به أما فخرت و لا تكن تفاخر بالعاص الهجين ابن وائل
و ان الّتي في ذاك يا عمرو حكمت فقالت رجاء عند ذاك لنائل
من العاص عمرو تخبر الناس كلما تجمعت الأقوام عند المحافل (1)
شرح ابن أبي الحديد 6:285. [1]
و في(مفاخرات الزبير بن بكار):اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، و الوليد ابن عقبة،و عتبة بن أبي سفيان،و المغيرة،و قد بلغهم عن الحسن عليه السّلام قوارص-إلى أن قال-فقال الحسن عليه السّلام لعمرو:و أما أنت يا ابن العاص فإن امّك وضعتك مجهولا من عهر و سفاح،فتحاكم فيك أربعة من قريش،فغلب عليك جزارها ألأمهم حسبا،و أخسهم منصبا،ثم قال أبوك فقال:اني شانئ محمّد الأبتر فأنزل اللّه فيه ما أنزل،و قاتلت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في جميع المشاهد، و هجوته،و آذيته بمكة،و كدته كيدك كله،و كنت من أشد الناس له تكذيبا و عداوة،ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر و أصحابه إلى أهل مكة،فلما اخطأك ما رجوت،و رجعك اللّه خائبا جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد،فوشيت به إلى النجاشي لما ارتكب من حليلتك،ففضحك اللّه و فضح صاحبك،فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية و الإسلام،ثم انّك تعلم و كل هولاء الرهط يعلمون انك هجوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسبعين بيتا من الشعر،فقال النبيّ:اني لا أقول الشعر و لا ينبغي لي،اللهم العنه بكل حرف لعنة،فعليك اذن من اللّه ما لا يحصى من اللعن.
و أما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا،ثم لحقت بفلسطين،فلما أتاك قتله قلت:أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها،ثم حبست نفسك على معاوية،و بعت دينك بدنياه.
إلى أن قال:أ لست القائل في بني هاشم لما خرجت إلى النجاشي:
تقول ابنتي أين هذا الرحيل و ما الستر مني بمستنكر
فقلت ذريني فاني امرؤ اريد النجاشي في جعفر
1) 1)
لأكويه عنده كية اقيم بها نخوة الأصعر
و شانئ أحمد من بينهم و أقولهم فيه بالمنكر (1)
نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 6:285 و 291.
قلت:و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):قال أهل السير:لما سلّم الحسن عليه السّلام الأمر إلى معاوية أقام يتجهّز إلى المدينة،فاجتمع إلى معاوية رهط من أشياعه منهم عمرو بن العاص،و الوليد بن عقبة أخو عثمان لامه -و كان عليّ عليه السّلام قد جلده في الخمر-و عتبة بن أبي سفيان و قالوا:نريد أن نحضر الحسن لنخجله،فنهاهم معاوية و قال:انه السن بني هاشم،فألحّوا عليه،فأرسل إليه،فلما حضر شرعوا فتناولوا عليّا و الحسن ساكت،فلما فرغوا قال:ان الّذي أشرتم إليه قد صلى القبلتين،و بايع البيعتين و أنتم مشركون،و بما أنزل على نبيه كافرون-إلى أن قال-ثم التفت إلى عمرو فقال:
أما أنت يا ابن النابغة فادعاك خمسة من قريش،غلب عليك ألأمهم و فيه نزل:
«إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (2)،و ولدت على فراش مشترك،و كنت عدوّ اللّه و عدوّ رسوله و عدوّ المسلمين،و كنت أضرّ عليهم من كل مشرك،و أنت القائل:
و لا أنثنى عن بني هاشم بما استطعت في الغيب و المحضر
و عن عائب اللات لا انثنى و لو لا رضي اللات لم تمطر
إلى أن قال:أما قول الحسن عليه السّلام لعمرو«ولدت على فراش مشترك»، فذكر الكلبي في(المثالب)ان النابغة أم عمر و كانت من البغايا أصحاب الرايات بمكة،فوقع عليها العاص بن وائل في عدة من قريش منهم أبو لهب،و امية بن خلف،و هشام بن المغيرة،و أبو سفيان في طهر واحد،فلما حملت بعمرو تكلموا فيه،فلما وضعته اختصم فيه الخمسة الّذين ذكرناهم كل واحد يزعم
أنه ولده،و ألّب عليه العاص و أبو سفيان كل واحد يقول:و اللّه انه مني،فحكما النابغة،فاختارت العاص،فقالت هو منه،فقيل لها:ما حملك على هذا و أبو سفيان اشرف من العاص؟فقالت:هو كما قلتم الا أنه رجل شحيح، و العاص جواد ينفق على بناتي (1)
تذكرة الخواص:200-205،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه-في كتابة كتاب التحكيم و انكار عمرو بن العاص كتابة«هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ»لعدم كونه أميرهم فلا يكتب الا اسمه و اسم أبيه،قال عليّ عليه السّلام:اللّه اكبر،اني لكاتب يوم الحديبية للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين قالوا:
لست برسول اللّه،فاكتب اسمك و اسم أبيك،فكتبته.فقال عمرو:سبحان اللّه أ تشبهنا بالكفار.فقال له عليّ:يا ابن النابغة و متى لم تكن للفاسقين وليا، و للمسلمين عدوا،و هل تشبه إلاّ امك الّتي دفعت بك.فقام عمرو و قال:لا يجمع بيني و بينك مجلس بعد اليوم.فقال عليّ:ان اللّه قد طهر مجلسي منك و من أشباهك (2).
«يزعم لأهل الشام أن فيّ دعابة» أي:مزاح.قال ابن أبي الحديد اصل ذلك كلمة قالها عمر،فتلقفها حتى جعلها أعداؤه عليه السّلام طعنا عليه.
ففي(أمالي ثعلب)قال ابن عباس:كنت عند عمر،فتنفس نفسا عاليا حتى ظننت أن اضلاعه قد انفرجت،فقلت له:ما أخرج هذا النفس منك إلاّ همّ شديد.قال:أي و اللّه يا ابن عباس،اني فكرت،فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي.ثم قال:لعلّك ترى صاحبك لها أهلا.قلت:و ما يمنعه من ذلك مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه.قال:صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة-إلى أن قال-ان أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم و سنة نبيهم لصاحبك،و اللّه لئن وليها
ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم (1)
شرح ابن أبي الحديد 6:326. [1]
.قلت:و ممّا يشهد أيضا أن الأصل في الكلمة عمر ما في(العقد)-في قصة الشورى-قال المغيرة:اني لعند عمر إذ أتاه آت،فقال له:هل لك في نفر من أصحاب النبيّ يزعمون أن الّذي فعل أبو بكر في نفسه و فيك لم يكن له،و انه كان بغير مشورة و لا تآمر-إلى أن قال-فقال عمر:أما و اللّه لو لا دعابة في عليّ ما شككت في ولايته،و ان نزلت على رغم أنف قريش.
و لم يكن رمي عمر له عليه السّلام منحصرا بالدعابة،فرماه بالعجب و التهم، ففي موفقيات ابن بكار عن ابن عباس قال:قال لي عمر:ان صاحبكم ان ولي هذا الأمر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به فليتني اراكم بعدي.قلت:ان صاحبنا من قد علمت أنه ما غيّر و لا بدّل و لا أسخط النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيام صحبته له.فقطع عليّ الكلام و قال:و لا في ابنة ابي جهل لما أراد أن يخطبها على فاطمة.
فقلت له:صاحبنا لم يعزم على سخط النبيّ،و لكن الخواطر لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه،و ربما كانت من الفقيه في دين اللّه العالم بأمر اللّه.فقال:يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا (2).
و رماه بالرياء و الحرص،فعن(أمالي محمّد بن حبيب)عن ابن عباس قال:دخلت يوما على عمر فقال:لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء.قلت:من هو؟قال:هذا ابن عمك عليّ.قلت:و ما تقصد بالرياء.قال:
يرشح نفسه بين الناس للخلافة.قلت:و ما يصنع بالترشيح!قد رشحه لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصرفت عنه.قال:انه كان شابا حدثا،فاستصغرت العرب سنه
و قد كمل الآن،ألم تعلم أن اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ بعد الأربعين.قلت:أما أهل الحجى و النهى فانهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع اللّه منار الاسلام و لكنهم يعدونه محروما.فقال:أما انه سيليها بعد هياط و مياط ثم تزل فيها قدمه،و لا يقضي منها أربه،و لتكونن شاهدا ذلك،ثم يتبين الصبح لذي عينين،و تعلم العرب صحة رأي المهاجرين الاولين الّذين صرفوها عنه بادىء بدء،فليتني أراكم بعدي أن الحرص محرمة-الخبر (1)
نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 12:80.
.و رماه بالكبر و الاجحاف و الغل و الحقد،فروى الطبري عن ابن عباس -في قصة شعر زهير في بني سنان-قال:قال لي عمر:أ تدري ما منع الناس عنكم؟قلت:لا أدري.قال:لكني أدري،كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة فتجحفوا الناس جحفا،فنظرت قريش لأنفسها فاختارت و وفقت فأصابت.قال:فقلت له أ تميط عني غضبك.قال:قل ما تشاء.قال:أما قولك:«ان قريشا كرهت»فان اللّه تعالى قال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (2)،و اما قولك:«انا كنا نجحف بالخلافة»فلو كنا جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة،و لكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق النبيّ الّذي قال تعالى فيه:
«وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (3)،و قال له: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (4)،و اما قولك:«ان قريشا اختارت»فان اللّه تعالى يقول: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (5)،و قد علمت أن اللّه تعالى اختار من خلقه لذلك من اختار،فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت
و أصابت.فقال:أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّا في أمر قريش لا يزول، و حقدا عليها لا يحول.فقلت:مهلا لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغش،فان قلوبهم من قلب رسول اللّه الّذي طهره و زكاه،و هم أهل البيت الّذين قال تعالى:
«إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
.و أما قولك:«حقدا»فكيف لا يحقد من غصب شيئه و يراه في يد غيره.
فقال:بلغني انك لا تزال تقول اخذ هذا الأمر منا حسدا و ظلما.فقلت:أما قولك حسدا فقد حسد ابليس آدم فأخرجه من الجنة فنحن بنو آدم المحسود،و أما قولك ظلما فأنت تعلم صاحب الحق من هو (2).
و من المضحك أن ابن أبي الحديد قال بعد نقل ذاك الخبر:ان الأصل في كلام عمرو ابن العاص و ان كان كلام عمر،الا ان عمر لم يرد عيبه عليه السّلام كما اراده عمرو،فان عمر لما كان شديد الغلظة وعر الجانب خشن اللمس دائم العبوس كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و ان خلافه نقص،ألا ترى أنه قال في آخر الخبر:ان أحراهم ان وليها ان يحملهم على كتاب اللّه هو-إلخ (3).
فهل ارادة العيب أي شيء هو،و أما قوله في آخر الخبر فمن اجراء اللّه تعالى كلمة الحق على لسانه على رغم أنفه،و اتماما للحجة على اتباعه.و كان صدر منه من قبيل ذلك كثيرا،و منه ما عن موفقيات ابن بكار:كان ابن عباس يماشي في سكة من سكك المدينة عمر،فقال له يا ابن عباس ما أرى صاحبك الا مظلوما.قال:فقلت في نفسي:لا يسبقني بها فقلت:فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي و مضى يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته،فقال:يا ابن عباس
ما أظن منعهم الا أنه استصغره قومه.فقلت في نفسي:هذه شر من الاولى، فقلت:و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك، فأعرض عني و اسرع (1)
نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 12:46.
.فهل ترى كلمات عمرو فيه هذه و باقي كلماته بل و جميع كلمات معاوية فيه عليه السّلام،و منها كتابه إلى الحسن بعد أبيه عليه السّلام:اني اليوم كأبي بكر بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنت كأبيك بعده،و ما دام الكبير لا يرجع الأمر إلى الصغير (2)-الا مأخوذة من كلمات عمر،فهل كلمات عمر و عمرو و معاوية فيه عليه السّلام الا كأنها عن قلب واحد.
و إذا كانت كلمات عمر فيه عليه السّلام هذه لاغرو أن يسنّ معاوية و باقي بني امية سبّه عليه السّلام،و إذا قال عمر فيه انه أسخط النبيّ بخطبة ابنة أبي جهل لاغرو أن يقول المغيرة ان النبيّ لم ينكح عليّا ابنته حبا له،و لكنه أراد أن يكافىء بذلك احسان أبي طالب إليه.
و كما أخذ عمرو كلمة الدعابة من عمر كذلك اخذ جملة كونه عليه السّلام حريصا على الملك منه،فقال في مجلس معاوية للحسن عليه السّلام-كما عن مفاخرات ابن بكار-انكم يا بني عبد المطلب لم يكن اللّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء،و استحلالكم ما حرّم اللّه من الدماء،و حرصكم على الملك (3).
هذا،و نقل ابن أبي الحديد بمناسبة قول عمرو«ان فيه دعابة»جملة ممّا ورد من طريقهم في مزاحات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المباحة و قال:انها من الأحاديث الصحاح و الآثار المستفيضة،لكن ليس الأمر كما ذكر،ففيها الغث كما سترى،
فقال:روى الناس قاطبة ان النبيّ قال:اني أمزح و لا أقول الا حقا.
و في خبر أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال لامرأة من الأنصار:الحقي زوجك،فان في عينه بياضا،فسعت نحوه مرعوبة فقال لها:ما دهاك؟فأخبرته فقال لها:نعم ان في عيني بياضا لا لسوء.
و أتت عجوز من الأنصار إليه عليه السّلام،فسألته ان يدعو اللّه تعالى لها بالجنة،فقال لها:ان الجنة لا تدخلها العجّز،فصاحت فتبسم صلّى اللّه عليه و آله و قال «إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً» (1)
الواقعة:35 و 36. [1]
.و في الخبر:ان امرأة استحملته فقال:إنّا حاملوك على ولد الناقة، فجعلت تقول:يا رسول اللّه و ما أصنع بولد الناقة،و هل يستطيع أن يحملني، و هو يتبسم و يقول:لا أحملك إلاّ عليه،حتى قال لها أخيرا:و هل تلد الابل الا النوق.
و في الخبر انه صلّى اللّه عليه و آله مرّ ببلال،فضربه برجله و قال أ نائمة أم عمرو،فقام بلال،فضرب بيده إلى مذاكيره،فقال له:ما بالك؟قال:ظننت اني تحولت امرأة،قيل:فلم يمزح النبيّ بعده.
و في الخبر:ان صقرا كان لصبي من الأنصار،فطار من يده،فبكى الغلام،فكان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يمر به فيقول:يا أبا عمرو ما فعل الصقر و الغلام يبكي،و كان يمازح ابنتي بنته مزاحا مشهورا،و كان يأخذ الحسين عليه السّلام، فيجعله على بطنه و هو نائم على ظهره و يقول له«حزقة حزقة،ترق عين بقة».
و في(الصحيح):مر صلّى اللّه عليه و آله على أصحاب الدركله-لعبة للحبش-و هم يلعبون و يرقصون،فقال:خذوا يا بني أرفدة-جنس من الحبش يرقصون- حتى يعلم اليهود و النصارى أن في ديننا فسحة.
1) 1)
و في الخبر:انه سابق عائشة فسبقته،ثم سابقها فسبقها،فقال:هذه بتلك.
و ان أصحاب الزفافة-و هم الراقصون-كانوا يقفون على باب حجرة عائشة،فتخرج إليهم مستمعة و مبصرة،فيخرج هو من ورائها مستترا بها (1)
شرح ابن أبي الحديد 6:330. [1]
.قلت:لا يدرون ما يضعون لتلك المرأة،يضعون لها ما فيه ابطال النبوة، فان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الّذي لم يكن يؤمى بعينه فكان حكم بهدر دم عبد اللّه بن أبي سرح بعد فتح مكة و جاء به عثمان إليه و طلب منه مرارا الامان،فسكت مدة حتى يقتله أصحابه،و لم يتفطنوا لذلك حتى قال لهم ذلك،فقالوا:كنا ننتظر ايماءك بعينك،فقال:ما كان لنبيّ الايماء (2)-و في احد لما استكرهوه على الخروج عن المدينة و كان رأيه الوقوف فيها،فخرج ثم ندموا،فقالوا له:
استكر هناك فان شئت فارجع،فقال لهم:ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل (3)،و من قال تعالى فيه: «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ» (4)،و جعل تعالى لاحترامه التخيير له في نسائه بأن تكون من اختارت نفسها تكون بائنة منه،و جعل تعالى لاحترامه ان امرأة قالت له اعوذ باللّه منك تكون محرمة عليه،كيف يسابق عائشة،و كيف يستتر بها لمشاهدة الرقاصين،و قد قال تعالى في وصف أهل الايمان: «وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً» (5).هل يصير وضع مثل
هذه الأحاديث لامّهم سببا لرفع قوله تعالى فيها و في صاحبتها: «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» (1)
التحريم:4. [1]
.ثم ان ابن أبي الحديد نقل شطرا من مزاحات الصحابة و التابعين،ثم قال:و روى عن جماعة منهم اللعب بالنرد و الشطرنج،و منهم من روى عنه شرب النبيذ،و سماع الغناء المطرب،فأما أمير المؤمنين عليه السّلام فإذا نظرت إلى كتب الحديث و السير لم تجد أحدا من خلق اللّه عدوّا و لا صديقا روى عنه شيئا من هذا الفن لا قولا و لا فعلا،و لم يكن وقار أتمّ من وقاره،و ما هزل قط و لا لعب،و لا فارق الحق و الناموس الديني سرّا و لا جهرا،و لكنه خلق على سجية لطيفة،و أخلاق سهلة،و وجه طلق،و قول حسن،و بشر ظاهر،و ذلك من فضائله عليه السّلام الّتي اختصه اللّه بمزيتها،و انما كانت غلظته فعلا لا قولا (2).
قلت:و ان كان أمير المؤمنين عليه السّلام كما قال نفسه في وصف المؤمن:
«بشره في وجهه و حزنه في قلبه» (3)إلا أنه لا بد أن يكون له مزاح لطيف كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله،حتى يقول عمر كرارا فيه«لو لا دعابة فيه» (4)فيأخذه منه عمرو و يزيد على قول عمر«انه تلعابة و انه يعافس و يمارس» (5).
و مما روي عنه عليه السّلام في ذلك ما في صفين نصر انه دفع الراية إلى هاشم المرقال-و كان عليه درعان-و قال له كهيئة المازح:أبا هاشم أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا.فقال له هاشم:ستعلم يا أمير المؤمنين و اللّه لا لفّنّ
بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة (1)
وقعة صفين:326. [1]
.و روى الشيخ أن امرأة تقدمت إلى شريح و قالت له:لي احليل ولي فرج، تزوجني ابن عم لي و أخدمني خادما،فوطئتها فأولدتها،فأخبر شريح أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك،فأحضر زوجها و قال له:هذه امرأتك و ابنة عمّك؟قال:
نعم.قال:قد أخدمتها خادما فوطئتها فأولدتها؟قال:نعم.قال:ثم وطأتها بعد ذلك؟قال:نعم.فقال له:لأنت أجرأ من خاصي الأسد (2).
و رووا-كما في ابن أبي الحديد في موضع آخر-ان بعض من يأنس إليه عليه السّلام دعاه إلى حلواء عملها يوم نوروز،فأكل و قال:لم عملت هذا؟فقال:
لأنه يوم نوروز،فضحك و قال:نورزوا لنأكل يوم ان استطعتم (3).
«و اني امرؤ تلعابة» أي:كثير اللعب «أعافس» في(الجمهرة):أصل العفس دلك الاديم في الدباغ،ثم كثر ذلك حتى قالوا«تعافس القوم»إذا اعتلجوا في صراع و نحوه،و عافس الرجل أهله معافسة و عفاسا «و أمارس» فيه مرست الشيء إذا دلكته .
«لقد قال باطلا و نطق آثما» لانه يعرفه عليه السّلام كل عدوّ و ولي بضد ما قال، و يعلم كل من سمع ذلك أنه من خطأ المقال،فلا تأثير لتهمته و قالوا في المعنى:
ما ضرّ وائل تغلب اهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران
ما يضير الهجر امسي زاخرا ان رمى فيه غلام بحجر
ما ابالي انب بالحزن تيس ام لحاني بظهر غيب لئيم
«اما و شر القول الكذب انه ليقول فيكذب» و من أكاذيبه ما رواه سليم بن
قيس انه خطب الناس بالشام فقال:بعثني النبيّ في جيش فيه أبو بكر و عمر، فظننت أنه انما بعثني لكرامتي عليه،فلما قدمت عليه قلت أي الناس أحب إليك؟ قال:عائشة.فقلت:من الرجال؟فقال:أبوها-و عليّ يطعن على أبي بكر و عمر و عثمان-و قد سمعت النبيّ يقول:ان اللّه ضرب بالحق على لسان عمر و قلبه.
و قال في عثمان:ان الملائكة تستحيي من عثمان.
و قد سمعت عليّا باذني و الا فصمتا يروي على عهد عمر أن النبيّ نظر إلى أبي بكر و عمر مقبلين فقال:يا عليّ هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأوّلين و الآخرين،ما خلا النبيين منهم و المرسلين،و لا تحدثهما بذلك فيهلكا.
فبلغ كلامه و خطبته عليّا عليه السّلام فقام فقال:العجب لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو و يصدقونه،و قد بلغ من قلة ورعه أن يكذب على النبيّ،و قد لعنه النبيّ و لعن صاحبه الّذي يدعو إليه في غير موطن،و ذلك أنه هجاه بقصيدة سبعين بيت،فقال النبيّ:اللهم اني لا أقول الشعر فالعنه انت و ملائكتك بكل بيت لعنة تترى على عقبه إلى يوم القيامة،ثم لما مات إبراهيم ابن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قام فقال:ان محمّدا قد صار أبتر لا عقب له و اني لأشنأ الناس له،فأنزل اللّه فيه: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (1)
الكوثر:3. [1]
،يعنى أبتر من الايمان و من كل خير،ما لقيت هذه الامة من كذابيها و منافقيها،و لكأني بالقراء الضعفة المتهجدين رووا حديثه و صدقوه فيه و احتجوا علينا أهل البيت بكذبه.إلى أن قال:و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة انه ليعلم أنه قد كذب عليّ يقينا،و انه لم يسمعه مني سرا و لا جهرا،اللهم العن عمروا و العن معاوية بصدّهما عن سبيلك و كذبهما على نبيك (2).
قلت:و لم يصدق من حديثه الا قوله بعثني النبيّ في جيش فيه أبو بكر و عمر،فانه عليه السّلام بعثه أميرا عليهما،و اما باقيه فكذب محض حتى في قوله «فظننت انه انما بعثني لكرامتي عليه»،فانه علم انه عليه السّلام أمّره عليهما ليفهم الناس عدم كرامتهما عليه،كما أنه امر عليهما مولاه زيد بن حارثة و ابن مولاه اسامة بن زيد ليعلم الناس ذلك،فطعناهما و اتباعهما في تأميرهما حتى خطب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال:طعنتم في امارتهما و هما أهل لذلك،و كذبه في حديثه كما قيل في أبي حازم:
حديث أبي حازم كله كقول الفواخت جاء الرطب
و هنّ و ان كنّ يشبهنه فليس يدانينه في الكذب
و كذبه عليه عليه السّلام نظير كذب عمرو بن معديكرب على خالد النهدي،ففي الأغاني قال المبرد:كانت الاشراف بالكوفة يخرجون إلى ظاهرها يتناشدون الأشعار و يتحدثون و يتذاكرون أيام الناس،فوقف عمرو بن معديكرب إلى جانب خالد بن الصقعب النهدي-و هو لا يعرفه-فأقبل عليه يحدثه و يقول:
أغرت على بني نهد،فخرجوا إلي مسترعفين بخالد بن الصقعب يقدمهم، فطعنته فوقع و ضربته بالصمصامة حتى فاضت نفسه.فقال له خالد:يا أبا ثور أنا لمقتولك الّذي تحدث.فقال:اللهم غفرا اسمع انما نتحدث بمثل هذا و أشباهه لترهب هذه المعدية-الخبر.
الا أن عمروا ذاك خجل و عمروا هذا لم ينفعل،و عمرو ذاك تحدث بما حدث لارهاب المعدية،و عمرو ذا حدث بما حدث لتحميق الشامية.
هذا،و ممن كان مشهورا بالكذب عليّ بن الجهم الشاعر الناصبي،حتى قال المتوكل-كما في الأغاني-انه أكذب خلق اللّه،حفظت عليه انه أخبرني انه أقام بخراسان ثلاثين سنة،ثم مضت مدة و نسي ما أخبرني به،فأخبرني انه
أقام بالثغور ثلاثين سنة،ثم مضت مدة نسي الحكايتين،فأخبرني انه أقام بالجبل ثلاثين سنة،ثم مضت مدة،فأخبرني أنه أقام بمصر و الشام ثلاثين سنة-إلى أن قال-فيجب أن يكون عمره على ما قال على التقليل مائة و خمسين سنة،و انما يضاهي خمسين سنة فليت شعري أي فائدة له في هذا الكذب و ما قصده.
و كان عليّ بن الجهم في الوقاحة كعمرو بن العاص،فكما لم يستحي عمرو في كذبه عليه عليه السّلام في حضوره لم يستحي ابن الجهم في كذبه على الصولي،ففي الأغاني قال ابن المدبر لابراهيم الصولي:ان عليّ بن الجهم -و كان عند الصولي-يزعم أن هذين البيتين له:
و اذا جزى اللّه امرأ بفعاله فجرى أخا لي ماجدا سمحا
ناديته عن كربة فكأنما اطلعت عن ليل به صبحا
فقال:كذب،هذان لي في محمّد بن عبد الملك الزيات.فقال له ابن الجهم:
ألم أنهك ان تنتحل شعري،فغضب الصولي و جعل يقول له بيده سوءة عليك سوءة لك ما أوقحك-و هو لا يخجل-ثم التقينا بعد مدة فقال:ارأيت كيف أخزيت إبراهيم الصولي،فجعلت اعجب من صلابه وجهه .
«و يعد فيخلف» و من أمثالهم في من يخلف الوعد«مواعيد عرقوب» (1)
أورده الميداني في مجمع الامثال 2:311. [1]
، قالوا:كان عرقوب رجلا من العماليق،فأتاه أخ له يسأله شيئا،فقال له عرقوب:إذا اطلع نخلي،فلما اطلع نخله أتاه،فقال:إذا أبلح،فلما أبلح أتاه،فقال:إذا أزهى، فلما أزهى أتاه،فقال:إذا أرطب،فلما أرطب أتاه،فقال:إذا صار تمرا،فلما صار تمرا أخذه من الليل و لم يعطه شيئا.
و قالوا:قدم صديق لدعبل من الحج،فوعده أن يهدي له نعلا،فأبطأت
1) 1)
عليه،فكتب إليه:
وعدت النعل ثم صدفت عنها كأنك تبتغي شتما و قذفا
فان لم تهدلي نعلا فكنها إذا أعجمت بعد النون حرفا
أي أنت نغل بجعل عينها غينا،و النغل فاسد النسب.
و وعد رجل الأعمش فأخلفه،فلما جاءه قال له:مرحبا يا أبا المنذر.قيل له:ما هذا كنيته؟قال:علمت لكن كنيّته بكنية مسيلمة أي الكذاب.
و في(الصحاح):الخلف بالضم الاسم من الخلاف،و كان أهل الجاهلية يقولون:«أخلفت النجوم»إذا أمحلت فلم يكن فيها مطر،و الخلف في المستقبل كالكذب في الماضي.
و لبديع الهمداني في وصف شيخ كان يخلف وعده:ما أشبه وعد الشيخ في الخلاف،الا بشجر الخلاف،خضرة في العين،و لا ثمرة في البين،فما ينفع الوعد،و لا انجاز من بعد،و مثل الوعد مثل الرعد ليس له خطر أن لم يتله مطر .
«و يسأل فيلحف» الالحاف الالحاح كان معاوية ولي عبد الرحمن بن ام الحكم اخته الكوفة،فأساء السيرة بها،فقدم قادم منها إلى المدينة،فسألته امرأة عبد الرحمن عنه فقال:تركته يسأل الحافا،و ينفق اسرافا.
قال تعالى في وصف فقراء المؤمنين: «لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً» (1)
البقرة:273. [1]
و قال الباقر عليه السّلام لمحمد بن مسلم الثقفي:لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا،و لو يعلم المعطي ما في العطية مارد أحد أحدا (2).و قال الصادق عليه السّلام لأبي بصير الاسدي:جاءت فخذ من الأنصار إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقالوا:لنا إليك حاجة.فقال:هاتوا.قالوا:حاجة عظيمة تضمن لنا
على ربّك الجنة.فنكس النبيّ رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال:
أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحدا شيئا.فكان الرجل منهم في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لانسان ناولنيه فرارا من المسألة و ينزل فيأخذه،و يكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول ناولني حتى يقوم فيشرب (1)
اخرجه الكليني في الكافي 4:21 ح 5،و [1]الصدوق في الفقيه 2:41 ح 31.
.«و يسأل فيبخل» قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:و أي داء أدوى من البخل،و لو يعلم الناس ما في الرد مارد أحد أحدا (2).
«و يخون العهد» فأخذ من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راية،و عهد معه ألا يقاتل بها مسلما،فخان و قاتل مع من كان نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.
و في(كنايات الجرجاني):يسمّون سورة المائدة سورة الأخيار، و قولهم فلان لا يقرأ سورة الأخيار،يعني لا يفي بالعهد،قال جرير:
ان البعيث و عبد آل مقاعس لا يقرءان سورة الاخيار
«و يقطع الالّ» أي:القرابة و الرحم،قال حسان:
لعمرك ان إلكّ من قريش كإلّ السقب من رأل النعام (3)
«فإذا كان عند الحرب فأي زاجر و آمر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها» في (صفين نصر):لما عبأ معاوية خيله،و عقد الألوية،و أمّر الامراء،و كتّب الكتائب،قال عمرو بن العاص له:اعصب هذا الأمر برأسي،و أرسل إلى ابي الأعور يقولوا له:ان لعمرو رأيا و تجربة ليسا لي و لك،و قد وليته أعنة الخيل
1) 1)
2) 2) اما صدر ذلك فحديث مشهور نبوي اخرجه الكليني في الكافي 4:44 ح 3،و [2]الحاكم في المستدرك 3:219، و [3]القاضي القضاعي في شهاب الاخبار:122 ح 224،و غيرهم و اما ذيله فقد روى معناه عن الباقر عليه السّلام الكليني في الكافي 4:20 ح 2،و [4]الصدوق في الفقيه 2:41 ح 30.
3) 3) أورده لسان العرب 11:26، [5]مادة(الّ).
ففعل-إلى أن قال-فقال عمرو لابنيه عبد اللّه و محمّد:قد مالي هذه الدرع،و أخرا عني هذه الحسر،و أقصا الصف قص الشارب،فان هؤلاء قد جاءوا بخطة بلغت السماء،فمشي ابناه براياتهما و عدلا الصفوف،و سار بينهما عمرو حتى عدل الصفوف و أحسن الصف ثانية،ثم حمل قيسا و كلبا و كنانة على الخيول،و رجل سائر الناس،و قعد على منبره،و أحاط به أهل اليمن و قال:
لا يقربن أحد هذا المنبر إلاّ قتلتموه كائنا من كان (1)
وقعة صفين:224. [1]
.و في(صفين نصر):ان الحسن عليه السّلام لما سلم الأمر إلى معاوية أشخص عبد اللّه بن هاشم المرقال إليه أسيرا،فأدخل عليه و عنده عمرو بن العاص، فقال عمرو لمعاوية:هذا المحتال ابن المرقال،فدونك الضب المضب،فان العصا من العصية،و انما تلد الحية حية،و جزاء سيئة سيئة مثلها،أمكني منه فأشخب أو داجه على أثباجه.فقال له ابن المرقال:فهلا كانت هذه الشجاعة منك يا بن العاص أيّام صفين حين ندعوك إلى النزال،و قد اتبلت أقدام الرجال من نقيع الجريال-أي الدم-و قد تضايقت بك المسالك،و أشرفت فيها على المهالك،و ايم اللّه لو لا مكانك من معاوية انشبت لك مني حافية،أرميك من خلالها أحد من وقع الأثافي،فانك لا تزال تكثر في هوسك،و تخبط في دهسك، و تنشب في مرسك،خبط العشواء في الليلة الخندس الظلماء.فأعجب معاوية ما سمع من كلامه،فكف عن قتله و بعث به إلى السجن (2).
و رواه(المروج)و فيه:قال لعمرو:أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، و نحن ندعوك إلى النزال،و أنت تلوذ بشمال النطاف و عقائق الرصاف،كالامة السوداء و النعجة القوداء لا تدفع يد لامس.فقال له عمرو:لا أحسبك منفلتا من
مخالب معاوية.فقال له ابن المرقال:أما و اللّه يا ابن العاص انك لبطر في اللقاء، جبان عند اللقاء،غشوم إذا وليت،هياب إذا لقيت،تهدر كما يهدر العوذ المنكوس المقيد بين مجرى الشول،لا يستعجل في المدة،و لا يرتجي في الشدة-إلخ (1)
مروج الذهب 3:9. [1]
.هذا،و لابن ميادة في ايوب بن سلمة ابن اخته:
ظللنا وقوفا عند باب ابن اختنا و ظلّ عن المعروف و المجد في شغل
صفا صلد عند الندى و نعامة إذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل
و لبعضهم في الحجاج:
أسد عليّ و في الحروب نعامة حرباء تصفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر
و قال قرواش في رجلين:
ضبعا مجاهرة و ليثا هدنة و ثعيلبا خمر إذا ما اظلما
و لبعضهم:
أفي السلم اعيار جفاء و غلظة و في الحرب أمثال النساء العوارك
«فإذا كان» أي:وجد «ذلك» أي:أخذ السيوف مآخذها «كان أكبر مكيدته ان يمنح» أي:يعطي «القرم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(القوم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)،و لا معنى للقرم هنا،فان معناه البعير المكرم لا يحمل عليه (سبته) بالفتح أي:دبره.
في(العيون)قال المدائني:رأى عمرو بن العاص يوما معاوية يضحك، فقال له:مم تضحك؟قال:من حضور ذهنك عند إبدائك سوأتك يوم ابن أبي
طالب،أما و اللّه لقد وافقته منانا كريما،و لو شاء أن يقتلك لقتلك.فقال له عمرو:
أما و اللّه و اني لعن يمينك حين دعاك عليّ إلى البراز،فاحولت عيناك،و ربا سحرك،و بدا منك ما أكره ذكره لك،فمن نفسك فاضحك أودع.
و في(صفين نصر):حمل عمرو بن العاص معلما و هو يقول:
شدّوا علي شكتي لا تنكشف بعد طليح و الزبير فاتّلف
يوم لهمدان و يوم للصدف و في تميم نحوه لا تنحرف
أضربها بالسيف حتى تنصرف إذا مشيت مشية العوذ الصلف
و مثلها لحمير او تنحرف و الربعيون لهم يوم عصف
فاعترضه عليّ عليه السّلام و هو يقول:
قد علمت ذات القرون الميل و الخصر و الأنامل الطفيل
اني بنصل السيف خنشليل احمي و ادمي أوّل الرعيل
بصارم ليس بذي فلول
ثم طعنه فصرعه،و اتقاه عمرو برجله،فبدت عورته،فصرف عليّ وجهه عنه و ارتث،فقال القوم له عليه السّلام:أفلت الرجل.قال:و هل تدرون من هو؟ قالوا:لا.قال:فانه عمرو بن العاص تلقاني بعورته،فصرفت وجهي عنه.
و رجع عمرو إلى معاوية فقال له:ما صنعت؟قال:لقيني عليّ فصرفني.قال:
أحمد اللّه و عورتك،أما و اللّه ان لو عرفته ما اقحمت عليه.و قال:
ألا للّه من هفوات عمرو يعاتبني على تركى برازي
فقد لاقى أبا حسن عليّا فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى به ليثا يذلل كل نازي
له كفّ كأن براحتيها منايا القوم يخطف خطف بازي
فان تكن المنية اخطأته فقد غني بها أهل الحجازي
إلى أن قال بعد ذكر حض معاوية لبسر بن ارطاة برازه إليه عليه السّلام:فبرز و انه عليه السّلام لما قاربه طعنه و هو دارع فألقاه على الأرض،فقصد بسر أن يكشف عورته ليستدفع باسته،فانصرف عنه،فقال له الأشتر:هذا عدوّ اللّه بسر.فقال له:دعه عليه لعنة اللّه أبعد أن فعلها،فقال الأشتر:
اكلّ يوم رجل شاغره و عورة وسط العجاج ظاهره
تبرزها طعنة كف واتره عمرو و بسر رميا بالفاقره
و قال النضر بن الحارث:
أفي كل يوم فارس تندبونه له عورة وسط العجاجة باديه
يكف بها عنه على سنانه و يضحك منها في الخلاء معاويه
بدت امس بن عمرو فقنع راسه و عورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو و ابن ارطاة ابصرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
و لا تحمدا إلا الحيا و خصيكما هما كانتا و اللّه للنفس واقيه
فلولاهما لم تنجوا من سنانه و تلك بما فيها من العود ناهيه (1)
وقعة صفين:462. [1]
هذا،و في(عيون ابن قتيبة):أخذ عبد اللّه بن علي أسيرا من أصحاب مروان ابن محمّد،فأمر بضرب عنقه،فلما رفع السياف السيف ضرط الشامي،فنفرت دابة عبد اللّه،فضحك و قال للشامي:اذهب فأنت عتيق استك.
فقال الشامي:هذا و اللّه الادبار،كنا ندفع الموت بأسنتنا،فصرنا ندفعه اليوم بأستاهنا.
قلت:لم يدر عبد اللّه بن عليّ يقول له كنتم من أول يوم تدفعون الموت بأستاهكم،فلو كان عمرو لم يكشف عورته لكان عليه السّلام قتله،و لو كان قتل لم يكن من يكيد لكم رفع المصاحف لما انهزمتم،فالأصل في امركم سبة عمرو.
1) 1)
«أما و اللّه انه ليمنعني من اللعب ذكر الموت» قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أكيس المؤمنين من كان أكثرهم ذاكرا للموت،و أشدهم له استعدادا (1)
اخرجه الاهوازي في الزهد:78 ح 211. [1]
.«و انه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة» روى(صفين نصر):أن ذا الكلاع الحميري من أصحاب معاوية أراد ان يجمع بين عمار و عمرو بن العاص،لأنه سمع من عمرو في امارة عمر أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حدثه ان أهل الشام و أهل العراق يلتقيان،و في إحدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى و معه عمار-إلى أن قال-قال عمرو لعمار:فعلام تقاتلنا أو لسنا نعبد الها واحدا؟فقال له عمار:
أمرني النبيّ ان اقاتل الناكثين و قذ فعلت،و أمرني ان اقاتل القاسطين فأنتم هم، و اما المارقين فما أدري أدركهم أم لا،أ لست تعلم أيها الأبتر ان النبيّ قال لعليّ «من كنت مولاه فعلي مولاه،اللهم وال من والاه،و عاد من عاداه»،و انا مولى اللّه و رسوله و علي بعده و ليس لك مولى.قال عمرو له:لم تشتمني و لست أشتمك.قال:و بم تشتمني،أ تستطيع ان تقول اني عصيت اللّه و رسوله يوما.
إلى أن قال:فقال له عمرو:فما تقول في قتل عثمان؟قال:فتح لكم باب كل سوء.قال عمرو:فعليّ قتله.قال عمار:بل اللّه رب عليّ قتله و عليّ معه.قال:
أ كنت في من قتله؟قال:كنت مع من قتله،و أنا اليوم أقاتل معهم.قال عمرو:فلم قتلتموه؟قال:أراد أن يغير ديننا فقتلناه.فقال عمرو:ألا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان.فقال عمار:قد قال فرعون من قبلك لقومه: «أَ لا تَسْتَمِعُونَ» (2).
و في(خلفاء ابن قتيبة):ذكروا أن رجلا من همدان يقال له برد قدم على معاوية،فسمع عمرو بن العاص يقع في عليّ عليه السّلام،فقال له:يا عمرو ان أشياخنا سمعوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول«من كنت مولاه فعليّ مولاه»فحق ذلك أم
باطل؟فقال عمرو:حق و انا أزيدك انه ليس أحد من صحابة النبيّ له مناقب مثل مناقب عليّ.ففزع الفتى،فقال عمرو:لكنه أفسدها بأمره في عثمان.قال:
هل أمر أو قتل؟قال:لا و لكنه آوى و منع.قال:فهل بايعه الناس عليها؟قال:
نعم.قال:فما أخرجك منها؟قال:اتهامي اياه في عثمان.قال له:و أنت أيضا قد اتهمت.قال:صدقت فيها خرجت إلى فلسطين.فرجع الفتى إلى قومه فقال:انا اتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم،عليّ على الحق فاتبعوه (1)
الامامة و السياسة 1:109. [1]
.«انه لم يبايع معاوية» حتى شرط هكذا في(المصرية)،و الصواب: (حتى شرط له) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«أن يؤتيه أتية» أي:
يعطيه عطية «و يرضخ له على ترك الدين رضيخة» في(الجمهرة):رضخ فلان لفلان من ماله إذا أعطاه قليلا من كثير،و الاسم الرضيخة.
في(صفين نصر):طلب معاوية من عمرو أن يسوي صفوف أهل الشام،فقال له عمرو:على ان لي حكمي ان قتل ابن أبي طالب و استوسقت لك البلاد.فقال:أليس حكمك في مصر؟قال:و هل مصر تكون عوضا عن الجنة، و قتل ابن أبي طالب ثمن لعذاب النار.فقال له معاوية:لك حكمك ان قتل رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك (3).
و في(يتيمة الثعالبي):
سن التختم في اليمين محمّد للقائلين بدعوه الاخلاص
فسعى ابن هند في ازالة رسمه و أعانه في ذلك ابن العاص (4)
و في(الأغاني):حضرت الأنصار-و معهم النعمان بن بشير-باب
معاوية فقال حاجبه سعد له الأنصار بالباب.فقال عمرو بن العاص:ما هذا القلب الّذي جعلوه نسبا،أرددهم إلى نسبهم.فقال له معاوية:ان علينا في ذلك شناعة.قال:و ما في ذلك،انما هي كلمة مكان كلمة.فقال معاوية لحاجبه:
أخرج فناد من كان بالباب من ولد عمرو بن عامر فليدخل،فخرج فنادى،فدخل من كان هناك منهم سوى الأنصار،فقال له:أخرج فناد من كان هناك من الأوس و الخزرج فليدخل،فخرج فنادى،فوثب النعمان و أنشأ يقول:
يا سعد لا تعد الدعاء فما لنا نسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تخيره الإله لنا اثقل به نسبا على الكفار
فقال معاوية لعمرو:قد كنّا لأغنياء عن هذا.
هذا،و نظير كلامه عليه السّلام في عمرو كلام ابن عباس فيه،ففي(بيان الجاحظ)و(عقد ابن عبد ربه):قال المدائني:قام عمرو في موسم من مواسم العرب،فأطرى معاوية و بني امية و ذكر مشاهده بصفين،فأقبل ابن عباس عليه و قد اجتمعت قريش،فقال له:انك ابتعت دينك من معاوية،و أعطيته ما بيدك،و منّاك ما بيد غيرك،و كان الّذي أخذ منك أكثر من الّذي أعطاك،و الّذي أخذت منه دون الّذي أعطيته،و كلّ راض بما أخذ و أعطى،فلمّا صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل و التنغيص حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها، و ذكرت مشاهدك بصفين،فو اللّه ما ثقلت علينا وطأتك،و لقد كشفت فيها عورتك،و ان كنت فيها الطويل اللسان قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت، و أولها إذا أدبرت،لك يدان يد لا تبسطها إلى خير،و اخرى لا تقبضها عن شر، و لسان غرور ذو وجهين وجه موحش،و وجه مونس،و لعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول عليها ندمه،لك لسان و فيك خطل،و لك رأي
و فيك نكد،و لك قدر و فيك حسد،و أصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك (1)
البيان و التبيين 2:338. [1]
.هذا،و نظير كلامه عليه السّلام في ابن النابغة كلام أحمد بن أبي طاهر البغدادي في ابن مكرم صاحب أبي العيناء«هو العاق لأبيه،و المنتفي من أخيه،و القاذف لامه،و القاطع لرحمه،المهتوك الحرمة،الوضيع الهمة،الضيق الصدر،القريب القعر،السريع إلى الصديق،البطيء عن الحقوق،المشهور بالزناء،المعروف بالبغاء،العاكف على ذنبه،الصادف عن ربّه،الوضيع في خلائفه،العاتي على خالقه،الدائم البطنة،القليل الفطنة،النظف الدين و الجيب،الدنس العرض و الثوب،عدوّه آمن من غائلته،و صديقه خائف من بائقته،جهله جهل الصبيان،و ضعفه ضعف النسوان،سهل الريح،ثقيل الروح،خفيف العقل و الزون.خبيث الفرج و البطن،جليسه بين نتن و اذى،و قذر و بذي،من استخف به اكرمه،و من وصله صرمه،غث الخلقة،رث الهيئة،و سخ المروءة،يحلف ليحنث،و يعهد لينكث،و يعد ليخلف،و يحدّث ليكذب،ان تكلم ملأ الأسماع عيا، و الأنف نتنا،و ان سكت قرى العيون قبحا،و القلوب مقتا،اسناده عن المخنّثين،و بلاغته في ذم الصالحين،و طرفه قذف المحصنات،و سعيه في كسب السيئات،و خلوته لاقتراف السوءات،و تمني الشهوات».
و كلام أعرابي لشخص«أنت و اللّه ممن إذا سأل ألحف،و إذا سئل سوّف،و إذا حدّث حلف،و إذا وعد أخلف،تنظر نظر حسود،و تعرض اعراض حقود».
و عكسه قول النظام في عبد الوهاب الثقفي:هو و اللّه أحلى من أمن بعد خوف،و برء بعد سقم،و خصب بعد جدب،و غنى بعد فقر،و من طاعة المحبوب،و فرج المكروب،و من الوصال الدائم،مع الشباب الدائم.
1) 1)
هذا،و في(اللسان):حق الكهول أي بيت العنكبوت،و منه قول عمرو بن العاص لمعاوية في محاورات كانت بينهما:لقد رأيتك بالعراق،و ان امرك كحق الكهول أو كالحجاة في الضعف،فما زلت أرمه حتى استحكم.قال الازهري:و روى ابن قتيبة هذا الحرف بعينه،فصحفه و قال«مثل حق الكهدل» بالدال بدل الواو،و خبط في تفسيره خبط العشواء،و الكهول العنكبوت و حقه بيته (1)
لسان العرب 11:602 و 603، [1]مادة(كهل)،و النقل بالمعنى.
.الكتاب(32)
و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية:
وَ أَرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً- خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ- تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلاَطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ- فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ- وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ- إِلاَّ مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ- فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ- وَ هَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ- إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ- فَاتَّقِ اللَّهَ يَا؟مُعَاوِيَةُ؟ فِي نَفْسِكَ- وَ جَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ- فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَ الْآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ- وَ السَّلاَمُ أقول:قال ابن أبي الحديد:و قبله«أما بعد فان الدنيا دار تجارة،و ربحها أو خسرها الآخرة،فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة،و من رأى الدنيا بعينها و قدّرها بقدرها،و اني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نفاذه،و لكن اللّه تعالى أخذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة،و أن ينصحوا الغوي و الرشيد،فاتق اللّه و لا تكن ممن لا يرجو للّه وقارا،و من حقت
1) 1)
عليه كلمة العذاب،فان اللّه بالمرصاد،و ان دنياك ستدبر عنك،و ستعود حسرة عليك،فاقلع عمّا أنت عليه من الغيّ و الضلال على كبر سنّك و فناء عمرك،فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الّذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر،و قد أرديت جيلا»إلخ.
قال المدائني:فكتب إليه:أما بعد فقد وقفت على كتابك و قد أبيت على الفتن إلاّ تماديا،و اني لعالم أن الّذي يدعوك إلى ذلك مصرعك الّذي لا بد لك منه،و ان كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك،فطالما خفّ عقلك،و منيت نفسك ما ليس لك،و التويت على من هو خير منك،ثم كانت العاقبة لغيرك،و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك.
قال:فكتب إليه عليّ عليه السّلام:أما بعد فان ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك الّذين حملهم الكفر و تمنى الباطل على حسد محمّد، حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت،لم يمنعوا حريما،و لم يدفعوا عظيما، و أنا صاحبهم و لا تبع ان شاء اللّه خلفهم بسلفهم،فبئس الخلف خلف اتبع سلفا محله و محطه النار.
قال:فكتب إليه معاوية:أما بعد فقد طال في الغي ما استنررت ادراجك كما طال ما تمادى عن الحرب نكوصك و إبطاؤك،فتوعد وعيد الأسد،و تروغ روغان الثعلب،فحتام تحيد عن لقاء الليوث الضارية،و الأفاعي القاتلة،و لا تستبعدنها،فكل ما هو آت قريب.
قال:فكتب إليه عليّ عليه السّلام:اما بعد فما أعجب ما يأتيني منك و ما أعلمني بما أنت إليه صائر،و ليس إبطائي عنك إلاّ ترقبا لما كنت له مكذّب و أنا به مصدّق،و كأني بك غدا و أنت تضج من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال،و ستدعوني أنت و أصحابك إلى كتاب
تعظمونه بألسنتكم و تجحدونه بقلوبكم.
قال:فكتب إليه معاوية:أما بعد فدعني من أساطيرك،و اكفف عني من أحاديثك،و اقصر عن تقولك على النبيّ و افترائك من الكذب ما لم يقل،و غرور من معك و الخداع لهم،فقد استغويتهم و يوشك أمرك أن ينكشف لهم، فيعتزلوك و يعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل.
قال:فكتب عليّ عليه السّلام:اما بعد فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين،و نبذتموه وراء ظهوركم،و جهدتم لاطفاء نور اللّه بأيديكم و أفواهكم،و اللّه متمّ نوره و لو كره الكافرون،و لعمري ليتمن النور على كرهك،و لينفذن العلم بصغارك،و لتجازين بعملك،فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك،فكأنك بباطلك و قد انقضى،و بعملك و قد هوى،ثم تصير إلى لظى لم يظلمك اللّه شيئا،و ما ربنا بظلام للعبيد.
قال:فكتب معاوية:أما بعد فما أعظم الرين على قلبك،و الغطاء على بصرك،الشره من شيمتك،و الحسد من خليقتك،فشمر للحرب،و اصبر للضرب،فو اللّه ليرجعنّ الأمر إلى ما علمت و العاقبة للمتقين،هيهات هيهات اخطأك ما تمنى،و هوى قلبك مع من هوى،فاربع على ضلعك،و قس شبرك بفترك،لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه،و يفصل بين أهل الشك علمه.
قال:فكتب إليه عليّ عليه السّلام:أما بعد فان مساويك مع علم اللّه تعالى فيك حالت بينك و بين أن يصلح لك أمرك و ان يرعوي قلبك،يا ابن صخر اللعين زعمت أن الجبال يزن حلمك،و يفصل بين أهل الشك علمك،و أنت الجلف المنافق،الاغلف القلب،القليل العقل،الجبان الرذل،فان كنت صادقا فيما تسطر و يعينك عليه أخو بني سهم،فدع الناس جانبا،و تيسر لما دعوتني إليه من
الحرب،و الصبر على الضرب،و اعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المريّن على قلبه،المغطى على بصره،فانا أبو الحسن قاتل جدك و اخيك و خالك،و ما أنت منهم ببعيد.
قال ابن أبي الحديد:و أعجب و أطرف ما جاء به الدهر-و ان كانت عجائبه و بدائعه جمة-أن يفضي أمر عليّ عليه السّلام إلى أن يصير معاوية ندا له و نظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب و الجواب و يتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه،و لا يقول له عليّ عليه السّلام كلمة الا قال معاوية له مثلها و أخشن،فليت محمّدا كان شاهد ذلك ليرى عيانا-لا خبرا-ان الدعوة الّتي قام بها،و قاسى أعظم المشاقّ في تحملها،و كابد الأهوال في الذبّ عنها،و ضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها،و شيّد أركانها،و ملأ الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لأعدائه الّذين كذّبوه لما دعا إليها،و أخرجوه عن أوطانه لما حض عليه، و أدموا وجهه،و قتلوا أهله و عمه،فكأنه كان يسعى لهم،و يدأب لراحتهم-كما قال أبو سفيان في أيام عثمان-و قد مر بقبر حمزة و ضربه برجله:يا أبا عمارة ان الأمر الّذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به،ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليّا عليه السّلام كما يتفاخر الأكفاء و النظراء:
إذا عيّر الطائي بالبخل مادر و قرع قسا بالفهاهة باقل
و قال السها للشمس أنت خفية و قال الدجى يا صبح لونك حائل
و فاخرت الأرض السماء سفاهة و كاثرت الشهب الحصا و الجنادل
فيا موت زران الحياة ذميمة و يا نفس جدّي ان دهرك هازل
ثم أقول ثانيا لأمير المؤمنين عليه السّلام:ليت شعري لما ذا فتح باب الجواب و الكتاب بينه و بين معاوية،و إذا كانت الضرورة قادت إلى ذلك فهلا اقتصر في الكتاب إليه على الموعظة من غير تعرض للمفاخرة،و إذا كان لا بد منهما
فهلا اكتفى بهما من غير تعرض لامر آخر يوجب المقابلة بمثله و بأشد «وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» (1)
الانعام:108. [1]
،و هلا دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الأحمق،مع أنه القائل«من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون».أيها الشاتمي لتحسب مثلي انما أنت في الضلال تهيم
لا تسبنّني فلست بسبي ان سبّي من الرجال الكريم
و هكذا جرى في القنوت و اللعن عليه قنت بالكوفة على معاوية،و لعنه في الصلاة و خطبة الجمعة،و أضاف إليه عمرو بن العاص،و أبا موسى،و أبا الأعور،و حبيب بن مسلمة،فبلغ ذلك معاوية بالشام،فقنت عليه،و لعنه في الصلاة و خطبة الجمعة،و أضاف إليه الحسن و الحسين و ابن عباس و الأشتر، و لعله قد كان يظهر له عليه السّلام من المصلحة ما يغيب عنّا الآن،و للّه أمر هو بالغه (2).
قلت:أما ما ذكره من استعجابه من افضاء امر أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أن يصير معاوية ندا له،فهل السبب و الأصل فيه الا صدّيقه و فاروقه،و قد اعترف معاوية نفسه بذلك في كتابه لمحمد بن أبي بكر،و انهما أسسا له ذلك، و انه اقتدى بهما في معاملته معه عليه السّلام (3).
و أما تمنيه حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى يرى أن دعوته الكذائية خلصت صفوا عفوا لاعدائه،فلم يكن محتاجا إلى التمني،فالنبيّ شاهد ذلك في حياته،و كيف
لم يشاهد ذلك و قد منعه فاروقهم من الوصية و قال«ان الرجل ليهجر» (1)
اخرجه البخاري في صحيحه 1:32 و 4:7 و 271،و مسلم في صحيحه 3:1259 ح 22.
و كان يصيح مرّة بعد اخرى و كلما أفاق من غشوته«جهّزوا جيش اسامة، جهزوا جيش اسامة،لعن اللّه من تخلف عنه» (2)،و رأى بعينه من أمر بتجهزه في جيش اسامة يصلّي بالناس مقامه حتى اضطرّ في شدّة مرضه أن يخرج و يؤخره.و هل غلمان بني امية تلعبوا بالاسلام و الدين،و شربوا الخمر،و صلّوا بالناس سكارى،و عربدوا في الصلاة إلاّ زمان ذي نوريهم الّذي دبّر له الأمر فاروقهم.
و أما ما قاله من أنه عليه السّلام لم فتح باب المكاتبة بينه و بين معاوية،فيقال له فتحه باب الجهاد معه الّذي قال فيه:لم يسعني فيه إلاّ القتال معه أو الكفر بما جاء به محمّد (3)،و الجهاد يستلزم أوّلا اتمام الحجّة و الدعوة و الكتاب.
و أما التعرض للمفاخرة فليعلم درجة فضله عليه السّلام،و حدّ رذالة معاوية، و تعرضه عليه السّلام له بالمحاجّات،كتعرض إبراهيم لنمرود إلى أن بهت اللعين كنمرود في كتابه عليه السّلام الأخير إليه:يا ابن صخر اللعين دع الناس جانبا (4).
و كان معاوية يبكته بعداوته عليه السّلام لصدّيقهم و فاروقهم في قوله له «منيت نفسك ما ليس لك،و التويت على من هو خير منك،ثم كانت العاقبة لغيرك» (5).
و كان عليه السّلام لا ينكر ذلك و يجيبه بكونه كأبيه لعين النبيّ،و ان اللعين
1) 1)
2) 2) رواه الجوهري في السقيفة:75،و [1]الشهرستاني في الملل 1:29،و [2]القاضي النعمان في دعائم الاسلام 1:41. [3]
3) 3) قاله عليه السّلام في ضمن خطبة مشهورة رواها ابن عساكر في ترجمة عليّ عليه السّلام 3:130 ح 1152،و المفيد في اماليه: 153 ح 5،المجلس 19،و ابن الأثير في اسد الغابة 4:31.
4) 4) مر نقله في صدر هذا العنوان عن المدائني.
5) 5) مر نقله في صدر هذا العنوان عن المدائني.
اقتدى بسلفه الّذين حملهم الكفر و تمنى الأباطيل على حسد محمّد،حتى صرعوا مصارعهم،و أنه عليه السّلام كان من قبل محمّد مباشرا لبوارهم و بعثهم إلى النار فأين و أين،فالحق متحقق،و الباطل زاهق.
و أما لعنه عليه السّلام لمعاوية فمثل قتاله له،و قتله عليه السّلام لأسلافه كان بأمر اللّه تعالى،و ان كانوا فعلوا أضعافه به من قتل أهل بيته،و سبي حريمه،و سبه ثمانين سنة،فهل اللوم في ذلك إلاّ على الناس الّذين تركوا أهل بيت نبيهم الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،و اتبعوا رجالا ساعدهم هؤلاء الّذين كانوا أعداء اللّه،و أعداء رسوله،و أعداء دينه،و أعداء أهل بيته.
و من الغريب انه عليه السّلام مع لعنه له اتماما للحجة بوجوب لعن من لعنه اللّه اخواننا يصلّون على معاوية،قال الطبري:أمر المعتضد في سنة(284) بالتقدم إلى الشراب و الّذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية و لا يذكروه بخير-إلخ (1)
تاريخ الطبري 8:182،سنة 284. [1]
.حشرهم اللّه معه .«و أرديت» أي:أهلكت «جيلا» أي:صنفا «من الناس كثيرا» و المراد أهل الشام اهلكهم معاوية في دينهم.
و في(صفين نصر):لما قال جرير البجلي الّذي أرسله عليّ عليه السّلام لاخذ البيعة من معاوية له:أدخل فيما دخل فيه الناس،قال معاوية لأهل الشام:قد علمتم أني خليفة عمر،و أني خليفة عثمان،و أني ولي عثمان،و قد قتل مظلوما، و أنا احب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان،فقاموا بأجمعهم،و أجابوه إلى الطلب بدمه (2).
«خدعتهم بغيّك و ألقيتهم في موج بحرك» في(صفين نصر):مضى هاشم
المرقال في جماعة من القراء،فخرج عليهم فتى من أهل الشام يقول:
انا ابن أرباب الملوك غسان و الدائن اليوم بدين عثمان
انبأنا أقوامنا بما كان أن عليّا قتل ابن عفّان
ثم شد يضرب بسيفه،ثم يلعن و يشتم،فقال له هاشم:ان هذا الكلام بعده الخصام،فاتّق اللّه،فانك راجع إلى ربّك فسائلك عن هذا الموقف و ما أردت به.فقال:اقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي و انّكم لا تصلّون، و اقاتلكم ان صاحبكم قتل خليفتنا و أنتم و ازرتموه على قتله.فقال له هاشم:
و ما أنت و ابن عفان،انما قتله أصحاب محمّد و قرّاء الناس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب،و اصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله هم أصحاب الدين،و أولى بالنظر في امور المسلمين،و ان هذا الأمر لا علم لك به فخله و أهل العلم به،و أما قولك «انّ صاحبنا لا يصلّي»فهو أوّل من صلى للّه مع رسوله،و أفقه الناس في دين اللّه،و أدنى برسول اللّه،و أما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب لا ينامون الليل تهجّدا،فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون.فقال الفتى:يا عبد اللّه اني لأظنك امرأ صالحا فهل تجد لي من توبة-إلخ (1)
وقعة صفين:354. [1]
.«تغشاهم الظلمات» و في(المروج):وجه عبد اللّه بن عليّ لما نزل الشام في طلب مروان بن محمّد إلى السفاح أشياخا من ارباب النعم و الرئاسة من أهل الشام،فحلفوا للسفاح أنهم ما علموا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله قرابة و لا أهل بيت يرثونه غير بني امية حتى وليتم الخلافة (2).
«و تتلاطم بهم الشبهات» في(تاريخ الطبري):قال أبو عبد الرحمن السلمي لما قتل عمار-و كان الليل-قلت:لادخلن إلى أهل الشام حتى أعلم هل بلغ منهم
قتل عمار ما بلغ منا،و كنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدثنا إليهم، فركبت فرسي ثم دخلت،فإذا أنا بأربعة يتسايرون معاوية و أبو الاعور و عمرو بن العاص و ابنه عبد اللّه-و هو خيرهم-فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحدهم،فقال عبد اللّه لابيه:قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه ما قال-إلى أن قال-فقال معاوية:أو نحن قتلنا عمارا؟ انما قتل عمارا من جاء به،فخرج الناس من فساطيطهم و اخبيتهم يقولون:انما قتل عمارا من جاء به،فلا أدري من كان أعجب هو أو هم (1)
تاريخ الطبري 4:28،سنة 37. [1]
.«فجاروا» (2)أي:مالوا «عن وجهتهم» بكسر الواو «و نكصوا» أي:رجعوا «على أعقابهم و تولوا على أدبارهم» أي:ارتدوا.
و في(صفين نصر):أن عراقيا و شاميا اقتتلا ساعة،ثم أن العراقي ضرب رجل الشامي فقطعها،فقاتل و لم يسقط إلى الأرض،ثم ضرب العراقي يده فقطعها،فرمي الشامي سيفه بيده اليسرى إلى أهل الشام و قال:يا أهل الشام،دونكم سيفي هذا فاستعينوا به على عدوّكم،فاشترى معاوية ذلك السيف من أولياء المقتول بعشرة آلاف (3).
«و عوّلوا على أحسابهم» في(صفين نصر):دعا هاشم بن عتبة في الناس عند المساء و قال:ألا من كان يريد اللّه و الدار الآخرة فليقبل،فأقبل إليه ناس، فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا،فليس من وجه يحمل عليهم إلاّ صبروا له و قوتل فيه قتالا شديدا،فقال لأصحابه:لا يهولنّكم ما ترون من صبرهم،فو اللّه ما ترون منهم إلاّ حمية العرب و صبرها تحت راياتها
و عند مراكزها،و انهم لعلى الضلال و انكم لعلى الحق (1)
وقعة صفين:354. [1]
.«الا من فاء» أي:رجع عنك «من أهل البصائر فانهم فارقوك بعد معرفتك و هربوا إلى اللّه من موازرتك» أي:معاضدتك «إذ حملتهم على الصعب و عدلت بهم عن القصد» .
في(صفين نصر):لما غلب أهل الشام على الفرات قال معاوية:يا أهل الشام هذا أول الظفر لا سقى اللّه أبا سفيان ان شربوا منه حتى يقتلوا بأجمعهم عليه.فقال له المعري بن الاقبل-و كان ناسكا و كان صديقا لعمرو-سبحان اللّه يا معاوية ان فيهم العبد و الامة و الاجير و الضعيف و من لا ذنب له،هذا أول الجور،لقد حملت من لا يريد قتالك على كتفك.فأغلظ له معاوية و قال لعمرو:
اكفني صديقك.فأتاه عمرو فأغلظ له،فسار في سواد الليل،فلحق بعليّ عليه السّلام و قال:
فلست بتابع دين ابن هند طوال الدهر ما ارسي حراء (2)
«فاتق اللّه يا معاوية في نفسك و جاذب الشيطان قيادك» القياد حبل تقاد به الدابة «فان الدنيا منقطعة عنك و الآخرة قريبة منك» .
في(تاريخ الطبري):كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يبرد بريدا إلى معاوية امر مناديه فنادى:من له حاجة يكتب إلى الخليفة.فكتب زر بن حبيش أو أيمن ابن خريم كتابا لطيفا و رمى به في الكتب،و فيه:
إذا الرجال ولدت أولادها و اضطربت من كبر اعضادها
و جعلت اسقامها تعتادها فهي زروع قد دنا حصادها
فلما قرأ هذا الكتاب في الكتب قال:نعى إلي نفسي (1)
تاريخ الطبري 4:248،سنة 60. [1]
.و فيه:لما ثقل معاوية و حدّث الناس أنه الموت،قال لأهله:احشوا عيني اثمدا و أوسعوا رأسي دهنا،ففعلوا و برقوا وجهه بالدهن،ثم مهّد له،فجلس و قال أسندوني،ثم قال ائذنوا للناس و لا يجلس أحد،فجعل الرجل يدخل، فيسلم قائما،فيراه مكتحلا مدهنا،فيقول تقول الناس هو لما به و هو أصحّ الناس،فلما خرجوا من عنده قال معاوية:
و تجلّدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا اتضعضع
و إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع (2)
و في(المروج):دخل معاوية الحمام في بدء علته الّتي كانت وفاته فيها، فرأى نحول جسمه،فبكى لفنائه:
أرى الليالي أسرعت في نقضي أخذن بعضي و تركن بعضي
حنين طولي و حنين عرضي أقعدنني من بعد طول نهضي
و لما أزف أمره و حان فراقه و اشتدت علّته و أيس من برئه أنشأ يقول:
فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة و لم أك في اللّذات أعشى النواظر
و كنت كذي طمرين عاش ببلغة من الدهر حتى زار أهل المقابر (3)
الخطبة(198)
و من كلام له عليه السّلام:
وَ اللَّهِ مَا؟مُعَاوِيَةُ؟ بِأَدْهَى مِنِّي وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ- وَ لَوْ لاَ كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ
لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ- وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَ لاَ أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ «و اللّه ما معاوية بأدهى» أي:أكثر دهاء (منّي) و من دهاء معاوية ما في (تاريخ الطبري):و فد عمرو بن العاص على معاوية و معه أهل مصر،فقال لهم:
انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة،فانه أعظم لكم في عينه،و صغروه ما استطعتم،فلما قدموا عليه قال معاوية لحجّابه:اني أعرف ابن النابغة،كأني به و قد صغّر أمري عند القوم،فانظروا إذا دخل الوفد، فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها،فلا يبلغني رجل منهم إلاّ و قد همته نفسه بالتلف.فكان أول من دخل عليه رجل يقال له ابن الخيّاط،فدخل و قد تعتع، فقال:السلام عليك يا رسول اللّه.فتتابع القوم على ذلك،فلما خرجوا قال لهم عمرو:لعنكم اللّه نهيتكم أن تسلموا عليه بالامارة فسلمتم عليه بالنبوة (1)
تاريخ الطبري 4:244،سنة 60. [1]
.و من دهائه ما في(صفين نصر)-في بيعة عمرو لمعاوية-قال معاوية لعمرو:اني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الّذي عصى ربه،و قتل الخليفة،و أظهر الفتنة،و فرّق الجماعة،و قطع الرحم.قال عمرو:إلى جهاد من؟قال:جهاد عليّ.
فقال عمرو:و اللّه يا معاوية ما أنت و عليّ بعكمي بعير،مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه،و اللّه ان له مع ذلك جدا و جدودا و حظا و حظوظا و بلاءا من اللّه حسنا،فما تجعل لي ان شايعتك على حربه، و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر.فقال له معاوية:اني أكره لك أن تتحدث العرب عنك انك انما دخلت في هذا الأمر لعرض الدنيا.قال:دعني عنك.فقال له معاوية:اني لو شئت أن أخدعك لفعلت.قال عمرو:لا لعمر اللّه ما مثلي يخدع،
1) 1)
لأنا أكيس من ذلك.قال له معاوية:ادن مني برأسك أسارّك،فدنا منه ليسارّه، فعض معاوية أذنه و قال له:هذه خدعة،هل ترى في البيت أحدا غيري و غيرك (1)
وقعة صفين:37. [1]
.و في(المروج)-بعد ذكر التقاء أبي موسى و عمرو بن العاص و خدعة عمرو لأبي موسى بخلع أبي موسى له عليه السّلام و نصب عمرو لمعاوية- و انصرف عمرو إلى منزله و لم يأت معاوية،فأرسل إليه معاوية يدعوه،فقال:
انما كنت أجيئك إذا كانت لي إليك حاجة،فأما إذا كانت الحاجة إلينا فأنت أحق ان تأتينا.فعلم معاوية ما قد وقع فيه،فأمر بطعام كثير فصنع،ثم دعا بخاصته و مواليه و أهله فقال:اني سأغدو إلى هذا،فإذا دعوته فادعوا مواليه و أهله فليجلسوا قبلكم،فإذا شبع رجل و قام فليجلس رجل منكم مكانه،فإذا خرجوا و لم يبق في البيت أحد فأغلقوا باب البيت و احذروا أن يدخل أحد منهم الا أن آمركم،و غدا إليه معاوية و عمرو جالس على فراشه،فلم يقم له عنها و لا دعاه إليها،فجاء معاوية،و جلس على الأرض،و اتكأ على الفراش،و ذلك أن عمرا كان يحدث نفسه أنه قد ملك الأمر،و إليه العهد يضعهما فيمن يرى، و يندب للخلافة من يشاء،فجرى بينهما كلام كثير و كان مما قال له عمرو:هذا الكتاب الّذي بيني و بينه،عليه خاتمي و خاتمه،و لا أقر أن عثمان قتل مظلوما و أخرج عليّا من هذا،و هذا الأمر إليّ استخلف من شئته،و قد أعطاني أهل الشام عهودهم و مواثيقهم.
فحادثه معاوية ساعة و أخرجه عما كانوا عليه و ضاحكه و داعبه،ثم قال له:هل من غذاء؟قال:أما شيء يشبع من ترى فلا،فقال معاوية:هلم يا غلام غذاءك،فجيء بالطعام المستعد،فقال لعمرو:ادع مواليك و أهلك فدعاهم،
1) 1)
ثم قال له عمرو:و ادع أنت اصحابك.قال:نعم يأكل أصحابك ثم يجلس هؤلاء بعد،فجعلوا كلما قام رجل من حاشية عمرو قعد موضعه رجل من حاشية معاوية،حتى خرج أصحاب عمرو و جلس أصحاب معاوية،فقام الّذي و كله فأغلق الباب،فقال له عمرو:فعلتها.قال:أي و اللّه بيني و بينك أمران اختر أيهما شئت البيعة لي او أقتلك،ليس و اللّه غيرهما.قال عمرو:فأذن لغلامي وردان حتى أشاوره.قال:لا تراه و اللّه و لا يراك الا قتيلا أو على ما قلت لك.قال:فأولني اذن مصر.قال:هي لك ما عشت،فاستوثق كل واحد منهما من صاحبه، و احضر معاوية خواصه من أهل الشام،و منع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو،فقال لهم عمرو،قد رأيت ان أبايع معاوية،فلم ار أحدا أقوى على هذا الأمر منه،فبايعه أهل الشام و انصرف إلى منزله خليفة (1)
مروج الذهب 2:401. [1]
.و في(تاريخ الطبري):قال عمرو بن العاص:ما رأيت معاوية متكئا قط واضعا إحدى رجليه على الاخرى كاسرا عينه يقول لرجل تكلم الا رحمته.
و قال عمر بن الخطاب:تذكرون كسرى و قيصر و دهاءهما و عندكم معاوية.
و خرج عمر إلى الشام فرأى معاوية في موكب يتلقاه غدوا،و يروح إليه في موكب،فقال له:يا معاوية تروح في موكب،و تغدو في مثله،و بلغني انك تصبح في منزلك و ذوو الحاجات ببابك.فقال له معاوية:ان العدو بها قريب منا،و لهم فينا عيون و جواسيس،فأردت ان يروا للاسلام عزا.فقال عمر:ان هذا لكيد رجل لبيب،أو خدعة رجل أريب.فقال له معاوية:مرني بما شئت أصر إليه.فقال له عمر:ويحك ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلاّ تركتني
1) 1)
ما أدري آمرك أم أنهاك (1)
تاريخ الطبري 4:244 و 247،سنة 60. [1]
.و في(عيون ابن قتيبة):قال عمر بن الخطاب في معاوية:احذروا آدم قريش و ابن كريمها،من لا ينام إلا على الرضا،و يضحك في الغضب،و يأخذ ما فوقه من تحته.
و فيه:قال معاوية:لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي،و لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني،و لو أن بيني و بين الناس شعرة ما انقطعت.قيل:
و كيف ذاك؟قال:كنت إذا مدوها خليتها،و إذا خلوها مددتها.
و فيه:فخر سليمان مولى زياد بزياد عند معاوية،فقال له معاوية:
أسكت ما أدرك صاحبك شيئا قط بسيفه الا و قد أدركت أكثر منه بلساني.
و في(بلاغات نساء البغدادي):لما أتى نعي يزيد بن أبي سفيان قال بعض المعزين لامه هند بنت عتبة:انا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه.
قالت:أو مثل معاوية يكون خلفا من أحد،و اللّه لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رمي به فيها يخرج من أيها شاء.
و قيل لها:ان عاش معاوية ساد قومه.فقالت:ثكلته ان لم يسد الا قومه.
و في السير:انه قال لابنه يزيد،ان الكوفة و المدينة تختلفان عليه بعده، و انّه لا يصل الكوفة إلاّ عبيد اللّه حتى أنه كتب له امارته عليها قبل موته،و انه لا يصلح المدينة إلاّ مسلم بن عقبة المرّي.
و في(عيون القتيبي):قال معاوية لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم ان في قلبه عليّ ضغنا،فأستشيره فيثير إليّ منه بقدر ما يجده في نفسه،فلا يزال يوسعني شتما و أوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستعين به فيعينني، و استنجد به فينجدني.
1) 1)
قلت:هكذا نقل ابن قتيبة(فأستشيره)بالشين،و ليس من النسخة حيث نقله في باب المشورة،و هو غلط من ابن قتيبة و انما هو(فأستثيره)بالثاء المثلثة،أي أعمل معه ما يوجب ثورانه،و الشاهد على ما قلنا قوله بعد(فيثير إليّ منه)و أيضا لا مناسبة لمشورة العدو،فانها توجب غشه في الجواب لا ثورانه.
و كان إذا ذم أحد خصمائه خواصه يحضر نفسه أن يذم لئلاّ ينفروا عنه،ففي خبر ورود عقيل عليه و طعن عقيل على جلسائه عمرو بن العاص، و أبي موسى الاشعري،و الضحاك بن قيس:فلما رأى معاوية انه قد أغضب جلساءه علم أنه ان استخبره عن نفسه قال فيه سوء،فأحب أن يسأله،فيقول فيه ما يعلمه من السوء،فيذهب بذلك غضب جلسائه،فقال لعقيل:ما تقول في؟ قال عقيل:دعني من هذا.فلمّا اصرّ قال:أتعرف حمامة؟قال:و من حمامة؟ قال:قد أخبرتك،ثم قام فمضى،فأرسل معاوية إلى النسابة،فدعاه،فقال له:
من حمامة؟قال:ولي الامان؟قال:نعم.قال:جدتك امّ أبي سفيان،كانت بغيّا في الجاهلية صاحبة راية.فقال لجلسائه:ساويتكم و زدت عليكم،فلا تغضبوا (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2:124.
.و في(المروج):كان معاوية إذا أتاه عن بطريق من بطارقة الروم كيد، احتال له،فأهدى إليه و كاتبه حتى يغري به ملك الروم،فمرة أخبره رسله إلى الروم أن هناك بطريقا يؤذيهم و يسيء عشرتهم،فقال معاوية:أي شيء ممّا في بلادنا أحب إليه؟قالوا:الخفاف الحمر و دهن البان،فألطفه بهما حتى عرفت رسله باعتياده،ثم كتب إليه كتابا كأنه جواب كتابه منه يعلم بأنه وثق بما وعده به من نصره و خذلان ملك الروم،و أمر الرسول بأن يتعرض لأن يظهر
1) 1)
على الكتاب،فلما ذهبت رسله في أوقاتها ثم رجعت إليه قال:ما حدث هناك؟ قالوا:رأينا البطريق الفلاني مصلوبا.فقال معاوية،انا أبو عبد الرحمن (1)
لم اظفر عليه في مروج الذهب. [1]
.و فيه:أخبرني بعض الروم ممن أسلم ان الروم صوّرت عشرة أنفس في بعض كنائسها من أهل البأس و النجدة و المكائد و الحيلة في النصرانية من المسلمين،منهم الرجل الّذي بعث به معاوية حين احتال على البطريق،فأسره من القسطنطينية،فأقاد منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية،فأما خبره فهو أن المسلمين غزوا في أيام معاوية،فأسر جماعة منهم،فأوقفوا بين يدي الملك،فتكلم بعض الاسارى،فدنا منه بعض البطارقة،فلطم وجهه،فآلمه، و كان رجلا من قريش،فصاح:وا اسلاماه،أين أنت عنّا يا معاوية إذ حملتنا، و ضيعت ثغورنا،و حكمت العدو في دمائنا و أعراضنا،فنمي الخبر إلى معاوية،فآلمه،فامتنع من لذيذ الطعام و الشراب،فخلا بنفسه و امتنع من الناس و لم يظهر ذلك لاحد،ثم أخذ في اعمال الحيلة باقامة الفداء للمسلمين، فلما صار الرجل إلى دار الاسلام دعاه معاوية فبره و أحسن إليه،ثم بعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور-و كان به عارفا-كثير الغزوات في البحر مرطان بالرومية،فأحضره و خلا به و أخبره بما قد عزم عليه و سأله اعمال الحيلة فيه و التأني له،فتوافقا على أن يدفع للرجل مالا عظيما يبتاع به أنواعا من الطرف و الملح و الجهاز و الطيب و الجوهر و غير ذلك،و ابتني له مركب لا يلحقه في جريه سرعة،و لا يدرك في مسيره بنيانا عجيبا،فسار الرجل حتى أتى مدينة قبرص،فاتصل برئيسها و أخبره أن معه جارية للملك و أنه يريد التجارة إلى القسطنطينية قاصدا إلى الملك و خواصه بذلك،فروسل الملك بذلك و أعلم بحال الرجل،فأذن له في الدخول فسار إليها،فلما وصل
1) 1)
أهدى للملك و جميع بطارقته،و بايعهم و شاراهم،و لم يعط البطريق الّذي لطم وجه القرشي شيئا،و تأنى في الأمر على حسب ما رسم له معاوية،و أقبل الرجل من القسطنطينية إلى الشام،و قد أمره البطارقة و الملك بابتياع حوائج ذكروها و أنواع من الامتعة و صفوها،فلما صار إلى الشام سار إلى معاوية سرا و ذكر له من الأمر ما جرى،فابتيع له جميع ما طلب منه و ما علم أن رغبتهم فيه و قال له:ان ذاك البطريق إذا عدت إلى كرتك سيعذلك عن تخلفك عن بره و استهانتك به،فاعتذر إليه و لا طفه بالقصد و الهدايا و اجعله القيم بأمرك و المتفقد لأحوالك،و انظر ما ذا يطلب منك من الشام،فان منزلتك ستزداد عندهم،فإذا أتقنت جميع ما أمرتك به،و علمت غرض البطريق منك، و أي شيء يأمرك لتكون الحيلة بحسب ذلك.
فلما رجع إلى القسطنطينية و معه جميع ما طلب منه و الزيادة على ما لم يطلب منه زادت منزلته عند الملك و البطارقة و سائر الحاشية،فلما كان في بعض الايام و هو يريد الدخول إلى الملك قبض عليه ذلك البطريق في دار الملك و قال:ما ذنبي إليك و بماذا أستحق غيري أن تقصده و تقضي حوائجه و تعرض عني.فقال له:اكثر من ذكرت ابتدأني و أنا غريب أدخل إلى هذا الملك و هذا البلد كالمتنكر من أساري المسلمين و جواسيسهم لئلا ينموا بخبري في أمري إلى المسلمين فيكون في ذلك فقدي،و إذ قد علمت ميلك إليّ فلست أحب أن يعتني أمري سواك،و لا يقوم به عند الملك غيرك،فأمرني بجميع حوائجك، و جميع ما يعرض من امورك بأرض الاسلام.
و أهدى إلى البطريق هدية حسنة من الزجاج المخروط و الطيب و الجواهر و الطرائف و الثياب،و لم يزل هذا فعله يتردد من الروم إلى معاوية، و من معاوية إلى الروم،و يسأل الملك و البطريق و غيره الحوائج و الحيلة لا
تتوجه لمعاوية حتى مضى على ذلك سنين،فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري-و قد أراد الرجوع-قد اشتهيت أن تمن علي بابتياع بساط سوسنجردي بمخاده و وسائده لي يكون فيه من أنواع الالوان من الحمرة و الزرقة و غيرهما،و يكون من صفته كذا و كذا و لو بلغ ثمنه كل مبلغ.فأنعم له بذلك-و كان من شأن الصوري إذا ورد إلى القسطنطينية أن يكون مركبه بالقرب من موضع ذلك البطريق،و للبطريق ضيعة سرية و فيها قصر مشيد و متنزه حسن على أميال من البلد راكبة على الخليج،و كان البطريق اكثر أوقاته في ذلك المتنزه،و كانت الضيعة مما يلي فم الخليج مما يلي بحر الروم و القسطنطينية.
فانصرف الصوري إلى معاوية سرا و أخبره بالحال،فأحضر معاوية بساطا بوسائد و مخاد و مجلس،فانصرف به الصوري مع جميع ما طلب منه من الشام-و قد تقدم إليه معاوية بالحيلة و كيفية ايقاعها-و كان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة و العشرة-و في الروم طمع و شره،فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية و قد طابت له الريح و قد قرب من ضيعة البطريق أخذ الصوري خبر البطريق من أصحاب المراكب و القوارب،فأخبر أن البطريق في ضيعته،و ذلك أن الخليج نحو من ثلاثمائة و خمسين ميلا،و المراكب لا تحصى في هذا الخليج كثرة،فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته فرش ذلك البساط،و نضد ذلك الصدر و المجلس بالوسائد و المخاد في صحن المركب و مجلسه،و الرجال تحت المجلس بأيديهم المجاذف مشكّلة،و لا يعلم بهم أنهم في بطن المركب الا من ظهر منهم في المركب عمله،و الريح في القلع،و المركب مار في الخليج كأنه سهم خرج من كبد قوس لا يستطيع القائم على الشط أن يملأ بصره منه
بسرعة سيره،فأشرف على قصر البطريق و هو جالس في مستشرفه مع حرمه،و قد أخذت منه الخمر و علاه الطرب.
فلما رأى مركب الصوري غنّى طربا بقدومه من أسفل القصر و حط القلع و أشرف البطريق على المركب،فنظر إلى ما فيه من حسن ذاك البساط و نظم ذاك الفرش كأنه رياض تزهر،فلم يستطع اللبث في موضعه حتى نزل قبل أن يخرج الصوري من مركبه إليه،فلما استقرت قدمه في المركب و دنا من المجلس ضرب الصوري بعقبه على من تحت البساط من الوقوف-و كانت علامة بينه و بين الرجال الّذين في بطن المركب-فما استقر دقه بقدمه حتى اختطف المركب بالمجاذيف فإذا هو في وسط البحر لا يلوي على شيء، و ارتفع الخبر و لم يدر ما الخبر لمعاجلة الأمر،فلم يكن الليل حتى خرج من الخليج و توسط البحر،و قد أوثق البطريق كتافا،و طابت له الريح،و أسعده الجد،و حملت المجاذيف في ذلك الخليج،فتعلق اليوم السابع بساحل الشام و رأى البر،و حمل الرجل،فكانوا اليوم الثالث عشر حضورا بين يدي معاوية بالفرح و السرور.
فقال معاوية:علي بالرجل القرشي،فأتي به و قد حضره خواص الناس، فأخذوا مجالسهم و قد غص المجلس بأهله،فقال معاوية:أنظر لا تتعد ما جرى عليك،منه،و اقتص منه على حسب ما صنع بك،فلطمه القرشي لطمات و وكزه في حلقه و أغرق في دعاء معاوية.
ثم أحسن معاوية إلى البطريق و خلع عليه و حمل معه البساط و أضاف إلى ذلك امورا كثيرة و هدايا إلى الملك و قال له:ارجع إلى ملكك و قل له تركت ملك العرب يقيم الحدود على بساطك،و يقتص لرعيته في دار سلطانك.و قال للصوري:سر معه حتى تاتي الخليج فتطرحه فيه-إلى أن قال-فقال الملك بعد
وصول البطريق:هذا أمكر الملوك و أدهى العرب (1)
مروج الذهب 4:126-131. [1]
.و من دهائه أن طلحة و الزبير-مع كونهما من قاتلي عثمان و المؤلبين عليه حتى أن مروان مع كونه في عسكر طلحة و الزبير رمى طلحة بسهم فقتله و قال أخذت ثاري-كتب إليهما يحرضهما على ادعاء الخلافة و ثار عثمان ليزلزل بذلك أمر أمير المؤمنين عليه السّلام،فكتب إلى طلحة:انك أقل قريش في قريش وترا،مع صباحة وجهك،و سماحة كفّك،و فصاحة لسانك.فأنت بازاء من تقدمك في السابقة،و خامس المبشرين بالجنة،و لك يوم احد و شرفه و فضله،فسارع إلى ما تقلدك الرعية من أمرها ممّا لا يسعك التخلف عنه،و لا يرضى اللّه منك الا بالقيام به،فقد أحكمت لك الأمر قبلي،و الزبير غير مقدم عليك بفضل،و أيكما قدم صاحبه فالمقدم الامام،و الأمر من بعده للمقدم له، سلك اللّه بك قصد المهتدين و وهب لك رشد الموفقين (2).
و كتب إلى الزبير:أما بعد انك ابن أخي خديجة،و ابن عمّة النبيّ، و حواريه،و سلفه،و صهر أبي بكر،و فارس المسلمين،و أنت الباذل في اللّه مهجته بمكة عند صيحة الشيطان،بعثك المنبعث،فخرجت كالثعبان المنسلخ،بالسيف المنصلت،تخبط خبط الجمل الرديع،كل ذلك قوة ايمان، و صدق يقين،و سبقت لك من النبيّ البشارة بالجنة،و جعلك عمر أحد المستخلفين على الامة،و اعلم أن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعي،فسارع إلى حقن الدماء،و لم الشعث،و جمع الكلمة،و صلاح ذات البين، قبل تفاقم الأمر و انتشار الامة،فقد أصبح الناس على شفا جرف هار،عمّا قليل ينهار ان لم يرأب فشمر لتأليف الامة،و ابتغ إلى ربك سبيلا،فقد أحكمت الأمر
من قبلي لك و لصاحبك على أن الأمر للمقدم،ثم لصاحبه من بعده.جعلك اللّه من أئمة الهدى و بغاة الخير و التقوى (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 10:236.
.و كتب إليه قبلا حين بلغه بيعة الناس له عليه السّلام:لعبد اللّه الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان،سلام عليك.أما بعد:فاني قد بايعت لك أهل الشام،فأجابوا و استوسقوا كما يستوسق الحلب،فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب،فانه لا شيء بعد هذين المصرين، و قد بايعت لطلحة من بعدك،فأظهر الطلب بدم عثمان و ادعوا الناس إلى ذلك، و ليكن منكما الجد و التشمير أظفر كما اللّه و خذل مناوئيكما.فسر به و أعلم طلحة،فأجمعا عند ذلك على خلافه عليه السّلام (2).
و كان من دهائه أنه كان يقول:يجب أن يكون الاموي حليما، و المخزومي زهيا،و الهاشمي سخيا،فبلغ كلامه الحسن عليه السّلام،فقال:أراد أن يتحلم الامويون،فيحبهم الناس،و يتيه المخزوميون،فيتنفر الناس عنهم، و يبذل الهاشميون أموالهم،فيفتقروا و ينقرضوا (3).
«و لكنه يغدر و يفجر» بايعه الحسن عليه السّلام على أن يرد الأمر إلى أهله بعده و يكون لأهل البيت،و ألا يتعرض لشيعة أبيه،فغدر و فجر،فجعل الأمر من بعده لابنه الخمّير السكّير اللاعب بالقرود و الكلاب،و قتل الشيعة تحت كل حجر و مدر،و منهم حجر بن عدي،و عمرو بن الحمق.
و كتب الحسين عليه السّلام إليه-كما في(خلفاء ابن قتيبة):«أ لست قاتل حجر و أصحابه العابدين المجتهدين الّذين كانوا يستفظعون البدع و يأمرون
بالمعروف و ينهون عن المنكر،فقتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما اعطيتهم المواثيق الغليظة و العهود المؤكدة،جرأة على اللّه و استخفافا بعهده،أو لست قاتل عمرو بن الحمق الّذي أخلقته العبادة من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من سقف الجبال،أو لست المدعي زيادا في الاسلام، فزعمت انه ابن أبي سفيان و قد قضى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن الولد للفراش و للعاهر الحجر،ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم و يقطّع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يصلبهم على جذوع النخل،سبحان اللّه لكأنك لست من هذه الامة و ليسوا منك،و اعلم أن اللّه ليس بناس قتلك بالظنة و امارتك صبيا يشرب الشراب و يلعب بالكلاب (1)
الامامة و السياسة 1:181. [1]
.و في(مقاتل أبي الفرج):قال أبو إسحاق:سمعت معاوية بالنخيلة يقول:
ألا ان كل شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدمي هاتين لا أفي به.قال أبو إسحاق:و كان و اللّه غدّارا.
و قال سعيد بن سويد:صلّى بنا معاوية في النخيلة الجمعة،ثم خطبنا فقال:اني و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا،انكم لتفعلون ذلك،انما قاتلتكم لأتأمر عليكم،و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم له كارهون.قال عبد الرحمن بن شريك في حديثه:هذا هو التهتك (2).
و في(العقد)-بعد ذكر أن الحسين و من معه لما أنكروا بيعة يزيد لما دعاهم مروان بالمدينة،و كان من قبل معاوية عليها،فكتب مروان إلى معاوية بذلك،فقدم معاوية المدينة في ألف-فدعا لهم بدواب،فحملهم عليها،و خرج حتى أتى مكة،و بعد حجه أمر بأثقاله فقدمت،و أمر بالمنبر فقرب من الكعبة
و قال لهم،اني أتقدم إليكم و قد أعذر من أنذر،اني قائل مقالة فأقسم باللّه لئن رد علي رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه،فلا ينظر امرؤ منكم الا لنفسه و لا يبق الا عليها،و أمر أن يقوم على رأس كل رجل منهم رجلان بسيفيهما،فان تكلم بكلمة يرد بها عليه قوله قتلاه،و خرج و اخرجهم معه حتى رقي المنبر و حف به اهل الشام و اجتمع الناس فقال:انا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار.قالوا:ان حسينا،و ابن أبي بكر،و ابن عمر، و ابن الزبير لم يبايعوا اليزيد،و هؤلاء الرهط سادة المسلمين و خيارهم لا نبرم أمرا دونهم،و لا نقضي أمرا إلاّ عن مشورتهم،و اني دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين،فبايعوا و سلموا و أطاعوا.فقال أهل الشام:و ما يعظم من أمر هؤلاء ائذن لنا فنضرب اعناقهم لا نرضى حتى يبايعوا علانية.فقال معاوية سبحان اللّه ما أسرع الناس إلى قريش بالشر و أحلى دمائهم عندهم، انصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد،و دعا الناس إلى البيعة فبايعوا،ثم قربت رواحله فركب و مضى.فقال الناس للحسين عليه السّلام و أصحابه:قلتم لا نبايع فلما دعيتم و ارضيتم بايعتم.قالوا:لم نفعل.قالوا:بلى قد فعلتم و بايعتم أفلا أنكرتم.قالوا:خفنا القتل و كادكم بنا و كادنا بكم.
و كان لمعاوية مؤسس مذهب اخواننا و خال مؤمنيهم شركاء أحدهم صدّيقهم كان داهية فتخلّف عن جيش اسامة مع صياح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرض موته كلما أفاق«جهّزوا جيش أسامة لعن اللّه من تخلف عنه» (1)
رواه الجوهري في السقيفة:75،و [1]الشهرستاني في الملل 1:29. [2]
،و لما ولي الأمر و استقر بعث أسامة و قال:لو خطفتني الكلاب و الذئاب لم أرد قضاء قضى به النبيّ (2)،ثم غدر بمالك بن نويرة،آمنه ثم قتله و زنا بامرأته،و الغدرو الزنا و ان كانا من عامله خالد الا أنه لما كان راضيا بفعل خالد كانا منه،قال تعالى في عقر ناقة ثمود مع تصدي أحدهم له و رضا باقيهم به «فَعَقَرُوها» (1)
هود:65،و الشعراء:157،و الشمس:14.
و هو لم يقتنع بالرضا بل حامى عنه،فلما قال له عمر:ان خالدا و ثب على مسلم،فقتله غدرا و زنا بامرأته فأقد منه وحده،قال له:لا أشيم سيفا سله اللّه على الكافرين (2).و ثانيهم فاروقهم كان داهية،فحظر في أيامه على طلحة و الزبير الخروج من المدينة،و كلما جأرا بأنا نريد الجهاد في سبيل اللّه و الخروج إلى فارس و الروم كباقي المسلمين،قال لهما:يكفيكما جهاد كما مع النبيّ،مع أن الجهاد كالصلاة،فكما لا يكفي صلاة مسلم زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن صلاته بعده كذلك جهاده،الا أنه خاف منهما لو خرجا ادعاء الأمر في قباله.
و الزبير هو الّذي-لما قال عمر لأهل الشورى أكلكم يطمع بالخلافة بعدي-قال لعمر:و ما الّذي يبعدنا منها وليتها،و لسنا دونك في قريش و لا في السابقة و لا في القرابة (3).
و طلحة هو الّذي قال لأبي بكر لما استخلف عمر«استخلفته علينا و قد عرفته،و علمت بوائقه فينا و أنت بين أظهرنا،فكيف إذا وليت عنا و أنت لاق اللّه تعالى فسائلك» (4).
و أحكم الأمر لبني امية أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أعداء أهل بيته و أعداء دين اللّه بتدبير شورى في ستة و حكمية ابن عوف ليتولى عثمان الّذي كان عرف ببذل دمه و عرضه فضلا عن دينه لبني امية بني ابيه،و الا يدع باقي الستة الزبير
و طلحة امر أمير المؤمنين عليه السّلام بعد عثمان يستقر بكونهما مثله في شورى عمر كتخلف سعد عنه عليه السّلام و تنفير الناس عنه كذلك،و مع فعله ذلك المؤدي قهرا إلى قيام طلحة و الزبير عليه عليه السّلام قال لهم:لا تختلفوا و الا يغلب معاوية عليكم الأمر (1)
رواه الجاحظ في السفيانية عنه شرح ابن أبي الحديد 1:187.
،فهل غلّب معاوية الا هو و قد عرفت كتابهما إلى طلحة و الزبير.و بالجملة شوراه كان دهاء عظيما،فكان عرف من شواهد الاحوال أن عثمان يقتله الناس في تهالكه لبني امية،و يؤدي ذلك قهرا إلى اقبال العامة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام،فأدخل طلحة و الزبير مع بغضه لهما كما عرفت مما مر في الشورى لينهضا في قبال عليّ عليه السّلام و يكون معاوية في قباله بالشام،و هو ذاك الدهّاء مع باقي أقاربه مروان،و الوليد بن عقبة،و غيرهما،و قد حصل الأمر كما دبر،و لذا كان عليه السّلام يقول«يا للّه و للشورى» (2).
كما انه غدر بيوم الغدير أي غدر مع اقراره و بخبخته،ففي(فضائل أحمد بن حنبل)عن البراء بن عازب قال:كنّا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بغدير خم،فنودي فينا الصلاة جامعة و كسح للنبيّ بين شجرتين،فصلى الظهر و أخذ بيد عليّ عليه السّلام و قال:اللهم من كنت مولاه فهذا مولاه،قال فلقي عمر عليّا بعد ذلك فقال له:هنيئا لك يا ابن أبي طالب،أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة (3).
و من الدهاة الغدارين عمرو بن العاص،و من دهائه أنه لولاه لما قدر معاوية على ايجاد حرب صفين و لا استقامته فيه،فجمع له كلمة أهل الشام بما دبر له من وضع جمع ليشهدوا عند شر حبيل شيخ أهل الشام و المطاع
فيهم بأن عليّا قتل عثمان،كما أنه فرق كلمة أهل العراق لما انهزم معاوية و أراد الفرار برفع المصاحف و الدعاء إلى ما فيها،و غدراته اكثر من أن تحصى،و منها في معاهدته مع أبي موسى في التحكيم.
و من الدهاة الغدارين المغيرة بن شعبة،و في غارات الثقفي:ذكر المغيرة وجده مع معاوية عند عليّ عليه السّلام فقال:و ما المغيرة انما كان اسلامه لفجره و غدره بنفر من قومه،فهرب و أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كالعائذ بالاسلام- الخبر (1)
الغارات 2:516. [1]
.و في تاريخ الطبري قال قبيصة الاسدي:لو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها الا بالغدر لخرج منها (2).
و لدهائه كان أبو بكر و عمر يفزعان إليه في معضلاتهما،ففي استقرار أمر خلافتهما لجئا إليه فقال لهما:الرأي ان تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه و تكون لكما الحجة على علي و على بني هاشم إذا كان العباس معكم (3)،و لدهائه أراد عمر ابقاءه ذخيرة له و لمن بعده في دفع أهل البيت،فلقن زيادا الاباء عن الشهادة عليه بالزنا لئلا يرجم.
و شتان بينهما و بين أمير المؤمنين عليه السّلام،هما فزعا إلى مثل المغيرة الّذي حمل معاوية على استلحاق زياد بزنا أبيه به لرفع درجته،و مفاسد ذلك في الاسلام معلومة،كما حمله على استخلاف ابنه السكير الخمير الّذي أنكره مثل زياد و مروان و هما هما لئلا يعزله عن الامارة لشيخوخته،و قد أشار هو بنفسه عليه عليه السّلام بابقاء معاوية على امارته حتى يستقر أمره ثم يعزله فأباه،
و قال:ما كنت متخذ المضلين عضدا و لو لم يستقر امر سلطنتي.
كما أن الثاني حظر على طلحة و الزبير الخروج من المدينة بتوهم الخروج عليه مع اقتداره ذاك الّذي أجروا أو امره بعده في ترتيبه الشورى، و هو عليه السّلام مع تزلزل أمره و علمه بارادة طلحة و الزبير الغدر خلى بينهما و بين ما أراد اليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حي عن بينة.
و في(أمالي القالي):كان معاوية يقول:انا للاناة،و عمرو للبديهة،و زياد للصغار و الكبار،و المغيرة للأمر العظيم.
هذا،و من الدهاة الغدارين عبد الملك،أعطى عمرو بن سعيد الامان،ثم قتله،فقال الشاعر:
غدرتم بعمرو يا بنيّ خيط باطل و أنتم ذوو قربى به و ذوو صهر
و منهم منصور الدوانيقي،خرج عليه محمّد و إبراهيم ابنا عبد اللّه بن الحسن،فأشخص إليهما عيسى بن موسى الّذي أراد خلعه من ولاية العهد بعده من أخيه و قال:لم أبال أيهما قتل.
و خرج عليه عمه عبد اللّه بن علي،فأشخص إليه أبا مسلم الّذي أراد قتله، و اعطى ابن هبيرة و عمه و أبا مسلم الامان،و غدر بجميعهم و قتلهم.
و لما كتب إلى محمّد بن عبد اللّه ببذل الامان له أجابه أي امان تعطيني، أمان ابن هبيرة،أم أمان عمك،أم أمان أبي مسلم .
«و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس» اتيانه عليه السّلام ب«لو لا»الامتناعية لأن الدهاء ليس مجرد جودة الرأي،بل مع النكر و الاغتيال و الغدر و الاحتيال، قال الجاحظ في(مفاخرات هاشم و امية)بعد ذكر مفاخرة امية بدهائها:قالت هاشم أما ما ذكرتم من الدهاء و النكر فان ذلك من أسماء فجار العقلاء و ليس
من اسماء أهل الصواب:في الرأي من العقلاء الابرار (1)
نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 15:270.
.كان عليه السّلام من أعقل الناس بدون ان يكون أدهاهم.
و يشهد لكونه عليه السّلام أعقل جميع الناس-مع قطع النظر عن مؤيديته بالالهام الإلهي كالنبيّ بوحيه-قضاياه الّتي كشف بها الواقع حتى صار عليه السّلام مثلا بين الناس في كشف المعضلات،منها ما ورد أن غلاما في المدينة كان يدعي على امرأة انها امّه و أنها طردته،و كانت المرأة تدعي انها جارية بخاتمها،فأمر عمر-و كان ذلك في أيامه-بحبس الغلام،فاستجار الغلام به عليه السّلام،فقال للمرأة:أ لك ولي؟فقالت:اخوتي.فقال عليه السّلام لهم امري فيكم و في اختكم جائز؟قالوا:نعم.فقال:أشهد من حضر اني زوجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم من مالي،فصاحت المرأة النار النار يا ابن عم الرسول،تريد أن تزوجني من ابني،هذا ابني ولدته من هجين،فأمرني أخوتي ان انتفي منه و اطرده (2).
و منها ما ورد أن رجلا أقبل على عهده عليه السّلام حاجا من الجبل و معه غلام له،فأذنب الغلام في الطريق،فضربه المولى،فقال الغلام لمولاه:ما أنت مولاي بل أنا مولاك،فكانا في الطريق يتوعدان حتى اتيا الكوفة،فحضرا عنده عليه السّلام و قال المولى:هذا غلام لي،فأذنب فضربته فوثب علي،و قال الغلام:
ان أبي ارسلني معه ليعلمني و انه وثب عليّ يدعيني ليذهب بمالي،و كل منهما يحلف و يكذّب الاخر،فوعظهما فلم يقلعا،فقال عليه السّلام لقنبر:اثقب في الحائط ثقبا ففعل،و قال لهما:ادخلا رأسيكما في الثقب ففعلا،ثم قال لقنبر جئنى بسيف
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أضرب رقبة العبد منهما،فأتاه به،فقال له:عجل اضرب رقبة العبد منهما،فأخرج العبد رأسه مبادرا و مكث الآخر في الثقب،فقال عليه السّلام له أ لست تزعم انك لست بعبد له،فكيف أخرجت رأسك.قال:بلى و لكن ضربني و تعدي علي،فتوثق عليه السّلام له و دفعه إليه (1)
رواه الكليني في الكافي 7:425 ح 8،و [1]الطوسي في التهذيب 6:307 ح 58،و القمي في عجائب الاحكام:72 ح 72.
.و منها ما ورد أن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولدا لها بغير بينة،فالتبس الحكم فيه على عمر،ففزع إليه عليه السّلام، فاستدعى المرأتين و وعظهما و خوفهما،فأقامتا،فقال عند تماديهما في النزاع:
ائتوني بمنشار،فقالت المرأتان:ما تصنع؟قال:أقده نصفين لكل واحدة منكما نصفه،فسكتت إحداهما و قالت الاخرى:اللّه اللّه يا أبا الحسن ان كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها.فقال عليه السّلام:اللّه اكبر هذا ابنك دونها و لو كان ابنها لرقت عليه،فاعترفت الاخرى أن الولد لصاحبتها،فسرى عن عمر،فدعا له عليه السّلام بما فرج عنه في القضاء (2).
و منها ما ورد أن جمعا خرجوا في عهده عليه السّلام في سفر معهم رجل ذو ثروة،فرجعوا و لم يرجع،فسألهم ابنه عنه فقالوا:مات.فقال لهم:أين ماله؟ فقالوا:ما خلف شيئا،فرفعهم الابن إلى شريح قاضيه،فاستحلفهم و خلاهم، فأتى الابن إليه عليه السّلام و قص القصة،فأمر باحضار شريح و قال له:كيف قضيت؟قال:لم يكن للابن بينة،فاستحلفت خصماءه.فقال عليه السّلام له:هيهات هكذا يحكم في مثل هذا،يا قنبر ادع لي بشرطة الخميس،فدعاهم،فوكل بكل رجل منهم رجلا من الشرطة،ثم نظر إلى وجوههم فقال:أ تقولون اني لا أعلم
ما صنعتم بأبي هذا الفتى،اني اذن لجاهل.ثم قال:فرقوهم و غطوا رؤوسهم، ففرق بينهم و أقيم كل رجل منهم إلى اسطوانة من المسجد،ثم دعا عليه السّلام كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال له:هات صحيفة و دواة،و جلس في مجلس القضاء، و جلس الناس إليه،و قال لهم إذا كبرت فكبروا،ثم دعا بواحد منهم،فأجلسه بين يديه و كشف عن وجهه و قال للكاتب:اكتب اقراره و ما يقول:ثم أقبل عليه السّلام عليه بالسؤال فقال له:في أي يوم خرجتم من منازلكم و أبو هذا الفتى معكم؟ فقال:في يوم كذا و كذا.قال:و في أي شهر؟قال:في شهر كذا و كذا.قال:و في أي سنة؟قال:كذا و كذا.قال و إلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبو هذا الفتى؟قال:إلى موضع كذا و كذا.قال:و في منزل من مات؟قال:في منزل فلان به فلان.قال:و ما كان مرضه؟قال:كذا و كذا.قال:و كم يوما مرض؟قال:كذا و كذا.قال:ففي أي يوم مات،و من غسله،و من كفنه،و بما كفنتموه،و من صلى عليه،و من نزل في قبره.فلما سأله عن جميع ما يريد كبّر عليه السّلام و كبر الناس جميعا فارتاب اولئك الباقون و لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم و على نفسه، ثم امر أن يغطى رأسه و ينطلق به إلى السجن،ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه و كشف عن وجهه و قال له:زعمتم اني لا أعلم ما صنعتم.فقال:ما انا الا واحد منهم،و لقد كنت كارها لقتله فأقر،ثم دعا بواحد بعد واحد كلهم يقر بالقتل و أخذ المال،ثم رد الّذي امر به إلى السجن،فأقر أيضا،فألزمهم المال و الدم (1)
رواه الكليني في الكافي 7:371 ح 8،و [1]المفيد في الإرشاد:115،و [2]القمي في عجائب الاحكام:60 ح 61.
.و منها ما ورد أن عمر قد أتي بجارية قد شهد عليها أنها بغت،و من قصتها انها كانت يتيمة عند رجل كثيرا ما يغيب عن أهله،فشبت و تخوفت امرأة الرجل أن يتزوجها زوجها،فدعت بنسوة،فأمسكنها،فأخذت عذرتها بإصبعها،فلما قدم الرجل رمتها المرأة بالفاحشة،و أقامت البينة من جاراتها
1) 1)
اللاتي ساعدنها على ذلك،فرفع ذلك إلى عمر،فلم يدر كيف يقضي فيها،فقال عمر للرجل:اذهب بنا إلى عليّ عليه السّلام،فأتوه و قصوا عليه القصة،فقال لامرأة الرجل:ألك بينة؟قالت:هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول،و أحضرتهن، فأخرج عليه السّلام السيف من غمده،فطرحه بين يديه و أمر بكل واحدة منهن فادخلت بيتا،ثم دعا امرأة الرجل،فأدارها بكل وجه،فأبت ان تزول عن قولها، فردها إلى البيت الّذي كانت فيه و دعا احدى الشهود و جثا على ركبتيه ثم قال:
أ تعرفيني أنا عليّ بن أبي طالب و هذا سيفي،و قد قالت امرأة الرجل ما قالت:
و رجعت إلى الحق،و اعطيتها الأمان و إن لم تصدّقيني لأمكنّن السيف منك.
فالتفتت إلى عمر و قالت الأمان على الصدق.فقال عليه السّلام لها:فاصدقي.فقالت:لا و اللّه الا ان امرأة الرجل رأت جمالا من هذه الجارية و هيئة،فخافت فساد زوجها،فسقتها المسكر و دعتنا،فأمسكناها،فافتضتها باصبعها.فقال عليه السّلام:
اللّه أكبر أنا أوّل من فرق بين الشهود الا دانيال النبيّ عليه السّلام.و ألزمهن حد القاذف،و ألزمهن جميعا العقر،و امر الزوج ان يطلق المرأة،و زوجه الجارية، و ساق عنه المهر إليها (1)
رواه الكليني في الكافي 7:425 ح 9،و [1]الطوسي في التهذيب 6:308 ح 59،و القمي في عجائب الاحكام:34 ح 28.
.إلى غير ذلك من قضاياه عليه السّلام الّتي لو أردنا الاستشهاد بها لطال الكتاب، و من اراد اكثر راجع كتابنا في ذلك،فإنه لو اجتمعت عقلاء الثقلين على أن يستكشفوا مثل ما كشف ما قدروا.
و أما اطلاق كليب الجرمي عليه عليه السّلام كونه أدهى العرب في خبر رواه عنه الطبري في الجمل ان بعد ورود طلحة و الزبير و عائشة البصرة لطلب دم عثمان قال قومه له و لرجلين آخرين:انطلقوا حتى تأتوا عليّا و أصحابه
1) 1)
و سلوهم عن هذا الأمر الّذي اختلط علينا،فأتيناه،فسألناه،فقال:عدا الناس على هذا الرجل و أنا معتزل،فقتلوه،ثم و لوني و أنا كاره،و لو لا خشية على الدين لم أجبهم،ثم طفق هذان في النكث،فأخذت عليهما و اخذت عهودهما عند ذلك،و أذنت لهما في العمرة،فقدما على حليلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فعرضاها لما لا يحل لهما،فاتبعتهما لكيلا يفتقوا في الاسلام فتقا.قال:فبايع صاحباي و أما أنا فأمسكت و قلت بعثتني قومي لامر فلا احدث شيئا حتى أرجع إليهم.فقال:فان لم يفعلوا؟قلت:لم أفعل.فقال:أرأيت لو انهم بعثوك رائدا فرجعت إليهم، فأخبرتهم عن الكلاء و الماء،فخالفوا إلى المعاطش و الجدوبة ما كنت صانعا.
قلت:كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلاء و الماء.قال:فمد يدك،فو اللّه ما استطعت ان امتنع،فبسطت يدي،فبايعته و كان من أدهى العرب-الخبر (1)
تاريخ الطبري 3:505،سنة 36. [1]
، فأما تجوز منه و اما قلة معرفة منه،كما يكشف عنه عدم تميزه حتى ضرب عليه السّلام له المثل.هذا،و روى(الكافي)مسندا عن هشام بن سالم يرفعه قال أمير المؤمنين عليه السّلام:لو لا أن المكر و الخديعة في النار لكنت أمكر الناس (2).
«و لكن كل غدرة فجرة و لكل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و كل)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)«فجرة كفرة» .
روى(الكافي)مسندا عن الأصبغ قال:قال عليه السّلام على المنبر:أيها الناس لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس،ألا ان لكل غدرة فجرة،و لكل فجرة كفرة،ألا و ان الغدر و الفجور و الخيانة في النار (4).
قال ابن أبي الحديد«غدرة و فجرة و كفرة»على فعلة،أي بالضم فالفتح، أي كثير الغدر و الفجور و الكفر،و كل ما كان على البناء فهو الفاعل،فان سكنت العين فهو المفعول،تقول«رجل ضحكة»أي يضحك،و«ضحكة»أي يضحك منه،و«سخرة»يسخر،و«سخرة»يسخر به،و روى الجميع على«فعلة» للمرة الواحدة،و تبعه الخوئي و زاد:و في بعض النسخ:روى الجميع على «فعلة»بفتحتين جمع فاعل (1)
شرح ابن أبي الحديد 10:211،و [1]شرح الخوئي 6:107.
.قلت:ان ابن أبي الحديد قاس هذه على«ضحك و سخر»،فان التفصيل انما ذكره الجوهري في ضحك و سخر،و لم يقل انه يطرد في كل فعل،كما أن ما زاده الخوئي خطأ،لانه في معنى و لكن كل غادرين فاجرون و كل فاجرين كافرون،و لا معنى له،فيتعين أن تكون بلفظ فعلة مرة.
«و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة» و روى(الخصال)عنه عليه السّلام قال:
في جهنم رحى تطحن،طحنها العلماء الفجرة،و القراء الفسقة،و الجبابرة الظلمة،و الوزراء الخونة،و العرفاء الكذبة،و ان في النار لمدينة يقال لها الحصينة فيها أيدي الناكثين (2).
«و اللّه ما استغفل بالمكيدة و لا استغمز بالشديدة» في(الخلفاء)و غيره:
ذكروا أن معاوية قال لجرير لما بعثه عليه السّلام لاخذ البيعة منه:اني قد رأيت رأيا.
قال:هات.قال:اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام و مصر جباية فان حضرته الوفاة لم يجعل لاحد من بعده في عنقي بيعة و أسلم إليه الأمر،و اكتب إليه بالخلافة.فقال له جرير:أكتب،فكتب إليه عليه السّلام ذلك،فكتب إلى جرير:انما أراد معاوية بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة،و ان يختار من أمره ما يحب،و أراد
أن يريثك و يبطئك حتى يذوق أهل الشام،و قد كان المغيرة اشار عليّ و أنا بالمدينة أن استعمله على الشام فأبيت ذلك عليه.قالوا:و فشا كتاب معاوية في العرب،فكتب إليه الوليد بن عقبة أخو عثمان لامه أبياتا منها:
أمثل عليّ تعتريه بخدعة و قد كان ما جربت من قبل كافيا
و كتب إليه أبياتا أخر منها:
فانّ عليّا غير ساحب ذيله على خدعة ما سوّغ الماء شاربه
و كتب إليه أبياتا أخر منها:
فانك و الكتاب إلى عليّ كدابغة و قد حلم الاديم (1)
الامامة و السياسة 1:95،و وقعة صفين:52. [1]
و في(صفين نصر)-بعد ذكر سبق معاوية على الفرات،ثم غلبة أصحابه عليه السّلام عليه بالحرب-و كتب معاوية في سهم«من عبد اللّه الناصح يخبركم أن معاوية يريد أن يفجّر عليكم الفرات فيغرقكم،فخذوا حذركم»،ثم رمى بالسهم في عسكره عليه السّلام،فوقع في يد أحدهم،فقرأه ثم اقرأه صاحبه ثم آخر،فقالوا:هذا أخ لنا ناصح كتب إلينا يخبرنا بما أراد معاوية فينا،و قد كان معاوية بعث مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر بأيديهم المرور و الزبيل يحفرون فيها بحيال عسكره عليه السّلام،فقال عليّ لاصحابه:و يحكم ان الّذي يعالج معاوية لا يستقيم له و لا يقوم عليه،و انما يريد أن يزيلكم عن مكانكم،فالهوا عن ذلك و دعوه.فقالوا له:هم و اللّه يحفرون الساعة.فقال لهم:
يا أهل العراق لا تكونوا ضعفى،ويلكم لا تغلبوني على رأيي.فقالوا:و اللّه لنرتحلن،فان شئت فأقم و ان شئت فارتحل،فارتحلوا فارتحل عليه السّلام في أخريات الناس و هو يقول:
و لو اني اطعت عصبت قومي إلى ركن اليمامة أو شام
1) 1)
و لكني إذا أبرمت أمرا منيت بخلف آراء الطغام
فارتحل معاوية حتى نزل على معكسر علي عليه السّلام الّذي كان فيه (1)
وقعة صفين:190. [1]
.و فيه:لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال عليه السّلام:عباد اللّه أنا أحق من أجاب إلى كتاب اللّه،و لكن معاوية، و عمرو بن العاص،و ابن أبي معيط،و حبيب بن مسلمة،و بان أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن،اني أعرف بهم منكم،صحبتهم أطفالا، و صحبتهم رجالا،فكانوا شر اطفال و شر رجال،انها كلمة حق يراد بها باطل، انهم و اللّه ما رفعوها أنهم يعرفونها و يعملون بها،و ما رفعوها لكن الا خديعة و مكيدة،أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة،فقد بلغ الحق مقطعه، و لم يبق الا أن يقطع دابر الّذين ظلموا.فجاءه عليه السّلام زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكّي السلاح سيوفهم على عواتقهم و قد سودت وجوههم يتقدمنهم مسعر بن فدكي،و زيد بن حصين،و عصابة من القراء الّذين صاروا خوارج بعد،فنادوه باسمه لا بأمرة المؤمنين«أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه و الا قتلناك كما قتلنا ابن عفان،فو اللّه لنفعلنها ان لم تجبهم»فقال لهم:ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب اللّه و أول من أجاب إليه،و ليس يحل لي و لا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله،اني انما أنا أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن،فانهم قد عصوا اللّه في ما امرهم فيه،و نقضوا عهده،و نبذوا كتابه،و لكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم،و أنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون (2).
و فيه:و لما أجبروه عليه السّلام على أن يضع حكمين قال لهم:ان معاوية لم
يكن ليضع لهذا الأمر أحدا أوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص،و اللّه لا يصلح للقرشي إلاّ مثله،فعليكم بعبد اللّه بن عباس،فارموه به،فان عمرا لا يعقد عقدة الا حلها عبد اللّه،و لا يحل عقدة الا عقدها،و لا يبرم أمرا الا نقضه،و لا ينقض أمرا الا أبرمه.فقال الأشعث:و اللّه لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة،و لكن اجعله رجل من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر.فقال عليه السّلام:
اني أخاف أن يخدع يمنيّكم،فان عمرا ليس من اللّه في شيء إذا كان له في أمر هوى.فقال الأشعث:و اللّه لان يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون ما نحب في حكمهما و هما مضريان.
إلى أن قال:فقال عليه السّلام قد أبيتم الا أبا موسى؟قالوا:نعم.قال:فاصنعوا ما أردتم (1)
وقعة صفين:500. [1]
.الكتاب(48)
و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية:
وَ إِنَّ الْبَغْيَ وَ الزُّورَ يُذِيْعَانِ بِالْمَرْءِ فِي دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ- وَ يُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ- وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ- وَ قَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَقِّ- فَتَأَلَّوْا عَلَى اللَّهِ فَأَكْذَبَهُمْ- فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبِطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ- وَ يَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبْهُ- وَ قَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ؟الْقُرْآنِ؟ وَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ- وَ لَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا وَ لَكِنَّا أَجَبْنَا ؟الْقُرْآنَ؟ فِي حُكْمِهِ- وَ السَّلاَمُ أقول:رواه( صفين نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 493 نصر بن مزاحم)مع كلام معاوية الّذي هذا جوابه مع زيادة،فقال:بعث معاوية أبا الاعور السلمي على برذون أبيض،فسار بين
1) 1)
صف أهل العراق و صف أهل الشام،و المصحف على رأسه و هو يقول:كتاب اللّه بيننا و بينكم،و أرسل معاوية إلى عليّ عليه السّلام:ان هذا الأمر قد طال بيننا،و كل منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه،و لن يعطي واحد منّا الطاعة للآخر،و قد قتل فيما بيننا بشر كثير،و أنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى،و انا نسأل عن ذلك الموطن و لا يحاسب به غيري و غيرك،فهل لك في امر لك و لنا فيه حياة و عذر و صلاح للامة أن يحكم بيننا و بينكم حكمان رضيان أحدهما من أصحابي و الآخر من أصحابك،فيحكمان بما في كتاب اللّه بيننا،فانه خير لي و لك و أقطع لهذه الفتن،فاتّق اللّه فيما دعيت إليه و ارض بحكم القرآن ان كنت من أهله.
قال:فكتب إليه عليّ عليه السّلام:أما بعد فان أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما حسن به فعله و يستوجب فضله و يسلم من عيبه،و ان البغي و الزور يزريان بالمرء في دينه و دنياه،و يبديان من خلله عند من يعنيه ما استرعاه اللّه ما لا يغني عنه تدبيره،فاحذر الدنيا،فانه لا فرح في شيء وصلت إليه منها، و لقد علمت انك غير مدرك ما قضى فواته،و قد رام قوم أمرا بغير الحق، فتأولوا على اللّه،فأكذبهم و متعهم قليلا،ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ،فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله،و يندم من أمكن الشيطان من قياده و لم يحاده،فغرته الدنيا و اطمأن إليها.ثم انك قد دعوتني إلى حكم القرآن،و لقد علمت انك لست من أهل القرآن و لست حكمه تريد و اللّه المستعان،و قد أجبنا القرآن إلى حكمه و لسنا اياك أجبنا،و من لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا (1)
وقعة صفين:493. [1]
.1) 1)
و كذلك نقله ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 2 ص 225 عن صفين 1ابن ديزيل-صفين- ابن ديزيل (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:225.
.«و ان البغي و الزور» أي:الكذب و الباطل «يذيعان» نقله ابن أبي الحديد (2)(يوثغان)أي يهلكان،و من الغريب أن ابن ميثم تبعه و قال نسخة الرضي «يذيعان» (3)فهل هو شرح غير كتاب الرضي،و انما كان عليه ان يقول في نسختي من النهج هكذا،و لعل في نسخة اخرى غيّره المصنّف و قال «يذيعان» ،و كيف كان فقد عرفت ان في المستند«يزريان» (4)،و الازراء التهاون.و ان صح ما نقله المصنف فلعله من اذاع القوم ما في الحوض أي شربوه،لا من أذاع الخبر أي:أفشاه «بالمرء» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«المرء»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5).
«في دينه و دنياه و يبديان» أي:يظهران «خلله عند من يعيبه» قد عرفت أن نصرا رواه«من خلله عند من يغنيه»مع زيادة«ما استرعاه اللّه ما لا يغني عنه تدبيره» (6)،و عليه ففاعل يعنيه«ما استرعاه اللّه»،و يكون«ما لا يغني»مفعوله.
«و قد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته» مراده عليه السّلام بما قضى فواته الدنيا الّتي قضى اللّه فواتها عن كل أحد،فقد عرفت أن نصرا زاد قبله«فاحذر الدنيا فانه لا فرح في شيء وصلت إليه منها» (7).
و في(الكامل)-بعد ذكر فتح عبد الملك الكوفة و قتل مصعب-صنع عمرو ابن حريث له طعاما كثيرا في الخورنق،و اذن عبد الملك اذنا عاما،
فدخل الناس و أخذوا مجالسهم،فدخل عمرو بن حريث،فأجلسه معه على سريره،ثم جاءت الموائد،فأكلوا فقال عبد الملك:ما الذّ عيشنا لو دام و لكنا كما قال الأوّل:
و كلّ جديد يا اميم إلى بلى و كل امرئ يوما يصير إلى كان
فلما فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر و عمرو بن حريث معه و هو يسأله لمن هذا البيت و من بنى هذا البيت و عمرو يخبره فقال عبد الملك:
اعمل على مهل فانك ميت و اكدح لنفسك أيها الانسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى و كأن ما هو كائن قد كان (1)
كامل ابن الأثير 4:331،سنة 71. [1]
«و قد رام» أي:طلب «أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على اللّه فأكذبهم» قد عرفت أن نصرا زاد بعده«و متعهم قليلا ثم اضطرّهم إلى عذاب غليظ» (2).
و مراده عليه السّلام بالاقوام المتقدمون عليه،فلم يكن قبل معاويه في ذاك العصر من رام أمرا بوصفه عليه السّلام غير الرجلين،و لم يكن معاوية يعد نفسه دونهما،فانه من حيث النسب كان من بني عبد مناف الذين لم يكن في قريش أشرف منهم،و من حيث التدبير و السياسة كان فوقهما،و كثيرا ما كان معاوية أيام عثمان في الدفاع عنه،و كان عثمان مع معاوية و باقي بني امية كنفس واحدة،يجعل نفسه فوق تيم و عدي،و أمير المؤمنين عليه السّلام و ان كان يتقي من التصريح بالطعن فيهما عند العامة الا أنه يفعل ذلك بالتلويح لمعاوية،فإن للخواصّ مكالماتهم عند أنفسهم غير مكالماتهم عند العوام يبدي كل منهم ما في نفسه للآخر،و كل منهم يعرف الآخر و اعتقاداته و آرائه، و قد قال الحسن عليه السّلام في مجلس معاوية و خواصه للمغيرة:ان عمر عطل حد
اللّه في حقك،و ان اللّه تعالى يسائله عن ذلك (1)
رواه الزبير بن بكار في المفاخرات عنه شرح ابن أبي الحديد 6:294. [1]
،و لم يمكنه عليه السّلام أن يقول ذلك في الملأ.و كان معاوية يسعى ان يأخذ من أمير المؤمنين و من أهل بيته تصريحا في كتاب أو في ملأ بالطعن فيهما عند العامة،كما يظهر ذلك من كثير من كتب معاوية إلى عليّ،و في كتابه إلى الحسن«و صرحت بتهمة أبي بكر و عمر» (2).
و تأولهم الّذي قال عليه السّلام كونهم صاحب الغار و ادعاء ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرهم بالصلاة بالناس في مرضه،فبهذين الأمرين تمسك عمر لاستخلاف أبي بكر.
و قال الراوندي-كما نقل ابن ميثم عنه-معنى قوله عليه السّلام «و قد رام أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على اللّه فأكذبهم» انه قد طلب قوم أمر هذه الامة، فتأولوا القرآن كقوله تعالى: «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (3)فسموا من نصبوه من الأمراء أولي الأمر متحكمين على اللّه، فأكذبهم اللّه بكونهم ظالمين بغاة،و لا يكون الوالي من قبل اللّه تعالى كذلك (4)، و هو قريب مما قلنا.
هذا،و نقل ابن أبي الحديد بدل قوله فتأولوا«فتألوا»و قال أي حلفوا، من الالية أي اليمين،أي من أقسم تجبرا«لا فعلن كذا»أكذبه اللّه و لم يبلغ أمله.ثم قال:و قد روى«تأولوا على اللّه»أي حرفوا الكلم،و تعلقوا بشبهة في تأويل القرآن انتصارا لمذاهبهم،فأكذبهم اللّه بأن أظهر للعقلاء
فساد تأويلاتهم،و الأوّل أصح (1)
شرح ابن أبي الحديد 17:12. [1]
.قلت:بل الثاني هو الصحيح،فلم نجد غيره و لم ينقل غير الراوندي و ابن ميثم (2)،و نسخة ابن ميثم بخط مصنفه،و قد عرفت أن مستنده أيضا بذاك اللفظ .
«فاحذر يوما» و المراد به يوم القيامة «يغتبط» بلفظ المعلوم،من غبطته فاغتبط،قال«و بينما المرء في الاحياء مغتبط» (3)«فيه من أحمد» أي:وجد حميدا «عاقبة عمله و يندم من أمكن الشيطان من قياده» حبل يقاد به الدابة «فلم يجاذبه» «وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» (4)«وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » (5).
«و قد دعوتنا إلى حكم القرآن و لست من أهله» قال ابن ميثم:إذ لم يكن صالحا للامامة (6).
قلت:بل لأنه لم يكن له اعتقاد بالقرآن و منزله و المنزل إليه،فقد عرفت أن مستنده زاد«و لست حكمه تريد» (7).
و في(صفين نصر):لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال عليّ عليه السّلام:انا أحق من أجاب إلى كتاب اللّه،و لكن معاوية،
و عمرو بن العاص،و ابن أبي معيط،و حبيب بن مسلمة،و ابن أبي سرح ليسوا باصحاب دين و لا قرآن،اني أعرف بهم منكم (1)
وقعة صفين:489. [1]
.«و لسنا اياك أجبنا و لكن أجبنا القرآن في حكمه» هكذا في(المصرية)، و الصواب:«إلى حكمه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)، و المراد اجابة القرآن في المستحق للامامة و حكم القرآن «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» (3)«أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» (4)«أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (5)و غير ذلك مما أحال الأمر إلى بداهة العقول،و لكن طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون.
(و السلام) هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و ليس في(ابن ميثم و الخطية) (6).
الكتاب(42)
و من كتاب له عليه السّلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي-و كان عامله على البحرين-فعزله و استعمل النعمان بن عجلان الزّرقيّ مكانه:
أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ؟النُّعْمَانَ بْنِ عَجْلاَنَ الزُّرَقِيَّ؟ عَلَى؟الْبَحْرَيْنِ؟- وَ نَزَعْتُ يَدَكَ بِلاَ ذَمٍّ لَكَ وَ لاَ تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ- فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلاَيَةَ
وَ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ- فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ وَ لاَ مَلُومٍ- وَ لاَ مُتَّهَمٍ وَ لاَ مَأْثُومٍ- فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ؟الشَّامِ؟- وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي- فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ إِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أقول:نقل عن( تاريخ ابن واضح ابن واضح اليعقوبي-تاريخ اليعقوبي-ج 2 ص 201 )أيضا (1)
تاريخ ابن واضح اليعقوبي 2:201. [1]
.قول المصنّف :(و من كتاب له عليه السّلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي) كان ربيب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،روي انّه زوج امّه ام سلمة من النبيّ و هو صغير لم يبلغ الحلم.
(و كان عامله على البحرين)و في(الاسد):شهد مع عليّ عليه السّلام الجمل، و استعمله على البحرين و على فارس (2)(فعزله و استعمل نعمان)هكذا في (المصرية)،و الصواب:«النعمان»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)(بن عجلان الزرقي).
في(الاسد):استعمل عليّ عليه السّلام النعمان على البحرين،فجعل يعطي كل من جاءه من بني زريق فقال فيه الشاعر:
أرى فتية قد ألهت الناس عنكم فند لا زريق المال من كلّ جانب
فانّ ابن عجلان الّذي قد علمتم يبدّد مال اللّه فعل المناهب
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم و يخرجن من دارين بجر الحقائب
و كان شاعرا فصيحا سيدا في قومه،و تزوج خولة بنت قيس امرأة حمزة بعد قتله (4).
قلت:رأيت البيت الأوّل هكذا:
على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب
هذا،و قال الجوهري في ندل مدح الشاعر قوم دارين بالجود -و استشهد بالبيت الاخير (1)
صحاح. [1]
،و هو كما ترى و هم.قوله عليه السّلام «اما بعد فاني قد وليت نعمان» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«النعمان»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2).
«ابن عجلان الزرقي» بضم الزاي،و في(أنساب السمعاني):نسبة إلى زريق بن عمر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج «على البحرين» .
و في(تاريخ اليعقوبي):بلغ أمير المؤمنين عليه السّلام أن النعمان ذهب بمال البحرين،فكتب إليه:أما بعد،فانه من استهان بالامانة،و رغب في الخيانة،و لم ينزه نفسه و دينه،أخلّ بنفسه في الدنيا،و ما يشفى عليه بعد امر و أبقى و أشقى و أطول،فخف اللّه.انك من عشيرة ذات صلاح،فكن عند صالح الظن بك،و راجع ان كان حقا ما بلغني عنك.
إلى أن قال:فلما جاءه كتابه عليه السّلام و علم أنه قد علم حمل المال،و لحق بمعاوية (3).
«و نزعت يدك» كناية عن عزله عن البحرين «بلا ذم لك و لا تثريب عليك» في (الجمهرة):التثريب:الأخذ على الذنب «فلقد أحسنت الولاية و أديت الأمانة» و يكفيه ذلك مدحا،و قد عرفت أن النعمان الّذي ولي بعده خان و اعطى قومه قدرا من بيت المال و حمل لنفسه قدرا.
«فأقبل غير ظنين و لا ملوم و لا متهم» و الفرق بين الظنين و المتهم الفرق بين الظن و الوهم،فالظنين من الظن،و المتهم من الوهم «و لا مأثوم» أي:غير معدود عليك اثم من«أثم»بالفتح الّذي متعدلا(اثم)بالكسر فانّه لازم.
و في(الصحاح):«اثم»بالكسر وقع في الذنب فهو آثم و أثيم و اثوم، و اثمه اللّه في كذا:أي عده عليه اثما،فهو مأثوم انشد الفراء:
فهل يأثمني اللّه في أن ذكرتها و عللت أصحابي بها ليلة النفر
«فلقد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«فقد»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 16:173، [1]لكن في شرح ابن ميثم 5:93، [2]مثل المصرية.
«أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام» .في(صفين نصر):ان معاوية قال لشر حبيل بن السمط-و كان مأمونا في أهل الشام-ان هذا الأمر الّذي قد عرفته لا يتم الا برضى العامة،فسر في مدائن الشام و ناد فيهم ان عليّا قتل عثمان،و انه يجب على المسلمين ان يطلبوا بدمه،فسار،فبدأ بأهل حمص،فقام خطيبا،فقال:أيها الناس،ان عليّا قتل عثمان،و قد غضب لعثمان قوم،فقتلهم عليّ و هزّم الجميع و غلب على الأرض، فلم يبق الا الشام و هو واضع سيفه على عاتقه ثم خاض به غمار الموت،و لا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية،فجدوا.
فأجابه الناس الانساك من أهل حمص،فانهم قاموا إليه و قالوا:بيوتنا قبورنا و مساجدنا،و أنت اعلم بما ترى.و جعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها لا يأتي على قوم الا قبلوا ما آتاهم به (2).
«و أحببت أن تشهد معي» و كان شهد معه الجمل.
و في(تاريخ الطبري):ان عليّا عليه السّلام لما أراد الخروج إلى حرب الجمل
قالت له ام سلمة:لو لا أن أعصي اللّه و انك لا تقبله مني لخرجت معك،و هذا ابني عمر و اللّه لهو أعز عليّ من نفسي يخرج معك فيشهد مشاهدك (1)
لم اظفر عليه في اخبار الجمل في تاريخ الطبري [1]نعم رواه جمع من أصحاب التاريخ منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:65. [2]
.«فانّك ممّن أستظهر به على جهاد العدو و اقامة عمود الدين إن شاء اللّه» لأنه كان مستبصرا فيه عليه السّلام عارفا بحقّه.
و روى ابن بابويه في(عيونه)عن سليم بن قيس استشهاد عبد اللّه بن جعفر بجمع منهم عمر بن أبي سلمة سماعهم من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نصه على الائمة الاثني عشر بعده (2).
الحكمة(325)
وَ قَالَ ع لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ؟مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؟:
إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ- إِلاَّ أَنَّهُمْ نُقِصُوا بَغِيضاً وَ نُقِصْنَا حَبِيباً و قال عليه السّلام لما بلغه قتل محمّد بن أبى بكر:
أقول:هكذا في(المصرية)،و زاد(ابن ميثم)بعد(محمّد بن أبي بكر) «رضوان اللّه عليه»و كذا(ابن أبي الحديد) (3).
و كيف كان فرواه المدائني و الطبري،فقالا:قدم الحجاج بن غزية الأنصاري من مصر على عليّ عليه السّلام فحدثه بما رأي و عاين و بهلاك محمّد، و قدم عليه عبد الرحمن بن شيب الفزاري-و كان قد عينه بالشام-و حدثه أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر،و قتل محمّد بن أبي بكر،و حتى آذن بقتله على
المنبر،و قال:قلما رأيت قوما قط أسر و لا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين اتاهم هلاك محمّد بن أبي بكر.فقال عليّ عليه السّلام:اما ان حزننا عليه على قدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا،و حزن عليه حتى رؤي ذلك في وجهه و تبين فيه 1.
«ان حزننا عليه على قدر سرورهم به» قال الشاعر:
من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار
قال المسعودي:بلغ عليّا عليه السّلام قتل محمّد و سرور معاوية به،فقال:
جزعنا عليه على قدر سرورهم،و ما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه،كان لي ربيبا و كنت أعده ولدا-إلى أن قال-و على مثله نحزن، و عند اللّه نحتسبه 2.
و روى هيثم أن أسماء بنت عميس لما جاءها نعي محمّد ابنها و ما صنع به قامت إلى مسجدها،و كظمت غيظها حتى تشخّبت دما 3.
و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):لما بلغ ام حبيبة قتل محمّد و تحريقه شوت كبشا و بعثت به إلى عائشة تشفيا بقتل محمّد بطلب دم عثمان،فقالت:
قاتل اللّه ابنة العاهرة،و اللّه لا أكلت شواء أبدا 4.
«الا أنهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا» نقص يأتي لازما و متعديا و هنا متعد.
روى عن كثير النوا أن أبا بكر خرج في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غزاة،فرأت
اسماء بنت عميس-و هي تحته-كأن أبا بكر متخضب رأسه و لحيته و عليه ثياب بيض،فجاءت إلى عائشة،فأخبرتها،فبكت و قالت:ان صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر خضابه دمه و ثيابه أكفانه،فدخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عائشة تبكي،فقال:
ما أبكاها؟فقالوا:أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر.فقال:ليس كما عبرت عائشة،يرجع أبو بكر صالحا،فتحمل منه أسماء بغلام تسمّيه محمّدا يجعله اللّه غيظا على الكافرين و المنافقين (1)
رواه الثقفي في الغارات 1:288. [1]
.هذا،و قيل ان زيادا قال لأبي الأسود:كيف أنت في حب عليّ،قال:كما أنت في حب معاوية،الا اني أطلب به الدار الآخرة،و أنت تطلب به حطام الدنيا، و مثلنا كما قال عمرو بن معديكرب:
خليطان مختلف شأننا احب العلاء و يهوى السمن
أحب دماء بني مالك و راق المعلى بياض اللبن
و في(المعجم):لما مات إسحاق الموصلي و بلغ المتوكل نعيه غمه و حزن عليه و قال:ذهب صدر عظيم من جمال الملك و بهائه و زينته،ثم نعي إليه بعده أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السّلام فقال:
تكافأت الحالان قام الفرح-بوفاة أحمد و ما كنت آمن وثبته عليّ-مقام الفجيعة بإسحاق.
و في(الكامل)في سنة(502):اصطلح عامة بغداد السنة و الشيعة، و السبب أن السلطان محمّد السلجوقي لما قتل ملك العرب صدقة-و كان يتشيع هو و أهل بيته-خاف شيعة بغداد أهل كرخهم و غيرهم،فشنع أهل السنة عليهم بأنهم نالهم غم و هم لقتله،فخاف الشيعة و أغضوا على سماع هذا و لم يزالوا خائفين إلى أن دخل شعبان،فتجهز السنة لزيارة قبر مصعب
1) 1)
و اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ،فأظهروا ذلك و اتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم و كانوا قبل يمنعونهم (1)
كامل ابن الأثير 10:469،سنة 502. [1]
.و لما مات محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد عقدت الناصبة مجلس سرور لوفاته،لأنه كان شيّع كثيرا من أهل السنة و بصرّهم،حتى قال الخطيب الناصبي:هلك به خلق كثير إلى أن أراح اللّه المسلمين منه في سنة(413)، فجلس ابن النقيب للتهنئة بموته و قال:ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موته.
و روى(الطبرسي)ان الحجّة عليه السّلام قال في موته:
لا صوّت الناعي بفقدك انه يوم على آل الرسول عظيم
و كان رحمه اللّه لم يعلم بعد هشام بن الحكم أذب عن المذهب منه (2).
و قال ربيعة الاسدي في ابنه ذؤاب:
ان يقتلوك فقد هتكت بيوتهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبهم فقدا على أعدائه و أشدّهم فقدا على الأصحاب
هذا،و في عنوان(8)من فصل الغارات عنه عليه السّلام:بلا ذم لمحمد بن أبي بكر،فلقد كان إلي حبيبا و كان لي ربيبا.
أيضا:و محمّد بن أبي بكر رحمه اللّه قد استشهد،فعند اللّه نحتسبه ولدا ناصحا و عاملا كادحا و سيفا قاطعا و ركنا دافعا.
و في عنوان(9)منه كتابه عليه السّلام إلى ابن عباس بعد مقتله (3).
الكتاب(46)
و من كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ- وَ أَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ- وَ أَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ- فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ- وَ اخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّينِ- وَ ارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ- وَ اعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ يُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ- وَ اخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ- وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ- وَ آسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَ النَّظْرَةِ وَ الْإِشَارَةِ وَ التَّحِيَّةِ- حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ- وَ لاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ وَ السَّلاَمُ قول المصنّف :(و من كتاب له عليه السّلام)ليس جميع عنوانه كتابا،بل إلى قوله«الثغر المخوف»،و أما قوله«فاستعن-إلى-الا الشدة»فانما قاله عليه السّلام شفاها،و أما قوله«و اخفض»إلخ،فأول عهده إلى محمّد بن أبي بكر المذكور في العنوان(27)من الكتب.
(إلى بعض عماله)المراد به مالك الأشتر،و لم يتفطن له ابن أبي الحديد و ابن ميثم (1)
راجع شرح ابن أبي الحديد 17:3،و شرح ابن ميثم 5:118.
،و كأن المصنف أيضا حيث أجمل،روى ما قلنا من كون العنوان إلى«المخوف»كتابا له عليه السّلام إليه و الي«الشدة»كلاما له معه الطبري و الثقفي.ففي الأوّل بلغ عليّا عليه السّلام وثوب أهل مصر على محمّد بن أبي بكر فقال:
ما لمصر الا أحد الرجلين:صاحبنا الّذي عزلناه عنها-يعني قيس بن سعد-أو مال بن الحارث-يعني الأشتر-و كان عليّ عليه السّلام حين انصرف من صفين رد الأشتر على عمله بالجزيرة-و قد كان قد قال لقيس أقم معي على شرطتي
1) 1)
حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة،ثم اخرج إلى آذربيجان-و لما انقضى أمر الحكومة كتب عليّ إلى مالك-و هو يومئذ بنصيبين-«اما بعد فانك ممن أستظهر به على اقامة الّدين،و أقمع به نخوة الاثيم،و أشد به الثغر المخوف، و كنت وليت محمّد بن أبي بكر مصر،فخرجت عليه بها خوارج،و هو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب و لا بمجرب للاشياء،فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي،و استخلف على عملك أهل الثقة و النصيحة من أصحابك، و السلام».
فأقبل مالك إلى عليّ عليه السّلام حتى دخل عليه،فحدثه حديث أهل مصر و أخبره خبر أهلها،و قال له«ليس لها غيرك،اخرج رحمك اللّه،فاني ان لم أوصك اكتفيت برأيك،و استعن باللّه على ما اهمك،فاخلط الشدة باللين،و ارفق ما كان الرفق أبلغ،و اعتزم بالشدة حين لا يغني عنك الا الشدة».
فخرج الأشتر من عند عليّ عليه السّلام،فأتى رحله،فتهيأ للخروج إلى مصر، و أتت معاوية عيونه و أخبروه بولاية عليّ للأشتر،فعظم ذلك عليه و قد كان طمع في مصر،فعلم أن الأشتر ان قدمها كان أشد عليه من محمّد بن أبي بكر، فبعث إلى الجايستار-رجل من أهل الخراج-ان الأشتر ولي مصر،فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت،فاحتل له بما قدرت عليه،فخرج الجايستار حتى أتى القلزم و أقام به،و خرج الأشتر من العراق إلى مصر،فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار،فقال له:هذا منزل و هذا طعام و علف و أنا رجل من أهل الخراج،فنزل به الأشتر،فأتاه الدهقان بعلف و طعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمّا فسقاه إيّاه،فلمّا شربها مات.
و أقبل معاوية يقول لأهل الشام:ان عليّا وجّه الأشتر إلى مصر،فادعو اللّه أن يكفيكموه،فكانوا كل يوم يدعون على الأشتر،و أقبل الّذي سقاه السمّ
إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر (1)
تاريخ الطبري 4:70،سنة 38. [1]
.و رواه(غارات الثقفي)مثله،و نقله ابن أبي الحديد عنه في العنوان(67) من الخطب في تقليد محمّد بن أبي بكر بمصر و غفل عنه هنا (2).
و رواه المفيد في(أماليه)مسندا عن هشام الكلبي،لكن فيه:ورد الخبر عليه عليه السّلام بمقتل محمّد بن أبي بكر،فكتب إلى مالك-إلى أن قال-«و كان حدثا لا علم له بالحروب فاستشهد رحمه اللّه فأقدم عليّ لننظر في امر مصر»إلخ (3).
و الظاهر زيادة فقرة«فاستشهد»وهما من بعض الرواة،فزاد المفيد أو غيره في أول الخبر فقرة«ورد الخبر عليه عليه السّلام بمقتل محمّد»لاتفاق غيره من الروايات على وفاة مالك قبل محمّد،و كتابه إلى محمّد بعد قتل مالك كما يأتي،و لعل الفقرة محرفة«ورد الخبر عليه بمقاتلة العثمانية مع محمّد».
قوله عليه السّلام «أما بعد،فانك ممن استظهر به على اقامة الّدين» و يكفى ذلك الأشتر جلالة،فكان رحمه اللّه ذا كفاية كافية،فكان طرد أبي موسى عن ولاية الكوفة بعد عثمان مشكلا لغيره حتى لعمار.
ففي(تاريخ الطبري):قال أبو مريم الثقفي:اني في مسجد الكوفة و أبو موسى قائم على المنبر يثبط الناس و عمار يزجره إذ جاء غلمان أبي موسى يشتدون و قالوا هذا الأشتر دخل و ضربنا و أخرجنا،فنزل أبو موسى عن المنبر يشتد و دخل القصر،فصاح به الأشتر:اخرج أخرج اللّه نفسك انك لمن المنافقين قديما.فقال له:أجلني هذه العشية،فأجله إلى الليل،و أراد الناس نهب متاعه،فمنعهم الأشتر (4).
«و أقمع به نخوة الاثيم» ففي(تاريخ الطبري):لما وصل عليّ عليه السّلام في مسيره إلى صفين إلى الرقة امتنعوا من عقد جسر له،فمضى ليعبر على جسر منبج،فقال لهم الأشتر:اقسم باللّه لئن مضى أمير المؤمنين و لم تجسروا له لا جردن فيكم السيف،ثم لأقتلن الرجال،و لاخربن الأرض،و لآخذن الأموال،فقال بعضهم لبعض:ان الأشتر يفي بما حلف،فقالوا له ننصب لكم جسرا،فوقف الأشتر حتى عبر جميع الناس ثم عبر هو (1)
تاريخ الطبري 3:563،سنة 36. [1]
.«و أسد» من السداد بالكسر،قال الشاعر:
أضاعوني و أي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر (2)
«به لهاة» شبه لسان صغير في أقصى سقف الفم «الثغر المخوف» كمصر،فقد عرفت أنه عليه السّلام لما سمع باضطراب أمر مصر على محمّد بن أبي بكر قال:ليس له إلاّ قيس أو مالك (3).
«فاستعن باللّه على ما أهمك» فإنّه على كل شيء قدير «و اخلط الشدة بضغث» أي:بمقدار «من اللين و ارفق ما كان الرفق أرفق» فإن الأشخاص مختلفون،و بعضهم يلجون إذا لم يرفق بهم.
«و اعتزم بالشدة حين لا يغني عنك الا الشدة» كالأرذال،فانهم لا يغني عنهم إلاّ الشدّة .
«و اخفض للرعية» إلى آخر الشرح في العنوان(27)من الأصل.
من الكتاب(38)
و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر لما ولّى عليهم الأشتر:
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ- لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ- وَ لاَ يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ- أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ- وَ هُوَ؟مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ؟ أَخُو؟مَذْحِجٍ؟- فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ- فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ- لاَ كَلِيلُ الظُّبَةِ وَ لاَ نَابِي الضَّرِيبَةِ- فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا- وَ إِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا- فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَ لاَ يُحْجِمُ- وَ لاَ يُؤَخِّرُ وَ لاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي- وَ قَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ- وَ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ أقول:نذكر مستنده أخيرا «اما بعد فقد بعثت إليكم» يا أهل مصر «عبدا من عباد اللّه» هو في معنى انه من العباد للّه «لا ينام ايام الخوف» و قال بشار في عمر بن العلاء:
إذا أيقظتك حروب للعدى فنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنة و لا يشرب الماء الا بدم
و قال البحتري في يوسف بن أبي سعيد:
ماض إذا وقف المشهر لم يقف يقظ إذ هجع السها لم يهجع
و في(الأغاني):قالت هند زوجة حجر آكل المرار في وصف زوجها:ما رأيت رجلا قط أحزم منه نائما و مستيقظا،ان كان لتنام عيناه و بعض اعضائه حي لا ينام،و كان إذا أراد النوم أمرني أن اجعل عنده عسا مملوا لبنا، فبينا هو ذات ليلة نائم و أنا قريبة منه أنظر إليه أقبل اسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه،فمال إلى يديه و احداهما مقبوضة و الاخرى مبسوطة،فأهوى
إليها،فقبضها،فمال إلى رجليه و قد قبض واحدة و بسط الاخرى،فأهوى إليها، فقبضها،فمال إلى العس شربه ثم مجه،فقلت:يستيقظ فيشرب،فيموت فأستريح منه،فانتبه من نومه فقال:عليّ بالاناء،فناولته،فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الاناء فأهريق.
و فيه قال هشام:كانت الاوس قد اسندوا أمرهم يوم بعاث إلى أبي قيس بن أسلت الوابلي،فقام في حربهم و آثرها على كل أمر حتى شحب و تغير، و لبث أشهرا لا يقرب امرأة،ثم انه جاء ليلة فدق على امرأته ففتحت له،فأهوى إليها بيده فدفعته و أنكرته،فقال انا أبو قيس،فقالت:و اللّه ما عرفتك حتى تكلمت.فقال في ذلك:
قالت و لم تقصد لقيل الخنى مهلا فقد أبلغت اسماعي
استنكرت لونا له شاحبا و الحرب غول ذات أو جاع
من يذق الحرب يجد طعمها مرا و تتركه بجعجاع
قيل في تأبط شرا:
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل كأن من عينيه شجعان فاتك
و يجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلة من حد احضر باتك
و في(تاريخ بغداد):قال الرشيد للمفضل الضبي:ان قلت أحسن ما قيل في الذئب فلك هذا الخاتم الّذي في يدي و شراؤه الف و ستمائة دينار،فقال قول الشاعر:
ينام باحدى مقلتيه و يتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فقال له الرشيد:ما ألقى هذا على لسانك الا لذهاب الخاتم و حلق به إليه فاشترته ام جعفر بألف و ستمائة دينار و بعثت به إليه و قالت:
قد كنت أراك تعجب به،فألقاه إلى الضبي و قال له:خذه و خذ الدنانير
فما كنا نهب شيئا فنرجع فيه.
و في(العيون):ذكر اعرابي أميرا فقال:كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه و أرسل العيون على عيونه،فهو غائب عنهم شاهد معهم،فالمحسن راج،و المسيء خائف.
و قال البحتري:
هجر الهوينا و استعد لحربه ان المحارب للهوينا هاجر
«و لا ينكل» أي:لا يجبن «عن الأعداء ساعات الروع» بالفتح أي:الفزع قال حسان كما فى ديوانه:
يجيب إلى الجلي و يحتضر الوغى اخو ثقة يزداد خير و يكرم
«أشد على الكفار» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)و في(ابن أبي الحديد و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 16:156،و [1]شرح ابن ميثم 5:82،«الفجار».
(على الفجار).«من حريق النار» في(صفين نصر):خرج رجل من أهل الشام قلما رؤي أطول و أعظم منه،فدعا إلى المبارزة،فلم يخرج إليه انسان،و خرج إليه الأشتر فقتله:فقال رجل منهم:أقسم باللّه لا قتلن قاتلك،فحمل على الأشتر فضربه، فإذا هو بين يدي فرسه و حمل أصحابه فاستنقذوه جريحا،فقال أبو رفيقة السهمي:كان هذا نارا فصادفت اعصارا (2).
و في(تاريخ الطبري):كان الأشتر يوم صفين يقاتل على فرس و في يده صفحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا و إذا رفعها كاد يغشى البصر شعاعها،و جعل يضرب بسيفه و يقول«الغمرات ثم ينجلين»،فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي و الأشتر متقنع في الحديد،فدنا منه فقال له:جزاك
اللّه خيرا منذ اليوم عن أمير المؤمنين و جماعة المسلمين.فعرفه الأشتر فقال له:مثلك يتخلف عن مثل موطني.فقال له:ما علمت بمكانك الا الساعة و لا أفارقك حتى أموت (1)
تاريخ الطبري 4:15،سنة 37. [1]
.و في(صفين نصر):قال إبراهيم بن الأشتر:كنت عند عليّ عليه السّلام حين بعث إلى الأشتر ان يأتيه لما كان أهل الشام رفعوا المصاحف و قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله،فقال الأشتر لرسوله:قل له:اني قد رجوت ان يفتح اللّه لي فلا تعجلني،فما هو الا أن علت الاصوات من قبل الأشتر،و ظهرت دلائل الفتح و النصر لاهل العراق،و الخذلان على أهل الشام،فقال القوم له عليه السّلام:و اللّه ما نراك الا أمرته بقتال القوم.
إلى أن قال:فقالوا له عليه السّلام لترسلن إلى الأشتر فليأتك أو لنقتلنك كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك،فأقبل الأشتر و صاح:يا أهل الذل و الوهن،أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم ظاهرون رفعوا المصاحف-إلخ (2).
و عن عمارة بن ربيعة الجرمي:لما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر فقال:لا صحبتني يميني و لا نفعتني بعدها شمالي ان كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح و لا موادعة،أو لست على بينة من ربي و يقين من ضلال عدوي،أو لستم قد رأيتم الظفران لم تجمعوا على الخور.فقال له الأشعث:انك ما رأيت ظفرا و لا خورا هلم فاشهد على نفسك،فانه لا رغبة بك عن الناس.فقال:بلى و اللّه ان بي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا و في الآخرة للآخرة،و لقد سفك اللّه بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي و لا أحرم.فنظروا إلى الأشعث كأنما قصع على أنفه الحمم.
ثم قال الأشتر:و لكني قد رضيت بما صنع أمير المؤمنين عليه السّلام،و دخلت فيما دخل فيه،و خرجت مما خرج منه،فانه لا يدخل إلا في هدى و صواب (1)
وقعة صفين:511. [1]
.و فيه أيضا:مشى القوم ليلة الهرير بعضهم إلى بعض بالسيف و عمد الحديد و الأشتر يسير فيما بين الميمنة و الميسرة،فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقدام على الّتي تليها،فاجتلدوا بالسيوف و عمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا صلاة،فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح و المعركة خلف ظهره،و افترقوا على سبعين ألف قتيل،ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى،و الأشتر يقول لأصحابه و هو يزحف بهم نحو أهل الشام:ازحفوا قيد رمحي هذا،و إذا فعلوا قال:ازحفوا قاب هذا القوس،فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى ملّ اكثر الناس الاقدام،فلما رأى ذلك قال:أعيذكم باللّه أن ترضعوا الغنم سائر اليوم.
ثم دعا بفرسه و ركز رايته و خرج يسير في الكتائب و يقول:ألا من يشري نفسه للّه و يقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق باللّه-إلى أن قال-فلما رأي عليّ عليه السّلام جاء الظفر من قبل الأشتر أخذ يمده بالرجال،و أقبل الأشتر على فرس كميت محذوف قد وضع مغفره على قربوس السرج و هو يقول:
أصبروا،فقال رجل في تلك الحال:أي رجل هذا لو كانت له نية.فقال له صاحبه:و أي نية أعظم من هذه ان رجلا فيما ترى قد سبح في الدماء و ما أضجرته الحرب،و قد غلت هام الكماة و بلغت القلوب الحناجر،و هو كما ترى جذعا يقول هذه المقالة:اللهم لا تبقنا بعد هذا (2).
«و هو مالك بن الحارث» بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن
جذيمة بن سعد بن مالك بن النخع من مذحج كما في(ذيل الطبري) (1)
منتخب ذيل المذيل:148.
«أخو مذحج» قال الجوهري:قال سيبويه:الميم من نفس الكلمة.و قال الحموي:قال ابن الاعرابي:أقامت مذلة بعد زوجها ادد بن زيد بن يشجب على ولديها منه مالك وطي و لم تزوج،فقيل:«اذحجت على ولدها»أي أقامت،فسمى مالك وطي مذحجا.و قال ابن الكلبي:ولد ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ مالكا و جلهمة،و هو طيء،و أمهما ذلة،و هي مذحج،كانت قد ولدتهما عند اكمة يقال لها مذحج فلقبت بها،و يقال لولدها مالك وطي مذحج.و قال ابن إسحاق:مذحج هو ابن يحابر بن مالك بن زيد بن كهلان،و لم يتابع على ذلك-إلخ (2)-قلت:و تبعه الجوهري .
«فاسمعوا له و أطيعوا أمره فيما طابق الحق» قال ابن أبي الحديد:كان عليه السّلام من شدة صلابته في الدين لم يسامح نفسه في حق أحب الخلق إليه ان يهمل هذا القيد،قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (3).
قلت:أمير المؤمنين عليه السّلام و شيعته لم ينتظروا أن يطيعهم الناس في غير الحق على الفرض،و لما بعث عليه السّلام قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر خطبهم و قال لهم:أيها الناس إنّا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا،فقوموا فبايعوا على كتاب اللّه و سنة رسوله،فان نحن لم نعمل بهما فلا بيعة لنا عليكم (4).
«فانه سيف من سيوف اللّه» قال ابن أبي الحديد:هذا لقب خالد بن الوليد،و اختلف فيمن لقبّه به،و الصحيح أنه لقبه به أبو بكر لقتاله
أهل الردة و قتله مسيلمة (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:158. [1]
.قلت:لعمر اللّه ان خالدا كان سيفا لقتل عباد اللّه،فقتل مالك بن نويرة المؤمن غدرا و زنا بامرأته حتى سخر في ذلك فاروقهم صدّيقهم،و قال له:هذا الّذي سميته سيف اللّه حصل فيه رهق،و من العجب ان الأشتر الّذي كان بتلك الدرجة في الشدة على أعداء الدين،و في جهاد المنافقين،لا يسمّونه بذلك،مع نص من كان مثل نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك،و يسمّون من اتخذ إلهه هواه سيف اللّه.
«لا كليل الظبة» ظبة السيف طرفه،و كلها عدم تأثيرها.
«و لا نابي الضريبة» نابي الضريبة من لم تعمل ضربته في الضريبة، قال:«ليث يدق الاسد الهموسا-و الاقهبين الفيل و الجاموسا»و قال آخر:
حامى الحقيقة،نسال الوديقة،معتاق الوسيقة،لا نكس،و لا وكل.
«فأن أمركم أن تنفروا» أي:تشخصوا «فانفروا و ان أمركم أن تقيموا فأقيموا» لأنه لا يأمركم إلاّ بما فيه صلاحكم.
«فإنه لا يقدم و لا يحجم» بتقديم الجيم و الحاء على ما قال الجوهري،فقال في«جحم»اجحم عن الشيء كفّ عنه مثل«أحجم».و قال في«حجم»:
«حجمته فأحجم»أي كففته فكف،و هو من النوادر-إلخ.
و انما كان من النوادر لان القاعدة كون«فعل»لازما و«أفعل»متعديا، و هو بالعكس.
«و لا يقدم و لا يؤخر إلاّ عن أمري» فيجب عليكم اطاعته مثلي «و قد آثرتكم» أي:اخترتكم «به على نفسي» لأنه كانت ملازمته له و حضوره عنده ذا آثار مهمة «لنصيحته لكم و شدة شكيمته على عدوكم» في(الصحاح):الشكيمة في
1) 1)
اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس الّتي فيها الفاس،و فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس انفا ابيا،و فلان ذو شكيمة إذا كان لا ينقاد،قال عمرو بن شاس الاسدي يخاطب امرأته في ابنه عرار:
و ان عرارا ان يكن ذا شكيمة تعافينها منه فما أملك الشيم
و شكمت الوالي:إذا رشوته كأنك شددت فمه بالشكيم.
هذا،و وراه(تاريخ الطبري)و(غارات الثقفي)و(أمالي المفيد)،روى الأوّل عن أبي مخنف و الثاني عن المدائني باسنادهما عن مولى الأشتر قال:
لما هلك وجدنا في ثقله رسالة عليّ عليه السّلام إلى أهل مصر:أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيد اللّه لا ينام أيام الخوف،و لا ينكل عن الاعادي حذار الدوائر،أشد على الكفار من حريق النار،و هو مالك بن الحارث أخو مذحج،فاسمعوا له و أطيعوا،فانه سيف من سيوف اللّه لانابي الضريبة و لا كليل الحد،فان أمركم أن تقدموا فأقدموا،و ان أمركم أن تنفروا فانفروا،فانه لا يقدم و لا يحجم الا بأمري،و قد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم و شدة شكيمته على عدوكم، عصمكم اللّه بالهدى و ثبتكم على اليقين (1)
تاريخ الطبري 4:72،سنة 38،و [1]الغارات 1:266. [2]
.و روى الثاني أيضا و الثالث عن الشعبي عن صعصعة قال:كتب عليّ عليه السّلام إلى أهل مصر:أما بعد فاني قد بعثت إليكم عبدا من عباد اللّه لا ينام ايام الخوف،و لا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر،لا ناكل من قدم،و لا واه في عزم،من أشد عباد اللّه بأسا و اكرمهم حسبا،أضر على الفجار من حريق النار، و أبعد الناس من دنس أو عار،و هو مالك بن الحرث الأشتر،لا نابي الضريبة و لا كليل الحد،حليم في السلم رزين في الحرب،ذو رأي أصيل و صبر جميل،
1) 1)
فاسمعوا له و أطيعوا أمره،فان امركم بالنفر فانفروا-إلخ (1)
الغارات 1:260،و [1]أمالي المفيد:81،المجلس 9،و رواية الثقفي عن الشعبي عن صعصعة و رواية المفيد عن هشام الكلبي.
.و رواه(الاختصاص)باسناده عن عبد اللّه بن جعفر،الا أنه خبر غير صحيح،حيث تضمن انه عليه السّلام بعثه بعد قتل محمّد بن أبي بكر،مع أن مالكا سم قبل محمّد كما يأتي في الآتي،و نسبته إلى المفيد أيضا غير معلومة (2).
الكتاب(34)
و من كتاب له عليه السّلام:إلى محمّد بن أبي بكر لما بلغه توجّده من عزله بالأشتر عن مصر ثم توفّي الأشتر في توجّهه إلى مصر قبل وصوله إليها:
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ؟الْأَشْتَرِ؟ إِلَى عَمَلِكَ- وَ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدَ- وَ لاَ ازْدِيَاداً فِي الْجِدِّ- وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ- لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَئُونَةً- وَ أَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً- إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ؟مِصْرَ؟- كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً- فَرَحِمَهُ اللَّهُ فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ- وَ لاَقَى حِمَامَهُ وَ نَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ- أَوْلاَهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ وَ ضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ- فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ وَ امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ- وَ شَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ وَ «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ» - وَ أَكْثِرِ الاِسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ- وَ يُعِنْكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أقول:رواه الطبري الطبري-تاريخ الطبري-ج 4 ص 72 و 73،سنة 38 و الثقفي الثقفي-الغارات-ج 1 ص 267 مع جواب محمّد،روى الأوّل عن أبي مخنف
و الثاني عن المدائني،قالا:لما بلغ محمّد بن أبي بكر أن عليّا عليه السّلام قد بعث الأشتر شقّ عليه،فكتب عليّ إلى محمّد بن أبي بكر عند مهلك الأشتر-و ذلك حين بلغه موجدة محمّد لقدوم الأشتر عليه-اما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك،و اني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد،و لا ازديادا مني لك في الجد،و لو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المؤنة،و أعجب إليك ولاية منه ان الرجل الّذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحا،و على عدونا شديدا،و قد استكمل ايامه،و لاقى حمامه،و نحن عنه راضون،فرضى اللّه عنه و ضاعف له الثواب،و أحسن له المآب،اصبر لعدوك،و شمر للحرب،و ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و اكثر ذكر اللّه و الاستعانة به و الخوف منه،يكفك ما أهمك و يعنك على ما ولاك،اعاننا اللّه و اياك على ما لا ينال الا برحمته.و السلام عليك.
فكتب إليه محمّد بن أبي بكر:أما بعد فانّي فقد انتهى إليّ كتاب أمير المؤمنين،ففهمته،و عرفت ما فيه،و ليس أحد من الناس بأرضى مني برأي أمير المؤمنين،و لا أجهد على عدوّه،و لا أرأف بوليه مني،و قد خرجت فعسكرت،و آمنت الناس،الا من نصب لنا حربا،و أظهر لنا خلافا،و أنا متبع أمر أمير المؤمنين،و حافظه،و ملتجيء إليه،و قائم به (1)
تاريخ الطبري 4:72 و 73،سنة 38،و [1]الغارات 1:267. [2]
.قول المصنّف:(و من كتاب له عليه السّلام)إلخ،هكذا في(المصرية و ابن ميثم)، و لكن في(ابن أبي الحديد)«في توجهه إلى هناك»،بدل«في توجهه إلى مصر» (2).
قول المصنّف : (أما بعد) هكذا في(المصرية)،و ليس كله في(ابن أبي
الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن ميثم 5:75،لكن توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 16:142.
،فيعلم عدم وجوده في النهج.«فقد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«و قد»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«بلغني» و في(ابن أبي الحديد)«بلغتني» (3)«موجدتك» يأتي«وجد»لمعان و لكل مصدر،قال الجوهري:وجد مطلوبه وجودا،و وجد ضالته وجدانا،و وجد في المال وجدا و وجدا و وجدا وجدة أي:استغنى، و وجد في الحزن وجدا بالفتح،و وجد عليه في الغضب موجدة.
«من تسريح» أي:ارسال «الأشتر إلى عملك» حكومة مصر «و اني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد» بالفتح و الضم «و لا ازديادا في الجدّ» هكذا في (المصرية)،و الصواب: «و لا ازديادا لك في الجدّ» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«و لو نزعت ما تحت يدك من سلطانك» في مصر «لولّيتك ما هو أيسر عليك مؤنة و أعجب إليك ولاية» كما أنه عليه السّلام لما عزل قيس بن سعد بن عبادة عن مصر قال له:أقم معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة-أي:
الحكمين-ثم أخرج إلى آذربيجان (5).
«ان الرجل الّذي كنت وليته أمر مصر» أي:الأشتر «كان رجلا لنا ناصحا و على عدونا شديدا ناقما) أي:كارها،فلم يكن بعد عمّار مثل الأشتر في أصحابه عليه السّلام.
و في(تاريخ الطبري):لما أخبر الّذي سقى الأشتر السم،معاوية بمهلك
الأشتر قام معاوية خطيبا و قال:كانت لعلي يدان يمينان قطعت احداهما يوم صفين-يعني عمارا-و قطعت الاخرى اليوم-يعني الأشتر (1)
تاريخ الطبري 4:72،سنة 38. [1]
.و في(تاريخ الطبري):بلغ معاوية بعد التحكيم ان عليّا عليه السّلام يقنت في صلاة الغداة و يلعنه مع عمرو و أبي الاعور و حبيب و عبد الرحمن بن خالد و الضحاك و الوليد،فكان إذا قنت لعنه مع الحسنين و ابن عباس و الأشتر (2).
و في(عيون القتيبي):ذم رجل الأشتر فقال له قائل:اسكت فان حياته هزمت أهل الشام،و ان موته هزم أهل العراق.
و في(أمثال الكرماني):يحكي ان معاوية لما بلغه موت الأشتر قال:
واها ما أبردها على الفؤاد (3).
«فرحمه اللّه» قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:قال عليه السّلام في مالك بعد موته:رحم اللّه مالكا،فلقد كان لي كما كنت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله (4).
«فلقد استكمل أيامه،و لاقى حمامه» بالكسر أي:الموت «و نحن عنه راضون، أولاه اللّه رضوانه و ضاعف الثواب له» .
قال ابن أبي الحديد:لست أشك ان الأشتر بهذه الدعوة يغفره اللّه،و يكفّر ذنوبه،و يدخله الجنة،و لا فرق عندي بينها و بين دعوة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و يا طوبى لمن حصل له من عليّ عليه السّلام بعض هذا (5).
«فأصحر» من«أصحر»إذا خرج إلى الصحراء «لعدوك،و امض على بصيرتك،و شمّر لحرب من حاربك» من«شمر اذياله للامر»إذا تأهب له «و ادع إلى
سبيل ربك» هو لفظ القرآن (1)
النحل:125. [1]
«و اكثر الاستعانة باللّه يكفك ما أهمك» لقدرته على كل شيء «و يعنك على ما نزل بك» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية)«ينزل بك» (2)«ان شاء اللّه» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و لكن في(ابن ميثم) (3)«و السلام»و هو الأصح.الحكمة(443)
و قال عليه السّلام و قد جاءه نعي الأشتر:
مَالِكٌ؟ وَ مَا؟مَالِكٌ؟ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً- وَ لَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً- لاَ يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ وَ لاَ يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ قال؟الرضي؟:الفند المنفرد من الجبال أقول:رواه موفقيات 2زبير بن بكار-موفقيات- الزبير بن بكار عن المدائني 1المدائني-كتاب المدائني- عن ابن الكلبي عن أبي مخنف عن نفيل بن علقمة بن قيس قال:دخلنا على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام صبيحة جاء نعي الأشتر،فلما نظر إلينا قال:رحم اللّه مالكا و ما مالك،لو كان من جبل لكان فندا،أو من حجر لكان صلدا،على مثل مالك فلتبك البواكي،و هل يوجد مثل مالك.فما زال يتلهف عليه حتى كأنه المصاب به دوننا.
قول المصنّف :(و قال عليه السّلام و قد جاءه نعي الأشتر)مالك بن الحارث النخعي،في غارات الثقفي عن الشعبي:هلك الأشتر حين أتى عقبة أفيق.
و عن عاصم بن كليب عن أبيه ان عليّا عليه السّلام لما بعث الأشتر واليا عليها و بلغ معاوية خبره بعث رسولا يتبع الأشتر إلى مصر و أمره باغتياله،فحمل
معه مزودين فيهما شراب،و صحب الأشتر فاستسقى الأشتر يوما فسقاه من أحدهما ثم استسقى يوما آخر فأمنه و سقاه من الآخر و فيه سم،فمالت عنقه و طلب الرجل ففاته.
و عن مغيرة الضبي ان معاوية دس للاشتر مولى لآل عمر،فلم يزل المولى يذكر للاشتر فضل عليّ عليه السّلام و بني هاشم حتى اطمأن إليه و استأنس به،فقدم الأشتر يوما ثقله فاستسقى ماء فقال له مولى عمر:هل لك في شربة سويق،فسقاه شربة سويق فيها سم فمات،و قد كان معاوية قال لاهل الشام لما دس إلى الأشتر مولى عمر:ادعوا على الأشتر،فدعوا عليه فلما بلغه موته قال:ألا ترون كيف استجيب لكم (1)
الغارات 1:262 و 263. [1]
.قوله عليه السّلام «مالك و ما مالك» الظاهر ان«مالك»مبتدأ و جملة«و ما مالك» خبره لبيان عظم الأمر،مثل قوله تعالى: «الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَ ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ» (2)،و قال زهير بن جذيمة حين قتل ابنه شاس:
شاس و ما شاس،و الباس و ما الباس لو لا مقتل شاس لم يكن بيننا باس
ثم انصرف إلى قومه،فكان لا يقدر على غنوي-و كان قتله غنوي-الا قتله.
«و اللّه» هكذا في(المصرية)أخذا من(ابن أبي الحديد)،و ليس في(ابن ميثم) (3).
«لو كان جبلا لكان فندا» في(الجمهرة):الفند:القطعة العظيمة من الجبل،و الجمع أفناد،و به سمي الفند الزماني-من فرسان العرب-لعظم
خلقه،قال الشاعر:
كأنه فند من الافناد
و قال شريح التغلبي:
و عنترة الفلحاء جاء ملاما كأنك فند من عماية اسود
و في(الأغاني):لقب سهل بن شيبان البكري بالفند،شبه بالفند من الجبل القطعة منه لعظم خلقه،و شهد الفند حرب بكر و تغلب و قد قارب المائة فأبلى.
و قال ابن الكلبي:لما كان يوم التحالق أقبل الفند الزماني إلى بني شيبان و هو شيخ كبير قد جاوز مائة سنة و معه بنتان له شيطانتان من شياطين الانس،فكشفت احداهما عنها و تجردت و جعلت تصيح ببني شيبان و من معهم من بكر:
دعا دعا دعا دعا حرّ الجياد و البطا
يا حبذا المحلقون بالضحى
ثم تجردت الاخرى و أقبلت تقول:
ان تقبلوا نعانق و نفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
و قال أيضا:لحق الفند الزماني رجلا من بني تغلب يقال له مالك بن عوف قد طعن صبيا من صبيان بكر،فهو في رأس قناته و هو يقول«يا ويس أم الفرخ»،فطعنه الفند و هو وراؤه مردف له،فأنفذهما جميعا و جعل يقول:
أيا طعنة ما شيخ كبير يفن بال
تعنيت بها اذكره الشكة امثالي
تقيم الماتم الاعلى على جهدوا عوال
و عن هشام قال:أرسلت بنو شيبان في محاربتهم بني تغلب إلى بني حنيفة يستنجدونهم،فوجهوا إليهم بالفند الزماني في سبعين رجلا و قالوا:انا قد بعثنا إليكم ألف رجل.
و يكفيه أنه كما فخرت أخت عمرو بن عبدود فارس يوم الخندق بكون أمير المؤمنين عليه السّلام قاتل أخيها،كذلك فخرت اخت عمرو بن يثربي الضبي فارس يوم الجمل،و قاتل زيد بن صوحان،و عمرو الجملي،و علباء السدوسي بكون الأشتر قاتل أخيها،فقالت:
لو غير الأشتر ناله لندبته و بكيته ما دام هضب ابان
لكنه من لا يعاب بقتله اسد الاسود و فارس الاقران
«و لو كان حجرا لكان صلدا» أي:صلبا،ذكر فقرة «و لو كان حجرا لكان صلدا» (المصرية)أخذا عن(ابن أبي الحديد)،و ليست في(ابن ميثم) (1)
شرح ابن أبي الحديد 20:93،و [1]شرح ابن ميثم 5:455. [2]
،و لعل نسخة ابن أبي الحديد زادتها من الروايات،ففي(غارات الثقفي)عن أشياخ من النخع قالوا:دخلنا على عليّ عليه السّلام حين بلغه موت الأشتر،فوجدناه يتلهف و يتأسف عليه ثم قال:للّه درّ مالك،و ما مالك لو كان من جبل لكان فندا و لو كان من حجر لكان صلدا،و اللّه ليهدنّ موتك عالما و ليفرحن عالما،و على مثل مالك فلتبك البواكي،و هل مرجو كمالك و هل موجود كمالك.قال علقمة النخعي:فما زال عليه السّلام يتلهف و يتأسف حتى ظننّا أنه المصاب به دوننا و عرف ذلك في وجهه أياما (2).«لا يرتقيه الحافر» أي:ذو حافر،أي:دابة.
«و لا يوفى» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و في نسخة ابن ميثم (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 20:93،لكن لفظ شرح ابن ميثم 5:455،مثل المصرية أيضا.
«و لا يرقى» «عليه الطائر» و الفقرتان كنايتان عن علو مقامه.و في(تاريخ الطبري):قيل لعليّ عليه السّلام بعد ما كتبت صحيفة التحكيم:ان الأشتر لا يقر بما فيها،و لا يرى الا قتال القوم.فقال:و أنا و اللّه ما رضيت و لا أحببت أن ترضوا،و أما الّذي ذكرتم من ترك الأشتر أمري و ما أنا عليه،فليس من أولئك،و لست أخافه على ذلك،يا ليت لي فيكم مثله اثنين،يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى،اذن لخفت عليّ مؤنتكم،و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم (2).
و في(غارات الثقفي):و لما بلغ عليّا عليه السّلام موت الأشتر قال:انا للّه و انا إليه راجعون و الحمد للّه رب العالمين،اللهم اني أحتسبه عندك،فان موته من مصائب الدهر.ثم قال:رحم اللّه مالكا فقد وفى بعهده و قضى نحبه،و لقي ربه، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فانها من أعظم المصيبات (3).
العنوان رقم الصفحة
الفصل السّادس عشر-في أدعيته عليه السّلام 1
العنوان 1 من الخطبة 176:«اللّهمّ اغفر لي ما أنت أعلم به منّي...»3
العنوان 2 من الخطبة 213:«الحمد للّه الّذي لم يصبح بي ميّتا و لا سقيما...»6
العنوان 3 من الخطبة 223:«اللّهمّ صن وجهي باليسار،...»15
العنوان 4 من الخطبة 46:«اللّهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر...»19
العنوان 5 من الخطبة 225:«اللّهمّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك...»22
العنوان 6 الحكمة 276:«اللّهمّ إنّي أعوذ بك من أن تحسن في لامعة العيون...»29
العنوان 7 من الخطبة 89:«اللّهمّ أنت أهل الوصف الجميل و التّعداد الكثير...»31
العنوان 8 من الكتاب 15:«اللّهمّ أفضت إليك القلوب،و مدّت الأعناق...»35
العنوان 9 من الخطبة 210:«اللّهمّ أيّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة...»42
الفصل السّابع عشر-في وصفه عليه السّلام لعجائب خلقه تعالى 47
العنوان 1 من الخطبة 153:«و من لطائف صنعته و عجائب حكمته...»49
العنوان 2 من الخطبة 163:«ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان و ساكن...»60
العنوان 3 من الخطبة 183:«و لو فكّروا في عظيم القدرة...»90
الفصل الثامن عشر-في العلوم و مذمومها و ممدوحها 151
العنوان 1 من الخطبة 77:«أ تزعم أنّك تهدي إلى السّاعة الّتي من سار فيها...»153
العنوان 2 من الخطبة 208:«انّ في أيدي النّاس حقّا و باطلا...»201
العنوان 3 من الخطبة 17:«انّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان...»298
العنوان 4 من الخطبة 85:«و آخر قد تسمّى عالما و ليس به...»326
العنوان 5 الحكمة 183:«ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة»330
العنوان 6 من الخطبة 18:«ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام...»333
العنوان 7 الحكمة 205:«كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم...»353
العنوان 8 الحكمة 338:«العلم علمان:مطبوع و مسموع...»354
العنوان 9 الحكمة 92:«أوضع العلم ما وقف على اللّسان...»355
العنوان 10 الحكمة 366:«العلم مقرون بالعمل،فمن علم عمل...»358
العنوان 11 الحكمة 98:«اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية...»359
العنوان 12 الحكمة 372:«يا جابر،قوام الدّين و الدّنيا بأربعة...»360
العنوان 13 الحكمة 457:«منهومان لا يشبعان:طالب علم،و طالب دنيا»366
العنوان 14 الحكمة 478:«ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلّموا حتّى أخذ...»369
العنوان 15 الحكمة 4:«نعم القرين الرّضى،و العلم وراثة كريمة...»371
العنوان 16 الحكمة 81:«قيمة كلّ امرئ ما يحسنه...»379
العنوان 17 الحكمة 82:«اوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط اللّيل...»384
العنوان 18 الحكمة 274:«لا تجعلوا علمكم جهلا،و يقينكم شكّا...»390
العنوان 19 الحكمة 284:«قطع العلم عذر المتعلّلين...»392
العنوان 20 الحكمة 288:«إذا أرذل اللّه عبدا حظر عليه العلم...»394
العنوان 21 الحكمة 382:«لا تقل ما لا تعلم،بل لا تقل كلّ ما تعلم...»395
العنوان 22 الحكمة 90:«الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه...»396
العنوان 23 الحكمة 172:«النّاس أعداء ما جهلوا...»397
العنوان 24 من الخطبة 152:«فليصدق رائد أهله و ليحضر عقله...»398
العنوان 25 الحكمة 73:«من نصب نفسه للنّاس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم...»402
الفصل التاسع عشر-فيما أرشد الثّاني في مصالح الاسلام 405
العنوان 1 من الخطبة 144:«أنّ هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة...»407
العنوان 2 من الخطبة 132:«و قد توكّل اللّه لأهل هذا الدّين باعزاز الحوزة...»420
الفصل العشرون-في حبّه و بغضه عليه السّلام 429
العنوان 1 الحكمة 45:«لو ضربت خيشوم المؤمن...»431
العنوان 2 الحكمة 117:«هلك فيّ رجلان محبّ غال و مبغض قال»443
-الحكمة 469:«يهلك فيّ رجلان:محبّ مفرط و باهت مفتر»443
الفصل الحادي و العشرون-في شجاعته عليه السّلام و مهابته و مناعته 463
العنوان 1 من الكتاب 45:«و كأنّي بقائلكم يقول إذا كان هذا...»465
العنوان 2 الحكمة 318:«ما لقيت رجلا إلاّ أعانني على نفسه...»488
العنوان 3 من الخطبة 190:«أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب...»495
العنوان 4 من الكتاب 36:«و أمّا ما سألت عنه من رأيي في القتال...»499
الفصل الثّاني و العشرون-في أوليائه عليه السّلام و أعدائه 505
العنوان 1 من الكتاب 13:«و قد أمّرت عليكما و على من في حيّزهما...»507
العنوان 2 من الكتاب 39:«فإنّك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ...»513
العنوان 3 من الخطبة 82:«عجبا لابن النّابغة،يزعم لأهل الشّام...»522
العنوان 4 من الكتاب 32:«و أرديت جيلا من النّاس كثيرا...»548
العنوان 5 من الخطبة 198:«و اللّه ما معاوية بأدهى منّي...»558
العنوان 6 من الكتاب 48:«و انّ البغي و الزّور يذيعان بالمرء في دينه...»584
العنوان 7 من الكتاب 42:«أمّا بعد،فانّي قد ولّيت نعمان بن عجلان...»590
العنوان 8 الحكمة 325:«انّ حزننا عليه على قدر سرورهم به...»594
العنوان 9 من الكتاب 46:«أمّا بعد فانّك ممّن استظهر به على إقامة الدّين...»598
العنوان 10 من الكتاب 38:«أمّا بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد اللّه...»602
العنوان 11 من الكتاب 34:«أمّا بعد فقد بلغني موجدتك...»610
العنوان 12 الحكمة 443::«مالك و ما مالك،و اللّه لو كان جبلا...»614