ghaemiyeh.com
سرشناسه:علم الهدی، محمّدباقر، 1331 - 1389ش.
عنوان و نام پدیدآور:سد المفر علی القائل بالقدر: دراسة تحلیلیّة حول بحث الإرادة والطلب، و نقد مقالة الجبر و التفویض، و إثبات الأمر بین الأمرین/ محاضرات محمّدباقر علم الهدی؛ سیدعلي الرضوي،
أمیر الفخاري، حسن الکاشاني
مشخصات نشر:مشهد: انتشارات ولایت، 1395.
مشخصات ظاهری: 736ص.
شابک: ISBN: 978-600-96944-2-6
وضعیت فهرست نویسی: فیپا.
یادداشت: عربی.
یادداشت: چاپ قبلی: تهران: منیر، 1387.
یادداشت: کتابنامه بصورت زیرنویس.
یادداشت:نمایه.
موضوع:جبر و اختیار
موضوع:قضا و قدر
موضوع:شیعه - عقاید.
شناسۀ افزوده: رضوی، علی؛ فخاری، امیر؛ کاشانی، حسن.
رده بندی کنگره: 1394 4س 8ع/ BP 219/5
رده بندی دیویی: 297/465
شمارۀ کتابشناسی: 4134011 383428
بسم الله الرحمن الرحیم
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَلِیِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا الْمُرْتَضَى
الْإِمَامِ التَّقِیِّ النَّقِیِ وَ حُجَّتِکَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ وَ مَنْ تَحْتَ الثَّرَى الصِّدِّیقِ الشَّهِیدِ
صَلاَةً کَثِیرَةً تَامَّةً زَاکِیَةً مُتَوَاصِلَةً مُتَوَاتِرَةً مُتَرَادِفَةً کَأَفْضَلِ مَا صَلَّیْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلِیَائِکَ
محاضرات العلّامّة آية اللّه الشيخ محمّدباقر علم الهدى(قدس سره)
سد المفر علی القائل بالقدر
دراسة تحلیلیّة حول بحث الإرادة والطلب،
ونقد مقالة الجبر والتفویض، وإثبات الأمر بین الأمرین
علي الرضوي - أمیر الفخاري
حسن الکاشاني
بسم الله الرحمن الرحیم
اُدعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَ ال-مَوعِظَةِ ال-حَسَنَة يُعدّ العلم والمعرفة أفضل وأكبر النِّعم الإلهيّة المهداة لعباد اللّه الصالحين لأنّه بالعلم يُعينهم اللّه على عبوديّته وبه یخضعون له.
والعلماء الربّانيّون والعرفاء الإلهيّون هم من يستضيئون بهدى الأنبياء والأئمّة(علیهم السلام) ولا يشعرونبالتَّعب أو الملل أبداً في سلوك هذا الطريق. طريق العلم والعمل، ويتجنّبون الطُرُق الأُخرى التي لا تنتهي بهم إلى نيل معارف الأئمّة(علیهم السلام).
تهدف هذه المؤسّسة -- التي تأسّست بدافع إحياء آثار هذه الثلَّة المخلصة التي تحمّلت على عاتقها مهمّة الدفاع عن المعارف الوحيانيّة والعلوم الإلهيّة الأصيلة -- إلى نشر هذا الفكر عبر الوسائل العصريّة المتاحة ومن اللّه التوفيق.
info@alemalmohammad.com
«اللَّهُمَ کُنْ لِوَلِیکَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فِی هَذِهِ السَّاعَةِ وَ فِی کُلِّ سَاعَةٍ وَلِیاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَ دَلِیلًا وَ عَیناً حَتَّی تُسْکِنَهُ أَرْضَکَ طَوْعاً وَ تُمَتِّعَهُ فِیهَا طَوِیلًا»
مقدّمة الطبعة الثانية 29
امتيازات هذه الطبعة 33
كلمة الأستاذ 35
المدخل/43
الكلام يقع في خمسة أبواب 45
الباب الأوّل: الطلب والإرادة/47
الفصل الأوّل: في تغاير الطلب والإرادة/49
تمهيد: أهميّة البحث في الطلب والإرادة 51
المرحلة الأولى:في مناقشة ما أفاده صاحب الكفاية(قدس سره) من أنّ النزاع يعود لفظيّاً (قدس سره) 53
النزاع لفظيّ أو حقيقيّ في الطلب والإرادة؟ 53
تاريخ النزاع 53الأمر الأوّل: النزاع في حدوث القرآن وقدمه 53
صفات الذات والفعل 53
النزاع في الكلام النفسيّ منشأ للنزاع في الطلب والإرادة 55
الأمر الثاني: أفعال العباد 56
توضيح مقالة الأشاعرة 57
المرحلة الثانية: في إقامة الدليل على تغاير الطلب والإرادة 57
الإرادة والطلب في اللغة 58
الإرادة والطلب في الاصطلاح 58
عدم اتّحاد الإرادة الإنشائيّة مع الطلب الإنشائيّ 59
زبدة القول في تغاير الطلب والإرادة 61
الفصل الثاني: نقد أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسيّ/65
الوجه الأوّل: الأخبار مع عدم العلم 67
الوجه الثانى: الأوامر الامتحانيّة 70
خلط المعنى الاصطلاحيّ للإرادة بالمعنى اللغويّ 71
وقوع البداء في ذبح إسماعيل 73
الوجه الثالث: إطلاق الكلام على ما في النفس 73
حاكميّة العرف في تشخيص المفاهيم 74
الوجه الرابع: «وأسرّوا قولكم أو اجهروا به» 74
الوجه الخامس: «إن تبدوا ما في أنفسكم...» 75
الوجه السادس: «ولا تقف ما ليس لك به علم» 75
الوجه السابع: صفة التكلّم في اللّه تعالى 75
تقسيم كمالات اللّه إلى الذاتيّة والفعليّة 76
أدلّة كون التكلّم من صفات الفعل 77
زبدة القول في صفة التكلم 78
النتيجة 79
الوجه الثامن: تكليف الكفّار بالفروع مع عدم الإرادة في حقّهم 80
جواب الآخوند: الإرادة التشريعيّة موجودة دون التكوينيّة 81
تحقيق الجواب 81
ملحوظة 82الباب الثاني: الكلام حول إرادة اللّه تعالى/83
الفصل الأوّل: معنى إرادته تعالى/85
إرادته تعالى فعله 87
مذهب الفلاسفة 87
مناقشة مذهب الفلاسفة في الإرادة 88
موقف أهل البيت(علیهم السلام) في إرادة اللّه وإصرارهم على حدوثها 89
ميزة الكمالات الذاتيّة عن صفات الفعل وحدوث الإرادة 98
منشأ توهّم رجوع الإرادة إلى العلم والذات عند الفلاسفة 99
تزييف منشأ الشبهة 101
إيقاظ: لوازم كون الإرادة من صفات الذات 103
منها: تعدّد القدماء 103
ومنها: لزوم السنخيّة أو الشرك 104
ومنها: القول بالجبر 105
ومنها: تحديد علمه تعالى وقدرته 105
ومنها: إنكار قدرة اللّه وأنّه مجبور في أفعاله 105
ومنها: إنكار علم اللّه وقدرته وبما لم يرد 106
ومنها: إنكار البداء 106
تنبيه 106
الفرق بين المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء والإمضاء 107
الفصل الثاني: تقسيم إرادته تعالى بحسب الاصطلاح/111
الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة 113
الأقوال في الإرادة التشريعية 113
تحقيق المطلب 114
الأقوال في تقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة 115
مقتضى التحقيق في تقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة 117
الغرض من جعل الأحكام للعصاة 119
والجواب:
وثانياً: إتمام الحجّة 119وثالثاً: للّه البداء 119
حصيلة البحث في تقسيم إرادة اللّه 120
الفصل الثالث: تقسيم إرادته تعالى بحسب الروايات/123
إرادة حتم وإرادة عزم 125
لزوم التحرّز عن المعاني الاصطلاحية في فهم الروايات 125
ذكر الأخبار في تقسيم الإرادة 125
والمتحصّل من الروايات أمور 127
الأوّل: مشيّة الباري وأفعال العباد 127
الثاني: تقسيم الإرادة إلى إرادة الحتم وإرادة العزم 129
تنبيه: معنى تعلّق إرادة اللّه بالأفعال الاختياريّة 131
معنى تعلّق مشيّته تعالى بالمعصية وعدم حبّه لها 131
الباب الثالث: نظريّة الجبر ونقدها/137
المدخل: بحوث تمهيديّة/139
الإرادة من دون العلم والقدرة ليست إرادة حقيقة 144
نقد رأي الملّاصدرا في معنى القدرة والاختيار 144
حسم مادّة الشبهة 145
ملاحظات في كلام ملّاصدرا 146
الإرادة بين الإمكان والوجوب 146
حصول الخلط بين القدرة والإرادة 149
علمه تعالى بأفعال العباد 150
اجتماع القدرة والإلجاء معاً عند الملّاصدرا 151
امتناع اللامشيّة من القادر المريد عند الملّاصدرا 152
تفسير مشيّة اللّه بضرورة صدور الفعل منه تعالى والمناقشة فيه 154
نهاية التحصيل في مدرسة الحكمة المتعالية هو الاضطرار في الاختيار 155
التمايز بين المكرَه والمجبور 1582. تنبيهات في بداهة الاختيار 160
الأوّل: إسناد الأفعال 161
الثاني: الأوامر والنواهي 161
الثالث: وضع القوانين 161
الرابع: مؤاخذة المجرمين 162
الخامس: التحيّر والمشورة 162
السادس: تهذيب الأخلاق 162
منها: إنكار الحسن والقبح 163
ومنها: لغويّة التكاليف 163
ومنها: نسبة الظلم إلى اللّه تعالى 165
ومنها: مخالفة ضرورة الأديان الإلهيّة 165
الأوّل: خلفاء الجور 170
الثاني: الغفلة 173
الثالث: الخذلان الإلهيّ 174
الأوّل: القول بوحدة الوجود وكون فاعلیّته تعالى بالتطورّ 176
الثاني: عدم فهم حقيقة القدرة 177
الفصل الأوّل: الوجوه النظريّة لمسلك الجبر ونقدها/179
تمهيد: 181
الوجه الأوّل: قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» 181
تقريبان للشبهة والجواب عنهما 183
التقريب الأوّل: استحالة الترجيح من دون مرجّح 183
الجواب: عدم انحصار المرجّح في العلّة الموجبة 183
استناد مرجّحيّة القدرة إلى غيرها خلف 185
الأحكام العقلية بين التخصيص والتخصّص 186
التقريب الثاني: احتياج الممكن إلى العلّة الموجبة والمناقشة فيه 187
إجابات غير مجدية 188الوجوب الناشي من الاختيار لا ينافي الاختيار 189
و يرد عليه أمور: 189
الأوّل: تقابل القدرة والوجوب 189
الثاني: الإرادة ليست علّة تامّة لصدور الفعل 190
النقض بكلام المحقق الآخوند 190
الثالث: أول الجواب إلى الالتزام بالجبر 192
إيقاظ: مفاسد الالتزام بنظام العلّيّة في جميع الأشياء 193
إنكار قدرة اللّه 193
منها: القول بالقدم 195
ومنها: القول بالسنخيّة 195
ومنها: القول بالترشح 195
الوجه الثاني: «انتهاء الممكنات إلى إرادة اللّه تبارك وتعالى» 196
الجواب: كيفية تعلّق إرادة الباري بأفعال العباد 196
محذور تعلّق إرادته تعالى الحتميّة بإرادة العبد 197
زبدة القول في انتهاء إرادة العبد إلى إرادة اللّه 199
الوجه الثالث: «التوحيد الأفعاليّ» 202
الجواب: نظريّات ثلاثة في التأثير والتأثّر 202
نظريّة الأشاعرة 202
نظريّة الفلاسفة 203
ردود على النظريّتين 204
المستفاد من الأخبار في نظام التأثير والتأثّر 208
بطلان القول بالإستعدادات الذاتيّة 209
خلقة جميع الأشياء من الماء 210
نظام الأسباب والمسببات والفواعل الإراديّة ليس بخارج عن إرادته تعالى وسلطانه 211
حيثيّات فقر المؤثّر والفاعل إلى اللّه تعالى 212
زبدة المقال في التوحيد الأفعاليّ 213
الفرق بين ما به الوجود وما منه الوجود 214الوجه الرابع: الإرادة ليست إراديّة 216
الجواب: منها: القدرة مناط الاختيار دون الإرادة 216
ومنها: ليست الإرادة علّة تامّة للمراد 216
منها: عدم انحصار نظام التأثيرات في العلل الجبريّة 217
أوّلاً: الإرادة فعل للنفس وليست صفة لها 217
وثانيا: انتهاء الإرادة إلى العلم والقدرة 218
محاولات غير مجدية للإجابة 220
الوجه الأوّل: اراديّة الإرادة ذاتيّة 221
الخلط بين الحيثيّة التعليليّة والتقييديّة 221
الوجه الثاني: صدق الشرطية متوقّف على صدق الملازمة دون المتلازمين 222
تناقض الضرورة والإرادة 223
الوجه الثالث: اختيارية بعض مقدّمات الإرادة 223
المناقشة فيه 224
الوجه الرابع: انتهاء الإرادة إلى ذاتيّات الإنسان 224
توضيح كلام الآخوند 226
ملاحظات على كلام الآخوند 226
كيف اجتمع الجبر والاختيار؟ 226
خروج الذاتيّات عن سلطان العبد 228
لا معنى للسعادة والشقاوة الذاتيّتين 228
لوازم فاسدة مترتبة على المبنى 229
زبدة المقال في نقد كلام الآخوند 231
الوجه الخامس: وجود الدواعي وإستحالة الترجيح من دون المرجّح 232
الجواب: هيمنة القدرة على جميع الدواعي وهي المرجّحة للفعل أو الترك 232
عدم استحالة الترجيح بلا مرجّح في الأفعال الاختياريّة 234
جواب الفلاسفة والمناقشة فيه 235
الوجه السادس: الخُلقيّات وتأثيرها في الإرادة 237
الجواب: الأمر الأوّل: القدرة مناط التكليف لا الأخلاق 238الأمر الثاني: إمكان تبديل الخُلق والطينة 240
الوجه السابع: الاستعدادات الذاتيّة 241
يرد على هذه الأوهام أمور: 244
الأوّل: الاستعدادات الذاتيّة لا تسلب القدرة والاختيار 244
الثانى: الدواعي ليست علل قهريّة 244
الثالث: عدم مدخليّة العبد في خلق الاستعداد الذاتيّ له 245
الرابع: معصية العصاة ليست تحديداً لسلطنته تعالى 246
الخامس: تقابل الجبر والاختيار 247
السادس: تأويلات باطلة في الآيات 248
السابع: جهنمّ محلّ عذاب وليس للراحة 251
الثامن: جهنّم له حقيقة خارجيّة وليس توهّم البُعد 255
التاسع: قرب اللّه للعاصي لا يعني رضاه عنه 257
الوجه الثامن: علم الباري تعالى بأفعال العباد 260
علمه تعالى بصدور الفعل من العبد 260
علمه تعالى علّة لأفعال العباد 260
الجواب: أمّا عن التقريب الأوّل: 260
تعلّق علمه تعالى بصدور الفعل عن اختيار وليس عن جبر 260
العلم كاشف للواقع وليس صانع له 261
الفرق بين العلم المحمول والمكفوف 261
وأمّا الجواب عن التقريب الثاني: 265
تذكرة: في علمه تعالى 265
الوجه التاسع: لزوم العلم بالفعل ليكون إراديّاً 268
الجواب: حصول الخلط بين القدرة والإرادة 268
الوجه العاشر: قدرة اللّه المطلقة 269
الجواب: كشف المغالطة بالفرق بين القدرة وإعمال القدرة 269
الفصل الثاني في بيان ما تشبّث به المجبّرة من الأدلّة النقليّة/271عدم صحة الاستدلال بالأدلّة النقليّة للجبر 273
الأخبار الصريحة في نفي الجبر 273
طوائف أخرى دالّة على نفي الجبر 280
الوجه الأوّل: «وما رميت إذ رميت» 283
الجواب: خصوصيّة الرمي والقتل في معركة بدر 283
الفرق بين الحسنات والسيئات 285
الوجه الثاني: «الآيات الدالّة على إسناد هداية العبد وإضلاله إلى اللّه» 286
الجواب:
المعنى الأوّل: إرائة الطريق 287
المعنى الثاني: التوفيق والخذلان 291
المعنى الثالث: الإيصال إلى الجنّة والنار 292
تقرير آخر للجواب: 293
الهداية والمعرفة صنع اللّه جلّ جلاله 293
شرائط الاهتداء 294
الإضلال يكون عقوبة دائماً 296
الإضلال بمعنى الخذلان 299
الإضلال بمعنى الإهلاك 300
المعنى الرابع: القدرة على الهداية والاضلال 301
المعنى الخامس: الإسناد إلى غير ما هو له 304
زبدة الكلام في هداية اللّه وإضلاله 304
الوجه الثالث: «آيات المشيّة» 306
الجواب من وجوه: 306
الوجه الأوّل: بين عدم المشيّة للعباد وبين المشيّة باللّه 306
والمتحصّل أنّ في الآية احتمالات ثلاثة: 307
الوجه الثاني: نفي مشيّة العباد في الهداية والمعرفة 311
الوجه الثالث: مشيّة أهل البيت(علیهم السلام) تابعة لمشيّة اللّه 312
الوجه الرابع: «آيات الخلقة» 314
والجواب عنها من وجوه: 314
الوجه الأوّل: الانصراف إلى المكوّنات دون الأفعال 314الوجه الثاني: تخصيصها بالأفعال الاختياريّة 315
الوجه الثالث: خلق مقدّمات الإرادة 316
الوجه الرابع: خلق التقدير 317
الوجه الخامس: «الآيات التي تفيد حتميّة دخول النار لبعض وعدم نجاتهم» 320
الجواب: العبد يحتم على نفسه دخول النار بأفعاله الاختياريّة 320
الوجه السادس: «واللّه خلقكم وما تعملون» 324
والجواب: أوّلاً: «ما» مصدريّة أو موصولة 324
ثانياً: خلق التقدير 325
ثالثاً: التشابه 325
الوجه السابع: إسناد الحسنات والسيّئات إليه تعالى 326
والجواب: الحسنة والسيّئة بمعنى النعمة والبلاء وليس الطاعة والمعصية 326
دفع إشكال التدافع بين الآيتين 327
الوجه الثامن: «أخبار الطينة» 329
الجواب: نظرة اجماليّة لأخبار الطينة 329
ذكر بعض أخبار الطينة 332
المحصّل من الأخبار 335
الأوّل: بدء الكائنات من الماء وعروض صفة العلّيّين والسجّين 335
الثاني: اختلاط الطينتين 335
الثالث: نوعيّة الطينة رهن الإيمان والكفر الاختياريّ 336
الرابع: بقاء القدرة على مخالفة مقتضى الطينة 337
الخامس: إمكان تغيير الطينة 338
الوجه التاسع: الشقيّ شقيّ في بطن أمّه والناس معادن 350
الجواب: حديث: الشقيّ من شقي في بطن أمّه 350
الأوّل: علمه تعالى بمآل العبد من الشقاوة والسعادة 350
الثاني: استثناء البداء ينفي حتميّة الشقاء 352
الثالث: تأثير الأعمال الاختياريّة في العوالم السابقة 353
الرابع: الخلقة الظاهريّة 353
حديث: الناس معادن 353
أحدها: التقسيم من جهة الإيمان والكفر 353
ثانيها: التقسيم من جهة اختلاف استعداد الإنسان 354
ثالثها: التقسيم بلحاظ حياتهم الدنيويّة 354
رابعها: التقسيم بلحاظ شرافة النسب 355
إشكالية اختلاف الإنسان في القابليّات وحلّها 355
الوجه العاشر: ما دلّ على إناطة جميع الأشياء بمشيّة اللّه 359
والجواب: أفعال العباد لا تخرج عن حدود سلطان اللّه 360
الإذن غير الرضا 362
أحاديث تبين كيفيّة إناطة الأفعال بمشيّة اللّه 364
سلب القدرة ينافي التفضّل 367
زبدة الكلام في إناطة أفعال العباد بمشيّة اللّه 368
الباب الرابع: نظريّة التفويض ونقدها/373
معنى التفويض 375
ابطال مقالة التفويض 377
الدليل العقليّ على بطلان التفويض 377
الدليل النقليّ على بطلان التفويض 380
تقارير أخرى لنفي التفويض 383
الأوّل: نفي التفويض على مبنى العلّيّة 383
الثاني والثالث: نفي الجبر والتفويض باختلاف المتعلّق 384
نفي التفويض في التشريع 386
شبهات في التفويض 389
الشبهة الأولى: استغناء المعلول عن العلّة بقاءاً 389
الجواب: الشبهة الثانية: استناد الأفعال إلى إرادة العباد 389
الجواب: تبيين لما نسبه الفيض إلى الخواجة 391
تفويض أمر الخلق والرزق إلى أولياء اللّه تعالى 391ثبوت الولاية المطلقة الإلهيّة للنبيّ وأهل بيته: 393
قلوب الأئمّة(علیهم السلام) أوعية لمشيّة اللّه تعالى 394
كلام الشيخ المرواريد(رحمه الله) في التفويض إلى الأئمّة(علیهم السلام) 398
أدّبه على أدبه ثمّ فوّض إليه أمر دينه 399
كلام العلّامة المجلسيّ في تفويض أمر الدين 403
الباب الخامس: نظريّة الأمر بين الأمرين/407
الفصل الأوّل: «تحليل الأمر بين الأمرين»/409
معجزة أهل البيت(علیهم السلام) في بيان الأمر بين الأمرين 411
تنبيهات إلى حقيقة الأمر بين الأمرين 411
بيان السيّد الخوئيّ(رحمه الله) للأمر بين الأمرين 414
كلام الميرزا مهديّ الأصفهانيّ(رحمه الله) في الأمر بين الأمرين 416
الفصل الثاني: التوفيق والخذلان/419
النقطة الأولى: في معنى التوفيق والخذلان 421
النقطة الثانية: إنّ الخذلان لا یكون إلّا مسبوقاً بالاختيار دون التوفيق 425
النقطة الثالثة: الهداية العامّة الحاصلة للجميع 426
النقطة الرابعة: ازدياد التوفيقات جزاء للإيمان والعمل الصالح 429
النقطة الخامسة: الخذلان، وسلب التوفيقات عقوبة على كفرانها 430
النقطة السادسة: لا طاعة إلّا بالتوفيق ولا عصيان إلّا بالخذلان 434
النقطة السابعة: بقاء سلطنة الإنسان بعد التوفيق والخذلان 439
النقطة الثامنة: حقائق تتّضح 440
معنى طلب الأفعال الاختياريّة أو تركها من اللّه 440
سرّ التأكيد على أن لا يوكل الإنسان إلى نفسه طرفة عين 441
كون المؤمن بين الخوف والرجاء 444معنى قوله: أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي 445
معنى القضاء والقدر والمشيّة للأفعال الاختياريّة 446
الفصل الثالث: الأخبار في
الضوابط العامة للأمر بين الأمرين 451
الاستطاعة المتقدّمة على الفعل 454
حدود الاستطاعة 455
لا استطاعة إلّا بالتوفيق 458
لا اختيار إلّا بعد إقدار اللّه ومعونته 458
رسالة الإمام الهادي(علیه السلام) في بيان الأمر بين الأمرين 461
محصَل الأخبار 469
تنبيه في وجه النهي عن الخوض في القدر 470
الفصل الرابع: توضيح للحديث القدسيّ «يابن آدم! أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي»/473
ذكر الأحاديث 475
وجهان في معنى الحديث 479
الوجه الأوّل: الأولويّة الحقيقيّة 479
تهيئة أسباب الحسنات والسيّئات مع الترغيب في الأوّل والتحذير عن الثاني 479
نبذة من توفيقاته تعالى العبد لارتكاب الحسنات وترك السيّئات 479
حكمة وجود الشهوات والشيطان 483
زبدة القول في معنى الحديث 485
الوجه الثاني: الأولوية التقديرية 486
ما عشت أراك الدهر عجبا! 492
الفصل الخامس: الأمر بين الأمرين حقيقة واسعة/499
النقطة الأولى: مراحل اختيار الإنسان 502
المرحلة الأولى: القدرة على الأفعال الجوارحيّة 503
المرحلة الثانية: القدرة على الأفعال الجوانحيّة 503
المرحلة الثالثة: القدرة على الصفات والخلقيات 504المرحلة الرابعة: القدرة في الاستضائة من الأنوار الالهيّة 505
المرحلة الخامسة: القدرة على اشتداد الإرادة وازدياد القدرة أو نقصانها 508
النقطة الثانية: تأثير إرادة الإنسان في الأنظمة الكونيّة 508
النقطة الثالثة: عدم اختصاص مالكيّة القدرة بالإنسان 513
الفصل السادس:
أحدها: الفرق بين العرض اللازم والمفارق 519
ما ذكره مردود لوجهين: 521
ثانيها: الفرق بين العلّة التامّة والعلّة الناقصة 522
المناقشة في ذلك 522
ثالثها: بيان صاحب الميزان والمناقشة فيه 524
وتسجل جملة من الملاحظات على هذا الكلام 527
ثالثها: الجبر على الاختيار 531
رابعها: تفسير الأمر بين الأمرين على مبنى وحدة الوجود 533
محصّل كلام الأسفار 536
ويرد على هذه المقالة -- مع الغضّ عن بطلان مبنى وحدة الوجود -- أمور: 539
الأوّل: عموم قدرة اللّه تعالى 539
الثاني: خروج عن محلّ النزاع 539
الثالث: لا يخلو إسناد الفعل إلى فاعلين من وجوه: 541
الرابع: الخلط بين الفاعل الحقيقيّ والمجازيّ 542
الخامس: انتفاء موضوع الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين 542
السادس: بيان الوحي في حقيقة الخير والشرّ 543
السابع: خلط الاصطلاح في تفسير الشرور بالأعدام 545
الثامن: مفاسد تفسير الشرور بالاعدام 546
التاسع: أمثلة مع الفارق 547
العاشر: عدم دلالة الآيات المستشهد بها 548وقريب من كلام صدرالدين الشيرازيّ ما في منظومة السبزواريّ: 550
توضيح كلام السبزواريّ 551
المناقشة في كلام المنظومة 551
كلام بعض المعاصرين في حقيقة الأمر بين الأمرين 555
محصّل كلام بعض المعاصرين 557
هذه الأوهام المنسوجة مردودة 559
الأوّل: نفي الموضوع للأمر بين الأمرين 559
الثاني: مخالفة مقالتهم لضرورة العقل وضرورة الشرايع 560
نبذة من أقوالهم الصريحة في التزامهم بلوازم مبنى وحدة الوجود الفاسدة 562
لا برهان لهم 567
خاتمة المطاف/569
الفلسفة والتصوّف في منظر أهل البيت(علیهم السلام) 571
لمحة عن تاريخ الفلسفة والتصوف 580
من مظاهر الفلسفة في يونان 580
نهضة ترجمة الفلسفة إلى العربيّة 584
الصراع بين الإسلام والفلسفة بجميع أطوارها 589
وجود ارتكاز على تباين الدين والفلسفة 590
الغرض من ذكر كلمات القوم ومواقفهم تجاه الفلسفة والعرفان 598
دحض الباطل وحجّة بالغة 602
موقف أصحاب الأئمّة(علیهم السلام) وأعيان علماء الإماميّة تجاه الفلسفة والعرفان 603
1.عليّ بن محمّد بن العبّاس(رحمه الله) 603
هلال بن إبراهيم أبو الفتح(رحمه الله) 603
هشام بن الحكم(رحمه الله)(ت 197ق) 603
الفضل بن شاذان(رحمه الله)(ت 260ق) 604
الحسن بن موسى النوبختيّ(رحمه الله)(ت 310ق) 605
ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ(قدس سره) (ت 329ق) 606
7.عليّ بن أحمد أبو القاسم الكوفي(رحمه الله) (ت 352ق) 606
الشيخ أبوالفتح الكراجكيّ(رحمه الله)(ت 449ق) 607
الشيخ محمّد عليّ بن بابويه الصدوق(قدس سره)(ت 381ق) 608
قطبالدين أبوالحسين سعيدبنعبداللّهبنهبةاللّهالراونديّ(رحمه الله)(ت 573ق) 608
السيّد عزّالدين أبوالمكارم حمزةبن زهرة الحسينيّ الحلبيّ(رحمه الله)(ت 585ق) 609
الشيخ أبي القاسم عليّبنجمالالدينمحمّدبنطيّ العامليّ(رحمه الله)(ت 855ق) 610
الشيخ أبوعليّ الطبرسي(قدس سره) (ت 548ق) 610
المحقّق خواجه نصيرالدين الطوسيّ(رحمه الله)(ت 672ق) 611
العلّامة الحلّيّ(قدس سره) (ت 726ق) 611
الشهيد الثاني(قدس سره) (ت966ق) 614
صاحب بن عبّاد(رحمه الله) (ت 385ق) 615
المحقّق الدوانيَ(رحمه الله) (ت 908ق) 615
الشيخ محمودبنمحمّدبنللسيّد الأمير محمّدبنشاهأبوتراب(رحمه الله)(حیّ في 994ق) 616
آغا محمّد باقر بن محمّد باقر الهزار جريبيّ الغرويّ(رحمه الله)(ت 1205ق) 617
المحقّق أحمد بن محمّد المعروف بالمقدّس الأردبيليّ(رحمه الله) (ت 993ق) 617
الشيخ حسن بن المحقّق الثانيّ(رحمه الله) (حی فی 972ق) 621
الشيخ الحرّ العامليّ(قدس سره)(ت 1104ق) 621
السيّد احمدبنزینالعابدین العاملي(رحمه الله) (توفّی بعد 787ق) 621
الفاضل الورع ملّا عبداللّه الشوشتريّ(رحمه الله)(ت 1021ق) 623
المحقّق الميرزا رفيع النائينيّ(رحمه الله) (ت 1082ق) 623
الشيخ البهائيّ(قدس سره) (ت 1031ق) 62429. العلّامة الأعظم غوّاص بحار أئمّة الأطهار محمّد باقر المجلسيّ(قدس سره) (ت 1110ق) 624
الفيض الكاشانيّ(رحمه الله)(ت 1091ق) 631
السيّد محمّد مهديّ بحر العلوم(قدس سره)(ت 1212ق) 631
العلّامة محمّد إسماعيل بن الحسين المازندرانيّ الخواجوئيّ(رحمه الله)(ت 1173ق) 632
السيّد أمير محمّد باقر الداماد(رحمه الله)(ت 1041ق) 633
العلّامة آقا محمّد عليّ بن الوحيد البهبهانيّ(رحمه الله)(ت 1216ق) 634
السيّد نعمة اللّه الجزائري(رحمه الله) (ت 1173ق) 635
المحدّث البحرانيّ صاحب الحدائق(رحمه الله) (ت 1186ق) 636
محمّد طاهر بن محمّد بن حسين القميّ(رحمه الله) (ت 1089ق) 636
الحسن بن محمّد بن عبد اللّه الطيّبيّ(رحمه الله) (ت 733ق) 636
مولی محمّد صالح المازندرانيّ(رحمه الله) (ت 1081ق) 636
السيّد رضي الدين بن طاووس(رحمه الله) (ت 664ق) 637
محمّد أمين الإسترآباديّ(رحمه الله) (ت 1033ق) 638
القاضي سعيد القمّيّ(رحمه الله) (ت 1103ق) 639
المحقّق الميرزا القمّي صاحب القوانين(رحمه الله) (ت 1231ق) 639
الشيخ الأعظم المرتضى الأنصاريّ(قدس سره) (ت 1281ق) 643
الميرزا حبيب اللّه الخوئيَ(رحمه الله) (ت 1324ق) 644
العلّامة الشيخ جعفر كاشف الغطاء(قدس سره) (ت 1228ق) 645
المحدّث الكبير الميرزا النوريّ(قدس سره) (ت 1320ق) 645
الشيخ محمّد حسن النجفيّ صاحب الجواهر(قدس سره)(ت 1266ق) 647
السيّد عليّ البروجرديّ(رحمه الله) (ت 1313ق) 64850. آقا رضا الهمدانيّ(رحمه الله) (ت 1322ق) 648
51 إلى 71. السيّد الفقيه محمّد كاظم اليزديّ(قدس سره) صاحب العروة الوثقى (ت1377ق) 649
المحدّث الخبير الشيخ عبّاس القميّ(قدس سره) (ت 1359ق) 651
شيخ مشايخنا العلّامة الفهّامة آية اللّه الميرزا مهديّ الاصفهانيّ(قدس سره) (ت 1365ق) 651
شيخ مشايخنا العلّامة الحاجّ الشيخ مجتبى القزوينيّ(رحمه الله) (ت 1386ق) 653
شيخنا الأستاذ العلّامة الشيخ عليّ النمازيّ الشاهروديّ(قدس سره) (ت 1405ق) 653
المحقّق الشيخ محمّد تقي الآمليّ(رحمه الله)(ت 1391ق) 653
آية اللّه العظمى السيّد الخوئيّ(رحمه الله) (ت 1413ق) 654
الشيخ محمّد جواد البلاغيّ(رحمه الله)(ت 1352ق) 656
آية اللّه العظمى السيّد الگلپايگانيّ(رحمه الله)(ت 1415ق) 656
الشيخ محمّد أمين زين الدين(رحمه الله) (ت 1419ق) 657
آية اللّه العظمى السيّد محسن الحكيم(قدس سره) (ت1390ق) 657
الشيخ عبد النبيّ العراقيّ(قدس سره) (ت 1385ق) 657
آية اللّه العظمى المرعشيّ النجفيّ(قدس سره) (ت 1411ق) 659
آية اللّه العظمى الشيخ محمّد عليّ الأراكيّ(قدس سره)(ت 1415ق) 661
توضيح وتبيين 661
الحكمة الإلهيّة تؤخذ من اللّه أم من البشر؟ 664
فرية أخرى في من له شأن الدعوة إلى اللّه تعالى 667
حديث فيه إنذار وتحذير وتنبيه 672
فهرس المصادر 679
فهرس الایات والروایات 695
بسم الله الرحمن الرحيم
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً.(1) إذا كانت السعادة مقولة ذات تدرّج، فلا شكّ أنّ أسعد الناس قاطبة هم العلماء؛ لأنّ العلم حصن حصين من الضلال، وسائق صادق إلى الهدى، وجُنّة منيعة من كلّ شرّ، وهو (أصل كلّ خير) كما في الأثر.
وبالأخصّ في خضم التيّارات المنحرفة التي تنعق وتنهق بالشبهات والفتن، كما هو حال هذا الزمان.
لقد كان شيخنا العلّامة الفقيد السعيد الشيخ محمّدباقر علم الهدى يتمتّع بخصال مرموقة شتّى وسجايا كريمة عديدة، ولكن أشرفها وأجلّها وراثته لعلوم آل محمّد صلوات اللّه عليهم، فقد اجتمع فيه ما تفرّق على غيره، وحاز -- لكثير اجتهاد ودوام تحقيق وتدقيق وبألطاف الإمام الثاني عشر المهديّ المنتظر -- على مختلف العلوم على رأسها الحديث والتفسير، كما ألمّ بالفقه والأصول والرجال والأدب، حتّى سرح في ميادين الأفذاذ السابقين وأسرع في البارزين، وصار من ورثة علم من مضى، وتحمّل من علوم الأئمّة الأطهار ما غاب عن كثير من أترابه.
1) 1.. سبأ34.، الآیة 18.
قال الامام الصادق(علیه السلام):
إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها، فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خَلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.(1)
عكف الشيخ(قدس سره) جلّ عمره وأفرغ همومه وهممه -- مع ما كان يلمّ به من ضغوطات وموانع -- لتلقّي العلم وللبحث والنظر والمدارسة للنصوص المقدّسة، وقد حضر دروس روّاد المدرسة المعارفيّة -- الذين ارتووا من دروس فقيه أهل البيت آية اللّه الميرزا مهديّ الإصفهانيّ -- كآية اللّه الشيخ محمّد باقر الملكيّ وآية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد وآية اللّه الميرزا جواد الطهرانيّ وآية اللّه الشيخ عليّ النمازيّ الشاهروديّ وغيرهم من كبار هذه المدرسة وأساطينها واستفاد منهم في حقلالمعارف والفقه والأصول والتفسير والحديث، كذلك وُفّق لحضور الدروس العالية لآية اللّه العظمى السيّد هادي الميلانيّ و آیة الله السیّد ابراهیم علمالهدی وآية اللّه الشيخ علي الفلسفيّ الذي كان يعدّ من أبرز تلاميذ مرجع الطائفة آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئيّ، كما تتلمّذ عند آية اللّه السيّد محمود المجتهديّ السيستانيّ -- الذي كان جامعاً لمختلف العلوم -- سنين عديدة، وبذلك اكتملت البنية العلميّة لشيخنا العلّامة، فقد حاز بمثابرته على المعارف الشامخة للأئمّة(علیهم السلام) بحضوره دروس كبار أساتذته واقتنى آخر ما توصّلت إليه الحوزات العلميّة من آراء دقيقة في الأصول وابتكارات ظريفة في الفقه بحضوره دروس العلمين الميلانيّ والفلسفيّ، وبهذه البنية القويّة وبالجدّ والاجتهاد دأب شيخنا العلّامة في الخوض في آيات الذكر وأحاديث أهل الذكر، فكان كما قيل: مَن جدّ وجد ومن قرع باباً ولجّ ولج، ليرحل عن الدنيا بعد ما آوى إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين؛ واغترف وارتوى من بحار أنوار أهل البيت(علیهم السلام). ولقد ساعده على ذلك ملازمته للشيخ النمازيّ في خضم تصنيفه لمستدرك سفينة البحار وكانت ثمرة هذه الملازمة أنّه بدأ بمشروع ضخم استغرق ثلاثين عاماً من عمره في تفسير القرآن بالحديث، حيث جهد على إرجاع
1) 2.. الكافي، ج1، ص32، ح2؛ وسائل الشیعة، ج27، ص78، ح2[33247].
جميع ما في موسوعة البحار إلى آيات القرآن الكريم، وهو سفر عظيم انتهى من قبل أشهر من رحيله، ولم تبق منه سوى خطوات يسيرة.
ثمّ إنّ الشيخ قد أخذ بيد بعض الضعفاء من أتباع أهل البيت(علیهم السلام)، وساقهم إلى تلك العلوم الفاخرة والبحور الزاخرة، وأخرجهم من ظلمة جهلهم إلى نور العلم وبذلك كسب فضلاً على فضله وشرفاً على شرفه، وقد قال مولانا الإمام الحسن العسكريّ صلوات اللّه عليه:
قال عليّ بن أبي طالب(علیه السلام):
من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة وعلى رأسه تاج من نور يضيئ لأهل جميع العرصات، وعليه حلّة لا يقوم لأقلّ سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثمّ ينادي مناد يا عباد اللّه، هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمّد ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهلهفليتشبّث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان، فيخرج كلّ من كان علَّمه في الدنيا خيراً أو فتح عن قلبه من الجهل قفلاً، أو أوضح له عن شبهة.(1)
بلى، فإنّ العلماء هم الواسطة بين المعصومين والناس، وهم القرى الظاهرة بين القرى المباركة وبين من سواهم، كما قال تعالى:
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَة.(2) فعن أبيحمزة الثماليّ قال: أتى الحسن البصريّ أبا جعفر(علیه السلام) فقال: جئتك لأسألك عن أشياء من كتاب اللّه، فقال له أبوجعفر(علیه السلام):
ألست فقيه أهل البصرة؟ قال : قد يقال ذلك، فقال له أبوجعفر(علیه السلام): هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟ قال: لا، قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟ قال: نعم، فقال له أبوجعفر(علیه السلام): سبحان اللّه لقد تقلّدت عظيماً من الأمر، بلغني عنك أمر فما أدري أكذاك أنت أم يكذب عليك؟ قال: ماهو؟ قال: زعموا أنّك تقول، إنّ
اللّه خلق العباد ففوض إليهم أمورهم، قال: فسكت الحسن، فقال: أفرأيت من قال اللّه له في كتابه إنّك آمن، هل عليه خوف بعد هذا القول؟ فقال الحسن: لا، فقال أبوجعفر(علیه السلام): إنّي أعرض عليك آية وأنهي إليك خطباً، ولا أحسبك إلّا وقد فسّرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت.
فقال له: ما هو؟
قال: أرأيت حيث يقول: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَی الَّتِي بارَكْنا فيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السيْرَ سِيرُوا فيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنينَ(1)يا حسن بلغني أنّك أفتيت الناس فقلت: هي مكّة، فقال أبوجعفر(علیه السلام): فهل يقطع على من حجّ مكّة وهل يخاف أهل مكّة؟ وهل تذهب أموالهم؟ فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا، ضرب اللّه الأمثال في القرآن، فنحن القرى التي بارك اللّه فيها، وذلك قول اللّه عزّوجلّ، فمن أقرّ بفضلنا حيث أمرهم اللّه أن يأتونا فقال: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتي بارَكْنا فِيها أي: جعلنابينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قُرىً ظاهِرَة والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنّا إلى شيعتنا، وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا، وقوله: وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ فالسير مَثَل للعلم سيروا به لَيالِيَ وَأَيَّاماً مثل لما يسير من العلم في الليالي والأيّام عنّا إليهم في الحلال والحرام والفرائض والأحكام آمِنين فيها إذا أخذوا من معدنها الذي أمروا أن يأخذوا منه آمِنين من الشكّ والضلال، والنقلة من الحرام إلى الحلال، لأنّهم أخذوا العلم ممّن وجب لهم بأخذهم إيّاه عنهم المغفرة لأنّهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا، ذريّة مصطفاة بعضها من بعض ... .(2)
وهذه البحوث ممّا بيّنها شيخنا العلّامة وكتبناها تقريراً لأبحاثه وفي طيّها من التفاصيل في شبهتي الجبر والتفويض وإحقاق الأمر بين الأمرين، ما يفيد طالب الحقّ وقمنا بإعادة طباعتها لنفاد الطبعة السابقة واللّه العزيز الموفّق.
تمتاز هذه الطبعة ببعض الإضافات والتعليقات التي كتبها أستاذنا الفقيد بعد الطبعة الأولى من الكتاب، كما وقد أضفنا جملة من العناوين الموضوعيّة تسهيلاً للوصول إلى المطالب المشار إليها، وكذلك إضافة الفهارس الفنّيّة و نقدر جهود مؤسسة عالم آل محمد المعارفية حيث أخذ على عاتقها اخراج الكتاب بهذه الحلة الجديدة.
ونحن إذ تعتصر قلوبنا حزناً على موت هذا العالم، نحمد اللّه الذي يحمد على بلائه كما يحمد على آلائه، ونسأله تعالى أن يحشره مع ساداته ومواليه محمّد وآله الطيبّين الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين، ويوفّقنا للارتواء من ينابيع علومهم ومعارفهم، ويتقبّل أعمالنا بقبول حسن، بجاههم،عليهم أفضل الصلاة والسلام.
علي الرضوي، أمير الفخاري، حسن الكاشاني
25 شوال 1435
ذكرى استشهاد رئيس المذهبالإمام جعفر بن محمّد الصادق صلوات اللّه عليه
المشهد الرضويّ المقدّس على مشرفه آلاف التحيّة
الحمد للّه الذي علا في توحّده ودنا في تفرّده وجلّ في سلطانه وعظم في أركانه وأحاط بكلّ شيءٍ علماً وهو في مكانه، وأفضل الصلوات والتحيّات على أفضل أوليائه وأحبّ أحبّائه محمّد وأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً سيّما الكهف الحصين والإمام المبين والنور المضييء الحجّة بن الحسن العسكريّ روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء واللعن الأبديّ السرمديّ على أعدائهم ومخالفيهم ومعانديهم وغاصبي حقوقهم ومنكري فضائلهم إلى يوم الدين، فإنّهم السبب في عدول الناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم، وحرمان الناس عن نور العلم ووقوعهم في تيه الضلالة والجهل، فلو كان الأمر بيد أهله لاستضاء جميع الناس بنور العلم بحيث تظهر لهم الحقائق وتزول عنهم الخلافات.
أمّا بعد: فممّا لابدّ من التنبيه عليه أنّه يجب التعلّم على الإنسان واقتباس العلم في كلّ حال حتّى يموت.
فعن نصر بن كثير قال: دخلت على جعفر بن محمّد(علیهما السلام) أنا وسفيان الثوريّ منذ ستّين سنة فقلت له: إنّي أريد البيت الحرام فعلّمني شيئاً أدعو به، قال:
إذا بلغت البيت الحرام فضع يدك على حائط البيت ثمّ قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت، ثمّ ادع بعده بما شئت، فقال له سفيان: شيئاً لم أفهمه، فقال: يا سفيان أو يا أباعبداللّه إذا جاءك
ما تحبّ فأكثر من الحمد للّه وإذا جاءك ما تكره فأكثر من لا حول ولا قوّة إلّا باللّه وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار. قال المعافا: حكي لي عن أبي جعفر الطبريّ أنّه ذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمّد(علیهما السلام) فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه وكان قبل موته بساعة فقيل له: في هذه الحال؟ فقال: ينبغي الإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتّى يموت.(1)
ولابدّ لطالب العلم أن يطلبه من مظانّه وأهله، فعن مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) قال: سمعت رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) يقول:
طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله فإنّ تعليمه للّه حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى اللّه تعالى لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلّاء، يرفع اللّه به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويهتدى بفعالهم، وينتهي إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهوامّه، وسباع البرّ وأنعامه، إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوّة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الربّ ويعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، العلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه اللّه منه حظّه.(2)
ومن الواضح أنّ مظانّ العلم وأهله هم الذين سمّاهم اللّه تعالى في كتابه بالراسخين في العلم وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ(3)وسمّاهم بقوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(4)
وأعطاهم العلم والفهم والحكمة وجعلهم معادن العلم ورؤوس الحكمة فإنّ الأنبياء قد اقتبسوا العلم من مشكاة أنوارهم، فعن أبي محمّد العسكريّ(علیه السلام) إلى أن قال:
ونحن منار الهدى والعروة الوثقى، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا، ويقتفون آثارنا ... .(1)
فلا يجوز أخذ العلم إلّا منهم أو من الذين اقتبسوا العلم منهم واستضاؤوا بأنوارهم، فعن أبي عبداللّه(علیه السلام):
... والذي نفسي بيده إنّ في الأرض في أطرافها مؤمنين ما قدر الدنيا كلّها عندهم تعدل جناح بعوضة ولو أنّ الدنيا بجميع ما فيها وعليها،ذهبة حمراء على عنق أحدهم، ثمّ سقط عن عنقه ما شعر بها أيّ شيء كان على عنقه، ولا أيّ شيء سقط منها لهوانها عليهم، فهم الخفيّ عيشهم، المنتقلة ديارهم، من أرض إلى أرض، الخميصة بطونهم من الصيام، الذبلة شفاهم من التسبيح، العمش العيون من البكاء، الصفر الوجوه من السهر، إلى أن قال(علیه السلام): فهم عند الناس شرار الخلق، وعند اللّه خيار الخلق، إن حدّثوا لم يُصَدّقوا وإن خطبوا لم يزوّجوا، وإن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، قلوبهم خائفة وجلة من اللّه، ألسنتهم مسجونة، وصدورهم وعاء لسرّ اللّه، إن وجدوا له أهلاً نبذوه إليه نبذاً، وإن لم يجدوا له أهلاً ألقوا على ألسنتهم أقفالاً غيّبوا مفاتيحها، وجعلوا على أفواههم أوكية، صُلْب صلاب أصلب من الجبال لا ينحت منهم شيء، خزّان العلم ومعدن الحكمة، وتِباع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، أكياس يحسبهم المنافق خرساً عمياً بلهاً وما بالقوم من خرس ولا عمي ولا بله. إنّهم لأكياس فصحاء، علماء حلماء، حكماء أتقياء، بررة، صفوة اللّه أسكتهم الخشية للّه، وأعيتهم ألسنتهم خوفاً من اللّه، وكتماناً لسرّه، واشوقاه إلى مجالستهم ومحادثتهم، يا كرباه لفقدهم، ويا كشف كرباه لمجالستهم، اطلبوهم فإن وجدتموهم واقتبستم من نورهم اهتديتم وفزتم بهم في الدنيا والآخرة، هم أعزّ في الناس من الكبريت الأحمر ... .(2)
فلا ينجو إلّا من اقتبس العلم من العلماء باللّه وهم الأئمّة الهداة المهديّون(علیهم السلام) والمتعلّمون منهم، فعن مولانا أميرالمؤمنين عليّ(علیه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
ستفترق أمّتي على ثلاثة وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية والباقون هالكون، فالناجون الذين يتمسّكون بولايتكم ويقتبسون من علمكم، ولا يعملون برأيهم فأولئك ما عليهم من سبيل، فسألت عن الأئمّة فقال: عدد نقباء بني إسرائيل.(1)
وعن مولانا موسى بن جعفر(علیه السلام) في وصيّته لهشام:
يا هشام، نُصب الخلق لطاعة اللّه ولا نجاة إلّا بالطاعة والطاعة بالعلم والعلم بالتعلّم والتعلّم بالعقل يُعتقد ولا علمَ إلّا من عالم ربّانيّ ومعرفة العالم بالعقل.(2)والرجوع إلى غيرهم والتعلّم من غيرهم والإعراض عن الاقتباس من مشكاة أنوارهم يوجب الهلكة الدنيويّة والأخرويّة والعدول عن الصراط المستقيم.
فعن أميرالمؤمنين(علیه السلام) في خطبة شريفة بليغة إلى أن قال:
أيّها الأمّة التي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها فأصرّت على ما عرفت، واتّبعت أهواءها وضربت في عشواء غوائها، وقد استبان لها الحقّ فصدعت عنه، والطريق الواضح فتنكّبته، أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته، وادّخرتم الخير من موضعه، وأخذتم من الطريق واضحه، وسلكتم من الحقّ نهجه لنهجت بكم السبل وبدت لكم الأعلام وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمّت عليكم دنياكم برحبها، وسدّت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين اللّه بغير علم، واتّبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمّة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سئلتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم، وما اجتلبتم،
والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لقد علمتم أنّي صاحبكم، والذي به أمرتم وأنّي عالمكم، والذي بعلمه نجاتكم، ووصيّ نبيّكم(صلی الله علیه آله و سلم) وخيرة ربّكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وعدتم، وما نزل بالأمم قبلكم، وسيسألكم اللّه عزّ وجلّ عن أئمّتكم، معهم تحشرون، وإلى اللّه عزّ وجلّ غداً تصيرون.(1)
ثمّ إعلم أنّ من جليل نعم اللّه تعالى على بني آدم أن كرّمهم وأعطاهم العلم والقدرة والمشيّة والإرادة بالنسبة إلى أفعالهم الاختياريّة -- في قبال ما ليس لهم الاختيار فيه والقدرة عليه كما في ضربان القلب -- بأن جعل لهم السلطنة على ما يفعلون أو يتركون، ولم يجعلهم مجبورين مسلوبي المشيّة، ولا مقهورين فاقدي الإرادة، وهذا ظاهر لجميع العقلاء كمال الظهور وبديهيّ لهم غاية البداهة ويجده كلّ من له أدنى حظّمن العلم والعقل فالبرهان النيّر على ذلك وجدان جميع العقلاء تلك الحقيقة بنور العقل.
ويشهد على ما ذكرنا أمور:
منها: إسناد كلّ عاقل بعض الأفعال إلى نفسه كالأكل والشرب والرؤية والاستماع والمجيىء والذهاب، دون بعض كخلقه ووجدانه القدرة والمشيّة.
ومنها: وضع القوانين في جميع الممالك والمؤسّسات ومؤاخذة المتخلّف عنها.
ومنها: أمر الطبيب المريض بالتداوي والعلاج، وأمر المعلّم تلميذه بتكاليف دخيلة في تعلّمه.
ومنها: أنّ الذي يحترم القوانين ويلتزم بها لا يستوي مع المتخلّف عنه عند العقلاء، فنراهم يمدحون الملتزم بها ويذمّون المتخلّف عنها، فإنّ الأمر والنهي والمدح والذمّ ونظائرها دليل على قدرة الإنسان على الفعل والترك، كما أنّه لاخفاء في وجدان العاقل قدرته بمعنى السلطنة على الفعل والترك بالنسبة إلى الأفعال الاختياريّة.
ومن العجيب جدّاً إنكار بعضٍ قدرة الإنسان، وادّعائهم أنّ الإنسان بالنسبة إلى
1) 15.. الکافي، ج8، ص31، ح5؛ بحارالأنوار، ج28، ص240، ح27.
أفعاله كالمنشار في يد النجّار، فإنّ الفاعل هو اللّه تبارك وتعالى والإنسان بمنزلة الآلة التي لا قدرة لها ولا اختيار، بل ولا شعور لها بما يتحقّق.
وأعجب من ذلك إنكار بعض آخر قدرة الإنسان مع إدّعائهم كونه قادراً مختاراً شائيّاً، فهم يدّعون أنّ الإنسان مجبور في أفعاله إلّا أنّه بصورة المختار، فتارة يصرّحون بأنّ الفاعل هو اللّه بناءاً على التوحيد الأفعالي على حسب زعمهم، وتارة يدّعون ثبوت الاختيار والقدرة للإنسان، وثالثة يتهافتون ويقولون: «الفعل فعل اللّه وهو فعلنا». نعم ذكروا لهذه النظريّة توجيهات باردة فاسدة سنذكرها ونبيّن وجوه المناقشة فيها.
ولا غرو في إنكار قدرة الإنسان واختياره وإرادته من بعض الجهلة السفهاء وإسناد جميع القبائح الصادرة عن الإنسان إلى الباري سبحانه وتعالى، حيث إنّهم يرومون توجيه ما يرتكبونه من السيّئات والقبائح، كما أنّ ابن زياد ويزيد عليهما لعائن اللّه أسندا ما ارتكبا من قتل ريحانة رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وأسر آل اللّه ونهب أموالهم وسائر المظالم الفجيعة الشنيعة إلى اللّهتعالى، لكي لا يعترض عليهما أحد بما فعلاه من سوء فعل وبما أورداه على الرسول وآله(علیهم السلام) من مصائب ما أعظمها وأعظم رزيّتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض.
والحاصل أنّ الشياطين المتصدّين لإغواء بني آدم يوحون إلى أوليائهم زخرف القول غروراً، وأتباعهم من بني آدم يدّعون أنّ ما جاؤوا به هو المستفاد من البرهان والعقل، ويدّعون الضرورة والبداهة على خلاف البداهة والضرورة. وسيأتي إن شاء اللّه بيان جميع تسويلاتهم وإبطالها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.
ومن أعظم نعم الباري تعالى علينا أن هدانا إلى كلامه وعلَّمنا القرآن والبيان، وهدانا إلى الذين نزل القرآن في بيوتهم وهم المخاطبون به، وهم أهل الذكر، وهم المسئولون، وهم الذين أوتوا العلم الذين قال اللّه تعالى في حقّهم: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ،(1)وهم المصطفون الذين أورثهم اللّه كتابه المجيد. وقد جاءوا بما هو الحقّ الواضح في كلّ موضوع ومسألة بما أغنونا عن الرجوع إلى أبواب غيرهم، كما بيّنوا حقيقة الأمر في
1) 16.. العنكبوت29.، الآیة 49.
مسألة الجبر والتفويض بقولهم: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وأوضحوا مرادهم من الأمر الثالث المغاير للجبر والتفويض وهي منزلة أوسع ممّا بين السماء والأرض، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.
وغير خفيّ على الخبير المتأمّل مدى أهمّيّة هذا البحث وارتباطه الوثيق بسائر المباحث العقائديّة، فإنّ الصلة بينه وبين البحث عن العدالة التي هي من كمالات الباري جلّ شأنه وتنزيهه عن الظلم واضحة، فإنّ القول بالجبر يستلزم تجويز الظلم عليه تعالى. وكذا الصلة بينه وبين الحكمة التي هي أيضاً من كمالاته العالية وخروج أفعاله عن اللغويّة واضحة، حيث إنّ القول بالجبر يستلزم لغويّة بعث الرسل وإنزال الكتب وتكليف العباد. كما أنّ الصلة بينه وبين التوحيد ممّا لا تخفى، فإنّ المالك للقدرة هو اللّه تعالى وليس للعبد كمال إلّا بتمليكه تعالى وتفضّله وتطوّله، وهكذا صلته ببحث المعاد المتقوّم بالثواب والعقابالقائمين على اختيار العباد بالمعنى الحقيقيّ وهكذا سائر المباحث المتعلّقة بهذا الموضوع.
فعلى كلّ باحث في المسائل الاعتقاديّة الرجوع إلى نور العقل الذي هو الحجّة الباطنيّة وإلى ما جاء به النبيّ الأكرم(صلی الله علیه آله و سلم) وأهل بيته الطاهرون، لاسيّما في هذا البحث مع التدبّر والتأمّل التامّ فإنّهم الهداة المهديّون عليهم أفضل الصلوات والتحيّات.
ثمّ إنّي بفضل اللّه تعالى ومنّه، وبعناية من وليّه الأعظم الحجّة بن الحسن العسكريّ روحي له الفداء، قد تعرّضت لهذه المباحث مفصّلاً وألقيتها على جمع من الأفاضل حين الاشتغال بالبحث عن الطلب والإرادة والجبر والتفويض توضيحاً لما تعرّض له صاحب الكفاية(قدس سره) ونقداً لما قاله والتزم به من الجبر. ثمّ ألقيتها ثانياً في طيّ المباحث المعارفيّة على ضوءِ كتاب تنبيهات حول المبدأ والمعاد لشيخنا الأستاذ المغفور له آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد(قدس سره). وقد جمع تلك المباحث كلّ من حضرها، منهم الفاضل المعظّم السيّد عليّ الرضويّ، ومنهم الشيخ الفاضل أمير الفخّاريّ، ومنهم الشيخ الفاضل حسن الكاشانيّ وقد رتّبها ونقّحها وأضاف إليها إضافات مفيدة نافعة ولقد أجاد فيما أضاف وأفاد، فشكر اللّه سعيهم وجزاهم خير الجزاء.
ولمّا كانت المباحث المعنونة في هذا الكتاب من أجلّ المباحث المعارفيّة وأدقّها -- التي لا يمكن نَيْلها إلّا بفضل اللّه تعالى ومنّه العظيم والأنس التامّ بالآيات والأحاديث والاستنارة بنور العقل والاستضائة بالأنوار الإلهيّة المتجلّية في كلامه وكلام أوليائه وأصفيائه(علیهم السلام) والتتبّع الدقيق في كلمات علماء البشر والقدرة على تمييز غثّها من سمينها -- فلذا لا يمكن الإحاطة بما جاء فيه بمجرّد المراجعة والنظر بل لابدّ في فهمه من التعليم والتعلّم والدراسة والمدارسة عند من كان أهلاً لها فإنّ العلم يُطلب من مظانّه.
هذا، وأتمنّي من القرّاء الكرام أن ينظروا إلى هذا الكتاب بعين الاعتبار والانصاف، بعيداً عن العداوة والاعتساف، فالمرجوّ من اللّه تعالى أن يهدينا إلى سواء الصراط، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
محمّد باقر علم الهدى5 جمادى الأولى 1428 الهجريّة
ذكرى مولد عقيلة الطالبيّين زينب الكبرى عليها سلام اللّه
الباب الأوّل: في البحث عن حقيقة الطلب والإرادة والكلام في اتّحادهما أو تغايرهما، والبحث عن الكلام النفسيّ واللفظىّ.
الباب الثاني: في الكلام حول إرادته تعالى وتفسيرها وتقسيمها على ضوء الآيات والروايات.
الباب الثالث: في البحث عن نظريّة الجبر ونقد ما أقامه المجبّرة على مدّعاهم من الوجوه النظريّة والنقليّة.
الباب الرابع: في نقد نظريّة التفويض، وبعض الكلام حول معانيه.
الباب الخامس: في بيان حقيقة الأمر بين الأمرين ومعنى التوفيق والخذلان، وبيان الوجوه الفاسدة في تفسيره والمناقشة فيها.
وفي الخاتمة نذكر كلمات بعض أعلام فقهاء الطائفة الإماميّة قدّس اللّه أسرارهم في التحذير من الاستقاء من المعارف البشريّة غير الربّانيّة والأخذ بها.
وفيه فصلان
الفصل الأوّل: في تغاير الطلب والإرادة
الفصل الثاني: نقد أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسيّ
وقع النزاع في اتّحاد الطلب مع الإرادة وتغايرهما، فإنّه قد يقال: أراد اللّه تعالى الإيمان والطاعة من الناس، وقد يقال: طلب منهم ذلك، فهل ثمّة فرق بين التعبيرين؟
هل الطلب متّحد مع الإرادة أم هناك تغاير؟إذا كانا متّحدين فما هو معناهما وما المراد منهما؟
في المسألة قولان:
أحدهما للأشاعرة: فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الطلب والإرادة شيئان مختلفان ومتغايران.
وثانيهما للمعتزلة وأكثر العدليّة: فقد قالوا إنّهما متّحدان.
وسيتّضح لك مدى أهمّيّة البحث والصلة بينه وبين ما يترتّب عليه من القول بحدوث القرآن وقدمه والقول بالجبر في أفعال العباد، وغيرهما من الأبحاث الكلاميّة.
ثمّ إنّ المحقّق الآخوند مع أنّه ارتضى القول باتّحادهما، حاول أن يجمع بين الطائفتين ويجعل نزاعهما لفظيّاً، فقسّم الإرادة إلى الإرادة الحقيقيّة والإرادة الإنشائيّة، وقسّم الطلب إلى الطلب الحقيقيّ والطلب الإنشائيّ.
ثمّ قال إنّ الإرادة الحقيقيّة تتّحد مع الطلب الحقيقيّ والإرادة الإنشائيّة تتّحد مع الطلب الإنشائيّ.
والظاهر من عبارته في توضيح الطلب والإرادة أنّ الطلب والإرادة الحقيقيّين صفة قائمة
بالنفس التي يعبّر عنها بالفارسيّة ب--«خواستن»، وأمّا ما ينشأ بالمادّة أو الصيغة فيسمّى بالطلب والإرادة الإنشائيّين، أي قول الآمر «اضرب» مثلاً.
ويستفاد من كلامه أنّ اختلاف الطلب والإرادة إنّما هو فيما ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق، فلفظ الإرادة إذا أُطلق ينصرف إلى الإرادة الحقيقيّة، ولفظ الطلب عند الإطلاق ينصرف إلى الطلب الإنشائيّ الذي هو الأمر وإنشاء الطلب.
كما أنّ الظاهر من كلامه اتّحاد حقيقة الطلب والإرادة مفهوماً، وهذا الاتّحاد يوجب الاتّحاد في المصداق الخارجيّ.
وإليك نصّ عبارته:
أنّ الحقّ كما عليه أهله وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة هو اتّحاد الطلب والإرادة بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر والطلب المُنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّةوبالجملة هما متّحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً (1)انتهى كلامه.
ثمّ يقول: يمكن أن يكون النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة لفظيّاً لا معنويّاً، فإنّ الأشاعرة أرادت من تغاير الطلب والإرادة تغاير الطلب الحقيقيّ مع الإرادة الإنشائيّة وتغاير الطلب الإنشائيّ مع الإرادة الحقيقيّة، والمعتزلة القائلون باتّحادهما أرادوا من ذلك اتّحاد الطلب الحقيقيّ مع الإرادة الحقيقيّة واتّحاد الطلب الإنشائيّ مع الإرادة الإنشائيّة.
ففي الحقيقة ليس بين الطائفتين نزاع، بل النزاع لفظيّ ومنشأه هو انصراف لفظ الطلب عند الإطلاق إلى الطلب الإنشائيّ، كما أنّ لفظ الإرادة عند الإطلاق ينصرف إلى الإرادة الحقيقيّة. فالأشاعرة يدّعون تغاير حقيقة الطلب المنصرف إلى الإنشائيّ مع حقيقة الإرادة التي تنصرف إلى الحقيقيّة وهذا ممّا لا خفاء فيه والمعتزلة يدّعون اتّحاد الطلب الإنشائيّ مع الإرادة الإنشائيّة والطلب الحقيقيّ مع الإرادة الحقيقيّة وهذا أيضاً ممّا لا خفاء فيه، فليس النزاع بين الطائفتين نزاعاً حقيقيّاً بل النزاع لفظيّ. هذا ملخّص ما ذهب إليه المحقّق الآخوند(رحمه الله).
1) 17.. کفایة الاصول، ص64.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول مستمدّين بحول اللّه وقوّته: مقتضى التحقيق عدم اتّحاد الطلب والإرادة بل هما متغايران حقيقة، وعليه لا يكون النزاع لفظيّاً، فهنا مرحلتان: الأولى: عدم كون النزاع لفظيّاً. والثانية: عدم اتّحاد الطلب والإرادة.
ظهر من كلام المحقّق الآخوند أنّه يقول: إنّ الطلب والإرادة الحقيقيّين متّحدان، وهما عبارة عن كيفيّة قائمة بالنفس التي يعبّر عنها بالفارسيّة ب--«خواستن»، كما أنّ الطلب والإرادة الإنشائيّين متّحدان وهما عبارة عن إنشاء الطلب بلفظ الطلب أو مادّة الأمر أو صيغة إفعل أو الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب.
ولتبيين المدّعى لابدّ من التنبيه إلى أمر وهو: «أنّ هذا الاختلاف ناش عن النزاع في أمرين آخرين».
إنّ البحث عن كلام اللّه تعالى وأنّه هل هو قديم أم حادث؟ من البحوث العقائديّة القديمة التي تعرّض لها علماء الإسلام، وبهذا الاعتبار يسمّى علم العقائد بعلم الكلام.
وحقيقة البحث فيه: هو أنّ الكلام من صفات البارى تعالى فإنّه متكلّم، فوقع البحث في أنّ الكلام هل هو من صفات الذات -- كالعلم والقدرة والحياة -- أو من صفات الفعل -- كالخلق والرزق -- فإن كان التكلّم من صفات الذات، فيكون كلام اللّه تعالى قديماً كالعلم والحياة وساير الصفات الذاتيّة وإليه ذهبت الأشاعرة، وإن كان من صفات الفعل فهو حادث كسائر صفات الفعل وإليه ذهبت المعتزلة.
والبحث عن اتّحاد الطلب والإرادة وتغايرهما، إنّما هو من فروعات البحث عن كلام اللّه عزّوجل، فإنّ الأشاعرة ذهبت إلى أنّ الكلام النفسيّ من صفات الباري الذاتيّة القديمة ويعبّرون عنه بالطلب.
توضيح ذلك: إنّ الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، هو أنّ الصفات الذاتيّة عين ذاته تعالى، ولا يصحّ سلبها عن الذات مطلقا، فلا يقال: ما علم اللّه، بخلاف صفات الفعل فإنّه يصحّ سلبها عن الذات تارة وإثباتها أخرى، بأن يقال: خلق اللّه الإنسان، ولم يخلق العنقاء فصفات الفعل حادثة لا قديمة.(1)
توضيح ذلك: إنّ الصفة والاسم متقاربان من حيث المعنى والمفاد فالصفة علامة للموصوف كما أنّ الاسم علامة للمسمّى، ومن الواضح أنّ العلم والقدرة والحياة وسائر الكمالات الذات--يّة ليست علامات للّه تعالى بل هي عين ذاته القدّوس، لوضوح ذاتيّة العلم والقدرة للذات الأحديّ القدّوس، نعم العالم والحيّ والقادر أوصاف له كما يقال أنّها أسماء له تبارك وتعالى. ولتفصيل الكلام حول هذا المطلب النفيس مقام آخر.
وأمّا الوجه في التعبير عن الكمالات بالصفات في متن الكتاب فهو الجري وفق المشهور لأنّا بصدد إبطال الجبر والتفويض و ردّ جميع الشبهات الموجبة للالتزام بأحدهما ولسنا بصدد بيان جميع المعارف الإلهيّة المستوحاة من الكتاب والسنّة النبويّة والولويّة المرشدة لما يجده العاقل بنور عقله ومع ذلك لابدّ من الإشارة إليها في كلّ موطن يناسبها كي يعرف اللبيب التمايز بين المعارف الإلهيّة والعلوم البشريّة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المعتزلة ذهبوا إلى أنّ التكلّم من صفات الفعل فيكون حادثاً، ومرادهم بحدوث هذه الصفة هو أنّ اللّه تعالى إذا أراد أن يتكلّم يوجد الكلام في الخارج بعد أن لم يكن موجوداً، لا أنّه صفة زائدة على الذات وعارضة عليه، ثمّ إنّهم قالوا في مقام الإشكال على الأشاعرة والاستدلال على مدّعاهم: إنّ اللّه تعالى قبل أن يتكلّم مع موسى -- أي قبل إيجاده الكلام في الخارج -- ، لم يكن في الخارج كلام حقيقة، ولم يكن اللّه تعالى متكلّماً فكيف يكون الكلام قديماً.
وأجاب الأشاعرة: بأنّ الكلام على قسمين: لفظيّ ونفسيّ، والكلام اللفظيّ «كالجمل الخبريّة والإنشائيّة» دالّ على الكلام النفسيّ ومعبّر عنه، وإليه أشار شاعرهم:
1) 18.. الصحيح في مقام التعبير عن الصفات الذات--يّة هو التعبير بالكمالات الذات--يّة، فإنّه ليس للّه تعالىصفة «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف» نهج البلاغة، الخطبة الأولى، ص39.
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
أمّا الكلام النفسيّ فمرادهم منه هو «النسبة» في الإخبار وفي الأوامر «الطلب» وفي النواهي «الزجر»، فقالوا: إنّ الكلام النفسيّ (النسبة والطلب والزجر) صفة أخرى من الصفات النفسانيّة غير الصفات النفسانيّة المشهورة كالعلم والإرادة والكراهة.
ولا يتوهّم من ذلك منشأيّة الكلام النفسيّ للكلام اللفظيّ، فإنّ منشأ الكلام اللفظيّ عندهم هو العلم والإرادة وهو غير الطلب والزجر اللذين يسمّيان بالكلام النفسيّ.
وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فقد ذهبوا إلى أنّه عين العلم والحياة والقدرة مضافاً إلى كونه متكلّماً بالكلام النفسيّ، فالكلام النفسيّ كالعلم والقدرة عين الذات القديمة.
والظاهر من كلامهم أنّهم لا يقولون باختصاص الكلام النفسيّ به تعالى، بل ذهبوا إلى أنّ كلّ متكلّم له كلام لفظيّ وكلام نفسيّ.
قال صاحب الكفاية في الردّ على كلامهم:
فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها، يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدّمة تحقّقها، ... وبالجملة: لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب، ... فإنّه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس، من الترجّي والتمنّي والعلم إلى غير ذلك، صفة أخرى كانت قائمة بالنفس، وقد دلّ اللفظ عليها.(1)
فتحصّل ممّا ذكرنا، أنّ النزاع في اتّحاد الطلب والإرادة إنّما نشأ لأجل الخلاف في الكلام النفسي بين الأشاعرة والمعتزلة، فالأشاعرة بما أنّهم قائلون بالكلام النفسيّ -- الذي هو غير الصفات النفسانيّة المعروفةمن العلم والإرادة والكراهة والتمنّي والترجّي -- يكون الطلب عندهم مغايراً للإرادة، كما أنّهم ذهبوا إلى قدم كلام اللّه تعالى والقرآن بخلاف المعتزلة الذين تمسّكوا بعدم ثبوت الكلام النفسيّ.
1) 19.. كفاية الأصول، ص 65.
فعلى هذا لا يمكن أن يقال إنّ النزاع بين الطائفتين نزاع لفظيّ، كيف ونزاعهما في حدوث القرآن وقدمه ليس مقتصراً على ألفاظ القرآن فحسب، كي يقال بأنّ الأشاعرة القائلين بتغاير الطلب والإرادة إنّما أرادوا تغاير الطلب الإنشائي «الذي هو مدلول ألفاظ القرآن» مع الإرادة الواقعيّة، فإنّه من الواضح أنّ الألفاظ حادثة قطعاً لوجهين:
أحدهما: أنّها تدريجيّة الوجود، وثانيهما: أنّها مركّبة من الحروف، والمركّب حادث.
وعليه يكون مرادهم إثبات قدم القرآن بكلامه النفسيّ، أي إنّ للّه تعالى كلاماً نفسيّاً هو القديم والمعبّر عنه هو الكلام اللفظيّ الموجود في القرآن. وقد أشرنا إلى عدم تخصيصهم الكلام النفسيّ بالباري تعالى، بل أثبتوه لكلّ متكلّم كثبوت الكلام اللفظيّ له. ومرادهم من الكلام النفسيّ الصفةَ الأخرى غير العلم والإرادة والكراهة، وهذا الكلام النفسيّ يختلف اسمه باختلاف مصاديقه فإنّ كان من سنخ الأخبار فهو النسبة، وإن كان من سنخ الأوامر فهو الطلب، وإن كان من سنخ النواهي فهو الزجر، والنسبة والطلب والزجر غير العلم والإرادة والكراهة فلذا يتغاير الطلب مع الإرادة.
وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الكلام النفسيّ عند الأشاعرة على ثلاثة أقسام: النسبة والطلب والزجر، والكلام اللفظيّ أيضاً على ثلاثة أقسام: الخبر والأمر والنهي، ودلالة الكلام اللفظيّ على الكلام النفسيّ ليست من سنخ الدلالة الوضعيّة بل هي من سنخ دلالة المعلول على علّته وهي دلالة عقليّة.
وظهر أيضاً أنّ إطلاق المتكلّم على الباري تعالى عندهم إنّما هو بلحاظ الكلام النفسيّ لا اللفظىّ الذي هو حادث بلاخلاف، وقد أقاموا على مدّعاهم في وجود الكلام النفسيّ أدلّة سنذكرها إن شاء اللّه تعالى ونبيّن ضعفها.
ذهبت الأشاعرة إلى القول بالجبر، ولذا أسندوا جميع الحوادث -- ومنها أفعال العباد -- إلى اللّه تعالى، والالتزام بهذه المقالة الفاسدة ألجأهم إلى الالتزام بالكلام النفسيّ، وأمّا المعتزلة
فإنّهم ينكرون ذلك ويسندون أفعال العباد إلى إرادة العبد كما أنّهم يسندون الحوادث الكونيّة إلى إرادة اللّه تعالى.
ذهبوا إلى أنّه لو أراد اللّه عزّوجلّ الإيمان من الكفّار والعصاة، فلا مجال لتخلّف المراد عن إرادته أي يجب أن يكونوا مؤمنين منقادين لا عصاة كافرين لاستحالة تخلّف مراده تعالى عن إرادته، وإن لم يرد منهم ذلك فلا وجه لصدق العاصي والكافر عليهما، لأنّ اللّه لم يرد الإيمان والطاعة منهم بحسب الفرض، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى من الواضح أنّ اللّه تعالى قد أمر جميع عباده بالإيمان والطاعة ونهاهم عن الكفر والمعصية، فلابدّ أن يطلبوا المندوحة في الجمع بين الأمرين هذا من ناحية، ومن ناحية ثالثة التزموا بتغاير الطلب مع الإرادة، فقالوا: إنّ اللّه تعالى طلب من الكفّار والعصاة الإيمان والطاعة، ولكنّه لم يُرِدهما منهم، ذلك لأنّه لو أراد الطاعة من العبد لابدّ من تحقّقها وكذلك الأمر بالنسبة للمعصية -- لاستحالة تخلّف مراده تعالى عن إرادته --، وهذا دليل على تغاير الطلب مع الإرادة، هذا بالنسبة إلى الكفّار والعصاة. وأمّا بالنسبة إلى الأوامر الامتحانيّة فذهبوا إلى أنّ الأمر الامتحانيّ من اللّه كاشف عن وجود الطلب منه بالنسبة إلى المأمور به ولكنّه لم يرد تحقّقه.
فتحصّل من جميع ذلك أنّ النزاع بين الطائفتين في تغاير الطلب والإرادة واتّحادهما ليس لفظيّاً، بل النزاع بينهما حقيقيّ ومعنويّ فلا مصحّح لما ذهب إليه المحقّق الآخوند.
بعد الفراغ من مناقشة الإصلاح الذي طرحه المحقّق الآخوند بين الأشاعرة والمعتزلة، وإثبات أنّ النزاع بينهم نزاع معنويّ لابدّ من نقد ما ادّعاه صاحب الكفاية من أنّ الطلب والإرادة متّحدان مفهوماً، فنقول:
فقد ورد في أقرب الموارد أنّ الطلب بمعنى محاولة وجود الشيء وأخذه(1)وهذا هو ما ذكرناه من أنّه عبارة عن السعي نحو المطلوب.
وفي مفردات الراغب فسّرت الإرادة هكذا:
الإرادة في الأصل قوّة مركّبة من شهوة وحاجة وأمل وجعل اسماً لنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنّه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثمّ يستعمل مرّة في المبدأ وهو نزوع النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنّه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل فإذا استعمل في اللّه فإنّه يراد به المنتهى دون المبدأ فإنّه يتعالى عن معنى النزوع.(2)
هذا بحسب اللغة.
وأمّا في كلمات الأعلام فقد اختلفوا في تفسير الإرادة على أقوال:
الأوّل: ما ذهب إليه المشهور من علماء البشر من أنّها عبارة عن «الشوق الأكيد الذي يتبعه الفعل أو الترك» وعليه تكون الإرادة صفة من صفات النفس.
الثاني: ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الإرادة هي «حملة النفس نحو تحقّق الفعل» وعليه تكون من أفعال النفس ويكون الشوق مقدّمة لها.
الثالث: ما ذهب إليه المحقّق الخوئيّ(رحمه الله) من أنّها «إعمال القدرة» الذى هو أيضاً فعل نفسانيّ.
الرابع: ما ذهب إليه بعض أعاظم مشايخنا من أنّها هو العزم الوارد على جميع العلل التكوينيّة والشهوات والأشواق، والنفس فاعلها بما لها من القدرة التي أعطاها اللّه إيّاه وإليها ينتهي فعلها. هذا بالنسبة إلى الإرادة.
أمّا الطلب فعلى المشهور هو «إنشاء المعنى باللفظ»، والحقّ أنّه «السعي نحو المطلوب» الذى هو فعل خارجيّ ويعبّر عنه بالإقدام نحو تحصيل المطلوب.
فعليه لا يمكن أن يكون الطلب مرادفاً للإرادة بأيّ وجه من الوجوه، فإنّها لا تخلو من أمرين: إمّا أن تكون صفة نفسانيّة، أو تكون فعلاً نفسانيّاً وكلاهما يغايران الطلب، سواء كان بمعنى إنشاء المعنى باللفظ أو السعي نحو المطلوب، حيث إنّه على كلاالمعنيين يكون فعلاً خارجيّاً صادراً عن الأعضاء والجوارح.
ومن الواضح أنّ حبّ شيء والشوق إلى تحصيله يغاير الطلب والإقدام عليه، ومثاله إنّ عنوان «طالب العلم» يصدق على كلّ من يسعى ويجدّ في تحصيل العلم، ولا يصدق على من يشتاق إلى العلم وطلبه من دون سعي نحو تحصيله، وإلّا لعدّ مجرّد الشوق إلى العلم طلباً وسمّي الشائق إلى طلبه طالباً ومن الواضح بطلان ذلك.
فاتّضح أنّ الطلب فعل خارجيّ، والإرادة إمّا تكون صفة نفسانيّة أو تكون فعلاً نفسانيّاً، فلا اتّحاد بينهما بحسب المفهوم، فيثبت بالضرورة تغايرهما مصداقاً، فإنّ مصداق الإرادة هو ما يوجد في النفس الذى هو عبارة عن الشوق أو حملة النفس أو إعمال القدرة أو العزم الوارد على الأشواق والأهواء، وأمّا مصداق الطلب فهو السعي والجدّ الخارجيّ لتحصيل المطلوب.
وبعبارة أخرى، أنّه بالنسبة إلى الفعل الخارجيّ الصادر من الإنسان يتحقّق أمران:
أحدهما: ما يكون في النفس وهو الفعل النفسانيّ أو الصفة النفسانيّة ويسمّى بالإرادة.
ثانيهما: ما يكون في الخارج من إنشاء المعنى باللفظ أو السعي نحو المطلوب ويسمّى بالطلب وليس هنا صفة نفسانيّة أُخرى تكون هي الطلب حتّى تتّحد مع الإرادة.
وأمّا ما ذكره المحقّق الآخوند(قدس سره) من اتّحاد الإرادة الإنشائيّة مع الطلب الإنشائيّ فيرد عليه عدّة أمور:
أوّلاً: قد أثبتنا تغاير الطلب والإرادة بتفاسيرهما المختلفة.
ثانياً: إنّ الإرادة الإنشائيّة غير متصوّرة بل غير معقولة، لأنّ الإرادة إمّا صفة من صفات النفس أو فعل من أفعالها، وعلى كلّ التقادير، تكون من الأمور الحقيقيّة الواقعيّة التى لها واقعيّة نفسيّة، لا من الأُمور الاعتباريّة، والأمر الإنشائيّ إذا كان في قبال الأمر الحقيقيّ يكون بمعنى الاعتباريّ فالإرادة الإنشائيّة في قبال الإرادة الحقيقيّة تكون بمعنى الإرادة الاعتباريّة، ومع كون الإرادة من الأمور الحقيقيّة لا يعقل اعتباريّتها فإنّ تعلّق الاعتباربالأمور الحقيقيّة التكوينيّة المتحقّقة في الخارج غير معقول. مثلاً لا يمكن أن يكون الشجر اعتباريّاً ولا يمكن إنشائه، فإنّ الأمور الحقيقيّة الخارجيّة تابعة لعللها التكوينيّة والحقيقيّة وليس الإنشاء -- بمعنى الاعتبار لا بمعنى الإيجاد -- وعدمه مؤثّراً في تحقّقها وعدمه، فعلى هذا تكون الإرادة الإنشائيّة -- بمعنى الإرادة التي اُنشئت بواسطة اللفظ -- غير معقولة، فليس لنا إرادة إنشائيّة كي يقال بأنّها متّحدة مع الطلب الإنشائيّ.
لا يقال: إنّ المراد من الإرادة الإنشائيّة هي الإرادة التشريعيّة التي تكون عبارة عن الأمر والنهي.
لأنّا نقول: إنّ الإرادة حقيقة واحدة ولا تنقسم إلى التكوينيّة والتشريعيّة إلّا باعتبار المتعلّق كما سيأتي فإنّ الأمر والنهي كاشفان عن تعلّق الإرادة بإنشاء الحكم والوجوب أو الحرمة.
نعم يتحقّق المُنشأ بالإنشاء سواء كان المُنشأ أمراً اعتباريّاً كالملكيّة والزوجيّة -- بناء على القول بأنّها أُمور اعتباريّة -- أو أمراً حقيقيّاً كالملكيّة والزوجيّة --- بناء على القول بأنّها أُمور حقيقيّة في وعائها تنشأ بإنشاء المنشیء وهو الحقّ كما ثبت في محلّه -- ولكنّ الإنشاء المقابل للحقيقة -- في محلّ البحث -- يأتي بمعنى الاعتبار لا بمعنى الإيجاد الأعمّ من كونه في وعاء الخارج أو في عالم الاعتبار فتأمّل جيّداً.
ثالثاً: ذهب المشهور إلى أنّ الطلب هو: «إنشاء المعنى باللفظ». لكنّ التأمّل في معناه يعطينا خلاف ذلك، فإنّ الطلب حقيقة ولغةً عبارة عن «السعي والحركة نحو تحقّق
المطلوب»، وهذا هو المتبادر إلى الأذهان عند إطلاق مادّة الطلب، كما يقال طلبت الماء، أو طلبت من زيد إتيان الماء بلا فرق بينهما إلّا في المطلوب فتكون صيغة الطلب من المصاديق الخارجيّة للطلب.
توضيح ذلك: إنّ السعي نحو المطلوب يتحقّق تارة بفعل الإنسان نفسه فيما إذا كان المطلوب فعلاً صادراً عن نفسه، كالعطشان الذى يتحرّك في الخارج لتحصيل الماء.وتارةً أُخرى يتحقّق بالأمر بأيّ شكل من أشكاله فيما إذا كان المطلوب فعل الغير، فحينئذ يأمر ذلك الغير ويجعل الفعل في عهدته ويحرّكه نحوه ليمتثله وبذلك يتحقّق السعي نحو المطلوب، لأنّ مطلوبه فعل غيره لافعل نفسه، وسعيه نحو تحقّق هذا المطلوب إنّما يتحقّق بأن يأمره ويوجد فيه الداعي إلى إتيان الفعل ويطلب منه ذلك الفعل بمختلف أنحاء الطلب، سواء كان بصيغة إفعل، أو بمادّة الأمر، أو بالجملة الخبريّة المستعملة في مقام الإنشاء، أو بأيّ إشارة تدلّ على أنّه طلب منه الفعل الكذائيّ، وبه يتحقّق المصداق الواقعيّ والخارجيّ للطلب الذي هو بمعنى السعي نحو المطلوب.
فتلخّص: أنّ اختلاف كيفيّة السعي نحو المطلوب لا يوجب رفع اليد عن المعنى اللغويّ للفظ الطلب، فتارةً يكون المطلوب فعل نفسه فيتحرّك لتحصيله، كما إذا كان مطلوب الإنسان وصول الماء إلى زيد ليشربه فيقوم ويعطيه الماء وأُخرى يعتبر الفعل في ذمّة الغير ويبرز اعتباره بالأمر، فالمطلوب شيء واحد ولكنّ السعي نحوه متعدّد. فالتغاير يكون في المطلوب لا في مفهوم الطلب.
إذا عرفت ذلك، يتبيّن لك أنّ الطلب الإنشائيّ أيضاً غير متصوّر، لأنّ الطلب على هذا يكون من الأمور الواقعيّة الخارجيّة المتحقّقة بالأعضاء والجوارح، وقد قلنا إنّه لا يمكن إنشاء الأمر الواقعيّ، فإنّه بعد السعي والجدّ نحو المطلوب -- سواء كان المطلوب فعل النفس أو فعل الغير -- يتحقّق المصداق الخارجيّ للطلب، لا أنّه يكون في الثاني إنشاء للطلب، كي يكون شيئاً آخراً غير هذا السعي والجدّ، غاية الأمر أنّه في الأوّل يتحرّك ليحصّل مقدّمات
مطلوبه، وفي الثاني يأمر ويقول: إفعل وبه تحصل مقدّمة مطلوبه أي فعل الغير، وأثر تلك المقدّمة ايجاد الداعي في نفس المخاطب، فالطلب الإنشائيّ -- كالإرادة الإنشائيّة -- غير معقول البتّة.
رابعاً: إنّ مادّة الأمر -- وكذا صيغة إفعل بل سائر ما يستعمل في الطلب -- لا تكون بمعنى مفهوم الطلب أو مصداقه، بل بعد استعمالها في معناها يتحقّق المصداق الخارجيّ للطلب الحقيقيّ، إذ من دون الإرادة الجدّية لا يتحقّق مفهوم الطلب وكذا مصداقه.لا يقال: قد يكون الشيئان متغايرين مفهوماً ولكن مع ذلك يتّحدان في المصداق الخارجيّ كما في «زيد قائم» أو «زيد ضارب»، فإنّ مفهوم القيام والضرب غير مفهوم زيد لكنّهما اتّحدا في مصداق واحد، فلِمَ لا يكون الطلب والإرادة متّحدين في المصداق على رغم تغايرهما في المفهوم؟
لأنّه يقال: إنّ الاتّحاد في المصداق مع التغاير في المفهوم ممكن لكنّه منحصر في أحد الأقسام الثلاثة التالية:
أحدها: إذا كانا من الذاتيّات -- المكوّنة بالجعل التكوينيّ الإلهيّ(1)-- المشتركة في النوع، كالجنس والفصل اللذين يتغايران مفهوماً ويتّحدان مصداقاً في النوع، كالحيوان والناطق بالنسبة إلى الإنسان.
وثانيها: إذا كان أحدهما ذاتيّاً والآخر منتزعاً منه كالإنسان والضاحك فإنّ الضاحك اسم فاعل ومنتزع عن الذات (أي الإنسان) باعتبار تلبّسه بمبدأ الضحك، فما يكون في الخارج موجوداً بوجوده الواقعى هو الإنسان والضحك، وأمّا الضاحك فهو منتزع عنه باعتبار تلبّسه بالضحك.
وثالثها: أن يكون كلاهما من المفاهيم الانتزاعيّة وقد انتزعا من ثالث كالضارب والضاحك في زيد ضارب وضاحك، فإنّهما مفهومان انتزاعيّان ومتّحدان في المصداق
1) 22.. فإنّ القول بالتقرّر الماهويّ وأنّ اللّه تعالى ما جعل المشمشة مشمشةً بل أوجدها مردود قطعاً ومرادنا من الذات--يّات ما يقابل الانتزاعيّات والأعراض.
الخارجيّ، فزيد ضارب وهو أيضاً ضاحك.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما نحن فيه: إنّ الطلب والإرادة مختلفان مفهوماً -- على ما مرّ -- ومصداقاً لأنّهما ليسا من الأقسام السابقة، فإنّه ليس أحدهما جنساً والآخر فصلاً كي يتّحدا في النوع، وليس أحدهما منتزعاً عن الآخر أو يكونا معاً منتزعين عن ثالث، بل الإرادة والطلب أمران حقيقيّان أحدهما في أفق النفس والآخر في الخارج بالوجود الواقعيّ.
خلاصة الكلام: إن كان النزاع بين الأشعريّ والمعتزليّ في اتّحاد الطلب والإرادة وتغايرهما هو الاتّحاد والتغاير في المفهوم الذي يتبعه التغاير في المصداق، فالحقّ مع الأشاعرة لما بيّناه. ولكن لا يذهب عليك فإنّا لا نوافق الأشعري في دليله على ما ادّعاه، بل ولا في كلّ مدّعاه، إنّما نوافقه في تغاير الطلب والإرادة، وأمّا سوى ذلك من أنّ الطلب هو من الكلام النفسيّ فلا، وسنزيّف عن قريب أدلّتهم على ذلك.وإن كان النزاع بينهما في المصداق الإنشائيّ، فقد قلنا إنّ الإرادة الإنشائيّة غير متصوّرة على جميع المسالك. وأمّا الطلب الإنشائيّ فهو متصوّر على المشهور في معنى الأمر وصيغة إفعل، ومع ذلك هو مغاير للإرادة.
وأمّا على ما حقّقناه من أنّ الطلب الانشائىّ كالإرادة الإنشائيّة غير متصوّر بل غير معقول وأنّ الطلب هو السعي نحو المطلوب سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره فيكون الطلب من الغير باعتبار الفعل في ذمّته وابرازه باللفظ وحينئذٍ فلا نزاع أصلاً في المصداق الإنشائيّ وتكون القضيّة سالبة بانتفاء الموضوع.
استدلّ الأشاعرة على مدّعاهم في ثبوت الكلام النفسيّ بوجوه:
قد يخبر الإنسان عن شيء مع عدم العلم به بأن يقول: زيد قائم مع عدم العلم بأنّه کان قائماً أم لا. وقد يخبر مع العلم بخلافه بأن يقول: زيد قائم مع علمه بأنّه قاعد. فعلى هذا لا تكون الجملة الخبريّة دائماً مع العلم بثبوت النسبة أو العلم بعدمه، بل يوجد في نفس المخبر شيء غير العلم فيخبر عنه وهو الكلام النفسيّ.(1)
والجواب عنه: يظهر من خلال التأمّل في مفاد الجملة الخبريّة وحقيقتها فنقول:
قد يخبر المخبر مع العلم بتحقّق مفاد الجملة الخبريّة وقد يخبر مع عدم العلم بذلك أو العلم بعدمه، فإن كان الأوّل فإنّه يكون المخبر في مثل «زيد قائم» عند الإخبار عالماً بستّة أمور: العلم بلفظ «زيد»، والالتفات إلى أنّه حاك عن شخص خاصّ، والعلم بلفظ «قائم»، والتوجّه إلى حكايته عن الهيئة الخاصّة، والعلم بالجملة من حيث أنّها تحكي عن ثبوتالنسبة، والعلم بأنّ هذه النسبة متحقّقّة خارجاً. وبعد علمه بهذه الأمور يتلفّظ بتلك الجملة فيقول: «زيد قائم».
وأمّا إن كان من النحو الثاني فإنّه يكون المخبر عالماً بخمسة من تلك الأمور دون السادس أي العلم بثبوت النسبة خارجاً. فظهر أنّه لا توجد في نفس المخبر ---- عند إخباره
1) 23.. راجع: شرح المواقف، ج2، ص94.
بالجملة الخبريّة سواء كان مع العلم بتحقّقها أم مع العلم بعدمه ---- صفة أخرى غير العلم بهذه الأمور كي يسمّى بالكلام النفسيّ.
وبعبارة أخرى: إنّ الفرق بين الجملة الخبريّة الصادقة والكاذبة هو أنّه في الأولى يعلم المتكلّم أنّ هذه النسبة المدلولة بالألفاظ لها واقعيّة خارجيّة، وفي الثانية ليس له هذا العلم أو له العلم بخلافه. وعليه يكون دليلهم بناءاً على تماميّته دالّاً على أنّ الإخبار لا يتوقّف على العلم بوقوع النسبة، فلا دلالة فيه على ثبوت شيء غير العلم في الجمل الخبريّة الكاذبة.
نعم الغرض من إلقاء المتكلّم كلامه نظير «زيد قائم» إثبات النسبة الثبوتيّة بين القائم وزيد في مثل «زيد قائم» في ذهن المخاطب مع علمه بثبوتها أو عدم ثبوتها واقعاً ولكنّ «الغرض» من إلقاء الكلام غير الكلام النفسيّ الذي ذهب إليه الأشعريّ.
تقريب آخر للوجه الأوّل:
توهّم بعض أنّ الكلام النفسيّ عبارة عن تصوّر المتكلّم مفاد الجملة التى يتكلّم بها، لأنّ التكلّم فعل اختياريّ ومتوقّف على الحكم والعزم والجزم والإرادة.
أوّلاً: إن كان المراد من الكلام النفسيّ تصوّر مفاد الجملة لأجل أنّ التكلّم فعل اختياريّ والفعل الاختياريّ لابدّ فيه من التصوّر الذي هو الكلام النفسيّ،(1)فيجب أن نلتزم باقتران كلّ فعل اختياريّ -- بما أنّ الفاعل يتصوّره قبل الفعل ثمّ يصدر عنه -- كشرب الماء وأكل الطعام والمشي بفعل نفسانيّ فلابدّ من الالتزام بثبوت الشرب النفسي والأكل النفسيّ والمشيّ النفسيّ، بل الفاعل في هذه الأفعال مضافاً إلى التصوّر يصدّق فائدتها ونتيجتها ثمّ يقدم عليها وهذا واضح البطلان.
وثانياً: إنّ هذا تفسير بما لا يرضى صاحبه، فإنّ القائلين بالكلام النفسيّ يدّعون أنّ
1) 24.. الحقّ أنّ صدور الفعل الاختياريّ من الفاعل المختار يتوقّف على العلم والقدرة والمشيّة، أمّا التصوّر فغير دخيل فيه إلّا بناءاً على كون العلم عبارة عن التصوّر والتصديق، وهو مردود كما سيأتي الإشارة إليه في الهامش الآتي.
الكلام النفسيّ -- الذي يزعمون أنّه غير العلم -- يغاير التصوّر وما توهّمه هذا البعض من تفسير الكلام النفسيّ بالتصوّر غير صحيح فإنّ التصوّر -- على زعمهم -- من أقسام العلم.(1)
مع انّه لو كان علمنا بالخارج من طريق الصور لما أمكن لنا أن نعلم هل هذه الصورة مطابقة مع ذيها أم لا؟ وكيف نحكم بمطابَقته -- بالفتح -- وعدمها مع أنّا لانعلم الخارج إلّا من طريق هذه الصور ولا نرى وراء ذلك شيئاً كي نحكم بمطابقته مع الصورة الحاصلة وعدمه، بداهة أنّ الحكم بالمطابقة وعدمها فرع العلم بالشيئين ثمّ النظر في تطابقهما وعدمه، والحال أنّه ليس لنا حسب الفرض علم بشيء غير الصورة الحاصلة حتّى نقول أنّه مطابَق -- بالفتح -- للصورة الحاصلة أم لا، فقد لا تكون هذه الصورة مطابقة لذي الصورة كما هو واقع فعلاً في جملة منها. بل قد لا تكون لهذه الصورة واقعيّة أصلاً كما لو كان خيالاً محضاً. بل الأمر أسوأ حالاً؛ فإنّه بناءاً على أنّ العلم هي الصور الحاصلة عند النفس لا نتمكّن من إثبات وجود شيء وراء تلك الصور، حيث إنّه كيف يمكن الحكم بوجود شيء لا يحصل لنا العلم به إلّا من طريق صورة لا نعلم هل يكون بإزائها شيء أم لا؟!
وبعبارة أخرى: إنّ انفكاك شيئين ولو مرّة واحدة يدلّ على تغايرهما ذاتاً فإنّ الذات لا ينفكّ عن ذاتيّاته، ووقوع الانفكاك واقعاً بين العلم والصورة في الجهل المركّب وغيره يدلّ على تغايرها مع العلم والكشف وأنّ إصابة الواقع لا تكون ذاتيّة لها وإن حسبه القاطع علماً ومصيباً للواقع، لأنّ هذا الوهم الغلط لا يُغيّر حقيقة الصورة بأن يجعلها مطابقة للواقعبعد أن لم تكن كذلك بحسب الواقع، غاية الأمر هو أنّ القطع بإصابتها للواقع يصدّه عن طلب الحقّ فيكون من الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
فعلمت أنّ الصورة كالقطع لا تكون علماً وكاشفاً عن الحقائق، بل العلم متعالٍ عنهما، وبه يعرف الأشياء وحسنها وقبحها، وبه يعرف الصور الحاصلة عند النفس والقطع الذي هو كيفيّة نفسانيّة، وبه يعلم مطابقة الصور الحاصلة للواقع وعدم مطابقتها. ولولاه لم يحصل لنا صورة ولا حضور ولا قطع ولا يقين وما كنّا قادرين على فهم اصابتها للواقع وعدمه. وهذا العلم هو الذي جاء به صاحب الشريعة وتحدّى به جميع علماء البشر ودعاهم إليه فما وجدوا محيصاً عن قبول دعوته.
هذا وقد استوعبنا البحث عن ذلك في محلّه، وليس المقام محلّ البحث عن ذلك تفصيلاً ومن أراد ذلك فليراجع مظانّه فإنّ مشايخنا العظام قدّس اللّه أسرارهم بحثوا عن هذا تفصيلاً. راجع: تنبيهات حول المبدأ والمعاد لآية اللّه الميرزا حسنعلي المرواريد(رحمه الله)، وتوحيد الإماميّة لآية اللّه الشيخ محمّد باقر الملكيّ الميانجيّ(قدس سره).
1) 25.. لا يخفى إنّ تقسيم العلم إلى الحضوريّ والحصوليّ وتعريف الحصوليّ بأنّه الصورة الحاصلة من الشيء عند النفس أو عند العقل، والحضوريّ بأنّه حضور المعلوم عند العالم من الأغلاط التي وقع فيها الكثير من دون التفات إلى حقيقة العلم وإلى مفاسد هذا التعريف. ونشير إجمالاً إلى ذلك فنقول: إنّ حقيقة العلم هوالنور الذي لا ظلمة فيه وبه يكشف الإنسان كلّ حقيقة. ومن المكشوفات بذلك النور هي الصور الحاصلة عند النفس، فإنّه لا ريب أنّ الصورة النفسانيّة معلومة لنا ونحن عالمون بها، لا أنّها هي علمنا بالخارج، بل إنّ ما يقال أو يتصوّر أو يعقل أمور مظلمة يكون ظهورها بغيرها وهو العلم الخارج عنها، والصورة وحصولها وحضورها وغيرها وكذا ذي الصورة كلّها ظاهرة بأمر آخر يكون هو الكاشف عن جميعها وهو العلم، كما يشهد على هذا أنّك لو سألتهم: هل تعلمون حضور الشيء عند النفس؟ أو هل تعلمون الصورة الحاصلة؟ أو حصول تلك الصورة عند النفس؟ لقالوا: نعم، فيقال لهم: بماذا تعلمونها؟ وبم صارت معلومة عندكم؟ فما يعلم به تلك الأمور هو العلم، لا تلك الأمور نفسها.
لا يقال: إنّ الكلام النفسيّ عبارة عن النسبة ولا ريب أنّ النسبة موجودة في الجملة الخبريّة بين المسند والمسند إليه.
لأنّه يقال: إنّ القائلين بالكلام النفسيّ يدّعون أنّ هناك شيئاً آخر «وراء التصوّر والإرادة» في النفس، لا في الخارج ويسمّونه بالكلام النفسيّ، أمّا النسبة فهي عبارة عن قيام العرض بالجوهر في الخارج والهيئة دالّة عليها.
قد يأمر الآمر بشيء ولكن لا يريد تحقّق المأمور به، كما في الأوامر الامتحانيّة فإنّه ليس المراد منها تحقّق المأمور به قطعاً مع أنّه لا ريب أنّ الطلب حاصل فيها دون الإرادة -- أي الشوق والميل نحو تحقّقه --، فالإرادة غير الطلب والطلب هو الكلام النفسيّ.
الجواب: إنّ الجمل الإنشائيّة والأوامر على قسمين: حقيقيّة وامتحانيّة.
أمّا الجمل الإنشائيّة الحقيقيّة فلا يكون فيها غير الشوق إلى الفعل، فمثلاً قد يشتاق المولى إلى أن يأتي زيد بالماء ويتصوّر «جئني بماء» ثمّ ينشىء الطلب بهذه الجملة بناء على ما ذهب إليه المشهور، وعليه تدلّ هذه الجملة على شوق المولى إلى إتيان الماء. وعلى المختار يُبرِز المولى بهذه الجملة اعتبار الفعل في ذمّة المخاطب، فعلى كلا القولين ليس في الأوامر الحقيقيّة شيء في النفس سوى الشوق كي يسمّى بالكلام النفسيّ.
وأمّا في الأوامر الامتحانيّة فنقول: غاية ما يستفاد من هذا الدليل هو أنّ الطلب مغاير للإرادة ونحن نسلّم ذلك كما حقّقناه، ولكن لا نسلّم كون الطلب هو الكلام النفسيّ لأنّ الدليل لا يساعد عليه إذ لا يثبت به أنّ في النفس صفة أخرى مغايرة للعلم والإرادة ومقدّماته تسمّى بالكلام النفسيّ، هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّه قد مرّ أنّ الطلب ليس أمراً نفسانيّاً، بل هو فعل خارجيّ إذ معناه «السعي نحو المطلوب» وحينئذ إن كان المطلوب فعل نفسه فإنّه يعمد إلى تحصيل مقدّماته، وإن كان المطلوب فعل غيره فإنّه يعتبر الفعل في ذمّته ثمّ يبرزه بالصيغة، فعلى هذا يكون الطلب اسماً للفظ المبرز للاعتبار -- بمعنى أنّ هذا اللفظ من مصاديق الطلب -- ولا يكون في النفس كي يسمّى بالكلام النفسيّ هذا بناءاً على ما هو الصحيح.
وأمّا على المشهور الذي يمكن بناءاً عليه تصوّر الطلب الإنشائيّ أي «إيجاد المعنى باللفظ» فأيضاً لا مجال للكلام النفسي لأنّ ما اصطلحه الأشاعرة من الكلام النفسيّ هو لفظ الطلب، أي صيغة إفعل أو غيره في الأوامر الامتحانيّة وهذا بناءاً على مبناهم يكون من الطلب الإنشائيّ.
وثالثاً: إنّ هذه المغالطة ناشئة من خلط المعنى الاصطلاحيّ بالمعنى اللغويّ العرفيّ.
توضيح ذلك: إنّ الشوق يكون على معنيين:
أحدهما: ما يستعمل في العرف وهو قريب من معنى الحبّ ويعبّر عنه بالفارسيّة: ب--(دوست داشتن).
وثانيهما: ما اصطلح عليه المشهور من أنّه بمعنى الإرادة التي فسّروها بالميل الشديد الأكيد المستتبع لحركة العضلات نحو تحقّق الفعل.
والفرق بين المعنيين، هو أنّ الشوق بالمعنى الأوّل يمكن أن يتعلّق بفعل الإنسان نفسه ويمكن أن يتعلّق بفعل الغير، بخلاف المعنى الثاني فإنّه لا يمكن أن يتعلّق بفعل الغير لأنّهم يعتبرون هذا الشوق علّة تامّة للفعل بحيث يستحيل تخلّفه عن المراد، والشوق بهذا المعنى لا يمكن أن يتعلّق بفعل الغير.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الإرادة لا تتعلّق بفعل الغير في الأوامر الحقيقيّة فضلاً عن الأوامر الامتحانيّة، فإنّه قد مرّ أنّ الشوق الذي يسمّى بالإرادة عند المشهور لا يمكن أن يتعلّق بفعل الغير. نعم لو أراد المستدلّ من كلامه إثبات أنّ الشوق بالمعنى الأوّل الموجود
في الأوامر الحقيقيّة لا يوجد في الأوامر الامتحانيّة فهذا صحيح ولكن لا ينفعه أبداً، فإنّ ذلك الشوق لا يطلق عليه اسم الإرادة وانفكاكه عن الطلب ممّا لا ضير فيه.إنّما الإرادة التي توجد في الأوامر حقيقيّة كانت أو امتحانيّة، هي الإرادة التي تتعلّق بفعل الغير بتلفّظ الآمر بالأمر بأشكاله المختلفة، لا إرادة امتثال المأمور فإنّ الإرادة لا تتعلّق بالفعل الصادر عن الغير باختياره، فلذا يقال: إنّ شأن الأمر ليس إلّا الداعويّة أي إيجاد الداعي في المأمور، وأمّا تحقّق الفعل وعدمه فهو أمر آخر تابع لإرادة المأمور نفسه ولا يرتبط بصيغة الأمر، وهو يكون غايةً للأمر لا متعلّقاً للإرادة. هذا إذا كان الأمر حقيقيّاً، وأمّا إذا كان الأمر امتحانيّاً يكون الغرض منه شيئاً آخر كاستعلام حال المأمور أو إتمام الحجّة عليه أو غير ذلك.
فتحصّل: أنّ الفارق بين الأوامر الحقيقيّة والامتحانيّة ليس هو وجود الشوق إلى تحقّق المأمور به «بمعنى إرادة تحقّقه» في الأوّل دون الثاني، كلّا! إنّ الشوق بهذا المعنى -- لو سلّمناه -- لا يوجد أصلاً لا في الأوّل ولا في الثاني، فإنّ فعل كلّ فاعل معلول لإرادته لا إرادة غيره. إنّما الفارق الحقيقيّ بينهما أنّه يكون الغرض والغاية من الأمر والداعي إليه في الأوامر الحقيقيّة هو تحقّق المأمور به وفي الأوامر الامتحانيّة شيئاً آخر غير تحقّق الفعل في الخارج.
والحاصل: إنّا نسلّم أنّ الألفاظ غير الطلب، ونسلّم أيضاً أنّ الإرادة مغايرة للطلب، وأنّ الميل والشوق غير العلم بثبوت النسبة وعدمها وغير العلم بالألفاظ ومعانيها، وأمّا وجود صفة أخرى في النفس -- غير العلم والإرادة -- التي تُسمّى بالكلام النفسيّ فلا يثبت بهذا الدليل.
نعم لا يبعُدُ أن يدّعى أنّه ليس للّه تعالى أمر امتحانيّ وجميع أوامره حقيقيّة وتكون من باب إتمام الحجّة، فإنّه من الواضح أنّ اللّه تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كما أنّه يعلم مآل العبد إيماناً وكفراً فلا يمكن أن يكون أمره للامتحان والاختبار لعلمه بما كان وما يكون بل وما لم يكن، فجميع الأوامر حقيقيّة بالنسبة إليه، أي إنّه تعالى يأمر لإتمام الحجّة على العباد ولسوقهم نحو رحمته وحياشةً لهم عن غضبه وناره، ففي جميع أوامره تعالى يكون المأمور به مطلوباً حقيقيّاً، وليس له تعالى أمر يكون المأمور به في ذلك الأمر غير مطلوب
حتّى يكون أمراً غير حقيقيّ، وما يتوهّم كونه من الأوامر الامتحانيّة فالمأمور بهفيها يكون مطلوباً حقيقيّاً إلّا أنّه نشأ للّه تعالى فيها البداء.
فقضيّة ذبح إسماعيل(علیه السلام) من البدائيّات حيث روي أنّه حصل للّه تعالى فيه البداء، نعم قد روي أنّ للّه تعالى إرادتين: «إرادة حتم» و«إرادة عزم» فإنّه تعالى أمر إبراهيم(علیه السلام) بالذبح ولم يشأ.(1)
وأمّا بالنسبة إلى المخلوق فيحتمل أن يكون الأمر الامتحانيّ -- على حسب الاصطلاح -- متعلّقاً بمقدّمات الفعل لا نفس الفعل.
وبناءاً على هذا تنقلع مادّة الشبهة من أساسها حيث أنّ المستدلّ على الكلام النفسيّ بالأوامر الامتحانيّة قد ادّعى أنّه ليس فيها طلب حقيقيّ يستفاد من الأمر فمدلول الأمر يكون هو الكلام النفسيّ، والجواب عن هذه الشبهة بناءاً على المبنی المذكور أنّه ليس من الأوامر ما يكون للامتحان بحيث لا يكون المأمور به مطلوباً حقيقيّاً فالقضيّة سالبة بانتفاء الموضوع.
إنّه قد يطلق الكلام في العرف على ما يوجد في النفس لا على ما ينطق باللسان، كما يقال:
هذا الكلام موجود في نفسي، أو أنّ في نفسي كلاماً لا أستطيع أن أتلفّظ به، أو أنّ في نفسي أقوالاً لامصلحة في إبرازها.(2)
وقال الشاعر:
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
الجواب:
إنّ العرف إنّما يكون حاكماً في تشخيص مفاهيم الألفاظ، وأمّا مسألة وجود الكلام النفسيّ وعدمه، فليس من سنخ مداليل الألفاظ كي يرجع فيها إلى العرف لأنّه مرتبط بوجود صفة في النفس -- غير الصفات المشهورة -- وعدمها ولا مساس لمثلها بالألفاظ.
فعلى هذا يلزم أن نتأمّل في النفس بدقّة لنعلم أنّه هل توجد فيها صفة أخرى غير الصفات المشهورة أم لا؟ وليس للعرف هنا مرجعيّة كما هو واضح.وغاية ما يمكن أن يدّعى هو أنّ العرف قد يطلق الكلام على ما في النفس. ولكن فيه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، وهذا استعمال مجازيّ وعلاقته علاقة المشارفة، بمعنى أنّ المعاني الموجودة والمعلومة في الذهن التي تكون على شرف التكلّم بها، يطلق عليها الكلام مجازاً لأنّها سوف تصير كلاماً، كقوله تعالى حكايةً لقول صاحب النبيّ يوسف في السجن وهو يحاوره: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً.(1)
قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(2)فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الكلام نوعين أحدهما: الكلام والقول السرّيّ وثانيهما: الكلام الجهريّ.
والجواب: إنّ اللّه تعالى قسّم في هذه الآية الكلام اللفظيّ المنطوق باللسان إلى السرّيّ -- أي النجوى -- والجهريّ، فالمراد أنّه تعالى عالم بكلّ قول سرّاً كان أو جهرا.
مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ المراد من قول السرّ هو القصد إلى تكلّم شيء كقصد التكلّم بالغيبة أو الكذب مثلاً، فهو تعالى عالم بما يقصد الإنسان التكلّمَ به وعالم بما يتكلّم.
قوله تعالى: إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُ-خْفُوهُ يُ-حَاسِبْكُم بِهِ اللهُ(1)يدلّ على المؤاخذة على الكلام المخفيّ في النفس وعلى إبداء ذلك الكلام.
والجواب: لا يوجد في هذه الآية عنوان الكلام والقول، بل الثابت فيها هو: «ما في النفس» فالآية تدلّ على ثبوت المحاسبة على ما في النفس سواء أبداه الإنسان وأظهره أم أخفاه. فحينئذ كيف تدلّ الآية على ثبوت الكلام النفسيّ؟ ولعلّ المراد من المؤاخذة على ما في النفس هي المؤاخذة على النيّة والقصد وهو الذي عبّر عنه بما خفي في النفس، وعلى الأعمال الخارجيّة وهو الذي عبّر عنه بإبداء ما في النفس، وهذا ما يبحث عنه في مبحث التجرّي ولا ربط له بالكلام النفسيّ أبدا.
قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(2)فإنّه يدلّ على السؤال عمّا في الفؤاد وهو الكلام النفسيّ.
والجواب: لا دلالة للآية على وجود الكلام النفسيّ، إنّما تدلّ على ثبوت المؤاخذة على ما في النفس وهو أعمّ من المدّعى، بل المراد هو القصد والنيّة والظنون والمعتقدات كما ورد في الأخبار.
يتوقّف على مقدّمات:
الأولى: لا ريب في إطلاق المتكلّم على اللّه تبارك تعالى كما قال عزّ من قائل: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَی تَكْلِيماً.(3)
الثانية: إنّه تعالى قديم وليس محلّاً للحوادث.
الثالثة: لاريب في أنّ الكلام اللفظيّ حادث لما مرّ من أنّ الألفاظ مركبّة من الحروف والمركّب حادث، مع أنّ الألفاظ تدريجيّة الوجود وغير قارّة الذات فكلّ جزء من أجزائها توجد وتنعدم ثمّ يوجد الجزء الآخر.
فنستنتج من انضمام هذه المقدّمات أنّ إطلاق المتكلّم على اللّه تعالى ليس باعتبار الكلام اللفظيّ لأنّه تعالى قديم والألفاظ حادثة ولا يمكن إطلاق المتكلّم عليه باعتبار شيء حادث، فيجب أن نتصوّر وصفاً قديماً يتّحد مع الذات كي يكون باعتبار تلك الصفة متكلّماً، وليس هو إلّا الكلام النفسيّ، وهو غير العلم لأنّ ذات الباري يطلق عليه العالم باعتبار العلم لا باعتبار التكلّم.
لا يقال: إنّ إطلاق المتكلّم عليه باعتبار إيجاده الكلام في الشجر أو الحجر كما في قصّة موسى(علیه السلام)، لا باعتبار الكلام النفسيّ القديم.
لأنّا نقول: إنّ إيجاد جميع الأشياء مستند إلى ذات الباري تعالى فلو كان إيجاد الكلام في الخارج سوّغ لنا إطلاق المتكلّم عليه، فيجب أن يطلق عليه تعالى اسم الباكي والضاحك لأنّ إيجاد الضحك والبكاء قد أسند إليه، كما أسند إليه إيجاد الموت قال تعالى:وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَی * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا.(1)وهذا بديهيّ البطلان فإطلاق المتكلّم عليه ليس باعتبار إيجاد الكلام وصدوره منه، بل باعتبار اتّصافه بالكلام النفسيّ القديم لا اللفظيّ الحادث.
ينبغي ذكر مقدّمة وهي: أنّ كمالات ذات الباري على ما دلّت عليه الأخبار وهو الحقّ وعليه أهل الحقّ على قسمين:
1) 33.. النجم53.، الآیتان 43-44.
أحدهما: الصفات الذاتيّة(1)وهي صفات تكون عين الذات لا زائداً عليه ويستحيل تخلّفها عن الذات. وملاك هذا القسم أنّه لا يمكن سلبها عنه ولا يصحّ اتّصاف ذاته تعالى بنقيضها وهكذا بأضداد هذه الصفات حتّى مع اختلاف المتعلّق والزمان، فلا يمكن أن يقال: إنّه تعالى عالم بزيد وليس عالماً بعمرو، أو عالم بزيد في يوم الجمعة وليس عالماً به في يوم السبت، لأنّ العلم من صفات الذات وكذلك القدرة والحياة.(2)
ثانيهما: «صفات الفعل» وهي صفات قابلة للإثبات والنفي باعتبار المتعلّقات والأزمنة، كالخلق فإنّه يقال: إنّه تعالى خالق لزيد وغير خالق للعنقاء، أو هو خالق لزيد في هذه السنة وغير خالق له في السنة السابقة.
إذا عرفت هذا فاعلم: أنّه لا دليل على أنّ التكلّم من صفات الذات، بل الدليل قائم على خلافه، فإنّه بحسب المناط المذكور آنفاً يكون التكلّم من صفات الفعل، لأنّه يصحّ أن يقال: إنّ اللّه كلّم موسى ولم يكلّم زيداً، أو كلّم موسى بعد ما جاء من عند أهله ولم يكلّمه قبل ذلك، ولذا قال اللّه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَی.(3)
وبعد ما ثبت أنّ التكلّم من صفات الفعل، فلا وجه للبحث عن القدم والحدوث في الألفاظ حتّى يقال: «إنّ الألفاظ حادثة فلا يصحّ إطلاق المتكلّم عليه بلحاظ الألفاظ»، فإنّ التكلّم من الأفعال كالخلق والرزق لا من الصفات، وكلام المستدلّ جار بعينه في
1) 34.. الصحيح كما مرّ هو التعبير بالكمالات الذاتيّة فكلّما عبّرنا بالصفات الذاتيّة إنّما هو لجري البحث على النحو المتعارف ومرادنا هي الكمالات الذاتيّة.
2) 35.. نعم يصحّ سلب العلم عنه تعالى بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع كما في قوله تعالى:أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ «یونس 10.، الآیة 18» فسلب العلم في مثل هذه الموارد كناية عن عدم تحقّقها حيث إنّ علم الباري تعالى بما يكون متحقّقاً من أبده البديهيّات. وللتفصيل راجع إلى ما تعرّض له شيخنا الأستاذ المغفور له آية اللّه الميرزا حسنعليّ المرواريد(رحمه الله) في كتاب تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ص138.
3) 36.. طه20.، الآیة 11؛ النمل27.، الآیة 8؛ والقصص28.، الآیة 30.
الخلق والرزق طابق القذّة بالقذّة، وعليه يجب الالتزام بقدم الخلق والرزق النفسييّن أيضاً ولا قائل به، هذا.وأمّا ما ذكره المستدلّ من أنّه تعالى أوجد الضحك والبكاء والموت، فلو صحّ إطلاق المتكلّم عليه بلحاظ إيجاده الكلام لصحّ إطلاق الباكي والضاحك عليه باعتبار إيجاده الضحك والبكاء، ففيه:
أوّلاً: أنّه قد حقّق في محلّه أنّ المشتقّ يدلّ على الذات المتلبّس بالمبدأ بأحد أنواع التلبّس، فتارةً يكون التلبّس بنحو الصدور كالضارب فإنّ الضرب قائم بالضارب باعتبار صدوره منه وإلّا فإنّ الضرب في الحقيقة قائم بالمضروب، وتارةً يكون بنحو الحلول كالمريض، وثالثةً بنحو الوقوع عليه. وإطلاق المتكلّم عليه تعالى إنّما يكون باعتبار تلبّسه بالتكلّم بنحو الصدور والإيجاد منه وبهذا النحو يصحّ إطلاق الضاحك والباكي أيضاً.
بعبارة أخرى: إنّ إطلاق المتكلّم على كلّ من تكلّم إنّما يكون باعتبار إيجاد الكلام وصدوره منه لا باعتبار الحلول والعروض، وهكذا الحال في الباري تعالى وخصوصيّة الصدور من المتكلّم هو الذي يسوّغ الاتّصاف به حتّى قال بعض: «ليس للمتكلّم مبدء ومصدر حقيقيّ لأنّ المصدر الأصليّ له هو «الكلم» بمعنى الجرح لا بمعنى التكلّم باللفظ» وعلى هذا يكون مصدر المتكلّم مصدر جعليّ «كاللابن» و«التامر» ونحو قولنا «تعمّم» و«تقمّص» و«تنعّل» ممّا يكون المبدء فيه اسماً للأعيان، فيطلق على الشخص المتكلّم باعتبار إيجاد الكلام. ومن الواضح أنّ الكلام من قبيل الكيف المسموع فإنّ ما يسمع بالتكلّم إنّما هي أمواج تتموّج وتتحرّك بالحنجرة واللسان والأسنان والشفتين، فالكلام قائم بالريح والمتكلّم هو الذي يوجد التموّج في الهواء، فبناءاً على هذا يكون إطلاق المتكلّم على اللّه تعالى باعتبار إيجاد الأمواج الصوتيّة في الشجر، فالتكلّم يكون من الأفعال كالضاحك والباكي بلا فرق وليس من الصفات.
فتحصّل: ممّا ذكرنا أنّه إن كان مراد المستدلّ من إطلاق المتكلّم عليه تعالى تلبّسه به بنحو
الحلول والعروض، فلا يصحّ ذلك الإطلاق لا في التكلّم ولا في الضاحك والباكي، وإن كان بلحاظ صدور التكلّم منه وإيجاده الكلام يصحّ ذلك الإطلاق في المتكلّم والضاحك والباكي بلا فرق.ثانياً: إنّ الأفعال تختلف بحسب الجعل والوضع، ففي الأفعال المتعدّية يكون إطلاق المشتقّ بلحاظ إيجاد الفعل فيقال لمن أوجد الضرب: «الضارب» ويطلق «الخالق» عليه تعالى بلحاظ إيجاد الخلق، بخلاف الأفعال اللازمة فإنّه لا يصحّ إطلاق المشتقّ فيها على من أوجد المبدأ، بل يطلق على المتلبّس به، والضحك والبكاء والموت من هذا القبيل فإطلاق الضاحك والباكي يصحّ على من تلبّس بالضحك والبكاء بنحو الحلول والعروض لا على موجدها. وعدم صحّة استعمال هذه الصفات في الباري تعالى إنّما هو من جهة استحالة تلبّسه بهما لأنّه يستلزم التغيير.
وبعبارة أخرى: إنّ صحّة إطلاق المشتقّ وعدم صحّته في الموجد للمبدء ليس قياسيّاً بل هو موقوف على السماع وتابع للعرف، والعرف يرى التكلّم من سنخ الأفعال الإيجاديّة المتعدّيّة والضحك والبكاء من سنخ الأفعال الحلوليّة اللازمة، وإطلاق المشتقّات على الذوات في القسم الأوّل إنّما يكون بلحاظ إيجادها كما أنّه في القسم الثاني يكون بلحاظ التلبّس الحلوليّ الذي هو ممتنع في الباري تعالى.
وأيضاً يشهد العرف بأنّ التكلّم ليس من سنخ الصفات الذاتيّة غير الحادثة، ولذا لا معنى للكلام النفسيّ وإلّا يجب اتّصاف ذات الباري بالخالق والرازق باعتبار الخلق والرزق النفسيّين القديمين، ومن الواضح أنّه لا معنى للخلق أو الرزق النفسيّ، بل هذه الأمور من سنخ الأفعال.
إنّ المشتقّ على ثلاثة أقسام: قسمان منه يجوز إطلاقه عليه تعالى. وقسم يستحيل إطلاقه عليه تعالى.
الأوّل: ما كان من صفاته الذاتيّة كالعالم، فيصحّ إطلاقه عليه بلحاظ أنّ ذاته القدّوس
عين العلم.
والثاني: ما كان من صفاته الفعليّة كالمتكلّم والخالق والرازق، ويصحّ إطلاق هذه الصفات بلحاظ إيجادها وهذا لا يكون إلّا في المشتقّات التي مبدئها من الأمور المتعدّية التي يكون تلبّسه بها باعتبار إيجاد مباديها.
والثالث: ما كان من قبيل عروض المبدء على الذات كالضاحك والباكي ويمتنع إطلاقه عليه تعالى للزومالتغيّر فيه وصيرورته محلّاً للحوادث، إلّا أن يكون المراد أنّه أوجد الضحك والبكاء.
ما ذكره صاحب الكفاية: من أنّ الكفّار والعصاة مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول كما هو المشهور بين الفحول،(1)واستدلّوا بظواهر بعض الآيات كقوله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَ-خُوضُ مَعَ الْ-خَائِضينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ،(2)فإنّ تكذيب يوم القيامة موجب للكفر ومع ذلك ذكر في علّة تعذيبهم ترك الصلاة والزكاة أيضاً، ولاسيّما في التكاليف التي خاطب اللّه جميع الناس بها كقوله تعالى: وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ،(3)فإنّهم لمّا كانوا مكلّفين بالفروع فيكون الطلب في حقّهم موجوداً لوجهين:
أحدهما: أنّه لو لم يكن الطلب ثابتاً في حقّهم فلا وجه لعقابهم لعدم التكليف مع عدم الطلب.
ثانيهما: لو لم يكن الطلب في حقّهم يكون الأمر بالطاعة والإيمان بلا معنى والمفروض توجّه الأمر إليهم، فلابدّ من وجود الطلب في حقّهم، هذا بالنسبة إلى الطلب.
أمّا الإرادة فلا تكون من الباري بالنسبة إليهم، لأنّ إرادته تعالى لا تنفكّ عن المراد فلو
أراد شيئاً لَتحقّق قطعاً، فوجود الكفر والعصيان دليل على أنّه تعالى لم يرد منهم الطاعة والإيمان، وهذا بنفسه دليل على تغاير الطلب والإرادة، والطلب هو الكلام النفسيّ الذي هو مدلول الكلام اللفظيّ.
وأجاب عنه المحقّق الآخوند(رحمه الله): بأنّ الموجود في باب التكاليف هي الإرادة التشريعيّة وهذه الإرادة تتخلّف أحياناً عن المراد، وما لا يتخلّف فيه المراد عن الإرادة إنّما هي الإرادة التكوينيّة. وهذه الإرادة غير لازمة في باب الأحكام الشرعيّة، فاللّه تعالى أراد منهم الطاعة والإيمان لكن بالإرادة التشريعيّة التي يجوزتخلّفها عن المراد لا الإرادة التكوينيّة التي لا تكاد تتخلّف عن المراد.
وفي طيّ كلامه يفسّر الإرادة بالعلم ويقول:
الإرادة التكوينيّة هو العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ، والإرادة التشريعيّة هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف.
أقول: هنا أمران: الأوّل: الجواب عن دليل الأشاعرة. والثاني: الكلام حول مقالة صاحب الكفاية.
أمّا الأمر الأوّل فنقول: غاية ما يستفاد من هذا الدليل هو تغاير الطلب مع الإرادة ونحن نسلّمه كما حقّقناه، ولكن وجود الكلام النفسيّ وأنّه هو الطلب الموجود في النفس بحيث تكون صفة في النفس غير العلم والإرادة والعزم والجزم التي تسمّى بالطلب النفسيّ والكلام النفسيّ المدلول عليه باللفظ، فلا يثبت بهذا الدليل.
إن قلت: الكلام النفسيّ هو تصوّر مطابقة دلالة الألفاظ مع المراد.
قلت: يدخل هذا في جملة التصوّرات الموجودة في التكلّم، والتصوّر هو العلم على ما اصطلحه جمع من الفلاسفة، لكنّ الأشاعرة يدّعون وجود صفة أخرى غير الإرادة والعلم المصطلح عليها.
إن قلت: إنّ اعتبار الفعل أو الترك في ذمّة الغير هو الكلام النفسيّ.
قلت: الاعتبار إنّما يكون فعلاً من أفعال النفس والأشاعرة يدّعون أنّ الكلام النفسيّ هو شيء ثابت في النفس -- وهو من الصفات النفسانيّة -- لا في الخارج وهو غير العلم والتصوّر وغير الاعتبار وفعل النفس.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّ الموجود في نفس المتكلّم ليس إلّا تصوّر الألفاظ والمعاني وحكايتها والتصديق بأثرها، وتصوّر دلالة الألفاظ على المعاني ومطابقة الألفاظ في الدلالة على المراد، واعتبار الفعل أو الترك في ذمّة العبد، والإرادة وإبرازها بالألفاظ، وكلّ هذه الأمور إمّا من صفات النفس أو من أفعالها، والأشاعرة يدّعون وجود صفة أخرى في النفس قد يعبّرون عنها بالطلب وقد يعبّرون عنها بالكلام النفسيّ. ويستدلّون عليه بتغاير الطلب والإرادة، لابدليل يُثبت وجود هذه الصفة في النفس، فهذا الإشكال إنّما يكون على صاحب الكفاية القائل باتّحاد الطلب والإرادة، ولا يرد على القائلين بتغايرهما.
هذا على مسلك القوم، والحقّ الحريّ بالقبول هو أنّ المشاهد بالوجدان حين التكلّم هو وجود العلم بالمعاني والألفاظ وعلاميّة الألفاظ للمعاني الخارجيّة ولا دخل لتصوّر الألفاظ والمعاني في إلقاء الكلام إلّا بناءاً على تفسير العلم بالتصوّر والتصديق وهو مردود كما أوضحناه في محلّه.
يستفاد من طيّ المباحث أنّ الأمر قد اختلط على صاحب الكفاية وعدّة من الأعاظم، وأنّ الالتفات إلى تمايز بحث اتّحاد الطلب والإرادة أو تغايرهما عن بحث الكلام النفسيّ والتفكيك بينهما يوجب الصون عن الوقوع في كثير من الأغلاط.
وأمّا الأمر الثاني، وهو البحث حول جواب صاحب الكفاية عن هذا الدليل وتقسيمه للإرادة ثمّ تفسيرها بالعلم، فيتطلّب بحثاً مستقلّاً حول إرادة اللّه تعالى وحقيقتها، فنعقد لذلك الفصل الآتي ونتكلّم فيه بالتفصيل إن شاء اللّه تعالى.
وفيه فصول
الفصل الأوّل: معنى إرادته تعالى
الفصل الثانى: تقسيم إرادته تعالى بحسب الاصطلاح
الفصل الثالث: تقسيم إرادته تعالى بحسب الروايات
إنّ الإرادة في الباري تعالى -- على مذهب الفلاسفة -- تعدّ من الصفات الذاتيّة فبعضهم قال بأنّها عبارة عنابتهاج الذات بالذات وهذا هو مذهب الشيخ محمّد حسين الإصفهانيّ، وإليك نصّ عبارته:
ومن البيّن أنّ مفهوم الإرادة كما هو مختار الأكابر من المحقّقين هو الإبتهاج والرضا وما يقاربهما مفهوماً ويعبّر عنه بالشوق الأكيد فينا وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى، إلى أن قال: بخلاف الواجب تعالى فإنّه لتقدّسه عن شوائب الإمكان وجهات القوّة والنقصان فاعل وجاعل بنفس ذاته العليمة المريدة وحيث إنّه صرف الوجود وصرف الوجود صرف الخير فهو مبتهج بذاته أتمّ الابتهاج في مرحلة الفعل فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره.(1)
وقال صدرالدين الشيرازيّ:
فأمّا القيّوم (جلّ ذكره) فذاته أجلّ من الكثرة والداعية الخارجيّة والانفعال والابتهاج بما وراء ذاته لأنّه نهاية المآرب والمطالب وليس له شوق حاشاه عن ذلك ولا محبّة بما سواه ولا قصد إلى تحصيل شيء عازم له كما علمت مراراً بل هو مبتهج بذاته لذاته ويلزم من هذا الابتهاج ويترشّح منه حصول سائر الخيرات والابتهاجات على سبيل الفعل والإبداع والإفاضة لا على شاكلة الانفعال
1) 40.. نهاية الدراية، ج1، ص194 (مبحث الطلب والإرادة).
والاتّصاف والاستحصال، إلى أن قال: إرادته للأشياء عين علمه بها وهما عين ذاته.(1)
كما أنّ بعضهم ذهب إلى كون إرادته تعالى هو علمه بالمكوّنات والمصالح والمفاسد واعتبرها من الصفات الذاتيّة أيضاً، كما صرّح بذلك الآخوند في عبارته السالفة ذكرها.
قال صدر الدين الشيرازيّ:
الإرادة ... في الواجب تعالى لبرائته عن الكثرة والنقص، ولكونه تامّاً وفوق التمام تكون عين الداعي وهو نفس علمه الذي هو عين ذاته بنظام الخير في نفس الأمر المقتضي له.(2)
وقال أيضاً:
قاعدة في أنّ صدور الأشياء المكوّنة عن علمه تعالى:
فالذي يعقله العاقلون ويعرفه الحكماء الإلهيّون في كيفيّة صدور الأشياء المتجدّدة عن علمه أنّ الرحمة الإلهيّة والعناية الربانيّة لمّا لم يجز،إلى أن قال... فظهر ممّا ذكرنا أنّ علمه تعالى محيط بجميع الأشياء الكلّيّة والجزئيّة لأنّ كلّ شيء من لوازم ذاته بوسط أو بغير وسط يتأدّي إليه بعينه قضاءه وقدره الذي هو تفصيل قضاءه تأدّياً واجباً إذ كلّ ما لم يجب وجوده أوّلاً لم يوجد أخيراً فالعناية الإلهيّة هي إحاطة علمه البسيط الذي هو نفس وجوده بالكلّ وبالواجب أن يكون عليه الكلّ حتّى يكون على غاية الجودة والنظام وأبلغ الكمال والتمام وأحسنه وبأنّ ذلك واجب عنه تعالى وعن إحاطة علمه به ليكون الموجود على وفق المعلوم على أكمل الوجوه في النظام فعلمه سبحانه بكيفيّة الخير والصواب في ترتيب وجود عالمي الغيب والشهادة هو منبع لفيضان الكلّ.(3)
وهذا على خلاف الوجدان والنصوص المتظافرة، فإنّ الإرادة بالنسبة إلى اللّه تعالى عبارة عن إعمال القدرة والعزم، وفي المخلوق عبارة عن إعمال القدرة والعزم الوارد على جميع
العلل التكوينيّة والأشواق والشهوات، وبالتالي لا يمكن الحكم بأنّ الشخص الفلانيّ أراد شيئاً إلّا بعد تحقّق ذلك الشيء، وهذا يكون في المخلوق مسبوقاً بإعمال الفكر والرويّة والفحص والبحث والاختيار، وذلك لقصور علمه، وأمّا في اللّه تعالى فلا تكون الإرادة وإعمال القدرة مسبوقةً بالتفكّر والتروّي، فإرادته تعالى إحداثه لا غير، وهذا ما صُرِّح به في روايات كثيرة.
منها: ما ورد في الكافي و التوحيد و العيون و البحار مسنداً عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن(علیه السلام)، أخبرنى عن الإرادة من اللّه عزّوجلّ ومن الخلق؟ فقال:
الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأمّا من اللّه عزّوجلّ فإرادته إحداثه لا غير، ذلك لأنّه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر وهذه الصفات منفيّة عنه، وهي من صفات الخلق فإرادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون بلا لفظولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك كما أنّه بلا كيف.(1)
ومنها: ما رواه الكلينيّ بسنده عن عاصم بن حميد، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال:قلت: لم يزل اللّه مريداً؟ قال:
إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد.(2)
ومنها: ما رواه مسنداً عن بكير بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام): علم اللّه ومشيّته هما مختلفان أو متّفقان؟ فقال:
العلم ليس هو المشيّة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه ولا تقول: سأفعل كذا إن علم اللّه، فقولك: (إن شاء اللّه) دليل على أنّه لم يشأ فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم اللّه السابق للمشيّة.(3)
ومنها: ما رواه مسنداً عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
المشيئة محدثة.(1)
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفريّ قال: قال الرضا(علیه السلام):
المشيّة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائيّاً فليس بموحّد.(2)
ومنها: ما رواه مسنداً عن حمّاد بن عثمان، عن عبدالرحيم القصير، قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبداللّه(علیه السلام): جعلت فداك، اختلف الناس في أشياء قد كتبت بها إليك، فإن رأيت جعلني اللّه فداك أن تشرح لي جميع ما كتبت به إليك، ... فكتب(علیه السلام) على يدي عبد الملك بن أعين:
... كان عزّوجلّ ولا متكلّم ولا مريد ولا متحرّك ولا فاعل عزّوجلّ ربّنا، فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه، عزّوجلّ ربّنا ... .(3)
ومنها: ما رواه بسنده عن الحسن بن محمّد النوفليّ يقول: قدم سليمان المروزي متكلّم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ثمّ قال له: إنّ ابن عمّي عليّ بن موسى قدم عليّ من الحجاز وهو يحبّ الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته.
... فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عمّا بدا لك وعليك بحسن الاستماع والانصاف.قال سليمان: يا سيّدي أسألك؟
قال الرضا(علیه السلام): سل عمّا بدا لك.
قال: ما تقول فيمن جعل الإرادة اسماً وصفةً مثل حيّ وسميع وبصير وقدير؟
قال الرضا(علیه السلام): إنّما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنّه شاء وأراد، ولم تقولوا حدثت واختلفت لأنّه سميع بصير، فهذا دليل على أنّها ليست بمثل سميع بصير ولا قدير.
قال سليمان: فإنّه لم يزل مريداً.
قال(علیه السلام): يا سليمان فإرادته غيره؟
قال: نعم.
قال(علیه السلام): فقد أثبتّ معه شيئاً غيره لم يزل.
قال سليمان: ما أثبتّ.
قال الرضا(علیه السلام): أ هي محدثة؟
قال سليمان: لا ما هي محدثة.
فصاح به المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر، عليك بالانصاف أما ترى من حولك من أهل النظر، ثمّ قال: كلّمه يا أبا الحسن فإنّه متكلّم خراسان.
فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا سليمان فإنّ الشيء إذا لم يكن أزليّاً كان محدثاً وإذا لم يكن محدثاً كان أزليّاً.
قال سليمان: إرادته منه كما أنّ سمعه منه وبصره منه وعلمه منه.
قال الرضا(علیه السلام): فإرادته نفسه؟!
قال: لا.
قال(علیه السلام): فليس المريد مثل السميع والبصير.
قال سليمان: إنّما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه.
قال الرضا(علیه السلام): ما معنى أراد نفسه؟ أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حيّاً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً؟
قال: نعم.
قال الرضا(علیه السلام): أ فبإرادته كان ذلك؟
قال سليمان: لا.قال الرضا(علیه السلام): فليس لقولك: أراد أن يكون حيّاً سميعاً بصيراً معنًى إذا لم يكن ذلك بإرادته.
قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته.
فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضا(علیه السلام).
ثمّ قال لهم: ارفقوا بمتكلّم خراسان، يا سليمان فقد حال عندكم عن حالة وتغيّر عنها وهذا ممّا لا يوصف اللّه عزّ وجلّ به، فانقطع.
... ثمّ قال الرضا(علیه السلام): يا سليمان أسألك مسألة.
قال: سل جعلت فداك.
قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلّمون الناس بما يفقهون ويعرفون أو بما لا يفقهون ولا يعرفون؟
قال: بل بما يفقهون ويعرفون.
قال الرضا(علیه السلام): فالذي يعلم الناس أنّ المريد غير الإرادة، وأنّ المريد قبل الإرادة، وأنّ الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: إنّ الإرادة والمريد شيء واحد.
قال: جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس ولا على ما يفقهون.
قال(علیه السلام): فأراكم ادّعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل، فلم يحر جواباً.
... ثمّ قال الرضا(علیه السلام): يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل؟
قال: بل هي فعل.
قال: فهي محدثة لأنّ الفعل كلّه محدث.
قال: ليست بفعل.
قال: فمعه غيره لم يزل.
قال سليمان: الإرادة هي الإنشاء.
قال: يا سليمان هذا الذي ادّعيتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: إنّ كلّ ما خلق اللّه عزّ وجلّ في سماء أو أرض أو بحر أو برّ من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابّة إرادة اللّه عزّ وجلّ، وإنّ إرادة اللّه عزّ وجلّ تحيي وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلد وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر، وتشرك، فتبراء منها وتعاديها وهذا حدّها.
قال سليمان: إنّها كالسمع والبصر والعلم.
قال الرضا(علیه السلام): قد رجعت إلى هذا ثانية، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع؟
قال سليمان: لا.
قال الرضا(علیه السلام): فكيف نفيتموه فمرّة قلتم لم يرد ومرّة قلتم أراد، وليست بمفعول له؟
قال سليمان: إنّما ذلك كقولنا مرّة: علم، ومرّة: لم يعلم.
قال الرضا(علیه السلام): ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأنّ الشيء إذا لم يكن إرادة وقد يكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيراً وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم.
قال سليمان: إنّها مصنوعة.
قال(علیه السلام): فهي محدثة ليست كالسمع والبصر لأنّ السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة.
قال سليمان: إنّها صفة من صفاته لم تزل.
قال: فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل لأنّ صفته لم تزل.
قال سليمان: لا لأنّه لم يفعلها.
قال الرضا(علیه السلام): يا خراسانيّ ما أكثر غلطك، أفليس بإرادته وقوله تكون الأشياء؟
قال سليمان: لا.
قال: فإذا لم يكن بإرادته ولا مشيّته ولا أمره ولا المباشرة فكيف يكون ذلك؟ تعالى اللّه عن ذلك، فلم يحر جواباً.
ثمّ قال الرضا(علیه السلام): ألا تخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا(1)يعني بذلك أنّه يحدث إرادة؟
قال له: نعم.
قال: فإذا أحدث إرادة كان قولك: إنّ الإرادة هي هو أم شيء منه باطلاً لأنّه لا
1) 50.. الإسراء17.، الآیة 16.
يكون أن يحدث نفسه ولا يتغيّر عن حاله، تعالى اللّه عن ذلك.
قال سليمان: إنّه لم يكن عني بذلك أنّه يحدث إرادة.قال: فما عنی به؟
قال: عنی فعل الشيء.
قال الرضا(علیه السلام): ويلك كم تردّد هذه المسألة، وقد أخبرتك أنّ الإرادة محدثة لأنّ فعل الشيء محدث.
قال: فليس لها معنى.
قال الرضا(علیه السلام): قد وصف نفسه عندكم حتّى وصفها بالإرادة بما لا معنى له! فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم: إنّ اللّه لم يزل مريداً.
قال سليمان: إنّما عنيت أنّها فعل من اللّه لم يزل.
قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً وحديثاً وقديماً في حالة واحدة؟ فلم يحر جواباً.
قال الرضا(علیه السلام): لا بأس، أتمم مسألتك.
قال سليمان: قلت: إنّ الإرادة صفة من صفاته.
قال الرضا(علیه السلام): كم تردّد عليّ أنّها صفة من صفاته، وصفته محدثة أو لم تزل؟
قال سليمان: محدثة.
قال الرضا(علیه السلام): اللّه أكبر فالإرادة محدثة، وان كانت صفة من صفاته لم تزل، فلم يرد شيئاً.
قال الرضا(علیه السلام): إنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً.
قال سليمان: ليس الأشياء إرادة ولم يرد شيئاً.
قال الرضا(علیه السلام): وسوست يا سليمان فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه ولا فعله، وهذه صفة من لا يدري ما فعل، تعالى اللّه عن ذلك.
قال سليمان: يا سيّدي قد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم.
قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردّد اقطع هذا وخذ في غيره إذ ليست تقوى على هذا الردّ.
قال الرضا(علیه السلام): دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجّة، تكلّم يا سليمان.
قال: قد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم.
قال الرضا(علیه السلام): لا بأس، أخبرني عن معنى هذه، أ معنى واحد أم معان مختلفة؟
قال سليمان: بل معنى واحد.
قال الرضا(علیه السلام): فمعنى الإرادات كلّها معنى واحد؟قال سليمان: نعم.
قال الرضا(علیه السلام): فإن كان معناها معنى واحداً كانت إرادة القيام وإرادة القعود وإرادة الحياة وإرادة الموت إذا كانت إرادته واحدة لم يتقدّم بعضها بعضاً ولم يخالف بعضها بعضاً، وكان شيئاً واحداً.
قال سليمان: إنّ معناها مختلف.
قال(علیه السلام): فأخبرني عن المريد أهو الإرادة أو غيرها؟
قال سليمان: بل هو الإرادة.
قال الرضا(علیه السلام): فالمريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة؟
قال: يا سيّدي ليس الإرادة المريد.
قال(علیه السلام): فالإرادة محدثة، وإلّا فمعه غيره. افهم وزد في مسألتك.
قال سليمان: فإنّها اسم من أسمائه.
قال الرضا(علیه السلام): هل سمّى نفسه بذلك؟
قال سليمان: لا، لم يسمّ نفسه بذلك.
قال الرضا(علیه السلام): فليس لك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه.
قال: قد وصف نفسه بأنّه مريد.
قال الرضا(علیه السلام): ليس صفته نفسه أنّه مريد إخبار عن أنّه إرادة ولا إخباراً عن أنّ الإرادة اسم من أسمائه.
قال: سليمان: لأنّ إرادته علمه.
قال الرضا(علیه السلام): يا جاهل فإذا علم الشيء فقد أراده؟
قال سليمان: أجل.
قال(علیه السلام): فإذا لم يرده لم يعلمه.
قال سليمان: أجل.
قال(علیه السلام): من أين قلت ذاك، وما الدليل على أنّ إرادته علمه. وقد يعلم ما لا يريده أبداً، وذلك قوله عزّ وجلّ: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ(1)فهو يعلم كيف يذهب به وهو لا يذهب به أبداً.قال سليمان: لأنّه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً.
قال الرضا(علیه السلام): هذا قول اليهود، فكيف قال عزّ وجلّ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.(2)
قال سليمان: إنّما عنی بذلك أنّه قادر عليه.
قال(علیه السلام): أفيعد ما لا يفي به؟! فكيف قال عزّ وجل: يَزِيدُ فِي الْ-خَلْقِ مَا يَشَاءُ(3)وقال عزّ وجلّ: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(4)وقد فرغ من الأمر؟! فلم يحر جواباً.
قال الرضا(علیه السلام): يا سليمان هل يعلم أنّ إنساناً يكون ولا يريد أن يخلق إنساناً أبداً؟ وأنّ إنساناً يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟
قال سليمان: نعم.
قال الرضا(علیه السلام): فيعلم أنّه يكون ما يريد أن يكون، أو يعلم أنّه يكون ما لا يريد أن يكون؟
قال: يعلم أنّهما يكونان جميعاً.
قال الرضا(علیه السلام): إذن يعلم أنّ إنساناً حيّ ميّت، قائم قاعد، أعمى بصير في حال واحدة، وهذا هو المحال.
قال: جعلت فداك فإنّه يعلم أنّه يكون أحدهما دون الآخر.
قال(علیه السلام): لا بأس، فأيّهما يكون: الذي أراد أن يكون؟ أو الذي لم يرد أن يكون؟
قال سليمان: الذي أراد أن يكون.
قال سليمان: الذي أراد أن يکون.
فضحك الرضا(علیه السلام) والمأمون وأصحاب المقالات.
قال الرضا(علیه السلام): غلطت وتركت قولك: إنّه يعلم أنّ إنساناً يموت اليوم وهو لا يريد أن يموت اليوم، وأنّه يخلق خلقاً وهو لا يريد أن يخلقهم، فإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون، فإنّما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون.
قال سليمان: فإنّما قولي: إنّ الإرادة ليست هو ولا غيره.
قال الرضا(علیه السلام): يا جاهل! إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو.قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشيء؟
قال(علیه السلام): نعم.
قال سليمان: فإنّ ذلك إثبات للشيء.
قال الرضا(علیه السلام): أحلت لأنّ الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً.
ثمّ قال له: يا سليمان هل يعلم أنّه واحد لا شيء معه؟
قال: نعم.
قال: أفيكون ذلك إثباتاً للشيء؟
قال سليمان: ليس يعلم أنّه واحد لا شيء معه.
قال الرضا(علیه السلام): أ فتعلم أنت ذلك؟
قال: نعم.
قال: فأنت يا سليمان أعلم منه إذاً!!
قال سليمان: المسألة محال.
قال: محال عندك أنّه واحد لا شيء معه وأنّه سميع بصير حكيم عليم قادر؟!
قال: نعم.
قال(علیه السلام): فكيف أخبر اللّه عزّ وجلّ أنّه واحد حيّ سميع بصير عليم خبير وهو لا يعلم ذلك؟! وهذا ردّ ما قال وتكذيبه، تعالى اللّه عن ذلك.
ثمّ قال الرضا(علیه السلام): فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنّما هو متحيّر، تعالى اللّه عن ذلك.
قال سليمان: فإنّ الإرادة القدرة.
قال الرضا(علیه السلام): وهو عزّ وجلّ يقدر على ما لا يريده أبداً، ولا بدّ من ذلك لأنّه قال تبارك وتعالى: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ(55-) فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته، فانقطع سليمان.
قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشميّ، ثمّ تفرّق القوم.(1)
أقول: هذه الروايات الشريفة ونظائرها -- ممّا لم نذكرها -- ناصّة على أنّ المشيّة والإرادة فعل اللّه سبحانهوإحداثه، وهذا ليس أمراً تعبديّاً بل الوجدان خير دليل عليه، وليس بيان وعيان وبرهان أسطع نوراً وأحكم بنياناً ممّا بيّنه الأئمّة المعصومون خزنة علم اللّه وحملة كتابه عليهم أفضل الصلوة والسلام، فقد أضاء الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا -- روحيفداه -- الصبح لذي عينين في مناظرته مع سليمان المروزيّ رغم مكابرته عن قبول الحقّ، وما أبقى -- بأبي هو وأمّي -- مفرّاً للمتكلّم المعاند ومن حذا حذوه.
ولابدّ لنا من الإشارة إلى إحدى بياناته(علیه السلام)، فإنّه كما مرّ بيانه أنّ كمالات الذات لا يصحّ سلبها عن الذات ولو في آنٍ ولا يجوز اتّصاف الذات بنقيضها وأضدادها ولو باعتبار تغاير المتعلّق، بخلاف صفات الفعل الذي يمكن فيه ذلك. وإذا جئنا إلى موضع النقض والإبرام نرى أنّ الإرادة بهذا الملاك تكون من صفات الفعل لامحالة، فإنّه يصحّ أن نقول: إنّ اللّه تعالى أراد الشيء الكذائيّ بينما لم يرد الآخر مثلاً، فهو لم يرد الظلم والكفر، أو لم يرد خلق
1) 56.. التوحيد، ص441-454، ح1؛ بحارالأنوار، ج10، ص229، ح2.
أشياء مع أنّه أراد خلق زيد في هذه السنة، وترى أنّه لا يصحّ وضع كلمة «العلم» مكان «الإرادة» في شيء من الاستعمالات القرآنيّة والحديثيّة فإنّ اللّه تعالى يقول: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ،(1)وقال: وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ،(2)فلو كانت الإرادة من صفات الذات لم يصحّ سلبها عنه تعالى في شيء من الأشياء وفي وقت من الأوقات، كما أنّه لا يصحّ أن يقال: ما علم اللّه كما يقال: ما أراد اللّه.
والمائز بين كمالات الذات وصفات الفعل من أوضح الواضحات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولمكان أهمّيّة هذا البحث أصرّ عليه الأئمّة المعصومون والأمناء على الوحي والعلماء باللّه(علیهم السلام)، وعليك بإمعان الفكر والنظر في ما ذكرنا من الروايات الشريفة وغيرها وما ورد في افتراق كمالات الذات والأفعال، وقد عقد الشيخ الصدوق(قدس سره) في كتابه التوحيد باباً جمع فيه الأخبار المتضمّنة لهذا البحث، وهكذا صنع ثقة الإسلام الكلينيّ(قدس سره) في الكافي.(3)
ومن البديهيّ أنّ الخلط بين كمالات الذات وصفات الفعل وعدم التمييز بينهما يوجب الوقوع في الظلماتوالانحراف عن الصراط المستقيم، كما أنّ التمييز بينهما من أركان التوحيد، ولذا ترى أنّ الصدوق(رحمه الله) يسمّى مناظرة الإمام الرضا(علیه السلام) مع سليمان المروزيّ بالمناظرة في التوحيد، فعليك بالتأمّل التامّ الكامل في هذا البحث.
ثمّ لا يخفى أنّ منشأ هذا التوهّم من الفلاسفة وإرجاعهم الإرادة إلى الذات والعلم، هو ما ذهبوا إليه من أنّ العلّة والموجب لفيضان نظام الخير على الوجه الأصلح الأوفق عنه تعالى هو علمه بنظام الخير أو الابتهاج، ومجرّد ثبوت العلم كاف في صدور الفعل عنه تعالى بالوجوب.
بل هو مبتهج بذاته لذاته ويلزم من هذا الابتهاج ويترشّح منه حصول سائر الخيرات والابتهاجات على سبيل الفعل والإبداع لا على شاكلة الانفعال والاتصاف والاستحصال.(1)
وقوله:
بل نفس علمه بنظام الأشياء الممكنة على الترتيب الفاضل هو سبب موجب لوجود تلك الأشياء على النظام الموجود.(2)
وقوله:
بل تخصيصه بأمر -- وكذا تخصيص سائر الأشياء بخواصّها ولوازمها -- يتبع حكمة اللّه وعلمه وإرادته التي هي عين علمه ولا استبعاد في كون العلم نفسه سبباً لصدور الاشياء ووجودها ... فكذلك العلم البسيط الازليّ الذي للباري تعالى بالممكنات الذي هو عين ذاته المقدّسة سبب لوجود الممكنات مفصّلة في الخارج.(3)
ويشهد على ما ذكرنا أيضاً كلماته في أسرار الآيات:
قاعدة في أنّ صدور الأشياء المكوّنة عن علمه تعالى: فالذي يعقله العاقلون ويعرفه الحكماء الإلٰهيّون في كيفيّة صدور الأشياء المتجدّدة عن علمه إنّ الرحمة الإلٰهيّة والعناية الربّانيّة كما لم يجز ... فظهر ممّا ذكرنا إنّ علمه تعالى محيطاًبجميع الأشياء الكليّة والجزئيّة لأنّ كلّ شيء من لوازم ذاته بوسط أو بغير وسط يتأدّى إليه بعينه قضائه وقدره الذي هو تفصيل قضائه تأدّياً واجباً إذ كلّ ما لم يجب وجوده أوّلاً لم يوجد أخيراً فالعناية الإلهيّة هي إحاطة علمه البسيط الذي هو نفس وجوده بالكلّ وبالواجب أن يكون عليه الكلّ حتّى يكون على غاية الجودة والنظام وأبلغ الكمال والتمام وأحسنه وبأنّ ذلك واجب عنه تعالى وعن إحاطة علمه به ليكون الموجود على وفق المعلوم على أكمل الوجوه في النظام فعلمه سبحانه بكيفيّة الخير والصواب في ترتيب وجود عالمي الغيب والشهادة هو منبع لفيضان الكلّ.(4)
ولكن من الواضح أنّ خالقيّته تعالى للأشياء ليست بمعنى كونه تعالى علّة لتحقّقها كعلّيّة النار لتحقّق الحرارة وليس المخلوق مسانخاً له في وجه من الوجوه، بل هو تعالى مباين لجميع ما أحدثه في الذات والصفات.
وقد تقرّر في محلّه أنّ علمه سبحانه هو العيان على نحو الحقيقة والإحاطة، لا بواسطة الصور القائمة بذاته ولا حضور المخلوقات عنده كحضور الحالّ عند المحلّ والمعلول عند العلّة. ولا ينحصر علمه تعالى بالنظام الواحد الأصلح، لعدم تناهي علمه وعدم التعيّن فيه، فإنّ التعيّن يلازم المحدوديّة، ولا محدوديّة في ذاته تعالى الذي هو عين العلم والقدرة، بل التعيّن يرجع إلى الخارج عن الذات كما مرّ؛ فهو عالم بلا نهاية فيعلم لكلّ شيء حدوداً وأطواراً غير متناهيّة، كما أنّه تعالى يقدر على إيجاد كلّ شيء بأطوار مختلفة.
وهو تعالى عالم إذ لا معلوم من دون احتياج في ثبوت علمه القدّوس إلى المعلوم كما بيّنه الإمام(علیه السلام) في حديث سليمان المروزيّ عندما أراد سليمان أن يستدلّ بعلمه تعالى الأزلي على وجود المعلومات والمخلوقات الأزليّة، فردّ عليه الإمام(علیه السلام) بقوله:
أحلت لأنّ الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً ... إذا كان الصانع لا يدريكيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنّما هو متحيّر، تعالى اللّه عن ذلك.(1)
وعلى هذا يمكن نفي الإرادة عنه تعالى ولا يمكن نفي العلم عنه لأنّ نفي المراد مساوق لنفي الإرادة، بينما أنّ نفي المعلوم لا يساوق نفي العلم. كما قال الرضا(علیه السلام):
ليس ذلك سواء لأنّ نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون.
ويستحيل تعيّن العلم بالنظام الواحد وتعيّن النظام الواحد بالإرادة الذاتيّة بالمعنى الذي ذكروه في مرتبة الذات. ذلك أنّ تعيّن النظام الأحسن يوجب تحديد علمه وقدرته تعالى فإنّ الالتزام بالنظام الأحسن يكون بمعنى أنّه تعالى لا يعلم غير ذلك ولا يقدر على
1) 64.. التوحید، ص453، ح1؛ بحارالأنوار، ج10، ص337، ح2.
خلق أحسن منه، والحال أنّه لا نهاية لعلمه وقدرته عزّوجلّ فهو عالم بالنظامات الحسنى وقادر على خلقها بما لا يعدّ ولا يحصى ولا يتعيّن عليه أحدها دون الآخر، بل اللّه تعالى قادر على أن يخلق خلقاً ونظاماً غير هذا وهو عالم به كما قال تعالى:
وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ؛(1) وإِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً؛(2)
ووَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَايَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ؛(3)
وأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْ-حَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِ-خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزيزٍ.(4)
وقول سليمان المروزيّ ونظرائه من المنكرين للبداء حينما قال: «لأنّه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئا»، مردود بما قال الرضا(علیه السلام):
هذا قول اليهود، فكيف قال عزّ وجلّ: أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.(5)قال سليمان: إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه. قال(علیه السلام): أ فيعد ما لا يفي به؟! فكيف قال عزّوجلّ: يَزِيدُ فِي الْ-خَلْقِ مَا يَشَاءُ؛(6)وقالعزّ وجلّ: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.(7)
هذا، ولاستيفاء الكلام في كلّ واحدة من هذه المباحث من البداء والعلم بلا معلوم وإبطال كون فاعليّته تعالى بالتطوّر وإبطال تحديد علمه وقدرته تعالى مجال واسع،
والدخول فيها بالتفصيل يخرجنا عن الغرض من وضع هذه الرسالة وقد استوعبنا البحث عنها في محلّه، وفيما ذكرنا هنا غنى وكفاية.(1)
ثمّ لا يخفى أنّ للقول بكون الإرادة من الصفات الذاتيّة وأنّها بمعنى العلم توالي فاسدة وباطلة بضرورة الأديان والشرائع الإلهيّة.
لزوم الشرك والقول بقدم الموجودات وأزليّتها، خلافاً لضرورة جميع المذاهب والأديان والملل الإلهيّة، لاستحالة تخلّف المراد عن الإرادة الحتميّة كما قال(علیه السلام): إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه،(2)وهذا القول عين الشرك.
وقد روي عن مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام):
لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا أوائل أبديّة.(3)
وقال(علیه السلام):
ولو كان (الكلام) قديماً لكان إلهاً ثانيا.(4)
وعن مولاتنا فاطمة الزهراء؟سها؟:
ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها.(5)
78.. راجع: التوحيد، ص 294-304 (الباب 42).
روى الصدوق بإسناده عن الحسين ابن خالد، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) أنّه قال:
إعلم -- علّمك اللّه الخير -- أنّ اللّه تبارك وتعالى قديم، والقدم صفة دلّت العاقل
1) 72.. راجع: توحيد الإماميّة، ص 311-322 (في المشيّة والإرادة والقدر والقضاء) و ص 257-286 (في علمه تعالى) وكذا تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ص192 (في استغناء نور العلم في كشفه عن وجود المعلوم) و ص 261 (في مسألة البداء) وأيضاً لاحظ كتابنا البداء آية عظمة اللّه.
2) 73.. الکافي، ج1، ص109، ح1؛ بحارالأنوار، ج54، ص38.
3) 74.. نهج البلاغة، الخطبة 163، ص233.
4) 75.. نهج البلاغة، الخطبة 186، ص274.
5) 76.. دلائل الإمامة، ص 111 ؛ بحارالأنوار، ج29، ص221، ح8.77. التوحيد، ص186، ح2؛ بحارالأنوار، ج4، ص176، ح5.
على أنّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديموميّته ... وبطل قول من زعم أنّه كان قبله أو كان معه شيء وذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه ... .(77-)
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.(1)وقد بسط الكلام في هذه المسأله العلّامة المجلسيّ(قدس سره) في السماءوالعالم من بحاره الشريف فراجع،(2)وقال في جملة ما قال:
إذا أمعنت النظر فيما قدّمناه، وسلكت مسلك الانصاف، ونزلت عن مطيّة التعنّت والاعتساف، حصل لك القطع من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة، وعبارات متفنّنة، من اشتمالها على بيانات شافية وأدلّة وافية، بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه. ومن تتبّع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب اللغة، يعلم أنّ الإيجاد، والإحداث، والخلق، والفطر، والإبداع، والاختراع، والصنع، والإبداء، لا تطلق إلّا على الإيجاد بعد العدم.(3)
وقال الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاريّ(رحمه الله):
وكلّما حصل القطع من دليل نقليّ، مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زماناً، فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقليّ، مثل استحالة تخلّف الأثر عن المؤثّر، ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة.(4)
لزوم الشرك أو السنخيّة بين الخالق والمخلوق، فإنّه في فرض قدم الموجودات لا يخلو الأمر من أن يكون ذاتها وحقيقتها (أي الأصيل من الماهيّة والوجود عند القائلين به) مترشّحة من ذات الباري ومتولّدة منه وداخلة في حقيقته أزلاً، أو تكون خارجة منه ومستقلّة عنه ومباينة له.
فإن كان الأوّل فهو يستلزم كمال السنخيّة بين المخلوقات والخالق المتعال القدّوس ---- فإنّ القول بكون فاعليّته تعالى بنحو الصدور والتولّد والعليّة يستلزم السنخيّة وإن كانت الإرادة محدثة فضلاً عن كونها قديمة ---- ولازمه القول بأنّ فاعليّته تعالى بالتجلّى والترشّح والتولّد؛ فإنّ الموجودات إذا كانت مراداً بالإرادة القديمة فلا يمكن أن يكون هناك فعل وخلق وإنشاء وإبداع وإبداء وجعل، لما قد فرض في موضوع كلّ واحد منها المسبوقيّة بالعدم كما قال الإمام الرضا(علیه السلام):
فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه.(1)بل يجب أن تكون الموجودات كلّها مظاهر تجلّي ذات الحقّ بمعنى أنّ اللّه تعالى تطوّر وتكثّر وتشأّن بهذه الأطوار والكثرات. ولزوم السنخيّة واضح وبطلانه أوضح، واستنكار الشرايع لها من أبده البديهيّات.
وإن كان الثاني فهو عين الشرك بالواحد القهّار كما قال مولى الموحّدين(علیه السلام):
ولو كان (الكلام) قديماً لكان إلهاً ثانيا.
القول بالجبر في أفعال العباد كما وقع صاحب الكفاية في هذا المحذور.
أنّ القول به يستلزم تحديد علمه تعالى بالنظام الأصلح وتحديد قدرته بإيجاده فقط دون سائر النظامات الحسنى وهو مردود.
إنكار كون فاعليّته تعالى بالقدرة والمشيّة ولزوم كونه تعالى فاعلاً مضطرّاً ولزوم صدور ما يعلمه عنه وعدم إمكان منع الفعل، وهذا مناف لروح القدرة، كما سنبيّن إن شاء اللّه تعالى.
1) 82.. الکافي، ج1، ص120، ح2؛ بحارالأنوار، ج4، ص176، ح5.
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) بعد ذكر خبر سليمان المروزيّ:
حكم(علیه السلام) في هذا الخبر مراراً بأنّه لا يكون قديم سوى اللّه، وأنّه لا يعقل التأثير بالإرادة والاختيار في شيء لم يزل معه.(1)
وقد صرّح بتنافي القدرة مع القول بالعلّيّة الملّاصدرا الشيرازيّ فقال:
فعلم المبدء بفيضان الأشياء عنه وأنّه غير مناف لذاته هو إرادته لذلك ورضاه، فهذه هي الإرادة الخالية عن النقص والإمكان وهي تنافي تفسير القدرة بصحّة الفعل والترك.(2)
تحديد علمه تعالى بما أراد ونفي العلم بالنسبة إلى ما لا يريده، لأنّه مع العلم لكان المعلوم متحقّقاً في الخارج، لما فرض من اتّحاد العلم والإرادة؛ فنفي الإرادة يستتبع نفي العلم، وقد أخبر تعالى عن ما لايريده أبداً كما قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه.(3)
إنكار البداء أو إثبات الجهل والتغيّر في الذات، لأنّ البداء تغيير في المشيّة فلو كانت المشيّة والإرادة هي العلم لكان تغيير المشيّة تغييراً في العلم والذات.
لا تنحصر المفاسد الهامّة المترتّبة على كون الإرادة من الصفات الذاتيّة بما أشرنا إليه، ولسنا بصدد التعرّض لجميعها وفيما ذكرنا كفاية لمن كان متحرّياً للحقّ وليس بصدد اللجاج والعناد الحاصل بسبب الأنس والاعتقاد بما ذكره علماء البشر، ولأجل ذلك كان الأئمّة(علیهم السلام) -- وبهم عُرف اللّه ووُحّد -- مهتمّين غاية الاهتمام بإثبات هذه الحقيقة وبيان أنّ الإرادة ليست من صفات الذات وليست عبارة عن العلم، بل العلم غير الإرادة وهي .
غير العلم، وليست قديمة بل هي من صفات الفعل وتكون حادثة، وقد مرّ بعض تلك الروايات الشريفة آنفا. ورأيت أنّهم(علیهم السلام) كيف أصرّوا على ذلك، ولقد صرّح الإمام الرضا(علیه السلام) في خبر سليمان بن جعفر الجعفريّ بأنّه: من زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائيّاً فليس بموحّد.(1)
فيعلم من صريح الخبر أنّ قبول هذه الحقيقة من أركان التوحيد وذلك لأجل إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه.(2)كما مرّ في رواية عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّه(علیه السلام).
فالعجب كلّ العجب ممّن فسّر الإرادة بالعلم وصرّح بكونها من صفات الذات والتزم بلوازمه من الجبر و استناد أفعال العباد إليه تعالى!
وغير خفيّ على المتأمّل المنصف أنّ هذا الاعوجاج والانحراف الواضح نشأ من الإعراض عن الصراط المستقيم الذي هدى اللّه الخلق إليه بكلامه المجيد وأوليائه المعصومين(علیهم السلام) ومن متابعة أقوال علماء البشر، أعاذنا اللّه من هذا وأشباهه.
لابدّ في مبحث الإرادة من التنبيه على أمر هامّ وهو: أنّ الظاهر أنّ الإرادة في الباري تعالى قد تطلق على الرأي والبداء بمعنى نشوء الرأي -- كما يلوح ذلك من قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(3)، كما أنّ المشيّة قد تطلق على البداء والرأي.
وقد تطلق الإرادة على العزيمة على ما يشاء كما في الخبر الوارد في تفسير إرادة الربّ تعالى ومراحل فعله:
لايكون إلّا ما شاء اللّه وأراد وقدّر وقضى، يا يونس تعلم ما المشيّة؟ فقلت: لا، قال: هي الذكر الأوّل، فتعلم ما الإرادة؟ قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر؟ قلت: لا، قال: هي الهندسة ووضع الحدود في البقاء والفناء، ثمّ قال: والقضاء هو الإبرام وإقامة العين.(4)
فلابدّ لتحقّق الفعل في الخارج من المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء بحسب هذا الخبر.
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ تفسير الإرادة بإعمال القدرة مبنيّ على الإطلاق الأوّل، والإرادة بمعنى التأكيد على المشيّة والبقاء عليها تكون من مصاديق الرأى والبداء وإعمال القدرة وقد أشار الإمام الرضا(علیه السلام) إلى معنى الإرادة -- بالإطلاق الثاني -- بأنّها بمعنى الإبقاء على ما كان.
وبما أنّ اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها، وعلمه بها بعد كونها كعلمه بها قبل كونها، بل إنّه تعالى عالم بجميع التقديرات كما ينصّ عليه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه،(1)وعالم بحميع النظامات الحُسنى إلى ما لا يتناهى، وبما أنّ الشيء ما لم يتعيّن لم يوجد لابدّ من التعيّن كي يتحقّق الشيء خارجا.
ومن الواضح امتناع التعيّن في علمه الغير المحمول المعبّر عنه في الروايات بالعلم المكفوف، فإنّه تعالى عليم الذات وهو تعالى أجلّ من أن يقع التعيّنفي ذاته القدّوس ولذا لابدّ من أن يكون التعيّن خارجاً عن الذات.
والظاهر من مجموع الأخبار الكثيرة بعد ضمّ بعضها إلى بعض أنّ التعيّن يكون بالثبت في قلب المعصوم(علیه السلام). كما ورد في الأخبار أنّ قلوب الأئمّة(علیهم السلام) أوعية لمشيّته تعالى، ووكر لإرادته وسيجييء بعض ما يثبت ذلك إن شاء اللّه تعالى.
وأيضاً يستفاد من الأدلّة الكثيرة أنّ إجراء تقديراته وإمضائها المعبّر عنه في الخبر السابق بإقامة العين يكون على أيديهم، كما في الخبر الوارد في مسألة الرزق عن مولانا السجّاد(علیه السلام):
إنّ اللّه يقسّم في ذلك الوقت أرزاق العباد، وعلى أيدينا يُجريها.(2)
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ اللّه تعالى عالم بجميع الأشياء، وعلمه بها بعد تحقّقها كعلمه بها قبل تحقّقها، بل ذاته القدّوس علم كلّه بلا حاجة إلى معلوم، وهو يعلم لكلّ شيء حدوداً وأطواراً مختلفة، كما أنّ ذاته القدّوس قدرة كلّه بلا توقّف على وجود مقدور
في الخارج. وتحقّق كلّ شيء في الخارج يتوقّف على مضيّ المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء وكلّها تكون برأيه تعالى وإعماله للقدرة.
قد قسّم بعض الأعاظم -- منهم صاحب الكفاية -- إرادة الباري تعالى إلى التكوينيّة والتشريعيّة، وقالوا إنّ الثابت في باب التكاليف هي الإرادة التشريعيّة ويمكن تخلّفها عن المراد، بخلاف الإرادة التكوينيّة الثابتة في غير التكاليف التي يستحيل تخلّفها عن المراد.
أقول: قد أنكر بعض وجود الإرادة التشريعيّة، لأنّ الإرادة عندهم عبارة عن الشوق وهو يتعلّق بفعل يصل نفعه إلى المريد ولا معنى لتعلّقه بفعل الغير. وبماأنّه لا يصل نفع من فعل العبد إلى الباري تعالى فلا معنى للإرادة التشريعيّة في حقّه تعالى.
توضيح ذلك: إنّ صاحب الكفاية صرّح باستحالة تخلّف المراد عن الإرادة في الإرادة التكوينيّة وبإمكان تخلّفها عنه في الإرادة التشريعيّة لأنّ الإرادة التشريعيّة هي الإرادة المتعلّقة بالفعل الصادر عن العبد وبما أنّ صدور الأفعال يكون اختياريّاً له فيمكن تخلّفها عن المراد.
وقد استشكل عليه بعض المحشّين(1)بأنّ تعلّق الإرادة بالفعل الصادر من الغير إنّما هو في فرض كون فعله ذا فائدة عائدة إلى المريد وحيث إنّ فعل العبد ليس فيه فائدة عائدة
1) 92.. راجع: نهاية الدراية، ج1، ص180 (مبحث الطلب والإرادة).
إلى اللّه -- تعالى عن ذلك -- فلا يمكن تعلّق إرادته بفعل العبد بل تتعلّق بإيصال النفع إلى العبد بتحريكه وبعثه نحو الفعل، كما أنّ إيصال النفع إلى العباد بالبعث وتحريكهم نحو الأفعال الحسنة والزجر عن السيّئات فعله تعالى لا فعل العبد، فإرادته تعالى لا تتعلّق بفعل العبد كي يمكن تخلّفها عن المراد بل تتعلّق بفعل نفسه -- وهو البعث والزجر -- وقهراً لا يتخلّف عن المراد فلا مقابلة بين الإرادة التشريعيّة والتكوينيّة بل التشريع والتكوين كلاهما من أفعاله والفرق بينهما هو أنّ الأوّل إيجاد شيء أو إعدامه والثاني هو البعث والزجر، هذا حاصل كلامه.
ولكن لا يمكن المساعدة على هذا الكلام، لأنّه ولو سُلّم كون الإرادة في العباد بمعنى الشوق إلّا أنّه لا دليل على أن نلتزم به في اللّه تبارك وتعالى، فإنّ اللّه تعالى خالق الأشواق ولا يوصف بها، على أنّ ذلك عين قياس إرادته تعالى بإرادة المخلوقين وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيرا.(1)
إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس مائلاً عن المنهاج ظاعناً في الاعوجاج ضالّاً عن السبيل قائلاً غير الجميل ... لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس ... .
بحارالأنوار، ج4، ص297، ح24.
كما ورد التصريح بذلك في بعض الأخبار مثل ما ورد عن الإمام الرضا(علیه السلام):
انّه من وصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الإلتباس مائلاً عن المنهاج ظاعناً في الاعوجاج ضالّاً عن السبيل قائلاً غير الجميل ... لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس ... .بحارالأنوار، ج3، ص297، ح23.
والحقّ أنّ الإرادة ليست بمعنى الشوق حتى في العباد، فإنّ الإرادة علّة تامّة للفعل عند المشهور مع أنّ الشوق ليست علّة تامّة له بدليل أنّه من الممكن وجود شوق تامٌّ كامل مع عدم الإقدام على الفعل، كما لو كان عطشاناً وكان هناك ماء طاهر حلال، فهو يشتاق إلى
1) 93.. لا يخفى أنّ الأحاديث الناهية عن العمل بالقياس ليست منحصرة بالفروع بل من أهمّ مواردها القياس في الأصول والعقائد كما هو ظاهر الروايات كقوله(علیه السلام):
شربه لأجل عطشه ومع ذلك يتمكّن من عدم شربه، وكذا العكس فيمكن الإقدام على فعل لا يكون للفاعل شوق بالنسبة إليه.وعلى هذا لا يمكن الالتزام بكون الفعل يدور مدار الشوق وعدمه وجوداً وعدماً لوجدان إمكان وقوع الفعل مع عدم الشوق إليه بل مع الشوق إلى عدمه.
مضافاً إلى أنّ الشوق بمعنى الملائمة للطبع أمر واقعيّ غير اختياريّ والناس مختلفون من جهة اشتياقهم بحسب ما فطرهم اللّه تعالى عليه لحكمة انتظام جميع أمورهم، فلو كانت الإرادة بمعنى الشوق يلزم أن يكون أكثر الأفعال غير اختياريّة وهذا أمر يكذّبه الوجدان والقرآن كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
فيظهر ممّا ذكرنا -- وبعد المراجعة إلى أنفسنا -- أنّ بين الشوق والبغض، وتحقّق الفعل أو الترك أمر آخر يكون من أفعال النفس وهي الإرادة التي تكون عند المشهور علّةً للفعل أو الترك، وأنّ الشوق والبغض مقتض لهما، وقد عبّر المحقّق النائينىّ(رحمه الله) عن هذا الحدّ الفاصل بين الشوق والبغض وبين تحقّق الفعل أو الترك بحملة النفس، وعبّر عنها بعض المحقّقين بإعمال القدرة، ولامشاحّة في الألفاظ، إنّما المهمّ هو أنّ الشوق ليس هو الإرادة بل بينه وبين تحقّق الفعل أمر آخر هي الإرادة، والشوق مقتض لها.
وعلى ضوء ما ذكرنا ظهر أنّه لا وجه لتقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة وجعل استحالة تخلّف المراد عن الإرادة في الإرادة التكوينيّة دون التشريعيّة إلّا إذا اُطلق على نفس الأمر والنهى الإلهيّ عنوان القضاء والإرادة التشريعيّة كما سيأتي توضيحه في حصيلة البحث.
توضيح ذلك: أنّه ذكر للإرادة التشريعيّة تفاسير في كلمات القوم:
الأوّل: ما ذكره صاحب الكفاية من أنّه العلم بالمصلحة في فعل المكلّف وسيأتى الكلام فيه.
الثاني: ما ذكره بعض من أنّ الفرق بين الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة بحسب مراتب الشوق، فإنّ الشوق الشديد هي الإرادة التكوينيّة والضعيف هي التشريعيّة. فلو كانت
لوجود شيء عشر مقدّمات مثلاً فلذلك الشيء وجود واحد وأعدام متعدّدة بعدد المقدّمات لأنّ ذلك الشيء ينعدم بانعدام كلّ واحد منها.وإذا كان للإنسان شوق شديد بالنسبة إلى شيء فيوجِد جميع مقدّمات الفعل ويسدّ العدم من ناحية جميع تلك المقدّمات، وهذا الشوق الشديد يسمّى بإلارادة التكوينيّة. وأمّا لو لم يكن له مثل هذا الشوق فيوجِد بعض المقدّمات ويسدّ العدم من جهة بعضها وأمّا البواقي فهو موكول إلى اختيار المكلّف فإن حصلت حصل المعلول وإلّا فلا، وهذه هي الإرادة التشريعيّة التي يمكن تخلّفها عن المراد.
فلو أراد اللّه تعالى شيئاً بالإرادة التكوينيّة أوجد جميع المقدّمات ويسدّ باب العدم من جميع جهاته، سواء كان من المخلوقات والمكوّنات -- كخلق الماء والأرض -- أم من أفعال العباد -- كالإيمان والهداية -- ولذا قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(1)والمراد منها على هذا التفسير أنّه لو أراد تعالى هداية جميع الخلق بالإرادة التكوينيّة لهداهم جميعاً، لكنّه جلّت عظمته أراد هدايتهم بالهداية التشريعيّة والشوق الضعيف حيث إنّه أرادها باختيار منهم ولذا أوجد بعض المقدّمات كجعل الحكم وإبرازه للعباد ووعد المطيع بالثواب والعاصي بالعقاب، وأمّا سائر المقدّمات كإرادة العبد فلم يشأ إيجادها بل العبد هو الذى يريد الطاعة فيوجدها، هذا.
وقد حمل بعض أعاظم مشايخنا(قدس سره)(2)كلام الآخوند على هذا التفسير، ولكن هذا الحمل في غير محلّه، لأنّ الآخوند بعد تقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة قال:
إذا توافقتا ---- أي الإرادة التشريعيّة والتكوينيّة ---- فلا بدّ من الإطاعة والإيمان وإذا تخالفتا، فلامحيص من أن يختار الكفر والعصيان.(3)
وهذا الكلام كما ترى صريح في أنّه إذا تعلّقت الإرادة التشريعيّة بالإيمان والإطاعة مع تعلّق الإرادة التكوينيّة بالكفر والعصيان لا يمكن الإطاعة ولامحيص عن العصيان والكفر،
أي العبد يكون مع الإرادة التشريعيّة مجبوراً على الكفر والعصيان -- أعاذنا اللّه من زلل الأقلام --، وما ذكر في التفسير الثاني هو أنّ العبد مع وجود الإرادة التشريعيّة يكون مختاراً فيقدر على إيجاد المقدّمة الأخيرة -- وهي الإرادة-- فيتحقّق الطاعة والإيمان، ويمكن أن لا يوجده فلا يتحقّق، هذاكلّه مضافاً إلى أنّ المحقّق الآخوند إنّما يفسّر الإرادة بالعلم لا بالشوق.
الثالث: الإرادة إنّما تقسّم إلى التكوينيّة والتشريعيّة بحسب المتعلّق والمراد، بمعنى أنّ اللّه تعالى إن أراد وجود شيء في الخارج أو عدمه فلامحالة يتحقّق ذاك الشيء وهذه هي الإرادة التكوينيّة، وإن أراد جعل الحكم والقانون لفعل العبد فهذه هي الإرادة التشريعيّة، وعلى هذا التفسير تكون حقيقة الإرادة شيئاً واحداً ولا تتخلّف عن المراد قطّ.
والحقّ: أنّ تقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة لا يصحّ إلّا على التفسير الثالث، وقد عرفت أنّه ليس تقسيماً للإرادة حقيقة، بل حقيقة الإرادة واحدة والاختلاف إنّما يكون بحسب المتعلّق والمراد.
نعم يصحّ إطلاق الإرادة التشريعيّة على نفس الأمر والنهي وبذلك يمكن تخلّفهما عن المراد ولكن لا يمسّ ما بينّاه بسوء.
وأمّا وجه فساد التفسيرين الأوّلين فإنّه -- مضافاً إلى أنّه يستلزم جعل الإرادة من الصفات الذاتيّة للباري تعالى، ويكذّبه العقل وصريح الروايات كما قدّمنا -- هو أنّه بناءاً على الوجه الأوّل للإرادة يمكن أن يتعلّق إرادة الباري تعالى بفعل العبد وهو باطل، إذ لا يمكن تعلّق الإرادة من أحد بالفعل الصادر عن غيره، وقد بينّا أنّ الإرادة عبارة عن العزم وإعمال القدرة وعليه لا يتصوّر ذلك أصلا. وسيأتي مزيد توضيح في بيان استحالة تعلّق إرادة اللّه بالفعل الصادر عن العبد عند المناقشة للوجه الثاني من الوجوه النظريّة على الجبر.
فما سمّيت بالإرادة التشريعيّة ليست إرادة حقيقة لعدم إمكان تعلّق إرادة الباري
بفعل العبد، بل هي إرادة جعل الحكم وهو تعالى جاعل للحكم ومبلّغ عنه بالإرادة التكوينيّة التي لا تتخلّف عن المراد، وأمّا أنّ إرادته تعالى قد تعلّقت بالفعل نفسه فلا، وإلّا يلزم الجبر.(1)
وكذا يرد على التفسير الثاني من أنّ الإرادة التشريعيّة هي أن يريد اللّه تبارك وتعالى أن يكون العبدمختاراً -- بحيث يكون جميع أفعاله صادرة عنه بالاختيار -- بجعل الاختيار متعلّقاً لإرادته تعالى فيكون إرادته تعالى علّة الاختيار وعليه فلا يكون اختيار حقيقة بل هو جبر كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
نعم يمكن أن يقال: أراد اللّه أن يجعل العبد ذا قدرة ومشيّة واختيار ولم يمنعه عن اختياره، وأمّا أنّه تعالى أراد الطاعة منه جبراً فلا، بل كلّ واحد من الطاعة والمعصية مستند إلى إرادة العبد ومشيّته، وسيأتي تفصيل الكلام في مبحث الجبر فانتظر.
هذا مضافاً إلى أنّه بناءاً على الوجه الثاني من تفسير الإرادة التشريعيّة بالشوق الضعيف والإرادة التكوينيّة بالشوق القويّ تكون الإرادة منه تعالى عبارة عن شوقه تعالى إلى فعل العبد مع أنّ الشوق لا يتصوّر في اللّه جلّ جلاله كي يكون ضعيفاً أو قويّا.
فعلى ضوء ما ذكرنا ظهر أنه لا وجه لتقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة إلّا إذا جعلنا التقسيم باعتبار المتعلّق والمراد فإن كان المراد إحدى المكوّنات فيكوّنها وإن كان المراد جعل الحكم فيشرّعه ولا يتخلّف شيء منهما عن المراد.
وفعل العبد مطلوب نفسيّ لإرادة اللّه تعالى وجعل الحكم مطلوب غيريّ ولا يتعلّق إرادة المولى بأفعال العباد حتّى يلزم الجبر إلّا على نحو ما ذكرنا من أنّه أراد كون العبد ذا مشيّة وقدرة وسلطنة وهكذا توفيقه وخذلانه.
فالمتحصّل أنّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن المراد تكوينيّة كانت أم تشريعيّة.
1) 97.. نعم قد تعلّقت إرادة اللّه تبارك وتعالى بالنسبة إلى مقدّمات الفعل من القدرة وكون العبد ذا مشيّة واختيار، بل وكذا توفيقه وخذلانه ولا ضير في ذلك.
قد يقال: إن كانت طاعة العبد مطلوباً نفسيّاً للمولى وجعل الحكم مطلوباً غيريّاً لغرض حصول الطاعة من العبد، فإذا علم المولى من حال العبد أنّه لا يكون مطيعاً وأنّ الطاعة لن تحصل منه أبداً يكون جعل الحكم بالنسبة إليه لغواً وعبثاً، كما إذا علم العطشان أنّه لا يكون الماء في الموضع الكذائيّ، فإنّه لا يتحرّك نحوه. فحينئذٍ إن كان المطلوب النفسيّ في حقّ الكفّار والعصاة منتفياً يلزم منه انتفاء المطلوب الغيريّ أيضا.
أنّه ليس الغرض من جعل الأحكام إطاعة العبد ولو جبراً، إنّما الغرض إيجاد الداعي والمحرّك للعبد شأناً واقتضائاً لا محرّكاً فعليّاً، فإنّ الحكمة تقتضي أن يكون الإنسان ذا قدرة وإرادة ويكون صدور الفعل منه بالاختيار.
إنّ الغرض من جعل الأحكام إتمام الحجّة على العبد لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَ-خْزَى.(1)
نعم يمكن أن يقال أنّ الغرض من جعل الأحكام هو البعث والزجر الاقتضائيّ الشأني والغرض من ذلك إتمام الحجّة على العبد.
إنّ للّه تعالى البداء، فإنّه تعالى يمحو ما يشاء ويثبت. والمراد من البداء في حقّ الكفّار والعصاة ليس هو جبرهم على الإيمان والطاعة، بل المراد هو توفيقهم للإيمان والطاعة ولو بسبب الفعل الاختياريّ الحسن الصادر عنهم، وسيأتي البحث عن التوفيق والخذلان إن شاء اللّه تعالى.
1) 98.. طه20.، الآیة 134.
فلو لم يكن بالنسبة إلى الكافر والعاصي تكليف ولا حكم فلا يتحقّق منه الإيمان ولا الطاعة لانتفائهما موضوعاً.
وأمّا حقيقة البداء فقد أوضحناها في محلّه، وعلى الإجمال نقول: إنّ البداء هو نشوء الرأي فإنّه تعالى يعلم لكلّ شيء حدوداً وأطواراً مختلفة ولا يتحقّق في الخارج إلّا واحد منها. وتحقّقه يكون بتعيّنه وتعيّنه يكون بالمشيّة، فالمشيّة تكون بعد العلم وهي محدثة. والمشيّة عبارة عن ثبت المعلوم والمقدور في قلب الحجّة(علیه السلام). والبداء هو التعيّن الجديد بطور آخر غير الطور السابق، فالبداء تغيير في المشيّة لا في العلم، قال اللّه تعالى: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(1)فالبداء بالنسبة إليه تعالى يكون آية وعلامة للعلم الغير المتناهيّ بأطوار مختلفة لكلّشيء، كما يكون آية للقدرة الغير المتناهية على إيجاد كلّ شيء بأشكال مختلفة.
قد تتعلّق إرادته تعالى بتحقّق شيء وتكوّنه أو عدم تحقّقه كحياة زيد وموت عمرو والإرادة بهذا المعنى لا تتخلّف عن المراد.
وقد تتعلّق بالفعل أو الترك الصادر عن العبد بمعنى إرادته تعالى مقدّمات الفعل من العلم والحياة والقدرة وكذا التوفيق والخذلان والإرادة بهذا المعنى أيضاً لا يمكن تخلّفها عن المراد لعدم تعلّقها بصدور الفعل أو الترك ولو بالجبر فإنّه خلاف المراد.
وثالثة تتعلّق بالتشريع وطلب الفعل أو الترك من العبد فيأمره وينهاه حيث إنّ الطلب والأمر والنهي فعله الاختياريّ ولابدّ من أن يكون مسبوقاً بالإرادة، والإرادة بحسب هذا المعنى أيضاً لا تتخلّف عن المراد وهذا هو الذي يعبّر عنه بالإرادة التشريعيّة، وقلنا إنّ اختلاف الإرادة التشريعيّة مع الإرادة التكوينيّة إنّما هو بحسب المتعلّق.
ورابعة يعبّر عن نفس الأمر والنهي بإرادة الفعل أو الترك والإرادة بحسب هذا المعنى تتخلّف عن المراد لإمكان امتثال العبد وإطاعته وكذا عصيانه، وتسميتها بالإرادة التشريعيّة
1) 99.. الرعد13.، الآیة 39.
في الوجه الأخير وفي الوجوه الثلاثة السابقة أو في الأوليين بالتكوينيّة لا ينافي ما ذكرناه ولا يلزم الجبر من تعلّق إرادته تعالى بالفعل أو الترك الصادر من العبد كما هو واضح.
ويناسب المقام ما ذكره شيخنا الأستاذ المغفور له آية اللّه الميرزا حسنعليّ المرواريد(قدس سره):
نعم، حيث إنّ الفعل الصادر من العبد يكون متعلّقاً لأمره تعالى ونهيه المولويّين ويصير لذلك متّصفاً بوصف الطاعة أو المعصية ويكون أيضاً موضوعاً لحكمه بالثواب والعقاب عليه وكلّ منها -- أي الأمر والنهي والثواب والعقاب -- بقدر معيّن فالمشيّة والإرادة والقدر والقضاء منه تعالى يكون بأحد هذه المعاني لا التكوينيّ أو غيره الذي يوجب الجبر وسلب القدرة عن العبد.(1)
1) 100.. تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ص238.
إنّ الإرادة في الأخبار لم تقسّم إلى الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة بل قسّمت إلى إرادة حتم وإرادة عزم، فلابدّ من ذكر الأخبار أوّلاً ثمّ بيان المتحصّل منها.
وقبل ذكر الأخبار والمستفاد منها لابدّ من التذكير بأمر هامّ يناسب المقام، وهو أنّ الاصطلاحات المجعولة الحادثة التي لا أثر لها في لسان المعصومين(علیهم السلام) قد صارت سبباً لخفاء الحقائق والوقوع في الخطاء والبعد عن الحقيقة، ولذا يجب على الفقيه والمتفقّه الاجتناب عنها والرجوع إلى من يجب الرجوع إليه وهم أهل الذكر الذين أمر اللّه تعالى العباد بالسؤال منهم والأخذ عنهم.
ومن تلك الاصطلاحات تقسيم الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة مع أنّه ليس في الآيات والأخبار أثر لهذا التقسيم، وأعجب من ذلك البحث في المراد من الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة وبناء المعارف الإلهيّة على هذه الاصطلاحات.
أمّا الأخبار
ففي البحار عن التوحيد مسنداً عن فتح بن يزيد الجرجانيّ قال: لقيته -- يعنى أبا الحسن(علیه السلام)
-- عند منصرفي عن مكّة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق ... قلت: جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق؟ قال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْ-خَالِقِينَ(1)فقد أخبر أنّ في عباده خالقين وغير خالقين، منهم عيسى خلق من الطين كهئية الطير فنفخ فيه فصار طائراً بإذن اللّه، والسامريّ خلق لهم عجلاً جسداً له خوار.
قلت: إنّ عيسى خلق من الطين طيراً دليلاً على نبوّته، والسامريّ خلق عجلاً جسداً لنقض نبوّة موسى وشاء اللّه أن يكون ذلك كذلك؟ إن هذا لهو العجب!
فقال: ويحك يا فتح! إنّ للّه إرادتين ومشيّ--تين:إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنّه نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك؟ ولو لم يشأ لم يأكلا ولو أكلا لغلبت مشيّ--تهما مشيّة اللّه، وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشاء أن لا يذبحه لغلبت مشيّة إبراهيم مشيّة اللّه عزّوجلّ.
قلت: فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك ... .(2)
قال الصدوق(رحمه الله) بعد إيراد الخبر:
إنّ اللّه تعالى نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وقد علم أنّهما يأكلان منها لكنّه عزّوجلّ شاء أن لا يحول بينهما وبين الأكل منها بالجبر والقدرة كما منعهما عن الأكل منها بالنهي والزجر، فهذا معنى مشيّ--ته فيهما ولوشاء عزّوجلّ منعهما من الأكل بالجبر ثمَّ أكلا منها كان مشيّتهما قد غلبت مشيّة اللّه كما قال العالم، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً.(3)
قال العلّامة المجلسيّ(قدس سره):
بيان: قيل: المراد بالمشيّة في تلك الأخبار هو العلم، وقيل: هي تهيئة أسباب الفعل بعد إرادة العبد ذلك الفعل، وقيل: إرادة بالعرض يتعلّق بفعل العبد. والأصوب أنّها عبارة عن منع الألطاف والهدايات الصارفة عن الفعل والداعية
إليه لضرب من المصلحة أو عقوبة لما صنع العبد بسوء اختياره كما مرّ بيانه.(1)
وفي البحار عن فقه الرضا(علیه السلام): سئل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عن مشيّة اللّه وإرادته، فقال(علیه السلام):
إنّ للّه مشيّتين: مشيّة حتم، ومشيّة عزم، وكذلك إنّ للّه إرادتين: إرادة حتم وإرادة عزم، إرادة حتم لا تخطي، وإرادة عزم تخطي وتصيب، وله مشيّتان مشيّة يشاء، ومشيّة لا يشاء، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، معناه أراد من العباد(2)وشاء، ولم يرد المعصية وشاء، وكلّ شيء بقضائه وقدره والأمور تجري ما بينهما ... .(3)
وفي الكافي مسنداً عن صالح النيليّ، قال: سألت أبا عبد اللّه: هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ قال: فقال لي:إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها اللّه فيهم، قال: قلت وما هي؟ قال: الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزنا حين زنى، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك، قال: ثمّ قال: ليس من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً، قلت: فعلى ماذا يعذّبه؟ قال: بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم، إنّ اللّه لم يجبر أحداً على معصيته ولا أراد إرادة حتم الكفر من أحد، ولكن حين كفر كان في إرادة اللّه أن يكفر، وهم في إرادة اللّه وعلمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير. قلت: أراد منهم أن يكفروا؟ قال: ليس هكذا أقول ولكنّي أقول: علم أنّهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار.(4)
والمراد منه أنّ مشيّته تعالى تعلّقت بأن يكون الإنسان ذا مشيّة وإرادة وأن تكون له
السلطنة على الفعل والترك والقدرة على اختيار الفعل أو الترك، وتكون أفعاله الصادرة عنه مستندةً إلى قدرته ومشيّته.
روى الصدوق بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: قلت له: إنّ أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم بالاستطاعة، فقال لي: اكتب:
قال اللّه تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً ... .(1)
وروى أيضاً بسنده، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال:
ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العبادبطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال(علیه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.(2)
وقال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم «لا حول ولا قوّة إلا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلّا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(3)
فعلى هذا إن كان العبد مجبوراً في أفعاله وحركاته يكون على خلاف مشيّة اللّه فإنّ المفروض كون مشيّته تعالى متعلّقة بسلطنة العبد على الفعل والترك، وأن تكون له حريّة الإرادة فلا يمكن تصوّر مشيّةٍ للّه تعالى بالنسبة إلى فعل العبد كي يلزم منها الجبر، ولقد مرّ كلام العلّامة المجلسيّ(قدس سره) في ذيل الحديث حيث قال:
الأصوب أنّها عبارة عن منع الألطاف والهدايات الصارفة عن الفعل.(1)
أي خلوّ العبد وما يريد وإيكاله تعالى العبد إلى نفسه.
المتحصّل من هذه الروايات في تقسيم الإرادة أنّه قد تتعلّق إرادة الباري تعالى بشيء يكون تحقّقه في الخارج حتميّاً وقطعيّاً، وهذا إذا تعلّقت إرادته بإيجاد شيء من التكوينيّات. وقد تتعلّق بشيء يكون لإرادة العبد دخل فيه. -- ولا يخفى أنّ وجدان العبد القدرة والسلطنة تكون بقدرة اللّه وإذنه ومشيّته -- .
أمّا القسم الأوّل فكإرادته تعالى خلق السماوات والأرض وكإرادته خلق زيد وكونه ذامشيّة وإرادة وقدرة وهذه هي إرادة الحتم.
وأمّا القسم الثاني فكإرادته تعالى طاعة زيد وتركه المعصية وهذه هي إرادة العزم، فإنّه تعالى أراد طاعة زيد لكن بعزم من زيد واختيار منه لا بالجبر. ولذا عبّر الإمام(علیه السلام) عن إرادة العزم في حديث صالح النيليّ بإرادة الاختيار وجَعَلَها قسيم إرادة الحتم.ولنذكر مثالاً يقرّب المقصود: إذا أراد أبٌ من ابنه تحصيل العلم وتعلّمه، فمن الواضح أنّه لا يريد منه قطعاً تحصيل العلم وتعلّمه ولو بالجبر والقهر والغلبة، بل يريد أن يكون تحصيل العلم من الابن باختياره، فلذا يأمره بالتعلّم وطلب العلم ويهيّىء له أسباب تحصيله ومقدّماته وإن كان -- بمقتضى علمه بحالات الابن -- عالماً بعصيان ابنه وتركه التعلّم.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللّه تعالى فإنّه أراد طاعة العبد عن الاختيار والقصد والعزم، فلذا أوجد كلّ ما يسهّل ذلك المراد ولم يجبره كي لا يكون نقضاً للغرض.
فعلى هذا نقول: إنّ تقسيم الإرادة في الروايات ليس إلّا باعتبار المتعلّق والمراد، فلذا نرى أنّ الإمام(علیه السلام) يقول: إرادة حتم أى: إرادة شيء محتوم، وإرادة عزم أي: إرادة كون العبد ذا عزم كما فسّر الحديث الثالث تلك الإرادة بإرادة الاختيار وقال:
1) 111.. بحارالأنوار، ج5، ص101.
لا أراد إرادة حتم الكفر من أحد ... وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار.(1)
فما يصحّ إسناده إلى اللّه تعالى في هذا القسم -- أي إرادة العزم -- هو جعل العبد بنحو يكون ذا قدرة ومشيّة وإرادة بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهدايته إلى الطاعة ودعوته إليها، وجعل الداعي والزاجر في العبد بالوعد والوعيد وتوفيقه وخذلانه، ولا يتخلّف شيء منها عن إرادته سبحانه، فمراد الحقّ جلّ جلاله ليس تحقّق الصلاة من زيد بأيّ نحو اتّفق بل مراده أن تكون متّصفة بوصف الإطاعة الاختياريّة، ولذا لو صلّى زيد تكون صلاته صادرة عن القدرة والإرادة والاختيار وهذا هو مراده تبارك وتعالى، كما أنّه لو تركها يكون تركه الصلاة عن إرادة وقدرة وهذا هو مراده تعالى.
إن قلت: لو أراد اللّه الصلاة من زيد فما هو وجه التخلّف؟ ولماذا يتركها زيد؟
قلت: ظهر الجواب ممّا ذكرناه، حيث إنّ اللّه تعالى لم يرد منه الصلاة بأيّ وجه بل أرادها منه عن قدرة واختيار فلو صلّى جبراً لتخلّفت إرادته تعالى عن المراد.بعبارة أخرى: إنّ فعل الصلاة أو تركها وما يوجب التخلّف -- مع أنّ اللّه أمر بها -- إنّما هو لأجل أنّ اللّه تعالى أراد أن يكون لإرادة العبد دخل في تحقّقها.
ففي الإرشاد: وروی الحسن بن أبي الحسن البصريّ قال: جاء رجل إلى أميرالمؤمنين(علیه السلام) بعد انصرافه من حرب صفّين فقال له: يا أميرالمؤمنين خبّرنا عما كان بيننا وبين هؤلاء القوم من الحرب، أكان ذلك بقضاء من اللّه تعالى وقدر؟ فقال له أميرالمؤمنين(علیه السلام):
ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً، إلّا وللّه فيه قضاء وقدر فقال الرجل: فعند اللّه احتسب عنائي يا أميرالمؤمنين، فقال له ولم؟ قال: إذا كان القضاء والقدر ساقانا إلى العمل، فما وجه الثواب لنا على الطاعة؟ وما وجه العقاب لنا على المعصية؟ فقال له أميرالمؤمنين(علیه السلام): أ و ظننت يا رجل أنّه قضاء حتم، وقدر لازم؟ لا تظنّ ذلك فإنّ القول به مقال عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن، وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها، إنّ اللّه جلّ جلاله أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكلّف يسيراً، ولم يطع مكرهاً، ولم يعص مغلوباً، ولم يخلق السماء والأرض وما
1) 112.. الکافي، ج1، ص162، ح3.
بينهما باطلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِين كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.(1)فقال له الرجل: فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أميرالمؤمنين؟ قال: الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك السيّئة والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا وقدره لأعمالنا، فأمّا غير ذلك، فلا تظنّه فإنّ الظنّ له محبط للأعمال. فقال له الرجل: فرّجت عنّي يا أميرالمؤمنين فرّج اللّه عنك وأنشأ يقول:
أنت الإمام الذى نرجو بطاعته يوم المآب من الرحمن غفرانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربّك بالإحسان إحساناً (2)
أقول: من الواضح أنّ الإمام(علیه السلام) فسّر قضاء غير الحتم بالأمر تخييراً وجَعْل القدرة والتمكين من الفعل والترك وجَعْل الداعي من الأمر والنهي والوعدوالوعيد، والمعونة على الطاعة والخذلان لمن عصاه، وهذا هو تفسير القضاء الذي قال(علیه السلام) في كلامه:
ما علوتم تلعة ولاهبطتم وادياً إلّا وللّه فيها قضاء وقدر.
لا يخفى أنّ المراد من تعلّق إرادته تعالى بأفعال العباد، هو تعلّقها بمقدّمات الأفعال الصادرة عنهم من القدرة والاختيار والمشيّة والآلات التي ركّبها فيهم، ومنها التوفيقات -- بمعنى تسهيل الطاعة وتيسيرها كحلاوة العبادة والمناجاة والالتذاذ بالطاعة -- والخذلانات -- بمعنى سلب التوفيق عنهم، والطبع على قلوب المعاندين الذين رفضوا الحقّ -- . وسيأتي البحث عن التوفيق والخذلان عند الكلام عن حقيقة الأمر بين الأمرين إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا ما دلّ من الأخبار على تعلّق مشيّة اللّه بالمعصية الصادرة عن العبد وعدم حبّه لها، فالمراد منه أنّ اللّه تعالى شاء أن يكون العاصي ومن أتى بالمنهيّ عنه -- سواء كان النهي
تحريميّاً أو تنزيهيّاً -- ذا قدرة وإرادة واختيار ثمّ يكله إلى نفسه، ومن الواضح أنّ مشيّته تعالى فعله، فعلى هذا يكون المستفاد من هذه الأخبار هو أنّ اللّه تعالى خلق العاصي وأعطاه القدرة وجعله ذا مشيّة، ولكنّه بما أنّه أعرض عن الحقّ والهداية الأوليّة وكله إلى نفسه فارتكب العبد القبيح عن كامل اختيار وتمام قدرة.
وبعبارة أوضح: أنّ معنى حبّه تعالى وبغضه هو أنّه يفعل فعل المحبّ أو المبغض بخلاف المخلوق، فإنّ الحبّ والبغض فيه من الصفات النفسانيّة التي يكون الباري تعالى منزّهاً عنها. ومن الواضح أنّه إذا أحبّ أحد فعلاً يمكن صدوره عن نفسه يأتي به، وإذا أحبّ فعلاً صادراً عن غيره يأمره به ويحثّه عليه. وعلى هذا يكون المراد من عدم حبّه تعالى للمعصية الصادرة عن العبد هو عدم أمره بها وعدم الإعانة وتأييد فاعل المعصية.
وأمّا تعلّق مشيّته تعالى بالمعصية الصادرة عن العبد فبناءاً على كون المشيّة بمعنى التحقّق الخارجي يكون المراد منه أنّ اللّه تعالى خلق العبد وأعطاه القدرة وهداه النجدين، ولكن بما أنّه أعرض عن ذكر ربّه وكلهإلى نفسه، وبعد خذلانه تعالى يستولي الشيطان عليه بالتسويلات فيقع العبد في المعصية. وهذا لا يستلزم الجبر كما هو واضح.
وبناءاً على كون المشيّة المتعلّقة بالأشياء هو ثبتها في وعاء المشيّة -- وهو قلب المعصوم(علیه السلام) -- فيكون المراد من تعلّق المشيّة بالمعصية هو أنّ اللّه تعالى أثبت في قلب الحجّة ما سيصدر عن العاصي بقدرته وإرادته واختياره، بمعنى أنّه تعالى أثبت في قلب الحجّة قدرة العبد وحياته وساير مقدّمات فعله بالقَدَر المقدور، وهذا لا يلزم منه الجبر أيضاً كما هو واضح.
الاحتجاج: عن داود بن قبيصة قال: سمعت الرضا(علیه السلام) يقول: سئل أبي(علیه السلام) هل منع اللّه عمّا أمر به؟ وهل نهى عمّا أراد؟ وهل أعان على ما لم يرد؟ فقال(علیه السلام):
أمّا ما سألت: هل منع اللّه عمّا أمر به؟ فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم يلعنه؛ وأمّا ما سألت: هل نهى عمّا أراد، فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث نهى آدم عن أكل الشجرة
أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها ما نادى عليه صبيان الكتاتيب وَعَصَی آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(1)واللّه تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشيء ويريد غيره؛ وأمّا ما سألت عنه من قولك: هل أعان على ما لم يرد؟ فلا يجوز ذلك، وجلّ اللّه تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن عليّ والفضلاء من ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعدّ جهنّم لمخالفيه، ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؛ ولو جاز أن يعين على ما لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادّعائه أنّه ربّ العالمين! أ فترى أراد اللّه من فرعون أن يدّعي الربوبيّة؟ يستتاب قائل هذا فإن تاب من كذبه على اللّه، وإلّا ضربت عنقه.(2)
أقول: لا يخفى أنّ المراد من قول السائل: «هل منع اللّه عمّا أمر به» هو أنّه هل منع اللّه العبد تكويناً عمّا أمر به تشريعاً، والمراد من قوله: «هل نهى عمّا أراد» هو أنّه هل نهى اللّه تعالى العبد تشريعاً عمّا أراد صدوره منه جبراً. وليس المراد من الجملتين أنّه هل منع اللّه تعالى العبد تشريعاً عمّا أمر به العبد تشريعاً، وهلنهى اللّه العبد تشريعاً عمّا أراده تشريعاً، فإنّ بطلانه لا يخفى على أحد ولا يحتاج إلى السؤال من الإمام(علیه السلام) لوضوح التضادّ بينهما وعدم إمكان اجتماع الضدّين.
وليس المراد من الجملتين أنّه هل منع اللّه تعالى العبد تكويناً مع التحفّظ على قدرة العبد وسلطنته (بمعنى عدم إيجاد المقدّمات) ممّا أمر به العبد تشريعاً، لأنّ من مقدمّات الفعل الحياة والقدرة فلو كان المراد من منع اللّه تكويناً عدم إيجاد المقدّمات فلا يكون العبد قادراً على الفعل والترك.
وكذا لا يراد من جملة: «هل نهى عمّا أراد» نهي اللّه تعالى العبد تشريعاً عمّا أراد تحقّقه وصدوره عن العبد تكويناً مع التحفّظ على قدرته، فإنّه وإن كان هذا المعنى صحيحاً ولكنّه لا يناسب الجملة السابقة بمقتضى وحدة السياق، فلابدّ من أن يراد من الجملة الثانية ما يناسب الجملة الأولى ويقتضيه وحدة السياق. فظهر من جميع ذلك أنّ المتعيّن
في بيان المراد من الجملتين هو ما ذكرناه أوّلاً فتأمّل جيّداً.
وأمّا المراد من قوله: «هل أعان على ما لم يرد» فهو أنّه هل أعان اللّه العبد تكويناً على ما لم يرد تشريعاً وهو واضح لا يحتاج إلى البيان.
فظهر: أنّ المراد من عدم حبّه تعالى للمعاصي -- مع أنّ الحبّ والبغض في اللّه تعالى ليسا كالحبّ والبغض في الإنسان لاستحالة ثبوت الصفات النفسانيّة كالحبّ والبغض والغضب والترحّم للّه تعالى، بل يكونان بمعنى أنّ اللّه تعالى يفعل فعل المحبّ والمبغض --، هو أنّه تعالى فعل بالنسبة إليه ما يفعل من لا يحبّ المعصية الصادرة عن العبد، مع التحفّظ على قدرته واختياره، أي لم يأمره ولم يعنه على المعصية.
ومن الواضح أنّ تعلّق الحبّ بالفعل الصادر عن الغير اختياراً يكون بالأمر والتوفيق في المأمور به كما أنّ تعلّق البغض بفعل العبد الاختياريّ يكون بمعنى النهي والخذلان في المنهي عنه، وقد أمر اللّه تعالى بالطاعة ووفّق العبد لها، ونهى عن المعصية وزجر عنها، ولو عصى العبد يخذله ويكله إلى نفسه.
وليس معنى تعلّق حبّه وبغضه تعالى بفعل العبد هو صدوره أو عدم صدوره عنه ولو جبراً، لفرض ثبوت القدرة والمشيّة له بحكم الفطرة وقضاء الوجدان، مضافاً إلىأنّ الخبر يدلّ على تعلّق مشيّة اللّه بفعله ومعناه كما مرّ هو إعطاء اللّه تعالى العبد القدرة والمشيّة.
والحاصل: أنّ المشيّة من اللّه تعالى فعله وكذا حبّه وبغضه، فمشيّته تعالى بالنسبة إلى فعل العبد إنّما تكون بإعطائه القدرة والاختيار والتوفيق في الطاعة والخذلان في المعصية.
وحبّه وبغضه بالنسبة إلى فعل العبد إنّما هو بأمره وتحريضه أو نهيه وتحذيره، وبعد تغاير متعلّق المشيّة مع متعلّق الحبّ والبغض لا يتوهّم التنافي بين تعلّق مشيّته تعالى بفعل العبد وعدم حبّه له.
في المحاسن بإسناده عن حمران، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
كنت أنا والطيّار جالسين فجاء أبو بصير فأفرجنا له، فجلس بيني وبين الطيّار، فقال: في أيّ شيء أنتم؟ فقلنا: كنّا في الإرادة والمشيّة والمحبّة، فقال أبو بصير:
قلت لأبي عبداللّه(علیه السلام): شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: نعم، قلت: فأحبّ ذلك ورضيه؟ فقال: لا، قلت: شاء وأراد ما لم يحبّ ولم يرض؟ قال: هكذا أخرج إلينا.(1)
ويشهد على ما ذكرنا من تغاير متعلّق المشيّة والحبّ والبغض ما رواه الصدوق بسنده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
شاء وأراد، ولم يحبّ ولم يرض. قلت: كيف؟ قال: شاء أن لا يكون شيء إلّا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحبّ أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر.(2)
وفيه مدخل وفصلان
المدخل: بحوث تمهيديّة
الفصل الأوّل: الوجوه النظريّة لمسلك الجبر ونقدها
الفصل الثاني: الوجوه النقليّة لمسلك الجبر ونقدها
البحث عن الأفعال الصادرة عن العباد من البحوث التي وقعت في مهبّ تيّار أفكار العلماء الإسلاميّين:
فذهبت الأشاعرة إلى أنّ الأفعال تصدر عن اللّه تبارك وتعالى حقيقة، والإنسان ليس إلّا محلّاً لها وليس هو الموجد لها، فانتساب الأفعال إلى اللّه إسناد إلى الفاعل، وانتسابها إلى الإنسان إسناد إلى المحلّ لا إلى الفاعل وهو القول بالجبر. وتبعت الأشاعرة في هذه النظريّة الفاسدة طائفة من الصوفيّة والفلاسفة باختلاف يسير في كيفيّة طرح المدّعى لكنّ النتيجة واحدة كما سنبيّن ذلك إن شاء اللّه تعالى.
وقالت المعتزلة بالتفويض بمعنى أنّ الإنسان هو الموجد لأفعاله بالاستقلال ولا تأثير للباري تعالى في ذلك.
وأمّا الإماميّة فقالوا تبعاً للأئمّة المهديّين عليهم أفضل صلوات المصلّين بالأمر بين الأمرين، لا الجبر ولا التفويض، فهناك منزلة بينهما أوسع ممّا بين السماء والأرض، كما ورد في الخبر.(-119)
ثمّ لا يخفى أنّ البحث عن نفي الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين ليس منحصراً في الأفعال الجوارحيّة للعباد، بل يشمل الأفعال الجوانحيّة أيضاً كالتفكّر والتصوّر ويشمل ما لأفعال العباد دخل في الكون وما يجري فيه كما ورد في الأخبار أنّ الزنا يوجب كثرة موت ا
لفجأة وسيأتي في بحث حقيقة الأمر بين الأمرين مزيد كلام لذلك إن شاء اللّه تعالى، ولمّا كان المهمّ هو الأفعال الصادرة عن العباد خصّصنا موضوع البحث بها.
وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ هذا البحث هو من أقدم المباحث العلميّة التي دار الكلام عنها قبل الإسلام، ثمّ ازداد سعة على مرّ التاريخ شيئاً فشيئاً، فالتعرّض لجميع ما قيل أو يمكن أن يقال يخرجنا عن طور الرسالة والمقصود منها، فلذا نكتفي بذكر أمّهات الشبهات المطروحة من القائلين بالجبر والتفويض التي سمّوها بالأدلّة ونجيب عنها، ثمّ نبحث عن حقيقة الأمر بين الأمرين إن شاء اللّه تعالى.وقبل الشروع في البحث عن كلّ واحدة من هذه الأقوال الثلاثة لابدّ لنا من بيان خمسة أمور مهمّة، فنقول بحول اللّه وقوّته:
إنّ الورود في ذكر الأدلّة ومناقشتها يتوقّف على تبيين محلّ النزاع بدقّة كي لا نعدو في المناقشة على ما لا يرتبط بمحلّ البحث، ولكي نعرف الداخلين في نطاق القول بالجبر، فنبطل الحجج التي أقاموها على مذهبهم.
فنقول: ما هو المناط في أن يكون فعل من الأفعال اختياريّاً، وما الذي يخرجه عن الاختيار ويدخله في نطاق الجبر والاضطرار؟
الحقّ - كما أفاده بعض الأعاظم(1)- أن يقال: إنّ المناط في اختياريّة الفعل أو الترك هو أن يكون الفعل الصادر عن الانسان مستنداً إلى العلم والقدرة، فما لم يكن الفعل الصادر عن المكلّف مستنداً إلى العلم والقدرة لا يكون اختياريّا.
ومن الواضح أنّه بعد إفاضة القدرة وإعطائها العبد يكون ذا رأي ومشيّة وله أن يعمل قدرته في أحد طرفي الفعل أو الترك فهذا الكمال -- أي كون العبد ذا رأي ومشيّة -- يثبت له بإفاضة من اللّه تعالى.
1) 120.. المحقّق المدقّق السيّد الخوئيّ(قدس سره) كما في المحاضرات، ج2، ص72.
أمّا إذا انتفت القدرة فواضح انتفاء الاختيار، ذلك أنّه إذا اُجبر أحد على فعل وهو يعلم بما أجبر عليه ولكن لا يستطيع من الامتناع عنه كحركة اليد الرعشاء، فظاهر أنّه لا يخرج فعله من أن يكون فعلاً غير إراديّ له، والعلم وحده لا يؤثّر شيئاً في ذلك.
وأمّا إذا انتفى العلم فلأجل أنّ الإنسان ما لم يعلم الفعل الذي يريد تحقيقه وكيفيّة إيقاعه في الخارج لا يكون صادرا عن إرادته واختياره، بل إنّ القدرة لا تنفكّ عن العلم بمعنى أنّه لا يمكن فرض وجود القدرة من دون العلم دون العكس، فالطفل ما لم يعلم كيف يمشي لا يقدر عليه وما لم يعلم كيف يرفع الأشياء لا يكون قادراً على رفعها. والشاهد على ذلك أنّه يقال مثلاً: أنت لا تقدر على إيقاع الفعل الكذائيّ إلّا بعد أن تعرف كيف تصنعه، ولا يختلف ذلك في الأعمال الوضيعة والشريفة.فالإرادة والاختيار لا ينفكّان عن وجود العلم والقدرة ومن دونهما لا يمكن أن يكون ثمّة إرادة واختيار بالنسبة إلى الأفعال، فإنّ الإرادة عبارة عن إعمال القدرة والعزم الوارد على جميع الدواعي والمقتضيات، وبالقدرة يكون الفعل والترك متساويين وإن فرض وجود الدواعي الشديدة بالنسبة إلى أحدهما، كما مرّ بيانه. ولا يستند الفعل إلى الفاعل إلّا إذا فرض صدوره عنه بالعلم والقدرة، فلذا لا يصحّ إسناد حركة اليد المرتعشة إلى صاحبها بأن يقال: هو الذي يحرّك يده لعدم إستناد الارتعاش إلى قدرته وعدم سلطنته على الارتعاش وعدمه، وكذا لا يصحّ إسناد ضربان القلب إلى العبد لأنّه لا يعرف كيفيّة انقباضه وانبساطه فانقباض القلب وانبساطه خارجان عن قدرته، فلا يصحّ إسنادهما إلى قدرته وإرادته.
وأمّا الفعل المقارن للعلم والقدرة من دون أن يكون صدوره عنهما فلا يكون اختياريّاً. ولذا اذا كانت السلطنة -- التي لا تنفكّ عن العلم -- على الفعل والترك متحقّقة بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك كان الفاعل مختاراً شائّياً كما هو واضح، وإلّا فلا يكون مختاراً البتّة.
ذكر بعض الفلاسفة أنّه:
ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل.(1)
بتقريب أنّ صرف إيجاد الفعل بالإرادة موجب لكون الفعل اختياريّاً فليس عدم القدرة على تركه مضرّاً باختياريّته.
وهذا الكلام باطل: لأنّ الاختيار والقدرة عبارة عن كون زمام الأمر بيد الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، فإذا لم يكن قادراً على ترك الفعل يكون مجبوراً لامحالة، لأنّه ليس بين الوجود والعدم منزلة.
والذي يظهر من عباراتهم هو أنّهم يرون أنّ المناط في اختياريّة الفعل أو الترك استنادهما إلى الإرادة وإن كان مجبوراً ومضطرّاً بالنسبة إلى الإرادة نفسها، أي أنّه إذا حصلت العلّة التامّة لإرادة الإنسان يلجیءإلى أن يختار ويريد الفعل، ومع عدم حصول العلّة التامّة لا يستطيع أن يريد. قال صدر الدين الشيرازيّ:
ظهر أوضح الظهور أنّ مدار القادريّة على كون المشيّة سبباً لصدور الفعل أو الترك، وإنّ القادر هو الذي إن شاء فعل وان لم يشاء لم يفعل، وان وجبت المشيّة وجوباً ذاتيّاً أو غيريّاً وامتنعت اللامشيّه امتناعاً ذاتيّاً أو غيريّاً.(2)
وبطلان هذه المقالة واضح؛ فإنّ الاختيار كما أشرنا إليه عبارة عن السلطنة الكاملة والحريّة التامّة للإنسان في اختيار الفعل أو الترك، وأمّا إذا لم تكن له هذه الحريّة والسلطنة ولم يستطع على إرادة الترك وكان ملجئاً ومضطرّاً إلى إرادة الفعل يكون الفعل ضروريّاً، ومن الواضح أنّه لا يعقل كون الفعل اختياريّاً مع الضرورة عليه.
وببيان آخر: الإلجاء والاضطرار إلى الفعل أو الترك يخرجان الفعل عن كونه اختياريّاً ولو
لم يكن هذا الإلجاء وارداً على فعل الإنسان بالمباشرة؛ فالاضطرار مناف لاختياريّة العمل ولو كان بألف واسطة؛ فعلى هذا لو كان الفعل الصادر عن الإنسان صادراً عن الإرادة ولكن كان هو مجبوراً في هذه الإرادة، أي كان مُلجئاً إلى أن يريد الفعل أو الترك ويختارهما ولم يكن قادراً على الامتناع من هذه الإرادة، فلا يسمّى هذا الفعل اختياريّاً كما أنّه لا يسمّى فاعله مختاراً، لأنّه لا اختيار مع الاضطرار والإلجاء.
وفي الحقيقة لا ينبغي أن نقول: إنّ فعله هذا صادر عن الإرادة مع كونه مجبوراً في هذه الإرادة، كيف والحال أنّه لا إرادة له فيها، فليس هو الذي يريد فيفعل، بل إذا حصلت العلّة التامّة للإرادة يحدث فيه ما يسمّونه بالإرادة وإذا حصلت الإرادة له سوف يصدر الفعل عنه لا محالة، ومن الواضح أنّ ما يكون معلولاً للعلّة التامّة لا يكون إرادة حقيقيّة لأنّ الإرادة على زعمهم علّة للفعل ولا ينفكّ المعلول عن علّته، مع أنّه لم يكن قادراً على تحصيل العلّة التامّة للإرادة ولا على الامتناع منها بعد حصولها، وبالتالي لم يكن قادراً على إيقاع الفعل أو الامتناع منه وهذا هو عين الجبر.
تعرّض المتكلّمون لبيان حقيقة القدرة عند البحث عن قدرة الباري تعالى فقالوا: إنّ القدرة صفة تقتضي صحّة الفعل من الفاعل لا إيجابه مع أنّ الفعل لا يحتاج في صحّته الذاتيّة إلى القدرة فإنّ الإمكان للممكن واجب ولكن نسبته إلى الفاعل يجوز أن يكون معلّلا.(1)
وقد اعترض الفلاسفة على هذا التعريف بأنّ الواجب بالذات لابدّ أن يكون واجباً من جميع الجهات وفرض الإمكان فيه -- من أيّ جهة -- ينافي وجوبه الذاتيّ من جميع الجهات ولذا ذهبوا في تعريف الفاعل القادر إلى ما نقلناه آنفا عن الأسفار.
والحقّ في المقام هو أنّ كمالات الباري تعالى عين ذاته القدّوس ولا معنى لفرض الإمكان فيها مع كونها عين ذاته فهو علم كلّه وقدرة كلّه وحياة كلّه والقدرة بمعنى السلطنة التامّة من أعظم الكمالات وهي تنافي وجوب الفعل والمقدور ومع فرض الوجوب وتحقّق
1) 123.. راجع: کشف المراد، ص248 (المسألة الثالثة والعشرون في أحكام القدرة).
الفعل أو الترك بنحو الوجوب والضرورة لا معنى لكونه مقدوراً ولا معنى لكون الفاعل أو التارك ذا سلطنة تامّة.
فالقدرة عين ذاته وصحّة الفعل أو الترك من لوازم القدرة والسلطنة عليهما وهذا لا يوجب سريان الإمكان والنقص إلى الباري تعالى بل إمكان الفعل والترك بمعنى مقدوريّتهما له تعالى -- لأجل استيلائه وسلطنته عليهما -- عين الكمال، وكمال القدرة له تعالى فعليّ لا إمكانيّ فلا وجه لما التزموا به من وجوب الفعل أو الترك بسبب تعلّق المشيّة الواجبة -- ذاتيّاً أو غيريّاً -- به.
والظاهر أنّ ما ذكره العلّامة(قدس سره) «وأمّا نسبته إلى الفاعل فجاز أن يكون معلّلا» ليس بمعنى كونه معلّلاً بالعلّة الموجبة فإنّه ينافي القدرة كما هو واضح بل العلل الموجودة في الأفعال الاختياريّة هي العلل الغائيّة -- لا الفاعليّة -- المخرجة للفعل عن كونه لغواً.
وبما ذكرنا يظهر أنّ القدرة في الباري تعالى من الكمالات الذاتيّة وهو قادر بالذات، وفي المخلوق من الكمالات التي يهبها اللّه تعالى إيّاه بفضله ومنّه وعلى أيّ تقدير تكون ضرورة الفعل أو الترك منافيةً لتلك السلطنة.
ومن الواضح أنّ تحقّق الفعل أو الترك وترجيح أحدهما على الآخر إنّما يكون بالرأي والمشيّة المستندة إلى القدرة، والفاعل المستولي على الفعل والترك الغير الغافل يتعلّق رأيه دائماً بالفعل أو الترك ولا يخلو من كليهما لوضوح التناقض بين الوجود والعدم -- فإنّه لا واسطة بينهما -- وارتفاع النقيضين محال.
ولأجل حسم مادّة الشبهة لابدّ لنا أن نبسط الكلام حول ما ذكره صدر الدين الشيرازيّ في أسفاره؛ قال:
ثمّ إنّك إذا حقّقت حكمت بأنّ الفرق بين المريد وغير المريد سواء كان في حقّنا أو في حقّ الباري هو ما أشرنا إليه؛ فإنّ إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود
المراد وعدمه لم تكن صالحة لرجحان أحد ذينك الطرفين على الآخر، وإذا صارت إلى حدّ الوجوب لزم منه الوقوع، فإذن الإرادة الجازمة حقّاً إنّما يتحقّق عند اللّه وهناك قد صارت موجبة للفعل وجوباً ذاتيّاً أزليّاً. وأمّا في غيره فلا يخلو عن شوب الإمكان والقصور والفتور ولا ضرورة فيه إلّا ضرورة بالغير وما دام الذات أو الوصف، لا الضرورة الأزليّة. فإذن ما يقال من أنّ الفرق بين الموجب والمختار أنّ المختار ما يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل والموجب ما لا يمكنه أن لا يفعل كلام باطل؛ لأنّك قد علمت أنّ الإرادة متى كانت متساويّة لم تكن جازمة وهناك يمتنع حدوث المراد إلّا عند من نفى العليّة والمعلوليّة بين الأشياء كالأشاعرة، ومتى ترجّح أحد طرفيها على الآخر صارت موجبة للفعل ولا يبقى حينئذ بينها وبين سائر الموجبات فرق من هذه الجهة؛ بل الفرق ما ذكرناه أنّ المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل غير المنافي عنه وغير المريد هو الذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه كالقوى الطبيعيّة وإن كان الشعور حاصلاً لكنّ الفعل لا يكون ملائماً بل منافراً مثل الملجأ على الفعل فإنّ الفعل لا يكون مراداً له.(1)
حاصل ما ذكره في هذه العبارات: أنّ الإرادة ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لا تكون صالحةلرجحان أحد الطرفين على الآخر ولابدّ من صيرورتها واجبة كي يتحقّق المراد، والفرق بين إرادته تعالى وإرادة العبد هو أنّ إرادة اللّه موجبة للفعل وجوباً ذاتيّاً أزليّاً وإرادة غيره تكون موجبةً للفعل وجوباً غيريّاً وضروريّاً لا بالضرورة الأزليّة. ويلزم ممّا ذكره أن يكون كلّ فعل صدر عن كلّ فاعل -- سواء كان الفاعل هو اللّه تعالى أو غيره -- لا يتحقّق إلّا بعد صيرورته واجبا، وعلى ما ذكره لا يبقى معنى للاختيار بل كلّ فاعل يكون فاعلاً موجبا. ومنشأ هذه المقالة المزيّفة تفسير الإرادة بالعلم وإرجاعها إلى الذات كما قال السبزواريّ في تعليقته على العبارة المذكورة:
والحاصل أنّ بعد معرفة الإرادة الوجوبيّة وأنّها عين العلم الفعليّ الوجوبيّ الذي هو عين ذاته يعلم أنّها لا تمكن الصحّة والإمكان في تعريف قدرة اللّه.
وبطلان ما ذكره ومنافاته للوجدان وما جاء به صاحب الشريعة لا يحتاج إلى البيان لأنّ الإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات، وقد مرّ بعض الكلام في ذلك.
1) 124.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج6، ص317.
وقد اعترف بذلك بعض المعاصرين في حاشيته على الأسفار حيث قال:
ويظهر أيضاً أنّها لو أخذت صفة له تعالى بعد التجريد كانت صفة فعل نظير الخلق والإيجاد والرحمة منتزعة عن مقام الفعل، فتماميّة الفعل من حيث السبب إذا نسبت إلى الفعل سمّيت إرادة له فهو مراد له تعالى وإذا نسبت إليه كانت إرادة منه فهو مريد. كما أنّ كلّ ما يستكمل به الشيء في بقائه رزق، فالشيء مرزوق وهو تعالى رازق وهكذا. وعلى هذا جرى الكتاب العزيز فيما استعمله من لفظ الإرادة والمشيّة كقوله تعالى: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ(1)الآية، وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا(2)الآية، وقوله: فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ(3)الآية، وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(4)إلى غير ذلك من الآيات.(5)نعم فسّر المحشّي صفات الفعل بما يرجع إلى صفات الذات ولذا قال في آخر كلامه: «والبحث كما ترى أشبه باللفظي».
ثمّ قال:
فإذن ما يقال من أنّ الفرق بين الموجب والمختار أنّ المختار ما يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل والموجب ما لا يمكنه أن لا يفعل كلام باطل، لأنّك قد علمت أنّ الإرادة متى كانت متساوية لم تكن جازمة وهناك يمتنع حدوث المراد إلّا عند من نفى العلّيّة والمعلوليّة بين الأشياء كالأشاعرة. ومتى ترجّح أحد طرفيها على الآخر صارت موجبة للفعل ولا يبقى حينئذ بينها وبين سائر الموجبات فرق من هذه الجهة، بل الفرق ما ذكرناه أنّ المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل غير المنافي عنه وغير المريد هو الذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه كالقوى الطبيعيّة وإن كان الشعور حاصلاً لكنّ الفعل لا يكون ملائماً بل منافراً مثل الملجأ على الفعل فإنّ الفعل لا يكون مراداً له.(6)
حاصل كلامه: أنّ الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار هو أنّ الفاعل المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل غير المنافي عنه وغير المريد هو الذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه كالقوى الطبيعيّة. ولا يصحّ الفرق بينهما بأنّ المختار ما يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل والموجَب ما لا يمكنه أن لا يفعل، لأنّ الإرادة لو كانت متساوية بالنسبة إلى الفعل والترك لم تكن جازمة فيمتنع حدوث المراد لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، ومع ترجّح أحد طرفيها على الآخر صارت الإرادة موجبة للفعل فلا يبقى فرق بين الفاعل المريد المختار وبين سائر الموجبات من جهة وجوب المراد. نعم يصحّ القول بتحقّق المراد من دون أن يكون واجباً بناءاً على مسلك الأشاعرة المنكرين للعلّيّة والمعلوليّة.
ويرد عليه أمور:
الأوّل: إنّه خلط بين القدرة والإرادة فإنّ ما يكون متساوياً بالنسبة إلى الفعل والترك إنّما هو القدرة لا المشيّة الذي هو الفعل الأوّل، ولا الإرادة الذي هوالفعل الثاني. وكذا الإرادة بمعنى الرأي والبداء فإنّها المخصّص الذي به يترجّح الفعل أو الترك.
الثاني: إنّ ما ذكره من أنّ الشيء ما لم يجب من جهة علّته لم يوجد إنّما يصحّ في الفواعل الطبيعيّة كالنار بالنسبة إلى الإحراق لا الفواعل الإراديّة، وسيجيء البحث عنه إن شاء اللّه تعالى عند البحث عن هذه القاعدة.
الثالث: إنّ ما ذكره من الفرق بين الفاعل المريد وغير المريد إنّما يصحّ بناء على ما سلكه هو وسائر الفلاسفة من تفسير الإرادة بالعلم وقد مرّ بطلانه.
الرابع: إنّه بناءاً على تفسير الإرادة بالعلم يكون المراد من «الفاعل المريد» هو الفاعل العالم بفعله، ومن «الفاعل الغير المريد» الفاعل الغير العالم بفعله، وبناءاً على ذلك يكون تعريف الفاعل المريد بأّنه هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل الغير المنافي عنه، تعريفاً للشيء بنفسه.
وبعبارة اُخرى: أنّه لو قلنا بأنّ الإرادة عبارة عن العلم فيكون «الفاعل المريد» بمعنى
«الفاعل العالم» فلو قلنا في تعريف الفاعل المريد أنّه الفاعل العالم بفعله فقد أخذنا «العالم» في تعريف «المريد» الذي هو عبارة عن العالم.
وليت شعري من يخطىء بهذا النحو من الخطاء الفاحش كيف يمكن أن يُعوّل على آرائه في المسائل الدقيقة الاعتقاديّة؟!
ثمّ قال:
وممّا يدلّ على ما ذكرناه من أنّه ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل أنّ اللّه إذا علم أنّه يفعل الفعل الفلانيّ في الوقت الفلانيّ فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً وذلك محال والمؤدّي إلى المحال محال فعدم وقوع ذلك الفعل محال فوقوعه واجب لاستحالة خروجه من طرفي النقيض، مع أنّ اللّه مريد له وقادر عليه. فظهر وتبيّن أنّ إمكان اللاكون وصحّة الترك ليس شرطاً لكون الفعل مقدوراً عليه أو مرادا.(1)
فقد استشكل على تفسير القدرة بالسلطنة على الفعل والترك وقال: ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراًإمكان أن لا يفعل. وما ذكره من الإشكال يتفرّع على عدّة أمور:
أحدها: تفسير الإرادة بالعلم.
ثانيها: رجوع إرادة العبد إلى إرادة الربّ المتعال من جهة أنّ كلّ ما بالعرض لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات وأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.
ثالثها: أنّ كلّ فعل من أفعال العبد لا يوجد ما لم يجب.
رابعها: أنّ علم الباري تعالى سبب لوجوب تحقّق المعلوم خارجاً لأنّه إذا علم بأنّ العبد يفعل الفعل الكذائيّ في الوقت الكذائيّ لابدّ من وقوعه فلو لم يقع لكان علمه جهلاً.
أقول:
أمّا الأمر الأوّل: فقد ظهر بطلانه في ما سبق.
1) 131.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص318.
وأمّا الأمر الثاني: فسيجيء البحث عنه، ومجمل القول فيه أنّ إرادة العبد تستند إلى قدرته وقد أراد اللّه تعالى أن يكون العبد قادراً ولم يرد منه إرادته الفعل أو الترك.
وأمّا الأمر الثالث: فسيجيء بطلانه فعلى فرض التسليم لما ذكروه من أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد فإنّما يصحّ ذلك في التكوينيّات فإنّها لا توجَد ما لم تتحقّق علّتها التامّة. وأمّا الأفعال الاختياريّة المستندة إلى القدرة فلا تصحّ تلك المقالة فيها.
وأمّا الأمر الرابع: فسيأتي بيانه فإنّ بطلان القول بعلّيّة علم الباري للمعلومات ممّا لا غبار عليه وهذه المقالة تبتني على تفسير العلم بالإرادة وإرجاع الإرادة إلى العلم ومن الواضح أنّ علمه ليس سبباً وعلّة تامّة لتحقّق أفعاله فضلاً عن أن يكون علّة لصدور الفعل عن العبد.
فعن مولانا سيّدالشهداء(علیه السلام) في دعاء عرفة:
إلهي أنت الذي تقدّس رضاك من أن تكون له علّة منك ... .
فإنّ علمه الغير المحمول لا تعيّن فيه، وأمّا العلم المحمول فهو بمعنى الثبت في قلب المعصوم(علیه السلام) وهو المشيّة والذكر الأوّل. وللّه تعالى تغيير ما أثبته قبلالتحقّق الخارجيّ؛ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ(1)وسيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا القول بالجبر من جهة كون أفعال العبد معلومة له تعالى فسيجيء الكلام فيه مفصّلاً من أنّ العلم تابع للمعلوم، لا علّةٌ له.
ثمّ قال:
وظهر أوضح الظهور أنّ مدار القادريّة على كون المشيّة سبباً لصدور الفعل أو الترك، أنّ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وإن وجبت المشيّة وجوباً ذاتيّاً أو غيريّاً وامتنعت اللا مشيّة امتناعاً ذاتيّاً أو غيريّا.(2)
ما ذكره من أنّ مدار القادريّة على كون المشيّة سبباً لصدور الفعل أو الترك صحيح إذا كان المراد من سببيّة المشيّة كونها مرجّحة لصدور الفعل أو الترك، وكونها مستندة إلى قدرة العبد؛ أمّا لو كان مراده من عبارته هو تماميّة العلّة لتحقّق الفعل أو الترك فبطلانه أوضح من أن يخفى فإنّ صدور المعلول عن العلّة ضروريّ يستحيل التخلّف عنه ولا تجتمع الضرورة مع القدرة في مورد واحد كما سيأتي التنبيه عليه.
وأمّا ما ذكره من أنّ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فهو مناقض لما أصرّ عليه سابقاً من أنّه ليس من شرط كون الذات مريداً أو قادراً إمكان أن لا يفعل وهذا الإشكال يبتني على أن يكون المراد من تفسير الفاعل القادر المريد -- بأنّه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل -- سلطنته على الفعل والترك بحيث تكون نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك متساوية والمرجّح هو المشيّة؛ نعم لو كان المراد من هذا التفسير هو ما ذهب إليه (من أنّ صدق القضيّة الشرطيّة غير متوقّف على إمكان طرفيها والمشيّة واجبة بالوجوب الذاتيّ أو الغيريّ) فلا تناقض بين العبارتين ولكن لا يخفى بطلانه.
وأمّا ما ذكره من أنّ الفاعل القادر هو الذي تستند أفعاله إلى مشيّته وإن وجبت المشيّة بالوجوب الذاتيّ -- كما في الباري تعالى -- أو بالوجوب الغيريّ -- كما في العبد -- ففيه:أنّه لا يصحّ تفسير المشيّة بما ذكره إلّا بناءاً على تفسيرها بالعلم وقد مرّ بطلانه. مضافاً إلى أنّ الوجوب لا يجتمع مع المشيّة كما هو واضح بالوجدان فإنّه لا يصحّ إسناد ارتعاش اليد إلى من كانت يده رعشاء بخلاف إسناد الفعل الاختياريّ كالإيمان أو الكفر فإنّه يصحّ ذلك كما لا يخفى.
ومن توهّم أنّه لا بدّ في كون الفاعل قادراً أن يقع منه اللا مشيّة وقتاً مّا أو صحّ وقوعها أخطأ وخلط ولم يعلم بأنّ الفاعل إنّما يكون فاعلاً بالفعل حال صدور الفعل عنه، وفي تلك الحالة يستحيل أن يصدق عليه أنّه شاء أن لا يفعل فلم يفعل، فعلم أنّ صحّة وصفه بالفاعليّة ليست لأجل صدق هذه الحمليّة بل
لصدق تلك الشرطيّة.(1)
لا يخفى أنّ هذه العبارة وما بعدها إلى قوله «مجبور في إرادته»، مزلّة أقدام العقول لتمويهها أشدّ التمويه، فلابدّ من توضيحها أوّلاً ثمّ بيان ما يرد عليها فنقول:
إنّه تصدّى لإبطال تفسير القدرة بأن يقع من الفاعل اللامشيّة وقتاً مّا، أو صحّ وأمكن وقوعها منه وذكر في إبطال هذا التفسير ما حاصله: أنّ الفاعل حال صدور الفعل عنه بالفعل يكون فاعلاً ولذا يستحيل في تلك الحالة -- أي حالة صدور الفعل عنه -- أن يصدق عليه أنّه شاء أن لا يفعل فلم يفعل، وعلى هذا فصحّة وصف الفاعل بالفاعليّة ليست لأجل صدق هذه القضيّة الحمليّة -- أي شاء أن لا يفعل فلم يفعل -- بل تكون لصدق تلك الشرطيّة -- إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل --.
أقول: من الواضح أنّ من ذهب إلى أنّ الفاعل القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، أو بوقوع اللامشيّة منه وقتاً مّا، أو إمكانها، لم يرد تعريف الفاعل المتلبّس بالفعل. بل مراده من الفاعل هو الفاعل بالقوّة، فإنّ القدرة التي هي السلطنة على الفعل والترك إنّما يتصوّر تحقّقها قبل التلبّس بالفعل أو الترك وفي حال التلبّس بأحدهما يكون المقدور متحقّقاً، والفاعل قد صرف قدرته وأعملها في الفعل أو الترك.وبعبارة أخرى: إنّ هذا التعبير -- (إن شاء فعل وإن شاء ترك) أو التعبير ب-- (إن شاء فعل وإن لم يشاء لم يفعل) -- تعريف للفاعل باعتبار كونه قادراً ففي الحقيقة يكون تعريفاً للقادر والقدرة، وما ذكره من أنّ الفاعل في حال صدور الفعل يستحيل أن تصدق عليه القضيّة الحمليّة -- شاء أن لا يفعل فلم يفعل -- تدليس وتخبيط، لأنّ من فسّر الفاعل القادر بأنّه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لم يقل بأنّ توصيفه بالقادر لأجل صدق تلك الحمليّة عليه كي يرد عليه بأنّه حين التلبّس بالفعل لا يصحّ صدقها عليه.
مضافاً إلى ذلك إنّ من أوضح الواضحات هو أنّ كلّ قضيّة ممكنة تصير ضروريّة
1) 134.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص319.
ب--وصف المحم--ول وف--ي ف--رض وج--ود المحمول للموضوع. فنقول: زيد كاتب بالضرورة ما دام كونه كاتباً، ونقول: الك--اتب ب--الفعل كاتب بالضرورة ما دام كونه كاتباً، مع أنّ المراد من «زيد كاتب بالإمكان» هو في فرض عدم تلبّسه بالكتابة.
ولعلّ منشأ وقوعه في هذا الخبط العشوائيّ هو أنّه لا يصحّ عنده إسناد الترك إلى الفاعل لكونه عدميّاً. ولذا عبّر في تفسير القدرة بوقوع اللامشيّة وقتاً مّا أو إمكانه ولم يعبّر بأنّ الفاعل القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وفسّر جملة «إن لم يشأ لم يفعل» بوقوع اللامشيّة أو إمكانه مع أنّه من الواضح صحّة إسناد الترك إلى الفاعل من جهة تمكّنه من استمرار العدم ونقضه بإيجاد الفعل، ولذا تصحّ العقوبة على ترك الواجبات الشرعيّة، ويحسن عند العقلاء لوم العبد عند ترك امتثال أمر المولى.
وأمّا ما ذكره من أنّ صحّة وصف الفاعل بالفاعليّة ليست لأجل صدق هذه الحمليّة -- شاء أن لا يفعل فلم يفعل -- عليه حين تلبّسه بالفعل بل لصدق تلك الشرطيّة -- إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل -- عليه ففيه:
أوّلاً: أنّه لم يقل أحد بأنّ صحّة وصف الفاعل بالفاعليّة حين تلبّسه بالفعل إنّما هو لأجل صحّة صدق تلك الحمليّة عليه كي يرد عليه بأنّه يستحيل صدقها عليه حين تلبّسه بالفعل.
وثانياً: أنّ الكلام ليس في صدق الفاعليّة على الفاعل بل الكلام في تعريف الفاعل القادر، فما ذكره خارجعن محلّ النزاع. ولذا قال المحشّي: «الصواب بالقادريّة كما لا يخفى».
ثمّ قال:
والواجب سبحانه يصدق عليه أنّه لو شاء أن لا يفعل فإنّه لا يفعل، وإن كان ذلك المفروض محالاً وتلك الحمليّة كاذبة، كما في قولك: لو لم يكن الصانع موجوداً لم يكن العالم موجوداً، لما بيّنا أنّ مشيّة اللّه عين ذاته فإذن كما ليس يضرّ صدق
تلك الشرطيّة عدم وقوع المقدّم فكذا ليس يضرّه عدم إمكان وقوعه.(1)
محصّل كلامه: إنّ الواجب سبحانه قادر لصدق القضيّة الشرطيّة عليه -- لو شاء أن لا يفعل فإنّه لا يفعل -- ثمّ قال: إنّ ذلك المفروض (لو شاء أن لا يفعل) محال، كما أنّ الحمليّة (شاء أن لا يفعل فلم يفعل) كاذبة. ومع استحالة الشرطيّة يصحّ صدقها عليه تعالى كما في قولك: لو لم يكن الصانع موجوداً لم يكن العالم موجوداً، ووجه استحالة الشرطيّة هو أنّ مشيّته تعالى عين ذاته.
أقول: كون مشيّته تعالى ذاتيّة واضح البطلان، ووجه القول بهذه المقالة الفاسدة هو تفسير المشيّة والإرادة بالعلم وقد أبطلناه. ويظهر بما ذكرنا أنّه لا يستحيل صدق الشرطيّة على الفاعل القادر بل حقيقة القدرة هي السلطنة على الفعل والترك بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك.
ثمّ قال:
فليس لأحد أن يقول: إنّا لا نعتبر في كون الفاعل قادراً مشيّة أن لا يفعل بل نعتبر فيه كونه بحيث يمكن في حقّه مشيّة أن لا يفعل، والفاعل حال كونه فاعلاً وإن كذب عليه أنّه شاء أن لا يفعل، لكنّه لا يكذب أنّه من شأنه أن لا يفعل دائماً. وإنّما اعتبرنا هذا القيد حتّى يتميّز عن العلل الموجبة، لأنّا نقول: قد سبق أنّ الجهات التي بها يصير الفاعل فاعلاً بالفاعليّة التامّة يستحيل أن يحصل،ولا يترتّب عليه الفعل. فإذن الفاعل عندما يستجمع الجهات التي باعتبارها يكون مؤثّراً في الفعل لا يصدق عليه أنّه من شأنه أن لا يفعل، بل يكذب عليه ذلك. وأمّا سبيل التمييز بين المختار والموجب فليس كما توهّموه، بل كما مرّ من مدخليّة العلم والمشيّة في الفاعليّة والتأثير وعدم مدخليّتهما، فهذا نصاب التحصيل والتدقيق وستعلم أنّ ما سوى اللّه من المختارين مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته.(2)
لا يخفى أنّه قد تصدّى لتقريب كلام القائلين بأنّ حقيقة القدرة هي السلطنة على الفعل والترك، وأنّ الفاعل القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، ولكنّ تقريبه لكلامهم تفسير بما لا يرضى صاحبه؛ فإنّه نسب إليهم القول بأنّ الفاعل القادر حال كونه فاعلاً وإن كذب عليه أنّه شاء أن لا يفعل، لكنّه لا يكذب أنّ من شأنه أن لا يفعل دائماً. ثمّ أجاب عن مقالتهم بأنّ الجهات التي بها يصير الفاعل فاعلاً بالفاعليّة التامّة يستحيل أن يحصل ولا يترتّب عليه الفعل، فإذن الفاعل عند ما يستجمع الجهات التي باعتبارها يكون مؤثراً في الفعل لا يصدق عليه أنّه من شأنه أن لا يفعل بل يكذب عليه ذلك.
ثمّ تصدّى لبيان وجه التمييز بين المختار والموجب بأنّ الفاعل المختار هو الذي يكون للعلم والمشيّة (التي تكون واجبة بالذات أو بالغير) دخل في فاعليّته وتأثيره بخلاف الفاعل الموجب.
وقال في آخر كلامه: أنّ ما سوى اللّه من المخلوقين مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته.
أوّلاً: إنّ ما نسبه إلى المستشكل بأنّه يقول إنّ الفاعل القادر هو الذي حال كونه فاعلاً من شأنه أن لا يفعل دائماً غير صحيح، حيث إنّه يقول: الفاعل القادر له السلطنة على الفعل أو الترك قبل تلبّسه بأحدهما، وأمّا بعد تلبّسه بالفعل يكون الفعل من جهة صدوره ضروريّاً بنحو القضيّة الممكنة بالذات الضروريّة بشرط المحمول فلا معنى لأن يقال: «إن شاء لم يفعل».
نعم الفاعل حين تلبّسه بالفعل أو الترك قادر على استمرار الفعل أو الترك بمعنى أنّ له السلطنة علىالاستمرار، فإن شاء استمرّ في الفعل أو الترك وإن شاء توقّف.
وثانياً: إنّ ما ذكره من أنّ الفاعل بعد تحقّق الجهات التي بها يصير علّة تامّة لتحقّق الفعل يستحيل أن لا يحصل منه الفعل -- ولذا لا يصدق عليه بعد تحقّقها أنّه من شأنه أن لا يفعل -- فهو مصادرة بالمطلوب، لأنّه بناءاً على كون الإرادة علّة تامّة وبناءاً على أنّ الفاعل القادر المريد بعد تحقّق تلك الجهات يكون مجبوراً لمكان وجوب المشيّة يصحّ
ما ذكره من أنّ بعد تحقّق العلّة التامّة والجهات الدخيلة في العلّيّة يستحيل أن لا يصدر الفعل عن فاعله. ومن الواضح أنّ هذا هو عين المتنازع فيه فإنّا لا نسلّم كون الإرادة؛ علّة تامّة لإمكان أن ينشأ الرأي لصاحبها ولو كان الأمر بعد مرحلة التقدير بل وبعد مرحلة القضاء فما لم يتحقّق الفعل خارجاً يمكن البداء وتغيير المشيّة والإرادة. فما ذكره في الجواب لا يكون إلّا مصادرة بالمطلوب.
مضافاً إلى ما مرّ من بطلان ما ادّعاه من كون المشيّة واجبة بالوجوب الذاتيّ أو الوجوب بالغير.
وظهر ممّا ذكرناه سابقاً أنّ الفاعل ينقسم إلى قسمين، أحدهما: الفاعل الإراديّ وثانيهما: الفاعل الطبيعيّ. وما ذكره من استحالة عدم حصول الفعل من الفاعل بعد تحقّق الجهات التي يصير الفاعل بها فاعلاً بالعلّيّة التامّة -- ولذا لا يصدق عليه حين تلبّسه بالفعل أنّ من شأنه أن لا يفعل -- إنّما يصحّ في الفواعل الطبيعيّة لا في الفواعل الإراديّة.
وثالثاً: ما ذكره في مقام التمييز بين الفاعل المختار والموجب بأنّه كلّما كان الفعل مسبوقاً بالعلم والمشيّة -- وإن وجبت المشيّة بالذات أو الغير -- فالفاعل يكون مختاراً ومع عدم مسبوقيّته بالعلم أو المشيّة يكون الفاعل مجبوراً، فتقدّم الكلام فيه.
ورابعاً: ما ذكره في آخر كلامه من أنّ ما سوى اللّه تعالى من المختارين مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته، أمّا اختياره فلسبق فعله أو تركه بالمشيّة وأمّا اضطراره فلأنّ مشيّته وإرادته واجبة بالغير فهو مضطرّ في صورة المختار. ففيه:
مضافاً إلى أنّه يظهر بطلانه ممّا سيأتي في الجواب عن الاستدلال على الجبر بقاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، أنّ ما ذكره لا يختصّ بما سوى اللّه بل يصدق في حقّه تعالى بطريق أولى؛ ذلك لأنّ أفعاله مسبوقة بالعلم والمشيّة ولكنّ المشيّة عنده ذاتيّة له تعالى وواجبة بالوجوب الذاتيّ، فلو كان الإنسان مجبوراً لأجل وجوب مشيّته، فلابدّ أن يكون الباري تعالى مجبوراً بطريق أولى. لأنّ مشيّة الإنسان واجبة بالغير ومشيّته واجبة بالذات،
مع أنّ صدور المعلول عن العلّة التي تكون علّيّتها تامّة بل فوق التمام يكون قهريّاً ولا معنى لكون صدوره عنها بالمشيّة والإرادة، فلا وجه لتخصيص ما ذكره بما سوى اللّه تعالى.
والعجب من هؤلاء كيف أصرّوا على مقالتهم في ملاك مختاريّة المختار بالعبارات الخطابيّة بلا إقامة برهان عليها مع تصريحهم في نهاية المطاف بأنّه جبر بصورة الاختيار؛ فانظر إلى عباراته في بيان هذا الجبر المرتدى للباس الاختيار:
إنّ الحقّ الحريّ بالتحقيق والتحصيل لمن رفض العصبيّة وترك التقليد، وطرد الطاغوت ورجع إلى درك الحكمة وانخرط في حزب الملكوت وأولياء الحقيقة، أن يعلم أنّ الفرق بين القادر المختار وبين الفاعل الموجب ليس على سبيل ما كان لاجّاً عليه أكثر المحتجبين عن إدراك الحقائق بأغشية التقليد للآباء والمشايخ ... .(1)
بعد ما عرفت من أنّ الملاك في الاختيار كون الفعل صادراً عن الإرادة المستندة إلى العلم والقدرة يمكن أن يتوهّم في مقام النقض عليه بأن يقال: كيف حصرتم وجود الإرادة بما إذا كانت صادرة عن العلم والقدرة، مع أنّه لو اُجبر أحد على أن يفعل فعلاً كما لو اُجبر على أكل المفطر في نهار شهر رمضان، فهذا الفعل مع أنّه غير صادر عن القدرة إلّا أنّه صادر عن الإرادة، فإنّهم أجبروه -- بالتهديد على القتل مثلاً -- على أن يريد الإفطار بنفسه، ولذا لا يعاقب على الإفطار لكونه مجبوراً بالنسبة إليه مع أنّه صادر عن إرادته.
فيقال في دفع هذا التوهّم إنّ الذي يقدم على الإفطار في مفروض السؤال ليس مجبوراً عليه بحيث لا يستطيعالمخالفة، ولذا يعبّر عنه بالمكرَه -- بالفتح -- لا بالمجبور لأنّه فاقد للحرّيّة لا للإرادة ويصحّ إسناد الفعل إليه كما أنّه يصحّ التعبير بأنّه قادر. فإنّه بإرادته واختياره وبعلمه وقدرته يقدم على الإفطار، أ فلو كان عاجزاً عن حركة يديه وشفتيه ولسانه، أو لم يَكن يعرف كيف يُؤكل الطعام كبعض المجانين، لكان مُقْدِماً عليه بإرادته؟ أو هل كانوا قادرين على أن يكرهوه على هذا الفعل؟ إلّا أن يدخلوا الطعام في فمه من دون
1) 137.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص315.138. الاحتجاج، ج2، ص300؛ بحارالأنوار، ج45، ص83، ح10.
إرادة منه ولا اختيار ولا قدرة ولا علم وهذا خارج عن مفروض الكلام.
و يشهد على ما ذكرنا أنّه بالرغم من الإيعاد والتهديد إلّا أنّ له أن لا يفطر وإن كان عدم إفطاره يوجب الضرر، فهو قادر على الفعل والترك، غاية الأمر أنّه لو ترك ما أكرهوه عليه يصيبه أذاهم بأخذ ماله أو التعرّض لعرضه أو قتله وما أشبه ذلك، وكلّ ذلك لا يخرجه عن كونه قادراً على الفعل والترك.
أمّا وجه عدم العقاب على الإفطار في المثال الذي ذكروه فهو لأنّ الإنسان في تلك الحالة يكون مكلّفاً بتكليفين لا يقدر على امتثالهما معا؛ فمن جانب كُتب عليه الصيام ومن جانب آخر يجب عليه حفظ نفسه -- إذا أوعد بالقتل -- فيكون من باب التزاحم كما لو كان هناك غريقان لا يقدر على إنقاذهما معاً، ويجب عليه -- عند التزاحم -- الأخذ بالأهمّ وترك المهمّ، وبما أنّا نعلم من الشارع أنّه قد منّ علينا ولم يرض بإلقاء أنفسنا في التهلكة -- وإن ضيّع حكم من أحكامه الفرعيّة كالصوم -- فيجب حفظ النفس وترك الصوم، وكلّ ذلك بإرادتنا وقدرتنا كما أنّ الشارع قد امتنّ على الاُمّة برفع الإكراه والاضطرار.
أمّا لو لم يكن ما اُوعِد عليه أهمّ ممّا اُريد منه، كما لو أوعد في مفروض السؤال بأخذ مال يسير منه، أو أوعد بالقتل إن لم يقتل جماعة آخرين، أو كان ما أرادوا منه من الأمور المهمّة التي لا يرضى الشارع بتضييعها مهما كلّف الأمر كحفظ الدين والشريعة، فلا يجوز له التحفّظ على ماله أو نفسه بترك ما أمره الشارع، وهذا دليل على أنّ ترك ما أكره عليه كان مقدوراً له وإلّا لما وجب ذلك عليه. فلذا نرى أنّ سيّدالشهداء عليه أفضل الصلاة وأطيب السلام رضي بأن يُقتَل هو وأولاده وأصحابه وأهل بيته وتُسبى عيالهونسائه ولكن لا يبايع الدعيّ ابن الدعيّ، فقال روحي فداه:
ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد تركني بين السلّة والذلّة وهيهات له ذلك منّي! هيهات منّا الذلّة! أبى اللّه ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وكثرة العدوّ وخذلة الناصر.(1)
1) 138....
ولذا نرى أنّ الفقهاء يبحثون عن وظيفة المكرَه عند الإكراه بأنّه هل يجوز أو يجب عليه الإتيان بالمكره عليه أم لا؟ وهل الإكراه مع القدرة على التفصّي بالتورية سببٌ لرفع الحكم أم لا؟
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الإرادة من دون استنادها إلى العلم والقدرة ومن دون مسبوقيّتها بالعلم والقدرة -- لو صحّ التعبير عنها بالإرادة -- لا يكون سبباً لخروج الفعل الصادر عنها عن الضرورة والاضطرار وصيرورته اختياريّاً؛ بل الذي يوجب كون الفعل إراديّاً واختياريّاً هو صدوره عن العلم والقدرة بحيث يكون زمام الفعل والترك بيد العبد إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وكانت هذه السلطنة باقية له إلى حين العمل. واللعب بالألفاظ واستعمالها في غير ما وضعت له لا يغيّر الحقائق ما لم تتغيّر الحقيقة، فإطلاق لفظ الإرادة من دون قصد المعنى الحقيقيّ الذي يفهمه العرف ومن دون العلم والقدرة، لا يوجب كون الفعل إراديّاً واختياريّاً.
فعلى هذا إذا صار الفعل ضروريّاً -- أي غير صادر عن العلم والقدرة -- بأيّ سبب كان، لا يكون اختياريّاً وإذا لم يكن ضروريّاً يكون اختياريّاً. فالبحث بيننا وبين القائلين بالجبر يدور حول هذه النقطة وهي أنّه: هل الأفعال الصادرة عن المكلّف ضروريّة أم لا؟ فلو كانت ضروريّة سوف يثبت القول بالجبر وإذا لم تكن كذلك سوف تبطل تلك النظريّة ويثبت الاختيار.
نرى من اللازم أن نذكّر العاقل بما يجده بعقله وما هو مطابق لفطرته السليمة، كي يعرف أنّ الاختيار -- بمعناه الحقيقيّ -- المتحقّق في قسم من أفعال المكلّفين ممّا يشاهده كلّ عاقل بالوجدان ولا يحتاج فيهذه المعرفة إلّا إلى مجرّد تذكير ليجد أنّها من أبده البديهيّات، فيتبيّن مدى ضعف الأدلّة التي أقاموها على إثبات الجبر ويظهر وهنها وأنّها ليست إلّا شبهة في مقابل البديهة.
فنقول: إنّ كلّ عاقل يجد أنّ ما يصدر عنه من الأفعال ليس على نهج واحد بل هي على طائفتين؛ ففي طائفة منها لا يكون الإنسان إلّا محلّاً لوقوع ذلك الفعل وليس هو
الذي يفعله، كالحياة وإبقائها، وكذا الموت إذا حان الأجل -- فإنّ أغلب الناس كارهون للموت لكن مع ذلك يغلب عليهم فيموتون، وربّما يريد الإنسان الحياة لشخص آخر لكن لا سبيل له إلى تحقيقه، كما أنّ حياة نفسه ليست مستندة إلى إرادته واختياره -- ونظير ضربان القلب، وجريان الدم في العروق، وكحركات المرتعش، والنوم إذا غلب على الإرادة.
أمّا الطائفة الأخرى؛ فيرى أنّه هو الذي يريدها فيحقّقها، ولولا إرادته إيّاها لم تكن لتتحقّق، وذلك كالأكل والشرب والتكلّم والسكوت، فله أن يتكلّم وله أن يسكت، وله أن يشرب ويأكل، وله أن يكفّ نفسه عن الأكل والشرب، وله أن يحرّك يده وله أن لا يحرّكها، في مقابل حركة اليد المرتعشة التي لا يحرّكها هو عن اختيار بل تتحرّك هي عن غير اختيار.
والشاهد على أنّ الطائفة الثانية من الأفعال هي أفعال إراديّة بخلاف الطائفة الأولى، أمور يشترك في تسلّمها وقبولها جميع العقلاء حتّى المجبّرة.
أنّ الإنسان يسند هذه الأفعال إلى نفسه على خلاف الطائفة الأولى، فيقول: أنا الذي تكلّمت، أنا الذي سكتّ، أنا الذي حرّكت يدي، بينما لا يقول: أنا الذي أجريت الدم في عروقي، كما أنّه لا يسند إلى نفسه انقباض قلبه ولا انبساطه.
الأوامر الصادرة عن الموالي للعبيد، وعن الأطبّاء للمرضى، وعن المعلّمين للمتعلّمين، فإنه لو لم يكن الإنسان مختاراً في ما يؤمر به لكان صدور هذه الأوامر من العقلاء قبيحاً، ألا ترى أنّ أحداً من العقلاء لا يأمر بالطائفة الأولى من الأفعال، فلا يأمر الطبيب المريضبإجراء الدم في عروقه بينما يأمره بالأكل والشرب وهلمّ جرّا.
القوانين الوضعيّة في الدول والمؤسّسات والشركات والدوائر لرعاية النظم وحفظ الحدود والحقوق، بحيث يكون كلّ أحد من أعضاء تلك المنظّمة مكلّفاً برعاية القانون. وواضح أنّه
يقبح جعل القانون لمن لا اختيار له، كوضع القانون للمرتعش بالنسبة إلى حركة يده الرعشاء وللناس في جريان دمائهم وضربان قلوبهم، أو جعل القانون للمجانين بالنسبة إلى ما جُنّوا.
صحّة مؤاخذة المجرمين، فإنّه لولا الاختيار لما صحّ مؤاخذتهم، كما لا يصحّ مؤاخذة ذي اليد الرعشاء على حركة يده.
ويشهد على ما ذكرنا أنّه إذا تعرّض أحد لأموال القائلين بالجبر أو نفوسهم أو أعراضهم، فإنّهم سيعترضون عليه ويعاتبونه دون تأمّل، وهذا يدلّ على أنّ المتعرّض لهم كان مختاراً في فعله هذا، وإلّا لما صحّ العتاب والاعتراض، لأنّ الإنسان -- على زعمهم -- ليس إلّا محلّاً لظهور فعل اللّه تعالى كالمنشار في يد النجّار، ومن الواضح أنّ العتاب يجب أن يكون على الفاعل لا على محلّ بروز فعل الفاعل.
أنّه كثيراً ما يحصل لنا التحيّر في مختلف شؤن الحياة فنسترشد العقلاء ونشاورهم، كي يتّضح لنا ما هو الأصلح والأنفع بحالنا. والحيرة في مقام العمل، والسؤال عن الخير، ومشاورة الآخرين لا يتناسب مع القول بالجبر، فإنّه لو كنّا مجبورين في اختيار منهج خاص ولم يكن لنا سلطنة على تغييره، لما كان وجهاً للحيرة ثمّ علاجها بالمشورة، فإنّ المجبور لا يحتاج إليها.
إنّ كثيراً من الفلاسفة القائلين بالجبر بالصراحة أو القائلين بالجبر في صورة الاختيار، ألّفوا وصنّفوا كتبا في تهذيب الأخلاق وتربية النفس وتزكيتها، وهذا من أقوى الشواهد على أنّهم يرون الإنسان مختاراً بوجدانهم تلك الحقيقة الواضحة، ولا مجال لأن يقال إنّالإنسان قادر على تهذيب أخلاقه وتزكيتها من الرذائل، وغير قادر على الأفعال من الواجبات والمحرّمات وغيرهما، فإنّ بطلان هذه المقالة ممّا لا يحتاج إلى البيان.
وبالجملة، إنّ سلطنتنا على أفعالنا الاختياريّة ممّا نشاهده بالضرورة من أنفسنا، فلو لم يكن هذا الأمر بديهيّاً -- حتّى بعد التذكّر إلى ما مرّ ممّا يجده كلّ عاقل -- فلا توجد قضيّة بديهيّة في العالم، نعم يمكن بل تتحقّق كثيراً مّا الغفلة عن البديهيّات وهذا لا يضرّ ببداهتها، وسنوضّح سرّ شيوع هذا القول بين المسلمين والغفلة عن هذه الحقيقة الواضحة. فعلى هذا إذا طرح ما دلّ على الجبر وسمّي بالبرهان زوراً، فيكون من الشبهة في مقابل البديهة، ولو فرض عدم التمكّن من الإجابة عنه، لأنّه لا يجوز رفع اليد عمّا نجده بالفطرة، فإنّ قوام البرهان بالوجدان فإذا خالفه ما هو بصورة البرهان فلا يكون برهاناً كما هو واضح، ويحرم عقلاً ترك الوجدان الضروريّ لصورة برهان فاقد لحقيقتها.
ثمّ إن القول بالجبر يستلزم توالي فاسدة لا يمكن الالتزام بها:
إنكار التحسين والتقبيح في أفعال البشر، فإنّهما لا يكونان إلّا في الأفعال الاختياريّة كالإيمان باللّه وشكر نعمه وآلائه فإنّه يستتبع التحسين، وكالظلم الذي يستتبع التقبيح. ولا يصحّ التحسين والتقبيح بالنسبة إلى ما لا اختيار فيه كسواد الوجه وطول القامة وقصرها، فلو كان الموجِد للأفعال هو اللّه تبارك وتعالى وكان الإنسان محلّا لها، لما كان وجه لتحسين الفاعل أو تقبيحه.
لغويّة جعل التكاليف وبعث الرسل وإنزال الكتب، فإنّ التكليف عبارة عن طلب المولى الفعل أو الترك من العبد، ولا معنى للطلب ممّن ليس له اختيار في إمتثال التكاليف، فيكون الأمر بالصلاة كالأمر بالطيران في السماء، والنهي عن شرب الخمر كالنهي عن حركة اليد المرتعشة وبطلان ذلك ممّا لا يحتاج إلى بيان.
ثمّ إنه لا يكون افتراء وشتم أشنع من هذا للربّ المتعال جلّت عظمته، فإنّه على
هذايكون إرسال الرسل وإنزال الكتب، والجنّة والنار، والوعد والوعيد بهما، والدين والشريعة، والأمر بالإيمان والنهي عن الكفر، لغواً ولعباً وعبثاً منه، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. بل لا يكون لعب ولغو أعظم من ذلك، فإنّه تبارك وتعالى يجبر عباده على الأفعال مع أنّه أرسل إليهم الأنبياء والأوصياء واحداً تلو الآخر، وأنزل معهم الكتاب والحكم والشريعة، وفرض على الناس أشياء وحرّم عليهم كذلك، ثمّ بشّر المؤمنين المطيعين بالجنّة، وحذّر المنكرين المعاندين من العذاب الأليم، وشَدّد الأمر على المخالفين بحيث اشتعلت بينهم نيران الحرب فقتلوا وقُتلوا، وهؤلاء الرسل وأوصيائهم تحمّلوا الأذى من الناس بسبب دعوتهم إلى اللّه تبارك وتعالى فسُجنوا وقُتلوا وسُبيت نسائهم وقُتل أولادهم وذراريهم، حتّى قُتل سبعون نبيّاً بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وعلى أساس هذه الدعوة تولّى المؤمنون أقواماً وتبرّئوا من آخرين ومع ذلك كلّه يثيب المؤمنين ويعاقب الكافرين فهذا ممّا لا يمكن إسناده إلى عاقل كيف بربّ العالمين وخالق العقل وواهبه للعقلاء؟!
وبعبارة أخرى: يكون اللّه تعالى هو الذي يجبر عباده على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها، أو يجبرهم على الطاعة فينعّمهم بها،(1)
للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا. قلت: لهم عليها ثواب ؟ قال: يتطوّل عليهم بالثواب كما يتطوّل عليهم بالمعرفة.
قرب الإسناد، ص347، 1256؛ بحارالأنوار، ج5، ص221، ح1؛ إلّا أنّ الكلام هنا يدور حول الأجر والثواب على العمل الاختياريّ.
ويكون هو الذي يُجبر الرسول والمؤمنين على الإيمان ويُجبر المخالفين على الكفر والعناد، وهو الذي يُجبرهم على أن يقتل كلّ واحد منهم الآخر، فالنبيّ إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام وعدوّه نمرود كلاهما آلتان في يد اللّه وهكذا موسى وفرعون وكلّ نبيّ مع مخالفيه، ثمّ إنّه هو الذي يطيع نفسه مرّة ويعصيها أخرى، والناس إنّما هم كالآلات والأدوات لبروز هذه الأفعال منه تعالى وليسوا هم الفاعلين حقيقة، ثمّ هو1) 139.. نعم يمكن أن يتفضّل اللّه تعالى بالثواب والأجر على أمر غير اختياريّ كما روي في باب المعرفة مع أنّها من صنع اللّه ولكنّه يتطوّل عليهم بالثواب كما يتطوّل عليهم بالمعرفة فعن البزنطيّ قال: قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام):
يعذّب هذه الآلات والأدوات بأشدّ العذاب، مع أنّ العباد لم يرتكبوا محرّماً اختياراً ولم يطيعوا اللّه عن قدرة فليس جرمهم إلّا أنّهم صاروا محلّاً لظهور الكفر والمعاصي من شخص آخر بلا إرادة منهم، فليت شعري كيف تُنسب مثل هذه المخزيات إلى ربّ العزّة جلّت عظمته، أعاذنا اللّه من تسويلات النفس وإغواء الشياطين.
ثبوت الظلم من اللّه تعالى على خلقه، فإنّه يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها، ولا ظالم أظلم ممّن يجبر أحداً على فعل لا يريده، ثمّ يعاقبه ويعذّبه عليه بأشدّ العذاب!!
قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
إنّ اللّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه.(1)
وعن أبي جعفر(علیه السلام) في رواية قال:
إذا أراد اللّه قبض الكافر قال: ... يا مالك! سعّر سعّر! فقد اشتدّ غضبي على من شتمني على عرشي، واستخفّ بحقّي، وأنا الملك الجبّار ... ثمّ يغضب الجبّار فيقول: يا مالك سعّر سعّر، فيغضب مالك فيبعث عليهم سحابة سوداء يظلّ أهل النار كلّهم ... فلا يدخل عليهم روح أبداً، ولا يخرج منهم الغمّ أبداً، فهي عليهم مؤصدة يعني مطبقة ليس لهم من الملائكة شافعون، ولا من أهل الجنّة صديق حميم، وينساهم الربّ ويمحو ذكرهم من قلوب العباد، فلا يذكرون أبداً.
الاختصاص، ص359؛ بحارالأنوار، ج8ص317 -323، ح99.
ولا يبعد كما قال بعض الأعاظم أن يكون هذا الحديث الشريف في بيان عذاب هذه الفرقة ونظائرهم من الذين يشتمون الربّ بأجلى معانيه، كالقائلين بوحدة الوجود، لا مطلق الكافر لأنّ الكافر ينكر وجود الربّ بالمرّة، ولا يقرّ به كي يشتمه وينسب إليه الظلم والعبث واللغو واللعب.
أنّ القول بالجبر على خلاف صريح الآيات والروايات -- بل على خلاف ضرورة جميع الأديان الإلهيّة -- فإنّه ما من آية إلّا وقد أسند فيها فعل شيء أو تركه إلى شخص أو يكون مفاده طلب الفعل أو الترك.
1) 140.. التوحيد ص361، ح6؛ بحارالأنوار، ج5، ص51، ح83.
وقد جمع بعض الأعاظم من العلماء الآيات التي تدلّ على إبطال الجبر كالمحقّق المفسّر السيّد عبداللّه الشبّر في حقّ اليقين وقد جمع العلّامة الحلّي(قدس سره) الآيات الناصّة في إبطال الجبر وقسّمها إلى عشرة أقسام، فقال:
أحدها: الآيات الدالّة على إضافة الفعل إلى العبد كقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ،(1)إِنْ يَتَّبِعُونَ إلنا الظَّنَّ،(2)حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ،(3)بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ،(4)فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ،(5)مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُ-جْزَ بِهِ،(6)كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ،(7)كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ،(8)وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ إلنا أَن دَعَوْتُكُمْ(9)إلى آخرها.
الثاني: الآيات الدالّة على مدح المؤمنين على الإيمان وذمّ الكفّار على الكفر والوعد والوعيد، كقوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ،(10)الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ،(11)وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى،(12)وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى،(13)لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعى،(14)هَلْ تُجْزَوْنَ إلنا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون،(15)
1) 141.. البقرة2.، الآیة 79.
2) 142.. الأنعام6.، الآیة 116.
3) 143.. الرعد13.، الآیة 11.
4) 144.. يوسف12.، الآیتان 18 و83.145. المائدة5.، الآیة 30.
5) 145.....
6) 146.. النساء4.، الآیة 123.
7) 147.. المدثّر74.، الآیة 38.
8) 148.. الطور52.، الآیة 21.
9) 149.. إبراهيم14.، الآیة 22.
10) 150.. غافر40.، الآیة 17.
11) 151.. الجاثیة45.، الآیة 28.
12) 152.. النجم53.، الآیة 37.
13) 153.. الأنعام6.، الآیة 164؛ والإسراء17.، الآیة 15؛ وفاطر35.، الآیة 18؛ والزمر39.، الآیة 7.
14) 154.. طه20.، الآیة 15.
15) 155.. النمل27.، الآیة 90.
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا،(1)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي،(2)أُولٰئكَالَّذِينَ اشْتَرَوا الْحَيوةَ الدُّنْيَا،(3)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.(4) الثالث: الآي--ات ال--دالّة على تنزيه أفعاله تعالى عن مماثلة أفعالنا في التفاوت والاختلاف والظلم كقوله تعالى: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَاوُتٍ،(5)الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ،(6)والكفر ليس بحسن وكذا الظلم، مَا خَلَقْنَا السماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلنا بِالْ-حَقِّ،(7)إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ،(8)وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ،(9)وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ،(10)لَا ظُلْمَ الْيَوْمِ،(11)وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.(12)
الرابع: الآيات الدالة على ذمّ العباد على الكفر والمعاصي والتوبيخ على ذلك كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ،(13)وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى،(14)وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،(15)مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ،(16)فَمَا لَهُمْ
1) 156.. الأنعام6.، الآیة 160.
2) 157.. طه20.، الآیة 124.
3) 158.. البقرة2.، الآیة 86.
4) 159.. آل عمران3.، الآیة 90.
5) 160.. الملك67.، الآیة 3.
6) 161.. السجدة32.، الآیة 7.
7) 162.. الأحقاف46.، الآیة 3.
8) 163.. النساء4.، الآیة 40.
9) 164.. فصّلت41.، الآیة 46.
10) 165.. هود11.، الآیة 101؛ والنحل16.، الآیة 118؛ والزخرف43.، الآیة 76.
11) 166.. غافر40.، الآیة 17.
12) 167.. النساء4.، الآیة 49.
13) 168..البقرة2.، الآیة 28.
14) 169.. الإسراء17.، الآیة 94.
15) 170.. النساء4.، الآیة 39.
16) 171.. ص38.، الآیة 75.
عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ،(1)لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ،(2)لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.(3) الخامس: الآيات الدالّة على التهديد والتخيير كقوله:
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ،(4)اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ،(5)لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ،(6)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ،(7)فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَی رَبِّهِ سَبِيلاً،(8)فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبا،(9)سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا،(10)وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُم.(11) السادس: الآيات الدالّة على المسارعة إلى الأفعال قبل فواتها كقوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ،(12)أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ،(13)اسْتَجِيبُوا لِلّهِوَلِلرَّسُولِ،(14)وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم،(15)وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ.(16)
1) 172.. المدثّر74.، الآیة 49.
2) 173.. آل عمران3.، الآیة 71.
3) 174.. آل عمران3.، الآیة 99.
4) 175.. الکهف18.، الآیة 29.
5) 176.. فصّلت41.، الآیة 40
6) 177.. المدثّر74.، الآیة 37.
7) 178.. المدثّر74.، الآیة 55.
8) 179.. المزمّل73.، الآیة 19.
9) 180.. النبأ78.، الآیة 39.
10) 181.. الأنعام6.، الآیة 148.
11) 182.. الزخرف43.، الآیة 20.
12) 183.. آل عمران3.، الآیة 133.
13) 184.. الأحقاف46.، الآیة 31.
14) 185.. الأنفال8.، الآیة 24.
15) 186.. الزمر39.، الآیة 55.
16) 187.. الزمر39.، الآیة 54.
السابع: الآيات التي حثّ اللّه تعالى فيها على الاستعانة وثبوت اللطف منه كقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ،(1)فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ،(2)اسْتَعِينُوا بِاللهِ،(3)أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَايَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ،(4)وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً،(5)وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ،(6)فَبِمَ--ا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ،(7)إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَی عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.(8)
الثامن: الآيات الدالّة على استغفار الأنبياء:رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا،(9)سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ،(10)رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي،(11)رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ.(12)
التاسع: الآيات الدالّة على اعتراف الكفّار والعصاة بنسبة الكفر إليهم كقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ(13)إلى قوله بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ،(14)وقوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ،(15)
1) 188.. الفاتحة1.، الآیة 5.
2) 189.. النحل16.، الآیة 98.
3) 190.. الأعراف7.، الآیة 128.
4) 191.. التوبة9.، الآیة 126.
5) 192.. الزخرف43.، الآیة 33.
6) 193.. الشورى42.، الآیة 27.
7) 194.. آل عمران3.، الآیة 159.
8) 195.. العنكبوت29.، الآیة 45.
9) 196.. الأعراف7.، الآیة 23.
10) 197.. الأنبياء21.، الآیة 87.
11) 198.. النمل27.، الآیة 44.
12) 199.. هود11.، الآیة 47.
13) 200.. سبأ34.، الآیة 31.
14) 201.. سبأ34.، الآیة 32.
15) 202.. المدثّر74.، الآیتان 42-43.
كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ.(1) العاشر: الآيات الدالّة على التحسّر والندامة على الكفر والمعصية وطلب الرجعة كقوله: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا،(2)رَبِّ ارْجِعُونِ،(3)وَلَوْ تَرَى إِذِ الُمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ،(4)أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً،(5)إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة وهي معارضة لما ذكروه على أنّ الترجيح معنا لأنّ التكليف إنّما يتمّ بإضافة الأفعال إلينا وكذا الوعد والوعيد والتخويف والإنذار.(6)
ثمّ لا يتوهّم أنّه إذا كان الأمر بهذه المثابة من الوضوح فكيف غفل جمع من المسلمين -- من الأشاعرة وغيرهم -- عن هذا الأمر البيّن حتّى ارتضوا القول بالجبر في أفعال العباد وتركوا ما يجدونه بالضرورة والفطرة من أنفسهم؟
الجواب: أنّ السبب في ذلك أمور:
إنّ خلفاء الجور لهم دور واسع في نشر هذا المذهب، فإنّهم أشاعوا القول بالجبر بين المسلمين في البلاد الإسلاميّة كي يبرّروا بذلك أفعالهم القبيحة، فلا يبقى مجال للاعتراض على أحدهم بأنّكم كيف ترتكبون الفواحش والظلم والمعاصي وأنتم خلفاء رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) بزعمكم؟ ذلك أنّ الموجِد للأفعال ليس إلّا اللّه تعالى وليس لهم دخل فيها، فتراهم روّجوا مسلك الجبر كي يقنعوا الجمهور الذين لا يرون الحقّ إلّا فيما يقوله الحاكم ولو كان جائراً،
ويعتقدون أن مفارقته ضلال وكفر.
ثمّ أعطوا لنظريّتهم صبغة شرعيّة وقدسيّة، كما ستعرف ذلك في غضون أدلّتهم، فقالوا إنّ ذلك هو معنى التوحيد فلا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه تبارك وتعالى، وكلّ ذلك كى يُدخلوا الرعب في قلوب العامّة والسواد الأعظم الذين لا عرفان لهم بحقائق الأمور ولا يفكّروا في حقيقة الأمر خوفاً من الوقوع في شبهة الشرك.
ذكر الثقفيّ في غاراته بإسناده، قال:
قام معاوية خطيباً بالشام، فقال: أيّها الناس! إنّما أنا خازن فمن أعطيته فاللّه يعطيه، ومن حرمته فاللّه يحرمه، فقام إليه أبوذرّ، فقال: كذبت واللّه يا معاوية، إنّك لتعطي من حرم اللّه وتمنع من أعطى اللّه.(1)
وعن الشيخ المفيد في إرشاده:
أدخل عيال الحسين(علیه السلام) على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم متنكّرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحفّت بها إمائها، فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه، فأقبل عليهاابن زياد وقال لها: الحمدللّه الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت زينب: الحمدللّه الذي أكرمنا بنبيّه محمّد(صلی الله علیه آله و سلم) وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد للّه.
فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل اللّه بأهل بيتك؟
قالت: كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتختصمون عنده.
فغضب ابن زياد واستشاط، فقال عمرو بن حريث: أيّها الأمير، إنّها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، ولا تذمّ على خطابها. فقال لها ابن زياد:
1) 209.. بحارالأنوار، ج31، ص274؛ وبهذا المضمون: مسند أحمد، ج4، ص99؛ وصحيح ابن حبّان، ج8، ص194؛ والمعجمالكبير، ج 19، ص370؛ وكنز العمّال، ج6، ص510، رقم16765.
لقد شفى اللّه نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك.
فرقّت زينب؟س؟ وبكت وقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدتّ أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد: هذه سجّاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعرا.
فقالت: ما للمرأة والسجّاعة؟ إنّ لي عن السجّاعة لشغلاً، ولكن صدري نفث بما قلت.
وعرض عليه عليّ بن الحسين(علیهما السلام) فقال له: من أنت؟
فقال: أنا عليّ بن الحسين.
فقال: أليس قد قتل اللّه عليّ بن الحسين؟
فقال له عليّ(علیه السلام): قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله الناس.
فقال له ابن زياد: بل اللّه قتله.
فقال عليّ بن الحسين(علیه السلام): اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا.(1)
فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه.
فتعلّقت به زينب عمّته وقالت: يابن زياد، حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: واللّه لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه.فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثمّ قال: عجباً للرحم! واللّه إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به. ثمّ قام من مجلسه حتّى خرج من القصر، ودخل المسجد فصعد المنبر فقال: الحمد للّه الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته.(2)
وعنه أيضاً: قال (يزيد لعنه اللّه) لعليّ بن الحسين: يابن حسين، أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني سلطاني، فصنع اللّه به ما قد رأيت.فقال عليّ بن الحسين:
مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إلّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.(1) فقال يزيد لابنه خالد: أردد عليه، فلم يدر خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل: مَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (2).(3)
إنّ الحقائق والبديهيّات العقليّة تكون بحسب الغالب في معرض الغفلة والسهو ويحتاج الإنسان أشدّ الاحتياج إلى من يذكّره بها ويرفع حجاب الغفلة عنها، وهذا شأن الأنبياء والأئمّة(علیهم السلام). يقول الإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام):
وأرسل إليهم أنبيائه وواتر إليهم رسله ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته ويثيروا لهم دفائن العقول ويحتجّوا عليهم بالتبليغ.(4)
ألا ترى أنّ البشر لو خلّي ونفسه كيف يضلّ في أبين الأمور وأوضحها وهي معرفة اللّه تعالى مع كونه مفطوراً عليها؟! فيعبد الحجر والمدر والبقر والقمر والخشب والنجوم بل ربّما يرى الخبائث إلهاً لنفسه، وقد يعبد ويذلّ نفسه لإنسان فقير مثله فيزعم أنّه ربّه! فالإنسان دائماً يحتاج إلى من يذكّره وينبّهه إلى ما يجده بعقله وفطرته، وإلّا فسوف يغفل عن أبده البديهيّات وأبين الأمور، فلو ترك الإنسان تعليمات الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام) الواردة في إثارة العقل وأعرض عنها ونأی بجانبه فسيغرق في تيه الغفلة والضلالة ويهلك من حيث لا يعلم.في تفسير العياشيّ: عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام) عن قول اللّه كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(5)قال:
كان هذا قبل نوح أُمّة واحدة فبدا للّه فأرسل الرسل قبل نوح، قلت: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟ قال: بل كانوا ضُلّالاً، كانوا لا مؤمنين ولا كافرين
ولا مشركين.(1)
وعن مسعدة عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) في قول اللّه: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ(2)فقال:
كان ذلك قبل نوح، قيل: فعلى هدى كانوا؟ قال: بلى كانوا ضُلّالاً، وذلك أنّه لمّا انقرض آدم وصلح ذرّيّته، بقي شيث وصيّه لا يقدر على إظهار دين اللّه الذي كان عليه آدم وصالح ذرّيّته، وذلك أنّ قابيل تواعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل، فسار فيهم بالتقية والكتمان، فازدادوا كلّ يوم ضُلّالاً حتّى لم يبق على الأرض معهم إلّا من هو سلف ولحق بالوصيّ بجزيرة في البحر يعبد اللّه، فبدا للّه تبارك وتعالى أن يبعث الرسل ... قلت: أفضُلّالاً كانوا قبل النبيّين أم على هدى؟ قال: لم يكونوا على هدى، كانوا على فطرة اللّه التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللّه، ولم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللّه أما تسمع يقول إبراهيم لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(3)أي ناسياً للميثاق.(4)
فترى أنّه لولا إنذار النبيّين وتذكيرهم يكون الناس ضُلّالاً كالبهائم يغفلون عن أوضح الأمور وأبينها ويعيشون بعيداً عن الحقائق والكرائم والمكارم، ويغفلون عمّا فطروا عليه وينسون ما عاينوه من معرفة اللّه جلّ جلاله والميثاق، ولذا يعرّف القرآن نفسه بأنّه ذكر وتذكرة وأنّ الرسول مذكّر، قال اللّه تعالى:فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ.(5)
قد جرت سنّة اللّه تعالى على إضلال من طلب الهداية من طريق لم يجعله اللّه باباً للوصول إلى الحقائق بعد وضوحه له.
والطريق القويم والصراط المستقيم يرتكز على نور العقل الذي نوّر اللّه تعالى به قلوب العباد ويفيضه على الإنسان، نوراً معصوماً بذاته يُعرف به الحقّ والباطل والحسن والقبيح والجيّد والرديّ والفريضة والسنّة والصادق على اللّه والمفتري عليه ويرتكز على القرآن العظيم الذي هو كلامه تعالى والنور المبين الذي تجلّى لخلقه به وهو مذكّر إلى ما يجده الإنسان بنور عقله ويرتكز على النبيّ الأكرم وأهل بيته المعصومين(علیهم السلام) الذين جعلهم اللّه مبيّنين ومفسّرين لكلامه المجيد ونوره المضيء.
ولمّا أعرض جمع كثير عن السبيل الواضح والصراط المستقيم وعدلوا إلى آرائهم وأهوائهم الكاسدة وسمّوها بالبرهان العقليّ استحقّوا الخذلان الإلهيّ فضلّوا وأضلّوا، أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا.
قال أبو جعفر(علیه السلام): قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
خذوا بحجزة هذا الأنزع فإنّه الصدّيق الأكبر والهادي لمن اتّبعه، من سبقه مرق من دين اللّه، ومن خذله محقه اللّه، ومن اعتصم به اعتصم بحبل اللّه، ومن أخذ بولايته هداه اللّه، ومن ترك ولايته أضلّه اللّه ... .(1)
وعن عليّ(علیه السلام) قال: دخلت على رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) ذات ليلة فقال:
يا عليّ إنّها ستكون من بعدي فتن. فقلت: ما المخرج منها يا رسول اللّه؟ فقال: كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما يرد بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل وحبل اللّه المتين العظيم وهو الذكر الحكيم من تركه من جبّار قصمه اللّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه هو الذي لم ينته الجنّ إذ سمعوه حتى قالوا: سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً(2)من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر.(3)
وعن يوسف بن عبد الرحمن رفعه إلى الحارث الأعور قال: دخلت على أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالب(علیه السلام) فقلت: يا أميرالمؤمنين إنّا إذا كنّا عندك سمعنا الذي نسدّ به ديننا،
وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة، لا ندري ما هي؟ قال:
أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: سمعت رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمّد سيكون فيأمّتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب اللّه فيه بيان ما قبلكم من خير وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبّار فعمل بغيره قصمه اللّه، ومن التمس الهدى في غيره أضلّه اللّه ... .(1)
وعن الحسن بن علي(علیهما السلام) قال:
قيل لرسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): إنّ أمّتك سيفتتن، فسئل: ما المخرج من ذلك؟ فقال: كتاب اللّه العزيز الذي لَا يأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ،(2)من ابتغى العلم في غيره أضلّه اللّه، ومن ولي هذا الأمر من جبّار فعمل بغيره قصمه اللّه ... .(3)
وعن الإمام حسن بن عليّ العسكريّ(علیهما السلام): قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
إنّ هذا القرآن هو النور المبين، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والدرجة العليا، والشفاء الأشفى، والفضيلة الكبرى، والسعادة العظمى، من استضاء به نوّره اللّه، ومن عقد به أموره عصمه اللّه، ومن تمسّك به أنقذه اللّه، ومن لم يفارق أحكامه رفعه اللّه، ومن استشفى به شفاه اللّه، ومن آثره على ما سواه هداه اللّه، ومن طلب الهدى في غيره أضلّه اللّه ... .(4)
الظاهر أنّ ما ألجأ أبناء العلم البشريّ إلى الالتزام بالجبر هو أحد الأمرين:
القول بأنّ العباد طور من أطوار اللّه تعالى وشأن من شؤونه. وهذا ما ذهب إليه العرفاء
الموسومون بالشامخين والداعين إلى الحكمة الموسومة بالحكمة المتعالية. حيث إنّهم التزموا بكون الخلائق تجلّيات الربّ المتعال، فليس في الدار غيره ديّار، ولذا التزموا بالجبر؛ لأنّ المخلوق ليس إلّا طوراً من أطواره وشأناً من شؤونه. وبطلان ذلك ممّا لا يحتاج إلى البيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد لوضوح البينونة التامّة بين الخالق والمخلوق والحيّ بالذاتوالميّت بالذات والعالم بالذات والجاهل بالذات، وسيأتي التعرّض لذلك فانتظر.
عدم عرفانهم لحقيقة القدرة والسلطنة -- كما لم يعرفوا حقيقة العلم والنور -- وإنكار مالكيّة العباد لما ملّكهم اللّه تعالى من نور القدرة، وهذا يرجع إمّا إلى الالتزام بعدم إمكان تحمّل القابل لنور القدرة، وإمّا إلى الالتزام بقصور قدرته عن إعطاء العباد القدرة على الفعل والترك، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. ومن الواضح أشدّ الوضوح أنّ العباد قد وجدوا نور القدرة به تعالى، فهم يقدرون به تعالى وهو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، كما أنّهم واجدون لنور العلم وهذا من عظمة قدرة الباري تعالى وعلوّها فإنّ إعطائه القدرة للعاجز بالذات خير شاهد على قدرته تعالى بلا حدّ ولا نهاية.
إذا عرفت هذه الأمور فلنشرع مستعينين باللّه وأوليائه(علیهم السلام) بذكر شبهات المجبّرة ومناقشتها، مبتدئين بذكر الأدلّة العقليّة، وننتقل بعد ذلك إلى بيان الأدلّة النقليّة التي تمسّكوا بها في إثبات مذهبهم، وبما أنّا نلتزم بإيراد أُمّهات الشبهات الواردة في المقام كي نجيب عنها، وبما أنّ الأدلّة التي ذكروها على مدّعاهم كثيرة فقد يستوجب ذلك تكرار تقريب الدليل ببيانات مختلفة. ولا ضير فيه، كلّ ذلك كي لا يتوهّم أحد من روّاد العلم أنّه بقيت للمجبّرة شبهة بلا جواب واللّه وليّ التوفيق.
إنّ القول بالجبر والالتزام به قد يكون من جانب الأشاعرة المنكرين لفاعليّة غير اللّه تعالى، وقد يكون من جانب الفلاسفة القائلين بأنّ فاعليّة الباري تعالى تكون بالعلّيّة أو التجلّي والتطوّر، كما إنّه قد يكون من جانب العرفاء القائلين بأنّه ليس في الدار غيرهديّار، وستعرف كلّ ما ذكره روّاد هذه المذاهب وبطلانه في طيّ المباحث الآتية.
إذا عرفت ما مهّدناه لك فنقول: إنّ هناك وجوها نظريّة ليست ببرهان بل هي شبهات بصورة الاستدلال راموا إثبات الجبر بها نذكرها ونجيب عنها:
تقريب الاستدلال: إنّ الممكن هو ما تساوى نسبته إلى طرفي الوجود والعدم فلابدّ لوجوده من أن يصير ضروريّاً واجباً وهذا الوجوب هو الذي يحصل للممكن من ناحية علّته المرجّحة لوجوده.
بعبارة أخرى؛ لا يوجد شيء إلّا إذا كان واجباً، إمّا بالوجوب الذاتيّ -- كواجب الوجود -- وإمّا بالوجوب الغيريّ -- وهو ما يجب بسبب وجود علّته التامة -- والعلّة التامّة عبارة عن وجود المقتضي والشرط وعدم المانع، فإذا اجتمعت هذه الأُمور الثلاثة صار وجود المعلول واجباً ضروريّا.
فظهر أنّ خروج كلّ ممكن عن حدّ الإمكان والاستواء لا يتحقّق إلّا إذا صار واجباً، ولا يصير واجباً إلّا إذا تحقّقت علّته التامّة.
إذا تبيّن هذا نقول: إنّ الأفعال الصادرة عن الإنسان من الممكنات، ويتساوى فيها نسبة الوجود والعدم ولا يكون أحدهما ضروريّاً في حدّ ذاته، فيكون تحقّق أحد طرفي الوجود أو العدم متوقّفاً على حصول العلّة التامّة، فما لم تتحقّق العلّة يمتنع صدور الفعل من الإنسان، وعند تحقّقها يكون صدور الأفعال ضروريّاً -- وجميع العلل تنتهي إلى علّة العلل وهي ذات الباري أو إرادته -- فتكون الأفعال خارجة عن الاختيار لأنّه مع وجود العلّة يجب صدور الأفعال ومن دونها يمتنع، وكلّ ذلك لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته التامّة وجوداً وعدماً، فتحقّق الممكن من دون العلّة يستلزم منه تحقّق المعلول بلا علّة، وأمّا لو لم يتحقّق مع وجود العلّة فيستلزم منه انفكاك المعلول عن علّته التامّة وهذا محال، فينحصر في أن يكون الممكن ضروريّ الوجود مع وجود العلّة التامّة وضروريّ العدم مع عدم وجودها، ولذا يقال: «الممكن ما حفّ بضرورتين».
قال صدر الدين الشيرازيّ:
فقد ظهر أنّ صنع العلّة في المعلول هو الإيجاب لا غير، وأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، فما دام الشيء على حالة إمكانه يستحيل فرض وقوعه أو لا وقوعه، وإنّما يتعيّن له أحد الطرفين بالوجوب من تلقاء العلّة المقتضية. وأمّا الأولويّة الغير البالغة حدّ الوجوب سواء كانت ذاتيّة أو حاصلة من السبب كما زعمه هؤلاء فغير مجدية في قطع النسبة الإمكانيّة، ولا محصّلة للوقوع بالفعل، بل يجب أن يجب المعلول بعلّته المقتضية التامّة. فلا ينقطع سؤال اللّم للسائل عن سبب الحصول وسبب رجحان الحصول على اللاحصول إلّا بالانتهاء إلى السبب التامّ الموجب والعلّة التامّة المقتضية، وأمّا إذا لم ينته إليه فالسؤال مستمرّ البقاء، والاستمرار في الجانبين مشترك الورود بين الطرفين، فيؤدّي إلى لزوم التسلسل في سبب الأولويّة وأولويّة الأولويّة وهكذا إلى غير النهاية فذلك محال لترتّبها واجتماعها.(1)
محصّل كلامه: أنّ السؤال بأنّه لم تحقّق هذا الممكن لا ينقطع إلّا إذا انتهينا إلى العلّة
1) 229.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص321-322.
الموجبة له. والأولويّة إذا لم تصل إلى حدّ الوجوب لا يخرج الممكن عن طرفي النقيض، لأنّا نسأل: لماذا حصلت هذه الأولويّة؟ فإن أجاب بوجود العلّة التامّة فهو وإلّا يسأل عن علّة أولويّة هذه الأولويّة، فيجب أن ينتهي الأمر إلى العلّة التامّة الموجبة له وإلّا يلزم التسلسل.
وهذه القاعدة، قاعدة عقليّة جارية في جميع الممكنات سواء كان من الأفعال أم التكوينيّات، فإنّ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص.
لمّا كانت هذه الشبهة الموجبة للقول بالجبر من الشبهات المموّهة التي خفي حلّها على كثير ممّن تكلّم فيها فلابدّ من بسط الجواب عنها فنقول: يمكن تقريب هذه الشبهة بوجهين:
أحدهما: أن يكون المراد من طرح هذه القاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» هو أنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة من العبد من الممكنات، والممكن عبارة عمّا تساوى طرفاه بالنسبة إلى طرفي الوجود والعدم ولابدّ منوجود مرجّح بالنسبة إلى أحدهما فإنّه بدونه يستحيل ترجيحه لاستحالة الترجيح بلا مرجّح.
مضافاً إلى ما سيأتي من بيان هذه الشبهة مستقلّاً ودفعها، أنّا نسلّم توقّف رجحان أحد طرفي الممكن (أي طرف الوجود أو العدم) على وجود المرجّح، ولكن هذا لا يدلّ على استلزامه الممكن وجوباً -- بحيث يستحيل التخلّف عنه -- في جميع الموارد. فإنّ أقصى ما يثبته الدليل هو استحالة الترجيح بلا مرجّح وهو لا يقتضي أكثر من لزوم وجود المرجّح، ولكن أن يكون المرجّح هو العلّة التامّة التي يصير سبباً لوجوب الممكن دون غيره من المرجّحات فلا دليل عليه، فقد يكون المرجّح هو الإنسان الفاعل بما له من كمال القدرة والإرادة والمشيّة.
بعبارة أخرى: إنّه كلّما تحقّق شيء في الخارج لابدّ وأن يكون لأجل مرجّح لوجوده، وذلك لأنّه لا يكون صنع من دون صانع وفعل بلا فاعل ومعلول من دون علّة، وإلّا فيستلزم ثبوت مقالة الدهريّة القائلين بالصدفة وعدم احتياج الكون وما يحدث فيه إلى الفاعل والصانع، وهذا ممّا لا غبار عليه.
لكنّ الإشكال إنّما هو في المقدّمة الثانية وهو انحصار المرجّح في جميع الموارد في العلّة التامّة التي تصير سبباً لوجوب صدور المعلول عنها، فإنّ هذه دعوى بلا برهان بل مخالفة للوجدان، لأنّ هذه المقالة تستلزم إنكار الفعل والفاعل والصنع والصانع والتدبير والمدبّر حتّى بالنسبة إلى أفعال اللّه تبارك وتعالى، ضرورة عدم صدق العلّة التامّة على شيء منها لما قد فرض في موضوعها الاختيار والعمد، ونحن نشاهد بالوجدان صدور هذه الأفعال العمديّة عن القدرة والاختيار كما سبق التنبيه عليه.
نعم من الممكنات ما يصير واجباً بسبب علّته التامّة الموجبة لها -- كالمعاليل الطبيعيّة بالنسبة إلى عللها -- ولكن منها ما لا يصير واجباً ولو كان له مرجّح في وجوده، كالأفعال الصادرة عن الإنسان بالاستطاعة والقدرة التي ملّكها اللّه تعالى إيّاه، لأنّ المرجّح في هذا القسم هو الرأي والاختيار. فلو صارتحقّق الفعل مع هذا المرجّح واجباً من ناحية العلّة الموجبة له يكون مناقضاً لذلك المرجّح في ذاته، وعليه لا ينحصر المرجّح في العلّة التامّة الموجبة لضرورة صدور الفعل.
بعبارة ثالثة: إنّ المفروض هو أنّ الاختيار المستند إلى العلم والقدرة هو المرجّح لتحقّق الفعل لا العلّة التامّة الموجبة لضرورة الفعل. وذلك لشهادة الوجدان على وجود الاختيار الحقيقيّ المستند إلى القدرة والسلطنة، ولا دليل على انحصار المرجّح في العلّة التامّة الموجبة، بل الدليل على خلافه. كما أنّه لو حرّك أحدٌ يده وكان في يده مفتاح فتحرّك المفتاح لحركة اليد، فواضح أنّ حركة اليد تختلف تماماً عن حركة المفتاح، فإنّ المرجّح لحركة اليد وخروجها عن حالة السكون إنّما يكون الاختيار المستند إلى القدرة، بينما المرجّح لتحرّك المفتاح ليس اختياره وقدرته بل هو العلّة المستلزمة لوجوب تحرّكه وهي حركة اليد.
وأمّا ما قاله صدرالدين الشيرازيّ من أنّه لا يمكن أن ينتهي الفعل إلى الأولويّة إذا لم تبلغ حدّ الوجوب، ولا ينقطع السؤال ب- (لِمَ)، لأنّه يسأل ثانياً عن علّة حدوث هذه الأولويّة وهكذا حتّى ينتهي إلى العلّة الموجبة وإلّا يلزم التسلسل. فيرد عليه:
أوّلاً: كأنّه تخيّل أنّ تحقّق الفعل يجب أن يستند إمّا إلى العلّة البالغة حدّ الوجوب أو إلى الأولويّة البالغة حدّه بنحو مانعة الخلوّ، بينما يمكن أن يكون سبب تحقّق الفعل حقيقة الاختيار والإرادة كما فسّرناه في تحرير محلّ النزاع -- لا بالمعنى الذي فسّره هو الذي لا يختلف عن العلّة الموجبة -- وهذا الاختيار لا يحدث أولويّة -- بالغة حدّ الوجوب -- لتحقّق الفعل ولا يصير سبباً لوجوب تحقّقه، بل يكون مستنداً إلى القدرة التي تكون حقيقتها هي السلطنة على الفعل والترك فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وهذه السلطنة باقية إلى زمان تحقّق الفعل.
وتوهّم عدم إمكان الاختيار بهذا المعنى و انحصار نظام العالم بسلسلة العلل والمعاليل البالغة حدّ الوجوب إنكار للبديهيّات، التي منها القدرة والسلطنة كما هو واضح، بل اللازم منه إنكار القدرة والسلطنة في الباري جلّ شأنه، بداهة عدم اجتماعالقدرة مع العلّة الموجبة، فتكون يده تعالى مغلولة، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيرا.
وثانياً: أنّه لو احتاج الاختيار المستند إلى القدرة في تحقّقه إلى علّة موجبة لكان هذا خلفاً، وذلك لأنّ قوام القدرة وحقيقتها وحيث ذاتها إنّما هي السلطنة على الطرفين -- الفعل والترك -- فالاختيار المستند إلى القدرة لا يتوقّف تحقّقه على العلّة لأنّ اتّكائه واحتياجه إلى غير القدرة -- من العلّة الموجبة -- خلف لفرض كونها قدرة وسلطنة.
وثالثاً: أنّه يكون جمعاً بين المتناقضين، لأنّه من الواضح أنّ الفقر والقدرة متناقضان، فيكون فقر القدرة -- في استناد الاختيار إليها -- إلى العلّة الموجبة لتحقّقه تناقض بيّن.
فظهر: أنّ هذا السؤال في نفسه تناقض وخلف كالسؤال عن أنّه لمَ اجتمع الوجود والعدم، وذلك لأنّ الاختيار يستند إلى الفاعل القادر بما له من القدرة والسلطنة وفرض
لزوم العلّة في تحقّقه يساوق عدم القدرة، فالسؤال عن علّة الاختيار يساوق إنكار الاختيار والقدرة.
وظهر أيضاً: أنّ انقطاع التسلسل وانقطاع السؤال بأنّه لم تحقّق هذا الفعل، إنّما يكون بانتهاء الفعل إلى أحد الأمرين: إمّا اختيار المختار أو سببيّة السبب، ولا دليل على الانحصار في الثاني بل الدليل قائم على خلافه.
وأمّا ما ذكر في الدليل: من أنّ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص، فلا يمكن استثناء الأفعال الاختياريّة عن القاعدة العقليّة.
ففيه: أنّ خروج الأفعال الاختياريّة عنها بالتخصّص لا بالتخصيص.
وبعبارة أخرى: إنّ الحكم العقليّ لا يقبل التخصيص إذا فرض حصول موضوعه، مثلاً الحكم باستحالة الاجتماع في الضدّين واستحالة الاجتماع والارتفاع
في النقيضين ثابت، لكن يجب إحراز الضدّين والنقيضين كي يترتّب عليهما حكم الاستحالة، فمتى ما شكّ في تحقّق الموضوع أو أحرز عدم تحقّقه،لا يمكن ترتيب آثار القاعدة العقليّة، لأنّ هذا مناف لفرض موضوعيّة الموضوع، فإنّ دائرة الحكم تساوي دائرة الموضوع أبداً، فلا يمكن التعدّي عنه كما لا يمكن أن يضيق عنه.
وفي ما نحن فيه نقول: أنّه متى ما فرض وجود العلّة التامّة يحكم بوجوب صدور المعلول عنها وامتناع صدوره من دونها، لكنّ الشأن في إثبات كون أفعالنا الاختياريّة معلولات للعلل التامّة، من جهة أنّ المؤثّر الوحيد في تحقّق الأشياء هي العلّة التامّة. وقد قلنا أنّ الوجدان حاكم بوجود طور آخر لتحقّق الأشياء وهو الفعل والفاعل، والصنع والصانع، والتدبير والمدبّر؛ ونشاهد أنّ صدور الحرارة عن النار يختلف عن صدور التكلّم عن إنسان مختار؛ فعلى هذا يكون خروج الأفعال الاختياريّة عن القاعدة «بالتخصّص لا بالتخصيص»، فإنّ موضوعها المعاليل التكوينيّة الخارجة عن القدرة والاختيار، لا الأفعال
الاختياريّة.(1)
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّا نسلّم توقّف وجود الممكن على المرجّح، ومن الممكنات الأفعال الاختياريّة للإنسان. وأمّا توقّفه على الموجِب لوجوده فغير صحيح، بل المرجّح في بعضها هي العلّة التامّة وفي بعضها الآخر (أي الأفعال الاختياريّة) يكون المرجّح هو نفس الإنسان بما له من الكمال من القدرة والمشيّة والرأي والإرادة، وهي لا تصير سبباً لوجوب الفعل -- بالمعنى الذي ذهب إليه الفلاسفة من إلجاء المختار على اختيار طرف الفعل أو الترك -- والشاهد على ذلك هو الوجدان كما مرّ التذكير بذلك.
التقريب الثاني: احتياج الممكن إلى العلّة الموجبة والمناقشة فيه
ثانيهما: أن يكون المراد هو احتياج الممكن -- ومنه الأفعال الصادرة عن الفاعل المختار -- في التحقّق وعدمه أو الكون واللاكون إلى العلّة الموجبة لأحد الطرفين فإنّه ما لم يجب الوجود من ناحية العلّة الموجبة له لا يوجد، ففيه: أنّ جريان هذه القاعدة في الأفعال الاختياريّة ممنوع مضافاً إلى بطلان أصل القاعدة، فالجواب يكون صغرويّاً وكبرويّا.
أمّا الصغرويّ: أنّ العلّة لصدور الأفعال من الفاعل المختار هو نفسه بما له من كمال الرأي والقدرةالتي ملّكها اللّه تعالى ايّاه ولا يحتاج إلى علّة موجبة سوى رأيه فإنّها تنافي قدرة الإنسان واختياره الثابتة له بالوجدان، وأمّا ضرورة الفعل أو الترك بعد تعلّق رأي الفاعل بأحدهما وبعد إعمال القدرة في أحدهما فلا ينافي قدرة العبد كما هو واضح، وهذا
1) 230.. ولا يخفى أنّ العلّيّة الموجودة في بعض التكوينيّات كعلّيّة النار للحرارة والماء للبرودة إنّما تكون بجعل من اللّه تعالى، فهو الذي أراد أن يكون النار سبباً للحرارة والماء للبرودة، فالسببيّة موجودة في بعض الأمور بالنسبة إلى بعض آخر، لكنّ اللّه تعالى هو الذي جعل بالجعل التكوينيّ هذه السببيّة والتأثير في السبب والمؤثّر وقابليّة قبول الأثر في المعلولوالمسبّب، ولا يكون ذات العلّة بما هو مقتض لهذا الأثر وذات المعلول مقتض لقبول الأثر، فلذا قد يسلب الأثر عن المؤثّر أو قابليّة التأثّر عن المسبّب إذا تعلّقت مشيّته تعالى بذلك، كما سلب الحرارة عن النار حينما ألقي فيها خليله إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام، فقال عزّ من قائل مخاطباً للنار: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْرَاهِيمَالأنبیاء21.، الآیة69. والقول بالإستعدادات الذاتيّة في الأشياء باطل، ولهذا البحث محلّ آخر وسيجئ ما يوضح المطلب.
غير ما ذهب إليه الفلاسفة من ضرورة الفعل أو الترك بسبب إرادة العبد التي هي الجزء الأخير من العلّة التامّة الموجبة له، وفسّروها بالشوق الأكيد كما أنّ المشيّة (الذكر الأوّل) والإرادة اللذين يقعان قبل التقدير والقضاء ليستا علّة تامّة لصدور الفعل لإمكان البداء، ذلك أنّ العبد واجد لكمال الرأي والقدرة بتمليك اللّه تعالى، وله السلطنة على الفعل أو الترك وإعمال القدرة في أحدهما والعزم عليه وضرورة الفعل أو الترك بسبب تعلّق رأي العبد به عين القدرة والاختيار لأنّ هذه الضرورة ناشئة عن الكمال الثابت للفاعل المختار وهو كونه ذا رأي وقدرة.
وبعبارة أخرى: أنّ هذه الضرورة عبارة عن ضرورة الفعل أو الترك بشرط تعلّق الرأي به فهي الضرورة بشرط المحمول، وحكومة رأي العبد على جميع المقتضيات والدواعي والأشواق واضحة كما سيأتي بيانه فلا يكون الشوق سبباً وعلّة لتعلّق الرأي بل الرأي حاكم عليه.
وأمّا الكبرويّ: فهو أنّ ادّعاء التلازم بل التساوي بين الوجود والوجوب، والقول بأنّ الشيء (الممكن) ما لم يجب لم يوجد وما لم يوجد لم يجب، مخدوش ذلك أنّه يتوقّف على تصوّر مرتبة بين الوجود والعدم مع أنّه واضح البطلان لاستلزامه ارتفاع النقيضين، فالشيء ما لم يوجد لم يكن شيئاً كي يصحّ أن يقال لابدّ أن يصل إلى حدّ الوجوب حتّى يوجد فليس له مرتبة قبل مرتبة تحقّقه وكيانه كي يصير واجباً ثمّ يوجد.
وأيضاً إنّ الوجوب بالغير ومن ناحية العلّة الموجبة عين الإمكان الذاتيّ فالممكن بعد وجوده وبعد وجوبه من جهة علّته يكون باقياً على إمكانه الذاتيّ وهو الاحتياج إلى الغير.
نعم يصير الشيء واجباً بعد وجوده ولكنّ الوجوب حينئذٍ يكون وجوباً بالغير ووجوباً بشرط المحمول أي بشرط الوجود.
قد أجاب بعض عن هذه الشبهة بوجه آخر فقال:
لامنافاة بين هذه القاعدة واختياريّة الأفعال، لأنّ العلّة لصدور الفعل إنّما هي إرادة الفاعل لا شيء أجنبيّ عنه، والفعل مع وجود الإرادة يصير ضروريّ الوجود ومع عدمها ضروريّ العدم، وبما أنّ هذه الضرورة والوجوب إنّما نشأت من الاختيار فلا تنافيه، حيث إنّ وجوب الفعل وضرورته ناشٍ عن الاختيار فلا معنى لكون هذه الضرورة والوجوب سبباً لسلب الإرادة والاختيار، بداهة عدم صلاحيّة المعلول لأن يصير سبباً لضرورة العلّة، فالوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. قال صدر الدين الشيرازيّ في مبحث إرادة الباري تعالى:
والحاصل أنّ الموجَب المقابل للمختار ما يجب عليه الفعل لا ما يجب عنه الفعل ولذا قيل: الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يؤكّده.(1)
قد بيّنا في تحرير محل النزاع أنّ الحرّيّة والاختيار عبارة عن صدور الفعل عن السلطنة الكاملة على الفعل والترك، وقلنا إنّ الضرورة إلى أحد الطرفين لا يجتمع مع هذه السلطنة الكاملة، فمتى ما عرضت ضرورة إلى أحد طرفي الفعل تخرجه عن كونه اختياريّاً. فلذا اعترف صدرالدين الشيرازيّ بذلك فقال ما نصّه:
فكلّ مختار غير الواجب الأوّل مضطرّ في اختياره مجبور في أفعاله فالقدرة في نفوسنا عين القوّة على الفعل والاستعداد والتهيّؤ له، فلا فعل بالاختيار إلّا من الحقّ تعالى.(2)
والفعل الاختياريّ لا يتحقّق ولا يصحّ بالحقيقة إلّا في واجب الوجود وحده وغيره من المختارين لا يكونون إلّا مضطرّين في صورة المختارين.(3)
1) 231.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص349؛ وأيضاً ذكره الملّا هادي السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى، ج1، ص110؛ وراجع: قوانين الأصول، ص106؛ و نهاية الدراية، ج1، ص557.
2) 232.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص312-313.
3) 233.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص312.
وستعلم أنّه بناءاً على هذا المبنى لا يكون اللّه تبارك وتعالى مختاراً وشائيّاً وقادراً بل يكون مجبوراً ومقهوراً كما أشرنا إليه آنفا.
نعم قوله: الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار كما أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار صحيح فيماإذا صدر فعل من الإنسان عن اختيار كامل ثمّ صار هذا الفعل الاختياريّ علّة لحصول فعل آخر، كما إذا ألقى نفسه من شاهق فحتميّة الموت حينئذ لا تنافي الاختيار، لأنّ السقوط بعد الإلقاء وإن كان خارجاً عن قدرته إلّا أنّه لمّا كان قادراً على الإلقاء فهو قادر على إهلاك نفسه ولو بالواسطة، ولكن هذا خارج عن محل النزاع.
لانسلّم كون الإرادة -- بمعنى تأكيد الذكر الأوّل الذي هو المشيّة -- هي العلّة لصدور الفعل بحيث يمتنع تخلّف صدور الفعل عنها، وذلك لأنّا نشاهد بالوجدان بقاء سلطنتنا على الفعل والترك مادام لم يتحقّق الفعل في الخارج ولو بعد الإرادة والعزم عليه. ويشهد على هذا أنّه قد نريد أحياناً إيقاع فعل ويحصل لنا العزم على تحقيقه، ولكن بعد هذه الإرادة القويّة في أنفسنا يمنعنا عن تحقّقه مانع، فلا نستطيع إعمال ما أردنا إعماله، وأحياناً لا يكون لدينا مانع عن إيجاده ومع ذلك نتركه ولا نفعله، لا سيّما في ما إذا كانت إرادتنا متعلّقة بأمر متأخّر استقباليّ كما إذا أردنا الدخول في بلد بعيد المسافة وكان السفر إليه يحتاج إلى تحمّل المشاقّ، فنتهيّأ لذلك السفر ونسافر إليه ولكن في أثناء الطريق لنا أن نغيّر رأينا وننصرف عن المضيّ طبق ما أردناه، ففي هذا المثال قد تحقّقت الإرادة قطعاً بالنسبة إلى ذلك الأمر البعيد، وإلّا لما كان يتحمّل المشقّة لتحصيله، ولكن مع تحقّق الإرادة لم يتحقّق المراد، فلو كانت الإرادة هي العلّة التامّة لتحقّق الفعل لما كان وجه لانفكاك تحقّق الفعل المراد عن الإرادة.
و من العجب أنّ المحقّق الآخوند، يُصِرّ على إمكان تعلّق الإرادة بالأمر الاستقباليّ ويقول بإمكان انفكاك الإرادة عن المراد بحسب الزمان مع أنّه يقول بأنّ الإرادة علّة تامّة لتحقّق المراد.
وإليك نصّ مقالته:
فيه: أنّ الإرادة تتعلّق بأمر استقباليّ كما تتعلّق بأمر حاليّ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلاً عن فاضل، ضرورة أنّ تحمّل المشاقّ في تحصيل المقدّمات فيما إذا كان المقصود بعيدة المسافةوكثيرة المؤونة ليس إلّا لأجل تعلّق إرادته به وكونه مريداً له قاصداً إيّاه لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك، ولعلّ الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد، وتوهّم أنّ تحريكها نحو المتأخّر ممّا لا يكاد، وقد غفل عن أنّ كونه محرّكاً نحوه يختلف حسب اختلافه في كونه ممّا لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو ممّا له مؤونة ومقدّمات قليلة أو كثيرة، فحركة العضلات أعمّ من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدّمة له والجامع أن يكون نحو المقصود ... ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه، والإطناب إنّما لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلّاب.(1)
والمتحصّل من كلامه: أنّ الإرادة في مثل هذه الموارد موجودة قطعاً وإلّا ما كان ليتحمّل المشاقّ ويحرّك العضلات نحوه، إلّا أنّه لا ضير في أن يتأخّر المراد عن الإرادة زماناً.
فنقول: إنّ ما ذكره من إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقباليّ متأخّر عن الإرادة متين جدّاً، ويشهد على هذا ما ذكره من تحمّل المشاقّ الكثيرة لما يتحقّق في المستقبل، ولكن يرد عليه:
أوّلاً: إنّه لو كانت الإرادة علّة تامّة موجبة لتحقّق المراد في الخارج أو الجزء الأخير من العلّة فلا يعقل انفكاكها عن المراد بحسب الزمان، لأنّ المعلول يتّحد مع العلّة بحسب الزمان ويختلف عنها بحسب الرتبة.
ثانياً: إنّه من الواضح إمكان تعلّق الإرادة بالأمر الاستقباليّ والانصراف عنها قبل تحقّق المراد، كما نشاهد كثيراً فيما نريده ممّا يتحقّق في المستقبل ونتحمّل المشاقّ لأجله ثمّ يبدو لنا في ذلك ونعدل وننصرف عنه، وهذا ينافي ما التزم به من كون الإرادة علّة تامّة لحصول المراد أو الجزء الاخير منها.
1) 234.. كفاية الأصول، ص102.
قال أبو جعفر(علیه السلام):
قام رجل إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزائم ومنع الهمّة، لمّا أن هممت بأمر فحال بينى وبين همّتي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، علمت أنّ المدبّر غيري.(1)فما لم يتحقّق الفعل في الخارج نحن قادرون ومسلّطون على إيجاده وعدمه، وقد قال بعض الأعاظم منهم المحقّق النائينيّ(قدس سره): إنّ الأفعال الاختياريّة توجد على صفة الإمكان، بمعنى أنّه يحتمل وجود الفعل وعدمه في كلّ آنٍ ولحظة إلى أن يتحقّق في الخارج، فلا ينقلب الفعل الممكن منّا إلى الواجب ولو في آنٍ، بل لنا القدرة والسلطنة على الفعل وعدمه ما لم يتحقّق خارجاً، نعم بعد تحقّق الفعل يكون وجوده ضروريّاً ولكن هذا خارج عن محلّ البحث.
سلّمنا أنّ الإرادة هي العلّة التامّة لصدور الأفعال من العباد، لكن نسأل هل هذه الإرادة نفسها معلولة لعلّة أخرى أم لا؟
فإن قلت: لا، فيثبت تحقّق الممكن من دون العلّة التامّة والترجيح من دون المرجّح ووجود الشيء من دون وصوله إلى مرتبة الوجوب، بداهة أنّ الإرادة فينا حادثة قطعاً بعد حدوث أنفسنا لا أنّها عين ذواتنا تحدث بحدوثها كما توهّمه بعض.(2)
وإن كان لابدّ لتحقّقها من وجود العلّة أيضاً، ننقل الكلام إلی علّة هذه الإرادة، فإن كان أمر العلّة بيد العبد ولم تكن معلولة لعلّة أخرى بحيث يمتنع التخلّف عنها فيثبت المطلوب، وإلّا فننقل الكلام إليها وهكذا، حتّى ينتهي الأمر إلى ما يكون أمره بيد العبد، فإن انتهت فهو، وإلّا فلا يكون العبد مختاراً حقيقة بحيث يكون مسلّطاً على الفعل والترك بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، بل يكون عين الجبر بصورة الاختيار. وقد مرّ في تحرير محلّ النزاع أنّ الاضطرار والإلجاء ينافي الاختيار ولو كان بألف واسطة، فمجرّد إرجاع الفعل إلى الارادة
مع تفسير الإرادة بالشوق الأكيد أو غيره ممّا لا يترتّب عليه حقيقة الاختيار وروحه لا يجدي في صيرورة الفعل اختياريّاً، وسيأتي في الجواب عن الدليل الثاني والرابع ما يوضح المطلب.
إنّ الالتزام بقانون العلّيّة في جميع الحوادث -- حتّى في أفعال الإنسان -- كما فسّره الفلاسفة يستلزم منه ما لا يلتزم به المؤمن.
منها: إنكار قدرة الباري جلّ شأنه وكونه تعالى فعّالاً لما يشاء، لأنّ العلّة بعد تماميّتها يصدر عنها المعلول بلا اختيار منها وهي لا تقدر على الامتناع من صدور المعلول عنها، وعليه لا يكون الباري تعالى -- بناء على ما التزموا به من كونه تعالى العلّة التامّة -- فعّالاً لما يشاء، إن شاء خلق وإن لم يشأ لم يخلق، كما اعترف بذلك صدرالدين الشيرازيّ في عبارته السالفة حيث قال:
فقد ظهر أنّ صنع العلّة في المعلول هو الإيجاب لا غير.(1)
والظاهر أنّ إنكار قدرة الباري جلّ شأنه من الفلاسفة ممّا لا غبار عليه عند الفرقة المحقّة، اُنظر إلى ما ذكره سيّد ابنطاووس(رحمه الله):
وممّا يقال للمجبّرة: قد رحمناكم لشدّة غفلتكم، وخاصّة الذين يقولون منكم لا فاعل سوى اللّه تعالى، ثمّ يقولون إنّ العبد غير مختار وإنّه مضطرّ فيما يصدر عنه، ويا للّه والعجب من جهالاتكم إذا كان لا فاعل سوى اللّه تعالى، وعندكم وعند كافّة أهل الإسلام إنّ اللّه تعالى مختار غير مضطرّ ولا ملجأ، وكيف صارت أفعاله الصادرة عن العباد في الصورة وهي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حكم اختياره، وبطل على قولكم كونه مختاراً وصرتم إلى مذهب الفلاسفة في أنّه جلّ وعلا غير مختار.(2)
فحينئذ لا معنى لقوله تعالى: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِ-خَلْقٍ جَدِيدٍ،(1)وليس هو الذي يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(2)ويَ-حْكُمُ مَا يُرِيدُ،(3)فسيكون -- جلّت ساحة قدسه -- مَثَله كمثل النار تصدر عنها الحرارة بلا إرادة منها ولا عمد، ولا تقدر على الكفّ عن خروج الحرارة منها ولا التغيير في كيفيّتها ولا صدور شيء غيرها، فتكون يده تعالى مغلولة، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ.(4)
وقال العلّامة الحلّيّ(قدس سره) في الجواب عن شبهة الجبر بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد وشبهة أنّ علم الباري يوجب الجبر:فقد ظهر من هذا، أنّ هذين الدليلين آتيان في حقّ اللّه تعالى، وهما إن صحّا لزم خروج الواجب عن كونه قادراً، ويكون موجباً، وهذا هو الكفر الصريح، إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة هو هذه المسألة ...
والحاصل: أنّ هؤلاء إن اعترفوا بصحّة هذين الدليلين لزمهم الكفر، وإن اعترفوا ببطلانهما سقط احتجاجهم بهما. فلينظر العاقل من نفسه: هل يجوز له أن يقلّد من يستدلّ بدليل يعتقد صحّته، ويحتجّ به غداً يوم القيامة؟ وهو يوجب الكفر، والإلحاد؟
وأيّ عذر لهم عن ذلك؟
وعن الكفر والالحاد؟
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟
هذه حجّتهم تنطق بصريح الكفر على ما ترى. وتلك الأقاويل التي لهم قد عرفت أنّه يلزم منها نسبة كلّ خسيسة ورذيلة إلى اللّه سبحانه، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيرا.
وليحذر المقلّدون! وينظروا كيف هؤلاء القوم الذين يقلّدونهم! فإن استحسنوا لأنفسهم بعد البيان والإيضاح اتّباعهم كفاهم بذلك ضَلالاً، وإن راجعوا عقولهم،
وتركوا اتّباع الأهواء، عرفوا الحقّ بعين الإنصاف، وفّقهم اللّه لإصابة الثواب (الصواب؛خل).(1)
القول بقدم المخلوقات وأزليّتها لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته.
القول بالسنخيّة التامّة بين اللّه تعالى ومخلوقاته فإنّ المعلول نفس العلّة في المرتبة النازلة.
القول بأنّ المخلوقات كلّها مترشّحة من اللّه جلّ شأنه، تولّد المعلول وترشّحه عن علّته كترشّح الحرارة وتولّدها عن النار. وغير ذلك من المفاسد التي يوجب الاعتقاد بها والالتزام بلوازمها خروج الإنسان عن حدّ الإيمان ودخوله في حدّ الكفر أعاذنا اللّه من ذلك، فإنّه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(2)وإنّه هُوَ اللهُ أَحَدٌ *اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوا أَحَدٌ.(3)
وممّا استدلّوا به على مذهبهم الفاسد استحالة تحقّق الممكن من دون إرادة الباري تعالى. وبما أنّ أفعال العباد من الممكنات فيستحيل تحقّقها من دون إرادته تعالى، وحينئذ إمّا أن يكون فعل العبد متعلّقاً لإرادته تعالى فيكون ضروريّ التحقّق لعدم انفكاك إرادته تعالى عن المراد، وإمّا أن لا يكون متعلّقاً لإرادة اللّه فيستحيل تحقّقه لاستحالة تحقّق الممكن من دون إرادته تعالى.
قد أجيب عن هذا الدليل بوجوه لا يخلو بعضها عن الإشكال، والحقّ في الجواب أن يقال:
إنّ ما فرضه المستدلّ من أنّ أفعال العباد إمّا تكون متعلّقة لإرادة الباري تعالى وإمّا لا تكون متعلّقة لها ففيه أنّ إرادته تعالى تعلّقت بأن يكون العبد قادراً وشائيّاً يختار لنفسه ما يريد، فهو تعالى أراد تحقّق الفعل من العبد لكن بإرادة العزم منه، أي يهيّأ له أسباب الفعل والترك -- من القدرة والحريّة مع كونه أملك لما ملّكهم -- ثمّ يجعل أمر الفعل والترك بيد العبد فله أن يفعل وله أن يترك.
ومن الواضح ثبوت القدرة -- لمن كان على كلّ شيء قدير -- على خلق مخلوق يكون فاعلاً شائيّاً بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك.
وحينئذ نقول: ما هو المراد من تعلّق إرادة الباري تعالى بفعل العبد؟
فإنّه قد مرّ في مبحث الطلب والإرادة بيان معنى الإرادة وقلنا إنّ الإرادة في الإنسان إمّا تكون بمعنى الشوق الأكيد -- بناءاً على مسلك المشهور -- أو حملة النفس -- بناءاً على ما سلكه المحقّق النائينيّ(رحمه الله)-- أو بمعنى إعمال القدرة والعزم -- على ما هو الحقّ -- .
فإن كان المراد من تعلّق إرادة الباري بفعل العبد، تعلّق الرضا والحبّ من اللّه تعالى بفعل العبد فنقول: نعم؛ إنّه وإن كان تعلّق الشوق والرضا من شخص بالنسبة إلى الفعل
الصادر عن الآخر بمكان من الإمكان بل وقع كثيراً، كاشتياق زيد إلى الفعل الصادر عن عمرو، وكرضا الباري تعالى بالعمل الصالح الصادر عن العبد، إلّا أنّ هذا الشوق لا يكون علّة للفعل ولا يوجب صيرورة الفعل ضروريّاً واجباً حتّى لو كان الاشتياق من الفاعل بفعل نفسه وكان الشوق مفرطاً، فكيف بما إذا كان الشوق حاصلاً من شخص بالنسبة إلى الفعل الصادر عن الآخر.
وإن كان المراد من الإرادة حملة النفس والعزم وإعمال القدرة والسلطنة، فهي وإن ادّعي كونها علّة للفعل، ولكنّ الإرادة بهذا المعنى -- مضافاً إلى أنّها ليست علّة تامّة -- لا تتعلّق بفعل الغير، حيث إنّه لا يمكن لزيد أن يُعْمِلَ قدرته في الفعل الاختياريّ الصادر من عمرو، لأنّ إرادة عمرو بالنسبة إلى فعله عبارة عن إعمال القدرة في فعل نفسه، وتعلّق إرادة زيد -- بهذا المعنى -- بفعل عمرو يستلزم وجود إرادتين بالنسبة إلى مراد واحد، وهو يقتضي توارد العلّتين على معلول واحد وهو مستحيل. فالإرادة بهذا المعنى لا تتعلّق بالفعل الاختياريّ الصادر عن الغير(1)بل معنى تعلّق الإرادة بفعل الغير عبارة عن إعمال القدرة في طلبه منه وفي إيجاد الداعي في نفسه وبمعنى إعمال القدرة في اعتبار الفعل في ذمّة الفاعل.
بل الالتزام بكون إرادة اللّه تعالى متعلّق بإرادة العبد يوجب الخلف، لأنّه تعالى -- حسب الفرض -- قد جعل العبد بلطفه ومنّه قادراً ومختاراً وشائيّاً بحيث له الإرادة والسلطنة على الفعل والترك، فلو تعلّقت إرادته بعد ذلك بنفس الفعل بحيث يصدر عن الإنسان جبراً من دون إرادة منه، يلزم الخلف.
فيلزم من تعلّق إرادة الباري بالفعل الاختياريّ الصادر عن العبد محذوران:
1) 246.. لا يخفى أنّ مبنى هذا الإشكال إنّما هو تفسير الإرادة بالعلم أو الشوق الأكيد وكونها علّة تامّة للمراد أو الجزء الأخير من العلّة التامّة، فإنّه على هذا لا يمكن تعلّق إرادة اللّه بالفعل الصادر عن إرادة العبد. وأمّا بناءاً على ما هو الحقّ من عدم كونالارادة بمعنى الذكر الثاني -- على ما في الأخبار -- علّة تامّة فلا يصحّ الإستدلال المذكور على الجبر من رأس، وقد مرّ منّا توضيح الكلام في تعلّق إرادة اللّه بالأفعال الصادرة عن العباد بإرادة العزم لا إرادة الحتم، بمعنى تعلّقها بمقدّمات الأفعال كالقدرة والآلات والتوفيق والخذلان.
الأوّل: الخُلف.
الثاني: توارد العلّتين على معلول واحد.
فلأنّ المفروض في الكلام أنّه تعالى أراد أن يتحقّق الفعل عَبْر إرادة المكلّف لا بإرادته تعالى، فلو أراد تحقّق الفعل بإرادته يستلزم خلاف ما أراده أوّلا.
فلأنّ المفروض أنّ للعبد الإرادة والاختيار في ترجيح أحد طرفي الممكن -- وهي وإن كانت غير مستقلّة لأنّه للّه تعالى أن يسلبها من العبد إلّا أنّه بعد أن أعطى اللّه تعالى القدرة والاختيار للعبد سيكون الفعل منتسباً إلى العبد نفسه --، ويلزم من تعلّق إرادة اللّه تعالى بالفعل مع تعلّق إرادة العبد به ورود علّة تامّة أخرى عليه وهذا مستحيل، ومن هنا يظهر النظر في قول بعضهم: «الفعل فعل اللّه وهو فعلنا».(1)
وببيان آخر: إنّه في فرض تعلّق إرادة اللّه تعالى بفعل العبد إمّا أن لا يكون هناك إرادة من العبد وتكون الإرادة من اللّه تعالى فحسب، وهذا خلاف ما فرض في الاستدلال من وجود إرادة للعبد ومستلزم للجبر وصيرورة العبد بمنزلة الآلة. وقد مرّ أنّ ثبوت الإرادة والسلطنة منّا على أعمالنا مشاهد بالوجدان.
وإمّا أن تكون إرادة العبد ثابتة؛ بمعنى أنّ اللّه أراد صدور الفعل من العبد وأراد تعلّق إرادة العبد بالفعل بحيث لا سلطنة للعبد في اختيار الفعل أو الترك، فهذا -- مع أنّه مستلزم للجبر وصيرورة الفعل غير اختياريّ --، خلاف المفروض لأنّه لا إرادة للعبد على هذا الفرض ويكون العبد مجبوراً في أن يختار الفعل فلا يكون الفعل صادراً عن القدرة، -- وقد مرّ في تحرير محلّ النزاع أنّه لا يصحّ التعبير بالإرادة ما لم تكن الإرادة مستندة إلى القدرة -- وعليه فليس للعبد إرادة حتّى تكون مستندة إلى إرادة الباري فتكون القضيّة سالبةً بانتفاء الموضوع.
فلا يعقل تعلّق إرادة اللّه بالفعل الصادر عن العبد بإرادة منه بحيث تكون كلتا الإرادتين
1) 247.. شرح المنظومة، ج3، ص617(قسم الإلهیات). وسيأتي بسط الكلام في توضيحه ونقده إن شاء اللّه فانتظر.
معاً مؤثّرتين في الفعل بنحو الاستقلال، فمهما تعلّقت إرادته تعالى بصدور فعل عن العبد سوف تزول الإرادة من العبد فلا يتمكّن من الامتناع عن صدوره ولا يمكنه إعمال قدرته فيه نفياً أو إثباتاً كما في حركة يد المرتعش. وبماأنّا نشاهد سلطنتنا على بعض الأفعال ونجد أنّه لنا أن نفعل ولنا أن نترك وقد فرض في الدليل وجود الإرادة للإنسان، فلازمه عدم تعلّق إرادته تعالى بهذه الطائفة من الأعمال، لأنّه مع التعلّق يكون العبد مسلوب الإرادة والقدرة -- نعم إرادة اللّه تعلّقت بصيرورة العبد شائيّاً مريدا --.
فعلى هذا يكون السؤال عن تعلّق إرادة اللّه تعالى بالفعل الإراديّ الصادر عن العبد أم عدمه من الأغلاط كالسؤال عن كيفيّة اجتماع الضدّين.
إن قلت: نعم تعلّق الإرادة بالفعل الصادر عن إرادة الغير ممّا لا يمكن الالتزام به في العباد، ولكن بما أنّ اللّه على كلّ شيء قدير فيمكن أن تتعلّق إرادته بأفعال العباد.
قلت: إنّه تعالى على كلّ شيء قدير لكن لا تتعلّق إرادته وقدرته بالمحال كاجتماع الضدّين، لأنّ نفس هذا التعلّق مستحيل ولا ينافي ذلك قدرته الواسعة.
نعم لا ريب أنّ وجود العبد وحياته وجوارحه وسلطانه عليها وقدرته وسلطنته على الأفعال يكون بإعطاء اللّه تبارك وتعالى، وكذا التوفيق والخذلان، ولا يكون للعبد قدرة واختيار في وجدانه هذه الحقائق وعدم وجدانه إيّاها، فليس هو الذي أراد أن يكون ذا قدرة واختيار، بل اللّه تعالى أعطاه تلك الحقائق، كلّ ذلك بمنّه وفضله، وهو الذي أراد أن يكون العبد مختاراً شائيّاً ليريد ويختار، كما أنّ العبد يحتاج إلى استمرار ذلك العطاء من اللّه عزّوجلّ في كلّ لحظة، ولو أراد تبارك وتعالى سلبها عنه يبقى العبد بلا قدرة واختيار، فالعبد يكون بهذا الاعتبار تحت سلطان اللّه تبارك وتعالى وكذا أفعاله إلّا أنّه تعالى أراد أن يجعل أمر إعمال القدرة واختيار الطاعة والمعصية -- الجزء الأخير من مقدّمات وقوع الفعل -- بيد العبد، وأراد أن يكون العبد ذا إرادة حرّة يختار بها ما شاء، حتّى يصحّ الثواب والعقاب.
خلاصة الكلام: إنّ عدم تعلّق إرادته تعالى الحتميّة بإرادة العبد لأجل أنّ إرادة العبد
ليست من متعلّقات إرادة اللّه تبارك وتعالى ويستحيل تعلّق إرادته تعالى بإرادة العبد نظير اجتماع الضدّين، فإنّه تعالى أرادأن يكون العبد شائيّاً ومريداً وأراد أن لا يجبره على الفعل أو الترك كى يكون هو الذي يريد، فلو تعلّق إرادته بفعل العبد يكون هذا خلفاً لإرادته لأنّه أراد أوّلاً أن يكون العبد مختاراً فيختار حسب إرادته، وعليه يكون تعلّق إرادته تعالى بفعل العبد ثانياً بحيث يصدر الفعل عنه جبراً مناقضاً لإرادته الأولى.
ويناسب المقام التعرّض لما ورد في مناظرة الإمام موسى بن جعفر(علیهما السلام) مع أبي حنيفة.
قال أبو حنيفة: حججت في أيّام أبي عبد اللّه الصادق(علیه السلام) فلمّا أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبيّ يدرج ... فقلت له: ما اسمك؟ فقال:
أنا موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(علیهم السلام)، فقلت له: يا غلام ممّن المعصية؟ فقال: إنّ السيّئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه -- وليست منه -- فلا ينبغي للربّ أن يعذّب العبد على ما لا يرتكب، وإمّا أن تكون منه ومن العبد -- وليست كذلك -- فلا ينبغي للشّريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف، وإمّا أن تكون من العبد -- وهي منه -- فإن عفا فبكرمه وجوده، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد اللّه(علیه السلام)، واستغنيت بما سمعت.(1)
وعن داود الرقّيّ أنّ أبا حنيفة قال لابن أبي ليلى: مرّ بنا إلى موسى بن جعفر(علیهما السلام) لنسأله عن أفاعيل العباد، وذلك في حياة الصادق، وموسى(علیهما السلام) يومئذ غلام، فلمّا صارا إليه سلّما عليه ثمّ قالا له: أخبرنا عن أفاعيل العباد ممّن هي، فقال لهما:
إن كانت أفاعيل العباد من اللّه دون خلقه فاللّه أعلى وأعزّ وأعدل من أن يعذّب عبيده على فعل نفسه؛ وإن كانت من اللّه ومن خلقه فإنّه أعلى وأعزّ من أن يعذّب عبيده على فعل قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيل العباد من العباد فإن عذّب فبعدله، وإن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
ثمّ أنشأ يقول:
لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ بها إحدى ثلاث معان حين نأتيها
1) 248.. تحف العقول، ص411؛ بحار الأنوار، ج10، ص247، ح16.
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها فيسقط الذمّ عنّا حين ننشيها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها
أ و لم يكن لإلهي في جنايتها ذنب فما الذنب إلّا ذنب جانيها(1)
وفي الخبرين إشارة إلى ما ذكرناه؛ حيث أنّ الإمام(علیه السلام) حكم في فرض كون الفعل صادراً عن اللّه وعن العبد معاً بأنّ العذاب على هذا الفعل ظلم، لأنّ اللّه تعالى هو الشريك القويّ ومؤاخذته تعالى على الفعل تكون ظلماً من الشريك القويّ على الشريك الضعيف، فإنّه مع أقوائيّة الربّ تعالى لا يبقى وجه لمؤاخذة العبد وحده، بل يلحق الربّ -- تعالى عن ذلك -- اللؤم الوارد على العبد كما أشار الإمام(علیه السلام) في الشعر:
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها
وسيأتي في الجواب عن الدليل الثالث والرابع ما يرتبط بالبحث.
1) 249.. کنز الفوائد، ج1، ص366؛ بحار الأنوار، ج10، ص248، ح17.
ذهبت الأشاعرة وجمع من الفلاسفة إلى أنّ جميع الأُمور والحوادث -- أعمّ من المادّيّات وغيرها وأعمّ من الجواهر والأعراض والذرّات والأفعال -- لابدّ وأن تكون مستندة إلى اللّه تعالى وإلى مشيّته، لأنّ التوحيد الحقيقيّ يمنعنا أن نلتزم بوجود فاعل غير اللّه تبارك وتعالى فهو «خالق كلّ شيء»، و«لا يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبع» ومنها المشيّة. ولو كانت أفعال العباد صادرة عن قدرتهم واختيارهم دون إرادة اللّه ومشيّته لكان خارجاً عن قدرته تعالى، وهذا باطل ومستلزم للقول بوجود خالق ومؤثّر غيره تعالى و«لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه» فيلزم أن تكون الأفعال مستندة إلى ذات الباري تعالى.
وقد يقرّر هذا الدليل بوجه آخر: وهو أنّ جميع الموجودات سوى الباري تعالى التي منها أفعال البشر من الممكنات، ولا يمكن جعل الممكن وإيجاده إلّا لواجبالوجود فلابدّ من أن تكون أفعال العباد مستندة إلى اللّه تعالى.
هناك ثلاث نظريّات في التأثير والتأثّر:
إنّهم قد أنكروا نظام الأسباب والمسبّبات والعلل والمعاليل وتأثيرها بالكلّيّة، وذهبوا إلى أنّ جميع الأشياء مستندة إلى إرادة اللّه تبارك وتعالى، ولا يقع شيء في العالم إلّا بإرادة منه
تعالى مباشرة وإن كان كلّ شيء يستند إلى علّته وسببه بمقتضى الظاهر ولأجله يتوهّم تأثير الأسباب والعلل في الأشياء. ولكن في الحقيقة يكون المؤثّر الوحيد هو اللّه تبارك وتعالى، إلّا أنّ عادته تعالى جرت على حصول الأثر الخاصّ عند حصول الشيء الكذائيّ؛ مثلاً إن كان الماء يغلي بسبب حرارة النار فغليانه مستند إلى إرادة اللّه تعالى فإنّ إرادته تعلّقت بالغليان مقارناً لوجود حرارة النار، وعلى هذا جرت عادة اللّه، ولا يكون لوجود النار أيّ تأثير في ذلك، فلذا يمكن أن تتعلّق إرادته بإيجاد هذا الأثر إذا وضع الماء على الثلج أيضا.
ثمّ إنّهم ذهبوا إلى أنّ هذا هو التوحيد الحقيقيّ ليس إلّا، فيلزم أن يعتقد الإنسان بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه تعالى؛ وبناءاً على هذه النظريّة يتّجه الإشكال المذكور.
التزمت الفلاسفة في مقابل المدرسة الأشعريّة بنظام العلل والمعاليل والتأثير والتأثّر القهريّ بالكلّيّة وغفلوا عن أنّ من الأفعال ما يكون بالمشيّة والإرادة، وادّعوا أنّ فاعليّة كلّ فاعل تكون بالعلّيّة التامّة لا بالإرادة والمشيّة كما مرّ في دليلهم الأوّل.(1)
قد قسّموا العلّة إلى الداخليّة والخارجيّة، وكلّ واحد منهما إلى التامّ والناقص، أمّا الداخليّة ويسمّونها بعلّة القوام فهي على قسمين: المادّي العنصريّ والصوريّ، أمّا الخارجيّة ويسمّونها بعلّة الوجود، فهي أيضاً على قسمين: العلّة الفاعليّة (ما بسببه الوجود)، والعلّة الغائيّة (ما لأجله الوجود).
والعلّة الفاعليّة عند بعضهم على سبعة أقسام: الفاعل بالطبع، والفاعل بالقسر، والفاعل بالجبر، والفاعل بالرضا، والفاعل بالقصد، والفاعل بالعناية، والفاعل بالتجلّي.شرح المنظومة للسبزواريّ، ص406 - 410، (الفريدة السابعة في العلّة والمعلول).
وزاد بعضهم عليها قسمين آخرين، وهما: الفاعل بالتسخير (ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص515-518) والفاعل بالعشق (حكمت الهى، مهدي الهي القمشهايً، ص44-60).
وأمّا البحث عن فاعليّته تعالى: فقد اختلفوا فيه على أقوال شتّى وذهب كلّ فرقة إلى مذهب خاصّ، ومن أراد الاطّلاع عليها وما هو الحقّ الموافق للعقل السليم والكتاب والسنّة، حتّى تظهر له بينونة مقالتهم مع ما جاء به صاحب الشريعة المقدّسة فليراجع إلى ما ذكره شيخنا الأستاذ آية اللّه ميرزا جواد الطهرانيّ(قدس سره) في كتابه ميزان المطالب، ص 205، وما ذكره شيخنا الأستاذ آية اللّه الشيخ محمّد باقر الملكيّ(قدس سره) في كتابه توحيد الإماميّة، ص 341-347 وما ذكره آية اللّه الشيخ مجتبى القزوينيّ(قدس سره) في كتابه بيان الفرقان، ج1، ص306- 354.
1) 251.. لا يخفى أنّ البحث عن أقسام الفاعليّة والبحث عن فاعليّته تعالى في كلمات علماء البشر ممّا له مجال واسع، ولسنا بصدد التعرّض له ولنقده ولكن بالإجمال نشير إليه فنقول:
و النظريّتان في غاية الوهن والسخافة، أمّا الأولى: فيرد عليها أوّلاً بأنّها مخالفة للفطرة السليمة، حيث إنّها تحكم بأنّ حدوث بعض الأمور مترتّب على بعض آخر ومتأثّرٌ منه، كما أنّ الأكل سبب للشبع والشرب سبب للريّ والنار سبب للحرارة والماء للبرودة، بل لوأنكرنا تأثير الأشياء وتأثّرها على وفق سنّة اللّه تعالى وبإذنه التكوينيّ لبطل نظام جميع الأشياء ونظام الحياة المادّيّة للإنسان وغيره، وأيضاً بطل نظام الاستدلال فلا يمكننا تحصيل القطع بشيء، لأنّ انضمام الصغرى إلى الكبرى سبب لحصول القطع بالنتيجة مثلا إذا قلنا: «العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث» فينتج: العالم حادث. ومع إنكار التأثير والتأثّر لا يبقى مجال للاستدلال. فإنّه بناءاً على إنكار علّيّة انضمام الصغرى إلى الكبرى للقطع بالنتيجة وبناءاً على عدم تأثير الاستدلال في الاستنتاج يلزم إمكان الحصول على قدم العالم من هذا الإستدلال وأيضاً لو كان سبب الوصول إلى المطلوب -- كدخول الدار أو المسجد -- المشي في طريق خاصّ فبناءاً على إنكار التأثير والتأثّر يمكن الوصول إلى المقصد من غير ذلك الطريق وكذا يبطل على هذا نظام جميع العلوم كالطبّ، فإنّ الطبيب يداوي كلّ مريض بدواء يناسب دائه ولا يداويه بدواء يناسب داءً آخر. فمخالفة هذا القول مع الفطرة السليمة أظهر من أن يذكر.
وثانياً: إنّ دليلهم قاصر عن إثبات المدّعى، فإنّه يمكن أن نلتزم بوجود جميع هذه التأثيرات والتأثّرات ونظام العلّيّة بحيث لا ينافي التوحيد بل يؤكّده، حيث انّا نقول بأنّ علّيّة جميع العلل تكون بإذنه تعالى.
وثالثاً: إنّه بناءاً على مذهبهم لابدّ من تحديد قدرته تعالى حيث إنّهم أنكروا قدرته على جعل شيء سبباً وعلّة لشيء آخر كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.
ورابعاً: إنّه لو أنكرنا نظام العلّيّة للزم عدم تسليم دلالة ما استدلّوا به على مقالتهم لأنّ كلّ دليل وحجّة سبب للوصول إلى النتيجة والقطع بها فمع إنكار السببيّة والعلّيّة لا يكون دليلهم سبباً للقطع بمدّعاهم.
وأمّا مقالة الفلاسفة: فقد مرّ الجواب عنها بالتفصيل في ذيل مناقشة الدليل الأوّل، وقلنا: إنّ وجود الإرادة والمشيّة للإنسان في بعض الأفعال مشاهد بالوجدان: وقلنا: إنّ صريح الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة والولويّة المتواترة بل فوق التواتر وكذا حكم العقل دالّ على أنّ فاعليّة الربّ المتعال تكون بالقدرة الغير المتناهية والمشيّة والإرادة وليست بنحو العلّيّة والصدور والترشّح والتجلّي والعناية والفيضان وقلناإنّ الالتزام بقانون العلّيّة -- كما فسّره الفلاسفة -- في الباري تعالى يستلزم مفاسد لا يلتزم بها المؤمن.
أمّا الصواب والحقّ الذي جاء به الأنبياء والمرسلون، ونادى به القرآن والسنّة هو أنّ اللّه تبارك وتعالى جعل لكلّ شيء سبباً في نظام التكوين والخلقة وفقاً لحكمته(1)البالغة، فهو الذي جعل شيئاً مؤثّراً والآخر متأثّراً بذلك الأثر وقابلاً له، كما أنّه كلّما أراد سلب الأثر من شيء يسلبه عنه فجميع التأثيرات والتأثّرات في العالم تكون بإذنه التكوينيّ.
هذا في الفواعل الطبيعيّة، وأمّا في الفواعل الإراديّة يكون اللّه تعالى قد هيّىء للإنسان أسباب الفعل وأعطاه ما به يقدر على الفعل والترك من العلم والقدرة والمشيّة وآلات الفعل وغير ذلك بحيث لو سلب منه واحداً منها لا تثبت له القدرة على شيء.
وإليك بعض ما ورد عن صاحب الشريعة المقدّسة في كلا القسمين.
الف: ما ورد في الفواعل الطبيعيّة(2)
في مختصر البصائر قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
أبى اللّه أن يجري الأشياء إلّا بالأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً، وجعل لكلّ سبب شرحاً، وجعل لكلّ
1) 252.. وقد تعرّضنا لبيان بعض المصالح والحكم في نظام العلّيّة والسببيّة المجعولة من اللّه تعالى بالجعل التكوينيّ في كتابنا شفاعت في الردّ على ما ذهبت إليه الوهّابيّة من منافاة القول به مع الالتزام بالتوحيد.
2) 253.. لا يخفى أنّ مرادنا من «الفواعل الطبيعيّة» ليس ما يكون فاعلاً بالطبع ولا ما يكون له الاستعداد الذاتيّ للأثر بل المراد ما يكون مؤثّراً بالجعل التكوينيّ الإلهيّ في قبال فاعليّة الإنسان التي نعبّر عنها بالفاعليّة بالقدرة والارادة.
شرح مفتاحاً، وجعل لكلّ مفتاح علماً، وجعل لكلّ علم باباً ناطقاً، من عرفه عرف اللّه ومن أنكره أنكر اللّه، وذلك رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) ونحن.(1)
وفي كتاب تفضيل الأئمّة على الأنبياء للحسن بن سليمان قال: ذكر السيّد حسن بن كبش في كتابه بإسناده مرفوعاً إلى عدّة من أصحاب رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) منهم جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ وأبو سعيد الخدريّ وعبد الصمد بن أبي أُميّة وعمر بن أبي سلمة وغيرهم قالوا: لمّا فتح النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) مكّة أرسل رسله إلى كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام أو الجزية وإلّا آذنا بالحرب، وكتب أيضاً إلى نصارى نجران بمثل ذلك. فلمّا أتتهم رسله(صلی الله علیه آله و سلم) فزعوا إلى بيعتهم العظمى وكان قد حضرهم أبو حارثة أسقفهم الأوّل، وقد بلغ يومئذ مائة وعشرين سنة، وكان يؤمن بالنبيّ والمسيح(علیهما السلام) ويكتم ذلك عن كفرة قومه، فقام على عصاه وخطبهم ووعظهم وألجاهم بعد مشاجرات كثيرة إلى إحضار الجامعة الكبرى التيورثها شيث، ففتح طرفها واستخرج صحيفة شيث التي ورثها من أبيه آدم(علیه السلام)، فألفَوا في المسباح الثاني من فواصلها:
بسم اللّه الرحمن الرحيم لا إله إلّا أنا الحيّ القيّوم، معقّب الدهور، وفاصل الأمور، سبّبت بمشيّتي الأسباب، وذلّلت بقدرتي الصعاب، وأنا العزيز الحكيم الرحمن الرحيم ... .(2)
وكان من دعاء الإمام السجّاد(علیه السلام) إذا عرضت له مهمّة أو نزلت به ملمّة وعند الكرب:
يا من تحلّ به عقد المكاره، ويا من يفثأ به حدّ الشدائد، ويا من يلتمس منه المخرج إلى روح الفرج، ذلّت لقدرتك الصعاب، وتسبّبت بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة ... .(3)
وعن الإقبال في دعاء اليوم الثالث من شهر رمضان:
يا من تحلّ به عقد المكاره، ويا من يفثأ به حدّ الشدائد، ويا من يلتمس منه
المخرج إلى روح الفرج، ذلّت لقدرتك الصعاب، وتسبّبت بلطفك الأسباب، وجرى بطاعتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة.(1)
وعن مهج الدعوات: أخبرنا محمّد بن جعفر بن هشام الأصبغيّ، عن اليسع بن حمزة القميّ قال: أخبرني عمرو بن مسعدة وزير المعتصم الخليفة أنه جاء عليَّ بالمكروه الفظيع حتّى تخوفّت على إراقة دمي وفقر عقبي، فكتبت إلى سيّدي أبي الحسن العسكريّ(علیه السلام) أشكو إليه ما حلّ بي، فكتب إليّ:
لا روع عليك ولا بأس فادع اللّه بهذه الكلمات يخلّصك اللّه وشيكاً ممّا وقعت فيه، ويجعل لك فرجاً فإنّ آل محمّد يدعون بها عند إشراف البلاء، وظهور الأعداء، وعند تخوّف الفقر وضيق الصدر.
قال اليسع بن حمزة: فدعوت اللّه بالكلمات التي كتب إليّ سيّدي بها في صدر النهار، فو اللّه ما مضى شطره حتّى جائني رسول عمرو بن مسعدة فقال لي: أجب الوزير، فنهضت ودخلت عليه فلمّا بصر بي تبسّم إليّ وأمر بالحديد ففكّ عني، وبالأغلال فحلّت منّي،وأمرني بخلعة من فاخر ثيابه، وأتحفني بطيب، ثمّ أدناني وقرّبني وجعل يحدّثني ويعتذر إليّ، وردّ عليّ جميع ما كان استخرجه منّي وأحسن رفدي، و ردّني إلى الناحية التي أتقلّدها، وأضاف إليها الكورة التي تليها قال: وكان الدعاء:
يا من تحلّ بأسمائه عقد المكاره، ويا من يفلّ بذكره حدّ الشدائد، ويا من يدعى بأسمائه العظام من ضيق المخرج إلى محلّ الفرج، ذلّت لقدرتك الصعاب وتسبّبت بلطفك الأسباب، وجرى بطاعتك القضاء، ومضت على ذلك الأشياء، فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون وحيك منزجرة ... .(2)
ب: ما ورد في الفواعل الإراديّة
روى الكلينيّ مسنداً عن صالح النيليّ، قال: سألت أبا عبداللّه هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ قال: فقال لي:
إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها اللّه فيهم، قال: قلت وما هي؟ قال: الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزنا حين زنى، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك، قال: ثمّ قال: ليس من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً، قلت: فعلى ماذا يعذّبه؟ قال: بالحجّة البالغة والآلة التى ركّب فيهم ... .(1)
وروى الصدوق بسنده، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال:
ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال(علیه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.(2)عن صفوان بن يحيى، عن أبى الحسن(علیه السلام) قال: قال اللّه تبارك وتعالى:
ابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ(3)وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون.(4)
وقال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم «لا حول ولا قوّة إلا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلّا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(5)
فالمستفاد من هذه الأحاديث الشريفة أنّ سلسلة الأسباب والمسبّبات والتأثيرات والتأثّرات ثابتة في العالم، إلّا أنّ اللّه هو الذي جعل الأثر الخاصّ في السبب الخاصّ وهو الذي جعل المسبّب قابلاً لذلك الأثر، والتأثير والتأثّر(1)كلاهما مجعولان من اللّه تبارك وتعالى بالجعل التكوينيّ آناً فآناً ولحظةً بلحظة، ولا يخرجان عن تحت سلطانه تبارك وتعالى ولا يستغنيان عن جعله تعالى في آنٍ ولحظة، وكلّما أراد سلب الأثر أو التأثّر من المؤثّر والمتؤثّر يسلبه لأنّ ذلك التأثير والتأثّر ليسا من ذاتيّات الأشياء حتّى يمتنع سلبهما عن السبب والمسبّب، وقد فعل ذلك أحياناً كسلبه الحرارة من النار عندما اُلقي فيها خليله إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام، ومنع تأثيرها على الجسم القابل للاحتراق عندما ألقت أمّ موسى(علیهما السلام) ولدها في التنّور خوفاً من عمّال فرعون؛ فالأسباب إنّما صارت أسباباً باللّه تبارك وتعالى فإنّه سبحانه شاء ذلك بلطفه وحكمته، فهي بمشيّته دون قوله مؤتمرة وبإرادته دون نهيه منزجرة.
قال العلّامة المجلسيّ(قدس سره):
اعلم أنّ الذي يستفاد من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة هو أنّ تأثيره سبحانه في الممكنات لا يتوقّف على الموادّ والإستعدادات، وإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يقُولَ لَهُ كُنْ فَيكُونُ.(2)وهو سبحانه جعل للأشياء منافع وتأثيرات وخواصّ أودعها فيها، وتأثيراتها مشروطة بإذن اللّه تعالى وعدم تعلّق إرادته القاهرة بخلافها، كما أنّه أجرى عادته بخلق الإنسان من اجتماع الذكر والأنثى وتولّد النطفة منهما وقرارها في رحم الأنثى وتدرّجها علقة ومضغة وهكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى، ومن غير أمّ أيضاً كآدم وحوّاء، وكخفّاش عيسى وطير إبراهيم وغير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى. وجعل الإحراق في النار، فلمّا أراد غير ذلك قال للنار:
كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.(1)وجعل الثقيل يرسب في الماء وينحدر من الهواء، فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء ورفعهم إلى السماء وجعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتّى تعبر بنو إسرائيل من البحر. ومع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شيء من المعجزات اليقينيّة المتواترة عن الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام)؛ وكذا جرى عادته على انعقاد الجواهر في المعادن بأسباب من المؤثّرات الأرضيّة والسماويّة لبعض المصالح، فإذا أراد إظهار كمال قدرته ورفع شأن وليّه يجعل الحصا في كفّه دفعة جوهراً ثميناً، والحديد في يد نبيّه عجيناً، ويخرج الأجساد البالية دفعة من التراب في يوم الحساب؛ فهذه كلّها وأمثالها لا تستقيم مع الإذعان بقواعدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة.(2) وغير خفيّ أنّ مراده(قدس سره) من جريان العادة يباين ما تبنّته المدرسة الأشعريّة من إنكار التأثيرات والتأثّرات ذلك أنّه(قدس سره) صرّح بأنّ اللّه تعالى قد أودع في الأشياء منافع وجعل لها تأثيرات مشروطة بإذنه تعالى وهذا ممّا ينكره الأشعريّ، إنّما غرضه(قدس سره) إبطال نظريّة الفلاسفة القائلين بالاستعدادات الذاتيّة في الأشياء ونظام العلّية القهريّة التي يستحيل -- بناءاً عليها -- انفكاك الأثر عن المؤثّر، وهذا القول هو الذييستلزم منه تكذيب جميع المعجزات اليقينيّة المتواترة عن الأنبياء وأوصيائهم(علیهم السلام).
ويشهد على ما ذكرنا: ما ورد عن الأئمّة المعصومين(علیهم السلام) من أنّ مادّة خلقة جميع الأشياء جوهر واحد يسمّى بالماء وله أعراض وحدود مختلفة بإذن اللّه تعالى.
قال الرضا(علیه السلام) -- في مناظرته مع رؤساء الأديان -- لعمران الصابئ حينما سأله: أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق؟ قال:
سألت فافهم، أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض،
ولا يزال كذلك، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة.(1)
فالنار والماء كلاهما من ذلك الجوهر والتغاير بينهما إنّما هو بالأعراض المجعولة من اللّه تبارك وتعالى بالجعل التكوينيّ، فليست الحرارة ذاتيّة للنار وكما أنّ البرودة ليست ذاتيّة للماء بل تكون جعليّة من اللّه تعالى بالجعل التكوينيّ، وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه.
و بهذا البيان تنقلع مادّة الشبهة؛ فإنّ تحقّق المسبّب بواسطة السبب ليس خارجاً عن إرادته تعالى ولا عن حدود خلقته، لأنّه تعالى هو الذي جعل الأثر للمؤثّر، وهي بمشيّته وإرادته دون قوله ونهيه مؤتمرة، فوجود العلل والمعاليل لا يحدّد قدرة الباري تعالى لأنّه تعالى هو جاعلها ومدبّرها وهو الذي قدّر كلّ شيء بمقدار فكلّ سبب يؤثّر بقدر ما قدّر اللّه تعالى له ولا يخرج عن سلطان اللّه تعالى في وجه من الوجوه، بل ثبوتها دليل على تقدير مقدّرها وربوبيّة الربّ لها.
هذا في الفواعل الطبيعيّة والأسباب والمسبّبات التكوينيّة، وأمّا في أفعال العباد الصادرة عن إرادتهم فكذلك لأنّ إسنادها إليهم لا يوجب خروجها عن سلطانه تعالى، لأنّ اللّه تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان، وجعله عالماً قادراً مسلّطاً على الفعل والترك، وأعطاه القدرة والسلطنة والإرادة على الفعلوالترك، ومنحه الأعضاء والجوارح التي بها يستطيع على أفعاله، ثمّ جعل أمر اختيار الفعل والترك وإعمال القدرة بيده كي يختار ما يريد بالقدرة والعلم الذى أعطاه تبارك وتعالى، فإنّه لو لا ذلك لم يكن قادراً على اختيار الفعل أو الترك وإعمال القدرة، وقد ورد في الحديث القدسيّ عن اللّه تبارك وتعالى:
يابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي.(2)
وإنّما جعله مختاراً قادراً كي يصحّ التكليف والثواب والعقاب، والوعد والوعيد،
والحساب، والجنّة والنار، ورقيّ الإنسان إلى أعلى درجات الكمال، «بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد».
فعلى ما ذكرنا لا يرد الإشكال بأنّه يلزم من ذلك الالتزام بوجود علل مؤثّرة في المعاليل وثبوت قدرة للعباد تستند إليها الأفعال استقلالاً في قبال فاعليّته تعالى وإرادته وسلطنته؛ لأنّ تأثير كلّ شيء وكذا تأثّره وفعل كلّ فاعل وإرادته يتوقّف على إرادة اللّه وإذنه تعالى في نواحي عديدة حدوثاً وبقاءً:
منها: أن يخلق المؤثّر والعلّة، والفاعل والمريد ويديم خلقهما.
ومنها: أن يجعل في المؤثّر قابليّات التأثير، وفي الفاعل آليّات الفعل كالأعضاء والجوارح.
ومنها: أن يجعل ذلك الأثر الخاصّ في السبب.
ومنها: أن يقدّر تأثيره بمقادير وحدود مختلفة وفقاً لحكمته، فإنّ كلّ مؤثّر لا يكون له التأثير المطلق في جميع الأزمنة والأمكنة، بل هو الذي خلق كلّ شيء بمقدار.
ومنها: أن يجعل في المسبّب قابليّة قبول ذلك الأثر بمقدار معيّن، فليس كلّ مؤثّر بحيث يؤثّر في كلّ شيء، كما أنّ أثر الاحراق للنار لا يؤثّر في الماء ولا في الحديد لأنّ اللّه لم يجعل قابليّة الاحتراق فيهما.
ومنها: أن يهب للفاعل الإراديّ العلم والقدرة ويقدّرهما له فمن دونهما لا يقدر الإنسان على شيء.
ومنها: التوفيقات والخذلانات وسيأتي الكلام فيهما.
وأنت خبير بأنّ كلّ واحد من هذه الأمور وغيرها ممّا لم نذكره -- ولعلّه الأكثر -- يحتاج إلى وسائط وأشياء وقابليّات وآليّات التي قد تبلغ الآلاف فبقاء عضو واحد من بدن الإنسان وبقاء فاعليّته يحتاج إلى أشياء عديدة: كالحياة وجريان الدم وعدم الشلل واستحكام
المفصل وصحّة القوى العصبيّة والدماغ والمخّ والعروق وأشياء كثيرة لا تبلغه أفهام البشر، وكلّ واحد منها بدوره يحتاج إلى أشياء أخرى، ولو فُقد واحد منها في آنٍ من الآنات لا يؤثّر المؤثّر أثره، ولا يقدر الفاعل على إيجاد الفعل. ووجود جميعها ودوامه إنّما هو بإرادة اللّه تعالى ومشيّته وتقديره وتدبيره، فلا يخرج عن سلطانه تعالى، ولا ينافي ذلك التوحيد لأنّ كلّ فاعل من الفواعل الإراديّة إنّما صار فاعلاً بجعله تعالى وإذنه التكوينيّ ومشيّته، كما أنّ جميع الأسباب والعلل إنّما صارت أسباباً وعللاً بجعله وإرادته ومشيّته تعالى.
وملخّص الكلام: أنّ الجعل والإيجاد الذي لا يصلح لغير الباري تعالى والذي يوجب -- نسبته إلى غيره تعالى -- الشرك وقام البرهان على امتناعه، هو الجعل بالاستقلال، بحيث تكون فاعليّة الفاعل بالذات في عرض فاعليّته تعالى، ولكنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان ليست بالقدرة الذاتيّة بل بالقدرة التي أعطاها اللّه إيّاه وبتمليكه ما هو أملك به منه.
فإنّ القدرة ليست حيث ذواتنا بدليل الوجدان بعد الفقدان والفقدان بعد الوجدان، وبدليل كون قدرتنا مقدّرة ومحدودة، فانفكاك القدرة والسلطنة على الفعل والترك وكذا المشيّة والعلم والعقل والحياة في بعض الأحيان عنّا خير شاهدٍ على تغاير ذواتنا مع هذه الأنوار، وأنّ وجداننا لها إنّما يكون بتمليك مالكها ومشيّة خالقها وجعل جاعلها، بخلافه تعالى فإنّه قادر بالذات وعالم بالذات وحيّ بالذات، فحيث إنّ الإنسان كسائر الكائنات مجعول ومخلوق له تعالى، وجميع كمالاته من العلم والقدرة وغيرهما عطاء منه عزّوجلّ، وكان لكلّ فعل من أفعاله مقدّمات كثيرة خارجة عن قدرته وجميعها متحقّقة بمشيّة اللّه تعالى، فيصحّ أن يقال: إنّه تعالى قد هيّأ للإنسان أسباب عمل الخير والشرّ، فبإقداره تعالى نكون قادرين على إرادة العملالصالح أو الطالح ومتى أراد سلب هذه القدرة منّا يسلبه فلا نقدر على شيء «بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد.»
فالتوحيد الأفعاليّ إن كان بمعنى إنكار نظام الأسباب والمسبّبات والقول بأنّ اللّه لا يَقدر
على أن يُقدِر أحداً على إيجاد فعل واختيار أمر، وإسناد جميع الحوادث والأمور إليه تعالى مباشرة، فهذه مقالة الأشعريّ المنافية لضرورة العقول حيث إنّنا نجد اختيارنا وقدرتنا على الفعل والترك، ونجد سببيّة بعض الأشياء لبعض آخر، مع أنّه لم يُقِم الأشعريّ دليلاً يدلّ على هذا النحو من التوحيد، بل الدليل قائم على خلافه حيث إنّه تحديد لقدرته تعالى.
وإن كان بمعنى عدم استقلال لشيء في التأثير سوى الباري تعالى وأنّ كلّ مؤثّر وفاعل سواه إنّما صار مؤثّراً وفاعلاً قادراً بإذنه ومشيّته تعالى، فهذا صحيح لا غبار عليه وتدلّ عليه الآيات والروايات الكثيرة مضافاً إلى ما نجده بعقولنا، ولكنّه لا يكون دليلاً على الجبر، إنّما يكون مبطلاً للجبر والتفويض ودالّاً على الاختيار الذي هو الأمر بين الأمرين.
قال بعض الأعاظم في ردّ هذه الشبهة: إنّ جميع العلل والأسباب بمنزلة المعدّات وتكون هي العلّة المادّيّة والصوريّة ويعبّر عنها بفاعل ما به الوجود، كما أنّ المفتاح بالنسبة إلى فتح الباب يكون ما به الوجود، وأمّا فاعل ما منه الوجود فهو الحقّ تعالى وهو العلّة الفاعليّة.
ولكنّا نقول: إنّ هذا الكلام على تقدير صحّته إنّما يجرى في الفواعل الطبيعيّة كالنار بالنسبة إلى الإحراق والماء بالنسبة إلى البرودة ونظائرها، فيقال مثلاً إنّ الإحراق صادر عن اللّه تعالى والنار معدّة له، وأمّا بالنسبة إلى الفاعل بالإرادة فلا تجري هذه القاعدة لأنّ الإنسان لو صار بمنزلة الآلة ومابه الوجود دون ما منه الوجود، بحيث إذا صار قابلاً لظهور الفعل الكذائيّ أظهر اللّه فيه ذلك الفعل، يكون ذلك عين الجبر وهو القول بأنّ الإنسان كالمنشار في يد النجّار، لا قدرة ولا سلطنة له على اختيار الفعل أو الترك.
والحقّ ما بينّاه من أنّه لا دليل على انحصار التأثيرات والأعمال في اللّه تعالى مباشرة، بل البرهانوالقرآن والسنّة يشهدون على خلافه، حيث نجد وجود الفواعل الإراديّة
وغيرها. والالتزام بهذا لا ينافي التوحيد ما دام أنّ جميعها لا يستقلّ في التأثير والفعل، ففي الأسباب نقول كما قال اللّه في الحديث القدسيّ:
سبّبت بمشيّ--تي الأسباب.(1)
وفي الفاعل المختار نقول كما قال عزّ من قائل:
بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء.(2)
وسيأتي إن شاء اللّه في مبحث الأمر بين الأمرين -- عند التعرّض لتوضيح قوله تعالى:
يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي.(3)
ما ينفعك في هذا المقام.
إنّ الأفعال الصادرة عن الإنسان على قسمين: اختياريّ وغير اختياريّ، فالأوّل كتحريك اليد عن اختيار، والثاني كحركة يد المرتعش. والجبر في النوع الثاني واضح. أمّا النوع الأوّل من الأفعال فبما أنّه ينتهي إلى علّته التامّة وهي الإرادة، وهذه العلّة لو كانت مستندة إلى علّة وإرادة أخرى، والإرادة الثانية بدورها إلى ثالث وهكذا، فيتسلسل إلى ما لا نهاية له. وإن لم تكن مستندة إلى إرادة أخرى يلزم الجبر لعدم انتهائها إلى الإرادة. وإذا كانت علّة وقوع الفعل خارجة عن الاختيار يكون صدور المعلول أيضاً خارجاً عن الاختيار، لاستحالة انفكاك المعلول عن العلّة. فأفعالنا معاليل لإرادتنا والإرادة غير اختياريّة ولا يجوز العقاب على أمر غير اختياريّ.
هذا الدليل من أقوى أدلّة القائلين بالجبر، وقد مرّ منّا الجواب عنه بالمناسبة في غضون كلامنا.
عند تحرير محلّ النزاع حيث أثبتنا أنّه ليس ملاك اختياريّة الأفعال انتهائها إلى الإرادة، إنّما يكونباستنادها إلى العلم والقدرة، وأنّ الإرادة الخالية عنهما لا تكون إرادة حقيقة.
في ذيل الجواب عن قاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد، حيث قال بعض:
لا منافاة بين هذه القاعدة واختياريّة الأفعال حيث إنّ الأفعال منتهية إلى الإرادة وهي علّة موجبة لها.
فقلنا: إنّ الإرادة بمعنى العلم أو الشوق الأكيد والإرادة بمعنى الذكر الثاني بعد المشيّة -- مع أنّها لا تصلح لأن تكون ملاكاً للختياريّة الأفعال -- ليست علّة تامّة لصدور الفعل بحيث يستحيل التخلّف عنها، بل العبد يكون قادراً على الفعل والترك حتّى بعد إرادة الفعل والعزم القويّ عليه مادام لم يتحقّق في الخارج بإعمال الرأي والقدرة فيه، وقلنا إنّ هذا
القول جبر باسم الاختيار، وحقيقة الاختيار لا يتمّ إلّا باستناد الفعل إلى العلم والقدرة.
نعم الإرادة بمعنى الرأي وإعمال القدرة تكون علّة تامّة لصدور الفعل ولكن أمرها بيد الفاعل القادر المختار، إن شاء فعل وإن شاء ترك ولا جبر في إعماله الرأي بأحد الطرفين بل له الحرّيّة التامّة في أن يشاء طرف الفعل أو طرف الترك كما مرّ توضيحه.
أنّه قد سبق منّا بيان مفاسد الالتزام بقانون العلّيّة في جميع الأشياء، وأنّه مناف للاختيار والقدرة والسلطنة التامّة في اللّه تعالى وفي خلقه. وأوضحنا أنّ المرجّح لوجود الفعل تارة يكون وجود السبب الذي سبّبه اللّه تعالى، وأخرى اختيار المختار ومشيّته المستندة إلى القدرة التي منحها اللّه تعالى إيّاه، وكلاهما لا يخرجان عن سلطان اللّه تعالى؛ فقال الإمام(علیه السلام):
تسبّبت بلطفك الأسباب.(1)
وقال اللّه تعالى:
يابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوّتي أدّيت اليَّ فرائضي.(2)
وسيأتي بيانه مفصّلاً إن شاء اللّه تعالى.ونقول أيضاً:
إنّ هذا الإشكال إنّما يتمّ لو كانت الإرادة بمعنى الشوق الأكيد التي هي صفة وحالة من حالات النفس ولا يتمّ لو كانت بمعنى العزم وإعمال القدرة وحملة النفس التي هي من أفعال النفس، لأنّ الذي يمكن الالتزام بكونه غير اختياريّ -- ويحصل للإنسان من دون قدرته، واستناده إلى غيره يستلزم التسلسل -- إنّما هي حالة النفس وصفته وكيفيّته، لا فعل
النفس وحملته فإنّ الفعل لابدّ وأن ينتهي إلى القدرة كما هو واضح بالوجدان. وقد مرّ إبطال كون الإرادة بمعنى الشوق الأكيد، فالإشكال إنّما يمكن أن يرد على مبنى غيرنا.
لا يجب أن تنتهي الإرادة إلى إرادة مثلها كي تصير اختياريّة، بل هي إنّما تنتهي إلى العلم والقدرة وهما ممّا منحهما اللّه تبارك وتعالى إيّانا، وملاك اختياريّة الفعل هو إستناده إلى العلم والقدرة، فتكون الإرادة الصادرة عنهما مقتضية لحركة النفس والعزم على الفعل فيتحرّك العبد نحو تحقّقه، وذلك مع التحفّظ على أنّ العبد قادر ومسلّط على ترك ما أراد إيقاعه ما لم يقع في الخارج، وهذا ممّا نشاهده بالوجدان.
وبعد هذا البيان تعرف أنّه لا يتوجّه علينا الإشكال: بأنّه لو استحال أن تكون الإرادة مستندة إلى إرادة أخرى للزوم التسلسل، فيجب أن تكون غير اختياريّة؛ لأنّا قلنا إنّ جوهر الاختيار ومناطه والملاك فيه هو صدور الفعل عن العلم والقدرة، والإرادة إنّما تكون منبعثة عنهما فتكون في دائرة قدرتنا وسلطاننا.
بعبارة أخرى: إنّ الإرادة من الأفعال أو الكيفيّات النفسانيّة المقدورة للإنسان غاية الأمر أنّها عمل جوانحيّ، ونفس القدرة عليها تكفي لتحقّقها ولا تحتاج إلى إرادة أخرى.
فإنّ الإرادة إمّا أن تكون بمعنى العزم وإعمال القدرة وحملة النفس، وبناءاً على ذلك تكون الإرادة فعلاً من أفعال النفس، وإمّا أن تكون بمعنى الشوق الأكيد الذي هو صفة النفس. وكيفما كان إنّ اللّه تبارك وتعالى كما أعطى الإنسان القدرة والسلطنة علىالأعضاء والجوارح يقلّبها كيف يشاء، كذلك أعطاه القدرة والسلطنة على جوانحه أيضاً، فهو قادر ومسلّط على إيجاد الفعل النفسانيّ وعدم إيجاده، أو الصفة النفسانيّة وعدم إيجادها.
ومن أوضح الأدلّة على ذلك هو المدح والذمّ وتعلّق الأمر والنهي بالأفعال والصفات النفسانيّة من الحبّ والبغض والحلم والغضب والصبر والرضا والبخل والسخاء والكرم، وإرادة الطاعة وإرادة المعصية كما سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.
وإن أبيت إلّا عن عدم استناد الإرادة إلى القدرة، فإنّ ذلك يأتي فيما إذا كانت الإرادة
بمعنى الشوق الأكيد الذي هو صفة من صفات النفس. ولا يمكن المصير إليه إذا كانت بمعنى حملة النفس والعزم وإعمال القدرة، لأنّها من أفعال النفس ولا يعقل تحقّق الفعل إلّا بالعلم والقدرة كما هو مشاهد بالوجدان. وقد مرّ الدليل على بطلان كون الإرادة هو الشوق الأكيد وقلنا إنّ الشوق حتّى الأكيد منه إنّما يصير داعياً للمختار فحسب، وهذا معنى قولنا إنّ الإشكال إنّما يرد على مبنى غيرنا، وأمّا على المبنى المختار فالإرادة مستندة إلى القدرة، والسلطنة ثابتة للإنسان بالنسبة إلى الأفعال النفسانيّة كما أنّها ثابتة بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة بنحو سواء.
ولا يرد علينا إشكال استغناء الممكن عن الباري تعالى، لأنّ الإرادة كما بيّنا منتهية إلى العلم والقدرة، وهما ممّا أفاضه اللّه تبارك وتعالى علينا من دون مشيّتنا رحمة منه علينا، وبإفاضته نور العلم والقدرة وغيرهما جعلنا بالجعل التكوينيّ مختارين نختار ما نشاء فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.(1)
والشاهد على ذلك هو الوجدان أيضاً، فإنّا نجد القدرة والسلطنة والعلم والفهم لأنفسنا في حال اليقظة دون النوم، وفي زمن الشباب لا حال الصغر ولا حال الهرم، وفي حال السلامة لا حال المرض، وليست هذه القدرة والعلم ثابتة لنا بالنسبة إلى جميع الأفعال والأشياء، فكم من عمل لا نقدر عليه وكم من شيء لا نعرفه، بل ما لا نقدر عليه ولا نعلمه أكثر مما نقدر ونعلم بما لا يحصى، فكلّ هذه آيٌ وبراهين على أنّ القدرة والعلم ليسا حيث ذواتنا فقد نجدهما وقدنفقدهما، فيظهر بنور العقل أنّ حيث ذواتنا العجز والجهل، لأنّه لو كنّا قادرين وعالمين ذاتا لما جاز انفكاك القدرة والعلم عنّا أبداً، فإنّه من المستحيل انفكاك الذاتيّات عن الذات.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الذي يعطي العلم والقدرة كسائر النعم ويمنع ويقبض ويبسط، قال اللّه تعالى:
1) 275.. الکهف18.، الآیة 29.
وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ؛(1) واللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفا وَشَيْبَةً يَ-خْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.(2)
وبعد ما ظهر ثبوت السلطنة والاختيار للإنسان، وبعد ما تبيّن أن ملاك اختياريّة الأفعال إنّما يكون بانتهائها إلى العلم والقدرة، وبعد ما اتّضح أنّ العلم والقدرة وكذلك سائر الكمالات إنّما تكون بإعطاء اللّه تبارك وتعالى، تنحسم مادّة الشبهة، فإنّه لا يصحّ أن يقال: ما هي العلّة لإعمال السلطنة والقدرة؟ فإنّه لو كان إعمال السلطنة متوقّفاً على علّة توجب الفعل أو الترك بحيث لا يمكن إعمال القدرة من دون تلك العلّة، لمّا كانت السلطنة سلطنةً وتخرج القدرة والسلطنة عن حيثيّة كونها سلطنة تامّة، فإنّ حيثيّة الاختيار وحقيقة القدرة والحرّيّة لا تجتمع مع التوقّف على وجود العلّة، لأنّ حقيقة السلطنة وحيث ذاتها هو التمكّن من إعمالها في الفعل والترك، فلو توقّفت على علّة توجبها بحيث لا يتمكّن من إعمال القدرة إلّا بعد حصول تلك العلّة لكان ذلك منافياً لحقيقة ذاتها التي هي السلطنة التامّة والاستيلاء التامّ على الفعل والترك.
فالقدرة لا تتوقّف على قدرة أخرى لكي تكون قدرة وإلّا يلزم الخلف. نعم يحتاج الإنسان إلى أن يفيض اللّه تعالى عليه نور القدرة والعلم كي يصبح قادرا.
وأمّا توقّف ترجيح أحد الجانبين على وجود المرجّح والداعي فإنّما هو لخروجه عن اللغوية، وهو غير مؤثّر في القدرة وخارج عن محلّ النزاع البتّة.
وقد حاول بعض الجواب عن هذه الشبهة بوجوه لا تخلو عن المناقشة، ولا بأس بذكرها:
إنّ إراديّة الفعل الإراديّ بالإرادة وأمّا إراديّة الإرادة فبنفسها، كما أنّ ملوحة كلّ شيء بالملح وملوحة الملح بذاته، ودسومة كلّ شيء بالدهن ودسومة الدهن بذاته، وهذا ما لا يمكن المساعدة عليه.
ولتبيين المرام لابدّ من ذكر مقدّمة فنقول: إنّ الحيثيّات تنقسم إلى قسمين تعليليّة وتقييديّة، فالحيثيّة التعليليّة هي علّة اتّصاف الممكن بالوجود، فإنّ اتّصاف كلّ ممكن بالوجود يحتاج إلى علّة، مثلاً إذا قيل: أكرمت زيداً لعلمه، يكون العلم علّة لتحقّق الإكرام ووجوده بالنسبة إلى زيد. وأمّا الحيثيّة التقييديّة فهي انضمام شيء إلى آخر كي يصحّ اتّصافه بصفة، فإنّ اتّصاف كلّ ممكن بصفة يحتاج إلى ضمّ مبدأ الوصف إليه، مثلاً إنّ اتّصاف الطعام بالملوحة أو الدسومة يحتاج إلى انضمام الملح أو الدهن إليه.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ هذا الجواب إنّما يتمّ في الحيثيّات التقييديّة لا التعليليّة، فمثلاً إذا سئل عن علّة ملوحة الطعام، يجاب بأنّه قد انضمّ إليه شيء من الملح، وإذا سئل عن علّة ملوحة الملح، فيجاب بأنّ ملوحته بنفسه لأنّها ذاتيّة له. أمّا في الحيثيّات التعليليّة فلا يصحّ هذا الجواب، حيث انّه إذا سئل عن علّة إكرام زيد، يجاب لأنّه عالم، وإذا سئل عن علّة وجود العلم لا يمكننا أن نقول لأنّ العلم ذاتيّ له.
وفي ما نحن فيه تكون الحيثيّة تعليليّة لا تقييديّة، فليس انضمام الإرادة إلى الأفعال سبباً لإراديّته (كما في انضمام الملح إلى الطعام) كي يقال: إنّ إراديّة الإرادة بنفسها، بل إنّ الإرادة علّة لأن يكون الفعل إراديّاً -- على المفروض في الدليل -- (كما أن العلم علّة لإكرام زيد) فإذا سئل عن علّة إراديّة الإرادة لا يمكن أن يجاب بأنّها ذاتيّة لها، كما أنّه إذا سئل عن علّة وجود العلم لزيد أو عن علّة وجود الملح في الطعام لا يجاب بأنّه ذاتيّ له.
بعبارة أخرى: أنّه إذا كان السؤال عن علّة اتّصاف شيء بصفة يمكن أن يجاب بأنّها ذاتيّة له، وأمّا إذا سئل عن علّة الوجود فلا يصحّ ذلك الجواب، والمستشكل هنا
يسئل عن علّة وجود الإرادة فإن كانت علّة وجودها إرادة اللّه يلزم الجبر وإن كانت إرادة أخرى يتسلسل.
بعبارة ثالثة: معلوم أنّ دسومة كلّ شيء بالدهن ودسومة الدهن ذاتيّة، وملوحة كلّ شيء بالملح وملوحة الملح ذاتيّة، إلّا أنّ السؤال عن علّة وجود الدهن والملح، لا عن علّة اتصافه بالملاحة والدسومة.(1)
إنّ صدق القضيّة الشرطيّة ليس متوقّفاً على صدق المتلازمين بل متوقّف على صدق الملازمة فقط، مثلاً قضيّة: «إن كان النهار موجوداً فالشمس طالعة» صادقة وصدقها يتوقّف على ثبوت هذه الملازمة فقط، ولا يتوقّف على وجود النهار ولا على طلوع الشمس بالفعل، فلذا تصدق هذه القضيّة ولو في الليل.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الاختيار عبارة عن كون المكلّف بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، فمهما صدقت هذه الشرطيّة والتلازم صدق الاختيار في الإنسان، وصدق هذه القضيّة لا تتوقّف على صدق طرفيها، بمعنى أنّها تكون صادقة ولو كان طرفاها مستحيلين، لأنّ مفاد هذه القضيّة أنّه لو تحقّقت الإرادة لتحقّق الفعل أو الترك، سواء كانت الإرادة ضروريّة أو ممكنة أو مستحيلة، فإنّ القضيّة الشرطيّة أحياناً تصدق مع كون المقدّم والتالي ضروريّين، كما في قولنا: إن كانت الأربعة زوجاً فالخمسة ليست بزوج، وكذا يمكن صدق القضيّة الشرطيّة مع استحالة طرفيها، كما في قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلنا اللهُ لَفَسَدَتَا،(2)فهذه القضيّة صادقة وإن كان طرفاها مستحيلين، فكذا نقول إنّ قضيّة إن شاء فعل وإن شاء ترك صادقة وإن كانت المشيّة ضروريّة.
أقول: بطلان هذا الجواب واضح بعد ما ذكرنا من أنّ الاختيار لا يكون اختياراً إلّا إذا كان العبد قادراً ومسلّطاً على الفعل والترك، وعلى ما فرض في هذا الكلام لا يكون للعبد قدرة وسلطنة على الفعل والترك، وفيالحقيقة ليس له على هذا الفرض مشيّة وإرادة كي یکون الحصول ضروريّاً، لأنّ الإرادة والضرورة مفهومان متناقضان لا يمكن أن يعرض أحدهما على الآخر. ولقد بيّنا أنّه لا يمكن أن تخلو الإرادة والمشيّة عن القدرة والسلطنة، والإرادة الخالية عنها ليست بإرادة حقيقة. ومهما عرضت الضرورة على أحد طرفي الفعل والترك يكون ذلك جبراً وخارجاً عن الإرادة و المشيّة، فعلى هذا لا يمكن أن يفرض كون المقدّم في قضيّة «إن شاء فعل وإن شاء ترك» ضروريّاً، لأنّ ذلك ينافي حيث ذاتها فيكون هذا الفرض في نفسه تناقضاً بيّناً، لأنّ المقدّم في تلك القضيّة أي قوله «إن شاء» يدلّ على وجود القدرة والمشيّة في العبد، ففرض المقدّم ضروريّاً يدلّ على عدم وجود القدرة والمشيّة وهذا تناقض صريح، ففرض عروض الضرورة على المقدّم يستتبع إنعدام المقدّم برأسه فلا تصدق الملازمة بعد انعدام اللازم.
وملخّص الكلام: أنّه وإن كان صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق طرفيها إلّا أنّ تلك الكبرى غير منطبقة على ما نحن فيه، فكما أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ صدق قضيّة إن كانت الأربعة زوجاً فالخمسة ليست بزوج لا تتوقّف على فرض الزوجيّة للأربعة ويمكن صدقها حتّى مع فرض عدم الزوجيّة لها، فكذلك لا يمكن أن يقال: إن قضيّة إن شاء فعل وإن شاء ترك صادقة حتّى مع فرض عدم وجود القدرة في فرض وجود المشيّة. نعم يصحّ أن يقال: إنّ هذه القضيّة تصدق حتّى إذا لم يشأ العبد شيئاً بالفعل، بعد كونه قادراً على المشيّة مهما أراد.
ما ذكره صاحب الكفاية في مبحث التجرّي وهو أنّ الإرادة علّة تامّة للفعل، لكنّها اختياريّة لأنّ لها مقدّمات جلّها أو كلّها اختياريّة، فمن تلك مقدّمات تصوّر الفعل والتصديق بفائدته
ومن الواضح أنّ التصوّر والتصديق فعلان اختياريّان.
وإليك نصّ كلامه في الجواب عن هذا الإشكال:
أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار، إلّا أنّ بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار، للتمكن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذمّة.(1)
فإنّا نسلّم أنّ بعض مقدّمات الإرادة اختياريّة إلّا أنّ الكلام يقع في إرادة تلك المقدّمات، فهل تكون إرادتها اختياريّة أو غير اختياريّة، فإن كان مستنداً إلى إرادة أخرى وهكذا فيتسلسل، وإلّا يلزم الجبر لأنّ إرادة تلك المقدّمات غير إراديّة لعدم انتهائها إلى إرادة أخرى، فيعود الإشكال.
ويرد عليه أيضاً أنّه بعد التأمّل فيما يترتّب على الفعل من تبعة العقوبة والمذمّة يحصل له التصديق بتلك التبعة وبعد ذلك يحصل له العزم على ترك الفعل فالتأمّل في أثر الفعل وإن كان اختياريّاً إلّا أنّه يكون مضطرّاً إلى تركه.
وبعبارة اُخرى أنّه قبل التأمّل كان مجبوراً على الفعل وبعده على الترك وإن فرض أنّه كان في نفس التأمّل -- أي تصوّر ما يترتّب على فعله من العقوبة والمذمّة -- مختارا.
ما يظهر من عبارة صاحب الكفاية في مبحث الطلب والإرادة والتجرّي، ولابدّ من التعرّض لها ثمّ نوضّحها: يقول في مبحث الطلب والإرادة:
العقاب إنّما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته، الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ «السعيد سعيد في بطن أمّه، والشقيّ شقيّ في بطن أمّه» و«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، كما في
1) 280.. كفاية الأصول، ص260.
الخبر، والذاتيّ لا يعلّل، فانقطع سؤال: إنّه لم جعل السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً؟ فإنّ السعيد سعيد بنفسه والشقيّ شقيّ كذلك، وإنّما أوجدهما اللّه تعالى (قلم اينجا رسيد سر بشكست)، قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربّما لا يسعه كثير من الأفهام، ومن اللّه الرشد والهداية وبه الاعتصام.(1)
وقال في مبحث التجرّي في جوابه الثاني عن تلك الشبهة:
يمكن أن يقال: إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بُعده عن سيّده بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكماأنّه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، وإن لم يكن باختياره إلّا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتاً وإمكانه، وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الاشكال وينقطع السؤال بلم، فإنّ الذاتيّات ضروريّ الثبوت للذات. وبذلك أيضاً ينقطع السؤال عن أنّه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان؟ والمطيع والمؤمن الإطاعة والإيمان؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لِمَ يكون ناهقاً؟ والإنسان لِمَ يكون ناطقاً؟ وبالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى والبعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة ودرجاتها، والنار ودركاتها، وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدم نيلها وتفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتيّاً، والذاتيّ لا يعلّل. إن قلت: على هذا، فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار. قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع ربّه أُنسه، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ،(2)قال اللّه تبارك وتعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ،(3)وليكون حجّة على من سائت سريرته وخبثت طينته، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَ-حْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ،(4)كيلا يكون للناس على اللّه حجّة، بل كان له حجّة بالغة. ولا يخفى أنّ في الآيات والروايات، شهادة على صحّة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق
للعقوبة والمثوبة.(1)
توضيحه: أنّ الإرادة كالعلم والحبّ من الصفات التي تحتاج إلى المتعلّق، ومتعلّقها هي الأفعال. مثلاً يقال: إنّ زيداً أراد الأكل أو الشرب كما يقال: إنّ زيداً أحبّ الأكل والشرب أو علمهما. وبعد تعلّق الإرادة بفعل يصحّ أن يقال: إنّ هذا الفعل إراديّ، ويكفي في اتّصاف الفعل بكونه إراديّاً تعلّق الإرادة به ولا يتوقّف على تعلّق إرادة أخرى بتلك الإرادة المتعلّقة بالفعل، كما هو كذلك في سائر الصفات ذات الإضافة. مثلاً يتعلّق العلم بقيام زيد، ونفس تعلّق العلم بالقيام يكفي في اتّصافالقيام بكونه معلوماً ولا يتوقّف على تعلّق العلم بالعلم بقيام زيد كي يكون قيامه معلوماً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الحبّ فيكفي في صيرورة شيء محبوباً تعلّق الحبّ به ولا يتوقّف على تعلّق الحبّ بالحبّ بالمحبوب.
وفي ما نحن فيه نقول: إنّ إرادية الأفعال إنّما هي بانتهائها إلى الإرادة، وصيرورة الفعل إراديّاً لا يتوقّف على انتهاء الإرادة نفسها إلى إرادة أخرى، بل إنّها ناشئة عن مقدّماتها وتلك المقدّمات تكون من لوازم ذات الإنسان. فكما أنّه لا يسأل لِمَ يكون الحمار حماراً كذلك لا يقال: لم اختار المطيع الطاعة والعاصي المعصية، فإنّ اختيارهما لذلك ناش عن إرادتهما والإرادة معلولة للمقدّمات الضروريّة الثبوت للذات. فذات العاصي تقتضي المعصية كما أنّ ذات المطيع تقتضي الطاعة. ولا يلزم من استناد الأفعال إلى الإرادة محذور التسلسل كما فرضه المستدلّ مع أنّ الأفعال لا تخرج عن كونها إراديّة، فإنّه لا يجب أن تتعلّق إرادة أخرى بهذه الإرادة كي تصير الأفعال إراديّة، كما في العلم والحبّ.
أقول: أنت خبير بأنّ حقيقة القدرة والاختيار هي السلطنة على الفعل والترك فكيف يمكن
1) 285.. كفاية الأصول، ص260.
جعل اسم الاختيار على الجبر بصورة الاختيار بالنسبة إلى الفعل والترك ولا يكاد يكون تحت سلطنته وقدرته؟
فإنّ مآل كلامه هو أنّه لو وجدت العلّة التامّة لتحقّق المعلول لا محالة ولا يمكن له اختيار الترك، ولو لم يوجد يمتنع، ومن الواضح أنّ الضرورة لا تجتمع مع الاختيار.
وقد صرّح في هذه العبارة بأنّ إرادة العبد إنّما تكون معلولة لمقدّماتها، والمقدّمات معلولة للشقاوة الذاتيّة اللازمة لخصوص ذات العبد، فكأنّه أراد إرجاع سلسلة العلل والمعاليل إلى الشقاوة أو السعادة الذاتيّة للعبد حتّى لا يحتاج إلى إرجاعها إلى الشقاوة والسعادة المجعولة له بمفاد كان الناقصة، بل تكون الشقاوة أو السعادة مجعولة من اللّه جلّ شأنه بالجعل البسيط ومفاد كان التامّة، لكي ينقطع السؤال بلِمَ.فلابدّ من أن نسأل المحقّق الخراسانيّ أنّه إذا أوجد اللّه تبارك وتعالى إنساناً شقيّاً بحيث تكون الشقاوة عين ذاته وغير مجعولة له بالجعل التركيبيّ، ثمّ صارت هذه الشقاوة الذاتيّة علّة لحصول مقدّمات الإرادة، وصارت هذه المقدّمات بدورها علّة لحصول الإرادة، والإرادة علّة لصدور الكفر والعصيان من العبد، فلابدّ من أن يستنتج بأنّه في جميع هذه السلسلة لا يمكن بل لا يعقل تخلّف المعلول عن العلّة، وعليه هل يمكن إسناد الكفر إلى العبد؟
وهل كان له اختيار وإرادة في ذلك؟
وهل كان هو مسلّطاً على الفعل والترك؟
أو أنّ اللّه تعالى خلق الكفر بخلق علّته التامّة وإيجادها؟
أليس من الصحيح إسناد الفعل إلى من أوجد علّة حصوله، مثلاً لو أوجد أحد مقدّمات اشتعال النار فاشتعلت وصارت علّة لاحتراق البيت، هل العقلاء يعاتبون النار على إحراق البيت أو يعاتبون من أوجد مقدّمات الاحتراق؟
وفي ما نحن فيه هل اللوم والعتاب على العبد وهل يستحقّ هو العقاب أو على من أوجد علّة صدور هذا العصيان منه بحيث لم يكن هو قادراً على الامتناع منه وذلك لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة؟
تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فإنّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه.
و أمّا ما ذكره: من إرجاع مقدّمات الإرادة إلى الشقاوة والسعادة الذاتيّتين للإنسان.
ففيه أوّلاً: كون الشقاوة والسعادة مجعولتين بمفاد كان التامّة بمعنى أنّه بمجرّد خلق العبد تكون السعادة والشقاوة مخلوقتين لأنّهما عين ذاته؛ لا يجدي في الجواب عن الشبهة، إنّما المهمّ في الالتزام بمقالة الجبر هو إرجاع سلسلة العلل إلى ما لا يكون تحت سلطان العبد وكانت مجعولة من قبل اللّه تعالى، سواء كان بالجعل البسيط أو بالجعل التركيبيّ، فإنّ بساطة الجعل -- أي: عدم عروض الشقاوة على الإنسان بمفاد كان الناقصة -- لا يخرج الفعل عن كونه ضروريّاً واجباً،مثلاً كون الإحراق مجعولاً للنار بنحو مفاد كان التامّة لا يخرجه عن كونه ضروريّ الحصول عند حصول النار.
وثانياً: لا معنى لكون السعادة والشقاوة ذاتيّتين للإنسان؛ فإنّ الذاتيّ له معنيان: أحدهما: الذاتيّ في باب الإيساغوجيّ وهو عبارة عن الجنس والفصل بالنسبة إلى النوع من الكليّات الخمسة. وثانيهما: الذاتيّ في باب البرهان، وهو ما يكون نفس تصوّر الشيء كافياً لتصوّره، كتصوّر الإمكان بمجرّد تصوّر الإنسان بلا ضمّ ضميمة من الخارج، وكتصوّر الزوجيّة عند تصوّر الأربعة.
والسعادة والشقاوة ليستا من ذاتيّات الإنسان لا بالمعنى الأوّل لأنّهما ليستا بجنس ولا فصل للإنسان، ولا بالمعنى الثاني لأنّه لا يلزم من تصوّر الإنسان تصوّر الشقاوة أو السعادة، وإذا كان الأمر كذلك فثبوتهما للإنسان يحتاج إلى العلّة شأن جميع ما يعرض على الذات ممّا يكون خارجاً عنه، فقوله «الذاتيّ لا يعلّل» باطل ومنتف في هذا المقام بانتفاء موضوعه.
وثالثاً: الالتزام بهذه المقالة يستلزم توالي فاسدة لا يمكن الالتزام بها
منها: إنكار العفو والغفران والشفاعة والتوبة، لأنّ هذه الأمور -- بناءاً على هذه النظريّة -- سبب لتغيير الذات بمعنى أنّ العفو أو التوبة أو الشفاعة بالنسبة إلى العاصي أو الكافر -- وهما بحسب الذات شقيّان -- يستلزم صيرورتهما سعيدين بحسب الذات، وهو مستحيل عند القائل بكون السعادة والشقاوة ذاتيّين وكذا إسلام الكافر لا يمكن إلّا بانقلاب شقاوته إلى السعادة وهذا مستحيل على فرض ذاتيّتهما.
ومنها: إنكار سؤال اللّه تعالى عن أفعال العباد يوم القيامة؛ فإنّ صاحب الكفاية قد صرّح في عبارته بأنّه لا يمكن السؤال بأنّه لِمَ اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان والمطيع والمؤمن الطاعة والإيمان، فإنّه يساوق السؤال عن سبب صيرورة الحمار ناهقاً والإنسان ناطقاً، فحينئذ نسأل: ما معنى قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ،(1)وقوله تعالى: لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ،(2)وقوله عزّ وجلّ: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَإِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ،(3)وساير ما ورد من النصوص القطعيّة الضروريّة الدالّة على السؤال من المجرمين والعاصين وغيرهم؟!
فالقول بالسعادة والشقاوة الذاتيّتين مستلزم لإنكار السؤال وهو من ضروريّات الدين والشريعة وممّا نطق القرآن به صريحاً في الآيات الكثيرة وممّا يجب الاعتقاد به وحكم إنكار الضروريّ مع العلم بكون ضروريّاً واضح لا يخفى على أحد.
ومنها: إنكار العذاب، فإنّه من الواضح أنّ تعذيب الكافر بسبب شقاوته الذاتيّة من أقبح وجوه الظلم وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ،(4)مثلاً لو كان اختيار الإنسان للمعاصي ذاتيّاً
له لأجل الشقاوة الذاتيّة مثل النطق بالنسبة إلى الإنسان والنهق بالنسبة إلى الحمار (على ما ذكروه)،(1)فهل يجوز عتاب الإنسان لأجل كونه ناطقاً وعقاب الحمار لأجل كونه ناهقا؟!
إذا كان الأمر كذلك فياتُرى كيف ارتضى صاحب الكفاية أن ينسب مثل هذا الظلم إلى اللّه تعالى؟
فإنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي إنّما يكون مثل كون الحمار حماراً، والقول بأنّ الكافر أو العاصي يختار الكفر أو العصيان إنّما هو مثل أن يقال أنّ الحمار قد اختار كونه حماراً والإنسان صار باختياره إنساناً ناطقاً، فعلى ماذا يعذّبه ربّه؟
وهل يعذّب الربّ المتعال العبد على فعل نفسه وجعله الشقيّ شقيّا؟
وقد قال تعالى في غير واحد من آيات الذكر الحكيم:
وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛(2) وإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛(3)
وإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.(4)
وقد ورد في الحديث عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: قال له رجل: أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ فقال:
إنّ اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها.(5)
وعن أبي جعفر وأبي عبداللّه(علیهما السلام) قالا:
إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها.(6)
1) 290.. فإنّه لو كان النطق بمعنى العقل فهو ليس ذاتيّاً للإنسان، كما حقّق في محلّه كما أنّه ليس ذاتيّاً له بسائر المعاني.
2) 291.. آل عمران3.؛ الآیة 182؛ الأنفال8.، الآیة 51؛ والحجّ22.، الآیة 10.
3) 292.. یونس10.، الآیة 44.
4) 293.. النساء4.، الآیة 40.
5) 294.. الكافي، ج1، ص159، ح11.
6) 295.. الكافي، ج1، ص159، ح9؛ بحارالأنوار، ج5، ص51، ح82.
وزبدة القول: أنّ هذا التوجيه من الآخوند في ردّ شبهة الجبريّة لا يختلف في الحقيقة عن مسلك المجبّرة ويلزم عليه من المفاسد ما يلزم عليهم، نعم يختلف ما ذكره عن مقالة الجبريّين في مدخل البحث وكيفيّة الخروج منه. وقد مرّ شطر من مفاسد القول بالجبر في بداية البحث.
وليت شعري كيف ارتضى الآخوند أن ينسب هذه النظريّة السخيفة إلى الآيات والروايات؟ أليس كلّ من يراجعها يجد بالضرورة أنّها ليست إلّا بصدد إبطال تلك النظريّة الفاسدة التي لا تليق بساحة كبرياء اللّه تعالى، فإنّها تكون في الحقيقة افتراءاً ونسبة ظلم عظيم إليه، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.(1)
وأمّا الكلام في الأحاديث التي تمسّك بها لإثبات مرامه فسنتكلّم عنها في الأدلّة النقليّة، إن شاء اللّه تعالى.
1) 296.. الإسراء17.، الآیة 43.
ذهبوا إلى أنّ الأفعال تصير واجبة من جهة الدواعي على الفعل والترك، مثلاً: إنّا نرى أنّ الذي يتربّى في الأوساط الدينيّة تكون دواعيه على الطاعة والإيمان أكثر من غيره، فكثيراً ما يؤمن وينقاد، بخلاف من كانت نشأته في الأجواء الكافرة أو في أجواء غير ملتزمة، وواضح أنّ توفّر دواعي الإيمان لأحد ودواعي الكفر لآخر يوجب صدور الإيمان عن الأوّل والكفر عن الثانيّ فالطاعة والمعصية من الإنسان ليستا اختياريّتين له، وبالتالي لا يكون الكفر والإيمان اختياريّاً له.
بعبارة أخرى: إنّ اختيار كلّ واحد من الطاعة والمعصية لابدّ وأن يكون لأجل مرجّح وإلّا لزم الترجيح من غير مرجّح، وهذا المرجّح إنّما هو الدواعي الموجودة في الإنسان، واختلاف هذه الدواعي في مختلف الناس لا يكاد يكون عن اختيارهم، فترجيح جانب الكفر للكافرإنّما هو لأجل توفّر الداعي عنده وإلّا يكون ترجيحاً من غير مرجّح، ووجود هذا الداعي وعدمه لا يكون تحت اختياره فلا يكون الكفر منه اختياريّاً. ولذا لو كانت دواعي الإيمان لديه متوفّرة كان يؤمن قطعا.
قد مرّ أنّ ما يسمّونه بقاعدة استحالة الترجيح من غير مرجّح، إنّما تصحّ إذا كان المراد منها ما يساوق امتناع الفعل من دون الفاعل والحادث من دون المحدث، وقلنا: إنّ المرجّح لجانب الوجود قد يكون توفّر العلّة التامّة (بالمعنى الذي ذكرنا) وقد يكون نفس إرادة المختار، فكما أنّه بعد حصول العلّة لحدوث شيء لا يسأل عن المرجّح لوجوده، فكذلك بعد تعلّق المشيّة والإرادة من العبد بتحقّق شيء لا يسأل عن المرجّح لذلك لأنّ هذه المشيّة والإرادة هي بمثابة المرجّح لجانب الوجود ولا يحتاج إلى مرجّح آخر، وذلك لأنّ الإرادة كما قلنا عبارة عن إعمال القدرة والعزم الوارد على جميع الأشواق، فلو احتاج اختيار أحد طرفي الفعل أو الترك إلى شيء وراء نفس القدرة والرأي والاختيار بحيث لا يتمكّن الفاعل
من اختيار الفعل إلّا إذا كان ذلك الشيء موجوداً، لا تكون القدرة قدرة ولا الاختيار اختياراً، ولا يكون الفعل منبعثاً عن القدرة والاختيار، بل يكون الفعل منبعثاً عن مرجّح تعلّق الإرادة بأحد الطرفين، لأنّه حسب الفرض لا يتمكّن الفاعل من دونه على شيء ولا يقدر على إرادة الفعل أو الترك واختياره.
ففرض لابدّيّة وجود المرجّح في اختيار الفاعل الفعل أو الترك -- سوى رأي الفاعل القادر -- مناف للاختيار ومناف للقدرة والسلطنة التامّة المفروض وجدانها بالضرورة.
بل تعلّق الاختيار والإرادة بأحد طرفي الفعل أو الترك يكون برأي القادر الملتفت، فإن احتاج القادر إلى مرجّح سوى رأيه يكون مجبوراً لا مختارا.
بعبارة أخرى: إنّ ترجيح أحد الأمرين على الآخر لا يعقل إلّا إذا كانا متساويين كي يصحّ أن يقال: إنّوجود المرجّح صار سبباً لترجيح أحدهما على الآخر، فالترجيح وارد على المساوي بما أنّه مساوٍ للآخر.
ومن الواضح أنّ القدرة عبارة عن السلطنة التامّة على الفعل والترك وتساويهما في إمكان تعلّق إرادة المكلّف ومشيّته بكلّ واحد منهما؛ فتساوي الفعل والترك إنّما هو لأجل قدرة العبد وسلطنته على كليهما بحيث يتمكّن من اختيار كلّ واحد منهما حتّى مع توفّر الدواعي في أحد الطرفين.
وأمّا لزوم وجود المرجّح فإن كان المرجّح -- غير رأي القادر الملتفت -- سبباً لوجوب أحد الطرفين فهو يرجع إلى ما سبق بيانه من أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ومرّ المناقشة فيه فراجع.
وإن لم يكن المرجّح سبباً لوجوب أحد الطرفين، بمعنى بقاء سلطنة العبد على كلا الطرفين حتّى بعد وجود المرجّح في أحدهما فواضح أنّ توقّف تعلّق المشيّة والإرادة بأحد الطرفين على مرجّح -- للخروج عن اللغويّة -- غير مناف لسلطنة العبد، ولا يوجب القول بالجبر ولا ضير فيه. مع أنّ المرجّح هو اختيار العبد ومشيّته ولا يتوقّف تعلّق المشيّة والإرادة بأحد الطرفين على أمر زائد على نفس الإرادة والاختيار، فإنّ المرجّح هو الفاعل بما له من القدرة والاختيار والمشيّة.
وقد قلنا سابقاً إنّ العاقل بما هو عاقل يختار ما يكون راجحاً حتّى لا يرتكب اللغو الذى يقبح صدوره عن العاقل فإنّ الترجيح بلامرجّح في الأفعال الاختياريّة لغو وقبيح.
ويشهد على ذلك: -- مضافاً إلى ما نشاهده من أنفسنا من القدرة والسلطنة على الفعل والترك، فإنّ مقدوريّة الفعل كمقدوريّة الترك ولا فرق بينهما من حيث كون كلّ واحد منهما مقدوراً للفاعل، وإن كان صدور أحدهما سهلاً وصدور الآخر صعباً لوجود الدواعي على أحد الطرفين دون الآخر -- أنّا نقدر على اختيار طرف الفاقد للمرجّح وقد نختاره أيضاً، وعندما نختار ذى المرجّح نشاهد أنّا كنّا قادرين على اختيار الطرف المقابل، مثلاً لو كان هنا عطشان وكان بين يديه إناء من الماء العذب البارد، فمع أنّ المرجّح لشرب الماء عنده قويّ وتامّ، يكون هو مختاراً وقادراً على الشرب وعدمه، حتّى لوشربه يجد أنّه كان قادراً على عدم الشرب إلى أن يموت، كما نقل عن مولانا العبّاس(علیه السلام) في يوم عاشوراء من عدم شربه الماء مع شدّة عطشه، وأحياناً لا يشربه من دون أيّ وجه، وقد يأتي بفاقد المرجّح لإثبات قدرته.
لا يقال: إنّ هذا هو المرجّح، لأنّ الكلام في لزوم وجود مرجّح في الفعل أو الترك غير القدرة.
لأنّه يقال: نسلّم أنّ عدم الشرب من دون المرجّح والداعي يكون عبثاً وقبيحاً، إلّا أنّ الكلام في وجود القدرة عليه لا في قبح الفعل وحسنه، فاختيار الراجح إنّما يخرج الفعل عن اللغويّة مع المحافظة على أنّ الفاعل كان قادراً على اختيار الطرف المرجوح وارتكاب اللغو، وإلّا لا وجه لكون الإعراض عن اللّغو من صفات المؤمنين كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ.(1)
بل قد لا يكون اختيار أحد الطرفين متوقّفاً على وجود المرجّح الموجب لخروج الفعل عن اللغويّة، ويختار العبد أحدهما بلا وجود مرجّح فيه ولا يكون لغواً، كما لو لم يكن لأحد طرفي الفعل ترجيحاً على الآخر وتعلّقت الحكمة باختيار أحد الطرفين المتساويين، مثل
1) 297.. المؤمنون23.، الآیة 3.
الهارب من السبع إذا وصل إلى طريقين فهو مع جهله بخصوصيّاتهما أو العلم بتساويهما -- كما لو أخبره النبيّ أو الإمام(علیهما السلام) بتساويهما -- لا يتوقّف عن اختيار أحدهما لعدم ترجيح أحدهما على الآخر عنده، بل في الواقع -- كما في صورة إخبار المعصوم(علیه السلام) بالتساوي -- في جميع الجهات ومع ذلك يرى حرّيّته التامّة في اختيار أيّ الطرفين.
وتوهّم: كفاية وجود المرجّح والداعي بالنسبة إلى الجامع، واضح الفساد، فإنّ الجامع ليس له وجود خارجيّ -- سوى وجوده بوجود أفراده مع إلغاء الخصوصيّات -- ومن الواضح أنّه لا يعقل اختيار الجامع لما ذكر من أنّه لا وجود خارجيّ له.
بعبارة أخرى: أنّ هنا -- على ما توهّم -- إرادتان: إرادة بالنسبة إلى الجامع المردّد وإرادة بالنسبة إلى تحقّق الجامع في ضمن فرد معيّن، والأولى وحدها لا تكفي في حصول الغرض لأنّ الواحد المردّد لا على التعيين ليس له وجود خارجيّ، إنّما النافع في تحصيل الغرض هيالإرادة الثانية والمفروض عدم وجود الداعي والمرجّح بالنسبة إليها.
وهنا أمثلة أخرى يتّضح من جميعها أنّ الدواعي لا توجب ضرورة الفعل فالداعي لا يرتبط بوجود الفعل وعدمه، إنّما الدواعي توجب خروج الفعل عن اللغويّة في بعض الأحيان.
يقول العلّامة(قدس سره) في ردّ هذه الشبهة:
على أنّ هذا غير مسموع من أكثرهم حيث جوّزوا من القادر ترجيح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجّح وبه أجابوا عن الشبهة التي أوردها الفلاسفة عليهم.(1)
وقد أجاب الفلاسفة عن تلك الأمثلة: بأنّ الداعي إلى اختيار أحد الطريقين أو أكل أحد الطعامين أمور تحدث في النفس بسبب المرجّحات الواقعيّة، وتلك المرجّحات معلومة ومكشوفة للّه تعالى وللملائكة وإن كان الفاعل جاهلاً بها، والذي يوجب اختيار الفعل هي تلك الدواعي الموجودة في الواقع والمجهولة للفاعل.
1) 298.. كشف المراد، ص 309.
الأوّل: أنّ الداعي إنّما يكون داعياً إذا كان الفاعل عالماً به، والوجود الواقعيّ للداعى لا يوجب كونه داعياً ما لم يعلمه الفاعل كما هو واضح، وقد قالوا إنّ العلل الغائيّة متقدّمة على الفعل تصوّراً ومؤخّرة عنه وجودا.
الثاني: غاية مايمكن أن يدّعى احتمال وجود المرجّح في الواقع بالنسبة إلى ما اختاره الفاعل، ولادليل على إثباته، وكيف يمكن إثبات ذلك مع جهل الفاعل به؟
الثالث: هل يستحيل أن يكون الطرفان متساويين من جميع الجهات؟ فلو أخبره الصادق المصدّق بعدم ترجيح أحدهما على الآخر في الواقع، هل يتوقّف هذا الهارب عن اختيار أحد الطريقين إلى أن يأكله السبع؟
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ توفّر دواعي الشرك والكفر والعصيان عند أحد لا يوجب صيرورة الكفر أو العصيان ضروريّاً عليه بحيث لا يقدر على الإيمان، فلذا ربما يؤمن من كان يعيش في الأجواء الغير الدينيّة وكان مولوداً من أبوين كافرين وكانت دواعي الكفروالعصيان متوفّرة لديه؛ نعم إنّ اختيار الإيمان والتقيّد بآداب الإسلام سوف يكون أصعب عليه من غيره، ولكنّ المصحّح للتكليف هو وجود القدرة على الفعل والترك لا صعوبة التكليف وسهولته، إنّما الصعوبة والسهولة توجب كثرة الثواب على العمل وقلّته، فمع وجود القدرة يصحّ التكليف ولو كان صعباً. هذا، وفي الجواب عن الإشكال الآتي ما ينفع في المقام.
قالوا: إنّ منشأ الأفعال الاختياريّة هو الميل النفسانيّ، فإنّ للدواعي النفسانيّة والخُلقيّات دوراً كبيراً في الميل والشوق إلى الأفعال التي تصدر عن الإنسان، وتختلف أفعال العباد باختلاف خُلقيّاتهم المختلفة، فإنّ الشجاع يكرّ على الأعداء بينما الجبان يفرّ منهم، والكريم يبذل ماله عن طيب نفسه والبخيل يمسك يده عن الإنفاق، والمتكبّر يظهر آثار التكبّر في مشيه وقيامه وقعوده، بينما المتواضع لا يشتاق إلى هذه الحركات أصلاً، فلذا قال اللّه تعالى: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ(1)أي: على سجّيّته وخُلقه.
إذا تبيّن هذا فنقول: إنّ تلك الخُلقيّات على قسمين: كسبيّ وجبلّيّ، وغالبها من القسم الثاني. ولها مناشئ مختلفة:
منها: تأثير الطينة التي خلق منها الإنسان كما أُشير إليه في روايات الطينة، فلو كانت الطينة عذباً فراتاً يميل صاحبها إلى الخيرات وإن كانت ملحاً أجاجاً يميل إلى الشرور.
منها: الوراثة عن الأبوين فإنّ الصفات الحسنة والسيّئة تنتقل منهما إلى الولد، حتّى ورد في بعض الأخبار تأثير الزنا إلى سبعة بطون، وورد في باب الرضاع الأمر باختيار المرضعة المؤمنة لأنّ الرضاع يغلب الطباع، وورد في الأخبار أنّ من زوّج كريمته من شارب الخمر فقد ضيّع نسله، إلى غير ذلك ممّا يدلّ على تأثير سجيّة الوالدين بل الأجداد على الولد.
منها: الأطعمة والأشربة.منها: محلّ الولادة فإنّ للمناطق الحارّة تأثيراً في الجسم والروح وللمناطق الباردة تأثيرات أخرى.
منها: محلّ العيش والسكونة والاجتماع الذي يعيش فيه الإنسان.
منها: التعليم والتربية والمجالسة.
إلى غير ذلك من أسباب حصول الخُلقيّات في الإنسان وهي كثيرة، وواضح أنّ جلّها أو كلّها خارجة عن اختيار الإنسان ومهما يكون حصول السجيّات والأميال
1) 299.. الإسراء17.، الآیة 84.
النفسانيّة خارجة عن إرادة العبد فبالتالي تكون الأفعال الناشئة من تلك الخلقيّات أيضاً خارجة عن اختياره.
قد يطرح هذا الدليل بعنوان أخبار الطينة وقد يطرح مستقلّاً، ونحن بحول اللّه وقوّته نفصّل الكلام في أخبار الطينة عند التعرّض للأدلّة النقليّة التي تمسّكوا بها للجبر مشروحاً ونبيّن وجوه الجواب عنها، ونشير هنا إلى أمرين فقط:
إنّا لا ننكر تأثير الأخلاق والسجيّات في نفس الفاعل بالنسبة إلى الأفعال التي تصدر عنه من جهة الميل والكراهة، وبديهيّ أنّ أسبابها مختلفة في كلّ إنسان، ولكنّ الكلام في أنّ هذه الخُلقيّات هل تصير سبباً لضرورة الفعل بحيث لا يقدر من يتّصف بالأخلاق السيّئة أن يمتنع عنها أم لا؟
من الواضح أنّ الخُلقيّات إنّما تصير سبباً لحدوث الميل في الإنسان وهو لا يوجب صيرورة الفعل أو الترك ضروريّاً بحيث لا يقدر الإنسان على الإقدام على خلاف ميله وشوقه. مثلاً إنّ لولد الزنا رغبة في الفجور ولكنّه ليس مضطرّاً إليه بحيث لا يمكن له تركه، نعم إنّه يحتاج إلى المجاهدة مع شهوات نفسه أكثر من غيره وهو الجهاد الأكبر، وهكذا من يعيش في بلاد الكفر تكون له الرغبة في المعاصي أكثر ممّن يعيش في بلاد الإسلام لكنّه ليس مضطرّاً إليها.
ولو كانت الرغبة في المعاصي سبباً لصيرورة الفعل ضروريّاً لما كان وجه لاختصاصها بمن يعيش في بلاد الكفر أو من ولد من الزنا مثلاً، لأنّ الميل والشهوة والرغبة في المعاصي ثابتة لجميع البشر، وشدّة الداعي لا توجب صيرورة الفعل ضروريّاً فيمن كان داعيه أقوى من الآخر.
بعبارة أخرى: لو كان جميع الناس متساوين في نسبة شهوتهم وميلهم إلى المعصية
والطغيان، وكانت هذه الشهوة في أعلى مراتبها وأشدّ مجاليها، فهل يكون تكليفهم بالاجتناب عن المعاصي مستحيلاً؟ وهل يكون صدور المعصية عنهم ضروريّا؟
كلّا، فإنّ الخُلق والسجيّة ليسا إلّا بمثابة الداعي والميل، ولا يوجبان الاضطرار إلى الفعل أو الترك كما هو مشاهَد بالوجدان، بل يكون صدور الفعل وتركه بعد وجدان القدرة والسلطنة على الفعل والترك متساويين، فإنّ القدرة حاكمة على جميع الدواعي فإنّها وإن ازدادت لا توجب صيرورة الفعل أو الترك ضروريّاً مع القدرة. وإذا كانت الدواعي والميول والسجايا لا تصلح لأن تخرج الأفعال -- بعد كونها مقدورة -- إلى الضرورة والإلجاء ولو كانت شديدة غاية الشدّة وكانت متساوية في جميع الناس، فهل ترى أنّ اختلاف البشر في مقدار هذا الميل النفسانيّ -- وكونه في بعضهم أكثر وأقوى -- يوجب صيرورة الفعل ضروريّاً على من كان داعيه أقوى من الآخرين؟
والكلمة القالعة لمادّة الشبهة هي أنّ التكليف دائر مدار القدرة فمهما وجدت القدرة صحّ التكليف وإن كان صعباً واحتاج إلى مجاهدة عظيمة مع النفس، وبمجرّد زوال القدرة والسلطنة يزول التكليف. وسهولة الامتثال وصعوبته لا يؤثّران في صحّة التكليف أصلاً، إنّما يؤثّران في كثرة الثواب وقلّته، لأنّ بالقدرة يتساوى طرفا الفعل والترك.
قال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم «لا حول ولا قوّة إلّا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلّا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(1)
فالتكليف دائر مدار وجود القدرة حدوثاً وبقاءً، فمتى كانت القدرة والسلطنة موجودة صحّ التكليف ولو كان على خلاف الميل الباطنيّ وسجيّة المكلَّف.
نعم، يمكن أن يبدو هنا سؤال وهو أنّه لِمَ جعل اللّه تعالى الامتثال سهلاً على بعض بجعل داعي الخيرات فيهم، بينما جعله صعباً على آخرين بجعل داعي الشرّ فيهم؟
وهذا أمر سنجيب عنه في أخبار الطينة وفي بحث التوفيق والخذلان إن شاء اللّه تعالى،
1) 300.. نهج البلاغة، الحكمة 404، ص547.
والكلام فيه إجمالاً هو: أنّ اللّه تعالى حكيم ولا يفعل عبثاً ولغواً، ومع العلم والاعتقاد بحكمته تعالى لا يبقى وجه لهذا السؤال، وسيأتي قريباً منّا بيان بعض المصالح والحِكَم في ذلك إن شاء اللّه تعالى.
إنّ المستفاد من الآيات والأخبار الكثيرة أنّ هذه السجيّة والطينة -- أي العلّيّين والسجّين -- في الإنسان ليست أمراً ذاتيّاً له بل هي من العوارض، ولذا تكون قابلة للتغيير، فللإنسان أن يأتي بما يناسب طينته كما أنّه قادر على أن يأتي بما يخالفها، وهكذا في الخُلقيّات والسجيّات، فمن كانت طينته خبيثة وسجيّته وخلقه سيّئاً يقدر على إتيان ما يخالف طينته وسجيّته، كما أنّ من كانت طينته طيّبة وخلقه فاضلاً يقدر على إتيان ما يناسب الطينة الخبيثة والخلق السيّئ، وعند صدور الحسنات من العبد يبدّل اللّه تعالى طينته الخبيثة وسجاياه السيّئة إلى الطيّبة فقد روي عن أبي عبداللّه(علیه السلام) أنّه قال:
إذا لم تكن حليماً فتحلّم ... .(1)
كما نرى أنّ البخيل يقدر على إزالة هذه الصفة الرذيلة من نفسه ويصير كريم النفس، والجبان يتحوّل شجاعاً. وتفصيل القول في هذا المقام واستقصاء الأدلّة موكول إلى بحث أخبار الطينة.
وبعد التأمّل فيما ذكرنا يظهر أنّ جميع الخُلقيّات والصفات النفسانيّة تكون في حيطة قدرة الإنسان فهو يقدر على تبديلها أو إبقائها على حالها، فوجود هذه السجيّات وبقائها ودوامها للنفس ليس ضروريّاً كي يرد ذلك الإشكال.
ويشهد على ما ذكرنا أنّ كثيراً من الفلاسفة القائلين بالجبر صنّفوا وألّفوا كتباً في تهذيب الأخلاق وتزكية النفس وتربيتها، وهذا من أقوى الشواهد على قدرة الإنسان على تغيير خُلقيّاته.
وهنا أمور أخر نحيلها إلى البحث عن أخبار الطينة فانتظر.
1) 301.. الكافي، ج2، ص112، ح6؛ بحارالأنوار، ج68، ص404، ح16.
قد استدلّ بعض المجبّرة على ما ادّعوه بأنّ الإنسان مجبور في أفعاله لأنّ اللّه تعالى يسوقه واستعداداتهم الذاتيّة تجرّهم إلى ما يلائم ذواتهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وقد ذكر هذه الشبهة المموّهة ابن العربيّ وتبعه آخرون، فقال ما نصّه:
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ(1)وهم الذين استحقّوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكتهم عن نفوسهم بها، فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم، وهو عين الأهواء التي كانوا يتوهّمونه. فلمّا ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب، فزال البعد فزال مسمّى جهنّم في حقّهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، لأنّهم مجرمون. فما أعطاهم هذا المقام الذوقيّ اللذيذ من جهة المنّة وإنّما أخذوه بما استحقّته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الربّ المستقيم، لأنّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة. فما مشوا بأنفسهم وإنّما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ.(2)وإنّما هو يبصر فإنّه مكشوف الغطاء فبصره حديد.(3) وقال القيصري في شرحه:
وتحقيق هذا المعنى أنّ جهنّم مظهر كلّي من المظاهر الإلهيّة، يحتوي على مراتب جميع الأشقياء، كما أنّ الجنّة مظهر كلّيّ، يحتوي على جميع مراتب السعداء. فأعيان الأشقياء إنّما يحصل كما لهم بالدخول فيها، كما أنّ أعيان السعداء يحصل كمالهم بدخول الجنّة ... فكلّ من الأشقياء إذا دخل جهنّم، وصل إلى كماله الذي يقتضيه عينه. وذلك الكمال عين القرب من ربّه، كما أنّ أهل الجنّة إذا دخلوا فيها، وصلوا إلى كمالهم ومستقرّهم، وقربوا من ربّهم ... «فما أعطاهم هذا المقام الذوقيّ اللذيذ من جهة المنّة. وإنّما أخذوه بما استحقّته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها». أي: فما أعطاهم الحقّ هذا المقام، أي مقام الفناء، على سبيل الفضل والمنّة، كما لأهل الجنّة، بل إنّما أخذوه بما أعطتهم أعيانهم من الأعمال التي كانواعليها. «فكانوا في السعي في أعمالهم
على صراط الربّ المستقيم، لأنّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة». أي: وكانوا في سعيهم في أعمالهم التي عملوها بحسب متابعة الهوى والنفس، على الصراط المستقيم الذي لربّهم الحاكم عليهم بالربوبيّة ... «فما مشوا بنفوسهم، وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب». أي: فما مشى الهالكون بنفوسهم إلى جهنّم، وإنما مشوا بحكم الجبر من القائد والسائق اللذين حكما على نفوسهم بحسب طلب أعيانهم منهما ذلك. فالجبر في الحقيقة عائد إلى الأعيان واستعداداتها، لأنّ الحقّ إنّما يتجلّى عليها بحسب استعداداتها. ولهذا السرّ ما أسند الجبر إلى الربّ، بل إليهم. وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ(1)استشهاد على القرب.(2)
وقال بعض المعاصرين في شرحه على الفصوص:
خلاصة كلام شارحي الفصوص في هذا المقام ... حينما يكون الكلام عن القدرة والسلطنة الالهيّة فلا یکون الّا هو، ولم يشرك أحداً في فعله الذي هو اقتداره وسلطانه، لكنّه في مقام هلاك المجرمين بما أنّ الهلاك ليس من الحقّ بل من دبور اهوائهم فنسب الهلاك إلى أهوائهم؛ لكنّه مع ذلك لم يرفع يد قدرته وسلطانه عنهم بصورة مطلقة، فقال: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًاَ.
هؤلاء المجرمين إنّما أجرموا لاقتضاء العين الثابتة المنبعثة عن طينتهم ولم يكونوا ليفعلوا غيره، وقد عبّر الشيخ ابن العربي عن هذا بأنّهم ذهبوا الى جهنم بالجبر، لكنّه ليس الجبر المصطلح المقابل للاختيار.
ولمّا كان المجرم يتوهّم نفسه بعيداً عن الحقّ مع أنّه يقول: وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ وليست الآية مختصّة بفئة من الناس بل هو كذلك مع الجميع، وما إن ارتحل الانسان عن دار الغرور إلّا ويتنبّه لذلك القرب كما قال: ( فبصرك اليوم حديد) فيزول ذاك البعد المتوّهم وترتفع عنه جهنم المعروفة بصفتها، أي التي كانت باسم البعد، فإنّهم یصلون إلى عين القرب. نعم هم باقون فيجهنم بعنوان واسم آخر، وهو جهنم أعمالهم. فهم يرون القرب في جهنم، فقد حصل القرب هناك، وكأنّه قد زال جهل وعلم قد حصل، ولايعني ذلك إنّ جهنم قد ارتفعت عنهم مطلقا فهم لم يذهبوا إلى النار باختيارهم، بل
بالجبر حتى وصلوا إلى عين القرب.(1)
خلاصۀ گفتار شرّاح فصوص در اين مقام اين است ... آنجا كه سخن از اقتدار مطلق و سلطنت مطلقۀ الهىاست، چون اوست وديگرى نيست يعنى واسطهبردار نيست، احدى را در كار خود كه اقتدار وسلطنت اوست شركت نداد، ولى در مقام هلاک مجرمان چون هلاكت از حقّ نيست بلكه از دبور هواى آنهاست هلاک را به اهوائشان نسبت داد. ولى مطلقاً دست اقتدار وسلطنتش را از سر آنها بر نداشت كه فرمود: وَنَسوُقُ المُجْرِمينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرداً. اين مجرمان كه به اقتضاى عين ثابت كه خواسته سرشت آنان بود وجز اين نمىكردند، شيخ از آن تعبير كرد كه به جبر به جهنّم رفته، نه آنكه مراد جبر به اصطلاح معروف در مقابل اختيار باشد. و چون مجرم گمان مىكرد كه از حقّ دور است وحال آنكه حقّ فرمود: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ واختصاص به هيچ انسانى داده نشده، يعنى با همه اين قرب را دارد، وچون آدمى از دنياى غرور رخت بر بست آن گاه متنبّه مىشود فَبَصَرُكَ الْيَومَ حَدِيِدٌ لاجرم آن بعد متوهّم زائل مىشود وجهنّم به اين عنوان واسم يعنى جهنّمى كه بُعْد بود از آنها برداشته مىشود كه به عين قرب رسيدند، ولى به عنوان واسم ديگر در جهنّم اعمالشان به سر مىبرند كه قرب را در موطن جهنّم مىيابند. پس در موطن جهنّم قرب حاصل شده است كه كأنّ جهلى بر كنار شد وعلمى پيش آمد، نه آنكه جهنّم مطلقاً از آنها زائل شده است ... مجرمان ... به جبر به جهنّم رفتند نه جبر در مقابل اختيار بلكه جبر ناشي از عين ثابتشان، «فما مشوا بانفسهم وإنّما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب» ... پس آنها خودشان به موطن جهنّم نرفتند بلكه به حكم جبر رفتند به موطن جهنّم تا به عين قرب رسيدند.
أقول: ملخّص ما ذكروه أنّ العبد مجبور في جميع أفعاله من جهتين:
إحديهما: أنّ القيّوم عزّوجلّ يسوقه سوقاً بإلجاء لا محيص عنه واستشهد على ذلك ببعض الآيات المتشابهة.
ثانيهما: إنّ أعيانهم وإنيّتهم وإستعداداتهم الذاتيّة جرّتهم إلى ما يلائمهم من الكفر والفسق والفجور. وقد عبّر القيصرى عن الأوّل بالسائق وعن الثانى بالقائد.
فاستدلّوا بهذين الوجهين على إثبات الجبر في أفعال العباد، وقد أعذروا القيّوم المتعال في إجبارهم وإلجائهم على المعاصي، بأنّ أعيانهم وذواتهم هي التي تقتضي ذلك، واللّه تعالى إنّما يتجلّى ويَحُلُّ في أفعال عباده بقدر إستعداداتهم الذاتيّة، وذكر أنّ هذا هو السرّ في إسناد الجبر إليهم لا إلى ربّهم. وقد عبّر الشارح بأنّ هذا الجبر لا يكون من الجبر المقابل للاختيار بل إنّه جبر ناش عن الأعيان الثابتة والإستعدادات الذاتيّة..
1) 307.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص263 - 265:
إعلم: أنّ بطلان هذه الأوهام المنسوجة التي هي أوهن من بيت العنكبوت لا يخفى على من كان له أدنى حظّ من العلم بالآيات القرآنيّة والأحاديث المرويّة عن المعصومين(علیهم السلام) ولكن لمّا كانت هذه الأوهام تقطع الطريق المستقيم على المتحرّين للعقائد الحقّة ممّن لم يصل إلى حدّ التمييز بين الغثّ والسمين ولا بين الحقّ والباطل فلابدّمن نقدها فنقول:
ما ذكروه من أنّ الأعيان والمقتضيات الموجودة في الإنسان توجب الاضطرار والإلجاء بحيث لا يقدر الإنسان على العمل على خلاف اقتضاء ذاته؛ ممّا يكذّبه الوجدان الذي هو أقوى البرهان، فإنّا نشاهد اختيارنا وسلطاننا على الفعل والترك سواء وافق الطبع أمخالفه. ومن الشواهد على ذلك ما ذكره علماء الأخلاق في مقام تزكية النفس من الرذائل وقد دلّت الروايات على أنّ السجايا الرذيلة تدرس بالرياضة الروحانيّة الشرعيّة والتربية المداومة على الأخلاق الحميدة، كما أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) حوّل أعراب البادية إلى نفوس كاملة في الإنسانيّة. بل لو لم يقدر الإنسان إلّا على العمل على وفق طبعه وما يلائمه لا يبقى مجال للتّزكية ومجاهدة النفس وترويضها، ويكون إرسال الرسل وتزكيتهم وتعليمهم، وإنزال الكتب، وتربية النفوس، وتهذيبها باطلاً ولغواً ولعباً، تعالى اللّه وأنبيائه وحججه عن ذلك علوّاً كبيرا.
وقد رأينا بعض أصحاب النبيّ والأئمّة(علیهم السلام) بعد ما أقاموا على الكفر والرذائل فترة ليست بالقصيرة، كيف تحولّوا وصاروا فقهاء حلماء أبراراً أتقياء يتلون الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام).
قد مرّ في الجواب عن الوجهين السابقين -- مضافاً إلى ما سيجيء في توضيح أخبار الطينة -- ما يتّضح به أنّ هذه الدواعي والمقتضيات لا توجب الجبر أبداً. هذا إن كان مراده من الأعيان الثابتة هي الدواعي والخُلقيّات.
وأمّا لو كان مراده السعادة والشقاوة الذاتيّة فقد مرّ في الجواب عن مقالة المحقّق الآخوند -- وسيجيء عند البحث عن الوجوه النقليّة مبسوطاً إن شاء اللّه تعالى -- أنّه لا معنى للسعادة والشقاوة الذاتيّة، والقول بها مخالف للبرهان والقرآن، بل مخالف لما هو معنون عندهم في الفلسفة والمنطق، فلا نعيد.
إنّما الكلام وتمام الكلام في الجبلّة الأوليّة -- التي زعموا أنّها توجب الجبر -- من أين حصلت للإنسان؟
فإن كانت من اللّه تعالى فيكون مرجع النقص الذاتيّ أيضاً إلى صنع اللّه عزّوجلّ، وعلى هذا يسند النقص والجبر والهلاك والمعصية والطغيان والفجور إليه جلّت ساحة قدسه عن هذه الأباطيل؛ فحينئذ لا مجال لما توهمّوه من إعذار الباري تعالى وتنزيهه عمّا نسبوه إليه بأنّ اللّه إنّما يتجلّى للعباد بقدر استعدادهم، فإنّ هذهالاستعدادات من إبداع الخالق المتعال وتكوينه وإنشائه.
وإن كانت الجبلّة الأوليّة والعين الثابتة الرذيلة الشقيّة ممّا يكون لإرادة الإنسان دخل في تحقّقها، -- فمع أنّه لا معنى لأن يؤثّر المفقود واللا شيء في تكوين نفسه وإبرائها حيث إنّ الإرادة ناشئة عن الجبلّة الأوّليّة --، فعليه يكون ذلك مناقضاً لدعواهم ومبطلاً لها، لأنّ المفروض وجود الاختيار والإرادة والسلطنة للإنسان كي يقدر على أن يجعل نفسه سعيداً أو شقيّاً، فإن كان مختاراً في إنشاء نفسه سعيداً أو شقيّاً فما ظنّك بسائر أفعاله التي هي دون ذلك بمراتب.
أضف إلى ذلك أنّه لو كان له اختيار في إنشاء نوعيّة نفسه وكيفيّتها لِمَ ينشئها شقيّة وهو قادر على إسعادها؟
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(علیه السلام) في مناظرته مع الدهريّ في حديث الإهليلجة:
أخبرني عن هذه الإهليلجة التي زعمت أنّها صنعت نفسها ودبّرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة، صغيرة القدرة، ناقصة القوّة، لا تمتنع أن تكسر
وتعصر وتؤكل؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرّة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء؟ ... أمّا إذ أبيت إلّا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها ودبّرت خلقها، قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ فإن زعمت أنّ الإهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإنّ هذا لمن أبين المحال! كيف تكون موجودة مصنوعة ثمّ تصنع نفسها مرّة أخرى؟ فيصير كلامك إلى أنّها مصنوعة مرّتين، ولَئِن قلت: إنّها خلقت نفسها ودبّرت خلقها قبل أن تكون، إنّ هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب! لأنّها قبل أن تكون ليس بشيء فكيف يخلق لا شيء شيئاً؟ وكيف تعيب قولي: إنّ شيئاً يصنع لا شيئاً، ولا تعيب قولك: إنّ لا شيء يصنع لا شيئاً؟ فانظر أيّ القولين أولى بالحقّ؟ قال: قولك.(1)
وأمّا القول بأنّ الاستعدادات والقوابل الذاتيّة غير مجعولة للإنسان ولا للربّ تعالى شأنه كما ذهب إليه بعض الفلاسفة حيث قالوا بأنّ اللّه تعالى ما جعل المشمش مشمشة بل أوجدها وما جعل الشقيّ شقيّاً والسعيد سعيداًبل أوجدهما كما صرّح به صاحب الكفاية فبطلانه واضح، ذلك أنّ الأخبار الصحيحة الصريحة قد دلّت على أنّ مادّة الموادّ الذي منه كلّ شيء والمخلوق الأوّل شيء واحد والاختلاف فيه عرضيّ كما في الخبر عن الرضا(علیه السلام): «ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة»(2)فالاختلافات بين الأشياء ليست ذاتيّة إنّما هي بالأعراض ومن الواضح إمكان تبديل العرض بإزالته وجعل عرضٍ آخر مكانه.
ما ذكره هذا المعاصر من أنّ اللّه تعالى لا يشرك أحداً في أفعاله التي ترتبط باقتداره وسلطنته فلا يوجد فعل للعباد، وأمّا في مقام إهلاك المجرمين فإنّه نسبه إليهم لأنّه من دبور أهوائهم، لكنّه مع ذلك لم يرفع يد اقتداره وسلطنته عنهم مطلقاً. ففيه:
إنّه قد مرّ في الجواب عن شبهة الأشاعرة التي سمّوها بالتوحيد الأفعاليّ، أنّ الالتزام بالاختيار والسلطنة في العباد لا ينافي اقتدار اللّه تعالى وسلطنته، وليس هذا من الشرك
بشيء؛ لأنّ جميع ما يملك العباد إنّما يكون بتمليكه تعالى لهم، وهو أملك بها منهم، وهم قادرون وفاعلون وعالمون به تعالى وهو قيّومهم، وهذا لا يختصّ بأفاعيل العباد بل يشمل كلّ ماللعباد من كمالات وفضائل.
وهل قوله أنّه ما رفع اليد عنهم مطلقاً بالنسبة إلى الإهلاك بمعنى أنّه رفع اليد عنهم بنحو الموجبة الجزئيّة، فصاروا بذلك شركاء للباري تعالى بهذا المقدار؟
وقد تحقّق عند أهل التوحيد أنّ اللّه تعالى متوحّد في جميع ما نسب إلى نفسه وفي جميع كمالاته واختصّها لنفسه لا يشركه فيه أحد أبداً. وجميع كمالات العباد إنّما تكون بتمليكه تعالى أبداً دائماً سرمداً، وهو المتفرّد المتوحّد بالقيّوميّة لها.
فما أبعد هذا المتكلّف عن الحقّ حيث أراد أن يصف اللّه بالاقتدار، فأخرجه منه وعزله عن سلطانه وافترى عليه الظلم واللغو واللعب!
قد أوضحنا في تحرير محلّ النزاع أنّ الجبر إنّما يقابل الاختيار، فمن كان قادراً مختاراً لا يمكن أن يقالبأنّه مجبور، ومن كان مجبوراً فلا يصحّ أن يقال بأنّه مختار، فلا يمكن فرض اجتماعهما. ولافرق في ذلك بين ما إذا كان الجبر ناشئاً عن العين الثابتة أو غيرها. وعلى أيّ تقدير إنّ الجبر -- بمعنى عدم السلطنة على الفعل والترك -- لا يجتمع مع القدرة فاختلاف مناشيء الجبر لا يُجدي في امكان اجتماعه مع الاختيار. وحينئذ كيف قال هذا القائل إنّ هذا الجبر جبر لا يقابل الاختيار؟
هل يمكن تفسير هذا الكلام بما لا يؤول إلى ارتفاع النقيضين؟
وذلك لأنّ لفظ الجبر ليس مشتركاً بين الجبر المقابل للاختيار وغير المقابل له، وإختلاف مناشىء الجبر -- بأن يكون لأجل العين الثابتة أو غيره -- لا يوجب اختلافاً في مفهوم الجبر.
بعبارة أخرى: إنّ القائل المذكور آنفاً قد التزم بالجبر لأجل القول بالأعيان الثابتة في الممكنات، لا أنّه أبدى معنىً آخر للجبر يباين الجبر المقابل للاختيار الذي نحن في مقام
إثباته. وغاية ما رامه هذا البعض اختراع اصطلاح جديد ليس -- في لغة العرب وكذا في لسان أهل الاصطلاح -- منه عين ولا أثر وما ذلك إلّا مغالطة صريحة وتدليس واضح. لأنّ تمام المقصود هو التذكّر إلى ما يجده كلّ عاقل بنظرته السليمة وإلى ما نزل به الكتاب وتكلّم به الرسل من حقيقة الاستطاعة والسلطنة والاختيار وهذا هو محلّ البحث، فنسأل هل الاختيار بالمعنى المذكور يقابل الجبر أم لا؟
فإن كان الأوّل -- وليس مراده ذلك قطعاً -- فهذا إبطال لكلّ ما راموا إثباته في مقالتهم، كيف وقد أصرّوا على إسناد الأفعال إلى الأعيان الثابتة وتجلّى الربّ لتلك الأعيان بما يلائمها لا إلى القدرة والاختيار، ومن هنا نفوا الفعل عن العين الممكنة كما قال ابن العربيّ -- وقد مرّ --: «لأنّه لا فعل للعبد بل الفعل لربّها فيها».(1)وقال في الفتوحات:
فلا فعل لأحد سوى اللّه ولافعل عن اختيار واقع في الوجود، فالاختيارات المعلومة في العالم من عين الجبر فهم المجبورن في اختيارهم.(2)وإن كان الثاني، وهو مرادهم كما صرّح هذا البعض بقوله: وأُولئك ما كانوا ليفعلوا إلّا ما يلائم طبعهم، فعلى هذا يكون الاختيار منفيّاً حقيقة فعبّر عنه ما شئت، سواء تحت راية الأشاعرة أو خلق راية جديدة موهومة، ولا مشاحّة في الألفاظ.
وكأنّ هذا القائل زعم أنّه باختراع هذا الاصطلاح يستطيع أن ينزّه مقالته من عار الجبريّة وشنارها، وما ذلك إلّا تدليس بيّن.
وقد قال المحقّق المدقّق الميرزا القمّي حاكياً عن بعض كتب محي الدين بأنّه نسب مذهب الجبر إلى جميع العرفاء،(3)فترى أنّ هذا البعض يحاول أن يبرّئ بزعمه ساحتهم من درن الجبر والحال أنّهم لا يرضون بذلك، فهو يفسّر الكلام بما لا يرضى صاحبه.
ما استشهدوا به من الآيات فإنّها أجنبيّة عن مرامهم وبعيدة أشدّ البعد عنه، وذلك يظهر بالتامّل فيها.
أمّا قوله تعالى: وَنَسوُقُ المُجْرِمينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً.(1)
فقد بيّن في الآية أنّهم مجرمون عاصون قد أقدموا على مخالفة الباري بكمال سلطنتهم واختيارهم ولذلك نسب الإجرام إليهم، ثمّ بيّن عقابه عليهم بسوقهم إلزاماً جبراً حتماً إلى جهنّم ورداً، ملبّبين مقيّدين في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً يُسحبون على وجوههم إلى النار؛ فعقاب اللّه القاهر إيّاهم إنّما هو لأجل ما فعلوه واختاروه فصاروا بذلك مجرمين كما هو المفروض في الآية، وأين هذا ممّا ذهبوا إليه من أنّ اللّه هو السائق إلزاماً حتماً إلى السوء والفحشاء وعصيان الرسول والقتل والبغي تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيرا.
ولعمري! كيف اتهمّوا ربّهم فنسبوا إليه قبائح أعمالهم وافتروا عليه الظلم كذباً وزوراً؟ وقد نفاه عن نفسه بأبلغ البيان فقال:
وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛(2) وإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛(3)
وإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.(4)أ فترى أنّه يسوق عبيده إلى ما لا يرضاه لهم ومع ذلك يهدّدهم بغضبه ولعنته؟ ويملأ سبع سماواته لعنة إذا غضب على أحدهم؟
فهل يصدر عن عاقل له أدنى مرتبة من العلم والحكمة مثل هذا اللعب واللغو؟ ناهيك عمّن وصف نفسه بالحكمة والعدل والعلوّ والجلالة والسبّوحيّة والقدّوسيّة والعزّة والرحمة والرأفة والمجد والرفعة. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.(5)
وليت شعري كيف طوّعت لهم أنفسهم تسمية جهلهم علماً، وافترائهم عرفاناً، وطغيانهم تنزيهاً، وبهتانهم تسبيحاً، واتّهامهم تقديساً؟ ومع المؤسّف جدّاً ارتضائهم لأنفسهم تقمّص حلل أولياء اللّه والعارفين العالمين به، حتّى زعموا أنّ المعلّم الأوّل هو أوّل من سلك طريقتهم وأنشأها!
وأمّا قوله تعالى: مَا مِنْ دَابَّةٍ إلنا هُوَ آخِذٌ بِنَاصيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.(1)
فشتّان بين ما راموا إثباته وبين ما أراده الكتاب المبين، إذ المراد من الآية بيان سلطان اللّه وقهره وغلبته على بريّته، بمعنى أنّ العاصي لا يغلب اللّه على سلطانه ولا يقهره في ملكوته، فإنّه هو الذي أمدّه بالقدرة والسلطنة والمشيّة والحياة والعلم بقدر مقدور لا يستطيع أن يتجاوز حدّه فيما آتاه اللّه. وهو في حيطة قدرته واستيلائه لا يضرّ ولا ينفع إلّا بإذن اللّه، وإذا شاء اللّه تبارك وتعالى أن يصرفه عن شرٍّ ابتغاه وإضرارٍ نواه دفع اللّه كيده، ولا ينافي ذلك بقاء اختياره الذي ملّكه اللّه تعالى.
عن عدّة الداعي: قال جويرية بن مسهّر: خرجت مع أميرالمؤمنين(علیه السلام) نحو بابل لا ثالث لنا، فمضى وأنا أُسايره في السبخة، فإذا نحن بالأسد جاثماً في الطريق، ولبوته خلفه، وأشبال لبوته خلفها، فكبحت دابّتي لأن أ تأخّر، فقال:
أقدم يا جويرية، فإنّما هو كلب اللّه، وما من دابّة إلّا اللّه آخذ بناصيتها لا يكفي شرّها إلّا هو ... .(2)
وقد تكرّر في الأخبار والأدعية قولهم(علیهم السلام):اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شرّ كلّ دابّة أنت آخِذٌ بِنَاصِيتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَی صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(3).(4)
ممّا يدلّ على أنّ المراد من الآية صرف اللّه شرور عباده من دون أن يجبرهم ويلجئهم
وليس لأحد أن يغلب اللّه فيما أراد وفيما لم يأذن به، ولأجل هذا قوي المتوكّلون على اللّه تعالى وعلوا على كلّ من أراد إضرارهم بسبب اتّكالهم على اللّه تعالى فإنّه كافِ المتوكّلين.
فوا عجباً ممّا توهمّوه من أنّ اللّه هو الآخذ بناصية عباده على صراط مستقيم على نحو الجبر والإلجاء، وكأنّهم قدّروا اللّه على قدر نفوسهم حيث سلبوا منه القدرة على أن يدفع ضرّاً ويكفى عباده ويقهرهم إلّا بإلجاء وإجبار.
فأيّ ملازمة بين كون اللّه تعالى على صراط مستقيم وكون من هو آخذ بناصيته على ذلك الصراط؟ فتوهّموا أنّ الأخذ بالناصية هو سحب لجام المأخوذ وسوقه سوقاً من ورائه. بينما المراد من الأخذ بالناصية على ما هو الظاهر من كلام أهل اللغة والمؤيّد بتفسير الروايات، هو الكناية عن الملك والقهر والغلبة والسلطنة، وهذه الأوصاف -- كما سنبحثها مفصّلاً -- لا تنفي اختيار العباد وسلطنتهم على أفعالهم بعد ما ملّكهم إيّاها وهو الأملك لما ملّكهم، إنّما تنفي التفويض والاستقلال.
فيا عجبا كيف حرّفوا الكلم عن مواضعه ولعبوا بكلمات اللّه واتّخذوها سخريّة، وأين الثرى من الثريّا؟ وما ذاك إلّا لأنّهم تركوا مستقى العلم وبابه، فاعتمدوا على أهوائهم وتبنّوا مبنىً ثمّ حمّلوه على الكتاب العزيز.
ما ذكروه من حقيقة جهنّم وأنّها البعد المتوهّم، وهو يزول بالموت فيغرق المجرم في عين القرب والمقام الذوقيّ اللذيذ، من جهة الاستحقاق لا المنّة. وكمال الأشقياء لا يتحقّق إلّا بذلك، والموت سبب لزوال الجهل وحصول العلم بأنّه ما كان لهم بعدٌ من اللّه العزيز الجبّار، فهو كماترى!!
أكان اللّه تعالى هازلاً حينما هدّد أعدائه بنار أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً.(1)
1) 322.. الكهف18.، الآیة 29.
فتارة يصف وقوعهم فيها واختصامهم فيها وتأسّفهم على إنكارهم لها: فقال عزّ ذكره:
وَبُرِّزَتِ الْ-جَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَ-خْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إلنا الْمُ--جْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ.(1) وتارة يصف طعامهم وشرابهم فيقول:
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْ-حَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْ-جَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْ-حَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ.(2) وتارة يصف شدّة اشتعالها:
وَإِذَا الْ-جَحِيمُ سُعِّرَتْ؛(3) وكَلّا إِنَّهَا لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى.(4)
وتارة يذكر بُعْد المكذّبين لعذاب الجحيم عن ربّهم واحتجابهم عنه:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلنا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ * كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلّا إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَ--حْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْ-جَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ.(5)
وتارة يذكر نسيان اللّه إيّاهم -- بمعنى إنّه تعالى يعاملهم معاملة الناسي فيبعدهم عن رحمته -- ومحو ذكرهم عن قلوب العباد كما نسوا لقاء يومهم هذا:
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِن نَاصِرِينَ.(1)أ فكلّ هذه الآيات وغيرها هي عبارة عن توهّم البعد، والوصول إلى الكمال الذي يستحقّه، وإلى عين القرب والمقام الذوقيّ اللّذيذ؟! هل المهل الذي يغلي في البطون هو ما أراده من اللذّة؟
أو أخذه وغلّه وتصليته للجحيم، وإسلاكه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً هو القرب الذي ادّعاه؟
وهل الاحتجاب عن ربّهم ونسيانه تعالى إيّاهم هو الجهل وحصول العلم ورفع التوهّم؟
فإن لم يكن قولهم هذا تكذيباً للنار فمن هم المكذّبون إذاً؟
هل كانت الرسل والمنذرون والأوصياء المحذّرون يعبثون ويلعبون، وهم في جوف الليل صافّون أقدامهم يبكون ويتضرّعون، ومن خوف النار يدهشون ويغشى عليهم، ويصرخون:
آه من نار نزّاعة للشوى! آه من نار تنضج الأكباد والكلى! آه من غمرة من ملهبات لظى!(2)
ولمّا طلب أحد تلاميذ مدرسة أهل البيت من إمامه أن يخوّفه من النار أجابه(علیه السلام):
يا أبا محمّد استعدّ للحياة الطويلة، فإنّ جبرئيل جاء إلى النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجيء وهو متبسّم، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): يا جبرئيل جئتني اليوم قاطباً، فقال: يا محمّد قد وضعت منافخ النار، فقال: وما منافخ النار يا جبرئيل؟ فقال: يا محمّد إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت، ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى احمرّت، ثمّ نفخ عليها ألف
عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة، لو أنّ قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، ولو أنّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها، ولو أنّ سربالاً من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه، قال(علیه السلام): فبكى رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وبكى جبرئيل، فبعث اللّه إليهما ملكاً فقال لهما: إنّ ربّكما يقرؤكما السلام ويقول: قد أمنتكما أن تذنبا ذنباً أعذّبكما عليه، فقال أبوعبداللّه(علیه السلام): فما رأى رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) جبرئيل متبسّماًبعد ذلك، ثمّ قال: إنّ أهل النار يعظّمون النار وإنّ أهل الجنّة يعظّمون الجنّة والنعيم، وإنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد وأعيدوا في دركها فهذه حالهم، وهو قول اللّه عزّوجلّ: كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(1)ثمّ تبدّل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم. قال أبو عبد اللّه(علیه السلام): حسبك؟ قلت: حسبي حسبي.(2)
أفهل يرون أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لم يفهم مقصود جبرئيل من النفخ والضريع ونتنها وحلقة السلسلة وحرارتها حتّى بكى وما رأیٰ بعد ذلك متبسّماً؟!
هل خفي عليه -- بأبي هو وأمّي -- قرب أهل النار من ربّهم وتلذّذهم بها؟!
وهل خفي عليه أنّ اللّه أقرب إليهم من حبل الوريد؟!
أ وَما درى أنّها موطن عزّ الأشقياء وهذا ما يلائم طبعهم فهم فيها منعّمون؟ أ وما درى أنّهم استحقّوا المقام الذوقيّ اللذيذ من دون تفضّل من اللّه العزيز الجبّار؟!
وقد وصف باقر علم النبيّين(علیهم السلام) الغسّاقَ في جهنّم بقوله:
إنّ في جهنّم لواد يقال له غسّاق، فيه ثلاثون وثلاث مائة قصر، في كلّ قصر ثلاثون وثلاث مائة بيت، في كلّ بيت ثلاثون وثلاث مائة عقرب، في حمة كلّ عقرب ثلاثون وثلاث مائة قلّة سمّ، لو أنّ عقرباً منها نضحت سمّها على أهل جهنّم لوسعتهم سمّاً.(3)
كما وصف الإمام الكاظم(علیه السلام) السَّقَر فقال روحي فداه:
يا إسحاق، إنّ في النار لوادياً يقال له سقر لم يتنفّس منذ خلقه اللّه، لو أذن اللّه عزّ وجلّ له في التنفّس بقدر مخيط لاحترق ما على وجه الأرض، وإنّ أهل النار ليتعوّذون من حرّ ذلك الوادي ونتنه وقذره وما أعدّ اللّه فيه لأهله، وإنّ في ذلك الوادي لجبلاً يتعوّذ جميع أهل ذلك الوادي من حرّ ذلك الجبل ونتنه وقذره وما أعدّ اللّه فيه لأهله، وإنّ في ذلك الجبل لشعباً يتعوّذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب ونتنه وقذره وما أعدّ اللّه فيه لأهله، وإنّفي ذلك الشعب لقليبا يتعوّذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك القليب ونتنه وقذره وما أعدّ اللّه فيه لأهله، وإنّ في ذلك القليب لحيّة يتعوّذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحيّة ونتنها وقذرها وما أعدّ اللّه في أنيابها من السمّ لأهلها، وإنّ في جوف تلك الحيّة لصناديق فيها خمسة من الأمم السالفة واثنان من هذه الأمّة. قال: قلت: جعلت فداك ومن الخمسة؟ ومن الإثنان؟ قال: فأمّا الخمسة: فقابيل الذي قتل هابيل، ونمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه فقال: أنا أحيي وأميت، وفرعون الذي قال: أنا ربّكم الأعلى، ويهود الذي هوّد اليهود، وبولس الذي نصّر النصارى، ومن هذه الأمّة أعرابيّان.(1)
أَ وَ سمّ العقارب طيب يتطيّب به أهل جهنّم؟ أم شهد يطعمونه؟! وأنّ جميع هذه الأوصاف بيان عن قربهم من ربّهم ووصولهم إلى كمالهم، وسكنى جوار محبوبهم؟! فهل العذب الطيّب هو هذا العذاب الأليم؟ أعاذنا اللّه من نار جهنّم وإحراقها.
أو ما استحيوا هؤلاء المتسمّون بالعرفاء الشامخين من اللّه ورسوله من اتّخاذ آيات اللّه هزواً! وجعلوا إنذار اللّه بشرى لمن عصاه! وتحذيره كمال لمن ناواه! فرغّبوا العاصين على معصيتهم، والطاغين على طغيانهم، والظالمين على ظلمهم، والمنكرين على إنكارهم، بدل أن يرهّبوهم بطش الملك القهّار، ويخوّفوهم جبروت الحَكَمِ العدل الجبّار، ويحذّروهم إنتقام المنتقم المتعال.
1) 333.. الخصال، ج2، ص398، ح106؛ بحارالأنوار، ج8، ص311، ح77.
ما ذكروه من أنّ حقيقة جهنّم هو البُعْد المتوهّم وأنّ هذا البُعد المتوهّم يزول بالموت لانقشاع جميع الأوهام وصيرورة البصر حديداً، فيرد عليه أنّه إذا كان معنى جهنّم هو البُعْد المتوهّم وكان هذا البُعْد يزول بالموت فهل يبقى معنىً لجهنّم والعذاب بعد الموت؟! فإنّه بناءاً على هذه الفرضيّة تكون جهنّم في دار الدنيا فلو سلّمنا كون معنىً جهنّم هو البُعْد المتوهّم فلا يمكن لهم إثبات جهنّم بعد دار الدنيا لزوال البُعْد بالموت.
وأمّا ما تكلّفه هذا المعاصر -- لأجل الفرار عن وسمهم بسمة المكذّبين لعذاب جهنّم -- من أنّ جهنّم يبقى لهممن حيث أعمالهم مع زوال البعد المتوهّم، فيبقى السؤال عن حقيقتها من تلك الحيثيّة؟
أ هي مادّة محرقة تشوي الوجوه، وتكون نار الدنيا جزءً من سبعين جزء منها، أو أنّها شيء يناسب القرب المزعوم؟
أمّا المعنى الأوّل وهو الذي أنذرت به الأنبياء والرسل، فغير مراد لهم قطعاً. فإنّه لا يناسب ما زعموه من القرب الذي يصلون إليه أهل النار، أفيعذّب المحبوب أحبّائه الذين استحقّوا قربه هذا العذاب الأليم؟!
وأمّا المعنى الثاني وهو مرادهم فليس إلّا تكذيب ما جائت به الأنبياء والقرآن من حقيقة النار، والعذاب الأليم، وشرب الحميم، والضريع الذي يغلي منه البطون، وأكل الزقّوم، ولبس سرابيل القطران، والاحتجاب عن الربّ المتعال، وغير ذلك ممّا نطقت به الشرايع وأنذرت به الأنبياء والمرسلون.
أ فترى أنّ المكذّبين الذين كانوا يكذّبون بيوم الدين والنار والجحيم، كانوا يكذّبون النار بهذا المعنى الذوقيّ اللذيذ؟
أو أنّ الجاحدين الذين كانوا يكذّبون الأنبياء، كانوا يستنكرون حصول هذا القرب لهم بعد موتهم، الأمر الذي ألجأهم إلى الإنكار والجحود؟
وغير خفيّ أنّ هذه الأقاويل الفاسدة تكذيب وإنكار للعذاب، واللعب بالألفاظ لا ينفع
في اخراج قائلها من زمرة المكذّبين.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا * هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ؛(1) وثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْ-جَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ؛(2)
وبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُم مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاًمُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً؛(3)
ووَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَ-خْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ؛(4)
ووَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ.(5)
ثمّ إعلم أنّ لتكذيبهم النار والجحيم صلة شديدة بقولهم بالجبر، فإنّهم لمّا نسبوا إلى اللّه تعالى أنّه هو الذي يُجبر العصاة والكفّار على الكفر والعصيان أرادوا أن ينزّهوا الباري تعالى من سمة الظلم، -- لأنّ إجبار العباد على المعاصي ثمّ تعذيبهم عليها من أشدّ أنواع الظلم -- فأنكروا وجود العذاب والنار والجحيم، فوصفوه سبحانه بالكذب واللعب واللغو والهزل والعبث. فأعتذروا لدفع شنار الجبر من أنفسهم بما هو أشنع وأقبح.
فانظر إلى ما قاله ابن العربيّ في هذا المضمار:
ولمّا كان عذر العالم مقبولاً في نفس الأمر لكونهم مجبورين في اختيارهم، لذلك جعل اللّه مآل الجميع إلى الرحمة، فهو الغفور لما ستر من ذلك عن قلوب من لم يعلمه بصورة الأمر رحمة به، لأنّه الرحيم في غفرانه لعلمه بأنّ مزاجه لا يقبل،
فالمنع من القابل لتضمّنه مشيّة الحقّ لكون العين قابلة لكلّ مزاج، فما اختصّت واحدة على سبيل التعيين بمزاج دون غيره مع كونها قابلة لكلّ مزاج إلّا لحكم المشيّة الإلهيّة.(1)
وأمّا ما توهّمه في معنى الآية الشريفة: وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ(2)، من أنّها تدلّ على وصول الميّت إلى مقام القرب للّه تعالى ونيله حنانه ولطفه وفضله تعالى، فهو دليل آخر على نهاية بُعد المستدلّ عن القرآن وظواهره، وكونه أجنبيّاً عن كلام اللّه العربيّ المبين. فيا ليته قرأ الآيات بتمامها، فإنّه لو تأمّل فيها أدنى تأمّل عارٍ عن الشوائب الذهنيّة، لوجد أنّها أدلّ شيء على إبطال ما رام إثباته بها.و ذلك لأنّ اللّه تعالى بعد ما ذكر أنّه أقرب إلى الميّت من جميع الحاضرين، قسّم الأموات إلى المقرّبين وأصحاب اليمين وإلى المكذّبين. فلو كان الجميع من المقرّبين فما يكون إذا وجه هذا التفصيل؟ قال تعالى:
فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْ-حُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلكِن لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْ-حَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَ--مِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَ--مِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ.(3) فانظر ثمّ اقض العجب كيف تلاعب بكلام اللّه تعالى، وأمّا الذين جاؤوا من بعده فهم المقلّدة حقيقة حيث أخذوا بأقواله الفاسدة وارتضوا استدلالاته عليها من دون نظر حتّى في صدر الآية وذيلها.
فالآية في مقام بيان شدّة إحاطته تعالى بعباده وسلطنته عليهم، وأنّه لا يمكن الفرار من حكومته، وأنّه لا يعزب عن علمه وقدرته مثقال ذرّة، كما ورد في ساير الآيات:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِه نَفْسُهُ وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيْدِ؛(1) ووَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعمَلوُنَ بَصِيْرٌ؛(2)
وأَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَا يَكُوْنُ مِنْ نَ-جْوى ثَلاثَةٍ إلنا هُوَ رَابِعُهُمْ ولاخَمْسَةٍ إلنا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلنا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.(3)
وقد قال أميرالمؤمنين(علیه السلام) في جواب الزنديق الذي كان يتوهّم التناقض في القرآن:
وقوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وقوله: وَنَ-حْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيْدِ فكذلك اللّه تبارك وتعالى سبّوحاً قدّوساً، تعالى أن يجري منه ما يجري منالمخلوقين وهو اللطيف الخبير، وأجلّ وأكبر أن ينزل به شيء ممّا ينزل بخلقه وهو على العرش استوى علمه، شاهد لكلّ نجوى، وهو الوكيل على كلّ شيء، والميّسر لكلّ شيء، والمدبّر للأشياء كلّها، تعالى اللّه عن أن يكون على عرشه علوّاً كبيرا.(4)
وقد قرّبوا ذلك بوجهين:
الأوّل: إنّ اللّه تعالى عالم بكلّ شيء ومنه أفعال العباد فيعلم طاعة المطيع -- كصلاة زيد -- وعصيان العاصي -- كشرب عمرو الخمر --، وهما لا يقدران على ترك ما فعلاه، لأنّه يلزم الجهل في حقّه تعالى.
يقول الآخوند ملّاصدرا:
حيث إنّ اللّه تبارك وتعالى إذا علم أنّه يفعل الفعل الفلانيّ في الوقت الفلانيّ فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً وذلك محال والمؤدّي إلى المحال محال، فعدم وقوع الفعل محال فوقوعه واجبٌ لاستحالة خروجه من طرفي النقيض.(1)
و قال الشاعر:
مِى خوردن من حقّ ز ازل مىدانست گر مِى نخورم علم خدا جهل شود(2)
الثاني: إنّ علمه تعالى فِعْليّ وعِلّيّ بمعنى أنّ علمه عين ذاته التي حيثه العلّيّة لكلّ شيء فيجب أن يكون علمه أيضاً علّة لكلّ شيء ومنه أفعال العباد فيجب وقوعها.
إنّ اللّه تعالى يعلم أنّ المطيع والعاصي يقدّمان على الطاعة والمعصية بالاختيار فلو حصلت الطاعة والمعصية منهما من دون الاختيار يلزم الجهل في حقّهتعالى. أمّا لو تحقّقت الطاعة
والمعصية بالإرادة والاختيار فيكون علمه تعالى مطابقاً للمعلوم.
والحلّ:
إنّ العلم ليس من أجزاء علّة الفعل بل العلم كاشف عن المعلوم وتابع له، فليس العلم بشيء سبباً لوقوعه وتحقّقه إنّما السبب لوقوع الفعل إرادة المختار وهذا الفعل يكون منوَّراً ومكشوفاً بنور العلم قبل تحقّقه وكيانه، والتغيير في الخارج لا يوجب التغيّر في العلم حيث إنّه الكشف عمّا يتحقّق خارجا.
مثلاً (وإن كان المثال يقرّب من جهة ويبعّد من جهات): لو كان هناك أستاذ وعنده تلاميذ يدرسون عنده، فبعد مضيّ مدّة من زمان تعلّمهم وبعد أن عرف المعلّم أحوال تلاميذه وخصوصيّاتهم وشدّة اعتنائهم بالدرس، يقول: إنّ فلاناً وفلاناً سينجحان في نهاية السنة، ويسمّي شخصاً آخر ويقول: إنّه لا ينجح في هذه السنة الدراسيّة، ولنفرض أنّ هذا التنبّؤ لا يكون مجرّد تخرّص منه بل علماً يقينيّاً يطابق الواقع. هل يمكن أن يقال: إنّ ذلك الشخص قد خسر في الامتحان لأنّ المعلّم كان يعلم منه ذلك؟
كلّا! فإنّ المعلّم كان يعلم أنّه لا يهتمّ بالدراسة وهو متسامح في ذلك، فيخسر بسوء اختياره، والطائفة الأولى ينجحون في الامتحان بحسن اختيارهم.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى علم اللّه تعالى بأفعال العباد، فهو يعلم أنّ المطيع يطيعه بحسن اختياره والعاصي يعصيه بسوء اختياره فيعلم ذلك تبعاً لفعل المكلّف لا أنّ المكلّف يطيع ويعصي تبعاً لعلم الباري، وهذا مراد المحقّق الطوسيّ(رحمه الله) حيث قال في التجريد: «والعلم تابع».
هذا مضافاً إلى أنّ هذه الشبهة موردها هو العلم المحمول الذي يمكن فيه البداء فيمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، فلو كان في علم اللّه تعالى المحمول الذي حمّله الحملة،
أنّ فلاناً يذنب بسوء اختياره فهو قادر على محو ذلك وإثبات شيء آخر لو أراد العبد ذلك، ولا يستلزم الجهل في الساحة الربوبيّة، لأنّ البداء إنّما يكون ناشئاً من العلم المحيط على الزمانوهو علم غير محمول وغير محدود ولا تعيّن فيه، واللّه تعالى قد أعطى العبد القدرة على الفعل والترك وحمّل علمه الحملة أعني الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين، وبما أنّ للعبد القدرة على الفعل والترك فإذا شاء أمراً يبدّل اللّه تعالى العلم المحمول ولا ضير في ذلك كما ثبت في محلّه.
توضيح ذلك: إنّ اللّه تعالى يعلم الكائنات واللا كائنات فبعلمه السابق على المعلوم علم فعل العبد وحمّل علمه الحملة(علیهم السلام)، فعلموا به فعل العبد وهذا هو العلم المحمول والمتعيّن، وشَرَطَ لذلك البداء على نفسه، فليس هذا التقدير تقديراً لازماً ولا قدراً حتماً ولذا يكون للعبد أن يشاء الطرف الآخر فيبدّل اللّه تعالى العلم المحمول الذي هو بالثبت في قلب المعصوم، وبما أنّ العلم الغير محمول لا تعيّن فيه وهو كاشف عن جميع الفرضيّات والتقادير وكاشف عن الكون واللاكون والفعل والترك لا يلزم الجهل في حقّه تعالى فإنّه تعالى يعلم جميع التقادير فيعلم طرف الفعل ويعلم طرف الترك وأمّا وقوع أحد الأطراف فيكون بتحميل العلم الحملة وهو يقبل التبديل وبذلك تنقلع مادّة الشبهة.
هذا، وتفصيل الكلام حول البداء يستدعى مجالاً آخر وقد بحثنا ذلك في محلّه.
قال المحقّق نصير الدين الطوسيّ في الجواب عن شعر خيّام:
علم ازلى علّت عصيان بودن نزد عقلاء زغايت جهل بود(1)
و لقد أجاد بعض أساتذتنا حيث قال:
كن توبه ز خوردن شراب اى خيّام زانكه محو واثبات بر خدا سهل بود
دانست خدا باختيار خواهى خورد جبراً بخورى علم خدا جهل بود(2)
إنّه تعالیٰ علم إنّک تشرب باختیارک إذا کنت تشربه جبراً یکون علمه جهلاً
و لعلّ هذا الحديث يشير إلى ما بيّناه:
في الكافي: عن صالح النيلي قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام): هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ قال: فقال لي:
إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها اللّه فيهم، قال: قلت وما هي؟ قال: الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزنا حين زنى، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذاترك، قال: ثمّ قال(علیه السلام): ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً، قلت: فعلى ماذا يعذّبه؟ قال: بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم، إنّ اللّه لم يجبر أحداً على معصيته، ولا أراد -- إرادة حتم -- الكفر من أحد، ولكن حين كفر كان في إرادة اللّه أن يكفر، وهم في إرادة اللّه وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير، قلت: أراد منهم أن يكفروا؟ قال: ليس هكذا أقول ولكنّي أقول: علم أنّهم سيكفرون، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار.(1)
وقد عرفت معنى إرادة العزم والاختيار في البحث عن إرادته تعالى، وقلنا أنّ المراد منها هو أن يجعل اللّه الإنسان شائيّاً قادراً، ويهيّأ له أسباب الفعل والترك، كي يكون العبد هو الذي يختار ويفعل، فقوله(علیه السلام): كان في إرادة اللّه أن يكفر يعنى أنّ اللّه تعالى أعطاهم القدرة وهيّأ لهم الأسباب وأقدرهم على فعل المعاصي وتركها وعلم أنّهم يرتكبون السيّئات بسوء اختيارهم ولم يحل بينهم وبين المعصية ووكلّهم إلى أنفسهم، فهو تعالى عالم بصدور المعاصي عنهم بقدرتهم وإرادتهم المستندة إليها وليست هي إرادة حتم لإمكان البداء.
قال شيخنا الأستاذ العلّامة الميرزا جواد آقا الطهرانيّ(قدس سره):
لمّا لم تكن مشيّة الحقّ المتعال وإرادته عين ذاته القدوس وليست ازلية، وليست بمعنى الحبّ والعشق والشهوة والرضا، كما أنّ تعلّقها بالأفعال الاختياريّة الصادرة عن المخلوق ليست بالحتم والجبر والاضطرار بل بالاختيار، أي إنّها تعلّقت بصدور الأفعال عن المخلوق بالاختيار، مضافاً إلى أنّها بالنسبة إلى الذات القدوس المتعال ليست بالحتم واللزوم، اي إنّها قابلة للتغيير والبداء.
فما يمكن أن يقال: على سبيل الاحتمال هو أنّ إرادته تعالى ومشيّته هما تعيّنات
1) 350.. الكافي، ج1، ص162.
علميّة وثابتات في العلم المحمول، كما أنّ التقدير والقضاء لا یکونا بمعنى الخلق والالزام وسائر المعاني، بل لعلّهما لا یکونا إلّا التعيين وتقدير الخصوصيّاتوجهات الشيء في العلم المحمول ومن ثمّ الإعلان والإخبار على سبيل الإحكام والإتقان.
ثمّ إنّ كلّ واحدة من هذه الأمور تابعة للمرحلة السابقة إلى أن ينتهي الأمر إلى المشيّة، والمشيّة تابعة للعلم، و العلم في كشفه تابع للمعلوم. والنتيجة هو أنّ الله تعالى علم إنّ المخلوقات بعد خلقهم واعطائهم القدرة والاختيار على افعالهم سيفعلون كذا وكذا، فشاء كما علم، فأراد ما شاء، فقدر ما أراد وقضى ما قدر.
وعليه لا يلزم أيّ محذور ولا يبقى أيّ إشكال في البين، ولا يستلزم الجبر والاضطرار في أفعال البشر بوجه، كما لا يلزم التفويض أبدا، وهذا هو الأمر بين الأمرين. (1)
و چون مشيت وارادۀ حق تعالى ازلى و عين ذات او نيست، و نيز به معناى حبّ و عشق و شهوت و رضا نباشد، و نيز بالحتم والجبر والاضطرار بالنسبة به افعال اختيارى مخلوق نيست بل بالاختيار است، يعنى به اينكه صدور افعال از آنان به اختيار آنان باشد. گذشته از آن كه بالنسبة به ذات مقدّس حقّ متعال نيز بالحتم واللّزوم نيست، يعنى قابل تغيير و بدا باشد. بلكه آنچه توان گفت بر سبيل امكان و احتمال: مشيّت و ارادۀ حقّ تعالى آن دو همانا تعيّنات علمى و ثابتات در علم محمول است، چنانكه تقدير و قضا نيز به معناى خلق و الزام و ساير معانى نيست، بلكه شايد جز به معناى تعيين و تقدير خصوصيّات و جهات شيء در علم محمول و اِعلام و اِخبار بر سبيل اِحكام و اِتقان اَمر آخرى نبوده باشد. در صورتى كه هر يك از اين اُمور تابع امر سابق بر مرتبۀ خود تا اينكه همگى تابع مشيّت و مشيّت نيز تابع علم و علم در كشف نيز تابع معلوم خود باشد. يعنى: عَلِمَ اللّه تعالى أنّ المخلوق بعد خلقهم وإعطائهم القدرة والاختيارعلى الأفعال أنّهم سيفعلون كذا وكذا، فشاء كما علم، فأراد ما شاء، فقدّر ما أراد، وقضى ما قدّر.
بنابراين هيچگونه محذورى و اشكالى در مطلب نخواهد بود و به هيچ گونه مستلزم جبر و اضطرارى در افعال بشر نخواهد شد در حالى كه تفويض نيز أبداً لازم نيايد، و هذا هو الأمر بين الأمرين.
«أقول» ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه في الجواب عن هذه الشبهة من أنّ العلم تابع ومن إمكان البداء، إنّما هو مبنيٌّ على كون المراد من العلم هو العلم المحمول الذي حمّله اللّه تعالى الملائكة والأنبياء والرسل والأئمّة(علیهم السلام). وهو عبارة عن إخبار اللّه تعالى إيّاهم بما شاء وأراد وقدّر وقضى، فإنّ قلوب الأئمّة(علیهم السلام) أوعية مشيّته تعالى ووكر إرادته، وهم خزّان علمه وحملة وحيه وأمنائه على سرّه.
توضيح ذلك: إنّ اللّه تعالى أخبر حجّته بأنّ زيداً مثلاً سيكون حيّاً قادراً شائيّاً ويفعل بقدرته هكذا. والعلم هنا تابع لما يفعله زيد، ويمكن فيه البداء بتغيير ما أثبته في وعاء المشيّة سابقاً.
وأمّا بالنسبة إلى العلم المكفوف وهو العلم غير المحمول الذي هو عين ذاته القدّوس، فهو لا حدّ له ولاتعيّن فيه ولا يتوقّف على معلوم أبداً. فإنّ علمه تعالى بالأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها وتحقّقها، وهو علم كلّه، ويعلم لكلّ شيء حدوداً بلا نهاية. فلا يصحّ ما ذكره المستشكل من أنّ علمه تعالى بالمعصية علّة لصدورها عن العبد، لعدم التعيّن في علمه الذاتي المكفوف غير المحمول، فإنّه كما يعلم صدور المعصية يعلم عدم صدورها، لعدم التعيّن فيه.
فظهر من جميع ما ذكرنا: أنّ مراد المستشكل ممّا ذكره من كون علمه تعالى علّة لمعصية العبد لو كان هو العلم الذاتي المكفوف، فمن الواضح أنّه لا تعيّن فيه ولا يكون محدوداً بحدٍّ، ولا مقدّراً بقدرٍ، فلا يكون تابعاً لعدم التعيّن، ولا متبوعاً لإستغنائه عن المعلوم. فيبطل الإشكال من أساسه وينهدم من بنيانه.
ولو كان مراده ممّا ذكر هو العلم المحمول فقد مرّ الجواب عنه بأنّه تابع، مضافاً إلى إمكان البداء فيه.
1) 351.. ميزان المطالب، ج2، ص77-78:
فقد مرّ بيان فساد القول بأنّه تعالى علّة العلل وأنّ ذاته القدّوس علّة للممكنات. وذكرنا أنّه يوجب الالتزام بمفاسد لا يلتزم بها المؤمن من قدم المخلوقات ولزوم صدورها عنه تعالى بلا إرادة منه وكون يده تعالى مغلولة لا يقدر على شيء لا على الزيادة ولا على النقيصة، ولكنّه إله قدّوس، فعّال لما يشاء، يحكم ما يريد وهو على كلّ شيء قدير. فقد كان ربّنا جلّ ثنائه لم يزل والعلم ذاته ولا معلوم وكان عالماً بما يكوّن ويقدّر قبل أن يخلق الخلق، ثمّ خلق الخلق فوقع العلم منه على المعلوم.
في التوحيد الصدوق: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول:
لم يزل اللّه عزّوجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الاشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور، قال: قلت: فلم يزل اللّه متكلّماً؟ قال: إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة، كان اللّه عزّوجلّ ولا متكلّم.(1)
هذا، مضافاً إلى أنّه لا ريب أنّ العلم كاشف عن المعلوم قبل تحقّقه، وكاشف عن المعلول لا أنّه علّة له، لأنّه ليس من أجزاء العلّة (على ما ذكره الفلاسفة)،فإنّ العلّة عندهم تتناسب مع المعلول، بل المعلول هو نفس وجود العلّة في المرتبة الضعيفة، فالإحراق مفتقر إلى علّة تناسبه وهي النار وليس العلم بالإحراق من أجزاء العلّة ولا يوجب الإحراق،
1) 352.. التوحيد، ص139، ح1؛ بحارالأنوار، ج4، ص71، ح18.
بل النار توجب الإحراق سواء حصل العلم بها أم لا، ولا يصحّ أن يقال: احترق الخشب لوجود العلم بالاحتراق، لكنّه يقال: احترق لوجود علّة الاحتراق، وبعد الاحتراق يحصل العلم به، فالعلم كما قال الخواجة، تابع للواقع كيفما حصل حسب ما تقتضيه علّة وجوده، لا أنّه علّة لحصول ما يتحقّق.
لا يخفى أنّ علم اللّه تبارك وتعالى ليس كعلمنا حاصلاً من الآثار والخصوصيّات الموجودة في الأشياء، إنّما هو علم محيط بجميع ماسواه غير محدود بحدّ، فلم يزل اللّه عالماً بما كان وما هو كائن وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون،(1)
هات للّه أبوك. قلت: يعلم القديم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟ قال: ويحك إنّ مسائلك لصعبة، أما سمعت اللّه يقول: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا وقوله: وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وقال يحكي قول أهل النار: أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ فقد علم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ... .
التوحيد، ص65، ح18؛ بحارالأنوار، ج4، ص82، ح10.
وعن عبد اللّه ابن مسكان، قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام) عن اللّه تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عند ما خلقه وبعد ما خلقه؟ فقال:
تعالى اللّه، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان.
التوحيد، ص137، ح9؛ بحارالأنوار، ج4، ص85، ح20.
وعن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا(علیهما السلام)، قال: سألته أيعلم اللّه الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلّا ما يكون؟ فقال:
إنّ اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الاشياء، قال اللّه عزّوجلّ: َإِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقال لأهل النار: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ فقد علم اللّه عزوجل أنه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه، وقال للملائكة لمّا قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يفْسِدُ فِيهَا وَيسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فلم يزل اللّه عزّوجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك ربّنا تعالى علوّاً كبيراً خلق الأشياء وعلمهبها سابق لها كما شاء، كذلك لم يزل ربّنا عليماً سميعاً بصيرا.
التوحيد، ص136، ح8؛ بحارالأنوار، ج4، ص78، ح1. وبهذا المضمون روايات أخر.
ولم يزل عالماً بما كوّن قبل تكوينه، فعلمه1) 353.. عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ، قال لقيته(علیه السلام) على الطريق عند منصرفي من مكّة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق ... قلت: جعلت فداك قد بقيت مسألة، قال:
به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه،(1)
كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما كوّن، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه.
التوحيد، ص145، ح12؛ بحارالأنوار، ج54، ص82، ح61.
وهو تعالى لم يزل علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه.(2)إنّ اللّه علم لا جهل فيه، حياة لاموت فيه، نور لاظلمة فيه.
التوحيد، ص137، ح11؛ بحارالأنوار، ج4، ص84، ح16.
بخلاف علمنا المحدود الحاصل من الآثار والخصوصيّات الثابتة في الأشياء، كما نعلم بوجود النار عند وجدان الحرارة أو المعلّم يعلم مستقبل التلميذ بمشاهدة سعيه وجدّه في التحصيل، وأحياناً نحسب تخرّصاتنا علماً فنبتلي بالخطأ والغلط في محاسباتنا.(3)
1) 354.. عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: سمعته يقول:
2) 355.. في توحيد الصدوق عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
3) 356.. ولا يخفى أنّ نور العلم مستغن عن المعلوم، وقد أشبعنا الكلام في مبحث العلم بلا معلوم في محلّه، واحتساب التخرّص والحدس علماً إنّما يكون لأجل نقصان أنفسنا بمحروميّتها عن نور العلم.
إنّ الفعل الاختياريّ هو ما يكون صادراً عن الإرادة. وواضح أنّ من مقدّمات الإرادة العلم بالمراد والتصديق بفائدته، وليس للفاعل العلم بجميع خصوصيّات الفعل، مثلاً الذي يشرب الماء لا يعلم ماهيّة الماء ومقداره دقيقاً، وأيضاً لا يعلم شرائط تحقّقه وموانعه تحقيقاً وكذا لا يعلم حقيقة الشرب، فعلى هذا لا يمكن أن يحصل له الإرادة بالنسبة إلى شربه فلا يكون الفعل اختياريّا.
إنّ هذه الشبهة نشأت لأجل الخلط وعدم التمييز بين تعلّق القدرة بالفعل وبين تعلّق الإرادة به، ذلك أنّ القدرة على الفعل لا تتوقّف على العلم به من جميع الخصوصيّات وأمّا الإرادة فتعلّقها بالفعل إنّما يكون من الجهة التي هو عالم بها، مثلاً لو شرب أحد الماء النجس في شهر رمضان مع العلم بكونه مفطراً والجهل بنجاسته، فحينئذ يكون الشرب مفطرا واختياريّاً ويعاقب عليه، أمّا شرب النجس والإفطار بالحرام فلا، لأنّه لم يرده للجهل بالنجاسة، ولا ضير في أن يكون الفعل مراداً من جهةٍ وغير مرادٍ من جهة أخرى مع كونه مقدوراً.
هذا الدليل مركّب من صغرى وكبرى:
الصغرى: كلّ ممكن مقدور للّه تعالى.
الكبرى: لا يقع شيء ممّا يكون مقدوراً للّه تعالى تحت قدرة العبد واختياره، لأنّه يلزم من ذلك اجتماع قدرتين على الفعل الصادر عن العبد وهو مستحيل، لاستحالة إجتماع علّتين على معلول واحد.
فينتج: أنّ أفعالنا بما أنّها من الممكنات تكون تحت قدرة اللّه تعالى وخارجة عن سلطنتنا وقدرتنا.
إنّ المقدّمة الأولى بديهيّة ولا إشكال فيها. لكنّ الكلام في المقدّمة الثانية فإنّ فيها مغالطة بيّنة، لأنّ القدرة غير إعمال القدرة وإذا كان شيئاً مقدوراً للّه تعالى فليس بمعنى أنّه تعالى قد فعل ذلك الشيء، وإلّا فيصحّ أن يقال: «لمّا كان اللّه قادراً على خلق إنسان له عشر رؤوس فيجب أن يكون مخلوقاً»، والمستحيل هو إعمال قدرتين مستقلّتين في شيء واحد لا كون شيء واحد مقدوراً لإثنين أو أكثر مع عدم إعمال القدرة فيه إلّا من قادر وفاعل واحد، ولا يلزم من ذلك توارد علّتين على معلول واحد.
نعم إذا أعمل اللّه تبارك وتعالى قدرته في شيء من الممكنات فسوف يستحيل من العبد إعمال القدرة فيه، ولكن ما دام أنّه تعالى لم يعمل قدرته فيه فيمكن للعبد أن يعمل قدرته فيه إذا كان مقدوراً له.
بعبارة أخرى: القدرة عبارة عن التمكّن من الفعل والترك والسلطنة عليهما بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولا يلزم من اجتماع قدرتين على مقدور واحد أيّ محذور، كما أنّ رفع هذا الحجر من الأرض مقدور لزيد وفي نفس الوقت مقدور لعمرو بمعنى كونهما
قادرين على رفعه بالاستقلال، إنّما المستحيل اجتماع قدرتين مستقلّتين على مقدور واحد وإعمالهما فيه، لا بنحو جزء العلّة. وفي ما نحن فيه إنّ حركة يد العبد مقدور للعبد وللّه تعالى ولا يلزم منه أيّ إستحالة، نعم لو أوجد اللّه تبارك وتعالى الحركة في يد العبد فلا يمكن للعبد إيجاد الحركة فيها كما أنّه لا يستطيع أن يمنعها من الحركة.
وأمّا تعلّق إرادة اللّه تعالى بالفعل الصادر عن العبد فقد مضى البحث عنه وقلنا إنّه من المحالات للزوم التناقض والخلف. إنّما تعلّقت إرادته تعالى -- في الأفعال الاختياريّة -- بكون العبد ذا مشيّة وقدرة، وأمّا الفعل والترك فلم يتعلّق إرادة اللّه تعالى بهما بل هما مرادان للعبد.
إلى هنا تمّت المناقشة في الأدلّة العقليّة التي يتمسّك بها لإثبات مذهب الجبر، وقد رأيت أنّها ليست إلّا من قبيل الشُّبهة في مقابل البديهة ولا تستحقّ التسمية بالدليل العقليّ والبرهان أبدا.
إنّ المجبّرة قد تشبّثوا لإثبات مدّعاهم بآيات وأخبار ليست ناصّة فيما ادّعوه، بل هي من المتشابهات، ولا يصحّ الاستدلال بشيء منها لوجهين:
أحدهما: إنّ الاستدلال بها ستدلال بالمجمل والمتشابه، ومن الواضح البديهيّ عدم صحّة الإستدلال بما لا يكون نصّاً في المطلوب ولا ظاهراً فيه، بل يكون من المجملات والمتشابهات، كما سيتّضح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
وثانيهما: لا وقع للإستدلال بالآيات المتشابهة وشواذّ الأخبار المتشابهة مع وجود أدلّة نقليّة قطعيّة من الآيات الناصّة على نفي الجبر، والأخبار المتواترة بل فوق التواتر الصريحة في ذلك، وكذا الآيات والأخبار الظاهرة في إسناد أفعال العباد إليهم بل الناصّة في ذلك.
ولو ثبت ظهور لما يدّعى ظهوره من الآيات والأخبار فيما ذهبوا إليه من الجبر، فلا يكون مراداً قطعاً، بل هو ظهور بدويّ يزول بالتأمّل فيما يظهر للإنسان بنور العقل، ويزول أيضاً بالتأمّل في الآيات والأخبار الصريحة في نفي الجبر وتلك الظواهر المدّعاة لو كانت ظاهرة فهي غير مرادة قطعاً بالضرورة من الدين.
وقد ذكرنا جملة من الآيات النافية للجبر في ابتداء البحث، ونذكر هنا جملة من الأخبار الدالّة على ذلك.
وكان يعلم أنّه يقول بالقدر، فقال له:
يا طاووس من أقبل للعذر من اللّه ممّن اعتذر وهو صادق في اعتذاره؟ فقال له: لا أحد أقبل للعذر منه، فقال له: من أصدق ممّن قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ فقال طاووس: لا أحد أصدق منه، فقال الصادق(علیه السلام) له: يا طاووس فما بال من هو أقبل للعذر لا يقبل عذر من قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ فقام طاووس وهو يقول: ليس بيني وبين الحقّ عداوة، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَ-جْعَلُ رِسَالَتَهُ،(1)فقد قبلت نصيحتك.(2)
هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من اللّه؟ فقال: لا، فقال: فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا يقدر؟ أيكون معذوراً أم لا؟ فقال المجبّر: يكون معذوراً،قال له: فإذا كان اللّه يعلم من عباده أنّهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم يوم القيامة: يا ربّ ما قدرنا على طاعتك لأنّك منعتنا منها أما يكون قولهم وعذرهم صحيحاً على قول المجبّرة؟ فقال: بلى واللّه فقال: فيجب على قولك أن اللّه يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحداً أبداً وهذا خلاف قول أهل الملل كلّهم. فتاب المجبّر من قوله بالجبر في الحال.(3)
ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل اللّه، يقول اللّه تعالى للعبد: لم عصيت؟ لم فسقت؟ لم شربت الخمر؟ لم زنيت؟ فهذا فعل العبد؛ ولا يقول له: لم مرضت؟ لم قصرت؟ لم ابيضضت؟ لم اسوددت؟ لأنه من فعل اللّه تعالى.(4)
عبيد وإلى واصل بن عطا وإلى عامر الشعبيّ أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصريّ: إنّ أحسن ما انتهى إليَّ ما سمعت أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالب(علیهما السلام) أنّه قال:
أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك؟ وإنّما دهاك أسفلك وأعلاك، واللّه برئ من ذاك. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیهما السلام): لو كان الزور في الأصل محتوماً كان المزوّر في القصاص مظلوماً. وكتب إليه واصل بن عطا: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين عليّ بن أبيطالب(علیهما السلام): أيدلّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق؟. وكتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالب(علیهما السلام): كلّ ما استغفرت اللّه منه فهو منك، وكلّ ما حمدت اللّه عليه فهو منه. فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجّاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عين صافية.(1). روى الصدوق بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى بن جعفر(علیهم السلام) يقول:
من قال بالجبر فلا تعطوه من الزكاة ولا تقبلوا له شهادة، إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَی(2).(3)
يا ابن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمّة(علیهم السلام) في التشبيه والجبر أكثر أم الأخبار التي رويت عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) في ذلك؟! فقلت: بل ما روي عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) في ذلك أكثر، قال: فليقولوا: إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) كان يقول
بالتشبيه والجبر إذاً، فقلت له: إنّهم يقولون: إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لم يقل من ذلك شيئاً وإنّما روي عليه، قال: فليقولوا في آبائي(علیهم السلام): إنّهم لم يقولوا من ذلك شيئاً وإنّما روي عليهم، ثمّ قال(علیه السلام): من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه براء في الدنيا والآخرة، يا ابن خالد إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة اللّه، فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا، ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا، يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتّخذنّ منهم وليّاً ولا نصيراً.(1)
الخصال: بإسناده عن عليّ بن سالم، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(علیهما السلام):أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يجلس إلى غال ويستمع إلى حديثه ويصدّقه على قوله، إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه(علیهم السلام) أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) قال: صنفان من أمّتي لا نصيب لهما في الاسلام: الغلاة والقدريّة.(2)
وبإسناده عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
صنفان من أمّتي ليس لهما في الاسلام نصيب: المرجئة، والقدريّة.(3)
إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا خلق الجنّة خلقها من لبنتين، لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة، وجعل حيطانها الياقوت، وسقفها الزبرجد، وحصبائها اللؤلؤ وترابها الزعفران والمسك الأزفر، فقال لها: تكلّمي، فقالت: لا إله إلّا أنت الحيّ القيّوم،
قد سعد من يدخلني. فقال عزّ وجلّ: بعزّتي وعظمتي وجلالي وارتفاعي لا يدخلها مدمن خمر، ... ولا قاطع رحم، ولا قدريّ.(1)
بل يخيّرهم ويمهلهم حتّى يتوبوا، قلت: فهل يكلّف عباده ما لا يطيقون؟ فقال: كيف يفعل ذلك وهو يقول: وَمَا رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ(2)؟ ثمّ قال(علیه السلام): حدّثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد(علیهم السلام) أنّه قال: من زعم أنّ اللّه يجبر عباده على المعاصي أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلّوا ورائه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا.(3)
التوحيد و معاني الأخبار: بإسناده عن أبي أحمد محمّد بن أحمد بن الزاهد السمرقنديّ بإسناد رفعه إلى الصادق(علیه السلام) أنّه سأله رجل فقال له:إنّ أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير لابدّ لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه، ويتهيّأ حفظه. فقال: أمّا التوحيد فأن لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك، وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه.(4)
نهج البلاغة: سئل(علیه السلام) عن التوحيد والعدل، فقال:
التوحيد أن لا تتوهّمه والعدل أن لا تتّهمه.(5)
ألا أعطيك جملة في العدل والتوحيد؟ قال: بلي جعلت فداك، قال: من العدل أن لا تتّهمه، ومن التوحيد أن لا تتوهّمه.(6)
1) 367.. الخصال، ج2، ص435، ح22؛ بحارالأنوار، ج5، ص10، ح15.
2) 368.. فصّلت41.، الآیة 46.
3) 369.. عیون اخبار الرضا(علیه السلام)، ج1، ص123؛ بحارالأنوار، ج5، ص11، ح17.
4) 370.. التوحید، ص96، ح1؛ بحارالأنوار، ج5، ص16، ح23.
5) 371.. نهج البلاغة، الحکمة 470، ص558.
6) 372.. اعلام الدین فی صفات المؤمنین، ص318؛ بحارالأنوار، ج5، ص58، ح106.
ما عرف اللّه من شبّهه بخلقه، ولا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده ... .(1)
اللّه أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذّبهم، قال: فمطلقون؟ قال: اللّه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.(2)
فهذا ردّ على المجبّرة الذين زعموا أنّ الأفعال للّه عزّ وجلّ، ولا صنع لهم فيها ولا اكتساب، فردّ اللّه عليهم فقال: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ،(4)ولم يقل: بفعلنا لأنّه عزّ وجلّ أعدل من أن يعذّب العبد على فعله الذي يجبره عليه.(5)
وجدت لأهل القدر أسماءً في كتاب اللّه: إِنَّ الْمُ--جْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(6)فهم المجرمون.(7).
1) 373.. التوحید، ص47، ح9؛ بحارالأنوار، ج5، ج29، ح34.
2) 374.. الطرائف فی معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص330؛ بحارالأنوار، ج5، ص59، ح110.
3) 375.. العنكبوت29.، الآیة 39.
4) 376.. العنكبوت29.، الآیة 40.
5) 377.. تفسیر القمّيّ، ج2، ص150؛ بحارالأنوار، ج5، ص17، ح24.
6) 378.. القمر54.، الآیة 47-49.
7) 379.. بحارالأنوار، ج5، ص17، ح25، لا يخفى أنّ أهل القدر كما يطلق على المجبّرة، يطلق على المفوّضة أيضاً ولعلّ المراد من أهل القدر في خصوص هذا الخبر هم المفوّضة و في تفسیر القمّيّ، ج2، ص342 (اسماً) بدل «أسماءً» مع اختلاف في السند.
كذلك إذ خرج غلام حدث، فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة فقال: يا بن مسلم من هذا؟ قال هذا موسى ابنه، قال: واللّه لأجبهنّه بين يدي شيعته، قال: مه لن تقدر على ذلك، قال: واللّه لأفعلنّه، ثمّ التفت إلى موسى(علیه السلام) فقال: يا غلام أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه؟ قال:
يتوارى خلف الجدار، ويتوقّى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء، ثمّ قال: يا غلام ممّن المعصية؟ قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله، وإمّا أن تكون من العبد ومن اللّه واللّه أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه، وإمّا أن تكون من العبد وليس من اللّه شيء فإن شاء عفى وإن شاء عاقب.
قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنّما ألقم فوه الحجر، قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرّض لأولاد رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم)؟
وفي ذلك يقول الشاعر هذه الأبيات:
لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ بها إحدى ثلاث معان حين نأتيها
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها فيسقط اللوم عنّا حين ننشيها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها
أولم يكن لالهي في جنايتها ذنب فما الذنب إلّا ذنب جانيها(1)
روي عن محمّد بن أحمد بن شاذان القميّ، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أيّوب بن نوح، عن الرضا، عن آبائه(علیهم السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):خمسة لا تطفئ نيرانهم، ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك، ورجل عقّ والديه، ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله، ورجل قتل نفساً بغير نفس، ورجل أذنب وحمّل ذنبه على اللّه عزّ وجلّ.(2)
الطرائف: روى جماعة من علماء الاسلام، عن نبيّهم(صلی الله علیه آله و سلم) أنّه قال:
لعنت القدريّة على لسان سبعين نبيّاً؛ قيل: ومن القدريّة يا رسول اللّه؟ فقال: قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها.(1)
أخبرني بأعجب شيء رأيت، قال رأيت قوماً ينكحون أمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء اللّه تعالى علينا وقدره؛ فقال النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم): سيكون من أمّتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمّتي.(2)
يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي، ويقولون: إنّ اللّه قد قدّرها عليهم، الرادّ عليهم كشاهر سيفه في سبيل اللّه.(3)
اللّه أعدل من ذلك؛ فقلت له: فمفوّض إليهم؟ فقال: هو أعزّ من ذلك، فقلت له: فصف لنا المنزلة بين المنزلتين، فقال: الجبر هو الكره، فاللّه تبارك وتعالى لم يكره على معصيته، وإنّما الجبر أن يجبر الرجل على ما يكره وعلى ما لا يشتهي، كالرجل يغلب على أن يضرب أو يقطع يده، أو يؤخذ ماله، أو يغصب على حرمته، أو من كانت له قوّة ومنعة فقهر، فأمّا من أتى إلى أمر طائعاً محبّاً له يعطى عليه ماله لينال شهوته فليس ذلك بجبر، إنّما الجبر من أكرهه عليه، أو اغضب حتّى فعل ما لا يريد ولا يشتهيه، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعل لهم هوى ولا شهوة ولا محبّة ولا مشية إلّا فيما علم أنّه كان منهم، وإنّما يجرون في علمه وقضائهوقدره على الذي في علمه وكتابه السابق فيهم قبل خلقهم، والذي علم أنّه غير كائن منهم هو الذي لم يجعل لهم فيه شهوة ولا إرادة.(4)
1) 382.. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص344؛ بحارالأنوار، ج5، ص47، ح73.
2) 383.. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص344؛ بحارالأنوار، ج5، ص47، ح74.
3) 384.. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص344؛ بحارالأنوار، ج5، ص47، ح75.
4) 385.. الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا(علیه السلام)، ص348؛ بحارالأنوار، ج5، ص54، ح90.
وتدلّ على بطلان الجبر طوائف من الأخبار وإن لم تكن واردة في خصوص نفي الجبر:
منها: ما ورد من الأمر والنهي خصوصاً بالنسبة إلى الأفعال النفسانيّة، كوجوب حبّ النبيّ وآله صلوات اللّه عليه وعليهم، ووجوب بغض أعدائهم، وكحرمة التفكّر في ذات اللّه تعالى، والنهي عن التفكّر في الذنب، وكراهة الحسد ما لم يظهر على الأركان. فجميع هذه الأفعال الإراديّة اختياريّة مع أنّها من مقدّمات كون الفعل إراديّة (على مذهب الفلاسفة)، وقد ذهب علماء البشر إلى أنّها غير اختياريّة عند بيان حقيقة الإرادة. ويبطل قولهم بالجبر حينما نرى أنّه قد تعلّق الأمر والنهي بتلك الأفعال الجوانحيّة -- مع أنّها من مقدّمات الفعل الإراديّ حيث إنّ الفعل الإراديّ على مبناهم يتوقّف على عدّة مقدّمات منها التصوّر -- بالضرورة من الدين، وهذا برهان قويّ على أنّها اختياريّة ومقدورة للإنسان.
ومنها: ما دلّ على نفي الشباهة بين الأفعال الصادرة عن المخلوق والأفعال الصادرة عن اللّه تعالى فإنّ فيها شواهد على أنّه هناك مخلوق وهناك فعل يستند إليه ولا يشبه هذا الفعل فعل الربّ المتعال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.(1)
في الخبر عن أبي الحسن الثالث(علیه السلام) أنّه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال(علیه السلام):
لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها وقد قال سبحانه: أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(2)ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم.(3)
إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. ويناسب المقام ذكر هاتين الحكايتين لاشتمالهما على الاحتجاج على المجبّرة:
الطرائف: ومن الحكايات ما روي:
أنّ بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبّرة، فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلة والإطالة لكنّيأسمع في القرآن قوله تعالى: كُلَّمَا أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ(1)ومفهوم هذا الكلام عند كلّ عاقل أنّ الموقد للنار غير اللّه، وأنّ المطفئ للنار هو اللّه، وكيف تقبل العقول أنّ الكلّ منه؟ وأنّ الموقد للنار هو المطفئ لها؟ فانقطعوا ولم يردّوا جوابا.
ومن الحكايات: أنّ جماعة من اليهود اجتمعوا إلى أبي بحر الخاقانيّ فقالوا له ما معناه: أنت سلطان عادل منصف، ومن المسلمين في بلدك المجبّرة وهم الذين يعوّلون عليهم في الأقوال والأفعال، وهم يشهدون لنا أنّنا لا نقدر على الاسلام ولا الإيمان، فكيف تأخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الإسلام ولا الإيمان؟! فجمع المجبّرة وقال لهم: ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم؟ فقالوا: كذا نقول: إنّهم لا يقدرون على الإسلام والإيمان. فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه فنفاهم.(2)
وممّا يقال للمجبّرة وهو من طرائف ما يحتجّ به عليهم: أنّه لو كان الأمر كما تقول المجبّرة من أنّ كلّ ما في الوجود من الأفعال والأحوال الصادرة عن بني آدم أنّها أفعال اللّه خاصّة، ما كان قد ورد في القرآن ولا في السنّة لفظ ضلال أحد ولا كفره وفاحشة ولا منكر ولا فساد ولا ظلم ولا عناد ولا غير ذلك من أنواع النقائص والرذائل، ولا كان يوجد كافر ولا جاحد ولا معاند ولا كان يقع في الكفّار سبّ للّه تعالى ولا لأنبيائه، بل ما كان يقع بين اثنين والأكثر سباب ولا افتراق ولا منازعة ولا شقاق، لأنّه إذا كان كلّ ذلك من اللّه تعالى فكلّه هدى وإيمان وصلاح ووفاق وتمام و اتّفاق، ولأنّه ما كان اللّه -- تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً -- يسبّ نفسه ولا يجحد نفسه ولا يعاند نفسه ولا يعاقب نفسه ولا يخالف نفسه ولا يعادي نفسه ولا ينازع نفسه ولا يذمّ نفسه، لأنّه إذا كان الكلّ منه فهذه المنازعات والمناقضات بين من ومن ولمن؟ وإذا اعتبرت أفعال العباد وما جرى منها ويجري فيها من الفساد والنقائص والتضادّ علمت على اليقين أنّها ليست
أفعال إله واحد وفاعل واحد قد أطبق العارفونبه إنّه أحكم الحاكمين فكيف التبس ذلك على من يقال إنّه من عقلاء المسلمين.(1)
إذا عرفت ذلك يتّضح لك أنّ الأئمّة(علیهم السلام) كيف واجهوا فكرة المجبّرة وردّوا عليهم فانظر إلى الوجوه النقليّة التي ادّعى المجبّرة أنّها تدلّ على الجبر، فأعرضوا عن المحكمات ورفعوا اليد عن النصوص لأجل المتشابهات التي لاظهور لها فيما ادّعوه. نعم إنّ الذين في قلوبهم زيغ يتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
قوله تعالى:
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.(2) تقريب الاستدلال: إنّ اللّه تعالى قد نفى إسناد القتل الصادر عن المؤمنين إليهم، وكذلك سلب إسناد الرمي الصادر عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) عنه، بل نسب القتل والرمي إلى نفسه تعالى. فيظهر أنّ الإنسان ليس إلّا مجرّد محلّ لظهور فعل اللّه تعالى على يده وليس الفاعل الحقيقيّ إلّا اللّه تعالى.
أنّه بناءاً على مقالة المجبّرة تكون جميع الأفعال الصادرة عن جميع العباد منسوبة إلى اللّه تعالى، ولا خصوصيّة في فعل دون آخر وفي فاعل دون فاعل ليكون بعض الأفعال مستنداً إليه دون سائرها. والمستفاد من الآية الكريمة وجود خصوصيّة في القتل الصادر عن المؤمنين دون الكافرين، وكذا في الرمي الصادر عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) في هذه الغزوة دون سائر الرميات ودون سائر الأفعال ودون سائر الغزوات. وهذه الخصوصيّة هي التي سوّغت إسناد
الفعلين في تلك الواقعة إلى اللّه تعالى ونفيهما عن العبد، فلو كان المقصود من الآية المباركة نفي إسناد كلّ فعل يصدر عن كلّ فاعل وإسناده إلى اللّه تعالى فلا وجه لاختصاصه بالقتل والرمي المذكور في خصوص تلك المعركة، بل لابدّ من إسناد جميع الأفعال إلى اللّه تعالى ونفيها عن العباد.وإذا دقّقنا النظر في الآية الكريمة وفي تفسيرها وشأن نزولها نجد أنّ الآية إنّما هي في مقام بيان امتنان اللّه تعالى ولطفه وعنايته للنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) والمسلمين في غزوة بدر الكبرى، حيث إنّه لمّا فزع أصحاب رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) من كثرة قريش تضرّعوا واستغاثوا فأنزل اللّه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.(1)
ثمّ أرسل اللّه تعالى ملائكته لنصرهم حتّى ظفروا على عدوّهم مع قلّة عددهم وضعفهم وكثرة أعدائهم وقوّتهم. وهكذا منّ اللّه على رسوله(صلی الله علیه آله و سلم) حينما أخذ كفّاً من الحصى فرمى به في وجوه الكفّار، وقال: شاهت الوجوه فلم يبق أحد من قريش إلّا وامتلأت عيناه من الحصى. وواضح أنّ ذلك القتل وهذا الرمي ليس في طاقة البشر، بل اللّه تعالى هو الذي أظهر هذه المعجزات إثباتاً لنبوّة رسوله ونصرة لدينه.
في البرهان: بإسناده عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (2)أنّ النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) قال لعليّ(علیه السلام):
ناولني كفّاً من حصباء، فناوله ورمى به في وجوه قريش، فما بقي أحد إلّا وقد امتلأت عيناه من الحصباء.(3)
و الحاصل أنّ نفي القتل عن المؤمنين في الآية المباركة إنّما هو لأجل أنّ قتل أغلب الكفّار في تلك الغزوة كان بيد الملائكة، ولذا نفى اللّه تعالى إسناد القتل إليهم وأسنده إلى نفسه.
والفرق بين نفي القتل عن المؤمنين ونفي الرمي عن رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) واضح، إذ القتل نفي عنهم من دون إسناده إليهم، بخلاف الرمي فإنّه نفي عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) مع إسناده إليه.
ووجه ذلك: أنّ قتل الكفّار لمّا كان بيد الملائكة غالباً فلذا لم يُسند إلى المؤمنين وأسند إلى الباري تعالى. وأمّا نفي الرمي عن رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) فلأجل أنّ الرمي الذي كان أثره ما أشرنا إليه -- من امتلاء عيون قريش من الحصى -- ليس فعل النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، بل الصادر عنه هو نفس الرمي، لا الرمي المشار إليه بذلك الأثر الخاصّ.وخلاصة الكلام: إنّ الفرق بين الأفعال العاديّة الصادرة عن العباد مع المعجزات واضح لا يخفى على أحد، والرمي في الآية من معجزات النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) ولذا أسند إليه تعالى، ومحلّ الكلام إنّما هو في الأفعال العاديّة لا المعجزات.
هذا هو العمدة في الجواب، ومع الغضّ عن ذلك يمكن أن يجاب عنه بما أوضحناه في محلّه: من أنّ اللّه تعالى أولى بحسنات العباد منهم، فإنّ الجهاد في تلك المعركة من الحسنات، وكان المسلمون في معرض العُجب، لما حصل لهم من الظفر على المشركين مع كثرتهم، وعليه فيحتمل أن تكون الآية في مقام إفادة ما يستفاد من الحديث القدسيّ.
عن صفوان بن يحيى، عن أبى الحسن(علیه السلام) قال: قال اللّه تبارك وتعالى:
ابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذاك أنّي لا أُسأل عمّا أفعل وهم يسألون.(1)
1) 396.. البرهان في تفسیر القرآن، ج2، ص131، ح2569؛ بحارالأنوار، ج5، ص56، ح99.
وهي على طائفتين:
الأولى: ما دلّ على أنّ هداية العبد وإضلاله ابتداءً بيد اللّه تعالى كقوله تعالى:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ.(1) الثانية: ما دلّ على أنّ إضلال العبد بعد الهداية بيد اللّه تعالى مثل قوله تعالى:
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(2)ويستفاد من كلتا الطائفتين (على ما توهّمه المجبّرة) أنّ ضلال العبد يستند إلى إضلاله تعالى فهو لا يضلّ بنفسه عن الهدى بل يضلّ بإضلاله تعالى.
الهداية تارة تكون بمعنى إرائة الطريق، مثل قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ.(3)وأخرى تكون بمعنى التوفيق ومزيد الهداية كقوله تعالى: وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً،(4)وقوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ.(5)وثالثة تكون بمعنى الإيصال إلى المطلوب مثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِ-حَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَ-جْرِي مِن تَ-حْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(6)كما ورد في تفسير الآية.(7)
إنّ اللّه تبارك وتعالى يضلّ الظالمين عن دار كرامته ويهدي أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنّته كما قال: وَيضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيفْعَلُ اللهُ مَا يشَاءُ(ابراهیم14.، الآیة27)، وقال عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(یونس10.، الآیة9).
تفسير نور الثقلين، ج3، ص294، ح19؛ بحارالأنوار، ج5، ص199، ح21.
1) 397.. البقرة2.، الآیة 26.
2) 398.. توبة9.، الآیة 115.
3) 399.. الانسان76.، الآیة 3.
4) 400.. مریم19.، الآیة 76.
5) 401.. محمّد47.، الآیة 17.
6) 402..یونس 10.، الآیة 9.
7) 403.. عن عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد(علیهما السلام) عن قول اللّه عزّو جلّ: مَنْ يهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِياً مُرْشِداً (الکهف18.، الآیة17) فقال:
والإضلال يقابل الهداية فهو إمّا بمعنى ترك الهداية وعدم إرائة الطريق، وإمّا بمعنى الخذلان وإيكال العبد إلى نفسه، وإمّا بمعنى الإيقاع في الهلكة، سواء كانت الهلكة هي المعصية أو الدخول في النار.
غير خفيّ أنّ استدلال المجبّرة إنّما يبتني على كون الهداية والإضلال بمعنى إرائة الطريق وعدمها، فالذي أضلّه اللّه ولم يبيّن له طريق الخير عن الشرّ لا يستطيع أن يختار جانب الخير ويجتنب عن الشرّ دون من هداه اللّه. لكن استدلالهم مردود من وجوه:
الأوّل: إنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى فإنّ غاية ما يمكن أن يقال هو الجبر لمن أضلّه اللّه ولم يبيّن له طريق الخير والشرّ، وأمّا بالنسبة إلى من هداه اللّه وأراه رشده وغيّه فلا، فإنّ إرائة الطريق لا يستلزم الإلجاء كما هو واضح.
الثاني: إنّ اللّه تعالى يصرّح في آيات كثيرة من الذكر الحكيم أنّه قد هدى جميع المكلّفين وأراهم طريق رشدهم وغيّهم، وألهمهم فجورهم وتقواهم، فلا يمكن أن يراد من إضلال اللّه تعالى عدم البيان وعدم إرائة الطريق. قال تعالى:
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَی؛(1) وأَلَمْ نَ-جْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ؛(2)
وقُلْ فَلِلهِ الْ-حُجَّةُ الْبَالِغَةُ؛(3)
ولِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ؛(1)
وإِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ.(2)
إلى غير ذلك من الآيات الباهرات في القرآن الكريم.
ومنه تعرف أنّ الهداية في الآيات التي أُسند فيها الإضلال إلى اللّه تعالى لا تكون بمعنى إرائة الطريق. كما في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ.(3)فإنّه بمقتضى وحدة السياق لا يمكن أن يراد من الهداية إرائةَ الطريق لعدم إمكان إرادة هذا المعنى من الضلالة.
نعم قد جاء الإضلال -- في ظاهر بعض الأخبار -- بمعنى عدم هدايته تعالى وعدم بيانه الحقّ للعباد، كما كانوا في زمن الفترة فكانوا ضُلّالاً على ما جاء في الخبر.(4)
كان هذا قبل نوح أمّة واحدة فبدا للّه فأرسل الرسل قبل نوح، قلت: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟ قال: بل كانوا ضُلّالاً، كانوا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين.
تفسير العيّاشي، ج1، ص104، ح306؛ البرهان في تفسیر القرآن، ج1، ص450، ح1106.
ولكنّه تعالى لا يكلّفهم ولا يعذّبهم مع حرمانهم الهدى. قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً.(5)الثالث: غير خفيّ أنّ إرائة طريق الخير والشرّ إنّما يصحّ ويعقل بالنسبة إلى من يقدر على اختيار الخير أو الشرّ والطاعة أو المعصية، فإنّه لو لم يكن قادراً على ذلك يكون إرائة الطريق له لغواً وقبيحاً لا يصدر عن الحكيم قطعاً، فلو كانت تلك الآيات دالّة على الجبر تكون نافية وناقضة لمدلول نفسها، فإنّها تدلّ على أنّ اللّه تعالى قد أضلّ قوماً وهدى آخرين، وكيف يمكن ذلك مع كونهم مجبورين؟ هل يتصدّى الحكيم لهداية من لا اختيار
له ولا قدرة على اتّباع الهداية أو الضلالة؟ قال اللّه تعالى:إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.(1)
الرابع: من الواضح أنّه لا معنى للإزراء والتوبيخ على مَن يختار المعصية والشرّ إذا كان مجبوراً بالنسبة إلى ذلك الاختيار. وحينئذٍ كيف عاتب اللّه تعالى الذين لم يهتدوا وضلّوا إذا كان الإضلال يؤدّي إلى الجبر؟ فإنّك ترى أنّ اللّه تعالى يعاتب الضالّين في الآيات الدالّة على أنّ اللّه هو الذي أضلّهم، فلابدّ أن يكون الإضلال فيتلك الآيات بمعنى لا يستلزم منه الجبر، وإلّا تكون تلك الآيات عذراً لهم لا توبيخاً وإزراءً كما هو مساق الآيات. قال تعالى:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْ-حَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ؛(2) وأَلَمْ نَ-جْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ.(3)
معناه أنّه تعالى هداه النجدين ولم يتركه أعمى فلماذا يختار العصيان والكفر؟
ويشهد على ما ذكرنا -- من أنّ الإضلال المسند إلى اللّه تعالى لابدّ أن يفسّر بوجه لا ينافي قدرة العبد واختياره --، أنّ الإضلال في الآيات أُسند تارة إلى اللّه تعالى، وأخرى إلى الشيطان، وثالثة إلى أئمّة الضلال كالسامريّ وفرعون، ورابعة إلى نفس الإنسان العاصي، قال اللّه تعالى:
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَی؛(4) وقَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ؛(5)
ووَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً؛(6)
وقُل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْ-حَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ؛(1)
ورَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِن لَا تَعْلَمُونَ؛(2)
ووَمَا يُضِلُّونَ إلنا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ؛(3)
ووَمِنَ النَّاسِ مَن يُ-جَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ.(4)
ومقتضى الجمع بين جميع تلك الآيات هو أنّ الأهواء والشيطان وأئمّة الضلال تضلّ الإنسان وتدعوه وتهديه إلى الكفر والعصيان فيكفر هو ويعصي بالقدرة وسوء الاختيار فيستحقّ بذلك الإضلال من اللّه تعالى.
وبعد ذلك يصحّ إسناد الإضلال إلى المذكورين وإسناده إليه تعالى لأجل أنّه تعالى جعل سنّته التكوينيّة على إضلال من عصاه مع القدرة والاختيار.
مضافاً إلى أنّ المستفاد من الأدلّة النقليّة الصريحة القطعيّة هو أنّه ما لم يأت الأجل يكون طريق التوبة والإنابة إلى الربّ المتعال مفتوح. قال اللّه تعالى:تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً.(5)
وعن مولانا السجّاد(علیه السلام) في مناجاته:
أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك سمّيته التوبة.(6)
وقال مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام) في حديث الأربعمائة:
باب التوبة مفتوح لمن أرادها، تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ.(1)وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم. فما زالت نعمة ولا نضارة عيش إلّا بذنوب اجترحوا إنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد، ولو أنّهم استقبلوا ذلك بالدعاء والإنابة لما تنزل، ولو أنّهم إذا نزلت بهم النقم وزالت عنهم النعم فزعوا إلى اللّه عزّوجلّ بصدق من نيّاتهم ولم يهنوا ولم يسرفوا لأصلح اللّه لهم كلّ فاسد، ولردّ عليهم كلّ صالح.(2)
فظهر أنّ الهداية في تلك الآيات ليست بمعنى إرائة الطريق، والإضلال ليس بمعنى عدم البيان وترك الهداية.
أمّا لو كانت الهداية والإضلال في الآيات بالمعنى الثاني أي التوفيق والخذلان فنقول:
أوّلاً: سيجيء الكلام في معنى التوفيق والخذلان وأنّ موضوعهما الإنسان بما له من القدرة والاختيار.
وثانياً: إنّ الخذلان إنّما يكون عقاباً على العاصي لما فعله بسوء اختياره، وهكذا زيادة التوفيقات تكون جزاء للمطيع وما عمل بحسن اختياره. قال اللّه تعالى:
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا؛(3) ووَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً؛(4)
وأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؛(5)
وكذلك سائر الآيات التي أُسند الإضلال فيها إلى اللّه تعالى في قبال إسناد الهداية إليه، ففي جميعها نرى أنّ فعلاً اختياريّاً أُسند إلى العبد وقد جازاه اللّه تعالى على ذلك بالتوفيق والخذلان على حسب اختياره، كما في الآية المباركة:
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلنا الْفَاسِقِينَ.(1)
أمّا لو كانت الهداية بمعنى إيصال العبد إلى الجنّة أو إلى طريق يُوصِله ولو جبراً إليها، فالإضلال يكون بمعنى إيصال العبد إلى الجحيم أو إلى طريق يُلجِئه إليها.
فنقول: بعد ما ظهر بنور العقل وثبت بالأدلّة القطعيّة النقليّة اختيار العبد وقدرته وأنّ الثواب والعقاب لا يترتّبان إلّا على الأفعال الاختياريّة من الطاعة والمعصية، فلابدّ من أن يكون إسناد الهداية والإضلال بهذا المعنى بعد صدور الأفعال الاختياريّة عن الإنسان، بحيث تكون الأفعال مقدّمة وسبباً لاستحقاق الهداية والإضلال من اللّه. والهداية والإضلال بهذا المعنى المسبوق بالفعل الاختياريّ غير مناف للاختيار كما اشتهر من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار -- بالمعنى الذي بيّنّاه لا كما فسّره أهل المعقول -- وقد مرّ توضيح ذلك.
ثمّ لا يخفى أنّ هذا المعنى من الإضلال المسند إلى اللّه تعالى إنّما يكون جرياً على المتعارف في هذه المباحث، ويظهر لك بعد الرجوع إلى الآثار الواردة عن المعصومين سلام اللّه عليهم أجمعين في تفسير تلك الآيات ما يزيل جميع الشبهات، ويظهر لك أيضاً معان أخرى دقيقة لطيفة لا يدركها إلّا أولو الألباب الذين نوّر اللّه تعالى قلوبهم بحقيقة العلم نظير ما سيجيىء عن مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام).
إنّ الهداية قد تكون بمعنى المصدر ويعبّر عنه بالفارسيّة: ب-- «راهنمايى كردن» وقد تكون
1) 429.. البقرة2.، الآیة 26.
بمعنىاسم المصدر أي نتيجة المصدر وحاصله ويعبّر عنها بالفارسيّة: ب-- «هدايت شدن»، ومعناها المصدريّ قد يكون بمعنى إرائة الطريق، وقد يكون بمعنى الإيصال إلى المطلوب.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الهداية والمعرفة فعل اللّه تعالى وصُنعه كما يشهد لذلك آيات وأخبار كثيرة.(1)وقد هدى جميع المكلّفين بمعنى إرائة الطريق كما قال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(2)فإنّه تعالى قد أكمل هدايته بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعد ما وهب العقول للعباد، وبعد أن عرّف نفسه لعباده في العوالم السابقة وفطرهم على المعرفة به، قال تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.(3) وبعد ما أرسل رسله وحججه وأنبيائه، ليثيروا لهم دفائن العقول ويذكّروهم منسيّ نعمته: لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ(4)فإنّه: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.(5)
روى الصدوق بسنده عن محمّد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسىبن جعفر(علیهما السلام) ... قلت له: فما معنى قوله(صلی الله علیه آله و سلم): إعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق اللّه؟ فقال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله
1) 430.. راجع أصول الكافي في نهاية كتاب التوحيد باب: «البيان والتعريف ولزوم الحجّة» وباب: «اختلاف الحجّة على عباده» وباب: «حجج اللّه على خلقه» وباب: «الهداية أنّها من اللّه عزّوجل» وبحار الأنوار ج5 ص220 باب: «أنّ المعرفة منه تعالى» وغير ذلك.
2) 431.. الانسان76.، الآیة 3.
3) 432.. اعراف7.، الآیتان 172-173.
4) 433.. النساء4.، الآیة 165.
5) 434.. البقرة2.، الآیة 256.
عزّ وجلّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ(1)فيسّر كلّاً لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى.(2)
وبديهيّ أنّ جميع البشر وأرباب العقول واقفون في صفّ واحد في قبال الهدايات الإلهيّة ودعوة الأنبياء وتعاليمهم(علیهم السلام)، إلّا أنّ بعضهم يؤمنون وينقادون للحقّ بمشيّتهم واختيارهم، وبعض آخر يكفرون ويجحدون بعدما تبيّن لهم الرشد من الغيّ بمشيّتهم أيضاً. قال تعالى:فَمَن شَاءَ فَلْيُوْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكُفُرْ.(3)
ولا يخفى أنّ قبول الهدايات الإلهيّة والتسليم للحقّ بعد وضوحه مشروط بشرائط ومتوقّف على مقدّمات اختياريّة:
منها: الإقبال إلى الحقّ والاعتناء بنداء العقل والفطرة؛ حيث إنّ اللّه تبارك وتعالى يذكّر الإنسان لعدّة مرّات في حياته فيتذكّر ويعلم علم اليقين أنّ الحقّ المبين هو ما عرّفه اللّه تعالى، إلّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَی * أَن رَآهُ اسْتَغْنَی،(4)فبمجرّد اشتغاله بالشهوات الدنيويّة يغفل عن تلك المعرفة، لاسيّما إذا رأى أنّ قبول تلك الهداية لا يتلائم مع مقتضيات دنياه وأهواء نفسه فيعمد إلى جحدها بعد ما استيقنتها نفسه. قال تعالى:
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.(5) ومنها: ترك التعصّب واللجاج والعناد ومتابعة الآباء والسادات والكبراء إذا تبيّن أنّهم كانوا على ضلال. قال اللّه تعالى:
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَا لَهُم بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلنا يَ-خْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ * وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلنا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.(1) ومنها: عدم الاعتناء بالشؤون الدنيويّة في مقابل الحقّ والحقيقة، فكم من إنسان اتّضح لديه الحقّ لكنّه أعرض عنه ابتغاء عرض هذا الأدنى.الاحتجاج: عن هشام بن الحكم في سؤال الزنديق عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) أنّه قال: فمن خلقه اللّه كافرا يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام):
إنّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه فعرض عليه الحقّ فجحده، فبإنكاره الحقّ صار كافراً ... .(2)
فظهر ممّا ذكرنا: أنّ هداية اللّه تبارك وتعالى -- بمعنى إرائة الطريق وإتمام الحجّة -- شملت المكلّفين بأجمعهم. حتّى أنّ اللّه تبارك وتعالى قد ألزم أعدائه والمنكرين الحجّة أكثر ممّا ألزم غيرهم، كما ورد عن عليّ بن الحسين زين العابدين وسيّد الساجدين(علیهما السلام) في زيارة أميرالمؤمنين(علیه السلام):
وألزم أعدائك الحجّة مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه.(3)
فبعد هذا كلّه لو أنكر أحد الحقّ بعد البيان، وجحد ما استيقن بعد العيان، وترك الهدايات الربّانيّة ظلماً وعتوّاً وعلوّاً واستكباراً، يستحقّ الخذلان من اللّه تعالى، وهو أن
يكله إلى نفسه فيرتكب العبد بجهله الذاتيّ جميع القبائح. كما قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
والنفس مثل أخبث الدوابّ فإن لم تعقل حارت.(1)
ويستحقّ بمقتضى الذنوب والمعاصي الصادرة عنه باختياره الطبع على القلب والعمى والصمّ. قال اللّه تعالى:
أُولٰئكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ؛(2) ووَمَا أَنتَ بِ--هَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إلنا مَ--ن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ.(3)
فلا ينتفع بالهدايات الربّانية ويتركه اللّه تبارك وتعالى في ظلمات الجهل والكفر. فيحسب أنّه يحسن صنعاً. فيُضلّه اللّه ويُخذله عقوبة على ما صنع باختياره، فقد جرت سنّة اللّه على سلب النعمة اذاي لم يراع حقّها. قال تعالى:وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ.(4)
فالإضلال المنسوب إلى اللّه بالنسبة إلى بعض المنكرين -- إذا أُخذ بظاهرها -- إنّما يكون عقوبةً على ما اختاره العبد من ارتكاب السيّئات، ومن أعظمها إنكار الحقّ بعد البيان.
و يظهر بالتأمّل التامّ في الآيات والروايات التي أُسند فيها الإضلال إلى اللّه تعالى ما ذكرناه من معنى الهداية والإضلال ونشير إلى بعضها:
منها: قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلنا الْفَاسِقِينَ.(5)
دلّت على أنّ الفسق سبب لإضلاله تعالى بهذا المعنى.
ومنها: قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا
كُلَّ آيَةٍ لَايُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ.(1) ومفادها أنه تعالى يضلّهم لما صدر عنهم من التكبّر عن قبول الحقّ.
ومنها: قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(2)
مفادها أنّ اللّه تعالى يبيّن لهم ما يلزم عليهم الاتّقاء بالنسبة إليهم ولكنّهم تركوا الاتّقاء فأضلّهم.
ومنها: قوله تعالى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ.(3)
مفادها أنّ تكرار المعصية يوجب تكذيب آيات الرحمن والاستهزاء بها.
ومنها: قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.(4)دلّ على أنّ إتّباع الهوى يكون سبباً لإضلاله تعالى العبد على علم منه بالحقّ.
ومنها: قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إلنا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛(5)
ومنها: قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ؛(1)
ومنها: قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛(2)
ومنها: قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ؛(3)
ومنها: قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ؛(4)
ومنها: قوله تعالى: اللهُ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ.(5)
أمّا الروايات فمنها: ما ورد في وصيّة الإمام أبى الحسن موسى بن جعفر الكاظم(علیهما السلام) لهشام حيث قال(علیه السلام):
يا هشام من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.(6)
دلّت على أنّ هذه الأفعال الثلاثة الاختياريّة سبب لهدم العقل الذي به يكون تمييز الحقّ من الباطل.
ومنها: ما روي عن مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام):
من عشق شيئاً أعشى (أعمى خ ل) بصره وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة.(7)
مفادها أنّ من أفرط في حبّ شيء سوف يعمى بصره عن رؤية الحقّ إذا خالفه.
ومنها: ما روي عن مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام):
من كان غرضه الباطل لم يدرك الحقّ ولو كان أشهر من الشمس، من كان مقصده الحقّ أدركه ولو كان كثير اللبس.(1)
فعلى هذا يكون طلب الحقّ والتهيّؤ لقبوله من أهمّ مقتضيات الهداية، وهذا واضح لجميع العقلاء ببركة نور العقل.
وحاصل جميع الآيات والأخبار هو أنّ الأثر التكوينيّ لتكرار الذنوب والمعاصي والإصرار عليها مع الإرادة والاختيار، وأثر الإعراض عن الحقّ بعد بيانه هو الإضلال من اللّه تعالى. ولاريب أنّ جميع الآثار التكوينيّة إنّما تؤثّر بمشيّة اللّه تعالى ولكنّه إنّما تكون بعد اختيار العبد.(2)
ولا يخفى أنّ المستفاد من الأدلّة هو أنّ الإنسان قادر على التوبة والرجوع إلى اللّه وإصلاح عيوبه ومساويه مالم تظهر علامات الموت ولم يقبل عليه سكراته، وباب التوبة مفتوح لجميع العاصين بل هي واجبة بالوجوب العقليّ ووجوبها فوريّ. قال تعالى:
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.(3) فلذا يكون اليأس من رحمة اللّه من أعظم الكبائر.
هذا كلّه بناءاً على كون المراد من الإضلال هو المعنى الظاهر منه. وأمّا لو كان بمعنى الخذلان أي: «خلوّ العبد وما يريد وسلب التوفيقات عنه وعدم عونه للأعمال الصالحة» وهو الظاهر من بعض الأخبار، فلا إشكال أصلاً كما هو معلوم وسيجيء البحث عن التوفيق والخذلان فانتظر. قال تعالى:
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْ-حَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ.(1)فترى أنّ اللّه تعالى قد خذل فرعون وملأه بإمهالهم وإعطائهم زينة الحياة الدنيا ليضلّوا عن سبيل اللّه، وما ذلك إلّا عقوبة على كفرهم وطغيانهم، كما قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.(2)
ويحتمل معنى ثالث للإضلال وهو: أن يكون بمعنى «الإهلاك» أي الإدخال في النار فعلى هذا يكون معنى أنّ اللّه يضلّ الظالمين أنّه يدخلهم في النار. ويؤيّد هذا الاحتمال تقابل الإضلال مع الهداية في هذه الآية المباركة والهداية جاءت بمعنى الإدخال في الجنّة كما مرّ.
عن عبداللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبداللّه جعفر بن محمّد(علیهما السلام) عن قول اللّه عزّو جلّ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَ-جِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً(3)فقال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى يضلّ الظالمين عن دار كرامته ويهدي أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنّته كما قال: وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ،(4)وقال عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِ-حَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَ-جْرِي مِن تَ-حْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(5).(6)
فلو كان الإضلال بهذا المعنى فلا يكون في إسناده إلى اللّه تعالى محذور أبداً ولا يلزم منه
الجبر وسلب القدرة عن العبد.
فتلخّص أنّ الإضلال المنسوب إلى اللّه تعالى إمّا أن يكون عقوبة على ما ارتكبه العبد باختياره، أو أنّه بمعنى الخذلان، أو الإهلاك، ولا يلزم محذور على جميع المعاني، ومع التنزّل يكون اللفظ مشتركاً بين المعانى الثلاثة فيكون مجملاً لعدم القرينة المعيّنة ولا يصحّ الاستدلال بالمجمل.
وهنا معنى آخر للهداية والإضلال المنسوب إلى اللّه تعالى، قد ذكره الإمام الهادي(علیه السلام). وهو أنّ اللّه تعالى قادر علىهداية الخلق وإضلالهم جبراً، ولكنّه لم يفعل ذلك. لأنّه مع الجبر لا يصحّ التكليف ولا المثوبة ولا العقوبة. فالهداية والثواب والعقاب والتكليف من اللّه تعالى، من أقوى الأدلّة على استطاعة العبد وقدرته بتمليكه اللّه تعالى إيّاه.
التحف: في رسالة الإمام الهادي(علیه السلام) في الجبر والتفويض:
... فإن قالوا: ما الحجّة في قول اللّه: يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ(1)وما أشبهها؟ قيل: مجاز هذه الآيات كلّها على معنيين: أمّا أحدهما فإخبار عن قدرته أي أنّه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء، وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب. والمعنى الآخر أنّ الهداية منه تعريفه كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ أي عرّفناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى(2)فلو جبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلّوا، وليس كلّما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجّة على محكم الآيات اللواتي أُمرنا بالأخذ بها، من ذلك قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(3)الآية، وقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(1)أي أحكمه وأشرحه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ(2)وفّقنا اللّه وإيّاكم من القول والعمل لما يحبّ ويرضى، وجنّبنا وإيّاكم معاصيه بمنّه وفضله، والحمد للّه كثيراً كما هو أهله، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطيّبين، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.(3) ولنختم الكلام في هذا المجال برواية شريفة جامعة في الجواب عن الاستدلال المذكور.
تفسير النعمانيّ: بالاسناد الآتي في كتاب القرآن عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال:
الضلالة على وجوه: فمنه محمود، ومنه مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم ومنه ضلال النسيان. فأمّا الضلال المحمود وهو المنسوب إلى اللّه تعالى كقوله:يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ(4)هو ضلالهم عن طريق الجنّة بفعلهم، والمذموم هو قوله تعالى: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ(5)وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى(6)ومثل ذلك كثير. وأمّا الضلال المنسوب إلى الأصنام فقوله في قصّة إبراهيم: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النَّاسِ(7)الآية. والأصنام لا يضللن أحداً على الحقيقة، إنّما ضلّ الناس بها وكفروا حين عبدوها من دون اللّه عزّ وجلّ. وأما الضلال الذي هو النسيان فهو قوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى.(8)وقد ذكر اللّه تعالى الضلال في مواضع من كتابه: فمنهم ما نسبه إلى نبيّه على ظاهر اللفظ كقوله سبحانه: وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى(9)معناه وجدناك في قوم لا يعرفون نبوّتك فهديناهم بك؛ وأمّا الضلال المنسوب إلى اللّه تعالى الذي هو ضدّ الهدى والهدى هو البيان، وهو معنى قوله سبحانه: أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ(10)
1) 472.. الزمر39.، الآیتان 17-18.
2) 473.. الزمر39.، الآیة 18.
3) 474.. تحف العقول، ص475؛ بحارالأنوار، ج5، ص81.
4) 475.. المدثّر74.، الآیة 39.
5) 476.. طه20.، الآیة 85.
6) 477.. طه20.، الآیة 79.
7) 478.. إبراهيم14.، الآیة 35.
8) 479.. البقرة2.، الآیة 282.
9) 480.. الضحى93.، الآیة 7.
10) 481.. السجدة32.، الآیة 26.
معناه: أو لم أبين لهم، مثل قوله سبحانه: فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى(1)أي بيّنا لهم، وهو قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ.(2)وأمّا معنى الهدى فقوله عزّوجل: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(3)ومعنى الهادي، المبيّن لما جاء به المنذر من عند اللّه، وقد احتجّ قوم من المنافقين على اللّه تعالى: إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا(4)وذلك أنّ اللّه تعالى لمّا أنزل على نبيّه: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(5)قال طائفة من المنافقين: مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً(6)فأجابهم اللّه تعالى بقوله: إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا إلى قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفَاسِقِينَ فهذا معنى الضلال المنسوب إليه تعالى لأنّه أقام لهم الإمام الهادي لمّا جاء به المنذر فخالفوه وصرفوا عنه، بعد أن أقرّوابفرض طاعته، ولما بيّن لهم ما يأخذون وما يذرون فخالفوه ضلّوا. هذا مع علمهم بما قاله النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، وهو قوله: لا تصلّوا عليّ صلاة مبتورة إذا صلّيتم عليّ بل صلّوا على أهل بيتي ولا تقطعوهم منّي فإنّ كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي. ولمّا خالفوا اللّه تعالى ضلّوا فأضلّوا فحذّر اللّه تعالى الأمّة من اتّباعهم فقال سبحانه: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ(7)والسبيل ههنا الوصيّ، وقال سبحانه: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ(8)الآية. فخالفوا ما وصّيٰهم اللّه تعالى به واتّبعوا أهواءهم فحرّفوا دين اللّه جلّت عظمته وشرائعه، وبدّلوا فرائضه وأحكامه وجميع ما أُمروا به، كما عدلوا عمّن أُمروا بطاعته، وأخذ عليهم العهد بموالاته، واضطرّهم ذلك استعمال الرأي والقياس فزادهم ذلك
حيرة والتباساً. ومنه قوله سبحانه: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهذَا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ(1)فكان تركهم اتّباع الدليل الذي أقام لهم ضلالة لهم فصاربهم ذلك كأنّه منسوب إليه تعالى لمّا خالفوا أمره في اتّباع الإمام، ثمّ افترقوا واختلفوا، ولعن بعضهم بعضاً واستحلّ بعضهم دماء بعض، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(2).(3)
بيان: يستفاد من الخبر معنى آخر للإضلال المنسوب إلى اللّه تعالى غير ما ذكرنا من المعانى الأربعة السالفة، وهو أنّ إسناد الإضلال إلى اللّه تعالى يكون إسناداً إلى غير من هو له لأجل أدنى مناسبة، كما في جرى النهر، وأنبت الربيع البقل، ورعى المطر. فإنّ اللّه تعالى نصب الحجّة لعباده، ومخالفة الكفّار والعصاة للحجّة هو السبب الحقيقيّ لضلالتهم فلابدّ من إسناد الإضلال إلى أنفسهم، كي يكون إسناداً إلى من هو له ويكون إسناداً حقيقيّاً. وأمّا إسناده إلى اللّه تعالى فهو لأجل المناسبة بين نصبه الحجّة لهم وعدم إيمانهم به وعصيانهم ومخالفتهم له. ولذا قال الإمام(علیه السلام):فكان تركهم اتّباع الدليل الذي أقام لهم ضلالة لهم فصار ذلك كأنّه منسوب إليه تعالى لمّا خالفوا أمره في اتّباع الإمام.(4)
ملخّص الكلام: أنّ الإضلال الذي اُسند إلى اللّه تعالى في الآيات يأتي على خمس معان:
الأوّل: عدم إرائة الطريق، وهذا هو الذي يمكن أن يستدلّ به للجبر ولكنّه مردود لما بيّنا من أنّ الهداية صنعه تعالى وقد هدى جميع المكلّفين بمعنى إرائة الطريق، نعم للاهتداء شرائط وموانع اختياريّة بيّنها اللّه تعالى.
الثاني: الخذلان وإيكال العبد إلى نفسه عقوبة على فعله وهذا ممّا لا محذور فيه.
وقد بيّن أنّه تعالى لا يضلّ أحداً إلّا بعد الاستحقاق بارتكابه المعاصي وجحده وكفرانه لنعمة الهداية.
الثالث: الإهلاك وإدخال النار وهذا أيضاً لا ضير فيه.
الرابع: أنّ اللّه لو أراد فهو قادر على إضلال الجميع جبراً لكنّه لا يعذّبهم حينئذ.
الخامس: أن يكون إسناداً إلى غير من هو له.
قد علّق القرآن الكريم مشيّة العباد على مشيّة اللّه تعالى وهذا التعليق يفيد نفي المشيّة عنهم إلّا بعد مشيّة اللّه تبارك وتعالى، قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ.(1)
ولا ريب أنّ محلّ البحث هو الأفعال المسبوقة بالمشيّة، فإنّ ما يصدر عن النائم والمغمى عليه ونحوهما خارج عن محلّ الكلام. فتوقّف مشيّة العباد على مشيّة الربّ المتعال في الأفعال التي تكون مسبوقة بالمشيّة يستلزم الجبر.
إنّ هذا التعبير ورد في موضعين من الذكر الحكيم، الأوّل في سورة الدهر قال تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّ-خَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً.(2)والثاني في سورة التكوير حيث قال تعالى: إِنْ هُوَ إلنا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.(3)
وهاتان الآيتان في سياق قوله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ،(4)ويكون مفادهما كمفادها.
توضيح ذلك: إنّ هذه الآيات في مقام بيان عدم استقلال العبد وعدم استغنائه عن الربّ المتعال، حيث إنّ حياته وعلمه وقدرته وجميع كمالاته التي منها كونه قادراً شائيّاً، إنّما تكون كلّها بإعطائه تعالى وفضله. فهو لا يشاء شيئاً إلّا بعد أن يشاء اللّه تعالى كونه ذا مشيّة، كما ورد في توحيد الصدوق(رحمه الله): بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: قلت له: إنّ أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم
بالاستطاعة، فقال لي: اُكتب:
قال اللّه تبارك وتعالى:
يا ابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قوّيت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذلك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قد نظمت لك كلّ شيء تريد.(1)
وروى أيضاً بسنده، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال:
ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك،فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال(علیه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.(2)
الأوّل: أن يكون متعلّق نفي المشيّة من العباد الفعل أو الترك، ومتعلّق إثبات المشيّة من اللّه الفعل أو الترك من العباد أيضاً باتّحاد المتعلّق فيهما، فتكون الآية هكذا: «ما تشاؤون الفعل أو الترك إلّا أن يشاء اللّه ذلك الفعل أو الترك». وهذا المعنى هو مراد المجبّرة في استدلالهم.
ولكن هذا المعنى باطل، لأنّه بعد ما شاء اللّه الفعل أو الترك، لا يبقى مجال لمشيّة العبد كي يكون له المشيّة بعد مشيّة اللّه تعالى، كما هو ظاهر الآية الشريفة.
بعبارة أخرى: أنّه لا يعقل توارد المشيّتين على الفعل أو الترك، فلو كان العبد مجبوراً في مشيّته الفعل أو الترك لا معنى لأن يكون شائيّاً، مع أنّ الآية تثبت المشيّة له.
الثاني: أن يكون متعلّق نفي المشيّة عن العباد الفعل أو الترك من العباد، ومتعلّق المشيّة من اللّه تعالى هو كون العباد ذا مشيّة وإرادة، فيكون المعنى: «ما تشاؤون الفعل أو الترك إلّا أن يشاء اللّه المشيّة لكم»، فيختلف متعلّق المشيّة في الموردين.
الثالث: أن يكون المراد من نفي المشيّة عن العباد نفي كونهم ذوي مشيّة وإرادة بنحو الإطلاق بقرينة حذف المتعلّق، ومتعلّق المشيّة في اللّه تعالى أيضاً كونهم ذوي مشيّة وإرادة، فيتّحد متعلّق المشيّة فيهما. فيكون المعنى: ليس لكم مشيّة وإرادة إلّا أن يشاء اللّه كونكم ذا إرادة ومشيّة.
ويشهد على هذا المعنى أنّ النفي في قوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ مطلق، ولم يذكر له متعلّق، وليس هكذا: «و ما تشاؤون الفعل أو الترك»، والاستثناء من النفيالمطلق إثبات المشيّة من اللّه تعالى بالنسبة إلى مشيّة العباد، فيكون المشية من اللّه هو مشيّة العبد، وكونه ذا مشيّة.
وواضح أنّ استدلال المجبّرة إنّما يتمّ على الاحتمال الأوّل وقد عرفت بطلانه. وأمّا الاحتمالان الآخران فلا يلزم منهما الجبر، بل عليهما تكون الآية نافيةً للجبر والتفويض ودالّةً على الاختيار والأمر بين الأمرين. فيكون مفاد الآية مثل ما جاء في الحديث القدسيّ:
يا ابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء.(1)
ويشهد على الاحتمالين الأخيرين ما روي في البحار عن تفسير عليّ بن إبراهيم: عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) في قوله:
... إِنْ هُوَ إلنا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين(2)لمن أخذ اللّه ميثاقه على ولايته، قلت: قوله: لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ؟(3)قال: أن يستقيم في طاعة عليّ(علیه السلام) والأئمّة من بعده، قلت: قوله: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟(4)قال: لأنّ
المشيّة إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس.(1)
فإنّ المراد من قوله(علیه السلام): لأنّ المشيّة إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس هو أنّ أمر المشيّة إلى اللّه وليس أمرها إلى الناس، ولذا لا يكون العبد ذا مشيّة إلّا بالنسبة إلى بعض الأفعال لا جميعها، فإنّه لو كان أمر مشيّة العباد بيدهم كان ينبغي أن يكون لهم المشيّة في جميع الأمور، لا بقدر ما قدّره اللّه تعالى لهم.
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) في توضيح الخبر:
لعلّ المراد أن المشيّة إنّما هي ممّا خلقها اللّه في العبد وجعله شائيّاً فلا يشاؤون إلّا بعد أن جعلهم اللّه بحيث يقدرون على المشيّة.(2)
فالاحتمالات في معنى الآية ثلاثة، واستدلال المجبّرة إنّما يصحّ على الاحتمال الأوّل وهو باطل. والمتعيّن هو الاحتمال الثاني أو الثالث للقرائن المذكورة. وغاية ما يمكن أن يقال هو أنّ الآية ليست بظاهرة فيما ذكرنا، فتكون مجملة ولا يصحّ الاستدلال بالمجمل.
قال شيخنا العلّامة آية اللّه الملكيّ الميانجيّ(قدس سره):
الآية الكريمة مسوقة في مقام التحفّظ للتوحيد وإبطال مقالة أهل التفويض المساكين، وقوله: وَلَاتَقُولَنَّ لِشَيْءٍ(3)حكم عقليّ كلّي على نحو القضيّة الحقيقيّة أي: لا يجوز لأحد ممّن عرف اللّه ووحّده أن يقول: إنّي أفعل غداً كذا وكذا ويعتقد أنّه يفعل كذا وكذا غداً من دون قيد ولا شرط، ضرورة أنّ فعل العبد كذا غداً متوقّف ومنوطة إلى إفاضة الحياة والشعور والعقل والقدرة والاستطاعة حال الفعل من اللّه تبارك وتعالى، وبديهيّ أنّه ليس الآن مالكاً للحياة والاستطاعة للعمل في الغد، فيكون قوله: أفعل كذا غداً من دون شرط واستثناء قولاً جزافاً وباطلاً.
وقوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ يفيد النفي على الإطلاق وإلنا أَن يَشَاءَ اللهُ استثناء من الأمر المنفيّ المطلق فيفيد إثبات شيء منه، أي إثبات المشيّة للناس
بمشيّة اللّه سبحانه، فيكون المعنى: ما تشاؤون إلّا أن يشاء اللّه المشيّة لكم، أي إنّكم لا تقدرون على شيء إلّا على ما أقدركم اللّه عليه، ولا تملكون شيئاً من مشيّة الفعل إلّا ما ملّكها اللّه إيّاكم.
وحيث إنّ تلك المالكيّة بتمليكه تعالى حدوثاً وبقاء، فلا محالة تكون في طول مالكيّته تعالى ويكون هو سبحانه أملك بها، فيبطل التفويض الذي سيقت الآية الكريمة لإبطاله. ويبطل الجبر أيضاً ضرورة أنّ العبد بمالكيّته الاستطاعة يملك كلا طرفي الفعل والترك، فيعلّل الفعل والترك بالاستطاعة التي يملكها باللّه. ولا يخفى أنّ المشاء في قوله تعالى: إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ هو مشيّة الناس واستطاعتهم بإقدار اللّه تعالى إيّاهم بالحقيقة على الفعل والترك وليس الفعل والترك إلّا بهذه الاستطاعة، وهي العلّة الحقيقيّة للفعل والترك.(1)
انتهى كلامه رفع مقامه.
فاتضّح أنّ الصحيح عدّ مثل هذه الآيات في ضمن الآيات الناصّة على نفي الجبر لأنّ الاستثناء بعد النفي المطلق يفيد الإثبات في الجملة، فالآية تثبت وجود المشيّة للعباد بعد تعلّق مشيّته تبارك وتعالى بكونهم ذا مشيّة.ولامجال لتوهّم تعلّق مشيّة اللّه تعالى بالفعل أو الترك الصادر عن العبد لأنّه على هذا الفرض لا يبقى مشيّة للعباد حقيقة فلا يبقى وجه لإثبات المشيّة لهم بواسطة الاستثناء، مع أنّ الظاهر أن يكون المستثنى استثناء من المستثنى منه لا من شيء آخر أجنبيّ عن المستثنى منه، والمستثنى منه في الآية مشيّة العباد لا أفعالهم. فما يشاء اللّه هو مشيّة العباد وأن يكونوا ذوي قدرة ومشيّة وإرادة وسلطنة،كما ورد في الحديث القدسيّ:
يابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء.(2)
هذا كلّه بناءاً على أن يكون المراد من الآية الشريفة نفي المشيّة من العباد مطلقاً إلّا بعد
مشيّة اللّه تعالى، وأمّا لو كان المراد نفي مشيّة العباد بالنسبة إلى الهداية والتذكّر والاستقامة في سبيل الحقّ كما يشهد لذلك صدر الآيتين، فالأمر أوضح كما بيّناه في الجواب عن الدليل الثاني، فإنّ الهداية من اللّه تعالى وليس للعباد فيها صنع وقد هدى اللّه جميع المكلّفين بمعنى إرائة الطريق، إلّا أنّ لاستدامة الهداية وازديادها مقدّمات وموانع اختياريّة، وتأثير هذه المقتضيات والموانع إنّما تكون بمشيّة اللّه تعالى، قال تعالى:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ؛(1) ووَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً؛(2)
ووَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا؛(3)
وذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ؛(4)
ووَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ.(5)
الاحتجاج: عن هشام بن الحكم في سؤال الزنديق عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) أن قال: فمن خلقه اللّه كافرا يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام):
إنّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر منبعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه، فعرض عليه الحقّ فجحده، فبإنكاره الحقّ صار كافراً ... .(6)
عن المدائنيّ عن أبي عبد اللّه(علیه السلام)، قال: سمعته(علیه السلام) يقول: كان أبي يقول:
إنّ اللّه قضى قضاء حتماً أن لا يُنعم على عبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتّى يحدث
العبد ذنباً يستحقّ ذلك النقمة.(1)
زبدة القول: أنّ هذه الآيات كسائر الآيات الدالّة على أنّ الهداية والإضلال من اللّه تبارك وتعالى وليست بصدد بيان أنّ اللّه تعالى أراد الهداية والضلالة في حقّ أي عبد من عباده، بل إنّها دالّة على أنّ الهداية والمعرفة صنع اللّه نظير قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى.(2)وقد دلّت سائر الآيات على أنّ اللّه تبارك وتعالى شاء الهداية بالنسبة إلى من أوجد المقتضيات ورفع الموانع بقدرته واختياره بعد أن هدى الجميع ابتداءا.
ويمكن الجواب عن الاستدلال بهاتين الآيتين مضافاً إلى ما ذكرنا، بأنّهما يختصّان بالذين تكون قلوبهم أوعية لمشيّة اللّه تبارك وتعالى ووكراً لإرادته، كما ورد الاستشهاد بهما في كثير من الأخبار المبيّنة لفضائلهم ومناقبهم(علیهم السلام).
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله):
وفي الآية وجه آخر ذكر في الخبر السابق، وحاصله أنّ اللّه تعالى بعد أن أكمل أوليائه وحججه(علیهم السلام)، لا يشاؤون شيئاً إلّا بعد أن يلهمهم اللّه تعالى ويلقي المشيّة في قلوبهم، فهو المتصرّف في قلوبهم وأبدانهم والمسدِّد لهم في جميع أحوالهم، فالآية خاصّة غير عامّة.(3)
عن تفسير الفرات الكوفيّ قال: حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعناً: عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
يا مفضّل إنّ اللّه خلقنا من نوره وخلق شيعتنا منّا وسائر الخلق في النار، بنا يطاع اللّه وبنا يعصى [اللّه] يا مفضّل سبقت عزيمة من اللّه أن لا يتقبّل من أحد إلّا بنا ولا يعذّب أحداً إلّا بنا، فنحن باب اللّه وحجّتهوأمناؤه على خلقه وخزّانه في سمائه وأرضه، وحلالنا عن اللّه وحرامنا عن اللّه، لا يحتجب من [عن] اللّه
إذا شئنا، فهو [فمن ذلك قوله:] وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ،(1)استثناء ومن [ذلك] قوله: إنّ اللّه جعل قلب وليّه وكر الإرادة، فإذا شاء اللّه شئنا.(2)
عن البصائر: حدّثنا بعض أصحابنا عن أحمد بن محمّد السيّاريّ قال: حدّثني غير واحد من أصحابنا قال خرج عن أبي الحسن الثالث(علیه السلام) أنّه قال:
إنّ اللّه جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته، فإذا شاء اللّه شيئاً شاؤوه وهو قول اللّه وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ.(3)
الهداية الكبرى:
بإسناده عن أبي أحمد الأنصاريّ قال: وجّه قوم من المؤمنين والمقصّرة كامل بن إبراهيم المدنيّ المعروف بصناعة أبي محمّد بسامرا إلى الناحية في أمرهم، قال كامل بن إبراهيم: فقلت في نفسي: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي، وقال مقالتي، قال: فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد(علیه السلام) ... وجلست إلى باب ستر مرخي فجاءت الريح فكشفت طرفه، فإذا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربعة عشر فقال: كامل بن إبراهيم، فاقشَعريتُ من ذلك وألهمت وقلت: لبّيك لبّيك يا سيّدي، إلى أن قال(علیه السلام):
وجئت تسأله عن المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه، فإذا شاء اللّه شيئاً شئنا، واللّه يقول: مَا تَشَاؤُونَ إلّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ،(4)ثمّ رجع الستر إلى حاله فلم أكشفه، فنظر إليَّ أبو محمّد(علیه السلام) وتبسّم وقال: يا كامل بن إبراهيم، ما جلوسك وقد أنباك المهدي والحجّة بعدي بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه، قال: فنهضت وأخذت الجواب الذي أسررته في نفسيّ من الإمام المهديّ، ولم ألقه بعد ذلك.(5)
عن الكافي: عن الحسين بن محمّد، عن المعلّى عن عبد اللّه بن إدريس، عن محمّد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني(علیه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة، فقال:
يا محمّد إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيّ--ته، ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم فهم يحلّون ما يشاؤون، ويحرّمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلّا أن يشاء اللّه تبارك وتعالى. ثمّ قال: يا محمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلّف عنها محق، ومن لزمها لحق. خذها إليك يا محمّد.(1)
إنّ خلق جميع الأشياء ومنها أفعال العباد أُسند إلى اللّه تعالى في آيات كثيرة نشير إلى بعضها، قال عزّو جلّ:
ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلهَ إلنا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ؛(2) وقُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؛(3)
واللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.(4)
فيستفاد منها أنّ اللّه تبارك وتعالى خلق أفعالنا فهي ليست بحوزة قدرتنا ونحن مجبورون عليها.
إنّ المراد منها -- بحكم الانصراف -- هي المكوّنات والمخلوقات الخارجيّة كالشمس والقمر والنجوم والسماوات والأرض لا أفعال العباد، ويشهد على ذلك صدر الآيات وذيلها، لا سيّما بعد ملاحظة أمثال قوله تعالى:
أَ فَمَن يَ-خْلُقُ كَمَن لَا يَ-خْلُقُ أَ فَلَا تَذَكَّرُونَ؛(1) ووَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَ-خْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُ-خْلَقُونَ؛(2)
وخَلَقَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.(3)
و لو فرض شموها لأفعال العباد لفظاً فلا بدّ من تقييده والحكم بخروج الأفعال الاختياريّة منها بقرينة الآيات الكثيرة الدالّة على إسناد أفعال العباد إليهم نظير هذه الآيات:
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ؛(4) وبَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ؛(5)
وكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ؛(6)
وكَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ؛(7)
وإِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا.(8)
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الناصّة في إبطال الجبرو قد ذكرنا جملة منها في بداية البحث. بل ما من آية في القرآن إلّا وقد أُسند فيها فعل شيء أو تركه إلى شخص أو يكون مفادها طلب الفعل أو الترك، بل القول بالجبر خلاف ضرورة جميع الأديان الإلهيّة ويستلزم
لغويّة جميعها. مع أنّه خلاف العقل الصريح والوجدان الضروريّ، فبعد التنزّل وثبوت الظهور لها يجب تقييدها بغير الأفعال الاختياريّة لوجود تلك القرائن اليقينيّة.
في الخبر عن أبي الحسن الثالث(علیه السلام) أنّه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال(علیه السلام):
لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها وقد قال سبحانه: أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1)ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم.(2)
لكلّ فعل من أفعال الإنسان مقدّمات كثيرة خارجة عن حدّ الإحصاء بحيث لو انتفت واحدة منها لا يقدر الإنسان على إيجاد الفعل؛ مثل الحياة والعلم والقدرة وغيرها. مثلاً إنّ جميع ما يأكله الإنسان ويشربه والهواء الذي يستنشقه، وهكذا كلّ خليّة من خلا يا بدنه لها دخل في أفعاله، بحيث لو انتفى واحد منها لا يكون الإنسان قادراً على ذلك الفعل.
وجميع تلك المقدّمات إنّما تكون بيد اللّه تعالى ومشيّته وجعله التكوينيّ ما خلا إعمال القدرة وإرادة العبد، وذلك أيضاً تحت سلطانه تعالى بمعنى أنّه لولا مشيّة اللّه تعالى بتهيّؤ تلك المقدّمات ولولا أنّه شاء أن يجعل الإنسان قادراً ذا إرادة، ولولا استمرار إفاضة تلك النعم ما كان الإنسان قادراً على أن يشاء شيئاً البتّة، وقد مرّ توضيح ذلك في الجواب عن الدليل الثالث من الأدلّة العقليّة.
إذا عرفت هذا فنقول: لو فرض إسناد خلق أفعال العباد إلى اللّه تعالى لكان باعتبار تلك المقدّمات الخارجة عن اختيار العبد من الحياة والعلم والقدرة وغيرها، وأمّا إسناده إلى العبد فباعتبار كونه ذا قدرة كاملة وسلطنة تامّة وقد أراد الفعل أو الترك.
وتوهّم عدم صحّة إسناد الفعل إلى اللّه تعالى إلّا بعد كون جميع المقدّمات بيده تعالى ممنوع؛ فإنّه كثيراً ما يسند الأفعال إلى من أوجد بعض مقدّمات الفعل فقط. مثلاً يسند
الإحراق عرفاً إلى من ألقى النار على الجسم القابل للاحتراق فاحترق الجسم، مع أنّ تأثير النار للإحراق وهكذا تأثّر الجسم بالإحراق خارجان عن قدرته.
هذا مع أنّ صيرورة العبد ذا قدرة ومشيّة واختيار إنّما هو لأجل إرادة اللّه تبارك وتعالى ذلك كما قال في الحديث القدسيّ:
يابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي.(1)
والحاصل: أنّا لا نسلّم صحّة إسناد فعل العبد إليه تعالى، وأمّا كونه تعالى خالقاً لجميع الأشياء فلو كان شاملاً لأفعال العباد فالمراد من خلقه تبارك تعالى لها، إنّما هو خلقه لبعض مقدّماتها بحيث لا يلجىئ العبد ولا ينافي قدرته واختياره.
والفرق بين الطاعات والمعاصي هو أنّ اللّه تعالى نهى العبد عن المعاصي وحذّره منها وأوعده بالنار، وبالنسبة إلى الطاعات فرغّبه فيها ووعده بالجنّة ولذا يكون أولى بالحسنات من العبد ويكون العبد أولى بالسيّئات منه تعالى.
قد ورد في الروايات أنّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، بمعنى أنّ وجدان العبد العلم والقدرة والاستطاعة وكذا سائر ما به يتمكّنون ويقدرون على إيجاد الفعل يكون بتقدير اللّه تعالى وإعطائها إيّاه، فكلّها مقدّرة في علم اللّه تعالى.
والمراد من كون أفعال العباد مقدّرة أنّ اللّه تعالى عالم بمقدارها من جهة الفاعل والطول والعرض والعمق والزمان والمكان وسائر حدودها كما ورد في الروايات.
روى الصدوق بسنده عن حمدان بن سليمان قال: كتبت إلى الرضا(علیه السلام) أسأله عن أفعال العباد أمخلوقة أم غير مخلوقة؟ فكتب(علیه السلام):
1) 537.. التوحید، ص338، ح6؛ بحارالأنوار، ج5، ص56، ح99 و ص57، ح104.
أفعال العباد مقدّرة في علم اللّه عزّ وجلّ قبل خلق العباد بألفي عام.(1)
بيان: الظاهر أنّ المراد من العلم هنا هو العلم المحمول لا المكفوف، بقرينة قوله(علیه السلام): قبل خلق العباد بألفي عام. فيكون المراد من تقديره في علم اللّه تعالى هو تقدير القدرة والهداية وساير مقدّمات الفعل في قلب الحجّة(علیه السلام).
وروى أيضاً مسنداً عن الهرويّ قال: سمعت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول:
أفعال العباد مخلوقة، فقلت: يا بن رسول اللّه ما معنى مخلوقة؟ قال: مقدّرة.(2)
وروى بسنده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا(علیه السلام) فيما كتب للمأمون من محض الإسلام:
أنّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، وأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه خلق تقدير لا خلق تكوين، واللّه خالق كلّ شيء، ولا نقول بالجبر والتفويض ... .(3)
قال السيّد المرتضى(قدس سره):
أمّا أفعال العباد فليست مخلوقة للّه عزّ وجلّ، وكيف يكون خلقاً له وهي مضافة إلى العباد إضافة الفعليّة؟ ولو كانت مخلوقة لكانت من فعله، ولو كانت فعلاً له لما توجّه الذمّ والمدح على قبحها وحسنها إلى العباد، كما لا يذمّون ويمدحون بخلقهم وصورهم وهيئتهم، ولكانت أيضاً لا يتبع في وقوعهاتصوّر العباد ودواعيهم وأحوالهم. ألا ترى أنّ أفعاله في العباد التي لا شبهة فيها، ولا يتبع إرادتهم، ولا يقع بحسب تصوّرهم. هذا إن أريد بالخلق هاهنا الإحداث والإنشاء على بعض الوجوه. وإن أريد بالخلق التقدير الذي لا يتبع الفعليّة، جاز القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه عزّ وجل، فكلّ بمعنى أنّه مقدِّر لها مرتِّب لجميعها. ألا ترى أنّ أهل اللغة يسمّون مقدِّر الأديم خالقاً له وإن كان الأدم من فعل غيره. قال الشاعر:
ولأنت تعري ما خلقت وبعض * ال--ق--وم يخل--ق ث--مّ لا يعتري
وقال الآخر:
و لا تب----ط ب--أي----دي ولا أي----دي الخير إلّا جيّد الأدم
هذا جواب لمن يسأل عن أفعال العباد هل يكون مخلوقة للّه تعالى أم لا؟(1)
وقال الشيخ الصدوق(قدس سره) في الإعتقادات:
اعتقادنا في أفعال العباد أنّها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين ومعنى ذلك أنه لم يزل اللّه عالماً بمقاديرها.(2)
لا يخفى أنّ مراده(قدس سره) من قوله «لم يزل اللّه» ثبوت علمه تعالى بأفعال العباد ومن الواضح أنّ علمه تعالى بها يكون بتقديرها وثبتها في قلب المعصوم -- بأن يثبت اللّه تعالى في قلبه(علیه السلام) بأنّ العبد سيفعل كذا باختياره وقدرته -- وهو العلم المعبّر عنه في الأخبار بالعلم المحمول وإلّا فبالنسبة إلى علمه الأزليّ الغير المحمول -- وهو المعبّر عنه في الأخبار بالعلم المكفوف -- فلا تعيّن فيه فإنّه يعلم لكلّ شيء حدوداً غير متناهيّة.
قوله تعالى:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِ-جَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْ-جِنِّ وَالإِنْسِ؛(1)وإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.(2) فإنّ هذه الآيات ونظائرها تدلّ على أنّ دخول الكفّار في النار قطعيّ ولا ينفع الإنذار في حقّهم وليس ذلك إلّا لأجل كونهم مجبورين على دخولها بسبب مجبوريّتهم في اقتراف المعاصي.
قد مرّ في الجواب عن استدلال المجبّرة بالآيات الدالّة على إسناد هداية العبد وإضلاله إلى اللّه تعالى، أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الهادي والمضلّ، والهداية والضلالة بمشيّته تعالى، إلّا أنّه تعالى قد جعل لكلّ من الهداية والضلالة مقدّمات وموانع اختياريّة للعبد. فالمهتدي إنّما هداه اللّه بسبب أفعاله الاختياريّة والضالّ إنّما أضلّه اللّه بسبب أفعاله الاختيارية. وقد شاء اللّه تبارك وتعالى دخول كلّ من أعرض عن هداياته النار بعد أن خذله اللّه تعالى في دار الدنيا لنيّته على ارتكاب القبيح أو على نفس الارتكاب.
بعبارة أخرى: إنّ آية وَلَقَدْ ذَرَأْنَا ... تدلّ على أنّ فئةً من الناس يدخلون جهنّم بحكم قطعيّ وجزميّ، أمّا أنّهم من أيّ فئة ولماذا يحكم عليهم بهذا الحكم القطعيّ فالآية ساكتة عنه. وبعد المراجعة إلى سائر الآيات نجد بوضوح أنّ أفعال الإنسان التي يفعلها باختياره صارت سبباً لثبوت هذا الحكم القطعيّ بالنسبة إليه. على أنّ ذيل الآية شاهد على ما ذكرنا فإنّه تعالى يقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لَايَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا.(3)
وأمّا اللام في لِ-جَهَنَّمَ فهو للغاية لا للعلّة، والمفاد أنّ جمعاً من الجنّ والإنس يدخلون النار، لا أنّهم خلقوا لأجل أن يدخلوا النار، فإنّ العلّة لخلقهم هو الانتفاع من رحمة اللّه تعالى كما قال: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلنا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ.(1)فاللام في لِ-جَهَنَّم نظير اللام في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً،(2)أوقوله(علیه السلام): «إنّ للّه ملكاً ينادي كلّ يوم: لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب».(3)
مضافاً إلى أنّ قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا الآية، يقع في ذيل قصّة بلعم باعورا، ومن الواضح أنّ سائر الآيات الحاكية لقصّته تدلّ بالصراحة على أنّ الأفعال القبيحة الصادرة عنه بالاختيار صارت سبباً لانحطاطه. قال اللّه تعالى: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.(4)
وأمّا الآية المذكورة في سورة البقرة فلا تدلّ على أنّ جميع الكفّار هكذا، فإنّ كثيراً منهم آمنوا برسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) بعد الإنذار. فهذه الآية بصدد بيان حال جمع خاصّ منهم وهم الذين أعرضوا بعد إنذار النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم).
قال الفيض الكاشانيّ(قدس سره) في تفسير الآية:
وذلك أنّهم لمّا أعرضوا عن النظر فيما كلّفوه وقصّروا فيما أُريد منهم جهلوا ما لزمهم الإيمان به فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يتعالى عن العبث والفساد وعن مطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه.(5)
فالآية بصدد بيان حال فرقة من الكفّار وهم الذين أعرضوا بعد إنذار النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، فإعراضهم اختياراً بعد الإنذار صار سبباً للختم على قلوبهم. ويشهد على هذا أنّ الختم والطبع على القلب إنّما يكونان من العقوبات التي جعلها اللّه تعالى في مقابل المعاصي الصادرة عن العبيد. ولذا ترى أنّ اللّه تعالى كلّما ذكر الختم أو الطبع في الآيات المباركات
يذكر أنّ ذلك إنّما كان عقوبة على ما صنعه العبد بسوء اختياره، قال تعالى:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؛(1) وبَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلنا قَلِيلاً؛(2)
وكَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ؛(3)
وذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوْا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ؛(4)
وذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ؛(5)
ورَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْ-خَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَايَفْقَهُونَ؛(6)
ورَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْ-خَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَايَعْلَمُونَ؛(7)
وأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ؛(8)
ووَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إلنا مُبْطِلُونَ * كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ؛(9)
والَّذِينَ يُ-جَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ؛(10)
1) 551.. الجاثیة45.، الآیة 23.
2) 552.. النساء4.، الآیة 155.
3) 553.. الأعراف7.، الآیة 101.
4) 554.. المنافقون63.، الآیة 3.
5) 555.. النحل16.، الآیتان 107-108.
6) 556.. التوبة9.، الآیة 87.
7) 557.. التوبة9.، الآیة 93.
8) 558.. محمّد47.، الآیة 16.
9) 559.. الروم30.، الآیتان 58-59.
10) 560.. غافر40.، الآیة 35.
وثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَ-جَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ.(1)
من ذلك يعلم أنّ اتّخاذ الهوى إلهاً، والكفر، والنفاق، والتكبّر، واستحباب الدنيا على الآخرة -- ومن الواضح أنّ جميعها أفعال اختياريّة -- من الأسباب التي توجب الختم والطبع من اللّه تعالى على القلوب.
1) 561.. یونس 10.، الآیة 74.
قوله تعالى: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ.(1)
حيث إنّ الظاهر منها كون أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى.
إنّ الاستدلال بهذه الآية على ما ادّعاه المجبّرة يتوقّف على إثبات كون كلمة «ما» في وَمَا تَعْمَلُونَ مصدريّة، فلو كانت موصولة فلا يصحّ الإستدلال بها. فإنّ «ما» إمّا مصدريّة فيكون المعنى هكذا: «واللّه خلقكم وعملكم»، وإمّا موصولة فيكون المعنى هكذا: «واللّه خلقكم وما تعملونه من الأصنام والأخشاب والأحجار»، أي إنّ اللّه تعالى خلق الأحجار والأخشاب التي تعملونها بصورة الأصنام، ولا ريب في أنّ كلمة ما موصولة كما سيأتي القرينة عليها.
قال الشيخ الطبرسي(رحمه الله) في تفسير الآية:
أي: وخلق ما عملتم من الأصنام فكيف تدّعون عبادته وتعبدون معمولكم. وهذا كما يقال: فلان يعمل الحصير وهذا الباب من عمل فلان النجّار. فليس لأهل الجبر تعلّق بهذه الآية في الدلالة على أنّ اللّه سبحانه خالق أفعال العباد، لأنّه من المعلوم أنّ الكفّار لم يعبدوا نحتهم وإنّما كانوا يعبدون الأصنام التي هي الأجسام وهي منحوتهم أي: معمولهم. على أنّ مبنى الآية على التقريع على الكفّار والإزراء عليهم بقبيح فعلهم، ولو كان معناه: واللّه خلقكم وخلق عبادتكم، لكانت الآية إلى أن تكون عذراً لهم أقرب من أن تكون لوماً وتهجيناً وعتاباً، ولكان لهم أن يقولوا: لِمَ تُوَبِّخنا على عبادتها واللّه تعالى هو الفاعل لذلك؟ فتكون الحجّة لهم لا عليهم، ولأنّه أضاف العمل إليهم بقوله «تعملون» فكيف يكون مضافاً إلى اللّه تعالى وهذا تناقض.(2)
والحاصل: إنّ الاستدلال بالآية على أنّ أعمال العباد مخلوقة للّه يتوقّف على كون «ما» مصدريّة لا موصولة، وبما أنّ «ما» في جملة «ما تنحتون» موصولة قطعاً -- فإنّهم كانوا يعبدون المنحوت لا أنّهم يعبدون عملهم الذي هو النحت، فلو كانت «ما» في الجملة الأولى مصدريّة يكون المعنى: أتعبدون نحتكم، وهو غير مقصود قطعاً -- تكون «ما» -- بمقتضى وحدة السياق المساندة للظهور -- في قوله: وَمَا تَعْبُدُونَ موصولة لا مصدريّة.مضافاً إلى أنّه لو كان الأمر كما يقول المجبّرة لكانت الآية مدحاً لعَبَدة الأصنام وعذراً لهم، لا ذمّاً وتقريعاً على فعلهم، وهذا ممّا ينافيه لحن الآية الكريمة الواردة في الإنكار عليهم.
لو سلّمنا كون كلمة «ما» مصدريّة وأنّ الآية تدلّ على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، نقول: هناك روايات تدلّ على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه خلق تقدير لا خلق تكوين كما مرّ، فلو كانت كلمة «ما» في الآية مصدريّة فلابدّ أن يكون الخلق فيها بمعنى التقدير لا التكوين.
أنّه مع قطع النظر عن هذه القرائن تكون الآية مجملة -- لوجود الاحتمالين في كلمة ما -- ولا يمكن الاستدلال بالمجمل.
قوله تعالى: إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِن عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ.(1)
إنّ الاستدلال على الجبر إنّما هي بالآية الأولى، فإنّ اللّه تعالى أسند الحسنة والسيّئة فيها إلى نفسه.
إنّ الإستدلال بالآية الشريفة مبنيّ على أن تكون الحسنة والسيّئة بمعنى الطاعة والعصيان، وليس هذا المعنى مراداً بالقطع واليقين. فإنّ صدر الآية يدلّ على أنّ الكفّار أسندوا إصابة الحسنة إلى اللّه تبارك وتعالى وإصابة السيّئة إلى الرسول(صلی الله علیه آله و سلم)، ومن الواضح أنّ الكفّار لم يريدوا من هذا الإسناد إسناد طاعتهم إلى اللّه وعصيانهم إلى الرسول(صلی الله علیه آله و سلم).
وعليه يكون المراد من الحسنة والسيّئة هي النعمة والبلاء، نظير قوله تعالى في سورة الأعراف:فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْ-حَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ.(2)
وقال تعالى: وَبَلَوْنَاهُم بِالْ-حَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.(3)
وكقوله تعالى في سورة النمل:
قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْ-حَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللهَ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ.(4)
والاستعمال العرفيّ أيضاً يساعد على هذا المعنى، فإنّ للحسنة والسيّئة -- في الإستعمال -- معنىً عامّاً يشمل الحسنات والسيّئات الاختياريّة التي تعبّر عنها بالطاعة والمعصية، كقوله تعالى: إِنَّ الْ-حَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ(1)ويشمل الحسنات والسيّئات غير الاختياريّة التي يُعبَّر عنها بالنعمة والمصيبة كالآيات السابقة.
إلى هنا تمّ الجواب عن الاستدلال بالآية على الجبر.
وهاهنا شبهة أخرى في مفاد الآية، وهي: أنّ الحسنات والسيّئات أُسندتا إلى اللّه تعالى في الآية الأولى، بينما في الآية الثانية قد أُسندت الحسنات إلى اللّه والسيّئات إلى نفس الإنسان، فكيف طريق الجمع بينهما؟
فنقول في الجواب عنها: إنّ الحسنة والسيّئة في الآية الأولى بمعنى النعمة والمصيبة قطعاً كما بيّنّا، وأمّا في الآية الثانية فلو كانتا بمعنى النعمة والمصيبة؛ فطريق الجمع هو أنّ البلا يا والنعم وإن كانت بتقدير اللّه، إلّا أنّ تقديره البلاء والمصيبة للعبد إنّما هو بسبب ما يصدر عنه من الأفعال الاختياريّة، قال تعالى:
وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَ--ا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَنْ كَثِيْرٍ؛(2) وظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ؛(3)ووَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.(4)
وقد مرّ أنّ للأفعال الصادرة عن الإنسان بالاختيار آثاراً مختلفة بالجعل الإلهيّ، إن خيراً فخيرٌ وإن شرّاً فشرٌّ، ولكنّه لمّا كان صدورها عن الإنسان مرتبطاً باختياره وإرادته فتكون
تلك الآثار مستندة إليه. ولو أُسندت آثار الأعمال الحسنة أو السيّئة إلى اللّه فهو لأجل أنّ آثار الأعمال إنّما تكون بجعل من اللّه تعالى، وإسناده إلى الإنسان فلأجل أنّها مستندة إلى قدرته وإرادته واختياره.
هذا كلّه إذا كانت الحسنة والسيّئة في الآية الثانية بمعنى النعمة والمصيبة، وأمّا لو كانتا بمعنى الطاعة والمعصية فيتّضح الأمر ممّا مرّ من أنّ اللّه تعالى أولى بالطاعات منّا ونحن أولى بالمعاصي منه عزّ وجلّ، وقد مرّ توضيح ذلك.
في التوحيد الصدوق(رحمه الله): بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: قلت له: إنّ أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم بالاستطاعة، فقال لي: اكتب:
قال اللّه تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذلك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قد نظمت لك كلّ شيء تريد.(1)
1) 572.. التوحيد، ص338، ح6؛ بحارالأنوار، ج5، ص57، ح104 وص56، ح99.
وهي عمدة ما استدلّوا به، وقد أورد هذه الأخبار الشريفة ثقة الإسلام الكلينيّ(قدس سره) في المجلد الثاني من الكافي الشريف، والعلّامة المجلسي في المجلد الخامس من بحارالأنوار.
وظاهر بعض هذه الأخبار أنّ الإنسان إنّما يعمل على وفق طينته التي خلق منها، بل بعضها ظاهر في أنّالتخلّف عن اقتضاء الطينة مستحيل وغير مقدور، كما أنّ ظاهر بعضها أنّ اللّه تعالى قال للمؤمنين: «إلى الجنّة ولا أُبالي»، وقال للكفّار: «إلى النار ولا أبالي».(1)
لا ينبغي الحكم على وفق هذه الأخبار إلّا بعد مراجعة جميع الأدلّة النقليّة -- من الآيات والروايات -- في موضوع الخلقة وإبداع الإنسان وسائر الكائنات، وبعد النظر فيها بتأمّل تامّ يتبيّن منشأ وجود الطينتين: العلّيّين والسجّين.
وبعبارة أخرى: اللازم علينا إمّا أن ندع الاستدلال بهذه الأخبار رأساً، وإمّا أن نلاحظ مجموعها، لأنّ الأئمّة المعصومين(علیهم السلام) قد قالوا:
إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا(2)
فيجب علينا الأخذ بالمتشابهات بعد إحكامها بالرجوع إلى المحكمات.
إذا عرفت ما ذكرنا تعرف أنّ صراحة الآيات الكثيرة ونصوصيّة الأخبار المتواترة في نفي الجبر وقضاء ضرورة الشرايع بعد ضرورة العقول على نفيه تلزمنا أن نفسّر أخبار الطينة بنحو لا يتوهّم منها الجبر ولا تنطبق عليه وهذا واضح.
فنقول: إنّ مقتضى الآية المباركة والأخبار الكثيرة هو كون المادّة الأصليّة لجميع الكائنات
-- دنيويّة كانت أم أخرويّة -- ؛ جوهراً سيّالاً يعبّر عنه بالماء. قال تعالى:
وَجَعَلْنا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَيءٍ حَيّ.(1) روى الكلينيّ مسنداً عن محمّد بن عطيّة قال: جاء رجل إلى أبي جعفر(علیه السلام) من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت عليّ أن أجد أحداً يفسّرها، وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كلّ صنف منهم شيئاً غير الذي قال الصنف الآخر، فقال له أبو جعفر(علیه السلام): ما ذاك؟، قال: فإنّي أسألك عن أوّل ما خلق اللّه من خلقه، فإنّ بعض من سألته قال:القدر، وقال بعضهم: القلم، وقال بعضهم: الروح، فقال أبو جعفر(علیه السلام):
ما قالوا شيئاً، اُخبرك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره، وكان عزيزاً، ولا أحد كان قبل عزّه، وذلك قوله: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(2)وكان الخالق قبل المخلوق، ولو كان أوّل ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبداً ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء ليس هو يتقدّمه، ولكنّه كان إذ لا شيء غيره وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسباً يضاف إليه ... .(3)
وروى الصدوق مسنداً عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سألته عن أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ؟ قال:
إنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ ما خلق منه كلّ شيء، قلت: جعلت فداك وما هو؟ قال: الماء ... .(4)
والمراد بالماء هي مادّة الموادّ لكلّ المادّيّات التي خُلق كلّ شيء منها، وتلك المادّة مع وجودها
1) 575.. الأنبياء21.، الآیة 30.
2) 576.. الصافّات37.، الآیة 180.
3) 577.. الكافي، ج8، ص94، ح67؛ بحارالأنوار، ج54، ص96، ح81.
4) 578..علل الشرائع، ج1، ص83، ح6؛ بحارالأنوار، ج5، ص240، ح23. نعم قد ورد في بعض الروايات أنّ أوّل ما خلق اللّه نور النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) أو نوره مع أنوار الأئمّة(علیهم السلام)، ويمكن حملها على أنّ أوّل ما خلق من الماديّات الماء وأوّل ما خلق اللّه من الأنوار نور النبيّ والأئمّة(علیهم السلام). أو أنّ أوّل ما خلقه اللّه الماء، ثمّ أوّل ما خلق من الماء هو أرواح الأئمّة فحمّلهم نوره القدّوس.
-- أي تكوّنها باللّه تعالى شأنه -- فاقدة بذاتها لنور الحياة والعلم والقدرة.
ثمّ إنّه تعالى أعطى ذلك الماء العلم والفهم والإرادة والاختيار، فصارت حيّة عالمة قادرة. وقد ورد في الروايات:
إنّ اللّه حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض وسماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر ... .(1)
وبعد ذلك عرّف نفسه القدّوس لهذا الماء وأخذ منه الإقرار على ربوبيّته. فقسم من الماء أقرّ واعترف بالربوبيّة، وقسم منه جحد وأنكر. فجعل الماء الذي سبق إلى الإقرار علّيّين فقال له: كن عذباً فراتاً، والماء الذي لم يقرّ سجّيناً وقال له: كن ملحاً أُجاجاً.
ثمّ إنّه تعالى خلق أهل طاعته من العلّيّين وخلق أهل معصيته من السجّين، ثمّ أمر الطينتين فاختلطا.
ولعلّ المراد من الخلط هو اللطخ والمسح، كما في رواية عبد اللّه بن سنان الآتية. ومن الواضح أنّ اللطخ والمسح لا يوجب تغيير العلّيّين إلى السجّين ولا العكس، بل هو عرض يعرض على كلّ واحد منهما وله آثار من دون أن تتغيّر الطينة بأصلها، كما أنّه قد تتأثّر بشرةالإنسان إذا وقف تجاه الشمس لمدّة طويلة، فحرارة الشمس تؤثّر على بشرته من دون تغيير أصل البشرة، وكذا تتغيّر صفات بدنه بتغيير البيئة التي يعيش فيها، كما أنّ المؤمن والمطيع قد يتأثّر بأخلاق الكافر والعاصي إذا عاشره وصاحبه وكذا العكس، ولذا وردت أخبار في سنن العشرة وأحكامها.
والحكمة في هذا الاختلاط هو أن يكون طريق التوبة وسبيل الطاعة مفتوحاً تكويناً للكافر والعاصي، كما أنّ المؤمن بسبب هذا الخلط لابدّ له من المجاهدة الشديدة في العبادات والطاعات وبسببها ترفع درجته. مضافاً إلى أنّه لولا هذا الاختلاط لما حصل الاختبار والامتحان الذي من أجله جيء بالإنسان إلى الدنيا، كما أنّه لولاه لم يمكن التعايش بين أهل الطاعة وأهل المعصية في دار الدنيا.
1) 579.. الكافي، ج1، ص133، ح7؛ بحارالأنوار، ج54، ص95، ح80.
إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أنّ مادّة خلقة الجميع واحدة، والاختلاف بالعلّيّين والسجّين والاختلاط إنّما هو في العوارض. وبما ذكرنا يبطل ما ذكره صاحب الكفاية من كون السعادة والشقاوة والإيمان والكفر ذاتيّتين.
و إليك نصّ بعض الأخبار، ونذكر المستفاد منها بعد التعرّض لها.
روى الصدوق مسنداً عن داود الرقيّ، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
لمّا أراد اللّه عزّ وجلّ أن يخلق الخلق خلقهم ونشرهم بين يديه، ثمّ قال لهم: من ربّكم؟ فأوّل من نطق رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وأمير المؤمنين والأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين، فقالوا: أنت ربّنا، فحمّلهم العلم والدين، ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وأُمنائي في خلقي، وهم المسؤولون. ثمّ قال لبني آدم: أقرّوا للّه بالربوبيّة، ولهؤلاء النفر بالطاعة والولاية، فقالوا: نعم ربّنا أقررنا، فقال اللّه جلّ جلاله للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا غداً إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرّيّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون؛ يا داود الأنبياء مؤكّدة عليهم في الميثاق.(1)وروى مسنداً عن عبد اللّه بن محمّد الجعفيّ وعقبة جميعاً عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ، وكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة، وخلق من أبغض ممّا أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثمّ بعثهم في الظلال، فقلت: وأيّ شيء الظلال؟ فقال: ألم تر إلى ظلّك في الشمس شيء وليس بشيء؟ ثمّ بعث منهم النبيّين فدعوهم إلى الإقرار باللّه، وهو قوله عزّ وجلّ: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ(2)ثمّ دعوهم إلى الإقرار بالنبيّين فأنكر بعض وأقرّ بعض، ثمّ دعوهم إلى ولايتنا فأقرّ بها واللّه من أحبّ، وأنكرها من أبغض، وهو قوله عزّ وجلّ: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبلُ،(3)ثمّ قال أبو جعفر(علیه السلام): كان التكذيب ثَمّ.(4)
وروى مسنداً عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سألته عن أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ؟ قال:
إنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ ما خلق منه كلّ شيء، قلت: جعلت فداك وما هو؟ قال: الماء، إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الماء بحرين، أحدهما عذب، والآخر ملح، فلمّا خلقهما نظر إلى العذب، فقال يا بحر، فقال: لبّيك وسعديك، قال: فيك بركتي ورحمتي ومنك أخلق أهل طاعتي وجنّتي، ثمّ نظر إلى الآخر فقال، يا بحر، فلم يجب فأعاد عليه ثلاث مرّات يا بحر! فلم يجب، فقال: عليك لعنتي ومنك أخلق أهل معصيتي ومن أسكنته ناري، ثمّ أمرهما فامتزجا، قال: فمن ثَمّ يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.(1)
وروى عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى خلقنا من نور مبتدع من نور رسخ ذلك النور في طينة من أعلا علّيّين، وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلق منه أبداننا، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا، لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ قرأ: كَلّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ،(2)وإنّ اللّه تبارك وتعالى خلققلوب أعدائنا من طينة من سجّين، وخلق أبدانهم من طينة من دون ذلك، وخلق قلوب شيعتهم ممّا خلق منه أبدانهم فقلوبهم تهوي إليهم، ثمّ قرأ: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(3).(4)
وروى عن أبي يحيى الواسطيّ رفعه قال:قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلقنا من علّيّين، وخلق أرواحنا من فوق ذلك، وخلق أرواح شيعتنا من علّيّين، وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك كان القرابة بيننا وبينهم، ومن ثَمّ تحنّ قلوبهم إلينا.(5)
وروى مسنداً عن زرارة قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى(1)قال:
ثبتت المعرفة ونسوا الوقت وسيذكرونه يوماً، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه.(2)
وروى عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق ماء عذباً فخلق منه أهل طاعته، وجعل ماء مُرّاً فخلق منه أهل معصيته، ثمّ أمرهما فاختلطا، فلولا ذلك ما ولد المؤمن، إلّا مؤمناً، ولا الكافر إلّا كافراً.(3)
وروى عن عليّ بن الحسين(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق النبيّين من طينة علّيّين وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق الكافرين من طينة سجّين وقلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين فمن هذا الذي يلد المؤمن الكافر، ويلد الكافر المؤمن، ومن هاهنا يصيب المؤمن السيّئة، ويصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه.(4)
وروى مسنداً عن محمّد بن سنان، عن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ أجرى ماء فقال له كن بحراً عذباً أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي، وإنّ اللّه عزّ وجلّ أجرىماء، فقال له: كن بحراً مالحاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثمّ خلطهما جميعاً، فمن ثَمَّ يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، ولو لم يخلطهما لم يخرج من هذا إلّا مثله، ولا من هذا إلّا مثله.(1)
وروى مسنداً عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) في حديث طويل يقول في آخره:
مهما رأيت من نزق أصحابك وخرقهم فهو ممّا أصابهم من لطخ أصحاب الشمال، وما رأيت من حسن شيم من خالفهم ووقارهم فهو من لطخ أصحاب اليمين.(2)
وروى بسنده عن أبان بن عثمان وأبى الربيع يرفعانه، قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق ماء فجعله عذباً فجعل منه أهل طاعته، وخلق ماء مُرّاً فجعل منه أهل معصيته، ثمّ أمرهما فاختلطا، ولولا ذلك ما ولد المؤمن إلّا مؤمناً ولا الكافر إلّا كافرا.(3)
وهذه الأخبار تتضمّن أموراً دقيقة هامّة يظهر بها الجواب عن استدلال المجبّرة بأخبار الطينة.
انّ بدء كلّ الكائنات كان من مادّة واحدة، والعلّيّين والسجّين من العوارض على تلك المادّة، لا من ذاتيّاتها، فلذا ورد في بعض الروايات أنّه بعد خلق المادّة الأوّليّة قيل لبعض منها: «كن عذباً فراتاً»، ولبعض آخر: «كن ملحاً أُجاجاً»، وعلى هذا فهما قابلان للتغيير ومن ثَمَّ شرط البداء في السجّين.
إنّ الاختلاط الحاصل بين الطينتين -- مضافاً إلى أنّه من العوارض -- إنّما هو لأجل حِكَمٍ ومصالح قد مرّ التعرّض لبعضها آنفاً. وخروج المؤمن من الكافر أو العكس إنّما هو لأجل هذا الاختلاط.
إنّ صيرورة البعض من العلّيّين والآخر من السجّين إنّما كانت نتيجة الإقرار والإيمان، وكذا الإنكار والكفر الصادرين عنهم بإرادة واختيار، والذي حصل منهم بعدأن عرّف اللّه تعالى نفسه إيّاهم وعرّفهم رسله وأنبيائه، فأقرّ من أقرّ فصار من العلّيّين، وأنكر من أنكر وصار من السجّين.
توضيح ذلك: إنّ اللّه تعالى خلق أرواح المؤمنين من العلّيّين وخلق أرواح الكفّار من السجّين، ذلك أنّه تعالى كان يعلم ما هم صائرون إليه بالقدرة والاختيار من الإيمان أو الكفر، ومن الواضح أنّ علمه تعالى تابع لا علّة لصدور الإيمان أو الكفر كما مرّ مفصّلاً، وأنّ العلّيّين والسجّين عرض يعرض على الطينة الأصليّة ولا يكون إلّا مقتضياً للإيمان أو الكفر.
ثمّ إنّه تعالى عرّف نفسه القدّوس للأرواح فقسم آمن به وأقرّ طوعاً وقسم آخر لم يؤمن وأقرّ كُرهاً، فجعل اللّه تعالى أرواح المؤمنين في أبدان مخلوقة من الماء العذب الفرات نتيجة إيمانهم وإقرارهم وجعل أرواح الكفّار في الماء الملح الأُجاج جزاء على عدم إقرارهم طوعاً.
تفسير عليّ بن إبراهيم: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول في هذه الآية: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقاً(1):
يعنى: من جرى فيه شيء من شرك الشيطان، على الطريقة يعني: على الولاية في الأصل عند الأظلّة حين أخذ اللّه ميثاق بني آدم، أَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً يعني: لكنّا وضعنا أظلّتهم في الماء الفرات العذب.(2)
بيان: قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله):
قوله(علیه السلام): «يعني من جرى» أي لمّا كانت لفظة «لو» دالّة على عدم تحقّق الاستقامة فالمراد بهم من جرى فيهم شرك الشيطان من المنكرين للولاية، وحاصل الخبر: أنّ المراد بالآية أنّهم لو كانوا أقرّوا في عالم الظلال والأرواح
بالولاية لجعلنا أرواحهم في أجساد مخلوقة من الماء العذب. فمنشأ اختلاف الطينة هو التكليف الأوّل في عالم الأرواح عند الميثاق.(1)
وروى الصدوق مسنداً عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) في قول اللّه عزّوجلّ: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا(2)قال:بأعمالهم شقوا.(3)
إنّ كون الطينة من العلّيّين أو السجّين ليست علّة تامّة لاختيار الإيمان والكفر أو الخير والشرّ، بل الإنسان قادر على الفعل والترك، والقدرة واردة وحاكمة على جميع المقتضيات التي منها كون الطينة من العلّيّين أو السجّين. فلهذا يحسن التكليف وإرسال الرسل وإنزال الكتب والمدح والذمّ والتحسين والتقبيح، ولا يكون لغواً. وصعوبة الإيمان والعمل الصالح وتوقّفهما على المجاهدة الشديدة لأجل كثرة مقتضيات الشرّ لا توجب سلب القدرة من الإنسان على الإيمان والطاعة وترك القبايح، وهذا واضح للمتأمّل. نعم الثواب وكثرته يدور مدار العبوديّة والمجاهدة وتحمّل أعباء التكليف، فكلّما كثرت المجاهدة واشتدّت في طريق الإيمان وإطاعة المولى والاجتناب عن المعاصي كان الأجر والثواب أكثر. إلّا أنّ تمام الكلام إنّما هو في أنّ التكليف دائر مدار وجود القدرة، لا صعوبة الامتثال وسهولته، فمهما وجدت القدرة يصحّ التكليف ومهما فقدت يكون التكليف ظلما.
قال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم: «لا حول ولا قوّة إلا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(4)
يستفاد من الآيات والأخبار أنّه من الممكن تغيير الطينة وتبديلها، بل المستفاد منهما وقوعه. فإنّ اللّه تعالى يخرج الأشقياء من الظلمات إلى النور، قال تعالى:
يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُ-خْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛(1) وكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْ-حَمِيدِ؛(2)وهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً؛(3)
وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ؛(4)
ورَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِ-حَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.(5)
وهذا من أقوى الشواهد والأدلّة على ما مرّ منّا من أنّ الطينة مقتضية وليست علّة.
نعم يستفاد من بعض الأخبار أنّ اللّه تعالى لا ينقل السعيد من السعادة إلى الشقاء.
عن الصدوق(رحمه الله): قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
إنّ اللّه تبارك وتعالى ينقل العبد من الشقاء إلى السعادة ولا ينقله من السعادة إلى الشقاء.(6)
ويشهد لهذا المدّعى أمور كثيرة نشير إلى بعضها:
منها: قوله تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ.(1)
ويتبيّن الاستشهاد بهذه الآية بعد ملاحظة أمور:
الآية الكريمة تشير إلى أنّ علّة حرمان البعض من الجنّة ودخولهم في النار هو خلقهم ممّا هم يعلمون؛
لا شبهة في أنّ الدخول في الجنّة أو النار رهن الإيمان والعمل الصالح أو الكفر والعمل غير الصالح، وهذا أيضاً منشأ السعادة والشقاوة؛
إنّ حقيقة طينة العلّيّين والسجّين غير معلوم لنا؛
إنّ الذي هو واضح للإنسان هو الأعمال الاختياريّة الصادرة عنه وحسنها وقبحها.
فنستنتج من الآية الكريمة -- بناءاً على هذا الاحتمال -- هو أنّ اللّه تعالى يقول: كيف يمكن أن يدخلوا الجنّة مع أنّهم يعلمون بأنّهم قد خلقوا من الطينة الخبيثة بسبب أعمالهم القبيحة كما قال تعالى: وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً(2)وفسّرها الإمام الباقر(علیه السلام):من جرى فيه من شرك الشيطان على الطريقة يعني على الولا ية في الأصل عند الأظلّة حين أخذ اللّه ميثاق ذرّيّة آدم «أَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً» يعني لكنّا وضعنا أظلّتهم في الماء الفرات العذب.(3)
فيظهر أنّ الأعمال القبيحة تؤثّر على خلق الإنسان وطينته وسجيّته، فالإنسان إنّما يخلق من أعماله الحسنة أو القبيحة.
وقد عبّر القرآن المجيد عن التحوّل والتبدّل بالخلقة، حينما يقول عزّ ذكره: يَ-خْلُقُكُمْ
فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ.(1) تفسير النعمانيّ: بإسناده عن الصادق(علیه السلام) قال: سئل أمير المؤمنين(علیه السلام) عن مشابه الخلق، فقال:
هو على ثلاثة أوجه: فمنه خلق الاختراع كقوله سبحانه: خَلَقَ السَّماوَاتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،(2)وخلق الاستحالة، قوله تعالى: يَ-خْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ(3)الآية، وأمّا خلق التقدير فقوله لعيسى: وَإِذْ تَ-خْلُقُ مِنَ الطِّينِ(4)الآية.(5)
وهذه حقيقة تستفاد من الآيات والروايات بوضوح، وهي عبارة عن أنّ أعمال الإنسان تؤثّر في عاقبته.
ثمّ إنّ مسألة تجسّم الأعمال يوم القيامة إنّما تبتني على هذا المطلب، قال اللّه تعالى:
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً؛(6) وفَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ؛(7)
ويَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً.(8)
وقد دلّت الأخبار على أنّ الصلاة وكذا الولاية تجسّمان في القبر. فظاهر هذه الآيات والأخبار أنّ العمل بنفسه يكون مشهوداً وحاضراً يوم القيامة مضافاً إلى نتايج الأعمال
وآثارها وجزائها، فلو لم تؤثّر الأعمال فيالجسم والمادّة فلا يمكن أن يكون العمل مشهوداً، بداهة عدم إمكان رؤية غير الجسم.
وقد اكتشف علماء الفيزياء أخيراً أنّ الطاقة في الطبيعة تتبدّل إلى المادّة دائماً وكذا المادّة تتحوّل إلى الطاقة.(1)
هذا مع أنّ تجسّم الأعمال إنّما يكون بخلق الأعراض في المادّة اللطيفة المناسبة للأعمال طيباً وخُبثا.
فعلى هذا الأساس نقول: إنّ الإنسان قادر على أن يبدّل طينته الخبيثة إلى طينة طيّبة، ذلك أنّ طينة الإنسان إنّما تتشكّل طبق أعماله الصادرة عنه باختياره وفقاً لقانون الطبيعة، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ.
نعم، في الأخبار ما يدلّ على أنّ هؤلاء لا يستطيعون أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء. ولكن يمكن الجواب عنه بأنّ العبد ليفعل العمل الحسن فيبدّل اللّه طينته، فهو بنفسه لا يستطيع أن يبدّل طينته، بل الربّ تبارك وتعالى يبدّلها بعد ما أتى العبد بالأعمال الصالحة المقتضية لتبديلها بالجعل التكوينيّ الإلهيّ، كما أنّه هو بنفسه لا يستطيع أن يمحو سيّئاته وذنوبه بل اللّه تعالى يمحوها بقدرته بعد توبة العبد وإتيانه بالأعمال الحسنة. قال الإمام زين العابدين(علیه السلام) في دعاء مكارم الأخلاق:
واستصلح بقدرتك ما فسد منّي.(2)
1) 619.. قالوا: إنّ مقدار الطاقة والمادّة في الطبيعة ثابت دائماً لا يزيد ولا ينقص، إلّا أنّ المادّة إنّما تتبدّل إلى الطاقة وبالعكس، فمثلاً أنّ النفط إذا احترق يتبدّل أجزائه شيئاً فشيئاً إلى الحرارة والنور، وهذه الحرارة والنور لا يفنيان بل قد يتبدّلان إلى مادّة أو طاقة أخرى، ولو جمعنا الطاقات المتولّدة منه مع مقدار الدخان المتصاعد منه وغيره ممّا بقي منه وضممنا بعضها إلى بعض ليحصل نفس مقدار النفط الموجود أوّلاً بلا زيادة ولا نقصان. وهذه النظريّة هي النظريّة السائدة الآن في المحافل العلميّة، وتُسمّى بنظريّة بقاء المادّة والطاقة وتساويهما، وعليها تبتني كثير من الاكتشافات الحديثة لا سيّما في مجال علم الذرّة، والاكتشافات النوويّة. ومن أراد الاطّلاع على تفصيل الكلام في هذا البحث فليراجع كتاب تبديل نيرو به ماده.
2) 620.. الصحیفة السجادیة، ص92.(فرازی از دعای مکارم الأخلاق)
وأمّا إمكان البداء للّه تعالى عن علم فقد تقرّر في محلّه ولا إشكال فيه.
ومنها: ما ورد في الدعاء:
وإن كنتُ عندك من الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء، فإنّك قلت: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(1).(2)
فإنّه من الواضح أنّ الإمحاء من الأشقياء والإدخال في السعداء لا يمكن إلّا بتغيير الطينة من السجّين إلى العلّيّين.
ومنها: إنّ من أهمّ أغراض انتقال العباد إلى الدنيا -- بحسب ما ورد في الأخبار، مع انّه قد تميّز المطيع عن العاصي في العوالم السابقة، كما قال(علیه السلام): «ثَمَّ ثبتت الطاعة والمعصية»(3)هو تجديد الامتحان والاختبار مرّة أخرى للخاسرين في تلكم العوالم،وإتمام الحجّة على العباد، كي تتاح الفرصة لمن خسر في العوالم السابقة -- فصار من أجل ذلك من السجّين -- أن يحسّن عمله ويصلح الفاسد فيتوب إلى اللّه ويصير من الفائزين والعلّيّين. فعلى هذا لابدّ من أن يكون اللّه تعالى قد أعطاهم القدرة والسلطنة على ذلك كي يتمكّنوا من تغيير طينتهم وتبديلها من السجّين إلى العلّيّين.
ومنها: إنّه قد ورد في الروايات الصادرة عن الأئمّة(علیهم السلام) تشبيه روح الإنسان بالأرض، والتربية والمربّي، والعلم بالماء.
في مواعظ عيسى(علیه السلام):
يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثواً على الركب، فإن اللّه يحيي القلوب الميّ--تة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر ... بحقّ أقول لكم: إنّ الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، وكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار.(4)
روضة الواعظين: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك فإنّ اللّه عزّوجلّ يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء.(1)
في الرسالة الذهبيّة للإمام الرضا(علیه السلام):
واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الجسد بمنزلة الأرض الطيّبة، متى تعوهدت بالعمارة والسقي من حيث لا يزداد في الماء فتغرق، ولا ينقص منه فتعطش، دامت عمارتها، وكثر ريعها، وزكى زرعها، وإن تغوفل عنها فسدت، ولم ينبت فيها العشب، فالجسد بهذه المنزلة، وبالتدبير في الأغذية والأشربة يصلح ويصحّ، وتزكو العافية فيه.(2)
قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإنّ القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليها الماء.(3)
ولهذا التشبيه وجوه متعدّدة وبيانها يتطلّب بحثاً مفصّلاً، ومن جملة تلك الوجوه هو: أنّ الأرض مهما كانت مستعدّة للزرع ولكن ما لم يصل إليها الماء العذب لا تثمر أبداً. وكذلك روح الإنسان مهما كانت طيّبةً ومستعدّة لا تثمر ما لم تستفد من أنوار الأئمّةالطاهرين عليهم أفضل صلوات المصلّين الذين جاؤوا لتزكية النفوس وتربيتها وتعليمها. فعلى هذا إنّ صرف كون طينة أحد من العلّيّين لا تكون علّة تامّة لسعادته التي لا تحصل إلّا بالإيمان والأعمال الصالحة، كما أنّ الأرض بوحدها لا تكاد تكون مثمرة.
ومن جملة تلك الوجوه أنّ قطعات الأرض مختلفة من حيث الاستعداد للزرع والنبت فبعضها يقبل الزرع بسهولة وبعضها لا يقبل ذلك، ولكنّ الزارع الخبير يستطيع بواسطة تغيير التراب وإضافة العناصر اللازمة للزراعة بها أن يحصد منه الزرع الطيّب. وهكذا روح الانسان مهما كانت مستعدّة لا يمكن ايجاد التغيير فيها إلّا إذا ربّاها المعلّم الربّانيّ كى تصل إلى الدرجة العالية من الكمال والفضيلة. قال اللّه تعالى:
فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَی طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَ-خْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً.(1) عن المحاسن: أبي، عمّن ذكره، عن زيد الشحّام، عن أبي جعفر(علیه السلام) في قول اللّه: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. قال:
قلت: ما طعامه؟ قال: علمه الذي يأخذه ممّن يأخذه.(2)
قال العلّامة المجلسيّ(قدس سره) في ذيل الخبر:
هذا أحد بطون الآية الكريمة، وعلى هذا التأويل المراد بالماء: العلوم الفائضة منه تعالى فإنّها سبب لحياة القلوب وعمارتها، وبالأرض: القلوب والأرواح، وبتلك الثمرات: ثمرات تلك العلوم.(3)
ومنها: قوله تعالى:
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلنا بِالْ-حَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَ-خْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إلنا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِ-حاً فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً.(4)ووجه الاستشهاد بالآية واضح؛ وذلك أنّ تبديل السيّئات إلى الحسنات لا معنى له مع بقاء الطينة على السجّينيّة. مضافاً إلى أنّ كون الطينة من السجّين هي من السيّئات، واللّه تعالى يبدّلها إلى الحسنات فتكون من العلّيّين. ومن الواضح أنّ إطلاق السيّئة على السجّين هو باعتبار أنّ العبد هو الذي هيّأ مقدّماتها بأعماله القبيحة. وثالثاً: لا يمكن دخول الجنّة مع بقاء الطينة على السجّينيّة، والآية تصرّح بأنّ من حكم
عليه بدخول النار لو تاب يدخل الجنّة.
ومنها: جميع ما ورد من الأمر بالتوبة وقبولها والرجوع إلى اللّه تعالى في كثير من الآيات والروايات.
وواضح أنّ الأشقياء أيضاً مأمورون بالتوبة والرجوع، وتقبل توبتهم إذا رجعوا وتابوا، فإنّ ذلك -- أي لزوم توبة الجميع -- من ضروريّات الدين وحينئذٍ نقول: لا معنى للتوبة والرجوع مع عدم القدرة على تبدّل الطينة، فكيف يمكن للشقيّ الفاسق الكافر أن يصير مؤمناً صالحاً وليّاً من أولياء اللّه مع بقاء طينته على الشقاوة مطلقاً فضلاً عن الذاتيّة؟
ومنها: ما في الدعاء الوارد عن الصادق(علیه السلام):
اللهمّ إنّك خلقت هذه النفس من طينة أخلصتها وجعلت منها أوليائك وأولياء أوليائك، وإن شئت أن تنحّي عنها الآفات فعلت، اللهمّ وقد تعوّذ ببيتك الحرام الذي يأمن به كلّ شيء وقد تعوّذ بنا وأنا أسئلك يا من احتجب بنوره عن خلقه أسئلك بمحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين يا غاية كلّ محزون وملهوف ومكروب ومضطرّ ومبتلى أن تؤمنه بأماننا ممّا يجد وأن تمحو من طينته ما قدّر عليها من البلاء وأن تفرّج كربته يا أرحم الراحمين.(1)
هذه جملة من الأدلّة على إمكان التغيير في الطينة. وإذا أردت البسط في هذا الباب وفي ساير المباحث المتعلّقة بعالم الذرّ والطينة، وكذا سائر العوالم الموجودة قبل نشأة الدنيا زماناً، فراجع كتابنا سدّ المفرّ على منكر الذرّ فقد ذكرنا فيه روايات كثيرة متواترة بالتواتر المعنويّ تدلّ على ما ذكرناه بوضوح وصراحة، وزيّفنا جميع ما استدلّ به على إنكار عالم الذرّ أو تصويره بشكل يرجع إلى إنكار وقوعه كعالَمواقعيّ جمعيّ محيط بالعالم الدنيويّ جرى فيه ما جرى من تعريف اللّه سبحانه ذاته القدّوس وأخذ الاقرار والاختبار، فصار كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.(2)
والجواب عنه: إنّ تحميل الأعمال الحسنة على المؤمنين إنّما يكون لأجل ذلك اللطخ الحاصل بخلط الطينتين، فإنّ المخالفين فعلوا الخير لاختلاط طينتهم بالطينة الطيّبة، وبما أنّ الطينة الطيّبة مختصّة بالمؤمن لإيمانه الاختياريّ فيكون هو أولى بالحسنة من المخالف. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تحميل الأعمال القبيحة الصادرة عن المؤمنين على المخالفين. فمرجع ذلك إلى الإيمان والكفر الاختياريّين في العوالم السابقة. هذا، وهناك فرق بين تحميل عمل أحد على الآخر وبين اللوم والمدح كما هو واضح.
تتمیم: بیان للحديث الشريف: «إلى النار ولا أبالي»
إنّ في بعض أخبار الطينة ما يمكن أن يتوهّم منه الجبر لعدم الإحاطة بالمعنى الدقيق الذي تشير إليه، وهو ما أشرنا إليه في أوّل هذا الوجه من قوله تعالى: هؤلاء إلى الجنّة بسلام وهؤلاء إلى النار ولا اُبالي بعد حكمه على أهل الجنّة بالجنّة وعلى أهل النار بالنار. وإليك نصّ الحديث:
عن زرارة عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
لو علم الناس كيف ابتداءُ الخلق ما اختلف اثنان. إنّ اللّه عزّوجلّ قبل أن يخلق الخلق قال: كُنْ ماءً عَذْباً، أخلق منك جَنّتي وأهل طاعتي، وكن ملحاً أُجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي. ثمّ أمرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمنُ الكافر والكافرُ المؤمن، ثمّ أخذ طيناً من أديم الأرض فعَرَكه عَركاً شديداً فإذا هم كالذرِّ يَدبّون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنّة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي، ثمّ أمر ناراً فأُسْعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخولها فهابُوها، فقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فقال: كوني برداً وسلاماً فكانت برداً وسلاماً فقال أصحاب الشمال: يا ربِّ أقِلنا، فقال: قد أقَلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوها فثَمّ ثبتت الطاعة والمعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء من هؤلاء.(1)
والجواب عن هذا التوهّم هو أنّ الظاهر من هذا الخبر بقرينة سائر الأخبار أنّ أهل الجنّة يذهبون إلى الجنّة بسبب أعمالهم الصالحة فيدخلونها بسلام.
وأمّا أهل النار فيذهبون إلى الجحيم بسبب سوء اختيارهم.
وأمّا قوله تعالى: «ولا أُبالي» فالظاهر أنّ المراد: لا أكترث بما يعملون، فإذا همّوا بالمعصية
1) 634.. الكافي، ج2، ص6، ح1؛ بحارالأنوار، ج64، ص93، ح14.
لا أحول بينهم وبينها، ذلك أنّي زوّدتهم بالعقل وآتيتهم رشدهم وتقواهم ومنحتهم القدرة فإذا ذهبوا بسوءاختيارهم نحو المعاصي خلّيتم وما يختارون ولا أبالي بهم.
ويحتمل أن يكون المراد أنّه لمّا كان حكمه عزّ وجلّ بدخولهم النار حكماً عدلاً -- وذلك أنّهم فعلوا بقدرتهم واختيارهم ما يوجب استحقاق دخول جهنّم -- لا يكترث الربّ المتعال بما يقول الناس من استغرابهم من حكمه بإدخالهم النار وما نسبوا إلى الربّ المتعال السبّوح القدّوس من أنّ حكمه هذا يكون بالجبر كما ذهب إليه المجبّرة.
والذي يؤيّد ما ذكرناه -- من أنّ هذا الحكم إنّما يستند إلى سوء اختيارهم -- مضافاً إلى ما مرّ من التأييد بسائر الأخبار -- هو أنّ الخبر في مقام بيان خلق الأبدان الذرّيّة ومن الواضح أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام وأُخذ عليها العهد والميثاق فآمن بعضها بالقدرة والاختيار وكفر آخرون بالقدرة والاختيار ومن آمن منها وضع في بدن ذرّيّ يناسبه وهو البدن المخلوق من الماء العذب، وأمّا من كفر فيوضع في البدن المخلوق من الماء الملح الأُجاج فيكون الحكم على أصحاب اليمين بدخول الجنّة وعلى أصحاب الشمال بدخول النار بعد أن امتحنهم اللّه تعالى في عالم الأرواح وبعد تميّز العاصي عن المطيع.
وأمّا الحديث المرويّ:
فقال: هذه إلى الجنّة ولا أُبالي وأخذ قبضة أُخرى وقال: هذه إلى النار ولا أُبالي.(1)
فالظاهر من صدره وذيله أنّ عدم اكتراثه عزّوجلّ بالحكم على أصحاب اليمين بالجنّة وكذا على أصحاب الشمال بالنار هو لأجل أنّهم باختيارهم وإرادتهم انساقوا إلى ما حكم اللّه به عليهم فأصحاب اليمين يذهبون إلى الجنّة لأنّهم أطاعوه ووحّدوه وأصحاب الشمال يذهبون إلى النار لأنّهم عصوه وكفروا به.
وأمّا قوله: «ولا أُبالي» أي: لا أكترث بهذا الحكم فهو من جهة أنّه حكم على أصحاب اليمين بالجنّة مع أنّهم ارتكبوا بعض المعاصي وحكم على النصّاب بالنار مع أنّهم عملوا
1) 635.. علل الشرائع، ج2، ص608؛ بحارالأنوار، ج5، ص230، ح6.
بعض الصالحات ولكن مع ذلك حكم على الأوّل بالجنّة غير مكترثٍ وحكمه العدل وحكم على الثاني بالنار غير مكترثٍ وحكمه العدل ذلك أنّ السبب في ميل الأبرار إلى الأعمال القبيحة هو اللطخ الحاصل بينطينتهم وطينة النصّاب، ومن الواضح أنّ الطينة الخبيثة إنّما كانت نتيجة عدم إيمان أرواح النصّاب فيرجع الشرّ إليهم مآلاً لا إلى الأبرار وكذا الأمر بالنسبة إلى ميل النصّاب إلى الأعمال الحسنة والإتيان بهما فإنّ هذا الميل هو نتيجة اللطخ الحاصل بين طينتهم وطينة أصحاب اليمين، ومن الواضح أنّ طينة أصحاب اليمين يرجع عذوبتها إلى إيمان أرواحهم بالقدرة والاختيار ولذا لا يحقّ لأحد الاعتراض على اللّه تعالى بأنّه لماذا حكمت على أصحاب اليمين بالجنّة مع أنّهم ارتكبوا بعض القبائح ولماذا حكمت على النصّاب بالنار مع أنّهم فعلوا بعض الخيرات، ذلك أنّ إتيان كلّ واحد من أصحاب اليمين والنصّاب بما ينافي مقتضى طينته إنّما هو لميله إلى ذلك، وقد حدث الميل إلى المعصية للمؤمن بسبب صدور الكفر عن النصّاب، كما أنّ الميل إلى الخيرات حصل للنصّاب بسبب صدور الإيمان عن أصحاب اليمين.
نعم لا شكّ في صحّة لوم المؤمن على ما ارتكبه من المعاصي لأنّه وإن ارتكبها ومال إليها بسبب اللطخ إلّا أنّ اللّه تعالى أعطاه القدرة الحاكمة على جميع الدواعي والشهوات فلو ارتكب المؤمن القبيح بعد وجدانه العلم والقدرة، للّه تعالى أن يلومه ويوبّخه ويعذّبه ولكن مع ذلك كلّه فللّه تعالى أن يرحمه ويغفر له كرامةً لنبيّه وأهل بيته(علیهم السلام)، فإذا تفضّل عليه وغفر له لا يكون ذلك إلّا عدلاً وفضلاً مطابقاً للحكمة فلا يحقّ لأحد الاعتراض على اللّه تعالى بسبب حكمه على المؤمن المذنب بالجنّة ذلك أنّ هذا الحكم غير منافٍ للحكمة وله تعالى أن يتعلّق رأيه بالغفران والعطف والرحمة فإنّه لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون.
وأمّا أصل اللطخ فمع أنّه لا يجبر العبد على الإيمان أو الكفر والطاعة أو المعصية يكون بالنسبة إلى المؤمنين بسبب بطئهم في الإيمان وقبول الحقّ عندما أخذ اللّه الميثاق عنهم ويقتضي المجاهدة الشديدة في الدنيا وهي توجب قربهم إلى رحمة اللّه تعالى.
وأمّا بالنسبة إلى الكفّار والنصّاب فمع أنّه أيضاً لا يجبرهم على الإتيان بالحسنات
يوجب إتمام الحجّة من اللّه تعالى عليهم بقدرتهم على الإيمان والطاعة وبميلهم نحوها بسبب اللّطخ، وهو يقتضي نزول الرحمة من اللّه تعالى عليهم وسوقهم إلى الإيمان والطاعة مع عدم سلبالقدرة والاختيار عنهم. ومن ثمّ يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى: «ولا أُبالي» بالنسبة إلى دخول أهل الجنّة الجنّة، ودخول أهل النار النار، بمعنى أنّه لا يضيق عليَّ دخولهم الجنّة أو النار بل لا يضيق عليّ دخول جميع الناس الجنّة أو النار لأنّ قدرتي لا تحدّ حيث أنّ المبالاة في اللغة بمعنى الاكتراث فيكون «لا أُبالي» بمعنى «لا أكترث» فيكون معناه أنّي لا أُبالي ولا أهتمّ لأنّه لا يشتدُّ ولا يشقّ عليَّ دخولهم الجنّة أو النار.
والحاصل: إنّ حكمه تعالى بدخول أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، وعدم اكتراثه ومبالاته تعالى بذلك إنّما هو لأجل أنّ الإيمان والطاعة أو الكفر والمعصية المقتضيان لدخول الجنّة أو النار يصدران عن العبد بالقدرة والاختيار فهذه الجملة لا تدلّ على الجبر بل هي نافية للجبر وتدلّ على القدرة والاختيار بحسب ما ذكرناه في توضيحها.
قد استدلّوا بروايات ادّعوا أنّها ظاهرة في كون السعادة والشقاوة ذاتيّتين وأنّ الأعمال تابعة لهما.
في تفسير عليّ بن إبراهيم: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
الشقيّ من شقيّ في بطن أُمّه، والسعيد من سعه في بطن أُمّه.(1)
وعن أبي عبد اللّه(علیه السلام):
الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة، فمن كان له في الجاهليّة أصل فله في الإسلام أصل.(2)
قد فسّر أئمّتنا(علیهم السلام) هذا الخبر بعلم الباري تعالى، أي إنّ اللّه تعالى عالم بالجنين في بطن أمّه وأنّه سوف يكون باختياره وإرادته شقيّاً فهو شقيّ لا محالة، أو سوف يكون سعيداً باختياره وإرادته فهو سعيد قطعاً.وقد مرّ أنّ علم الباري تعالى لا يكون موجباً للجبر في أفعال البشر، لأنّ العلم تابع للمعلوم والواقع، لا أنّ الواقع تابع للعلم، ثمّ لا يخفى أنّ هذه الشبهة إنّما تكون بالنسبة إلى العلم المحمول القابل للتغيير وأمّا العلم المكفوف فلا تعيّن فيه وقد مرّ الكلام حوله.
روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام) عن معنى قول رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): الشقيّ من شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه، فقال:
الشقيّ من علم اللّه وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم اللّه وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال السعداء ... .(1)
ونظير هذه الرواية روايات قد جمعها العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) في كتاب السماء والعالم من بحاره الشريف باب: «بدء خلق الإنسان في الرحم»(2)ومفادها أنّ الجنين اذا بلغ أربعة أشهر يرسل اللّه إلى الرحم ملكين ويأمرهما بأن يكتبا على جبينه جميع مقدّراته ثمّ يقولان: «إلهي أشقيٌّ أم سعيدٌ؟» فيكتبان ما يأمرهما اللّه تعالى، ثمّ يقول اللّه تبارك وتعالى: اشترطا لي البداء في ما تكتبان. ولذا ورد في بعض الروايات:
إنّ اللّه خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون.(3)
روى الكلينيّ بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أراد أن يخلق النطفة التي أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم، حرّك الرجل للجماع، وأوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتّى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم فتردّد فيه أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة، ثمّ يبعث اللّه ملكين خلّاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء ... ثمّ يوحي اللّه إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمري واشترطا لي البداء في ما تكتبان، فيقولان: يا ربّ ما نكتب؟ قال: فيوحي اللّه عزّ وجلّ إليهما أن ارفعا رؤوسكما إلى رأس أمّه، فيرفعان رؤوسهما فإذا اللوح يقرع جبهة أمّه، فينظران فيه فيجدان في اللوح صورته ورؤيته وأجله وميثاقهشقيّاً أو سعيداً وجميع شأنه. قال: فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح، ويشترطان البداء في ما يكتبان، ثمّ يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه، ثمّ يقيمانه قائماً في بطن أمّه. قال: فربّما عتا فانقلب، ولا يكون ذلك إلّا في كلّ عاتٍ أو ماردٍ ... .(4)
وروى بسنده عن الحسن ابن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول: قال أبو جعفر(علیه السلام):
إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، فإذا كمل أربعة أشهر بعث اللّه عزّ وجلّ ملكين خلّاقين فيقولان: يا ربّ ما تخلق؟ ذكراً أو أنثى؟ فيؤمران فيقولان: يا ربّ شقيّاً أو سعيداً؟ فيؤمران فيقولان: يا ربّ ما أجله؟ وما رزقه؟ وما كلّ شيء من حاله؟ وعدّد من ذلك أشياء ويكتبان الميثاق بين عينيه، فإذا أكمل اللّه الأجل بعث اللّه ملكاً فزجره زجرة فيخرج وقد نسي الميثاق. وقال الحسن بن الجهم: فقلت له: أفيجوز أن يدعو اللّه عزّ وجلّ فيحوّل الأنثى ذكراً أو الذكر أنثى؟ فقال: إنّ اللّه يفعل ما يشاء.(1)
وفي حديث آخر: قد جعلت السعادة والشقاوة للجنين في الرحم تابعتين لإسلامه وكفره، ومعلوم أنّ الإسلام والكفر من الأعمال الاختياريّة.
روى الكلينيّ بسنده عن أبي حمزة، قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) عن الخلق، فقال:
إنّ اللّه تعالى لمّا خلق الخلق من طين أفاض بها كإفاضة القداح، فأخرج المسلم فجعله سعيداً وجعل الكافر شقيّاً، فإذا وقعت النطفة تلقّتها الملائكة فصوّروها، ثمّ قالوا: يا ربّ أذكر أو أثنى؟ فيقول الربّ جلّ جلاله أيّ ذلك شاء، فيقولان: تبارك اللّه أحسن الخالقين! ... .(2)
ومحصّل مجموع الروايات أنّ تقدير السعادة والشقاوة في الرحم تابع لأعماله الاختياريّة التي سوف يعملها في دار الدنيا، وبما أنّ اللّه يعلم ما ذا يفعل العبد وأنّه بإرادته واختياره المستندة إلى قدرته يعمل الصالحات أو القبائح يكتب على جبين بعضهم: هذا سعيد، وعلى جبين بعض آخر: هذا شقيّ، فهو كالعلمتابع للأعمال الاختياريّة لا أنّ الأعمال تابعة لتقدير السعادة والشقاوة.
إنّ اشتراط البداء في الأشقياء يدلّ على أنّ جعل الجنين في الرحم شقيّاً لا يجبره على
العصيان، فقد مرّ أنّ تبديل الطينة ممكن واللّه على كلّ شيء قدير يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
يمكن أن يكون الحديث ناظراً إلى الطاعة والعصيان الصادرين عن الإنسان -- في العوالم السابقة -- اللذين أثّرا على الطينة كما مرّ بيانه، فصار الإنسان سعيداً طيّب الطينة لكونه قد أطاع الربّ جلّ وعلا في عالم الذرّ والأرواح أو بالعكس. وقد أوضحنا أنّ طينة العلّيّين والسجّين لا توجبان الجبر.
قد احتمل بعض أنّ المراد من الشقاوة والسعادة المجعولة في الرحم هما بحسب الخلقة الجسمانيّة، مثل كون إنسانٍ جميل الوجه والآخر كريه المنظر، أو إنسان تامّ الخلقة والآخر ناقص الخلقة. ولكنّه خلاف ظاهر الأخبار.
إنّ وجه الشبه في تقسيم الناس إلى قسمين كمعادن الذهب والفضّة يمكن أن يكون أحد الوجوه الأربعة ولا يستلزم الجبر منها:
كون التقسيم من جهة الإيمان والكفر، أي إنّ الناس في أعمالهم على قسمين فقسم منهم يؤمنون ويعملون الصالحات، وقسم منهم يكفرون ويعملون السيّئات. وواضح أنّ هذا التشبيه بهذا الحدّ لا يستفاد منه الجبر أبداً، لأنّه ناظرٌ إلى ظهور الأفعال من الإنسان. وأمّا من جهة منشأ هذه الأفعال فليس في مقام البيان أبداً، كي يدلّ على أنّ منشأها هل يكون على نحو الجبر أو الاختيار.
كون التقسيم لأجل تقسيم الناس بحسب استعداداتهم المكنونة في ذواتهم؛ فإنّ في بعضهم استعداد ظهور الكفر وفي بعض آخر ظهور الإيمان وهذا راجع إلى الطينة أي إنّ طينة بعضهم من العلّيّين وطينة بعض من السجّين.
وهذا أيضاً لا يثبت الجبر وقد مرّ ذلك في الجواب عن أخبار الطينة. مع أنّ هذا الاحتمال بعيد لأنّه لا تشابه بين طينة السجّين والفضّة كما لا يخفى.
كون التقسيم لأجل تقسيم الناس بحسب استعداداتهم المكنونة في ذواتهم، كما في الوجه السابق لكن بلحاظ استعدادات الناس في أمور معاشهم دون ما يرتبط بالإيمان والكفر والعمل الصالح والقبيح، أي إنّ الناس مختلفون بحسب حياتهم الدنيويّة ففي بعضهم استعداد العمل الكذائيّ وفي بعض آخر استعداد عمل آخر كما أنّهم مختلفون بحسب الألوان والأشكال والألسنة.
وهذا الوجه أقوى من سائر الوجوه؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى بحسب حكمته البالغة قد جعل الناس مختلفين في استعداداتهم وأشواقهم رعاية للنظم وبقاءً للحياة، وذلك لأنّه لو كان جميع الناس شائقاً إلى عمل خاصّ وحرفة خاصّة لاختلّ نظم المجتمع، فإنّ الناس يحتاجون إلى جميع ما يهمّهم من الحرف والصناعات والأعمال وليس أحد منها يسدّ مسدّ الآخر، فكما أنّ الناس يحتاجون إلى الطبيب كذلك يحتاجون إلى البنّاء وغيره. ويشهد على هذا الاستظهار ملاحظة التشبيه الوارد في الحديث بالذهب والفضّة، فإنّ الناس كما يحتاجون إلى الذهب كذلك يحتاجون إلى الفضّة ولا يغني أحدهما عن الآخر.
ويستفاد هذا المعنى أيضاً من قوله(علیه السلام):
لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا استووا هلكوا.(1)
كما أنّه يقوّي هذا الوجه عدم الشباهة بين الكفر والفضّة.
1) 644.. الأمالي، ص446، ح9؛ بحارالأنوار، ج74، ص383، ح10.
ما ذكره العلّامة المجلسيّ(قدس سره)، فقد قال في تفسير الخبر:
قوله(علیه السلام): (الناس معادن) روى العامّة هذا الخبر عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) هكذا: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد أنّ الناس مختلفون بحسب استعدادهم وقابليّتهم وأخلاقهم وعقولهم كاختلاف المعادن، فإنّ بعضها ذهب، وبعضها فضّة فمن كان في الجاهليّة خيراً حسن الخلق عاقلاً فَهِماً، ففي الإسلام أيضاً يسرع إلى قبول الحقّ ويتّصف بمعالي الأخلاق ويجتنّب مساوي الأعمال بعد العلم بها.
والثاني: أن يكون المراد أنّ الناس مختلفون في شرافة النسب والحسب، كاختلاف المعادن، فمن كان في الجاهليّة من أهل بيت شرف ورفعة، فهو في الإسلام أيضاً يصير من أهل الشرف بمتابعة الدين، وانقياد الحقّ والاتّصاف بمكارم الأخلاق فشبّههم(صلی الله علیه آله و سلم) عند كونهم في الجاهليّة بما يكون في المعدن قبل استخراجه، وعند دخولهم في الإسلام بما يظهر من كمال ما يخرج من المعدن، ونقصه بعد العمل فيه.(1)
فتحصّل أنّ الخبر يحتمل وجوهاً أربعة، ولا دلالة في الخبر على الجبر بناءاً على جميع المحتملات ولا على الاستعدادات الذاتيّة غير القابلة للتغيير الموجبة لصدور الأعمال عنها جبرا.
إن قلت: إنّ الحديث يدلّ على تشبيه الناس بمعادن كمعادن الذهب والفضّة، فكما أنّ صيرورة الفضّة فضّة والذهب ذهباً ليست بالاختيار والإرادة من الذهب والفضّة، فكذا اختلاف أفراد البشر لا يكون مستنداً إلى اختيارهم وإرادتهم.
قلت أوّلاً: لا دليل على أنّ وجه الشبه هو أنّ اختلاف أفراد الإنسان غير اختياريّ كتغاير معدن الذهب والفضّة فلقائل أن يقول أنّ وجه الشبه هو أصل الاختلاف والتغاير لاكيفيّته.
1) 645.. مرآة العقول، ج26، ص64.
وثانياً: نسلّم أنّ وجه الشبه هو اختلاف أفراد الإنسان بلا اختيار منهم كتغاير معادن الذهب والفضّة، ولكنّ المراد من الاختلاف والتغاير هو التغاير في الاستعدادات والمشتهيات كما مرّ توضيحه في الجواب الثاني، لا التغاير بحسب الإيمان والكفر.
وثالثاً: يمكن أن يكون المراد التغاير بحسب مقتضيات الكفر والإيمان التي لا توجب الجبر.
ورابعاً: لا دليل على أنّ تغاير معادن الذهب والفصّة يكون بلا اختيار منهما. بل المستفاد من الأدلّة هو أنّ اللّه تعالى حمّل علمه ودينه الماء الذي يكون مادّة لجميع الكائنات وعرّف نفسه إيّاه وكلّفه التصديق والقبول فكلّ موجود في خلق اللّه واجد للعلم والشعور والاختيار.
ويستفاد ذلك أيضاً من الآيات. قال اللّه تعالى:
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُ-حَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا؛(1) وإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ؛(2)
ووَإِن مِن شَيْءٍ إلنا يُسَبِّحُ بِ-حَمْدِهِ وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.(3)
وجمعنا الأدلّة الدالّة على أنّ جميع الأشياء شاعرة وواجدة للشعور وساجدة للربّ المتعال وتحدّثنا عن هذا الموضوع في محلّه.
وغاية ما يمكن أن يقال: هو عدم وجداننا شعورهم وسجودهم وتكليفهم وتسبيحهم. والاستدلال بهذا الوهم أوهن من بيت العنكبوت، فإنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود لا سيّما بعد ندائه تعالى بقوله: وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وبعد ورود الروايات المتواترة معنى بثبوت هذا الأمر، فالقول بأنّ هذه المقالة خلاف العقل تخرج قائله
عن زمرة العقلاء.
وعلى ضوء ما ذكرنا يظهر لك أنّ صيرورة الذهب ذهباً والفضّة فضّة إنّما تكون بعد وجدان الشعور والتكليف، كما روي في استحباب التختّم بالعقيق لكونه أوّل جبل أقرّ للّه بالوحدانيّة وللرسول بالرسالة ولأميرالمؤمنين بالولا ية، وما روي في عرض الولا ية على جميع الكائنات فما قبل صار طيّباً طاهراً، وما لم يقبل صار خبيثاً رديّا.علل الشرائع: بإسناده عن سلمان الفارسيّC قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لعليّ(علیه السلام):
يا عليّ تختَّمْ باليمين تكن من المقرَّبين قال: يا رسول اللّه ومَنِ المقرّبون؟ قال: جبرئيل وميكائيل قال: بما أتختّم يا رسول اللّه؟ قال: بالعقيق الأحمر فإنّه أقرّ للّه عزّوجلَّ بالوحدانيّة ولِي بالنبوّة ولك يا عليّ بالوصيّة وَلوُلْدك بالإمامة ولمحبّيك بالجنّة ولشيعة وُلْدك بالفردوس.(1)
العمدة: من مناقب ابن المغازليّ بإسناده عن الأعمش قال: دخلت على المنصور وهو جالس للمظالم فلمّا بَصُرَ بي قال: يا ابا سليمان حدّثني الصادق عن الباقر عن السجّاد عن عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) قال:
أتاني جبرئيل(علیه السلام) فقال: تختّموا بالعقيق فإنّه أوّل حجر أقرّ للّه بالوحدانيّة ولي بالنبوّة ولعليّ ولوُلْده بالولاية.(2)
بشارة المصطفى: بإسناده عن أبي هريرة قال: كنت أنا وأبوذرّ وبلال نسير ذات يوم مع عليّ بن أبي طالب فنظر عليّ إلى بطّيخ فحلّ درهماً ودفعه إلى بلال فقال:
ايتني بهذا الدرهم منْ هذا البطّيخ ومضى عليّ إلى منزله، فما شعرنا إلّا وبلال قد وافى بالبطّيخ، فأخذ عليّ بطّيخة فقطعها فإذا هي مُرّة فقال: يا بلال أبعد بهذا البطّيخ عنّي وأقْبِل عليَّ حتّى أُحدِّثك بحديث حدّثني به رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) ويده على منكبي، إنَّ اللّه تبارك وتعالى طرح حبّي على الحجر والمدر والبحار والجبال والشجر، فما أجاب إلى حبّي عذب وما لم يُجِبْ إلى حبّي خَبُثَ ومَرَّ
وإنّي لأظنُّ أنّ هذا البطّيخ ممَّا لمْ يُجِب إلى حبِّي.(1)
الاختصاص: بإسناده عن قنبر مولى أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال: كنت عند أميرالمؤمنين(علیه السلام) إذْ دخل رجل فقال: يا أميرالمؤمنين أنا أشتهي بطّيخاً قال: فأمرني أميرالمؤمنين بشراءٍ فوجّهْت بدرهم فجاءُونا بثلاث بطّيخات فقطعت واحداً فإذا هو مُرّ فقلت: مُرّ يا أميرالمؤمنين فقال:
ارْمِ به من النار وإلى النار قال: وقطعت الثاني فإذا هو حامض فقلت: حامض يا أميرالمؤمنين، فقال: ارم به من النار إلى النار قال: فقطعت الثالثة فإذا مَدُودَةٌ فقلت: مَدُودَةٌ ياأميرالمؤمنين، قال: ارْمِ به من النار إلى النار قال: ثمّ وجّهت بدرهم آخر فجاءونا بثلاث بطّيخات فوثبت على قدميّ فقلت: أعفني يا أميرالمؤمنين عن قطعه كأنّه تأثَّم بقطعه فقال له أميرالمؤمنين: اجلس يا قنبر فإنّها مأمورة فجلست فقطعت فإذا هو حلو فقلت: حلو يا أميرالمؤمنين فقال: كُلْ وأطعمنا فأكلت ضلعاً وأطعمته ضلعاً وأطعمت الجليس ضلعاً. فالتفت إليّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) فقال: يا قنبر إنّ اللّه تبارك وتعالى عرض وَلا يتنا على أهل السماوات وأهل الأرض من الجنّ والإنس والثمر وغير ذلك فما قبل منه ولا يتنا طاب وطهر وعذب وما لمْ يقبل منه خبث ورَدِيَ ونَتُن.(2)
والحاصل: أنّه لو كان الحديث في مقام تقسيم الناس بحسب اقتضاء الإيمان والكفر (الوجه الثالث من وجوه الشبه) فلا يدلّ على الجبر؛ لأنّ انقسام الناس إلى معادن كمعادن الذهب والفضّة لا يدلّ على كون هذه المقتضيات فيهم ذاتيّة؛ هذا أوّلا.
وثانياً: لا يدلّ على أنّ منشأ هذا الانقسام أمر غير اختياريّ، بل الدليل على خلافه.
وثالثاً: لا يدلّ على أنّ صدور الأعمال عن هذا المقتضى بنحو الضرورة والإلجاء.
فيا ترى كيف استشهد الآخوند صاحب الكفاية -- في عبارته السالفة ذكرها -- بهذه الرواية لإثبات الجبر؟!
الوجه العاشر: ما دلّ على إناطة جميع الأشياء بمشيّة اللّه
استدلّوا بآيات وأخبار اُسند فيها الإيمان والكفر وكذا ساير أفعال العباد إلى مشيّة الباري تعالى. فمن الآيات؛ قوله تعالى:
وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ؛(1) ووَلَوْ شَاءَ اللهُ لَ-جَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى؛(2)
ووَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا؛(3)
ووَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً؛(4)ومَا قَطَعْتُم مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ.(5)
ومن الروايات؛ قال أبو جعفر(علیه السلام):
لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بهذه الخصال السبعة: بمشيّة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة منهنّ فقد كفر.(6)
وقد عقد ثقة الاسلام الكلينيّ باباً بعنوان: «في أنّه لا يكون شيء في السماء والأرض إلّا بسبعة».(7)
روى الصدوق بسنده عن أبي أحمد الغازيّ، عن عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ(علیهم السلام) قال: سمعت أبي عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) يقول:
الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي، فأمّا الفرائض فبأمر اللّه تعالى وبرضى اللّه وبقضائه وتقديره ومشيّ--ته وعلمه؛ وأمّا الفضائل فليست بأمر اللّه ولكن برضى اللّه وبقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّة اللّه وبعلم اللّه، وأمّا المعاصي فليست
بأمر اللّه ولكن بقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّة اللّه وبعلمه ثمّ يعاقب عليها.(1)
التوحيد: المفسّر بإسناده إلى أبي محمّد العسكريّ(علیه السلام) قال: قال الرضا(علیه السلام) -- فيما يصف به الربّ --:
لا يجور في قضيّ--ته، الخلق إلى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في كتابه ماضون، لا يعملون خلاف ما علم منهم، ولا غيره يريدون ... .(2)
روى الصدوق بسنده عن الأصبغ قال: قال أميرالمؤمنين(علیه السلام):
أوحى اللّه تعالى إلى داود: يا داود تريد وأريد، ولا يكون إلّا ما أريد، فإن أسلمت لما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلّا ما أريد.(3)
وروى بسنده عن العرزميّ، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
كان لعليّ(علیه السلام) غلام اسمه قنبر، وكان يحبّ عليّاً(علیه السلام) حبّاً شديداً، فإذا خرج عليّ(علیه السلام) خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك؟ قال: جئت لأ مشي خلفك فإنّ الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك! قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ قال: لا بل منأهل الأرض، قال: إنّ أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلّا بإذن اللّه عزّ وجلّ من السماء، فارجع، فرجع.(4)
قد بيّنّا مراراً أنّ ثبوت القدرة والاختيار للعباد في الأفعال الاختياريّة ليس بمعنى إنعزال الباري تعالى عن سلطنته التامّة وقدرته المطلقة، وقلنا إنّ لكلّ فعل من الأفعال الاختياريّة مقدّمات
كثيرة لا تحصيها عقول الرجال، ومنها القدرة والسلطنة وجميعها بيد اللّه ومشيّته وقضائه وقدره وجعله وإذنه التكوينيّ وإمضائه حدوثاً وبقاءً، وينتفي الفعل بانتفاء واحدة منها.
فاللّه تعالى هو الذي ملّك العباد ما هو أملك به منهم وأقدرهم على ما عليه أقدرهم كما قال في الحديث القدسيّ:
يابن آدم بمشيّ--تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وتقول.(1)
ومضافاً إلى أنّه تعالى شاء وأراد أن يجعل الإنسان قادراً وشائيّاً: قدّر ما أنعم عليهم وحدّده بمقادير معلومة مضبوطة. فالقدرة والعلم والحياة والإرادة وغير ذلك من مقدّمات الفعل الاختياريّ إنّما منحها اللّه الإنسان بقدر مقدور، ولا يخرج شيء منها عن تقديره تعالى. مثلاً إنّ من يعصي اللّه جلّ جلاله لا يقدر على العصيان والظلم كيف ما يريد بل كلّ ذلك بمقدار أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.(2)
وكذلك طاعة المطيع لا تخرج عن القدر الذي قدّره الباري تعالى، والتقدير والقدر -- بمعنى الهندسة من الطول والعرض والعمق والوزن والحجم والزمان والمكان وغيرها -- من حدود الأشياء، فلو لم يقدّر اللّه واحداً منها يستحيل أن يتحقّق شيء في الخارج.
وليس القدر وتقدير اللّه تعالى للأفعال في هذه الأخبار بمعنى الإلجاء عليها، إنّما يكون بمعنى تعيين الحدود والهندسة التي يقدر العبد في تلك الحدود على فعل الخير أو الشرّ.فإنّ القدر والتقدير الموجب للإلجاء والجبر منفيّ في أخبار أخرى والقائل به ملعون.
الطرائف: روى جماعة من علماء الإسلام، عن نبيّهم(صلی الله علیه آله و سلم) أنّه قال:
لعنت القدريّة على لسان سبعين نبيّاً؛ قيل: ومن القدريّة يا رسول اللّه؟ فقال: قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها.(3)
روى صاحب الفائق وغيره، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) أنّه قال:
يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي، ويقولون: إنّ اللّه قد قدّرها عليهم، الرادّ عليهم كشاهر سيفه في سبيل اللّه.(1)
وهكذا لو لم يأذن اللّه تعالى لا يمكن أن تقع واقعة في العالم ولا يقدر أحد على فعل شيء وترك شيء، فإنّه من الواضح أنّه ليس للعبد علم وقدرة وإرادة وحياة بذاته، ولا تصير ذاتيّة له في آنٍ من الآنات، بل كلّ ذلك عطاء من الكريم الوهّاب، يتجدّد في كلّ آن ولحظة فلو لم يأذن تبارك وتعالى بتحقّق شيء من الأشياء يستحيل تحقّقه، ولو أراده جميع البشر فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.(2)
ألا ترى أنّ نبيّ اللّه عيسى(علیه السلام) حينما يسند خلق هيئة الطير إلى نفسه يقول: إنّ هذه الخلقة منّي إنّما تكون بإذن اللّه: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ.(3)
فالعاصي حينما يعصي ويخالف الربّ جلّ شأنه، إنّما يفعل ما يفعل بعد ما أقدره اللّه تعالى وأذن له تكويناً أن يصرف قدرته فيما شاء وأراد بداهة أنّه لو لم يأذن اللّه ولم يقدّره ما كان هو الذي يعصي وما كان قادراً عليه. ألا ترى أنّه تعالى يقول في وصف السحرة الذين كانوا يؤذون الناس بسحرهم ويفرّقون بين المرء وزوجه: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلنا بِإِذْنِ اللهِ.(4)
لكنّ الحقيقة التي يجب الالتفات إليها هي: أنّ الإذن غير الرضا. فقد أذن اللّه تبارك وتعالى تكويناً للعاصي أن يعصيه بمعنى إعطائه القدرة والسلطنة على الفعل والترك، لكنّه لم يرض ذلك منه، فلذا عبّر الإمام أميرالمؤمنين ومولى الموحّدين(علیه السلام) في الفرائض بأنّها:
بأمر اللّه تعالى وبرضى اللّه وبقضائه وتقديره ومشيّ--ته وعلمه.
بينما قال في المعاصي:
ليست بأمر اللّه لكن بقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّة اللّه وبعلمه ثمّ يعاقب عليها.(1)
روى الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام):
شاء وأراد وقدّر وقضى؟ قال: نعم، قلت: وأحبّ؟ قال: لا، قلت: وكيف شاء وأراد وقدّر وقضى ولم يحبّ؟ قال: هكذا خرج إلينا.(2)
فقه الرضا(علیه السلام): رويتُ عن العالم(علیه السلام) أنّه قال:
القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير الجسد لا يتحرّك ولا يرى، والجسد بغير الروح صورة لا حراك له، فإذا اجتمعا قويا وصلحا وحسنا وملحا، كذلك القدر والعمل، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتمّ، ولكن باجتماعهما قويا وصلحا وللّه فيه العون لعباده الصالحين. ثمّ تلا هذه الآية: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ(3)الآية، ثمّ قال(علیه السلام): وجدت ابن آدم بين اللّه وبين الشيطان، فإن أحبّه اللّه تقدّست أسماؤه خلصه واستخلصه، وإلّا خلا بينه وبين عدوّه.(4)
وكذا الكتاب والأجل؛ فإنّ جميع ما خلق اللّه وجميع ما ملّك اللّه عباده وجميع ما يصنع العباد، وجميع مقدّراتهم وما يعطيهم اللّه تعالى من النعم، مكتوبة ومضبوطة، موقّتة إلى أجل مسمّى، قد وكّل بحفظها الملائكة الكرام، وهذا الكتاب الذي تكون جميع التقديرات مكتوبة فيه هو وعاء مشيّة الربّ المتعال، وهو قلب الحجّة(علیه السلام)، وهولوح المحو والإثبات، وجميع التقديرات تتنزّل في ليلة القدر على قلبه بإذن اللّه تبارك وتعالى.
فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة منهنّ فقد كفر؛ فإنّ من زعم أنّه يقدر على أن يفعل فعلاً من دون إذن اللّه، أو من دون قضائه، أو يتجاوز عمّا قدّر له اللّه فيغلب على تقديره سبحانه ويبطله، أو يحفظ لنفسه ما ملّكه اللّه عند زوال أجله الذي أجّله اللّه، فهو كافر
بالقادر الواحد العزيز الوهّاب.
فهل غيره من إله يبسط ويقبض ويعطي ويمنع؟
أو هل يقدر العبد الضعيف أن يغلبَ إرادةَ اللّه؟
أَوَ يمكن أن لا يشأ اللّه وقوع فعل من العبد حسناً كان أو قبيحاً فتسبق مشيّةُ العبد مشيّةَ الربّ؟
أو ما كان اللّه جلّ جلاله قادراً على أن يسلب القدرة عن العاصي -- بل كلّ نعمة أنعم بها عليه التي لا يكون قادراً على العصيان بسلب واحدة منها -- حينما يختار العصيان؟
الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد اللّه(علیه السلام) فقال: أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين وكان على ذلك قادراً؟ قال(علیه السلام):
لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب لأنّ الطاعة إذا ما كانت فعلهم لم تكن جنّة ولا نار، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتجّ عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب. قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله، والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال: العمل الصالح العبد يفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ العبد يفعله واللّه عنه نهاه؛ قال: أليس فعله بالآلة التي ركّبها فيه؟ قال: نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الذي نهاه عنه. قال: فإلى العبد من الأمر شيء؟ قال: ما نهاه اللّه عن شيء إلّا وقد علم أنّه يطيق تركه، ولا أمره بشيء إلّا وقد علم أنّه يستطيع فعله لأنّه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون. قال: فمنخلقه اللّه كافراً يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام): إنّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه فعرض عليه الحقّ فجحده فبإنكاره الحقّ
صار كافراً، قال: فيجوز أن يقدر على العبد الشرّ ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذّبه عليه؟ قال: إنّه لا يليق بعدل اللّه ورأفته أن يقدر على العبد الشرّ ويريده منه، ثمّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه، والإنزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على تركه أمره الذي علم أنّه لا يستطيع أخذه ... .(1)
روى الكلينيّ، عن ابن عامر، عن المعلّى قال: سئل العالم(علیه السلام): كيف علم اللّه؟ قال:
علم وشاء، وأراد وقدّر، وقضى وأمضى؛ فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد؛ فبعلمه كانت المشيّة، وبمشيّ--ته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، فالعلم متقدّم على المشيّة، والمشيّة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فللّه تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، ... واللّه يفعل ما يشاء، وبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيّة عرّف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرف أوّلها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلّهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها، ذلك تقدير العزيز العليم.(2)
وروى بسنده عن عليّ بن إبراهيم الهاشميّ قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام) يقول:
لا يكون شيء إلّا ما شاء اللّه وأراد وقدّر وقضى، قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: ما معنى قدّر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه، قلت: ما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مردّ له.(3)
وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو الحسن الرضا(علیه السلام):
يا يونس لا تقل بقول القدريّة، فإنّ القدريّة لم يقولوا بقول أهل الجنّة، ولا بقول
أهل النار، ولا بقول إبليس، فإنّ أهل الجنة قالوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللّهُ،(1)وقال أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ.(2)وقال إبليس: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي(3)، فقلت: واللّه ما أقول بقولهم ولكنّي أقول: لا يكون إلّا بما شاء اللّه وأراد وقدر وقضى، فقال: يا يونس ليس هكذا، لا يكون إلّا ما شاء اللّه وأراد وقدّر وقضى، يا يونس تعلم ما المشيئة؟ قلت: لا، قال: هي الذكر الأول، فتعلم ما الإرادة؟ قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر؟ قلت: لا، قال: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، قال: ثمّ قال: والقضاء هو الابرام وإقامة العين، قال: فاستأذنته أن أقبّل رأسه وقلت: فتحت لي شيئاً كنت عنه في غفلة.(4)
أقول: قد مرّ ما يوضح هذه الأخبار فراجع.(5)
في المحاسن بإسناده عن حمران، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال:
كنت أنا والطيّار جالسين فجاء أبو بصير فأفرجنا له، فجلس بيني وبين الطيّار، فقال: في أيّ شيء أنتم؟ فقلنا: كنّا في الإرادة والمشيّة والمحبّة، فقال أبو بصير: قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام): شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: نعم، قلت: فأحبّ ذلك ورضيه؟ فقال: لا، قلت: شاء وأراد ما لم يحبّ ولم يرض؟ قال: هكذا أخرج إلينا.(6)
وبإسناده عن حمزة بن حمران قال: قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام): إنّ لنا كلاماً نتكلّم به، قال:
هاته؛ قلت: نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر ونهى وكتب الآجال والآثار لكلّ نفس بما قدّر لها وأراد وجعل فيهم من الاستطاعة لطاعته ما يعملون به ما أمرهم به وما نهاهم عنه، فإذا تركوا ذلك إلى غيرهكانوا محجوجين بما صيّر فيهم من الاستطاعة والقوّة لطاعته، فقال: هذا هو الحقّ إذا لم تعده إلى غيره.(7)
ولو أراد تبارك وتعالى أن لا يمنح القدرة والاختيار للإنسان في أفعاله الاختياريّة لكان ذلك عين العدل والعدالة، فكان العبد لا يقدر على شيء، ولكنّه تعالى في هذا الفرض ما كان ليكلّف الإنسان وما كان ليعاقبه، لعدم صحّة التكليف والعقاب بالنسبة إلى الأفعال غير الاختياريّة، لمنافاة ذلك للحكمة والعدل، ولكنّ اللّه تعالى جعل الإنسان قادراً ومختاراً لمصلحة الابتلاء والاختبار، لكي يرقى الإنسان إلى أعلى درجات الكمال والإنسانيّة والفضيلة، وما ذلك إلّا لأجل الفضل والتفضّل، كما قال(علیه السلام):
غير أنّك بنيت أفعالك على التفضّل.(1)
وذلك لأنّ المجبور لا فضل له ولا فضيلة.
أ فهل يتردّد أحد في أفضليّة العالِم على غيره؟
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.(2) أو هل يشكّ أحد في أفضليّة القادر على العاجز؟
فجميع مِنَح اللّه تبارك وتعالى إنّما هي فضل، وبعد ما كان قادراً على عدم الإعطاء، وبعد إرادة اللّه تعالى بصيرورة الإنسان شائيّاً مريداً يكون الإنسان هو الذي يختار جانب الخير أو الشرّ، وانتخابه للخير وإتيانه به لا يكون إلّا بهداية اللّه وعلمه وإقداره وإيجاد الشوق فيه، وهذا معنى التوفيق، وارتكابه للشرور لا يكون إلّا بعد إعطائه العلم والهامه الفجور وتحذيره منها وتوعيده عليها ثمّ عدم عونه عليها حينما يختاره وإيكاله إلى نفسه، وهذا معنى الخذلان «فهو أولى بحسناتنا منّا كما نحن أولى بسيّئاتنا منه» كما مرّ شرح ذلك.
بحارالأنوار: قال أبو جعفر(علیه السلام):
في التوراة مكتوب مسطور: يا موسى إنّي خلقتك واصطفيتك وقوّيتك، وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك على طاعتي وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنّة عليك في طاعتك، ولي الحجّة عليك في
معصيتك.(1)ولو أراد تبارك وتعالى أن يسلب القدرة من الإنسان لكي لا يستطيع ارتكاب المعاصي أو أراد أن يجبره على الطاعة لكان قادراً، ولكنّه شاء أن يختبر الإنسان على طبق الحكمة.
وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَاأَشْرَكُوا،(2)و وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً،(3)أي: بالجبر والقهر كما في الأخبار، إلّا أنّه لم يرد ذلك، وترك الإنسان واختياره ووكله إلى نفسه عند إرادة المعاصي، بعد ما هداه النجدين، وألهمه فجوره وتقواه، وبشّره وحذّره، وبعد ما فطره على التوحيد ومعرفته. ولو اختار العبد بعد جميع تلك الهدايات الطاعة لا يتركه ونفسه، بل يعينه عليها وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً،(4)فلا معصية إلّا بالخذلان ولا طاعة إلّا بالتوفيق.
ملخّص الكلام: إنّ ما ذكرناه في مفاد الآيات المذكورة وغيرها من الآيات والروايات المتظافرة في هذا المعنى ممّا لا يمكن العدول عنه، ولكنّه بمعزل عن الجبر والاضطرار إلى الفعل والترك.
فإنّه وإن لم يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بمشيّة اللّه، إلّا أنّه تعالى رعاية للفضل والكرم شاء أن يجعل الإنسان شائيّاً يختار لنفسه ما يشاء، فلو صار الإنسان مجبوراً في أفعاله يكون ذلك مخالفاً لمشيّة اللّه تعالى، لأنّه شاء أن يُعبَد اختياراً لا جبراً.
بعبارة أخرى: إنّ مشيّة الباري تعلّقت بأن يكون الإنسان شائيّاً بحيث يمكن إسناد الأفعال الصادرة عنه إليه، كلّ ذلك كي يصحّ الثواب والعقاب والأمر والنهي والتكليف والتحذير، فلو صار الإنسان مجبوراً لكان خارجاً عن مشيّة اللّه، أي: شاء اللّه شيئاً ولم يتحقّق. جلّت ساحة قدسه عمّا يفترى الجاهلون.
وهذا ممّا تبطله الروايات المذكورة فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة منهنّ فقد كفر. فالحقّ أن تكون هذه الآيات والأحاديث دليلاً على نفي التفويض وإبطاله، لا على ما راموا إثباته من الجبر.
بعبارة ثالثة: من المستحيل أن يعيّن الحكم موضوعه كما قرّر في محلّه، وهذه الأدلّة إنّما تدلّ على أنّه لا يخرج شيء من الحوادث الواقعة في العالم عن مشيّة اللّه،وأمّا أنّه كيف تتحقّق تلك الحوادث فليست تلك الأدلّة بصدد بيان كيفيّة تحقّقها ووقوعها.
هل شاء وأراد وقوع جميع حوادث الكون وصدورها عن إرادة وقدرة من الخلائق بعد ما أقدرهم؟
أو أراد تحقّقها بلا إرادة منهم؟
أو أراد أن تصدر طائفة بلا إرادة منهم وطائفة أخرى بإرادتهم؟
ومن الواضح أنّه يمكن تعلّق مشيّة اللّه بتحقّق الأشياء جميعها جبراً، ويمكن تعلّق مشيّته بتحقّق بعضها جبراً كطلوع الشمس وغروبها وبعضها اختياراً كالأفعال الصادرة عن العباد، كما يمكن تعلّق مشيّته بصدور الجميع بإرادة العبيد. وليست الأدلّة الدالّة على عدم تحقّق شيء إلّا بمشيّته تعالى بصدد بيان كيفيّة وقوعها وتحقّقها.
وعليه يكون المستفاد من الأخبار أنّ اللّه على كلّ شيء قدير وأنّه لا يكون شيء في السماء والأرض إلّا طوعاً لمشيّته حتّى صيرورة العباد مختارين فمن أنكر ذلك فقد كفر.
والحاصل: إنّ الأدلّة اليقينيّة المتواترة -- مضافاً إلى قضاء الفطرة والوجدان -- ناصّة على كون ارادة اللّه تعالى إنّما تعلّقت بتحقّق الأشياء على الوجه الثالث. فإنّ من الحوادث ما يكون تحقّقها جبراً بالقضاء التكوينيّ، كحياة الإنسان وموته وحركة الأرض وطلوع الشمس وغروبها. ومنها ما يكون تحقّقها مستنداً إلى إرادة الإنسان واختياره وهي الافعال الاختياريّة، والفرق بين جريان الدم في العروق وبين الأكل والشرب والتكلّم والرؤية والاستماع ممّا لا يخفى على أحد من العقلاء. وقد مرّت الإشارة إلى بعض تلك الأدلّة سابقاً.
وقد بيّنّا سابقاً أنّ للّه تعالى إرادتين: إرادة حتم وإرادة عزم، فإرادته بالنسبة إلى أعمال
العباد إنّما تكون من إرادة العزم الذي ليس إلّا إعطاء القدرة وآلات الفعل والأمر والنهي والتوفيق والخذلان، لا إرادة الحتم، فراجع فقد بيّنا هناك ماينفع في المقام.
الاحتجاج: وروي عن عليّ بن محمّد العسكريّ(علیه السلام): أنّ أبا الحسن موسى ابن جعفر(علیهما السلام) قال:إنّ اللّه خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذنه، وما جبر اللّه أحداً من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى، كما قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(1).(2)
عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم):
يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي ويقولون إنّ اللّه قد قدّرها عليهم، الرادّ عليهم كشاهر سيفه في سبيل اللّه.(3)
عن الصادق(علیه السلام):
من زعم أنّ اللّه يجبر عباده على المعاصي أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته ولا تقبلوا شهادته ولا تصلّوا ورائه ولا تعطوه من الزكاة شيئا.(4)
مضافاً إلى أنّ هذه الآيات والأخبار المتواترة إرشاد إلى ما يجده العاقل من القدرة والاختيار في جملة من أفعاله وعدمه في جملة أخرى، وهو أقوى الأدلّة على تعيّن الوجه الثالث.
وهكذا جميع الآيات والأخبار الواردة في الثواب والعقاب والجنّة والنار وكيفيّة العذاب وإنذار الناس وتبشيرهم، تدلّ على تعيّن الوجه الثالث. فإنّه تعالى أعدل من أن يُجبر عباده على عمل ثمّ يعذّبهم عليه. وكذا جميع التشريعات والتقنينات والأحكام الشرعيّة، من العبادات والمعاملات والفرائض والسنن والحلال والحرام، دليل على تعيّن الوجه
الثالث. فإنّه كيف يمكن تكليف من لا قدرة له على امتثاله؟ أو هل يكلّف الحكيم جلّ وعلى المشلول بالكتابة؟ أو المُقعد بالمشي؟ أو الأخرس بالتكلّم؟
والأئمّة المعصومون عليهم أفضل صلوات المصلّين، الذين جعلهم اللّه تعالى حفظة لدينه، وأمناء على وحيه، وحججاً على عباده، بيّنوا تلك الحقائق تبعاً للآيات القرآنيّة وأقاموا الأدلّة العقليّة على ذلك. فمن اقتفى أثرهم(علیهم السلام) والتزم بالأخذ عنهم، لا يحتمل أن يكونوا بصدد إثبات الجبر.
وبعد صراحة الأدلّة القطعيّة النقليّة مضافاً إلى شهادة العقل والفطرة بإبطال الجبر فلا يجوز لأحدالتمسّك ببعض المتشابهات من الأدلّة النقليّة، ولا يرتاب عاقل في عدم جواز رفع اليد عمّا هو معلوم يقيناً لأجل متشابه لم يتّضح معناه لديه، وهذا هو المراد من ردّ المتشابهات إلى المحكمات.
عن الرضا(علیه السلام):
إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا.(1)
1) 695.. عیون اخبار الرضا(علیه السلام)، ج1، ص290، ح39؛ بحارالأنوار، ج2، ص185، ح9.
النظريّة الثانية التي ذهب إليها بعض علماء البشر المنقطعين عن منبع الوحي وتعليمات العلماء الربّانيّين هي القول بالتفويض، بمعنى أنّ الإنسان مستقلّ في أفعاله وليس للّه تعالى دخل فيها، إنّما فوّض اللّه أمر الفعل والترك إليه فصار مستقلّاً في أفعاله بعد تفويضه تعالى.
والسبب في تشبّثهم بهذا القول هو أنّهم لمّا رأوا أنّ نظريّة الجبر التي تبنّتها مدرسة الأشعريّ - صوناً لتوحيد اللّه على زعمهم -، توجب نسبة الظلم إلى اللّه عزّوجلّ، راموا تنزيه ساحة الباري تعالى عن الظلم وعن معاصي العباد فذهبوا إلى هذه المقالة الفاسدة وادّعوا زوراً وبهتاناً استقلال العبد في أفعاله وتروكه، وعزلوا اللّه عزّ وجلّ عن سلطانه.
وهنا معان أخرى للتفويض كتفويض الأمر والنهي إلى العباد، وكتفويض التشريع إليهم، والجامع بين جميعها هو فرض استقلال العبد إمّا في القدرة والتمكّن، وإمّا في غيرها، وجميعها مردودة.(1)
وهذا غاية فكر البشر؛ فهو إمّا يذهب إلى الجبر فينسب الظلم إلى اللّه تبارك وتعالى، أو يلتزم بالتفويض فيعزله تعالى عن حكمه وسلطانه. وما هذا التحيّر والاختلاف إلّا لأجل الإعراض عن العلم الإلهيّ والمعلّمين الربّانيّين حيث إنّهم استغنوا بأفكارهم الفاسدة وتوهّماتهم الباطلة عن مستقى العلم، الذي جعله اللّهعند أهله، وهم العلماء باللّه العارفون
1) 696.. سيأتي الكلام عنها عند التعرّض إلى تقارير أخرى لنفي التفويض، وراجع: مرآة العقول، ج2، ص209-210.
به، وطلبوا العلم من غير أهله، وزعموا أنّ ما أقاموه من الأقيسة القابلة للخطأ ذاتاً هو البرهان العقليّ، مع أنّ العقل معصوم عن الخطأ فإنّه نور وحجّة من اللّه تعالى على العباد التي تكون بها حجّيّة كلّ حجّة. وسمّوا كلمات معلّميهم بالمعقول وما يؤخذ من كلمات معلّميننا المعصومين بالمنقول، كأنّ ما أخذ عنهم(علیهم السلام) لا يكاد يكون معقولاً بنور العقل والعلم. وكلّما حصل التعارض بين كلمات المعصومين وما سمّوه بالبرهان تصدّوا لتوجيه الأخبار أو ردّها، وقد غفلوا عن أنّ ما نقل عنهم(علیهم السلام) في باب العقائد ليس تعبّداً محضاً، بل هو إرشاد إلى ما يجده الإنسان بنور العقل أو الفطرة.
حاشا ثمّ حاشا أن يكون العلم عند غيرهم(علیهم السلام) وهم أبواب العلوم ومعدنها، أو تكون الحكمة مأخوذة عن سواهم وهم بداية الحكمة ونهايتها، فمن طلب الهدى من غيرهم ألزمه اللّه التيه.
روى الصفّار في البصائر بسنده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر(علیه السلام) أنّه قال:
من دان اللّه بغير سماع عن صادق ألزمه اللّه التيه إلى يوم القيمة.(1)
وفي نهج البلاغة: من كتاب له(علیه السلام) إلى معاوية:
فاتّق اللّه فيما لديك، وانظر في حقّه عليك، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته، فإنّ للطاعة أعلاماً واضحة، وسبلاً نيّرة، ومحجّة نهجة، وغاية مطلوبة، يردها الأكياس، ويخالفها الأنكاس. من نكب عنها جار عن الحقّ وخبط في التيه، وغيّر اللّه نعمته، وأحلّ به نقمته ... .(2)
ومن كلام له(علیه السلام):
... أيّها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه.(3)
هذه المقالة باطلة بالعقل والنقل:
أمّا عقلاً: فلأنّ حقيقة الإنسان -- كسائر الكائنات -- شيء قائم بالغير لا قوام له إلّا باللّه تعالى، فهو في كلّ آنٍ يحتاج ويفتقر في شيئيّته وبقائه إليه تعالى.هذا في أصل التكوّن، وهكذا الأمر بعد التكوّن فإنّه فاقد بذاته لجميع الكمالات من الحياة والعقل والشعور والقدرة وغيرها ومحتاج في وجدانه لها وبقائها له في كلّ آنٍ إليه تعالى.
فعلى هذا يكون الإنسان مهما بلغ في علمه وقدرته فقيراً بالذات وكلّ هذه الكمالات عطاء من المتفضّل الوهّاب.
مضافاً إلى أنّ تمكّنه من الأفعال إنّما هو بالآلات التي ركّبت فيه والأعضاء والجوارح والأسباب الخارجيّة، وحاجة الإنسان في جميعها حدوثاً وبقاءً إلى اللّه تعالى من أبده البديهيّات.
وأيضاً للإنسان دواعٍ كثيرة وأهواء وشهوات مختلفة، وكلّ واحدة منها يجرّ الإنسان إلى العمل بمقتضاها، ولولا توفيقاته تعالى وهداياته ما كان الإنسان يعمل شيئاً من الصالحات.
والشاهد على جميع ذلك هو الوجدان، فإنّا نجد بالعقل والفطرة أنّ القدرة والعلم والفهم، وهكذا الحياة والاستطاعة ليست ذاتيّةً لنا، وذلك لأنّ البرهان الصادع والدليل الصادق على عدم كون شيء ذاتيّاً لشيء آخر انفكاكه عنه ولو في الجملة، فاذا انفكّ شيء عن ذاتٍ ولو في آنٍ من الآنات يعلم أنّ ذلك الشيء ما كان ذاتيّاً له وهذا واضح.
فإنّه من الواضح أنّنا لم نكن قادرين عند مجيئنا إلى الدنيا، ثمّ صرنا قادرين شيئاً فشيئاً حتّى استطعنا من إتيان أفعالٍ ما كنّا قادرين عليها سابقاً. وهذه القدرة لا تبقى لنا طوال حياتنا بل قد نفقدها حين النوم، فنبقى نحن وذواتنا لا نملك شيئاً منها. وبعد مضيّ
الشباب نعود إلى أرذل العُمُر فلا نقدر على كثير ممّا كنّا قادرين عليه، ونجهل كثيراً ممّا كنّا عالمين به. قال تعالى:
وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً؛(1) ووَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً؛(2)واللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفا وَشَيْبَةً يَ-خْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.(3)
فيظهر بنور العقل أنّ حيث ذواتنا حيث العجز والجهل والفقر والموت والضعف، لأنّه لو كنّا قادرين وعالمين بحسب الذات لما انفكّ عنّا القدرة والعلم أبداً، فإنّه من المستحيل انفكاك الذاتيّات عن الذات.
فالإعطاء بعد الفقدان، والحرمان بعد الوجدان، أعظم دليل على عدم كون القدرة والعلم وهكذا سائر الكمالات عين ذواتنا وتحت إرادتنا ولسنا مالكين لها، فلو كانت تحت إرادتنا لكنّا قادرين على الامتناع من سلبها عنّا، وكنّا قادرين على تحصيلها كيفما نريد. هذا مضافاً إلى ما نشاهده من أنّ كثيراً من الأشياء - وبالأخصّ ممّا كان محبوباً ومطلوباً لنا - لا نقدر عليها أبداً ولو كنّا في قمّة قدرتنا وعلمنا.
وبالجملة إنّ الوجدان والفطرة يناديان بأعلى صوتهما بتصديق ما قاله جلّ جلاله: أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْ-حَمِيدُ.(4)
فظهر ممّا ذكرنا أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الذي يعطي ويأخذ ويقبض ويبسط، فكلّما نجد شيئاً من العلم والقدرة والحياة والاستطاعة يكون بإعطاء من اللّه تعالى حدوثا وبقاءً، وكلّما يزداد ذلك فهو بفضل اللّه ورحمته علينا، وكلّما أراد سلبها عنّا سلبها، فهذه الكمالات
ملك للّه تعالى حقيقة وقد ملّكنا ما هو أملك به منّا حدوثاً وبقاء.
قال مولانا الإمام الحسين(علیه السلام) في دعاء العرفة:
إلهي أنا الفقيرُ في غِنايَ فكيف لا أكون فقيراً في فقري، إلهي أنا الجاهلُ في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي.(1)
ويشهد على هذا أيضاً أنّا نريد أحياناً إيقاع فعل ونجزم على تحقّقه، ولكن بعد هذه الإرادة القويّة في أنفسنا يمنعنا عن تحقّقه مانع، فلا نستطيع إعمال ما أردنا إعماله، وأحياناً لا يكون لدينا مانع عن تحقّقه ولكن ننصرف عمّا كنّا مصمّمين على انجازه فلا يتحقّق ولا يصدر الفعل عنّا، فهذا ينبىء عن وجود قدرة قاهرة تفسخ العزائم والهمم.قال أبو جعفر(علیه السلام):
قام رجل إلى أميرالمؤمنين(علیه السلام)، فقال: يا أميرالمؤمنين بماذا عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزائم ومنع الهمّة لمّا أن هممت بأمر فحال بينى وبين همّتي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، علمت أنّ المدبّر غيري.(2)
فكيف يمكن لهذا الإنسان الفقير المسكين أن يدّعي التفويض والاستقلال في أفعاله، مع ما يراه من الحاجة والفاقة في نفسه وجميع شؤونه إليه تعالى؟!
هذا وقد أجاب بعض مشايخنا عن هذه الشبهة بهذا الجواب ببيان آخر وهو أنّ الاستقلال في ايجاد الشيء، إنّما هو بسدّ باب العدم من جميع نواحي الوجود، حيث إنّ لوجود كلّ شيء شرائط ومقتضيات وموانع، فلكلّ شيء أعدام بعدم كلّ شرط وبوجود كلّ مانع. ومن الواضح أنّ الإنسان لا يقدر على سدّ العدم في فعله من جميع النواحي، لأنّ أوّل شرط من شرائط تحقّق كلّ فعل هو كيان الإنسان وحياته وهو لا يقدر على سدّ العدم في فعله من هذه الجهة، لأنّ وجود الفاعل متوقّف على إرادة اللّه، وهكذا سائر مقدّمات الفعل من القدرة والأعضاء والجوارح وجميعُها بيد اللّه. ولا يعقل استقلال العبد في فعله مع عدم استقلاله في وجوده وحياته وساير ما يتوقّف عليه الفعل أو الترك.
وأمّا نقلاً: فهناك آيات كثيرة وطوائف من الروايات المستفيضة على نفي التفويض.
منها: ما تدلّ على تعلّق الأمور كلّها على مشيّة اللّه تعالى التي منها أفعال العباد وقد تقدّم بعضها نظير ما دلّت على أنّه لا يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بإذنه تعالى.
ومنها: ما دلّت على أنّ الهداية من اللّه تعالى.
ومنها: ما دلّت على نفي المشيّة عن العباد إلّا بعد مشيّته تعالى. قال عزّوجلّ:
وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً؛(1) ووَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛(2)ووَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه؛(3)
وإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ؛(4)
ووَلَايَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ؛(5)
ووَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛(6)
ووَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلنا بِإِذْنِ اللَّهِ.(7)
عن الفقه الرضا(علیه السلام): أروي عن العالم(علیه السلام) أنّه قال:
مساكين القدريّة أرادوا أن يصفوا اللّه عزّ وجلّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه.(8)
روى الصدوق بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: قلت له: إن أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم بالاستطاعة، فقال لي: اكتب:
قال اللّه تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً ... .(1)
وروى أيضاً بسنده، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال:
ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال(علیه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.(2)وقال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم «لا حول ولا قوّة إلّا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلّا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(3)
روى الكلينيّ عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم ابن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام):
خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذن اللّه.(4)
وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن، عن حفص ابن قرط، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
من زعم أنّ اللّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللّه فقد كذب على اللّه، ومن كذب على اللّه أدخله اللّه النار.(1)
روى الكلينيّ بإسناده عن إسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون، قال: فقلت: يا هذا أسألك؟ قال: سل، قلت: يكون في ملك اللّه تبارك وتعالى ما لا يريد؟ قال: فأطرق طويلاً ثمّ رفع رأسه إليّ فقال لي: يا هذا! لئن قلت: إنّه يكون في ملكه ما لا يريد، إنّه لمقهور ولئن قلت: لا يكون في ملكه إلّا ما يريد أقررت لك بالمعاصي، قال: فقلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام):
سألت هذا القدريّ فكان من جوابه كذا وكذا، فقال: لنفسه نظر أما لو قال غير ما قال لهلك.(2)
الاحتجاج: عن أبي حمزة الثماليّ أنّه قال: قال أبو جعفر(علیه السلام) للحسن البصريّ:
إيّاك أن تقول بالتفويض فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفا.(3)
والاعتقاد بالتفويض مناف للتوحيد، والالتزام بوجود قدرة مستقلّة - ولو في بقائها - في قبال قدرة اللّه تعالى موجب للشرك.ولا يتوهّم أنّه لمّا كان اللّه تعالى قادراً على كلّ شيء فهو يقدر على أن يجعل الإنسان مستقلّاً في أفعاله فيفوّض إليه أمر ما منحه من العلم والقدرة والحياة وغيرها.
وذلك لأنّ قدرة الباري تعالى لا تتعلّق بالمحالات، وصيرورة الفقير بالذات غنيّاً كذلك - ولو في آنٍ ولحظة - محال ذاتاً، والسرّ في ذلك أنّ المخلوقيّة تساوق الشيئيّة بالغير، فالمخلوق و الشيء بالغير والعالم القادر بالغير. وصيرورته شيئاً وعالماً وقادراً بالذات مناف لحيث ذاته
وخلف لفرض كونه مخلوقاً.
هناك تقارير أخرى لنفي التفويض ولكنّها مخدوشة نتعرّض لها وننقدها بحول اللّه تعالى وقوّته.
وقع البحث بين الأعلام في أنّ الملاك لاحتياج الممكن إلى العلّة ما هو؟ هل المناط فيه هو مجرّد الحدوث فلا يحتاج في البقاء إلى العلّة، أو الإمكان فالممكن لإمكانه يحتاج إلى العلّة دائماً في حدوثه وبقائه لأنّه لا يصير واجبا؟
لا ريب في بطلان الأوّل؛ فإنّ الممكن يحتاج إلى العلّة في الحدوث والبقاء، لأنّه لو صار مستغنياً عن العلّة في البقاء بعد ما كان محتاجاً إليها في الحدوث، للزم تبدّل الممكن إلى الواجب؛ خصوصاً على القول بالحركة الجوهريّة وأنّ كلّ موجود بحسب جوهره متحرّك دائماً، لأنّه لا يتصوّر على هذا القول مفهوم للبقاء بل يكون كلّ موجود في كلّ آنٍ في حال الحركة والحدوث، ولو كان ملاك الحاجة إلى العلّة هو الحدوث فقط، فلابدّ أن تكون كلّ حركة بعد حدوثها دائميّة.
فظهر بذلك أنّ الإنسان كسائر الممكنات يحتاج في حدوثه وبقائه في جميع شؤونه وأطواره إلى العلّة المحدثة والمبقية، وبعد ما ظهر أنّ الإنسان يحتاج دائماً إلى الباري تعالى، فلا يتصوّر الاستغناء والاستقلال له بحيث لا يكون للباري تعالى دخل في أفعاله.
ولكنّك عرفت سابقاً: أنّ إطلاق كلمة «العلّة» على الباري تعالى بالمعنى الفلسفيّ فاسد ومستلزم لمحاذير لا يمكن الالتزام بها، وقلنا إنّ صدور المعلولعن العلّة وتولّده عنها يختلف عن صدور الفعل عن الفاعل المختار.
وأمّا القول بالحركة الجوهريّة؛ ففيه ما لا يخفى على المتأمّل المنصف، فإنّ مقسم الجوهر والعرض اللذَيْن وقع الخلاف في تحقّق الحركة فيهما إنّما يكون الماهيّة لا الوجود كما يتّضح
من تعريفهما، ولا معنى لتقسيم الوجود إلى الجوهر والعرض ثمّ فرض الحركة فيهما على مبنى أصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة.
وأمّا الحركة في الوجود فهي مبتنية على أصالة الوجود وكونه ذات مراتب وفيه ما لا يخفى.
مضافاً إلى أنّ مسألة الحركة الجوهريّة ليست إلّا فرضيّة محضة ولم يقم عليها دليل سديد، بل ذكرها صدرالدين الشيرازيّ وتعرّض لها في عباراته بصورة الخطابيّات الشعريّة. وقد بحثناها وأبطلناها في محلّه. هذا مع أنّ مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهيّة هي مدار معركة الآراء المتشتّتة وفيها أقوال مختلفة، وقد تعرّضنا لأدلّة أصالة الوجود وأبطلناها عند البحث عنها مستقلّاً. ومن أراد الاطݨݨݨݧݧݧݧݨݨنلاع على بعض الكلام فيها فليراجع ما ذكره شيخنا الأستاذ آية اللّه الميرزا جواد الطهرانيّ(رحمه الله) في كتابه: عارف وصوفى چه مىگويند؟ وكتاب التوحيد لآية اللّه الشيخ هاديّ الطهرانيّ(رحمه الله).
قد احتمل بعض في معنى «لا جبر ولا تفويض» احتمالين آخرين:
أحدهما: أنّه «لا جبر» لوجود الاختيار في الأفعال الاختياريّة و«لا تفويض» في غير الأفعال الاختياريّة من التكوينيّات كنزول المطر وضربان القلب.
ثانيهما: «لا جبر» بمعنى أنّ الإنسان ليس مجبوراً في أفعاله الاختياريّة و«لا تفويض» يعني في التشريع والأحكام فليس الإنسان مفوَّضاً إليه يصنع ما يريد بل كلّ فعل من أفعاله محكوم بحكم شرعا.
أقول: إنّ هذين الاحتمالين وإن كان كلّ منهما صحيحاً في حدّ نفسه، إلّا أنّهما غير مراد من الروايات قطعاً، وذلك لما يلي:
أولاً: إنّ وحدة السياق في الروايات يقتضي أن يكون متعلّق الجبر والتفويض فيها شيئاً واحداً، والحال أنّه في المعنى الأوّل يكون متعلّق الجبر المنفيّ هو الأفعال الاختياريّة ومتعلّق التفويض المنفيّ هي المكوّنات غير الاختياريّة، وكذا في المعنى الثاني يكون التفويض المنفيّ في الأحكام بعد ما كان الجبر المنفيّ هو الجبر في الأفعال.
وثانياً: إنّ نفي التفويض بهذين المعنيين ليس محلّاً للبحث والإشكال، ولم يدّع أحد التفويض إلى العباد في مثل هذه الأمور (كنزول المطر والأحكام الشرعيّة) فلا وجه لهذا الإصرار الأكيد الوارد في الروايات، فالأمر ينبئ عن وجود فكرة باطلة بين فِرَق المسلمين، فقام الأئمّة(علیهم السلام) لمقابلتها والردّ عليها. والذي كان محلّاً للإشكال بينهم هو الجبر والتفويض في الأفعال الصادرة عن الإنسان.
وثالثاً: إنّ بعض هذه الأخبار تأبى عن الحمل على مثل هذين الاحتمالين، بل تشهد بظاهرها على المعنى الذي استفدناه.
روى الصدوق بإسناده عن ابن سنان، عن مهزم قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
أخبرني عمّا اختلف فيه من خلّفت من موالينا، قال: فقلت: في الجبر والتفويض، قال: فاسألني، قلت: أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ قال: اللّه أقهر لهم من ذلك، قال: قلت: ففوّض إليهم؟ قال: اللّه أقدر عليهم من ذلك، قال: قلت: فأيّ شيء هذا أصلحك اللّه؟ قال: فقلب يده مرّتين أو ثلاثاً ثمّ قال: لو أجبتك فيه لكفرت.(1)
روى الكلينيّ مسنداً عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: سألته فقلت: اللّه فوّض الأمر إلى العباد؟ قال:
اللّه أعزّ من ذلك قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: اللّه أعدل وأحكم من ذلك، قال: ثمّ قال: قال اللّه: يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك.(2)
وروى عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن زعلان، عن أبي طالب القميّ عن رجل، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: قلت: أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ قال:
لا، قلت: ففوّض إليهم الامر؟ قال: قال: لا، قال: قلت فماذا؟ قال: لطف من ربّك بين ذلك.(3)
وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(علیه السلام) قالا:
إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبّهم عليها، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون، قال: فسئلا(علیهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض.(1)
وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد، عن يونس، عن عدّة، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال: قال له رجل: جعلت فداك أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ فقال:
اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها، فقال له: جعلت فداك ففوّض اللّه إلى العباد؟ قال: فقال: لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له: جعلت فداك فبينهما منزلة؟ قال: فقال: نعم أوسع ما بين السماء والأرض.(2)
نعم قد ورد في بعض الروايات نفي التفويض تشريعاً مثل ما في رسالة الامام الهادي(علیه السلام) إلى أهل الأهواز:
فأمّا التفويض الذي أبطله الصادق(علیه السلام) وخطّأ من دان به وتقلّده، فهو قول القائل: إنّ اللّه جلّ ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقّته، وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول:، فإنّهم قالوا: لو فوّض إليهم على جهة الإهمال لكان لازماً له رضى ما اختاروه، واستوجبوا به الثواب، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعاً، وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبّ، فقد لزمه الوهن، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته، كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره ونهيه إليهم وأجراهما على محبّتهم، إذ
عجز عن تعبّدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان، ومَثَل ذلك مَثَل رجل ملك عبداً ابتاعهليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادّعى مالك العبد أنّه قاهر عزيز حكيم فأمر عبده ونهاه ووعده على اتّباع أمره عظيم الثواب، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأيّ أمر أمره به أو أيّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، واتّباع هواه، ولا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوّض اختيار أمره ونهيه إليه ورضي منه بكلّ ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك، وبعثه في بعض حوائجه وسمّى له الحاجة فخالف على مولاه، وقصد لإرادة نفسه، واتّبع هواه، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به فقال له: لِمَ أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد: اتّكلت على تفويضك الأمر إليَّ فاتّبعت هواي وإرادتي لأنّ المفوَّض إليه غير محظور عليه فاستحال التفويض، أوليس يجب على هذا السبب إمّا أن يكون المالك للعبد قادراً يأمر عبده باتّباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد، ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما وحذّره ورغّبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وانصافه شاملاً له، وحجّته واضحة عليه للإعذار والإنذار. فإذا اتّبع العبد أمر مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه؟ أو يكون عاجزاً غير قادر ففوّض أمره إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى عاجز عن عقوبته وردّه إلی اتّباع أمره، وفي إثبات العجز نفي القدرة والتأَلُّه، وإبطال الأمر والنهي والثواب والعقاب، ومخالفة الكتاب، إذ يقول: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوْا يَرْضَهُ لَكُمْ(1)وقوله عزّ وجلّ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلنا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ(2)وقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْ-جِنَّ وَالإِنسَ إلنا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(3)وقوله: اعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا
بِهِشَيْئاً(1)وقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(2)فمن زعم أنّ اللّه تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير وشرّ، وأبطل أمر اللّه ونهيه، ووعده ووعيده لعلّة ما زعم أنّ اللّه فوّضها إليها لأنّ المفوَّض إليه يعمل بمشيّ-ته، فإن شاء الكفر أو الإيمان، كان غير مردود عليه ولا محظور. فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إلنا خِزْيٌ فِي الْ-حَياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(3)تعالى اللّه عمّا يدين به أهل التفويض علوّاً كبيرا ... .(4) وبه قال الشيخ المفيد(رحمه الله) كما في شرح عقائد الصدوق(رحمه الله):
والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم، مع ما شاؤوا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات.(5)
ولكن مساق هذه الروايات يختلف عن الأخبار التي أشرنا إليها في نفي الجبر والتفويض، فإنّ التفويض إلى العباد منفيٌّ سواء كان في أفعالهم الاختياريّة أو في الأحكام الإلهيّة، وقد تصدّى الأئمّة المعصومون(علیهم السلام) لإبطال كليهما في الأحاديث المختلفة، والرسالة المباركة النقويّة لمّا أنّها أُرسلت إلى عموم الشيعة بيّن الامام(علیه السلام) إحدى مصاديق التفويض المنفيّ بحيث يكون قابلاً لفهم جميعهم.
إنّ المفوّضة قالوا: ليس الملاك لاحتياج الممكن إلى العلّة الإمكان إنّما هو الحدوث فبقائه غير محتاج إلى العلّة، وذكروا لذلك شواهد: كإيجاد الأب ولده، وإيجاد البَنَّاء البِناء، ثمّ يبقى الولد بعد موت والده وكذا البِناء بعد موت البَنَّاء.
إنّ فعل الوالد ليس هو إيجاد الولد ولا يكون هو علّة لحدوثه، بل الصادر عنه فعل واحد يوجب انعقاد النطفة في الرحم، وأمّا وجود الولد وحدوثه، وخلق النطفة وتكاملها في الرحم، وخلق الروح وإيلاجها في البدن، وغير ذلك من الأمور الكثيرة فليس من فعل الأب، وهكذا بقائه حيّاً بل هي مستندة إلى خالقه وبارئه وأمّا في البِناء فالفعل الصادر عن البَنَّاء هو إيجاد صورة البِناء وهيئته وحركة يده ووضع اللِّبن على اللِّبن، وأمّا علّة بقائه فهي القوّة الجاذبة في الأرض والمُمسكة لأجزاء البناء وغيرها ممّا يوجب ارتباط أجزاء البِناء، وجميعها إنّما تتحقّق بمشيّة اللّه تعالى حدوثاً وبقاءاً. فالبِناء يحتاج إلى العلّة في الحدوث والبقاء إلّا أنّ علّة الحدوث فعل الباني وعلّة البقاء هو أمر آخر ولا يلزم أن تكون علّة البقاء والحدوث متّحدة.
وعلى أيّ تقدير لو قلنا إنّ ملاك احتياج الممكن إلى العلّة هو الحدوث لا البقاء، يتصوّر الاستقلال في أفعاله ولكن هذا القول باطل بل الممكن يحتاج إليها في الحدوث والبقاء فلا يتصوّر الاستقلال للإنسان آناً ولحظة.
فإنّ المخلوق والمصنوع هو الشيء بالغير والعالم بالغير والقادر بالغير والحيّ بالغير، فلا يعقل استقلاله عن الغير الذي هو قيّومه في لحظةٍ من اللحظات وآنٍ من الآنات.
قد مرّ أنّ أفعال العباد لا يصحّ إسنادها إلى اللّه تعالى لاستنادها إلى إرادتهم ومشيّتهم فعلى
هذا يلزم استقلالهم في الإرادة.
لا ريب أنّ جميع مقدّمات الفعل من وجود الفاعل وحياته وقدرته وسلطنته وغيرها كلّها رهن مشيّة اللّه تعالى، وبعد إعطائها يصير العبد قادراً شائيّاً وتتحقّق له السلطنة على الفعل والترك، فيكون هو الذي يريد الفعل والترك فالإرادة بمعنى إعمال القدرة والعزم الوارد على جميع الأشواق إنّما يكون بيد العبد. نعم إنّ إرادته متوقّفة على وجوده وحياته وقدرته وجميعهذه المقدّمات بمشيّة اللّه تعالى. ودخالته تعالى في الأفعال الاختياريّة الصادرة عن العبد إنّما تكون يإيجاد هذه المقدّمات وكذا التوفيقات والخذلانات على نحو لا يستلزم معها الجبر، فهو أراد تحقّق الأفعال من العباد بإرادة العزم والاختيار لا إرادة الحتم والاضطرار، وقد مرّ توضيحهما.
والحاصل إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الإنسان وأعطاه الجوارح والأعضاء والسلطنة والقدرة، ولو شاء لسلبها عن العبد فأفعال العبد لا تكون منقطعة عن اللّه، إلّا أنّ اللّه تعالى أراد أن يجعل أمر الإرادة والانتخاب بيد العبد، بعد أن جعله قادراً وأعطاه القدرة والسلطنة، كي يصل العبد إلى الكمال الاختياريّ ويليق بأن يكون موضعاً للثواب والعقاب.
فالسلطنة على الفعل والترك ممّا أعطاه اللّه وهي بيده تعالى حدوثاً وبقاءً، وحيثيّة القدرة وحقيقتها هو الاختيار والسلطنة على الفعل والترك، وإلّا فلو أراد اللّه صدور الفعل عن العبد إرادة حتم، مع أنّ إرادة الحتم منه تعالى لا تنفكّ عن المراد، فلا معنى لقدرة العبد وسلطنته بل هذا عين الإلجاء والاضطرار، فيكون إعطاء القدرة وكذا الابتلاء والامتحان لغوا.
خلاصة الكلام: إنّ الفعل الصادر عن العبد - كحركة اليد - مستند إلى ارادة العبد، وإرادته متوقّفة على وجوده وحياته وقدرته وجميعها من اللّه تعالى حدوثاً وبقاءً فلا يعقل الاستقلال ثمّ إنّه لا يفعل الخير إلّا بتوفيق اللّه تعالى إيّاه في الطاعات ولا يرتكب المعاصي إلّا بعد الخذلان.
وأمّا ما قيل من: «أنّ إرادة العبد إنّما تكون في طول إرادة اللّه»، فإن كان المراد أنّه تعالى
أراد وجود العبد وحياته وقدرته، والعبد هو الذي يريد ببركة القدرة التي منحها اللّه إيّاه، فهو متين جدّاً. وإن كان المراد أنّ اللّه تبارك وتعالى أراد الفعل من العبد وكانت الإرادة بمعنى إرادة العزم أو الرضا منه تعالى فهو أيضاً صحيح.
وأمّا لو كان المراد أنّ إرادة العبد لا تكون إلّا بعد إرادته تعالى تلك الإرادة من العبد، بحيث لا يتخلّف المعلول والمراد عن العلّة والإرادة، فهو باطل؛ لأنّهذا عين الجبر ومناف لقدرة العبد وسلطنته، وقد مرّ شرح ذلك.
ثمّ إعلم أنّه نسب الفيض الكاشانيّ(قدس سره) إلى الخواجه نصير الدين الطوسيّ(رحمه الله) أنّه قال:
فنحن في عين الاختيار مجبورون فنحن إذاً مجبورون على الاختيار.(1)
أقول: لو كان مراده تعلّق إرادة اللّه تعالى بإرادة العبد فهذا عين الجبر لأنّ تعلّق إرادته تعالى بفعل العبد إرادة حتم لا يجتمع مع الاختيار للعبد، سواء تعلّقت إرادته بفعل العبد أو تعلّقت بإرادة العبد المتعلّقة بالفعل والترك. وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا لو كان مراده تعلّق إرادته تعالى بصيرورة العبد ذا قدرة ومشيّة بحيث يستند الفعل والترك إليه فهذا متين جدّاً.
ويمكن أن يكون مراده من المجبوريّة على الاختيار هي لزوم اختيار كلّ قادر ملتفت جانب الفعل أو جانب الترك لمكان استحالة ارتفاع النقيضين ولا يعقل أن لا يختار أصلاً لا الفعل ولا الترك فهذا أيضاً صحيح ومن دقائق الأُمور.
وظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا جبر لوجود القدرة والسلطنة، ولا تفويض لعدم الاستقلال.
ذهب جمع من الغلاة إلى أنّ اللّه تعالى خلق محمّداً وعليّاً وأوصيائهما(علیهم السلام)، ثمّ فوّض إليهم أمر الخلق والرزق، فهم يخلقون ما يشاؤون ويدبّرون العالم، واللّه تعالى منعزل عن ذلك
1) 734.. الوافي، ج1، ص539.
كلّه، وقد وردت الروايات في الردّ عليهم وإبطال قولهم والبرائة منهم.
روى الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير بن معاوية الشاميّ قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) بمرو فقلت له: يا بن رسول اللّه روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد(علیهما السلام) أنّه قال:
لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين فما معناه؟ فقال: من زعم أنّ اللّه يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ اللّه عز وجل فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه: فقد قال بالتفويض.فالقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك ... .(1)
وروى في العيون بسنده عن أبي هاشم الجعفريّ قال: سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الغلاة والمفوّضة فقال:
الغلاة كفّار والمفوّضة مشركون، من جالسهم أو خالطهم أو واكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوّجهم أو تزوّج إليهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة؛ خرج من ولاية اللّه عزّ وجلّ وولاية رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وولايتنا أهل البيت.(2)
كان الرضا(علیه السلام) يقول في دعائه:
اللهمّ إنّي بريء من الحول والقوّة، ولا حول ولا قوّة إلّا بك، اللهمّ إنّي أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ اللهمّ إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا، اللهمّ لك الخلق ومنك الرزق وإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللهمّ أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين، اللهمّ لا تليق الربوبيّة إلّا بك ولا تصلح الإلهيّة إلّا لك، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريّتك. اللهمّ إنّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللهمّ من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق، فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم(علیه السلام) من النصارى، اللهمّ إنّا لم ندعهم إلى ما يزعمون،
فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلّا فاجراً كفّارا.(1)
وروي عن زرارة أنّه قال: قلت للصادق(علیه السلام): إنّ رجلاً من ولد عبداللّه بن سبا يقول بالتفويض، فقال: وما التفويض؟ قلت: إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق محمّداً وعليّاً صلوات اللّه عليهما ففوّض إليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا، فقال(علیه السلام):
كذب عدوّ اللّه إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواكَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْ-خَلْقُ عَلَيْهِم قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(2).
فانصرفت إلى الرجل فأخبرته فكأنّي ألقمته حجراً، أو قال: فكأنّما خرس.(3)
أنّ التفويض بهذا المعنى ممّا لا ريب في بطلانه فإنّه مناف لربوبيّة اللّه الواحد القهّار، فلذا ترى أنّ الأئمّة(علیهم السلام) قالوا: من قال بهذا القول فقد صغّر عظمة اللّه تعالى كالنصارى، بل لَهُ الْ-خَلْقُ وَالأَمْرُ(4)وكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ،(5)وممّا يدلّ على ذلك أيضاً احتياج الأئمّة(علیهم السلام) إليه تعالى في جميع شؤونهم وحالاتهم، وكذلك ما يدلّ على أنّ أمر الخلق والرزق بيد اللّه.
وأمّا مسئلة تفويض أمر الخلق والرزق وكذا أمر التشريع إليهم(علیهم السلام) بمعنى أنّ اللّه تعالى أعطاهم القدرة والعلم وسائر الكمالات ويفيضها عليهم آناً فآناً من دون استقلال لهم وأذن لهم في ذلك فهي بمكان من الإمكان عقلاً وقد بحثنا ذلك في محلّه.
هذا، ولكن لا يخفى أن المستفاد من جميع الآيات والروايات والأدعية والزيارات المنقولة في الأبواب المتفرّقة هو: أنّ النبيّ والأئمّة(علیهم السلام) يعلمون جميع الأشياء باللّه تعالى، ويقدرون
على كلّ ما يريدونه باللّه تعالى، وأنّ جميع الأشياء مسخّرة لهم بمعنى أنّ اللّه تعالى أجرى طاعتهم على جميع الأشياء فذلّ كلّ شيء لهم. ويستفاد منها أنّهم يقدرون على الخلق والرزق والإماتة والإحياء بلا تفويض إليهم.
كما أنّه يستفاد منها أيضاً أنّ هذه الكمالات وغيرها ليست ذاتيّة لهم، بل إنّهم(علیهم السلام) عباد مربوبون، ولا يملكون فضيلة وكمالاً إلّا بعد تمليك اللّه تعالى إيّاهم واستدامة هذا التمليك منه في كلّ آنٍ ولحظة. فكما أنّ اللّه تعالى أعطانا القدرة فنقدر على أن نفعل أفعالنا الاختياريّة، ولا يلزم من هذا الإقدار التفويض كما بيّنّا - لأنّ قوام هذه النعمة إنّما يكون بلطف القيّوم المتعال ابتداءً واستدامة في كلّ آنٍ ولحظة - كذلك اللّه تبارك وتعالى أقدر أوليائه وحججه وخلفائه في أرضه ومنحهم قدرة يقدرون بها على فعل ما لا نقدر عليه،ولا يلزم من هذا الإقدار تفويض إليهم صلوات اللّه عليهم أجمعين.
وما ذلك إلّا لبيان فضلهم ومكانتهم عند اللّه تعالى، لكي يصيروا خلفائه في عباده، وأمنائه في أرضه، ولذلك فإنّهم(علیهم السلام) لا يستعملون هذه القدرة الإلهيّة إلّا فيما يرضى اللّه تبارك وتعالى.
قال مولانا عليّ بن الحسين زين العابدين(علیهما السلام):
جهلوا واللّه أمر اللّه وأمر أوليائه معه، إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلّا بالتسليم للّه عزّوجلّ وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبّرهم به، إنّ أولياء اللّه صبروا على المحن والمكاره، صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم اللّه بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ومع ذلك لا يريدون إلّا ما يريده لهم.(1)
ويستفاد من جميع الآيات والروايات الواردة في المقام أنّ لهم(علیهم السلام) الولا ية المطلقة على ما سوى اللّه بإذنه تعالى، فاللّه عزّوجلّ قد أعطاهم هذا المقام الشامخ وهي الولا ية على جميع ما سواه من دون تفويض إليهم، ويلزم من ذلك أن يكون جميع ما يتحقّق في الكون بأمرهم
1) 742.. الأمالی (للصدوق)، ص455، ح3؛ بحارالأنوار، ج46، ص20.
وإذنهم، وإذا أراد اللّه تعالى تحقّق شيء في الكون تثبت مشيّ-ته تعالى في قلب الإمام(علیه السلام) الذي هو لوح المحو والإثبات كما قالوا(علیهم السلام): نحن أوعية مشيّة اللّه تعالى ووكر إرادته.
عن البصائر: حدّثنا بعض أصحابنا عن أحمد بن محمّد السيّاريّ قال حدّثني غير واحد من أصحابنا قال خرج عن أبي الحسن الثالث(علیه السلام) أنّه قال:
إنّ اللّه جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته، فإذا شاء اللّه شيئاً شاؤوه وهو قول اللّه: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ(1).(2)
الهداية الكبرى: بإسناده عن أبي أحمد الأنصاريّ قال: وجّه قوم من المؤمنين والمقصّرة كامل بن إبراهيم المدنيّ المعروف بصناعة أبي محمّد بسامرا إلى الناحية في أمرهم قال كامل بن إبراهيم: فقلت في نفسي: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي، وقال مقالتي قال فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد(علیه السلام) ... وجلست إلى باب ستر مرخيً فجاءت الريح فكشفت طرفه، فإذا بفتىًكأنّه فلقة قمر من أبناء أربعة عشر فقال: كامل بن إبراهيم. فاقشعريت من ذلك وألهمت وقلت: لبّيك لبّيك يا سيّدي، (إلى أن قال(علیه السلام)):
وجئت تسأله عن المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه، فإذا شاء اللّه شيئاً شئنا، واللّه يقول: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ، ثمّ رجع الستر إلى حاله فلم أكشفه، فنظر إليَّ أبو محمّد(علیه السلام) وتبسّم وقال: يا كامل بن إبراهيم، ما جلوسك وقد أنباك المهديّ والحجّة بعدي بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه، قال: فنهضت وأخذت الجواب الذي أسررته في نفسي من الإمام المهديّ، ولم ألقه بعد ذلك.(3)
وعن تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمّد معنعناً عن المفضّل بن عمر قال: قال أبوعبد اللّه(علیه السلام):
... فنحن باب اللّه وحجّته وأمناؤه على خلقه وخزّانه في سمائه وأرضه، حلّلنا
عن اللّه، وحرّمنا عن اللّه، لا نحتجب عن اللّه إذا شئنا وهو قوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ، وهو قوله(علیه السلام): إنّ اللّه جعل قلب وليّه وكراً لإرادته فإذا شاء اللّه شئنا.(1)
اللّهم منك البدء ولك المشيّة، ولك الحول ولك القوّة، وأنت اللّه الذي لا إله إلّا أنت، جعلت قلوب أوليائك مسكناً لمشيّ-تك، ومكمناً لإرادتك، وجعلت عقولهم مناصب أوامرك ونواهيك، فأنت إذا شئت ما تشاء حرّكت من أسرارهم كوامن ما أبطنت فيهم، وأبدأت من إرادتك على ألسنتهم ما أفهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك وتدعو إليك بحقايق ما منحتهم به، وإنّي لا علم مما علّمتني ممّا أنت المشكور على ما منه أريتني، وإليه آويتني. اللهمّ وإنّي مع ذلك كلّه عائذ بك، لائذ بحولك وقوّتك، راض بحكمك الذي سقته إليّ في علمك، جار بحيث أجريتني، قاصد ما أممتني، غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عنّي إذ به قد رضيتني، ولا قاصر بجهدي عمّا إليه ندبتني، مسارع لما عرفتني، شارع فيما أشرعتني، مستبصر ما بصرتني، مراع ما أرعيتني،فلا تخلني من رعايتك، ولا تخرجني من عنايتك، ولا تقعدني عن حولك، ولا تخرجني عن مقصد أنال به إرادتك، واجعل على البصيرة مدرجتي، وعلى الهداية محجّتي، وعلى الرشاد مسلكي، حتّى تنيلني وتنيل بي أُمنيّتي، وتحلّ بي على ما به أردتني، وله خلقتني، وإليه آويتني ... .(2)
وبعد ما ثبتت مشيّة الباري تعالى في قلب الإمام(علیه السلام) يأمر الإمام الملائكة الموكّلين لتدبير ذلك الأمر، الذين يعبّر عنهم القرآن بقوله: فَالْمُدَبِّراتِ أمْراً(3)فينجّزون ما أُمِروا به.
عن أبي عبداللّه(علیه السلام) في زيارة سيّد الشهداء(علیه السلام):
إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم، والصادر عمّا فصل من أفعال العباد.(4)
ولا يتصوّر الاستقلال لوليّ اللّه تعالى ولا الانعزال للحقّ المتعال ولا التفويض إليهم في حال من الأحوال، كما لا يتصوّر الاستقلال للملائكة في تدبير الأمور؛ لأنّ ولا يتهم على ما سواه تعالى وكون قلوبهم وكراً لإرادته وأوعية لمشيّته لا يعقل من دون كونهم عالمين وقادرين باللّه تعالى، والعلم والقدرة لابدّ أن تفاض عليهم في كلّ آنٍ ولحظة، كي يكونوا أوليائه وتثبت لهم الولاية على الكائنات، فإنّ حقيقة الولاية ليست منفكّة عن العلم والقدرة؛ فهم(علیهم السلام) يحتاجون في كلّ آنٍ ولحظة أشدّ الاحتياج إلى لطف الحيّ القيّوم لكي يكونوا أوليائه وحججه وأمنائه.
ولا يخفى أنّ الروايات قد عبّرت عن الملك الذي يباشر خلقة الجنين في الرحم ب- «الملك الخلّاقة» وورد التعبير بأنّهما «يخلقان»، وعبّر عن الملكين المباشرين لتصوير الجنين بأنّهما «يصوّران»، وعن الذي يخرجه عن الرحم بالقوّة القهريّة ب- «الزاجرة»، مع أنّه لاريب في أنّ خلقة الجنين وتصويره وإخراجه من الرحم من أفعاله تعالى، كما قال تعالى:
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ؛(1) ويَ-خْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ؛(2)ووَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً.(3)
وذلك لأنّ الفعل كما يسند إلى الآمر حقيقة، كذلك يسند إلى المباشر المأمور بإنجاز ذلك الفعل، خصوصاً إذا كانت قدرته وعلمه من الآمر كما أنّ اللّه تعالى يسند توفّي الأنفس إلى نفسه مرّة، وإلى ملك الموت أخرى، وإلى الملائكة ثالثة.
فعلى هذا يكون إسناد الخلق والرزق والإماتة والإحياء إلى الملائكة المباشرين لإجراء تلك الأعمال ممّا لا محذور فيه، كما أنّه لا محذور في إسنادها إلى وليّ اللّه الذي تكون الملائكة والمدبّرات تحت أمره وتدبيره وولا يته بالأولويّة القطعيّة.
بصائر الدرجات مسنداً عن أبي حمزة، قال: كنت عند عليّ بن الحسين(علیهما السلام) وعصافير على الحائط قبالته يصحن فقال:
يا أبا حمزة أتدري ما يقلن؟ قال: يتحدّثن، إنّ لهنّ وقتاً يسألن فيه قوتهنّ، يا أبا حمزة لا تنامنّ قبل طلوع الشمس فإنّي أكرهها لك، إنّ اللّه يقسّم في ذلك الوقت أرزاق العباد، وعلى أيدينا يجريها.(1)
وللتفويض معنى ثالث لا ضير في الالتزام به، وقد وردت الروايات الكثيرة فيه. وهو التفويض في أمر الدين وتشريع الأحكام - بمعنى افتراض طاعتهم وأنّ لهم الأمر والنهي في الموسّعات - إلى النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) وإلى الأئمّة الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام.
كلام الشيخ المرواريد(رحمه الله) في التفويض إلى الأئمّة(علیهم السلام)
ويناسب نقل ما تعرّض له في هذا المقام شيخنا الأستاذ آية اللّه الميرزا حسنعليّ المرواريد(قدس سره)، قال:
وأمّا التفويض إليهم صلوات اللّه عليهم في أمر الدين فيدلّ عليه غير واحد من الروايات، أورد عدّة منها المجلسيّ(قدس سره) في المجلّد السابع من البحار. وإنّما الإشكال في موضوعه وحدوده.
فنقول - بعد وضوح بطلان القول به على نحو العموم بأن يحلّلوا ما شاؤوا ويحرّموا ما شاؤوا من غيروحي وإلهام من اللّه تعالى، أو يغيّروا ما أوحي إليهم بآرائهم، كما يظهر لمن تتبّع أحوال النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) وما وصل إلينا منه ومن أوصيائه، وأنّه كان ينتظر الوحي، بل لا يقول به عاقل -: إنّ الذي يظهر من مجموع الروايات المباركات أنّ الأحكام الصادرة منهم لبيان وظائف الناس على قسمين:
القسم الأوّل: أحكام فرضها اللّه تعالى، وكان شأن النبيّ والأئمّة(علیهم السلام) إبلاغها، إمّا بنحو كلّيّ أو بصورة الحكم الجزئيّ الذي يشمله الحكم الكلّيّ الصادر من اللّه تعالى. ويعبّر عن تلك الأحكام بالفريضة أو بفرض اللّه، وهذا يعمّ الواجبات والمحرّمات بل وغيرهما، فإنّ كلّ حكم شرعه اللّه تعالى وعيّنه - تكليفيّاً كان أو وضعيّاً - فهو فريضة
1) 753.. بصائر الدرجات، ص343، ح9؛ بحارالأنوار، ج46، ص23، ح5.
منه تعالى وإن كان الشايع استعمالها في الواجبات.
القسم الثاني: أحكام فوّض أمرها إلى النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) وجعل له الولاية عليها، وهذا على ثلاثة أقسام كلّها من شؤون الولاية التشريعيّة التي جعلها اللّه تعالى للنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) - بلا إشكال - وللأئمّة: أيضاً طبق ظاهر بعض الروايات كما سيأتي، وهذه الأقسام هي:
الأوّل: تشريع الحكم الدائم، وموضوعه ما لم يشرّع اللّه فيه حكماً، فإنّه الذي فوّض أمره إلى النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، وعبّر عنه تارة بالسنّة، وأخرى بفرض النبيّ، وهذا ثابت للنبيّ كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
الثاني: تشريع الحكم الموقّت لمصالح وقتيّة. وهذا ثابت للنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، كما في نهيه عن أكل لحوم الحُمُر الأهليّة في بعض الغزوات.(1)وظاهر بعض الروايات ثبوته للأئمّة: أيضاً، كما روي في جعل عليّ(علیه السلام) الزكاة على الخيل العتاق،(2)وإيجاب الإمام الجواد(علیه السلام) الخمس على عدّة من أصحابه في بعض أموالهم الزكويّة،(3)على إشكال في أنّ هذا قسم مستقلّ أو مندرج في القسم الآتي ولعلّه الأقرب.
الثالث: الأوامر والنواهي أو ما يؤدّي مؤدّاهما الصادرة منهم من غير تصريح بالوجوب أو التحريم على نحو العموم أو الخصوص. وهذا من شؤون ولايتهم تشريعاً على كيفيّة التبليغ، وإعمال اللحن، والمعاريض، والتورية من غير كذب، وإبراز الحكم الغير الإلزاميّ بصورة الإلزام تربية أو تقيّة. وهذا ثابت للنبيّ والأئمّة: بلا إشكال.(4)
ولا يخفى أنّ هذا التفويض إليهم صلوات اللّه عليهم إنّما يكون بعد أن أدّبهم اللّه تعالى بتأديبه وبعد أن أعطاهم علم المصالح والمفاسد كما ورد في الأخبار، فهم لا يشاؤون إلّا ما يشاء اللّه ربّ العالمين، ولا يحكمون إلّا بما يرضى به الربّ جلّ جلاله، فلا يلزم من تفويض أمر الدين إليهم إبطال شرايع اللّه تعالى ولا خراب دينه.
بعبارة واضحة: بما أنّ حكمهم(علیهم السلام) حكم اللّه ورضاهم رضاه، وبما أنّهم عالمون بما يرضى به اللّه وما لا يرضى به فوّض اللّه إليهم أمر دينه في الجملة، إظهاراً لشأنهم وعلوّ مقامهم ولكي يميّز المطيع لنبيّه وأوصيائه(علیهم السلام) من العاصي. قال تعالى:
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلنا لِنَعْلَمَ مِن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛(1) وفَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُ-حَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَ-جِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.(2)
فلذا ترى أنّ الذين في قلوبهم مرض كانوا يسألون النبيّ دائماً: هل إنّ هذا الحكم حكم من اللّه أو شيء حكمت به من عندك؟(3)
روى الصدوق في العيون عن ماجيلويه عن عليّ عن أبيه عن ياسر الخادم قال: قلت للرضا(علیه السلام): ما تقول في التفويض؟ فقال: إنّ اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى نبيّه(صلی الله علیه آله و سلم) أمر دينه فقال:
مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا،(4)فأمّا الخلق والرزق فلا. ثمّ قال(علیه السلام): إنّ اللّه عزّ وجلّ خالق كلّ شيء وهو يقول عزّ وجلّ: الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُ-حْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذلِكُم مِن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.(5)-(6)
1) 758.. البقرة2.، الآیة 143.
2) 759.. النساء4.، الآیة 65.
3) 760.. روى العامّة أنّه لمّا بلغ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) غدير خم ما بلغ، وشاع ذلك في البلاد أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدريّ. فقال: يا محمّد! أمرتنا من اللّه أن نشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه وبالصلاة والصوم والحجّ والزكاة، فقبلنا منك ثمّ لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه. فهذا شيء منك أم من اللّه؟ فقال رسول اللّه: والذي لا إله إلّا هو أنّ هذا من اللّه. فولّى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتّى رماه اللّه بحجر، فسقط على هامّته وخرج من دبره وقتله. وأنزل اللّه تعالى: سأل سائل بعذاب واقع الآية. راجع: الغدير، ج1، ص239-269.
4) 761.. الحشر59.، الآیة 7.
5) 762.. الروم30.، الآیة 40.
6) 763.. عیون اخبار الرضا(علیه السلام)، ج2، ص202، ح3؛ بحارالأنوار، ج25، ص328، ح1.
روى الصفّار في البصائر عن بن يزيد عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أسامة عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه خلق محمّداً عبداً فأدّبه حتّى إذا بلغ أربعين سنة أوحى إليه وفوّض إليه الأشياء فقال: مَاآتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا.(1)
وروى عن أحمد بن محمّد عن الحجّال عن ثعلبة عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد اللّه(علیهما السلام) يقولان:
إنّ اللّه فوّض إلى نبيّه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثمّ تلا هذه الآية: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا.(2)
وروى عن أحمد بن محمّد عن البزنطيّ عن حمّاد بن عثمان عن زرارة عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
وضع رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) دية العين ودية النفس ودية الأنف وحرّم النبيذ وكلّ مسكر، فقال له رجل: فوضع هذا رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال: نعم ليعلم من يطع الرسول ويعصيه.(3)
وروى عن ابن يزيد عن أحمد بن الحسن بن زياد عن محمّد بن الحسن الميثمي عن أبيه عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سمعته يقول:
إنّ اللّه أدّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد ثمّ فوّض إليه فقال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا فما فوّض اللّه إلى رسوله فقد فوّضه إلينا.(4)
وفي بصائر الدرجات: في نوادر محمّد بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
لا واللّه ما فوّض اللّه إلى أحد من خلقه إلّا إلى الرسول وإلى الأئمّة(علیهم السلام) فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْ-حَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ(5)وهي جارية في الأوصياء.(6)
1) 764.. بصائر الدرجات، ص378، ح1؛ بحارالأنوار، ج25، ص331، ح6.
2) 765.. بصائر الدرجات، ص379، ح7؛ بحارالأنوار، ج25، ص332، ح7.
3) 766.. بصائر الدرجات، ص381، ح14؛ بحارالأنوار، ج25، ص332، ح8.
4) 767.. بصائر الدرجات، ص383، ح1؛ بحارالأنوار، ج25، ص332، ح9.
5) 768.. النساء4.، الآیة 105.
6) 769.. بصائر الدرجات، ص386، ح12؛ بحارالأنوار، ج25، ص334، ح11.
الاختصاص وبصائر الدرجات: بسندهما عن ابن عميرة عن الثماليّ قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول:
من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، لأنّ الأئمّة منّا مفوّض إليهم، فما أحلّوا فهو حلال وما حرّموا فهو حرام.(1)
بصائر الدرجات: أحمد بن موسى عن عليّ بن إسماعيل عن صفوان عن عاصم بن حميد عن أبي إسحاق عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سمعته يقول:إنّ اللّه أدّب نبيّه على محبّ-ته فقال: إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(2)ثمّ فوّض إليه فقال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وقال: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ(3)قال: ثمّ قال: وإنّ نبيّ اللّه فوّض إلى عليّ وائتمنه، فسلّمتم وجحد الناس، واللّه لحسبكم أن تقولوا إذا قلنا وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين اللّه فما جعل اللّه لأحد من خير في خلاف أمرنا.(4)
من كتاب رياض الجنان لفضل اللّه بن محمود الفارسيّ بالإسناد عن محمّد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر(علیه السلام) فذكرت اختلاف الشيعة فقال:
إنّ اللّه لم يزل فرداً متفرّداً في الوحدانيّة ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة(علیهم السلام) فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق الأشياء وأشهدهم خلقها، وأجرى عليها طاعتهم، وجعل فيهم ما شاء، وفوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتصرّف والإرشاد والأمر والنهي في الخلق، لأنّهم الولاة فلهم الأمر والولاية والهداية، فهم أبوابه ونوّابه وحجابه يحلّلون ما شاء ويحرّمون ما شاء، ولا يفعلون إلّا ما شاء، عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.(5)فهذه الديانة التي من تقدّمها غرق في بحر الإفراط ومن نقصهم عن هذه المراتب التي رتّبهم اللّه فيها زهق في برّ التفريط، ولم يوف آل محمّد حقّهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم، ثمّ قال: خذها يا محمّد فإنّها من مخزون العلم ومكنونه.(6)
الاختصاص: بسنده عن جابر بن يزيد قال: تلوت على أبي جعفر(علیه السلام) هذه الآية من قول اللّه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ(1)فقال:
إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) حرص أن يكون عليّ وليّ الأمر من بعده فذلك الذي عنى اللّه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ. وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوّض اللّه إليه فقال: ما أحلّ النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) فهو حلال، وما حرّم النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) فهو حرام.(2)بصائر الدرجات: ابن يزيد عن زياد القنديّ عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: قلت له: كيف كان يصنع أميرالمؤمنين(علیه السلام) بشارب الخمر؟ قال:
كان يحدّه قلت: فإن عاد؟ قال: كان يحدّه، قلت: فان عاد؟ قال: يحدّه ثلاث مرات، فإن عاد كان يقتله، قلت: كيف كان يصنع بشارب المسكر؟ قال: مثل ذلك، قلت: فمن شرب الخمر كمن شرب المسكر؟ قال: سواء. فاستعظمت ذلك فقال: لا تستعظم ذلك إنّ اللّه لمّا أدّب نبيّه(صلی الله علیه آله و سلم) ائتدب ففوّض إليه، وإنّ اللّه حرّم مكة وإنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) حرّم المدينة، فأجاز اللّه له ذلك، وإنّ اللّه حرّم الخمر وإنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) حرّم المسكر فأجاز اللّه ذلك كلّه له، وإنّ اللّه فرض فرائض من الصلب و إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) أطعم الجدّ فأجاز اللّه ذلك له، ثمّ قال: حرف وما حرف: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ(3).(4)
قال العلّامة المجلسيّ(قدس سره):
الثاني التفويض في أمر الدين، وهذا أيضاً يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون اللّه تعالى فوّض إلى النبيّ والأئمّة: عموماً أن يُحلّوا ما شاؤوا ويُحرّموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام أو يغيّروا ما أوحى إليهم بآرائهم وهذا باطل لا يقول به عاقل، فإنّ النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) كان ينتظر الوحي أيّاماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده، وقد قال تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلنا وَحْيٌ يُوحَى.(5)
وثانيهما: أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه(صلی الله علیه آله و سلم) بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلّا ما يوافق الحقّ والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيّ-ته تعالى في كلّ باب فوّض إليه تعيين بعض الأمور، كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة، والصوم، وطعمة الجدّ، وغير ذلك ممّا مضى وسيأتي إظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلّا بالوحي، ولم يكن الاختيار إلّا بإلهام، ثمّ كان يؤكّد ما اختاره(صلی الله علیه آله و سلم) بالوحي، ولا فساد في ذلك عقلاً وقد دلّت النصوص المستفيضة عليه ممّا تقدم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبيّنا(صلی الله علیه آله و سلم) من المجلّدالسادس. ولعلّ الصدوق(رحمه الله) أيضاً إنّما نفى المعنى الأوّل حيث قال في الفقيه: «وقد فوّض اللّه عزّوجلّ إلى نبيّه(صلی الله علیه آله و سلم) أمر دينه ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده». وأيضاً هو(صلی الله علیه آله و سلم) قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرّض لتأويلها.
الثالث: تفويض أمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما يعلموا، وهذا حقّ لقوله تعالى: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ-خُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1)وغير ذلك من الآيات والأخبار، وعليه يحمل قولهم: «نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه»(2)أي بيانهما علينا، ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا، وبهذا الوجه ورد خبر أبي إسحاق والميثميّ.
الرابع: تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم، أو بسبب التقيّة فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام، وبعضهم بالتقيّة ويبيّنون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كلّ سائل، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا كما ورد في أخبار كثيرة: «عليكم المسألة وليس علينا الجواب»،(3)كلّ ذلك بحسب ما يريهم اللّه من مصالح الوقت كما ورد في خبر ابن أشيم وغيره. وهو أحد معاني خبر محمّد بن سنان في تأويل قوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ،(4)ولعلّ تخصيصه بالنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) والأئمّة(علیهم السلام) لعدم تيسّر هذه التوسعة لسائر الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام)، بل كانوا
مكلّفين بعدم التقيّة في بعض الموارد وإن أصابهم الضرر، والتفويض بهذا المعنى أيضاً ثابت حقّ بالأخبار المستفيضة.
الخامس: الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة أو بعلمهم وبما يلهمهم اللّه من الواقع ومخّ الحقّ في كلّ واقعة، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان وعليه أيضاً دلّت الأخبار.
السادس: التفويض في العطاء فإنّ اللّه تعالى خلق لهم الأرض وما فيها وجعل لهم الأنفال والخمس والصفاياوغيرها فلهم أن يعطوا ما شاؤوا ويمنعوا ما شاؤوا، كما مرّ في خبر الثماليّ وسيأتي في مواضعه، وإذا أحطت خُبراً بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الأخبار الواردة فيه وعرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولما يحط بمعانيه.(1)
ثمّ لا يخفى أنّ البحث عن التفويض في التكوين والخلق والرزق، وكذا التفويض في أمر الدين والتشريع، ممّا يحتاج إلى مجال واسع وليس هنا محلّه، وقد تعرّضنا للبحث عنه مع بيان معاني التفويض وذكر الأدلّة على المختار في كتابنا: النفحات الرضويّة في إثبات الولاية التكوينيّة والتشريعيّة، فمن أراد تحقيق المقال فليراجعه.(2)
1) 785.. بحارالأنوار، ج25، ص348.
2) 786.. وراجع أيضاً ما كتبه شيخنا الأستاذ آية اللّه الشيخ عليّ النمازيّ الشاهروديّ في مستدرك سفينة البحار مادّة «فوض»، وآية اللّه الميرزا حسنعليّ المرواريد في كتابه تنبيهات حول المبدأ والمعاد، وراجع أيضاً: بحار الأنوار، ج17 (باب: وجوب طاعته وحبّه والتفويض إليه(صلی الله علیه آله و سلم))، و ج 25، ص328 (فصل في بيان التفويض ومعانيه).
وفيه فصول
الفصل الأوّل: تحليل الأمر بين الأمرين
الفصل الثاني: التوفيق والخذلان
الفصل الثالث: الأخبار في بيان الأمر بين الأمرين
الفصل الرابع: توضيح وتحليل حول حديث القدسيّ:
«يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي»
الفصل الخامس: الأمر بين الأمرين حقيقة واسعة
الفصل السادس: وجوه أخرى في تفسير الأمر بين الأمرين
نظريّة الأمر بين الأمرين أو المنزلة بين المنزلتين هي التي تفرّدت بها الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمّة أهل البيت(علیهم السلام)، ودلّت عليها آيات وروايات كثيرة. ولعمري إنّها من المعاجز العلميّة لهم(علیهم السلام)، فإنّ البشر لو خُلّي ونفسه من دون تذكّرات العلماء الربّانيّين إمّا يعتقد بالجبر أو بالتفويض، ولكنّ القرآن والروايات بيّنّا حقيقة الأمر الذي غفل عنه البشر وقالوا: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»وقد يعبّر عنها بأنّه «منزلة بين المنزلتين وهي أوسع ممّا بين السماء والأرض»، والأئمّة(علیهم السلام) قد تحدّوا الناس بهذه النظريّة فأعيوهم جميعا.
روى الكلينيّ بسنده عن صالح بن سهل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال، سئل عن الجبر والقدر فقال:
لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما، فيها الحقّ التي بينهما لا يعلمها إلّا العالم أو من علّمها إيّاه العالم.(1)
ونحن - بعد تذكيرات أهل الذكر - نشاهد صدق ما بيّنوه(علیهم السلام) بالوجدان، لكنّ الذين أعرضوا عن باب العلم وتوهّموا أنّ العلم هو ما يؤخذ عن سواهم، تاهوا وضلّوا وأضلّوا، وإليك بيان ذلك.
كلّ عاقل يجد بعقله ضرورةً بطلان أمرين:
1) 787.. الكافي، ج1، ص159، ح10.
أحدهما: أن يكون الإنسان ملجئاً ومكرهاً ومجبوراً في أفعاله الاختياريّة، فقد سبق التنبيه أنّ الاستضائة بالعلم والقدرة فينا من أبده البديهيّات، وعليه يترتّب نظام المعاش والمعاد حتّى عند القائلين بالجبر. والشاهد على ذلك هو الأوامر والنواهي من الموالي إلى العبيد، ووضع القوانين من قبل الدول والحكومات والدوائر، وعقاب المتخلّفين، وإسناد جملة من الأمور إلى الإنسان دون بعض آخر وغير ذلك. فمالكيّة الإنسان للعلم والقدرة والاستطاعة والمشيّة من أوضح الأمور لدى كلّ عاقل.
ثانيهما: أن يكون الإنسان هو المالك الحقيقيّ للعلم والقدرة وهكذا الحياة والاستطاعة، فإنّ من الواضح أنّ هذه الأمور ليست ذاتيّة له. والشاهد على جميع ذلك هو الوجدان، فإنّا نجد أنّ القدرة والسلطنة والعلم قد تسلب عنّا أحياناً من دون اختيار منّا، بل نريد بقائها فلا تبقى لنا وتؤخذ عنّا قهراً، وفي حال كوننا مالكين لها نجد أنّ قوامها لا يكون بأيدينا ولا طوعاً لإرادتنا. فهذه الكمالات موجودة لنا في حال اليقظة دون المنام، وفي زمن الشباب دون الصغر والهرم، وفي حال السلامة دون المرض. ولسنا عالمين بجميع الأفعال ولا قادرين عليها، فكم من عمل لا نقدر عليه وكم من شيء لا نعرفه، بل ما لا نقدر عليه وما لا نعلمه أكثر ممّا نقدر ونعلم بما لا يحصى ذلك أنّ الإنسان إذا كانت ذاته عين القدرةوالعلم لا يعقل عدم قدرته على شيء دون شيء بل يكون على كلّ شيء قدير ولمّا نرى من أنفسنا العجز - مع القدرة على بعض الأفعال - نعرف أنّ القدرة ليست ذاتيّة للإنسان. فكلّ هذه آيات وبراهين على أنّ العلم والقدرة والحياة والاختيار ليسوا حيث ذواتنا فتارة نجدها وأخرى نفقدها. فيظهر بنور العقل أنّ حيث ذواتنا حيث العجز والجهل، لأنّا لو كنّا قادرين وعالمين ذاتاً لما انفكّ العلم والقدرة عنّا أبداً، فإنّه من المستحيل انفكاك الذاتيّات عن الذات، فيظهر أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الذي يعطي ويأخذ ويقبض ويبسط، قال تعالى:
وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً؛(1)
1) 788.. النحل16.، الآیة 78.
ووَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً؛(1)
واللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَ-خْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.(2)
فالإعطاء بعد الفقدان والحرمان بعد الوجدان أعظم دليل على عدم كون القدرة والعلم وهكذا سائر الكمالات عين ذواتنا وتحت إرادتنا ولسنا مالكين لها، حيث إنّه لو كانت تحت إرادتنا لكنّا قادرين على الامتناع من سلبها عنّا وكنّا قادرين على تحصيلها كيفما نريد مع أنّا نشاهد أنّ كثيراً من الأشياء لا نقدر عليها أبدا.
وبالجملة إنّ الوجدان والفطرة يناديان بأعلى صوتهما ويصدّقان ما قاله جلّ جلاله:
أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْ-حَمِيدُ.(3) فكلّما نجد شيئاً من العلم والقدرة والحياة والاستطاعة يكون بإعطاء من اللّه تعالى، وكلّما يزداد ذلك يكون بفضل اللّه ورحمته علينا، وكلّما أراد سلبها عنّا سلبها، فهذه الكمالات ملك للّه تعالى حقيقة وقد ملّكنا ما هو أملك به منّا حدوثاً وبقاءا.
وأيضاً يجد كلّ عاقل أنّه لولا عونه تعالى وهداياته، وترغيبه في الحسنات وتحذيره عن السيّئات، وتذكيراترسله وغير ذلك من توفيقاته تبارك تعالى، لما حصل للإنسان داعٍ إلى الإيمان والعمل الصالح وما كان ليتحرّك نحوهما مع كونه قادراً عليهما. وهكذا لولا خذلانه تعالى، وترك العبد ونفسه حينما يعرض وجهه عن تلكم الهدايات والتوفيقات لما عصاه أحد مع القدرة على ترك المعصية.
إذا عرفت ذلك تعلم حقيقة الأمر بين الأمرين؛ فإنّه لا جبر لوجود السلطنة والقدرة والاختيار في الأفعال الصادرة عن الإنسان، ولا تفويض لأنّه تعالى قد ملّكنا القدرة والعلم والاستطاعة بلا تفويض إلينا فنحن لكي نبقى فاعلين قادرين نحتاج أشدّ الاحتياج إلى
دوام لطفه وإنعامه وتفضّله تعالى آناً فآناً، بل أقلّ من الآن بكثير، ولا يتصوّر الاستقلال للإنسان في آنٍ من الآنات، مضافاً إلى وجود توفيقاته وخذلانه عزّوجلّ.
فنحن قادرون بالقدرة التي أعطانا اللّه تعالى، وفاعلين بالسلطنة التي ملّكنا اللّه، ومريدون بالاستطاعة التي وهبنا اللّه تعالى، وأبقاها لنا إلى آخر آنات صدور الفعل عنّا، كما نقول في صلواتنا بتعليم أئمّتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام: «بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد». قال تعالى:
لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ؛(1) وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛(2)
ووَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً؛(3)
وإِنْ هُوَ إلنا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛(4)
ووَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ.(5)
ولعلّ المثال الذي يقرّب المطلب إلى الذهن بقدر - وإن كان المثال يقرّب من جهة ويبعّد من جهات - هو ما ذكره بعض الأعاظم(قدس سره):
وذلك كما إذا افترضنا أنّ للمولى عبداً مشلولاً غير قادر على الحركة، فربط المولى بجسمه تيّاراًكهربائيّاً ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً نحو العمل، وليصبح بذلك قادراً على تحريكها، وأخذ المولى رأس التيّار الكهربائيّ بيده وهو الساعي لإيصال القوّة في كلّ آن إلى جسم عبده بحيث لو رفع اليد في آن عن السلك الكهربائيّ
انقطعت القوّة عن جسمه فيه وأصبح عاجزا.(1)
وعلى هذا فلو أوصل المولى تلك القوّة إلى جسمه وذهب باختياره وقتل شخصاً والمولى يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى الفاعل لأنّه صار متمكّناً من إيحاد الفعل وعدم إيجاده، بعد أن أوصل المولى القوّة إليه وأوجد القدرة في عضلاته، ففعل ما فعل باختياره وإرادته. وأمّا المولى فهو وإن كان له دخل في صدور الفعل عن العبد من جهة إعطائه القدرة وإمكان سلبها عنه، إلّا أنّ القدرة هي السلطنة على الفعل والترك، فلذا لا يصحّ إسناد الفعل إلى المولى بمجرّد إعطائه القدرة للعبد، وليس هذا نظير ما إذا أعطى أحد السكّين إلى من يريد القتل، فإنّه - مع ملاحظة حال الفاعل - سينحصر استعماله السكين في القتل.
ولكنّه تعالى - مضافاً إلى أن ملّكنا القدرة والعلم وساير الكمالات وهو تعالى أملك بها، ومضافاً إلى أنّ كوننا وحياتنا إنّما تكون به تعالى في جميع الآنات، والحال أنّ حياة العبد وعلمه وكذا قدرته بعد إيصال التيّار إلى بدنه، بل إيجاد القوّة الكهربائيّة في المثال المذكور، ليست بيد المولى -: قد أعان عباده على الإيمان والطاعة والعمل الصالح وأمرهم بها، ورغّبهم فيها وشوّقهم إليها، وأرسل من يحثّهم عليها ويذكّرهم بعد ما فطرهم عليها، ومن جهة أُخرى نهى عن القبائح وحذّرهم عنها بعد ما فطرهم على معرفة قبحها. فالمؤمنون إنّما يؤمنون ويعملون الصالحات بعونه وتوفيقه تعالى ويجتنبون القبايح بعصمته، أمّا الكفّار والعصاة فإنّما كفروا وعصوا إعراضاً منهم عن هدايات ربّهم وتذكيرات رسله، فبإعراضهم وإصرارهم على المعاصي خذلهم اللّه ووكلهم إلى أنفسهم، ولم يَحُل بينهم وبين معصيتهم وصرف عنهم آياته، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْ-حَقِّ.(2)
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى جرت سنّة اللّه تعالى على زيادة الذين قبلوا عونه تعالى وهدايته وعملوا الصالحات هدىً بعد هدى، وعوناً بعد عون، فلا حول عن معاصي اللّه إلّا بعصمة اللّه، ولا قوّة لنا على طاعة اللّه إلّا بعون اللّه.
قال شيخ مشايخنا فقيه أهل البيت العلّامة آية اللّه الميرزا مهديّ الإصفهانيّ(رحمه الله) ورفع درجته في بيان حقيقة الأمر بين الأمرين ما محصّله:
أنّ شبهة الجبر والتفويض من الشبهات العضال التي عجز جلّ أكابر البشر عن حلّها بحيث لا يلزم أحد المحذورين: من استغناء المخلوق عن الحقّ تعالى شأنه واستقلاله في الفاعليّة، أو من نسبة الأفعال كلّها إلى الحقّ تعالى. فإنّ الأوّل شرك والثاني كفر، بل التزموا بأحد المحذورين. وأعاظم الحكماء والعرفاء اختاروا صحّة نسبة الأفعال كلّها إلى الحقّ المتعال وسمّوه التوحيد الأفعاليّ.
أمّا صاحب الشريعة المقدّسة فقد جاء في حلّها بما يبهر العقول من تذكّره إلى فقر الفاعل في ذاته وأفعاله إلى الحقّ في عين امتناع نسبة الأفعال إليه سبحانه.
وجملة الكلام: أنّ البشر من حيث ذاته وقواه لا شيئيّة له بذاته بوجه من الوجوه حتّى الشيئيّة الماهويّة، بل هو حيث الشيئيّة والكون بالغير، فحيث ذاته صرف الفقر والعجز والموت والجهل، ولكن اللّه الذي هو مُشيّء الأشياء ومكوّنها، شيّئه وكوّنه وملّكه الحياة والعلم والعقل والقوّة والقدرة، في عين كونه تعالى أملك بكلّها حال تمليكه إيّاها. فلا استقلال له بوجه من الوجوه ولا استغناء له عنه تعالى، فلا تفويض لاحتياجه في ذاته وقواه في كلّ الآنات إليه تعالى وإلى حوله وقوّته وإلطافه وإمداده. وحيث إنّ العبد مالك بالحقيقة لتلك الكمالات والنعمات بتمليكه تعالى، يكون نسبة الأفعال إليه تعالى خلاف مالكيّة العبد للرأي والاختيار، وحيث إنّ مالكيّة الرأي المخصّص للطرفين (أي الفعل والترك) عين القدرة على الطرفين، ولا يكون مرجّح أحدهما غير الرأي،ولا يتوقّف الرأي إلّا على القدرة، ولا ينشأ ولا يتحقّق إلّا بها ومنها، فلا جبر، ويمتنع عليه شيء من التوفيقات والخذلانات في تحقّق الفعل أو تركه للخلف.
بعبارة ثانية: من تأمّل في القرآن والروايات المتواترة، يرى أنّها تذكرة إلى ما هو الظاهر لكلّ أحد من فقره الذاتيّ، ووجدانه الحياة والعلم والشعور والقوّة والرأي مرّة وفقدانه أخرى، وإلى تحقّق أفعاله المقدورة عن رأيه المخصِّص لأحد الطرفين بعد فرض المرجّحات والمقتضيات لأحد الطرفين، ولظهور ذلك يحكمون بحسن أفعالهم وقبحها واستحقاق الثناء والمدح والعقاب والقدح. مثلاً مدافع البول إذا لم يسلب قدرته، مع أنّ فيه اقتضاء دفع البول، يكون دفعه أو حبسه عن رأيه فبرأيه ومشيّته يدفع أو يمنع، وصدور المقتضى ليس إلّا عن رأيه ومشيّته، ولا يقع المقتضى عن المقتضي قهراً وجبراً، كما هو واضح.
وبعبارة ثالثة: التصريح بالاستطاعة في الآيات والروايات، عين التذكّر بالقدرة الظاهرة لكلّ أحد، والتصريح بأنّها ملك اللّه تعالى يملكها العبد بتمليكه تعالى وهو أملك منه، نفي التفويض بمعانيه. فإنّ توهم كون الاستطاعة والقدرة عين ذات الإنسان هو الكفر، وتوهّم كونها للّه ولنفسه معاً هو الشرك، وتوهّم أنّ القدرة المفاضة عليه مطلقة لا يملكها الحقّ، ويكون له الأمر والمشيّة والإرادة على الإطلاق هو عزل الحقّ عن السلطنة، فلا بدّ من نفي الكلّ والقول بأنّه المالك المملِّك لما ملّكهم، والقادر على ما عليه أقدرهم. وهم مستطيعون باللّه لا مع اللّه ولا من دون اللّه، كما هو صريح الروايات.
وواضح أنّ قوام القدرة بمالكيّة الرأي المخصِّص لأحد الطرفين، فعند القدرة يتحقّق المالكيّة، فلو صدر الفعل أو الترك بالرأي فهو المختار في الفعل والترك، وتكون العلّة في الفاعليّة والتخصيص رأي الفاعل لا غير. فلو كانت غير رأيه يكون مكرهاً أو مجبوراً أو مضطرّاً وعناوين الاختيار والإكراه والاضطرار كثيرة في الآيات والأخبار، واختلاف المفاهيم الثلاثة وأحكامها وآثارها وجدانيّ.(1).
1) 799.. معارف القرآن المخطوط وقدنقل عنه شيخنا العلّامة النمازيّ في مستدرك سفينة البحار، ج2، ص5-7.
قد علمت أنّ من أهمّ الأمور الدخيلة في معرفة حقيقة الأمر بين الأمرين هي معرفة التوفيق والخذلان، فلذا ينبغي لنا بيان حقيقتهما تفصيلاً - وإن مرّت الإشارة إليهما إجمالاً -، ويتّضح المراد عبر نقاط:
إنّ المراد من التوفيق هو: العون وتسهيل العبادة والطاعة والإيمان. والمراد من الخذلان هو سلب التوفيق، وترك المعونة، وإيكال العبد إلى نفسه، والتخلية بينه وبين الشيطان. ويشير إلى هذا المعنى للتوفيق والخذلان آيات وأخبار كثيرة، قال اللّه تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْ-حُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَ-خِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْ-حُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى.(1)
مفاد الآيات أنّ ما منه تعالى هو التيسير فقط، غاية الأمر أنّه تيسير لليسر بالنسبة إلى طائفة، وتيسير للعسر بالنسبة إلى أخرى.
ويشهد على هذا المعنى ما رواه سعد بن طريف عن أبي جعفر(علیه السلام) في قول اللّه عزّوجلّ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْ-حُسْنَى فإنّ اللّه يؤتى بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى قال:
لا يريد شيئاً من الخير إلّا يسّره اللّه له وَأَمَّا مَنْ بَ-خِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ
1) 800.. اللّيل92.، الآیات 5 - 10.
بِالْ-حُسْنَى بأن يعطى بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى لا يريد شيئاً من الشرّ إلّا يسّره اللّه له ... .(1) فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَ-جْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَ-جْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ.(2)هذه الآية تُصرّح بأنّ صنعه تعالى هو شرح الصدر للإسلام، أو سلبه بأن يصير صدره ضيّقاً حرجاً من الإسلام. روى الصدوق بإسناده عن حمدان بن سليمان النيسابوريّ، قال: سألت أباالحسن عليّ بن موسى الرضا(علیهما السلام) بنيسابور عن قول اللّه عزّوجلّ: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ قال:
من يرد اللّه أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته في الآخرة، يشرح صدره للتسليم للّه، والثقة به، والسكون إلى ما وعده من ثوابه، حتّى يطمئنّ إليه، ومن يرد أن يضلّه عن جنّته ودار كرامته في الآخرة، لكفره به وعصيانه في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً حتّى يشكّ في كفره، ويضطرب من اعتقاده قلبه حتّى يصير كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون.(3)
المحاسن: أبي، عن فضالة، عن أبي بصير، عن خيثمة بن عبدالرحمن الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول:
إنّ القلب ينقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحقّ، فإذا أصاب الحقّ قرّ. ثمّ ضمّ أصابعه وقرأ هذه الآية: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَ-جْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً(4)-(5)
التوحيد، معاني الأخبار: بإسناده عن جعفر بن سليمان البصريّ، عن الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد(علیهما السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ: ... وَمَا تَوْفِيقِي إلنا بِاللهِ(1)وقوله عزّوجلّ: إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَ-خْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعْدِهِ؟(2)فقال:
إذا فعل العبد ما أمره اللّه عزّوجلّ به من الطاعة كان فعله وفقاً لأمر اللّه عزّوجلّ وسمّي العبد به موفّقاً، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي اللّه فحال اللّه تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق اللّه تعالى، ومتى خلّي بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتّى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفّقه.(3)
وقد ورد في الدعاء في معنى التوفيق:وأسألك يا ربّ أن ... تحبّب إليَّ عبادتك والمواظبة عليها، وتنشّطني لها، وتبغّض إليّ معاصيك ومحارمك، وتدفعني عنها ... وتشرح صدري لإيتآء الزكوة ... وتصرف قلبي عن الحرام وتبغّض إلىَّ معاصيك، وتحبّب إليَّ الحلال.(4)
في مناجاة مولانا زين العابدين(علیه السلام):
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد واجعلنا ممّن سهّلت له طريق الطاعة بالتوفيق في منازل الأبرار، فحيّوا وقرّبوا وأكرموا وزيّنوا بخدمتك.(5)
في دعاء عشيّة يوم عرفة:
فكن اللهمّ الهادي في ذلك كلّه للصواب والمعين عليه بالتوفيق والرشاد، فصلّ على محمّد وآل محمّد، وامنن عليّ بذلك يا أرحم الراحمين.(6)
قال ابن عبّاس:
ثمّ إنّ اللّه سبحانه وتعالى أنزل الزكاة على موسى(علیه السلام)، فلمّا أوجب اللّه سبحانه الزكاة عليهم أبى قارون فصالحه عن كلّ ألف دينار على دينار، وعن كلّ ألف درهم على درهم، وعن كلّ ألف شاة على شاة، وعن كلّ ألف شيء شيئاً، ثمّ رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيراً فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال لهم: يا بني إسرائيل إنّ موسى قد أمركم بكلّ شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له: أنت كبيرنا وسيّدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيؤوا بفلانة البغيّ فنجعل لها جُعلاً على أن تقذفه بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه. فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل طستاً من ذهب، وقيل: حكمها، وقال لها: إني أُموّلك وأُخلّطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلمّا أن كان الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثمّ أتى موسى، فقال له: إنّ بني إسرائيل قد اجتمعوا ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبيّن لهم أعلام دينهم وأحكام شريعتهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم خطيباً ووعظهم فيما قال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلّدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلّدناهمائة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتّى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال قارون: فإنّ بني إسرائيل يزعمون أنّك فجرت بفلانة، قال: أنا؟! قال: نعم، قال: ادعوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلمّا أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة إنّما أنا فعلت لك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلّا صدقت، فلمّا ناشدها تداركها اللّه بالتوفيق وقالت في نفسها: لئن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول اللّه، فقالت: لا، كذبوا، ولكن جعل لي قارون جُعلاً على أن أقذفك بنفسي، فلمّا تكلّمت بهذا الكلام سقط في يده قارون ونكس رأسه وسكت.(1)
المحاسن: القاسم بن محمّد وفضالة، عن كليب بن معاوية الأسديّ قال: قال أبوعبد اللّه(علیه السلام):
ما أنتم والناس؟ إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة بيضاء فإذا هو
1) 812.. بحارالأنوار، ج13، ص256 - 257.
يجول لذلك ويطلبه.(1)
وعنه: فضالة، عن القاسم بن يزيد عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
إذا أراد اللّه بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب يطلب الحقّ، ثمّ هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره.(2)
ففي هذه الروايات وغيرها ممّا لم نذكره قد فسّر التوفيق بالإعانة، وتسهيل طريق الطاعة، وإعطاء شرح الصدر للإيمان والعمل الصالح والتسليم للّه والثقة به، وتحبيب العبادة والتنشيط لها، وتبغيض المعاصي وصرف القلب عنها. كما فسّر الخذلان بسلب هذه الأمور والتخلية بين العبد وبين المعصية، وعدم الحول بينه وبينها، وجعل القلب ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعّد إلى السماء، ومن الواضح أنّ التوفيق والخذلان بهذا المعنى لا يلجئان العبد إلى الفعل أو الترك كي يلزم الجبر.
وملخّص الكلام في معنى التوفيق والخذلان: هو أنّ التوفيق عبارة عن تهيئة الأسباب من اللّه تعالى وفق ما أراده المكلّف بحسن اختياره بحيث لا يوجب إلجاء العبد وسلب القدرة عنه، والخذلان عبارة عن إيكال اللّه تعالىالعبد إلى نفسه والتخلية بينه وبين ما يريده من المعصية بسوء اختياره.
إنّ اللّه تعالى لا يخذل أحداً أبداً إلّا بعد ما يفعل بسوء اختياره ما يستحقّ الخذلان، فبعد ارتكابه للمعصية والكفران وإصراره عليها وبعد إتمام الحجّة عليه يخذله اللّه تعالى ويكله إلى نفسه، فالخذلان - دائماً - يكون عقوبة وجزاء للفعل الاختياريّ الصادر عن العبد. وهذا بخلاف التوفيق الذي لا يلزم فيه أن يكون مسبوقاً بفعل اختياريّ بل هو فضل منه تعالى لجميع المكلّفين إبتداء، من دون اشتراطه بأن يفعلوا ما يستحقّوا ذلك، نعم ازدياد التوفيق واشتداده رهين الشكر والإيمان والتسليم والطاعة، والإتيان بالصالحات.
ويدلّ على ذلك جلّ ما ورد في الخذلان وكيفيّته، فإنّ في أكثر تلك النصوص ما يشير إلى سبب الخذلان منه تعالى، فترى أنّه تعالى يقول بعد ذكر كيفيّة الخذلان: كَذلِكَ يَ-جْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(1)أنّ عدم الإيمان منهم صار سبباً لأن يجعل صدره ضيّقاً حرجا.
ويشهد على ذلك أنّ الناس كانوا في النشأة السابقة على حدّ سواء وألزمهم اللّه تعالى الحجّة بتعريفه نفسه القدّوس وأوليائه وشريعته لهم، فوفّق اللّه الجميع للإيمان بتهيئة مقدّماته وأسبابه لهم مع أنّه لم يكن لهم في تلك النشأة شهوات فآمن بعض ولم يؤمن آخرون باختيارهم من دون إلجاء، كما بحثنا ذلك مفصّلا.(2)
ثمّ إنّ اللّه تعالى يوفّق المؤمنين في الدنيا جزاء لإيمانهم في تلك النشأة، كما أنّه تعالى يخذل الكفّار والعصاة في الدنيا لكفرهم في تلك النشأة. نعم لا تنحصر أسباب التوفيقات والخذلانات الإلهيّة بما صدر عن العباد في تلك النشأة كما أنّه لا تنحصر التوفيقات والخذلانات بتهيئة أسباب الطاعة وتيسيرها وكذا بإيكال العبد إلى نفسه في العوالم السابقة.
إنّ الهداية الإلهيّة ذات درجات ومراتب، وقد حصل بعضها لجميع المكلّفين من المؤمنين والكفّار والمطيعين والعصاة، وهي استضائة الإنسان بنور العقل، وتذكيراتالأنبياء(علیهم السلام)، وهدايته وإرائته طريق الخير والشرّ، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإعطائه القدرة، وأمره بالعمل الصالح وإيجاد الشوق فيه بالنسبة إليه، إلى غير ذلك ممّا لو فقد العبد واحداً منها لا يتحرّك نحو الطاعة والإيمان. فاللّه تعالى هدى الجميع بالهداية العامّة فكانت رحمته تعالى قبل أعمال العباد هذا من جهة، ومن جهة أُخرى شاء اللّه تعالى أن لا يخذل أحداً ما لم يصدر عنه ما يستحقّ ذلك، كما ورد بذلك الآيات والأخبار.
قال الصادق(علیه السلام): قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
إنّي لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، فرسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لم يجعل لذكره للّه عزّ وجلّ مقداراً، عند علمه بحقيقة سابقة ذكر اللّه عزّ وجلّ له من قبل ذكره له، فمن دونه أولى، فمن أراد أن يذكر اللّه تعالى، فليعلم أنّه عالم يذكر اللّه العبد بالتوفيق لذكره، لا يقدر العبد على ذكره.(1)
روى الصدوق عن أبيه(رحمه الله)، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن عبد الملك بن عنترة الشيبانيّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: جاء رجل إلى أميرالمؤمنين(علیه السلام) فقال: يا أميرالمؤمنين أخبرني عن القدر، قال(علیه السلام):
بحر عميق فلا تلجه، قال: يا أميرالمؤمنين أخبرني عن القدر، قال(علیه السلام): طريق مظلم فلا تسلكه، قال: يا أميرالمؤمنين أخبرني عن القدر، قال(علیه السلام): سرّ اللّه فلا تكلّفه قال: يا أميرالمؤمنين أخبرني عن القدر، فقال أميرالمؤمنين(علیه السلام): أمّا إذا أبيت فإنّي سائلك، أخبرني أ كانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللّه؟! قال: فقال له الرجل: بل كانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد، فقال أميرالمؤمنين(علیه السلام): قوموا فسلّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافراً ... .(2)
قال الصادق(علیه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ(3)قال:
حتّى يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه.(4)وقال في قوله عزّ وجلّ: فَأَلْهَمَهَا فُ-جُورَهَا وَتَقْوَاهَا(5)قال:
بيّن لها ما تأتي وما تترك.(6)
وقال في قوله عزّ وجلّ: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(1)قال:
عرفناه إمّا آخذاً وإمّا تاركا.(2)
وفي قوله عزّ وجلّ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَی(3)قال:
وهم يعرفون.(4)
وسئل عن قوله اللّه عزّ وجلّ: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(5)قال:
نجد الخير ونجد الشرّ.(6)
أروي أنّ رجلاً سأل العالم(علیه السلام): أكلّف اللّه العباد ما لا يطيقون؟ فقال:
كلّف اللّه جميع الخلق ما لا يطيقون إن لم يعنهم عليه، فإن أعانهم عليه أطاقوه، قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه(صلی الله علیه آله و سلم): وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلنا بِاللهِ(7).(8)
الطرائف: روي أنّ الفضل بن سهل سأل الرضا(علیه السلام) بين يدي المأمون فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال:
اللّه أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذّبهم، قال: فمطلقون؟ قال: اللّه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.(9)
في قنوت الإمام زين العابدين(علیه السلام):
اللهمّ إنّ جبلّة البشريّة، وطباع الإنسانيّة، وما جرت عليه تركيبات النفسيّة وانعقدت به عقود النسيّة، تعجز عن حمل واردات الأقضية، إلّا ما وفّقت له أهل الاصطفاء، وأعنت عليه ذوي الاجتباء، اللهمّ وإنّ القلوب في قبضتك، والمشيّة لك في ملكتك، وقد تعلم أي ربّ ما الرغبة إليك في كشفه واقعة
1) 823.. الانسان76.، الآیة 3.
2) 824.. التوحید، ص411، ح4؛ بحار الأنوار، ج5، ص196، ح4.
3) 825.. فصّلت41.، الآیة 17.
4) 826.. تصحیح إعتقادات الإمامیّة، ص36؛ بحار الأنوار، ج5،، ص196، ح5.
5) 827.. البلد90.، الآیة 10.
6) 828.. تصحیح إعتقادات الإمامیّة، ص37؛ بحار الأنوار، ج5، ص196، ح6.
7) 829.. النحل16.، الآیة 127.
8) 830.. البرهان فی تفسیر القرآن، ج3، ص467؛ بحارالأنوار، ج5، ص54.
9) 831.. الطرائف فی معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص330؛ بحارالأنوار، ج5، ص59، ح110.
لأوقاتها بقدرتك، واقفة بحدّك من إرادتك.(1)
في الإقبال: في مناجاة أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) والأئمّة من ولده(علیهم السلام)، كانوا يدعون بها في شهر شعبان:الهي لم يكن لي حول فانتقل به عن معصيتك إلّا في وقت أيقظتني لمحبّ-تك وكما أردت أن أكون كنت، فشكرتك بإدخالي في كرمك، ولتطهير قلبي من أوساخ الغفلة عنك.(2)
وهذه المرحلة من الهداية الإلهيّة الشاملة لكلّ أحد تسمّى بالهداية العامّة التي من دونها لا يقدر أحد على الطاعة والإيمان ولاحول له على ترك المعصية، كيف وإنّ الجبلّة البشريّة وطباع الإنسانيّة مع ما عليها من الضعف والعجز والجهل والشهوة والكسل تعجز عن ذلك، لولا عونه تعالى وتوفيقه ورحمته وهدايته، كما حكى اللّه تعالى عن العبد الصالح حيث قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلنا مَا رَحِمَ رَبِّي.(3)
لو قبل العبد هذه الهداية الإلهيّة، التي أعطاه اللّه تعالى ابتداء من دون استحقاق، وشكر اللّه تعالى على هدايته فآمن وعمل الصالحات، يزيد اللّه في توفيقاته فيسهل عليه فعل الخيرات شيئاً فشيئاً، قال تعالى:
إِن تَتَّقُوا اللهَ يَ-جْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً؛(4) ووَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ؛(5)
ووَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً؛(6)
ووَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.(1)
من البديهيّ أنّ توفيقه تعالى بمعنى هدايته وارائته الطريق لا يلجأ الإنسان على الإيمان والعمل الصالح، فقد يوفّق اللّه العبد ولكنّه يعرض وجهه عن العون الإلهيّ وتوفيقه كما ورد عن الصادق(علیه السلام):
ما كلّ من نوى شيئاً قدر عليه ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق لشيء أصاب له، فإذا اجتمعت النيّة والقدرة والتوفيق والإصابة فهنالك تمّت السعادة.(2)
فإذا أعرض الإنسان بوجهه عن هدايات ربّه وتوفيقاته وإعانته على الطاعة، فيسلب اللّه تعالى عنه هذه التوفيقات شيئاً فشيئاً فيصعب عليه فعل الخيرات لأنّاللّه تعالى يكله إلى نفسه وإذا وكله اللّه إلى نفسه يسلّط عليه الشيطان والهوى فيزيّن له العصيان والقبائح، فتراه يشتاق إلى فعل السيّئات ويسرع إليها، فهو لا يعصي إلّا بعد صرفه تبارك وتعالى التوفيق عنه وخذلانه وإيكاله إلى نفسه، فلا طاعة إلّا بالتوفيق ولامعصية إلّا بالخذلان.
وهذا القبض والبسط في التوفيق والخذلان إنّما يكونان وفقاً للقانون الإلهيّ من العدل والفضل. قال تعالى:
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ؛(3) وذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ؛(4)
ووَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ؛(5)
ووَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى؛(1)
وكَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ.(2)
عن أبي عبد اللّه(علیه السلام)، قال سمعته يقول: كان أبي يقول:
إنّ اللّه قضى قضاء حتماً أن لا يُنعم على عبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتى يحدث العبد ذنباً يستحقّ ذلك النقمة.(3)
الاحتجاج: عن هشام بن الحكم في سؤال الزنديق عن أبي عبداللّه(علیه السلام) إلى أن قال: فمن خلقه اللّه كافراً يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام):
إنّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه فعرض عليه الحقّ فجحده فبإنكاره الحقّ صار كافراً ... .(4)
في التوحيد بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول:
كما أنّ بادي النعم من اللّه عزّوجلّ وقد نحلكموه، فلذلك الشرّ من أنفسكم وإن جرى به قدره.(5)عيون أخبار الرضا(علیه السلام): السنانيّ، عن الأسديّ، عن سهل، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن إبراهيم ابن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ(6)فقال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلا بينهم وبين اختيارهم. قال: وسألته عن قول اللّه عزّوجلّ: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمْ(1)قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبةً على كفرهم كما قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلنا قَلِيلاً(2).(3) المحاسن: عبد اللّه بن يحيى، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّه(علیه السلام):
يا سليمان إنّ لك قلباً ومسامع، وإنّ اللّه إذا أراد أن يهدي عبداللّه فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلا يصلح أبداً؛ وهو قول اللّه عزّ وجلّ: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(4).(5)
في الكافي بإسناده عن ابن بكير عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
إنّ الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم.(6)
في دعاء الكميل:
إلهي ومولاي أجريت علىّ حكماً اتّبعت فيه هوى نفسى، ولم أحترس فيه من تزيين عدوّي، فغرّني بما أهوى، وأسعده على ذلك القضاء، فتجاوزت بما جرى علىّ من ذلك بعض حدودك، وخالفت بعض أوامرك، فلك الحجّة عليّ في جميع ذلك، ولا حجّة لي فيما جرى فيه قضائك، وألزمني حكمك وبلائك.
في البحار عن الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب تلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لميرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(7).(8)
1) 849.. البقرة2.، الآیة 7.
2) 850.. النساء4.، الآیة 155.
3) 851.. عیون اخبار الرضا(علیه السلام)، ج1، ص123؛ بحارالأنوار، ج5، ص11، ح17.
4) 852.. محمّد47.، الآیة 24.
5) 853.. المحاسن، ج1، ص200، ح35؛ بحارالأنوار، ج5، ص204، ح31.
6) 854.. الكافي، ج2، ص272، ح16؛ بحارالأنوار، ج70، ص330، ح13.
7) 855.. المطفّفين83.، الآیة 14.
8) 856.. الکافي، ج2، ص273، ح20؛ بحارالأنوار، ج70، ص332، ح17.
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) في ذيل الحديث:
روي مثله عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) في النهج، وقال ابن ميثم: توضيح الكلام أنّ بأصل الإيمان تظهر نكتة بيضاء في قلب من آمن أوّل مرّة، ثمّ إذا أقرّ باللسان ازدادت تلك النكتة، وإذا عمل بالجوارح عملاً صالحاً ازدادت حتّى يصير قلبه نورانيّاً كالنيّر الأعظم، ويعكس ذلك في العمل السيّئ. وتحقيق الكلام في هذا المقام أنّ المقصود بالقصد الأوّل الأعمال الظاهرة والأمر بمحاسنها والنهي عن مقابحها، هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة والصفات الفاسدة، فمن عمل عملاً صالحاً أثّر في نفسه، وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء، حتّى تصير كمرآة مجلوّة صافية، ومن أذنب ذنباً أثّر ذلك أيضاً وأورث لها كدورة، فإن تحقّق عنده قبحه وتاب عنه، زال الأثر وصارت النفس مصقولة صافية، وإن أصرّ عليه زاد الأثر الميشوم، وفشا في النفس واستمرّ عليها، وصار من أهل الطبع، ولم يرجع إلى خير أبداً إذ دواء هذا الداء هو الانكسار، وهضم النفس، والاعتراف بالتقصير، والرجوع إلى اللّه بالتوبة والاستغفار، والانقلاع عن المعاصي، ولا محلّ لشيء من ذلك إلى هذا القلب المظلم، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم. ثمّ أشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الآية الكريمة بقوله: وهو قول اللّه عزّ وجلّ: كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، قيل: أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتّى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شيء من الحقّ. والمراد بما كانوا يكسبون الأعمال الظاهرة القبيحة والأخلاق الباطنة الخبيثة فإنّ ذلك سبب لرين القلب وصداه، وموجب لظلمته وعماه، فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات، ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات، كما أنّ المرآة إذا ألقيت في مواضع الندى ركبها الصدا، وأذهب صفاءها وأبطل جلاءها، فلا يتنقش فيها صور المحسوسات. وبالجملة يشبه القلب في قسوته وغلظته وذهاب نوره، بما يعلوه من الذنوبوالهوى، وما يكسوه من الغفلة والردى، بالمرآة المنكدرة من الندى، وكما أنّ هذه المرآة يمكن إزالة ظلمتها بالعمل المعلوم كذلك هذا القلب يمكن تصفيته من ظلمات الذنوب، وكدورات الأخلاق، بدوام الذكر، والتوبة الخالصة والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، حتّى ينظر إلى عالم الغيب بنور الإيمان ويشاهده مشاهدة العيان إلى أن يبلغ إلى أعلى درجات الإحسان، فيعبد اللّه كأنّه يراه، ويرى الجنّة وما أعدّ اللّه فيها لأوليائه
ويرى النار وما أعدّ اللّه فيها لأعدائه.
والمستفاد من مجموع الأخبار أنّ الخذلان وترك معونة العبد على الطاعة لا يكون إلّا عقوبة منه تعالى على الفعل الاختياريّ، بينما أنّ التوفيق تفضّل ومنّة من اللّه تعالى على العبد بلافرق بين التوفيق الابتدائيّ واستدامته، كما رأيت أنّ الإمام(علیه السلام) قال: ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء» فالعبد هو الذي يسوّد تلك النكتة بذنوبه وعصيانه.
إذا تأمّلت في ما ذكرناه يظهر لك وجه ما ورد في غير واحد من الأخبار، من أنّه لا يكون بعد الهداية العامّة طاعة وإيمان ولا يحصل كمال ولا ترك معصية إلّا بتوفيقه تعالى، وعونه وسداده وعصمته، ولا يتحقّق معصية إلّا بخذلانه تعالى وترك المعونة والتخلية بين العبد وبين الشيطان والهوى، ولا يلزم من ذلك أيّ محذور.
وذلك لإنّه لولا توفيق اللّه تعالى وتشويقه إلى الصالحات، وترغيبه إليها، وأمره بها، وهدايته، وتسهيله سبيل الخير، وجمع الأسباب لذلك، ما كان العبد ليتحرّك نحو الإيمان والعمل الصالح وتحصيل الكمال والفضل، مع كونه قادراً عليه، إلّا أنّه قد وفّق الجميع ابتداء وهداهم بالهداية العامّة فمنهم شاكر فيزيد في حقّه التوفيقات، ومنهم كفور يسلب منه ذلك.
في إقبال الأعمال في دعاء أوّل يوم من رجب:
واقرن اختياري بالتوفيق.(1)
في زيارة الائمّة(علیهم السلام) رواها السيّد ومؤلّف مزار الكبير قالا هي مرويّة عن الائمّة(علیهم السلام):
اللهمّ صِلْ عزمي بالتحقيق، ونيّتي بالتوفيق.(2)
فإنّ الاختيار لابدّ وأن يقارنه التوفيق كي يتحقّق الإيمان والعمل الصالح، وإلّا فإنّ الطباع الإنسانيّة مع ما عليها من الضعف والجهل والعجز والضلال الذاتيّ لا تميل إلّا إلى
جانب الشرّ، كما مرّ في قنوت الإمام زين العابدين(علیه السلام):
اللهمّ إنّ جبلّة البشريّة، وطباع الإنسانيّة، وما جرت عليه تركيبات النفسيّة وانعقدت به عقود النسيّة، تعجز عن حمل واردات الأقضية، إلّا ما وفّقت له أهل الاصطفاء، وأعنت عليه ذوي الاجتباء، اللهمّ وإنّ القلوب في قبضتك، والمشيّة لك في ملكتك، وقد تعلم أي ربّ ما الرغبة إليك في كشفه واقعة لأوقاتها بقدرتك، واقفة بحدك من إرادتك.(1)
وكذلك لو لم يحل اللّه تعالى بين العبد وبين ما يريد، ولم يخلّى بينه وبين الشيطان، ولم يمنعه المعونة، ولم يحرمه العصمة، لا يتحرّك نحو المعصية ولا يُقدم على المخالفة، إلّا أنّ ذلك لا يتحقّق بالنسبة إليه إلّا بعد كفران نعمة الهداية والتوفيق، مع أنّه لا يُجْبِره ذلك على ارتكابها.
في الدعاء بعد زيارة سيّدالشهداء(علیه السلام):
فإنّ بتوفيقك يفوز الفائزون ويتوب التائبون ويعبد العابدون وبتسديدك يصلح الصالحون المتّقون ... وبإرشادك نجى الناجون ... وبخذلانك خسر المبطلون وهلك الظالمون.(2)
وفي زيارة مولانا الرضا(علیه السلام):
ومن نعمك يحمد الحامدون ومن شكرك يشكر الشاكرون.(3)
وأيضاً في خبر العلويّ(علیه السلام) في تأويل «لا حول ولا قوّة إلّا باللّه»:
لا حول عن معصيته إلّا بعصمته، ولا قوّة على طاعته إلّا بعونه.(4)
التوحيد: بإسناده عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: سألته عن معنى «لا حول ولا قوة إلّا باللّه» فقال:
معناه لا حول لنا عن معصية اللّه إلّا بعون اللّه، ولا قوّة لنا على طاعة اللّه إلّا
بتوفيق اللّه عزّ وجلّ.(1)
أمالي الصدوق: بإسناده عن علقمة بن محمّد الحضرميّ، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه(علیهم السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): قال اللّه جلّ جلاله:عبادي كلّكم ضالّ إلّا من هديته، وكلّكم فقير إلّا من أغنيته، وكلّكم مذنب إلّا من عصمته.(2)
عن الاحتجاج: وروي عن عليّ بن محمّد العسكريّ(علیه السلام): أنّ أباالحسن موسىبنجعفر(علیهما السلام) قال:
إنّ اللّه خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذنه ... .(3)
أقول: لا يبعد أن يكون المراد من إذن اللّه في الخبر هو أنّ اللّه تعالى مضافاً إلى إعطائه القدرة والاستطاعة للعبد وفّقه لما أمره به، كما يلوح من قوله(علیه السلام): «ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذنه» فإنّه(علیه السلام) عبّر بقوله آخذين، ولم يعبّر بكونهم قادرين على الأخذ والترك. فإنّ هذا يدلّ على أنّ المراد من الإذن ليس مجرّد القدرة بل المراد منه هي القدرة والتوفيقات.
عن فقه الرضا(علیه السلام): أروي أنّ رجلاً سأل العالم(علیه السلام) فقال: يابن رسول اللّه أليس أنا مستطيع لما كلّفت؟ فقال له(علیه السلام):
ما الاستطاعة عندك؟ قال: القوّة على العمل، قال له(علیه السلام): قد أعطيت القوّة إن أعطيت المعونة، قال له الرجل: فما المعونة؟ قال: التوفيق؛ قال: فلم إعطاء التوفيق؟ قال: لو كنت موفّقاً كنت عاملاً، وقد يكون الكافر أقوى منك ولا يعطى التوفيق فلا يكون عاملاً. ثمّ قال(علیه السلام): أخبرني عنك من خلق فيك القوّة؟ قال الرجل: اللّه تبارك وتعالى، قال العالم: هل تستطيع بتلك القوّة دفع الضرّ عن
نفسك وأخذ النفع إليها بغير العون من اللّه تبارك وتعالى؟ قال: لا، قال: فلم تنتحل ما لا تقدر عليه؟! ثمّ قال: أين أنت عن قول العبد الصالح: وَمَا تَوْفِيقِي إلنا بِاللَّهِ(1).(2)
رويت عن العالم(علیه السلام) أنّه قال:
القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير الجسد لا يتحرّك ولا يرى، والجسد بغير الروح صورة لا حراك له، فإذا اجتمعا قويا وصَلُحا وحسُنا وملُحا، كذلك القدر والعمل، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق،ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتمّ، ولكن باجتماعهما قويا وصلحا وللّه فيه العون لعباده الصالحين. ثمّ تلا هذه الآية: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ(3)الآية، ثمّ قال(علیه السلام): وجدت ابن آدم بين اللّه وبين الشيطان، فإن أحبّه اللّه تقدّست أسماؤه خلصه واستخلصه، وإلّا خلا بينه وبين عدوّه.(4)
بيان: شبّه الإمام(علیه السلام) تقدير اللّه تعالى بالنسبة إلى الأفعال الصادرة عن العبد بالروح والجسد، فإنّ الروح بغير الجسد غير قابل للرؤية ولا يكون متحرّكاً والجسد بغير الروح جسم غير متحرّك وصورة لا حركة لها، وإذا اجتمع الروح مع الجسد يتحرّك الجسد كما أنّ الروح يكون حينئذ فعّالاً ومتحرّكاً. فقوّة الروح على التحرّك والأفعال بالجسد وقوّة الجسد على الحركة تكون بالروح ولذا قال(علیه السلام): «فإذا اجتمعا قويا».
وبهذا البيان ظهر المراد من قوله(علیه السلام) بعد ذلك: «وصلحا وحسنا وملحا»، فإنّ صلاح الروح وحسنه وملاحته بالتحرّك، كما أنّ صلاح الجسد وحسنه وملاحته به. وكذلك القدر والعمل فإنّه لو لم يقدّر اللّه تعالى قدرة العبد على أفعاله لم يعرف الخالق من المخلوق، فإنّ من أعظم آيات الباري جلّ شأنه تقديره وجدان العبد العلم والقدرة بعد فقدانهما،
وفقدانه لهما بعد وجدانه إيّاهما. قال اللّه تعالى:
اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَ-خْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ؛(1) ووَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ؛(2)
ووَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً.(3)
ومن أعظم آيات الباري جلّ شأنه محدوديّة استضائة العبد بنور العلم والقدرة فليس كلّ ما يريده العبد يقدر عليه وليس كلّ ما يريد أن يعلمه يستطيع نيله والوصول إليه حتّى بعد التعلّم، فإنّ ذلك من أعظم الآيات وأقوى الأدلّة على أنّ الأمر بيد اللّه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء. ولعلّ هذا هو المراد من قوله(علیه السلام):فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق.
ولو لم يكن العمل موافقاً لتقدير اللّه تعالى لم يمض ولم يتمّ فإنّ تحقّق العمل في الخارج وتمامه يتوقّف على تقدير اللّه تعالى القدرة للعبد فيكون أصل تحقّق الفعل وحدوده بحسب تقديره تعالى القدرة للعبد، وبحسب تقديره حدود القدرة له. فكما أنّه لو لم يقدّر اللّه تعالى القدرة لم يتحقّق منه الفعل، فكذا لا يتحقّق الفعل إذا كان فوق حدود القدرة التي قدّرها اللّه للعبد.
ولكن باجتماعهما - أي باجتماع تقدير اللّه تعالى القدرة وصدور الفعل من العبد بعد وجدانه القدرة - يظهر لنا تقديره تعالى كما أنّه حينئذٍ يتحقّق الفعل في الخارج.
ثمّ بعد ذلك كلّه للّه أن يعين عباده الصالحين. بمعنى أنّه لو صرف العبد قدرته التي قدّر اللّه تعالى له في الطاعة شكراً له تعالى على نعمته العظمى - أي العلم والقدرة - يوفّقه
ويعينه على سائر الطاعات. كما أنّه إذا صرف قدرته التي وجدها بتقدير اللّه تعالى في طاعة الشيطان خلّاه اللّه تعالى بينه وبين ما يريد العبد اختياره، ويكله إلى نفسه، فلا يصدر عنه الإيمان ولا الطاعة، وإن كان ذا قدرة ومشيّة وإرادة كما هو مشهود بالوجدان، فإنّ الكفّار والعصاة ذوو قدرة ومشيّة ومع ذلك كلّه لم يؤمنوا ولم يطيعوا وذلك لعدم التوفيق من اللّه تعالى.
من المشاهَد بالوجدان أنّ سلطنة العبد وقدرته على الفعل والترك باقية حتّى بعد التوفيق والخذلان بالمعنى الذي ذكرنا.
ويشير إلى ما ذكرنا - من أنّ التوفيق والخذلان لا يلجئان إلى الفعل والترك - ما نقل عن الإمام مولى الموحّدين عليّ بن أبيطالب(علیه السلام) أنّه قال في الدعاء: «وأسعده على ذلك القضاء» ولم يقل «ألجأه» أو «اضطرّه».
فترك معونة العبد لا يخرجه عن الاختيار بحيث يلجأ إلى ارتكاب المعاصي، كما أنّ التوفيق لا يلجئه إلى العمل الصالح. وذلك لأنّ اللّه تعالى إن سلب كلّ شيء عنالعاصي المتمرّد لا يسلب عنه قدرته التي أعطاها إيّاه ولذا يبقى مكلّفاً، بل يمكن أن يستفاد من بعض الروايات أنّ الخذلان الإلهيّ مهما بلغ لا يصل إلى حدّ يرى المخذول الباطل حقّاً والحقّ باطلاً، وهذا يكون مزيداً من لطفه تعالى، لأنّه بعد الإعراض عن هداية اللّه وتوفيقه يستحقّ العبد أن يسلب عنه نعمة الهداية وِفقاً للقانون العقليّ والشرعيّ، لكنّه لم يفعل هكذا.
المحاسن: عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) في قول اللّه تبارك وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَ-حُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ(1)فقال:
يحول بينه وبين أن يعلم أنّ الباطل حقّ.(2)
كذلك التوفيق لا يلجأ العبد إلى العمل الصالح والإيمان، وقد روي عن الصادق(علیه السلام):
ما كلّ من نوى شيئاً قدر عليه ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق لشيء أصاب له، فإذا اجتمعت النيّة والقدرة والتوفيق والإصابة فهنالك تمّت السعادة.(1)
بما ذكرنا يظهر أنّ ما ورد في الأدعية المختلفة من طلب بعض الأعمال الصالحة من اللّه تعالى مع أنّها من أفعالنا الاختياريّة لا يكون إلّا بمعنى التوفيق على إيقاعها والعون عليها، كما ورد في دعاء عالية المضامين:
وأوّل حاجتى إليك أن تغفر لي ما سلف من ذنوبي على كثرتها، وأن تعصمني فيما بقي من عمري، وتطهّر ديني مما يدنّسه ويشينه ويزري به، وتحميه من الريب والشكّ والفساد والشرك، وتثبّ-تني على طاعتك وطاعة رسولك وذرّيته النجباء السعداء صلواتك عليهم ورحمتك وسلامك وبركاتك، وتحييني ما احييتني على طاعتهم، وتميتني إذا أمتّنى على طاعتهم، وأن لا تمحو من قلبي مودّتهم ومحبّتهم وبغض أعدائهم ومرافقة أوليائهم وبرّهم، وأسألك يا ربّ أن تقبل ذلك منّي وتحبّب إليَّ عبادتك والمواظبة علیها، وتنشّطني لها، وتبغّض إليّ معاصيك ومحارمك، وتدفعني عنها، وتجنّبيالت-قصير في صلواتي والاستهانة بها والتراخي عنها، وتوفّقني لتأديتها كما فرضت وأمرت به على سنّة رسولك صلواتك عليه واله ورحمتك وبركاتك، خضوعاً وخشوعاً، وتشرح صدري لإيتآء الزكوة وإعطاء الصدقات وبذل المعروف والإحسان إلى شيعة آل محمّد(علیهم السلام) ومواساتهم، ولا تتوفّاني إلّا بعد أن ترزقني حجّ بيتك الحرام وزيارة قبر نبيّك وقبور الأئمّة(علیهم السلام)، وأسئلك يا ربّ توبةً نصوحاً ترضاها، ونيّة تحمدها، وعملاً صالحاً تقبّله، وأن تغفر لي وترحمني إذا توفّيتني، وتهوّن عليَّ سكرات الموت، وتحشرني في زمرة محمّد وآله صلوات اللّه عليه وعليهم،
1) 875.. الإرشاد، ج2، ص431؛ بحارالأنوار، ج5، ص210، ح50.
وتدخلني الجنّة برحمتك، وتجعل دمعي غزيراً في طاعتك، وعبرتي جارية فيما يقرّبني منك، وقلبي عطوفاً على أوليائك.(1)
فإنّ الثبات على طاعة اللّه تعالى والرسول والأئمّة عليهم صلوات اللّه ومودّتهم ومحبّتهم، وبغض أعدائهم، ومرافقة أوليائهم، وبرّهم، وعدم التقصير في الصلوات وترك الاستهانة بها، وأدائها على وجهها، وإيتاء الزكاة وبذل المعروف والصدقات والمواساة مع شيعة آل محمّد، والذهاب إلى حجّ بيت اللّه الحرام وزياة قبور الأئمّة(علیهم السلام)، والتوبة والعمل الصالح، والبكاء من خشية اللّه، وغير ذلك ممّا ورد في هذا الدعاء وفي ساير الأدعية، إنّما يكون من الأفعال الصادرة عن اختيار الإنسان بحيث إذا أراد تحقّقها وإيجادها يوجِدها، ومع هذا يبقى السؤال أنّه ما هو وجه أن يسأل العبد ربَّه فيها؟
من الواضح أنّه ليس المراد من هذا الطلب أن يعمد اللّه تعالى إلى صدورها عنّا جبراً بحيث يكون الفاعل هو اللّه تعالى، فلا مناص من أن يكون المراد هو سؤال العون والتوفيق وشرح الصدر بالنسبة إليها، فإنّه لولا عونه تعالى وعصمته لما كان لأحد أن يطيعه ويعمل الصالحات ويجتنب القبائح، كما جاء في هذا الدعاء:
وأسئلك يا ربّ أن ... تحبّب إليَّ عبادتك والمواظبة علیها، وتنشّطني لها، وتبغّض إليّ معاصيك ومحارمك، وتدفعني عنها ... وتشرح صدري لإيتآء الزكوة ... وتصرف قلبي عن الحرام وتبغّض إليَّ معاصيك، وتحبّب إليَّ الحلال.
وبما ذكرنا ظهر أيضاً سرّ ما ورد في أدعية الرسول والأئمّة(علیهم السلام) من قولهم «ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً» وذلك لأنّ الإنسان فاقد لجميع الكمالات من العلم، والقدرة، والحياة، و ... بحسب الذات وإن بلغ ما بلغ من الفضيلة والكمال، فإنّه مخلوق مصنوع مربوب، وآلاء الربّ ونعمه التي أنعم بها عليه لا تحصى كثرة وعدداً، فهو عاجز عن أداء شكرها بمقتضى مخلوقيّته ومحدوديّته وعدم بلوغ وسعه وطاقته لشكرها، فلولا عونه تعالى
1) 876.. مفاتيح الجنان.
وعصمته لارتكب جميع القبائح بمقتضى شهواته.
وبمجرّد صدور أوّل معصية منه يستحقّ أن يسلب اللّه تعالى عنه التوفيق ويكله إلى نفسه، لأنّ العصيان كفران لنعمة الهداية والتوفيقات الإلهيّة، فيسرع إلى ارتكاب المعاصي حين خلّاه واختياره ولم يعنه على تركها، وكلّما كثر على العبد نعمته تعالى وعونه كثر فقره وحاجته إلى العصمة الإلهيّة.
روى الكلينيّ بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه(علیه السلام) يقول وهو رافع يده إلى السماء:
ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر قال: فما كان بأسرع من أن تحدر الدموع من جوانب لحيته، ثمّ أقبل عليّ فقال: يا بن أبي يعفور إنّ يونس بن متى وكله اللّه عزّ وجلّ إلى نفسه أقلّ من طرفة عين فأحدث ذلك الذنب قلت: فبلغ به كفراً - أصلحك اللّه -؟ قال: لا، ولكنّ الموت على تلك الحال هلاك.(1)
في الدعاء:
يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث وبقوّتك اعتصمت واعتضدت، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، فإنّي أعجز عنها.(2)
تفسير عليّ بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال:
كان رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) في بيت أم سلمة في ليلتها، ففقدته من الفراش، فدخلها في ذلك ما يدخل النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتّى انتهت إليه وهو في جانب من البيت قائم رافع يديه يبكيوهو يقول: اللهمّ لا تنزع منّي صالح ما أعطيتني أبداً، اللهمّ لا تشمت بي عدوّاً ولا حاسداً أبداً، اللهمّ ولا تردّني في سوء استنقذتني منه أبداً، اللهمّ ولا تكلني إلی نفسي طرفة عين أبداً قال: فانصرفت أمّ سلمة تبكي حتّى انصرف رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لبكائها فقال لها:
ما يبكيك يا أمّ سلمة؟ فقالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ولم لا أبكي وأنت بالمكان الذي أنت به من اللّه، قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، تسأله أن لا يشمت بك عدوّاً أبداً، وأن لا يردّك في سوء استنقذك منه أبداً، وأن لا ينزع منك صالحاً أعطاك أبداً، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبداً؟ فقال: يا أمّ سلمة وما يؤمنني؟ وإنّما وكل اللّه يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ما كان.(1)
بل الوارد في بعض الأخبار أنّ جميع ما للنبيّ وأهل بيته المطهّرين عليهم أفضل صلوات المصلّين من المكارم والفضائل إنّما حصلت لهم بالتوفيق الإلهيّ، فإنّهم ما وصلوا إلى مقام النبوّة والإمامة والولا ية إلّا بتوفيق من اللّه تعالى وعونه وتفضّله، فيكون نعمته تعالى عليهم أعظم وأفضل، وفقرهم إليه جلّ جلاله آكد وأكثر، وهذا هو السرّ في ما ورد عنهم(علیهم السلام) من شدّة التضرّع والابتهال والإنابة والبكاء والخوف من اللّه تعالى.
روى الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم ومحمّد بن مروان، عن أبي عبداللّه(علیه السلام)، قال:
ما علم رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) أنّ جبرئيل من قبل اللّه عزّ وجلّ إلّا بالتوفيق.(2)
وقد ورد في أدعية العشر الأواخر من شهر رمضان وغيرها هذه الجملة:
وارزقني ...التوفيق لما وفّقت له محمّداً وآل محمّد.(3)
فالحديث يبيّن أنّ ما لمحمّد وآل محمّد صلوات اللّه عليهم أجمعين إنّما يكون بالتوفيق.
وبما ذكرنا يظهر سرّ ما ورد من التاكيد على الدعاء والسؤال من اللّه تعالى، فإنّ جميع ما للصالحين من المقامات إنّما تيسّر لهم بتوفيق اللّه تعالى وعونه وهو قادر على أن يعين الآخرين أيضاً.
ويظهر ممّا ذكرنا أيضاً وجه التأكيد في كلمات المعصومين على أنّ المؤمن يكون بين الخوف والرجاء دائماً، فإنّه لولا توفيق اللّه تعالى لما كان العبد مطيعاً، وبمجرّد خذلانه يصير العبد كافراً عاصياً، ولو صرف اللّه تعالى عصمته وتوفيقه ورعايته عن العبد في آنٍ من الآنات يكون العبد عُرضة لارتكاب أقبح القبائح وأشدّ الذنوب، وإن كان قبل ذلك من صالح العباد.
وأيضاً يظهر لك سرّ ما ورد في الشريعة المطهّرة من الحثّ على الدعاء والسؤال من اللّه تعالى وترك اليأس والقنوط منه عزّوجلّ، فإنّ اللّه إذا أراد أن يتدارك العبد بالتوفيق يسّر له أسباب الخير والهداية وحوّله إلى وليّاً من أوليائه، كما ورد في الدعاء:
إنّ الراحل إليك قريب المسافة.(1)
وإذا صرف العبد وجهه وأعرض عن نعمه تعالى وإحسانه، وعن هداية أوليائه، ووكله اللّه إلى نفسه بمقتضى كفرانه نعمه وآلائه، يمكن أن يصدر منه أقبح الذنوب وأعظم الكفر، وإن كان من قبله من المقرّبين كما صدرت من بلعم الباعورا أعظم الذنوب، وكذا برصيصا العابد. فهنا ينجلي خطورة موقع الدعاء والطلب من اللّه، وعدم اليأس من روح اللّه، وكذا عدم الأمن من مكر اللّه.
ومنه تعرف أيضاً أنّ نوعاً من الخذلانات الإلهيّ يكون من قبيل الإمهال والاستدراج كي يتورّط العبد في ما يشتهيه من المعاصي كما قال عزّوجلّ:
وَلَا يَ-حْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ؛(2) ووَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْ-حَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ.(3)
في خطبة مولاتنا زينب الكبرى(علیها السلام) في مجلس يزيد عليه اللعنة والعذاب:
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة على جدّي سيّد المرسلين، صدق اللّه سبحانه كذلك يقول: ثُمَّ كَانَعَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ.(1)أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيّ-قت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار، أنّ بنا من اللّه هواناً وعليك منه كرامة وامتناناً، وأنّ ذلك لعظم خطرك، وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك،(2)تضرب أصدريك(3)فرحاً وتنقض مذرويك(4)مرحاً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة،(5)والأمور لديك متّسقة،(6)وحين صفا لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلاً مهلاً! لا تطش جهلاً! أنسيت قول اللّه عزّ وجلّ: وَلَا يَ-حْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.(7)
إذا عرفت ما بيّناه في معنى التوفيق والخذلان تعرف وجه ما ذهب إليه المشهور في تفسير الحديث القدسيّ:
أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي.
فإنّ الفعل الصادر عن العبد بالاختيار متوقّف على القدرة والسلطنة على طرفي الفعل والترك التي بها يكون العبد ذا مشيّة وإرادة وكذا سائر ماله الدخل فيهما كالأعضاء والجوارح ويتوقّف على الشوق نحو الفعل أو الترك وإيجاد الشوق في قلبه نحو الفعل الحسن وأمره به وهو التوفيق، ولذا يكون اللّه تعالى أولى بالحسنات من العبد لأنّه هو الذي أعطاه القدرة
ووفّقه للفعل الحسن.
وأمّا بالنسبة إلى الفعل القبيح الصادر عن العبد فإنّ اللّه تعالى أعطى العبد القدرة وعرّفه الحقّ من الباطل، ونهاه عن الفعل القبيح، فإذا عزم على العصيان وإتيان القبيح وأصرّ عليه وكله إلى نفسه ولم يوفّقه لتركه، ولذا صار العبد أولى بالسيّئات من اللّه تعالى، وذلك أنّه ارتكب القبيح بالقدرة مع أنّه تعالى نهاه وحذّره وزجره عنه، فيكون مستنداً إليه. وأمّا إيكال اللّه تعالى العبد إلى نفسه فلا يمسّ القدرة بسوء إلّا أنّ العبد بسوء اختياره يختار إتيان القبيح بقدرته. وهذا من أدقّ معاني نفي التفويض فتأمّل جدّاً.قال أبو جعفر(علیه السلام):
في التوراة مكتوب مسطور: يا موسى إنّي خلقتك واصطفيتك وقويتك، وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك على طاعتي وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنّة عليك في طاعتك، ولي الحجّة عليك في معصيتك.(1)
وقد مرّ في ذيل الجواب عن الوجه الثالث من الوجوه النظريّة التي أقامها المجبّرة على مذهبهم مزيد توضيح لهذا الخبر.
وبما ذكرنا ظهر أيضاً معنى ثبوت القضاء والقدر والمشيّة من اللّه تعالى بالنسبة إلى الأفعال الصادرة عن العباد بالقدرة والاختيار، ومعه لا حاجة إلى أن نقول في جواب المجبّرة عن استدلالهم ببعض الأخبار الدالّة على أنّه لا يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبع، بأنّ تلك الأخبار خصّصت بغير أفعال العباد، كيف ولسانها آبٍ عن مثل ذلك، كما مرّ في نقد أدلّة المجبّرة.
نعم يمكن أن يقال إنّها مسوقة لبيان تحقّق المكوّنات والمراد من «الشيء» هي الأُمور الكونيّة وعليه يكون خروج الأفعال الصادرة عن الإنسان بالتخصّص لا بالتخصيص.
1) 892.. تصحیح إعتقادات الإمامیّة، ج1، ص39؛ بحارالأنوار، ج5، ص9، ح12.
فوجه الجمع بين ما دلّ من الأخبار على تعلّق قضاء اللّه وقدره بجميع الأشياء ومنها أفعال العباد، وما دلّ على أنّ التوفيق والخذلان من اللّه تعالى، وبين ما دلّ على نفي الجبر بالصراحة وأنّ أفعال العباد صادرة عنهم بقدرتهم واختيارهم، وتنزيه اللّه تعالى عن السيّ-ئات الصادرة عن العبيد: أنّ المراد من تعلّق إرادته بأفعال العباد، هو تعلّقها بمقدّمات الأفعال الصادرة عنهم من القدرة والاختيار والمشيّة والآلات التي ركّبها فيهم، ومنها التوفيقات - بمعنى تسهيل الطاعة وتيسيرها كحلاوة العبادة والمناجاة والإلتذاذ بالطاعة - والخذلانات - بمعنى سلب التوفيق عنهم، والطبع على قلوب المعاندين الذين رفضوا الحقّ - .(1)
وممّا أثبته اللّه تعالى في قلب الإمام التوفيقات والخذلانات المتعلّقة بالعباد، فإنّ اللّه تبارك وتعالى إذا أراد توفيق عبده أثبت في قلب المعصوم هداية ذلك العبد، وكذا الأمر بالنسبة إلى الخذلانات. ومن هنا يعلم سرّ البداء وأنّ اللّه تعالى قادر على إبقاءما أثبته أوّلاً أو محوه وثبت أمر جديد في قلب المعصوم، أو إنسائه وتأخيره. وكذا يظهر سرّ أهمّيّة الدعاء فإنّه «يردّ القضاء بعد ما أبرم إبراما» بحارالأنوار، ج90، ص295، و«قضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء» بحارالأنوار، ج99، ص55.
ويناسب هنا نقل كلام عن بعض مشايخنا العظام حيثما قال(قدس سره):
فمحصّل الأمر بين الأمرين الذي هو من أسرار علوم أهل بيت الوحي صلوات اللّه عليهم أجمعين ولايتحمّله إلّا مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان؛ أنّ اللّه تبارك وتعالى كان عالماً قبل خلقه بخلقه وبما هو صائر إليه كلّ أحد منهم في أفعاله بالاختيار، فشاء تعالى شأنه وأراد وقدّر وقضى وكتب وأجّل وأذن لكلّ أحد منهم ما علم منه من أنّه سيفعل كذا بعد تمليكه القدرة والاستطاعة، وعلمه أولى بحقيقة التصديق فأجرى أسبابه وتوفيقاته وخذلاناته على طبق ما علم منهم بحيث أن لا يصيروا إلى شيء من الجبر والحتم بل إلى الاستطاعة والاختيار حقيقة، فشاء وأراد ما علم ولايقع إلّا ما شاء، ما شاء اللّه عزّ شأنه كان وما لم يشأ لم يكن، والحمد للّه على هدايته.(2)
وما ذكره(قدس سره) من أنّ «علمه أولى بحقيقة التصديق» يشير إلى معنى دقيق يناسب ذكره
1) 893.. ثمّ لا يخفى أنّ مشيّة اللّه تعالى وكذا إرادته وتقديره وقضائه تكون بثبت ما تعلّق به رأيه في قلب المعصوم(علیه السلام)، فإنّه وعاء مشيّة اللّه تعالى ووكر إرادته كما ورد في الأخبار: «نحن أوعية مشيّة اللّه» «إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر عن بيوتكم»، كما مرّ في بحث التفويض.
2) 894.. ميزان المطالب، ص329.
وهو أنّ علمه تعالى كاشف للحقائق فإنّه أثبت في قلب المعصوم قدرة العبد وتوفيقه وخذلانه وبما أنّ علمه كاشف للحقائق - التي منها أفعال العباد - فما يفعله العبد بقدرته واختياره مكشوف له فالخلق إلى ما علم منقادون وعلى ما كتب في مكنون سرّه ماضون فعلمه بما أنّه كشف للحقائق أولى بالتصديق من الواقع الخارجيّ لعدم خطاء كشف علمه سبحانه فإنّ علمه كاشف عن المعلوم قبل تحقّقه فلا مناص من التصديق بأنّ العباد في أفعالهم قادرون ومختارون غير مجبورين لأنّه تعالى عالم بقدرتهم وسلطنتهم وأنّهم يفعلون ما يفعلون بالقدرة والاستطاعة ويتركون ما يتركون بها.
ولنختم الكلام بذكر رواية شريفة تناسب المقام:
روى الصدوق بسنده عن يزيد بن عمير بن معاوية الشاميّ قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) بمرو فقلت له: ... يا بن رسول اللّه فما أمر بين أمرين؟ فقال:
وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه. فقلت له: فهل للّه عزّ وجلّ مشيّ-ة وإرادة في ذلك؟ فقال: أمّا الطاعات فإرادة اللّه ومشيّ-ته فيها الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها؛ وإرادته ومشيّ-ته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها ... .(1)
1) 895.. عیون اخبار الرضا(علیه السلام)، ج1، ص124، ح17؛ بحار الأنوار، ج5، ص12، ح18.
يجب على كلّ عاقل منصف يكون بصدد كشف الحقيقة في هذه المسألة الهامّة الدقيقة الرجوع إلى كلمات اولى النهى وأهل الذكر الذين أمر اللّه تعالى بالرجوع إليهم والسؤال عنهم ويجب عليه النظر في أخبارهم بعين الاعتبار ليعلم أنّ الحقّ الصريح والقول الفصل هو ما ذكره الأئمّة الهداة المهديّون(علیهم السلام) فإنّهم أرشدوا بكلامهم إلى ما يجده الإنسان بنور عقله، ولولا تذكيرهم وتنبيههم ما كان البشر ليصل إلى هذه الحقيقة الهامّة، وكان يتيه في حيرته وجهالته لا يدري هل الصحيح أن يرفض الجبر ويعتقد بالتفويض أو يعكس الأمر؟ فيبقى هو ومنسوجاته كظلمات في بحر لجّيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل اللّه له نوراً فما له من نور!
ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال(علیه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.(1)
1) 896.. التوحيد، ص361، ح7(باب 59)؛ بحارالأنوار، ج5، ص16، ح22.
روى الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(علیهما السلام) قالا:إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون، قال: فسئلا(علیهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض.(1)
وقال أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقد سئل عن معنى قولهم «لا حول ولا قوّة إلّا باللّه»:
إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلّا ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنّا.(2)
اللّه أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذّبهم، قال: فمطلقون؟ قال: اللّه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.(3)
اللّه تبارك وتعالى أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقونه، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد.(4)
يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إذا كان يوم القيامة وجمع اللّه الخلائق سألهم عمّا عهد إليهم ولم يسألهم عمّا قضى عليهم.(5)
إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس
1) 897.. الكافي، ج1، ص159، ح9؛ بحارالأنوار، ج5، ص51، ح82.
2) 898.. نهج البلاغة، الحكمة 404، ص547.
3) 899.. الطرائف فی معرفة المذاهب الطوائف، ج2، ص330؛ بحارالأنوار، ج5، ص59، ح110.
4) 900.. التوحيد، ص360، ح4 (باب نفي الجبر والتفويض)؛ بحارالأنوار، ج5، ص52، ح87.
5) 901.. کنز الفوائد، ج1، ص367؛ بحارالأنوار، ج5، ص60، ح111.
على المعاصي فهذا قد ظلّم اللّه في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم فهذا قد أوهن اللّه في سلطانه فهو كافر، ورجل يزعم أنّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون وإذا أحسن حمد اللّه، وإذا أساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ.(1)8. وبإسناده عن محمّد بن عجلان، قال: قلت لأبي عبد اللّه(علیه السلام): فوّض اللّه الأمر إلى العباد؟ فقال:
اللّه أكرم من أن يفوّض إليهم، قلت: فأجبر اللّه العباد على أفعالهم؟ فقال: اللّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه.(2)
لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مَثَل ذلك مَثَل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته أنت الذي أمرته بالمعصية.(3)
اللّه أعزّ من ذلك، قلت: فأجبرهم على المعاصي؟ قال: اللّه أعدل وأحكم من ذلك، ثمّ قال: قال اللّه عزّ وجلّ: يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك.(4)
أخبرني عمّا اختلف فيه من خلفت من موالينا، قال: قلت: في الجبر والتفويض، قال: فسلني، قلت: أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ قال: اللّه أقهر لهم من ذلك قال: قلت: ففوّض إليهم؟ قال: اللّه أقدر عليهم من ذلك، قال: قلت: فأيّ شيء هذا أصلحك اللّه؟ قال: فقلّب يده مرّتين أو ثلاثاً، ثمّ قال: لو أجبتك فيه
لكفرت.(1)
فإنّه لا يضرّك ما كان في قلبك قلت: أصلحك اللّه إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون ولم يكلّفهم إلّا ما يطيقون وإنّهم لايصنعون شيئاً من ذلك إلّا بإرادة اللّه ومشيئته وقضائه وقدره، قال: فقال: هذا دين اللّه الذي أنا عليه وآبائي، أو كما قال.(2)
ما كلّف اللّه العباد كلفة فعل، ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم الاستطاعة، ثمّ أمرهم ونهاهم فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلّا باستطاعة متقدّمة قبل الأمر والنهي، وقبل الأخذ والترك، وقبل القبض والبسط.(3)
لا يكون من العبد قبض ولا بسط إلّا باستطاعة متقدّمة للقبض والبسط(4). وعنه: بإسناده عن البزنطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: لا يكون العبد فاعلاً ولا متحرّكاً إلّا والاستطاعة معه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما وقع التكليف من اللّه عزّ وجلّ بعد الاستطاعة فلا يكون مكلّفاً للفعل إلّا مستطيعا.(5)
لا يكون العبد فاعلاً إلّا وهو مستطيع وقد يكون مستطيعاً غير فاعل، ولا يكون فاعلاً أبداً حتّى يكون معه الاستطاعة.(1)
أكذبهم اللّه في قولهم: لو استطعنا لخرجنا معكم، وقد كانوا مستطيعين للخروج.(3)
ما أمر العباد إلّا بدون سعتهم، فكلّ شيء أمر الناس بأخذه فهم متّسعون له وما لا يتّسعون له فهو موضوع عنهم، ولكنّ الناس لا خير فيهم.(4)19. وروى مسنداً عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سمعته يقول - وعنده قوم يتناظرون في الأفاعيل والحركات - فقال:
الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر اللّه عزّ وجلّ بقبض ولا بسط إلّا والعبد لذلك مستطيع.(5)
قل له: هل تستطيع أن لا تذكر ما تكره وأن لا تنسى ما تحبّ؟ فإن قال: لا فقد ترك قوله، وإن قال: نعم فلا تكلّمه أبداً فقد ادّعى الربوبيّة.(6)
1) 911.. التوحید، ص350، ح13؛ بحارالأنوار، ج5، ص35، ح48.
2) 912.. التوبة9.، الآیة 42.
3) 913.. التوحید، ص351، ح16؛ بحارالأنوار، ج5، ص36، ح49.
4) 914.. التوحید، ص352، ح16؛ بحارالأنوار، ج5، ص36، ح51.
5) 915.. التوحید، ص352، ح21؛ بحارالأنوار، ج5، ص38، ح59.
6) 916.. التوحید، ص352، ح22؛ بحارالأنوار، ج5، ص39، ح60.
مرّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) بجماعة بالكوفة وهم يختصمون بالقدر، فقال لمتكلّمهم: أباللّه تستطيع؟ أم مع اللّه؟ أم من دون اللّه تستطيع؟ فلم يدر ما يرد عليه، فقال أميرالمؤمنين(علیه السلام): إن زعمت أنّك باللّه تستطيع فليس إليك من الأمر شيء، وإن زعمت أنّك مع اللّه تستطيع فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنّك من دون اللّه تستطيع فقد ادّعيت الربوبيّة من دون اللّه تعالى؛ فقال: يا أميرالمؤمنين لا بل باللّه أستطيع، فقال: أما إنّك لو قلت غير هذا لضربت عنقك.(1)
وهم مستطيعون.(3)
هاته؛ قلت: نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر ونهی وكتب الآجال والآثار لكلّ نفس بما قدّر لها وأراد وجعل فيهم من الاستطاعة لطاعته ما يعملون به ما أمرهم به وما نهاهم عنه، فإذا تركوا ذلك إلى غيره كانوا محجوجين بما صيّر فيهم من الاستطاعة والقوّة لطاعته، فقال: هذا هو الحقّ إذا لم تعده إلى غيره.(4)
ما كلّف اللّه العباد إلّا ما يطيقون، وإنّما كلّفهم في اليوم والليلة خمس صلوات، وكلّفهم من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، وكلّفهم صيام شهر رمضان في السنة، وكلّفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك، وإنّما كلّفهم دون ما يطيقون ونحو هذا.(5)وعنه أيضاً:
وأروي أنّ رجلاً سأله عن الاستطاعة، فقال: أتستطيع أن تعمل ما لم يكن؟ قال: لا، قال: أتستطيع أن تنتهي عمّا يكون؟ قال: لا، قال: ففيما أنت مستطيع؟ قال الرجل: لا أدري! فقال العالم(علیه السلام): إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الفعل، ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون للفعل في وقت الفعل مع الفعل. قال له الرجل: فالعباد مجبورون؟ فقال: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين. قال الرجل: ففوّض إليهم؟ قال: لا. قال: فما هو؟ قال العالم(علیه السلام): علم منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مستطيعين.(1)
أتستطيع أن تعمل ما لم يكون؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كوّن؟ قال: لا، قال فقال له أبوعبداللّه(علیه السلام): فمتى أنت مستطيع؟ قال: لا أدري، قال: فقال له أبوعبداللّه(علیه السلام): إنّ اللّه خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوه، لأنّ اللّه عزّوجلّ أعزّ من أن يضادّه في ملكه أحد، قال البصريّ، فالناس مجبورون؟ قال: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين، قال: ففوّض إليهم؟ قال: لا، قال: فما هم؟ قال: علم منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين، قال البصريّ: أشهد أنّه الحق وأنّكم أهل بيت النبوّة والرسالة.(2)
ما الاستطاعة عندك؟ قال: القوّة على العمل، قال له(علیه السلام): قد أعطيت القوّة إن أعطيت المعونة، قال له الرجل: فما المعونة؟ قال: التوفيق؛ قال: فلم إعطاء
التوفيق؟ قال: لو كنت موفّقاً كنت عاملاً، وقد يكون الكافر أقوى منك ولا يعطى التوفيق فلا يكون عاملاً. ثمّ قال(علیه السلام): أخبرني عنك من خلق فيك القوّة؟ قال الرجل: اللّه تبارك وتعالى، قال العالم: هل تستطيع بتلك القوّة دفع الضرّ عن نفسك وأخذ النفع إليها بغير العون من اللّه تبارك وتعالى؟ قال: لا، قال: فلم تنتحل ما لا تقدر عليه؟! ثمّ قال: أين أنت عن قول العبد الصالح: وَمَا تَوْفِيقِي إلنا بِاللَّهِ(1).(2)
كلّف اللّه جميع الخلق ما لا يطيقون إن لم يعنهم عليه، فإن أعانهم عليه أطاقوه، قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه(صلی الله علیه آله و سلم): وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلنا بِاللَّهِ(3).(4)لا اختيار إلّا بعد إقدار اللّه ومعونته
ابن آدم: بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي، وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون.(5)
لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب لأنّ الطاعة إذا ما كانت فعلهم لم تكن جنّة ولا نار، ولكن خلقخلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتجّ
عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب. قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله، والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال: العمل الصالح العبد يفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ العبد يفعله واللّه عنه نهاه؛ قال: أليس فعله بالآلة التي ركّبها فيه؟ قال: نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الذي نهاه عنه. قال: فإلى العبد من الأمر شيء؟ قال: ما نهاه اللّه عن شيء إلّا وقد علم أنّه يطيق تركه، ولا أمره بشيء إلّا وقد علم أنّه يستطيع فعله لأنّه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون. قال: فمن خلقه اللّه كافراً يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام): إنّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه فعرض عليه الحقّ فجحده فبإنكاره الحقّ صار كافراً، قال: فيجوز أن يقدر على العبد الشرّ ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذّبه عليه؟ قال: إنّه لا يليق بعدل اللّه ورأفته أن يقدر على العبد الشرّ ويريده منه، ثمّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه، والإنزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على تركه أمره الذي علم أنّه لا يستطيع أخذه ... .(1)
إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه، فلمّا قدم على الأموي أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه وبينالقدريّ مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأموي لأبي عبد اللّه(علیه السلام): إنّه قد
1) 929.. الاحتجاج، ج2، ص340؛ بحارالأنوار، ج5، ص18، ح29.
أعيانا أمر هذا القدريّ، وإنّما كتبت إليه لأجمع بينه وبينه، فإنّه لم يدع عندنا أحداً إلّا خصمه، فقال: إنّ اللّه يكفيناه، قال: فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبداللّه(علیه السلام): سل عمّا شئت فقال له: اقرأ سورة الحمد، قال: فقرأها، وقال الأمويّ وإنّا معه ما في سورة الحمد غلبنا، إنّا للّه وإنا إليه راجعون قال: فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: إِيِّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(1)فقال له جعفر: قف؛ من تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة؟ إنّ الأمر إليك! فبهت الذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.(2)
... يا يونس إنّ القدريّة لم يقولوا بقول اللّه: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ،(3)ولا قالوا بقول أهل الجنّة: الْ-حَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ،(4)ولا قالوا بقول أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ،(5)ولا قالوا بقول إبليس: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي،(6)ولا قالوا بقول نوح: وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.(7)ثمّ قال: قال اللّه: يابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتى، وجعلتك سمعياً بصيراً قويّاً، فما أصابك من حسنة فمنّي، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذلك لأنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، ثمّ قال: قد نظمت لك كلّ شيء تريده.(8)
1) 930.. الفاتحة1.، الآیة 5.
2) 931.. تفسیر العیاشيّ، ج1، ص23؛ بحارالأنوار، ج5، ص55، ح98.
3) 932.. الانسان76.، الآیة 30؛ التكوير81.، الآیة 29.
4) 933.. الأعراف7.، الآیة 43.
5) 934.. المؤمنون23.، الآیة 106.
6) 935.. الحجر15.، الآیة 39.
7) 936.. هود11.، الآیة 34.
8) 937.. المحاسن، ج1، ص244، ح238؛ بحارالأنوار، ج5، ص122، ح49.
الاستطاعة، فقال:
يستطيع العبد بعد أربع خصال: أن يكون مخلّى السِّرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب واردمن اللّه، قال: قلت: جعلت فداك فسّر لي هذا، قال: أن يكون العبد مخلّى السِّرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح يريد أن يزني فلا يجد امرأة ثمّ يجدها، فإمّا أن يعصم نفسه فيمتنع كما امتنع يوسف(علیه السلام)، أو يخلّي بينه وبين إرادته فيزني فيمسي زانياً، ولم يطع اللّه بإكراه ولم يعصه بغلبة.(1)
من عليّ بن محمّد: سلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى ورحمة اللّه وبركاته، فإنّه ورد عليَّ كتابكم وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر، ومقالة من يقول منكم بالجبر، ومن يقول بالتفويض، وتفرّقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثمّ سألتموني عنه وبيانه لكم وفهمت ذلك كلّه، اعلموا ... لكن نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ، خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة تعبدّهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد فقبل منهم اتّباع أمره ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذمّ من عصاه وعاقبه عليها، وللّه الخيرة في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عمّا يكره ويعاقب عليه، بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره واجتناب معاصيه لأنّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجّة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمّداً(صلی الله علیه آله و سلم) وبعثه برسالاته إلى خلقه ... ولم يقبل منهم إلّا اتّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه فمن أطاعه رشد، ومن عصاه ضلّ وغوى ولزمته الحجّة بما ملّكه من الاستطاعة لاتّباع أمره واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه، وأنزل به عقابه.
وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض وبذلك أخبر أمير المؤمنين
1) 938.. الكافي، ج1، ص160، ح1؛ بحارالأنوار، ج5، ص37، ح54.
صلوات اللّه عليه عباية بن ربعيّ الأسديّ حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنين: سألت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكتعباية. فقال له أميرالمؤمنين(علیه السلام): قل يا عباية. قال وما أقول؟ قال(علیه السلام): إن قلت إنّك تملكها مع اللّه قتلتك وإن قلت: تملكها دون اللّه قتلتك. قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال(علیه السلام): تقول: إنّك تملكها باللّه الذي يُمَلِّكها من دونك، فإن يُمَلِّكها إيّاك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه هو المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوّة حين يقولون: «لا حول ولا قوّة إلّا باللّه»؟ قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال:(علیه السلام): لا حول عن معاصي اللّه إلّا بعصمة اللّه، ولا قوّة لنا على طاعة اللّه إلّا بعون اللّه، قال: فوثب عباية فقبّل يديه ورجليه.
وروي عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة اللّه قال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربّك؟ قال(علیه السلام): بالتمييز الذي خوّلني، والعقل الذي دلّني. قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على إحسان، ولا مذموماً على إساءة، وكان المحسن أولى باللائمة من المسيݘ، فعلمت أنّ اللّه قائم باق، وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل. قال نجدة: أجدك أصبحت حكيماً يا أميرالمؤمنين قال: أصبحت مخيّراً فإن أتيت السيّئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها.
وروي عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) أنّه قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء وقدر؟ قال: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم واديا إلّا بقضاء وقدر من اللّه. فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين. فقال: مه يا شيخ فإنّ اللّه قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين، ولا إليه مضطرّين، لعلّك ظننت أنّه قضاء حتم وقدر لازم، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، ولسقط الوعد والوعيد، ولما ألزمت الأشياء أهلها على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الأوثان وأولياء الشياطين إنّ اللّه عزّوجلّ أمر تخييراً، ونهى تحذيراً،ولم
يطع مكرهاً، ولم يعص مغلوباً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فقام الشيخ فقبّل رأس أميرالمؤمنين(علیه السلام) وأنشأ يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربّك عنّا فيه رضوانا
فليس معذرة في فعل فاحشة * عندي لراكبها ظلما وعصيانا
فقد دلّ قول أمير المؤمنين(علیه السلام) على موافقة الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلّدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب، ونعوذ باللّه من الضلالة والكفر، ولسنا ندين بجبر ولا تفويض، لكنّا نقول بمنزلة بين المنزلتين، وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملّكنا اللّه وتعبّدنا بها على ما شهد به الكتاب ودان به الأئمّة الأبرار من آل الرسول صلوات اللّه عليهم.
ومَثَل الاختبار بالاستطاعة مَثَل رجل ملك عبداً وملك مالاً كثيراً أحبّ أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه، فملّكه من ماله بعض ما أحبّ، ووقفه على أمور عرفها العبد، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها؛ ونهاه عن أسباب لم يحبّها، وتقدّم إليه أن يجتنبها، ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرّف في أيّ الوجهين؛ فصرف المال أحدهما في إتّباع أمر المولى ورضاه، والآخر صرفه في اتّباع نهيه وسخطه، وأسكنه دار اختبار أعلمه أنّه غير دائم له السكنى في الدار، وأنّ له داراً غيرها، وهو مخرجه إليها فيها ثواب وعقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الذي ملّكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنّه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود، وقد حدّ المولى في ذلك حدّاً معروفاً وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الأولى، فإذا بلغ الحدّ استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنّه لم يزل مالكا للمال والعبد في الأوقات كلّها، إلّا أنّه وعد أن لا يسلبهذلك المال ما كان في تلك الدار الأولى إلّا أن يست-تمّ سكناه فيها، فوفى له لانّ من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة، أوليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب وتفضّل عليه بأن استعمله في دار فانية
وأثابه على طاعته فيها نعيما دائماً في دار باقية دائمة؟ وإن صرف العبد المال الذي ملّكه مولاه أيّام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهيّ عنه وخالف أمر مولاه كذلك يجب عليه العقوبة الدائمة التي حذّره إيّاها غير ظالم له لما تقدّم إليه وأعلمه وعرّفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده بذلك يوصف القادر القاهر؟ وأمّا المولى فهو اللّه عزّ وجلّ، وأمّا العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة اللّه الواسعة، ومحنته إظهار الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الذي ملّكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم، والأمور التي أمر اللّه بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتّباع الأنبياء والاقرار بما أوردوه عن اللّه جلّ وعزّ، واجتناب الأسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس، وأمّا وعده فالنعيم الدائم وهي الجنّة، وأما الدار الفانية فهي الدنيا، وأمّا الدار فهي الدار الباقية وهي الآخرة، والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد، وشرحها في خمسة الأمثال التي ذكرها الصادق(علیه السلام) أنّها جمعت جوامع الفضل، وأنا مفسرّها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء اللّه:
تفسير «صحّة الخلقة»، أمّا قول الصادق(علیه السلام) فإنّ معناه كمال الخلق للإنسان بكمال الحواسّ وثبات العقل والتمييز، وإطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول اللّه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(1)فقد أخبر عزّ وجلّ عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودوابّ البحر والطير وكلّ ذي حركة تدركه حواسّ بني آدم بتمييز العقل والنطق، وذلك قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(2)وقوله: يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ(3)وفي آيات كثيرة، فأوّل نعمة اللّه على الإنسان صحّة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان، وذلك أنّ كلّ ذي حركة على بسيط الأرض هو
قائم بنفسه بحواسّه مستكمل في ذاته ففضّل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواسّ، فمن أجل النطق ملك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتّى صار آمراً ناهياً، وغيره مسخّر له، كما قال اللّه: كَذلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ(1)وقال: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَ-حْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا(2)وقال: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِي-حُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَ-حْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلنا بِشِقِّ الأَنفُسِ(3)فمن أجل ذلك دعا اللّه الإنسان إلى اتّباع أمره وإلى طاعته بتفضيله إيّاه باستواء الخلق وكمال النطق والمعرفة، بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا(4)وقوله: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلنا وُسْعَهَا(5)وقوله: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلنا مَا آتَاهَا(6)وفي آيات كثيرة، فإذا سلب العبد حاسّة من حواسّه رفع العمل عنه بحاسّته كقوله: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ(7)الآية، فقد رفع عن كلّ من كان بهذه الصفة الجهاد وجميع الأعمال التي لا يقوم إلّا بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحجّ والزكاة لما ملّكه من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحجّ، قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(8)وقوله في الظهار: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ(9)إلى قوله: فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً(10)كلّ
ذلك دليل على أنّ اللّه تبارك وتعالى لم يكلّف عباده إلّاما ملّكهم استطاعته بقوّة العمل به، ونهاهم عن مثل ذلك فهذه صحّة الخلقة.
وأمّا قوله: «تخلية السِّرب» فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره اللّه به، وذلك قوله في من استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلة ولم يهتد سبيلاً: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً(1)فأخبر أنّ المستضعف لم يخل سربه وليس عليه من القول شيء إذا كان مطمئنّ القلب بالا يمان.
وأمّا «المهلة» في الوقت فهو العمر الذي يمتع به الإنسان من حدّ ما يجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحقّ ولم يدرك كماله فهو على خير وذلك قوله: وَمَن يَ-خْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ(2)الآية، وإن كان لم يعمل بكمال شرائعه لعلّة ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره، وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله تعالى: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ(3)الآية، فلم يجعل عليهنّ حرجاً في إبداء الزينة للطفل وكذلك لا تجري عليه الاحكام.
وأمّا قوله: «الزاد» فمعناه الجِدَة والبُلغة التي يستعين بها العبد على ما أمره اللّه به، وذلك قوله: مَا عَلَى الْمُ-حْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ(4)الآية، ألا ترى أنّه قبل عذر من لم يجد ما ينفق، وألزم الحجّة كلّ من أمكنته البُلغة، والراحلة للحجّ والجهاد وأشباه ذلك، كذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقّاً في مال الأغنياء بقوله: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ(5)الآية، فأمر بإعفائهم، ولم يكلّفهم الإعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون.
وأمّا قوله: «في السبب المهيج»، فهو النيّة التي هي داعية الإنسان إلى جميع
الأفعال، وحاسّتها القلب، فمن فعل فعلاً وكان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل اللّه منه عملاً إلّا بصدق النيّة، كذلك أخبر عن المنافقين بقوله: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَالَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(1)ثمّ أنزل على نبيّه(صلی الله علیه آله و سلم) توبيخاً للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)الآية، فإذا قال الرجل: قولاً واعتقد في قوله دعته النيّة إلى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم يتبيّن حقيقة، وقد أجاز اللّه صدق النيّة وإن كان الفعل غير موافق لها لعلّة مانع يمنع إظهار الفعل في قوله: إلنا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(3)وقوله: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ(4)الآية، فدلّ القرآن وأخبار الرسول(صلی الله علیه آله و سلم) أنّ القلب مالك لجميع الحواسّ يصحّح أفعالها، ولا يبطل ما يصحّح القلب شيء. فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق(علیه السلام) أنها تجمع المنزلة بين المنزلتين، وهما الجبر والتفويض، فإذا اجتمع في الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثال وجب عليه العمل كَمُلاً لما أمر اللّه عزّ وجلّ به ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلّة كان العمل عنه مطروحاً بحسب ذلك.
فأمّا شواهد القرآن على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة، ومن ذلك قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّی نَعْلَمَ الْمُ-جَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ(5)وقال: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَايَعْلَمُونَ(6)وقال: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(7)وقال في الفتن التي معناها الاختبار: وَلَقَدْ فتَنَّا سُلَيْمانَ(8)الآية، وقال في
قصّة قوم موسى: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ(1)وقول موسى: إِنْ هِيَ إلنا فِتْنَتُكَ(2)أي اختبارك، فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض ويشهد بعضها لبعض، وأمّا آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ(3)وقوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيكُمْ(4)وقوله: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْ-جَنَّةِ،(5)وقوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْ-حَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(6)وقوله:وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ(7)وقوله: وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِن لِيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ(8)وكلّ ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أوّلها فهي اختبار وأمثالها في القرآن كثيرة، فهي إثبات الاختبار والبلوى إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، ولا أظهر حكمته لعباً، بذلك أخبر في قوله: أَفَ-حَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً.(9)فإن قال قائل: فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتّى اختبرهم؟ قلنا: بلى قد علم ما يكون منهم قبل كونه، وذلك قوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ(10)وإنّما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذّبهم إلّا بحجّة بعد الفعل، وقد أخبر بقوله: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً(11)وقوله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(12)وقوله: رُسُلاً
1) 965.. طه20.، الآیة 85.
2) 966.. الأعراف7.، الآیة 155.
3) 967.. المائدة5.، الآیة 48.
4) 968.. آل عمران3.، الآیة 152.
5) 969.. القلم68.، الآیة 17.
6) 970.. الملك67.، الآیة 2.
7) 971.. البقرة2.، الآیة 124.
8) 972.. محمّد47.، الآیة 4.
9) 973.. المؤمنون23.، الآیة 115.
10) 974.. الأنعام6.، الآیة 28.
11) 975.. طه20.، الآیة 134.
12) 976.. الإسراء17.، الآیة 15.
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ(1)فالاختبار من اللّه بالاستطاعة التي ملّكها عبده وهو القول بين الجبر والتفويض، بهذا نطق القرآن وجرت الاخبار عن الأئمّة من آل الرسول ... وفّقنا اللّه وإيّاكم من القول والعمل لما يحبّ ويرضى، وجنّبنا وإيّاكم معاصيه بمنّه وفضله، والحمد للّه كثيراً كما هو أهله، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطيّبين، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.(2)
ويظهر من هذه الأخبار الشريفة حقيقة الأمر بين الأمرين: فإنّا نجد بالفطرة أنّ العبد إنّما يملك الاستطاعة بتمليك اللّه وإعطائه حدوثاً وبقاءاً، والعبد هو الذي يريد الفعل أو الترك بالقدرة والاستطاعة التي ملّكها اللّه تعالى إيّاه. وأحسن كلمة تبيِّن هذه الحقيقة هي بِحَوْلِ اللّهِ وَقُوَّتِهِ أقُومُ وَأقْعُد.
فالسلطنة والقدرة التي توجب تساوي طرفي الفعل والترك أمرها بيد اللّه حدوثاً وبقاءاً، ويفيضها إلى العبد آناً فآناً، وهو قادر على سلبها متى شاء، مضافاً إلى أنّه تعالى قادر على إيجاد الموانع. وإسناد الفعل أو الترك إلى العبد إنّما هو لأجل تعلّق إرادته التي تستند إلى الفاعل القادر على كليهما. وعلىهذا يكون نفي التفويض لأجل أنّ مبادئ الفعل ومقدّماته الداخليّة والخارجيّة التي منها القدرة والتوفيقات والخذلانات تكون باعطاء اللّه تعالى، والعبد حين الفعل أو الترك وهكذا قبله وبعده وفي جميع حالاته وأطواره وشؤونه يحتاج ويفتقر إلى اللّه حدوثاً وبقاءاً.
وأمّا نفي الجبر فلقدرته واستطاعته التي توجب السيطرة على الفعل والترك؛ وهذه القدرة حاكمة على جميع المبادي والدواعي والمقتضيات، والمرجّح على الفعل أو الترك هو الفاعل بما له من القدرة والمشيّة والرأي، وهذه المشيّة تستند إلى نفس الإنسان، وهي حاكمة بمقتضى القدرة على جميع المقتضيات والدواعي.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الفاعل والتارك هو العبد لا الباري تعالى الذي أعطاه القدرة وهيّئ له سائر المقدّمات، نعم لمّا أنّه لا طاعة إلّا بتوفيق اللّه تعالى وإعانته العبد وتسهيل سبيل الطاعة - وقد أعان جميع المكلّفين للإيمان والعمل الصالح بهداياته وإرساله الأنبياء وإلهام الخير والشرّ للعباد وغير ذلك، إلّا أنّه تعالى يزيد توفيقاته لمن عمل وفق توفيقاته السابقة -، ولا معصية إلّا بخذلانه تعالى وإيكال العبد إلى نفسه وعدم إعانته عليها وعدم سلب القدرة عنه - ولا يكون ذلك إلّا بعد إعراض العبد عن الهدايات الإلهيّة والتوفيقات الربّانيّة، فيأخذ تبارك وتعالى عنه تلك التوفيقات بقدر مّا، فيصعب عليه الطاعة -: فهو تعالى أولى بحسناتنا منّا ونحن أولى بسيّئاتنا منه تعالى.
لا يخفى أنّ ما بيّناه في حقيقة الأمر بين الأمرين هو ما يجده كلّ عاقل بنور عقله بعد تذكيرات الأئمّة الهداة(علیهم السلام) ولا غبار عليه، إلّا أنّه يبقى سؤال وهو: أنّه إذا كان الأمر بهذا الوضوح لماذا قال الأئمّة(علیهم السلام) للسائلين عن القدر وعن الأمر بين الأمرين، بأنّه بحر عميق فلا تلجه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفه؟
والجواب: أنّه يظهر من الأسئلة المطروحة من قبل الرواة أنّهم كانوا بصدد فهم حقيقة الأمر بين الأمرين التي هي القدرة الموهوبة من قِبَلِ اللّه عزّ وجلّ، ومن الواضح أنّ حقيقة القدرة، وكذا فعله تعالى أعني إعطاء القدرة للعبد ممّا لا يمكن تعقّلهما.أمّا الأوّل: فلكون القدرة من الحقائق النوريّة خصوصاً إذا قلنا إنّ حقيقتها هي حقيقة العلم، فإنّ الأئمّة(علیهم السلام) كانوا يشيرون إلى سعة قدرتهم عبر التذكير بسعة علمهم كما ورد في قصّة آصف بن برخيا وأنّه قدر على إتيان عرش بلقيس بأقلّ من لحظة بسبب علمه ببعض الكتاب أمّا الأئمّة(علیهم السلام) فبما أنّ لديهم علم الكتاب كلّه فقدرتهم أوسع من آصف بما لا يحصيه إلّا اللّه تعالى ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يقع العلم مهبّاً لتيّار الأفكار والتوهّمات، فإنّه لو أمكن تعقّل العلم لكان ذلك معقولاً ومعلوماً، وهذا خلف ذاته، فإنّ النور لا يكون منوّرا.
أمّا الثاني: فلكونه فعل اللّه تعالى وفعله لا يكيّف كما أنّ ذاته القدّوس السبّوح المتعالي لا يكيّف.
نعم ذكّر الأئمّة(علیهم السلام) العبادَ بحقيقة هذين الأمرين من دون تصوّر وتوهّم، أي إنّهم ذكّروا العباد بحقيقة القدرة وذكّروهم بحقيقة فعل اللّه المتعال عن الكيف وإحاطة الفهم والعقل بكنهه، فلاحظ.
مضافاً إلى أنّه يمكن أن يكون وجه كثرة الأسئلة وتكرار الأجوبة هو وقوع الرواة وغيرهم في تيه الحيرة والشكّ لأجل إصرار خلفاء الجور على نشر مقالة الجبر وفي مقابلهم أصرّ قوم على مقالة التفويض فوقعوا في ظلمات الأوهام ولذا تكرّر منهم السؤال وتفضّل وتطوّل الأئمّة(علیهم السلام) عليهم وعلى غيرهم ببيان الحقيقة.
هناك أحاديث كثيرة عن أهل بيت العصمة(علیهم السلام) بهذا التعبير عن ربّ العزّة جلّت عظمته، وهي تدلّ على أنّ نسبة الحسنات الصادرة على العبد إلى الباري تعالى أولى من نسبتها إليه بخلاف السيّئات، فإنّ نسبة السيّئات والقبائح الصادرة عن العبد إليه أولى من انتسابها إلى الربّ المتعال السبّوح القدّوس فلنذكر جملة منها ثمّ نتكلّم في المراد منها.
في البحار: قال أبو جعفر(علیه السلام):
في التوراة مكتوب مسطور: يا موسى إنّي خلقتك واصطفيتك وقوّيتك، وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك على طاعتي وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنّة عليك في طاعتك، ولي الحجّة عليك في معصيتك.(1)
وفي المحاسن: بإسناده عن محمّد بن إسحاق قال: قال أبو الحسن(علیه السلام) ليونس مولى عليّ بن يقطين:
يا يونس لا تتكلّم بالقدر ... يا يونس إنّ القدريّة لم يقولوا بقول اللّه: وَمَا تَشَاؤُونَ إلنا أَن يَشَاءَ اللهُ،(2)ولا قالوا بقول أهل الجنّة: الْ-حَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا
لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ،(1)ولا قالوا بقول أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْما ضَالِّينَ،(2)ولا قالوا بقول إبليس: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي،(3)ولا قالوا بقول نوح: وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.(4)ثمّ قال: قال اللّه: يابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتى، وجعلتك سمعياً بصيراً قويّاً، فما أصابك من حسنة فمنّي، وما أصابك من سيّ-ئة فمن نفسك، وذلك لأنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، ثمّ قال: قد نظمت لك كلّ شيء تريده.(5) وفي التوحيد الصدوق(رحمه الله): بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: قلت له: إنّ أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم بالاستطاعة، فقال لي: اكتب: «قال اللّه تبارك وتعالى:
يا ابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّ-ئة فمن نفسك، وذلك أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّ-ئاتكمنّي، وذلك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قد نظمت لك كلّ شيء تريد.(6)
وقيل للعالم(علیه السلام): إنّ بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقولون بالاستطاعة، قال: فأمر أن يكتب:
بسم اللّه الرحمن الرحيم قال اللّه عزّوجلّ: يابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء.
وساق إلى آخر ما في خبر البزنطيّ.(1)
عن صفوان بن يحيى، عن أبى الحسن(علیه السلام) قال: قال اللّه تبارك وتعالى:
ابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيّ-ئة فمن نفسك، وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي، وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون.(2)
وفي رواية الحسن بن عليّ الوشّاء، عن الرضا(علیه السلام):
وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلت فيك.(3)
وعن تفسير عليّ بن إبراهيم: أبى، عن النوفلي، عن السكوني عن جعفر، عن أبيه صلوات اللّه عليهما قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
سبق العلم وجفّ القلم ومضى القضاء وتمّ القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وبالسعادة من اللّه لمن آمن واتّقى، وبالشقاء لمن كذب وكفر، وبالولاية من اللّه للمؤمنين، وبالبراءة منه للمشركين. ثمّ قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): إنّ اللّه يقول: يابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبقوّتي وعصمتي وعافيتي أدّيت إليّ فرائضي، وأنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بذنبك منّي، الخير منّي إليك بما أوليتك به، والشرّ منّي إليك بما جنيت جزاء، وبكثير من تسلّطي لك انطويت عن طاعتي، وبسوء ظنّك بي قنطت من رحمتي، فلي الحمد والحجّة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، لم أدع تحذيرك بي، ولم آخذك عند عزّتك، وهو قوله: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُالنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ(4)لم أُكلّفك فوق طاقتك، ولم أحملك من الأمانة إلّا ما أقررت بها على نفسك،
ورضيت لنفسي منك ما رضيت به لنفسك منّي.(1)
بيان: قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله):
قوله(صلی الله علیه آله و سلم): «بتحقيق الكتاب» أي جنس الكتاب، فالمراد كلّ كتاب منزل، أو القرآن، أو اللوح. قوله تعالى: «بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء» أي شئت أن أجعلك شائيّاً مختاراً، وأردت أن أجعلك مريداً فجعلتك كذلك. وفي توحيد الصدوق: «الخير منّي بما أوليت بدءاً»، فيمكن أن يقرأ أوليت على صيغة الخطاب والتكلّم. قوله تعالى: «وبكثير من تسلّطي لك» أي من التسلّط الذي جعلت لك على الخلق وعلى الأمور. «وانطوى عن الشيء» أي هاجره وجانبه. وفي التوحيد مكان تلك الفقرة: «وبإحساني إليك قويت على طاعتي». قوله تعالى: «ولم آخذك عند عزّتك» أي لم أعذّبك عند غفلتك، بل وعظتك ونبّهتك وحذّرتك. وقوله: «وهو قوله» إلى قوله: «من دابّة» ليس في التوحيد ولا يبعد كونه كلام عليّ بن إبراهيم.(2)
ثمّ اعلم، إنّه لا يبعد أن يكون في الحديث «غرّتك» بالغين المعجمة والراء المهملة بدل «عزّتك» بالعين المهملة والزاء المعجمة فيكون المراد: لم أُعَذّبك عند غرورك بحلمي وجرأتك على المعاصي.
وفي التوحيد للصدوق: بإسناده عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
سبق العلم، وجفّ القلم، ومضى القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل وبالسعادة من اللّه عزّوجلّ لمن آمن واتّقى وبالشقاء لمن كذب وكفر وبولاية اللّه المؤمنين وبراءته من المشركين، ثمّ قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): عن اللّه أروي حديثي إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: يا ابن آدم بمشيّ-تي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الّذى تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبعصمتي وعوني وعافيتي أدّيت إليّ فرائضي، فأنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي، فالخير منّي إليك بما أوليت بداءً، والشرّ منّيإليك بما جنيت جزاء، وبإحساني إليك قويت على طاعتي، وبسوء ظنّك بى قنطت من رحمتي، فلي الحمد والحجّة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك جزاء الخير عندي بالإحسان، لم أدع تحذيرك،
ولم أخذك عند عزّتك، ولم أُكلّفك فوق طاقتك، ولم احملك من الأمانة إلّا ما أقررت به على نفسك رضيت لنفسي منك ما رضيت لنفسك منّي.(1)
بما أنّ اللّه تعالى قد هيّئ للإنسان أسباب الإتيان بالحسنات والسيّئات وأقدره على فعل الخير والشرّ، لكنّه رغّب العبد في فعل الخير ووعد جزيل الثواب عليه ووفّق المؤمن لصالح الأعمال، ومن جانب آخر حذّر على فعل الشرّ وأوعد العقاب عليه وخذل غير المؤمن ووكّله إلى نفسه، صحّ القول بأنّه تعالى أولى بالحسنات من العبد والعبد أولى بسيّئاته منه تعالى.
والسرّ في ذلك أنّ العبد ما كان ليقدر على العمل الصالح لولا إقدار اللّه تعالى إيّاه، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلنا بِإِذْنِ اللَّهِ،(2)فقدرة العبد على العمل الصالح إنّما بجعل من اللّه تعالى، بل ولولا توفيقاته لما صدرت عن العبد الحسنات اختياراً، هذا من جانب.
ومن جانب آخر لولا أنّه تعالى خلق الإنسان عالماً عاقلاً يدرك ويشعر، ويميّز الجيّد من الرديّ والخير من الشرّ والصلاح من الفساد، لم يكن قادراً على إرادة العمل الصالح، ولذا ترى أنّ المجنون لا يقدر على إرادة العمل الصالح بوصف أنّه صالح لأجل أنّه لا يعرفه ولا يعقله، فالعبد حينما يختار فعل الخير ويجتنب عن الشرّ يختاره أو يجتنبه لأنّ اللّه تعالى أكرمه بالعلم والفهم والقدرة وتهيئة أسباب الخير وأعطاه العقل، ولولاه ما عبد الرحمن ولا اكتسب الجنان.
نعم إنّ المجنون والصبيّ يقدران على العمل الخير كما يقدران على الشرّ لا بوصف أنّه
خير أو شرّ ولذا لايمدحان على الخير ولا يذمّان على الشرّ لعدم وجدانهما العقل وما به ظهور حسن الأفعال وقبحهما، ولهذه الجهة ورد في الأخبار أنّ العقل خلق من القدرة لا العكس وجُعل العقل مضافاً إلى القدرة من شرائط التكليف.
ومن جهة ثالثة لولا هدايته تعالى وإرائته طريق الخير والشرّ لم يكن العبد قادراً على اختيار طريق الخير، وهذا نوع من التوفيقات الإلهيّة،(1)فإنّ العقل والعلم ربّما يُسْتغلّ بالشهوات والهوى والغفلات.
فعن مولانا اميرالمؤمنين(علیه السلام): «غلبة الشهوة تبطل العصمة وتورد الهُلك».(2)
وعنه(علیه السلام): «الغضب يُفسد الألباب ويُبْعد عن الصواب».(3)
وعنه(علیه السلام): «أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع».(4)
وعنه(علیه السلام): «سبب فساد العقل الهوى».(5)
وعنه(علیه السلام): «ذهاب العقل بين الهوى والشهوة».(6)
وعنه(علیه السلام): «غلبة الهوى تفسد الدين والعقل».(7)
وعنه(علیه السلام): «طاعة الهوى تفسد العقل».(8)
وعنه(علیه السلام): «زوال العقل بين دواعى الشهوة والغضب».(9)
وعنه(علیه السلام): «من لم يملك شهوته لم يملك عقله».(10)
1) 995.. كما أشار إليه شيخنا الأستاذ الميرزا حسنعليّ المرواريد(قدس سره) في كتابه: تنبيهات حول المبدأ والمعاد.
2) 996.. غرر الحكم، ص473، ح31.
3) 997.. غرر الحكم، ص73، ح1401؛ مستدرك الوسائل، ج12، ص11، ذیل ح 19[13376]
4) 998.. غرر الحكم، ص204، ح352؛ وسائل الشیعة، ج16، ص25، ح8[20871].
5) 999.. غرر الحكم، ص395، ح6.
6) 1000.. غرر الحكم، ص819، ح124؛ مستدرك الوسائل، ج11، ص211، ح2[12769]
7) 1001.. غرر الحكم، ص64، ح817.
8) 1002.. غرر الحكم، ص434، ح1.
9) 1003.. مستدرك الوسائل، ج11، ص211، ح2[12769]؛ غرر الحكم، ص426، ح 19(ظلال النفس) بدل (زوال العقل).
10) 1004.. غرر الحكم، ص653، ح1341؛ مستدرك الوسائل، ج11، ص212[12769].
وعنه(علیه السلام): «لا عقل مع شهوة».(1)
وعنه(علیه السلام): «كثرة الامانيّ من فساد العقل».(2)
وعنه(علیه السلام): «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(3)
وربّما لا تبلغ عقول الرجال إلى ما فيه صلاحهم وفسادهم إلّا بعد بيان المعلّم الإلهي، يقول عزّ من قائل: فَأَلْهَمَهَا فُ-جُورَهَا وَتَقْوَاهَا(4)ويقول: أَلَمْ نَ-جْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ.(5)
ومن أعظم نعمه وآلائه أنّه تعالى قد خلق الإنسان وأعطاه العقل وببركة الإستضائة به يحبّ الفضائل والخيرات ويشتاق إليها وكذا يكره الرذائل، فهو يحبّ الصدق والوفاء والإيمان وعبادة ربّه ومعاونة الضعيف، ويكره الكذب والخيانة والكفر والظلم، فخلَق عزّوجلّ الإنسان وأعطاه ما به يشتاق إلى تحصيل الحسنات والفضائل وألهمه الخير والشرّ وهداه إلى ما فيهصلاحه وفساده وجعله عاقلاً عالماً يدرك صلاحه وفساده، ثمّ لم يقتصر على ذلك حتّى منّ عليه فبعث الأنبياء والرسل والأوصياء فذكّروا الإنسان وأكملوا هداية ربّهم وأيقظوا البشر من الغفلة، قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.(6)
ولولا هذه الهدايات والتوفيقات، ولولا أن منّ اللّه تعالى على الإنسان في استضائته بنور العقل الذي به يدرك الحسن والقبيح، لم يكن الإنسان قادراً على اختيار طريق الخير. فبعد هذا كلّه إذا تحرّك العبد نحو العمل الصالح بالقدرة التي وهبها اللّه إيّاه وبعد هدايته إلى نجد الخير وبعد أن خلقه محبّاً للعمل الصالح بفطرته، لا يكون الفضل إلّا للّه تعالى.
وأعجب من ذلك أنّه تعالى ما اكتفى بهذا كلّه بل شوّق عبده إلى تحصيل الخيرات بأن وعده الجنّة وجزيل الثواب على العمل الصالح اليسير «وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».(1)يقول عزّ من قائل:
وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَ-جْرِي مِن تَ-حْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(2) وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِ-حَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَ-جْرِي مِن تَ-حْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُ-حَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً.(3)
وواضح أنّه لولا تحريضه وترغيبه وتشويقه والوعد بالثواب على العمل الصالح، ما كان العبد بحسب طبعه الأولي يتحرّك نحو العمل الصالح، فليس من الجزاف أن نقول أنّه تعالى أولى بحسناتنا منّا، كما يقول أهل الجنّة: الْ-حَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.(4)
وهكذا العبد بعد تلكم الهدايات الإلهيّة وبعد ما أراه طريق رشده عن غيّه وبعد أن رغّبه في ترك القبائح ووعده الثواب الجزيل على ترك الذنب، ثمّ خوّفه من ارتكاب الشرّ وأوعد عليه العذاب الشديد، فقال: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.(5)
فلو ارتكب العبد بعد ذلك كلّه السيّئة وسعى في عصيان ربّه بالقدرة التي منحه اللّه تعالى والنعمة التي أنعم اللّه بها عليه، لا يستحقّ اللّوم والعتاب والذمّ إلّا هو بنفسه، لأنّه تعالى قد شاء وأراد أن يصرفه عن ارتكاب القبائح بأساليب عديدة بقدر لا يصير مجبوراً - لأنّه خلاف الحكمة - ولكنّ العبد أعرض عن ذلك بسوء اختياره حينما كان قادراً على العمل الصالح وكان يعلم أنّه خير له وموجب لوصوله إلى أعلى درجات الكمال في الجنّة، وأنّ السيّئة شرّ له ويستحقّ بارتكابها السقوط في أسفل دركات الجحيم، وكلّ ذلك بلطف اللّه وإنعامه، فاختار الشرّ والغيّ والنار والبُعد عن جوار رحمة العزيز الغفّار. فالعبد حينما يرتكب السيّئة إنّما يرتكبها بالقدرة الّتى منحها اللّه تعالى إيّاه، فهو بسبب ارتكاب القبائح يؤذن بحرب من اللّه بنعمه وإحسانه - التي منحها إيّاه كي يصرفها في طريق الطاعة -.
في قرب الإسناد: أحمد بن محمّد، عن البزنطيّ، عن الرضا(علیه السلام) قال:
كان عليّ بن الحسين(علیهما السلام) إذا ناجى ربّه قال: يا ربّ قويت على معصيتك بنعمتك.(1)
وإنّ اللّه تعالى لا يسلب القدرة عن العبد حينما يختار المعصية كي يصحّ الثواب والعقاب وتحقّق الحكمة في إبتلاء الناس وإفتنانهم قال تعالى:
الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؛(2) ولعلّه هو معنى قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرشْدُ مِنَ الْغَيِّ.(3)
وأمّا الأهواء والشهوات ووساوس الشيطان فليس تأثيرها في الأفعال الاختياريّة بحيث تخرج الإنسان عن الاختيار، أو تصير سبباً لجهله وعدم علمه بقبح السيّئات والقبائح حين إرتكابها، بل إنّه في حين شدّة شهوته ورغبته في إرتكاب القبائح يعلم أنّها قبيحة وموجبة
للعقاب والبُعد عن حضرة العزيز الجبّار، فإنّ وساوس شياطين الجنّ تكون كوساوس شياطين الإنس لا تخرج الإنسان عن كونه ذا مشيّة وإرادة وقدرة، قال تعالى:
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْ-حَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ إلنا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتمُ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(1) نعم يمكن أن يكون ارتكاب السيّئات والإصرار عليها وكذا العناد واللّجاج في قبال الحقّ سبباً لطبع القلب وأن يزيّن له الشيطان السيّئات والقبائح، ولكنّه يرجع إلى سوء اختيار العبد وإرتكابه السيّئات وعناده مع الحقّ.
وبعبارة أخرى: يكون العبد هو السبب في صيرورة نور العقل محجوباً بحجاب الشهوات، وهو السبب في خذلان نفسه وحصول الطبع لقلبه.
وهذه الوساوس الشيطانيّة والشهوات النفسانيّة وأهوائها - مضافاً إلى أنّها لا توجب سلب القدرة والإرادة كما مرّ آنفاً - تكون المجاهدة معها سبباً لرقيّ الإنسان إلى أعلى درجات القرب والكمال، حيث إنّ من الواضح أنّه لو لم يكن للإنسان أيّ شهوة وهوى إلى المعصية ثمّ لم يأت بالمحرّمات لا يكون ذلك كمالاً له، فإنّ إرتكاب الحسنات وترك السيّئات جبراً لا يكون كمالاً ولا فضيلة للإنسان، بل كلّما كانت دواعي العصيان في الإنسان أقوى، يكون ترك المعصية من العبد سبباً لتعاليه إلى أعلى درجات الإنسانيّة والفضيلة.
وأمّا بقاء الشيطان إنّما هو لأجل أنّه سأل اللّه تعالى الإنظار إلى يوم البعث فأجابه اللّه تعالى بأنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، جزاء لما أتى به من العبادة قبل تخلّفه عن السجود لآدم. وفي إنظارهإمتحان البشر واختباره، مع أنّ العبادة تكون مع وجود وساوسه أعظم درجة من العبادة بدونها.
وأمّا الشهوات والأهواء النفسانيّة فجعلها في الإنسان لأجل بقاء الإنسان فنظام عيشه
1) 1019.. إبراهيم14.، الآیة 22.
متوقّف على وجودها. والموجب للعصيان وانحراف الإنسان من الصراط المستقيم هو عدم عقال النفس بنور العقل والشرع مع تمكّن الإنسان وقدرته على ذلك. أضف إلى ذلك أنّ الحكمة العالية في إتيان البشر إلى دار الدنيا هي الفتنة والإختبار والإبتلاء، ومن الواضح أنّ الإنسان إنّما يفتتن ويختبر بسبب الوساوس والشهوات والميولات النفسانيّة.
فعلى هذا یعلم أنّ اللّه تعالى قد هيّىء كلّ ما يمكن أن يصرف العبد عن المعصية - سوى التوفيقات الخاصّة - ما خلا سلب القدرة منه وإزالة الشهوات والوساوس عنه، وقد علمت أنّ كليهما ممّا يحتاج الإنسان إليه في كماله وتعاليه وقربه، والحرمان عنها مناف للحكمة.
وعلى هذا لو ارتكب العبد السيّئات بالقدرة التي أعطاها اللّه إيّاه وبعد تلك الهدايات والتوعيد عليها والتحريض على تركها، يكون هو أولى بها من خالقه، فيكون اللّوم عليه لا على ربّه القدّوس، كما يقول اهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ.(1)
فنسبة القبائح إليه جلّت عظمته مع نهيه وتحذيره عنها بأبلغ الوجه ظلم وجفاء وافتراء عليه تعالى، لأنّه تعالى لم يعط العبد القدرة ليرتكب القبائح بل إنّ العبد بسوء اختياره يصرفها في القبيح مع نهيه تعالى عنه وتوعيده على فعله، وقد ورد في الحديث الشريف:
عن ياسر الخادم، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا(علیهما السلام) يقول:
من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر.(2)
والحاصل في بيان الأولويّة في كلا الطرفين: أنّ للّه تعالى دخلاً في الأفعال الصادرة عن العباد بالقدرة والإرادة من جهة إعطائه العبد القدرة والسلطنة، فإنّه لولا القدرة لما صحّ إسناد الفعل إلى العبد بل لابدّ منإسناده إلى من أوجد الفعل. فالفعل الصادر عن العبد يستند إليه بما له من القدرة سواء كان الفعل حسناً أم قبيحاً، فصرف القدرة في الطاعة أو المعصية وتطبيق الفعل على العنوان الحسن - كتطبيق القيام والقعود والتكلّم على الصلاة
والفرق بين الحسنات والسيّئات أنّ اللّه تعالى أمر بالحسنات وجعل الثواب عليها ويوجد الشوق في العبد بالنسبة إليها، ونهى عن السيّئات ورتّب عليها العقاب وحذّره من ارتكابها، فلذا يكون هو أولى من العبد بالحسنات ويكون العبد أولى منه بالسيّئات. فإنّ العبد يختار الحسنات بالقدرة وتوفيقه وإعانته تعالى بحيث لو سلب القدرة منه يصير مجبوراً، ويرتكب العبد السيّئات بالقدرة التي أعطاها اللّه تعالى -- ليصرفها في الطاعة والعبوديّة وهداه إلى ذلك -- بلا إعانة منه تعالى للعبد عليها، فهو أولى بالحسنات من العبد والعبد أولى بالسيّئات منه تعالى.
إذا عرفت ذلك يظهر لك أنّه يصحّ أن يقال: إنّ للّه تعالى دخلاً في الأفعال الصادرة عن العباد، وكذا يصحّ أن يقال: إنّ للّه تعالى دخلاً في الحسنات الصادرة عنهم بل هو أولى بحسنات العبد. وأمّا التعبير بأنّ للّه تعالى دخلاً في عصيان العبد وسيّئاته لا يكون بمعنى أنّه تعالى حرّضه عليها فإنّ هذا المعنى لا يليق بقدس الربّ المتعال، حيث إنّا بيّنّا أنّ دخله تعالى في الأفعال يكون بإعطاء العبد القدرة التي يمكن صرفها في الطاعة والمعصية وأمّا تطبيقها على العنوان السيّىء فيكون بيد العبد.
هذا، وهناك معنى دقيق للحديث الشريف يومي إلى شدّة سبوحيّة الباري تعالى عن الأفعال القبيحة فلابدّ من ذكره، وقبل ذلك يستوجب المقام ذكر بعض المقدّمات:
الأولى: قوله تعالى: «بحسناتك» و«بسيّ-ئاتك» يدلّ صريحاً على صدور الفعل عن العبد بالقدرة والاختيار وإستناده إليه.
الثانية: من الواضح أنّ أولويّة اللّه تعالى بالحسنات لا يوجب إسناد الفعل إليه ولذا لانقول: إنّه هو الذي صلّى وزكّى، بل نقول إنّ هذه الأفعال مستندة إلى العبد ولكن بما أنّ
1) 1022.. راجع: مرآة العقول، ج2، ص163-164.
اللّه تعالى أعطى القدرة للعبد ووفّقه للحسنات فهو أولى بها منه.
الثالثة: إنّ الفعل تارة يسند إلى الفاعل بنحو الصدور وأُخرى يسند إلى المحلّ باعتبار الحلول نظير مات زيد ومرض عمرو وثالثة يسند إلى ما وقع عليه الفعل نحو ضُرِب عمرو وتارة يسند إلى غير ذلك كالزمان والمكان فلا يكون الإسناد والإنتساب دائماً بنحو الصدور وهذه الأحاديث تدلّ على أنّ نسبة الحسنات إلى الباري تعالى اولى من نسبتها وإسنادها إلى العبد والإسناد والنسبة أعمّ من الصدور كما هو واضح. نعم اولويّة إسناد السيّئات إلى العبد تكون من جهة الإسناد الصدوريّ وهذا لا يدلّ على أنّ المراد من اولويّة انتساب الحسنات إلى اللّه تعالى أيضاً من جهة الصدور لما مرّ في المقدّمة السابقة وهذه الأحاديث بصدد بيان الألطاف الإلهيّة والعنايات الربّانيّة على العبيد بتوفيقهم لإتيان الحسنات دون السيّئات.
الرابعة: إنّه لابدّ من تقديسه تعالى عن جميع القبائح بجميع أنواع التقديس والتنزيه، بمعنى أنّ جميع كمالات العبد تكون بمنّه وفضله وإعطائه، وجميع النقائص ترجع إلى العبد نفسه، وليس له تعالى دخل فيها ولاتليق أفعال العباد بسبّوحيّته تعالى وقدّوسيّته كما عن الإمام الحسين(علیه السلام) في دعاء عرفة: «منّي ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك»(1)ولابدّ من تسبيحه تعالى بجميع التسبيحات وأعلى مراتبها.
الخامسة: إنّ المتصوّر في أفعال العباد ثلاثة: صدورها عن اللّه تعالى، وصدورها عن اللّه تعالى وعن العبد، وصدورها عن العبد.
و الأوّلان باطلان ضرورة كما مرّ في الجواب عن الوجه الثاني، فيتعيّن الثالث. وقد مرّ في الخبر عن الإمام الكاظم قوله(علیه السلام):
إن كانت أفاعيل العباد من اللّه دون خلقه فاللّه أعلى وأعزّ وأعدل من أن يعذّب عبيده على فعل نفسه. وإن كانت من اللّه ومن خلقه فإنّه أعلى وأعزّ من أن يعذّب عبيده على فعل قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيلالعباد من العباد فإن عذّب فبعدله، وإن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.(2)
السادسة: إنّ صيغة التفضيل إذا استعملت بالنسبة إلى الباري تعالى تكون منسلخةً عن معنى التفاضل، وذلك لأنّه ليس له تعالى شبه ومثل ولا سنخيّة بينه وبين خلقه كي يصحّ التفاضل بالنسبة إليه. وهذا إستعمال شايع في لغة العرب، وممّا انسلخت فيه خصوص كلمة «أولى» عن التفاضل ما ورد في قوله تعالى:
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً.(1) فإنّ هذه الآيات إنّما تكون بصدد بيان حال الكفّار ومآل كفرهم ومن الواضح أنّ الكفر يوجب دخول النار لا أنّه يحدث له أولويّة لدخولها.
وكذا ما قاله سيّد الشهداء(علیه السلام) للكافر المعاند لعنه اللّه حينما قال له: «يا حسين أتعجّلت النار قبل يوم القيامة»، فقال(علیه السلام): «يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّاً».(2)ومن الواضح أنّ التفاضل هنا منفىّ قطعاً.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إنّ مقتضى المعنى السابق هو أنّ مقدّمات الحسنات من اللّه تعالى، كإعطاء القدرة والعلم والتوفيق وإيجاد الشوق في نفس العبد والترهيب. أمّا كونه تعالى أولى بالنسبة إلى نفس الفعل الحسن فلا. فإنّه مع ملاحظة كلّ ما ذكر في الوجه الأوّل - من أنّ جميع مقدّمات الحسنات إنّما يكون من إعطاء الباري تعالى ولولاه لم يكن العبد ليتحرّك نحوها - لا يصحّ أن نقول إنّ اللّه تعالى هو الذي فعل الحسنات، كما ينافيه متن الخبر فإنّ الحسنات والسيّئات أسندت إلى العبد حيث عبّر فيه: «بحسناتك» و«سيّئاتك». غاية الأمر يكون الربّ تعالى أولى بالنسبة إلى مقدّمات الفعل لا إلى نفس الفعل. مع أنّ الخبر يقول إنّه تعالى أولى بالنسبة إلى الحسنات نفسها.
فهناك أمران ينبغي الإلتفات إلى افتراقهما، أحدهما: وجه أولويّة الباري تعالى،
وثانيهما: متعلّق أولويّته تعالى، وهكذا في طرف العبد. والوجه الأوّلفي معنى الحديث إنّما تكفّل لبيان الأمر الأوّل وتبقى المشكلة في بيان الأمر الثاني.
فحينئذ نقول: قد مرّ أنّه لا معنى لإشتراك الباري تعالى مع العبد في الأفعال كي يكون هو تعالى أولى من العبد في الحسنات والعبد أولى منه تعالى في السيّئات، وعليه يكون إسم التفضيل منسلخاً عن معنى التفاضل في خصوص هذا الحديث، بعد أن كانت منسلخاً عن التفاضل مهما استعمل في اللّه تعالى مطلقاً. مع أنّه لو كان كلمة أولى باقية على معنى التفاضل في هذا الحديث لكان اللازم منه أن يصحّ إسناد السيّئات إليه تعالى إلّا أنّ العبد أولى بذلك، وهو ينافي سبّوحيّته وقدّوسيّته تعالى بكمال التسبيح والقداسة.
وحينئذ فلامناص من أن نقول إنّ المراد من الحديث بيان أنّ الحسنات نفسها - لا مقدّماتها - إنّما تكون من اللّه تعالى، والسيّئات إنّما تكون من العبد، ففاعل الحسنات هو اللّه تعالى وفاعل السيّئات هو العبد.
ولكن لمّا نعلم بالضرورة العقليّة والشرعيّة إنّ هذا المعنى غير مراد قطعاً، وأنّه مناف لإسناد الحسنات والسيّئات إلى العبد في نفس الحديث، فيكون الحديث عبارة عن بيان حكم تعليقيّ وإفتراضيّ أي إنّه لو دار الأمر بين إسناد الأفعال الصادرة عن العبد إليه أو إلى الباري تعالى؛ فيكون اللّه أولى بالحسنات والعبد أولى بالسيّئات. لا أنّ فعل العبد يستند إليه وإلى الباري ولكنّ العبد أولى بسيّئاته من الربّ والربّ أولى بالحسنات منه.
فيكون الحديث في مقام الردّ على المجبّرة وتنزيه ساحة الباري تعالى عن سيّئاتهم. وذلك لأنّ القائلين بالجبر إنّما ذهبوا إليه كي يستريحوا من تبعات معاصيهم وسيّئاتهم، فقالوا إنّ الموجد لأفعالنا ليس إلّا اللّه تعالى فليس اللّوم علينا حينما نرتكب القبيح لأنّه لا اختيار لنا فيه. ومن الواضح أنّهم ما أرادوا بذهابهم إلى الجبر أن يسندوا حسناتهم إلى اللّه تعالى بل أرادوا أن يبرّئوا أنفسهم من سيّئاتهم.
واللّه تبارك وتعالى يقول لهم إنّ الحسنات والسيّئات ليست إلّا من فعلكم بالقدرة والاختيار، ولو أردتم أن تُنسبوا إلى اللّه تعالى وكان هناك جبر - على فرض المحال . لكان
ينبغي أن تُسندوا حسناتكم إلى بارئكم وسيّئاتكم إلى أنفسكم، على عكس ما أردتم تماماً.
ووجه الأولويّة - فيما لو دار الأمر بين إسناد الأفعال إلى اللّه تعالى أو إلى العبد - هو ما ذكر في المعنى الأوّل، أي: إنّ اللّه تعالى أعطاكم القدرة والاختيار ثمّ رغّبكم في فعل الخيرات ووفّقكم لها وأمركم بها وفطركم على محبّتها وأعانكم على فعلها، إلى غير ذلك ممّا مرّ هناك. وهكذا حذّركم عن إرتكاب المعاصي وفطركم على كراهتها وهداكم إلى قبحها ونهاكم عنها ولم يعنكم على فعلها، فلأجل ذلك لو تقوّلتم بالجبر فعليكم أن تقولوا به في الحسنات لا في السيّئات. فالحسنات هي التي لولا عونه تعالى وترغيبه وإيجاد الشوق في أنفسكم إليها ما كنتم لتعملوها، دون السيّئات التي منعكم عنها بشتّى أنواع المنع لكنّكم أعرضتم عنها فخذلكم ولم يعنكم على فعلها.
فيكون الحديث في مقام إبطال الجبر وإبطال إسناد السيّئات إلى اللّه تعالى، وأيضاً في مقام إبطال توهّم شركة الباري تعالى فيها مع العبد من جهة أنّه لو دار الأمر بينهما فهو أولى بالحسنات والعبد أولى بالسيّئات، لا كما توهّمه المجبرّة حيث سوّلت لهم أنفسهم وزيّن لهم الشيطان فاتّهموا ربّهم وأسندوا إليه قبائح أعمالهم، كما قال إبليس اللّعين: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي.(1)
إذا عرفت هذه الأمور تعرف أنّه كيف قلع الأئمّة(علیهم السلام) الشبهة من أساسها وبيّنوا الرشد من الغيّ، وأنّ الإلتزام بقدرة الإنسان وسلطنته على أفعاله الاختياريّة بإفاضته تعالى القدرة عليه لا ينافي الإلتزام بالتوحيد؛ فانظر إلى الأحاديث الشريفة مرّة أخرى بعين الإعتبار(2)لتنظر أنّهم: كيف واجهوا الشبهة فعقروها في عقر دارها.
التوحید: بإسناده عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: سأل المأمون يوماً عليّ بن موسى الرضا(علیهما السلام) فقال له: يا ابن رسول اللّه ما معنى قول اللّه عزّوجلّ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا
كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلنا بِإِذْنِ اللَّهِ(1)فقال الرضا(علیه السلام): حدّثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب(علیهم السلام): أنّ المسلمين قالوا لرسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): لو أكرهت يا رسول اللّه من قدرت عليه من الناس على الاسلام كثر عددنا وقوينا على عدوّنا، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): ما كنت لألقى اللّه عزّوجلّ ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئاً، وما أنا من المتكلّفين، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: يا محمّد وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لهم لم يستحقّوا منّي ثواباً ولا مدحاً، لكنّي أُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين ليستحقّوا منّي الزُّلفى والكرامة ودوام الخلود في جنّة الخلد أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وأمّا قوله عزّوجلّ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلنا بِإِذْنِ اللَّهِ فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها ولكن على معنى أنّها ما كانت لتؤمن إلّا بإذن اللّه، وإذنه أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة، وإلجاؤه إيّاها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبد عنها. فقال المأمون: فرّجت عني يا أبا الحسن فرّج اللّه عنك.(2)
الاحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد اللّه(علیه السلام) فقال: أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين وكان على ذلك قادراً؟ قال(علیه السلام):
لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب لأنّ الطاعة إذا ما كانت فعلهم لم تكن جنّة ولا نار، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتجّ عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب. قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله، والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال: العمل الصالح العبد يفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ العبد يفعله واللّه عنه نهاه؛ قال: أليس
فعله بالآلة التي ركّبها فيه؟ قال:نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الذي نهاه عنه. قال: فإلى العبد من الامر شيء؟ قال: ما نهاه اللّه عن شيء إلّا وقد علم أنّه يطيق تركه، ولا أمره بشيء إلّا وقد علم أنّه يستطيع فعله لأنّه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون. قال: فمن خلقه اللّه كافراً يستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال(علیه السلام): إنّ اللّه خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتا لزمته الحجّة من اللّه فعرض عليه الحقّ فجحده فبإنكاره الحقّ صار كافراً، قال: فيجوز أن يقدّر على العبد الشرّ ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذّبه عليه؟ قال: إنّه لا يليق بعدل اللّه ورأفته أن يقدر على العبد الشرّ ويريده منه، ثمّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه، والانزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على تركه أمره الذي علم أنّه لا يستطيع أخذه ... .(1)
بعد ما عرفت أنّ الإلتزام بالاختيار في أفعال العباد والقول بفاعليّة غيره تعالى بإذنه لا ينافي التوحيد، بل يساعد التوحيد الحقيقيّ ويلائمه كمال الملائمة وإنكاره يستلزم إنكار قدرة الباري تعالى، وعرفت أيضاً أنّ أولويّته تعالى بحسنات العبد لا ترتبط بما استدلّوا به على الجبر - من التوحيد الأفعالي -؛ اُنظر إلى ما ذكره بعض المعاصرين وأنّه كيف بالغ في إثبات الجبر بهذا الوجه، حتّى قال: إنّ جميع ما يحدث في الكون وجميع ما يصنعه العباد مرضيّ للّه جلّ جلاله بما في أفعالهم من الكفر والظلم والفجور، وليس أحد من الناس إلّا وهو سعيد حتّى الفجرة الفسقة، فقال ما نصّه:
أنّ من كان مرضيّاً عند ربّه فهو سعيد، ولا يوجد في الكون شيء من الأُمور والأشياء والأجناس العالية أو السافلة والأنواع والأفراد والأشخاص والصفات والخلقيّات والأفعال الحسنة والقبيحة إلّا وربّه راض عنها، لأنّ كلّ ما لهذا الموجود من الصفات والأفعال إنّما
1) 1031.. الاحتجاج، ج2، ص340؛ بحارالأنوار، ج10، ص170، ح2.
يكون من الربّ الذي يكون متصرّفاً فيه بالحقيقة،فإنّه لا فعل للعين الممكنة بل الفعل فعل ربّه فيه، والربّ راض عن فعله وعن مقتضاه. فجميع المخلوقات وجميع أفعالهم مرضيّ للرّبّ وكلّ مرضيّ محبوب، فجميع الخلق محبوب للرّبّ وكلّ ما يفعله المحبوب محبوب أيضاً، فجميع الممكنات وجميع أفعالهم محبوبة للربّ المتعال. ولو أشكل عليك أنّه كيف صار الجميع سعيداً مع أنّه من المسلّمات أنّ هناك سعيداً وشقّياً. فيجاب: بأنّ التمايز بينهما إنّما يكون في أنّ السعيد هو من يعرف هذه الحقيقة العرفانيّة والشقيّ من لا يعرفها، أي أنّ السعيد هو من يعلم أنّ الكلّ سعيد ولا يوجد ثمّة تميز بينه وبين الشقيّ، والشقيّ من لا يعلم ذلك.(1)
سعيد كسى است كه نزد ربّ خود مرضىّ است و نيست در وجود مگر آنكه نزد ربّ خود مرضىّ است؛ زيرا اين ربّ است كه ربوبيّت خود را بر مربوب باقى مى دارد ... قيصرى گويد: «هر يك از موجودات در نزد ربّ خود مرضىّ است؛ زيرا آنچه از اخلاق وافعال كه آن موجود به آن متّصف است همه از جانب ربّى است كه بهحقيقت در آن موجود متصرّف است، و ربّ از فعل و مقتضاى فعل خود راضى است. چه اگر راضى نبوداز او صادر نمىشد؛ زيرا در صدور آن مجبور نيست. و همانا عبد به قدر قابليّتش كمالات و افعال ربّ را بروز و ظهور داده، پس در نزد ربّ خود مرضىّ و سعيد است. و تمييز شقىّ از سعيد در اين است كه سعيد مىداند امر چنين است، پس سعادتش به علم و معرفتش مىباشد، و هر كس اين را ندانست و افعال را به قوابل نسبت داد از راحت عظمى و پاداش نيكو دور ماند، پس شقاوت شقىّ به جهل وعدم عرفانش مي باشد» ... «و كلّ مرضيّ محبوب، وكلّ ما يفعل المحبوب محبوب، فكلّه مرضيّ لأنّه لا فعل للعبد بل الفعل لربّها فيها» ... هر مرضىّ محبوب است (يعنى به نسبت آن كسى كه اراده و رضايش به او تعلّق گرفت) و هر چه را كه محبوب مىكند محبوب محبّ او نيز هست، پس آنچه در دار وجود انجام مىشود و جريان مىيابد مرضىّ است (زيرا مرضىّ ربّ اوست). زيرا براى عين ممكنه فعلى نيست، بلكه فعل براى ربّ آن عين در آن عين است (يعنى فعل، فعل ربّ است كه در عين ظاهر مى شود)، پس عين موجوده قبول كرده است كه فعلى به او اضافه و نسبت داده شود. پس عين راضى شد به آنچه كه در او ظاهر مىشود واز او ظهور مىكند، يعنى افعال ربّش (به اعتبار قرب فرايض ونوافل). پس آن افعال مرضيّ ربّش است؛ زيرا هر فاعل و صانعى از فعل و صنعت خود راضى است ... وأَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى يعنى بيان كرده است كه خلق هر چيزى را به او عطا كرده است پس قبول نقص و زياده نمىكند.
ليت شعري هل قرأ هذا القائل الآيات القرآنيّة الآتية ثمّ قال ما قال وأدلى بتوهّمه؟!
1) 1032.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص198-196:
هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ؛(1) ويَ-حْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لَايَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ؛(2)
وإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوْا يَرْضَهُ لَكُمْ؛(3)
ويَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلنا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّماوَاتُ وَالأَرْضُ إلنا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْ-جَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إلنا ما شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ؛(4)
وإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ الْمُعْتَدِينَ؛(5)
ووَاللهُ لَا يُ-حِبُّ الْفَسَادَ؛(6)
ووَاللهُ لَا يُ-حِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ؛(7)
وقُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ الْكَافِرِينَ؛(8)
ووَاللهُ لَا يُ-حِبُّ الظَّالِمِينَ؛(9)
وإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ مِن كَانَ مُخْتَالاً فَ-خُوراً؛(10)
وإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً؛(11)
1) 1033.. النساء4.، الآیة 108.
2) 1034.. التوبة9.، الآیة 96.
3) 1035.. الزمر39.، الآیة 7.
4) 1036.. هود11.، الآیات 105-108.
5) 1037.. البقرة2.، الآیة 190.
6) 1038.. البقرة2.، الآیة 205.
7) 1039.. البقرة2.، الآیة 276.
8) 1040.. آل عمران3.، الآیة 32.
9) 1041.. آل عمران3.، الآیتان 57و140.
10) 1042.. النساء4.، الآیة 36.
11) 1043.. النساء4.، الآیة 107.
ولَا يُ-حِبُّ اللهُ الْ-جَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلنا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً؛(1)
ووَاللهُ لَا يُ-حِبُّ الْمُفْسِدِينَ؛(2)
وإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ الْمُعْتَدِينَ؛(3)
وإِنَّهُ لَا يُ-حِبُّ الْمُسْرِفِينَ؛(4)-(5)
وإِنَّهُ لَا يُ-حِبُّ الْمُعْتَدينَ؛(6)
وإِنَّ اللهَ لَا يُ-حِبُّ الْ-خَائِنِينَ؛(7)
وإِنَّهُ لَا يُ-حِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ؛(8)
وإِنَّ اللَّهَ لَا يُ-حِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ؛(9)
وإِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِ-حَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُ-حِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُ-حِبُّ الْمُفْسِدِينَ؛(10)
وإِنَّهُ لَا يُ-حِبُّ الْكَافِرِينَ؛(11)
1) 1044.. النساء4.، الآیة 148.
2) 1045.. المائدة5.، الآیة 64.
3) 1046.. المائدة5.، الآیة 87.
4) 1047.. الأنعام6.، الآیة 141.
5) 1048.. الأعراف7.، الآیة 31.
6) 1049.. الأعراف7.، الآیة 55.
7) 1050.. الأنفال8.، الآیة 58.
8) 1051.. النحل16.، الآیة 23.
9) 1052.. الحج22.، الآیة 38.
10) 1053.. القصص28.، الآیتان 76-77.
11) 1054.. الروم30.، الآیة 45.
ووَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُ-حِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَ-خُورٍ؛(1)
وإِنَّهُ لَا يُ-حِبُّ الظَّالِمِينَ؛(2)
ووَاللهُ لَا يُ-حِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَ-خُورٍ.(3)
ثمّ ما هو وجه إستشهاده بالآية الكريمة: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(4)؟ فإنّها في سياق قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.(5)
وإذا كان الأمر كما زعمه هذا البعض فأيّ وجه وأيّ معنى للعقاب والعذاب؟
هل إنّه تعالى يعاقب على ما يحبّه ويرضاه مع أنّه هو الذي أجراه على الإنسان؟
أو كيف يسأله عمّا هو أظهره عليه؟
ثمّ إنّه كيف قال إنّ العين قبل ورضي بفعل ربّه فيه، هل له اختيار في أن يرضي أو لا يرضي؟وأعجب من ذلك كلّه ما ذكره عن القيصريّ من أنّ السعيد هو من يعلم هذه الحقيقة العرفانيّة والشقيّ من لم يعرفها؛ هل هذه المعرفة باختيار منه أم هو فعل ربّه وقد أجراه عليه؟
وقد قال في موضع آخر أنّه:
من الناس من يسلك طريقاً لا يعرف حقيقته ولا يعرف إنّ غایته ينتهي إلى الحق، و من ثم لا یکون هذا الطريق مستقيماً بالنسبة إليه، في حين أنّ الطريق الذي يسلك فيه بعينه هو الصراط المستقيم عند العارفين.(6)
بعضى از مردم در راهى گام مىزنند كه از حقيقت آن بىخبرند وغايت آنرا نمىدانند (كه به حق منتهى مىشود پس آن طريق در حق أو صراط مستقيم نيست) اگر چه در نزد عارفان آن بعينه صراط مستقيم است.
وليت شعري هل هذا القائل يلتزم بمفاد ما قاله من أنّ اللّه تبارك وتعالى رضي عن كلّ ما خلق وعن جميع ما يصنعون؟
هل إنّ اللّه رضي عن فسق الفسّاق، وكفر الكفرة، وما صنعه الجبابرة الظالمين بأوليائه تعالى؟
هل إنّه تعالى رضي عمّا صنعه يزيد وشمر وعمر بن سعد بالإمام الحسين(علیه السلام)، لأنّ فعلهم ليس إلّا فعل ربّهم فيهم؟ فلا نقول له إلّا كما قال اللّه تعالى:
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَ-حْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلنا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.(1) الاحتجاج: عن داود بن قبيصة قال: سمعت الرضا(علیه السلام) يقول: سئل أبي(علیه السلام) هل منع اللّه عمّا أمر به؟ وهل نهى عمّا أراد؟ وهل أعان على ما لم يرد؟ فقال(علیه السلام):
أمّا ما سألت: هل منع اللّه عمّا أمر به؟ فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم يلعنه؛ وأمّا ما سألت: هل نهى عمّا أراد، فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث نهى آدم عن أكل الشجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها ما نادى عليه صبيان الكتاتيب وَعَصَی آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(2)واللّه تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشيء ويريد غيره؛ وأمّا ما سألت عنه من قولك: هل أعان على ما لم يرد؟ فلا يجوز ذلك، وجلّ اللّه تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن عليّ والفضلاءمن ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعدّ جهنم لمخالفيه، ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؛ ولو جاز أن يعين على ما لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادّعائه أنّه ربّ العالمين! أفترى أراد اللّه من فرعون أن يدّعي الربوبيّة؟ يستتاب قائل
هذا فإن تاب من كذبه على اللّه، وإلّا ضربت عنقه.(1)
أقول: لا يخفى أنّ الإمام(علیه السلام) حكم فيمن ادّعى إعانة اللّه تعالى للعصاة بما حكم، فما ظنّك بالذي يقول إنّه تعالى هو الفاعل حقيقة ولافعل للعاصي أصلاً؟!
1) 1063.. الاحتجاج، ج2، ص387؛ بحارالأنوار، ج5، ص26، ح21.
لا يخفى أنّ الحوادث الكونيّة من حيث دخل إرادة الإنسان فيها -- تنقسم إلى ثلاثة أقسام -- :
الأوّل: ما لا دخل لإرادة الإنسان واختياره فيه كأصل -- خلقه بعد أن لم يكن شيئاً -- ومجيئه إلى الدنيا والموت.
الثاني: الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان بما له من القدرة والاختيار كالتكلّم والذهاب والمجيء.
الثالث: الحوادث الكونيّة التي لاختيار الإنسان وإرادته دخل فيها كالآثار الحسنة المترتّبة على الأفعال الحسنة الصادرة من الإنسان والآثار السيّ-ئة المترتّبة على الأفعال القبيحة الصادرة منه.
ومن الواضح أنّ تأثير كلّ مؤثّر في المتأثّر رهن لإرادة الربّ تعالى بل إنّه تعالى هو الذي جعل الآثار للمؤثّرات وجعل المؤثَّرات - بالفتح - تتأثّر بالمؤثِّرات - بالكسر - فإنّه تعالى مسبّب الأسباب وهو الذي جعل صلة الرحم موجباً لطول العمر وقطع الرحم موجباً لقصره، وهو الذي جعل للذّنوب آثاراً في العاجل والآجل كتأثير الزنا في ازدياد موت الفجئة، وهو الذي جعل للحسنات آثاراً في العاجل والآجل كتأثير الإيمان والتقوى في نزول البركات، ولمّا كان للإنسان القدرة على الأفعال الحسنة وكذا القبيحة يكون لإرادته دخل في الحوادث الكونيّة كالقحط ونزول المطروكطول العمر وقصره فليست الحوادث الكونيّة التي هي من آثار أفعاله بمعزل عمّا يفعله بل للإنسان تأثير فيها بجعل الربّ تعالى وقد صرّحت بذلك أدلّة كثيرة فلاحظ:
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً؛(1) وظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ؛(2)
وثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ؛(3)
وكَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ؛(4)
ووَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.(5)
وأمّا الروايات فإنّها كثيرة جدّاً فراجع بحارالأنوار جزء 70 صفحة 308 باب الذنوب وآثارها وصفحة 366 باب علل المصائب والمحن.
وعلى ضوء هذا البيان ظهر أنّ الإنسان لا يكون مجبوراً في الإلتزام بلوازم أفعاله الاختياريّة كالسعادة أو الشقاوة ودخول الجنّة أو النار وسائر الآثار المترتّبة عليها في الدنيا ولا يكون في الإلتزام بها مفوَّضاً إليه.
وسيأتي مزيد توضيح لذلك والحاصل أنّه لا ينحصر تأثير إرادة الإنسان في الأفعال الاختياريّة الجوارحيّة.
ويتّضح المراد ببيان النقاط الثلاثة الآتية:
لا يتوهّم أنّ إمتلاك المختار للاختيار والاستطاعة والسلطنة، ونفي الجبر والتفويض وإثبات الأمربين الأمرين مختصّ بأفعال الجوارح والأركان، بل إنّ هذه المرحلة هي المرحلة الدنيا من
مراحل اختيار الإنسان وسلطنته فإنّ مراحل الاختيار خمسة:
سلطنة الإنسان على ما يصدر من الجوارح والأركان كالأكل والشرب والقيام والقعود.
هي نفوذ إرادة الإنسان وسلطنته على أفعاله النفسيّة والجوانحيّة. وذلك كالتصديق والإذعان والجحود. فمثلاً إنّ اللّه تعالى عرّف نفسه القدّوس لجميع خلقه وأشهدهم على أنفسهم، وقال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى وعرفوه. ولكنّه مع ذلك كلّه اختار بعضهم التصديق والإيمان فكانوا بذلك من أصحاب اليمين، واختار بعض آخر الكفر والجحود وإنكار الربّ فصاروا من أصحاب الشمال فاستحقّوا الخذلان. فالإيمان والتصديق وكذا الكفر والجحود رغم كونهما من أفعال القلب لكنّهما تحت قدرة الإنسان وسلطنته فإن شاء أقرّ وإن شاء أنكر.
وأيضاً إنّ الإنسان يسأل عن معتقداته مع أنّ عقد القلب ليس فعلاً جوارحيّاً، كما ورد في تفسير الآية الشريفة: إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ والْفُؤادَ كُلُّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً.(1)أنّ الفؤاد يسأل عمّا يعتقده.
وهكذا في سائر الأفعال النفسيّة، كالإخلاص والشرك، والرياء والسمعة، والحبّ والبغض، والرضا والغضب، وكظم الغيظ، والتولّي والتبرّي، فاللّه تعالى خوّل العبد وسلّطه على طرفيها بلا جبر فيه ولا تفويض. كماترى أنّه قد أمرنا بالتفكّر في آيات اللّه وأمره، وليس التفكّر إلّا فعلاً روحانيّاً.
عن معمّر بن خلّاد قال: سمعت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول:
ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة التفكّر في أمر اللّه عزّ وجلّ.(2)
كما أنّه قد نهينا عن التفكّر في المعصية وعن التفكّر في ذات اللّه.
إنّ الصفات النفسيّة والأخلاق أيضاً في مراتبها - بلحاظ ما يوجبها ويؤثّر فيها من الأفعال الاختياريّة - طوع لإرادة الإنسان، كالحلم، والمروّة، والكرم، والشجاعة، والصبر، وهكذا الحسد، والبخل، والعجلة، والخوف والجبن؛ فإذا أراد العاقل السيطرة على نفسه يروّضها بالتخلّق بالصفات الحميدة واستعمالها، والتجنّب عن الرذائل فهو قادر على ذلك بإقدار اللّه تعالى، بل هو مأمور بذلك إيجاباً أو إستحباباً، كما أنّه قادر علىالعكس. غاية الأمر أنّ المنهج والشريعة والطريق إلى نيل هذه الصفات متعدّدة: كالتشبّه والتأسّى بمن تحلّى بها، والمعاشرة معه، وكترويض النفس ومجاهدتها، ومنعها سؤلها ومُناها فبمجاهدتها ومخالفتها ينمحى ذلك الخلق السيّئ. وغير ذلك من السبل التي ذكرها علماء الأخلاق تبعاً لما ورد في الروايات، وقد عبّروا(علیهم السلام) عن هذه الرياضة والسعي بالجهاد الأكبر وأمرونا به.
عن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال:
إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) بعث سريّة فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل يا رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس. وقال(علیه السلام): إنّ أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه.(1)
كما أمرونا(علیهم السلام) بتحصيل مكارم الأخلاق والزيادة منها.
عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال:
إنّ اللّه خصّ رسوله(صلی الله علیه آله و سلم) بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم، فان كانت فيكم فاحمدوا اللّه وارغبوا إليه في الزيادة منها، فذكرها عشرة: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروّة.(2)
وقد عبرّ الإمام(علیه السلام) عن هذه المحاولة بامتلاك النفس وامتلاك خلقيّاتها، ممّا يدلّ على توسّع دائرة ملكيّة الإنسان وسلطنته على نفسه وأفعالها وصفاتها.
روى الصدوق بإسناده عن الصادق جعفر بن محمّد(علیهما السلام) قال:
من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى وإذا غضب، وإذا رضى حرّم اللّه جسده على النار.(1)
خرج النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) يوماً وقوم يدحرجون حجراً، فقال:
أشدّكم من ملك نفسه عند الغضب وأحملكم من عفا بعد المقدرة.(2)
قال أبو عبد اللّه(علیه السلام):
من لم يملك غضبه لم يملك عقله.(3)
قد بيّنوا(علیهم السلام) مناهج الوصول إلى تمالك النفس، والتسلّط عليها وعلى خلقيّاتها وصفاتها.قال أمير المؤمنين(علیه السلام):
إن لم تكن حليماً فتحلّم فإنّه قلّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يكون منهم.(4)
عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار، فأيّما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه يذهب عنه رجز الشيطان، وأيّما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسّه، فإنّ الرحم إذا مسّت سكنت.(5)
إنّ اللّه تعالى أقدر الإنسان على الإستضائة من الأنوار - كنور العلم والسمع والبصر والعقل والذكر - بعد أن أضاء أرواح الجميع بهذه الأنوار ابتداء بما يصحّ معه التكليف؛ فإنّ هذه الأنوار التي لا يكون أمر قبضها وبسطها إلّا بيده تعالى، إذا وهبها اللّه تعالى للعبد وشاء
1) 1073.. کتاب من لا يحضره الفقيه، ج4، ص400، ح5860؛ وسائل الشیعة، ج15، ص162، ح8[]20215
2) 1074.. تحف العقول، ص45؛بحارالأنوار، ج74، ص148، ح67.
3) 1075.. الکافي، ج2، ص305، ح13؛وسائل الشيعة، ج 15، ص360، ح11[20741].
4) 1076.. نهج البلاغة، الحكمة 207، ص506.
5) 1077..الکافي، ج2، ص302، ح2؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص354، ح4 [20734].
العبد الإستضائة بها بعد أن وهبها اللّه إيّاه فعل، وإن لم يشأ لم يستضىء، فلا جبر ولاتفويض بل أمر بين الأمرين. فلذا ترى أنّه ورد الأمر بالتعقّل في غير واحد من آيات الذكر الحكيم - حيث إنّ التعقّل بمعنى الإستضائة والإستفادة من نور العقل - فمع أنّ العقل من مواهب اللّه جلّ جلاله، إلّا أنّ للإنسان الاختيار في الإستضائة وعدمها.
كما أنّه ورد الأمر بالتعلّم من عالم ربّاني وأنّه سبب لإعطاء نور العلم من اللّه تعالى. وكذا الأمر بتحصيل حقيقة العبوديّة، واستعمال العلم.
في وصيّة الإمام الكاظم(علیه السلام) لهشام بن الحكم:
يا هشام نصب الخلق لطاعة اللّه، ولا نجاة إلّا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلّم، والتعلّم بالعقل يعتقد، ولا علم إلّا من عالم ربّاني، ومعرفة العلم بالعقل.(1)
وقال الصادق(علیه السلام) في حديث عنوان البصريّ:
ليس العلم بالتعلّم، إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبوديّة، واطلب العلم باستعماله، واستفهم اللّه يفهمك.(2)أقول: قد بيّن الإمام(علیه السلام) أنّ العلم نور يقع في قلب من يريد اللّه أن يهديه، ولكن مع ذلك صرّح بأنّ لإرادة الإنسان دخلاً فيه، حيثما قال: «أردت العلم» وذلك لأنّ اللّه جعل لكلّ شيء سبباً. وأمّا نفي دخالة التعلّم في نيل العلم في هذا الحديث فهو إنّما للتّذكير بأنّ أمر إعطاء نور العلم لا يكون إلّا بيد اللّه تعالى، وليس التعلّم إلّا سبباً من الأسباب الدخيلة في تحقّقه.
ومن الشواهد على إمكان استفادة من تلك الأنوار - بتمليكه تعالى مع عدم مالكيّة العبد لتلك الأنوار ذاتاً - هو أنّه إذا أردنا فهم شيء والعلم به التفتنا إليه، وإن شئنا صرفنا أفهامنا عن تفهّمه فنتغافل عنه حتّى نجهله. كما أنّ الذكر والنسيان أيضاً كذلك فمثلاً إذا صنع الإنسان معروفاً عند أحد فمن تمام إحسانه أن ينسى فضله عنده كما ورد في الروايات،
كما أنّه يقدر الإنسان على الإهتمام بمذكوره فلا ينساه بل يرسخه في نفسه.
ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا(1)فلو لم يكن الذكر والنسيان اختياريّاً لما استحقّ المؤاخذة حتّى نستعفى اللّه منها، وذلك لأنّ النسيان عادة ينشأ من عدم الإهتمام.
ومن الشواهد تفريق أرباب اللّغة والعرف بين السماع والإستماع - كما أفتى بعض الفقهاء بحرمة استماع الغنا دون السماع وكما أفتى بعضهم بوجوب السجود عند استماع آية السجدة دون سماعها - فهذا يدلّ على كون الإستماع بعد السماع فعل اختياريّ للعبد. وليس الإستماع إلّا إلقاء نور الفهم على المسموع، فهو قادر على أن يُلقي السمع على الصوت الذي يبلغ سمعه وعدمه، فإن شاء استمع وإن شاء لم يستمع، ولذا يترتّب عليه الثواب والعقاب.
ومن الشواهد أيضاً قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ،(2)فما كلّ من سمع مواعظ النبيّ تذكّر، إلّا إذا أراد تفهّمه وإلقاء السمع والإصغاء إليه.
ومن الشواهد أيضاً قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً،(3)فإنّ السماع والنظر من دون اختيار لا يصحّ السؤال عنهما ولاالمؤاخذة عليهما، كما أنّ الفؤاد - أي القلب - مؤاخذ بمعتقده.
ثمّ لا يخفى أنّ استضائة الإنسان بنور العقل يوجب المزيد من الهداية واشتداد العقل وكماله وبهذا الإعتبار يكون لإرادته دخل في كمال عقله.قال اللّه تعالى:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ؛(4) ووَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً.(5)
إنّ إزدياد تملّك الإنسان للإرادة والاختيار واستضائته بنور القدرة والسلطنة وهكذا نقصانه، ممّا له دخل لإرادة الإنسان فيه - بلحاظ قدرة العبد على موجبات الإزدياد - بعد ما كان أصل إعطاء القدرة تفضّلاً منه تعالى ابتداء من دون استحقاق، كما في سائر الكمالات والهدايات والتوفيقات. بمعنى أنّ من سنن اللّه تعالى على الشاكرين أن يزيدهم كلّما واظبوا وراعوا فضله الذي وهبه لهم، فجازاهم بعملهم زيادة؛ فكلّما جاهد الإنسان نفسه اشتدّ تملّكه لها وقويت إرادته؛ بينما إذا لم يراعها وأهملها تضعف إرادته، فيكون أسير نفسه وشهوته، فعلى هذا يكون تمالك الإرادة وقوّتها ممّا له دخل للإنسان فيه، كما ترى أنّ البعض تضعف إرادته ويكون أسير نفسه وشهوته، ذلك أنّه لم يستفد من قدرته وإرادته بينما أنّه إذا استفاد من القدرة التي ملّكها اللّه فجاهد نفسه وروّضها سوف تقوى إرادته وسلطنته، فيقدر على ما لا يقدر عليه كثير ممّن أهمل نفسه.
إنّ سلطنة الإنسان وقدرته لا تنحصر بالأفعال الجوارحيّة والجوانحيّة والخُلقيّات وغير ذلك ممّا مرّ، بل إنّ الحوادث الكونيّة تتأثّر بالأفعال الاختياريّة الصادرة من الإنسان بجعل اللّه تعالى من دون تفويض. وذلك أنّ المكوّنات والحوادث الكونيّة ليست خارجة بالكليّة عن اختيار الإنسان، بل هي على قسمين: منها: ما تكون مجعولة بالجعل الإلهيّ بلا وساطة الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان كأصل الحياة والموت. ومنها: مايكون من الآثار المجعولة للأفعال الاختياريّة بالجعل التكوينيّ الإلهيّ وتكون أفعاله الاختياريّة سبباً لتحقّقها أو تغيّرها، كإحراق الخشب بسبب إلقاء النار عليه. وذلك لأنّ اللّه تعالى قد جعل لأفعال الإنسان آثاراً تكوينيّة توجب تغيّر ما قدّره اللّه تعالى نظاماً للكون بمقتضى حكمته البالغة وقدرته الكاملة، وكلّ فساد في النظام إنّما هو من جهة ما يصدر عن الإنسان بالاختيار، كما أنّه يمكن للإنسان تغيير الفساد الحاصل بسبب فعله إلى الصلاح بأفعاله
الصالحة الاختياريّة. وعلى ضوء هذا التغيير الإلهيّ من الفساد إلى الصلاح، ومن الصلاح إلى الفساد ملازماً بما يفعله الإنسان بقدرته واختياره وإرادته، نذهب إلى أنّ لاختيار الإنسان وإرادته تأثيراً في الحوادث المذكورة، مع بقاء سلطانه تعالى حقيقة، قال اللّه تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ؛(1) ووَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَنْ كَثِيْرٍ؛(2)
وظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ؛(3)
ووَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ؛(4)
ووَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْ-جُوعِ وَالْ-خَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ؛(5)
ووَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ؛(6)
وفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَ-جْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَ-جْعَل لَكُمْ أَنْهَاراً؛(7)ووَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَتاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ.(8)
روى الكلينيّ بإسناده عن أبي عمر المدائنيّ، عن أبي عبداللّه(علیه السلام) قال: سمعته يقول: كان أبي(علیه السلام) يقول:
إنّ اللّه قضى قضاء حتماً ألّا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتّى يحدث العبد ذنباً يستحقّ بذلك النقمة.(1)
وبإسناده عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد اللّه(علیه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ: قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ(2)الآية، فقال:
هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية وأموال ظاهرة، فكفروا نعم اللّه عزّوجلّ وغيّروا ما بأنفسهم من عافية اللّه، فغيّر اللّه ما بهم من نعمة. وإِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ،(3)فأرسل اللّه عَلَيْهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ(4)فغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب أموالهم، وأبدلهم مكان جنّاتهم جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ،(5)ثمّ قال: ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُ-جَازِي إلنا الْكَفُورَ(6).(7)
وبإسناده عن سماعة قال: سمعت أباعبداللّه(علیه السلام) يقول:
ما أنعم اللّه على عبد نعمة فسلبها إيّاه حتّى يذنب ذنباً يستحقّ بذلك السلب.(8)
وبإسناده عن الهيثم بن واقد الجزريّ قال: سمعت أباعبداللّه(علیه السلام) يقول:
إنّ اللّه عزّوجلّ بعث نبيّاً من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية ولا [أ]ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحوّلوا عمّا أُحبّ إلى ما أكره إلّا تحوّلت لهم عمّا يحبّون إلى ما يكرهون، وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضرّاء فتحوّلوا عمّا أكره إلى ما أُحبّ
1) 1093.. الكافي، ج2، ص273، ح22؛ بحارالأنوار، ج70، ص334، ح19.
2) 1094.. سبأ34.، الآیة 19.
3) 1095.. الرعد13.، الآیة 11.
4) 1096.. سبأ34.، الآیة 16.
5) 1097.. سبأ34.، الآیة 16.
6) 1098.. سبأ34.، الآیة 17.
7) 1099.. الكافي، ج2، ص274، ح23؛ وسائل الشیعة، ج15، ص314، ح1[20617]
8) 1100.. الكافي، ج2، ص274، ح24؛ وسائل الشیعة، ج15، ص304، ح18[20583]
إلّا تحوّلت لهم عمّا يكرهون إلى ما يحبّون، وقل لهم: إنّ رحمتي سبقتغضبي فلا تقنطوا من رحمتي فإنّه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره وقل لهم: لا يتعرّضوا معاندين لسخطي ولا يستخفّوا بأوليائي فإنّ لي سطوات عند غضبي، لا يقوم لها شيء من خلقي.(1)
وبإسناده عن العبّاس بن هلال الشامي مولى لأبي الحسن موسى(علیه السلام) قال: سمعت الرضا(علیه السلام) يقول:
كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون.(2)
وبإسناده عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: سمعته يقول:
إنّ الذنب يحرم العبد الرزق.(3)
وبإسناده عن الفضيل، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدرء عنه الرزق وتلا هذه الآية: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(4).(5)
وبإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إنّ العبد يسأل اللّه الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطئ، فيذنب العبد ذنباً فيقول اللّه تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إيّاها، فإنّه تعرّض لسخطي واستوجب الحرمان منّي.(6)
روى الصدوق بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر(علیه السلام)، قال: سمعته يقول:
أما إنّه ليس من سنة أقلّ مطراً من سنة، ولكنّ اللّه يضعه حيث يشاء، إنّ اللّه
1) 1101.. الكافي، ج2، ص274، ح25؛ وسائل الشیعة، ج15، ص306، ح3[20590]
2) 1102.. الكافي، ج2، ص275، ح29؛ وسائل الشیعة، ج15، ص304، ح21[20585].
3) 1103.. الكافي، ج2، ص271، ح11؛ وسائل الشیعة، ج15، ص301، ح10[20574].
4) 1104.. القلم68.، الآیات 17- 19.
5) 1105.. الكافي، ج2، ص271، ح14؛ وسائل الشیعة، ج15، ص301، ح11[20575].
6) 1106.. الكافي، ج2، ص271، ح12؛ وسائل الشیعة، ج15، ص302، ح13[20577].
جلّ جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدّر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي والبحار والجبال. وإنّ اللّه ليعذّب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلّتها لخطايا من بحضرتها، وقد جعل اللّه لها السبيل إلى مسلك سوى محلّة أهل المعاصي. قال: ثمّ قال أبوجعفر(علیه السلام): فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ.(1)ثمّ قال: وجدنا في كتاب عليّ(علیه السلام)، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة، وإذا طفّف المكيال أخذهم اللّه بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركاتها من الزرع والثمار والمعادن كلّها، وإذاجاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهود سلّط اللّه عليهم عدوّهم، وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلّط اللّه عليهم شرارهم، فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم.(2)
والأخبار في هذا الباب كثيرة تطلب من مظانّها.(3)والمتحصّل من مجموعها أنّ كثيراً من الحوادث التي تحدث في الكون إنّما تكون من آثار أعمال العباد الاختياريّة، وعليه يكون وقوع تلك الحوادث بهذا المعنى تحت اختيار الإنسان وقدرته بالجعل التكوينيّ الإلهيّ.
نعم قد تتخلّف تلك الحوادث عن إرادة الإنسان، وما ذلك إلّا لضعف نفوذ إرادته فيها، للزوم إجتماع شرائط أخرى لتحقّقها وهي خارجة عن اختيار الإنسان. وذلك لا ينافي ثبوت نفوذ إرادته - في الجملة - في بعضها. كما أنّ تخلّف إرادة الإنسان عن بعض مقدوراته أحياناً لا يخرجه عن كونها داخلة في حيطة إرادته وقدرته بالكلّيّة، كذلك لا يصحّ إنكار وجود اختيار أحد بالنسبة إلى فعل، لأجل تأثير إرادة أشخاص متعدّدة في تحقّقه.
فمثلاً إنّ التداوي من المرض وحصول البرء منه يكون باختيار الإنسان، مع أنّ الشفاء لا يكون إلّا بيد اللّه تبارك وتعالى بتوسّط ملائكته، وقد يتخلّف ذلك عن إرادة الإنسان،
ولكن مع ذلك كلّه يصحّ أن يقال إنّ لإرادة الإنسان دخلاً في شفائه من مرضه، ولذا أُمر بالتداوي والرجوع إلى الطبيب ويؤاخذ على تركه. وهذا لا يتعارض مع ما ورد من أنّ الملائكة هي التي توجد بعض التغييرات في جسم المريض بإذن اللّه تعالى وذلك أنّ اللّه تعالى قد جعل للتّداوي دوراً في الشفاء، فلو لم يحصّل السبب لا يتحقّق المسبّب، مع عدم حصر السبب في ذلك، ومع عروض التخلّف أحياناً في ذلك السبب.
وبالتأمّل في هذا المثال يظهر لك ما رمنا إثباته؛ كنفوذ إرادة الإنسان في تقوية جوارحه وبدنه، مع دخل إرادة كثير من الملائكة في حصول ذلك بعد أن يوجد الإنسان سببه. إذا عرفت ذلك تعرف أنّه لا ضير في أن يكون نزول المطر والخسف والمسخ، وطول العمر أو قصره، وغير ذلك ممّا له دخل لإرادة الإنسان فیه، وإن كان تأثير إرادته في ذلك بتسبيب من اللّه تعالى.
إنّ الأمر بين الأمرين حقيقة واسعة لا تختصّ بالإنسان، فيشمل كلّ مخلوق ذي قدرة وإرادة كالجنّ والملك، بل ما من مخلوق إلّا وتصدق فيه هذه الحقيقة لما أعطاهم اللّه من الشعور والمعرفة ولما كلّفهم بالإيمان والإقرار. قال تعالى:
وَإِن مِن شَيْءٍ إلنا يُسَبِّحُ بِ-حَمْدِهِ وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛(1) وثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ؛(2)
ووَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ؛(3)
وأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْ-جِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ؛(1) وإِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْ-جِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَ-حْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً.(2)
وواضح أنّ السجدة، والتسبيح، والأمر، والإمتثال، وقولهما أتينا طائعين، وعرض الأمانة، والامتناع من قبولها، فرع وجود القدرة والسلطنة والإرادة، بعد تمليك العلم والشعور والمعرفة.
روى ابن قولويه بإسناده عن عمر بن يزيد بيّاع السابري، عن أبي عبداللّه(علیه السلام)، قال:
إنّ أرض الكعبة قالت: من مثلي وقد بني بيت اللّه على ظهري، ويأتيني الناس من كلّ فجّ عميق، وجعلت حرم اللّه وأمنه، فأوحى اللّه إليها أن كفّي وقرّي! فوعزّتي وجلالي ما فضل ما فضّلت به فيما أعطيت به أرض كربلاء، إلّا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك، ولولا ما تضمّنته أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقري واستقرّي وكوني دنيّاًمتواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلّا سختّ بك وهويت بك في نار جهنّم.(3)
في وصايا رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) لأميرالمؤمنين(علیه السلام):
يا عليّ: تختّم باليمين فإنّها فضيلة من اللّه عزّوجلّ للمقرّبين، قال: بم أتختّم يا رسول اللّه؟ قال: بالعقيق الأحمر فإنّه أوّل جبل أقرّ للّه تعالى بالربوبيّة، ولي بالنبوّة ولك بالوصيّة، ولولدك بالإمامة، ولشيعتك بالجنّة، ولأعدائك بالنار.(4)
عن الأصبغ بن نباته، عن أبي مريم، عن سلمان، قال: كنّا جلوساً عند النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) إذ أقبل عليّ بن أبيطالب فناوله [النبيّ] حصاة فما استقرّت الحصاة في كفّ عليّ حتّى نطقت، وهي تقول:
لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، رضيت باللّه ربّاً، وبمحمّد نبيّاً، وبعليّ بن أبي طالب وليّاً.(1)
قال النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم):
كلوا الباذنجان فإنّها شجرة رأيتها في جنّة المأوى، شهدت للّه بالحقّ، ولي بالنبوّة، ولعليّ بالولاية، فمن أكلها على أنّها داء كانت داء، ومن أكلها على أنّها دواء كانت دواء.(2)
روى المفضّل ابن عمر، عن الصادق(علیه السلام) [قال:] قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
حبّة أقرّت للّه بالوحدانيّة، ولي بالنبوّة، ولأخي عليّ بالوصيّة، ولأُمّتي الموحّدين بالجنّة الأرز.(3)
الشيخ المفيد في الاختصاص: عن عمران بن يسار اليشكري، عن أبي حفص المدلجي، عن شريف بن ربيعة، عن قنبر مولى أمير المؤمنين(علیه السلام) قال: كنت عند أمير المؤمنين(علیه السلام) إذ دخل رجل، فقال:
يا أمير المؤمنين أنا أشتهي بطّيخا. قال: فأمرني أمير المؤمنين(علیه السلام) بشراء بطّيخ، فوجّهت بدرهم فجاؤوا بثلاث بطّيخات، فقطعت واحدة فإذا هو مُرّ، فقلت: مُرٌّ يا أميرالمؤمنين. فقال: ارم به من النار وإلى النار. قال: وقطعت الثاني فإذا هو حامض، فقلت: حامض يا أميرالمؤمنين. فقال: ارم به من النار وإلى النار. قال: فقطعت الثالث [فإذا] مدودة، فقلت: مدودة يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به من النار وإلى النار. قال: ثمّ وجّهت بدرهم آخر فجاؤوا بثلاث بطّيخات، فوثبت علىقدمي، فقلت: اعفني يا أميرالمؤمنين عن قطعه كأنّك تأشم بقطعه. فقال له أميرالمؤمنين: اجلس يا قنبر فإنّها مأمورة، فجلست فقطعت واحدة فإذا هو حلو، فقلت: حلو يا أميرالمؤمنين. فقال: كل وأطعمنا، فأكلت ضلعاً وأطعمته ضلعاً وأطعمت الجليس ضلعاً، فالتفتَ إليّ أميرالمؤمنين، فقال: يا قنبر إنّ اللّه تبارك وتعالى عرض ولايتنا على أهل السماوات وأهل الأرض
من الجنّ والإنس والثمر وغير ذلك، فما قبل منه ولايتنا طاب وطهر وعذب وما لم يقبل منه خبث وردي ونتن.(1)
محمّد بن يعقوب: قال: في رواية حمدان بن سليمان أنّهما(علیهما السلام) قالا:
يا أباسعيد تأتي ماء ينكر ولايتنا في كلّ يوم ثلاث مرّات، إنّ اللّه عزّوجلّ عرض ولايتنا على المياه فما قبل ولايتنا عذب وطاب، وما جحد ولايتنا جعله اللّه عزّوجلّ مُرّاً وملحاً أجاجاً.(2)
وأنت خبير بأنّ هذه التعبيرات وغيرها ممّا لم نذكره ممّا يؤكّد وجود الإرادة والقدرة والعلم والشعور في جميع الكائنات فتدبّر.
بعد وضوح معنى الأمر بين الأمرين وحقيقة المنزلة بين المنزلتين بحسب الفطرة السليمة وببركة نور العقل وتذكّرات الأئمّة الهداة(علیهم السلام) نقول: قد فسّر بعض الأعلام الأمر بين الأمرين بوجوه لا تخلو عن المناقشة:(1)
ما ذكره المحقّق العراقي(قدس سره)، -- على ما في مقالات الأصول وبدايع الأفكار --: من إنّ الأعراض على قسمين: المفارق واللّازم، والثاني على قسمين: أعراض الوجود وأعراض الماهيّة.
أمّا المفارق فكالسواد والبياض لأنّهما ليسا من لوازم وجود الجسم ولا من لوازم ماهيّته، وتحقّق هذاالقسم من العرض يحتاج إلى الجعل المستقلّ في قبال جعل الجوهر الذي عرض عليه العرض حيث إنّه يمكن تحقّق المعروض من دون تلك الأعراض، فإنّ المفروض كون العرض مفارقاً.
وأمّا العرض اللّازم -- سواء كان عرض الوجود كالحرارة بالنسبة إلى النار، أو عرض الماهيّة كالزوجيّة للأربعة -- فلا يحتاج وجوده إلى جعل مستقلّ؛ فإنّ جعل العرض في العرض اللّازم إنّما يكون بجعل معروضه، لأنّ المفروض كون العرض لازماً.
ثمّ قال: إنّ للإنسان عرضاً مفارقاً مثل العلم والقدرة والشوق ولذا يمكن أن يكون هذا العرض معه ويمكن أن لا يكون، فلا يتحقّق هذا العرض له إلّا بالجعل المستقلّ.
1) 1122.. قد ذكرنا من تلك الوجوه ما يهمنا المناقشة فيها، وللإطّلاع على بعض التقاريب الأخرى راجع: مرآة العقول، ج2، ص200.
وللإنسان عرض لازم كالاختيار فإنّه عرض لازم لوجود الإنسان ولا يمكن أن يكون غير مختار،(1)والأعمال الصادرة عن الإنسان متوقّفة على كلا الأمرين، ولمّا كانت أفعاله متوقّفة على الاختيار الذي هو العرض اللّازم ولا يحتاج إلى الجعل المستقلّ فعلى هذا لا يكون في إيجاد العمل مقهوراً وإنّما يكون فاعلاً مستقلّاً في أفعاله لتوقّفها على مقدّمات غير مجعولة للّه تعالى بالجعل المستقلّ. ومن جهة أخرى بما أنّها متوقّفة على العلم بالفائدة والتصديق بها وكذا الشوق والقدرة وهي من العوارض المفارقة التي تكون مجعولة للّه تعالى بالجعل المستقلّ فلا يكون الإنسان مستقلّاً في أفعاله.
قال(قدس سره) ما نصّه:
وحينئذ هذا العمل له مبادئ متعدّدة من كونه مقدوراً وكونه ممّا علم بمصلحة بلا مزاحم وكونه ممّا اعمل فيه الاختيار الموجب لتوجّه الاشتياق نحوه، فبعضها مستند إلى ارادته الأزليّة مثل قدرته وعلمه كوجود العامل، وبعضها مستند إلى اقتضاء ذات ملزومه من جهة ما عرفت من كونه من لوازم وجوده ولو في ظرف تحقّق القدرة والعلم المزبور، وذلك مثل اختياره المستتبع لاشتياقه وإرادته. وحينئذ لهذا -- العمل الصادر جهتان: بجهة مستند إلى الإرادة الأزليّة، وبجهة أخرى مستند إلى ذاته بلا تعلّله بشيء آخر وراء وجود ملزومه، ولازمه عدم صحّة استناد مبادئ وجوده - بقول مطلق - إليه تعالى لفرض توسيط اختياره الذي من لوازم وجود ملزومه بلا تعلّق جعل بهزائدا على جعل ملزومه، وعدم صحّة استناد مباديه إليه أيضاً على الاطلاق. فلا يكون مثل هذا العمل مفوّضا إلى العبد بقول مطلق ولا مستندا إليه تعالى كذلك كي يكون في ايجاده مقهوراً، فصحّ لنا حينئذ أن نقول: لا جبر في البين من جهة الاختيار المنتهي اقتضاؤه إلى ذاته، ولا تفويض بملاحظة انتهاء بقيّة مبادئ وجوده إلى إرادته الأزليّة وجعله، وهذا معنى قولهم: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين».(2)
وملخّص ما أفاده هو: إثبات الجبر بالنسبة إلى الأعراض المفارقة والتفويض بالنسبة إلى الأعراض اللّازمة.
أحدهما: على ما ذكره يكون جميع مقدّمات الفعل مجعولاً بالجعل الإلهيّ؛ أمّا الأعراض المفارقة فهي مجعولة بالإستقلال، وأمّا اللّازمة كالاختيار فهي أيضاً مجعولة للّه تعالى بتبع جعل المعروض وهو الإنسان، فجميع المقدّمات تكون بجعله تعالى إمّا استقلالاً وإمّا تبعاً ولا دخالة للإنسان في أفعاله فيلزم الجبر.
إن قلت: إنّ مراده(قدس سره) من الاختيار هي القدرة والسلطنة فلا يرد الإشكال عليه، لأنّ حقيقة القدرة والسلطنة وجوهرها -- كما بيّنا سابقاً -- لا يجامع الجبر وعدم القدرة.
قلنا: أنّه قد صرّح في عبارته السالفة ذكرها أنّ العلم والقدرة إنّما يكونان من الأعراض المفارقة التي تحتاج إلى جعل مستقلّ، دون الاختيار الذي هو مستند إلى اقتضاء ذاته، فلا يمكن أن يكون مراده من الاختيار نفس القدرة والسلطنة، هذا أوّلاً.
وثانياً: لو سلّمنا أنّ مراده من الاختيار هو القدرة، لكنّ القدرة والسلطنة إنّما تكون مجعولة بالجعل الإستقلاليّ لا التبعيّ، ولذا قد يفقد الإنسان القدرة والسلطنة كما في حال النوم والمرض والهرم، فإنّ القدرة من الحقائق التي تفاض على الروح المادّي اللّطيف فيقدر، وتقبض عنه فيعجز. والفعل مستند إلى الفاعل القادر.
ثانيهما: أنّه لابدّ -- بمقتضى بداهة العقل وضرورة الكتاب والسنّة -- من الإلتزام بأنّ الأمر بين الأمرينأمر ثالث يباين الجبر والتفويض وكذا يباين الأمر المركّب منهما، فإنّ الأئمّة(علیهم السلام) قد أكّدوا على نفي الجبر والتفويض معاً وأبدوا منزلة ثالثة بينهما، فلم يثبتوا الجبر والتفويض معاً، فهذا التفسير بعيد عن مساق الروايات كلّ البعد كما هو واضح.
وأمّا ما ذكره من أنّ لوازم الوجود لا تحتاج إلى الجعل كالحرارة بالنسبة إلى النار ففيه: إنّ وجود اللّازم هل يكون عين وجود الملزوم أو غيره؟
فعلى الأوّل: لا يكون هناك تلازم، بل المفروض فيه هي العينيّة وعلى الثاني فاللّوازم محتاجة إلى الجعل كالملزوم، لأنّ وجود الملزوم غير وجود اللّازم فهنا وجودان مرتبطان، وكلّ وجود متوقّف على إيجاد خاصّ به.
مضافاً إلى أنّ القول بالإستعدادات الذاتيّة في الأشياء باطل كما مرّ بيانه، بل إنّ وجود المخلوق لا يلزم أكثر من الكون والثبات والشيئيّة بالغير، وجميع ما يملكه إنّما يكون عرضاً وتمليكاً من المالك الحقيقيّ وهو تعالى أملك به، وليس لذاته أيّ اقتضاء ولازم، إلّا ما أعطاه المتفضّل الوهّاب، فتكون شيئيّة هذه الأعراض العارضة على المعروض وقوامها ودوامها باللّه تعالى، كأصل وجود المعروض. فعلى هذا فعوارض الوجود أيضاً محتاجة إلى الجعل كالمعروض، وليس هناك عرض لازم له بالمعنى الذي ذكره للعرض اللّازم.
ما ذكره بعض الأعلام: من أنّ النسبة بين كلّ شيء وعلّته التامّة هي الضرورة والوجوب، وبين كلّ شيء وعلّته الناقصة -- أي أجزاء العلّة -- هو الإمكان مثلاً إنّ الإحراق يكون ضروريّاً بعد تحقّق علّته التامّة ويستحيل انفكاك المعلول عنه، أمّا بالنسبة إلى أجزاء العلّة فيكون ممكناً.
وحينئذٍ نقول: إنّ نسبة أفعال الإنسان إلى علّتها التامّة تكون هي الضرورة والوجوب، ونسبتها إلى العلّة الناقصة هو الإمكان، لأنّ لكلّ فعل من أفعال الإنسان علّة تامّة مركّبة من الأجزاء والمقدّمات، منها: وجود الإنسان الذي هو الوجود الإمكانيّ، ومنها: علمه وشوقه وإرادته وساير المقدّمات. وعلى هذا فنسبة أفعاله بالنسبة إلى نفسه ووجوده هو الإمكان، لإمكان تحقّقها وعدم تحقّقه. وهذا هو معنى الاختيار لأنّ حقيقةالاختيار هو إمكان صدور الفعل عن الفاعل. وحينئذ إذا قيل إنّ الإنسان مختار في أفعاله يكون معناه أنّ أفعاله ممكن التحقّق بملاحظة النسبة بين أفعاله ونفسه الذي هو ممكن. أمّا إذا لوحظت النسبة بين الأفعال وعلّته التامّة -- وهو جميع المقدّمات -- فتكون هي الضرورة والوجوب.
ويرد عليه أمور:
الأوّل: ما ذكره هذا القائل من الكبرى فهو مسلّم،(1)
وأمّا الحقّ الحقيق بالتسلّم والقبول هو ما مرّ في الجواب من إستدلال المجبّرة بقاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد فإنّه ذكرنا في ذلك المقام أنّ الشيء بعد وجوده يكون واجباً وأمّا قبل وجوده فليس هناك شيء كي يقال وجب ثمّ وجد.
فإنّ نسبة كلّ معلول إلى علّته التامّة1) 1125.. لا يخفى أنّ التسلّم لما ذكره القائل إنّما هو على مبنى القوم وعليه يكون الجواب عنه من باب الجدال بالتي هي أحسن.
هي الضرورة، ونسبتها إلى العلّة الناقصة هو الإمكان؛ إلّا أنّ هذا لا يرتبط بما نحن فيه وقد سبق منّا تقسيم الفاعل إلى قسمين: الفواعل الطبيعيّة والفواعل الإراديّة، وما ذكره القائل يصحّ في الفواعل الطبيعيّة لا الإراديّة، حيث إنّا نجد سلطنتنا وقدرتنا على أفعالنا ما لم تتحقّق في الخارج، ولا تصل إلى مرتبة الوجوب والإلجاء ولو بعد وجود جميع المقدّمات.
الثاني: يلزم على ما ذكره صيرورة الاختيار في أفعال الإنسان أمراً نسبيّاً إضافيّاً لا حقيقيّاً، أي إنّ الإنسان بالنسبة إلى بعض مقدّماته مختار وبالنسبة إلى جميعها مجبور.
الثالث: إنّ ما ذكره عين الجبر، وذلك لأنّه إذا تحقّق بعض مقدّمات الفعل دون بعضها الآخر فيستحيل تحقّق الفعل لأنّ المفروض أنّ العلّة ناقصة، وإذا تحقّق جميعها يجب صدورها لإستحالة تخلّف المعلول عن علّته، فالإنسان في الحقيقة والواقع مجبور في أفعاله، أمّا قبل اجتماع المقدّمات فمجبور على الترك، وأمّا بعدها فمجبور على الفعل.
الرابع: إنّ هذا المعنى أجنبيّ عن الروايات الواردة في مبحث الاختيار الدالّة على ثبوت المنزلة الثالثة بين الجبر والتفويض، لا إثبات الجبر والتفويض معاً، فإنّ صريحها أنّ هذه المنزلة أمر واقعيّ حقيقيّ في مقابل الجبر والتفويض كما أنّه قد أجاب أهل البيت(علیهم السلام) بذلك في الروايات:
روى الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(علیهما السلام) قالا:إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبّهم عليها، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون، قال: فسئلا(علیهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض.(1)
1) 1126.. الكافي، ج1، ص159، ح9؛ بحارالأنوار، ج5، ص51، ح82.
قال السيّد الطباطبائيّ في بيان معتقد الشيعة في القضاء والقدر والجبر والتفويض:
إنّ قانون العلّيّة سار في الكون، ومهيمن، بحيث أنه لا يقبل الاستثناء، ووفقاً لهذا القانون كل مظهر من مظاهر هذا العالم، يرتبط بعلل عند وجودها، وهي الأسباب والشروط اللازمة لتحقّقها، ومع توفّر كلّ تلك الشروط (والتي تدعى بالعلة التامة) يتحتّم وجود تلك الظاهرة (المعلول المفروض). ولو فرضنا عدم تحقّق تلك الأسباب كلها أو بعضها، فإنه يستحيل تحقّق وجود تلك الظاهرة.
عند الإمعان في هذه النظرية، يتّضح لنا موضوعان:
الأوّل: لو قدّر أن نقارن بين ظاهرة «المعلول» مع العلّة تامة بأجمعها، وكذلك مع الأجزاء لتلك العلّة التامة، تكون النسبة بينها وبين العلّة التامة، نسبة الضرورة (الجبر) ولكانت النسبة بينها وبين كلّ من أجزاء العلّة التامّة (والتي تعتبر علّة ناقصة) نسبة الإمكان، لأنّ جزء العلّة بالنسبة إلى المعلول يعطي إمكان التحقّق والوجود، ولا يعطي ضرورة الوجود.
على هذا فالكون وجزء من أجزائه يستلزم علّة تامة في تحقّق وجوده، والضرورة مهيمنة عليها بأسرها، وقد نظّم هيكلها من مجموعة حوادث ضرورية وقطعية، فمع هذا الوضع، فإن صفة الإمكان في أجزائها (الظواهر التي ترتبط مع غير العلّة التامّة لها) محفوظة.
فالقرآن الكريم في بيانه يسمي هذا الحكم الضروري بالقضاء الإلهي، لأن الضرورة هذه تتبع من وجود الخالق، ولهذا يكون حكماً وقضاء عادلاً حتمياً غير قابل للتخلف، إذ لا يقبل الاستثناء أو التبعيض.
يقول جلّ شأنه: أَلا لَهُ الْ-خَلْقُ والْأَمْرُ.(1)ويقول سبحانه وتعالى: وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.(2)
ويقول سبحانه وتعالى: وَ اللهُ يَ-حْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِ-حُكْمِهِ.(3)
الثاني: إن كلا من أجزاء العلة، لها مقدارها الخاص تمنحه إلى المعلول، وتحقّق
المعلول وظهوره يطابق مجموع المقادير التي تعيّنها العلّة التامة، فمثلاً العلل التي تحقّق التنفس للإنسان، لا تحقّق التنفس المطلق، بل يتنفس الإنسان مقداراً معيّناً من الهواء المجاور لفمه وأنفه وفي زمان ومكان معينين، ووفق طريقة معينة، ويتمّ ذلك عن طريق مجرى التنفس، حيث يصل الهواء إلى الرئتين، وهكذا الرؤية والإبصار، فإن العلل الموجودة لها في الإنسان (و الذي هو جزء منها) لم تحقّق إبصاراً من دون قيد أو شرط، بل تحقّق إبصاراً معيناً من كل جهة، بواسطة الوسائل اللازمة له، وهذه الحقيقة سارية في كلّ ظواهر الطبيعة، والحوادث التي تتفّق فيها لا تتخلّف.
والقرآن الكريم يسمّي هذه الحقيقة ب- «القدر» وينسبها إلى خالق الكون ومصدر الوجود، بقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.(1)
ويقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.(2)
وكما أنّ كلّ ظاهرة وحادثة في نظم الخلقة تعتبر ضروريّة الوجود وفقاً للقضاء الإلهيّ، ويتحتّم وجودها، فكذلك وفقاً للقدر فإنّ كلّ ظاهرة أو حادثة عند تحقّقها لا تتخلّف عن المقدار المعيّن لها من قبل الله تعالى.(3)
ثمّ قال في بيان حقيقة اختيار الإنسان:
كلّ ما يقوم به الإنسان من فعل، يعتبر ظاهرة من ظواهر عالم الخلقة، ويرتبط تحقّقه كسائر الظواهر بالعلّة ارتباطاً كاملاً، وبما أنّ الإنسان هو جزء من عالم الخلقة، ويرتبط مع سائر الأجزاء الأخرى من العالم، فإنّها بدورها تؤثّر في أفعال الإنسان.
وعلى سبيل المثال، فإنّ قطعة الخبز التي يريد الإنسان تناولها، فإنه يستلزم وجود الوسائلكاليد والفم والعلم والقدرة والإرادة، وأيضاً وجود الخبز في الخارج، وعدم وجود أيّ مانع يمنع من الوصول إليه، وشروط أخرى من زمان أو مكان. ومع فقدان إحداها يتعذّر تحقّق الفعل، ومع تحقّق كلّ تلك العوامل (تحقّق العلّة التامّة) فإن تحقّق الفعل ضروريّ.
وكما أشرنا آنفاً، فإنّ ضرورة الفعل بالنسبة إلى مجموع أجزاء العلّة التامّة تعتبر
نسبة إمكان، ولا يتنافى مع نسبة الفعل إلى الإنسان الذي هو أحد أجزاء العلّة التامّة.
إنّ الإنسان له اختيار الفعل، وضرورة نسبة الفعل إلى مجموع أجزاء العلّة، لا يستلزم الضرورة بالنسبة إلى فعل بعض من أجزائها وهو الإنسان.
والإدراك البسيط للإنسان يؤيد هذا القول، فإنّنا نراه يميّز بحكم الفطرة الإلهيّة المودّعة لديه، يميّز بين الأكل والشرب، والذهاب والإياب، وبين الصحّة والسقم، والكبير والصغير، والقسم الأوّل الذي يرتبط بإرادة الإنسان ارتباطاً مباشراً، يعتبر من إرادة الشخص، فيحاسب في مواضع الأمر والنهي والمدح والذمّ، خلافاً للقسم الثاني، الذي يترتّب فيه تكليف على الإنسان.
وقد وجد في صدر الإسلام، بين أهل السنّة، مذهبان معروفان بالنسبة إلى أفعال الإنسان، ففريق كان يرى أنّ أفعال الإنسان متعلّقة بإرادة اللّه تعالى لا تخلّف فيها، فكان يدّعي أنّ الإنسان مجبور في أفعاله، ولا أثر لما يمتاز به من اختيار وإرادة، والفريق الآخر، كان يدّعي أن الإنسان مستقلّ في أفعاله، وليس له ارتباط بإرادة اللّه سبحانه، ويعتبرونه خارجاً عن حكم القدر.
وممّا يروى عن أهل البيت(علیهم السلام)، وهو مطابق مع ظاهر تعاليم القرآن، إنّ الإنسان مختار في أفعاله، ليس بمستقلّ، إذ أنّ اللّه تعالى قد أراد الفعل عن طريق الاختيار، وهذا ما عبرنا عنه سابقاً، بأنّ اللّه سبحانه، أراد الفعل عن طريق مجموع أجزاء العلّة التامّة، والتي إحداها إرادة الإنسان، وأصبحت ضرورة، وفي النتيجة، أنّ مثل هذا الفعل الذي يرتبط بإرادة اللّه تعالى ضروريّ، والإنسان أيضاً مختار فيه، أي أنّ الفعل يعتبرضروريّاً بالنسبة إلى مجموع أجزاء علّته، ولكنّه اختيار وممكن بالنسبة إلى أحد أجزائه وهو الإنسان.
والإمام الصادق(علیه السلام) يقول: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين».(1)
الأولى: قد قسّم القضاء الإلهيّ في الروايات إلى قضاء حتم وقضاء عزم، وقد مرّ التنبيه على ذلك فيما مرّ، وعليه فلا وجه لجعل القضاء حتماً دائماً لا يتخلّف. وقد ورد في الدعاء:
1) 1133.. العدد القویه لدفع المخاوف الیومیة، ص298؛ شيعه در اسلام، ص124 - 126.
«الدعاء يردّ القضاء بعد ما أبرم ابراما»(1)وقوله(علیه السلام): «إن کنت عندك من الأشقیاء فامحني من الأشقیاء واکتبنی من السعداء».(2)
الثانية: لا يصحّ إسناد القضاء إلى الله تعالى إلّا بناءاً علی تسلیم الفاعلیّة له تعالی بالقدرة والمشّیّة، وأمّا العلّة التامّة فلا معنى لإسناد القضاء إليها، وذلك أنّ حدوث القضاء لا يخلو أمره من أن يكون ضروريّ الوجود عند وجود علّته التامّه أو ضروريّ العدم عند عدمها، فلا يكون امر القضاء وعدمه تحت سلطانه، وما هذا شأنه لا يسمّى قضاء.
الثالثة: لا يصحّ إسناد القضاء إلى اللّه تعالى وضرورة تحقّق المعلول عند تحقّق العلّة التامّة إلّا إذا كانت العلّيّة والسببيّة جعليّة منه تعالى كما هو الحقّ وقد مرّ بيان ذلك، ولا يستقيم بناء على القول بالاستعدادات الذاتيّة في الأشياء كما هو مقتضى قانون العليّة. بل حتّى على القول بالسببيّة الجعليّة لا يصحّ نظام العلّيّة وقد مرّ.
الرابعة: لا يستقيم القول بالعلّيّة بناء على ما ذكره الصدرا، من بطلان ما كان يزعمه أنّ في الكون علّة ومعلولاً ورجوع العلّيّة إلى التطورّ والتشأّن، وسيأتي ذكر كلامه من كتابه المشاعر.(3)
الخامسة: وأمّا تفسير العدل بسريان قانون العلّيّة في جميع الكائنات وضرورة المعلول عند تحقّق العلّة التامّة، فممّا لا يساعد عليه اللغة ولا الفهم العرفيّ وارتكاز المتشرّعة ولا يتوافق مع الآيات والروايات. فإنّ العدل قد فسّر في اللغة بوضع الشيء في موضعه، وعليه يحمل ما ورد من الأمر بإقامة العدل إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.(4)
وأمّا لو كان العدل بمعنى تحقّق المعلول عند تحقّق علّته التامّة فكيف يأمر اللّه تعالى عباده بالعدل مع أنّ تحقّق وإيجاد العلّة التامّة خارج عن قدرتهم واختيارهم؟ وذلك أنّ اختيارهم بما أنّه حادث من الحوادث فهو بحاجة إلى العلّة التامّة التي إن وجدت ستتحقّق الإرادة بلا إرادة منهم، وإلّا فيستحيل وجودها، ومقدّمات العلّة التامّة للاختيار ليست
تحت سلطانهم كما هو واضح بحسب مسلكهم.
مضافاً إلى أنّ الإنسان على هذا المبنى هو معلول من المعاليل، فهل الأمر بالعدل يعني الأمر بإيجاد العلّة التامّة والنهي عن الظلم يعني النهي عن إيجاد العلّة الناقصة؟!
وأمّا إن كان مراده من تفسير العدل بقانون العلّيّة هو سريان نظام العلّيّة في جميع أجزاء الكون على وتيرة واحدة وعدم الاستثناء فيه، ففيه أنّ تفسير العدل بالتسوية غير صائب حيث أنّه ليس التساوي من اقتضاء العدل دائماً (فهل من العدل أن يساوي الربّ بين العالم والجاهل؟!) وإنّما العدل هو وضع الشيء في موضعه.
السادسة: وما تفسير القدر بظهور اقتضاء كلّ واحد من مكونات العلّة في المعلول بالمقدار المعين ففيه:
أنّه ما هي علّة هذه التأثيرات المختلفة وإنّ كلّ علّة إنّما تؤثر بمقدار معيّن؟ وبعبارة أخرى ما هي علّة الاختلاف في التأثير والتقدير؟
فإن لم يكن له علّة وسبب فيلزم منه تحقّق هذا الحادث أعني اختلاف الآثار بلا علّة، وهو نقض لقانون العلّيّة.
وإن كان له علّة فهل العلّة واحدة أم متعدّدة؟
فإن كانت العلّة واحدة فكيف صدر اثنين من واحد مع أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، وإن كانت متعدّدة فنسأل عن علّة هذه العلل المتعددة فإن كانت واحدة يلزم صدور الكثير عن الواحد وإن كانت متعدّدة ننقل الكلام إليها، فلا تنتهي إلى العلّة الواحدة أبداً. مع أنّ جميع العلل لابدّ من انتهائها إلى علّة العلل، فكيف صدرت عن العلّة الواحدة غير المتجزئة هذه العلل المختلفة والمتغايرة.ثمّ إنّه قد يقال بأنّ اختلاف هذه العلل في التأثير والتأثّر راجع إلى مراتب الوجود والتشكيك فيه، ويرد عليه:
أوّلاً: إنّ التشكيك في الوجود ينافي ما عليه العرفاء الموسومون بالشامخين من القول بالوحدة الإطلاقيّة.
وثانياً: ما هي علّة اختلاف المراحل والتشكيك في مراتب الوجود بحيث يسبب في حدوث تأثيرات مختلفة ومتباينة؟ فإن كان ذلك من اقتضاء ذات الوجود، فإنّه كيف تقتضي الحقيقة الواحدة إيجاد مراحل مختلفة في التأثير؟ وإن كان غيره فإمّا هو العدم أو الماهيّة، إمّا العدم فلا يعقل أن يكون علّة للمراتب المختلفة في الوجود والماهيّة أمر اعتباريّ انتزاعيّ وليس له واقعيّة في مقابل الوجود حتّى تكون منشأ لأحداث المراتب المختلفة في الوجود، وكيف تؤثّر الماهيّة وهي اعتباريّة في الوجود وهو أصيل؟
السابعة: ما ذكره من عموم قانون العلّيّة واستحالة وجود شيء إلّا عند وجود علّته التامّة فيكون وجوده ضروريّاً، وشموله لجميع الحوادث التي منها الأفعال الصادرة من الفاعل المختار إنّما يصحّ فيما لو انحصر المؤثّر في العلّة الموجبة وإنكار الفاعل بالمشية والإرادة، وأمّا لو قسمنا المؤثّر والفاعل إلى الطبيعيّ والماديّ يكون خروج أفعال الإنسان عن القاعدة تخصّصاً وليس تخصيصاً. وقد مرّ بيان ذلك في الجواب عن قاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد.
الثامنة: وأمّا ما ذكره من اتّصاف فعل الإنسان بالوجوب والضرورة بلحاظ جميع مقدّمات الفعل التي منها الإرادة والقدرة، أي الضرورة بشرط الإرادة، فممّا لا يمكن المساعدة عليه، إذ صيرورة الفعل واجباً يناقض كونه صادراً عن القدرة والاختيار بداهة تقابل الوجوب والضرورة للقدرة والاختيار، ولا يمكن أن يكون الشيء علّة لنقيض نفسه.
التاسعة: ما ذكره من أنّ الفهم العرفيّ يفرق بين نمطين من الأفعال الصادرة من الإنسان، فالأكل والشرب والتكلّم والمشيّ يختلف عن طول القامة وقصرها والصحّة والمرض، لا ينطبق على بيانه في الفرق بين حيث الإمكان والوجوب في الأفعال، حيث أنّه قال فيما مرّ، إنّ الفعل الواحد يكون واجباً وممكناً بلحاظين مختلفين، بينماهنا جعل الإمكان والوجوب بلحاظ فعلين مختلفين، وهذا كما ترى خروج عن محل البحث وهو غريب.
العاشرة: ثمّ إنّ جعل الإرادة والقدرة من أجزاء العلّة التامّة غير صحيح، فإنّه لا معنى
للعلّة التامّة والضرورة مع إعمال الإرادة المستند إلى القدرة -- دون الإرادة المستندة إلى إرادة الباري تعالى -- فإنّ مقتضى تقسيم الأفعال إلى اختياريّة وغير اختياريّة المذكور في ذيل كلام الطباطبائيّ، وكذا مقتضى ما مرّ من تقسيم الفاعل إلى فاعل بالإرادة والفاعل بالجبر هو أنّ القدرة على الفعل والترك والسلطنة على طرفي الفعل تبقى ثابتة إلى حين صدور الفعل. ولا يصير الفعل ضروريّ الوجود من الفاعل في حال من الأحوال فإنّه يناقض السلطة والقدرة والحرّيّة، نعم بعد صدور الفعل سوف يخرج عن الاختيار إذ الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه، وإمّا قبل الصدور فلا يعقل طروّ صفة الضرورة والإلجاء ما دام الفاعل متّصفاً بالقدرة والسلطنة التامّة التي تجعله قادراً على الفعل وعدمه.
أمّا الضرورة بشرط الإرادة فلا ينفع شيئاً في المقام، إذ الكلام في كفاية صرف القدرة في إيجاد الفعل وإنّ الفاعل القادر في إيجاد الفعل لا يحتاج إلى أزيد من القدرة المقتضية للسلطة على الفعل والترك، وعليه نقول: هل يكفي صرف القدرة المتساوية نسبتها إلى الفعل والترك في إيجاد إرادة الفعل أم لا؟ فإن كانت كافية يلزم منه تحقّق الإرادة نفسها من غير ضرورة، وإلّا فهو خلف كونها قدرة وسلطنة.
الحادية عشر: ثمّ إنّه جعل التفويض المردود في الروايات هو بمعنى الإمكان ونسبة الفعل إلى علّته الناقصة والجبر بمعنى نسبة الفعل إلى علّته التامّة، وهذا خروج عن محلّ البحث في مبحث الجبر والتفويض، فإنّه أمر اعتباريّ وإضافيّ وليس محلّ النزاع بين المجبرة والمفوضة في اضافة الفعل الواحد إلى شيئين كي يصدق التفويض في الفعل بالنسبة إلى بعض أجزاء العلّة والجبر بلحاظ تمام العلّة، وإنّما الكلام والنزاع في الفعل الصادر عن العبد بتمام حقيقته هل العبد هو مستقلّ ومفوّض إليه في تكونّه وإيجاده، أم يكون كالمنشار في يد النجّار لا سلطة له ولا قدرة. وهنا قال الأئمة المعصومون عليهم أفضل صلواتالمصلّين: «لا جبر والتفويض بل أمر بين الأمرين». ولعلّه أراد أن يجمع فيما بين مباني الفلاسفة ومكاشفات العرفاء وبين الآيات والروايات فأبتلي بمثل هذا التهافت الواضح.
الثانية عشر: قال الطباطبائيّ بما أنّ وجود الإنسان وقدرته وإرادته من الممكنات وهي
من أجزاء العلّة التامّة لصدور الفعل، فيكون الفعل بالنظر إلى وجود الإنسان ممكناً لأنّ وجوده من أجزاء العلّة التامّة وهذا هو التفويض المقابل للجبر.
ويرد عليه: أنّ الإمكان الذاتيّ من ذاتيّات الممكن ولا يسلب منه حتّى مع وجود علّته التامّة، فإنّ الممكن كما يقال هو ما حفّ بضرورتين، وصفة الإمكان ثابتة للفعل حين صدوره عن علّته التامّة وإنّما الضرورة الطارئة عليه ضرورة بالغير. ولا تنافي بين الإمكان الذاتيّ والضرورة بالغير، فجعل التقابل بين الإمكان والضرورة بهذا المعنى غلط فاحش وينافي ما اصطلح عليه أهل المنطق (وظاهر أنّ أصل تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن والممتنع ممّا لا يستقيم إذ جعل الوجود مقسماً وتقويم اللّه والخلق به ليس إلّا نوع مضاهاة بينه وبين خليقته وهو باطل) .
ما نسبه الفيض(قدس سره) إلى الخواجه نصير الدين الطوسيّ حيثما قال:
فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره، وهي واجبة الصدور منّا بذلك ولكن بتوسّط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإرادتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا. إلى أن قال: ولمّا كان من جملة الأسباب إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا فالفعل اختياريّ لنا، فإنّ اللّه تعالى أعطانا القوّة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملاً مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّاً، كيف وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار.
ثمّ أخذ في بيان عدم اختياريّة مقدّمات الفعل إلّا الإرادة إلى أن قال:فقد ظهر أنّ مشيّتنا ليست تحت قدرتنا ... فنحن في عين الاختيار مجبورون فنحن إذاً مجبورون على الاختيار.(1)
أقول: إن كان مراده أنّ وجداننا القدرة والمشيّة ومالكيّتنا إيّاهما إنّما هو بإعطائه تعالى وتمليكه لنا، ولا مشيّة لنا في وجداننا القدرة والمشيّة فهو حقّ لا ريب فيه.
1) 1138.. الوافي، ج1، ص539؛ عين اليقين، ج1، ص199.
وإن كان مراده أنّ الإنسان قادر ويمكن أن تتعلّق قدرته بالفعل أو الترك، لكن تعلّق القدرة بأحدهما يتوقّف على المشيئة وهي تحدث بعد الداعي؛ فعلى هذا ما لم تتحقّق المشيئة لا تتعلّق القدرة بالفعل أو الترك وبعد تحقّق المشيئة تتعلّق القدرة بأحدهما لامحالة؛ فعلى هذا يكون الإنسان مختاراً لأجل القدرة ويكون مجبوراً لما قلنا من أنّ القدرة لا تتعلّق بأحدهما إلّا بعد المشيئة وهي غير اختياريّة؛ فنحن مجبورون على الاختيار، وما وجب بالاختيار لا ينافي الاختيار. فيرد عليه:
أوّلاً: إنّ هذا الكلام عين القول بالجبر، فإنّه لا اختيار للإنسان بعد تحقّق الداعي بالنسبة إلى الفعل، وقبلها بالنسبة إلى الترك.
ثانياً: إنّ المستفاد من صريح الروايات -- كما مرّ آنفاً -- أنّ الأمر بين الأمرين حقيقة ثالثة واقعيّة في مقابل الجبر والتفويض، لا أنّها مركّبة من الجبر والتفويض.
ثالثاً: ما ذكره من كون الإنسان مجبوراً بعد تحقّق المشيئة التي هي منبعثة عن الدواعي باطل جدّاً، فإنّه خلاف الوجدان لأنّا نجد من أنفسنا تحقّق القدرة وثبوت الداعي بالنسبة إلى بعض الأفعال ومع ذلك ما لم يتحقّق الفعل أو الترك، نشاهد أنّ سلطنتنا وقدرتنا باقية عليه فلنا أن نفعل ولنا أن نترك، كما أنّ الجائع الذي يشتهي الطعام لأجل جوعه ما لم يصدر عنه الأكل فهو قادر على الأكل وعلى تركه وإن عزم عليه عزماً قويّا.
ورابعاً: بما أنّ المشيّة هي الذكر الأوّل كما في الأخبار فبعد تحقّق المشيّة، فللقادر البقاء عليها والعزم، وله البداء في اختيار خلافها.وأمّا قوله إنّ ما وجب بالاختيار لا ينافي الاختيار، فقد مرّ الكلام حوله في ذيل الجواب عن الدليل الأوّل للمجبّرة، فراجع.
ما ذكره صدرالدين الشيرازيّ في الأسفار فقال ما نصّه:
وذهبت طائفة أخرى وهم الراسخون في العلم وهم أهل اللّه خاصّه إلى أنّ الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذات الأحديّة، يجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ سبحانه، حاشا الجناب الإلهيّ عن وصمة الكثرة والتركيب، بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهيّة مع أنّها في غاية البساطة والأحديّة ينفذ نوره في أقطار السماوات والأرضين، ولا ذرّة من ذرّات الأكوان الوجوديّة إلّا ونور الأنوار محيط بها، قاهر عليها، وهو قائم على كلّ نفس بما كسبت، وهو مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله. وهذا المطلب الشريف الغامض اللطيف ممّا وجدوه وحصّلوه بالكشف والشهود عقيب رياضاتهم وخلواتهم، وهو ممّا أقمنا عليه البرهان مطابقاً للكشف والوجدان. فإذن كما أنّه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله، لا بمعنى أنّ فعل زيد مثلاً ليس صادراً عنه، بل بمعنى أنّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز، فهو فعل اللّه بالحقيقة، فلا حكم إلّا للّه ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم. يعنى كلّ حول فهو حوله، وكلّ قوّة فهي قوّته، فهو مع غاية عظمته وعلوّه ينزل منازل الأشياء، ويفعل فعلها، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدّسه لا يخلو منه أرض ولا سماء، كما في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ.(1)
فإذا تحقّق هذا المقام ظهر أنّ نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيح كنسبة الوجود والسمع والبصر وسائر الحواسّ وصفاتها وأفعالها وانفعالاتها من الوجه الذي بعينه ينسب إليه،فكما أنّ وجود زيد بعينه أمرٌ متحقّق في الواقع منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز، وهو مع ذلك شأن من شؤون الحقّ الأوّل، فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوبة إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب، فالإنسان فاعل لما يصدر عنه ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل
1) 1139.. الحديد57.، الآیة 4.
الحقّ على الوجه الأعلى الأشرف اللائق بأحديّة ذاته، بلا شوب انفعال ونقص وتشبيه ومخالطة بالأجسام والأرجاس والأنجاس، تعالى عن ذلك علوّاً كبيرا.
فالتنزيه والتقديس يرجع إلى مقام الأحديّة التي يستهلك فيه كلّ شيء وهو الواحد القهّار الذي ليس أحد غيره في الدار، والتشبيه راجع إلى مقامات الكثرة والمعلوليّة والمحامد كلّها راجعة إلى وجهه الأحديّ وله عواقب الأثْنِيَةِ والمدائح والتقاديس وذلك لأنّ شأنه إفاضة الوجود على كلّ موجود، والوجود كلّه خير محض كما علمت وهو المجعول والمفاض، والشرور والأعدام غير مجعولة وكذا المهيّات ما شمّت رائحة الوجود كما مرّ مراراً. فعين الكلب نجس والوجود الفائض عليه بما هو وجود طاهر العين، وكذا الكافر نجس العين من حيث مهيّته وعينه الثابت لا من حيث وجوده لأنّه طاهر الأصل، وإنّما اختلطت الوجودات بالأعدام والظلمات لبعدها عن منبع الجود والنور، كالنور الشمسيّ الواقع على القاذورات والأرجاس والمواضع الكثيفة فإنّه لا يخرج من النوريّة والصفا بوقوعه عليها ولا يتّصف بصفاتها من الرائحة الكريهة وغيرها إلّا بالعرض، فكذلك كلّ وجود من حيث كونه وجوداً أو أثر وجود خير وحسن ليس فيه شَرّيّة ولا قبح، ولكنّ الشَّريّة والقبح من حيث نقصه عن التمام ومن حيث منافاته لخير آخر، وكلّ من هذين يرجع إلى نحو عدم والعدم غير مجعول لأحد والحمد للّه العلىّ الكبير.
فهذا حاصل الكلام في تقرير هذا المذهب، ومعرفة النفس وقواها أشدّ معين على فهم هذا المطلب فإنّ فعل الحواسّ والقوى الحيوانيّة والطبيعيّة كلّها فعل النفس كما هو التحقيق مع أنّها فعل تلك القوى أيضاً بالحقيقة لا بمعنى الشركة بين الفاعلين في فعل واحد، كما يوجد في أفعالالفاعلين الصناعيّين أنّه قد يقع الشركة بين اثنين منهم في فعل واحد كالخياطة ونحوه، ولا شبهه في أنّ المذهب الرابع عظيم الجدوى شديد المنزلة لو تيّسر الوصول إليه لأحد ينال الغبطة الكبرى والشرف الأتمّ، وبه يندفع جميع الشبه الواردة على خلق الأعمال، وبه يتحقّق معنى ما ورد من كلام إمام الموحّدين عليّ(علیه السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»، إذ ليس المراد منه أنّ في فعل العبد تركيباً من الجبر والتفويض، ولا أيضاً معناه انّ فيه خلواً عنهما، ولا أنّه اختيار من جهة وإضطرار من جهة أخرى، ولا أنّه مضطرّ في صورة الاختيار، كما وقع في عبارة
الشيخ رئيس الصناعة، ولا أنّ العبد له اختيار ناقص وجبر ناقص، بل معناه: أنّه مختار من حيث إنّه مجبور ومجبور من الوجه الذي هو مختار، وإنّ اختياره بعينه اضطراره، وقول القائل خير الأمور أوسطها يتحقّق في هذا المذهب.(1)
وقال أيضاً:
قاعدة في شمول قدرته وانبساط وجوده وسعة رحمته على الأشياء:
... قال تعالى: أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(2)وقال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ(3)وقال: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ(4)وقال: أَ فَرَأَيْتُم مَّا تَ-حْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزرَعُونَهُ أَمْ نَ-حْنُ الزَّارِعُونَ(5)وقال: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَ-حْنُ الْمُنشِئُونَ(6)إشارة إلى أنّ الأفعال المنسوبة إلى القوى المؤثّرة كالمصوّرة في تصوير الأعضاء وتشكيلها وكالماء والنار في التسخين والتبريد وكالإنسان في أفاعيله الصادرة عنه وغير ذلك كلّها بالحقيقة صادرة عنه تعالى واقعة بتأثيره مع كمال وحدانيّته وفردانيّته فكلّ ما هو مقدور ومجعول لفاعل فهو من حيث صدوره عن ذلك الفاعل صادر عن الحقّ تعالى كما أنّ وجود كلّ ممكن من حيث وجوده شأن من شؤون الحقّ ووجه من وجوهه ولذلكنسب الأفعال إليه تعالى من حيث نسب إلى مباديها المباشرة لها كما في قوله: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ(7)وقوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى(8)وقال أيضاً: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْ-خَيْرَاتِ(9)-(10)
1) 1140.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج6، ص372-376.
2) 1141.. فصّلت41.، الآیة 54.
3) 1142.. الزخرف43.، الآیة 84.
4) 1143.. آل عمران3.، الآیة 6.
5) 1144.. الواقعة56.، الآیتان 63 - 64.
6) 1145.. الواقعة56.، الآیتان 71-72.
7) 1146.. التوبة9.، الآیة 14.
8) 1147.. الأنفال8.، الآیة 17.
9) 1148.. البقرة2.، الآیة 148.
10) 1149.. أسرار الآيات، ص50 -51.
حاصل كلامه أنّه ذكر في مبحث عموم قدرة اللّه تعالى أنّها واسعة غاية السعة ولا حدّ لها وجميع الحوادث تستند إليها ولذا التزم بكون قدرته تعالى عامّة حتّى بالنسبة إلى أفعال العباد فإنّها من الحوادث ولابدّ لكلّ حادث من علّة، واللّه تعالى هو علّة العلل.
وبما أنّ الالتزام بعموم قدرته يوجب إسناد الشرور إلى الذات الربوبيّ، لاستناد جميع الحوادث إليه تعالى من الفقر والغنى والحياة والموت و ... كما أنّه يوجب القول بالجبر لاستناد أفعال العباد أعمّ من الحسنة والقبيحة إليه؛ انبرى لحلّ هذه المسئلة فقال ما محصّله:
إنّ جميع ما يعدّ شرّاً كالفقر والموت والأسقام ونظائرهما هي الأعدام، والأعدام ليست مجعولة كي تستند إلى الجاعل.
وقال السبزواريّ:
الشرّ أعدام فكم قد ضلّ من * قد قال باليزدان ثمّ الأهرمن
بل المجعول بالذات بالجعل البسيط هو الوجود وهو خير محض، وهو منبع كلّ شرف، وبهذا البيان أجابوا عن الثنويّة القائلين بمبدأ الخير وهو اليزدان، ومبدأ الشرّ وهو الأهرمن. فقدرته تعالى عامّة واسعة لا يشذّ عنها شاذّ، ومع ذلك لا تستند الشرور إليه تعالى لأنّها أعدام وهي ليست مجعولة.
توضيح ذلك: إنّ الموجودات على تباينها في الذوات تجمعها حقيقة واحدة بمعنى نفوذ نور الوجود في أقطار السماوات والأرضين وما فيها، فلاذّرة من ذرّات الكون إلّا والوجود محيط بها، فكما أنّه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله، بمعنى أنّه كما أنّ وجود زيد مثلاً يكون شأناً من شؤون الوجود المطلق، فكذا فعل زيد. وكما أنّه هو فعلهحقيقة كذلك هو فعل اللّه بالحقيقة دون المجاز؛ فهو مع غاية عظمته ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها، فالفعل من حيث أنّه صادر عن هذا الظهور الإلهيّ ينسب إليه حقيقة، ومن حيث أنّ الباري تعالى أصل كلّ خير وليس في الدار غيره ديّار، وكلّما نرى من الكائنات هو شأن من شؤونه وطور من تطوّارته وتجّلٍ من تجلّيات
الوجود، ينسب إلى الباري تعالى حقيقة. وإليك نصّ عبارته في كتاب المشاعر:
تنبيه: إيّاك أن تزلّ قدمك من استماع هذه العبارات وتتوهّم أنّ نسبة الممكنات إليه تعالى بالحلول والاتّحاد ونحوهما! هيهات أنّ هذا يقتضي الاثنينيّة في أصل الوجود! وعند ما طلعت شمس الحقيقة وسطع نورها النافذ في أقطار الممكنات المنبسط على هياكل الماهيّات، ظهر وانكشف أنّ كلّ ما يقع عليه اسم الوجود ليس إلّا شأناً من شؤون الواحد القيّوم، ولمعة من لمعات نور الأنوار. فما وضعناه أوّلاً بحسب النظر الجليل من أنّ في الوجود علّة ومعلولاً، أدّى بنا أخيراً من جهة السلوك العلميّ والنسك العقليّ إلى أنّ المسمّى بالعلّة هو الأصل، والمعلول شأن من شؤونه وطور من أطواره. ورجعت العلّيّة والإفاضة إلى تطوّر المبدأ الأوّل بأطواره وتجلّيه بأنحاء ظهوراته؛ فاستقم في هذا المقام الذي قد زلّت فيه الأقدام. وكم من سفينة عقل غرقت في لجج هذا القمقام! واللّه وليّ الفضل والإنعام.(1)
وقال ملّا محمّد جعفر اللاهيجيّ في شرحه على المشاعر:
قوله: فما وضعناه أوّلاً من أنّ في الوجود علّة ومعلولاً إلى آخره: إشارة إلى أن لا مغايرة بالحقيقة بين وجود الحقّ ووجود الممكن، كما هو معتبرة بين العلّة والمعلول، كما يقال في تعريف العلّة: ما يؤثّر في الغير والمعلول ما يتأثّر عن الغير، والمغايرة بين الوجودات هذه المغايرة، ومع قطع النظر عنها لامغايرة إلّا بالكمال والنقص والأصل والتبع. وهذه الكثرة مصحّح الوحدة فكلاهما حقيقيّ وهو الحقّ هي باعتبار الماهيّة. وقال الشيخ(رحمه الله): هذا كلّه مبنيّ على وحدة الوجود والسنخيّة في الحقيقة، ولا أقول كذلك بل المراد أنّ في الوجود شيئاً وفيئاً، ولا بينونة فيه كماهي معتبرة في العلّة والمعلول لا نفي البينونة رأساً كما توهّم.(2)
وقال بعض المعاصرين في تعليقته على الشرح المذكور:
معنى كلام هؤلاء الأكابر إنّ الموجود الحقيقي الذي هو مصداق الوجود ليس إلّا الحقّ وليس غيره سوى شؤون واطوار وتجليّات الوجود المطلق، وأنّ مبدأ وجود الماهيات هو الشؤون الذاتيّه للحقّ، وهي تكون أعداما وأباطيلاّ من دون تجليّات الحقّ. ولاتضارب بين قول الموحّدين «إنّ وجود غير الحقّ وجود مجازي» و «لا
مجاز في الوجود»؛ فإنّ السالك الموحّد المجذوب للحقّ لا يرى غير الحقّ في مقام الفناء والمحو الكلّي. والمعلول عند أهل الوحدة إنّما هو شأن ظهور العلّة، لا أنّ المعلول خارج عن حيطة وجود العلّة، فإنّ الوجود الاطلاقي مقيّد في مقام الظهور وليس هو في مرتبة ذات العلّة، وهذا هو الفارق بين الحقّ والخلق. وهذا مطلب يمكن تداوله مع العارفين، ولو أنّ ارباب القياس لهم مناقشات علیه.(1)
معناى كلام اين اكابر اين باشد كه موجود حقيقى كه مصداق واقعى وجود باشد همان حق است و بقيۀ موجودات شئون و اطوار و تجلى آن وجود مطلقند، و مبدأ ظهور ماهيات همان شئون ذاتى حق مىباشد كه باقطع نظر از تجليات حق اباطيل و اعدامند. منافات نيست بين قول موحدين كه گفتهاند: وجود غير حق وجود مجازى است، و قول ديگر آنها كه گفتهاند: «لامجاز في الوجود». سالك موحد و مجذوب حق در مقام محو كلى و فناء در توحيد جز وجود حق نبيند، و نزد اهلِ وحدت، معلول همان شأن، ظهور علت است، نه آنكه معلول خارج از حيطۀ وجود علت باشد، چون وجود اطلاقى در مقام ظهور مقيد است و در مرتبۀ ذات مطلق وجود ندارد، و فرق بين خلق و حق همين است.
توان گفتن اين نكته با حقشناس ولى خورده گيرند اهل قياس
و الحاصل من كلامه: أنّ الوجود حقيقة بسيطة غاية البساطة من دون تركيب -- ولو بالتركيب الإعتباريّ -- وجميع هذه الموجودات تكون طوراً من أطواره وشأناً من شؤونه، وعليه يصحّ إسناد الأفعال إليه تعالى بإعتبار أنّه مصدر كلّ وجود ومصدر كلّ شأن من الشؤون، كما يصحّ إسنادها إلى هذه التجلّيات، فمن جهة يلي الربّ تستند إلى اللّه حقيقة، ومن جهة يلي الخلق تستند إلى الموجودات حقيقة، وهذا هو معنى قولهم(علیهم السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»؛ فالإنسان الفاعل مختار من حيث إنّه مجبور، ومجبور من الوجه الذي هو مختار، بمعنى أنّه مختار لأجل كونه شأناً من شؤون الوجود وطوراً من أطواره الذي هو منبع العلم والقدرة وكلّ شرف وكلّ خير، ومضطرّ لأنّ فعل الوجود المطلق يظهر فيه وعلى يديه، فلا جبر بلحاظ كون الفعل فعل اللّه تعالى الذي هو القادر بالقدرة المحيطة على كلّ شيء، ولا تفويض بلحاظ ظهور الفعل على يد العبد؛ فإنّه شأن من شؤون الوجود ولا استقلال له في قباله، بل في الحقيقة ليس هو شيئاً غيره بل هو هو.
1) 1152.. شرح رسالة المشاعر، ص270:
ويرد على هذه المقالة -- مع الغضّ عن بطلان مبنى وحدة الوجود -- أمور:
إنّا نلتزم بعموم قدرته تعالى وأنّه تعالى على كلّ شيء قدير، ولذا يكون قادراً على خلق مخلوق فاقدٍ بالذات للقدرة والكمال، ثمّ إعطائه القدرة والكمال بحيث يصحّ إسناد الفعل حقيقة إلى الفاعل القادر المختار من دون أن يسند إلى واهب القدرة، لأنّ القدرة هي الاستيلاء والسلطنة الكاملة على طرفي الفعل والترك كما عرفت ذلك ممّا مرّ. ثمّ إنّه تعالى له أن يسلب القدرة من عبده؛ فهو المالك لما ملّكهم وهو أملك منهم، والقادر على ما عليه أقدرهم، وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين بمعنى أنّه تعالى لم يجبر عبده على الأفعال الاختياريّة وليس العبد مستقلّاً في أفعاله مستغنياً عنه في مالكيّته للقدرة وقد مرّ توضيح ذلك.
ما بيّنه في معنى الأمر بين الأمرين فاسد جدّاً وخروج عن محلّ النزاع.
توضيح ذلك: لا ريب أنّ موضوع الأخبار التي وردت في مقام نفي الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين، هو أفعال العباد الصادرة عنهم والمستندة إليهم؛ فإنّه هو الذي وقع موقع الإبهام ومحلّ الإشكال والنزاع، فذهب بعض إلى أنّ العباد مجبورون في الأفعال المستندة إليهم، وذهب آخرون إلى أنّهم فيها مفوّضون ومستقلّون، وهو الذي نفى عنه الأئمّة(علیهم السلام) الجبر والتفويض وأثبتوا فيه الأمر بين الأمرين.
فحينئذٍ نقول: لو أغمضنا عن بطلان ما ذكره صدراً وذيلاً -- من وحدة الوجود، وكون الكثرات أطواراً له، وقلنا بصحّة إسناد الفعل إلى الوجود المطلق حقيقةً وهكذا إسناده إلى شأنه وطوره، وقلنا بأنّ الفعل فعل اللّه بلحاظ الوحدة وهو فعلنا بلحاظ الكثرات -- فمع الإغماض عن جميع هذه المباني الفاسدة، يرد عليه:
أنّه يلزم على ما ذكره أن يكون محطّ نفي الجبر ونفي التفويض وإثبات الأمر بين الأمرين هو الفعل مطلقاً، مع عدم لحاظ صدوره عن العبد ومع قطع النظر عن استناده إلى الباري
تعالى، وبعبارة أخرى: لابدّ علىما ذكره من أن يكون الفعل من دون لحاظ الوحدة فيه أو لحاظ الكثرة هو محطّ نفي الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين، كي يصحّ ما ذكره من إسناده إلى الواحد الحقيقيّ بلحاظ الوحدة، وإسناده إلى العبد بلحاظ الكثرة. مع أنّ محطّ البحث بين المجبّرة والمفوّضة هو الأفعال الصادرة عن العباد بلحاظ صدورها عنهم وأنّه هل يكون الإنسان في الفعل الصادر عنه مجبوراً وآلة كالمنشار في يد النجّار، أو يكون الإنسان في الفعل الصادر عنه مستقلّاً، وما أصرّ عليه الأئمّة(علیهم السلام) من إثبات الأمر بين الأمرين هو في ما قالت الأشاعرة فيه بالجبر وقالت المعتزلة فيه بالتفويض، فلابدّ من تصوير الأمر بين الأمرين وبيانه في الفعل الصادر عن العبد مع خصوصيّة صدوره عنه، ولا يكون البحث بين المجبّرة والمفوّضة في الفعل مطلقاً بلا لحاظ صدوره عن الفاعل كي يصحّ ما ذكره من أنّه يسند بلحاظ الوحدة إلى الباري وبلحاظ الكثرة إلى الإنسان.
والحاصل: أنّ ما ذكره خارج عن محلّ النزاع والبحث بين المجبّرة والمفوّضة، لأنّ موضوع البحث عندهم هو الأفعال الصادرة عن الإنسان مع لحاظ صدورها عنه، فالقول بالجبر والتفويض وكذا المنزلة الثالثة إنّما تكون -- بحسب ما عبّره صدرالدين -- في الأفعال مع لحاظ صدورها عن الكثرات، بينما أنّ موضوع البحث والنزاع عنده هو الفعل مع قطع النظر عن لحاظ الكثرة وصدورها عن العباد، كي يصحّ إسناده إلى العباد بلحاظ الكثرات وإلى الباري بلحاظ الوحدة، فهذا كما ترى خروج عن موضوع البحث.
لا يقال: إنّ مراده هو أنّ فعل العبد أحد أفاعيل الحقّ على وجه أعلى وأشرف وأنّ الفعل الصادر عن الكثرات في عين صدورها عن الكثرات تنسب إلى الحقّ أيضاً.
لأنّه يقال: إنّ الفعل الصادر عن العبد بلحاظ صدوره عنه لا يعقل أن يسند إليه تعالى -- إلّا بناء على القول بالعينيّة بين الخالق والمخلوق وعليه فلا معنى لتعدّد اللحاظين -- ومع قطع النظر عن لحاظ صدوره عن العبد فيرد عليه ما أوردناه.
فإمّا يسند إلى فاعلين مريدين مع كون الإرادة هي الجزء الأخير للعلّة التامّة فيلزم منه توارد
العلّتين على المعلول الواحد وهو مستحيل. وإمّا يسند إلى فاعلين غير إراديّين مع كون كلّ واحد منهما هو العلّة التامّة للإيجاد ويلزم أيضاً توارد العلّتين على المعلول الواحد. وإن كان كلّ منهما جزء العلّة فيلزم منه شركة الباري مع العبد في الفعل الصادر فيقبح عقاب العبد على المعصية حيث أنّ اللّه هو الشريك القوي ومجازاة الشريك الضعيف من قبل الشريك القوي ظلم. وهذا هو مفاد الحديث الوارد عن الإمام موسى بن جعفر(علیهما السلام) في الجواب عن أبي حنيفة حيث قال لا يخلو الفعل من كونه صادراً من اللّه أو منّا أو بالشركة بيننا وبينه، وأنّه لو كان الفعل صادر منّا ومنه تعالى يلزم منه أن يكون اللّه جلّ جلاله شريكاً معنا في أفعالنا ومن ثمّ يقبح العقاب على المعاصي.
مع أنّ إسناد الفعل إلى جزء العلّة إسناد مجازيّ.
ولو كان المراد العلل الطوليّة فيرد عليه مع ما مرّ أنّ ملّاصدرا في نهاية سلوكه العرفانيّ رفع اليد عن مبنى العلّيّة وصرّح بأنّ ما كان يقول بأنّ في العالم علّة ومعلولاً قد رجع إلى المبدأ وتطّوره بأطوار مختلفة. فهناك أمور ثلاثة:
نور الأنوار وهو الوجود المطلق القاهر على كلّ شيء؛
أشعّة النور وتطوّرات الوجود المطلق بصورة الكثرات؛
الماهيّات الظاهرة بسبب شؤون الوجود وشعاعه.
ويرد عليه: أنّ أشعّة الوجود هل هو الوجود أم الماهيّة أو العدم؟
من الواضح أنّه لا يمكن حمل هذا الكلام إلّا على التشكيك في الوجود والالتزام بالتكثّر والعلّيّة، حيث أنّ الوجود المطلق صار علّة لهذه الشؤون والأشعّة وهي بدورها علّة لظهور الماهيّات.
إنّ النزاع بين الأشاعرة والمفوّضة إنّما هو في الفاعل الحقيقيّ وما يكون الإسناد إليه إسناداً إلى ما هو له، لا في الفاعل المجازيّ والاعتباريّ وما يكون الإسنادإليه إسناداً إلى غير ما
هو له. وقد اعترف بذلك في عباراته المتقدّمة وأصرّ على كون الإسناد إلى الكثرات والواحد إسناداً حقيقيّاً لا مجازيّاً، لأنّ الفعل كما أنّه فعل للكَثَرات حقيقةً فكذا هو فعل للواحد حقيقة.
وعلى هذا فنقول: هل التغاير بين الواحد والكثرات حقيقيّ أو اعتباريّ؟
فعلى الأوّل يلزم أن يصحّ إسناد الفعل إلى الباري الذي هو الفاعل الحقيقيّ وإلى العبد مع كونه فاعلاً حقيقيّاً آخر، مع أنّه لا يعقل أن يسند الفعل الواحد إلى الفاعلين الحقيقيّين، إلّا مع فرض الشركة وهو مردود عنده وقد أصرّ على بطلان الشركة في الأفعال. مضافاً إلى أنّه بناء على مسلك أصالة الوجود ووحدته واعتباريّة الماهيّات ورجوعها إلى الاعتباريّات والأعدام لا يكون التغاير بين الواحد وبين الوَحَدات والكَثَرات حقيقيّا.
وعلى الثاني -- وهو الحقّ عندهم -: فلا يمكن أن يكون إسناد الفعل إلى كلّ واحد من الواحد والكَثَرات بنحو الحقيقة وإسناداً إلى الفاعل الحقيقيّ، لأنّ المفروض أنّ الكثرات اعتبارات وأعدام وفي الحقيقة ليس في الدار غيره ديّار، فإسناد الأفعال إلى الواحد وبلحاظ الوحدة إسناد إلى الفاعل الحقيقيّ، وإسناده إلى الكثرات لابدّ وأن يكون إسناداً إلى الفاعل الاعتباريّ المجازيّ. مع أنّ النزاع إنّما هو في الفاعل الحقيقيّ الذي يصحّ الإسناد إليه حقيقة كما اعترف به في عبارته، فهذا تناقض بيّن. فتأمّل فيما ذكرنا بعين الانصاف والدقّة كي يظهر لك بطلان ما أسّسوه وجعلوه أصلاً، وهكذا فساد ما رتّبوا عليه من الفروع.
فانظر ثمّ اقض العجب أنّهم كيف حمّلوا آرائهم الفاسدة وأوهامهم الباطلة على الأخبار التي صدرت عن أهل بيت الوحي(علیهم السلام) الذين يكون كلامهم نوراً لمن استضاء به.
أنّه على مسلك أصالة الوجود ووحدته، وأنّ الكثرات ليست حقائق في مقابل الوجود، يكون الحقّ واحداً وما سواه باطلاً، فليس هناك في الحقيقة تعدّد وتكثّر كما صرّح به بعضهم وسيأتي بعض كلماتهم، فحينئذٍ لا يبقىمعنى ولا مورد لإثبات الأمر بين الأمرين، فإنّه ليس هناك فاعل كي يكون مجبوراً أو مفوّضاً. ففي أيّ شيء أثبت الأئمّة(علیهم السلام) منزلة
أوسع ممّا بين السماء والأرض؟!
ما ذكره بالنسبة إلى الخير والشرّ مناف للآيات والروايات. فإنّ المستفاد من القرآن الكريم وكلام أهل الذكر وأولي النُهى في معنى الخير والشرّ هو: أنّ الخير والشرّ قد يطلقان على ما هو خير أو شرّ حقيقةً بأن يختم عمل الإنسان برضوان اللّه ودخول الجنّة أو سخطه تعالى ودخول النار. فالخير الحقيقيّ هو نيل السعادة بدخول الجنّة والشرّ الحقيقيّ هو الخذلان بالشقاوة ودخول النار وتحصيل غضب الملك الجبّار. ويشهد على ما ذكرنا أخبار كثيرة:
عن مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام):
ما خير بخيرٍ بعده النار، وما شرٌّ بشرٍّ بعده الجنّة، وكلّ نعيم دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية.(1)
في وصيّة مولانا الصادق(علیه السلام):
يا ابن جندب الخير كلّه أمامك، وإنّ الشرّ كلّه أمامك، ولن ترى الخير والشرّ إلّا بعد الآخرة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل الخير كلّه في الجنّة والشرّ كلّه في النار.(2)
وبهذا الاعتبار يطلق الخير على ما يوجب دخول الجنّة كما روي عن الباقر(علیه السلام):
أوحى اللّه تعالى إلى آدم(علیه السلام): يا آدم إنّي أجمع لك الخير كلّه في أربع كلمات: واحدة منهنّ لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس؛ فأمّا التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأمّا التي لك فأُجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأمّا التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعليّ الإجابة، وأمّا التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك.(3)
وروي عن الصادق، عن آبائه(علیهم السلام): أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال:
جمع الخير كلّه في ثلاث خصال: النظر، والسكوت، والكلام، فكلّ نظر ليس
فيه اعتبار فهو سهو، وكلّسكوت ليس فيه فكر فهو غفلة، وكلّ كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبراً وسكوته فكراً وكلامه ذكراً، وبكى على خطيئته، وآمن الناس شرّه.(1)
وقال عليّ بن الحسين(علیه السلام):
الخير كلّه صيانة الإنسان نفسه.(2)
عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): قال اللّه عزّوجلّ:
إذا أردت أن أجمع للمسلم خير الدنيا وخير الآخرة جعلت له قلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، وزوجةً مؤمنةً تسرّه إذا نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله.(3)
وكذا سائر الأخبار التي أطلق الخير والشرّ فيها على ما يوجب دخول الجنّة وما يوجب دخول النار.(4)
وقد يطلق الخير أو الشرّ على الخير والشرّ الإضافيّين، وهو الملائم للطبع أو المنافر له، كإطلاق الخير في القرآن على المال. قال تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ.(5) فالمراد من الخير هو المال. وقال تعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْ-خَيْرِ فِتْنَةً.(6)أي: نبلوكم بالنعم والمصائب وفقدان النعم.
هذا هو القول الفصل في بيان حقيقة الخير والشرّ، ولسنا بصدد البحث عن ذلك
1) 1156.. الأمالی (للصدوق)، ص109، ح6؛ بحارالأنوار، ج68، ص274، ح2.
2) 1157.. تحف العقول، ص278؛ بحارالأنوار، ج75، ص136، ذیل ح3.
3) 1158.. الکافي، ج2، ص327، ح2؛ وسائل الشيعة، ج20، ص40، ح8[24977].
4) 1159.. راجع: وسائل الشيعة ج14، ص21 (الباب التاسع من أبواب مقدّمات النكاح)؛ ميزان الحكمة، ج3، ص201 (مادّة: الخير) و ج5، ص35 (مادّة: الشرّ)، وهكذا مستدرك السفينة (مادّة: الخير والشرّ).
5) 1160.. البقرة2.، الآیة 180.
6) 1161.. الأنبياء21.، الآیة 35.
مفصّلاً ويجب على الباحث التتبّع التامّ والنظر الدقيق في الآيات والأخبار حتّى يتبيّن له حقيقة الأمر.(1)
ما ذكره علماء البشر من أنّ حقيقة الخير هو الوجود والشرّ هو العدم؛ فمضافاً إلى أنّه مخالف للآيات والروايات، يرد عليه: أنّ الوجود الذي قالوا بأصالته وأنّه حقيقة واحدة فاردة، إنّما هو الوجود في قبال الماهيّة، لا الوجود في قبال العدم.
توضيح ذلك: إنّ كلّ ممكن عندهم زوج تركيبيّ من الماهيّة والوجود، والأصيل أحدهما لاستحالة تعدّد الأصلين. والقائل بأصالة الماهيّة يقول: إنّ الخارجمصداق للماهيّة والوجود مفهوم ينتزع منه، والقائل بأصالة الوجود يقول: إنّ ما في الخارج هو الوجود والماهيّة أمر انتزاعيّ لاحقيقة لها، فمحلّ البحث بين القائل بأصالة الوجود والقائل بأصالة الماهيّة هو الوجود الذي يقابل المهيّة. وهو عند القائل بأصالة الوجود عارض على المهيّة تصوّراً ويتّحد معها وجوداً أي في الوجود الخارجيّ، فالكلام في مبحث أصالة الوجود وأصالة المهيّة إنّما هو في الوجود الذي يقابل المهيّة.
وأمّا الوجود المطروح في مبحث الخير والشرّ هو الوجود في قبال العدم أي ما يتحقّق في الخارج هو خير سواء كان مصداقاً للوجود -- بناءاً على القول بأصالة الوجود -- أو مصداقاً للماهيّة -- بناءاً على القول بأصالتها -- فلا يصحّ الاستدلال على أصالة الوجود بأنّ الوجود خيرٌ وإرجاع الشرور إلى الماهيّات، كما استدلّوا به عليها، قال الحاجيّ السبزواريّ في الاستدلال على أصالة الوجود: «لأنّه منبع كلّ شرفٍ».(2)فقد خلطوا بين الوجود في بحث الخير والشرّ والوجود في مبحث أصالة الوجود.
إن قلت: إنّ هنا أدّلة أخرى على أصالة الوجود. قلت: قد تعرّضنا لجميعها وأبطلناها في محلّه وأوضحنا الحقّ كما يضييݘ الصبح لذي عينين، وليس هنا موضع ذكرها، ومن أراد
الاطنلاع على بعض الكلام فيها فليراجع إلى ما ذكره شيخنا الأستاذ الميرزا جواد الطهرانيّ(قدس سره) في كتابه: عارف وصوفى چه مىگويد؟. وما ذكره آية اللّه الشيخ هادي الطهرانيّ(رحمه الله) في كتاب التوحيد وما ذكره آية اللّه السيّد عليّ البهبهانيّ(رحمه الله) في كتاب التوحيد الفائق.
أنّه يلزم على ما ذكره من إرجاع الشرور إلى الماهيّات والخيرات إلى الوجود، أن يكون وجود الشيطان خيراً وشروره ترجع إلى الأعدام كما يصرّحون بهذا، ويلزم أيضاً أن يكون وجود النار والجحيم خيراً والشرور ترجع إلى الأعدام. فهل يصحّ الالتزام بما ذكروه؟ وهل يتفوّه العاقل المنصف بأنّ وجود الشيطان خير والشرور ترجع إلى الماهيّات التي هي في الحقيقة أعدام؟وممّا تضحك به الثكلى ما قاله صدرالدين الشيرازيّ في الأسفار من أنّ الجحيم ونار جهنّم هو السبب الوحيد في نضج فواكه الجنّة!!
قال نقلاً عن ابن عربي مؤيداً إيّاه:
كذلك من عرف نشأة الآخرة، وموضع الجنّة والنار، وما في فواكه الجنّة من النضج الذي يقع به الالتذاذ لآكليه من أهل الجنان، علم أين النار وأين الجنّة، وإنّ نضج فواكه الجنّة سببها حرارة النار التي تحت مقعر أرض الجنّة، فتحدث النار حرارة في مقعر أرضها، فيكون بها صلاح ما في الجنّة من المأكولات وما لا نضج إلّا بالحرارة، وهي لها كحرارة النار تحت القدر.(1)
وليت شعري كيف صارت الأعدام والماهيّات علّة وسبباً لنضج فواكه الجنّة، وكيف صارت لأجل هذا خيرا؟!
هذا بناءاً على ما يظهر من عبارته -- فإنّ الحرارة من لوازم ماهيّة النار -- ولو كان مراده أنّ وجود النار الذي هو خير صار سبباً لنضج فواكه الجنّة فيرد عليه أنّه هل يكون الوجود سبباً لنضج الوجود؟! أو يكون الوجود المقيّد بحدود النار سبباً لنضج الوجود المقيّد بالفاكهة؟!
أمّا الأوّل فبطلانه أظهر من الشمس في رابعة النهار.
1) 1164.. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج5، ص367؛ الفتوحات المكّيّة، ج2، ص161.
وأمّا الثاني فهو ينافي القول بالوحدة الإطلاقيّة التي ذهب إليه العرفاء الموسومون بالشامخين وهذا الكلام وإن صحّ على مذهب التشكيك ولكنّ التشكيك باطل بما يرد عليه من الإشكالات.
وليت شعري هل تكون الجحيم ونار جهنّم «العدم المطلق»؟!
فكيف أنذر الأنبياء(علیهم السلام) أُممهم وحذّروهم من النار؟
وكيف يصحّ ويعقل خوف العباد منها؟
وأنت ترى ما في الأدعية والمناجاة الصادرة عن الأئمّة(علیهم السلام) كثرة بكائهم وشدّة خوفهم من النار، فهل كانوا يخافون من الأعدام؟!
مع أنّ جميع العباد بل جميع الأشياء يرجعون عندهم في نهاية سيرهم الصعوديّ إلى الوجود المطلق، فلا معنى للتحذير والإنذار بدخول النار، ولامعنى للبكاء والخوف منها.قال صدرالدين الشيرازيّ في تفسير قوله تعالى: إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْ-جِبَالُ بَسّاً(1):
لا شكّ أنّ الآخرة إنّما تحصل برفع الحجب وظهور الحقايق وزوال التعيّنات وتميّز الحقّ عن الباطل.(2)
ما ذكره من المثال من أنّ «النور الشمسيّ الواقع على القاذورات والأرجاس والمواضع الكثيفة، فإنّه لا يخرج من النوريّة والصفا بوقوعه عليها، ولا يتّصف بصفاتها من الرائحة الكريهة وغيرها إلّا بالعرض» ففيه من المغالطة ما لا يخفى على المتأمّل.
وذلك لأنّ تمثيل نور الشمس الواقع على القاذورات بنور الوجود المنبسط على الماهيّات قياس مع الفارق، حيث إنّ المفروض في المثال وجود شيئين متغايرين وحقيقتين متباينين في الخارج؛ أحدهما نور الشمس والآخر هي القاذورات والأرجاس، وأمّا في الممثَّل
فالمفروض أنّه ليس إلّا شيء واحد وحقيقة واحدة فاردة لا يتثنّى ولا يتكرّر، وهو نور الوجود، وأمّا غيره فليس إلّا الاعتبار المحض الذي يرجع إلى العدم، ولذا يعبّرون عن الماهيّات بأنّها اعتبارات وخيالات وأوهام وليست بحقائق، هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّ القاذورات والأرجاس لا تصير بوقوع نور الشمس عليها نوراً ولا تصير من أطوار النور وشؤونه وتجلّياته، ولا تصير أيضاً من مراحل النور ومراتبه، بخلاف الممثَّل؛ فإنّ وجود الماهيّات المتحقّقة الموجودة في الخارج عندهم يكون من أطوار الوجود وتجلّياته عند القائل بالوحدة الإطلاقيّة وتكون من مراحل الوجود عند القائل بالتشكيك.
ومع التأمّل فيما ذكرنا تعرف حال سائر الأمثلة التي ذكروها، فإنّها تكون من هذا القبيل.
ما استشهد به على ما ادّعاه -- انبساط وجوده تعالى على الأشياء وإسناد جميع الأفعال إليه حقيقة -- من الآيات فبطلانه واضح لا يحتاج إلى البيان.
حيث إنّ الآية المباركة: أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(1)بصدد بيان إحاطتهعلى جميع الأشياء وأنّه محيط لا محاط كما أنّ الآية المباركة: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ(2)تدلّ على أنّه ليس في السماء والأرض إله غيره، فهي بصدد نفي الألوهيّة عمّا يتوهّم أو يدّعى كونه إلهاً وحمل الآيتين على انبساط وجوده على جميع الأشياء من أظهر مصاديق التفسير بالرأي.
وأمّا إسناد التصوير إليه تعالى في قوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ(3)مع أنّه فعل الملائكة المصوّرة -- وقد عبّر صدرالدين عن الملائكة بالقوى المؤثّرة لأنّ الملائكة عند الفلاسفة هي القوی المجرّدة خلافاً لنصوص الآيات الكثيرة ومفاد الأخبار المتواترة الدالّة على أنّها أجسام نوريّة -- فليس لأجل ما ذكره
بل السرّ فيه ما ذكره مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام) في جواب الزنديق المدّعي للتناقض في القرآن من أنّ الملائكة يأتمرون بأوامر الربّ المتعال ولا يعصون اللّه ما أمرهم وهم بأمره يعملون وفعل ملائكته ورسله فعله من أجل أنّه الآمر المطاع وهم بأمره يعملون.(1)
وأمّا الآية المباركة: أَ فَرَأَيْتُم مَّا تَ-حْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزرَعُونَهُ أَمْ نَ-حْنُ الزَّارِعُونَ(2)وكذا الآية: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَ-حْنُ الْمُنشِئُونَ(3)فهي على خلاف ما استشهد به أدلّ لأنّها تدلّ على أنّ هنا فعلان يسندان إلى اللّه ولا يصحّ إسنادهما إلى الإنسان وفعلان يسندان إلى الإنسان ولا يسندان إلى اللّه تعالى، فأمّا ما يسند إلى الإنسان حقيقة فهو الحرث وتورية النار وما يسند إليه تعالى حقيقة ولا يصحّ إسناده إلى الإنسان فهو الزرع وإنشاء الشجرة وإيجادها وخلقتها وعلى ضوء ما ذكره الملّاصدرا فلابدّ من صحّة إسناد الحرث والتورية إلى اللّه تعالى مع أنّهما أُسندا إلى الإنسان دونه.
وأمّا الآية المباركة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ(4)فالقتال مع الكفّار أُسند فيها إلى المجاهدين المؤمنين ولم يسند إلى الربّ وما أُسند إليه تعالى فإنّما هو التعذيب وهو الأثر الحاصل من القتال ووجه إسناده إليه هو أنّ تأثير كلّ مؤثّر يكون بمشيّته وإرادته ولو صحّ ما ذكره -- من صحّة إسناد الفعل الواحد إلى الإنسان وإلى الباري تعالى --فلابدّ من أن تكون الآية هكذا: «قاتلوهم يقاتلهم اللّه بأيديكم».
وأمّا الآية المباركة: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى(5)فقد مرّ الجواب عن الاستدلال بها.
وأمّا الآية المباركة: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْ-خَيْرَاتِ(6)فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام كما هو واضح حيث إنّها بصدد بيان أنّ لكلّ أُمّة قبلة يولّى تلك الأُمّة وجهها إليها
أو يولّى اللّه تعالى وجهها إليها بسبب أمره بالتوجّه إليها.
هذا كلام صدر الدين الشيرازيّ في تفسير الأمر بين الأمرين، وقد رأيت ما فيه من الوهن، مع الغضّ عن أنّ مبنى أصالة الوجود ووحدته وقوله أنّه ليس في الدار غيره ديّار، من الأغلاط التي يخرج الملتزم بلوازمه من الإيمان ويدخله في زمرة الكفّار -- لأنّه بناءاً على هذا المبنى لا معنى للربوبيّة والمربوبيّة ولا للرازقيّة والمرزوقيّة ولا للعبادة ولا يكون هناك عابد ولا معبود و ... -- كما أفتى بذلك كبار العلماء وسيأتي بعض كلماتهم عن قريب، فنحن قد أغمضنا النظر عن المناقشة في مبناه وأوكلنا البحث عن ذلك إلى محلّه وسيجيي الإشارة إلى ذلك.
فقال في مبحث عموم قدرته تعالى وأنّة جلّ وعزّ قادر على كلّ شيء:
«الشيء لم يوجِدْ متى لَمْ يوجَدا» بمعنى أنّ الايجاد فرع الوجود فما لم يكن الشيء موجوداً لا معنى لكونه موجِداً، ولمّا أنّ الوجود الحقيقيّ يختصّ به تعالى وغيره من الموجودات ممكنات، فليس لغيره تعالى وجود حقيقيّ فلا معنى لايجاد غيره شيئاً، فعلى هذا لابدّ من إسناد وجود جميع الأشياء إليه تعالى. وأيضاً لابدّ أن يقال: أنّ غيره تعالى لا يوجِد شيئاً لعدم الوجود الحقيقيّ للغير؛ انتهى.
إن قلت: فيلزم على هذا القول بالجبر لأنّه لابدّ أن يقال: إنّ الموجِد لأفعال الإنسان هو الباري تعالى وهذا عين الجبر. وكأنّه التفت إلى هذا الاشكال وأجاب عنه بقوله:لكن كما الوجود منسوب لنا * فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا (1)
أقول: كأنّه أراد بهذه العبارة بيان حقيقة الأمر بين الأمرين. ومحصّل ما ذكره أنّ الوجود الحقيقيّ يختصّ بواجب الوجود والباري تعالى، أمّا الماهيّات الممكنة كالإنسان والبقر والشجر ليس لها وجود حقيقيّ بل إنّها توجد بالاستضائة من نور الوجود، فإسناد الوجود
1) 1176.. شرح المنظومه، ج3، ص617.
إلى الواجب (وهو حقيقة الوجود) يكون بنحو الحقيقة وإسناده إلى الماهيّات الممكنة يكون بنحو المجاز، ولمّا كان إسناد الوجود إلى الإنسان وماهيّته صحيحاً بالعناية والمجاز فكذا يصحّ إسناد أفعاله إلى نفسه في عين إسناد تلك الأفعال إلى الباري تعالى لأنّ الإيجاد فرع الوجود، فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا.
والمثال الموضِح لذلك أنّا نرى أنّ الفعل كما يسند إلى الفاعل أحياناً فقد يسند إلى الآلة، فكما يصحّ أن يقال: «قطعتُ يدي» كذلك يصحّ: «قطع السكّين يدي».
ثمّ التفت القائل إلى تالي فاسد آخر في كلامه حيث إنّ لازم هذه المقالة صحّة كلامنا: صام زيد وصلّى، وصحّة قولنا: صام اللّه وصلّى، بل وصحّة إسناد جميع القبائح والمعاصي إليه تعالى؛ فإسناد أفعال الخير والشرّ إلى الإنسان يكون مجازاً وإلى الباري تعالى حقيقة. فأجاب عنه: بأنّ الشرّور إنّما تستند إلى الماهيّات لا إلى الوجود.
ويرد عليه: أنّه قد مرّ أنّ إرجاع الخير إلى الوجود والشرّ إلى الماهيّة والعدم، من الأغلاط التي وقعت فيه الفلاسفة؛ فإنّه باطل ومناف للآيات والروايات والفطرة السليمة، والكلام في ذلك بالتفصيل يتطلّب بحثاً مستقلّاً خارجاً عن غرضنا في هذه الرسالة.
وغير خفيّ أنّ الشرور عنده أعدام كما أنّ الماهيّات ليس إلّا اعتباريّات فما معنى استناد العدم إلى الاعتباريّ؟!
وكيفما كان إنّ المتحصّل من كلامه أنّ الوجود إنّما يستند إلى واجب الوجود حقيقة وإلى ممكن الوجود مجازاً، والإيجاد فرع الوجود فلذا يكون إيجاد كلّ شيءمستنداً إلى اللّه تعالى بنحو الحقيقة وإلى الإنسان بنحو المجاز. وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين عنده.
فلو كان الأمر كما ادّعاه السبزواريّ من أنّ إسناد أفعال الإنسان إلى اللّه تعالى إنّما يكون على نحو الحقيقة وإلى الإنسان على نحو المجاز، كما أنّ إسناد الجريان إلى الماء في قولنا: «جرى الماء» حقيقيّ وإسناده إلى النهر في قولنا: «جرى النهر» مجازيّ؛ هل يكون ثمّة فرق بين هذا القول ومقالة المجبّرة؟
فإنّ المجبّرة يصرّحون في كلماتهم بأنّ الإنسان في أفعاله بالنسبة إلى اللّه تبارك وتعالى كالمنشار في يد النجّار وكالآلة في يد الإنسان، فليس إسناد قطع الخشب إلى المنشار غلطاً، بل إنّهم يقولون إنّ إسناد أفعال الإنسان إليه إنّما يكون بالعناية والمجاز بينما يكون إسناده إلى اللّه تعالى إسناداً إلى الفاعل الحقيقيّ.
فعليه إنّ هذا الكلام مع أنّه ليس تفسير الأمر بين الأمرين، إنّما يكون دليلاً وتقريباً لإثبات مقالة المجبّرة، فإنّه لو أراد الفاعل الحقيقيّ إيجاد شيء هل للفاعل المجازيّ منعه عن ذلك؟ أو أنّه لو أراد الفاعل المجازيّ إيجاد شيء هل يقدر عليه لو لم يرده الفاعل الحقيقيّ؟
فانظر ثمّ اقض العجب كيف تاه البشر حينما استبدّ برأيه ولم يقتف أثر المعلّمين الربّانييّن والمذكّرين المعصومين، فاعتقد بما نسجته أوهامه الفاسدة وأحلامه الكاسدة، ولم يتنبّه إلى الحقّ الصريح حتّى بعد تذكّرات المذكّرين الربّانييّن، ومن ذلك يعلم -- كما قال بعض الأعاظم قدّس اللّه نفسه الشريف -- أنّ الاهتداء بأنوارهم الطاهرة والتذكّر بعد تذكيراتهم خاصّ بمواليهم ومن أخذ عنهم ولم يتعدّ عن تذكيراتهم وتعليماتهم إلى طريق غيرهم وهذا من عجيب صنع اللّه تعالى فيهم(علیهم السلام).
وأمّا ما قاله من أنّ الوجود إنّما يسند إلى اللّه تعالى على نحو الحقيقة وإلى الإنسان على نحو المجاز والإيجاد فرع الوجود.
فنقول: نعم الإيجاد فرع الوجود بداهة أنّه لو لم يكن الشيء موجوداً لما يمكن أن يكون موجِداً وهذا واضح، أمّا ما قال من أنّ إسناد الوجود إلى الإنسانوساير الموجودات مجازيّ فنسأل ما هو المراد من الوجود المجازيّ هنا؟
فإنّه ليس بين الوجود الواقعيّ الحقيقيّ والعدم واسطة، فالوجود المجازيّ ليس وجوداً واقعيّاً حقيقيّاً بالقطع واليقين، وليس في قبال الوجود إلّا العدم. وأمّا الماهيّات فهي أيضاً -- بناءاً على أصالة الوجود ووحدته واعتباريّة الماهيّة -- ليست واسطة بين الوجود الحقيقيّ والعدم، لأنّ ارتفاع النقيضين محال قطعاً، والماهيّات في الحقيقة أعدام محضة واعتبارات
صرفة كما صرّح بهذا جمّ غفير ممّن يقول بهذه المقالة الكاسدة، فإنّه ليس عندهم في الدار -- أي في دار الوجود -- غيره ديّار -- أي غير الوجود شيء -- وسيأتي بعض كلماتهم إن شاء اللّه تعالى.
فإن كان المراد من الوجود المجازيّ هي الماهيّات الاعتباريّة، فلا يمكن حينئذٍ إسناد الإيجاد إلى الماهيّات لا حقيقة ولا مجازاً؛ لأنّ الإيجاد فرع الوجود كما قلتم وليست الماهيّة وجوداً لا حقيقة ولا مجازاً، فإنّها قسيم الوجود، وقسيم الشيء لا يجامع الشيء، إلّا إذا التزمتم بإمكان اجتماع النقيضين أو الضدّين.
وإن كان المراد من الوجود المجازيّ وجود الماهيّة، فالوجود المضاف إلى الماهيّة هل هو غير الوجود المطلق أو نفسه؟
أمّا الأوّل فباطل قطعاً، لأنّ المقابل للوجود إمّا العدم وإمّا الاعتبار.
وأمّا الثاني فهو أيضاً غير معقول، لأنّ الوجود المطلق هو الوجود الحقيقيّ فكيف يسمّى بالوجود المجازيّ؟
محصّل كلام الصدرا والسبزواريّ هو: كما أنّ الوجود منسوب إلى زيد مع أنّه من تطوّرات الوجود المطلق كذلك يصحّ إسناد الفعل إليه مع أنّه من تطوّرات الباري تعالى.
فنقول: هل المراد من زيد المنسوب إليه الوجود هو الوجود أم الماهيّة أو العدم؟ وأنّه ما معنى إسناد الوجود إلى زيد؟ فإنّه على الوحدة الإطلاقيّة لا يوجد زيد ولا عمرو حتّى يسند إليهما شيء، وعلى التشكيك في الماهيّة فإنّ الماهيّة أمر اعتباريّ والحدود ترجع للعدم ولا معنى لوجود الماهيّة ووجود زيد وعمرو، حيثأنّ زيد وعمرو ليسا سوى الماهيّة فما معنى إسناد الوجود إلى الأمر العدمي والاعتباريّ.
إن قلت: إنّ وجود الماهيّة من مراتب الوجود، فإنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب. كما قال:
كون المراتب في الاشتداد * انواعاً استنار للمراد(1)
1) 1177.. المنظومة، ج2، ص62.
وقال:
الفهلويّون الوجود عندهم * مراتباً غنىً وفقراً تختلف
حقيقة ذات تشكّكٍ تعم * النور حيثما تقوّى وضعف(1)
قلت: مضافاً إلى أنّ القول بالتشكيك مخالف لما ذهب إليه العرفاء الموسومون بالشامخين، وأدقّاء علماء البشر المسمّون عندهم بأولي الألباب والبصيرة -- كما لا يخفى على من تتبّع كلماتهم -- فإنّ هذا القول لا دليل عليه وهو باطل لأنّه بناءاً على أنّ الحقيقة ليست إلّا الوجود، وبناءاً على كونه حقيقة واحدة لا ثاني له ولا ضدّ له، لا يبقى معنى لكونه ذات مراتب لأنّه بناءاً على هذا لابدّ أن يكون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز، وما به الوحدة هو ما يحصل به الكثرة، وهذا غير معقول لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومع غضّ النظر عن جميع ذلك نقول: إنّ ما ذكره السبزواريّ من «أنّ الشيء لم يوجد متى لم يوجدا»، ليس له معنى معقول حتّى بناءاً على أصالة الوجود ووحدته مطلقاً -- سواء كانت الوحدة إطلاقيّة أم تشكيكيّة -- لأنّ الشيء الموجود إمّا أن يراد به الماهيّة الموجودة كما هو الظاهر منه، فالماهيّة لا توجد شيئاً كما مرّ توضيحه.
وإمّا أن يراد به الوجود كما صرّح بعضهم بأنّ الشيء بحقيقة الشيئيّة والموجود الحقيقيّ هو الوجود لا غير، فقال:
كيف وبالكون عن استواء * قد خرجت قاطبة الأشياء(2)
فلا معنى لكون الوجود موجِداً لغيره، فهل يعقل أن يكون الوجود موجِداً للعدم؟ أو هل يعقل أن يكونالوجود موجِداً للمهيّة التي ليست إلّا اعتباراً صرفاً وعدماً محضاً؟
والحاصل: أنّه بناءاً على أصالة الوجود ووحدته، لا يكون للإيجاد معنى معقولاً، لأنّه بناءاً على الوحدة الإطلاقيّة ليس إلّا حقيقة واحدة شخصيّة وما سواها أوهام يتوهّمها الجاهل. وبناءاً على الوحدة التشكيكيّة فلا معنى لأن تكون مرتبة من الوجود سبباً لوجود
مرتبة أخرى، ولا معنى لأن يكون الوجود موجِداً للوجود، فإنّ المرتبة ليست لها حقيقة.
فالحقّ الحقيق والقول السديد ما أوضحناه من أنّ اللّه تعالى خلق ما سواه، وأنّه تعالى هو القيّوم له وما سواه قائم به، كما أنّه تعالى قائم بذاته، ثمّ إنّه تعالى ملّكه العلم والقدرة مع كونه تعالى أملك بما ملّكه، فيكون العبد قادراً على الأفعال الاختياريّة الصادرة عنه وله أن يوجِدها بالقدرة التي ملِكَها بتمليك اللّه تعالى، فهو مخلوق كائن بالغير حقيقةً وقادر على أفعاله الاختياريّة حقيقةً بالقدرة الحقيقيّة، إلّا أنّ كيانه وقدرته وعلمه وحياته وسائر كمالاته تكون باللّه تعالى الذي هو القيّوم والعالم والقادر والحيّ والكائن بذاته القدّوس.
نعم هو أولى بحسناتنا منّا ونحن أولى بسيّئاتنا منه وقد مرّ بيانه.
هذا، وقد تبعه مقولة الأسفار والمنظومة جمع ممّن تأخّر عنهما في هذه المقالة الفاسدة بعبارات مختلفة ولكن مؤدّاها واحد.
قال بعض المعاصرين:
فتحصّل أنّ الحسنة لكونها كمالاً وجوديّاً لابدّ وأن يستند إلى الكامل بالذات، والسيّئة لكونها نقص كمال وفقدان جمال لابدّ وأن يستند إلى الفاقد للكمال؛ وهو الإنسان العاصي المتحوّل في حيطة قدرته تعالى بلا تفويض، لأنّ استحالة التفويض على مشرب التوحيد الأفعاليّ أظهر لوضوح امتناع تفويض الأمر الخارجيّ إلى صورة مرآتيّة لا حقيقة لها عدا حكاية ذي الصورة.
كما أنّ امتناع الجبر على هذا المشرب أيضاً أبين، لأنّ الإكراه إنّما يتصوّر فيما يكون هناك شيء موجودله اقتضاء وإرادة، وأمّا الصورة المرآتيّة التي لا واقعيّة لها عدا الإرائة والحكاية فلا مجال لفرض إكراهها وجبرها، كما أنّها لا مجال أيضاً لتفسير المنزلة بين المنزلتين على منهج الحكماء من توجيه العلّة القريبة والمتوسّطة والبعيدة، إذ لا علّيّة للصورة المرآتيّة أصلاً حتّى يبحث عن كونها قريبة أو لا.
ولذلك يظهر أمر آخر وهو أنّ عدّ التوحيد الأفعاليّ في سياق أقوال الأشاعرة المجبّرة والمعتزلة المفوّضة والحكماء الإماميّة القائلة بالأمر بين الأمرين غير منسجم، لأنّ الإنسان وغيره من الممكنات على المباني الثلاث الأوّل كوجود
خارجيّ حقيقةً وإن كان وجوده ضعيفاً وفقيراً أو فقراً وربطاً محضاً لا ذات له إلّا الربط إلى الواجب الغنيّ المحض، إلّا أنّه في المشرب الرابع وهو التوحيد الأفعاليّ المبحوث عنه في العرفان النظريّ المشهود في العرفان العمليّ، لا وجود له إلّا مجازاً بحيث يكون إسناد الوجود إليه إسناداً إلى غير ما هو له، نظير إسناد الجريان إلى الميزاب في قول من يقول: «جرى الميزاب» لأنّ الموجود الإمكانيّ على هذا المشرب صورة مرآتيّة لا وجود لها في الخارج وهي مع ذلك تحكي ذا الصورة حكاية صادقة.
فحينئذٍ يصير معنى نفي الجبر والتفويض عن تلك الصورة وإثبات المنزلة الوسطى بين طرفي الإفراط والتفريط من باب السالبة بانتفاء الموضوع في الأوّلين، ومن باب المجاز في الإسناد في الثالث لأنّ القول بأنّ تلك الصورة الحاكية التي لا وجود لها في الخارج ليست مجبورة ولا مفوّضاً إليها قضيّة سالبة بانتفاء موضوعها. والقول بأنّ تلك الصورة التي لا وجود لها في العين مختارة في فعلها قضيّة يكون إسناد محمولها إلى موضوعها مجازاً عقليّاً، وإسناده إلى الفاعل الحقيقيّ الموجود بالذات رفيع الدرجات ذي العرش حقيقيّ، لأنّ جميع الأشياء العينيّة درجات فاعليّة ذلك الفاعل الحقيقيّ السبّوح عن الحلول في الخلق القدّوس عن الاتّحاد معه.(1)
وقال بعض آخر:
أنّ التعيّنات والمظاهر التي توحي بالكثرة في النظر البدوي إنّما تكون مقهورة للوحدة، وليست هي إلّا التدليّات الصرفة والروابط المحضة. بل في الحقيقة ليس عندنا ظاهر ومظهر ومتجلٍ و مجلى، وإن قال العرف بالامکان فإنّما يقصدون الوجودات الربطيّة المحضة الى قيّمها وقيومها.(2)
تعيّنات و مظاهر كه به ظاهر كثرتآور است، مقهور در وحدت و تدلّيات صرفهاند و روابط محضه، بلكه در حقيقت ظاهر و مظهر و متجلّی و مجلا هم نيست و اگر عارف گويد امكان يعنی وجودات ربط محض به قيّم و قيّوم خودند.
ثمّ قال في الهامش:
المرتبط يعني شيء متعلّق بشىء آخر كقولك كتابي، والحال إنّه لا يوجد شيء
مرتبط به وإنّما هي روابط محضة، نظير نسبة قوّة الباصرة إلى النفس التي هي من شؤون النفس، فلابدّ أن يقال ربط وليس مرتبط.(1)
مرتبط يعنی چيزی كه وابسته است مثل كتابِ من، ما چيز وابسته نداريم بلكه روابط محضه داريم مانند نسبت قوّۀ باصره به جان كه خود از شؤون جان است وبايد ربط گفت نه مرتبط.
وفي المرحلة الثالثة يقول:
وحينما تحدق النظر ترى أنّ ما في دار الوجود هو الوجوب والبحث عن الامكان إنّما هو للتسليّة واللعب.(2)
و چون به دقّت بنگری آنچه در دار وجود است وجوب است و بحث در امکان براى سرگرمى است.
وقال حاكياً عن محي الدين:
وإذا كان الأمر على ما قرّرناه فاعلم أنّك خيال، وجميع ما تدركه ممّا تقول فيه سوى خيال، فالوجود خيال في خيال.(3)
والمتحصّل من كلامهما: أنّ وجود الممكن إنّما يكون وجوداً ربطيّاً لا استقلال له، بل إنّ وجوده مرتبط بالواجب المتعال، وليس المراد من كون وجود الممكن وجوداً ربطيّاً أنّ الربط من الصفات العارضة على الممكن بحيث يكون للممكن وجود في مقابل وجود أصل الربط، ثمّ يعرض عليه الربط كعروض البياض على الجسم؛ بل إنّ الممكن عين الربط، بحيث لا يكون مع قطع النظر عن المرتبطين ربط، ولا يبقى عين ولا ذات.
ثمّ يترقّى ويقول: ليس الممكن شيئاً وموجوداً أصلاً، بل هو عدم بصورة الوجود كالصورة في المرآة. كما أنّ الصور الموجودة في المرآة إنّما تبيّن صاحب الصورة بما له من الخصوصيّات، وليس للصورة وجود حقيقة كذلك الموجودات الإمكانيّة إنّما تكون أعداماً ووجودها يكون كوجود الصورة في المرآة، كما قال شاعرهم: «ما عدم هاييم هستىها نما».(4)
وبالالتفات إلى هذا المطلب العرفانيّ يجب أن يقال: إنّ قضيّة «لا جبر ولا تفويض» إنّما تكون سالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى أنّه لا يبقى موضوع للجبر والتفويض. فلا جبر لأنّه ليس شيء كي يكون مجبوراً ومكرهاً، ولا تفويض لأنّه ليس بشيء كي يكون مستقلّاً في أفعاله. وأمّا قضيّة بل أمر بين الأمرين فهو إسناد إلى الفاعل المجازيّ وإسناد إلى غير ما هو له، كما يقال: جرى النهر، أو زيد منيع جاره. والإنسان إنّما يكون تجلّياً للربّ ومظهر له ولصفاته وكمالاته وخصوصيّاته، واختياره إنّما يكون تجلّياً لاختياره تعالى، بل بالنظر الدقّيّ لا يبقى متجلّى ومظهر للوجود أيضاً.
ويناسب المقام التعرّض لما ذكره الملّاصدرا حيثما قال:
تنبيه مشرقيّ [في أنّ وجوده تعالى وجود كلّ شيء]
وممّا ينبّهك على أنّ وجوده تعالى وجود كلّ شيء أنّ وجوده عين حقيقة الوجود وصرفه من غير شوب عدم وكثرة ... فإذن يجب أن يكون وجوده تعالى لكونه صرف حقيقة الوجود وجوداً لجميع الموجودات لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلنا أَحْصَاهَا(1)فلا يخرج من كنه ذاته شيء من الأشياء، لأنّه تمام كلّ شيء ومبدئه وغايته وإنّما يتعدّد ويتكثّر وينفصل لأجل نقصاناتها وإمكاناتها وقصوراتها عن درجة التمام والكمال فهو الأصل والحقيقة في الموجوديّة وما سواه شئونه وحيثيّاته وهو الذات وما عداه أسمائه وتجلّياته وهو النور وما عداه ظلاله ولمعاته وهو الحقّ وما خلا وجهه الكريم باطل كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إلنا وَجْهَهُ،(2)مَا خَلَقْنَا السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلنا بِالْ-حَقِّ(3)-(4)
والجواب عن هذه الأوهام أنّ العمدة في الإشكال على هذه الأوهام المنسوجة التي هي أهون من بيت العنكبوت، والأقاويل المزخرفة -- مع الغضّ عمّا فيها من التناقض صدراً
وذيلاً -- أمران:
أنّه بناءاً على ما ذكروه من أنّ قضيّة لا جبر ولا تفويض سالبة بانتفاء الموضوع، وأنّه ليس هناك حالّ ولامحلّ،ولا علّة ولا معلول، وليس هناك اثنينيّة كي يتحقّق موضوع الاتّحاد بل هناك وحدة شخصيّة جزئيّة والكثرات اعتبارات محضة ليست في الحقيقة إلّا أعدام، فما هو الأمر بين الأمرين؟ أو ما هو الموضوع لهذه القضيّة؟!
وما ذكروه في تفسير الأمر بين الأمرين من كون الإسناد إلى الفاعل المختار إسناداً مجازيّاً يخالف ما أصّلوه، فإنّ التجوّز في الإسناد لا يتصوّر ولا يعقل إلّا فيما إذا كان هناك اثنينيّة وتعدّد وتغاير بين الفاعل الحقيقيّ والفاعل المجازيّ، كي يكون الإسناد إلى أحدهما حقيقة وإلى الآخر مجازاً. أمّا مع وحدة الفاعل وعدم تعدّده فلامعنى لكون الإسناد حقيقيّاً أو مجازيّا.
وبناءاً على ما ذكروه من أنّ الكثرات أوهام وخيالات يتوهّمها ويتخيّلها الأحول، فلا تغاير بين الواجب والممكن في الحقيقة كي يقال إنّ إسناد الفعل إلى الواجب حقيقيّ وإلى الممكن مجازيّ.
إنّه بناءاً على ما ذكروه من أنّ إسناد الفعل إلى الواجب إسناد حقيقيّ وإلى الممكن إسناد مجازيّ -- يكون الواجب أولى بإسناد الأفعال إليه من الممكن -- فما معنى الحديث: «أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّ-ئاتك منّي»، بل الصحيح أن يقال: أنا أولى بجميع ما يصدر عنك من الحسنات والسيّئات!! والأصحّ أن يقال: إنّ الحسنات والسيّئات جميعها أفعال اللّه والعبد آلة لها.
ثمّ إنّه لا ينقضي عجبي من الذين يعتبرون أنفسهم من الآخذين بالمنهج العقليّ والبرهانيّ فيّ طي المباحث، ويَدّعون أنّ الطريق الوحيد في مقام استكشاف الحقائق هي الأقيسة الاصطلاحيّة التي سمّوها بالبرهان العقليّ كيف سوّغت لهم أنفسهم أن يستدلّوا
ويستندوا في مثل هذه المسألة الهامّة بشطر من شعر معلوم حال شاعره وبشعريّات لا تغني ولا تسمن من جوع.
وبطلان هذه المقالة ومخالفتها للفطرة السليمة في غاية الوضوح يجده كلّ عاقل ويظهر بالمراجعة إلى سيرتهم العمليّة وعليها يمضي العقلاء جميعاً حتّى الذين ذهبوا إلى هذه النظريّة الفاسدة.وأعجب من ذلك جهلهم بأسلوب المحاورة والتخاطب، هل المخاطبون للأئمّة(علیهم السلام) العارفون باللغة العربيّة كانوا يستظهرون من القضيّة السالبة: «لا جبر ولا تفويض» مع وجود القضيّة الموجبة بعده: «بل أمر بين الأمرين» انتفائهما لانتفاء موضوعهما؟ أي ليس للإنسان وجود كي يكون مجبوراً أو مختارا؟
فلو كانت قضيّة «لا جبر ولا تفويض» سالبة بانتفاء الموضوع فما معنى إثبات «الأمر بين الأمرين»، وهل أثبت الأئمّة(علیهم السلام) قضيّة «الأمر بين الأمرين» لموضوع معدوم؟!
مضافاً إلى أنّ الأخبار النافية للجبر والتفويض والمثبتة لاختيار العباد ليست جميعها بلسان النفي، بل شطر منها بلسان الإثبات، نظير ما روي من أنّه «من قال بالجبر فهو كافر ومن قال بالتفويض فهو مشرك»، وما روي في إثبات الأمر بين الأمرين بلسان إثبات القدرة للعباد وأنّها ملك للّه تعالى، نظير ما روي من أنّه تعالى «هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم»، وهكذا سائر الأخبار التي لا يمكن حملها على ما توهّموه.
ولا ريب أنّ فهم هذه الأوهام مشكل جدّاً للخواصّ، فكيف بعامّة المخاطبين، فضلاً عن استظهار الخواصّ وغيرهم هذه الأوهام من الأخبار الصادرة عن أئمّة الهدى(علیهم السلام) في حلّ عويصة الجبر والتفويض، ولذا نرى أنّ الذين عاشوا قبل صدرالدين الشيرازيّ بمئات سنين ما استظهروا -- على حسب زعم صدرالدين ومن يحذو حذوه -- هذه الأوهام من الأخبار إلى أن جاء دوره هو واخترع هذه النظريّة وهذا يدلّ على عدم ظهور الأخبار في مدّعاه وإلّا لفهمه من كان قبله.
فهل بيّن الأئمّة(علیهم السلام) حقيقة الأمر بين الأمرين بحيث لا يفهمه أحد من مخاطبيهم إلّا بعد
ألف سنة؟ بل لو كان الحقّ كما زعمه هؤلاء لكان كلام الأئمّة(علیهم السلام) إغراءً بالجهل، لأنّه من القطعيّ أنّ أحاديثهم لا يسوق المخاطب الخالى الذهن إلّا إلى خلاف ما رام هؤلاء إثباته.
ثمّ إنّه لو لم يكن لوجود الإنسان حقيقة وواقعيّة وكان كالصورة في المرآة وكالظلّ لذي ظلّ، وكانت تعيّناته ماهيّات عدميّة واعتباريّة؛ هل يعقل تكليف هؤلاء الأعدام ومؤاخذتهم وإجراء الحدود عليهم؟
أو هل يعقل الثواب والعقاب في حقّهم؟فإنّه إن يكن الأمر كما ذكروه، فيجب أن نعتبر الشرع والدين والتكاليف والأمر والنهي والثواب والعقاب والوعد والوعيد، وبعثة جميع الأنبياء والرسل، عبثاً ولغواً ولعباً وسخريّاً، ونفترى على باعث الأنبياء ومنزل الكتب ونقول إنّ كلامه كذب وزور! كيف يرسل الرسل واحداً تلو الآخر ويأمر وينهى ويبشّر ويحذّر، ويأمر المسلمين بقتل الكافرين والبرائة منهم، والحال أنّه ليس أحداً يأتمر وينتهى أو يؤمن ويكفر إلّا الأعدام والأظلّة والماهيّات؟! تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون المفترون علوّاً كبيرا.
فلو كان الأمر كما يزعمون فمن الآمر ومن المأمور؟ ومن الزاجر ومن المزجور؟ ومن العابد ومن المعبود؟
هل المأمور والعابد أوهام وخيالات يترائى بعين الأحول، ثمّ تعلّق التكليف بهذه الخيالات والأوهام. كما يقول هذا البعض:
ما يلحظ من الكثرات ليس سوى اللحاظات والاعتبارات، فالوجود الواحد هو حقيقة شخصيّة واحدة لكنّما نراه بظهورات عديدة ... لا فرق بين موج وآخر في حقيقته الشخصيّة المائية ...
لا تكن أحول فإنّ المسمّى ليس سوى واحد لكن سميّناه بأسماء عديدة.(1)
کثراتى که ملحوظ مىشوند به مبناى عرفان جز لحاظات و اعتبارات چیز دیگرى نیست، همان یک وجود حقیقت واحدۀ شخصیّه را به ظهورات عدیده مىنگریم ... هیچ موجى با موج دیگر در حقیقت واحدۀ شخصیّۀ آب بودن تفاوت ندارد ... .
مشو احول مسمّى جز یکى نیست اگ--ر چ--ه م-ا بسى اسما نهادیم
1) 1190.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص156:
وقد صرّح بعضهم بمفاد ما ألزمناهم به من دون حياء، فقال مخبراً عن ربّ العزّة:
فيحمدني وأحمده * و ي--عب-دني وأعبده
قال القيصريّ: ... إنّ اطلاق العبادة على الربّ وإن كان شنيئاّ ويعتبر نوعاّ من سوء الأدب في الظاهر، ولكن متى ما غلب على قلب العارف أحكام التجليّات الإلهيّة تخرجه عن طور العقل ودائرة التكليف، فلا يقدر القلب على مراعاة الأدب، فيكون الأدب في ترك الأدب. (1)
قیصرى گوید: ... اطلاق عبادت بر حقّ اگر چه شنیع است. در ظاهر نوعى سوء ادب است، و لکن چون احکام تجلّیات الهیّه بر قلب عارف غلبه کرد او را از دایره تکلیف و طور عقل به در مىبرد که قلب اصلاً قادر به مراعات ادب نیست و در این هنگام ترک ادب خود ادب است.
هؤلاء الجهّال المساكين، قطّاع طريق السالكين إلى اللّه -- على حدّ تعبير الإمام(علیه السلام) -- يؤول أمرهم وغاية أوهامهم إلى أن يصرّحوا بأنّ عبادة الأصنام من أسرار الولا ية الباطنيّة، كما قال ابن العربي:
وكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأنّ اللّه قد قضي إلّا يعبدإلّا إيّاه، وما حكم اللّه بشيء إلّا وقع، فكان موسى عتب أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه، فإنّ العارف من يري الحقّ في كلّ شيء بل يراه عين كلّ شيء.
ويقول هذا البعض معلّقاً على كلامه:
غرض الشيخ من بيان هذه المسائل في الفصوص والفتوحات وسائر زبره وكتبه هو بيان أسرار الولاية والباطن لمن يكون من أهل السرّ ولو أنّ المقرّر بحسب نبوّة التشريع منع عموم الناس عن عبادة الأصنام، كما أنكرها الأنبياء.(2)
كما قال القيصري:
1) 1191.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص160:
2) 1192.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص514:غرض شیخ در اینگونه مسائل در فصوص و فتوحات و دیگر زُبُر و رسایلش بیان اسرار ولایت و باطن است برای کسانی که اهل سرّند هر چند به حسب نبوّت تشریع مقرّر است که باید تودۀ مردم را از عبادت اصنام باز داشت؛ چنانکه انبیاء اصنام را انکار فرمودهاند.
واعلم، أنّ هذا الكلام وإن كان حقّاً من حيث الولاية والباطن، لكن لا يصحّ من حيث النبوّة والظاهر. فإنّ النبيّ يجب عليه إنكار العبادة لأرباب الجزئيّة، كما يجب عليه إرشاد الأمّة إلى الحقّ المطلق، لذلك أنكر جميع الأنبياء عبادة الأصنام وإن كانت مظاهر للهويّة الإلهيّة.(1)
والمتحصّل من هذا الكلام أنّ الحقّ والسرّ وإن كان في عبادة الأصنام إلّا أنّه يجب علينا إخفاء هذه الحقيقة عن العوامّ وإغرائهم إلى خلاف الحقّ، كما صنعه الأنبياء العظام!! جلّت ساحة قدسهم عن هذه الأوهام. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ.(2)
وقال ابن عربي أيضاً:
وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى، كما قال: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ،(3)فهو أعظم معبود فإنّه لا يعبد شيء إلّا به، ولا يعبد هو إلّا بذاته، فيه أقول:
وح-قّ ال-هوى إنّ الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى
ألا ترى علم اللّه بالأشياء ما أكمله كيف تممّ في حقّ من عبد هواه واتّخذه إلهاً، فقال: وأضلّه على علم، والضلالة الحيرة.
ثمّ قال هذا البعض شارحاً لكلامه:
إنّ أعظم مجلى يعبد فيه اللّه وأعلاه هو الهوى كما قال تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ، فالهوى أعظم معبود، لأنّه لا يعبد معبود إلّابالهوى، والهوى لا يعبد إلّا بذاته ... قال الشارح القيصريّ عن الشيخ في الفتوحات: إنّي رأيت الهوى في بعض مكاشفاتي وهو ظاهر بالألوهيّة وقاعد على عرش، وقد أحاطه جميع عبّاده وأقاموا عنده، وإنّى ما رأيت في الصور الكونيّة معبوداً أعظم من الهوى.(4)
1) 1193.. شرح فصوص الحكم، ص 1096.
2) 1194.. الأنبیاء21.، الآیة 67.
3) 1195.. الجاثیة45.، الآیة 23.
4) 1196.. ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم، ص519؛ والعبارة موجودة في شرح القيصريّ للفصوص، ص 421. بزرگترین و عالیترین مجلا که خدا در آن معبود شود هوى است چنانچه فرمود: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ، پس هوى بزرگترین معبود است، زیرا هیچ معبودى واقع نمی شود مگر به هوى، و هوى معبود نیست مگر به ذات خود ... شارح قیصرى گوید: شیخ در فتوحات گفته است: من در بعضى از مکاشفات هوى را مشاهده کردم که به الوهیّت ظاهر شده و بر عرشى نشسته است، و جمیع عبادت کنندگانش اطراف او را احاطه کردهاند و نزد او ایستادهاند، و من در صور کونیّه هیچ معبودى را بزرگتر از هوى مشاهده نکردم.
فمرحباً مرحباً بهذا الدين، وبخٍّ بخٍّ بهؤلاء المتأوّلين، ما أجرأهم على الواحد القهّار، المتكبّر الجبّار، والتلاعب بكلامه! حتّى جعلوا الهوى إلههم فعبدوه، وأصبحت عبادتهم إيّاه من أعظم العبادات وأفضل القربات! وقد قال أمير المؤمنين(علیه السلام):
إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى وطول الأمل.(1)
و زهٍ زهٍ بأولئك المتحلّين بأبراد العرفان، الناشرين للفساد، واللاعبين بآيات الكتاب، الهاجمين على ناموس الإسلام، وقدس صاحب الرسالة، الخارجين عن طوع الكتاب والسنّة، الداخلين في طوع الهوى والإبليس، فأوردهم موارد الكفر والزندقة والإلحاد.
فليت شعري كيف سوّغت لهم أنفسهم أن ينسبوا هذه الأباطيل إلى الإسلام وبأيّ وجه كتبوا أُموراً تنزّه ساحة المجرمين عن دنس الفجور والنفاق، وتبرّىݘ التابعين لهواهم عن رجس الذنوب والآثام، وتجعل المحسن والمسيء، والمبطل والمحقّ، والطيّب والخبيث، عكمَي(2)بعير. وتضلّ الأُمّة عن رشدها بأمثال هذه الكلم التافهة، والدعاوي الفارغة، والآراء الساقطة، وتصغّر في عين المجتمع الدينيّ تلكم الجنايات العظيمة على اللّه وعلى رسوله وكتابه وسنّته، وخليفته وعترته ومواليهم.كَبُرَتْ كَلِمَةً تَ-خْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلنا كَذِباً.(3)
لعلّ القرآن المتواجد عند هذا البعض قد سقط عنه تتمّة الآية الكريمه؛ إذ الموجود في مصاحف المسلمين: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.(4)
أو لعلّهم -- كعادتهم في اللّعب بآيات الكتاب والسُّخرية بصاحبه -- جعلوا الإنذار تبشيراً، والترهيبتشويقاً، وقلّبوا الذمّ مدحاً، والوعيد وعداً. حسبهم ما هدّدهم الباري تعالى من إضلالهم والختم على سمعهم وجعل الغشاوة على أبصارهم بعد ما تبيّن لهم الحقّ وعلموه، كما قال أميرالمؤمنين(علیه السلام) مستشهداً بهذه الآية:
فكيف آسى على من ضلّ عن الحقّ من بعد ما تبيّن له.(1)
وليست هذه بأوّل قارورة كسرت في الإسلام؛ ففي تفسير عليّ بن إبراهيم: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ قال:
نزلت في قريش، كلّما هووا شيئاً عبدوه وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ أي: عذّبه على علم منه فيما ارتكبوا من أميرالمؤمنين(علیه السلام)، وجرى ذلك بعد رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) ممّا فعلوه بعده بأهوائهم وآرائهم، وأزالوا الخلافة والإمامة عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) بعد أخذ الميثاق عليهم مرّتين لأميرالمؤمنين(علیه السلام).(2)
وقال هذا المعاصر أيضاً:
یقول القيصريّ: ... إمّا بالنسبة للمشركين الذين عبدوا غير الله من الموجودات فينتقم منهم المنتقم، لأنّهم حصروا الحقّ فيما يعبدونه وجعلوا الإله المطلق مقيّداً. لكن من جهة أنّ معبودهم هو عين وجود الحقّ الذي ظهر في هذه الصورة فلا يعبدون إلّا الله، فرضی الله عنهم من هذا الوجه، فيصير عذابهم عذبا. قال الشيخ الشبستريّ:
أيّها العاقل فإنّ الصنم * ليس باطلاً من حيث الوجود
إعلم إنّ الله تعالى خَلَقَه * و كلّما يصدر من المحبوب محبوب
مهما يكون الوجود فهو خير محض * وإن كان هناك شرّ فهو من الغير
فلو علم المسلم ما هو الصنم * لعلم أنّ التديّن في عبادة الاصنام
ولو علم المشرك ما هو الصنم * لم يضلّ في دينه
وعلى الرغم من أنّ العذاب للكافرين عذاب عظيم، لكنّهم لا يتعذبّون بالعذاب،
لأنّهم راضون به، لأنّه مقتضى استعدادهم كالطين الموجود في قعر التنور الذي يفتخر بفعله ... والعذاب ليس مخلداً على أهله من حیث هو عذاب.(1)
قیصری مىفرماید: ... امّا نسبت به مشرکان که غیر خداوند از موجودات را پرستش مىکنند، پس منتقم از آنها انتقام مىگیرد؛ زیرا که آنان حق را محصور کردهاند در آنچه که او را پرستش کردند وإله مطلق را مقیّد قرار دادند. اما از آن جهت که معبودشان عین وجود حقّ است که در این صورت ظاهر شده است پسپرستش نمىکنند مگر خدا را، «فرضی اللّه عنهم من هذا الوجه»، پس عذابشان در حقّ ایشان عذب مىگردد. شیخ شبسترى گوید:
نکو ان--دیشه ک----ن اى مرد ع---اقل که بت از روی هستى نیست ب---اطل
بدان ک---ایزد تع---الى خ-الق اوست زنیکو هر چه صادر گشت نی-کو است
وجود آنجا که باشد محض خیر است اگ-ر ش-رّى است در وى او زغیر است
مسلم--ان گر بدانستى که بت چیست بدان-ستى که دین در بت پرستى است
وگ---ر مش--رک ز ب---ت آگ--اه گشتى کج---ا در دی--ن خود گم---راه گشتى
و با اینکه عذاب نسبت به کافران نیز اگر چه عذاب عظیم است، لکن ایشان به عذاب معذّب نمىشوند؛ زیرا به آنچه در آنهاست راضىاند، براى اینکه استعدادشان همین را طلب مىکند، مانند گلخنتاب که به کار خود افتخار مىکند ... و عذاب از آن جهت که عذاب است بر اهل آن مخلّد نیست.
ولعمري إنّ هذا الكلام أعظم بشارة للكفّار والملحدين، ألا فليستقيموا على طريقتهم، فإنّهم لا يعذّبون بالعذاب بل يلتذّون به مع أنّه منقطع عنهم، واللّه راض عنهم. وعليهم أن لا ينخدعوا بتوعيدات الأنبياءوتهديدات القرآن من أنّ اللّه أعدّ للظالمين ناراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقا،(2)وإِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى،(3)وأنّه يقال فيهم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْ-جَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ؛(4)فجميع هذه التخويفات مكر وخدعة، ذلك أنّ العذاب -- على ما توهّموه -- يكون عذباً في حقّهم، وهم لا يعذّبون به بل يلتذّون، فلا يغرنّهم مكر الأنبياء وخدعتهم! هنيئاً لهم الجحيم!
وعلى ما سلكوه يكون طرح المباحث العميقة الاعتقاديّة كالبحث عن الإرادة والخلقة، والجبر والتفويض، والحدوث والقدم، والتكاليف والأوامر والنواهي، وغير ذلك ممّا صرف آلاف من العلماء أوقاتهم في البحث عنه وحلّه ونقده عبر القرون المتوالية غلطاً ولهواً ولعباً؛ كما أنّه تكون كلمات الأئمّة المعصومين عليهم أفضل صلوات المصلّين في هذه المباحث إخفاءً للحقّ الذي وصل إليه العرفاء الموسومون بالشامخين. جلّت ساحة قدسهم عن ذلك.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلَامِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1) ووَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلنا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُ-جَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّ-خَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوا.(2)
وعلى أيّ حال إنّهم لم يأتوا على مدّعاهم في تفسير الأمر بين الأمرين بدليل، ولم يقيموا عليه برهاناً، بل مشوا في شعريّاتهم على فرضيّة أصالة الوجود ووحدته واعتباريّة الماهيّة، وقد عرفت ما يرد على مقالتهم في توضيح الأمر بين الأمرين حتّى على ذلك المبنى الفاسد. وقد بحثنا حول كلّ واحدة من هذه المفردات في محلّها وهدمنا بنيانها حتّى صارت كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف فلم يقدروا على شيء.
وفي الختام يهمّنا نقل الأحاديث الصادرة عن المعصومين من ردّ الفلسفة والتصوّف -- ولو اختصاراً -- حتّى يَعْرف القارئ بينونة مدرسة أهل البيت(علیهم السلام) مع ما جاء به علماء البشر ونسجته أفكارهم.
قال مولانا الصادق صلوات اللّه عليه في رواية توحيد المفضّل:
فتبّاً وخيبة وتعساً لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتّى أنكروا التدبير والعمد فيها ... .
ولقد قال قوم من جهلة المتكلّمين وضعفة المتفلسفين بقلّة التميّز وقصور العلم: لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ألم يكن أصلح من أن يكون مصمّتاً محجوباً عن البصر واليد، لا يعرف ما فيه إلّا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحسّ العرق وما أشبه ذلك ممّا يكثر فيه الغلط والشبهة حتّى ربّما كان ذلك سبباً للموت. فلو علم هؤلاء الجهلة أنّ هذا لو كان هكذا كان أوّل ما فيه أنّه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت و ... .
واعلم يا مفضّل إنّ اسم هذا العالم بلسان اليونانيّة الجاري المعروف عندهم قوسموس وتفسيره الزينة، وكذلك سمّته الفلاسفة ومن ادّعى الحكمة، أفكانوا يسمّونه بهذا الاسم إلّا لما رأوا فيه من التقدير والنظام؟ فلم يرضوا أن يسمّوه تقديراً ونظاماً حتّى سمّوه زينةً ليخبروا أنّه مع ما هو عليه من الصواب والاتقان على غاية الحسن والبهاء. أعجب يا مفضّل من قوم لا يقضون صناعة الطبّ
بالخطأ وهم يرون الطبيب يخطئ، ويقضون على العالم بالإهمال ولا يرون شيئاً منه مهملاً. بل أعجب من أخلاق من ادّعى الحكمة حتّى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذمّ للخالق جلّ وعلا. بل العجب من المخذول ماني حين ادّعى علم الأسرار وعمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتّى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل تبارك الحليمالكريم. وأعجب منهم جميعاً المعطّلة الذين راموا أن يدرك بالحسّ ما لا يدرك بالعقل فلمّا أعوزهم ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب ... .
فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلك كثرت الأقاويل فيها، واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها،فقال بعضهم هو فلك أجوف مملوء ناراً، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون هو سحابة، وقال آخرون جسم زجاجيّ، يقبل ناريّة في العالم، ويرسل عليه شعاعها، وقال آخرون هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر، وقال آخرون هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة. ثمّ اختلفوا في شكلها، فقال بعضهم هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون هي كالكرة المدحرجة. وكذلك اختلفوا في مقدارها، فزعم بعضهم أنّها مثل الأرض سواء، وقال آخرون بل هي أقلّ من ذلك، وقال آخرون بل هي أعظم من الجزيرة العظيمة، وقال أصحاب الهندسة هي أضعاف الأرض مائة وسبعين مرّة. ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس، دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر، ويدركها الحسّ، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف ما لطف عن الحسّ واستتر عن الوهم؟.(1)
ولابدّ من التأمّل في مقاطع من الحديث الشريف:
الأولى: من الواضح أنّ الذين يصفهم الإمام(علیه السلام) بالجهل والضعف وقصور العلم وإنكار العمد والتدبير في العالم والاعتراض على حكمة اللّه والعمى عن أسرار الحكمة في الخلق والاختلاف الشديد في أقوالهم، إنّما هم الفلاسفة من اليونانيّن المؤسّسين لهذا العلم
1) 1209.. التوحید المفضل، ص69 - 179(المجلس الرابع)؛ بحارالأنوار، ج3، ص75-148، ح1.
لا الملحدين المنكرين. فإنّك ترى أنّ الإمام(علیه السلام) يقابل بين الفلاسفة والمعطّلة ويجعل المعطّلة فريقاً آخر غير الفلاسفة.
الثانية: لا يخفى أنّه على ما سلكت الفلاسفة والعرفاء من «أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد»، وأنّه «لا يصدر من الواحد إلّا الواحد»، والقول بأنّ فاعليّة الربّ السبّوح القدّوس بالرشح والفيضان والتطوّر، أو العلّيّة التامّة المقابل للإرادة، وإرجاع الإرادة إلىالعلم وكونها من صفات الذات، والالتزام بالنظام الأحسن، لا يبقى قدرة ولا عمد ولا اختيار للباري جلّ شأنه، بل يكون خلق العالم كصدور الحرارة عن النار بلا عمد ولا اختيار، بل على مسلك العرفاء لا ينبغي أن نسمّيه بالخلق والإبداع فإنّه تطوّر وتشؤّن. وقد بيّنا ذلك سابقاً.
وعليه فلا يرد علينا بأنّ توبيخ الإمام(علیه السلام) إنّما يكون في حقّ الفلاسفة المادّيّين لا الفلاسفة المتألّهين، لأنّهم أيضاً ينكرون التدبير والعمد على ضوء ما أوضحناه من مقالاتهم بل ينكرون الخالق والمخلوق فليس في الدار غير ديّار. (1)
الثالثة: إنّ الإمام(علیه السلام) إنّما يستدلّ باختلافهم الشديد في المحسوسات على جهلهم وعدم إحاطتهم العلميّة بها، وهذه آية نيّرة وبرهان واضح على عدم العصمة في طريقهم إلى كشف ما يعجز العقول عن الوقوف على حقيقته ولطف الحسّ عن إدراكه. وهذا البرهان من الإمام(علیه السلام) حجّة قاصمة لظهر الفلاسفة والعرفاء وجميع علماء البشر الذين راموا أن يعرفوا اللّه تعالى من غير طريق الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام)، إذ مع اختلافهم في أبسط الأمور كيف يعتمد عليهم في السلوك إلى اللّه تعالى الذي عجزت الحواسّ عن أن تدركه والأوهام أن تحيط به، فأخذ العلم ممّن قام البرهان على جهله وعدم إحاطته بالحقائق ممنوع وسلوك طريقه محرّم عقلاً، فلو لم يعتن المتحرّي بنداء العقل وسلك طريقهم وتلمّذ عندهم فابتلي بمغالطاتهم وشبهاتهم واعتقد خلاف الحقّ ولو بعد القطع به لا يكون له عذر وحجّة عند اللّه تعالى، بل الحجّة للّه عليه في أخذه العلم ممّن علم أنّه ضالّ. قال اللّه تعالى:وَلَوْ
1) 1210.. لمزید من الإطلاع علی هذه المباحث راجع کتاب: توحید الامامیة (الفصل الأوّل)؛ میزان المطالب (الباب الرابع)؛ السنخیّة أم الإتحاد و العینیّة أم التباین؟
كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً.(1) الرابعة: لا ريب أنّ مستقى الفلسفة المتواجدة بأيدينا ومنشأها ومبدئها -- رغم تعدّد المذاهب والمشارب فيها، ورغم تقمّصها بعناوين إلهيّة وقدسيّة، وعدم إعلانها المخالفة مع الأنبياء صريحاً كما كان يصنع الأوائل منهم،(2)ومحاولتهم تطبيق الشرع على أسسهم حتّى سمّوه فلسفة إسلاميّة وحكمة إلهيّة -، هي الفلسفة والعرفان الإغريقيّة، وهذه الفلسفة هي بعينها موضوع كلام الإمام(علیه السلام) وموضوع أدلّته الشافيةعلى إبطال مرامهم وحرمة الأخذ عنهم. وأنت ترى أنّ الإمام(علیه السلام) إنّما يُبطل أساس كلامهم ويحكم عليهم بالتعس والخيبة من أجل أنّهم يرون الفلسفة مدرسة لرؤية الحقائق، لا أنّه يناقش في مدرسة فلسفيّة كي يثبت حقانيّة مدرسة فلسفيّة أخرى، بل كلامه(علیه السلام) عامّ شامل لكلّ من أستغنى عن الأنبياء ورام إدراك الحقائق بنفسه ولأجل الإعراض عن الأنوار الإلهيّة سيّما النور الأعظم رسوله المجتبى وأمينه المرتضى وأهل بيته(علیهم السلام) تحيّر وصادف الآراء المتشتّة والاختلافات الشديدة. وإذا كان هذا حال أساس طريقة ومذهب وجذوره فما ظنّك بتطوّره وآفاقه.
وممّا يزيد ذلك وضوحاً أنّه من المرتكز في أذهان المتشرعّة هو مباينة مسلك الفلاسفة بقول مطلق لأهل الملّة ومضادّتهم للشرايع السماويّة، وقد أفتى علمائنا بما يشير إلى مناقضة الفلسفة بشتّى أنواعها وأقسامها للأديان السماويّة فانتظر ما نتلوه عليك من كلماتهم.
عن أبي محمّد العسكريّ عن عليّ بن الحسين زين العابدين(علیهم السلام) أنّه قال:
كان أميرالمؤمنين(علیه السلام) قاعداً ذات يوم، فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة والطبّ، فقال له: يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك وأنّ به جنوناً، وجئت لأعالجه ... .
وبعد ما رأى المعجزات من الإمام(علیه السلام) في انهدام نظام طبّه، ورأى حكمه(علیه السلام) بانتشار نخلة وانفصال أجزائها في الهواء ثمّ جمعها وتركيبها كما كانت، ثمّ تقليبها من خضرة إلى صفرة وحمرة ورطوبة وبلوغ، قال له الإمام(علیه السلام):
إنّك إن أكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر لك من عجائبها، عجّل اللّه عزّوجلّ إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه وجهّالها.
فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، وتناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه فأمرني بما تشاء أطعك.
قال عليّ(علیه السلام):آمرك أن تقرّ للّه بالوحدانيّة، وتشهد له بالجود والحكمة وتنزّهه عن العبث والفساد، وعن ظلم الإماء والعباد ... .(1)
الظاهر من الحديث أنّ الفيلسوف اليونانيّ كان منكراً للوحدانيّة وما كان يشهد للّه بالجود والحكمة وكان ينسب إليه العبث والفساد وظلم الإماء والعباد. وهذا موافق للاعتبار وهذه هي مقالة جلّ الفلاسفة والعرفاء -- وإن لم يكونوا ملتفتين بلوازم مقالاتهم ولم يلتزموا بها -- حيث قالوا بوحدة الوجود والجبر وهذان المعتقدان ممّا يستلزم منهما اللغويّة والعبث والظلم والفساد كما مرّ التنبيه عليه.
عن الإمام الحسن العسكريّ(علیه السلام)، أنّه قال لأبي هاشم الجعفريّ:
يا أبا هاشم، سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة، وقلوبهم مظلمة متكدّرة (منكدرة)، السنّة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنّة، المؤمن بينهم محقّر، والفاسق بينهم موقّر، أمراؤهم جاهلون جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدّمون على الكبراء، وكلّ جاهل عندهم خبير، وكلّ محيل عندهم فقير، لا يميّزون بين المخلص والمرتاب، لا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق اللّه على وجه الأرض، لأنّهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف، وأيم اللّه إنّهم من أهل العدول والتحرّف، يبالغون في حبّ مخالفينا، ويضلّون شيعتنا وموالينا، إن نالوا منصباً لم يشبعوا عن الرشاء، وإن خذوا عبدوا اللّه على الرياء، ألا إنّهم قُطّاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم،
1) 1213.. الاحتجاج، ج1، ص238؛ بحارالأنوار، ج10، ص70، ح1.
وليصن دينه وإيمانه، ثمّ قال: يا أبا هاشم هذا ما حدّثني أبي، عن آبائه جعفر بن محمّد(علیهم السلام)، وهو من أسرارنا، فاكتمه إلّا عن أهله.(1)
المولى العلّامة الأردبيلي في حديقة الشيعة قال: وبالسند الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا(علیه السلام)، أنّه قال:من ذكر عنده الصوفيّة ولم ينكرهم بلسانه وقلبه، فليس منّا، ومن أنكرهم، فكأنّما جاهد الكفّار بين يدي رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم).(2)
وفي الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن الرضا(علیه السلام)، أنّه قال:
قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمّد(علیهما السلام): قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم: الصوفيّة، فما تقول فيهم؟ قال: إنّهم أعداؤنا، فمن مال فيهم فهو منهم، ويحشر معهم، وسيكون أقوام يدّعون حبّنا، ويميلون إليهم، ويتشبّهون بهم، ويلقّبون أنفسهم، ويأوّلون أقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منّا، وإنّا منهم براء، ومن أنكرهم وردّ عليهم، كان كمن جاهد الكافر بين يدي رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم).(3)
قال مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام):
إنّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان: ... ورجل قمش جهلاً، مُوضِعٌ في جهّال الأمّة، عاد في أغباش الفتنة. عَمٍ بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه الناس عالماً وليس به. بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائر. جلس بين الناس قاضياً، ضامناً لتخليص ما التبس على غيره. فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه ثمّ قطع به. فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب. جاهل خبّاط جهالات، عاش ركّاب عشوات لم يعضّ على العلم بضرس قاطع.
يذري الروايات إذراء الريح الهشيم. لا ملئ واللّه بإصدار ما ورد عليه. ولا هو أهل لما فوّض إليه. لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً لغيره. وإن أظلم أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه. تصرخ من جور قضائه الدماء. وتعجّ منه المواريث إلى اللّه أشكو من معشر يعيشون جُهّالاً ويموتون ضُلّالاً ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته. ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه. ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر.(1)والروايات في ردّ مباني الفلسفة والعرفان البشريّة كثيرة جدّاً، فإنّ أغلب أبحاثهم تباين ضرورة الشرايع الإلهيّة وصريح الآيات القرآنيّة والروايات الكثيرة المتواترة كما رأيت اعتقادهم بالجبر المخالف لضرورة المذهب، كذا قولهم بوحدة الوجود والموجود المخالف لضرورة الشرايع وكقولهم بقدم العالم زماناً وكذا إنكار المعاد الجسمانيّ القرآنيّ وإثبات معاد خياليّ سمّوه بالجسمانيّ، وإنكارهم النشأة السابقة وعالم الذرّ الذي دلّت عليه آيات كثيرة وروايات متواترة بالمعنى وإعتقادهم أنّ الملائكة مجرّدات، وقد ورد في نقض كلّ منها آيات كثيرة وروايات متواترة، فجميع هذه الآيات والروايات تكون بمثابة الردّ عليهم وإبطال قولهم.
مضافاً إلى الروايات الواردة في النهي عن أخذ العلم عن غيرهم(علیهم السلام) وأنّ «من طلب الهدى من غيره [القرآن] أضلّه اللّه»، أو أنّ «من نكب عنها [أعلام الطاعة] جار عن الحقّ وخبط في التيه»، أو قولهم «شرّقا اوغرّبا لن تجدا علماً صحيحاً إلّا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت»، وغير ذلك من الروايات الكثيرة المتواترة. وعليه يكون كثير من الآيات وطوائف من الروايات المتواترة واردة في ذمّهم وتحكم بكفرهم، فحينئذ لا بُعد فيما نسب إلى قمر سماء الفقاهة صاحب الجواهر(رحمه الله) من أنّه «واللّه ما بعث رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) إلّا لإبطال الفلسفة».(2)
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) بعد ذكر أحوال الجنّة والنار من الآيات والأخبار المتواترة:
فلنشر إلى بعض ما قاله في ذلك الفرقة المخالفة للدين من الحكماء والمتفلسفين، لتعرف معاندتهم للحقّ المبين، ومعارضتهم لشرائع المسلمين -- إلى أن قال بعد ذكر كلماتهم: -- ولا يخفى على من راجع كلامهم وتتبّع أصولهم أنّ جُلّها لا يطابق ما ورد في شرائع الأنبياء، وإنّما يمضغون ببعض أصول الشرائع وضروريّات الملل على ألسنتهم في كلّ زمان، حذراً من القتل والتكفير من مؤمني أهل زمانهم، فهم يؤمنون بأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم كافرون.
ولعمري من قال: بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد، وكلّ حادث مسبوق بمادّة، وما ثبت قدمهامتنع عدمه، وبأنّ العقول والأفلاك وهيولى العناصر قديمة، وأنّ الأنواع المتوالدة كلّها قديمة، وأنّه لا يجوز إعادة المعدوم، وأنّ الأفلاك متطابقة ولا تكون العنصريّات فوق الأفلاك، وأمثال ذلك. كيف يؤمن بما أتت به الشرائع ونطقت به الآيات، وتواترت به الروايات، من اختيار الواجب، وأنّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وحدوث العالم، وحدوث آدم، والحشر الجسمانيّ، وكون الجنّة في السماء مشتملة على الحور والقصور والأبنية والمساكن والأشجار والأنهار، وأنّ السماوات تنشقّ وتطوى، والكواكب تنتثر وتتساقط بل تفنى، وأنّ الملائكة أجسام ملئت منهم السماوات ينزلون ويعرجون، وأنّ النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) قد عرج إلى السماء وكذا عيسى وإدريس(علیهما السلام)، وكذا كثير من معجزات الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام) من شقّ القمر وإحياء الأموات وردّ الشمس وطلوعها من مغربها وكسوف الشمس في غير زمانه وخسوف القمر في غير أوانه، وأمثال ذلك؟
ومن أنصف ورجع إلى كلامهم علم أنّهم لا يعاملون أصحاب الشرائع إلّا كمعاملة المستهزئ بهم، أو من جعل الأنبياء(علیهم السلام) كأرباب الحيل والمعمّيات الذين لا يأتون بشيء يفهمه الناس، بل يلبسون عليهم في مدّة بعثتهم، أعاذنا اللّه وسائر المؤمنين عن تسويلاتهم وشبههم، وسنكتب إن شاء اللّه في ذلك كتاباً مفرداً واللّه الموفّق.(1)
مراده(قدس سره) أنّه لا يخلو الأمر من وجهين: فإمّا يعترفون بأنّ مبانيهم مباينة لما جاء به الأنبياء والأئمّة(علیهم السلام)، وإمّا يقولون بأنّ آرائهم مأخوذة من الأنبياء والرسل(علیهم السلام)، وما جاؤوا به تعبير عمّا ورد في الكتاب والسنّة، وإنّ الآيات والروايات إنّما وردت موافقة لمبانيهم وأصولهم.
1) 1219.. بحارالأنوار، ج8، ص326-329.
والقول الأوّل تكذيب للأنبياء والرسل والقرآن والسنّة، فإن أظهروا بعد ذلك الإيمان والإسلام فلا يكونون إلّا كالمستهزء بهم.
و الالتزام بالثاني يجعل الأنبياء(علیهم السلام) كأرباب الحيل والمعميّات الذين يتكلّمون بشيء لا يفهمه الناس خدعة ومكراً وتلبسياً عليهم، فإنّه من الواضح أنّ بيان القواعد الفلسفيّة بالألفاظ الواردة في القرآنوالروايات وبما نطقت به الرسل والأئمّة(علیهم السلام) ليس إلّا تدليس وتلبيس وتعمية وخديعة.
قال شيخنا الأستاذ آية اللّه الشيخ عليّ النمازيّ(قدس سره):
وحيث إنّه جاء محمّد رسول اللّه وأوصياؤه المرضيّون صلوات اللّه عليهم لإبطال الفلسفة اليونانيّة والحكمة البشريّة، كما نسب ذلك إلى قمر سماء الفقاهة صاحب الجواهر قال: «ما بعث رسول اللّه إلّا لإبطال الفلسفة» كما سيأتي، بيّن القرآن والعترة الطاهرة خليفتا رسول اللّه (صلی الله علیه آله و سلم) المعارف الحقّة الإلهيّة في الخطب والأدعية والأحاديث الواردة عن النبيّ والعترة، حفظها أهلها وعلّموها طالبها، واقتبسوها من أهلها، وبيّنوها في كتبهم، وقاموا بردّ الفلسفة البشريّة، واقتبسوا الحكمة الإلهيّة من بيوت النبوّة والرسالة، ومعدن العلوم الإلهيّة الربّانيّة.
... والروايات في ذمّهم أكثر من أن تحصى، ذكرنا جملة وافرة منها في كتابنا تاريخ فلسفه وتصوّف. وتقدّم بعضها في: «أخذ» و«أمر» و«تبع» و«دين» و«بطل» و«مسك» و«علم» و«صوف»، فراجع إليها وإلى: «هدى» و«شبه» و«فسر» و«سين».
منها: الروايات التي صرّحت بأن من طلب العلم والهداية من غير القرآن أضلّه اللّه، ومن طلب علوم القرآن من غير العترة الطاهرة فقد هلك وأهلك.
قال النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) في خطبته:
«إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل عليّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضلّ ومن ابتغى علمه عند غير عليٍّ هلك -- إلى أن قال: -- ومن طلب الهدى في غيرهم يعني أهل بيته فقد كذّبني» الخ. رواه الصدوق وغيره، فراجع البحار(1). وفي «هدى» ما يتعلّق بذلك. (2)
وفي كتاب السلسبيل روى أنّ أناساً من المسلمين أتوا رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) بكتف فيها كتب بعض ما يقوله اليهود، فقال: «كفى بها ضلالة قوم أن يرغبوا عمّا جاء به نبيّهم إلى ما جاء به غير نبيّهم».(1)
كيف بدئت الفلسفة والعرفان، ومن أين جائت، ولماذا دخلت في الأوساط الإسلاميّة؟
فقال ابن نديم البغداديّ:
أوّل من تكلّم في الفلسفة: قال لي أبو الخير بن الخمار بحضرة أبىالقاسم عيسى بن علي: وقد سئلته عن أوّل من تكلّم في الفلسفة، فقال: زعم فرفوريوس الصوريّ في كتابه التاريخ، وهو سريانيّ، إنّ أوّل الفلاسفة السبعة، ثالس بن مالس الأمليسيَ. وقد نقل من هذا الكتاب مقالتين إلى العربيّ، فقال أبوالقاسم: كذا هو، وما أنكره.
وقال آخرون: إنّ أوّل من تكلّم في الفلسفة بوثاغورس، وهو بوثاغورس بن ميسارخس، من أهل سامينا. وقال فلوطرخس: إنّ بوثاغورس أوّل من سمّى الفلسفة بهذا الاسم. وله رسائل تعرف بالذهبيّات.
وإنّما سمّيت بهذا الاسم، لأنّ جالينوس كان يكتبها بالذهب، إعظاماً لها وإجلالاً. والذي رأينا لبوثاغورس من الكتب، رسالته إلى متمرد سقلية. رسالته إلى سيفانس في استخراج المعاني. رسالته في السياسة العقليّة. وقد تصاب هذه الرسائل بتفسير امليخس.
قال: ثمّ تكلّم بعد ذلك على الفلسفة، سقراط بن سقراطيس. من أهل مدينة أثينة، مدينة العلماء والحكمة، لم يدوّن منه كثير شيء، والذي خرج من كتبه، مقالة في السياسة. وقيل إنّ رسالته في السيرة الجميلة له صحيح.(2)
ثمّ إنّهم قد واجهوا الأنبياء ورفضوا دعوتهم، فقد قال أمين الإسلام الطبرسيّ في تفسير قوله تعالى: فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ الْعِلْمِ(3):
قيل فيه وجوه: ... والآخر: أنّ المراد علم الفلاسفة كانوا يصغّرون علم الأنبياء إلى علمهم.
وعن سقراط أنّه قيل: ائت موسى(علیه السلام) وكان في زمانه، فقال: نحن قوم مهذّبون، فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.(1)
ونقل العلامة المجلسیّ(رحمه الله) عن الرازيّ في تفسير الآية:
فيه وجوه -- ثمّ ذكر من جملة الوجوه -- أن يريد علم الفلاسفة والدهريّين من بني يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي اللّه صغّروا علم الأنبياء إلى علمهم.وعن سقراط أنّه سمع بموسى(علیه السلام) وقيل له: أو هاجرت إليه؟ فقال: نحن قوم مهذّبون فلا حاجة إلى من يهذّبنا.(2)
قال السيّد نعمة اللّه الجزائريّ في الأنوار النعمانيّة:
نقل أن عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام لمّا دعا أفلاطون إلى التصديق بما جاء به أجاب بأنّ عيسى رسول إلى ضعفة العقول، وأمّا أنا وأمثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبياء.(3)
قال المحقّق الهمدانيّ في مصباح الفقيه:
وتارة يأوّل كلامه بما ينافي الإذعان برسالته على كافّة العباد، كما لو قيل مثلاً بأنّ المقصود ببعث الرسول اللطف وإهداء القاصرين إلى ما يقرّبهم إلى اللّه، فرسالته مقصورة على غير الحكماء الذين يرشدهم عقولهم إلى ما يصلحهم ويفسدهم، فالمقصود بالعمومات الصادرة عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) من قوله: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ(4)ونحوه يراد بها غير مثل هذه الأشخاص. وقد حكى عن بعض الفلاسفة محاجّته مع عيسى(علیه السلام) بمثل هذا القول.(5)
وكانت الفلاسفة تعيش في وجلٍ من الأنبياء ومتابعيهم وما كانوا يظهرون علمهم لكلّ أحد إلّا بعد اللتيّا واللتي، ذكر ابن نديم:
كانت الحكمة في القديم ممنوعاً منها الامن كان من أهلها، ومن علم أنّه يتقبّلها
1) 1225.. تفسير جوامع الجامع، ج3، ص254.
2) 1226.. بحارالأنوار، ج57، ص198؛ راجع: التفسیر الکبیر، ج27، ص535.
3) 1227.. الأنوار النعمانیة، ج3، ص130؛ نقل عنه المحدّث البحرانيّ في الحدائق الناظرة، ج1، ص126.
4) 1228.. البقرة2.، الآیتان 43و83و 110؛ النساء4.، الآیة 77و 103؛ الأنعام6.، الآیة 72، یونس10.، الآیة 87؛ الحج22.، الآیة 78؛ النور24.، الآیة 56؛ الروم30.، الآیة 31؛ المجادلة58.، الآیة 13 ؛ المزمل73.، الآیة 20.
5) 1229.. مصباح الفقيه، ج7، ص275.
طبعاً. وكانت الفلاسفة تنظر في مواليد من يريد الحكمة والفلسفة، فإن علمت منها إنّ صاحب المولد في مولده حصول ذلك له، استخدموه وناولوه الحكمة وإلّا فلا.(1)
عن ابن نديم:
قال محمّد بن إسحاق: سمعت أبا إسحاق بن شهرام يحدّث في مجلس عام أنّ ببلد الروم هيكلاً قديم البناء عليه باب لم ير قطّ أعظم منه بمصراعين حديد، كان اليونانيّون في القديم، وعند عبادتهم الكواكب والأصنام، يعظّمونه، ويدعون ويذبحون فيه.
قال: فسئلت ملك الروم أن يفتحه لي، فامتنع من ذلك لأنّه أغلق من وقت تنصّرت الروم. فلم أزل أرفق به، وأُراسله وأسئله شفاهاً عند حضوري مجلسه.قال: فتقدّم بفتحه، فإذا ذلك البيت من المرمر والصخر العظام ألواناً، وعليه من الكتابات والنقوش ما لم أر ولم أسمع بمثله كثرة وحسناً. وفي هذا الهيكل من الكتب القديمة ما يحمل على عدّة أجمال، وكثر ذلك حتّى قال: ألف جمل. بعض ذلك قد أخلق، وبعضه على حاله، وبعضه قد أكلته الأرضة.
قال: ورأيت فيه من آلات القرابين من الذهب وغيره أشياء طريفة. قال: وأغلق الباب بعد خروجي، وأمتنّ علىّ بما فعل معي. قال وذلك في أيّام سيف الدولة. وزعم أنّ البيت على ثلاثة أيّام من القسطنطينيّة، والمجاورون لذلك الموضع قوم من الصائبة الكلدانيّين، وقد أقرّتهم الروم على مذاهبهم، وتأخذ منهم الجزية.(2)
ما انفكّ النزاع والصراع بين الفلاسفة والأنبياء قائماً فمهما غلبت الشريعة الفلاسفةَ منعت مدارسة الفلسفة، ومهما انعكس الأمر روّجت الفلسفة، وقد ذكر ابن نديم:
كانت الفلسفة ظاهرة في اليونانيّين والروم قبل شريعة المسيح(علیه السلام). فلمّا تنصّرت الروم منعوا منها، وأحرقوا بعضها، وخزنوا البعض. ومنع الناس من الكلام في شيء من الفلسفة إذ كانت بضدّ الشرائع النبويّة. ثمّ إنّ الروم ارتدّت عائدة إلى مذاهب الفلاسفة ... .
[ثمّ ذكر أنّه] بعد ما عادت النصرانيّة إلى حالها؛ فعاد المنع من كتب الفلسفة، وخزنها إلى ما عليه إلى الآن.(3)
ويظهر منه أنّ المنع كان باقياً إلى زمن ابن نديم يعني حوالي سنة 340 الهجريّة.
قال الرازيّ في المطالب العالية:
أظنّ أنّ قول إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ وَ لَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً(1)إنّما كان لأجل أنّ أباه كان على دين الفلاسفة، وكان ينكر كونه تعالى قادراً وينكر كونه تعالى عالماً بالجزئيّات، فلا جرم خاطبه بذلك الخطاب.(2)
وقال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) بعد نقل كلام لجالينوس (الذي مرّ أنّه كان يكتب الفلسفة بالذهب) في بيانتشريح الأعضاء وفوائدها، وأنّه بيّن الفرق في ما بين إيمان موسى وإيمانه وأفلاطون وسائر اليونانيّين، فقال(قدس سره):
انتهى كلامه ضاعف اللّه عذابه وانتقامه. وأقول: قد لاح من الكلام الرديء المشتمل على الكفر الجليّ أمور:
الأوّل: ما أسلفنا من أنّ الأنبياء المخبرين عن وحي السماء لم يقولوا بتوقّف تأثير الصانع -- تعالى شأنه -- على استعداد الموادّ، ولا استحالة تعلّق إرادته بإيجاد شيء من شيء من دون مرور زمان أو إعداد، وله أن يخلق كلّ شيء كان من أيّ شيء أراد.
الثاني: أنّ الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوّة الأنبياء ولم يؤمنوا بهم، وأنّهم يزعمون أنهم أصحاب نظر وأصحاب آراء مثلهم، يخطئون ويصيبون، ولم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم.
الثالث: أنّهم كانوا منكرين لأكثر معجزات الأنبياء:، فإنّ أكثرها مما عدّوها من المستحيلات.
الرابع: أنّهم كانوا في جميع الأعصار معارضين لأرباب الشرائع والديانات كما هم في تلك الأزمنة كذلك.(3)
أمّا كيفيّة ترجمة الفلسفة إلى العربيّة ودخولها في الأوساط الإسلاميّة، وتبدّل اسمها حتّى سمّيت بالفلسفة الإسلاميّة؟
فمن الواضح أنّه من الصعب جدّاً تبديل ثقافة المجتمع الدينيّ بترويج ما كان يرونه كفراً وإلحاداً وزندقة.
ولكنّ الأمر ليس بصعب لأولئك الذين غصبوا خلافة مولى الموحّدين الذي قامت على وصايته لرسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) الأدلّة والبراهين الشافية والمتواترة فمن استطاع غصب أحقّ الحقوق وأمنعها يستطيع إدخال الفلسفة في الأواسط الإسلاميّة كما أنّه يستطيع أن يبدّل أذهان المجتمع الإسلاميّ.
إنّ الفلسفة ممّا صرف الخلفاء الأمويّون والعبّاسيّون غاية جهدهم لنشرها بين المسلمين حتّى جعلوها من الثقافات.أ لم يكونوا هم الذين اخترعوا مدارساً فقهيّةً في قبال مدرسة الإمام الصادق(علیه السلام)؟
قال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله):
هذه الجناية على الدين، وتشهير كتب الفلاسفة بين المسلمين، من بدع خلفاء الجور المعاندين لأئمّة الدين، ليصرفوا الناس عنهم وعن الشرع المبين.
ويدلّ على ذلك ما ذكره الصفديّ في شرح لاميّة العجم: إنّ المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى -- أظنّه صاحب جزيرة قبرس -- طلب منهم خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصّه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك فكلّهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلّا مطران واحد فإنّه قال: جهّزها إليهم، ما دخلت هذه العلوم على دولة شرعيّة إلّا أفسدتها وأوقعت الاختلاف بين علمائها.
وقال في موضع آخر: إنّ المأمون لم يبتكر النقل والتعريب، -- أي لكتب الفلاسفة -- بل نقل قبله كثير، فإنّ يحيى بن خالد بن برمك عرّب من كتب الفرس كثيراً مثل «كليلة ودمنة» وعرّب لأجله كتاب «المجسطي» من كتب اليونان.
والمشهور أنّ أول من عرّب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لمّا أولع بكتب الكيمياء.
ويدلّ على أنّ الخلفاء وأتباعهم كانوا مائلين إلى الفلسفة، وأنّ يحيى البرمكيّ كان محبّاً لهم ناصراً لمذهبهم ما رواه الكشّي بإسناده عن يونس بن عبد الرحمان، قال: كان يحيى بن خالد البرمكيّ قد وجد على هشام شيئاً من طعنه
على الفلاسفة، فأحبّ أن يغري به هارون ويضربه على القتل -- ثمّ ذكر قصّة طويلة في ذلك أوردناها في باب أحوال أصحاب الكاظم(علیه السلام) وفيها: -- أنّه أخفى هارون في بيته و دعا هشاماً ليناظر العلماء وجرّوا الكلام إلى الإمامة وأظهر الحقّ فيها، وأراد هارون قتله فهرب ومات من ذلك الخوف؟رح؟ -.(1)
وقال ابن نديم:
كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمّى حكيم آل مروان، وكان فاضلاً في نفسه وله همّة ومحبّة للعلوم. خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيّين ممّن كان ينزل مدينة مصروقد تفصّح بالعربيّة. وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليونانيّ والقبطيّ إلى العربيّ. وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة.(2)
وقال أيضاً:
ذكر السبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة في هذه البلاد:
أحد الأسباب في ذلك أنّ المأمون رأى في منامه كان رجلاً أبيض اللون، مشرباً حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالس على سريره. قال المأمون: وكأنّي بين يديه قد ملئت له هيبة.
فقلت: من أنت؟ قال: أنا أرسطاليس.
فسررت به وقلت: أيّها الحكيم أسئلك. قال: سل.
قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل.
قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع.
قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور.
قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ لا ثمّ.
وفي رواية أخرى. قلت: زدني.
قال: من نصحك في الذهب، فليكن عندك كالذهب. وعليك بالتوحيد.
فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب.
فإنّ المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون.
فكتب إلى ملك الروم يسئله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم. فأجاب إلى ذلك بعد امتناع.
فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق وسلّما صاحب بيت الحكمة وغيرهم. فاخذوا ممّا وجدوا ما اختاروا. فلمّا حملوه إليه، أمرهم بنقله فنقل. وقد قيل إنّ يوحنّا بن ماسويه ممّن نفذ إلى بلاد الروم.
قال محمّد بن إسحاق: ممّن عنى بإخراج الكتب من بلد الروم، محمّد وأحمد والحسن بنو شاكر المنجّم،وخبرهم يجيء بعد ذلك، وبذلوا الرغائب، وأنفذوا حنين بن إسحاق وغيره إلى بلد الروم. فجاءوهم بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة والموسيقيّ والأرثماطيقيّ والطبّ. وكان قسطا بن لوقا البعلبكيّ قد حمل معه شيئاً فنقله، ونقل له.(1)
ولقد كانوا يصرفون كميّة هائلة من الأموال والثروات لإنفاذ هذه المهمّة ونقل كتب الفلسفة إلى العربيّة، قال ابن نديم:
قال أبو سليمان المنطقيّ السجستانيّ: إنّ بنى المنجّم كانوا يرزقون جماعة من النقلة، منهم حنين بن إسحاق وحبيش بن الحسن. وثابت بن قرّة، وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار للنقل والملازمة.(2)
وقد ذكر لنا التاريخ أسماء بعض هؤلاء النقلة معترفاً بعجزها عن إحصائهم جميعاً، ففي فهرست ابن نديم:
أسماء النقلة من اللغات إلى اللسان العربيّ اصطفن القديم، ونقل لخالد بن يزيد بن معاوية كتب الصنعة وغيرها:
البطريق، وكان في أيّام المنصور، وأمره بنقل أشياء من الكتب القديمة. ابنه أبو زكريّاء يحيى بن البطريق، وكان في جملة الحسن بن سهل. الحجّاج بن مطر، فسرّ للمأمون، وهو الذي نقل المجسطيّ وأقليدس. ابن ناعمة واسمه عبد المسيح بن عبد اللّه الحمّصيّ الناعميّ. سلام والأبرش، من النقلة القدماء في أيّام البرامكة، ويوجد بنقلهما السماع الطبيعيّ، كذا حكى سيّدنا أبوالقاسم عيسى بن عليّ بن عيسي أيّده اللّه. حبيب بن بهريز، مطران الموصل، فسرّ للمأمون
عدّة كتب. زروبا بن ماجوه الناعميّ الحمّصيّ. هلال بن أبي هلال الحمّصيّ. تذارى. فثيون، أبو نصر بن ناري بن أيّوب. بسيل المطران. أبو نوح بن الصلت. اسطاث. جيرون. اصطفن بن باسيل. ابن رابطة. تيوفيليّ. شمليّ. عيسى بن نوح. قويريّ، واسمه إبراهيم ويكنّى أبا إسحاق. تذرس السنقل، داريع الراهب. هيابثيون. صليبا. أيّوب الرهاويّ. ثابت بن قمع. أيّوب وسمعان، فسر ازيج بطلميوس لمحمّد بن خالد بن يحيى بن برمك، وغير ذلك منالكتب القديمة. بابسيل، وكان يخدم ذا اليمينين. ابن شهديّ الكرخيّ، نقل من السيريانيّ إلى العربيّ نقلاً رديئا. فممّا نقل، كتاب الأجنّة لبقراط. أبو عمرو يوحنّا يوسف الكاتب، أحد النقلة ونقل كتاب أفلاطون في آداب الصبيان. أيّوب بن القاسم الرقّي نقل من السريانيّ إلى العربيّ، ومن نقله، كتاب إيساغوجيّ. مرلاحيّ، في زماننا، جيّد المعرفة بالسريانيّة، عفطي الألفاظ بالعربيّة، ينقل بين يدي عليّ بن إبراهيم الدهكيّ، من السريانيّ إلى العربيّ، ويصلح نقله ابن الدهكيّ. داديسوع، كان يفسّر لإسحاق ابن سليمان ابن علي الهاشميّ من السريانيّة إلى العربيّة. قسطا بن لوقا البعلبكيّ من خطّ ابن الملطي، يكنّى أبا سعيد، جيّد النقل، فصيح باللسان اليونانيّ والسريانيّ والعربيّ. وقد نقل أشياء، وأصلح نقولا كثيرة. وسيمرّ ذكره في موضعه من العلماء المصنّفين. حنين. إسحق. ثابت. حبيش. عيسى بن يحيى الدمشقيّ. إبراهيم بن الصلت. إبراهيم بن عبداللّه. يحيى بن عديّ النفيسيّ. نحن نستقصي ذكر هؤلاء فيما بعد، لانّهم ممّن صنّف الكتب. إن شاء اللّه تعالى.
أسماء النقلة من الفارسيّ إلى العربيّ:
ابن المقفع، وقد مضى خبره في موضعه. آل نوبخت أكثرهم، وقد مضى ذكرهم، ويمضى فيما بعد انشاء اللّه تعالى. موسى ويوسف أبناء خالد، وكانا يخدمان داود بن عبد اللّه بن حميد بن قحطبة، وينقلان له من الفارسيّة إلى العربيّة. التميميّ واسمه عليّ بن زياد، ويكنّى أباالحسن، نقل من الفارسيّ إلى العربيّ. فممّا نقل، زيج الشهريار. الحسن بن سهل، ويمرّ ذكره في موضعه من أخبار المنجّمين. البلاذريّ أحمد بن يحيى بن جابر، وقد مضى ذكره، وكان ناقلا من اللسان الفارسيّ إلى العربيّ. جبلّة بن سالم، كاتب هشام. وقد مضى ذكره، وكان ناقلا إلى العربيّ من الفارسيّ. إسحاق بن يزيد نقل من الفارسيّ إلى العربيّ. فممّا نقل كتاب سيرة الفرس المعروف بحدّاد نامه. ومن نقلة الفرس، محمّد بن الجهم البرمكي. هشام بن القاسم. موسى بن عيسى الكرويّ. زادويه
بن شاهويه الإصفهانيّ. محمّد بن بهرام بن مطيار الإصفهانيّ. بهرام بن مردان شاه، مؤبدمدينة سابور من بلد فارس. عمر بن الفرخان. ونحن نستقصي ذكره في المصنّفين.
نقلة الهند والنبط:
منكة الهنديّ، وكان في جملة إسحاق بن سليمان بن عليّ الهاشميّ، ينقل من اللغة الهنديّة إلى العربيّة. ابن دهن الهنديّ، وكان إليه بيمارستان البرامكة، نقل إلى العربيّ من اللسان الهنديّ. ابن وحشيّة، ينقل من النبطيّة إلى العربيّة، وقد نقل كتباً كثيرة على ما ذكر. وسيمرّ ذكره إن شاء اللّه تعالى.(1)
أقول: إنّ هذا الكمّ الهائل من المترجمين ينبئ عن اتّخاذ قرار حكوميّ متشدّد من قبل بني العبّاس، ولا يعلم كم صرف فيه من أموال أهل البيت(علیهم السلام) من الخمس والفيء والأنفال؟
ويبدو أنّهم قد أسّسوا لُجان ترجميّة لهذه المهمّة.
وأنت ترى أنّ المترجمين للفلسفة اليونانيّة كانوا مكرّمين عند الخلفاء العبّاسيّ أعداء آل محمّد فقد مرّ أنّ نقل الفلسفة إلى اللغة العربيّة من عدّة منهم صار سبباً لسرور المأمون الخليفة العبّاسيّة، وجاء في ترجمة حنين بن إسحاق العباديّ:
مترجم كتاب الفلسفة والحكمة اليونانيّة إلى العربيّة، وكان عند المأمون والمعتصم العبّاسيّ عزيزاً مكرّماً. مات سنة 260. (2)
ممّا يبدو واضحاً لمن راجع كلمات الأعلام والفقهاء خصوصاً كلمات فقهاء الصدر الأوّل هو أنّ التقابل بين الفلسفة والإسلام كان أمراً لا يشكّ فيه أحد وكان المرتكز في أذهانهم أنّ التقابل والتضادّ بينهما هو التقابل بين الإلحاد والكفر وبين التوحيد والإسلام بحيث لا يمكن الجمع بين لوازم الفلسفة والعرفان والتديّن بالإسلام والاعتقاد بالتوحيد.
ويظهر أيضاً من كلماتهم أنّه لا فرق بين الفِرَق الفلسفيّة على الإطلاق من جهة تقابلها
مع الشريعة والإسلام.
وقد يتوهّم أنّ ما ورد من هذا الذمّ والنكير الشديد -- بحيث صار الدين والشريعة مبايناً للفلسفة -- يختصّ بقسم من الفلسفة وإنّ للفلسفة مسالك شتّى فإنّهقد تكون الفلسفة إلحاديّة وقد لا تكون، فالفلسفة الغير الإلحاديّة لا يتوجّه إليها الذمّ والإنكار.
وما يدفع هذا التوهّم أمور:
الأوّل: ما دلّ على الذمّ الشديد بالنسبة إلى المائلين إلى الفلسفة والتصوّف من الشيعة الإماميّة كما مرّ من قوله(علیه السلام):
علمائهم شرار خلق اللّه على وجه الأرض لأنّهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف.(1)
الثاني: إنّ الذمّ والتكفير والتفسيق والتشنيع والإزراء الوارد في الأحاديث وكلمات الأعاظم لا يختصّ بقسم دون قسم ولا بطائفة دون طائفة فذمّ الفلسفة في أمثال الخبر السابق يشمل جميع أطوار الفلسفة حتّى الطريقة الجامعة بين الاستدلال والكشف والفلسفة والتصوّف التي سمّيت بالحكمة المتعالية والتي اُدّعي مطابقتها للآيات والروايات.
الثالث: إنّ كلمات أكثر الفقهاء العظام الذين يذمّون الفلسفة ويحكمون بكفر المنتحلين إليها ويشنّعون عليهم مطلقة بل مصرّحة بأسامي أعاظم العرفاء والفلاسفة الإلهيّة كما ستعرف.
الرابع: إنّ وقوف المتألّهين من الفلاسفة في قبال مدرسة أهل البيت(علیهم السلام) ومضادّتهم لهم من أوضح الواضحات ويظهر ذلك -- أي مباينة مقالاتهم للدين -- ممّا ورد عنهم في الأبواب المختلفة والمباحث العديدة فإنّ مباينة ذلك لضروريّات الدين وصريح الآيات والأخبار المتواترة ممّا لا يخفى على ذوي البصيرة، وقد تصدّى أهل البيت(علیهم السلام) وأصحابهم وأكابر علماء الشيعة وفقهائهم لمعارضة مقالة الفلاسفة وإبطالها في الأبواب المختلفة واحتجّوا عليهم كمناظرة الإمام الرضا(علیه السلام) مع سليمان المروزيّ في مجلس المأمون في «مسألة الإرادة».(2)
الخامس: إنّ التكفير والتفسيق والإزراء على منتحلى الفلسفة إنّما صدر عن الفقهاء العظام عند ذكر مذاهبهم في الأبواب المتفرّقة كالقول بقدم العالم زماناً وإنكار المعاد الجسمانيّ (أو القول بالمعاد الجسمانيّ الخياليّ الذي هو إنكار للمعاد الجسمانيّ القرآنيّ) والقول بالجبر وإنكار المعراج الجسمانيّ والقول بوحدة الوجود وتطوّره بالأطوار المختلفة و... ومن الواضح أنّ هذه المقالات صدرت عن الذين يدّعون تطابق فلسفتهم مع المذهب الحقّ.
السادس: إنّ التاريخ وكلمات الأعلام ينبئان عن وجود إرتكاز عند المتشرّعة وغيرهم بالتعارض بين الفلسفة وبين الدين والشريعة؛ فمهما كان يطلق لفظ الفلسفة كان يسبق إلى الأذهان عنوان المخالفة مع ضروريّات الأديان والشرائع الإلهيّة وتكذيب الأنبياء، وكانوا يرون الفلاسفة في قبال الملّيّين، ويرون للفلاسفة -- إطلاقاً -- مذهباً آخر غير اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام، مع أنّهم كانوا يميّزون بين الفرق الفلسفيّة.
وهذا الإرتكاز -- رغم تضارب أفكار الفلاسفة واختلافها الشديد حتّى قيل إنّهم ما اتّفقوا على رأي واحد -- يشير إلى أنّ هذا التسالم لدى أصحاب الديانات كان على تخطئة طريق سلوكهم في الوصول إلى الحقائق الذي تكون ركيزته على الاستبداد بأفكارهم والتكبّر عن الأخذ بتعاليم الأنبياء في إثارة عقولهم، الأمر الذي كان يجمعهم جميعاً.
وإليك بعض الشواهد على هذا الإرتكاز:
ما ذکره ابن نديم کما مرّ سابقا:
قال الشيخ المفيد(رحمه الله):
هذا مذهب أبي القاسم الكعبيّ وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع، وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضاً فيما ذهبوا إليه من أفعال الطباع.(1)
وقال بعد ذكر قصّة صاحب الحمار الذي أحياه اللّه بعد مائة عام:
هذا منصوص في القرآن مشروح في الذكر والبيان لا يختلف فيه المسلمون وأهل
1) 1244.. أوائل المقالات، ص 101.
الكتاب، وهو خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا، منكر عند الملحدين ومستحيل على مذهب الدهريّين والمنجّمين وأصحاب الطبائع من اليونانيّين وغيرهم من المدّعين الفلسفة والمتطبّبين.(1)
فبينا هو يحدّثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيّين كلاماًفي القائم(علیه السلام) قد حيّره وشكّكه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره.(2)
اعلم أنّ الفلاسفة أخذوا أصول الإسلام ثمّ أخرجوها على رأيهم، فقالوا في الشرع والنبيّ: إنّما أريدا كلاهما لإصلاح الدنيا. فالأنبياء يرشدون العوامّ لإصلاح دنياهم، والشرعيّات تهذّب أخلاقهم، لا أنّ الشرع والدين كما يقول المسلمون، من أنّ النبيّ يراد لتعريف مصالح الدين تفصيلاً وإنّ الشرعيّات ألطاف في التكليف العقليّ؛ فهم يوافقون المسلمين في الظاهر، وإلّا فكلّ ما يذهبون إليه هدم للإسلام وإطفاء لنور شرعه وَيَأْبَى اللهُ إلنا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(3)-(4)
من الفلاسفة من يقول لمجاملة أهل الاسلام أنّ الطريق إلى معرفة صدق المدّعى للنبوّة هو أن يعلم أنّ ما أتى به مطابق لما يصلحون به في دنياهم ولأغراضهم التي بسببها يحتاجون إلى النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) ولم يشترطوا ظهور معجزة عليه وذكر بعضهم ظهور المعجز عليه إلى آخر كلامه.(5)
إنّ قوماً من الذين أقرّوا بظاهرهم بالنبوّات، جحدوا في الإمامة كون المعجزات، فضاهوا الفلاسفة والبراهمة الجاحدين في النبوّة الاعلام الباهرات.(6)
اعلم -- أيّدك اللّه -- إنّ من الملحدة فريقاً يثبتون الحوادث ومحدثها... إعلم إنّ الملحدة لمّا لم تجد حيلة تدفع بها تقدم الصانع على الصنعة، قالت: إنّه متقدّم عليها تقدّم رتبة لا تقدّم زمان.(1)
وفيه حجّة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين، المنكرين للآيات الخارقة للعادات.(2)
قال ابن أبي الحديد في تفصيله فضائل مولانا أميرالمؤمنين(علیه السلام):وما أقول في رجل يحبّه أهل الذمّة على تكذيبهم بالنبوّة، وتعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة.(3)
قال التفتازاني في شرح المقاصد في الجواب عن أنّ الملائكة روحانيّات مجرّدة:
أنّ مبنى ذلك على قواعد الفلسفة دون الملّة.(4)
وهذا هو الكفر الصريح، إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة هو هذه المسألة.(5)
الباب التاسع فيما نذكره عمّن يقول: إنّ النجوم لا تصحّ أن تكون دلالات على الحادثات: إعلم أنّ المنكرين لذلك من المسلمين فرق... وفريق سمعوا أنّ هذا العلم ابتدعه قوم غير الأنبياء من الفلاسفة والحكماء فهربوا من التصديق بشيء من معانيه لئلّا يقعوا فيما وقع أولئك فيه من الضلالة والتشبيه. وقد قدّمنا الدلالات الواضحات على أنّ هذا العلم من علوم الأنبياء والأوصياء عليهم الصلوات وأوضحنا ذلك بما ذكرنا من المعقولات والمنقولات.(6)
هذه قواعد فلسفيّة غير مسلّمة عند المليّين، ولا صحيحة عند القائلين بإسناد الحوادث إلى القادر المختار.(1)
إنّى لمّا ألفيت أهل دهرنا على آراء متشتّتة وأهواء مختلفة...، فمنهم من سمّى جهالة أخذها من حُثالة(2)من أهل الكفر والضلالة، المنكرين لشرائع النبوّة وقواعد الرسالة حكمة.(3)
وما يشاهد في بعض الناس من نفي بعض الضروريّات كحدوث العالم والمعاد الجسمانيّ ونحو ذلك مع الإقرار في الظاهر بنبوّة نبيّنا(صلی الله علیه آله و سلم) واعترافهم بسائر الضروريّات وما جاء به النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، فذلك لأحد الأمرين:إمّا لكونهم ضالّين لشبهة اعترتهم فيما زعموه، كتوهّمهم كون أباطيل بعض الفلاسفة وسائر الزنادقة برهاناً يوجب تأويل الأدلّة السمعيّة ونحو ذلك.
أو لكونهم منكرين للنبوّة في الباطن ولكن لخوف القتل والمضارّ الدنيويّة لا يتجرّؤون على إنكار غير ما كشفوا عن إنكاره من الضروريّات. وأمّا إظهارهم إنكار ذلك البعض فلارتفاع الخوف في إظهاره لاختلاط عقائد الفلاسفة وغيرهم بعقائد المسلمين بحيث لا تتميّز إحداهما عن الأخرى إلّا عند من عصمه اللّه سبحانه.(4)
وقيل: أصله زند دين، أي يتديّن بذلك الكتاب. وقيل: أصله زندين، أي دينه دين المرأة. وفي شمس العلوم: أنّه العالم من الفلاسفة، وأنّه يقال: معناه زن ودنق.(5)
إنّ أكثر أصحاب قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاءت به الأنبياء(علیهم السلام) حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتّى أنّه نقل أنّ عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام لمّا دعا أفلاطون إلى التصديق بما جاء به أجاب بأنّ عيسى رسول إلى ضعفاء العقول، وأمّا أنا وأمثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبياء... مع أنّ الأصحاب ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم.(1)
ثمّ خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات،... فهم بين... وبين من سمىّ جهالة اكتسبها من رؤساء الكفر والضلالة، المنكرين للنبوّة والرسالة، حكمة وعلماً، واتّخذ من سبقه إليها أئمّة وقادة، يقتفى آثارهم ويتبع منارهم، يدخل فيما دخلوا وإن خالف نصّ الكتاب، ويخرج عمّا خرجوا وإن كان ذلك هو الحقّ الصواب، فهذا منأعداء الدين، والسعاة في هدم شريعة سيّد المرسلين، وهو مع ذلك يزعم أنه بمكان مكين، ولا يدري أنّه لا يزن عند اللّه جناح بعوض مهين.(2)
قد اختلف الناس فيه فذهب المسلمون واليهود والنصارى والمجوس إلى أنّ الأجسام حادثة بذواتها وصفاتها، وذهب أرسطو وأتباعه إلى أنّها قديمة بذواتها وصفاتها، وذهب أكثر الفلاسفة إلى أنّها قديمة بذواتها ومحدثة بصفاتها.(3)
أنّه قد كان في قديم الأيّام طريقة الفقهاء والتابعين للقرآن والسنّة ممتازاً عن طريقة الفلاسفة اليونانيّة والعرفاء والصوفيّة، وكان كلّ يرى أنّ طريقه هو الحقّ وكان يتبرّى من المنهج الآخر، فإنّه كان من المسلّمات مخالفة منهج القرآن والسنّة مع منهج الفلاسفة. وترجمة الفلسفة اليونانيّة ونقلها إلى العربيّة قد تمّت في عصر الخلفاء.(1)
إنّ الشيوعيّة تكون كعقيدة الفلسفة التي هي مضادّة لأصول الاسلام، فهذه العقيدة كفر وشرك.(2)
مستدرك سفينة البحار، ج8، ص303.
فمن العقلاء المدقّقين والفضلاء المناظرين، من اعترف بالعجز عن هذا الشأن من إثبات الحدوث للعالم بالبرهان قائلاً: العمدة في ذلك الحديث المشهور والإجماع من الملّيّين، وأنت تعلم أن الاعتقاد غير اليقين... .
وقال: القول بقدم العالم إنّما نشأ بعد الفيلسوف الأعظم أرسطو بين جماعة رفضوا طريق الربّانيّين والأنبياء، وما سلكوا سبيلهم بالمجاهدة والرياضة والتصفية وتشبّثوا بظواهر أقاويل الفلاسفة المتقدّمين من غير بصيرة ولا مكاشفة، فأطلقوا القول بقدم العالم. وهكذا أوساخ الدهريّة والطبيعيّة حيث لم يقفوا على أسرارالحكمة والشريعة، ولم يطلعوا على اتّحاد مأخذهما واتّفاق مغزاهما.
ولشدّة رسوخهم فيما اعتقدوه من قدم العالم وزعمهم أنّ هذا ممّا يحافظ على توحيد الصانع وانثلام الكثرة والتغيير على ذاته، وأنّ قياساتهم مبنية على مقدّمات ضروريّة هي مبادي البرهان، لم يبالوا بأنّ ما اعتقدوه مخالف لما ذهب إليه أهل الدين بل أهل الملل الثلاث من اليهود والنصارى والمسلمين من أنّ العالم -- بمعنى ما سوى اللّه وصفاته وأسمائه -- حادث أي موجود بعد أن لم يكن بعديّة حقيقيّة وتأخّراً زمانيّاً، لا ذاتيّاً فقط، بمعنى المفتقر إلى الغير المتأخّر عنه
في حدّ ذاته، كما هو شأن كلّ ممكن بحسب حدوثه الذاتيّ وهو لا استحقاقيّة الوجود وللعدم من نفسه. ومنهم، وإن كان ممّن التزم دين الإسلام لكنّه يعتقد قدم العالم، ويظنّ أنّ ما ورد في الشريعة والقرآن واتّفق عليه أهل الأديان في باب الحدوث للعالم، إنّما المراد منه مجرّد الحدوث الذاتيّ والافتقار إلى الصانع. وذلك القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء من حيث لا يدري، ولا يخلص قائله، ولا يأمن من التعذيب العقليّ والحرمان الأبديّ، لأنّ الجهل في الأصول الإيمانيّة إذا كان مشفوعا بالرسوخ يوجب العذاب الروحاني في دار المآب. ثمّ تأويل ما ورد في نصوص الكتاب والسنّة إنّما هو لقصور العقول عن الجمع بين قواعد الملّة الحنيفة والحكمة الحقيقیة، وإلّا فألفاظ الكتاب والسنّة غير قاصرة عن إفادة الحقائق وتصوير العلوم والمعارف المتعلّقة بأحوال المبدأ والمعاد حتّى يحتاج إلى الصرف عن الظاهر للأقاويل وارتكاب التجوّز البعيد والتأويل. وهكذا فعله أبونصر الفارابيّ في مقالته التي في الجمع بين الرأيين والتّوفيق بين مذهبي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، حيث حمل الحدوث الزمانيّ الوارد في كلام أفلاطون حسب ما اشتهر منه ودلّت عليه الألفاظ المأثورة منه على الحدوث الذاتيّ، وهذا من قصوره في البلوغ إلى شأوا الأقدميّن الأساطين.(1)
يستفاد من كلامه أمور:منها: إنّ الفلاسفة لم يبالوا بمخالفة الشريعة لما ذهبوا إليه من القدم الذاتيّ.
ومنها: إنّهم أوّلوا نصوص الكتاب والسنّة، وما اتّفق عليه أهل الأديان في باب حدوث العالم، وقالوا: إنّما المراد منه مجرد الحدوث الذاتيّ والافتقار إلى الصانع، وهذا القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء(علیهم السلام) ومستلزم للعقاب الأبديّ.
ومنها: ألفاظ الكتاب والسنّة غير قاصرة عن إفادة الحقائق كي تحتاج إلى صرفها عن ظواهرها، وارتكاب التجوّزات البعيدة فيها، فالمستفاد من الكتاب والسنّة ليس إلّا الحدوث الزمانيَ، بمعنى مسبوقيّة العالم بالعدم الصريح وإنّ له أوّل وابتداء.
ثمّ إنّ ما نسبه الملّاصدرا إلى الفلاسفة من التأويل، وعدم الفهم، والقصور في الإدراك،
1) 1267.. رسالة في الحدوث، ص95.
وتكذيب الأنبياء، ومخالفة الضرورة... وأمثالها يشمل نفسه قبل أن يشمل غيره، كيف لا وهو يقول:
إنّ العقول المفارقة خارجة عن الحكم بالحدوث لكونها ملحقة بالصقع الربوبيّ، لغلبة أحكام الوجود عليها، فكأنّها موجودة بوجوده تعالى لا بإيجاده وما سوى العقول من النفوس والأجسام وما يعرضها حادثة بالحدوث الطبعيّ -- أي الزمانيّ -- .(1)
ثمّ اعلم: أنّه لسنا بصدد التكفير والتفسيق والتشنيع والسبّ والشتم واللعن وليس غرضنا من نقل كلمات القوم فيما مضى وفيما سيأتي الحكم بكفر أحد ممّن ينتحل الإسلام أو مودّة أهل البيت(علیهم السلام) كلّا ثمّ كلّا، حيث إنّ من يقول بمقالة الكفرة والملاحدة، ويلتزم بلوازمها كافر سواء حكم بكفره ونسب إلى الكفر أم لا؟ ومن يأتي بما ارتكبه الفسقة فاسق سواء حكم بفسقه ونسب إليه أم لا؟
وأمّا تكفير المؤمن وتفسيق الصالح المطيع فهو من أعظم الذنوب والمعاصي.
إنّما الغرض من تفصيل المقال في كلمات الأعاظم أمور:الأوّل: تحذير من يدافع عن مدرسة الفلاسفة ويدّعي تطابقها مع العقل والشرع.
الثاني: إنّ من يكون خال الذهن لو كان من أهل التقليد فهذه هي كلمات جلّ الفقهاء العظام تزرى بالفلسفة ولو كان من غيرهم فليحذر من الأخذ بما يؤول إلى إنكار ضروريّات الشرايع الإلهيّة خصوصاً في الاعتقادات.
الثالث: إبطال ادّعاء المتعصّبين من منتحلين الفلسفة والتصوّف والحكمة المتعالية من عدم إمكان الوصول إلى مقام العرفان والكمال وفهم الآيات والأخبار إلّا عبر هذه الطريقة ورمي أكثر الفقهاء والمتشرّعة بالحرمان عن الكمال والوصول إلى مقام القرب ورميهم بالجهل وأنّهم قشريّون لا يعلمون شيئاً من الحقائق.
1) 1268.. درر الفوائد، ص263؛ راجع الحکمة متعالیة فی الاسفار الاربعة، ج5، ص206 - 248 و ج7، ص328، وغير ذلك من الموارد التي صرّح فيها بنفي الحدوث الزمانيّ، مأخوذ عن كتاب وجود العالم بعد العدم عند الإماميّة، ص 36.
الرابع: إبطال ما ذكره بعض أعاظم المشتهرين بالعلم والحكمة من المروّجين لمباني الحكمة المتعالية الجامعة بين طريقة الاستدلال وطريقة الكشف، فإنّه قد اُدّعي بأنّ العامل الوحيد في حدوث التفكّر الفلسفيّ في المجتمع الدينيّ والعامل في بقائه هي الآيات والأحاديث ومن العجيب أنّه ادّعى أوّلاً أنّ العلّة المحدثة والمبقية لهذا التفكّر هي الذخائر العلميّة الشيعيّة الواصلة إليهم من أهل البيت(علیهم السلام) ثمَّ اعترف أخيراً بانحراف مكتب الفلسفة عن الآيات والروايات إلى القرن الحادي عشر «الذي جاء فيه صدرالدين الشيرازيّ بالحكمة المتعالية» ثمّ حصل التطابق بينهما وإليك نصّ عبارته:
كما أنّ العامل المؤثر في نشو التعقّل و التفكر الفلسفي عند الشيعة ومن ثم نشؤها عند الآخرين بأيديهم، هي الذخائر العلميّة التي خلّفها أئمّة الشيعة، كذلك المحرك لبقاء هذه الظاهرة عند الشيعة هي تلك التراث التي طالماً كانوا يكنون لها تقدّساً واحتراماً. ويكفيك أن تقايس وتوازن بين التراث العلمي الواصل من ائمّة أهل البيت(علیهم السلام) مع الكتب الفلسفيّة التي كتبت على مرّ التاريخ، فتشاهد أنّ الفلسفة اقتربت إلى تلك التراث يوماً بعد يوم، حتّى القرن الحادي عشر الهجري الذي حصل التطابق بينهما ولم يبق سوى الاختلاف في التعبير.(1)
چنانکه عامل مؤثر در پیدایش تفکر فلسفى و عقل در میان شیعه و به وسیلۀ شیعه در میان دیگران ذخائر علمى بوده که از پیشوایان شیعه به یادگار مانده، عامل مؤثر در بقاى این طرز تفکر در میان شیعه نیز همان ذخائر علمى است که پیوسته شیعه به سوى آنها با نظر تقدیس و احترام نگاه مىکند و براى روشن شدن این مطلب کافى است که ذخائر علمى اهل بیت(علیهم السلام) را با کتب فلسفى که با مرور تاریخ نوشته شده بسنجیم، زیرا عیاناً خواهیم دید که روز به روز فلسفه به ذخائر علمى نامبرده نزدیکتر مىشد تا در قرن یازده هجرى تقریباً به همدیگر منطبق گشته و فاصلهاى جز اختلافِ تعبیر در میان نمانده است.
والعجب العجاب قول بعض المعاصرين في تعليقته على البحار بعد ما قال العلّامة المجلسىّ(قدس سره): «هذه الجناية على الدين وتشهير كتب الفلاسفة بين المسلمين...» قال هذا المعاصر:إنّه لو سلّم إلحاد متفلسف وانكاره للشرائع والنبوّات فليس ذلك بحيث يسري إلحاده إلى كلّ من سمّي فيلسوفاً حتّى وإن كان مصرّحاً بتصديق الأنبياء، ثمّ
1) 1269.. شيعه در اسلام، الدرس 18، ص141:
يجب علينا أن لا نقصّر في قدحه والطعن عليه دون أن نحمل كلامه على التقية من المسلمين والخوف من التكفير والتشهير... إنّ الذي ثبت من مدح الفلاسفة الإلهيّين أنّهم رفعوا لواء التوحيد في عهد وفي أرض كان يسيطر فكرة الشرك والوثنيّة على القلوب، ووجّهوا أنظار الجمهور إلى ما وراء الطبيعة بينما كان أئمّة الكفر يدعون الناس إلى الطبيعة والدهر، وقادوا بالهمم إلى العالم الأبديّ وحياة الآخرة حينما كانت تقصر على العالم الماديّ وتخلد إلى الأرض والحياة الدنيا.(1)
ليت شعري كيف رفع هؤلاء لواء التوحيد مع أنّهم أنكروا العمد والحكمة في التدبير، وهم الذين اشتهروا بالكفر والإلحاد والزندقة بين الموحّدين، الأمر الذي أقرّ به المخالف والمؤالف؟
وهم الذين أنكروا كون فاعليّة الربّ بالقدرة ورأوا فاعليّته بالجبر والعلّيّة!!
وهم الذين قالوا بوحدة الوجود واعتباريّة الماهيّات وأنّها أعدام محضة!!
وهم الذين أنكروا المعاد الجسمانيّ والجنّة والنار!!
وهم الذين قالوا بأنّ جهنّم هو البُعد المتوهّم للكافر ويزول بالموت!!
وهم الذين قالوا بأنّ أعظم مجالي عبادة الربّ هي عبادة الهوى!!
فياتُرى هل يكون رفع راية الحقّ ولواء التوحيد بالقول بأنّ عبادة العجل والأصنام عبادة الربّ المتعال السبّوح القدّوس؟!
وهل يكون رفع راية التوحيد بالقول بأنّ العابد هو المعبود والمعبود هو العابد وأنّ الخالق والحامد هو المخلوق والمحمود؟!هل هذا هو التوحيد الذي يدعو إليه الأنبياء والقرآن والنبيّ الأعظم وأهل بيته الكرام؟!
وليت شعري هل الفقهاء العظام حذّروا من الرجوع إلى التفكّر الذي يوافق الشرع وهل حكموا بكفر من سلك هذا المسلك؟!
أو حكموا بكفر جمع من المسلمين مع الجهل بمعتقدهم وآرائهم؟! مع أنّهم -- على الأغلب -- تعرّضوا لما يكون سبباً للحكم بكفرهم كالقول بقدم العالم وإنكار المعاد الجسمانيّ و... .
1) 1270.. تعلیقة محمّدتقي المصباح الیزديّ علی بحارالأنوار، ج57، ص 195- 196.
ثمّ هل كان الفلاسفة يدعون المسلمين والموحّدين -- الذين كانوا يرمونهم بالكفر والإلحاد -- إلى العالم الأبديّ وحياة الآخرة؟
ولعمري إذا كانوا داعين إلى اللّه ورافعين علم التوحيد فلماذا كانوا يتّقون من المسلمين ويخافون من التكفير والتشهير؟
وقال في تعقيب ما مرّ من كلامه:
وإذا كانت علوم الطبّ والهندسة وأمثالها ترتضع من ثدى النبوّة فلا غرو أن تكون منشأ تلك المعارف العالية تعاليم رجال الوحي وإن وقع فيها بعد حين تحريف أو سوء تعبير وتفسير.(1)
الأولى: قد ادّعى أنّ مباني الفلسفة وأُصولها وفروعها من المعارف العالية مأخوذة من تعاليم رجال الوحي وفيه: أنّ إنكار ضروريّات الدين من حدوث العالم، والمعراج الجسمانيّ ووجود الملائكة و... هل يكون من المعارف العالية وهل يكون مأخوذاً من رجال الوحي مع تضادّه لما جاء به رجال الوحي؟!
الثانية: إنّ قياس الفلسفة والتصوّف بعلم الطبّ والهندسة قياس مع الفارق:
أمّا أوّلاً: فلأنّ الخطاء فيهما لا يوجب الانحراف عن الدين والشريعة ولا يوجب الوقوع في المهالك الأخرويّة ودخول جهنّم والخلود فيها.
وثانياً: لم يدّع أحد من علماء الطبّ والهندسة تطابق جميع ما ذهبوا إليه مع ما جاء به الأنبياء ولم يقل أحد منهم بأنّ ما قال به هو عين الديانة والشريعة بخلاف الفلاسفة سيّما المدافعين عن الحكمة المتعالية فقد ادّعوا أنّ جميع آرائهم تنطبق على ما في الشريعةكما مرّ من كلمات أستاذ هذا المعاصر ونقلناها عن كتاب شيعه در اسلام.
وثالثاً: إنّ ما صرّح به من وقوع التحريف في آراء الفلاسفة وكلماتهم أو سوء التعبير والتفسير إن كان مراده وقوع التحريف وسوء التعبير والتفسير من ناحية المخالفين للوقيعة فيهم فهو افتراء محض على كلّ من خالفهم فالغرض من هذه العبارة الإزراء على المخالفين
1) 1271.. بحارالأنوار، ج57، ص196.
ولو بسبب الافتراء والاتّهام (نعوذ باللّه من شرور أنفسنا). وقد عرفت ذهابهم إلى ما يخالف الدين والقرآن والعقل والفطرة وما جاء به صاحب الشريعة في مسألة الجبر على حسب تصريح كلماتهم المنقولة بعينها عن كتبهم وزبرهم بلا تحريف ولا سوء التعبير والتفسير.
وإن كان مراده هو أنّ ما يخالف الدين وما جاء به صاحب الشريعة إنّما هو لأجل تحريف كلماتهم ولو من ناحية مقلّديهم ففيه:
أمّا أوّلاً: فما ذكره ينافي ما نقلناه سابقاً عن أستاذه.
وثانياً: هل تكون كلمات صدرالدين الشيرازيّ في كتاب الاسفار وأمثاله محرّفة؟!
وثالثاً: كيف الطريق إلى تشخيص الحقّ والباطل في كلماتهم؟!
ورابعاً: مع وقوع التحريف في كلماتهم هل يجوز الاعتماد على أقاويلهم؟ وهل يجوز بناء الاعتقادات الدينيّة على مبانيهم؟! وهل يجوز تأويل صريح الآيات والروايات المتواترة -- ولو بالتأويلات الباطلة التي تضحك بها الثكلى -- وطرح غيرها -- مع عدم إمكان التوجيه والتأويل -- بمجرّد مباينتها مع الكلمات المحرّفة؟!
على رغم ما ادّعاه مؤلّف الميزان فيما نقلناه عنه وتلميذه في هامش البحار من تطابق الفلسفة والعرفان مع ما جاء به صاحب الشريعة المقدّسة فقد صرّح في تفسيره بالمصارعة بين الفلسفة والعرفان والآيات والروايات وعدم إمكان التطبيق والجمع بينها وإليك نصّ عبارته:ولذلك رام جمع من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم أن يوفّقوا بين الظواهر الدينيّة والعرفان كابن العربيّ وعبدالرزّاق الكاشانيّ وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشانيّ.
وآخرون أن يوفّقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابيّ والشيخ السهرورديّ صاحب الإشراف والشيخ صائن الدين محمّد تركه.
وآخرون يوفّقوا بين الظواهر الدينيّة والفلسفيّة كالقاضي سعيد وغيره.
وآخرون أن يوفّقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه وصدرالمتألّهين الشيرازيّ في كتبه ورسائله وعدّة ممّن تأخر عنه.
ومع ذلك كلّه فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلّا شدّة في التعرّق، ولا في إخماد ناره إلّا اشتعالا.(1)
ثمّ إنّ كثيراً من أصحاب الأئمّة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدّس اللّه أسرارهم منذ عصر الأئمّة الهداة(علیهم السلام) إلى زماننا هذا حذّروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء، وكفرِ من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين، وأفتوا بحرمة تعليمها وتعلّمها، وبعضهم ألّفوا في ذلك كتباً نذكر ما وقفنا عليه من أسمائهم.
قال النجاشيّ(رحمه الله):
كان عالماً بالأخبار والشعر والنسب والآثار والسير، وما رؤي في زمانه مثله، وكان مجرّداً في مذهب الإماميّة (الإمامة)، وكان قبل ذلك معتزليّاً، وعاد وهو أشهر من أن يشرح أمره. له كتب، منها:... كتاب الردّ على أهل المنطق، وكتاب الردّ على الفلاسفة.(2)
قال النجاشيّ(رحمه الله):رجل لا بأس به، سمع الحديث وكان ثقة. له كتاب الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد نتائج العقول.(3)
ففي رجال الكشّي: أحمد بن محمّد الخالديّ، عن محمّد بن همام، عن إسحاق بن أحمد عن أبي حفص الحدّاد، وغيره، عن يونس بن عبد الرحمان قال:
كان يحيى بن خالد البرمكيّ قد وجد على هشام بن الحكم شيئاً من طعنه على الفلاسفة، وأحبّ أن يغري به هارون ونصرته على القتل... .(1)
قال النجاشيّ(رحمه الله):
هشام بن الحكم أبو محمّد، مولى كندة، وكان ينزل بني شيبان بالكوفة، انتقل إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومائة ويقال: إنّ (إنّه) في هذه السنة مات.
له كتاب يرويه جماعة. أخبرنا أبو عبداللّه بن شاذان قال: حدّثنا عليّ بن حاتم قال: حدّثنا ابن ثابت قال: حدّثنا عبيداللّه بن أحمد بن نهيك عن ابن أبي عمير عنه بكتابه و... كتابه الدلالة على حدث الأجسام... وكتابه الردّ على أرسطاليس (أرسطاطاليس) في التوحيد، كتابه المجالس في التوحيد.(2)
وقال الشيخ:
هشام بن الحكم، كان من خواصّ سيّدنا ومولانا موسى بن جعفر(علیهما السلام)، وكانت له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها... وله من المصنّفات كتب كثيرة، منها: كتاب الإمامة، وكتاب الدلالات على حدوث الأشياء... وكتاب الردّ على أرسطاطاليس في التوحيد.(3)
وقال ابن شهر آشوب:
أبو محمّد هشام بن الحكم الشيبانيّ، كوفيّ تحوّل إلى بغداد ولقي الصادق والكاظم(علیهما السلام)... وقوله(علیه السلام): «هشام بن الحكم رائد حقّنا وسائق قولنا المؤيّد لصدقنا والدامغ لباطل أعدائنا من تبعه وتبع أثره تبعنا ومن خالفه وألحد فيه فقد عادانا وألحد فينا». من كتبه: كتاب الدلالات علىحدوث الأشياء... كتاب الردّ على أرسطاطليس في التوحيد.(4)
قال النجاشيّ(رحمه الله):
الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمّد الأزديّ النيشابوريّ (النيسابوريّ) كان أبوه
من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني، وقيل [عن] الرضا(علیه السلام) أيضاً وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين، وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن نصفه. وذكر الكنجيّ أنّه صنّف مائة وثمانين كتاباً وقع إلينا منها:... كتاب الردّ على الفلاسفة.(1)
وقال الشيخ(رحمه الله):
الفضل بن شاذان النيشابوريّ، فقيه متكلّم، جليل القدر. له كتب ومصنّفات، منها:... كتاب الوعيد والمسائل في العالم وحدوثه، وكتاب الأعراض والجواهر... وكتاب النقض على من يدّعي الفلسفة في التوحيد والاعراض والجواهر والجزء... وله غير ذلك مصنّفات كثيرة لم تعرف أسماؤها.(2)
وقال ابن شهر آشوب(رحمه الله):
أبو محمّد الفضل بن شاذان بن جبرئيل النيسابوريّ، لقي عليّ بن محمّد التقيّ(علیه السلام)، دخل الفضل على أبى محمّد(علیه السلام) فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب من تصنيفه فتناوله أبو محمّد(علیه السلام) ونظر فيه وترحّم عليه، وذكر أنّه قال: أغبط أهل خراسان مكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم. وله مائة وستّون مصّنفاً (منها): كتاب... المسائل في العالم وحدوثه، الاعراض والجواهر... الردّ على من يدّعي الفلسفة في التوحيد والاعراض والجواهر والجزء.(3)
قال الشيخ(رحمه الله) في الفهرست:
الحسن بن موسى النوبختيّ، ابن أخت أبي سهل بن نوبخت، يكنّى أبا محمّد، متكلّم فيلسوف، وكان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقيّ وإسحاق وثابت وغيرهم، وكان إماميّاً حسن الاعتقاد، نسخ بخطه شيئاً كثيراً. ولهمصنّفات كثيرة في الكلام وفي نقض الفلسفة وغيرهما، منها: كتاب الآراء والديانات، لم يتمّه. وكتاب الردّ على أصحاب التناسخ.(4)
قال في الروضات:
هو صاحب الأبحاث الواردة الغفيرة على حكماء اليونان.(1)
قال في الكافي في باب جامع التوحيد بعد ذكره الحديث الأوّل:
هذه الخطبة من مشهورات خطبه(علیه السلام) حتّى لقد ابتذلها العامّة، وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبّرها وفهم ما فيها... ألا ترون... إلى قوله: «لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان» فنفى بقوله: «لا من شيء كان» معنى الحدوث، وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال، نفياً لقول من قال: إنّ الأشياء كلّها محدثة بعضها من بعض،(2)
أي من الحكماء والدهريّة والملاحدة، حيث يقولون بقدم الأنواع وإنّ كلّ حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية.
وإبطالاً لقول الثنويّة الذين زعموا أنّه لا يحدث شيئاً إلّا من أصل ولا يدبّر إلّا باحتذاء مثال.(3)ذكر النجاشيّ(رحمه الله) من كتبه:
كتاب الردّ على أرسطاطاليس،... كتاب الردّ على من يقول إنّ المعرفة من قبل الموجود.(4)
قال في سبب تأليف كمال الدين وتمام النعمة:
فبينا هو يحدّثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيّين كلاماً في القائم(علیه السلام) قد حيّره وشكّكه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولاً في إثبات كونه(علیه السلام) ورويت له أخباراً في غيبته عن
النبيّ والأئمّة: سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشكّ والارتياب والشبهة، وتلقّى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أُصنّف في ذلك كتاباً فأجبته إلى ملتمسه.(1)
قال الذهبيّ في سير أعلام النبلاء:
الصاحب الوزير الكبير العلّامة الصاحب، أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد بن عبّاس الطالقانيّ الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيّد الدولة بويه بن ركن الدولة... وكان يبغض من يدخل في الفلسفة.(2)
قال(رحمه الله):
إنّ ما يتولّد بالطبع فإنّما هو لمسبّبه بالفعل في المطبوع، وإنّه لا فعل على الحقيقة لشيء من الطباع، وهذا مذهب أبي القاسم الكعبي وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع، وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضاً فيما ذهبوا إليه من أفعال الطباع.(3)
وقال بعد ذكر قصّة صاحب الحمار الذي أحياه اللّه بعد مائة عام:
وهذا منصوص في القرآن مشروح في الذكر والبيان لا يختلف فيه المسلمون وأهل الكتاب، وهو خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا، منكر عند الملحدين ومستحيل على مذهب الدهريّين والمنجّمين وأصحاب الطبائع من اليونانيّين وغيرهم من المدّعين الفلسفة والمتطبّبين.(4)
و من جملة كتبه: كتاب جوابات الفيلسوف في الإتّحاد، وكتاب الردّ على أصحاب الحلّاج.
وقد تصدّى لنقد شبهات الفلاسفة في ساير كتبه أيضاً نظير ما جاء في المسألة السابعة عشرة من المسائل العكبريّة.(5)
وقال(رحمه الله) - في الردّ على القول بالحال -:
فكره أن يثبت الحال شيئاً فتكون موجودة أو معدومة، ومتى كانت موجودة لزمه - على أصله وأصولنا جميعاً - أنّها لا تخلو من القدم والحدوث، وليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم فيخرج بذلك عن التوحيد ويصير به أسوء حالا من أصحاب الصفات.
وساق الكلام:... ومن دان بالهيولى وقدم الطبيعة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر. ولا عذر للجميع فيما ارتكبوه من الضلال لأنّهم يقولون: إنّالهيولى هو أصل العالم، وإنّه لم يزل قديماً، وإنّ اللّه تعالى هو محدث له كما يحدث الصائغ من السبيكة خاتماً والناسج من الغزل ثوباً والنجّار من الشجرة لوحاً.(1)
قال الكراجكيّ -- تلميذ السيّد المرتضى -- في كتاب كنز الفوائد:
اعلم - أيّدك اللّه - إنّ من الملاحدة فريقاً يثبتون الحوادث ومحدثها ويقولون: إنّه لا أوّل لوجودها ولا ابتداء لها، ويزعمون: أنّ اللّه سبحانه لم يزل يفعل ولا يزال كذلك، وإنّ أفعاله لا أوّل لها ولا آخر، فقد خالفونا في قولهم: إنّ الأفعال لا أوّل لها.. إذ كنّا نعتقد إنّ اللّه تعالى ابتدأها وإنّه موجود قبلها... إعلم إنّ الملاحدة لمّا لم تجد حيلة تدفع بها تقدّم الصانع على الصنعة، قالت: إنّه متقدّم عليها تقدّم رتبة لا تقدّم زمان.(2)
قال في تفسير سورة الفيل:
وفيه حجّة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين، المنكرين للآيات الخارقة للعادات، فإنّه لا يمكن نسبة شيء ممّا ذكره اللّه تعالى من أمر أصحاب الفيل إلى طبع وغيره، كما نسبوا الصيحة، والريح العقيم، والخسف، وغيرهما ممّا أهلك اللّه تعالى به الأمم الخالية، إلى ذلك، إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطبيعة إرسال جماعات من الطير معها أحجار معدّة مهيّأة لهلاك أقوام معيّنين، قاصدات إيّاهم دون من سواهم، فترميهم بها حتّى تهلكهم، وتدمر عليهم، حتّى لا يتعدّى ذلك
إلى غيرهم، ولا يشكّ من له مسكة من عقل ولبّ، أنّ هذا لا يكون إلّا من فعل اللّه تعالى، مسبّب الأسباب، ومذلّل الصعاب. وليس لأحد أن ينكر هذا، لأنّ نبيّنا(صلی الله علیه آله و سلم) لما قرأ هذه السورة على أهل مكّة، لم ينكروا ذلك، بل أقرّوا به، وصدّقوه مع شدّة حرصهم على تكذيبه، واعتنائهم بالردّ عليه. وكانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة وأصل، لأنكروه وجحدوه، وكيف وأنّهم قد أرّخوا بذلك كما أرّخوا ببناء الكعبة، وموت قصيّ بن كعب، وغير ذلك. وقدأكثر الشعراء ذكر الفيل، ونظموه، ونقلته الرواة عنهم.(1)
وقال في تفسير قوله تعالى: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ(2):
قيل فيه وجوه: ... والآخر: أنّ المراد علم الفلاسفة كانوا يصغّرون علم الأنبياء إلى علمهم.
وعن سقراط أنّه قيل: ائت موسى(علیه السلام) وكان في زمانه، فقال: نحن قوم مهذّبون، فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.(3)
قال(رحمه الله):
بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد حمد اللّه الذي هدانا إلى منهاج الدليل والصلاة على محمّد وآله الذين سلكوا بنا سواء السبيل، فإنّ قوماً من الذين أقرّوا بظاهرهم بالنبوّات، جحدوا في الإمامة كون المعجزات، فضاهوا الفلاسفة والبراهمة الجاحدين في النبوّة الأعلام الباهرات فدعواهم جميعاً باطلة فاضحة، إذ الأدلّة على صحّة جميع ذلك واضحة.(4)
وقال أيضاً:
فصل واعلم أنّ الفلاسفة أخذوا أصول الاسلام ثمّ أخرجوها على رأيهم، فقالوا في الشرع والنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) إنّما أُريدا كلاهما لإصلاح الدنيا؛ فالأنبياء يرشدون العوامّ
لإصلاح دنياهم، والشرعيّات تهذّب أخلاقهم، لا أنّ الشرع والدين كما يقول المسلمون، من أنّ النبيّ يراد لتعريف مصالح الدين تفصيلاً وإنّ الشرعيّات ألطاف في التكليف العقليّ؛ فهم يوافقون المسلمين في الظاهر، وإلّا فكلّ ما يذهبون إليه هدم للإسلام وإطفاء لنور شرعه وَيَأْبَى اللهُ إلنا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (1).(2)
وقال أيضاً:
من الفلاسفة من يقول لمجاملة أهل الإسلام: إنّ الطريق إلى معرفة صدق المدّعي للنبوّة هو أن يعلم أنّ ما أتى به مطابق لما يصلحون به في دنياهم، ولأغراضهم.(3)وقد ذكر من جملة مؤلّفاته كتاب: تهافت الفلاسفة.(4)
قال الشيخ حرّ:
فاضل عالم ثقة جليل القدر، له مصّنفات كثيرة منها: ... ونقض شُبَه الفلاسفة، ومسألة في الردّ على من زعم أنّ الوجوب والقبح لا يعلمان إلّا سمعاً، ومسألة في الردّ على من قال في الدين بالقياس.(5)
فإنّه يعتبر قول الفلاسفة مخالفاً لكافّة المسلمين:
وممّا يقال للمجبرّة: قد رحمناكم لشدّة غفلتكم، وخاصّة الذين يقولون منكم لا فاعل سوى اللّه تعالى، ثمّ يقولون إنّ العبد غير مختار وإنّه مضطرّ فيما يصدر عنه، ويا للّه والعجب من جهالاتكم إذا كان لا فاعل سوى اللّه تعالى، وعندكم
وعند كافّة أهل الإسلام إنّ اللّه تعالى مختار غير مضطرّ ولا ملجأ، وكيف صارت أفعاله الصادرة عن العباد في الصورة وهي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حكم اختياره، وبطل على قولكم كونه مختاراً وصرتم إلى مذهب الفلاسفة في أنّه جلّ وعلا غير مختار.(1)
وقال أيضاً:
الباب التاسع فيما نذكره عمّن يقول إنّ النجوم لا تصحّ أن تكون دلالات علی الحادثات إعلم أنّ المنكرين لذلك من المسلمين فرق... وفريق سمعوا أنّ هذا العلم ابتدعه قوم غير الأنبياء من الفلاسفة والحكماء فهربوا من التصديق بشيء من معانيه لئلّا يقعوا فيما وقع أولئك فيه من الضلالة والتشبيه. وقد قدّمنا الدلالات الواضحات على أنّ هذا العلم من علوم الأنبياء والأوصياء عليهم الصلوات وأوضحنا ذلك بما ذكرنا من المعقولات والمنقولات.(2)
وقال أيضاً:
لقد وجدت الفلاسفة وأكثر من ضلّ بغير عناد، أنّ ضلالهم كان من طريق التوكّل والاعتماد على العقول والقلوب والاجتهاد مع الغفلة عن سلطان المعاد.ولقد كان اللّه جلّ جلاله أعذر إليهم وركب الحجّة عليهم بما أراهم في العقول والقلوب من مماتها بالنسيان وكثرة آفاتها وتفاوت إرادتها بما يظهر في تصرّفاتها من النقصان ما كان كافياً في ترك الاعتماد عليهما مع سقم الغفلة عنه جلّ جلاله بالاستناد عليها.(3)
قال في كتاب الفصول:
أصل: قد ثبت أن وجود الممكن من غيره، فحال إيجاده لا يكون موجوداً، لاستحالة إيجاد الموجود، فيكون معدوماً، فوجود الممكن مسبوق بعدمه وهذا الوجود يسمّى: حدوثاً، والموجود: محدثاً، فكلّ ما سوى الواجب من الموجودات
محدث، واستحالة الحوادث لا إلى أوّل - كما يقوله الفلسفيّ - لا يحتاج إلى بيان طائل بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها.(1)
قال(رحمه الله):
البحث الخامس في أنّه تعالى لا يتّحد بغيره؛ الضرورة قاضية ببطلان الاتّحاد فانّه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وخالف في ذلك جماعة من الصوفيّة من الجمهور فحكموا بأنّه يتّحد بأبدان العارفين حتّى تمتدى بعضهم فقال إنّ اللّه تعالى نفس الوجود وكلّ موجود فهو اللّه تعالى وهذا عين الكفر والإلحاد الحمد للّه الذى فضّلنا باتّباع أهل البيت دون الأهواء المضلّة.(2)
وقال أيضاً في بيان أحكام تعلّم أنواع العلوم:
العلم إمّا فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّ أو حرام. فالأوّل: العلم بإثبات الصانع تعالى وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه... والحرام: ما اشتمل على وجه قبح، كعلم الفلسفة لغير النقض، وعلم الموسيقيّ وغير ذلك ممّا نهى الشرع عن تعلّمه، كالسحر، وعلم القيافة والكهانة وغيرها.(3)
وقال في نهجّ الحق في الجواب عن شبهة الجبر بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد وشبهة لزوم علم الباري الجبر:فقد ظهر من هذا أنّ هذين الدليلين آتيان في حقّ اللّه تعالى، وهما إن صحّا لزم خروج الواجب عن كونه قادراً، ويكون موجباً، وهذا هو الكفر الصريح، إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة هو هذه المسألة... .
والحاصل: أنّ هؤلاء إن اعترفوا بصحّة هذين الدليلين لزمهم الكفر، وإن اعترفوا ببطلانهما سقط احتجاجهم بهما. فلينظر العاقل من نفسه: هل يجوز له أن يقلّد من يستدلّ بدليل يعتقد صحّته، ويحتجّ به غداً يوم القيامة؟ وهو يوجب الكفر، والإلحاد؟
وأيّ عذر لهم عن ذلك؟
وعن الكفر والإلحاد؟
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟
هذه حجّتهم تنطق بصريح الكفر على ما ترى. وتلك الأقاويل التي لهم قد عرفت أنّه يلزم منها نسبة اللّه سبحانه إلى كلّ خسيسة ورذيلة، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. وليحذر المقلّدون، وينظروا كيف هؤلاء القوم الذين يقلّدونهم، فإن استحسنوا لأنفسهم بعد البيان والإيضاح اتّباعهم كفاهم بذلك ضلالاً، وإن راجعوا عقولهم، وتركوا اتّباع الأهواء، عرفوا الحقّ بعين الانصاف، وفّقهم اللّه لإصابة الثواب.(1)
وقال(رحمه الله) في الجواب عن سؤال السيّد المهنا:
ما يقول سيّدنا فيمن يعتقد التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة لكنّه يقول بقدم العالم؟ ما يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ بيّن لنا ذلك، أدام اللّه سعدك وأهلك ضدّك.
قال: من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف، لأنّ الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفّار بالإجماع.
وقال السيّد المهنا: ما يقول سيّدنا في المثبتين القائلين بأنّ الجواهر والأعراض ليست بفعل الفاعل، وأنّ الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود؟ فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد الظاهر البطلان موجباً لتكفيرهم، وعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة، وعدم قبول شهادتهم، وجواز مناكحتهم؟ أم لا يكون موجباً لشيء من ذلك وأيّ شيء يكون حكمهم في الدنيا والآخرة؟ وما الذي يجب أنيعتقد المكلّف في معتقد هذه المقالة المتديّن بها، المناظر عليها، مع ظهور فسادها.. أوضح لنا ذلك غاية الإيضاح.
فأجاب العلّامة(رحمه الله): لا شكّ في رداءة هذه المقالة وبطلانها، لكنّها لا توجب تكفيراً ولا عدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة، ولا ردّ شهادتهم، ولا تحرم مناكحتهم، وحكمهم في الدنيا والآخرة حكم المؤمنين، لأنّ الموجب للتكفير إنّما هو اعتقاد قدم الجواهر وهم لا يقولون بذلك، لأنّ القديم يشترط فيه الوجود وهم لا يقولون بوجوده في الأزل.(2)
وقال العلّامة الحلّيّ(رحمه الله) في شرح كلام المحقّق الطوسيّ(رحمه الله) في التجريد: «ولا قديم سوى اللّه تعالى»:
قد خالف في هذا جماعة كثيرة، أمّا الفلاسفة فظاهر لقولهم بقدم العالم... إلى أن قال: وكلّ هذه المذاهب باطلة، لأنّ كلّ ما سوى اللّه ممكن، وكلّ ممكن حادث.(1)
وقال(رحمه الله) في كتاب نهاية المرام في علم الكلام:
القسمة العقليّة منحصرة في أقسام أربعة: الأوّل: أن يكون العالم محدث الذات والصفات وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء. الثاني: أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وجماعة من القدماء، ومن المتأخّرين قول أبي نصر الفارابيّ والرئيس، قالوا: السماوات قديمة بذواتها وصفاتها إلّا الحركات والأوضاع فإنّها قديمة بنوعها لا بشخصها، والعناصر الهيولى منها قديمة بشخصها، وصورها الجسميّة قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها.(2)
وقد جاء في ترجمته أنّ من جملة مصنّفاته:
الأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة من الحكمة والكلام والمنطق، ثلاثة أجزاء، موجود في المكتبة الحيدريّة بالنجف الأشرف، يردّ به على الفلاسفة، ألّفه باسم هارون بن شمس الدين الجوينيّ، توجد نسخة أيضاً في مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالنجف الأشرف ويظهر أنّها بخطّ العلّامة، تقع في 460 صفحة.(3)
قال في الروضات:
كان شديد الردّ على الفلاسفة مظهراً فضائحهم مع استيلائهم حينئذ.(4)
قال(رحمه الله) في كتابه ثقوب الشهاب في رجم المرتاب على ما نقله عنه آقا محمّد علي الكرمانشاهي حفيد الوحيد البهبهانيّ ما ترجمته:
وينبغي أن يعلم أنّ أكثر رؤوس الملاحدة والصوفية كانوا من الفلاسفة، فما كان يمنعهم حديث «لا تفكّر في ذات اللّه» عن التفكّر في الذات، وقد ملأوا عيون بصيرة عقلهم القاصر بتراب الأغواط، فإنّ الطائفة الإسماعيليّة النزاريّة المسمّين بملاحدة أَلَمُوْت، ومحمود الپسيخاني ونظائرهما كانوا جميعاً من الفلاسفة.
وقد سمعنا عن كثير من الثقات والعدول كثرة أناس فاسدي العقيدة في هذا الزمان، وقد اشتهروا بالإلحاد بين الخواص والعوام شهرة تامّة، ومنهم من يلبس زي طالب العلم ويسىء إلى سمعة طلاب العلوم الدينيّة. وذلك لأنّهم يقرأون كتب الفلاسفة والصوفيّة من دون قوّة اليقين واستحكام العقيدة من الدين، فيؤثّر ذلك في اعتقادهم الباطل، وأغلب هؤلاء يشتغلون بإغراء الجهال من الناس، وقد صنعوا من الدين مصيدة لمكرهم وغرورهم... . وبعض الاجلاف يضيعون الوقت ويتعذرون عن قراءة تلك الكتب ويقولون: ليست الغاية من قراءة كتب الفلاسفة والصوفيّة إلاّ تحصيل الإستعداد لفهم الأحاديث المشكلة.
فقد غلطوا أو تغالطوا، كلا وحاشا من ذلك! ألم تكن هناك طرق لفهم تلك الأحاديث قبل شيوع الفلسفة وظهور المبتدعة بين الطوائف الإسلاميّة ؟ فهؤلاء الشرذمة يرون أنّ إكمال الدين واتمام الشريعة إنما توقّف على وجود محى الدين وابن سينا.
والمشهور أنّ في زمان محى الدين كتب حوالي أربعمائة من علماء الشيعة والسنّة كتباً في كفرالملعون وإبطال مقالاته المشحونة بالزندقة، وأنّ الكثير من العلماء والفضلاء قد كفّروا ابن سينا في زمانه ونسبوه إلى الإلحاد...
صان اللّه تعالى جميع أهل الإيمان من شرّ الملاحدة المتظاهرين بالتشيع من المبتدعة والمتفلسفة وغيرهما.(1)
و باید دانست که اکثر رؤوس ملاحده و صوفیه فلسفى بودهاند، که پروا از حدیث «لاتفکّر فی ذات اللّه» نداشتهاند، و چشمۀ چشم عقل کوتهاندیش خویش را به خاک غوائط انباشتهاند، طائفۀ اسماعیلیۀ نزاریّه که ایشان را ملاحدة الموت مىگویند و محمود پسیخانى و نظائرش همه فلسفى بودهاند.
و از جمع کثیر از ثقات و عدول مسموع مىگردد که در این روزگار مردم فاسد عقیده بسیارند که در میان خواص و عوام به الحاد شهرت تام دارند، و جمعى از ایشان هستند که خود را طالب علم مىکنند، و طلبه علوم دینیّة را بدنام مىگردانند به سبب آنکه با عدم قوت یقین و طلب علم دین به خواندن و مطالعه کردن کتابهاى فلاسفه و صوفیة اشتغال نموده بد اعتقاد شدهاند، و اکثر ایشان به فریب دادن مردم نادان مشغول گشته دین را دام مکر و غرور ساختهاند ... .
جمعى از اجلاف بى ثبات اتلاف اوقات مىنمایند، و متعلل به آن مىشوند که مقصود ما از قرائت علوم فلسفه و مطالعۀ کتب صوفیة استعداد فهمیدن احادیث مشکله است، غلط فهیدهاند یا مغالطه مىکنند! کلّا و حاشا! مگر قبل از شیوع فلسفه و ظهور مبتدعه در میان طوائف اسلامیة فهم کسى بر معانى آن احادیث راه نداشته، همانا به گمان این گروه بد گمان اکمال دین و اتمام شریعت غرّاء موقوف به وجود محى الدین و ابن سینا بوده.
مشهور است که در زمان محى الدین قریب به چهارصد کس از علماى شیعه و سنّى در کفر آن لعین و رد مقالات زندقه آیاتش کتابها نوشتهاند، و بسیار کسى ازعلماء و فضلاء در زمان ابن سینا او را کافر و ملحد گفتهاند ... .
حضرت اللّه تعالى جمیع اهل ایمان را از شر ملحدان شیعه نما، از مبتدعه و متفلسفه و غیرهما مصون و محروس بدارد.
1) 1315.. خيراتيّة، ج2، ص168-171:
فقد قال(رحمه الله) في كتاب الزكاة:
يجوز لطالب العلم المباح واللغة والنحو أن يأخذ من الزكاة والخمس، وإن كان قادراً على التكسّب، دون العلم المحرّم كالفلسفة وغيره.(1)
قال في أنموذجه:
1) 1316.. الينابيع الفقهيّة (علي أصغر المرواريد)، ج29، ص388.
وقد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثلاث، فإنّ أهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشذّ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقاً إلّا بعض المجوس، وأمّا الفلاسفة فالمشهور أنّهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي، ونقل عن أفلاطون القول بحدوثه وقد أوّله بعضهم بالحدوث الذاتيّ.(1)
ثمّ قال:
لا يذهب عليك أنّه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم، وثبت بالتواتر وإخبار الأنبياء الذين هم أصول البرايا وإجماع أهل الملل على ذلك، وقد نطق به الوحي الإلهيّ على وجه لا يقبل التأويل إلّا بوجه بعيد تتنفّر عنه الطبائع السليمة والأذهان المستقيمة، فلا محيص عن اتّباع الأنبياء في ذلك والأخذ بقولهم. كيف وأساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم وينسبون أصول مقالاتهم على ما يزعمون أنّها مأخوذة منهم، فإذن تقليد هؤلاء الأعاظم الذين اصطفاهم اللّه تعالى وبعثهم لتكميل العباد، والإرشاد إلى صلاح المعاش والمعاد، وقد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولى وأحرى من تقليد الفلاسفة الذين هم معترفون برجحان الأنبياء(علیهم السلام) عليهم، ويتبرّكون بالانتساب إليهم.
ومن العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيّهم ويقولون إنّ كلام الأنبياء مؤوّل ولم يريدوابه ظاهره، مع أنّا نعلم أنّه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب الاعتقاديّة بوجه لا يقبل التأويل أصلا.(2)
قال(رحمه الله):
وبقي علوم أخر بعضها محرّم مطلقاً، كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة، وكلّ ما يترتّب عليه إثارة الشكوك. وبعضها محرّم على وجه دون آخر كأحكام النجوم والرمل، فإنّه يحرم تعلّمها مع اعتقاد تأثيرها وتحقيق وقوعها، ومباح مع إعتقاد كون الأمر مستنداً إلى اللّه تعالى.(3)
وبعد أن ذمّ من اقتصر على معرفة الفقه الأصغر وترك الفقه الأكبر قال(رحمه الله):
وإذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع اللّه ورسوله وأئمّته ومعالم دين اللّه، فكيف حال من يصرف عمره في معرفة عالم الكون والفساد الذي مآله محض الفساد، والاشتغال بمعرفة الوجود، وهل هو نفس الموجودات أو زائد عليها أو مشترك بينها، أو غير ذلك من المطالب التي لا ثمرة لها، بل لم يحصل لهم حقيقة ما طلبوا معرفته فضلاً عن غيره.
وإنّما مثالهم في ذلك مثال ملك اتّخذ عبيداً، وأمرهم بدخول داره والاشتغال بخدمته وتكميل نفوسهم فيما يوجب الزلفى لدى حضرته واجتناب ما يبعد من جهته، فلمّا أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلى جدران داره وأرضها وسقفها حتّى صرفوا عمرهم في ذلك النظر وماتوا، ولم يعرفوا ما أراد منهم في تلك الدار، فكيف ترى حالهم عند سيّدهم المنعم عليهم المسدي جليل إحسانه إليهم مع هذا الإهمال العظيم لطاعته، بل الانهماك الفظيع في معصيته؟!
واعلم أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه، وضع السراج على سطحه حتّى استنار ظاهره، بل مثال بئر الحش، ظاهرها جص، وباطنها نتن، أو كقبور الموتى ظاهرها مزيّنة وباطنها جيفة، وكمثال رجل قصد ضيافة الملك إلى داره فجصص باب داره، وترك المزابل في صدر داره، وذلك غرور واضح جليّ.بل أقرب مثال إليه: رجل زرع زرعاً فنبت، ونبت معه حشيش يفسده، فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه من أصله، فأخذ يجز رأسه ويقطعه، فلا يزال يقوى أصله وينبت، لأنّ مغارس النقائص ومنابت الرذائل هي الأخلاق الذميمة في القلب، فمن لا يطهر القلب منها لم تتمّ له الطاعات الظاهرة إلى مع الآفات الكثيرة.
بل كمريض ظهر به الجرب، وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء: أمّا الطلاء ليزيل ما على ظاهره، والدواء ليقلع مادّته من باطنه، فقنع بالطلاء وترك الدواء، وبقي يتناول ما يزيد في المادّة، فلا يزال يطلي الظاهر، والجرب دائماً يتزايد في الباطن إلى أن أهلكه. نسأل اللّه تعالى أن يصلحنا لأنفسنا، ويبصرنا بعيوبنا، وينفعنا بما علمنا ولا يجعله حجّة علينا، فإنّ ذلك بيده، وهو أرحم الراحمين.(1)
1) 1321.. منية المريد، ص158 - 159.
قال(رحمه الله) في كتابه عمدة المقال في كفر أهل الضلال:
والصوفيّة جوّزوا اتّحاده تعالى وحلوله في أبدان العارفين حتّى تمادى بعضهم وقال: انّه سبحانه نفس الوجود وكلّ موجود فهو اللّه تعالى، والذين يميلون إلى طريقتهم الباطلة يتعصّبون لهم ويسمّونهم الأولياء، ولعمري إنّهم رؤوس الكفرة الفجرة، وعظماء الزنادقة والملاحدة، وكان من رؤوس هذه الطائفة الضالّة المضلّة الحسين بن منصور الحلّاج وأبويزيد البسطاميّ.(1)
قال(رحمه الله) ما ترجمته:
بعض المتأخرين من الإتحاديّة كمحي الدين العربي والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي، قد جاوزا الحدّ في الكفر والزندقة وقالوا بوحدة الوجود، وقالوا : إنّ كلّ موجود هو اللّه، تعالى اللّه عما يقول الملحدون علواً كبيراً.
وممّا ينبغي أن يعلم هو أن سبب تماديهم وطغيانهم في الكفر هو اشتغالهم بقرائة كتب الفلاسفة، فلمّا وقفوا على رأي أفلاطون القبطي وأتباعه اختارواذلك جهلاً وضلالاً. ولأجل أن لا يعرف أحد أنّهم السارقون لمقالات وعقائد الفلاسفة القبيحة، ألبسوها ثوباً جديداً وسمّوها باسم وحدة الوجود... ولو تأمّل أحد جيّداً سيعلم أنّ الفلاسفة خذلهم اللّه تعالى هم المسبّبين لضلال أكثر أهل الباطل لاسيما الملاحدة.(2)
بعضى از متأخرین اتحادیه مثل محى الدین عربى و شیخ عزیز نسفى و عبدالرزّاق کاشى کفر و زندقه را از ایشان گذرانیده به وحدت وجود قائل شدهاند و گفتهاند که هر موجودى خداست، تعالى اللّه عمّا یقول الملحدون علوّاً کبیراً.
وأیضاً باید دانست که سبب تمادى و طغیان ایشان در کفر آن بود که به مطالعۀ کتب فلاسفه مشغول شدند و چون بر قول افلاطون قبطى و اتباع او اطلاع یافتند از غایت غوایت شعار او را اختیار کردند، و از آن جهت که کسى پى نبرد که ایشان دزدان مقالات و اعتقادات قبیحۀ فلاسفهاند این معنى را لباس دیگر پوشانیده، وحدت وجودش نام کردند... اگر کسى نیکتامّل کند خواهد دانست که سبب گمراهى اکثر اهل باطل خصوصاً ملاحده، فلاسفه شدهاند خذلهم اللّه تعالى.
وقال أيضاً:
لو رفع أحد حجاب العمى عن بصره بيد الإنصاف ورفض العصبيّة،يرى أنّ هذه الجماعة الصوفيّة إن اعتقدوا بإمامة علي بن أبي طالب(علیه السلام) بعد رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم)، ومع ذلك اعتقدوا بألوهيّة حسين بن منصور الحلاج الكافر ونظرائه، بل بألوهيّة كلّ موجود، فهم كفار لأنّ ذلك الإعتقاد ينافي الإيمان والإسلام...
وإنّ الترّهات والكفريات التي تفوّه بها هؤلاء الزنادقة ومخربي شريعة سيّد المرسلين(صلی الله علیه آله و سلم) كثيرة قد لاتستوعبها كتب جمّة. وقد طعن عليهم العلامة الحلي رحمه اللّه في بعض كتبه لأجل هذه العقائد الباطلة، وكذا الشهيد(قدس سره) أشار في بعض مصنّفاته إلى حرمة سلوك طريقتهم.
وقد طعن على هؤلاء الزنادقة كثير من علمائنا العارفين باللّه والرسول والأئمّة بالدليل والبرهان، لتعلم أنّ متأخري الشيعة لم يغترّوا بظاهر هؤلاء الجماعة السنيّة الذين هدموا دين خاتم المرسلين(صلی الله علیه آله و سلم).
ومن جملة ما يسجّل عليهم أنّهم -- كالملاحدة -- يفسّرون ويأوّلون الآيات والأخبار كيفما شاؤوا ليوافق مذهبهم. وكذا قولهم بالجبر والتشبيه والتجسيم والصورة والرؤية للّه تعالى، كما يظهر ذلك من كتبهم ومقالاتهم. وهذا من أسباب اقتراب بعض الأشاعرة وجملة من فرق النواصب إليهم لموافقتهم في بعض هذه العقائد.
ومن ذلك أيضاً أنّهم ادّعوا العلم بالغيب وسمّوه الكشف التامّ وقد تمادوا في ذلك ونسبوا العلم بالمغيبات إلى كفّار الهند ... .
فمن وقف على سوء اعتقاد القوم ثمّ رآهم على الحقّ فقد انحرف عن طريق الحقّ وتبرّء من مذهب الإماميّة، وهو مضلّ وحاله أسوأ من غيره. فلو ادّعى مثل هذا الشخص التشيّع فعلى الشيعة أن لا يقبلوا منهويرفضوه ولايعدّوه من جماعتهم، وذلك أنّه لامناص له من الإعتراف بالحلول والإتحاد و وحدة الوجود، وكذا لامناص له من القول بالجبر والمحبّة لليهود والنصارى والمجوس، ومحبّة أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد وأبوسفيان وجميع الفسّاق والفجار والمشركين والكفار. ولو أظهر العداوة لهؤلاء الأشخاص فعلى الشيعة أن لا يقبلوا ذلك منه، ولو لعنهم فلايغترّ الشيعة بذلك، وذلك أنّهم يرون اللعنة عين الرحمة ... .
وكذا يجب أن يعلم أنّ أكثر الملاحدة جعلوا من مقالات هذه الطائفة
جُنّة وملاذاً لسوء اعتقادهم و إلحادهم، كما أشير اليه في الحديث لذي مرّ ذكره... وعلى المؤمن أن يعتقد في كلّ حال بأن الحلول والإتحاد وكذا وحدة الوجود كفر، وكذا على الشيعي أن يعلم أنّ كلّ ما قاله أهل الحلول والإتحاد و وحدة الوجود عن أنفسهم وعن مشايخهم وعن ساير الموجودات، قد قاله النصارى في ألوهيّة عيسى عليه السلام وغلاة الشيعة في ألوهيّة الإمام علي وبعض الائمّة عليهم السلام. ومن العجب أن البعض قد قالوا بكفر النصارى والغلاة من الشيعة لأنّهم جعلوا عيسى أو بعض الأئمّة المعصومين إلهاً، لكنّهم عدّوا جماعة من غلاة السنّة الذين قالوا بألوهيّة الحلاّج الكافر وأشباهه بل ألوهيّة جميع الأشياء، من أكابر أولياء اللّه... فلعنة اللّه عليهم وعلى مشايخهم الزنديقين.(1)
اگر کسى به دست انصاف غطاى عمى از پیش چشم حقّبین بردارد، و تعصّب بر کنار گذارد قائل خواهد شد که اگر از روى فرض این جماعت (صوفیّه) بعد از پیغمبرِ خدا بلافاصله علىبنابىطالب(علیه السلام) را امام دانند با این حال به خدایى حسینبنمنصور ساحر کافر و امثال او بلکه به خدایى کلّ موجودات قائل بودن، با ایمان و اسلام منافات دارد.
دیگر آنکه چون این طایفه فریبندگانند، بعضى از ایشان خواستهاند که به نوعى سخن گویند که همۀ طایفه ایشان را از خود دانند و از خود شمارند، چنانکه حسینبنمنصور حلّاج پیش از آنکه رسوا شود با سنّیان سنّى بود و خود را از ایشان وا مىنمود، و در پیش شیعیان دعواى نیابت و وکالت حضرت صاحب(علیه السلام) مىکرد و در پیش ملحدان و بعضى از سفیهان که مىدانست که در مذهبى قائم نیستند دعواى خدائى مىنمود و نامهاى پیغمبران بر بعضى از مریدان خود گذاشته و ایشان را فرموده بود که در اطراف عالم بگردنند و مردم را به خدائى او دعوت کنند.
و یک دلیل بر آنکه اکثر این جماعت ملحدانند این است که چون دانستهاند که حلّاج در پیش جماعتى بىمحابا دعواى خدایى کرده گفتهاند که: او کشف راز کرده از این جهت او را حلّاج الاسرار لقب کردهاند، با آنکه در زمان بایزید بسطامى و حلّاج هنوز کسى از این قوم مردود به وحدت وجود قائل نشده بود و بعد از ایشان به مدّتى طایفۀ اتّحادیّه در کفر تمادى نموده وحدت وجود اختراع کردند... .
مزخرفات و کفرهایى که این طائفه بىدین و خرابکنندۀ شریعتِ سیّد المرسلین(صلی الله علیه آله و سلم) گفتهاند بسیار است و مجلّدات بسیار هم گنجایش نقل آن همه را ندارد. و علّامۀ حلّى(رحمه الله) در بعضى از کتابهاى خود این قوم را به این طور اعتقادهاى باطل طعن زده و شیخ شهید(قدس سره) در بعضى از مصنّفات خود اشاره نموده که طریقه و روش ایشان حرام است، و غیر ایشان بسیار کس از عارفان یعنى شناسندگان خدا و رسول و امامان بهدلیلو برهان این گروه بى ایمان را طعن زدهاند، تا بدانى که متأخرین شیعه فریب این سنّیان و خراب کنندگان دین پیغمبر آخر الزمان را نخوردهاند.
و از جمله طعنهائى که متوجّه ایشان است یکى آن است که ایشان مانند ملحدان آیات و احادیث را برأى خود تفسیر و تأویل مىکنند.
دیگر آنکه به جبر و تشبیه و تجسیم و صورت و رؤیت قائلند؛ چنانچه از کتابها و گفتگوهاى ایشان ظاهر شده است. و یک جهت از جهاتِ میلِ اشاعره و بعضى دیگر از طوایفِ نواصب به این گروه این است که ایشان را درین عقائد با خود موافق یافتهاند.
و دیگر از جمله طعنهائى که متوجّه ایشان است، یکى آن است که دعوى دانستن غیب کردهاند و آن را کشف نام مىکنند، و در آن تمادى نموده، نسبتِ دانستن غیب به کفّار هند مىدهند...
و اگر آن کس که بر بد اعتقادى این قوم مطّلع باشد به حقّیت ایشان معترف شود، آن کس دانسته از طریق حقّ انحراف نموده و از مذهب حقّ امامیّه بیزار گشته، گمراه کننده باشد و حالش از دیگران بدتر. پس اگر آن کس دعوى تشیّع کند باید که شیعه قبول آن نکند و او را از شیعه نشمارد؛ زیرا که ناچار است او را از اعتراف نمودن به حلول و اتّحاد و وحدت وجود، و از قائل بودن به جبر، و محبّت ورزیدن با یهود و ترسا و گبر، و دوست داشتن ابىبکر و عمر و عثمان و معاویه و یزید و ابوسفیان و جمیع فسّاق و فجّار و سایر مشرکین و کفّار، و اگر اظهار دشمنى اینطور کسان نماید باید شیعه که باور نکند، و اگر اینطور کسان را لعنت کند باید که شیعه فریب نخورد، از این جهت که ایشان لعنت را عین رحمت مىدانند... .
و أیضاً باید دانست که اکثر ملحدان گفتگوهاى این فرقه را سپر و گریزگاه بد اعتقادى و الحاد خود کردهاند، چنانکه در حدیث اشاره به آن شد و گذشت... و به همه حال مومن باید که اعتقاد کند که قائل به حلول شدن و دم از اتحاد و وحدت وجود زدن کفر است، و نیز شیعه باید بداند که هر وجه که حیلولیّه و اتّحادیّه و وحدتیّه در باب خود و مشایخ خود و سایر موجودات مىگویند بعینه همین وجه را نصارى در بابخدائى حضرت عیسى(علیه السلام) و غلاة شیعه در باب خدائى علىّ(علیه السلام) و بعضى دیگر از ائمّۀ هدى(علیهم السلام) مىگویند، این بغایت عجب است که جمعى به کفر نصارى و غلات شیعه که عیسى(علیه السلام) و بعضى از ائمّۀ معصومین(علیهم السلام) را خدا مىدانند اعتراف دارند، با این حال جماعتى از غلاة سنّیان حلّاج کافر و اشباه او را که جمیع اشیاء را خدا مىدانند از اکابر اولیاء اللّه مىشمارند... فلعنة اللّه علیهم و على مشایخهم الزندیقین.
1) 1324.. حديقة الشيعة، ج2، ص758-766:
جاء في صورة إجازته الذي ذكره العلّامة في البحار:
أمّا بعد: فإنّ أحكام الشرع إنما تنقل وتروى وتعرف وتدري بعد سيّد الأنبياء من آله النجباء، فإنّ أهل البيت بما فيه أدرى؛ فلا محالة جهالة ما لا يطابق طريقهم من وسوسة المتصوّفة، ومغالطة ما لا يوافق سبيلهم من سفسطة المتفلسفة
فضلاً عمّا يمثّل بالرأي القايسون، ويسوّل بالاستحسان المستحسنون، من سلك غير الآل ألحد، وتزندق من بغير طريقهم تعبّد.(1)
قال في رسالته الفارسيّه كما نقله البهبهانيّ في الخيراتيّة:
الظاهر أنّ أكثر ما يذكره هؤلاء _ الفلاسفة _ يوجب إزدياد الشكّ و الشبهة، ومع قطع النظر عن كلماتهم فإنّ الأولى عدم قرائتها لاسيَّما لمن ليس لهم فهماً عالياً مستقيماً. و الظاهر أنّ اشتغالهم بها ابتداءً و من دون عروض الشبهة اللازمة للازالة حرام، و من كان فهمه عالياً بحيث لا تضطرب نفسه من الشكّ و ملاحظة الشبهة نادرٌ جداً و معظم الناس حسب علمي لا يكونوا كذلك، وإن كان كلُّ شخص يرى نفسه واصلاً إلى مراتب عالية، و قد وقع في مهالك عظمى إثر هذا الظن، فلم يشوّهون الفطرة السليمة ظناً لعلاجها، والعلاج بنفسه لا يحصل إلّا بلطف الله و توفيقه و التضرّع و الخشوع بمحضره و صفاء النيّة في هذا الحقل، إن كان معتقداً بوجود الصانع.(2)
گمان اين است كه اكثر آنچه ايشان يعنى فلاسفه و متفلسفه ذكر كردهاند موجب زيادتى شک و شبهه مىگردد، و قطع نظر از كلمات ايشان نخواندن اولى وانسب است لاسيّما نسبت به جمعى كه فهم عالى مستقيم ندارند. و گمان اين است كه ايشان را اشتغال به آن ابتداء و بى عروض شبهه كه لازم الإزاله باشد حرام باشد، و آن قسم طبيعت عالى كه از تشكيک و ملاحظه شبهه مضطرب نگردد در كمال ندرت است و معظم عالميان از اين معنى فيما يعلم عارىاند، اگر چه نظر هر كس اين است كه به مرتبۀ عالى رسيده، و به واسطۀ آن گمان غلط در مهالك عظمى افتاده، پس چرا طبيعت سليم را ابتدا مريض سازند به گمان اين كه علاج خواهند كرد، و علاج خود ميسر نباشد مگر به لطف و توفيق الهى و تضرّع و خشوع به جناب الهى و تصفيۀ نيّت در اين باب اگر معتقد وجود صانع باشد.
قال في كشكوله:
من أعرض عن مطالعة العلوم الدينيّة وصرف أوقاته في إفادة الفنون الفلسفيّة، فعن قريب لسان حاله يقول عند شروع شمس عمره في الأفول:
کنت ابیع و اشتری بالاسلام طیلة حياتي
فاموت الان و يبقى مني الصنم و الوثن(1)
تم--ام عم--ر ب-ا اسلام در داد و ستد بودم كنون مىميرم و از من بت و زنّار مىماند
قال(رحمه الله):
في ذكر طرف من أغلاط الفلاسفة وحكماء الإسلام في علومهم والسبب فيه ما حقّقناه سابقاً: من أنّه لا يعصم عن الخطأ في مادّة الموادّ في العلوم التي مبادئها بعيدة عن الإحساس إلّا أصحاب العصمة: ومن أنّ القواعد المنطقيّة غير نافعة في هذا الباب، وإنّما نفعها في صورة الأفكار كإيجاب الصغرى وكليّة الكبرى.(2)
نقل عنه تلميذه السيّد حيدر الآمليّ ما محصّله:سئل عنه: هل يصحّ ما يقولون من أنّ التصوّف طريق ينتهي إلى الإلحاد؟ فقال: إنّه غلط فإنّ التصوّف هي بيت الإلحاد.
ونقل عنه أنّه كان يقول دائماً:
يحرم على الجميع مطلقاً النظر في كتب الصوفيّة، إلّا على الفاضل الديّن الذي يكون بصدد النقض على أقوالهم، وكذا يحرم قرائة كتب الفلاسفة على من ضعف يقينه وما قوي عقيدته، وذلك لأنّه يزلّ إثر قرائته لهذه الكتب بسرعة، فيمنعه عن الصراط المستقيم.(3)
قال في باب حدوث العالم من شرح الكافي:
المراد بالعالم ما سوى اللّه وهو مع تكثّره منحصر في الجوهر والعرض، وبحدوثه أن يكون وجوده مسبوقاً بالعدم، وقد اختلف الناس فيه فذهب المسلمون واليهود والنصارى والمجوس إلى أنّ الأجسام حادثة بذواتها وصفاتها، وذهب
أرسطو وأتباعه إلى أنّها قديمة بذواتها وصفاتها، وذهب أكثر الفلاسفة إلى أنّها قديمة بذواتها ومحدثة بصفاتها وقالوا لتوجيه ذلك ما لا طايل تحته.(1)
وقال في شرح الحديث: «فمن زعم أنّه یقدر على نقض واحدة (من هذه الخصال السبع) فقد كفر»:(2)
كما زعمت الفلاسفة أنّ الأجسام قديمة لا أجل لها، وأنّ الفاعل الحقّ موجب لا إرادة له، وتمسّكوا لإثبات ذلك بمفتريات عقولهم الكاسدة ومكتسبات أوهامهم الفاسدة، وقد بيّن فساد ذلك في موضعه.(3)
وقال في شرح الحديث «أنشأ ما شاء حين شاء بمشيّ-ته»:(4)
أي: بمجرد مشيّته وإرادته بلا آلة ولا حركة ولا رويّة ولا مادّة، فقد ظلم نفسه وكفر باللّه العظيم من قال: إنّه تعالى فاعل بالإيجاب لا قدرة له على فعله، ومن قال: إنّه لم يوجد إلّا شيئاً واحداً ولم يقدر على إيجاد غيره، ومن قال: إنّه يحتاج في خلق شيء إلى مادّة فإنّ ذلك ليس من صفة ربّنا جلّ شأنه.(5).
قال(رحمه الله) ما ترجمته:
لابدّ أن يعلم إنّ الظاهر بل الضروريّ من الشريعة المقدّسة حدوث العالم - أي ما سوى اللّه - زماناً، بمعنى أنّ لوجوده ابتداء، وزمان وجوده من الابتداء إلى الآن متناه، فالقول بقدم العالم - أي المعنى المقابل لما ذكرناه - كما ذهبت إليه الحكماء.. باطل وفاسد... ومع هذا فقد ذهب في هذه الأعصار جمع من الجهّال، الفضلاء غير المطّلع بالشرع أو المقيّد به تبعاً للحكماء إلى قدم العالم. وقد أشرت إلى حقيقة الحال لأن يحترز كلّ من كان مقيّداً بالدين من متابعة هذه الفرقة التي لا دين لها.(6)
قال المحقّق الأردبيليّ:
محمّد طاهر بن محمّد بن حسين القميّ مد ظلّه العالي، الإمام العلّامة المحقّق المدقّق، جليل القدر، عظيم المنزلة، دقيق الفطنة، ثقة ثبت عيّن ديّن، متصلّب في الدين لا يحصى مناقبه وفضائله، جزاه اللّه تعالى أفضل جزاء المحسنين له كتب نفيسة منها:... وكتاب جليل القدر والمرتبة في الردّ على حكمة الفلاسفة وغيرها من الكتب... ورسالة في الردّ على الصوفيّة.(1)
فقد جاء في كتاب قرّة العين أنّه قال:
إعلموا إخواني - هداكم اللّه كما هداني - إنّي ما اهتديت إلّا بنور الثقلين وما اقتديت إلّا بالأئمّة المصطفين، وبرئت إلى اللّه ممّا سوى هدى اللّه، فإنّ الهدى هدى اللّه. لا أکون متكلماً ولا متفلسفاً ولا متصوفاً ولا متكلفاً بل مقلّداً للقرآن و حديث النبيّ وتابعاً لأهل البيت(علیهم السلام)، ملولا من كلمات الطوائف الأربعة، بريئاً ممّا سوى القرآن وحديث اهل البيت(علیهم السلام) وما لا يرتبط بهما.
كلما قرأته ذهب عن خاطري الا الكلام عن الصديق الذي أكرره(2)
إعلموا إخواني - هداكم اللّه كما هداني - إنّي ما اهتديت إلّا بنور الثقلين وما اقتديت إلّا بالأئمّة المصطفين، وبرئت إلى اللّه ممّا سوى هدى اللّه، فإنّ الهدى هدى اللّه. نه متكلّمم و نه متفلسف و نه متصوّف و نه متكلّف، بلكه مقلّد قرآن وحديث پيغمبر، و تابع اهلبيت(علیهم السلام) آن سرور، از سخنان حيرتافزاى طوائف أربع ملول و كرانه، و از ما سواى قرآن مجيد وحديث اهلبيت(علیهم السلام) و آنچه به اين دو آشنا نباشد بيگانه.
من هرچه خواندهام همه از ياد من برفت
إلّا ح--ديث دوست كه تكرار میكنم
وبهذا المضمون قال في رسالة الانصاف؛(3)وقال أيضاً:منهم من أولع بالنظر إلى كتب الفلاسفة ليس له طول عمرهم سواه ولا له في
غيره هواه... ومن هؤلاء من يتعلّل بأنّ غرضه من ذلك تحصيل الإستعداد لفهم الحديث والقرآن، وكذلك سوّلت له نفسه والشيطان مع أنّه لا يفرغ للحكمة العلميّة، لا المنقولة عنهم ولا النبويّة.(1)
قال(رحمه الله):
وهذا من قبيل قول بعضهم: إنّ الكلّي موجود بمعنى كون أفراده موجودات. والقائل به وإن كان في زمرة المسلمين لكنّه كفر خفيّ عند العارفين، وهو كفر أهل العلم من المتكلّمين والمتفلسفين وبعض المتصوّفة وأكثر النصاري.(2)
إنّ بطلان هذا الإعتقاد (أي وحدة الوجود و...) من ضروريّات مذهب الشيعة الإماميّة لم يذهب إليه أحد منهم، بل صرّحوا بإنكاره وأجمعوا على فساده وشنّعوا على من قال به، فكلّ من قال به خرج عن مذهب الشيعة، فلا تصحّ دعوى التشيّع من القائل به، وهو كاف لنا في هذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.(3)
قد أسلفنا كثيراً من كلماته في ضلال هذه الفرقة والحكم بكفرها ولنذكر هنا جملة أخرى من كلماته، قال(رحمه الله) عند البحث عن حدوث العالم:
المقصد الخامس في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين، والمشكّكين القاطعين لطريق الطالبين للحقّ واليقين.(4)
وفي قريب من عصرنا لمّا ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين، ورغبوا عن
الخوض في الكتاب والسنّة وأخبار أئمّة الدين، وصار بُعْدُ العهد عن أعصارهم: سبباً لهجر آثارهم، وطمس أنوارهم، واختلطت الحقائق الشرعيّة بالمصطلحات الفلسفيّة صارت هذهالمسألة معترك الآراء ومصطدم الأهواء، فمال كثير من المتسمّين بالعلم المنتحلين للدين، إلى شبهات المضلّين، وروّجوها بين المسلمين فضلّوا وأضلّوا، وطعنوا على أتباع الشريعة حتّى ملّوا وقلّوا، حتّى أنّ بعض المعاصرين منهم يمضغون بألسنتهم، ويسوّدون الأوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلّا خبر واحد هو «كان اللّه ولم يكن معه شيء» ثمّ يؤوّلونه بما يوافق آراءهم الفاسدة، فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات والاخبار المزيحة للشكّ والارتياب، وقفّيتها بمقاصد أنيقة، ومباحث دقيقة، تأتي بنيان شبههم من قواعدها وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها، تشييدا لقواعد الدين، وتجنّباً من مساخط ربّ العالمين، كما روي عن سيّد المرسلين(صلی الله علیه آله و سلم):
إذا ظهرت البدع في أُمّتي فليظهر العالم علمه، وإلّا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.(1)-(2)
وقال في البحث عن حقيقة الملائكة:
اعلم أنّه أجمعت الإماميّة بل جميع المسلمين إلّا من شذّ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم على وجود الملائكة، وأنّهم أجسام لطيفة نورانيّة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر، قادرون على التشكّل بالأشكال المختلفة، وأنّه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الأشكال والصور على حسب الحكم والمصالح، ولهم حركات صعوداً وهبوطاً، وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء(علیهم السلام). والقول بتجرّدهم وتأويلهم بالعقول والنفوس الفلكيّة والقوى والطبائع وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة تعويلاً على شبهات واهية واستبعادات وهميّة زيغ عن سبيل الهدى، واتّباع لأهل الجهل والعمى.(3)
وقال(رحمه الله) بعد نقل كلام لجالينوس في بيان تشريح الأعضاء وفوائدها، وأنّه بيّن الفرق في ما بين إيمان موسى وإيمانه وأفلاطون وسائر اليونانيّين، فقال(قدس سره):
انتهى كلامه ضاعف اللّه عذابه وانتقامه. وأقول: قد لاح من الكلام الرديݘ المشتمل على الكفر الجليّ أمور:
الأوّل: ما أسلفنا من أنّ الأنبياء المخبرين عن وحي السماء لم يقولوا بتوقّف تأثير الصانع - تعالى شأنه - على استعداد الموادّ، ولا استحالة تعلّق إرادته بإيجاد شيء من شيء من دون مرور زمان أو إعداد، وله أن يخلق كلّ شيء كان من أيّ شيء أراد.
الثاني: أنّ الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوّة الأنبياء ولم يؤمنوا بهم، وأنّهم يزعمون أنّهم أصحاب نظر وأصحاب آراء مثلهم، يخطئون ويصيبون، ولم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم.
الثالث: أنّهم كانوا منكرين لأكثر معجزات الأنبياء:، فإنّ أكثرها ممّا عدّوها من المستحيلات.
الرابع: أنّهم كانوا في جميع الأعصار معارضين لأرباب الشرائع والديانات كما هم في تلك الأزمنة كذلك.(1)
وقال(رحمه الله) في مبحث البرزخ وبقاء النفس بعد الموت:
لمّا كانت هذه المسألة من أعظم الأصول الإسلاميّة وقد أكثرت المتفلسفة والملاحدة الشبَه فيها ورام بعض من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه تأويلها وتحريفها أطنبت الكلام فيها بعض الإطناب.(2)
وقال في مبحث المعاد:
اعلم أنّ القول بالمعاد الجسمانيّ مما اتّفق عليه جميع الملّيّين وهو من ضروريّات الدين ومنكره خارج عن عداد المسلمين، والآيات الكريمة في ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها، والأخبار فيه متواترة لا يمكن ردّها ولا الطعن فيها، وقد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسّكاً بامتناع إعادة المعدوم ولم يقيموا دليلاً عليه، بل تمسّكوا تارة بادّعاء البداهة، وأخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين.(3)
وقال أيضاً:
اعلم أنّ الإيمان بالجنّة والنار على ما وردتا في الآيات والأخبار من غير تأويل من ضروريّات الدين،ومنكرهما أو مؤوّلهما بما أوّلت به الفلاسفة خارج من الدين.(1)
وقال(رحمه الله) في بيان تباين طريقتهم مع طريقة الأنبياء وعلّة انتسابهم إلى مولى الموحّدين(علیه السلام):
اعلم أنّ دأب أصحابنا رضي اللّه عنهم في إثبات فضائله صلوات اللّه عليه الاكتفاء بما نقل عن كلّ فرقة من الإنتساب إليه(علیه السلام) لبيان أنّه كان مشهوراً في العلم مسلّماً في الفضل عند جميع الفرق، وإن لم يكن ذلك ثابتاً، بل وإن كان خلافه عند الإماميّة ظاهراً، كانتساب الأشعريّة وأبي حنيفة وأضرابهم إليه، فإنّ مخالفتهم له(علیه السلام) أظهر من تباين الظلمة والنور.
ومن ذلك ما نقله ابن شهرآشوب(رحمه الله) من كلامه في الفلسفة، فإنّ غرضه أنّ هؤلاء أيضاً ينتمون إليه ويروون عنه، وإلّا فلا يخفى على من له أدنى تتبّع في كلامه(علیه السلام) أنّ هذا الكلام لا يشبه شيئاً من غرر حكمه وأحكامه، بل لا يشبه كلام أصحاب الشريعة بوجه، وإنّما أدرجت فيه مصطلحات المتأخّرين، وهل رأيت في كلام أحد من الصحابة والتابعين أو بعض الأئمّة الراشدين لفظ الهيولي أو المادّة أو الصورة أو الاستعداد أو القوّة؟ والعجب أنّ بعض أهل دهرنا ممّن ضلّ وأضلّ كثيراً يتمسّكون في دفع ما يلزم عليهم من القول بما يخالف ضرورة الدين إلى أمثال هذه العبارات. وهل هو إلّا كمن يتعلّق بنسج العنكبوت للعروج إلى أسباب السماوات؟!
أو لا يعلمون أنّ ما يخالف ضرورة الدين ولو ورد بأسانيد جمّة لكان مؤوّلاً أو مطروحاً؟ مع أنّ أمثال ذلك لا ينفعهم فيما هم بصدده من تخريب قواعد الدين، هدانا اللّه وإيّاهم إلى سلوك مسالك المتّقين، ونجّانا وجميع المؤمنين من فتن المضلّين.(2)
وقال(رحمه الله) في بيان قول أميرالمؤمنين(علیه السلام): «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة»(3)
ويحتمل أن يكون المراد به المنع عن مجالسة أرباب الشكوك والشبهات، الذين
يوقعون الشُّبَه في الدين، ويعدّونها كياسة ودقّة فيضلّون الناس عن مسالك أصحاب اليقين كأكثر الفلاسفة والمتكلّمين، فمن جالسهم وفاوضهم لا يؤمن بشيء، بل يحصل في قلبه مرض الشكّ والنفاق، ولا يمكنه تحصيل اليقينفي شيء من أمور الدين، بل يعرضه إلحاد عقليّ لا يتمسّك عقله بشيء ولا يطمئنّ في شيء كما أنّ الملحد الدينيّ لا يؤمن بملّة، فهم كما قال فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً.(1)
وأكثر أهل زماننا سلكوا هذه الطريقة، وقلّما يوجد مؤمن على الحقيقة، أعاذنا اللّه وإخواننا المؤمنين من ذلك، وحفظنا عن جميع المهالك.(2)
وقال في بيان حديث عن أبي عبد اللّه(علیه السلام): «من رقّ وجهه رقّ علمه»(3)
وقيل: المراد برقّة العلم الاكتفاء بما يجب ويحسن طلبه، لا الغلوّ فيه، بطلب مالا يفيد بل، يضرّ كعلم الفلاسفة ونحوه.(4)
وقال في مفتتح مرآة العقول في ذكر السبب لتأليف هذا الكتاب:
إنّي لمّا ألفيت أهل دهرنا على آراء متشتّتة وأهواء مختلفة قد طارت بهم الجهالات إلى أوكارها، وغاصت بهم الفتن في غمارها، وجذبتهم الدواعي المتنوّعة إلى أقطارها، وحيّرتهم الضلالة في فيافيها وقفارها.
فمنهم من سمّى جهالة أخذها من حُثالة(5)من أهل الكفر والضلالة، المنكرين لشرائع النبوّة وقواعد الرسالة حكمة، واتّخذ من سبقه في تلك الحيرة والعمى أئمة، يوالي من والاهم ويعادي من عاداهم، ويفدي بنفسه من اقتفى آثارهم، ويبذل نفسه في إذلال من أنكر آراءهم وأفكارهم، ويسعى بكلّ جهده في إخفاء أخبار الأئمّة الهادية صلوات اللّه عليهم وإطفاء نورهم وَيَأْبَى اللهُ إلنا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.(6)
ومنهم من يسلك مسالك أهل البدع والأهواء المنتمين إلى الفقر والفناء، ليس
لهم في دنياهم وأُخراهم إلّا الشقاء والعناء، فضحهم اللّه عند أهل الأرض كما خذلهم عند أهل السماء، فهم اتّخذوا الطعن على أهل الشرايع والأديان بضاعتهم، وجعلوا تحريف العقائد الحقّة عن جهاتها وصرف النواميس الشرعيّة عن سماتها بضمّ البدع إليها صناعتهم.(1)وقال في مرآة العقول، في ذيل قول الكلينيّ(رحمه الله): باب حدوث العالم وإثبات المحدث:
أقول: أراد بالعالم: ما سوى اللّه تعالى، والمراد بحدوثه: كونه مسبوقاً بالعدم وكون زمان وجوده متناهياً في جانب الأوّل، وقد اختلف الناس فيه، فذهب جميع الملّيّين من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس إلى أنّها حادثة بذواتها وصفاتها وأشخاصها وأنواعها، وذهب أكثر الفلاسفة إلى قدم العقول والنفوس والأفلاك بموادّها وصورها وقدم هيولى العناصر، وإليه ذهبت الدهريّة والناسخيّة. ولمّا لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين، وكان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالباً في إثبات هذا المدّعى بإثبات الصانع، مع أنّه كان مقرّراً عندهم أن التأثير لا يعقل في القديم.(2)
وقال(رحمه الله) في حقّ اليقين ما ترجمته:
إعلم! انّ لزوم الإعتقاد بالجنّة والنار الجسمانيين على ما صرّحت به الآيات والأخبار المتواترة من ضروريّات دين الإسلام، فمن أنكر الجنّة والنار كالملاحدة أو أوّلهما كالفلاسفة فهو كافر بلاشك...
ومن كان له أدنى حظّ من الشعور والإيمان حين يرجع إلى عقائد الفلاسفة الباطلة وكلماتهم الواهية يعلم أنّ أكثرها لا يوافق الإيمان بشرايع الأنبياء. وانّ بعض من اعتقد بأصولهم حينما يضطرّ أن يعيش مع المسلمين، يتفوّه ببعض ضروريات الدين خوفاً من القتل أو التكفير، لكنّ قلبه يأبى عن ذلك يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.(3)
وقد يتظاهرون ببعض أصول الدين استهزاءً، وحينما يخلون بتلاميذهم
وخواصّهم يقولون: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَ-حْنُ مُسْتَهْزِئُونَ،(1)وقد اقتنعوا بالإيمان الظاهري يَرْضَونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُم وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ.(2)
فعُلِم أنّ الإعتقاد بأصول الحكماء لا يجتمع مع أكثر ضروريّات الدين، فليس لهم إلّا أن يجحدوا نبوة الأنبياء، أو أن يحسبونهم من أرباب الحيلوالألغاز الغامضة الذين ليس لهم همّ في حياتهم إلّا إضلال الناس وأغرائهم بالجهل المركّب، وتلبيس الباطل في لباس الحقّ، وإيكال هدايتهم إلى هذه الفرقة الضالّة.
والأعجب من كلّ ذلك، قوم يزعمون أنّهم من أهل الشرع ويهتمّون كثيراً باتيان الآداب والمستحبات، لكنّهم يدرّسون هذه الكتب اعتقاداً! ولم يُرى أن تصدّوا للردّ عليهم والإنكار على شبهاتهم، وحينما يتصدّى أحد للنقض وإبطال هذه العقائد يلقون الشبهة على العوام من جهة أخرى علّهم يروّجون عقائدهم الباطلة، ويطعنون على من يلعن صاحب هذه العقائد، ويفخرون أنّهم ليسوا من اللاعنين يُرِيْدُوْنَ لِيُطْفِئُوا نُوْرَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُوْنَ. (3),(4)
بدان! وجوب ایمان به بهشت و دوزخ جسمانى بهنحوى که در صریح آیات و اخبار متواتره وارد شده است از ضروریّات دین اسلام است، و کسى که مطلقاً بهشت و دوزخ را انکار کند مانند ملاحده یا تأویل کند آنها را مانند فلاسفه بىشک کافر است، و فلاسفه در این باب دو طایفهاند... و کسى که اندک شعورى و تدیّنى داشته باشد چون رجوع به عقائد باطله و کلمات واهیۀ ایشان مىکند مىداند که اکثر آنها با ایمان به شرایع انبیا جمع نمىشود، و جمعى که اعتقاد به اصول ایشان دارند و به ضرورت به معاشرت مسلمانان گرفتار شدهاند از ترس قتل و تکفیر لفظى چند از ضروریّات دین بر زبان جارى مىکنند و در دل خلاف آنها را قائلند يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
و گاهى بر سبیل استهزا اظهار بعضى از اصول دین مىکنند و چون با شاگردان و خواصّ خود خلوت مىکنند مىگویند: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَ-حْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، و با ایمان ظاهرى قناعت کردهاند يَرْضَونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُم وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ.
پس معلوم شد که اعتقاد به اصول حکما با اعتقاد باکثر ضروریات دین جمع نمىشود، پس یا منکر نبوت انبیا باید بشوند و یا ایشان را العیاذ باللّه از بابت ارباب حیل و معمیات دانند که در تمام عمر مدارشان بر این بوده که مردم را به ضلالت و جهل مرکب اندازند و باطل را در لباس حق به مردم نمایند، و هدایت ایشان را به این فرقه ضالّه حواله کرده باشند.
و از همه غریبتر آن است که جمعى که خود را از اهل شرع مىشمارند و اهتمام عظیم در باب اتیان به آداب و مستحبّات مىنمایند این کتب ضلال را از روى اعتقاددرس مىگویند!! و کسى از ایشان نشنیده که در مقام ردّ و انکار و دفع شبهات ایشان درآیند، و کسى که ردّ و انکار این عقائد نماید، از جهت دیگر شبهات بر عوام القاء مىکنند که شاید ترویج عقائد باطلۀ خود نمایند یا توانند نمود، و طعن مىکنند بر کسى که بر ارباب این عقائد لعن کند و فخر مىکنند که ما از جمله لاعنین نیستیم يُرِيْدُوْنَ لِيُطْفِئُوا نُوْرَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُوْنَ.
قال(رحمه الله):
ومخالفة ما ذكرناه لقوانين الحكمة الفلسفيّة غير مضرّة، لأنّها نظريّات لم تثبت ببرهان، فالقول بها وهميّ شعريّ لا يعارض ظواهر النصوص الجليّة الشرعيّة.(1)
وقال في مبحث الطينة:
والأظهر أنّ المراد بالطينة هنا كما سبق شخص النطفة التي خلق منها الميّت تبقى في القبر على هيأة الكرة إلى أن يعاد في القيامة، ولا استبعاد في بقائها بحالها بالنظر إلى قدرة اللّه القادر، فلا حاجة إلى تأويلها بالصورة البرزخية الباقية بعد الموت، ولا إلى القول بأنّها إنّما لا تبلى لأنّها لا تقبل البلى، لأنّه خلاف الأظهر بل هو خلاف الشرع الأنور، لابتنائه على القواعد الفلسفيّة.
وقال في الرسالة التي كتبها في تفسير الآية الشريفة وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ(2)ما ترجمته:
من قال بوجود عقل مجرّد ذاتاً وفعلاً فقد قال بقدمه، وهو يستلزم القول بقدم العالم، والقائل بقدم ما سوى اللّه -- وإن كان من الإماميّة -- كافر بإجماع المسلمين.(3).
قال في الأنوار النعمانيّة:
إنّ أكثر أصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاءت به الأنبياء: حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتّى نقل أن عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام لمّا دعا أفلاطون إلى التصديق بما جاء به أجاب بأنّ عيسى رسول إلى ضعفة العقول، وأمّا أنا وأمثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبياء... .
وإن كان المراد به ما كان مقبولاً بزعم المستدلّ به واعتقاده، فلا يجوز لنا تكفير الحكماء والزنادقة ولا تفسيق المعتزلة والأشاعرة ولا الطعن على من يذهب إلى مذهب يخالف ما نحن عليه،... مع أنّ الأصحابه ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم، وتفسيق أكثر طوائف المسلمين، وما ذاك إلّا لأنّهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل ولم يعدّوها من دلائل العقل.(1)
فإنّه قد حسّن ما قاله السيّد نعمة اللّه الجزائريّ في عبارته المتقدّم حيث قال:
ولم أر من ردّ ذلك وطعن فيه سوى المحدّث المدقّق السيّد نعمة اللّه الجزائريّ طيّب اللّه مرقده في مواضع من مصنّفاته: منها كتاب الأنوار النعمانيّة، وهو كتاب جليل يشهد بسعة دائرته وكثرة اطّلاعه على الأخبار وجودة تبحّره في العلوم والآثار. حيث قال فيه ونعم ما قال، فإنّه الحقّ الذي لا تعتريه غياهب الإشكال: إنّ أكثر أصحابنا... إلى آخر عباراته.(2)
قال الميرزا النوري(قدس سره):
العالم الجليل آغا محمّد باقر بن محمّد باقر الهزار جريبيّ الغرويّ. قال بحر العلوم في إجازته للسيّد حيدر اليزديّ: وما أخبرنا به بالوجوه الثلاثة المذكورة شيخنا
العالم العامل العارف،وأستاذنا الفاضل، الحائز لأنواع العلوم والمعارف، جامع المعقول والمنقول، ومقرّر الفروع والأصول، جمّ المناقب والمفاخر، محمّد باقر بن محمّد باقر الهزارجريبيّ... قال في آخر إجازته المبسوطة لبحر العلوم طاب ثراهما - وهي موجودة عندي بخطّه الشريف كسائر إجازات مشايخه4 بخطوطهم في مجموعة شريفة -: وأوصيه أيّده اللّه بالكدّ في تحصيل المقامات العالية الأخرويّة سيّما الجِدّ في نشر أحاديث أهل بيت النبّوة والعصمة صلوات اللّه وسلامه عليهم، ورفض العلائق الدنيّة الدنيويّة، وإيّاه وصرف نقد العمر العزيز في العلوم المموّهة الفلسفيّة، فإنّها كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَ-حْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً.(1)
قال(رحمه الله) في إجازته للعالم العامل السيّد عبدالكريم بن السيّد محمّد بن السيّد جواد بن العالم الجليل السيّد عبداللّه سبط المحدّث الجزائريّ، بعد كلام له في اعتناء السلف بالأحاديث ورعايتها دراية وروايةً وحفظاً، ما لفظه:
ثمّ خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، جانبوا العلم والعلماء، وباينوا الفضل والفضلاء، عمّروا الخراب وأخلدوا إلى التراب نسوا الحساب وطلبوا السراب، سكنوا البلدة الجلحاء وتوطّنوا القرية الوحشاء، اطمأنّوا بمسرّات الأيّام الممزوجة بالهموم والآلام، واستلذّوا لذائذها المعجونة بأقسام السموم والأسقام. فهم بين من اتّخذ العلم ظهريّاً والعلماء سُخريّاً، وأولئك هم العوامّ الذين سبيلهم سبيل الأنعام، فهم في غيّهم يتردّدون، وفي تيههم يعمهون. وبين من سمىّ جهالة اكتسبها من رؤساء الكفر والضلالة، المنكرين للنّبوّة والرسالة، حكمة وعلماً، واتّخذ من سبقه إليها أئمّة وقادة، يقتفى آثارهم ويتّبع منارهم، يدخل فيما دخلوا وإن خالف نصّ الكتاب، ويخرج عمّا خرجوا وإن كان ذلك هو الحقّ الصواب، فهذا من أعداء الدين، والسعاة في هدم شريعة سيّد المرسلين، وهو مع ذلك يزعم أنّه بمكان مكين، ولا يدري أنّه لا يزن عند اللّهجناح بعوض مهين. وثالث: رضي من العلم بادّعاء العجائب في الذات والصفات والأسماء والأفعال، والوصال المغني عن الأعمال، المشوّش لقلوب الرعاع والجهّال، وهؤلاء هم الباطنيّة من أهل البدع والأهواء، المنتمين إلى الفقر
1) 1371.. خاتمة مستدرك الوسائل، ج2، ص59- 61.
والفناء، وهم أضرّ شيء في البلاد على ضعفاء العباد... وحسب هؤلاء القوم من تحصيلهم هذا دعاء أميرالمؤمنين وإمام المتّقين عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) بإعماء الخبر وقطع الأثر أو بدقّ الخيشوم وجزّ الحيزوم. وقول رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم): «من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار»(1). وكفاهم خزياً وذلّاً تشبيههم في كلام الملك الجبّار تارة بالكلب، والأخرى بالحمار الذي يحمل الأسفار، ذلك الخزي الشنيع، والذلّ الفظيع، أعاذنا اللّه وجميع الطالبين من موجبات الآثام، ومن أخلاق هؤلاء اللئام.(2)
فقد اشتهر بالنكير على الفلاسفة والصوفيّة، وملأ بذلك كتابه خيراتيّة در إبطال طريقه صوفيّة وقد نقلنا بعض الشىء عنه، وقال أيضاً:
اعلم أنّ من البدع المستحدثة بعد وفاة أشرف الكائنات(صلی الله علیه آله و سلم)، اختلاط مذهب الإسلام مع القواعد الفاسدة للفلاسفة الذين كانوا حكماء اليونان والملط. ومن أجل ذلك أوّلوا الآيات والأخبار تأويلات بعيدة غير سديدة ... .
وقد روّجوا عقائد الملاحدة والزنادقة اعتماداً على التأويل وتبعهم على ذلك البلهاء. إلى أن آل الأمر أنّ ثلاثة من الزنادقة والملاحدة تشاوروا فيما بينهم وقالوا: لو أنكرنا التنزيل فلن يقبل منا أحد بل يقتلوننا، كما فعلوا في مقابل معارضة ابن المقفّع وأصحابه مع القرآن وهي قصّة مشهورة ومعروفة، فقالوا: علينا الإقرار بالتنزيل ثمّ تأويل الآيات والروايات. فقاموا بتأويل الاحاديث وأضلّوا السفهاء والبلهاء.(3)
بدان که از جمله بدع مستحدثه بعد از وفات اشرف کائنات(صلی الله علیه آله و سلم) آن است که مذهب اسلام را با عقاید فاسدۀ فلاسفه که حکماى یونان و ملط بودند مخلوط ساختند، و به آن سبب آیات و روایات را تأویلات بعیده بلکه غیر سدیده نمودند... و مذاهب ملاحده و زنادقه از راه تأویل رواج تمام یافت، و ابلهان بدان گرویدهاند، تا آنکه سه کس از زندیقان و ملحدان نشسته با یکدیگر در باب تخریب دین مشورت کردند، عاقبت با یکدیگر گفتند که اگر انکار تنزیل بکنیم کسى از ما نخواهد شنید بلکه ما را خواهند کشت، چنانکه در مقابل قرآن گفتن ابن المقفّع و رفقاى او مشهور و در کتب مذکور است، پس گفتند که باید اقراربه تنزیل کنیم و آیات و روایات را تأویل کنیم. پس این بىدینان در مقام تاویل روایات شدند و ابلهان و بىخردان را گمراه ساختند.
وقال أيضاً ما معرّبه:ان قالوا: أنّ الفلسفة وإن دخلت بين المسلمين في زمن المأمون، وما كانت في صدر الإسلام، إلّا أنّ لها التأثير التامّ في فهم الأحاديث النبويّة و وعي المعارف الدينيّة.
قلنا: كيف يفتقر في كمال الدين إلى الفلسفة، مع أنّه نزلت هذه الآية في يوم الغدير: أَلْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(1)... وكيف يكون تتبّع الفلسفة دخيلاً في فهم مقاصد الدين مع مخالفتها لجميع الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة.(2)
اگر گویند که فلسفه اگر چه در اوایل اسلام نبوده و در زمان مأمون عباسى حادث شده، لکن در فهم احادیث نبویّة و درک معارف دینیّة دخل تمام دارد.
جواب گوییم: که چون تواند بود که در کمال دین احتیاج به فلسفه باشد و حال آنکه در روز غدیر خم این آیه از سورۀ مائده نازل شده که: أَلْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... و چون تواند بود که تتبّع فلسفه در فهم احادیث نبویة دخل داشته باشد و حال آنکه مخالفت با تمام آیات قرآنى و احادیث نبوی دارد.
ثمّ ذكر جملة من مخالفتهم لضرورة الدين.
قال في جواب المسائل الركنيّة، عندما سأله السائل عن رأيه في أمثال محي الدين، وبايزيد والعطّار والمولويّ، فقال(قدس سره):
إنّ ما تواتر منهم من كلمات صدرت عنهم، إن أرادوا ظاهرها فهم كفّار قطعاً، ويستحقّون اللعن مع إتمام الحجّة عليهم وتخلّفهم عن الحقّ. نظير ما قاله محى الدين في أول الفتوحات: «سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها». وقد قال الشيخ علاء الدولة السمناني مع كمال إخلاصه لمحي الدين في الحاشية على الفتوحات: «إنّ اللّه لا يستحيي من الحق، أيّها الشيخ لو سمعت من أحد أنّه يقول فضلة الشيخ عين وجود الشيخ، لا تسامحه البتة، بل تغضب عليه فكيف يسوغ
لك أن تنسب هذه الهذيانات إلى الملك الديّان؟ تب إلى اللّه توبة نصوحا لتنجو من هذه الورطة الوعرة التي يستنكف منها الدهريّون و الطبيعيّون و اليونانيّون و السلام على من اتبّع الهدى.
وكذا نقل عن الفصوص والفتوحات أنّه قال: «من عبد صنماً فقد عبد اللّه به، ولما اتخذ السامري عجلاً ودعا الناس إلى عبادته، خذل اللّه هارون ولم ينصره؛ لأنّه أحبّ أن يُعبَد في كلّ صورة. وانّه تعالى لم يكفّر النصارى لقولهم بألوهيّة المسيح، بل كفّرهم لأنّهم حصروا الإله في عيسى»... وقد نسب محى الدين مذهبالجبر إلى جميع العرفاء. وهذه بعض المقاطع من كلمات هذا الشيخ.
كذلك منصور الحلاج وقوله: أنا الحقّ، وساير ما نقل عن بايزيد نظير ما قال الملا الرومي في وصفه:
با م--ريدان آن فقير محتش--م* بايزي-د آمد كه نك يزدان منم
گفت مستانه عيان آن ذو فنون * أ إل--ه إلّا أن--ا ه-ا فاعبدون(1)
وأمّا المولوي الملّا الرومي -- مع غض النظر عن أنّه لا يستفاد من أوّل كتابه المثنوي إلى آخره سوى التسنّن -- فظاهر اعتقاده بمثل ما قاله محی الدين وبايزيد، وكلامه صريح في وحدة الوجود في مواضع عديدة. وما حكاه عن ابن ملجم صريح في الجبر، قال في بداية القصّة أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال له:
هيچ نقص---ى نيست بر جانم زتو * زانكه اي--ن را م---ن نمىدانم زتو
آلت حقّ--ى ت-و ف-اعل دست حقّ * چون زنم بر آلت حقّ طعن ودقّ؟(2)
وفي أواخرها يقول: أن الإمام(علیه السلام) قال له:
ليك بى غم شو شفيع تو منم * واجه روحم نه مملوكِ تنم(3)
ولو قال أحد: يظهر مما ذكره في أواخر السفر الخامس من المثنوي أنّه يبطل الجبر حيث ذكر محاورة الجبري والقدري - وهي قصّة مطوّلة -- قلنا : قد ذكر في آخر القصة ما هدم كلّ ما ذكره حيث قال: ...
وأمثال هذه الكلمات التي رأيتموها في الكتب، ولاتحتاج إلى التكرار.
1) 1377.. أي: قال لمردته بايزيد البسطامي ذاك الفقير المتعفّف: فالآن أنا اللّه، قال ذاك الخبير في الفنون المتعدّدة بشغف واعجاب: لا إله إلا أنا فاعبدون.
2) 1378.. أي: ليس أنت الذي أحدثت نقصاً في حياتي، لأنّي لا أرى ذلك منك؛ أنت آلة في يد اللّه وما كان الفاعل سواه، فأنّى لي أن ألوم آلة فعل اللّه!
3) 1379.. أي: لا تحزن فإنّي شفيعك، وذاك أني سلطان الروح لست مملوكاً للبدن.
والغرض هنا، أنّهم لو أرادوا من هذه الكلمات ظواهرها التي نفهمه نحن، فهم كفار وملعونون بلا إشكال. ولو كان مرادهم ما لانفهمه - كما يدّعي ذلك محبّوهم وأتباعهم - فهم فسّاق وفجار، حيث أظهروا الكفر وجعلوا أنفسهم مستحقّين للمؤاخذة والطعن واللعن من الناس وكذا عقاب اللّه تعالى وعذابه.وذلك أنّه كما يحرم الإعتقاد بالكفر، كذلك يحرم التفوّه به، وان أحكام الشرع المقدّس مبنيّة على الظاهر... فلو لعن أحد هذه الجماعة لما ظهر منهم، فليس عليه شيء حتى لو لم يكونوا كفاراً في الباطن ... بل لو عُلم إسلامهم في الباطن يحكم بفسقهم لتظاهرهم بهذه الكلمات ...
وبغض النظر عن ذلك كلّه، فإنّ كثيراً من علماء الشيعة الذين يعتمد عليهم مذهب الشيعة في نقل الأحكام الإلهيّة عن أئمتهم، قد نقلوا حكايات كثيرة عن الحلاج وذكروا التوقيع الصادر من الناحية المقدّسة بلعنه، وقد عدّه الجميع من الكذابين، وقد ألّف الشيخ المفيد كتاباً في الرد على طريقة أشياعه... .
وعلى أي تقدير، فهده الجماعة من أولياء عرفاء أهل السنّة، وقد قاموا بتأسيس هذا المبنى لمواجهة ائمتنا عليهم السلام وليطفئوا نور اللّه... .(1)
... و أمّا کلماتی که از ایشان مانده و سخن هایى که متواتر از آنها رسیده، اگر مراد ایشان همان ظاهر کلام ایشان باشد به یقین کافرند، و با وجود اتمام حجت بر ایشان و تخلف از حق هم مستحق لعن هستند. مثل اینکه محیی الدین در اوّل فتوحات گفته: «سبحان من أظهر الأشیاء و هو عینها»، و شیخ علاء الدولۀ سمنانی با کمال ارادت به محیى الدین در حاشیۀ فتوحات بر این عبارت نوشته: «إنّ اللّه لا یستحیی من الحقّ، أیّها الشیخ لو سمعت من أحد أنّه یقول فضلة الشیخ عین وجود الشیخ، لا تسامحه البتّة، بل تغضب علیه فکیف یسوغ لک أن تنسب هذه الهذیانات إلى الملک الدیّان؟ تب إلى اللّه توبة نصوحاً لتنجو منهذه الورطة الوغرة التی تستنکف منها الدهریّون و الطبیعیّون و الیونانیّین والسلام على من اتّبع الهدى.
و أیضاً از فصوص و فتوحات او منقول است که مىگوید: «هر که بت پرستید به همان خدا را پرستیده باشد. و چون سامرى گوساله ساخت و مردم را به عبادت آن خواند حقّ تعالى یارى نکرد هارون را بر سامرى، از براى آنکه مىخواست در هر صورتى پرستیده شود. حقّ تعالى نصارى را تکفیر ننموده به سبب آنکه به الوهیّت عیسى قائل شدند، بلکه به سبب آن که خدا را منحصر در عیسى دانستند»...
و نیز محی الدین مذهب جبر را نسبت به جمیع عرفا داده، این کلمات مذکوره بعضى از سخنان این شیخ است. و همچنین سخنهاى منصور و انا الحقّ گفتن او و سایر آنچه از بایزید نقل کردهاند. چنان که ملّاى روم در حکایت او گفته:
با م--ریدان آن فقیر محتش--م ایزی-د آمد که نک یزدان منم
گفت مستانه عیان آن ذو فنون ا إل--ه إلّا أن--ا ه-ا فاعبدون
... و اما ملّاى روم پس قطع نظر از اینکه از اوّل تا به آخر مثنوى او به غیر از تسنّن چیزى از او معلوم نمىشود، اعتقاد او به امثال آنچه از محیى الدین و بایزید ظاهر مىشود هم ظاهر است، و در بسیار جا کلام او صریح در وحدت موجود است، و حکایت ابنملجم او صریح در جبر است. در اوّل داستان مىگوید که آن حضرت به او فرمود:
هیچ نقص---ى نیست بر جانم زتو زانکه ای--ن را م---ن نمىدانم زتو
آلت حقّ--ى ت-و ف-اعل دست حقّ چون زنم بر آلت حقّ طعن و دقّ؟
و در اواخر داستان مىگوید که آن حضرت به ابن ملجم فرمود:
لیک بىغم شو شفیع تو منم واجه روحم نه مملوکِ تنم
و اگر کسى گوید که از آن جاى مثنوى که گفتگوى جبر و قَدَرىّ مىکند -- در اواخر سِفر پنجم -- معلوم مىشود که او جبر را باطل مىداند -- و آن داستان طولانىاست -- جواب آن گوییم: که در آخر داستان سخنى مىگوید که همه را پایمال کرده، آنجا که مىگوید:...
و امثال این کلمات که البتّه در کتابها خواندهاید و دیدهاید، دیگر احتیاج به تکرار و نوشتن نیست. غرض ما در اینجا چیز دیگر است و آن اینکه اگر این جماعت مراد ایشان از این کلمات همان ظاهر آن است که مىفهمیم پس آنها بىاشکال کافر و ملعونند. و اگر مراد ایشان چیزى است که ما نمىفهمیم چنان که هواداران و محبّان ایشان گویند، پس گوییم که اینها فاسق و بد کردارند به جهت آنکه اظهار کفر مىکنند و خود را مستحقّ مؤاخذه و طعن و لعن مردم و مورد عتاب و عقاب الهى نیز مىکنند. به جهت آنکه چنانکه اعتقاد کفر حرام است تلفّظ به کلمۀ کفر هم حرام است، و احکام شرع مقدس مبتنى بر ظاهر است... پس هر گاه کسى این طایفه را لعن کند به سبب آنچه از ایشان ظاهر شده معاقب نخواهد بود، هر چند آنها در باطن کافر نباشند... .
بلکه اگر معلوم هم بشود که آنها در باطن مسلمانند باز حکم به فسق آنها مىکنیم که چرا این حرف را گفتهاند... و قطع نظر از اینها همه کرده، جمعى کثیر از معتمدین علماى شیعه که مدار دین شیعه بر اعتماد بر ایشان است در نقل احکام الهیّه از ائمّه، ایشان در شأن حلّاج حکایتها نقل کردهاند و توقیع لعن او را از امام زمان نقل کردهاند و همه او را از جمله کذّابین بر شمردهاند، و از شیخ مفید ذکر کردهاند کتابى در خصوص بطلان طریقۀ تابعان حلّاج تالیف کرده ... .
و هر گاه حال او معلوم شد ظاهر این است که تابعان او همه حال او را داشته باشند مگر اینکه بگوییم که به جهت غیر تصوّف از ساحرى و دروغگویى و غیر آن مورد لعن شد نه از این راه. و اگر لعن از همین راه باشد بر همه این بحث وارد مىآید، به جهت آنکه شبسترى و ملّا و غیر اینها همه معتقد حلّاج مىباشند. و به هر تقدیر این جماعت در ظاهر حال از اولیاء و عرفاى اهل سنّتاند و چون ایشان را داعیۀ مقابله با ائمّه ما باعث شده که بلکه توانند اطفاى نور الهى کنند این اساس را در مقابل چیدهاند، و اینجماعت همان رؤساى ایشانند و هیچ یک از اینها معلوم نیست که مذهب شیعه داشته باشند... .
1) 1380.. جوابات المسائل الركنيّة، ص 329-335:
وقال أيضاً في الجواب عن سؤال السائل من أنّ الآخوند ملّاصدرا قال بالعقول العشرة،
بينما أنّ العلّامة المجلسيّ يقول: إنّ القائل بالعقول العشرة منكر لضروريّ الدين. ففيما أجاب(قدس سره) أن قال:
الحاصل أن طريقتهم مباينة لطريقة الإسلام يقيناً، وانّهم بعد أن فهموا شيئاً من قواعدهم وأصولهم وبنوا عليها اعتقادهم، يلصقون أنفسهم بأهل الإسلام حذراً من التكفير وطعن أهل الإسلام، ويأوّلون النصوص الدينيّة بمثل هذه التأويلات. وليس هذا معنى الإسلام ولامتابعة الشرع. مع أنّه لايوافق شيىء من قواعدهم مذهب الإسلام، فلا المعراج الجسماني يوافق استحالة الخرق والإلتيام على الأفلاك، ولا ركوب الملائكة مراكب بُلق ونصرتهم لرسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) بالحراب، ولبسهم العمائم بطريقة خاصّة، وتمثّل جبرئيل بصورة دحية الكلبىّ وجلوسه أمام النبي خاضعاً، يوافق مع كون جميع الملائكة روحانيين بل مجردين وكون جبرئيل كناية عن العقل الفعال وكون الوحي عبارة عن اتصال نفس النبي بالعقل العاشر، ولاحدوث العالم وكون ما سوى اللّه مسبوقاً بالعدم في وقت خاص يلائم مع قدم العقول والأفلاك، ولا الإخباربفناء جميع الأشياء والسماوات مع قاعدة ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
وقد سمعت من بعض المنتحلين للشريعة من هذه الطائفة أنهم قالوا: أنّى خالفنا القرآن والحديث؟ فإنّه ليس المستفاد من الحديث والآية سوى حدوث العالم ، ولكن كيف يمكن اثبات كون هذا الحدوث هو الحدوث الزماني ولايراد منه الحدوث الذاتي؟ بمعنى تقدّمه تعالى في مرتبة العليّة على ما سواه فإن هذا أيضاً حدوث. فكأنّهم لم يقرأوا قول اللّه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلنا بِلِسَانِ قَوْمِهِ(1)، فمتى فهم العرب من الحدوث هذا المعنى ؟ ومتى فهموا من قوله: «كان اللّه ولاشيء معه » هذا المعنى؟ ومتى خطر ببالهم من لفظ خلق وأوجد هذا المعنى؟».(2)
والحاصل باليقين طريقۀ ايشان با طريقۀ اسلام مباين است و ايشان بعد از آن كه از اصول و قواعد خود چيزى فهميده و بناى خود را بر آن گذاشتهاند از خوف تكفير و طعن اهل اسلام خود را به شرع مىچسبانند و اين تأويلات را مىكنند، و اين نه معناى اسلام است و نه متابعتِ شرع است. با وجود اينكه هيچ يک از قواعد ايشان با طريقۀ اسلام موافقت نمىكند، نه معراج جسمانى با استحالۀ خرق و التيامِ افلاک مىسازد، و نه سوارى ملائكه به اسبان ابلق، و به كمک رسول خدا(صلی الله علیه آله و سلم) جنگ كردن با اسلحه، و عمامههائى كه به طريق خاصّى بستهاند، و تحت الحنك آنها به نوع خاصّى است، و جبرئيل به صورت دحيۀ كلبى آمدن و دو زانو در خدمت پيغمبر(صلی الله علیه آله و سلم) نشستن، با روحانيّت بلكه تجرّد جميع ملائكه، و جبرئيل كنايه از عقل فعّال بودن و وحى الهى عبارت از اتّصال نفس پيغمبر به عقل عاشر و دانشمند شدن مىسازد، و نه حدوث عالم و مسبوق بودن ما سوى اللّه به عدم در وقت خاصّى، با قِدَمِ عقول و افلاک مىسازد، و نه خبر از انعدام همۀ اشياء و فانى شدن آسمانها با قاعدۀ «ما ثبت قِدَمُه إمتنع عدمه».
شنيدم بعضی از منتحلانِ شريعت از اين طايفه مىگفته: ما كجا مخالفت حديث و آيه كردهايم؟ بيش از اين نيست كه از حديث و آيه حدوث عالم مىرسد، امّا از كجا معلوم كه مراد از حدوث «حدوث زمانى» باشد؟ چرا مراد «حدوث ذاتى» نباشد. به اين معنى كه خدا در مرتبۀ عليّت مقدّم است بر ماسوا، و اين هم حدوث است. و اين معنى را ملاحظه نمىكنند كه حقّ تعالى فرموده: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلنا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، كجا قوم عرب از حدوث اين معنى را فهميده؟ و كجا از: «كان اللّه ولم يكن معه شيىء» اين را مىفهمند؟ و كجا از لفظ «خلق» و«أوجد» اين را به ذهن در مىآوردند؟
قال في مبحث النجاسات:
الكافر قسمان: أوّلهما: الكافر بالذات وهو كافر باللّه تعالى أو نبيّه...، القسم الثاني: ما يترتّب عليه الكفر بطريق الاستلزام، كإنكار بعض الضروريّات الإسلاميّة والمتواترات عن سيّد البريّة، كالقول بالجبر والتفويض والإرجاء والوعيد وقدم العالم وقدم المجرّدات والتجسيم والتشبيه بالحقيقة والحلول والاتّحاد ووحدة الوجود أو الموجود... .(1)
قال العلّامة النمازيّ(رحمه الله):
في كتاب السلسبيل للعلّامة الجليل الحاجّ ميرزا أبو الحسن الإصطهباناتيّ قال: سمعت عن بعض تلامذة صاحب الجواهر أنّه في مجلس درسه جاء بعض أهل العلم وفي يده كتاب من الفلسفة، فسأل عنه عمّا في يده، فلمّا رآه صاحب الجواهر قال: واللّه ما جاء محمّد من عند اللّه إلّا لإبطال هذه الخرافات
1) 1383.. كشف الغطاء، ج1، ص172.
والمزخرفات.(1)
و قال(رحمه الله) في عداد كتب الضلال:ككتب القدماء من الحكماء القائلين بقِدَم العالم وعدم المعاد، وكتب عبدة الأصنام ومنكري الصانع.(2)
قال في مبحث تعارض الدليل العقليّ والنقليّ:
وكلّما حصل القطع من دليل نقليّ، مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زماناً، فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقليّ، مثل استحالة تخلّف الأثر عن المؤثّر، ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة.(3)
وقال(قدس سره) في كتاب الطهارة:
ويؤيّدها ما ذكرنا من أنّ التارك للتديّن ببعض الدين خارج عن الدين، والسيرة المستمرّة من الأصحاب في تكفير الحكماء المنكرين لبعض الضروريّات مع العلم أو الظنّ بأنّه لم يكذّب النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) في ذلك، لا أقلّ من الاحتمال.(4)
وقال(رحمه الله) في مبحث حرمة حفظ كتب الضلال:
وحينئذ فلا بدّ من تنقيح هذا العنوان وأنّ المراد بالضلال ما يكون باطلاً في نفسه؟ فالمراد الكتب المشتملة على المطالب الباطلة، أو أنّ المراد به مقابل الهداية؟ فيحتمل أن يراد بكتبه ما وضع لحصول الضلال، وأن يراد ما أوجب الضلال وإن كان مطالبها حقّة، كبعض كتب العرفاء والحكماء المشتملة على ظواهر منكرة يدعون أنّ المراد غير ظاهرها، فهذه أيضاً كتب ضلال على تقدير حقيّتها.(5)
قال في طرائف المقال:
محمّد بن إبراهيم صدرالدين المعروف بملّاصدرا، كان حكيماً فلسفيّاً صوفيّاً بحتاً، توفّى بالبصرة وهو متوجّه إلى الحجّ في سنة خمسين بعد الألف، وله كتب منها، الأسفار الأربعة والعرشيّة وغيرهما، وابنه أماته وأحيى مذهب الحقّ.(1).
قال في ذكر مشايخ المحدّث الفاضل المولى محسن الكاشانيّ:
وسابعهم: الحكيم المتألّه الفاضل محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الشهير بملّا صدرا، محقّق مطالب الحكمة، ومروّج دعاوي الصوفيّة بما لا مزيد عليه، صاحب التصانيف الشائعة التي عكف عليها من صدّقه في آرائه وأقواله، ونسج على منواله، وقد أكثر فيها من الطعن على الفقهاء حملة الدين، وتجهيلهم وخروجهم من زمرة العلماء، وعَكَس الأمر في حال ابن العربيّ صاحب الفتوحات، فمدحه ووصفه في كلماته بأوصاف لا تنبغي إلّا للأوحديّ من العلماء الراسخين، مع أنّه لم ير في علماء العامّة ونواصبهم أشدّ نصباً منه، أليس هو القائل في الفتوحات في ذكر بعض حالات الأقطاب ما لفظه: «ومنهم من يكون ظاهر الحكم، ويحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام، كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وحسن ومعاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز والمتوكّل». وهذا المتوكّل الذي عدّه من الأقطاب، وممّن حاز الخلافة الظاهرة والباطنة، هو الذي صرّح السيوطيّ الذي هو أيضاً من المتعصّبين في تاريخ الخلفاء بأنّه في سنة ستّ وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين(علیه السلام)، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخرب وبقي صحراء، وكان المتوكّل معروفاً بالتعصّب، فتألّم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان، وهجاه الشعراء، وممّا قيل في ذلك:
باللّه إن كان--ت أُميّة قد أت---ت * قتل ابن بنت نبيّه---ا مظل--وما
فلقد أت----اه بن-و أبي----ه بمثله * ه-ذا لعم---ري قب---ره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * ف---ي قتل---ه فتت-بّع---وه رميما
1) 1389.. طرائف المقال، ج1، ص80، ش252.
وصرّح أيضاً فيه بأنّ أصل الضلالات من الشيعة. وصرّح في مسامرة الأبرار بأنّ الرجبيّين جماعة لهم رياضة، من آثارها أنّهم يرون الروافض بصورة الخنزير. وصرّح في الفتوحات بعصمة ابن الخطّاب،وغير ذلك ممّا هو نصّ على كونه من نواصبهم. وتصريحه بكون المهديّ الموعود صلوات اللّه عليه هو الحجّة بن الحسن العسكريّ(علیهما السلام)، كما عليه الإماميّة، لا ينافي النصب فضلاً عن التسنّن، كما أوضحناه في كتابنا النجم الثاقب. وله في هذا الاعتقاد شركاء من علمائهم، ذكرنا أساميهم في الكتاب المذكور، ومع ذلك كلّه كيف يقول الإماميّ في حقّه: المحقّق العارف باللّه، ومن لا يجازف في القول! وأمثال ذلك فيه وفي أضرابه.
ومن تصانيفه: شرح أصول الكافي، شرحه على مذاقه وعقائده وأصوله ومطالبه، فاستحسنه من استصوبها، واستحقره من استضعفها، بل في الروضات: «فمنهم من ذكر في وصف شرحه على الأصول: شروح الكافي كثيرة جليلة قدراً وأوّل من شرحه بالكفر صدرا». انتهى. وفيه منه أوهام عجيبة، بل في كتاب التوحيد منه وهم لم يسبقه إلى مثله أحد، ولم يلحقه أحد... .
وله في شرح حال مولانا صاحب الزمان صلوات اللّه عليه عند قوله(علیه السلام): «إذا قام قائمنا وضع اللّه يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم»(1)كلام ينبئ عن اعتقاد له فيه(علیه السلام) غير ما عليه معاشر الإماميّة. فراجع وتأمّل... .
وعندنا رسالة من الفخر الرازيّ في تفسير أربع سور، قال في أوّلها: هذه رسالة عملها في التنبيه على بعض الأسرار المودوعة في بعض سور القرآن العظيم، والفرقان الحكيم، تنبيهاً على أنّ اكثر المفسّرين كانوا محرومين عن الفوز بالمقصد القويم، غير واصلين إلى الصراط المستقيم، ثمّ رتّبها على أربعة فصول:
الأوّل: في الإلهيّات، وفسّر فيه سورة الإخلاص.
الثاني: في تفسير سورة مشتملة على الإلهيّات والنبوّات والمعاد، وهي سورة «سبّح اسم ربّك الأعلى» وفسّرها بترتيب لطيف.
وللمولى المتقدّم رسالة في تفسير هذه السورة المباركة، ولمّا عرضناها على تفسير الرازيّ لم نجد بينهما فرقاً إلّا في بعض كلمات زائدة لا يضرّ إسقاطها في أصل المطالب.(2)
و نقل الميرزا النوريّ فقرات من شرحه على أصول الكافي ممّا يدلّ على غاية جهله بمعرفة الأحاديث بل بكلام العرب، فراجع.
قال في مبحث نجاسة الكفّار:
كما مثل ما حكى عن بعض الجهّال من المتصوّفة من إنكار وجوب الصلاة ونحوها على مشائخهم الذين أكملوا نفوسهم بالرياضات بزعمهم مدّعياً أنّ المقصود بالعبادات تكميل النفوس فيسقط التكليف عنها بعد الكمال... .
وتارة يأوّل كلامه بما ينافي الإذعان برسالته على كافّة العباد، كما لو قيل مثلاً بأنّ المقصود ببعث الرسول اللطف وإهداء القاصرين إلى ما يقرّبهم إلى اللّه، فرسالته مقصورة على غير الحكماء الذين يرشدهم عقولهم إلى ما يصلحهم ويفسدهم، فالمقصود بالعمومات الصادرة عن النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) من قوله: أَقِيمُوا الصلَاةَ(1)ونحوه يراد بها غير مثل هذه الاشخاص. وقد حكى عن بعض الفلاسفة محاجّته مع عيسى(علیه السلام) بمثل هذا القول.
ونظير ذلك ما لو قيل بأنّه كان رسولاً على الأعراب لا على عامّة العباد. وكيف كان فمثل هذا الإنكار كفر محض فإنّه وان لم يكن منافياً للتصديق الإجماليّ لأنّه يعترف بصدقه على تقدير ادّعائه العموم لكنّه يزعم أنّه لم يدّع ذلك، إلّا أنّه إنكار لرسالته في الجملة، وهو كإنكار أصل الرسالة سبب للكفر بالضرورة فضلاً عن شهادة النصّ والإجماع عليه.(2)
قال في منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة بعد نقل كلام لابن الأعرابيّ والقيصريّ:
ومحصّل كلامهما أنّ قوم نوح في عبادتهم للأصنام كانوا محقّين لكونها مظاهر الحقّ، كما أنّ العابدين لها كذلك لأنّهم أيضاً كانوا مظهر الحقّ وكان الحقّ معهم بل هو عينهم. وكان نوح أيضاً يعلم أنّهم على الحقّ إلّا انّه اراد على وجه المكر والخديعة أن يصرفهم عن عبادتها إلى عبادته!! وإنّما كان هذا مكرا منه(علیه السلام) لأنّه
كان يقول لهم:«ما لم يكن معتقداً به» و«يموّه خلاف ما أضمره واعتقده»!!؟ اذ كان عالماً وعلى بصيرة من ربّه بانّ الأصنام مظاهر الحقّ وعبادتها عبادته، إلّا أنّه(علیه السلام) أراد أن يخلّصهم من القيود حتّى لا يقصّروا عبادتهم فيها فقط بل يعبدوه في كلّ معنى وصورة.
ثمّ قال:
هذا محصّل كلام هذين الرجسين النجسين النحسين، وكم لهما في الكتاب المذكور من هذا النمط والأسلوب وسنشير إلى بعضها فيما سيأتي. فلينظر المؤمن الكيّس البصير إلى أنّهما كيف موّها الباطل بصورة الحقّ وأوّلا كلام اللّه بآرائهم الفاسدة وأحلامهم الكاسدة، على طبق عقايدهم الباطلة وقد قال النبيّ المختار(صلی الله علیه آله و سلم): «من فسّر القران برأيه فليتبوّء مقعده من النار» ولعمري إنّهما ومن حذا حذوهما حزب الشيطان وأولياء عبدة الطاغوت والأوثان، ولم يكن غرضهما إلّا تكذيب الأنبياء والرسل وما جاؤوا به من البيّنات والبرهان وهدم أساس الإسلام والإيمان، وإبطال جميع الشرايع والأديان، وترويج عبادة الأصنام، وجعل كلمة الكفر العليا وخفض كلمة الرحمن.(1)
فقد حرّم ارتزاق من يشتغل بتعلّم الفلسفة من الزكاة وأيّده جلّ العلماء المعلّقين على العروة، حيث قال:
لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه يجوز له أخذ الزكاة إذا كان ممّا يجب تعلّمه عينا أو كفاية، وكذا إذا كان مما يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهاداً أو تقليداً، وإن كان ممّا لا يجب ولا يستحبّ كالفلسفة والنجوم والرياضيّات والعروض والأدبيّة لمن لا يريد التفقّه في الدين فلا يجوز أخذه.
ومعناه أنّ هذا العلم لادخل له بالشريعة أصلاً، لا في العقائد ولا في غيره، ولا دخل له في فهم الشرع أو الجدل مع الملحدين أصلا.
وقال في عداد الكفّار:
1) 1394.. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج13، ص175.
والمجبّرة والقائلين بوحدة الوجود من الصوفيّة اذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهمإلّا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد.
وقد أيّده على هذا الفتوى كلّ من الأعلام الآتية، فلم يعلّقوا على كلام السيّد بشيء، وهم:
الشيخ عليّ ابن المرحوم صاحب الجواهر(رحمه الله)(ت 1266ق)؛
والمحقّق الميرزا حسين النائينيّ(رحمه الله)(ت 1355ق)؛
والسيّد عليّ البهبهانيّ(رحمه الله)(ت 1395ق)؛
والسيّد هادي الميلانيّ(رحمه الله)(ت 1395ق)؛
والسيّد إبراهيم الحسينيّ الإصطهباناتيّ(رحمه الله)(ت 1378ق)؛
والسيّد محمود الحسينيّ الشاهروديّ(رحمه الله)(ت 1394ق)؛
والشيخ عبداللّه الغرويّ المامقانيّ(رحمه الله)(ت 1351ق)؛
والسيّد محمّد الحجّة الكوه كمرهايّ(رحمه الله)(ت 1372ق)؛
والسيّد الحاجّ آقا حسين الطباطبائيّ القميّ(رحمه الله)(ت 1366ق)؛
والسيّد يونس الأردبيليّ(رحمه الله)(ت 1377ق)؛
والشيخ عبد الكريم الحائريّ(رحمه الله)(ت 1355ق)؛
والسيّد أبو الحسن الموسويّ الإصفهانيّ(رحمه الله)(ت 1365ق)؛
والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء(رحمه الله)(ت 1373ق)؛
والسيّد البروجرديّ(رحمه الله)(ت 1313ق)؛
والشيخ محمّد رضا آل ياسين(رحمه الله)(ت 1370ق)؛
والسيّد محسن الطباطبائيّ الحكيم(رحمه الله)(ت 1390ق)؛
والسيّد أحمد الخوانساريّ(رحمه الله)(ت 1405ق)؛
والسيّد أبو القاسم الخوئيّ(رحمه الله)(ت 1413ق)؛
والسيّد محمّد كاظم الشريعتمداريّ(رحمه الله)(ت 1406ق)؛
والسيّد محمّد رضا الگلپايگانيّ(رحمه الله)(ت 1415ق)؛
والسيّد أبو الحسن الرفيعيّ(رحمه الله)(ت 1353ق).
وقال الميرزا السيّد عبد الهاديّ الحسينيّ الشيرازيّ (ت 1394ق) معلّقاً على العروة:
إن لم يكونوا قائلين بالوحدة الشخصيّة، وإلّا فالأقوى نجاستهم.
يعني إنّ القائلين بالوحدة الشخصيّة محكومون بالنجاسة سواء التزموا بلوازم مذهبهم من المفاسدالاعتقاديّة أم لا وأمّا غيرهم فلا يحكم عليهم بنجاستهم إلّا مع التزامهم بها.
وعلّق السيّد محمّد الفيروزآباديّ على كلام السيّد فقال:
بالمعنى الذي ليس هو بكفر.
وقال السيّد شهاب الدين المرعشيّ النجفيّ معلّقاً على كلام السيّد:
والقائلون بوحدة الوجود فقط أو وحدة الموجود أيضاً.(1)
قال في رسالة البداء:
فالبداء، وأنّ اللّه يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب، يكون الاعتراف بحقيقتها المعقولة ومدلول الأحاديث، هو الفارق بين الإلهيّة والطبيعيّة، وهو الفارق بين الاعتراف بحقيقة الإلهيّة وبين المزاعم المستحيلة في مسألة العقول العشرة المبنيّة على التقليد الأعمى للفلسفة اليونانيّة ومزاعم أوهامها، مع الخبط في أمر الإيجاد بالإرادة والتعليل الطبيعيّ.(2)
فقد ذمّ الفلسفة في سفينته وذكر بعض الروايات في ذمّها ونقل كلمات وحكايات عن أعيان العلماء قدّس اللّه أسرارهم في التحذير والتجنّب عنها فراجع.(3)
قال في مبحث الوقف من كتاب الوسيلة:
لو وقف على العلماء انصرف إلى علماء الشريعة فلا يشمل غيرهم كعلماء الطبّ والنجوم والحكمة.
قال العلّامة النمازيّ(رحمه الله) بعد نقل عبارته:
يظهر منه أنّ في نظره أنّ علماء الحكمة كعلماء النجوم ليسوا بعلماء الشريعة، وكتبهم ليست كتب الشريعة المقدّسة.(1).
فقد عرف بمخالفته للفلاسفة والعرفاء وألّف كتباً في الردّ عليهم وبيان معارف القرآن والروايات ومباينته مع الفلسفة والعرفان، وتخرّج على يده العديد من الفقهاء والعلماء.
قال شيخنا الأستاذ العلّامة النمازيّ(رحمه الله):
هو العالم العامل الكامل بالعلوم الإلهيّة، والمؤيّد بالتأييدات الصمدانيّة، الورع التقيّ النقيّ المهذّب بالأخلاق الكريمة، والمتّصف بالصفات الجليلة مولانا وأستاذنا الآقا ميرزا مهديّ الإصفهانيّ الخراسانيّ... وأجازه العلّامة النائينيّ وغيره أحسن الإجازات وممّا عبّر به في إجازته المفصّلة التي كتبها النائينيّ بخطّه الشريف في شوّال 1338 هجري المزيّنة بخطوط جمع من الأعاظم المراجع الكرام وتكون عندي قال:
العالم العامل والتقيّ الفاضل العلم العلّام والمهذّب الهمام ذو القريحة القويمة والسليقة المستقيمة والنظر الصائب والفكر الثاقب عماد العلماء والصفوة الفقهاء الورع التقيّ والعدل الزكيّ جناب الآقا ميرزا مهديّ الإصفهانيّ أدام اللّه تعالى تأييده وبلّغه الأمانيّ - إلى أن قال -: وحصل له قوّة الاستنباط وبلغ رتبة الاجتهاد وجاز له العمل بما يستنبطه من الأحكام» الخ.
وكان مشتغلاً بتعلّم الفلسفة المتعارفة وبلغ أعلى مراتبها قال: لم يطمئنّ
1) 1398.. وسیلة النجاة، ص539؛ مستدرك سفينة البحار، ج 8، ص303.
قلبي بنيل الحقائق، ولم تسكن نفسي بدرك الدقائق، فعطفت وجه قلبي إلى مطالب أهل العرفان فذهبت إلى أستاذ العرفاء والسالكين السيّد أحمد المعروف بالكربلائيّ في كربلاء وتلمّذت عنده حتّى نلت معرفة النفس وأعطاني ورقة أمضاها. وذكر اسمي مع جماعة بأنّهم وصلوا إلى معرفة النفس وتخليتها من البدن، ومع ذلك لم تسكن نفسي إذ رأيت هذه الحقائق والدقائق التي سمّوها بذلك لا توافق ظواهر الكتاب وبيان العترة ولابدّ من التأويل والتوجيه. ووجدت كلتا الطائفتين كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فطويت عنهما كشحاًوتوجّهت وتوسّلت مجدّاً مكدّاً إلى مسجد السهلة في غير أوانه باكياً متضرّعاً متخشّعاً إلى صاحب العصر والزمان(علیه السلام)، فبان لي الحقّ وظهر لي أمر اللّه ببركة مولانا صاحب الزمان صلوات اللّه عليه، ووقع نظري في ورقة مكتوبة بخطّ جليّ:
«طلب المعارف من غيرنا - أو طلب الهداية من غيرنا (الشكّ منيّ) - مساوق لإنكارنا»، وعلى ظهرها مكتوب: «أقامني اللّه وأنا الحجّة ابن الحسن».
قال: فتبرّأت من الفلسفة والعرفان وألقيت ما كتبت منهما في الشطّ ووجّهت وجهي كلّه إلى الكتاب الكريم وآثار العترة الطاهرة، فوجدت العلم كلّه في كتاب اللّه العزيز وأخبار أهل بيت الرسالة الذين جعلهم اللّه خزّاناً لعلمه وتراجمة لوحيه ورغّب وأكّد الرسول(صلی الله علیه آله و سلم) بالتمسّك بهما، وضمن الهداية للمتمسّك بهما. فاخترت الفحص عن أخبار أئمّة الهدى والبحث عن آثار سادات الورى فأعطيت النظر فيها حقّه وأوفيت التدبّر فيها حظّه، فلعمري وجدتها سفينة نجاة مشحونة بذخائر السعادات، وألفيتها فلكاً مزيّناً بالنيّرات المنجية من ظلمات الجهالات، ورأيت سُبُلَها لائحة وطرقها واضحة وأعلام الهداية والفلاح على مسالكها مرفوعة، ووصلت في سلوك شوارعها إلى رياض نضرة وحدائق خضرة مزيّنة بأزهار كلّ علم وثمار كلّ حكمة إلهيّة الموحاة إلى النواميس الإلهيّة. فلم أعثر على حكمة إلّا وفيها صفوها، ولم أظفر بحقيقة إلّا وفيها أصلها، والْ-حَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ(1)-(2)
قال في كتابه بيان الفرقان في بيان سبب تأليف الكتاب ما محصّله:
أنّه قد كان في قديم الأيّام طريقة الفقهاء والتابعين للقرآن والسنّة ممتازاً عن طريقة الفلاسفة اليونانيّة والعرفاء والصوفيّة، وكان كلّ يرى أنّ طريقه هو الحقّ وكان يتبرّى من المنهج الآخر، فإنّه كان من المسلّمات مخالفة منهج القرآن والسنّة مع منهج الفلاسفة. وترجمة الفلسفةاليونانيّة ونقلها إلى العربيّة قد تمّت في عصر الخلفاء.(1)
وقد ذكر في المجلّد الرابع منه في الخاتمة كلمات العلماء في ذمّ الفلاسفة والعرفاء المتصوّفة والكتب التي صنّفت في ردّهم وذمّهم، فراجع إليه.
قال في شرحه على العروة الوثقى:
إنّ وحدة الوجود يطلق على أنحاء وقد ذكر الحاجيّ السبزواريّ أنّها تطلق على أربعة أوجه، وجعل بعضها توحيد العوامّ، وبعضها توحيد الخواصّ، وبعضها توحيد خاصّ الخاصّ، وبعضها توحيد أخصّ الخواصّ.
فيا ليت شعري إذا كان الأمر كما يزعمون فمن العابد ومن المعبود، ومن الخالق ومن المخلوق، ومن الآمر ومن المأمور، ومن الناهي ومن المنتهي، ومن الراحم ومن المرحوم، ومن المثاب ومن المعاقب، ومن المعذِّب ومن المعذَّب، ومن الواجب ومن الممكن؟
إلى غير ذلك من الكفريّات التي أنكرها الشرايع برمّتهم، وخلاف ضرورة كلّ الشرايع.
مع أنّهم (أي الصوفيّة) طرّاً قائلين بوحدة الوجود، ومعناه أنّ في الخارج ليس إلّا وجود واحد وهو عين الأشياء، ويلزم أن يكون المبدأ عزّ اسمه عين الحيوانات النجسة وعين القاذورات وهكذا، تعالى اللّه عمّا يصف الظالمون، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(2)إلى غير ذلك من لوازم المسئلة، فخذلهم اللّه فأنّى يؤفكون، ف-
مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ،(1)ف-سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.(2) ولذا قال الشيخ(قدس سره) في طهارته في أمثال المقام بعين العبارة: إنّ السيرة المستمرّة من الأصحاب في تكفير الحكماء المنكرين لبعض الضروريّات ولولا يرجع إلى إنكار النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم). فلا ريب في كفر القائل ونجاسته ولو التزموا بأحكام الإسلام. إذ ثبوت الكفر في أصول الدين من العقائد الخبيثة الملعونة والاعتقاد بها والالتزام بها والإذعان لايفيد الالتزام بأحكام الاسلام لو أراد بها في الفروع، ولو أراد بها في الأصول فهما ضدّان أو متناقضان، كيف يمكن الالتزام وهل الخلف إلّا ذلك؟
فالأقوى أنّ القائل بها خارج عن ربقة الإسلام ورجس ونجس، وقول الماتن من ذهابهم إلى عدم نجاستهم فرضٌ فرضه لا وجود له في الخارج، فكأنّه(قدس سره) أراد التستّر مع وضوح المسئلة، ولذا قال إلّا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذهبهم الفاسدة.(3)
قال في مستمسكه على العروة الوثقى معلّقاً على كلام السيّد في نجاسة القائلين بوحدة الوجود:
حسن الظنّ بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاصّ والحمل على الصحّة المأمور به شرعاً، يوجبان حمل هذه الأقوال على خلاف ظاهرها، وإلّا فكيف يصحّ على هذه الأقوال وجود الخالق والمخلوق والآمر والمأمور والراحم والمرحوم؟!(4)
وقد ذكرنا من عباراته كثيراً فراجع إلى كتابه القيّم مستدرك سفينة البحار (مادّة: صوف) و (مادّة: فلسف)،(5)وإلى كتابه: تاريخ فلسفه و تصوّف.
قال(رحمه الله):
لابدّ لتصوّر مسبوقيّة وجود العالم عن عدمه الواقعيّ الفلكيّ الغير المجامع لوجوده من مخلص آخر، إذ القول بحدوث العالم كذلك من ضروريّات الدين، بل المتّفق عليه بين أهل الملل والنحل. فلا ينبغي القناعة في المقام بالقول بحدوث العالم ذاتاً - بمعنى تأخّره عن العدم المجامع مع وجوده كما عليه بعض الحكماء - لأنّه مخالف مع قول الملّيّين.(1)
قال في كتابه البيان في تفسير القرآن تحت عنوان: أثر الفلسفة اليونانيّة في حياة المسلمين:
وقد كان المسلمون بأسرهم على ذلك، ولم يكن لهم أيّ اختلاف فيه، حتّى دخلت الفلسفة اليونانيّةأوساط المسلمين، وحتّى شعّبتهم بدخولها فرقاً تكفّر كلّ طائفة أختها، وحتّى استحال النزاع والجدال إلى المشاجرة والقتال، فكم هتكت في الإسلام من أعراض محترمة، وكم اختلست من نفوس بريئة، مع أنّ القاتل والمقتول يعترفان بالتوحيد، ويقرّان بالرسالة والمعاد. أليس من الغريب أن يتعرّض المسلم إلى هتك عرض أخيه المسلم وإلى قتله؟ وكلاهما يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ اللّه يبعث من في القبور. أولم تكن سيرة نبيّ الإسلام وسيرة من ولي الأمر من بعده أن يرتّبوا آثار الإسلام على من يشهد بذلك؟ فهل روى أحد أنّ الرسول أو غيره ممّن قام مقامه سأل أحداً عن حدوث القرآن وقدمه، أو عمّا سواه من المسائل الخلافيّة، ولم يحكم بإسلامه إلّا بعد أن أقرّ بأحد طرفي الخلاف؟!! ولست أدري - وليتني كنت أدري - بماذا يعتذر من ألقى الخلاف بين المسلمين وبم يجيب ربّه يوم يلاقيه، فيسأله عمّا ارتكب؟ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.(2)
وقال(رحمه الله) في كتاب الطهارة في البحث عن نجاسة الكفّار:
وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأوّل وهو أن يقول بوحدة الوجود والموجود
حقيقة، وأنّه ليس هناك في الحقيقة إلّا موجود واحد، ولكن له تطوّرات متكثّرة، واعتبارات مختلفة، لأنّه في الخالق خالق، وفي المخلوق مخلوق، كما أنّه في السماء سماء، وفي الأرض أرض وهكذا، وهذا هو الذي يقال له توحيد خاصّ الخاصّ... وحكي عن بعضهم أنّه قال: «ليس في جبّتي سوى اللّه»... فإنّ العاقل كيف يصدر عنه هذا الكلام؟ وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدّعي اختلافهما بحسب الاعتبار؟! وكيف كان فلا إشكال في أنّ الالتزام بذلك كفر صريح، وزندقة ظاهرة، لأنّه إنكار للواجب والنبيّ(صلی الله علیه آله و سلم)، حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلّا بالاعتبار، وكذا النبيّ(صلی الله علیه آله و سلم) وأبو جهل مثلاً متّحدان في الحقيقة على هذا الأساس، وإنّما يختلفان بحسب الاعتبار.(1)
وقال أيضاً:ودعوى أنّ الملك من عالم المجرّدات فليس له مادّة، كما اشتهر في ألسنة الفلاسفة دعوى جزافيّة، فإنّه مع الخدشة في أدلّة القول بعالم المجرّدات ما سوى اللّه، كما حقّق في محلّه، أنّه مخالف لظاهر الشرع، ومن هنا حكم المجلسيّ(رحمه الله) في اعتقاداته بكفر من أنكر جسميّة الملك، وتفصيل الكلام في محلّه.(2)
استفتاء عن السيّد الخوئيّ(رحمه الله) والشيخ التبريزيّ(رحمه الله):
هل إنّ دراسة الفلسفة لازمة لطالب العلوم الدينيّة الذي يضع نفسه في موضع الأخذ والردّ بالنسبة إلى سائر العقائد والأديان، وهل هناك وجوب كفائيّ على طلّاب العلوم الدينيّة في القيام بهذا الدور، وهل يمكن إدخال هذا تحت عنوان كونه (أي الفلسفة) مقدّمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو كونه مقدّمة للحفاظ على الدين أو كليهما، وإن لم تكن لازمة لطلّاب العلوم الدينيّة فهل فيها رجحان أو لا رجحان فيها أصلاً. ثمّ إنّ دراسة الفلسفة على من تكون غير جائزة؟ أرجو أن توضّحوا لنا جواب هذه الفقرة تماماً. ولو فرضنا أنّ فهم علم أصول الفقه أو بعض أبوابه - فهماً صحيحاً كاملاً - كان متوقّفاً عليها فهل هناك رجحان في دراستها عموماً، أو بقيد أنّ هذا الطالب يكون له مستقبل جيّد في الإفادة إن شاء اللّه؟
أجاب المحقّق الخوئيّ ووافقه تلميذه الفقيه الشيخ التبريزيّ(قدس سره):
لم يتّضح لنا توقّف ما ذكر على دراسة الفلسفة وقد تعرّضوا للمقدار اللازم منها في طيّ أصول الدين والفقه، وإذا خاف من الضلال إثر دراستها حرم وإلّا فلا مانع منه في حدّ نفسه، واللّه العالم.(1)
وقد جاء في كتاب خاطرات وزندگانى آقاى حكيم بيانيّة السيّد آية اللّه العظمى الخوئيّ حيث قال:
إنّ الشيوعيّة تكون كعقيدة الفلسفة التي هي مضادة لأصول الاسلام، فهذه العقيدة كفر و شرك.(2)
قال في مبحث نجاسة الكفّار والغلاة والمجبّرة والمفوّضة:
ثمّ إنّ بعضاً ممّن اعتنق تلك المبادئ الفاسدة، والمذاهب والمقالات الكاسدة - التي أمضينا الكلام فيها - وغيرها قد يتمسّك بآيات أو روايات، فيفسّرها بحيث تطابق تلك المعتقدات الباطلة، فهنا نقول: قد يكون التفسير والتوجيه واضح الفساد والبطلان وأقبح من طرح الآية أو الرواية، ومن هذا القبيل قول بعض الفلاسفة إنّ المعاد روحانيّ والجنّة والنار ليستا جسمانيّتين وإنّ المراد من الجنّة والنعم المعدّة في الآخرة هو النشاط الروحيّ وانبساط النفس وابتهاجها في النشأة الآخرة وسرورها بالأعمال الصالحة التي قد تزوّد بها الانسان من دنياه، والمراد من نار الجحيم والعذاب الأليم هو الآلام النفسانيّة، إلى غير ذلك من الترّهات والأقاويل الكافرة. وعلى الجملة فهذا النوع من التفسير والتأويل واضح الفساد وموجب للكفر والنجاسة، فإنّه خلاف الآيات الكريمة الناطقة بالمعاد البدنيّ الناصّة في ذلك.
أضف إلى ذلك أنّ من يفسر الآيات بهذا النحو والنسق وفقا لعقيدته الفاسدة فكأنّه يتخيل ويزعم أنّ أحداً من الأكابر والأصاغر لا يعرف ولا يفهم معناها وإنّما هو وحده قد فهمه، ومآل ذلك نزول القرآن لأجله فقط، كما أنّه يستلزم لغويّة نزوله بالنسبة إلى غيره من الناس حيث إنّهم لا يفهمون معنى الآيات ولا يفقهون مغزى معارف الكتاب ومستلزم لإغراء اللّه تعالى
عباده بالجهل. نعم الحكم بكفر القائل بالأمور المزبورة موقوف على علمه والتفاته إلى تلك اللوازم.(1)
قال(رحمه الله) في مسألة الوقف على «العلماء»:
إذا قال: وقفت هذه الضيعة على العلماء، اختصّ بعلماء الشريعة من أهل مذهب الواقف إذا كان شيعيّاً، ولم يشمل علماء العلوم الأخرى من طبّ وهندسة وفلسفة وغير ذلك.(2)
و قال في تعليقته على إحقاق الحقّ:
وعندي أنّ مصيبة الصوفيّة على الإسلام من أعظم المصائب، تهدّمت بها أركانه وانثلمت بنيانه،وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجوّل في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبيّاتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم؛ أنّ الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقّاه جمع من العامّة كالحسن البصريّ والشبليّ ومعروف وطاوس والزهريّ وجنيد ونحوهم، ثمّ سرى منهم إلى الشيعة حتّى رقى شأنهم وعلت راياتهم، بحيث ما أبقوا حجراً على حجر من أساس الدين، أوّلوا نصوص الكتاب والسنّة، وخالفوا الأحكام الفطريّة العقليّة، والتزموا بوحدة الوجود بل الموجود، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفّقتها رؤسائهم!
والتزامهم بما يسمّونه بالذكر الخفيّ القلبيّ شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبّراً عنه بالسفر من الحقّ إلى الخلق تارة، والتنزّل من القوس الصعوديّ إلى النزوليّ أخرى وبالعكس معبّراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحقّ والعروج من القوس النزوليّ إلى الصعوديّ أخرى.
فيا للّه من هذه الطامات، فأسروا ترهاتهم إلى الفقه أيضاً في مبحث النيّة وغيره،
ورأيت بعض مرشديهم يتلو أشعار المغربيّ العارف من ديوانه ويبكي ويعتني به كالاعتناء بآيات الكتاب الكريم، فتعساً لقوم تركوا القرآن الشريف وأدعية الصحيفة الكاملة زبور آل محمّد(صلی الله علیه آله و سلم) وكلمات موالينا وساداتنا الأئمّة(علیهم السلام)، واشتغلوا بأمثال ما أومأنا إليها، ورأيت بعض من كان يدّعي الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزي إليهم: «لنا مع اللّه حالات فيها هو نحن ونحن هو» وما درى المسكين في العلم والتتبّع والتثبّت والضبط أنّ كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير ممّا لفّقتها أيادي المتصوّفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثاً.
وخلاصة الكلام؛ أنّه آل أمر الصوفيّة إلى حدّ صرفوا المحصّلين عن العلم بقولهم: إنّ العلم حجاب وأنّ بنظرة من القطب الكامل يصير الشقيّ سعيداً بل وليّاً، وبنفحة في وجه المسترشد والمريد أو تفلةفي فمه تطيعه الأفاعي والعقارب الضارية وتنحلّ تحت أمره قوانين الطبيعة ونواميس نشأة الكون والفساد، وأنّ الولاية مقام لا ينافيها ارتكاب الكبائر بل الكفر والزندقة معلّلين بأنّه لا محرّم ولا واجب بعد الوصول والشهود، ثمّ إنّ شيوع التصوّف وبناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث إنّ بعض المرشدين من أهل ذلك القرن لمّا رأوا تفنّن المتكلّمين في العقائد، فاقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتابعيه في الإلهيّات قواعد وانتزعوا من لاهوتيّات أهل الكتاب والوثنيّين جملاً وألبسوها لباساً إسلاميّاً فجعلوها علماً مخصوصاً ميّزوه باسم علم التصوّف أو الحقيقة أو الباطن أو الفقر أو الفناء أو الكشف والشهود وألّفوا وصنّفوا في ذلك كتباً ورسائل، وكان الأمر كذلك إلى أن حلّ القرن الخامس وما يليه من القرون فقام بعض الدهاة في التصوّف فرأوا مجالاً ورحباً وسيعاً، لأن يحوزوا بين الجهّال مقاماً شامخاً كمقام النبوّة بل الألوهيّة باسم الولاية والغوثيّة والقطبيّة بدعوى التصرّف في الملكوت بالقوّة القدسيّة فكيف بالناسوت، فوسّعوا فلسفة التصوّف بمقالات مبنيّة على مزخرف التأويلات والكشف الخياليّ والأحلام والأوهام، فألّفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب «التعرّف»، و«الدلالة»، و«الفصوص»، و«شروحه»، و«النفحات»، و«الرشحات»، و«المكاشفات»، و«الإنسان الكامل»، و«العوارف»، و«المعارف»، و«التأويلات» ونحوها من الزبر والأسفار المحشوّة بحكايات مكذوبة، وقضايا لا مفهوم لها البتّة، حتّى ولا في مخيّلة قائليها، كما أنّ قارئيها أو سامعيها لا يتصوّرون لها معنى مطلقاً وإن كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم ويقول بأنّ للقوم
إصطلاحات، لا تدرك إلّا بالذوق الذي لا يعرفه إلّا من شرب من شرابهم وسكر من دنهم وراحهم.
فلمّا راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم تشعّبوا فرقاً وشعوباً وأغفلوا العوامّ والسفلة بالحديث الموضوع المفترى: «الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق»، وجعل كلّ فرقة منهم لتمييزها عن غيرها علائم ومميّزات بعد اشتراك الجميع في فتل الشوارب وأخذ الوجهة والتجمع في حلقات الأذكار، عاملهماللّه وجزاهم بما فعلوا في الاسلام، وأعتذر من إخواني الناظرين عن إطالة الكلام حيث إنّها نفثة مصدور وتنفّس صعداء وشقشقة هدرت غصص وآلام وأحزان بدرت، عصمنا اللّه وإيّاكم من تسويلات نسجة العرفان وحيكة الفلسفة والتصوّف وجعلنا وإيّاكم ممّن أناخ المطيّة بأبواب أهل بيت رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) ولم يعرف سواهم آمين آمين.(1)
قال في مبحث الكافر من النجاسات:
وأمّا القائلون بوحدة الوجود من الصوفيّة فحكمهم من حيث الطهارة والنجاسة مبنيّ على معرفة مذهبهم، فنقول: مقالة هؤلاء أنّ الموجود هو اللّه فقط وغيره معدومات صرفة وليس لهم حظّ من الوجود أصلاً، بل هم وجودات توهّميّة فما ترى أنّه وجود مجرّد توهّم نظير الحركة في ظلّ الشمس المتحرّك حيث يتوهّم أنّه شيء مع أنّه لا شيء ومعدوم، وليس إلّا من عدم إشراق الشمس في مقدار من المكان... وإلى هذا أشار المولويّ في ما قاله بالفارسيّة:
چون--كه بيرنگ--ى اسير رنگ شد * م-وسيى ب--ا موسيى در جنگ شد
چون به بی رنگی رسی کان داشتی * موسی و فرعون کردند آشتی(2)
فلو وصلت الی مرحلة الفناء و انعدام الالوان ستشاهد ان موسى يتصالح مع فرعون.
مثوي معنوي، ملاجلال الدين المولوي البلخي. دفتر اول، باب 121.
ومراده ب-«رنگ» هو القيود العدميّة، ومقصوده أنّه إذا ارتفعت القيود العدميّة فليس إلّا الوجود الواحد البحت البسيط وهو اللّه تعالى... فإذا تبيّن مقالتهم نقول: لهذه المقالة لوازم فاسدة كثيرة، فإنّه على هذا لا يكون في البين من يعاقِب ومن يعاقَب، ومن يُنعِم ومن يُنعَم عليه، ومن يُرسِل النبيّ ومن يُرسَل الرسل إليهم.
وبالجملة فلازمه بطلان الثواب والعقاب والجنّة والنار والأنبياء وإنكار المنعم وهذا إنكار للضروريّ في جميع الاديان من الاعتراف بجميع ذلك، فإن كانوا ملتزمين بذلك فلا إشكال في كفرهم ونجاستهم.(1)
لا يخفى أنّ أكثر ما ذكره الفلاسفة والعرفاء في طيّ مباحثهم غير معقول وممّا ينكره العقل السليم والفطرة السليمة، وإن كانت ألفاظهم وعباراتهم لطيفة شعريّة ذوقيّة نظير ما قيل: «ما سه چيز داريم: بود، نبود، نمود» ثمّ يقال: «انسان حجر شجر نمود است».
أقول: هذا عين ارتفاع النقيضين فهل يكون بين الوجود والعدم منزلة؟
قال الصادق(علیه السلام): «إذا لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة».(2)
وهكذا سائر كلماتهم. وهؤلاء أتعبوا أنفسهم لتحصيل هذه المطالب ولكن لابدّ أن نعلم أنّ أكثر ما ذكروه بصورة البرهان ليست من البديهيّات بل من النظريّات التي يجوز فيها الخطأ. والتسليم لجميع ما ذكروه بعنوان الحقّ والصدق مخالف للعقل والفطرة. وأدلّ دليل على خطأهم في كشف الحقائق هو الاختلاف بينهم فيما ذكروه، ولذا نقل عن أفلاطون أنّه قال:
ليس حظّنا من العلم إلّا العلم بأنّا لانعلم شيئاً.
والفرق بينهم وبين الفقهاء أنّه لا يدّعي أحد من الفقهاء أنّ ما استنبطه هو الحقّ الفريد والوحي الذي نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، فإنّ غاية ما يدّعون هو أنّ هذا ما أدّى إليه ظنّي، بخلاف أهل الفلسفة والعرفان فإنّهم زعموا أنّ ما جاؤوا به هو الحقّ الذي جاء به صاحب الشريعة المقدّسة وأنّ خلافه هو الباطل، ويدّعون العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليها، كما يصرّحون به في تعريف الفلسفة.
مضافاً إلى أنّ الفقهاء لم يخطّئوا الطريق، فإنّهم قد سلكوا طريقاً أمرهم الشارع باتّباعه
وهو اتّباع الأمارات والأصول العمليّة، رعاية لمصلحة التسهيل أو غير ذلك ممّا حقّق في محلّه، بخلاف الفلاسفة السالكين للطّريق المظلم المحرّم سلوكه عقلاً وشرعاً.
مع أنّ بعض اختلافات الفقهاء رحمة كما في الموسّعات التي أحدث الأئمّة(علیهم السلام) الخلاف فيها لمصالح هم أعلم بها.
فترى هؤلاء الموسومين بأهل المعقول قد يختلفون في المسألة الواحدة إلى عشرة أقوال، ومن العجيب أنّ كلّفرقة منهم تدّعي أنّ ما توهّمته هو الحقّ الذي ظهر له بالعقل الذي هو حجّة اللّه على العباد، مع أنّ العقل معصوم عن الخطأ وهو رافع للاختلاف، لامُثيراً ومَثاراً له، وعلى ما توهّموه يكون العقل حجّة للعباد على اللّه تعالى لا حجّة له تعالى على العباد، وذلك لأنّ كلّ فرقة منهم - مع وضوح بطلان جميعها، أو غير الواحد منها - يستند إليه ولا يمكن مؤاخذته عليه فلا حجّة للّه تعالى عليهم!!
مضافاً إلى أنّ أخذ الدين من مباني هؤلاء - مع كون كلامهم قابلاً للخطأ خصوصاً مع كثرة الإختلاف وتشتّت الآراء بينهم - غلط فاحش؛ فإنّه لابدّ أن يكون الأخذ عن صاحب الشريعة في غير البديهيّات، فيجب حينئذٍ الرجوع إلى الآيات المباركات والروايات الشريفة. بل لابدّ من الرجوع إلى صاحب الشريعة المقدّسة حتّى في البديهيّات الأوّليّة، لأنّ الإنسان قد يغفل عن أبده البديهيّات كاحتياج الحادث إلى المحدث، كما أنّه يكون جاهلاً بالنسبة إلى غير البديهيّات، ففي البديهيّات يحتاج إلى التذكّر وفي غيرها يحتاج إلى التعلّم.
ولابدّ لنيل الحقائق في البديهيّات الأوّليّة من الرجوع إلى الآيات والآثار الصريحة الصحيحة من باب الإرشاد والتذكّر لإزالة الغفلة. وكذا لابدّ في البديهيّات من الرجوع إلى صاحب الشريعة من جهة معرفة مصاديقها وصغرياتها كمصاديق العدل والظلم ففي أصل البديهيّات تكون الحاجة إلى كلام المعصوم من جهة الإرشاد وفي المصاديق تكون الحاجة إليه تارة من باب التذكير وتارة من باب التعليم وأمّا في غير البديهيّات فلابدّ في تعلّم كبرياتها وصغرياتها وكذا التذكّر إليهما بعد التعلّم من الرجوع إلى الحجّة الظاهرة، فطريق
نيلها هو الأخذ بالنصوص أو الظهورات العرفيّة، ولا يجوز تأويلهما كما يأوّلونهما بما تضحك به الثكلى لكي تطابق آرائهم الفاسدة ونظريّاتهم الكاسدة.
والحاصل: إنّ الحاجة إلى الحجّة الظاهرة فيما يكشفه العقل تكون من باب التذكير وفيما لا سبيل له إليه من باب التعليم، وعلى أيّ تقدير لا يصحّ التسليم لكلّ ما قالوا ناهيك عن التسليم إلى ما قاله بعضهم: «ليس في جبّتي إلّا اللّه»؟!
والعجب كلّ العجب بعد هذا كلّه أنّهم ادّعوا زورا أنّ ما وصلوا إليه بواسطة التعلّم من علمائهم هو المعقولبالعقل الصريح وكلّ من خالفهم مخالف للعقل والمعقول. ويرون أنّ من صرف عمره للتعلّم من العلماء الربّانيّين الذين لا يوجد من هو أعلم منهم(علیهم السلام)، قد ترك المعقول واكتفى بالمنقول، كأنّ غيرهم(علیهم السلام) يثير دفائن العقول؟!
ثمّ إنّ اللّه تعالى بعث نبيّه إلى الناس كافّة وأعطاه الحكمة وأمره أن يعلّمها الناس، والرسول(صلی الله علیه آله و سلم) بلّغ وعلّم الناس الحكمة، فقال عزّ من قائل:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛(1) وكَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ؛(2)
ولَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛(3)
وذلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْ-حِكْمَةِ وَلَا تَ-جْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ
مَلُوماً مَّدْحُوراً.(1) وذلك إجابة لدعاء إبراهيم(علیه السلام) حيث قال:
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْ-حَكِيمُ.(2) وأنّه تعالى أخبر أنّه قد أعطى أهل بيت رسول اللّه الحكمة فقال تعالى:
أَمْ يَ-حْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً.(3) كما علّمها ساير أنبيائه(علیهم السلام)، كما قال في شأن نبيّه عيسى(علیه السلام):وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْ-جِيلَ.(4)
ثمّ إنّه تعالى قال:
يُؤْتِي الْ-حِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْ-حِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلنا أُوْلُوا الأَلْبَابِ.(5) وبعد هذا كلّه هل ترى أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم) وأهل بيته المطهّرين قصّروا في إبلاغ الحكمة إلى الناس وتعليمها إيّاهم؟
أوترى أنّهم علّموها الناس لكن لم يستطيعوا أن يعلّموها بشكل واضح، الأمر الذي أحوجنا إلى أن نذهب إلى أبواب غيرهم أوّلاً كي نتمكّن من فهم تعاليمهم؟
أو لم يعرفوا أنّ الأنسب في تعليم الحكمة أن يبتدئوا بمباحث الوجود والماهيّة وما إلى ذلك ممّا صنعه غيرهم؟(6)
1) 1423.. الإسراء17.، الآیة 39.
2) 1424.. البقرة2.، الآیة 129.
3) 1425.. النساء4.، الآیة 54.
4) 1426.. آل عمران3.، الآیة 48.
5) 1427.. البقرة2.، الآیة 269.
6) 1428.. كما قال بعضهم: «الحكمة الإلهيّة علم يبحث فيه عن أحوال الموجود بما هو موجود» بداية الحكمة، ص 13-17، فهل الأنبياء والأوصياء قد بحثوا عن هذه الأبحاث في حكمتهم؟ أو أنّ حكمتهم ليست إلهيّة؟!
قال آية اللّه العظمى السيّد الگلپايگانيّ(رحمه الله) في عبارته المتقدّمة:
أضف إلى ذلك أنّ من يفسّر الآيات بهذا النحو والنسق وفقاً لعقيدته الفاسدة فكأنّه يتخيّل ويزعم أنّ أحداً من الأكابر والأصاغر لا يعرف ولا يفهم معناها وإنّما هو وحده قد فهمه، ومآل ذلك نزول القرآن لأجله فقط، كما أنه يستلزم لغويّة نزوله بالنسبة إلى غيره من الناس حيث إنّهم لا يفهمون معنى الآيات ولا يفقهون مغزى معارف الكتاب ومستلزم لاغراء اللّه تعالى عباده بالجهل. نعم الحكم بكفر القائل بالأمور المزبورة موقوف على علمه والتفاته إلى تلك اللوازم.(1)
وقال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله):
والظاهر منها أنّ العباد إنّما يكلّفون بالانقياد للحقّ وترك الاستكبار عن قبوله، فأمّا المعارف فإنّها بأسرها ممّا يلقيه اللّه تعالى في قلوب عباده بعد اختيارهم للحقّ، ثمّ يكمل ذك يوماً فيوماً بقدر أعمالهم وطاعاتهم حتّى يوصلهم إلى درجة اليقين، وحسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيّين وأئمّة الدين في تكميل أُممهم وأصحابهم، فإنّهم لم يحيلوهم على الإكتساب والنظر وتتبّع كتبالفلاسفة والاقتباس من علوم الزنادقة، بل إنّما دعوهم أوّلاً إلى الإذعان بالتوحيد وسائر العقائد، ثمّ دعوهم إلى تكميل النفس بالطاعات والرياضات حتّى فازوا بأعلى درجات السعادات.(2)
بكلمة واضحة: إن كانت الحكمة هي ما عرّفوه في الإصطلاح، فيجب الالتزام بأنّ رسول اللّه والأئمّة(علیهم السلام) قد قصّروا في تعليمها وإبلاغها. لأنّ ما هو موجود في الحكمة البشريّة يختلف تماما عمّا جاء به الأنبياء ويباينه من صدره إلى ذيله وفي كيفيّة الدخول فيالبحث والخروج عنه والأبحاث المطروحة فيه.
قال العلّامة المجلسيّ قدّس اللّه سرّه ونوّر اللّه مضجعه:
هل رأيت في كلام أحد من الصحابة والتابعين أو بعض الأئمّة الراشدين لفظ الهيولی أو المادّة أو الصورة أو الاستعداد أو القوّة؟(3)
فلابدّ من الالتزام بأحد الأمرين: فإمّا أن يكون المعصومون(علیهم السلام) كتموا الحكمة (التي أعطاهم اللّه) عن الخلق، أو أنّهم لم يعرفوا كيفيّة تبليغها إلى الناس، إلى أن يجيء من يعرف الأبحاث الحِكَميّة من غيرهم فيعرّفنا ذلك. والالتزام بواحد منهما تكذيب للقرآن وافتراء على اللّه ورسوله كما هو واضح بملاحظة الآيات السالفة ذكرها.
هل بعد قوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ(1)يحتمل أحد أنّ رسول اللّه قد قصّر في تعليمها حتّى لا يكون للحكمة أثراً في كلامه(صلی الله علیه آله و سلم) وكلام أوصيائه المطهّرين؟
أو أنّ الأُسس التي ابتنى عليها المتعالية منها مباينة تماماً لما جاء به القرآن والسنّة المطهّرة، وأحياناً مضادّة لهما؟
أو تكون دررها الثمينة وفصوصها معاكسا لجميع الشرايع السماويّة ونواميسها؟
فعلى ضوء ما ذكرنا لا مناص من أن نلتزم بأنّهم لمّا رأوا أنّ الشريعة المطهّرة جائت بالحكمة المتعالية عن الأوهام والزخارف، وتحدّت بها جميع البشر وصارت كلمة الشريعة بها العليا وكلمتهم هي السفلى، اضطرّوا لجبر هذه النقيصة إلى أن يسرقوا من الأنبياء هذا العنوان أعني «الحكمة» التي أخذت صبغة قدسيّةوشرعيّة، فسمّوا أبحاثهم بالحكمة الإلهيّة كي ينخدع بذلك أتباع الشرايع.
ومن العجيب أنّ بعضهم كتب في الصفحة الأولى من كتابه قوله تعالى: يُؤْتِي الْ-حِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْ-حِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلنا أُوْلُوا الأَلْبَابِ(2)ولعلّه لم يلتفت بأنّه لو كانت الحكمة التي جاء بها القرآن وتحدّى بها هو ما أثتبه في أسفاره الخالية عن تعاليم القرآن والأنبياء حتّى لم يذكر فيه شيئاً من الآيات والأخبار، لكان اللّازم من ذلك تكذيب القرآن حيث نادى بأعلى صوته أنّ رسول اللّه قد علّمكم هذه الحكمة التي أنا متحدّيكم بها فقال: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْ-حِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ
مُبِينٍ.(1) ومن لطائف هذه الآية الكريمة أنّها تعتبر كلّ مذهب التزم به الناس قبل ذلك ضلالاً مبيناً. ومن الواضح أنّ الحاكم على أفكار البشر وفحولهم في عهد الجاهليّة وقبل الإسلام كان ما نسجته الفلاسفة والعرفاء بأوهامهم، والقرآن جاء بأمر جديد لا تناله أوهام البشر وأفكارهم، ولذا عبّر عن نفسه في آيٍ كثيرة بالحديث، فهو الخبر الحديث والأمر الجديد، وقد مضى في كلمات ابن نديم البغداديّ أنّه كان يطلق على الفلسفة اليونانيّة وغيرها من الفلسفات العلوم القديمة والكتب القديمة.
ثمّ إنّهم ما اكتفوا بهذه الفرية الشنيعة؛ حتّى ادّعوا أنّ من يهتمّ بكلمات الأئمّة الهداة(علیهم السلام) ويلتزم بأخذ الدين والعلم منهم ولا يعتني بما جاء به غيرهم، لا يحقّ له أن يتكلّم إلّا مع من كان داخلاً في الشريعة، فليس له أن يحاور الملحدين الخارجين عن نطاق الشرع المقدّس. وذلك لزعمهم أنّ كلمات أئمّتنا(علیهم السلام) ليست إلّا تعبّداً صرفاً ليس فيها أيّة إثارة للعقل ولا إرائة للعلم. وكأنّهم(علیهم السلام) قد أهملوا بيان أعظم ركن للدين وفوّضوا ذلك إلى المتفلسفين كي يكونوا هم الذين يهدون الناس إلى الشريعة، فليس للأنبياء والأئمّة(علیهم السلام) إلّا بيان التعبّديّات مثل النجاساتوالمطهّرات. فيكون الفلاسفة مقدّمين على الأنبياء وأفضل منهم ويعلمون ما لا يعلم الأنبياء ويفعلون ما هو خارج عن مسؤوليّتهم؟!
كلّا كلّا! فإنّ من أهمّ شؤون الأنبياء والأئمّة الهداة(علیهم السلام) الدعوة إلى اللّه سبحانه، قال تعالى:
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي؛(2) وأَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ.(3)
أ فكانوا(علیهم السلام) يدعون الملحدين إلى اللّه وإلى الإيمان مع عدم تواجد دليل شافٍ يقطع عذر كلّ معاند بأيديهم؟ أو كانوا يتكلّمون بكلمات في سبيل دعوتهم بحيث لا يفهمه مخاطبوهم، وإنّما يحتاجون لفهمها إلى أن يذهبوا إلى أبواب علماء البشر كي يكونوا هم الذين يفسّرون كلمات الأنبياء ويزيحوا الشبهة عنها؟
إذا كان الأمر كذلك فاحتياج الناس إلى الفيلسوف يكون أكثر وأشدّ من احتياجهم إلى النبيّ، فإنّ الفيلسوف يسدّ الفراغ من نواحي ثلاث ممّا أهمله النبيّ العياذ باللّه:
الأوّل: في المحاورة مع الكافرين حتّى يؤمنوا.
والثاني: في أن يفسّر لنا كلمات النبيّ ممّا لا نفهمه من دونه.
والثالث: أنّه إذا واجهنا شبهة في سبيل الدعوة إلى اللّه فهذا الفيلسوف هو الذي يجيب عنها.
وقد صرّح بعضهم بهذه الخزية فقال: إنّ القرآن قد جعل الأدلّة التي أقامها على إثبات الصانع - التي هي النظر في الآيات وآثار الخلقة - من إحدى الطرق لمعرفة اللّه تعالى ولكنّها للعوامّ الذين لا يتطرّق إلى أذهانهم -- بسبب قصور فهمهم -- أمثال شبهة التسلسل، وأمّا الخواصّ الذين يفهمون هذه الشبهات فلا تنحلّ مشكلتهم إلّا بالرجوع إلى الفلسفة وأبحاثها المعقّدة إلى أن يكون الفيلسوف هو الذي يزيح عن أذهانهم هذه الشبهة وأمثالها ويثبت بالبرهان العقليّ استحالتها!؟(1)
فكأنّ الأنبياء لم يعرفوا هذه الشبهات وكأنّهم لم يتصدّوا لحلّها، وذلك هو الذي أحوجنا إلى أن نرجع إلى أبواب غيرهم. وقد أغروا العوامّ القُصَّر لإرائتهم غير الدليل باسم الدليل! أو أنّه لم يكن من شأنهمتذكير الناس باللّه تعالى والدعوة إليه! أو أنّهم إنّما بعثوا للعوامّ لا للخواصّ!
كيف ينادى القرآن بأعلى صوته بعد التذكّر إلى آثار الخلقة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
1) 1437.. راجع تعليقات الشيخ مرتضى مطهريّ على اݧݧݩݧُصول فلسفه وروش رئاليسم، ج5، ص92-93.
يَتَفَكَّرُونَ،(1)أو يقول: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،(2)والحال أنّه ليس دليلاً شافياً وآية تامّةً للمتفكّرين والمؤمنين، وإنّما يتمّ بضميمة الأبحاث الفلسفيّة! وقال العلّامة المجلسيّ(رحمه الله) بعد نقل كلمات الفلاسفة في قدم العالم:
وإنّما أوردنا هذه المذاهب السخيفة ليعلم أنّ أساطين الحكماء تمسّكوا بهذه الخرافات وتفوّهوا بها، ويتّبعهم أصحابهم ويعظّمونهم، وإذا سمعوا من أصحاب الشريعة شيئاً ممّا أخذوه من كتاب اللّه وكلام سيّد المرسلين والأئمّة الراشدين: ينكرون ويستهزئون، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.(3)
ولا يغرنّك أيّها المتحرّي للحقّ والحقيقة قولهم: نحن إنّما نأخذ المدّعى من الأئمّة ثمّ نحاول إقامة الدليل عليه، أو قولهم: نحن إنّما نريد من تعلّم هذه الأبحاث الفلسفيّة وتعليمها ونشرها أن نكشف الغطاء عن وجه الشريعة الغرّاء. فهل كان الأنبياء والأئمّة(علیهم السلام) يطرحون المدّعى بلا دليل كي يجيء غيرهم ويقيم الأدلّة على ما ادّعوا؟ أو هل كان الأئمّة(علیهم السلام) يتكلّمون بمعمّيات لا يدرك كنهها إلّا من صرف عمره في الاختلاف إلى أبواب غيرهم؟ أو هل كان المعاصرون للأنبياء والأئمّة لا يفهمون مغزى ما أراده النبيّ، ولكن فهمه من جاء بعد مضيّ ألف سنة من بعثته الشريفة؟
ثمّ إنّه مع الغضّ عن ذلك كلّه ترى أنّ أكثر أبحاثهم هو بعينه ممّا تكلّمت عنها الشرايع الإلهيّة والأنبياء والأئمّة بالتفصيل، وقد خالف نتائج أوهامهم بما فيها من الاختلاف والتضارب - التي سمّوها بالمعقول تارة وبالحكمة الإلهيّة أخرى - نصوصَ الوحي ومحكمات الكتاب وضرورة الشرايع الإلهيّة، وقد صرّح بذلك غير واحد منهم ومن غيرهم. فعلى هذا كيف يمكن أن يكون المباين مفسّراً لمباينه وشارحاً له؟
ولا يخفى على أحد ممّن راجع كلماتهم وعرف أساليبهم أنّهم ليسوا بصدد تفسير وبيان نصوص الوحي وما وردفي الشرع وبيانه أبداً، فإنّهم يبحثون عن كلّ مسألة مع قطع النظر عن الآثار الواردة في الشريعة - بخلاف الفقهاء والأصوليّين - ويتركون الدين لأهله ثمّ
يعتمدون على نتايج منسوجاتهم فإن وافق الشرع فهو، وإلّا يأوّلونه كيفما أرادوا، ولو بتأويله وحمله على ما يباينه ويضادّه كمال المباينة والمضادّة، كما سبق النقل عن بعضهم من أنّ قوله تعالى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّ-خَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ(1)يكون مدحاً، أو ما ورد عن بعضهم من أنّه قد فسّر العذاب بالعذب، أو قولهم أنّ المراد من حديث: «لا جبر ولا تفويض» نفي الحكم بانتفاء الموضوع، إلى غير ذلك من التأويلات والتوجيهات الباردة التي تضحك بها الثكلى.
وغير خفيّ أنّه يلزم على اللاعب بكلام كلّ متكلّم - بتفسير الكلمة بضدّها وتقليب الذمّ مدحاً - أن ينسب إلى هذا المتكلّم ما لا يمكن انتسابه إلى عاقل فضلاً عن خالق العقل وصاحب الشريعة.
وممّا تضحك به الثكلى أن يقال: إنّ كتمان هذه الحقائق عن العوامّ إنّما يكون لأجل اختلاف الناس من حيث استعدادهم لنيل المطالب العميقة، وذلك لأنّ اختلاف الناس من هذه الجهة مسلّم وقد قال مولانا أميرالمؤمني-ن(علیه السلام): «إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها»،(2)ولكن من الظاهر أشدّ الظهور أنّ هذا الاختلاف إنّما يسوّغ لنا أن نكتم الحكمة عن غير أهلها، لا أن نظهر له الباطل بصورة الحقّ كي يعتقد بالباطل ويحسب أنّه يحسن صُنعاً، فإنّ هذا ليس إلّا الغدر والخيانة والنفاق والإغراء بالجهل؛ كما نسب هذه الفرية بعض من تقدّم كلامه إلى أنبياء اللّه وأوليائه حيث قال: إنّ العجل وإن كان هو اللّه تعالى وعبادته ليس إلّا عبادة اللّه كما قضى هو أن لا يكون إلّا كذلك، إلّا أنّ هذا المطلب من أسرار الولا ية والباطن وليس لنا دعوة عوامّ الناس إليه، بل الواجب علينا منع الناس عن عبادته كما صنع الأنبياء بالنسبة إلى عوامّ الناس فقالوا: إنّ عبادتها كفر، وإن كان عقيدتهم في الباطن أنّ اللّه أحبّ أن يُعبد حتّى في صورة الأصنام وأنّ عبادتها عين الإيمان!!
ثمّ إعلم أنّ التشنيع والوقيعة على من سلك هذه المسالك المظلمة الباطلة الوارد في كلمات الفقهاءالعظام تبعاً لأئمّة أهل البيت(علیهم السلام) إنّما هو لأجل أنّهم لعبوا بالشريعة والشارع
وكلامه واستهزؤا واستخفّوا بالآيات والأخبار وخدعوا أهل الشرع، وإنّ من أهمّ الفرائض على العلماء إبطال البدع والوقيعة في أهلها.
في الكافي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه آله و سلم):
إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.(1)
قال العلّامة المجلسيّ(قدس سره) في توضيح الخبر:
بيان: كأنّ المراد بأهل الريب الذين يشكّون في الدين ويشكّكون الناس فيه بإلقاء الشبهات، وقيل: المراد بهم الذين بناء دينهم على الظنون والأوهام الفاسدة، كعلماء أهل الخلاف... .
ولنختم الكلام بذكر حديث شريف يناسب المقام:
الاختصاص: عن أبي جعفر(علیه السلام) قال:
إذا أراد اللّه قبض الكافر قال: يا ملك الموت إنطلق أنت وأعوانك إلى عدوّي فإنّي قد أبليته فأحسنت البلاء، ودعوته إلى دار السلام فأبى إلّا أن يشتمني، وكفر بي وبنعمتي وشتمني على عرشي، فاقبض روحه حتّى تكبّه في النار.
قال: فيجيئه ملك الموت بوجه كريه كالح، عيناه كالبرق الخاطف، صوته كالرعد القاصف، لونه كقطع الليل المظلم، نفسه كلهب النار، رأسه في السماء الدنيا ورجل في المشرق ورجل في المغرب، وقدماه في الهواء معه سفّود كثير الشعب، معه خمسمائة ملك معهم سياط من قلب جهنّم، تلتهب تلك السياط وهي من لهب جهنّم، ومعهم مسح أسود وجمرة من جمر جهنّم، ثمّ يدخل عليه ملك من خزّان جهنّم يقال له: سحقطائيل فيسقيه شربة من النار، لا يزال منها عطشاناً حتّى يدخل النار.
1) 1443.. الكافي، ج2، ص375، ح4؛ بحارالأنوار، ج71، ص202، ح41.
فإذا نظر إلى ملك الموت شخص بصره وطار عقله، قال: يا ملك الموت ارجعون، قال: فيقول ملك الموت: كَلّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا(1)قال: فيقول: يا ملك الموت فإلى من أدع مالي وأهلي وولدي وعشيرتي وما كنت فيه من الدنيا فيقول: دعهم لغيرك واخرج إلى النار. وقال: فيضربه بالسفود ضربة فلا يبقى منه شعبة إلّا أنشبها في كلّ عرق ومفصل، ثمّ يجذبه جذبة فيسلّ روحه من قدميه بسطاً فإذا بلغت الركبتين أمر أعوانه فأكبّوا عليه بالسياط ضرباً، ثمّ يرفعه عنه فيذيقه سكراته وغمراته قبل خروجها، كأنّما ضرب بألف سيف، فلو كان له قوّة الجنّ والإنس لاشتكى كلّ عرق منه على حياله بمنزلة سفّود كثير الشعب ألقي على صوف مبتل. ثمّ يطوّقه فلم يأت على شيء إلّا انتزعه، كذلك خروج نفس الكافر من عرق وعضو ومفصل وشعرة، فإذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره وقيل:
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُ-جْزَوْنَ عَذَابَ الْهونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْ-حَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(2)وذلك قوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً(3)فيقولون: حراماً عليكم الجنّة محرّما. وقال: تخرج روحه فيضعها ملك الموت بين مطرقة وسندان فيفضخ أطراف أنامله وأخر ما يشدخ منه العينان، فيسطع لها ريح منتن يتأذّى منه أهل السماء كلّهم أجمعون فيقولون: لعنة اللّه عليها من روح كافرة منتنة خرجت من الدنيا، فيلعنه اللّه ويلعنه اللاعنون.
فإذا أتي بروحه إلى السماء الدنيا أغلقت عنه أبواب السماء وذلك قوله: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْ-جَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْ-جَمَلُ فِي سَمِّ الْ-خِيَاطِ وَكَذلِكَ نَ-جْزِي الْمُ-جْرِمِينَ(4)يقول اللّه: ردّها عليه فمنها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فإذا حمل سريره حملت نعشه الشياطين فإذا انتهوا به إلى قبره قالت كلّ بقعة منها: اللهمّ لا تجعله في بطني حتّى
يوضع فيالحفرة التي قضاها اللّه فإذا وضع في لحده قالت له الأرض: لا مرحباً بك يا عدوّ اللّه أما واللّه لقد كنت أبغضك وأنت على متني وأنا لك اليوم أشدّ بغضاً وأنت في بطني، أما وعزّة ربّي لأسيئنّ جوارك ولأضيقنّ مدخلك ولأوحشنّ مضجعك ولأبدلنّ مطعمك، إنّما أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران.
ثمّ ينزل عليه منكر ونكير وهما ملكان أسودان أزرقان يبحثان القبر بأنيابهما ويطئان في شعورهما، حدقتاهما مثل قدر النحاس وكلامهما مثل الرعد القاصف وأبصارهما مثل البرق اللامع فينتهرانه ويصيحان به فيتقلّص نفسه حتّى يبلغ حنجرته فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ ومن إمامك؟
فيقول: لا أدري. قال: فيقولان: شاكّ في الدنيا وشاكّ اليوم، لا دريت ولا هديت. قال: فيضربانه ضربة فلا يبقى في المشرق ولا في المغرب شيء إلّا سمع صيحته إلّا الجنّ والإنس. قال: فمن شدّة صيحته، يلوذ الحيتان بالطين وينفر الوحش في الخياس ولكنّكم لا تعلمون.
قال: ثمّ يسلّط عليه حيّتين سوداوتين زرقاوتين تعذّبانه بالنهار خمس ساعات وبالليل ستّ ساعات لأنّه كان يستخفي من الناس ولا يستخفي من اللّه فبعداً لقوم لا يؤمنون. قال: ثمّ يسلّط اللّه عليه ملكين أصمّين أعميين معهما مطرقتان من حديد من نار، يضربانه فلا يخطئانه، ويصيح فلا يسمعانه إلى يوم القيامة.
فإذا كانت صيحة القيامة اشتعل قبره ناراً فيقول: لي الويل إذا اشتعل قبري ناراً، فينادي مناد: ألا الويل قد دنا منك والهوان، قم من نيران القبر إلى نيران لا تطفأ، فيخرج من قبره مسودّاً وجهه مزرقة عيناه، قد طال خرطومه وكسف باله، منكسّاً رأسه يسارق النظر فيأتيه عمله الخبيث فيقول: واللّه ما علمتك إلّا كنت عن طاعة اللّه مبطئاً وإلى معصيته مسرعاً قد كنت تركبني في الدنيا فأنا أريد أن أركبك اليوم كما كنت تركبني وأقودك إلى النار. قال: ثمّ يستوي على منكبيه فيركل قفاه حتّى ينتهي إلى عجزة جهنّم، فإذا نظر إلى الملائكة قد استعدّوا له بالسلاسل والأغلال قدعضّوا على شفاههم من الغيظ والغضب، فيقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ(1)وينادي الجليل جيئوا به إلى النار،
1) 1448.. الأحزاب33.، الآیة 66.
فصارت الأرض تحته ناراً والشمس فوقه ناراً، وجاءت نار فأحدقت بعنقه، فنادى وبكى طويلاً يقول: واعقباه. قال: فتكلّمه النار فتقول: أبعد اللّه عقبيك عقباً ممّا أعقبت في طاعة اللّه.
قال: ثمّ تجيئ صحيفة تطير من خلف ظهره وتقع في شماله، ثمّ يأتيه ملك فيثقب صدره إلى ظهره، ثمّ يفتل شماله إلى خلف ظهره، ثمّ يقال له: اِقْرَأْ كِتَابِكَ، قال: فيقول: أيّها الملك كيف أقرء وجهنّم أمامي؟ قال: فيقول اللّه: دقّ عنقه واكسر صلبه وشدّ ناصيته إلى قدميه، ثمّ يقول:خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(1)قال: فيبتدره لتعظيم قول اللّه سبعون ألف ملك غلاظ شداد، فمنهم من ينتف لحيته، ومنهم من يحطم عظامه قال: فيقول: أما ترحموني؟ قال: فيقولون: يا شقيّ كيف نرحمك ولا يرحمك أرحم الراحمين، أفيؤذيك هذا؟ قال: فيقول: أشدّ الأذى، قال: فيقولون: يا شقيّ وكيف لو قد طرحناك في النار؟ قال: فيدفعه الملك في صدره دفعة فيهوي سبعين ألف عام.
قال: فيقولون: يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا(2)قال: فيقرن معه حجر عن يمينه وشيطان عن يساره، حجر كبريت من نار، يشتعل في وجهه ويخلق اللّه له سبعين جلداً كلّ جلد غلظته أربعون ذراعا بذراع الملك الذي يعذّبه وبين الجلد إلى الجلد أربعون ذراعاً، وبين الجلد إلى الجلد حياة وعقارب من نار وديدان من نار رأسه مثل الجبل العظيم، وفخذاه مثل جبل ورقان - وهو جبل بالمدينة - مشفره أطول من مشفر الفيل، فيسحبه سحباً وأُذناه عضوضان، بينهما سرادق من نار تشتعل، قد أطلعت النار من دبره على فؤاده، فلا يبلغ درين سامهما حتّى يبدل له سبعون سلسلة للسلسلة سبعون ذراعاً، ما بين الذراع إلى الذراع حلق عدد القطر والمطر، لو وضعت حلقة منها على جبال الأرض لأذابتها.
قال: وعليه سبعون سربالاً من قطران من نار، وتغشي وجوههم النار، وعليه قلنسوة من نار، وليس في جسده موضع فتر إلّا وفيه حلقة من نار، وفي رجليه قيود من نار، على رأسه تاج ستّون ذراعاً من نار، قد نقب رأسه ثلاث مائة وستّين نقباً، يخرج من ذلك النقب الدخان من كلّ جانب وقد غلى منها دماغه حتّى يجري على كتفيه يسيل منها ثلاث مائة نهر وستّون نهراً من صديد،
يضيق عليه منزله كما يضيق الرمح في الزجّ، فمن ضيق منازلهم عليهم ومن ريحها وشدّة سوادها وزفيرها وشهيقها وتغيّظها ونتنها، اسودّت وجوههم، وعظمت ديدانهم فينبت لها أظفار كأظفار السنّور والعقبان تأكل لحمه، وتقرض عظامه، وتشرب دمه، ليس لهنّ مأكل ولا مشرب غيره.
ثمّ يدفع في صدره دفعة فيهوي على رأسه سبعين ألف عام حتّى يواقع الحطمة فإذا واقعها دقّت عليه وعلى شيطانه وجاذبه الشيطان بالسلسلة كلّما وقع رأسه نظر إلى قبح وجهه، كلح في وجهه، قال: فيقول: يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(1)ويحك بما أغويتني أحمل عنّي من عذاب اللّه من شيء فيقول: يا شقيّ كيف أحمل عنك من عذاب اللّه من شيء وأنا وأنت اليوم في العذاب مشتركون. ثمّ يضرب على رأسه ضربة فيهوي سبعين ألف عام حتّى ينتهي إلى عين يقال لها: آنية يقول اللّه تعالى: تَسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ(2)وهي عين ينتهي حرّها وطبخها وأوقد عليها مذ خلق اللّه جهنّم، كلّ أودية النار تنام وتلك العين لا تنام من حرّها وتقول الملائكة: يا معشر الأشقياء ادنوا فاشربوا منها، فإذا أعرضوا عنها ضربتهم الملائكة بالمقامع، وقيل لهم: ذُوقُوا عَذَابَ الْ-حَرِيقِ * ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ.(3)
وقال: ثمّ يؤتون بكأس من حديد فيه شربة من عين آنية، فإذا أدني منهم تقلّصت شفاههم وانتثرت لحوم وجوههم فإذا شربوا منها وصار في أجوافهم يصهر به ما في بطونهم والجلود. ثم يضرب على رأسه ضربة فيهوي سبعين ألف عام حتّى يواقع السعير، فإذا واقعها سعّرت في وجوههم، فعند ذلك غشيت أبصارهم من نفحها. ثمّ يضرب على رأسه ضربةفيهوي سبعين ألف عام حتّى ينتهي إلى شجرة الزقوم شَجَرَةٌ تَ-خْرُجُ فِي أَصْلِ الْ-جَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ (4)عليها سبعون ألف غصن من نار في كلّ غصن سبعون ألف ثمرة من نار، كلّ ثمرة كأنّها رأس الشيطان قبحاً ونتناً تنشب على صخرة مملسة سوخاء كأنّها مرآة زلقة، بين أصل الصخرة إلى الصخرة سبعون
ألف عام، وأغصانها تشرب من نار، ثمارها نار، وفروعها نار، فيقال له: يا شقيّ اصعد، فكلّما صعد زلق، وكلّما زلق صعد، فلا يزال كذلك سبعين ألف عام في العذاب، وإذا أكل منها ثمرة يجدها أمرّ من الصبر، وأنتن من الجيف، وأشدّ من الحديد، فإذا واقعت بطنه غلت في بطنه كغلي الحميم، فيذكرون ما كانوا يأكلون في دار الدنيا من طيب الطعام، فبينا هم كذلك إذ تجذبهم الملائكة فيهوون دهراً في ظُلَم متراكبة، فإذا استقرّوا في النار سمع لهم صوت كصيح السمك على المقلى أو كقضيب القصب، ثمّ يرمي نفسه من الشجرة في أودية مذابة من صفر من نار وأشدّ حرّاً من النار تغلي بهم الأودية وترمي بهم في سواحلها، ولها سواحل كسواحل بحركم هذا، فأبعدهم منها باع والثاني ذراع والثالث فتر فتحمل عليهم هوامّ النار الحيّات والعقارب كأمثال البغال الدلم لكلّ عقرب ستّون فقاراً، في كلّ فقار قلّة من سمّ، وحيّات سود زرق، مثال البخاتي، فيتعلّق بالرجل سبعون ألف حيّة وسبعون ألف عقرب، ثمّ كبّ في النار سبعين ألف عام، لا تحرقه قد اكتفى بسمّها.
ثمّ تعلّق على كلّ غصن من الزقوم سبعون ألف رجل ما ينحني ولا ينكسر، فيدخل النار من أدبارهم، فتطّلع على الأفئدة، تقلّص الشفاه، وتطير الجنان، وتنضج الجلود، وتذوب الشحوم، ويغضب الحيّ القيّوم فيقول: يا مالك! قل لهم: ذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلنا عَذَابا(1)يا مالك! سعّر سعّر! فقد اشتدّ غضبي على من شتمني على عرشي، واستخفّ بحقّي، وأنا الملك الجبّار، فينادي مالك: يا أهل الضلال والاستكبار والنعمة في دار الدنيا كيف تجدون مسّ سقر؟ قال: فيقولون: قد أنضجت قلوبنا، وأكلت لحومنا، وحطمت عظامنا، فليس لنا مستغيث، ولا لنامعين، قال: فيقول مالك: وعزّة ربّي لا أزيدكم إلّا عذاباً، فيقولون: إن عذّبنا ربّنا لم يظلمنا شيئاً، قال: فيقول مالك: فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ(2)يعني بُعداً لأصحاب السعير، ثمّ يغضب الجبّار فيقول: يا مالك سعّر سعّر، فيغضب مالك فيبعث عليهم سحابة سوداء يظلّ أهل النار كلّهم، ثمّ يناديهم فيسمعها أوّلهم وآخرهم، وأفضلهم وأدناهم، فيقول: ماذا تريدون أن أمطركم؟ فيقولون: الماء البارد واعطشاه! واطول
هواناه! فيمطرهم حجارةً وكلاليباً وخطاطيفاً وغسليناً وديداناً من نار، فينضج وجوههم وجباههم، ويغضّا أبصارهم، ويحطم عظامهم، فعند ذلك ينادون: واثبوراه! فإذا بقيت العظام عواري من اللحوم اشتدّ غضب اللّه فيقول: يا مالك اسجرها عليهم كالحطب في النار، ثمّ يضرب أمواجها أرواحهم سبعين خريفاً في النار، ثمّ يطبق عليهم أبوابها من الباب إلى الباب مسيرة خمسمائة عام، وغلظ الباب مسيرة خمسمائة عام، ثمّ يجعل كلّ رجل منهم في ثلاث توابيت من حديد من نار بعضها في بعض، فلا يسمع لهم كلام أبداً إلّا أنّ لهم فيها شهيق كشهيق البغال، وزفير مثل نهيق الحمير، وعواء كعواء الكلاب، صمّ بكم عمي فليس لهم فيها كلام إلّا أنين، فيطبق عليهم أبوابها، ويسدّ [يمدد خ ل] عليهم عمدها، فلا يدخل عليهم رَوْح أبداً، ولا يخرج منهم الغمّ أبداً، فهي عليهم مؤصدة يعني مطبقة ليس لهم من الملائكة شافعون، ولا من أهل الجنّة صديق حميم، وينساهم الربّ ويمحو ذكرهم من قلوب العباد، فلا يذكرون أبداً.
فنعوذ باللّه العظيم الغفور الرحمن الرحيم من النار وما فيها ومن كلّ عمل يقرّب إلى النار إنّه غفور رحيم، جواد كريم.(1)
بيان: لا يبعد - كما قال شيخ مشايخنا آية اللّه العلّامة الميرزا مهديّ الإصفهانيّ قدّس اللّه نفسه الشريف - أن يكون هذا الحديث الشريف في بيان عذاب هذه الفرقة ونظائرهم من المقصّرين الذين يشتمون الربّ في أجلى معانيه، لا مطلق الكافر لأنّ الكافر ينكر وجود الربّبالمرّة، ولا يقرّ به كي يشتمه وينسب إليه العبث واللغو واللعب والخديعة والظلم.
وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه أنيب.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين،
وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين،
واللعن على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين.
1) 1457.. الاختصاص، ص359-364؛ بحارالأنوار، ج8، ص317-323، ح99.
القرآن الكريم
نهج البلاغة
الصحيفة السجاديّة
مفاتيح الجنان
الإثنا عشريّة في الردّ على الصوفيّة. الحرّ العامليّ، محمّد بن حسن (ت1104ق). قم: نشر دار الكتب العلميّة. الطبعة الأولی: 1400ق.
أجوبة المسائل المهنّائية. العلّامة الحلّي، حسن بن یوسف (ت726ق). قم: 1401ق.
الاختصاص. المفید، محمّد بن محمّد(ت413ق). التحقیق: عليّ اکبر الغفاريّ. قم: المؤتمر العالمی لألفیة الشیخ المفید. الطبعة الأولی: 1413ق.
الاحتجاج علی أهل اللجاج. الطبرسيّ، أحمد بن عليّ (ت588ق). التحقیق: محمّد باقر الخرسان. مشهد: نشر المرتضی. الطبعة الأولی: 1403ق.
الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد. المفيد، محمّد بن محمّد (ت413ق). التحقیق: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام) لإحیاء التراث. قم: المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد. الطبعة الأولی: 1413ق.
اسرار الآیات. صدرالمتألهین، محمّد إبراهیم (ت1050ق). طهران: انجمن حکمت و فلسفه. الطبعة: 1360ش.
أصول فلسفه وروش رئاليسم. الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين (ت1412ق). مع تعليقات الشيخ مرتضى المطهّريّ. طهران: منشورات صدرا. الطبعة: 1368ش.
إعتقادات الإماميّة. ابن بابويه، محمّد بن عليّ (ت381ق). قم: المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد. الطبعة الأولی: 1414ق.
أعيان الشيعة. الأمين، السيّد محسن (ت1371ق). التحقيق: حسن الأمين. بيروت: دارالتعارف للمطبوعات.
إقبال الأعمال. ابن طاوس، عليّ بن موسی (ت664ق). طهران: دار الكتب الإسلاميّة. الطبعة: 1367ش.
أقرب الموارد فی فصح العربیة و الشوارد. الشرتونی، سعید (ت1912ق). طهران: دار الاسوة. الطبعة: 1427ق.
الأمالي. ابن بابويه، محمّد بن عليّ (ت381ق). النجف الأشرف: المكتبة الحيدريّة. الطبعة: 1369ق.
أمل الآمل. الحرّ عامليّ، محمّدبنحسن (ت1104ق). التحقیق: السیّد احمد الحسينيّ. قم: منشورات دارالكتاب الاسلاميّ. الطبعة: 1362ش.
أوائل المقالات. المفيد، محمّد بن محمّد (ت413ق). قم: المؤتمر العالميّ لألفيّة الشيخ المفيد. الطبعة الأولی: 1414ق.
بحارالأنوار الجامعة لدرر أخبار أئمّة الأطهار(علیهم السلام). المجلسيّ، محمّد باقر (ت1110ق). بیروت: منشورات دار إحیاء التراث العربيّ. الطبعة الثانیة: 1403ق.
بداء آیة عظمة الله. علم الهدی، محمّدباقر (ت1413ق). تقریر: السيّد عليّ الرضويّ. مشهد: منشورات الولایة. الطبعة الأولی: 1433ق.
17.بدایع الأفکار فی الأصول. العراقيّ، ضیاء الدین (ت1361ق). نجف: المطبعة العلمیّة. الطبعة الأولی: 1370ق.
18.بداية الحكمة. الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين (ت1412ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1418ق.
البرهان في تفسير القرآن. البحرانيّ، السيّد هاشم (ت1107ق). قم: مؤسّسة البعثة. الطبعة: 1374ش.
بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد(علیهم السلام). الصفّار، محمّد بن حسن (ت290ق). التحقیق: محسن كوچه باغى. قم: مكتبة آية اللّه المرعشيّ النجفيّ(رحمه الله). الطبعة الثانية: 1404ق.
البصيرة والعمى في كلام الباري وأولى النهى. علمالهدى، محمّدباقر (ت1431ق). طهران: شرکة ميقات للنشر. الطبعة الأولی: 1421ق.
البيان في تفسير القرآن. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق). بيروت: نشر دار الزهراء. الطبعة الأولی: 1397ق.
بیان الفرقان في توحید القرآن. القزوینیّ، شیخ مجتبی (ت1386ق). قزوین: حدیث امروز. الطبعة الأولی: 1387ش.
تحف العقول. الحرانيّ، حسن بن شعبه (القرن الرابع). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة: 1404ق.
تذكرة الفقهاء. المطهّر الحلّي، حسن بن يوسف (ت726ق). قم: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث. الطبعة الأولی: 1414ق.
التعليقة على الفوائد الرضويّة. القمّي، القاضيّ سعيد (ت1107ق).
تفسير العيّاشيّ. العیّاشيّ، محمّد بن مسعود (ت320ق). التحقیق: السیّد هاشم الرسوليّ المحلاتيّ. طهران: منشورات المطبعة العلمیّة. الطبعة الأولی: 1380ش.
تفسير جوامع الجامع. الطبرسيّ، فضل بن حسن (ت548ق). طهران: منشورات جامعة طهران. الطبعة الأولی: 1377ش.
29.تفسير فرات الكوفيّ. الكوفيّ، فرات بن إبراهيم (ت352ق). طهران: مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الاسلاميّ. الطبعة الأولی: 1410ق.
تفسير مجمع البيان. الطبرسيّ، فضل بن حسن (ت548ق) طهران: منشورات ناصر خسرو. الطبعة الثالثة: 1372 ش.
تفسير نور الثقلين. العروسيّ الحويزيّ، عبد عليّ بن جمعة (ت 1112ق). قم: منشورات الإسماعيليّان. الطبعة الرابعة: 1415ق.
تفسیر الصافيݧݧݩّ. الفیض الکاشانيّ، ملّامحسن (ت 1091ق). التحقیق: حسین الأعلميّ. طهران: منشورات مکتبة الصدر. الطبعة الثانیة: 1415ق.
تفصيل وسائل الشيعة لتحصيل مسائل الشريعة. الحرّ العامليّ، محمّد بن حسن (ت1104ق). قم: مؤسّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث. الطبعة الأولی: 1409ق.
تنبيهات حول المبدأ والمعاد. المرواريد، الميرزا حسنعليّ (ت1425ق). مشهد: مجمع البحوث الإسلاميّة للآستانة الرضويّة المقدّسة. الطبعة الثانية: 1418ق.
التنقيح في شرح العروة الوثقى. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق). تقریر: عليّ الغرويّ. قم: نشر دار الهاديّ للمطبوعات. الطبعة الأولی.
تهذيب الأحكام. الطوسيّ، محمّد بن حسن (ت460ق). طهران: دار الكتب الإسلاميّة. الطبعة الرابعة: 1365ش.
توحيد الإماميّة. الملکيّ المیانجيّ، محمّد باقر (ت1378ق). نجف: منشورات دارالبذرة. الطبعة الأولی: 1435ق.
التوحيد. ابن بابويه، محمّد بن عليّ (ت381ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1398ق.
التوحید. الطهرانيّ، هادی(ت1321ق). طهران: دارالعلم، بیتا.
التوحید الفائق. البهبهانيّ، السیّدعليّ(ت1353ق). قم: منشورات الماس. الطبعة: 1380ش.
توحید المفضّل. الجعفيّ، مفضّل بن عمر(ت148ق). التحقیق: کاظم المظفّر. قم: منشورات داوريّ. الطبعة الثالثة.
ص:10
جامع السعادات. النراقيّ، محمّدمهديّ(ت1209ق). التحقیق: السیّد محمّد کلانتر. نجف: دارالنعمان للطباعة والنشر.
جامع الشتات. الخواجوئيّ، محمّد اسماعیل (ت1173ق). التحقيق: السيّد مهديّ الرجائيّ. قم: الطبعة الأولی: 1418ق.
جبر واختيار. السبحانيّ، جعفر. تقریر: علي الربّانيّ الگلپايگانيّ. قم: مؤسّسة الإمام الصادق(علیه السلام). الطبعة الأولی: 1381ش.
جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع. ابن طاوس، عليّ بن موسى (ت664ق). طهران: نشر مؤسّسة الآفاق. الطبعة الأولی: 1371ش.
جوابات المسائل الركنيّة. الميرزا القميّ، ابو القاسم (ت1231ق). المطبوع ضمن رسائل ومتون حول مدينة قم المسمّى بقم نامه، حسين المدرّسيّ الطباطبائيّ. قم: منشورات مكتبة آية اللّه العظمى المرعشيّ(رحمه الله).
جواهر الكلام. النجفيّ، محمّد حسن (ت1266ق). طهران: دار الکتب الإسلامیّة. الطبعة الأولی: 1409ق.
الحدائق الناظرة في أحکام العترة الطاهرة. البحرانيّ، یوسف (ت1186ق). التحقیق: محمّد تقي الإیروانيّ. قم: مؤسّسة النشر الإسلامی. الطبعة الأولی: 1405ق.
50.حديقة الشيعة. المقدّس الأردبيليّ، احمد بن محمّد (ت993ق). قم: منشورات الأنصاريان. الطبعة الثالثة: 1383ش.
51.حقّ اليقين. المجلسيّ، محمّد باقر (ت1110ق) قم: نشر ذوي القربى.
الحكمة المتعاليّة في الأسفار العقليّة الأربعة. صدر المتألّهین، محمّد ابراهیم (ت1050ق). بیروت: منشورات دار إحیاء التراث. الطبعة الثالثة: 1981م.
حكمت إلهي عام و خاص. إلهي قمشهاى، مهديّ. طهران: جامعة طهران. الطبعة الأولی، 1335ش.
خاتمة مستدرك الوسائل. النوري، الميرزا حسين (ت1320ق). قم: مؤسّسه آل بیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث. الطبعة الأولی: 1415ق.
الخرائج والجرائح. الراونديّ، قطب الدين (ت573ق). قم: مؤسّسة الإمام المهديّ. الطبعة الأولی: 1409ق.
خيراتيّة در ابطال طريقه صوفيّه. البهبهانيّ، وحيد (ت1216ق). قم: منشورات مؤسّسة علّامه مجدّد الوحيد البهبهانيّ. الطبعة الأولی.
درر الفوائد، تعليقة على شرح المنظومة. الآملی، محمّد تقی (ت1391ق). قم: منشورات اسماعیلیّان. الطبعة الثانیة.
الدروس الشرعية في فقه الإماميّة. العامليّ، محمّد بن مكّي (المعروف بالشهيد الأوّل) (ت786ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1412ق.
دلائل الإمامة. الطبريّ، محمّد بن جرير (القرن الخامس). التحقیق: قسم الدرسات الإسلامیة. قم: مؤسّسة البعثة. الطبعة الأولی: 1413 ق.
61.الذريعة. الطهرانيّ، آقا بزرگ (ت1389ق). بيروت: نشر دار الأضواء. الطبعةالأولی: 1403ق.
62.رجال النجاشي. النجاشي، احمدبن علي (ت450ق). التحقيق: السیّد موسى الشبيريّ الزنجانيّ. قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1407ق.
63.رسالتان فی البداء. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق) والبلاغيّ، محمّدجواد1. (ت1352ق). قم: مرکز الاطلاعات والمدارک الإسلامیّة. الطبعة: 1386ش.
رسائل الشريف المرتضى. علم الهدى، السيّد مرتضى (ت436ق). قم: دار القرآن الكريم. الطبعة الأولی: 1405ق.
رسالة في الحدوث. صدر المتألّهین، محمّد ابراهیم (ت1050ق). التحقيق: السيّد حسين الموسويّان. طهران: منشورات حکمت الإسلامی صدرا. الطبعة الأولی: 1378ش.
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين. فتّال النيشابوريّ، محمّد بن أحمد (ت508ق). قم: منشورات الرضيّ. الطبعة الأولى: 1417ق.
سدّ المفرّ علی منکر عالم الذرّ. علم الهدی، محمّدباقر(ت1431ق). تقریر: السیّد عليّ الرضويّ. بیروت: دارالعلوم. الطبعة الأولی: 1433ق.
سفينة البحار ومدینه الحکم و الآثار. القميّ، شيخ عباس (ت1359ق). مشهد: مجمع البحوث الإسلاميّة للآستانة الرضويّة المقدسّة. الطبعة الأولى: 1418ق.
السلسبيل. الإصطهباناتيّ، المیرزا ابوالحسن (ت1378ق).
سلسلة ینابیع الفقهیّة. المرواريد، علي أصغر. بیروت: مؤسّسة فقه الشیعة. الطبعة الأولی: 1410ق.
السنخیّة أم الإتحاد والعینیّة أم التباین؟. السیّدان، السیّد جعفر. مشهد: منشورات پارسیران. الطبعة الأولی.
72.سير أعلام النبلاء. الذهبيّ، شمس الدين محمّد بن أحمد (ت748ق). التحقيق: حسين الأسد. بيروت: مؤسّسة الرسالة. الطبعة التاسعة: 1413ق.
73.شجره الهيّة. النائينيّ، ميرزا رفيع (ت1082ق). المطبوع مع رسالة مبدأ ومعاد لصدر المتألّهین، محمّد ابراهیم.
74.شرح أصول الكافي. المازندرانيّ، ملّا صالح (ت1081ق). التحقیق: ابوالحسن الشعرانيّ. بيروت: دار إحياء التراث العربيّ. الطبعة الأولی: 1382ق.
شرح المقاصد في علم الکلام. التفتازانيّ، سعد الدین (ت792ق). پاکستان: دارالمعارف النعمانیّة. الطبعة الأولی: 1401ق.
شرح المواقف. الجرجانيّ، السیّد شریف (ت812ق). قم: منشورات شریف الرضيّ. الطبعة الأولی: 1325ق.
شرح حديث عرض دين حضرت عبد العظيم حسني. الخاجوئيّ، ملّا إسماعيل.
شرح رسالة المشاعر. اللاهيجيّ، ملّا محمّد جعفر (القرن13). بتعليقة السيّد جلالالدين الآشتيانيّ.
شرح فصوص الحکم. القیصری الرومی، محمّد داوود(ت 751ق). شرکة الإنتشارات العلمیة والثقافیة. الطبعة الأولی: 1375ش.
شرح نهج البلاغة لابنأبیالحدید. ابنأبیالحدید، عبد الحمیدبنهبة اللّه (ت656ق). التحقیق: محمّد ابوالفضل ابراهیم. قم: مکتبة آیة اللّه المرعشيّ النجفيّ(رحمه الله). الطبعة الأولی: 1404ق.
شفاعت. علم الهدی، محمّدباقر (ت1413ق). طهران: منشورات المنیر. الطبعة الأولی: 1387ش.
83.صحيح ابن حبّان. الفارسيّ، عليّ بن بلبان (ت739ق). بیروت: مؤسّسة الرسالة. الطبعة الأولی: 1414ق.
84.صراط النجاة فی اجوبة الاستفتائات. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق). مع تعلیقات المیرزا جواد التبريزيّ. قم: نشر فدك. الطبعة الأولی: 1425ق.
85.طرائف المقال فی معرفة طبقات الرجال. البروجرديّ، السيّد عليّ (ت1313ق). قم: مكتبة آية اللّه المرعشيّ النجفيّ(رحمه الله). الطبعة الأولی: 1410ق.
العروة الوثقى. اليزديّ، السيّد محمّد كاظم (ت1337ق). مع تعليقات عشرة من المراجع العظام. طهران: نشر المكتبة العلميّة الإسلاميّة.
العروة الوثقى. اليزديّ، السيّد محمّد كاظم (ت1337ق). مع تعليقات خمسة عشر من المراجع العظام. قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الثالثة: 1426ق.
عارف و صوفی چه میگویند؟. الطهرانيّ، المیرزا جواد(ت1410ق). طهران: نشر آفاق. الطبعة الأولی: 1390ش.
علل الشرايع. ابن بابویه، محمّد بن عليّ (ت381ق). قم: منشورات مکتبة الداوريّ. الطبعة الأولی: 1385 ق.
عليّ بن موسى الرضا والفلسفة الإلهيّة. جواديّ الآمليّ، عبداللّه. قم: دار الإسراء للنشر. الطبعة الثالثة: 1427ق.
عيون أخبار الرضا(علیه السلام). ابن بابویه، محمّد بن عليّ (ت381ق). التحقیق: مهديّ اللاجورديّ. طهران: منشورات جهان. الطبعة الأولی: 1378 ق.
عین الیقین الملقب بالأنوار و الأسرار. الفيض الكاشانيّ، ملّا محسن (ت1091ق).
الغدير. الأمينيّ النجفيّ، عبدالحسین (ت1390ق). قم: مرکز الغدیر للدراسات الإسلامیة. الطبعة الأولی: 1416ق.
غرر الحكم ودرر الكلم. التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد (ت550ق). قم: دار الكتاب الإسلامي. الطبعة الثانية: 1410ق.
الغيبة. الطوسيّ، محمّد بن حسن (ت460ق). قم: دار المعارف الإسلاميّة. الطبعة الأولی: 1411ق.
الفتوحات المكيّة. ابن عربيّ، محمّد بن عليّ (ت638ق). بیروت: منشورات دار الصادر.
فرائد الأصول. الأنصاريّ، مرتضی (ت1281ق). قم: مجمع الفکر الإسلامی. الطبعة التاسعة: 1428ق.
فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم. ابن طاووس، علیّ بن موسی (ت664ق). قم: دار الذخائر. الطبعة: 1368ق.
فصوص الحكم. ابن عربی، محي الدین (ت638ق). قم: منشورات الزهراء(علیها السلام). الطبعة الثانیة: 1370 ش.
الفصول العشر ة فی الغیبة. المفيد، محمّد بن محمّد (ت413ق). التحقيق: الشيخ فارس حسّون. بیروت: دار المفید. الطبعة الثانیة: 1414ق.
الفصول المختارة من العیون و المحاسن. علم الهدى، السيّد المرتضى (ت436ق). بيروت: دارالمفيد.
فقه الرضا(علیه السلام) المنسوب إلی الإمام الثامن علیبنموسی الرضا علیه الصلاة والسلام. قم: جماعة المدرسین بقم، مؤسّسة النشر الإسلامی. الطبعة الأولی: 1431ق
فهرست ابن نديم. البغداديّ، ابن ندیم (ت438ق). التحقيق: رضا تجدّد.
الفهرست الشيخ. ابن بابویه الرازی، منتجب الدين (القرن السادس). قم: منشورات مكتبة آية اللّه المرعشيّ النجفيّ. الطبعة الأولی: 1366ش.
الفهرست. الطوسيّ، محمّد بن حسن (ت460ق). التحقيق والنشر: دار الفقاهة. الطبعة الأولی.
الفوائد المدنيّة. الأسترآباديّ، محمّد أمين (ت1033ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1424ق.
قرّة العیون في المعارف والحکم. الفیض الکاشانيّ، ملّامحسن (ت 1091ق). قم: دارالکتاب الإسلاميّ. الطبعة الثانیة: 1423ق.
قصص العلماء. التنکابنی، میرزا محمّد (ت1302ق). طهران: منشورات علمیّة الإسلامیّة. الطبعة الثانیة: 1364ش.
قوانين الأصول. الميرزا القميّ، ابوالقاسم (ت1231ق). الطبعة الحجريّة.
الكافى. الکلینيّ، محمّد بن یعقوب (ت329ق). التحقیق: علی أکبر الغفاريّ. طهران: منشورات دارالکتب الإسلامیّة. الطبعة الرابعة: 1407ق.
كامل الزيارات. ابن قولويه، جعفر بن محمّد (ت367ق). النجف: منشورات مرتضويّه. الطبعة الأولی: 1356ق.
كتاب الطهارة. الأراكيّ، محمّد عليّ(ت1415ق). قم: مؤسّسة در راه حقّ. الطبعة الأولی: 1413ق.
كتاب الطهارة. الأنصاريّ، مرتضی (ت1281ق). قم: مجمع الفکر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1415ق.
كتاب المكاسب، الأنصاريّ، مرتضی (ت1281ق). قم: مجمع الفکر الإسلاميّ. الطبعة الثالثة: 1420ق.
کتاب من لا يحضره الفقيه. ابن بابويه، محمّد بن عليّ (ت381ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلامی. الطبعة: 1413ق.
كشف الغطاء عن مبهمات شريعة الغرّاء. كاشف الغطاء، جعفر (ت1228ق) الإصفهان: الطبعة الحجريّة.
كشف اللثام عن قواعد الأحکام. الإصفهانيّ، بهاء الدین الفاضل الهنديّ (ت1137ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1416ق.
كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد. الحلّي، حسن بن يوسف (ت726ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ.
الكشكول. الشيخ البهائيّ، محمّد حسین (ت1031ق) قم: دارالحكمة.
كفاية الأصول. الخراسانيّ، محمّد كاظم (ت 1329ق) قم: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث. الطبعة الثانیة.
كلمة التقوى. زين الدين، محمّد أمين (ت1419ق). قم: مطبعة مهر. الطبعة الأولی: 1413ق.
كمال الدين وتمام النعمة. ابن بابويه، محمّد بن عليّ (ت381ق). طهران: منشورات الإسلاميّة. الطبعة الثانية: 1395ق.
كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال. المتّقيّ الهنديّ، عليّ (ت975ق) بيروت: مؤسّسة الرسالة.
كنز الفوائد. الكراجكيّ، محمّد بن عليّ (ت449ق). قم: دار الذخائر. الطبعة الأولى: 1410ق.
المبدأ والمعاد. صدر المتألّهین، محمّد ابراهیم (ت1050ق). قم: مكتب الإعلام الإسلاميّ. الطبعه الثالثة: 1422ق.
المحاسن. البرقيّ، أحمد بن محمّد بن خالد (ت280ق). قم: منشورات دارالکتب الإسلامیّة. الطبعة الثانیة: 1371ق.
محاضرات في أصول الفقه. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق). تقرير: آیة اللّه إسحاق الفيّاض. قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة: 1419ق.
مختصر البصائر. الحلیّ، حسنبن سلیمان (القرن الثامن). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولى: 1431ق.
مرآة العقول. المجلسيّ، محمّد باقر (ت1110ق) . طهران: دار الكتب الإسلاميّة. الطبعة الثانية: 1394ق.
المسائل العكبريّة. المفيد، محمّد بن محمّد (ت413ق). قم: المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد. الطبعة الأولی: 1414ق.
مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. النوري، الميرزا حسين (ت1320ق). قم: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام)لإحياء التراث. الطبعة الأولى: 1408ق.
مستدرك سفينة البحار. النمازيّ الشاهروديّ، عليّ (ت1405ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1418ق.
مستدركات علم رجال الحديث. النمازيّ الشاهروديّ، علیّ (ت1405ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1412ق.
مستمسك العروة الوثقى. الحكيم، السيّد محسن (ت1390ق). النجف: نشر مطبعة الآداب. الطبعة: 1391ق.
مسند أحمد. احمد بن حنبل (ت241ق). بيروت: دار الصادر.
المشاعر. صدر المتألّهین، محمّد ابراهیم (ت1050ق). طهران: المکتبة الطهوری. الطبعة الثانیة: 1363ش.
مصباح الفقاهة. الموسويّ الخوئيّ، السيّد ابوالقاسم (ت1413ق). تقریر: الميرزا عليّ التوحيديّ. قم: مکتبة الداوری. الطبعة: 1377ش.
مصباح الفقيه. الهمداني، آقا رضا (ت1322ق). قم: مؤسّسة الجعفريّة لإحياء التّراث. الطبعة الأولی: 1416ق.
مصباح المتهجّد. الطوسيّ، محمّد بن حسن (ت460ق). بيروت: مؤسّسة فقه الشيعة. الطبعة الثانية: 1411ق.
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم. القيصريّ الروميّ، داود بن محمود (ت751ق). التحقيق: السيّد جلال الدين الآشتيانيّ. طهران: شرکة العلمیة والثقافیة. الطبعة الأولی: 1375ش.
المعالم الزلفى في شرح العروة الوثقى. العراقيّ، عبدالنبيّ (ت1385ق). قم: المطبعة العلمیّة. الطبعة الأولی: 1380ق.
معالم العلماء. ابن شهر آشوب، محمّد بن علی (ت588ق). نجف: المطبعة الحیدریة. الطبعة الأولی: 1380ق.
المعجم الکبير. الطبرانيّ، سليمان بن أحمد (ت360ق). التحقيق: عبدالمجيد السلني. بيروت: منشورات دار إحياء التراث العربي. الطبعة الثانیة.
المیزان فی تفسیر القرآن. الطباطبائيّ، السیّد محمّدحسین (ت1402ق). قم: مؤسّسة النشر الإسلامی. الطبعة الخامسة: 1417ق.
معارف القرآن. الإصفهانيّ، المیرزا مهدی(ت1365ق). المخطوط.
مقالات الأصول. العراقيّ، آقا ضياء الدين (ت1361ق). قم: نشر مجمع الفكر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1420ق.
ملحقات احقاق الحق وازهاق الباطل. الشوشتريّ، قاضي نور اللّه (ت 1019 ق). قم: منشورات مكتبة آية اللّه المرعشيّ النجفيّ(رحمه الله). الطبعة الأولی: 1409ق.
ممدّ الهمم در شرح فصوص الحكم. حسن زاده الآمليّ، حسن. طهران: مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1378ش.
مناقب الإمام اميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السلام). الكوفيّ، محمّد بن سليمان (القرن الرابع). قم: نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة. الطبعة الأولی: 1412ق.
مناهج البيان في تفسير القرآن. الملکيّ المیانجيّ، محمّد باقر (ت1378ق). طهران: مؤسّسة النبأ الثقافیّة. الطبعة الأولی: 1434ق.
منتهى المطلب في تحقيق المذهب. العلّامة الحلّي، حسن بن یوسف (ت726ق). قم: مؤسّسة آل البيت(علیهم السلام) لإحياء التراث. الطبعة الأولی.
المنظومة وشرحها. السبزواريّ، ملّاهادي (ت1289ق). الطبعة الحجريّة.
منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغه. الخوئيّ، میرزا حبیب اللّه (ت1324ق). طهران: منشورات الإسلامیة. الطبعة الأولی: 1386ش.
منية المريد في أدب المفيد والمستفيد. العامليّ، زین الدین بن علی (الشهيد الثاني) (ت965ق). قم: مكتبة الإعلام الإسلاميّ.
مهج الدعوات و منهج العبادات. ابنطاوس، علیبنموسی(ت664ق). التحقیق ابوطالب الکرمانيّ. قم: دارالذخائر. الطبعة الأولی: 1411ق.
ميزان الحكمة. المحمّديّ الريشهريّ، محمّد. قم: منشورات دار الحديث. الطبعة الأولی: 1416ق.
ميزان المطالب. الطهرانيّ، الميرزا جواد (ت 1410ق). قم: مؤسّسة در راه حقّ. الطبعة الرابعة: 1374ق.
نتائج الأفكار. الگلپايگانيّ، السيّد محمّد رضا (ت1415ق). تقریر: عليّ الکریميّ الجهرميّ. قم: مؤسّسة دار القرآن الکریم. الطبعة الأولی: 1413ق.
نهاية الدراية في شرح الكفاية. الغرويّ الاصفهانيّ، محمّد حسين (ت1361ق). قم: منشورات سيّدالشهداء. الطبعة الأولی: 1374ق.
نهاية المرام في علم الكلام. العلّامة الحلّي، حسن بن یوسف (ت726ق). قم: مؤسّسة الإمام الصادق. الطبعة الأولی: 1419ق.
نهج الحقّ وكشف الصدق. العلّامة الحلّي، حسن بن یوسف (ت726ق). قم: نشر دار الهجرة. الطبعة الأولی: 1407ق.
الهداية الكبرى. حمدان الخصيبيّ، حسين (ت334ق). بیروت: مؤسّسة البلاغ للطباعة. الطبعة الرابعة: 1411ق.
الوافي في شرح الكافي. الفيض الكاشانيّ، محمّد محسن (ت 1091ق). الإصفهان: مكتبة الإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام). الطبعة 1406ق.
وجود العالم بعد العدم عند الإمامیّة. علی الأحمديّ، قاسم. قم: نشر مولد الکعبة. الطبعة الأولی: 1422ق.
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
نقدي بر مسلك جبر وتفويض
درسگفتارهای تحلیلی پیرامون اراده و طلب و نقد مقالۀ جبر و تفویض
و اثبات امربینالامرین
تقریر: سیدعلی رضوی
امیر فخاری
حسن کاشانی
دار الولایة للنشر
1395 - 1437
خداوند متعال، صاحب اراده و آن همانا فعلش میباشد واراده غیر از خواست است؛ زیرا ممکن است او چیزی بخواهد ولی غیر آن را اراده کند. معصیتکار ارادهاش غالب بر ارادۀ خدا نمیشود وهمه چیز به ارادۀ خدا در خارج محقق میشود، منتهی اراده بر دو نوع است: ارادۀ حتم و عزم. امور تکوینی به ارادۀ حتم و افعال اختیاری بندگان (چه خوب و چه بد) به ارادۀ عزم محقق می شود.
نفی جبر:
قدرت و اختیار یک کمال است و قابل انکار نیست و پاره ای از قواعد فلسفی با قدرت منافات دارد و بر فرض اینکه این قواعد عقلی باشند، اما افعال اختیاری تخصصاً خارج هستند.
مختار بودن مخلوق با توحید منافات ندارد؛ زیرا ارادۀ مخلوق به وجود مخلوق و علم و قدرت وحیاتش بستگی دارد که همۀ آنها قائم به خدا هستند، حدوثاً و بقاءً. چون قدرت متعلق به فعل و ترک میباشد، نیاز به علت موجبه ندارد، و غیر از این قدرت نخواهد بود. نظام هستی قائم به خداوند است نه به استعدادات ذاتی و علیت فلسفی.علم خدا منافات با اختیار ندارد؛ زیرا او علم دارد به صدور فعل با اختیار، و لازمۀ مجبور بودن انسان ثبوت جهل در خداوند است. نکوهش قائلین به جبر در احادیث، و معانی اضلال خدا.
مفوضه خواستند خدا را از جبر منزه كنند، اما در وادی تفویض افتاده واو را به عجز توصیف كردند و از سلطان بودنش دست كشیدند و ارادۀ معصیتكار را غالب بر ارادۀ خدا كردند. معنای صحیح تفویض و تفویض دین به رسول خدا و اهل بیت(علیهم السلام).
حقیقت امر بین الامرین همان (بحول الله وقوته اقوم و اقعد ) میباشد. قوانین كلی امر بین الامرین.وجوه باطل تفسیر معنى امر بین الامرین، توفیق و خذلان خدا و حقیقت آن و رکن بودنشان در امر بین الامرین . هیچ طاعتی بدون توفیق و هیچ معصیتی بدون خذلان نمیباشد. حکمت متعالیه و تفسیر امر بین الامرین، نقد و گزاف گویی.
دارالولایة للنشر
إیران: المشهد المقدس، السوق الکبیر
هاتف: 00989151162907 - 00989151576003
Demand and will
Allah the almighty has a will, and his will is an integral part of his actions.
His will differs from his demands, he might order something but wills otherwise.
A sinner can not overpower God’s will, because the almighty can not be sinned against out of weakness.
Everything that takes place in the world happens with his will, but his will is divided into two groups:
Definite will and consensual will.
Divine creation that humans have no authority over, transpires through his definite will. Actions carried out with choice by humans however, is generated with Gods determinative and choice based will. And this includes both good and bad deeds.
Refuting coercion
Refuting some of the most common misconceptions relating to coercion, intellectual and scriptural.
Humans ability to chose is a self evident reality, that can not be denied. A number of philosophical principles however are at odds with free will in both God and and his creation.Mans ability to chose is not contrary to the oneness of God, because his/her free will rests upon his existence, knowledge, power and life, and all these vitues depend upon Allah.
Furthermore Gods eternal knowledge stresses mans free will, because it relates to mans actions produced by the freedom to chose, otherwise it will become ignorance.
Moreover, narrations that unequivocally condemn attributing coercion to God, stating:” he is more just than forcing anyone to sin, then hold him/her accountable for it. The book then discusses the notion of divine deviation.
Refuting absolute independence
Some tried to vindicate God from being oppressive, and instead faced another conundrum; believing in Gods inability to stop the sinners!
Removing the Almighty from his throne, and stripping him from full authority, claiming that a sinner can defeat him.
The book then discusses the meaning of the notion between the two : coercion and delegation.
How to understand the narration, it’s framework and the wrong conclusions made by some philosophers regarding the Hadith.
The publisher
Velayat publishers
Address: Iran, Mashhad, central bazaar, Velayat publisher.
Tel: 00989151576003 - 00989151162907
In Refutation to Determinism
Series of lessons given by
Ayatollah M. B. Alamuhuda
Written and edited by: Sayed Ali Radhawi
Shaikh Hassan Kashani
Shaikh Amir Fakhari
Velayat Publishers
2016 - 1395
بسم الله الرحمن الرحيم
اُدعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَال-مَوعِظَةِ ال-حَسَنَة علم و معرفت بزرگترین و بهترین نعمت الهی است که خداوند متعال آنرا به بندگان صالح خویش عطا میفرماید و آنها را در مسیر عبودیت و کمال بندگی به سوی خود با آن یاری میکند. بزرگترین افتخار بندگان خدا برخورداری آنها از این نعمت گرانسنگ است. عالمان ربانی و عارفان حقیقی کسانی هستند که در راه بندگی خدا همواره پیامبران الهی و امامان معصوم(علیهم السلام) را چراغ راه خویش قرار داده و از سلوک طریق علمی و عملی آنها هیچ وقت احساس خستگی به خود راه نداده و از هر طریق دیگری غیر از راه امامان معصوم(علیهم السلام) دوری و بیزاری میجویند.
این بنیاد با هدف احیای آثار چنین بزرگانی که در طول تاریخ تشیع همواره مدافع و پشتیبان معارف اصیل وحیانی و علوم راستین اهلبیت(علیهم السلام) بودهاند، تشکل مییابد.
امید است با توجهات خاص حضرات معصومین در این راه توفیق یارشان باشد تا بتوانند قدمهای مثبت مهمی در احیای آثار ارزشمند آن بزرگان با شرایط روز بردارند.
In the Name of Allah, the Compassionate, the Merciful
اُدعُ إلی سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَال-مَوعِظَةِ ال-حَسَنَة Call on to the way of your lord with wisdom and good preaching
Knowledge is arguably God’s most precious blessing given to humanity, with which they can understand, worship, and submit to the Almighty’s commandments. It is indeed the greatest of His gifts for both in this life and the afterlife.
And those with divine understanding are the true inheritors of the prophets and their successors. Those are the peopleof wisdom who stop at nithing in carrying on their endeavor in seeking knowledge from its one and only source; The messengers of Allah.
This institution, was founded on the revival and republishing the canons and original works of the scholars who gave their life in supporting the foundations of the religion and the teachings of the holy prophet and his immaculate household. We ask Allah to guide us in this holy path.