ghaemiyeh.com
سرشناسه : ابن جنی، عثمان بن جنی، 330-392ق.
عنوان و نام پديدآور : الخصائص / تألیف ابی الفتح عثمان بن جنی؛ تحقیق الدکتور عبدالحمید الهنداوی المدرس بکلیة دارالعلوم- جامعة القاهرة
مشخصات نشر : بیروت : دارالکتب العلمیة ، 1429ه = 2008م = 1386
مشخصات ظاهری : 3 جلد
يادداشت : عربی.
موضوع : زبان عربی -- صرف و نحو -- متون قدیمی تا قرن 14
شناسه افزوده: الهنداوی، عبدالحمید
توضیح : « الخصائص» تاليف ابوالفتح عثمان معروف به ابن جنی ( متوفى 392 ق) كه در آن اصول علم نحو بر پايه اصول فقه و كلام، اصل و منشأ زبان و آواشناسی مورد بررسى قرار گرفته است. كتاب در دو جلد منتشر شده است.كتاب مشتمل بر مقدمه اى به قلم محقق، دکتر عبدالحمید هنداوی ، مقدمه اى به قلم مولف و 162 باب است. مولف در نگارش كتاب روش حنفيه در اصول فقه را پيش گرفته است. بيشتر ابتكارات و نوآورىهاى او بر پايه قياس استوار است و به همين جهت مدعى است كه بسيارى از مسائل نحوى را بر اساس موازين اصول و كلام بنا نهاده است و خود او مىگويد كه هيچ يك از علماى بصره و كوفه پيش از او به اين امر توجه نكرده اند.
ابن جنى در اشتقاق لغت، مبحث جديدى به نام اشتقاق اكبر مطرح كرده است كه نتايج آن تا امروز ادامه دارد و هيچ يك از علماى لغت، توفيقى بزرگتر از اين بدست نياوردهاند، غالباً او را مؤسس و مبدع اين مبحث مىدانند.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله على ما خصّ به أهل الإيمان من الخصائص ، وأصلى وأسلم على أكمل الخلق المنزه عن العيوب والنقائص.
وبعد ؛ فقد عهد إلى قيم دار الكتب العلمية حفظه الله بأن أتولى العناية بكتاب الخصائص لابن جنى لرغبة الدار فى طبعه ونشره.
وكنت أقدم فى هذا الأمر رجلا وأؤخر أخرى لأمرين :
أولهما : صعوبة العمل فى مثل هذا الكتاب الذى يعد بحق موسوعة لغوية متكاملة.
ثانيهما : جودة النشرة السابقة للأستاذ / محمد على النجار ، جزاه الله على عمله خير الجزاء.
ولكن هذا العمل الجليل قد سال له لعاب فكرى لا لشيء إلا لرغبتى فى مصاحبة ابن جنى فى هذا الكتاب والتتلمذ على يديه.
والحق أن هذه المرة لم تكن هى الأولى فى جلوسى بين يدى هذا الجهبذ الفذ ؛ بل تتلمذت على يديه من قبل وأطلت الوقوف أمام كتابه هذا خاصة ، بل لا أبعد إذا قلت إننى قد نخلته نخلا ، وذلك فى دراستى للدكتوراة فى موضوع يعد جدّ لصيق بمادة كتاب الخصائص ، ألا وهو (التوظيف البلاغى لصيغة الكلمة).
وقد تصفحت ما جاء عن الأقدمين فى هذا الباب فوجدت أن ابن جنّى هو صاحبه ، والعلم فيه بلا منافس.
ولو لا ما أشار إليه ابن جنى من إشارات السابقين قبله فى هذا الباب كالخليل وسيبويه لكان جهد هؤلاء نسيا منسيا ، وذلك لكونه مجرد إشارات سريعة ، قلما يتفطن إليها إلا من كان هذا الأمر همّه.
ثم كان جلوسى بين يدى ابن جنى بعد ذلك فى بحث قدمته بعد الدكتوراة استوحيت فكرته من كلام ابن جنى فى باب فى إمساس الألفاظ أشباه المعانى فى هذا
السفر العظيم كذلك أعنى كتاب الخصائص هذا.
وقد رأيت - إبرازا لجهود ابن جنى فى هذا المجال - أن أعرض هنا فى صدر هذا الكتاب هذا البحث الذى كنت قد نشرته فى صحيفة كلية دار العلوم فى عدد ديسمبر سنة 1999 ، عن الدلالة الفنية للأصوات نظرا لأنى أعد ابن جنى رائد هذا البحث وصاحب الفضل الأول فى نتائجه ، فضلا عن أن جلّ مادته قد أفدناها عن كتابه هذا الذى نحن بصدد الترجمة له.
أما عن منهجنا فى تحقيق الكتاب فيتلخص فى :
1 - ضبط متن الكتاب على أدق نسخه المتداولة واعتماد نشرة الأستاذ النجار كأصل مقدم ، والإفادة من فروق النسخ الأخرى والترجيح بينها حسبما يقتضى السياق.
2 - تخريج ما وسعنا الوقوف على مصادره من شواهد هذا الكتاب من حيث القراءات والروايات الحديثية والشواهد الشعرية والأمثال والأقوال وغير ذلك.
3 - شرح أغرب الغريب باختصار وإيجاز.
4 - الترجمة لأهم الأعلام لا سيما اللغويون.
5 - الترجمة للمصنف ابن جنى.
6 - الفهارس العلمية المفصلة الشاملة للغة بجميع علومها من نحو وصرف ولغة واشتقاق وغير ذلك.
7 - فهرسة جميع شواهد الكتاب القرآنية والحديثية والشعرية والنثرية ... إلخ.
هذا ، ولم نأل جهدا فى ضبط هذا الكتاب ، وشرح وتخريج شواهده ، وشرح غريبه ، والكلام على أهم مسائله العلمية بما فتح علينا به ، مع ما قدمنا به من بحث عن جهود ابن جنى فى الدلالة الفنية للأصوات وإن لم يكن البحث قاصرا على جهود ابن جنى وحده ، ولكن أردنا إيراده بكماله محافظة على سياقه.
وفى نهاية هذا التقديم أدعو الله تعالى أن يجزل لنا المثوبة فى هذا الكتاب ، وأن يجزى عنا خير الجزاء ، كل من شارك فيه معنا بجهد مشكور.
وكتبه عبد الحميد هنداوى
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
الجيزة فى غرة ربيع الأول 1421 ه
هو عثمان بن جنّى - بكسر الجيم وتشديد النون وسكون الياء معرب كنّى - الأديب الموصلى ، أبو الفتح. كان أبوه - جنى - مملوكا روميا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدى الموصلى. ولا يعرف عن أبيه أين كان قبل مجيئه الموصل.
ولما كان ابن جنى من أصل غير عربى ؛ فقد كان يشعر بضعة عند الناس ، فكان ينتصف لنفسه ومن ذلك قوله فى قصيدة له :
فإن أصبح بلا نسب
فعلمى فى الورى نسبى
على أنى أئول إلى
قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا
أرم الدهر ذو الخطب
أولاك دعا النبى لهم
كفى شرفا دعاء نبى (1)
ولد فى الموصل قبل سنة ثلاثمائة ، وقيل قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة ، على اختلاف فى تعيين سنة الميلاد ؛ فقيل سنة 300 ه ، وقيل سنة 322 ه وتوفى فى بغداد سنة 392 ه فى خلافة القادر بالله.
نشأ ابن جنى بالموصل ، وأخذ النحو عن الأخفش أحمد بن محمد الموصلى الشافعى ، وقرأ الأدب فى صباه على أبى على الفارسى وسمع جماعة من المواصلة والبغداديين.
كان ابن جنى أعور ، يقول المترجمون له : إنه كان ممتعا بإحدى عينيه ، كناية عن العور.
ومما ينبئ عن عوره قوله هو فى التشوق لصديق له :
1) يقصد بدعاء النبى ؛ دعاءه صلىاللهعليهوسلم لقيصر الروم بتثبيت ملكه عند إعظامه لكتاب النبى صلىاللهعليهوسلم.
صدودك عنى ولا ذنب لى
دليل على نية فاسده
فقد وحياتك مما بكيت
خشيت على عينى الواحدة
ولو لا مخافة ألا أراك
لما كان فى تركها فائده
وفى هذه الأبيات شك فى نسبتها إليه ولكن الشك فى نسبتها إليه لا يشكك فى عوره.
وكان من عادته فى الحديث الإشارة بيديه وشفتيه لأنه يعتقد أن الإشارة أبلغ فى إيضاح المعنى وتبسيطه للسامع. فيقول هو فى كتابه هذا : «وعلى هذا قالوا : رب إشارة أبلغ من عبارة» وقال الأستاذ محمد على النجار فى ترجمته لابن جنى : «وقد يجوز أن ابن جنى كان فى لسانه لكنة لمكانه من العجمة من جهة أبيه ، فكان يستعين على إيضاح ما يريد بالإشارة».
وكان ابن جنى رجل جد وامرأ صدق فى فعله وقوله فلم يعرف عنه اللهو والشرب والمجون ، وكان عف اللسان والقلم يتجنب البذيء من الألفاظ. ولم يكن همه رضاء الملوك ومنادمتهم كأدباء عصره.
أخذ ابن جنى النحو عن الأخفش وبعده عن أبى على الفارسى ، وأخذ عن كثير من رواة اللغة والأدب منهم أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن مقسم وهو من القراء ، ويروى عنه ابن جنى أخبار ثعلب وعلمه ، ويروى أيضا عن محمد بن سلمة عن المبرد ، وغير هؤلاء كثير.
كما يروى ابن جنى عن الأعراب الذين لم تفسد لغتهم «وكان يتثبت فى أمرهم وصدقهم قبل الرواية عنهم ، وممن أخذ عنهم وكان يثق بلغتهم أبو عبد الله محمد بن العساف العقيلى التميمى وقد يذكره باسم أبى عبد الله الشجرى. ويتضح من روايات ابن جنى خلال هذا الكتاب الرواة الذين نقل عنهم والعلماء الذين استشهد بكلامهم وآرائهم.
يقول صاحب نزهة الألباء ص 333 :
«وكان سبب صحبته إياه أن أبا على الفارسى كان قد سافر إلى الموصل فدخل إلى
الجامع ، فوجد أبا الفتح عثمان بن جنى يقرأ النحو وهو شاب ، وكان بين يديه متعلم وهو يكلمه فى قلب الواو ألفا نحو (قام) و (قال) ، فاعترض عليه أبو على ، فوجده مقصرا ، فقال له أبو على : «زبّبت قبل تحصرم .. ثم قام أبو على ولم يعرفه ابن جنى ، فسأل عنه ، فقيل له : هذا أبو على الفارسى النحوى. فأخذ فى طلبه فوجده ينزل إلى السّميريّة ، يقصد بغداد ، فنزل معه فى الحال ولزمه وصحبه من حينئذ إلى أن مات أبو على ، وخلفه ابن جنى ، ودرس النحو ببغداد بعده وأخذ عنه. وكان تبحر ابن جنى فى علم التصريف ، لأن السبب فى صحبته أبا على وتغربه عن وطنه ومفارقة أهله مسألة تصريفية ، فحمله ذلك على التبحر والتدقيق فيه».
وتجمع الروايات على أن أبا الفتح صحب أبا على بعد سنة 337 ه ولازمه فى السفر والحضر ، وأخذ عنه ، وصنف كتبه فى حياة أستاذه ، فاستجادها ووقعت عنده موضع القبول.
يقول ابن جنى عن أستاذه أبى على الفارسى فى كتابه هذا :
«ولله هو ، وعليه رحمته! فما كان أقوى قياسه ، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه ، فكأنه إنما كان مخلوقا له ، وكيف لا يكون كذلك وقد أقام على هذه الطريقة مع جلة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة ، زائحة علله ، ساقطة عنه كلفه وجعله همه وسدمه. لا يعتافه عنه ولد ، ولا يعارضه فيه متجر ، ولا يسوم به مطلبا ، ولا يخدم به رئيسا إلا بأخرة ، وقد حط عنه أثاله ، وألقى عصا ترحاله».
ويظهر إجلال أبى على لأبى الفتح من قول أبى الفتح فى الخصائص ، فى باب فيما يرد عن العربى مخالفا لما عليه الجمهور ، قال : «دخلت يوما على أبى على رحمهالله خاليا آخر النهار فحين رآنى قال لى : أين كنت؟ أنا أطلبك. قلت : وما ذلك؟ قال : ما تقول فيما جاء عنهم من حوريت؟ فخضنا معا فيه ، فلم نحل بطائل منه. فقال : هو من لغة اليمن ومخالف للغة ابنى نزار ، فلا ينكر أن يجيء مخالفا لأمثلتهم».
اجتمع ابن جنى بالمتنبى فى حلب عند سيف الدولة بن حمدان ، وفى شيراز عند عضد الدولة البويهى ، وكان المتنبى يجله ويقول فيه : هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس ، وكان المتنبى إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف فى شعره ، يقول :
سلوا صاحبنا أبا الفتح.
وكان ابن جنى يعجب بالمتنبى ويستشهد بشعره فى المعانى ، وهو أول من شرح ديوانه ، وله فى ذلك شرحان : شرح كبير وآخر صغير.
ويذكر الأستاذ محمد على النجار فى ترجمته لابن جنى نقلا عن «البديعى فى الصبح المنبى» قصة تنبئ عن إعجاب ابن جنى بالمتنبى - وعن وجوده بشيراز حين كان المتنبى هناك ، وذلك فى آخر حياة المتنبى ، فقد قتل بدير العاقول عند منصرفه من شيراز ؛ ذلك أن أبا على كان إذ ذاك بشيراز «وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه وما يأخذ به نفسه من الكبرياء. وكان لابن جنى هوى فى أبى الطيب كثير الإعجاب بشعره لا يبالى بأحد يذمه أو يحط منه وكان يسوؤه إطناب أبى على فى ذمه ، واتفق أن قال أبو على يوما : اذكروا لنا بيتا من الشعر نبحث فيه ، فبدأ ابن جنى وأنشد :
حلت دون المزار فاليوم لو زر
ت لحال النحول دون العناق
فاستحسنه أبو على واستعاده. وقال : لمن هذا البيت فإنه غريب المعنى؟ فقال ابن جنى : للذى يقول :
أزورهم وسواد الليل يشفع لى
وأنثنى وبياض الصبح يغرى بى
فقال : والله هذا أحسن ، بديع جدا ، فلمن هما؟ قال للذى يقول :
أمضى إرادته فسوف له قد
واستقرب الأقصى فثمّ له هنا
فكثر إعجاب أبى على ، واستغرب معناه ، وقال : لمن هذا؟ فقال ابن جنى للذى يقول :
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف فى موضع الندى
فقال : هذا والله أحسن! والله لقد أطلت يا أبا الفتح ، فأخبرنا من القائل؟ فقال : هو الذى لا يزال الشيخ يستثقله ، ويستقبح زيه وفعله. وما علينا من القشور إذا استقام اللب! قال أبو على أظنك تعنى المتنبى. قلت نعم».
ولابن جنى مرثية فى المتنبى مطلعها :
غاض القريض وأورت نضرة الأدب
وصوّحت بعد ريّ دوحة الكتب
أثر ابن جنى فيمن بعده :
«فتح ابن جنى فى العربية أبوابا لم يتسن فتحها لسواه. ووضع أصولا فى الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعانى ، وإهمال ما أهمل من الألفاظ وغير ذلك ، وكان بذلك إماما يحتاج إلى أتباع يمضون فى سبيله ، ويبنون على بحوثه ، وإذا لنضجت أصوله وبلغت إناها ، ولكنه لم يرزق هؤلاء الأتباع. على أنه أتيح له لغوى كبير أغار على فوائده وبحوثه اللغوية. ذلك هو ابن سيده على بن أحمد المتوفى 458 ه وهو كثير ما يغفل العزو إليه فى كتابه المحكم ، ويأتى صاحب اللسان فينقل ما فى ابن سيده وينسبه إليه وهو لابن جنى» (1).
وكذلك نجد ابن سنان الخفاجى عبد الله بن محمد المتوفى 466 ه. صحاب سر الفصاحة ينقل كثيرا عن ابن جنى ويستشهد بكلامه ، وفى نفس الوقت قد يتجه إلى نقده عند اختلافه معه.
ومن القرن السابع الهجرى نجد ابن الأثير نصر الله بن محمد المتوفى سنة 633 ه صاحب المثل السائر وقد يعترض على ابن جنى وينتقده ، ومع ذلك ينقل عنه ولا يعزو إليه.
كان ابن جنى واسع الرواية والدراية فى اللغة يتضح ذلك من أبواب بوبها فى كتابه هذا الخصائص ، قال : «باب فى الشىء يسمع من الفصيح ولا يسمع من غيره»
ويتضح ذلك أيضا من مطالعة اللسان وكثرة العزو فيه إلى ابن جنى وقد يقول صاحب اللسان : «ولا أعلم هذا القول من غير ابن جنى».
لم يعرف عن ابن جنى أنه كان شيعيا ، وإن كان الظاهر من أمره ذلك ، والأظهر أنه إنما كان يصانعهم ، وكان من دواعى مصانعته لهم أن كان ذوو السلطان من آل بويه منهم ، وهو كان متصلا بهم صلة قوية وكان البويهيون يحرصون على إظهار شعائر الشيعة.
1) انظر ترجمة الأستاذ محمد على النجار لابن جنى فى تحقيقه لهذا الكتاب ص 29.
وإنما كان التقريب فى عصره لمن تشيع أو انتسب إلى الفرس وذلك لأن الأمراء منهم وهنا طرفة ذكرها الأستاذ / محمد على النجار نقلا عن نزهة الألباء فى ترجمة الربعى على بن عيسى ، قال : «إن على بن عيسى الربعى كان على شاطئ دجلة فى يوم شديد الحر فاجتاز عليه الشريف المرتضى فى سفينة ومعه ابن جنى ، وعليهما مظلة تظلهما من الشمس ، فهتف الربعى بالمرتضى وقال له : ما أحسن هذا التشيع! علىّ تتقلى كبده فى الشمس من شدة الحر ، وعثمان عندك فى الظل تحت المظلة لئلا تصيبه الشمس! فقال المرتضى للملاح : جد وأسرع قبل أن يسبنا».
يبدو أن ابن جنى كان حنفى المذهب ، ويتضح ذلك من إشاراته فى هذا الكتاب إلى هذا المذهب وقوله فى الرواية عنه أصحابنا ، ولا غرو فى ذلك فهو عراقى يأخذ مذهب أهل العراق ، وقد جاء ذكر أبى حنيفة فى مبحث الدّور ، فقال : «هذا موضع كان أبو حنيفة رحمهالله يراه ويأخذ به ...»
كل ذلك يشير إلى ميله إلى هذا المذهب.
ذكر السيوطى فى المزهر أن ابن جنى كان معتزليا كشيخه أبى على. ويتضح ذلك من كلامه فى «باب فى أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة» يقول : «وكذلك أفعال القديم سبحانه ، نحو خلق الله السماء والأرض وما كان مثله. ألا ترى أنه عز اسمه لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا ، ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا عز وعلا» فهو هنا ينسب خلق الفعل للعبد ، وهذا مذهب المعتزلة.
ومما يؤنس به فى القول باعتزاله أنه فى باب : «فى الحكم يقف بين الحكمين» من هذا الكتاب يكرر عبارة «المنزلة بين المنزلتين» ويلمح الأستاذ محمد على النجار فى ترجمته لابن جنى إلى أنه قد لا يتقيد بمذهب المعتزلة ويذهب إلى ما يراه الحق وما هو أدنى إلى النصفة ، ثم قال : ومن ذلك ما نراه من كلامه على اللغة وهل هى اصطلاح أو توقيف ، فقد ذكر رأى التوقيف ثم قال ابن جنى فى الخصائص «وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقيه والانطواء على القول به» وهذا هو مذهب أهل السنة.
كان ابن جنى بصرى المذهب كشيخه أبى على ، ويجرى فى كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب ويدافع عنه ، على أن ابن جنى لشدة حبه للعلم فكان يأخذه من أهله ، بصريا كان أو غيره ، فنراه يكثر النقل عن ثعلب والكسائى ويمدحهما على اختلافه معهما فى المذهب.
وابن جنى إمام فى النحو والصرف ، لكنه أبرع فى الصرف منه فى النحو ، وسبب براعته فى الصرف أن عجزه أمام أبى على كان فى مسألة صرفية ، فلذلك كان جدّه فى الصرف أكثر.
كان ابن جنى يقول الشعر ، يقول ابن ماكولا فى الإكمال 2 / 585 : «وله شعر بارد» أى غير جيد ، وربما ذلك لأن ابن جنى كان يستعمل الغريب فى شعره ولم يكن الشعر صنعته فيعنى به.
ومن شعره ما سبق أن أشرنا إليه من مرثية المتنبى قال :
غاض القريض وأودت نضرة الأدب
وصوحت بعد رى دوحة الكتب
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه
كما تخطّف بالخطّية السّلب
ما زلت تصحب فى الجلّى إذا انشعبت
قلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمرى الدهر أشطره
تمطو بهمة لا وان ولا وصب
من للهواجل يحيى ميت أرسمها
بكل جائلة التصدير والحقب
قبّاء خوصاء محمود علالتها
تنبو عريكتها بالحلس والقتب
وله فى الغزل قوله :
تحبب أو تدرع أو تقبا
فلا والله لا أزداد حبا
ملكت ببعض حبك كل قلبى
فإن رمت المزيد فهات قلبا
وله فى الفخر بنسبه ما سبق أن ذكرناه سابقا.
لا يعرف من أسرة ابن جنى غير أبيه ، ولابن جنى ثلاثة من الولد : علىّ وعال وعلاء ، يقول فيهم ياقوت الحموى : «كلهم أدباء فضلاء ، قد خرجهم والدهم ، وحسن خطوطهم فهم معدودون فى الصحيحى الضبط ، وحسنى الخط».
قال الأستاذ محمد على النجار فى ترجمته لابن جنى : «ولم أر ذكرا فى كتب الطبقات والأدب لغير عال ، فهو له ترجمة فى معجم الأدباء».
قال ابن ماكولا :
«وابنه أبو سعد عالى بن عثمان بن جنى أدركته بصيرا وسمعت منه ، وكان قد سمع مسند أبى يعلى الموصلى من المرجى ، وسمع ببغداد من عيسى بن على».
وقد عددها صاحب كتاب هدية العارفين فقال ، وله من الكتب :
1 - الخصائص وهو كتابنا هذا.
2 - اسم المفعول.
3 - التبصرة فى العروض.
4 - تذكرة الأصبهانية.
5 - تفسير المراثى الثقة والقصيدة الرائية للشريف الرضى.
6 - التمام فى شرح شعر الهذليين.
7 - التلقين فى النحو.
8 - التنبيه فى الفروع.
9 - سر الصناعة وشرحه
10 - التصريف الملوكى.
11 - شرح مستغلق أبيات الحماسة.
12 - شرح الفصيح لثعلب فى اللغة.
13 - شرح كتاب المقصور والممدود لأبى على الفارسى.
14 - كتاب الصبر فى شرح ديوان المتنبى.
15 - الكافى فى شرح القوافى للأخفش.
16 - كتاب الألفاظ فى المهموز.
17 - كتاب التعاقب.
18 - كتاب العروض.
19 - كتاب الفرق بين كلام العام والخاص.
20 - كتاب المذكر والمؤنث.
21 - كتاب المقصور والممدود.
22 - كتاب الوقف والابتداء.
23 - اللمع فى النحو.
24 - محاسن العربية.
25 - المحتسب فى شرح الشواذ لابن مجاهد فى القراءات.
26 - مختار تذكرة أبى على الفارسى.
27 - المسائل الخاطريات.
28 - المصنف فى شرح التصريف للمازنى.
29 - معانى أبيات المتنبى.
30 - المفيدة فى النحو.
31 - المقتضب فى كلام العرب.
32 - المقتطف فى معتل العين.
33 - المنتصف فى النحو.
34 - المنهج فى اشتقاق أسماء شعراء الحماسة.
35 - معانى المحررة.
36 - مقدمات أبواب التصريف.
37 - تفسير علويات الرضى.
38 - تفسير ديوان المتنبى.
39 - تفسير أرجوزة أبى نواس.
40 - رسالة فى مدد الأصوات.
41 - كتاب البشرى والظفر.
42 - كتاب الخطيب.
43 - كتاب الفائق.
44 - كتاب الفصل بين كلام العام والخاص.
45 - كتاب المغرب فى شرح القوافى.
46 - كتاب المنتصف.
47 - كتاب النقض عن ابن وكيع.
48 - ما خرج منى من تأييد التذكرة.
49 - مختصر التصريف على إجماعه.
50 - المهذب فى النحو.
51 - النوادر الممتعة فى العربية.
1 - الإكمال فى رفع الأثياب لابن ماكولا.
2 - بغية الوعاة للسيوطى.
3 - كشف الظنون لحاجى خليفة.
4 - الأعلام للزركلى.
5 - دائرة المعارف الإسلامية.
6 - هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادى.
7 - ترجمة ابن جنى للأستاذ / محمد على النجار.
(1) (دراسة نظرية تطبيقية)
على الرغم من كون الأصوات هى اللبنات الأولى والأساس فى تشكيل البناء اللغوى ، فإنها لم تلق من الباحثين إلى الآن العناية الكافية لاستثمار طاقاتها الدّلالية ، وابتعاث إيحاءاتها الثّرّة فى فاعليتها الدائبة مع السياقات الأدبية.
ولعل ذلك يرجع - فى رأيى - إلى أمرين : صعوبة البحث فى هذا المجال الموغل فى الرمزية ، مع تأبّيه على التقعيد والتقنين ، حيث يستطيع الناظر إلى دلالات الأصوات أن يتكهّن ببعض تلك الدلالات التى يضفيها عليها السياق ، دون أن يجزم فى كثير من الأحيان أن هذه الدلالات هى فعلا دلالات تلك الأصوات ، وليست مجرد معان فرضتها الدلالة المعجمية أو الصرفية أو التركيبية ، ثم قام ذهن القارئ بتحميلها على الأصوات.
والأمر الآخر وهو تأبّى تلك الدلالات على التقعيد والتقنين يرجع إلى أنّ كثيرا من تلك الدلالات لا ترجع إلى قيمة للصوت فى ذاته بقدر ما تكون وليدة السياق وخليقته ؛ فالسياق هو الذى حمّل الصوت هذا المعنى ، وهو الذى استخدم الحرف أو الكلمة صوتا ليكسبها دلالة سياقية حينيّة مؤقتة ، وليست دلالة دائمة تستصحب فى غيره من السياقات ، فكل سياق له دلالاته التى يخلعها على أصواته ، وكل قارئ أو سامع له ذوقه الخاص فى استكناه دلالات تلك الأصوات وتأثره بها ، وإن كان هذا لا ينفى وجود حسّ أو ذوق عام يكاد يشترك فى فهم دلالات كثير من تلك الأصوات فى السياقات والمواقف المختلفة ، وإن كان ذلك يختلف - لا محالة - باختلاف البيئات اللغوية.
لعل هذه - فى نظرى - أهم أسباب ندرة البحث فى هذا المجال على مستوييه النظرى والتطبيقى.
ونستطيع أن نقول : إن هناك تفاعلا دائبا بين السياق والتشكيل الصوتى ؛ فالمبدع يختار بوعى أو بلا وعى التشكيل الصوتىّ المناسب للسياق الذى يخوض فيه ، كما أن
1) * نشر هذا البحث فى صحيفة دار العلوم عدد ديسمبر 1999 م ، للدكتور عبد الحميد هنداوى بعنوان : الدلالة الفنية للأصوات (دراسة نظرية تطبيقية).
السياق هو الذى يخلع على التشكيل الصوتى إيحاءاته المناسبة له.
ونستطيع أن نزعم أن اختيار المبدع يدل على أن هناك علاقة خفيّة بين السمات الصوتيّة والمعانى الدالة عليها.
غير أننا نقرر أن معانى تلك الأصوات إنما هى معان تركيبية سياقية وليست معانى إفرادية ، وأنها مستقرة فى الحسّ اللغوى للمبدع ، وتعمل على توجيه اختياراته الصوتية بطريقة لا شعورية.
ويقوم هذا البحث بدراسة الدلالة الصوتية للكلمة من حيث النظر فى صفات الأصوات ، من حيث : الجهر والهمس ، والرخاوة والشدة ، والانطباق والانفتاح ، والاستعلاء والانخفاض ، والصفير ، والاستطالة ، والتفشى ، والمد ، واللين ، والانحراف ، والتكرير ، والهوى وغير ذلك.
ومن حيث ما يصاحب الكلمة عند النطق بها من ظواهر صوتية : كالنبر والتنغيم ، ثم من حيث النظر فى مخارجها المختلفة ، وبحث العلاقة بين تلك السمات الصوتية للتشكيل الصوتى للكلمة ومناسبتها لسياقها ونسقها الدلالى.
ويبقى جانب آخر من دراسة التشكيل الصوتى وهو الأوزان الشعرية ، أو موسيقى الكلام ؛ لنشمل ضروب الموسيقى النثرية. وقد رأينا إفراد هذا الجانب ببحث مستقل ؛ فقصرنا بحثنا هذا على دراسة الدلالة الصوتية للكلمة من حيث ما ذكرنا ، دون التعرض للدلالة الموسيقية للكلام.
ومع حداثة البحث فى هذا المجال وطرافته فإننا لا نزعم أننا نبدأ فيه من فراغ ؛ بل إن ثمة محاولات عديدة قديمة وحديثة قد حاولت ولوج هذا الميدان ، غير أن كثيرا من تلك المحاولات قد وقفت على شاطئ هذا البحث دون الولوج إلى أعماقه. وثمة دراسات قد ضلّت الطريق فى هذا المجال وتنكبت عن سواء السبيل.
أما الدراسات القديمة فإننا نستطيع أن نقف فيها على معالم هادية ومحاولات جادة يمكننا عن طريقها الوقوف على التفات هؤلاء القدماء إلى دلالة الصوت ومناسبته لمعناه.
وهذه المحاولات الجادة فى هذا السبيل نجد بعضها عند الخليل بن أحمد ، وكثيرا منها لدى سيبويه فى كتابه ، كما نجدها أكثر نضجا عند ابن جنى فى خصائصه ، وفى كتابات ابن الأثير من بعده.
فما جاء عن الخليل فى ذلك قوله :
«كأنهم توهموا فى صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا : (صر) ، وتوهموا فى صوت البازى تقطيعا فقالوا : (صرصر)» (1).
نلمح هنا إشارة الخليل إلى ما بين الفعل الثلاثى المضعف العين صر وبين معناه من التناسب من حيث بنية الصيغة ودلالتها على المعنى الإفرادى لتلك الكلمة ، فنحن نلاحظ أن تضعيف الراء الناشئ عن التشديد فيها ينتج عنه نوع من المط والاستطالة ينشأ عن سمة التكرارية التى تتسم بها الراء ، وهذا فى نهاية الكلمة يناسب ما فى صوت الجندب من مد واستطالة ؛ فالمناسبة هنا ظاهرة بين أصوات هذه الكلمة ومعناها الذى تدل عليه.
فإذا انتقلنا إلى كلام سيبويه فى هذا الموضع فإننا نجد أن سيبويه قد أصل سبق الخليل إلى هذا الباب ، فهو يقول :
«هذا باب «افعوعل» وما هو على مثاله مما لم نذكره. قالوا «خشن» ، وقالوا :
«اخشوشن» ، وسألت الخليل ، فقال : كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد ، كما أنه إذا قال «اعشوشبت الأرض» فإنما يريد أن يجعل ذلك كثيرا عاما قد بالغ» (2).
لقد التفت الخليل وسيبويه هنا إلى أثر زيادة المبنى فى زيادة المعنى ، كما قد التفتا كذلك إلى الغرض من تلك الزيادة ، وهو هنا المبالغة والتوكيد ، وقد عقد سيبويه لذلك بابا فى كتابه وسماه «ما جاء على مثال واحد حين تقاربت المعانى» (3).
ونحتاج أن نقف أمام بعض هذه المواضع لتأملها وبيان مدى وقوف سيبويه على هذه الظاهرة ، فلنتأمل على سبيل المثال قوله :
«ومن المصادر التى جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعانى ، قولك «النزوان» ، و «النقذان» و «القفزان» ، وإنما هذه الأشياء فى زعزعة البدن واهتزازه فى ارتفاع ، ومثله
«العسلان» و «الرتكان» .. ومثل هذا «الغليان» ؛ لأنه زعزعة وتحرك ، ومثله «الغثيان» لأنه تجيش نفسه وتثور ، ومثله الخطران واللمعان ، لأن هذا اضطراب وتحرّك ، ومثل ذلك اللهبان والصخدان والوهجان لأنه تحرك الحر وثؤوره فإنما هو بمنزلة الغليان ..» (1).
نلمح فى هذا النص التفات سيبويه إلى الدلالة المركزية المشتركة التى توحى بها البنية الصوتية لتلك المصادر (النزوان ، والنقزان ، والقفزان ، والعسلان ، والرتكان ، والغليان ، والغثيان ، والخطران ، واللمعان ، واللهبان ، والوهجان ... إلخ).
فهذه المصادر قد اشتركت جميعا فى بنية صوتية واحدة هى صيغة فعلان بما لها من سمات صوتية خاصة.
وإذا تأملنا الدلالة المعجمية لتلك المصادر وجدناها تشترك جميعها فى معنى مشترك بينها ، هو الحركة والاهتزاز والاضطراب ، وهى تعبر عن الشىء الذى تزداد حركته واهتزازه واضطرابه شيئا فشيئا ، ثم تطول حركته ويستمر اضطرابه حينا ، ولا يكون هدوؤه فجأة ، بل يستمر زمنا حتى يهدأ.
وإذا تأملنا البنية الصوتية لتلك المصادر التى جاءت على صيغة (فعلان) وجدنا أن توالى الحركتين القصيرتين - الفتحتين - إتباع هاتين الفتحتين بفتحة طويلة هى ألف المدّ ، ثم انتهاء الكلمة بالنون ذات الغنة المجهورة التى يمتد زمن النطق بها حينا بما يشبه الزّنّة الطويلة ... إذا تأملنا ذلك كله وجدنا تمام المناسبة بين السمات الصوتية لتلك المصادر والمعنى الذى تدل عليه وهو الحركة والاهتزاز والاضطراب الذى يزداد شيئا فشيئا وهذا ما تعبر عنه الحركتان القصيرتان - الفتحتان المتواليتان - ، ثم تأتى الحركة الطويلة - ألف المد - لتعبر عن طول تلك الحركة ، ثم يأتى حرف النون ليعبر عن معنى آخر وهو أن هدوء تلك الحركة لا يكون فجأة بل يحتاج إلى زمن يسير تخفت فيه الحركة شيئا فشيئا حتى تهدأ ، وهو ما تعبر عنه غنّة النون ذات الصوت المجهور.
وإذا كان سيبويه قد التفت إلى العلاقة بين الأصوات والمعانى التى تدل عليها فى مثل تلك المصادر ، دون محاولة منه فى الكشف عن وجه المناسبة بين أصوات تلك المصادر ومعانيها - فإن ابن جنى قد تلقف إشارات كل من الخليل وسيبويه فى هذا المجال ثم أولى هذا الباب عناية فائقة ، ولم يكتف فيه بالوقوف على الظاهرة كهؤلاء القدماء ، بل
1) سيبويه الكتاب 2 / 218.
أخذ يعلل أو يبين وجه التناسب بين تلك الأصوات وتلك المعانى ، وقد علّل لمناسبة تلك المصادر لمعانيها تعليلا جيّدا بقوله : «فقابلوا بتوالى حركات المثال (أى الصيغة) أو البنية توالى حركات الأفعال» (1).
وقد اتجه البحث فى دلالة الأصوات عند ابن جنى إلى جهتين متكاملتين :
الأولى : [النظر إلى صفة الحرف ومخرجه] وحاله من حيث التفخيم والترقيق ، والشدّة والرخاوة والجهر والهمس والإطباق والانفتاح والاستعلاء والاستطالة والتفشى وغير ذلك ، ثمّ بحث العلاقة بين هذه الأحوال والصفات وبين الدلالة الوضعية للكلمة.
الثانية : النظر إلى دلالة الكلمة باعتبارها تركيبا صوتيا له بنية وهيئة بعينها ، بحيث يبحث العلاقة بين طريقة تركيب أحرف تلك الكلمة ، ومناسبة ذلك التركيب وتلك الهيئة للمعنى الذى وضعت له الكلمة.
وقد اهتم ابن جنّى (ت 392 ه) بدراسة الدلالة الصوتية على هذين المستويين فى «باب فى إمساس الألفاظ أشباه المعانى» حيث يقول : «فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب (أى : ثابت) عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها ، فيعدلونها ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدّره وأضعاف ما نستشعره» (2).
وهو يشير إلى كثرة هذا النوع من دلالة الأصوات على المعانى فى اللغة ، ثم يعرض أمثلة له ، فمما مثّل به للنوع الأول : تفريقهم بين الخضم والقضم والنّضح والنّضخ ، يقول : من ذلك قولهم : «خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرّطب ، كالبطيخ والقثّاء ، وما كان نحوهما من المأكول الرطب. والقضم للصلب اليابس ، نحو قضمت الدابة شعيرها ، ونحو ذلك ، وفى الخبر «قد يدرك الخضم بالقضم» أى قد يدرك الرخاء بالشدة ، واللين بالشظف. وعليه قول أبى الدرداء : «يخضمون ونقضم والموعد الله» (3).
ويوضح سرّ اختلاف الدلالة بين صوتى الخاء والقاف ، ويجعل ذلك راجعا إلى
رخاوة الخاء أى أنها صوت احتكاكى ، فهو يتناسب مع الشىء الرطب ، الذى يسهل أكله ، وإلى صلابة القاف ؛ فهى صوت انفجارى ، ومن ثم يتناسب مع أكل اليابس ، الذى يصعب قطعه. يقول : «فاختاروا الخاء لرخاوتها للرّطب ، والقاف لصلابتها لليابس ، حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث» (1).
ولذلك فإن الشاعر عند ما عبر عن مرارة العيش عبر عنها بقضم الجلمد ، وهو صخر يابس ، فقال :
والموت خير من حياة مرة
تقضى لياليها كقضم الجلمد
ومن هذا الباب قولهم :
والنّضح والنّضخ : والثانى أقوى من الأول ، فى التعبير عن حركة الماء يقول تعالى : (فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) [الرحمن : 66] «أى فوّارتان بالماء» عن ابن عباس. والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء (2).
وإذا كان القدماء كالخليل وسيبويه قد أولوا الجهة الثانية عناية خاصة ، وهى جهة النظر إلى التراكيب الصوتية ومناسبتها للمعانى التى وضعت لها ، أقول : إذا كان هؤلاء القدماء قد برعوا فى هذا الجانب فإن ما أدلى به ابن جنى فى هذا المقام يجعل تلك المحاولات الأولى من جانب القدماء مجرد إشارات وومضات مضيئة ، لا تقارن بما قدم ابن جنى فى هذا الباب إلا من حيث سبقها الزمنى وريادتها لهذا الطريق الوعر.
فابن جنى يلمح المناسبة بين تلك الحركات المتوالية فى صيغة (فعلان) التى جعلت تلك الصيغة - بذلك التركيب الصوتى وبتلك الهيئة - مناسبة أتمّ المناسبة لمعناها الدال على الحركة والاضطراب (3).
ولا يقف ابن جنى هنا عند الأمثلة التى ذكرها عن الخليل وسيبويه ، بل يزيد على ذلك أمثلة كثيرة ، ونحتاج أن نقف أمامها فى هذا الباب وقفات متأنية ؛ لنرى إلى أى حد تكون المناسبة بين صيغ الألفاظ ومعانيها.
قال ابن جنى بعد ذكر كلام الخليل وسيبويه السابق نقله : «ووجدت أنا من هذا
الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حدّاه (1)ومنهاج ما مثّلاه. وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتى للتكرير ، نحو الزعزعة ، والقلقلة ، والصلصلة ، والقعقعة ، والصعصعة (2)والجرجرة والقرقرة ووجدت أيضا (الفعلى) فى المصادر والصفات إنما تأتى للسرعة ، نحو البشكى ، والجمزى والولقى ... فجعلوا المثال المكرر للمعنى المكرر - أعنى باب القلقلة - والمثال الذى توالت حركاته للأفعال التى توالت الحركات فيها» (3).
يلمح ابن جنى فى هذا النص ما بين البنية الصوتية لهذه المصادر الرباعية المضعفة ومعناها من المناسبة ، إذ إن هذه المصادر بما اشتملت عليه من تضعيف وتكرير تناسب ما تدل عليه معانيها من التكرير المشترك بين ألفاظ تلك البنى مما يضيف إلى معناها المعجمى معنى آخر تضيفه دلالتها الصوتية.
كما يلمح ابن جنى كذلك ما بين (الفعلى) من تكرار الحركات وتلاحقها وتتابعها وما تدل عليه من معنى السرعة والتتابع وتوالى الحركات فى الفعل كما توالت الحركات فى النطق.
يقول ابن جنى : «ومن ذلك - وهو أصنع منه - أنهم جعلوا (استفعل) فى أكثر الأمر للطلب ، نحو استسقى ، واستطعم ، واستوهب ، واستمنح ، واستقدم عمرا ، واستصرخ جعفرا ، فرتبت فى هذا الباب الحروف على ترتيب الأفعال. وتفسير ذلك أن الأفعال المحدث عنها أنها وقعت عن غير طلب تفجأ حروفها الأصول ، أو ما ضارع بالصيغة (4)الأصول.
فالأصول نحو قولهم : طعم ووهب ، ودخل وخرج ، وصعد ونزل فهذا إخبار بأصول فاجأت عن أفعال وقعت ، ولم يكن معها دلالة تدل على طلب لها ولا إعمال فيها وكذلك ما تقدمت الزيادة فيه على سمت الأصل ، نحو أحسن ، وأكرم ، وأعطى وأولى. فهذا من طريقة الصنعة (الصيغة) بوزن الأصل فى نحو دحرج ، وسرهف ، وقوقى ، وزوزى ، وذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن هذه المعانى ، فكلما
ازدادت العبارة شبها بالمعنى كانت أدل عليه ، بالغرض فيه. فلما كانت إذا فاجأت الأفعال فاجأت أصول المثل الدالة عليها أو ما جرى مجرى أصولها ، نحو وهب ومنح ، وأكرم ، وأحسن ، كذلك إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها ، وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول فى مثلها الدالة عليها أحرفا زائدة على تلك الأصول تكون كالمقدمة لها ، والمؤدية إليها وذلك نحو استفعل ، فجاءت الهمزة والسين والتاء زوائد ، ثم وردت بعدها الأصول : الفاء والعين واللام ، فهذا من اللفظ وفق المعنى المقصود هناك ، وذلك أن الطلب للفعل والتماسه والسعى فيه والتأنى لوقوعه تقدمه ، ثم وقعت الإجابة إليه ، فتبع الفعل السؤال فيه والتسبب لوقوعه ، فكما تبعت أفعال الإجابة أفعال الطلب ، كذلك تبعت حروف الأصل الحروف الزائدة التى وضعت للالتماس والمسألة ، وذلك نحو : استخرج ، واستوهب ، واستمنح ، واستعطى ، واستدنى» (1).
فى هذا النص يقارن ابن جنى بين الصيغ المجردة (الأصول) والصيغ المزيدة فى دلالتها على معانيها. فالصيغ المجردة وهى ما سماها بالأصول هى نحو : طعم ، ووهب ، ودخل ، وخرج ... إلخ.
أما الصيغ المزيدة فيجعلها نوعين :
مزيد جرى مجرى الأصول : نحو : أحسن ، وأكرم ، فهذا يجرى مجرى الأصول فى مشابهته الرباعى المجيء على (فعلل).
ومزيد زاد على الأصول ، مثّل له بما زاد على الأصول بأحرف متقدمة على الأصول (كاستفعل).
ثم يلمح ابن جنى المشابهة والمناسبة بين كل من هذه البنى وما تدل عليه من المعانى ؛ فالأفعال المجردة إنما تدل على المفاجأة للسمع بالإخبار عن الحدث دون تمهيد بأحرف تسبقه ، فهى إخبار بأصول فاجأت عن أفعال وقعت ، ولم يكن معها دلالة تدل على طلب ولا إعمال فيها.
وذلك نحو طعم ووهب وخرج ودخل ، وكذلك ما تقدمت الزيادة على سمت الأصل ، وهو ما جرى مجرى الأصول الرباعية على (فعلل) فجعل ما جاء على وزن (أفعل) كأحسن ، وأكرم جاريا مجرى الأصول الرباعية على (فعلل) فى نحو دحرج
1) الخصائص (2 / 153 / 154).
وسرهف ... إلخ.
أما ما دل على سعى وتسبب وتعمل تقدمه ، فهذا يحتاج إلى أحرف تتقدم على الأصول لتشعر بما تقدم الفعل من سعى وتسبب وتعمل فلما كانت إذا فاجأت الأفعال فاجأت أصول الصيغ الدالة عليها أو ما جرى مجرى أصولها نحو وهب ، ومنح ، وأكرم ، وأحسن ، كذلك إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول فى صيغها الدالة عليها أحرفا زائدة على تلك الأصول تكون كالمقدمة لها ، والمؤدية إليها.
ويزيد ابن جنى فى بيان المناسبة بين الأصوات والمعانى فيقول : «ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين فى المثال (1)دليلا على تكرير الفعل ، فقالوا : كسّر ، وقطّع ، فتّح ، وغلّق ، وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعانى فأقوى اللفظ ينبغى أن يقابل به قوة الفعل ، والعين أقوى من الفاء واللام ؛ وذلك لأنها واسطة لهما ، ومحفوفة بهما ، فصارا كأنهما سياج لها ، ومبذولان للعوارض دونها.
ولذلك نجد الإعلال بالحذف فيهما دونهما ... فلما كانت الأفعال دليلة المعانى كرروا أقواها ، وجعلوه دليلا على قوة المعنى المحدث به ، وهو تكرير الفعل ، كما جعلوه دليلا على قوة المعنى المحدث به ، وهو تكرير الفعل ، كما جعلوا تقطيعه فى نحو : صرصر وحقحق دليلا على تقطيعه ...» (2).
لقد استطاع ابن جنى فى هذا النص السابق أن يكشف لنا عن المناسبة الوثيقة بين صيغة (فعل) بما لها من سمات صوتية ودلالتها على التكرار فى الحدث.
ويكشف ابن جنى كذلك عن العلاقة بين المبنى والمعنى من حيث الزيادة والنقص فى كل منهما فيقول : «وقد أتبعوا اللام فى باب المبالغة العين ، وذلك إذا كررت العين معها فى نحو : دمكمك وصمحمح وعركرك وعصبصب وعشمشم ، والموضع فى ذلك للعين ، وإنما ضامتها اللام هنا تبعا لها ولا حقة بها ، ألا ترى إلى ما جاء عنهم للمبالغة فى نحو اخلولق ، اعشوشب ، واغدودن ، واحمومى ، واذلولى ، واقطوطى ، وكذلك فى
الاسم نحو عثوثل ، وغدودن ، وحفيدد ، وعقنقل ، وعبنبل ، هجنجل ... كما ضاعفوا العين للمبالغة ، نحو عتل ، وصمل ، وقمر وحزق ...» (1).
وقد أطال ابن جنى فى توجيه ذلك ، وهو واضح فى أن زيادة المبنى فيه قد ناسبت زيادة المعنى ، وهو إرادة المبالغة.
وقد احتذى حذو ابن جنى فى هذه القضية كذلك ابن الأثير ، فأطال الوقوف أمام هذه النقطة مفيدا فى ذلك مما أفاض فيه ابن جنى ، وإن كان ما قدمه ابن الأثير لم يخل من جديد كذلك.
ولعل أهم ما تميز به بحث ابن الأثير لهذه النقطة أنه اهتم بوضع القيود والضوابط التى تحكم العلاقة بين المبنى والمعنى من حيث الزيادة والنقص ، وهل يصح القول باطراد قاعدة زيادة المعنى لزيادة المبنى أم أن هناك أحوالا لا يصح القول فيها باطراد تلك القاعدة؟ (2).
هذا وقد تابع المتأخرون من البلاغيين البحث فى هذا الباب ، وإن كانت إضافاتهم فى هذا الباب لا تعدو كونها مجرد إشارات وتقريرات ومراجعات سريعة ، يعد بعضها تكرارا لما سبق ، ويعد القليل منها من قبيل الإضافات اليسيرة المفيدة على مستوى التقعيد والتنظير.
أما الدراسات المتأخرة بدءا من ابن سنان وانتهاء بالطيبى والقزوينى حذا حذوهما فقد بحثت هذه الظاهرة تحت ما اصطلحوا على تسميته بمبحث الفصاحة ، وقد ضمنوه شروطا لفصاحة الكلمة يختص بعضها بالنظر إلى أصواتها ، فمنها :
1 - أن يكون تركبها من الحروف اللذيذة العذبة لأنها أصوات ؛ ولها مخارج تشبه المزامير ، ولكل ثقبة منها صوت يخصها (3).
2 - أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج ؛ لأن الحروف التى هى أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر ؛ ولا شك فى أن الألوان المتباينة إذا
جمعت كانت فى المنظر أحسن من الألوان المتقاربة (1).
3 - أن يجتنب فى التركيب عن الزائد على الحركتين المتواليتين ، وعن الحركة الثقيلة على بعض الحروف كالضمة على نحو : جزع سيما إذا ضم معه ضم الزاى ، ولو فتح ؛ أو فتحا ، أو كسر حسن (2).
«وقد اشترط بعضهم أن يحترز عن أسباب خفيفة متوالية ؛ فإنها مما ينقص من سلاسة الكلمة وجريانها كقولهم : (القتل أنفى للقتل) إذ ليس فيه كلمة تجمع حرفين متحركين معا إلا فى موضع» (3).
4 - أن تكون متوسطة بين قلة الحروف وكثرتها.
قال الرازى : «اللفظ المركب من ثلاثة أحرف هى المتوسطة لاشتمالها على المبدأ ، والمنتهى ، والوسط ، وسبب حسنه أن الصوت تابع للحركة ، والحركة لا بد لها من هذه الأمور.
والثنائيات قاصرة ، والرباعيات مفرطة ، ولهذا عيب أبو الطيب بقوله :
إن الكرام بلا كرام منهم
مثل القلوب بلا سويداواتها (4)
والحق أن ما ذكره البلاغيون فى هذا المقام لا يخلو من انتقادات عديدة. وجهها إليهم الدارسون المحدثون (5).
وتتمثل هذه الانتقادات فى أن النظر إلى اللفظة المفردة والحكم عليها بمعزل عن سياقها لا يؤدى إلى الفهم الصحيح للنصوص فى كثير من الأحيان ، فليست مفردات العبارة اللغوية الواردة فى سياق واحد كيانات منفصلة ، يستقل كل منها بذاته ، وإنما
1) ابن سنان - سر الفصاحة ص 60.
2) ابن الأثير المثل السائر 1 / 174 ، والطيبى - السابق 2 / 497.
3) الطيبى - السابق 2 / ص 497.
4) الرازى / نهاية الإيجاز ص 125 ط الأدبية.
5) انظر على سبيل المثال ، د / محمد النويهى ، الشعر الجاهلى ، منهج فى دراسته وتقويمه 1 / 44 ، د / عبد الله الطيب ، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتهم ، دار الفكر ، بيروت سنة 1970 ، 2 / 464 ، د / غازى يموت / علم أساليب البيان ، دار الأصالة ، ط 1 ، 1403 ه ، 1982 ص 27 ، د / شفيع السيد ، البحث البلاغى عند العرب ، تأصيل وتقيم ص 135 - 136 ، مكتبة الشباب ، د / عبد الواحد علام ، قضايا ومواقف التراث البلاغى ، ص 20.
ترتبط جميعا برباط وثيق ، ومن ثم كان للسائق دوره الفعال فى إعطاء الكلمة المعينة من الدلالات ما ليس لها فى ذاتها بعيدة عن السياق ، حتى لو بدت تلك الكلمة مفتقرة إلى بعض ما اشترطه البلاغيون فى فصاحة الكلمة من حسن الجرس وسهولة المنطق.
ومن ثم فقد ذهب هؤلاء المحدثون إلى أنه لا تفاضل بين الكلمات المفردة خارج السياق ، فالكلمة المفردة خارج سياقها لا توصف بفصاحة ولا بلاغة عذبت أصواتها أم قبحت ، تباعدت مخارجها أم قربت ، ثقلت حروفها أم خفّت ، طالت مبانيها أم قصرت.
وهم يؤيدون كلامهم فى ذلك بما ورد عن عبد القاهر فى هذا المقام من نحو قوله : (فصل فى تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة وكل ما شاكل ذلك ، مما يعبر به عن فضل القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد ، ومن المعلوم ألا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجرى مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى. غير أن يؤتى المعنى من الجهة التى هى أصح لتأديته ، ويختار له اللفظ الذى هو أخص به وأكشف عنه. وإذا كان هذا كذلك فينبغى أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها فى التأليف. هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل فى الدلالة ، حتى تكون هذه أدل على معناها الذى وضعت له من صاحبتها على ما هى موسومة به ، حتى يقال إن (رجلا) أدل على معناه من (فرس) على ما سمى به؟ وحتى يتصور فى الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأ عنه وأبين عن صورته من الآخر. وهل يقع فى وهم - وإن جهد - أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية؟ أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن؟ ومما يكد اللسان أبعد. وهل قالوا : لفظة متمكنة ومقبولة وفى خلافه : قلقة ونابية ومستكرهة ، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها ، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم ، وأن الأولى لم تلق بالثانية فى معناها ، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقد التالية فى مؤداها؟» ويعرض عبد القاهر أمثلة يدلل بها على ذلك (1).
1) عبد القاهر الجرجانى «دلائل الإعجاز» تصحيح الشيخ محمد عبده ، والشيخ محمد محمود الشنقيطى ، مكتبة ومطبعة محمد على صبيح وأولاده ص 44 - 45.
على أن هذا قد يظهر نوعا من التناقض فى كلام عبد القاهر - وهو وارد كذلك على ما قررته فى هذا المقام من جهة الاستدلال بكلامه السابق على أن الكلمات لا تتفاضل خارج النظم - وهذا التناقض «من حيث إنه يسلم أن الكلمات منها الغريب الوحشى ، ومنها الذى يكد اللسان ، ثم ينفى بعد هذا كله أن تكون الكلمات متفاضلة غير متساوية قبل أن يشملها النظم» (1).
ولذا يعترض د / بدوى طبانة على تهوين عبد القاهر من شأن فصاحة اللفظة المفردة فيقول : «إن الذين عرضوا لفصاحة اللفظة المفردة كانت تلك الصفات التى لم يسع عبد القاهر إلا الاعتراف بها فى معرض التهويل من شأنها - أهم ما عرضوا له ، لكن تلك الصفات لا تصل إلى هذه الدرجة من التفاهة كما أراد عبد القاهر أن يصورها. أين (عساليج الشوحط)؟ من (أغصان البان)؟ وأين (الصهصلق)؟ من (الصهيل)؟ وأين (أشرج)؟ من (ضم)؟ وأين (الحيزيون)؟ من (العجوز)؟.
إن فى الألفاظ المفردة اختلافا وبينها تفاوتا بيّنا لسنا فى حاجة إلى كثير أو قليل من التأمل للاعتراف بحسن بعضها وقبح بعض ، وإذا نظرنا إلى التركيب وجدناه يزدان باللفظ العذب المختار ، ويقبح باللفظ العسر الثقيل من غير شك وإن كنا لا نجحد أن اللفظ الجميل يزداد جمالا بحسن موافقته لما جاوره من الألفاظ وهذا التجاور هو الذى يكشف عما فيه من جمال ويبين عن صفات الحسن الكامنة فيه» (2).
ويجيب الأستاذ / عبد الله الطيب عن هذا الاعتراض السابق فيقول : «وربما يعتذر لعبد القاهر من حيث أنه يسلم أن الكلمات منها الغريب والوحشى ، ومنها الذى يكد اللسان ، ثم ينفى بعد هذا كله أن تكون الكلمات متفاضلة غير متساوية قبل أن يشملها النظم ، ربما يعتذر لعبد القاهر عن ذلك ، بأنه كان يرى الألفاظ فى جملتها غير متفاضلة وأن فضل المستعمل على غير المستعمل ، والخفيف على الثقيل طفيف بحيث يمكن تجاهله وأن النظم إذا أجاده صاحبه قد يسبغ على كلمة وحشية رونقا لا يتهيأ ولا يتأتى إذا وضعنا مكانها كلمة أخرى مألوفة ، وقد يتيح لكلمة ثقيلة تكد اللسان من العذوبة ما لا يتوفر لو استبدلناها بأخرى مما يحسب خفيفا سهلا» (3).
والحق الذى يجاب به عن هذا الأمر هو أن نعلم أن واضع اللغة لم يضع هذه الألفاظ اعتباطا وإلا فما حاجتهم لأن يضعوا لمعنى واحد كالجمل أو الفرس أو السيف مئات الأسماء إلا أن يكون ذلك بحسب تعدد السياقات فيكون لكل معنى لفظه المناسب الذى لا يسد فيه غيره مسده ؛ ومن ثم لا يكون هناك تناقض فى كلام عبد القاهر لأن مؤدى كلامه هو منع الترادف التام فى لغة العرب وهذا هو الحق ؛ ومن ثم لا يتصور - كما يقرر عبد القاهر - الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون أحدهما أحسن نبأ عنه وأبين عن صورته من الآخر.
فهما وإن اشتركا فى الدلالة على أصل المعنى أو المعنى الجملى ؛ فإن لكل منهما من المعانى التفصيلية الخاصة ما يفرقه عن الآخر ويجعله صالحا لسياقات لا يصلح لها اللفظ الآخر ومن ثم فصعوبة اللفظ أو ثقله ليس أمرا ينافى فصاحته لأنه قد يوافق السياق ويطابق المقام بتلك الصعوبة وذلك الثقل ، وإلا للزم قائل هذا أن يقول بعدم فصاحة الكتاب العزيز لاشتماله على كثير مما وصف أمثاله بأنه ثقيل أو صعب فى نطقه كقوله تعالى : «اثاقلتم - أنلزمكموها - فسيكفيكهم. وأشباه».
ومع ذلك فهذه الألفاظ فى سياقاتها فى درجة عالية من الفصاحة مع أنها ثقيلة صعبة فى نفسها ، وعليه فلا تلازم بين صعوبة الكلمة فى النطق أو ثقلها أو غير ذلك مما ذكره البلاغيون من صفات اللفظة المفردة وبين فصاحتها فى سياق من السياقات. على أن الذى يهمنا من ذلك هو أن تكون الكلمة عربية أصيلة كما قال السكاكى «وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر لا مما أحدثها المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة» (1).
والدليل على ما ذكره من أنه لا تلازم بين صعوبة الكلمة أو ثقل جرسها أو غرابتها - أو غير ذلك - وعدم فصاحتها أننا لو تصورنا على سبيل المثال استبدال كلمة «أنلزمكموها» بأخرى ترادفها ، فى قوله تعالى على لسان نوح - عليهالسلام - مخاطبا قومه حينما أعرضوا عن دعوته قائلين : (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ. قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ
1) السكاكى ، مفتاح العلوم ص 221.
لَها كارِهُونَ) [هود :37 ، 38].
فلو استبدلنا هذه الكلمة بقولنا «أنلزمكم بها» أو «أنلزمكم إياها» لما أوحت بما توحى به هذه الكلمة من الثقل وصعوبة التحمل ، والإكراه على حمل شيء ينفر هذا المدعو إليه من حمله ، ويستثقله بل ويأنف منه ، وتشمئز منه نفسه ، كما قال الله تعالى : (وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الزمر : 45].
وسيأتى فى هذا البحث أمثلة شبيهة بذلك كقوله تعالى : (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) [التوبة : 38] ، وقوله تعالى : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) [النجم : 22].
كذلك فإن ما يمثلون به أبدا على عدم فصاحة الكلمة لتنافرها وثقلها أو غرابتها أو صعوبة النطق بها مما «روى عن عيسى النحوى أنه سقط عن دابته فاجتمع عليه الناس فقال : «ما لكم تكأكأتم على تكأكؤكم على ذى جنة؟ افرنقعوا عنى» (1).
لهو - فى رأيى - فى غاية الفصاحة والبيان ، ذلك أن تلك الكلمة المتنافرة المستثقلة أو غير المألوفة لهى معبرة تمام التعبير بهيئتها واجتماع حروفها وتزاحمها وطريقة النطق بها عن اجتماع الناس وتزاحمهم عليه مع شيء من الفوضى وعدم الاتساق وفى هيئة غريبة عليه تشبيهها غرابة هذه الكلمة.
كذلك قوله : «افرنقعوا عنى» لا يقل فصاحة عن سابقة لأنه يصور مدى رغبته فى سرعة انصرافهم عنه كسرعة الصوت الذى يخرج من شيئين يضربان» (2).
هذا وسوف يتأكد ما ذكرناه بما سوف نورد فى هذا البحث من الأمثلة والنماذج التطبيقية التى تكشف عن الدور الفنى الذى تؤديه السمات الصوتية للكلمة فى السياقات المختلفة ، وأن هذا الدور لا يتوقف على سمات بعينها للكلمة كتلك السمات التى حددها هؤلاء البلاغيون ؛ وإنما يتسع المجال اللغوى لدى المبدع ليتخير من الأبنية والتراكيب الصوتية ما يشاء ليحقق المواءمة والمطابقة بين تلك الأبنية والدلالات والإيحاءات الفنية التى يريد أن ينقلها إلى وعى المتلقى ولكننا نعود فنقول إنصافا لهؤلاء البلاغيين : إن
الباحثين المعاصرين لم يختلفوا مع هؤلاء القدامى فيما وصفوه بالتنافر الصوتى أو المعاظلة الصوتية ، فهم يسلمون لهم بكون ما ذكروه يعد من قبيل التنافر أو المعاظلة ، غير أنهم يرون أن هذا التنافر وتلك المعاظلة قد وظفه المبدع توظيفا فنيا مقصودا فيه هذا التنافر وتلك المعاظلة ، ومن ثم يخرج من دائرة القبح إلى دائرة الحسن ولا يكون منافيا للفصاحة أو البلاغة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل إنصافا لهؤلاء القدماء فنقول : ما ذا لو أخفق المبدع فى توظيف ذلك التنافر أو تلك المعاظلة؟ ألا يكون ذلك التنافر أو التعاظل معيبا مستهجنا بمعنى إذا كانت هناك كلمتان تؤديان المعنى المراد : إحداهما ثقيلة على السمع متنافرة ، والأخرى خفيفة عذبة الجرس والرنين ، ولم يكن لاستخدام الثقيلة المتنافرة معنى يوظف فيه ثقلها وتنافرها ، أفلا يكون فى العدول عن اللفظة العذبة الخفيفة إلى الثقيلة المتنافرة بغير قصد ولا غرض بلاغى إخلال بالفصاحة والبلاغة؟
هذا إذا ما أراده هؤلاء القدماء ، لا أنهم أرادوا أن هذه اللفظة تحسن أبدا ، وتلك تقبح أبدا.
وتبقى القضية بعد ذلك فى أنهم أخفقوا - من وجهة نظر المحدثين - فى اختيار الأمثلة التى تعبر عن استخدام ألفاظ متنافرة لم يوظف فيها هذا التنافر.
تأتى الدراسات الأسلوبية على رأس الدراسات الحديثة التى اهتمت بالدلالة الصوتية خاصة وأن علم الأسلوب هدفه الحقيقى يتمثل فى البحث عن العلاقات المتبادلة بين الدوال والمدلولات عبر التحليل الدقيق للصلة بين جميع العناصر الدالة وجميع العناصر المدلولة بحثا يتوخى تكاملها النهائى (1).
ومعنى هذا أن البحث الأسلوبى يتسع فى بحث العلاقة بين الدوال والمدلولات لتلك الدلالات التى توحى بها البنية الصوتية للكلمة من حيث كونها أصواتا لا من حيث كونها موادا معجمية لها دلالتها الوضعية المحددة.
1) انظر د / صلاح فضل / علم الأسلوب ص 123.
ويرى أولمان أن علم الأسلوب يمكن أن ينقسم إلى نفس مستويات علم اللغة. ولو تقبلنا الرأى القائل بحصر مستويات التحليل اللغوى فى ثلاثة هى : الصوتى ، والمعجمى ، والنحوى لأصبح بوسع الصوتى الذى يبحث فى وظيفة المحاكاة الصوتية وغيرها كثير من الظواهر من الوجهة التعبيرية.
وسنجد حينئذ أن علم الأسلوب مثله فى ذلك مثل أخيه الأكبر يتسع لمنظورين متبادلين فكما يقول «جسبرسن» إن أية ظاهرة لغوية يمكن أن يتم تناولها من الخارج أو من الداخل ؛ أى : من ناحية الصيغة أو من ناحية الدلالة ففى الحالة الأولى نتناول الجانب الصوتى للكلمة أو للعبارة ثم نتأمل الدلالة المنبثقة منه ، أما فى الحالة الثانية فإننا ننطلق من المعنى لنتساءل عن التعبيرات الشكلية التى تؤديه فى لغة معينة أو عند مؤلف خاص وهذا ما كان يسميه «داماسو ألونسو» بعلم الأسلوب الداخلى والخارجى.
فالكلمات يمكن أن تخضع للبواعث المحركة لها فتصبح شفافة أو معتمة ويتم هذا على مستويات صوتية وصرفية ودلالية. ولكل منها نتائج أسلوبية بارزة ، فالباعث الصوتى يتمثل - عند «أولمان» - فى إحدى إمكانيتين : فإما أن تكون البنية الصوتية للكلمة محاكاة لصوت أو ضجيج معين مثل قرقرة وثأثأة ومواء وغيرها وهى المحاكاة المباشرة ، وإما أن تثير الكلمة بصوتها تجربة غير صوتية ، وهى محاكاة غير مباشرة وتدخل هذه المحاكاة الصوتية بما تستثيره وتؤدى إليه فى النسيج الشعرى نفسه. وبالرغم من أن بعض الدارسين ينبهون إلى ضرورة التحديد الدقيق لطبيعة هذه الإيحاءات حتى لا تظل خاضعة للمزاج المتقلب إلا أن هذا المجال يعد من أنشط وأبسط مجالات الدراسة الأسلوبية» (1).
لقد آثرنا نقل هذا النص بطوله لأنه يبين لنا كيف أن دراسة الدلالة الصوتية ما هى إلا قطعة من تلك المنظومة الشاملة للدلالة العامة فى نص ما (2)؛ والتى ينبغى أن يبدأ فيها بتحليل الدلالة الصوتية أولا لأنها هى اللبنة الأولى فى منظومة الدلالة ، ولأنها هى التى تخلق المعنى المعجمى للكلمة بعد ذلك ، وتعطى لكل كلمة قيمة خلافية فارقة لها عن غيرها من الكلم.
واستثمارا لكلام (جسبرسن) السابق فإننا يمكن أن ننطلق فى بحثنا لتلك القيم الصوتية إما من الداخل أو من الخارج فيمكننا أن ننظر إلى دلالات تلك الأصوات فى سياقات بعينها لنتوصل من خلالها إلى إيحاءاتها الخاصة أو سماتها الأسلوبية.
ويمكن فى الوقت نفسه أن ننطلق من اتجاه معاكس بأن نقف أمام قيمة أسلوبية معينة لنبحث عن الوسائل الأسلوبية التى يمكن أن تؤدى إلى تلك القيمة فى عمل ما.
كما يمكننا أن نستثمر كذلك ما انتهى إليه أولمان من تقسيم البواعث الصوتية إلى نوعين من المحاكاة : المباشرة وغير المباشرة لنقف أمام الدلالة الفنية المستفادة من توظيف المبدع لكلا النوعين فى العمل الأدبى حيث يخرج المبدع بتلك الأصوات عن كونها حكاية لصوت معين لا معنى له - فى حالة الحكاية المباشرة - إلى معان فنية خاصة ، كما يقوم بتوظيف الكلمات التى لا تتسم بطبيعة المحاكاة توظيفا صوتيا ذا دلالة جديدة قد تختلف تماما عن دلالتها المعجمية ، وإنما يستوحيها الشاعر من عالمه الخاص ، ويستوحيها القارئ من السياق الأدبى.
اعتمدت الدراسات الأسلوبية الحديثة فى هذا المجال على ما انتهت إليه الدراسات اللغوية السابقة عليها ، وذلك بطبيعة الحال - نتيجة بديهية للصلة أو العلاقة الوثيقة بين علم الأسلوب وعلم اللغة (1).
وإذا كنا بصدد إسهام الدراسات الحديثة فى هذا المجال ، فلا يفوتنا تلك الوقفة المتأنية لرتشاردز فى كتابه مبادئ النقد عند بحثه عن الدلالة الصوتية حيث يقرر ما سبق أن ذكرناه فى بداية البحث من صعوبة الربط بين السمات الصوتية والمدلول الأدبى فهو يقرر أن نشاط الأصوات الجمالى ليس محتوما بعلاقة مخرجية أو علاقة وصفية وربما لا يحمل شبها بمعناها ، وقد يحورها تماما ، أو يهدمها النشاط الجمالى الصوتى معقد حقا ، وهو يشب عن طوق العلاقات المخرجية والوصفية ويدخل فى تكوين مسافات مختلفة ولا ينبع من كيفية معينة أو صفة مفردة ولا يمكن إذن إلا أن يكون شيئا غنيا متأصلا ذا جذور تستعصى على التقرير والتحديد» (2).
كما يرى رتشاردز أن تأثير اللفظ من حيث هو صوت لا يمكن فصله عن تأثيراته الأخرى التى تتم فى نفس الوقت ، فجميع هذه التأثيرات ممتزجة بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر .. ويرى أنه لا توجد مقاطع أو حروف متحركة تتصف بطبيعتها بالحزن أو الفرح. إذ تختلف الطريقة التى يؤثر بها الصوت فى نفوسنا تبعا للانفعال الذى يكون موجودا فعلا فى ذلك الوقت ، بل إنها تختلف أيضا تبعا للمدلول ، وتوقع حدوث الصوت نتيجة للعادة ولروتين الإحساس ليس إلا مجرد جزء من حالة التوقع العامة ، فهناك عوامل تتدخل فى العملية. ولا يحدد الصوت ذاته طريقة تأثيره بقدر ما تحددها الظروف التى يدخل فيها هذا الصوت ، هذه التوقعات جميعا مرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطا وثيقا. والكلمة الناجحة هى التى تستطيع أن تشبع هذه التوقعات جميعا فى نفس الوقت ، إلا أنه يجب علينا ألا نعزو إلى الصوت وحده ميزات تتضمن هذا العدد الكبير من العوامل الأخرى ، ولا يعنى قولنا هذا أن نقلل من أهمية الصوت فى شيء. فالصوت فى معظم الحالات هو مفتاح التأثيرات.
ويرى النقاد المحدثون «أن الصوت والوزن يجب أن يدرسا كعنصرين فى مجمل العمل الفنى ، وليس بمعزل عن المعنى».
والحق ما ذكره ريتشاردز يثير عددا من القضايا المهمة فى بحث تلك العلاقة الدقيقة بين الصوت والدلالة تحتاج منا إلى وقفة متأنية لتأملها.
فهو يقرر أولا أن الدلالة الصوتية تأتى مصاحبة ومتضافرة فى الوقت نفسه مع دلالاته الأخرى المعجمية والصرفية والنحوية ... إلخ.
وهذا ينبغى ألا يمثل إشكالا من جهة عزو تأثير هذا اللفظ إلى إحدى هذه الدلالات دون الأخرى.
فقد يدعى مدع أن الدلالة الصوتية للفظ ما فى سياق ما هى كذا وكذا ، فلا يجوز لأحد تكذيبه لكونه يستشعر أن تلك القيمة إنما هى حصيلة الدلالة الصرفية أو المعجمية لتلك الكلمة مثلا ؛ لأنه يرد على ذلك المكذب بأنه لا تزاحم بين الدوال ، فلا مانع أن يكون للمعنى الواحد دوال متعددة ، فهذا يؤدى إلى تقوية المعنى وتأكيده لأن هذه الدوال إنما تعمل متآزرة متعاضدة.
ولننظر على سبيل المثال هنا إلى الدلالة الفنية لكلمة (توسوس) فى قوله تعالى :
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) [ق : 16] ، تلك الدلالة التى تتآزر فى تشكيلها الدوال الصوتية والمعجمية والصرفية والنحوية.
ويقوم البلاغى باستثمار تلك الدلالات التى تعطيها تلك الدوال المتعددة لتشكيل الدلالة الفنية لتلك الكلمة.
وينظر البلاغى إلى السياق والمقام الذى سيقت ضمنه تلك الكلمة أولا ، ثم ينظر فى مختلف دلالاتها السابقة ليرى مدى مناسبتها ومطابقتها لمقتضى الحال أو المقام الذى سيقت لأجله.
لقد سيقت تلك الكلمة فى مقام الحديث عن قدرة الله الشاملة على خلق الإنسان وإحاطة علمه به ، واطلاعه سبحانه على خفايا نفسه ، وهواجس ضميره ، وقربه منه سبحانه قربا لا تخفى معه خافية من أحواله على من يعلم السر وأخفى.
ومن هنا تأتى هذه الكلمة القرآنية متآزرة مع ذلك السياق ومناسبة أتم المناسبة لذلك المقام بما لها من دلالات مختلفة صوتية ومعجمية وصرفية ونحوية.
وهنا يستثمر دارس البلاغة الدراسات اللغوية المتعددة ليخرج بدلالة الكلمة فى مختلف دلالاتها اللغوية السابقة ، ليقف على دلالتها الفنية التى هى محصلة تلك الدلالات جميعها.
فمن الناحية المعجمية يقارن البلاغى بين الخيارات المتبادلة مع تلك الكلمة (توسوس) مثل (تتكلم - تتحدث - تسر - تخفى) لينتهى من خلال النظر فى معانى كل كلمة من تلك الكلمات إلى تفوق تلك الكلمة بما لها من مناسبة تامة لسياقها ومقامها لا تقوم به أى كلمة أخرى من البدائل الأخرى ؛ فالوسوسة هى الصوت الخفى غير المميز كصوت الريح أو الحلى مثلا ، ومن هذا القبيل وسوسة الشيطان فهى خفية وغير واضحة ولا مميزة ، بل تتسلل إلى النفس تسللا خفيا لا يكاد يشعر بها المرء ، بحيث لا يفرق بينها وبين نفسه.
ومن هنا تأتى مناسبة كلمة الوسوسة لسياقها لما تدل عليه من الخفاء وعدم التميز والوضوح ، ومع دقتها وخفائها وعدم تميزها ووضوحها تظهر قدرة الله تعالى وسعة علمه فى إحاطته بها وقوفه عليها ، مما يلقى الرهبة ويعظم الخوف فى قلوب العباد من تلك القدرة النافذة ، إلى شغاف القلوب حتى تطلع على خطراتها ووساوسها الخفية التى قد
يخفى على الإنسان نفسه معالمها ويصعب عليه تمييزها مع كونها بداخله. وبطبيعة الحال فإن أى كلمة أخرى لا تسد مسد هذه الكلمة فى دلالتها على ذلك المعنى.
ثم ينتقل البلاغى بعد ذلك إلى استثمار الدرس الصوتى لتلك الكلمة ليستخرج الدلالة الصوتية الفنية لتلك الكلمة.
فينظر إلى مجيئها مركبة من هذين الحرفين الرقيقين (الواو والسين) فينظر إلى ما فى الواو من خفاء ورقّة ولين مع قرب مخرجه لكونه شفويا ، فينظر إلى مناسبة لينه ورقته وخفائه لمعنى الوسوسة ، وما فيها من خفاء ولين ورقة ، كما تأتى دلالة قرب المخرج للدلالة على علم الله تعالى بأدق الأصوات وأخفضها صوتا وهو ما يخرج من بين الشفاه فما بالك بما فتح صاحبه فيه فمه وما كان من أقصى الحلق ونحو ذلك مما يرفع فيه الصوت؟! فمن ثم كانت مناسبة الواو للدلالة على تلك المعانى ، ثم لك أن تتأمل دلالة السين ، وما فيها من همس ورخاوة وصفير مع قرب المخرج كذلك فهى تلى الواو مخرجا لكونها مما بين الثنايا وطرف اللسان ، والهمس هو جرى النفس فى الحرف بلا انحباس فيخرج الحرف سهلا لا جهر فيه يناسب الوسوسة الخفية ؛ كما ناسبها كذلك لكونه رخوا ليس بالشديد ؛ كما ناسب صوته الوسوسة الذى يشبه صفير الريح ، ووسوسة الحلى بما فيه من صفير يصاحبه فى النطق.
فإذا ضممنا إلى ذلك أيضا قرب مخرجه وما له من مناسبة سبق بيانها فى حرف الواو ، تبين لنا مدى مناسبة هذين الصوتين للدلالة على المعنى المراد وهو علم الله تعالى بالدقائق من الوساوس والخطرات الخفية التى لا يعلمها إلا هو.
ثم نأتى بعد ذلك إلى ما هو أوضح دلالة وهى الدلالة الصرفية والدلالة النحوية : فأما الدلالة الصرفية فنجد أن اختيار الفعل مضاعف الرباعى جاء مناسبا أتم المناسبة لمعناه ، ومن ثم لسياقه ومقامه.
وذلك أن الفعل (وسوس) هو تضعيف (وس) وهذا التضعيف نشأ عن تكرار هذا المقطع (وس) فإذا التفت إلى ذلك لمحت المناسبة بينه وبين عملية الوسوسة وطبيعتها القائمة على التكرير والإلحاح ، فوسوسة النفس وكذلك وسوسة الشيطان ما هى إلا إغراء النفس بفعل المنهى عنه ، ووسيلة هذا الإغراء لا تكون إلا بالتكرار والإلحاح الدائم على النفس حتى تضعف وتقع فريسة للنوازع والرغبات الدنيئة.
وننتقل إلى الدلالة النحوية لنقف أمام دلالة المضارع حيث اختيرت صيغة المضارعة للتعبير عن حدوث الفعل وتجدده وتكرره ليعبر عن عملية الإلحاح التى تمثل عنصرا أساسيا فى عملية الوسوسة ، وليدل على سعة علم الله تعالى بهذه الوسوسة مهما كثرت وتجددت وتكررت ، ولهذا اختير المصدر المؤول من (ما والفعل المضارع) على المصدر الصريح وسوسة لدلالة الفعل على التجدد دون المصدر الصريح (وسوسة).
ومن ثم نتبين مدى مناسبة تلك الكلمة لسياقها ومقامها بما لها من دلالة فنية كانت محصلة تلك الدلالات الصوتية والصرفية والمعجمية والنحوية لتلك الكلمة القرآنية.
وعلى هذا النحو يمضى البلاغى فينظر فى مناسبة الأصوات للمعانى من جهة ما تشتمل عليه من تفخيم أو ترقيق أو همس أو جهر أو انطباق وانفتاح ، أو مد أو لين أو تفشّ واستطالة أو إظهار أو إدغام أو تنوين أو إخفاء ... إلخ.
وينظر فى مناسبة صيغة الكلمة من حيث كونها اسما أو فعلا أو مشتقا من المشتقات ، فينظر إن كانت اسما فى مناسبة الوزن الذى جاءت عليه ، وإن كانت فعلا إلى دلالة كونه ماضيا أو مضارعا أو أمرا ، وإن كانت مشتقا إلى كونها اسم فاعل أو اسم مفعول أو صيغة مبالغة أو اسم مرة أو هيئة أو غير ذلك.
ومع النظر إلى مناسبة ذلك كله للسياق والمقام.
كما ينظر فى التراكيب من حيث ما هى عليه من تقديم وتأخير ، وحذف أو ذكر ، وفصل أو وصل ، وإيجاز أو إطناب ، وخبر أو إنشاء ... إلخ ما ذكروه من مباحث علم المعانى ثم ينظر إلى ما تشتمل عليه تلك التراكيب من صور وأخيلة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز بأنواعها المفصلة فى مباحث علم البيان.
وما تشتمل عليه من وسائل تحسين وتزيين من سجع وجناس ومطابقة والتفات واحتراس وتكميل وتتميم ... إلخ ما ذكره البلاغيون من فنون البديع.
يبحث البلاغى فى الدلالات الفنية لتلك الفنون والصور والأساليب السابق ذكرها ، ويطابق بينها وبين مقتضى الحال وهو المقام الذى سيقت لأجله ليقرر مطابقة تلك الدوال التعبيرية المتعددة أو عدم مطابقتها للغرض الذى سيقت لأجله مع عدم الادعاء بانفراد إحدى هذه الدوال بتلك الدلالة.
وحينما نعود إلى كلام ريتشاردز السابق نجد أنه يفصل بشىء من الحزم فى تلك
القضية الشائكة قضية العلاقة بين الصوت والدلالة حيث يرى أنه لا توجد مقاطع أو حروف تتصف بطبيعتها بالحزن أو الفرح. ولكنه لا ينفى أن يكون لهذه الأصوات تأثير دلالى يوحى به السياق تبعا للانفعال المصاحب له. ومن ثم نستطيع أن نجد للدال الصوتى قيما مختلفة باختلاف سياقاتها مع اتحاد ذلك الدال.
ولننظر على سبيل المثال إلى ذلك المقطع الصوتى (أن) الذى يتميز بسمة صوتية لها دلالة خاصة هى سمة النبر الشديد بالنون المشددة ذات الغنة التى تغن فى القراءة القرآنية بمقدار حركتين فى جميع السياقات لننظر إلى دلالة ذلك المقطع التى قد ترد فى سياقات كثيرة متضافرة مع الدلالة المعجمية للكلمة (أن) فى إفادة التوكيد وهذا ما نستشعره فى النطق بها فى مثل قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [الحج : 6 ، 7].
حيث تتوالى الكلمة فى هذا السياق بدلالة واحدة هى التوكيد المستفاد من دلالتها المعجمية ، ودلالتها السياقية ، ودلالتها الصوتية التى يوحى بها تكرار النون فيها ، فالتكرار من وسائل التوكيد.
كما توحى بها تلك الغنّة التى تغنّ بمقدار حركتين يحدث من خلال النطق بهما نوع من الضغط والارتكاز الذى يشبه الإصرار على تأكيد المعنى وتثبيته لدى السامع.
وهذا كله يتضافر مع الدلالة السياقية للكلمة فى هذا المقام الذى تؤكد فيه قدرة الله تعالى على الإحياء والبعث.
فإذا انتقلنا من هذا السياق إلى سياق آخر مثل قوله تعالى على لسان لوط : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) [هود : 80] وذلك حينما بلغ به الضيق مداه من شذوذ قومه ورغبتهم الجامحة فى فعل المعصية ، ومراودتهم له عن أضيافه ذوى الوجوه الحسان ، ومن ثم لم يتمالك لوط ، ولم يلبث أن ألم به الحنق والغيظ ، بحيث توحى الدلالة الصوتية لكلمة (أن) فى هذه الآية بصورة لوط - عليهالسلام - وهو جاذّ على أسنانه ، يطيل الضغط والارتكاز فى النطق بغنة النون المشددة معبرا عن انفعاله الشديد بالغيظ والحنق من طبيعة هؤلاء القوم الدنيئة ؛ كما تأتى تلك الدلالة مختلطة بدلالة الأسى والحزن والتحسر على عدم تمكنه من الانتصار منهم أو ردهم عن طيشهم وضلالهم.
وهنا تتدخل دلالة السياق لترجيح هذا المعنى الصوتى الذى نستشفه من الآية ، كما
يتدخل توقع القارئ حدوث مثل هذا الصوت عادة فى مثل هذا الحال مما يصرف ذهنه إلى الربط بين ذلك الصوت وبين المعنى الذى يدل عليه عادة فى مثل هذا السياق.
ومن ثم فليست هناك دلالة ثابتة للصوت يمكن الدخول بها مسبقا عند تحليل الدلالة الصوتية للفظ فى سياق ما ، وذلك لأننا إذا اصطلحنا على أن الكلمة لا معنى لها خارج السياق سوى المعانى المعجمية الوضعية الغائمة ؛ فإن الصوت أشد تجريدا من الكلمة خارج السياق والسياق وحده هو الذى يكسبه دلالاته الفنية التى تختلف تماما عن دوره الذى يشارك به فى صنع الدلالة المعجمية.
والحق أن الصوت المفرد يمكن أن نتصور له دلالة فى ذاته ، كما تصورنا الدلالة المعجمية أو الإفرادية للكلمة ، بناء على سماته الصوتية من همس وجهر ، وشدة ورخاوة ، وبعد مخرج وقربه .. إلخ ، فيمكننا أن نجعل الصاد والضاد والطاء والظاء والقاف ونحوها رموزا تعبر عن الجهر والشدة والاستعلاء والتفخيم .. إلخ.
وبعكسها الحروف المهموسة. وهكذا يمكننا أن نحدد دلالة رمزية شبه وضعية لكل حرف بحسب سماته الصوتية المختلفة ، ولكننا لا يمكننا أن نفرض تلك الدلالات على النص الأدبى فرضا ؛ وذلك لأن السياق هو وحده الذى يحدد دلالة الصوت وقد يستخدمه بدلالته الرمزية شبه الوضعية وقد يعدل به عن تلك الدلالة إلى دلالة فنية جديدة يضفيها عليه ويعيره إياها ليكتسى بها ما لازم سياقه ، فإذا فارقه فارقته.
وهذا الذى ذهب إليه ريتشاردز هو ما يؤكده النقاد والمحدثون حيث يرون «أن الصوت والوزن يجب أن يدرسا كعنصرين فى مجمل العمل الفنى ، وليس معزل عن المعنى» (1).
ويرى صاحبا نظرية الأدب أن «كل عمل أدبى فنى هو - قبل كل شيء - سلسلة من الأصوات ينبعث عنها المعنى. ففى العديد من الأعمال الفنية ، بما فيها الشعر طبعا ، تلفت طبقة الصوت الانتباه ، وتؤلف بذلك جزءا لا يتجزأ من التأثير الجمالى.
ويرى الدكتور / عبد المنعم تليمة أن الجانب الأول من كيفية تعامل الشاعر مع أداته - اللغة - إنما تتبدى فى نشاط لغوى يحقق - فى العمل الشعرى - أنظمة لغوية ينتج
1) «رينيه ويلك» ، «أولين أوشين» نظرية الأدب ص 221 ، ط المجلس الأعلى للفنون والآداب ، دمشق س 1972.
التركيب من تفاعلها وتآزرها. هذه الأنظمة اللغوية - صوتية ، صرفية ، نحوية - هى الجانب التركيبى من السياق الشعرى ؛ درس جماليات النظام الصوتى ، بيان تشكيلات السياق الشعرى ، درس جماليات النظام الصوتى ؛ بيان تشكيلات الحروف وطاقاتها النغمية ، والدور الإيقاعى والجمالى للمقاطع ، ودور التغير الصوتى فى التكوين الموسيقى ، ودور الصوت عامة فى الإيقاع الشعرى متآزرا مع التشكيلات العروضية ومتجاوزا لها» (1).
هذا كله يؤكد التفات هؤلاء النقاد جميعا إلى ما للأصوات من دلالة فنية وجمالية لا يمكن تجاهلها أو إهمالها عند البحث عن جماليات العمل الأدبى ، وعن الوسائل التعبيرية المختلفة المشاركة فى تحقيق تلك الجماليات ، مع التأكيد على ما قرره ريتشاردز من قبل من عدم الفصل بين الدلالة الصوتية للألفاظ وأنواع الدلالات الأخرى الناتجة من النظر إلى الكلمة فى مستوياتها اللغوية المختلفة من معجم وصرف ونحو ومع التفات النقاد المحدثين إلى قيمة الأصوات وتأثيراتها الجمالية ، فإننا نقرر هنا أن دراسة القيمة الجمالية والدلالية للأصوات مع قلة العناية بها على المستوى النظرى لم تحظ بالطبع بعناية كافية كذلك على المستوى التطبيقى.
ولعل ذلك يرجع فى رأيى إلى الأسباب التى سبق أن أشرت إليها فى بداية هذا البحث.
وإذا كنا قد عرضنا فى الصفحات السابقة لقدر لا بأس به من الأبحاث النظرية فنتمم البحث بعرض نماذج من الإجراءات التطبيقية الرائدة فى هذا المجال ، وإن كانت قد تعرضت لهذا الموضوع عرضا ، ولم تفرده بدراسة خاصة مستقلة مفصلة.
كما أن أغلب هذه الدراسات تشترك فى سمة عامة بينها فى الموقوف على هذه الظاهرة وهى أن هؤلاء الدارسين قد وقفوا عند أحاسيسهم وأذواقهم تجاه الدلالة الصوتية للكلمات ، التى وقفوا إزاءها بالتحليل ، ولا يكاد أحد هؤلاء الدارسين يقف ليبحث كيف دلت هذه الكلمة بجرسها وأصواتها على هذا المعنى؟
إنه يقرر المعنى حسب تذوقه وإحساسه دون محاولة التعليل والتبرير أو التفسير كيف دل هذا الصوت على هذا المعنى. أو ما هى أوجه الشبه أو المحاكاة بين الصوت ومعناه؟
1) د / عبد المنعم تليمة - مداخل إلى علم الجمال الأدبى - دار الثقافة بالقاهرة - 1973.
ومعلوم أننا لا نقصد هنا تلك المحاكاة الساذجة المباشرة كتلك الأصوات المعبرة عن الطقطقة والفرقعة ؛ وإنما نقصد أوجه الشبه والمناسبة الدقيقة بين البناء الصوتى للكلمة ومعناها السياقى الذى وظفت لأجله تلك السمات الصوتية.
وسوف نعرض هنا لأهم تلك الدراسات التى تعرضت لهذا الجانب مع تتميم تلك المحاولات بما ينقصها فى نظر بحثنا هذا من التعليل والتفسير لكيفية دلالة الأصوات على المعانى التى استشعرها هؤلاء الدارسون.
فمن هذه الدراسات : دراسة د / محمد النويهى عن الشعر الجاهلى ، فقد عرض فيها لجملة من الألفاظ التى حكم عليها النقاد بالصعوبة وعدم الفصاحة ثم برر فنية تلك الألفاظ بما اشتملت عليه من صعوبة من خلال تأمله لما اشتملت عليه هذه الألفاظ من محاكاة للمعانى وقد كانت تلك التحليلات مصحوبة برده على تلك الشروط الجامدة التى اشترطها البلاغيون لفصاحة الكلمة :
يقول د / النويهى :
«أما البلاغيون والنقاد فلم يكد يزيد التفاتهم فى هذا المجال على قولهم : إن مخارج الحروف ينبغى أن تكون فصيحة ، وجعلوا أحد شروط الفصاحة عدم تنافر الحروف ، وعلى إعجابهم بالأبيات التى رأوا تحقق الفصاحة بها معبرين عن هذا الإعجاب بعبارات عامة مائعة تخلو من التحليل الدقيق ، وذمهم للأبيات التى رأوا خلوها من الفصاحة ، وحتى فى مقياسهم الذى وضعوه للفصاحة وهى عدم تنافر الحروف قد خانهم التوفيق ، لأنهم لم ينتبهوا إلى أن المعنى والعاطفة قد يقتضيان هذا التنافر ويجعلانه أمرا لازما ، انظر مثلا إلى بيت امرئ القيس يصف شعر محبوبته ، وهم يستشهدون به على قبح التنافر :
غدائره مستشزرات إلى العلا
تضل العقاص فى مثنى ومرسل
لا شك أن فى قوله : «مستشزرات» تنافرا بين الحروف يجعل الكلمة ثقيلة النطق لكن قليلا من التفكير يهدينا إلى أن هذا التنافر لازم فنيا مؤكدا أنه ينطبق على الصورة التى يريد الشاعر أن يرسمها لهذه الخصلات الكثيرة الكثيفة الثقيلة التى تتزاحم على رأس محبوبته وترتفع إلى أعلى ويغيب بعض الشعر الكثيف تحتها من مفتول ظل على انتظامه ، وغير مفتول انطلق هنا وهناك ، صورة غنية رائعة حاشدة مزدحمة ، إذا أجدنا
تصورها واستمعنا إلى «مستشزرات» أدركنا كيف أنها تقتضى هذا التنافر ، وبدأنا نستحليه ونتلذذ بتعثر لساننا فى النطق به. وهو حقا تنافر ، ولكن ما أقوى انسجامه مع الصورة المرسومة» (1).
ونستطيع أن نقول مؤيدين كلام د / النويهى ومفسرين فى الوقت نفسه لمطابقة تلك الكلمة لسياقها : إن ما عابه النقاد والبلاغيون على هذه الكلمة ورأوا فيه سببا لعدم فصاحتها هو بعينه ما نستشعر فيه أسباب إيحائها بالمعنى الذى أراد الشاعر التعبير عنه فأجاد.
وذلك لأن البلاغيين قد حكموا على هذه الكلمة بعدم الفصاحة لكون حروفها متقاربة ليست متباعدة المخارج (2)ولكون حروفها مع ذلك متنافرة «فإن فى توسيط الشين وهو من المهموسة الرخوة بين التاء وإنها من المهموسة الشديدة ، وبين الزاى وإنها من حروف الصفير المهجورة من التنافر ما لا يخفى (3)فلو قيل : (مستشرفات) لزال الثقل (4).
وإذا تأملنا هذا الذى ذكروه فى أسباب عدم فصاحة تلك الكلمة ثم وازنا بين السمات الصوتية والنطقية لتلك الحروف وبين المعنى الذى تعبر عنه لوجدناها معبرة تمام التعبير عن هذا المعنى ؛ وذلك لأن الميم شفوية ، وكلا من السين والثاء والزاى أسنانية متقاربة المخرج ، مما يجعل هذه الأحرف معبرة بهذا التقارب فى النطق الذى يتعثر فيه اللسان تعثرا شبيها بتعثر المدرى فى خصلات هذا الشعر الكثيف المتعثكل بين مثنى ومرسل.
كما يتخلل الشين تلك الأحرف ليعبر بما له من استطالة وتفش وانبساط عن استطالة ذلك الشعر وانبساطه وتفشيه وانسداله.
كذلك تشارك الراء بما لها من صفة تكرارية فى التعبير عن الكثرة والتزاحم فى تلك الخصلات الشعرية المتكررة ويضاعف المد بالألف بما له من صفات الهوى والعمق والجوفية ، والامتداد فى مضاعفة الشعور بكثرة هذا الشعر وعمقه وامتداده إلى أغوار بعيدة» (5).
ويلفتنا د / النويهى إلى «أن كلمة مستشزرات» ليست هى الكلمة المتنافرة الوحيدة فى بيتى امرئ القيس ، ومن ثم يتعرض إلى البيت السابق على هذا البيت وهو قوله :
وفرع يزين المتن أسود فاحم
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
يقول : فهذه الكلمة الأخيرة التى تبدو غريبة نافرة لمسامعنا تنسجم بحروفها وترتيب مقاطعها مع الصورة الكثيفة المتداخلة التى يريد الشاعر أن يرسمها لهذا الشعر الغزير بالتجعدات المتدلى على ظهرها ، ويستشهد بقول تأبط شرّا :
قليل إدخال الزاد إلا تعلة
فقد نشز الشر سوف والتصق المعا
يقول : لم لجأ تأبط شرّا إلى هذا التنافر فى قوله «نشز الشر سوف»؟ ألأنه بدوى متوحش عديم الفصاحة؟ بل لأنه يصف نفسه - وهو من الشعراء الصعاليك - بالجوع وقلة الطعام حتى أصابه الهزل ، فبرزت رءوس ضلوعه من صدره شاخصة للعيان.
أفكان يستطيع أن يؤدى صورته هذه أداء حيا بغير هذا التنافر؟
واستشهد الدكتور النويهى بقول الأعشى فى وصف محبوبته وضخامة أوراكها وامتلاء ذراعيها بالشحم فى تفسير هذه الظاهرة ، بقول الأعشى :
هركولة فنق درم مرافقها
كان أخمصها بالشوك منتعل
يقول : إن الشاعر يتعمد تعمدا أن يأتى بألفاظ ضخمة ليصور الصورة الضخمة التى يريد حملها إلينا.
وهذا الذى قرره د / النويهى قد أيده فيه كثير من الباحثين بعده وزادوا عليه ، بأمثلة كثيرة وقفوا فيها أمام الدلالة الصوتية لتلك الألفاظ التى حكم البلاغيون والنقاد القدامى عليها بعدم الفصاحة (1).
فمن ذلك على سبيل المثال كلمة «ضيزى» فهى ولا شك ليس لها من انسيابية النطق وجمال الوقع على الأذن ما للكلمة المرادفة لها «جائرة» لكنا نزعم أنها فى موقعها من قول الله تعالى فى سورة النجم يخاطب المشركين : (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) [النجم : 21 ، 22] دالة أبلغ دلالة على المراد ، وهو فساد القسمة ، وحيفها
1) انظر على سبيل المثال د / عبد الواحد علام - قضايا ومواقف فى التراث البلاغى ص 16 - 18 وانظر ما سوف نورده من كلام د / شفيق السيد ، د / إبراهيم عبد الرحمن.
بشكل يولد فى النفس - عند نطق الكلمة - إحساسا بثقلها وبغضها ، والنفور منها ، وهى دلالة لا تتفجر من الكلمة السابقة (1).
ونؤيد ما ذكر ونتممه ببيان أوجه المناسبة بين السمات الصوتية لتلك الكلمة ودلالتها فنقول : إن الناظر فى مناسبة تلك الكلمة لدلالتها لا يحتاج أكثر من أن يتأمل طريقة نطقه بها ، وأن ينظر إلى هيئة الفم حال النطق بها ، حيث نلاحظ أن النطق بحرف الضاد مصحوبا بحركة ياء المد يجعل الفم منفتحا بدرجة كبيرة سببها أن مخرج الضاد من حافة اللسان مما يلى الأضراس فإذا جاءت الضاد مصحوبة بالمد بالياء ، فإن ذلك يؤدى إلى انفتاح الفم انفتاحا أفقيا إلى هذه الدرجة التى هى أشبه بهيئة المشمئز من الشىء ، ويزداد الاقتراب فى الشبه بهذه الهيئة حينما ينتقل الفم فجاءة من نطق الشين ذات الكسرة الطويلة إلى نطق الزاى ذات الفتحة الطويلة (المد بالألف) مما يؤدى إلى انتقال الفم من الانفتاح الأفقى العرضى إلى الانفتاح الرأسى الطولى ليوحى بهذه الطريقة الإشارية المتولدة من نطق هذه الكلمة بدلالة النفور والاشمئزاز من تلك القسمة الجائرة التى تبعث على الاشمئزاز والأنفة من تلك العقول الفاسدة التى سوغت أن يكون الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا بينما هم لا يرضون بالإناث لأنفسهم فيتخلصون منهم بالقتل والوأد.
ويمكننا أن نقف كذلك عند الدلالة الصوتية لكلمة «اثاقلتم» من قوله تعالى فى سورة التوبة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبة : 38] لتلك الكلمة يستشعر صعوبة واضحة فى نطقها ، وليست خفيفة الوقع كذلك على الأذن ، وذلك على خلاف ما نراه فى كلمة بديلة وهى «تثاقلتم» بيد أن الأول بتشكيلها الصوتى أقوى من تصوير المراد والإيحاء به ، إذ ترسم صورة مجسمة للتباطؤ الشديد ، وتثير فى خيال قارئها وسامعها صورة ذلك الجسم المثاقل يرفعه الرافعون فى جهد فيسقط من أيديهم فى ثقل (2)وحينما نوازن بين السمات الصوتية لهذه الكلمة وبين سياقها نجد أنها قد جاءت معبرة تمام التعبير عن الفكرة التى سيقت لأجلها ؛ حيث نلاحظ
أن حرف الثاء قد جاء مكررا وهو حرف يخرج مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا فهو قريب المخرج ، وتكرره بالتشديد يصور هيئة المتثاقل المتباطئ فهو لا يبرح مكانه بل يتردد فيه ، كما أن النطق لا يزال يتردد فى مخرج الثاء يكرره ولا يبرحه ثم يأتى المد ليصور لك أن هذا المتثاقل لا يتحرك ولا يمتد إلا فى مكانه ، فهو مد خاص بهذا الحرف القريب المخرج (الثاء) الذى لا يكاد النطق يبرحه تارة بتشديده وتكريره وتارة بمده ، ثم ها هو المد يبلغ أقصاه حيث مخرج القاف أقصى اللسان ، وهنا يظن الظان أن المتثاقل قد تحرك شيئا أو جاوز مكانه فإذا به يرتد تارة أخرى إلى مكانه الذى قد قام منه وهو منطقة طرف اللسان حيث الثاء واللام والتاء ، بل إنه يتساقط ويتأخر عن مكان ابتدائه حيث يرتد إلى مخرج الميم عند الشفتين ، ولا شك أن المرء حينما ينطق بهذه الكلمة لا يكاد يصل إلى نطق تلك الميم الساكنة ، وخاصة مع إيحاء هذا المقطع الأخير (تم) حتى يستشعر أن شيئا قد سقط على الأرض فجأة محدثا هذا الصوت.
وكأن النطق بهذه الكلمة يصور هيئة المتثاقل المتساقط وهو يتردد فى قيامه ويتلعثم فيه ويتمادى فى تباطئه وذلك فى نطق الثاء المشددة الممدودة ، ثم لا يلبث أن ينهض حتى يتساقط مرتدا إلى مكان قيامه أو متجاوزا عنه إلى الخلف قليلا ، فهو لا يكاد يقوم حتى يسقط وهنا نستشعر أن الكلمة بسماتها الصوتية موحية ومعبرة عن معنى التثاقل والتباطؤ بدرجة فنية عالية لا تستطيع أن توحى بها دلالتها المعجمية وحدها.
على أن فى الآية كلمة أخرى لا تقل دلالتها الصوتية عن دلالة تلك الكلمة فى التعبير عن ذلك التثاقل والخلود إلى الأرض والركون إلى الدعة والراحة ، ألا وهى كلمة (الأرض) وذلك أنك إذا تأملت وقوفك على الضاد الساكنة بما لها من صفات الاستطالة والانبساط والتفشى لاستشعرت فيها ما يوحى به نطق الضاد من استطالة الركود والانبساط فيه ، وتفشى هؤلاء المتثاقلين واسترخائهم وتمددهم فى التصاقهم بالأرض واستنامتهم إليها.
إنها دلالة لا تلوح بها الدلالة المعجمية للكلمة ، من قريب ولا من بعيد وإنما تنفرد بها الدلالة الصوتية لهذا الحرف فى ذلك النسق والسياق الدلالى.
مثال ثالث من القرآن الكريم وذلك كلمة «يصطرخون» من قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي
كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر : 36 ، 37] فهذه الكلمة بجرسها الغليظ تصور بدقة بالغة «غلظ الصراخ المتجاوب من الكفار من كل مكان ، المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة ، كما تلقى إليك ظل الإهمال لهذا الاصطراخ الذى لا يجد من يهتم به أو يلبيه. وتلمح من وراء ذلك كله صورة ذلك العذاب الذى هم فيه يصطرخون» (1).
وهذا الذى ذكره أ/ سيد قطب بين مدى القيمة الدلالية لهذه الكلمة بهذا التشكيل الصوتى بحيث لا يعبر عن تلك القيمة تشكيل آخر ولو كان من نفس مادة الكلمة - مثل (يصرخون) فإن فى الصاد والطاء بما فيها من تفخيم وإطباق يصطدم فيه اللسان بأعلى الفم عن اللثة عن نطق الطاء يعبر تمام التعبير عن حال أهل النار الذين يحاولون الخروج من تلك وهذا هو عين ما يصطرخون به (رَبَّنا أَخْرِجْنا) فإذ بهم يجدونها مطبقة عليهم ، تصطدم محاولاتهم وأصواتهم بجدرانها فترتد إليهم خائبة ، هذا الإطباق والاصطدام هو ما يوحى به اجتماع الصاد والطاء بما لهذا الاجتماع من سمات صوتية تشبه ذلك الحال ، كما تتلاقى دلالات التفخيم فى كل من الصاد والطاء والخاء لتعبر عن ضخامة الصراخ والجؤار لأهل النار كما تعبر الراء بما لها من صفة التكرارية عن تكرر ذلك الصراخ واستمراريته ، ويشارك فى هذا حرف الواو بما له من صفة المد والهوى إلى غاية سحيقة ليدل على طول هذا الصراخ ، ثم تأتى النون فى نهاية الكلمة معبرة بانتهاء الحزينة عن مدى الحسرة والخيبة التى يئوب بها الكافر من هذا الصراخ الطويل الدائم العظيم الأليم.
والملاحظ أن هذه الدراسات الحديثة قد تركزت فى أغلبها على ما يمكن أن نسميه بلغة الأسلوبية بالاختيار الأسلوبى للأصوات ، ولكن من بين هذه الدراسات الحديثة التى التفتت إلى القيمة الفنية لدلالة الأصوات نجد بعض الدراسات التى التفتت إلى دراسة تلك الظاهرة بوصفها تكرارا أسلوبيا.
فمن هذه الدراسات دراسة د / إبراهيم عبد الرحمن فى كتابه قضايا الشعر ، حيث ينص على تسمية هذه الظاهرة بظاهرة التكرار الصوتى ، ويتوصل إلى أن الشاعر الجاهلى كان يسعى إلى تحقيقه من طريقين متقابلين : أحدهما : نمطى ، يتصل بنظام القصيدة
1) انظر سيد قطب ، التصوير الفنى فى القرآن (دار الشروق) ص 76.
القديمة كما كانت قد استقرت عليه عبر تاريخها الطويل ، وهو الالتزام بقافية واحدة وبحر واحد ، يحدث بهما الشاعر إيقاعا صوتيا واحدا فى القصيدة جميعا.
والثانى : إبداعى ، يكشف فيه الشاعر عن قدراته الخاصة فى إحداث أصوات بعينها تتكرر فى كل بيت على حدة ، فتخلق فى داخله «جناسا صوتيا» وتختلف من بيت إلى آخر ، فتخلق بين هذا البيت وغيره من أبيات القصيدة الأخرى وقوافيها ، ما يصح أن نسميه «طباقا صوتيا» ومعنى ذلك أن الشاعر القديم قد استطاع أن يقيم من هذا «التكرار الصوتى» كما يتجلى فى موسيقى الأبيات والقوافى بناء موسيقيا متنوعا ، فلزم أن تكون أصوات الأبيات الشعرية فى كل الأحوال من جنس أصوات القافية ، كما أنها تختلف من بيت إلى آخر - وهكذا مزج الشاعر فى موسيقاه بين المخالفة والمماثلة اللتين تنبعان من أصل واحد هو ما أسميناه بالتكرار الصوتى.
وقد حقق الشاعر القديم هذا التكرار الصوتى بوسائل عديدة ، نستطيع على أساس وصفى خالص أن نحصرها فى أشكال ثلاثة أولها : تكرار حروف بعينها فى كل بيت شعرى على حدة ، بحيث يحدث تكرارها أصواتا ، وإيقاعات موسيقية معينة ، والثانى : تكرار كلمات بعينها يتخيرها الشاعر تخيرا موسيقيا خاصا ، لتؤدى الشعرية إلى توفير إيقاع موسيقى خاص بكل بيت على حدة ، ويتمثل الشكل الثالث لظاهرة التكرار الصوتى فى توالى حركات تتفق أو تختلف مع حركة القافية والروى ، وقد كان الشاعر الجاهلى كثيرا ما يجمع بين شكل أو أكثر من أشكال هذا التكرار الصوتى فى البيت الشعرى الواحد (1).
ويتناول د / إبراهيم عبد الرحمن شعر الأعشى تناولا يدل على وعيه بالعلاقة المتبادلة بين التشكيل الصوتى لبعض القصائد وبين المحتوى الشعرى ، فنراه يقول :
قد اتضح لنا بمراجعة ديوان الأعشى أن عنايته قد انصرفت إلى صوت بعينه من أصوات اللين ، هو صوت ألف المد .. ومثل هذه العناية بهذا الصوت من شأنها أن تؤكد حرص الشاعر على تحقيق البطء الموسيقى فى أشعاره ، فإن هذا الصوت. من أطول الأصوات فى اللغة العربية. كما اتضح لنا أن قصائد الديوان التى جاءت قوافيها المطلقة مقرونة بحروف اللين قد غلب عليها أو قل خصصها الأعشى لموضوعين هما :
1) قضايا الشعر ص 61 - 62.
المديح والهجاء. ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نربط بين فتنة الأعشى بأصوات اللين فى أبياته وقوافيه ، وبين معانى أشعاره ، ومثل هذا الربط ضرورى ، وتفسير ذلك : إن صدق ما نذهب إليه أنه كان يريد توكيد هذه المعانى وتثبيتها. وكانت هذه الأصوات التى تحققها حروف اللين ، والتى كان يشيعها فى أبيات قصائده ويلحقها بقوافيه تتيح له مثل هذا التوكيد عن طريق التمهل ، أو قل عن طريق هذا البطء الموسيقى الذى يميز قصائده تلك (1).
ويتضح من هذا الكلام أن د / إبراهيم يربط بين الدلالة الصوتية للمد فى شعر الأعشى وبين أغراضه ومعانيه التى وظف لها تلك السمة الصوتية.
ونكاد نلمح توافقا عاما بين هذين الغرضين (المديح والهجاء) مع ظاهرة المد الصوتى لتلك القوافى المعبرة عن هذين الغرضين ، ويرجع ذلك فى رأينا إلى ما يقتضيه هذان الغرضان من الحاجة إلى تقرير المعانى وبسطها والإطناب فيها.
كما يقف د / إبراهيم وقفة أخرى ليقرر حرص الشاعر على الملاءمة بين موسيقى القصيدة معانيها ، أو قل حرصه على الملاءمة بين الصخب والضجيج والبحث الدائب عن المتعة أو الجرى وراءها ، تلك التى كان لا يريد أن يفوته شيء منها وبين موسيقى قصيدته ، فعلى الرغم من أن الأعشى أخذ ينثر فيها أصوات المد نثرا ، فإنه قد استطاع تقصير هذه الأصوات الطويلة ، والملاءمة بينها وبين الجو النفسى الذى أخذ يذيعه فى القصيدة جميعا ، جو اللهفة والمتعة ، وإذا رحنا نبحث عن الوسائل التى استغلها لتقصير هذه الأصوات ألفيناها تتركز فى حرص الشاعر على ألا يمد روى قوافيه كما اعتاد أن يفعل فى قصائده الأخرى حتى لا يعطى لقارئ هذا الشعر فرصة التمهل عند القافية قبل أن يستأنف قراءة البيت التالى (2).
والحق أن أمثال هذه الإشارات اللطيفة إلى ظاهرة التكرار الصوتى وما لها من قيمة فنية قد لفتتنا إلى ضرورة الوقوف أمام هذه الظاهرة وقفة متأنية ، فأفردناها بالدراسة ضمن بحث لنا عن ظاهرة التكرار ، نظرا لاستحقاق تلك الظاهرة لإفرادها بالبحث ، وخشية من عدم إيفائها حقها من الدراسة فى هذا البحث تجنبا للإطالة.
هذا بالنسبة لظاهرة التكرار الصوتى ، أما بالنسبة لظاهرة الاختيار الصوتى التى أوردنا هنا بعض نماذجها ، فيمكننا أن نقسمها باعتبار النظر إلى السمات الصوتية المختارة أو المنظور إلى توظيفها الفنى.
عرضنا فيما سبق فى - إطار الدلالة الصوتية - لبعض الأمثلة التى تنظر إلى الأسلوب بوصفه اختيارا ، أو بوصفه تكرارا ، ولكننا لا نكاد نجد فى هذه الدراسات ما ينظر إلى أسلوبية الأصوات باعتبارها عدولا أو انحرافا عن قاعدة ما.
وإذا ارتضينا اعتبار شيوع الظاهرة فى نص ما هو القاعدة التى يتم العدول عنها (1)؛ فإننا نستطيع أن نقرر أنه قد تم العدول الصوتى عن القاعدة الصوتية الشائعة فى القرآن الكريم - على سبيل المثال - فى عدد من المواضع لأغراض فنية ، نحاول الكشف عنها فى بعض ما نعرض من الأمثلة.
فمن المواضع العجيبة التى تمثل عدولا صوتيا عن السياق القرآنى لفظ (مجراها) بإمالة الألف لتكون قريبة من نطقها من الياء ، وذلك فى قوله تعالى : (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) [هود : 41].
حيث نلاحظ أن هذه اللفظة (مجراها) هى اللفظة الوحيدة فى السياق القرآنى كله فى قراءة حفص التى تتسم بهذه السمة الصوتية (سمة الإمالة).
وحينما نتأمل سياق الآية نستشعر مدى مناسبة هذه اللفظة لجوها السياقى ؛ فالأمر بركوب السفينة هنا متجه إلى هؤلاء المؤمنين من أتباع نوح - عليهالسلام - وقد أمروا بركوب تلك السفينة الغريبة العجيبة التى لا عهد لهم بها من قبل ، وهى راسية على بر ليس فيه قطرة ماء ، ومن هنا كان التعجب من جرى هذه السفينة وكونها وسيلة للنجاة.
فطمأنهم الله تعالى إلى أن هذه السفينة سوف تجرى بمشيئته وبركته (بسم الله) وأن جريها سوف يكون سهلا رخاء بلا معاناة ولا مشقة ، ومن ثم جاءت الإمالة فى مجراها لتعبر عن حركة تلك السفينة حيث تشق عباب الطوفان فى يسر وسهولة ورخاء.
وحينما أراد الله تعالى أن يطمئنهم لرسوها ، جاء بلفظ (مرساها) بلا إمالة ليعبر عن حال رسو السفينة وما يناسبه من الثبات والاستقرار مما لا يتلاءم مع صفة الإمالة الواردة
1) انظر الأقوال فى تحديد قاعدة العدول فى علم الأسلوب. د / صلاح فضل ص 181 مؤسسة مختار للنشر والتوزيع.
فى مجراها.
ومن ذلك قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [الفتح : 10].
فالملاحظ فى هذه الآية أنها هى الآية الوحيدة فى القرآن التى جاء ضمير الغائب الموصول فيها مضموما ؛ لأن القاعدة الشائعة فى مجيئه فى القرآن هى الكسر فيقال (عليه) بالكسر لا بالضم ؛ وذلك كما فى قوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) [الأحزاب : 37]. وكما فى قوله تعالى : (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [يونس : 123].
ومن ثم يمثل الضم فى هذه الكلمة عدولا عن القاعدة الصوتية القرآنية ، فيا ترى ما سر هذا العدول؟
إذا تأملنا سياق الآية وجدناها تتحدث عن مبايعة المؤمنين لرسول الله - صلىاللهعليهوسلم - وتعظيم الله تعالى تلك البيعة ووصفها بأنها مبايعة له هو سبحانه ، وإذا كانت البيعة لله رب العالمين فإن حقها التفخيم والتغليظ والتشديد والتوثيق ، ولذا جاء الضمير فى (عليه) مضموما إشعارا بذلك التفخيم ، وذلك ما لا يوحى به مجىء الضمير على أصل القاعدة مكسورا فى هذا السياق ، وأمر آخر يكشف عن القيمة الفنية لهذا العدول الصوتى ، وهو أن حركة الحرف السابق على لفظ الجلالة تؤثر فيه بالتفخيم والترقيق حسب القاعدة الصوتية لنطق هذا اللفظ فى القرآن الكريم ؛ فإذا جاءت الهاء فى (عليه) مكسورة كانت اللام من لفظ الجلالة مرققة ، أما حيث جاءت الهاء مضمومة فإن اللام من لفظ الجلالة تنطق مفخما فيتناسب تفخيم لفظ الجلالة مع ما يقتضيه السياق من تعظيم المعاهد ، وتفخيم شأنه ، والتحذير من نكث العهد معه.
ومن مظاهر العدول الصوتى فى القرآن الكريم كذلك ، ذلك العدول بفك الإدغام فى لفظة (يحببكم) فى قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران : 31] فالقاعدة الصوتية هنا هى الإدغام كما فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [المائدة : 54].
ويمكننا أن نعلل لفك الإدغام فى الآية الأولى بالنظر إلى سياقها فهو سياق ترغيب فى اتباع الرسول ، وبيان أنه شرط لثبوت الادعاء بمحبة العبد لربه ، ووعد بالجزاء الحسن على تلك المحبة وذلك الاتباع ، وقد جعل الله تعالى الجزاء من جنس العمل ، فجعل جزاء هؤلاء الصادقين فى محبته ، محبة مضاعفة منه سبحانه لهم فكان فى فك الإدغام فى الباء المشددة ما يشعر بمضاعفة محبته تعالى وبسطها ومدها لمن أحبه واتبع رسوله.
كما أن لهذا الفك معنى آخر نستطيع أن نستشفه من الآية وهو أن فى لفظ يحببكم بفك الإدغام من الرقة ما ليس فى اللفظ المدغم ، فالناطق بالكلمة بهذه الطريقة يستشعر - ولله المثل الأعلى - فى اللفظ تدليلا وتنعيما للمخاطبين ، كما يوحى قرب مخرج الباء الشفوية بتقريبهم ، كما يوحى إسكانهم بما فى هذه المحبة من طمأنينة القلب وسكينته.
أما فى آية المائدة التى جاءت على الإدغام فقد كان الإدغام أنسب لسياقها لكونها تتحدث عن الجهاد فى سبيل الله ، وهذا سياق يناسبه التشديد والخشونة فمن ثم جاءت الكلمة مدغمة إظهارا لذلك التشديد.
ومن مواضع العدول الصوتى العجيبة فى القرآن الكريم كذلك لفظ (يهدى) فى قوله تعالى : (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس : 35].
ونظرا لأننا سوف نختم البحث بهذه الآية فإننا سوف نتعرض لما فيها كذلك من ظاهرة اختيار صوتى للمد وتركه فى هذه الآية ، بالإضافة إلى ما فيها من عدول فى لفظ (يهدى).
حيث نلاحظ المد فى قوله تعالى : (يَهْدِي إِلَى الْحَقِ) حيث يجوز مد الياء من يهدى لوجود سببها وهو الهمزة بعدها ، بخلاف يهدى الثانية فى قوله تعالى : (يَهْدِي لِلْحَقِ) حيث يمتنع المد لامتناع سببه ، وكذلك يجوز المد فى (يَهِدِّي إِلَّا) لوجود الهمز بعد الياء ، ويمتنع فى (يهدى).
وإذا تأملنا أولا : أسباب اختيار المد فى مواضعه فى الآية مسترشدين بالسياق ، وجدنا ذلك التناسق العجيب بين الآية بسياقها وما احتف بها من دلالات أخر صوتية ومعجمية وصرفية ونحوية.
فالآية إنما تعقد مقارنة بين هداية الله تعالى لأوليائه ، ومن ثم استحقاقه للعبودية ،
وبين حال الآلهة الباطلة المزعومة من حيث العجز عن تقديم أى نوع من الهداية لشركائهم قل أم كثر ، طال طريقه أم قصر ، ولذا جاءت الآية بهذا الأسلوب الاستفهامى الإنكارى : (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ)؟ ويأتى المد فى ياء يهدى ليوحى بطول طريق الهداية لدى هؤلاء الشركاء لو هدوا ، وتتضافر دلالة المد هنا وهى دلالة صوتية مع الدلالة المعجمية لكلمة (إلى) التى تفيد بعد المسافة ، فكأن الله تعالى يقول لهم : (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ) ولو بطريق طويل بعيد؟! ويأتى الجواب فى صورة التحدى الذى لا يحتمل الموازنة والمقارنة : (قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِ) وهنا تأتى الدلالة الصوتية ممثلة فى ترك المد فى ياء يهدى إيحاء بقصر مسافة الهداية بالنسبة لله تعالى ، فهو يهدى إلى طريق مستقيم ، والطريق المستقيم هو أقصر الطرق المؤدية إلى الحق.
وتتضافر تلك الدلالة الصوتية مع الدلالة المعجمية لحرف اللام الذى يفيد قرب المسافة ولصوقها ، فهدايته سبحانه تقربك للحق وتلصقك به من أقرب الطرق وأقصرها.
ثم يأتى الاستفهام التوبيخى : (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) وهنا يأتى المد فى الهداية المنسوبة إلى الحق سبحانه ، ليصبح المعنى : أفمن يهدى إلى الحق ولو بطريق طويل - (مع أن طريق هدايته أقصر الطرق ، ولكن كأنه يعبر عن طوله فى نظر المعرضين) - أحق أن يتبع أم من لا تكون منه الهداية أصلا ولو ببطء شديد وتراخ إلى الأبد؟!.
وهنا يأتى العدول الصوتى فى كلمة (يهدى) التى لا نظير لها فى السياق القرآنى كله لتعبر بذلك التشكيل الصوتى ، وتلك الطريقة النطقية عن البطء الشديد فى الهداية يستفاد ذلك البطء من كسر الهاء التى تأتى من أقصى الحلق ليصطدم الصوت بالدال الأسنانية المشددة المكسورة التى يظل الصوت حبيسا عندها لتضعيفها ثم يتمادى به فى الهوى مع الياء الممدودة مدا طويلا ، لوجود سبب المد بعده وهو همزة إلا ، ليوحى ذلك المد بطول طريق الهداية مع بطئها الشديد كذلك.
ثم يزداد عجبك بعد ذلك إذا تأملت أن تلك الهداية مع بطئها وطولها الشديد وتراخيها الأبدى منفية كذلك على كل حال ، فهؤلاء الشركاء لا يهدون أبدا بحال من الأحوال ؛ إلا أن يهدوا ، ولا تكون الهداية إلا من الله تعالى ، فهم لا يهدون أصلا من
قبل أنفسهم.
وبهذا نرى ما لهذا العدول الصوتى من قيمة فنية فى هذا السياق ، تتضافر مع العناصر الدلالية الأخرى.
وبعد فلعلنا نكون قد وفقنا إلى إلقاء بعض الضوء على القيمة الفنية لتلك الدلالة الصوتية التى لا تزال بحاجة إلى العديد من البحوث التى تكشف عن أسرارها وغوامضها ، ولعلنا قد نوفق إلى الكشف عن بعض تلك الأسرار فى بحوث لاحقة لنا إن شاء الله تعالى.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الواحد العدل القديم. وصلى الله على صفوته محمد وآله المنتخبين.
وعليه وعليهمالسلام أجمعين.
هذا - أطال الله بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد ، بهاء الدولة وضياء الملّة ، وغياث الأمّة ، وأدام ملكه ونصره ، وسلطانه ومجده ، وتأييده وسمّوه ، وكبت شانئه وعدوّه - كتاب لم أزل على فارط الحال ، وتقادم الوقت ، ملاحظا له ، عاكف الفكر عليه ، منجذب الرأى والرويّة إليه ، وادّا أن أجد موصلا (1)أصله به ، أو خللا أرتقه بعمله ، والوقت يزداد بنواديه (2)ضيقا ، ولا ينهج لى إلى الابتداء طريقا. هذا مع إعظامى له ، وإعصامى بالأسباب المنتاطة به ، واعتقادى فيه أنه من أشرف ما صنّف فى علم العرب ، وأذهبه فى طريق القياس والنظر ، وأعوده عليه بالحيطة والصون ، وآخذه له من حصّة التوقير والأون (3)، وأجمعه للأدلّة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة : من خصائص الحكمة ، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة ، فكانت مسافر وجوهه ، ومحاسر أذرعه وسوقه ، تصف لى ما اشتملت عليه مشاعره ، وتحى (4)
الحمد لله الذى استقلّت
بإذنه السماء واطمأنّت
بإذنه الأرض وما تعنّت
وحى لها القرار فاستقرّت
ويروى : أوحى لها. انظر ديوان العجاج (218).
إلىّ بما خيطت عليه أقرابه وشواكله (5)، وترينى1) فى نسخة : مهملا.
2) نوادى الإبل : شواردها ، والمعنى : أن الوقت لا يتسع لشوارد هذا الكتاب ولا يسمح بجمعها وإيلافها.
3) التوقير مصدر ، وقر الدابة : سكنها ، ويراد به الإراحة ؛ فالمراد حصة الراحة والتخفف من حركة العمل. والأون : الدعة والسكون.
4) مضارع وحى ، وهو كأوحى. يقال : وحى إليه بكذا : أشار إليه به وأومأ. ومنه قول العجاج [من الرجز] :
5) الأقراب : جمع قرب ؛ كقفل ، وهى من الفرس خاصرته ، والشواكل واحدها شاكلة ، وهى من الفرس الجلد بين عرض الخاصرة والثفنة ، وهى الركبة.
أن تعريد (1)كل من الفريقين : البصريين والكوفيين عنه ، وتحاميهم طريق الإلمام به ، والخوض فى أدنى أوشاله (2)وخلجه (3)، فضلا عن اقتحام غماره ولججه ، إنما كان لامتناع جانبه ، وانتشار شعاعه (4)، وبادى تهاجر قوانينه وأوضاعه. وذلك أنّا لم نر أحدا من علماء البلدين (5)تعرّض لعمل أصول النحو ، على مذهب أصول الكلام والفقه. فأما كتاب أصول أبى بكر (6)فلم يلمم فيه بما نحن عليه ، إلا حرفا أو حرفين فى أوّله ، وقد تعلّق عليه به. وسنقول فى معناه.
على أن أبا الحسن (7)
أحدهم : الأخفش الأكبر ، أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد ، أحد شيوخ سيبويه.
والثانى : الأخفش الأوسط ، أبو الحسن سعيد بن مسعدة ، تلميذ سيبويه.
والثالث : الأخفش الأصغر ، أبو الحسن على بن سليمان ، من تلامذة المبرد وثعلب ، مات سنة 315 ه.
والرابع : أحمد بن عمران بن سلامة الألهانى مصنف غريب الموطإ ، مات قبل سنة 250 ه.
والخامس : أحمد بن محمد الموصلى أحد شيوخ ابن جنّى ، مصنف كتاب «تعليل القراءات» ...» ا ه. المقصود من كلام السيوطى.
واعلم أنه حيث أطلق «أبو الحسن» فى كتابنا هذا - فالمراد به الأخفش الأوسط دون غيره من الأخافش ، وهذه الكنية حيث أطلقت فى كتب النحاة : فلا يكاد يراد منها إلا أبو الحسن سعيد ابن مسعدة ، الأخفش الأوسط ، ويزعم ابن الطيب الفاسى فى شرحه على «اقتراح السيوطى» : أن هذه الكنية عند النحاة خاصة بالأخفش الأصغر على بن سليمان ، وهو وهم ظاهر منه. ولا يفوتك أن تعلم أن المجد الفيروزآبادي ذكر فى «قاموسه» أن الأخافش فى النحاة ثلاثة» ، وقد بان لك من كلام السيوطى فى المزهر أنهم أحد عشر ، فلعل صاحب القاموس يريد بالأخافش من النحاة المشهورين من المتقدمين ، وهم الأكبر والأوسط والأصغر (انظر : المزهر : (2 / 453 ، 454) ، والقاموس (خفش).
قد كان صنّف فى شيء من المقاييس كتيبا ، إذا أنت قرنته1) التعريد : الهرب والفرار.
2) أوشال : جمع وشل ، وهو القليل من الماء.
3) خلج : جمع خلوج ، وهو النهر ، أو شرم من البحر. ويأتى الخليج وجمعه خلج بمعنى الماء الكثير فعلى هذا تكون مطابقة بين الوشل والخلج ، القاموس (خلج) ، وقد يكون الخلج هنا جمع خلوج بمعنى القليل من الماء لأن النهر أقل من البحر ، أو لأن الخلج شرم من البحر ، ولعل هذا هو الأولى لتكون هناك مقابلة بين كل من الأوشال والخلج فى مقابل الغمار واللجج.
4) انتشار شعاعه ، يعنى : انتشار متفرّقه ؛ تقول : ذهبوا شعاعا ، أى : متفرّقين ، وطار فؤاده شعاعا : تفرقت همومه. القاموس (شعع).
5) البلدان : البصرة والكوفة.
6) هو ابن السراج محمد بن السرىّ ، توفى سنة 316 ه. وهو المعنىّ بأبى بكر حيث أطلق. وكتاب «الأصول» له لا يعنى ببيان أصول النحو إلا لماما حرفا أو حرفين - كما قال ابن جنى - إنما موضوعه : أصول القواعد النحوية ، لا أصول الأدلة النحوية من السماع والإجماع والقياس والاستصحاب. انظر مقدمة محققه د. حسين الفتلى.
7) هو الأخفش سعيد بن مسعدة توفى سنة 210 ه ، وهو الأخفش الأوسط. والأخافش أحد عشر ، ذكرهم السيوطى فى كتابه «المزهر» فى النوع السابع والأربعين من علوم اللغة ، وهو «معرفة المتفق والمفترق» الفصل الأول : فيما يتعلّق بأئمة اللغة والنحو ، قال : «الأخفش أحد عشر نحويا:
بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه ، وكفيناه كلفة التعب به ، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا ، المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا ، حتى دعا ذلك أقواما نزرت (1)من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم ، وتأخّرت عن إدراكه أقدامهم ، إلى الطعن عليه ، والقدح فى احتجاجاته وعلله. وسترى ذلك مشروحا فى الفصول بإذن الله تعالى.
ثم إن بعض من يعتادنى ، ويلمّ لقراءة هذا العلم بى ، ممن آنس بصحبته لى ، وأرتضى حال أخذه عنى ، سأل فأطال المسألة ، وأكثر الحفاوة والملاينة ، أن أمضى الرأى فى إنشاء هذا الكتاب ، وأوليه طرفا من العناية والانصباب. فجمعت بين ما أعتقده : من وجوب ذلك علىّ ، إلى (2)ما أوثره من إجابة هذا السائل لى. فبدأت به ، ووضعت يدى فيه ، واستعنت الله على عمله ، واستمددته سبحانه من إرشاده وتوفيقه وهو - عزّ اسمه - مؤتى ذاك بقدرته ، وطوله ومشيئته.
1) نزرت : أى قلّت وندرت.
2) الواجب فى العربية أن يقال : جمعت بين كذا وكذا ، أو : جمعت كذا إلى كذا ، فقول ابن جنى : «فجمعت بين ما أعتقده ... إلى ما أوثره ...» توهّم أنه قال أولا : «فجمعت ما أعتقده» بدون ذكر ل- «بين» ؛ فقال : «إلى ما أوثره» ، وإجراء الكلام على التوهم باب فى النحو واللغة مطروق ، وسبيل فيه مهيع. وقد علّق الأستاذ محمد على النجار - رحمهالله - على هذا الموضع ، فقال : (الواجب فى العربية أن يقال : «وما ... إلخ» ، ولكنه راعى فى الجمع معنى الضم) ا ه كلامه ، لكن هذا الجواب لا ينهض ؛ لأن معنى الضم مراد من «الجمع» اعتبار ؛ فلو أنك وضعت : «فضممت» مكان قول ابن جنى «فجمعت» ، لما استقامت معك العبارة ، ولا سلست لك ، اللهم إلا على ما ذكرنا لك من التوهّم والحسبان ، فاعلم ذلك وقس عليه تخريج نظائره مما تلفيه من عبارات ابن جنى فى هذا الكتاب وغيره.
ولنقدّم أمام القول على فرق بينهما (1)
الأول : كثرة النسخ التى فيها : «فرق بينهما» ، وتفرّد النسخة التى فيها : «الفرق بينهما».
الثانى : أن قوله : «فرق بينهما» تقرأ بإضافة «فرق» إلى «بينهما» والبين» هنا : الوصل والاجتماع ؛ إذ البين - فى لغة العرب - من الأضداد ، وهو ظرف متصرّف ، يقع ظرفا وغير ظرف ، وقد قرأ أكثر السبعة - ابن كثير وأبو عمرو وغيرهما - : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)[الأنعام : 94] برفع «بينكم». وبإضافة «فرق» إلى «بينهما» فى قول ابن جنى : يتحقق السجع مع قوله : «أحوال تصاريفهما» بالإضافة أيضا لانكسار الهاء فيهما ، لانكسار ما قبلها ، وهذا يفوت بما فى النسخة الفردة : «الفرق بينهما» ، واعتبار السجع وتوافق الفواصل فى كلام أهل العلم - مراعى ومقصود ، وليس لنا ألا نعتبره. الثالث : أن ما فى أكثر النسخ : «فرق بينهما» أوفق بعبارات ابن جنى ، ونسق أسلوبه ، وإنك لواجده ، ويحمل ما تشابه من كلام المؤلفين فى موضع على ما اطرد وأحكم منه فى موضع آخر ، فاعتبر ذلك هنا.
، طرفا من ذكر أحوال تصاريفهما ، واشتقاقهما ، مع تقلب حروفهما ؛ فإن هذا موضع يتجاوز قدر الاشتقاق ، ويعلوه إلى ما فوقه. وستراه فتجده طريقا غريبا ، ومسلكا من هذه اللغة الشريفة عجيبا.فأقول : إنّ معنى «ق و ل» أين وجدت ، وكيف تصرّفت (2)، من تقدّم بعض حروفها على بعض ، وتأخّره عنه ، إنما هو للخفوف (3)والحركة. وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها ، لم يهمل شيء منها. وهى : «ق و ل» ، «ق ل و» ، «و ق ل» ،
1) فى نسخة : «الفرق بينهما» ، وما فى سائر النسخ أولى ؛ لأمور :
2) فى بعض النسخ : «وقعت».
3) كذا فى النسخ ، ولو قال : «إنما هو الخفوف» لكان يشبه أن يكون أقرب ، وهو من قولهم : خف القوم خفوفا : إذا ارتحلوا مسرعين. والظاهر : أن ابن جنى حاول بهذا تأكيد اختصاص معنى «ق و ل» بالخفوف والحركة ، وإنما يتأتى تأكيد الاختصاص هنا بأداتين له ، هما : «إنّما» ، و «لام الاختصاص» فى قوله : «للخفوف». وكون اللام للاختصاص مما ذكر النحاة فى كتبهم ، ومثلوا له بمثل قولهم : اللجام للفرس». فإن يكن ابن جنى حاول هذا المعنى ، فقد جاء لفظه مطابقا لما حاول منه ويكون - حينئذ - أنسب بالسياق ، وأوفق له.
«و ل ق» ، «ل ق و» ، «ل و ق».
الأصل الأوّل «ق و ل» وهو القول. وذلك أن الفم واللسان يخفّان له ، ويقلقان ويمذلان (1)به. وهو بضد السكوت ، الذى هو داعية إلى السكون ؛ ألا ترى أن الابتداء لما كان أخذا فى القول ، لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركا ، ولمّا كان الانتهاء أخذا فى السكوت ، لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنا (2).
الأصل الثانى «ق ل و» منه القلو : حمار الوحش ؛ وذلك لخفّته وإسراعه ؛ قال العجّاج :
قوداء لا تحمل إلا مخدجا
كالقوس ردّت غير ما أن تعوجا
تواضخ التقريب قلوا محلجا
جأبا ترى تليله مسحّجا
وقوله : «تواضخ التقريب» أى : تجتهد مع فحلها فى الجرى ، وأصل المواضخة : المباراة فى الاستقاء بالدلاء ، وهو أن يستقى الرجل دلوا والآخر دلوا ، والتقريب : نوع من الجرى وهو أن يرفع يديه معا ، ويضعهما معا ؛ كما فى قول امرئ القيس :
له أيطلا ظبى وساقا نعامة
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
والمغلج - أو المحلج فى رواية الديوان - أى : الشديد المدمج ، يقول : هو مطوىّ مثل المغلج ، أو المحلج ، يقول : عوده شديد ، وخلقه شديد. أو : المغلج : هو الذى يطرد أتنه ، يعنى : الفحل. وانظر الأرجوزة بتمامها - مع شرحها - فى «ديوان العجاج» (ص 271 - 303).
*ومنه قولهم «قلوت البسر والسّويق ، فهما مقلوّان» وذلك لأن الشىء إذا قلى جفّ وخفّ ، وكان أسرع إلى الحركة وألطف ، ومنه قولهم «اقلوليت يا رجل» قال :
1) من قولهم : مذل مذلا ، أى : ضجر وقلق ، فهو مذل ، وهى مذلة ، وفيها لغتان : مذل يمذل مذلا ، من باب فرح ، ومذل يمذل مذلا ، من باب نصر. انظر «تهذيب لسان العرب» (مذل).
2) ولذلك فلا يبتدأ إلا بمتحرك ، فإن بدئ بساكن ، اجتلبت له همزة وصل متحركة يبتدأ بها ؛ ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ، وكذا لا يوقف إلا على ساكن ؛ لأنه موضع راحة وسكون ، فإن وقف على متحرك ، اجتلبت له هاء السكت - وهى ساكنة - ليوقف عليها.
3) الرجز للعجّاج فى ديوانه 2 / 51 ، ولسان العرب 3 / 67 (وضخ) ، وبلا نسبة فى كتاب العين 4 / 283. ويروى : محلجا. وهو من أرجوزة طويلة له ، يصف أتانا له ، وفيها :
كأنّ تحتى ذات شغب سمحجا
قد عجبت منى ومن يعيليا
لمّا رأتنى خلقا مقلوليا (1)
أى خفيفا للكبر وطائشا ؛ وقال :
وسرب كعين الرمل عوج إلى الصّبا
رواعف بالجادىّ حور المدامع (2)
سمعن غناء بعد ما نمن نومة
من الليل فاقلولين فوق المضاجع (3)
والبيت فى «أساس البلاغة» للزمخشرى مادة (قلو): «اقلولى الرجل : استوفز وتجافى عن مكانه ؛ قال:
سمعن غنائى بعد ما نمن نومة
من الليل فاقلولين فوق المضاجع»
وروايته : «غنائى» بالإضافة إلى ياء المتكلم مكان رواية ابن جنى «غناء» ، ولعلها أولى بمراد الشاعر ، وما ساق له حديثه ، من أنه يطرب هؤلاء الغانيات الحسان بغنائه وشجوه ، والأمر على ما تراه.
أى خففن لذكره وقلقن فزال عنهنّ نومهنّ واستثقالهنّ على الأرض. وبهذا يعلم أن لام اقلوليت واو ، لا ياء. فأمّا لام اذلوليت (4)فمشكوك فيها.
ومن هذا الأصل أيضا قوله :
1) الرجز للفرزدق فى الدرر 1 / 102 ؛ وشرح التصريح 2 / 228 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 139 ، وشرح الأشمونى 2 / 541 ، والكتاب 3 / 315 ، ولسان العرب 15 / 94 (علا) ، 15 / 200 (فلا) وما ينصرف وما لا ينصرف ص 114 ، والمقتضب 1 / 142 ؛ والممتع فى التصريف 2 / 557 ، والمنصف 2 / 68 ، 79 ، 3 / 67 ، وهمع الهوامع 1 / 36 ، وتهذيب اللغة 9 / 297 ، وكتاب العين 5 / 212 ، وتاج العروس (علا) ، (قلا).
2) يصف نساء حسانا ، وقوله : «كعين الرمل» يريد : كبقر الوحش ، تشبهنها فى اتساع عيونها وجمالها ، والعين : جمع عيناء ، وعوج : جمع أعوج ، أى : ميل ، والجادىّ - بالجيم لا بالحاء - : الزعفران ؛ يريد : أن رائحة الزعفران تظهر فى أنوفهن ؛ فكأنما هو أثر رعافهنّ ، والرعاف : خروج الدم من الأنف ، تقول : رعف يرعف ، من بابى نصر وفتح ، وحسن ، وطرب وهو راعف ، وهى راعفة ، وجمع راعفة : رواعف ، وقيل للذى يخرج من الأنف : رعاف ؛ لسبقه علم الراعف. (نجار) بتصرف وزيادات انظر «تهذيب لسان العرب» (رعف).
3) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب 15 / 200 (قلا) ، وتاج العروس (قلا).
4) اذلولى : ذل وانقاد. (نجار).
أقبّ كمقلاء الوليد خميص (1)
فأصدرها تعلو النجاد عشية*
*فهو مفعال من قلوت بالقلة ، ومذكرها القال ؛ قال الراجز :
فكأنّ القال مقلوب قلوت ، وياء القيلان مقلوبة عن واو ، وهى لام قلوت ، ومثال الكلمة (3)فلعان. ونحوها عندى فى القلب قولهم «باز» ومثاله فلع ، واللام منه واو ؛ لقولهم فى تكسيره : ثلاثة أبواز ، ومثالها أفلاع. ويدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه : من قلب هذه الكلمة قولهم فيها «البازى» وقالوا فى تكسيرها «بزاة» و «بواز» ؛ أنشدنا أبو علىّ (4)لذى الرمّة :
كأنّ على أنيابها كل سدفة
صياح البوازى من صريف اللوائك (5)
وقال جرير :
إذا اجتمعوا علىّ فخلّ عنهم
وعن باز يصكّ حباريات (6)
فهذا فاعل ؛ لاطّراد الإمالة فى ألفه ، وهى فى فاعل أكثر منها فى نحو مال وباب.
1) عجز البيت من الطويل ، وهو لمرأى القيس فى ديوانه ص 180 ، ولسان العرب (قلا) ، وجمهرة اللغة ص 1243 ، والمخصص 15 / 139 ، وتاج العروس (قلا) ، وصدره :
2) الرجز بلا نسبة فى لسان لعرب (قول) ، وتاج العروس (قول).
3) مثال الكلمة : فلعان : يعنى : ميزانها الصرفى : فلعان ، فهم يقولون : مثال الكلمة : كذا ، أو : وزانها : كذا ، أو : وزنها : كذا ، أو : ميزانها : كذا ، كل ذلك بمعنى واحد ، يعنون : الوزن الصرفى المعروف ، فاعرفه ؛ فإنه سيأتيك بكثرة!
4) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسى ، الإمام فى العربية ، أخذ عن الزجاج وابن السراج ، وهو أستاذ ابن جنى ومخرجه ، وله الآثار الجليلة ، توفى ببغداد سنة 377 ه. انظر البغية (216).
5) ديوانه ص 192 ، وفى أسرار البلاغة ص 72 ، وفيه (سحرة) مكان (سدفة) ، وفى الكامل 19 / 7 طبعة المرصفى. (نجار). السّدفة : الظلمة ، واللوائك ، يريد : المواضع من الأسنان ، وهو فى وصف الإبل.
6) البيت من الوافر ، وهو لجرير فى ديوانه ص 827 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 143.
وحدثنا أبو علىّ سنة إحدى وأربعين (1)، قال : قال أبو سعيد ، الحسن بن الحسين : «باز» وثلاثة «أبواز» فإن كثرت فهى «البيزان» فهذا فلع ، وثلاثة أفلاع ، وهى الفلعان.
ويدلّ على أن تركيب هذه الكلمة من «ب ز و» أن الفعل منها عليه تصرف ؛ وهو قولهم «بزا ، يبزو» إذا غلب وعلا ، ومنه البازى - وهو فى الأصل اسم الفاعل ، ثم استعمل استعمال الأسماء ، كصاحب ووالد - وبزاة وبواز يؤكّد ذلك ، وعليه بقيّة الباب من أبزى وبزواء ، وقوله :
فتبازت فتبازخت لها (2)
جلسة الجازر يستنجى الوتر*
وتبازت ، أى : رفعت مؤخرها ، وتبارخت : مشيت مشية العجوز ، أقامت صلبها ، فتأخر كاهلها. (نجار ، باختصار).
*والبزا ، لأن ذلك كله شدة ومقاولة (3)فاعرفه.
فمقلاء من قلوت ، وذلك أن القال - وهو المقلاء - هو العصا التى يضرب بها القلة ، وهى الصغيرة ، وذلك لاستعمالها فى الضرب بها.
الثالث «وق ل» منه الوقل للوعل ، وذلك لحركته ، وقالوا : توقّل فى الجبل : إذا صعّد فيه ، وذلك لا يكون إلا مع الحركة والاعتمال. قال ابن مقبل :
عودا أحمّ القرا ، إزمولة وقلا
يأتى تراث أبيه يتبع القذفا (4)
1) أى : سنة إحدى وأربعين بعد الثلاثمائة ، لأن أبا على الفارسى توفى سنة 377 ه.
2) صدر لبيت من الرمل ، وهو لعبد الرحمن بن حسان فى لسان العرب (بزخ) (بزا) ، (نجا) ، وتهذيب اللغة 7 / 214 ، 11 / 201 ، 13 / 268 ، والمخصّص 2 / 17 ، 15 / 173 ، وتاج العروس (بزخ) (بزا) ، (نجا). وعجزه :
3) «كذا فى الأصول ، ويبدو لى أن هذا تحريف : «مصاولة». (نجار).
4) البيت من البسيط ، وهو لتميم بن مقبل فى ديوانه ص 183 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 419 ، والكتاب 4 / 246 ، ولسان العرب (قذف) ، (زمل) ، (وقل) ، وتاج العروس (قذف) ، (زمل) ، وبلا نسبة فى المنصف 3 / 59. العود : الجمل المسن ، وفيه بقية ، والجمع : عودة ، وقد عوّد البعير تعويدا : إذا مضت له ثلاث سنين بعد بزوله أو أربع. وقوله : «أحم القرا» أى : أسود الظهر ، و «إزمولة» : خفيفا ، وقوله : يأتى تراث أبيه» أى : يفعل فعل أبيه فى التصعيد فى الجبال ، و «القذف» واحده : قذفة - كغرفة وغرف - وهى : ما أشرف من الجبال. (نجار مع زيادة) وانظر «تهذيب لسان العرب» : (عود).
الرابع «ول ق» قالوا : ولق يلق : إذا أسرع. قال :
جاءت به عنس من الشام تلق (1)
يدعى الجليد وهو فينا الزّمّلق*
ورجل زلق وزملق ، وزمالق ، وزمّلق ، أى : الذى ينزل قبل أن يجامع.
*أى تخفّ وتسرع. وقرئ (2)
أى : تخف وتسرع ، وأصله : تلقفون فيه أو إليه ؛ فحذف حرف الجر ، وأوصل الفعل إلى المفعول ؛ كقوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً)[الأعراف : 155] أى : من قومه ، والهاء [أى من «تلقونه»] ضمير الإفك الذى تقدم ذكره» ؛ وبهذا النقل عن ابن جنى فى «محتسبه» يمكنك أن تجزم بثبوت ما ذكره الشيخ محمد على النجار احتمالا فى تعليقه على هذا الموضع من الخصائص ، قال : «وكأن الأصل : تخفون فيه» فحذف الجار ، وأوصل الضمير بالفعل» وفى ج : «تخفونه» ا ه كلامه ، فلو رجع الشيخ إلى المحتسب» ، لجزم دون احتمال! انظر المحتسب (2 / 104 ، 105).
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) [النور : 15] أى تخفّون وتسرعون. وعلى هذا فقد يمكن أن يكون الأولق (3)وفى تهذيب اللسان (ولق): «الأولق : الجنون ، وقيل : الخفة من النشاط ؛ كالجنون». فقد ذكرت كلمة «الأولق» فى مادتين (ألق) ، (ولق).
فوعلا من هذا اللفظ ، وأن1) صدر البيت من الرجز للشماخ فى ديوانه ص 453 ، ولسان العرب (زلق) ، (ولق) ، وللقلاح ابن حزن فى شرح شواهد الإيضاح ص 622 ، وشرح المفصل 9 / 145 ، ولسان العرب (زملق) ، (زلق) ، وتاج العروس (ولق) وبلا نسبة فى لسان العرب (جوع) ، (أنق) (زلق) ، (شول) والشعر والشعراء 2 / 602 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 15 ، والمحتسب 2 / 104 ، وجمهرة اللغة ص 1167 ، وتاج العروس (جوع) ، (أنق) ، (شول) ، وتهذيب اللغة 3 / 51 ، 8 / 433 ، 9 / 309 ، 323 ، 402 ، 11 / 411 ، وكتاب العين 2 / 185 ، 5 / 221 ، 256 ، 6 / 285 ، ومقاييس اللغة 1 / 148 ، 3 / 22 ، 6 / 145 ، والمخصص 3 / 54 ، 5 / 33 ، 111 ، 115 ، 7 / 109 ، 13 / 135 ، وأساس البلاغة (ولق) ، وعجزه :
2) قراءة شاذّة ، نسبها أبو حيان فى البحر (سورة النور آية 15) إلى : عائشة ، وابن عباس ، وعيسى ابن عمر ، وزيد بن على ، وفى «المحتسب» : «ومن ذلك قراءة عائشة ، وابن عباس - رضى الله عنهما - وابن يعمر ، وعثمان الثقفى : (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ)[النور : 15]» ثم قال فى توجيه هذه القراءة : «أمّان تلقونه» ف [بمعنى] : تسرعون فيه ، وتخفون إليه ، قال الراجز :
3) الأولق والألق والألاق : الجنون ، نقول : قد ألقه الله يألقه ألقا - من باب ضرب - ويقال للمجنون : مؤولق. تهذيب لسان العرب (ألق) بتصرف.
يكون أيضا أفعل منه. فإذا كان أفعل فأمره ظاهر ، وإن سميت به لم تصرفه معرفة ، وإن كان فوعلا فأصله وولق ، فلما التقت الواوان فى أوّل الكلمة أبدلت الأولى همزة ؛ لاستثقالها أوّلا ، كقولك فى تحقير واصل : أويصل (1). ولو سميت بأولق على هذا لصرفته. والذى حملته الجماعة عليه أنه فوعل من تألّق البرق ، إذا خفق ، وذلك لأن الخفوق مما يصحبه الانزعاج والاضطراب. على أن أبا إسحاق (2)قد كان يجيز فيه أن يكون أفعل ، من ولق يلق. والوجه فيه ما عليه الكافّة (3): من كونه فوعلا من «أل ق» وهو قولهم «ألق الرجل فهو مألوق» ألا ترى إلى إنشاد أبى زيد فيه :
تراقب عيناها القطيع كأنما
يخالطها من مسه مس أولق (4)
وقد قالوا منه (5): ناقة مسعورة أى مجنونة ، وقيل فى قول الله سبحانه : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) [القمر : 47] إن السّعر هو الجنون (6)، وشاهد هذا القول قول القطامىّ :
يتبعن سامية العينين تحسبها
مسعورة أو ترى ما لا ترى الإبل (7)
(نجار).
1) يعنى : تقول فى تصغير واصل : أويصل ، على «فعيعل» والأصل : وويصل ، قلبت الواو الأولى همزة.
2) يريد أبا إسحاق ، وكانت وفاته سنة 310 ه.
3) قوله : «الكافّة» استعمل كافّة على غير ما عرف عند غيره من ملازمتها التنكير والتأخير ، والنصب على الحالية ، ولعلّه سبق بهذا ؛ فليس هو فى هذا ببدع ، وقد تابعه كثير من اللاحقين ؛ كما تراه فى عبارات المصنفين بعده.
4) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (ولق) ، وجمهرة اللغة ص 109.
5) يعنى : قد قالوا من معنى البيت : ناقة مسعورة ، أى : مجنونة ، وهو وصف للناقة ب- «الأولق» الذى هو الجنون.
6) ويرى غيره أن «سعرا» جمع سعير ، للنار.
7) «مسعورة» روى مجنونة ، وسامية العينين : رافعتهما ، أو ترى ما لا ترى الإبل فهى تفزع منه لنشاطها. يصف ناقة يتبعها الإبل فى السير ، وهو فى لاميته :
(الخامس) «ل و ق» جاء فى الحديث «لا آكل من الطعام إلا ما لوّق لى» (1)أى ما خدم وأعملت اليد فى تحريكه ، وتلبيقه (2)، حتى يطمئن وتتضامّ جهاته. ومنه اللّوقة للزبدة ، وذلك لخفّتها وإسراع حركتها ، وأنها ليست لها مسكة الجبن ، وثقل المصل ونحوهما. وتوهم قوم أن الألوقة - لما كانت هى اللوقة فى المعنى ، وتقاربت حروفهما - من لفظها (3)، وذلك باطل ؛ لأنه لو كانت من هذا اللفظ لوجب تصحيح عينها ؛ إذ كانت الزيادة فى أوّلها من زيادة الفعل ، والمثال مثاله ، فكان يجب على هذا أن تكون ألوقة كما قالوا فى أثوب وأسوق وأعين وأنيب بالصحة ، ليفرق بذلك بين الاسم والفعل ، وهذا واضح (4). وإنما الألوقة فعولة من تألق البرق إذا لمع وبرق واضطرب ، وذلك لبريق الزبدة واضطرابها.
(السادس) «ل ق و» منه اللّقوة للعقاب ، قيل لها ذلك لخفّتها وسرعة طيرانها ؛ قال :
كأنى بفتخاء الجناحين لقوة
دفوف من العقبان طأطأت شملال (5)
والبيت من قصيدته اللامية التى مطلعها :
ألا عم صباحا أيها الطلل البالى
وهل يعمن من كان فى العصر الخالى
ويروى :
................................
صيود من العقبان طأطأت شملال
وفتخاء الجناحين : لينتهما واللقوة : السريعة من العقبان ، ودفوف : أى : تدنو من الأرض فى طيرانها ، ومعنى : طأطأت : دانيت وخفّضت ، الشملال : الخفيفة السريعة ، يقول : كأنى - بطأطأتى هذه الفرس - طأطأت عقابا ليّنة الجناحين منتفختهما عند الطيران فى سهولة وتأنّ. ديوان امرئ القيس (ص 38).
1) الحديث ذكره أبو عبيد فى «غريب الحديث» ، (2 / 245) ، عن عبادة من قوله ، وفيه : «ألا ترون أنى لا أقوم إلا رفدا ، ولا آكل إلا ما لوق لى ...».
2) لبّق الزبد : إذا خلطه بالسمن ولينه : (نجار).
3) «من لفظها» : خبر «أنّ» ، يعنى : أن الألوقة : من لفظ اللوقة.
4) يعنى : ليفرق بذلك بين الاسم بتصحيح عينه ، والفعل بإعلال عينه.
5) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 38 ، ولسان العرب (دفف) (شمل) ، وتهذيب اللغة 7 / 308 ، 11 / 372 ، وجمهرة اللغة ص 227 ، وتاج العروس (دفف) ، وكتاب الجيم 3 / 218 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (فتخ) ، وتاج العروس (فتخ) ، والمخصص 7 / 125.
ومنه اللقوة (1)فى الوجه. والتقاؤهما أن الوجه اضطرب شكله ، فكأنه خفّة فيه ، وطيش منه ، وليست له مسكة الصحيح ، ووفور المستقيم.
ومنه قوله :
واللّقوة : الناقة السريعة اللّقاح ، وذلك أنها أسرعت إلى ماء الفحل فقبلته ، ولم تنب عنه نبوّ العاقر.
فهذه الطرائق التى نحن فيها حزنة المذاهب ، والتورّد لها وعر المسلك ، ولا يجب مع هذا أن تستنكر ، ولا تستبعد ؛ فقد كان أبو على رحمهالله يراها ويأخذ بها ؛ ألا تراه غلّب كون لام أثفيّة (3)- فيمن جعلها أفعولة - واوا ، على كونها ياء ، - وإن كانوا قد قالوا «جاء يثفوه ويثفيه» (4)- بقولهم «جاء يثفه» قال : فيثفه لا يكون إلا من الواو ، ولم يحفل بالحرف الشاذّ من هذا ، وهو قولهم «يئس» مثل يعس ؛ لقلّته. فلمّا وجد فاء وثف واوا قوى عنده فى أثفية كون لامها واوا ، فتأنّس للام بموضع الفاء ، على بعد بينهما.
وشاهدته غير مرّة ، إذا أشكل عليه الحرف : الفاء ، أو العين ، أو اللام ، استعان على علمه ومعرفته بتقليب أصول المثال الذى ذلك الحرف فيه. فهذا أغرب مأخذا
1) اللّقوة : داء يكون فى الوجه يعوجّ منه الشدق ، فيكون الوجه مائلا إلى أحد الجانبين ، ورجل ملقوّ : إذا أصابته اللّقوة. تهذيب لسان العرب» : (لقو).
2) هذا مثل يضرب للرجلين يكونان متفقين على رأى ومذهب - دون التقاء - فلا يلبثان أن يلتقيا فيصطحبا ويتصافيا. واللقوة - كما فسّرها ابن جنى فى هذا الكتاب - : السريعة اللقاح ، والقبيس : الفحل السريع الإلقاح ، أى : لا إبطاء عندهما فى الإنتاج ، وانظر اللسان (لقو). (نجار بزيادة يسيرة).
3) الأثفية : ما يوضع عليه القدر ، والجمع : أثافىّ وأثاثى ، وثفىّ القدر وأثفاها : جعلها على الأثافى ، ورماه الله بثالثة الأثافى ؛ مثل ، يعنى به : الجبل ؛ لأنه يجعل صخرتان إلى جانبه ، وينصب عليه وعليهما القدر ، فمعناه : رماه الله بما لا يقوم به ، وقيل : معنى قولهم : «رماه الله بثالثة الأثافى» أى : رماه الله بالشر كله ، فجعله أثفية بعد أثفية حتى إذا رمى بالثالثة ، لم يترك منها غاية ، والأثفية : حجر مثل رأس الإنسان ، وجمعها : أثافىّ ، بالتشديد ، ويجوز التخفيف ، وتنصب القدور عليها. لسان العرب : (ثفى).
4) يعنى : يتبعه ويأتى على إثره ، اللسان (ثفى).
مما تقتضيه صناعة الاشتقاق ؛ لأن ذلك إنما يلتزم فيه شرج (1)واحد من تتالى الحروف ، من غير تقليب لها ولا تحريف. وقد كان الناس : أبو بكر رحمهالله وغيره من تلك الطبقة ، استسرفوا (2)أبا إسحاق رحمهالله ، فيما تجشمه من قوّة حشده ، وضمّه شعاع ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله. فأمّا أن يتكلّف تقليب الأصل ، ووضع كل واحد من أحنائه موضع صاحبه ، فشىء لم يعرض له ولا تضمّن عهدته. وقد قال أبو بكر : «من عرف أنس ، ومن جهل استوحش» وإذا قام الشاهد والدليل ، وضح المنهج والسبيل.
وبعد فقد ترى ما قدّمنا فى هذا أنفا (3)، وفيه كاف من غيره ؛ على أن هذا وإن لم يطّرد وينقد فى كل أصل ، فالعذر على كل حال فيه أبين منه فى الأصل الواحد ، من غير تقليب لشيء من حروفه ، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضيّة الاشتقاق له كان فيما تقلبت أصوله : فاؤه وعينه ، ولامه ، أسهل ، والمعذرة فيه أوضح.
وعلى أنك إن أنعمت النظر ولا طفته ، وتركت الضجر وتحاميته ، لم تكد تعدم قرب بعض من بعض ، وإذا تأمّلت ذاك وجدته بإذن الله.
1) الشرج - بالجيم - : الضّرب ؛ يقال : هما شرج واحد ، وعلى شرج واحد ، أى : ضرب واحد ، ويقال : هو شريج هذا وشرجه ، أى : مثله. اللسان (شرج).
2) استسرفت فلانا - بسينين مهملتين بينهما تاء فوقانية - أى : عددته مسرفا ، وهو يعنى : أن النحاة - أبا بكر بن السّرّاج وغيره - كانوا يعدّون أبا إسحاق الزجّاج من المسرفين المغالين فى هذا الباب ، أعنى : طرده الاشتقاق بأنواعه فيما يعن له عند النظر فى معنى كلمة ، أو فى معرفة أصل حرف من حروف الكلمة - : الفاء ، والعين ، واللام. وانظر فى استسراف النحويين للزجاج فى طرده الاشتقاق : ترجمته فى «معجم الأدباء» (1 / 144) طبعة الحلبى.
3) «أنفا» على وزن عنق ، أى : لم يسبق به ، وأصله من قولهم : «روضة أنف» : لم يرعها أحد ، وفى المحكم : أى : لم توطأ ، ومن ذلك سمّى الإمام المحدث أبو القاسم السهيلى شرحه على «سيرة ابن هشام» ب- «الرّوض الأنف». ومن ذلك - أيضا - قال المعتزلة : «إن الأمر أنف» يعنى : أن الله لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها أما قبل وقوعها فلا ، يعنى : أن الأشياء لا تعلم قبل وقوعها ؛ فالأمر أنف ؛ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ، علم سبحانه ما كان وما هو كائن ، وما سيكون وما سوف يكون ، بل ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، نسأل الله الهدى!
وأما «ك ل م» فهذه أيضا حالها ، وذلك أنها حيث تقلبت فمعناها الدلالة على القوّة والشدّة. والمستعمل منها أصول خمسة ، وهى : «ك ل م» «ك م ل» «ل ك م» «م ك ل» «م ل ك» وأهملت (1)منه «ل م ك» ، فلم تأت فى ثبت.
فمن ذلك الأصل الأوّل «ك ل م» منه الكلم للجرح. وذلك للشدّة التى فيه ، وقالوا فى قول الله سبحانه : (دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) [النمل : 82] قولين : أحدهما من الكلام ، والآخر من الكلام أى تجرحهم وتأكلهم ، وقالوا : الكلام : ما غلظ من الأرض ، وذلك لشدّته وقوته ؛ وقالوا : رجل كليم أى مجروح وجريح ؛ قال :
ويجوز الكليم بالجرّ والرفع ، فالرفع على قولك : عليها الشيخ الكليم كالأسد ، والجرّ على قولك : عليها الشيخ كالأسد [الكليم](3)
وقبله مطلع القصيدة وهو :
تسألنى بنو جشم بن بكر
أغراء العرادة أم بهيم
وتبين من هذا أن القصيدة مرفوعة الروى ، فتجويز الجر فى الكليم من أبى الفتح ؛ لأنه لم يطلع على عمود القصيدة ، وانظرها فى المفضليات ا ه. (نجار). قلت : لقد كان للشيخ رحمهالله أناة فى تخطئة ابن جنى لو حمل تجويزه للجر والرفع على ما هو جائز لغة ونحوا لا شعرا ورويا ؛ فادّعاء جهل ابن جنى بعمود القصيدة وكونه لا يعرف منها إلا الشطر الذى استشهد به بعيد مع ما عرف عنه من سعة الحفظ والاطلاع.
، إذا جرح فحمى أنفا ، وغضب فلا يقوم له شيء ، كما قال :كان محرّبا من أسد ترج
ينازلهم ، لنابيه قبيب (4)
1) كأنه لم يصح عنده ما رواه المفضل : أن التلمك تحرك اللحيين بالكلام أو الطعام ، وقالوا : ما ذقت لماكا ، أى شيئا. وانظر اللسان. ا ه. (نجار). قلت : وبالتأمل يعلم أنّ (اللمك) دائر مع دلالة (ك. ل. م) فى سائر تقاليبها ؛ فإن (اللمك) بمعناه المذكور لا يخلو من شدّة وقوّة كذلك ؛ فإن علك الطعام وتحريك اللحيين بالطعام أو الكلام لا يخلو من ذلك ؛ فتأمل.
2) الشطر من الوافر ، بلا نسبة فى لسان العرب (كلم) ، وتاج العروس (كلم).
3) قال الشيخ النجار «هذا عجز بيت للكلحبة اليربوعى يصف فرسه العرادة. وصدره :
4) البيت من الوافر ، وهو لأبى ذؤيب الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 110 ، ولسان العرب -
ومنه الكلام ، وذلك أنه سبب لكل شر [وشدة] فى أكثر الأمر ؛ ألا ترى إلى قول رسول الله صلىاللهعليهوسلم «من كفى مئونة لقلقه وقبقبه وذبذبه دخل الجنة» (1)فاللقلق : اللسان ، والقبقب : البطن ، والذبذب : الفرج. ومنه قول أبى بكر - رضى الله عنه - فى لسانه : «هذا أوردنى الموارد». وقال :
وجرح اللسان كجرح اليد (2)
ولو عن نثا غيره جاءنى*
*وقال طرفة :
فإن القوافى يتّلجن موالجا
تضايق عنها أن تولّجها الإبر (3)
وامتثله الأخطل وأبرّ عليه (4)، فقال :
حتى اتّقونى وهم منّى على حذر
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر (5)
وجاء به الطائىّ (6)الصغير ، فقال :
1) ذكره ابن الأثير فى «النهاية» (4 / 265).
2) عجز البيت من المتقارب ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 185 ، والمعانى الكبير ص 823 ، والمستقصى 2 / 50 ، ولعمرو بن معد يكرب فى ملحق ديوانه ص 200 ، ولامرئ القيس أو لعمرو بن معد يكرب فى سمط اللآلى ص 531 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 437. وصدره :
3) البيت من الطويل ، وهو لطرفة بن العبد فى ديوانه ص 47 ، وسرّ صناعة الإعراب ص 147 ، وشرح التصريح 2 / 390 ، والمقاصد النحويّة 4 / 581 ، والممتع فى التصريف 1 / 386 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 397 ، وشرح المفصل 1 / 37 ، ولسان العرب (ولج).
4) يقال أبرّ عليه أى غلبه. اللسان (برر).
5) الأخطل فى ديوانه ص 106 ، وروايته الصدر فيه :
6) هو أبو عبادة البحترى. والطائى الكبير هو أبو تمام. والبيت من قصيدة فى إبراهيم بن الحسن ابن سهل ، وكان قد اشترى غلام البحترى نسيما ثم ردّه إليه ، وانظر الديوان 181. (نجار).
عتاب بأطراف القوافى ، كأنه
طعان بأطراف القنا المتكسّر
وهو باب واسع.
فلما كان الكلام أكثره إلى الشر ، اشتق له من هذا الموضع. فهذا أصل.
الثانى «ك م ل» من ذلك كمل الشىء وكمل وكمل فهو كامل وكميل. وعليه بقيّة تصرّفه : والتقاؤهما أن الشىء إذا تمّ وكمل كان حينئذ أقوى وأشدّ منه إذا كان ناقصا غير كامل.
الثالث «ل ك م» منه اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه ، ولا شك فى شدّة ما هذه سبيله (1)؛ أنشد الأصمعىّ :
كأن صوت جرعها تساجل
هاتيك هاتا حتنى تكايل (2)
كأن صوت شجنها المحتان
تحت الصقيع جرش أفعوان
فأما على ما هنا فهو وصف لجرعها حين تشرب. (نجار).
لدم العجى تلكمها الجنادل (3)
وقال :
1) ومما يتأيد به كلام ابن جنى فى هذا الموضع أن اللكم يستعمل فى الضرب باليد مجموعة ، وقيل هو اللكز فى الصدر والدفع ، ويقال : خفّ ملكم وملكم ولكّام : صلب شديد يكسر الحجارة. اللسان (لكم) ولا شك فى دلالة ذلك كلّه على الشدّة والقوّة.
2) فى لسان العرب : ضرعها تساجل. «حتنى» أى مستوية فعلى من الحتن وهو المثل والنظير ، ولدم العجى : ضربها ، والعجى : أعصاب قوائم الإبل والخيل. وعلى رواية اللسان يصف صوت ضرع الإبل وقت الحلب ، وقوله : تساجل : أى تتبارى ، وكذلك تكايل ، وأصل المكايلة المباراة فى السير. يقول : كأن صوت ضرعها حين تبارى هذه تلك وهن متقاربات أو متمايلات صوت ضرب قوائم الإبل حين تلكمها الجنادل. وقد ورد وصف الضرع وقت الحلب فى قوله :
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (لكم) ، (حتن) ، وتاج العروس (لكم).
4) وعجز البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (لكم) ، وتاج العروس (لكم).
وصدره :
الرابع «م ك ل» منه بئر مكول ، إذا قلّ ماؤها ، قال القطامىّ :
وإن بليت ، وإن طالت بك الطيل
وصدره :
وقبله فى وصف الإبل :
خوصا تدير عيونا ماؤها سرب
على الخدود إذا ما اغرورق المقل
فقوله : كأنها قلب يريد محاجر العين يصفها بغئور العين وسعة موضعها ، والمحاجر جمع محجر ، وهو ما دار بالعين ، والقلب جمع قليب وهو البئر ، والعادية : القديمة منسوبة إلى عاد ، والمكل جمع مكول. وانظر جمهرة العرب للقرشى ، وديوان القطامى المطبوع فى ليدن. (نجار).
*والتقاؤهما أنّ البئر موضوعة الأمر على جمّتها بالماء ، فإذا قلّ ماؤها كره موردها ، وجفا جانبها. وتلك شدّة ظاهرة (2)
وذلك أن المكلة هى أول ما يستقى من جمّة البئر ، وهى كذلك الشىء القليل من الماء يبقى فى البئر أو الإناء فهى على ذلك من الأضداد ، قاله فى اللسان. وقال : ومكل : كنكد وممكلة وممكولة : كل ذلك التى قد نزح ماؤها. والمكل : اجتماع الماء فى البئر ... والمكولىّ : اللئيم واللسان : (مكل).
قلت : وإذا كان ابن جنى قد وجّه قلة الماء بأنه شدّة ظاهرة ، فإننا نوجه كثرة الماء ووفرته ، ونبوعه بحيث يكون أول ما يستقى من جمّة البئر ، وكون المكل كذلك : اجتماع الماء فى البئر. أقول فإننا نوجه ذلك أيضا بما يفيد معنى القوّة والشدّة ، إذ إن فى اجتماع الماء وفورانه ونبوعه وتدفقه شدّة وقوّة ظاهر.
.الخامس «م ل ك» من ذلك ملكت العجين ، إذا أنعمت عجنه فاشتدّ وقوى.
ومنه ملك الإنسان ، ألا تراهم يقولون : قد اشتملت عليه يدى ، وذلك قوة وقدرة من المالك على ملكه ، ومنه الملك ، لما يعطى صاحبه من القوة والغلبة ، وأملكت الجارية ؛ لأن يد بعلها تقتدر عليها. فكذلك بقيّة الباب كله.
فهذه أحكام هذين الأصلين على تصرفهما وتقلّب حروفهما.
1) هذا عجز بيت من قصيدة له مطلعها :
إنا محبوك ، فاسلم أيها الطلل
2) قلت : فات ابن جنى أن يوجه المعنى الآخر ل- (مكل) فإنها من الأضداد ، وقد اجتهد فى توجيه أحد معنييها وهو دلالتها على قلّة الماء ، ولكنها تدل على كثرته كذلك ، فلو ترك ذلك بلا توجيه لانتقض كلامه.
فهذا أمر قدمناه أمام القول على الفرق بين الكلام والقول ؛ ليرى منه غور هذه اللغة الشريفة ، الكريمة اللطيفة ، ويعجب من وسيع مذاهبها ، وبديع ما أمدّ به واضعها ومبتدئها. وهذا أوان القول على الفصل.
أما الكلام فكل لفظ مستقلّ بنفسه ، مفيد لمعناه. وهو الذى يسميه النحويون الجمل ، نحو زيد أخوك ، وقام محمد ، وضرب سعيد ، وفى الدار أبوك ، وصه ، ومه ، ورويد ، وحاء وعاء فى الأصوات ، وحسّ ، ولبّ (1)
انظر اللسان. (نجار).
، وأفّ ، وأوّه. فكل لفظ استقل بنفسه ، وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام.وأما القول فأصله أنه كل لفظ مذل (2)به اللسان ، تامّا كان أو ناقصا. فالتامّ هو المفيد ، أعنى الجملة وما كان فى معناها ، من نحو صه ، وإيه. والناقص ما كان بضدّ ذلك ، نحو زيد ، ومحمد ، وإن ، وكان أخوك ، إذا كانت الزمانية لا الحدثية (3)
إذا كان الشتاء فأدفئونى
فإن الشيخ يهرمه الشتاء
فمعنى (إذا كان الشتاء) أى (إذا حدث الشتاء ووقع) فلذا سمّاها بالحدثية لدلالتها على الحدث والوقوع. والله أعلم.
. فكل كلام قول ، وليس كل قول كلاما. هذا أصله. ثم يتّسع فيه ؛ فيوضع القول على الاعتقادات والآراء ؛ وذلك نحو قولك : فلان يقول بقول أبى حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، ونحو ذلك ، أى يعتقد ما كانا يريانه ، ويقولان به ، لا أنه يحكى لفظهما عينه ، من غير تغيير لشيء من حروفه ؛ ألا ترى أنك لو سألت رجلا عن علّة رفع زيد ، من نحو قولنا : زيد قام أخوه ، فقال لك : ارتفع بالابتداء لقلت : هذا قول البصريين. ولو قال : ارتفع بما يعود عليه من ذكره لقلت : هذا قول الكوفيين ، أى هذا رأى هؤلاء ، وهذا اعتقاد هؤلاء. ولا تقوا : كلام البصريين ، ولا كلام الكوفيين ، إلا أن تضع الكلام موضع القول ، متجوّزا1) لب : فى معنى لبيك فى لغة بعض العرب ، وهو فى هذه الحالة يجرى مجرى أمس وغاق.
2) فى اللسان : مذلت نفسه بالشىء مذلا ، ومذلت مذالة : طابت وسمحت ، ورجل مذل النفس والكفّ واليد : سمح ، ومذل بماله ، ومذل : سمح. فإذا قيل مذل لسانه بكذا أى : سمح به وسهل عليه.
3) يقصد بكان الزمانية : الناقصة كما فى قولك : كان زيد مسافرا ، وسماها بالزمانية لدلالتها على الزمن الماضى ، أما الحدثية فيقصد بها كان التامّة فى نحو قولهم :
بذلك. وكذلك لو قلت : ارتفع لأن عليه عائدا من بعده ، أو ارتفع لأن عائدا عاد إليه ، أو لعود ما عاد من ذكره ، أو لأنّ ذكره أعيد عليه ، أو لأن ذكرا له عاد من بعده ، أو نحو ذلك ، لقلت فى جميعه : هذا قول الكوفيين ، ولم تحفل باختلاف ألفاظه ؛ لأنك إنما تريد اعتقادهم لا نفس حروفهم. وكذلك يقول القائل : لأبى الحسن فى هذه المسألة قول حسن ، أو قول قبيح ، وهو كذا ، غير أنى لا أضبط كلامه بعينه.
ومن أدلّ الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا : القرآن كلام الله ، ولا يقال : القرآن قول الله ؛ وذلك أنّ هذا موضع ضيق متحجّر ، لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه. فعبر لذلك عنه بالكلام الذى لا يكون إلا أصواتا تامّة مفيدة ، وعدل به عن القول الذى قد يكون أصواتا غير مفيدة ، وآراء معتقدة. قال سيبويه : «واعلم أنّ «قلت» فى كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا».
ففرق بين الكلام والقول كما ترى. نعم وأخرج الكلام هنا مخرج ما قد استقرّ فى النفوس ، وزالت عنه عوارض الشكوك. ثم قال فى التمثيل : «نحو قلت زيد منطلق ؛ ألا ترى أنه يحسن أن تقول : زيد منطلق» فتمثيله بهذا يعلم منه أنّ الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، مستقلا بمعناه ، وأنّ القول عنده بخلاف ذلك ؛ إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدّم الفصل بينهما ، ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلّة بأنفسها ، الغانية عن غيرها ، وأنّ القول لا يستحقّ هذه الصفة ، من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا ، وإن لم تكن كلاما ، ومن حيث كان الاعتقاد والرأى قولا ، وإن لم يكن كلاما. فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلاما ، فإن قلت شارطا : إن قام زيد ، فزدت عليه «إن» رجع بالزيادة إلى النقصان ، فصار قولا لا كلاما ؛ ألا تراه ناقصا ، ومنتظرا للتمام بجواب الشرط.
وكذلك لو قلت فى حكاية القسم : حلفت بالله ، أى كان قسمى هذا لكان كلاما ، لكونه مستقلا ، ولو أردت به صريح القسم لكان قولا ، من حيث كان ناقصا ؛ لاحتياجه إلى جوابه. فهذا ونحوه من البيان ما تراه.
فأمّا تجوّزهم فى تسميتهم الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا
يعرف إلا بالقول (1)، أو بما يقوم مقام القول : من شاهد الحال ؛ فلمّا كانت لا تظهر إلا بالقول سمّيت قولا ؛ إذ كانت سببا له ، وكان القول دليلا عليها ؛ كما يسمّى الشىء باسم غيره ، إذا كان ملابسا له. ومثله فى الملابسة قول الله سبحانه (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم : 17] ومعناه - والله أعلم - أسباب الموت ؛ إذ لو جاءه الموت نفسه لمات به لا محالة. ومنه تسمية المزادة (2)الراوية (3)، والنجو (4)نفسه الغائط ، وهو كثير.
فإن قيل : فكيف عبّروا عن الاعتقادات والآراء بالقول ، ولم يعبّروا عنها بالكلام ، ولو سوّوا بينهما ، أو قلبوا الاستعمال ، كان ما ذا (5)؟
فالجواب أنهم إنما فعلوا ذلك من حيث كان القول بالاعتقاد أشبه منه بالكلام ؛ وذلك أنّ الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، وهو العبارة عنه ، كما أنّ القول قد لا يتم معناه إلا بغيره ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : قام وأخليته من ضمير فإنه لا يتم معناه الذى وضع فى الكلام عليه وله ؛ لأنه إنما وضع على أن يفاد معناه مقترنا بما يسند إليه من الفاعل ، وقام هذه نفسها قول ، وهى ناقصة محتاجة إلى الفاعل ، كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه. فلما اشتبها من هنا عبّر عن أحدهما بصاحبه. وليس كذلك الكلام ؛ لأنه وضع على الاستقلال ، والاستغناء عما سواه. والقول قد
1) قلت : ومن ذلك قول أهل السنة والجماعة : (الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص) فالقول عندهم يشمل قول القلب أى إقراره وتصديقه ، وقول اللسان وهو المعتبر فى إثبات الحد الظاهر من الإيمان وهو الإسلام لأنه لا دليل لنا على قول القلب وإقراره إلا قول اللسان.
2) المزادة : وعاء الماء كالقربة. والراوية فى الأصل : البعير يستقى عليه ويحمل المزادة ، وتقال الراوية للمزادة نفسها لأن الراوية - وهو البعير - يحملها ، فكانت بسبب منه ، فعلى ذلك فهى من المجاز المرسل.
3) المزادة : وعاء الماء كالقربة. والراوية فى الأصل : البعير يستقى عليه ويحمل المزادة ، وتقال الراوية للمزادة نفسها لأن الراوية - وهو البعير - يحملها ، فكانت بسبب منه ، فعلى ذلك فهى من المجاز المرسل.
4) يريد أن النجو من النجوة ، وهى ما ارتفع من الأرض ، فقيل للغائط نجو لأن من يريد قضاء الحاجة يطلب النجوة - المرتفع من الأرض - يجلس تحتها تسترا ، فإطلاق النجو على الخارج هو من المجاز المرسل كذلك وعلاقته المحلية.
5) ترى أنه أخرج «ما ذا» عن الصدر ؛ إذ أعمل فيها «كان» وهذا لا شيء فيه. وكلام العرب على ذلك. وقد ذكر ابن مالك هذا فى توضيحه الموضوع على مشكلات الجامع الصحيح ، وقد طبع فى الهند ، واستشهد على هذا الحكم بقول عائشة رضى الله عنها فى حديث الإفك : أقول ما ذا؟ أفعل ما ذا؟. وانظر حاشية الشيخ يس على التصريح فى مبحث الموصول. (نجار).
يكون من الفقر (1)إلى غيره ، على ما قدّمناه ، فكان إلى الاعتقاد المحتاج إلى البيان أقرب ، وبأن يعبّر به عنه أليق. فاعرف ذلك.
فإن قيل : ولم وضع الكلام على ما كان مستقلا بنفسه البتّة ، والقول على ما قد يستقلّ بنفسه ، وقد يحتاج إلى غيره؟ الاشتقاق قضى بذلك؟ أم لغيره من سماع متلقّى بالقبول والاتباع؟ قيل : لا ، بل لاشتقاق قضى بذلك دون مجرّد السماع.
وذلك أنا قد قدّمنا فى أوّل القول من هذا الفصل أنّ الكلام إنما هو من الكلم ، والكلام والكلوم وهى الجراح ؛ لما يدعو إليه ، ولما يجنيه فى أكثر الأمر على المتكلمة ، وأنشدنا فى ذلك قوله :
ومنه قوله :
قوارص تأتينى ويحتقرونها
وقد يملا القطر الإناء فيفعم (3)
ونحو ذلك من الأبيات ، التى جئنا بها هناك وغيرها ، مما يطول به الكتاب ، وإنما ينقم من القول ويحقر ، ما ينثى (4)ويؤثر ، وذلك ما كان منه تامّا غير ناقص ، ومفهوما غير مستبهم ، وهذه صورة الجمل ، وهو ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، غير محتاج إلى متمّم له ، فلهذا سمّوا ما كان من الألفاظ تامّا مفيدا كلاما ؛ لأنه فى غالب الأمر وأكثر الحال مضرّ بصاحبه ، وكالجارح له. فهو إذا من الكلوم التى هى الجروح. وأمّا القول فليس فى أصل اشتقاقه ما هذه سبيله ؛ ألا ترى أنا قد عقدنا تصرف «ق و ل» وما كان أيضا من تقاليبها الستة ، فأرينا أنّ جميعها إنما هو
1) فى عبارة اللسان : «المفتقر». (نجار).
2) سبق تخريجه.
3) البيت من الطويل ، وهو للفرزدق فى ديوانه 2 / 195 ، ولسان العرب (قرص) ، وتهذيب اللغة (8 / 366) ، وجمهرة اللغة ص 937 ، وتاج العروس (قرص) ، وأساس البلاغة (قرص) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 742 ، ومقاييس اللغة 5 / 71 ، ومجمل اللغة 4 / 153 ، وكتاب العين 5 / 61.
4) يقال : نثا الحديث والخبر نثوا : حدّث به وأشاعه وأظهره. ونثا عليه قولا : أخبر به عنه ؛ و... والنثا فى الكلام يطلق على القبيح والحسن ، يقال : ما أقبح نثاه وما أحسن نثاه. اللسان : (نثا).
للإسراع والخفّة ، فلذلك سموا كل ما مذل (1)به اللسان من الأصوات قولا ، ناقصا كان ذلك أو تامّا. وهذا واضح مع أدنى تأمّل.
واعلم أنه قد يوقع كل واحد من الكلام والقول موقع صاحبه ، وإن كان أصلهما قبل ما ذكرته ؛ ألا ترى إلى رؤبة كيف قال :
لو أننى أوتيت علم الحكل
علم سليمان كلام النمل (2)
الحكل : العجم من الطيور والبهائم ، والحكل من الحيوان ما لا يسمع له صوت كالذّرّ والنّمل ، وأصل الحكلة كالعجمة لا يبين صاحبها الكلام. اللسان : (حكل).
يريد قول (3)الله عزوجل (قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) [النمل : 18] وعلى هذا اتسع فيهما جميعا اتساعا واحدا ، فقال أبو النجم :
قالت له الطير تقدم راشدا
إنك لا ترجع إلا حامدا (4)
وقال الآخر :
وقالت له العينان : سمعا وطاعة
وأبدت كمثل الدر لمّا يثقب (5)
وقال الراجز :
1) مذل به : أى سمح به وسهل عليه.
2) الرجز لرؤبة بن العجاج فى ديوانه ص 131 ، ولسان العرب (حكل) ، (فطحل) ، وتهذيب اللغة 4 / 101 ، وجمهرة اللغة ص 562 ، ومجمل اللغة 2 / 94 ، وتاج العروس (حكل) ، (فطحل) وبلا نسبة فى المخصص 2 / 122 ، وديوان الأدب 1 / 158 ، ومقاييس اللغة 2 / 91. ويروى : أو بدلا من لو ، وقبلهما:
3) كأنه يريد أن حديث النملة أشبه بالاعتقاد فكان الأجدر به القول الذى يستعمل فى الرأى والاعتقاد لخفائه ، فاستعمال الكلام فيه من إيقاع الكلام موقع القول. (نجار). والأولى - والله أعلم - أن يقال إنه نظر إلى اللفظ فى كل من بيت رؤبة والآية ، فبيت رؤبة حكى ما كان من النمل بلفظ (الكلام) لا القول ، والآية حكته بلفظ القول (قالت نملة) فكان ذلك من رؤبة إيقاعا للفظ الكلام موضع القول.
4) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (قول) ، وأساس البلاغة (قول) ، وتاج العروس (قول).
5) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (قول) ، وتاج العروس (قول). ويروى عجزه هكذا : وحدرتا كالدّرّ ، بدلا من : وأبدت كمثل الدر.
امتلأ الحوض وقال : قطنى (1)
مهلا رويدا قد ملأت بطنى*
*وقال الآخر :
بينما نحن مرتعون بفلج
قالت الدلّح الرواء : إنيه (2)
إنيه : صوت رزمة السحاب ، وحنين الرعد ؛ وأنشدوا :
قد قالت الأنساع للبطن الحق (3)
قدما فآضت كالفنيق المحنق*
الجابية : الحوض العظيم ، وطمت : غمرت ، يقال : جاء السيل فطم كل شيء أى علاه وغمره. وفى أ: «حفت». وكتب فى هامشها : «وطمت معا» وهو إشارة إلى الرواية الأخرى ومفعم ورد هكذا بصيغة المفعول ، وهو على الإسناد المجازى ، ولو جاء على وجهه لقيل : مفعم بكسر العين. (نجار). قلت : ولا يتوهم من كلامه أنه يصح إتيانه بكسر العين فهو مما لم يرد فى اللغة إلا باسم المفعول لا غير.
*فهذا كله اتساع فى القول.
1) صدر البيت من الرجز بلا نسبة فى إصلاح المنطق ص 57 ، 342 والإنصاف ص 130 ، وأمالى المرتضى 2 / 309 ، وتخليص الشواهد ص 111 ، وجواهر الأدب ص 151 ، ورصف المبانى ص 362 ، وسمط اللآلى ص 475 ، وشرح الأشمونى 1 / 57 ، وشرح المفصّل 1 / 82 ، 2 / 131 ، 3 / 125 ، وكتاب اللامات ص 140 ، ولسان العرب (قطط) ، (قطن) ، ومجالس ثعلب ص 189 ، والمقاصد النحوية 1 / 361 ، وتاج العروس (قطط) ، (قول) ، ومقاييس اللغة 5 / 14 ، والمخصّص 14 / 62 ، وتهذيب اللغة 8 / 264 ، وكتاب العين 5 / 14. وعجز البيت :
2) البيت من الخفيف ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (قول) ، وكتاب العين 3 / 137 ، ومقاييس اللغة 2 / 295 ، ومجمل اللغة 2 / 286 ، وأساس البلاغة (دلج) وتاج العروس (قول) (أنه). ويروى بكلمة : بفلج بدلا من : بلج. مرتعون وصف من أرتع القوم إذا رعوا أى نازلون بهذا المكان ، وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية ، والدلح وصف للسحب واحده دالحة أى مثقلة بالماء.
3) صدر البيت من الرجز لرؤبة فى جمهرة اللغة ص 945 ، وليس فى ديوانه ، ولأبى النجم فى أساس البلاغة (حنق) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حنق) ، (قول) ، (وحى) ، وتهذيب اللغة 4 / 67 ، وتاج العروس (حنق) ، والمخصص 3 / 85 ، وأساس البلاغة (قول). ويروى : قادت بدلا من : قالت. وعجز البيت :
ومما جاء منه فى الكلام قول الآخر :
فصبّحت والطير لم تكلّم
جابية طمّت بسيل مفعم (1)
وكأن الأصل فى هذا الاتّساع إنما هو محمول على القول ؛ ألا ترى إلى قلّة الكلام هنا وكثرة القول ؛ وسبب ذلك وعلّته عندى ما قدّمناه من سعة مذاهب القول ، وضيق مذاهب الكلام. وإذا جاز أن نسمّى الرأى والاعتقاد قولا ، وإن لم يكن صوتا ، كانت تسمية ما هو أصوات قولا أجدر بالجواز. ألا ترى أن الطير لها هدير ، والحوض له غطيط ، والأنساع لها أطيط ، والسحاب له دوىّ. فأمّا قوله : وقالت له العينان سمعا وطاعة فإنه وإن لم يكن منهما صوت ، فإن الحال آذنت بأن لو كان لهما جارحة نطق لقالتا : سمعا وطاعة. وقد حرّر هذا الموضع وأوضحه عنترة بقوله :
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى
ولكان - لو علم الكلام - مكلّمى (2)
وامتثله شاعرنا (3)آخرا فقال :
فلو قدر السنان على لسان
لقال لك السنان كما أقول
وقال أيضا :
لو تعقل الشجر التى قابلتها
مدّت محيّية إليك الأغصنا
ولا تستنكر ذكر هذا الرجل - وإن كان مولّدا - فى أثناء ما نحن عليه من هذا
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (طمم) ، (فعم) ، (كلم) ، وتاج العروس (فعم).
2) البيت من الكامل ، وهو لعنترة فى ديوانه ص 218 ، ولسان العرب ، (قول) ، وتاج العروس (قول). وعجز البيت يروى :
3) يريد بقوله شاعرنا المتنبى ، وكان ابن جنى يحضر عند المتنبى الكثير ، يناظره فى شيء من النحو ، وكان المتنبى يعجب به وبذكائه وحذقه. ويقول : هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس ، ويقول ابن جنى فى المحتسب وقد استشهد ببيت للمتنبى : «ولا تقل ما يقوله من ضعفت نحيزته ، وركت طريقته : هذا شاعر محدث ، وبالأمس كان معنا ، فكيف يجوز أن يحتج به فى كتاب الله - جل وعز -! فإن المعانى لا يرفعها تقدّم ، ولا يزرى بها تأخر ، ولابن جنى شرحان على ديوان المتنبى. انظر البغية ومعجم الأدباء. (النجار).
الموضع وغموضه ، ولطف متسرّبه ؛ فإن المعانى يتناهبها المولّدون كما يتناهبها المتقدّمون. وقد كان أبو العباس (1)- وهو الكثير التعقب لجلّة الناس - احتج بشىء من شعر حبيب (2)بن أوس الطائىّ فى كتابه فى الاشتقاق ، لما كان غرضه فيه معناه دون لفظه (3)، فأنشد فيه له :
لو رأينا التوكيد خطّة عجز
ما شفعنا الأذان بالتثويب
وإياك والحنبليّة (4)بحتا ؛ فإنها خلق ذميم ، ومطعم على علاته وخيم.
وقال سيبويه : «هذا باب علم ما الكلم من العربيّة» فاختار الكلم على الكلام ، وذلك أن الكلام اسم من كلّم ، بمنزلة السلام من سلّم ، وهما بمعنى التكليم والتسليم ، وهما المصدران الجاريان على كلّم وسلّم ؛ قال الله سبحانه : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) [النساء : 164] وقال - عزّ اسمه - : (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب : 56] فلما كان الكلام مصدرا ، يصلح لما يصلح له الجنس ، ولا يختصّ بالعدد دون غيره ، عدل عنه إلى الكلم ، الذى هو جمع كلمة ، بمنزلة سلمة وسلم ، ونبقة ونبق ، وثفنة (5)وثفن. وذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة ،
1) يريد المبرد محمد بن يزيد الإمام فى النحو واللغة والأخبار ، كانت وفاته سنة 285 ه. ومن روائع كتبه : الكامل فى اللغة والأدب وقد حققناه فى أربعة أجزاء ط دار الكتب العلمية.
2) هو أبو تمام : وتوفى بالموصل سنة 231.
3) هذا يدلك على أن استشهاد ابن جنّى وغيره بكلام المولدين إنما هو فى باب المعانى دون الألفاظ فإن ألفاظ اللغة وأبنيتها وأصولها لا يحتج عليها بشىء من كلام المولدين اتفاقا. كما يستفاد من كلام ابن جنى كذلك صحة الاحتجاج بكلام أمثال أولئك المولدين فى أبواب البلاغة برمتها من معان وبيان وبديع ؛ فإنها من المعانى التى يتناهبها المولّدون كما يتناهبها المتقدمون كما يقول ابن جنّى ، ومن ثم فلا يغلق باب الاحتجاج فيها أو يقصر على ما ورد من شواهد البلاغة فى العصور الغابرة ، دون ما برع فيه الشعراء والمبدعون فى العصور الحديثة.
4) ما كان يليق بابن جنّى استخدام الحنبلية بمعنى التشدد والتزمت فإنه معنى مولّد لا يرجع إلى دراية ولا تحقيق ، وقد زاد الطين بلّة ؛ بأن وصف تلك الحنبلية بأنها خلق زميم ، ومطعم على علّاته وخيم. ولسنا من متعصبى الحنبلية ولا غيرها من المذاهب ، ولكنها عروة من عرى الإسلام نخشى عليها أن تثلم أو تكلم.
5) الثفنة من البعير والناقة : الركبة.
وهى الاسم ، والفعل ، والحرف ، فجاء بما يخص الجمع ، وهو الكلم ، وترك ما لا يخصّ الجمع ، وهو الكلام ، فكان ذلك أليق بمعناه ، وأوفق لمراده. فأمّا قول مزاحم العقيلىّ :
لظلّ رهينا خاشع الطّرف حطّه
تخلّب جدوى والكلام الطرائف (1)
فوصفه بالجمع ، فإنما ذلك وصف على المعنى ، كما حكى أبو الحسن عنهم ، من قولهم : «ذهب به الدينار الحمر والدرهم البيض» وكما قال :
تراها الضبع أعظمهن رأسا (2)
جراهمة لها حرة وثيل*
*فأعاد الضمير على معنى الجنسية ، لا على لفظ الواحد ، لمّا كانت الضبع هنا جنسا.
وبنو تميم يقولون : كلمة وكلم ، ككسرة وكسر.
فإن قلت : قدّمت فى أوّل كلامك أن الكلام واقع على الجمل دون الآحاد ، وأعطيت هاهنا أنه اسم الجنس ؛ لأن المصدر كذلك حاله ؛ والمصدر يتناول الجنس وآحاده تناولا واحدا. فقد أراك انصرفت عما عقدته على نفسك : من كون الكلام مختصّا بالجمل المركبة ، وأنه لا يقع على الآحاد المجرّدة ، وأن ذلك إنما هو القول ؛ لأنه فيما زعمت يصلح للآحاد ، والمفردات ، وللجمل المركّبات.
قيل : ما قدّمناه صحيح ، وهذا الاعتراض ساقط عنه ، وذلك أنا نقول : لا محالة أن الكلام مختصّ بالجمل ، ونقول مع هذا : إنه جنس أى جنس للجمل ،
1) البيت من الطويل ، وهو لمزاحم العقيلىّ فى ديوانه ص 29. ولسان العرب (كلم). وتروى : تحلّب بدلا من : تخلّب. ووصف الكلام بهذا البيت بوصف الجمع أى باعتبار الجنسية فى الكلام فراعى فيه معنى الجنسية فعاد الوصف على المعنى لا على اللفظ كقولهم فيما سيذكره المصنف (ذهب به الدينار الحمر والدرهم البيض) أى جنس الدينار والدرهم. فأعاد الوصف على المعنى لا على اللفظ.
2) صدر البيت من الوافر ، وهو لساعدة بن جؤية الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 322 ، ولسان العرب (حرح) ، (جعر) ، (جرهم) ، (حرهم) ، (كلم) ، (منن) ، وتاج العروس (جرهم) ، وللأعلم الهذلى فى تاج العروس (جعر) ، وللهذلى فى تاج العروس (حرح) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 1 / 362 ، والمخصص 8 / 71 ، 16 / 177. وعجز البيت :
كما أن الإنسان من قول الله سبحانه (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر : 2] جنس للناس ، فكذلك الكلام ، جنس للجمل ، فإذا قال : قام محمد فهو كلام ، وإذا قال : قام محمد ، وأخوك جعفر فهو أيضا كلام ؛ كما كان لمّا وقع على الجملة الواحدة كلاما ؛ وإذا قال : قام محمد وأخوك جعفر ، وفى الدار سعيد ، فهو أيضا كلام ؛ كما كان لمّا وقع على الجملتين كلاما. وهذا طريق المصدر لما كان جنسا لفعله ؛ ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام ، وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام ، وإذا قام مائة قومة فقد كان منه قيام. فالكلام إذا إنما هو جنس للجمل التوامّ : مفردها ، ومثناها ، ومجموعها ؛ كما أنّ القيام جنس للقومات : مفردها ومثناها ومجموعها. فنظير القومة الواحدة من القيام الجملة الواحدة من الكلام. وهذا جلىّ.
ومما يؤنسك بأنّ الكلام إنما هو للجمل التوامّ دون الآحاد أنّ العرب لما أرادت الواحد من ذلك خصته باسم له لا يقع إلا على الواحد ، وهو قولهم : «كلمة» ، وهى حجازية ، و «كلمة» وهى تميمية. ويزيدك فى بيان ذلك قول كثيّر :
لو يسمعون كما سمعت كلامها
خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا (1)
ومعلوم أنّ الكلمة الواحدة لا تشجو (2)، ولا تحزن (3)، ولا تتملك قلب السامع ، إنما ذلك فيما طال من الكلام ، وأمتع سامعيه ، بعذوبة مستمعيه ، ورقة حواشيه ؛ وقد قال سيبويه : «هذا باب أقلّ ما يكون عليه الكلم» فذكر هنالك حرف العطف ، وفاءه ، وهمزة الاستفهام ، ولام الابتداء ، وغير ذلك مما هو على حرف واحد ، وسمّى كل واحد من ذلك كلمة. فليت شعرى : كيف يستعذب قول القائل ، وإنما نطق بحرف واحد! لا بل كيف يمكنه أن يجرّد للنطق حرفا واحدا ؛
1) البيت من الكامل ، وهو لكثير عزّة فى ديوانه ص 441 ، ولسان العرب (كلم) ، والمقاصد النحوية 4 / 460 ، وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص 283 ، وشرح الأشمونى 3 / 603 ، وشرح ابن عقيل ص 595. ويروى حديثها بدلا من : كلامها.
2) تشجو : من شجا يشجو ، يقال : شجاه وأشجاه بمعنى واحد.
3) هكذا ضبطت فى الأصل (لا تحزن) بضم الزاى وهو فصيح من قولهم : حزنه الأمر يحزنه حزنا ، فهو وسابقه متعد بأصله بغير زيادة حرف للتعدية ، ويصح فيه أحزنه ، كما يصح فى سابقه أشجاه. وانظر اللسان (حزن).
ألا تراه أن لو كان ساكنا لزمه أن يدخل عليه من أوّله همزة الوصل ، ليجد سبيلا إلى النطق به ، نحو «اب ، اص ، اق» وكذلك إن كان متحركا فأراد الابتداء به والوقوف عليه قال فى النطق بالباء من بكر : به ، وفى الصاد من صلة : صه ، وفى القاف من قدرة : قه ؛ فقد علمت بذلك أن لا سبيل إلى النطق بالحرف الواحد مجرّدا من غيره ، ساكنا كان ، أو متحركا. فالكلام إذا من بيت كثيّر إنما يعنى به المفيد من هذه الألفاظ ، القائم برأسه المتجاوز لما لا يفيد ولا يقوم برأسه من جنسه ؛ ألا ترى إلى قول الآخر :
ولمّا قضينا من منى كل حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (1)
فقوله بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا جملا كثيرة (2)، فضلا عن الجملة الواحدة ، فإن قلت : فقد قال الشنفرى :
كأنّ لها فى الأرض نسيا تقصّه
على أمّها وإن تخاطبك تبلّت (3)
1) البيتان من الطويل ، وهما لكثير عزة فى ملحق ديوانه ص 525 ، وزهر الآداب ص 349 ، وللمضرب عقبة بن كعب بن زهير فى الحماسة البصرية 2 / 103 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (طرف) ، وأمالى المرتضى 2 / 359 ، والشعر والشعراء ص 72 ، ومعجم البلدان 5 / 198 (منى) ، وأساس البلاغة ص 227 (سيل) ، وتاج العروس (طرف).
2) قلت : وهذه الجمل الكثيرة التى أبدع الشاعر فى التعبير عرضها فى هذه اللفظة قد أشار إليها عبد القاهر فى دلائل الإعجاز حيث أشار إلى أنه شمل بذلك ما يكون بين أولئك الحجيج من ذكريات تلك المشاعر والمناسك ، وتنسم رائحة الديار والأوطان ، والتشوق إلى رؤيا الأهل والخلان ، وما يكون من الترحاب والتهانى وغير ذلك مما تستدعيه تلك الحال. فدلّ باللفظ الموجز على المعانى الكثيرة البديعة ، وهذا من بلاغة الإيجاز.
3) البيت من الطويل ، وهو للشنفرى فى ديوانه ص 33 ، ولسان العرب (بلت) ، (نسا) ، وجمهرة اللغة ص 256 ، ومقاييس اللغة 1 / 295 ، 5 / 422 ، ومجمل اللغة 1 / 289 ، والمخصص 14 / 27 ، وتهذيب اللغة 13 / 81 ، 14 / 293 ، 294 ، وأدب الكاتب ص 493 ، والأغانى 21 / 210 ، وديوان المفضّليّات ص 201 ، وشرح اختيارات المفضل 1 / 517 ، وشرح أدب الكاتب ص 338 ، والكامل ص 1018 ، وتاج العروس (بلت) ، (نسى) ، وبلا نسبة فى ديوان الأدب 2 / 146. النسى : الشىء المنسى الذى لا يذكر ، وتقصه : تتبع أثره لتجده ، وعلى أمّها (بفتح الهمزة) أى على سمتها وجهة قصدها ، وقوله إن تخاطبك ، يروى : إن تحدثك ، وتبلت - بكسر اللام - أى تقطع الكلام من الحياء ، وروى تبلت - بفتح اللام - أى تنقطع وتسكت. يريد شدة استحيائها فهى لا ترفع رأسها كأنها تطلب شيئا فى الأرض ، والبيت من قصيدة مفضلية. وانظر شرح المفضليات لابن الأنبارى 201 ، وانظر الكامل بتحقيقى ط دار الكتب العلمية.
أى تقطّع كلامها ، ولا تكثّره ؛ كما قال ذو الرمّة :
لها بشر مثل الحرير ومنطق
رخيم الحواشى ، لا هراء ولا نزر (1)
فقوله : رخيم الحواشى : أى مختصر (2)الأطراف ، وهذا ضدّ الهذر والإكثار ، وذاهب فى التخفيف والاختصار ، قيل : فقد قال أيضا : ولا نزر ؛ وأيضا فلسنا ندفع أنّ الخفر يقلّ معه الكلام ، ويحذف فيه أحناء المقال ، إلا أنه على كل حال لا يكون ما يجرى منه وإن قلّ ونزر أقلّ من الجمل ، التى هى قواعد الحديث ، الذى يشوق موقعه ، ويروق مستمعه. وقد أكثرت الشعراء فى هذا الموضع ، حتى صار الدالّ عليه كالدالّ على المشاهد غير المشكوك فيه ؛ ألا ترى إلى قوله :
وحديثها كالغيث يسمعه
راعى سنين تتابعت جدبا!
فأصاخ يرجو أن يكون حيا
ويقول من فرح : هيا ربّا! (3)
1) البيت من الطويل ، وهو لذى الرّمة فى ديوانه ص 577 ، وجمهرة اللغة ص 1106 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 333 ، وشرح شواهد الشافية ص 491 ، وشرح المفصل 1 / 16 ، ولسان العرب (هرأ) ، (نزر) ، والمحتسب 1 / 334 ، والمقاصد النحوية 4 / 285 ، وبلا نسبة فى أساس البلاغة ص 482 (هرأ) وتذكرة النحاة ص 45 ، وشرح الأشمونى 2 / 467 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 255 ، وشرح ابن عقيل ص 533 ، وشرح المفصل 2 / 19.
2) كذا فسر ابن جنى «رخيم الحواشى» وكأنه ذهب بالترخيم إلى معناه فى النحو ، وهو حذف آخر الكلمة ففهم منه معنى الاختصار. والمعروف فى رخامة الصوت لينه. ويقول شارح الديوان : «رخيم الحواشى : أى لين نواحى الكلام» وانظر الديوان المطبوع فى أوربة 212 (نجار). قلت : وما ذهب إليه ابن جنّى ليس ببعيد ، ولعله أوجه ، ويرشح له قوله بعده : لا هراء ولا نزر. وما أظن أن المعنى الذى ذكره الشيخ النجار قد خفى على ابن جنى ، ولكنه قد اختار ما رآه أولى ، أو اختار أحد الوجهين فى المعنى مما يصلح للاستشهاد لما هو بصدده.
3) الثانى منهما من الكامل ، وهو بلا نسبة فى أمالى القالى 1 / 84 ، والبيان والتبيين 1 / 283 ، وشرح شواهد المغنى ص 63 ، ولسان العرب (هيا) ، ومغنى اللبيب ص 20 ، وفى معجم شواهد النحو الشعرية (الرقم 222) أنه ورد منسوبا للراعى فى ألف باء للبلوى 2 / 478 ، ولم أجده فى ديوانه.
وحديثها السحر الحلال لو انه
لم يجن قتل المسلم المتحرّز
إن طال لم يملل وإن هى أوجزت
ودّ المحدّث أنها لم توجز
شرك القلوب ، وفتنة ما مثلها
للمطمئنّ ، وعقلة المستوفز
فذكر أنها تطيل تارة ، وتوجز أخرى ، والإطالة والإيجاز جميعا إنما هما فى كل كلام مفيد مستقلّ بنفسه ، ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له بدّ من أن يعطيك تمامه وفائدته ، مع أنه لا بدّ فيه من تركيب الجملة ، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ، ولا استعذاب ؛ ألا ترى إلى قوله :
لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف
والنشوات من معتق صاف
وعزف قينات علينا عزاف
كذا وجدناه فى شواهد الشافية 271 والأغانى 131 / 5 (فقالت) ورواية ابن جنى بغير الفاء. والبيت بلا نسبة فى لسان العرب (وقف) ، وتهذيب اللغة 15 / 679 ، وتاج العروس (سين).
*وأنّ هذا القدر من النطق لا يعذب ، ولا يجفو ، ولا يرقّ ، ولا ينبو ، وأنه إنما يكون استحسان القول واستقباحه فيما يحتمل ذينك ، يؤدّيهما إلى السمع ، وهو أقلّ ما يكون جملة مركّبة. وكذلك قول الآخر - فيما حكاه سيبويه - : «ألا تا» فيقول مجيبه : «بلى فا». فهذا ونحوه مما يقلّ لفظه ، فلا يحمل حسنا ولا قبحا ؛ ولا طيبا. ولا خبثا. لكن قول الآخر «مالك بن أسماء» :
أذكر من جارتى ومجلسها
طرائفا من حديثها الحسن
قلت لها : قفى ، فقالت : قاف
ومن حديث يزيدنى مقة
ما لحديث الموموق من ثمن (1)
أدلّ شيء على أن هناك إطالة وتماما ، وإن كان بغير حشو ولا خطل ؛ ألا ترى إلى قوله : «طرائفا من حديثها الحسن» فذا لا يكون مع الحرف الواحد ، ولا الكلمة الواحدة ، بل لا يكون مع الجملة الواحدة ، دون أن يتردّد الكلام ، وتتكرر فيه الجمل ، فيبين ما ضمّنه من العذوبة ، وما فى أعطافه من النّعمة واللدونة (2)؛ وقد قال بشّار :
وحوراء المدامع من معدّ
كأن حديثها ثمر الجنان
ومعلوم أنّ من حرف واحد ، بل كلمة واحدة ، بل جملة واحدة ، لا يجنى ثمر جنة واحدة ، فضلا عن جنان كثيرة. وأيضا فكما أنّ المرأة قد توصف بالحياء والخفر ، فكذلك أيضا قد توصف بتغزّلها ودماثة حديثها ، ألا ترى إلى قول الله سبحانه : (عُرُباً أَتْراباً. لِأَصْحابِ الْيَمِينِ) [الواقعة : 37 ، 38] وأن العروب فى التفسير هى المتحبّبة إلى زوجها (3)، المظهرة له ذلك ؛ بذلك فسره أبو عبيدة. وهذا لا يكون مع الصمت ، وحذف أطراف القول ، بل إنما يكون مع الفكاهة والمداعبة ؛ وعليه بيت الشمّاخ :
ولو أنى أشاء كننت جسمى
إلى بيضاء بهكنة شموع (4)
قيل فيه : الشماعة هى المزح والمداعبة. وهذا باب طويل جدّا ، وإنما أفضى بنا إليه ذرو (5)من القول أحببنا استيفاءه تأنّسا به ، وليكون هذا الكتاب ذاهبا فى جهات
1) البيتان من المنسرح ، وهما بلا نسبة فى لسان العرب (طرف) ، وتاج العروس (طرف).
2) اللدونة : اللين ؛ واللدن : اللين من كل شيء من عود أو حبل أو خلق. اللسان : (لدن).
3) للسيوطى بحث نفيس فى العروب ومرادفاتها فى كتابه الشيّق (الأترنج فى وصف الغنج).
4) البيت من الوافر ، وهو للشماخ فى ديوانه ص 223 ، وكتاب العين 1 / 267 ، وتاج العروس (شمع) ، وشرح أشعار الهذليين ص 15 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حشا) ، والمخصص 4 / 2. والبهكنة : الجارية الخفيفة الروح ، الطيبة الرائحة ، المليحة الحلوة. اللسان (بهكنة) والشموع : الجارية اللعوب الضحوك الآنسة ، والشمع والشّموع والشّماع والشماعة والمشمعة : الطرب والضحك والمزاح واللعب. والشماع : اللهو واللعب. اللسان (شمع).
5) أى طرف.
النظر ؛ إذ ليس غرضنا فيه الرفع ، والنصب ، والجرّ ، والجزم ؛ لأن هذا أمر قد فرغ فى أكثر الكتب المصنّفة فيه منه. وإنما هذا الكتاب مبنىّ على إثارة معادن المعانى ، وتقرير حال الأوضاع والمبادى ، وكيف سرت أحكامها فى الأحناء والحواشى.
فقد ثبت بما شرحناه وأوضحناه أنّ الكلام إنّما هو فى لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها ، المستغنية عن غيرها ، وهى التى يسميها أهل هذه الصناعة الجمل ، على اختلاف تركيبها. وثبت أنّ القول عندها أوسع من الكلام تصرّفا ، وأنه قد يقع على الجزء الواحد ، وعلى الجملة ، وعلى ما هو اعتقاد ورأى ، لا لفظ وجرس.
وقد علمت بذلك تعسّف المتكلّمين فى هذا الموضع ، وضيق القول فيه عليهم ، حتى لم يكادوا يفصلون بينهما. والعجب ذهابهم عن نصّ سيبويه فيه ، وفصله بين الكلام والقول.
أمّا حدّها (فإنها أصوات) يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم. هذا حدّها. وأمّا اختلافها فلما سنذكره فى باب القول عليها : أمواضعة هى أم إلهام. وأما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فعلة من لغوت. أى تكلمت ؛ وأصلها لغوة ككرة ، وقلة ، وثبة ، كلها لا ماتها واوات ؛ لقولهم. كروت بالكرة ، وقلوت بالقلة ، ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب. وقد دللت على ذلك وغيره من نحوه فى كتابى فى «سرّ الصناعة». وقالوا فيها : لغات ولغون ، ككرات وكرون ، وقيل منها لغى يلغى إذا هذى ؛ [ومصدره اللّغا] قال :
وربّ أسراب حجيج كظّم
عن اللّغا ورفث التّكلّم (1)
وكذلك اللّغو ؛ قال الله سبحانه وتعالى : (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) [الفرقان : 72] أى بالباطل ، وفى الحديث : «من قال فى الجمعة : صه فقد لغا» أى تكلم. وفى هذا كاف.
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 456 ، ولسان العرب (سرب) ، (رفث) ، كظم ، (لغا) ، وأساس البلاغة (رفث) ، وتاج العروس (كظم) ، (لغا) ، (رفث) ، وتهذيب اللغة 12 / 416 ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 15 / 77 ، ومجمل اللغة 4 / 282. ويروى نظم بدلا من : كظم.
هو انتحاء سمت كلام العرب ، فى تصرفه من إعراب وغيره ؛ كالتثنية ، والجمع ، والتحقير (1)، والتكسير والإضافة ، والنسب ، والتركيب ، وغير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها فى الفصاحة ، فينطق بها وإن لم يكن منهم ؛ وإن شذّ بعضهم عنها ردّ به إليها. وهو فى الأصل مصدر شائع (2)، أى نحوت نحوا ، كقولك : قصدت قصدا ، ثم خصّ به انتحاء هذا القبيل من العلم ، كما أنّ الفقه فى الأصل مصدر فقهت الشىء أى عرفته ، ثم خصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم ؛ وكما أن بيت الله خصّ به الكعبة ، وإن كانت البيوت كلّها لله. وله نظائر فى قصر ما كان شائعا فى جنسه على أحد أنواعه. وقد استعملته العرب ظرفا ، وأصله المصدر.
أنشد أبو الحسن :
ترمى الأماعيز بمجمرات
بأرجل روح مجنّبات
يحدو بها كلّ فتى هيّات
وهنّ نحو البيت عامدات (3)
الأماعيز جمع أمعز ، والأمعز والمعزاء : الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة ، والجمع الأماعز والمعز ، ولكن الشاعر أضاف الياء فى الأماعيز للوزن. والمجمرات : خفاف صلبة ، من قولهم : خفّ مجمر. وروح : جمع روحاء ، من قولهم : رجل روحاء إذا كان فى القدم انبساط واتساع. وقوله : (مجنبات) ورد فى بعض النسخ : (محنبات) بالحاء المهملة. وتجنيب الرجل ما فيها من انحناء وتوقير ، وكذا التحنيب أيضا ، والكلام فى وصف إبل. وهيّات : مبالغة من قولهم :هيّت بالرجل ، وهوّت به : صوت به وصاح ، ودعاه ، والتهييت الصوت بالناس. اللسان «هيت» والمقصود أنه يصيح بها ويقول : هيت هيت أى : أقبلى.
هو الإبانة عن المعانى بالألفاظ ؛ ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه ، وشكر سعيدا أبوه ، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ، ولو كان الكلام شرجا (1)واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه.
فإن قلت : فقد تقول ضرب يحيى بشرى ، فلا تجد هناك إعرابا فاصلا ، وكذلك نحوه ، قيل : إذا اتفق ما هذه سبيله ، مما يخفى فى اللفظ حاله ، ألزم الكلام من تقديم الفاعل ، وتأخير المفعول ، ما يقوم مقام بيان الإعراب. فإن كانت هناك دلالة أخرى من قبل المعنى وقع التصرف فيه بالتقديم والتأخير ؛ نحو أكل يحيى كمّثرى : لك أن تقدّم وأن تؤخر كيف شئت ؛ وكذلك ضربت هذا هذه ، وكلّم هذه هذا ؛ وكذلك إن وضح الغرض بالتثنية أو الجمع جاز لك التصرّف ؛ نحو قولك أكرم اليحييان البشريين ، وضرب البشريين اليحيون ؛ وكذلك لو أومأت إلى رجل وفرس ، فقلت : كلّم هذا هذا فلم يجبه لجعلت الفاعل والمفعول أيّهما شئت ؛ لأن فى الحال بيانا لما تعنى. وكذلك قولك ولدت هذه هذه ، من حيث كانت حال الأمّ من البنت معروفة ، غير منكورة. وكذلك إن ألحقت الكلام ضربا من الإتباع جاز لك التصرف لما تعقب من البيان ؛ نحو ضرب يحيى نفسه بشرى ، أو كلّم بشرى العاقل معلّى ، أو كلم هذا وزيدا يحيى. ومن أجاز قام وزيد عمرو لم يجز ذلك فى نحو «كلّم هذا وزيد يحيى» وهو يريد كلم هذا يحيى وزيد ، كما يجيز «ضرب زيدا وعمرو جعفر».
فهذا طرف من القول أدّى إليه ذكر الإعراب.
وأمّا لفظه فإنه مصدر أعربت عن الشىء إذا أوضحت عنه ؛ وفلان معرب عما فى نفسه أى مبين له ، وموضح عنه ؛ ومنه عرّبت الفرس تعريبا إذا بزغته ، وذلك أن تنسف أسفل حافره ، ومعناه أنه قد بان بذلك ما كان خفيّا من أمره لظهوره إلى مرآة العين ، بعد ما كان مستورا ؛ وبذلك تعرف حاله : أصلب هو أم رخو؟
1) الشرج : الضرب والنوع ؛ يقال : هما شرج واحد ، وعلى شرج واحد ، أى ضرب واحد. ويقال : هو شريج هذا وشرجه أى مثله. اللسان (شرج).
(وأصحيح) (1)هو أم سقيم؟ وغير ذلك.
وأصل هذا كله قولهم «العرب» وذلك لما يعزى إليها من الفصاحة ، والإعراب ، والبيان. ومنه قوله فى الحديث «الثّيب تعرب عن نفسها» (2)والمعرب : صاحب الخيل العراب ، وعليه قول الشاعر :
ويصهل فى مثل جوف الطوىّ
صهيلا يبيّن للمعرب (3)
أى إذا سمع صاحب الخيل العراب صوته علم أنه عربىّ. ومنه عندى عروبة والعروبة للجمعة (4)، وذلك أنّ يوم الجمعة أظهر أمرا من بقيّة أيام الأسبوع ؛ لما فيه من التأهب لها ، والتوجه إليها ، وقوة الإشعار بها ؛ قال :
يوائم رهطا للعروبة صيما (5)
فبات عذوبا للسماء كأنما*
وقوله : عذوبا أى لم يذق شيئا ، وقوله للسماء أى باديا للسماء ليس بينه وبينها ستر. وقوله : يوائم أى يوافق ويفعل ما يفعلون ، وصيما : قياما : يريد قوما يصلون الجمعة. وهذا فى وصف بعير ظل قائما لا يضع رأسه للمرعى. وانظر خلق الإبل للأصمعى فى مجموعة الكنز اللغوى 132.
*ولما كانت معانى المسمّين مختلفة كان الإعراب الدالّ عليها مختلفا أيضا ، وكأنه من قولهم : عربت معدته ، أى فسدت ، كأنها استحالت من حال إلى حال ، كاستحالة الإعراب من صورة إلى صورة. وفى هذا كاف بإذن الله.
1) كذا فى الأصول بتقديم العاطف على أداة الاستفهام والاستفهام له الصدر. والاستعمال الصحيح : «أو صحيح». (نجار). قلت : وقد يتأخر الاستفهام عن الصدارة كما فى قولهم : «فكان ما ذا) ونحوه.
2) «صحيح» : أخرجه أحمد وابن ماجة عن عميرة الكندى ، وانظر صحيح لجامع (ح 3084) ، وراجع الإرواء (1836).
3) البيت من المتقارب ، وهو للنابغة الجعدىّ فى ديوانه ص 23 ، ولسان العرب (عرب) ، وتهذيب اللغة 2 / 365 ، وكتاب الجيم 2 / 247 ، وسمط اللآلى 414 ، وتاج العروس (عرب) ، وبلا نسبة فى المخصص 6 / 177 ، وجمهرة اللغة ص 319. ويروى تبيّن بدلا من يبين. «فى مثل جوف الطوىّ» - ويروى الركىّ ، وكلاهما البئر - يصف سعة جوفه ، كأن جوفه بئر ، أو أنه يصف شدّة صهيله لأن الصوت يبين فى البئر ، ويذكر أنه مجفر : عظيم الجنبين.
4) يريد أن عروبة - ممنوعة من الصرف - والعروبة معناهما الجمعة. وعبارة اللسان : وعروبة والعروبة كلتاهما الجمعة.
5) صدره كما فى شرح المفصل 93 / 10 :
وهو لزوم آخر الكلمة ضربا واحدا : من السكون أو الحركة ، لا لشيء أحدث ذلك من العوامل. وكأنهم إنما سمّوه بناء لأنه لمّا لزم ضربا واحدا فلم يتغير تغير الإعراب سمى بناء ، من حيث كان البناء لازما موضعه ، لا يزول من مكان إلى غيره ؛ وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المتبذلة ، كالخيمة والمظلة ، والفسطاط والسرادق ، ونحو ذلك. وعلى أنه قد أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء ؛ تشبيها لذلك - من حيث كان مسكونا ، وحاجزا ، ومظلّا - بالبناء من الآجرّ والطين والجصّ ؛ ألا ترى إلى قول أبى مارد الشيبانى :
لو وصل الغيث أبنين امرأ
كانت له قبّة سحق بجاد (1)
أى لو اتصل الغيث لأكلأت الأرض وأعشبت ، فركب الناس خيلهم للغارات ، فأبدلت الخيل الغنىّ الذى كانت له قبة من قبته سحق بجاد ، فبناه بيتا له ، بعد ما كان يبنى لنفسه قبة. فنسب ذلك البناء إلى الخيل ، لمّا كانت هى الحاملة للغزاة الذين أغاروا على الملوك ، فأبدلوهم من قبابهم أكسية أخلاقا ، فضربوها لهم أخبية تظلّهم.
ونظير معنى هذا البيت ما أخبرنا به أبو بكر محمد (2)بن الحسن عن أحمد (3)بن يحيى من قول الشاعر :
1) البيت من مجزوء البسيط ، وهو لأبى مارد الشيبانى فى تاج العروس (بنى) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (خضض) ، (بنى) ، والمخصص 5 / 122 ، وتهذيب اللغة 15 / 493 ، وأساس البلاغة ص 31 (بنى) ، والحيوان 5 / 461. البجاد : الكساء المخطط ، والسحق : البالى. والبيت فى تنبيه البكرى على أوهام القالى 19 وفى اللآلى له 123 / 1 والذى فى اللآلى : «أبنينا» بإسناد هذا الفعل إلى الشاعر وقومه.
2) هو المعروف بابن مقسم ، وهو أبو بكر العطار المقرئ النحوى ، كان من أعرف الناس بالقراءات ونحو الكوفيين مات سنة 355 ، وهو راوية لثعلب.
3) هو أبو العباس ثعلب من أئمة الكوفيين مات 291.
قد كنت تأمننى والجدب دونكم
فكيف أنت إذا رقش الجراد نزا (1)
ومثله أيضا ما رويناه عنه [عنه] أيضا ، من قول الآخر :
قوم إذا اخضرّت نعالهم
يتناهقون تناهق الحمر (2)
قالوا فى تفسيره : إن النعال جمع نعل وهى الحرّة ، أى إذا اخضرّت الأرض بطروا ، وأشروا ، فنزا بعضهم على بعض.
وبنحو من هذا فسر أيضا قول النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «إذا ابتلّت النعال فالصلاة فى الرحال» (3)أى إذا ابتلت الحرار. ومن هذا اللفظ والمعنى ما حكاه أبو زيد من قولهم : «المعزى تبهى ولا تبنى». ف- «تبهى» تفعل من البهو ، أى تتقافز على البيوت من الصوف ، فتخرقها فتتسع الفواصل من الشعر ، فيتباعد ما بينها ، حتى يكون فى سعة البهو. «ولا تبنى» ، أى لا ثلّة لها وهى الصوف ، فهى لا يجزّ منها الصوف ، ثم ينسجونه ، ثم يبنون منه بيتا. هكذا فسّره أبو زيد.
قال : ويقال أبنيت الرجل بيتا ، إذا أعطيته ما يبنى منه بيتا.
ومن هذا قولهم : قد بنى فلان بأهله (4)؛ وذلك أن الرجل كان إذا أراد الدخول
1) قوله : «نزا» كان ينبغى تأنيث الفعل فيقول : نزت ، ولكنه نظر إلى المضاف إليه وهو الجراد ، ونزو الجراد كناية عن الخصب وكثرة المزدرع. (نجار).
2) انظر المخصص ص 179 ج 1 وفيه بعد البيت : «واخضرار النعل من اخضرار الأرض». وفى هذا ميل إلى أن النعل : ما يلبس فى الرجل ، والكلام كناية عن الخصب (نجار). قلت : فالنعل على هذا مجاز مرسل علاقته المحلية من حيث كون الأرض محلا للنعال.
3) ذكره الحافظ فى «التلخيص» ، (2 / 31) ، وقال : «لم أره بهذا اللفظ ... وذكره ابن الأثير فى «النهاية» كذلك ، وقال الشيخ تاج الدين الفزارى فى الإقليد : «لم أجده فى الأصول ، وإنما ذكره «أهل العربية ...».
4) أى هو على المجاز كقولهم (اخضرت النّعال) والمقصود اخضرت الأرض الموطوءة بالنعال ، فهو مجاز مرسل علاقته المحلية ، وكذلك فى قولهم (بنى بأهله) والأصل بناء بيت أهله ، ولكن لما كان الأهل هم حالّو البيت والمقيمون به علّق البناء بهم علاقة المجاز المحلية. واعلم أن ذلك كله من المجاز الذى تنوسى بشيوع استعماله حتى أشبه الحقيقة ولحق بها ، وذلك لفقده شرط المجاز ، وهو الغرابة والإثارة. فتأمل ؛ إذ لا يستشعر القارئ غرابة ولا جمالا فنيا فى نحو ما ذكرنا آنفا. وهذا مما يخطئ فيه كثير من الدارسين الذين يطبقون قواعد البلاغة بلا نظر ولا تذوق.
بأهله بنى بيتا من أدم أو قبة أو نحو ذلك من غير الحجر والمدر ، ثم دخل بها فيه ، فقيل لكل داخل بأهله : هو بان بأهله ، وقد بنى بأهله. وابتنى بالمرأة هو افتعل من هذا اللفظ ، وأصل المعنى منه. فهذا كله على التشبيه لبيوت الأعراب ببيوت ذوى الأمصار. ونحو من هذه الاستعارة فى هذه الصناعة استعارتهم ذلك فى الشرف والمجد ؛ قال لبيد :
فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه
فسما إليه كهلها وغلامها (1)
وقال غيره :
بنى البناة لنا مجدا ومأثرة
لا كالبناء من الآجرّ والطين
وقال الآخر (2):
لسنا وإن كرمت أوائلنا
يوما على الأحساب نتّكل
نبنى كما كانت أوائلنا
تبنى ، ونفعل مثل ما فعلوا
ومن الضرب الأول قول المولّد :
وبيت قد بنينا فا
رد كالكوكب الفرد
بنيناه على أعم
دة من قضب الهند
وهذا واسع غير أن الأصل فيه ما قدمناه.
باب القول على أصل اللغة إلهام (1)هى أم اصطلاح؟
هذا موضع محوج إلى فضل تأمل ؛ غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح ، لا وحى (وتوقيف). إلا أن أبا علىّ رحمهالله ، قال لى يوما : هى من عند الله ، واحتجّ بقوله سبحانه : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) [البقرة : 31] وهذا لا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله : أقدر آدم على أن واضع عليها ؛ وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة. فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به. وقد كان أبو علىّ رحمهالله أيضا قال (2)به فى بعض كلامه. وهذا أيضا رأى أبى الحسن ؛ على أنه (3)لم يمنع قول من قال : إنها تواضع منه (4). على أنه قد فسّر هذا بأن قيل : إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات ، بجميع اللغات : العربية ، والفارسية ، والسريانية والعبرانية ، والرومية ، وغير ذلك من سائر اللغات ؛ فكان آدم وولده يتكلمون بها ، ثم إنّ ولده تفرقوا فى الدنيا ، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه ، واضمحلّ عنه ما سواها ؛ لبعد عهدهم بها.
وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقّيه باعتقاده ، والانطواء على القول به.
فإن قيل : فاللغة فيها أسماء ، وأفعال ، وحروف ؛ وليس يجوز أن يكون المعلّم من ذلك الأسماء دون غيرها : مما ليس بأسماء ، فكيف خصّ الأسماء وحدها؟
1) فى الأصل (إلهام) بغير همزة استفهام. وفى المطبوع جعلها الأستاذ النجار (أإلهام) بهمزة استفهام ولا حاجة إليه ؛ إذ الكلام يستقيم بدون زيادتها ، فالسياق دال على الاستفهام ، وقد أجاز الأخفش حذف الهمزة فى مثل هذا الموضع إذا كان فى الكلام ما يدل عليه.
2) أى بالقول بالتواضع والاصطلاح.
3) أى أبا الحسن ، وهو الأخفش ، وحاصل هذا أن أبا على وأبا الحسن قالا بالرأيين ، وقد صرح بهذا فى ج ففيها بعد ذكر القولين : «وكلا الأمرين أجازه أبو الحسن وأبو على». والتوقيف رأى الأشعرى ، والاصطلاح رأى المعتزلة. (نجار).
4) كأن الضمير يعود على آدم ، وقد سبق ذكره فى قوله : «أقدر آدم على أن واضع عليها».
قيل : اعتمد (1)ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة ، ولا بدّ لكل كلام مفيد من الاسم ، وقد تستغنى الجملة المستقلّة عن كل واحد من الحرف والفعل ، فلمّا كانت الأسماء من القوّة والأوّلية فى النفس والرتبة ، على ما لا خفاء به جاز أن يكتفى بها مما هو تال لها ، ومحمول فى الحاجة إليه عليها. وهذا كقول المخزومىّ :
الله يعلم ما تركت قتالهم
حتى علوا فرسى بأشقر مزبد (2)
أى فإذا كان الله يعلمه فلا أبالى بغيره سبحانه ، أذكرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهده. ولا يريد بذلك أنّ هذا أمر خفىّ ، فلا يعلمه إلا الله وحده ، بل إنما يحيل فيه على أمر واضح ، وحال مشهورة حينئذ ، متعالمة. وكذلك قول الآخر :
الله يعلم أنا فى تلفتنا
يوم الفراق إلى أحبابنا صور (3)
وليس بمدّع أن هذا باب مستور ، ولا حديث غير مشهور ، حتى إنه لا يعرفه أحد إلا الله وحده ، وإنما العادة فى أمثاله عموم معرفة الناس به لفشوّه فيهم ، وكثرة جريانه على ألسنتهم.
فإن قيل : فقد جاء عنهم فى كتمان الحب وطيّه وستره والبجح (4)بذلك ، والادّعاء له ما لا خفاء به ؛ فقد ترى إلى اعتدال الحالين فيما ذكرت.
قيل : هذا وإن جاء عنهم ، فإن إظهاره أنسب (5)عندهم وأعذب على مستمعهم ؛ ألا ترى أن فيه إيذانا من صاحبه بعجزه عنه وعن ستر مثله ، ولو أمكنه إخفاؤه
1) ضبط بالبناء للفاعل ، أى اعتمد ذلك الله تعالى ، وقد اعتمدت فى هذا الضبط على ما فى المخصص ص 4 ج 1. (نجار).
2) البيت من الكامل ، وهو للمخزومى فى المخصص (1 / 4).
3) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (صور) ، (شرى) ، (آ) ، (وا) ، وتاج العروس (صور) ، (نظر) ، (شرى) ، والمخصص (12 / 103).
4) البجح : الفرح ، وتبجح بالشىء : فخر به ، وفلان يتبجح علينا ويتمجح إذا كان يهذى به إعجابا. اللسان (بجح).
5) أى أرّق نسيبا وأغزل.
والتحامل به لكان مطيقا له ، مقتدرا عليه ، وليس فى هذا من التغزل ما فى الاعتراف بالبعل (1)به ، وخور الطبيعة عن الاستقلال بمثله ؛ ألا ترى إلى قول عمر [ابن أبى ربيعة] :
فقلت لها : ما بى لهم من ترقّب
ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى (2)
جرى ناصح بالودّ بينى وبينها
فقرّبنى يوم الحصاب إلى قتلى
وقبله :
فقالت - وأرخت جانب الستر بيننا -
: معى فتحدّث غير ذى رقبة أهلى
وانظر الديوان. والحصاب - بزنة كتاب - : موضع رمى الجمار بمنى. (نجار).
وكذلك قول الأعشى :
وكذلك قول الآخر :
ودّعته بدموعى يوم فارقنى
ولم أطق جزعا للبين مدّ يدى (4)
(نجار).
والأمر فى هذا أظهر ، وشواهده أيسر وأكثر.
ثم لنعد فلنقل فى الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا. وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بدّ فيه من المواضعة ، قالوا : وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا ، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات ، فيضعوا لكل واحد [منها] سمة ولفظا ، إذا ذكر عرف به ما مسماه ، ليمتاز من غيره ، وليغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين ، فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلف إحضاره ، لبلوغ الغرض فى إبانة حاله. بل قد يحتاج فى كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه ، كالفانى ، وحال اجتماع الضدّين على المحل الواحد ، كيف يكون ذلك لو جاز ، وغير هذا مما هو جار فى الاستحالة والبعد مجراه ،
1) البعل : الضجر والتبرم بالشىء ، والبعل : أيضا : الدّهش عند الروع. اللسان (بعل).
2) من قصيدة له مطلعها :
3) البيت من البسيط ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 105 ، ولسان العرب (جهنم) ، ومقاييس اللغة 4 / 126 ، وتاج العروس (ودع).
4) هذا البيت أوّل ثلاثة أبيات فى المختار من شعر بشار 248 ، وفيه : «صافحته» بدل «ودّعته» ..
فكأنهم جاءوا إلى واحد من بنى آدم ، فأومئوا إليه ، وقالوا : إنسان إنسان إنسان فأىّ وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق ، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك ، فقالوا : يد ، عين ، رأس ، قدم ، أو نحو ذلك. فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيّها ، وهلم جرّا فيما سوى هذا من الأسماء ، والأفعال ، والحروف. ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها ، فتقول : الذى اسمه إنسان فليجعل مكانه مرد (1)، والذى اسمه رأس فليجعل مكانه سر ؛ وعلى هذا بقيّة الكلام. وكذلك لو بدأت اللغة الفارسية ، فوقعت المواضعة عليها ، لجاز أن تنقل ويولّد منها لغات كثيرة : من الرومية ، والزنجية ، وغيرهما. وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصّنّاع لآلات صنائعهم من الأسماء : كالنجّار ، والصائغ والحائك ، والبناء ، وكذلك الملاح.
قالوا : ولكن لا بدّ لأوّلها من أن يكون متواضعا بالمشاهدة والإيماء. قالوا : والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدا من عباده على شيء ؛ إذ قد ثبت أن المواضعة لا بدّ معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه ، والمشار نحوه ، والقديم سبحانه لا جارحة له ، فيصحّ الإيماء والإشارة بها منه ؛ فبطل عندهم أن تصح المواضعة على اللغة منه ، تقدّست أسماؤه ؛ قالوا : ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التى قد وقع التواضع بين عباده عليها ، بأن يقول : الذى كنتم تعبّرون عنه بكذا عبّروا عنه بكذا ، والذى (كنتم تسمّونه) كذا ينبغى أن تسمّوه كذا ؛ وجواز هذا منه - سبحانه - كجوازه من عباده. ومن هذا الذى فى الأصوات ما يتعاطاه الناس الآن من مخالفة الأشكال ، فى حروف المعجم ؛ كالصورة التى توضع للمعمّيات (2)، والتراجم (3)
وفى نقد النثر 26 : «ومن الظن العيافة والقيافة والزجر والكهانة واستخراج المعمى والمترجم من الكتب». وفيه فى ص 28 : «ألا ترى أنك تظنّ بالترجمة أنها حروف ما ، فإذا أدرتها فى سائر المواضع التى تثبت صورها فيها وامتحنتها فوجدتها مصدّقة لظنك حكمت بصحتها ، وإذا خالفت علمت أن ظنك لم يقع موقعه ، فأوقعته على غير تلك الحروف إلى أن تصح لك». (نجار).
؛ وعلى ذلك أيضا اختلفت أقلام ذوى اللغات ؛ كما1) مرد : هو الإنسان أو الرجل فى الفارسية ، وسر : الرأس فى الفارسية كذلك.
2) يريد بالمعميات ما عمى وألغز فى الرسم والكتابة. وذلك ما يكتب بصورة مصطلح عليها غير الاصطلاح المألوف. ومن أمثلة ذلك أن يكتب الكاف بدل الميم ، والطاء بدل الحاء ، والراء بدل الدال ، فيكتب محمد : كطكر. وهو ما يعرف فى اصطلاح العصر بالشفرة.
3) والتراجم جمع الترجمة وهو المعمى نفسه ، ويقال له المترجم ؛ كأنه سمى بذلك لما أنه يحتاج إلى الترجمة والكشف عنه. وقد كان المتقدمون يعرفون هذا ، وعقد له فى صبح الأعشى بابا طويلا - ص 231 ج 9 - ، وذكر أن لابن الدريهم كتابا فيه. وقد نقل عنه قدرا صالحا فى هذا العلم. وانظر فى فن المعمى بوجه عام الخزانة 113 / 3.
اختلف أنفس الأصوات المرتبة على مذاهبهم فى المواضعات. وهذا قول من الظهور على ما تراه. إلا أننى سألت يوما بعض أهله (1)، فقلت : ما تنكر أن تصحّ المواضعة من الله تعالى؟ وإن لم يكن ذا جارحة ، بأن يحدث فى جسم من الأجسام ، خشبة أو غيرها ، إقبالا على شخص من الأشخاص ، وتحريكا لها نحوه ، ويسمع فى نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتا يضعه اسما (2)له ، ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات ، مع أنه - عزّ اسمه - قادر على أن يقنع فى تعريفه ذلك بالمرة الواحدة ، فتقوم الخشبة فى هذا الإيماء ، وهذه الإشارة ، مقام جارحة ابن آدم فى الإشارة بها فى المواضعة ؛ وكما أن الإنسان أيضا قد يجوز إذا أراد المواضعة أن يشير بخشبة نحو المراد المتواضع عليه ، فيقيمها فى ذلك مقام يده ، لو أراد الإيماء بها نحوه؟ فلم يجب عن هذا بأكثر من الاعتراف بوجوبه ، ولم يخرج من جهته شيء أصلا فأحكيه عنه ؛ وهو عندى (3)وعلى ما تراه الآن لازم لمن قال بامتناع مواضعة القديم تعالى لغة مرتجلة (4)غير ناقلة لسانا إلى لسان. فاعرف ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوىّ الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار ، ونعيق الغراب ،
1) هم المعتزلة. انظر المزهر ص 12 ج 1 ، وينسب هذا المذهب إلى أبى هاشم الجبائى عبد السلام بن محمد من رءوس المعتزلة. وكانت وفاته سنة 321. وانظر المزهر 10 / 1.
2) أى الشخص المراد وضع الاسم له. والشخص : سواد الإنسان وغيره ، والذى يفهم التسمية بالضرورة غير الشخص المسمى.
3) العبارة فى المزهر : «وهذا عندى على ما تراه الآن لازم».
4) قيد بهذا لأن هذا موضع المنع عند القائلين به ، فهم إنما ينكرون أن يواضع البارئ لغة مرتجلة ، فأما أن يواضع لغة ثابتة من قبل بأن ينقلها إلى لغة أخرى فيقول : ما تعبرون عنه بكذا عبروا بكذا فلا شيء فيه كما سبق له. (نجار).
وصهيل الفرس ، ونزيب (1)الظبى ونحو ذلك. ثمّ ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندى وجه صالح ، ومذهب متقبّل.
واعلم فيما بعد ، أننى على تقادم الوقت ، دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع ، فأجد الدواعى والخوالج قويّة التجاذب لى ، مختلفة جهات التغوّل (2)على فكرى. وذلك أننى إذا تأمّلت حال هذه اللغة الشريفة ، الكريمة اللطيفة ، وجدت فيها من الحكمة والدقّة ، والإرهاف ، والرقّة ، ما يملك علىّ جانب الفكر ، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة (3)السحر. فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا رحمهمالله ، ومنه ما حذوته على أمثلتهم ، فعرفت بتتابعه وانقياده ، وبعد مراميه وآماده ، صحّة ما وفّقوا لتقديمه منه. ولطف ما أسعدوا به ، وفرق لهم عنه. وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعزّ ؛ فقوى فى نفسى اعتقاد كونها توفيقا من الله سبحانه ، وأنها وحى.
ثم أقول فى ضدّ هذا : كما وقع لأصحابنا ولنا ، وتنبهوا وتنبهنا ، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة ، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا - وإن بعد مداه عنا - من كان ألطف منا أذهانا ، وأسرع خواطر وأجرأ جنانا. فأقف (4)بين تين الخلّتين حسيرا ، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورا. وإن خطر خاطر فيما بعد ، يعلّق الكف بإحدى الجهتين ، ويكفها عن صاحبتها ، قلنا به ، وبالله التوفيق.
تركية تنمى لتركى
ترنو بطرف فاتر فاتن
أضعف من حجة نحويّ
انظر وفيات ابن خلكان ص 36 ج 1 فى ترجمة ابن فارس. (نجار).
اعلم أن علل النحويين - وأعنى بذلك حذّاقهم المتقنين لا ألفافهم (2)المستضعفين - أقرب إلى علل المتكلمين ، منها إلى علل المتفقهين. وذلك أنهم إنما يحيلون على الحسّ ، ويحتجّون فيه بثقل الحال أو خفّتها على النفس ؛ وليس كذلك حديث علل الفقه. وذلك أنها إنما هى أعلام ، وأمارات ، لوقوع الأحكام ، ووجوه الحكمة فيها خفيّة عنا ، غير بادية الصفحة (3)لنا ؛ ألا ترى أن ترتيب مناسك الحج ، وفرائض الطهور ، والصلاة ، والطلاق ، وغير ذلك ، إنما يرجع فى وجوبه إلى ورود الأمر بعمله ، ولا تعرف علة جعل الصلوات فى اليوم والليلة خمسا دون غيرها من العدد ، ولا يعلم أيضا حال الحكمة والمصلحة فى عدد الركعات ، ولا فى اختلاف ما فيها من التسبيح والتلاوات ؛ إلى غير ذلك مما يطول ذكره ، ولا تحلى (4)النفس بمعرفة السبب الذى كان له ومن أجله ؛ وليس كذلك علل النحويين. وسأذكر طرفا من ذلك لتصحّ الحال به.
1) لما كان هم أبى الفتح فى هذا الكتاب إبداء حكمة العرب وسداد مقاصدهم فيما أتوا فى لغتهم ، وكان ذلك بإبداء العلل لسننهم وخططهم فى تأليف لسانهم أخذ نفسه فى تقوية العلل التى تنسب إلى أفعالهم وتحمل عليهم ؛ وهو ما يقوم به النحويون. وكان من دواعى ذلك أن اشتهر بين الناس ضعف علل النحاة ؛ فهذا ابن فارس يقول: مرّت بنا هيفاء مجدولة
2) يقال جاء القوم بلفّهم ولفّتهم ولفيفهم أى بجماعتهم وأخلاطهم ؛ وجاء لفهم ولفّهم ولفيفهم كذلك ، واللفيف : القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا ... ، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتّى فيهم الشريف والدنىء والمطيع والعاصى والقوى والضعيف. اللسان (لفف).
3) الصفحة : الجنب والجانب ، وهو كناية عن الظهور والوضوح.
4) أى لا تظفر ، يقال : حليت من فلان بخير : أصبته وأدركته ، ومن ذلك قولهم : ما حليت من هذا الأمر بطائل ، وهو من باب علم.
قال أبو إسحاق (1)فى رفع الفاعل ، ونصب المفعول : إنما فعل ذلك للفرق بينهما ، ثم سأل نفسه فقال : فإن قيل : فهلا عكست الحال فكانت فرقا أيضا؟ قيل : الذى فعلوه أحزم ؛ وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد ، وقد يكون له مفعولات كثيرة ، فرفع الفاعل لقلته ، ونصب المفعول لكثرته ، وذلك ليقلّ فى كلامهم ما يستثقلون ، ويكثر فى كلامهم ما يستخفّون. فجرى ذلك فى وجوبه ، ووضوح أمره ، مجرى شكر المنعم ، وذم المسيء فى انطواء الأنفس عليه ، وزوال اختلافها فيه ، ومجرى وجوب طاعة القديم سبحانه ، لما يعقبه من إنعامه وغفرانه. ومن ذلك قولهم : إن ياء نحو ميزان ، وميعاد ، انقلبت عن واو ساكنة ؛ لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة. وهذا أمر لا لبس فى معرفته ، ولا شكّ فى قوة الكلفة فى النطق به. وكذلك قلب الياء فى موسر ، وموقن واوا ؛ لسكونها وانضمام ما قبلها. ولا توقف فى ثقل الياء الساكنة بعد الضمة ؛ لأن حالها فى ذلك حال الواو الساكنة بعد الكسرة ؛ وهذا - كما تراه - أمر يدعو الحسّ إليه ، ويحدو طلب الاستخفاف عليه. وإذا كانت الحال المأخوذ بها ، المصير بالقياس إليها ، حسّيّة طبيعية ، فناهيك بها ولا معدل بك عنها. ومن ذلك قولهم فى سيّد ، وميّت ، وطويت طيّا ، وشويت شيّا : إن الواو قلبت ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها فى سيّد ، وميّت ، ووقوع الواو الساكنة قبل الياء فى شيّا وطيّا. فهذا أمر هذه سبيله أيضا ؛ ألا ترى إلى ثقل اللفظ بسيود وميوت وطويا وشويا ، وأنّ سيّدا ، وميّتا ، وطيّا ، وشيّا ، أخفّ على ألسنتهم من اجتماع الياء والواو مع سكون الأوّل منهما. فإن قلت : فقد جاء عنهم نحو حيوة (2)، وضيون ، وعوى الكلب عوية ، فسنقول فى هذا ونظائره ، فى باب يلى هذا ، باسم الله. وأشباه هذا كثيرة جدّا.
فإن قلت : فقد نجد أيضا فى علل الفقه ما يضح أمره ، وتعرف علته ؛ نحو رجم الزانى إذا كان محصنا ، وحدّه إذا كان غير محصن ؛ وذلك لتحصين الفروج ، وارتفاع الشكّ فى الأولاد والنسل. وزيد فى حدّ المحصّن على غيره لتعاظم جرمه ، وجريرته على نفسه. وكذلك إقادة القاتل بمن قتله لحقن الدماء.
وكذلك إيجاب الله الحج على مستطيعه ؛ لما فى ذلك من تكليف المشقّة ؛ ليستحقّ عليها المثوبة ، وليكون أيضا دربة للناس على الطاعة ، وليشتهر به أيضا حال الإسلام ، ويدلّ به على ثباتها واستمرار العمل بها ، فيكون أرسخ له ، وأدعى إلى ضمّ نشر (1)الدين ، وفثء (2)كيد المشركين. وكذلك نظائر هذا كثيرة جدا. فقد ترى إلى معرفة أسبابه كمعرفة أسباب ما اشتملت عليه علل الإعراب ، فلم جعلت علل الفقه أخفض رتبة من علل النحو؟ قيل له : ما كانت هذه حاله من علل الفقه فأمر لم يستفد من طريق الفقه ، ولا يخصّ حديث الفرض والشرع ، بل هو قائم فى النفوس قبل ورود الشريعة به ؛ ألا ترى أن الجاهلية الجهلاء كانت تحصّن فروج مفارشها ، وإذا شكّ الرجل منهم فى بعض ولده لم يلحقه به ، خلقا قادت إليه الأنفة والطبيعة ، ولم يقتضه نصّ ولا شريعة. وكذلك قول الله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ) [التوبة : 6] قد كان هذا من أظهر شيء معهم ، وأكثره فى استعمالهم ، أعنى حفظهم للجار ، ومدافعتهم عن الذّمار (3)، فكأن الشريعة إنما وردت فيما هذه حاله بما كان معلوما معمولا به ، حتى إنها لو لم ترد بإيجابه ، لما أخلّ ذلك بحاله ، لاستمرار الكافّة على فعاله. فما هذه صورته من عللهم جار مجرى علل النحويين. ولكن ليت شعرى من أين يعلم وجه المصلحة فى جعل الفجر ركعتين ، والظهر والعصر أربعا أربعا ، والمغرب ثلاثا ، والعشاء الآخرة أربعا؟ ومن أين يعلم علة ترتيب الأذان على ما هو عليه؟ وكيف تعرف علة تنزيل مناسك الحج على صورتها ، ومطّرد العمل بها؟ ونحو هذا كثير جدّا. ولست تجد شيئا مما علّل به القوم وجوه الإعراب إلا والنفس تقبله ، والحسّ منطو على الاعتراف به ؛ ألا ترى أن عوارض ما يوجد فى هذه اللغة شيء سبق وقت الشرع ، وفزع فى التحاكم فيه إلى بديهة الطبع ؛ فجميع علل النحو إذا مواطئة للطباع ، وعلل الفقه لا ينقاد جميعها هذا الانقياد. فهذا فرق.
سؤال [قوىّ] : فإن قلت : فقد نجد فى اللغة أشياء كثيرة غير محصاة ولا محصّلة ، لا نعرف لها سببا ، ولا نجد إلى الإحاطة بعللها مذهبا. فمن ذلك إهمال ما أهمل ، وليس فى القياس ما يدعو إلى إهماله ؛ وهذا أوسع من أن يحوج إلى ذكر طرف منه ؛ ومنه الاقتصار فى بعض الأصول على بعض المثل (1)، ولا نعلم قياسا يدعو إلى تركه ؛ نحو امتناعهم أن يأتوا فى الرباعى بمثال فعلل أو فعلل ، أو فعلّ أو فعلّ ، أو فعلّ ، ونحو ذلك. وكذلك اقتصارهم فى الخماسىّ على الأمثلة الأربعة دون غيرها مما تجوّزه القسمة. ومنه أن عدلوا فعلا عن فاعل ، فى أحرف محفوظة. وهى ثعل ، وزحل ، وغدر ، وعمر ، وزفر ، وجشم ، وقثم ، وما يقلّ تعداده. ولم يعدلوا فى نحو مالك ، وحاتم ، وخالد ، وغير ذلك ، فيقولوا : ملك ولا حتم ، ولا خلد. ولسنا نعرف سببا أوجب هذا العدل فى هذه الأسماء التى أريناكها ، دون غيرها ؛ فإن كنت تعرفه فهاته.
فإن قلت : إن العدل ضرب من التصرف ، وفيه إخراج للأصل عن بابه إلى الفرع ؛ وما كانت هذه حاله أقنع منه البعض ولم يجب أن يشيع فى الكل.
قيل : فهبنا سلّمنا ذلك لك تسليم نظر ، فمن لك بالإجابة عن قولنا : فهلا جاء هذا العدل فى حاتم ، ومالك ، وخالد ، وصالح ، ونحوها ؛ دون ثاعل ، وزاحل ، وغادر ، وعامر ، وزافر ، وجاشم ، وقاثم؟ ألك هاهنا نفق فتسلكه ، أو مرتفق (2)فتتورّكه؟ وهل غير أن تخلد إلى حيرة الإجبال (3)، وتخمد نار الفكر حالا على حال؟ ولهذا ألف نظير ، بل ألوف كثيرة ندع الإطالة بأيسر اليسير منها.
وبعد فقد صحّ ووضح أن الشريعة إنما جاءت من عند الله تعالى ؛ ومعلوم أنه سبحانه لا يفعل شيئا إلا ووجه المصلحة والحكمة قائم فيه ، وإن خفيت عنا أغراضه ومعانيه ، وليست كذلك حال هذه اللغة ؛ ألا ترى إلى قوّة تنازع أهل
1) يقصد بالمثل هنا (الصيغ) وقد كرر هذا المصطلح كثيرا مرادا به الصيغ وسيأتى بهذا المعنى أيضا فى الجزء الثانى فى باب (إمساس الألفاظ أشباه المعانى).
2) المرتفق : المتكأ. فتتورّكه : تعتمد عليه ، والأصل فى هذا أن يقال : تورك عليه ؛ وضع وركه عليه.
3) الإجبال : الانقطاع ، من قولهم أجبل الحافر إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذى لا يحيك فيه المعول. اللسان (جبل).
الشريعة فيها ، وكثرة الخلاف فى مباديها ، ولا تقطع فيها بيقين ، ولا من الواضع لها ، ولا كيف وجه الحكمة فى كثير مما أريناه آنفا من حالها ، وما هذه سبيله لا يبلغ شأو ما عرف الآمر به - سبحانه وجلّ جلاله - وشهدت النفوس ، واطّردت المقاييس على أنه أحكم الحاكمين سبحانه. انقضى السؤال.
قيل : لعمرى إن هذه أسئلة ، تلزم من نصب نفسه لما نصبنا أنفسنا من هذا الموقف له. وهاهنا أيضا من السؤالات أضعاف هذه الموردة ، وأكثر من أضعاف ذلك ، ومن أضعاف أضعافه ؛ غير أنه لا ينبغى أن يعطى فيها باليد. بل يجب أن ينعم الفكر فيها ، ويكاس فى الإجابة عنها. فأوّل ذلك أنا لسنا ندّعى أن علل أهل العربية فى سمت العلل الكلامية البتة ، بل ندّعى أنها أقرب إليها من العلل الفقهيّة ، وإذا حكّمنا بديهة العقل ، وترافعنا إلى الطبيعة والحسّ ، فقد وفّينا الصنعة حقّها ، وربأنا (1)بها أفرع مشارفها. وقد قال سيبويه : وليس شيء مما يضطرّون إليه ، إلا وهم يحاولون به وجها. وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه ؛ نعم ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك ، فتستضيء به وتستمدّ التنبّه على الأسباب المطلوبات منه. ونحن نجيب عما مضى ، ونورد معه ، وفى أثنائه ما يستعان به ، ويفزع فيما يدخل من الشبه إليه ، بمشيئة الله وتوفيقه.
أمّا إهمال ما أهمل ، مما تحتمله قسمة التركيب فى بعض الأصول المتصوّرة ، أو المستعملة ، فأكثره متروك للاستثقال ، وبقيته ملحقة به ، ومقفّاة على إثره. فمن ذلك ما رفض استعماله لتقارب حروفه ؛ نحو سص ، وطس ، وظث ، وثظ ، وضش ، وشض ؛ وهذا حديث واضح لنفور الحس عنه ، والمشقة على النفس لتكلفه. وكذلك نحو قج ، وجق ، وكق ، وقك ، وكج ، وجك. وكذلك حروف الحلق : هى من الائتلاف أبعد ؛ لتقارب مخارجها عن معظم الحروف ، أعنى حروف الفم. فإن جمع بين اثنين منها قدّم الأقوى على الأضعف ؛ نحو أهل ، وأحد ، وأخ ، وعهد ، وعهر ؛ وكذلك متى تقارب الحرفان لم يجمع بينهما ، إلا بتقديم الأقوى منهما ؛ نحو أرل ، ووتد ، ووطد. يدل على أن الراء أقوى من اللام أن القطع عليها أقوى من القطع على اللام. وكأن ضعف اللام إنما أتاها لما
1) المشارف : الأعالى ، وأفرع : أعلى ، وربأ الجبل : علاه.
تشربه من الغنّة عند الوقوف عليها ، ولذلك لا تكاد تعتاص (1)اللام ، وقد ترى إلى كثرة اللثغة فى الراء فى الكلام ، وكذلك الطاء ، والتاء : هما أقوى من الدال ؛ وذاك لأن جرس الصوت بالتاء ، والطاء ، عند الوقوف عليهما أقوى منه وأظهر عند الوقوف على الدال. وأنا أرى أنهم إنما يقدّمون الأقوى من المتقاربين ، من قبل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس ، فلما اعتزموا النطق بهما قدّموا أقواهما ، لأمرين : أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى ؛ والآخر أنهم إنما يقدّمون الأثقل ويؤخّرون الأخفّ من قبل أن المتكلم فى أوّل نطقه أقوى نفسا ، وأظهر نشاطا ، فقدّم أثقل الحرفين ، وهو على أجمل الحالين ، كما رفعوا المبتدأ لتقدّمه ، فأعربوه بأثقل الحركات وهى الضمة ، وكما رفعوا الفاعل لتقدمه ، ونصبوا المفعول لتأخّره ، فإنّ هذا أحد ما يحتجّ به فى المبتدأ ، والفاعل. فهذا واضح كما تراه.
وأما ما رفض أن يستعمل وليس فيه إلا ما استعمل من أصله فعنه السؤال ، وبه الاشتغال. وإن أنصفت نفسك فيما يرد عليك فيه حليت به وأنقت (2)له ، وإن تحاميت الإنصاف ، وسلكت سبيل الانحراف ، فذاك إليك ، ولكن جنايته عليك.
«جواب قوى» : اعلم أن الجواب عن هذا الباب تابع لما قبله ، وكالمحمول على حكمه. وذلك أن الأصول ثلاثة : ثلاثى ، ورباعى ، وخماسى. فأكثرها استعمالا ، وأعدلها تركيبا ، الثلاثى. وذلك لأنه حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به ، وحرف يوقف عليه. وليس اعتدال الثلاثى لقلة حروفه حسب ؛ لو كان كذلك لكان الثنائى أكثر منه ؛ لأنه أقل حروفا ، وليس الأمر كذلك ؛ ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزء لا قدر له فيما جاء من ذوات الثلاثة ؛ نحو من وفى ، وعن ، وهل ، وقد ، وبل ، وكم ، ومن ، وإذ ، وصه ، ومه. ولو شئت لأثبتّ جميع ذلك فى هذه الورقة. والثلاثى عاريا من الزيادة ، وملتبسا بها ، مما يبعد تداركه ، وتتعب الإحاطة به. فإذا ثبت ذلك عرفت منه ، وبه أنّ ذوات الثلاثة لم تتمكن فى الاستعمال لقلة عددها حسب ؛ ألا ترى إلى قلة الثنائى ؛ وأقلّ منه ما جاء على
حرف واحد ؛ كحرف العطف ، وفائه ، وهمزة الاستفهام ، ولام الابتداء والجرّ ، والأمر ، وكاف رأيتك ، وهاء رأيته. وجميع ذلك دون باب كم ، وعن ، وصه.
فتمكّن الثلاثى إنما هو لقلة حروفه ، لعمرى ، ولشيء آخر ، وهو حجز الحشو الذى هو عينه ، بين فائه ، ولامه ، وذلك لتباينهما ، ولتعادى (1)حاليهما ؛ ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركا ، وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكنا ؛ فلما تنافرت حالاهما وسّطوا العين حاجزا بينهما ، لئلا يفجئوا الحسّ بضدّ ما كان آخذا فيه ، ومنصبّا إليه.
فإن قلت : فإنّ ذلك الحرف الفاصل لما ذكرت بين الأوّل والآخر - وهو العين - لا يخلو أن يكون ساكنا ، أو متحرّكا. فإن كان ساكنا فقد فصلت عن حركة الفاء إلى سكونه ، وهذا هو الذى قدّمت ذكر الكراهة له ؛ وإن كان متحرّكا فقد فصلت عن حركته إلى سكون اللام الموقوف عليها ، وتلك حال ما قبله فى انتقاض حال الأوّل بما يليه من بعده.
فالجواب أنّ عين الثلاثى إذا كانت متحرّكة ، والفاء قبلها كذلك فتوالت الحركتان ، حدث هناك لتواليهما ضرب من الملال لهما ، فاستروح حينئذ إلى السكون ، فصار ما فى الثنائى من سرعة الانتقاض (معيفا مأبيّا) ، فى الثلاثى خفيفا مرضيا ، وأيضا فإن المتحرّك حشوا ليس كالمتحرّك أوّلا ؛ أولا ترى إلى صحة جواز تخفيف الهمزة حشوا ، وامتناع جواز تخفيفها أوّلا ، وإذا اختلفت أحوال الحروف حسن التأليف ، وأما إن كانت عين الثلاثى ساكنة فحديثها غير هذا. وذلك أن العين إذا كانت ساكنة فليس سكونها كسكون اللام. وسأوضح لك حقيقة ذلك ، لتعجب من لطف غموضه. وذلك أن الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته (2)إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه. وذلك لأن من الحروف حروفا (3)إذا وقفت عليها لحقها صويت ما من بعدها ، فإذا أدرجتها إلى ما بعدها ضعف ذلك
الصويت ، وتضاءل للحسّ ؛ نحو قولك ، اح ، اص ، اث ، إف ، إخ ، إك. فإذا قلت : يحرد ، ويصبر ويسلم ، ويثرد ، ويفتح ، ويخرج ، خفى ذلك الصويت وقلّ ، وخفّ ما كان له من الجرس عند الوقوف عليه. وقد تقدّم سيبويه فى هذا المعنى بما هو معلوم واضح. وسبب ذلك عندى أنك إذا وقفت عليه ولم تتطاول إلى النطق بحرف آخر من بعده تلبثت عليه ، ولم تسرع الانتقال عنه ، فقدرت بتلك اللّبثة ، على إتباع ذلك الصوت إيّاه. فأمّا إذا تأهّبت للنطق بما بعده ، وتهيّأت له ، ونشّمت فيه ، فقد حال ذلك بينك وبين الوقفة التى يتمكن فيها من إشباع ذلك الصويت ، فيستهلك إدراجك إيّاه طرفا من الصوت الذى كان الوقف يقرّه عليه ويسوغك إمدادك إياه به.
ونحو من هذا ما يحكى أن رجلا من العرب بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح ؛ فلمّا شرب بعضه كدّه الأمر ، فقال : كبش أملح. فقيل له : ما هذا؟ تنحنحت. فقال : من تنحنح ، فلا أفلح. فنطق بالحاءات كلها سواكن غير متحرّكة ؛ ليكون ما يتبعها من ذلك الصويت عونا له على ما كدّه وتكاءده (1). فإذا ثبت بذلك أن الحرف الساكن حاله فى إدراجه ، مخالفة لحاله فى الوقوف عليه ، ضارع ذلك الساكن المحشوّ به المتحرك ؛ لما ذكرناه من إدراجه ؛ لأن أصل الإدراج للمتحرّك إذ كانت الحركة سببا له ، وعونا عليه ؛ ألا ترى أن حركته تنتقصه ما يتبعه من ذلك الصويت ، نحو قولك صبر ، وسلم. فحركة الحرف تسلبه الصوت الذى يسعفه الوقف به ؛ كما أن تأهبك للنطق بما بعده يستهلك بعضه. فأقوى أحوال ذلك الصويت عندك أن تقف عليه ، فتقول : اص. فإن أنت أدرجته انتقصته بعضه ، فقلت : اصبر ؛ فإن أنت حركته اخترمت الصوت البتّة ، وذلك قولك صبر. فحركة ذلك الحرف تسلبه ذلك الصوت البتة ، والوقوف عليه يمكّنه فيه ، وإدراج الساكن يبقّى عليه بعضه. فعلمت بذلك مفارقة حال الساكن المحشوّ به ، لحال أوّل الحرف وآخره ، فصار الساكن المتوسّط لما ذكرنا كأنه لا ساكن ولا متحرّك ، وتلك حال تخالف حالى ما قبله وما بعده ، وهو الغرض الذى أريد منه ، وجيء به من أجله ؛ لأنه لا يبلغ حركة ما قبله ، فيجفو تتابع المتحركين ، ولا
1) يقال : تكاءده الأمر : شقّ عليه.
سكون ما بعده ، فيفجأ بسكونه المتحرّك الذى قبله ، فينقض عليه جهته وسمته.
فتلك إذا ثلاث أحوال متعادية لثلاثة أحرف متتالية ؛ فكما يحسن تألّف الحروف المتفاوتة كذلك يحسن تتابع الأحوال المتغايرة على اعتدال وقرب ، لا على إيغال فى البعد. لذلك كان مثال فعل أعدل الأبنية ؛ حتى كثر وشاع وانتشر. وذلك أن فتحة الفاء ، وسكون العين ، وإسكان اللام ، أحوال مع اختلافها متقاربة ؛ ألا ترى إلى مضارعة الفتحة للسكون فى أشياء. منها أن كل واحد منهما يهرب إليه مما هو أثقل منه ؛ نحو قولك فى جمع فعلة وفعلة : فعلات ، بضم العين نحو غرفات ، وفعلات بكسرها نحو كسرات ، ثم يستثقل توالى الضمتين والكسرتين ، فيهرب عنهما تارة إلى الفتح ، فتقول : غرفات ، وكسرات ، وأخرى إلى السكون فتقول : غرفات ، وكسرات. أفلا تراهم كيف سوّوا بين الفتحة والسكون فى العدول عن الضمة ، والكسرة إليهما. ومنها أنهم يقولون فى تكسير ما كان من فعل ساكن العين وهى واو على فعال ، بقلب الواو ياء ؛ نحو : حوض ، وحياض ، وثوب ، وثياب. فإذا كانت واو واحده متحرّكة صحّت فى هذا المثال من التكسير ؛ نحو : طويل ، وطوال. فإذا كانت العين من الواحد مفتوحة اعتلت (1)فى هذا المثال ؛ كاعتلال الساكن ؛ نحو : جواد ، وجياد. فجرت واو جواد مجرى واو ثوب. فقد ترى إلى مضارعة الساكن للمفتوح. وإذا كان الساكن من حيث أرينا كالمفتوح كان بالمسكّن أشبه. فلذلك كان مثال فعل أخفّ ، وأكثر من غيره ؛ لأنه إذا كان مع تقارب أحواله مختلفها ، كان أمثل من التقارب بغير خلاف ، أو الاتفاق البتة والاشتباه. ومما يدلك على أن الساكن إذا أدرج ليست له حال الموقوف عليه أنك قد تجمع فى الوقف بين الساكنين ؛ نحو : بكر ، وعمرو ؛ فلو كانت حال سكون كاف بكر كحال سكون رائه ، لما جاز أن تجمع بينهما ؛ من حيث كان الوقف للسكون على الكاف كحاله لو لم يكن بعده شيء. فكان يلزمك حينئذ أن تبتدئ بالراء ساكنة ، والابتداء بالساكن ليس فى هذه اللغة العربية. لا بل دل ذلك على أن كاف بكر لم تتمكن فى السكون تمكّن ما يوقف عليه ، ولا يتطاول إلى ما
1) لا يريد أبو الفتح أن هذا الاعتلال مذهبه القياس والاطراد ، إذ كان لا يجرى إلا على شذوذ ؛ فجياد من الشاذ الذى يوقف عنده ، وإنما هم ابن جنى تعليل هذا الشاذ وذكر مأتاه فى العربية. ويرى بعض النحويين أن (جيادا) جمع (جيد) ليخرج من الشذوذ. (نجار).
وراءه. ويزيد فى بيان ذلك أنك تقول فى الوقف النفس ، فتجد السين أتمّ صوتا من الفاء ، فإن قلبت فقلت : النّسف وجدت الفاء أتمّ صوتا ، وليس هنا أمر يصرف هذا إليه ، ولا يجوز حمله عليه ، إلا زيادة الصوت عند الوقوف على الحرف البتّة.
وهذا برهان ملحق بالهندسى فى الوضوح والبيان.
فقد وضح إذا بما أوردناه وجه خفّة الثلاثيّ من الكلام ، وإذا كان كذلك فذوات الأربعة مستثقلة غير متمكّنة تمكّن الثلاثى ؛ لأنه إذا كان الثلاثيّ أخفّ وأمكن من الثنائى - على قلة حروفه - فلا محالة أنه أخفّ وأمكن من الرباعى لكثرة حروفه.
ثم لا شكّ فيما بعد ، فى ثقل الخماسى ، وقوة الكلفة به. فإذا كان كذلك ثقل عليهم مع تناهيه ، وطوله ، أن يستعملوا فى الأصل الواحد جميع ما ينقسم إليه به جهات تركيبه. ذلك أن الثلاثيّ يتركب منه ستة أصول ؛ نحو : جعل ، جلع ، عجل ، علج ، لجع ، لعج. والرباعى يتركب منه أربعة وعشرون أصلا ؛ وذلك أنك تضرب الأربعة فى التراكيب التى خرجت عن الثلاثى وهى ستة ؛ فيكون ذلك أربعة وعشرين تركيبا ، المستعمل منها قليل ، وهى : عقرب ، وبرقع ، وعرقب ، وعبقر ، وإن جاء منه غير هذه الأحرف فعسى أن يكون ذلك ، والباقى كله مهمل.
وإذا كان الرباعىّ مع قربه من الثلاثيّ إنما استعمل منه الأقل النزر ، فما ظنك بالخماسىّ على طوله وتقاصر الفعل الذى هو مئنة (1)من التصريف والتنقّل عنه.
فلذلك قلّ الخماسى أصلا. نعم ثم لا تجد أصلا مما ركّب منه قد تصرّف فيه بتغيير نظمه ونضده ، كما تصرف فى باب عقرب ، [وبرقع](2)، وبرقع ؛ ألا ترى أنك لا تجد شيئا من نحو سفرجل قالوا فيه سرفجل ولا نحو ذلك ، مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلا ، ثم لم يستعمل من جميع ذلك إلا سفرجل وحده. فأما قول بعضهم زبردج (3)، فقلب لحق الكلمة ضرورة فى بعض الشعر ولا يقاس. فدلّ ذلك على استكراههم ذوات الخمسة لإفراط طولها ، فأوجبت الحال الإقلال منها ، وقبض اللسان عن النطق بها ، إلا فيما قلّ ونزر ؛ ولما كانت ذوات الأربعة تليها ،
وتتجاوز أعدل الأصول ... وهو الثلاثيّ - إليها ، مسّها بقرباها منها قلّة التصرف فيها ؛ غير أنها فى ذلك أحسن حالا من ذوات الخمسة ؛ لأنها أدنى إلى الثلاثة منها. فكان التصرّف فيها دون تصرف الثلاثى ، وفوق تصرف الخماسىّ. ثم إنهم لما أمسّوا الرباعىّ طرفا صالحا من إهمال أصوله ، وإعدام حال التمكن فى تصرفه ، تخطوا بذلك إلى إهمال بعض الثلاثيّ ، لا من أجل جفاء تركّبه بتقاربه ؛ نحو سص ، وصس ؛ ولكن من قبل أنهم حذوه على الرباعىّ ؛ كما حذوا الرباعىّ على الخماسى ، ألا ترى أن لجع لم يترك استعماله لثقله من حيث كانت اللام أخت الراء والنون ، وقد قالوا نجع فيه ، ورجع عنه ، واللام أخت الحرفين ، وقد أهملت فى باب اللجع ؛ فدل على أن ذلك ليس للاستثقال ، وثبت أنه لما ذكرناه من إخلالهم ببعض أصول الثلاثى ؛ لئلا يخلو هذا الأصل من ضرب من الإجماد (1)له ، مع شياعه واطّراده فى الأصلين اللذين فوقه ؛ كما أنهم لم يخلوا ذوات الخمسة من بعض التصرف فيها ، وذلك ما استعملوه من تحقيرها ، وتكسيرها ، وترخيمها ؛ نحو قولك فى تحقير سفرجل : سفيرج ، وفى تكسيره : سفارج ، وفى ترخيمه - علما - يا سفرج أقبل ، وكما أنهم لما أعربوا المضارع لشبهه باسم الفاعل تخطّوا ذاك أيضا إلى أن شبّهوا الماضى بالمضارع ، فبنوه على الحركة ؛ لتكون له مزيّة على ما لا نسبة بينه وبين المضارع ، أعنى مثال أمر المواجه. فاسم الفاعل فى هذه القضية كالخماسىّ ، والمضارع كالرباعىّ ، والماضى كالثلاثى. وكذلك أيضا الحرف فى استحقاقه البناء كالخماسى فى استكراههم إيّاه ، والمضمر فى إلحاقهم إياه ببنائه ، كالرباعىّ فى إقلالهم تصرّفه ، والمنادى المفرد المعرفة فى إلحاقه فى البناء بالمضمر كالثلاثىّ فى منع بعضه التصرف ، وإهماله البتّة ، ولهذا التنزيل نظائر كثيرة. فأمّا قوله :
مال إلى أرطاء حقف فالطجع (2)
لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع*
*1) أى جعله جامدا غير متصرف.
2) عجز البيت من الرجز لمنظور بن حبة الأسدىّ فى شرح التصريح 2 / 367 ، والمقاصد النحوية 4 / 584 ، وبلا نسبة فى التنبيه والإيضاح 2 / 234 ، والمخصص 8 / 24 ، وتاج العروس (أبز) ، (أرط) ، (ضجع) ، والأشباه والنظائر 2 / 340 ، وإصلاح المنطق ص 95 ، وأوضح المسالك 4 / 371 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 321 ، وشرح الأشمونى 3 / 821 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 226 ، وشرح شواهد الشافية ص 274 ، وشرح المفصل 9 / 82 ، 10 / 46. ولسان العرب - (أبز) ، (أرط) ، (ضجع) ، (رطا) ، والمحتسب 1 / 107 ، والممتع فى التصريف 1 / 403 ، والمنصف 2 / 329. ويروى : أرطاة بدلا من أرطاء. وصدر البيت :
فإنه ليس بأصل ، إنما أبدلت الضاد من اضطجع لاما ؛ فاعرفه.
فقد عرفت إذا أنّ ما أهمل من الثلاثيّ لغير قبح التأليف ، نحو ضث ، وثضّ ، وثذّ ، وذثّ ، إنما هو لأن محله من الرباعى محل الرباعى من الخماسى ؛ فأتاه ذلك القدر من الجمود ، من حيث ذكرنا ؛ كما أتى الخماسىّ ما فيه من التصرف فى التكسير ، والتحقير ، والترخيم ، من حيث كان محلّه من الرباعى محلّ الرباعىّ من الثلاثيّ. وهذا عادة للعرب مألوفة ، وسنة مسلوكة : إذا أعطوا شيئا من شيء حكما ما قابلوا ذلك بأن يعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه ؛ عمارة لبينهما ، وتتميما للشبه الجامع لهما. وعليه باب ما لا ينصرف ؛ ألا تراهم لما شبّهوا الاسم بالفعل فلم يصرفوه ؛ كذلك شبهوا الفعل بالاسم فأعربوه.
وإذ قد ثبت ما أردناه : من أن الثلاثى فى الإهمال محمول على حكم الرباعى فيه ، لقربه من الخماسى ، بقى علينا أن نورد العلّة التى لها استعمل بعض الأصول من الثلاثى ، والرباعى ، والخماسى ، دون بعض ، وقد كانت الحال فى الجميع متساوية. والجواب عنه ما أذكره.
اعلم أن واضع اللغة لمّا أراد صوغها ، وترتيب أحوالها ، هجم بفكره على جميعها ، ورأى بعين تصوّره وجوه جملها وتفاصيلها ، وعلم أنه لا بدّ من رفض ما شنع تألّفه منها ، نحو هع ، وقج ، وكق ، فنفاه عنه نفسه ، ولم يمرره بشىء من لفظه ، وعلم أيضا أن ما طال وأملّ بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن فى أعدل الأصول وأخفّها ، وهو الثلاثى. وذلك أن التصرف فى الأصل وإن دعا إليه قياس - وهو الاتساع به فى الأسماء ، والأفعال ، والحروف - فإن هناك من وجه آخر ناهيا عنه ، وموحشا منه ، وهو أن فى نقل الأصل إلى أصل آخر نحو صبر ، وبصر ، وصرب ، وربص ، صورة الإعلال ، نحو قولهم «ما أطيبه وأيطبه» «واضمحلّ وامضحلّ» «وقسىّ وأينق» وقوله :
مروان مروان أخو اليوم اليمى (1)
مروان أخو اليوم اليمى*
*وهذا كله إعلال لهذه الكلم وما جرى مجراها. فلمّا كان انتقالهم من أصل إلى أصل ، نحو صبر ، وبصر ، مشابها للإعلال ، من حيث ذكرنا ، كان من هذا الوجه كالعاذر لهم فى الامتناع من استيفاء جميع ما تحتمله قسمة التركيب فى الأصول.
فلما كان الأمر كذلك ، واقتضت الصورة رفض البعض ، واستعمال البعض ، وكانت الأصول وموادّ الكلم معرضة (2)لهم ، وعارضة أنفسها على تخيرهم ، جرت لذلك [عندهم] مجرى مال ملقى بين يدى صاحبه ، وقد أجمع إنفاق بعضه دون بعضه ، فميز رديئه وزائفه ، فنفاه البتة ، كما نفوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه ، ثم ضرب بيده إلى ما أطف له من عرض جيّده ، فتناوله للحاجة إليه ، وترك البعض ؛ لأنه لم يرد استيعاب جميع ما بين يديه منه ؛ لما قدمنا ذكره ؛ وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك ، مكان أخذ ما أخذ ، لأغنى عن صاحبه ، ولأدّى فى الحاجة إليه تأديته ؛ ألا ترى أنهم لو استعملوا لجع مكان نجع ، لقام مقامه ، وأغنى مغناه. ثم لا أدفع أيضا أن تكون فى بعض ذلك أغراض لهم ، عدلوا إليه لها ، ومن أجلها ؛ فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التى عبر بها عنها ؛ ألا تراهم قالوا قضم فى اليابس ، وخضم فى الرّطب ؛ وذلك لقوّة القاف وضعف الخاء ، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى ، والصوت الأضعف للفعل الأضعف. وكذلك قالوا : صرّ الجندب ، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته ، وقالوا : صرصر البازى ، فقطّعوه ؛ لما هناك من تقطيع صوته ، وسمّوا الغراب غاق حكاية لصوته ، والبط بطّا ، حكاية لأصواتها ، وقالوا : «قطّ الشىء» إذا قطعه عرضا «وقدّه» إذا قطعه طولا ؛ وذلك لأن منقطع الطاء أقصر مدّة من
1) الرجز لأبى الأخزر الحمانى فى شرح أبيات سيبويه 2 / 427 ، ولسان العرب (كرم) ، (يوم) ، (ثأى) ، وتاج العروس (كرم) ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 169 ، والكتاب 4 / 380 ، والممتع فى التصريف 2 / 615 ، والمنصف 2 / 12 ، 3 / 68 ، وتهذيب اللغة 15 / 164 ، 645 ، وجمهرة اللغة ص 994 ، ومقاييس اللغة 6 / 160 ، ومجمل اللغة 4 / 562 ، والمخصص 9 / 60 ، 15 / 72 ، 17 / 27 ، وكتاب العين 8 / 251 ، 433. ويروى :
2) لشيء معرض لك : موجود ظاهر لا يمتنع. وكلّ مبد عرضه معرض. اللسان (عرض).
منقطع الدال. وكذلك قالوا : «مدّ الحبل» «ومت إليه بقرابة» فجعلوا الدال - لأنها مجهورة - لما فيه علاج ، وجعلوا التاء - لأنها مهموسة - لما لا علاج فيه ، وقالوا : الخدأ - بالهمزة - فى ضعف النفس ، والخذا - غير مهموز - فى استرخاء الأذن ، [يقال] : أذن خذواء ، وآذان خذو ، ومعلوم أن الواو لا تبلغ قوة الهمزة. فجعلوا الواو - لضعفها - للعيب فى الأذن ، والهمزة - لقوّتها - للعيب فى النفس ؛ من حيث كان عيب النفس أفحش من عيب الأذن. وسنستقصى هذا الموضع - فإنه عظيم شريف - فى باب نفرده به.
نعم ؛ وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها فى الزمان عنا ؛ ألا ترى إلى قول سيبويه : «أو لعلّ الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر» ؛ يعنى أن يكون الأوّل الحاضر شاهد الحال ، فعرف السبب الذى له ومن أجله ما وقعت عليه التسمية ؛ والآخر - لبعده عن الحال - لم يعرف السبب للتسمية ؛ ألا ترى إلى قولهم للإنسان إذا رفع صوته ؛ قد رفع عقيرته ؛ فلو ذهبت تشتق هذا ، بأن تجمع بين معنى الصوت ، وبين معنى «ع ق ر» لبعد عنك وتعسّفت. وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه ، فرفعها ووضعها على الأخرى ، ثم صرخ بأرفع صوته ، فقال الناس : رفع عقيرته. وهذا مما ألزمه أبو بكر أبا إسحاق (1)فقبله منه ، ولم يردده. والكلام هنا أطول من هذا ، لكن هذا مقاده ، فأعلق يدك بما ذكرناه : من أن سبب إهمال ما أهمل إنما هو لضرب من ضروب الاستخفاف ؛ لكن كيف؟ ومن أين؟ فقد تراه على ما أوضحناه. فهذا الجواب عن إهمالهم ما أهملوه ، من محتمل القسمة لوجوه التراكيب ، فاعرفه ، ولا تستطله ؛ فإن هذا الكتاب ليس مبنيّا على حديث وجوه الإعراب ؛ وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام ، وكيف بدئ وإلام نحى. وهو كتاب يتساهم ذوو النظر : من المتكلّمين ، والفقهاء ، والمتفلسفين ، والنحاة ، والكتّاب ، والمتأدّبين التأمّل له ، والبحث عن مستودعه ، فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده ، ويأنس به ؛ ليكون له سهم منه ، وحصّة فيه! وأما ما أورده السائل فى أوّل هذا السؤال ، الذى نحن منه على سمت
1) أبو بكر : هو ابن السراج ، وأبو إسحاق : هو الزجاج ، وكلاهما تلميذ المبرد. وكان الزجاج مسرفا فى الاشتقاق ، وابن السراج مقتصدا فيه. (نجار).
الجواب ، من علة امتناعهم من تحميل الأصل الذى استعملوا بعض مثله ورفضهم بعضا ، نحو امتناعهم أن يأتوا فى الرباعى بمثال فعلل ، وفعلل ، وفعلل - فى غير قول أبى الحسن - فجوابه نحو من الذى قدّمناه : من تحاميهم فيه الاستثقال ، وذلك أنهم كما حموا أنفسهم من استيعاب جميع ما تحتمله قسمة تراكيب الأصول ، من حيث قدّمنا وأرينا ، كذلك أيضا توقّفوا عن استيفاء جميع تراكيب الأصول ؛ من حيث كان انتقالك فى الأصل الواحد رباعيّا كان ، أو خماسيّا ، من مثال إلى مثال ، فى النقص والاختلال ، كانتقالك فى المادة الواحدة من تركيب إلى تركيب ، أعنى به حال التقديم والتأخير ، لكن الثلاثيّ جاء فيه لخفّته جميع ما تحتمله القسمة ، وهى الاثنا عشر مثالا ، إلا مثالا واحدا فإنه رفض أيضا لما نحن عليه من حديث الاستثقال ؛ وهو فعل ؛ وذلك لخروجهم فيه من كسر إلى ضمّ.
وكذلك ما امتنعوا من بنائه فى الرباعى - وهو فعلل - هو لاستكراههم الخروج من كسر إلى ضمّ ، وإن كان بينهما حاجز لأنه ساكن ، فضعف لسكونه عن الاعتداد به حاجزا ؛ على أن بعضهم حكى زئبر (1)، وضئبل (2)، وخرفع (3)، وحكيت عن بعض البصريين «إصبع» وهذه ألفاظ شاذّة ، لا تعقد بابا ، ولا يتخذ مثلها قياسا.
وحكى بعض الكوفيين ما رأيته مذ ستّ ؛ وهذا أسهل - وإن كان لا حاجز بين الكسر والضم - من حيث كانت الضمّة غير لازمة ، لأن الوقف يستهلكها. ولأنها أيضا من الشذوذ بحيث لا يعقد عليها باب. فإن قلت : فما بالهم كثر عنهم باب فعل ، نحو عنق ، وطنب ، وقلّ عنهم باب فعل ، نحو إبل وإطل مع أن الضمة أثقل من الكسرة؟ فالجواب عنه من موضعين : أحدهما أن سيبويه قال : «واعلم أنه قد يقلّ الشىء فى كلامهم ، وغيره أثقل منه ، كل ذلك لئلا يكثر فى كلامهم ما يستثقلون» فهذا قول ، والآخر أن الضمّة وإن كانت أثقل من الكسرة ، فإنها أقوى منها ؛ وقد يحتمل للقوّة ما لا يحتمل للضعف ؛ ألا ترى إلى احتمال الهمزة مع ثقلها للحركات ، وعجز الألف عن احتمالهن ، وإن كانت خفيفة لضعفها ، وقوة الهمزة. وإنما ضعفت الكسرة عن الضمة لقرب الياء من الألف ، وبعد الواو عنها.
ومن حديث الاستثقال والاستخفاف أنك لا تجد فى الثنائى - على قلة حروفه - ما أوله مضموم ، إلا القليل ؛ وإنما عامّته على الفتح ، نحو هل ، وبل ، وقد ، وأن ، وعن ، وكم ، ومن ، وفى المعتلّ أو ، ولو ، وكى ، وأى ، أو على الكسر ؛ نحو إن ، ومن ، وإذ. وفى المعتل إى ، وفى ، وهى. ولا يعرف الضم فى هذا النحو إلا قليلا ؛ قالوا : هو ، وأما هم فمحذوفة من همو ، كما أن مذ محذوفة من منذ. وأما هو من نحو قولك : رأيتهو ، وكلمتهو ، فليس شيئا ، لأن هذه ضمة مشبعة فى الوصل ؛ ألا تراها يستهلكها الوقف ، وواو هو فى الضمير المنفصل ثابتة فى الوقف والوصل. فأما قوله :
فبيناه يشرى رحله قال قائل :
لمن جمل رخو الملاط نجيب (1)
فللضرورة ، والتشبيه للضمير المنفصل بالضمير المتصل فى عصاه وقناه. فإن قلت : فقد قال :
فوقف بالواو ، وليست اللفظة قافية ، وقد قدّمت أن هذه المدّة مستهلكة فى حال الوقف ، قيل : هذه اللفظة وإن لم تكن قافية ، فيكون البيت بها مقفّى ، أو مصرعا ، فإن العرب قد تقف على العروض نحوا من وقوفها على الضرب ، أعنى مخالفة ذلك لوقف الكلام المنثور غير الموزون ؛ ألا ترى إلى قوله أيضا :
فوقف بالتنوين خلافا على الوقف فى غير الشعر. فإن قلت : فأقصى حال قوله «كتيفتن» - إذ ليست قافية - أن تجرى مجرى القافية فى الوقف عليها ، وأنت ترى الرواة أكثرهم على إطلاق هذه القصيدة ونحوها بحرف اللين للوصل ، نحو قوله : ومنزلى ، وحوملى ، وشمألى ، ومحملى ، فقوله «كتيفتن» ليس على وقف الكلام
1) البيت من الطويل ، وهو للعجير السلولىّ فى خزانة الأدب 5 / 257 ، 260 ، 9 / 473 ، والدرر 1 / 188 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 332 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 284 ، والكتاب ص 141 ، ولسان العرب (هدبد) ، (ها) ، وبلا نسبة فى الإنصاف ص 512 ، وخزانة الأدب 1 / 150 ، 5 / 265 ، ورصف المبانى ص 16 ، وشرح المفصل 1 / 68 ، 3 / 96.
2) هو لامرئ القيس فى المعلقة.
ولا وقف القافية ، قيل : الأمر على ما ذكرت من خلافه له ؛ غير أن هذا أيضا أمر يخصّ المنظوم دون المنثور ؛ لاستمرار ذلك عنهم ؛ ألا ترى إلى قوله :
أنّى اهتديت لتسليم على دمنن
بالغمر غيّرهن الأعصر الأولو (1)
وقوله :
كأن حدوج المالكية غدوة
خلايا سفين بالنواصف من ددى (2)
وقوله :
فمضى وقدّمها وكانت عادتن
منه إذا هى عرّدت إقدامها (3)
وقوله :
فو الله لا أنسى قتيلا رزئتهو
بجانب قوسى ما مشيت على الأرضى (4)
وفيها :
ولم أدر من ألقى عليه رداء هو
على أنه قد سلّ عن ماجد محضى (5)
(1) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (ها). الغمر : اسم مكان.
(2) البيت من الطويل ، وهو لطرفة فى ديوانه ص 20 ، وشرح المفصل 4 / 102 ، ولسان العرب (نصف) ، (خلا) ، (ددا) ، وشرح شواهد الإيضاح ص 539 ، ولسان العرب (ها).
(3) هذا البيت قائله لبيد فى معلقته.
(4) البيت من الطويل ، وهو لأبى خراش الهذلىّ فى أمالى المرتضى 1 / 198 ، وخزانة الأدب 5 / 406 ، 413 ، 414 ، وسمط اللآلى ص 601 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1230 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 785 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 421 ، والشعر والشعراء 2 / 668 ، ومعجم ما استعجم ص 1102 ، وللهذلى فى المحتسب 2 / 209 ، وبلا نسبة فى أمالى ابن الحاجب ص 453. ويروى : بقيت بدلا من مشيت.
(5) البيت من الطويل ، وهو لأبى خراش الهذلىّ فى أمالى المرتضى 1 / 198 ، 199 ، وخزانة الأدب 5 / 406 ، وسمط اللآلي ص 601 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1230 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 787 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 420 ، ومعجم البلدان 4 / 413 (قوس) ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 390.
وأمثاله كثير. كل ذلك الوقوف على عروضه مخالف للوقوف على ضربه ، ومخالف أيضا لوقوف الكلام غير الشعر. ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الموضع فى علم القوافى. وقد كان يجب أن يذكر ولا يهمل.
(رجع) وكذلك جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد : عامته على الفتح ، إلا الأقلّ ؛ وذلك نحو همزة الاستفهام ، وواو العطف ، وفائه ، ولام الابتداء وكاف التشبيه وغير ذلك. وقليل منه مكسور ، كباء الإضافة ولامها ، ولام الأمر ، ولو عرى ذلك من المعنى الذى اضطرّه إلى الكسر لما كان إلا مفتوحا ، ولا نجد فى الحروف المنفردة ذوات المعانى ما جاء مضموما ، هربا من ثقل الضمة. فأمّا نحو قولك : اقتل ، ادخل ، استقصى عليه ، فأمره غير معتدّ ؛ إذ كانت هذه الهمزة إنما يتبلّغ بها فى حال الابتداء ، ثم يسقطها الإدراج الذى عليه مدار الكلام ومتصرفه.
فإن قلت : ومن أين يعلم أن العرب قد راعت هذا الأمر واستشفّته ، وعنيت بأحواله وتتبعته ، حتى تحامت هذه المواضع التحامى الذى نسبته إليها ، وزعمته مرادا لها؟ وما أنكرت أن يكون القوم أجفى طباعا ، وأيبس طينا ، من أن يصلوا من النظر إلى هذا القدر اللطيف الدقيق ، الذى لا يصح لذى الرقة والدقة منا أن يتصوّره إلا بعد أن توضح له أنحاؤه ، بل أن تشرّح له أعضاؤه؟.
قيل له : هيهات! ما أبعدك عن تصوّر أحوالهم ، وبعد أغراضهم ولطف أسرارهم ، حتى كأنك لم ترهم وقد ضايقوا أنفسهم ، وخففوا عن ألسنتهم ، بأن اختلسوا الحركات اختلاسا ، وأخفوها فلم يمكّنوها فى أماكن كثيرة ولم يشبعوها ؛ ألا ترى إلى قراءة أبى عمرو «ما لك لا تأمننا على يوسف» مختلسا ، لا محققا ؛ وكذلك قوله عزوجل : (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) [القيامة : 40] مخفىّ لا مستوفى ، وكذلك قوله عزوجل : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) [البقرة : 54] مختلسا غير ممكّن كسر الهمزة ، حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ ، إلى أن ادّعى أن أبا عمرو كان يسكّن الهمزة ، والذى رواه صاحب (1)الكتاب اختلاس
1) يريد سيبويه ، وانظر كتابه (2 / 297) ، وهذا الذى رواه صاحب الكتاب رواه القراء أيضا ، ورووا مع هذا الإسكان. وممن روى الإسكان أبو محمد اليزيدى ، وهو من هو فى القراءة والبصر بالعربية. ومثل أبى محمد ما كان ليرمى بإساءة السمع ، وقد روى أدق من هذا وأصنع عن أبى عمرو ؛ فقد ذكر أن أبا عمرو كان يشمّ الهاء من «يهدى» والخاء من «يخصمون» شيئا من الفتح ، وهذا من اللطف بمكان. وانظر النشر 216 (نجار).
هذه الحركة ، لا حذفها البتة ، وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القرّاء الذين رووه ساكنا. ولم يؤت القوم فى ذلك من ضعف أمانة ، لكن أتوا (1)من ضعف دراية. وأبلغ من هذا فى المعنى ما رواه من قول الراجز :
تى أنام لا يؤرقنى الكرى
ليلا ولا أسمع أجراس المطى (2)
بإشمام القاف من يؤرقنى ، ومعلوم أن هذا الإشمام إنما هو للعين لا للأذن ، وليست هناك حركة البتة ، ولو كانت فيه حركة لكسرت الوزن ؛ ألا ترى أن الوزن من الرجز ، ولو اعتدّت القاف متحرّكة لصار من الكامل. فإذا قنعوا من الحركة بأن يومئوا إليها بالآلة التى من عادتها أن تستعمل فى النطق بها ، من غير أن يخرجوا إلى حسّ السمع شيئا من الحركة ، مشبعة ولا مختلسة ، أعنى إعمالهم الشفتين للإشمام فى المرفوع ، بغير صوت يسمع هناك ، لم يبق وراء ذلك شيء يستدلّ به على عنايتهم بهذا الأمر ؛ ألا ترى إلى مصارفتهم أنفسهم فى الحركة على قلتها ولطفها ، حتى يخرجوها تارة مختلسة غير مشبعة ، وأخرى مشمّة للعين لا للأذن.
ومما أسكنوا فيه الحرف إسكانا صريحا ما أنشده من قوله :
رحت وفى رجليك ما فيهما
وقد بدا هنك من المئزر (3)
1) يريد أن الإسكان لا وجه له فى العربية ، ولو كان القراء على دراية بذلك لترددوا فى رواية الإسكان. وقد أفاض العلماء فى بيان أن العرب قد تعمد للإسكان تخفيفا ، وأن تسكين المرفوع فى نحو «يشعركم» لغة لتميم وأسد ، فلا وجه للإنكار من جهة الدراية. وابن جنى فى الطعن على القراء فى هذا الموطن تابع للمبرد قبله. وهذه نزعة جانبهما فيها الإنصاف. انظر المرجع السابق. (نجار).
2) الرجز بلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 801 ، وجواهر الأدب ص 86 ، وخزانة الأدب 10 / 323 ، والدرر 2 / 185 ، والكتاب 3 / 95 ، ولسان العرب (أرق) ، (شمم) ، (مطا) ، والمنصف 2 / 191 ، وتاج العروس (أرق) ، (شمم) ، (مطا). الكرىّ : المكارى ، الذى يكريك دابته ، والجمع أكرياء ، بشد الياء خففها للضرورة.
3) البيت من السريع ، وهو للأقيشر الأسدىّ فى ديوانه ص 43 ، وخزانة الأدب 4 / 484 ، 485 ، 8 / 351 ، والدرر 1 / 174 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 391. والمقاصد النحوية 4 / 516 ، 1 / 65 ، 2 / 31 ، وتخليص الشواهد ص 63 ، والكتاب 4 / 203 ، ورصف المبانى ص 327 ، وشرح المفصّل 1 / 48 ، ولسان العرب (وأل) ، (هنا) ، وهمع الهوامع 1 / 54).
بسكون النون البتة من «هنك). وأنشدنا أبو على رحمهالله لجرير :
سيروا بنى العمّ فالأهواز منزلكم
ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب (1)
بسكون فاء تعرفكم ، أنشدنا هذا بالموصل سنة إحدى وأربعين وقد سئل عن قول الشاعر :
فلما تبيّن غبّ أمرى وأمره
وولّت بأعجاز الأمور صدور (2)
وقال الراعى :
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا
وابنا نزار فأنتم بيضة البلد (3)
وعلى هذا حملوا بيت لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يرتبط بعض النفوس حمامها (4)
وبيت الكتاب :
فاليوم أشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل (5)
1) البيت من البسيط ، وهو لجرير فى ديوانه ص 441 ، والأغانى 3 / 253 ، وجمهرة اللغة ص 962 ، وخزانة الأدب 4 / 484 ، وسمط اللآلى ص 527 ، ولسان العرب (شتت) ، (عبد) ، ومعجم البلدان 5 / 319 ، (فهر تيرى) والمعرب ص 38. ويروى : ولا يعرفكم بدلا من فلا تعرفكم.
2) البيت من الطويل ، وهو لنهشل بن حرى فى ديوانه ص 95 ، ولسان العرب (غبب) ، (نأش) ، وتاج العروس (نأش) ، وتهذيب اللغة 16 / 110. ويروى : رأى ما بدلا من : تبين ، وناءت بدلا من وولّت.
3) البيت من البسيط ، وهو للراعى النميرى فى ديوانه ص 203 ، ولسان العرب (بيض) ، وتهذيب اللغة 3 / 124 ، 12 / 85 ، والحيوان 4 / 336 ، وتاج العروس (بلد) ، (بيض) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (دعا) ، وتاج العروس (دعا).
4) البيت من الكامل وهو للبيد بن ربيعة فى ديوانه ص 313 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 772 ، وشرح شواهد الشافية ص 415 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 251 ، ومجالس ثعلب ص 63 ، 346 ، 437 ، والمحتسب 1 / 111 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 7 / 349.
5) البيت من السريع ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 122 ، وإصلاح المنطق ص 245 ، 322 ، والأصمعيات ص 130 ، وجمهرة اللغة ص 962 ، وحماسة البحترى ص 36 ، وخزانة الأدب 4 / 106 ، 8 / 350 ، 354 ، 355 ، والدرر 1 / 175 ، ورصف المبانى ص 327 ، وشرح التصريح 1 / 88 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 612 ، 1176 ، وشرح شذور الذهب ص 276 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 256 ، وشرح المفصل 1 / 48 ، والشعر والشعراء 1 / 122 ، والكتاب 4 / 204 ، ولسان العرب (حقب) ، (دلك) ، (وغل) ، والمحتسب 1 / 15 ، 110 ، وتاج العروس (وغل) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 66 ، والاشتقاق ص 337 ، وخزانة الأدب 1 / 152 ، 3 / 463 ، 4 / 484 ، 8 / 339 ، والمقرب 2 / 205 ، وهمع الهوامع 1 / 54.
وعليه ما أنشده من قوله :
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم (1)
بالدّوّ أمثال السّفين الصّوم*
*واعتراض أبى العباس فى هذا الموضع إنما هو ردّ للرواية ، وتحكّم على السماع بالشهوة ، مجردة من النصفة ، ونفسه ظلم لا من جعله خصمه. وهذا واضح.
ومنه إسكانهم نحو رسل ، وعجز ، وعضد ، وظرف ، وكرم ، وعلم ، وكتف ، وكبد ، وعصر. واستمرار ذلك فى المضموم والمكسور ، دون المفتوح ، أدلّ دليل - بفصلهم بين الفتحة وأختيها - على ذوقهم الحركات ، واستثقالهم بعضها واستخفافهم الآخر. فهل هذا ونحوه إلا لإنعامهم النظر فى هذا القدر اليسير ، المحتقر من الأصوات ، فكيف بما فوقه من الحروف التوامّ ، بل الكلمة من جملة الكلام.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسينىّ عن أبى بكر محمد بن هارون الرويانىّ ، عن أبى حاتم سهل بن محمد السجستانىّ ، فى كتابه الكبير فى القراءات قال : قرأ علىّ أعرابىّ بالحرم : «طيبى لهم وحسن مآب» [الرعد : 29] فقلت : طوبى ، فقال : طيبى ، فأعدت فقلت : طوبى ، فقال : طيبى ؛ فلما طال علىّ قلت : طوطو ، قال : (طى طى). أفلا ترى إلى هذا الأعرابىّ ، وأنت تعتقده جافيا كزّا ، لا دمثا ولا طيّعا ؛ كيف نبا طبعه عن ثقل الواو إلى الياء فلم يؤثّر فيه التلقين ، ولا ثنى طبعه عن التماس الخفة هزّ ولا تمرين ، وما ظنك به إذا خلّى مع سومه (2)،
وتساند إلى سليقيته ونجره (1).
وسألت يوما أبا عبد الله محمد بن العسّاف العقيلىّ الجوثى ، التميمىّ - تميم جوثة (2)- فقلت له : كيف تقول : ضربت أخوك؟ فقال أقول : ضربت أخاك.
فأدرته على الرفع ، فأبى ، وقال : لا أقول : أخوك أبدا. قلت : فكيف تقول ضربنى أخوك ، فرفع. فقلت : ألست زعمت أنك لا تقول : أخوك أبدا؟ فقال : أيش هذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا إلا أدلّ شيء على تأملهم مواقع الكلام ، وإعطائهم إيّاه فى كل موضع حقّه ، وحصّته من الإعراب ، عن ميزة ، وعلى بصيرة ، وأنه ليس استرسالا ولا ترجيما. ولو كان كما توهمه هذا السائل لكثر اختلافه ، وانتشرت جهاته ، ولم تنقد مقاييسه. وهذا موضع نفرد له بابا بإذن الله تعالى فيما بعد. وإنما أزيد فى إيضاح هذه الفصول من هذا الكتاب لأنه موضع الغرض : فيه تقرير الأصول ، وإحكام معاقدها ، والتنبيه على شرف هذه اللغة وسداد مصادرها ومواردها ، وبه وبأمثاله تخرج أضغانها ، وتبعج أحضانها ، ولا سيّما هذا السمت الذى نحن عليه ، ومرزون (3)إليه ؛ فاعرفه ؛ فإنّ أحدا لم يتكلّف الكلام على علة إهمال ما أهمل ، واستعمال ما استعمل. وجماع أمر القول فيه ، والاستعانة على إصابة غروره (4)ومطاويه ، لزومك محجّة القول بالاستثقال والاستخفاف ، ولكن كيف ، وعلام ، ومن أين ، فإنه باب يحتاج منك إلى تأنّ ، وفضل بيان وتأتّ. وقد دققت لك بابه ، بل خرقت بك حجابه. ولا تستطل كلامى فى هذا الفصل ، أو ترينّ أن المقنع فيه كان دون هذا القدر ؛ فإنك إذا راجعته وأنعمت تأمّله علمت أنه منبهة للحسّ ، مشجعة للنفس.
وأما السؤال عن علة عدل عامر ، وجاشم ، وثاعل ، وتلك الأسماء المحفوظة ، إلى فعل : عمر ، وجشم ، وثعل ، وزحل ، وغدر ، دون أن يكون هذا العدل فى مالك ، وحاتم ، وخالد ، ونحو ذلك ؛ فقد تقدّم الجواب عنه فيما فرط : أنهم لم يخصّوا ما هذه سبيله بالحكم دون غيره ، إلا لاعتراضهم طرفا مما أطفّ لهم من
جملة لغتهم كما عنّ ، وعلى ما اتّجه ، لا لأمر خصّ هذا دون غيره مما هذه سبيله ؛ وعلى هذه الطريقة ينبغى أن يكون العمل فيما يرد عليك من السؤال عما هذه حاله ؛ ولكن لا ينبغى أن تخلد إليها ، إلا بعد السبر والتأمّل ، والإنعام والتصفّح ؛ فإن وجدت عذرا مقطوعا به صرت إليه ، واعتمدته ، وإن تعذر ذلك ، جنحت إلى طريق الاستخفاف والاستثقال ؛ فإنك لا تعدم هناك مذهبا تسلكه ، ومأما تتورّده. فقد أريتك فى ذلك أشياء : أحدها استثقالهم الحركة التى هى أقل من الحرف ، حتى أفضوا فى ذلك إلى أن أضعفوها ، واختلسوها ، ثم تجاوزوا ذلك إلى أن انتهكوا حرمتها ، فحذفوها ، ثم ميّلوا (1)بين الحركات فأنحوا على الضمة والكسرة لثقلهما ، وأجمّوا (2)الفتحة فى غالب الأمر لخفتها ، فهل هذا إلا لقوّة نظرهم ولطف استشفافهم وتصفّحهم.
أنشدنا مرة أبو عبد الله الشجرىّ شعرا لنفسه ، فيه بنو عوف ، فقال له بعض الحاضرين : أتقول : بنو عوف ، أم بنى عوف؟ شكا من السائل فى بنى وبنو ؛ فلم يفهم الشجرىّ ما أراده ، وكان فى ثنايا السائل فضل فرق (3)، فأشبع الصويت الذى يتبع الفاء فى الوقف ؛ فقال الشجرى ، مستنكرا لذلك : لا أقوى فى الكلام على هذا النفخ.
وسألت غلاما من آل المهيّا فصيحا عن لفظة من كلامه لا يحضرنى الآن ذكرها ، فقلت : أكذا ، أم كذا؟ فقال : «كذا بالنصب ؛ لأنه أخف» ، فجنح إلى الحفة ، وعجبت من هذا مع ذكره النصب بهذا اللفظ. وأظنه استعمل هذه اللفظة لأنها مذكورة عندهم فى الإنشاد الذى يقال له النصب ، مما يتغنّى به الركبان.
وسنذكر فيما بعد بابا نفصل فيه بين ما يجوز السؤال عنه مما لا يجوز ذلك فيه بإذن الله.
ومما يدلك على لطف القوم ورقّتهم مع تبذّلهم ، وبذاذة ظواهرهم ؛ مدحهم بالسباطة والرشاقة ، وذمّهم بضدّها من الغلظة والغباوة ، ألا ترى إلى قولها :
فتى قد قد السيف لا متآزف
ولا رهل لبّاته وبآدله (1)
وقول جميل فى خبر له :
وقد رابنى من جعفر أن جعفرا
يبثّ هوى ليلى ويشكو هوى جمل
فلو كنت عذرىّ الصبابة لم تكن
بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل (2)
وقد رابنى من زهدم أن زهدما
يشدّ على خبزى ويبكى على جمل
فلو كنت عذرىّ العلاقة لم تكن
سمينا وأنساك الهوى كثرة الأكل (نجار).
وقول عمر :
قليلا على ظهر المطيّة ظلّه
سوى ما نفى عنه الرداء المحبّر (3)
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
غداة غذ أم رائح فمهجر
وقوله : «قليلا» كذا فى ج ، والأغانى 1 / 82 طبعة الدار ، وفى سائر الأصول : «قليل» ، وهو وصف ل- «رجلا» فى البيت قبله ، وهو :
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى ، وأما بالعشىّ فيخصر (نجار).
وإلى الأبيات المحفوظة فى ذلك وهى قوله :
ولقد سريت على الظلام بمغشم
جلد من الفتيان غير مثقّل (4)
وأظن هذا الموضع لو جمع لجاء مجلدا عظيما.
1) البيت من الطويل ، وهو للعجير السلولى فى لسان العرب (أزف) ، (بأدل) ، (رهل) ، (ضأل) ، وتاج العروس (أزف) ، (رهل) ، ولأم يزيد بن الطئرية فى مقاييس اللغة 1 / 95 ، 2 / 452 ، ولزينب أخت يزيد بن الطئرية فى تاج العروس (ضؤل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (بدل) ، وتهذيب اللغة 13 / 266 ، 14 / 132 ، وجمهرة اللغة ص 301 ، والمخصص 1 / 160 ، 2 / 49 ، ومجمل اللغة 1 / 246 ، وديوان الأدب 2 / 248 ، وكتاب العين 8 / 245 ، 7 / 491. ويروى : وأباجله بدلا من : وبآدله. المتآزف : الضعيف الجبان ، والبأدلة : اللحم بين الإبط والثندوة كلها ، والجمع البآدل ، وقيل : اللحمة بين العنق والترقوة. اللسان (بأدل).
2) أورد القالى فى الذيل 207 البيتين ببعض تغيير من غير عزو. وانظر السمط 96 ، وأورد فى الكامل 91 - 6 : «وأنشدت الأعرابىّ :
3) من قصيدته التى مطلعها :
4) البيت من الكامل ، وهو لأبى كبير الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 1072 ، ولسان العرب (علا) وبلا نسبة فى مقاييس اللغة 6 / 31. ويروى : مهبّل بدلا من مثقّل.
وحدّثنى أبو الحسن على بن عمرو عقيب منصرفه من مصر هاربا متعسّفا ، قال : أذمّ (1)لنا غلام - أحسبه قال من طىّء - من بادية الشأم ، وكان نجيبا متيقّظا ، يكنى أبا الحسين ويخاطب بالأمير ؛ فبعدنا عن الماء فى بعض الوقت ، فأضرّ ذلك بنا ، قال فقال لنا ذلك الغلام : على رسلكم فإنى أشمّ رائحة الماء. فأوقفنا بحيث كنّا ، وأجرى فرسه ، فتشرف هاهنا مستشفّا ، ثم عدل عن ذلك الموضع إلى آخر مستروحا للماء ، ففعل ذلك دفعات ، ثم غاب عنا شيئا وعاد إلينا ، فقال : النجاة والغنيمة ، سيروا على اسم الله تعالى ؛ فسرنا معه قدرا من الأرض صالحا ، فأشرف بنا على بئر ، فاستقينا وأروينا. ويكفى من ذلك ما حكاه من قول بعضهم لصاحبه : ألاتا ، فيقول الآخر مجيبا له : بلى فا ، وقول الآخر :
ثم تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا : «ربّ إشارة أبلغ من عبارة» نعم وقد يحذفون بعض الكلم استخفافا ، حذفا يخلّ بالبقية ، ويعرّض لها الشبه ؛ ألا ترى إلى قول علقمة :
كأن إبريقهم ظبى على شرف
مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (3)
أراد : بسبائب. وقول لبيد :
درس المنا بمتالع فأبان (4)
فتقادمت بالحبس فالسّوبان*
*1) أخذ له الذمة والعهد بالأمان.
2) سبق تخريجه.
3) الفدام : ما يوضع على فم الإبريق ، وإبريق مفدّم : عليه فدام ، اللسان (فدم). اللثام : ما كان على الفم من النقاب. والسّبّ والسبيبة : الشّقة ، وخص بعضهم بها الشقة البيضاء ، والجمع سبائب : والبيت فى اللسان (سبب) وفيه «أراد سبائب فحذف».
4) صدر البيت من الكامل ، وهو للبيد بن ربيعة فى ديوانه ص 138 ، والدرر 6 / 208 ، وسمط اللآلى ص 13 ، وشرح التصريح 2 / 180 ، وشرح شواهد الشافية ص 397 ، ولسان العرب (تلع) (ابن) ، والمقاصد النحوية 4 / 246 ، وتاج العروس (تلع) ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 44 ، وشرح الأشمونى 2 / 460 ، وهمع الهوامع 2 / 156 ، وكتاب العين 1 / 173. وعجز البيت :
أراد المنازل. وقول الآخر :
حين ألقت بقباء بركها
واستحرّ القتل فى عبد الأشل (1)
يريد عبد الأشهل من الأنصار ، وقول أبى دواد :
يذرين جندل حائر لجنوبها
فكأنما تذكى سنابكها الحبا (2)
أى تصيب بالحصى فى جريها جنوبها ، وأراد الحباحب ، وقال الأخطل :
أمست مناها بأرض ما يبلغها
بصاحب الهمّ إلا الجسرة الأجد (3)
قالوا : يريد منازلها ، ويجوز أن يكون مناها قصدها.
ودع هذا كلّه ، ألم تسمع إلى ما جاءوا به من الأسماء المستفهم بها ، والأسماء المشروط بها ، كيف أغنى الحرف الواحد عن الكلام الكثير ، المتناهى فى الأبعاد والطول ؛ فمن ذلك قولك : كم مالك ، ألا ترى أنه قد أغناك ذلك عن قولك : أعشرة مالك ، أم عشرون ، أم ثلاثون ، أم مائة ، أم ألف ، فلو ذهبت تستوعب الأعداد لم تبلغ ذلك أبدا ؛ لأنه غير متناه ؛ فلما قلت : «كم» أغنتك هذه اللفظة الواحدة عن تلك الإطالة غير المحاط بآخرها ، ولا المستدركة. وكذلك أين بيتك ؛ قد أغنتك «أين» عن ذكر الأماكن كلها. وكذلك من عندك ؛ قد أغناك هذا عن ذكر الناس كلهم. وكذلك متى تقوم ؛ قد غنيت بذلك عن ذكر الأزمنة على بعدها.
وعلى هذا بقية الأسماء من نحو : كيف ، وأىّ ، وأيان ، وأنّى. وكذلك الشرط فى قولك : من يقم أقم معه ؛ فقد كفاك ذلك من ذكر جميع الناس ، ولو لا هو
1) البيت من الرمل ، وهو لعبد الله بن الزبعرى فى ديوانه ص 42 ، ولسان العرب (برك) ، وتاج العروس (برك) ، (قبا) ، (شهل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (شهل) ، وأساس البلاغة (حرر). والبرك : وسط الصدر ، وابترك القوم فى القتال جثوا على الركب واقتتلوا ابتراكا.
2) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (حبحب) وفيه «إنما أراد الحباحب ، أى نار الحباحب ، يقول : تصيب بالحصى فى جريها جنوبها. يقال للخيل إذا أورت النار بحوافرها : هى نار الحباحب ، والحباحب : طائر يطير فيما بين المغرب والعشاء ، كأنه شرارة. وفى تاج العروس (حبب) ويروى : جائر بدلا من حائر.
3) البيت من البسيط. وهو للأخطل فى ديوانه ص 47 ، ولسان العرب (نزل) ، (منى) ، وكتاب الجيم 3 / 237 ، وتاج العروس (منا).
لاحتجت أن تقول : إن يقم زيد أو عمرو أو جعفر أو قاسم ونحو ذلك ، ثم تقف حسيرا مبهورا ، ولمّا تجد إلى غرضك سبيلا. وكذلك بقية أسماء العموم فى غير الإيجاب : نحو أحد ، وديّار ، وكتيع ، وأرم ، وبقية الباب. فإذا قلت : هل عندك أحد أغناك ذلك عن أن تقول : هل عندك زيد ، أو عمرو ، أو جعفر ، أو سعيد ، أو صالح ، فتطيل ، ثم تقصر إقصار المعترف الكليل ، وهذا وغيره أظهر أمرا ، وأبدى صفحة وعنوانا. فجميع ما مضى وما نحن بسبيله ، مما أحضرناه ، أو نبهنا عليه فتركناه ، شاهد بإيثار القوم قوّة إيجازهم ؛ وحذف فضول كلامهم. هذا مع أنهم فى بعض الأحوال قد يمكّنون ويحتاطون ، وينحطّون فى الشّق (1)الذى يؤمّون ، وذلك فى التوكيد نحو جاء القوم أجمعون ، أكتعون ، أبصعون ، أبتعون ؛ وقد قال جرير :
تزوّد مثل زاد أبيك فينا
فنعم الزاد زاد أبيك زادا (2)
فزاد الزاد فى آخر البيت توكيدا لا غير.
وقيل لأبى عمرو : أكانت العرب تطيل؟ فقال : نعم لتبلغ. قيل : أفكانت توجز؟ قال : نعم ليحفظ عنها.
واعلم أن العرب - مع ما ذكرنا - إلى الإيجاز أميل ، وعن الإكثار أبعد. ألا ترى أنها فى حال إطالتها وتكريرها مؤذنة باستكراه تلك الحال وملالها ، ودالّة على أنها إنما تجشّمتها لما عناها هناك وأهمّها ؛ فجعلوا تحمّل ما فى ذلك على العلم بقوّة الكلفة فيه ، دليلا على إحكام الأمر فيما هم عليه.
ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة - مع مجيئها بها للضرورة الداعية إليها - أنهم لما أكّدوا فقالوا : أجمعون ، أكتعون ، أبصعون ، أبتعون ؛ لم يعيدوا أجمعون
1) يقال : انحطت الناقة فى سيرها : أسرعت ، يقال ذلك للنجيبة السريعة «وينحطون فى الشق الذى يؤمون» أى يجتهدون فيه.
2) البيت من الوافر ، وهو لجرير فى خزانة الأدب 9 / 394 - 399 ، والدرر 5 / 210 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 109 ، وشرح شواهد المغنى ص 57 ، وشرح المفصل 7 / 2132 ، ولسان العرب (زود) ، والمقاصد النحوية 4 / 30 ، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى 1 / 267 ، وشرح شواهد المغنى ص 862 ، وشرح ابن عقيل ص 456 ، ومغنى اللبيب ص 462 ، والمقتضب 2 / 150.
البتة ، فيكرروها فيقولوا : أجمعون ، أجمعون ، أجمعون ، أجمعون ، فعدلوا عن إعادة جميع الحروف إلى البعض ، تحاميا - مع الإطالة - لتكرير الحروف كلها.
فإن قيل : فلم اقتصروا على إعادة العين وحدها ، دون سائر حروف الكلمة؟
قيل : لأنها أقوى فى السجعة من الحرفين اللذين قبلها ، وذلك أنها لام ، فهى قافية ، لأنها آخر حروف الأصل ، فجىء بها لأنها مقطع الأصول ، والعمل فى المبالغة والتّكرير إنما هو على المقطع ، لا على المبدأ ، ولا المحشى.
ألا ترى أن العناية فى الشعر إنما هى بالقوافى لأنها المقاطع ، وفى السجع كمثل ذلك. نعم ، وآخر السجعة والقافية أشرف عندهم من أوّلها ، والعناية بها أمسّ ، والحشد عليها أوفى وأهمّ. وكذلك كلما تطرّف الحرف فى القافية ازدادوا عناية به ، ومحافظة على حكمه.
ألا تعلم كيف استجازوا الجمع بين الياء والواو ردفين ، نحو : سعيد ، وعمود.
وكيف استكرهوا اجتماعهما وصلين ، نحو قوله : «الغراب الأسود و» مع قوله أو «مغتدى» وقوله فى «غدى» وبقية قوافيها ، وعلة جواز اختلاف الردف وقبح اختلاف الوصل هو حديث التقدم والتأخر لا غير. وقد أحكمنا هذا الموضع فى كتابنا المعرب - وهو تفسير قوافى أبى الحسن - بما أغنى عن إعادته هنا. فلذلك جاءوا لمّا كرهوا إعادة جميع حروف أجمعين بقافيتها ، وهى العين ؛ لأنها أشهر حروفها ؛ إذ كانت مقطعا لها. فأما الواو والنون فزائدتان لا يعتدّان لحذفهما فى أجمع وجمع ، وأيضا فلأن الواو قد تترك فيه إلى الياء ، نحو أجمعون وأجمعين.
وأيضا لثبات النون تارة وحذفها أخرى ، فى غير هذا الموضع ، فلذلك لم يعتدّا مقطعا.
فإن قلت : إن هذه النون إنما تحذف مع الإضافة ، وهذه الأسماء التوابع ، نحو «أجمعين وبابه» مما لم تسمع إضافته فالنون فيها ثابتة على كل حال ، فهلا اقتصر عليها ، وقفّيت الكلم كلّها بها.
قيل : إنها وإن لم يضف هذا الضرب من الأسماء ، فإن إضافة هذا القبيل من الكلم فى غير هذا الموضع مطّردة منقادة ؛ نحو : مسلموك ، وضاربو زيد ، وشاتمو جعفر ، فلما كان الأكثر فيما جمع بالواو والنون إنما هو جواز إضافته حمل الأقل
فى ذلك عليه ، وألحق فى الحكم به.
فأما قولهم : أخذ المال بأجمعه ؛ فليس أجمع هذا هو أجمع من قولهم : جاء الجيش أجمع ، وأكلت الرغيف أجمع ؛ من قبل أن أجمع هذا الذى يؤكّد به ، لا يتنكر هو ولا ما يتبعه أبدا ؛ نحو أكتع ، وجميع هذا الباب ؛ وإذا لم يجز تنكيره كان من الإضافة أبعد ؛ إذ لا سبيل إلى إضافة اسم إلا بعد تنكيره وتصوّره كذلك.
ولهذا لم يأت عنهم شيء من إضافة أسماء الإشارة ، ولا الأسماء المضمرة ؛ إذ ليس فيها ما ينكّر. ويؤكد ذلك عندك أنهم قد قالوا فى هذا المعنى : جاء القوم بأجمعهم (بضم الميم) فكما أن هذه غير تلك لا محالة ، فكذلك المفتوحة الميم هى غير تلك. وهذا واضح.
وينبغى أن تكون «أجمع» هذه المضمومة العين جمعا مكسّرا ، لا واحدا مفردا ؛ من حيث كان هذا المثال مما يخصّ التكسير دون الإفراد ، وإذا كان كذلك فيجب أن يعرف خبر واحده ما هو. فأقرب ذلك إليه أن يكون جمع «جمع» من قول الله سبحانه : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمرة : 45]. ويجوز عندى أيضا أن يكون جمع أجمع على حذف الزيادة ؛ وعليه حمل أبو عبيدة قول الله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) [يوسف 22 ، القصص : 14] أنه جمع أشدّ ، على حذف الزيادة. قال : وربما استكرهوا على حذف هذه الزيادة فى الواحد ، وأنشد بيت عنترة :
كأنما
خضب اللّبان ورأسه بالعظلم
والعظلم : صبغ أحمر.
*أى أشدّ النهار ، يعنى أعلاه وأمتعه ، وذهب سيبويه فى أشدّ هذه إلى أنها جمع شدّة ؛ كنعمة وأنعم. وذهب أبو عثمان فيما رويناه عن أحمد (2)بن يحيى عنه إلى
1) جزء من البيت وهو من الكامل ، وهو لعنترة فى ديوانه ص 213 ، ولسان العرب (شدد) ، وتاج العروس (شدد). وتتمته :
....................................
2) أبو عثمان المازنى ، كانت وفاته سنة 249 ه. وأحمد بن يحيى ثعلب وكانت وفاته سنة 291 ه. ويقضى هذا النص أن ثعلبا أخذ عن المازنى. وجاء فى سر الصناعة فى حرف الباء (ص 128): «أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى ، قال : قال أبو عثمان - يعنى المازنى - ...» وأحمد بن يحيى الذى يروى عنه محمد بن الحسن هو ثعلب بلا ريب.
أنه جمع لا واحد له.
ثم لنعد فنقول : إنهم إذا كانوا فى حال إكثارهم وتوكيدهم مستوحشين منه ، مصانعين عنه علم أنهم إلى الإيجاز أميل ، وبه أعنى ، وفيه أرغب ؛ ألا ترى إلى ما فى القرآن وفصيح الكلام : من كثرة الحذوف ، كحذف المضاف ، وحذف الموصوف ، والاكتفاء بالقليل من الكثير ، كالواحد من الجماعة ، وكالتلويح من التصريح. فهذا ونحوه - مما يطول إيراده وشرحه - مما يزيل الشّك عنك فى رغبتهم فيما خفّ وأوجز ، عما طال وأمل ، وأنهم متى اضطرّوا إلى الإطالة لداعى حاجة ، أبانوا عن ثقلها عليهم ، واعتدّوا بما كلّفوه من ذلك أنفسهم ، وجعلوه كالمنبهة على فرط عنايتهم ، وتمكّن الموضع عندهم ، وأنه ليس كغيره مما ليست له حرمته ، ولا النفس معنيّة به.
نعم ، ولو لم يكن فى الإطالة فى بعض الأحوال إلا الخروج إليها عما قد ألف وملّ من الإيجاز لكان مقنعا.
ألا ترى إلى كثرة غلبة الياء على الواو فى عامّ الحال ، ثمّ مع هذا فقد ملّوا ذلك إلى أن قلبوا الياء واوا قلبا ساذجا ، أو كالساذج لا لشيء أكثر من الانتقال من حال إلى حال ؛ فإنّ المحبوب إذا كثر ملّ ؛ وقد قال النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «يا أبا هريرة زر غبّا تزدد حبّا» (1)والطريق فى هذا بحمد الله واضحة مهيع. وذلك الموضع الذى قلبت فيه الياء واوا على ما ذكرنا لام فعلى إذا كانت اسما من نحو : الفتوى ، والرعوى ، والثنوى ، والبقوى ، والتقوى ، والشروى (2)، والعوّى «لهذا النجم».
وعلى ذلك أو قريب منه قالوا : عوى الكلب عوّة. وقالوا : الفتوّة ، وهى من الياء ، وكذلك النّدوّة. وقالوا : هذا أمر ممضوّ عليه ، وهى المضواء ؛ وإنما هى من مضيت لا غير.
1) «صحيح» : أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط والبيهقى ، عن أبى هريرة ، والبزار والبيهقى أيضا عن أبى ذر ، وقد جاء من غير وجه ، انظر صحيح الجامع (ح 3568).
2) الرعوى : بمعنى المراعاة والحفظ. والثنوى : اسم من الاستثناء. والبقوى : اسم بمعنى الإبقاء. والشروى : المثل. وقد جعل المؤلف الإبدال فى هذا الباب ساذجا أو كالساذج ، وإن كان للفرق بين الاسم والصفة لما كان غير مبنى على الاستثقال والاستخفاف الذى هو الأصل فى حديث الإعلال. (نجار).
وقد جاء عنهم : رجل مهوب ، وبرّ مكول ، ورجل مسور به. فقياس هذا كله على قول الخليل أن يكون مما قلبت فيه الياء واوا ؛ لأنه يعتقد أن المحذوف من هذا ونحوه إنما هو واو مفعول لا عينه ، وأنسّه بذلك قولهم : قد هوب ، وسور به ، وكول.
واعلم أنا - مع ما شرحناه وعنينا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه ، وإلحاقها بعلل الكلام - لا ندّعى أنها تبلغ قدر علل المتكلمين ، ولا عليها براهين المهندسين ؛ غير أنا نقول : إن علل النحويين على ضربين : أحدهما واجب لا بدّ منه ؛ لأنّ النفس لا تطيق فى معناه غيره. والآخر ما يمكن تحمله ؛ إلا أنه على تجشم واستكراه له.
الأوّل - وهو ما لا بدّ للطبع منه - : قلب الألف واوا للضمة قبلها ، وياء للكسرة قبلها. أمّا الواو فنحو قولك فى سائر : سويئر ، وفى ضارب : ضويرب. وأمّا الياء فنحو قولك فى نحو تحقير قرطاس وتكسيره : قريطيس ، وقراطيس. فهذا ونحوه مما لا بدّ منه ؛ من قبل أنه ليس فى القوّة ، ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة. فقلب الألف على هذا الحدّ علته الكسرة والضمة قبلها. فهذه علّة برهانية ولا لبس فيها ، ولا توقّف للنفس عنها. وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها ؛ نحو : عصيفير وعصافير ؛ ألا ترى أنه قد يمكنك تحمّل المشقّة فى تصحيح هذه الواو بعد الكسرة ؛ وذلك بأن تقول : عصيفور وعصافور. وكذلك نحو : موسر ، وموقن ، وميزان ، وميعاد ؛ لو أكرهت نفسك على تصحيح أصلها لأطاعتك عليه ، وأمكنتك منه ؛ وذلك قولك : موزان ، وموعاد ، وميسر ، وميقن. وكذلك ريح وقيل ؛ قد كنت قادرا أن تقول : قول ، وروح ؛ لكن مجىء الألف بعد الضمة أو الكسرة أو السكون محال ، ومثله لا يكون. ومن المستحيل جمعك بين الألفين المدّتين ؛ نحو ما صار إليه قلب لام كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة ، وهو خطّا كساا ، أو قضاا ، فهذا تتوهمه تقديرا ولا تلفظ به البتة. قال أبو إسحاق يوما لخصم نازعه فى جواز اجتماع الألفين المدّتين - ومدّ الرجل الألف فى نحو هذا ، وأطال - فقال له أبو إسحاق : لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا ألفا واحدة.
وعلّة امتناع ذلك عندى أنه قد ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا ؛ فلو التقت ألفان مدّتان لانتقضت القضية فى ذلك ؛ ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة ، وإذا كان ما قبل الثانية ساكنا كان ذلك نقضا فى الشرط لا محالة.
فأمّا قول أبى العباس فى إنشاد سيبويه :
إنه خرج من باب الخطأ إلى باب الإحالة ؛ لأن الحرف الواحد لا يكون ساكنا متحرّكا فى حال (2)، فخطأ عندنا. وذلك أن الذى قال : «إذه من هواك» هو الذى يقول فى الوصل : هى قامت ، فيسكّن الياء ، وهى لغة معروفة ، فإذا حذفها فى الوصل اضطرارا واحتاج إلى الوقف ردّها حينئذ فقال : هى ، فصار الحرف المبدوء به غير الموقوف عليه ، فلم يجب من هذا أن يكون ساكنا متحرّكا فى حال ، وإنما كان قوله «إذه» على لغة من أسكن الياء لا على لغة من حرّكها ، من قبل أن الحذف ضرب من الإعلال ، والإعلال إلى السواكن لضعفها أسبق منه إلى المتحرّكات لقوتها. وعلى هذا قبح قوله :
لم يك الحقّ سوى أن هاجه
رسم دار قد تعفّى بالسرر (3)
لأنه موضع يتحرّك فيه الحرف فى نحو قولك : لم يكن الحق.
1) الرجز بلا نسبة فى الإنصاف ص 680 ، وخزانة الأدب 2 / 6 ، 8 / 138 ، 9 / 483 ، 5 / 64 ، والدرر 1 / 188 ، ورصف المبانى ص 17 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 347 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 283 ، وشرح شواهد الشافية ص 290 ، وشرح المفصل 3 / 97 ، والكتاب 1 / 27 ، ولسان العرب (هيا) وهمع الهوامع 1 / 61 ، وتاج العروس (هوا) ، (ها).
2) يريد أن بقاء الضمير المنفصل على حرف واحد يعرضه للسكون عند الوقف عليه والتحريك عند البدء به ، وهو عرضة للبدء مع الوقف دائما ؛ فمن هنا جاءت الاستحالة التى زعمها المبرد. ويردّ ابن جنى على المبرد بأن الوقف يقضى بردّ المحذوف ؛ فيكون الوقف عليه وتسكينه ، فأمّا الحرف الباقى فلا يعرض له السكون. (نجار).
3) البيت من الرمل ، وهو لحسين (أو الحسن كما فى لسان العرب) ابن عرفطة فى خزانة الأدب 9 / 304 ، 305 ، والدرر 2 / 94 ، ولسان العرب (كون) ، ونوادر أبى زيد ص 77 ، وبلا نسبة فى تخليص الشواهد ص 268 ، والدرر 6 / 217 ، وسرّ صناعة الإعراب 2 / 440 ، 540 ، والمنصف 2 / 228 ، وهمع الهوامع 1 / 122 ، 156. ويروى : تعفت بدلا من : تعفّى.
وعلّة جواز هذا البيت ونحوه ، مما حذف فيه ما يقوى بالحركة ، هى أن هذه الحركة إنما هى لالتقاء الساكنين ، وأحداث التقائهما ملغاة غير معتدّة ، فكأنّ النون ساكنة ، وإن كانت لو أقرّت لحرّكت ، فإن لم تقل بهذا لزمك أن تمتنع من إجماع العرب الحجازيين على قولهم : اردد الباب ، وأصبب الماء ، واسلل السيف. وأن تحتج فى دفع ذلك بأن تقول : لا أجمع بين مثلين متحرّكين. وهذا واضح.
ومن طريف حديث اجتماع السواكن شيء وإن كان فى لغة العجم ، فإن طريق الحسّ موضع تتلاقى عليه طباع البشر ، ويتحاكم إليه الأسود والأحمر ، وذلك قولهم : «آرد» للدقيق و «ماست» للّبن ؛ فيجمعون بين ثلاثة سواكن. إلا أننى لم أر ذلك إلا فيما كان ساكنه الأول ألفا ، وذلك أن الألف لما قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت «ماست» كأنها مست.
فإن قلت : فأجز على هذا الجمع بين الألفين المدّتين ، وأعتقد أن الأولى منهما كالفتحة قبل الثانية.
قيل : هذا فاسد ؛ وذلك أن الألف قبل السين فى «ماست» إذا أنت استوفيتها أدّتك إلى شيء آخر غيرها مخالف لها ، وتلك حال الحركة قبل الحرف : أن يكون بينهما فرق ما ، ولو تجشّمت نحو ذلك فى جمعك فى اللفظ بين ألفين مدّتين ، نحو كساا ، وحمراا ، لكان مضافا إلى اجتماع ساكنين أنك خرجت من الألف إلى ألف مثلها ، وعلى سمتها ، والحركة لا بدّ لها أن تكون مخالفة للحرف بعدها ؛ هذا مع انتقاض القضية فى سكون ما قبل الألف الثانية.
ورأيت مع هذا أبا على - رحمهالله - كغير المستوحش من الابتداء بالساكن فى كلام العجم. ولعمرى إنه لم يصرّح بإجازته ، لكنه لم يتشدّد فيه تشدّده فى إفساد إجازة ابتداء العرب بالساكن. قال : وذلك أن العرب قد امتنعت من الابتداء بما يقارب حال الساكن ، وإن كان فى الحقيقة متحركا ، يعنى همزة بين بين. قال : فإذا كان بعض المتحرك لمضارعته الساكن لا يمكن الابتداء به ، فما الظن بالساكن نفسه! قال : وإنما خفى حال هذا فى اللغة العجمية لما فيها من الزمزمة (1)؛ يريد أنها لمّا
1) الزمزمة : تراطن المجوس عند أكلهم وهم صموت ، لا يستعملون اللسان ولا الشفة فى كلامهم ، لكنه صوت تديره فى خياشيمها وحلوقها فيفهم بعضهم عن بعض. وانظر اللسان (زمم).
كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت. وأما أنا فأسمعهم كثيرا إذا أرادوا المفتاح قالوا : «كليد» ؛ فإن لم تبلغ الكاف أن تكون ساكنة ، فإنّ حركتها جدّ مضعفة ، حتى إنها ليخفى حالها علىّ ، فلا أدرى أفتحة هى أم كسرة ، وقد تأملت ذلك طويلا فلم أحل منه بطائل.
وحدّثنى أبو علىّ رحمهالله قال : دخلت «هيتا» (1)وأنا أريد الانحدار منها إلى بغداد ، فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل ؛ فعجبت منها وأقمنا هناك أياما ، إلى أن صلح الطريق للمسير ، فإذا أننى قد تكلمت مع القوم بها ، وأظنه قال لى : إننى لما بعدت عنهم أنسيتها.
ومما نحن بسبيله مذهب يونس فى إلحاقه النون الخفيفة للتوكيد فى التثنية ، وجماعة النساء ، وجمعه بين ساكنين فى الوصل ، نحو قوله : اضربان زيدا ، واضربنان عمرا ، وليس ذلك - وإن كان فى الإدراج - بالممتنع فى الحسّ ، وإن كان غيره أسوغ فيه منه ، من قبل أن الألف إذا أشبع مدّها صار ذلك كالحركة فيها ، ألا ترى إلى اطّراد نحو : شابّة ، ودابّة ، وادهامّت ، والضالّين.
فإن قلت : فإن الحرف لما كان مدغما خفى ، فنبا اللسان عنه وعن الآخر بعده نبوة واحدة ، فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد ، وليست كذلك نون اضربان زيدا ، وأكرمنان جعفرا ، قيل : فالنون الساكنة أيضا حرف خفىّ فجرت لذلك نحوا من الحرف المدغم ؛ وقد قرأ نافع «محياى ومماتى» [الأنعام : 162] بسكون الياء من «محياى» ، وذلك لما نحن عليه من حديث الخفاء ، والياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف احتيج لها إلى فضل اعتماد وإبانة ، وذلك قول الله تعالى (وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) [العنكبوت : 12] ولذلك يحضّ المبتدئون ، والمتلقّنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف ، فإذا كانت من الخفاء على ما ذكرنا وهى متحركة ازدادت خفاء بالسكون نحو محياى ، فأشبهت حينئذ الحرف المدغم. ونحو من ذلك ما يحكى عنهم من قولهم : «التقت حلقتا البطان» بإثبات الألف ساكنة فى اللفظ قبل اللام ، وكأن ذلك إنما جاز هاهنا لمضارعة اللام النون ؛ ألا ترى أن فى مقطع اللام
1) هيت : بلد على شاطئ الفرات. اللسان (هيت).
غنّة كالنون ، وهى أيضا تقرب من الياء حتى يجعلها بعضهم فى اللفظ ياء ، فحملت اللام فى هذا على النون ، كما حملت أيضا عليها فى لعلّى ، ألا تراهم كيف كرهوا النون من لعلّنى مع اللام ، كما كرهوا النون فى إننى ، وعلى ذلك قالوا : هذا بلو سفر ، وبلى سفر (1)، فأبدلوا الواو ياء لضعف حجز اللام كما أبدلوها «فى قنية» ياء ، لضعف حجز النون ، وكأن «قنية» - وهى عندنا من «قنوت» - ، و «بليا» أشبه من عذى (2)وصبيان ، لأنه لا غنّة فى الذال والباء. ومثل «بلى» قولهم : فلان من علية الناس ، وناقة عليان (3). فأمّا إبدال يونس هذه النون فى الوقف ألفا وجمعه بين ألفين فى اضرباا ، واضربناا ، فهو الضعيف المستكره الذى أباه أبو إسحاق وقال فيه ما قال.
ومن الأمر الطبيعى الذى لا بدّ منه ، ولا وعى عنه ، أن يلتقى الحرفان الصحيحان فيسكن الأوّل منهما فى الإدراج ، فلا يكون حينئذ بدّ من الإدغام ، متصلين كانا أو منفصلين. فالمتصلان نحو قولك : شدّ ، وصبّ ، وحلّ ؛ فالإدغام واجب لا محالة ، ولا يوجدك اللفظ به بدا منه. والمنفصلان نحو قولك : خذ ذاك ، ودع عامرا. فإن قلت : فقد أقدر أن أقول : شدد ، وحلل ، فلا أدغم ، قيل : متى تجشّمت ذلك وقفت على الحرف الأوّل وقفة ما ، وكلامنا إنما هو على الوصل. فأما قراءة عاصم : (وَقِيلَ مَنْ راقٍ)(4)[القيامة : 27] ببيان النون من «من» ، فمعيب فى الإعراب ، معيف فى الأسماع ، وذلك أن النون الساكنة لا توقّف فى وجوب ادّغامها فى الراء ، نحو : من رأيت ، ومن رآك ؛ فإن كان ارتكب ذلك ووقف على النون صحيحة غير مدغمة ، لينبّه به على انفصال المبتدأ من خبره فغير مرضىّ أيضا ؛ ألا ترى إلى قول عدىّ :
1) يقال : ناقة بلو سفر وبلى سفر : أبلاها السفر.
2) العذى : قلبت الواو ياء لضعف الساكن كما قالوا صبية ، وقد قيل إنه ياء والعذى ، بتسكين الذال : الزرع الذى لا يسقى إلا من ماء المطر لبعده عن المياه. اللسان (عذا).
3) يقال : ناقة عليان أى عالية مشرفة.
4) وأظهر عاصم وتبعه حفص النون فى قوله تعالى : (مَنْ راقٍ) واللام فى قوله : (بَلْ رانَ) لئلا يشبه مرّاق وهو بائع المرقة ، وبرّان مثنى بر. وانظر القرطبى ص 6903 ط الريان ، والمحيط فى تفسير سورة القيامة.
من رأيت المنون عرّين أم من
ذا عليه من أن يضام خفير (1)
بإدغام نون «من» فى راء رأيت. ويكفى من هذا إجماع الجماعة على ادّغام (من رّاق) وغيره مما تلك سبيله. وعاصم فى هذا مناقض لمن قرأ : «فإذا هيتّلقّف» [الشعراء : 45] بإدغام تاء تلقف. وهذا عندى يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره ، حتى صارا معا هاهنا كالجزء الواحد ، فجرى «هيتّ» فى اللفظ مجرى خدبّ ، وهجفّ ؛ ولو لا أن الأمر كذلك للزمك أن تقدّر الابتداء بالساكن ، أعنى تاء المضارعة من «تتلقف». فاعرف ذلك. وأمّا المعتلان فإن كانا مدّين منفصلين فالبيان لا غير ، نحو : فى يده ، وذو وفرة ، وإن كانا متصلين ادّغما نحو : مرضيّة ، ومدعوّة ؛ فإن كان الأوّل غير لازم فك فى المتصل أيضا ، نحو قوله :
بان الخليط ولو طووعت ما بانا (2)
وقطعوا من حبال الوصل أقرانا*
*وقول العجّاج :
وفاحم دووى حتى اعلنكسا (3)
وبشر مع البياض أملسا*
*ألا ترى أن الأصل داويت ، وطاوعت ، فالحرف الأوّل إذا ليس لازما. فإن كانا بعد الفتحة ادّغما لا غير ، متصلين ومنفصلين ؛ وذلك نحو : قوّ ، وجوّ ، وحىّ ، وعىّ ، ومصطفو وافد ، وغلامى ياسر ؛ وهذا ظاهر.
فهذا ونحوه طريق ما لا بدّ منه ؛ [وما لا يجرى مجرى التحيّز إليه والتخيّر له].
وما منه بدّ هو الأكثر وعليه اعتماد القول ، وفيه يطول السؤال والخوض ، وقد
1) البيت من الخفيف ، وهو لعدى بن زيد فى ديوانه ص 87 ، وأمالى ابن الحاجب 2 / 654 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 506 ، ولسان العرب (منن) ، وبلا نسبة فى شرح المفصل 4 / 10. ويروى : خلّدن بدلا من عرّين. وعرين : أى تركن وأهملن.
2) هذا مطلع قصيدة لجرير. وبقية البيت :
3) صدر البيت من الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 189 ، ولسان العرب (علكس) ، (دوا) ، وتهذيب اللغة 3 / 302 ، وتاج العروس (علكس) ، (دوى) ، وديوان الأدب 2 / 491 ، وكتاب العين 2 / 304. عجز البيت :
تقدم صدر منه ، ونحن نغترق (1)فى آتى الأبواب جميعه ، ولا قوة إلا بالله ؛ فأما إن استوفينا فى الباب الواحد كل ما يتصل به - على تزاحم هذا الشأن ، وتقاود بعضه مع بعض - اضطرّت الحال إلى إعادة كثير منه ، وتكريره فى الأبواب المضاهية لبابه ؛ وسترى ذلك مشروحا بحسب ما يعين الله عليه وينهض به.
1) الاغتراق مثل الاستغراق.
أصل مواضع (ط ر د) فى كلامهم التتابع والاستمرار ومن ذلك طردت الطّريدة ، إذ اتّبعتها واستمرّت بين يديك ؛ ومنه مطاردة الفرسان بعضهم بعضا ؛ ألا ترى أنّ هناك كرّا وفرّا ؛ فكلّ يطرد صاحبه. ومنه المطرد : رمح قصير يطرد به الوحش ، واطّرد الجدول إذا تتابع ماؤه بالريح. أنشدنى بعض أصحابنا لأعرابىّ :
ما لك لا تذكر أو تزور
بيضاء بين حاجبيها نور
تمشى كما يطّرد الغدير
ومنه بيت الأنصارى (1)
وتتمة البيت :
وانظر اللسان (ذهب) ، (طرد).
:أتعرف رسما كاطّراد المذاهب (2)
لعمرة وحشا غير موقف راكب*
*أى كتتابع المذاهب ، وهى جمع مذهب ؛ وعليه قول الآخر :
سيكفيك الإله ومسنمات
كجندل لبن تطّرد الصّلالا (3)
قول الراعى يصف الإبل واتباعها مواضع القطر. المسنمات : الإبل. ولبن : قال ابن سيده : يجوز أن يكون ترخيم لبنان فى غير النداء اضطرارا ، وأن تكون لبن أرضا بعينها. والصلال : جمع صلة وهى مواقع المطر فيها نبات فالإبل ترعاها. وانظر اللسان (طرد) ، (صلل) ، (لبن).
1) الأنصارى : هو قيس بن الخطيم. والمذاهب : جلود مذهبة بخطوط يرى بعضها فى أثر بعض.
2) صدر البيت من الطويل ، وهو لقيس بن الخطيم ، فى ديوانه ص 76 ، ولسان العرب (ذهب) ، (طرد) ، وتهذيب اللغة (6 / 264) ، 13 / 310 ، وتاج العروس (ذهب) ، (طرد) ، وجمهرة أشعار العرب ص 641 ، وبلا نسبة فى مقاييس اللغة 2 / 362 ، ومجمل اللغة 2 / 348 ، والمخصص 12 / 120. وعجز البيت :
3) البيت من الوافر ، وهو للراعى النميرى فى ديوانه ص 245 ، ولسان العرب (طرد) ، (لبن) ، وجمهرة اللغة ص 144 ، 379 ، 898 ، وتهذيب اللغة 12 / 113 ، 13 / 310 ، 15 / 365 ، وتاج العروس (صلل) ، (لبن) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (صلل) ، ومقاييس اللغة 3 / 277 ، والمخصص 10 / 177 ، 209 ، 17 / 48.
أى تتابع إلى الأرضين الممطورة لتشرب منها ؛ فهى تسرع وتستمرّ إليها. وعليه بقية الباب.
وأما مواضع (ش ذ ذ) فى كلامهم فهو التّفرّق والتّفرّد ؛ من ذلك قوله :
يتركن شذّان الحصى جوافلا (1)
يحملننا والأسل النواهلا*
*أى ما تطاير وتهافت منه. وشذّ الشىء يشذّ ويشذّ شذوذا وشذّا ، وأشذذته أنا ، وشذذته أيضا أشذّه (بالضم لا غير) ، وأباها الأصمعىّ وقال : لا أعرف إلّا شاذّا أى متفرّقا. وجمع شاذّ شذّاذ ؛ قال :
هذا أصل هذين الأصلين فى اللغة. ثم قيل ذلك فى الكلام والأصوات على سمته وطريقه فى غيرهما ، فجعل أهل علم العرب ما استمرّ من الكلام فى الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطّردا ، وجعلوا ما فارق ما عليه بقيّة بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذّا ؛ حملا لهذين الموضعين على أحكام غيرهما.
ثم اعلم من بعد هذا أن الكلام فى الاطّراد والشذوذ على أربعة أضرب :
مطّرد فى القياس والاستعمال جميعا ، وهذا هو الغاية المطلوبة ، والمثابة المنوبة ؛ وذلك نحو : قام زيد ، وضربت عمرا ، ومررت بسعيد.
ومطّرد فى القياس ، شاذّ فى الاستعمال. وذلك نحو الماضى من : يذر ويدع.
وكذلك قولهم «مكان مبقل» هذا هو القياس ، والأكثر فى السماع باقل ، والأوّل مسموع أيضا ؛ قال أبو دواد لابنه دواد «يا بنىّ ما أعاشك بعدى؟» فقال دواد :
أعاشنى بعدك واد مبقل
آكل من حوذانه وأنسل (2)
1) عجز البيت من الرجز لامرئ القيس فى ديوانه ص 135 ، ولسان العرب (حزم) ، ولرؤبة فى ديوانه ص 126 ، وتهذيب اللغة 11 / 271 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (شذذ) ، وجمهرة اللغة ص 787 ، 966 ، ومقاييس اللغة 4 / 496. وصدر البيت :
2) الرجز لدؤاد بن أبى دؤاد فى لسان العرب (عيش) ، (بقل) ، (نسل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حوذ) ، وتاج العروس (عيش) ، (بقل) ، (نسل) ، وسمط اللآلى ص 573 ، ولأبى ذؤيب الهذلى فى زيادات شرح أشعار الهذليين ص 1312. الحوذان : اسم نبت. وأنسل : يروى بفتح الهمزة ، ومعناه : أسمن حتى يسقط الشعر. ويروى بضمها ؛ ومعناه : تنسل إبلى وغنمى. وانظر اللسان فى (نسل وبقل).
وقد حكى أيضا أبو زيد فى كتاب (حيلة ومحالة) : مكان مبقل. ومما يقوى فى القياس ، ويضعف فى الاستعمال مفعول عسى اسما صريحا ، نحو قولك : عسى زيد قائما أو قياما ؛ هذا هو القياس ، غير أن السماع ورد بحظره ، والاقتصار على ترك استعمال الاسم هاهنا ؛ وذلك قولهم : عسى زيد أن يقوم ، و (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) [المائدة : 52] وقد جاء عنهم شيء من الأوّل ؛ أنشدنا أبو على :
أكثرت فى العدل ملحّا دائما
لا تعذلا إنّى عسيت صائما (1)
ومنه المثل السائر : «عسى الغوير أبؤسا».
والثالث المطّرد فى الاستعمال ، الشاذّ فى القياس ؛ نحو قولهم : أخوص الرمث (2)، واستصوبت الأمر. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال : يقال استصوبت الشىء ، ولا يقال : استصبت الشىء. ومنه استحوذ ، وأغيلت المرأة (3)، واستنوق الجمل ، واستتيست الشاة ، وقول زهير :
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا (4)
وإن يسألوا يعصوا وإن ييسروا يغلوا*
*1) الرجز لرؤبة فى ملحقات ديوانه ص 185 ، وخزانة الأدب 9 / 316 ، 317 ، 322 ، والدرر 2 / 149 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 83 ، والمقاصد النحوية 2 / 161 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 175 ، وتخليص الشواهد ص 309 ، والخزانة 8 / 374 ، 376 ، والجنى الدانى ص 463 ، وشرح الأشمونى 1 / 128 ، وشرح شواهد المغنى ص 444 ، وشرح ابن عقيل ص 164 ، وشرح عمدة الحافظ ص 822 ، وشرح المفصل 7 / 14 ، ومغنى اللبيب 1 / 152 ، والمقرب 1 / 100 ، وهمع الهوامع 1 / 130. ويروى : العذل بدلا من : العدل ، تكثرنّ بدلا من تعذلا.
2) الرمث : شجر ترعاه الإبل ، وأخوص الرّمث : أى تفطّر بورق ، وعم بعضهم به الشجر ، والخوص : ورق المقل والنخل والنارجيل ، وما شاكلها واحدته خوصة. اللسان (خوص).
3) يقال : أغيلت المرأة ولدها إذا أرضعته وهى حامل.
4) صدر البيت من الطويل ، وهو لزهير فى ديوانه ص 112 ، ولسان العرب (خبل) ، (خول) ، وتهذيب اللغة 7 / 425 ، وجمهرة اللغة ص 293 ، ومقاييس اللغة 2 / 234 ، والمخصص 7 / 159 ، 12 / 234 ، ومجمل اللغة 2 / 237 ، وتاج العروس (خبل) ، وديوان الأدب 2 / 323. وعجز البيت :
ومنه استفيل الجمل (1)؛ قال أبو النجم :
والرابع الشاذّ فى القياس والاستعمال جميعا. وهو كتتميم مفعول ، فيما عينه واو ؛ نحو : ثوب مصوون ، ومسك مدووف (3). وحكى البغداديون : فرس مقوود ، ورجل معوود من مرضه. وكل ذلك شاذّ فى القياس والاستعمال. فلا يسوغ القياس عليه ، ولا ردّ غيره إليه. [ولا يحسن أيضا استعماله فيما استعملته فيه إلا على وجه الحكاية].
واعلم أن الشىء إذا اطّرد فى الاستعمال وشذّ عن القياس ، فلا بدّ من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه ؛ لكنه لا يتّخذ أصلا يقاس عليه غيره. ألا ترى أنك إذا سمعت : استحوذ واستصوب أدّيتهما بحالهما ، ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما. ألا تراك لا تقول فى استقام : استقوم ، ولا فى استساغ : استسوغ ، ولا فى استباع : استبيع ، ولا فى أعاد : أعود ، لو لم تسمع شيئا من ذلك ؛ قياسا على قولهم : أخوص الرّمث. فإن كان الشىء شاذّا فى السماع مطّردا فى القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك ، وجريت فى نظيره على الواجب فى أمثاله.
من ذلك امتناعك من : وذر ، وودع ؛ لأنهم لم يقولوهما ، ولا غرو [عليك] أن تستعمل نظيرهما ؛ نحو : وزن ووعد لو لم تسمعهما. فأما قول أبى الأسود :
ليت شعرى عن خليلى ما الذى
غاله فى الحبّ حتى ودعه (4)
1) استفيل الجمل : صار كالفيل.
2) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (فيل) ، وتاج العروس (قبض) ، (فيل) ، وأساس البلاغة (فيل) ، والطرائف الأدبية ص 61. ويروى : يريد بدلا من : يدير.
3) مسك مدووف أى مخلوط أو مبلول. وانظر اللسان (داف).
4) البيت من الرمل ، وهو لأبى الأسود الدؤلى فى ملحق ديوانه ص 350 ، والأشباه والنظائر 2 / 177 ، والإنصاف 2 / 485 ، وخزانة الأدب 5 / 150 ، والشعر والشعراء 2 / 733 ، والمحتسب 2 / 364 ، ولأنس بن زنيم فى حماسة البحترى ص 259 ، وخزانة الأدب 6 / 471 ، ولأبى الأسود أو لأنس فى لسان العرب (ودع) ، وبلا نسبة فى شرح شافية ابن الحاجب 1 / 131 ، وشرح شواهد الشافية ص 50.
فشاذّ. وكذلك قراءة بعضهم (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) [الضحى : 3] فأما قولهم :
ودع الشىء يدع - إذا سكن - فاتّدع ؛ فمسموع متّبع ؛ وعليه أنشد بيت الفرزدق :
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا مسحت أو مجلّف (1)
فمعنى «لم يدع» - بكسر الدال - أى لم يتدع ولم يثبت ، والجملة بعد «زمان» فى موضع جر لكونها صفة له ، والعائد منها إليه محذوف للعلم بموضعه ، وتقديره : لم يدع فيه أو لأجله من المال إلا مسحت أو مجلّف ؛ فيرتفع «مسحت» بفعله و «مجلف» عصف عليه ، وهذا أمر ظاهر ليس فيه من الاعتذار والاعتلال ما فى الرواية الأخرى. ويحكى عن معاوية أنه قال : خير المجالس ما سافر فيه البصر ، واتّدع فيه البدن. ومن ذلك استعمالك «أن» بعد كاد نحو : كاد زيد أن يقوم ؛ هو قليل شاذّ فى الاستعمال ، وإن لم يكن قبيحا ولا مأبيّا فى القياس.
ومن ذلك قول العرب : أقائم أخواك أم قاعدان؟ هذا كلامها. قال أبو عثمان : والقياس يوجب أن تقول : أقائم أخواك أم قاعد هما؟ إلا أن العرب لا تقوله إلا قاعدان ؛ فتصل الضمير ، والقياس يوجب فصله ليعادل الجملة الأولى.
1) انظر الخزانة ص 349 ج 2 ، والرواية التى أوردها ابن جنى هنا رواها أبو عبيدة ، ورواها ابن الأنبارى فى شرح المفضليات فى قصيدة سويد بن أبى كاهل اليشكرى. انظر الشرح 396. (نجار).
باب فى تقاود (1)السماع وتقارع الانتزاع
هذا الموضع كأنه أصل الخلاف الشاجر بين النحويين. وسنفرد له بابا. غير أنّا نقدم هاهنا ما كان لائقا به ، ومقدّمة للقول من بعده. وذلك على أضرب :
فمنها أن يكثر الشىء فيسأل عن علّته ؛ كرفع الفاعل ، ونصب المفعول ، فيذهب قوم إلى شيء ، ويذهب آخرون إلى غيره. فقد وجب إذا تأمّل القولين واعتماد أقواهما ، ورفض صاحبه. فإن تساويا فى القوّة لم ينكر اعتقادهما جميعا ؛ فقد يكون الحكم الواحد معلولا بعلّتين. وسنفرد لذلك بابا. وعلى هذا معظم قوانين العربية. وأمره واضح ، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه.
ومنها أن يسمع الشىء ، فيستدلّ به من وجه على تصحيح شيء أو إفساد غيره ، ويستدلّ به من وجه آخر على شيء غير الأوّل. وذلك كقولك : ضربتك ، وأكرمته ، ونحو ذلك مما يتصل فيه الضمير المنصوب بالضمير قبله المرفوع. فهذا موضع يمكن أن يستدلّ به على شدّة اتصال الفعل بفاعله.
ووجه الدلالة منه على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن الكاف فى نحو ضربتك من الضمير المتصل ، كما أن الكاف فى نحو ضربك زيد كذلك ، ونحن نرى الكاف فى ضربتك لم تباشر نفس الفعل ، كما باشرته فى نحو ضربك زيد ، وإنما باشرت الفاعل الذى هو التاء ، فلو لا أن الفاعل قد مزج بالفعل ، وصيغ معه ، حتى صار جزءا من جملته ، لما كانت الكاف من الضمير المتصل ، ولاعتدّت لذلك منفصلة لا متصلة. لكنهم أجروا التاء التى هى ضمير الفاعل فى نحو ضربتك - وإن لم تكن من نفس حروف الفعل - مجرى نون التوكيد التى يبنى الفعل عليها ، ويضمّ إليها ، فى نحو لأضربنّك. فكما أنّ الكاف فى نحو هذا معتدّة من الضمير المتصل وإن لم تل نفس الفعل ، كذلك الكاف فى نحو ضربتك ضمير متصل وإن
1) تقاود السماع : اطراده فى شيء ، وعدم اختلافه فيه ؛ كرفع الفاعل : اتفق السماع فيه. وتقارع الانتزاع : تخالفه وتغايره ، من قولهم : تقارع القوم : تضاربوا بالسيوف. والانتزاع : الاستنباط. (نجار).
لم تل نفس الفعل.
فهذا وجه الاستدلال بهذه المسألة ونحوها على شدّة اتصال الفعل بفاعله ، وتصحيح القول بذلك.
وأمّا وجه إفساده شيئا آخر فمن قبل أنّ فيه ردّا على من قال : إن المفعول إنما نصبه الفاعل (1)وحده ، لا الفعل وحده ، ولا الفعل والفاعل جميعا.
وطريق الاستدلال بذلك أنا قد علمنا أنهم إنما يعنون بقولهم : الضمير المتصل : أنه متصل بالعامل فيه لا محالة ؛ ألا تراهم يقولون : إن الهاء فى نحو مررت به ، ونزلت عليه ، ضمير متصل ، أى متصل بما عمل فيه وهو الجارّ ؛ وليس لك أن تقول : إنه متصل بالفعل ؛ لأن الباء كأنها جزء من الفعل ؛ من حيث كانت معاقبة لأحد أجزائه المصوغة فيه ، وهى همزة أفعل ؛ وذلك نحو أنزلته ونزلت به ، وأدخلته ودخلت به ، وأخرجته وخرجت به ؛ لأمرين :
أحدهما أنك إن اعتددت الباء لما ذكرت كأنها بعض الفعل ، فإنّ هنا دليلا آخر يدل على أنها كبعض الاسم ؛ ألا ترى أنك تحكم عليها وعلى ما جرّته بأنهما جميعا فى موضع نصب بالفعل ، حتى إنك لتجيز (2)العطف عليهما جميعا بالنصب ؛ نحو قولك : مررت بك وزيدا ، ونزلت عليه وجعفرا ؛ فإذا كان هنا أمران أحدهما على حكم والآخر على ضدّه ، وتعارضا هذا التعارض ، ترافعا أحكامهما ، وثبت أن الكاف فى نحو مررت بك متصلة بنفس الباء ؛ لأنها هى العاملة فيها. وكذلك الهاء فى نحو إنه أخوك ، وكأنه صاحبك ، وكأنه جعفر : هى ضمير متصل ، أى متصل بالعامل فيه ، وهذا واضح.
1) الذى قال : إن المفعول نصبه الفاعل وحده هو هشام بن معاوية الضرير أبو عبد الله النحوى الكوفىّ أحد أعيان أصحاب الكسائى ، توفى سنة تسع ومائتين وانظر البغية 2 / 328 ، وذهب الكوفيون إلى أن العامل فى المفعول النصب الفعل والفاعل جميعا ، وذهب البصريون إلى أن الفعل وحده عمل فى الفاعل والمفعول جميعا. وانظر الإنصاف 1 / 78.
2) هذا رأى ابن جنى ، والنحاة لا يجيزون ذلك ، فإن من شروط العطف على المحل عندهم ظهور الإعراب المحلى فى الفصيح ، نحو ، ليس زيد بقائم ولا قاعدا ، وانظر حاشية الدسوقى على المغنى 2 / 119 فى أقسام العطف.
والآخر إطباق النحويين على أن يقولوا فى نحو هذا : إن الضمير قد خرج عن الفعل ، وانفصل من الفعل ؛ وهذا تصريح منهم بأنه متصل أى متصل بالباء العاملة فيه ، فلو كانت التاء فى ضربتك هى العاملة فى الكاف ، لفسد ذلك ؛ من قبل أن أصل عمل النصب إنما هو للفعل ، وغيره من النواصب مشبه فى ذلك بالفعل ، والضمير بالإجماع أبعد شيء عن الفعل ؛ من حيث كان الفعل موغلا فى التنكير ، والاسم المضمر متناه فى التعريف. بل إذا لم يعمل الضمير فى الظرف ولا فى الحال - وهما مما تعمل فيه المعانى - كان الضمير من نصب المفعول به أبعد ، وفى التقصير عن الوصول إليه أقعد. وأيضا فإنك تقول : زيد ضرب عمرا ، والفاعل مضمر فى نفسك ، لا موجود فى لفظك ، فإذا لم يعمل المضمر ملفوظا به ، كان ألا يعمل غير ملفوظ به أحرى وأجدر.
وأمّا الاستدلال بنحو ضربتك على شيء غير الموضعين المتقدّمين ، فأن يقول قائل : إنّ الكاف فى نحو ضربتك منصوبة بالفعل والفاعل جميعا ، ويقول : إنه متصل بهما كاتصاله بالعامل فيه فى نحو إنك قائم ونظيره. وهذا أيضا وإن كان قد ذهب إليه هشام فإنه عندنا فاسد من أوجه :
أحدها أنه قد صحّ ووضح أن الفعل والفاعل قد تنزّلا باثنى عشر دليلا منزلة الجزء الواحد ، فالعمل إذا إنما هو للفعل وحده ، واتصل به الفاعل فصار جزءا منه ؛ كما صارت النون فى نحو لتضربنّ زيدا كالجزء منه ، حتى خلط بها ، وبنى معها.
ومنها أن الفعل والفاعل إنما هو معنى ، والمعانى لا تعمل فى المفعول به ، إنما تعمل فى الظروف.
ومن ذلك أن تستدلّ بقول ضيغم (1)الأسدىّ :
إذا هو لم يخفنى فى ابن عمى
على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء ؛ ألا ترى أن «هو» من قوله
«إذا هو لم يخفنى» ضمير الشأن والحديث ؛ وأنه مرفوع لا محالة. فلا يخلو رفعه من أن يكون بالابتداء كما قلنا ، أو بفعل مضمر. فيفسد أن يكون مرفوعا بفعل مضمر ؛ لأن ذلك المضمر لا دليل عليه ، ولا تفسير له ؛ وما كانت هذه سبيله لم يجز إضماره.
فإن قلت : فلم لا يكون قوله «لم يخفنى فى ابن عمى الرجل الظلوم» تفسيرا للفعل الرافع ل- «هو»؟ كقولك : إذا زيد لم يلقنى غلامه فعلت كذا ، فترفع زيدا بفعل مضمر يكون ما بعده تفسيرا له.
قيل : هذا فاسد من موضعين : أحدهما أنا لم نر هذا الضمير على شريطة التفسير عاملا فيه فعل محتاج إلى تفسير. فإذا أدّى هذا القول إلى ما لا نظير له ، وجب رفضه واطّراح الذهاب إليه. والآخر أن قولك «لم يخفنى الرجل الظلوم» إنما هو تفسير ل- «هو» ، من حيث كان ضمير الشأن والقصّة لا بدّ له أن تفسره الجملة ؛ نحو قول الله عزوجل : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص : 1] فقولنا (الله أحد) تفسير ل- «هو». وكذلك قوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) [الحج : 46] فقولك : (لا تعمى الأبصار) تفسير ل- «ها» ، من قولك : فإنها ، من حيث كانت ضمير القصّة. فكذلك قوله : «لم يخفنى الرجل الظلوم» إنما هذه الجملة تفسير ل- «هو».
فإذا ثبت أن هذه الجملة إنما هى تفسير لنفس الاسم المضمر بقى ذلك الفعل المضمر لا دليل عليه ؛ وإذا لم يقم عليه دليل بطل إضماره ؛ لما فى ذلك من تكليف علم الغيب. وليس كذلك (إذا زيد قام أكرمتك) ونحوه ؛ من قبل أن زيدا تامّ ، غير محتاج إلى تفسير. فإذا لم يكن محتاجا إليه صارت الجملة بعده تفسيرا للفعل الرافع له ، لا له نفسه.
فإذا ثبت بما أوردناه ما أردناه ، علمت وتحقّقت أن «هو» من قوله «إذا هو لم يخفنى الرجل الظلوم» مرفوع بالابتداء لا بفعل مضمر.
وفى هذا البيت تقوية لمذهب أبى الحسن فى إجازته الرفع بعد إذا الزمانية بالابتداء فى نحو قوله تعالى (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) [الانشقاق : 1] و (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير : 1].
ومعنا ما يشهد لقوله هذا : شيء غير هذا ، غير أنه ليس ذلك غرضنا هنا ، إنما الغرض إعلامنا أن فى البيت دلالة على صحّة مذهب أبى الحسن هذا. فهذا وجه صحيح يمكن أن يستنبط من بيت ضيغم الذى أنشدناه.
وفيه دليل آخر على جواز خلوّ الجملة الجارية خبرا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها ؛ ألا ترى أن قوله «لم يخفنى الرجل الظلوم» ليس فيه عائد على هو ، وكيف يكون الأمر إلا هكذا ؛ ألا تعلم أن هذا المضمر على شريطة التفسير لا يوصف ولا يؤكّد ولا يعطف عليه ولا يبدل منه ولا يعود عائد ذكر عليه ؛ وذلك لضعفه ؛ من حيث كان مفتقرا إلى تفسيره. وعلى هذا ونحوه عامّة ما يرد عليك من هذا الضرب ؛ ألا ترى أن قول الله عزوجل (اللهُ أَحَدٌ) لا ضمير فيه يعود على (هو) من قبله.
واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازا صحيحا أن يستدلّ به على أمر ما ، وأن يستدلّ به على ضدّه البتّة. وذلك نحو سررت بزيد ، ورغبت فى عمرو ، وعجبت من محمد ، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجرّ.
فأحد ما يدلّ عليه هذا الضرب من القول أنّ الجارّ معتدّ من جملة الفعل الواصل به ؛ ألا ترى أن الباء فى نحو مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل فى نحو أمررت زيدا ، وكذلك قولك أخرجته وخرجت به ، وأنزلته ونزلت به. فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه ، كائنة من جملته ، فكذلك ما عاقبها من حروف الجرّ ينبغى أن يعتدّ أيضا من جملة الفعل ؛ لمعاقبته ما هو من جملته. فهذا وجه.
والآخر أن يدلّ ذلك على أن حرف الجرّ جار مجرى بعض ما جرّه ؛ ألا ترى أنك تحكم لموضع الجارّ والمجرور بالنصب فيعطف عليه فينصب لذلك ، فتقول : مررت بزيد وعمرا ، وكذلك أيضا لا يفصل بين الجارّ والمجرور ؛ لكونهما فى كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد. أفلا تراك كيف تقدّر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين ، وكل واحد منهما مقبول فى القياس ، متلقى بالبشر والإيناس.
ومن ذلك قول الآخر :
زمان علىّ غراب غداف
فطيّره الشيب عنّى فطارا (1)
فهذا موضع يمكن أن يذهب ذاهب فيه إلى سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من الفعل ، ويمكن أيضا أن يستدلّ به على ثباته وبقاء حكمه. وذلك أن الظرف الذى هو (علىّ) متعلق بمحذوف ، وتقديره غداة ثبت علىّ أو استقر علىّ غراب ، ثم حذف الفعل وأقيم الظرف مقامه. وقوله فطيّره - كما ترى - معطوف. فأما من أثبت به حكم الفعل المحذوف فله أن يقول : إن طيّره معطوف على ثبت أو استقرّ ، وجواز العطف عليه أدلّ دليل على اعتداده وبقاء حكمه ، وأن العقد عليه ، والمعاملة فى هذا ونحوه إنما هى معه ؛ ألا ترى أن العطف نظير التثنية ، ومحال أن يثنّى الشىء فيصير مع صاحبه شيئين إلا وحالهما فى الثبات والاعتداد واحدة.
فهذا وجه جواز الاستدلال به على بقاء حكم ما تعلّق به الظرف ، وأنه ليس أصلا متروكا ، ولا شرعا منسوخا.
وأمّا جواز اعتقاد سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من هذا البيت فلأنه قد عطف قوله «فطّيره» على قوله «علىّ» وإذا جاز عطف الفعل على الظرف قوى حكم الظرف فى قيامه مقام الفعل المتعلّق هو به ، وإسقاطه حكمه وتولّيه من العمل ما كان الفعل يتولاه ، وتناوله به ما كان هو متناولا له.
فهذان وجهان من الاستدلال بالشىء الواحد على الحكمين الضدّين ، وإن كان وجه الدلالة به على قوّة حكم الظرف وضعف حكم الفعل فى هذا وما يجرى مجراه هو الصواب عندنا ، وعليه اعتمادنا وعقدنا. وليس هذا موضع الانتصار لما نعتقده فيه ، وإنما الغرض منه أن نرى وجه ابتداء تفرّع القول ، وكيف يأخذ بصاحبه ، ومن أين يقتاد الناظر فيه إلى أنحائه ومصارفه.
ونظير هذا البيت فى حديث الظرف والفعل من طريق العطف قول الله عزّ اسمه (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ. فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) [الطارق : 9 ، 10] أفلا تراه كيف
1) البيت من المتقارب ، وهو للكميت فى لسان العرب (غرب). الغداف : الشعر الأسود الطويل. اللسان (غدف).
عطف الظرف الذى هو «له من قوّة» على قوله «تبلى» وهو فعل ، فالآية نظيرة البيت فى العطف وإن اختلفا فى تقدّم الظرف تارة ، وتأخّره أخرى.
وهذا أمر فيه انتشار وامتداد ، وإنما أفرض منه وممّا يجرى مجراه ما يستدلّ به ويجعل عيارا على غيره. والأمر أوسع شقّة ، وأظهر كلفة ومشقّة ؛ ولكن إن طبنت (1)له ، ورفقت به ، أولاك جانبه ، وأمطاك كاهله وغاربه ؛ وإن خبطته (2)وتورّطته كدّك مهله ، وأوعرت بك سبله ، فرفقا وتأمّلا.
وهى ضربان : أحدهما معنوىّ والآخر لفظىّ. وهذان الضربان وإن عمّا وفشوا فى هذه اللغة ، فإن أقواهما وأوسعهما هو القياس المعنوىّ ؛ ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة : واحد منها لفظىّ وهو شبه الفعل لفظا ، نحو أحمد ، ويرمع (1)وتنضب ، وإثمد ، وأبلم ، وبقّم (2)، وإستبرق ، والثمانية الباقية كلها معنويّة ؛ كالتعريف ، والوصف ، والعدل ، والتأنيث ، وغير ذلك. فهذا دليل.
ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به ، بأن تقول : رفعت هذا لأنه فاعل ، ونصبت هذا لأنه مفعول. فهذا اعتبار معنوىّ لا لفظىّ. ولأجله ما كانت العوامل اللفظية راجعة فى الحقيقة إلى أنها معنوية ؛ ألا تراك إذا قلت : ضرب سعيد جعفرا ، فإنّ (ضرب) لم تعمل فى الحقيقة شيئا ؛ وهل تحصل من قولك ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل ، فهذا هو الصوت ، والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبا إليه الفعل.
وإنما قال النحويّون : عامل لفظىّ ، وعامل معنوىّ ؛ ليروك أن بعض العمل يأتى مسبّبا عن لفظ يصحبه ؛ كمررت بزيد ، وليت عمرا قائم ، وبعضه يأتى عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به ؛ كرفع المبتدإ بالابتداء ، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم ؛ هذا ظاهر الأمر ، وعليه صفحة القول. فأما فى الحقيقة ومحصول الحديث ، فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلّم نفسه ، لا لشيء غيره.
وإنما قالوا : لفظىّ ومعنوىّ لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ ، أو باشتمال المعنى على اللفظ. وهذا واضح.
واعلم أن القياس اللفظىّ إذا تأمّلته لم تجده عاريا من اشتمال المعنى عليه ؛ ألا ترى أنك إذا سئلت عن «إن» من قوله :
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته
على السّنّ خيرا لا يزال يزيد (1)
فإنك قائل : دخلت على «ما» - وإن كانت «ما» هاهنا مصدريّة - ؛ لشبهها لفظا بما النافية التى تؤكّد بإن من قوله :
ما إن يكاد يخلّيهم لوجهتهم
تخالج الأمر إن الأمر مشترك (2)
وشبه اللفظ بينهما يصيّر «ما» المصدرية إلى أنها كأنها «ما» التى معناها النفى ؛ أفلا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق «إن» بها.
فالمعنى إذا أشيع وأسير حكما من اللفظ ؛ لأنك فى اللفظىّ متصوّر لحال المعنوىّ ، ولست فى المعنوىّ بمحتاج إلى تصوّر حكم اللفظىّ. فاعرف ذلك.
واعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل ، ما إذا تأمّلته عرفت منه قوّة عنايتها بهذا الشأن ، وأنه منها على أقوى بال ؛ ألا ترى أنهم لمّا أعربوا بالحروف فى التثنية والجمع الذى على حدّه ، فأعطوا الرفع فى التثنية الألف ، والرفع فى الجمع الواو ، والجرّ فيهما الياء ، وبقى النصب لا حرف له فيماز به ، جذبوه إلى الجرّ فحملوه عليه دون الرفع ؛ لتلك الأسباب المعروفة هناك ، فلا حاجة بنا هنا إلى الإطالة بذكرها ، ففعلوا ذلك ضرورة ، ثم لمّا صاروا إلى جمع التأنيث حملوا النصب أيضا على الجرّ ، فقالوا ضربت الهندات (كما قالوا مررت بالهندات) ولا ضرورة هنا ؛ لأنهم قد كانوا قادرين على أن يفتحوا التاء فيقولوا : رأيت الهندات ، فلم يفعلوا ذلك مع إمكانه وزوال الضرورة التى عارضت فى المذكر عنه ، فدلّ دخولهم تحت هذا - مع أن الحال لا تضطرّ إليه -
1) البيت من الطويل ، وهو للمعلوط القريعى فى شرح التصريح 1 / 189 ، وشرح شواهد المغنى ص 85 ، 716 ، ولسان العرب (أنن) ، والمقاصد النحويّة 2 / 22 ، وبلا نسبة فى الأزهية ص 52 ، 96 والأشباه والنظائر 2 / 187 ، وأوضح المسالك 1 / 246 ، والجنى الدانى ص 211 ، وجواهر الأدب ص 208 ، وخزانة الأدب 8 / 443 ، والدرر 2 / 110 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 378 ، وشرح المفصل 8 / 130 ، والكتاب 4 / 222 ، ومغنى اللبيب 1 / 25 ، والمقرب 1 / 97 ، وهمع الهوامع 1 / 125.
2) البيت من البسيط ، وهو لزهير بنى أبى سلمى فى ديوانه ص 165 ، ولسان العرب (أنن) ، والمقتضب 2 / 363 ، وتاج العروس (أنن).
على إيثارهم واستحبابهم حمل الفرع على الأصل ، وإن عرى من ضرورة الأصل. وهذا جلىّ كما ترى.
ومن ذلك حملهم حروف المضارعة بعضها على حكم بعض ، فى نحو حذفهم الهمزة فى نكرم ، وتكرم ، ويكرم ؛ لحذفهم إيّاها فى أكرم ؛ لما كان يكون هناك من الاستثقال ؛ لاجتماع الهمزتين فى نحو أؤكرم ، وإن عريت بقيّة حروف المضارعة - لو لم تحذف - من اجتماع همزتين ؛ وحذفهم أيضا الفاء من نحو وعد ، وورد ، فى يعد ، ويرد ؛ لما كان يلزم - لو لم تحذف - من وقوع الواو بين ياء وكسرة ، ثم حملوا على ذلك ما لو لم يحذفوه لم يقع بين ياء وكسرة ؛ نحو أعد ، وتعد ، ونعد ؛ لا للاستثقال ، بل لتتساوى أحوال حروف المضارعة فى حذف الفاء معها.
فإذا جاز أن يحمل حروف المضارعة بعضها على بعض - ومراتبها متساوية ، وليس بعضها أصلا لبعض - كان حمل المؤنّث على المذكّر لأن المذكّر أسبق رتبة من المؤنّث ، أولى وأجدر.
ومن ذلك مراعاتهم فى الجمع حال الواحد ؛ لأنه أسبق من الجمع ؛ ألا تراهم لمّا أعلّت الواو فى الواحد ، أعلّوها أيضا فى الجمع ، فى نحو قيمة وقيم ، وديمة وديم ، ولمّا صحّت فى الواحد صحّحوها فى الجمع ، فقالوا : زوج وزوجة ، وثور وثورة.
فأمّا ثيرة ففى إعلال واوه ثلاثة أقوال :
أما صاحب الكتاب فحمله على الشذوذ ، وأما أبو العباس فذكر أنهم أعلّوه ليفصلوا بذلك بين الثور من الحيوان وبين الثور ، وهو القطعة من الأقط ؛ لأنهم لا يقولون فيه إلا ثورة بالتصحيح لا غير. وأمّا أبو بكر فذهب فى إعلال ثيرة إلى أن ذلك لأنها منقوصة من ثيارة ، فتركوا الإعلال فى العين أمارة لما نووه من الألف ؛ كما جعلوا تصحيح نحو اجتوروا ، واعتونوا ، دليلا على أنه فى معنى ما لا بدّ من صحته ، وهو تجاوروا وتعاونوا. وقد قالوا أيضا : ثيرة ؛ قال :
صدر النهار يراعى ثيرة رتعا (1)
فظل يأكل منها وهى راتعة*
*1) عجز البيت من البسيط ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 155 ، وكتاب الجيم 1 / 109 ، وتاج العروس (رتع) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 424 ، والمخصص 8 / 36 ، والمنصف 1 / 349. ويروى تراعى بدلا من : يراعى. وصدر البيت :
وهذا لا نكير له فى وجوبه لسكون عينه
نعم وقد دعاهم إيثارهم لتشبيه الأشياء بعضها ببعض أن حملوا الأصل على الفرع ؛ ألا تراهم يعلّون المصدر لإعلال فعله ، ويصحّحونه لصحّته. وذلك نحو قولك : قمت قياما ، وقاومت قواما. فإذا حملوا الأصل الذى هو المصدر على الفرع الذى هو الفعل ، فهل بقى فى وضوح الدلالة على إيثارهم تشبيه الأشياء المتقاربة بعضها ببعض شبهة!
وعلى ذلك أيضا عوّضوا فى المصدر ما حذفوه فى الفعل ؛ فقالوا : أكرم يكرم ، فلمّا حذفوا الهمزة فى المضارع أثبتوها فى المصدر ، فقالوا : الإكرام ؛ فدلّ هذا على أن هذه المثل كلّها جارية مجرى المثال الواحد ؛ ألا تراهم لمّا حذفوا ياء فرازين (1)، عوّضوا منها الهاء فى نفس المثال فقالوا فرازنة. وكذلك لمّا حذفوا فاء عدة ، عوّضوا منها نفسها التاء وكذلك أينق (2)فى أحد قولى سيبويه فيها : لمّا حذفوا عينها عوّضوا منها الياء فى نفس المثال.
فدلّ هذا وغيره ممّا يطول تعداده على أن المثال والمصدر واسم الفاعل كلّ واحد منها يجرى عندهم ، وفى محصول اعتدادهم مجرى الصورة الواحدة ؛ حتى إنه إذا لزم فى بعضها شيء لعلّة ما أوجبوه فى الآخر ، وإن عرى فى الظاهر من تلك العلّة ، فأمّا فى الحقيقة فكأنها فيه نفسه ؛ ألا ترى أنه إذا صحّ أنّ جميع هذه الأشياء على اختلاف أحوالها تجرى عندهم مجرى المثال الواحد ، فإذا وجب فى شيء منها حكم فإنه لذلك كأنه أمر لا يخصّه من بقيّة الباب ، بل هو جار فى
1) فرزان : من لعب الشّطرنج ، أعجمىّ معرّب ، وجمعه فرازين. اللسان (فرزن).
2) أينق : الياء فى أينق عوض من الواو أونق فيمن جعلها أيفلا ؛ ومن جعلها أعفلا فقدم العين مغيّرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو ، فالبدل أعم تصرفا من العوض ، إذ كل عوض بدل وليس كل بدل عوضا. وذهب سيبويه فى قولهم أينق مذهبين : أحدهما أن تكون عين أينق قلبت إلى قبل الفاء فصارت فى التقدير أونق ثم أبدلت الواو ياء لأنها كما أعلت بالقلب كذلك أعلت أيضا بالإبدال ، والآخر أن تكون العين حذفت ثم عوّضت الياء منها قبل الفاء. اللسان (نوق).
الجميع مجرى واحدا ؛ لما قدّمنا ذكره من الحال آنفا.
واعلم أنّ من قوّة القياس عندهم اعتقاد النحويّين أن ما قيس على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب ؛ نحو قولك فى قوله : كيف تبنى من ضرب مثل جعفر : ضربب هذا من كلام العرب ، ولو بنيت مثله ضيرب ، أو ضورب ، أو ضروب ، أو نحو ذلك ، لم يعتقد من كلام العرب ؛ لأنه قياس على الأقلّ استعمالا والأضعف قياسا. وسنفرد لهذا الفصل بابا ؛ فإن فيه نظرا صالحا.
ورفضه فيما هو أكثر منه
هذا باب ظاهره - إلى أن تعرف صورته - ظاهر التناقض ؛ إلا أنه مع تأمّله صحيح. وذلك أن يقل الشىء وهو قياس ، ويكون غيره أكثر منه ، إلا أنه ليس بقياس.
الأوّل قولهم فى النسب إلى شنوءة : شنئىّ ؛ فلك - من بعد - أن تقول فى الإضافة إلى قتوبة : قتبىّ ، وإلى ركوبة : ركبيّ ، وإلى حلوبة : حلبىّ ؛ قياسا على شنئىّ. وذلك أنهم أجروا فعولة مجرى فعيلة ؛ لمشابهتها إيّاها من عدّة أوجه : أحدها أن كل واحدة من فعولة وفعيلة ثلاثىّ ؛ ثم إن ثالث كل واحدة منهما حرف لين يجرى مجرى صاحبه ؛ ألا ترى إلى اجتماع الواو والياء ردفين وامتناع ذلك فى الألف ، وإلى جواز حركة كل واحدة من الياء والواو مع امتناع ذلك فى الألف ، إلى غير ذلك. ومنها أن فى كل واحدة من فعولة وفعيلة تاء التأنيث. ومنها اصطحاب فعول وفعيل على الموضع الواحد ؛ نحو أثيم وأثوم ، ورحيم ورحوم ، ومشىّ ومشوّ (1)، ونهىّ عن الشىء ونهوّ.
فلمّا استمرّت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار ، جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة ؛ فكما قالوا : حنفىّ قياسا قالوا : شنئىّ أيضا قياسا.
قال أبو الحسن : فإن قلت : إنما جاء هذا فى حرف واحد - يعنى شنوءة - قال : فإنه جميع ما جاء. وما ألطف هذا القول من أبى الحسن! وتفسيره أن الذى جاء فى فعولة هو هذا الحرف ، والقياس قابله ، ولم يأت فيه شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء ، وكان أيضا صحيحا فى القياس مقبولا ، فلا غرو ولا ملام.
وأمّا ما هو أكثر من باب شنئىّ ، ولا يجوز القياس عليه ؛ لأنه لم يكن هو على
1) المشىّ والمشوّ : الدواء المسهل.
قياس ، فقولهم فى ثقيف : ثقفىّ ، وفى قريش : قرشىّ ، وفى سليم : سلمىّ. فهذا وإن كان أكثر من شنئىّ فإنه عند سيبويه ضعيف فى القياس. فلا يجيز على هذا فى سعيد سعدىّ ، ولا فى كريم كرمىّ.
فقد برد فى اليد من هذا الموضع قانون يحمل عليه ، ويردّ غيره إليه. وإنما أذكر من هذا ونحوه رسوما لتقتدى ، وأفرض منه آثارا لتقتفى ، ولو التزمت الاستكثار منه لطال الكتاب به ، وأملّ قارئه.
واعلم أن من قال فى حلوبة : حلبىّ قياسا على قولك فى حنيفة : حنفىّ ، فإنه لا يجيز فى النسب إلى حرورة حررىّ ، ولا فى صرورة (1)صررىّ ، ولا فى قوولة قولىّ. وذلك أن فعولة فى هذا محمولة الحكم على فعيلة ، وأنت لا تقول فى الإضافة إلى فعيلة إذا كانت مضعّفة أو معتلّة العين إلا بالتصحيح ؛ نحو قولهم فى شديد : شديدى ، وفى طويلة : طويلى ؛ استثقالا لقولك : شددىّ ، وطولىّ. فإذا كانت فعولة محمولة على فعيلة ، وفعيلة لا تقول فيها مع التضعيف واعتلال العين إلا بالإتمام ، فما كان محمولا عليها أولى بأن يصحّ ولا يعلّ. ومن قال فى شنوءة : شنئى فأعلّ ، فإنه لا يقول فى نحو جرادة وسعادة إلا بالإتمام : جرادىّ وسعادىّ.
وذلك لبعد الألف عن الياء [و] لما فيها من الخفّة. ولو جاز أن يقول فى نحو جرادة : جردى ، لم يجز ذلك فى نحو حمامة وعجاجة : حممىّ ولا عججىّ ؛ استكراها للتضعيف ، إلا أن يأنس بإظهار تضعيف فعل ، ولا فى نحو سيابة وحوالة : سيبىّ ولا حولىّ ؛ استكراها لحركة المعتلّ فى هذا الموضع. وعلّة ذلك ثابتة فى التصريف ، فغنينا عن ذكرها الآن.
1) الصرورة : الذى لا يأتى النساء.
إذا تعارضا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ، ولم تقسه فى غيره ؛ وذلك نحو قول الله تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) [المجادلة : 19] فهذا ليس بقياس ؛ لكنه لا بدّ من قبوله ؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم ، وتحتذى فى جميع ذلك أمثلتهم. ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره ؛ ألا تراك لا تقول فى استقام : استقوم ، ولا فى استباع : استبيع.
فأمّا قولهم «استنوق الجمل» و «استتيست الشاة» و «استفيل الجمل» فكأنه أسهل من استحوذ ؛ وذلك أن استحوذ قد تقدّمه الثلاثى معتلا ؛ نحو قوله :
يحوذهنّ وله حوذىّ
كما يحوذ الفئة الكمىّ (1)
1) الرجز للعجاج فى ديوانه ص 1 / 524 ، ولسان العرب (حوز) ، ومقاييس اللغة 2 / 115 ، 118 ، ومجمل اللغة 2 / 117 ، وتهذيب اللغة 5 / 117 ، 207 ، وجمهرة اللغة ص 530 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حوذ) ، وتاج العروس (حوذ) ، (حوز) ، وكتاب العين 4 / 275 ، والمخصص 7 / 103 ، وجمهرة اللغة ص 1048. الحوذ والحوز : السوق السريع ، والحوذى والحوزىّ : السائق الخفيف والبيت يصف ثورا وكلابا ، وكان أبو عبيدة يروى رجز العجاج حوذىّ ، بالذال ، والمعنى واحد ، يعنى به الثور أنه يطرد الكلاب وله طارد من نفسه يطرده من نشاطه وحدّه.
ومع هذا أيضا فإن استنوق ، واستتيس شاذّ ؛ ألا تراك لو تكلّفت أن تأتى باستفعل من الطود ، لما قلت : استطود ، ولا من الحوت استحوت ، ولا من الخوط استخوط ؛ ولكان القياس أن تقول : استطاد ، واستحات ، واستخاط.
والعلّة فى وجوب إعلاله وإعلال استنوق ، واستفيل ، واستتيست أنا قد أحطنا علما بأن الفعل إنّما يشتقّ من الحدث لا من الجوهر ؛ ألا ترى إلى قوله (وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء) فإذا كان كذلك وجب أن يكون استنوق مشتقّا من المصدر. وكان قياس مصدره أن يكون معتلا ، فيقال : استناقة ، كاستعانة ، واستشارة. وذلك أنه وإن لم يكن تحته ثلاثىّ معتلّ كقام وباع فيلزم إجراؤه فى الإعلال عليه ، فإن باب الفعل إذا كانت عينه أحد الحرفين أن يجيء معتلا ، إلا ما يستثنى من ذلك ؛ نحو طاول ، وبايع ، وحول ، وعور ، واجتوروا ، واعتونوا ؛ لتلك العلل المذكورة هناك. وليس باب أفعل ولا استفعل منه. فلمّا كان الباب فى الفعل ما ذكرناه من وجوب إعلاله ، وجب أيضا أن يجيء استنوق ونحوه بالإعلال ؛ لاطّراد ذلك فى الفعل ؛ كما أن الاسم إذا كان على فاعل كالكاهل والغارب ، إلا أن عينه حرف علّة لم يأت عنهم إلا مهموزا ، وإن لم يجر على فعل ؛ ألا تراهم همزوا الحائش (1)، وهو اسم لا صفة ، ولا هو جار على فعل ، فأعلّوا عينه ، وهى فى الأصل واو من الحوش.
فإن قلت : فلعلّه جار على حاش ، جريان قائم على قام ؛ قيل : لم نرهم أجروه صفة ، ولا أعملوه عمل الفعل ؛ وإنما الحائش : البستان بمنزلة الصّور (2)، وبمنزلة الحديقة فإن قلت : فإن فيه معنى الفعل ؛ لأنه يحوش ما فيه من النخل وغيره ، وهذا يؤكّد كونه فى الأصل صفة ، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء ؛ كصاحب ووالد ؛ قيل : ما فيه من معنى الفعلية لا يوجب كونه صفة ؛ ألا ترى إلى
قولهم : الكاهل والغارب (1)، وهما وإن كان فيهما معنى الاكتهال والغروب فإنهما اسمان.
ولا يستنكر أن يكون فى الأسماء غير الجارية على الأفعال معانى الأفعال. من ذلك قولهم : مفتاح ، ومنسج ، ومسعط ، ومنديل ، ودار ، ونحو ذلك ؛ تجد فى كل واحد منها معنى الفعل ، وإن لم تكن جارية عليه. فمفتاح من الفتح ، ومنسج من النسج ، ومسعط من الإسعاط ، ومنديل من الندل ، وهو التناول ؛ قال الشاعر :
على حين ألهى الناس جلّ أمورهم
فندلا زريق المال ندل الثعالب (2)
يمرون بالدّهنا خفافا عيابهم
ويخرجن من دارين بجر الحقائب
وكذلك دار : من دار يدور لكثرة حركة الناس فيها ؛ وكذلك كثير من هذه المشتقّات تجد فيها معانى الأفعال وإن لم تكن جارية عليها. فكذلك الحائش جاء مهموزا وإن لم يكن اسم فاعل ، لا لشيء غير مجيئه على ما يلزم اعتلال عينه ؛ نحو قائم ، وبائع ، وصائم. فاعرف ذلك. وهو رأى أبى علىّ رحمهالله ، وعنه أخذته لفظا ومراجعة وبحثا.
ومثله سواء الحائط : هو اسم بمنزلة الركن والسقف ، وإن كان فيه معنى الحوط. ومثله أيضا العائر للرمد ، هو اسم مصدر بمنزلة الفالج ، والباطل ، والباغز ، وليس اسم فاعل ولا جاريا على معتلّ ؛ وهو كما تراه معتلّ.
1) الكاهل : مقدّم أعلى الظهر مما يلى العنق ، والغارب من البعير ما بين السنام والعنق.
2) البيت من الطويل ، وهو لأعشى همدان فى الحماسة البصرية 2 / 262 ، 263 ، ولشاعر من همدان فى شرح أبيات سيبويه 1 / 371 ، 372 ، ولأعشى همدان أو للأحوص أو لجرير فى المقاصد النحوية 3 / 46 ، وهما فى ملحق ديوان الأحوص ص 215 ، وملحق ديوان جرير ص 1021 ، وبلا نسبة فى الإنصاف ص 293 ، وأوضح المسالك 2 / 218 ، وجمهرة اللغة ص 682 ، وسر صناعة الإعراب ص 507 ، وشرح الأشمونى 1 / 204 ، وشرح التصريح 1 / 331 ، وشرح ابن عقيل ص 289 ، والكتاب 1 / 115 ، ولسان العرب (خشف) ، (ندل). الندل : النقل والاختلاس ، يقول : اندلى يا زريق ، وهى قبيلة. ندل الثعالب ، يريد السرعة ؛ والعرب تقول : أكسب من ثعلب ؛ قال ابن برى : وقيل فى هذا الشاعر إنه يصف قوما لصوصا يأتون فيسرقون ويملئون حقائبهم ثم يعودون ، وقيل : يصف تجارا ، وقوله : على حين ألهى الناس جل أمورهم : يريد حين اشتغل الناس بالفتن والحروب. اللسان (ندل) وقبله :
فإن قلت : فما تقول فى استعان وقد أعلّ ، وليس تحته ثلاثىّ معتلّ ، ألا تراك لا تقول : عان يعون كقام يقوم؟ قيل : هو وإن لم ينطق بثلاثيّه فإنه فى حكم المنطوق به ، وعليه جاء أعان يعين.
وقد شاع الإعلال فى هذا الأصل ؛ ألا تراهم قالوا : المعونة - فأعلّوها كالمثوبة ، والمعوضة (1)- والإعانة ، والاستعانة. فأمّا المعاونة فكالمعاودة : صحّت لوقوع الألف قبلها.
فلمّا اطّرد الإعلال فى جميع ذلك دلّ أن ثلاثيّه وإن لم يكن مستعملا فإنه فى حكم ذلك. وليس هذا بأبعد من اعتقاد موضع (أن) لنصب الأفعال فى تلك الأجوبة ، وهى الأمر والنهى وبقيّة ذلك ، وإن لم تستعمل قطّ. فإذا جاز اعتقاد ذلك ، وطرد المسائل عليه لدلالة الحال على ثبوته فى النفس ، كان إعلال نحو أعان ، واستعان ، ومعين ، ومستعين ، والإعانة والاستعانة - لاعتقاد كون الثلاثيّ من ذلك فى حكم الملفوظ به - أحرى وأولى.
وأيضا فقد نطقوا من ثلاثيّه بالعون ، وهو مصدر ، وإذا ثبت أمر المصدر الذى هو الأصل لم يتخالج شكّ فى الفعل الذى هو الفرع ؛ قال لى أبو علىّ بالشام : إذا صحّت الصفة فالفعل فى الكفّ. وإذا كان هذا حكم الصفة كان فى المصدر أجدر ؛ لأن المصدر أشدّ ملابسة للفعل من الصفة ؛ ألا ترى أن فى الصفة [ما ليس بمشتق] نحو قولك : مررت بإبل مائة ، ومررت برجل أبى عشرة أبوه ، ومررت بقاع عرفج (2)كلّه ، ومررت بصحيفة طين خاتمها ، ومررت بحيّة ذراع طولها ، وليس هذا مما يشاب به المصدر ، إنما هو ذلك الحدث الصافى ؛ كالضرب ، والقتل ، والأكل ، والشرب.
فإن قلت : ألا تعلم أن فى الناقة معنى الفعل. وذلك أنها فعلة من التنوّق فى الشىء وتحسينه ، قال ذو الرمّة :
... تنوّقت
به حضرميّات الأكفّ الحوائك (3)
والسحق : البالى ، اللّفق : أحد شقى الملاءة. الحضرميات : نسبة إلى حضرموت.
والتقاؤهما أن الناقة عندهم مما يتحسّن به ويزدان بملكه ؛ وبالإبل يتباهون ، وعليها يحملون ويتحمّلون ؛ ولذلك قالوا لمذكّرها : الجمل ؛ لأنه فعل من الجمال ، كما أن الناقة فعلة من التنوّق. وعلى هذا قالوا : قد كثر عليه المشاء ، والفشاء ، والوشاء ، إذا تناسل عليه المال. فالوشاء فعال من الوشى ، كأنّ المال عندهم زينة وجمال لهم ، كما يلبس من الوشى للتحسّن به. وعلى ذلك قالوا : ما بالدار دبّيج ، فهو فعّيل من لفظ الديباج ومعناه. وذلك أن الناس هم الذين يشون الأرض ، وبهم تحسن ، وعلى أيديهم وبعمارتهم تجمل. وعليه قالوا : إنسان ؛ لأنه فعلان من الأنس.
فقد ترى إلى توافى هذه الأشياء ، على انتشارها ، وتباين شعاعها ، وكونها عائدة إلى موضع واحد ؛ لأن التنوّق ، والجمال ، والأنس ، والوشى ، والديباج ، مما يؤثر ويستحسن - وكنت عرضت هذا الموضع على أبى علىّ رحمهالله فرضيه وأحسن تقبّله - فكذلك يكون استنوق من باب استحوذ من حاذ يحوذ ؛ من حيث كان فى الناقة معنى الفعل من التنوّق ، دون أن يكون بعيدا عنه ؛ كما رمت أنت فى أوّل الفصل. انقضى السؤال.
فالجواب أن استنوق أبعد عن الفعل من استحوذ على ما قدّمنا. فأمّا ما فى الناقة من معنى الفعليّة والتنوّق ، فليس بأكثر مما فى الحجر من معنى الاستحجار والصلابة ، فكما أن استحجر الطين واستنسر البغاث من لفظ الحجر والنّسر ، فكذلك استنوق من لفظ الناقة ، والجميع ناء عن الفعل ؛ وما فيه من معنى الفعليّة إنما هو كما فى مفتاح ومدقّ ومنديل ونحو ذلك منه.
ومما ورد شاذّا عن القياس ومطّردا فى الاستعمال قولهم : الحوكة ، والخونة. فهذا من الشذوذ عن القياس على ما ترى ، وهو فى الاستعمال منقاد غير متأبّ ؛ ولا تقول على هذا فى جمع قائم : قومة ، ولا فى صائم : صومة ، ولو جاء على فعلة ما كان إلا معلّا. وقد قالوا على القياس : خانة.
ولا تكاد تجد شيئا من تصحيح نحو مثل هذا فى الياء : لم يأت عنهم فى نحو بائع ، وسائر بيعة ولا سيرة. وإنما شذّ ما شذّ من هذا مما عينه واو لا ياء ؛ نحو الحوكة ، والخونة ، والخول ، والدول (1). وعلّته عندى قرب الألف من الياء وبعدها عن الواو ، فإذا صحّحت نحو الحوكة كان أسهل من تصحيح نحو البيعة. وذلك أن الألف لمّا قربت من الياء أسرع انقلاب الياء إليها ، فكان ذلك أسوغ من انقلاب الواو إليها ؛ لبعد الواو عنها ؛ ألا ترى إلى كثرة قلب الياء ألفا استحسانا لا وجوبا ؛ نحو قولهم فى طئ : طائىّ ، وفى الحيرة : حارىّ ، وقولهم فى حيحيت ، وعيعيت ، وهيهيت : حاحيت ، وعاعيت ، وهاهيت. وقلّما ترى فى الواو مثل هذا.
فإذا كان بين الألف والياء هذه الوصل والقرب ، كان تصحيح نحو بيعة ، وسيرة ، أشقّ عليهم من تصحيح نحو الحوكة والخونة ؛ لبعد الواو من الألف ، وبقدر بعدها عنها ما يقل انقلابها إليها.
ولأجل هذا الذى ذكرناه عندى ما كثر عنهم نحو اجتوروا ، واعتونوا ، واهتوشوا. ولم يأت عنهم من هذا التصحيح شيء فى الياء ؛ ألا تراهم لا يقولون : ابتيعوا ولا استيروا ولا نحو ذلك ، وإن كان فى معنى تبايعوا وتسايروا.
وعلى أنه قد جاء حرف واحد من الياء فى هذا فلم يأت إلا معلا ؛ وهو قولهم : استافوا ، فى معنى تسايفوا ، ولم يقولوا استيفوا ؛ لما ذكرناه من جفاء ترك قلب الياء ألفا فى هذا الموضع الذى قد قويت فيه داعية القلب. وقد ذكرنا هذا فى (كتابنا فى شعر هذيل) بمقتضى الحال فيه.
وإن شذّ الشىء فى الاستعمال وقوى فى القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى ، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله.
من ذلك اللغة التميميّة فى (ما) هى أقوى قياسا وإن كانت الحجازيّة أسير استعمالا. وإنما كانت التميميّة أقوى قياسا من حيث كانت عندهم ك- «هل» فى دخلوها على الكلام مباشرة كلّ واحد من صدرى الجملتين : الفعل والمبتدأ ؛ كما أن (هل) كذلك. إلا أنك إذا استعملت أنت شيئا من ذلك فالوجه أن تحمله على
1) الدّول : النّبل المتدول. اللسان (دول).
ما كثر استعماله ، وهو اللغة الحجازية ؛ ألا ترى أن القرآن بها نزل. وأيضا فمتى رابك فى الحجازيّة ريب من تقديم خبر ، أو نقض النفى فزعت إذ ذاك إلى التميميّة ؛ فكأنك من الحجازيّة على حرد (1)، وإن كثرت فى النظم والنثر.
ويدلّك على أن الفصيح من العرب قد يتكلّم باللغة غيرها أقوى فى القياس عنده منها ما حدّثنا به أبو علىّ رحمهالله قال : عن أبى بكر عن أبى العباس أن عمارة كان يقرأ (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [يس : 40] بالنصب ؛ قال أبو العباس : فقلت له : ما أردت؟ فقال : أردت (سابق النهار) قال فقلت له فهلا قلته؟ فقال : لو قلته لكان أوزن. فقوله : أوزن أى أقوى وأمكن فى النفس. أفلا تراه كيف جنح إلى لغة وغيرها أقوى فى نفسه منها. ولهذا موضع نذكره فيه.
واعلم أنك إذا أدّاك القياس إلى شيء ما ، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشىء آخر على قياس غيره ، فدع ما كنت عليه ، إلى ما هم عليه. فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخيّر : تستعمل أيّهما شئت. فإن صحّ عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة ، وأعددت ما كان قياسك أدّاك إليه لشاعر مولّد ، أو لساجع ، أو لضرورة ؛ لأنه على قياس كلامهم. بذلك وصّى أبو الحسن.
وإذا فشا الشىء فى الاستعمال وقوى فى القياس فذلك ما لا غاية وراءه ؛ نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب ، والجرّ بحروف الجرّ ، والجزم بحروف الجزم ، وغير ذلك مما هو فاش فى الاستعمال ، قوىّ فى القياس.
وأمّا ضعف الشىء فى القياس ، وقلّته فى الاستعمال فمرذول مطّرح ؛ غير أنه قد يجيء منه الشىء إلا أنه قليل. وذلك نحو ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :
اضرب عنك الهموم طارقها
ضربك بالسيف قونس الفرس (2)
1) الحرد : المنع ، والغيظ والغضب.
2) البيت من المنسرح ، وهو لطرفه بن العبد فى ملحق ديوانه ص 155 ، وخزانة الأدب 11 / 450 ، والدرر 5 / 174 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 933 ، وشرح المفصّل 6 / 107 ، ولسان العرب (قنس) ، (نون) ، والمقاصد النحوية 4 / 337 ، ونوادر أبى زيد ص 13 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 565 ، وجمهرة اللغة ص 852 ، 1176 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 82 ، وشرح الأشمونى 2 / 505 ، وشرح المفصل 9 / 44 ، ولسان العرب (هول) ، والمحتسب 2 / 367 ، ومغنى اللبيب ص 2 / 643 ، والممتع فى التصريف 1 / 323. ويروى : بالسوط بدلا من : بالسيف. قونس الفرس : ما بين أذنيه ، وقيل مقدّم رأسه.
قالوا أراد : (اضربن عنك) فحذف نون التوكيد ، وهذا من الشذوذ فى الاستعمال على ما تراه ، ومن الضعف فى القياس على ما أذكره لك. وذلك أن الغرض فى التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد ، وهذا مما يليق به الإطناب والإسهاب ، وينتفى عنه الإيجاز والاختصار. ففى حذف هذه النون نقض الغرض. فجرى وجوب استقباح هذا فى القياس مجرى امتناعهم من ادّغام الملحق ؛ نحو مهدد ، وقردد ، وجلبب ، وشملل ، وسبهلل (1)، وقفعدد (2)، فى تسليمه وترك التعرّض لما اجتمع فيه من توالى المثلين متحرّكين ؛ ليبلغ المثال الغرض المطلوب فى حركاته وسكونه ، ولو ادّغمت لنقضت الغرض الذى اعتزمت.
ومثل امتناعهم من نقض الغرض امتناع أبى الحسن من توكيد الضمير المحذوف المنصوب فى نحو الذى ضربت زيد ؛ ألا ترى أنه منع أن تقول : الذى ضربت نفسه زيد ، على أن «نفسه» توكيد للهاء المحذوفة من الصلة.
ومما ضعف فى القياس والاستعمال جميعا بيت الكتاب :
له زجل كأنّه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير (3)
فقوله : «كأنه» - بحذف الواو وتبقية الضمّة - ضعيف فى القياس ، قليل فى الاستعمال. ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حدّ الوصل ولا على حدّ الوقف.
وذلك أن الوصل يجب أن تتمكّن فيه واوه ، كما تمكّنت فى قوله فى أوّل البيت
1) السبهلل : الفارغ ، يقال : جاء سبهللا أى لا شيء معه.
2) القفعدد : القصير.
3) البيت من الوافر ، وهو للشماخ فى ديوانه ص 155 ، والدرر 1 / 181 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 437 ، والكتاب 1 / 30 ، ولسان العرب (ها) ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 561 ، والأشباه والنظائر 2 / 379 ، وخزانة الأدب 2 / 388 ، 5 / 270 ، 271 ، ولسان العرب (زجل) ، والمقتضب 1 / 267 ، وهمع الهوامع 1 / 59. والبيت يصف حمارا وحشيا. الوسيقة : الأتان يقول : إذا طلب وسيقته ، وهى أنثاه ، صوت بها فى تطريب وترجيع ، كالحادى يتغنى بالإبل : أو كأن صوته صوت مزمار.
(لهو زجل) والوقف يجب أن تحذف الواو والضمّة فيه جميعا ، وتسكّن الهاء فيقال : (كأنّه) فضمّ الهاء بغير واو منزلة بين منزلتى الوصل والوقف. وهذا موضع ضيق ، ومقام زلخ (1)، لا يتّقيك بإيناس ، ولا ترسو فيه قدم قياس. وقال أبو إسحاق فى نحو هذا : إنه أجرى الوصل مجرى الوقف ؛ وليس الأمر كذلك ؛ لما أريتك من أنه لا على حدّ الوصل ولا على حدّ الوقف. لكن ما أجرى من نحو هذا فى الوصل على حدّ الوقف قول الآخر :
فظلت لدى البيت العتيق أخيله
ومطواى مشتاقان له أرقان (2)
على أن أبا الحسن حكى أن سكون الهاء فى هذا النحو لغة لأزد السراة. ومثل هذا البيت ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر :
وأشرب الماء ما بى نحوه عطش
إلا لأن عيونه سيل واديها (3)
وروينا أيضا عن غيره :
إنّ لنا لكنّه
مبقّة مفنّه
متيحة معنّه
سمعنّة نظرنه
كالذئب وسط القنّه
إلا تره تظنّه (4)
إن لكم لكنه
منتيجة معنه
معنة مقنه
سمعنة نظرنّه
كالرّيح حول القنّه
إلا تره تظنّه
الكنة امرأة الابن أو الأخ ، قال سيبويه : بقت ولدا وبقت كلاما كقولك نثرت ولدا ونثرت كلاما. وامرأة مبقّة : مفعلة من ذلك ، المفنة : التى تأتى بفنون من العجائب. وانظر اللسان (بقق ، سمع). والمعنّة : المعترضة ، ويروى : سمعنّة نظرنّة ، بالضم ، وهى التى إذا تسمعت أو تبصرت فلم تر شيئا تظنّته تظنّيا ، أى عملت بالظن «وسمعنّة نظرنّه» ، أى جيدة السمع والنظر. وانظر اللسان (سمع). والعنة : الحظيرة من الخشب ، والقنة : الأكمة أو الجبل المستطيل.
1) زلخ - بسكون اللام وكسرها - مزلة تزل فيها الأقدام.
2) البيت من الطويل ، وهو ليعلى بن الأحول الأزدىّ فى خزانة الأدب 5 / 269 ، 275 ، ولسان العرب (مطا) ، (ها) ، ورصف المبانى ص 16 ، وسرّ صناعة الإعراب 2 / 727 ، والمحتسب 1 / 244 ، والمقتضب 1 / 39 ، 267 ، والمنصف 3 / 84. ويروى : أريغه بدلا من : أخيله.
3) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى خزانة الأدب 5 / 270 ، 6 / 450 ، والدرر 1 / 182 ، ورصف المبانى ص 16 ، وسرّ صناعة الإعراب 2 / 727 ، ولسان العرب (ها) والمحتسب 1 / 244 ، والمقرب 2 / 205 ، وهمع الهوامع 1 / 59.
4) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (سمع) ، (بقق) ، (عنن) ، (فنن) ، وتاج العروس (سمع) ، (بقق) ، (عنن) ، (فنن) ، وجمهرة اللغة 157 ، 164 ، ومقاييس اللغة 5 / 123 ، والمخصص 3 / 71 ، 4 / 16 ، وكتاب الجيم 2 / 257 ، وتهذيب اللغة 1 / 113 ، 2 / 127 ، 15 / 466. وهذه الأبيات تروى هكذا :
فقوله (تره) مما أجرى فى الوصل مجراه فى الوقف ، أراد : إلا تر ، ثم بين الحركة فى الوقف بالهاء ، فقال : تره» ثم وصل ما كان وقف عليه.
فأما قوله :
أتوا نارى ، فقلت منون أنتم؟
فقالوا : الجنّ ؛ قلت : عموا ظلاما (1)
ويروى :
... منون قالوا
سراة الجنّ قلت عموا ظلاما (2)
فمن رواه هكذا فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
فإن قلت : فإنه فى الوقف إنما يكون «منون» ساكن النون ، وأنت فى البيت قد حرّكته ، فهذا إذا ليس على نيّة الوقف ، ولا على نيّة الوصل ، فالجواب أنه لمّا أجراه فى الوصل على حدّه فى الوقف ، فأثبت الواو والنون التقيا ساكنين ، فاضطرّ حينئذ إلى أن حرّك النون لإقامة الوزن. فهذه الحركة إذا إنما هى حركة
1) البيت من الوافر ، وهو لشمر بن الحارث فى الحيوان 4 / 482 ، 6 / 197 ، وخزانة الأدب 6 / 167 ، 168 ، 170 ، والدرر 6 / 246 ، ولسان العرب (حد) ، (منن) ، ونوادر أبى زيد 123 ، ولسمير الضبّى فى شرح أبيات سيبويه 2 / 183 ، ولشمر أو لتأبط شرا فى شرح التصريح 2 / 283 ، وشرح المفصل 4 / 16 ، ولأحدهما أو لجذع بن سنان فى المقاصد النحوية 4 / 498 وبلا نسبة أمالى ابن الحاجب 1 / 462 ، وأوضح المسالك 4 / 282 ، وجواهر الأدب ص 107 ، والحيوان 1 / 328 ، والدرر 6 / 310 ، ورصف المبانى ص 437 ، وشرح الأشمونى 2 / 642 ، وشرح ابن عقيل ص 618 ، وشرح شواهد الشافية ص 295 ، والكتاب 2 / 411 ، ولسان العرب (أنس) ، (سرا) والمقتضب 2 / 307 ، والمقرب 1 / 300 ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، 211.
2) سبق تخريجه.
مستحدثة لم تكن فى الوقف ، وإنما اضطرّ إليها الوصل.
وأما من رواه «منون أنتم» فأمره مشكل. وذلك أنه شبّه من بأىّ ، فقال :
(منون أنتم) على قوله : أيّون أنتم ، وكما حمل هاهنا أحدهما على الآخر كذلك جمع بينهما فى أن جرّد من الاستفهام كلّ منهما ؛ ألا ترى إلى حكاية يونس عنهم : ضرب من منّا ؛ كقولك : ضرب رجل رجلا ، فنظير هذا فى التجريد له من معنى الاستفهام ما أنشدناه من قول الآخر :
وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت
إلىّ وأصحابى بأىّ وأينما (1)
فجعل «أى : اسما للجهة فلما اجتمع فيها التعريف والتأنيث منعها الصرف.
وأما قوله : «وأينما» ففيه نظر. وذلك أنه جرّده أيضا من الاستفهام كما جرّد أىّ ، فإذا هو فعل ذلك احتمل هنا من بعد أمرين : أحدهما أن يكون جعل (أين) علما أيضا للبقعة ، فمنعها الصرف للتعريف والتأنيث كأىّ ، فتكون الفتحة فى آخر «أين» على هذا فتحة الجرّ وإعرابا ، مثلها فى مررت بأحمد. فتكون (ما) على هذا زائدة ، و (أين) وحدها هى الاسم كما كانت (أىّ) وحدها هى الاسم. والآخر أن يكون ركّب (أين) مع (ما) فلمّا فعل ذلك فتح الأوّل منهما كفتحة الياء من حيّهل ، لمّا ضمّ حىّ إلى هل ، فالفتحة فى النون على هذا حادثة للتركيب ، وليست بالتى كانت فى أين وهى استفهام ؛ لأن حركة التركيب خلفتها ونابت عنها. وإذا كانت فتحة التركيب تؤثّر فى حركة الإعراب فتزيلها إليها ؛ نحو قولك : هذه خمسة ، معرب ، ثم تقول فى التركيب : هذه خمسة عشر ، فتخلف فتحة التركيب ضمّة الإعراب ، على قوة حركة الإعراب ، كان إبدال حركة البناء من حركة البناء أحرى بالجواز ، وأقرب فى القياس. وإن شئت قلت : إن فتحة النون فى قوله : (بأىّ وأينما) ، هى الفتحة التى كانت فى أين ، وهى استفهام من قبل تجريدها ، أقرّها بحالها بعد التركيب على ما كانت عليه ، ولم يحدث خالفا لها من فتحة
1) البيت من الطويل ، وهو لحميد بن ثور فى ديوانه ص 7 (الحاشية) ، ولسان العرب (أين) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 239 ، ولسان العرب (منن) ، (أيا).أدلجوا : ساروا من آخر الليل. وانظر اللسان (دلج).
التركيب ، واستدللت على ذلك بقولهم : قمت إذ قمت ، فالذال كما ترى ساكنة ؛ ثم لمّا ضم إليها «ما» وركّبها معها أقرّها على سكونها ، فقال :
إذ ما أتيت على الرسول فقل له (1)
حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس*
وقبله :
يا أيها الرجل الذى تهوى به
وجناء مجمرة المناسم عرمس
وبعده :
يا خير من ركب المطىّ ومن مشى
فوق التراب إذا تعدّ الأنفس
إنا وفينا بالذى عاهدتنا
والخيل تقدع بالكماة وتضرس
وهذا الشعر من قصيدة للعباس بن مرداس السلمىّ قالها فى غزوة حنين. وانظر سيرة ابن هشام على هامش الروض 2 / 298 ، والكامل 3 / 158 ، والكتاب 1 / 432. (نجار).
*فكما لا يشكّ فى أنّ هذا السكون فى «إذ ما» هو السكون فى ذال إذ ، فكذلك ينبغى أن تكون فتحة النون من (أينما) هى فتحة النون من (أين) وهى استفهام.
والعلّة فى جواز بقاء الحال بعد التركيب على ما كانت عليه قبله عندى هى أنّ ما يحدثه التركيب من الحركة ليس بأقوى مما يحدثه العامل فيها ، ونحن نرى العامل غير مؤثّر فى المبنىّ ؛ نحو «من أين أقبلت» و «إلى أين تذهب» فإذا كان حرف الجرّ على قوّته لا يؤثّر فى حركة البناء فحدث التركيب - على تقصيره عن حدث الجارّ - أحرى بألا يؤثّر فى حركة البناء. فاعرف ذلك فرقا ، وقس عليه تصب إن شاء الله.
وفى ألف «ما» من (أينما) - على هذا القول - تقدير حركة إعراب : فتحة فى موضع الجرّ ؛ لأنه لا ينصرف.
وإن شئت كان تقديره «منون» كالقول الأوّل ، ثم قال : «أنتم» ، أى أنتم المقصودون بهذا الاستثبات ؛ كقوله :
أنت فانظر لأىّ حال تصير (2)
أرواح مودّع أم بكور*
*1) عجزه :
2) عجز البيت من الخفيف ، وهو لعدىّ بن زيد فى ديوانه ص 84 ، والأغانى 2 / 126 ، والجنى الدانى ص 71 ، والدرر 2 / 38 ، والرد على النحاة ص 106 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 414 ، 415 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 469 ، والشعر والشعراء 1 / 231 ، والكتاب 1 / 140 ، ولسان العرب (منن) ، وبلا نسبة فى تذكرة النحاة ص 362 ، وخزانة الأدب 1 / 315 ، والدرر 5 / 324 ومغنى اللبيب 1 / 166 ، وهمع الهوامع 1 / 110 ، 2 / 111. ويروى : ذاك بدلا من : حال. وصدر البيت :
إذا أراد : أنت الهالك.
وما يرد فى هذه اللغة مما يضعف فى القياس ، ويقلّ فى الاستعمال كثير جدّا ؛ وإن تقصّيت بعضه طال ، ولكن أضع لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما تستدلّ به ، وتستغنى ببعضه من كلّه ، بإذن الله وطوله.
(1) وجماعه أن علّته ضعيفة غير مستحكمة ؛ إلا أنّ فيه ضربا من الاتّساع والتصرّف.
من ذلك تركك الأخفّ إلى الأثقل من غير ضرورة ؛ نحو قولهم : الفتوى ، والبقوى ، والتقوى ، والشروى ، ونحو ذلك ؛ ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا واوا من غير استحكام علّة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة. وهذه ليست علّة معتدّة ؛ ألا تعلم كيف يشارك الاسم الصفة فى أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها. من ذلك قولهم فى تكسير حسن : حسان ، فهذا كجبل وجبال ؛ وقالوا : فرس ورد ، وخيل ورد ؛ فهذا كسقف ، وسقف. وقالوا : رجل غفور ، وقوم غفر ، وفخور وفخر ؛ فهذا كعمود وعمد. وقالوا : جمل بازل ، وإبل بوازل ، وشغل شاغل ، وأشغال شواغل ؛ فهذا كغارب وغوارب ، وكاهل وكواهل. ولسنا ندفع أن يكونوا قد فصلوا بين الاسم والصفة فى أشياء غير هذه ؛ إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علّة ، وليس بجار مجرى رفع الفاعل ، ونصب المفعول ؛ ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبا لجاء فى جميع الباب ؛ كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد فى جميع الباب.
فإن قلت : فقد قال الجعدىّ :
حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا
كأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا (2)
1) الاستحسان من مصطلح أصول الفقه. والاستحسان : هو ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس. التعريفات ص 19.
2) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الجعدى فى ديوانه ص 106 ، وأدب الكاتب ص 28 ، وأمالى القالى 2 / 228 ، وجمهرة اللغة ص 666 ، وسمط اللآلى ص 850 ، ولسان العرب (أول) ، وتاج العروس (أول) ، والمعانى الكبير ص 883 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 158 ، والمحتسب 2 / 27. ويروى : كفّ بدلا من : قفّ. والرعن : أول كل شيء ، والقف : حجارة بعضها فوق بعض ، وهو جبل غير أنه ليس بطويل فى السماء. والآل : السراب.
فرفع المفعول ونصب الفاعل ، قيل لو لم يحتمل هذا البيت إلا ما ذكرته لقد كان على سمت من القياس ، ومطرب (1)متورّد بين الناس ؛ ألا ترى أنه على كل حال قد فرق فيه بين الفاعل والمفعول ، وإن اختلفت جهتا الفرق. كيف ووجهه فى أن يكون الفاعل فيه مرفوعا ، والمفعول منصوبا قائم صحيح مقول به. وذلك أن رعن هذا القفّ لمّا رفعه الآل فرئى فيه ، ظهر به الآل إلى مرآة العين ظهورا لو لا هذا الرعن لم يبن للعين فيه بيانه إذا كان فيه ؛ ألا تعلم أن الآل إذا برق للبصر رافعا شخصا كان أبدى للناظر إليه منه لو لم يلاق شخصا يزهاه فيزداد بالصورة التى حملها سفورا ، وفى مسرح الطرف تجلّيا وظهورا.
فإن قلت : فقد قال الأعشى :
إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا (2)
إذ نظرت نظرة ليست بكاذبة*
*فجعل الآل هو الفاعل ، والشخص هو المفعول ، قيل ليس فى هذا أكثر من أنّ هذا جائز ، وليس فيه دليل على أن غيره غير جائز ؛ ألا ترى أنك إذا قلت ما جاءنى غير زيد ، فإنما فى هذا دليل على أن الذى هو غيره لم يأتك ، فأمّا زيد نفسه فلم تعرض للإخبار بإثبات مجىء له أو نفيه عنه ، فقد يجوز أن يكون قد جاء وأن يكون أيضا لم يجئ.
إن قلت : فهل تجد لبيت الجعدىّ على تفسيرك الذى حكيته ورأيته نظيرا؟ قيل : لا ينكر وجود ذلك مع الاستقراء ؛ واعمل فيما بعد على أن لا نظير له ؛ ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئا وسمع ذلك الشىء عينه ، فقد ثبت قدمه ، وأخذ من الصحّة والقوّة مأخذه ، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير ؛ لأنّ إيجاد النظير وإن كان مأنوسا به فليس فى واجب النظر إيجاده ؛ ألا ترى أن قولهم : فى شنوءة شنئىّ ، لمّا قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره ؛ نعم ولم يرض له أبو الحسن بهذا
القدر من القوّة حتى جعله أصلا يردّ إليه ، ويحمل غيره عليه. وسنورد فيما بعد بابا لما يسوّغه القياس وإن لم يرد به السماع ، بإذن الله وحوله.
ومن ذلك - أعنى الاستحسان - أيضا قول الشاعر :
أريت إن جئت به أملودا
مرجّلا ويلبس البرودا (1)
أقائلنّ أحضروا الشهودا (2)
فألحق نون التوكيد اسم الفاعل ؛ تشبيها له بالفعل المضارع. فهذا إذا استحسان ، لا عن قوة علّة ، ولا عن استمرار عادة ؛ ألا تراك لا تقول : أقائمنّ يا زيدون ، ولا أمنطلقنّ يا رجال ؛ إنما تقوله بحيث سمعته ، وتعتذر له ، وتنسبه إلى أنّه استحسان منهم ، على ضعف منه واحتمال بالشبهة له.
ومن الاستحسان قولهم : صبية ، وقنية ، وعذى ، وبلى سفر ، وناقة عليان ، ودبّة (3)مهيار. فهذا كلّه استحسان لا عن استحكام علّة. وذلك أنهم لم يعتدّوا الساكن حائلا بين الكسرة والواو ؛ لضعفه ، وكلّه من الواو. وذلك أن (قنية) من قنوت ، ولم يثبت أصحابنا قنيت ، وإن كان البغداديّون قد حكوها ؛ (وصبية) من صبوت ؛ و (علية) من علوت ، و (عذى) من قولهم أرضون عذوات ؛ و (بلى) سفر من قولهم فى معناه : بلو أيضا ؛ ومنه البلوى ، وإن لم يكن فيها دليل ، إلّا أن الواو مطّردة فى هذا الأصل ؛ قال :
1) الملد : الشباب ونعمته ، ورجل أملود. وامرأة أملود وأملودة : ناعمة. اللسان (ملد).
2) الرجز لرؤبة فى ملحق ديوانه ص 173 ، وشرح التصريح 1 / 42 ، والمقاصد النحوية 1 / 118 ، 3 / 648 ، 4 / 334 ، ولرجل من هذيل فى حاشية يس 1 / 42 ، وخزانة الأدب 6 / 5 ، والدرر 5 / 176 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 758 ، ولرؤبة أو لرجل من هذيل فى خزانة الأدب 11 / 420 ، 422 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (رأى) ، والأشباه والنظائر 3 / 242 ، وأوضح المسالك 1 / 24 ، والجنى الدانى ص 141 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 447 ، وشرح الأشمونى 1 / 16 ، والمحتسب 1 / 193 ، ومغنى اللبيب 1 / 336 ، وهمع الهوامع 2 / 79.
3) الدبة : الكثيب من الرمل.
4) عجز البيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص 109 ، ولسان العرب (بلا) وتهذيب اللغة 15 / 390 ، ومقاييس اللغة 1 / 294 ، وديوان الأدب 4 / 106 ، وتاج العروس -
وهو راجع إلى معنى بلو سفر ، وقالوا : فلان مبلوّ بمحنة ، وغير ذلك ، والأمر فيه واضح ؛ وناقة (عليان) من علوت أيضا كما قيل لها : ناقة سناد ، أى أعلاها متساند إلى أسفلها ، ومنه سندنا إلى الجبل أى علونا ؛ وقال الأصمعى قيل لأعرابىّ : ما الناقة القرواح؟ فقال : التى كأنها تمشى على أرماح ، ودبّة (مهيار) ، من قولهم هار يهور ، وتهور الليل ؛ على أن أبا الحسن قد حكى فيه هار يهير ، وجعل الياء فيه لغة ؛ وعلى قياس قول الخليل فى طاح يطيح ، وتاه يتيه ، لا يكون فى يهير دليل ؛ لأنه قد يمكن أن يكون : فعل يفعل ، مثلهما. وكلّه لا يقاس ؛ ألا تراك لا تقول فى جرو : جرى ، ولا فى عدوة الوادى : عدية ، ولا نحو ذلك. ولا يجوز فى قياس قول من قال عليان ، ومهيار ، أن تقول فى قرواح (1)ودرواس (2): قرياح ودرياس (3)، وذلك لئلا يلتبس مثال فعوال بفعيال ، فيصير قرياح ودرياس كسرياح ، وكرياس. وإنما يجوز هذا فيما كانت واوه أصليّة لا زائدة ، وذلك أن الأصلىّ يحفظ نفسه بظهوره فى تصرّف أصله ؛ ألا تراك إذا قلت : علية ثم قلت : علوت وعلوّ وعلوة وعلاوة ويعلو ونحو ذلك ، دلّك وجود الواو فى تصرف هذا الأصل على أنها هى الأصلية وأن الياء فى علية بدل منها ، وأنّ الكسرة هى التى عذرت بعض العذر فى قلبها ؛ وليس كذلك الزائد ؛ ألا تراه لا يستمرّ فى تصرف الأصل استمرار الأصلىّ ، فإذا عرض له عارض من بدل أو حذف لم يبق هناك فى أكثر الأمر ما يدل عليه وما يشهد به ؛ ألا تراك لو حقّرت قرياحا بعد أن أبدلت واوه ياء على حذف زوائده لقلت : قريح ، فلم تجد للواو أثرا يدلّك على أن ياء قرياح بدل من الواو ؛ كما دلّك علوت ، وعلو ، ورجل معلوّ بالحجّة ، ونحو ذلك على أنّ ياء «علية» بدل من الواو.
فإن قلت : فقد قالوا فى قرواح : قرياح أيضا ، سمعا جميعا ، فإن هذا ليس على إبدال الياء من الواو ؛ لا ، بل كلّ واحد منها مثال برأسه مقصود قصده. فقرواح
كقرواش (1)وجلواخ (2)؛ وقرياح ككرياس (3)وسرياح ؛ ألا ترى أنّ أحدا لا يقول :كرواس ، ولا سرواح ؛ ولا يقول أحد أيضا فى شرواط (4)وهلواع (5): شرياط ، ولا هلياع. وهذا أحد ما يدلّك على ضعف القلب فيما هذه صورته ؛ لأن القلب للكسرة مع الحاجز لو كان قريّا فى القياس لجاء فى الزائد مجيئه فى الأصلىّ ؛ كأشياء كثيرة من ذلك.
ومثل امتناعهم من قلب الواو فى نحو هذا ياء من حيث كانت زائدة فلا عصمة لها ، ولا تلزم لزوم الأصلى فيعرف بذلك أصلها ، أن ترى الواو الزائدة مضمومة ضمّا لازما ثم لا ترى العرب أبدلتها همزة ؛ كما أبدت الواو الأصليّة ؛ نحو أجوه ، وأقّتت. وذلك نحو التّرهوك (6)، والتدهور والتسهوك (7): لا يقلب أحد هذه الواو - وإن انضمّت ضمّا لازما - همزة ؛ من قبل أنها زائدة ، فلو قلبت فقيل : الترهؤك لم يؤمن أن يظنّ أنها همزة أصليّة غير مبدلة من واو.
فإن قلت : ما تنكر أن يكون تركهم قلب هذه الواو همزة مخافة أن تقع الهمزة بعد الهاء وهما حلقيّان وشديدا التجاور؟ قيل يفسد هذا أن هذين الحرفين قد تجاورا ، والهاء مقدّمة على الهمزة ؛ نحو قولهم : هأهأت فى الدعاء (8).
فإن قلت : هذا إنما جاء فى التكرير ، والتكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز ؛ ألا ترى أن الواو لا توجد منفردة فى ذوات الأربعة إلا فى ذلك الحرف وحده ، وهو «ورنتل» (9)ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئا متعالما ؛ نحو وحوح (10)،
1) القرواش : من معانيه العظيم الرأس.
2) الجلواخ : هو الوادى الواسع الممتلئ.
3) الكرياس : الكنيف.
4) شرواط : هو الطويل.
5) الهلواع من النوق : السريعة.
6) يقال مرّ يترهوك أى يموج فى مشيه من استرخاء مفاصله.
7) يقال تسهوك : مشى رويدا.
8) يقال هأهأ بالإبل : دعاها للعلف.
9) ورنتل : الشر والأمر العظيم. اللسان (ورنتل).
10) الوحوحة : النفخ من شدة البرد.
ووزوز (1)، ووكواك (2)ووزاوزة ، وقوقيت ، وضوضيت ، وزوزيت (3)، وقوماة ، ودوداة (4)، وشوشاة ، قيل : قد جاء امتناعهم من همز نظير هذه الواوات بحيث لا هاء. ألا تراهم قالوا : زحولته (5)فتزحول تزحولا ، وليس أحد يقول تزحؤلا. وقد جمعوا بينهما متقدّمة الحاء على الهمزة : نحو قولهم فى الدعاء : حؤحؤ.
فإن قيل : فهذا أيضا إنما جاء فى الأصوات المكرّرة ؛ كما جاء فى الأوّل أيضا فى الأصوات المكرّرة ؛ نحو هؤهؤ ، وقد ثبت أن التكرير محتمل فيه ما لا يكون فى غيره.
قيل هذه مطاولة نحن فتحنا لك بابها ، وشرعنا منهجها ، ثم إنها مع ذلك لا تصحبك ، ولا تستمرّ بك ؛ ألا تراهم قد قالوا فى (عنونت الكتاب) : إنه يجوز أن يكون فعولت من عنّ يعنّ ، ومطاوعه تعنون ، ومصدره التعنون ، وهذه الواو لا يجوز همزها ؛ لما قدّمنا ذكره ، وأيضا فقد قالوا فى علونته : يجوز أن يكون فعولت من العلانية ، وحاله فى ذلك حال عنونته على ما مضى. وقد قالوا أيضا : سرولته تسرولا ، ولم يهمزوا هذه الواو ؛ لما ذكرنا. فإن قيل : فلو همزوا فقالوا : التسرؤل لما خافوا لبسا ؛ لقولهم مع زوال الضمّة عنها : تسرول ، وسرولته ، ومسرول ؛ كما أنهم لمّا قالوا : وقت ، وأوقات ، وموقت ، ووقّته أعلمهم ذلك أن همزة «أقّتت» إنما هى بدل من واو. فقد ترى الأصل والزائد جميعا متساويين متساوقين فى دلالة الحال بما يصحب كلّ واحد منهما من تصريفه وتحريفه ، وفى هذا نقض لما رمت به الفصل بين الزائد والأصل.
قيل كيف تصرّفت الحال فالأصل أحفظ لنفسه ، وأدلّ عليها من الزائد ؛ ألا ترى أنك لو حقّرت تسرولا - وقد همزته - تحقير الترخيم ، لقلت «سريل» فحذفت الزائد ولم يبق معك دليل عليه ؛ ولو حقّرت نحو «أقّتت» - وقد نقلتها إلى
التسمية ، فصارت (أقّتة» - تحقير الترخيم لقلت : وقيتة ، وظهرت الواو التى هى فاء.
فإن قلت : فقد تجيز هاهنا أيضا «أقيتة» قيل الهمز هنا جائز لا واجب ، وحذف الزوائد من «تسرؤل» فى تحقير الترخيم واجب لا جائز. فإن قلت : وكذلك همز الواو فى «تسرؤل» إنما يكون جائزا أيضا لا واجبا ، قيل همز الواو حشوا أثبت قدما من همزها مبتدأة ، أعنى فى بقائها وإن زالت الضمّة عنها ؛ ألا ترى إلى قوله فى تحقير قائم : قويئم ، وثبات الهمزة وإن زالت الألف الموجبة لها ، فجرت لذلك مجرى الهمزة الأصليّة فى نحو سائل ، وثائر ، من سأل وثأر ، - كذا قال - ، فلذلك اجتنبوا أن يهمزوا واو «تسرول» لئلا تثبت قدم الهمزة فيرى أنها ليست بدلا ، وليس كذلك همزة «أقّتت» ، ألا تراها متى زالت الضمّة عنها عادت واوا ؛ نحو موقت ، ومويقت.
فإن قلت : فهلا أجازوا همز واو «تسرول» وأمنوا اللبس ، وإن قالوا فى تحقير ترخيمه «سريل» من حيث كان وسط الكلمة ليس بموضع لزيادة الهمزة ، إنما هو موضع زيادة الواو ؛ نحو جدول ، وخروع ، وعجوز ، وعمود. فإذا رأوا الهمزة موجودة فى «تسرؤل» ، محذوفة من «سريل» علموا - بما فيها من الضمّة - أنها بدل من واو زائدة ، فكان ذلك يكون أمنا من اللبس؟
قيل : قد زادوا الهمزة وسطا فى أحرف صالحة. وهى شمأل وشأمل (1)، وجرائض (2)، وحطائط بطائط (3)، ونئدلان (4)، وتأبل (5)، وخأتم ، وعألم ، وتأبلت القدر ، والرئبال (6). فلمّا جاء ذلك كرهوا أن يقربوا باب لبس.
فإن قلت : فإن همزة تأبل ، وخأتم ، والعألم ، إنما هى بدل من الألف ، قيل :
هى وإن كانت بدلا فإنها بدل من الزائد ، والبدل من الزائد زائد ، وليس البدل من الأصل بأصل.
فقد ترى أن حال البدل من الزائد أذهب به فى حكم ما هو بدل منه من الأصل فى ذلك. فاعرف هذا.
ومن الاستحسان قولهم : رجل غديان ، وعشيان ؛ وقياسه : غدوان وعشوان ؛ لأنهما من غدوت وعشوت ؛ أنشدنا أبو علىّ :
بات ابن أسماء يعشوه ويصبحه
من هجمة كأشاء النخل درّار (1)
ومثله أيضا دامت السماء تديم ديما ، وهو من الواو ؛ لاجتماع العرب طرّا على (الدوام) ، و (هو أدوم من كذا).
ومن ذلك ما يخرج تنبيها على أصل بابه ؛ نحو استحوذ ، وأغيلت المرأة ، و
وقالوا : هذا شراب مبولة ، وهو مطيبة للنفس ، وقالوا :
1) البيت من البسيط ، وهو لقرط بن التؤام اليشكرى فى لسان العرب (صبح) ، (عشا) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (درر) ، ومجمل اللغة 3 / 488 ، وديوان الأدب 4 / 75 ، والمخصص 15 / 118 ، 16 / 26 ، وتاج العروس (درر). ويروى : كان بدلا من : بات ، كفسيل بدلا من : كأشاء. الهجمة : القطعة الضخمة من الإبل ، ما بين الثلاثين والمائة. الأشاء : صغار النخل. درّار : كثيرة الدرّ.
2) جزء من البيت وهو من الطويل ، وهو للمرار الفقعسىّ فى ديوانه ص 480 ، والأزهيّة ص 91 ، وخزانة الأدب 10 / 226 ، 227 ، 229 ، 231 ، والدرر 5 / 190 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 105 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 717 ، ومغنى اللبيب 1 / 307 ، 2 / 582 ، 590 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 144 ، وخزانة الأدب 1 / 145 ، والدرر 6 / 321 ، وشرح المفصل 7 / 116 ، 8 / 132 ، 10 / 76 ، والكتاب 1 / 31 ، 3 / 115 ، ولسان العرب (طول) ، (قلل) ، والمحتسب 1 / 96 ، والمقتضب 1 / 84 ، والممتع فى التصريف 2 / 482 ، والمنصف 1 / 191 ، 2 / 69 ، وهمع الهوامع 2 / 83 ، 224. ويروى وأطولت بدلا من : فأطولت.
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (رنب) ، (كرم) ، والإنصاف ص 11 ، وأوضح المسالك 4 / 406 ، وخزانة الأدب 2 / 316 ، والدرر 6 / 319 ، وشرح الأشمونى 3 / 887 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 139 ، وشرح شواهد الشافية ص 58 ، والمقاصد النحوية 4 / 578 ، والمقتضب 2 / 98 ، والمنصف 1 / 37 ، 192 ، 2 / 184 ، وهمع الهوامع 2 / 218 ، وتاج العروس (رنب) ، (كرم) ، والمخصص 16 / 108.
ونظائره كثيرة ؛ غير أن ذلك يخرج ليعلم به أن أصل استقام استقوم ، وأصل مقامة مقومة ، وأصل يحسن يؤحسن. ولا يقاس هذا ولا ما قبله ؛ لأنه لم تستحكم علّته ، وإنما خرج تنبيها وتصرّفا واتّساعا.
(1) اعلم أن محصول مذهب أصحابنا ومتصرّف أقوالهم مبنىّ على جواز تخصيص العلل. وذلك أنها وإن تقدّمت علل الفقه فإنها أو أكثرها إنما تجرى مجرى التخفيف والفرق ، ولو تكلّف متكلّف نقضها لكان ذلك ممكنا ، - وإن كان على غير قياس - ومستثقلا ؛ ألا تراك لو تكلّفت تصحيح فاء ميزان ، وميعاد ، لقدرت على ذلك ، فقلت : موزان ، وموعاد. وكذلك لو آثرت تصحيح فاء موسر ، وموقن ، لقدرت على ذلك فقلت : ميسر ، وميقن. وكذلك لو نصبت الفاعل ، ورفعت المفعول ، أو ألغيت العوامل : من الجوارّ ، والنواصب ، والجوازم ، لكنت مقتدرا على النطق بذلك ، وإن نفى القياس تلك الحال. وليست كذلك علل المتكلّمين ؛ لأنها لا قدرة على غيرها ؛ ألا ترى أن اجتماع السواد والبياض فى محلّ واحد ممتنع لا مستكره ، وكون الجسم متحرّكا ساكنا فى حال واحدة فاسد. لا طريق إلى ظهوره ، ولا إلى تصوّره. وكذلك ما كان من هذا القبيل. فقد ثبت بذلك تأخّر علل النحويين عن علل المتكلمين ، وإن تقدّمت علل المتفقّهين. ثم اعلم من بعد هذا أن علل النحويين على ضربين :
أحدهما ما لا بدّ منه ، فهو لا حق بعلل المتكلمين ، وهو قلب الألف واوا لانضمام ما قبلها ، وياء لانكسار ما قبلها ؛ نحو ضورب ، وقراطيس ، وقد تقدّم ذكره. ومن ذلك امتناع الابتداء بالساكن ؛ وقد تقدّم ما فيه.
ثم يبقى النظر فيما بعد ، فنقول : إن هذه العلل التى يجوز تخصيصها ، كصحة الواو إذا اجتمعت مع الياء ، وسبقت الأولى منهما بالسكون ؛ نحو حيوة ، وعوى الكلب عوية ، ونحو صحّة الواو ، والياء ، فى نحو غزوا ، ورميا ، والنزوان ، والغليان ، وصحّة الواو فى نحو اجتوروا ، واعتونوا ، واهتوشوا ، إنما اضطرّ القائل
1) تخصيص العلة : هو تخلف الحكم عن الوصف المدّعى عليه فى بعض الصور لمانع ، فيقال : الاستحسان ليس من باب خصوص العلل يعنى ليس بدليل مخصص للقياس بل عدم حكم القياس لعدم العلة. التعريفات ص 54.
بتخصيص العلّة فيها وفى أشباهها ؛ لأنه لم يحتط فى وصف العلّة ؛ ولو قدّم الاحتياط فيها لأمن الاعتذار بتخصيصها. وذلك أنه إذا عقد هذا الموضع قال فى علّة قلب الواو والياء ألفا : إن الواو والياء متى تحرّكتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين ؛ نحو قام ، وباع ، وغزا ، ورمى ، وباب ، وعاب ، وعصا ، ورحى ، فإذا أدخل (1)عليه فقيل له : قد صحّتا فى نحو غزوا ، ورميا ، وغزوان ، وصميان (2)، وصحّت الواو خاصّة فى نحو اعتونوا ، واهتوشوا ، أخذ يتطلّب ويتعذّر فيقول : إنما صحّتا فى نحو رميا ، وغزوا ؛ مخافة أن تقلبا ألفين فتحذف إحداهما فيصير اللفظ بهما : غزا ، ورمى ، فتلتبس التثنية بالواحد. وكذلك لو قلبوهما ألفين فى نحو نفيان ، ونزوان ، لحذفت إحداهما ، فصار اللفظ بهما نفان ، ونزان ، فالتبس فعلان مما لامه حرف علّة بفعال مما لامه نون. وكذلك يقولون : صحّت الواو فى نحو اعتونوا ، واهتوشوا ؛ لأنهما فى معنى ما لا بدّ من صحّته ، أعنى تعاونوا وتهاوشوا. وكذلك يقولون : صحّتا فى نحو عور ، وصيد ؛ لأنهما فى معنى اعورّ ، واصيدّ ، وكذلك يقولون فى نحو بيت الكتاب :
وما مثله فى الناس إلا مملّكا
أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه (3)
إنما جاز ما فيه من الفصل (بين ما لا يحسن) فصله لضرورة الشعر. وكذلك ما جاء من قصر الممدود ومدّ المقصور ، وتذكير المؤنث ، وتأنيث المذكّر ، ومن وضع الكلام فى غير موضعه ؛ يحتجّون فى ذلك وغيره بضرورة الشعر ، ويجنحون إليها مرسلة غير متحجّرة ، وكذلك ما عدا هذا : يسوّون بينه ، ولا يحتاطون فيه ، فيحرسوا أوائل التعليل له. وهذا هو الذى نتق (4)عليهم هذا الموضع حتى اضطرّهم إلى القول بتخصيص العلل ، وأصارهم إلى حيز التعذّر والتمحّل. وسأضع فى ذلك رسما يقتاس فينتفع به بإذن الله ومشيئته.
وذلك أن نقول فى علّة قلب الواو والياء ألفا : إنهما متى تحرّكتا حركة لازمة
وانفتح ما قبلهما وعرى الموضع من اللّبس ، أو أن يكون فى معنى ما لا بدّ من صحّة الواو والياء فيه ، أو أن يخرج على الصحّة منبهة على أصل بابه ، فإنهما يقلبان ألفا. ألا ترى أنك إذا احتطت فى وصف العلّة بما ذكرناه سقط عنك الاعتراض عليك بصحّة الواو والياء فى حوبة وجيل ؛ إذ كانت الحركة فيهما عارضة غير لازمة ، إنما هى منقولة إليهما من الهمزة المحذوفة للتخفيف فى حوأبة (1)وجيأل (2).
وكذلك يسقط عنك الإلزام لك بصحّة الواو والياء فى نحو قوله تعالى (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) [الكهف : 18] وفى قولك فى تفسير قوله عزوجل (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ) [ص : 6] معناه : أى امشوا. فتصحّ الياء والواو متحرّكتين مفتوحا ما قبلهما ؛ من حيث كانت الحركة فيهما لالتقاء الساكنين ، فلم يعتدّ لذلك.
وكذلك يسقط عنك الاعتراض بصحّة الواو والياء فى عور وصيد ، بأنهما فى معنى ما لا بدّ فيه من صحّة الواو والياء ، وهما اعورّ واصيدّ. وكذلك صحّت فى نحو اعتونوا ، وازدوجوا ، لمّا كان فى معنى ما لا بدّ فيه من صحّتها ، وهو تعاونوا ، وتزاوجوا. وكذلك صحّتا فى كروان ، وصميان ؛ مخافة أن يصيرا من مثال فعلان ، واللام معتلة ، إلى فعال ، واللام صحيحة ، وكذلك صحّتا فى رجل سمّيته بكروان ، وصميان ، ثم رخّمته ترخيم قولك يا حار ، فقلت : يا كرو ، ويا صمى ؛ لأنك لو قلبتهما فيه ، فقلت : يا كرا ، ويا صما ، لالتبس فعلان ، بفعل ، ولأن الألف والنون فيهما مقدّرتان أيضا فصحّتا كما صحّتا وهما موجودتان.
وكذلك صحّت أيضا الواو والياء فى قوله عزّ اسمه (وَعَصَوُا الرَّسُولَ) [النساء : 42] وقوله تعالى : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [آل عمران : 186] وقوله تعالى (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) [مريم : 26] من حيث كانت الحركة عارضة لالتقاء الساكنين غير لازمة. وكذلك صحّتا فى القود ، والحوكة ، والغيب ؛ تنبيها على أصل باب ، ودار ، وعاب.
أفلا ترى إلى احتياطك فى العلّة كيف أسقط عنك هذه الالتزامات كلّها ، ولو لم تقدّم الأخذ بالحزم لاضطررت إلى تخصيص العلّة ، وأن تقول : هذا من أمره ... ، وهذا من حاله ... ، والعذر فى كذا وكذا ... ، وفى كذا وكذا .. وأنت إذا قدّمت ذلك الاحتياط لم يتوجّه عليك سؤال ؛ لأنه متى قال لك : فقد صحّت الياء والواو فى جيل ، وحوبة ، قلت : هذا سؤال يسقطه ما تقدّم ؛ إذ كانت الحركة عارضة لا لازمة ، ولو لم تحتط بما قدّمت لأجاءتك الحال إلى تمحل الاعتذار.
وهذا عينه موجود فى العلل الكلاميّة ؛ ألا ترى أنك تقول فى إفساد اجتماع الحركة والسكون على المحلّ الواحد : لو اجتمعا لوجب أن يكون المحلّ الواحد ساكنا متحرّكا فى حال واحدة ، ولو لا قولك : فى حال واحدة لفسدت العلّة ؛ ألا ترى أنّ المحلّ الواحد قد يكون ساكنا متحرّكا فى حالين اثنتين.
فقد علمت بهذا وغيره مما هو جار مجراه قوّة الحاجة إلى الاحتياط فى تخصيص العلة.
فإن قلت : فأنت إذا حصّل عليك هذا الموضع لم تلجأ فى قلب الواو والياء إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما ألفين ، إلا إلى الهرب من اجتماع الأشباه ؛ وهى حرف العلّة والحركتان اللتان اكتنفتاه ، وقد علم مضارعة الحركات لحروف اللين ، وهذا أمر موجود فى قام ، وخاف ، وهاب ، كوجوده فى حول ، وعور ، وصيد ، وعين ؛ ألا ترى أن أصل خاف وهاب : خوف وهيب ، فهما فى الأصل كحول وصيد ، وقد تجشّمت فى حول وصيد من الصحّة ما تحاميته فى خوف وهيب. فأمّا احتياطك بزعمك فى العلّة بقولك : إذا عرى الموضع من اللّبس ، وقولك : إذا كان فى معنى ما لا بدّ من صحّته ، وقولك : وكانت الحركة غير لازمة ، فلم نرك أوردته إلا لتستثنى به ما يورده الخصم عليك : مما صحّ من الياء والواو وهو متحرّك وقبله فتحة. وكأنك إنما جئت إلى هذه الشواذّ التى تضطرّك إلى القول بتخصيص العلل فحشوت بها حديث علّتك لا غير ؛ وإلا فالذى أوجب القلب فى خاف ، وهاب ، من استثقال حرفى اللين متحرّكين مفتوحا ما قبلهما موجود البتة فى حول وصيد ، وإذا كان الأمر كذلك دلّ على انتقاض العلّة وفسادها.
قيل : لعمرى إنّ صورة حول وصيد لفظا هى صورة خوف وهيب ، إلا أنّ هناك
من بعد هذا فرقا ، وإن صغر فى نفسك وقلّ فى تصوّرك وحسّك ، فإنه معنى عند العرب مكين فى أنفسها ، متقدّم فى إيجابه التأثير الظاهر عندها. وهو ما أوردناه وشرطناه : من كون الحركة غير لازمة ، وكون الكلمة فى معنى ما لا بدّ من صحّة حرف لينه ، ومن تخوّفهم التباسه بغيره ؛ فإن العرب - فيما أخذناه عنها ، وعرفناه من تصرّف مذاهبها - ، عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها. وسنفرد لهذا بابا نتقصّاه فيه بمعونة الله. أو لا تعلم عاجلا إلى أن تصير إلى ذلك الباب آجلا ، أنّ سبب إصلاحها ألفاظها ، وطردها إيّاها على المثل والأحذية التى قنّنتها لها ، وقصرتها عليها ، إنما هو لتحصين المعنى وتشريفه ، والإبانة عنه وتصويره ؛ ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل ، ونصب المفعول ، إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول ؛ وهذا الفرق أمر معنوىّ ، أصلح اللفظ له وقيد مقاده الأوفق من أجله.
فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعانى وحياطتها. فالمعنى إذا هو المكرّم المخدوم ، واللفظ هو المتبذل الخادم.
وبعد فإذا جرت العلّة فى معلولها ، واستتبّت على منهجها وأمّها قوى حكمها ، واحتمى جانبها ، ولم يسع أحدا أن يعرض لها إلا بإخراجه شيئا إن قدر على إخراجه منها. فأمّا أن يفصّلها ويقول : بعضها هكذا ، وبعضها هكذا فمردود عليه ، ومرذول عند أهل النظر فيما جاء به. وذلك أن مجموع ما يورده المعتلّ بها هو حدّها ووصفها ، فإذا انقادت وأثّرت وجرت فى معلولاتها فاستمرّت ، لم يبق على بادئها ، وناصب نفسه للمراماة عنها ، بقيّة فيطالب بها ، ولا قصمة سواك فيفكّ يد ذمّته عنها.
فإن قلت : فقد قال الهذلىّ : ... (1).
فقد كنت قلت فى هذه اللفظة فى كتابى فى ديوان هذيل : إنه إنما أعلّت هذه العين هناك ولم تصحّ كما صحّت عين اجتوروا واعتونوا من حيث كان ترك قلب الياء ألفا أثقل عليهم من ترك قلب الواو ألفا ؛ لبعد ما بين الألف والواو ، وقربها
1) بيت الهذلى الذى سقط هنا فيما بين أيدينا من الأصول فيه (استاف) فى معنى تسايفوا. ولم أعثر على البيت بعد طول البحث. وسبب ذلك أن شعر الهذليين لم يصلنا كله. (نجار).
من الياء ، وكلّما تدانى الحرفان أسرع انقلاب أحدهما إلى صاحبه ، وانجذابه نحوه ، وإذا تباعدا كانا بالصحّة والظهور قمنا. وهذا - لعمرى - جواب جرى هناك على مألوف العرف فى تخصيص العلّة. فأمّا هذا الموضع فمظنّة من استمرار المحجّة واحتماء العلّة. وذلك أن يقال : إنّ استاف هنا لا يراد به تسايفوا أى تضاربوا بالسيوف ، فتلزم صحّته كصحّة عين تسايفوا ؛ كما لزمت صحّة اجتوروا لمّا كان فى معنى ما لا بدّ من صحّة عينه ، وهو تجاوروا ؛ بل تكون استافوا هنا : تناولوا سيوفهم وجرّدوها. ثم يعلم من بعد أنهم تضاربوا ؛ مما دلّ عليه قولهم : استافوا ، فكأنه من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبّب ؛ كقوله :
ذر الآكلين الماء ظلما فما أرى
ينالون خيرا بعد أكلهم الماء (1)
يريد قوما كانوا يبيعون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلونه ، فاكتفى بذكر الماء الذى هو سبب المأكول من ذكر المأكول.
فأمّا تفسير أهل اللغة أنّ استاف القوم فى معنى تسايفوا فتفسير على المعنى ؛ كعادتهم فى أمثال ذلك ؛ ألا تراهم قالوا فى قول الله عزوجل (مِنْ ماءٍ دافِقٍ) [الطارق : 6] إنه بمعنى مدفوق ، فهذا - لعمرى - معناه ، غير أن طريق الصنعة فيه أنه ذو دفق كما حكاه الأصمعىّ عنهم من قولهم : ناقة ضارب إذا ضربت (2)، وتفسيره أنها ذات ضرب أى ضربت. وكذلك قوله تعالى : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) [هود : 43] أى لا ذا عصمة ، وذو العصمة يكون مفعولا كما يكون فاعلا ، فمن هنا قيل : إن معناه : لا معصوم. وكذلك قوله :
لقد عيّل الأيتام طعنة ناشره
أناشر لا زالت يمينك آشره (3)
1) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (أكل) ، وتاج العروس (أكل).
2) أى ضربها الفحل ، وضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها. اللسان (ضرب).
3) البيت من الطويل ، وهو لنائحة همّام بن مرّة فى التنبيه والإيضاح 2 / 78 ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 9 / 221 ، 11 / 410 ، وجمهرة اللغة ص 734 ، ومجمل اللغة 1 / 193 ، وتاج العروس (أشر) ، (نشر) ، ولسان العرب (أشر) ، (نشر) ، (وقص) ، (ومق) ، (عبل) ، (ضمن). وأراد : لا زالت يمينك مأشورة أو ذات أشر. يقال : أشرت الخشبة أشرا ووشرتها وشرا إذا شققتها مثل نشرتها نشرا. وذلك أن الشاعر إنما دعا على ناشرة لا له ؛ قال ابن برى : هذا البيت لنائحة همام بن مرة بن ذهل بن شيبان ، وكان قتله ناشرة ، وهو الذى ربّاه ، قتله غدرا ؛ وكان همام قد أبلى فى بنى تغلب فى حرب البسوس وقاتل قتالا شديدا ثم إنه عطش فجاء إلى رحله يستسقى وناشرة عند رحله ، فلما رأى غفلته طعنه بحربة فقتله وهرب إلى بنى تغلب. اللسان (أشر).
أى ذات أشر ، والأشر : الحزّ والقطع ، وذو الشىء قد يكون مفعولا كما يكون فاعلا ؛ وعلى ذلك عامّة باب طاهر ، وطالق ، وحائض ، وطامث ؛ ألا ترى أن معناه : ذات طهر ، وذات طلاق ، وذات حيض ، وذات طمث. فهذه ألفاظ ليست جارية على الفعل ؛ لأنها لو جرت عليه للزم إلحاقها تاء التأنيث ؛ كما لحقت نفس الفعل. وعلى هذا قول الله تعالى : (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [القارعة : 7] أى ذات رضا ، فمن هنا صارت بمعنى مرضيّة. ولو جاءت مذكّرة لكانت كضارب وبازل ، كباب حائض وطاهر ؛ إذ الجميع غير جار على الفعل ، لكن قوله تعالى «راضية» كقوله (لا زالت يمينك آشرة).
وينبغى أن يعلم أن هذه التاء فى (راضية) و (آشرة) ليست التاء التى يخرج بها اسم الفاعل على التأنيث لتأنيث الفعل من لفظه ؛ لأنها لو كانت تلك لفسد القول ؛ ألا ترى أنه لا يقال : ضربت الناقة ولا رضيت العيشة. وإذا لم تكن إيّاها وجب أن تكون التى للمبالغة ؛ كفروقة ، وصرورة ، وداهية ، وراوية ، مما لحقته التاء للمبالغة والغاية. وحسّن ذلك أيضا شيء آخر. وهو جريانها صفة على مؤنث ، وهى بلفظ الجارى على الفعل ، فزاد ذلك فيما ذكرنا ؛ ألا ترى إلى همز حائض ، وإن لم يجر على الفعل ، إنما سببه أنه شابه فى اللفظ ما اطّرد همزه من الجارى على الفعل ؛ نحو قائم ، وصائم وأشباه ذلك. ويدلّك على أن عين حائض همزة ، وليست ياء خالصة - كما لعلّه يظنّه كذلك ظانّ - قولهم : امرأة زائر ، من زيارة النساء ، وهذا واضح ؛ ألا ترى أنه لو كانت العين صحيحة لوجب ظهورها واوا وأن يقال : زاور. وعليه قالوا : الحائش ، والعائر للرمد ، وإن لم يجريا على الفعل ، لمّا جاءا مجىء ما يجب همزه وإعلاله فى غالب الأمر.
نعم وإذا كانوا قد أنّثوا المصدر لمّا جرى وصفا على المؤنّث ؛ نحو امرأة عدلة ، وفرس طوعة القياد ، وقول أميّة :
والحيّة الحتفة الرّقشاء أخرجها
من حجرها آمنات الله والكلم (1)
وإذا جاز دخول التاء على المصادر وليست على صورة اسم الفاعل ولا هى الفاعل فى الحقيقة ، وإنما استهوى لذلك جريها وصفا على المؤنّث ، كان باب «عيشة راضية» ، و «يد آشرة» أحرى بجواز ذلك فيه ، وجريه عليه.
فإن قلت : فقد قالوا فى يوجل : ياجل ، وفى ييأس : ياءس ، وفى طىّء طائىّ ، وقالوا : حاحيت ، وعاعيت ، وهاهيت ، فقلبوا الياء والواو هنا ألفين ، وهما ساكنتان ، وفى هذا نقض لقولك ؛ ألا تراك إنما جعلت علة قلب الواو والياء ألفين تلك الأسباب التى أحدها كونهما متحرّكتين ، وأنت تجدهما ساكنتين ، ومع ذلك فقد تراهما منقلبتين.
قيل : ليس هذا نقضا ، ولا يراه أهل النظر قدحا. وذلك أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلّتين ثنتين ، فى وقت واحد تارة ، وفى وقتين اثنين. وسنذكر ذلك فى باب المعلول بعلّتين.
فإن قلت : فما شرطك واحتياطك فى باب قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء فى نحو سيّد ، وهيّن ، وجيّد ، وشويت شيّا ، ولويت يده ليّا ، وقد تراهم قالوا حيوة ، وضيون ، وقالوا عوى الكلب عوية ، وقالوا فى تحقير أسود ، وجدول : جديول ، وأسيود ، وأجازوا قياس ذلك فيما كان مثله : مما واوه عين متحركة أو زائدة قبل الطرف؟
فالذى نقول فى هذا ونحوه : أن الياء والواو متى اجتمعتا ، وسبقت الأولى بالسكون منهما ، ولم تكن الكلمة (2)علما ، ولا مرادا بصحّة واوها التنبيه على أصول أمثالها ، ولا كانت تحقيرا محمولا على تكسير ، فإن الواو منه تقلب ياء.
فإذا فعلت هذا واحتطت للعلّة به أسقطت تلك الإلزامات عنك ؛ ألا ترى أن
1) البيت من البسيط ، وهو لأميّة بن أبى الصلت فى ديوانه ص 57 ، والأشباه والنظائر 2 / 389 ، ولسان العرب (حتف) ، (عدل). ويروى : بيتها بدلا من حجرها. وفيه : وصف أمية الحية بالحتفة ، والحتف : الموت والهلاك.
2) التعليل للقياس فى هذا القلب ، وحسب العلة أن تكون وافية به. والقلب فى العلم وما قصد به التنبيه على الأصل شذوذ فلا يجب أن تراعى فى العلة. (نجار).
(حيوة) علم والأعلام تأتى مخالفة للأجناس فى كثير من الأحكام ، وأن (ضيون) إنما صحّ لأنه خرج على الصحّة تنبيها على أن أصل سيّد وميّت : سيود وميوت.
وكذلك (عوية) خرجت سالمة ؛ ليعلم بذلك أن أصل ليّة لوية ، وأن أصل طيّة طوية ، وليعلم أن هذا الضرب من التركيب وإن قلّ فى الاستعمال ، فإنه مراد على كل حال.
وكذلك أجازوا تصحيح نحو أسيود وجديول ، إرادة للتنبيه على أن التحقير والتكسير فى هذا النحو من المثل من قبيل واحد.
فإن قلت : فقد قالوا فى العلم أسيّد ، فأعلّوا كما أعلّوا فى الجنس ؛ نحو قوله :
أسيّد ذو خرّيطة نهارا
من المتلقّطى قرد القمام (1)
سيأتيهم بوحى القول عنى
ويدخل رأسه تحت القرام
والقرد ، بالتحريك : نفاية الصّوف خاصة ، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان. والقمام : الكناسة. وانظر اللسان (قرد).
فعن ذلك أجوبة. منها أن القلب الذى فى أسيّد قد كان سبق إليه وهو جنس كقولك : غليّم أسيّد ، ثم نقل إلى العلميّة بعد أن أسرع فيه القلب فبقى بحاله ، لا أن القلب إنما وجب فيه بعد العلميّة ، وقد كان قبلها - وهو جنس نكرة - صحيحا.
ويؤنّس بهذا أيضا أن الإعلال فى هذا النحو هو الاختيار فى الأجناس. فلمّا سبق القلب الذى هو أقوى وأقيس القولين سمّى به معلا ، فبقى بعد النقل على صورته. ومثل ذلك ما نقوله فى «عيينة» أنه إنما سمّى به مصغّرا فبقى بعد بحاله قبل ، ولو كان إنما حقّر بعد أن سمّى به لوجب ترك إلحاق علامة التأنيث به ؛ كما أنك لو سمّيت رجلا هندا ، ثم حقّرت قلت : هنيد : ولو سمّيته بها محقّرة قبل التسمية لوجب أن تقرّ التاء بحالها ، فتقول : هذا هنيدة مقبلا. هذا مذهب الكتاب ، وإن كان يونس يقول بضدّه. ومنها أنا لسنا نقول : إن كلّ علم فلا بدّ من صحّة واوه إذا اجتمعت مع الياء ساكنة أولاهما فيلزمنا ما رمت إلزامنا ، وإنما قلنا : إذا اجتمعت الياء والواو ، وسبقت الأولى منهما بالسكون ، ولم يكن الاسم علما ،
1) البيت من الوافر ، وهو للفرزدق فى ديوانه 2 / 290 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 182 ، وشرح عمدة الحافظ ص 489 ، والكتاب 1 / 185 ، ولسان العرب (قرد). وقبله.
ولا على تلك الأوصاف التى ذكرنا فإن الواو تقلب ياء وتدغم الياء فى الياء. فهذه علّة من علل قلب الواو ياء. فأمّا ألا تعتلّ الواو إذا اجتمعت مع الياء ساكنة أولاهما إلا من هذا الوجه فلم نقل به. وكيف يمكن أن نقول به وقد قدّمنا أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلّتين وأكثر من ذلك ، وتضمّنّا أن نفرد لهذا الفصل بابا!
فإن قلت : ألسنا إذا رافعناك فى صحّة «حيوة» إنما نفزع إلى أن نقول : إنما صحّت لكونها علما ، والأعلام تأتى كثيرا أحكامها تخالف أحكام الأجناس ، وأنت تروم فى اعتلالك هذا الثانى أن تسوّى بين أحكامهما ، وتطرد على سمت واحد كلا منهما.
قيل : الجواب الأوّل قد استمرّ ، ولم تعرض له ، ولا سوّغتك الحال الطعن فيه ، وإنما هذا الاعتراض على الجواب الثانى. والخطب فيه أيسر. وذلك أنّ لنا مذهبا سنوضّحه فى باب يلى هذا ؛ وهو حديث الفرق بين علّة الجواز وعلّة الوجوب.
ومن ذلك أن يقال لك : ما علّة قلب واو سوط ، وثوب ، إذا كسّرت فقلت : ثياب ، وسياط؟.
وهذا حكم لا بدّ فى تعليله من جمع خمسة أغراض ، فإن نقصت واحدا فسد الجواب ، وتوجه عليه الإلزام.
والخمسة : أنّ ثيابا ، وسياطا ، وحياضا ، وبابه جمع ، والجمع أثقل من الواحد ، وأنّ عين واحده ضعيفة بالسكون ، وقد يراعى فى الجمع حكم الواحد ، وأنّ قبل عينه كسرة ، وهى مجلبة فى كثير من الأمر لقلب الواو ياء ، وأنّ بعدها ألفا ، والألف شبيهة بالياء ، وأنّ لام سوط وثوب صحيحة.
فتلك خمسة أوصاف لا غنى بك عن واحد منها. ألا ترى إلى صحّة خوان ، وبوان (1)، وصوان ، لمّا كان مفردا لا جمعا. فهذا باب. ثم ألا ترى إلى صحّة واو
1) بوان ، بكسر الباء وبالضم لغة ، عن الفراء : عمود من أعمدة الخباء ، والجمع أبونة وبون ، بالضم. اللسان (بون)
زوجة ، وعودة ، وهى جمع واحد ساكن العين ، وهو زوج ، وعود (1)، ولامه أيضا صحيحة ، وقبلها فى الجمع كسرة. ولكن بقى من مجموع العلة أنه لا ألف بعد عينه ؛ كألف حياض ، ورياض. وهذا باب أيضا.
ثم ألا ترى إلى صحّة طوال ، وقوام ، وهما جمعان ، وقبل عينهما كسرة ، وبعدهما ألف ، ولاماهما صحيحتان. لكن بقى من مجموع العلّة أنّ عينه فى الواحد متحركة ؛ وهى فى طويل ، وقويم. وهذا أيضا باب.
ثم ألا ترى إلى صحّة طواء ، ورواء ، جمع طيّان ، وريّان ؛ فيه الجمعيّة ، وأنّ عين واحده ساكنة ، بل معتلّة ، وقبل عينه كسرة وبعدها ألف. لكن بقى عليك أنّ لامه معتلّة ، فكرهوا إعلال عينه لئلا يجمعوا بين إعلالين.
وهذا الموضع ممّا يسترسل فيه المعتلّ لاعتلاله ، فلعلّه أن يذكر من الأوصاف الخمسة التى ذكرناها وصفين (أو أكثره) ثلاثة ويغفل الباقى ، فيدخل عليه الدخل منه ، فيرى أن ذلك نقض للعلة ، ويفزع إلى ما يفزع إليه من لا عصمة له ، ولا مسكة عنده. ولعمرى إنه كسر لعلّته هو لاعتلالها فى نفسها. فأمّا مع إحكام علّة الحكم فإنّ هذا ونحوه ساقط عنه.
ومن ذلك ما يعتقده فى علّة الادغام. وهو أن يقال : إن الحرفين المثلين إذا كانا لازمين متحرّكين حركة لازمة ، ولم يكن هناك إلحاق ، ولا كانت الكلمة مخالفة لمثال فعل ، وفعل ، أو كانت فعل فعلا ، ولا خرجت منبّهة على بقيّة بابها ، فإن الأوّل منها يسكّن ويدغم فى الثانى. وذلك نحو شدّ ، وشلّت يده ، وحبّذا زيد ، وما كان عاريا مما استثنيناه ؛ ألا ترى أنّ شدّ وإن كان فعل فإنه فعل ؛ وليس كطلل ، وشرر ، وجدد (2)، فيظهر. وكذلك شلّت يده : فعلت. وحبّذا زيد أصله حبب ككرم ، وقضو الرجل. ومثله شرّ الرجل من الشرّ : هو فعل ؛ لقولهم : شررت يا رجل ؛ وعليه جاء رجل شرير كرديء. وعلى ذلك قالوا أجدّ فى الأمر ، وأسرّ الحديث ، واستعدّ ؛ لخلوّه ممّا شرطناه.
فلو عارضك معارض بقولهم : اصبب الماء ، وامدد الحبل ، لقلت : ليست الحركتان لازمتين ؛ لأن الثانية لالتقاء الساكنين. وكذلك إن ألزمك ظهور نحو جلبب ، وشملل : وقعدد ، ورمدد (1)، قلت : هذا كلّه ملحق ؛ فلذلك ظهر.
وكذلك إن أدخل على قولك هما يضرباننى ، ويكرماننى ، ويدخلاننا قلت : سبب ظهوره أن الحرفين ليسا لازمين ؛ ألا ترى أن الثانى من الحرفين ليس ملازما ؛ لقولك : هما يضربان زيدا ويكرمانك ونحو ذلك. وكذلك إن ألزمك ظهور نحو جدد (2)، وقدد ، وسرر ، قلت : هذا مخالف لمثال فعل وفعل.
فإن ألزمك نحو قول قعنب :
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى
أنّى أجود لأقوام ، وإن ضننوا (3)
وقول العجّاج :
تشكو الوجى من أظلل وأظلل (4)
من طول إملال وظهر أملل*
والأظلّ : ما تحت منسم البعير.
*وقول الآخر :
1) يقال : رماد رمدد : إذا كان دقيقا غير متماسك.
2) الجدّة : الخطة التى فى ظهر الحمار تخالف لونه. اللسان (جدد).
3) البيت من البسيط ، وهو لقعنب ابن أم صاحب ، وسمط اللآلى ص 576 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 318 ، والكتاب 1 / 29 ، 3 / 535 ، ولسان العرب (ظلل) ، (ضنن) ، والمنصف 1 / 339 ، 2 / 303 ، ونوادر أبى زيد ص 44 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 1 / 150 ، 245 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 241 ، وشرح المفصل 3 / 12 ، ولسان العرب (حمم) ، والمقتضب 1 / 142 ، 253 ، 3 / 354 ، والمنصف 2 / 69.
4) البيت من الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 236 ، 237 ، ولسان العرب (ظلل) ، (ملل) ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 310 ، وكتاب الصناعتين ص 150 ، ونوادر أبى زيد ص 44 ، وتهذيب اللغة 15 / 352 ، وتاج العروس (ظلل) ، (ملل) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 51 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 244 ، والكتاب 3 / 535 ، ولسان العرب (كفح) ، (كدس) ، والمقتضب 1 / 252 ، 3 / 354 ، والممتع فى التصريف 2 / 650 ، والمنصف 1 / 339 ، وكتاب العين 8 / 150 ، ومقاييس اللغة 3 / 462 ، ومجمل اللغة 3 / 358. وبعده :
وإن رأيت الحجج الرواددا
قواصرا بالعمر أو مواددا (1)
قلت : هذا ظهر على أصله منبهة على بقيّة بابه ، فتعلم به أنّ أصل الأصمّ أصمم ، وأصل صبّ صبب ، وأصل الدوابّ والشوابّ الدوابب والشوابب ؛ على ما نقوله فى نحو استصوب وبابه : إنما خرج على أصله إيذانا بأصول ما كان مثله.
فإن قيل : فكيف اختصّت هذه الألفاظ ونحوها بإخراجها على أصولها دون غيرها؟ قيل : رجع الكلام بنا وبك إلى ما كنّا فرغنا منه معك فى باب استعمال بعض الأصول وإهمال بعضها ؛ فارجع إليه تره إن شاء الله.
وهذا الذى قدّمناه آنفا هو الذى عناه أبو بكر رحمهالله بقوله : قد تكون علّة الشىء الواحد أشياء كثيرة ، فمتى عدم بعضها لم تكن علّة. قال : ويكون أيضا عكس هذا ، وهو أن تكون علّة واحدة لأشياء كثيرة. أمّا الأوّل فإنه ما نحن بصدده من اجتماع أشياء تكون كلّها علّة ، وأمّا الثانى فمعظمه الجنوح إلى المستخفّ ، والعدول عن المستثقل. وهو أصل الأصول فى هذا الحديث ؛ وقد مضى صدر منه. وسترى بإذن الله بقيّته.
واعلم أن هذه المواضع التى ضممتها ، وعقدت العلة على مجموعها ، قد أرادها أصحابنا وعنوها ، وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدّمة محروسة فإنهم لها أرادوا ، وإيّاها نووا ؛ ألا ترى أنهم إذا استرسلوا فى وصف العلّة وتحديدها قالوا : إن علّة شدّ ومدّ ونحو ذلك فى الادغام إنما هى اجتماع حرفين متحرّكين من جنس واحد.
فإذا قيل لهم : فقد قالوا : قعدد ، وجلبب ، واسحنكك ، قالوا : هذا ملحق ، فلذلك ظهر. وإذا ألزموا نحو اردد الباب ، واصبب الماء ، قالوا : الحركة الثانية عارضة لالتقاء الساكنين ، وليست بلازمة. وإذا أدخل عليهم نحو جدد ، وقدد ، وخلل (2)، قالوا : هذا مخالف لبناء الفعل. وإذا عورضوا بنحو طلل ، ومدد ، فقيل لهم : هذا على وزن الفعل قالوا : هو كذلك ، إلا أن الفتحة خفيفة ، والاسم أخفّ من الفعل ، فظهر التضعيف فى الاسم ؛ لخفّته ، ولم يظهر فى الفعل - نحو
قصّ ، ونصّ - لثقله. وإذا قيل لهم : قالوا هما يضرباننى ، وهم يحاجّوننا ، قالوا : المثل الثانى ليس بلازم. وإذا أوجب عليهم نحو قوله «وإن ضننوا» ولححت عينه ، وضبب البلد ، وألل السقاء ، قالوا : خرج هذا شاذّا ؛ ليدلّ على أن أصل قرّت عينه قررت ، وأن أصل حلّ الحبل ونحوه حلل. فهذا الذى يرجعون إليه فيما بعد متفرّقا قدّمناه نحن مجتمعا. وكذلك كتب محمد (1)بن الحسن رحمهالله إنما ينتزع أصحابنا (2)منها العلل ، لأنهم يجدونها منثورة فى أثناء كلامه ، فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرّفق. ولا تجد له علّة فى شيء من كلامه مستوفاة محرّرة.
وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور.
الآن قد أريتك بما مثّلته لك من الاحتياط فى وضع العلّة كيف حاله ، والطريق إلى استعمال مثله فيما عدا ما أوردته ، وأن تستشف ذلك الموضع ، فتنظر إلى آخر ما يلزمك إياه الخصم ، فتدخل الاستظهار بذكره فى أضعاف ما تنصبه من علّته ؛ لتسقط عنك فيما بعد الأسولة والإلزامات التى يروم مراسلك الاعتراض بها عليك ، والإفساد لما قرّرته من عقد علّتك. ولا سبيل إلى ذكر جميع ذلك ؛ لطوله ومخافة الإملال ببعضه. وإنما تراد المثل ليكفى قليلها من كثير غيرها ، ولا قوّة إلا بالله.
1) هو صاحب أبى حنيفة ، وصاحب الجامع الكبير ، والجامع الصغير فى الفقه محمد بن الحسن ابن واقد الشيبانى أبو عبد الله الفقيه الحنفى البغدادى توفى سنة 189 تسع وثمانين ومائة ، ومن تصانيفه أيضا الجرجانيات. الرقيات فى المسائل. انظر هديد العارفين 6 / 8 ط دار الكتب.
2) يريد الحنفية ، وكان ابن جنى حنفيا ، وكان ينصر الحنفية على الشافعية. وانظر الترتيب فى الوضوء فى حرف الواو من سر الصناعة.
اعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها ؛ كنصب الفضلة ، أو ما شابه فى اللفظ الفضلة ، ورفع المبتدأ ، والخبر ، والفاعل ، وجرّ المضاف إليه ، وغير ذلك. فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها ، غير مقتصر بها على تجويزها ؛ وعلى هذا مقاد كلام العرب.
وضرب آخر يسمّى علّة ، وإنما هو فى الحقيقة سبب يجوّز ولا يوجب.
من ذلك الأسباب الستّة الداعية إلى الإمالة ، هى علّة الجواز ، لا علّة الوجوب ؛ ألا ترى أنه ليس فى الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بدّ منها ، وأن كلّ ممال لعلّة من تلك الأسباب الستّة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه. فهذه إذا علّة الجواز لا علة الوجوب.
ومن ذلك أن يقال لك : ما علة قلب واو «أقّتت» همزة؟ فتقول : علّة ذلك أن الواو انضمّت ضمّا لازما. وأنت مع هذا تجيز ظهورها واوا غير مبدلة ، فتقول : وقّتت. فهذه علّة الجواز إذا ، لا علّة الوجوب. وهذا وإن كان فى ظاهر ما تراه فإنه معنى صحيح ؛ وذلك أن الجواز معنى تعقله النفس ؛ كما أن الوجوب كذلك ؛ فكما أن هنا علّة للوجوب فكذلك هنا علّة للجواز. هذا أمر لا ينكر ، ومعنى مفهوم لا يتدافع.
ومن علل الجواز أن تقع النكرة بعد المعرفة التى يتم الكلام بها ، وتلك النكرة هى المعرفة فى المعنى ، فتكون حينئذ مخيّرا فى جعلك تلك النكرة - إن شئت - حالا ، و- إن شئت - بدلا ؛ فتقول على هذا : مررت بزيد رجل صالح ، على البدل ، وإن شئت قلت : مررت بزيد رجلا صالحا ، على الحال. أفلا ترى كيف كان وقوع النكرة عقيب المعرفة على هذا الوصف علّة لجواز كلّ واحد من الأمرين ، لا علّة لوجوبه.
وكذلك كلّ ما جاز لك فيه من المسائل الجوابان ، والثلاثة ، وأكثر من ذلك على هذا الحدّ ، فوقوعه عليه علّة لجواز ما جاز منه ، لا علّة لوجوبه. فلا تستنكر
هذا الموضع.
فإن قلت : فهل تجيز أن يحلّ السواد محلا ما ، فيكون ذلك علّة لجواز اسوداده لا لوجوبه؟ قيل : هذا فى هذا ونحوه لا يجوز ، بل لا بدّ من اسوداده البتّة ، وكذلك البياض والحركة والسكون ونحو ذلك متى حلّ شيء منها فى محلّ لم يكن له بدّ من وجود حكمه فيه ووجوبه البتّة له ؛ لأن هناك أمرا لا بدّ من ظهور أثره. وإذا تأمّلت ما قدّمناه رأيته عائدا إلى هذا الموضع ، غير مخالف له ولا بعيد عنه ؛ وذلك أن وقوع النكرة تليّة المعرفة - على ما شرحناه من تلك الصفة - سبب لجواز الحكمين اللذين جازا فيه ؛ فصار مجموع الأمرين فى وجوب جوازهما كالمعنى المفرد الذى استبدّ به ما أريتناه : من تمسّكك بكلّ واحد من السواد والبياض ، والحركة والسكون.
فقد زالت عنك إذا شناعة هذا الظاهر ، وآلت بك الحال إلى صحّة معنى ما قدّمته : من كون الشىء علّة للجواز لا للوجوب. فاعرف ذلك وقسه ؛ فإنه باب واسع.
الكلام فى هذا المعنى من موضعين : أحدهما الحكم الواحد تتجاذب كونه العلّتان أو أكثر منهما. والآخر الحكمان فى الشىء الواحد المختلفان ، دعت إليهما علّتان مختلفتان.
الأوّل منهما كرفع المبتدأ ؛ فإننا نحن نعتلّ لرفعه بالابتداء ، على ما قد بينّاه وأوضحناه من شرحه وتلخيص معناه. والكوفيّون يرفعونه إما بالجزء الثانى الذى هو مرافعه عندهم ، وإمّا بما يعود عليه من ذكره على حسب مواقعه. وكذلك رفع الخبر ورفع الفاعل ، ورفع ما أقيم مقامه ، ورفع خبر إنّ وأخواتها. وكذلك نصب ما انتصب ، وجرّ ما انجرّ ، وجزم ما انجزم ، مما يتجاذب الخلاف فى علله. فكلّ واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل ، على ما هو مشروح من حاله فى أماكنه. وإنما غرضنا أن نرى هنا جمله ، لا أن نشرحه ، ولا أن نتكلم على تقوية ما قوى منه ، وإضعاف ما ضعف منه.
الثانى منهما الحكمان فى الشىء الواحد المختلفان دعت إليهما علّتان مختلفتان ؛ وذلك كإعمال أهل الحجاز ما النافية للحال ، وترك بنى تميم إعمالها ، وإجرائهم إيّاها مجرى (هل) ونحوها ممّا لا يعمل ؛ فكأنّ أهل الحجاز لمّا رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما ، ونافية للحال نفيها إيّاها ، أجروها فى الرفع والنصب مجراها إذا اجتمع فيها الشبهان بها. وكأنّ بنى تميم لمّا رأوها حرفا داخلا بمعناه على الجملة المستقلّة بنفسها ، ومباشرة لكلّ واحد من جزأيها ؛ كقولك : ما زيد أخوك ، وما قام زيد ، أجروها مجرى (هل) ؛ ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفى دخول (هل) عليها للاستفهام ؛ ولذلك كانت عند سيبويه (1)لغة التميميين أقوى قياسا من لغة الحجازيّين.
ومن ذلك (ليتما) ؛ ألا ترى أن بعضهم يركّبهما جميعا ، فيسلب بذلك (ليت)
1) فى الكتاب 1 / 57 يقول : ذلك الحرف «ما». «وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أمّا وهل. وهو القياس ، لأنه ليس بفعل وليس ما كليس ولا يكون فيها إضمار».
عملها ، وبعضهم يلغى (ما) عنها ، فيقرّ عملها عليها : فمن ضمّ (ما) إلى (ليت) وكفّها بها عن عملها ألحقها بأخواتها : من (كأنّ) و (لعلّ) و (لكنّ) وقال أيضا : لا تكون (ليت) فى وجوب العمل بها أقوى من الفعل ؛ [و] قد نراه إذا كفّ ب- (ما) زال عنه عمله ؛ وذلك كقولهم : قلّما يقوم زيد ف- (ما) دخلت على (قلّ) كافّة لها عن عملها ، ومثله كثر ما ، وطالما ، فكما دخلت (ما) على الفعل نفسه فكفّته عن عمله وهيّأته لغير ما كان قبلها متقاضيا له ، كذلك تكون ما كافّة ل- (ليت) عن عملها ، ومصيّرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعا بعدها ، ومن ألغى (ما) عنها وأقرّ عملها ، جعلها كحرف الجرّ فى إلغاء (ما) معه ؛ نحو قول الله تعالى : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) [المائدة : 13] وقوله : (عَمَّا قَلِيلٍ) [المؤمنون : 40] و (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ) [نوح : 25] ونحو ذلك ، وفصل بينها وبين (كأنّ) و (لعلّ) بأنها أشبه بالفعل منهما ؛ ألا تراها مفردة وهما مركّبتان ؛ لأن الكاف زائدة ، واللام زائدة.
هذا طريق اختلاف العلل لاختلاف الأحكام فى الشىء الواحد ؛ فأمّا أيّها أقوى ، وبأيها يجب أن يؤخذ؟ فشىء آخر ليس هذا موضعه ، ولا وضع هذا الكتاب له.
ومن ذلك اختلاف أهل الحجاز وبنى تميم فى هلمّ.
فأهل الحجاز يجرونها مجرى صه ، ومه ، ورويد ، ونحو ذلك مما سمّى به الفعل ، وألزم طريقا واحدا. وبنو تميم يلحقونها علم التثنية والتأنيث والجمع ، ويراعون أصل ما كانت عليه لم. وعلى هذا مساق جميع ما اختلفت العرب فيه.
فالخلاف إذا بين العلماء أعمّ منه بين العرب. وذلك أن العلماء اختلفوا فى الاعتلال لما اتّفقت العرب عليه ، كما اختلفوا أيضا فيما اختلفت العرب فيه ، وكلّ ذهب مذهبا ، وإن كان بعضه قويّا ، وبعضه ضعيفا.
من ذلك قول من اعتلّ لبناء نحو كم ، ومن ، وما ، وإذ ، ونحو ذلك بأنّ هذه الأسماء لمّا كانت على حرفين شابهت بذلك ما جاء من الحروف على حرفين ؛ نحو هل ، وبل ، وقد. قال : فلمّا شابهت الحرف من هذا الموضع وجب بناؤها ، كما أن الحروف مبنيّة. وهذه علّة غير متعدّية ، وذلك أنه كان يجب على هذا أن يبنى ما كان من الأسماء أيضا على حرفين ؛ نحو يد ، وأخ ، وأب ، ودم ، وفم ، وحر ، وهن ، ونحو ذلك.
فإن قيل : هذه الأسماء لها أصل فى الثلاثة ، وإنما حذف منها حرف ، فهو لذلك معتدّ ، فالجواب أنّ هذه زيادة فى وصف العلّة ، لم تأت بها فى أوّل اعتلالك.
وهبنا سامحناك بذلك ، قد كان يجب على هذا أن يبنى باب يد ، وأخ ، وأب ونحو ذلك ؛ لأنه لمّا حذف فنقص شابه الحرف ، وإن كان أصله الثلاثة ؛ ألا ترى أن المنادى المفرد المعرفة قد كان أصله أن يعرب ، فلمّا دخله شبه الحرف لوقوعه موقع المضمر بنى ، ولم يمنع من بنائه جريه معربا قبل حال البناء. وهذا شبه معنوىّ كما ترى ، مؤثّر داع إلى البناء ، والشبه اللفظىّ أقوى من الشبه المعنوىّ ، فقد كان يجب على هذا أن يبنى ما جاء من الأسماء على حرفين وله أصل فى الثلاثة ، وألا يمنع من بنائه كونه فى الأصل ثلاثيّا ، كما لم يمنع من بناء زيد فى النداء كونه فى الأصل معربا ، بل إذا كانت صورة إعراب زيد قبل ندائه معلومة مشاهدة ، ثم لم يمنع ذاك من بنائه كان أن يبنى باب يد ، ودم ، وهن ، لنقصه ولأنه لم يأت تامّا على أصله إلا فى أماكن شاذّة أجدر. وعلى أن منها ما لم يأت على أصله البتّة وهو معرب. وهو حر ، وسه ، وفم. فأمّا قوله :
يا حبّذا عينا سليمى والفما (1)
والجيد والنحر وثدى قد نما*
*1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (فوه) ، (خطا) ، وجواهر الأدب ص 290 ، وخزانة الأدب 4 / 462 ، والدرر 1 / 109 ، ورصف المبانى ص 343 ، وسر صناعة الإعراب ص 484 ، وهمع الهوامع 1 / 39 ، وجمهرة اللغة ص 1307. ويروى وجه بدلا من : عينا. وبعده :
وقول الآخر :
هما نفثا فى فىّ من فمويهما (1)
على النّابح العاوى أسدّ رجام*
*فإنه على كلّ حال لم يأت على أصله ، وإن كان قد زيد (2)
وعليه جاء بيت الفرزدق :
فإن قلت : فقد ظهرت اللام فى تكسير ذلك ؛ نحو أفواه ، وأستاه ، وأحراح ، قيل : قد ظهر أيضا الإعراب فى زيد نفسه ، لا فى جمعه ، ولم يمنع ذلك من بنائه. وكذلك القول فى تحقيره وتصريفه ؛ نحو فويه ، واسته (3)، وحرح (4).
ومن ذلك قول أبى إسحاق فى التنوين اللاحق فى مثال الجمع الأكبر ؛ نحو جوار ، وغواش : إنه عوض من ضمّة الياء ؛ وهذه علّة غير جارية ؛ ألا ترى أنها لو كانت متعدّية لوجب أن تعوّض من ضمّة ياء يرمى ، فتقول : هذا يرم ، ويقض ، ويستقض.
فإن قيل : الأفعال لا يدخلها التنوين ، ففى هذا جوابان : أحدهما أن يقال له :
1) صدر البيت من الطويل ، وهو للفرزدق فى ديوانه 2 / 215 ، وتذكرة النحاة ص 143 ، وجواهر الأدب ص 95 ، وخزانة الأدب 4 / 460 - 464 ، 7 / 476 ، 546 ، والدرر 1 / 156 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 417 ، 2 / 485 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 258 ، وشرح شواهد الشافية ص 115 ، والكتاب 3 / 365 ، 622 ، ولسان العرب (فمم) ، و (فوه) ، والمحتسب 2 / 238 ، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص 235 ، والأشباه والنظائر 1 / 216 ، والإنصاف 1 / 345 ، وجمهرة اللغة ص 1307. وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 215 ، والمقتضب 3 / 158 ، والمقرب 2 / 29 ، وهمع الهوامع 1 / 51. وعجز البيت :
2) وفى اللسان. وحذفت الهاء كما حذفت من شفة ومن عضة ، وبقيت الواو طرفا متحركة فوجب إبدالها ألفا لانفتاح ما قبلها فبقى فا ، ولا يكون الاسم على حرفين أحدهما التنوين ، فأبدل مكانها حرف جلد مشاكل لها ، وهو الميم ، لأنهما شفهيتان. اللسان (فوه). وقد أورد ابن جنى فى سر الصناعة 2 / 51 «فأما «الفما» فيجوز أن تنصبه بفعل مضمر ، كأنه قال : وأحب الفما. ويجوز أن يكون «الفما» فى موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا.
3) الاستة : عظيم الاست.
4) رجل حرح : يحب الأحراح ، جمع حر وهو الفرج.
علّتك ألزمتك إيّاه ، فلا تلم إلا نفسك ؛ والآخر أن يقال له : إن الأفعال إنما يمتنع منها التنوين اللاحق للصرف ، فأمّا التنوين غير ذاك فلا مانع له ؛ ألا ترى إلى تنوينهم الأفعال فى القوافى لمّا لم يكن ذلك الذى هو علم للصرف ؛ كقول العجّاج :
من طلل كالأتحمىّ أنهجن (1)
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا*
*وقول جرير :
وقولى إن أصبت : لقد أصابن (2)
أقلّى اللوم عاذل والعتابن*
*ومع هذا ، فهل التنوين إلا نون ، وقد ألحقوا الفعل النونين : الخفيفة والثقيلة.
وهاهنا إفساد لقول أبى إسحاق آخر ؛ وهو أن يقال له : إن هذه الأسماء قد عاقبت ياءاتها ضمّاتها ؛ ألا تراها لا تجتمع معها ، فلمّا عاقبتها جرت لذلك مجراها ، فكما أنك لا تعوّض من الشىء وهو موجود ، فكذلك أيضا يجب ألا تعوّض منه وهناك ما يعاقبه ويجرى مجراه. غير أن الغرض فى هذا الكتاب إنما هو الإلزام الأوّل ؛ لأن به ما يصحّ تصوّر العلّة ، وأنها غير متعدّية.
ومن ذلك قول الفرّاء فى نحو لغة ، وثبة ، ورئة ، ومائة : إن ما كان من ذلك المحذوف منه الواو فإنه يأتى مضموم الأوّل ؛ نحو لغة ، وبرة ، وثبة ، وكرة ، وقلة ؛ وما كان من الياء فإنه يأتى مكسور الأوّل ؛ نحو مائة ، ورئة. وهذا يفسده قولهم : سنة ، فيمن قال : سنوات (3)، وهى من الواو كما ترى ، وليست مضمومة الأوّل.
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (بيع) ، وهو للعجاج فى ديوانه 2 / 13 ، وتخليص الشواهد ص 47 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 514 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 351 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 793 ، وشرح المفصل 1 / 64 ، والكتاب 4 / 207 ، والمقاصد النحوية 1 / 26 ، وتاج العروس (بلل) ، ولرؤبة فى معاهد التنصيص 1 / 14 ، وليس فى ديونه وبلا نسبة فى رصف المبانى ص 354 ، ولسان العرب (بيع) ، وكتاب العين 3 / 393. وقبله :
2) عجز البيت من الوافر ، وهو لجرير فى ديوانه ص 813 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (روى). وصدر البيت :
3) فى الكامل 2 / 374 «والواو فى قول بعض «سنة» فإنّ بعضهم يقول «سنهات» ، وهذا الحرف فى القرآن يقرأ على ضروب : فمن قرأ «لم يتسنّه وانظر» فوصل بالهاء فهو مأخوذ من «سانهت» ومن جعله من الواو قال فى الوصل : «لم يتسنّ وانظر» فإذا وقف قال : «لم يتسنّه» فكانت الهاء زائدة لبيان الحركة ، بمنزلة الهاء فى قوله : «فبهداهم اقتده» ، و «كتابيه» و «حسابيه».
وكذلك قولهم : عضة ، محذوفها الواو ؛ لقولهم فيها : عضوات ؛ قال :
هذا طريق يأزم المآزما
وعضوات تقطع اللهازما (1)
وقالوا أيضا : ضعة ، وهى من الواو مفتوحة الأوّل ؛ ألا تراه قال :
فهذا وجه فساد العلل إذا كانت واقفة غير متعدّية. وهو كثير ، فطالب فيه بواجبه ، وتأمّل ما يرد عليك من أمثاله.
1) الرجز بلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 289 ، وجواهر الأدب ص 96 ، وخزانة الأدب 6 / 442 ، وشرح المفصل 5 / 38 ، والكتاب 3 / 360 ، ولسان العرب (أزم) ، (عضه) ، ومجالس ثعلب 1 / 44 ، والممتع فى التصريف 2 / 625 ، والمنصف 1 / 59 ، 3 / 38 ، 127 ، والمخصص 14 / 7 ، وتاج العروس (أزم) ، (عضه). ويروى عصوات ، وهى جمع عصا ، وأنشد الأصمعى عن أبى مهديّة. و «تمشق» بدل «تقطع» وتمشق : تضرب. والمأزم : كل طريق ضيّق بين جبلين.
2) الرجز لجرير فى ديوانه ص 186 ، 187 ، ولسان العرب (دلج) ، (ولج) ، (ضعا) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 223 ، وكتاب العين 2 / 195 ، وتاج العروس (دلج) ، (ضعا) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (تلج) ، ومقاييس اللغة 3 / 362 ، ومجمل اللغة 3 / 282 ، وديوان 2 / 36 ، والمخصص 7 / 182. والضعوات : جمع ضعة لنبت مثل الثمام. والتولج : كناس الظبى أو الوحش الذى يلج فيه ، التاء فيه مبدلة من الواو. وانظر اللسان (ضعو ، ولج).
ذكر أبو بكر (1)فى أوّل أصوله هذا ؛ ومثّل منه برفع الفاعل. قال : فإذا سئلنا عن علّة رفعه قلنا : ارتفع بفعله ، فإذا قيل : ولم صار الفاعل مرفوعا؟ فهذا سؤال عن علّة العلّة.
وهذا موضع ينبغى أن تعلم منه أنّ هذا الذى سماه علّة العلّة إنما هو بتجوّز فى اللفظ ، فأمّا فى الحقيقة فإنّه شرح وتفسير وتتميم للعلّة ؛ ألا ترى أنه إذا قيل له : فلم ارتفع الفاعل قال : لإسناد الفعل إليه ، ولو شاء لابتدأ هذا فقال فى جواب رفع زيد من قولنا قام زيد : إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه ، فكان مغنيا عن قوله : إنما ارتفع بفعله ، حتى تسأله فيما بعد عن العلّة التى ارتفع لها الفاعل. وهذا هو الذى أراده المجيب بقوله : ارتفع بفعله ، أى بإسناد الفعل إليه.
نعم ولو شاء لما طله فقال له : ولم صار المسند إليه الفعل مرفوعا؟ فكان جوابه أن يقول : إن صاحب الحديث أقوى الأسماء ، والضمّة أقوى الحركات ، فجعل الأقوى للأقوى. وكان يجب على ما رتّبه أبو بكر أن تكون هنا علّة ، وعلّة العلّة ، وعلّة علّة العلّة. وأيضا فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول : وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة ؛ لئلا يجمعوا بين ثقيلين. فإن تكلّف متكلّف جوابا عن هذا تصاعدت عدّة العلل ، وأدّى ذاك إلى هجنة القول وضعفة القائل به ، وكذلك لو قال لك قائل فى قولك : قام القوم إلا زيدا : لم نصبت زيدا؟ لقلت : لأنه مستثنى ؛ وله من بعد أن يقول : ولم نصبت المستثنى؟ فيكون من جوابه ؛ لأنه فضلة ؛ ولو شئت أجبت مبتدئا بهذا فقلت : إنما نصبت زيدا فى قولك : قام القوم إلا زيدا ؛ لأنه فضلة. والباب واحد ، والمسائل كثيرة. فتأمّل وقس.
فقد ثبت بذلك أن هذا موضع تسمّح (فيه أبو بكر) أو لم ينعم تأمّله.
1) هو ابن السراج.
ومن بعد فالعلّة الحقيقية عند أهل النظر لا تكون معلولة ؛ ألا ترى أن السواد الذى هو علّة لتسويد ما يحلّه إنما صار كذلك لنفسه ، لا لأن جاعلا جعله على هذه القضيّة. وفى هذا بيان.
فقد ثبت إذا أن قوله : علّة العلة إنما غرضه فيه أنه تتميم وشرح لهذه العلّة المقدّمة عليه. وإنما ذكرناه فى جملة هذه الأبواب لأن أبا بكر - رحمهالله - ذكره ، فأحببنا أن نذكر ما عندنا فيه. وبالله التوفيق.
وهو على ضربين : أحدهما ما لا نظر فيه ؛ والآخر محتاج إلى النظر.
الأوّل منهما نحو قولك : هذه عشرىّ ، وهؤلاء مسلمىّ. فقياس هذا على قولك : عشروك ومسلموك أن يكون أصله عشروى ومسلموى ، فقلبت الواو ياء لأمرين كلّ واحد منهما موجب للقلب ، غير محتاج إلى صاحبه للاستعانة به على قلبه : أحدهما اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون ؛ والآخر أن ياء المتكلّم أبدا تكسر الحرف الذى قبلها إذا كان صحيحا ، نحو هذا غلامى ، ورأيت صاحبى ؛ وقد ثبت فيما قبل أن نظير الكسر فى الصحيح الياء فى هذه الأسماء ؛ نحو مررت بزيد ، ومررت بالزيدين ، ونظرت إلى العشرين. فقد وجب إذا ألا يقال : هذه عشروى بالواو ، كما لا يقال : هذا غلامى بضمّ الميم. فهذه علّة غير الأولى فى وجوب قلب الواو ياء فى عشروى وصالحوى ونحو ذلك ، وأن يقال عشرىّ بالياء البتّة ؛ كما يقال هذا غلامى بكسر الميم البتّة.
ويدلّ على وجوب قلب هذه الواو إلى الياء فى هذا الموضع من هذا الوجه ولهذه العلّة لا للطريق الأوّل - من استكراههم إظهار الواو ساكنة قبل الياء - أنهم لم يقولوا : رأيت فاى ، وإنما يقولون : رأيت فى. هذا مع أنّ هذه الياء لا ينكر أن تأتى بعد الألف ؛ نحو رحاى وعصاى ؛ لخفّة الألف ، فدلّ امتناعهم من إيقاع الألف قبل هذه الياء على أنه ليس طريقه طريق الاستخفاف والاستثقال ، وإنما هو لاعتزامهم ترك الألف والواو قبلها ؛ كتركهم الفتحة والضمّة قبل الياء فى الصحيح ؛ نحو غلامى ودارى.
فإن قيل : فأصل هذا إنما هو لاستثقالهم الياء بعد الضمة لو قالوا : هذا غلامى ، قيل : لو كان لهذا الموضع البتّة ، لفتحوا ما قبلها ؛ لأن الفتحة على كل حال أخفّ قبل الياء من الكسرة ، فقالوا : رأيت غلامى. فإن قيل : لمّا تركوا الضمّة هنا وهى علم للرفع أتبعوها الفتحة ؛ ليكون العمل من موضع واحد ، كما أنهم لمّا استكرهوا الواو بعد الياء نحو يعد حذفوها أيضا بعد الهمزة والنون والتاء فى نحو أعد ،
ونعد ، وتعد ؛ قيل يفسد هذا من أوجه. وذلك أن حروف المضارعة تجرى مجرى الحرف الواحد من حيث كانت كلّها متساوية فى جعلها الفعل صالحا لزمانين : الحال والاستقبال ؛ فإذا وجب فى أحدها شيء أتبعوه سائرها ، وليس كذلك علم الإعراب : ألا ترى أن موضوع الإعراب على مخالفة بعضه بعضا ؛ من حيث كان إنما جيء به دالا على اختلاف المعانى.
فإن قلت : فحروف المضارعة أيضا موضوعة على اختلاف معانيها ؛ لأن الهمزة للمتكلّم ، والنون للمتكلّم إذا كان معه غيره ؛ وكذلك بقيّتها ، قيل : أجل ، إلا أنها كلها مع ذلك مجتمعة على معنى واحد ، وهو جعلها الفعل صالحا للزمانين على ما مضى. فإن قلت : فالإعراب أيضا كلّه مجتمع على جريانه على حرفه ، قيل : هذا عمل لفظىّ ، والمعانى أشرف من الألفاظ.
وأيضا فتركهم إظهار الألف قبل هذه الياء مع ما يعتقد من خفّة الألف - حتى إنه لم يسمع منهم نحو فاى ، ولا أباى ، ولا أخاى ، وإنما المسموع عنهم رأيت أبى وأخى ، وحكى سيبويه كسرت فىّ - أدلّ دليل على أنهم لم يراعوا حديث الاستخفاف والاستثقال حسب ، وأنّه أمر غيرهما. وهو اعتزامهم ألا تجيء هذه الياء إلّا بعد كسرة أو ياء أو ألف لا تكون علما للنصب : نحو هذه عصاى وهذا مصلاى. وعلى أن بعضهم راعى هذا الموضع أيضا فقلب هذه الألف ياء فقال : عصىّ ، ورحيّ ، ويا بشرىّ [هذا غلام](1)، وقال أبو دواد :
فأبلونى بليتكم لعلىّ
أصالحكم وأستدرج نويّا (2)
وروينا أيضا عن قطرب :
يطوّف بى عكبّ فى معد
ويطعن بالصملّة فى قفيّا
1) «يا بشرىّ» بتشديد الياء : قراءة أبى الطفيل والحسن وابن أبى إسحاق والجحدرى : بقلب الألف ياء وإدغامها فى ياء الإضافة ، وهى لغة لهذيل وانظر البحر 5 / 291.
2) البيت من الوافر ، وهو لأبى دؤاد الإيادى فى ديوانه ص 350 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 701 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 839 ، وللهذلىّ فى مغنى اللبيب 2 / 477 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (علل) ، ومغنى اللبيب 2 / 423.
فإن لم تثأرانى من عكب
فلا أرويتما أبدا صديّا (1)
وهو كثير. ومن قال هذا لم يقل فى هذان غلاماى : [غلامىّ] بقلب الألف ياء ؛ لئلا يذهب علم الرفع.
ومن المعلول بعلّتين قولهم : سىّ ، وريّ. وأصله سوى ، وروى ، فانقلبت الواو ياء - إن شئت - ؛ لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة ، و- إن شئت - ؛ لأنها ساكنة قبل الياء. فهاتان علّتان ، إحداهما كعلّة قلب ميزان ؛ والأخرى كعلّة طيّا وليّا مصدرى طويت ولويت ؛ وكل واحدة منهما مؤثّرة.
فهذا ونحوه أحد ضربى الحكم المعلول بعلّتين ، الذى لا نظر فيه.
والآخر منهما ما فيه النظر ؛ وهو باب ما لا ينصرف. وذلك أن علّة امتناعه من الصرف إنما هى لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل. فأمّا السبب الواحد فيقلّ عن أن يتم علّة بنفسه حتى ينضمّ إليه الشبه الآخر من الفعل.
فإن قيل : فإذا كان فى الاسم شبه واحد من أشباه الفعل ، أله فيه تأثير أم لا؟ فإن كان له فيه تأثير فما ذا التأثير؟ وهل صرف زيد إلا كصرف كلب وكعب؟ وإن لم يكن للسبب الواحد إذا حلّ الاسم تأثير فيه فما باله إذا انضمّ إليه سبب آخر أثّرا فيه فمنعاه الصرف؟ وهلا إذا كان السبب الواحد لا تأثير له فيه لم يؤثّر فيه الآخر كما لم يؤثر فيه الأوّل؟ وما الفرق بين الأوّل والآخر؟ فكما لم يؤثّر الأول هلا لم يؤثّر الآخر؟
فالجواب أن السبب الواحد وإن لم يقو حكمه إلى أن يمنع الصرف فإنه لا بدّ فى حال انفراده من تأثير فيما حلّه ، وذلك التأثير الذى نومئ إليه وندّعى حصوله هو تصويره الاسم الذى حلّه على صورة ما إذا انضمّ إليه سبب آخر اعتونا معا
1) البيتان من الوافر ، وهما للمنخّل اليشكرى فى الأغانى 21 / 8 ، ولسان العرب (عكب) ، (حرر) ، وبلا نسبة فى إصلاح المنطق ص 402 ، وشرح عمدة الحافظ ص 514 ، وشرح المفصل 3 / 33 ، والمحتسب 1 / 76. عكبّ : هو عكبّ اللخمىّ ، صاحب سجن النعمان بن المنذر. والصملّة : العصا اللسان (عكب) ، تاج العروس (صمل). والصّدى : طائر يصيح فى هامة المقتول إذا لم يثأر به ، وإنما كان يزعم ذلك أهل الجاهلية. اللسان (صدى).
على منع الصرف ؛ ألا ترى أن الأوّل لو لم تجعله على هذه الصفة التى قدّمنا ذكرها لكان مجىء الثانى مضموما إليه لا يؤثّر أيضا ؛ كما لم يؤثّر الأوّل ، ثم كذلك إلى أن تفنى أسباب منع الصرف ، فتجتمع كلها فيه وهو مع ذلك منصرف.
لا ، بل دلّ تأثير الثانى على أن الأوّل قد كان شكّل الاسم على صورة إذا انضمّ إليه سبب آخر انضمّ إليها مثلها ، وكان من مجموع الصورتين ما يوجب ترك الصرف.
فإن قلت : ما تقول فى اسم أعجمىّ ، علم فى بابه ، مذكّر ، متجاوز للثلاثة ؛ نحو يوسف وإبراهيم ، ونحن نعلم أنه الآن غير مصروف لاجتماع التعريف والعجمة عليه ، فلو سمّيت به من بعد مؤنّثا ألست قد جمعت فيه بعد ما كان عليه - من التعريف والعجمة - التأنيث ، فليت شعرى أبالأسباب الثلاثة منعته الصرف أم باثنين منها؟
فإن كان بالثلاثة كلّها فما الذى زاد فيه التأنيث الطارئ عليه؟ فإن كان لم يزد فيه شيئا فقد رأيت أحد أشباه الفعل غير مؤثّر ؛ وليس هذا من قولك. وإن كان أثّر فيه التأنيث الطارئ عليه شيئا فعرّفنا ما ذلك المعنى.
فالجواب هو أنه جعله على صورة ما إذا حذف منه سبب من أسباب الفعل بقى بعد ذلك غير مصروف أيضا ؛ ألا تراك لو حذفت من يوسف اسم امرأة التأنيث ، فأعدته إلى التذكير لأقررته أيضا على ما كان عليه من ترك الصرف ، وليس كذلك امرأة سمّيتها بجعفر ، ومالك ؛ ألا تراك لو نزعت عن الاسم تأنيثه لصرفته ؛ لأنك لم تبقّ فيه بعد إلا شبها واحدا من أشباه الفعل. فقد صار إذا المعنى الثالث مؤثّرا أثرا ما ؛ كما كان السبب الواحد مؤثّرا أثرا ما ؛ على ما قدّمنا ذكره ؛ فاعرف ذلك.
وأيضا فإن «يوسف» اسم امرأة أثقل منه اسم رجل ، كما أن «عقرب» اسم امرأة أثقل من «هند» ؛ ألا تراك تجيز صرفها ، ولا تجيز صرف «عقرب» علما. فهذا إذا معنى حصل ليوسف عند تسمية المؤنّث به ، وهو معنى زائد بالشّبه الثالث.
فأمّا قول من قال : إن الاسم الذى اجتمع فيه سببان من أسباب منع الصرف فمنعه إذا انضمّ إلى ذلك ثالث امتنع من الإعراب أصلا ففاسد عندنا من أوجه :
أحدها أن سبب البناء فى الاسم ليس طريقه طريق حديث الصرف ، وترك
الصرف ؛ إنما سببه مشابهة الاسم للحرف لا غير. وأمّا تمثيله ذلك بمنع إعراب حذام ، وقطام ، وبقوله فيه : إنه لمّا كان معدولا عن حاذمة ، وقاطمة ، وقد كانتا معرفتين لا ينصرفان (1)، وليس بعد منع الصرف إلا ترك الإعراب البتّة ، فلا حق فى الفساد بما قبله ؛ لأنه منه ، وعليه حذاه. وذلك أن علّة منع هذه الإعراب إنما هو شيء أتاها من باب دراك ، ونزال ، ثمّ شبّهت حذام ، وقطام ، ورقاش بالمثال ، والتعريف ، والتأنيث بباب دراك ، ونزال ، على (ما بيّنّاه) هناك. فأمّا أنه لأنه ليس بعد منع الصرف إلا رفع الإعراب أصلا فلا.
ومما يفسد قول من قال : إن الاسم إذا منعه السببان الصرف فإن اجتماع الثلاثة فيه ترفع عنه الإعراب أنا نجد فى كلامهم من الأسماء ما يجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف ، وهو مع ذلك معرب غير مبنىّ. وذلك كامرأة سمّيتها «بأذربيجان» فهذا اسم قد اجتمعت فيه خمسة موانع : وهى التعريف ، والتأنيث ، والعجمة ، والتركيب ، والألف والنون ، وكذلك إن عنيت «بأذربيجان» البلدة ، والمدينة ؛ لأن البلد فيه الأسباب الخمسة ؛ وهو مع ذلك معرب كما ترى. فإذا كانت الأسباب الخمسة لا ترفع الإعراب فالثلاثة أحجى بألا ترفعه ، وهذا بيان.
ولتحامى الإطالة ما أحذف أطرافا من القول ؛ على أنّ فيما يخرج إلى الظاهر كافيا بإذن الله.
1) كذا فى الأصول. والوجه أن يقال : تنصرفان ، وكأنه ذكّر نظرا لتأوّلهما باللفظين. (نجار).
باب فى إدراج (1)العلة واختصارها
هذا موضع يستمرّ (النحويّون عليه) ، فيفتق عليهم ما يتعبون بتداركه ، والتعذّر منه. وذلك كسائل سأل عن قولهم : آسيت الرجل ، فأنا أواسيه ، وآخيته ، فأنا أواخيه ، فقال : وما أصله؟ فقلت : أؤاسيه ، وأؤاخيه - وكذلك نقول - فيقول لك : فما علّته فى التغيير؟ فتقول : اجتمعت الهمزتان ، فقلبت الثانية واوا ؛ لانضمام ما قبلها. وفى ذلك شيئان : أحدهما أنك لم تستوف ذكر الأصل ، والآخر أنك لم تتقصّ شرح العلّة.
أمّا إخلالك بذكر حقيقة الأصل فلأن أصله «أؤاسوك» لأنه أفاعلك من الأسوة ، فقلبت الواو ياء لوقوعها طرفا بعد الكسرة ، وكذلك أؤاخيك أصله «أؤاخوك» لأنه من الأخوّة ، فانقلبت اللام لما ذكرنا ؛ كما تنقلب فى نحو أعطى واستقصى.
وأمّا تقصّى علّة تغيير الهمزة بقلبها واوا فالقول فيه أنه اجتمع فى كلمة واحدة همزتان غير عينين ، (الأولى منهما مضمومة ، والثانية مفتوحة) و (هى) حشو غير طرف ، فاستثقل ذلك ، فقلبت الثانية على حركة ما قبلها - وهى الضمّة - واوا.
ولا بدّ من ذكر جميع ذلك ، وإلا أخللت ؛ ألا ترى أنك قد تجمع فى الكلمة الواحدة بين همزتين فتكونان عينين ، فلا تغيّر ذلك ؛ وذلك نحو سآل ورءاس ، وكبنائك من سألت نحو تبّع ، فتقول : «سؤّل» فتصحّان لأنهما عينان ، ألا ترى أن لو بنيت من قرأت مثل «جرشع» (2)لقلت «قرء» وأصله قرؤؤ ، فقلبت الثانية ياء ، وإن كانت قبلها همزة مضمومة ، وكانتا فى كلمة واحدة ، لمّا كانت الثانية منهما طرفا لا حشوا. وكذلك أيضا ذكرك كونهما فى كلمة واحدة ؛ ألا ترى أن من العرب من يحقّق الهمزتين إذا كانتا من كلمتين ؛ نحو قول الله تعالى : (السُّفَهاءُ
أَلا) [البقرة : 13] فإذا كانتا فى كلمة واحدة فكلّهم يقلب ؛ نحو جاء ، وشاء ، ونحو خطايا ، ورزايا ، فى قول الكافّة غير الخليل.
فأمّا ما يحكى عن بعضهم من تحقيقهما فى الكلمة الواحدة ؛ نحو أئمة ، وخطائئ [مثل خطا عع] ، وجائئ فشاذّ لا يجوز أن يعقد عليه باب. ولو اقتصرت فى تعليل التغيير فى (أواسيك) ونحوه على أن تقول : اجتمعت الهمزتان فى كلمة واحدة ، فقلبت الثانية واوا ، لوجب عليك أن تقلب الهمزة الثانية فى نحو سئال ورءاس واوا ، وأن تقلب همزة أأدم وأأمن واوا ، وأن تقلب الهمزة الثانية فى خطائئ واوا. ونحو ذلك كثير لا يحصى ؛ وإنما أذكر من كلّ نبذا ، لئلا يطول الكتاب جدّا.
باب فى دور (1)الاعتلال
هذا موضع طريف. ذهب محمّد بن يزيد فى وجوب إسكان اللام فى نحو ضربن ، وضربت إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير : يعنى مع الحركتين قبل.
وذهب أيضا فى حركة الضمير من نحو هذا أنها إنما وجبت لسكون ما قبله. فتارة اعتلّ لهذا بهذا ، ثمّ دار تارة أخرى ، فاعتلّ لهذا بهذا. وفى ظاهر ذلك اعتراف بأن كلّ واحد منهما ليست له حال مستحقّة تخصّه فى نفسه ، وإنما استقرّ على ما استقرّ عليه لأمر راجع إلى صاحبه.
ومثله ما أجازه سيبويه فى جرّ (الوجه) من قولك : هذا الحسن الوجه. وذلك أنه أجاز فيه الجرّ من وجهين : أحدهما طريق الإضافة الظاهرة ، والآخر تشبيه بالضارب الرجل. [وقد أحطنا علما بأن الجرّ إنما جاز فى الضارب الرجل] ونحوه ممّا كان الثانى منهما منصوبا ؛ لتشبيههم إيّاه بالحسن الوجه ؛ أفلا ترى كيف صار كلّ واحد من الموضعين علّة لصاحبه فى الحكم الواحد الجارى عليهما جميعا.
وهذا من طريف أمر هذه اللغة ، وشدّة تداخلها ، وتزاحم الألفاظ والأغراض على جهاتها. والعذر أن الجرّ لمّا فشا واتّسع فى نحو الضارب الرجل ، والشاتم الغلام ، والقاتل البطل ، صار - لتمكّنه فيه ، وشياعه فى استعماله - كأنه أصل فى بابه ، وإن كان إنما سرى إليه لتشبيهه بالحسن الوجه. فلمّا كان كذلك قوى فى بابه ، حتى صار لقوّته قياسا وسماعا ، كأنه أصل للجرّ فى (هذا الحسن الوجه) ، وسنأتى على بقيّة هذا الموضع فى باب نفرده له بإذن الله.
لكن ما أجازه أبو العبّاس وذهب إليه فى باب ضربن وضربت من تسكين اللام لحركة الضمير ، وتحريك الضمير لسكون اللام شنيع الظاهر ، والعذر فيه أضعف
1) دور الاعتلال : هو أن يعلل الشىء بعلة معللة بذلك الشىء مثل : «ملكت» فوجب تسكين لام الفعل لاتصاله بتاء الضمير المتحركة ، وتحرك هذه «التاء» بسبب السكون العارض فى آخر الفعل فاعتلّ لهذا بهذا ثم دار فاعتلّ لهذا بهذا. المعجم المفصل فى النحو ص 519.
منه فى مسألة الكتاب ، ألا ترى أن الشىء لا يكون علّة نفسه ، وإذا لم يكن كذلك كان من أن يكون علّة علّته أبعد ، وليس كذلك قول سيبويه ؛ وذلك أن الفروع إذا تمكّنت (قويت قوّة تسوّغ) حمل الأصول عليها. وذلك لإرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوّة الحكم.
لضعفه هو فى نفسه عن إحكام العلة
اعلم أن هذا الموضع هو الذى يتعسّف بأكثر من ترى. وذلك أنه لا يعرف أغراض القوم ، فيرى لذلك أن ما أوردوه من العلّة ضعيف واه ساقط غير متعال.
وهذا كقولهم : يقول النحويّون إن الفاعل رفع ، والمفعول به نصب ، وقد ترى الأمر بضدّ ذلك ؛ ألا ترانا نقول : ضرب زيد فنرفعه وإن كان مفعولا به ، ونقول : إنّ زيدا قام فننصبه وإن كان فاعلا ، ونقول : عجبت من قيام زيد فنجرّه وإن كان فاعلا ، ونقول أيضا : قد قال الله عزوجل : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) [البقرة : 149 ، 150] فرفع (حيث) وإن كان بعد حرف الخفض. ومثله عندهم فى الشناعة قوله - عزوجل - (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم : 4] وما يجرى هذا المجرى.
ومثل هذا يتعب مع هذه الطائفة ، لا سيّما إذا كان السائل [عنه] من يلزم الصبر عليه. ولو بدأ الأمر بإحكام الأصل لسقط عنه هذا الهوس وذا اللغو ؛ ألا ترى أنه لو عرف أن الفاعل عند أهل العربيّة ليس كلّ من كان فاعلا فى المعنى ، وأن الفاعل عندهم إنما هو كلّ اسم ذكرته بعد الفعل وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم ، وأن الفعل الواجب وغير الواجب فى ذلك سواء ، لسقط صداع هذا المضعوف السؤال.
وكذلك القول على المفعول أنه إنما ينصب إذا أسند الفعل إلى الفاعل ، فجاء هو فضلة ، وكذلك لو عرف أن الضمّة فى نحو حيث وقبل وبعد ليست إعرابا وإنما هى بناء.
وإنما ذكرت هذا الظاهر الواضح ليقع الاحتياط فى المشكل الغامض. وكذلك ما يحكى عن الجاحظ من أنه قال : قال النحويون : إن أفعل الذى مؤنّثه فعلى لا يجتمع فيه الألف واللام ومن ، وإنما هو بمن أو بالألف واللام ؛ نحو قولك : الأفضل وأفضل منك ، والأحسن وأحسن من جعفر ، ثم قال : وقد قال الأعشى :
فلست بالأكثر منهم حصى
وإنّما العزّة للكاثر (1)
ورحم الله أبا عثمان ، أما إنه لو علم أن «من» فى هذا البيت ليست التى تصحب أفعل للمبالغة ؛ نحو أحسن منك وأكرم منك ، لضرب عن هذا القول إلى غيره مما يعلو فيه قوله ، ويعنو لسداده وصحّته خصمه. وذلك أن «من» فى بيت الأعشى إنما هى كالتى فى قولنا : أنت من الناس حرّ ، وهذا الفرس من الخيل كريم. فكأنه قال : لست من بينهم بالكثير الحصى ، ولست فيهم بالأكثر حصى. فاعرف ذلك.
1) البيت من السريع ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 193 ، والاشتقاق ص 65 ، وأوضح المسالك 3 / 295 ، وخزانة الأدب 1 / 185 ، 3 / 400 ، 8 / 250 ، 254 ، وشرح التصريح 2 / 104 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 351 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 902 ، وشرح المفصل 6 / 100 ، 103 ، ولسان العرب (كثر) ، (سدف) ، (حصى) ، ومغنى اللبيب 2 / 572 ، والمقاصد النحويّة 4 / 38 ، ونوادر أبى زيد ص 25 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 422 ، وخزانة الأدب 2 / 211 ، وشرح الأشمونى 2 / 386 ، وشرح ابن عقيل ص 465 ، وشرح المفصل 3 / 6.
ظاهر هذا الحديث طريف ، ومحصوله صحيح ، وذلك إذا كان الأوّل المردود إليه الثانى جاريا على (صحّة علّة).
من ذلك أن يقول قائل : إذا كان الفعل قد حذف فى الموضع الذى لو ظهر فيه لما أفسد معنى كان ترك إظهاره فى الموضع الذى لو ظهر فيه لأحال المعنى وأفسده أولى وأحجى ؛ ألا ترى أنهم يقولون : الذى فى الدار زيد ، وأصله الذى استقرّ أو ثبت فى الدار زيد ، ولو أظهروا هذا الفعل هنا لما أحال معنى ؛ ولا أزال غرضا ، فكيف بهم فى ترك إظهاره فى النداء ؛ ألا ترى أنه لو تجشّم إظهاره فقيل : أدعو زيدا ، وأنادى زيدا لاستحال أمر النداء فصار إلى لفظ الخبر المحتمل للصدق والكذب ، والنداء ممّا لا يصحّ فيه تصديق ولا تكذيب.
ومن الاعتلال لهم بأفعالهم أن تقول : إذا كان اسم الفاعل - على قوّة تحمّله للضمير - متى جرى على غير من هو له - صفة أو صلة أو حالا أو خبرا - لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل ، فما ظنّك بالصفة المشبّهة باسم الفاعل ؛ نحو قولك : زيد هند شديد عليها هو ، إذا أجريت (شديدا) خبرا عن (هند) وكذلك قولك : أخواك زيد حسن فى عينه هما ، والزيدون هند ظريف فى نفسها هم ، وما ظنّك أيضا بالشّفة المشبّهة [بالصفة المشبّهة] باسم الفاعل ؛ نحو قولك : أخوك جاريتك أكرم عليها من عمرو هو ، وغلاماك أبوك أحسن عنده من جعفر هما ، والحجر الحيّة أشدّ عليها من العصا هو.
ومن قال : مررت برجل أبى عشرة أبوه قال : أخواك جاريتهما أبو عشرة عندها هما ، فأظهرت الضمير. وكان ذلك أحسن من رفعه الظاهر ؛ لأن هذا الضمير وإن كان منفصلا ومشبها للظاهر بانفصاله فإنه على كلّ حال ضمير. وإنما وحّدت فقلت : أبو عشرة عندها هما ولم تثنّه فتقول : أبوا عشرة ؛ من قبل أنه قد رفع ضميرا منفصلا مشابها للظاهر ، فجرى مجرى قولك : مررت برجل أبى عشرة أبواه. فلمّا رفع الظاهر ، وما يجرى مجرى الظاهر شبّهه بالفعل فوحّد ألبتّة. ومن
قال : مررت برجل قائمين أخواه فأجراه مجرى قاما أخواه فإنه يقول : مررت برجل أبوى عشرة أبواه. والتثنية فى (أبوى عشرة) من وجه تقوى ، ومن آخر تضعف. أمّا وجه القوّة فلأنها بعيدة عن اسم الفاعل الجارى مجرى الفعل ، فالتثنية فيه - لأنه اسم - حسنة ؛ وأمّا وجه الضعف فلأنه على كل حال قد أعمل فى الظاهر ، ولم يعمل إلا لشبهه بالفعل ؛ وإذا كان كذلك وجب له أن يقوى شبه الفعل ؛ ليقوم العذر بذلك فى إعماله عمله ؛ ألا ترى أنهم لمّا شبّهوا الفعل باسم الفاعل فأعربوه كنفوا هذا المعنى بينهما ، وأيّدوه بأن شبّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه. وهذا فى معناه واضح سديد كما تراه.
وأمثال هذا فى الاحتجاج لهم بأفعالهم كثيرة ، وإنما أضع من كل شيء رسما ما ، ليحتذى. فأما الإطالة والاستيعاب فلا.
اعلم أن هذا - على [ما فى] ظاهره - صحيح ومستقيم. وذلك أن ينبغ من أصحابه نابغ فينشئ خلافا ما على أهل مذهبه ، فإذا سمّع خصمه به ، وأجلب عليه قال : هذا لا يقول به أحد من الفريقين ؛ فيخرجه مخرج التقبيح له ، والتشنيع عليه.
وذلك كإنكار أبى العبّاس (1)جواز تقديم خبر (ليس) عليها ؛ فأحد ما يحتجّ به عليه أن يقال له : إجازة هذا مذهب سيبويه وأبى الحسن وكافّة أصحابنا ، والكوفيّون (2)أيضا معنا. فإذا كانت إجازة ذلك مذهبا للكافّة من البلدين وجب عليك - يا أبا العبّاس - أن تنفر عن خلافه ، وتستوحش منه ، ولا تأنس بأوّل خاطر يبدو لك فيه.
ولعمرى إن هذا ليس بموضع قطع على الخصم ؛ إلا أن فيه تشنيعا عليه ، وإهابة به إلى تركه ، وإضاقة (3)لعذره فى استمراره عليه ، وتهالكه فيه ، من غير إحكامه وإنعام الفحص عنه. وإنما لم يكن فيه قطع لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ، ما لم يلو بنصّ أو ينتهك حرمة شرع. فقس على ما ترى ؛ فإننى إنما أضع من كل شيء مثالا موجزا.
1) أبو العباس هو المبرد.
2) ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر «ليس» عليها ، وإليه ذهب أبو العباس المبرد من البصريين ، وزعم بعضهم أنه مذهب سيبويه ، وليس بصحيح ، والصحيح أنه ليس له فى ذلك نص. وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر «ليس» عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها. الإنصاف 1 / 160 المسألة 18.
3) الإضافة : التضييق.
اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص. والمقيس على المنصوص ، فأمّا إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه. وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره فى قرآن ولا سنّة أنهم لا يجتمعون على الخطأ ؛ كما جاء النصّ عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم من قوله : «أمّتى لا تجتمع على ضلالة» (1)وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة. فكلّ من فرق له عن علّة صحيحة ، وطريق نهجة كان خليل نفسه ، وأبا عمرو فكره.
إلا أننا - مع هذا الذى رأيناه وسوّغنا مرتكبه - لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التى قد طال بحثها ، وتقدّم نظرها ، وتتالت أواخر على أوائل ، وأعجازا على كلاكل ، والقوم الذين لا نشكّ فى أن الله - سبحانه وتقدّست أسماؤه - قد هداهم لهذا العلم الكريم ، وأراهم وجه الحكمة فى الترجيب له والتعظيم ، وجعله ببركاتهم ، وعلى أيدى طاعاتهم ، خادما للكتاب المنزل ، وكلام نبيه المرسل ، وعونا على فهمهما ؛ ومعرفة ما أمر به ، أو نهى عنه الثّقلان منهما ، إلا بعد أن يناهضه إتقانا ، ويثابته عرفانا ، ولا يخلد إلى سانح خاطره ، ولا إلى نزوة من نزوات تفكّره. فإذا هو حذا على هذا المثال ، وباشر بإنعام تصفّحه أحناء الحال ، أمضى الرأى فيما يريه الله منه ، غير معازّ به ، ولا غاضّ من السّلف - رحمهمالله - فى شيء منه. فإنه إذا فعل ذلك سدّد رأيه. وشيّع خاطره ، وكان بالصواب مئنّة ، ومن التوفيق مظنّة ، وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : ما على الناس شيء أضرّ من قولهم : ما ترك الأوّل للآخر شيئا. وقال أبو عثمان المازنىّ : «وإذا قال العالم قولا متقدّما فللمتعلّم الاقتداء به (والانتصار له) ، (والاحتجاج) لخلافه ، إن وجد إلى ذلك سبيلا» وقال الطائى الكبير :
1) ذكره الحافظ فى «التلخيص» ، (3 / 141) ، وقال : «هذا حديث مشهور له طرق كثيرة ، لا يخلو واحد منها من مقال ، منها لأبى داود عن أبى مالك الأشعرى مرفوعا : ... وفى إسناده انقطاع ، وللترمذى والحاكم عن ابن عمر مرفوعا ... وفيه سليمان بن شعبان المدنى ، وهو ضعيف - وأخرج الحاكم له شواهد ..».
يقول من تطرق أسماعه
كم ترك الأوّل للآخر! (1)
قل للأمير الأريحىّ الذى
كفاه للبادى وللحاضر
وقبله :
لا زلت من شكرى فى حلة
لابسها ذو سلب فاخر
فالحديث فى البيت الشاهد عن حلة الثناء فى البيت. وانظر الديوان 143. (نجار).
فممّا جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ، ما رأيته (2)أنا فى قولهم : هذا جحر ضبّ خرب. فهذا يتناوله آخر عن أوّل ، وتال عن ماض على أنه غلط من العرب ، لا يختلفون فيه ولا يتوقّفون عنه ، وأنه من الشاذّ الذى لا يحمل عليه ، ولا يجوز ردّ غيره إليه.
وأمّا أنا فعندى أنّ فى القرآن مثل هذا الموضع نيّفا على ألف موضع. وذلك أنه على حذف المضاف لا غير. فإذا حملته على هذا الذى هو حشو الكلام من القرآن والشعر ساغ وسلس ، وشاع وقبل.
وتلخيص هذا أن أصله : هذا جحر ضبّ خرب جحره ؛ فيجرى «خرب» وصفا على «ضبّ» وإن كان فى الحقيقة للجحر. كما تقول مررت برجل قائم أبوه (3)، فتجرى «قائما» وصفا على «رجل» وإن كان القيام للأب لا للرجل ، لما ضمن من ذكره. والأمر فى هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له أو شاهد عليه. فلمّا كان أصله كذلك حذف الحجر المضاف إلى الهاء ، وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت ؛ لأن المضاف المحذوف كان مرفوعا ، فلمّا ارتفعت استتر الضمير المرفوع فى نفس «خرب» فجرى وصفا على ضبّ - وإن كان الخراب للجحر لا للضبّ - على تقدير حذف المضاف ، على ما أرينا. وقلّت آية تخلو من حذف المضاف ، نعم ، وربّما كان فى الآية الواحدة من ذلك عدّة مواضع.
وعلى نحو من هذا حمل أبو علىّ رحمهالله :
1) هو من قصيدة له فى مدح أبى سعيد ، أولها :
2) ينبّه ابن هشام فى المغنى فى القاعدة الثانية من الكتاب الثامن «أنكر السيرافى وابن جنى الخفض على الجوار وتأولا قولهم «خرب» بالجر على أنه صفة «لضب».
3) أى ضميره. يريد أن المسوّغ لمجيء قائم وصفا للرجل وهو ليس بوصف له فى الحقيقة ، بل الموصوف حقيقة الأب ، هو تضمن الأب ذكر الرجل. (نجار).
كبير أناس فى بجاد مزمّل (1)
كأن ثبيرا فى عرانين وبله*
البجاد : كساء مخطط من أكسية الأعراب. اللسان (بجد).
*ولم يحمله على الغلط ، قال : لأنه أراد : مزمّل فيه ، ثم حذف حرف الجرّ ، فارتفع الضمير فاستتر فى اسم المفعول.
فإذا أمكن ما قلنا ، ولم يكن أكثر من حذف المضاف الذى قد شاع واطّرد ، كان حمله عليه أولى من حمله على الغلط الذى لا يحمل غيره عليه ، ولا يقاس به.
ومثله قول لبيد :
أو مذهب جدد على ألواحه
الناطق المبروز والمختوم (2)
مزاحف فغيّره الرواة فرارا من الزحاف ، وقال : ولعله المزبور وهو المكتوب وانظر اللسان (برز).
أى المبروز به ، ثم حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير ، فاستتر فى اسم المفعول.
وعليه قول الآخر :
وما ضمّ أجياد المصلى ومذهب
لئن شبت الحرب العوان التى أرى
وقد طال إبعاد بها وترهب
لتحتملن بالليل منكم ظعينة
إلى غير موثوق من العز تهرب
وانظر معجم البلدان (أجياد). (نجار).
*أى موثوق به ، ثم حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير ، فاستتر فى اسم المفعول.
1) عجز البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 25 ، وتذكرة النحاة ص 308 ، 346 ، وخزانة الأدب 5 / 98 ، 99 ، 100 ، 102 ، 9 / 37 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 883 ، ولسان العرب (عقق) ، (زمل) ، (خزم) ، (ابن) ، ومغنى اللبيب 2 / 515 ، وتاج العروس (خزم) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 10 ، والمحتسب 2 / 135. وصدر البيت :
2) البيت من الكامل ، وهو للبيد بن ربيعة فى ديوانه ص 119 ، والكتاب 4 / 151 ، ولسان العرب (ذهب) ، (برز) ، (نطق) ، (فعم) ، وبلا نسبة فى مجالس ثعلب ص 232. المذهب : المطلىّ بالذهب. جدد : جمع جدّة ، والجدّة : الطريقة. وأنشد بعضهم المبرز على احتمال الخزل فى متفاعلن ؛ قال أبو حاتم فى قول لبيد إنما هو :
3) ورد هذا الشطر مع اختلاف فى ثلاثة أبيات لبشر بن أبى خازم ، وهاكها :
حلفت برب الداميات نحورها
قد يفعل أصحابنا ذلك إذا كانت الزيادة مثبّتة لحال المزيد عليه. وذلك كقولك فى همز (أوائل) : أصله (أواول) فلمّا اكتنفت الألف واوان ، وقربت الثانية منهما من الطرف ، ولم يؤثر إخراج ذلك على الأصل ؛ تنبيها على غيره من المغيّرات فى معناه ، ولا هناك ياء قبل الطرف منويّة مقدّرة ، وكانت الكلمة جمعا ثقل ذلك ، فأبدلت الواو همزة ، فصار أوائل.
فجميع ما أوردته محتاج إليه ، إلا ما استظهرت به من قولك : وكانت الكلمة جمعا ، فإنك لو لم تذكره لم يخلل ذلك بالعلّة ؛ ألا ترى أنك لو بنيت من قلت وبعت واحدا على فواعل كعوارض (1)، أو أفاعل [من أوّل أو يوم أو ويح] كأباتر (2)لهمزت كما تهمز فى الجمع.
فذكرك (الجمع) فى أثناء الحديث إنما زدت الحال به أنسا ؛ من حيث كان الجمع فى غير هذا ممّا يدعو إلى قلب الواو ياء فى نحو حقى (3)ودلىّ ، فذكرته هنا تأكيدا لا وجوبا. وذكرك أنهم لم يؤثروا فى هذا إخراج الحرف على أصله دلالة على أصل ما غيّر من غيره فى نحوه لئلا يدخل عليك أن يقال لك : قد قال الراجز :
وذكرت أيضا قولك : ولم يكن هناك ياء قبل الطرف مقدّرة ؛ لئلا يلزمك قوله :
وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حتى عظامى وأراه ثاغرى
وكحل ...
وانظر شرح شواهد الشافية للبغدادى 374. (نجار).
العواور : أصله «العواوير» حذف الياء للضرورة ، ولذلك لم يهمز لأن الياء فى نيّة الثبات ، فكما كان لا يهمزها والياء ثابتة كذلك لم يهمزها والياء فى نيّة الثبات ، والعوّار : القذى ، والرمد. اللسان (عور). وانظر شرح الرضى للشافية 3 / 131.
*غرّك أن تقاربت أباعرى
ألا ترى أن أصله عواوير ، من حيث كان جمع عوّار. والاستظهار فى هذين الموضعين أعنى حديث عواول ، وعواور أسهل احتمالا من دخولك تحت الإفساد عليك بهما ، واعتذارك من بعد بما قدّمته فى صدر العلّة. فإذا كان لا بدّ من إيراده فيما بعد إذا لم تحتط بذكره [فيما قبل] كان الرأى تقديم ذكره ، والاستراحة من التعقّب عليك به. فهذا ضرب.
ولو استظهرت بذكر ما لا يؤثّر فى الحكم لكان ذلك منك خطلا ولغوا من القول ؛ ألا ترى أنك لو سئلت عن رفع طلحة من قولك : جاءنى طلحة ، فقلت : ارتفع لإسناد الفعل إليه ، ولأنه مؤنّث ، أو لأنه علم ، لم يكن ذكرك التأنيث والعلميّة إلا كقولك : ولأنه مفتوح الطاء ، أو لأنه ساكن عين الفعل ، ونحو ذلك مما لا يؤثّر فى الحال. فاعرف بذلك موضع ما يمكن الاحتياط به للحكم مما يعرى من ذلك ، فلا يكون له فيه حجم. وإنما المراعى من ذلك كلّه كونه مسندا إليه الفعل.
فإن قيل : هلا كان ذكرك أنت أيضا هنا الفعل لا وجه له ؛ ألا ترى أنه إنما ارتفع بإسناد غيره إليه ، فاعلا كان أو مبتدأ. والعلّة فى رفع الفاعل هى العلّة فى رفع المبتدأ ، وإن اختلفا من جهة التقديم والتأخير؟
قلنا : لا ، لسنا نقول هكذا مجرّدا ، وإنما نقول فى رفع المبتدأ : إنه إنما وجب ذلك له من حيث كان مسندا إليه ، عاريا من العوامل اللفظيّة قبله فيه ، وليس كذلك الفاعل ؛ لأنه وإن كان مسندا إليه فإن قبله عاملا لفظيّا قد عمل فيه ، وهو الفعل ؛ وليس كذلك قولنا : زيد قام ؛ لأن هذا لم يرتفع لإسناد الفعل إليه حسب ، دون أن انضمّ إلى ذلك تعرّيه من العوامل اللفظيّة من قبله. فلهذا قلنا : ارتفع الفاعل بإسناد الفعل إليه ، ولم نحتج فيما بعد إلى شيء نذكره ، كما احتجنا إلى ذلك فى باب المبتدأ ؛ ألا تراك تقول : إنّ زيدا قام فتنصبه - وإن كان الفعل مسندا إليه - لمّا لم يعر من العامل اللفظىّ الناصبة.
فقد وضح بذلك فرق ما بين حالى المبتدأ والفاعل فى وصف تعليل ارتفاعهما ، وأنهما وإن اشتركا فى كون كلّ واحد منهما مسندا إليه ، فإن هناك فرقا من حيث أرينا.
ومن ذلك قولك فى جواب من سألك عن علّة انتصاب زيد ، من قولك : ضربت زيدا : إنه إنما انتصب ؛ لأنه فضلة ، ومفعول به. فالجواب قد استقلّ بقولك : لأنه فضلة ، وقولك من بعد : (ومفعول به) تأنيس وتأييد لا ضرورة بك إليه ؛ ألا ترى أنك تقول فى نصب «نفس» من قولك : طبت به نفسا : إنما انتصب لأنه فضلة ، وإن كانت النفس هنا فاعلة فى المعنى. فقد علمت بذلك أن قولك : ومفعول به زيادة على العلّة تطوّعت بها. غير أنه فى ذكرك كونه مفعولا معنى ما ، وإن كان صغيرا. وذلك أنه قد ثبت وشاع فى الكلام أن الفاعل رفع ، والمفعول به نصب ، وكأنك أنست بذلك شيئا. وأيضا فإن فيه ضربا من الشرح. وذلك أن كون الشىء فضلة لا يدلّ على أنه لا بدّ من أن يكون مفعولا به ؛ ألا ترى أن الفضلات كثيرة ؛ كالمفعول به ، والظرف ، والمفعول له ، والمفعول معه ، والمصدر ، والحال ، والتمييز ، والاستثناء. فلمّا قلت : (ومفعول به) ميّزت أىّ الفضلات هو. فاعرف ذلك وقسه.
أمّا إذا دلّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير. وذلك مذهب الكتاب ، فإنه حكى فيما جاء على فعل (إبلا) وحدها ، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير ؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به ، لا للحاجة إليه.
فأمّا إن لم يقم دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير ؛ ألا ترى إلى عزويت ، لمّا لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجت إلى التعلّل بالنظير ، فمنعت من أن يكون (فعويلا) لمّا لم تجد له نظيرا ، وحملته على (فعليت) ؛ لوجود النظير ؛ وهو عفريت ونفريت.
وكذلك قال أبو عثمان فى الردّ على من ادّعى أن (السين) و (سوف) ترفعان الأفعال المضارعة : لم نر عاملا فى الفعل تدخل عليه اللام ، وقد قال سبحانه (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [الشعراء : 49] فجعل عدم النظير ردّا على من أنكر قوله.
وأمّا إن لم يقم الدليل ولم يوجد النظير فإنك تحكم مع عدم النظير. وذلك كقولك فى الهمزة والنون من أندلس (1): إنهما زائدتان ، وإن وزن الكلمة بهما «أنفعل» وإن كان مثالا لا نظير له. وذلك أن النون لا محالة زائدة ؛ لأنه ليس فى ذوات الخمسة شيء على (فعللل) فتكون النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين ، وإذا ثبت أن النون زائدة فقد برد فى يدك ثلاثة أحرف أصول ، وهى الدال واللام والسين ، وفى أوّل الكلمة همزة ، ومتى وقع ذلك حكمت بكون الهمزة زائدة ، ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة ؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزوائد من أوائلها إلا فى الأسماء الجارية على أفعالها ؛ نحو مدحرج وبابه. فقد وجب إذا أن الهمزة والنون زائدتان ، وأن الكلمة بهما على أنفعل ، وإن كان هذا مثالا لا نظير له.
فإن ضامّ الدليل النظير فلا مذهب بك عن ذلك ؛ وهذا كنون عنتر. فالدليل يقضى بكونها أصلا ، لأنها مقابلة لعين جعفر ، والمثال أيضا معك وهو (فعلل) وكذلك القول على بابه. فاعرف ذلك وقس.
1) فى اللسان (دلس) «وأندلس - بفتح الهمزة وضم الدال : جزيرة معروفة ، وفى القاموس بضم الهمزة والدال واللام ، وياقوت بفتح الهمزة وضم الدال وفتحها وضم اللام.
وذلك كقول أبى عثمان (1): لا تكون الصفة غير مفيدة ، فلذلك قلت : مررت برجل أفعل. فصرف أفعل هذه لمّا لم تكن الصفة مفيدة. وإسقاط هذا أن يقال له : قد جاءت الصفة غير مفيدة. وذلك كقولك فى جواب من قال رأيت زيدا : المنىّ يا فتى ؛ فالمنىّ صفة ، وغير مفيدة.
ومن ذلك قول البغداديّين : إن الاسم يرتفع بما يعود عليه من ذكره ؛ نحو زيد مررت به ، وأخوك أكرمته. فارتفاعه عندهم إنما هو لأن عائدا عاد عليه ، فارتفع بذلك العائد. وإسقاط هذا الدليل أن يقال لهم : فنحن نقول : زيد هل ضربته ، وأخوك متى كلّمته؟ ومعلوم أن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، فكما اعتبر أبو عثمان أنّ كلّ صفة فينبغى أن تكون مفيدة فأوجد أنّ من الصفات ما لا يفيد ، وكان ذلك كسرا لقوله ؛ كذلك قول هؤلاء : إن كلّ عائد على اسم عار من العوامل يرفعه يفسده وجود عائد على اسم عار من العوامل وهو غير رافع له ، فهذا طريق هذا.
1) أبو عثمان هو المازنى.
يردان عن العالم متضادين
وذلك عندنا على أوجه : أحدها أن يكون أحدهما مرسلا ، والآخر معلّلا. فإذا اتّفق ذلك كان المذهب الأخذ بالمعلّل ، ووجب مع ذلك أن يتأوّل المرسل. وذلك كقول صاحب الكتاب - فى غير موضع - فى التاء من (بنت وأخت) : إنها للتأنيث ، وقال أيضا مع ذلك فى باب ما ينصرف وما لا ينصرف : إنها ليست للتأنيث. واعتلّ لهذا القول بأن ما قبلها ساكن ، وتاء التأنيث فى الواحد لا يكون ما قبلها ساكنا ، إلا أن يكون ألفا ؛ كقناة ، وفتاة ، وحصاة ، والباقى كلّه مفتوح ؛ كرطبة ، وعنبة ، وعلامة ، ونسّابة. قال : ولو سمّيت رجلا ببنت وأخت لصرفته.
وهذا واضح. فإذا ثبت هذا القول الثانى بما ذكرناه ، وكانت التاء فيه إنما هى عنده على ما قاله بمنزلة تاء (عفريت) و (ملكوت) وجب أن يحمل قوله فيها : إنها للتأنيث على المجاز وأن يتأوّل ، ولا يحمل القولان على التضادّ.
ووجه الجمع بين القولين أن هذه التاء وإن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لمّا لم توجد فى الكلمة إلا فى حال التأنيث استجاز أن يقول فيها : إنها للتأنيث ؛ ألا ترى أنك إذا ذكّرت قلت (ابن) فزالت التاء كما تزول التاء من قولك : ابنة. فلمّا ساوقت تاء بنت تاء ابنة ، وكانت تاء ابنة للتأنيث ، قال فى تاء بنت ما قال فى تاء ابنة. وهذا من أقرب ما يتسمّح به فى هذه الصناعة ؛ ألا ترى أنه قال فى عدّة مواضع فى نحو (حمراء) و (أصدقاء) و (عشراء) (1)وبابها : إن الألفين للتأنيث ، وإنما صاحبة التأنيث منهما الأخيرة التى قلبت همزة لا الأولى ، وإنما الأولى زيادة لحقت قبل الثانية التى هى كألف (سكرى) و (عطشى) فلمّا التقت الألفان وتحرّكت الثانية قلبت همزة. ويدلّ على أن الثانية للتأنيث وأن الأولى ليست له أنك لو اعتزمت إزالة العلامة للتأنيث فى هذا الضرب من الأسماء غيّرت الثانية وحدها ، ولم تعرض للأولى. وذلك قولهم : (حمراوان) و (عشراوات) و (صحراوىّ).
1) ناقة عشراء : مضى لحملها عشرة أشهر.
وهذا واضح.
قال أبو علىّ رحمهالله : ليس بنت من ابن كصعبة من صعب ، إنما تأنيث ابن على لفظه ابنة. والأمر على ما ذكر.
فإن قلت : فهل فى بنت وأخت علم تأنيث أو لا؟
قيل : بل فيهما علم تأنيث. فإن قيل : وما ذلك العلم؟ قيل : الصيغة (فيهما علامة تأنيثهما) ، وذلك أن أصل هذين الاسمين عندنا فعل : بنو وأخو ، بدلالة تكسيرهم إيّاهما على أفعال فى قولهم : أبناء ، وآخاء. قال بشر بن المهلّب :
وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم
وأىّ بنى الآخاء تنبو مناسبه! (1)
فلمّا عدلا عن فعل إلى فعل وفعل وأبدلت لاماهما تاء فصارتا بنتا ، وأختا كان هذا العمل وهذه الصيغة علما لتأنيثهما ؛ ألا تراك إذا فارقت هذا الموضع من التأنيث رفضت هذه الصيغة البتّة ، فقلت فى الإضافة إليهما : بنوىّ ، وأخوىّ ؛ كما أنك إذا أضفت إلى ما فيه علامة تأنيث أزلتها البتة ؛ نحو حمراوىّ وطلحىّ ، وحبلويّ. فأمّا قول يونس : بنتىّ وأختىّ فمردود عند سيبويه. وليس هذا الموضع موضوعا للحكم بينهما ، وإن كان لقول يونس أصول تجتذبه وتسوّغه.
وكذلك إن قلت : إذا كان سيبويه لا يجمع بين ياءي الإضافة وبين صيغة بنت ، وأخت ، من حيث كانت الصيغة علما لتأنيثهما فلم صرفهما علمين لمذكّر ، وقد أثبت فيهما علامة تأنيث بفكّها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث : من ياءي الإضافة فى بنوىّ ، وأخوىّ؟ فإذا أثبت فى الاسمين بها علامة للتأنيث ، فهلا منع الاسمين الصرف بها مع التعريف ، كما تمنع الصرف باجتماع التأنيث إلى التعريف فى نحو طلحة ، وحمزة ، وبابهما ، فإن هذا أيضا ممّا قد أجبنا عنه فى موضع آخر.
وكذلك القول فى تاء ثنتان ، وتاء ذيت ، وكيت ، وكلتى : التاء فى جميع ذلك بدل من حرف علّة ، كتاء بنت وأخت ، وليست للتأنيث. إنما التاء فى ذيّة ، وكيّة ، واثنتان ، وابنتان ، للتأنيث.
1) البيت من الطويل ، وهو لبشر بن المهلب فى الخصائص 1 / 202 ، ولبعض بنى المهلب فى الخصائص 1 / 338 ، وبلا نسبة فى سر صناعة الإعراب ص 150 ، ولسان العرب (أخا).
فإن قلت : فمن أين لنا فى علامات التأنيث ما يكون معنى لا لفظا؟ قيل : إذا قام الدليل لم يلزم النظير. وأيضا فإن التاء فى هذا وإن لم تكن للتأنيث فإنها بدل خصّ التأنيث ، والبدل وإن كان كالأصل لأنه بدل منه فإن له أيضا شبها بالزائد من موضع آخر ، وهو كونه غير أصل ، كما أن الزائد غير أصل ؛ ألا ترى إلى ما حكاه عن أبى الخطّاب من قول بعضهم فى راية : راءة بالهمز ، كيف شبّه ألف راية - وإن كانت بدلا من العين - بالألف الزائدة ، فهمز اللام بعدها ، كما يهمزها بعد الزائدة فى نحو سقاء ، وقضاء. وأمّا قول أبى عمر (1): إن التاء فى كلتى زائدة ، وإنّ مثال الكلمة بها (فعتل) فمردود عند أصحابنا ؛ لما قد ذكر فى معناه من قولهم : إن التاء لا تزاد حشوا إلا فى (افتعل) وما تصرّف منه ، [و] لغير ذلك ، غير أنى قد وجدت لهذا القول نحوا ونظيرا. وذلك فيما حكاه الأصمعىّ من قولهم للرجل القوّاد : الكلتبان ، وقال مع ذلك : هو من الكلب ، وهو القيادة. فقد ترى التاء على هذا زائدة حشوا ، ووزنه فعتلان. ففى هذا شيئان : أحدهما التسديد من قول أبى عمر ، والآخر إثبات مثال فائت للكتاب. وأمثل ما يصرف إليه ذلك أن يكون الكلب ثلاثيّا ، والكلتبان رباعيّا ؛ كزرم (2)وازرأمّ ، وضفد (3)، واضفأدّ ، وكزغّب الفرخ وازلغبّ ، ونحو ذلك من الأصلين الثلاثيّ والرباعىّ ، المتداخلين. وهذا غور عرض ، فقلنا فيه ولنعد.
ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادّين على غير هذا الوجه. وهو أن يحكم فى شيء بحكم ما ، ثم يحكم فيه نفسه بضدّه ، غير أنه لم يعلّل أحد القولين. فينبغى حينئذ أن ينظر إلى الأليق بالمذهب ، والأجرى على قوانينه ، فيجعل هو المراد المعتزم منهما ، ويتأوّل الآخر إن أمكن.
وذلك كقوله : حتّى الناصبة للفعل ، وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجرّ ، وهذا ناف لكونها ناصبة له ، من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر
1) هو صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمىّ البصرىّ. قال الخطيب : كان فقيها عالما بالنحو واللغة أخذ النحو عن الأخفش ويونس ، واللغة عن الأصمعى وأبى عبيدة ، ومات سنة 225 ، انظر البغية 2 / 8. وانظر اللسان (كلو).
2) زرم دمعه وبوله وكلامه وازرأمّ : انقطع.
3) ضفد الرجل واضفأدّ : صار كثير اللحم ثقيلا مع حمق. اللسان (ضفد).
الأفعال ، فضلا عن أن تعمل فيها. وقد استقرّ من قوله فى غير مكان ذكر عدّة الحروف الناصبة للفعل ، وليست فيها حتّى. فعلم بذلك وبنصّه عليه فى غير هذا الموضع أنّ (أن) مضمرة عنده بعد حتّى ، كما تضمر مع اللام الجارّة فى نحو قوله سبحانه (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) [الفتح : 2] ونحو ذلك. فالمذهب إذا هو هذا.
ووجه القول فى الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لمّا انتصب بعد حتى ، ولم تظهر هناك (أن) وصارت حتّى عوضا منها ، ونائبة عنها نسب النصب إلى (حتّى) وإن كان فى الحقيقة ل- (أن).
ومثله معنى لا إعرابا قول الله سبحانه : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) [الأنفال : 7] فظاهر هذا تناف بين الحالتين ؛ لأنه أثبت فى أحد القولين ما نفاه قبله : وهو قوله ما رميت إذ رميت. ووجه الجمع بينهما أنه لمّا كان الله أقدره على الرمى ومكّنه منه وسدّده له وأمره به فأطاعه فى فعله نسب الرمى إلى الله ، وإن كان مكتسبا للنبى صلىاللهعليهوسلم مشاهدا منه.
ومثله معنى قولهم : أذّن ولم يؤذّن ، وصلّى ولم يصلّ ، ليس أن الثانى ناف للأوّل ، لكنه لمّا لم يعتقد الأوّل مجزئا لم يثبته صلاة ولا أذانا.
وكلام العرب لمن عرفه وتدرّب بطريقها فيه جار مجرى السحر لطفا ، وإن جسا (1)عنه أكثر من ترى وجفا.
ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادّين ، غير أنه قد نصّ فى أحدهما على الرجوع عن القول الآخر ، فيعلم بذلك أن رأيه مستقرّ على ما أثبته ولم ينفه ، وأن القول الآخر مطّرح من رأيه.
فإن تعارض القولان مرسلين ، غير مبان أحدهما من صاحبه بقاطع يحكم عليه به بحث عن تاريخهما ، فعلم أن الثانى هو ما اعتزمه ، وأن قوله به انصراف منه عن القول الأوّل ؛ إذ لم يوجد فى أحدهما ما يماز به عن صاحبه.
فإن استبهم الأمر فلم يعرف التاريخ وجب سبر المذهبين ، وإنعام الفحص عن حال القولين. فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظنّ بذلك
1) جسا الرجل جسوا وجسوّا : صلب. اللسان (جسا).
العالم ، وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثانى الذى به يقول وله يعتقد ، وأن الأضعف منهما هو الأوّل منهما الذى تركه إلى الثانى. فإن تساوى القولان فى القوّة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له ؛ فإنّ الدواعى إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هى الدواعى التى دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلا منهما.
هذا بمقتضى العرف ، وعلى إحسان الظن ؛ فأمّا القطع الباتّ فعند الله علمه.
وعليه طريق الشافعىّ فى قوله بالقولين فصاعدا. وقد كان أبو الحسن ركّابا لهذا الثّبج (1)، آخذا به ، غير محتشم منه ، وأكثر كلامه فى عامّة كتبه عليه. (وكنت إذا ألزمت عند أبى علىّ - رحمهالله - قولا لأبى الحسن شيئا لا بدّ للنظر من إلزامه إيّاه يقول لى : مذاهب أبى الحسن كثيرة).
ومن الشائع فى الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبّع به كلام سيبويه ، وسمّاه مسائل الغلط. فحدّثنى أبو علىّ عن أبى بكر أن أبا العبّاس كان يعتذر منه ويقول : هذا شيء كنّا رأيناه فى أيّام الحداثة ، فأمّا الآن فلا. وحدّثنا أبو علىّ ، قال : كان أبو يوسف (2)إذا أفتى بشىء أو أملّ شيئا ، فقيل له : قد قلت فى موضع كذا غير هذا يقول : هذا يعرفه من يعرفه ؛ أى إذا أنعم النظر فى القولين وجدا مذهبا واحدا.
وكان أبو علىّ - رحمهالله - يقول فى هيهات : أنا أفتى مرّة بكونها اسما سمى به الفعل ؛ كصه ومه ، وأفتى مرّة أخرى بكونها ظرفا ، على قدر ما يحضرنى فى الحال. وقال مرّة أخرى : إنها وإن كانت ظرفا فغير ممتنع أن تكون مع ذلك اسما سمّى به الفعل ؛ كعندك ودونك. وكان إذا سمع شيئا من كلام أبى الحسن يخالف قوله يقول : عكّر الشيخ. وهذا ونحوه من خلاج الخاطر ، وتعادى المناظر ، هو الذى دعا أقواما إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلّة ، واحتملوا أثقال الصّغار والذّلّة.
وحدّثنى أبو على : قال : قلت لأبى عبد الله البصرىّ : أنا أعجب من هذا
الخاطر فى حضوره تارة ، ومغيبه أخرى. وهذا يدلّ على أنه من عند الله. فقال : نعم ، هو من عند الله ، إلا أنه لا بدّ من تقديم النظر ؛ ألا ترى أن حامدا البقّال لا يخطر له.
ومن طريف حديث هذا الخاطر أننى كنت منذ زمان طويل رأيت رأيا جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر :
وكنت أمشى على رجلين معتدلا
فصرت أمشى على أخرى من الشجر (1)
ولم أثبت حينئذ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته ، ثم إنى الآن - وقد مضى له سنون - أعانّ (2)الخاطر وأستثمده (3)، وأفانيه (4)وأتودّده ، على أن يسمح لى بما كان أرانيه من الجمع بين معنى الآية والبيت ، وهو معتاص متأبّ ، وضنين به غير معط.
وكنت وأنا أنسخ التذكرة لأبى علىّ إذا مرّ بى شيء قد كنت رأيت طرفا منه ، أو ألممت به فيما قبل أقول له : قد كنت شارفت هذا الموضع ، وتلوّح لى بعضه ، ولم أنته إلى آخره ، وأراك أنت قد جئت به واستوفيته وتمكّنت فيه ، فيتبسّم - رحمهالله - ، له ويتطلق إليه ؛ سرورا باستماعه ، ومعرفة بقدر نعمة الله عنده فيه ، وفى أمثاله.
وقلت مرّة لأبى بكر أحمد بن على الرازىّ - رحمهالله - وقد أفضنا فى ذكر أبى علىّ ونبل قدره ، ونباوة (5)محلّه : أحسب أن أبا علىّ قد خطر له وانتزع من
1) البيت من الطويل ، وهو للجعدى فى ديوانه ص 178 ، ولسان العرب (أتى) ، (ولى) ، وتاج العروس (أتى) ، (ولى) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حلب) ، وديوان الأدب (3 / 224) ، وتاج العروس (حلب).
2) أى : أعارض ، يقال : عنّ الشىء أى اعترض ، والعنن : الاعتراض. اللسان (عنن).
3) الثّمد والثّمد : الماء القليل الذى لا مادّ له. وفى حديث طهفة : وافجر لهم الثّمد وهو - بالتحريك - الماء القليل ، أى افجره لهم حتى يصير كثيرا وانظر اللسان (ثمد).
4) المفاناة : المداراة ، وفانيت الرجل : داريته. اللسان (فنى).
5) نباوة : الارتفاع والشرف ، والنّبوة والنباوة والنبىّ : ما ارتفع من الأرض.
علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا ، فأصغى أبو بكر إليه ، ولم يتبشّع هذا القول عليه.
وإنما تبسّطت فى هذا الحديث ليكون باعثا على إرهاف الفكر ، واستحضار الخاطر ، والتطاول إلى ما أوفى نهده ، وأوعر سمته ، وبالله سبحانه الثقة.
هذا موضع كان أبو حنيفة - رحمهالله - يراه ويأخذ به. وذلك أن تؤدّى الصنعة إلى حكم ما ، مثله مما يقتضى التغيير ؛ فإن أنت غيرت صرت أيضا إلى مراجعة مثل ما منه هربت. فإذا حصلت على هذا وجب أن تقيم على أوّل رتبة ، ولا تتكلّف عناء ولا مشقّة. وأنشدنا أبو علىّ - رحمهالله - غير دفعة بيتا مبنى معناه على هذا ، وهو :
رأى الأمر يفضى إلى آخر
فصيّر أخره أوّلا
وذلك كأن تبنى من قويت مثل رسالة فتقول على التذكير : قواءة ، وعلى التأنيث : قواوة ، ثم تكسّرها على حدّ قول الشاعر :
موالى حلف لا موالى قرابة
ولكن قطينا يحلبون الأتاويا (1)
ووجه ذلك أن الذى قال (الأتاويا) إنما أراد جمع إتاوة ، وكان قياسه أن يقول : أتاوى ؛ كقوله فى علاوة ، وهراوة : علاوى ، وهراوى ؛ غير أنّ هذا الشاعر سلك طريقا أخرى غير هذه. وذلك أنه لما كسّر إتاوة حدث فى مثال التكسير همزة بعد ألفه بدلا من ألف فعالة ؛ كهمزة رسائل وكنائن ، فصار التقدير به إلى أتاء ، ثم تبدل من كسرة الهمزة فتحة ؛ لأنها عارضة فى الجمع ، واللام معتلّة كباب مطايا ، وعطايا ، فتصير حينئذ إلى أتاءى ، ثم تبدل من الياء ألفا فتصير إلى أتاء ، ثم تبدل من الهمزة واوا ؛ لظهورها لاما فى الواحد ؛ فتقول : أتاوى كعلاوى. وكذا تقول العرب فى تكسير إتاوة : أتاوى. غير أنّ هذا الشاعر لو فعل ذلك لأفسد قافيته ،
1) البيت من الطويل ، وهو للجعدى فى ديوانه ص 178 ، ولسان العرب (أتى) ، (ولى) ، وتاج العروس (أتى) ، (حلب) ، (ولى) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حلب) ، وديوان الأدب 3 / 224. وفيه يسألون الأتاويا» بدل «يحلبون الأتاويا» أى هم خدم يسألون الخراج ، وهو الإتاوة. وانظر اللسان (أتى).
فاحتاج إلى إقرار الكسرة بحالها لتصحّ بعدها الياء التى هى روىّ القافية ؛ كما معها من القوافى التى هى (الروابيا) و (الأدانيا) ونحو ذلك ؛ فلم يستجز أن يقرّ الهمزة العارضة فى الجمع بحالها ؛ إذ كانت العادة فى هذه الهمزة أن تعلّ وتغيّر إذا كانت اللام معتلّة ، فرأى إبدال همزة أتاء واوا ؛ ليزول لفظ الهمزة التى من عادتها فى هذا الموضع أن تعلّ ولا تصحّ لما ذكرنا ، فصار (الأتاويا).
وكذلك قياس فعالة من القوّة إذا كسّرت أن تصير بها الصنعة إلى قواء ، ثم تبدل من الهمزة الواو ؛ كما فعل من قال (الأتاويا) فيصير اللفظ إلى قواو. فإن أنت استوحشت من اكتناف الواوين لألف التكسير على هذا الحدّ وقلت : أهمز كما همزت فى أوائل لزمك أن تقول : قواء ؛ ثم يلزمك ثانيا أن تبدل من هذه الهمزة الواو على ما مضى من حديث (الأتاويا) فتعاود أيضا قواو ، ثم لا تزال بك قوانين الصنعة إلى أن تبدل من الهمزة الواو ، ثم من الواو الهمزة ، ثم كذلك ، ثم كذلك إلى ما لا غاية. فإذا أدّت الصنعة إلى هذا ونحوه وجبت الإقامة على أوّل رتبة منه ، وألا تتجاوز إلى أمر تردّ بعد إليها ، ولا توجد سبيلا ولا منصرفا عنها.
فإن قلت : إن بين المسألتين فرقا. وذلك أن الذى قال (الأتاويا) إنما دخل تحت هذه الكلفة ، والتزم ما فيها من المشقّة ، وهى ضرورة واحدة ، وأنت إذا قلت فى تكسير مثال فعالة من القوّة : قواو قد التزمت ضرورتين : إحداهما إبدالك الهمزة الحادثة فى هذا المثال واوا على ضرورة (الأتاويا) ، والأخرى كنفك الألف بالواوين مجاورا آخرهما الطرف ؛ فتانك ضرورتان ، وإنما هى فى (الأتاويا) واحدة. وهذا فرق ، يقود إلى اعتذار وترك.
قيل : هذا ساقط ، وذلك أن نفس السؤال قد كان ضمن ما يلغى هذا الاعتراض ؛ ألا ترى أنه كان : كيف يكسّر مثال فعالة من القوة على قول من قال (الأتاويا)؟ والذى قال ذلك كان قد أبدل من الهمزة العارضة فى الجمع واوا ، فكذلك فأبدلها أنت أيضا فى مسألتك. فأمّا كون ما قبل الألف واوا أو غير ذلك من الحروف ، فلم يتضمّن السؤال ذكرا له ، ولا عيجا (1)به ، فلا يغنى إذا ذكره ،
1) العيج : شبه الاكتراث ، قال ابن سيده : ما عاج يقوله عيجا وعيجوجة : لم يكترث له أو لم يصدّقه. اللسان (عيج).
ولا الاعتراض على ما مضى بحديثه ؛ أفلا ترى أن هذا الشاعر لو كان يسمح نفسا بأن يقرّ هذه الهمزة العارضة فى أتاء مكسورة بحالها كما أقرّها الآخر فى قوله :
له ما رأت عين البصير وفوقه
سماء الإله فوق سبع سمائيا (1)
وكان أبو علىّ ينشدناه :
لقال (الأتائيا) كقوله (سمائيا).
فقد علمت بذلك شدّة نفوره عن إقرار الهمزة العارضة فى هذا الجمع مكسورة.
وإنما اشتدّ ذلك عليه ونبا عنه لأمر ليس موجودا فى واحد (سمائيا) الذى هو سماء. وذلك أن فى إتاوة واوا ظاهرة ، فكما أبدل غيره منها الواو مفتوحة فى قوله (الأتاوى) كالعلاوى والهراوى ؛ تنبيها على كون الواو ظاهرة فى واحده - أعنى إتاوة - كوجودها فى هراوة وعلاوة ، كذلك أبدل منها الواو فى أتاو ، وإن كانت مكسورة ؛ شحّا على الدلالة على حال الواحد ، وليس كذلك قوله : * ... فوق سبع سمائيا* ألا ترى أن لام واحده ليست واوا فى اللفظ فتراعى فى تكسيره ؛ كما روعيت فى تكسير هراوة وعلاوة. فهذا فرق - كما تراه - واضح.
نعم ، وقد يلتزم الشاعر لإصلاح البيت ما تتجمّع فيه أشياء مستكرهة لا شيئان اثنان : وذلك أكثر من أن يحاط به. فإذا كان كذلك لزم ما رمناه ، وصحّ به ما قدّمناه.
فهذا طريق ما يجئ عليه ؛ فقس ما يرد عليك به.
1) البيت من الطويل ، وهو لأمية بن أبى الصلت فى ديوانه ص 70 ، وخزانة الأدب (1 / 244 ، 247) ، وشرح أبيات سيبويه (2 / 304) ، والكتاب (3 / 315) ، ولسان العرب (14 / 398) (سما) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر (2 / 337) ، والخصائص (1 / 211 ، 212) ، (2 / 348) ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 115 ، والمقتضب (1 / 144) ، والممتع فى التصريف (2 / 513) ، والمنصف (2 / 66 ، 68).
اعلم أن هذا موضع من مواضع الضرورة المميّلة. وذلك أن تحضرك الحال ضرورتين لا بدّ من ارتكاب إحداهما ، فينبغى حينئذ أن تحمل الأمر على أقربهما وأقلّهما فحشا.
وذلك كواو (ورنتل) (1)أنت فيها بين ضرورتين : إحداهما أن تدّعى كونها أصلا فى ذوات الأربعة غير مكرّرة ، والواو لا توجد فى ذوات الأربعة إلا مع التكرير ؛ نحو الوصوصة ، والوحوحة ، وضوضيت ، وقوقيت. والآخر أن تجعلها زائدة أوّلا ، والواو لا تزاد أوّلا. فإذا كان كذلك كان أن تجعلها أصلا أولى من أن تجعلها زائدة ؛ وذلك أن الواو قد تكون أصلا فى ذوات الأربعة على وجه من الوجوه ، أعنى فى حال التضعيف. فأمّا أن تزاد أوّلا فإن هذا أمر لم يوجد على حال. فإذا كان كذلك رفضته ولم تحمل الكلمة عليه.
ومثل ذلك قولك : فيها قائما رجل. لمّا كنت بين أن ترفع قائما فتقدّم الصفة على الموصوف - وهذا لا يكون - وبين أن تنصب الحال من النكرة - وهذا على قلّته جائز - حملت المسألة على الحال فنصبت.
وكذلك ما قام إلا زيدا أحد ، عدلت إلى النصب ؛ لأنك إن رفعت لم تجد قبله ما تبدله منه ، وإن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنى على ما استثنى منه. وهذا وإن كان ليس فى قوّة تأخيره عنه فقد جاء على كلّ حال. فاعرف ذلك أصلا فى العربية تحمل عليه غيره.
1) ورنتل : هو الشر والأمر العظيم. اللسان (ورنتل).
من غير الوجه الذى أعطى الأول ذلك الحكم
اعلم أن هذا باب طريقه الشبه اللفظىّ ؛ وذلك كقولنا فى الإضافة (1)إلى ما فيه همزة التأنيث بالواو ؛ وذلك نحو حمراوىّ ، وصفراوىّ ، وعشراوىّ. وإنما قلبت الهمزة فيه ولم تقرّ بحالها لئلا تقع علامة التأنيث حشوا. فمضى هذا على هذا لا يختلف.
ثم إنهم قالوا فى الإضافة إلى علباء : علباوىّ ، وإلى حرباء : حرباوىّ ؛ فأبدلوا هذه الهمزة وإن لم تكن للتأنيث ، لكنها لمّا شابهت همزة حمراء وبابها بالزيادة حملوا عليها همزة علباء. ونحن نعلم أن همزة حمراء لم تقلب فى حمراوىّ لكونها زائدة فتشبّه بها همزة علباء من حيث كانت زائدة مثلها ، لكن لمّا اتّفقتا فى الزيادة حملت همزة علباء على همزة حمراء. ثم إنهم تجاوزوا هذا إلى أن قالوا فى كساء ، وقضاء : كساوىّ ، وقضاوىّ ؛ فأبدلوا الهمزة واوا ، حملا لها على همزة علباء ؛ من حيث كانت همزة كساء ، وقضاء مبدلة من حرف ليس للتأنيث ؛ فهذه علّة غير الأولى ؛ ألا تراك لم تبدل همزة علباء واوا فى علباوىّ لأنها ليست للتأنيث ، فتحمل عليها همزة كساء وقضاء من حيث كانتا لغير التأنيث.
ثم إنهم قالوا من بعد فى قرّاء : قرّاوىّ ، فشبّهوا همزة قرّاء بهمزة كساء ؛ من حيث كانت أصلا غير زائدة ؛ كما أن همزة كساء غير زائدة. وأنت لم تكن أبدلت همزة كساء فى كساوىّ من حيث كانت غير زائدة ، لكن هذه أشباه لفظيّة يحمل أحدها على ما قبله ، تشبّثا به وتصوّرا له. واليه والى نحوه أومأ سيبويه بقوله : وليس شيء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها.
وعلى ذلك قالوا : صحراوات ، فأبدلوا الهمزة واوا لئلا يجمعوا بين علمى تأنيث ، ثم حملوا التثنية عليه من حيث كان هذا الجمع على طريق التثنية ، ثم قالوا : علباوان حملا بالزيادة على حمراوان ، ثم قالوا : كساوان تشبيها له
1) يريد النسب.
بعلباوان ، ثم قالوا : قرّاوان حملا له على كساوان ، على ما تقدّم.
وسبب هذه الحمول والإضافات والإلحاقات كثرة هذه اللغة وسعتها ، وغلبة حاجة أهلها إلى التصرّف فيها ، والتّركّح (1)فى أثنائها ؛ لما يلابسونه ويكثرون استعماله من الكلام المنثور ؛ والشعر الموزون ، والخطب والسّجوع ، ولقوّة إحساسهم فى كلّ شيء شيئا ، وتخيّلهم ما لا يكاد يشعر به من لم يألف مذاهبهم.
وعلى هذا ما منع الصرف من الأسماء للشّبه اللفظىّ نحو أحمر ، وأصفر ، وأصرم ، وأحمد ، وتألب ، وتنضب علمين (2)؛ لما فى ذلك من شبه لفظ الفعل ، فحذفوا التنوين من الاسم لمشابهته ما لا حصّة له فى التنوين ، وهو الفعل. والشّبه اللفظىّ كثير. وهذا كاف.
وإغفالها المعانى
اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربيّة ، وأكرمها ، وأعلاها ، وأنزهها.
وإذا تأمّلته عرفت منه وبه ما يؤنقك ، ويذهب فى الاستحسان له كل مذهب بك.
وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذّبها وتراعيها ، وتلاحظ أحكامها ، بالشعر تارة ، وبالخطب أخرى ، وبالأسجاع التى تلتزمها وتتكلّف استمرارها ، فإن المعانى أقوى عندها ، وأكرم عليها ، وأفخم قدرا فى نفوسها.
فأوّل ذلك عنايتها بألفاظها. فإنها لمّا كانت عنوان معانيها ، وطريقا إلى إظهار أغراضها ، ومراميها ، أصلحوها ورتّبوها ، وبالغوا فى تحبيرها وتحسينها ؛ ليكون ذلك أوقع لها فى السمع ، وأذهب بها فى الدلالة على القصد ؛ ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه ، فإذا هو حفظه كان جديرا باستعماله ، ولو لم يكن مسجوعا لم تأنس النفس به ، ولا أنقت لمستمعه ، وإذا كان كذلك لم تحفظه ، وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له ، وجيء به من أجله. وقال لنا أبو علىّ يوما : قال لنا أبو بكر : إذا لم تفهموا كلامى فاحفظوه ، فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه. وكذلك الشعر : النفس له أحفظ ، وإليه أسرع ؛ ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيا جلفا ، أو عبدا عسيفا ، تنبو صورته ، وتمجّ جملته ، فيقول ما يقوله من الشعر ، فلأجل قبوله ، وما يورده عليه من طلاوته ، وعذوبة مستمعه ما يصير قوله حكما يرجع إليه ، ويقتاس به ؛ ألا ترى إلى قول العبد الأسود (1):
إن كنت عبدا فنفسى حرّة كرما
أو أسود اللون إنى أبيض الخلق
وقول نصيب :
سودت فلم أملك سوادى وتحته
قميص من القوهىّ بيض بنائقه (2)
1) هو سحيم عبد بنى الحساس. وانظر الأغانى ص 2 ج 20 طبعة بولاق ، والديوان 55. (نجار).
2) البيت من الطويل ، وهو لنصيب فى ديوانه ص 110 ، وتاج العروس (سود) ، (قوه) ، (نبق) ، أو الأشباه والنظائر 6 / 27 ، والأغانى 1 / 333 ، وذيل الأمالى ص 127 ، وشرح المفصل 7 / 157 ، 162 ، والكتاب 4 / 57 ، ولسان العرب (نبق) ، (قوه) ، وبلا نسبة فى كتاب العين 5 / 180 ، 7 / 282. القوهىّ : ضرب من الثياب بيض ، فارسى. الأزهرىّ الثياب القوهية معروفة منسوبة إلى قوهستان. اللسان (قوه). البنائق : العرى التى تدخل فيها الأزرار. وأراد بقوله : «سودت» أنه عورت عينه ، واستعار لها تحت السواد كمن عينه قميصا بيضا بنائقه. اللسان (بنق).
وقول الآخر (1):
إنّى وإن كنت صغيرا سنّى
وكان فى العين نبوّ عنّى
فإن شيطانى أمير الجن
يذهب بى فى الشّعر كلّ فنّ
حتّى يزيل عنّى التظنّى
فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسّنوها ، وحموا حواشيها وهذّبوها ، وصقلوا غروبها (2)وأرهفوها ، فلا ترينّ أن العناية إذ ذاك إنما هى بالألفاظ ، بل هى عندنا خدمة منهم للمعانى ، وتنويه [بها] وتشريف منها. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه ، وتزكيته ، وتقديسه ، وإنما المبغىّ بذلك منه الاحتياط للموعى عليه ، وجواره بما يعطّر بشره ، ولا يعرّ جوهره ، كما قد نجد من المعانى الفاخرة السامية ما يهجّنه ويغضّ منه كدرة لفظه ، وسوء العبارة عنه.
فإن قلت : فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمّقوه ، وزخرفوه ، ووشّوه ، ودبّجوه ، ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفا ، بل لا نجده قصدا ولا مقاربا ؛ ألا ترى إلى قوله :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (3)
1) هو مالك بن أمية كما فى الوحشيات ، ووردت الأشطار الثلاثة الأول فى الحيوان 1 / 300 غير معزوّة. (نجار).
2) مأخوذ من غروب الأسنان وهى أطرافها ، وأحدها غرب ، انظر اللسان (غرب).
3) البيتان من الطويل ، وهو لكثير عزّة فى ملحق ديوانه ص 525 ، وزهر الآداب ص 349 ، وللمضرب عقبة بن كعب بن زهير فى الحماسة البصرية 2 / 103 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (طرف) ، وأمالى المرتضى 2 / 359 ، والشعر والشعراء ص 72 ، ومعجم البلدان 5 / 198 (منى) ، وأساس البلاغة ص 227 ، (سيل) ، وتاج العروس (طرف).
فقد ترى إلى علوّ هذا اللفظ ومائه ، وصقاله وتلامح أنحائه ، ومعناه مع هذا ما تحسّه وتراه : إنما هو : لمّا فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين ، وتحدّثنا على ظهور الإبل. ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها ، مشروفة المعانى خفيضتها.
قيل : هذا الموضع قد سبق إلى التعلّق به من لم ينعم النظر فيه ، ولا رأى ما أراه القوم منه ، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر ، وخفاء غرض الناطق. وذلك أن فى قوله «كل حاجة» [ما] يفيد منه أهل النسيب والرّقّة ، وذوو الأهواء والمقة (1)ما لا يفيده غيرهم ، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ؛ ألا ترى أن من حوائج (منى) أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه ، والمعتاد فيه سواها ؛ لأن منها التلاقى ، ومنها التشاكى ، ومنها التخلّى ، إلى غير ذلك ممّا هو تال له ، ومعقود الكون به. وكأنه صانع عن هذا الموضع الذى أومأ إليه ، وعقد غرضه عليه ، بقوله فى آخر البيت :
أى إنما كانت حوائجنا التى قضيناها ، وآرابنا التى أنضيناها ، من هذا النحو الذى هو مسح الأركان وما هو لاحق به ، وجار فى القربة من الله مجراه ؛ أى لم يتعدّ هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أوّل البيت من التعريض الجارى مجرى التصريح.
وأمّا البيت الثانى فإنّ فيه :
وفى هذا ما أذكره ؛ لتراه فتعجب ممّن عجب منه ووضع من معناه. وذلك أنه لو قال : أخذنا فى أحاديثنا ، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب ، وتعنو له ميعة (4)الماضى الصليب. وذلك أنهم قد شاع عنهم واتّسع فى محاوراتهم علوّ قدر الحديث بين الأليفين ، والفكاهة بجمع شمل المتواصلين ؛ ألا ترى إلى قول الهذلىّ :
وإنّ حديثا منك - لو تعلمينه -
جنى النحل فى ألبان عوذ مطافل (1)
وقال آخر :
وحديثها كالغيث يسمعه
راعى سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيّا
ويقول من فرح هيا ربّا (2)
وقال الآخر :
وحدّثتنى يا سعد عنها فزدتنى
جنونا فزدنى من حديثك يا سعد (3)
وقال المولّد :
وحديثها السّحر الحلال لو انه
لم يجن قتل المسلم المتحرّز (4)
الأبيات الثلاثة. فإذا كان قدر الحديث - مرسلا - عندهم هذا ، على ما ترى فكيف به إذا قيّده بقوله (بأطراف الأحاديث). وذلك أن فى قوله (أطراف الأحاديث) وحيا خفيّا ، ورمزا حلوا ؛ ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبّون ، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيّمون ؛ من التعريض ، والتلويح ، والإيماء دون التصريح ، وذلك أحلى وأدمث ، وأغزل وأنسب ، من أن يكون مشافهة وكشفا ، ومصارحة وجهرا ، وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم ، وأشدّ تقدّما فى نفوسهم ، من لفظهما وإن عذب موقعه ، وأنق له مستمعه.
1) البيت من الطويل ، وهو لأبى ذؤيب الهذلى فى الدرر (5 / 7) ، وشرح أشعار الهذليين 1 / 141 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 587 ، وشرح شواهد الشافية ص 144 ، ولسان العرب (بكر) ، (طفل) ، وتاج العروس (طفل) ، وبلا نسبة فى شرح شافية ابن الحاجب 2 / 182 ، وهمع الهوامع 2 / 46.
2) البيت الثانى من الطويل ، وهو بلا نسبة فى أمالى القالى 1 / 84 ، والبيان والتبيين 1 / 283 ، والخصائص 1 / 29 ، 219 ، وشرح شواهد المغنى ص 63 ، ولسان العرب (هيا) ، ومغنى اللبيب ص 20 ، وفى معجم شواهد النحو الشعرية (الرقم 222) أنه ورد منسوبا للراعى فى ألف باء للبلوى 2 / 478 ، ولم أجده فى ديوانه ، وقد ورد (ويقول من فرح).
3) هو العباس بن الأحنف. وانظر الديوان المطبوع فى استامبول ص 58 ، ومعاهد التنصيص 1 / 57. (نجار).
4) هو ابن الرومى. وانظر فى هذا الجزء ص 29 (نجار).
نعم ، وفى قوله :
من الفصاحة ما لا خفاء به. والأمر فى هذا أسير ، وأعرف وأشهر.
فكأنّ العرب إنما تحلّى ألفاظها وتدبجها وتشيها ، وتزخرفها ، عناية بالمعان التى وراءها ، وتوصّلا بها إلى إدراك مطالبها ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إنّ من الشعر لحكما وإنّ من البيان لسحرا» (2). فإذا كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يعتقد هذا فى ألفاظ هؤلاء القوم ، التى جعلت مصايد وأشراكا للقلوب ، وسببا وسلّما إلى تحصيل المطلوب ، عرف بذلك أن الألفاظ خدم للمعانى ، والمخدوم - لا شكّ - أشرف من الخادم.
والأخبار فى التلطّف بعذوبة الألفاظ إلى قضاء الحوائج أكثر من أن يؤتى عليها ، أو يتجشّم للحال (نعت لها) ، ألا ترى إلى قول بعضهم وقد سأل آخر حاجة ، فقال المسئول : إن علىّ يمينا ألا أفعل هذا. فقال له السائل : إن كنت - أيّدك الله - لم تحلف يمينا قطّ على أمر فرأيت غيره خيرا منه فكفّرت عنها له ، وأمضيته ، فما أحبّ أن أحنثك ، وإن كان ذلك قد كان منك فلا تجعلنى أدون الرجلين عندك. فقال له : سحرتنى ، وقضى حاجته.
وندع هذا ونحوه لوضوحه ، ولنأخذ لما كنا عليه فنقول :
مما يدلّ على اهتمام العرب بمعانيها ، وتقدّمها فى أنفسها على ألفاظها ، أنهم قالوا فى شمللت ، وصعررت (3)، وبيطرت ، وحوقلت ، ودهورت (4)، وسلقيت (5)، وجعبيت (6): إنها ملحقة بباب دحرجت. وذلك أنهم وجدوها على سمتها : عدد
1) سبق تخريجه.
2) «صحيح» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وغيرهم ، وانظر صحيح أبى داود (ح 4190) ، وراجع الصحيحة (1731).
3) صعرر الشىء فتصعرر دحرجه فتدحرج واستدار. اللسان (صعرر).
4) الدهورة : جمعك الشىء وقذفك به فى مهواة ؛ ودهورت الشىء : كذلك. اللسان (دهر).
5) سلقيت : مأخوذ من السلق وهو الصدم والدفع. اللسان (سلق).
6) جعبيته جعباء : صرعته. اللسان (جعب).
حروف ، وموافقة بالحركة والسكون ، فكانت هذه صناعة لفظيّة ، ليس فيها أكثر من إلحاقها ببنائها ، واتساع العرب بها فى محاوراتها ، وطرق كلامها.
والدليل على أن فعللت ، وفعيلت ، وفوعلت ، وفعليت ، ملحقة بباب دحرجت مجىء مصادرها على مثل مصادر باب دحرجت. وذلك قولهم : الشمللة ، والبيطرة ، والحوقلة ، والدهورة ، والسلقاة ، والجعباة. فهذا [ونحوه] كالدحرجة ، والهملجة ، والقوقاة ، والزوزاة. فلمّا جاءت مصادرها على مصادر الرباعيّة ، والمصادر أصول للأفعال حكم بإلحاقها بها ؛ ولذلك استمرّت فى تصريفها استمرار ذوات الأربعة. فقولك : بيطر يبيطر بيطرة ، كدحرج يدحرج دحرجة ، ومبيطر كمدحرج. وكذلك شملل يشملل شمللة ، وهو مشملل. فظهور تضعيفه على هذا الوجه أوضح دليل على إرادة إلحاقه. ثم إنهم قالوا : قاتل يقاتل قتالا ، ومقاتلة ، وأكرم يكرم إكراما ، وقطّع يقطع تقطيعا ، فجاءوا بأفعل ، وفاعل ، وفعّل ، غير ملحقة بدحرج ، وإن كانت على سمته وبوزنه ؛ كما كانت فعلل ، وفيعل ، وفوعل ، وفعول ، وفعلى ، على سمته ووزنه ملحقة. والدليل على أن فاعل وأفعل وفعّل غير ملحقة بدحرج وبابه امتناع مصادرها أن تأتى على مثال الفعللة ؛ ألا تراهم لا يقولون : ضارب ضاربة ، ولا أكرم أكرمة ، ولا قطّع قطّعة ؛ فلمّا امتنع فيها هذا - وهو العبرة فى صحّة الإلحاق - علم أنها ليست ملحقة بباب دحرج.
فإذا قيل : فقد تجيء مصادرها من غير هذا الوجه على مثال مصادر ذوات الأربعة ؛ ألا تراهم يقولون : قاتل قيتالا ، وأكرم إكراما ، (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) [النبأ : 28] فهذا بوزن الدحراج ، والسرهاف ، والزلزال ، والقلقال ؛ قال :
قيل : الاعتبار بالإلحاق بها ليس إلا من جهة الفعللة ، دون الفعلال ، وبه كان
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 169 ، والأشباه والنظائر 1 / 289 ، وسمط اللآلى ص 788 ، وشرح المفصل 6 / 50 ، ولرؤبة فى خزانة الأدب 2 / 45 ، 47 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 957 ، وليس فى ديوانه ، وتاج العروس (سرهف) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 1151 ، والخصائص 1 / 222 ، 2 / 302 ، والمنصف 1 / 41 ، 3 / 4. وسرهفته : أحسنت غذاءه.
يعتبر سيبويه. ويدلّ على صحّة ذلك أن مثال الفعللة لا زيادة فيه ، فهو بفعلل أشبه من مثال الفعلال ، والاعتبار بالأصول أشبه منه وأوكد منه بالفروع.
فإن قلت : ففى الفعللة الهاء زائدة ، قيل : الهاء فى غالب أمرها وأكثر أحوالها غير معتدّة ، من حيث كانت فى تقدير المنفصلة.
فإن قيل : فقد صحّ إذا أن فاعل ، وأفعل ، وفعّل - وإن كانت بوزن دحرج - غير ملحقة به ، فلم لم تلحق به؟ قيل : العلّة فى ذلك أن كلّ واحد من هذه المثل جاء لمعنى. فأفعل للنقل وجعل الفاعل مفعولا ؛ نحو دخل ، وأدخلته ، وخرج ، وأخرجته. ويكون أيضا للبلوغ ؛ نحو أحصد الزرع ، وأركب المهر ، وأقطف الزرع ، ولغير ذلك من المعانى. وأمّا فاعل فلكونه من اثنين فصاعدا ؛ نحو ضارب زيد عمرا ، وشاتم جعفر بشرا. وأما فعّل فللتكثير ؛ نحو غلّق الأبواب ، وقطّع الحبال ، وكسّر الجرار.
فلمّا كانت هذه الزوائد فى هذه المثل إنما جيء بها للمعانى خشوا إن هم جعلوها ملحقة بذوات الأربعة أن يقدّر أن غرضهم فيها إنما هو إلحاق اللفظ باللفظ ؛ نحو شملل ، وجهور ، وبيطر ؛ فتنكّبوا إلحاقها بها ؛ صونا للمعنى ، وذبّا عنه أن يستهلك ويسقط حكمه ، فأخلّوا بالإلحاق لمّا كان صناعة لفظيّة ، ووقّروا المعنى ورجّبوه ؛ لشرفه عندهم ، وتقدّمه فى أنفسهم. فرأوا الإخلال باللفظ فى جنب الإخلال بالمعنى يسيرا سهلا ، وحجما محتقرا ، وهذا الشمس إنارة مع أدنى تأمّل.
ومن ذلك أيضا أنهم لا يلحقون الكلمة من أوّلها إلا أن يكون مع الحرف الأوّل غيره ؛ ألا ترى أن (مفعلا) لمّا كانت زيادته فى أوّله لم يكن ملحقا بها ؛ نحو : مضرب ، ومقتل. وكذلك (مفعل) نحو : مقطع ، ومنسج ، وإن كان مفعل بوزن جعفر ، ومفعل بوزن هجرع (1). يدلّ على أنهما ليسا ملحقين بهما ما نشاهده من ادّغامهما ، نحو مسدّ ، ومردّ ، ومتلّ (2)، ومشلّ (3). ولو كانا ملحقين لكانا
حرى أن يخرجا على أصولهما ، كما خرج شملل وصعرر على أصله. فأمّا محبب فعلم خرج شاذّا ، كتهلل ، ومكوزة ، ونحو ذلك مما احتمل لعلميّته.
وسبب امتناع مفعل ومفعل أن يكونا ملحقين - وإن كانا على وزن جعفر ، وهجرع - أن الحرف الزائد فى أوّلهما ، وهو لمعنى ؛ وذلك أن مفعلا يأتى للمصادر ، نحو ذهب مذهبا ، ودخل مدخلا ، وخرج مخرجا. ومفعلا يأتى للآلات ، والمستعملات ؛ نحو مطرق ، ومروح ، ومخصف ، ومئزر. فلما كانت الميمان ذواتى معنى خشوا إن هم ألحقوا بهما أن يتوهّم أن الغرض فيهما إنما هو الإلحاق حسب ، فيستهلك المعنى المقصود بهما ، فتحاموا الإلحاق بهما ؛ ليكون ذلك موفّرا على المعنى لهما.
ويدلك على تمكّن المعنى فى أنفسهم وتقدّمه للّفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى فى أوّل الكلمة ، وذلك لقوّة العناية به ، فقدّموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكّنه عندهم.
وعلى ذلك تقدّمت حروف المضارعة فى أوّل الفعل ؛ إذ كنّ دلائل على الفاعلين : من هم ، وما هم ، وكم عدّتهم ؛ نحو أفعل ، ونفعل ، وتفعل ، ويفعل ، وحكموا بضدّ [هذا للّفظ] ؛ ألا ترى إلى ما قاله أبو عثمان فى الإلحاق : إنّ أقيسه أن يكون بتكرير اللام ، فقال : باب شمللت ، وصعررت ، أقيس من باب حوقلت ، وبيطرت ، وجهورت.
أفلا ترى إلى حروف المعانى : كيف بابها التقدّم ، وإلى حروف الإلحاق والصناعة : كيف بابها التأخّر. فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم ، وعلوّ فى تصوّرهم ، إلا بتقدّم دليله ، وتأخّر دليل نقيضه ، لكان مغنيا من غيره كافيا.
وعلى هذا حشوا بحروف المعانى فحصّنوها بكونها حشوا ، وأمنوا عليها ما لا يؤمن على الأطراف ، المعرّضة للحذف والإجحاف. وذلك كألف التكسير وياء التصغير ؛ نحو دراهم ، ودريهم ، وقماطر ، وقميطر. فجرت فى ذلك - لكونها حشوا - مجرى عين الفعل المحصّنة فى غالب الأمر ، المرفوعة عن حال الطرفين من الحذف ؛ ألا ترى إلى كثرة باب عدة ، وزنة ، وناس ، والله فى أظهر قولى سيبويه ، وما حكاه أبو زيد من قولهم ، لاب لك ، وويلمّه ، ويا با المغيرة ، وكثرة
باب يد ، ودم ، وأخ ، وأب ، وغد ، وهن ، وحر ، واست ، وباب ثبة ، وقلة ؛ وعزة ، وقلّة باب مذ ، وسه : إنما هما هذان الحرفان بلا خلاف. وأما ثبة (1)ولثة فعلى الخلاف. فهذا يدلّك على ضنّهم بحروف المعانى ، وشحّهم عليها : حتى قدّموها عناية بها ، أو وسّطوها تحصينا لها.
فإن قلت : فقد نجد حرف المعنى آخرا ، كما نجده أوّلا ووسطا. وذلك تاء التأنيث ، وألف التثنية ، وواو الجمع على حدّه ، والألف والتاء فى المؤنّث ، وألفا التأنيث فى حمراء وبابها ، وسكرى وبابها ، وياء الإضافة ؛ كهنىّ ، فما ذلك؟
قيل : ليس شيء مما تأخّرت فيه علامة معناه إلا لعاذر مقنع. وذلك أن تاء التأنيث إنما جاءت فى طلحة وبابها آخرا من قبل أنهم أرادوا أن يعرّفونا تأنيث ما هو ، وما مذكّره ، فجاءوا بصورة المذكّر كاملة مصحّحة ، ثم ألحقوها تاء التأنيث ليعلموا حال صورة التذكير ، وأنه قد استحال بما لحقه إلى التأنيث ؛ فجمعوا بين الأمرين ودلّوا على الغرضين. ولو جاءوا بعلم التأنيث حشوا لانكسر المثال ، ولم يعلم تأنيث أىّ شيء هو.
فإن قلت : فإن ألف التكسير وياء التحقير قد تكسران مثال الواحد والمكبّر ، وتخترمان صورتيهما ؛ لأنهما حشو لا آخر. وذلك قولك دفاتر ودفيتر ، وكذلك كليب ، وحجير ، ونحو ذلك ، قيل : أمّا التحقير فإنه أحفظ للصورة من التكسير ؛ ألا تراك تقول فى تحقير حبلى : حبيلى ، وفى صحراء : صحيراء ، فتقرّ ألف التأنيث بحالها ، فإذا كسّرت قلت : حبالى ، وصحارى ، وأصل حبالى حبال ؛ كدعا وتكسير دعوى ، فتغيّر علم التأنيث. وإنما كان الأمر كذلك من حيث كان تحقير الاسم لا يخرجه عن رتبته الأولى - أعنى الإفراد - فأقرّ (بعض لفظه) لذلك ؛ وأمّا التكسير فيبعده عن الواحد الذى هو الأصل ، فيحتمل التغيير ، لا سيّما مع اختلاف معانى الجمع ، فوجب اختلاف اللفظ. وأمّا ألف التأنيث
1) ثبة الحوض : وسطه الذى يثوب إليه الماء. وانظر اللسان (ثبا). يقول ابن جنى فى سر الصناعة فى حرف الواو (2 / 150) أما «ثبة» فالمحذوف منها اللام يدل على ذلك أنه الثبة : الجماعة من الناس وغيرهم ، قال تعالى : (فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً). ف- «ثبات» كقولك : جماعات متفرقة.
المقصورة والممدودة فمحمولتان على تاء التأنيث ، وكذلك علم التثنية والجمع على حدّه لاحق بالهاء أيضا. وكذلك ياء النسب. وإذا كان الزائد غير ذى المعنى قد قوى سببه ، حتى لحق بالأصول عندهم ، فما ظنّك بالزائد ذى المعنى؟ وذلك قولهم فى اشتقاق الفعل من قلنسوة تارة : تقلنس ، وأخرى : تقلسى ، فأقرّوا النون وإن كانت زائدة ، وأقرّوا أيضا الواو حتى قلبوها ياء فى تقلسيت. وكذلك قالوا : قرنوة (1)، فلما اشتقّوا الفعل منها قالوا قرنيت السّقاء ، فأثبتوا الواو ، كما أثبتوا بقيّة حروف الأصل : من القاف ، والراء ، والنون ، ثم قلبوها ياء فى قرنيت. هذا مع أن الواو فى قرنوة زائدة للتكثير والصيغة ، لا للإلحاق ولا للمعنى ، وكذلك الواو فى قلنسوة للزيادة غير الإلحاق وغير المعنى. وقالوا فى نحوه ، تعفرت الرجل إذا صار عفريتا ، فهذا تفعلت ؛ وعليه جاء تمسكن ، وتمدرع ، وتمنطق ، وتمندل ، ومخرق (2)، وكان يسمّى محمدا ثم تمسلم أى صار يسمّى مسلما ، و (مرحبك الله ، ومسهلك) ، فتحمّلوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل فى حال الاشتقاق ؛ كلّ ذلك توفية للمعنى ، وحراسة له ، ودلالة عليه. ألا تراهم إذ قالوا : تدرّع ، وتسكّن وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا فقد عرّضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم : أمن الدّرع والسكون ؛ أم من المدرعة والمسكنة؟ وكذلك بقيّة الباب.
ففى هذا شيئان : أحدهما حرمة الزائد فى الكلمة عندهم حتى أقرّوه إقرار الأصول. والآخر ما يوجبه ويقضى به : من ضعف تحقير الترخيم وتكسيره عندهم ، لما يقضى به ، ويفضى بك إليه : من حذف الزوائد ، على معرفتك بحرمتها عندهم.
فإن قلت : فإذا كان الزائد إذا وقع أوّلا لم يكن للإلحاق فكيف ألحقوا بالهمزة فى ألندد (3)وألنجج (4)، وبالياء فى يلندد ويلنجج ، والدليل على الإلحاق ظهور
1) القرنوة : نبات عريض الورق ينبت فى ألوية الرمل ، قال الأزهرى فى القرنوة : رأيت العرب يدبغون بورقه الأهب. اللسان (قرن).
2) يقول ابن جنى فى سر الصناعة فى آخر حرف الميم (1 / 366) «وقالوا مخرق الرجل ، وضعفها ابن كيسان».
3) الألندد واليلندد : كالألدّ ، أى الشديد الخصومة.
4) الألنجج واليلنجج : عود من الطيب يتبخر به.
التضعيف؟ قيل : قد قلنا قبل : إنهم لا يلحقون الزائد من أوّل الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخر ؛ فلذلك جاز الإلحاق بالهمزة والياء فى ألندد ، ويلندد ، لمّا انضمّ إلى الهمزة والياء والنون.
وكذلك ما جاء عنهم من إنقحل (1)- فى قول صاحب الكتاب - ينبغى أن تكون الهمزة فى أوّله للإلحاق - بما اقترن بها من النون - بباب جردحل. ومثله ما رويناه عنهم من قولهم : رجل إنزهو ، وامرأة إنزهوة ، ورجال إنزهوون ، ونساء إنزهوات ، إذا كان ذا زهو ؛ فهذا إذا انفعل. ولم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده ؛ وأنشد الأصمعىّ - رحمهالله - :
ويجوز عندى فى إنزهو غير هذا ، وهو أن تكون همزته بدلا من عين ، فيكون أصله عنزهو : فنعلو ، من العزهاة ، وهو الذى لا يقرب النساء. والتقاؤهما أن فيه انقباضا وإعراضا ، وذلك طرف من أطراف الزهو ؛ قال :
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبا
فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا (3)
وإذا حملته على هذا لحق بباب أوسع من إنقحل ، وهو باب قندأو (4)، وسندأو (5) ، وحنطئو (6) ، وكنتأو (7).
فإن قيل : ولم لمّا كان مع الحرف الزائد إذا وقع أوّلا زائد ثان غيره صارا جميعا للإلحاق ، وإذا انفرد الأوّل لم يكن له؟ قيل : لما كنّا عليه من غلبة المعانى
1) رجل إنقحل : يابس الجلد من الكبر والهرم.
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (قحل) ، وجمهرة اللغة ص 559 ، وتاج العروس (قحل).
3) البيت من الطويل ، وهو للأحوص فى ديوانه ص 98 ، وطبقات فحول الشعراء ص 664 ، والشعر والشعراء ص 526 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (عزه) ، وكتاب العين 6 / 206 ، والمخصص 16 / 175 ، وأساس البلاغة ص 301 (عزه) 348 ، (فند) ، 512 (يبس) ، وتاج العروس (عزه).
4) القندأو : الجرىء. والسندأو : القصير أو الخفيف. الحنطأو : العظيم البطن أو القصير. الكنتأو : الجمل الشديد.
للألفاظ ، على ما تقدّم.
وذلك أن أصل الزيادة فى أوّل الكلمة إنما هو للفعل. وتلك حروف المضارعة فى أفعل ، ونفعل ، وتفعل ، ويفعل ، وكلّ واحد من أدلّة المضارعة إنما هو حرف واحد ، فلمّا انضمّ إليه حرف آخر فارق بذلك طريقه فى باب الدلالة على المعنى ، فلم ينكر أن يصار به حينئذ إلى صنعة اللفظ ، وهى الإلحاق.
ويدلّك على تمكّن الزيادة إذا وقعت أوّلا فى الدلالة على المعنى تركهم صرف أحمد ، وأرمل ، وأزمل (1)، وتنضب ، ونرجس ، معرفة ؛ لأن هذه الزوائد فى أوائل الأسماء وقعت موقع ما هو أقعد منها فى ذلك الموضع ، وهى حروف المضارعة. فضارع أحمد أركب ، وتنضب تقتل ، ونرجس نضرب ، فحمل زوائد الأسماء فى هذا على أحكام زوائد الأفعال ؛ دلالة على أن الزيادة فى أوائل الكلم إنما بابها الفعل.
فإن قلت : فقد نجدها للمعنى ومعها زائد آخر غيرها ؛ وذلك نحو ينطلق وأنطلق ، واحرنجم ، ويخرنطم ، ويقعنسس. قيل : المزيد للمضارعة هو حرفها وحده ، فأمّا النون فمصوغة فى حشو الكلمة فى الماضى ؛ نحو احرنجم ، ولم تجتمع مع حرف المضارعة فى وقت واحد ، كما التقت الهمزة والياء مع النون فى ألنجج ويلندد فى وقت واحد.
فإن قلت : فقد تقول : رجل ألدّ ثم تلحق النون فيما بعد ، فتقول : ألندد ، فقد رأيت الهمزة والنون غير مصطحبتين. قيل : هاتان حالان متعاديتان ؛ وذلك أن ألدّ ليس من صيغة ألندد فى شيء ، إنما ألدّ مذكر لدّاء ؛ كما أن أصمّ تذكير صمّاء. وأمّا ألندد فهمزته مرتجلة مع النون فى حال واحدة ، ولا يمكنك أن تدّعى أن احرنجم لمّا صرت إلى مضارعه فككت يده عمّا كان فيها من الزوائد ، ثم ارتجلت له زوائد غيرها ؛ ألا ترى أن المضارع مبناه على أن ينتظم جميع حروف الماضى من أصل أو زائد ؛ كبيطر ويبيطر ، وحوقل ويحوقل ، وجهور ، ويجهور ، وسلقى ويسلقى ، وقطّع ويقطّع ، و (تكسّر ويتكسّر) وضارب ويضارب.
1) الأزمل : الصوت ، وجمعه الأزامل.
فأمّا أكرم يكرم ، فلولا ما كره من التقاء الهمزتين فى أؤكرم لو جيء به ، بما أصله للزم أن يؤتى بزيادته فيه ؛ كما جيء بالزيادة فى نحو يتدحرج ، وينطلق.
وأمّا همزة انطلق فإنما حذفت فى ينطلق للاستغناء عنها ، بل قد كانت فى حال ثباتها فى حكم الساقط أصلا ؛ فهذا واضح.
ولأجل ما قلناه : من أن الحرف المفرد فى أوّل الكلمة لا يكون للإلحاق ما حمل أصحابنا تهلل (1)على أن ظهور تضعيفه إنما جاز لأنه علم ، والأعلام تغيّر كثيرا. ومثله عندهم محبب ؛ لما ذكرناه.
وسألت يوما أبا علىّ - رحمهالله - عن تجفاف (2): أتاؤه للإلحاق بباب قرطاس؟ فقال : نعم ، واحتجّ فى ذلك بما انضاف إليها من زيادة الألف معها. فعلى هذا يجوز أن يكون ما جاء عنهم من باب أملود (3)وأظفور ملحقا بباب عسلوج (4)، ودملوج ، وأن يكون إطريح وإسليح (5)ملحقا بباب شنظير (6)وخنزير. ويبعد هذا عندى ؛ لأنه يلزم منه أن يكون باب إعصار وإسنام (7)ملحقا بباب حدبار (8)وهلقام (9)، وباب إفعال لا يكون ملحقا ؛ ألا ترى أنه فى الأصل للمصدر ؛ نحو إكرام ، وإحسان ، وإجمال ، وإنعام ، وهذا مصدر فعل غير ملحق ، فيجب أن يكون المصدر فى ذلك على سمت فعله غير مخالف له. وكأنّ هذا ونحوه إنما لا يجوز أن يكون ملحقا من قبل أن ما زيد على الزيادة الأولى فى أوّله إنما هو حرف لين ، وحرف اللين لا يكون للإلحاق ، إنما جيء به لمعنى ، وهو امتداد الصوت به ، وهذا حديث غير حديث الإلحاق ؛ ألا ترى أنك إنما تقابل بالملحق الأصل ، وباب
1) تهلل : قرية بالريف. انظر معجم البلدان. اللسان (جفف).
2) التّجفاف والتّجفاف : الذى يوضع على الخيل من حديد أو غيره فى الحرب.
3) أملود : ناعم ، وامرأة أملودة : ناعمة. الملد : الشباب ونعمته.
4) العسلوج : ما لان واخضرّ من قضبان الشجر والكرم أول ما ينبت.
5) الإسليح : شجرة ترعاها الإبل فيغزر لبنها.
6) الشّنظير : السيئ الخلق.
7) الأسنام بفتح الهمزة : جمع الأسنامة : ضرب من الشجر. والأسنام : ثمر الحلىّ. اللسان (سنم).
8) الحدبار : الناقة الضامرة.
9) الهلقام : الضخم الطويل.
المدّ إنما هو الزيادة أبدا ، فالأمران على ما ترى فى البعد غايتان.
فإن قلت على هذا : فما تقول فى باب إزمول (1)، وإدرون (2)، أملحق هو أم غير ملحق ، وفيه - كما ترى - مع الهمزة الزائدة الواو زائدة؟ قيل : لا ، بل هو ملحق بباب جردحل (3)وحنزقر (4). وذلك أن الواو التى فيه ليست مدا ؛ لأنها مفتوح ما قبلها ، فشابهت الأصول بذلك فألحقت بها.
فإن قلت : فقد قال فى طومار : إنه ملحق بقسطاس ، والواو كما ترى بعد الضمّة ، أفلا تراه كيف ألحق بها مضموما ما قبلها. قيل : الأمر كذلك ؛ وذلك أن موضع المدّ إنما هو قبيل الطرف مجاورا له ؛ كألف عماد ، وياء سعيد ، وواو عمود.
فأمّا واو طومار ، وياء ديماس (5)فيمن قال دياميس فليستا للمدّ ؛ لأنهما لم تجاورا الطّرف. وعلى ذلك قال فى طومار : إنه ملحق لمّا تقدّمت الواو فيه ، فلم تجاور طرفه.
فلو بنيت على هذا من (سألت) مثل طومار وديماس لقلت : سوءال ، وسيئال.
فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على الحرفين قبلها ، ولم تحتشم ذلك ، فقلت : سوال ، وسيال ، ولم تجرهما مجرى واو مقروءة وياء خطيئة فى إبدالك الهمزة بعدهما إلى لفظهما ، وادّغامك إيّاهما فيها ، فى نحو مقروّة ، وخطيّة. فلذلك لم يقل فى تخفيف سوءال ، وسيئال : سوّال ، ولا سيّال. فاعرفه.
فإن قيل : ولم لم يتمكّن حال المدّ إلا أن يجاور الطّرف؟ قيل : إنما جيء بالمدّ فى هذه المواضع لنعمته وللين الصوت به. وذلك أن آخر الكلمة موضع الوقف ، ومكان الاستراحة والأون (6)؛ فقدّموا أمام الخوف الموقوف عليه ما يؤذن بسكونه ، وما يخفّض من غلواء (7)الناطق واستمراره على سنن جريه ، وتتابع نطقه. ولذلك
1) الإزمولة : المصوت من الوعول وغيرها. اللسان (زمل).
2) الإدرون : المعلف. والأصل. اللسان (درن).
3) الجردحل من الإبل : الضخم. ناقة جردحل : ضخمة غليظة. اللسان (جردحل).
4) الحنزقر : القصير الدميم من الناس. اللسان (حنزقر).
5) الديماس : الحمّام. والسّرب المظلم. اللسان (دمس).
6) الأون : الدّعة والسكينة والرّفق. اللسان (أون).
7) الغلواء : السرعة.
كثرت حروف المدّ قبل حرف الروىّ - كالتأسيس والرّدف - ليكون ذلك مؤذنا بالوقوف ، ومؤدّيا إلى الراحة والسكون. وكلّما جاور حرف المدّ الروىّ كان آنس به ، وأشدّ إنعاما لمستمعه. نعم وقد نجد حرف اللين فى القافية عوضا عن حرف متحرّك ، أوزنة حرف متحرّك حذف من آخر البيت فى أتمّ أبيات ذلك البحر ؛ كثالث الطويل ، وثانى البسيط والكامل. فلذلك كان موضع حرف اللين إنما هو لما جاور الطرف. فأمّا ألف فاعل وفاعال وفاعول ونحو ذلك فإنها وإن كانت راسخة فى اللّين ، وعريقة فى المدّ ، فليس ذلك لاعتزامهم المدّ بها ، بل المدّ فيها - أين وقعت - شيء يرجع إليها فى ذوقها ، وحسن النطق بها ؛ ألا تراها دخولها فى (فاعل) لتجعل الفعل من اثنين فصاعدا ؛ نحو ضارب وشاتم ؛ فهذا معنى غير معنى المدّ ، وحديث غير حديثه. وقد ذكرت هذا الموضع فى كتابى فى شرح تصريف أبى عثمان وغيره من كتبى ، وما خرج من كلامى.
فإن قلت : فإذا كان الأمر كذا فهلا زيدت المدّات فى أواخر الكلم للمدّ ، فإن ذلك أنأى لهنّ ، وأشدّ تماديا بهنّ؟ قيل : يفسد ذاك من حيث كان مؤدّيا إلى نقض الغرض ، وذلك أنهنّ لو تطرفن لتسلّط الحذف عليهنّ ، فكان يكون ما أرادوه من زيادة الصوت بهنّ داعيا إلى استهلاكه بحذفهنّ ؛ ألا ترى أن ما جاء فى آخره الياء والواو قد حفظن عليه ، وارتبطن له بما زيد عليهن من التاء من بعدهن ؛ وذلك كعفرية ، وحدرية (1)، وعفارية ، وقراسية (2)، وعلانية ، ورفاهية ، وبلهنية (3)، وسحفنية (4)؛ وكذلك عرقوة ، وترقوة ، وقلنسوة ، وقمحدوة (5). فأما رباع وثمان وشناح (6)فإنما احتمل ذلك فيه للفرق بين المذكّر والمؤنّث فى رباعية وثمانية وشناحية. وأيضا فلو زادوا الواو طرفا لوجب قلبها ياء ؛ ألا تراها لمّا حذفت التاء عنها فى الجمع قلبوها ياء ؛ قال :
1) الحذرية : الأرض الخشنة ، والجمع الحذارى. اللسان (حذر).
2) القراسية : الضخم الشديد من الإبل وغيرها ، اللسان (قرس).
3) البلهنية : سعة العيش. اللسان (بلهن).
4) رجل سحفنية : هو المحلوق الرأس. اللسان (سحف).
5) القمحدوة : الهنة الناشزة فوق القفا. اللسان (قمحد).
6) الشّناح من الإبل : الطويل الجسيم. والأنثى شناحية. اللسان (شنح).
أهل الرياط البيض والقلنسى (1)
لا مهل حتّى تلحقى بعنس*
*وقال المجنون :
وقال :
وأيضا فلو زيدت هذه الحروف طرفا للمدّ بها لانتقض الغرض من موضع آخر.
وذلك أن الوقف على حرف اللين ينقصه ويستهلك بعض مدّه ، ولذلك احتاجوا لهنّ إلى الهاء فى الوقف ؛ ليبين بها حرف المدّ. وذلك قولك : وا زيداه ، ووا غلامهموه ، ووا غلام غلامهيه. وهذا شيء اعترض فقلنا فيه ، ولنعد.
فإن قيل زيادة على ما مضى : إذا كان موضع زيادة الفعل أوّله ؛ بما قدّمته ، وبدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه ، نحو استفعل ؛ وباب زيادة الاسم آخرا بدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه ؛ نحو عنظيان (3)، وخنذيان (4)، وخنزوان (5)، وعنفوان ، فما بالهم جعلوا الميم - وهى من زوائد الأسماء - مخصوصا بها أوّل المثال ؛ نحو مفعل ، ومفعول ، ومفعال ، ومفعل ، وذلك الباب على طوله؟.
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (عنس) 6 ، 181 (قلس) ، 7 / 307 (ريط) ، وشرح المفصل 10 / 107 ، والكتاب 3 / 317 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 116 ، والمقتضب 1 / 188 ، والمنصف 2 / 120 ، 3 / 70 ، وتهذيب اللغة 8 / 408 ، وتاج العروس (16 / 290 (عنس) ، 393 (قلس) ، 19 / 317 (ريط) ، وكتاب العين 5 / 79 وقبله :
2) الرجز بلا نسبة فى تخليص الشواهد ص 147 ، والخصائص 1 / 235 ، وشرح المفصل 10 / 108 ، والكتاب 3 / 309 ، ولسان العرب (عرق) ، والمقتضب 1 / 188 ، والمنصف 2 / 120 ، والمخصص 9 / 165 ، وتاج العروس (عرق). القضّ : الكسر. العرقوة : خشبة معروضة على الدلو. والجمع عرق وأصله عرقو. إلا أنه ليس فى الكلام اسم آخره واو قبلها حرف مضموم. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين ، فعدلوا إلى إبدال الواو ياء. اللسان (عرق).
3) العنظيان : الشرير المتسمع البذيّ الفحاش. اللسان (عنظ).
4) الخنذيان : الكثير الشر. اللسان (خنذ).
5) الخنزوان : الكبر. اللسان (خنز).
قيل : لمّا جاءت لمعنى ضارعت بذلك حروف المضارعة فقدّمت ، وجعل ذلك عوضا من غلبة زيادة الفعل على أوّل الجزء ؛ كما جعل قلب الياء واوا فى التقوى والبقوى عوضا من كثرة دخول الواو على الياء. وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة فى آخره من الفعل ، وذلك لقوّة الاسم وخفّته ، فاحتمل سحب الزيادة من آخره. والفعل - لضعفه وثقله - لا يتحامل بما يتحامل به الاسم من ذلك لقوّته.
ويدلّك على ثقل الزيادة فى آخر الكلمة أنك لا تجد فى ذوات الخمسة ما زيد فيه من آخره إلا الألف لخفّتها ؛ وذلك قبعثرى (1)، وضبغطرى (2)، وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة ، فلا ينتهى إلى آخرها إلا وقد ملّت لطولها. فلم يجمعوا على آخرها تماديه وتحميله الزيادة عليه. فإنما زيادتها فى حشوها ؛ نحو عضرفوط (3)، وقرطبوس (4)، ويستعور (5)، وصهصليق (6)، وجعفليق (7)، وعندليب ، وحنبريت (8).
وذلك أنهم لمّا أرادوا ألا يخلوا ذوات الخمسة من الزيادة ، كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حشوا بالزيادة تقديما لها ؛ كراهية أن ينتهى إلى آخر الكلمة على طولها ، ثم يتجشّموا حينئذ زيادة هناك فيثقل أمرها ، ويتشنّع عليهم تحمّلها.
فقد رأيت - بما أوردناه - غلبة المعنى للّفظ ، وكون اللفظ خادما له ، مشيدا به ، وأنه إنما جيء به له ، ومن أجله. وأمّا غير هذا الطريق : من الحمل على المعنى وترك اللفظ - كتذكير المؤنّث ، وتأنيث المذكّر ، وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه ، وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه ، وحذف الحروف ، والأجزاء التوامّ ، والجمل ، وغير ذلك حملا عليه وتصوّرا له ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، ويملّ أيسره - فأمر مستقرّ ، ومذهب غير مستنكر.
1) قبعثرى : الجمل الضخم.
2) ضبغطرى : هو الأحمق.
3) العضرفوط : دويبة بيضاء ناعمة. ويقال : ذكر العظاء. اللسان (عضرفط).
4) القرطبوس بفتح القاف : الداهية. اللسان (قرطبس).
5) اليستعور : شجر تصنع منه المساويك. وقيل : موضع. اللسان (يستعر).
6) صهصليق : شديدة الصوت صخّابة ، ومنهم من قيد فقال : العجوز الصخابة. اللسان (صهصلق).
7) الجعفليق : العظيمة من النساء. اللسان (جعفلق).
8) كذب حنبريت : خالص ، وكذلك ماء حنبريت اللسان (حنبرت).
ما نسبناه إليها ، وحملناه عليها
اعلم أن هذا موضع فى تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة ، وللنفس به مسكة وعصمة ؛ لأن فيه تصحيح ما ندّعيه على العرب : من أنّها أرادت كذا لكذا ، وفعلت كذا لكذا. وهو أحزم لها ، وأجمل بها ، وأدلّ على الحكمة المنسوبة إليها ، من أن تكون تكلفت ما تكلّفته : من استمرارها على ووتيرة واحدة ، وتقرّيها منهجا واحدا ، تراعيه وتلاحظه ، وتتحمّل لذلك مشاقّه وكلفه ، وتعتذر من تقصير إن جرى وقتا منها فى شيء منه.
وليس يجوز أن يكون ذلك كلّه فى كل لغة لهم ، وعند كلّ قوم منهم ، حتى لا يختلف ولا ينتقض ، ولا يتهاجر ، على كثرتهم ، وسعة بلادهم ، وطول عهد زمان هذه اللغة لهم ، وتصرّفها على ألسنتهم ، اتّفاقا وقع ، حتى لم يختلف فيه اثنان ، ولا تنازعه فريقان ، إلا وهم له مريدون ، وبسيافه على أوضاعهم فيه معنيّون ؛ ألا ترى إلى اطّراد رفع الفاعل ، ونصب المفعول ، والجرّ بحروف الجرّ ، والنصب بحروفه ، والجزم بحروفه ، وغير ذلك من حديث التثنية والجمع ، والإضافة والنسب ، والتحقير ، وما يطول شرحه ؛ فهل يحسن بذى لبّ أن يعتقد أنّ هذا كله اتّفاق وقع ، وتوارد اتّجه!.
فإن قلت ؛ (فما تنكر) أن يكون ذلك شيئا طبعوا عليه ، وأجيئوا إليه ، من غير اعتقاد منهم لعلله ، ولا لقصد من القصود التى تنسبها إليهم فى قوانينه وأغراضه ، بل لأن آخرا منهم حذا على ما نهج الأوّل فقال به ، وقام الأوّل للثانى فى كونه إماما له فيه مقام من هدى الأوّل إليه ، وبعثه عليه ، ملكا كان أو خاطرا؟
قيل : لن يخلو ذلك أن يكون خبرا روسلوا به ، أو تيقّظا نبّهوا على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحيا أو ما يجرى مجراه فهو أنبه له ، وأذهب فى شرف الحال به ؛ لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقفهم عليه ؛ لأن فى طباعهم قبولا له ، وانطواء على صحّة الوضع فيه ؛ لأنهم مع ما قدّمناه من ذكر كونهم عليه فى
أوّل الكتاب من لطف الحسّ وصفائه ، ونصاعة جوهر الفكر ونقائه ، لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة ، المنقادة الكريمة ، إلا ونفوسهم قابلة لها ، محسّة لقوّة الصنعة فيها ، معترفة بقدر النّعمة عليهم بما وهب لهم منها ؛ ألا ترى إلى قول أبى مهديّة (1):
يقولون لى : شنبذ ، ولست مشنبذا
طوال الليالى ما أقام ثبير
ولا قائلا : زوذا ليعجل صاحبى
وبستان فى صدرى علىّ كبير
ولا تاركا لحنى لأحسن لحنهم
ولو دار صرف الدهر حيث يدور
وحدّثنى المتنبى شاعرنا - وما عرفته إلا صادقا - قال : كنت عند منصرفى من مصر فى جماعة من العرب ، وأحدهم يتحدّث. فذكر فى كلامه فلاة واسعة ، فقال : يحير فيها الطرف ، قال : وآخر منهم يلقّنه سرّا من الجماعة بينه وبينه ، فيقول له : يحار يحار. أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض ، وتنبيهه إيّاه على الصواب.
وقال عمّار (2)الكلبىّ - وقد عيب عليه بيت من شعره ؛ فامتعض لذلك - :
ما ذا لقينا من المستعربين ومن
قياس نحوهم هذا الذى ابتدعوا
إن قلت قافية بكرا يكون بها
بيت خلاف الذى قاسوه أو ذرعوا
قالوا لحنت ، وهذا ليس منتصبا
وذاك خفض ، وهذا ليس يرتفع
وحرّضوا بين عبد الله من حمق
وبين زيد فطال الضرب والوجع
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم
وبين قوم على إعرابهم طبعوا
ما كلّ قولى مشروحا لكم ، فخذوا
ما تعرفون ، وما لم تعرفوا فدعوا
لأن أرضى أرض لا تشبّ بها
نار المجوس ولا تبنى بها البيع (3)
1) فى المعرّب للجواليقىّ ص 9 نسبته لأبى المهدىّ ، وكذا هو فى مجالس ابن حنزابة ونصه : «كان أبو مهدىّ هذا - وهو من باهلة - يضرب حنكيه يمينا وشمالا ...» ، وكذا هو «أبو مهدى» فى ذيل الأمالى 39. وفى السمط 21 أن الصواب : «أبو مهدية» كما فى فهرست ابن النديم 49 والمرزبانى 185. وهو صاحب قصة فى اللسان (خسا) باسم أبى مهدية. (نجار).
2) هذا الشعر فى معجم الأدباء فى ترجمة ابن جنى 12 / 103 ، وفيه : «عمرو» بدل «عمار». (نجار).
3) الأول منهم بلا نسبة فى اللسان (عرب) والتاج (عرب).
والخبر المشهور فى هذا للنابغة وقد عيب عليه قوله فى الداليّة المجرورة :
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود (1)
زعم البوارح أن رحلتنا غدا*
*فلمّا لم يفهمه أتى بمغنّية فغنّته :
عجلان ذا زاد وغير مزوّد (2)
ومدّت الوصل وأشبعته ، ثم قالت :
ومطلت واو الوصل ، فلمّا أحسّه عرفه واعتذر منه وغيّره - فيما يقال - إلى قوله :
وقال ؛ دخلت يثرب وفى شعرى صنعة ، ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب.
كذا الرواية. وأمّا أبو الحسن فكان يرى ويعتقد أن العرب لا تستنكر الإقواء.
ويقول : قلّت قصيدة إلا وفيها الإقواء. ويعتلّ لذلك بأن يقول : إن كل بيت منها شعر قائم برأسه. وهذا الاعتلال منه يضعف ويقبّح التضمين فى الشعر.
وأنشدنا أبو عبد الله الشجرىّ يوما لنفسه شعرا مرفوعا ، وهو قوله :
نظرت بسنجار كنظرة ذى هوى
رأى وطنا فانهلّ بالماء غالبه
لأونس من أبناء سعد ظعائنا
يزنّ الذى من نحوهن مناسبه (5)
1) عجز البيت للنابغة فى ديوانه ص 89 ، والأغانى 11 / 8 ، وجواهر الأدب ص 288 ، والدرر 2 / 20 ، والشعر والشعراء 1 / 164 ، وبلا نسبة فى اللسان (وجه) وهمع الهوامع 1 / 99 وصدر البيت يروى :
2) البيت للنابغة الذبيانى فى ديوانه ص 89 ، والأزهية ص 119 ، وخزانة الأدب 2 / 133 ، 448 ، 7 / 203 ، 204 ولسان العرب (قوا).
3) سبق تخريجه.
4) عجز بيت للنابغة فى ديوانه ص 89 واللسان (سنع) ، والتاج (حتم).
5) آنس الشخص : أبصره.
يقول فيها يصف البعير :
فقامت إليه خدلة الساق أعلقت
به منه مسموما دوينة حاجبه (1)
فقلت : يا أبا عبد الله : أتقول (دوينه حاجبه) مع قولك (مناسبه) و (أشانبه)! فلم يفهم ما أردت ، فقال : فكيف أصنع؟ أليس هاهنا تضع الجرير (2)على القرمة (3)، على الجرفة (4)؟ وأومأ إلى أنفه ، فقلت : صدقت ، غير أنك قلت (أشانبه) و (غالبه) فلم يفهم ، وأعاد اعتذاره الأوّل. فلمّا طال هذا قلت له : أيحسن أن يقول الشاعر :
(آذنتنا ببينها أسماء
ربّ ثاو يملّ منه الثّواء) (5)
ومطلت الصوت ومكّنته ، ثم يقول مع ذلك :
فأحس حينئذ ، وقال : أهذا! أين هذا من ذاك! إن هذا طويل ، وذاك قصير.
فاستروح إلى قصر الحركة فى (حاجبه) وأنها أقلّ من الحرف فى (أسماء) و (السماء).
وسألته يوما فقلت له : كيف تجمع (دكّانا)؟ فقال : دكاكين ، قلت : فسرحانا؟
قال : سراحين ، قلت : فقرطانا (7)؟ قال : قراطين ، قلت : فعثمان؟ قال : عثمانون.
فقلت له : هلا قلت أيضا عثامين؟ قال : أيش عثامين! أرأيت إنسانا يتكلّم بما ليس
1) قال ابن سيده : فإنى لا أعرف دون تؤنث بالهاء بعلامة تأنيث ولا بغير علامة ، ألا ترى أن النحويين كلهم قالوا : الظروف كلها مذكرة إلا قدام ووراء؟ وخدلة الساق : ممتلئة الساق.
2) الجرير : حبل من أدم يخطم به البعير.
3) القرمة : بالفتح والضم. من سمات الإبل على الأنف. اللسان (قرم) والقاموس.
4) الجرفة : بالفتح والضم. من سمات الإبل فى الفخذ وقيل تحت الأذن. اللسان (قرم) والقاموس.
5) البيت للحارث بن حلزة فى ديوانه ص 19 ، والأغانى 11 / 36 ، وخزانة الأدب 3 / 181 ، 182 ، وشرح المعلقات السبع ص 216 ، ولسان العرب (قفا) ، والمقاصد النحوية 2 / 445.
6) عجز البيت للحارث بن حلزة فى ديوانه ص 29 ، ولسان العرب (قوا) وخزانة الأدب 4 / 362 ، وشرح القصائد السبع 474 ، والشعر والشعراء 1 / 204 ، ومعاهد التنصيص 1 / 320.
7) القرطان : كالبرذعة لذوات الحافر. اللسان (قرطن).
من لغته ، والله لا أقولها أبدا.
والمروىّ عنهم فى شغفهم بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو جزء من أجزاء كثيرة منه.
فإن قلت : فإن العجم أيضا بلغتهم مشغوفون ، ولها مؤثرون ، ولأن يدخلها شيء من العربىّ كارهون ؛ ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شعرا فيه ألفاظ من العربىّ عيب به ، وطعن لأجل ذلك عليه. فقد تساوت حال اللغتين فى ذلك. فأيّة فضيلة للعربيّة على العجميّة؟
قيل : لو أحسّت العجم بلطف صناعة العرب فى هذه اللغة ، وما فيها من الغموض والرّقة والدقة لاعتذرت من اعترافها بلغتها ، فضلا عن التقديم لها ، والتنويه منها.
فإن قيل : لا ، بل لو عرفت العرب مذاهب العجم فى حسن لغتها ، وسداد تصرّفها ، وعذوبة طرائقها لم تبأ (1)بلغتها ، ولا رفعت من رءوسها باستحسانها. وتقديمها.
قيل : قد اعتبرنا ما تقوله ، فوجدنا الأمر فيه بضدّه. وذلك أنا نسأل علماء العربية ممن أصله عجمىّ وقد تدرّب بلغته قبل استعرابه ، عن حال اللغتين ، فلا يجمع بينهما ، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك ؛ لبعده فى نفسه ، وتقدّم لطف العربيّة فى رأيه وحسّه. سألت غير مرّة أبا علىّ - رضى الله عنه - عن ذلك ، فكان جوابه عنه نحوا مما حكيته.
فإن قلت : ما تنكر أن يكون ذلك ، لأنه كان عالما بالعربيّة ، ولم يكن عالما باللغة العجميّة ، ولعلّه لو كان عالما بها لأجاب بغير ما أجاب به. قيل : نحن قد قطعنا بيقين ، وأنت إنما عارضت بشكّ ، ولعلّ هذا ليس قطعا كقطعنا ، ولا يقينا كيقيننا.
وأيضا فإن العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم فى العربيّة تؤيّد معرفتهم بالعجميّة ، وتؤنسهم بها ، وتزيد فى تنبيههم على أحوالها ؛ لاشتراك العلوم اللغويّة واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها. ولم نر أحدا
1) بأى يبأى بأوا : فخر ، والبأو : الكبر والفخر ، والبأى لغة فى البأو. اللسان (بأى).
من أشياخنا فيها - كأبى حاتم (1)، وبندار (2)، وأبى علىّ ، وفلان ، وفلان - يسوّون بينهما ولا يقرّبون بين حاليهما. وكأنّ هذا موضع ليس للخلاف فيه مجال ؛ لوضوحه عند الكافّة. وإنما أوردنا منه هذا القدر احتياطا به ، واستظهارا على مورد له عسى أن يورده.
فإن قلت : زعمت أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها ، وقد نراها ظاهرة الخلاف ؛ ألا ترى إلى الخلاف فى (ما) الحجازيّة ، والتميميّة ، وإلى الحكاية فى الاستفهام عن الأعلام فى الحجازيّة ، وترك ذلك فى التميميّة ، إلى غير ذلك ، قيل : هذا القدر من الخلاف لقلته ونزارته ، محتقر غير محتفل به ، ولا معيج (3)عليه ، وإنما هو فى شيء من الفروع يسير. فأمّا الأصول وما عليه العامّة والجمهور ، فلا خلاف فيه ، ولا مذهب للطاعن به. وأيضا فإن أهل كلّ واحدة من اللغتين عدد كثير ، وخلق (من الله) عظيم ، وكلّ واحد منهم محافظ على لغته ، لا يخالف شيئا منها ولا يوجد عنده تعاد فيها. فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ، ويقتاسون ، ولا يفرّطون ، ولا يخلّطون. ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه - على قلّته وخفّته - إلا له من القياس وجه يؤخذ به. ولو كانت هذه اللغة حشوا مكيلا ، وحثوا مهيلا ، لكثر خلافها ، وتعادت أوصافها : فجاء عنهم جرّ الفاعل ، ورفع المضاف إليه والمفعول به ، والجزم بحروف النصب ، والنصب بحروف الجزم ؛ بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصّل ، وغفلا من الإعراب ، ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه ، والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه.
هذا كلّه وما أكنى عنه من مثله - تحاميا للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا به ، وأخذوا باستعماله. وإن كانت شيئا اصطلحوا عليه ، وترافدوا بخواطرهم وموادّ حكمهم على عمله وترتيبه ، وقسمة أنحائه ، وتقديمهم أصوله ،
وإتباعهم إيّاها فروعه - وكذا ينبغى أن يعتقد ذلك منهم ؛ لما نذكره آنفا - فهو مفخر لهم ، ومعلم من معالم السّداد ، دلّ على فضيلتهم.
والذى يدلّ على أنهم قد أحسّوا ما أحسسنا ، وأرادوا [وقصدوا] ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان : أحدهما حاضر معنا ، والآخر غائب عنا ، إلا أنه مع أدنى تأمّل فى حكم الحاضر معنا.
فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من أحوال العرب (ووجوهها) ، وتضطرّ إلى معرفته من أغراضها وقصودها : من استخفافها شيئا أو استثقاله ، وتقبّله أو إنكاره ، والأنس به أو الاستيحاش منه ، والرضا به ، أو التعجّب من قائله ، وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود ، بل الحالفة على ما فى النفوس ؛ ألا ترى إلى قوله :
تقول - وصكّت وجهها بيمينها -
أبعلي هذا بالرحى المتقاعس! (1)
فلو قال حاكيا عنها : أبعلي هذا بالرحى المتقاعس - من غير أن يذكر صكّ الوجه - لأعلمنا بذلك أنها كانت متعجّبة منكرة ، لكنّه لمّا حكى الحال فقال : (وصكّت وجهها) علم بذلك قوّة إنكارها ، وتعاظم الصورة لها. هذا مع أنك سامع لحكاية الحال ، غير مشاهد لها ، ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ، ولعظم الحال فى نفس تلك المرأة أبين ، وقد قيل (ليس المخبر كالمعاين) ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر حال هذه المرأة بقوله : وصكّت وجهها ، لم نعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها. وليست كلّ حكاية تروى لنا ، ولا كلّ خبر ينقل إلينا يشفع به شرح الأحوال التابعة له ، المقترنة - كانت - به. نعم ولو نقلت إلينا لم نفد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها.
وكذلك قول الآخر :
1) البيت لهذلول بن كعب العنبرى فى شرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 696 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 8 / 430 ، والخصائص 1 / 245 ، والدرر 1 / 293 ، واللامات ص 58 ، والمنصف 1 / 130. القعس : نقيض الحدب ، وهو خروج الصدر ودخول الظهر. اللسان (قعس).
لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئا آخر من جملة الحال فقال مع قوله «قالت قاف» : (وأمسكت بزمام بعيرها) ، أو (عاجته علينا) لكان أبين لما كانوا عليه ، وأدلّ على أنها أرادت : وقفت ، أو توقّفت ، دون أن يظنّ أنها أرادت : قفى لنا! أى يقول لى : قفى لنا! متعجّبة منه. وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم أن قولها (قاف) إجابة له ، لا ردّ لقوله وتعجّب منه فى قوله «قفى لنا».
وبعد فالحمّالون والحمّاميّون ، والساسة ، والوقّادون ، ومن يليهم ويعتدّ منهم ، يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصّله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه ، ولم يحضره ينشده. أولا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطب به صاحبه ، وينعم تصويره له فى نفسه استعطفه ليقبل عليه ؛ فيقول له : يا فلان ، أين أنت ، أرنى وجهك ، أقبل علىّ أحدّثك ، أما أنت حاضر يا هناه. فإذا أقبل عليه ، وأصغى إليه ، اندفع يحدّثه أو يأمره أو ينهاه ، أو نحو ذلك. فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين ، مجزئا عنه لما تكلّف القائل ، ولا كلّف صاحبه الإقبال عليه ، والإصغاء إليه. وعلى ذلك قال :
العين تبدى الذى فى نفس صاحبها
من العداوة أو ودّ إذا كانا (2)
والعين تنطق ، والأفواه صامتة
حتى ترى من ضمير القلب تبيانا (نجار).
وقال الهذلىّ :
رفونى وقالوا : يا خويلد لا ترع
فقلت - وأنكرت الوجوه - : هم هم (3)
1) الرجز بلا نسبة فى اللسان (وقف) والتهذيب 15 / 679 ، والتاج (سين). رفونى : سكّنونى. وقال ابن هانئ يريد رفئونى ، فألقى الهمزة. ومعناه أنى فزعت فطار قلبى فضموا بعضى إلى بعض. وانظر اللسان (رفأ ، رفو).
2) البيت فى بيان الجاحظ بتحقيق الأستاذ هارون 1 / 79. وقبله :
3) البيت له فى خزانة الأدب 1 / 440 ، 442 ، 5 / 86 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 337 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 183 ، ولسان العرب (رفأ) ، (روع) ، (رفا) ، (ها) ، والمعانى الكبير ص 902 ، وللهذلى دون تحديد فى إصلاح المنطق ص 153 ، وأمالى المرتضى 1 / 350 ، وتذكرة النحاة ص 571 ، وبلا نسبة فى الاشتقاق ص 488 ، وجمهرة اللغة ص 788.
أفلا ترى إلى اعتباره بمشاهدة الوجوه ، وجعلها دليلا على ما فى النفوس.
وعلى ذلك قالوا : «رب إشارة أبلغ من عبارة» وحكاية الكتاب من هذا الحديث ، وهى قوله : (ألا تا) و (بلى فا). وقال لى بعض مشايخنا رحمهالله : أنا لا أحسن أن أكلّم إنسانا فى الظلمة.
ولهذا الموضع نفسه ما توقّف أبو بكر عن كثير ممّا أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق ، واحتجّ أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ، ولم ندر ما حديثها ، ومثّل له بقولهم (رفع عقيرته) إذا رفع صوته. قال له أبو بكر : فلو ذهبنا نشتقّ لقولهم (ع ق ر) من معنى الصوت لبعد الأمر جدّا ؛ وإنما هو أنّ رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ، ثم نادى وصرخ بأعلى صوته ، فقال الناس : رفع عقيرته ، أى رجله المعقورة. قال أبو بكر : فقال أبو إسحاق : لست أدفع هذا.
ولذلك قال سيبويه فى نحو من هذا : أو لأن الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر ، يعنى ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل.
فليت شعرى إذا شاهد أبو عمرو وابن أبى إسحاق ، ويونس ، وعيسى بن عمر ، والخليل ، وسيبويه ، وأبو الحسن ، وأبو زيد ، وخلف الأحمر ، والأصمعىّ ، ومن فى الطبقة والوقت من علماء البلدين ، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها ، وتقصد له من أغراضها ، ألا تستفيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤدّيه الحكايات ، ولا تضبطه الروايات ، فتضطرّ إلى قصود العرب ، وغوامض ما فى أنفسها ، حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلّته عليه إشارة ، لا عبارة ، لكان عند نفسه وعند جميع من يحضر حاله صادقا فيه ، غير متّهم الرأى والنحيزة والعقل.
فهذا حديث ما غاب عنا فلم ينقل إلينا ، وكأنه حاضر معنا ، مناج لنا.
وأمّا ما روى لنا فكثير. منه ما حكى الأصمعىّ عن أبى عمرو قال : سمعت رجلا من اليمن يقول : فلان لغوب ، جاءته كتابى فاحتقرها. فقلت له : أتقول جاءته كتابى! قال : نعم أليس بصحيفة. أفتراك تريد من أبى عمرو وطبقته وقد نظروا ، وتدرّبوا ، وقاسوا ، وتصرّفوا أن يسمعوا أعرابيّا جافيا غفلا ، يعلّل هذا
الموضع بهذه العلّة ، ويحتجّ لتأنيث المذكّر بما ذكره ، فلا (يهتاجواهم) لمثله ، ولا يسلكوا فيه طريقته ، فيقولوا : فعلوا كذا لكذا ، وصنعوا كذا لكذا ، وقد شرع لهم العربىّ ذلك ، ووقفهم على سمته وأمّه.
وحدّثنا أبو علىّ عن أبى بكر عن أبى العباس أنه قال : سمعت عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير يقرأ (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [سورة يس : 40] فقلت له ما تريد؟ قال : أردت : سابق النهار. فقلت له : فهلا قلته؟ فقال : لو قلته لكان أوزن. ففى هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض مستنبطة منها : أحدها تصحيح قولنا : إن أصل كذا كذا ، والآخر قولنا : إنها فعلت كذا لكذا ؛ ألا تراه إنما طلب الخفّة ، يدلّ عليه قوله : لكان أوزن : أى أثقل فى النفس وأقوى ، من قولهم : هذا درهم وازن : أى ثقيل له وزن. والثالث أنها قد تنطق بالشىء غيره فى أنفسها أقوى منه ؛ لإيثارها التخفيف.
وقال سيبويه حدّثنا من نثق به أن بعض العرب قيل له أما بمكان كذا وكذا وجد (1)؟ فقال : بلى وجاذا ، أى أعرف بها وجاذا ، وقال أيضا : وسمعنا بعضهم يدعو على غنم رجل ، فقال : اللهم ضبعا وذئبا ، فقلنا : له ما أردت؟ فقال : أردت : اللهمّ اجمع فيها ضبعا وذئبا ، كلّهم يفسّر ما ينوى.
فهذا تصريح منهم بما ندّعيه عليهم ، وننسبه إليهم.
وسألت الشجرىّ يوما فقلت : يا أبا عبد الله ، كيف تقول ضربت أخاك؟ فقال : كذاك. فقلت : أفتقول : ضربت أخوك؟ فقال : لا أقول : أخوك أبدا. قلت : فكيف تقول ضربنى أخوك؟ فقال : كذاك. فقلت : ألست زعمت أنك لا تقول : أخوك أبدا؟ فقال أيش ذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا فى معناه إلا كقولنا نحن : صار المفعول فاعلا ، وإن لم يكن بهذا اللفظ البتّة فإنه هو لا محالة.
ومن ذلك ما يروى عن النبى صلىاللهعليهوسلم أن قوما من العرب أتوه ، فقال لهم : من أنتم؟ فقالوا : نحن بنو غيّان ، فقال : بل أنتم بنو رشدان (2). فهل هذا إلا كقول
أهل الصناعة : إن الألف والنون زائدتان ، وإن كان - عليهالسلام - لم يتفوّه بذلك ، غير أن اشتقاقه إيّاه من الغىّ بمنزلة قولنا نحن : إن الألف والنون فيه زائدتان. وهذا واضح. وكذلك قولهم : إنما سمّيت هانئا لتهنأ ، قد عرفنا منه أنهم كأنهم قد قالوا : إن الألف فى هانئ زائدة ، وكذلك قولهم : فجاء (1)يدرم من تحتها - أى يقارب خطاه ، لثقل الخريطة بما فيها ، فسمى دارما - قد أفادنا اعتقادهم زيادة الألف فى دارم عندهم.
1) «ابن مالك بن حنظلة أبو حىّ من تيم وكان يسمى بحرا لأنّ أباه أتاه قوم فى حمالة فقال له يا بحر ائتني بخريطة المال فجاءه يحملها وهو يدرم تحتها : يقارب خطاه وأصله من درمت الفأرة والأرنب والقنفذ تدرم - بالكسر - درما ، فسمّى دارما لذلك. اللسان والقاموس (درم).
وإن أمكن أن يكون المراد غيره
اعلم أن المذهب هو هذا الذى ذكرناه ، والعمل عليه ، والوصيّة به. فإذا شاهدت ظاهرا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله ، وإن أمكن أن تكون الحال فى باطنه بخلافه ؛ ألا ترى أن سيبويه حمل سيدا على أنه مما عينه ياء ، فقال فى تحقيره : سييد ، كديك ودييك ، وفيل وفييل. وذلك أن عين الفعل لا ينكر أن تكون ياء ، وقد وجدت فى سيد ياء ، فهى فى ظاهر أمرها ، إلى أن يرد ما يستنزل عن بادى حالها.
فإن قلت : فإنا لا نعرف فى الكلام تركيب (س ى د) فهلا لمّا لم يجد ذلك ، حمل الكلمة على ما فى الكلام مثله ، وهو ما عينه من هذا اللفظ واو ، وهو السواد والسّودد ، ونحو ذلك؟
قيل : هذا يدلّك على قوّة الظاهر عندهم ، وأنه إذا كان ممّا تحتمله القسمة ، وتنتظمه القضيّة ، حكم به وصار أصلا على بابه. وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألّا يحكم به ، حتى يوجد له نظير. وذلك أن النظير - لعمرى - مما يؤنس به ، فأمّا ألا تثبت الأحكام إلا به فلا ؛ ألا ترى أنه قد أثبت فى الكلام فعلت تفعل ، وهو كدت تكاد ، وإن لم يوجدنا غيره ، وأثبت بانقحل باب (انفعل) ، وإن لم يحك هو غيره ، وأثبت بسخاخين (فعاعيلا) وإن لم يأت بغيره.
فإن قلت : فإنّ (سيدا) ممّا يمكن أن يكون من باب ريح وديمة ، فهلا توقّف عن الحكم بكون عينه ياء ؛ لأنه لا يأمن أن تكون واوا؟ قيل : هذا الذى تقوله إنما تدّعى فيه ألا يؤمن أن يكون من الواو ؛ وأمّا الظاهر فهو ما تراه. ولسنا ندع حاضرا له وجه من القياس لغائب مجوّز ليس عليه دليل.
فإن قيل : كثرة عين الفعل واوا تقود إلى الحكم بذاك ، قيل : إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر ، فأمّا والظاهر معك ، فلا معدل عنه بك. لكن - لعمرى - إن لم
يكن معك ظاهر احتجت إلى التعديل ، والحكم بالأليق ، والحمل على الأكثر.
وذلك إذا كانت العين ألفا مجهولة فحينئذ ما تحتاج إلى تعديل الأمر ، فتحمل على الأكثر. فلذلك قال فى ألف (آءة) (1): إنها بدل من واو. وكذلك ينبغى أن تكون ألف (الراء) لضرب من النبت ، وكذلك ألف (الصاب) لضرب من الشجر. فأمّا ألا يجيء من ذلك اللفظ نظير فتعلّل بغير نافع ولا مجد ؛ ألا ترى أنك تجد من الأصول ما لم يتجاوز به موضع واحد كثيرا. من ذلك فى الثلاثى حوشب (2)، وكوكب ، ودودرّى (3)، وأبنبم. فهذه ونحوها لا تفارق موضعا واحدا ، ومع ذلك فالزوائد فيها لا تفارقها.
وعلى نحو ممّا جئنا به فى (سيد) حمل سيبويه عيّنا ، فأثبت به (فيعلا) ممّا عينه ياء ، وقد كان يمكن أن يكون (فوعلا) و (فعولا) من لفظ العين ومعناها ، ولو حكم بأحد هذين المثالين لحمل على مألوف غير منكور ؛ [ألا ترى أن فوعلا وفعولا] لا مانع لكلّ واحد منهما أن يكون فى المعتلّ كما يكون فى الصحيح ، وأمّا (فيعل) - بفتح العين - ممّا عينه معتلّة فعزيز ، ثمّ لم يمنعه عزّة ذلك أن حكم به على (عيّن) وعدل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه فى المعتلّ العين كونه فى صحيحها. وهذا أيضا مما يبصّرك بقوّة الأخذ بالظاهر عندهم ، وأنه مكين القدم راسيها فى أنفسهم.
وكذلك يوجب القياس فيما جاء من الممدود لا يعرف له تصرّف ، ولا مانع من الحكم بجعل همزته أصلا ، فينبغى حينئذ أن يعتقد فيها أنها أصلية. وكذلك همزة (قساء) (4)فالقياس يقتضى اعتقاد كونها أصلا ، اللهمّ إلّا أن يكون (قساء) هو (قسى) فى قوله :
1) آءة تجمع على آء بوزن عاع : هو نوع من الشجر. اللسان (أوأ).
2) الحوشب : العظيم البطن ، المنتفخ الجبين. وانظر اللسان (حشب).
3) الدّودرىّ : العظيم الخصيتين ، لم يستعمل إلا مزيدا إذ لا يعرف فى الكلام مثل ددر. اللسان (ددر).
4) قساء : موضع ، وقد قيل : هو قسى بعينه. قال الوزير : قساء - بكسر القاف - اسم موضع مصروف ، وقساء - بضم القاف - اسم موضع غير مصروف. اللسان (قسا).
بجوّ من قسى ذفر الخزامى
تداعى الجربياء به الحنينا (1)
بهجل من قسا ذفر الخزامى
تهادى الجربياء به الحنينا
و «الهجل» المطمئن من الأرض ذفر الخزامى : ذكىّ ريح الخزامى ، طيّبها. والخزامى : نبت. ويقال للشمال «الجربياء» وانظر الكامل 2 / 367.
فإن كان كذلك وجب أن يحكم بكون همزة (قساء) أنها بدل من حرف العلّة الذى أبدلت منه ألف (قسى). وأن يكون ياء أولى من أن يكون واوا ؛ لما ذكرناه فى كتابنا فى شرح المقصور والممدود ليعقوب بن السكّيت.
فإن قلت : فلعلّ (قسى) هذا مبدل من (قساء) والهمزة فيه هى الأصل. قيل :
هذا حمل على الشذوذ ؛ لأن إبدال الهمز شاذّ ، والأوّل أقوى ؛ لأن إبدال حرف العلة همزة إذا وقع طرفا بعد ألف زائدة هو الباب.
وذكر محمد (2)بن الحسن (أروى) فى باب (أرو) فقلت لأبى على : من أين له أن اللام واو؟ وما يؤمنه أن تكون ياء ، فتكون من باب التّقوى ، والرعوى؟ فجنح إلى ما نحن عليه : من الأخذ بالظاهر ، وهو القول.
فاعرف بما ذكرته قوّة اعتقاد العرب فى الحمل على الظاهر ، ما لم يمنع منه مانع. وأمّا حيوة ، والحيوان فيمنع من حمله على الظاهر أنا لا نعرف فى الكلام ما عينه ياء ولامه واو ، فلا بدّ أن تكون الواو بدلا من ياء ، لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف فى الياء ، ولمعنى العلميّة فى حيوة. وإذا كانوا قد كرهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير فى حاحيت ، وهاهيت ، وعاعيت كان إبدال اللام فى الحيوان - ليختلف الحرفان - أولى وأحجى.
فإن قلت : فهلا حملت الحيوان على ظاهره ، وإن لم يكن له نظير ، كما حملت سيدا على ظاهره ، وإن لم تعرف تركيب (س ى د)؟ قيل : ما عينه ياء كثر ، وما عينه ياء ولامه واو مفقود أصلا من الكلام. فلهذا أثبتنا سيدا ، ونفينا (ظاهر أمر) الحيوان.
وكذلك القول فى نون عنتر ، وعنبر : ينبغى أن تكون أصلا ، وإن كان قد جاء عنهم نحو عنبس ، وعنسل ؛ لأن ذينك أخرجهما الاشتقاق. وأما عنتر وعنبر ، وخنشلت (1)وحنزقر (2) ، وحنبتر (3) ، ونحو ذلك فلا اشتقاق يحكم له بكون شيء منه زائدا ، فلا بدّ من القضيّة بكونه كله أصلا. فاعرف ذلك ، واكتف به بإذن الله تعالى.
1) الخنشل : المسن من الناس والإبل. اللسان (خنشل). الحنزقر : القصير الدميم من الناس. اللسان (حنزقر). والحنبتر : الشدة. اللسان (حنبتر).
وتنزيلها تقديرا وحكما ، لا زمانا ووقتا
هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه ، لا حقيقة تحته. وذلك كقولنا : الأصل فى قام قوم ، وفى باع بيع ، وفى طال طول ، وفى خاف ، ونام ، وهاب خوف ، ونوم ، وهيب ، وفى شدّ شدد ، وفى استقام استقوم ، وفى يستعين يستعون ، وفى يستعدّ يستعدد. فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها - مما يدّعى أن له أصلا يخالف ظاهر لفظه - قد كان مرّة يقال ؛ حتى إنهم كانوا يقولون فى موضع قام زيد : قوم زيد ، وكذلك نوم جعفر ، وطول محمد ، وشدد أخوك يده ، واستعدد الأمير لعدوّه ؛ وليس الأمر كذلك ، بل بضدّه. وذلك أنه لم يكن قطّ مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه.
وإنما معنى قولنا : إنه كان أصله كذا : أنه لو جاء مجىء الصحيح ولم يعلل لوجب أن يكون مجيئه (على ما ذكرنا). فأمّا أن يكون استعمل وقتا من الزمان كذلك ، ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر.
ويدلّ على أن ذلك عند العرب معتقد كما أنه عندنا مراد معتقد إخراجها بعض ذلك مع الضرورة ، على الحدّ الذى نتصوّره نحن فيه. وذلك قوله :
صددت فأطولت الصدود وقلّما
وصال على طول الصدود يدوم (1)
هذا يدلّك على أن أصل أقام أقوم ، وهو الذى نومئ نحن إليه ونتخيّله ، فربّ حرف يخرج هكذا منبهة على أصل بابه ، ولعلّه إنما أخرج على أصله فتجشّم ذلك فيه لما يعقب من الدلالة على أوّليّة أحوال أمثاله.
وكذلك قوله :
1) البيت للمرار الفقعسى فى ديوانه ص 480 ، الأزهية ص 91 ، وخزانة الأدب 10 / 226 ، 227 ، 229 ، خزانة الأدب 1 / 145 ، ولسان العرب (طول) ، (قلل) وهمع الهوامع 2 / 83 ، 224.
أنى أجود لأقوام وإن ضننوا (1)
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى*
*فأنت تعلم بهذا أن أصل شلّت يده شللت : أى لو جاء مجىء الصحيح لوجب فيه إظهار تضعيفه. وقد قال الفرزدق :
ولو رضيت يداى بها وضنّت
لكان علىّ فى القدر الخيار (2)
ندمت ندامة الكسعىّ لما
غدت مني مطلّقة نوار
وكانت جنّتى فخرجت منها
كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أنى ملكت يدى ونفسى
لكان علىّ للقدر الخيار
«ونوار» هذه كانت زوجته. تاقت نفسه إليها بعد أن طلقها ثلاثا.
(فأصل ضنّت إذا ضننت ، بدلالة قوله : ضننوا).
وكذلك قوله :
تراه - وقد فات الرماة - كأنه
أمام الكلاب مصغى الخدّ أصلم (3)
تعلم منه أن أصل قولك : هذا معطى زيد : معطى زيد.
ومن أدلّ الدليل على أن هذه الأشياء التى ندّعى أنها أصول مرفوضة لا يعتقد أنها قد كانت مرّة مستعملة ثم صارت من بعد مهملة ما تعرضه الصنعة فيها من تقدير ما لا يطوع النطق به لتعذّره. وذلك كقولنا فى شرح حال الممدود غير المهموز الأصل ؛ نحو سماء ، وقضاء. ألا ترى أن الأصل سماو ، وقضاى ، فلمّا وقعت الواو والياء طرفا بعد ألف زائدة قلبتا ألفين ، فصار التقدير بهما إلى سماا ،
1) عجز البيت لقعنب ابن أم صاحب فى سمط اللآلى ص 576 ، والكتاب 1 / 29 ، 3 / 535 ، ولسان العرب (ظلل) ، (صنن) ، والمنصف 1 / 339 ، 2 / 303 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 1 / 150 ، 245 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 241 ، والمقتضب 1 / 142 ، 253 ، 3 / 254. ويروى صدره :
2) البيت للفرزدق فى ديوانه 1 / 294 ، والمحتسب 2 / 181 ، والمقرب 1 / 252 ، ويروى (للقدر) مكان فى القدر. والكامل 1 / 178 بتحقيقى. وقبله.
3) البيت لأبى خراش الهذلى فى شرح أشعار الهذليين 3 / 1219 ، والمعانى الكبير ص 730 ، وبلا نسبة فى الممتع فى التصريف 2 / 556 ، والمنصف 2 / 81. أصلم : مقطوع الأذنين.
وقضاا ، فلمّا التقت الألفان تحرّكت الثانية [منهما] فانقلبت همزة ، فصار ذلك إلى سماء ، وقضاء. أفلا تعلم أن أحد ما قدّرته - وهو التقاء الألفين - لا قدرة لأحد على النطق به.
(وكذلك) ما نتصوّره وننبّه عليه أبدا من تقدير (مفعول) مما عينه أحد حرفى العلّة ؛ وذلك نحو مبيع ، ومكيل ، ومقول ، ومصوغ ؛ ألا تعلم أن الأصل مبيوع ، ومكيول ، ومقوول ، ومصووغ ، فنقلت الضمّة من العين إلى الفاء ، فسكنت ، وواو مفعول بعدها ساكنة ، فحذفت إحداهما - على الخلاف فيهما - لالتقاء الساكنين.
فهذا جمع لهما تقديرا وحكما. فأمّا أن يمكن النطق بهما على حال فلا.
واعلم مع هذا أن بعض ما ندّعى أصليته من هذا الفنّ قد ينطق به على ما ندّعيه من حاله - وهو أقوى الأدلّة على صحّة ما نعتقده من تصوّر الأحوال الأول - وذلك اللغتان تختلف فيهما القبيلتان كالحجازيّة والتميميّة ؛ ألا ترى أنا نقول فى الأمر من المضاعف فى التميمية - نحو شدّ ، وضنّ ، وفرّ ، واستعدّ ، واصطبّ (1)يا رجل ، واطمئن يا غلام - : إن الأصل اشدد ، واضنن ، وافرر ، واستعدد ، واصطبب ، واطمأنن ، ومع هذا فهكذا لغة أهل الحجاز ، وهى اللغة الفصحى القدمى.
ويؤكّد ذلك قول الله سبحانه : (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) [الكهف : 97] ، أصله استطاعوا ، فحذّفت التاء لكثرة الاستعمال ، ولقرب التاء من الطاء ، وهذا الأصل مستعمل ؛ ألا ترى أن عقيبه قوله تعالى : (وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) [الكهف : 97].
وفيه لغة أخرى ؛ وهى : استعت بحذف الطاء كحذف التاء ؛ ولغة ثالثة : اسطعت ، بقطع الهمزة مفتوحة ، ولغة رابعة : أستعت ، مقطوعة الهمزة مفتوحة أيضا. فتلك خمس لغات : استطعت ، واسطعت ، واستعت ، واسطعت ، وأستعت. وروينا بيت الجران :
وفيك إذا لا لاقيتنا عجرفيّة
فما نستيع من يتعجرف (2)
بضمّ حرف المضارعة وبالتاء.
ومن ذلك اسم المفعول من الثلاثيّ المعتلّ العين ؛ نحو مبيع ، ومخيط ، ورجل مدين ، من الدّين. فهذا كله مغيّر. وأصله مبيوع ، ومديون ، ومخيوط ، فغير ، على ما مضى. ومع ذلك فبنو تميم - على ما حكاه أبو عثمان عن الأصمعىّ - يتمّون مفعولا من الياء ، فيقولون : مخيوط ومكيول ؛ قال :
قد كان قومك يزعمونك سيّدا
وإخال أنك سيّد معيون (1)
وأنشد أبو عمرو بن العلاء :
وقال علقمة بن عبدة :
يوم رذاذ عليه الدجن مغيوم (3)
حتّى تذكّر بيضات وهيّجه*
*ويروى : يوم رذاذ.
وربما تخطّوا الياء فى هذه إلى الواو ، وأخرجوا مفعولا منها على أصله ؛ وإن كان (أثقل منه من) الياء. وذلك قول بعضهم : ثوب مصوون ، وفرس مقوود ، ورجل معوود من مرضه. وأنشدوا فيه :
1) البيت للعباس بن مرداس فى ديوانه ص 108 ، وجمهرة اللغة ص 956 ، والحيوان 2 / 142 ، وشرح التصريح 2 / 395 ، ولسان العرب (عين) وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 404 ، وشرح الأشمونى 3 / 766 ، والمقتضب 1 / 102. والمعيون : المصاب بالعين.
2) البيت لشاعر تميمى فى المقاصد النحوية 4 / 574 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 404 ، والمقتضب 1 / 101 ، والمنصف 1 / 286 ، 3 / 47.
3) عجز البيت لعلقمة بن عبدة فى ديوانه ص 59 ، وجمهرة اللغة ص 963 ، وخزانة الأدب 11 / 295 ، وشرح المفصل 10 / 78 ، 80 ، والمقتضب 1 / 101 ، والممتع فى التصريف 2 / 460 ، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى 3 / 866 ، وصدر البيت :
4) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (دوف) ، وتاج العروس (دوف) وشرح المفصل 10 / 80 والممتع فى التصريف 2 / 361 ، والمنصف 1 / 285.
ولهذا نظائر كثيرة ؛ إلا أن هذا سمتها وطريقها.
فقد ثبت بذلك أن هذه الأصول المومأ إليها على أضرب :
منها ما لا يمكن النطق به أصلا ؛ نحو ما اجتمع فيه ساكنان ؛ كسماء ، ومبيع ، ومصوغ ، ونحو ذلك.
ومنها ما يمكن النطق به ، غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضه واطّراحه ، إلا أن يشذّ الشىء القليل منه فيخرج على أصله منبهة ودليلا على أوليّة حاله ؛ كقولهم : لححت عينه ، وألل السقاء ، إذا تغيّرت ريحه ، وكقوله :
لا بارك الله فى الغوانى هل
يصبحن إلا لهنّ مطّلب (1)
ومن ذلك امتناعهم من تصحيح الياء فى نحو موسر ، وموقن ، والواو فى نحو ميزان ، وميعاد ، وامتناعهم من إخراج افتعل وما تصرّف منه إذا كانت فاؤه صادا ، أو ضادا ، أو طاء ، أو ظاء ، أو دالا ، أو ذالا ، أو زايا على أصله ، وامتناعهم من تصحيح الياء والواو إذا وقعتا طرفين بعد ألف زائدة ، وامتناعهم من جمع الهمزتين فى كلمة واحدة ملتقيتين غير عينين. فكل هذا وغيره مما يكثر تعداده ، يمتنع منه استكراها للكلفة فيه ، وإن كان النطق به ممكنا غير متعذّر.
وحدّثنا أبو علىّ رحمهالله فيما حكاه - أظنه - عن خلف الأحمر : قال : يقال التقطت النوى ، واشتقطته ، واضتقطته. فصحّح تاء افتعل وفاؤه ضاد ، ونظائره - مما يمكن النطق به إلا أنه رفض استثقالا له - كثيرة. قال أبو الفتح : ينبغى أن تكون الضاد فى اضتقطت بدلا من شين اشتقطت ، فلذلك ظهرت ؛ كما تصحّ التاء مع الشين. ونظيره قوله :
فإنه أراد فاضطجع ، فأبدل الضاد لاما ، وهو شاذّ. وقد روى : فاضطجع ، ويروى : فاطّجع ، على إبدال الضاد طاء ثم إدغامها فى الطاء ، ويروى أيضا : فاضّجع ، بتشديد الضاد ، على لغة من قال : مصّبر فى مصطبر. انظر اللسان (ضجع).
*1) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات فى ديوانه ص 3 ، والأزهيّة ص 209 ، والدرر 1 / 168 ، وشرح شواهد المغنى ص 62 والكتاب 3 / 314 ، واللسان (غنا) ، وبلا نسبة فى مغنى اللبيب ص 243 ، وهمع الهوامع 1 / 53.
2) الرجز لمنظور بن حبة الأسدى فى شرح التصريح 2 / 367 ، وبلا نسبة فى التنبيه والإيضاح 2 / 234 والتاج (أبز) ، (أرط) ، (ضجع) والأشباه والنظائر 2 / 340 ، وأوضح المسالك 4 / 371 ولسان العرب (أبز) ، (أرط) (ضجع) ، (رطا) ، والمحتسب 1 / 107 ، المنصف 2 / 329.
وقبله :
اللام بدل من الضاد ، فلذلك أقرّت الطاء بدلا من التاء ، وجعل ذلك دليلا على البدل.
ومنها ما يمكن النطق به إلا أنه لم يستعمل ، لا لثقله لكن لغير ذلك : من التعويض منه ، أو لأن الصنعة أدّت إلى رفضه. وذلك نحو (أن) مع الفعل إذا كان جوابا للأمر والنهى ، وتلك الأماكن السبعة ؛ نحو اذهب فيذهب معك (لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [طه : 61] وذلك أنهم عوضوا من (أن) الناصبة حرف العطف ، (وكذلك) قولهم : لا يسعنى شيء ويعجز عنك ، وقوله :
... إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (1)
صارت أو [والواو] فيه عوضا من (أن) ، وكذلك الواو التى تحذف (معها ربّ) فى أكثر الأمر ؛ نحو قوله :
1) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص 66 ، وكتاب العين 8 / 438 ، ولسان العرب (أوا) والأزهية ص 122 ، وخزانة الأدب 4 / 212 ، 8 / 544 ، 547 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 59 ، وشرح المفصل 7 / 22 ، 33 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 128 ، والكتاب 3 / 47 ، واللامات ص 68 ، والمقتضب 2 / 28 ، وبلا نسبة فى أمالى ابن الحاجب 1 / 313 ، وشرح الأشمونى 3 / 558 ، وشرح عمدة الحافظ ص 644 ، واللمع ص 211.
2) الرجز لرؤبة فى ديوانه ص 104 ، والأغانى 10 / 158 ، وجمهرة اللغة ص 408 ، 614 ، 941 ، وخزانة الأدب 10 / 25 ، الخصائص 2 / 228 ، الدرر 4 / 195 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 353 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 223 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 764 ، 782 ، ومقاييس اللغة 2 / 172 ، 5 / 58 ، وأساس البلاغة (قتم) ولسان العرب (خفق) ، (عمق) ، (غلا) ومغنى اللبيب 1 / 342 والمقاصد النحوية 1 / 38 ، المنصف 2 / 3 ، 308 ، وهمع الهوامع 2 / 36 ، وتهذيب اللغة 1 / 290 ، 9 / 66 ، وتاج العروس (هرجب) ، (خفق) ، (عمق) ، (كلل) ، جمهرة اللغة ص 408 ، 614 ، 941 ، وبلا نسبة فى الخصائص 2 / 260 ، 320 ، ورصف المبانى ص 355 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 493 ، 502 ، 639 ، وشرح الأشمونى 1 / 12 ، وشرح ابن عقيل ص 372 ، وشرح المفصل 2 / 118 ، والعقد الفريد 5 / 506 ، والكتاب 4 / 110 ولسان العرب (هرجب) ، (قيد) ، (قتم) ، (وجه) ، وهمع الهوامع 2 / 80 ، وكتاب العين 1 / 188 ، وتاج العروس (وجه).
غير أن الجرّ لربّ لا للواو ، كما أن النصب فى الفعل إنما هو لأن المضمرة ، لا للفاء ولا للواو ولا (لأو).
ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره. مصدرا كان أو غيره ؛ نحو ضربا زيدا ، وشتما عمرا. وكذلك دونك زيدا ، وعندك جعفرا ، ونحو ذلك : من الأسماء المسمّى بها الفعل. فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب.
ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة ؛ نحو قولك إذا رأيت قادما : خير مقدم ، أى قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب. وكذلك قولك للرجل يهوى بالسيف ليضرب به : عمرا ، وللرامى للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتا : القرطاس والله : أى اضرب عمرا ، وأصاب القرطاس.
فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله ؛ بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه ، ومؤد تأديته. وقد ذكرنا فى كتابنا الموسوم «بالتعاقب» من هذا النحو ما فيه كاف بإذن الله تعالى.
جماع ما فى هذا أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض بالمعوّض منه. وإنما يقع البدل فى موضع المبدل منه ، والعوض لا يلزم فيه ذلك ؛ ألا تراك تقول فى الألف من قام : إنها بدل من الواو التى هى عين الفعل ، ولا تقول فيها : إنها عوض منها ، وكذلك يقال فى واو جون وياء مير : إنها بدل للتخفيف من همزة جؤن ومئر (1)، ولا تقول : إنها عوض منها. وكذلك تقول فى لام غاز ، وداع : إنها بدل من الواو ، ولا تقول : إنها عوض منها. وتقول فى العوض : إن التاء فى عدة ، وزنة ، عوض من فاء الفعل ، ولا تقول : إنها بدل منها. فإن قلت ذاك فما أقلّه! وهو تجوّز فى العبارة. وسنذكر لم ذلك. وتقول فى ميم (اللهمّ) : إنها عوض من (يا) فى أوّله ، ولا تقول : بدل. وتقول فى ياء زنادقة : إنها عوض من ياء زناديق ، ولا تقول : بدل. وتقول فى ياء (أينق) : إنّها عوض من عين (أنوق) فيمن جعلها أيفل ، ومن جعلها عينا مقدّمة مغيّرة إلى الياء ، جعلها بدلا من الواو.
فالبدل أعمّ تصرّفا من العوض. فكل عوض بدل ، وليس كل بدل عوضا.
وينبغى أن تعلم أن العوض من لفظ (عوض) - وهو الدهر - ومعناه ؛ قال الأعشى :
رضيعى لبان ثدى أمّ تقاسما
بأسحم داج : عوض لا نتفرّق (2)
والتقاؤهما أن الدهر إنما هو مرور الليل والنهار ، وتصرّم أجزائهما ، فكلّما
1) الجؤن جمع الجؤنة : سلّة مستديرة مغشّاة أدما يجعل فيها الطّيب والثّياب. اللسان (جأن). مئر جمع مئرة وهى الذحل والعداوة.
2) البيت للأعشى فى ديوانه ص 275 ، وأدب الكاتب ص 407 ، وإصلاح المنطق ص 297 ، والأغانى 9 / 111 ، وجمهرة اللغة ص 905 ، وخزانة الأدب 7 / 138 ، 140 ، 134 ، 144 ، الدرر 3 / 133 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 303 وشرح المفصل 4 / 107 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 156 ، ولسان العرب (عوض) ، (سحم) ، (لبن) ومغنى اللبيب 1 / 150 ، وبلا نسبة فى الاشتقاق ص 240 ، والإنصاف 1 / 401 ، وهمع الهوامع 1 / 213 ، وتاج العروس (عوض) ، (سحم).
مضى جزء منه خلفه جزء آخر يكون عوضا منه. فالوقت الكائن الثانى غير الوقت الماضى الأول. فلهذا كان العوض أشدّ مخالفة للمعوّض منه من البدل.
وقد ذكرت فى موضع من كلامى مفرد اشتقاق أسماء الدهر والزمان ، وتقصيّته هناك. وأتيت أيضا فى كتابى الموسوم ب- «التعاقب» على كثير من هذا الباب ، ونهجت الطريق إلى ما أذكره بما نبّهت به عليه.
قال سيبويه : واعلم أن العرب قد تستغنى بالشىء [عن الشىء] حتى يصير المستغنى عنه مسقطا من كلامهم البتّة.
فمن ذلك استغناؤهم بترك عن (ودع) ، و (وذر). فأمّا قراءة بعضهم (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) [الضحى : 3] وقول أبى الأسود (حتى ودعه) فلغة شاذّة ، وقد تقدّم القول عليها.
ومن ذلك استغناؤهم بلمحة عن ملمحة ، وعليها كسّرت ملامح ، وبشبه عن مشبه ، وعليه جاء مشابه ، وبليلة عن ليلاة ، وعليها جاءت ليال ؛ وعلى أن ابن الأعرابى قد أنشد :
فى كلّ يوم ما وكلّ ليلاه
حتى يقول كلّ راء إذ راه (1)
يا ويحه من جمل ما أشقاه! (2)
وهذا شاذّ لم يسمع إلا من هذه الجهة. وكذلك استغنوا بذكر عن مذكار ، أو مذكير ، وعليه جاء مذاكير. وكذلك استغنوا ب- «أينق» عن أن يأتوا به والعين فى موضعها ، فألزموه القلب ، أو الإبدال ، فلم يقولوا (أنوق) إلا فى شيء شاذّ حكاه الفرّاء. وكذلك استغنوا بقسىّ عن قووس ، فلم يأت إلا مقلوبا. ومن ذلك استغناؤهم بجمع القلّة عن جمع الكثرة ؛ نحو قولهم أرجل ، لم يأتوا فيه بجمع الكثرة. وكذلك شسوع : لم يأتوا فيه بجمع القلّة. وكذلك أيّام : لم يستعملوا فيه
1) الرجز لدلم أبى زغيب فى تاج العروس (دلم) ، ولسان العرب (دلم) ، وبلا نسبة فى اللسان (عوج) ، (ليل) ، (رأى) والأشباه والنظائر 1 / 123 ، الدرر 6 / 281 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 277 ، 2 / 206 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 411 وشرح شواهد الشافية ص 102 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 150 ، والمحتسب 1 / 218 ، وهمع الهوامع 2 / 182 ، وتهذيب اللغة 3 / 50 ، وتاج العروس (ليل).
2) الرجز لدلم أبى زغيب فى لسان العرب (دلم) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ليل) والمخصص (9 / 44) ، وتاج العروس (ليل).
جمع الكثرة. فأمّا جيران فقد أتوا فيه بمثال القلّة ؛ أنشد الأصمعىّ :
وذكره أيضا ابن الأعرابىّ فيما أحسب. فأمّا دراهم ، ودنانير ، ونحو ذلك - من الرباعىّ وما ألحق به - فلا سبيل فيه إلى جمع القلّة. وكذلك اليد التى هى العضو ، قالوا فيها أيد البتّة. فأمّا أياد فتكسير أيد لا تكسير يد ؛ وعلى أن (أياد) أكثر ما تستعمل فى النعم ، لا فى الأعضاء. وقد جاءت أيضا فيها ؛ أنشد أبو الخطّاب :
ساءها ما تأمّلت فى أيادي
نا وإشناقها إلى الأعناق (1)
وأنشد أبو زيد :
أمّا واحدا فكفاك مثلى
فمن ليد تطاوحها الأيادى (2)
ومن أبيات المعانى فى ذلك [قوله] :
ومستامة تستام وهى رخيصة
تباع بساحات الأيادى وتمسح (3)
(مستامة) يعنى أرضا تسوم فيها الإبل ، من السير لا من السوم الذى هو البيع ، و (تباع) أى تمدّ فيها الإبل أبواعها ، وأيديها ، و (تمسح) من المسح وهو القطع ، من قول الله تبارك وتعالى : (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) [ص : 33] وقال العجّاج :
وخطرت فيه الأيادى وخطر
راى إذا أورده الطعن صدر (4)
والرواية فيه :
1) البيت لعدى بن زيد فى ديوانه ص 150 ، وشرح المفصل 5 / 74 ، ولسان العرب (شنق) ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 7 / 481 ، ولسان العرب (يدى) وتاج العروس (يدى) ، ويروى (أسيافنا) مكان (إشناقها). والإشناق : أن ترفع يده بالغل إلى عنقه.
2) البيت لنفيع (أو نقيع) بن حرموز فى شرح شواهد الإيضاح ص 523 ، ونوادر أبى زيد ص 56 ، وبلا نسبة فى شرح المفصل 5 / 75 ، ولسان العرب (طوح) ، (يدى).
3) البيت لذى الرمّة فى ملحق ديوانه ص 1856 ، ولسان العرب (مسح) ، (بوع) ، (سوم) ، وتاج العروس (بوع) ، وبلا نسبة فى مقاييس اللغة (1 / 319).
4) الرجز فى ديوانه 1 / 57 ، والكتاب 3 / 596 ، والمقتضب 1 / 153 ، وبلا نسبة فى المنصف 2 / 144 ، والمخصص 6 / 204 ، 17 / 74 ، ويروى (أيدى الكماة) مكان (فيه الأيادى).
وقال الراجز :
كأنه بالصحصحان الأنجل
قطن سخام بأيادى غزّل (1)
ومن ذلك استغناؤهم بقولهم : ما أجود جوابه عن (هو أفعل منك) من الجواب. فأمّا قولهم : ما أشدّ سواده ، وبياضه ، وعوره ، وحوله ، فما لا بدّ منه.
ومنه أيضا استغناؤهم باشتدّ وافتقر عن قولهم : فقر ، وشدّ. وعليه جاء فقير. فأمّا شدّ فحكاها أبو زيد فى المصادر ، ولم يحكها سيبويه. ومن ذلك استغناؤهم عن الأصل مجرّدا من الزيادة بما استعمل منه حاملا للزيادة ، وهو صدر صالح من اللغة. وذلك قولهم (حوشب) هذا لم يستعمل منه (حشب) عارية من الواو الزائدة ، ومثله (كوكب) ألا ترى أنك لا تعرف فى الكلام (حشب) عاريا من الزيادة ، ولا (ككب) ومنه قولهم (دودرّى) لأنا لا نعرف (ددر) ومثله كثير فى ذوات الأربعة. وهو فى الخمسة أكثر منه فى الأربعة. فمن الأربعة فلنقس (2)، وصرنفح (3)، وسميدع ، وعميثل (4)، وسرومط (5)، وجحجبى (6)، وقسقبّ ، وقسحبّ (7)، وهرشفّ (8). ومن ذوات الخمسة جعفليق ، وحنبريت ، ودردبيس ،
1) الرجز لجندل بن المثنى الحارثى الطهوى فى لسان العرب (رود) ، (غزل) (هجل) ، (سخم) ، (يدى) ، وتاج العروس (رود) ، (غزل) ، (هجل) ، (سخم) ، (ثجل) (يدى) ، وأساس البلاغة (سخم) ، وبلا نسبة فى شرح المفصل 5 / 74 ، وديوان الأدب 1 / 446. الصحصحان : ما استوى من الأرض. الأنجل : الواسع. السّخام من القطن : اللين. اللسان (سخم).
2) الفلنقس : البخيل اللئيم ، الفلنقس : الذى أبوه مولى وأمه عربية. اللسان (فلقس).
3) الصّرنفح : الشديد الخصومة والصوت. اللسان (صرفح).
4) العميثل : الذى يطيل ثيابه ، والعميثل من كل شيء : البطيء لعظمه أو ترهّله. وانظر اللسان (عمثل).
5) سرومط : الجمل الطويل.
6) جحجبى : حىّ من الأنصار.
7) قسقب ، وقسحب : الضخم.
8) الهرشفّ والهرشفة : العجوز البالية ، ومن الرجال : الكبير المهزول. والهرشفّ : الكثير الشرب. اللسان (هرشف).
وعضرفوط ، وقرطبوس ، وقرعبلانة (1)، وفنجليس (2). فأما عرطليل (3)- وهو رباعيّ - فقد استعمل بغير زيادة ؛ قال أبو النجم :
وكذلك خنشليل ؛ ألا ترى إلى قولهم : خنشلت المرأة والفرس إذا أسنّت ؛ وكذلك عنتريس ؛ ألا ترى أنه من العترسة وهى الشدّة. فأما قنفخر (5)فإن النون فيه زائدة. وقد حذفت - لعمرى - فى قولهم : امرأة قفاخريّة إذا كانت فائقة فى معناها ؛ غير أنك وإن كنت قد حذفت النون فإنك قد صرت إلى زيادة أخرى خلفتها ، وشغلت الأصل شغلها وهى الألف وياء الإضافة. فأمّا تاء التأنيث فغير معتدّة. وأمّا حيزبون (6)فرباعىّ لزمته زيادة الواو. فإن قلت : فهلا جعلته ثلاثيّا من لفظ (الحزب)؟ قيل يفسد هذا أن النون فى موضع زاى عيضموز (7)، فيجب لذلك أن تكون أصلا ، كجيم (خيسفوج) (8)وأما (عريقصان) (9)فتناوبته زيادتان ، وهما الياء فى عريقصان ، والنون فى (عرنقصان) كلاهما يقال بالنون والياء. وأمّا (عزويت) فمن لفظ (عزوت) لأنه (فعليت) والواو لام. وأمّا (قنديل) فكذلك أيضا ؛ ألا ترى إلى قول العجلىّ :
1) قرعبلانة : دويبّة عريضة محبنطئة عظيمة البطن. اللسان (قرعبل).
2) الفنجليس : الكمرة العظيمة.
3) العرطليل : الطويل ، وقيل الغليظ.
4) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (عرطل) ، وتهذيب اللغة 3 / 347 ، وكتاب العين 2 / 328 ، وتاج العروس (عرطل) ، والطرائق الأدبية ص 68.
5) القنفخر والقفاخر : التارّ الناعم الضحم الجثة.
6) الحيزبون : العجوز ، والحيزبون : السيئة الخلق. وانظر اللسان (حزب ، حزبن).
7) العيضموز : العجوز الكبيرة. اللسان (عضمز).
8) الخيسفوج : حبّ القطن ، وقيل : هو نبت يتقصف ويتثنى. اللسان (خسفج).
9) عريقصان : من النبات.
10) الرجز لأبى النجم فى اللسان (عمثل) ، (قندل) ، وتاج العروس (فرغ) ، (قندل) ، وكتاب الجيم 2 / 311 ، وبلا نسبة فى المخصص 13 / 234. القندل : العظيم الرأس. اللسان (قندل).
وأما علندى (1)فتناهبته الزوائد. وذلك أنهم قد قالوا فيه : علودّ ، وعلادى ، وعلندى وعلندى ، ألا تراه غير منفكّ من الزيادة.
ولزوم الزيادة لما لزمته من الأصول يضعف تحقير الترخيم ؛ لأن فيه حذفا للزوائد. وبإزاء ذلك ما حذف من الأصول ؛ كلام يد ، ودم ، وأب ، وأخ ، وعين سه ، ومذ ، وفاء عدة ، وزنة ، وناس ، والله فى أقوى قولى سيبويه. فإذا جاز حذف الأصول فيما أرينا وغيره كان حذف الزوائد التى ليست لها حرمة الأصول أحجى وأحرى.
وأجاز أبو الحسن أظننت زيدا عمرا عاقلا ، ونحو ذلك ، وامتنع منه أبو عثمان ، وقال : استغنت العرب عن ذلك بقولهم : جعلته يظنّه عاقلا.
ومن ذلك استغناؤهم بواحد عن اثن ، وباثنين عن واحدين ، وبستّة عن ثلاثتين ، وبعشرة عن خمستين ، وبعشرين عن عشرتين ونحو ذلك.
1) العلندى : البعير الضخم الطويل ، والأنثى علنداة.
هذا موضع من العربيّة غريب. وذلك أن تعتقد فى أمر من الأمور حكما ما ، وقتا ما ، ثم تحور فى ذلك الشىء عينه فى وقت آخر فتعتقد فيه حكما آخر.
من ذلك الحكاية عن أبى عبيدة. وهو قوله : ما رأيت أطرف من أمر النحويين ؛ يقولون : إن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث ، وهم يقولون (علقاة) وقد قال العجّاج :
فكرّ فى علقى وفى مكور (1)
فحط فى علقى وفى مكور*
ويروى :
يصف العجاج ثورا ، علقى نبت ، وقال سيبويه : تكون واحدة وجمعا. بعضهم يجعل ألفها للتأنيث وبعضهم يجعلها للإلحاق ، وتنوّن. والمكور : جمع مكر ، بالفتح. نبت أيضا وانظر اللسان (علق) ، والكتاب 3 / 212.
*يريد أبو عبيدة أنه قال (فى علقى) فلم يصرف للتأنيث ، ثم قالوا مع هذا (علقاة) أى فألحقوا تاء التأنيث ألفه. قال أبو عثمان : كان أبو عبيدة أجفى من أن يعرف هذا. وذلك أن من قال (علقاة) فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر ، كألف (أرطى) فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عمّا كان عليه ، وجعل الألف للتأنيث فيما بعد ، فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث ، وللتأنيث إذا فقد التاء. ولهذا نظائر.
هى قولهم : بهمى وبهماة ، وشكاعى (2)، وشكاعاة ، وباقلّى وباقلاة ، ونقاوى ،
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 362 ، ولسان العرب (أخر) ، (مكر) ، (علق) ، وإصلاح المنطق ص 365 ، وجمهرة اللغة ص 799 ، 940 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 236 ، وشرح شواهد الشافية ص 417 ، والكتاب 3 / 212 ، وتاج العروس (مكر) ، (علق) ، ديوان الأدب 2 / 5 ، تهذيب اللغة 10 / 241 ، والرؤبة فى المخصص 15 / 181 ، 16 / 88 ، وليس فى ديوانه ، وبلا نسبة فى الخصائص 1 / 271 ، 274 ، 3 / 309 وسر صناعة الإعراب 2 / 558 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 28 ، ويروى (فحط) مكان (فكر). يروى :
2) الشكاعى : نبت عيدانه دقيقة خضراء ، والناس يتداوون بها انظر. اللسان (شكع).
ونقاواة ، وسمانى ، وسماناة. ومثل ذلك من الممدود قولهم : طرفاء وطرفاءة ، وقصباء وقصباءة ، وحلفاء وحلفاءة ، وباقلاء وباقلاءة. فمن قال : (طرفاء) فالهمزة عنده للتأنيث ، ومن قال : (طرفاءة) فالتاء عنده للتأنيث ، وأمّا الهمزة على قوله فزيادة لغير التأنيث. وأقوى القولين فيها عندى أن تكون همزة مرتجلة غير منقلبة ؛ لأنها إذا كانت منقلبة فى هذا المثال فإنها عن ألف التأنيث لا غير ؛ نحو صحراء ، وصلفاء (1)، وخبراء (2)، والحرشاء. وقد يجوز أن تكون منقلبة عن حرف لغير الإلحاق فتكون - فى الانقلاب لا فى الإلحاق - كألف علباء ، وحرباء. وهذا مما يؤكّد عندك حال الهاء ؛ ألا ترى أنها إذا لحقت اعتقدت فيما قبلها حكما ما ، فإن لم تلحق حار الحكم إلى غيره. ونحو منه قولهم : الصفنة (3)، والصفن ، والرضاع ، والرضاعة ، وهو صفو الشىء وصفوته ، وله نظائر قد ذكرت ، ومنه البرك ، والبركة للصدر.
ومن ذلك قولنا : كان يقوم زيد ، ونحن نعتقد رفع (زيد) ب- (كان) ، ويكون (يقوم) خبرا مقدّما عليه. فإن قيل : ألا تعلم أنّ (كان) إنما تدخل على الكلام الذى كان قبلها مبتدأ وخبرا ، وأنت إذا قلت : يقوم زيد فإنما الكلام من فعل وفاعل فكيف ذلك؟ فالجواب أنه لا يمتنع أن يعتقد مع (كان) فى قولنا : كان يقوم زيد أن زيدا مرتفع ب- (كان) ، وأنّ (يقوم) مقدّم عن موضعه ، فإذا حذفت (كان) زال الاتّساع وتأخّر الخبر الذى هو (يقوم) فصار بعد (زيد) ، كما أن ألف (علقاة) للإلحاق ، فإذا حذفت الهاء استحال التقدير فصارت للتأنيث ، حتى قال :
على ذا تأوّله أبو عثمان ، ولم يحمله على أنهما لغتان. وأظنه إنما ذهب إلى ذلك لما رآه قد كثرت نظائره ؛ نحو سمانى وسماناة ، وشكاعى وشكاعاة ، وبهمى وبهماة. فألف (بهمى) للتأنيث ، وألف (بهماة) زيادة لغير الإلحاق ، كألف قبعثرى ،
وضبغطرى. ويجوز أن تكون للإلحاق بجخدب على قياس قول أبى الحسن الأخفش ، إلا أنه إلحاق اختصّ مع التأنيث ؛ ألا ترى أن أحدا لا ينوّن (بهمى) فعلى ذلك يكون الحكم على قولنا : كان يقوم زيد ، ونحن نعتقد أن زيدا مرفوع بكان.
ومن ذلك ما نعتقده فى همزة حمراء ، وصفراء ، ونحوهما أنهما للتأنيث ، فإن ركّبت الاسم مع آخر قبله ، حرت عن ذلك الاستشعار والتقدير فيها ، واعتقدت غيره. وذلك أن تركّب مع (حمراء) اسما قبلها فتجعلهما جميعا كاسم واحد فتصرف (حمراء) حينئذ. وذلك قولك : هذا دار حمراء ، ورأيت دار حمراء ، ومررت بدار حمراء ، وكذلك هذا كلبصفراء ، ورأيت كلبصفراء ، ومررت بكلبصفراء ، [فلا تصرف الاسم للتعريف والتركيب كحضرموت. فإن نكّرت صرفت فقلت : ربّ كلبصفراء مررت به] ، وكلبصفراء آخر. فتصرف فى النكرة ، وتعتقد فى هذه الهمزة مع التركيب أنها لغير التأنيث ، وقد كانت قبل التركيب له.
ونحو من ذلك ما نعتقده فى الألفات إذا كنّ فى الحروف والأصوات أنها غير منقلبة ، وذلك نحو ألف لا ، وما ، وألف قاف ، وكاف ، ودال ، وأخواتها ، وألف على ، وإلى ، ولدى ، وإذا ، فإن نقلتها فجعلتها أسماء أو اشتققت منها فعلا استحال ذلك التقدير ، واعتقدت فيها ما تعتقده فى المنقلب. وذلك قولك : موّيت إذا كتبت (ما) ولوّيت إذا كتبت (لا) وكوّفت كافا حسنة ، ودوّلت دالا جيّدة ، وزوّيت زايا قويّة. ولو سميت رجلا ب- (على) أو (إلى) أو (لدى) أو (ألا) أو [إذا] ، لقلت فى التثنية : علوان ، وإلوان ، ولدوان ، وألوان ، وإذوان ، فاعتقدت فى هذه الألفات مع التسميد بها وعند الاشتقاق منها الانقلاب ، وقد كانت قبل ذلك عندك غير منقلبة. وأغرب من ذلك قولك : بأبى أنت!. فالباء فى أوّل الاسم حرف جرّ بمنزلة اللام فى قولك : لله أنت! فإذا اشتققت منه فعلا اشتقاقا صوتيّا استحال ذلك التقدير فقلت : بأبأت به بئباء ، وقد أكثرت من البأبأة. فالباء الآن فى لفظ الأصل ، وإن كنا قد أحطنا علما بأنها فيما اشتقّت منه زائدة للجرّ. ومثال البئباء على هذا الفعلال كالزلزال ، والقلقال ، والبأبأة الفعللة ، كالقلقلة ، والزلزلة ، وعلى هذا اشتقّوا منهما (البئب) فصار فعلا من باب سلس ، وقلق ؛ قال :
فالبئب الآن بمنزلة الضلع ، والعنب ، والقمع ، [والقرب]. ومن ذلك قولهم : القرنوة للنبت ، وقالوا : قرنيت السقاء ، إذا دبغته بالقرنوة ، فالياء فى قرنيت الآن للإلحاق ، بمنزلة ياء سلقيت ، وجعبيت ، وإنما هى بدل من واو (قرنوة) التى هى لغير الإلحاق. وسألنى أبو علىّ - رحمهالله - عن ألف (يا) من قوله - فيما أنشده أبو زيد - :
فخير نحن عند الناس منكم
إذا الداعى المثوّب قال يالا (2)
فقال : أمنقلبة هى؟ قلت : لا ؛ لأنها فى حرف أعنى (يا) فقال : بل هى منقلبة. فاستدللته على ذلك ، فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها ووقف عليها ، فصارت اللام كأنها جزء منها ، فصارت (يال) بمنزلة قال ، والألف فى موضع العين وهى مجهولة ، فينبغى أن يحكم عليها بالانقلاب عن الواو. هذا جمل ما قاله ؛ ولله هو وعليه رحمته ، فما كان أقوى قياسه ، وأشدّ بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه. فكأنه إنما كان مخلوقا له. وكيف كان لا يكون كذلك ، وقد أقام على هذه الطريقة مع جلّة أصحابها ، وأعيان شيوخها ، سبعين سنة ، زائحة علله ، ساقطة عنه كلفه ، وجعله همّه وسدمه (3)، لا يعتاقه عنه ولد ، ولا يعارضه فيه متجر ، ولا يسوم به مطلبا ، ولا يخدم به رئيسا إلا بأخرة وقد حطّ من أثقاله ، وألقى عصا ترحاله! ثم إنى - ولا أقول إلا حقّا - لأعجب من نفسى فى وقتى هذا ، كيف تطوع لى بمسألة ، أم كيف تطمح بى إلى انتزاع علّة! مع ما الحال عليه من علق
1) البيت فى اللسان (أبى) أنشده الجاحظ مع أبيات فى كتاب البيان والتبيين لآدم مولى بلعنبر ، يقول لابن له. وفيه «البيب» بدل «البئب» قال أبو علىّ : الباء مبدلة من همزة بدلا لازما ؛ وبيبت الرجل إذا قلت له بأبى.
2) البيت لزهير بن مسعود الضبّى فى تخليص الشواهد ص 182 ، وخزانة الأدب 2 / 6 ، والدرر 3 / 46 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 595 ، والمقاصد النحوية 1 / 520 ، ونوادر أبى زيد ص 29 ، 237 ، 354 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 847 ، وشرح ابن عقيل ص 102 ، ولسان العرب (يا) ومغنى اللبيب 1 / 219 ، 2 / 445 ، وهمع الهوامع 1 / 181.
3) السدم : الهمّ.
الوقت وأشجانه ، وتذاؤبه وخلج أشطانه (1)، ولو لا معازّة الخاطر واعتنافه ، ومساورة الفكر واكتداده ، لكنت عن هذا الشأن بمعزل ، وبأمر سواه على شغل.
وقال لى مرّة رحمهالله تأنيسا بهذه الانتقالات : كما جاز إذا سمّيت ب- (ضرب) أن تخرجه من البناء إلى الإعراب ، كذلك يجوز أيضا أن تخرجه من جنس إلى جنس إذا أنت نقلته من موضعه إلى غيره.
ومن طريف ما ألقاه - رضى الله تعالى عنه - علىّ أنه سألنى يوما عن قولهم هات لا هاتيت ، فقال (ما هاتيت)؟ فقلت : فاعلت ، فهات من هاتيت ، كعاط من عاطيت ، فقال : أشيء آخر؟ فلم يحضر إذ ذاك ، فقال أنا أرى فيه غير هذا.
فسألته عنه ، فقال : يكون فعليت ، قلت : ممّه؟ قال : من الهوتة ، وهى المنخفض من الأرض - قال : وكذلك (هيت) لهذا البلد (2)، لأنه منخفض من الأرض - فأصله هوتيت ، ثم أبدلت الواو التى هى عين فعليت ، وإن كانت ساكنة ؛ كما أبدلت فى يا جل ، ويا حل ، فصار هاتيت ، وهذا لطيف حسن. على أن صاحب العين قد قال : إن الهاء فيه بدل من همزة ، كهرقت ونحوه. والذى يجمع بين هاتيت وبين الهوتة حتى دعا ذلك أبا علىّ إلى ما قال به ، أن الأرض المنخفضة تجذب إلى نفسها بانخفاضها. وكذلك قولك : هات ، إنما هو استدعاء منك للشيء ، واجتذابه إليك. وكذلك صاحب العين إنما حمله على اعتقاد بدل الهاء من الهمزة أنه أخذه من أتيت الشىء ، والإتيان ضرب من الانجذاب إلى الشىء. والذى ذهب إليه أبو علىّ فى (هاتيت) غريب لطيف.
ومما يستحيل فيه التقدير لانتقاله من صورة إلى أخرى قولهم (هلممت) إذا قلت : هلمّ. فهلممت الآن كصعررت ، وشمللت ، وأصله قبل غير هذا ، إنما هو أوّل (ها) للتنبيه لحقت مثال الأمر للمواجه توكيدا. وأصلها ها لم ، فكثر استعمالها ، وخلطت (ها) ب- (لم) ، توكيدا للمعنى لشدّة الاتصال ، فحذفت الألف لذلك ، ولأن لام (لم) فى الأصل ساكنة ، ألا ترى أن تقديرها أوّل (المم) وكذلك يقولها أهل الحجاز ، ثم زال هذا كلّه بقولهم (هلممت) فصارت كأنها
فعللت ، من لفظ (الهلمام) وتنوسيت حال التركيب. وكأنّ الذى صرفهما جميعا عن ظاهر حاله حتى دعا أبا علىّ إلى أن جعله من (الهوتة) ، وغيره من لفظ أتيت عدم تركيب ظاهره ، ألا ترى أنه ليس فى كلامهم تركيب (ه ت و) ولا (ه ت ى) فنزلا جميعا عن بادى أمره إلى لفظ غيره.
فهذه طريق اختلاف التقدير ، وهى واسعة ، غير أنى قد نبّهت عليها ، فأمض الرأى والصنعة فيما يأتى منها.
ومن لفظ (الهوتة) ومعناها قولهم مضى هيتاء من الليل ؛ وهو فعلاء منه ، ألا تراهم قالوا : قد تهوّر الليل. ولو كسّرت (هيتاء) لقلت (هواتىّ) وقريب من لفظه ومعناه قول الله سبحانه (هَيْتَ لَكَ) [يوسف : 23] إنما معناه هلمّ لك ، وهذا اجتذاب واستدعاء له ؛ قال :
أن العراق وأهله
عنق إليك فهيت هيتا (1)
أبلغ أمير المؤمني
ن أخا العراق إذا أتيتا
هيت : موضع على شاطئ الفرات. قال أبو على : ياء هيت ، التى هى أرض. واو. وانظر اللسان (هيت).
1) البيت بلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 251 ، 440 ، وشرح المفصل 4 / 32 ، ولسان العرب (هيت) ، (عنق) ، والمحتسب 1 / 337 وقبله :
هذا الموضع كثيرا ما يستهوى من يضعف نظره إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة.
وذلك كقولهم فى تفسير قولنا (أهلك والليل) معناه الحق أهلك قبل الليل ، فربما دعا ذاك من لا دربة له إلى أن يقول (أهلك والليل) فيجرّه ، وإنما تقديره الحق أهلك وسابق الليل. وكذلك قولنا زيد قام : ربّما ظنّ بعضهم أن زيدا هنا فاعل فى الصنعة ، كما أنه فاعل فى المعنى. وكذلك تفسير معنى قولنا : سرّنى قيام هذا وقعود ذاك ، بأنه سرّنى أن قام هذا وأن قعد ذاك ، ربما اعتقد فى هذا وذاك أنهما فى موضع رفع لأنهما فاعلان فى المعنى. ولا تستصغر هذا الموضع ؛ فإن العرب أيضا قد مرّت به وشمّت روائحه ، وراعته. وذلك أن الأصمعى أنشد فى جملة أراجيزه شعرا من مشطور السريع طويلا ، ممدودا ، مقيّدا ، التزم الشاعر فيه أن جعل قوافيه كلها فى موضع جرّ إلا بيتا واحدا من الشعر :
يستمسكون من حذار الإلقاء
بتلعات كجذوع الصيصاء (1)
ردى ردى ورد قطاة صمّاء
كدريّة أعجبها برد الماء (2)
تطّرد قوافيها كلّها على الجرّ إلا بيتا واحدا ، وهو قوله :
والذى سوّغه ذاك - على ما التزمه فى جميع القوافى - ما كنّا على سمته من القول. وذلك أنه لمّا كان معناه : كأنها فى وقت رؤية الرؤاء تصوّر معنى الجرّ من هذا الموضع ، فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات ، وكأنه لذلك لم يخالف.
ونظير هذا عندى قول طرفة :
فى جفان تعترى نادينا
وسديف حين هاج الصنّبر (1)
يريد الصنّبر ، فاحتاج للقافية إلى تحريك الباء ، فتطرّق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها ؛ تشبيها بباب قولهم : هذا بكر ، ومررت ببكر ، وكان يجب على هذا أن يضمّ الباء فيقول : الصنّبر ؛ لأن الراء مضمومة ، إلا أنه تصوّر معنى إضافة الظرف إلى الفعل فصار إلى أنه كأنه قال : حين هيج الصنّبر ، فلمّا احتاج إلى حركة الباء تصوّر معنى الجرّ فكسر الباء ، وكأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها.
ولو لا ما أوردته فى هذا لكان الضمّ مكان الكسر. وهذا أقرب مأخذا من أن تقول : إنه حرّف القافية للضرورة كما حرّفها الآخر فى قوله :
هل عرفت الدار أم أنكرتها
بين تبراك فشسّى عبقر (2)
فى قول من قال : أراد عبقر ، ثم حرّف الكلمة. ونحوه فى التحريف قول العبد :
وما دمية من دمى ميسنا
ن معجبة نظرا واتّصافا (3)
أراد - فيما قيل - ميسان ، فزاد النون ضرورة ، فهذا - لعمرى - تحريف بتعجرف عار من الصنعة. والذى ذهبت أنا إليه هناك فى (الصنبر) ليس عاريا من الصنعة.
فإن قلت : فإن الإضافة فى قوله (حين هاج الصنبر) إنما هى إلى الفعل لا إلى الفاعل فكيف حرّفت غير المضاف إليه؟ قيل الفعل مع الفاعل كالجزء الواحد ، وأقوى الجزأين منهما هو الفاعل ، فكأن الإضافة إنما هى إليه لا إلى الفعل ، فلذلك جاز أن يتصوّر فيه معنى الجرّ.
1) البيت فى ديوانه ص 56 ، ولسان العرب (صنبر) ، وتهذيب اللغة 12 / 271 ، وتاج العروس (صنبر). الصّنّبر : الريح الباردة فى غيم. والسديف : السّنام المقطّع ، وقيل شحمه. اللسان (سدف).
2) البيت للمرار بن منقذ العدوى فى لسان العرب (عبقر) ، (شسس) ، (برك) ، وتهذيب اللغة 3 / 292 ، وتاج العروس (شسس) ، (برك) ، وشرح اختيارات المفضل ص 424 ، وجمهرة اللغة ص 133 ، 325 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (صنبر).
3) البيت لسحيم عبد بنى الحسحاس فى ديوانه ص 43 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 147 ، ولسان العرب (ميس) ، (وصف) ، والممتع فى التصريف 1 / 386.
فإن قيل : فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته فى اللفظ واعتقدت مع هذا أنه فى المعنى مرفوع ، فإذا كان فى اللفظ أيضا مرفوعا فكيف يسوغ لك بعد حصوله فى موضعه من استحقاقه الرفع لفظا ومعنى أن تحور به فتتوهّمه مجرورا؟ قيل هذا الذى أردناه وتصوّرناه هو مؤكّد للمعنى الأوّل ، لأنك كما تصوّرت فى المجرور معنى الرفع ، كذلك تمّمت حال الشبه بينهما فتصوّرت فى المرفوع معنى الجرّ. ألا ترى أن سيبويه لمّا شبّه الضارب الرجل بالحسن الوجه وتمثّل ذلك فى نفسه ورسا فى تصوّره ، زاد فى تمكين هذه الحال له وتثبيتها عليه ، بأن عاد فشبّه الحسن الوجه بالضارب الرجل فى الجرّ ؛ كلّ ذلك تفعله العرب ، وتعتقده العلماء فى الأمرين ، ليقوى تشابههما وتعمر ذات بينهما ، ولا يكونا على حرد (1)، وتناظر غير مجد ، فاعرف هذا من مذهب القوم واقتفه تصب بإذن الله تعالى.
ومن ذلك قولهم فى قول العرب : كلّ رجل وصنعته ، وأنت وشأنك : معناه أنت مع شأنك ، وكل رجل مع صنعته ، فهذا يوهم من أمم أن الثانى خبر عن الأوّل ، كما أنه إذا قال أنت مع شأنك فإن قوله (مع شأنك) خبر عن أنت. وليس الأمر كذلك ؛ بل لعمرى إن المعنى عليه ، غير أن تقدير الأعراب على غيره. وإنما (شأنك) معطوف على (أنت) ، والخبر محذوف للحمل على المعنى ، فكأنه قال : كلّ رجل وصنعته مقرونان ، وأنت وشأنك مصطحبان. وعليه جاء العطف بالنصب مع أنّ ؛ قال :
أغار على معزاى لم يدر أننى
وصفراء منها عبلة الصفوات (2)
ومن ذلك قولهم أنت ظالم إن فعلت ، ألا تراهم يقولون فى معناه : إن فعلت فأنت ظالم ، فهذا ربما أوهم أن (أنت ظالم) جواب مقدّم ، ومعاذ الله أن يقدّم جواب الشرط عليه ، وإنما قوله (أنت ظالم) دالّ على الجواب وسادّ مسدّه ؛ فأمّا أن يكون هو الجواب فلا.
ومن ذلك قولهم فى عليك زيدا : إن معناه خذ زيدا ، وهو - لعمرى - كذلك ،
إلا أن (زيدا) الآن إنما هو منصوب بنفس (عليك) من حيث كان اسما لفعل متعدّ ، لا أنه منصوب ب- (خذ).
ألا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى ؛ فإذا مرّ بك شيء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه ، ولا تسترسل إليه ؛ فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه ، وإن كان تقدير الإعراب مخالفا لتفسير المعنى تقبّلت تفسير المعنى على ما هو عليه ، وصحّحت طريق تقدير الإعراب ، حتى لا يشذّ شيء منها عليك ، وإيّاك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه ؛ ألا تراك تفسّر نحو قولهم : ضربت زيدا سوطا أنّ معناه ضربت زيدا ضربة بسوط. وهو - لا شكّ - كذلك ، ولكن طريق إعرابه أنه على حذف المضاف ، أى ضربته ضربة سوط ثم حذفت الضربة على عبرة حذف المضاف. ولو ذهبت تتأوّل ضربته سوطا على أن تقدير إعرابه : ضربة بسوط كما أن معناه كذلك للزمك أن تقدّر أنك حذفت الباء ، كما تحذف حرف الجر فى نحو قوله : أمرتك الخير ، وأستغفر الله ذنبا ، فتحتاج إلى اعتذار من حذف حرف الجرّ ، وقد غنيت عن ذلك كلّه بقولك : إنه على حذف المضاف ؛ أى ضربة سوط ومعناه ضربة بسوط ، فهذا - لعمرى - معناه ، فأمّا طريق إعرابه وتقديره فحذف المضاف.
إذا دلت الدلالة عليه كان فى حكم الملفوظ به
إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه
من ذلك أن ترى رجلا قد سدّد سهما نحو الغرض ثم أرسله ، فتسمع صوتا فتقول : القرطاس والله ، أى أصاب القرطاس. ف- (أصاب) الآن فى حكم الملفوظ به البتّة ، وإن لم يوجد فى اللفظ ، غير أن دلالة الحال عليه نابت مناب اللفظ به. وكذلك قولهم لرجل مهو بسيف فى يده : زيدا ، أى اضرب زيدا.
فصارت شهادة الحال بالفعل بدلا من اللفظ به. وكذلك قولك للقادم من سفر : خير مقدم ، أى قدمت خير مقدم ، وقولك : قد مررت برجل إن زيدا وإن عمرا ، أى إن كان زيدا وإن كان عمرا ، وقولك للقادم من حجّه : مبرور مأجور ، أى أنت مبرور مأجور ، ومبرورا مأجورا ، أى قدمت مبرورا مأجورا ، وكذلك قوله :
رسم دار وقفت فى طلله
كدت أقضى الغداة من جلله (1)
موحشا ما ترى به أحدا
تنسج الريح ترب معتدله
واقفا فى رباع أم جبير
من ضحا يومه إلى أصله (نجار).
أى ربّ رسم دار. وكان رؤبة إذا قيل له كيف أصبحت يقول : خير عافاك الله - أى بخير - يحذف الباء لدلالة الحال عليها بجرى العادة والعرف بها. وكذلك قولهم : الذى ضربت زيد ، تريد الهاء وتحذفها ، لأن فى الموضع دليلا عليها.
وعلى نحو من هذا تتوجّه عندنا قراءة حمزة ، وهى قوله سبحانه : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) [النساء : 1] ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس ، بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخفّ وألطف ؛ وذلك أن لحمزة أن يقول لأبى العباس : إننى لم أحمل (الأرحام) على العطف على المجرور المضمر ، بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية حتى كأنى قلت : (وبالأرحام) ، ثم حذفت الباء ؛ لتقدّم ذكرها ؛ كما
1) هذا البيت من شواهد النحو فى مباحث حرف الجر ، وهو مطلع القصيدة ، وبعده :
حذفت لتقدّم ذكرها فى نحو قولك : بمن تمرر أمرر ، وعلى من تنزل أنزل ، ولم تقل : أمر ربه ولا أنزل عليه ، لكن حذفت الحرفين لتقدّم ذكرهما. وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجرّ لدلالة ما قبله عليه (مع مخالفته له فى الحكم) فى قوله :
وإنّى من قوم بهم يتّقى العدا
ورأب الثأى والجانب المتخوّف (1)
أراد : وبهم رأب الثأى ، فحذف الباء فى هذا الموضع لتقدّمها فى قوله : بهم يتقى العدا ، وإن كانت حالاهما مختلفتين. ألا ترى أن الباء فى قوله (بهم يتقى العدا) منصوبة الموضع لتعلّقها بالفعل الظاهر الذى هو يتّقى ، كقولك : بالسيف يضرب زيد ، والباء فى قوله : (وبهم رأب الثأى) مرفوعة الموضع عند قوم ، وعلى كلّ حال فهى متعلّقة بمحذوف ورافعه الرأب - ونظائر هذا كثيرة - كان حذف الباء من قوله (والأرحام) لمشابهتها الباء فى (به) موضعا وحكما أجدر ، وقد أجازوا تبّا له وويل على تقدير وويل له ، فحذفوها وإن كانت اللام فى (تبّا له) لا ضمير فيها وهى متعلّقة بنفس (تبّا) مثلها فى هلمّ لك وكانت اللام فى (ويل له) خبرا ، ومعلّقة بمحذوف وفيها ضمير ، فهذا عروض (2)بيت الفرزدق.
فإن قلت : فإذا كان المحذوف للدّلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاء المحذوفة فى نحو قولك : الذى ضربت زيد ، فتقول : الذى ضربت نفسه زيد ؛ كما تقول : الذى ضربته نفسه زيد؟ قيل : هذا عندنا غير جائز ؛ وليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت ، بل لأمر آخر ، وهو أن الحذف هنا إنما الغرض به التخفيف لطول الاسم ، فلو ذهبت تؤكّده لنقضت الغرض. وذلك أن لتوكيد والإسهاب ضدّ التخفيف والإيجاز ؛ فلمّا كان الأمر كذلك تدافع الحكمان ، فلم يجز أن يجتمعا ؛ كما لا يجوز ادّغام الملحق ؛ لما فيه من نقض الغرض. وكذلك
قولهم لمن سدّد سهما ثم أرسله نحو الغرض فسمعت صوتا فقلت : القرطاس والله أى أصاب القرطاس : لا يجوز توكيد الفعل الذى نصب (القرطاس). لو قلت : إصابة القرطاس ، فجعلت (إصابة) مصدرا للفعل الناصب للقرطاس لم يجز ؛ من قبل أن الفعل هنا قد حذفته العرب وجعلت الحال المشاهدة دالّة عليه ، ونائبة عنه ، فلو أكّدته لنقضت الغرض ؛ لأن فى توكيده تثبيتا للفظه المختزل ، ورجوعا عن المعتزم من حذفه واطّراحه والاكتفاء بغيره منه. وكذلك قولك للمهوى بالسيف فى يده : زيدا ، أى اضرب زيدا لم يجز أن تؤكّد ذلك الفعل الناصب لزيد ؛ ألا تراك لا تقول : ضربا زيدا وأنت تجعل (ضربا) توكيدا لا ضرب المقدّرة ؛ من قبل أن تلك اللفظة قد أنيبت عنها الحال الدالّة عليها ، وحذفت هى اختصارا ، فلو أكّدتها لنقضت القضيّة التى كنت حكمت بها لها ، لكن لك أن تقول : ضربا زيدا لا على أن تجعل ضربا توكيدا للفعل الناصب لزيد ، بل على أن تبدله منه فتقيمه مقامه فتنصب به زيدا ، فأمّا على التوكيد به لفعله وأن يكون زيد منصوبا بالفعل الذى هذا توكيد له فلا.
فهذه الأشياء لو لا ما عرض من صناعة اللفظ - أعنى الاقتصار على شيء دون شيء - لكان توكيدها جائزا حسنا ، لكن (عارض ما منع) فلذلك لم يجز ؛ لا لأن المحذوف ليس فى تقدير الملفوظ به.
ومما يؤكّد لك أن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوط به إنشادهم قول الشاعر :
قاتلى القوم يا خزاع ولا
يأخذكم من قتالهم فشل (1)
فتمام الوزن أن يقال : فقاتلى القوم ، فلو لا أنّ المحذوف إذا دلّ الدليل عليه بمنزلة المثبت ، لكان هذا كسرا ، لا زحافا. وهذا من أقوى وأعلى ما يحتجّ به لأن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به البتّة ، فاعرفه ، واشدد يدك به.
وعلى الجملة فكلّ ما حذف تخفيفا فلا يجوز توكيده ، لتدافع حاليه به ؛ من حيث التوكيد للإسهاب والإطناب ، والحذف للاختصار والإيجاز. فاعرف ذلك
1) البيت من المنسرح وقد دخله الخرم ، ولو قال : (فقاتلى) نجا من ذلك. وقد ذكره أبو رياش كاملا هكذا. وانظر التبريزى فى شرح الحماسة. ونهاية الشطر الأول «لا» وانظر الدمامينى فى الموطن السابق. (نجار).
مذهبا للعرب.
ومما يدلّك على صحّة ذلك قول العرب - فيما رويناه عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى - : (راكب الناقة طليحان) كذا رويناه هكذا ؛ وهو يحتمل عندى وجهين :
أحدهما ما نحن عليه من الحذف ، فكأنه قال : راكب الناقة والناقة طليحان ، فحذف المعطوف لأمرين : أحدهما تقدّم ذكر الناقة ، والشىء إذا تقدّم ذكره دلّ على ما هو مثله. ومثله من حذف المعطوف قول الله عزوجل (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) [البقرة : 60] أى فضرب فانفجرت. فحذف (فضرب) لأنه معطوف على قوله : (فقلنا). وكذلك قول التغلبىّ (1)
والمعلقة أولها :
ألا هبى بصحنك فاصبحينا
ولا تبقى خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها
يقال : «سخين» أى ماء ساخن. ويقال : «سخينا» من السخاء أى : جدنا بأموالنا. وانظر اللسان (سخن) ، والمعلقة.
:أى شربنا فسخينا. فكذلك قوله : راكب الناقة طليحان ، أى راكب الناقة والناقة طليحان.
فإن قلت : فهلا كان التقدير على حذف المعطوف عليه ، أى الناقة وراكب الناقة طليحان؟ قيل يبعد ذلك من وجهين :
1) عجز بيت لعمرو بن كلثوم فى ديوانه ص 64 ، ولسان العرب (طلح) ، (حصص) ، (سخن) ، (سخا) ، وجمهرة اللغة ص 99 ، وتاج العروس (حصص) ، (سخن) ، وكتاب العين (1 / 71) ، والمخصص 3 / 2 ، 15 / 60 ، الأغانى 11 / 45 ، وجمهرة أشعار العرب 1 / 389 ، والخزانة 3 / 178 ، وشرح ديوان امرئ القيس ص 320 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى 1 / 188 ، وشرح القصائد السبع ص 372 ، وشرح القصائد العشر ص 321 ، وشرح المعلقات السبع ص 165 ، وشرح المعلقات العشر ص 88 ، وشعراء النصرانية ص 455 ، وللتغلبى فى التاج (طلح) ومقاييس اللغة 2 / 13 ، 3 / 168 ، وديوان الأدب 4 / 92 ، وبلا نسبة فى أساس البلاغة (حصص).
أحدهما أن الحذف اتّساع ، والاتّساع بابه آخر الكلام وأوسطه ، لا صدره وأوّله ؛ ألا ترى أن من اتّسع بزيادة (كان) حشوا أو آخرا لا يجيز زيادتها أوّلا ، وأن من اتّسع بزيادة (ما) حشوا وغير أوّل لم يستجز زيادتها أولا إلا فى شاذّ من القول ؛ نحو قوله :
وقدما هاجنى فازددت شوقا
بكاء حمامتين تجاوبان (1)
ومما زادنى فاهتجت شوقا
غناء حمامتين تجاوبان
فيمن رواه (وقدما) بزيادة (ما) على أنه يريد : وقد هاجنى ، لا فيمن رواه فقال : (وقدما هاجنى) أى وقديما هاجنى.
والآخر أنه لو كان تقديره : الناقة وراكب الناقة طليحان ، لكان قد حذف حرف العطف وبقّى المعطوف به ؛ وهذا شاذّ ، إنما حكى منه أبو عثمان عن أبى زيد : أكلت لحما ، سمكا ، تمرا ، وأنشد أبو الحسن :
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا
يزرع الودّ فى فؤاد الكريم (2)
وأنشد ابن الأعرابى :
وكيف لا أبكى على علاتى
صبائحى غبائقى قيلاتى (3)
وهذا كله شاذّ ، ولعلّه جميع ما جاء منه. وأما على القول الآخر ، فإنه - لعمرى - قد حذف حرف العطف مع المعطوف به ، وهذا ما لا بدّ منه ؛ ألا ترى أنه إذا حذف المعطوف لم يجز أن يبقى الحرف العاطفة قبله بحاله ؛ لأن حرف العطف لا يجوز تعليقه. فإن قلت فقد قال (4):
قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا
تدهن رأسى وتفلّينى وا
1) البيت لجحدر فى لسان العرب (جوب) ، وتاج العروس (جوب) ، ويروى :
2) البيت بلا نسبة فى الأشباه والنظائر 8 / 134 ، والدرر 6 / 155 ، وديوان المعانى 2 / 225 ، ورصف المبانى ص 414 ، وشرح الأشمونى 2 / 431 ، وشرح عمدة الحافظ ص 641 ، وهمع الهوامع 2 / 140.
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (صبح) ، (غبق) ، (قيل) ، وتهذيب اللغة 4 / 266 ، 9 / 305 ، 16 / 151 ، وديوان الأدب 3 / 312 ، وتاج العروس (غبق) ، (قيل).
4) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (نتا) ، (قنف) ، (فلا).
وتمسح القنفاء حتى تنتا
فإنما جاز هذا لضرورة الشعر ، ولأنه أيضا قد أعاد الحرف فى أوّل البيت الثانى ، فجاز تعليق الأوّل بعد أن دغمه بحرف الإطلاق وأعاده ، فعرف ما أراد بالأوّل ، فجرى مجرى قوله :
عجّل لنا هذا وألحقنا بذا ال
الشّحم إنّا قد مللناه بجل (1)
فكما علّق حرف التعريف مدعوما بألف الوصل وأعاده فيما بعد ، فكذلك علّق حرف العطف مدعوما بحرف الإطلاق وأعاده فيما بعد. فإن قلت : فألف قوله (وا) ملفوظ بها ، وألف الوصل فى قوله (بذال) غير ملفوظ بها ، قيل لو ابتدأت اللام لم يكن من الهمزة بدّ. فإن قلت : أفيجوز على هذا (قام زيدوه ، وعمرو) فتجرى هاء بيان الحركة مجرى ألف الإطلاق؟ فإنه أضعف القياسين. وذلك أن ألف الإطلاق أشبه بما صيغ فى الكلمة من هاء بيان الحركة ؛ ألا ترى إلى ما جاء من قوله :
ولاعب بالعشىّ بنى بنيه
كفعل الهرّ يحترش العظايا (2)
فأبعده الإله ولا يؤبّى
ولا يسقى من المرض الشفايا (3)
فلا ذاق النعيم ولا شرابا
ولا يعطى من المرض الشفايا
1) الرجز لغيلان بن حريث فى الدرر 1 / 245 ، الكتاب 4 / 147 ، والمقاصد النحوية 1 / 510 ، ولحكيم بن معيّة فى شرح أبيات سيبويه 2 / 369 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (طرا) ، ورصف المبانى 41 ، 70 ، 153 ، وشرح الأشمونى 1 / 83 ، والكتاب 3 / 325 ، واللامات ص 41 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 121 ، والمقتضب 1 / 84 ، 2 / 94 ، والمنصف 1 / 66 ، وهمع الهوامع 1 / 79 ، وكتاب العين 6 / 134 ، وتاج العروس (طرا) ، ويروى «بذال» مكان «بذل».
2) البيت لأعصر بن قيس عيلان فى لسان العرب (حما) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ثمن) ، والمخصّص 8 / 100 ، 15 / 117. العظاية : دويبة على خلقة سام أبرص أعيظم منها شيئا ، والعظاءة لغة فيها ، والجمع عظايا وعظاء. اللسان (عظى).
3) البيت لأعصر بن سعد بن قيس عيلان فى لسان العرب (حما) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ثمن) ، ويروى :
الإطلاق بتاء التأنيث ، أى فصحّح اللام لها كما يصحّحها للهاء ، وليست كذلك هاء بيان الحركة ؛ لأنها لم تقو قوّة تاء التأنيث ؛ أولا ترى أن ياء الإطلاق فى قوله :
قد نابت عن الضمير العائد حتى كأنه قال : لم أصنعه ، فلذلك كان (وا) من قوله : (وتفلينى وا) كأنه لاتّصاله بالألف غير معلّق. فإذا كان فى اللفظ كأنه غير معلق وعاد من بعد معطوفا به لم يكن هناك كبير مكروه فيعتذر منه.
فإن قلت : فإنّ هاء بيان الحركة قد عاقبت لام الفعل ؛ نحو ارمه ، واغزه ، واخشه ، فهذا يقوّيها ، فإنه موضع لا يجوز أن يسوّى به بينها وبين ألف الإطلاق.
والوجه الآخر الذى لأجله حسن حذف المعطوف أن الخبر جاء بلفظ التثنية ، فكان ذلك دليلا على أن المخبر عنه اثنان. فدلّ الخبر على حال المخبر عنه. إذ كان الثانى هو الأوّل. فهذا أحد وجهىّ ما تحتمله الحكاية.
والآخر أن يكون الكلام محمولا على حذف المضاف أى راكب الناقة أحد طليحين ، كما يحتمل ذلك قوله سبحانه (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن : 23] أى من أحدهما ، وقد ذهب فيه إليه فيما حكاه أبو الحسن. فالوجه الأوّل ؛ وهو ما كنا عليه : من أن المحذوف من اللفظ إذا دلّت الدلالة عليه كان بمنزلة الملفوظ به ، ألا ترى أن الخبر لمّا جاء مثنّى دلّ على أن المخبر عنه مثنّى كذلك أيضا ، وفى هذا القول دليل على ما يرد من نحوه بمشيئة الله [وحوله].
1) جزء من رجز لأبى النجم فى تخليص الشواهد ص 281 ، وخزانة الأدب 1 / 359 ، والدرر 2 / 13 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 14 ، 441 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 544 ، وشرح المفصل 6 / 90 ، والكتاب 1 / 85 ، والمحتسب 1 / 211 ، ومعاهد التنصيص 1 / 147 ، ومغنى اللبيب 1 / 201 ، والمقاصد النحوية 4 / 224 ، وتاج العروس (خير) ، وبلا نسبة فى الأغانى 10 / 176 ، وخزانة الأدب 3 / 20 ، 6 / 272 ، 273 ، وشرح المفصل 2 / 30 ، والكتاب 1 / 127 ، 137 ، 146 ، المقتضب 4 / 252 ، وهمع الهوامع 1 / 97.
من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل فى نحو ضرب غلامه زيدا. فهذا لم يمتنع من حيث كان الفاعل ليس رتبته التقديم ، وإنما امتنع لقرينة انضمّت إليه ، وهى إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول ، وفساد تقدّم المضمر على مظهره لفظا ومعنى.
فلهذا وجب إذا أردت تصحيح المسألة أن تؤخّر الفاعل فتقول : ضرب زيدا غلامه ، وعليه قول الله سبحانه : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) [البقرة : 124] وأجمعوا على أن ليس بجائز ضرب غلامه زيدا ، لتقدّم المضمر على مظهره لفظا ومعنى. وقالوا فى قول النابغة:
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل (1)
إن الهاء عائدة على مذكور متقدّم ، كلّ ذلك لئلا يتقدّم ضمير المفعول عليه مضافا (إلى الفاعل) فيكون مقدّما عليه لفظا ومعنى. وأمّا أنا فأجيز أن تكون الهاء فى قوله :
عائدة على (عدىّ) خلافا على الجماعة.
فإن قيل : ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدّم ، والمفعول رتبته التأخّر ، فقد وقع كلّ منهما الموقع الذى هو أولى به ، فليس لك أن تعتقد فى الفاعل وقد وقع مقدّما أنّ موضعه التأخير ، وإنّما المأخوذ به فى ذلك أن يعتقد فى الفاعل إذا وقع مؤخّرا
1) البيت للنابغة الذبيانى فى ديوانه ص 191 ، وله أو لأبى الأسود الدؤلى فى خزانة الأدب 1 / 277 ، 278 ، 281 ، 287 ، والدرر 1 / 217 ، وللنابغة أو لأبى الأسود أو لعبد الله بن همارق فى شرح التصريح 1 / 283 ، والمقاصد النحوية 2 / 487 ، ولأبى الأسود الدؤلى فى ملحق ديوانه ص 401 ، وتخليص الشواهد ص 490 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 2 / 125 ، وشرح الأشمونى 2 / 59 ، وشرح شذور الذهب ص 178 ، شرح ابن عقيل ص 252 ، ولسان العرب (عوى) وهمع الهوامع 1 / 66.
2) سبق منذ قليل.
أن موضعه التقديم ، فإذا وقع مقدّما فقد أخذ مأخذه ، ورست به قدمه. وإذا كان كذلك فقد وقع المضمر قبل مظهره لفظا ومعنى. وهذا ما لا يجوّزه القياس.
قيل : الأمر وإن كان ظاهره ما تقوله ، فإن هنا طريقا آخر يسوّغك غيره ، وذلك أن المفعول قد شاع عنهم واطّرد من مذاهبهم كثرة تقدّمه على الفاعل ، حتى دعا ذاك أبا علىّ إلى أن قال : إن تقدّم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه ، كما أن تقدّم الفاعل قسم أيضا قائم برأسه ، وإن كان تقديم الفاعل أكثر ، وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا ؛ نحو قول الله عزوجل : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [فاطر : 28] وقول ذى الرمّة :
أستحدث الركب من أشياعهم خبرا
أم عاود القلب من أطرابه طرب (1)
وقول معقّر بن حمار البارقىّ :
أجدّ الركب بعد غد خفوف
وأمست من لبانتك الألوف (2)
وذبيانية وصت بنيها
بأن كذب القراطف والقروف
وانظر هذا البيت وثلاثة معه : الخزانة 2 / 293 ، 3 / 15 ، واللآلئ 484 ، والكشاف (العنكبوت). (نجار). خفّ القوم عن منزلهم خفوفا : ارتحلوا مسرعين ، وقيل : ارتحلوا عنه فلم يخصوا السرعة ، والخفوف : الارتحال. اللسان (خفف) والألوف : المحبوبة.
وقول درنى بنت عبعبة :
إذا هبطا الأرض المخوف بها الرّدى
يخفّض من جأشيهما منصلاهما (3)
هما أخوا فى الحرب من لا أخا له
إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
وانظر العينى فى شواهد الإضافة ، والأعلم فى المرجع السابق ، واللسان فى (أبو). (نجار).
وقول لبيد :
1) البيت لذى الرمة فى ديوانه ص 13 ، الأزهية ص 34 ، وخزانة الأدب 2 / 342 ، ولسان العرب (طرب) ، (حدث) ، (شيع) ، اللمع ص 309 ، المحتسب 2 / 322 ، وبلا نسبة فى شرح شافية ابن الحاجب 2 / 268.
2) يبدو أن هذا من قصيدته التى فيها :
3) تقول ذلك فى أخويها ترثيهما. وفى الحماسة أن هذا لعمرة فى ابنيها ترثيهما ، ومن هذه المرثية ما يستشهد به النحويون فى باب الإضافة :
فمدافع الريّان عرّى رسمها
خلقا كما ضمن الوحىّ سلامها (1)
ومن أبيات الكتاب :
اعتاد قلبك من سلمى عوائده
وهاج أهواءك المكنونة الطلل (2)
فقدّم المفعول فى المصراعين جميعا ، وللبيد أيضا :
رزقت مرابيع النجوم وصابها
ودق الرواعد جودها فرهامها (3)
وله أيضا :
لمعفّر قهد تنازع شلوه
غبس كواسب ما يمنّ طعامها (4)
وقال الله عزوجل : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) [التكاثر : 1] وقال الآخر :
أبعدك الله من قلب نصحت له
فى حبّ جمل ويأبى غير عصيانى
وقال المرقّش الأكبر :
لم يشج قلبى ملحوادث إل
لا صاحبى المتروك فى تغلم (5)
1) البيت للبيد فى ديوانه ص 297 ، ولسان العرب (سلم) ، (روى) ، (وصى) ، وتاج العروس (دفع) ، (روى) ، (وصى).
2) البيت مع آخر بلا نسبة فى شرح أبيات سيبويه 1 / 391 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 924 ، والكتاب 1 / 281 ، ومغنى اللبيب 2 / 601 ، ولسان العرب (ذيع) ، وتاج العروس (ذيع).
3) البيت للبيد فى ديوانه ص 298 ، ولسان العرب (دبع) ، (رزق) ، وتاج العروس (دبع) ، (رزق) ، وكتاب الجيم 2 / 21.
4) البيت للبيد فى ديوانه ص 308 ، لسان العرب (قهد) ، (عفر) ، (منن) ، تهذيب اللغة 6 / 57 ، 13 / 348 ، تاج العروس (قهد) ، (عفر) ، (منن) ، ومقاييس اللغة 4 / 67 ، ومجمل اللغة 3 / 384 ، وديوان الأدب 1 / 104 ، 3 / 135 ، وكتاب الجيم 3 / 116. يصف بقرة وحشية أكلت السباع ولدها ، فجعله قهدا لبياضه. وقيل : فى تفسير المعفّر إنه ولدها الذى افترسته الذئاب الغبس ، فعفرته فى التراب ، أى مرّغته. قال الأزهرى : وهذا عندى أشبه بمعنى البيت. قال الجوهرى : والتعفير فى الفطام أن تمسح المرأة ثديها بشىء من التراب تنفيرا للصبىّ وانظر اللسان (قهد) ، (عفر).
5) هذا من قصيدة مفضلية ، يرثى صاحبا له دفن فى تغلم وهو موضع. وانظر شرح ابن الأنبارى للمفضليات 487. (نجار).
وفيها :
فى باذخات من عماية أو
يرفعه دون السماء خيم (1)
والأمر فى كثرة تقديم المفعول على الفاعل فى القرآن وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر ، فلمّا كثر وشاع تقديم المفعول [على الفاعل] كان الموضع له ، حتى إنه إذا أخّر فموضعه التقديم ، فعلى ذلك كأنه قال : جزى عدىّ بن حاتم ربّه ، ثم قدّم الفاعل على أنه قد قدّره مقدّما عليه مفعوله فجاز ذلك ، ولا تستنكر هذا الذى صوّرته لك ولا يجف عليك ؛ فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشّعه ؛ ألا ترى أن سيبويه أجاز فى جرّ (الوجه) من قولك : هذا الحسن الوجه أن يكون من موضعين : أحدهما بإضافة الحسن إليه ، والآخر تشبيه له بالضارب الرجل ، هذا مع أنّا قد أحطنا علما بأن الجرّ فى (الرجل) من قولك : هذا الضارب الرجل إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إيّاه بالحسن الوجه ، لكن لما اطّرد الجرّ فى نحو هذا الضارب الرجل ، والشاتم الغلام ، صار كأنه أصل فى بابه ، حتى دعا ذاك سيبويه إلى أن عاد (فشبه الحسن الوجه) بالضارب الرجل ، [من الجهة التى إنما صحّت للضارب الرجل تشبيه بالحسن الوجه] وهذا يدلّك على تمكّن الفروع عندهم ، حتى إن أصولها التى أعطتها حكما من أحكامها قد حارت فاستعادت من فروعها ما كانت هى أدّته إليها ، وجعلته عطيّة منها لها ، فكذلك أيضا يصير تقديم المفعول لمّا استمرّ وكثر كأنه هو الأصل ، وتأخير الفاعل كأنه أيضا هو الأصل.
فإن قلت ، إنّ هذا ليس مرفوعا إلى العرب ولا محكيّا عنها أنها رأته مذهبا ، وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولا ، ولسنا نقلّد سيبويه ولا غيره فى هذه العلّة ولا غيرها ، فإن الجواب عن هذا حاضر عتيد ، والخطب فيه أيسر ، وسنذكره فى باب يلى هذا بإذن الله. ويؤكّد أن الهاء فى (ربه) لعدىّ بن حاتم من جهة المعنى عادة العرب فى الدعاء ؛ ألا تراك لا تكاد تقول : جزى ربّ زيد عمرا ، وإنما يقال : جزاك ربّك خيرا أو شرا. وذلك أوفق ؛ لأنه إذا كان مجازيه ربّه كان أقدر على جزائه وأملأ به. ولذلك جرى العرف بذلك فاعرفه.
1) عماية : جبل من جبال هذيل. خيم : جبل. اللسان (عمى) ، (خيم).
ومما نقضت مرتبته المفعول فى الاستفهام والشرط ، فإنهما يجيئان مقدّمين على الفعلين الناصبين لهما ، وإن كانت رتبة المعمول أن يكون بعد العامل فيه. وذلك قوله سبحانه وتعالى : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء : 227] ف- (أىّ منقلب) منصوب على المصدر ب- (ينقلبون) ، لا ب- (سيعلم) ، وكذلك قوله تعالى : (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَ) [القصص : 28] وقال : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء : 110] فهذا ونحوه لم يلزم تقديمه من حيث كان مفعولا. وكيف يكون ذلك وقد قال عزّ اسمه : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) [النحل : 76] وقال تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) [البقرة : 65] وقال (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) [النساء : 46 ، المائدة : 13] وقال : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) [التحريم : 2] وهو ملء الدنيا كثرة وسعة ، لكن إنما وجب تقديمه لقرينة انضمّت إلى ذلك ، وهى وجوب تقدّم الأسماء المستفهم بها والأسماء المشروط بها. فهذا من النقض العارض.
ومن ذلك وجوب تأخير المبتدأ إذا كان نكرة وكان الخبر عنه ظرفا ؛ نحو قولهم : عندك مال ، وعليك دين ، وتحتك بساطان ومعك ألفان. فهذه الأسماء كلّها مرفوعة بالابتداء ، ومواضعها التقديم على الظروف قبلها التى هى أخبار عنها ، إلا أن مانعا منع من ذلك حتى لا تقدّمها عليها ، ألا (ترى أنك) لو قلت : غلام لك ، أو بساطان تحتك ونحو ذلك لم يحسن ؛ لا لأن المبتدأ ليس (موضعه التقديم) لكن لأمر حدث ، وهو كون المبتدأ هنا نكرة ؛ ألا تراه لو كان معرفة لاستمرّ وتوجّه تقديمه ، فتقول : البساطان تحتك ، والغلام لك. أفلا ترى أنّ ذلك إنما فسد تقديمه لما ذكرناه : من قبح تقديم المبتدأ نكرة فى الواجب ، ولكن لو أزلت الكلام إلى غير الواجب لجاز تقديم النكرة ؛ كقولك : هل غلام عندك ، وما بساط تحتك ، فجنيت الفائدة من حيث كنت قد أفدت بنفيك عنه كون البساط تحته ، واستفهامك عن الغلام : أهو عنده أم لا؟ إذ كان هذا معنى جليّا مفهوما. ولو أخبرت عن النكرة فى الإيجاب مقدّمة فقلت : رجل عندك كنت قد أخبرت عن منكور لا يعرف ، وإنما ينبغى أن تقدّم المعرفة ثم تخبر عنها بخبر يستفاد منه معنى منكور ،
نحو زيد عندك ومحمد منطلق ، وهذا واضح. فإن قلت : فلم وجب مع هذا تأخير النكرة فى الإخبار عنها بالواجب ، قيل لمّا قبح ابتداؤها نكرة لما ذكرناه رأوا تأخيرها وإيقاعها فى موقع الخبر الذى بابه أن يكون نكرة ؛ فكان ذلك إصلاحا للّفظ ، كما أخّروا اللام لام الابتداء مع (إنّ) فى قولهم : إن زيدا لقائم لإصلاح اللفظ. وسترى ذلك فى بابه بعون الله وقدرته. فاعلم إذا أنه لا تنقض مرتبة إلا لأمر حادث ، فتأمّله وابحث عنه.
هذا فصل من فصول العربيّة طريف ؛ تجده فى معانى العرب ، كما تجده فى معانى الإعراب. ولا تكاد تجد شيئا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة.
فممّا جاء فيه ذلك للعرب قول ذى الرمّة :
ورمل كأوراك العذارى قطعته
إذا ألبسته المظلمات الحنادس (1)
أفلا ترى ذا الرّمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا. وذلك أن العادة والعرف فى نحو هذا أن تشبّه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء ، ألا ترى إلى قوله :
ليلى قضيب تحته كثيب
وفى القلاد رشأ ربيب (2)
وإلى قول ذى الرمّة أيضا - وهو من أبيات الكتاب - :
ترى خلفها نصفا قناة قويمة
ونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر (3)
وإلى قول الآخر :
خلقت غير خلقة النسوان
إن قمت فالأعلى قضيب بان
وإن تولّيت فدعصتان
وكلّ إدّ تفعل العينان (4)
1) البيت لذى الرمة فى ديوانه ص 1131 ، ولسان العرب (ورك) ، (جمل) ، وتاج العروس (ورك). الحندس : الظلمة ، وفى الصحاح : الليل الشديد الظلمة. والحنادس : ثلاث ليال من الشهر لظلمتهنّ ، ويقال دحامس. اللسان (حندس).
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (قلد) ، وتاج العروس (قلد). والرشأ ، على فعل بالتحريك : الظبىّ إذا قوى وتحرك ومشى مع أمّه ، والجمع أرشاء.
3) البيت لذى الرمّة فى ديوانه 2 / 623 ، وأمالى المرتضى 1 / 461 ، وجمهرة اللغة ص 199 ، 1331 ، وخزانة الأدب 5 / 462 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 500 ، والكتاب 2 / 511. فى الكتاب برفع «نصف» على القطع والابتداء ، وبعضهم ينصبه على البدل. والنقا : الكثيب من الرمل. والتمرمر : أن يجرى بعضه فى بعض.
4) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (دعص) ، وتاج العروس (دعص). الدّعص : قور من الرمل مجتمع. والجمع أدعاص ودعصة : وهو أقل من القحف والطائفة منه دعصة. اللسان (دعص). الإدّ : الأمر العجيب.
وإلى قوله :
كدعص النقا يمشى الوليدان فوقه
بما احتسبا من لين مس وتسهال (1)
وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الطائىّ الكبير :
كم أحرزت قضب الهندىّ مصلتة
تهتزّ من قضب تهتزّ فى كثب (2)
السيف أصدق أنباء من الكتب
فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
(ولله البحترىّ) فما أعذب وأظرف وأدمث قوله :
أين الغزال المستعير من التقا
كفلا ومن نور الأقاحى مبسما (3)
أمحلتى سلمى بكاظمة اسلما
وتعلما أن الجوى ما هجتما
وانظر الديوان. (نجار).
فقلب ذو الرمّة العادة والعرف فى هذا ؛ فشبّه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء. وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة ، أى قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل فيه ، حتى شبّه به كثبان الأنقاء. ومثله للطائىّ الصغير :
فى طلعة البدر شيء من ملاحتها
وللقضيب نصيب من تثنّيها (4)
أنافعى عند ليلى فرط حبيها
ولوعة لى أبديها وأخفيها (نجار).
وآخر من جاء به شاعرنا ، فقال :
نحن ركب ملجنّ فى زىّ ناس
فوق طير لها شخوص الجمال (5)
صلة الهجر لى وهجر الوصال
نكسانى فى السقم نكس الهلال
وبعده :
من بنات الجديل تمشى بنا فى ال
بيد مشى الأيام فى الآجال
وقوله : «فوق طير» : أى فوق ركائب كالطير. (نجار).
فجعل كونهم جنّا أصلا ، وجعل كونهم ناسا فرعا ، وجعل كون مطاياه طيرا
أصلا ، وكونها جمالا فرعا ، فشبّه الحقيقة بالمجاز فى المعنى الذى منه أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد. وعلى نحو من هذا قالوا للناقة (جماليّة) لأنهم شبّهوها بالجمل فى شدّته وعلوّ خلقه ؛ قال الأعشى :
جماليّة تغتلى بالرداف
إذا كذب الآثمات الهجيرا (1)
وقال الراعى :
وهو كثير. فلمّا شاع ذلك واطّرد صار كأنه أصل فى بابه ، حتى عادوا فشبّهوا الجمل بالناقة فى ذلك ؛ فقال :
وقرّبوا كل جمالىّ عضه
قريبة ندوته من محمضه (2)
فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل ، ونظائره فى هذه اللغة كثيرة.
وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون فى صناعتهم ، فشبّهوا الأصل بالفرع فى المعنى الذى أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل ؛ ألا ترى أن سيبويه أجاز فى
1) البيت للأعشى فى ديوانه ص 147 ، ولسان العرب (كذب) ، (جمل) ، (أثم) ، (غلا) ، وتهذيب اللغة 10 / 174 ، 11 / 109 ، ومقاييس اللغة 1 / 60 ، ومجمل اللغة 1 / 169 ، وتاج العروس (جمل) ، (كذب) ، (أثم) ، وأساس البلاغة (كذب). غلت الدابة فى سيرها غلوا واغتلت ارتفعت فجاوزت حسن السّير والاغتلاء : الإسراع. وأثمت الناقة المشى تأثمه إثما : أبطأت. وناقة آثمة ونوق آثمات أى مبطئات. وانظر اللسان (أثم) ، (غلا).
2) الرجز لهميان بن قحافة فى لسان العرب (حمض) ، (ندى) ، وتاج العروس (عضه) ، (ندى) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 4 / 222 ، 14 / 189 ، وجمهرة اللغة ص 547 ، والمخصص 7 / 50 ، 60 ، 99 ، 11 / 176 ، وكتاب الجيم 2 / 304 ، ديوان الأدب 2 / 254 ، وإصلاح المنطق ص 365 ، ولسان العرب (نفد). وفى اللسان (عضه). أراد كل جماليّة ولا يعنى به الجمل لأن الجمل لا يضاف إلى نفسه ، وإنما يقال فى الناقة جماليّة تشبيها لها بالجمل. ومن محمضه أى من موضعه الذى يحمض فيه ، ويروى : محمضه بضم الميم. وحمضت الإبل تحمض حمضا وحموضا : أكلت الحمض ، فهى حامضة. وانظر اللسان (حمض).
قولك : هذا الحسن الوجه أن يكون الجرّ فى الوجه من موضعين ، أحدهما الإضافة ، والآخر تشبيهه بالضارب الرجل الذى إنما جاز فيه الجرّ تشبيها له بالحسن الوجه ؛ على ما تقدّم فى الباب قبل هذا.
فإن قيل : وما الذى سوّغ سيبويه هذا ، وليس ممّا يرويه عن العرب رواية ، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلّل به؟ قيل يدلّ على صحّة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه : من أن العرب إذا شبّهت شيئا بشىء مكّنت ذلك الشّبه لهما ، وعمرت به الحال بينهما ؛ ألا تراهم لمّا شبّهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه ، تمّموا ذلك المعنى بينهما بأن شبّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه وكذلك لمّا شبّهوا الوقف بالوصل فى نحو قولهم (عليهالسلام والرحمة) وقوله :
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت (1)
يمسى بها وحوشها قد جئفت*
وجوز : وسط والجمع أجواز. التيهاء : الأرض المضلة الواسعة التى لا أعلام فيها ولا جبال ولا إكام والحجفة : الترس من الجلد ، والجمع الحجف. يريد ربّ جوز تيهاء ، ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء فقال : هذا طلحت.
*وقوله :
الله نجّاك بكفّى مسلمت
من بعد ما وبعد ما وبعد مت (2)
1) الرجز لسؤر الذئب فى لسان العرب (حجف) ، (بلل) ، وتاج العروس (حجف) ، ولبعض الطائيين فى شرح شواهد الإيضاح ص 386 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 379 ، وجمهرة اللغة ص 1135 ، والخصائص 1 / 304 ، 2 / 98 ، ورصف المبانى ص 156 ، 162 ، 217 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 159 ، 2 / 563 ، 637 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 277 ، وشرح شواهد الشافية ص 198 ، وشرح المفصل (2 / 118 ، 4 / 67 ، 5 / 89 ، 8 / 105 ، 9 / 81 ، 10 / 45 ، المحتسب 2 / 92 ، ولسان العرب (بلا) وجمهرة اللغة ص 1135 ، والمخصص 9 / 7 ، 16 / 84 ، 96 ، 120 وبعده :
2) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (ما) وشرح التصريح 2 / 344 ، والدرر 6 / 230 ، ومجالس ثعلب 1 / 326 ، وتاج العروس (ما) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 113 ، وأوضح المسالك 4 / 348 ، وخزانة الأدب 4 / 177 ، 7 / 333 ، والدرر 6 / 305 ، ورصف المبانى ص 162 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 160 ، 163 ، 2 / 563 ، وشرح الأشمونى 3 / 756 وشرح شافيه ابن الحاجب 2 / 289 ، وشرح قطر الندى ص 325 ، وشرح المفصل 5 / 89 ، 9 / 81 ، - والمقاصد النحوية 4 / 559 ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، 209. «بعد مت» أراد : بعد ما ، فأبدل الألف هاء ، ثم أبدل الهاء تاء تشبيها لها بهاء التأنيث. وانظر اللسان (ما).
صارت نفوس القوم عند الغلصمت
وكادت الحرّة أن تدعى أمت (1)
كذلك شبّوا أيضا الوصل بالوقف فى قولهم : ثلاثه أربعة يريد ثلاثه أربعة ، ثم تخفّف الهمزة فتقول : ثلاثه أربعة ، وفى قولهم : (سبسبّا وكلكلا) (2). وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم فى قولهم : (لحمر (3)، وريّا (4)) وقولهم : وهو الله ، وهى التى فعلت ، وقوله :
فقمت للطيف مرتاعا وأرّقنى
فقلت أهى سرت أم عادنى حلم (5)
1) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (ما) وشرح التصريح 2 / 344 ، والدرر 6 / 230 ، ومجالس ثعلب 1 / 326 ، وتاج العروس (ما) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 113 ، وأوضح المسالك 4 / 348 ، وخزانة الأدب 4 / 177 ، 7 / 333 ، وشرح الأشمونى 3 / 756 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 289 ، وشرح قطر الندى ص 325 ، وشرح المفصل 5 / 89 ، 9 / 81 ، والمقاصد النحوية 4 / 559 ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، 209.
2) السّبسب : الأرض القفر والمفازة ، والجمع السباسب. والكلكل : الصدر. يقول ابن جنى فى سر صناعة الإعراب 2 / 76 «ثم إن الشعراء تضطر إلى إجراء الوصل مجرى الوقف ، فيقولون : سبسبّا ، وكلكلا ، والأضخمّا ، ونحو ذلك.
3) يريد أن (الأحمر) إذا خفف بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام يجوز حذف همزة الوصل فى غير الوصل لتحريك اللام ، وهو وإن كان عارضا فقد أجرى مجرى اللازم على هذا الوجه. (نجار).
4) وفى سر صناعة الإعراب 2 / 52 «ومنها قولهم فى تخفيف رؤيا : ريّا ، وأصلها رويا ، إلا أنهم أجروا الواو فى رؤيا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة ، فأبدلوها ياء ، وأدغموها فى الياء بعدها ، فقالوا ريّا.
5) البيت لزياد بن منقذ فى خزانة الأدب 5 / 244 ، 245 ، والدرر 1 / 190 ، وشرح التصريح 2 / 143 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 1396 ، 1402 ، وشرح شواهد الشافية ص 190 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 134 ، معجم البلدان 1 / 256 ، والمقاصد النحوية 1 / 259 ، 4 / 137 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 127 ، وأمالى ابن الحاجب 1 / 456 ، وأوضح المسالك 3 / 370 ، والدرر 6 / 97 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 798 ، وشرح المفصل 9 / 139 ، ولسان العرب (هيا) ومغنى اللبيب 1 / 41 ، وهمع الهوامع 2 / 132.
وقولهم ها الله ذا ، أجروه مجرى دابّة ، وقوله :
ومن يتّق فإن الله معه
ورزق الله مؤتاب وغادى (1)
أجرى (تق (2)ف) مجرى علم حتى صار (تقف) كعلم ، كذلك أيضا أجروا اللازم مجرى غير اللازم فى قول الله سبحانه (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) [القيامة : 40] فأجرى النصب مجرى الرفع الذى لا تلزم فيه الحركة ومجرى الجزم الذى لا يلزم فيه الحرف أصلا ، وكما حمل النصب على الجرّ فى التثنية والجمع الذى على حدّ التثنية ، كذلك حمل الجرّ على النصب فيما لا ينصرف ، وكما شبّهت الياء بالألف فى قوله :
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق (3)
أيدى نساء يتعاطين الورق*
وهو مما نسب إلى رؤبة فى الديوان 179 ، وانظر الخزانة 3 / 529 ، وأمالى ابن الشجرى 1 / 105. (نجار). وهو فى وصف إبل بسرعة السير. والقرق المكان المستوى لا حجارة فيه. وانظر اللسان (قرق).
*وقوله :
يا دار هند عفت إلا أثافيها (4)
بين الطوىّ فصارات فواديها*
*كذلك حملت الألف على الياء فى قوله - فيما أنشد أبو زيد - :
1) البيت بلا نسبة فى الدرر 1 / 161 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 299 ، وشرح شواهد الشافية ص 228 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 48 ، ولسان العرب (أدب) ، (وقى) ، والمحتسب 1 / 361 ، وهمع الهوامع 1 / 52.
2) فى اللسان (وقى) فإنما أدخل جزما على جزم ؛ وقال ابن سيده : فإنه أراد يتّق فأجرى تقف ، من يتق فإنّ ، مجرى علم فخفف ، كقولهم علم فى علم.
3) بعده :
4) صدر بيت للحطيئة فى ديوانه ص 240 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 319 ، ولبعض السعديين فى شواهد الشافية 10 / 1000 ، 102 ، والكتاب 3 / 306 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 268 ، 6 / 108 ، 8 / 49 ، وخزانة الأدب 6 / 397 ، 8 / 347 ، وشرح المفصل 10 / 100 ، 102 ، ولسان العرب (تفا) ، والمحتسب 1 / 126 ، 2 / 343 ، والمنصف 2 / 185 ، 3 / 82 ، وعجزه :
إذا العجوز غضبت فطلّق
ولا ترضّاها ولا تملّق (1)
وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتّصل فى قوله :
ومنه قول أميّة :
بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت
إيّاهم الأرض فى دهر الدهارير (3)
كذلك وضع أيضا المتّصل موضع المنفصل فى قوله :
فما نبالى إذا ما كنت جارتنا
ألا يجاورنا إلاك ديّار (4)
وما علينا إذا ما كنت جارتنا
أن لا يجاورنا إياك ديّار
وكما قلبت الواو ياء استحسانا ، لا عن قوّة علّة فى نحو غديان ، وعشيان ،
1) الرجز لرؤبة فى ملحق ديوانه ص 179 ، وخزانة الأدب 8 / 359 ، 360 ، والدرر 1 / 161 ، والمقاصد النحوية 1 / 236 ، وبلا نسبة فى اللسان (رضى) والأشباه والنظائر 2 / 129 ، والإنصاف ص 26 وسر صناعة الإعراب ص 78 ، وشرح التصريح 1 / 87 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 185 ، وشرح شواهد الشافية ص 409 ، وشرح المفصل 10 / 106 ، والممتع فى التصريف 2 / 538 ، والمنصف 2 / 78 ، 115 ، وهمع الهوامع 1 / 52 ، وتاج العروس (رضى) والمخصص 13 / 258 ، 14 / 9.
2) الرجز لحميد الأرقط فى تخليص الشواهد ص 92 ، وخزانة الأدب 5 / 280 ، 281 ، وشرح المفصل 3 / 101 ، 103 ، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص 169 ، والإنصاف ص 699 ، تخليص الشواهد ص 85 ، ورصف المبانى ص 138 ، والكتاب 2 / 362 ، واللمع فى العربية ص 189.
3) البيت للفرزدق فى ديوانه 1 / 214 ، خزانة الأدب 5 / 288 ، 290 ، والدرر 1 / 195 ، وشرح التصريح 1 / 104 ، والمقاصد النحوية 1 / 274 ، ولأمية أو للفرزدق فى تخليص الشواهد ص 87 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 129 ، والإنصاف 2 / 698 ، وأوضح المسالك 1 / 92 ، وتذكرة النحاة ص 43 ، وشرح ابن عقيل ص 56 ، 60 ، وهمع الهوامع 1 / 62.
4) البيت بلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 129 ، وأمالى ابن الحاجب ص 385 ، وأوضح المسالك 1 / 83 ، وتخليص الشواهد ص 100 ، وخزانة الأدب 5 / 278 ، 279 ، 325 ، والدرر 1 / 176 ، وشرح الأشمونى 1 / 48 ، وشرح شواهد المغنى ص 844 ، وشرح ابن عقيل ص 52 ، وشرح المفصل 3 / 101 ، ومغنى اللبيب ص 2 / 441 ، والمقاصد النحوية 1 / 253 ، وهمع الهوامع 1 / 57 ، ويروى البيت :
وأبيض لياح ، كذلك أيضا [قلبت الياء واوا] فى نحو الفتوى ، والرّعوى ، والتقوى ، والبقوى ، والثّنوى ، والشّروى - وقد ذكر ذلك - وقولهم عوى الكلب عوّة. وكما أتبعوا الثانى الأوّل فى نحو شدّ ، وفرّ ، وعضّ ، ومنذ ، كذلك أتبعوا الأوّل الثانى فى نحو : اقتل ، اخرج ، ادخل ، وأشباه هذا كثير ، فلمّا رأى سيبويه العرب إذا شبّهت شيئا بشىء فحملته على حكمه ، عادت أيضا فحملت الآخر على حكم صاحبه ، تثبيتا لهما وتتميما لمعنى الشّبه بينهما ، حكم أيضا لجرّ الوجه من قوله (هذا الحسن الوجه) أن يكون محمولا على جرّ الرجل فى قولهم (هذا الضارب الرجل) كما أجازوا أيضا النصب فى قولهم (هذا الحسن الوجه) حملا له منهم على (هذا الضارب الرجل) ونظيره قولهم : يا أميمة ، ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا : أميم ، فلمّا أعادوا الهاء أقرّوا الفتحة بحالها اعتيادا للفتحة فى الميم ، وإن كان الحذف فرعا. وكذلك قولهم (اجتمعت أهل اليمامة) أصله (اجتمع أهل اليمامة) ثم حذف المضاف فأنّث الفعل فصار (اجتمعت اليمامة) ثم أعيد المحذوف فأقرّ التأنيث الذى هو الفرع بحاله ، فقيل اجتمعت أهل اليمامة (نعم) وأيّد ذلك ما قدّمنا ذكره : من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع ، فى تشبيههم كثبان الأنقاء بأعجاز النساء ، وغير ذلك مما قدّمنا ذكره.
ولمّا كان النحويّون بالعرب لاحقين ، وعلى سمتهم آخذين ، وبألفاظهم متحلّين ، ولمعانيهم وقصودهم آمّين ، جاز لصاحب هذا العلم ؛ الذى جمع شعاعه ، وشرع أوضاعه ، ورسم أشكاله ، ووسم أغفاله (1)، وخلج أشطانه ، وبغج أحضانه ، وزمّ شوارده ، وأفاء فوارده (2)، أن يرى فيه نحوا مما رأوا ، ويحذوه على أمثلتهم التى حذوا ، وأن يعتقد فى هذا الموضع نحوا مما اعتقدوا فى أمثاله ، لا سيّما والقياس إليه مصغ ، وله قابل ، وعنه غير متثاقل. فاعرف إذا ما نحن عليه للعرب مذهبا ، ولمن شرح لغاتها مضطربا ، وأن سيبويه لاحق بهم ، وغير بعيد فيه عنهم. ولذلك عندنا لم يتعقّب هذا الموضع عليه أحد من أصحابه ، ولا غيرهم ، ولا أضافوه إلى
مانعوه عليه ، وإن كان بحمد الله ساقطا عنه ، وحرّى بالاعتذار هم منه. وأجاز سيبويه أيضا نحو هذا وهو قوله (زيدا إذا يأتينى أضرب) فنصبه ب- (أضرب) ، ونوى تقديمه ، حتى كأنه قال (زيدا أضرب إذا يأتينى) ألا ترى إلى نيّته بما يكون جوابا ل- (إذا) - وقد وقع فى موقعه - أن يكون التقدير فيه تقديمه عن موضعه.
ومن غلبة الفروع للأصول إعرابهم فى الآحاد بالحركات ؛ نحو زيد ، وزيدا ، وزيد ، وهو يقوم ، وإذا تجووزت رتبة الآحاد أعربوا بالحروف ؛ نحو الزيدان ، والزيدين ، والزيدون والعمرين ، وهما يقومان ، وهم ينطلقون. فأمّا ما جاء فى الواحد من ذلك ؛ نحو أخوك ، وأباك ، وهنيك ، فإن أبا بكر ذهب فيه إلى أنّ العرب قدّمت منه هذا القدر توطئة لما أجمعوه من الإعراب فى التثنية والجمع بالحروف. وهذا أيضا نحو آخر من حمل الأصل على الفرع ، ألا تراهم أعربوا بعض الآحاد بالحروف حملا لهم على ذلك فى التثنية والجمع. فأمّا قولهم (أنت تفعلين) فإنهم إنما أعربوه بالحرف وإن كان فى رتبة الآحاد - وهى الأوّل - من حيث كان قد صار بالتأنيث إلى حكم الفرعيّة ، ومعلوم أن الحرف أقوى من الحركة ، فقد ترى إلى علم إعراب الواحد أضعف لفظا من إعراب ما فوقه ، فصار - لذلك - الأقوى كأنه الأصل ، والأضعف كأنه الفرع.
ومن ذلك حذفهم الأصل لشبهه عندهم بالفرع ؛ ألا تراهم لمّا حذفوا الحركات - ونحن نعلم أنها زوائد فى نحو لم يذهب ، ولم ينطلق - تجاوزوا ذلك إلى أن حذفوا للجزم أيضا الحروف الأصول ، فقالوا : لم يخش ، ولم يرم ، ولم يغز.
ومن ذلك [أيضا] أنهم حذفوا ألف مغزى ، ومدعى فى الإضافة فأجازوا مغزىّ ، ومرمىّ ، ومدعىّ ، فحملوا الألف هنا - وهى لام - على الألف الزائدة فى نحو حبلىّ وسكرىّ. ومن ذلك حذفهم ياء تحيّة وإن كانت أصلا حملا لها على ياء شقيّة ، وإن كانت زائدة ؛ فلذلك قالوا تحوىّ كما قالوا شقوىّ ، وغنوىّ ، فى شقيّة وغنيّة. وحذفوا أيضا النون الأصليّة فى قوله :
1) عجز البيت للنجاشى الحارثى فى ديوانه ص 111 ، والأزهية ص 296 ، وخزانة الأدب 10 / 418 ، 419 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 195 ، وشرح التصريح 1 / 196 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 701 ، والكتاب 1 / 27 ، والمنصف 2 / 229 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 133 ، 361 ، والإنصاف 2 / 684 ، وأوضح المسالك 1 / 671 ، وتخليص الشواهد ص 269 ، والجنى الدانى ص 592 ، وخزانة الأدب 5 / 265 ، ورصف المبانى ص 277 ، 360 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 440 ، وشرح الأشمونى 1 / 136 ، وشرح المفصل 9 / 142 ، واللامات ص 159 ، ولسان العرب (لكن) ، ومغنى اللبيب 1 / 291 ، وهمع الهوامع 2 / 156 ، وتاج العروس (لكن) ، ويروى صدره :
وفى قوله :
لليلى بذات الجيش دار عرفتها
وأخرى بذات البين آياتها سطر(نجار).
*وقوله :
أبلغ أبا دختنوس مألكة
غير الذى قد يقال ملكذب (2)
كما حذفوا الزائدة فى قوله :
وحاتم الطائىّ وهّاب المئى (3)
حيدة خالى ولقيط وعلى*
(نجار).
*وقوله :
ولا ذاكر الله إلا قليلا (4)
فألقيته غير مستعتب*
*1) عجزه :
وانظر اللسان فى (أين). وهو من قصيدة لأبى صخر الهذلى فى الأمالى 1 / 148 ، وبقية أشعار الهذليين 93. وقبل هذا البيت :
2) البيت للقيط بن زرارة فى شرح شواهد الإيضاح ص 288 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 133 ، وخزانة الأدب 9 / 305 ، ورصف المبانى ص 325 ، وسر صناعة الإعراب ص 539 ، 540 ، وشرح المفصل 8 / 35 ، 9 / 10 ، 116 ، ولسان العرب (ألك) ، (لكن) ، (منن). دختنوس : اسم امرأة ، وقيل : اسم لبنت حاجب بن زرارة ، ويقال : دختنوس ودخدنوس ، ودخدنوس : اسم بنت كسرى ، وأصل هذا الاسم فارسىّ عرّب ، ومعناه بنت الهنيء. اللسان (دختنس ، دخدنس).
3) عزاه فى اللسان فى (مأى) إلى امرأة من عقيل تفخر بأخوالها من اليمن ، وكذا فى النوادر 91 ، والخزانة 3 / 304. وقبله :
4) عجز بيت لأبى الأسود الدؤلى فى ديوانه ص 54 ، والأغانى 12 / 315 ، والأشباه والنظائر 6 / 206 ، وخزانة للأدب 11 / 374 ، 75 / 3 ، 378 ، 379 ، والدرر 6 / 289 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 190 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 933 ، والكتاب 1 / 169 ، ولسان العرب (عتب) ، (عسل) ، والمقتضب 2 / 313 ، والمنصف 2 / 231 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 659 ، ورصف المبانى ص 49 ، 359 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 534 ، وشرح المفصل 2 / 6 ، 9 / 34 ، 35 ، ومجالس ثعلب ص 149 ، ومغنى اللبيب 2 / 555 ، وهمع الهوامع. وصدره يروى :
ومن ذلك حملهم التثنية - وهى أقرب إلى الواحد - على الجمع وهو أنأى عنه ؛ ألا تراهم قلبوا همزة التأنيث فيها واوا فقالوا : حمراوان ، وأربعاوان ، كما قلبوها فيه واوا ، فقالوا : حمراوات علما ، وصحراوات ، وأربعاوات. ومن ذلك حملهم الاسم - وهو الأصل - على الفعل - وهو الفرع - فى باب ما لا ينصرف (نعم) وتجاوزوا بالاسم رتبة الفعل إلى أن شبّهوه بما وراءه - وهو الحرف - فبنوه ؛ نحو أمس ، وأين ، وكيف ، وكم ، وإذا. وعلى ذلك ذهب بعضهم فى ترك تصرّف (ليس) إلى أنها ألحقت ب- (ما) فيه ، كما ألحقت (ما) بها فى الفعل فى اللغة الحجازيّة. وكذلك قال أيضا فى (عسى) : (إنها) منعت التصرّف لحملهم إيّاها على لعلّ. فهذا ونحوه يدلّك على قوّة تداخل هذه اللغة وتلامحها ، واتصال أجزائها وتلاحقها ، وتناسب أوضاعها ، وأنها لم تقتعث (1)اقتعاثا ، ولا هيلت هيلا ، وأن واضعها عنى بها وأحسن جوارها ، وأمدّ بالإصابة والأصالة فيها.
1) قعث الشىء يقعث قعثا : حفن له وأعطاه.
اعلم أنه لمّا كانت الألفاظ للمعانى أزمّة ، وعليها أدلّة ، وإليها موصّلة ، وعلى المراد منها محصّلة ، عنيت العرب بها فأولتها صدرا صالحا من تثقيفها وإصلاحها.
فمن ذلك قولهم : أمّا زيد فمنطلق ؛ ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرّحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت : مهما يكن من شيء فزيد منطلق ، فتجد الفاء فى جواب الشرط فى صدر الجزأين ، مقدّمة عليهما. وأنت فى قولك : أمّا زيد فمنطلق إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين ولا تقول : أمّا فزيد منطلق ؛ كما تقول فيما هو (فى معناه) : مهما يكن من شيء فزيد منطلق. وإنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ.
ووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإن كانت جوابا ولم تكن عاطفة ، فإنها على مذهب لفظ العاطفة وبصورتها ، فلو قالوا : أمّا فزيد منطلق ، كما يقولون : مهما يكن من شيء فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم وليس قبلها اسم ، إنما قبلها فى اللفظ حرف ، وهو أمّا. فتنكّبوا ذلك لما ذكرنا ، ووسّطوها بين الحرفين ؛ ليكون قبلها اسم وبعدها آخر ، فتأتى على صورة العاطفة ؛ فقالوا : أمّا زيد فمنطلق ، كما تأتى عاطفة بين الاسمين فى نحو قام زيد فعمرو. وهذا تفسير أبى علىّ رحمهالله تعالى. وهو الصواب.
ومثله امتناعهم أن يقولوا : انتظرتك وطلوع الشمس ، أى مع طلوع الشمس ، فينصبوه على أنه مفعول معه ؛ كما ينصبون نحو قمت وزيدا ، أى مع زيد. قال أبو الحسن : وإنما ذلك لأن الواو التى بمعنى مع لا تستعمل إلا فى الموضع الذى لو استعملت فيه عاطفة لجاز. ولو قلت : انتظرتك وطلوع الشمس ، أى و (انتظرك (1)طلوع الشمس) لم يجز. أفلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة فى هذا مجرى العاطفة ، فكذلك أيضا تجرى الفاء غير العاطفة فى نحو أمّا زيد فمنطلق مجرى
1) لا يجوز : لأن طلوع الشمس لا يجوز منه انتظار أحد ، كما يجوز أن تقول : قمت وزيد فتعطف زيدا على التاء ؛ لأنه قد يجوز من زيد القيام. سر صناعة الإعراب : 1 / 122 حرف الباء.
العاطفة ، فلا يؤتى بعدها بما لا شبيه له فى جواز العطف عليه قبلها.
ومن ذلك قولهم فى جمع تمرة ، وبسرة ، ونحو ذلك : تمرات ، وبسرات ، فكرهوا إقرار التاء ، تناكرا لاجتماع علامتى تأنيث فى لفظ اسم واحد ، فحذفت وهى فى النيّة [مرادة البتّة] لا لشيء إلا لإصلاح اللفظ ؛ لأنها فى المعنى مقدّرة منويّة لا غير ، ألا تراك إذا قلت (تمرات) لم يعترض شكّ فى أن الواحدة منها تمرة ، وهذا واضح. (والعناية) إذا فى الحذف إنما هى بإصلاح اللفظ ؛ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتض لها ، حاكم بموضعها.
ومن ذلك قولهم : إنّ زيدا لقائم ، فهذه لام الابتداء ، وموضعها أوّل الجملة وصدرها ، لا آخرها وعجزها ؛ فتقديرها أوّل : لإنّ زيدا منطلق ، فلمّا كره تلاقى حرفين لمعنى واحد - وهو التوكيد - أخّرت اللام إلى الخبر فصارت إنّ زيدا لمنطلق.
فإن قيل : هلا أخّرت (إنّ) وقدّمت اللام؟ قيل : لفساد ذلك من أوجه : أحدها أنّ اللام لو تقدّمت وتأخرت (إنّ) لم يجز أن تنصب (إنّ) اسمها الذى من عادتها نصبه ، من قبل أن لام الابتداء إذا لقيت الاسم المبتدأ قوّت سببه ، وحمت من العوامل جانبه ، فكان يلزمك أن ترفعه فتقول : لزيد إنّ قائم ، ولم يكن إلى نصب (زيد) - وفيه لام الابتداء - سبيل. ومنها أنك لو تكلّفت نصب زيد - وقد أخّرت عنه (إنّ) - لأعملت (إنّ) فيما قبلها ، وإنّ لا تعمل أبدا إلا فيما بعدها. ومنها أنّ (إنّ) عاملة واللام غير عاملة ، والمبتدأ لا يكون إلا اسما ، وخبره قد يكون جملة وفعلا وظرفا وحرفا ، فجعلت اللام فيه لأنها غير عاملة ، ومنعت منه (إن) لأنها لا تعمل فى الفعل ولا فى الجملة كلّها النصب ، إنما تعمله فى أحد جزأيها ، ولا تعمل أيضا فى الظرف ، ولا فى حرف الجرّ. ويدلّ على أنّ موضع اللام فى خبر (إنّ) أوّل الجملة قبل (إن) أنّ العرب لمّا جفا عليها اجتماع هذين الحرفين قبلوا الهمزة هاء ليزول لفظ (إنّ) فيزول أيضا ما كان مستكرها من ذلك ، فقالوا (لهنّك قائم) أى لئنّك قائم. وعليه قوله - فيما رويناه عن محمد بن سلمة عن أبى العباس - :
ألا يا سنا برق على قلل الحمى
لهنّك من برق علىّ كريم (1)
فإن قلت : فما تصنع بقول الآخر :
ثمانين حولا لا أرى منك راحة
لهنّك فى الدنيا لباقية العمر (2)
وبعده :
فإن انقلب من عمر صعبة سالما
تكن من نساء الناس لى بيضة العقر (نجار).
وما هاتان اللامان؟
قيل : أمّا الأولى فلام الابتداء ، على ما تقدّم. وأمّا الثانية فى قوله : (لباقية العمر) فزائدة كزيادتها فى قراءة سعيد بن جبير (إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ) [الفرقان : 20]. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر :
ألم تكن حلفت بالله العلى
أنّ مطاياك لمن خير المطى (3)
بفتح أنّ فى الآية وفى البيت. وروينا عن أحمد بن يحيى - وأنشدناه أبو علىّ رحمهالله تعالى - :
مرّوا عجالا وقالوا : كيف صاحبكم!
قال الذى سألوا : أمسى لمجهودا (4)
1) البيت لمحمد بن سلمة فى لسان العرب (لهن) ، (قذى) ولرجل من بنى نمير فى خزانة الأدب 10 / 338 ، 339 ، 351 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 144 ، وأمالى الزجاجى ص 250 ، والجنى الدانى ص 129 ، وجواهر الأدب ص 83 ، 333 ، والدرر 2 / 191 ، وديوان المعانى 2 / 192 ، ورصف المبانى ص 44 ، 121 ، 233 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 371 ، 2 / 552 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 602 ، وشرح المفصل 8 / 63 ، 9 / 25 ، 10 / 42 ، ولسان العرب (أنن) ، ومجالس ثعلب (1 / 113 ، 2 / 413 ، ومغنى اللبيب 1 / 231 ، والمقرب 1 / 107 ، والممتع فى التصريف 1 / 398 ، وهمع الهوامع 1 / 141.
2) هو لعروة الرحال. وانظر الأمالى 2 / 36 ، والسمط 671 ، وشرح الحماسة 4 / 176 بولاق.
3) الرجز بلا نسبة فى اللسان (قضى) ، (مأى) ، (مطا) ، والمخصص 5 / 113 ، وخزانة الأدب 10 / 323 ، رصف المبانى ص 237 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 379.
4) البيت بلا نسبة فى تذكرة النحاة ص 429 ، جواهر الأدب ص 87 ، خزانة الأدب 10 / 327 ، 11 / 332 ، الدرر 2 / 188 ، رصف المبانى ص 238 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 379 ، شرح ابن عقيل ص 185 ، وشرح المفصل 8 / 64 ، 87 ، ومجالس ثعلب ص 155 ، والمقاصد النحويّة 2 / 310 ، وهمع الهوامع 1 / 141.
فزاد اللام. وكذلك اللام عندنا فى (لعلّ) زائدة ؛ ألا ترى أن العرب قد تحذفها ؛ قال :
علّ صروف الدهر أو دولاتها
يدلننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النفس من زفراتها (1)
وكذلك ما أنشده ابن الأعرابىّ من قول الراجز :
ثمّت يغدو لكأن لم يشعر
رخو الإزار زمّح التبختر (2)
أى كأن لم يشعر ، فكذلك تكون اللام الثانية فى قوله :
زائدة.
فإن قلت : فلم لا تكون الأولى هى الزائدة والأخرى غير زائدة؟ قيل : يفسد ذلك من جهتين : إحداهما : أنها قد ثبتت فى قوله :
هى لام الابتداء لا زائدة ، فكذلك ينبغى أن تكون فى هذا الموضع أيضا هى لام الابتداء. والأخرى : أنك لو جعلت الأولى هى الزائدة ، لكنت قد قدّمت الحرف الزائد ، والحروف إنما تزاد لضرب من ضروب الاتّساع ؛ فإذا كانت للاتّساع كان آخر الكلام أولى بها من أوّله ، ألا تراك لا تزيد (كان) مبتدأة ، وإنما تزيدها حشوا أو آخرا ، وقد تقدّم ذكر ذلك.
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (زفر) ، (علل) ، (لمم) وشرح الأشمونى (3 / 570 ، 668) ، وشرح شواهد الشافية ص 128 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 454 ، وشرح عمدة الحافظ ص 399 ، والإنصاف 1 / 220 ، والجنى الدانى ص 584 ، ورصف المبانى ص 249 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 407 ، واللامات ص 135 ، والمقاصد النحوية 4 / 396 ، وتاج العروس (لمم).
2) بلا نسبة فى الدرر 2 / 193 ، وهمع الهوامع 1 / 141 ، ويروى (وقمت تعدو) مكان (ثمت يغدو). الزّمّح : القصير السمج الخلقة السيئ الأدمّ المشئوم. وانظر اللسان (زمح).
3) سبق.
فأمّا قول من قال : إن قولهم (لهنّك) إن أصله (لله إنك) فقد [تقدّم ذكرنا] ذلك مع ما عليه فيه فى موضع آخر ؛ وعلى أن أبا علىّ قد كان قوّاه بأخرة ، وفيه تعسّف.
ومن إصلاح اللفظ قولهم : كأن زيدا عمرو. اعلم أن أصل هذا الكلام : زيد كعمرو ، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه (إنّ) فقالوا : إنّ زيدا كعمرو ، ثم إنهم بالغوا فى توكيد التشبيه فقدّموا حرفه إلى أوّل الكلام عناية به ، وإعلاما أن عقد الكلام عليه ؛ فلمّا تقدّمت الكاف وهى جارّة لم يجز أن تباشر (إنّ) لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل ، فوجب لذلك فتحها ، فقالوا : كأنّ زيدا عمرو.
ومن ذلك أيضا قولهم : لك مال ، وعليك دين ؛ فالمال والدين هنا مبتدءان ، وما قبلهما خبر عنهما ، إلا أنك لو رمت تقديمهما إلى المكان المقدّر لهما لم يجز ؛ لقبح الابتداء بالنكرة فى الواجب ، فلمّا جفا ذلك فى اللفظ أخّروا المبتدأ وقدّموا الخبر ، وكان ذلك سهلا عليهم ، ومصلحا لما فسد عندهم. وإنّما كان تأخّره مستحسنا من قبل أنه لمّا تأخّر وقع موقع الخبر ، ومن شرط الخبر أن يكون نكرة ، فلذلك صلح به اللفظ ، وإن كنا قد أحطنا علما بأنه فى المعنى مبتدأ. فأمّا من رفع الاسم فى نحو هذا بالظرفيّة ، فقد كفى مئونة هذا الاعتذار ؛ لأنه ليس مبتدأ عنده.
فإن قلت : فقد حكى عن العرب (أمت فى حجر لا فيك) ، وقولهم : (شرّ أهرّ ذا ناب) ، وقولهم : (سلام عليك) قال الله سبحانه وتعالى : (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مريم : 47] ، وقال : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) [المطففين : 1] ونحو ذلك. والمبتدأ فى جميع هذا نكرد مقدّمة.
قيل : أمّا قوله سلام عليك ، وويل له ، وأمت فى حجر لا فيك ، فإنه جاز لأنه ليس فى المعنى خبرا ، إنما هو دعاء ومسألة ، أى ليسلّم الله عليك ، وليلزمه الويل ، وليكن الأمت فى الحجارة لا فيك. والأمت : الانخفاض والارتفاع والاختلاف ؛ قال الله عزوجل : (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : 107] أى اختلافا. ومعناه : أبقاك الله بعد فناء الحجارة ، وهى ممّا توصف بالخلود والبقاء ؛ ألا تراه كيف قال :
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر
تنبو الحوادث عنه وهو ملموم! (1)
1) البيت لابن مقبل فى ديوانه ص 273 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 661 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (أمت) ، (نعم) ، والحيوان 4 / 310 ، وخزانة الأدب 11 / 304 ، وشرح الأشمونى 3 / 602 ، وشرح المفصل 1 / 87 ، ومغنى اللبيب 1 / 270 ، وتاج العروس (نعم).
وقال :
وأمّا قولهم (شرّ أهرّ ذا ناب) فإنما جاز الابتداء فيه بالنكرة من حيث كان الكلام عائدا إلى معنى النفى ، أى ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ ، وإنما كان المعنى هذا لأن الخبريّة عليه أقوى ؛ ألا ترى أنك لو قلت : أهرّ ذا ناب شرّ لكنت على طرف من الإخبار غير مؤكّد ، فإذا قلت : ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ كان ذلك أوكد ؛ ألا ترى أنّ قولك : ما قام إلا زيد أوكد من قولك : قام زيد. وإنما احتيج إلى التوكيد فى هذا الموضع من حيث كان أمرا عانيا مهمّا. وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شرّ ، فقال : شرّ أهرّ ذا ناب ؛ أى ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ ؛ تعظيما عند نفسه ، أو عند مستمعه. وليس هذا فى نفسه كأن يطرق بابه ضيف أو يلم به مسترشد. (فلمّا عناه وأهمّه ، وكّد الإخبار عنه) ، وأخرج القول مخرج الإغلاظ به والتأهيب لما دعا إليه.
ومن ذلك امتناعهم من الإلحاق بالألف إلا أن تقع آخرا ؛ نحو أرطى ، ومعزى ، وحبنطى ، وسرندى ، وزبعرى ، وصلخدى ؛ وذلك أنها إذا وقعت طرفا وقعت موقع حرف متحرّك ، فدلّ ذلك على قوّتها عندهم ، وإذا وقعت حشوا وقعت موقع الساكن فضعفت لذلك فلم تقو ، فيعلم بذلك إلحاقها بما هى على سمت متحرّكه ؛ ألا ترى أنك لو ألحقت بها ثانية ، فقلت : خاتم ملحق بجعفر لكانت مقابلة لعينه وهى ساكنة ، فاحتاطوا للّفظ بأن قابلوا بالألف فيه الحرف المتحرك ليكون أقوى لها ، وأدلّ على شدّة تمكّنها بتنوينها أيضا ، وكون ما هى فيه على (وزن أصل من الأصول له) أنها للإلحاق به. وليست كذلك ألف قبعثرى ، وضبغطرى ؛ لأنها وإن كانت طرفا ومنوّنة ، فإن المثال الذى هى فيه [لا] مصعد للأصول إليه فيلحق هذا به ، لأنه لا أصل لها سداسيّا ، فإنما ألف قبعثرى قسم من الألفات الزوائد فى أواخر الكلم ثالث ، لا للتأنيث ، ولا للإلحاق. فاعرف ذلك.
ومن ذلك أنهم لمّا (أجمعوا الزيادة) فى آخر بنات الخمسة - كما زادوا فى آخر
بنات الأربعة - خصّوا بالزيادة فيه الألف ؛ استخفافا لها ، ورغبة فيها هناك دون أختيها : الياء والواو. وذلك أن بنات الخمسة لطولها لا ينتهى إلى آخرها إلا وقد ملّت ، فلمّا تحمّلوا الزيادة فى آخرها طلبوا أخفّ الثلاث - وهى الألف - فخصّوها بها ، وجعلوا الواو والياء حشوا فى نحو عضرفوط ، وجعفليق ؛ لأنهم لو جاءوا بهما طرفا وسداسيّين مع ثقلهما ، لظهرت الكلفة فى تجشّمهما ، وكدّت فى احتمال النطق بهما ، كلّ ذلك لإصلاح اللفظ.
ومن ذلك باب الادغام فى المتقارب ؛ نحو ودّ فى وتد ، ومن الناس (ميّقول) فى (من يقول) ، ومنه جميع باب التقريب ؛ نحو اصطبر ، وازدان ، وجميع باب المضارعة ، نحو مصدر وبابه.
ومن ذلك تسكينهم لام الفعل إذا اتّصل بها علم الضمير المرفوع ؛ نحو ضربت ، وضربن ، وضربنا. وذلك أنهم أجروا الفاعل هنا مجرى جزء من الفعل ، فكره اجتماع الحركات (الذى لا يوجد) فى الواحد. فأسكنوا اللام ، إصلاحا للّفظ فقالوا : ضربت ، ودخلنا ، وخرجتم. نعم وقد كان يجتمع فيه أيضا خمس متحركات ؛ نحو : خرجتما ، فالإسكان إذا أشدّ وجوبا. وطريق إصلاح اللفظ كثير واسع ؛ فتفطّن له.
ومن ذلك أنهم لمّا أرادوا أن يصفوا المعرفة بالجملة كما وصفوا بها النكرة (ولم) يجز أن يجروها عليها لكونها نكرة أصلحوا اللفظ بإدخال (الذى) لتباشر بلفظ حرف التعريف المعرفة ، فقالوا : مررت بزيد الذى قام أخوه ، ونحوه.
هذا موضع لم أسمع فيه لأحد شيئا إلا لأبى علىّ رحمهالله.
وذلك أنه كان يقول فى باب أجمع ، وجمعاء ، وما يتبع ذلك من أكتع ، وكتعاء ، وبقيّته : إن هذا اتّفاق وتوارد وقع فى اللغة على غير ما كان فى وزنه منها. قال : لأن باب أفعل وفعلاء ، إنما هو للصفات ، وجميعها تجيء على (هذا الوضع) نكرات ؛ نحو أحمر وحمراء ، وأصفر وصفراء ، وأسود وسوداء ، وأبلق وبلقاء ، وأخرق وخرقاء. هذا كلّه صفات نكرات ، فأمّا أجمع وجمعاء ، فاسمان معرفتان وليسا بصفتين ، فإنما ذلك اتّفاق وقع بين هذه الكلم المؤكّد بها.
قال : ومثله ليلة طلقة وليال طوالق ، [قال : فليس طوالق] تكسير (طلقة) ، لأن فعلة لا تكسّر على فواعل ، وإنما طوالق جمع طالقة ، وقعت موقع جمع طلقة.
وهذا الذى قاله وجه صحيح. وأبين منه عندى وأوضح قولهم فى العلم : سلمان ، وسلمى ؛ فليس سلمان إذا من سلمى ، كسكران من سكرى. ألا ترى أن فعلان الذى يقاوده فعلى إنما بابه الصفة ، كغضبان وغضبى ، وعطشان وعطشى ، وخزيان وخزيا ، وصديان وصديا ؛ وليس سلمان ، ولا سلمى بصفتين ، ولا نكرتين ، وإنما سلمان من سلمى كقحطان من ليلى ؛ غير أنهما كانا من لفظ واحد فتلاقيا فى عرض اللغة من غير قصد لجمعهما ، ولا إيثار لتقاودهما. ألا تراك لا تقول : هذا رجل سلمان ، ولا امرأة سلمى ؛ كما تقول : هذا سكران ، وهذه سكرى ، وهذا غضبان ، وهذه غضبى. وكذلك لو جاء فى العلم (ليلان) لكان ليلان من ليلى ، كسلمان من سلمى. وكذلك لو وجد فى العلم (قحطى) لكان من قحطان كسلمى من سلمان.
وأقرب إلى ذلك من سلمان وسلمى ، قولهم فى العلم : عدوان ، والعدوى ، مصدر أعداه الجرب ونحوه. ومن ذلك قولهم : (أسعد) لبطن من العرب ؛ ليس هذا من سعدى كالأكبر من الكبرى ، والأصغر من الصغرى. وذلك أن هذا إنما هو تقاود الصفة ، وأنت لا تقول : مررت بالمرأة السّعدى ، ولا بالرجل الأسعد.
فينبغى - على هذا - أن يكون أسعد من سعدى كأسلم من بشرى. وذهب بعضهم إلى أنّ أسعد تذكير سعدى ، ولو كان كذلك لكان حرى أن يجيء به سماع ، ولم نسمعهم قطّ وصفوا بسعدى ، وإنما هذا تلاق وقع بين هذين الحرفين المتّفقى اللفظ ، كما يقع هذان المثالان فى المختلفيه (1)؛ نحو أسلم ، وبشرى.
وكذلك أيهم ويهماء ليسا كأدهم ودهماء ؛ لأمرين : أحدهما أن الأيهم الجمل الهائج ، (أو السيل) واليهماء الفلاة ؛ فهما مختلفان. والآخر أنّ أيهم لو كان مذكّر يهماء لوجب أن يأتى فيهما (يهم) كدهم ، ولم نسمع ذلك ؛ فعلمت بذلك أن هذا تلاق بين اللغة ، وأنّ أيهم لا مؤنّث له ، ويهماء لا مذكّر لها.
ومن التلاقى قولهم فى العلم : أسلم وسلمى. وليس هذا كالأكبر والكبرى ؛ لأنه ليس وصفا. فتأمّل أمثاله فى اللغة. ومثله شتّان ، وشتّى ؛ إنما هما كسرعان وسكرى.
وإنما وضعت من هذا الحديث رسما لتتنبّه على ما يجيء من مثله ، فتعلم به أنه توارد وتلاق وقع فى أثناء هذه اللغة عن غير قصد له ، ولا مراسلة بين بعضه وبعض.
وليس من هذا الباب سعد وسعدة ؛ من قبل أن هاتين صفتان مسوقتان على منهاج واستمرار. فسعد من سعدة ؛ كجلد من جلدة ، وندب (2)من ندبة. ألا تراك تقول : هذا يوم سعد ، وهذه ليلة سعدة ؛ كما تقول : هذا شعر جعد ، وهذه جمّة جعدة. فاعرف ذلك إلى ما يليه ، وقسه بما قرّرته عليه ، بإذن الله تعالى.
من الضرورة ما جاز للعرب أو لا؟
سألت أبا علىّ رحمهالله عن هذا فقال : كما جاز أن نفيس منثورنا على منثورهم ، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم. فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا ، وما حظرته عليهم حظرته علينا.
وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم ، فليكن من أحسن ضروراتنا ، وما كان من أقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا. وما بين ذلك بين ذلك.
فإن قيل : هلا لم يجز لنا متابعتهم على الضرورة ، من حيث كان القوم لا يترسّلون فى عمل أشعارهم ترسّل المولّدين ، ولا يتأنّون فيه ، ولا يتلوّمون (1)على حوكه (وعمله) ، وإنما كان أكثره ارتجالا ، قصيدا كان ، أو رجزا ، أو رملا.
فضرورتهم إذا أقوى من ضرورة المحدثين. فعلى هذا ينبغى أن يكون عذرهم فيه أوسع ، وعذر المولّدين أضيق.
قيل : يسقط هذا من أوجه : أحدها أنه ليس جميع الشعر القديم مرتجلا ، بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه ، والملاطفة له ، والتلوّم على رياضته ، وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولّدين. ألا ترى إلى ما يروى عن زهير : من أنه عمل سبع قصائد فى سبع سنين ، فكانت تسمّى حوليات زهير ؛ لأنه كان يحوك القصيدة فى سنة. والحكاية فى ذلك عن ابن أبى حفصة أنه قال : كنت أعمل القصيدة فى أربعة أشهر ، وأحكّكها فى أربعة أشهر ، وأعرضها فى أربعة أشهر ، ثم أخرج بها إلى الناس. فقيل له : فهذا هو الحولى المنقّح. وكذلك الحكائد عن ذى الرمّة : أنه قال : لمّا قال :
بيضاء فى دعج صفراء فى نعج
أجبل (1)حولا لا يدرى ما يقول ، إلى أن مرّت به صينيّة فضّة [قد] أشربت ذهبا فقال :
كأنها فضّة قد مسّها ذهب (2)
كحلاء فى برج صفراء فى دعج*
*وقد وردت أيضا بذلك أشعارهم ؛ قال ذو الرمة :
أجنّبه المساند والمحالا (3)
وشعر قد أرقت له غريب*
والمساند : أى به سناد. قال ابن سيده : ساند شعره سنادا وساند فيه كلاهما : خالف بين الحركات التى تلى الأرداف فى الروىّ. وانظر اللسان (سند). و «المحال : الكلام لغير شيء ، والمستقيم كلام لشيء» قاله الخليل فى اللسان (حول).
*ألا تراه كيف اعترف بتأنّيه فيه وصنعته إياه. وقال عدىّ بن الرقاع العاملىّ :
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها
حتى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته
حتى يقيم ثقافه منآدها (4)
وقال سويد بن كراع :
أبيت بأبواب القوافى كأنما
أذود بها سربا من الوحش نزّعا (5)
1) الإجبال : الانقطاع ، من قولهم أجبل الحافر إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذى لا يحيك فيه المعول وانظر اللسان (جبل).
2) عجز بيت لذى الرمة فى ديوانه ص 33 ، وجمهرة اللغة ص 1331 ، وجمهرة أشعار العرب ص 945 ، والكامل ص 934 ، وبلا نسبة فى المخصص 1 / 98 ، ويروى صدره :
3) عجز بيت لذى الرمّة فى ديوانه ص 1532 ، ولسان العرب (سند) ، وجمهرة اللغة ص 1124 ، ويروى (أجانبه) مكان (أجنّبه) وصدره :
4) البيت لعدى بن الرقاع فى ديوانه ص 38 ، والطرائف الأدبية ص 89 ، والأغانى 9 / 360 ، وبلا نسبة فى مقاييس اللغة 1 / 383.
5) البيت لسويد بن كراع فى لسان العرب (بوب) وتاج العروس (بوب) ، والأغانى 12 / 399 ، والشعر والشعراء ص 639.
وإنما يبيت عليها لخلوّه بها ، ومراجعته النظر فيها. وقال :
أعددت للحرب التى أعنى بها
قوافيا لم أعى باجتلابها
حتى إذا أذللت من صعابها
واستوسقت لى صحت فى أعقابها
فهذا - كما ترى - مزاولة ومطالبة واغتصاب لها ومعاناة كلفة بها.
ومن ذلك الحكاية عن الكميت وقد افتتح قصيدته التى أوّلها :
ألا حيّيت عنّا يا مدينا (1)
وهل بأس بقول مسلمينا*
*ثم أقام برهة لا يدرى بما ذا يعجّز (2)على هذا الصدر ، إلى أن دخل حمّاما وسمع إنسانا دخله ، فسلّم على أخر فيه ، فأنكر ذلك عليه ، فانتصر بعض الحاضرين له فقال : وهل بأس بقول المسلّمين ؛ فاهتبلها الكميت فقال :
وهل بأس بقول مسلّمينا (3)
ألا حيّيت عنا يا مدينا*
*ومثل هذا فى أشعارهم الدّالة على الاهتمام بها ، والتعب فى إحكامها كثير معروف. فهذا وجه.
وثان : أن من المحدثين أيضا من يسرع العمل ولا يعتاقه بطء ، ولا يستوقف فكره ، ولا يتعتع خاطره. فمن ذلك ما حدّثنى به من شاهد المتنبى وقد حضر عند أبى على الأوارجىّ ، وقد وصف له طردا (4)كان فيه وأراده على وصفه ، فأخذ الكاغد والدواة واستند إلى جانب المجلس - وأبو على يكتب كتابا - فسبقه المتنبى فى كتبه الكتاب فقطعه عليه ثم أنشده.
1) صدر بيت للكميت فى ديوانه 2 / 114 ، ولسان العرب (عجز) والفاخر ص 2 ، وخزانة الأدب 1 / 179 ، وعجزه :
2) عجّز الشاعر : جاء بعجز البيت. والقصة فى اللسان (عجز).
3) عجز بيت للكميت فى ديوانه 2 / 114 ، ولسان العرب (عجز) والفاخر ص 2 ، وخزانة الأدب 1 / 179 ، وصدره :
4) الطرد : ممارسة الصيد ، وفى الحديث : كنت أطارد حيّة ، أى أخدعها لأصيدها ؛ ومنه طراد الصيد. وانظر اللسان (طرد).
ومنزل ليس لنا بمنزل (1)
أخبّ بهنّ المخلفان وأحفدا*
*وهى طويلة مشهورة [فى شعره].
وحضرت أنا مجلسا لبعض الرؤساء ليلة وقد جرى ذكر السرعة وتقدّم البديهة ، وهنالك حدث من غير شعراء بغداد ، فتكفّل أن يعمل فى ليلته تلك مائتى بيت فى ثلاث قصائد على أوزان اختزناها عليه ومعان حددناها له ؛ فلما كان الغد فى آخر النهار أنشدنا القصائد الثلاث على الشرط والاقتراح ، وقد صنعها وظاهر إحكامها وأكثر من البديع المستحسن فيها.
وثالث : كثرة ما ورد فى أشعار المحدثين من الضرورات ؛ كقصر الممدود ، وصرف ما لا ينصرف ، وتذكير المؤنّث ونحوه. وقد حضر ذلك وشاهده جلّة أصحابنا من أبى عمرو إلى آخر وقت ، والشعراء من بشّار إلى فلان وفلان ، ولم نر أحدا من هؤلاء العلماء أنكر على أحد من المولّدين ما ورد فى شعره من هذه الضرورات التى ذكرناها وما كان نحوها ؛ فدلّ ذلك على رضاهم به وترك تناكرهم إيّاه.
فإن قلت : فقد عيب بعضهم كأبى نواس وغيره فى أحرف أخذت عليهم ، قيل : هذا كما عيب الفرزدق وغيره فى أشياء استنكرها أصحابنا. فإذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاء شعرائنا كان مثل ذلك فى أشعار المولّدين أحرى بالجواز.
فإذا كانوا قد عابوا بعض ما جاء به القدماء فى غير الشعر بل فى حال السّعة وموقف الدّعة كان ما يرد من المولّدين فى الشعر - وهو موقف فسحة وعذر - أولى بجواز مثله.
فمن ذلك استنكارهم همز مصائب ، وقالوا : منارة ومنائر ، ومزادة ومزائد ؛ فهمزوا ذلك فى الشعر وغيره ؛ وعليه قال الطرمّاح :
1) البيت للراعى النميرى فى ديوانه ص 88 ، ولسان العرب (حفد) ، (سوف) ، (سيف) ، ومقاييس اللغة 3 / 122 ، ومجمل اللغة 3 / 108 ، وتهذيب اللغة 4 / 427 ، 13 / 93 ، وتاج العروس (حفد) ، (سوف) ، وبلا نسبة فى المخصص 10 / 10 وديوان الأدب 2 / 291 ، وورد عجزه برواية أخرى هى :
مزائد خرقاء اليدين مسيفة
يخبّ بها مستخلف غير آئن (1)
كأن العيون المرسلات عشية
شآبيب دمع العبرة المتحاتن
المتحاتن : المتتابع ، وشآبيب الدمع : دفعاته ، واحدها شؤبوب. (نجار). مزائد : جمع مزادة وهى قربة يوضع فيها الماء. قال ابن سيده : كذا وجدناه بخط ابن حمزة مزائد ، مهموز. وأساف الخرز يسيفه إسافة : خرمه. وانظر اللسان (سوف). الآئن : من الأون وهو الراحة. وانظر اللسان (أون) ويخبّ بضم الياء من الإخباب وهو الإسراع فى المشى.
وإنما الصواب مزاود ، ومصاوب ، ومناور ؛ قال :
يصاحب الشيطان من يصاحبه
فهو أذى جمّة مصاوبه (2)
ومن ذلك قولهم فى غير الضرورة : ضبب البلد : كثر ضبابه. وألل السقاء : تغيّرت ريحه. ولححت عينه : التصقت ، ومششت الدابّة (3). وقالوا : إن الفكاهة مقودة إلى الأذى. وقرأ بعضهم (4): (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) [البقرة : 103] ، وقالوا : كثرة الشراب مبولة ، وكثرة الأكل منومة ، وهذا شيء مطيبة للنفس ، وهذا طريق مهيع ؛ إلى غير ذلك مما جاء فى السّعة ومع غير الضرورة. وإنما صوابه : لحّت عينه ، وضبّ البلد ، وألّ السقاء ، ومشّت الدابّة ، ومقادة إلى الأذى ، ومثابة ، ومبالة ، ومنامة ، ومطابة ، ومهاع.
فإذا جاز هذا للعرب عن غير حصر ولا ضرورة قول كان استعمال الضرورة فى الشعر للمولّدين أسهل ، وهم فيه أعذر.
فأمّا ما يأتى عن العرب لحنا فلا نعذر فى مثله مولدا.
فمن ذلك بيت الكتاب :
وما مثله فى الناس إلا مملّكا
أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه (5)
1) قبله :
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (أذى) وتاج العروس (أذى). الأذىّ : الشديد التأذى ، وقيل : هو المؤذى. وفى رواية اللسان (أذى): «حمة» ، بالحاء المهملة.
3) المشش : ورم يأخذ فى مقدم عظم الوظيف أو باطن الساق فى إنسيّه. وانظر اللسان (مشش).
4) وفى البحر المحيط (1 / 504) : وقرأ قتادة ، وأبو السمال ، وعبد الله بن بريدة : بسكون الثاء كمشورة. الآية 103 / البقرة.
5) البيت للفرزدق فى لسان العرب (ملك) ومعاهد التنصيص 1 / 43.
ومراده فيه معروف ، وهو فيه غير معذور. ومثله فى الفصل قول الآخر - (فيما) أنشده ابن الأعرابىّ - :
فأصبحت بعد خطّ بهجتها
كأنّ قفرا رسومها قلما (1)
أراد : فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خطّ رسومها ؛ فأوقع من الفصل والتقديم والتأخير ما تراه.
وأنشدنا أيضا :
فقد والشكّ بيّن لى عناء
بوشك فراقهم صرد يصيح (2)
أراد : فقد بيّن لى صرد يصيح بوشك فراقهم والشكّ عناء. فقد ترى إلى ما فيه من الفصول التى لا وجه (لها ولا لشيء منها).
وأغرب من ذلك وأفحش وأذهب فى القبح قول الآخر :
لها مقلتا حوراء طلّ خميلة
من الوحش ما تنفكّ ترعى عرارها (3)
أراد : لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفكّ ترعى خميلة طلّ عرارها. فمثل هذا لا نجيزه للعربىّ أصلا ، فضلا عن أن نتّخذه للمولّدين رسما.
وأمّا قول الآخر :
معاوى لم ترع الأمانة فارعها
وكن حافظا لله والدين شاكر (4)
فحسن جميل ؛ وذلك أنّ (شاكر) هذه قبيلة ، وتقديره : معاوى لم ترع الأمانة شاكر ، فارعها أنت وكن حافظا لله والدين. فأكثر ما فى هذا الاعتراض بين الفعل والفاعل ، والاعتراض للتسديد قد جاء بين الفعل والفاعل ، وبين المبتدأ والخبر ،
1) البيت لذى الرمّة فى ملحق ديوانه ص 1909 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 431 ، وخزانة الأدب 4 / 418 ، ولسان العرب (خطط).
2) البيت بلا نسبة فى رصف المبانى ص 393 ، وشرح شواهد المغنى ص 489 ، ومغنى اللبيب ص 171 ، ويروى صدره :
3) البيت بلا نسبة فى كتاب العين 1 / 86 ، ويروى (أدماء) مكان (حوراء).
4) البيت بلا نسبة فى لسان العرب (شكر).
وبين الموصول والصلة ، وغير ذلك ، مجيئا كثيرا فى القرآن ، وفصيح الكلام.
ومثله من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله :
وقد أدركتنى - والحوادث جمّة -
أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل (1)
والاعتراض فى هذه اللغة كثير حسن. ونحن نفرد له بابا يلى هذا الباب ، بإذن الله سبحانه وتعالى.
ومن طريف الضرورات وغريبها ووحشيّها وعجيبها ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :
هل تعرف الدار ببيدا إنّه
دار لخود قد تعفّت إنّه
فانهلّت العينان تسفحنّه
مثل الجمان جال فى سلكنّه
لا تعجبى منّا سليمى إنه
إنا لحلالون بالثغرنّه
وهذه الأبيات قد شرحها أبو علىّ رحمهالله فى البغداديّات ، فلا وجه لإعادة ذلك هنا. فإذا آثرت معرفة ما فيها فالتمسه منها.
وكذلك ما أنشده أيضا أبو زيد للزفيان السعدىّ :
يا إبلى ما ذامه فتأبيه
ماء رواء ونصىّ حوليه
هذّا بأفواهك حتى تأبيه
حتى تروحى أصلا تباريه
تبارى العانة فوق الزازيه (2)
هكذا روينا عن أبى زبد ، وأمّا الكوفيون فرووه على خلاف هذا ؛ يقولون :
1) البيت لجويرية بن زيد فى الدرر 4 / 25 ، ولرجل من بنى دارم فى شرح شواهد المغنى 2 / 807 ، وبلا نسبة فى سر صناعة الإعراب 1 / 140 ، ولسان العرب (هيم) ، ومغنى اللبيب 2 / 387 ، وهمع الهوامع 1 / 348.
2) الرجز للزفيان السعدى فى ديوانه ص 100 ، ولسان العرب (زيز) وتاج العروس (زيز) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 5 / 241 ، 13 / 270 ، 279 ، 15 / 313 ، وتاج العروس (زبى). والنّصىّ : نبت معروف ، يقال له نصىّ ما دام رطبا ، فإذا ابيض فهو الطريفة فإذا اضخم ويبس فهو الحلىّ ، والنصىّ نبت ناعم من أفضل المرعى. وانظر اللسان (نصا) والعانة : القطيع من حمر الوحش. والزازية : الأرض الغليظة.
فتأبيه ، ونصىّ حوليه ، وحتى تأبيه ، وفوق الزازية. فينشدونه من السريع لا من الرجز كما أنشده أبو زيد. وقد ذكرت هذه الأبيات بما يجب فيها فى كتابى «فى النوادر الممتعة» ومقداره ألف ورقة. وفيه من كلتا الروايتين صنعة طريفة.
وأخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى - أحسبه عن ابن الأعرابىّ - بقول الشاعر :
وما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم
من الناس ذنبا جاءه وهو مسلما (1)
وقال فى تفسيره معناه : ما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم مسلما ذنبا جاءه وهو ، ولو وكّد الضمير فى جاء فقال : جاءه هو وهو ، لكان أحسن. وغير التوكيد أيضا جائز.
وأبيات الإعراب كثيرة ، وليس على ذكرها وضعنا هذا الباب. ولكن اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران : زيغ الإعراب ، وقبح الزّحاف ، فإن الجفاة الفصحاء لا يحفلون بقبح الزحاف إذا أدّى إلى صحّة الإعراب. كذلك قال أبو عثمان ، وهو كما ذكر. وإذا كان الأمر كذلك فلو قال فى قوله :
ألم يأتيك والأنباء تنمى (2)
بما لاقت لبون بنى زياد*
أى تلبس السلاب والسّلب ، وهى ثياب سود تلبسها النساء فى المأتم ، واحدتها سلبة. والخطب : إنما أراد الخطوب ؛ جمع الخطب وهو الأمر أو الشأن ، فحذف تخفيفا ، وقد يكون من باب رهن ورهن. وانظر اللسان (سلب) ، (خطب).
*1) البيت بلا نسبة فى لسان العرب (حلس).
2) صدر بيت لقيس بن زهير فى الأغانى 17 / 131 ، وخزانة الأدب 8 / 359 ، 361 ، 362 ، الدرر 1 / 162 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 340 ، وشرح شواهد الشافية ص 408 ، وشرح شواهد المغنى ص 328 ، 808 ، والمقاصد النحويّة 1 / 230 ، ولسان العرب (أتى) وبلا نسبة فى أسرار العربية ص 103 ، والأشباه والنظائر 5 / 280 ، والإنصاف 1 / 30 ، وأوضح المسالك 1 / 6 ، والجنى الدانى ص 50 ، وجواهر الأدب ص 50 وخزانة الأدب 9 / 524 ، ورصف المبانى ص 149 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 87 ، 2 / 631 ، وشرح الأشمونى 1 / 168 وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 184 ، وشرح المفصل 8 / 24 ، 10 / 104 ، والكتاب 3 / 316 ، ولسان العرب (قدر) (رضى) ، (شظى) ، (يا) والمحتسب 1 / 67 ، 215 ، ومغنى اللبيب 1 / 108 ، 2 / 387 ، والمقرب 1 / 50 ، 203 ، والممتع فى التصريف 2 / 537 ، والمنصف 2 / 81 ، 114 ، 115 ، وهمع الهوامع 1 / 52 وعجز البيت :
لكان أقوى قياسا ، على ما رتّبه أبو عثمان ؛ ألا ترى أن الجزء كان يصير منقوصا ، لأنه يرجع إلى مفاعيل : ألم يأت مفاعيل.
وكذلك بيت الأخطل :
كلمع أيدى مثاكيل مسلّبة
يندبن ضرس بنات الدهر والخطب (1)
أقوى القياسين على ما مضى أن ينشد «مثاكيل» غير مصروف ؛ لأنه يصير الجزء فيه من مستفعلن إلى مفتعلن ، وهو مطوىّ ، والذى روى «مثاكيل» بالصرف. وكذلك بقيّة هذا.
فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرا ، لا يزاحفه زحافا ، فإنه لا بدّ من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته ، وذلك كقوله :
سماء الإله فوق سبع سمائيا (2)
له ما رأت عين البصير وفوقه*
*فهذا لا بدّ من التزام ضرورته ؛ لأنه لو قال : سمايا لصار من الضرب الثانى إلى الثالث ، وإنما مبنى هذا الشعر على الضرب الثانى لا الثالث. وليس كذلك قوله :
أبيت على معارى فاخرات
بهن ملوّب كدم العباط (3)
1) البيت للأخطل فى ديوانه ص 287 ، والأشباه والنظائر 2 / 61 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 632 ، ولسان العرب (خطب) (ضرس) ، (ثكل) ، (نجم) ، المحتسب 1 / 199 ، 200 ، 2 / 8 ، والمنصف 1 / 348.
2) عجز بيت لأمية بن أبى الصلت فى ديوانه ص 70 ، وخزانة الأدب 1 / 244 ، 247 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 304 ، والكتاب 3 / 315 ، ولسان العرب (سما) وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 337 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 115 ، والمقتضب 1 / 144 ، والممتع فى التصريف 2 / 513 ، والمنصف 2 / 66 ، 68 ، ويروى صدره :
3) البيت للمتنخل الهذلى فى شرح أشعار الهذليين 3 / 1268 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 993 ، ولسان العرب (لوب) ، (عرا) ، وللهذلى فى الكتاب 3 / 313 ، والمنصف 2 / 67 ، 75 ، 3 / 67 ، وتاج العروس (عرا) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (عبط) ، (سما). الخريع : الناعمة مع فجور ، والجمع خروع وخرائع. والدوادىّ : آثار أراجيح الصبيان ، واحدتها دوداة. اللسان (دود) والدوداة : الأرجوحة وقيل : هى صوت الأرجوحة. القاموس.
لأنه لو قال : معار لما كسر الوزن ؛ لأنه إنما كان يصير من مفاعلتن إلى مفاعيلن ، وهو العصب. لكن مما لا بدّ من التزام ضرورته مخافة كسر وزنه قول الآخر :
خريع دوادى فى ملعب
تأزّر طورا وترخى الإزارا (1)
فهذا لا بدّ من تصحيح معتلّه ؛ ألا ترى أنه لو أعلّ اللام وحذفها فقال دواد ، لكسر البيت البتّة.
فاعرف إذا حال ضعف الإعراب الذى لا بدّ من التزامه مخافة كسر البيت ، ومن الزحاف الذى يرتكبه الجفاة الفصحاء إذا أمنوا كسر البيت ، ويدعه من حافظ على صحّة الوزن من غير زحاف ؛ وهو كثير. فإن أمنت كسر البيت اجتنبت ضعف الإعراب ، وإن أشفقت من كسره ألبتّة دخلت تحت كسر الإعراب.
1) البيت للكميت بن زيد فى ديوانه 1 / 190 ، ولسان العرب (دوا) ، والمقتضب 1 / 144 ، وبلا نسبة فى ما ينصرف وما لا ينصرف ص 114 ، والممتع فى التصريف 2 / 556 ، والمنصف 2 / 68 ، 80 ، 3 / 68 ، 79.
اعلم أنّ هذا القبيل من هذا العلم كثير ، قد جاء فى القرآن ، وفصيح الشعر ، ومنثور الكلام. وهو جار عند العرب مجرى التأكيد ، فلذلك لا يشنع عليهم ، ولا يستنكر عندهم ، أن يعترض به بين الفعل وفاعله ، والمبتدأ وخبره ، وغير ذلك ممّا لا يجوز الفصل (فيه) بغيره ، إلا شاذّا أو متأوّلا. قال الله سبحانه وتعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة : 75 - 77] فهذا فيه اعتراضان : أحدهما قوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) لأنه اعترض به بين القسم الذى هو قوله (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) وبين جوابه الذى هو قوله (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) وفى نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر ، بين الموصوف الذى هو (قسم) وبين صفته التى هى (عظيم) وهو قوله (لَوْ تَعْلَمُونَ). فذانك اعتراضان كما ترى. ولو جاء الكلام غير معترض فيه لوجب أن يكون : فلا أقسم بمواقع النجوم ، إنه لقرآن كريم ، وإنه لقسم [عظيم لو تعلمون].
ومن ذلك (قول امرئ القيس) :
ألا هل أتاها - والحوادث جمّة -
بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا (1)
فقوله : «والحوادث جمّة» اعتراض بين الفعل وفاعله. ومثله قوله :
وأنشدنا أبو علىّ :
وقد أدركتنى - والحوادث جمّة -
أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل (2)
1) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص 392 ، وخزانة الأدب 9 / 524 ، 525 ، 527 ، وسمط اللآلى ص 40 ، وشرح المفصل 8 / 23 ، ولسان العرب (بقر) ، (شظى) والمنصف 1 / 84 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 171 ، والجنى الدانى ص 50.
2) البيت لجويرية بن زيد فى الدرر 4 / 25 ، ولرجل من بنى دارم فى شرح شواهد المغنى 2 / 807 ، وبلا نسبة فى سر صناعة الإعراب 1 / 140 ، ولسان العرب (هيم) ، ومغنى اللبيب 2 / 387 ، وهمع الهوامع 1 / 348.
فهذا كله اعتراض بين الفعل وفاعله. وأنشدنا أيضا :
ذاك الذى - وأبيك - تعرف مالك
والحقّ يدفع ترّهات الباطل (1)
فقوله : «وأبيك» اعتراض بين الموصول والصلة. وروينا لعبيد الله بن الحرّ :
تعلّم ولو كاتمته الناس أننى
عليك - ولم أظلم - بذلك عاتب (2)
فقوله : «ولو كاتمته الناس» اعتراض بين الفعل ومفعوله ، وقوله : «ولم أظلم بذلك» اعتراض بين اسم أن وخبرها.
ومن ذلك قول أبى النّجم - أنشدناه - :
وبدّلت - والدهر ذو تبدّل -
هيفا دبورا بالصبا والشّمأل (3)
فقوله : «والدهر ذو تبدّل» اعتراض بين المفعول الأوّل والثانى.
ومن الاعتراض قوله :
ألم يأتيك - والأنباء تنمى -
بما لاقت لبون بنى زياد (4)
فقوله : «والأنباء تنمى» اعتراض بين الفعل وفاعله. وهذا أحسن مأخذا فى الشعر من أن يكون فى «يأتيك» ضمير (من متقدّم مذكور).
فأمّا ما أنشده أبو علىّ من قول الشاعر :
1) البيت لجرير فى ديوانه ص 580 ، والدرر 1 / 287 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 817 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (تره) ، ومغنى اللبيب 2 / 391 ، والمقرب 1 / 62 ، وهمع الهوامع 1 / 88 ، 247 ، وتاج العروس (تره).
2) البيت بلا نسبة فى أساس البلاغة (غمض) ، وتاج العروس (غمض).
3) الرجز لأبى النجم فى خزانة الأدب 2 / 391 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 450 ، 2 / 808 ، والطرائف الأدبية ص 58 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (بدل) ، والدرر 4 / 26 ، ومغنى اللبيب 3 / 387 ، وهمع الهوامع 1 / 248. الهيف : ريح حارة تأتى من قبل اليمن.
4) سبق.
أتنسى - لا هداك الله - ليلى
وعهد شبابها الحسن الجميل!
كأنّ - وقد أتى حول جديد -
أثافيها حمامات مثول (1)
فإنه لا اعتراض فيه. وذلك أن الاعتراض لا موضع له من الإعراب ، ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض على ما تقدّم. فأمّا قوله :
«وقد أتى حول جديد» فذو موضع من الإعراب ، وموضعه النصب بما فى «كأنّ» من معنى التشبيه ؛ ألا ترى أن معناه : أشبهت وقد أتى حول جديد حمامات مثولا ، أو أشبّهها وقد مضى حول جديد بحمامات مثول ، أى أشبّهها فى هذا الوقت وعلى هذه الحال بكذا.
وأنشدنا :
أرانى - ولا كفران لله أيّة
لنفسى - لقد طالبت غير منيل (2)
ففى هذا اعتراضان (3) : أحدهما - «ولا كفران لله». والآخر - قوله : «أيّة» أى أويت لنفسى أيّة ؛ معناه رحمتها ورققت لها. فقوله : أويت لها لا موضع له من الإعراب. وسألنا الشجرىّ أبا عبد الله يوما عن فرس كانت له ؛ فقال : هى بالبادية. قلنا لم؟ قال : إنها وجية (4) ، فأنا آوى لها ؛ أى أرحمها وأرقّ لها. وكذلك قول الآخر :
أرانى ولا كفران لله إنّما
أواخى من الأقوام كلّ بخيل (5)
(1) الثانى منهما لأبى الغول الطهوى فى الدرر 4 / 27 وشرح شواهد المغنى 2 / 818 ، ونوادر أبى زيد ص 151 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ثفا) ومغنى اللبيب 2 / 392 ، والمنصف 2 / 185 ، 3 / 82 ، وهمع الهوامع 1 / 248 ، وتاج العروس (ثفا).
(2) البيت لابن الدمينة فى ديوانه ص 86 ، ولكثير عزة فى الدرر 2 / 227 ، وبلا نسبة فى شرح شواهد المغنى 2 / 820 ، ولسان العرب (أوا) ومغنى اللبيب 2 / 394 ، وتهذيب اللغة 15 / 651 ، وهمع الهوامع 1 / 147 ، وتاج العروس (أوا).
(3) ذكر ابن هشام فى المغنى فى مبحث الجملة المعترضة : أن أبا على لا يجيز الاعتراض بأكثر من جملة ، وأوّل هذا البيت ، وترى ابن جنى هنا على خلافه ، ولم ينبه عليه. (نجار).
(4) الوجا : أن يشتكى البعير باطن خفّه والفرس باطن حافره. اللسان (وجا).
(5) البيت لكثير عزة فى ديوانه ص 508 ، وشرح المفصل 8 / 55 ، والكتاب 3 / 131 ، وبلا نسبة فى الدرر 4 / 24 ، وهمع الهوامع 1 / 247.
ومن الاعتراض قولهم : زيد - ولا أقول إلا حقّا - كريم. وعلى ذلك مسئلة الكتاب : إنه - المسكين - أحمق ؛ ألا ترى أن تقديره : إنه أحمق ، وقوله «المسكين» أى هو المسكين ؛ وذلك اعتراض بين اسم إنّ وخبرها. ومن ذلك مسألته : «لا أخا - فاعلم - لك». فقوله : «فاعلم» اعتراض بين المضاف والمضاف إليه ، كذا الظاهر.
وأجاز أبو علىّ رحمهالله أن يكون «لك» خبرا ، ويكون «أخا» اسما مقصورا تامّا غير مضاف ؛ كقولك : لا عصا لك. ويدلّ على صحّة هذا القول أنهم قد كسّروه على أفعال ، وفاؤه مفتوحة ؛ فهو إذا فعل ، وذلك قولهم : أخ وآخاء فيما حكاه يونس.
وقال بعض آل المهلّب :
وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم
وأىّ بنى الآخاء تنبو مناسبه! (1)
فغير منكر أن يخرج واحدها على أصله ، كما خرج واحد الآباء على أصله ؛ وذلك قولهم : هذا أبا ، ورأيت أبا ، ومررت بأبا. وروينا عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى ، قال : يقال هذا أبوك ، وهذا أباك ، وهذا أبك ؛ فمن قال : هذا أبوك ، أو أباك ، فتثنيته أبوان ، ومن قال هذا أبك ، فتثنيته أبان ، وأبوان. وأنشد :
سوى أبك الأدنى وإنّ محمدا
علا كلّ عال يا بن عمّ محمد (2)
وأنشد أبو علىّ عن أبى الحسن :
تقول ابنتى لمّا رأتنى شاحبا
كأنك فينا يا أبات غريب (3)
قال : فهذا تأنيث أبا ، وإذا كان كذلك جاز جوازا حسنا أن يكون قولهم : لا أبا لك «أبا» منه اسم مقصور كما كان ذلك فى «أخا لك». ويحسّنه أنك إذا حملت الكلام عليه جعلت له خبرا ، ولم يكن فى الكلام فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجرّ ؛ غير أنه يؤنّس بمعنى إرادة الإضافة قول الفرزدق :
ظلمت ولكن لا يدى لك بالظلم (1)
فلو كنت مولى الظّلّ أو فى ظلاله*
*فلهذا جوّزناهما جميعا.
وروينا لمعن بن أوس :
وفيهن - والأيام يعثرن بالفتى -
نوادب لا يمللنه ونوائح (2)
رأيت رجالا يكرهون بناتهم
وفيهن - لا تكذب - نساء صوالح
والبيتان فى الأمالى 2 / 190 ، واللآلئ 804 ، والخزانة 3 / 258 ، والأغانى (بولاق) 10 / 165. (نجار).
ففصل بقوله : «والأيام يعثرن بالفتى» بين المبتدأ وخبره. وأنشدنا.
لعلّك - والموعود صدق لقاؤه -
بدا لك فى تلك القلوص بداء (3)
وسألته عن بيت كثيّر :
وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما
تخلّيت مما بيننا وتخلّت (4)
فأجاز أن يكون قوله : «وتهيامى بعزة» جملة من مبتدأ وخبر ، اعترض بها بين اسم إن وخبرها الذى هو قوله :
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلّما
تبوأ منها للمقيل اضمحلّت
فقلت له : أيجوز أن يكون (وتهيامى) بعزّة قسما؟ فأجاز ذلك ولم يدفعه.
1) عجز بيت للفرزدق فى ديوانه 2 / 276 ، وجمهرة اللغة ص 153 ، والمحتسب 2 / 279 ، وصدره :
2) قبله :
3) البيت لمحمد بن بشير فى ديوانه ص 29 ، والأغانى 16 / 77 ، وخزانة الأدب 9 / 213 ، 215 ، والدرر 4 / 20 ، وشرح شواهد المغنى ص 810 ، وللشماخ ابن ضرار فى ملحق ديوانه ص 427 ، ولسان العرب (بدا) وبلا نسبة فى سمط اللآلى ص 705 ، وشرح شذور الذهب 218 ، ومغنى اللبيب ص 388 ، وهمع الهوامع 1 / 147. وعد رجل محمد بن بشير الخارجىّ بقلوص ، فمطله ، فقال فيه يذمه ، وانظر الأغانى (16 / 132).
4) البيت لكثير عزّة فى ديوانه ص 103 ، وخزانة الأدب 5 / 214 ، وسر صناعة الإعراب ص 139 ، وشرح شواهد المغنى ص 812 ، ولسان العرب (هيم) ، ومغنى اللبيب ص 389 ، والمقاصد النحويّة 2 / 409.
وقال الله عزوجل : (هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) [ص : 57]. فقوله تعالى : (فَلْيَذُوقُوهُ) اعتراض بين المبتدأ وخبره. وقال رؤبة :
إنى وأسطار سطرن سطرا
لقائل يا نصر نصر نصرا (1)
بلغك الله فبلغ نصرا
نصر بن سيار يثبنى وفرا
فاعترض بالقسم بين اسم إنّ وخبرها.
والاعتراض فى شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ، ودالّ على فصاحة المتكلم وقوّة نفسه وامتداد نفسه ، وقد رأيته فى أشعار المحدثين ، وهو فى شعر إبراهيم بن المهدىّ أكثر منه فى شعر غيره من المولّدين.
1) الرجز لرؤبة فى ملحق ديوانه ص 174 ، ولسان العرب (نصر) ، وتاج العروس (نصر) ، ومقاييس اللغة 5 / 436 ، ومجمل اللغة 4 / 408 ، وخزانة الأدب 2 / 219 ، والدرر 4 / 22 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 243 ، وشرح المفصل 2 / 3 ، والكتاب 2 / 185 ، 186 ، ولذى الرمة فى شرح شذور الذهب ص 564 ، وليس فى ديوانه ، وبلا نسبة فى لسان العرب (سطر) ، وتهذيب اللغة 12 / 327 ، وتاج العروس (سطر) ، (نصر) ، (الياء) وأسرار العربية ص 297 ، والأشباه والنظائر 4 / 86 ، والدرر 6 / 26 ، ومغنى اللبيب 2 / 388 ، والمقاصد النحوية 4 / 209 ، والمقتضب 4 / 209 ، وهمع الهوامع 1 / 247 ، 2 / 121. البيت فى الكتاب (2 / 185) لرؤبة وتبعه ابن القطاع فأنشده هكذا ولكن لم يعين القائل. قال الصاغانى وليس لرؤبة ومع هذا هو تصحيف (والرواية : «يا نضر نضرا نضرا» بالضاد المعجمة ونضر هذا هو حاجب نصر بن سيار بالصاد المهملة) وبعده :
هذا فى كلام العرب كثير فاش ، والقياس له قابل مسوغ.
فمن ذلك قولهم : مررت بزيد ، وما كان نحوه ، مما يلحق من حروف الجرّ معونة لتعدّى الفعل. فمن وجه يعتقد فى الباء أنها بعض الفعل من حيث كانت معدّية وموصّلة له. كما أن همزة النقل فى (أفعلت) وتكرير العين فى (فعّلت) يأتيان لنقل الفعل وتعديته ؛ نحو قام ، وأقمته ، وقوّمته ، وسار ، وأسرته ، وسيّرته.
فلمّا كان حرف الجرّ الموصّل للفعل معاقبا لأحد شيئين ، كلّ واحد منهما مصوغ فى نفس المثال جرى مجراهما فى كونه جزءا من الفعل أو كالجزء منه. فهذا وجه اعتداده كبعض الفعل.
وأمّا وجه اعتداده كجزء من الاسم فمن حيث كان مع ما جرّه فى موضع نصب ، وهذا يقضى له بكونه جزءا ممّا بعده أو كالجزء منه ؛ ألا تراك تعطف على مجموعهما بالنصب ، كما تعطف على الجزء الواحد فى نحو قولك : ضربت زيدا وعمرا ؛ وذلك قولك : مررت بزيد وعمرا ، ورغبت فيك وجعفرا ، ونظرت إليك وسعيدا ؛ أفلا ترى إلى حرف الجرّ الموصّل للفعل كيف قدّر تقديرين مختلفين [لمعنيين مختلفين].
ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين متفقين ؛ وذلك كأن تروم أن تدلّ على قوّة اتصال حرف الجرّ بالفعل ، فتعتدّه تارة كالبعض له ، والأخرى كالبعض للاسم. فهذا ما لا يجوز مثله ؛ لأنه لا يكون كونه كبعض الاسم دليلا على شدّة امتزاجه بالفعل ، لكن لمّا اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران ، فاعرف ذلك ، فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه.
ومثل ذلك قولهم : (لا أبا لك) ، فههنا تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين.
وذلك أن ثبات الألف فى (أبا) من (لا أبا لك) دليل الإضافة ؛ فهذا وجه. ووجه آخر أن ثبات اللام وعمل (لا) فى هذا الاسم يوجب التنكير والفصل. فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ، ووجود اللام دليل الفصل والتنكير. وليس هذا
فى الفساد والاستحالة بمنزلة فساد تحقير مثال الكثرة الذى جاء فساده من قبل تدافع حاليه. وذلك أنّ وجود ياء التحقير يقتضى كونه دليلا على القلّة ، وكونه مثالا موضوعا للكثرة دليل على الكثرة ؛ وهذا يجب منه أن يكون الشىء الواحد فى الوقت الواحد قليلا كثيرا. وهذا ما لا يجوز لأحد اعتقاده.
وليس كذلك تقديرك الباء فى نحو : مررت بزيد تارة كبعض الاسم ، وأخرى كبعض الفعل ، من قبل أن هذه إنما هى صناعة لفظيّة يسوغ معها تنقّل الحال وتغيّرها ، فأمّا المعانى فأمر ضيّق ، ومذهب مستصعب ؛ ألا تراك إذا سئلت عن زيد من قولنا : قام زيد سمّيته فاعلا ، وإن سئلت عن زيد من قولنا : زيد قام سمّيته مبتدأ لا فاعلا ، وإن كان فاعلا فى المعنى. وذلك أنك سلكت طريق صنعة اللفظ فاختلفت السّمة ، فأمّا المعنى فواحد. فقد ترى إلى سعة طريق اللفظ وضيق طريق المعنى.
فإن قلت : فأنت إذا قلت فى (لا أبا لك) إن الألف تؤذن بالإضافة والتعريف ، واللام تؤذن بالفصل والتنكير ، فقد جمعت على الشىء الواحد فى الوقت الواحد معنيين ضدّين ، وهما التعريف والتنكير ، وهذان - كما ترى - متدافعان.
قيل : الفرق بين الموضعين واضح ، وذلك أن قولهم : (لا أبا لك) كلام جرى مجرى المثل ، وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفى فى الحقيقة أباه ، وإنما تخرجه مخرج الدعاء ؛ أى أنت عندى ممن يستحقّ أن يدعى عليه بفقد أبيه. كذا فسّره أبو علىّ ، وكذلك هو لمتأمّله ؛ ألا ترى أنه قد أنشد توكيدا لما رآه من هذا المعنى فيه قوله :
ولم يقل : لا أخت لها ، ولكن لمّا جرى هذا الكلام على أفواههم (لا أبا لك) (ولا أخا لك) قيل مع المؤنّث على حدّ ما يكون عليه مع المذكّر ، فجرى هذا نحوا من قولهم لكل أحد من ذكر وأنثى واثنين وجماعة (الصيف ضيعت اللبن) على التأنيث ؛ لأنه كذا جرى أوّله ، وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولهم (لا أبا لك) إنما فيه تعادى ظاهره ، (واجتماع) صورتى الفصل والوصل ، والتعريف والتنكير ، لفظا لا معنى. وإذا آل الأمر إلى ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه ؛ من تنافر قضيّتى
اللفظ فى نحو : مررت بزيد ؛ إذا أردت بذلك أن تدلّ على شدة اتصال حرف الجرّ بالفعل وحده دون الاسم ، ونحن إنما عقدنا فساد الأمر وصلاحه على المعنى ؛ كأن يكون الشىء الواحد فى الوقت الواحد قليلا كثيرا. (وهذا) ما لا يدّعيه مدّع ، ولا يرضاه - مذهبا لنفسه - راض.
ويؤكّد عندك خروج هذا الكلام مخرج المثل كثرته فى الشعر ، وأنه يقال لمن له أب ولمن ليس له أب. فهذا الكلام دعاء فى المعنى لا محالة ، وإن كان فى اللفظ خبرا. ولو كان دعاء مصرّحا وأمرا معنيّا لما جاز أن يقال لمن لا أب له ؛ لأنه إذا كان لا أب له لم يجر أن يدعى عليه بما هو فيه لا محالة ؛ ألا ترى أنك لا تقول للأعمى : أعماه الله ، ولا للفقير : أفقره الله ؛ وهذا ظاهر باد. وقد (مرّ به) الطائىّ الكبير فقال :
نعمة الله فيك لا أسأل ال
له إليها نعمى سوى أن تدوما
ولو أنى فعلت كنت كمن يس
أله وهو قائم أن يقوما
فكما لا تقول لمن لا أب له : أفقدك الله أباك ؛ كذلك يعلم أن قولهم لمن لا أب له : (لا أبا لك) لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه ، وإنما هى خارجة مخرج المثل ، على ما فسّره أبو علىّ. قال عنترة :
فافنى حياءك لا أبا لك واعلمى
أنّى امرؤ سأموت إن لم أقتل (1)
وقال :
ألق الصحيفة لا أبا لك إنه
يخشى عليك من الحباء النّقرس (2)
وقال :
1) البيت لعنترة فى ديوانه ص 252 ، ولسان العرب (أبى) (قنا) ، وتاج العروس (قنا) وكتاب العين 5 / 217 ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 9 / 314 ، ومقاييس اللغة 5 / 29.
2) البيت للمتلمس فى ديوانه ص 186 ، ولسان العرب (نقرس) ، (أبى) ، وتهذيب اللغة 9 / 395 ، وتاج العروس (نقرس). قال المتلمس يخاطب طرفة. يقول : إنه يخشى عليه من الحباء ، الذى كتب له به ، النّقرس ، وهو الهلاك والداهية العظيمة.
أبالموت الذى لا بدّ أنى
ملاق لا أباك تخوّفينى (1)
أراد : لا أبا لك ؛ فحذف اللام من جارى عرف الكلام. وقال جرير :
يا تيم تيم عدىّ لا أبا لكم
لا يلقينّكم فى سوأة عمر (2)
وهذا أقوى دليل على كون هذا القول مثلا لا حقيقة ؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون للتّيم كلّها أب واحد ، ولكن معناه : كلكم أهل للدعاء عليه والإغلاظ له.
وقال الحطيئة :
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم
من اللّوم أو سدّوا المكان الذى سدّوا (3)
فإن قلت : فقد أثبت الحطيئة فى هذا البيت ما نفيته أنت فى البيت الذى قبله ، وذلك أنه قال (لأبيكم) فجعل للجماعة أبا واحدا ، وأنت قلت هناك : إنه لا يكون لجماعة تيم أب واحد ؛ فالجواب عن هذا من موضعين : أحدهما ما قدّمناه من أنه لا يريد حقيقة الأب ، وإنما غرضه الدعاء مرسلا ففحّش بذكر الأب على ما مضى.
والآخر أنه قد يجوز أن يكون أراد بقوله (لأبيكم) الجمع ؛ أى لا أبا لآبائكم.
1) البيت لأبى حيّة النميرى فى ديوانه ص 177 ، وخزانة الأدب 4 / 100 ، 105 ، 107 ، والدرر 2 / 219 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 211 ، ولسان العرب (خعل) ، (أبى) ، (فلا) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 3 / 132 ، وشرح التصريح 2 / 26 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 501 ، وشرح شذور الذهب ص 424 ، وشرح المفصل 2 / 105 ، واللامات ص 103 ، والمقتضب 4 / 375 ، والمقرب 1 / 197 ، والمنصف 2 / 337 ، وهمع الهوامع 1 / 337.
2) البيت لجرير فى ديوانه ص 212 ، والأزهية ص 238 ، والأغانى 21 / 349 ، وخزانة الأدب 2 / 298 ، 301 ، 4 / 99 ، 107 ، والدرر 6 / 29 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 142 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 855 ، وشرح المفصل 2 / 10 ، والكتاب 1 / 53 ، 2 / 205 ، واللامات ص 101 ، ولسان العرب (أبى) والمقاصد النحوية 4 / 240 ، والمقتضب 4 / 229 ، ونوادر أبى زيد ص 139 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 4 / 204 ، وأمالى ابن الحاجب 2 / 725 ، وجواهر الأدب ص 199 ، 421 ، وخزانة الأدب 8 / 317 ، 10 / 191 ، ورصف المبانى ص 245 ، وشرح الأشمونى 2 / 454 ، وشرح ابن عقيل ص 522 ، وشرح المفصل 2 / 105 ، 3 / 21 ومغنى اللبيب 2 / 457 ، وهمع الهوامع 2 / 122.
3) انظر الديوان والكامل 5 / 154. (نجار).
يريد الدعاء على آبائهم من حيث ذكرها ، فجاء به جمعا مصحّحا على قولك : أب ، وأبون ، وأبين ؛ قال :
فلمّا تبيّنّ أصواتنا
بكين وفدّيننا بالأبينا (1)
وعليه قول الآخر - أنشدناه - :
فمن يك سائلا عنى فإنى
بمكّة مولدى وبها ربيت (2)
وقد شنئت بها الآباء قبلى
فما شنئت أبىّ ولا شنيت
أى ما شنئت آبائى. فهذا شيء عرض ، ولنعد.
ومن ذلك قولهم : مختار ومعتاد ، ونحو ذلك ؛ فهذا يحمل تقديرين مختلفين لمعنيين مختلفين. وذلك أنه إن كان اسم الفاعل فأصله مختير ومعتود ؛ كمقتطع (بكسر العين). وإن كان مفعولا فأصله مختير ومعتود ، كمقتطع. ف- «مختار» من قولك : أنت مختار ، للثياب ؛ أى مستجيد لها أصله مختير. ومختار من قولك : هذا ثوب مختار ، أصله مختير. فهذان تقديران مختلفان لمعنيين. وإنما كان يكون هذا منكرا لو كان تقدير فتح العين وكسرها لمعنى واحد ؛ فأمّا وهما لمعنيين فسائغ حسن. وكذلك ما كان من المضعّف فى هذا الشرج (3)من الكلام ؛ نحو قولك : هذا رجل معتدّ للمجد ؛ ونحوه ، فهذا هو اسم الفاعل ، وأصله معتدد (بكسر العين) ، وهذا رجل معتدّ ؛ أى منظور إليه ، فهذا مفتعل (بفتح العين) وأصله معتدد كقولك : هذا معنى معنى معتبر ؛ أى ليس ؛ بصغير محتقر. وكذلك هذا جوز معتدّ ، فهذا أيضا اسم المفعول ، وأصله معتدد كمقتسم ، ومقتطع. ونظائر هذا وما قبله كثيرة فاشية.
ومن ذلك قولهم : كساء ، وقضاء ، ونحوه ؛ أعللت اللام لأنك لم تعتدّ بالألف حاجزا لسكونها ، وقلبتها أيضا لسكونها وسكون الألف قبلها ؛ فاعتددتها من وجه ،
ولم تعتددها من آخر.
ومن ذلك أيضا قولهم : أيّهم تضرب يقم زيد. ف- (أيّهم) من حيث كانت جازمة ل- (تضرب) يجب أن تكون مقدّمة عليها ، ومن حيث كانت منصوبة ب- (تضرب) يجب أن تكون فى الرتبة مؤخّرة عنها ، فلم يمتنع أن يقع هذان التقديران على اختلافهما ؛ من حيث كان هذا إنما هو عمل صناعىّ لفظىّ. ولو كان التعادى والتخالف فى المعنى لفسد (ولم) يجز. وأيضا فإن حقيقة الجزم إنما هو لحرف الجزاء المقدّر المراد ، لا ل- (أىّ) ؛ (فإذا) كان كذلك كان الأمر أقرب مأخذا ، وألين ملمسا.
وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع ، فيمضى حكمه على حكم الأوّل ، ثم يرقّى منه إلى غيره.
فمن ذلك قولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين ، (ولو) جالسهما جميعا لكان مصيبا مطيعا لا مخالفا ، وإن كانت (أو) إنما هى فى أصل وضعها لأحد الشيئين.
وإنما جاز ذلك فى هذا الموضع ، لا لشيء رجع إلى نفس (أو) بل لقرينة انضمّت من جهة المعنى إلى (أو). وذلك لأنه قد عرف أنه إنما رغّب فى مجالسة الحسن لما لمجالسه فى ذلك من الحظّ ، وهذه الحال موجودة فى مجالسة ابن سيرين أيضا ، وكأنه قال : جالس هذا الضرب من الناس. وعلى ذلك جرى النهى فى هذا الطرز من القول فى قول الله سبحانه (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان : 24] وكأنه - والله أعلم - قال : لا تطع هذا الضرب من الناس. ثم إنه لما رأى (أو) فى هذا الموضع قد جرت مجرى الواو تدرّج من ذلك إلى غيره ، فأجراها مجرى الواو فى موضع عار من هذه القرينة التى سوّغته استعمال (أو) فى معنى الواو ؛ ألا تراه كيف قال :
وكان سيّان ألا يسرحوا نعما
أو يسرحوه بها ، واغبرّت السوح (1)
وسواء وسيّان لا يستعمل إلا بالواو. وعليه قول الآخر :
فسيّان حرب أو تبوءوا بمثله
وقد يقبل الضيم الذليل المسيّر (2)
أى فسيّان حرب وبواؤكم بمثله ، كما أن معنى الأوّل : فكان سيّان ألا يسرحوا نعما ، وأن يسرحوه بها. وهذا واضح.
1) البيت لأبى ذؤيب الهذلى فى خزانة الأدب 5 / 134 ، 137 ، 138 ، وشرح أشعار الهذليين ص 122 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 245 ، وشرح شواهد المغنى ص 198 ، ولسان العرب (سوا) وبلا نسبة فى خزانة الأدب 4 / 89 ، 11 / 70 ، ورصف المبانى ص 132 ، 427 ، وشرح المفصل 8 / 91 ، ومغنى اللبيب ص 63.
2) البيت بلا نسبة فى شرح المفصّل 8 / 91 ، ولسان العرب (سوا).
ومن ذلك قولهم : صبية وصبيان ؛ قلبت الواو من صبوان وصبوة فى التقدير - لأنه من صبوت - لانكسار الصاد قبلها ، وضعف الباء أن تعتدّ حاجزا ؛ لسكونها.
وقد ذكرنا ذلك. فلمّا ألف هذا واستمرّ تدرّجوا منه إلى أن أقرّوا قلب الواو ياء بحاله وإن زالت الكسرة ، وذلك قولهم أيضا : صبيان وصبية ، (وقد) كان يجب - لمّا زالت الكسرة - أن تعود الياء واوا إلى أصلها ، لكنهم أقرّوا الياء بحالها لاعتيادهم إيّاها حتى صارت كأنها كانت أصلا. وحسّن ذلك لهم شيء آخر ، وهو أن القلب فى صبية وصبيان إنما كان استحسانا وإيثارا ، لا عن وجوب علّة ، ولا قوّة قياس ؛ فلمّا لم تتمكّن علّة القلب ورأوا اللفظ بياء قوى عندهم إقرار الياء بحالها ؛ لأن السبب الأوّل إلى قلبها لم يكن قويّا ، ولا ممّا يعتاد فى مثله أن يكون مؤثّرا.
ومن ذلك قولهم فى الاستثبات عمن قال ضربت رجلا : منا؟ ومررت برجل منى؟ وعندى رجل : منو؟ فلمّا شاع هذا ونحوه عنهم تدرّجوا منه إلى أن قالوا : ضرب من منا ؛ كقولك : ضرب رجل رجلا.
ومن ذلك قولهم : أبيض لياح ، وهو من الواو ؛ لأنه بياضه ما يلوح للناظر.
فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وليس ذلك عن قوّة علّة ، إنما هو للجنوح إلى خفّة الياء مع أدنى سبب ، وهو التطرّق إليها بالكسرة طلبا للاستخفاف ، لا عن وجوب قياس ؛ ألا ترى أن هذا الضرب من (الأسماء التى ليست) جمعا كرباض ، وحياض ، ولا مصدرا جاريا على فعل معتلّ ؛ كقيام ، وصيام ، إنما يأتى مصحّحا ؛ نحو : خوان ، وصوان ؛ غير أنهم لميلهم عن الواو إلى الياء ما أقنعوا أنفسهم فى لياح فى قلبهم إيّاه إلى الواو بتلك الكسرة قبلها ، وإن كانت ليس مما يؤثّر حقيقة التأثير مثلها ، ولأنهم شبّهوه لفظا إمّا بالمصدر كحيال ، وصيال ، وإمّا بالجمع كسوط ، وسياط ، ونوط ، ونياط. نعم ، وقد فعلوا مثل هذا سواء فى موضع آخر. وذلك قول بعضهم فى صوان : صيان ، وفى صوار : صيار ؛ فلمّا ساغ ذلك من حيث أرينا أو كاد تدرّجوا منه إلى أن فتحوا فاء لياح ، ثم أقرّوا الياء بحالها وإن كانت الكسرة قبلها قد زايلتها ، وذلك قولهم فيه : لياح. وشجّعه على ذلك شيئا أن قلب الواو ياء فى لياح لم يكن عن قوّة ولا استحكام علّة ، وإنما هو لإيثار
الأخفّ على الأثقل ، فاستمرّ على ذلك وتدرّج منه إلى أن أقرّ الياء بحالها مع الفتح ؛ إذ كان قلبها مع الكسر أيضا ليس بحقيقة موجب. قال : وكما أن القلب مع الكسر لم يكن عن صحّة عمل ، وإنما هو لتخفيف مؤثر ، فكذلك أقلب أيضا مع الفتح وإن لم يكن موجبا ، غير أن الكسر هنا على ضعفه أدعى إلى القلب من الفتح ، فلذلك جعلنا ذاك تدرّجا عنه إليه ولم نسوّ بينهما فيه. فاعرف ذلك.
وقريب من ذلك قول الشاعر :
ولقد رأيتك بالقوادم مرّة
وعلىّ من سدف العشىّ رياح (1)
قياسه رواح ؛ لأنه فعال من راح يروح ، لكنه لمّا كثر قلب هذه الواو فى تصريف هذه الكلمة ياء - نحو ريح ورياح ، ومريح ومستريح - وكانت الياء أيضا عليهم أخفّ ، وإليهم أحبّ ، تدرّجوا من ذلك إلى أن قلبوها فى رياح ، وإن زالت الكسرة التى كانت قلبتها فى تلك الأماكن.
ومن ذلك قلبهم الذال دالا فى (ادّكر) وما تصرّف منه ؛ نحو يدّكر ، ومدّكر ، وادّكار ، وغير ذلك : تدرّجوا من هذا إلى غيره بأن قلبوها دالا فى غير بناء افتعل ، فقال ابن مقبل.
من بعض ما يعترى قلبى من الدكر (2)
يا ليت لى سلوة تشفى النفوس بها*
*ومن ذلك قولهم : الطنّة - بالطاء - فى الظنة ، وذلك فى اعتيادهم اطّنّ ، ومطّن ، واطّنان ، كما جاءت الدكر على الأكثر.
ومن ذلك حذفهم الفاء - على القياس - من ضعة وقحة ؛ كما حذفت من عدة وزنة ؛ ثم إنهم عدلوا بها عن فعلة إلى فعلة ، فأقرّوا الحذف بحاله ، وإن زالت الكسرة التى كانت موجبة له ، فقالوا : الضعة ، والقحة ، فتدرّجوا بالضعة ،
1) البيت للأسدى فى أساس البلاغة (روح) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (روح) ، (سدف) ، وتاج العروس (روح) ، (سدف). و «رباح» بكسر الراء فسره ثعلب فقال : معناه وقت. القوادم : موضع.
2) عجز بيت لتميم بن مقبل فى ديوانه ص 81 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 188 ، والمقرب 2 / 167 ، والممتع فى التصريف 1 / 359 ، والمنصف 3 / 140 ، ويروى صدره :
والقحة ، إلى الضعة ، والقحة ، وهى عندنا فعلة ، كقصعة ، وجفنة ، (لا أن) فتحت لأجل الحرف الحلقىّ فيما ذهب إليه محمد بن يزيد.
ومن ذلك قولهم : بأيّهم تمرر أمرر ؛ فقدّموا حرف الجرّ على الشرط فأعملوا فيه ، وإن كان الشرط لا يعمل فيه ما قبله ؛ لكنهم لمّا لم يجدوا طريقا إلى تعليق حرف الجرّ استجازوا إعماله فى الشرط. فلمّا ساغ لهم ذلك تدرّجوا منه إلى أن أضافوا إليه الاسم فقالوا : غلام من تضرب أضربه ، وجارية من تلق ألقها.
فالاسم فى هذا إنما جاز عمله فى الشرط من حيث كان محمولا فى ذلك على حرف الجرّ. وجميع هذا حكمه فى الاستفهام حكمه فى الشرط من حيث كان الاستفهام له صدر الكلام ؛ كما أن الشرط كذلك. فعلى هذه جاز بأيّهم تمرّ؟
وغلام من تضرب؟ فأمّا قولهم :
فلا يجوز إلا فى ضرورة الشعر ؛ وإنما يجوز على تقدير حذف المبتدأ ، أى أتذكر إذ الناس من يأتنا نأته ، فلمّا باشر المضاف غير المضاف إليه فى اللفظ أشبه الفصل بين المضاف والمضاف إليه ؛ فلذلك أجازوه فى الضرورة.
فإن قيل : فما الذى يمنع من إضافته إلى الشرط وهو ضرب من الخبر؟ قيل : لأن الشرط له صدر الكلام ؛ فلو أضفت إليه لعلّقته بما قبله ، وتانك حالتان متدافعتان. فأمّا بأيّهم تمرر أمرر ونحوه فإن حرف الجرّ متعلّق بالفعل بعد الاسم ، والظرف فى قولك : أتذكر إذ من يأتنا نأته متعلّق بقولك أتذكر ، وإذا خرج ما يتعلّق به حرف الجرّ من حيّز الاستفهام لم يعمل فى الاسم المستفهم به ولا المشروط به.
ومن التدريج فى اللغة أن يكتسى المضاف من المضاف إليه كثيرا من أحكامه : من التعريف ، والتنكير ، والاستفهام ، والشياع وغيره ؛ ألا ترى أن ما لا يستعمل من الأسماء فى الواجب إذا أضيف إليه شيء منها صار فى ذلك إلى حكمه.
1) هذا صورة شطر بيت من الشعر ، ولم يأت فى شعر ، ولكنه أجيز إذا فرض أن أدخله شاعر فى شعره. وانظر الكتاب 1 / 440 ، والهمع 2 / 62. (نجار).
وذلك قولك : ما قرعت حلقة باب دار أحد قطّ ؛ فسرى ما فى (أحد) من العموم والشياع إلى «الحلقة». ولو قلت : قرعت حلقة باب دار أحد ، أو نحو ذلك لم يجز.
ومن التدريج فى اللغة : إجراؤهم الهمزة المنقلبة عن حرفى العلّة عينا مجرى الهمزة الأصليّة. وذلك نحو قولهم فى تحقير قائم ، وبائع : قويئم ، وبويئع ؛ فألحقوا الهمزة المنقلبة بالهمزة الأصليّة فى سائل ، وثائر ؛ من سأل وثأر ، إذا قلت : سويئل ، وثويئر. وليست كذلك اللام إذا انقلبت همزة عن أحد الحرفين ؛ نحو كساء ، وقضاء ؛ ألا تراك تقول فى التحقير : كسىّ ، وقضىّ ؛ فتردّ حرف العلّة وتحذفه لاجتماع الياءات. وليست كذلك الهمزة الأصليّة ؛ ألا تراك تقول فى تحقير سلاء وخلاء (1)بإقرار الهمزة لكونها أصلية ، وذلك سليّئ وخليّئ. وتقول أيضا فى تكسير كساء وقضاء بترك الهمزة البتّة ؛ وذلك قولك : أكسية ، وأقضية. وتقول فى سلاء ، وخلاء : أسلئة وأخلئة ؛ فاعرف ذلك.
لكنك لو بنيت من قائم وبائع شيئا مرتجلا أعدت الحرفين البتّة. وذلك كأن تبنى منهما مثل جعفر ، فتقول : قومم وبيعع. ولم تقل : قأمم ، ولا بأعع ؛ لأنك إنما تبنى من أصل المثال لا من حروفه المغيّرة ؛ ألا تراك لو بنيت من قيل وديمة مثال (فعل) لقلت : دوم وقول ؛ لا غير.
فإن قلت : ولم لم تقرر الهمزة فى قائم وبائع فيما تبنيه منهما ، كما أقررتها فى تحقيرهما؟
قيل : البناء من الشىء أن تعمد لأصوله ، فتصوغ منها وتطرح زوائده فلا تحفل بها. وليس كذلك التحقير. وذلك أن صورة المحقّر معك ، ومعنى التكبير والتحقير فى أن كل واحد منهما واحد واحد ، وإنما بينهما أن أحدهما كبير والأخر صغير ، فأما الإفراد والتوحيد فيهما كليهما فلا نظر فيه. قال أبو على - رحمهالله - فى صحّة الواو فى نحو أسيود ، وجديول : مما أعان على ذلك وسوغه أنه فى معنى
1) السلاء : السمن. والخلاء فى الإبل كالحران فى الدوابّ ، خلأت الناقة تخلأ خلأ وخلاء ، بالكسر والمد : وخلوء ، وهى خلوء : بركت ، أو حرنت من غير علة. وانظر اللسان (خلأ).
جدول صغير ؛ فكما تصحّ الواو فى جدول صغير فكذلك أنس بصحّة الواو فى جديول. وليس كذلك الجمع ؛ لأنه رتبة غير رتبة الآحاد ، فهو شيء آخر ، فلذلك سقطت فى الجمع حرمة الواحد ؛ ألا تراك تقول فى تكسير قائم : قوّام ، وقوّم ؛ فتطرح الهمزة وتراجع لفظ الأصل ، ولا تقول : قؤّام ، ولا قؤّم ؛ كما قلت فى التحقير : قويئم ؛ بالهمز.
وسألت مرّة أبا على - رحمهالله - عن ردّ سيبويه كثيرا من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير وحمله إيّاها عليها ؛ ألا تراه قال تقول : سريحين لقولك : سراحين ، ولا تقول : عثيمين ؛ لأنك لا تقول : عثامين ، ونحو ذلك. فقال : إنما حمل التحقير فى هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيدا عن رتبة الآحاد.
فاعتدّ ما يعرض فيه لاعتداده بمعناه ، والمحقّر هو المكبّر ، والتحقير فيه جار مجرى الصفة ؛ فكأن لم يحدث بالتحقير أمر يحمل عليه غيره ، كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد : هذا معقد معناه ، وما أحسنه وأعلاه!.
ومن التدريج قولهم : هذا حضرموت بالإضافة ؛ على منهاج اقتران الاسمين أحدهما بصاحبه. ثم تدرّجوا من هذا إلى التركيب فقالوا : هذا حضرموت. ثم تدرّجوا من هذا إلى أن صاغوهما جميعا صياغة المفرد فقالوا : هذا حضرموت ؛ فجرى لذلك مجرى عضرفوط ، ويستعور.
ومن التدريج فى اللغة قولهم : ديمة (1)وديم ؛ واستمرار القلب فى العين للكسرة قبلها ، ثم تجاوزوا ذلك لمّا كثر وشاع إلى أن قالوا : ديّمت السماء ودوّمت ؛ فأمّا دوّمت فعلى القياس ، وأما ديّمت فلاستمرار القلب فى ديمة وديم.
أنشد أبو زيد :
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل
إن دوّموا جاد وإن جادوا وبل (2)
اللسان (سبل).
1) هى المطر الدائم فى سكون.
2) الرجز لجهم بن سبل فى لسان العرب (سبل) ، (يوم) ، ولأبى زياد الكلابى فى تاج العروس (سبل) وبلا نسبة فى لسان العرب (دوم) وجمهرة اللغة ص 340 ، 380 ، والمخصص 9 / 114 ، ومقاييس اللغة 6 / 82 ، وديوان الأدب 3 / 438 ، وتاج العروس (سبل) ، (دوم) ، والأزمنة - والأمكنة 2 / 88. وقال الجوهرى : سبل اسم فرس نجيب فى العرب ؛ قال الأصمعىّ : هى أم أعوج. والرواية :
ورواه أيضا «ديّموا» بالياء. نعم ثم قالوا : دامت السماء تديم ؛ فظاهر هذا أنه أجرى مجرى باع يبيع ، وإن كان من الواو.
فإن قلت : فلعله فعل يفعل من الواو ؛ كما ذهب الخليل فى طاح يطيح ، وتاه يتيه ؛ قيل : حمله على الإبدال أقوى ؛ ألا ترى أنه قد حكى فى مصدره ديما ؛ فهذا مجتذب إلى الياء ، مدرّج إليها ، مأخوذ به نحوها.
فإن قلت : فلعلّ الياء لغة فى هذا الأصل كالواو ، بمنزلة ضاره يضيره ضيرا ، وضاره يضوره ضورا. قيل : يبعد ذلك هنا ؛ ألا ترى إلى اجتماع الكافّة على قولهم : الدوام ، وليس أحد يقول : الديام ؛ فعلمت بذلك أن العارض فى هذا الموضع إنما هو من جهة الصنعة ، لا من جهة اللغة.
ومثل ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم : (ماهت (1)الركيّة تميه ميها) ؛ مع إجماعهم على أمواه ، وأنه لا أحد يقول : أمياه.
ونحو من ذلك ما يحكى عن عمارة بن عقيل من أنه قال فى جمع ريح : أرياح ؛ حتى نبّه عليه فعاد إلى أرواح. وكأن أرياحا أسهل قليلا ؛ لأنه قد جاء عنهم قوله :
وعلىّ من سدف العشىّ رياح (2)
ولقد رأيتك بالقوادم نظرة*
*فهو بالياء لهذا آنس.
وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواو لخفّتها ؛ فهم لا يزالون تسبّبا إليها ،
ونجشا (1)عنها ، واستثارة لها ، وتقرّبا ما استطاعوا منها.
ونحو هذه الطريق فى التدريج : حملهم علباوان على حمراوان ، ثم حملهم رداوان على علباوان ، ثم حملهم قرّاوان على رداوان ؛ وقد تقدّم ذكره. وفى هذا كاف مما يرد فى معناه بإذن الله تعالى.
ومن ذلك أنه لمّا اطّردت إضافة أسماء الزمان إلى الفعل ؛ نحو : قمت يوم قمت ، وأجلس حين تجلس ؛ شبّهوا ظرف المكان بها فى (حيث) ؛ فتدرّجوا من «حين» إلى «حيث» فقالوا : قمت حيث قمت. ونظائره كثيرة.
1) النجش : البحث عن الشىء واستخراجه.
فهو من كلام العرب
هذا موضع شريف. وأكثر الناس يضعف عن احتماله ؛ لغموضه ولطفه.
والمنفعة به عامّة ، والتساند إليه مقوّ مجد. وقد نصّ أبو عثمان عليه فقال : ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ؛ ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول ، وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره. فإذا سمعت «قام زيد» أجزت ظرف بشر ، وكرم خالد.
قال أبو على : إذا قلت : «طاب الخشكنان» فهذا من كلام العرب ؛ لأنك بإعرابك إيّاه قد أدخلته كلام العرب.
ويؤكّد هذا عندك أن ما أعرب من أجناس الأعجميّة قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها ؛ ألا تراهم يصرفون فى العلم نحو آجرّ ، وإبريسيم ، وفرند ، وفيروزج ، وجميع ما تدخله لام التعريف. وذلك أنه لمّا دخلته اللام فى نحو الديباج ، والفرند ، والسهريز (1)، والآجرّ ؛ أشبه أصول كلام العرب ، أعنى النكرات. فجرى فى الصرف ومنعه مجراها.
قال أبو على : ويؤكّد ذلك أن العرب اشتقّت من الأعجمىّ النكرة ، كما تشتقّ من أصول كلامها ؛ قال رؤبة :
هل ينجينّى حلف سختيت
أو فضّة أو ذهب كبريت (2)
1) والسّهريز والسّهريز بضم السين وكسرها : ضرب من التمر ، معرب ويقال سهريز وشهريز ، بالسين والشين جميعا ، وهو بالسين أعرب ويقال : ثوب سهريز ؛ بالوصف والإضافة. اللسان (شهرز).
2) الرجز لرؤبة بن العجاج فى ديوانه ص 26 ، ولسان العرب (سخت) ، (كبرت) ، (كبر) ، وتهذيب اللغة 7 / 161 ، 10 / 435 ، وتاج العروس (سخت) ، (كبرت) ، وجمهرة اللغة ص 1190 ، وكتاب العين 4 / 194 ، 5 / 430 ، وديوان الأدب 2 / 75 ، وللعجاج فى ديوانه 2 / 189 ، 190 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 1111 ، ومجمل اللغة 4 / 237 ، والمخصص - 3 / 88 ، ويروى (ينفعنّى كذب) مكان (ينجّينّى حلف) وفيه : و «حلف سختيت» ، «كذب سختيت» وسختيت أى شديد من السخت وهو الشديد ، وكذب سختيت : خالص. و «هل يعصمنى» والكبريت : الذهب الأحمر قال ابن الأعرابى : ظن رؤبة أن الكبريت ذهب.
قال : ف- «سختيت» من السخت ؛ ك- «زحليل» (1)من الزحل.
وحكى لنا أبو على عن ابن الأعرابى أظنه قال : يقال درهمت الخبّازى ؛ أى صارت كالدراهم ، فاشتقّ من الدرهم وهو اسم أعجمىّ. وحكى أبو زيد : رجل مدرهم. قال ولم يقولوا منه : درهم ؛ إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل فى الكفّ. ولهذا أشباه.
وقال أبو عثمان فى الإلحاق المطرّد إن موضعه من جهة اللام ؛ نحو قعدد ، ورمدد ، وشملل ، وصعرر. وجعل الإلحاق بغير اللام شاذّا لا يقاس عليه. وذلك نحو جوهر ، وبيطر ، وجدول ، وحذيم ، ورهوك ، وأرطى ، ومعزى ، وسلقى ، وجعبى. قال أبو على وقت القراءة عليه كتاب أبى عثمان : لو شاء شاعر ، أو ساجع ، أو متّسع ، أن يبنى بإلحاق اللام اسما ، وفعلا ، وصفة ، لجاز له ، ولكان ذلك من كلام العرب. وذلك نحو قولك : خرجج أكرم من دخلل ، وضربب زيد عمرا ، ومررت برجل ضربب وكرمم ونحو ذلك. قلت له : أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال : ليس بارتجال ، لكنه مقيس على كلامهم ، فهو إذا من كلامهم. قال : ألا ترى أنك تقول : طاب الخشكنان فتجعله من كلام العرب ، وإن لم تكن العرب تكلّمت به. هكذا قال ؛ فبرفعك إيّاه كرفعها ما صار لذلك محمولا على كلامها ، ومنسوبا إلى لغتها.
ومما اشتقّته العرب من كلام العجم ما أنشدناه (من قول الراجز) :
هل تعرف الدار لأمّ الخزرج
منها فظلت اليوم كالمزرّج (2)
أى الذى شرب الزرجون (3)؛ وهى الخمر. فاشتق المزرّج من الزرجون ؛ وكان
قياسه : كالمزرجن ، من حيث كانت النون فى زرجون قياسها أن تكون أصلا ؛ إذ كانت بمنزلة السين من قربوس. قال أبو على : ولكن العرب إذا اشتقّت من الأعجمىّ خلّطت فيه. قال : والصحيح من نحو هذا الاشتقاق قول رؤبة.
فى خدر ميّاس الدمى معرجن (1)
أو ذكر ذات الرّبد المعهن*
*وأنشدناه (المعرجن) باللام. فقوله (المعرجن) يشهد بكون النون من عرجون أصلا ، وإن كان من معنى الانعراج ؛ ألا تراهم فسّروا قول الله تعالى : (حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) [يس : 39] فقالوا : هى الكباسة (2)إذا قدمت فانحنت ؛ فقد (كان على هذا القياس يجب) أن يكون نون (عرجون) زائدة ، كزيادتها فى (زيتون) ، غير أن بيت رؤبة الذى يقول فيه (المعرجن) منع هذا ، وأعلمنا أنه أصل رباعيّ قريب من لفظ الثلاثيّ ؛ كسبطر من سبط ، ودمثر ، من دمث ؛ ألا ترى أنه ليس فى الأفعال (فعلن) وإنما ذلك فى الأسماء نحو علجن (3)، وخلبن.
ومما يدلّك على أنّ ما قيس على كلام العرب فإنه من كلامها أنك لو مررت على قوم (يتلاقون بينهم مسائل) أبنية التصريف ؛ نحو قولهم فى مثال (صمجمح) من الضرب : (ضربرب) ومن القتل (قتلتل) ومن الأكل (أكلكل) ومن الشرب (شربرب) ومن الخروج (خرجرج) ومن الدخول (دخلخل). وفى مثل (سفرجل) من جعفر : (جعفرر) ومن صقعب (4)(صقعبب) ومن زبرج (زبرجج) ومن ثرتم (ثرتمم) ونحو ذلك. فقال لك قائل : بأىّ لغة كان هؤلاء يتكلمون؟ لم تجد بدا من أن تقول : بالعربيّة ، وإن كانت العرب لم تنطق بواحد من هذه الحروف. فإن قلت : فما تصنع بما حدّثكم به أبو صالح السليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ
1) الرجز لرؤبة فى ديوانه ص 161 ، ولسان العرب (عرجن) ، وتهذيب اللغة 3 / 320 ، وتاج العروس (عرجن) وبلا نسبة فى المخصص 11 / 108 ، وكتاب الجيم 2 / 242 ، وقبله :
2) الكباسة بكسر الكاف : العذق التام بشماريخه وبسره ، وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب. اللسان (كبس).
3) ناقة علجن : صلبة كناز اللحم ، وامرأة علجن : ماجنة. اللسان (علجن).
4) الصقعب : الطويل من الرجال ، بالصاد والسين ؛ وفى الصحاح : الطويل مطلقا. اللسان (صقعب).
عن أبى عبد الله محمد بن العباس اليزيدىّ قال : حدّثنا الخليل بن أسد النوشجانىّ قال : قرأت على الأصمعىّ هذه الأرجوزة للعجّاج :
وانحلبت عيناه من فرط الأسى
*فلمّا بلغت :
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا (2)
فبخس الناس وأعيا البخسا*
*قال لى الأصمعىّ : قال لى الخليل : أنشدنا رجل :
فقلت : هذا لا يكون. فقال : كيف جاز للعجّاج أن يقول :
فهذا يدل على امتناع القوم من أن يقيسوا على كلامهم ما كان من هذا النحو من الأبنية ، على أنه من كلامهم ؛ ألا ترى إلى قول الخليل وهو سيّد قومه ، وكاشف قناع القياس فى علمه ، كيف منع من هذا ؛ ولو كان ما قاله أبو عثمان صحيحا ومذهبا مرضيا لما أباه الخليل ولا منع منه!
فالجواب عن هذا من أوجه عدّة : أحدها - أن الأصمعىّ لم يحك عن الخليل أنه انقطع هنا ، ولا أنه تكلّم بشىء بعده ؛ فقد يجوز أن يكون الخليل لمّا احتجّ
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 185 ، ولسان العرب (بلس) ، (كرس) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 262 ، وتهذيب اللغة 12 / 442 ، وتاج العروس (بلس) ، (عجنس) ، (كرس) ، (وكف) ، وجمهرة اللغة ص 719 ، وأساس البلاغة (بجس) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (حلب) ، ومقاييس اللغة 5 / 169 ، والمخصص 1 / 126 ، 5 / 123 ، وتاج العروس (حلب) ، وتهذيب اللغة 10 / 53. ويروى بعده :
قال نعم أعرفه وأبلسا
2) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 210 - 211 ، ولسان العرب (قعس) والتنبيه والإيضاح 2 / 297 ، وتاج العروس (قعس) ، وأساس البلاغة (قيس) ، ولرؤبة فى ديوان الأدب 2 / 465 ، ولسان العرب (قيس) ولجرير فى تاج العروس (قيس) وبلا نسبة فى ديوان الأدب 3 / 457 ، وكتاب العين 1 / 130 ، 2 / 349. وبعده :
عليه منشده ذلك البيت ببيت العجّاج عرف الخليل حجّته فترك مراجعته ، وقطع الحكاية على هذا الموضع يكاد يقطع بانقطاع الخليل عنده ، ولا ينكر أن يسبق الخليل إلى القول بشىء فيكون فيه تعقّب له فينبّه عليه فينتبه.
وقد يجوز أيضا أن يكون الأصمعىّ سمع من الخليل فى هذا من قبوله أو ردّه على المحتجّ به ما لم يحكه للخليل بن أسد ، لا سيّما والأصمعىّ ليس مما ينشط للمقاييس ، ولا لحكاية التعليل.
نعم ، وقد يجوز أن يكون الخليل أيضا أمسك عن شرح الحال فى ذلك ، وما قاله لمنشده البيت من تصحيح قوله ، أو إفساده ، للأصمعىّ لمعرفته بقلّة انبعاثه فى النظر وتوفّره على ما يروى ويحفظ. وتؤكد هذا عندك الحكاية عنه وعن الأصمعىّ ، وقد كان أراده الأصمعىّ على أن يعلّمه العروض فتعذّر ذلك على الأصمعىّ وبعد عنه ؛ فيئس الخليل منه فقال له يوما : يا أبا سعيد ، كيف تقطّع قول الشاعر :
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع (1)
قال : فعلم الأصمعىّ أن الخليل قد تأذّى ببعده عن علم العروض فلم يعاوده فيه.
ووجه غير هذا ، وهو ألطف من جميع ما جرى وأصنعه وأغمضه ؛ وذلك أن يكون الخليل إنما أنكر ذلك لأنه بناه (ممّا) لامه حرف حلقىّ ، والعرب لم تبن هذا المثال مما لامه أحد حروف الحلق ، إنما هو مما لامه حرف فموىّ ، وذلك نحو اقعنسس ، واسحنكك ، واكلندد (2)، واعفنجج (3). فلمّا قال الرجل للخليل (فارفنععا) أنكر ذلك من حيث أرينا.
فإن قيل : وليس ترك العرب أن تبنى هذا المثال مما لامه حرف حلقىّ ، بمانع أحدا من بنائه من ذلك ؛ ألا ترى أنه ليس كلّ ما يجوز فى القياس يخرج به
سماع ، فإذا حذا إنسان على مثلهم ، وأمّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد فى ذلك سماعا ، ولا أن يرويه رواية.
قيل : إذا تركت العرب أمرا من الأمور لعلّة داعية إلى تركه وجب اتّباعها عليه ، ولم يسع أحدا بعد ذلك العدول عنه. وعلّة امتناع ذلك عندى ما أذكره لتتأمّله فتعجب منه ، وتأنق لحسن الصنعة فيه.
وذلك أن العرب زادت هذه النون الثالثة الساكنة فى موضع حروف اللين أحقّ به ، وأكثر من النون فيه ؛ ألا ترى أنك إذا وجدت النون ثالثة ساكنة فيما عدّته خمسة أحرف ، قطعت بزيادتها ؛ نحو نون جحنفل (1)، وعبنقس (2)، وجرنفس (3)، وفلنقس (4)، وعرندس (5)؛ عرفت الاشتقاق أو لم تعرفه ، حتى يأتيك ثبت بضدّه.
قال أصحابنا : وإنما كان ذلك لأنّ هذا الموضع إنما هو للحروف الثلاثة الزوائد ؛ نحو واو فدوكس (6)، وسرومط (7)، وياء سميدع وعميثل ، وألف جرافس ، وعذافر. والنون حرف من حروف الزيادة أغنّ ومضارع لحروف اللين ، وبينه وبينها من القرب والمشابهات ما قد شاع وذاع. فألحقوا النون فى ذلك بالحروف اللينة الزائدة. وإذا كان كذلك ، فيجب أن تكون هذه النون - إذا وقعت ثالثة فى هذه المواضع - قويّة الشّبه بحروف المدّ ؛ وإنما يقوى شبهها بها متى كانت ذات غنّة لتضارع بها حروف المدّ للينها ، وإنما تكون فيها الغنّة متى كانت من الأنف ، وإنما تكون من الأنف متى وقعت ساكنة ، وبعدها حرف فموىّ لا حلقيّ ، نحو جحنفل وبابه. أوكذلك أيضا طريقها وحديثها فى الفعل ؛ ألا ترى أن النون فى باب احرنجم وادلنظى ، إنما هى محمولة من حيث كانت ثالثة ساكنة على الألف ، نحو
1) الجحنفل : الغليظ الشفة.
2) العبنقس : السّيئ الخلق. والناعم الطويل من الرجال. والذى جدتاه من قبل أبيه وأمه أعجميتان. اللسان (عبقس).
3) الجرنفس والجرافس : الضخم الشديد من الرجال. اللسان (جرفس).
4) الفلنقس : البخيل اللئيم. والهجين من قبل أبويه. اللسان (فلقس).
5) العرندس : الأسد الشديد ، وكذلك الجمل ، والأنثى بالهاء. اللسان (عردس).
6) هو الشديد من الأسود والرجال. اللسان (فدكس).
7) سرومط : هو الجمل الطويل.
اشهاببت ، وادهاممت ، وابياضضت ، واسواددت ؛ والواو فى نحو اغدودن ، واعشوشب ، واخلولق ، واعروريت ، واذلوليت (1)، واقطوطيت (2)، واحلوليت.
وإذا كانت النون فى باب احرنجم واقعنسس إنما هى أيضا محمولة على الواو والألف فى هذه الألفاظ التى ذكرناها (وغيرها) وجب أن تضارعها ، وهى أقوى شبها بها. وإنما يقوى شبهها بها إذا كانت غنّاء ، وإنما تكون كذلك إذا وقعت قبل حروف الفم ، نحوها فى اسحنكك ، واقعنسس ، واحرنجم ، واخرنطم (3). وإذا كان كذلك لم يجز أن يقع بعدها حرف حلقى ؛ لأنها إذا كانت كذلك كانت من الفم ، وإذا كانت من الفم سقطت غنّتها ، وإذا سقطت غنّتها زال شبهها بحرفى المدّ : الواو والألف. فلذلك أنكره الخليل ، وقال : هذا لا يكون. وذلك أنه رأى نون (ارفنعع) فى موضع لا تستعملها العرب فيه إلا غنّاء غير مبيّنة ، فأنكره ، وليست كذلك فى اقعنسس لأنها قبل السين ، وهذا موضع تكون فيه مغنّة مشابهة لحرفى اللين ، ولهذا ما كانت النون فى (عجنّس) (4)و (هجنع) (5)كباء (عدبّس) (6)ولامى (شلعلع) (7)ولم يقطع على أن الأولى منهما لزائدة ، كما قطع على نون (جحنفل) بذلك من حيث كانت مدغمة ، وادّغامها يخرجها من الألف ؛ لأنها تصير إلى لفظ المتحركة بعدها ، وهى من الفم. وهذا أقوى ما يمكن أن يحتجّ به فى هذا الموضع.
وعلى ما نحن عليه فلو قال لك قائل : كيف تبنى من ضرب مثل (حبنطى) ؛ لقلت فيه : (ضرنبى). ولو قال : كيف تبنى مثله من قرأ ؛ لقلت : هذا لا يجوز ؛
1) اذلولى : ذلّ وانقاد. اللسان (ذلا).
2) القطو : مقاربة الخطو مع النشاط ، يقال منه : قطا فى مشيته يقطو ، واقطوطى مثله ، اللسان (قطا).
3) واخرنطم الرجل : عوّج خرطومه وسكت على غضبه ، وقيل : رفع أنفه واستكبر والمخرنطم : الغضبان المتكبر مع رفع رأسه. اللسان (خرطم).
4) العجنس : الجمل الشديد الضخم.
5) الهجنع : هو الطويل الضخم.
6) العدبّس : هو الجمل الضخم.
7) الشلعلع : الطويل.
لأنه يلزمنى أن أقول : (قرنأى) ؛ فأبيّن النون لوقوعها قبل الهمزة ، وإذا بانت ذهبت عنها غنّتها ، وإذا ذهبت غنّتها زال شبهها بحروف اللين فى نحو عثوثل (1)، وخفيدد (2)، وسرومط ، وفدوكس ، وزرارق ، وسلالم ، وعذافر ، وقراقر - على ما تقدّم - ولا يجوز أن تذهب عنها الغنّة فى هذا الموضع الذى هى محمولة فيه على حروف اللين بما فيها من الغنة التى ضارعتها بها ، وكذلك جميع حروف الحلق.
فلا يجوز أيضا أن تبنى من صرع ، ولا من جبه ، ولا من سنح ، ولا من سلخ ، ولا من فرغ ؛ لأنه كان يلزمك أن تقول : صرنعى ، وجبنهى ، وسننحى ، وسلنخى ، وفرنغى ؛ فتبيّن النون فى هذا الموضع. وهذا (لا يجوز) ؛ لما قدّمنا ذكره. ولكنّ من أخفى النون عند الخاء والغين فى نحو منخل ، ومنغل ، يجوز على مذهبه أن يبنى نحو حبنطى من سلخ وفرغ ؛ لأنه قد يكون هناك فى لغته من الغنّة ما يكون مع حروف الفم.
وقلت مرة لأبى على - رحمه - : الله قد حضرنى شيء فى علة الإتباع فى (نقيذ) وإن عرى أن تكون عينه حلقية ، وهو قرب القاف من الخاء والغين ، فكما جاء عنهم النخير والرغيف ، كذلك جاء عنهم (النقيذ) فجاز أن تشبّه القاف لقربها من حروف الحلق بها ، كما شبّه من أخفى النون عند الخاء والغين إيّاهما بحروف الفم ، فالنقيذ فى الإتباع كالمنخل والمنغل فيمن أخفى النون ؛ فرضيه وتقبّله. ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطّه فى تذكرته ، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكر (امتناع فعنلى) وبابه فيما لامه حرف حلقىّ ؛ لما يعقب ذلك من ظهور النون وزوال شبهها بحروف اللين ، والقياس يوجبه فلنكن عليه. ويؤكّده عندك أنك لا تجد شيئا من باب فعنلى ولا فعنلل ولا فعنعل بعد نونه حرف حلقى.
وقد يجوز أن يكون إنكار الخليل قوله (فارفنععا) إنما هو لتكرر الحرف الحلقىّ مع استنكارهم ذلك. ألا ترى إلى قلّة التضعيف فى باب المهه (3)، والرخخ (4)،
والبعاع (1)، والبحح ، والضغيغة (2)، والرغيغة ؛ هذا مع ما قدّمناه من ظهور النون فى هذا الموضع.
ومن ذلك قول أصحابنا : إن اسم المكان والمصدر على وزن المفعول فى الرباعىّ قليل ، إلا أن تقيسه. وذلك نحو المدحرج ، تقول : دحرجته مدحرجا ، وهذا مدحرجنا ، وقلقلته مقلقلا ، وهذا مقلقلنا ، وكذلك أكرمته مكرما وهذا مكرمك ، أى موضع إكرامك ، وعليه قول الله تعالى : (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ : 19] أى تمزيق ، وهذا ممزّق الثياب ، أى الموضع الذى تمزّق فيه. قال أبو حاتم : قرأت على الأصمعىّ فى جيميّة العجّاج :
فقال : تليله ، فقلت : بليته ، فقال : هذا لا يكون ، فقلت : أخبرنى به من سمعه من فلق فى رؤبة ، أعنى أبا زيد الأنصارىّ ، فقال : هذا لا يكون ، فقلت :
جعله مصدرا ، أى تسحيجا ، فقال : هذا لا يكون ، فقلت : فقد قال جرير :
ألم تعلم مسرّحى القوافى
فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا (4)
أى تسريحى ، فكأنه أراد أن يدفعه ، فقلت له : فقد قال الله عزوجل : (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ : 19] فأمسك.
وتقول على ما مضى : تألّفته متألّفا ، وهذا متألّفنا ، وتدهورت متدهورا ، وهذا متدهورك ، وتقاضيتك متقاضى ، وهذا متقاضانا. وتقول : اخروّط (5)مخروّطا ،
1) البعاع : الجهاز والمتاع. والبعاع : ثقل السحاب من الماء. ألقت السحابة بعاعها أى ماءها وثقل مطرها. اللسان (بعع).
2) الضغيغة : الروضة الناضرة المتخيّلة. والضغيغة والرغيغة : العجين الرقيق. اللسان (ضغغ).
3) الرجز لرؤبة فى لسان العرب (سحج) ، وللعجاج فى ديوانه 2 / 53 ، ولسان العرب (سحج) ، وتاج العروس (سحج) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 4 / 121. الجأب : حمار الوحش. والليت : صفحة العنق.
4) البيت لجرير فى ديوانه ص 651 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 97 ، والكتاب 1 / 233 ، 336 ، ولسان العرب (جلب) ، (سحج) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (يسر) ، والمقتضب 1 / 75 ، 2 / 121.
5) اخروّط السير بهم : امتدّ.
وهذا مخروّطنا ، واغدودن مغدودنا ، وهذا مغدودننا ، وتقول : اذلوليت مذلولى ، وهذا مذلولانا ، ومذلولاكنّ يا نسوة ، وتقول : اكوهدّ (1)مكوهدا ، وهذا مكوهدّكما فهذا كله من كلام العرب ، ولم يسمع منهم ، ولكنك سمعت ما هو مثله ، وقياسه قياسه ؛ ألا ترى إلى قوله :
أقاتل حتّى لا أرى لى مقاتلا
وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب (2)
وقوله :
أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا
وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس (3)
وقوله :
فقوله (مصلصله) يجوز أن يكون مصدرا أى فى صلصلته ، ويجوز أن يكون موضعا للصلصلة.
وأمّا قوله :
فمصدر ، ويبعد أن يكون موضعا أى حتى لا أرى لى موضعا للقتال : المصدر هنا أقوى وأعلى. وقال :
1) اكوهدّ الشيخ والفرخ : ارتعد.
2) البيت لكعب بن مالك فى ديوانه ص 184 ، ولسان العرب (قتل) ، ولوالده مالك بن أبى كعب فى حماسة البحترى ص 42 ، وشرح المفصل 6 / 55 ، والكتاب 4 / 96 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 291 ، وأمالى ابن الحاجب ص 375 ، وشرح الأشمونى 2 / 351 ، والمحتسب 2 / 64 ، والمقتضب 1 / 75.
3) البيت لزيد الخيل فى ديوانه ص 132 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 389 ، وفصل المقال ص 482 ، والكتاب 4 / 96 ، ولسان العرب (قتل) ، ونوادر أبى زيد ص 79 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 10 / 480 ، وفصل المقال ص 314 ، والمحتسب 2 / 64 ، وسمط اللآلى ص 345.
4) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (صلل) ، وشرح المفصل 6 / 55 ، والمنصف 3 / 27 ، وتاج العروس (صلل).
5) سبق تخريجه.
تراد على دمن الحياض فإن تعف
فإنّ المندّى رحلة فركوب (1)
أى مكان تنديتنا (2)إيّاها أن نرحلها ، فنركبها. وهذا كقوله :
تحيّة بينهم ضرب وجيع (3)
وخيل قد دلفت لها بخيل*
*أى ليست هناك تحيّة ، بل مكان التحيّة ضرب. فهذا كقول الله سبحانه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران 21 ، التوبة : 34 ، الانشقاق : 24]. وقال رؤبة :
فهذا اسم لموضع التندية أى جدب هذا المكان. وكذلك (المعوّه) مكان أيضا ، والقول فيهما واحد.
وهذا باب مطّرد متقاود. وقد كنت ذكرت طرفا منه فى كتابى (شرح تصريف أبى عثمان) ؛ غير أن الطريق ما ذكرت لك. فكل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم. ولهذا قال من قال فى العجّاج ورؤبة : إنهما قاسا اللغة وتصرّفا فيها ، وأقدما على ما لم يأت به من قبلهما. وقد كان الفرزدق يلغز بالأبيات ، ويأمر بإلقائها على ابن أبى إسحاق.
وحكى الكسائىّ أنه سأل بعض العرب عن أحد مطايب الجزور ، فقال : مطيب ؛ وضحك الأعرابىّ من نفسه كيف تكلّف لهم ذلك من كلامه. فهذا ضرب من
1) البيت لعلقمة الفحل فى ديوانه ص 42 ، وسمط اللآلى ص 254 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 71 ، وشرح اختيارات المفضل ص 1589 ، وشرح المفصل 6 / 54 ، والكتاب 3 / 19 ، ولسان العرب (ركب) ، (دمن) ، (ندى) ، وبلا نسبة فى شرح ديوان الحماسة للمرزوقى (726) ، ولسان العرب (رحل) والمقتضب 2 / 39.
2) التندية : أن تورد الإبل فتشرب قليلا ثم تجيء بها ترعى ثم تردها إلى الماء. اللسان (ندى).
3) عجز بيت لعمرو بن معد يكرب فى ديوانه ص 149 ، وخزانة الأدب 9 / 252 ، 257 ، 258 ، 261 ، 262 ، 263 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 200 ، والكتاب 3 / 50 ، ونوادر أبى زيد ص 150 ، وبلا نسبة فى أمالى ابن الحاجب 1 / 345 ، وشرح المفصل 2 / 80 ، والكتاب 2 / 323 ، والمقتضب 2 / 20 ، 4 / 413 ، ويروى صدره :
4) الرجز لرؤبة فى ديوانه ص 166 ، ولسان العرب (شأز) ، (عوه) وتهذيب اللغة 3 / 22 ، 11 / 388 ، وبلا نسبة فى تاج العروس (عوه).
القياس ركبه الأعرابى ، حتى دعاه إلى الضحك من نفسه ، فى تعاطيه إيّاه.
وذكر أبو بكر أنّ منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشكّ فيها ، فإذا رأى الاشتقاق قابلا لها أنس بها وزال استيحاشه منها. فهل هذا إلا اعتماد فى تثبيت اللغة على القياس. ومع هذا أنك لو سمعت ظرف ، ولم تسمع يظرف ؛ هل كنت تتوقف عن أن تقول يظرف ، راكبا له غير مستحى منه. وكذلك لو سمعت سلم ، ولم تسمع مضارعه ؛ أكنت ترع أو ترتدع أن تقول يسلم ، قياسا أقوى من كثير من سماع غيره. ونظائر ذلك فاشية كثيرة.
من ذلك قول لبيد :
سقى قومى بنى مجد ، وأسقى
نميرا والقبائل من هلال (1)
وقال :
أمّا ابن طوق فقد أوفى بذمّته
كما وفى بقلاص النجم حاديها (2)
وقال :
فظلت لدى البيت العتيق أخيلهو
ومطواى مشتاقان له أرقان (3)
فهاتان لغتان : أعنى إثبات الواو فى «أخيلهو» ، وتسكين الهاء فى قوله : «له» ؛ لأن أبا الحسن زعم أنها لغة لأزد السّراة ، وإذا كان كذلك فهما لغتان. وليس إسكان الهاء فى «له» عن حذف لحق بالصنعة الكلمة ؛ لكن ذاك لغة.
ومثله ما رويناه عن قطرب :
وأشرب الماء ما بى نحو هو عطش
إلا لأنّ عيونه سيل واديها (4)
1) البيت فى ديوانه ص 93 ، وتهذيب اللغة 9 / 228 ، 10 / 684 ، وتاج العروس (مجد) ، (سقى) ، والمخصص 14 / 169 ، ونوادر أبى زيد ص 213 ، وبلا نسبة فى رصف المبانى ص 50 ، ولسان العرب (مجد).
2) البيت لطفيل الغنوى فى ديوانه ص 113 ، ولسان العرب (قلص) ، (وفى) وتاج العروس (قلص) (وفى).
3) البيت ليعلى بن الأحول ، وبلا نسبة فى لسان العرب (أرق) ، وتاج العروس (أرق) ومقاييس اللغة 1 / 83. ومطواى : صاحباى ، ومعنى أخيله : أنظر إلى مخيلته ، والهاء عائدة على البرق فى بيت قبله. ومطو الرجل : صديقه وصاحبه ونظيره. اللسان (مطا).
4) البيت بلا نسبة فى خزانة الأدب 5 / 270 ، 6 / 450 ، ورصف المبانى ص 16 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 727 ، ولسان العرب (ها) ، والمحتسب 1 / 244 ، والمقرب 2 / 205 ، وهمع الهوامع 1 / 59.
فقال «نحوهو» بالواو ، وقال «عيونه» ساكن الهاء.
وأمّا قول الشمّاخ :
له زجل كأنه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير (1)
فليس هذا لغتين ؛ لأنا لا نعلم رواية حذف هذه الواو وإبقاء الضمة قبلها لغة ، فينبغى أن يكون ذلك ضرورة (وصنعة) ، لا مذهبا ولغة. وكذلك يجب عندى وينبغى ألا يكون لغة ؛ لضعفه فى القياس. ووجه ضعفه أنه ليس على مذهب الوصل ، ولا مذهب الوقف. أما الوصل فيوجب إثبات واوه كلقيتهو أمس. وأمّا الوقف فيوجب الإسكان كلقيته وكلمته ؛ فيجب أن يكون ذلك ضرورة للوزن ، لا لغة.
وأنشدنى الشجرىّ لنفسه :
وإنا ليرعى فى المخوف سوامنا
كأنه لم يشعر به من يحاربه
فاختلس ما بعد هاء «كأنه» ، ومطل ما بعد هاء «بهى) ، واختلاس ذلك ضرورة (وصنعة) على ما تقدّم به القول.
ومن ذلك قولهم : بغداد ، وبغدان. وقالوا أيضا : مغدان ؛ وطبرزل ، وطبرزن.
وقالوا للحيّة : أيم ، وأين. وأعصر ، ويعصر : أبو باهلة. والطنفسة ، والطنفسة.
(وما اجتمعت) فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به. فإذا ورد شيء من ذلك - كأن يجتمع فى لغة رجل واحد لغتان فصيحتان - فينبغى أن تتأمّل حال كلامه ؛ فإن كانت اللفظتان فى كلامه متساويتين فى الاستعمال ، كثرتهما واحدة ، فإنّ أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت فى ذلك المعنى على (ذينك اللفظين) ؛ لأن
1) البيت للشمّاخ فى ديوانه ص 155 ، والدرر 1 / 181 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 437 ، والكتاب 1 / 30 ، ولسان العرب (ها) وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 561 ، والأشباه والنظائر 2 / 379) ، وخزانة الأدب 2 / 388 ، 5 / 270 ، 271 ، ولسان العرب (زجل) والمقتضب 1 / 267 ، وهمع الهوامع 1 / 59. يصف حمارا وحشيا. الوسيقة : الأتان. يقول إذا طلب وسيقته وهى أنثاه ، صوت بها فى تطريب وترجيع ، كالحادى يتغنى بالإبل ، أو كأن صوته صوت مزمار. وانظر ديوان الشماخ 36 ، والكتاب 1 / 30.
العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه فى أوزان أشعارها ، وسعة تصرّف أقوالها. وقد يجوز أن تكون لغته فى الأصل إحداهما ، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى ، وطال بها عهده ، وكثر (استعماله لها) ، فلحقت - لطول المدّة واتصال استعمالها - بلغته الأولى.
وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر فى كلامه من صاحبتها فأخلق الحالين به فى ذلك أن تكون القليلة فى الاستعمال هى المفادة ، والكثيرة هى الأولى الأصليّة.
نعم ، وقد يمكن فى هذا أيضا أن تكون القلى منهما إنما قلّت فى استعماله لضعفها فى نفسه ، وشذوذها عن قياسه ، وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته. وذلك أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة ما غيره أقوى فى القياس منه ؛ ألا ترى إلى حكاية أبى العباس عن عمارة قراءته (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [يس : 40] بنصب النهار ، وأن أبا العباس قال له : ما أردت؟ فقال : أردت «سابق النهار» قال أبو العباس فقلت له. فهلا قلته؟ فقال : لو قلته لكان أوزن ؛ أى أقوى. فهذا يدلك على أنهم قد يتكلّمون بما غيره عندهم أقوى منه ، (وذلك) لاستخفافهم الأضعف ؛ إذ لو لا ذلك لكان الأقوى أحقّ وأحرى ؛ كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة ؛ إذ لو لا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المسامحة.
[وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت فى لغة إنسان واحد فإن أخرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفا منها ؛ من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ فى المعنى الواحد على ذلك كلّه. هذا غالب الأمر ، وإن كان الآخر فى وجه من القياس جائزا.
وذلك كما جاء عنهم فى أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك ، وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد] نحو قولهم : هى رغوة اللبن ، ورغوته ، ورغوته ، ورغاوته ، ورغاوته ، ورغايته. وكقولهم : الذروح ، والذرّوح ، والذّرّيح ، والذرّاح ، والذرّح ، والذرنوح ، والذرحرح ، والذرّحرح (1)؛ روينا ذلك كله. وكقولهم : جئته من عل ، ومن عل ، ومن علا ، ومن علو ، ومن علو ، ومن علو ، ومن علو ، ومن عال ، ومن معال. فإذا أرادوا النكرة قالوا : من عل. وهاهنا من هذا ونحوه
1) كل ذلك : دويبّة أعظم من الذباب شيئا مجزع مبرقش بحمرة وسواد وصفرة. اللسان (ذرح).
أشباه له كثيرة].
وكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات ، اجتمعت لإنسان واحد ، من هنّا ومن هنّا. ورويت عن الأصمعىّ قال : اختلف رجلان فى الصقر ، فقال أحدهما : الصقر (بالصاد) ، وقال الآخر : السّقر (بالسين) ؛ فتراضيا بأوّل وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه. فقال : لا أقول كما قلتما ؛ إنما هو الزّقر. أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة ، كيف أفاد فى هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها. وهكذا تتداخل اللغات. وسنفرد لذلك بابا بإذن الله عزوجل.
فقد وضح ما أردنا بيانه من حال اجتماع اللغتين أو اللغات فى كلام الواحد من العرب.
اعلم أن هذا موضع قد دعا أقواما ضعف نظرهم ، وخفّت إلى تلقّى ظاهر هذه اللغة أفهامهم ، أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم ، وادّعوا أنها موضوعة فى أصل اللغة على ما سمعوه بأخرة من أصحابها ، وأنسوا ما كان ينبغى أن يذكروه ، وأضاعوا ما كان واجبا أن يحفظوه. ألا تراهم كيف ذكروا فى الشذوذ ما جاء على فعل يفعل ؛ نحو نعم ينعم ، ودمت تدوم ، ومتّ تموت. وقالوا أيضا فيما جاء من فعل يفعل ، وليس عينه ولا لامه حرفا حلقيّا ؛ نحو قلى يقلى ، وسلا يسلى ، وجبى يجبى ، وركن يركن ، وقنط يقنط.
ومما عدّوه شاذا ما ذكروه من فعل فهو فاعل ؛ نحو طهر فهو طاهر ، وشعر فهو شاعر ، وحمض فهو حامض ، وعقرت المرأة فهى عاقر ؛ ولذلك نظائر كثيرة.
واعلم أن أكثر ذلك وعامّته إنما هو لغات تداخلت فتركّبت ، على ما قدّمناه فى الباب الذى هذا الباب يليه. هكذا ينبغى أن يعتقد ، وهو أشبه بحكمة العرب.
وذلك أنه قد دلّت الدلالة على وجوب مخالفة صيغة الماضى لصيغة المضارع ؛ إذ الغرض فى صيغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة ، فجعل لكل زمان مثال مخالف لصاحبه ، وكلّما ازداد الخلاف كانت فى ذلك قوّة الدلالة على الزمان.
فمن ذلك أن جعلوا بإزاء حركة فاء الماضى سكون فاء المضارع ، وخالفوا بين عينيهما ، فقالوا : ضرب يضرب ، وقتل يقتل ، وعلم يعلم.
فإن قلت : فقد قالوا : دحرج يدحرج ؛ فحرّكوا فاء المضارع والماضى جميعا ، وسكّنوا عينيهما أيضا ؛ قيل : لمّا فعلوا ذلك فى الثلاثيّ الذى هو أكثر استعمالا ، وأعمّ تصرّفا ، وهو كالأصل للرباعىّ ، لم يبالوا ما فوق ذلك ممّا جاوز الثلاثة.
وكذلك أيضا قالوا : تقطع يتقطّع ، وتقاعس يتقاعس ، وتدهور يتدهور ، ونحو ذلك ؛ لأنهم أحكموا الأصل الأوّل الذى هو الثلاثيّ ، فقلّ حفلهم بما وراءه ؛ كما أنهم لمّا أحكموا أمر المذكور فى التثنية ، فصاغوها على ألفها ، لم يحفلوا بما عرض فى المؤنّث من اعتراض علم التأنيث بين الاسم وبين ما هو مصوغ عليه من
علمها ؛ نحو قائمتان وقاعدتان.
فإن قلت : فقد نجد فى الثلاثيّ ما تكون حركة عينيه فى الماضى والمضارع سواء ، وهو باب فعل ؛ نحو كرم يكرم ، وظرف يظرف.
قيل : على كل حال فاؤه فى المضارع ساكنة ، وأمّا موافقة حركة عينيه فلأنه ضرب قائم فى الثلاثيّ برأسه ؛ ألا تراه غير متعدّ البتّة ، وأكثر باب فعل وفعل متعدّ. فلمّا جاء هذا مخالفا لهما - وهما أقوى وأكثر منه - خولف بينهما وبينه ، فوفّق بين حركتى عينيه ، وخولف بين حركتى عينيهما. وإذا ثبت وجوب خلاف صيغة الماضى صيغة المضارع وجب أن يكون ما جاء من نحو سلا يسلى ، وقلى يقلى (ونحو ذلك) ، ممّا التقت
فيه حركتا عينيه منظورا فى أمره ، ومحكوما عليه بواجبه. فنقول : إنهم قد قالوا : قليت الرجل وقليته. فمن قال : قليته فإنه يقول أقليه ، ومن قال قليته قال : أقلاه. وكذلك من قال : سلوته قال : أسلوه ؛ ومن قال سليته قال : أسلاه ، ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا ، وهذا لغة هذا ، فأخذ كل واحد منهما من صاحبه ما ضمّه إلى لغته ، فتركّبت هناك لغة ثالثة ؛ كأنّ من يقول سلا أخذ مضارع من يقول سلى ، فصار فى لغته سلا يسلى.
فإن قلت : فكان يجب على هذا أن يأخذ من يقول سلى مضارع من يقول سلا ، فيجىء من هذا أن يقال : سلى يسلو.
قيل : منع من ذلك أن الفعل إذا أزيل ماضيه عن أصله ، سرى ذلك فى مضارعه ، وإذا اعتلّ مضارعه سرى ذلك فى ماضيه ؛ إذ كانت هذه المثل تجرى عندهم مجرى المثال الواحد ؛ ألا تراهم لمّا أعلّوا «شقى» أعلّوا أيضا مضارعه ، فقالوا يشقيان : ولمّا أعلّوا «يغرى» أعلّوا أيضا أغريت ؛ ولمّا أعلّوا «قام» أعلّوا أيضا يقوم. فلذلك لم يقولوا : سليت تسلو ، فيعلّوا الماضى ويصحّحوا المضارع.
فإن قيل : فقد قالوا : محوت تمحى ، وبأوت تبأى ، وسعيت تسعى ، ونأيت تنأى ؛ فصحّحوا الماضى وأعلّوا المستقبل.
قيل : إعلال الحرفين إلى الألف لا يخرجهما كل الإخراج عن أصلهما ؛ ألا ترى أن الألف حرف ينصرف إليه عن الياء والواو جميعا ، فليس للألف خصوص
بأحد حرفى العلّة ، فإذا قلب واحد منهما إليه فكأنه مقرّ على بابه ؛ ألا ترى أن الألف لا تكون أصلا فى الأسماء ولا فى الأفعال ، وإنما هى مؤذنة بما هى بدل منه ، وكأنها هى هو ؛ وليست كذلك الواو والياء ؛ لأن كل واحدة منهما قد تكون أصلا كما تكون بدلا. فإذا أخرجت الواو إلى الياء اعتدّ ذلك ؛ لأنك أخرجتها إلى صورة تكون الأصول عليها ، والألف لا تكون أصلا أبدا فيهما ، فكأنها هى ما قلبت عنه البتّة ؛ فاعرف ذلك ، فإن أحدا من أصحابنا لم يذكره.
ومما يدلّك على صحّة الحال فى ذلك أنهم قالوا : غزا يغزو ، ورمى يرمى ، فأعلّوا الماضى بالقلب ، ولم يقلبوا المضارع ، لمّا كان اعتلال لام الماضى إنما هو بقلبها ألفا ، والألف لدلالتها على ما قلبت عنه كأنها هى هو ، فكأن لا قلب هناك : فاعرف ذلك.
ويدلّك على استنكارهم أن يقولوا : سليت تسلو ؛ لئلا يقلبوا فى الماضى ولا يقلبوا فى المضارع أنهم قد جاءوا فى الصحيح بذلك لمّا لم يكن فيه من قلب الحرف فى الماضى ، وترك قلبه فى المضارع ما جفا عليهم ؛ وهو قولهم : نعم ينعم ، وفضل يفضل. وقالوا فى المعتلّ : مت تموت ، ودمت تدوم ؛ وحكى فى الصحيح أيضا حضر القاضى يحضره. فنعم فى الأصل ماضى ينعم ، وينعم فى الأصل مضارع نعم ، ثم تداخلت اللغتان ، فاستضاف من يقول نعم لغة من يقول ينعم ، فحدثت هناك لغة ثالثة.
فإن قلت : فكان يجب على هذا أن يستضيف من يقول : نعم مضارع من يقول نعم ، فتركّب من هذا أيضا لغة ثالثة ؛ وهى نعم ينعم.
قيل : منع من هذا أن فعل لا يختلف مضارعه أبدا ، وليس كذلك نعم ؛ لأن نعم قد يأتى فيه ينعم وينعم جميعا ، فاحتمل خلاف مضارعه ، وفعل لا يحتمل مضارعه الخلاف ؛ ألا تراك كيف تحذف فاء وعد فى يعد ؛ لوقوعها بين ياء وكسرة ، وأنت مع ذلك تصحّح نحو وضؤ ووطؤ ، إذا قلت : يوضؤ ويوطئ ، وإن وقعت الواو بين ياء وضمة ، ومعلوم أن الضمّة أثقل من الكسرة ، لكنه لمّا كان مضارع فعل لا يجيء مختلفا لم يحذفوا فاء وضؤ ، ولا وطؤ ، ولا وضع ؛ لئلا يختلف باب ليس من عادته أن يجيء مختلفا.
فإن قلت : فما بالهم كسروا عين ينعم ، وليس فى ماضيه إلا نعم ، ونعم ، وكل واحد من فعل وفعل ليس له حظّ من باب يفعل.
قيل : هذا طريقه غير طريق ما قبله. فإما أن يكون ينعم - بكسر العين - جاء على ماض وزنه فعل ، غير أنهم لم ينطقوا به استغناء عنه بنعم ونعم ، كما استغنوا بترك عن وذر ، وودع ، وكما استغنوا بملامح عن تكسير لمحة ؛ وغير ذلك. أو يكون فعل فى هذا داخلا على فعل ؛ فكما أن فعل بابه يفعل ، كذلك شبّهوا بعض فعل به فكسروا عين مضارعه ، كما ضمّوا فى ظرف عين ماضيه ومضارعه. فنعم ينعم فى هذا محمول على كرم يكرم ، كما دخل يفعل فيما ماضيه فعل ؛ نحو قتل يقتل على باب يشرف ويظرف. وكأن باب يفعل إنما هو لما ماضيه فعل ، ثم دخلت يفعل فى فعل على يفعل ؛ لأن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل. ألا ترى أن ما ماضيه فعل إنما بابه فتح عين مضارعه ؛ نحو ركب يركب ، وشرب يشرب. فكما فتح المضارع لكسر الماضى ، فكذلك أيضا ينبغى أن يكسر المضارع لفتح الماضى.
وإنما دخلت يفعل فى باب فعل على يفعل من حيث كانت كل واحدة من الضمّة والكسرة مخالفة للفتحة ، ولمّا آثروا خلاف حركة عين المضارع لحركة عين الماضى ووجدوا الضمة مخالفة للفتحة خلاف الكسرة لها عدلوا فى بعض ذاك إليها ، فقالوا : قتل يقتل ، ودخل يدخل ، وخرج يخرج.
وأنا أرى أنّ يفعل فيما ماضيه فعل فى غير المتعدّى أقيس من يفعل ؛ فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل ، وقعد يقعد أقيس من جلس يجلس. وذلك أن يفعل إنما هى فى الأصل لما لا يتعدّى ؛ نحو كرم يكرم ، على ما شرحنا من حالها. فإذا كان كذلك كان أن يكون فى غير المتعدّى فيما ماضيه فعل أولى وأقيس.
فإن قيل : فكيف ذلك ونحن نعلم أن يفعل فى المضاعف المتعدّى أكثر من يفعل ؛ نحو شدّه يشدّه ، ومدّه يمدّه ، وقدّه يقدّه ، وجزّه يجزّه ، وعزّه يعزّه ، وأزّه يؤزّه ، وعمّه يعمّه ، وأمّه يؤمّه ، وضمّه يضمّه ، وحلّه يحلّه ، وسلّه يسلّه ، وتلّه يتلّه. ويفعل فى المضاعف قليل محفوظ ، نحو هرّه يهرّه ، وعلّه يعلّه ، وأحرف قليلة. وجميعها يجوز فيه «أفعله» نحو علّه يعلّه ، وهرّه يهرّه ؛ إلا حبّه يحبّه فإنه
مكسور المضارع لا غير.
قيل : إنما جاز هذا فى المضاعف لاعتلاله ، والمعتلّ كثيرا ما يأتى مخالفا للصحيح ؛ نحو سيّد ، وميّت ، وقضاة ، وغزاة ، ودام ديمومة ، وسار سيرورة. فهذا شيء عرض قلنا فيه ، ولنعد.
وكذلك حال قولهم قنط يقنط ، إنما هو لغتان تداخلتا. وذلك أن قنط يقنط لغة ، وقنط يقنط أخرى ، ثم تداخلتا فتركّبت لغة ثالثة. فقال من قال قنط : يقنط ، ولم يقولوا : قنط يقنط ؛ لأن آخذا إلى لغته لغة غيره قد يجوز أن يقتصر على بعض اللغة التى أضافها إلى لغته دون بعض. وأمّا حسب يحسب ، ويئس ييئس ، ويبس ييبس فمشبّه بباب كرم يكرم ، على ما قلنا فى نعم ينعم. وكذلك متّ تموت ، ودمت تدوم ، وإنما تدوم وتموت على من قال متّ ودمت ، وأمّا مت ودمت فمضارعهما تمات وتدام ؛ قال :
يا ميّ لا غرو ولا ملاما
فى الحبّ إن الحبّ لن يداما (1)
وقال :
بنىّ يا سيّدة البنات
عيشى ولا يؤمن أن تمانى (2)
ثم تلاقى صاحبا اللغتين ، فاستضاف هذا بعض لغة هذا ، وهذا بعض لغة هذا ، فتركّبت لغة ثالثة. قال الكسائىّ : سمعت من أخوين من بنى سليم يقولان : نما ينمو ، ثم سألت بنى سليم عنه فلم يعرفوه. وأنشد أبو زيد لرجل من بنى عقيل :
ألم تعلمى ما ظلت بالقوم واقفا
على طلل أضحت معارفه قفرا (3)
فكسروا الظاء فى إنشادهم وليس من لغتهم.
وكذلك القول فيمن قال : شعر فهو شاعر ، وحمض فهو حامض ، وخثر فهو
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (دوم) ، وجمهرة اللغة ص 1308 ، وتاج العروس (دوم).
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (موت) ، وجمهرة اللغة ص 1307 ، وشرح شافية ابن الحاجب 1 / 137 ، وشرح شواهد الشافية ص 57 وتاج العروس (موت). وفى الصحاح «بنيتى سيدة» ، «ولا نأمن».
3) البيت لرجل من بنى عقيل فى لسان العرب (ظلل) ، وتاج العروس (ظلل).
خاثر : إنما هى على نحو من هذا. وذلك أنه يقال : خثر وخثر ، وحمض وحمض ، وشعّر وشعر ، وطهر وطهر ، فجاء شاعر ، وحامض ، وخاثر ، وطاهر على حمض ، وشعر ، وخثر ، وطهر ، ثم استغنى بفاعل عن «فعيل» وهو فى أنفسهم وعلى بال من تصوّرهم. يدلّ على ذلك تكسيرهم لشاعر : شعراء لمّا كان فاعل هنا واقعا موقع «فعيل» كسّر تكسيره ؛ ليكون ذلك أمارة ودليلا على إرادته ، وأنه مغن عنه ، وبدل منه ؛ كما صحّح العواور ليكون دليلا على إرادة الياء فى العواوير ، ونحو ذلك.
وعلى ذلك قالوا : عالم وعلماء - قال سيبويه : يقولها من لا يقول عليم - لكنه لمّا كان العلم إنما يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنه غريزة ، ولم يكن على أوّل دخوله فيه ، ولو كان كذلك لكان متعلّما لا عالما ، فلمّا خرج بالغريزة إلى باب فعل صار عالم فى المعنى كعليم ، فكسّر تكسيره ، ثم حملوا عليه ضدّه ، فقالوا : جهلاء كعلماء ، وصار علماء كحلماء ؛ لأن العلم محلمة لصاحبه ، وعلى ذلك جاء عنهم فاحش وفحشاء ، لم 3 كان الفحش ضربا من ضروب الجهل ، ونقيضا للحلم ؛ أنشد الأصمعىّ - فيما روينا عنه - :
وهل علمت فحشاء جهله (1)
ممغوثة أعراضهم ممرطلة*
*وأما غسا يغسى ، وجبى يجبى ، فإنه كأبى يأبى. وذلك أنهم شبّهوا الألف فى آخره بالهمزة فى قرأ يقرأ ، وهدأ يهدأ. وقد قالوا غسى يغسى ، فقد يجوز أن يكون غسا يغسى من التركّب الذى تقدّم ذكره. وقالوا أيضا جبى يجبى ، وقد أنشد أبو زيد :
يا إبلى ما ذا مه فتأبيه (2)
ماء رواء ونصى حوليه*
*فجاء به على وجه القياس ، كأتى يأتى. كذا رويناه عنه ، وقد تقدم ذكره ، وأننى
قد شرحت حال هذا الرجز فى كتابى «فى النوادر الممتعة».
واعلم أن العرب يختلف أحوالها فى تلقّى الواحد منها لغة غيره ؛ فمنهم من يخفّ ويسرع قبول ما يسمعه ، ومنهم من يستعصم فيقيم على لغته البتّة ، ومنهم من إذا طال تكرر لغة غيره عليه لصقت به ، ووجدت فى كلامه ؛ ألا ترى إلى قول رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقد قيل : يا نبئ الله ، فقال : «لست بنبيء الله ولكننى نبىّ الله» (1)وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أنكر الهمز فى اسمه فردّه على قائله ، لأنه لم يدر بم سمّاه ، فأشفق أن يمسك على ذلك ، وفيه شيء يتعلق بالشرع ، فيكون بالإمساك عنه مبيح محظور ، أو حاظر مباح.
وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال : اجتمع أبو عبد الله بن الأعرابىّ وأبو زياد الكلابىّ على الجسر ببغداد ، فسأل أبو زياد أبا عبد الله عن قول النابغة الذبيانىّ :
يطوف بها وسط اللطيمة بائع
والمبناة : الحصير أو النطع يبسطه التاجر على بيعه ، وكانوا يجعلون الحصر على الأنطاع يطوفون بها ، وإنما سميت بمناة لأنها تتخذ من أدم يوصل بعضها ببعض.
*فقال أبو عبد الله (3): النّطع (4)، فقال أبو زياد : لا أعرفه ، فقال : النطع ، فقال أبو زياد : نعم ، أفلا ترى كيف أنكر غير لغته على قرب بينهما.
وحدّثنى أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبى بكر محمد بن هارون الرّويانى
1) أخرجه الحاكم فى المستدرك (2 / 231) ، من طريق حمران بن أعين عن أبى الأسود الديلى عن أبى ذر مرفوعا ، وقال : «صحيح على شرط الشيخين» ، وردّه الذهبى بقوله : «قلت : بل منكر لم يصح ، قال النسائى : حمران ليس بثقة ، وقال أبو داود : رافضى روى عن موسى بن عبيدة وهو واه ..».
2) جزء من بيت له فى الديوان ص 31 ، ولسان العرب (نطع) ، (بنى) ، وكتاب العين (7 / 433 ، 8 / 382) وتهذيب اللغة 13 / 357 ، 5 / 494 ، وتاج العروس (نطع) ، (بنى) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (لطم) ، ومقاييس اللغة 1 / 305 ، ويروى البيت كاملا :
على ظهر مبناة جديد سيورها
3) أبو عبد الله : هو ابن الأعرابى.
4) القصة فى اللسان (نطع).
عن أبى حاتم قال : قرأ علىّ أعرابىّ بالحرم : «طيبى لهم وحسن مآب» [الرعد : 29] ، فقلت : طوبى ، فقال طيبى ، قلت طوبى ، قال طيبى. فلمّا طال علىّ قلت : طوطو ، فقال طى طى. أفلا ترى إلى استعصام هذا الأعرابىّ بلغته وتركه متابعة أبى حاتم.
والخبر المرفوع فى ذلك ؛ وهو سؤال أبى عمرو أبا خيرة عن قولهم : استأصل الله عرقاتهم (1)؛ فنصب أبو خيرة التاء من «عرقاتهم» ، فقال له أبو عمرو : هيهات أبا خيرة ، لان جلدك. وذلك أن أبا عمرو استضعف النصب بعد ما كان سمعها منه بالجرّ ، قال : ثم رواها فيما بعد أبو عمرو بالنصب والجرّ ، فإمّا أن يكون سمع النصب من غير أبى خيرة ممن يرضى عربيّته ، وإما أن يكون قوى فى نفسه ما سمعه من أبى خيرة من نصبها. ويجوز أيضا أن يكون قد أقام الضعف فى نفسه فحكى النصب على اعتقاده ضعفه ، وذلك أن الأعرابىّ قد ينطق بالكلمة يعتقد أن غيرها أقوى فى نفسه منها ؛ ألا ترى أن أبا العباس حكى عن عمارة أنه كان يقرأ (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [يس : 40] بالنصب ؛ قال أبو العباس : فقلت له ما أردت؟ فقال : سابق النهار ، فقلت له فهلا قلته؟ فقال : لو قلته لكان أوزن ؛ أى أقوى.
وقد ذكرنا هذه الحكاية للحاجة إليها فى موضع آخر ؛ ولا تستنكر إعادة الحكاية ، فربما كان فى الواحدة عدّة أماكن مختلفة يحتاج فيها إليها.
فأمّا قولهم : عقرت فهى عاقر ؛ فليس «عاقر» عندنا بجار على الفعل جريان قائم وقاعد عليه ، وإنما هو اسم بمعنى النسب بمنزلة امرأة طاهر ، وحائض ، وطالق.
وكذلك قولهم : طلقت فهى طالق ؛ فليس عاقر من عقرت بمنزلة حامض من حمض ، ولا خاثر من خثر ، ولا طاهر من طهر ، ولا شاعر من شعر ؛ لأن كل واحد من هذه هو اسم الفاعل ، وهو جار على فعل (فاستغنى به عما يجرى على فعل ، وهو) فعيل على ما قدّمناه.
وسألت أبا على - رحمهالله - ، فقلت : قولهم حائض بالهمزة يحكم بأنه جار
1) تقول العرب : استأصل الله عرقاتهم وعرقاتهم ، أى شأفتهم ، فعرقاتهم بالكسر ، جمع عرق ، كأنه عرق وعرقات ، كعرس وعرسات. وقد يكون عرقاتهم بالفتح ، جمع عرق وعرقة ، ومنهم من أجراه مجرى سعلاة وانظر اللسان (عرق).
على حاضت ؛ لاعتلال عين فعلت. فقال : هذا لا يدلّ. وذلك أن صورة فاعل مما عينه معتلّة لا يجيء إلا مهموزا ، جرى على الفعل أو لم يجر ؛ لأن بابه أن يجرى عليه ، فحملوا ما ليس جاريا عليه ، على حكم الجارى عليه ؛ لغلبته إيّاه فيه. وقد ذكرت هذا فيما مضى.
فاعرف ما رسمت لك ، واحمل [ما يجيء منه عليه] ؛ فإنه كثير ، وهذا طريق قياسه.
إذا اتّفق شيء من ذلك نظر فى حال ذلك العربىّ وفيما جاء به. فإن كان الإنسان فصيحا فى جميع ما عدا ذلك القدر الذى انفرد به ، وكان ما أورده ممّا يقبله القياس ، إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان ، فإنّ الأولى فى ذلك أن يحسن الظنّ به ، ولا يحمل على فساده.
فإن قيل : فمن أين ذلك له ، وليس مسوّغا أن يرتجل لغة لنفسه؟
قيل : قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها ، وعفا رسمها ، وتأبّدت (1)معالمها. أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجّاج عن أبى خليفة الفضل بن الحباب قال : قال ابن عون عن ابن سيرين ، قال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه : كان الشعر علم القوم ، ولم يكن لهم علم أصحّ منه ، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ، ولهيت عن الشعر وروايته ، فلمّا كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنّت العرب فى الأمصار ، راجعوا رواية الشعر ، فلم يئولوا إلى ديوان مدوّن ، ولا كتاب مكتوب ، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل ، فحفظوا أقلّ ذلك ، وذهب عنهم كثيره.
وحدّثنا أبو بكر أيضا عن أبى خليفة قال : قال يونس بن حبيب : قال أبو عمرو بن العلاء : ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه ، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير. فهذا ما تراه ، وقد روى فى معناه كثير.
وبعد فلسنا نشكّ فى بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابنى نزار ؛ فقد يمكن أن يقع شيء من تلك اللغة فى لغتهم فيساء الظنّ فيه بمن سمع منه ، وإنما هو منقول من تلك اللغة.
ودخلت يوما على أبى علىّ - رحمهالله - خاليا فى آخر النهار ، فحين رآنى قال
1) تأبد المنزل : أقفر وألفته الوحوش.
لى : أين أنت؟ أنا أطلبك. قلت : وما ذلك؟ قال : ما تقول فيما جاء عنهم من حوريت (1)؟ فخضنا معا فيه ، فلم نحل بطائل منه ، فقال : هو من لغة اليمن ، ومخالف للغة ابنى نزار ، فلا ينكر أن يجيء مخالفا لأمثلتهم.
وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد (2)بن العباس اليزيدىّ ، قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجانىّ ، قال حدّثنى محمد بن يزيد بن ربّان ، قال أخبرنى رجل عن حمّاد الراوية ، قال : أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب فى الطنوج (3)- قال : وهى الكراريس - ، ثم دفنها فى قصره الأبيض. فلمّا كان المختار بن أبى عبيد قيل له : إنّ تحت القصر كنزا ، فاحتفره ، فأخرج تلك الأشعار ، فمن ثمّ أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة. وهذا ونحوه مما يدلّك على تنقّل الأحوال بهذه اللغة ، واعتراض الأحداث عليها ، وكثرة تغوّلها وتغيرها.
فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطإ ، ما وجد طريق إلى تقبّل ما يورده ، إذا كان القياس يعاضده ؛ فإن لم يكن القياس مسوّغا له ؛ كرفع المفعول ، وجرّ الفاعل ، ورفع المضاف إليه ، فينبغى أن يردّ. وذلك لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا ، فلم يبق له عصمة تضيفه ، ولا مسكة تجمع شعاعه.
فأمّا قول الشاعر - فيما أنشده أبو الحسن - :
يوم الصليفاء لم يوفون بالجار (4)
لو لا فوارس من ذهل وأسرتهم*
*1) اسم موضع.
2) القصة فى اللسان (طنج).
3) الطنوج : الكراريس. ولم يذكر لها واحد. اللسان والقاموس (طنج).
4) عجز البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى الجنى الدانى ص 266 ، وخزانة الأدب 1 / 205 ، 9 / 3 ، 11 / 431 ، والدرر 5 / 68 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 448 ، وشرح الأشمونى 3 / 576 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 674 ، وشرح عمدة الحافظ ص 376 ، وشرح المفصل 7 / 8 ، ولسان العرب (صلف) : والمحتسب 2 / 42 ، ومغنى اللبيب 1 / 277 ، 339 ، والمقاصد النحوية 4 / 446 ، وهمع الهوامع 2 / 56. وصدر البيت :
فإنه شبه للضرورة لم ب- «لا» ، فقد يشبّه حروف النفى بعضها ببعض ، وذلك لاشتراك الجميع فى دلالته عليه ؛ ألا ترى إلى قوله - أنشدناه - :
أجدّك لم تغتمض ليلة
فترقدها مع رقّادها (1)
فاستعمل «لم» فى موضع الحال ، وإنما ذلك من مواضع ما النافية للحال.
وأنشدنا أيضا :
أجدّك لن ترى بثعيلبات
ولا بيدان ناجية ذمولا (2)
استعمل أيضا «لن» فى موضع «ما».
وسألت أبا علىّ - رحمهالله - عن قوله :
أبيت أسرى وتبيتى تدلكى
وجهك بالعنبر والمسك الذكى (3)
فخضنا فيه ، واستقرّ الأمر فيه على أنه حذف النون من تبيتين ، كما حذف الحركة للضرورة فى قوله :
فاليوم أشرب غير مستحقب (4)
إثما من الله ولا واغل*
*1) البيت من المتقارب ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 119 ، ومقاييس اللغة 1 / 407.
2) البيت من الوافر ، وهو للمرار بن سعيد فى ديوانه ص 475 ، وأساس البلاغة (طفل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (بيد) ، وتاج العروس (بيد).
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (دلك) ، (ردم) ، والأشباه والنظائر 1 / 82 ، 3 / 95 ، وخزانة الأدب 8 / 339 ، 340 ، 425 ، والدرر 1 / 160 ، ورصف المبانى ص 361 ، وشرح التصريح 1 / 111 ، والمحتسب 2 / 22 ، وهمع الهوامع 1 / 51.
4) صدر البيت من السريع ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 122 ، وإصلاح المنطق ص 245 ، 322 ، والأصمعيات ص 130 ، وجمهرة اللغة ص 962 ، وحماسة البحترى ص 36 ، وخزانة الأدب 4 / 106 ، 8 / 350 ، 354 ، 355 ، والدرر 1 / 175 ، ورصف المبانى ص 327 ، وشرح التصريح 1 / 88 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 612 ، 1176 ، وشرح شذور الذهب ص 276 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 256 ، وشرح المفصل 1 / 48 ، والشعر والشعراء 1 / 122 ، والكتاب 4 / 204 ، ولسان العرب (حقب) ، (دلك) ، (وغل) ، والمحتسب 1 / 15 ، 110 ، وتاج العروس (وغل) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 66 ، والاشتقاق ص 337 ، وخزانة الأدب 1 / 152 ، 3 / 463 ، 4 / 484 ، 8 / 339 ، والمقرب 2 / 205 ، وهمع الهوامع 1 / 54. وعجز البيت :
كذا وجّهته معه ، فقال لى : فكيف تصنع بقوله «تدلكى»؟ قلت : نجعله بدلا من «تبيتى» أو حالا فنحذف النون ؛ كما حذفها من الأوّل فى الموضعين ، فاطمأنّ الأمر على هذا. وقد يجوز أن يكون «تبيتى» فى موضع النصب بإضمار «أن» فى غير الجواب ؛ كما جاء بيت الأعشى :
لنا هضبة لا ينزل الذّل وسطها
ويأوى إليها المستجير فيعصما (1)
وأنشد أبو زيد - وقرأته عليه - : ... (2)
وفى الصحصحيين الذين ترحلوا
كواعب من بكر تسام وتحبلا
وتروى «تحبلا» بالنصب حيث لا ناصب. فقد يكون الشاهد الذى أراده ابن جنى هو هذا. وإن كان شارح النوادر على بن سليمان الأخفش الصغير يخرج هذا على أن الألف بدل من نون التوكيد ، فلا يكون الفعل منصوبا ، فإن ابن جنى لا يذهب هنا هذا المذهب. (نجار).
.فجاء به على إضمار «أن» كبيت الأعشى.
فأمّا قول الآخر :
إن تهبطين بلاد قو
م يرتعون من الطلاح (3)
فيجوز أن تكون «أن» هى الناصبة للاسم مخفّفة ، غير أنه أولاها الفعل بلا فصل ؛ كما قال الآخر :
إن تحملا حاجة لى خفّ محملها
تستوجبا نعمة عندى بها ويدا
أن تقرءان على أسماء - ويحكما -
منّى السلام وألا تعلما أحدا
سألت عنه أبا علىّ رحمهالله فقال : هى مخفّفة من الثقيلة ؛ كأنه قال : أنكما
1) البيت من الطويل ، وهو لطرفة بن العبد فى ملحق ديوانه ص 159 ، والرد على النحاة ص 126 ، والكتاب 3 / 40 ، وللأعشى فى خزانة الأدب 8 / 339 ، ولسان العرب (دلك) ، 1 / 197 ، وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص 123 ، ورصف المبانى ص 226 ، 379 ، والمقتضب 2 / 24.
2) وقد خلت الأصول التى بيدى من البيت الشاهد ، وكتب مكانه عبارة «بياض بالأصل» كما أثبت. وفى نوادر أبى زيد (208) من مقطوعة للقحيف العقيلى :
3) البيت من مجزوء الكامل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (طلح) ، (صلف) ، (أنن) ، وتهذيب اللغة (4 / 383 ، 384 ، وتاج العروس (طلح).
تقرءان ، إلا أنه خفّف من غير تعويض. وحدّثنا (1)أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال : شبّه «أن» ب- «ما» فلم يعملها كما لم يعمل ما.
فأمّا ما حكاه الكسائىّ عن قضاعة من قولها : مررت به ، والمال له ؛ فإنّ هذا فاش فى لغتها كلها لا فى واحد من القبيلة ، وهذا غير الأوّل.
فإن كان الرجل الذى سمعت منه تلك اللغة المخالفة للغات الجماعة مضعوفا فى قوله ، مألوفا منه لحنه وفساد كلامه حكم عليه ولم يسمع ذلك منه. هذا هو الوجه ، وعليه ينبغى أن يكون العمل. وإن كان قد يمكن أن يكون مصيبا فى ذلك لغة قديمة ، مع ما فى كلامه من الفساد فى غيره ، إلا أنّ هذا أضعف القياسين.
والصواب أن يردّ ذلك عليه ولا يتقبّل منه. فعلى هذا مقاد هذا الباب فاعمل عليه.
1) وانظر القصة فى اللسان (أنن).
وإنما يقع ذلك فى كلامهم إذا استغنت بلفظ عن لفظ ؛ كاستغنائهم بقولهم : ما أجود جوابه عن قولهم : ما أجوبه ، أو لأن قياسا آخر عارضه فعاق عن استعمالهم إيّاه ؛ وكاستغنائهم ب- «كاد زيد يقوم» عن قولهم : كاد زيد قائما أو قياما. وربما خرج ذلك فى كلامهم ؛ قال تأبّط شرّا :
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا
وكم مثلها فارقتها وهى تصفر (1)
هكذا صحّة رواية هذا البيت ، وكذلك هو فى شعره. فأمّا رواية من لا يضبطه : وما كنت آئبا ، ولم أك آئبا فلبعده عن ضبطه. ويؤكّد ما رويناه نحن مع وجوده فى الديوان أن المعنى عليه ؛ ألا ترى أن معناه : فأبت وما كدت أئوب ؛ فأمّا (كنت) فلا وجه لها فى هذا الموضع.
ومثل ذلك استغناؤهم بالفعل عن اسم الفاعل فى خبر (ما) فى التعجّب ؛ نحو قولهم : ما أحسن زيدا ، ولم يستعملوا هنا اسم الفاعل (وإن) كان الموضع فى خبر المبتدأ إنما هو للمفرد دون الجملة.
وممّا رفضوه استعمالا وإن كان مسوّغا قياسا وذر ، وودع ؛ استغنى عنهما بترك.
ومما يجوز فى القياس - وإن لم يرد به استعمال - الأفعال التى وردت مصادرها ورفضت هى ؛ نحو قولهم : فاظ الميّت يفيظ فيظا وفوظا. ولم يستعملوا من فوظ فعلا. وكذلك الأين للإعياء لم يستعملوا منه فعلا. قال أبو زيد وقالوا : رجل مدرهم ولم يقولوا درهم. وحدّثنا أبو علىّ - أظنّه عن ابن الأعرابىّ - أنهم
1) البيت من الطويل ، وهو لتأبط شرا فى ديوانه ص 91 ، والأغانى 21 / 159 ، وتخليص الشواهد ص 309 ، وخزانة الأدب 8 / 374 ، 375 ، 376 ، والدرر 2 / 150 ، وشرح التصريح 1 / 203 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 83 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 629 ، ولسان العرب (كيد) ، والمقاصد النحوية 2 / 165 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 544 ، وأوضح المسالك 1 / 302 ، وخزانة الأدب 9 / 347 ، ورصف المبانى ص 190 ، وشرح ابن عقيل ص 164 ، وشرح عهدة الحافظ ص 822 ، وشرح المفصل 7 / 13 ، وهمع الهوامع 1 / 130.
يقولون : درهمت الخبّازى ، فهذا غير الأول. وقالوا : رجل مفئود (1)ولم يصرّفوا فعله ، ومفعول الصفة إنما يأتى على الفعل ؛ نحو مضروب من ضرب ، ومقتول من قتل.
فأمّا امتناعهم من استعمال أفعال الويح ، والويل ، والويس ، والويب فليس للاستغناء ، بل لأن القياس نفاه ومنع منه. وذلك أنه لو صرّف الفعل من ذلك لوجب اعتلال فائه كوعد ، وعينه كباع ؛ فتحاموا استعماله لما كان يعقب من اجتماع إعلالين.
فإن قيل : فهلا صرّفت هذه الأفعال واقتصر فى الإعلال لها على إعلال أحد حرفيها ، كراهية لتوالى الإعلالين ، كما أنّ شويت ورويت ونحو ذلك لمّا وقعت عينها ولامها حرفى علّة صحّحوا العين لاعتلال اللام تحاميا لاجتماع الإعلالين ، فقالوا : شوى يشوى كقوله : رمى يرمى؟
قيل : لو فعل ذلك فى فعل ويح وويل لوجب أن تعلّ العين وتصحّح الفاء ؛ كما أنه لمّا وجب إعلال أحد حرفى شويت ، وطويت ، وتصحيح صاحبه أعلّوا اللام وصحّحوا العين ، ومحلّ الفاء من العين محلّ العين من اللام ، فالفاء أقوى من العين ، كما أن العين أقوى من اللام ، فلو أعلّوا العين فى الفعل من الويل ونحوه ، لقالوا وال يويل ، وواح يويح ، وواس يويس ، وواب يويب ، فكانت الواو تثبت هنا مكسورة ، وذلك أثقل منها فى باب وعد ؛ ألا تراها هناك إنما كرهت مجاورة للكسرة فحذفت ، وأصلها يوعد ، والواو ساكنة والكسرة فى العين بعدها.
ولو قالوا يويل لأثبتوها والكسرة فيها نفسها ، وذلك أثقل من يوعد لو أخرجوه على أصله ، وليس كذلك يشوى ويطوى ؛ لأن أكثر ما فى ذلك أن أخرجوه والحركة فيه. وهكذا كانت حاله أيضا فيما صحّت لامه ؛ ألا ترى أنّ يقوم أصله يقوم ، فالعين فى الصحيح اللام إنما غاية أصليّتها أن تقع متحرّكة ثم سكّنت ، فقيل يقوم ، فأمّا ما صحّت عينه وفاؤه واو ، نحو وعد ووجد ، فإن أصل بنائه إنما هو سكون فائه وكسرة عينه ؛ نحو يوعد ، ويوزن ، ويوجد ، والواو كما ترى ساكنة ، فلو أنك تجشّمت تصحيحها فى يويل ، ويويح ، لتجاوزت بالفاء حدّها المقدّر لها
1) رجل مفئود : أصيب فؤاد بوجع.
فيما صحّت عينه. فإن أحللت الكسرة فيها نفسها فكان ذلك يكون - لو تكلّف - أثقل من باب يوعد ويوجد لو خرج على الصحّة. فاعرف ذلك فرقا لطيفا بين الموضعين.
ومما يجيزه القياس - غير أن لم يرد به الاستعمال - خبر (العمر ، والأيمن) ، من قولهم : لعمرك لأقومنّ ، ولا يمن الله لأنطلقنّ. فهذان مبتدءان محذوفا الخبرين ، وأصلهما - لو خرج خبراهما - لعمرك ما أقسم به لأقومن ، ولا يمن الله ما أحلف به لأنطلقن ، فحذف الخبران ، وصار طول الكلام بجواب القسم عوضا من الخبر.
ومن ذلك قولهم : لا أدرى أىّ الجراد عاره (1)، أى ذهب به ، ولا يكادون ينطقون بمضارعه ، والقياس مقتض له ، وبعضهم يقول : يعوره ؛ وكأنهم إنما لم يكادوا يستعملون مضارع هذا الفعل لمّا كان مثلا جاريا فى الأمر المتقضّى الفائت ، وإذا كان كذلك فلا وجه لذكر المضارع هنا ، لأنه ليس بمتقضّ.
ومن ذلك امتناعهم من استعمال استحوذ معتلا وإن كان القياس داعيا إلى ذلك ومؤذنا به ، لكن عارض فيه إجماعهم على إخراجه مصحّحا ؛ ليكون دليلا على أصول ما غير من نحوه ؛ كاستقام واستعان.
ومن ذلك امتناعهم من إظهار الحرف الذى تعرّف به (أمس) حتى اضطرّوا - لذلك - إلى بنائه لتضمّنه معناه ، فلو أظهروا ذلك الحرف فقالوا مضى الأمس بما فيه لما كان خلفا (2)ولا خطأ.
فأمّا قوله :
وإنى وقفت اليوم والأمس قبله
ببابك حتى كادت الشمس تغرب (3)
1) عاره يعوره ، أى أخذه وذهب به. وما أدرى أى الجراد عاره ، أى أىّ الناس أخذه ، لا يستعمل إلا فى الجحد. اللسان (عور).
2) هذا خلف ، بإسكان اللام ، يقال : للرديء ، والخلف الردىء من القول اللسان (خلف).
3) البيت من الطويل ، وهو لنصيب فى ديوانه ص 9 ، والأغانى 9 / 45 ، ولسان العرب (أين) ، (أمس) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 1 / 204 ، والإنصاف ص 320 ، والدرر 3 / 109 ، وشرح شذور الذهب ص 131 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 143 ، ولسان العرب (لوم) ، والمحتسب 2 / 190 ، وهمع الهوامع 1 / 209.
فرواه ابن الأعرابىّ : والأمس ، والأمس جرّا ونصبا.
فمن جرّه فعلى الباب فيه ، وجعل اللام مع الجرّ زائدة ، حتى كأنه قال : وإنى وقفت اليوم وأمس ، كما أن اللام فى قوله تعالى : (قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ) [البقرة : 71] زائدة ، واللام المعرّفة له مرادة فيه ، وهو نائب عنها ، ومتضمّن لها ، فلذلك كسر فقال : والأمس ، فهذه اللام فيه زائدة والمعرّفة له مرادة فيه ومحذوفة منه. يدلّ على ذلك بناؤه على الكسر وهو فى موضع نصب ، كما يكون مبنيّا إذا لم تظهر إلى لفظه. وأمّا من قال : والأمس فنصب فإنه لم يضمّنه معنى اللام فيبنيه ، ولكنه عرّفه بها كما عرّف اليوم بها ، فليست هذه اللام فى قول من قال : والأمس فنصب هى تلك اللام التى (هى فى قول من قال) والأمس فجرّ. تلك لا تظهر أبدا ؛ لأنها فى تلك اللغة لم تستعمل مظهرة ؛ ألا ترى أن من ينصب غير من يجرّ ، فلكل منهما لغته ، وقياسها على ما نطق به منها ، لا تداخل أختها ، ولا نسبة فى ذلك بينها وبينها ، كما أن اللام فى قولهم (الآن حدّ الزمانين) غير اللام فى قوله سبحانه : (قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ) لأن الآن من قولهم (الآن حدّ الزمانين) بمنزلة «الرجل أفضل من المرأة ، والملك أفضل من الإنسان» أى هذا الجنس أفضل من هذا الجنس ، فكذلك (الآن) إذا رفعه جعله جنس هذا المستعمل فى قولك «كنت الآن عنده ، وسمعت الآن كلامه» فمعنى هذا : كنت فى هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرّمت أجزاء منه. فهذا معنى غير المعنى فى قولهم الآن حدّ الزمانين ، فاعرفه.
ونظير ذلك أن الرجل من نحو قولهم : نعم الرجل زيد غير الرجل المضمر فى (نعم) إذا قلت : نعم رجلا زيد ؛ لأن المضمر على شريطة التفسير لا يظهر ، ولا يستعمل ملفوظا به ، ولذلك قال سيبويه : هذا باب ما لا يعمل فى المعروف إلا مضمرا ، أى إذا فسّر بالنكرة فى نحو نعم رجلا زيد ، فإنه لا يظهر أبدا.
وإذا كان كذلك علمت زيادة الزاد فى قول جرير :
تزوّد مثل زاد أبيك فينا
فنعم الزاد زاد أبيك زادا (1)
1) البيت من الوافر ، وهو لجرير فى خزانة الأدب 9 / 394 - 399 ، والدرر 5 / 210 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 109 ، وشرح شواهد المغنى ص 57 ، وشرح المفصل 7 / 132 ، ولسان - العرب (زود) ، والمقاصد النحوية 4 / 30 ، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى 1 / 267 ، وشرح شواهد المغنى ص 862 ، وشرح ابن عقيل ص 456 ، ومغنى اللبيب ص 462 ، والمقتضب 2 / 150.
وذلك أن فاعل (نعم) مظهر فلا حاجة به إلى أن يفسّر ، فهذا يسقط اعتراض محمد بن يزيد عن صاحب الكتاب فى هذا الموضع.
واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس ، وإن لم يرد به سماع. ألا ترى إلى قول أبى الأسود :
ليت شعرى عن خليلى ما الذى
غاله فى الحبّ حتى ودعه (1)
وعلى ذلك قراءة بعضهم (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) [الضحى : 3] بالتخفيف أى ما تركك. دلّ عليه قوله (وما قلى) لأن الترك ضرب من القلى ، فهذا أحسن من أن يعلّ باب استحوذ واستنوق الجمل ؛ لأن استعمال (ودع) مراجعة أصل ، وإعلال استحوذ واستنوق ، ونحوهما من المصحّح ترك أصل ، وبين مراجعة الأصول إلى تركها ما لاخفاء به.
واعلم أن استعمال ما رفضته العرب لاستغنائها بغيره جار فى حكم العربيّة مجرى اجتماع الضدّين على المحلّ الواحد فى حكم النظر. وذلك أنهما إذا كانا يعتقبان فى اللغة على الاستعمال جريا مجرى الضدّين اللذين يتناوبان المحلّ الواحد. فكما لا يجوز اجتماعهما عليه ، فكذلك لا ينبغى أن يستعمل هذان ، وأن يكتفى بأحدهما عن صاحبه ؛ كما يحتمل المحلّ الواحد الضدّ الواحد دون مراسله.
ونظير ذلك فى إقامة غير المحلّ مقام المحلّ ما يعتقدونه فى مضادّة الفناء للأجسام. فتضادّهما إنما هو على الوجود لا على المحلّ ؛ ألا ترى أن الجوهر لا
1) البيت من الرمل ، وهو لأبى الأسود الدؤلى فى ملحق ديوانه ص 350 ، والأشباه والنظائر 2 / 177 ، والإنصاف 2 / 485 ، وخزانة الأدب 5 / 150 ، والشعر والشعراء 2 / 733 ، والمحتسب 2 / 364 ، ولأنس بن زنيم فى حماسة البحترى ص 259 ، وخزانة الأدب 6 / 471 ، ولأبى الأسود أو لأنس فى لسان العرب (ورع) وبلا نسبة فى شرح شافية ابن الحاجب 1 / 131 ، وشرح شواهد الشافية ص 50.
يحلّ الجوهر بل يتضمنه فى حال التضادّ الوجود لا المحلّ. فاللغة فى هذه القضيّة كالوجود ، واللفظان المقام أحدهما مقام صاحبه ، كالجوهر وفنائه ، فهما يتعاقبان على الوجود لا على المحلّ ، كذلك الكلمتان تتعاقبان على اللغة والاستعمال. فاعرف هذا إلى ما قبله.
وأجاز أبو الحسن ضرب الضرب الشديد زيدا ، ودفع الدفع الذى تعرف إلى محمد دينارا ، وقتل القتل يوم الجمعة أخاك ، ونحو هذه من المسائل. ثم قال : هو جائز فى القياس ، وإن لم يرد به الاستعمال.
فإن قلت فقد قال :
ولو ولدت قفيرة جرو كلب
لسبّ بذلك الجرو الكلابا (1)
فأقام حرف الجرّ ومجروره مقام الفاعل وهناك مفعول به صحيح ، قيل هذا من أقبح الضرورة ، ومثله لا يعتدّ أصلا ، بل لا يثبت إلا محتقرا شاذّا.
وأمّا قراءة من قرأ (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء : 88] فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل ونصب المفعول الصريح ، لأنه عندنا على حذف إحدى نونى (ننجّى) كما حذف ما بعد حرف المضارعة فى قول الله سبحانه (يَتَذَكَّرُونَ) أى تتذكرون.
ويشهد أيضا لذلك سكون لام (نجّى) ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا فى الضرورة. وعليه قول المثقّب العبدىّ :
لمن ظعن تطالع من ضبيب
فما خرجت من الوادى لحين (2)
أى تتطالع فحذف الثانية ، على ما مضى.
وما يحتمله القياس ولم يرد به السماع كثير. منه القراءات التى تؤثر رواية ولا تتجاوز ؛ لأنها لم يسمع فيها ذلك ؛ كقوله - عزّ اسمه - بسم الله الرحمن
الرحيم فالسنّة المأخوذ بها فى ذلك إتباع الصفتين إعراب اسم الله سبحانه ، والقياس يبيح أشياء فيها ، وإن لم يكن سبيل إلى استعمال شيء منها. نعم وهناك من قوّة غير هذا المقروء به ما لا يشكّ أحد من أهل هذه الصناعة فى حسنه ؛ كأن يقرأ(بسم الله الرحمن الرحيم) برفع الصفتين جميعا على المدح. ويجوز (الرحمن الرحيم) بنصبهما جميعا عليه. ويجوز (الرحمن الرحيم) برفع الأوّل ونصب الثانى. ويجوز (الرحمن الرحيم) بنصب الأوّل ورفع الثانى. كلّ ذلك على وجه المدح ؛ وما أحسنه هاهنا! وذلك أن الله تعالى إذا وصف فليس الغرض فى ذلك تعريفه بما يتبعه من صفته ؛ لأن هذا الاسم لا يعترض شكّ فيه ، فيحتاج إلى وصفه لتخليصه ؛ لأنه الاسم الذى لا يشارك فيه على وجه ، وبقيّة أسمائه - عزّ وعلا - كالأوصاف التابعة لهذا الاسم. وإذا لم يعترض شكّ فيه لم تجئ صفته لتخليصه ، بل للثناء على الله تعالى. وإذا كان ثناء فالعدول عن إعراب الأوّل أولى به. وذلك أن إتباعه إعرابه جار فى اللفظ مجرى ما يتبع للتخليص ، والتخصيص. فإذا هو عدل به عن إعرابه علم أنه للمدح أو الذمّ فى غير هذا ، عزّ الله وتعالى ، فلم يبق فيه هنا إلا المدح.
فلذلك قوى عندنا اختلاف الإعراب فى الرحمن الرحيم بتلك الأوجه التى ذكرناها. ولهذا فى القرآن والشعر نظائر كثيرة.
كما أخذ عن أهل الوبر
علّة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل. ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم ، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر.
وكذلك أيضا لو فشا فى أهل الوبر ما شاع فى لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها ، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها ، لوجب رفض لغتها ، وترك تلقّى ما يرد عنها. وعلى ذلك العمل فى وقتنا هذا ؛ لأنا لا نكاد نرى بدويّا فصيحا. وإن نحن آنسنا منه فصاحة فى كلامه ، لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه ، وينال ويغضّ منه.
وقد كان طرأ علينا أحد من يدّعى الفصاحة البدوية ، ويتباعد عن الضعفة الحضرية ، فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له ، وميزناه تمييزا حسن فى النفوس موقعه ، إلى أن أنشدنى يوما شعرا لنفسه يقول فى بعض قوافيه : أشأؤها (1)، وأدأؤها (2)[بوزن أشععها وأدععها] فجمع بين الهمزتين كما ترى ، واستأنف من ذلك ما لا أصل له ، ولا قياس يسوّغه. نعم ، وأبدل إلى الهمز حرفا لا حظّ فى الهمز له ، بضدّ ما يجب ؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما (3)، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبا ساذجا عن غير صنعة ما لا حظّ له فى الهمز ، ثم يحقّق الهمزتين جميعا! هذا ما لا يبيحه قياس ، ولا ورد بمثله سماع.
فإن قلت : فقد جاء عنهم خطائئ ، ورزائئ ، ودريئة ودرائئ ، ولفيئة ولفائئ ،
1) قال فى اللسان (شأى) : شأوت القوم شأوا : سبقتهم. وشأيت القوم شأيا : سبقتهم.
2) دأى له يدأى دأيا ودأوا : إذا ختله. أى خدعه. انظر اللسان (دأى). وفى بعض النسخ : «أذأؤها» بالذال ، قال فى اللسان (ذأى) : ذأى يذأى ويذءو ذأوا : مرّ مرا خفيفا سريعا .. وذأى الإبل يذآها ويذءوها ذأوا وذأيا : ساقها سوقا شديدا وطردها.
3) ولذا عقد الصرفيون بابا عن الإبدال ذكروا فيه ما يصنع عند التقاء الهمزتين فى كلمة واحدة. انظر شذا العرف بتحقيقى ط دار الكتب العلمية.
وأنشدوا قوله :
فإنك لا تدرى متى الموت جائئ
إليك ولا ما يحدث الله فى غد (1)
وفى نسخة : «إليك وما ذا تحدث» بدل «إليك ولا ما يحدث».
قيل : أجل ، قد جاء هذا ، لكن الهمز الذى فيه عرض عن صحّة صنعة ، ألا ترى أنّ عين (فاعل) مما هى فيه حرف علة لا تأتى إلا مهموزة ؛ نحو قائم وبائع ، فاجتمعت همزة (فاعل) (وهمزة لامه) (2)، فصحّحها بعضهم فى بعض الاستعمال (3). وكذلك خطائئ وبابها : عرضت همزة (فعائل) عن وجوب ، كهمزة سفائن ورسائل ، واللام مهموزة ، فصحّت فى بعض الأحوال بعد وجوب اجتماع الهمزتين. فأما أشأؤها وأدأؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين (4). وكيف تكونان
1) البيت من الطويل وهو بلا نسبة فى الإنصاف 2 / 729 ، وتذكرة النحاة ص 637 ، وشرح الأشمونى 1 / 44. وعجزه :
2) قال فى الإنصاف (2 / 728): «ولم يأت اجتماع الهمزتين فى شيء من كلامهم إلا فى بيت واحد أنشده قطرب» ثم ذكر الشاهد السابق ، وعلق الشيخ محمد محيى الدين قائلا : «ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله «جائئ» واعلم أولا أن هذه الكلمة تروى بهمزتين وتروى بهمزة فياء متحركة بحركة الإعراب وهى الضمة ، واعلم ثانيا أن الأصل الأصيل فى هذه الكلمة «جايئ» بياء ثم همزة ؛ لأنه اسم الفاعل من جاء يجيء مثل باع يبيع ، فانقلبت ياؤه همزة لوقوعها عين اسم فاعل فعل أعلت فيه ، أو لكونها بعد ألف زائدة ، فصار «جائئ» بهمزتين والقياس فى مثل ذلك أن تقلب الهمزة المتطرفة ياء لكونها ثانية همزتين فى موقع اللام من الكلمة فيقال : «جائى» والنحاة يروونه على هذه الصورة ويحركون الياء بالضمة ويقولون : إن الشاعر عامل حرف العلة معاملة الحرف الصحيح وبعبارة أخرى «إن الشاعر عاود الأصل المهجور ، ورجع إليه ، وترك الفرع الذى صار إليه العمل ... وهذا الرجوع ضرورة من ضرورات الشعر» إلى أن قال : «ولكن قطرب بن المستنير روى هذه الكلمة «متى الموت جائئ» بهمزتين ، ليفر من هذه الضرورة ، وفاته أنه وقع فى ضرورة أخرى ، وذلك لأن الهمزتين المتطرفتين إذا تحركتا وانكسرت أولهما وجب قلب الثانية ياء ، وذلك لأن آخر الكلمة بعرض التسكين للوقف ، فتكون الثانية كأنها متطرفة ساكنة إثر أخرى مكسورة ، فبقاء الهمزتين ليس هو المستعمل فى العربية فيكون ضرورة ، فيصدق عليه المثل : «هرب من المطر فوقف تحت ميزاب» الانتصاف من الإنصاف 2 / 729 ، 730 ، وانظر الكتاب 4 / 376. قلت : و «جائى» على معاملة حرف العلة معاملة الحرف الصحيح وإلا فاسم الفاعل منه جاء.
3) انظر شذا العرف بتحقيقى ط. دار الكتب العلمية.
4) فى نسخة : بأصليتين.
أصلين (1)وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضا عن وجوب.
فالناطق بذلك بصورة من جرّ الفاعل أو رفع المضاف إليه ، فى أنه لا أصل يسوّغه ، ولا قياس يحتمله ، ولا سماع ورد به. وما كانت هذه سبيله وجب اطّراحه والتوقّف عن لغة من أورده. وأنشدنى أيضا شعرا لنفسه يقول فيه : كأنّ فاى ... فقوى فى نفسى بذلك بعده عن الفصاحة ، وضعفه عن القياس الذى ركبه. وذلك أن ياء المتكلم تكسر أبدا ما قبلها. ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستّة بالياء ؛ نحو مررت بأخيك وفيك. فكان قياسه أن يقول (كأنّ فىّ) بالياء كما يقول (كأنّ غلامى). ومثله سواء ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم : كسرت فىّ ، ولم يقل (فاى) وقد قال الله سبحانه : (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) [القصص : 25] ولم يقل : إن أباى. وكيف يجوز إن أباى ، بالألف وأنت لا تقول : إن غلامى قائم ، وإنما تقول : كأنّ غلامى بالكسر. فكذلك تقول (كأنّ فىّ) بالياء. وهذا واضح. ولكن هذا الإنسان حمل بضعف قياسه قوله (كأنّ فاى) على قوله : كأنّ فاه ، وكأنّ فاك ، وأنسى ما توجبه ياء المتكلم : من كسر ما قبلها وجعله ياء.
فإن قلت : فكان يجب على هذا أن تقول : هذان غلامىّ ، فتبدل ألف التثنية ياء ؛ لأنك تقول هذا غلامى فتكسر الميم ، قيل هذا قياس لعمرى ؛ غير أنه عارضه قياس أقوى منه ، فترك إليه. وذلك أن التثنية ضرب من الكلام قائم برأسه ، مخالف للواحد والجميع (2)؛ ألا تراك تقول : هذا ، وهؤلاء ، فتبنى فيهما ، فإذا صرت إلى التثنية جاء مجىء المعرب فقلت : هذان ، وهذين. وكذلك الذى والذين ، فإذا صرت إلى التثنية قلت اللذان ، واللذين. وهذا واضح.
وعلى أن هذا الرجل الذى أومأت إليه من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه ، وتحلّى عندنا حليته. فأمّا ما تحت ذلك من مرذول أقوال هذه الطوائف فأصغر حجما ، وأنزل قدرا أن يحكى فى جملة ما ينثى (3).
ومع هذا فإذا كانوا قد رووا أن النبى صلىاللهعليهوسلم سمع رجلا يلحن فى كلامه فقال :
«أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ» ، ورووا أيضا أن أحد ولاة عمر رضى الله تعالى عنه كتب إليه كتابا لحن فيه ، فكتب إليه عمر : أن قنع كاتبك سوطا ، وروى من حديث على رضى الله عنه مع الأعرابىّ الذى أقرأه المقرئ : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) [التوبة : 3] حتى قال الأعرابىّ : برئت من رسول الله ، فأنكر ذلك علىّ عليهالسلام (1)، ورسم لأبى الأسود من عمل النحو ما رسمه : ما لا يجهل موضعه ، فكان [ما] يروى من أغلاط الناس منذ ذاك إلى أن شاع واستمرّ فساد هذا الشأن - مشهورا ظاهرا ، فينبغى أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد ، إلا أن تقوى لغته ، وتشيع فصاحته ، وقد قال الفرّاء (2)فى بعض كلامه : إلا أن تسمع شيئا من بدوىّ فصيح فتقوله. وسمعت الشجرىّ أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقىّ فى نحو (يعدو) (3)و (هو محموم) ولم أسمعها (4)من غيره من عقيل ، فقد كان يرد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته. وما أظن الشجرىّ إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك الحرف الحلقىّ بالفتح إذا انفتح ما قبله فى الاسم على مذهب البغداديين ؛ نحو قول كثيّر (5):
له نعل لا تطّبى الكلب ريحها
وإن جعلت وسط المجالس شمّت (6)
1) كذا قال : وهو من مبالغات الشيعة فيخشى أن يكون المصنف ينحو نحوهم.
2) الفراء : هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمى ، كان يقال : الفراء أمير المؤمنين فى النحو من كتبه : معانى القرآن واللغات ، وما تلحن فيه العامة.
3) فى بعض النسخ : «يغدو».
4) فى نسخة : «أسمعهما».
5) كثير : هو أبو صخر كثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعى المدنى ، كان شاعر أهل الحجاز ، وهو شاعر فحل من فحول الشعراء ، ولكنه منقوض حظه بالعراق ، قال ابن سلام : سمعت يونس النحوى يقول : كان كثير أشعر أهل الإسلام ، قال ابن سلام. ورأيت ابن أبى حفصة يعجبه مذهبه فى المديح جدا ، يقول : كان يستقصى المديح ، وكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب ، وقال الزبير بن بكار : كان شيعيا ، يقول بتناسخ الأرواح ، وكان خشبيا ، والخشبية قوم من الجهمية ويقال هم ضرب من الشيعة ، وكان يؤمن بالرجعة أى رجعة على رضى الله عنه إلى الدنيا ، وكان قد تتيم بعزة. فعرف ب- «كثيّر عزة». طبقات ابن سلام ص 167 ، وما بعدها ط. العلمية ، وسير أعلام النبلاء 5 / 152 ، والأغانى 9 / 5 - 50 ، والأعلام 5 / 219 ، الشعر والشعراء فى كتاب العمدة ص 222 ، 223.
6) البيت من الطويل ، وهو لكثير عزّة فى ديوانه ص 324 ، ولسان العرب (نعل) ، والمذكر - والمؤنث ص 410 ، والبيان والتبيين 3 / 112 ، وتاج العروس (شمت). طبيته إلينا طبيا وأطبيته : دعوته. واستشهاد المصنف هنا بقوله : «نعل» حيث حرك العين وهو حرف حلقى.
وقول أبى النجم (1):
وجبلا طال معدّا فاشمخرّ
أشمّ لا يسطيعه الناس الدّهر (2)
وهذا قد قاسه الكوفيون ، وإن كنا نحن لا نراه قياسا ، لكن مثل (يعدو وهو محموم) لم يرو عنهم فيما علمت. فإياك أن تخلد إلى كلّ ما تسمعه ، بل تأمّل حال مورده ، وكيف موقعه من الفصاحة ، فاحكم عليه وله.
1) أبو النجم : هو الفضل بن قدامة العجلى من بنى بكر بن وائل ، من أكابر الرجاز ومن أحسن الناس إنشادا للشعر ، نبغ فى العصر الأموى ، قال أبو عمرو بن العلاء : كان أبو النجم أبلغ فى النعت من العجاج ، وكان أبو النجم ربما قصد فأجاد ولم يكن كغيره من الرجاز. طبقات ابن سلام ص 200 - 202 ، والأغانى 10 / 183 ، والأعلام 5 / 151 ، والشعر والشعراء فى كتاب العمدة ص 266 ، 267.
2) الرجز لأبى النجم فى لسان العرب (دهر) ، (جبل) ، وتاج العروس (دهر). وجبلا : استعاره أبو النجم للمجد والشرف ، قال الفراء : الجبل سيد القوم وعالمهم ، والمشمخرّ : الطويل من الجبال. الدّهر : الأمد الممدود ، قال ابن سيده : وقد حكى فيه الدّهر بفتح الهاء ، فإما أن يكون الدّهر والدّهر لغتين كما ذهب إليه البصريون فى هذا النحو ، فيقتصر على ما سمع منه ، وإما أن يكون ذلك لمكان حروف الحلق فيطرد فى كل شيء ، كما ذهب إليه الكوفيين. اللسان (دهر).
اعلم أن سعة القياس تبيح (1)لهم ذلك ، ولا تحظره عليهم ؛ ألا ترى أن لغة التميميين فى ترك إعمال (ما) يقبلها (2)القياس ، ولغة الحجازيين فى إعمالها كذلك ؛ لأن لكل واحد من القومين ضربا من القياس يؤخذ به ، ويخلد إلى مثله. وليس لك أن تردّ إحدى اللغتين بصاحبتها ؛ لأنها ليست أحقّ بذلك من رسيلتها (3). لكن غاية مالك فى ذلك أن تتخيّر إحداهما ، فتقوّيها على أختها ، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها ، وأشدّ أنسا بها. فأمّا ردّ إحداهما بالأخرى فلا. أولا ترى إلى قول النبى صلىاللهعليهوسلم : «نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف» (4). هذا حكم اللغتين إذا كانتا فى الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين ، أو كالمتراسلتين.
فأمّا أن تقلّ إحداهما جدا وتكثر (5)الأخرى جدّا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية ، وأقواهما قياسا ؛ ألا تراك لا تقول : مررت بك ولا المال لك ، قياسا على قول قضاعة : المال له ومررت به ، ولا تقول أكرمتكش [ولا أكرمتكس] قياسا على لغة من قال : مررت بكش ، وعجبت منكس.
حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن (6)، عن أبى العباس أحمد بن يحيى
1) فى نسخة : تتيح.
2) فى نسخة : يمليها.
3) الرسيل : الموافق لك فى النضال ونحوه.
4) أخرجاه فى الصحيحين بلفظ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف». وسيأتى.
5) فى النسخة المطبوعة : «وتكثر» وما أثبت من بعض النسخ.
6) محمد بن الحسن : لعله محمد بن الحسن بن مقسم فهو من تلاميذ ثعلب ، وهو محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن داود بن عبيد الله بن مقسم ؛ أبو بكر المقرى العطار ، قال لخطيب البغدادى : وكان ثقة ، وقال السيوطى : وكان ثقة من أعرف الناس بالقراءات وأحفظهم لنحو الكوفيين ولم يكن فيه عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع ، واستخرج لها وجوها من اللغة. له من التصانيف : الأنوار فى تفسير القرآن ، الاحتجاج فى القراءات ، كتاب فى النحو كبير ، مجالسات تعلب. تاريخ بغداد 2 / 202 ، وبغية الوعاة 1 / 89 ، وانظر تاريخ بغداد 5 / 414.
ثعلب (1)قال : ارتفعت قريش فى الفصاحة عن عنعنة تميم ، وكشكشة ربيعة ، وكسكسة هوازن ، وتضجّع قيس ، وعجرفيّة ضبّة ، وتلتلة بهراء. فأمّا عنعنة تميم فإن تميما تقول فى موضع أن : عن ، تقول : عنّ عبد الله قائم ، (وأنشد ذو الرمة (2)
فبها سمى ذا الرمة ، وذكر ابن قتيبة معنى الرمة فقال الحبل البالى ، وقيل فى تلقيبه بذلك أشياء ذكرها صاحب الأغانى ، قال : حماد الراوية : إنه أحسن الإسلاميين تشبيها ، وقال أبو عمرو ابن العلاء : ختم الشعر بذى الرمة ، وختم الرجز برؤبة. طبقات ابن سلام ص 165 ، 169 - 173 ، والأغانى 18 / 5 ، وما بعدها ، والأعلام 5 / 124 ، والشعر والشعراء من كتاب العمدة ص 122 ، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 79.
عبد الملك :أعن ترسّمت من خرقاء منزلة (3)
ماء الصبابة من عينيك مسجوم*
*(قال الأصمعىّ : سمعت) ابن هرمة ينشد هارون [الرشيد] :
أعن تغنّت على ساق مطوّقة
ورقاء تدعو هديلا فوق أعواد (4)
1) أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب : هو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبو العباس النحوى الشيبانى مولاهم ، المعروف بثعلب ، إمام الكوفيين فى النحو واللغة ، العلامة المحدث ، سمع محمد بن سلام الجمحى ، وعبيد الله بن عمر القواريرى ، والزبير بن بكار ، ودخل على الإمام أحمد ، صنف : المصون فى النحو ، اختلاف النحويين ، معانى الشعر ، غريب القرآن ، الفصيح وقيل هو لغيره ، والمجالس. بغية الوعاة 1 / 396 ، وتاريخ بغداد 5 / 414 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 666 ، والأعلام 1 / 267 ، وانظر حلية الأولياء 9 / 220.
2) ذو الرمة : هو غيلان بن عقبة أحد بنى عدىّ بن عبد مناة بن أد ، أبو الحارث ، شاعر من فحول الطبقة الثانية فى عصره ، قال فى قصيدة له :
3) صدر بيت من البسيط ، وهو لذى الرّمّة فى ديوانه ص 371 ، وجمهرة اللغة ص 720 ، 886 ، والجنى الدانى ص 250 ، وخزانة الأدب 2 / 341 ، 4 / 345 ، ورصف المبانى ص 26 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 722 ، وشرح شواهد الشافية ص 427 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 437 ، وشرح المفصل 8 / 79 ، 149 ، وعجزه :
4) البيت من البسيط ، وهو لإبراهيم بن هرمة فى ديوانه ص 105 ، وخزانة الأدب 6 / 390 ، 11 / 236 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 230 ، ومجالس ثعلب ص 101 ، وبلا نسبة فى رصف المبانى ص 370 ، وشرح المفصل 8 / 150 ، والممتع فى التصريف 1 / 413.
وأما تلتلة بهراء فإنهم يقولون : تعلمون وتفعلون وتصنعون ، بكسر أوائل الحروف.
(وأما كشكشة ربيعة فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث : إنّكش ، ورأيتكش وأعطيتكش ؛ تفعل هذا فى الوقف ، فإذا وصلت أسقطت الشين.
وأما كسكسة هوازن فقولهم أيضا : أعطيتكس ومنكس وعنكس. وهذا فى الوقف دون الوصل).
فإذا كان الأمر فى اللغة المعوّل عليها هكذا وعلى هذا فيجب أن يقل استعمالها ، وأن يتخيّر ما هو أقوى (وأشيع) منها ؛ إلا أن إنسانا لو استعملها لم يكن مخطئا لكلام العرب ، لكنه كان يكون مخطئا لأجود اللغتين. فأمّا إن احتاج إلى ذلك فى شعر أو سجع فإنه مقبول منه ، غير منعيّ عليه. وكذلك إن قال : يقول على قياس من لغته كذا كذا ، ويقول على مذهب من قال كذا كذا.
وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغة من (لغات العرب) مصيب غير مخطئ ، وإن كان غير ما جاء به خيرا منه.
اعلم أن المعمول عليه فى نحو هذا أن تنظر حال ما انتقل إليه لسانه. فإن كان إنما انتقل من لغته إلى لغة أخرى مثلها فصيحة وجب أن يؤخذ بلغته التى انتقل إليها ، كما يؤخذ بها قبل انتقال لسانه إليها ، حتى كأنه إنما حضر غائب من أهل اللغة التى صار إليها ، أو نطق ساكت من أهلها.
فإن كانت اللغة التى انتقل لسانه إليها فاسدة لم يؤخذ بها [ويؤخذ بالأولى] ، حتى كأنه لم يزل من أهلها. وهذا واضح.
فإن قلت : فما يؤمنك أن تكون كما وجدت فى لغته فسادا بعد أن لم يكن فيها فيما علمت ، أن يكون فيها فساد آخر فيما لم تعلمه. فإن أخذت به كنت آخذا بفاسد عروض (1)ما حدث فيها من الفساد فيما علمت ، قيل هذا يوحشك من كل لغة صحيحة ؛ لأنه يتوجه منه أن تتوقّف عن الأخذ بها ؛ مخافة أن يكون فيها زيغ حادث لا تعلمه الآن ، ويجوز أن تعلمه بعد زمان ، كما علمت من حال غيرها فسادا حادثا لم يكن فيما قبل فيها. وإن اتجه هذا انخرط عليك منه ألا تطيب نفسا بلغة ، وإن كانت فصيحة مستحكمة. فإذا كان أخذك بهذا مؤدّيا إلى هذا رفضته ولم تأخذ به ، وعملت على تلقّى كل لغة قويّة معربة بقبولها واعتقاد صحتها. وألا توجّه ظنّة إليها ، ولا تسوء رأيا فى المشهود تظاهره من اعتدال أمرها. وذلك كما يحكى من أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبى خيرة لمّا سأله فقال : كيف تقول استأصل الله عرقاتهم ، ففتح أبو خيرة التاء ، فقال له أبو عمرو : هيهات أبا خيرة لان جلدك! فليس لأحد أن يقول : كما فسدت لغته فى هذا ينبغى أن أتوقف عنها فى غيره (لما حذرناه) قبل ووصفنا.
فهذا هو القياس ، وعليه يجب أن يكون العمل.
1) العروض : الطريقة والناحية ، والعروض أيضا : النظير.
أيراعيها ويعتمدها أم يلغيها ويطرح حكمها؟
أخبرنا أبو على عن أبى بكر عن أبى العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد قال : سألت خليلا (1)عن الذين قالوا : مررت بأخواك ، وضربت أخواك ، فقال : هؤلاء قولهم على قياس الذين قالوا فى ييأس : ياءس ؛ أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها. قال (يعنى الخليل) : ومثله قول العرب من أهل الحجاز : (يا تزن وهم يا تعدون ، فرّوا من يوتزن ويوتعدون). فقوله : أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون يريد : أبدلوا الياء فى ييأس ؛ والآخر : أبدلوا الياء فى أخويك ألفا.
وكلاهما يحتمله القياس هاهنا ؛ ألا ترى أنه يجوز أن يريد أنهم أبدلوا ياء أخويك فى لغة غيرهم ممن يقولها بالياء ، وهم أكثر العرب ، فجعلوا مكانها ألفا فى لغتهم ؛ استخفافا للألف ؛ فأمّا فى لغتهم هم فلا. وذلك أنهم هم لم ينطقوا قطّ بالياء فى لغتهم فيبدلوها ألفا ولا غيرها. ويؤكّد ذلك عندك أن أكثر العرب يجعلونها فى النصب والجرّ ياء. فلمّا كان الأكثر هذا شاع على أسماع بلحارث ، فراعوه ، وصنعوا لغتهم فيه ، ولم تكن الياء فى التثنية شاذّة ولا دخيلة فى كلام العرب فيقلّ الحفل بها ، ولا ينسب بلحارث إلى أنهم راعوها ، أو تخيروا للغتهم عليها.
فإن قلت : فلعلّ الخليل يريد أن من قال : مررت بأخواك قد كان مرّة يقول : مررت بأخويك (كالجماعة) ثم رأى (فيما) بعد أن قلب هذه الياء ألفا للخفة أسهل عليه وأخفّ ، كما قد تجد العربىّ ينتقل لسانه من لغته إلى لغة أخرى ، قيل : إن الخليل إنما أخرج كلامه على ذلك مخرج التعليل للغة من نطق بالألف فى موضع جرّ التثنية ونصبها ، لا على الانتقال من لغة إلى أخرى. وإذا كان قولهم : مررت بأخواك معلّلا عندهم بالقياس فكان ينبغى أن يكونوا قد سبقوا إلى ذلك منذ أوّل أمرهم ؛ لأنهم لم يكونوا قبلها على ضعف قياس ثم تداركوا أمرهم فيما بعد ،
1) يعنى : الخليل بن أحمد.
فقوى قياسهم. وكيف كانوا يكونون فى ذلك على ضعف من القياس ، والجماعة عليه! أفتجمع كافّة اللغات على ضعف ونقص ، حتى ينبغ نابغ منهم فيردّ لسانه إلى قوّة القياس دونهم! نعم ، ونحن أيضا نعلم أن القياس مقتض لصحّة لغة الكافّة ، وهى الياء فى موضع الجرّ والنصب ؛ ألا ترى أن فى ذلك فرقا بين المرفوع وبينهما ، وهذا هو القياس فى التثنية ، كما كان موجودا فى الواحد. ويؤكّده لك أنا نعتذر لهم من مجيئهم بلفظ المنصوب فى التثنية على لفظ المجرور. وكيف يكون القياس أن تجتمع أوجه الإعراب الثلاثة على صورة واحدة! وقد ذكرت هذا الموضع فى كتابى فى (سرّ الصناعة) بما هو لاحق بهذا الموضع ومقوّ له.
فقد علمت بهذا أن صاحب لغة قد راعى لغة غيره. وذلك لأن العرب وإن كانوا كثيرا منتشرين ، وخلقا عظيما فى أرض الله غير متحجرين ولا متضاغطين ، فإنهم بتجاورهم وتلاقيهم وتزاورهم يجرون مجرى الجماعة فى دار واحدة.
فبعضهم يلاحظ [صاحبه] ويراعى أمر لغته ، كما يراعى ذلك من مهمّ أمره. فهذا هذا.
وإن كان الخليل أراد بقوله : تقلب الياء ألفا : أى فى ييأس ، فالأمر أيضا عائد إلى ما قدّمنا ؛ ألا ترى أنه إذا شبّه مررت بأخواك بقولهم : ييأس وياءس ، فقد راعى أيضا فى مررت بأخواك لغة من قال : مررت بأخويك. فالأمران إذا صائران إلى موضع واحد. ولهذا نظائر فى كلامهم ، وإنما أضع منه رسما ليرى به غيره بإذن الله.
وأجاز أبو الحسن أن يكون كانت العرب قدما تقول : مررت بأخويك وأخواك جميعا ، إلا أن الياء كانت أقيس للفرق ، فكثر استعمالها ، وأقام الآخرون على الألف ، أو أن يكون الأصل قبله الياء فى الجرّ والنصب ، ثم قلبت للفتحة قبلها ألفا فى لغة بلحارث بن كعب. وهذا تصريح بظاهر قول الخليل الذى قدّمناه.
ولغتهم عند أبى الحسن أضعف من (هذا جحر ضبّ خرب) قال : لأنه قد كثر عنهم الإتباع ؛ نحو شدّ وضرّ وبابه ، فشبّه هذا به.
ومن هذا حذف بنى تميم ألف (ها) من قولهم (هلمّ) لسكون اللام فى لغة أهل
الحجاز ، إذا قالوا (المم) وإن لم يقل ذلك بنو تميم ، أو أن يكونوا حذفوا الألف لأن أهل الحجاز حذفوها. [و] أيّاما كان فقد نظر فيه بنو تميم إلى أهل الحجاز.
ومن ذلك قول بعضهم فى الوقف (رأيت رجلأ) بالهمزة. فهذه الهمزة بدل من الألف فى الوقف فى لغة من وقف بالألف ، لا فى لغته هو ؛ لأن من لغته هو أن يقف بالهمزة. أفلا تراه كيف راعى لغة غيره ، فأبدل من الألف همزة.
سألت أبا علىّ رحمهالله فقلت : من أجرى المضمر مجرى المظهر فى قوله (أعطيتكمه) فأسكن الميم مستخفّا ، كما أسكنها فى قوله : أعطيتكم درهما ، كيف قياس قوله (على قول الجماعة) (1): أعطيته درهما إذا أضمر الدرهم ، على قول الشاعر :
له رجل كأنّه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير (2)
إذا وقع ذلك قافية؟ فقال : (لا يجوز ذلك) فى هذه المسألة ، وإن جاز فى غيرها ، لا لشيء يرجع إلى نفس حذف الواو من قوله : (كأنه صوت حاد) لأن هذا أمر قد شاع عنهم ، وتعولمت فيه لغتهم ، بل لقرينة انضمّت إليه ليست مع ذلك ؛ ألا ترى أنه كان يلزمك على ذلك أن تقول : أعطيتهه ، خلافا على قول الجماعة : أعطيتهوه. فإن جعل الهاء الأولى رويّا ، والأخرى وصلا ، لم يجز ذلك ؛ لأن الأولى ضمير والتاء متحركة قبلها ، وهاء الضمير لا تكون رويّا ، إذا تحرّك ما قبلها. فإن قلت : أجعل الثانية رويّا ، فكذلك أيضا ؛ لأن الأولى قبلها متحرّكة. فإن قلت : أجعل التاء رويّا ، والهاء الأولى وصلا ، قيل : فما تصنع بالهاء الثانية؟ أتجعلها خروجا؟ هذا محال ؛ لأن الخروج لا يكون إلا أحد الأحرف الثلاثة : الألف والياء والواو. فإذا أدّاك تركيب هذه المسألة فى القافية إلى هذا الفساد وجب ألا يجوز ذلك أصلا. فأما فى غير القافية فشائعة جائزة. هذا محصول معنى أبى علىّ ، فأمّا نفس لفظه فلا يحضرنى الآن حقيقة صورته.
وإذا كان كذلك وجب إذا وقع نحو هذا قافية أن تراجع فيه اللغة الكبرى ،
1) قال الأستاذ : محمد على النجار فى (ط) هذه العبارة فى الأصول ، وهى قلقة فى هذا المكان ، ولو حذفت وضح المراد ، وقد يكون الأصل : «على خلاف قول الجماعة».
2) البيت من الوافر ، وهو للشماخ فى ديوانه ص 155 ، والدرر 1 / 181 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 437 ، والكتاب 1 / 30 ، ولسان العرب (ها) ، وبلا نسبة فى الإنصاف 2 / 561 ، والأشباه والنظائر 2 / 379 ، وخزانة الأدب 2 / 388 ، 5 / 270 ، 271 ، ولسان العرب (زجل) ، والمقتضب 1 / 267 ، وهمع الهوامع 1 / 59.
فيقال : أعطيتهوه البتّة ، فتكون الواو ردفا ، والهاء بعدها رويّا (وجاز أن يكون بعد الواو رويّا) ؛ لسكون ما قبلها.
ومثل ذلك فى الامتناع أن تضمر زيدا من قولك : هذه عصا زيد على قول من قال :
وأشرب الماء ما بى نحوه عطش
إلا لأنّ عيونه سيل واديها (1)
لأنه كان يلزمك على هذا أن تقول : هذه عصاه ، فتجمع بين ساكنين فى الوصل ، فحينئذ ما تضطرّ إلى مراجعة لغة من حرّك الهاء فى نحو هذا بالضمة وحدها ، أو الضمة والواو بعدها ، فتقول : هذه عصاه فاعلم ، أو عصا هو فاعلم ، على قراءة من قرأ «خذوهو فغلّوهو» [الحاقة : 30] و «فألقى عصاهو» [الشعراء : 32] ونحوه.
ونحو من ذلك أن يقال لك : كيف تضمر (زيدا) من قولك : مررت بزيد وعمرو ، فلا يمكنك أن تضمره هنا ، والكلام على هذا النضد حتى تغيّره فتقول :
مررت به وبعمرو ، فتزيد حرف الجرّ ؛ لما أعقب الإضمار من العطف على المضمر المجرور ، بغير إعادة الجارّ.
وكذلك لو قيل لك : كيف تضمر اسم الله تعالى ، فى قولك : والله لأقومنّ ونحوه ، لم يجز لك ، حتى تأتى بالباء التى هى الأصل ، فتقول : به لأقومنّ ؛ كما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :
ألا نادت أمامة باحتمال
لتحزننى فلا بك ما أبالى (2)
وكإنشاده أيضا :
1) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى خزانة الأدب 5 / 270 ، 6 / 450 ، 1 / 128 ، 317 ، 2 / 18 ، والدرر 1 / 182 ، ورصف المبانى ص 16 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 727 ، ولسان العرب (ها) ، والمحتسب 1 / 244 ، والمقرب 2 / 205 ، وهمع الهوامع 1 / 59.
2) البيت من الوافر ، وهو لغوية بن سلمى فى لسان العرب (با) ، وتاج العروس (الباء) ، وبلا نسبة فى جواهر الأدب ص 253 ، ورصف المبانى ص 146 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 104 ، 144 ، وشرح المفصل 8 / 34 ، 9 / 101 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 107 ، ولسان العرب (أهل) ، واللمع ص 58 ، 256. وروى «لتقتلنى» مكان «لتحزننى».
رأى برقا فأوضع فوق بكر
فلا بك ما أسال ولا أغاما (1)
وكذلك لو قيل لك : أضمر ضاربا وحده من قولك : هذا ضارب زيدا لم يجز ؛ لأنه كان يلزمك عليه أن تقول : هذا هو زيدا ، فتعمل المضمر ، وهذا مستحيل.
فإن قلت ، فقد تقول : قيامك أمس حسن ، وهو اليوم قبيح ، فتعمل فى اليوم (هو) ، قيل : فى هذا أجوبة : أحدها أن الظرف يعمل فيه الوهم مثلا ؛ كذا عهد إلىّ أبو على رحمهالله فى هذا. وهذا لفظه لى فيه البتّة. والآخر أنه يجوز فى المعطوف ما لا يجوز فى المعطوف عليه. ولا تقول على هذا : ضربك زيدا حسن وهو عمرا قبيح ؛ لأن الظرف يجوز فيه من الاتّساع ما لا يجوز فى غيره. وثالث : وهو أنه قد يجوز أن يكون (اليوم) من قولك : قيامك أمس حسن وهو اليوم قبيح ظرفا لنفس (قبيح) ، يتناوله فيعمل فيه. نعم ، وقد يجوز أن يكون أيضا حالا للضمير الذى فى قبيح ، فيتعلّق حينئذ بمحذوف. نعم ، وقد يجوز أن يكون أيضا حالا من (هو) ، وإن تعلق بما العامل فيه (قبيح) ؛ لأنه قد يكون العامل فى الحال غير العامل فى ذى الحال. نحو قول الله تعالى (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة : 91] فالحال هاهنا من الحق ، والعامل فيه (هو) وحده ، أو (هو) والابتداء الرافع له.
وكلا ذينك لا ينصب الحال. وإنما جاز أن يعمل فى الحال غير العامل فى صاحبها ، من حيث كانت ضربا من الخبر ، والخبر العامل فيه غير العامل فى المخبر عنه. فقد عرفت بذلك فرق ما بين المسألتين.
وكذلك لو قيل لك : أضمر رجلا من قولك : رب رجل مررت به لم يجز ، (لأنك تصير) إلى أن تقول : ربه مررت به ، فتعمل ربّ فى المعرفة. فأما قولهم : ربّه رجلا وربّها امرأة ، فإنما جاز ذلك لمضارعة هذا المضمر للنكرة ؛ إذ كان إضمارا على غير تقدّم ذكر ، ومحتاجا إلى التفسير ، فجرى تفسيره مجرى الوصف له.
فلمّا كان المضمر لا يوصف ، ولحق هذا المضمر من التفسير ما يضارع الوصف ،
1) البيت من الوافر ، وهو لعمرو بن يربوع فى جمهرة اللغة ص 963 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 225 ، ونوادر أبى زيد ص 146 ، وبلا نسبة فى الحيوان 1 / 186 ، 6 / 197 ، وخزانة الأدب 2 / 18 ، ورصف المبانى ص 146 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 104 ، 144 ، وشرح المفصل 8 / 34 ، 9 / 101 ، ولسان العرب (أهل).
خرج بذلك عن حكم الضمير. وهذا واضح. نعم ، ولو قلت : ربه مررت به لوصفت المضمر ، والمضمر لا يوصف. وأيضا فإنك كنت تصفه بالجملة وهى نكرة ، والمعرفة لا توصف بالنكرة.
أفلا ترى إلى ما كان يحدث هناك من خبال الكلام ، وانتقاض الأوضاع. فالزم هذه المحجّة. فمتى كان التصرّف فى الموضع ينقض عليك أصلا ، أو يخالف بك مسموعا مقيسا ، فألغه ولا تطر بجنابه (1)، فالأمثال واسعة. وإنما أذكر من كل طرفا يستدلّ به ، وينقاد على ووتيرته.
1) ولا تطر : يقال : طار بجنابه يطور : قرب ودنا.
لا يسمع من غيره
وذلك ما جاء به ابن أحمر فى تلك الأحرف المحفوظة عنه. قال أحمد بن يحيى : حدّثنى بعض أصحابى عن الأصمعىّ أنه ذكر حروفا من الغريب ، فقال : لا أعلم أحدا أتى بها إلا ابن أحمر الباهلىّ. منها الجبر ، وهو الملك. وإنما سمّى بذلك - أظن - لأنه يجبر بجوده. وهو قوله :
اسلم براووق حبيت به
وانعم صباحا أيّها الجبر (1)
ومنها قوله : (كأس رنوناة) أى دائمة ، وذلك قوله :
بنّت عليه الملك أطنابها
كأس رنوناة وطرف طمرّ (2)
ومنها الديدبون ، وهو قوله :
خلّوا طريق الديدبون وقد
فات الصبا وتنوزع الفخر (3)
ومنها (ماريّة) أى لؤلؤيّة ، لونها لون اللؤلؤ.
ومنها قوله (البابوس) وهو أعجمىّ ، يعنى ولد ناقته. وذلك قوله :
حنّت قلوصى إلى بابوسيها جزعا
فما حنينك أم ما أنت والذكر (4)
1) البيت من الكامل ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 94 ، ولسان العرب (جبر) ، وتاج العروس (جبر) ، (جبرل) ، وتهذيب اللغة 11 / 59 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 265.
2) البيت من السريع ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 62 ، ولسان العرب (ملك) ، (رنا) ، وتهذيب اللغة 15 / 226 ، وجمهرة اللغة ص 1216 ، ومقاييس اللغة 2 / 443 ، ومجمل اللغة 2 / 423 ، وأساس البلاغة (رنو) ، وتاج العروس (ملك) ، (رنا) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 806.
3) البيت من الكامل ، وهو لابن أحمر الباهلى فى ديوانه ص 93 ، وجمهرة اللغة ص 1222 ، ولسان العرب (دبن) ، (ددن) ، وتاج العروس (دبن). ويروى : «النجر» مكان «الفخر». الديدبون : اللهو.
4) البيت من البسيط ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 62 ، ولسان العرب (ببس) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 127 ، وتاج العروس (ببس) ، (قلص) ، وتهذيب اللغة 12 / 318 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (زبر).
ومنها (الربّان) وهو العيش ، وذلك قوله :
وإنما العيش بربّانه
وأنت من أفنانه مقتفر (1)
ومنها (المأنوسة) وهى النار ، وذلك قوله :
قال أبو العباس أحمد بن يحيى أيضا : وأخبرنا أبو نصر عن الأصمعى قال : من قول ابن أحمر (الحيرم) وهو البقر ، ما جاء به غيره. انتهت الحكاية.
وقد أنشد أبو زيد :
كأنها بنقا العزّاف طاوية
لمّا انطوى بطنها واخروّط السفر
ماريّة لؤلؤان اللون أوّدها
طلّ وبنّس عنها فرقد خصر (3)
وقال : الماريّة : البقرة الوحشيّة. وقوله. بنّس عنها هو من النوم ، غير أنه إنما يقال للبقرة. ولم يسند أبو زيد هذين البيتين إلى ابن أحمر ، ولا هما أيضا فى ديوانه ، ولا أنشدهما الأصمعىّ فيما أنشده من الأبيات التى أورد فيها كلماته.
وينبغى أن يكون ذلك شيئا جاء به غير ابن أحمر تابعا له فيه ومتقيّلا أثره. هذا أوفق لقول الأصمعىّ : إنه لم يأت به غيره من أن يكون قد جاء به غير متّبع أثره.
1) البيت من السريع ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 61 ، ولسان العرب (عصر) ، وتهذيب اللغة 2 / 18 ، ومقاييس اللغة 2 / 483 ، 4 / 344 ، ومجمل اللغة 2 / 457 ، 3 / 494 ، وتاج العروس (ربب) ، (عصر) ، وبلا نسبة فى المخصص 12 / 232. ويروى «مقتفر» مكان «معتصر».
2) عجز بيت من البسيط ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 100 ، ولسان العرب (أنس) ، (ممس) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 127 ، وتاج العروس (أنس) ، (ممس) ، وتهذيب اللغة 12 / 325 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (زبر) ، والمخصص 11 / 38.
3) البيتان من البسيط ، وهو لابن أحمر فى ديوانه ص 97 ، ولسان العرب (لألأ) ، (بنس) (مرا) ، وتاج العروس (لألأ) ، (بنس) ، (مرا) ، والمعانى الكبير ص 658 ، 712 ، 775 ، وتهذيب اللغة 13 / 12 ، 15 / 289. بنقا العزاف : فى اللسان فى (بنس): «من نقا العزاف» والعزاف : رمل من جبال الدهناء. والنقا : القطعة من الرمل تنقاد محدودبة. واخروط السفر : امتدّ.
والظاهر أن يكون ما أنشده أبو زيد لم يصل إلى الأصمعىّ [لا] من متبع فيه ابن أحمر ، ولا غير متبع. [وجاء فى شعر أميّة الثّغرور ، ولم يأت به غيره].
والقول فى هذه الكلم المقدّم ذكرها وجوب قبولها. وذلك لما ثبتت به الشهادة من فصاحة ابن أحمر. فإمّا أن يكون شيئا أخذه عمّن ينطق بلغة قديمة لم يشارك فى سماع ذلك منه ، على حدّ ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح ؛ كقوله فى الذرحرح : الذرّحرح ، ونحو ذلك ، وإما أن يكون شيئا ارتجله ابن أحمر ؛ فإن الأعرابىّ إذا قويت فصاحته ، وسمت طبيعته تصرّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به ؛ فقد حكى عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها.
وعلى نحو من هذا قال أبو عثمان : ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. وقد تقدم نحو ذلك. وفى هذا الضرب غار أبو على فى إجازته أن تبنى اسما وفعلا وصفة ونحو ذلك من ضرب فتقول : ضربب زيد عمرا ، وهذا رجل ضربب وضرنبى ، ومررت برجل خرجج ، وهذا رجل خرجج ودخلخل ، وخرجج أفضل من ضربب ونحو ذلك. وقد سبق القول على مراجعتى إيّاه فى هذا المعنى ، وقولى له : أفترتجل اللغة ارتجالا؟ وما كان من جوابه فى ذلك.
وكذلك إن جاء نحو هذا الذى رويناه عن ابن أحمر عن فصيح آخر غيره كانت حاله فيه حاله. لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين أو متّهم أو من لم ترق به فصاحته ، ولا سبقت إلى الأنفس ثقته كان مردودا غير متقبّل.
فإن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها فإنه لا يقنع فى قبوله أن تسمعه من الواحد ولا من العدّة القليلة ، إلا أن يكثر من ينطق به منهم. فإن كثر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوجه فى القياس فإن ذلك مجازه وجهان : أحدهما أن يكون من نطق به لم يحكم قياسه على لغة آبائهم ، وإمّا أن تكون أنت قصّرت عن استدراك وجه صحّته. ولا أدفع أيضا مع هذا أن يسمع الفصيح لغة غيره مما ليس فصيحا ، وقد طالت عليه وكثر لها استماعه فسرت فى كلامه ، ثم تسمعها أنت منه ، وقد قويت عندك فى كل شيء من كلامه غيرها فصاحته ، فيستهويك ذلك إلى أن تقبلها منه ، على فساد أصلها الذى وصل إليه
منه. وهذا موضع متعب مؤذ ، يشوب النفس ، ويشرى (1)اللبس ؛ إلا أن هذا كأنه متعذّر ولا يكاد يقع مثله. وذلك أن الأعرابىّ الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها ولم يبهأ بها. سألت مرة الشجرىّ أبا عبد الله ومعه ابن عمّ له دونه فى فصاحته ، وكان اسمه غصنا ، فقلت لهما : كيف تحقّران (حمراء)؟ فقالا : حميراء. قلت : فسوداء؟ قالا : سويداء. وواليت من ذلك أحرفا وهما يجيئان بالصواب. ثم دسست فى ذلك (علباء) فقال غصن : (عليباء) وتبعه الشجرىّ. فلما همّ بفتح الباء تراجع كالمذعور ، ثم قال : آه! عليبىّ ورام (2)الضمة فى الياء. فكانت تلك عادة له ، إلا أنهم أشدّا استنكارا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة ؛ لأنّ بعضهم قد ينطق بحضرته بكثير من اللغات فلا ينكرها. إلا أن أهل الجفاء وقوّة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيغ الإعراب ؛ ألا ترى أن أبا مهديّة سمع رجلا من العجم يقول لصاحبه زوذ ، فسأل أبو مهدية عنها فقيل له : يقول له : اعجل ، فقال أبو مهدية : فهلا قال له : حيّهلك. فقيل له : ما كان الله ليجمع لهم إلى العجمية العربية. وحدّثنى المتنبى أنه حضرته جماعة من العرب منصرفه من مصر ، وأحدهم يصف بلدة واسعة ، فقال فى كلامه : تحير فيها العيون ، قال : وآخر من الجماعة يجيء إليه سرّا ويقول له : تحار ، تحار. والحكايات فى هذا المعنى كثيرة منبسطة.
ومن بعد فأقوى القياسين أن يقبل ممن شهرت فصاحته ما يورده ، ويحمل أمره على ما عرف من حاله ، لا على ما عسى أن يكون من غيره. وذلك كقبول القاضى شهادة من ظهرت عدالته ، وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به ؛ ألا تراه يمضى الشهادة ويقطع بها وإن لم يقع العلم بصحّتها ؛ لأنه لم يؤخذ بالعمل بما عند الله ، إنما أمر بحمل الأمور على ما تبدو ، وإن كان فى المغيّب غيره. فإن لم تأخذ بها دخل عليك الشكّ فى لغة من تستفصحه ولا تنكر شيئا من لغته مخافة أن يكون فيها بعض ما يخفى عليك فيعترض الشكّ على يقينك ،
وتسقط بكل اللغات ثقتك. ويكفى من هذا ما تعلمه من بعد لغة حمير من لغة ابنى نزار. روينا عن الأصمعىّ أن رجلا من العرب دخل على ملك (ظفار) - وهى مدينة لهم يجيء منها الجزع الظفارىّ - فقال له الملك : ثب ، وثب بالحميرية : اجلس ، فوثب الرجل فاندقت رجلاه ، فضحك الملك ، وقال ليست عندنا عربيّت (1)، من دخل ظفار حمر ، أى تكلم بكلام حمير. فإذا كان كذلك جاز جوازا قريبا كثيرا أن يدخل من هذه اللغة فى لغتنا وإن لم يكن لها فصاحتنا ، غير أنها لغة عربية قديمة.
1) يريد العربية. فوقف على الهاء بالتاء. وكذلك لغتهم.
أم تلاحق تابع منها بفارط؟
قد تقدّم فى أول الكتاب القول على اللغة : أتواضع هى أم إلهام. وحكينا وجوّزنا فيها الأمرين جميعا. وكيف تصرّفت الحال وعلى أىّ الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بدّ أن يكون وقع فى أوّل الأمر بعضها ، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه ، لحصور الداعى إليه ، فزيد فيها شيئا فشيئا ، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها فى حروفه ، وتأليفه ، وإعرابه المبين عن معانيه ، لا يخالف الثانى الأول ، ولا الثالث الثانى ، كذلك متّصلا متتابعا. وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول : إنه يحكى كلام أبيه وسلفه ، يتوارثونه آخر عن أوّل ، وتابع عن متّبع. وليس كذلك أهل الحضر ؛ لأنهم يتظاهرون بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة. غير أن كلام أهل الحضر مضاه لكلام فصحاء العرب فى حروفهم ، وتأليفهم ، إلا أنهم أخلّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح. وهذا رأى أبى الحسن ؛ وهو الصواب.
وذهب إلى أنّ اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أنّ أوّل ما وضع منها وضع على خلاف وإن كان كله مسوقا على صحّة وقياس ، ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها ، غير أنها على قياس ما كان وضع فى الأصل مختلفا ، وإن كان كل واحد آخذا من صحة القياس حظّا. ويجوز أيضا أن يكون الموضوع الأوّل ضربا واحدا ، ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأوّل إلى قياس ثان جار فى الصحّة مجرى الأول.
ولا يبعد عندى ما قال من موضعين : أحدهما سعة القياس ، وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان. والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأوّل بالقياس الذى عدل إليه الثانى ، فلا عليك أيّهما تقدّم ، وأيهما تأخّر. فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به.
فأما أىّ الأجناس الثلاثة تقدّم - أعنى الأسماء ، والأفعال ، والحروف - فليس مما
نحن عليه فى شيء ، وإنما كلامنا هنا : هل وقع جميعها فى وقت واحد ، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة ، وشيئا بعد شيء ، وصدرا بعد صدر.
وإذ قد وصلنا من القول فى هذا إلى هاهنا فلنذكر ما عندنا فى مراتب الأسماء ، والأفعال ، والحروف ؛ فإنه من أماكنه وأوقاته.
اعلم أن أبا علىّ - رحمهالله - كان يذهب إلى أن هذه اللغة - أعنى ما سبق منها ثم لحق به ما بعده - إنما وقع كلّ صدر منها فى زمان واحد ، وإن كان تقدّم شيء منها على صاحبه فليس بواجب أن يكون المتقدّم على الفعل الاسم ، ولا أن يكون المتقدّم على الحرف الفعل ؛ وإن كانت رتبة الاسم فى النفس من حصّة القوّة والضعف أن يكون قبل الفعل ؛ والفعل قبل الحرف. وإنما يعنى القوم بقولهم : إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى فى النفس ، وأسبق فى الاعتقاد من الفعل ، لا فى الزمان. فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدّموا الاسم قبل الفعل. ويجوز أن يكونوا قدّموا الفعل فى الوضع قبل الاسم ، وكذلك الحرف. وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا مصاير أمورهم ، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعانى ، وأنها لا بدّ لها من الأسماء والأفعال والحروف ، فلا عليهم بأيّها بدءوا ، أبالاسم ، أم بالفعل أم بالحرف ؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهنّ جمع ؛ إذ المعانى لا تستغنى عن واحد منهن.
هذا مذهب أبى علىّ وبه كان يأخذ ويفتى. وهذا يضيّق الطريق على أبى إسحاق وأبى بكر فى اختلافهما فى رتبة الحاضر والمستقبل.
وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غيّر لكثرة استعماله إنما تصوّرته العرب قبل وضعه ، وعلمت أنه لا بدّ من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره ؛ علما بأن لا بدّ من كثرته الداعية إلى تغييره. وهذا فى المعنى كقوله :
رأى الأمر يفضى إلى آخر
فصيّر آخره أوّلا
وقد كان أيضا أجاز أن يكون قد كانت قديما معربة ، فلمّا كثرت غيّرت فيما بعد. والقول عندى هو الأوّل ؛ لأنه أدلّ على حكمتها ، وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها ، فتركوا بعض الكلام مبنيّا غير معرب ؛ نحو أمس ، وهؤلاء ، وأين ، وكيف ،
وكم ، وإذ ، واحتملوا ما لا يؤمن معه من اللبس ؛ لأنهم إذا خافوا ذلك زادوا كلمة أو كلمتين ، فكان ذلك أخفّ عليهم من تجشّمهم اختلاف الإعراب واتقائهم الزيغ والزلل فيه ؛ ألا ترى أن من لا يعرب فيقول : ضرب أخوك لأبوك قد يصل باللام إلى معرفة الفاعل من المفعول ، ولا يتجشّم خلاف الإعراب ليفاد منه المعنى ؛ فإنّ تخلّل الإعراب من ضرب إلى ضرب يجرى مجرى مناقلة الفرس ، ولا يقوى على ذلك من الخيل إلا الناهض الرجيل ، دون الكودن (1)الثقيل ؛ قال جرير :
من كل مشترف وإن بعد المدى
ضرم الرّقاق مناقل الأجرال (2)
ويشهد للمعنى الأول أنهم قالوا : اقتل ، فضمّوا الأول توقّعا للضمة تأتى من بعد. وكذلك قالوا : عظاءة ، وصلاءة ، وعباءة ، فهمزوا مع الهاء توقّعا لما سيصيرون إليه من طرح الهاء ، ووجوب الهمز عند العظاء والصلاء والعباء. وعلى ذلك قالوا : الشىء منتن ، فكسروا أوّله لآخره ، وهو منحدر من الجبل ، فضمّوا الدال لضمّة الراء. وعليه قالوا : هو يجوؤك ، وينبؤك فأثّر المتوقّع ، لأنه كأنه حاضر. وعلى ذلك قالوا : امرأة شمباء ، وقالوا : العمبر ، ونساء شمب ، فأبدلوا النون ميما لما يتوقّع من مجىء الباء بعدها. وعليه أيضا أبدلوا الأول للآخر فى الإدغام ؛ نحو مرّأيت؟ ، واذهفّى ذلك ، واصحمّطرا (3). فهدا كله وما يجرى مجراه [مما يطول ذكره] يشهد لأن كل ما يتوقّع إذ ثبت فى النفس كونه كان كأنه
1) الرجيل : هو القوى على المشى. الكودن : هو الهجين غير الأصيل.
2) البيت من الكامل ، وهو لجرير فى ديوانه ص 958 ، ولسان العرب (جرل) ، (نقل) ، وتهذيب اللغة 9 / 151 ، 11 / 27 ، 12 / 31 ، وجمهرة اللغة ص 976 ، 1330 ، ومقاييس اللغة 1 / 445 ، وديوان الأدب 2 / 391 ، وأساس البلاغة (شرف) ، (نقل) ، وتاج العروس (جرل) ، (نقل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ضرم) وجمهرة اللغة ص 464 ، والمخصص 6 / 168 ، 10 / 98. المشترف : يريد به الفرس العالى الخلق. والرّقاق : الأرض السهلة لا رمل فيها. يناقل فى الأجرال : يسرع السير فيها فلا تقع قوائمه على الحجارة ، والأجرال جمع الجرل : وهو المكان الصلب الغليظ الذى به حجارة.
3) مرأيت : يريد من رأيت. واذهفى ذلك : يريد اذهب فى ذلك. واصحمطرا : يريد اصحب مطرا.
حاضر مشاهد. فعلى ذلك يكونون قدّموا بناء نحو كم ، وكيف ، وحيث ، وقبل ، وبعد ، علما بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها ، فيجب لذلك تغييرها.
فإن قلت : هلا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال فى الزمان ، كما أنها أسبق رتبة منها فى الاعتقاد ، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه ؛ إذ كان الواجب أن يبدءوا بالأسماء ؛ لأنها عبارات عن الأشياء ، ثم يأتوا بعدها بالأفعال التى بها تدخل الأسماء فى المعانى والأحوال ، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف ؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها ، واستقلالها بأنفسها ؛ نحو إن زيدا أخوك ، وليت عمرا عندك ، وبحسبك أن تكون كذا؟ قيل يمنع من هذا أشياء : منها وجودك أسماء مشتقّة من الأفعال ؛ نحو قائم من قام ، ومنطلق من انطلق ؛ ألا تراه يصحّ لصحّته ، ويعتلّ لاعتلاله ؛ نحو ضرب فهو ضارب ، وقام فهو قائم ، (وناوم فهو مناوم). فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقّا من الفعل فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل فى الزمان ، وقد رأيت الاسم مشتقّا منه ورتبة المشتقّ منه أن يكون أسبق من المشتقّ نفسه. وأيضا فإن المصدر مشتقّ من الجوهر ؛ كالنبات من النبت ، وكالاستحجار من الحجر ، وكلاهما اسم. وأيضا فإن المضارع يعتلّ لاعتلال الماضى ، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضى.
وأيضا فإن كثيرا من الأفعال مشتقّ من الحروف ؛ نحو قولهم : سألتك حاجة فلوليت لى ، أى قلت لى : لو لا ، وسألتك حاجة فلا ليت لى ، أى قلت لى : لا.
واشتقّوا أيضا المصدر - وهو اسم - من الحرف ، فقالوا : اللالاة واللولاة ، وإن كان الحرف متأخّرا فى الرتبة عن الأصلين قبله : الاسم والفعل. وكذلك قالوا :
سوّفت الرجل ، أى قلت له : سوف ، وهذا فعل - كما ترى - مأخوذ من الحرف.
ومن أبيات الكتاب :
لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها
سوف العيوف لراح الركب قد قنع (1)
1) البيت من البسيط ، وهو لابن مقبل فى ديوانه ص 172 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 384 ، ولسان العرب (سوف) ، والكتاب 4 / 212 ، والمحتسب 1 / 298. ساوفتنا : واعدتنا بسوف أفعل. العيوف : الكاره والكارهة ، يقول : لو وعدتنا بتحية فى المستقبل لقنعنا.
انتصب (سوف العيوف) على المصدر المحذوف الزيادة ، أى مساوفة العيوف.
وأنا أرى أن جميع تصرف (ن ع م) إنما هو من قولنا فى الجواب : نعم. من ذلك النّعمة والنّعمة ، والنعيم والتنعيم ، ونعمت به بالا ، وتنعّم القوم ، والنّعمى ، والنعماء ، وأنعمت به له ؛ وكذلك البقيّة. وذلك أن (نعم) أشرف الجوابين وأسرّهما للنفس ، وأجلبهما للحمد ، و (لا) بضدّها ؛ ألا ترى إلى قوله :
وإذا قلت نعم فاصبر لها
بنجاح الوعد ؛ إنّ الخلف ذم (1)
وقال الآخر - أنشدناه أبو على - :
أبى جوده لا البخل واستعجلت به
نعم من فتى لا يمنع الجوع قاتله (2)
يروى بنصب (البخل) وجرّه. فمن نصبه فعلى ضربين : أحدهما أن يكون بدلا من (لا) ؛ لأن (لا) موضوعة للبخل ، فكأنه قال : أبى جوده البخل ؛ والآخر أن تكون (لا) زائدة ، حتى كأنه قال أبى جوده البخل ، لا على البدل ، لكن على زيادة (لا). والوجه هو الأوّل ؛ لأنه قد ذكر بعدها نعم ، ونعم لا تزاد ، فكذلك ينبغى أن تكون (لا) هاهنا غير زائدة والوجه الآخر على الزيادة صحيح أيضا ؛ لجرى ذكر (لا) فى مقابلة نعم. وإذا جاز ل- (لا) أن تعمل وهى زائدة فيما أنشده أبو الحسن من قوله :
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها
إلىّ لامت ذوو أحسابها عمرا (3)
كان الاكتفاء بلفظها من غير عمل له أولى بالجواز.
ومن جرّه فقال (لا البخل) فبإضافة (لا) إليه ؛ لأن (لا) كما تكون للبخل قد
1) البيت من الرمل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (نعم) ، وتاج العروس (نعم).
2) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (نعم) ، وتاج العروس (لا). والذى فى مغنى اللبيب : لا يمنع الجود قاتله ، وقوله لا يمنع الجود ، فاعل يمنع عائد على الممدوح : والجود مفعول ثان ، وقاتله مفعول أول ، ويحتمل أن الجود فاعل يمنع ، أى جوده لا يحرم قاتله أى فإذا أراد إنسان قتله فجوده لا يحرم ذلك الشخص. انظر حاشية الدسوقى على مغنى اللبيب.
3) البيت من البسيط ، وهو للفرزدق فى ديوانه 1 / 230 ، وخزانة الأدب 4 / 30 ، 32 ، 50 ، والدرر 2 / 226 ، وشرح التصريح 1 / 237 ، والمقاصد النحوية 2 / 322 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 2 / 3 ، ولسان العرب (غطف) ، وهمع الهوامع 1 / 147.
تكون للجود أيضا ؛ ألا ترى أنه لو قال لك إنسان : لا تطعم الناس ، ولا تقر الضيف ، ولا تتحمّل المكارم ، فقلت أنت : (لا) لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل ، فلمّا كانت (لا) قد تصلح للأمرين جميعا أضيفت إلى البخل ؛ لما فى ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدّين.
فإن قلت : فكيف تضيفها وهى مبنيّة؟ ألا تراها على حرفين الثانى حرف لين ، وهذا أدلّ شيء على البناء ، قيل : الإضافة لا تنافى البناء ، بل لو جعلها جاعل سببا له لكان (أعذر من) أن يجعلها نافية له ؛ ألا ترى أن المضاف بعض الاسم ، وبعض الاسم صوت ، والصوت واجب بناؤه. فهذا من طريق القياس ؛ وأمّا من طريق السماع فلأنهم قد قالوا : كم رجل [قد] رأيت ، فكم مبنيّة وهى مضافة.
وقالوا أيضا : لأضربنّ أيّهم أفضل ، وهى مبنيّة عند سيبويه. فهذا شيء عرض قلنا فيه.
ثم لنعد إلى ما كنا عليه من أن جميع باب (ن ع م) إنما هو مأخوذ من (نعم) لما فيها من المحبّة للشيء والسرور به. فنعمت الرجل ، أى قلت له (نعم) فنعم بذلك بالا ، كما قالوا : بجلّته أى قلت له (بجل) أى حسبك حيث انتهيت ، فلا غاية من بعدك ، ثم اشتقّوا منه الشيخ البجال ، والرجل البجيل. فنعم ، وبجل كما ترى حرفان ، وقد اشتقّ منهما أحرف كثيرة.
فإن قلت : فهلّا كان نعم وبجل مشتقّين من النّعمة والنعيم ، والبجال والبجيل ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقّا منهما؟ قيل : الحروف يشتقّ منها ولا تشتقّ هى أبدا. وذلك أنها لمّا جمدت فلم تتصرّف شابهت بذلك أصول الكلام الأول التى لا تكون مشتقّة (من شيء) (لأنه ليس قبلها ما تكون فرعا له ومشتقّة منه) يؤكّد ذلك عندك قولهم : سألتك حاجة فلوليت لى ، أى قلت لى (لو لا) فاشتقّوا الفعل من الحرف المركب من (لو) و (لا) فلا يخلو هذا أن يكون (لو) هو الأصل ، أو (لو لا) لا يجوز أن يكون (لو لا) ، لأنه لو كان (لو لا) هو الأصل كان (لو) محذوفا منه ؛ والأفعال لا تحذف ؛ إنما تحذف الأسماء نحو يد ، ودم ، وأخ ، وأب ، وما جرى مجراه ، وليس الفعل كذلك. فأمّا خذ ، وكل ومر ، فلا يعتدّ ، إن شئت لقلته ، وإن شئت لأنه حذف تخفيفا فى موضع وهو ثابت فى تصريف
الفعل ؛ نحو أخذ يأخذ ، وأخذ وآخذ.
فإن قلت : فكذلك أيضا يد ، ودم ، وأخ ، وأب ، وغد ، وفم ، ونحو ذلك ؛ ألا ترى أن الجميع تجده متصرفا وفيه ما حذف منه ؛ وذلك نحو أيد وأياد ويدىّ ، ودماء ودمىّ ، وأدماء والدما فى قوله :
وإخوة وأخوّة ، وآخاء وأخوان ، وآباء ، وأبوّة وأبوان :
وأفواه وفويه ، وأفوه وفوهاء وفوه ، قيل : هذا كله إن كان قد عاد فى كل تصرّف منه ما حذف من الكلمة التى هى من أصله ، فدلّ ذلك على محذوفه ، فليست الحال فيه كحال خذ من أخذ ويأخذ. وذلك أنّ أمثلة الفعل وإن اختلفت فى أزمنتها وصيغها فإنها تجرى مجرى المثال الواحد ، حتى إنه إذا حذف من بعضها شيء عوّض منه فى مثال آخر من أمثلته ؛ ألا ترى أنهم لمّا حذفوا همزة يكرم ونحوه عوّضوه منها أن أوجدوها فى مصدره ، فقالوا : إكراما. وكذلك بقيّة الباب. وليس كذلك الجمع (والواحد) ، ولا التكبير والتصغير (من الواحد) لأنه ليس كل واحد من هذه المثل جاريا مجرى صاحبه ، فيكون إذا حذف من بعضها شيء ثم وجد ذلك المحذوف فى صاحبه كان كأنه فيه ، وأمثلة الفعل إذا حذف من أحدها شيء ثم وجد ذلك المحذوف فى صاحبه صار كأنه فى المحذوف منه نفسه ، فكأن لم يحذف منه شيء.
فإن قلت : فقد نجد بعض ما حذف فى الأسماء موجودا فى الأفعال من معناها
1) عجز بيت من الرمل ، وهو بلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 1307 ، والأشباه والنظائر 5 / 97 ، وتخليص الشواهد ص 77 ، وخزانة الأدب 7 / 491 ، 493 ، والدرر 1 / 111 ، ورصف المبانى ص 16 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 377 ، وشرح المفصل 5 / 84 ، ولسان العرب (برغز) ، (أطم) ، (أبى) ، والمنصف 2 / 148 ، وهمع الهوامع 1 / 39 ، وتاج العروس (يدى).
2) بعض بيت من الطويل ، وهو للبيد فى ديوانه ص 169 ، وأمالى المرتضى 1 / 453 ، وشرح المفصل 6 / 4 ، والشعر والشعراء 1 / 284 ، ولسان العرب (غدا) ، ولذى الرمة فى ملحق ديوانه ص 1887 ، وللبيد أو لذى الرمة فى تاج العروس (غدا) ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 7 / 479 ، والكتاب 3 / 358 ، والمنصف 1 / 64 ، 2 / 149.
ولفظها. وذلك نحو قولهم فى الخبر : أخوت عشرة ، وأبوت عشرة ، وأنشدنا أبو على عن الرياشىّ :
وبشرة يأبونا كأنّ خباءنا
جناح سمانى فى السماء تطير (1)
وقالوا أيضا : يديت (2)إليه يدا وأيديت ، ودميت تدمى دمى ، وغدوت عليه ، وفهت بالشىء وتفوّهت به. فقد استعملت الأفعال من هذه الكلم ، كما استعملت فيما أوردته.
قيل : وهذا أيضا ساقط عنا ؛ وذلك أنا إنما قلنا : إن هذه المثل من الأفعال تجرى مجرى المثال الواحد ؛ لقيام بعضها قيام بعض ، واشتراكها فى اللفظ. وليس كذلك أب وأخ ونحوهما ؛ ألا ترى أنّ أب ليس بمثال من أمثلة الفعل ولا باسم فاعل ، ولا مصدر ، ولا مفعول ، فيكون رجوع المحذوف منه فى أبوت كأنه موجود فى أب ، وإنما أب من أبوت كمدقّ ومكحلة من دققت وكحلت. وكذلك القول فى أخ ، ويد ، ودم ، وبقيّة تلك الأسماء. فهذا فرق.
فقد علمت - بما قدّمناه وهضبنا (3)فيه - قوّة تداخل الأصول الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمازجها ، وتقدّم بعضها على بعض تارة ، وتأخّرها عنه أخرى.
فلهذا ذهب أبو على - رحمهالله - إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة ، كالرّقم تضعه على المرقوم ، والميسم يباشر به صفحة الموسوم ، لا يحكم لشيء منه بتقدّم فى الزمان ، وإن اختلفت بما فيه من الصنعة القوّة والضعف فى الأحوال. وقد كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف ؛ نحو هاهيت ، وحاحيت ، وعاعيت ، وجأجأت ، وحأحأت ، وسأسأت ، وشأشأت (4). وهذا كثير فى الزّجر.
وقد كانت حضرتنى وقتا فيه نشطة فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف فى كتاب ثابت فى الزّجر ؛ فاطلبها فى جملة ما أثبتّه عن نفسى فى هذا وغيره.
1) البيت من الطويل ، وسر صناعة الإعراب 2 / 693 ، ولسان العرب (بشر).
2) يديت إليه يدا وأيديت : أسديت إليه نعمة.
3) يقال هضب فى الحديث وأهضب : أفاض فيه وأكثر.
4) ها هيت : أى زجرت الإبل قائلا : ها ، ها. وكذلك حاحيت. عاعيت : يقال : عاعى بالغنم زجرها. جأجأت : زجرت الإبل قائلا : جؤجؤ. حأحأت : زجر للكبش. سأسأت : زجر للحمار ، وكذلك شأشأت.
هذا موضع كأنّ فى ظاهره تعجرفا ، وهو مع ذلك تحت أرجل الأحداث ممن تعلّق بهذه الصناعة ، فضلا عن صدور الأشياخ. وهو أكثر من أن أحصيه فى هذا الموضع لك ، لكنى أنبّهك على كثير من ذلك لتكثر التعجّب ممن تعجّب منه ، أو يستبعد الأخذ به. وذلك أنك لا تجد مختصرا من العربية إلا وهذا المعنى منه فى عدّة مواضع ؛ ألا ترى أنهم يقولون فى وصايا الجمع : إنّ ما كان من الكلام على فعل فتكسيره على أفعل ؛ ككلب وأكلب ، وكعب وأكعب ، وفرخ وأفرخ. وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثيّ فتكسيره فى القلّة على أفعال ؛ نحو جبل وأجبال ، وعنق وأعناق ، وإبل وآبال ، وعجز وأعجاز ، وربع وأرباع ، وضلع وأضلاع ، وكبد وأكباد ، وقفل وأقفال ، وحمل وأحمال. فليت شعرى هل قالوا هذا ليعرف وحده ، أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره ؛ ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردا أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسّر عليه نظيره؟.
لا ، بل كنت تحمله عليه للوصيّة التى تقدّمت لك فى بابه. وذلك كأن يحتاج إلى تكسير الرجز الذى هو العذاب فكنت قائلا لا محالة : أرجاز ؛ قياسا على أحمال ، وإن لم تسمع أرجازا فى هذا المعنى. وكذلك لو احتجت إلى تكسير عجر من قولهم : وظيف عجر لقلت : أعجار ؛ قياسا على يقظ وأيقاظ ، وإن لم تسمع أعجارا. وكذلك لو احتجت إلى تكسير شبع بأن توقعه على النوع لقلت : أشباع ، وإن لم تسمع ذلك ؛ لكنك سمعت نطع وأنطاع ، وضلع وأضلاع. وكذلك لو احتجت إلى تكسير دمثر لقلت : دماثر ؛ قياسا على سبطر وسباطر. وكذلك قولهم : إن كان الماضى على فعل فالمضارع منه على يفعل ، فلو أنك على هذا سمعت ماضيا على فعل لقلت فى مضارعه : يفعل ، وإن لم تسمع ذلك ؛ كأن يسمع سامع ضؤل ، ولا يسمع مضارعه ، فإنه يقول فيه : يضؤل ، وإن لم يسمع ذلك ، ولا يحتاج أن يتوقّف إلى أن يسمعه ؛ لأنه لو كان محتاجا إلى ذلك لما كان لهذه الحدود والقوانين التى وضعها المتقدمون (وتقبلوها) وعمل بها المتأخرون معنى يفاد ، ولا عرض ينتحيه الاعتماد ، ولكان القوم قد جاءوا بجميع المواضى ، والمضارعات ، وأسماء الفاعلين ، والمفعولين ، والمصادر ، وأسماء الأزمنة والأمكنة ،
والآحاد والتثانى والجموع ، والتكابير ، والتصاغير ، ولما أقنعهم أن يقولوا : إذا كان الماضى كذا وجب أن يكون مضارعه كذا ، واسم فاعله كذا ، واسم مفعوله كذا ، واسم مكانه كذا ، واسم زمانه كذا ، ولا قالوا : إذا كان المكبّر كذا فتصغيره كذا ، وإذا كان الواحد كذا فتكسيره كذا ، دون أن يستوفوا كل شيء (من ذلك) ، فيوردوه لفظا منصوصا معيّنا لا مقيسا ، ولا مستنبطا ، كغيره من اللغة التى لا تؤخذ قياسا ، ولا تنبيها ؛ نحو دار ، وباب ، وبستان ، وحجر ، وضبع ، وثعلب ، وخزز ؛ لكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فوجدوه على ضربين : أحدهما ما لا بدّ من تقبله كهيئته ، لا بوصيّة فيه ، ولا تنبيه عليه ؛ نحو حجر ، ودار ، وما تقدّم ؛ ومنه ما وجدوه يتدارك بالقياس ، وتخفّ الكلفة فى علمه على الناس ، فقنّنوه وفصّلوه إذ قدروا على تداركه من هذا الوجه القريب ، المغنى عن المذهب الحزن البعيد.
وعلى ذلك قدّم الناس فى أوّل المقصور والممدود ما يتدارك بالقياس والأمارات ، ثم أتلوه ما لا بدّ له من السماع والروايات ، فقالوا : المقصور من حاله كذا ؛ (ومن صفته كذا ؛ والممدود من أمره كذا ، ومن سببه كذا ، وقالوا فى المذكر والمؤنث : علامات التأنيث كذا وأوصافها كذا) ، ثم لمّا أنجزوا ذلك قالوا : ومن المؤنث الذى روى رواية كذا وكذا. فهذا من الوضوح على ما لا خفاء به.
فلمّا رأى القوم كثيرا من اللغة مقيسا منقادا وسموه بمواسمه ، وغنوا بذلك عن الإطالة والإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار والإيجاز. ثم لمّا تجاوزوا ذلك إلى ما لا بدّ من إيراده ونصّ ألفاظه التزموا (وألزموا) كلفته ؛ إذ لم يجدوا منها بدّا ، ولا عنها منصرفا. ومعاذ الله أن ندّعى أن جميع اللغة تستدرك بالأدلّة قياسا ، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبّهنا عليه ؛ كما فعله من قبلنا ممن نحن له متّبعون ، وعلى مثله وأوضاعه حاذون ، فأمّا هجنة الطبع وكدورة الفكر ، وخمود النفس ، وخيس (1)الخاطر ، وضيق المضطرب ، فنحمد الله على أن حماناه ، ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه ، ويستعملنا به فيما يدنى منه ويوجب الزلفة لديه بمنّه.
فهذا مذهب العلماء بلغة العرب وما ينبغى أن يعمل عليه ويؤخذ به ، فأمضه على ما أريناه وحدّدناه ، غير هائب له ولا مرتاب به. وهو كثير ، وفيما جئنا به منه كاف.
1) خيس الخاطر : كساده ووقوفه.
والرباعية والخماسية
ولنبدأ من ذلك بذكر الثلاثيّ منفردا بنفسه ، ثم مداخلا لما فوقه.
اعلم أن الثلاثى على ضربين : أحدهما ما يصفو ذوقه ، ويسقط عنك التشكّك فى حروف أصله ؛ كضرب ، وقتل ، وما تصرّف منهما. فهذا ما لا يرتاب به فى جميع تصرفه ؛ نحو ضارب ، ويضرب ، ومضروب ، وقاتل ، وقتال ، واقتتل القوم ، واقتل ، ونحو ذلك. فما كان هكذا مجرّدا واضح الحال من الأصول ، فإنه يحمى نفسه ، وينفى الظنّة عنه.
والآخر أن تجد الثلاثيّ على أصلين متقاربين والمعنى واحد ، فههنا يتداخلان ، ويوهم كل واحد منهما كثيرا من الناس أنه من أصل صاحبه ، وهو فى الحقيقة من أصل غيره ؛ وذلك كقولهم : شيء رخو ورخودّ (1). فهما - كما ترى - شديدا التداخل لفظا ، وكذلك هما معنى. وإنما تركيب (رخو) من ر خ و، وتركيب (رخود) من ر خ د ، وواو (رخودّ) زائدة ، وهو فعولّ كعلودّ (2)، وعسودّ (3)، والفاء والعين من (رخو) و (رخودّ) متفقتان ، لكن لاماهما مختلفتان. فلو قال لك قائل : كيف تحقّر (رخودّا) على حذف الزيادة ، لقلت : رخيد ، بحذف الواو وإحدى الدالين. ولو قال لك : كيف تبنى من رخو مثل جعفر ، لقلت (رخوى) ومن (رخودّ) : رخدد ؛ أفلا ترى إلى ازدحام اللفظين مع تماسّ المعنيين ؛ وذلك أن الرخو الضعيف ، والرخودّ المتثنىّ ، والتثني عائد إلى معنى الضعف ، فلما كانا كذلك أوقعا الشكّ لمن ضعف نظره ، وقلّ من هذا الأمر ذات يده.
ومن ذلك قولهم : رجل ضيّاط ، وضيطار (4). فقد ترى تشابه الحروف ، والمعنى
مع ذلك واحد ، فهو أشدّ لإلباسه. وإنما (ضياط) من تركيب (ض ى ط) ، وضيطار من تركيب (ض ط ر). ومنه (قول جرير) :
تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم
بنى ضوطرى! لو لا الكمىّ المقنعا (1)
فضيّاط يحتمل مثاله ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون فعّالا كخيّاط وربّاط ، والآخر أن يكون فيعالا كخيتام وغيداق ، والثالث أن يكون فوعالا كتوراب. فإن قلت : إن فوعالا لم يأت صفة ، قيل اللفظ يحتمله وإن كانت اللغة تمنعه. ومن ذلك لوقة وألوقة ، وصوص وأصوص ، وينجوج وألنجوج ويلنجوج (2)، وضيف وضيفن فى قول أبى زيد. ومن ذلك حيّة وحوّاء ، فليس حوّاء من لفظ حيّة كعطّار من العطر ، وقطّان من القطن ، بل حيّة من لفظ (ح ى ى) من مضاعف الياء ، وحوّاء من تركيب (ح وى) كشوّاء وطوّاء. ويدلّ على أن الحيّة من مضاعف الياء ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم فى الإضافة إلى حيّة بن بهدلة : حيوىّ. فظهور الياء عينا فى حيوىّ قد علمنا منه كون العين ياء ، وإذا كانت العين ياء واللام معتلّة فالكلمة من مضاعف الياء البتة ؛ ألا ترى أنه ليس فى كلامهم نحو حيوت. وهذا واضح. ولو لا هذه الحكاية لوجب أن تكون الحيّة والحوّاء من لفظ واحد ؛ لضربين من القياس : أمّا أحدهما فلأن فعّالا فى المعاناة إنما يأتى من لفظ المعانى ؛
1) البيت من الطويل ، وهو لجرير فى ديوانه ص 907 ، وتخليص الشواهد ص 431 ، وجواهر الأدب ص 394 ، وخزانة الأدب 3 / 55 ، 57 ، 60 ، والدرر 2 / 240 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 72 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 669 ، وشرح المفصل 2 / 38 ، 8 / 144 ، والمقاصد النحوية 4 / 475 ، ولسان العرب (أما لا) وتاج العروس (لو) وللفرزدق فى الأزهية 168 ، ولسان العرب (ضطر) ، ولجرير أو للأشهب بن رميلة فى شرح المفصل 8 / 145 ، وبلا نسبة فى الأزهية ص 170 ، والأشباه والنظائر 1 / 240 ، والجنى الدانى ص 606 ، وخزانة الأدب 11 / 245 ، ورصف المبانى ص 293 ، وشرح الأشمونى 3 / 610 ، وشرح ابن عقيل ص 600 ، وشرح عمدة الحافظ ص 321 ، وشرح المفصل 2 / 102 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 164 ، 182 ، ومغنى اللبيب 1 / 274 ، وهمع الهوامع 1 / 148. يقال للقوم إذا كانوا لا يغنون : بنو ضوطرى. وجرير يهجو بهذا الفرزدق وقومه. انظر اللسان (ضطر).
2) اللوقة والألوقة : طعام طيب يكون من الزبد والرطب. الصوص : البخيل. والأصوص : الناقة الكريمة الموثقة الخلق. ينجوج وألنجوج ويلجوج : هو عود طيب الريح يتبخر به.
نحو عطّار من العطر ، وعصّاب من العصب. وأمّا الآخر فلأن ما عينه واو ولامه ياء أكثر مما عينه ولامه ياءان ؛ ألا ترى أن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت وعييت. وإذا كان الأمر كذلك علمت قوّة السماع وغلبته للقياس ؛ ألا ترى أن سماعا واحدا غلب قياسين اثنين.
نعم وقد يعرض هذا التداخل فى صنعة الشاعر فيرى أو يرى أنه قد جنّس وليس فى الحقيقة تجنيسا ، وذلك كقول القطامى :
مستحقبين فؤادا ما له فاد (1)
كنية الحىّ من ذى الغيضة احتملوا*
وهو من قصيدته التى مطلعها :
ما اعتاد حب سليمى حين معتاد
ولا تقضى بوافى دينها الطادى
يقول فيها :
ما للكواعب ودعن الحياة كما
ودعننى واتخذن الشيب ميعادى
ثم يقول : كنية الحىّ ... ، ونية الحىّ : بعده وتحوله عن منتجعه إلى آخر. يقول : ودعننى وبعدن عنى كبعد هذا الحى إذا احتملوا من ذى الغيضة ، وهو موضع ، ويقول : إنهم استحقبوا معهم واحتملوا أسيرا لا فداء له من الأسر ، يعنى نفسه وقع أسيرا لمن سلبت فؤاده من الحى.
*ففؤاد من لفظ (ف أد) وفاد من تركيب (ف د ى) ، لكنهما لمّا تقاربا هذا التقارب دنوا من التجنيس. وعليه قول الحمصىّ :
فظاهر هذا يكاد لا يشكّ أكثر الناس أنه مجنّس ، وليس هو كذلك. وذلك أن تركيب (تسويف) من (س وف) وتركيب (السوافى) من (س ف ى) ، لكن لمّا وجد فى كل واحد من الكلمتين سين وفاء وواو جرى فى بادى السمع مجرى الجنس الواحد ؛ وعليه قال الطائى الكبير :
ألحد حوى حيّة الملحدين!
ولدن ثرى حال دون الثراء! (1)
فيمن رواه هكذا (حوى حيّة الملحدين) أى قاتل المشركين ، وكذلك قال فى آخر البيت أيضا :
فجاء به مجىء التجنيس ، وليس على الحقيقة تجنيسا صحيحا. وذلك أن التجنيس عندهم أن يتّفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان ؛ كالعقل ، والمعقل ، والعقلة ، والعقيلة ومعقلة. وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس. وليس الثرى من لفظ الثراء على الحقيقة ؛ وذلك أن الثرى - وهو الندى - من تركيب (ث ر ى) لقولهم : التقى الثريان. وأمّا الثراء - لكثرة المال - فمن تركيب (ث ر و) ؛ لأنه من الثروة ؛ ومنه الثريّا ؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها ، فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحلّ. ومنه قولهم : ثرونا بنى فلان ، نثروهم ثروة ، إذا كنا أكثر منهم. فاللفظان - كما ترى - مختلفان ، فلا تجنيس إذا إلا للظاهر. وقد ذكرت هذا الموضع فى كتابى فى شرح المقصور والممدود عن ابن السكيت ، وأن الفرّاء تسمح فى ذكر مثل هذا على اختلاف أصوله ، وأن عذره فى ذلك تشابه اللفظين بعد القلب.
ومن ذلك قولهم : عدد طيس ، وطيسل. فالياء فى طيس أصل ، وتركيبه من (ط ى س) و [هى] فى طيسل زائدة ، وهو من تركيب (ط س ل). ومثله الفيشة ، والفيشلة : حالهما فى ذلك سواء. وذهب سيبويه فى (عنسل) إلى زيادة النون ، وأخذها من قوله :
عسلان الذئب أمسى قاربا
برد الليل عليه فنسل (2)
1) هذا فى مرثية لخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى. وترى «ألحد» و «لدن» مرفوعين ، وهو ما فى الديوان. وفى أصول الخصائص : ألحدا ، ولدن بنصبهما. والوجه ما أثبته. يقول : أيحوى لحد حية الملحدين! يعجب من هذا. والملحدون : الكافرون ، وحيتهم : مهلكهم كما يهلك الحية من لدغه. و «لدن ثرى» فاللدن الناعم ، وهو من إضافة الصفة للموصوف : أى أيحول الثرى - وهو هنا تراب القبر - دون الغنى والوفر الحالين فيه بحلول المرثى. (نجار).
2) البيت من الرمل ، وهو للبيد فى ديوانه ص 200 ، ولسان العرب (عسل) ، وتاج العروس -
وذهب محمد بن حبيب فى ذلك إلى أنه من لفظ (العنس) وأن اللام زائدة ، وذهب بها مذهب زيادتها فى ذلك ، وأولالك ، وعبدل وبابه. وقياس قول محمد بن حبيب هذا أن تكون اللام فى فيشلة وطيسل زائدة. وما أراه إلا أضعف القولين ؛ لأن زيادة النون ثانية أكثر من زيادة اللام فى كل موضع ، فكيف بزيادة النون غير ثانية. وهو أكثر من أن أحصره لك.
فهذه طريق تداخل الثلاثى [بعضه فى بعض. فأمّا تداخل الثلاثيّ] والرباعىّ لتشابههما فى أكثر الحروف فكثير ؛ منه قولهم : سبط ، وسبطر. فهذان أصلان لا محالة ؛ ألا ترى أن أحدا لا يدّعى زيادة الراء. ومثله سواء دمث ، ودمثر ، وحبج ، وحبجر (1). وذهب أحمد بن يحيى فى قوله :
إلى أن الباء زائدة ، وأخذه من زغد البعير يزغد زغدا فى هديره. وقوله : إن الباء زائدة كلام تمجّه الآذان ، وتضيق عن احتماله المعاذير. وأقوى ما يذهب إليه فيه أن يكون أراد أنهما أصلان مقتربان كسبط وسبطر. وإن أراد ذلك أيضا فإنه قد تعجرف. ولكن قوله فى أسكفّة الباب : إنها من استكفّ الشىء أى انقبض أمر لا ينادى (3)وليده ، روينا ذلك عنه. وروينا عنه أيضا أنه قال فى (تنّور) : إنه تفعول من النار. وروينا عنه أيضا أنه قال : الطيخ : الفساد [قال] : فهو من تواطخ القوم. وسنذكر ذلك فى باب سقطات العلماء بإذن الله.
1) الحبج : المنتفخ السمين. والحبجر أيضا : الغليظ.
2) الرجز لرؤبة بن العجاج فى لسان العرب (ددن) ، وتهذيب اللغة 2 / 249 ، وتاج العروس (ببب) ، وليس فى ديوانه ، وللعجاج فى ملحق ديوانه 2 / 270 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 122 ، ولسان العرب (زغدب) ، (زغد). القلخ والزغدب : هدير البعير.
3) أمر لا ينادى وليده : هذا مثل يضرب للشيء الشديد الذى ينادى فيه العظماء لا الصغار.
ولكن من الأصلين المتداخلين : الثلاثيّ والرباعىّ قولهم : زرم ، وازرأمّ ، وخضل ، واخضألّ ، وأزهر ، وازهأرّ ، وضفد واضفأدّ ، وزلم القوم ، وازلأمّوا ، وزغب الفرخ ، وازلغبّ. ومنه قولهم : مبلع ، وبلعوم ، وحلق ، وحلقوم ، وشيء صلد ، وصلادم ، وسرطم ، وسرواط. وقالوا للأسد : هرماس ؛ وحدثنا أبو علىّ عن الأصمعىّ أنه قال فى هرماس : إنه (من الهرس). وحدثنا أيضا أنهم يقولون :
لبن فمارص. وقالوا دلاص ، ودلامص ، ودمالص (1). وأنشد ابن الأعرابىّ :
فباتت تشتوى والليل داج
ضماريط استها فى غير نار (2)
ومن هذا أيضا قولهم : بعير أشدق ، وشدقم.
وينبغى أن يكون جميع هذا من أصلين ثلاثىّ ، ورباعيّ. وهو قياس قول أبى عثمان ؛ ألا تراه قال فى دلامص : إنه رباعيّ ، وافق أكثره حروف الثلاثيّ ؛ كسبط ، وسبطر ، ولؤلؤ ، ولآل. فلؤلؤ رباعيّ ، ولآل ثلاثىّ. وقياس مذهب الخليل بزيادة الميم فى دلامص ، أن تكون الميم فى هذا كله زائدة ، وتكون على مذهب أبى عثمان أصلا ، وتكون الكلم التى اعتقبت هذه الحروف عليها أصلين ، لا أصلا واحدا. نعم ، وإذا جاز للخليل أن يدّعى زيادة الميم حشوا - وهو موضع عزيز عليها - فزيادتها آخرا أقرب مأخذا ؛ لأنها لمّا تأخّرت شابهت بتطرّفها أوّل الكلمة الذى هو معان لها ومظنّة منها. فقياس قوله فى دلامص : إنه فعامل أن يقول فى دمالص : فماعل ، وكذلك فى قمارص ، وأن يقول فى بلعوم ، وحلقوم : إنه فعلوم ؛ لأن زيادة الميم آخرا أكثر منها أوّلا ؛ ألا ترى إلى تلقّيهم كل واحد من دلقم ، ودردم ، ودقعم ، وفسحم ، وزرقم ، وستهم ، ونحو ذلك بزيادة الميم فى آخره. ولم نر أبا عثمان خالف فى هذا خلافه فى دلامص. وينبغى أن يكون ذلك لأن آخر الكلمة مشابه لأوّلها ، فكانت زيادة الميم فيه أمثل من زيادتها حشوا. فأما ازرأمّ ، واضفأدّ ، ونحو ذلك فلا تكون همزته إلا أصلا ، ولا تحملها على باب
شأمل ، وشمأل ؛ لقلّة ذلك. وكذلك لام ازلغبّ هى أحرى أن تكون أصلا.
ومن الأصلين الثلاثيّ والرباعىّ المتداخلين قولهم : قاع قرق ، وقرقر ، وقرقوس ، وقولهم : سلس ، وسلسل ، وقلق ، وقلقل. وذهب أبو إسحاق فى نحو قلقل ، وصلصل ، وجرجر ، وقرقر ، إلى أنه فعفل ، وأن الكلمة لذلك ثلاثيّة ، حتى كأن أبا إسحاق لم يسمع فى هذه اللغة الفاشية المنتشرة بزغد ، وزغدب ، وسبط ، وسبطر ، ودمث ، ودمثر ، وإلى قول العجّاج :
هذا مع قولهم وتر حبجر ؛ للقوىّ الممتلئ. نعم ، وذهب إلى مذهب شاذّ غريب فى أصل منقاد عجيب ؛ ألا ترى إلى كثرته فى نحو زلز ، وزلزل ، ومن أمثالهم (توقّرى يا زلزة) فهذا قريب من قولهم : قد تزلزلت أقدامهم إذا قلقت فلم تثبت. ومنه قلق ، وقلقل ، وهوّة ، وهوهاءة ، وغوغاء ، وغوغاء ؛ لأنه مصروفا رباعيّ ، وغير مصروف ثلاثىّ. ومنه رجل أدرد ، وقالوا : عضّ على دردره ، ودردوره (2). ومنه صلّ ، وصلصل ، وعجّ ، وعجعج. ومنه عين ثرّة وثرثارة.
وقالوا : تكمكم من الكمّة ، وحثحثت ، وحثّثت ، ورقرقت ، ورقّقت ؛ قال الله تعالى : (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ) [الشعراء : 94] وهذا باب واسع جدّا ، ونظائره كثيرة : فارتكب أبو إسحاق مركبا وعرا ، وسحب فيه عددا جمّا ، وفى هذا إقدام وتعجرف. ولو قال ذلك فى حرف أو حرفين كما قال الخليل فى دلامص ، بزيادة الميم ، لكان أسهل ؛ لأن هذا شيء إنما احتمل القول به فى كلمة عنده شاذّة ، أو عزيرة النظير. فأمّا الاقتحام بباب منقاد ، فى مذهب متعاد ، ففيه ما قدّمناه ؛ ألا ترى أن تكرير الفاء لم يأت به ثبت إلا فى مرمريس ، وحكى غير صاحب الكتاب أيضا مرمريت ، وليس بالبعيد أن تكون التاء بدلا من السين ، كما أبدلت منها فى ستّ ، وفيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :
يا قاتل الله بنى السعلات
عمرو بن يربوع شرار النات
غير أعفّاء ولا أكيات (1)
فأبدل السين تاء.
فإن قلت : فإنا نجد للمرمريت أصلا يحتازه إليه وهو المرت (2)، قيل : هذا هو الذى دعانا إلى أن قلنا : إنه قد يجوز أن تكون التاء فى مرمريت بدلا من سين مرمريس. ولو لا أن معنا مرتا لقلنا فيه : إن التاء بدل من السين البتّة ، كما قلنا ذلك فى ستّ ، والنات ، وأكيات. فإن قال قائل منتصرا لأبى إسحاق : لا ينكر أن يأتى فى المعتلّ من الأمثلة ما لا يأتى فى الصحيح ؛ نحو سيد وميت ، وقضاة ودعاة ، وقيدودة ، وصيرورة ، وكينونة ، وكذلك يجيء فى المضاعف ما لا يأتى فى غيره من تكرير الفاء. بل إذا كانوا قد كرّروها فى مرمريت ، ومرمريس ، ولم نر فى الصحيح فيعلا ولا فعلة فى جمع فاعل ، ولا فيعلولا مصدرا كان ما ذهب إليه أبو إسحاق من تكرير الفاء فى المضاعف أولى بالجواز ، وأجدر بالتقبّل ، فهو قول ، غير أن الأول أقوى ؛ ألا ترى أن المضاعف (لا ينتهى) فى الاعتلال إلى غاية الياء والواو ، وأن ما أعلّ منه فى نحو ظلت ، ومست ، و (ظنت فى ظننت) ، وتقصّيت ، وتقضّيت ، وتفضّيت من الفضّة ، وتسرّيت من السّرّيّة ، ليس شيء من إعلال ذلك ونحوه بواجب ، بل جميعه لو شئت لصحّحته ، وليس كذلك حديث الياء والواو والألف فى الاعتلال ، بل ذلك فيها فى عامّ أحوالها التى اعتلّت فيها أمر واجب أو مستحسن فى حكم الواجب ، أعنى باب حارىّ ، وطائى وياجل ، وياءس ، وآية فى قول سيبويه. فإن قلت فقد قرأ الأعمش بعذاب بيئس ، فإنما ذاك لأن الهمزة وإن لم تكن حرف علّة فإنها معرّضة للعلّة ، وكثيرة الانقلاب عن
1) الرجز لعلباء بن أرقم فى لسان العرب (نوت) ، (سين) ، (تا) ، ونوادر أبى زيد ص 104 ، وتاج العروس (كيت) ، (نوت) ، (عسل) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (أنس) ، (مرس) ، والإنصاف 1 / 119 ، وجمهرة اللغة ص 842 ، والحيوان 1 / 187 ، 6 / 161 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 155 ، وسمط اللآلى ص 703 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 221 ، وشرح المفصل 10 / 36 ، 41 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 109 ، والممتع فى التصريف 1 / 389 ، ونوادر أبى زيد ص 147 ، والمخصص 3 / 26 ، 13 / 283 ، وتاج العروس (سين).
2) المرت : هو المكان لا نبت فيه.
حروف العلّة ، فأجريت (بيئس) عنده مجرى سيّد ، وهيّن ، كما أجريت التجزئة مجرى التعزية فى باب الحذف والتعويض ، وتابع أبو بكر البغداديين فى أن الحاء الثانية فى حثحثت بدل من ثاء ، وأن أصله حثّثت. وكذلك قال فى نحو ثرّة ، وثرثارة : إن الأصل فيها ثرّارة ، فأبدل من الراء الثانية ثاء ، فقالوا : ثرثارة. وكذلك طرد هذا الطرد. وهذا وإن كان عندنا غلطا لإبدال الحرف مما ليس من مخرجه ، ولا مقاربا فى المخرج له فإنه شقّ آخر من القول. ولم يدّع أبو بكر فيه تكرير الفاء ، وإنما هى عين أبدلت إلى لفظ الفاء ، فأمّا أن يدّعى أنها فاء مكررة فلا.
فهذا طريق تزاحم الرباعى مع الثلاثيّ. وهو كثير جدّا فاعرفه ، وتوقّ حمله عليه أو خلطه به ، ومز كلّ واحد منهما عن صاحبه ، وواله دونه ؛ فإن فيه إشكالا. وأنشدنى الشجرىّ لنفسه :
أناف على باقى الجمال ودفّفت
بأنوار عشب مخضئلّ عوازبه
وأما تزاحم الرباعىّ مع الخماسىّ فقليل. وسبب ذلك قلّة الأصلين جميعا ، فلمّا قلا قلّ ما يعرض من هذا الضرب فيهما ؛ إلا أن منه قولهم : ضبغطى ، وضبغطرى (1)، وقوله أيضا :
ف (دردبت) رباعيّ و (دردبيس) خماسىّ. ولا أدفع أن يكون استكره نفسه على أن بنى من (دردبيس) فعلا فحذف خامسه ؛ كما أنه لو بنى من سفرجل فعلا عن ضرورة لقال : سفرج.
وإذا كان أحدهما زائدا فأيهما هو؟
اعلم أنه متى اجتمع معك فى الأسماء والأفعال حرف أصل ومعه حرفان مثلان لا غير فهما أصلان ، متّصلين كانا أو منفصلين. فالمتّصلان نحو الحفف ، والصدد ، والقصص ، وصببت ، وحللت ، وشددت ، وددن ، ويين. وأمّا المنفصلان فنحو دعد ، وتوت ، وطوط ، وقلق ، وسلس. وكذلك إن كان هناك زائد فالحال واحدة ؛ نحو حمام ، وسمام ، وثالث ، وسالس ؛ روينا عن الفرّاء قول الراجز :
ممكورة غرثى الوشاح السالس
تضحك عن ذى أشر غضارس (1)
وكذلك كوكب ، ودودح. وليس من ذلك دؤادم ؛ لأنه مهموز.
وكذلك إن كان هناك حرفان تسقطهما الصنعة جريا فى ذلك مجرى الحرف الواحد (كألف حمام وسمام ، وواو كوكب ودودح) وذلك ألندد ، ويلندد ؛ يوضّح ذلك الاشتقاق فى ألندد ؛ لأنه هو الألدّ. وأمّا ألنجج فإنّ عدّة حروفه خمسة ، وثالثه نون ساكنة ، فيجب أن يحكم بزيادتها فتبقى أربعة ؛ فلا يخلو حينئذ أن يكون مكرر اللام ؛ كباب قعدد وشربب ، أو مزيدة فى أوّله الهمزة ؛ كأحمر ، وأصفر ، وإثمد. وزيادة الهمزة أوّلا أكثر من تكرير اللام آخرا. فعلى ذلك ينبغى أن يكون العمل. فتبقى الكلمة من تركيب (ل ج ج) ، (فمثلاها إذن أصلان) وكذلك يلنجج ؛ لأن الياء فى ذلك كالهمزة ؛ كما قدّمناه. فمثلا ألنجج ويلنجج أصلان كمثلى ألندد ويلندد.
فهذه أحكام المثلين إذا كان معهما أصل واحد فى أنهما أصلان لا محالة.
فأمّا إذا كان معك أصلان ومعهما حرفان مثلان فعلى أضرب : منها أن يكون هناك تكرير على تساوى حال الحرفين. فإذا كانا كذلك كانت الكلمة كلها أصولا ،
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (سلس) ، (عطمس) ، (غضرس) ، وديوان الأدب 2 / 58. السالس: السلس اللين. غضارس : بارد عذب.
وذلك نحو قلقل ، وصعصع ، وقرقر ، فالكلمة إذا لذلك رباعية. وكذلك إن اتفق الأوّل والثالث ، واختلف الثانى والرابع ؛ فالمثلان أيضا أصلان. وذلك نحو فرفخ وقرقل ، وزهزق ؛ وجرجم (1). وكذلك إن اتفق الثانى والرابع ؛ واختلف الأوّل والثالث ؛ نحو كربر (2)، وقسطاس ، وهزنبزان ، وشعلّع ، فالمثلان أيضا أصلان.
وكلّ ذلك أصل رباعيّ. وكذلك إن اتفق الأوّل والرابع ، واختلف الثانى والثالث ؛ فالمثلان أصلان ، والكلمة أيضا من بنات الأربعة. وذلك نحو قربق ، وصعفصة (3)[وسلعوس]. وكذلك إن اتفق الأوّل والثانى ، واختلف الثالث والرابع ، فالمثلان أصلان ، والكلمة أيضا رباعيّة. وذلك نحو ديدبون ، وزيزفون (4): هما رباعيّان ؛ كباب ددن وكوكب فى الثلاثة. ومثالهما (فيعلول) كخيسفوج ، وعيضموز. فهذه حال الرباعىّ.
وكذلك أيضا إن حصل معك ثلاثة أحرف أصول ، ومعهما مثلان غير ملتقيين ، فهما أيضا أصلان ، وذلك كقولهم زبعبق ، وشمشليق ، وشفشليق.
فهذه هى الأصول التى يكون فيها المثلان أصلين. وما علمنا أنّ وراء ما حضرنا وأحضرناه منها مطلوبا فيتعب بالتماسه وتطلّبه.
فأمّا متى يكون أحد المثلين زائدا فهو أن يكون معك حرفان أصلان من بعدهما حرفان مثلان ، فأحدهما زائد. وسنذكر أيّهما هو الزائد عقيب الفراغ من تقسيم ذلك. وذلك كمهدد ، وسردد ، وجلبب ، وشملل ، وصعرر ، واسحنكك ، واقعنسس. وكذلك إن كان معك حرفان أصلان بينهما حرفان مثلان ، فأحد المثلين أيضا زائد. وذلك نحو سلّم ، وقلّف ، وكسّر ، وقطّع. وكذلك إن فصل بين المثلين المتأخّرين عن الأصلين المتقدّمين ، أو المتوسّطين بينهما زائد ؛ فالحال واحدة.
1) يقال صعصع القوم : فرّقهم. فرفخ : هو نبات الرجلة. قرقل : هو قميص للنساء. زهزق : أكثر من الضحك. وجرجم الشراب : شربه.
2) فى القاموس واللسان أن ابن جنى ذكره ولم يفسره ، ويقول صاحب القاموس : «وعندى ، أنه تصحيف والصواب بالزاى آخره» وهو يريد الكربز وهو القثاء الكبار.
3) قربق : هو دكان البقال. صعفصة : هو السّكباج ، وهو لحم يطبخ بخل.
4) الديدبون : اللهو. يقال ناقة زيزفون : سريعة.
وذلك نحو قردود ، وسحتيت ، وصهميم. وقرطاط ، وصفنات (1)، (وعثوثل) ، (واعشوشب ، واخلولق).
فهذا حكم المثلين يجيئان مع الأصلين.
وكذلك إن جاءا بعد الثلاثة الأصول ؛ وذلك نحو قفعدد ، وسبهلل ، وسبحلل ، وهرشفّ ، وعربدّ ، وقسحبّ ، وقسقبّ ، وطرطبّ.
وكذلك إن التقى المثلان حشوا ؛ وذلك نحو علّكد ، وهلّقس ، ودبّخس ، وشمّخر ، وضمّخر ، وهمّقع ، وزمّلق ، وشعلّع ، وهملّع ، وعدبّس ، وعجنّس (2).
وكذلك إن حجز بين المثلين زائد. وذلك نحو جلفزيز ، وهلبسيس ، وخربصيص ، وحندقوق. فهذه الكلم كلها رباعية الأصل ، وأحد مثليها زائد.
فأما همّرش فخماسىّ ، وميمه الأولى نون ، وأدغمت فى الميم لمّا لم يخف هناك لبس ؛ ألا ترى أنه ليس فى بنات الأربعة مثال (جعّفر) فيلتبس به همّرش.
ولو حقّرت (همّرشا) لقلت (هنيمر) فأظهرت نونها لحركتها. وكذلك لو استكرهت على تكسيرها لقلت (هنامر). ونظير إدغام هذه النون إذا لم يخافوا لبسا قولهم امّحى ، وامّاز ، وامّاع. ولما لم يكن فى الكلام (افّعل) علم أنّ هذا انفعل ؛ قال أبو الحسن : ولو أردت مثال انفعل من رأيت ولحزت لقلت : ارّأى ، والحزّ.
فإن قلت : فما تقول فى مثل عذوّر ، وسنّور ، واعلوّط ، واخروّط ، وهبيّخ ، وهبيّغ ، وجبروّة ، وسمعنّة ، ونظرنّة ، وزونّك ، فيمن أخذه من زاك يزوك - وعليه حمله أبو زيد لأنه صرّف فعله عقيبه معه - فإنّ هذا سؤال ساقط عنا ؛ وذلك أنا إنما كلامنا على ما أحد مثليه زائد ليذكر فيما بعد. فأمّا ما مثلاه جميعا زائدان فليس فيه كلام ولا توقّف فى القطع (بزائديه معا).
1) قردود : هو ما ارتفع من الأرض وغلظ. صهميم : من معانيه السيد الشريف. قرطاط : هو كالبردعة يوضع تحت السّرج. صفنات : هو الجسم الشديد.
2) القفعدد : القصير. سبحلل : ضخم. قسحبّ : هو الضخم. قسقب : الضخم. طرطب : هو الثدى الضخم المسترخى. علكد : هو الغليظ الشديد العنق. هلقس : من معاينة الجوع الشديد شمخر : هو المتكبر. ضمخر : المتكبر أيضا. عجنس : هو الجمل الضخم.
فإن قيل : فهذا ؛ ولكن ما تقول فى صمحمح ، ودمكمك ، وبابهما؟ قيل : هذا فى جملة ما عقدناه ؛ ألا ترى أن معك فى أوّل المثال الصاد ، والميم ، وهما لفظ أصلين ثم تكرّر كلّ واحد من الثانى والثالث فصار عود الثانى ملحقا له بباب (فعل) وعود الثالث ملحقا له بباب (فعلل) فقد ثبت أن كل واحد من الحرفين الثانى والثالث قد عاد عليه نفس لفظه كما عاد على طاء (قطّع) لفظها ، وعلى دال (قعدد) أيضا لفظها. فباب (فعلعل) ونحوه أيضا ثلاثىّ ؛ كما أن كل واحد من (سلّم) و (قطّع) و (قعدد) و (شملل) ثلاثى. وهذا أيضا جواب من سأل عن مرمريس ومرمريت سؤاله عن صمحمح ، ودمكمك ؛ لأن هذين أوّلا كذينك آخرا.
الآن قد أتينا على أحكام المثلين : متى يكونان أصلين ، ومتى يكون أحدهما زائدا ، بما لا تجده متقصّى متحجّرا فى غير كلامنا هذا.
وهذا أوان القول على الزائد منهما إذا اتفق ذلك أيّهما هو.
فمذهب الخليل فى ذلك أن الأوّل منهما هو الزائد ؛ ومذهب يونس - وإياه كان يعتمد أبو بكر - أن الثانى منهما هو الزائد. وقد وجدنا لكل من القولين مذهبا ، واستوسعنا له بحمد الله مضطربا. فجعل الخليل الطاء الأولى من قطّع ونحوه كواو حوقل ، وياء بيطر ؛ وجعل يونس الثانية منه كواو جهور ، ودهور (1). وجعل الخليل باء جلبب الأولى كواو جهور ، ودهور ؛ وجعل يونس الثانية كياء سلقيت ، وجعبيت. وهذا قدر من الحجاج مختصر ، وليس بقاطع ، وإنما فيه الأنس بالنظير ، لا القطع باليقين. ولكن من أحسن ما يقال فى ذلك ما كان أبو علىّ - رحمهالله - يحتجّ به لكون الثانى هو الزائد قولهم : اقعنسس ، واسحنكك ؛ قال : ووجه الدلالة من ذلك أن نون افعنلل بابها إذا وقعت فى ذوات الأربعة أن تكون بين أصلين ؛ نحو احرنجم ، واخرنطم. واقعنسس ملحق بذلك ؛ فيجب أن يحتذى به طريق ما ألحق بمثاله. فلتكن السين الأولى أصلا كما أن الطاء المقابلة لها من (اخرنطم) أصل. وإذا كانت السين الأولى من اقعنسس أصلا كانت الثانية الزائدة ، من غير ارتياب ولا شبهة. وهذا فى معناه سديد حسن جار على أحكام
1) جهور : اسم موضع. دهوره : قذفه فى مهواة.
هذه الصناعة. ووجدت أنا أشياء فى هذا المعنى يشهد بعضها لهذا المذهب ، وبعضها لهذا المذهب. فمما يشهد لقول يونس قول الراجز :
بنى عقيل ماذه الخنافق!
المال هدى ، والنساء طالق (1)
فالخنافق جمع خنفقيق ، وهى الداهية. ولن تخلو القاف المحذوفة أن تكون الأولى أو الثانية ؛ فيبعد أن تكون الأولى ؛ لأنه لو حذفها لصار التقدير به فى الواحد إلى (خنفيق) ولو وصل إلى ذاك لوقعت الياء رابعة فيما عدّته خمسة ، وهذا موضع يثبت فيه حرف اللين بل يجتلب إليه تعويضا أو إشباعا. فكان يجب على هذا خنافيق. فلمّا لم يكن كذلك علمت أنه إنما حذف القاف الثانية فبقى (خنفقى) فلمّا وقعت الياء خامسة حذفت فبقى (خنفق) فقيل فى تكسيره خنافق.
فإن قلت : ما أنكرت أن يكون حذف القاف الأولى فبقى (خنفيق) وكان قياس تكسيره خنافيق ؛ غير أنه اضطرّ إلى حذف الياء ؛ كضرورته إلى حذفها فى قوله :
قيل : الظاهر غير هذا ، وإنما العمل على الظاهر لا على المحتمل. فإذا صحّ أنه إنما حذف الثانية علمت أنها هى الزائدة دون الأولى. ففى هذا بيان وتقوية لقول يونس.
ويقوّى قوله أيضا أنهم لمّا ألحقوا الثلاثة بالأربعة فقالوا مهدد ، وجلبب ، بدءوا باستعمال الأصلين ، وهما الميم ، والهاء ، والجيم واللام ، فهذان أصلان لا محالة.
فكما تبعت الهاء الميم والهاء أصل كما أن الميم أصل ، فكذلك يجب أن تكون
1) «والنساء طالق» ، كذا بإفراد الخبر ، وكأنه ذهب إلى أنه يريد : كل امرأة طالق. ولو قال : والنساء طوالق ؛ لاستغنى عن هذا.
2) الرجز لغيلان بن حريث الربعى فى شرح شواهد الإيضاح ص 598 ، والكتاب 3 / 445 ، والدرر 6 / 243 ، ولسان العرب (ظبظب) ، (فسج) (وعع) ، (صرف) ، (حمم) ، (غنم) ، (دهده) ، (عدا) ، والمحتسب 1 / 94 ، 300 ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، وتاج العروس (فسج) ، والمخصص (4 / 47 ، 7 / 61 ، 138). البكرات جمع البكرة وهى الناقة الفتية. والفسّج : جمع فاسج وهى الحائل السمينة. والعطامس : جمع العطيموس ، وهى الناقة الحسناء ، والقياس العطاميس ؛ فحذف الياء. انظر اللسان (عطمس).
الدال الأولى أصلا لتتبع الهاء التى هى أصل. فكما لا يشكّ أن الهاء أصل تبع أصلا ، فكذلك ينبغى أن تكون الدال الأولى أصلا تبعت أصلا ، من حيث تساوت أحوال الأصول الثلاثة ؛ وهى الفاء والعين واللام. فلمّا استوفيت الأصول الثلاثة المقابل بها من (جعفر) الأصول الأول الثلاثة وبقيت هناك بقيّة من الأصل الممثّل - وهى اللام الثانية التى هى الراء - استؤنفت لها لام ثانية مكررة ، وهى الدال الثانية. نعم وإذا كانت اللام الثانية من الرباعىّ مشابهة بتجاوزها الثلاثة للزائد كان الحرف المكرر الذى هو أحد حرفين أحدهما زائد لا محالة إذا وقع هناك هو الزائد لا محالة.
فهذا كله - كما ترى - شاهد بقوّة قول يونس.
فأمّا ما يشهد للخليل فأشياء. منها ما جاء من نحو فعوعل ، وفعيعل ، وفعنلل ، وفعاعل ، وفعاعيل ؛ نحو غدودن ، وخفيدد ، وعقنقل ، وزرارق ، وسخاخين (1).
وذلك أنك قد علمت أن هذه المثل التى تكررت فيها العينان إنما يتقدّم على الثانية منهما الزائد لا محالة ؛ أعنى واو فعوعل ، وياء فعيعل ، ونون فعنلل ، وألف فعاعل وفعاعيل. فكما أنهما لمّا اجتمعا فى هذه المثل ما قبل الثانية زائد لا محالة ، فكذلك ينبغى أن يكونا إذا التقيا غير مفصول بينهما فى نحو فعّل ، وفعّل ، وفعّال ، وفعّال ، وفعّيل ، وما كان نحو ذلك : الزائدة منهما أيضا هى الأولى ؛ لوقوعها موقع الزوائد مع التكرير فيهما لا محالة. فكما لا يشكّ فى زيادة ما قبل العين الثانية فى فعوعل ، وبابه ، فكذلك ينبغى ألا يشكّ فى زيادة ما قبل العين الثانية ممّا التقت عيناه ؛ نحو فعّل ، وفعّل ، وبقيّة الباب. وهذا واضح.
فإن عكس عاكس هذا فقال : إن كان هذا شاهدا لقول الخليل عندك كان هو أيضا نفسه شاهدا لقول يونس عند غيرك. وذلك أن له أن يقول : قد رأينا العينين فى بعض المثل إذا التقتا مفصولة إحداهما من الأخرى فإن ما بعد الأولى منهما زائد لا محالة ، ويورد هذه المثل عينها ؛ نحو عثوثل ، وخفيدد ، وعقنقل ، وبقيّة الباب ، فيقول لك : فكما أنّ ما بعد العين الأولى منها زائد لا محالة ، فليكن أيضا ما بعد العين الأولى فى فعّل ، وفعّل ، وبقيّة الباب هو الزائد لا محالة.
1) يقال شاب غدودن : ناعم. خفيدد : هو السريع. ماء سخاخين : حارّ.
فالجواب أنّ هذه الأحرف الزوائد فى فعوعل ، وفعيعل ، [وفعنلل] وبقيّة الباب أشبه بالعين الأولى منها بالعين الآخرة ، وذلك لسكونها ، كما أن العينين إذا التقتا فالأولى منهما ساكنة لا غير ؛ نحو فعّل ، وفعّل ، وفعّيل وبقيّة الباب. ولا نعرف فى الكلام عينين التقتا والأولى منهما متحركة ؛ ألا ترى أنك لا تجد فى الكلام نحو فععل ، ولا فععل ، ولا فععل ولا شيئا من هذا الضرب لم نذكره. فإذا كان كذلك علمت أن واو (فعوعل) لسكونها أشبه بعين (فعّل) الأولى لسكونها أيضا منها بعينها الثانية لحركتها ، فاعرف ذلك فرقا ظاهرا.
ومنها أن أهل الحجاز يقولون للصوّاغ : الصّيّاغ ، فيما رويناه عن الفرّاء ؛ وفى ذلك دلالة على ما نحن بسبيله. ووجه الاستدلال منه أنهم كرهوا التقاء الواوين - لا سيّما فيما كثر استعماله - فأبدلوا الأولى من العينين ياء - كما قالوا فى أمّا : (أيما) ونحو ذلك - فصار تقديره : الصّيواغ ، فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو للياء قبلها ، فقالوا (الصّيّاغ). فإبدالهم العين الأولى من الصوّاغ دليل على أنها هى الزائدة ؛ لأن الإعلال بالزائد أولى منه بالأصل.
فإن قلت : فقد قلبت العين الثانية أيضا فقلت (صيّاغ) فلسنا نراك إلا وقد أعللت العينين جميعا ، فمن جعلك بأن تجعل الأولى هى الزائدة دون الآخرة ، وقد انقلبتا جميعا؟
قيل قلب الثانية لا يستنكر ؛ لأنه كان عن وجوب (وذلك) لوقوع الياء ساكنة قبلها ، فهذا غير بعيد ولا معتذر منه ؛ لكن قلب الأولى - وليس هناك علّة تضطرّ إلى إبدالها أكثر من الاستخفاف مجرّدا - هو المعتدّ المستنكر المعوّل عليه المحتجّ به ، فلذلك اعتمدناه ، وأنشأنا الاحتجاج للخليل عنه ؛ إذ كان تلعّبا بالحرف من غير قوّة سبب ، ولا وجوب علّة. فأمّا ما يقوى سببه ويتمكّن حال الداعى إليه فلا عجب منه ، ولا عصمة للحرف - وإن كان أصليّا - دونه. وإذا كان الحرف زائدا كان بالتلعّب به قمنا.
واذكر قول الخليل وسيبويه فى باب مقول ومبيع ، و [أن] الزائد عندهما هو المحذوف ، أعنى واو مفعول ؛ من حيث كان الزائد أولى بالإعلال من الأصل.
فإن قلت : فما أنكرت أن يكونوا إنما أبدلوا العين الثانية فى صوّاغ دون
الأولى ، فصار التقدير به إلى صوياغ ، ثم وقع التغيير فيما بعد؟
قيل : يمنع من ذلك أن العرب إذا غيّرت كلمة عن صورة إلى أخرى اختارت أن تكون الثانية مشابهة لأصول كلامهم ومعتاد أمثلتهم. وذلك أنك تحتاج إلى أن تنيب شيئا عن شيء ، فأولى أحوال الثانى بالصواب أن يشابه الأوّل. ومن مشابهته له أن يوافق أمثلة القوم ، كما كان المناب عنه مثالا من مثلهم أيضا ؛ ألا ترى أن الخليل لمّا رتّب أمر أجزاء العروض المزاحفة ، فأوقع للزحاف مثالا مكان مثال عدل عن الأوّل المألوف الوزن إلى آخر مثله فى كونه مألوفا ، وهجر ما كان بقّته صنعة الزحاف من الجزء المزاحف مما كان خارجا عن أمثلة لغتهم ..
وذلك أنه لمّا طوى (1)(مس تف علن) فصار إلى (مس تعلن) ثناه إلى مثال معروف وهو (مفتعلن) لمّا كره (مستعلن) إذ كان غير مألوف ولا مستعمل. وكذلك لمّا ثرم (2)(فعولن) فصار إلى (عول) وهو مثال غير معروف ، عدله إلى (فعل).
وكذلك لمّا خبل (3)(مستفعلن) فصل إلى (متعلن) فاستنكر ما بقى منه ، جعل خالفة الجزء (فعلتن) ليكون ما صير إليه مثالا مألوفا ، كما كان ما انصرف عنه مثالا مألوفا.
ويؤكّد ذلك عندك أن الزحاف إذا عرض فى موضع فكان ما يبقى بعد إيقاعه مثالا معروفا لم يستبدل به غيره. وذلك كقبضه (4)(مفاعيلن) إذا صار إلى (مفاعلن) ، وككفّه (5)أيضا لمّا صار إلى (مفاعيل) فلمّا كان ما بقى عليه الجزء بعد زحافه مثالا غير مستنكر أقرّه على صورته ولم يتحشّم تصوير مثال آخر [غيره] عوضا منه ، وإنما أخذ الخليل بهذا لأنه أحزم ، وبالصنعة أشبه.
فكذلك لمّا أريد التخفيف فى صوّاغ أبدل الحرف الأول فصار من (صيواغ) إلى لفظ (فيعال) كغيداق وخيتام. ولو أبدل الثانى لصار (صوياغ) إلى لفظ (فعيال) ،
1) الطىّ من أضرب الزحاف. وهو حذف الساكن الرابع من التفعيلة. وهو هنا الفاء.
2) الثرم فى (فعولن) : حذف فائه - ويسمى خرما - مع حذف نونه - ويسمى قبضا.
3) الخبل فى (مستفعلن) : حذف تائه بالخبن ، مع حذف فائه بالطى.
4) القبض : حذف الخامس الساكن ، وهو فى (مفاعيلن) حذف الياء.
5) الكف : سقوط السابع الساكن. وهو فى (مفاعيلن) : حذف النون.
وفعيال مثال مرفوض. فإن قلت (كان يصير من صوياغ إلى لفظ فوعال) ، قيل قد ثبت أن عين هذه الكلمة واو ف- (صوياغ) إذا لو صير إليه لكان (فعيالا) لا محالة ، فلذلك قلنا : إنهم أبدلوا العين الأولى ياء ، ثم إنهم (أبدلوا لها) العين الثانية ، وإذا كان المبدل هو الأول لزم أن يكون هو الزائد ؛ لأن حرمة الزائد أضعف من حرمة الأصل.
فهذا أيضا أحد ما يشهد بصحّة قول الخليل.
ومنها قولهم : صمحمح ، ودمكمك ؛ فالحاء الأولى هى الزائدة ؛ وكذلك الكاف الأولى ؛ وذلك أنها فاصلة بين العينين ، والعينان متى اجتمعتا فى كلمة واحدة مفصولا بينهما فلا يكون الحرف الفاصل بينهما إلا زائدا ؛ نحو عثوثل ، وعقنقل ، وسلالم ، وخفيفد. وقد ثبت أيضا بما قدّمناه [قبيل] أن العين الأولى هى الزائدة.
فثبت إذا أن الميم والحاء الأوليين فى (صمحمح) هما الزائدتان ، وأن الميم والحاء الأخريين هما الأصلان. فاعرف ذلك ؛ فإنه مما يحقّق مذهب الخليل.
ومنها أن التاء فى (تفعيل) عوض من عين (فعّال) الأولى ، والتاء زائدة فينبغى أن تكون عوضا من زائد أيضا ، من حيث كان الزائد بالزائد أشبه منه بالأصلى.
فالعين الأولى إذا من (قطّاع) هى الزائدة ؛ لأن تاء تقطيع عوض منها ؛ كما أن هاء تفعلة فى المصدر عوض من ياء تفعيل ، وكلتاهما زائدة.
فليس واحد من المذهبين إلا وله داع إليه ، وحامل عليه. وهذا مما يستوقفك عن القطع على أحد المذهبين إلا بعد تأمّله ، وإنعام الفحص عنه. والتوفيق بالله عزوجل.
(يتقاربان فى التركيب بالتقديم والتأخير)
اعلم أن كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعا أصلين ليس أحدهما مقلوبا عن صاحبه فهو القياس الذى لا يجوز غيره. وإن لم يمكن ذلك حكمت بأن أحدهما مقلوب عن صاحبه ، ثم أريت أيّهما الأصل ، وأيّهما الفرع. وسنذكر وجوه ذلك.
فممّا تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم : جذب ، وجبذ ؛ ليس أحدهما مقلوبا عن صاحبه. وذلك أنهما جميعا يتصرّفان تصرّفا واحدا ؛ نحو جذب يجذب جذبا فهو جاذب ، والمفعول مجذوب ، وجبذ يجبذ جبذا فهو جابذ ، والمفعول مجبوذ.
فإن جعلت مع هذا أحدهما أصلا لصاحبه فسد ذلك ؛ لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر. فإذا وقفت الحال بينهما ولم يؤثر بالمزيّة أحدهما وجب أن يتوازيا وأن يمثلا بصفحتيهما معا. وكذلك ما هذه سبيله.
فإن قصر أحدهما عن تصرّف صاحبه ولم يساوه فيه كان أوسعهما تصرّفا أصلا لصاحبه. وذلك كقولهم أنى الشىء يأنى ، وآن يئين. فآن مقلوب عن أنى.
والدليل على ذلك وجودك مصدر أنى يأنى وهو الإنى ، ولا تجد لآن مصدرا ؛ كذا قال الأصمعىّ. فأمّا الأين فليس من هذا فى شيء ، إنما الأين : الإعياء والتعب.
فلمّا عدم من (آن) المصدر الذى هو أصل للفعل ، علم أنه مقلوب عن أنى يأنى إنّى ؛ قال الله تعالى (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) [الأحزاب : 53] أى بلوغه وإدراكه. قال أبو على : ومنه سمّوا الإناء ؛ لأنه لا يستعمل إلا بعد بلوغه حظّه من خرزه أو صياغته أو نجارته أو نحو ذلك. غير أن أبا زيد قد حكى لآن مصدرا ، وهو الأين. فإن كان الأمر كذلك فهما إذا أصلان متساويان ، وليس أحدهما أصلا لصاحبه.
ومثل ذلك [فى القلب] قولهم (أيست من كذا) فهو مقلوب من (يئست) لأمرين ، ذكر أبو على أحدهما ؛ وهو ما ذهب إليه من أن (أيست) لا مصدر له ،
وإنما المصدر (ليئست) وهو اليأس واليآسة. قال فأمّا قولهم فى اسم الرجل (إياس) فليس مصدرا لأيست ، ولا هو أيضا من لفظه. وإنما هو مصدر (أست الرجل) أءوسه إياسا ، سمّوه به كما سمّوه عطاء تفاؤلا بالعطيّة. ومثل ذلك عندى تسميتهم إيّاه (عياضا) وإنما هو مصدر عضته أى أعطيته ؛ قال :
عاضها الله غلاما بعد ما
شابت الأصداغ ، والضرس نقد (1)
عطف جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل ، أعنى قوله : (والضرس نقد) أى ونقد الضرس. وأمّا الآخر فعندى أنه لو لم يكن مقلوبا لوجب إعلاله ، وأن يقول : است أآس ، كهبت أهاب. فظهوره صحيحا يدلّ على أنه إنما صحّ لأنه مقلوب عما تصحّ عينه وهو (يئست) لتكون الصحّة دليلا على ذلك المعنى ؛ كما كانت صحّة (عور) دليلا على أنه فى معنى ما لا بدّ من صحّته وهو (اعورّ).
فأمّا تسميتهم الرجل (أوسا) فإنه يحتمل أمرين ، أحدهما أن يكون مصدر (أسته) أى أعطيته ؛ كما سمّوه عطاء وعطيّة. والآخر أن يكون سمّوه به كما سمّوه ذئبا. فأمّا ما أنشدناه من قول الآخر :
لى كلّ يوم من ذؤاله
ضغث يزيد على إباله (2)
فلأحشأنّك مشقصا
أوسا أويس من الهباله (3)
1) البيت من الرمل ، وهو للهذلى فى لسان العرب (نقد) ، وبلا نسبة فى المنطق ص 49 ، والخصائص 2 / 71 ، وشرح شواهد المغنى ص 873 ، ولسان العرب (صدغ) ، ومغنى اللبيب ص 485.
2) ذؤالة : الذئب ، وقوله «ضغث يزيد على إبالة» أى بلية على بلية ، وكان الذئب طمع فى ناقته الهبالة. فى اللسان (فى كل يوم).
3) قول أسماء بن خارجة فى اللسان (أوس). يقال حشأه سهما : رماه به. والمشقص : سهم عريض النصل. وأويس : تصغير أوس ، وهو الذئب. وأوسا : هو موضع الشاهد ، خاطب بهذا الذّئب ، وقيل : افترس له شاة فقال : لأضعنّ فى حشاك مشقصا عوضا يا أويس من غنيمتك التى غنمتها من غنمى. وقال ابن سيده : أوسا أى عوضا ، انظر اللسان (أوس).
ف- (أوسا) منه ينتصب على المصدر بفعل دلّ عليه قوله : (لأحشأنّك) فكأنه قال (لأءوسنّك أوسا) كقول الله سبحانه (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ) [النمل : 88] لأن مرورها يدلّ على صنع الله ، فكأنه قال : صنع الله ذلك صنعا ، وأضاف المصدر إلى فاعله ؛ كما لو ظهر الفعل الناصب لهذا المصدر لكان مسندا إلى اسم الله تعالى. وأمّا قوله (أويس) فنداء ، أراد : يا أويس ، يخاطب الذئب ، وهو اسم له مصغّرا ، كما أنه اسم له مكبّرا ؛ قال :
يا ليت شعرى عنك - والأمر أمم -
ما فعل اليوم أويس فى الغنم (1)
فأمّا ما يتعلق به (من) فإن شئت علّقته بنفس أوسا ؛ ولم يعتدد بالنداء فاصلا لكثرته فى الكلام ، وكونه معترضا به للتسديد ، كما ذكرنا من هذا الطرز فى باب الاعتراض فى قوله :
يا عمر الخير جزيت الجنّه
فاكس بنيّاتى وأمّهنّه
أو - يا أبا حفص - لأمضينّه (2)
فاعترض بالنداء بين (أو) والفعل. وإن شئت علّقته بمحذوف يدلّ عليه (أوسا) فكأنه قال : أءوسك من الهبالة ، أى أعطيك من (3)الهبالة. وإن شئت جعلت حرف الجرّ هذا وصفا لأوسا ، فعلّقته بمحذوف ، وضمّنته ضمير الموصوف.
ومن المقلوب قولهم امضحلّ ، وهو مقلوب عن اضمحلّ ؛ ألا ترى أن المصدر إنما هو على اضمحلّ وهو الاضمحلال ؛ ولا يقولون : امضحلال. وكذلك قولهم : اكفهرّ واكرهفّ ، الثانى مقلوب عن الأوّل ؛ لأن التصرّف (على اكفهرّ وقع) ، ومصدره الاكفهرار ، ولم يمرر بنا الاكرهفاف ؛ قال النابغة :
1) الرجز لعمرو ذى الكلب الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 575 ، ولسان العرب (لجب) ، (مرخ) ، (حشك) ، (رخم) ، (عمم) ، وتاج العروس (لجب) ، (مرخ) ، (جول) ، (رخم) ، (عمم) ، وللهذلى فى لسان العرب (أوس) ، وتاج العروس (أوس) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 238 ، ومقاييس اللغة 1 / 157 ، والمخصص 8 / 66 ، وكتاب العين 7 / 330.
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (أوس) ، (خضل) ، ورصف المبانى ص 400 ، وشرح المفصل 1 / 44.
3) من : هنا للتعويض. أى أعطيك عوضها.
أو فازجروا مكفهرّا لا كفاء له
كالليل يخلط أصراما بأصرام (1)
وقد حكى بعضهم مكرهفّ. فإن ساواه فى الاستعمال فهما - على ما نرى - أصلان.
ومن ذلك : هذا لحم شخم ، وخشم ، وفيه تشخيم ، ولم أسمع تخشيم. فهذا يدلّ على أن (شخم أصل الخشم).
ومن ذلك قولهم : اطمأنّ. ذهب سيبويه فيه إلى أنه مقلوب ، وأنّ أصله من طأمن ، وخالفه أبو عمر فرأى ضدّ ذلك. وحجة سيبويه فيه أنّ (طأمن) غير ذى زيادة ، واطمأنّ ذو زيادة ، والزيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضرب من الوهن لذلك ، وذلك لأنّ مخالطتها شيء ليس من أصلها مزاحمة لها وتسوية فى التزامه بينها وبينه ، وهو [و] إن لم تبلغ الزيادة على الأصول فحش الحذف منها ، فإنه - على كل حال - على صدد من التوهين لها ؛ إذ كان زيادة عليها تحتاج إلى تحملها ، كما يتحامل بحذف محذف منها. وإذا كان فى الزيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزيادة أولى. وذلك أن الكلمة إذا لحقها ضرب من الضعف أسرع إليها ضعف آخر ؛ وذلك كحذفهم ياء حنيفة فى الإضافة إليها لحذف تائها فى قولهم حنفىّ ، ولمّا لم يكن فى (حنيف) تاء تحذف فيحذف ياؤها جاء فى الإضافة إليه على أصله ، فقالوا : حنيفىّ.
فإن قال أبو عمر : جرى المصدر على اطمأنّ يدلّ على أنه هو الأصل ، وذلك قولهم : الاطمئنان ، قيل : قولهم (الطأمنة) بإزاء قولك : الاطمئنان ، فمصدر بمصدر ، وبقى على أبى عمر أنّ الزيادة جرت فى المصدر جريها فى الفعل. والعلّة فى الموضعين واحدة. وكذلك الطّمأنينة ذات زيادة ، فهى إلى الاعتلال أقرب. ولم يقنع أبا عمر أن يقول : إنما أصلان متقاودان كجبذ وجذب ، حتى مكّن خلافه لصاحب الكتاب بأن عكس الأمر عليه البتة.
وذهب سيبويه فى قولهم (أينق) مذهبين : أحدهما أن تكون عين أنوق قلبت
1) البيت من البسيط وهو للنابغة فى ديوانه ص 83 ، ولسان العرب (صرم) ، وتاج العروس (صرم). المكفهرّ : الجيش.
إلى ما قبل الفاء فصارت فى التقدير (أونق) ثم أبدلت الواو ياء لأنها ؛ كما أعلّت بالقلب كذلك أعلّت أيضا بالإبدال على ما مضى ؛ والآخر أن تكون العين حذفت ثم عوّضت الياء منها قبل الفاء. فمثالها على هذا القول (أيفل) ، وعلى القول الأوّل (أعفل).
وذهب الفرّاء فى (الجاه) إلى أنه مقلوب من الوجه. وروينا عن الفرّاء أنه قال : سمعت أعرابية من غطفان ، وزجرها ابنها ، فقلت لها : ردّى عليه ، فقالت : أخاف أن يجوهنى بأكثر من هذا. قال : وهو من الوجه ، أرادت : يواجهنى. وكان أبو علىّ - رحمهالله - يرى أنّ الجاه مقلوب عن الوجه أيضا. قال : ولمّا أعلّوه بالقلب أعلّوه أيضا بتحريك عينه ونقله من فعل إلى فعل ، (يريد أنه) صار من وجه إلى جوه ، ثم حرّكت عينه فصار إلى جوه ، ثم أبدلت عينه لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فصار (جاه) كما ترى ، وحكى أبو زيد : قد وجه الرجل وجاهة عند السلطان ، وهو وجيه. وهذا يقوّى القلب ؛ لأنهم لم يقولوا (جويه) ولا نحو ذلك.
ومن المقلوب (قسىّ) و (أشياء) فى قول الخليل.
وقوله :
فيه قولان : أحدهما أنه أراد : أخو اليوم السهل اليوم الصعب ، يقال يوم أيوم ، ويوم ، كأشعث وشعث ، وأخشن وخشن ، وأوجل ووجل ، فقلب فصار (يمو) فانقلبت العين لانكسار ما قبلها ، طرفا. والآخر أنه أراد : أخو اليوم اليوم ، كما يقال عند الشدّة والأمر العظيم : اليوم اليوم ، فقلب فصار (اليمو) ثم نقله من فعل إلى فعل ، كما أنشده أبو زيد من قوله :
علام قتل مسلم تعبّدا
مذ سنة وخمسون عددا (1)
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (خمس) ، (يوم) والدرر 6 / 232 ، والمحتسب 1 / 86 ، ونوادر أبى زيد ص 165 ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، وتاج العروس (خمس).
ويجوز عندى فيه وجه ثالث لم يقل به. وهو أن يكون أصله على ما قيل فى المذهب الثانى : أخو اليوم اليوم ، ثم قلب فصار (اليمو) ثم نقلت الضمّة إلى الميم فى حدّ قولك : هذا بكر ، فصارت اليمو ، فلمّا وقعت الواو طرفا بعد ضمّة فى الاسم أبدلوا من الضمّة كسرة ، ثم من الواو ياء ، فصارت اليمى ، كأحق وأدل.
فإن قيل : هلا لم تستنكر الواو هنا بعد الضمة لمّا لم تكن الضمّة لازمة؟
قيل : هذا وإن كان على ما ذكرته فإنهم قد أجروه فى هذا النحو مجرى اللازم ؛ ألا تراهم يقولون على هذه اللغة : هذه هند ، ومررت بجمل ، فيتبعون الكسر الكسر والضمّ الضمّ ؛ كراهية للخروج من كسرة هاء هند إلى ضمة النون ، وإن كانت الضمّة عارضة. وكذلك كرهوا مررت بجمل لئلا يصيروا فى الأسماء إلى لفظ فعل. فكما أجروا النقل فى هذين الموضعين مجرى اللازم فكذلك يجوز أن يجرى اليمو مجرى (أدلو وأحقو) فيغيّر كما غيّرا ، فقيل (اليمى) حملا على الأدلى والأحقى. (فإن قيل : نحو زيد وعون لا ينقل إلى عينه حركة لامه ، واليوم كعون ، قيل جاز ذلك ضرورة لما يعقب من صلاح القافية ، وأكثر ما فيه إجراء المعتلّ مجرى الصحيح لضرورة الشعر).
ومن المقلوب بيت القطامىّ :
ما اعتاد حبّ سليمى حين معتاد
ولا تقضّى بواقى دينها الطادى (1)
هو مقلوب عن الواطد ، وهو الفاعل من وطد يطد ، أى ثبت. فقلب عن (فاعل) إلى (عالف).
ومثله عندنا (الحادى) لأنه فاعل من وحد ، وأصله الواحد فنقل عن فاعل (إلى عالف) سواء ، فانقلبت الواو التى هى فى الأصل فاء ياء ؛ لانكسار ما قبلها فى الموضعين جميعا. وحكى الفرّاء : معى عشرة فاحدهنّ لى ، أى اجعلهن أحد عشر ، فظاهر هذا يؤنس بأن (الحادى) فاعل. والوجه إن كان المروىّ صحيحا أن
1) البيت من البسيط ، وهو للقطامى فى ديوانه ص 78 ، ولسان العرب (طود) ، (وطد) ، (طدى) ، ومقاييس اللغة 6 / 121 ، ومجمل اللغة 4 / 535 ، وتهذيب اللغة 14 / 3 ، وبلا نسبة فى المخصص 12 / 71 ، وتاج العروس (طدى) ، وكتاب العين 7 / 443.
يكون الفعل مقلوبا من وحدت إلى حدوت ، وذلك أنهم لمّا رأوا (الحادى) فى ظاهر الأمر على صورة فاعل صار كأنه جار على (حدوت) جريان غاز على غزوت ؛ كما أنهم لما استمرّ استعمالهم (الملك) بتخفيف الهمزة صار كأنّ ملكا على فعل ، فلمّا صار اللفظ بهم إلى هذا بنى الشاعر على ظاهر أمره فاعلا منه ، فقال حين ماتت نساؤه بعضهنّ إثر بعض :
غدا مالك يرمى نسائى كأنّما
نسائى لسهمى مالك غرضان (1)
يعنى ملك الموت ؛ ألا تراه يقول بعد هذا :
فيا رب عمّر لى جهيمة أعصرا
فمالك موت بالقضاء دهانى (2)
وهذا ضرب من تدريج اللغة. وقد تقدّم الباب الذى ذكرنا فيه طريقه فى كلامهم فليضمم هذا إليه ؛ فإنه كثير جدّا.
ومثل قوله (فاحدهنّ) فى أنه مقلوب من (وحد) قول الأعرابيّة : (أخاف أن يجوهنى) (وهو) مقلوب من الوجه.
فأمّا وزن (مالك) على الحقيقة فليس فاعلا لكنه (مافل) ألا ترى أن أصل (ملك) ملأك : مفعل ، من تصريف ألكنى إليها عمرك الله ، وأصله الئكنى فخفّفت همزته ، فصار ألكنى ، كما صار (ملأك) بعد التخفيف إلى ملك ، ووزن ملك (مفل).
ومن طريف المقلوب قولهم للقطعة الصعبة من الرمل (تيهورة) وهى عندنا (فيعولة) من تهوّر الجرف ، وانهار الرمل ونحوه. وقياسها أن تكون قبل تغييرها (هيوورة) فقدّمت العين وياء (فيعول) إلى ما قبل الفاء ، فصارت (ويهورة) ثم أبدلت الواو التى هى عين مقدّمة قبل الياء تاء كتيقور (3)، فصارت (تيهورة) كما ترى. فوزنها على لفظها الآن (عيفولة). أنشدنا أبو على :
خليلىّ لا يبقى على الدهر فادر
بتيهورة بين الطخاف العصائب (1)
ويجوز عندى أن تكون فى الأصل أيضا (تفعولة) كتعضوضة ، وتذنوبة ، فيكون أصلها على هذا (تهوورة) فقدّمت العين على الفاء إلى أن صار وزنها (تعفولة) وآل اللفظ بها إلى (توهورة) فأبدلت الواو التى هى عين مقدّمة ياء ، كما أبدلت عين (أينق) لمّا قدّمت فى أحد مذهبى الكتاب ياء فنقلت من (أنوق) إلى (أونق) ومن (أونق) تقديرا إلى (أينق) لأنها كما أعلّت بالقلب كذا أعلّت بالإبدال فصارت أينقا. وكذلك صارت توهورة (إلى تيهورة).
وإن شئت جعلتها من الياء لا من الواو ؛ فقد حكى أبو الحسن عنهم : هار الجرف يهير. ولا تحمله على طاح يطيح وتاه يتيه فى قول الخليل ؛ لقلّة ذلك ، ولأنهم قد قالوا أيضا : تهيّر الجرف ؛ فى معنى تهوّر ، وحمله على (تفعّل) أولى من حمله على (تفيعل) كتحيّز. فإذا كانت (تيهورة) من الياء على هذا القول فأصلها (تهيورة) ثم قدّمت العين التى هى الياء على الفاء فصار تيهورة. وهذا القول إنما فيه التقديم من غير إبدال. وإنما قدّمنا القول الأوّل وإن كانت كلفة الصنعة فيه أكثر ؛ لأن كون عين هذه الكلمة واوا فى اللغة أكثر من كونها ياء.
ويجوز فيه عندى وجه ثالث ، وهو أن يكون فى الأصل (يفعولة) كيعسوب ويربوع ، فيكون أصلها (يهوورة) ثم قدّمت العين إلى صدر الكلمة فصارت (ويهورة : عيفولة) ثم أبدلت الواو التى هى عين مقدّمة تاء على ما مضى فصارت (تيهورة).
1) البيت من الطويل ، وهو لأبى ذؤيب الهذلى فى لسان العرب (عصب) ، وتاج العروس (عصب) ، وهو لصخر الغى فى لسان العرب (طخف) ، وتاج العروس (طغف) ، وهو فى شرح أشعار الهذليين ص 246 ، من قصيدة تنسب لأبى ذؤيب ، ولصخر الغىّ ، ولأخى صخر الغىّ ، وفيه أن من يرويها لأخى صخر الغى أكثر. الطخا فالعصائب : الطخا مقصور من الطخاء وهو السحاب المرتفع الرقيق ، والعصائب جمع عصابة وهو غيم أحمر تراه فى الأفق الغربى وفى اللسان الطخاف وهما بمعنى. والغادر : الوعل المسنّ.
ودعانا إلى اعتقاد القلب والتحريف فى هذه الكلمة المعنى المتقاضية هى. وذلك أن الرمل مما ينهار ، ويتهوّر ، ويهور ، ويهير ، ويتهيّر.
فإن كسّرت هذه الكلمة أقررت تغييرها [عليها] كما أن (أينقا) لما كسّرتها العرب أقرّتها على تغييرها ، فقالت : أيانق. فقياس هذا أن تقول فى تكسير (تيهورة) على كل قول وكل تقدير : تياهير. وكذلك المسموع عن العرب أيضا فى تكسيرها.
والقلب فى كلامهم كثير. وقد قدّمنا فى أوّل هذا الباب أنه متى أمكن تناول الكلمة على ظاهرها لم يجز العدول عن ذلك بها ، وإن دعت ضرورة إلى القول بقلبها كان ذلك مضطرّا إليه لا مختارا.
يستعمل أحدهما مكان صاحبه
اعلم أن هذا الباب لاحق بما قبله وتال له. فمتى أمكن أن يكون الحرفان جميعا أصلين (كل واحد منهما قائم برأسه) لم يسغ العدول عن الحكم بذلك. فإن دلّ دالّ أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدلالة ، وصيّر إلى مقتضى الصنعة.
ومن ذلك سكّر طبرزل ، وطبرزن : هما متساويان فى الاستعمال ، فلست بأن تجعل أحدهما أصلا لصاحبه أولى منك بحمله على ضدّه.
ومن ذلك قولهم : هتلت السماء ، وهتنت : هما أصلان ؛ ألا تراهما متساويين فى التصرّف ؛ يقولون : هتنت السماء تهتن تهتانا ، وهتلت تهتل تهتالا ، وهى سحائب هتّن ، وهتّل ؛ قال امرؤ القيس :
فسحّت دموعى فى الرداء كأنها
كلّى من شعيب ذات سحّ وتهتان (1)
وقال العجّاج :
عزّز منه وهو معطى الإسهال
ضرب السوارى متنه بالتهتال (2)
ومن ذلك ما حكاه الأصمعى من قولهم : دهمج البعير يدهمج دهمجة ، ودهنج يدهنج دهنجة ، إذا قارب الخطو وأسرع ، وبعير دهامج ، ودهانج ؛ وأنشد للعجّاج :
كأنّ رعن الآل منه فى الآل
بين الضحا وبين قيل القيال
إذا بدا دهانج ذو أعدال (3)
1) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 90 ، وكتاب العين 1 / 265.
2) الرجز للعجاج فى ديوانه 2 / 318 - 319 ، ولسان العرب (ضنك) ، (هتل) ، وتهذيب اللغة 6 / 236 ، 10 / 41 ، وتاج العروس (عزز) ، (ضنك) ، (هتل) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 1 / 83 ، ولسان العرب (عزز).
3) الرجز للعجاج فى ملحق ديوانه 2 / 320 ، ولسان العرب (دهنج) ، (قيل) ، وأمالى القالى 2 / 91) ، وسر صناعة الإعراب 2 / 441 ، وسمط اللآلى ص 728 ، وتاج العروس (دهنج) ، (أول) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 1136 ، 1211 ، وتهذيب اللغة 6 / 511 ، وكتاب العين 4 / 116 ، ومقاييس اللغة 1 / 61.
وأنشد أيضا :
وعير لها من بنات الكداد
يدهنج بالوطب والمزود (1)
فأمّا قولهم : ما قام زيد بل عمرو ، وبن عمرو فالنون بدل من اللام ؛ ألا ترى إلى كثرة استعمال (بل) وقلة استعمال (بن) والحكم على الأكثر لا على الأقل.
هذا هو الظاهر من أمره. ولست مع هذا أدفع أن يكون (بن) لغة قائمة برأسها.
وكذلك قولهم : رجل (خامل) و (خامن) النون فيه بدل من اللام ؛ ألا ترى أنه أكثر ، وأن الفعل عليه تصرّف ، وذلك قولهم : خمل يخمل خمولا. وكذلك قولهم : قام زيد فمّ عمرو ، الفاء بدل من الثاء فى ثمّ ؛ ألا ترى أنه أكثر استعمالا.
فأمّا قولهم (فى الأثافى : الأثاثى) فقد ذكرناه فى كتابنا «فى سرّ الصناعة» وقال الأصمعىّ : بنات مخر وبنات بخر : سحائب يأتين قبل الصيف (بيض) منتصبات فى السماء ، قال طرفة :
كبنات المخر يمأدن إذا
أنبت الصيف عساليج الخضر (2)
قال أبو على رحمهالله : كان أبو بكر يشتقّ هذه الأسماء من البخار ، فالميم على هذا فى (مخر) بدل من الباء فى (بخر) لما ذكر أبو بكر. وليس ببعيد عندى أن تكون الميم أصلا فى هذا أيضا ؛ وذلك لقول الله سبحانه : (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) [فاطر : 12] أى ذاهبة (وجائية) ، وهذا أمر قد يشاركها فيه السحائب ؛ ألا ترى إلى قول الهذلىّ :
1) البيت من المتقارب ، وهو للفرزدق فى ديوانه 1 / 175 ، ولسان العرب (دهنج) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 206 ، 2 / 15 ، وتاج العروس (دهمج) ، (كدد) وبلا نسبة فى لسان العرب (دهمج) ، (كدد) ، والمخصص 13 / 284.
2) البيت من الرمل ، وهو لطرفة فى ديوانه ص 53 ، ولسان العرب (عسلج) ، (خضر) ، (مخر) ، (حبط) ، وتهذيب اللغة 3 / 312 ، 4 / 396 ، 5 / 40 ، 7 / 100 ، وكتاب العين 2 / 315 ، وتاج العروس (خضر).
شربن بماء البحر ثم ترفّعت
متى لجج خضر لهن نئيج (1)
فهذا يدل على مخالطة السحائب عندهم البحر وتركّضها فيه ، وتصرّفها على صفحة مائه. وعلى كل حال فقول أبى بكر أظهر.
ومن ذلك قولهم : باهلة بن أعصر ، ويعصر ؛ فالياء فى (يعصر) بدل من الهمزة فى (أعصر) يشهد بذلك ما ورد به الخبر من أنه إنما سمّى بذلك لقوله :
أبنىّ إن أباك غيّر لونه
كرّ الليالى واختلاف الأعصر (2)
يريد جمع عصر. وهذا واضح.
فأمّا قولهم : إناء قربان ، وكربان إذا دنا أن يمتلئ فينبغى أن يكونا أصلين ؛ لأنك تجد لكل واحدة منهما متصرّفا ، أى قارب أن يمتلئ ، وكرب أن يمتلئ ، إلا أنهم قد قالوا : جمجمة قربى (3)، ولم نسمعهم قالوا (كربى). فإن غلبت القاف على الكاف من هنا فقياس ما.
وقال الأصمعى : يقال : جعشوش ، وجعسوس (4)، وكل ذلك إلى قمأة وقلّة وصغر ، ويقال : هم من جعاسيس الناس ، ولا يقال بالشين فى هذا. فضيق الشين مع سعة السين يؤذن بأنّ الشين بدل من السين. نعم ، والاشتقاق يعضد كون
1) البيت من الطويل ، وهو لأبى ذؤيب الهذلى فى الأزهية ص 201 ، والأشباه والنظائر 4 / 287 ، وجواهر الأدب ص 99 ، وخزانة الأدب 7 / 97 - 99 ، والدرر 4 / 179 ، وسرّ صناعة الإعراب ص 135 ، 424 ، وشرح أشعار الهذليين 1 / 129 ، وشرح شواهد المغنى ص 218 ، ولسان العرب (شرب) ، (مخر) ، (متى) ، والمحتسب 2 / 114 ، والمقاصد النحوية 3 / 249 ، وبلا نسبة فى أدب الكاتب ص 515 ، والأزهية ص 284 ، وأوضح المسالك 3 / 6 ، والجنى الدانى ص 43 ، 505 ، وجواهر الأدب ص 47 ، 378 ، ورصف المبانى ص 151 ، وشرح الأشمونى ص 284 ، وشرح ابن عقيل ص 352 ، وشرح عمدة الحافظ ص 268 ، وشرح قطر الندى ص 250 ، والصاحبى فى فقه اللغة ص 175 ، ومغنى اللبيب ص 105 ، وهمع الهوامع 2 / 34.
2) البيت من الكامل ، وهو لباهلة بن أعصر فى لسان العرب (عصر) ، وتاج العروس (عصر) ، ولمنبه بن سعد بن قيس عيلان فى أساس البلاغة (عصر) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (يبر) ، والمخصص 6 / 33.
3) جمجمة قربى : هى قدح من خشب يشرب فيه ، وهى أيضا ضرب من المكاييل.
4) جعشوش وحعسوس : هو القصير اللئيم.
السين - غير معجمة - هى الأصل ، وكأنه اشتقّ من (الجعس) صفة على (فعلول) وذلك أنه شبّه الساقط المهين من الرجال بالخرء ؛ لذلّه ونتنه.
ونحو من ذلك فى البدل قولهم : فسطاط وفستاط ، وفسّاط ، وبكسر الفاء أيضا ، فذلك ست لغات. فإذا صاروا إلى الجمع قالوا (فساطيط وفساسيط) (ولا يقولون) (فساتيط) بالتاء. فهذا يدلّ أن التاء فى (فستاط) إنما هى بدل من طاء (فسطاط) أو من سين (فسّاط) فإن قلت هلا اعتزمت أن تكون التاء فى (فستاط) بدلا من طاء (فسطاط) لأن التاء أشبه بالطاء منها بالسين؟ قيل بإزاء ذلك أيضا : إنك إذا حكمت بأنها بدل من سين (فسّاط) ففيه شيئان جيّدان : أحدهما تغيير للثانى من المثلين ، وهو أقيس من تغيير الأوّل من المثلين ، لأن الاستكراه فى الثانى يكون لا فى الأوّل ؛ والآخر أن السينين فى (فسّاط) ملتقيتان ، والطاءين فى (فسطاط) منفصلتان بالألف بينهما ، واستثقال المثلين ملتقيين أحرى من استثقالهما مفترقين ، [وأيضا فإن السين والتاء جميعا مهموستان ، والطاء مجهورة].
فعلى هذا الاعتبار ينبغى أن يتلقّى ما يرد من حديث الإبدال إن كان هناك إبدال ، أو اعتقاد أصليّة الحرفين إن كانا أصلين. وعلى ما ذكرناه فى الباب الذى قبل هذا ينبغى أن تعتبر الكلمتان فى التقديم والتأخير ؛ نحو اضمحلّ وامضحلّ ، وطأمن واطمأنّ. والأمر واسع. وفيما أوردناه من مقاييسه كاف بإذن الله.
ونحن نعتقد إن أصبنا فسحة أن نشرح كتاب يعقوب بن السكّيت فى القلب والإبدال ؛ فإن معرفة هذه الحال فيه (أمثل من معرفة عشرة أمثال لغته ، وذلك أن مسألة واحدة من القياس) ، أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس. قال لى أبو على رحمهالله (بحلب) سنة ستّ وأربعين : أخطئ فى خمسين مسألة فى اللغة ولا أخطئ فى واحدة من القياس. ومن الله المعونة وعليه الاعتماد.
لا بالإقدام والتعجرف
أما ما طريقه الإقدام من غير صنعة فنحو ما قدّمناه آنفا من قولهم : ما أطيبه وأيطبه ، وأشياء فى قول الخليل و (قسىّ) وقوله (أخو اليوم اليمى). فهذا ونحوه طريقه طريق الاتساع فى اللغة من غير تأتّ ولا صنعة. ومثله موقوف على السماع ، وليس لنا الإقدام عليه من طريق القياس.
فأمّا ما يتأتّى له ويتطرّق إليه بالملاينة والإكثاب ، من غير كدّ ولا اغتصاب ، فهو ما (عليه عقد هذا الباب). وذلك كأن يقول لك قائل : كيف تحيل لفظ (وأيت إلى لفظ أويت) فطريقه أن تبنى من (وأيت) فوعلا ، فيصير بك التقدير فيه إلى (ووأى) فتقلب اللام ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فيصير (ووأى) ثم تقلب الواو الأولى همزة ؛ لاجتماع الواوين فى أوّل الكلمة فيصير (أوأى) ثم تخفّف الهمزة فتحذفها ، وتلقى حركتها على الواو قبلها ، فيصير (أوا) اسما كان أو فعلا. فقد رأيت كيف استحال لفظ (وأى) إلى لفظ (أوا) من غير تعجرف ولا تهكّم على الحروف.
وكذلك لو بنيت مثل فوعال لصرت إلى (ووآى) ثم إلى (أوآى) ثم (أوآء) ثم تخفّف فيصير إلى (أواء) فيشبه حينئذ لفظ (آءة) (1)أو أويت. أو لفظ قوله :
وقد فعلت العرب ذلك ؛ منه قولهم : (أوار النار) وهو وهجها ولفحها ، ذهب فيه الكسائىّ مذهبا حسنا - وكان هذا الرجل كثيرا فى السداد والثقة عند أصحابنا - قال : هو (فعال) من وأرت الإرة (2)أى احتفرتها لإضرام النار فيها. وأصلها (وآر) ثم خفّفت الهمزة فأبدلت فى اللفظ [واوا] فصارت (ووار) فلمّا التقت فى أول
الكلمة الواوان وأجرى غير اللازم مجرى اللازم أبدلت الأولى همزة فصارت (أوار) أفلا ترى إلى استحالة لفظ (وأر) إلى لفظ (أور) بالصنعة.
وقال أبو زيد فى تخفيف همزتى (افعوعلت) من (وأيت) جميعا : (أويت) وقد أوضح هذا أبو زيد وكيف صنعته (1)، وتلاه بعده أبو عثمان فى تصريفه. وأجاز أبو عثمان أيضا فيها (وويت) [قال] لأن نيّة الهمزة فاصلة بين الواوين. فقياس هذا أن تصحّح واوى (ووار) عند التخفيف ؛ لتقديرك فيه نيّة التحقيق ؛ وعليه قال الخليل فى تخفيف (فعل) من وأيت (أوى) ؛ أفلا تراه كيف أحالته الصنعة من لفظ إلى لفظ. وكذلك لو بنيت من (أوّل) مثال (فعل) لوجب أن تقول (أول) : فتصيّرك الصنعة من لفظ (وول) إلى لفظ (أول).
ومن ذلك قول العرب : (تسرّيت) من لفظ (س ر ر) ، وقد أحالته الصنعة إلى لفظ (س ر ى). ومثله (قصّيت أظفارى) هو من لفظ (ق ص ص) ، وقد آل بالصنعة إلى لفظ (ق ص ى). وكذلك قوله :
هو فى الأصل من تركيب (ق ض ض) ، ثم أحاله ما عرض من استثقال تكريره إلى لفظ (ق ض ى). وكذلك قولهم : تلعّيت - من اللعاعة - أى خرجت أطلبها - وهى نبت - أصلها (ل ع ع) ، ثم صارت بالصنعة إلى لفظ (ل ع ى) ؛ قال :
1) وذلك أن افعوعلت من وأيت : ايأوأيت. ثم تنقل حركة الهمزة الأولى على ما قبلها وتحذف ، وترد الياء إلى الواو الأصلية وتحذف همزة الوصل فتصير إلى ووأيت ، ثم تنقل حركة الهمزة وتحذفها فتصير إلى وويت ، ثم تبدل الواو الأولى همزة كما فى أواصل فتصير إلى أويت. انظر شرح الأشمونى على الألفية عند قول ابن مالك : وهمزا أوّل الواوين ، فى باب الإبدال.
2) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 42 ، 43 ، ولسان العرب (ضبر) ، (ظفر) ، (عمر) ، وأدب الكاتب ص 487 ، والأشباه والنظائر 1 / 48 ، وإصلاح المنطق ص 302 ، والدرر 6 / 20 ، وشرح المفصل 10 / 25 ، والممتع فى التصريف 1 / 374 ، والتنبيه والإيضاح 2 / 158 ، وتاج العروس (ضبر) ، (ظفر) ، (عمر) ، (كدر) ، (كسر) (قضض) ، (بوع) ، (قضى) ، وديوان الأدب 2 / 156 ، 158 ، 4 / 132 ، وتهذيب اللغة 3 / 29 ، وشرح الأشمونى 3 / 879 ، والمقرب 2 / 171 ، وهمع الهوامع 2 / 157.
كاد اللّعاع من الحوذان يشحطها
ورجرج بين لحييها خناطيل (1)
وأشباه هذا كثير.
والقياس من بعد أنه متى ورد عليك لفظ أن تتناوله على ظاهره ، ولا تدّعى فيه قلبا ولا تحريفا ، إلا أن تضح سبيل ، أو يقتاد دليل.
ومن طريف هذا الباب قولك فى النسب إلى (محيّا» : (محوىّ) وذلك أنك حذفت الألف ؛ لأنها خامسة ، فبقى محىّ كقصىّ ، فحذفت للإضافة ما حذفت من قصىّ ، وهى الياء الأولى التى هى عين (محيّا) الأولى ، فبقى (محى) فقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصارت (محا) كهدى. فلمّا أضفت إليها قلبت الألف واوا ، فقلت (محوىّ) كقولك فى هدى : هدوىّ. فمثال محوىّ فى اللفظ (مفعىّ) واللام على ما تقدّم محذوفة. ثم إنك من بعد لو بنيت من (ضرب) - على قول من أجاز الحذف فى الصحيح لضرب من الصنعة - مثل قولك (محوىّ) لقلت (مضرىّ) فحذفت الباء من (ضرب) كما حذفت لام (محيّا). أفلا تراك كيف أحلت بالصنعة لفظ (ضرب) إلى لفظ (مضر) فصار (مضرىّ) كأنه منسوب إلى (مضر).
وكذلك لو بنيت مثل قولهم فى النسب إلى تحيّة : (تحوىّ) من نزف أو نشف أو نحو ذلك لقلت : تنفىّ. وذلك أن (تحيّة) تفعلة ، وأصلها (تحيية) كالتسوية والتجزئة ، فلمّا نسبت إليها حذفت أشباه حرفيها بالزائد وهو العين ، أعنى الياء الأولى ، فكما تقول فى (عصيّة وقضيّة) عصوىّ وقضوىّ ، قلت أيضا فى تحيّة (تحوىّ) فوزن لفظ (تحوىّ) الآن (تفلىّ) ؛ فإذا أردت مثل ذلك من (نزف) و (نشف) قلت (تنفى) ومثالها (تفلى) ؛ إلا أنه مع هذا خرج إلى لفظ الإضافة إلى
1) البيت من البسيط ، وهو لابن مقبل فى ديوانه ص 387 ، ولسان العرب (رجج) ، (سحط) ، (لعع) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 206 ، وجمهرة اللغة ص 157 ، 531 ، ومقاييس اللغة 2 / 385 ، والمخصص 10 / 187 ، وتاج العروس (رجج) ، (حوذ) ، (سحط) ، (لعع) ، (خنطل) ، وأمالى القالى 1 / 257 ، ولجران العواد فى ديوانه ص 85. الحوذان : نبت ، يشحطها : يذبحها. الرجرج : اللعاب. خناطيل : قطع متفرقة. يصف بقرة أكل السبع ولدها ، فهى تغص بما لا يغص به من اللعاع الأخضر حتى ليكاد يذبحها ، وهى تغص أيضا باللعاب الذى يتقطع خناطيل حزنا على ولدها.
تنوفة إذا قلت (تنفىّ) كقول العرب فى الإضافة إلى (شنوءة) : شنئىّ. أفلا ترى إلى الصنعة كيف تحيل لفظا إلى لفظ ، وأصلا إلى أصل.
وهذا ونحوه إنما الغرض فيه الرياضة به ، وتدرّب الفكر بتجشّمه ، وإصلاح الطبع لما يعرض فى معناه وعلى سمته. فأمّا لأن يستعمل فى الكلام (مضرىّ) من (ضرب) ، و (تنفىّ) من (نزف) فلا. ولو كان لا يخاض فى علم من العلوم إلا بما لا بدّ له من وقوع مسائله معيّنة محصلة لم يتمّ علم على وجه ، ولبقى مبهوتا بلا لحظ ، ومخشوبا بلا صنعة ؛ ألا ترى إلى كثرة مسائل الفقه والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك من المركّبات المستصعبات ، (وذلك) إنما يمرّ فى الفرط منها (1)الجزء النادر الفرد ، وإنما الانتفاع بها من قبل ما تقنيه النفس من الارتياض بمعاناتها.
1) أى فى الحين. ويقال : إنما ألقى فلانا فى الفرط إذا كنت تلقاه بعد أيام. وتقول أيضا : ألقاه فى الفرط بعد الفرط أى فى الحين بعد الحين.
فى الحروف والحركات والسكون
غرضنا من هذا الباب ليس ما جاء به الناس فى كتبهم ؛ نحو وجدت فى الحزن ، ووجدت الضالّة ، ووجدت فى الغضب ، ووجدت أى علمت ؛ كقولك : وجدت الله غالبا ، ولا كما جاء عنهم من نحو (الصدى) : الطائر يخرج من رأس المقتول إذا لم يدرك بثأره ، و (الصدى) : العطش ، و (الصدى) : ما يعارض الصوت فى الأوعية الخالية ، و (الصدى) من قولهم : فلان صدى مال ؛ أى حسن الرعية له ، والقيام عليه. ولا (هل) بمعنى الاستفهام ، وبمعنى قد ، و (أم) للاستفهام وبمعنى بل ، ونحو ذلك ؛ فإن هذا الضرب من الكلام - وإن كان أحد الأقسام الثلاثة عندنا التى أوّلها اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين ، (ويليه) اختلاف اللفظين واتّفاق المعنيين - كثير فى كتب العلماء ، وقد تناهبته أقوالهم ، وأحاطت بحقيقته أغراضهم. وإنما غرضنا هنا ما وراءه من القول على هذا النحو فى الحروف ، والحركات ، والسكون ، المصوغة فى أنفس الكلم من ذلك الحروف.
قد يتّفق (لفظ الحروف ويختلف معناها) وذلك نحو قولهم : درع دلاص ، وأدرع دلاص ، وناقة هجان ، ونوق هجان (1). فالألف فى دلاص فى الواحد بمنزلة الألف فى ناقة كناز ، وامرأة ضناك ، و (الألف فى دلاص) فى الجمع بمنزلة ألف ظراف ، وشراف. وذلك لأن العرب كسّرت فعالا على فعال ، كما كسرت فعيلا على فعال ؛ نحو كريم ، وكرام ، ولئيم ولئام. وعذرها فى ذلك أن فعيلا أخت فعال ، ألا ترى أن كلّ واحد منهما ثلاثىّ الأصل ، وثالثه حرف لين ، وقد اعتقبا أيضا على المعنى الواحد ، نحو كليب وكلاب ، وعبيد وعباد ، وطسيس وطساس ؛ قال الشاعر :
فلمّا كانا كذلك - وإنما بينهما اختلاف حرف اللين لا غير ، ومعلوم مع ذلك قرب الياء من الألف ، وأنها أقرب إلى الياء منها إلى الواو - كسّر أحدهما على ما كسّر عليه صاحبه ، فقيل : درع دلاص ، وأدرع دلاص ، كما قيل : ظريف وظراف ، وشريف وشراف.
ومثل ذلك قولهم فى تكسير عذافر ، وجوالق : عذافر ، وجوالق ، وفى تكسير قناقن : قناقن ، وهداهد : هداهد ؛ قال الراعى :
كهداهد كسر الرّماة جناحه
يدعو بقارعة الطريق هديلا (1)
فألف عذافر زيادة لحقت الواحد للبناء لا غير ، وألف عذافر ألف التكسير ، كألف دراهم ، ومنابر. فألف عذافر تحذف كما تحذف نون جحنفل فى جحافل ، وواو فدوكس ، فى فداكس ، وكذلك بقيّة الباب.
وأغمض من ذلك أن تسمى رجلا بعبالّ وحمارّ ، جمع عبالة ، وحمارّة ، على حدّ قولك : شجرة وشجر ، ودجاجة ودجاج ، فتصرف ، فإن كسّرت عبالا ، وحمارّا هاتين ، قلت : حمارّ ، وعبالّ ؛ فلم تصرف ؛ لأن هذه الألف الآن ألف التكسير ، بمنزلة ألف مخادّ ، ومشادّ ، جمع مخدّة ومشدّ. أفلا نرى إلى هاتين الألفين كيف اتّفق لفظاهما واختلف معناهما ، ولذلك لم تصرف الثانى لما ذكرنا ، وصرفت الأوّل ؛ لأنه ليست ألفه للتكسير ، إنما هى كألف دجاجة ، وسمامة ، وحمامة.
ومن ذلك أن توقع فى قافية اسما لا ينصرف منصوبا فى لغة من نوّن القافية فى الإنشاد ؛ نحو قوله :
1) البيت من الكامل ، وهو للراعى النميرى فى ديوانه ص 238 ، ولسان العرب (هدد) ، (هدل) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 62 ، وجمهرة اللغة ص 194 ، وتهذيب اللغة 5 / 353 ، 354 ، وكتاب العين 3 / 347 ، ومجمل اللغة 4 / 447 ، وتاج العروس (هدد) ، (هدل) ، والمخصص 8 / 134 ، والحيوان 3 / 243 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 683.
2) صدر بيت من الوافر ، وهو لجرير فى ديوانه ص 813 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (روى).
فتقول فى القافية : رأيت سعادا ، فأنت فى هذه النون مخيّر : إن شئت اعتقدت أنها نون الصرف ، وأنك صرفت الاسم ضرورة ، أو على لغة من صرف جميع ما لا ينصرف (1)، كقول الله تعالى : (سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً) [الإنسان : 4] وإن شئت جعلت هذه النون فى سعادا نون الإنشاد كقوله.
داينت أروى والديون تقضن
فمطلت بعضا وأدّت بعضن
وكذلك أيضا تكون النون التى فى قوله : وأدّت بعضن ، هى اللاحقة للإنشاد ؛ كقوله :
ولكن إنما يفعل ذلك فى لغة من وقف على المنصوب بلا ألف ؛ كقول الأعشى :
وكما رويناه عن قطرب من قول آخر :
شئز جنبى كأنّى مهدأ
جعل القين على الدّفّ إبر (4)
وعليه قال أهل هذه اللغة فى الوقف : رأيت فرح. ولم يحك سيبويه هذه اللغة ، لكن حكاها الجماعة : أبو الحسن ، وأبو عبيدة ، وقطرب ، وأكثر الكوفيّين.
1) هذه لغة حكاها ثعلب على ما فى الأشمونى والتصريح فى أواخر باب ما لا ينصرف. وحكاها الأخفش على ما فى الهمع 1 / 37 ، وانظر البحر لأبى حيان 8 / 394.
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب 14 / 349 (روى).
3) عجز بيت من المتقارب ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 87 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 477 ، وشرح شواهد الشافية ص 191 ، وبلا نسبة فى رصف المبانى ص 35 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 272 ، 275 ، 279 ، وشرح المفصل 9 / 70 ، ولسان العرب (رأف).
4) البيت من الرمل ، وهو لعدى بن زيد فى ديوانه ص 59 ، وإصلاح المنطق ص 156 ، ولسان العرب (هدأ) ، ورصف المبانى ص 35 ، وسرّ صناعة الإعراب 2 / 477 ، 676 ، وشرح المفصل 9 / 69 ، والمقرب 2 / 25. شئز : قلق ، يقال : شئز الرجل إذا قلق من هم أو مرض وأصل الشأز : الغلظة ، ومهدأ من أهدأ الصبى إذا علله لينام ، والدّف : الجنب ، والقين : وهو الحداد.
فعلى هذه اللغة يكون قوله :
إنما نونه نون الإنشاد لا نون الصّرف ؛ ألا ترى أن صاحب هذه اللغة إنما يقف على حرف الإعراب ساكنا ، فيقول : رأيت زيد ، كالمرفوع والمجرور. هذا هو الظاهر من الأمر.
فإن قلت : فهل تجيز أن يكون قوله : وأدّت بعضا ، تنوينه تنوين الصرف ، لا تنوين الإنشاد ، إلا أنه على إجراء الوقف مجرى الوصل ؛ كقوله :
فإن هذا وإن كان ضربا من ضروب المطالبة فإنه يبعد ؛ وذلك أنه لم يمرر بنا عن أحد من العرب أنه يقف فى غير الإنشاد على تنوين الصرف ، فيقول فى غير قافية الشعر : رأيت جعفرن ، ولا كلّمت سعيدن ، فيقف بالنون. فإذا لم يجئ مثله قبح حمله عليه. فوجب حمل قوله : وأدّت بعضن على أنه تنوين الإنشاد على ما تقدّم ، من قوله :
و: * أقلّى اللوم عاذل والعتابن (2)*
و: * ما هاج أحزانا وشجوا قد شجن*
ولم تحضرنا هذه المسألة فى وقت علمنا الكتاب «المعرب» فى تفسير قوافى أبى الحسن ، فنودعها إيّاه ، فلتلحق هذه المسألة به بإذن الله. فإذا مرّ بك فى الحروف ما هذه سبيله ، فأضفه إليه.
ومن ذلك الحركات.
هذه الحال موجودة فى الحركات وجدانها فى الحروف. وذلك كامرأة سمّيتها
بحيث ، وقبل ، وبعد ، فإنك قائل فى رفعه : هذه حيث ، وجاءتنى قبل ، وعندى بعد. فالضمّة الآن إعراب ، وقد كانت فى هذه الأسماء قبل التسمية بها بناء.
وكذلك لو سميتها بأين ، وكيف ، فقلت : رأيت أين ، وكلّمت كيف ، لكانت هذه الفتحة إعرابا ، بعد ما كانت قبل التسمية فى أين وكيف بناء. وكذلك لو سمّيت رجلا بأمس ، وجير ، لقلت مررت بأمس وجير ، فكانت هذه الكسرة إعرابا ، بعد ما كانت قبل التسمية بناء. وهذا واضح. فإن سمّيته بهؤلاء ، فقلت (فى الجرّ) : مررت بهؤلاء ، كانت كسرة الهمزة بعد التسمية به ، هى (الكسرة قبل) التسمية به.
وخالف (هؤلاء) باب أمس وجير ، وذلك أن (هؤلاء) ممّا يجب بناؤه ، وحكايته بعد التسمية به على ما كان من قبل التسمية ؛ ألا ترى أنه اسم ضمّ إليه حرف ، فأشبه الجملة ؛ كرجل سمّيته بلعلّ ؛ فإنك تحكى الاسم ؛ لأنه حرف ضمّ إليه حرف ، وهو (علّ) ضمّت إليه اللام ؛ كما أنك لو سمّيته بأنت لحكيته أيضا فقلت : رأيت أنت ، ولعلّ ، فكانت الفتحة فى التاء بعد التسمية به هى التى كانت فيه قبلها ، لكنك إن سمّيته بأولاء أعربته فقلت : هذا أولاء ، ورأيت أولاء ، ومررت بأولاء ، فكانت الكسرة الآن فيه إعرابا لا غير ؛ لأن أولاء اسم مفرد مثاله فعال ؛ كغراب وعقاب.
ومن الحركات فى هذا الباب أن ترخّم اسم رجل يسمى منصورا ، فتقول على لغة من قال يا حار : يا منص ، ومن قال يا حار قال كذلك أيضا بضمّ الصاد فى الموضعين جميعا. أمّا على يا حار فلأنك حذفت الواو وأقررت الضمّة بحالها ؛ كما أنك لمّا حذفت الثاء أقررت الكسرة بحالها. وأمّا على يا حار فلأنك حذفت الواو والضمة قبلها ؛ كما أنك فى يا حار حذفت الثاء والكسرة قبلها ، ثم اجتلبت ضمّة النداء فقلت : يا منص. فاللفظان كما ترى واحد ، والمعنيان مختلفان.
وكذلك إن سمّيته بيرثن ، وثرتم ، ويعقوب (1)، ويربوع ، ويعسوب.
ومثل ذلك قول العرب فى جمع الفلك : الفلك ؛ كسّروا فعلا على فعل ، من حيث كانت فعل تعاقب فعلا على المعنى الواحد ؛ نحو الشغل ، والشغل ،
1) يعقوب : يريد به ذكر الحجل ، وهو عربى فأما يعقوب أبو يوسف عليهماالسلام فهو أعجمى ، والحكم فيهما من جهة الترخيم واحد.
والبخل ، والبخل ، والعجم ، والعجم ، والعرب ، والعرب. وفعل ممّا يكسّر على فعل ، كأسد ، وأسد ، ووثن ، ووثن. حكى صاحب (1)الكتاب (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً) [النساء : 17] وذكر أنها قراءة. وكما كسّروا فعلا على فعل ، وكانت فعل وفعل أختين معتقبتين على (المعنى) الواحد كعجم وعجم وبابه جاز أيضا أن يكسّر فعل على فعل ؛ كما ذهب إليه صاحب الكتاب فى الفلك إذ كسّر على الفلك ؛ ألا ترى أن قوله عزّ اسمه (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [الشعراء : 119 ، يس : 41] يدلّ على أنه واحد ، وقوله تعالى : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس : 22] فهذا يدل على الجمعيّة. فالفلك إذا فى الواحد بمنزلة القفل ، والخرج ، والفلك فى الجميع بمنزلة الحمر والصفر.
فقد ترى اتّفاق الضمّتين لفظا واختلافهما تقديرا ومعنى. وإذا كان كذلك فكسرة الفاء فى هجان ، ودلاص فى الواحد ككسرة الفاء فى كناز وضناك ، وكسرة الفاء فى هجان ودلاص فى الجمع ككسرة الفاء فى كرام ولئام.
ومن ذلك قولهم قنو وقنوان ، وصنو وصنوان ، وخشف وخشفان ، ورئد ورئدان ، ونحو ذلك مما كسّر فيه فعل على فعلان ؛ كما كسّروا فعلا على فعلان. وذلك أن فعلا وفعلا قد اعتقبا على المعنى الواحد ؛ نحو بدّل وبدل ، وشبه وشبه ، ومثل ومثل. فكما كسّروا فعلا على فعلان كشبث وشبثان ، وخرب وخربان (2)، ومن المعتلّ تاج وتيجان ، وقاع وقيعان ، كذلك كسّروا أيضا فعلا على فعلان ، فقالوا : قنو وقنوان ، وصنو وصنوان.
ومن وجه آخر أنهم رأوا فعلا وفعلا قد اعتقبا على المعنى الواحد ؛ نحو العلو والعلو ، والسفل والسفل ، والرجز والرجز ؛ فكما كسّروا فعلا على فعلان ككوز وكيزان ، وحوت وحيتان ، كذلك كسّروا أيضا فعلا على فعلان ؛ نحو صنو
1) الذى فى الكتاب 2 / 177 : «وذلك نحو : أسد وأسد ، ووثن ووثن ، بلغنا أنها قراءة» وقراءة أثن ذكرها أبو حيان ولم يعزها ، وأثن عليها مبدلة من وثن. وانظر البحر 3 / 352 عند قوله تعالى فى سورة النساء الآية 117 : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً). (نجار).
2) شبث وشبثان : هو دويبة كثيرة الأرجل. خرب وخربان : هو ذكر الحبارى.
وصنوان ، وحسل وحسلان (1)، وخشف وخشفان. فكما أن كسرة فاء شبثان ، وبرقان غير فتحة فاء شبث ، وبرق لفظا ، فكذلك كسرة فاء صنو غير كسرة فاء صنوان تقديرا. وكما أنّ كسرة فاء حيتان وكيزان غير ضمّة فاء كوز وحوت لفظا ، فكذلك أيضا كسرة فاء صنوان غير كسرة فاء صنو تقديرا. وسنذكر فى كتابنا هذا (باب حمل) المختلف فيه على المتفق عليه بإذن الله. وعلى هذا فكسرة فاء هجان ودلاص لفظا غير كسرة فاء هجان ودلاص تقديرا ؛ كما أن كسرة فاء كرام ولئام غير فتحة فاء كريم ولئيم لفظا. وعلى هذا استمرار ما هذه سبيله فاعرفه.
وأمّا السكون فى هذه الطريقة فهو كسكون نون صنو وقنو ؛ فينبغى أن يكون فى الواحد غير سكون نون صنوان وقنوان ؛ لأن هذا شيء أحدثته الجمعيّة ، وإن كان بلفظ ما كان فى الواحد ؛ ألا ترى أن سكون عين شبثان وبرقان غير فتحة عين شبث وبرق ؛ فكما أن هذين مختلفان لفظا ، وفكذلك ذانك السكونان هما مختلفان تقديرا.
ونظير فعل وفعلان فى هذا الموضع فعل وفعلان فى قولهم فوم (2)وفومان ، وخوط وخوطان. فواجب إذا أن تكون الضمّة والسكون فى فوم غير الضمّة والسكون فى فومان ، وكذلك خوط وخوطان. ومثله أنّ سكون عين بطنان وظهران غير سكون عين بطن وظهر ؛ الباب واحد غير مختلف. وكذلك كسرة اللام من دهليز ينبغى أن تكون غير كسرتها فى دهاليز ؛ لأن هذه كسرة ما يأتى بعد ألف التكسير (وإن لم يكن فى الواحد مكسورا) ؛ (نحو مفتاح) ومفاتيح ، وجرموق ، وجراميق. وعلى هذا أيضا يجب أن تكون ضمة فاء رباب (3)غير ضمة فاء ربّى ؛ لأن ربابا كعراق ، وظؤار ، وتؤام. فكما أن أوائل كل منهن على غير [أوّل] واحده الذى هو عرق ، وظئر ، وتوأم لفظا ، فكذلك فليكن أوّل ربّى ورباب تقديرا.
من ذلك اسم الفاعل والمفعول فى (افتعل) ممّا عينه معتلّة ، أو ما فيه تضعيف.
فالمعتلّ نحو قولك : اختار فهو مختار ، واختير فهو مختار : الفاعل والمفعول واحد لفظا ، غير أنهما مختلفان تقديرا ؛ ألا ترى أن أصل الفاعل (مختير) بكسر العين ، وأصل المفعول (مختير) بفتحها. وكذلك هذا رجل معتاد للخير ، وهذا أمر معتاد ، وهذا فرس مقتاد ، إذا قاده صاحبه ، والصاحب مقتاد له.
وأمّا المدغم فنحو قولك : أنا معتدّ لك بكذا وكذا ، وهذا أمر معتدّ به. فأصل الفاعل (معتدد) كمقتطع ، وأصل المفعول (معتدد) كمقتطع. ومثله هذا فرس مستنّ ، لنشاطه ، وهذا مكان مستنّ فيه ، إذا استنّت فيه الخيل ؛ ومنه قولهم (استنّت الفصال حتى القرعى) (1).
وكذلك افعلّ وافعالّ من المضاعف أيضا ؛ نحو هذا بسر محمرّ ومحمارّ ، وهذا وقت محمرّ فيه ، ومحمارّ فيه. فأصل الفاعل محمرر ، ومحمارر مكسور العين ؛ وأصل المفعول محمرر فيه ومحمارر فيه مفتوحها.
وليس كذلك اسم الفاعل والمفعول فى افعلّ وافعال (إذا ضعّف فيه حرفا علّة) بل ينفصل فيه اسم الفاعل من اسم المفعول عندنا. وذلك قولك : هذا رجل مرعو ، وأمر مرعوى إليه ، وهذا رجل مغزاو ، وهذا وقت مغزاوى فيه ؛ لكنه على مذهب الكوفيين لا فرق بينهما ؛ لأنهم يدغمون هذا النحو من مضاعف المعتلّ ، ويجرونه مجرى الصحيح ، فيقولون اغزاوّ ، يغزاوّ ، واغزوّ ، يغزوّ. واستشهد أبو الحسن على فساد مذهبهم بقول العرب : ارعوى. قال ولم يقولوا : ارعوّ. ومثله من كلامهم قول يزيد بن الحكم - أنشدنيه أبو على وقرأته فى القصيدة عليه - :
1) أى جرت الفصال مرحا حتى القرعى منهما ، وهى تنزو تشبها بالصحاح. وهو مثل يضرب للرجل يدخل نفسه فى قوم ليس منهم.
تبدّل خليلا بى كشكلك شكله
فإنى خليلا صالحا بك مقتوى (1)
فهذا عندنا مفعلّ من القتو وهو المراعاة والخدمة ؛ كقوله :
إنى امرؤ من بنى خزيمة لا
أحسن قتو الملوك والحفدا (2)
وفيها أيضا : مدحوى ، وفيها أيضا محجوى :
فهذا كله مفعلّ كما تراه غير مدغم.
وانفعل فى المضاعف كافتعل ؛ نحو قولك هذا أمر منحلّ ، ومكان منحلّ فيه ، ويوم منحلّ فيه ، أى تنحلّ فيهما الأمور. فهذا طرف من هذا النحو.
ومن ذلك قولك فى تخفيف (فعل) من جئت على قول الخليل وأبى الحسن ؛ تقول فى القولين جميعا : جى ؛ غير أن هذين الفرعين المتفقين التقيا عن أصلين مختلفين.
وذلك أن الخليل يقول فى (فعل) من جئت : جيء كقوله فيه من بعت بيع.
وأصل الفاء عنده الضمّ ؛ لكنه كسرها لئلا تنقلب الياء واوا فيلزمه أن يقول : بوع.
ويستدلّ على ذلك بقول العرب فى جمع أبيض وبيضاء : بيض. وكذلك (عين) تكسير أعين وعيناء ، و (شيم) فى أشيم وشيماء.
وأبو الحسن يخالفه فيقرّ الضمّة فى الفاء ، فيبدل لها العين واوا فيقول : بوع وجوء. فإذا خفّفا جميعا صارا إلى جى لا غير. فأمّا الخليل فيقول : إذا تحركت العين بحركة الهمزة الملقاة عليها فقويت رددت ضمة الفاء لأمنى على العين القلب ، فأقول : جى ؛ وأما أبو الحسن فيقول : إنما كنت قلت : جوء فقلبت العين واوا لمكان الضمّة قبلها وسكونها ، فإذا قويت بالحركة الملقاة عليها تحصّنت فحمت نفسها من القلب ؛ فأقول : جى. أفلا ترى إلى ما ارتمى إليه الفرعان من الوفاق بعد ما كان عليه الأصلان من الخلاف. وهذا ظاهر.
ومن ذلك قولك فى الإضافة إلى مائة فى قول سيبويه ويونس جميعا فيمن ردّ اللام : مئوىّ كمعوىّ ، فيتوافى اللفظان على أصلين مختلفين. ووجه ذلك أن مائة أصلها عند الجماعة مئية ساكنة العين ، فلمّا حذفت اللام تخفيفا جاورت العين تاء التأنيث ، فانفتحت على العادة والعرف فى ذلك ، فقيل : مائة. فإذا رددت اللام فمذهب سيبويه أن يقرّ العين بحالها متحرّكة وقد كانت قبل الردّ مفتوحة ، فتقلب لها اللام ألفا ، فيصير تقديرها : مئا كمعى فإذا أضفت إليها أبدلت الألف واوا فقلت : مئوى كثنوىّ. وأمّا مذهب يونس فإنه كان إذا نسب إلى فعلة أو فعلة مما لامه ياء أجراه مجرى ما أصله فعلة أو فعلة ؛ ألا تراه كيف كان يقول فى الإضافة إلى ظبية : ظبوىّ. ويحتجّ بقول العرب فى النسب إلا بطية : بطوىّ ، وإلى زنية : زنويّ. فقياس هذا أن تجرى مائة - وإن كانت فعلة - مجرى فعلة ؛ فتقول فيها :
مئوىّ. فيتّفق اللفظان من أصلين مختلفين.
ومن ذلك أن تبنى من قلت ونحوه فعلا ، فتسكّن عينه استثقالا للضمّة فيها ، فتقول : (فول) كما يقول أهل الحجاز فى تكسير عوان ونوار : عون ونور ، فيسكّنون ، وإن كانوا يقولون : رسل وكتب بالتحريك. فهذا حديث فعل من باب قلت. وكذلك فعل منه أيضا قول ، فيتّفق فعل وفعل ، فيخرجان على لفظ متفق عن أوّل مختلف. وكذلك فعل من باب بعت ، وفعل فى قول الخليل وسيبويه : تقول فيهما جميعا بيع. وسألت أبا علىّ رحمهالله فقلت : لو أردنا فعلات مما عينه ياء لا نريد بها أن تكون جارية على فعلة كتينة وتينات؟ فقال أقول على هذا الشرط : تونات ؛ وأجراها لبعدها عن الطرف مجرى واو عوطط.
ومن ذلك أن تبنى من غزوت إصبع بضم الباء ، فتقول : اغز. وكذلك إن أردت مثل إصبع قلت أيضا : اغز. فيستوى لفظ إفعل ولفظ إفعل. وذلك أنك تبدل من الضمّة قبل الواو كسرة فتقلبها ياء ، فيستوى حينئذ لفظها ولفظ إفعل.
وإصبع ، وإن كانت مستكرهة لخروجك من كسر إلى ضمّ بناء لازما ، محكّية ؛ تروى عن متقدّمى أصحابنا.
وما يخرج إلى لفظ واحد عن أصلين مختلفين كثير ، لكن هذا مذهبه وطريقه ؛ فاعرفه وقسه.
ومن ذلك قولك فى جمع تعزية وتعزوة (1)جميعا : تعاز ، (وكذلك اللفظ بمصدر تعازينا ؛ أى عزى بعضنا بعضا : تعاز) يا فتى. فهذه تفاعل كتضارب وتحاسد ، وأصلها تعازو ، ثم تعازى ، ثم تعاز. فأما (تعاز) فى الجمع فأصل عينها الكسر كتنافل وتناضب ، جمع تتفل وتنضب (2). ونظائره كثيرة.
باب فى ترافع (1)الأحكام
هذا موضع من العربيّة لطيف ، لم أر لأحد من أصحابنا فيه رسما ، ولا نقلوا إلينا فيه ذكرا.
من ذلك مذهب العرب فى تكسير ما كان من (فعل) على (أفعال) ؛ نحو علم وأعلام ، وقدم وأقدام ، ورسن وأرسان ، وفدن وأفدان. قال سيبويه : فإن كان على (فعلة) كسّروه على (أفعل) ؛ نحو أكمة وآكم. ولأجل ذلك (ما حمل) أمة على أنها (فعلة) لقولهم فى تكسيرها : (آم) إلى هنا انتهى كلامه ، إلا أنه أرسله ولم يعلّله.
والقول فيه عندى أن حركة العين قد عاقبت فى بعض المواضع تاء التأنيث ، وذلك فى الأدواء ؛ نحو قولهم : رمث رمثا ، وحبط حبطا ، وحبج حبجا. فإذا ألحقوا التاء أسكنوا العين ؛ فقالوا : حقل حقلة ، ومغل مغلة (2). فقد ترى إلى معاقبة حركة العين تاء التأنيث. ومن ذلك قولهم : جفنة وجفنات ، وقصعة وقصعات ؛ لمّا حذفوا التاء حرّكوا العين.
فلمّا تعاقبت التاء وحركة العين جريا لذلك مجرى الضدّين المتعاقبين. فلمّا اجتمعا فى (فعلة) ترافعا أحكامهما ، فأسقطت التاء حكم الحركة ، وأسقطت الحركة حكم التاء. فآل الأمر بالمثال إلى أن صار كأنه فعل ، و (فعل) باب تكسيره (أفعل).
وهذا حديث من هذه الصناعة غريب المأخذ ، لطيف المضطرب. فتأمّله فإنه
1) يريد أنه قد يجتمع فى الكلمة أمران ، يقضى كل منهما إذا انفرد بحكم فى اللغة ، تكون عليه الكلمة ؛ فيكون ذلك داعيا إلى إلغاء تأثيرهما ، فكأنّ هذا رفع حكم هذا ، وهذا رفع حكم هذا وأبطله (نجار). وقد عرض المؤلف لهذا فى المحتسب عند قوله تعالى فى سورة آل عمران : (أَمَنَةً نُعاساً).
2) الحقلة : من أدواء الإبل ، يصيبها من أكل التراب مع البقل. المغلة : هو أيضا داء فى الحيوان من أكل البقل مع التراب.
مجد عليك ، مقوّ لنظرك.
ومن (فعلة) و (أفعل) رقبة وأرقب ، وناقة وأينق.
ومن ذلك أنا قد رأينا تاء التأنيث تعاقب ياء المدّ ، وذلك نحو فرازين وفرازنة (1)، وجحاجيح وجحاجحة ، وزناديق وزنادقة. فلمّا نسبوا إلى نحو حنيفة ، وبجيلة ، تصوّروا ذلك الحديث أيضا ، فترافعت التاء والياء أحكامهما ، فصارت حنيفة وبجيلة ، إلى أنهما كأنهما حنف وبجل ، فجريا لذلك مجرى شقر ونمر ؛ فكما تقول فيهما : شقرىّ ونمرىّ ، كذلك قلت أيضا فى حنيفة : حنفىّ ، وفى بجيلة : بجلىّ. يؤكّد ذلك عندك أيضا أنه إذا لم تكن هناك تاء كان القياس إقرار الياء ؛ كقولهم فى حنيف : حنيفىّ ، وفى سعيد : سعيدىّ. فأمّا ثقفىّ فشاذّ عنده ، ومشبّه بحنفىّ. فهذا طريق آخر من الحجاج فى باب حنفىّ وبجلىّ ، مضاف إلى ما يحتجّ به أصحابنا فى حذف تلك الياء.
وممّا يدلّك على مشابهة حرف المدّ قبل الطرف لتاء التأنيث قولهم : [رجل] صنع اليد ، وامرأة صناع اليد ؛ فأغنت الألف قبل الطرف مغنى التاء التى كانت تجب فى صنعة ، لو جاءت على حكم نظيرها ؛ نحو حسن وحسنة ، وبطل وبطلة. وهذا أيضا حسن فى بابه.
ويزيد عندك فى وضوح ذلك أنهم قالوا فى الإضافة إلى اليمن ، والشأم ، وتهامة : يمان ، وشآم ، وتهام ؛ فجعلوا الألف قبل الطرف عوضا من إحدى الياءين اللاحقتين بعدها. وهذا يدلّك أن الشيئين إذا اكتنفا الشىء من ناحيتيه ، تقاربت حالاهما (وحالاه) بهما. ولأجله وبسببه ما ذهب قوم إلى أن حركة الحرف تحدث قبله ، وآخرون إلى أنها تحدث بعده ، وآخرون إلى أنها تحدث معه. قال أبو علىّ : وذلك لغموض الأمر وشدّة القرب. نعم ، وربما احتجّ بهذا لحسن تقدّم الدلالة وتأخّرها ، هذا فى موضع (وهذا فى موضع). وذلك لإحاطتهما جميعا بالمعنى المدلول عليه.
فمما تأخر دليله قولهم : ضربنى وضربت زيدا ؛ ألا ترى أن المفسّر للضمير
1) واحده فرزان ، وهو من لعب الشطرنج.
المتقدّم جاء من بعده. وضدّه زيد ضربته ؛ لأن المفسّر للضمير متقدّم عليه. وقريب من هذا أيضا إتباع الثانى للأوّل ؛ نحو شدّ ، وفرّ ، وضنّ ، وعكسه قولك : اقتل ، استضعف ، ضممت الأوّل للآخر.
فإن قلت : فإن فى تهامة ألفا ، فلم ذهبت إلى أن الألف فى تهام عوض من إحدى الياءين للإضافة؟ قيل : قال الخليل فى هذا : إنهم كأنهم نسبوه إلى فعل ، أو فعل ، وكأنهم فكّوا صيغة تهامة فأصاروها إلى تهم أو تهم ، ثم أضافوا إليه فقالوا : تهام.
وإنما ميّل الخليل بين فعل وفعل ، ولم يقطع بأحدهما ؛ لأنه قد جاء هذا العمل فى هذين المثالين جميعا ، وهما الشأم واليمن. وهذا الترجيم الذى أشرف عليه الخليل ظنا ، قد جاء به السماع نصّا ؛ أنشدنا أبو علىّ ، قال أنشد أحمد بن يحيى :
أرّقنى الليلة برق بالتهم
يا لك برقا من يشقه لا ينم (1)
فانظر إلى قوّة تصوّر الخليل إلى أن هجم به الظنّ على اليقين ؛ فهو المعنىّ بقوله :
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظنّ
كأن قد رأى وقد سمعا (2)
وإذا كان ما قدّمناه من أن العرب لا تكسّر فعلة على أفعال مذهبا لها فواجب أن يكون (أفلاء) من قوله :
مثلها يخرج النصيحة للقو
م فلاة من دونها أفلاء (3)
تكسير (فلا) الذى هو جمع فلاة ، لا جمعا لفلاة ؛ إذ كانت فعلة. وعلى هذا فينبغى أيضا أن يكون قوله :
1) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (تهم) ، وتاج العروس (تهم).
2) البيت من المنسرح ، وهو لأوس بن حجر فى ديوانه 1 / 273 ، وكتاب الجيم 3 / 214 ، والكامل ص 1400 ، وذيل أمالى القالى ص 34 ، ومعاهد التنصيص 1 / 128 ، ولأوس أو لبشر بن أبى خازم فى تاج العروس (لمع) ، وبلا نسبة فى مقاييس اللغة 5 / 212.
3) البيت من الخفيف ، وهو للحارث بن حلزة فى ديوانه ص 35 ، وشرح القصائد السبع ص 501 ، وشرح القصائد العشر ص 415 ، وشرح المعلقات السبع ص 232 ، ولسان العرب (فلا).
كأن متنيه من النفىّ
مواقع الطير على الصفىّ (1)
إنما هو تكسير صفا الذى هو جمع صفاة ؛ إذ كانت فعلة لا تكسّر على فعول ، إنما ذلك فعلة ؛ كبدرة وبدور ، ومأنة ومئون (2). أو فعل ؛ كطلل وطلول ، وأسد وأسود. وقد ترى بهذا أيضا مشابهة فعلة لفعل فى تكسيرهما جميعا على فعول.
ومن ذلك قولهم فى الزكام : آرضه الله ، وأملأه ، وأضأده. وقالوا : هى الضؤدة ، والملأة ، والأرض. والصنعة فى ذلك أن (فعلا) قد عاقبت (فعلا) على الموضع الواحد ؛ نحو العجم والعجم ، والعرب والعرب ، والشغل والشغل ، والبخل والبخل. وقد عاقبتها أيضا فى التكسير على أفعال ؛ نحو برد وأبراد ، وجند وأجناد ؛ فهذا كقلم وأقلام ، وقدم وأقدام. فلمّا كان (فعل) من حيث ذكرنا كفعل صارت الملأة والضؤدة كأنها فعلة ، وفعلة قد كسّرت على أفعل ؛ على ما قدّمنا فى أكمة وآكم ، وأمة وآم. [فكما رفعت التاء فى (فعلة) حكم الحركة فى العين ، ورفعت حركة العين حكم التاء ، فصار الأمر لذلك إلى حكم (فعل) حتى قالوا : أكمة وآكم ، ككلب وأكلب ، وكعب وأكعب ، فكذلك جرت (فعلة) مجرى (فعل) حتى عاقبته فى الضؤدة والملأة والأرض ، فصارت الأرض كأنه أرضة ، أو صار الملأة والضؤدة كأنهما ملء وضأد. أفلا ترى إلى الضمّة كيف رفعت حكم التاء ، كما رفعت التاء حكم الضمّة ، وصار الأمر إلى (فعل)].
1) الرجز للأخيل الطائى فى لسان العرب (صفا) ، (نفى) ، وتاج العروس (هيص) ، (وقع) ، (نفا) ، ولرؤبة فى ملحق ديوانه ص 188 ، وتاج العروس (صفا) ، وله أو للعجاج فى لسان العرب (هيص) ، وليس فى ديوان العجاج ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 945 ، 972 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 250 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 514 ، وشرح المفصل 5 / 22 ، ولسان العرب (هيض) ، (وقع) ، وتاج العروس (هيض) ، وكتاب العين 4 / 70 ، والمخصص 4 / 41 ، 10 / 90 ، وكتاب الجيم 3 / 295 ، وتهذيب اللغة 3 / 37 ، 6 / 365 ، 15 / 475. النفىّ : ما تطاير من الرشاش على ظهر المائح شبه الماء وقد وقع على متن الساقى بذرق الطائر.
2) هى من اللحم السرة وما حولها وقيل : هى شحمة قص الصدر.
هذا فصل من العربيّة حسن كثير المنفعة ، قوىّ الدلالة على شرف هذه اللغة.
وذلك أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة ، فتبحث عن أصل كلّ اسم منها ، فتجده مفضى المعنى إلى معنى صاحبه.
وذلك كقولهم : (خلق الإنسان) فهو (فعّل من خلّقت الشىء ، أى ملّسته ؛ ومنه صخرة خلقاء للملساء. ومعناه أن خلق الإنسان هو ما قدّر له ورتّب عليه ، فكأنه أمر قد استقرّ ، وزال عنه الشكّ. ومنه قولهم فى الخبر : (قد فرغ الله من الخلق والخلق). والخليقة فعيلة منه.
وقد كثرت فعيلة فى هذا الموضع. وهو قولهم : (الطبيعة) وهى من طبعت الشىء (أى قرّرته) على أمر ثبت عليه ، كما يطبع الشىء كالدرهم والدينار ، فتلزمه أشكاله ، فلا يمكنه انصرافه عنها ولا انتقاله.
ومنها (النحيتة) وهى فعيلة من نحتّ الشىء [أى] ملّسته وقرّرته على ما أردته منه. فالنحيتة كالخليقة : هذا من نحتّ ، وهذا من خلّقت.
ومنها (الغريزة) وهى فعيلة من غرزت كما قيل لها طبيعة ؛ لأن طبع الدرهم ونحوه ضرب من وسمه ، وتغريزه بالآلة التى تثبّت عليه الصورة. وذلك استكراه له وغمز عليه كالطبع.
ومنها (النقيبة) وهى فعيلة من نقبت الشىء ، وهو نحو من الغريزة.
ومنها (الضريبة) وذلك أن الطبع لا بدّ معه من الضرب ؛ لتثبت [له] الصورة المرادة.
ومنها (النحيزة) هى فعيلة من نحزت الشىء أى دققته ؛ ومنه المنحاز : الهاوون ؛ لأنه موضوع للدفع به والاعتماد على المدقوق ؛ قال :
1) الانسلاب : المضاء فى السير.
أى تضرب الإبل حول هذه الناقة للّحاق بها ، وهى تسبقهن وتنسلب أمامهن.
ومنها (السجيّة) هى فعيلة من سجا يسجو إذا سكن ؛ ومنه طرف ساج ، وليل ساج ؛ قال :
يا حبّذا القمراء والليل الساج
وطرق مثل ملاء النسّاج (1)
وقال الراعى :
ألا اسلمى اليوم ذات الطوق والعاج
والدلّ والنظر المستأنس الساجى (2)
وذلك أن خلق الإنسان أمر قد سكن إليه واستقرّ عليه ؛ ألا تراهم يقولون فى مدح الرجل : فلان يرجع إلى مروءة ، ويخلد إلى كرم ، ويأوى إلى سداد وثقة.
فيأوى إليه هو هذا ؛ لأن المأوى خلاف (المعتمل) لأنه إنما يأوى إلى (المنزل ونحوه) إذا أراد السكون.
ومنها (الطريقة) من طرّقت الشىء أى وطّأتة وذلّلته ، وهذا هو معنى ضربته ، ونقبته ، وغرزته ، ونحتّه ؛ لأن هذه كلها رياضات وتدريب واعتمادات وتهذيب.
ومنها (السجيحة) وهى فعيلة من سجح خلقه. وذلك أن الطبيعة قد قرّت واطمأنّت فسجحت وتذلّلت. وليس على الإنسان من طبعه كلفة ، وإنما الكلفة فيما يتعاطاه ويتجشّمه ؛ قال حسّان :
ذروا التخاجؤ وامشوا مشية سجحا
إن الرجال ذوو عصب وتذكير (3)
1) الرجز للحارثى فى لسان العرب (سجا) ، وبلا نسبة فى المخصص 9 / 26 ، 16 / 54 ، وشرح المفصل 7 / 139 ، 141 ، وتهذيب اللغة 11 / 140 ، وتاج العروس (قمر) ، (سجا) ، وجمهرة اللغة ص 486 ، 491 ، ومقاييس اللغة 3 / 137 ، وأساس البلاغة (سجو).
2) البيت من البسيط ، وهو للراعى النميرى فى ديوانه ص 27 ، ولسان العرب (أنس) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (سجا) ، وجمهرة اللغة ص 1041.
3) البيت من البسيط ، وهو لحسان بن ثابت فى ديوانه ص 179 ، وجمهرة اللغة ص 1037 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 210 ، ولسان العرب (خجأ) ، (عصب) ، (سجح) ، وبلا نسبة فى الكتاب 4 / 244. التخاجؤ فسرها بعضهم بأنها مشية فيها تبختر. مشية سجحا : سهلة لينة.
وقال الأصمعىّ : إذا استوت أخلاق القوم قيل : هم على سرجوجة واحدة ، ومرن واحد ، (ومنهم من يقول : سرجيجة وهى فعليلة من هذا) ، فسرجوجة : فعلولة ، من لفظ السرج ومعناه. والتقاؤهما أن السرج إنما أريد للراكب ليعدّله ، ويزيل اعتلاله وميله. فهو من تقويم الأمر. وكذلك إذا استبوا على ووتيرة واحدة فقد تشابهت أحوالهم ، وزاح خلافهم ، وهذا أيضا ضرب من التقرير والتقدير ؛ فهو بالمعنى عائد إلى النحيتة ، والسجيّة ، والخليقة ؛ لأن هذه كلّها صفات تؤذن بالمشابهة والمقاربة. والمرن مصدر كالحلف والكذب. والفعل منه مرن على الشىء إذا ألفه ، فلان له. وهو عندى من مارن الأنف لما لان منه. فهو أيضا عائد إلى أصل الباب ؛ ألا ترى أن الخليقة ، والنحيتة ، والطبيعة ، والسجيّة ، وجميع هذه المعانى التى تقدّمت ، تؤذن بالإلف والملاينة ، والإصحاب والمتابعة.
ومنها (السليقة) وهى من قولهم : فلان يقرأ بالسليقيّة أى بالطبيعة. وتلخيص ذلك أنها كالنحيتة. وذلك أن السليق ما تحاتّ من صغار الشجر ؛ قال :
تسمع منها فى السليق الأشهب
معمعة مثل الأباء الملهب (1)
وذلك أنه إذا تحاتّ لان وزالت شدّته. والحتّ كالنحت ، وهما فى غاية القرب. ومنه قول الله سبحانه (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) [الأحزاب : 19] أى نالوا منكم. وهذا هو نفس المعنى فى الشىء المنحوت المحتوت ؛ ألا تراهم يقولون : فلان كريم النّجار والنجر ؛ أى الأصل. والنجر ، والنحت ، والحتّ ، والضرب ، والدقّ ، والنحز ، والطبع ، والخلق ، والغرز ، والسلق ، كله التمرين على الشىء ، وتليين القوىّ ليصحب وينجذب.
فاعجب للطف صنع البارى سبحانه فى أن طبع الناس على هذا ، وأمكنهم من ترتيبه وتنزيله ، وهداهم للتواضع عليه وتقريره.
ومن ذلك قولهم للقطعة من المسك : (الصوار) قال الأعشى :
1) الرجز لجندب بن مرثد فى تاج العروس (سلق) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (لهب) ، (سلق) ، وجمهرة اللغة ص 291 ، 850 ، ومقاييس اللغة 3 / 96 ، ومجمل اللغة 3 / 87 ، والاشتقاق ص 477.
إذا تقوم يضوع المسك أصورة
والعنبر الورد من أردانها شمل (1)
فقيل له : (صوار) لأنه (فعال) من صاره يصوره إذا عطفه وثناه ؛ قال الله سبحانه (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) [البقرة : 260] وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسّة من يشمّه إليه ، وليس من خبائث الأرواح فيعرض عنه ، وينحرف إلى شقّ غيره ؛ ألا ترى إلى قوله :
ولو أنّ ركبا يمّموك لقادهم
نسيمك حتى يستدلّ بك الركب
وكذا تجد أيضا معنى المسك. وذلك أنه (فعل) من أمسكت الشىء ، كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسّة عليه ، ولا يعدل بها صاحبها عنه. ومنه عندى قولهم للجلد : (المسك) هو فعل من هذا الموضع ، ألا ترى أنه يمسك ما تحته من جسم الإنسان وغيره من الحيوان. ولو لا الجلد لم يتماسك ما فى الجسم : من اللحم ، والشحم والدم وبقيّة الأمشاج وغيرها.
فقولهم إذا : مسك يلاقى معناه معنى الصّوار ، وإن كانا من أصلين مختلفين ، وبناءين متباينين : أحدهما (م س ك) والآخر (ص ور) كما أن الخليقة من (خ ل ق) والسجيّة من (س ج و) والطبيعة من (ط ب ع) والنحيتة من (ن ح ت) والغريزة من (غ ر ز) والسليقة من (س ل ق) والضريبة من (ض ر ب) والسجيحة من (س ج ح) والسرجوجة والسرجيجة من (س ر ج) والنجار من (ن ج ر) والمرن من (م ر ن). فالأصول مختلفة ، والأمثلة متعادية (2)، والمعانى مع ذينك متلاقية.
ومن ذلك قولهم : صبىّ وصبيّة ، وطفل وطفلة ، وغلام وجارية ؛ وكله للّين والانجذاب وترك الشدّة والاعتياص. وذلك أن صبيا من صبوت إلى الشىء إذا ملت إليه ولم تستعصم دونه. وكذلك الطّفل : هو من لفظ طفّلت الشمس للغروب
أى مالت إليه وانجذبت نحوه ؛ ألا ترى إلى قول العجّاج :
يصف ضعفها وإكبابها. وقد جاء به بعض المولّدين فقال :
وقد وضعت خدّا إلى الأرض أضرعا (2)
ولاحظت النوار وهن مريضة*
وقبله فى وصف الشمس :
وقد رنّقت شمس الأصيل ونفضت
على الأفق الغربى ورسا مزعزعا
وودعت الدنيا لتقضى نحبها
وشوّل باقى عمرها فتشعشعا (نجار).
*ومنه قيل : فلان طفيلىّ ؛ وذلك أنه يميل إلى الطعام. وعلى هذا قالوا له : غلام ؛ لأنه من الغلمة وهى اللين وضعفة العصمة. وكذلك قالوا : جارية. فهى فاعلة من جرى الماء وغيره ؛ ألا ترى أنهم يقولون : إنها غضّة [بضّة] رطبة ، ولذلك قالوا : قد علاها ماء الشباب ؛ قال عمر :
وهى مكنونة تحيّر منها
فى أديم الخدّين ماء الشباب
وذلك أن الطفل والصّبىّ والغلام والجارية ليست لهم عصمة الشيوخ ولا جسأة الكهول. وسألت بعض بنى عقيل عن قول الحمصىّ :
لم تبل جدّة سمرهم سمر ولم
تسم السّموم لأدمهنّ أديما
فقال : هن بمائهنّ كما خلقنه. فإذا اشتدّ الغلام شيئا قيل حرور. وهو (فعوّل) من اللبن الحازر إذا اشتدّ للحموضة ؛ قال العجلىّ :
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 2 / 228 - 229 ، ولسان العرب (دنف) ، (زحلف) ، (سدف) ، وتهذيب اللغة 5 / 325 ، 12 / 367 ، 14 / 137 ، وتاج العروس (دنف) ، (زحلف) ، (سدف) ، وجمهرة اللغة ص 679 ، ومقاييس اللغة 2 / 304 ، ومجمل اللغة 2 / 293 ، وأساس البلاغة (دنف) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 274 ، وكتاب العين 6 / 288 ، 8 / 48 ، والمخصص 9 / 25 ، 17 / 31 ، ولسان العرب (خشف).
أى حين اصفرت. أراد عند غروبها تظهر كأنها مريضة. انظر اللسان.
2) صدره :
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (حزر) ، وجمهرة اللغة ص 483 ، وتاج العروس (حزر).
وقال :
وكأنهم زادوا الواو وشدّدوها لتشديد معنى القوّة ؛ كما قالوا للسيّئ الخلق : عذوّر ، فضاعفوا الواو الزائدة لذلك ؛ قال.
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا
على الحىّ حتى تستقلّ مراجله (2)
ومنه رجل كروّس ؛ للصلب الرأس ، وسفر عطوّد ؛ للشديد ؛ قال :
إذا جشمن قذفا عطوّدا
رمين بالطّرف مداه الأبعدا (3)
ومثل الأول : قولهم : غلام رطل وجارية رطلة للينها وهو من قولهم رطّل شعره إذا أطاله فاسترخى ومنه عندى الرطل الذى يوزن به. وذلك أن الغرض فى الأوزان أن تميل أبدا إلى أن يعادلها الموزون بها. ولهذا قيل لها : مثاقيل فهى مفاعيل من الثّقل ، والشىء إذا ثقل استرسل وارجحنّ ، فكان ضدّ الطائش الخفيف.
فهذا ونحوه من خصائص هذه اللغة الشريفة اللطيفة. وإنما يسمع الناس هذه الألفاظ فتكون الفائدة عندهم منها إنما هى علم معنيّاتها. فأمّا كيف ، ومن أين فهو ما نحن عليه. وأحج به أن يكون عند كثير منهم نيّفا لا يحتاج إليه ، وفضلا غيره أولى منه.
ومن ذلك أيضا قالوا : ناقة ؛ كما قالوا : جمل. وقالوا (ما بها) دبيّج ؛ كما قالوا : تناسل عليه الوشاء (4). والتقاء معانيهما أن الناقة كانت عندهم مما يتحسّنون به ويتباهون بملكه ، فهى (فعلة) من قولهم : تنوّقت فى الشىء إذا أحكمته
1) عجز بيت من الكامل ، وهو للنابغة الذبيانى فى ديوانه ص 97 ، ولسان العرب (حزر) ، وتهذيب اللغة 4 / 357 ، وتاج العروس (حزر) ، (حصف).
2) البيت من الطويل ، وهو لزينب بنت الطثرية فى لسان العرب (عذر) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 167 ، وجمهرة اللغة ص 62 ، وتاج العروس (عذر) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (ضيف) ، (عدل) ، وأساس البلاغة (عذر) ، ومقاييس اللغة 4 / 256 ، ومجمل اللغة 3 / 461.
3) يصف إبلا. ويريد بالقذف : الفلاة البعيدة.
4) الوشاء : هو فى الأصل كثرة المال أى الإبل والنعم. ويراد به هنا المال نفسه.
وتخيرته ؛ قال ذو الرمّة :
... تنوقت
به حضرميّات الأكفّ الحوائك (1)
وعلى هذا قالوا : (جمل) لأن هذا (فعل) من الجمال ؛ كما أن تلك (فعلة) من تنوقت - وأجود اللغتين تأنّقت - قال الله سبحانه : (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [النحل : 6]. وقولهم : (ما بها دبّيج) هو (فعّيل) من لفظ الديباج ومعناه. وذلك أن الناس بهم العمارة وحسن الآثار ، وعلى أيديهم يتمّ الأنس وطيب الديار. ولذلك قيل لهم : ناس لأنه فى الأصل أناس ، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. فهو (فعال) من الأنس ؛ قال :
أناس لا يملّون المنايا
إذا دارت رحى الحرب الزّبون (2)
وقال :
أناس عدا علّقت فيهم وليتنى
طلبت الهوى فى رأس ذى زلق أشم (3)
وكما اشتقّوا دبيجا من الديباج ؛ كذلك اشتقّوا الوشاء من الوشى ؛ فهو (فعال) منه. وذلك أن المال يشى الأرض ويحسّنها. (وعلى ذلك قالوا : الغنم لأنه من الغنيمة ؛ كما قالوا لها : الخيل ؛ لأنها فعل من الاختيال وكلّ ذلك مستحبّ).
أفلا ترى إلى تتالى هذه المعانى وتلاحظها ، وتقابلها وتناظرها ؛ وهى التنوّق ، والجمال ، والأنس ، والديباج ، والوشى ، والغنيمة ، [والاختيال. ولذلك قالوا : البقر ؛ من بقرت بطنه أى شققته ؛ فهو إلى السعة والفسحة ، وضدّ الضيق والضّغطة].
1) البيت من الطويل ، وهو لذى الرمة فى تتمة ديوانه ص 1714 ، ولسان العرب (نوق) ، وتاج العروس (نوق) ، (حاك).
2) البيتان من الوافر ، وهما لأبى الغول الطهوىّ فى أمالى القالى 1 / 260 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 39 ، 40 ، وشرح المفصل 5 / 55.
3) الأبيات من الطويل ، وهى لعمرو بن شأس فى شرح أبيات سيبويه 1 / 453 - 454 ، والكتاب 2 / 151.
فإن قلت : فإنّ الشاة من قولهم : رجل أشوه ، وامرأة شوهاء ؛ للقبيحين. وهذا ضدّ الأول ؛ ففيه جوابان : أحدهما أن تكون الشاة جرت مجرى القلب لدفع العين عنها لحسها ؛ كما يقال فى استحسان الشىء : قاتله الله ؛ كقوله :
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى
وفى الشنب من أنيابها بالقوادح (1)
وهو كثير. والآخر أن يكون من باب السلب ؛ كأنه سلب القبح منها ؛ كما قيل للحرم : نالة. ولخشبة الصرار تودية (2)؛ ولجوّ السماء السّكاك.
ومنه تحوّب وتأثّم ؛ أى ترك الحوب والإثم.
وهو باب واسع ؛ وقد كتبنا منه فى هذا الكتاب ما ستراه بإذن الله تعالى. وأهل اللغة يسمعون هذا فيرونه ساذجا غفلا ، ولا يحسنون لما نحن فيه من حديثه فرعا ولا أصلا.
ومن ذلك قولهم : الفضّة ؛ سمّيت بذلك لانفضاض أجزائها ، وتفرّقها فى تراب معدنها ، كذا أصلها وإن كانت فيما بعد قد تصفّى وتهدّب وتسبك. وقيل لها فضّة ، كما قيل لها لجين. وذلك لأنها ما دامت فى تراب معدنها فهى ملتزقة (فى التراب) متلجّنة به ؛ قال الشمّاخ :
وماء قد وردت أميم طام
عليه الطير كالورق اللجين (3)
1) البيت من الطويل ، وهو لجميل بثينة فى ديوانه ص 53 ، والأغانى 8 / 104 ، وأمالى المرتضى 2 / 157 ، وخزانة الأدب 5 / 217 ، 219 ، 6 / 398 ، 400 ، 403 ، وسمط اللآلى ص 736 ، ولسان العرب (نيب) ، (قدح) ، (عين) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 504. الشنب : جمع أشنب ؛ من الشنب وهو رقة الأسنان وعذوبتها. والقوادح جمع القادح ، وهو السواد يظهر فى الأسنان.
2) هى خشبة تشد على أطباء الناقة لئلا يرضعها الفصيل. وكأنه يريد من بنائها على السلب أن الغرض من التودية منع الودى ، وهو السيلان يقال ودى : سال ، أى أن التودية تحول دون ودى اللبن.
3) البيت من الوافر ، وهو للشماخ ، فى ديوانه ص 320 ، ولسان العرب (لجن) ، وتهذيب اللغة 11 / 80 ، والمخصص 10 / 224 ، وأساس البلاغة (لجن) ، وتاج العروس (لجن) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 492 ، ومجمل اللغة 4 / 267 ، ومقاييس اللغة 5 / 235 ، وديوان الأدب 1 / 424.
أى المتلزق المتلجّن ، وينبغى أن يكونوا إنما ألزموا هذا الاسم التحقير لاستصغار معناه ما دام فى تراب معدنه. ويشهد عندك بهذا المعنى قولهم فى مراسله (الذهب) وذلك لأنه ما دام كذلك غير مصفّى فهو كالذاهب ؛ لأن ما فيه من التراب كالمستهلك له ، أو لأنه لمّا قلّ فى الدنيا فلم يوجد إلا عزيزا صار كأنه مفقود ذاهب ؛ ألا ترى أن الشىء إذا قلّ قارب الانتفاء. وعلى ذلك قالت العرب : قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد بالرفع ؛ لأنهم أجروه مجرى ما يقول ذاك أحد إلا زيد.
وعلى نحو من هذا قالوا : قلّما يقوم زيد ؛ فكفّوا (قل) ب- (ما) عن اقتضائها الفاعل ، وجاز عندهم إخلاء الفعل من الفاعل لما دخله من مشابهة حرف النفى ؛ كما بقّوا المبتدأ بلا خبر فى نحو هذا من قولهم : أقلّ امرأتين تقولان ذلك ، لمّا ضارع المبتدأ حرف النفى. أفلا ترى إلى أنسهم باستعمال القلّة مقارنة للانتفاء.
فكذلك لمّا قلّ هذا الجوهر فى الدنيا أخذوا له اسما من الذهاب الذى هو الهلاك.
ولأجل هذا أيضا سمّوه (تبرا) لأنه (فعل) من التبار. ولا يقال له (تبر) حتى يكون فى تراب معدنه ، أو مكسورا.
ولهذا قالوا للجام من الفضّة (الغرب) ، وهو (فعل) من الشىء الغريب ؛ وذلك أنه ليس فى العادة والعرف استعمال الآنية من الفضّة ، فلمّا استعمل ذلك فى بعض الأحوال كان عزيزا غريبا. هذا قول أبى إسحاق. وإن شئت جذبته إلى ما كنّا عليه فقلت : إنّ هذا الجوهر غريب من بين الجواهر لنفاسته وشرفه ؛ ألا تراهم إذا أثنوا على إنسان قالوا : هو وحيد فى وقته ، وغريب فى زمانه ، ومنقطع النظير ، ونسيج وحده. ومنه قول الطائىّ الكبير:
غرّبته العلا على كثرة النا
س فأضحى فى الأقربين جنيبا
فليطل عمره فلو مات فى مر
ومقيما بها لمات غريبا (1)
وقول شاعرنا :
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرنى
ولا أعاتبه صفحا وإهوانا
1) جنيبا : أى غريبا. والبيتان من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغرى. وهى فى الديوان. (نجار).
وهكذا كنت فى أهلى وفى وطنى
إن النفيس عزيز حيثما كانا
ويدلّك على أنهم قد تصوّروا هذا الموضع من امتزاجه بتراب معدنه أنهم إذا صفّوه وهذّبوه أخذوا له اسما من ذلك المعنى ، فقالوا له : الخلاص ، والإبريز ، والعقيان. فالخلاص فعال من تخلّص ، والإبريز إفعيل من برز يبرز ، والعقيان فعلان من عقى الصبىّ يعقى ، وهو أول ما ينجيه عند سقوطه من بطن أمّه قبل أن يأكل ، وهو العقى. فقيل له ذلك لبروزه ؛ كما قيل له البراز.
فالتأتى والتلطّف فى جميع هذه الأشياء وضمّها ، وملاءمة ذات بينها هو (خاصّ اللغة) وسرّها ، وطلاوتها الرائقة وجوهرها. فأمّا حفظها ساذجة ، وقمشها محطوبة هرجة (1)فنعوذ بالله منه ، ونرغب بما آتاناه سبحانه عنه.
وقال أبو علىّ رحمهالله : قيل له حبىّ كما قيل له سحاب. تفسيره أن حبيّا (فعيل) من حبا يحبو. وكأن السحاب لثقله يحبو حبوا ؛ كما قيل له سحاب وهو (فعال) من سحب ؛ لأنه يسحب أهدابه. وقد جاء بكليهما شعر العرب ؛ قالت امرأة :
وأقبل يزحف زحف الكسير
سياق الرعاء البطاء العشارا (2)
وقال أوس :
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه
يكاد يدفعه من قام بالراح (3)
وقالت صبية منهم لأبيها فتجاوزت ذلك :
أناخ بذى نفر بركة
كأنّ على عضديه كتافا (4)
1) الهرج : الضعيف.
2) البيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (حبا) ، وتاج العروس (حبا).
3) البيت من البسيط ، وهو لأوس بن حجر فى ديوانه ص 15 ، والأغانى 9 / 44 ، والخصائص 2 / 126 ، والشعر والشعراء 1 / 213 ، ولعبيد بن الأبرص فى ديوانه ص 53 ، وجمهرة اللغة ص 134 ، والحماسة الشجرية 2 / 770 ، وسمط اللآلى ص 441 ، ولسان العرب (هدب) ، ولأوس أو لعبيد فى الحيوان 6 / 132 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 423.
4) البيت من المتقارب وهو لسحيم عبد بنى الحسحاس فى ديوانه ص 48 ، ومعجم ما استعجم ص 263 (ذو بقر) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (كتف) (حبا) ، وتاج العروس (كتف) ، (حبا).
وقال [أبوهم] :
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه
نزول اليمانى ذى العياب المحمّل (1)
قال : ومن ذلك قولهم فى أسماء الحاجة : الحاجة ، والحوجاء ، واللوجاء والإرب ، والإربة ، والمأربة ، واللّبانة - والتّلاوة بقيّة الحاجة ، والتليّة أيضا - والأشكلة ؛ والشهلاء ؛ قال [الشاعر] :
لم أقض حين ارتحلوا شهلائى
من الكعاب الطفلة الغيداء (2)
وأنت تجد مع ذلك من اختلاف أصولها ومبانيها جميعها [راجعا] إلى موضع واحد ، ومخطوما بمعنى لا يختلف ، وهو الإقامة على الشىء والتشبّث به. وذلك أن صاحب الحاجة كلف بها ، ملازم للفكر فيها ، مقيم على تنجّزها واستحثاثها ؛ قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «حبّك الشىء يعمى ويصمّ» (3). وقال المولّد :
صاحب الحاجة أعمى
لا يرى إلا قضاها
وتفسير ذلك أن الحاج شجر له شوك ، وما كانت هذه سبيله فهو متشبّث بالأشياء ، فأىّ شيء مرّ عليه اعتاقه وتشبّث به. فسمّيت الحاجة تشبيها بالشجرة ذات الشوك. أى أنا مقيم عليها ، متمسّك بقضائها ، كهذه الشجرة فى اجتذابها ما مرّ بها ، وقرب منها. والحوجاء منها ، وعنها تصرّف الفعل : احتاج يحتاج احتياجا ، وأحوج يحوج ؛ وحاج يحوج ، فهو حائج.
واللوجاء من قولهم : لجت الشىء ألوجه لوجا ، إذا أدرته فى فيك. والتقاؤهما أن الحاجة متردّدة على الفكر ، ذاهبة جائية إلى أن تقضى ؛ كما أن الشىء إذا تردّد
1) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 25 ، وتهذيب اللغة 1 / 119 ، وجمهرة اللغة ص 1001 ، ومقاييس اللغة 1 / 184 ، وتاج العروس (غبط) ، (بعع) ، ولسان العرب (بعع). صحراء الغبيط : موضع. البعاع : السحاب المثقل بالماء.
2) الرجز بلا نسبة فى تهذيب اللغة 6 / 84 ، وجمهرة اللغة ص 881 ، 1157 ، والاشتقاق ص 443 ، 524 ، والمخصص 12 / 223 ، ولسان العرب (شهل) ، وتاج العروس (شهل).
3) «ضعيف» أخرجه أحمد والبخارى فى تاريخه وأبو داود عن أبى الدرداء ، وانظر ضعيف الجامع (2687).
فى الفم فإنه لا يزال كذلك إلى أن يسيغه الإنسان أو يلفظه.
والإرب ، والإربة ، والمأربة كله من الأربة وهى العقدة ، وعقد مؤرّب ، إذا شدّد. وأنشد أبو العباس لكناز بن نفيع يقوله لجرير :
غضبت علينا أن علاك ابن غالب
فهلّا على جدّيك إذ ذاك تغضب!
هما حين يسعى المرء مسعاة جدّه
أناخا فشدّاك ؛ العقال المؤرّب! (1)
والحاجة معقودة بنفس الإنسان ، متردّدة على فكره.
واللّبانة من قولهم : تلبن بالمكان إذا أقام به ولزمه. وهذا هو المعنى عينه.
والتّلاوة والتليّة من تلوت الشىء إذا قفوته واتّبعته لتدركه. ومنه قوله :
الله بينى وبين قيّمها
يفرّ منّى بها وأتّبع (2)
كأن لبنى صبير غادية
أو دمية زينت بها البيع
والصبير : السحاب الأبيض. والغادية : السحابة تجيء وقت الغداة. (نجار).
والأشكلة كذلك ؛ كأنها من الشكال (3)، أى طالب الحاجة مقيم عليها ، كأنها شكال له ، ومانعة من تصرّفه وانصرافه عنها. ومنه الأشكل من الألوان : الذى خالطت حمرته بياضه ، فكأن كل واحد من اللونين اعتاق صاحبه أن يصحّ ويصفو لونه.
والشهلاء كذلك ؛ لأنها من المشاهلة وهى مراجعة القول ؛ قال :
1) البيتان من الطويل ، وهو لكناز بن نفيع فى تاج العروس (أرب) ، ولسان العرب (أرب) ، ولكناز بن ربيعة أو أخيه ربعى بن ربيعة فى لسان العرب (أهل). يريد بابن غالب : الفرزدق ، ويريد بالمرء : الفرزدق أو هو المرء غير مخصص. يقول : إذا سعى الفرزدق فى المكارم مسعاة جده قعد بك جداك عن سبل العلا فهما ينيخانك ويشدانك : يعقلانك عن السير ، ثم قال : العقال المؤرب : أى هذا هو العقال حقا. فقوله العقال خبر لمبتدإ محذوف كما ترى. ويرى المبرد أن العقال بدل من الضمير فى شداك بدل اشتمال. وانظر معجم الشعراء للمرزبانى 353. (نجار).
2) أى الأحوص الأنصارى. وانظر الأغانى 4 / 49 طبعة بولاق ، وشعراء ابن قتيبة 500. وقبل البيت :
3) الشكال : هو حبل يوثق به يد الدابة ورجلها.
قد كان فيما بيننا مشاهله
ثم تولّت وهى تمشى البأدلة
البأدلة : أن تحرّك فى مشيها بآدلها ، وهى لحم صدرها. وهى مشية القصار من النساء.
فقد ترى إلى ترامى هذه الأصول والميل بمعانيها إلى موضع واحد.
ومن ذلك ما جاء عنهم فى الرجل الحافظ للمال ، الحسن الرعية له والقيام عليه.
يقال : هو خال مال ، وخائل مال ، وصدى مال ، وسرسور مال ، وسؤبان مال ، ومحجن مال (وإزاء مال) وبلو مال ، وحبل مال ، (وعسل مال) وزرّ مال. وجميع ذلك راجع إلى الحفظ لها ، والمعرفة بها.
فخال مال يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون صفة على (فعل) كبطل وحسن ، أو (فعل) ككبش صاف ورجل مال. ويجوز أن يكون محذوفا من فاعل ؛ كقوله :
فأمّا خائل مال ففاعل لا محالة. وكلاهما من قوله : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتخوّلنا بالموعظة ، أى يتعهّدنا بها شيئا فشيئا ويراعينا. قال أبو على : هو من قولهم تساقطوا أخول أخول أى شيئا بعد شيء. وأنشدنا :
يساقط عنه روقه ضارياتها
سقاط حديد القين أخول أخولا (2)
فكأنّ هذا الرجل يرعى ماله ، ويتعهّده ، حفظا له وشحّا عليه.
وأما صدى مال ، فإنه يعارضها من هاهنا وهاهنا ، ولا يهملها ولا يضيع أمرها -
1) لاث : أصله لائث من لاث النبات : التف وكثر. الأشاء : صغار النخل. والعبرى : ما ينبت من شجر الضال على شطوط الأنهار.
2) البيت من الطويل ، وهو لضابئ بن الحارث فى الخصائص 3 / 290 ، والدرر 4 / 34 ، والشعر والشعراء 21 / 359 ، ولسان العرب (سقط) ، (خول) ، والمحتسب 2 / 41 ، ونوادر أبى زيد ص 145 ، وتاج العروس (خول) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 621 ، وشرح شذور الذهب ص 98 ، والمحتسب 1 / 86 ، وهمع الهوامع 1 / 249. الروق : القرن. حديد القين : الشرار. ضارياتها : الضارى من الكلاب. هذا فى وصف الضوء يردع عنه الكلاب.
ومنه الصدى لما يعارض الصوت. ومنه قراءة الحسن رضى الله عنه (صاد والقرآن) وكان يفسّره : عارض القرآن بعملك ، أى قابل كلّ واحد منهما بصاحبه - [قال العجلىّ :
يأتى لها من أيمن وأشمل (1)
الحمد لله الوهوب المجزل*
(نجار).
*] وكذلك سرسور مال ، أى عارف بأسرار المال ، فلا يخفى عنه شيء من أمره.
ولست أقول كما يقول الكوفيّون - وأبو بكر معهم - : إن سرسورا من لفظ السرّ ، لكنه قريب من لفظه ومعناه ، بمنزلة عين ثرّة وثرثارة. وقد تقدّم ذكر ذلك.
وكذلك سوبان مال ؛ هو (فعلان) من السّأب ، وهو الزقّ للشراب ؛ قال الشاعر:
إذا ذقت فاها قلت علق مدمّس
أريد به قيل فغودر فى ساب (2)
والتقاؤهما أن الزقّ إنما وضع لحفظ ما فيه ، فكذلك هذا الراعى يحفظ المال ويحتاط عليه احتياط الزقّ على ما فيه.
وكذلك محجن مال ، هو (مفعل) من احتجنت الشىء إذا حفظته وادّخرته.
وكذلك إزاء مال ، هو (فعال) من أزى الشىء يأزى إذا تقبّض واجتمع ؛ قال :
ظلّ لها يوم من الشّعرى أزى (3)
نعوذ منه بزرانيق الركى*
وزرانيق الركى : أبنية تبنى على جوانب الآبار ، وعلى البئر زرنوقان يعلق عليهما البكرة. وانظر اللسان (أزى) ، ومجالس ثعلب 614. (نجار).
*أى يغمّ الأنفاس ويضيّقها لشدة الحرّ. وكذلك هذا الراعى يشحّ عليها ويمنع
1) زيادة فى ش ، ب خلت منها أ. وفى ج : «قال العجلى يصف الراعى : يأتى بها من أيمن وأشمل». والعجلى هو أبو النجم. وهذا فى أرجوزته الطويلة التى أولها :
2) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (سأب) ، (دمس) ، (علق) ، ومقاييس اللغة 4 / 128 ، ومجمل اللغة 3 / 405 ، وكتاب العين 7 / 234 ، والمخصص 11 / 81 ، وتهذيب اللغة 12 / 379 ، 13 / 104 ، وجمهرة اللغة ص 648 ، وتاج العروس (سأب) ، (دمس).
3) قائله من باهلة. وعجزه :
من تسرّبها. وأنشد أبو علىّ عن أبى بكر لعمارة :
هذا الزمان مولّ خيره آزى
صارت رءوس به أذناب أعجاز
وكذلك بلو مال ، أى هو بمعرفته به قد بلاه واختبره ؛ قال الله سبحانه : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ) [محمد : 31] قال عمر بن لحأ :
فصادفت أعصل من أبلائها
يعجبه النزع على ظمائها (1)
وكذلك حبل مال ، كأنه يضبطها ؛ كما يضبطها الحبل يشدّ به. ومنه الحبل : الداهية من الرجال ؛ لأنه يضبط الأمور ويحيط بها.
وكذلك عسل مال ؛ لأنه يأتيها ويعسل إليها من كلّ مكان ، ومنه الذئب العسول ؛ ألا ترى أنه إنما سمى ذئبا لتذاؤبه وخبثه ، ومجيئه تارة من هنا ، ومرة من هنا.
وكذلك زرّ مال : أى يجمعه ويضبطه ؛ كما يضبط الزرّ [الشىء] المزرور.
فهذه الأصول وهذه الصّيغ على اختلاف الجميع مرتمية إلى موضع واحد على ما ترى.
ومن ذلك قولهم للدم : الجديّة ، والبصيرة. فالدم من الدمية لفظا ومعنى.
وذلك أن الدمية إنما هى للعين والبصر ، وإذا شوهدت فكأن ما هى صورته مشاهد بها ، وغير غائب مع حضورها ، فهى تصف حال ما بعد عنك. وهذا هو الغرض فى هذه الصّور المرسومة للمشاهدة. وتلك عندهم حال الدم ؛ ألا ترى أن الرميّة إذا غابت عن الرامى استدلّ عليها بدمها فاتبعه حتى يؤدّيه إليها. ويؤكّد ذلك لك قولهم فيه (البصيرة) وذلك أنها [إذا] أبصرت أدّت إلى المرمىّ الجريح. ولذلك أيضا قالوا له (الجديّة) لأنه يجدى على الطالب للرميّة ما يبغيه منها. ولو لم ير
1) الرجز لعمر بن لجأ التيمى فى ديوانه ص 151 ، ولسان العرب (بلا) ، وتاج العروس (بلى) ، وبلا نسبة فى المخصص 7 / 82. يتحدث عن إبل سقاها. والأعصل : اليابس البدن. والنزع : نزع الدلو من البئر.
الدم لم يستدل عليها ، ولا عرف موضعها ؛ قال صلىاللهعليهوسلم : «كل ما أصميت ودع ما أنميت» (1).
وهذا مذهب فى هذه اللغة طريف ، غريب لطيف. وهو فقهها ، وجامع معانيها ، وضامّ نشرها. وقد هممت غير دفعة أن أنشئ فى ذلك كتابا أتقصّى فيه أكثرها ، والوقت يضيق دونه. ولعله لو خرج لما أقنعه ألف ورقة إلا على اختصار وإيماء. وكان أبو على رحمهالله يستحسن هذا الموضع جدّا ، وينبّه عليه ، ويسرّ بما يحضره خاطره منه. وهذا باب إنما يجمع بين بعضه وبعض من طريق المعانى مجرّدة من الألفاظ ، وليس كالاشتقاق الذى هو من لفظ واحد ، فكأن بعضه منبهة على بعض. وهذا إنما يعتنق فيه الفكر المعانى غير منبهتة عليها الألفاظ. فهو أشرف الصنعتين ، وأعلى المأخذين. فتفطّن له ، وتأنّ لجمعه ؛ فإنه يؤنقك ويفئ عليك ، ويبسط ما تجعّد من خاطرك ، ويريك من حكم البارى - عزّ اسمه ما تقف تحته ، وتسلّم لعظم الصنعة فيه ، وما أودعته أحضانه ونواحيه.
1) أورده الهيثمى فى «المجمع» (4 / 162) ، وقال : «رواه الطبرانى فى الأوسط ، وفيه عبادة بن زياد - بفتح العين - وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه موسى بن هارون وغيره».
هذا موضع لم يسمّه أحد من أصحابنا ؛ غير أن أبا على - رحمهالله - كان يستعين به ، ويخلد إليه ، مع إعواز الاشتقاق الأصغر. لكنه مع هذا لم يسمّه ، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ، ويستروح إليه ، ويتعلّل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن. وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن. وذلك أن الاشتقاق عندى على ضربين : كبير وصغير.
فالصغير ما فى أيدى الناس وكتبهم ؛ كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقرّأه فتجمع بين معانيه ، وإن اختلفت صيغه ومبانيه. وذلك كتركيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة فى تصرّفه ؛ نحو سلم ويسلم ، وسالم ، وسلمان ، وسلمى والسلامة ، والسليم : اللديغ ؛ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة. وعلى ذلك بقيّة الباب إذا تأوّلته ، وبقيّة الأصول غيره ؛ كتركيب (ض ر ب) و (ج ل س) و (ز ب ل) على ما فى أيدى الناس من ذلك. فهذا هو الاشتقاق الأصغر. وقد قدّم أبو بكر - رحمهالله - رسالته فيه بما أغنى عن إعادته ؛ لأن أبا بكر لم يأل فيه نصحا ، وإحكاما ، وصنعة وتأنيسا.
وأمّا الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية ، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا ، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وإن تباعد شيء من ذلك [عنه] ردّ بلطف الصنعة والتأويل إليه ؛ كما يفعل الاشتقاقيون ذلك فى التركيب الواحد. وقد كنا قدّمنا ذكر طرف من هذا الضرب من الاشتقاق فى أوّل هذا الكتاب عند ذكرنا أصل الكلام والقول وما يجيء من تقليب تراكيبهما ؛ نحو (ك ل م) (ك م ل) (م ك ل) (م ل ك) (ل ك م) (ل م ك) ، وكذلك (ق ول) (ق ل و) (وق ل) (ول ق) (ل ق و) (ل وق) ، وهذا أعوص مذهبا ، وأحزن مضطربا. وذلك أنا عقدنا تقاليب الكلام الستة على القوّة والشدّة ، وتقاليب القول الستّة على الإسراع والخفّة. وقد مضى ذلك فى صدر الكتاب.
لكن بقى علينا (أن نحضر هنا) مما يتّصل به أحرفا ، تؤنّس بالأوّل ، وتشجّع منه المتأمّل.
فمن ذلك تقليب (ج ب ر) فهى - أين وقعت - للقوّة والشدّة. منها (جبرت العظم ، والفقير) إذا قوّيتهما وشددت منهما ، والجبر : الملك لقوّته وتقويته لغيره.
ومنها (رجل مجرّب) إذا جرّسته الأمور ونجّذته ، فقويت منّته ، واشتدّت شكيمته.
ومنه الجراب لأنه يحفظ ما فيه ، وإذا حفظ الشىء وروعى اشتدّ وقوى ، وإذا أغفل وأهمل تساقط ورذى (1). ومنها (الأبجر والبجرة) وهو القوىّ السرّة. ومنه قول علىّ صلوات الله عليه : إلى الله أشكو عجرى وبجرى ، تأويله : همومى وأحزانى ، وطريقه أن العجرة كلّ عقدة فى الجسد ؛ فإذا كانت فى البطن والسرّة فهى البجرة [والبجرة] تأويله أنّ السرّة غلظت ونتأت فاشتدّ مسّها وأمرها. وفسّر أيضا قوله : عجرى وبجرى ، أى ما أبدى وأخفى من أحوالى. و (منه البرج لقوته فى نفسه وقوة ما يليه) به ، وكذلك البرج لنقاء بياض العين وصفاء سوادها ، هو قوّة أمرها ، وأنه ليس بلون مستضعف ، ومنها رجّبت الرجل إذا عظّمته وقوّيت أمره. ومنه رجب لتعظيمهم إيّاه عن القتال فيه ، وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة ، وهى شيء تسند إليه لتقوى به. والراجبة : أحد فصوص الأصابع ، وهى مقوّية لها. ومنها الرباجىّ وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله ؛ قال :
تأويله أنه يعظّم نفسه ، ويقوّى أمره.
ومن ذلك تراكيب (ق س و) (ق وس) (وق س) (وس ق) (س وق) وأهمل (س ق و) وجميع ذلك إلى القوّة والاجتماع. منها (القسوة) وهى شدّة القلب واجتماعه ؛ ألا ترى إلى قوله :
يا ليت شعرى - والمنى لا تنفع -
هل أغدون يوما وأمرى مجمع (3)
أى قوىّ مجتمع ، ومنها (القوس) لشدّتها ، واجتماع طرفيها. ومنها (الوقس) لابتداء الجرب ، وذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله ، ومنها (الوسق) للحمل ؛ وذلك لاجتماعه وشدّته ، ومنه استوسق الأمر أى اجتمع (وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ) [الانشقاق : 17] أى جمع ، ومنها (السّوق) ، وذلك لأنه استحثاث وجمع للمسوق بعضه إلى بعض ؛ وعليه قال :
فهذا كقولك : مجتمعات لو يجدن جامعا.
فإن شدّ شيء من شعب هذه الأصول عن عقده ظاهرا ردّ بالتأويل إليه ، وعطف بالملاطفة عليه. بل إذا كان هذا قد يعرض فى الأصل الواحد حتى يحتاج فيه إلى ما قلناه ، كان فيما انتشرت أصوله بالتقديم والتأخير أولى باحتماله ، وأجدر بالتأوّل له.
ومن ذلك تقليب (س م ل) (س ل م) (م س ل) (م ل س) (ل م س) (ل س م) والمعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة. ومنها الثوب (السّمل) وهو الخلق. وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر ما على الجديد. فاليد إذا مرّت عليه للّمس لم يستوقفها عنه جدّة المنسج ، ولا خشنة الملمس. والسمل : الماء القليل ؛ كأنه شيء قد أخلق وضعف عن قوّة المضطرب ، وجمّة المرتكض ؛ ولذلك قال :
حوضا كأنّ ماءه إذا عسل
من آخر الليل رويزيّ سمل (2)
وقال آخر :
ورّاد أسمال المياه السدم
فى أخريات الغبش المغمّ (3)
1) الرجز للعجاج فى ملحق ديوانه 2 / 307 ، وتاج العروس (وسق) ، ولسان العرب (وسق) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 9 / 235 ، وديوان الأدب 3 / 283 ، ولسان العرب (وسق).
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (غضض) ، (عسل) ، وتاج العروس (غضض) ، وجمهرة اللغة ص 1260 ، وكتاب العين 1 / 333 ، والمخصص 4 / 93 ، ومقاييس اللغة 4 / 314 ، وأساس البلاغة (عسل) ، وتاج العروس (عسل).
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (سدم) ، (غمم) ، وتاج العروس (سدم) ، (غمم). - السدم : المندفنة الغائرة. والغبش : الظلمة إذ يقبل الصباح. والمغم ذو الغيم أو الذى يضيق الأنفاس من شدة الحر.
ومنها السلامة. وذلك أن السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه ولا يعترض عليها به. ومنها [المسل و] المسل والمسيل كلّه واحد ، وذلك أن الماء لا يجرى إلا فى مذهب له وإمام منقاد به ، ولو صادف حاجزا لاعتاقه فلم يجد متسرّبا معه.
ومنها الأملس والملساء. وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفّح له. ومنها اللمس. وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصحّ هناك لمس ؛ فإنما هو إهواء باليد نحوه ، ووصول منها إليه لا حاجز ولا مانع ، ولا بدّ مع اللمس من إمرار اليد وتحريكها على الملموس ، ولو كان هناك حائل لاستوقفت به عنه. ومنه الملامسة (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [المائدة : 6] أى جامعتم ، وذلك أنه لا بدّ هناك من حركات واعتمال ، وهذا واضح. فأمّا (ل س م) فمهمل. وعلى أنهم قد قالوا : نسمت الريح إذا مرّت مرّا سهلا ضعيفا ، والنون أخت اللام ، وسترى نحو ذلك.
(ومرّ بنا أيضا ألسمت الرجل حجّته إذا لقّنته وألزمته إيّاها. قال :
لا تلسمنّ أبا عمران حجّته
ولا تكونن له عونا على عمرا (1)
فهذا من ذلك ، أى سهلتها وأوضحتها).
واعلم أنا لا ندعى أن هذا مستمرّ فى جميع اللغة ، كما لا ندعى للاشتقاق الأصغر أنه فى جميع اللغة. بل إذا كان ذلك (الذى هو) فى القسمة سدس هذا أو خمسة متعذّرا صعبا كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبا وأعزّ ملتمسا. بل لو صحّ من هذا النحو وهذه الصنعة المادّة الواحدة تتقلّب على ضروب التقلب كان غريبا معجبا. فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ، ويجاريه إلى المدى الأبعد.
وقد رسمت لك منه رسما فاحتذه ، وتقيّله تحظ به ، وتكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله. نعم ، وتسترفده فى بعض الحاجة إليه ، فيعينك ويأخذ بيديك ؛ ألا ترى أن أبا على [رحمهالله] كان يقوّى كون لام (أثفيّة) فيمن جعلها (أفعولة)
1) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى المخصص 12 / 68.
واوا بقولهم : جاء يثفه ، ويقول : [هذا] من الواو لا محالة كيعده. فيرجّح بذلك الواو على الياء التى ساوقتها فى يثفوه ويثفيه. أفلا تراه كيف استعان على لام ثفا بفاء وثف. وإنما ذلك لأنها مادّة واحدة شكّلت على صور مختلفة ، فكأنها لفظة واحدة. وقلت مرة للمتنبئ : أراك تستعمل فى شعرك ذا ، وتا ، وذى كثيرا ، ففكّر شيئا ثم قال : إن هذا الشعر لم يعمل كلّه فى وقت واحد. فقلت له : أجل لكن المادّة واحدة. فأمسك ألبتّة. والشىء يذكر لنظيره ؛ فإن المعانى وإن اختلفت معنيّاتها ، آوية إلى مضجع غير مقضّ ، وآخذ بعضها برقاب بعض.
قد ثبت أن الادغام المألوف المعتاد إنما هو تقريب صوت من صوت. وهو فى الكلام على ضربين : أحدهما أن يلتقى المثلان على الأحكام التى يكون عنها الادغام ، فيدغم الأول فى الآخر.
والأوّل من الحرفين فى ذلك على ضربين : ساكن ومتحرك ؛ فالمدغم الساكن الأصل كطاء قطّع ، وكاف سكّر الأوليين ؛ والمتحرك نحو دال شدّ ، ولام معتلّ.
والآخر أن يلتقى المتقاربان على الأحكام التى يسوغ معها الادغام ، فتقلب أحدهما إلى لفظ صاحبه فتدغمه فيه. وذلك مثل (ودّ) فى اللغة التميمية ، وامّحى ، وامّاز ، واصّبر ، واثّاقل عنه. والمعنى الجامع لهذا كله تقريب الصوت من الصوت ؛ ألا ترى أنك فى قطّع ونحوه قد أخفيت الساكن الأوّل فى الثانى حتى نبا اللسان عنهما نبوة واحدة ، وزالت الوقفة التى كانت تكون فى الأوّل لو لم تدغمه فى الآخر ؛ ألا ترى أنك لو تكلّفت ترك ادّغام الطاء الأولى لتجشّمت لها وقفة عليها تمتاز من شدّة ممازجتها للثانية بها ؛ كقولك قططع وسككر ، وهذا إنما تحكمه المشافهة به. فإن أنت أزلت تلك الوقيفة والفترة على الأول خلطته بالثانى فكان قربه منه (وادّغامه) فيه أشدّ لجذبه إليه وإلحاقه بحكمه. فإن كان الأول من المثلين متحرّكا ثم أسكنته وادّغمته فى الثانى فهو أظهر أمرا ، وأوضح حكما ؛ ألا ترى أنك إنما أسكنته لتخلطه بالثانى وتجذبه إلى مضامّته ومماسّة لفظه بلفظه بزوال الحركة التى كانت حاجزة بينه وبينه. وأمّا إن كانا مختلفين ثم قلبت وادغمت ، فلا إشكال فى إيثار تقريب أحدهما من صاحبه ؛ لأن قلب المتقارب أوكد من تسكين النظير.
فهذا حديث الادغام الأكبر ؛ وأما الادغام الأصغر ، فهو تقريب الحرف من الحرف وإدناؤه منه من غير ادّغام يكون هناك. وهو ضروب.
فمن ذلك الإمالة ، وإنما وقعت فى الكلام لتقريب الصوت من الصوت. وذلك نحو عالم ، وكتاب ، وسعى ، وقضى ، واستقضى ؛ ألا تراك قرّبت فتحة العين من
عالم إلى كسرة اللام منه ، بأن نحوت بالفتحة نحو الكسرة ، فأملت الألف نحو الياء. وكذلك سعى وقضى : نحوت بالألف نحو الياء التى انقلبت عنها. وعليه بقيّة الباب.
ومن ذلك أن تقع فاء افتعل صادا أو ضادا ، أو طاء أو ظاء ، فتقلب لها تاؤه طاء. وذلك نحو اصطبر ، واضطرب ، واطّرد ، واظطلم. فهذا تقريب من غير ادّغام ، فأمّا اطّرد فمن ذا الباب أيضا ، ولكن ادّغامه ورد هاهنا التقاطا لا قصدا.
وذلك أن فاءه طاء ، فلمّا أبدلت تاؤه طاء صادفت الفاء طاء فوجب الادغام ؛ لما اتفق حينئذ ؛ ولو لم يكن هناك طاء لم يكن ادّغام ؛ ألا ترى أن اصطبر واضطرب واظطلم لمّا كان الأول منه غير طاء لم يقع ادّغام ؛ قال :
وأما فيظلم [وفيطّلم] بالظاء والطاء جميعا فادّغام عن قصد لا عن توارد.
فقد عرفت بذلك فرق ما بين اطّرد ، وبين اصّبر ، واظّلم ، واطّلم.
ومن ذلك أن تقع فاء (افتعل) زايا أو دالا أو ذالا ، فتقلب تاؤه لها دالا ؛ كقولهم : ازدان ، وادّعى (وادّكر ، واذدكر) فيما حكاه أبو عمرو.
فأما ادّعى فحديثه حديث اطّرد لا غير فى أنه لم تقلب قصدا للادغام ، لكن قلبت تاء ادّعى دالا ؛ كقلبها فى ازدان ، ثم وافقت فاؤه الدال المبدلة من التاء ، فلم يكن من الادغام بدّ.
وأما اذدكر (فمنزلة بين) ازدان وادّعى. وذلك أنه لما قلب التاء دالا [لوقوع الذال] قبلها صار إلى اذدكر ، فقد كان هذا وجها يقال مثله ، مع أن أبا عمرو قد أثبته وذكره ؛ غير أنه أجريت الذال لقربها من الدال بالجهر مجرى الدال ، فأوثر الادغام لتضام الحرفين فى الجهر فأدغم. فهذه منزلة بين منزلتى ازدان وادّعى.
1) بعض بيت من البسيط ، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص 152 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 219 ، وسمط اللآلى ص 467 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 403 ، وشرح التصريح 2 / 391 ، وشرح شواهد الشافية ص 493 ، وشرح المفصل 10 / 47 ، 149 ، والكتاب 4 / 468 ، ولسان العرب (ظلم) ، والمقاصد النحوية 4 / 582 ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 399 ، وشرح الأشمونى 3 / 873 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 189 ، ولسان العرب (ظنن).
وأما اذّكر فكاسّمع ، واصّبر.
ومن ذلك أن تقع السين قبل الحرف المستعلى فتقرب منه بقلبها صادا على ما هو مبين فى موضعه من باب الادغام. وذلك كقولهم فى سقت : صقت ، وفى السوق : الصوق ، وفى سبقت : صبقت ، وفى سملق (1)وسويق : صملق وصويق ، وفى سالغ (2)وساخط : صالغ وصاخط ، وفى سقر : صقر ، وفى مساليخ : مصاليخ. ومن ذلك قولهم ستّ أصلها سدس ، فقرّبوا السين من الدال بأن قلبوها تاء ، فصارت سدت فهذا تقريب لغير ادّغام ، ثم إنهم فيما بعد أبدلوا الدال تاء لقربها منها ؛ إرادة للإدغام الآن ، فقالوا ستّ. فالتغيير الأوّل للتقريب من غير إدغام ، والتغيير الثانى مقصود به الإدغام.
ومن ذلك تقريب الصوت من الصوت مع حروف الحلق ؛ نحو شعير ، وبعير ، ورغيف. وسمعت الشجرىّ غير مرّة يقول : زئير الأسد ، يريد الزئير. وحكى أبو زيد عنهم : الجنّة لمن خاف وعيد الله. فأمّا مغيرة فليس إتباعه لأجل حرف الحلق ؛ إنما هو من باب منتن ، ومن قولهم أنا أجوؤك وأنبؤك. والقرفصاء ، والسلطان ، وهو منحدر من الجبل ، وحكى سيبويه أيضا منتن ؛ ففيه إذا ثلاث لغات : منتن ، وهو الأصل ، ثم يليه منتن ، وأقلها منتن. فأمّا قول من قال : إنّ منتن من قولهم أنتن ، ومنتن من قولهم نتن الشىء فإن ذلك لكنة منه.
ومن ذلك أيضا قولهم (فعل يفعل) مما عينه أو لامه حرف حلقىّ ، نحو سأل يسأل ، وقرأ يقرأ ، وسعر يسعر ، وقرع يقرع ، وسحل يسحل ، وسبح يسبح. وذلك أنهم ضارعوا بفتحة العين فى المضارع جنس حرف الحلق لمّا كان موضعا منه مخرج الألف التى منها الفتحة.
ومن التقريب قوله الحمد لله ، والحمد لله.
ومنه تقريب الحرف من الحرف ؛ نحو قولهم فى نحو مصدر : مزدر ، وفى التصدير : التزدير. وعليه قول العرب فى المثل (لم يحرم من فزد له) أصله فصد له ، ثم أسكنت العين ، على قولهم فى ضرب : ضرب ، وقوله :
فصار تقديره : فصد له ، فلمّا سكنت الصاد فضعفت به وجاورت الصاد - وهى مهموسة - الدال - وهى مجهورة - قرّبت منها بأن أشمّت شيئا من لفظ الزاى المقاربة للدال بالجهر.
ونحو من ذلك قولهم : مررت بمذعوز وابن بور : فهذا نحو من قيل وغيض لفظا ، وإن اختلفا طريقا.
ومن ذلك إضعاف الحركة لتقرب بذلك من السكون ؛ نحو حيى ، وأحيا ، وأعيا ، فهو - وإن كان مخفى - (بوزنه محركا) ، وشاهد ذاك قبول وزن الشعر له قبوله للمتحرّك ألبتة. وذلك قوله :
فهذا بزنته محقّقا فى قولك : أأن زمّ أجمال. فأمّا روم الحركة فهى وإن كانت من هذه فإنما هى كالإهابة بالساكن نحو الحركة ، وهو لذلك ضرب من المضارعة.
وأخفى منها الإشمام ؛ لأنه للعين لا للأذن. وقد دعاهم إيثار قرب الصوت إلى أن أخلّوا بالإعراب ، فقال بعضهم :
وهذا نحو [من] الحمد لله ، والحمد لله.
وجميع ما هذه حاله مما قرّب فيه الصوت من الصوت جار مجرى الإدغام بما ذكرناه من التقريب. وإنما احتطنا له بهذه السّمة التى هى الإدغام الصغير ؛ لأن فى هذا إيذانا بأن التقريب شامل للموضعين ، وأنه هو المراد المبغىّ فى كلتا الجهتين ، فاعرف ذلك.
1) عجز بيت من الوافر ، وهو للقطامى فى ديوانه ص 143 ، ولسان العرب (نفخ) ، والمنصف 1 / 24 ، وبلا نسبة فى الإنصاف 1 / 125.
2) صدر بيت من الطويل ، وهو لكثير عزة فى ديوانه ص 170 ، وشرح المفصل 9 / 133 ، ولسان العرب (روم) ، والمنصف 2 / 192.
3) الشاهد فيه كسر الميم فى إمك إتباعا لكسر الهمزة. والإمّ لغة فى الأمّ وهذا إخلال بإعراب المبتدأ.
هذا غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به. وأكثر كلام العرب عليه ، وإن كان غفلا مسهوّا عنه. وهو على أضرب :
منها اقتراب الأصلين الثلاثيين ؛ كضيّاط وضيطار ، ولوقة وألوقة ، ورخو ورخودّ ، وينجوج وألنجوج. وقد مضى ذكر ذلك.
ومنها اقتراب الأصلين ، ثلاثيّا أحدهما ، ورباعيّا صاحبه ، أو رباعيّا أحدهما ، وخماسيّا صاحبه ؛ كدمث ودمثر ، وسبط وسبطر ، ولؤلؤ ولآل ، والضبغطى والضبغطرى. ومنه قوله :
وقد مضى هذا [أيضا].
ومنها التقديم والتأخير على ما قلنا فى الباب الذى قبل هذا فى تقليب الأصول ؛ نحو (ك ل م) و (ك م ل) و (م ك ل) ونحو ذلك. وهذا كلّه والحروف واحدة غير متجاورة. لكن من وراء هذا ضرب غيره ، وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعانى. وهذا باب واسع.
من ذلك قول الله سبحانه : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) [مريم : 83] أى تزعجهم وتقلقهم. فهذا فى معنى تهزّهم هزّا ، والهمزة أخت الهاء ؛ فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. وكأنهم خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء ، وهذا المعنى أعظم فى النفوس من الهزّ ؛ لأنك قد تهزّ ما لا بال له ؛ كالجذع وساق الشجرة ، ونحو ذلك.
(ومنه العسف والأسف ؛ والعين أخت الهمزة كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها ، والهمزة أقوى من العين ؛ كما أن أسف النفس أغلظ من [التردّد] بالعسف. فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين).
1) سبق تخريجه.
ومنه القرمة وهى الفقرة تحزّ على أنف البعير. وقريب منه قلّمت أظفارى ؛ لأن هذا انتقاص للظفر ، وذلك انتقاص للجلد. فالراء أخت اللام ؛ والعملان متقاربان. وعليه قالوا فيه : الجرفة ، وهى من (ج ر ف) وهى أخت جلفت القلم ، إذا أخذت جلفته ، وهذا من (ج ل ف) ؛ وقريب منه الجنف وهو الميل ، وإذا جلفت الشىء أو جرفته فقد أملته عمّا كان عليه ، وهذا من (ج ن ف).
ومثله تركيب (ع ل م) فى العلامة والعلم. وقالوا مع ذلك : بيضة عرماء ، وقطيع أعرم ، إذا كان فيهما سواد وبياض ، وإذا وقع ذلك بان أحد اللونين من صاحبه ، فكان كل واحد منهما علما لصاحبه. وهو من (ع ر م) قال أبو وجزة السعدىّ :
ما زلن ينسبن وهنا كلّ صادقة
باتت تباشر عرما غير أزواج
حتى سلكن الشوى منهن فى مسك
من نسل جوّابة الآفاق مهداج (1)
ومن ذلك تركيب (ح م س) و (ح ب س) قالوا : حبست الشىء وحمس الشرّ إذا اشتدّ. والتقاؤهما أن الشيئين إذا حبس أحدهما صاحبه تمانعا وتعازّا ، فكان ذلك كالمشرّ يقع بينهما.
ومنه العلب : الأثر ، والعلم : الشقّ فى الشفة العليا. فذاك من (ع ل ب) وهذا من (ع ل م) والباء أخت الميم ؛ قال طرفة :
كأنّ علوب النسع فى دأياتها
موارد من خلقاء فى ظهر قردد (2)
1) البيتان من البسيط ، وهما لأبى وجزة السعدى فى لسان العرب (هدج) ، (لقح) ، (مسك) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 225 ، 4 / 56 ، 6 / 40 ، وتاج العروس (هدج) ، (لقح) ، وبلا نسبة فى المخصص 4 / 46. الشوى من الدابة اليدان والرجلان. والمسك ما يكون فى رجل الدابة كالخلخال. وجوابة الآفاق المهداج : الريح الحنون. أراد أن الأتن أدخلن قوائمهن فى الماء فصار الماء لأرجلهن وأيديهن كالمسك ، ووصف أن هذا الماء ماء مطر ساقته الريح انظر اللسان (هدج) و (مسك).
2) البيت من الطويل ، وهو لطرفة بن العبد فى ديوانه ص 26 ، ولسان العرب (علب) ، (ورد) ، - (دأى) ، وتهذيب اللغة 14 / 233 ، وتاج العروس (علب) ، (ورد) ، (دأى) ، وبلا نسبة فى المخصص 12 / 41. النسع : سير تشد به الرحال. والدأيات : أضلاع الكتف. والخلقاء : الصخرة الملساء. والقردد : ما ارتفع من الأرض.
ومنه تركيب (ق ر د) و (ق ر ت) قالوا للأرض : قردد ، وتلك نباك تكون فى الأرض ، فهو من قرد الشىء وتقرّد إذا تجمّع ؛ أنشدنا أبو علىّ :
أهوى لها مشقص حشر فشبرقها
وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا (1)
[أى أسمّى الإثمد القرد أذى لها. يعنى عينه] وقالوا : قرت الدم عليه أى جمد ، والتاء أخت الدال كما ترى. فأمّا لم خصّ هذا المعنى بذا الحرف فسنذكره فى باب يلى هذا بعون الله تعالى.
ومن ذلك العلز : خفّة وطيش وقلق يعرض للإنسان ، وقالوا (العلّوص) لوجع فى الجوف يلتوى له الإنسان ويقلق منه. فذاك من (ع ل ز) وهذا من (ع ل ص) والزاى أخت الصاد.
ومنه الغرب : الدلو العظيمة ، (وذلك لأنها يغرف من الماء بها) ، فذاك من (غ ر ب) وهذا من (غ ر ف) أنشد أبو زيد :
كأن عينىّ وقد بانونى
غربان فى جدول منجنون (2)
واستعملوا تركيب (ج ب ل) و (ج ب ن) و (ج ب ر) لتقاربها فى موضع واحد ، وهو الالتئام والتماسك. منه الجبل لشدّته وقوّته ، وجبن إذا استمسك وتوقّف وتجمع ، ومنه جبرت العظم ونحوه أى قوّيته.
وقد تقع المضارعة فى الأصل الواحد بالحرفين ؛ نحو قولهم : السحيل ، والصهيل ، قال :
كأن سحيله فى كل فجر
على أحساء يمئود دعاء (1)
وذاك من (س ح ل) وهذا من (ص ه ل) والصاد أخت السين كما أن الهاء أخت الحاء. ونحو منه قولهم (سحل) فى الصوت و (زحر) والسين أخت الزاى ؛ كما أن اللام أخت الراء.
وقالوا (جلف وجرم) فهذا للقشر ، وهذا للقطع ، وهما متقاربان معنى ، متقاربان لفظا ؛ لأن ذاك من (ج ل ف) وهذا من (ج ر م).
(وقالوا : صال يصول ؛ كما قالوا : سار يسور).
نعم ، وتجاوزوا ذلك إلى أن ضارعوا بالأصول الثلاثة : الفاء والعين واللام.
فقالوا : عصر الشىء ، وقالوا : أزله ، إذا حبسه ، والعصر ضرب من الحبس. وذاك من (ع ص ر) وهذا من (أزل) والعين أخت الهمزة ، والصاد أخت الزاى ، والراء أخت اللام. وقالوا : الأزم : المنع ، والعصب : الشدّ ؛ فالمعنيان متقاربان ، والهمزة أخت العين ، والزاى أخت الصاد ، والميم أخت الباء. وذاك من (أزم) وهذا من (ع ص ب).
وقالوا : السلب والصرف ، وإذا سلب الشىء فقد صرف عن وجهه. فذاك من (س ل ب) وهذا من (ص ر ف) والسين أخت الصاد ، واللام أخت الراء ، والباء أخت الفاء.
وقالوا : الغدر ؛ كما قالوا الختل ، والمعنيان متقاربان ، واللفظان متراسلان ؛ فذاك من (غ د ر) وهذا من (خ ت ل) فالغين أخت الخاء ، والدال أخت التاء ، والراء أخت اللام.
وقالوا : زأر ؛ كما قالوا : سعل ؛ لتقارب اللفظ والمعنى.
وقالوا : عدن بالمكان ؛ كما قالوا تأطّر ، أى أقام وتلبّث.
وقالوا : شرب ؛ كما قالوا : جلف ؛ لأن شارب الماء مفن له ، كالجلف للشيء.
1) البيت من الوافر ، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص 70 ، ولسان العرب (مأد) ، وتاج العروس (مأد) ، وبلا نسبة فى المخصص 8 / 49. سحيله : صوته. ويمئود : واد فى أرض غطفان. الأحساء : الرمال يكون فيها الماء.
وقالوا : ألته حقّه ؛ كما قالوا : عانده. وقالوا : الأرفة للحدّ بين الشيئين ؛ كما قالوا : علامة. وقالوا : قفز ؛ كما قالوا : كبسا ، وذلك أن القافز إذا استقرّ على الأرض كبسها. وقالوا : صهل ؛ كما قالوا : زأر. وقالوا : الهتر ؛ كما قالوا : الإدل ، وكلاهما العجب. وقالوا : كلف به ؛ كما قالوا : تقرّب منه ، وقالوا : تجعّد ؛ كما قالوا : شحط ؛ وذلك أن الشىء إذا تجعّد وتقبّض عن غيره شحط وبعد عنه ، ومنه قول الأعشى :
إذا نزل الحىّ حلّ الجحيش
شقيّا غويا مبينا غيورا (1)
وذاك من تركيب (ج ع د) وهذا من تركيب (ش ح ط) فالجيم أخت الشين ، والعين أخت الحاء ، والدال أخت الطاء. وقالوا : السيف والصوب ، وذلك أن السيف يوصف بأنه يرسب فى الضريبة لحدّته ومضائه ، ولذلك قالوا : سيف رسوب ، وهذا هو معنى صاب يصوب إذا انحدر. فذاك من (س ى ف) وهذا من (ص وب) فالسين أخت الصاد ، والياء أخت الواو ، والفاء أخت الباء. وقالوا : جاع يجوع ، وشاء يشاء ، والجائع مريد للطعام لا محالة ، ولهذا يقول المدعوّ إلى الطعام إذا لم يجب : لا أريد ، ولست أشتهى ، ونحو ذلك ، والإرادة هى المشيئة.
فذاك من (ج وع) وهذا من (ش ى أ) والجيم أخت الشين ، والواو أخت الياء ، والعين أخت الهمزة. وقالوا : فلان حلس بيته إذا لازمه. وقالوا : أرز إلى الشىء إذا اجتمع نحوه ، وتقبّض إليه ؛ ومنه إن الإسلام ليأرز إلى المدينة ، وقال :
بآرزة الفقارة لم يخنها
قطاف فى الركاب ولا خلاء (2)
1) البيت من المتقارب ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 143 ، ولسان العرب (حرد) ، (جحش) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 18 ، 314 ، وجمهرة اللغة ص 438 ، 501 ، ومقاييس اللغة 1 / 427 ، ومجمل اللغة 1 / 403 ، وتاج العروس (حرد) ، (جحش). الجحيش : يروى بالنصب على الظرفية أى المكان المنفرد ، ويروى بالرفع أى زوجها المعتزل بها عن الناس.
2) البيت من الوافر ، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص 63 ، ولسان العرب (خلأ) ، (أرز) ، (قطف) ، ومقاييس اللغة 1 / 79 ، وكتاب العين 7 / 383 ، وتاج العروس (خلأ) ، (أرز) ، (قطف) ، وجمهرة اللغة ص 1056 ، وتهذيب اللغة 7 / 577 ، 13 / 249 ، ومجمل اللغة 1 / 179 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 64 ، 1096 ، والمخصص 7 / 162. آرزة الفقارة : أى قوية ، وهو من وصف الناقة. والقطاف : مقاربة الخطو.
فذاك من (ح ل س) وهذا من (أرز) فالحاء أخت الهمزة ، واللام أخت الراء ، والسين أخت الزاى. وقالوا : أفل ؛ كما قالوا : غبر ؛ لأن أفل : غاب ، والغابر غائب أيضا. فذاك من (أف ل) وهذا من (غ ب ر) فالهمزة أخت الغين ، والفاء أخت الباء ، واللام أخت الراء.
وهذا النحو من الصنعة موجود فى أكثر الكلام وفرش اللغة ، وإنما بقى من يثيره ويبحث عن مكنونه ، بل من إذا أوضح له وكشفت عنده حقيقته طاع طبعه لها فوعاها وتقبّلها. وهيهات ذلك مطلبا ، وعزّ فيهم مذهبا! وقد قال أبو بكر : من عرف ألف ، ومن جهل استوحش. ونحن نتبع هذا الباب بابا أغرب منه ، وأدلّ على حكمة القديم سبحانه ، وتقدّست أسماؤه ، فتأمّله تحظ به بعون الله تعالى.
اعلم أن هذا موضع شريف لطيف. وقد نبّه عليه الخليل وسيبويه ، وتلقّته الجماعة بالقبول له ، والاعتراف بصحّته.
قال الخليل : كأنهم توهّموا فى صوت الجندب استطالة ومدّا فقالوا : صرّ ، وتوهّموا فى صوت البازى تقطيعا فقالوا : صرصر.
وقال سيبويه فى المصادر التى جاءت على الفعلان : إنها تأتى للاضطراب والحركة ؛ نحو النّقزان ، والغليان ، والغثيان. فقابلوا بتوالى حركات المثال توالى حركات الأفعال.
ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حدّاه ، ومنهاج ما مثّلاه. وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعّفة تأتى للتكرير ؛ نحو الزعزعة ، والقلقلة ، والصلصلة ، والقعقعة ، [والصعصعة] ، والجرجرة ، والقرقرة. ووجدت أيضا (الفعلى) فى المصادر و، الصفات إنما تأتى للسرعة ؛ نحو البشكى ، والجمزى ، والولقى ؛ قال رؤبة :
وقال الهذلىّ :
كأنّى ورحلى إذا هجّرت
على جمزى جازئ بالرّمال
أو اصحم حام جراميزه
زابية حيدى بالدحال (2)
1) الرجز لرؤبة فى ديوانه ص 65 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (نزر) ، والمخصص 3 / 24 ، وتاج العروس (نزر). يقال ظليم نز : لا يستقرّ فى مكان.
2) البيتان من المتقارب ، وهو لأمية بن أبى عائذ الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 499 ، ولسان العرب (حزب) ، (حيد) ، (جرمز) ، (جمز) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 61 ، وتهذيب اللغة 4 / 374 ، 419 ، 5 / 190 ، وتاج العروس (حزب) ، (جرمز) ، (جمز) ، (دحل) ، (صحم) ، وللهذلى فى مقاييس اللغة 2 / 123 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (صحم) ، وتاج العروس -
فجعلوا المثال المكرر للمعنى المكرر - أعنى باب القلقلة - والمثال الذى توالت حركاته للأفعال التى توالت الحركات فيها.
ومن ذلك - وهو أصنع منه - أنهم جعلوا (استفعل) فى أكثر الأمر للطلب ؛ نحو استسقى ، واستطعم ، واستوهب ، واستمنح ، واستقدم عمرا ، واستصرخ جعفرا. فرتّبت فى هذا الباب الحروف على ترتيب الأفعال. وتفسير ذلك أن الأفعال المحدّث عنها أنها وقعت عن غير طلب إنما تفجأ حروفها الأصول ، أو ما ضارع بالصنعة الأصول.
فالأصول نحو قولهم : طعم ووهب ، ودخل وخرج ، وصعد ونزل. فهذا إخبار بأصول فاجأت عن أفعال وقعت ، ولم يكن معها دلالة تدلّ على طلب لها ولا إعمال فيها. وكذلك ما تقدّمت الزيادة فيه على سمت الأصل ؛ نحو أحسن ، وأكرم ، وأعطى وأولى. فهذا من طريق الصنعة بوزن الأصل فى نحو دحرج ؛ وسرهف ، وقوقى وزوزى. وذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن هذه المعانى ، فكلّما ازدادت العبارة شبها بالمعنى كانت أدلّ عليه ، وأشهد بالغرض فيه.
فلمّا كانت إذا فاجأت الأفعال فاجأت أصول المثل (1)الدالّة عليها أو ما جرى مجرى أصولها ؛ نحو وهب ، ومنح ، وأكرم ، وأحسن ، كذلك إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسبّبت لها ، وجب أن تقدّم أمام حروفها الأصول فى مثلها الدالّة عليها أحرفا زائدة على تلك الأصول تكون كالمقدّمة لها ، والمؤدّية إليها.
وذلك نحو استفعل ؛ فجاءت الهمزة والسين والتاء زوائد ، ثم وردت بعدها الأصول : الفاء ، والعين ، واللام. فهذا من اللفظ وفق المعنى الموجود هناك.
وذلك أن الطلب للفعل والتماسه والسعى فيه والتأتى لوقوعه تقدّمه ، ثم وقعت الإجابة إليه ، فتبع الفعل السؤال فيه والتسبّب لوقوعه. فكما تبعت أفعال الإجابة
1) يقصد بالمثل هنا : الصيغ ، وقد مرّ التنبيه على مثل ذلك فى الجزء الأول فى الكلام عن علل النحاة.
أفعال الطلب ، كذلك تبعت حروف الأصل الحروف الزائدة التى وضعت للالتماس والمسألة. وذلك نحو استخرج ، واستقدم ، واستوهب ، واستمنح ، واستعطى ، واستدنى. فهذا على سمت الصنعة التى تقدّمت فى رأى الخليل وسيبويه ؛ إلا أن هذه أغمض من تلك. غير أنها وإن كانت كذلك فإنها منقولة عنها ، ومعقودة عليها. ومن وجد مقالا قال به وإن لم يسبق إليه غيره. فكيف به إذا تبع العلماء فيه ، وتلاهم على تمثيل معانيه.
ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين فى المثال دليلا على تكرير الفعل ، فقالوا : كسّر ، وقطّع ، وفتّح ، وغلّق. وذلك أنهم لمّا جعلوا الألفاظ دليلة المعانى فأقوى اللفظ ينبغى أن يقابل به قوّة الفعل ، والعين أقوى من الفاء واللام ، وذلك لأنها واسطة لهما ، ومكنوفة بهما ؛ فصارا كأنهما سياج لها ، ومبذولان للعوارض دونها.
ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها. فأمّا حذف الفاء ففى المصادر من باب وعد ؛ نحو العدة ، والزنة ، والطدة ، والتدة ، والهبة ، والإبة. وأما اللام فنحو اليد ، والدم ، والفم ، والأب ، والأخ ، والسنة ، والمائة ، والفئة. وقلّما تجد الحذف فى العين.
فلمّا كانت الأفعال دليلة المعانى كرروا أقواها ، وجعلوه دليلا على قوّة المعنى المحدّث به ، وهو تكرير الفعل ؛ كما جعلوا تقطيعه فى نحو صرصر وحقحق دليلا على تقطيعه. ولم يكونوا ليضعّفوا الفاء ولا اللام لكراهية التضعيف فى أول الكلمة ، والإشفاق على الحرف المضعّف أن يجيء فى آخرها ، وهو مكان الحذف وموضع الإعلال ، وهم قد أرادوا تحصين الحرف الدالّ على قوة الفعل. فهذا أيضا من مساوقة الصيغة للمعانى.
وقد أتبعوا اللام فى باب المبالغة العين ؛ وذلك إذا كررت العين معها فى نحو دمكمك وصمحمح وعركرك (1)وعصبصب وغشمشم ؛ والموضع فى ذلك للعين وإنما ضامّتها اللام هنا تبعا لها ولاحقة بها ؛ ألا ترى إلى ما جاء عنهم للمبالغة من نحو اخلولق ، واعشوشب ، واغدودن ، واحمومى ، واذلولى ، واقطوطى ، وكذلك
1) يقال بعير عركرك : قوى غليظ.
فى الاسم ؛ نحو عثوثل ، وغدودن ، وخفيدد ، وعقنقل ، وعبنبل (1)، وهجنجل ، قال :
ظلّت وظلّ يومها حوب حل
وظلّ يوم لأبى الهجنجل (2)
فدخول لام التعريف فيه مع العلميّة يدلّ على أنه فى الأصل صفة كالحرث ، والعبّاس ؛ وكل واحد من هذه المثل قد فصل بين عينيه بالزائد لا باللام.
فعلمت أن تكرير المعنى فى باب صمحمح (إنما هو للعين) وإن كانت اللام فيه أقوى من الزائد فى باب افعوعل وفعوعل وفعيعل ، (وفعنعل) لأن اللام بالعين أشبه من الزائد بها. ولهذا أيضا ضاعفوها كما ضاعفوا العين للمبالغة ؛ نحو عتلّ ، وصملّ ، وقمدّ ، وحزقّ ؛ إلا أن العين أقعد فى ذلك من اللام ؛ ألا ترى أن الفعل الذى هو موضع للمعانى لا يضعّف ولا يؤكّد تكريره إلا بالعين. هذا هو الباب.
فأما اقعنسس ، واسحنكك فليس الغرض فيه التوكيد والتكرير ؛ لأن ذا إنما ضعّف للإلحاق ، فهذه طريق صناعية ، وباب تكرير العين هو طريق معنوية ؛ ألا ترى أنهم لمّا اعتزموا إفادة المعنى توفّروا عليه ، وتحاموا طريق الصنعة والإلحاق فيه ، فقالوا : قطّع وكسّر ، تقطيعا وتكسيرا ، ولم يجيئوا بمصدره على مثال (فعللة) فيقولوا : قطّعة ، وكسّرة ؛ كما قالوا فى الملحق : بيطر بيطرة ، وحوقل حوقلة ، وجهور جهورة.
ويدلّك على أن افعوعل لمّا ضعّفت عينه للمعنى انصرف به عن طريق الإلحاق - تغليبا للمعنى على اللفظ ، وإعلاما أنّ قدر المعنى عندهم أعلى وأشرف من قدر اللفظ - أنهم قالوا فى افعوعل من رددت : (اردودّ) ولم يقولوا : اردودد ، فيظهروا التضعيف للإلحاق ؛ كما أظهروه فى باب اسحنكك ، واكلندد (3)، لمّا كان للإلحاق باحرنجم ، واخرنطم ؛ ولا تجد فى بنات الأربعة نحو احروجم ، فيظهروا (افعوعل) من رددت فيقال (اردودد) لأنه لا مثال له رباعيّا فيلحق هذا به.
فهذا طريق المثل واحتياطاتهم فيها بالصنعة ، ودلالاتهم [منها] على الإرادة والبغيّة.
فأمّا مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئبّ عند عارفيه مأموم. وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها ، فيعدّلونها بها ويحتذونها عليها. وذلك أكثر ممّا نقدّره ، وأضعاف ما نستشعره.
من ذلك قولهم : خضم ، وقضم. فالخضم لأكل الرّطب ؛ كالبطّيخ والقثّاء وما كان نحوهما من المأكول الرّطب. والقضم للصّلب اليابس ؛ نحو قضمت الدابّة شعيرها ، ونحو ذلك. وفى الخبر «قد يدرك الخضم بالقضم» أى قد يدرك الرخاء بالشدّة ، واللين بالشّظف. وعليه قول أبى الدرداء : (يخضمون ونقضم والموعد الله) فاختاروا الخاء لرخاوتها للرّطب ، والقاف لصلابتها لليابس ؛ حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.
ومن ذلك قولهم : النضح للماء ونحوه ، والنضخ أقوى من النضح ؛ قال الله سبحانه : (فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) [الرحمن : 66] فجعلوا الحاء - لرقّتها - للماء الضعيف ، والخاء - لغلظها - لما هو أقوى منه.
ومن ذلك القدّ طولا ، والقطّ عرضا. وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعا له من الدال. فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العرض ؛ لقربه وسرعته ، والدال المماطلة لما طال من الأثر ، وهو قطعه طولا.
ومن ذلك قولهم : قرت الدم ، وقرد الشىء ، وتقرّد ، وقرط يقرط. فالتاء أخفت الثلاثة ، فاستعملوها فى الدم إذا جفّ ؛ لأنه قصد ومستخفّ فى الحسّ عن القردد الذى هو النّباك فى الأرض ونحوها. وجعلوا الطاء - وهى أعلى الثلاثة صوتا - (للقرط) (1)الذى يسمع. وقرد من القرد ؛ وذلك لأنه موصوف بالقلّة والذلّة ؛ قال الله تعالى : (فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) [البقرة : 65].
ينبغى أن يكون (خاسئين) خبرا آخر ل- (كونوا) والأوّل (قردة) فهو كقولك :
1) يقال : قرط الكراث : قطعه فى القدر ، والقرط يسمع له صوت إذ كان قطعا وشقا.
هذا حلو حامض ، وإن جعلته وصفا ل- (قردة) صغّر معناه ؛ ألا ترى أنّ القرد لذلّه وصغاره خاسئ أبدا ، فيكون إذا صفة غير مفيدة. وإذا جعلت (خاسئين) خبرا ثانيا حسن وأفاد ، حتى كأنه قال : كونوا قردة [و] كونوا خاسئين ؛ ألا ترى أن ليس لأحد الاسمين من الاختصاص بالخبرية إلا ما لصاحبه ، وليس كذلك الصفة بعد الموصوف ؛ إنما اختصاص العامل بالموصوف ، ثم الصفة من بعد تابعة له.
ولست أعنى بقولى : إنه كأنه قال تعالى : كونوا قردة ، كونوا خاسئين ، أن العامل فى (خاسئين) عامل ثان غير الأوّل ؛ معاذ الله أن أريد ذلك ، إنما هذا شيء يقدّر مع البدل. فأما فى الخبرين فإن العامل فيهما جميعا واحد ، ولو كان هناك عامل آخر لما كانا خبرين لمخبر عنه واحد ، وإنما مفاد الخبر من مجموعهما. ولهذا كان عند أبى علىّ أن العائد على المبتدأ من مجموعهما ، لا من أحدهما ، لأنه ليس الخبر بأحدهما ، بل بمجموعهما. وإنما أريد أنك متى شئت باشرت ب- (كونوا) أىّ الاسمين آثرت ، وليست كذلك الصفة.
ويؤنّس بذلك أنه لو كانت (خاسئين) صفة ل- (قردة) لكان الأخلق أن يكون (قردة خاسئة) ، (وفى أن) لم يقرأ بذلك ألبتّة دلالة على أنه ليس بوصف. وإن كان قد يجوز أن يكون (خاسئين) صفة (لقردة على المعنى إذ كان المعنى) أنها هى هم فى المعنى ؛ إلا أن هذا إنما هو جائز وليس بالوجه ؛ بل الوجه أن يكون وصفا لو كان على اللفظ. فكيف وقد سبق ضعف الصفة هاهنا. فهذا شيء عرض قلنا فيه ثم لنعد.
أفلا ترى إلى تشبيههم الحروف بالأفعال وتنزيلهم إياها على احتذائها.
ومن ذلك قولهم : الوسيلة ، والوصيلة ، والصاد - كما ترى - أقوى صوتا من السين ؛ لما فيها من الاستعلاء ، والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة. وذلك أن التوسّل ليست له عصمة الوصل والصلة ؛ بل الصلة أصلها من اتصال الشىء بالشىء ، ومماسّته له ، وكونه فى أكثر الأحوال بعضا له ، كاتّصال الأعضاء بالإنسان ، وهى أبعاضه ، ونحو ذلك ، والتوسّل معنى يضعف ويصغر أن يكون المتوسّل جزءا أو كالجزء من المتوسّل إليه. وهذا واضح. فجعلوا الصاد لقوّتها ، للمعنى الأقوى ، والسين لضعفها ، للمعنى الأضعف.
ومن ذلك قولهم : (الخذا) فى الأذن ، (والخذأ : الاستخذاء) فجعلوا الواو فى خذواء - لأنها دون الهمزة صوتا - للمعنى الأضعف. وذلك أن استرخاء الأذن [ليس] من العيوب التى يسبّ بها ، ولا يتناهى فى استقباحها. وأما الذلّ فهو من أقبح العيوب ، وأذهبها فى المزراة والسبّ ، فعبّروا عنه بالهمزة لقوّتها ، وعن عيب الأذن المحتمل بالواو ، لضعفها. فجعلوا أقوى الحرفين لأقوى العيبين ، وأضعفهما لأضعفهما.
ومن ذلك قولهم : قد جفا الشىء يجفو ، وقالوا : جفأ الوادى بغثائه ، ففيهما كليهما معنى الجفاء ؛ لارتفاعهما ؛ إلا أنهم استعملوا الهمزة فى الوادى لما هناك من حفزه ، وقوّة دفعه.
ومن ذلك قولهم : صعد وسعد. فجعلوا الصاد - لأنها أقوى - لما فيه أثر مشاهد يرى ، وهو الصعود فى الجبل والحائط ، ونحو ذلك. وجعلوا السين - لضعفها - لما لا يظهر ولا يشاهد حسّا ، إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجدّ ، لا صعود الجسم ؛ ألا تراهم يقولون : هو سعيد الجدّ ، وهو عالى الجدّ ، وقد ارتفع أمره ، وعلا قدره. فجعلوا الصاد لقوتها ، مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشّمة ، وجعلوا السين لضعفها ، فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين ، والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية.
فإن قلت : فكان يجب على هذا أن يكون الخذا فى الأذن مهموزا ، وفى الذلّ غير مهموز ؛ لأن عيب الأذن مشاهد ، وعيب النفس غير مشاهد ، قيل : عيب الأذن وإن كان مشاهدا ، فإنه لا علاج فيه على الأذن ، وإنما هو خمول وذبول ، ومشقّة الصاعد ظاهرة مباشرة معتدّة متجشّمة ، فالأثر فيها أقوى ، فكانت بالحرف الأقوى - وهو الصاد - أحرى.
ومن ذلك أيضا سدّ وصدّ. فالسّدّ دون الصّدّ ؛ لأن السدّ للباب يسدّ ، والمنظرة ونحوها ، والصّدّ جانب الجبل والوادى والشّعب ، وهذا أقوى من السدّ ، الذى قد يكون لثقب الكوز ورأس القارورة ونحو ذلك [فجعلوا الصاد لقوّتها ، للأقوى ، والسين لضعفها ، للأضعف].
ومن ذلك القسم والقصم. فالقصم أقوى فعلا من القسم ؛ لأن القصم يكون
معه الدقّ ، وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما ، فلذلك خصّت بالأقوى الصاد ، وبالأضعف السين.
ومن ذلك تركيب (ق ط ر) و (ق د ر) و (ق ت ر) فالتاء خافية متسفّلة ، والطاء سامية متصعّدة ، فاستعملتا - لتعاديهما - فى الطّرفين ؛ كقولهم : قتر الشىء وقطره. والدال بينهما ، ليس لها صعود الطاء ولا نزول التاء ، فكانت لذلك واسطة بينهما ، فعبّر بها عن معظم الأمر ومقابلته ، فقيل لقدر الشىء لجماعه ومحرنجمه (1).
وينبغى أن يكون قولهم : قطر الإناء الماء ونحوه إنما هو (فعل) من لفظ القطر ومعناه. وذلك أنه إنما ينقط الماء عن صفحته الخارجة وهى قطره. فاعرف ذلك.
فهذا ونحوه أمر إذا أنت أتيته من بابه ، وأصلحت فكرك لتناوله وتأمّله ، أعطاك مقادته ، وأركبك ذروته ، وجلا عليك بهجاته ومحاسنه. وإن أنت تناكرته ، وقلت : هذا أمر منتشر ، ومذهب صعب موعر ؛ حرمت نفسك لذّته ، وسددت عليها باب الحظوة به.
نعم ، ومن وراء هذا ما اللطف فيه أظهر ، والحكمة أعلى وأصنع. وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبّر عنها بها ترتيبها ، وتقديم ما يضاهى أوّل الحدث ، وتأخير ما يضاهى آخره ، وتوسيط ما يضاهى أوسطه ؛ سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود ، والغرض المطلوب.
وذلك قولهم : بحث. فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكفّ على الأرض ، والحاء لصحلها (2)تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت فى الأرض ، والثاء للنفث ، والبث للتراب. وهذا أمر تراه محسوسا محصّلا ، فأىّ شبهة تبقى بعده ، أم أىّ شك يعرض على مثله. وقد ذكرت هذا فى موضع آخر من كتبى لأمر دعا إليه هناك. فأمّا هذا الموضع فإنه أهله وحقيق به ؛ لأنه موضوع له ولأمثاله.
ومن ذلك قولهم : شدّ الحبل ونحوه. فالشين بما فيها من التفشّى تشبّه بالصوت أوّل انجذاب الحبل قبل استحكام العقد ، ثم يليه إحكام الشدّ والجذب ، وتأريب
العقد ، فيعبر عنه بالدال التى هى أقوى من الشين ، لا سيما وهى مدغمة ، فهو أقوى لصنعتها وأدلّ على المعنى الذى أريد بها. ويقال شدّ وهو يشدّ.
فأما الشدّة فى الأمر فإنها مستعارة من شدّ الحبل ونحوه ، لضرب من الاتّساع والمبالغة ؛ على حدّ ما نقول فيما يشبه بغيره لتقوية أمره المراد به.
ومن ذلك أيضا جرّ الشىء يجره ؛ قدّموا الجيم لأنها حرف شديد ، وأوّل الجرّ بمشقّة على الجارّ والمجرور جميعا ، ثم عقّبوا ذلك بالراء ، وهو حرف مكرر ، وكرّروها مع ذلك فى نفسها. وذلك لأن الشىء إذا جرّ على الأرض فى غالب الأمر اهتزّ عليها ، واضطرب صاعدا عنها ، ونازلا إليها ، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق. فكانت الراء - لما فيها من التكرير ، ولأنها أيضا قد كررت فى نفسها فى (جرّ) و (جررت) - أوفق لهذا المعنى من جميع الحروف غيرها. هذا هو محجّة هذا ومذهبه.
فإن أنت رأيت شيئا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه ، ولا يتابعك على ما أوردناه ، فأحد أمرين : إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه ، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا [كما قال سيبويه :] أو لأن الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر.
فإن قلت : فهلا أجزت أيضا أن يكون ما أوردته فى هذا الموضع شيئا اتّفق ، وأمرا وقع فى صورة المقصود ، من غير أن يعتقد [وما الفرق]؟.
قيل : فى هذا حكم بإبطال ما دلّت الدلالة عليه من حكمة العرب التى تشهد بها العقول ، وتتناصر إليها أغراض ذوى التحصيل. فما ورد على وجه يقبله القياس ، وتقتاد إليه دواعى النظر والإنصاف ، حمل عليها ، ونسبت الصنعة فيه إليها. وما تجاوز ذلك فخفى لم توأس النفس منه ، ووكل إلى [مصادقة النظر فيه] ، وكان الأحرى به أن يتّهم الإنسان نظره ، ولا يخفّ إلى ادّعاء النقض فيما قد ثبّت الله أطنابه ، وأحصف بالحكمة أسبابه. ولو لم يتنبّه (على ذلك) إلا بما جاء عنهم من تسميتهم الأشياء بأصواتها ؛ كالخازباز لصوته ، والبطّ لصوته ، والخاقباق لصوت الفرج عند الجماع. والواق للصرد (1)لصوته ، وغاق للغراب لصوته ،
1) الصرد : طائر فوق العصفور. والواق (بكسر القاف حكاية لصوته).
(وقوله) (تداعين باسم الشيب) لصوت مشافرها ، وقوله :
بينما نحن مرتعون بفلج
قالت الدّلّح الرواء إنيه (1)
فهذا حكاية لرزمة السحاب وحنين الرعد ، وقوله :
وذلك لصوته. ونحو منه قولهم : حاحيت ، وعاعيت ، وهاهيت ؛ إذا قلت : حاء ، وعاء ، وهاء. وقولهم : بسملت ، وهيللت ، وحولقت ؛ كل ذلك (وأشباهه) إنما يرجع فى اشتقاقه إلى الأصوات. والأمر أوسع.
[ومن طريف ما مرّ بى فى هذه اللغة التى لا يكاد يعلم بعدها ، ولا يحاط بقصيها ، ازدحام الدال ، والتاء ، والطاء ، والراء ، واللام ، والنون ، إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير ، فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن والضعف ونحوهما].
من ذلك (الدالف) للشيخ الضعيف ، والشىء التالف ، والطليف ، (والظليف) (3)المجّان وليست له عصمة الثمين ، والطنف ، لما أشرف خارجا عن البناء وهو إلى الضعف ، لأنه ليست له قوّة الراكب الأساس والأصل ، والنطف : العيب ، (وهو إلى الضعف) ، والدنف : المريض. ومنه (التنوفة) وذلك لأن الفلاة إلى الهلاك ؛ ألا تراهم يقولون لها : مهلكة ، وكذلك قالوا لها : بيداء ، فهى فعلاء من باد يبيد.
ومنه الترفة ، لأنها إلى اللين والضعف ، وعليه قالوا : الطرف ؛ لأن طرف الشىء أضعف من قلبه وأوسطه ، قال الله سبحانه (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) [الرعد : 41]. وقال الطائىّ الكبير :
1) البيت من الخفيف ، وهو بلا نسبة فى لسان العرب (قول) ، وكتاب العين 3 / 137 ، ومقاييس اللغة 2 / 295 ، ومجمل اللغة 2 / 286 ، وأساس البلاغة (دلج) ، وتاج العروس (قول) ، (أنه). الهيقم : حكاية صوت اضطراب البحر.
2) الرجز لرؤبة فى ملحق ديوانه ص 184 ، ولسان العرب (هقم) ، وتاج العروس (هقم) ، وتهذيب اللغة 6 / 3 ، 7 / 41 ، وجمهرة اللغة ص 978 ، 1170 ، وكتاب العين 3 / 372 ، ومجمل اللغة 4 / 473 ، ومقاييس اللغة 6 / 58 ، وتاج العروس (خيقم).
3) الظليف لغة فى الطليف. ويقال : ذهب به مجانا وظليفا وطليفا إذا أخذه بغير ثمن.
كانت هى الوسط الممنوع فاستلبت
ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا
ومنه (الفرد) لأن المنفرد إلى الضعف والهلاك ما هو ؛ قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المرء كثير بأخيه» (1). والفارط المتقدّم ، وإذا تقدّم انفرد ، وإذا انفرد (أعرض للهلاك) ولذلك ما يوصف بالتقدّم ويمدح به لهول مقامه وتعرّض راكبه.
وقال محمد بن حبيب فى الفرتنى الفاجرة : إنها من الفرات ، وحكم بزيادة النون والألف. فهى على هذا كقولهم لها (هلوك). قال الهذلىّ :
السالك الثغرة اليقظان كالئها
مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل (2)
وقياس مذهب سيبويه أن تكون (فرتنى) فعللى رباعية كجحجبى. ومنه الفرات لأنه الماء العذب ، وإذا عذب الشىء ميل عليه ونيل منه ؛ ألا ترى إلى قوله :
ممقر مرّ على أعدائه
وعلى الأدنين حلو كالعسل (3)
وقال الآخر :
تراهم يغمزون من استركّوا
ويجتنبون من صدق المصاعا (4)
ومنه الفتور للضعف ، والرفت للكسر ، والرديف ، لأنه ليس له تمكّن الأوّل.
1) «ضعيف» أخرجه ابن أبى الدنيا فى «الإخوان» من حديث سهل بن سعد ، وانظر الضعيفة (1895).
2) البيت من البسيط ، وهو للمتنخل الهذلى فى تذكرة النحاة ص 346 ، وخزانة الأدب 5 / 11 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1281 ، والشعر والشعراء 2 / 665 ، ولسان العرب (خعل) ، (فضل) ، والمعانى الكبير ص 543 ، والمقاصد النحوية 3 / 516 ، وللهذلى فى سر صناعة الإعراب 2 / 611 ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب 5 / 101 ، والدرر 3 / 60 ، 6 / 189 ، وشرح الأشمونى 2 / 337 ، وشرح عمدة الحافظ ص 701 ، وهمع الهوامع 1 / 187 ، 2 / 141. الثغرة موضع المخافة ، وكالئها : حافظها. والخيعل : ثوب يخاط أحد شقيه ويترك الآخر.
3) البيت من الرمل ، وهو للبيد فى ديوانه ص 197 ، ولسان العرب (مقر) ، وتهذيب اللغة 9 / 149 ، وديوان الأدب 2 / 300 ، وأساس البلاغة (مقر) ، وتاج العروس (مقر).
4) البيت من الوافر ، وهو للقطامى فى ديوانه ص 35 ، ولسان العرب (مصع) ، (ركك) ، وتهذيب اللغة 2 / 63 ، 9 / 445 ، وأساس البلاغة (ركك) ، (مصع) ، وتاج العروس (مصع) ، (ركك).
ومنه الطّفل للصبىّ لضعفه ، والطّفل للرّخص ، وهو ضدّ الشّثن ، والتفل للريح المكروهة ، فهى منبوذة مطروحة. وينبغى أن تكون (الدّفلى) (1)من ذلك لضعفه عن صلابة النّبع والسّراء والتنضب ، والشّوحط. وقالوا : الدفر للنتن ، وقالوا للدنيا (أمّ دفر) سبّ لها وتوضيع منها. ومنه (الفلتة) لضعفة الرأى ، وفتن المغزل ، لأنه تثنّ واستدارة ، وذاك إلى وهى وضعفة ، والفطر : الشقّ ، وهو إلى الوهن.
الآن قد أنّستك بمذهب القوم فيما هذه حاله ، ووقفتك على طريقه ، وأبديت لك عن مكنونه ، وبقى عليك أنت التنبّه لأمثاله ، وإنعام الفحص عمّا هذه حاله ؛ فإننى إن زدت على هذا مللت وأمللت. ولو شئت لكتبت من مثله أوراقا مئين ، فأبه له ولا طفه ، ولا تجف عليه فيعرض عنك ولا يبهأ بك.
1) الدفلى : شجر مرّ أخضر يكون فى الأودية.
نبّهنا أبو على رحمهالله من هذا الموضع على أغراض حسنة. من ذلك قولهم فى (لا) النافية للنكرة : إنها تبنى معها ، فتصير كجزء من الاسم ؛ نحو لا رجل فى الدار ، ولا بأس عليك ، وأنشدنا فى هذا المعنى [قوله] :
خيط على زفرة فتمّ ولم
يرجع إلى دقّة ولا هضم (1)
وتأويل ذلك أن هذا الفرس لسعة جوفه وإجفار محزمه (2)كأنه زفر فلمّا اغترق نفسه بنى على ذلك ، فلزمته تلك الزفرة فصيغ عليها لا يفارقها [كما أن الاسم بنى مع لا حتى خلط بها لا تفارقه ولا يفارقها] وهذا موضع متناه فى حسنه ، آخذ بغاية الصنعة من مستخرجه.
ومثله أيضا من وصف الفرس :
أى كأنها تمطّت فلمّا تناءت أطرافها ، ورحبت شحوتها (4)، صيغت على ذلك.
ومن ذلك قولهم : ما أدرى أأذن أو أقام ، إذا قالها بأو ، لا بأم. فهو أنه لم يعتدّ أذانه أذانا ولا إقامته إقامة ؛ لأنه لم يوفّ ذلك حقّه ، فلمّا ونى فيه لم يثبت له شيئا منه.
قال : فمثل ذلك قول عبيد :
1) البيت من المنسرح ، وهو للنابغة الجعدى فى ديوانه ص 156 ، ولسان العرب (زفر) ، (هضم) ، وتهذيب اللغة 13 / 193 ، وأساس البلاغة (زفر) ، وتاج العروس (هضم) ، والمعانى الكبير ص 139 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 706 ، والمخصص 14 / 146.
2) إجفار محزمه : سعة وسطه.
3) عجز بيت من الكامل ، وهو للمسيب بن علس فى ديوان بنى بكر ص 599 ، وأساس البلاغة ص 432 (مطو) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (هضم).
4) الشحوة : الخطوة.
أعاقر كذات رحم
أم غانم كن يخيب (1)
فكان ينبغى أن يعادل بقوله : «ذات رحم» نقيضتها فيقول : أغير ذات رحم كذات رحم ، وهكذا أراد لا محالة ، ولكنه جاء بالبيت على المسألة. وذلك أنه لمّا لم تكن العاقر ولودا صارت وإن كانت ذات رحم كأنها لا رحم لها ؛ فكأنه قال : أغير ذات رحم كذات رحم ؛ كما أنه لمّا لم يوفّ أذانه ولا إقامته حقّهما لم يثبت له واحدا منهما ؛ لأنه قاله بأو ، ولو قال : ما أدرى أأذن أم أقام [بأم] لأثبت له أحدهما لا محالة.
ومن ذلك قول النحويين : إنهم لا يبنون من ضرب وعلم ، وما كانت عينه لاما ، أو راء مثل عنسل. قالوا : لأنا نصير به إلى ضنرب وعنلم ، فإن أدغمنا ألبس بفعّل ، وإن أظهرنا النون قبل الراء واللام ثقلت ؛ فتركنا بناءه أصلا. وكان ينشد فى هذا المعنى قوله :
فقال : ثكل وغدر أنت بينهما
فاختر وما فيهما حظّ لمختار (2)
وقول الآخر :
رأى الأمر يفضى إلى آخر
فصيّر آخره أوّلا
ووجدت أنا من هذا الضرب أشياء صالحة.
منها أن الشعر المجزوء إذا لحق ضربه قطع لم تتداركه العرب بالردف. وذلك أنه لا يبلغ من قدره أن يفى بما حذفه الجزء ؛ فيكون هذا أيضا [كقولهم للمغنّى غير المحسن : تتعب ولا أطرب]. ومنهم من يلحق الردف على كل حال. فنظير معنى هذا معنى قول الآخر :
وقول الآخر :
فإن لم تنل مطلبا رمته
فليس عليك سوى الاجتهاد
ومن ذلك قول من اختار إعمال الفعل الثانى لأنه العامل الأقرب ؛ نحو ضربت وضربنى زيد ، وضربنى وضربت زيدا. فنظير معنى هذا معنى قول الهذلىّ :
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى (1)
وعليه قول أبى نواس :
أمر غد أنت منه فى لبس
وأمس قد فات فاله عن أمس
فإنما العيش عيش يومك ذا
فباكر الشمس بابنة الشمس
ومنه قول تأبّط شرّا : وما قدم نسى ، ومن كان ذا شرّ خشى ، فى كلام له ، وقوله :
وقول الآخر ، أنشدناه أبو على عن أبى بكر عن أبى العباس عن أبى عثمان عن الأصمعىّ عن أبى عمرو أن رجلا من أهل نجد أنشده :
حتى كأن لم يكن إلا تذكّره
والدهر أيّتما حال دهارير (3)
ومن ذلك أيضا قول شاعرنا :
1) البيت من الطويل ، وهو لأبى خراش الهذلى فى أمالى المرتضى 1 / 198 ، وخزانة الأدب 5 / 405 ، 415 ، وسمط اللآلى ص 601 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1230 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 786 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 421 ، وشرح المفصل 3 / 117 ، والشعر والشعراء 2 / 668 ، وبلا نسبة فى أمالى ابن الحاجب ص 453 ، والمحتسب 2 / 209 ، ومغنى اللبيب 1 / 145.
2) عجز بيت من الكامل ، وهو لأبى كبير الهذلى فى شرح أشعار الهذليين ص 1080 ، ولسان العرب (وا) ، وتهذيب اللغة 15 / 675 ، والجنى الدانى ص 166 ، ومجالس ثعلب ص 126.
3) البيت من البسيط ، وهو لحريث بن جبلة العذرى فى شرح أبيات سيبويه 1 / 360 ، وله أو لعثير بن لبيد العذرى فى لسان العرب (دهر) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 139 ، وجمهرة اللغة ص 641 ، وسمط اللآلى ص 800 ، والكتاب 1 / 240 ، ومجالس ثعلب 1 / 266 ، والمخصص 9 / 62.
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به
فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
ومما جاء فى معنى إعمال الأول قول الطائىّ الكبير :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحبّ إلا للحبيب الأول
وقول كثيّر :
ولقد أردت الصبر عنك فعاقنى
علق بقلبى من هواك قديم (1)
وقول الآخر :
تمرّ به الأيام تسحب ذيلها
فتبلى به الأيام وهو جديد
ومن ذلك ما جاء عنهم من الجوار فى قولهم : هذا جحر ضبّ خرب ، وما يحكى أن أعرابيا أراد امرأة له ، فقالت له : إنى حائض ، فقال : فأين الهنة الأخرى ، فقالت له : اتّق الله ، فقال :
كلا وربّ البيت ذى الأستار
لأهتكنّ حلق الحتار
قد يؤخذ الجار بجرم الجار (2)
ومنه قول العرب : أعطيتك إذ سألتنى ، وزدتك إذ شكرتنى. ف- «إذ» معمولة العطيّة والزيادة ، وإذا عمل الفعل فى ظرف ، زمانيّا كان أو مكانيّا ، فإنه لا بدّ أن يكون واقعا فيه ، وليست العطيّة واقعة فى وقت المسألة ، وإنما هى عقيبه ؛ لأن المسألة سبب العطيّة ، والسبب جار مجرى العلّة ، فيجب أن يتقدم المعلول والمسبّب ؛ لكنه لمّا كانت العطية مسبّبة عن المسألة وواقعة على أثرها ، وتقارب وقتاهما ، صارا لذلك كأنهما فى وقت واحد. فهذا تجاور فى الزمان ؛ كما أن ذاك تجاور فى الإعراب.
ومنه قول الله تعالى : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) [الزخرف : 39]. طاولت أبا على رحمهالله تعالى فى هذا ، وراجعته فيه عودا على بدء ، فكان أكثر ما برد منه فى اليد أنه لمّا كانت الدار الآخرة تلى الدار الدنيا لا فاصل بينهما ، إنما هى هذه فهذه ، صار ما يقع فى الآخرة كأنه واقع فى الدنيا ، فلذلك أجرى اليوم وهو الآخرة ، مجرى وقت الظلم وهو قوله : «إذ ظلمتم» ووقت الظلم إنّما كان فى الدنيا. فإن لم تفعل هذا وترتكبه بقى «إذ ظلمتم» غير متعلّق بشىء ؛ فيصير ما قاله أبو على إلى أنه كأنه أبدل «إذ ظلمتم» من اليوم ، أو كرّره عليه وهو كأنه هو.
فإن قلت : لم لا تكون «إذ» محمولة على فعل آخر ؛ حتى كأنه قال : ولن ينفعكم اليوم أنكم فى العذاب مشتركون (اذكروا) إذ ظلمتم أو نحو ذلك.
قيل : ذلك يفسد من موضعين : أحدهما اللفظ ، والآخر المعنى. أما اللفظ فلأنك تفصل بالأجنبىّ - وهو قوله «إذ ظلمتم» - بين الفعل وهو «ينفعكم» وفاعله وهو «أنكم فى العذاب مشتركون» وأنت عالم بما فى الفصل بينهما بالأجنبىّ. وإن كان الفصل بالظرف متجوّزا فيه. وأمّا المعنى فلأنك لو فعلت ذلك لأخرجت من الجملة الظرف الذى هو «إذ ظلمتم» وهذا ينقض معناها. وذلك لأنها معقودة على دخول الظرف الذى هو «إذ» فيها ، ووجوده فى أثنائها ؛ ألا ترى أن عدم انتفاعهم بمشاركة أمثالهم لهم فى العذاب إنما سببه وعلّته ظلمهم ، فإذا كان كذلك كان احتياج الجملة إليه نحوا من احتياجها إلى المفعول له ؛ نحو قولك : قصدتك رغبة فى برّك ، وأتيتك طمعا فى صلتك ؛ ألا ترى أن معناه : أنكم عدمتم سلوة التأسّى بمن شارككم فى العذاب لأجل ظلمكم فيما مضى ؛ كما قيل فى نظيره : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان : 49] أى ذق بما كنت تعدّ فى أهل العز والكرم. وكما قال الله تعالى فى نقيضه : (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) [الحاقة : 24] ومن الأوّل قوله : (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة : 61] ومثله فى الشعر كثير ، منه قول الأعشى :
على أنها إذ رأتنى أقاد
تقول بما قد أراه بصيرا (1)
1) البيت من المتقارب ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 145 ، ولسان العرب (عزز) ، (عمم). - (ما) هنا كفت الباء عن الجرّ وأحدثت معها معنى التقليل. ف- (بما) تساوى ربما. انظر المغنى فى مبحث الباء المفردة. وابن جنى هنا لا يرى ، هذا ويرى أنها هنا بمعنى البدل. أى الضعف المشاهد الآن وسوء البصر بدل ما قد مضى من القوة وصحة البصر.
ومنه قولهم حكاية عن الشيخ : بما لا أخشّى بالذئب ؛ أى هذا الضعف بتلك القوّة.
ومنه أبيات العجّاج [أنشدناها سنة إحدى وأربعين](1):
إمّا ترينى أصل القعّادا
وأتّقى أن أنهض الإرعادا
من أن تبدّلت بآدى آدا
لم يك ينآد فأمسى انآدا (2)
وقصبا حنّى حتّى كادا
يعود بعد أعظم أعوادا (3)
فقد أكون مرّة روّادا
أطّلع النجاد فالنجادا
وآخر من جاء به على كثرته شاعرنا [فقال] :
وكم دون الثويّة من حزين
يقول له قدومى ذا بذاكا (4)
فكشفه وحرّره. ويدلّ على الانتفاع بالتأسّى فى المصيبة قولها :
ولو لا كثرة الباكين حولى
على إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى ولكن
أعزّى النفس عنه بالتأسىّ (5)
ومنه قول أبى دواد :
ويصيخ أحيانا كما اس
تمع المضلّ لصوت ناشد (6)
1) الرجز للعجاج فى ملحق ديوانه 2 / 282.
2) الآد : القوة كالأيد. وانئاد : انثنى واعوج.
3) القصب : كل عظم ذى مخ.
4) البيتان من الوافر ، وهما بلا نسبة فى المخصص 16 / 22.
5) الشعر من مرثيتها لأخيها صخر ، وانظر الديوان 49. (نجار).
6) البيت من مجزوء الكامل ، وهو لأبى دؤاد الإيادى فى ديوانه ص 307 ، ولسان العرب (صيخ) ، (نشد) ، وجمهرة اللغة ص 652 ، وتهذيب اللغة 7 / 479 ، 11 / 323 ، 324 ، والمعانى الكبير ص 753 ، وتاج العروس (صيخ) ، (نشد) ، (سمع) ، وبلا نسبة فى المخصص 13 / 151.
وهو كثير جدّا.
ولسنا نريد هاهنا الجوار الصناعىّ ؛ نحو قولهم فى الوقف : هذا بكر ، ومررت ببكر ، وقولهم : صيّم وقيّم (1)، وقول جرير :
لحبّ المؤقدان إلىّ مؤسى (2)
وجعدة إذ إضاءهما الوقود*
«الموقدان» و «موسى» : أثر الجوار فى البيت إبدال الواو همزة لمجاورتها للضمة قبلها ، فكأنها مضمومة ، والهمز يجوز فى الواو المضمومة ؛ نحو أجوه فى وجوه - انظر المغنى ، فى القاعدة الثانية من الباب الثامن.
*وقولهم : هذا مصباح ، ومقلات ، ومطعان ، وقوله :
إذا اجتمعوا علىّ وأشقذونى
فصرت كأننى فرأ متار (3)
ويروى :
أشقذونى : طردونى. والفرأ : حمار الوحش. ومتار : أصله متأر ، اسم مفعول من أتأره : أفزعه وطرده ؛ فنقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، وكان الواجب بعد هذا حذف الهمزة فيقال : متر ، ولكنه قدّر فى الكلمة همزة ساكنة ، وأبدلها ألفا للجوار. انظر اللسان (شقذ) ، (تأر).
وما جرى مجرى ذلك. وإنما اعتزامنا هنا الجوار المعنوىّ لا اللفظىّ الصناعىّ.
ومن ذلك قول سيبويه فى نحو قولهم : هذا الحسن الوجه : إن الجرّ فيه من وجهين ، أحدهما طريق الإضافة ، والآخر تشبيهه بالضارب الرجل ، هذا مع العلم بأن الجرّ فى الضارب الرجل إنما جاءه وجاز فيه لتشبيههم إياه بالحسن الوجه ، فعاد
1) صيّم : القياس صوّم ، ولكن العين لمجاورتها اللام اكتسبت الإعلال ؛ فإن الواو إذا وقعت لاما تقلب ياء فى الجمع ؛ نحو جثىّ وعصىّ.
2) صدر بيت من الوافر ، وهو لجرير فى ديوانه ص 288 ، والأشباه والنظائر 2 / 12 ، 8 / 74 ، وشرح شواهد الشافية ص 429 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 962 ، والمحتسب 1 / 47 ، وبلا نسبة فى سر صناعة الإعراب 1 / 79 ، وشرح شافية ابن الحاجب ص 206 ، ومغنى اللبيب 2 / 684 ، والمقرب 2 / 163 ، والممتع فى التصريف 1 / 91 ، 342 ، 2 / 565. وعجزه :
3) البيت من الوافر ، وهو لعامر بن كثير المحاربى فى التنبيه والإيضاح 2 / 69 ، ولسان العرب (شقذ) ، وبلا نسبة فى لسان العرب (تأر) ، (تور) ، وجمهرة اللغة ص 1031 ، 1067 ، 1106 ، ومقاييس اللغة 3 / 203 ، وتهذيب اللغة 8 / 312 ، 14 / 309 ، والمخصص 1 / 116 ، 15 / 144 ، وديوان الأدب 2 / 294 ، ومجمل اللغة 3 / 339 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 78.
الأصل فاستعاد من الفرع نفس الحكم الذى كان الأصل بدأ أعطاه إياه ، حتى دلّ ذلك على تمكّن الفروع وعلوّها فى التقدير. وقد ذكرنا ذلك. ونظيره فى المعنى قول ذى الرمّة :
ورمل كأوراك العذارى قطعته
إذا ألبسته المظلمات الحنادس (1)
وإنما المعتاد فى نحو هذا تشبيه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء. وقد تقدّم ذكر هذا المعنى فى باب قبل هذا لاتّصاله به. ومنه قول الآخر :
وقرّبوا كلّ جمالىّ عضه
قريبة ندوته من محمضه (2)
وقد ذكرنا حاله ، وشرحنا الغرض فيه فى باب متقدّم ، فلا وجه لإعادته هاهنا.
وسبب تمكّن هذه الفروع عندى أنها فى حال استعمالها على فرعيّتها تأتى مأتى الأصل الحقيقىّ لا الفرع التشبيهيّ ، وذلك قولهم : أنت الأسد ، وكفّك البحر ؛ فهذا لفظه لفظ الحقيقة ، ومعناه المجاز والاتساع ؛ ألا ترى أنه إنما يريد : أنت كالأسد ، وكفّك مثل البحر. وعليه جاء قوله :
ليلى قضيب تحته كثيب (3)
وفى القلاد رشأ ربيب*
*وإنما يريد : نصف ليلى الأعلى كالقضيب ، وتحته ردف مثل الكثيب ، وقول طرفة :
جازت القوم إلى أرحلنا
آخر الليل بيعفور خدر (4)
1) البيت من الطويل ، وهو لذى الرمة فى ديوانه ص 1131 ، ولسان العرب (ورك) ، (جمل) ، وتاج العروس (ورك).
2) الرجز لهميان بن قحافة فى لسان العرب (بيض) ، (حمض) ، (نهض) ، (سنف) ، (جمل) ، (عضه) ، (ندى) ، وتاج العروس (حمض) ، (نهض) ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة 4 / 222 ، 14 / 189 ، وجمهرة اللغة ص 547 ، والمخصص 7 / 50 ، 60 ، 99 ، 11 / 176 ، وكتاب الجيم 2 / 304 ، وكتاب العين 1 / 99 ، 8 / 76 ، وديوان الأدب 2 / 254. وبعده :
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (قلد) ، وتاج العروس (قلد). وبعده :
4) البيت من الرمل ، وهو لطرفة بن العبد فى ديوانه ص 50 ، ولسان العرب (خدر) ، (عفر) ، - (رحل) ، وتهذيب اللغة 7 / 265 ، ومقاييس اللغة 2 / 160 ، 4 / 372 ، ومجمل اللغة 2 / 163 ، وديوان الأدب 2 / 232 ، وكتاب العين 2 / 342. اليعفور : ظبى تعلوه حمرة. والخدر : الفاتر العظام البطيء عند القيام.
أى بشخص أو بإنسان مثل اليعفور ، وهو واسع كثير. فلمّا كثر استعمالهم إيّاه وهو مجاز استعمال الحقيقة واستمرّ واتلأبّ ، تجاوزوا به ذاك إلى أن أصاروه كأنه هو الأصل والحقيقة ، فعادوا فاستعاروا معناه لأصله فقال :
وهذا من باب تدريج اللغة ، وقد ذكر فيما مضى. وكان أبو علىّ رحمهالله إذا أوجبت القسمة عنده أمرين كلّ واحد منهما غير جائز يقول فيه : قسمة الأعشى ، يريد قوله :
فاختر وما فيهما حظّ لمختار (2)
فقال : ثكل وغدر أنت بينهما*
*وسأله مرّة بعض أصحابه فقال له : قال الخليل فى ذراع : كذا وكذا ، فما عندك أنت فى هذا (3)؟ فأنشده مجيبا له :
إذا قالت حذام فصدّقوها
فإنّ القول ما قالت حذام (4)
ويشبه هذا ما يحكى عن الشعبىّ أنه ارتفع إليه فى رجل بخص عين رجل ، ما الواجب فى ذلك؟ فلم يزدهم على أن أنشدهم بيت الراعى :
1) سبق تخريجه.
2) عجز بيت من البسيط ، وهو للأعشى فى ديوانه ص 229 ، ولسان العرب (عبد). وصدره :
3) أى فى تسمية المذكر بذراع ، هل يصرف أو يمنع من الصرف. ورأى الخليل صرفه. اللسان (ذرع).
4) البيت من الوافر ، وهو للجيم بن صعب فى شرح التصريح 2 / 225 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 596 ، والعقد الفريد 3 / 363 ، ولسان العرب (رقش) ، والمقاصد النحوية 4 / 370 ، وله أو لوشيم بن طارق فى لسان العرب (نصت) ، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 4 / 131 ، وشرح الأشمونى 2 / 537 ، وشرح شذور الذهب ص 123 ، وشرح ابن عقيل ص 58 ، وشرح قطر الندى ص 14 ، وشرح المفصل 4 / 64 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 75 ، ومغنى اللبيب 1 / 220.
لها ما لها حتى إذا ما تبوّأت
بأخفافها مرعى تبوّأ مضجعا (1)
فانصرف القوم مجابين. أى ينتظر بهذه العين المبخوصة ، فإن ترامى أمرها إلى الذهاب ففيها الدية كاملة ، وإن لم تبلغ ذاك ففيها حكومة.
1) البيت من الطويل ، وهو للراعى النميرى فى ديوانه ص 164 ، والاشتقاق ص 295 ، وأمالى القالى 2 / 140 ، والمزهر 2 / 442 ، وأمالى المرتضى 1 / 322 ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص 731 ، وتاج العروس (شرق) ، ولسان العرب (شرق). ويروى : لها أمرها بدلا من لها مالها ، ومأوى بدلا من قرعى.
(1) من ذلك حكاية يونس قول العرب : ضرب من منا ، أى إنسان إنسانا ، أو رجل رجلا ؛ أفلا تراه كيف جرّد (من) من الاستفهام ؛ ولذلك أعربها.
ونحوه قولهم فى الخبر : مررت برجل أىّ رجل. فجرّد (أيّا) من الاستفهام أيضا. وعليه بيت الكتاب :
أى [والدهر] فى كلّ وقت وعلى كلّ حال ، دهارير ، أى متلوّن ومتقلّب بأهله.
وأنشدنا أبو علىّ :
وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت
إلىّ وأصحابى بأىّ وأينما (3)
قال : فجرّد (أىّ) من الاستفهام ، ومنعها الصرف ؛ لما فيها من التعريف والتأنيث. وذلك أنه وضعها علما على الجهة التى حلّتها.
فأمّا قوله : (وأينما) فكذلك أيضا ؛ غير أن لك فى (أينما) وجهين : أحدهما أن تكون الفتحة هى التى تكون فى موضع (جرّ ما) لا ينصرف ، لأنه جعله علما للبقعة أيضا ، فاجتمع فيه التعريف والتأنيث ، وجعل (ما) زائدة بعدها للتوكيد.
1) يراد بالأدلة أعلام المعانى فى العربية. فالهمزة دليل الاستفهام ، وإن دليل الشرط ، وهكذا. ويراد بالمعانى : المعانى التى تحدث فى الكلام من خبر واستخبار ونحو ذلك. وخلع الأدلة : تجريدها من المعانى المعروفة لها والمتبادرة فيها وإرادة معان أخر لها ، أو تجريدها من بعض معانيها. ومن أمثلة ذلك فى نداء لفظ الجلالة (يا الله) خلعت ال عن التعريف وإنما قصر بها التعويض عن الفاء المحذوفة إذ أصل (الله) الإله. انظر المغنى فى مبحث اللام المفردة.
2) سبق تخريجه.
3) البيت من الطويل ، وهو لحميد بن ثور فى ديوانه ص 7 (الحاشية) ، ولسان العرب (أين) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 239 ، ولسان العرب (منن) ، (أيا). ويروى : أولجت بدلا من أدلجت.
والآخر أن تكون فتحة النون من (أينما) فتحة التركيب ، ويضمّ (أين) إلى (ما) فيبنى الأوّل على الفتح ؛ كما يجب فى نحو حضرموت (وبيت بيت) فإذا (أنت فعلت ذلك قدّرت) فى ألف (ما) فتحة ما لا ينصرف فى موضع الجرّ ؛ كمررت بأحمد ، وعمر. ويدلّ على أنه قد يضمّ (ما) هذه إلى ما قبلها ما أنشدناه أبو علىّ عن أبى عثمان :
أثور ما أصيدكم أم ثورين
أم تيكم الجمّاء ذات القرنين (1)
فقوله : (أثور ما) فتحة الراء منه فتحة تركيب (ثور) مع (ما) بعده ؛ كفتحة راء حضرموت ، ولو كانت فتحة إعراب لوجب التنوين لا محالة ؛ لأنه مصروف.
وبنيت (ما) مع الاسم وهى مبقّاة على حرفيّتها ؛ كما بنيت (لا) مع النكرة فى نحو لا رجل. ولو جعلت (ما) مع (ثور) اسما ضممت إليه (ثورا) لوجب مدّها ؛ لأنها قد صارت اسما ، فقلت : أثور ماء أصيدكم. وكما أنك لو جعلت (حاميم) من قوله :
يذكّرنى حاميم والرمح شاجر (2)
فهلا تلا حاميم قبل التقدّم*
*اسمين مضموما أحدهما إلى صاحبه لمددت (حا) فقلت : حاء ميم ؛ ليصير كحضرموت.
ومثل قوله : «أثور ما أصيدكم» فى أنه اسم ضمّ إلى حرف فى قول أبى عثمان (ما أنشدناه أبو علىّ) :
ألا هيّما ممّا لقيت ، وهيّما
وويحا لمن لم يلق منهنّ ويحما
وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت
إلىّ وأصحابى بأىّ وأينما (3)
1) الرجز بلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 140 ، ورصف المبانى ص 336 ، ولسان العرب (ثور) ، (قرن) ، وتهذيب اللغة 9 / 90.
2) صدر بيت من الطويل ، وهو للأشتر النخعىّ فى الاشتقاق ص 145 ، ولعدى بن حاتم الطائى فى حماسة البحترى ص 36 ، ولشريح بن أوفى العبسىّ فى لسان العرب (حمم) ، ولعصام بن مقشعر البصرىّ فى معجم الشعراء ص 270 ، ولسان العرب (ندم) ، والمقتضب 1 / 238 ، 3 / 356. وعجز البيت :
3) البيتان من الطويل ، وهما لحميد بن ثور فى ديوانه ص 7 (الحاشية) ، ولسان العرب (ويح) ، -
فالكلام فى (ويحما) هو الكلام فى (أثور ما).
فأمّا قول الآخر :
وهل لى أمّ غيرها إن هجوتها
أبى الله إلا أن أكون لها ابنما (1)
فليس من هذا الضرب فى شيء ؛ وإنما هى ميم زيدت آخر ابن ، وجرت قبلها حركة الإتباع ، فصارت هذا ابنم ، ورأيت ابنما ، ومررت بابنم. فجريان حركات الإعراب على الميم يدلّ على أنها ليست (ما). وإنما الميم فى آخره كالميم فى آخر ضرزم (2)، ودقعم ، ودردم.
وأخبرنا أبو علىّ أن أبا عثمان ذهب فى قول الله - تعالى - : (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات : 23] إلى أنه جعل (مثل) و (ما) اسما واحدا ، فبنى الأوّل على الفتح ، وهما جميعا عنده فى موضع رفع ، لكونهما صفة ل- (حقّ).
فإن قلت : فما موضع (أنّكم تنطقون)؟ قيل : هو جرّ بإضافة (مثل ما) إليه.
فإن قلت : ألا تعلم أن (ما) على بنائها ؛ لأنها على حرفين ، الثانى منهما حرف لين ، فكيف تجوز إضافة المبنىّ؟ قيل ليس المضاف (ما) وحدها ؛ إنما المضاف الاسم المضموم إليه (ما) فلم تعد (ما) هذه أن تكون كتاء التأنيث فى نحو هذه جارية زيد ، أو كالألف والنون فى سرجان عمرو ، أو كياءي الإضافة فى بصرىّ القوم ، أو كألفي التأنيث فى صحراء زمّ ، أو كالألف والتاء فى :
1) البيت من الطويل ، وهو للمتلمس فى ديوانه ص 30 ، والأصمعيات ص 345 ، وخزانة الأدب 10 / 58 ، 59 ، والمقاصد النحوية 4 / 568 ، والمقتضب 2 / 93 ، وسرّ صناعة الإعراب 1 / 115 ، وشرح الأشمونى 3 / 816 ، وشرح المفصل 9 / 133 ، والمنصف 1 / 58. ويروى : ذكرتها بدلا من هجوتها.
2) يقال ناقة ضرزم : مسنة.
3) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (مثل).
فهذا وجه.
وإن شئت قلت : و (ما) فى إضافة المبنىّ! ألا ترى إلى إضافة (كم) فى الخبر ؛ نحو كم عبد ملكت ، وهى مبنية ، وإلى إضافة أىّ من قول الله سبحانه (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) [مريم : 69] وهى مبنيّة عند سيبويه.
وأيضا فلو ذهب ذاهب واعتقد معتقد أن الإضافة كان يجب أن تكون داعية إلى البناء ؛ من حيث كان المضاف من المضاف إليه بمنزلة صدر الكلمة من عجزها ، وبعض الكلمة صوت ، والأصوات إلى الضعف والبناء ، لكان قولا!.
ومما خلعت عنه دلالة الاستفهام قول الشاعر - أنشدناه سنة إحدى وأربعين - :
أنّى جزوا عامرا سيئا بفعلهم
أم كيف يجزوننى السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به
رئمان أنف إذا ما ضنّ باللبن (1)
فأم فى أصل الوضع للاستفهام ؛ كما أنّ (كيف) كذلك. ومحال (اجتماع حرفين) لمعنى واحد ؛ فلا بدّ أن يكون أحدهما قد خلعت عنه دلالة الاستفهام.
وينبغى أن يكون ذلك الحرف (أم) دون (كيف) ؛ حتى كأنه قال : بل كيف ينفع ، فجعلها بمنزلة (بل) فى الترك (والتحوّل).
ولا يجوز أن تكون (كيف) هى المخلوعة عنها دلالة الاستفهام ؛ لأنها لو خلعت
1) البيتان من البسيط ، وهما لأفنون بن صريم التغلبى فى شرح اختيارات المفضل ص 1164 ، وتاج العروس (سوأ) ، والبيان والتبيين 1 / 9 ، والخزانة 11 / 147 ، وبلا نسبة فى لسان العرب (سوأ) ، وخزانة الأدب 11 / 139 ، 142 ، والدرر 6 / 111 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 144 ، 145 ، ولسان العرب (علق) ، (رأم) ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 427 ، 6 / 212 ، 7 / 52 ، 322 ، والاشتقاق ص 259 ، 535 ، وجمهرة اللغة ص 322 ، وخزانة الأدب 11 / 288 ، 293 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 418 ، وشرح المفصل 4 / 18 ، والمحتسب 1 / 235 ، ومغنى اللبيب 1 / 45 ، وهمع الهوامع 2 / 133. العلوق من الإبل : التى لا ترأم ولدها ، ولا تدرّ عليه. رئمان : عطف ومحبة.
عنها لوجب إعرابها ؛ لأنها إنما بنيت لتضمّنها معنى حرف الاستفهام ، فإذا زال ذلك عنها وجب إعرابها ؛ كما أنه لمّا خلعت دلالة الاستفهام عن (من) أعربت فى قولهم : ضرب من منا. وكذلك قولك : مررت برجل أىّ رجل ، لمّا خلعت عنها دلالة الاستفهام (جرت وصفا). وهذا واضح جلىّ.
ومن ذلك كاف المخاطب للمذكّر والمؤنث - نحو رأيتك ، وكلّمتك - هى تفيد شيئين : الاسمية والخطاب ، ثم قد خلع عنها دلالة الاسم فى قولهم : ذلك ، وأولئك ، وهاك ، وهاءك ، وأبصرك زيدا ، وأنت تريد : أبصر زيدا ، وليسك أخاك فى معنى ليس أخاك.
وكذلك قولهم : أرأيتك زيدا ما صنع؟ وحكى أبو زيد : بلاك والله ، وكلاك والله ، أى بلى وكلا. فالكاف فى جميع ذلك حرف خطاب مخلوعة عنه دلالة الاسمية ؛ وعليه قول سيبويه. ومن زعم أن الكاف فى (ذلك) اسم انبغى له أن يقول : ذلك نفسك. وهذا كله مشروح فى أماكنه. فلا موضع إذا لهذه الكاف من الإعراب. وكذلك هى إذا وصلت بالميم والألف والواو ؛ نحو ذلكما ، وذلكمو.
فعلى هذا يكون قول الله سبحانه : (أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) [الأعراف : 22] (كما) من (أنهكما) منصوبة الموضع ، و (كما) من (تلكما) لا موضع لها ، لأنها حرف خطاب.
فإن قيل : فإذا كانت حرفا لا اسما فيكف جاز أن تكون الألف المنفصلة التى قبلها تأسيسا (1)فى نحو قوله :
...
على صدفىّ كالحنيّة بارك
ولا غرو إلا جارتى وسؤالها
أليس لنا أهل سئلت كذلك (2)
ويروى : لدى بدلا من علىّ. ويروى البيت الثانى : ألا هل بدلا من أليس.
1) التأسيس : هو ألف بينها وبين الروىّ حرف واحد متحرك يسمى الدّخيل ، نحو (بارك) «فالألف» هى «التأسيس» و «الراء» هى «الدخيل» و «الكاف» هى «الروىّ». (الخزانة اللغوية).
2) عجز البيت الأول والبيت الثانى من الطويل ، وهما لطرفة بن العبد فى ديوانه ص 72 ، ولسان العرب (صدف) ، (غرا) ، وتاج العروس (صدف) ، وجمهرة اللغة ص 1304 ، والأصمعيات ص 149 ، والشعر والشعراء ص 199 ، والمعانى الكبير ص 832. وصدر البيت الأول منهما :
وقول خفاف بن ندبة :
وقفت له علوى وقد خام صحبتى
لأبنى مجدا أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنه
تأمّل خفافا إننى أنا ذلكا (1)
ألا ترى أن الألف فى (هالكا) و (بارك) تأسيس لا محالة ، وقد جمعهما مع الألف فى (ذلكا) [و (ذلك)] وهى منفصلة ، وليس الروىّ - وهو الكاف - اسما مضمرا (كياء قوله) (بدا ليا) ، ولا من جملة اسم مضمر كميم (كما هما). وهذا يدلّ على أن الكاف فى (ذلك) اسم مضمر لا حرف.
قيل : هذا كلام لا يدخل على المذهب فى كونها حرفا ، وقد قامت الدلالة على ذلك من عدّة أوجه.
ولكن بقى علينا الآن أن نرى وجه علّة جواز كون الألف فى (ذلك) تأسيسا ، مع أن الكاف ليست باسم مضمر.
وعلّة ذلك أنها وإن تجرّدت فى هذا الموضع من معنى الاسمية فإنها فى أكثر أحوالها اسم ؛ نحو رأيتك ، وكلّمتك ، ونظرت إليك ، واشتريت لك ثوبا ، وعجبت منك ، ونحو ذلك. فلمّا جاءت هاهنا على لفظ تلك التى هى اسم - وهو أقل الموضعين - حملت على الحكم فى أكثر الأحوال ، لا سيّما وهى هنا وإن جرّدت من معنى الاسمية فإن ما كان فيها من معنى الخطاب باق عليها ، وغير مختزل عنها. وإذا جاز حمل همزة علباء على همزة حمراء ، للزيادة ، وإن عريت من التأنيث الذى دعا إلى قلبها فى صحراوات وصحراوىّ ، كان حمل كاف (ذلك) على كاف رأيتك جائزا أيضا ، وإن لم يكن أقوى لم يكن أضعف.
وقد اتّصل بما نحن عليه موضع طريف. ونذكره لاستمرار مثله.
وذلك أن أصغر الناس قدرا قد يخاطب أكبر الملوك محلا بالكاف من غير
1) البيتان من الطويل ، وهما لخفاف بن ندبة فى ديوانه ص 64 ، ولسان العرب (جلا) ، (علا) ، وتاج العروس (جلا). علوى : اسم فرسه. خام أى جبن. يأطر متنه : أى يثنيه ويعطفه ، وذلك كسره بالطعن.
احتشام منه ، ولا إنكار عليه. وذلك نحو قول التابع الصغير للسيّد الخطير : قد خاطبت ذلك الرجل ، واشتريت تينك الفرسين ، ونظرت إلى ذينك الغلامين ، فيخاطب الصاحب الأكبر بالكاف ، وليس الكلام شعرا فتحتمل له جرأة الخطاب فيه ، كقوله : لقينا بك الأسد ، وسألنا منك البحر ، وأنت السيّد القادر ، ونحو ذلك.
وعلّة جواز ذلك عندى أنه إنما لم تخاطب الملوك بأسمائها إعظاما لها ؛ إذ كان الاسم دليل المعنى ، وجاريا فى أكثر الاستعمال مجراه ؛ حتّى دعا ذاك قوما إلى أن زعموا (1)أن الاسم هو المسمّى. فلمّا أرادوا إعظام الملوك وإكبارهم تجافوا وتجانفوا عن ابتذال أسمائهم التى هى شواهدهم ، وأدلّة عليهم ، إلى الكناية بلفظ الغيبة ، فقالوا : إن رأى الملك أدام الله علوّه ، ونسأله حرس الله ملكه ، ونحو ذلك ، وتحاموا (إن رأيت) ، و (نحن نسألك) ؛ لما ذكرنا. فهذا هذا. فلمّا خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية وجرّدت للخطاب ألبتّة جاز استعمالها ؛ لأنها ليست باسم فيكون فى اللفظ به ابتذال له. فلمّا خلصت هذه الكاف خطابا البتّة ، وعريت من معنى الاسمية ، استعملت فى خطاب الملوك لذلك.
فإن قيل : فهلّا جاز على هذا أن يقال للملك ومن يلحق به فى غير الشعر (أنت) لأن التاء هنا أيضا للخطاب ، مخلوعة عنها دلالة الاسمية؟ قيل : التاء فى (أنت) وإن كانت حرف خطاب لا اسما ، فإن معها نفسها الاسم ، وهو (أن) من (أنت) فالاسم على كل حال حاضر ، وإن لم تكن الكاف وليس كذا قولنا (ذلك) ؛ لأنه ليس للمخاطب بالكاف هنا اسم غير الكاف ؛ كما كان له مع التاء فى (أنت) اسم للمخاطب نفسه ، وهو (أن). فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين.
ونحو من ذلك ما رآه أبو الحسن فى أن الهاء والياء فى (إيّاه) و (إيّاى) حرفان ، أحدهما للغيبة ، وهو الهاء ، والآخر للحضور ، وهو الياء. وذلك أنه كان يرى أن
1) فى اللسان (سما): «وسئل أبو العباس عن الاسم أهو المسمى أو غير المسمى؟ فقال : قال أبو عبيدة الاسم هو المسمى ، وقال سيبويه : الاسم غير المسمى. وهى مسألة كلامية فيها اختلاف. وانظر الإنصاف المنسوب للباقلانى 53 ، وتفسير البيضاوى فى سورة الفاتحة.
الكاف فى (إيّاك) حرف للخطاب ، فإذا أدخلت عليه الهاء والياء فى (إيّاه) و (إيّاى) قال : هما أيضا حرفان للغيبة والحضور ، مخلوعة عنهما دلالة الاسمية فى رأيته ، وغلامى ، وصاحبى. وهذا مذهب هول. وهو - وإن كان كذلك - جار على القوّة ، ومقتاس بالصحّة.
واعلم أن نظير الكاف فى رأيتك إذا خلعت عنها دلالة الاسميّة واستقرّت للخطاب - على ما أرينا - التاء فى قمت ، وقعدت ، ونحو ذلك ، هى هنا تفيد الاسميّة والخطاب ، ثم تخلع عنها دلالة الاسمية ، وتخلص للخطاب البتّة فى أنت وأنت. فالاسم (أن) وحده ، والتاء (من بعد) للخطاب.
وللتاء موضع آخر تخلص فيه للاسميّة ألبتة ، وليس (ذلك للكاف). وذلك الموضع قولهم : أرأيتك زيدا ما صنع. فالتاء اسم مجرّد من الخطاب ، والكاف حرف للخطاب مجرّد من الاسمية. هذا هو المذهب. ولذلك لزمت التاء الإفراد والفتح فى الأحوال كلّها ؛ نحو قولك للمرأة : أرأيتك زيدا ما شأنه؟ وللاثنين ، (وللاثنتين) أرأيتكما زيدا أين جلس؟ ولجماعة المذكّر والمؤنّث : أرأيتكم زيدا ما خبره؟ وأ رأيتكنّ عمرا ما حديثه؟ فالتغيير للخطاب لاحق للكاف ، والتاء - (لأنه) لا خطاب فيها - على صورة واحدة ، لأنها مخلصة اسما.
فإن قيل : هذا ينقض عليك أصلا مقرّرا. وذلك أنك إنما تعتلّ لبناء الأسماء المضمرة بأن تقول : إنّ شبه الحرف (غلب عليها ، ومعنى الاسم بعد عنها) وذلك نحو قولك : (ذلك) وأولئك ، فتجد الكاف مخلصة للخطاب ، عارية من معنى الاسم. وكذلك التاء فى أنت وأنت عارية من معنى الاسم ، مجرّدة لمعنى الحرف.
وأنت مع هذا تقول : إن التاء فى أرأيتك زيدا [أين هو ، ونحو ذلك قد أخلصتها اسما ، وخلعت عنها دلالة الخطاب. فإذا كانت قد تخلص فى موضع اسما ؛ كما خلصت فى آخر حرفا تعادل أمراها ، ولم يكن لك عذر فى الاحتجاج بإحدى حاليها.
(قيل : إن) الكاف فى (ذلك) جرّدت من معنى الاسمية ، ولم تقرن باسم المخاطب بها. والتاء فى أرأيتك زيدا] ما صنع لم تجرّد من معنى الحرفية إلا مقترنة
بما كان مرّة اسما ، ثم جرّد من معنى الاسمية ، وأخلص للخطاب والحرفيّة ، وهو الكاف فى (أرأيتك زيدا ما صنع) ونحوه. فأنت وإن خلعت عن تاء (أرأيتك زيدا ما خبره) معنى الحرفية فقد قرنت بها ما جرّدته من معنى الاسمية ، وهو الكاف بعدها ، فاعتدل الأمران باقتران الاسم ألبتّة بالحرف ألبتّة. وليس كذلك (ذلك) ؛ لأنك إنما معك الكاف المجرّدة لمعنى الخطاب ، لا اسم معها للمخاطب بالكاف ، فاعرف ذلك. وكذلك أيضا فى (أنت) قد جرّدت الاسم ، وهو (أن) من معنى الحرفية ، وأخلصت التاء ألبتّة بعده للخطاب ، كما أخلصت الكاف بعد التاء فى (أرأيتك عمرا ما شأنه) حرفا للخطاب.
فإن قلت : ف- (أن) من (أنت) لم تستعمل قطّ حرفا ، ولا خلعت دلالة الاسمية عنها ، فهذا يقوّى حكم الأسماء المضمرة ، كما أضعفها ما قدّمت أنت من حالها فى تجرّدها من معنى الاسمية وما غلب عليها من حكم الحرفيّة.
قيل : لسنا ندّعى أن كلّ اسم مضمر لا بدّ من أن يخلع عنه حكم الاسمية ويخلص للخطاب والحرفيّة ، فيلزمنا ما رمت إلزامنا إيّاه ، وإنما قلنا : إن معنى الحرفية قد أخلص له بعضها ، فضعف لذلك حكم جميعها ، وذلك أن الخلع العارض فيها إنما لحق متّصلها دون منفصلها - وذلك لضعف المتّصل - فاجترئ عليه لضعفه ، فخلع معنى الاسمية منه. وأمّا المنفصل فجار بانفصاله مجرى الأسماء الظاهرة القويّة المعربة. وهذا واضح.
فإن قلت : فى الأسماء الظاهرة كثير من المبنيّة نحو هذا ، وهذى ، [وتاك] وذلك ، والذى ، والتى ، وما ، ومن ، وكم ، وإذ ، ونحو ذلك ، فهلا لمّا وجد البناء فى كثير من المظهرة سرى فى جميعها ؛ كما أنه لمّا غلب شبه الحرف فى بعض المضمرة أجرى عليها جميعها ، على ما قدّمته؟
قيل : إن الأسماء المظهرة من حيث كانت هى الأول القدائم القويّة ، احتمل ذلك فيها ؛ لسبقها وقوّتها ؛ والأسماء المضمرة ثوان لها ، وأخلاف منها ، (ومعوّضة) عنها ، فلم تقوقوّة ما هى تابعة له ، ومعتاضة منه ، فأعلّها ما لا يعلّه ، ووصل إليها ما يقصر دونه.
وأيضا فإن المضمر المتصل وإن كان أضعف من الضمير المنفصل ، فإنه أكثر وأسير فى الاستعمال منه ؛ ألا تراك تقول : إذا قدرت على المتصل لم تأت بالمنفصل. فهذا يدلّك على أن المتصل أخفّ عليهم ، وآثر فى أنفسهم. فلمّا كان كذلك وهو مع ذلك أضعف من المنفصل ، وسرى فيه لضعفه حكم ، لزم المنفصل أعنى البناء ؛ لأنه مضمر مثله ، ولا حق فى سعة الاستعمال به.
فإن قيل : وما الذى رغّبهم فى المتّصل حتى شاع استعماله ، وصار متى قدر عليه لم يؤت بالمنفصل مكانه؟
قيل : علّة ذلك أن الأسماء المضمرة إنما رغب فيها ، وفزع إليها ؛ طلبا للخفّة بها بعد زوال الشكّ بمكانها. وذلك أنك لو قلت : زيد ضرب زيدا فجئت بعائده مظهرا مثله فى ذلك إلباس واستثقال. أما الإلباس فلأنك إذا قلت زيد ضربت زيدا لم تأمن أن يظن أن زيدا الثانى غير الأوّل ، وأن عائد الأوّل متوقّع مترقّب. فإذا قلت : «زيد ضربته» علم بالمضمر أن الضرب إنما وقع بزيد المذكور لا محالة ، وزال تعلّق القلب لأجله وسببه. وإنما كان كذلك لأن المظهر يرتجل ، فلو قلت : زيد ضربت زيدا لجاز أن يتوقع تمام الكلام ، وأن يظن أن الثانى غير الأوّل ؛ كما تقول : زيد ضربت عمرا ، فيتوقّع أن تقول : فى داره ، أو معه ، أو لأجله. فإذا قلت : «زيد ضربته» قطعت بالضمير سبب الإشكال ؛ من حيث كان المظهر يرتجل ، والمضمر تابع غير مرتجل فى أكثر اللغة.
فهذا وجه كراهية الإشكال.
وأمّا وجه الاستخفاف فلأنك إذا قلت : العبيثران (1)شممته ، فجعلت موضع التسعة (2)واحدا ، كان أمثل من أن تعيد التسعة كلها ، فتقول : العبيثران شممت العبيثران. نعم ، وينضاف إلى الطول قبح التكرار المملول. وكذلك ما تحته من العدد الثمانيّ والسباعىّ فما تحتهما ، هو على كل حال أكثر من الواحد.
فلمّا كان الأمر الباعث عليه ، والسبب المقتاد إليه ، إنما هو طلب الخفّة به ، كان
المتصل منه آثر فى نفوسهم ، وأقرب رحما عندهم ؛ حتى إنهم متى قدروا عليه لم يأتوا بالمنفصل مكانه.
فلذلك لمّا غلب شبه الحرفية على المتصل بما ذكرناه : من خلع دلالة الاسمية عنه فى ذلك ، وأولئك ، وأنت ، وأنت ، وقاما أخواك ، وقاموا إخوتك :
و* ... يعصرن السليط أقاربه (1)
ولكن ديافيّ أبوه وأمّه
بحوران يعصران السليط أقاربه
السليط : الزيت.
*و* قلن الجوارى ما ذهبت مذهبا (2)
حملوا المنفصل عليه فى البناء ؛ إذ كان ضميرا مثله ، وقد يستعمل فى بعض الأماكن فى موضعه ؛ نحو قوله :
أى بلغتك ، وقول أبى بجيلة ، - وهو بيت الكتاب - :
كأنّا يوم قرّى إنّ
ما نقتل إيّانا (4)
1) جزء من البيت وهو من الطويل ، للفرزدق فى ديوانه 1 / 46 ، والاشتقاق ص 242 ، وتخليص الشواهد ص 474 ، وخزانة الأدب 5 / 163 ، 5 / 234 ، 235 ، 237 ، 239 ، 7 / 346 ، والدرر 2 / 285 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 491 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 336 ، 626 ، وشرح المفصل 3 / 89 ، 7 / 7 ، والكتاب 2 / 40 ، ولسان العرب (سلط) ، (دوف) ، وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص 150 ، والخزانة 7 / 446 ، 11 / 373 ، ورصف المبانى ص 19 ، 332 ، وسر صناعة الإعراب ص 446 ، ولسان العرب (خطأ) ، وهمع الهوامع 1 / 160. وتتمة البيت :
2) الرجز بلا نسبة فى لسان العرب (عيب) ، (كعثب) ، وتهذيب اللغة 3 / 305 ، وتاج العروس (عيب) ، (كعثب). ويروى : قال بدلا من قلن. وبعده :
3) الرجز لحميد الأرقط فى تخليص الشواهد ص 92 ، وخزانة الأدب 5 / 280 ، 281 ، وشرح المفصل 3 / 101 ، 103 ، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص 169 ، والإنصاف ص 699 ، وتخليص الشواهد ص 85 ، ورصف المبانى ص 138 ، والكتاب 2 / 362 ، واللمع فى العربية ص 189.
4) البيت من الهزج ، وهو لذى الإصبع العدوانى فى ديوانه ص 78 - 79 ، وتاج العروس (قرر) ، (حسن) ، (أيا) ، ولسان العرب (حسن) ، (أيا) ، وبلا نسبة فى المخصص 15 / 88.
وبيت أميّة :
بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت
إيّاهم الأرض فى دهر الدهارير (1)
وكذلك قد يستعمل المتّصل موضع المنفصل ؛ نحو قوله :
فما نبالى إذا ما كنت جارتنا
ألا يجاورنا إلّاك ديّار (2)
وما علينا إذا ما كنت جارتنا
أن لا يجاورنا إيّاك ديّار
فإن قلت : زعمت أن المتصل آثر فى نفوسهم من المنفصل ، وقد ترى إلى كثرة استعمال المنفصل موضع المتصل ، وقلّة استعمال المتصل موضع المنفصل ، فهلّا دلّك ذلك على خلاف مذهبك؟
قيل : لمّا كانوا متى قدروا على المتّصل لم يأتوا مكانه بالمنفصل ، غلب حكم المتصل ، فلمّا كان كذلك عوّضوا منه أن جاءوا فى بعض المواضع بالمنفصل فى موضع المتصل ؛ كما قلبوا الياء إلى الواو فى نحو الشروى ، والفتوى ؛ لكثرة دخول الياء على الواو فى اللغة.
ومن ذلك قولنا : «ألا قد كان كذا ،» وقول الله سبحانه : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) [هود : 5] ، ف- (ألا) هذه فيها هنا شيئان : التنبيه ، وافتتاح الكلام ، فإذا جاءت معها (يا) خلصت افتتاحا (لا غير) ، وصار التنبيه الذى كان فيها ل- (يا)
1) البيت من البسيط ، وهو للفرزدق فى ديوانه 1 / 214 ، وخزانة الأدب 5 / 288 ، 290 ، والدرر 1 / 195 ، وشرح التصريح 1 / 104 ، والمقاصد النحويّة 1 / 274 ، ولأميّة أو للفرزدق فى تخليص الشواهد ص 87 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 129 ، والإنصاف 2 / 698 ، وأوضح المسالك 1 / 92 ، وتذكرة النحاة ص 43 ، وشرح ابن عقيل ص 56 ، 60 ، وهمع الهوامع 1 / 62. ويروى : بالباعث الوارث بدلا من : بالوارث الباعث.
2) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 129 ، وأمالى ابن الحاجب ص 385 ، وأوضح المسالك 1 / 83 ، وتخليص الشواهد ص 100 ، وخزانة الأدب 5 / 278 ، 279 ، 325 ، والدرر 1 / 176 ، وشرح الأشمونى 1 / 48 ، وشرح شواهد المغنى ص 844 ، وشرح ابن عقيل ص 52 ، وشرح المفصّل 3 / 101 ، ومغنى اللبيب ص 2 / 441 ، والمقاصد النحويّة 1 / 253 ، وهمع الهوامع 1 / 57. ويروى :
دونها. وذلك نحو قول الله عزّ اسمه : «ألا يا اسجدوا لله» (1)[النمل : 25] ، وقول الشاعر :
ألا يا سنا برق على قلل الحمى
لهنّك من برق علىّ كريم (2)
ومن ذلك واو العطف ؛ فيها معنيان : العطف ، ومعنى الجمع. فإذا وضعت موضع (مع) خلصت للاجتماع ، وخلعت عنها دلالة العطف ؛ نحو قولهم : استوى الماء والخشبة ، وجاء البرد والطيالسة.
ومن ذلك فاء العطف ؛ فيها معنيان : العطف ، والإتباع. فإذا استعملت فى جواب الشرط خلعت عنها دلالة العطف ، وخلصت للإتباع. وذلك قولك : إن تقم فأنا أقوم ، ونحو ذلك.
ومن ذلك همزة الخطاب فى (هاء يا رجل) ، و (هاء يا امرأة) ؛ كقولك : (هاك) و (هاك) فإذا ألحقتها الكاف جرّدتها من الخطاب ؛ لأنه يصير بعدها فى الكاف ، وتفتح هى أبدا. وهو قولك : هاءك ، وهاءك ، وهاءكما ، وهاءكم.
ومن ذلك (يا) فى النداء ؛ تكون تنبيها ، ونداء ، فى نحو يا زيد ، ويا عبد الله.
وقد تجرّدها من النداء للتنبيه ألبتّة ؛ نحو قول الله تعالى : «ألا يا اسجدوا» [النمل : 25] [كأنه قال : ألا ها اسجدوا].
وكذلك قول العجّاج :
1) والاستشهاد بالآية على تخفيف ألا. وهى قراءة الكسائى وأبى جعفر وابن عباس وآخرين. وقراءة العامة : ألّا يسجدوا ، بتشديد (ألّا).
2) البيت من الطويل ، وهو لمحمد بن سلمة فى لسان العرب (لهن) ، (قذى) ، ولرجل من بنى نمير فى خزانة الأدب 10 / 338 ، 339 ، 351 ، وبلا نسبة فى الأشباه والنظائر 2 / 144 ، وأمالى الزجاجى ص 250 ، والجنى الدانى ص 129 ، وجواهر الأدب ص 83 ، 333 ، والدرر 2 / 191 ، وديوان المعانى 2 / 192 ، ورصف المبانى ص 44 ، 121 ، 233 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 371 ، 2 / 552 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 602 ، وشرح المفصل 8 / 63 ، 9 / 25 ، 10 / 42 ، ولسان العرب (أنن) ، ومجالس ثعلب 1 / 113 ، 2 / 413 ، ومغنى اللبيب 1 / 231 ، والمقرب 1 / 107 ، والممتع فى التصريف 1 / 398 ، وهمع الهوامع 1 / 141.
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى (1)
بسمسم وعن يمين سمسم*
*إنما هو كقولك : ها اسلمى. وهو كقولهم : (هلمّ) فى التنبيه على الأمر.
وأما قول أبى العباس : إنه أراد : ألا يا هؤلاء اسجدوا فمردود عندنا. وقد كرّر ذلك أبو علىّ فى غير موضع ، فغنينا عن إعادته.
تم بفضل الله تعالى الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثانى
وأوله : باب فى تعليق الأعلام على المعانى دون الأعيان
1) الرجز للعجاج فى ديوانه 1 / 442 ، والأشباه والنظائر 2 / 145 ، والإنصاف 1 / 102 ، وجمهرة اللغة ص 204 ، 649 ، ولسان العرب (سمسم) ، وتاج العروس (سمم) ، ولرؤبة فى ملحق ديوانه ص 183 ، ولسان العرب (علم). وبعده :
مقدمة المحقق.................................................................... 3
منهج التحقيق................................................................... 5
ترجمة ابن جنى................................................................... 6
جهود ابن جنى فى الكشف عن الدلالة الفنية للأصوات دراسة نظرية تطبيقية)......... 16
الدلالة الصوتية فى الدراسات الحديثة.............................................. 31
مقدمة المؤلف.................................................................. 55
باب القول على الفصل بين الكلام والقول........................................ 58
باب القول على اللغة وما هى................................................... 87
باب القول على النحو.......................................................... 88
باب القول على الإعراب........................................................ 89
باب القول على البناء........................................................... 91
باب القول على أصل اللغة إلهام هى أم اصطلاح.................................. 94
باب ذكر علل العربية أكلامية هى أم فقهية...................................... 100
باب القول على الاطراد والشذوذ............................................... 137
باب فى تقاود السماع وتقارع الانتزاع........................................... 142
باب فى مقاييس العربية........................................................ 149
باب فى جواز القياس على ما يقل ورفضه فيما هو أكثر منه....................... 154
باب فى تعارض السماع والقياس................................................ 156
باب فى الاستحسان.......................................................... 169
باب فى تخصيص العلل........................................................ 178
باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوزة................................ 192
باب فى تعارض العلل......................................................... 194
باب فى أن العلة إذا لم تتعد لم تصح............................................ 196
باب فى العلة وعلة العلة....................................................... 200
باب فى حكم المعلول بعلتين................................................... 202
باب فى إدراج العلة واختصارها................................................. 207
باب فى دور الاعتلال......................................................... 209
باب فى الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو فى نفسه عن إحكام العلة 211
باب فى الاعتلال لهم بأفعالهم.................................................. 213
باب فى الاحتجاج بقول المخالف.............................................. 215
باب القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة............................... 216
باب فى الزيادة فى صفة العلة لضرب من الاحتياط................................ 219
باب فى عدم النظير........................................................... 222
باب فى إسقاط الدليل........................................................ 223
باب فى اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين...................... 224
باب فى الدور ، والوقوف منه على أول رتبة...................................... 231
باب فى الحمل على أحسن الأقبحين............................................ 234
باب فى حمل الشىء على الشىء من غير الوجه الذى أعطى الأول ذلك الحكم....... 235
باب فى الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعانى............. 237
باب فى أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها....... 254
باب فى الحمل على الظاهر وإن أمكن أن يكون المراد غيره......................... 265
باب فى مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرا وحكما لا زمانا ووقتا....................... 269
باب فى فرق بين البدل والعوض................................................ 276
باب فى الاستغناء بالشىء عن الشىء........................................... 278
باب فى عكس التقدير........................................................ 283
باب فى الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى.................................. 289
باب فى أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان فى حكم الملفوظ به إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه 293
باب فى نقض المراتب إذا عرض هناك عارض.................................... 300
باب من غلبة الفروع على الأصول.............................................. 306
باب فى إصلاح اللفظ........................................................ 317
باب فى تلاقى اللغة........................................................... 324
باب فى هل يجوز لنا فى الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو لا.................... 326
باب فى الاعتراض............................................................ 336
باب فى التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين....................................... 342
باب فى تدريج اللغة........................................................... 348
باب فى أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب......................... 356
باب فى الفصيح يجتمع فى كلامه لغتان فصاعدا.................................. 368
باب فى تركب اللغات......................................................... 372
باب فيما يرد عن العربى مخالفا لما عليه الجمهور................................... 381
باب فى امتناع العرب من الكلام بما يجوز فى القياس............................... 386
باب فى ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر......................... 393
باب اختلاف اللغات وكلها حجة.............................................. 398
باب فى العربى الفصيح ينتقل لسانه............................................. 401
باب فى العربى يسمع لغة غيره أيراعيها ويعتمدها أم يلغيها ويطرح................... 402
باب فى الامتناع من تركيب ما يخرج عن السماع.................................. 405
باب فى الشىء يسمع من العربى الفصيح لا يسمع من غيره........................ 409
باب فى هذه اللغة : أفى وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط............. 414
باب فى اللغة المأخوذة قياسا................................................... 422
باب فى تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية............................... 424
باب فى المثلين كيف حالهما فى الأصلية والزيادة وإذا كان أحدهما زائدا فأيهما هو.... 433
باب فى الأصلين يتقاربان فى التركيب بالتقديم والتأخير............................ 442
باب فى الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه باب فى الاشتقاق الأكبر.... 451
باب فى قلب لفظ إلى لفظ بالصنعة والتلطف لا بالإقدام والتعجرف................ 455
باب فى اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فى الحروف والحركات والسكون............ 459
باب فى اتفاق المصاير ، على اختلاف المصادر................................... 466
باب فى ترافع الأحكام........................................................ 470
باب فى تلاقى المعانى ، على اختلاف الأصول والمبانى............................. 474
باب فى الاشتقاق الأكبر...................................................... 490
باب فى الإدغام الأصغر....................................................... 495
باب فى تصاقب الألفاظ لتصاقب المعانى........................................ 499
باب فى إمساس الألفاظ أشباه المعانى........................................... 505
باب فى مشابهة معانى الإعراب معانى الشعر..................................... 517
باب فى خلع الأدلة........................................................... 527
فهرس الموضوعات............................................................ 541