الکلمات الحکمیة فی قنادیل العارفین

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

الکلمات الحکمية في قناديل العارفين

الكاتب: آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي

لسان: العربية

الناشر: دار الصادقين - النجف اشرف - العراق

سنة النشر: 1435 هجري قمري|2014 میلادي

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

المقدمة:

كتاب قناديل العارفين، عبارة عن مراسلات أخلاقية في تهذيب النفس وطهارة القلب، بين السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وسماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله)، والكتاب من أروع ما خط في التزكية والتهذيب، وكلماته الحكمية كانت في طول الكتاب كله، مما لا يستغني عنه الباحثون عن الكمال والحب، ومريدي طريق الوصال والقرب، جعلنا الله تعالى منهم،

وحشرنا معهم بمحمد وآله.

والكتاب عبارة عن اشراقات روحية طاهرة ونقية استثارتها اسئلة ومشاكل مرّت بشابٍ متحمس للسعي نحو الكمال وإصلاح نفسه ومجتمعه، وقد صدرت هذه النفحات القدسية من قلب السيد الشهيد الصدر (قدس سره) وهو في قمة تأملاته وتفرّغه وخلوته ونضجه الروحي، ويقول سماحة الشيخ اليعقوبي عن تلك الرسائل النفيسة التي جرت بينهما (لم أجد بُدّاً الآن من نشرها بعد ان وجدت ابتعاد (المؤمنين) فضلاً عن غيرهم عن الاخلاص والترفع عن الدنيا والانانية ووجدت الامراض

القلبية متفشية في الامة بدرجة خطيرة تنذر بانهيار مقومات المجتمع الاسلامي الفاضل).

ويشرح سماحته طريقة اخذ مثل هذه التعاليم السامية والعمل بها، فيقول: (ولي ثقة كبيرة بقراء هذا الكتاب ان يأخذوا بنصائحه من عدم تحميل النفس ما لا تطيق وان يتركوا أي عمل يسبب لهم ضيقاً وحرجاً وان يعملوا بالتقية من النفس كما يعملوا بها من الآخرين وان يعلموا انهم اساؤا التطبيق كلما وجدوا انفسهم بعيدين عن الاتجاه الاسلامي العام الذي سار عليه المتدينون تبعاً لائمتهم (عليهم السلام). كما

لا ينبغي لهم ان يغفلوا عما نذكره في بياناتنا في سلسلة (خطاب المرحلة) وغيرها من الاصدارات لان الرسائل يعود تاريخها إلى عشرين عاماً وكتبت في ظروف تختلف تماماً عما نحن فيه مما يعني تغير الكثير من التكاليف).

نسال الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إليه، ويعصمنا من الذنوب، ويشرق قلوبنا بحبه ونوره فإنه لا ينال ذلك إلا بفضله وهداه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

معنى من عرف نفسه فقد عرف ربه:

له تفسيرات عديدة نذكر منها: الاول:... فمن عرف عمل نفسه أي العمل المناسب لها عرف عمل ربه أي العمل المناسب له، ومن عرف مصلحة نفسه أي مصلحته تجاهها فقد عرف مصلحة ربه، أي مصلحته تجاهه جلّ جلاله. ونحو ذلك من التقديرات الممكنة. الثاني: من عرف نفسه أي ان انفتاحها الكامل هو الغاية فقد عرف ربه أي ان القرب الكامل اليه هو الغاية، فان اليه المنتهى واليه الرجعى. الثالث: من عرف نفسه في افعالها، بحسب التصرفات الروحية

التي سبق ان قلناها، فقد عرف ربه بحسب تصرفه في الكون، وبحسب الحديث القدسي: عبدي اطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون. الرابع: من عرف نفسه بانفتاحها الكامل فقد عرف ربه لانها عندئذ تكون هي الطريق الى القرب المعنوي منه تبارك وتعالى.

معنى الزهد القلبي:

وتتلخص فكرته بأمور: 1 - ان لا تفرح بما أتاك ولا تحزن على ما فاتك. 2 - ان لا تجعل للاهتمام بالدنيا الى قلبك سبيلاً. 3 - لا تفكر لها مدبر. 4 - التسليم بأمر الله سبحانه والرضا بقضائه مهما كان. 5 -

الاعتراف بالذل والعجز امامه سبحانه... الخ

من معاني الأستاذ والمرشد:

والاستفادة من تجارب الآخرين ضرورية بل اكثر من ضرورية وتجارب الآخرين وان قصدنا بها تجارب الاولياء والصالحين في هذا الطريق... الا ان كل عمل مهما كان مهماً او رديئاً فإن فيه موعظة وفي بعض الروايات: انه قيل للقمان الحكيم (عليه السلام): ممن تعلمت الحكمة؟ قال: من الجهلاء.

أهمية العمل لتحصيل المراتب المعنوية:

عن ميسر بن عبد العزيز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: (يا ميسر أدع ولا تقل: إن الأمر قد فرغ منه، إن عند الله عز وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة، ولو أن عبداً سد فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً، فسل تعط، يا ميسر انه ليس من باب يقرع إلا يوشك ان يفتح لصاحبه).

الشكوى من فقدان الموجه وعلاجها:

هذه شكوى يشكوها العديد مع الاسف... والمواجهة الصحيحة لمثل هذه الحالة تتكون من عدة فقرات:

1 - التسليم والرضا بما قسم الله من

الانفراد. 2 - معرفة كونه نعمة من الله سبحانه لكونه اعلم بالمصلحة والرحمة. 3 - معرفة كونه عبادة لأن فيه بعداً عن (ديار الظالمين). 4 - الاستمداد من معاني الادعية والاذكار. 5 - الاستمداد من نصوص الروايات. وفي هاتين الفقرتين كلما مال اليه القلب وتعجب منه الذهن فهو النافع. 6 - الاستمداد من الآيات الكونية النفسية والآفاقية بالتفكير في خلق الله سبحانه ايا كان بابه، فإن تفكير ساعة خيرٌ من عبادة سنة. 7 - الاعتبار بكل ما يصدر من الآخرين من اقوال وافعال، طبقاً

للحكمة التي نقلناها عن لقمان الحكيم (عليه السلام). 8 - الاستمداد من الكلام الحق الذي قد يصدف سماعه من الآخرين مهما كان قائله وضيعاً أو عظيماً اجتماعياً. هذا مضافاً الى كتاب الله سبحانه الذي هو معين لا ينضب وبئر لا ينزفه متح الماتحين على حد قول امير المؤمنين (عليه السلام).

عدم تحميل النفس ما يكسرها:

اخذ الطاقة والوسع للنفس اكثر من ضروري، وعلامته انك قد تشعر بالسأم او الضعف او الهواجس غير المستحسنة. فيجب فوراً ترك ما باليد من التزام مهما كان هدفه مهماً. بل يحسن جداً عدم الضغط

على النفس الى حد الوصول الى ذلك بل ترك الالتزام قبل ان يحصل السأم. فان الضغط الكثير قد تحصل منه المضاعفات التي لا يعلم نتائجها ومحتواها الا الله سبحانه. أجارنا الله سبحانه جميعاً من كل سوء وعثار.

الرياضات المطلوبة:

ان انفتاح اي ملكة روحية للانسان يحتاج الى رياضات وصعوبات سلوكية يمر بها الفرد كمقدمة وسبب لذلك الانفتاح بما فيه الانفتاح الروحي الحق المطلوب. ولذا أمرنا بالزهد في المطعم والملبس والمشرب

والمسكن والمنام والكلام.

والمهم الآن تطبيق بعض (الرياضات) المطابقة للشريعة، منها: السهر للعبادة، ومنها: كف اللسان والسماع عن كل ما لا يعنيه (وما اكثر ما لا يعنيه) ومنها: قلة الطعام والشراب الى حدّ ما (في حدود التقية المشار اليها)... ولا حاجة فعلاً الى اكثر من ذلك.

برنامج عبادي:

هذا المنهاج ممكن بمعنى، وغير ممكن بمعنى آخر، اذ تحول بينه وبين تفاصيله حوائل اجتماعية اولاً، ومعنوية ثانياً، ونفسية ثالثاً. الا ان كل هذه العوائق لا تحول دون سعة

رحمته ونعمته تبارك وتعالى، فالشيء الممكن الذي اقوله فعلاً:

1 - خذ بنظر الاعتبار ما قلناه...

2 - إذا بقيت لديك طاقة فالأفضل الالتزام بالصلاة الإحدى والخمسين، يعني الفرائض والنوافل اليومية كلها، وصم يومين أو ثلاثة في الأسبوع - إن أمكن - وكثرة السجود نسبياً استغفاراً أو شكراً.

3 - الاعتصام القلبي الواضح بالمعصومين (عليهم السلام) فانهم ابواب الله وخزنة علمه والعروة الوثقى التي لا تنفصم والعماد الذي لا يميل ومخاطبتهم

بالدعاء للمطلوب، وبخاصة الحسين (عليه السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام) وكلهم ابواب النجاة سلام الله عليهم اجمعين.

4 - التوكل على الله سبحانه والاستمداد منه العون والتأييد والنصر (ولولا نصرك لكنت من الخاسرين)، (وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان... الخ).

خطوات لدفع السأم:

واذا حصل ذلك امكن دفعه بعدة امور منها: 1 - ممارسة شيء مفرح دنيوياً كمطالعة قصة او نزهة. 2 - الخلود الى

الهدوء ولو اوجب الغفلة والبعد المؤقت. 3 - تغيير ما في اليد من طاعة الى طاعة اخرى، أو من ذكر الى ذكر، على ان يكون الثاني مما رغبت به النفس ولم تنفر منه.

سبيل التربية:

ان التربية المعنوية انما هي باللقاء لا بالكتابة. فان الكتابة مهما كانت مفيدة الا انها لا نسبة لها الى الملاقحة باللقاء والكلام.

الحذر من العجب:

وأحذرك من أمرين: الأول: اكرر ان لا تكلف نفسك ما لا تطيق، الثاني: أن لا يأخذك العجب من طاعتك فإن عظمة الله

سبحانه اجلّ من أن يستوفي حقها عبادة كل المخلوقين فضلاً عن مخلوق واحد مهما أوتي من قوة. ونعمته أوسع من أن يشملها الشكر وأوصافه اجلّ من أن يستوعبها الثناء. والعبادة بكل أشكالها من ألطافه جلّ جلاله فكيف يمكن تقديمها اليه كشيء مستقل عنه فضلاً عن الفرح بها فضلاً عن العجب.

الهداية الحقيقية:

انه كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): (لأن يهدي الله على يديك عبداً من عباد الله خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها الى

مغاربها). والهداية الحقيقية انما هي بمضمون (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

التقية:

لا تحاسب نفسك كثيراً لأنها قد تثور عليك.

والمهم انه اذا حصل الضيق النفسي من الطاعة، فمسلك الجهاد الاكبر يقتضي الضغط على النفس والاستمرار بالطاعة، ولكن اذا (دللّ) الانسان نفسه بترك الطاعة مراراً فاين يذهب الجهاد الاكبر... الا ان الشيء الذي كان ينهاني عنه (مولاي) قدس الله روحه الزكية هو الضيق الموجب

للمضاعفات فان النفس بطبعها الاولي منبع الشر فقد تفعل عند الضيق اموراً لا يحمد عقباها، ودلالة ذلك انه يخطر في البال خواطر غير محمودة ولا سائغة فان وصل الامر بالفرد الى هذه الدرجة امكن له احد امرين:

الامر الاول: التوصل الى التخفيف من اثر هذه الخواطر بالبراءة الى الله سبحانه منها واعلان عدم رضاه منها، والتوكل على الله صحيحاً في ازالتها ووضع شرها. الامر الثاني: تغيير اسلوب الطاعة الى طاعة اخرى مطلوبة ايضاً في زمانه ومكانه ذاك. فان تغيير العمل يوجب اسكات النفس

بمقدار ما او قل: راحتها النسبية، فان افاد هذان الامران وهو في الغالب يفيد في الضيق القليل كان للفرد ان يستمر في الطاعة. واما ان لم يفد ذلك وكان اللازم اللجوء الى الراحة والأخذ باعمال الدنيا ريثما تضع الحرب اوزارها.

الاقتصاد في الإنفاق:

الاقتصاد في الإنفاق يجب أن يقتصر على النفس ولا يشمل العائلة فإنهم غير مكلفين بما أنت مكلف به ولا مدركين لما أنت مدرك له. والتوسعة على العيال مستحب مع سعة اليد ولا يحول دون ذلك إلاّ حرمة الاسراف

والتبذير. نعم، تعويدهم على القليل نسبياً بنيّة تقريبهم الى الطريق نسبياً ايضا وتجنيبهم (الشبهات) مهما كانت(1)(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً) ... امر راجح على اي حال.

معنى القلب السليم:

القلب السليم، ومعناه...، منها: إفراغ القلب عن حب الدنيا والاهتمام بها، ومنها: إفراغ القلب عن الحقد على الآخرين في سبيل المصلحة الشخصية، ومنها: إفراغ القلب عن غير طاعات الله القلبية.


1) سوره 66- آیه 6

حديث مهم:

فعن الرضا (عليه السلام): (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه وسنة من نبيه، وسنة من وليه، فاما السنة من ربه فكتمان سره، قال الله عز وجل:(1)(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ)، وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فان الله عز وجل أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمداراة الناس فقال:(2)(خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ)، واما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء). وهو من الاخبار المباركة


1) سوره 72- آیه 26

2) سوره 7- آیه 199

التي يكون الاخذ بكل فقراتها اكثر من ضروري بالنسبة لي ولك ولكل ذوي السلوك الصالح.

الجهاد الأصغر وأهمية الجهاد الأكبر:

الجهاد الاصغر في حدوده مهم جداً إلا انه لا ينبغي ان يعيقك او يلهيك عن الجهاد الأكبر، وإنما ثوابه وأهميته مستمدة منه فيما اعتقد. ومع فراغ الجهاد الأصغر عن جنبة الجهاد الأكبر بالمرة فلا قيمة له عند الله على الإطلاق كما لو حصل بدوافع دنيوية. ومحل الشاهد ان إعاقته عن الجهاد الأكبر مؤسف جداً. الا اذا وصل حال الفرد الى درجة

يقتنع فيها بانتصاره في الجهاد الاكبر ووصوله الى النتائج المتوخاة، عندئذ له ان يلتفت الى الناس فيهديهم كالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).

الطهارة:

حاول ان تكون على طهارة من الحدث من كلا نوعيه الأكبر والأصغر باستمرار وارفع الحدث بعد حصوله مباشرة. وان امكن - وهذا دونه في الفضل - وهو البقاء على طهارة من الخبث أي النجاسات الاعتيادية، باستمرار لو أمكن ما عدا الضرورات كالمرض، أو الضيق النفسي وعدم التحمل.

متابعة التلفاز:

حاول ان لا تسمع راديو ولا تنظر الى تلفزيون صورة ولا صوتاً بقصد مجرد اللهو، فان اللهو مع الحاجة اليه يكفي فيه الكتب والعائلة والطعام والشراب والجهاد الاصغر ونحوه ولا ينبغي ان يشمل الراديو والتفزيون حتى وان كان الشيء الصادر فيها حلالاً فضلاً عما اذا كان حراماً. ولكن ممارستها المحللة بقصد راجح لا بأس به كما لو كان بقصد الاهتمام بأمور المسلمين او البحث عن عبرة او موعظة مقصودة او غير مقصودة لقائلها، او الاطلاع على قوانين خلق الله سبحانه في الارض والسماء،

ولكن ذلك مهما كان لا ينبغي ان يحول دون التزام الفرد بالجهاد الاكبر على اي حال.

فرصة الوجود في الدنيا:

وهل هي الا فرصة لن تتكرر وهي وجودنا في الدنيا دار الطاعة والتكامل. اما اذا خسرناها أو خسرنا بعضها فهو يوم الحسرة والندامة،(1)(أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ)... (2)يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ.. (3)أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.

ثقل الحقائق الملكوتية:

ان عدم التحمل او الشعور بقلة الطاقة تجاه


1) سوره 35- آیه 37

2) سوره 39- آیه 56

3) سوره 7- آیه 53

بعض الحقائق على قسمين: الأول: العبء الخفيف، الذي يزول بشيء من التأمل... وهذا هو الذي يسار عليه عادة في السلوك الصالح. الثاني: العبء الثقيل الذي يكون صعب الإزالة جداً، وقد تكون له مضاعفات، ومن آثاره على السامع؛ انكار القول أولاً، والاستنكار على صاحبه ثانياً، وانشغال البال بمناقشاته برهة من الزمن ثالثاً، وقد تكون هناك آثار أخرى أعاذنا الله تعالى منها. مع العلم أن الفكرة حق وقائلها محق.

لماذا تُكتم الأسرار؟

الحقائق ذات مستويات مختلفة فقد يثقل

بعضها على شخص لا يثقل على شخص آخر. وقد يؤدي الثقل النفسي الى مضاعفات غير محمودة على الفرد او عليه وعلى غيره وليس من الصدفة او من البخل ان كتم الائمة (عليهم السلام) علومهم الخاصة وشكا امير المؤمنين (عليه السلام) - في كلامه الى كميل - من قلة الآذان الواعية والصدور الحافظة.

لا نستعجل قطف الثمار:

لا ينبغي ان يكون للفرد (خطيئة) كخطيئة آدم (عليه السلام) بناء على تفسير الفيض الكاشاني (عليه الرحمة) من ان الشجرة

التي حاول آدم (عليه السلام) ان يأكل منها هي: شجرة علم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وإنما نهاه الله سبحانه عنها لقلة تحمله وعدم لزوم العجلة في ذلك... فليكن هذا واعظاً لنا عن تعجل الأمور قبل وقتها ومن المستحيل في رحمة الله سبحانه ان تتأخر النتائج عن وقتها يا حبيبي.

تقديس القيادات الدينية:

إن الديدن في الحوزة العلمية وفي كثير من القيادات الدينية حتى المنفتحة اجتماعياً هو تقديس القائد والمفكر بالذات وإعطائه أهمية خاصة، بل اعرف شعور نفس القائد والمفكر بذلك مع الأسف، وهذا وإن كان

لا يضرّ جماعة من ذوي التفكير الديني الاعتيادي إلا أن التدقيق يجعله باطلاً وشركاً.

النفس والهوى:

من اهم ما أثّر في نفسي فيما سبق من الدهر قوله تعالى:(1)(وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى). حيث فهمت منها أنه يجب على الفرد أن ينهى نفسه عن كل هوى، حتى وان كان من المباحات، طبعاً ما لم تقتض (التقية) خلاف ذلك، اعني بها التقية من النفس نفسها يعني عدم تحميلها ما لا تطيق


1) سوره 79- آیه 40

والتقية من الآخرين بحفظ الظاهر معهم.

الداء المهلك:

مولاي: يوجد في بعض الروايات عن الفرد الذي يبدأ السلوك الصالح و (يفرّ الى الله) ما مضمونه: إن الله يبدأ بالفرد أو بالعبد فيعرّفه عيوب نفسه فيشتغل بها عن عيوب الآخرين ثم يعرفه داء الدنيا ودوائها. ولولا عيوب النفس لتجرد الفرد لله وطاعته من أول الأمر، وإنما هي التي تزيّن له حب الدنيا والطموحات وطاعة الشيطان والخضوع للخلق وغير ذلك كثير، أعاذنا الله منها جميعاً. ولن يكون للفرد في «عالم الملكوت) او نحوه نصيب إلا إذا انطمس

عنده ذلك تماماً. ولذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (موتوا قبل أن تموتوا)، وهو الموت المعنوي، اي موت الهوى والشهوات واللذائذ بمختلف أشكالها واتجاهاتها.

شرط التألق الروحي:

وعن النبي عيسى (عليه السلام): (الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى احداهما تسخط الاخرى)، كذلك (النفس الامارة) و (الروح) فكلما زادت الشهوات وسيطرت على فكر الانسان وسلوكه كلما انطمس الجانب الروحي وتلاشى. كما ان العكس

صحيح، وانه كلما قلّت الشهوات زاد الجانب الروحي، حتى ما اذا حصل لها الانطماس و (الموت) الكامل، كان الجانب الروحي واضحاً متألقاً.

تحذير السالك من طلب الدنيا:

إن أول الأهداف التي يذكرها (الواعظون) للفرد السالك هي ما يسمى بلغة العصر (بالظواهر الباراسايكو لوجية) حيث تبدأ بالتدريج بالظهور لدى الفرد بمقدار ما يستطيع هو من العمل وتطبيق المنهج الذي يتخذه... ولكن نقطة ضعفه الوحيدة في وجداني هو ان (طلب) يعني: استهداف تلك الأمور تعتبر من دنو الهمة وسيطرة

الجهل بعد ان اوضح الله سبحانه في كتابه العزيز وعلى لسان أوليائه أهدافاً أعلى واهم، وان طلب هذه الظواهر يعدل في فهمي طلب الدنيا، ويؤثر كالدنيا في البعد عن الأهداف الحقيقية الإلهية، فان حصل منها شيء بفضل الله خلال المنهج فهو نعمة على نعمة، وان لم يحصل منها شيء كانت رحمة إضافية حيث لا يريد الله تعالى لعبده أن يلهيه عن ذكره وطاعته.

الأهداف المهمة للسالك:

فالأهداف المهمة هي، رضا الله سبحانه وتعالى، الحصول على القلب السليم،

التوحيد الخالص، ولاية اهل البيت (عليهم السلام). كل ذلك بالمعنى الذي يعرفه الله سبحانه - لا العبد - ويراه صالحاً له. وأما الاهداف الاخرى: كجعل النور للفرد أو لسان صدق علياً او غير ذلك فهي أهداف صحيحة فعلاً إلا أنها تعتبر لو قيست بغيرها من الإفاضات والمراحم العليا التي قد يهبها الرب لعبده عندما يرى المصلحة في ذلك.

العجب من مؤلفي كتب العرفان:

وإنه يتزايد عجبي ليس الآن بل من سابق من الزمان من مؤلفي الكتب وما حشروا فيها من الحقائق الصعبة، وكيف يتحملون

مسؤولية ذلك امام الله سبحانه.

مطالعة كتب الزهد:

ليس من الراجح المراجعة الدائمة لكتب التذكير والتزهيد إذ قد تفلت منها أمور صعبة. واذا لم يكن كذلك فالكثرة منها هي صعبة فعلاً. وأنا لم انصح بالكثرة على أي حال. ولكن وجودها أعني مطالعتها في الجملة ضروري أو أكثر من الضروري. ولو في اليوم صفحة أو صفحتين، على أن يغلق الفرد الكتاب بمجرد أن يجد في نفسه نُفرةً منه. ويفتحه عند وجود الرغبة والقبول.

العمل لغير الله تعالى:

ومن المعروف لدى (الصالحين): ان الطاعات التي يعملها الفرد - من حيث يعلم او لا يعلم - لمقاصد معينة، سوف تكون تلك المقاصد هي ثوابه الوحيد وليس له ثواب آخر. فاذا طالب العبد ربه يوم القيامة بالثواب، يقول له: انك حججت لاجل التجارة وقد حصلت ثوابك، وانك الّفت كتابك للشهرة وقد حصلت، وانك قد صليت صلاة الليل لسعة الرزق وقد حصلت وهذا هو ثوابك ولا تستحق ثواباً آخر. فأي حسرة تكون للعبد يومئذ؟

الالتفات إلى الأعمال الحقيقية:

قد قال لي بعض من (يفهم) حيث كنت اكتب بعض مؤلفاتي ما مضمونه: لماذا يعمل الإنسان عملاً كثيراً فيأخذ عليه ثواباً قليلاً بطيئاً: ألا يكون الأفضل له أن يعمل عملاً قليلاً فيأخذ عليه ثواباً كثيراً وسريعاً. يعني بالأول تأليف الكتب (الدينية بطبيعة الحال) فضلاً عن قراءتها، فضلاً عن غير الدينية، ويعني بالثاني طاعات النفس والقلب ونحوها. إذن ينبغي أن تبقى هذه المطالعات (لأهلها) وهم المتدينون (الغافلون) عن اتجاه السلوك الصالح والجهاد

الأكبر.

الاطمئنان:

فان الإنسان سوف يشعر بعد فترة قد تطول وقد تقصر من (الجهاد الأكبر) بالاستقرار من حيث قلبه ونفسه، وان ممارسة (الدنيا المباحة) لن يضره ضرراً مهماً... لأن شهواته قد كبحت ونفسه قد رغمت والنفس وان كانت قابلة للعودة في أية لحظة الا ان لطف الله سبحانه هو الدافع لها. ومن هنا يكون قولنا (دخيلك) هو الملجأ الوحيد للعبد تجاه ربه (ولا تدخلني في كل سوء أخرجتني منه).

الحذر من مبالغة الإنسان بالاطمئنان:

هذا ولا ينبغي ان يغالط الفرد نفسه بحصول هذا الاستقرار، فان النفس بئر عميقة (لا قعر لها) كلما طمّ الفرد منها فوهة رأى فوهة مفتوحة اخرى. او هي كالتنين الاسطوري الذي كلما قطع الفرد منها رأساً نبت في مكانه سبعة رؤوس... حتى يأتي اليوم الذي ينزل به (مطر الرحمة)(1)(لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ)، انه (شكور حليم).


1) سوره 8- آیه 11

بماذا يشتغل العبد؟

انه يشتغل بالمجاهدة نفسها اي يكبح النفس ومراغمتها والسير في طلب (الموت المعنوي) الذي يؤدي الى انطماس الشهوات ومن ثم انطماس اهمية الدنيا وما فيها بالمرة في نظر العبد، فإنها لا تعدل خردلة او عفطة عنز تجاه الأهداف العليا... وكل خطوة تتخذها يا حبيبي تجاه هذا الهدف (فلن يكفروه) وان كان تأخير شربة ماء أو وجبة طعام أو حكة رأس(1)(وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) .. نفهم من (الكفار) النفس الأمارة.


1) سوره 9- آیه 120

ليس لك من الأمر شيء:

إن الفرد يحصل على (مطلوبه) ويحقق أهدافه وما يحيط بها من نتائج كبرى.. بمقدار ما يشاء الله ويختار(1)(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (2)(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ) (3)(وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (4)(وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً).

التسليم في طريق المجاهدة:

إن طريق الجهاد الأكبر إنما هو طريق (تعبد) يعني الأخذ بدون مناقشة بعد إحراز


1) سوره 3- آیه 128

2) سوره 3- آیه 154

3) سوره 14- آیه 12

4) سوره 65- آیه 3

انه في طريق القربة الخالصة، فزيادة المناقشات مما ينبغي أن يستغني عنه الفرد السالك في هذا الطريق.

من آداب النصيحة:

حبيبي: اعتبر هؤلاء المأمورين بالمعروف والمنهيين عن المنكر كبعض عائلتك، فان كثيرا من السالكين في طريق الحق (مبتلون) بالعوائل وقد يكون الانسان في حال يحسّ بها ان (العائلة) تضرّه وتنفعه فيؤسفه ذلك كثيراً ويغيضه. الا انه سوف يشعر بعد ذلك بحال أخرى وهي ان العناية بالعائلة (في سبيل الله) والصبر على بلاويها وشكاويها ومضاعفاتها مع التسليم والرضا انما هو من

(الجهاد الاكبر) نفسه وقد ورد عن ابي حمزة قال: قال ابو عبد الله (عليه السلام): (ما من جرعة يتجرعها العبد أحب الى الله عز وجل من جرعة غيظ يتجرعها عند ترددها في قلبه، إما بصبر وإما بحلم).

عندما يكون الجهاد الأصغر عائقاً:

ان العناية بالجهاد الأصغر يصبح بصفته تطبيقاً للجهاد الأكبر وبشرط ان لا يتخذ الجهاد الأصغر أهمية مستقلة في النفس ويكون ملهياً وعائقاً عن الجهاد الأكبر. وإلا

كان حسرة وندامة اعني في قلة (عظيمة) في الثواب مؤسفة بطبيعة الحال... هذا فضلاً عما قد يتحمله الفرد في طريق الجهاد الأصغر من المسؤوليات و (المظالم) التي لا يشعر بها إلا من كانت له (بصيرة) في دينه.

رسالة الله تعالى إليك:

إن خير ما في الكتب - بعد القرآن الكريم - هو كلام المعصومين (عليهم السلام) فكل رواية ألفتت نظرك فخذ بها فإنها (رسالة الله إليك).

سؤر المؤمن:

ما ورد من ان (سؤر المؤمن شفاء)، فان

سؤره هو بقية مأكله ومشربه. وله معنى آخر: هو أثره المعنوي على النفس من خلال كلامه وأفعاله ونظراته وغيرها فإنها شفاء حتماً.

معرفة الإنسان المعنوية:

إن معرفة الوجه المعنوي للانسان خير بما لا يقاس من معرفة الوجه الدنيوي او المادي له... خذ مثالاً للوجه المعنوي:... انني بعد ان اعرف مستواك العلمي والروحي والاجتماعي فسيكفيني ذلك تماماً عن معرفة تفاصيل حياتك بل ومعرفتك الشخصية ايضاً.

العيش مع القرآن:

مولاي: مضت عليّ حقبة من الزمن تعد بالسنين لا بالايام بل هي باقية - بشكل وآخر - الى الآن انني كلما مررت على آيات العقوبات اعتبرت نفسي مستحقاً لها وكلما مررت على آيات ذكر الكافرين ونحوهم اعتبرت نفسي منهم بل اشد منهم.

حديث قدسي:

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال الله تبارك وتعالى: لا يتكل العاملون على اعمالهم التي يعملونها لثوابي، فانهم لو اجتهدوا واتعبوا انفسهم (و) أعمارهم في

عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات والعلى في جواري ولكن برحمتي فليثقوا، وفضلي فليرجوا، والى حسن الظن بي فليطمأنوا، فان رحمتي عند ذلك تدركهم، ومتى يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي فاني انا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت).

على الإنسان أن ينظر الى ذنوبه:

وقد قال لي بعضهم في يوم من الأيام: ان الانسان قد يصل الى (مقام) يرى فيه ان

عبادته كلها (معاصي) وأن حسناته ذنوب. إن اولئك (الذين يحسبون انهم يحسنون صنعاً) هم الذين (يقدمون) طاعاتهم ويؤكدون عليها ويتوقعون عليها حسن الجزاء بل منهم من يمنّ بها على الله سبحانه وعلى المعصومين ايضاً وهذا من اشد الاجرام في النظر (الخاصي) اعاذنا الله منه. وقد رأيت منهم نماذج عديدة من كسبة ورجال دين وغيرهم.

نظرك لنفسك:

(وما في الورى خلق جنى كجنايتي) وهو مفهوم اكد عليه (مولاي) وفي حينه ثقل عليّ كثيراً ولعله عليك ايضا فادع الله

سبحانه ان يرزقك خير ما فيه وخير ما بعده ويدفع عنك شر ما فيه وشر ما بعده.

وحاصله: ان الفرد ينبغي ان يشعر انه شر الخلق وليس في الخلق من هو شر منه. وقد رأيت في ذلك عدة روايات، وقد كان مولاي يعطي لذلك بعض التبريرات.

الخلط بين التكاليف الظاهرية والأخلاقية الخاصية:

(شخص اعاد صلاة (30) سنة وذلك انه كان يصلي في الصف الاول من الجماعة وتأخر يوماً لسبب ما فصلى في الصف الثاني فداخله من ذلك شيء من الخجل... فعلم ان نفسه كانت مرتاحة لصلاته في

الصف الاول وان عمله ذلك كان رياءاً).

مع احترامي لعمل هذا الرجل إلا ان فيها خلطاً بين التكليف الظاهر والتكليف الاخلاقي الخاصي. والصلاة من التكليف الظاهر ولا يجب قضاؤها مع توفر قصد القربى وعدم الالتفات الى (الشرك الخفي) او العجب والرياء. ولا اقل من جريان اصالة البراءة من وجوب القضاء. إن هذا الرجل، مع احتراماتي له قد قضى عمره - عند قضاء الصلوات - في امر كان في غنى عنه لو فعل اموراً اخرى اهم واتم واقرب الى الله سبحانه. وقد ينال الندامة هناك على ذلك.

لا ينشغل العبد بحديث المقامات:

ان شخصين تلاقيا فسأل احدهما الاخر عن حاله - يعني امام الله سبحانه - فقال: انه في مقام (التسليم) ورآه بعد عدة سنوات فسأله عن ذلك فقال: انه في مقام (الرضا) او نحوه فأجابه بما معناه: اسرع فراراً الى الله ولا تلهك هذه المقامات عن الاسراع الى رضاء الله ووجهه الكريم.

معنى ورضوان من الله اكبر:

مسألة الرضوان فلها اكثر من معنى، منها: ان الله تعالى يكون راضياً عن عبده وهو مقام معنوي وعطاء عظيم اكبر من

الجنة وما فيها ولا يقدّره حق قدره الا من ذاق طعمه، ومنها: ان الله تعالى يهب الرضا لعباده فيصبحون راضين عن الله سبحانه (يعني عن افعاله وعطاءاته)، انت (كما أحب) فاجعلني كما تحب (رضي الله عنهم ورضوا عنه).

الجهاد الأكبر طريق الإنسان الكامل:

حبيبي: الجهاد الاكبر لا يعطي عليه اجرٌ ابدا. ولكن يصل الانسان به الى حقيقة انسانيته ومقامات ربه، ان الجهاد الاكبر بالتسديد يهذب الشوائب لكي تكون (الروح) لا النفس محلاً كاملاً للافاضات

العليا... إن هذه الافاضات ليست (ثواباً) وانما هي الحقائق بعينها(1)(اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ).

تعلموا العلم الذي يورث الخشية:

حبيبي: احمد الله سبحانه على مصائب مررت بها انا شخصياً لم يسبق لك المرور بها... تلك المصائب التي تضاعف الرين... منها: اندراجي ضمن رجال الدين، ليس لانهم رجال دين، اقصد ليس الاسف من اجل ذلك بل من اجل انني سأكتسب منهم (الشمخرة) والتعالي ومن ثم الاستكبار والفرعنة التي هي العدوة اللدود في السلوك


1) سوره 2- آیه 257

الصالح. ومنها: اندراجي في الحوزة العلمية، لا من اجل ذلك بمجرده ايضاً بل من اجل ايحائه بالكفاية العلمية والقدرة الفكرية والرضا على المستوى الذي وصل او يمكن ان يصل اليه... (انا الجهول في علمي فكيف لا اكون جهولاً في جهلي).

الالتفات الى صلاح النفس من وقت مبكر:

التفاتي الى امراضي المعنوية وضرورة مداواتها في وقت متأخر نسبياً - بل هو متأخر على كل حال ومن النعم العظيمة على الفرد ان يبدأ سلوكه الصالح الحقيقي في العمر الاصغر والسن الاقل. فانه يكون له

عدة مميزات: قلة الذنوب، قلة الرين، زيادة فرصة الطاعات، زيادة فرصة الجهاد الاكبر وما بعده، قوة الارادة عند الشاب وضعفها عند الشيخ وكلما تقدم العمر.

أساتذتي في الظاهر والباطن:

أنا بدوري ممتن لمن صار هو طريقي الى الهداية، والحقيقة فان الذي قام بتربيتي عدد من الناس أهمهم اثنان هما خير الخلق في اختصاصهم، ولا اعرف أحدا غيري اجتمعت لديه هذه النعمة. أحدهما: السيد الصدر (قدس سره) الذي كان خير الخلق في (علمه) الظاهري، وثانيهما: شخص

آخر - احفظ ذكره إلى حين - الذي كان خير الخلق - حسب إطلاعي - في مراتب اليقين واقصد بخير الخلق: من هو موجود في هذا الجيل طبعاً عدا الإمام (عليه السلام) وكلا هذين لن أنساهما طيلة حياتي بل أرجو شفاعة هذا الأخير بعد وفاتي.

العلماء على خطر إلا العاملون:

وأما هؤلاء العلماء فأحسن ما في نقدهم قول العلامة الحلي لابنه فخر المحققين (قدس الله سريهما): لولا كتاب الالفين وزيارة الحسين (عليه السلام) لقصمت الفتوى ظهر أبيك نصفين.

كل حسب تكليفه:

ان احد الخطباء وأظن جدا انه الشيخ الجد اليعقوبي (قدس سره) كان خطيباً عند الشيخ النائيني (قدس سره) فكان كلما نزل من المنبر قال له الناس: طيب الله انفاسك واحسنت. وقال له الشيخ النائيني: غفر الله لك. فقال له بعد عدة ايام عن ذلك. فقال ما مضمونه: انك تنسب اموراً كثيرة الى اهل البيت (عليهم السلام) منها القطعي ومنها المظنون ومنها المحتمل ومنها الموهوم، فاستغفاري لك انما كان لذلك. فاجاب الشيخ اليعقوبي (قدس سره) بما مضمونه:

انه لو قلت في خطابتي ان هذا مظنون وهذا محتمل وهذا موهوم لما بكى احد.

إن (حال) الشيخ اليعقوبي هو حال من بكى او أبكى او تباكى وجبت له الجنة واما (حال) الشيخ النائيني فهو انه ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد. ولا يجوز نسبة شيء الى اهل البيت (عليهم السلام) بدون (حجة) كاملة، ان كليهما معذور ومأجور امام الله سبحانه إن شاء الله سبحانه.

الحديث بنعم الله تعالى:

وأما قصة التحديث بنعمة الله تعالى فمن المفهوم عند اهل الذوق انه... رياء على كل المستويات ويكون موجباً لقلة النتائج وبطء

السير نحو الأهداف الواقعية. لا يستثنى من ذلك الا حالة واحدة هي حال هداية الشخص حين يراد نقله من حال الى حال. وعليه يحمل اقوال الائمة (عليهم السلام) في ذكر فضائلهم وكراماتهم. ولدّي قصة طريفة حول ذلك، ان المحقق المقدس الاردبيلي (قدس سره) حين حصلت له كرامة اخراج الذهب من البئر ذهب فرواها الى استاذه الذي نسيت اسمه الآن فأجاب استاذه: لماذا تروي ذلك؟ إن كنت ترويه لاعرف انا مقامك فانا اعرفه بدون ذلك. وإن كنت ترويه لمجرد ابراز الرفعة والكرامة

فهذا غير جائز.

العزة لله:

العزة يفيضها الله ويعلمها هو سبحانه ولا ينبغي ان يصاحبها اي اثر دنيوي في ا لحياة. بل كلما بدا العبد ذليلاً ومتواضعاً اكثر كان افضل. وفي الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام): (اوحى الله تعالى الى موسى بن عمران (عليه السلام): اتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال موسى: لا يارب، قال: اني قلبت عبادي ظهراً وبطناً، فلم اجد منهم احداً أذل نفساً لي منك، يا موسى، اذا صليت وضعت خدّيك على التراب)... وورد في الدعاء: عن المؤمنين

(فهم بعزته يعتزون) يعني ليس لهم اي عزة مستقلة عن عزته تبارك وتعالى.

على السالك أن يعتصم بالله تعالى:

ان الله سبحانه يود ان يرى عبده دائماً متوسلا متضرعا اليه آملا عطاءه وفيضه. ولك - يا حبيبي - ان تكثر من الدعاء بايصالك الى الاهداف التي يعلّمها هو سبحانه وتعالى لك. هكذا كان يأمرني (مولاي) ايضاً.

مرتبة الذكر المستمر:

. قد يصل الفرد الى مرتبة لا ينفصل فيه عن

الذكر مهما كان الجو الدنيوي المحيط به وإن كان يزداد طبعاً مع التركيز والملاقحة بالافكار. وارجو من الله العلي العظيم ان تكون انت كذلك.

التقية من النفس:

وأريد بهذا الصدد ان اذكّرك بتقية النفس لا تهملها.. لا تهملها، فان صاحب الحال قد لا يشعر بما يكرس له نفسه من مشاق بل يود استمرارها لاستعجاله لاهدافه العليا، الا ان هذا غير صحيح تماماً، فان زيادة الضغط على النفس قد يكون مبعداً عن الاهداف بل قد يكون مهلكاً احياناً - انا بالله عائذون - فارحم نفسك رحمك الله

وحاشا لله ان يقطع رفده هكذا ايضا كان يأمرني مولاي.

قصة قصيرة:

وهنا قصة قصيرة: فانني اثناء الحديث مع بعض الاشخاص حصل ذكر حور العين فأيده ذلك الرجل بشدة. فقلت له: هل ابتلينا بالشهوة الجنسية في الدنيا والآخرة. فأجابني بما مؤداه: وهل تريد ان نعبد الله لاننا نجده أهلا للعبادة، ومن يصل الى هذه المرتبة؟!

طريق الوصال:

الوصول الى واقع الأشياء كلها... ولا

يكون ذلك الا بأمرين: احدهما: من العبد وهو الاعراض عن الشهوات وكل متطلبات الدنيا. وثانيهما: من الله وهو انفتاح النفس العليا التي اهّلها الله سبحانه لمعرفته والوصول الى حظوة قدسه.

باطن القرآن لأهله:

ويكفي ان تعلم اجمالا ان هذا الظاهر القرآني انما هو لأهل الظاهر أو قل: (اصحاب اليمين)، واما (المقربين) فلهم ايضا نفس المضامين القرآنية لكن بعد تأويلها بجنان عليا فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (ان الله يقول اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن

سمعت ولا خطر على قلب بشر)

فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْر:

عليّ الآن ان احذرك من امر لا يخلو من اهمية، وهي ان النصوص الشريفة قد تحتوي على اسئلة (فلسفية) لا تخلو من تعقيد، وارجح (رد فعل) تجاه ذلك هو تقديم الجهل مع التسليم التام بانه - على واقعه - حق وعدل.

البكاء من خشية الله تعالى:

انه يحسن التزامك... اكثار البكاء اما خوفاً من الله سبحانه اعني اسفاً من الذنوب والعيوب وشوقاٌ الى (السلامة) منها، واما

حزنا على مصائب الامام الحسين (عليه السلام) الذي هو (رحمة الله الواسعة وباب نجاة الامة). وانا اعلم ان البكاء ليس مما لا يتيسر دائما بل لعله متعذر دائماً الا انه يكفي منه (قصده) اولا وممارسته ثانياً مع الامكان في اوقات الخلوة وصفاء القلب. كما يحسن ثانياً: الاكثار من السجود الطويل نسبياً، ففي ذاكرتي من الحديث الشريف عن ربيعة بن كعب السلمي انه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (اعني على نفسك بكثرة السجود).

ويحسن ان يكون الدعاء في السجود بهذا

الدعاء المأثور: (الهي عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لاخرستني وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لصممتني وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لكمهتني وعصيتك بيدي ولو شئت وعزتك لكنعتني وعصيتك برجلي ولو شئت وعزتك لجذمتني وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزتك لعقمتني وعصيتك بجميع جوارحي التي انعمت بها علي وليس هذا جزاؤك مني يا كريم) ثم تقول: العفو الف مرة.

الالتزام بالأعمال القلبية:

فهذا هو الالتزام... القلبي فيتكون من

اربع صفات على الاقل: التوكل والرضا والاناة (بمعنى عدم استعجال العطاء) والذكر المستمر مهما امكن (طبعاً الذكر القلبي). ولكن - وهذه مسؤولية لابد من تحملها الآن - ان تعلم ان من كانت طاعاته قلبية تكون ذنوبه قلبية ايضا، ويحاسب على الخطرات، وتكون كربته منها شديدة، حتى يأذن الله بالفرج ويجعل الله لعبده فرجاً ومخرجاً، ولعل في الطاعات العملية والقلبية المشار اليها ما يخفف من حدة ذلك او يزيله ولو نسبياً باذن الله تعالى.

وهبت كل شيء لله تعالى:

انه حينما قبض علي الظالمون في عام

(1974) م واستمر ذلك خمسة عشر يوماً، مررت بمحنة في داخل السجن وبمحنة بعد اطلاق سراحي، فكان (رد الفعل) بفضل الله سبحانه: ان ذهبت الى الحرم الشريف وتنازلت هناك - في سري طبعا - عن كل (مميزاتي) الدنيوية، علمي وشأني الاجتماعي واهمية اموالي واسرتي ونحوه، ولكنني احسست بعد فترة انني لم افعل شيئا على الاطلاق لانه (وهب الامير ما لا يملك) كما يقول المثل، بل ان هذا (التنازل) اقرب للذنب منه الى الطاعة.

قصتي مع الكهف:

: انني يوما فتحت القرآن الكريم لاجد فيه منزلتي امام الله سبحانه او قل - بالتعبير الدنيوي - (رأي) الله فيّ فخرجت هذه الآية من سورة الكهف:(1)(وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً).

إن كل هذه الآية مفهومة لي بحسب حالي يومئذ الا قصة (الكهف) الذي يكون من المطلوب ان آوي اليه، اي كهف هذا؟ وذهبت الى الحرم العلوي على ساكنها السلام عسى ان ينفتح لي هناك عن هذا


1) سوره 18- آیه 16

المعنى، وبدأت بزيارة (امين الله) حتى وصلت الى قوله عليه السلام: (اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك الى قوله: يا كريم) وقد حصل لي في تلك اللحظة (حدس) قوي بأن الكهف الذي يجب ان ادخله هو هذا، اي ان تصبح نفسي على هذه الاوصاف وتجانب ما سواها، وقد عرضت ذلك على (مولاي) فأقرّه وقال بصحته.

صحة سند دعاء السمات:

فمقتضى (القواعد) هو ان نقرأ دعاء السمات (رجاء المطلوبية) بقصد الورود

الحقيقي الذي قامت عليه (الحجة) المعتبرة. واما اذا تحدثنا على المسلك (الخاصي) فقد وجدت امثال هؤلاء لا يفحصون ولا يسألون عن السند، اعتقد لانهم يرون انفسهم غرقى والغريق يتشبث بالطحلب فهم من الناحية (العملية) كأنهم يرون صحة كل الادعية والاخبار الحكمية الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، وانا قد فهمت من هذا الدعاء الجليل اتجاهاً معيناً عظيماً لعل الله سبحانه يوفقك لفهمه في المستقبل.

مع الكتب الأخلاقية:

كتاب (جامع السعادات) ان هذا الكتاب

الجليل جداً وصاحبه ذو نظر في الاخلاق والسلوك والاهداف المطلوبة لأهل الحال، فهو من العلماء (العاملين) بهذا المعنى غير ان هذا الكتاب يحتوي على تفاصيل كثيرة وتطويل بلا طائل.

إن هذا التطويل يراد منه - كما وجدت في عدد من المؤلفات - يراد به (ذر الرماد في العيون) يعني عدم إلفات الناس الى (الحقائق) القليلة التي فيه الا لمستحقها، فالغافل عنها يبقى غافلاً عند قراءة هذا الكتاب، والمستحق لها سوف يلتفت لها ويفهمها بتوفيق الله سبحانه، وقد وجدت

على هذه الطريقة كتاب (الاسفار الاربعة) لصدر المتألهين الشيرازي وكتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي وغيرها وهما يشيران الى ذلك في المقدمة.

اقول: ومن هنا فقد يكون الفرد بمستوى من (الحال) بحيث لا ينفعه الكتاب لأن ما في الكتاب من تطويل لا يفيده بل قد (يضره)، وما في الكتاب من (حقائق) لا يطيقها او لا يستطيع ان ينالها، ولكني آمل ان لا يكون في قراءة هذا الكتاب الجليل ضرر على اي حال، والمأمول بفضل الله ان تلتقط منه ما تلتفت اليه من حقائق.

التركيز على الذنوب:

وعلى العموم فان زيادة التركيز على (اهمية) الذنوب قد توجب البعد عما هو اهم من هذه المرتبة من العطاء الإلهي.

أسباب البلاء:

ان من اسباب هذا البلاء ابتعادنا عن الذكر الحقيقي لله عز وجل واهل البيت (عليهم السلام) - بعد ان اصبحت كل الشعارات الدينية - واقصد الاتجاه العام لها لا يراد بها الا الدنيا، شخصية كانت المشاعر او عامة.

قصة قرأتها:

وهنا قصة قرأتها قريباً في كتاب لا اتذكر اسمه بمضمونه انه كان شخص متوجه الى زيارة الامام الرضا (عليه السلام) في عصر كانت الجيوش الروسية القيصرية قد دخلت الحدود الايرانية، وهذا قد حصل قبل حوالي مائة عام او اكثر.

والمهم ان الرواي يقول: انه بينما كنت نازلاً في احدى المنازل أو القرى في الطريق رأيت بما يرى النائم كأن خياماً منصوبة اربع عشرة خيمة بما فيها خيمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلتها وقلت: إن لدي حوائج اود ان اعرضها امامكم،

فاجابني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما انك ذاهب الى زيارة الامام الرضا (عليه السلام) فاذهب الى خيمته واطلب منه حاجتك. فذهبت الى خيمة الامام الرضا (عليه السلام) فوجدته جالساً فيها فجلست بين يديه وقلت له: ان لدي حوائج اود ان اعرضها عليكم فقال: نعم، فقلت: اولاً: شفاء المرض الذي ابتليت به منذ مدة وهو اليرقان. وثانياً: حاجة خاصة، لم يذكرها الراوي. وثالثاً: دفع هذا البلاء، يعني دخول الجيوش الروسية الى ايران. فأجابني: اما المرض فقد قضى الله سبحانه بحكمته

بقاءه مادمت حيا ولا سبيل الى شفائه، واما الحاجة الخاصة فهي مقضية انشاء الله، واما هذا البلاء فسوف يزول بأسرع وقت بعون الله تعالى، فانكم مادمتم في ذكرنا وإقامة شعائرنا ومآتمنا كنتم في أمن وحصن عن البلاء ان شاء الله تعالى.

أقول: فكيف اذا انقطع ذكرهم وشعائرهم، واصبح ما بقي منه للدنيا الدنية.

حاجة السالك الى الرعاية:

ان (السالك) بالسلوك الصالح يحتاج في بعض مراحل تربيته الى (زخم) والى تشجيع، وان من اوضح اشكال ذلك بازاء

نفسه (المحتضرة) او التاعبة في مشاكل السلوك ان يجد (حضناً) دافئاً يلجأ اليه سواء من الناحية النفسية او الفكرية او غيرها. واعتقد ان هذه الفكرة - بشكل عام - تنطبق على من يراد تربيته تربية اجتماعية او تربية (قلبية) اذا صح التعبير.

الذكر القلبي:

ان للذكر القلبي (ثقلاً) معنوياً كبيراً فمن هنا تكون (الغفلة) احياناً ضرورية لاجل الراحة او ما نسميه بالتقية من النفس حتى ولو كانت بسبب عمدي كالاشتغال بالمطالعة او بعض اعمال البيت مثلاً. وهذا

الشكل من الذكر يعتبر من اعظم الرياضات التي توصل الى المدارج والمقامات التي فوقه بلطف الله سبحانه.

مولاي: ان من افضل اشكال الذكر القلبي هو استحضار مضمون الاسماء الحسنى ذات المدلول الطيب اعني ليس من قبيل (شديد العقاب) و (ذو الانتقام) ونحوها، بل نحو العظيم والرحيم والحليم والغفور والشكور وغيرها. ثم التفكير في الخلق الذي يرجع الى مضمون مجموعة اخرى من الاسماء الحسنى كالخالق والرازق والمدبر والمنعم والمعطي والحنان والمنان ونحوها. ثم التفكير في شأن الفرد امام خالقه

من القصور والجهل والذنب والتقصير وحسن الظن به تبارك وتعالى وكونه محل لطفه ونعمه سبحانه ونحو ذلك.

المعصية القلبية:

فان من تكون طاعته (ظاهرية) تكون ذنوبه (ظاهرية) ولا يحاسب على ما في قلبه واما من تكون طاعاته (قلبية) تكون ذنوبه (قلبية) ايضا، وليس له الحق ان يأخذ من طاعاته بالباطن ومن ذنوبه بالظاهر.

نعم، ان العقوبة (المفهومة) للمعاصي القلبية ليس هو نار جهنم فإنها خاصة بالذنوب الظاهرية، ولكن لها عقوبات

أخرى، يكفي أن نسمع ما قاله الإمام السجاد (عليه السلام): (فان الشكوك والظنون لواقح الفتن ومكدرة لصفو المنائح والمنن)، أعاذنا الله تعالى منها جميعاً بمنه ورحمته.

أصناف العلماء العاملين:

مولاي: للعلماء العاملين معنيان يستعملها طائفتان من الناس، المعنى الاول: العلماء العاملين بالجهاد الاصغر، وهم الذين يتعبون على تربية المجتمع واصلاحه، بغض النظر عن اصلاح النفوس. المعنى الثاني: العلماء العاملين بالجهاد الاكبر وهم الذين يتعبون على انفسهم وانفس غيرهم - لو

صح التعبير - في اخراجها من الظلمات الى النور وهدايتهم الى الصراط المستقيم. فطائفة (الوعي الاسلامي) تتبنى المعنى الاول فقط، كما ان (الصوفية) ومن إليهم يتبنون المعنى الثاني فقط، وانت تعلم ان الاختصاص باحد المعنيين غير صحيح، بل المجالان قد يكون محل التكليف الإلهي بالاصلاح، كل واحد في حدود شروطه ومواصفاته.

سبب انكماش المسلك الخاصي:

فان ذنوب الناس واستهتارها بالشريعة اصبح منذ مدة غير قصيرة في تزايد

مستمر الامر الذي يجعلها اقل استحقاقاً للتربية الخاصة واكثر ضرورة للتربية العامة بل اصبح من اللازم ان لا يعرف الناس من التربية الخاصة وحامليها اية فكرة على الاطلاق بل ان التربية (العامة) او قل الواعية هي زائدة عليهم واكثر من تحملهم ايضا فلا ينبغي ان يعطوا منها الا بمقدار ما يستفيدون، ومن هنا تضاءل عدد (الخاصة) وانكمش الموجود منهم واصبح البساط مفروشاً للمنهج الظاهري الذي هو الوحيد فعلاً الصالح لهداية الناس المتطرفين في الاسفاف والاتلاف.

وان اقصى (الفخر) للاتجاه العام

الذي تمثله الحوزة العلمية من الناحية الدينية والذي يمثله الآلاف منهم كذلك الاتجاه العام لأخيار الكسبة والتجار هو ذلك اعني ان يكونوا متبعين لتعاليم مثل هذا الكتاب الجليل وصائنين لانفسهم حق الصيانة فيكونون من اصحاب اليمين. بغض النظر عن واقع آخر مؤسف جداً يصعب على الكثير منهم من خلاله ان يكون من اصحاب اليمين لمدى الاشتغال بالدنيا والذنوب والعيوب التي انتم اعلم بها مني فكيف يكونون من اصحاب اليمين فضلاً عما فوقهم.

وقد ورد في الحديث الشريف: الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا، وهما معاً حرام على اهل الله.

الثقة بالمربي:

الثقة بالمربي بالمقدار الكافي، بحيث يصلح ان يلقي الفرد بكلكله عليه ويوكل مستقبله اليه، ان الفرد مربوط بالمربي بمقدار ما هو مربوط بالله سبحانه ومن اجله جلّ جلاله يأخذ بهذا المنهج او ذاك ليصل الى المقامات الرفيعة والدرجات العلى. إن اوضح ما كنت آخذه من (مولاي) من ضمانات هو انطباق كلامه على مقدار حالي فكل ما كان يقوله لي أحس اني في حاجة اليه وانه يحل

مشكلة عندي نفسية او قلبية او عقلية او نحوها.

ولا اكتمك اعترافاً بالذنب: ان نفسي الامارة بالسوء كانت ضده تماماً وكانت تلح في التمرد عليه والابتعاد منه والتقليل من اهمية كلامه، لا انني كنت اعتبر ذلك من هذه (الضمانات) ايضا لاني اعرف نفسي انها لا تميل الا الى الباطل اذن فالتمرد على مولاي والتقليل من شأنه باطل لانه مرغوب نفسي قاتلها الله.

معنى الكربة القلبية:

الى ان ابسط ظاهرة روحية تحدث للفرد

هو (الكربة) في القلب فان الفرد غير فاعل لها وغير قادر على دفعها، ولو كان كذلك لما اوجدها ولاسرع في ازالتها عند وجودها.

إن هذه الكربة بالرغم من صعوبتها احياناً فانها من النعم الالهية اذ تدل على التنبيه على الخطأ ولزوم الاخذ بالافضل وتتابع العناية الالهية وحسن تدبيره تعالى للفرد خاصة والخلق عامة.

درس تربوي:

كان من فقرات تربيتي لدى (مولاي) اعلاه الله بعلاه.. إنه قاطعني وحرمني من لقائه والكلام معه حوالي الاسبوعين، فماذا كان حالي خلالهما؟! وقد كان (الحال) في

ذلك الحين متناميا مركزاً. ولكنه لم يكن في الواقع عاطفة غيض او ازورار - اعوذ بالله - وانما كان باعتبار ما انا اهل له من البعد عن رحمة الله والقرب من غضبه كما هو استحقاقي في ذلك الحين وكل حين لولا حسن الظن به تبارك وتعالى.

خط الوعي الإسلامي:

اما من زاويتي، فقد أجدك - ولو متوهماً - تعطي خط (الوعي الاسلامي) أهمية كبيرة نظريا وعمليا، ومعك حق لا شك، ولكن قد يعلو عندك على مسلك الجهاد الأكبر أو تجد بعض التهافت بين

المسلكين... ولكن هذا الاحتمال تلاشى عندي بالمرة، لأنك تدرك بكل وضوح أن يبدأ المرأ بنفسه قبل أن يبدأ بغيره.

معنى البيت الشعري:

ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها *** فاذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

وهذا البيت له معنى خاصي جليل يمكن فهمه وهو ان الحكمة انما تأتي بعد انتفاء الغي واندثاره من النفس.

الهدف الأعلى:

مولاي وأخي: قال لي أولئك الذين تولوا تربيتي: انه لاشيء في الأرض ولا في

السماوات يعدل الهدف الإنساني الأعلى، بل لا تعدله حتى النفس، إذ أن اعز ما لدى الإنسان واخص ما لديه هو نفسه، فإذا قال الله سبحانه - وهو الغني عن العالمين - اعطني اعز ما عندك، فقد يقول له العبد، خذ إليك نفسي، فيقول له: ومن الذي أعطاك النفس غيري، اعطني شيئاً آخر غير ما وهبته لك. فماذا يقول العبد عندئذٍ؟

الجمع بين الجهاد الأكبر والأصغر:

فمسؤولية الجمع بين هذين الشكلين من الجهاد مسؤولية غير يسيرة، ولا ينبغي ان

تعني انقساما في الشخصية أو توزيعا في الهدف، وقد ورد في الحكمة: اجعل همك هماً واحداً، يعني بذلك الهدف والعمل... إن الجهاد الأصغر على كل مستوياته إنما يكتسب أهميته بصفته من بعض ظلال الجهاد الأكبر وتطبيقا من تطبيقاته، أو مقدمة من مقدماته أحياناً، ويكفي إشارة لذلك تسميته بالأكبر على حين نسمي ذلك بالأصغر رغم صعوباته ونكباته.

ما يقلل من قسوة القلب:

إن شرب القليل من الماء كمصتين أو ثلاث يؤثر في تقليل القسوة والظلام القلبيين الذي ينشأ من بعض المطعومات والمشروبات.

ودليل هذا مضافا الى التجربة قوله تعالى:(1)(وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً)، وفي آية أخرى(2)(لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ).

من المقسيات:

فطيب الطعام ضروري لطيب القلب، وأوضح وأسهل ما يمكن فيه بعض التدارك لذلك هو قلة أكل الطعام (الى حد ما) والبسملة قبله، بل قبل كل نوع، بل قبل كل لقمة لو امكن (يعني ليس فيه تقية) والحمد بعده بالقلب واللسان، مضافا الى شيء آخر هو ذكر جوع وعطش المعصومين


1) سوره 25- آیه 48

2) سوره 8- آیه 11

(عليهم السلام) خلال جهادهم الأكبر والأصغر، هذا مع تجنب بعض المآكل التي تورث قسوة القلب أو ظلامه كالباقلاء والقهوة وكذلك كل طعام حصل فيه لذة شديدة، (اللهم اني استغفرك من كل لذة بغير ذكرك).

من الأدب بين يدي الله تعالى:

ان الشيخ السبزواري يذكر في بعض كتبه ان الفرد قد يشعر انه بين يدي الله عز وجل فلا يمد رجله تأدباً أمامه تبارك وتعالى فانه أعظم الناظرين. انه نُقل عن احد ا لعلماء - لا اتذكره - من جيل سابق غير بعيد انه دخل عليه داخل فوجده في زيّه الكامل

الذي يراه الناس به عادة وليس بالزي المنزلي مع إنه كان جالساً في غرفته الخاصة وليس معه احد، فسأله عن سبب ذلك، فاجابه: - على ما تقول الرواية - ان هذا من اجل احترام نفسي. أقول وبتعبير آخر: من اجل احترام ربي... والأرجح انه لأجل ذلك لم يُرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متربعاً قط.

تمني الموت:

فليس بصحيح للعبد ان يتمنى الموت وانما يرضى بما يرضى، ان كان الحياة فالحياة وإن كان الموت فالموت. واما الاستعداد له

وانتظاره فهو الغالب على الخاصة بل قد يعتبر من المميزات الرئيسية لهم، لأن (العامة) يغفلون عن الموت غالباً حتى قال سيد المتقين (عليه السلام): ما رأيت يقيناً اشبه بشك من الموت. واما الخاصة فيعتبرون الموت اقرب من العين للحاجب. وان الإنسان اذا تنفس فلا ضمان ان يتنفس مرة اخرى.

وفي بعض الروايات... فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (... والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي الا ظننت ان شفريَّ لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي فظننت اني واضعه...). كل ذلك

للمعرفة بقدرة الله سبحانه وسلطانه من ناحية وانتظارا لفضله وعطائه المذخور والمحتمل وصوله في اي لحظة، وهو ان يصل قبل ان يستكمل الكتاب اجله.

نية السالك:

حبيبي: حاول ان لا تنوي في العبادة كالصلاة والصوم عنوان جهاد النفس أو الجهاد الأكبر ونحوه فانه وان كان مرضيا لله عز وجل إلا أن نيته مخالفة للاحتياط يكفيك جدا أن تنوي القربى والزلفى...

نعم، بالنسبة الى الأفعال غير العبادية بذاتها، وإنما تكتسب عباديتها من جهاد

النفس نفسه كتحمل الحر او البرد او العطش والجوع من غير صوم ونحوه، فالنية عنده طبيعية فيها.

مولاي: انا اصلّي لانه تعالى امرني واراد مني الامتثال، والامتثال سبب للتكامل والتكامل ليس من قبيل الانانية، بل لانه جلّ جلاله هو الذي يريد لي الكمال. وقد قلت لمولاي: كيف أجاهد نفسي لمصلحة نفسي؟ فأجابني: هذا هو مسلك كل الأنبياء والأولياء والصالحين.

مدة العطاء الإلهي:

إن العطاء كلما طال أمد انتظاره فانه لا ينبغي اليأس منه، إذ لا يأس من رحمة الله،

بل قد يطول سنين متطاولة ولكنه الى جنب ذلك قد يقصر لعدة ايام او لعدة ثواني حسب الحكمة والمصلحة، والذي يؤثر فيها مقدار العطاء ومقدار التحمل وغير ذلك.

تأخير العطاء:

تأخير العطاء ليس باختيار الفرد ليعتبر تورطاً او ذنباً، وانما هو من الله سبحانه حسب المصلحة والحكمة، كل ما في الامر انه قد يكون تورطا محتملاً من ناحية اخرى وهو: ان الفرد لو لم يكن متورطاً بذنوب عديدة لما تأخر عنه العطاء ولكنه قد تأخر إذن فهو متورط. الا ان هذا محتمل واحتماله

يستدعي زيادة الخضوع والاستغفار، ولكنه ليس قطعياً، لان تأخر العطاء ليس بسبب زيادة الذنوب فقط بل لاسباب اخرى منها ضعف النفس.

من الحكمة:

يقول الشيخ السبزواري: ان رفاه الظاهر يحتوي على الحسد لانه محدود، فإن هذا الشيء اما عندي واما هو عندك فنتنازع عليه. واما عطاء الباطن فهو مبرّء من الحسد لانه غير محدود، فان نفس الرحمة التي وصلتني يمكن ان تصلك وليس للرحمة الإلهية حد بل وسعت كل شيء.

الخشوع في الصلاة:

مولاي: اختر ان تكون صلاتك اكثر توجهاً وخشوعاً وذلة امام القاهر العظيم، اما هذه (الشكليات) مع احترامي لها فليس لها دخل كبير. فالصلاة التامة هي التي تحتوي على تلك الصفة لا على كثرة الركوع والسجود. وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما مضمونه: ان منهم من تكون صلاته كجبل احد، ومنهم من تكون صلاته كالبرتقالة، ومنهم من تكون صلاته كالحبة.

قراءة القرآن الكريم:

مولاي انا اقرأ جزئين كل يوم والقرآن نفسه يأمر الفرد ان يقرأ ما تيسر منه. والتيسير امر فيه الظاهر والباطن، فان حصل التيسير من جميع الوجوه فقراءة القرآن اكثر من ضرورية للسالك. ولا بأس من التضحية القليلة، اما لو اوجب التضحية الكثيرة او مخالفة التقية باي معانيها فهذا معناه عدم التيسير، فيكون الأرجح ترك القراءة.

ختم القرآن الكريم:

أخي ومولاي: الأمر بسور معينة يتضمن الوصول الى نتائج خاصة تعتبر من آثارها

الوضعية كما يعبرون. وحيث ان هذه النتائج يريدها المعصومون (عليهم السلام) لشيعتهم فقد أمروهم بذلك، وأما تلاوة القرآن الكريم على العموم فله ثوابه الخاص به، ومهما فعل الفرد فهو خير ما لم يحدث الملل والسأم فينبغي التريث لأنه خلاف التقية من النفس. وإذا لم يكن الفرد طالباً للآثار الوضعية تلك فيكفيه قراءة القرآن الكاملة (الختمة) تماماً.

كلام في الكربة القلبية:

الكربة القلبية يمكن ان تختلف باختلاف حال الفرد، فقد يكون حال الفرد منصباً

على (مقاومتها)... يعني تحملها والصبر عليها... الا ان الحال الآخر هو ان الكربة عموماً نوع من العقوبة على ما لا يرضاه الله تعالى من تصرفات عبده الظاهرة او الباطنة، وهي عقوبة فورية وسريعة (كن فيكون) بقدرته سبحانه. ونحن نقول عقوبة ولكنها - على الاغلب - الفات نظر للعبد لكي يرتدع ويكف عما في يده من العمل السيء ويعود الى جادة الصواب، وكلما كانت الكربة اشد كان التنبيه اوكد والعقوبة اكبر. وعلى هذا كان مسلكي باستمرار منذ ان دلني (مولاي) على هذه الكربة والى الآن وهو الفهم الاوجه لها. نعم، اذا لم يجد

الفرد بداً منها او من العمل الذي يقتضيها او لم يجد طريقة لازالتها كان التسليم بها والصبر عليها مندرجا في الجهاد ا لاكبر... وهناك حال اخرى متفرعة عن ذلك وهي عدم محاولة ازالة الكربة احيانا اما اعترافا بالذنب او رضا بعقوبة الله سبحانه او تسليماً لأمره او ادباً في حضرته او نحو ذلك. هذا ما لم يكن تحمل الكربة شديداً على النفس فيكون الارجح ازالتها.

من معاني الحديث الشريف:

ما ورد في الحديث (مسجد المرأة بيتها) مع العلم ان الرجل حين يصبح في ظروف

اجتماعية معينة ضعيفاً لا حول له ولا قوة.. فانه يصبح مرأة، لأن الجانب الاهم فيها - تقليدياً - هو الضعف والخضوع لسيطرة الرجل، فكذلك المؤمن في المجتمع الظالم، ومعه فيكون البيت مسجداً والعزلة اعتكافاً ونية القربة بل والصوم الفعلي متوفراً، وهذا كل المقصود.

ضرورة الطعام والنوم للسالك:

وعلى اي حال فالشعور بمقدار ما من الراحة من جهة الطعام والنوم ضروري للقيام بطاعة الله، او قل: لاسكات النفس وترويحها لكي ترضى بمصاعب العبادة من جهات اخرى ولا تتمرد.

الفرق بين التسليم والرضا:

واود هنا ان اشير للفرق بين التسليم والرضا فانهما ليسا بمعنى واحد، فالعبد اولا يبدأ بالتسليم وهو ا لقناعة بالواقع وان كان صعباً عليه لانه من امر الله عز وجل ثم يصل إلى مقام الرضا وهو محبة المصاعب وعدم كرهها واستنكارها نفسيا بل حبها والميل اليها بالرغم من صعوبتها لاجل وضوح فائدتها له من الناحية الإلهية والروحية، ثم يصل الفرد الى مقام آخر لا يجد فيه صعوبة اصلا بل يتساوى عنده الرخاء والبلاء والفقر والغنى والمرض

والصحة وكل احوال الدنيا. الخ الخ..

الصدقة تثبت الحق:

قال الله تعالى:(1)(وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ). فالصدقة بنص الآية تنتج تثبيت النفوس على الحق. وهو اهم شيء للسالك في واقعه الفعلي اعني بغض النظر عن وصوله الى هدفه.

الصدقة المعنوية:

ان للصدقة معانيها المعنوية ايضا. ومن الضروري ان الصدقة المعنوية منتجة للآثار المعنوية، نذكر منها اثنين:


1) سوره 2- آیه 265

الاول: قضاء حاجة المحتاج المعنوي، كالمحتاج للعز بعد ذل او الهداية بعد ضلال او للجواب بعد سؤال وهكذا.

ثانياً: الصدقة بالنفس لله عز وجل (و الجود بالنفس اقصى غاية الجود) وهو تعالى (يقبض الصدقات) اي - بحسب التفسير - النفوس المماتة بالجهاد الاكبر. والتضحية بها عظيمة لانها صعبة ولكن الشيء المدفوع ليس عظيماً لانه انما هو (النفس الامارة بالسوء) فالانسان يدفع اردأ ما عنده ليأخذ احسن ما عند الله.

ذكر النعم الإلهية:

اما نسبة النعمة الى غيره تبارك وتعالى فهو من الشرك الخفي(1)(وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ). ولا يرتفع الا عند مجيء التوحيد الخالص. واما عدم الالتفات اليها اصلا فله عدة مناشئ اهمها حسب فهمي اثنان: احدهما: الغفلة والتسامح في النظر الى نعم الله سبحانه:(2)(وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ). وهذا العتاب في الآية وارد بطبيعة الحال مع امكان الالتفات والتدقيق الذي هو خير واولى. وثانيهما: القصور وعدم التحمل، فان النعم قد تكون من


1) سوره 12- آیه 106

2) سوره 12- آیه 105

الكثرة او من الدقة والخطأ بحيث لا يمكن للفرد ادراكها بمستواه الملحوظ من جميع الجهات. فبالنسبة الى الكثرة، قال الله سبحانه:(1)(وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها). اي انكم غير قابلين لاحصائها.

شكر النعم:

واما اذا تعرفنا على النعم او قل على بعضها اما لوضوحها او لحسن التوفيق فيها فماذا يجب ا ن يكون رد فعلنا. انما هو الشكر يا مولاي. قال تعالى:(2)(وَ اشْكُرُوا لَهُ)، ومن الشكر نسبة النعم اليه تعالى، ففي الخبر ما مضمونه القريب (من عرف ان


1) سوره 14- آیه 34

2) سوره 29- آیه 17

النعم من الله كتب في الشاكرين قبل ان يشكر، ومن علم ان ذنبه امام الله كتب من المستغفرين قبل ان يستغفر)، وكذلك من الشكر بل من افضل الشكر اظهار العجز عن الشكر، كما هو الواقع... الا ان هذا العجز لا يعني الاعراض عن الشكر الممكن على اي حال فبالشكر تدوم النعم ولا ينبغي القنوط عن الشكر امام كثرة النعم فبالتوكل يتحقق المطلوب. نعم، ينبغي الاعتراف والتسليم بقلة الشكر مهما زاد وإنه لا يعادل تلك النعم اللامتناهية، كما هو وارد في الادعية كثيراً.

ما الذي تعنيه الظواهر الروحية؟

ظهور بعض الظواهر الروحية وباصطلاحهم: الميتافيزيقية أو الباراسايكولو جية، هذه الامور التي يشجّع الله سبحانه بها عبده ويثبته على صراطه المستقيم... هذا إلى امور اخرى لا ينبغي ان تخفاك وانت في طريق السلوك. منها: حصول الاحلام الصادقة. ومنها: التنبؤ أو قل: الاحساس بالشيء (ولو اجمالا) قبل وقوعه، ومنها: الاحساس ببعض الاوصاف الواقعية التي تخفى على العامة كرؤية نور الوجه وظلامه (قِطعاً من الليل

مظلماً) والاحساس بدخول شهر رمضان وخروجه. والاحساس برائحة الفجر الذكية التي قال بعضهم انها رائحة من الجنة. ومنها: ما يسمى بالكشف، وهو انفتاح (البصيرة) على عالم آخر. فقد قال لي مولاي - خلال سلوكي - عن نفسه ما مضمونه: انه في بعض ايام سلوكه انفتحت له عين البصيرة فاصبح يرى الموتى (يعني ارواحهم) والجن والملائكة ويسمع تسبيحهم وغير ذلك.

طريقة لزوال الكربة القلبية:

مولاي: اذكر لك بعض الامثلة فقد اطراني بعض الناس، فحصل في قلبي شيء

غير صالح، كأنه ناتج من تخيلي الاستحقاق للمدح، فالتفتُّ بفضل الله الى ذلك وتذكرت قول امير المؤمنين (عليه السلام): اللهم اجعلني احسن مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون. فقلتها بفمي فزال ما في قلبي فوراً.

الشريعة منهاج السالكين:

غير انه على العموم فان المنصوح به منهجيا للمتدينين السالكين هو سلوك منهج (الشريعة) للوصول الى (الحقيقة) فانه لو كان هناك خير من الشريعة لاشار الله تعالى اليه ولأمرنا به. فانه يأمر بأفضل الطرق

واحسنها بحكمته ورحمته، قال تعالى:(1)(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ) وغير ذلك... غير ان منهج الشريعة - كما تعلم - ليس هو فقط المحرمات والواجبات العامة، وان كان يبدأ بها، ولكنه يتصاعد ويترقق كلما تصاعد إدراك الفرد ومقامه، فاذا قام الفرد بكل ما عليه بالنسبة الى مقامه اصبح مستحقا للمقام الذي بعده، وحاشا عندئذٍ للرحمة ان تتأخر.

تحصيل الهدف الأعلى:

واما الهدف الاعلى وهو ما عبرت عنه اجمالا: بالفيوضات الالهية العرفانية فهو يبدأ بالقلب السليم لان من لا يتصف


1) سوره 2- آیه 45

بسلامة القلب لا ينال من الهدف الحقيقي شيئاً الا من اتى الله بقلب سليم. فاولا: يصدق عليه القلب السليم لكي يصدق عليه ثانياً: انه اتى الله جلّ جلاله. وهنا يحسن ان اشير لك إلى ما اشار به لي مولاي: انه حين اراد ان يدلني على ما هناك لم يذكر لي ذلك بلسانه وانما خولني على دعائين مرويين عن اهل البيت (عليهم السلام)، احدهما: المناجاة المروية في نصف شعبان والتي تبدأ صفحة 156 من مفاتيح الجنان، والآخر: الدعاء الملحق بدعاء الامام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة

(ص 271 منه).

بيت الرحمة:

أخي ومولاي: بالنسبة الى الدنيا التي تشكو منها في اول رسالتك، فانها - والحمد لله - لابد منها في الحكمة والرحمة معاً. اما الحكمة فبتعريض الفرد للبلاء النسبي. واما الرحمة فبتعريضه للعطاء وحسن الجزاء، ولولا هذه الحكمة ما نيلت هذه الرحمة ولولا الدنيا لما نجزت هذه الحكمة. اذن فالدنيا بيت الرحمة اساساً.

التركيز على العبادة:

ليس المفروض في السالك الى رضوان الله

سبحانه ان يبقى في تركيز مستمر على العبادة والذكر فان هذا مما لا يتحمله الا القليل. وفي هذه المشاغل الدنيوية نعمة في تجديد نشاط الانسان الى دفعة جديدة من السلوك. وفي حدود علمي فان الدفعة الجديدة، او قل إن كل دفعة جديدة توصل الى مقام من الكمال اكثر مما كان عليه الفرد في ما قبل المشاغل... ويبقى الفرد متذبذباً بين الدنيا والآخرة - لو صح التعبير - ولكن آخرته تزداد تدريجياً إلى ان تستوعب كل وقته (ان تجعل اوقاتي كلها بذكرك معمورة... الخ). والاندراج في الدنيا... انما

يعني ذلك التغيير المؤقت الذي ان جاء من الله يعني بلا اختيار الفرد فهو للحكمة والرحمة، وان جاء من قبل الفرد فهو مجال للاستغفار والانابة.

العبادة القلبية:

ليس معنى استيعاب الاوقات هو العبادة الظاهرية المستمرة بأي صورة من صورها وانما هي العبادة القلبية... فاذا علم الله سبحانه من القلب حسن التوجه والرضا والحب والسلامة فهو من اعلى العبادة واسناها، ويمكن ان تبقى مستمرة مع حسن التوفيق اذا كان الفرد متحملاً، والا امكن الغفلة عنها في بعض الاحيان. والاندراج في

الدنيا لا يعني بأي حال تغيير (الحال) ولا الياس من الوصول الى المقام المطلوب وخاصة بعد ان علم الفرد اشكالاً كثيرة من رحمة الله ومن نعم الله ومن قدرة الله ومن آيات الله، وانما يعني ذلك التغيير المؤقت الذي ان جاء من الله يعني بلا اختيار الفرد فهو للحكمة والرحمة، وان جاء من قبل الفرد فهو مجال للاستغفار والانابة.

ما قاله مولاي:

وقد كان (مولاي) عليه الرضوان يؤكد: ان الفرد قد يأتيه العطاء وهو لا يعلم اما مجيء العطاء فلأنه اوانه. واما اخفاؤه عنه

فلاحتمال حصول العجب في نفسه لو انكشف له العطاء او حصول اية مضاعفات اخرى.

حياة الغافلين:

ان قول الشاعر:

كالعيس في الصحراء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمولُ

له معنى جليل (خاص) وهو يمثل حياة الغافلين، فان الصحراء هي الدنيا الخالية عن رحمة الله وهي دنيا الشهوات والعيس هم الغافلون يقتلهم، يعني: يقتل فيهم الروح المعنوية والتوجه القلبي الى الله عز وجل مع ان الماء فوق ظهورها محمول يعني

ان الهدى قريب منها والروح المعنوية لصيق بها، ومع ذلك فهم غافلون عنها ملتفتون الى غيرها فيكونون من(1)(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) وفي العذاب هم خالدون... نعم، قد يصدق هذا صدقاً آخر وهو من وصل اليه العطاء وهو لا يعلم فان الماء وهو ا لعطاء محمول فوق ظهورها يعني واصلاً اليها. وهي يقتلها الظمأ للجهل بالعطاء الجديد. والقتل هنا هو الموت المعنوي المطلوب.


1) سوره 6- آیه 12

إيكال الأمور الى الحكمة الإلهية:

فالاحجى حسب فهمي القاصر المقصر، هو ايكال الأمر الى الحكمة الالهية، وان الكتاب الذي يناسب الفرد سيقع في يده في الوقت المناسب، واني جربت هذا على الدوام كما ان لقاء الفرد المناسب يكون في الوقت المناسب.

ترقي الفهم:

اجمالاً ان الفرد قد يصل الى مرتبة من ا لكمال المعنوي يصبح يفهم من الكتاب والسنة فهماً جديداً، فهذا منه يا مولاي، وكلما ازداد الفرد عطاءاً ازداد فهماً.

طائف الشيطان:

(1)(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ...). لهذه الآية كأي آية درجات من الفهم نذكر بعضها بحسب الامكان: منها: ان طائف الشيطان هو العصيان، والتذكر هو تذكر ضرورة طاعة الله والابصار هو الهمة نحو الطاعة او ابصار موقفهم، أو قل: تشخيص موقفهم من الطاعة. ومنها: ان طائف الشيطان هو مخالفة الاولى والتذكر هو تذكر الحال والابصار هو الطهارة من الدرن.. ومنها: ان طائف الشيطان هو وسواس


1) سوره 7- آیه 201

القلب والتذكر هو تذكر رَوْح الله عز وجل والابصار هو الابصار المعنوي لسلامة القلب. ومنها: ان طائف الشيطان هو الغفلة والتذكر هو الالتفات الى ذكر الله والابصار هو رؤية العبودية في الذات.

ضعف النفس:

مولاي وحبيبي: النفس ضعيفة الى ان يشاء الله قوتها. وهي ضعيفة قبل حال السلوك وبعده. اما ضعفها قبل حال السلوك فهو ما نشاهده من الناس الغافلين كثيرا جداً حيث يجزعون من صغير البلاء ويستغيثون من الدنيا وما فيها وهي احب شيء لديهم... واما ضعفها بعد حال السلوك فلانها

مضافا الى ما سبق فانها تضيق ذرعاً بالطاعة والعبادات ظاهرها وباطنها وتثبط عزم صاحبها وتشككه في اهدافه وتأمره بالخلود الى الراحة، وعدم (وجع الرأس) قاتلهم الله انى يؤفكون؟

رأيي في علم الطلسمات

يا مولاي: هذه حسب وجداني ان فيها ما هو مؤثر فعلاً، وان كان قد يختلط بكثير مما هو في صورته واشباهه مما هو من الدجل والشعوذة او انه بعيد المنال الا بعد مقدمات ضخمة لا تتحملها النفس الانسانية ولذا ورد (إن قليله لا ينفع وكثيره لا يدرك).

ولكن الذي اجده وجداناً والذي تلقيته من (مولاي) هو ان استهداف معرفة هذه الامور وتأثيرها ليس بصحيح لانه مبعد للانسان عن هدفه الواقعي وحقيقة ما خلق لاجله. والاشتغال بها يبعد عن ذكر الله وتركيز طاعته. غير انني حسب فهمي ان شخصين مهمين استطاعا الجمع بين الامرين هما الشيخ البهائي والسيد بحر العلوم. الا ان من اليقين انهما يفضلان الهدف الحقيقي على كل ما سواه.

أهداف السالك الى الله تعالى:

والمهم الذي يبحث عنه السالكون من (الخاصة)... ويتلخص ذلك في صفات:

اولا: الاخلاص،(1)(إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) بفتح اللام طبعاً. ثانياً: العبودية،(2)(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) (3)(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ). ثالثاً: التوكل،(4)(وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).

وقد بيّن السيد (هناك) ما مضمونه ان اقامة المجتمع المسلم والصالح بل إقامة الحكم الاسلامي نفسه ليس الا مقدمة للصلاح الحقيقي ونشر الفهم المعمق للدين لينال الهدف الحقيقي اكبر مقدار من الناس.

اقول: وهذا ما يتمناه كل سالك قال الله


1) سوره 15- آیه 40

2) سوره 15- آیه 42

3) سوره 15- آیه 42

4) سوره 8- آیه 2

تعالى:(1)(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).

ما تعلمته من مولاي:

هذا وقد اكتفيت من (مولاي) ان فتح الباب لي ودلني على الطريق بفضل الله سبحانه. واما الوصول الفعلي فهو ليس بيده ولا بيدي، بل بيد من بيده مقاليد كل شيء حسبي الله فليكن كل هذا مثالاً لك.

عدم العبرة بالشكليات:

ان الذي يخطر لي الآن هو انه لا حاجة الى تنميق الرسالة ولا استنساخها فان المهم هو


1) سوره 36- آیه 26

وصول المعنى الى السامع اكثر من هذه الشكليات، فانها مما يجب ان يزهد فيه السالك، حتى لو اوجب ذلك اعتراض المرسل اليه وسخطه فان لكاتبها بذلك مزيداً من الثواب، الا ان تحصل لبعض الافراد شيء من المضاعفات وهي عادة غير حاصلة. ومن هنا لم افكر - كما تراني - في تحسين خطي ولا تجديد الكتابة ولا تنميق الالفاظ.

المسلك الخاصي ومسلك الوعي:

من العجب من سادتنا المتأخرين وكبرائنا الماضين والحاضرين انهم اعرضوا عن هذا

المسلك وهو المسلك الذي مشى عليه عدد مهم من علمائنا السابقين (قدس الله اسرارهم) كالمقدس الاردبيلي والسيد بحر العلوم والشيخ احمد بن فهد الحلي والنراقي (الاب) والنراقي (الابن) والسيد ابن طاووس وغيرهم... وقد فضل المفكرون منهم - اعني المتأخرين - مسلك (الوعي الاسلامي) وهو لعمري مسلك حق لان فيه وبمضمونه يكون الحرب مع المادية والاستعمار وهداية كل من تأثر بهم وانحرف الى جادتهم... الا انهم اعتبروا الوعي الاسلامي نهاية الطريق وعلقوا اعلاناً ضمنياً في عدم جواز تعديه... مع

العلم ان هذا المسلك على انه حق الا انه يوجب التربية الى نصف الطريق واما النصف الآخر فلا يتكفله الا المسلك الخاصي وهو الموصل الحقيقي الى الهدف الحقيقي الذي خلق الانسان من اجله.

المنهج الأخلاقي للسيد الصدر الأول (قدس سره):

بعد ان اطلعت على المطالب المعمقة لصدر المتألهين الشيرازي في الاسفار الاربعة عجبت جداً لمن يستطيع ان يستوعب هذه المطالب ولا تنقلب شخصيته وآراؤه، مع اني اعلم اثنين من اقاربي يفهمان الاسفار

الاربعة ولم يتبعاها احدهما السيد المؤلف وهو قد درس الاسفار على الشيخ صدرا البادكوبي (رحمه الله) ابان تحصيلاته. الا انه مما يهون الخطب ان المفهوم عندي الآن ان السيد المؤلف قد توفي وهو قريب من المسلك الخاصي غير بعيد عنه، وقد واكبت ذلك شخصياً اذ بعد (فتح الباب) كان حينما يقل الواردون الى (البراني) وابقى بخدمته فقط نبدأ (الموعظة) فيقول هو عدة كلمات واقول انا عدة كلمات، وقد قلت له في حينه: ان الموعظة اصبحت زادي في صباحي ومسائي، فوافق على ذلك بكل احترام، ولكنه مع ذلك لم يكن على

استعداد ليعلن ذلك بين الناس حتى خاصته والمقربين لديه. وهو اعلم بما فعل رضوان الله عليه.

المقربين:

ورد عنهم (عليهم السلام): (الدنيا حرام على اهل الآخرة، والآخرة حرام على اهل الدنيا، وهما معاً حرامان على اهل الله). فاهل الآخرة هم اصحاب اليمين واهل الله هم المقربون، فاذا ترك الفرد شهواته الدنيوية واعرض عن الدنيا وما فيها ومن فيها اصبح اهلاً للآخرة او من اهل الآخرة او من اصحاب اليمين، وعالم المثال الذي

يتحدث عنه هو جنتهم... واذا اعرضنا عن الدنيا والآخرة فقد اصبحنا من اهل الله ومن المقربين في ساحة قدسه (عند مليك مقتدر).

شهوة العقل:

على ان للروح والعقل حاجات كما ان للجسم حاجات، وايفاء اي منها واشباعها مضر في مسلك المقربين. فالتعمق في الرياضات مثلاً واستحضار الجن والاستماع الى تسبيح الملائكة وغيره كثير، يعتبر دون المطلوب واقل من الهدف المنشود، ولا يصح لمن يطمع بمنازل المقربين ان (يقف) عندها، وسوف يندم بكل تأكيد لان تكامله سوف ينقطع عند هذا الوقوف، ومن ثم

فسوف يكون (وصوله) ابطأ واضعف ايضاً ولا يكفيه الندم عندئذٍ. الا ان شهوة العقل سوف تستمر وتصر على ضرورة الاشباع الى ان يحصل التوحيد الكامل لدى الفرد، لا اقول اكثر من القول المأثور:(1)(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ).

تجرد لله تعالى مما تملك:

تجرد امام الله سبحانه من الحول والقوة ومن العلم والطاعة وتبرأ امام الله سبحانه من كل اعدائه الظاهرين والباطنين ومن كل عصيان حصل او يحصل وقدم له عز اسمه عجزك عن استيعاب نعمه واستيعاب


1) سوره 40- آیه 16

شكرها واستيعاب طاعته وتوسل اليه بحسن الظن به وسعة رحمته التي تقدمت غضبه ان يؤيدك بالتوفيق في كل ذلك. فمثلا: من خرج من علمه وقدم له الجهل ابدله الله سبحانه من علمه علماً اعلى واشرف، ومن خرج عن قدرته وقدم له العجز والضعف ابدله الله بها قدرة وقوة اعلى واشرف وهكذا.

معان الفقه:

اننا لو نظرنا الى ما هو اعمق من ذلك لوجدنا للعلم والفقه معان لم تخطر للفقهاء على بال. وهي العلم الحقيقي الذي يُطلب من الانسان الوصول اليه. وحسبنا مثالاً

على ذلك الرواية القائلة: لا يستكمل الانسان فقهه الا عندما تكون له ثلاث صفات: يكون زارياً للناس قالياً لصحبتهم، وان يفهم من آيات القرآن الكريم معان متعددة وان يلتفت الى نفسه فيكون ازرى لها مما سواها. (نقل بالمعنى) واين هذا من انفس (الفقهاء) المتربين على افكار الحوزة العملية التي تعرفونها والتي لا حاجة الى كشفها الآن.

الاستغفار القلبي:

الحث على الادعية والاستغفار اللفظي الاعتيادي... ولكن قد يجد الفرد نفسه في

مقام تكون اكثر طاعاته وادعيته (قلبية) ولا ربط لها باللسان اصلاً الا لمجرد (حفظ الظاهر) او ظن السوء بالنفس بعنوان: اني لست من (المقربين) فلا اقل ان احصل على ثواب اصحاب اليمين ونحو ذلك من الدواعي الصحيحة.

حديث قدسي:

وفي الحديث القدسي، قال الله عز وجل لعيسى (عليه السلام): (يا عيسى، اذكرني في نفسك اذكرك في نفسي، واذكرني في ملائي (ملائك) اذكرك في ملاء خير من ملاءالآدميين، يا عيسى، ألن قلبك وأكثر ذكرني في الخلوات، واعلم ان سروري ان

تبصص اليَّ، وكن في ذلك حياً ولا تكن ميتاً).

سجن المؤمن:

مولاي: انت سجين الدنيا كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لعلي (عليه السلام): (يا علي الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فحالك الذي لا تستطيع تغييره تعبير صريح عن ذلك. وكان مولاي يقول: ان الانسان لا يستطيع ان يوفر لنفسه ظرف الطاعة ما لم يشأ الله سبحانه له ذلك فيجعل له من امره فرجاً ومخرجاً.

مصلحة العبد:

(ام كيف لا تحسن احوالي وبك قامت) اذ لو وجد الله سبحانه ظروفاً اصلح لك من ظروفك لجعلك فيها وهو اعلم بك منك واشفق عليك منك. بل واكثر طلباً لك من طلبك له واعجباً لسعة رحمته ونعمته.

عندما تقوى النفس:

وحسب فهمي ان النفس لو قويت ضمن ما هو ممكن من الجهاد الاكبر، فان شيئاً ما سيحدث من هبات الله سبحانه، فاما ان الظروف نفسها تتغير او ان فهمها يتغير تغييراً جذرياً أو ان فهم الطاعة من خلالها يتعمق بالشكل المطلوب وهكذا.

التكاليف القلبية:

واما من زاوية التكليف الباطن فافضل التكاليف لك حسب فهمي القاصر هو التكاليف القلبية الوجدانية التي لا يمكن ان يكتنفها رياء ولا تصل اليها تقية ويجمعها - تقريباً - مفهوم الصبر، عن ابي محمد السراج رفعه الى علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لا صبر له).

يمثل تطبيق ذلك في كتم عدة امور كتماً مطلقاً - ما لم يحصل جزع نفسي او ضغط خارجي شديد - الحالة الاقتصادية

اعني كتم الفقر وكتم المرض وكتم الضجر وكتم الغيظ وكتم الفرح وكتم الجوع وكتم العطش وكتم الحاجة الى النوم الى غير ذلك من متطلبات الدنيا مضافاً إلى كتم (الاسرار) طبعاً. ولا ينبغي ان يعيقك (حفظ الظاهر) كثيراً فان حفظه بمعناه العام يؤدي الى الاجهاز على الجهاد الاكبر تماماً، بل ينبغي للطالب السالك ان (يراوس) بحذق وفهم بين فعله وفهم الآخرين.

الاستعانة بالله تعالى:

واستعن بالله تماماً فان الانسان ضعيف بالمرّة (وخلق الانسان ضعيفاً) لا يقوى على مكافحة هذا البحر الهائج بذراعيه

القصيرتين، وهذه التنين المرعبة (النفس)... وانما القدرة منه تبارك وتعالى وهو اولى باللطف بعبده بعد ان يعلم صدقه واخلاصه في نيته واندفاعه الحق في سلوكه اليه... فاستعن بالله على واقعك وبما يطفح عليك من لطفه(1)(فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ)، يعني اسكت عن الزائد والخطاب لموسى (عليه السلام) لحين ما يعلم الله تعالى.

لكي لا نغتر:

انه روي عن النبي سليمان (عليه السلام) انه كان يجلس على سرير من ذهب وكذا


1) سوره 7- آیه 144

وكذا من مظاهر الدنيا والعلاقات بالناس من وزراء ومحكومين ولكنه حين يخلو بالليل يقضي الليل بالبكاء خوفاً مما قد يكون قد تورط به في النهار من مخالفة الاولى حتى عُدّ من البكائين الخمسة: آدم ويعقوب وسليمان والزهراء والسجاد (عليهم افضل الصلاة والسلام)، هذا وهو نبي وأفعاله لا تكون إلا طاعة.

صدق الخواص:

إنني في ايام زمان رأيت احد الأصدقاء بعد غياب اسبوع او شهر - لا أتذكر - فقلت له: مشتاقين كثيراً.. مولاي. ثم إنني صليت ركعتين استغفاراً لهذه العبارة مع

إمكان حملها على المجاز والمبالغة في ظاهر الإسلام.

لا تأخذه في الله لومة لائم:

السالك لا تأخذه في الله لومة لائم باطناً وليس كذلك ظاهراً(1)(إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)، فان التقية الخاصة اعني مع الأقربين تقتضي حفظ الظاهر معهم كما تعلم.

كيف يتحصل مقام الرضا؟

مقام الرضا وهو ان تكون النفس قانعة والقلب طيباً راضياً بكل ما يكتبه الله سبحانه من خير وشر. وقد يصل هذا الرضا


1) سوره 16- آیه 106

الى (حب) الواقع المعاش للفرد بصفته نافعاً له و (ثواباً) وتكاملاً له، إذ لو كان هناك واقع افضل للفرد من واقعه الذي هو فيه لاختاره الله سبحانه وهو على كل شيء قدير. قال في الدعاء (ام كيف لا تحسن احوالي وبك قامت). هذا هو الحب وانما يحصل هذا وغيره بمعونة الله وحسن توفيقه، وانما يحصل حسن التوفيق بالتوكل عليه وتفويض الامر اليه، وإنما يحصل التوكل والتفويض بشيء من الاعراض عن الدنيا وقلة الاهتمام بها. وانما يحصل هذا الاعتراض بتطامن النفس وقلة حدة شرها. وانما تحصل هذه القلة بالرياضات الروحية

التي ذكرتُها.

مجالسة أهل القلوب الطاهرة:

ان الجلوس مع اهل القلوب الطاهرة يطهّر القلب ويعين على الطاعة الباطنة والظاهرة كثيراً، حتى لو بقي الانسان ساكتاً بل حتى لو تكلم في مباحات الدنيا فضلاً عن التكلم بذكر الله وذكر نعمه وآياته، الذي هو افضلها، وهو احد المقاصد العليا. عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أتجلسون وتتحدثون؟ قال: نعم، قال: تلك المجالس احبها، فاحيوا أمرنا، رحم الله من احيا أمرنا فأفضل من ذكرنا او ذُكِرنا عنده فخرج

من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت اكثر من زبد البحر). يعني بحسب التأويل احياء القلب.

الضيق النفسي:

ان لكل فرد ضيقاً خاصاً به يقل معه صبره وتحمله يورده الرب الكريم حتى يقل اهتمام الفرد بالدنيا اولا وبنفسه ثانيا ويشهد بضعفه امام ربه ثالثا، ويتوجه اليه بالخضوع والضراعة رابعاً..... الخ وكلها نعم ومكارم.