معارج الاصول

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:محقق حلي، جعفربن حسن، 602 - 676ق.

عنوان و نام پديدآور:معارج الاصول/ للمحقق الحلي نجم الدين ابي القاسم جعفربن الحسن الهذلي.؛مصحح: رضوي كشميري، محمد حسين

مشخصات نشر:لندن - انگلیس - موسسه الامام علی علیه السلام

مشخصات ظاهري:333 ص.

وضعيت فهرست نويسي:برون سپاري.

يادداشت:عربي.

يادداشت:كتابنامه به صورت زيرنويس.

يادداشت:نمايه.

موضوع:اصول فقه شيعه

اشارة

معارج الاصول

للمحقق الحلي نجم الدين ابي القاسم جعفربن الحسن الهذلي

مصحح: رضوي كشميري، محمد حسين

الإهداء

إليك يا صاحب العصر أهدي هذا الجهد المتواضع.

سيدي:

و لمّا رأيت الناس شدّوا رحالهم إلى بحرك الطامي أتيت بجرّتي

محقق الكتاب

مقدّمة التحقيق:

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة و السلام على أشرف الخلق أجمعين،محمّد و آله الطيبين الطاهرين،سيّما بقيّة اللّه في الأرضين، و اللّعن الدائم على أعدائهم و معانديهم إلى قيام يوم الدين.

تزدهي المكتبة الإمامية بعدد هائل من المصنّفات و المؤلّفات في مختلف علوم الدين،من الكلام و التفسير و الحديث و الفقه و اصوله و الأخلاق و الأدعية و سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته عليهم السّلام،و غيرها.بدء بنشأة هذه العلوم و إلى عصرنا الحاضر،آخذة في النموّ و الرقي و الازدهار الملموس في الكمّ و الكيف.فإذا ما كانت المصنّفات و المؤلّفات لمذهب ما تعكس أصالته و استقلاله،و تكشف عمقه التاريخي،فإنّ الفائز في هذا المضمار،و الآخذ بقصب السبق في هذه الحلبة،مصنّفات و مؤلّفات مدرسة جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام،تلك المدرسة التي خضعت لها الرقاب، و لويت لها الأعناق،و انطلقت منها حركة الوعي و الاجتهاد.و إذا ما قام سوق المفاخرة في هذا الميدان،فالرابح هو تراث هذه المدرسة.فهي المدرسة المعطاء التي كانت و ما برحت تغذّي الامّة بناصع تعاليم الدين،

و عطائه الوافر،الشامل لكلّ شئون الحياة الانسانية،الروحية و المادّية، الفكرية و السلوكية،العقائدية و العملية.تغذّيها الغذاء النقي و توردها المنهل العذب.و كيف لا تكون كذلك،و هي مدرسة أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،و قرنهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله بكتاب اللّه،و أودعهم امّته، فقال:«إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا:كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي.و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

و أنّى تكون غير ذلك و هي معهد من ورث علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ارتوى من معينه.«سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مسألة فأجابه فيها.فقال الرجل:أ رأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها؟فقال له:مه.

ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لسنا من(أ رأيت)في شيء» (1).

و بقيت هذه المدرسة منجبة ولودا ،لم تعقم على مرّ الأجيال،و ذلك بفضل الخطوط العريضة و المناهج العامّة و الأسس المحدّدة،التي رسمها الأئمّة عليهم السّلام لأركان هذه المدرسة من تلامذتهم«إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم التفريع» (2)فراح هؤلاء يسيرون قدما في تحمّل المسئولية، و صنّفوا الكتب الكثيرة،المتنوّعة بتنوّع آفاق المعرفة الدينيّة،فشملت مصنّفاتهم سائر علوم الإسلام،و طرقوا مختلف ميادين الحاجة الإنسانية، فكانوا رموز الطائفة الإمامية بعد أئمة الهدى عليهم السّلام،كلّ يجاهد في ميدان،


1) أصول الكافي/كتاب فضل العلم/باب البدع و الرأي و المقاييس/ح 21. [1]

2) وسائل الشيعة/الباب(6)من أبواب صفات القاضي/ [2]ح 51،52.

فانبرى ثقة الإسلام الكليني و الشيخ الصدوق لجمع شتات الأحاديث،و دمج اصولها،و لمّ شملها و تبويبها،و نهض الشيخ المفيد و السيد المرتضى لتحرير العقائد،و تجريدها عن الدخائل و الشوائب،و صدّ هجمات أرباب المقالات،و تفنيد شبهات المعتزلة،و أوهام الأشاعرة،دون غفلة عن تدوين مسائل الفقه العملي،و دون هوادة عن تشييد المباني لأصول استنباط الفقه الاستدلالي،و إذا بهما يصولان في أكثر من ميدان،و يجولان في أكثر من ساحة.ثم جاء دور شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي،و إذا هو دائرة معارف لا تنضب،فشملت مصنّفاته الكلام،و التفسير،و الحديث، و الرجال،و الفقه الموسّع المبسوط،و الفقه المقارن الخلافي،و الفقه الفتوائي النهائي،و اصول الفقه،و غير ذلك،فسدّت مؤلّفاته الثغرات، و ملأت الفجوات و أكملت النواقص،و تركت شخصيّته هيبة في القلوب، و خلّفت آثاره وقعا في النفوس،مغنية عن التأليف و التصنيف حقبة من الزمن،حتّى تفجّرت سرائر ابن إدريس،و لمع نجم ابن زهرة،و تلألأ نور نجم الدين،جعفر بن سعيد،سمي رئيس تلك المدرسة و مؤسسها،يرشد ركبان المحصّلين،و يهدي قوافل المشتغلين،و يشيّد علوم المذهب و الدين،و يصنّف في شتّى الميادين،فأبان في(المسالك)اصول الدين، و حرر(شرائع الإسلام)للعاملين،و نصب(المعارج)للمجتهدين.فكانت مصنّفات هؤلاء الأعلام هي المعبّرة عن الفكر الشيعي الأصيل،تميّزه في باب العقائد عن المعتزلة و الأشاعرة،و تفرده في الفقه و اصوله عن المذاهب الأربعة،فهي مصادر المذهب الإمامي و مراجعه.و إنّ بين يدي القارئ الكريم لأحدها،فهو ثالث كتاب في اصول الفقه عند الإمامية،بعد ما سجّلت«الذريعة»رأس القائمة،و حازت«العدّة»ثاني الأسماء فيها.

نظرة على حياة المصنّف

اسمه و كنيته و ألقابه و نسبه:

هو:أبو القاسم،نجم الدين؛جعفر بن الحسن،بن أبي زكريا يحيى،بن الحسن،بن سعيد الهذلي الحلّي،المعروف بالمحقّق،و المحقّق الحلّي،و المحقّق الأوّل.و ينسب لجدّه سعيد،فيقال:(جعفر بن سعيد).

اسرته:

هي اسرة(بني سعيد)اسرة عربية،ترجع إلى هذيل في انتسابها، حازت من المفاخر أكثر ممّا حازته اسر اخرى علميّة،لقوّة نفوذها الروحي،و مكانتها في عالم التأليف و التدريس (1).

قال عنه صاحب كتاب«أعلام العرب:97/2»:«أحد أفراد اسرة اشتهرت بالمنزلة العلمية،و الزعامة الدينية» (2).

و كان والده الشيخ حسن من كبار علماء عصره في الحلّة،فقد وصفه الشيخ الحرّ العاملي بأنّه«عالم،فقيه،فاضل» (3).و قال عنه أيضا:«كان فاضلا،عظيم الشأن،يروي عنه ولده» (4).


1) مقدّمة«الألفين»للعلاّمة الحلّي:12،ط النجف عام 1388 ه منشورات المكتبة الحيدرية.

2) مقدّمة«شرائع الإسلام»للمصنّف:/1ج،ط مطبعة الآداب في النجف الأشرف، عام 1389 ه.

3) أمل الآمل:66/2.ط مطبعة [1]الآداب في النجف الاشرف عام 1385 ه.

4) نفس المصدر:80/2-81 [2] ترجمة رقم 223.

و أمّا جدّه الشيخ أبو زكريا،يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي،فقد كان«عالما محقّقا»على حدّ قول الشيخ الحرّ العاملي (1)،بل «كان من أكابر الفقهاء في عصره»كما صرّح به الميرزا عبد اللّه الأفندي (2)، و بلغ الذروة في ذلك حتى وصفه الشهيد بأنّه:«رئيس المذهب في زمانه» (3).و قد ذكره في شرحه على الإرشاد (4)في عداد الفقهاء المتأخّرين القائلين بالتوسعة في قضاء الصلوات الفائتة،عند تعرّضه للمسألة الخلافية المعروفة،و هي مسألة المواسعة و المضايقة،التي وصلت فيها الأقوال إلى سبعة كما قال.

و له ابن عمّ من الفقهاء البارزين،لا ينبغي إهمال ذكره هنا،و هو أبو زكريا نجيب الدين،يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي (5)،صاحب«الجامع للشرائع»في الفقه،و«المدخل»في اصول الفقه،المتوفى سنة 690 ه.قال عنه ابن داود:«شيخنا الإمام العلاّمة الورع القدوة.و كان جامعا لفنون العلم الأدبية[و]الفقهية و الاصولية.و كان أورع الفضلاء و أزهدهم،له تصانيف جامعة للفوائد» (6).

و له مع المصنّف قصّة،ذكرها العلاّمة الحلّي في إجازة له،قال:«كان الشيخ الأعظم خواجه نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي وزيرا


1) نفس المصدر:345/2 [1] ترجمة رقم 1066.

2) رياض العلماء:342/5،ط قم [2]عام 1401 ه.

3) أمل الآمل:345/2 [3] ترجمة رقم 1066.

4) غاية المراد في شرح نكت الإرشاد:100/1 ط مطبعة [4]الإعلام الإسلامي في قم عام 1414 ه.

5) أمل الآمل:346/2-347 [5] ترجمة رقم 1070،رياض العلماء:342/5-343. [6]

6) رجال ابن داود الحلّي:371 ترجمة رقم 1660،ط جامعة طهران عام 1383 ه.

للسلطان هولاكو،فأنفذه إلى العراق،فحضر إلى الحلّة،فاجتمع عنده فقهاؤها،فأشار إلى الفقيه نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد (1)و قال:

من أعلم هؤلاء الجماعة؟فقال:كلّهم فاضلون علماء،إن كان واحد منهم مبرّزا في فنّ كان الآخر مبرّزا في فنّ آخر.فقال:من أعلمهم بالاصولين؟ فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهّر،و إلى الفقيه مفيد الدين محمد بن جهيم،فقال:هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام و اصول الفقه.

فتكدّر الشيخ يحيى بن سعيد،و كتب إلى ابن عمه أبي القاسم يعتب عليه، و أورد في مكتوبه أبياتا،و هي:

لا تهن من عظيم قدر و إن كنت مشارا إليه بالتعظيم

فاللّبيب الكريم ينقص قدرا بالتعدّي على اللّبيب الكريم

ولع الخمر بالعقول رمى الخم ر بتنجيسها و بالتحريم

كيف ذكرت ابن المطهّر و ابن جهيم و لم تذكرني؟!فكتب إليه يعتذر و يقول:لو سألك خواجة مسألة في الاصولين ربّما وقفت،و حصل لنا الحياء» (2).

و لا يقتصر علماء هذه الاسرة و فقهاؤها على من ذكرنا،و إنّما ذكرت بعض كتب التراجم غيرهم،فقد قال الميرزا الزنوزي:«و للشيخ أبي القاسم المحقّق المذكور أسلاف و أقرباء عظام،كلّهم علماء أتقياء.و هم:والد المحقق الحسن بن يحيى بن الحسن،و جدّه يحيى الأكبر بن الحسن بن سعيد،و والد جدّه الحسن بن سعيد،و ابن عمّه يحيى بن سعيد الحلّي، و جدّه الأعلى سعيد الحلّي،و محمد بن نجيب الدين،نذكرهم هنا مفصّلا» (3)و أتى على ذكرهم.


1) يقال له(ابن سعيد)نسبة إلى جدّه.

2) أمل الآمل:347/2-348 [1] ترجمة رقم 1070.

3) رياض الجنّة:269/2 [2] ترجمة 211،ط قم عام 1420 ه.

مولده و موطنه و نشأته:

ولد عام 602 ه (1)في الحلّة،و من الطبيعي أن تكون لأجواء البلد الذي ينشأ المرء فيه و يترعرع الأثر الكبير في تكوين شخصيته الفكرية و العلمية و السلوكية.و ثقافته و تطلّعاته،و القيم و المبادئ التي يؤمن بها، و المثل العليا التي يتخذها،كما يكون لاسرته من الأثر.فكيف كانت الحلّة يومئذ؟و ما هي أبرز سماتها؟و ما الذي يستوحيه منها من يولد على تربتها،و يشتدّ عوده فيها؟يقول الحجّة العلم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:«نشأت الحلّة السيفية أو المزيدية في اخريات القرن الخامس،على ضفة الفرات أو على ضفتيه،و لكن من حين تكوّنت و برزت إلى عالم الوجود؛نشأت مطبوعة على ثلاثة طوابع أو أربعة:الأوّل:طابع العروبة المحضة،لأنّ مؤسسيها من مصاص العرب الأقحاح،و هم امراء العرب في تلك القرون؛بنو مزيد الأسدي.و بنو أسد من أضخم و أعظم قبائل العرب في الجاهلية و الإسلام.الثاني:طابع العلم.و يتلوه:الثالث:طابع الأدب العالي.و الرابع:طابع التشيّع،و إخلاص الولاء لأهل البيت النبوي.كلّ ذلك لأنّ الذين شيّدوها و أنشئوها-مع أنّهم من هامات العرب في صحّة أنسابها و صراحة أحسابها-كانت لهم أسمى المكانة في العلم و الأدب،كما كانوا على أساس رصين من الولاء و التشيّع.من ذلك كلّه نشأت هذه البلدة


1) هذا ما حكاه عنه تلميذه جعفر بن الفضل بن الحسين بن مهدويه،كما في مقدّمة «الرسائل التسع»للمصنّف:9،ط قم [1]عام 1423 ه.و هو ما استصوبه السيد الأمين،في:أعيان الشيعة:128/6 [2] ترجمة رقم 3457،ط بيروت عام 1420 ه منشورات دار التعارف.و لاحظ ما يأتي في ص(49).

الطيّبة عريقة في العراق بالعربيّة،و العلم،و الأدب،و التشيّع.و لم تزل على هذا تتسامى و تتعالى في هذه المعالي و الفضائل إلى يوم الناس هذا،و قد امتازت بهذه السمات،و حازت القدح المعلّى من هذه الكمالات...و قد ساعد الحليين على هذه العبقرية و لطف القريحة و الأريحية طيب التربة، و لطافة الهواء،و عذوبة الماء،و من هنا شاع نعتها بالحلّة الفيحاء.و نبغ منها العشرات بل المئات من أساطين علماء الإمامية،و دعائم هذا المذهب الحق، ناهيك بابن إدريس،و المحقق و اسرته الكرام بني سعيد،و ابن عمّه يحيى ابن سعيد صاحب(الأشباه و النظائر)،و آل طاوس،و آل المطهّر كالعلاّمة و أبيه سديد الدين و ولده فخر المحققين،إلى كثير من أمثال هؤلاء الأماثل من مشايخ الإجازة،الذين تتصل بهم سلسلة إجازتنا من مشايخنا الذين عاصرناهم» (1).

و قال عنها أيضا:«و في اخريات القرن الخامس أنشأ الأمير العربي سيف الدولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي-فى أرض تسمّى بالجامعين غربي الكرخ،على ضفاف غربي الفرات بل من جانبيه-تلك البلدة القوراء،الحريّة بما اشتهرت به من اسم(الحلّة الفيحاء)،التي ذكر الحموي في معجمه أنّها ما عتمت أن عادت من أفخر مدن العراق و أحسنها،و هي من مدن الشيعة التي تأسست على التشيّع،كالنجف و كربلاء و الكاظمية...

و مثل ذلك بلدة قم،و عدّة من بلاد إيران.أمّا الحلّة فبعد تأسيسها


1) مقدّمة«البابليات»للشيخ محمّد علي اليعقوبي:/1ج-ه،طبعة مصوّرة في قم منشورات دار البيان عن طبعة النجف عام 1951 م.

بقليل انقلبت الحضارة العراقية إليها،و تقدّمت تقدّما باهرا حتى على الزوراء،و لا سيّما بعد مزعجات التتار عليها التي سلمت الحلّة منها،و هي إلى جنبها.ثمّ اتسعت معارفها،و تكاثرت فيها العلماء حسب اتساعها و حضارتها.و بعد نصف قرن من ظهورها نبغت فيها أساطين الإمامية، و نوابغ الدهر،و عجائب الدوران،كابن إدريس الحلّي صاحب(السرائر) استاذ نجيب الدين بن نما الحلّي،و هو استاذ نجم الملّة و الدين الشهير ب(المحقّق)على الإطلاق صاحب كتاب(شرائع الإسلام)،و حسبك العلاّمة الحلي الشهير بابن المطهّر،و ولده فخر المحققين صاحب(الإيضاح).

و كثير من أمثالهم ممّا لا يتّسع موقفي هذا للإشارة إليهم فضلا عن استقصاء مآثرهم.و كانت الحلّة من أوّل القرن الخامس إلى أربعة قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عند الشيعة الإمامية،حتى أنّ الشهيد الأوّل هاجر إليها في أوائل القرن الثامن للحضور على العلاّمة،فلم يدرك من عمره غير أيّام قليلة،فحضر على ابنه فخر المحققين.ما نريد سوى الإشارة الوجيزة إلى ما لتلك القارة الفيحاء من حديث المجد القديم،و الفضل التليد،و الحضارة و العمران.و حيث أنّنا لا نرى الفضل و استحقاق التقدّم إلاّ بالعلم فلذلك اختصصنا بالذكر حظّها من العلماء،و أنّها كانت دار مهاجرة العلم، و إليها الرحلة.و لو اعتددنا بغير ذلك لقلنا فيها القصور الباسقة،و العمائر الشاهقة،ذوات الرواشن و الأجنحة المطلّة على ذلك النهر الذهبي (الفرات)الذي ينساب بين تلك الجنان الفيحاء،و الحدائق الغنّاء،التي تتحف سكّانها و مجاوريها في كل حين بأنواع الفواكه الشهيّة،و الثمار الجنيّة،تمثّل لهم جنّة الفردوس،و نفحات منازل النعيم و الخلد.أمّا حضارتها في الشعر فحدّث و لا حرج،فإنّ لتربتها و مائها و هوائها تأثيرا عجيبا في تلطيف الشعور،و تنشيط القرائح،و توسيع الخيال،و تمكّن

الخفّة و الأريحية.و لا بدع فإنّها بلاد نشأت و هي عربية محضة،و بقيت إلى يومها هذا عربية صراح،لا دخيل فيها إلاّ النادر الذي لا أثر له.و أعان على ذلك ما عرفت من حسن هوائها و طيب تربتها و مائها،حتّى أنّ الداخل إليها يحسّ بتغيّر دفعي،و انتقال فجائي.أوّل ما يضع قدمه في تخومها و حدودها يجد في الأغلب نسيما منعشا،يكاد يأخذه منه نعاس في رأسه، و انتعاش في بدنه.تلك هي البلدة التي أتحفت الأدب العربي بما لا يحصى من نوابغ الشعراء المفلقين (1)،الذين اشتهر منهم في القرون الوسطى البارع المتفنن أبو السرايا صفي الدين الحلّي الشهير.و كم في عصره و ما يليه من أمثاله،و لكن لضربه في الآفاق اشتهر اسمه و ذاع صيته» (2).

و مؤسس هذه البلدة المعطاء هو سيف الدولة الأسدي،فله«المساعي المشكورة و الأيادي البيض في تأسيس الحلّة الفيحاء،و جعلها مقرّ إمارته، و عاصمة ملكه،و إنشائه المعاهد العلمية فيها،حتى أصبحت محطّ رحال العلماء،و دار هجرة الادباء،بعد ما كانت قاعدة إمارة آبائه بلدة النيل.و كانت له رغبة باقتناء الكتب،فألّف خزانة كتب قيّمة.و إليك ما قاله عنه عزّ الدين علي بن الأثير الجزري في كامله:كان لسيف الدولة من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير،الوف مجلّدات،و كان يقرأ و لا يكتب.و كان جوادا حليما صدوقا،كثير البرّ و الإحسان،ما برح ملجأ لكلّ ملهوف،يلقى من


1) راجع«البابليات»للشيخ محمد علي اليعقوبي/الجزء الأوّل.و راجع أيضا الجزء السادس و السابع من موسوعة«الغدير»للعلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني،الطبعة المحقّقة الاولى،في قم عام 1416 ه.

2) مقدّمة«سحر بابل و سجع البلابل/ديوان السيد جعفر الحلّي»:30-32،ط قم عام 1411 ه مصوّرة عن طبعة النجف.

يقصده بالبرّ و التفضيل.و كان عادلا،و الرعايا معه في أمن و دعة.و كان عفيفا،لم يتزوّج على امرأته و لا تسرّى عليها،فما ظنّك بغير هذا.و لم يصادر أحدا من نوّابه،و لا أخذهم بإساءة قديمة.و كان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته،و يدلون عليه إدلال الولد على الوالد.و لم يسمع برعيّة أحبّت أميرها كحبّ رعيته له.و كان متواضعا يحفظ الأشعار،و يبادر إلى النادرة رحمه اللّه.لقد كان من محاسن الدنيا» (1)و«كانت منازل آبائه الدور من النيل،فلمّا قوي أمره و اشتدّ أزره و كثرت أمواله،لاشتغال الملوك السلاجقة بركياروق و محمد و سنجر أولاد ملك شاه بن ألب أرسلان،بما تواتر بينهم من الحروب؛انتقل إلى الجامعين-موضع في غربي الفرات-و ذلك في سنة 495 ه.قال ياقوت في معجم البلدان:و كانت أجمة،تأوي إليها السباع،فنزل بها بأهله و عساكره،و بنى بها المساكن الجليلة و الدور الفاخرة،و تأنّق أصحابه في مثل ذلك،فصارت ملجأ،و قصدها التجّار، فصارت أفخر بلاد العراق.و أحسنها مدّة حياة سيف الدولة.فلمّا قتل بقيت على عمارتها.فهي اليوم قصبة تلك الكورة.انتهى.و قد أفادنا عن عمارتها بمعلومات اخرى الشيخ الجليل رضي الدين علي،أخو العلاّمة الحلّي،في كتابه(العدد القويّة)-و لعلّه أصحّ نقلا ممّا ذكره ياقوت،فإنّ(أهل مكّة أدرى بشعابها)-قال:في سنة 493 ه عمّر سيف الدولة أرض الحلّة،و هي آجام،و وضع أساس الدور و الأبواب،و نزلها سنة 495 ه،و حفر الخنادق حولها سنة 498 ه.و قد كان وضع سور الحلّة:/21رمضان/سنة 500 ه.

و وضع الكشك ولده دبيس بعد وفاة أبيه» (2)«و له الآثار الحميدة و المساعي المشكورة في تشييد ما أسسه أبوه من عمارة الحلّة،و توسيع نطاق مدارسها


1) مقتطف من«البابليات»لليعقوبي:7/1.

2) المصدر السابق:8/1.

العلمية و معاهدها الأدبية.قال ابن خلّكان:كان جوادا كريما،عنده معرفة بالأدب و الشعر.و تمكّن في خلافة الإمام المسترشد،و استولى على كثير من بلاد العراق.و هو من بيت كبير،و هو الذي عناه الحريري في المقامة التاسعة و الثلاثين بقوله:(أو الأسدي دبيس)،لأنّه كان معاصره،فرام التقرّب إليه بذكره في مقاماته،و لجلالة قدره أيضا.و له نظم حسن» (1).

لهذا و أمثاله أصبحت الحلّة المناخ المناسب لاجتذاب رجال الدين، و أعيان الفقه،و زعماء الحوزة العلمية،الذين فقدوا مقرّهم السابق(بغداد) التي ساءت أوضاعها الأمنية،و لم تعد تصلح مأوى و مقرا لهم،بعد ما كانت قد احتضنت زعامة المذهب الجعفري و الحوزة العلمية للطائفة الإمامية طوال حياة علم الشيعة الشيخ أبي عبد اللّه المفيد المتوفى سنة 413 ه، و تلميذه السيد علم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه،و بداية زعامة تلميذهما شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي.قال العلاّمة الطهراني:

«توفي السيّد المعظّم لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل سنة 436 ه.

فاستقلّ شيخ الطائفة بالإمامة،و ظهر على منصّة الزعامة،و أصبح علما للشيعة،و منارا للشريعة.و كانت داره في الكرخ مأوى الامّة،و مقصد الوفّاد،يأتونها لحلّ المشاكل،و إيضاح المسائل.و قد تقاطر إليه العلماء و الفضلاء للتلمذة عليه،و الحضور تحت منبره،و قصدوه من كل بلد و مكان.و بلغت عدّة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة.و من العامّة ما لا يحصى كثرة...و بلغ الأمر من الاعتناء به و الإكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر باللّه أحمد،كرسي الكلام و الإفادة،


1) المصدر السابق:11/1.

و قد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة و قدرا فوق الوصف،إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في علومه،و تفوّق على أقرانه،و لم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعيّن لذلك الشرف.لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره و عزيز مصره،حتى ثارت القلاقل،و حدثت الفتن بين الشيعة و السنّة،و لم تزل تنجم و تخبو بين الفينة و الاخرى،حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك،أوّل ملوك السلجوقية،فإنّه ورد بغداد في سنة 447 ه،و شنّ على الشيعة حملة شعواء،و أمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير،وزير بهاء الدولة البويهي،و كانت من دور العلم المهمّة في بغداد،بناها هذا الوزير الجليل و الأديب الفاضل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه،على مثال(بيت الحكمة)الذي بناه هارون الرشيد.و كانت مهمّة للغاية،فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس و العراق،و استكتب تآليف أهل الهند و الصين و الروم-كما قاله محمد كرد علي-و نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار و مهام الأسفار،و أكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين.قال ياقوت الحموي:و بها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير،وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة،و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها،كانت كلّها بخطوط الأئمة المعتبرة و اصولهم المحرّرة...إلى آخره.و كان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة،على ما ذكره ابن الأثير.و حيث كان الوزير سابور من أهل الفضل و الأدب،أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد.و قد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محالّ الكرخ عند مجيء طغرل بيك.و توسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفة و أصحابه،فأحرقوا كتبه و كرسيّه الذي

كان يجلس عليه للكلام.قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448 ه:

و هرب أبو جعفر الطوسي و نهبت داره.ثم قال في حوادث سنة 449 ه:

و في صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي،متكلّم الشيعة، بالكرخ،و اخذ ما وجد من دفاتره،و كرسي كان يجلس عليه للكلام، و اخرج إلى الكرخ،و اضيف إليه ثلاث سناجيق بيض،كان الزوّار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة،فاحرق الجميع...

إلى آخره.و لمّا رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف،لائذا بجوار مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام» (1)و مكث فيها إلى أن توفي عام 460 ه.و لكن النجف الأشرف بلد ذو مناخ صحراوي،شديد الحرارة،لافح الهجير،جافّ الهواء،شحيح الماء،عديم الأشجار و الثمار و المحاصيل الزراعية،تكثر عليه العواصف في بعض فصول السنة مثيرة عليه الغبار الذي يذهب أحيانا حتّى بضوء النهار،و لم يكن في تلك الفترة آهلا بسكّان،و لا محميّا بسلطان،و لا مشيّدا بعمران (2)،فلعلّ قساوة العيش هذه حدت ببعض أكابر الفقهاء من تلامذة الشيخ الطوسي أو تلامذة تلامذته إلى اتخاذ الحلّة بديلة عن بغداد لما امتازت به ممّا تقدّم من الميّزات،فهاجروا إليها و أسسوا فيها الحوزة العلميّة التي نبغ فيها عظماء فطاحل،كالفقيه الجليل ابن إدريس،صاحب«السرائر»المتوفى سنة 598 ه، و الذي خلّف تلامذة عظماء في الفقه.و في عصرهم نشأ المصنّف ينهل العلم،و يرتضب الفقاهة،فتلمّذ عليهم،كالشيخ نجيب الدين ابن نما


1) مقدّمة«النهاية و نكتها»:9/1-11،ط قم عام 1417 ه.

2) و لذلك لا توجد في هذا البلد الآن أيّ آثار لعمارات سكنية قديمة،و لا لحصون و لا قلاع.و كل ما فيه من آثار عمرانية سكنية فيعود إلى عهود متأخّرة.

الحلّي (1)،و السيد شمس الدين فخار بن معد الموسوي،و السيّد محمّد بن عبد اللّه بن زهرة الحسيني،فالمصنّف تلميذ تلامذة ابن إدريس (2)و غيرهم ممّن عاصرهم.

و سرعان ما لمع نجمه،و سطع بدره،و علا كعبه،و ذاع صيته،ففاق أقرانه و زملاءه من الذين لا يستهان بقدرهم (3)،فألقت إليه الزعامة الدينيّة أزمّتها،و مقاليد التحقيق أعنّتها،و أصبح قبلة المحصّلين،و كعبة المشتغلين،«و قد تلمّذ عليه جماعة كبيرة من العلماء و الفقهاء المبرّزين، و كانت الحركة العلمية في عصره بلغت شأوا عظيما،حتّى صارت الحلّة من المراكز العلمية في البلاد الإسلامية» (4)و لم يكن يعكر صفو تلك الأجواء العلمية الهادئة شيء،حتّى داهمهم خطر الزحف المغولي،ففزع الناس لذلك،و سلب الرعب قرارهم،فلاذ أكثرهم بالفرار،و لكن شاء اللّه تعالى أن يحمي هذه البلدة الطيّبة،المتمسكة بمذهب أهل البيت،المحتضنة لمدرسة جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام،فكان أن ألهم عددا من الفقهاء المتصدرين، و سدّدهم إلى ما يندفع به الخطر عنهم،و تعود به البلدة إلى أمانها،و كان ذلك ببركة ولائهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و حفظ آثاره،فقد


1) الذي كان له دور هام و تحمس شديد لتشييد الحوزة العلمية في الحلة،فقد قام بإسكان جماعة من الفقهاء في الحلّة و تولّي امورهم.كما في هامش:«لؤلؤة البحرين»:272. [1]

2) مقدّمة«السرائر»لابن إدريس:23/1،ط قم عام 1410 ه.

3) و قد عبّر بنفسه عن هذا التفوّق بأبيات من الشعر أرسلها إلى أبيه،يأتي ذكرها.

4) هامش«لؤلؤة البحرين»للمحدّث الشيخ يوسف البحراني:227،ط مطبعة النعمان في النجف الأشرف(بلا تاريخ).

قال العلاّمة الحلّي-و هو يعدّد فضائل امير المؤمنين علي عليه السّلام-:«و كان من جملة فضائله النفسانية إخباره بالمغيّبات،و لم يحصل لأحد من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله من ذلك».و بدء بذكر موارد عديدة لذلك،إلى أن قال:«و من ذلك إخباره بعمارة بغداد،و ملك بني العبّاس،و ذكر أحوالهم،و أخذ المغول الملك منهم،رواه والدي رحمه اللّه.و كان ذلك سبب سلامة أهل الحلّة و الكوفة و المشهدين الشريفين من القتل،لأنّه لمّا وصل السلطان هولاكو إلى بغداد،و قبل أن يفتحها (1)،هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح إلاّ القليل، فكان من جملة القليل والدي رحمه اللّه و السيد مجد الدين بن طاوس و الفقيه ابن أبي العزّ،فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنّهم مطيعون داخلون تحت الإيلية،و أنفذوا به شخصا أعجميا.فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين،أحدهما يقال له:تكلة،و الآخر يقال له:علاء الدين،و قال لهما:إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا،فجاء الأميران، فخافوا،لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه.فقال والدي رحمه اللّه:إن جئت وحدي كفى؟فقالا:نعم.فاصعد معهما.فلمّا حضر بين يديه-و كان ذلك قبل فتح بغداد و قبل قتل الخليفة-قال له:كيف أقدمتم على مكاتبتي و الحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري و أمر صاحبكم؟و كيف تأمنون إن صالحني و رحلت عنه؟فقال له والدي:إنّما أقدمنا على ذلك لأنّا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب عليه السّلام أنّه قال في بعض خطبه:الزوراء، و ما أدراك ما الزوراء،أرض ذات اثل،يشيّد فيها البنيان،و يكثر فيها السكّان،و يكون فيها قهارم و خزّان،يتّخذها ولد العباس موطنا،و لزخرفهم


1) و كان سقوط بغداد على يده عام 656 ه.

مسكنا،و تكون لهم دار لهو و لعب،يكون بها الجور الجائر،و الخوف المخيف،و الأئمّة الفجرة،و القرّاء الفسقة،و الوزراء الخونة،يخدمهم أبناء فارس و الروم،لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه،و لا يتناهون عن منكر إذا أنكروه،يكتفي الرجال منهم بالرجال،و النساء بالنساء.فعند ذلك الغم العميم،و البكاء الطويل.و الويل و العويل،لأهل الزوراء من سطوات الترك،و ما هم الترك،قوم صغار الحدق،وجوههم كالمجانّ المطرّقة، لباسهم الحديد،جرد مرد،يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري الصوت،قوي الصولة،عالي الهمّة لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها، و لا ترفع عليه راية إلاّ نكّسها،الويل الويل لمن ناوأه،فلا يزال كذلك حتى يظفر.فلمّا وصف لنا ذلك،و وجدنا الصفات فيكم،رجوناك فقصدناك.

فطيّب قلوبهم،و كتب لهم فرمانا باسم والدي رحمه اللّه يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة و أعمالها» (1)و عاد الهدوء إلى الحلّة،و مجلس درس المصنّف يزدهر، و تلاميذه يتكاثرون،و هو يغوص في أبحاثه الفقهية،مجدّا مثابرا،يعضده في ذلك أمران:دقّة النظر،و سرعة الخاطر.

أمّا دقّة النظر فهي الصفة التي ميّزته و أفردته عمّن عاصره و تقدّم عليه،حتّى قال عنه الحجّة السيد حسن الصدر الكاظمي:«هو أوّل من نبع منه التحقيق في الفقه و عنه اخذ،و عليه تخرّج ابن اخته العلاّمة الحلّي رحمه اللّه و أمثاله أرباب التحقيق و التنقيح» (2).


1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين،للعلاّمة الحلّي:80-82،ط طهران [1]عام 1411 ه.كما ذكرت المصادر توجه وفدين آخرين من أهل الحلّة و علمائها و وجهاء العلويين،كما في:مقدّمة«النهاية و نكتها»:103/1-105.و تبع ذلك إيفاد هولاكو للخواجه نصير الدين الطوسي إلى الحلّة،كما تقدّم عند الحديث عن اسرة المصنّف.

2) هامش«لؤلؤة البحرين» [2]للمحدّث البحراني:228. [3]

و أمّا سرعة الخاطر فهي السمة التي لم يغفل عن اتسامه بها تلامذته و مترجموه،فهذا تلميذه ابن داود يقول عنه في(رجاله):«كان ألسن أهل زمانه،و أقومهم بالحجّة،و أسرعهم استحضارا» (1)و كنموذج لذلك المحاورة الفقهية التي جرت بينه و بين الخواجة نصير الدين الطوسي،فقد حكى المحدّث البحراني،قال:«نقل غير واحد من أصحابنا أنّ المحقّق الطوسي خواجة نصير الملّة و الدين،حضر ذات يوم حلقة درس المحقّق بالحلّة، حين ورود الخواجة بها،فقطع المحقّق الدرس تعظيما له،و إجلالا لمنزلته، فالتمس منه إتمام الدرس،فجرى البحث في مسألة استحباب تياسر المصلّي للعراقي،فأورد المحقّق الخواجة بأنّه لا وجه لهذا الاستحباب،لأنّ التياسر إن كان من القبلة إلى غير القبلة فهو حرام،و إن كان من غيرها إليها فهو واجب،فأجاب المحقّق في الحال:من القبلة إلى القبلة،فسكت المحقّق الطوسي» (2).

و لم يزل مجلس درسه يستقطب روّاد العلم،و طلاّب الفقه،فيلحق بهم في سماء التحقيق و التدقيق،حتّى«برز من عالي مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد جهابذة،و هذا لم يتفق لأحد قبله» (3)و أشهرهم ابنا اخته:العلاّمة الحلّي،جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر،و أخوه


1) رجال ابن داود الحلّي:83 ترجمة رقم 300.

2) لؤلؤة البحرين:230 [1] ترجمة 83.و ذكرها قبله باختصار الشيخ الحرّ العاملي، في:أمل الآمل:49/2 [2] ترجمة 127؛و الميرزا الأفندي،في:رياض العلماء: 103/1،و [3]غيرهم.

3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام،للسيد حسن الصدر:306،ط شركة النشر و الطباعة العراقية المحدودة(بلا تاريخ).

رضي الدين علي بن يوسف بن المطهّر،صاحب كتاب«العدد القويّة»، و الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي،صاحب«الرجال» المعروف،و الشيخ صفي الدين عبد العزيز بن السرايا الحلّي،و الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح الحلّي،و الوزير شرف الدين أبو القاسم علي ابن الوزير مؤيّد الدين محمد ابن العلقمي،و الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي العاملي،و السيد عبد الكريم بن طاوس صاحب كتاب«فرحة الغري»،و الشيخ صفيّ الدين محمد بن نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي،و الشيخ زين الدين أبو علي الحسن بن أبي المجد اليوسفي،المعروف بالفاضل الآبي (1).

جمل الثناء عليه:

لقد أطراه،و أثنى عليه،و مدحه كلّ من ذكره من الفقهاء المعاصرين له و المتأخّرين عنه.و ليست هذه الكلمات التي ننقلها عنهم بنثر أديب أو شعر شاعر،و إنّما هي شهادات علميّة صادرة من اناس متخصّصين في الفقه، على أعلى درجة من العدالة و الوثاقة.فما يطلقه هؤلاء من السمات و الأوصاف هو تقييم فني دقيق لمن صدرت بحقّه،و تعيين لدرجته العلمية،من خلال الحضور في مجلس درسه،أو مناظرته،أو الاطلاع على مصنّفاته و مؤلفاته.

1-قال معاصره الفاضل الآبي،في مقدّمة كتابه«كشف الرموز»الذي فرغ من تأليفه عام 672 ه:«فاتفق توجّهي إلى الحلّة السيفية،حماها اللّه


1) و آخرون ذكرهم السيد محسن الأمين،في:أعيان الشيعة:132/6 [1] ترجمة 3457،ممّن روى عنه و استجازه في رواية الحديث لا التلمّذ عليه في الفقه.

من النوائب،و جنّبها من الشوائب،فقرأت عند الوصول بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (1)فكم بها من أعيان العلماء بهم التقيت،و المعارف الفقهاء،بأيّهم اقتديت اهتديت.و كان صدر جريدتها،و بيت قصيدتها،جمال كمالها، و كمال جمالها،الشيخ الفاضل الكامل،عين أعيان العلماء،و رأس رؤساء الفضلاء،نجم الدين،حجة الإسلام و المسلمين،أبا القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد عظّم اللّه قدره،و طوّل عمره،فاستسعدت ببهاء طلعته، و استفدت من جنى ثمرته في كلّ فصل من كل فنّ» (2).

2-و قال تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي،في«رجاله» الذي فرغ من تأليفه سنة 707 ه:«شيخنا نجم الدين،أبو القاسم، المحقّق،المدقّق،الإمام،العلاّمة،واحد عصره.كان ألسن أهل زمانه، و أقومهم بالحجّة،و أسرعهم استحضارا.قرأت عليه،و ربّاني صغيرا،و كان له عليّ إحسان عظيم و التفات.و أجاز لي جميع ما صنّفه و قرأه و رواه،و كلّ ما تصحّ روايته عنه» (3).

3-و قال عنه العلاّمة،في إجازته الكبيرة لبني زهرة:«كان أفضل أهل عصره في الفقه» (4).

4-و قال عنه فخر المحققين ابن العلاّمة الحلّي،في بعض إجازاته:

«الشيخ الإمام،شيخ مشايخ الإسلام،أبو القاسم جعفر بن سعيد قدّس اللّه سرّه» (5).


1) سبأ15/. [1]

2) كشف الرموز:37/1-38،ط قم عام 1408 ه.

3) رجال ابن داود الحلّي:83 ترجمة 300.

4) أمل الآمل:49/2 [2] ترجمة 127،لؤلؤة البحرين:229 [3] ترجمة 83،و غيرهما.

5) بحار الأنوار:222/104،ط كمپاني [4]الطبعة الاولى.

5-و قال عنه الشهيد الأوّل،في إجازته لابن نجدة:«الإمام السعيد، فخر المذهب،محقّق الحقائق،نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد، شرّف اللّه في الملأ الأعلى قدره،و أطاب في الدارين ذكره» (1).

6-و قال عنه ابن فهد الحلّي،في«المهذّب البارع»:«المولى الأكرم، و الفقيه الأعظم،عين الأعيان،و نادرة الزمان،قدوة المحقّقين،و أعظم الفقهاء المتبحرّين،نجم الملّة و الحقّ و الدين،أبي القاسم جعفر بن سعيد الحلّي،قدّس اللّه نفسه الزكية،و أفاض على تربته المراحم الربانيّة» (2).

7-و قال عنه الفاضل المقداد السيوري،في مقدّمة«التنقيح الرائع»:

«شيخنا الأعظم،و رئيسنا الأكرم،العلاّمة المحقق،و الأفضل المدقق، نجم الملّة و الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد قدّس اللّه روحه و نوّر ضريحه» (3).

8-و قال الشيخ إبراهيم القطيفي،في إجازته للشيخ شمس الدين بن ترك في سنة 915 ه:«و أجزت له أن يروي بالطريق...جميع مصنّفات الإمام العالم العامل الفاضل الكامل المحقّق المدقّق الكامل،الشيخ أبي القاسم نجم الدين بن سعيد،في العلوم العقلية و النقلية،الفروعية و الاصولية،عنه قدّس اللّه سرّه» (4).

9-و قال المحقّق الكركي،صاحب«جامع المقاصد»،في إجازته للقاضي صفيّ الدين:«و منها جميع مصنّفات و مرويات الشيخ الإمام،شيخ


1) بحار الأنوار:194/104. [1]

2) المهذّب البارع:63/1،ط قم عام 1407 ه.

3) التنقيح الرائع:3/1-4،ط قم [2]عام 1404 ه.

4) بحار الأنوار 95/105. [3]

الإسلام،فقيه أهل البيت،رئيس الإمامية في زمانه،محقّق المطالب الفقهية،منقّح الدلائل الشرعية،نجم الملّة و الدين،أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي،صاحب كتاب(الشرائع)و(المعتبر) و غيرهما،قدّس اللّه روحه الطاهرة،و رفع قدره في درجات الآخرة» (1).

10-و قال الشهيد الثاني،في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي-والد الشيخ بهاء الدين-:«...جميع مصنّفات و مرويات الشيخ المحقّق،شيخ الطائفة في وقته إلى زماننا هذا،نجم الدين أبي القاسم جعفر ابن سعيد» (2).

11-و قال نجله المحقّق الشيخ حسن،صاحب«معالم الدين»،في إجازته الكبيرة للسيد نجم الدين-معلّقا على قول العلاّمة المتقدّم نقله برقم(3)في وصف المصنّف بأنّه أفضل أهل عصره في الفقه-:«لو ترك التقييد بأهل زمانه لكان أصوب،إذ لا أرى في فقهائنا مثله على الإطلاق، رضي اللّه عنه» (3).

12-و قال الشيخ بهاء الدين العاملي:«في 23 جمادى الآخرة توفي الشيخ المدقّق،سلطان العلماء في زمانه،نجم الدين جعفر بن سعيد الحلّي،قدّس اللّه روحه،و ذلك سنة 676 ه.و إليه انتهت رئاسة الشيعة الإمامية في زمانه،و من مصنّفاته كتاب(المعتبر)و كتاب(الشرائع) و(المختصر)،و حضر مجلس درسه بالحلّة سلطان الحكماء و المتألهين، خواجه نصير الدين محمد الطوسي أنار اللّه برهانه،و سأله نقض بعض


1) بحار الأنوار:71/105. [1]

2) بحار الأنوار:11/106. [2]

3) نفس المصدر. [3]

المتكلّمين» (1).

13-و قال عنه الشيخ الحرّ العاملي:«حاله في الفضل و العلم و الثقة و الجلالة و التحقيق و التدقيق و الفصاحة و الشعر و الأدب و الإنشاء و جميع العلوم و الفضائل و المحاسن أشهر من أن يذكر.و كان عظيم الشأن جليل القدر،رفيع المنزلة،لا نظير له في زمانه.و له شعر جيّد،و إنشاء حسن بليغ.و كان مرجع أهل عصره في الفقه و غيره» (2).

14-و قال عنه الميرزا عبد اللّه الأفندي:«كان محقّق الفقهاء،و مدقق العلماء.و حاله في الفضل و النبالة و العلم و الثقة و الفصاحة و الجلالة و الشعر و الأدب و الإنشاء و البلاغة أشهر من أن يذكر،و أكثر من أن يسطر» (3).

15-و قال المحدّث الشيخ يوسف البحراني،صاحب«الحدائق»:

«كان محقق الفقهاء،و مدقق العلماء.و حاله في الفضل و النبالة و العلم و الفقه و الجلالة و الفصاحة و الشعر و الأدب و الإنشاء أشهر من أن يذكر،و أظهر من أن يسطر» (4).

16-و قال عنه الشيخ أسد اللّه التستري:«الشيخ الأعظم الرفيع الشأن، اللاّمع البرهان،كشّاف حقائق الشريعة بطرائف من البيان،لم يطمثهن قبله إنس و لا جان،رئيس العلماء،حكيم الفقهاء،شمس الفضلاء،بدر العرفاء،المنوّه باسمه و علمه في قصّة الجزيرة الخضراء،الوارث لعلوم الأئمة المعصومين،و حجّتهم في العالمين،الشيخ أبو القاسم نجم الدين


1) توضيح المقاصد:8،ط حجرية. [1]

2) أمل الآمل:48/2-49 [2] ترجمة 127.

3) رياض العلماء:103/1. [3]

4) لؤلؤة البحرين:227-228 [4] ترجمة 83.

جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي،أفاض اللّه على روضته شآبيب لطفه الخفي و الجلي،و أحلّه في الجنان المقام السني و المكان العلي» (1).

17-و قال عنه السيد الخونساري:«كان إماما،محقّقا،فائق الرأي في فنون شتّى،بل لم يكد يفرض في مراتب تفضيله على سائر الأفاضل موضع للّفظة...و قد اتفقت كلمة من علمناه من العصابة على كونه الأفقه الأفضل إلى الآن من جملة من كان قد تأخّر عن الأئمة و الصحابة» (2).

18-قال المحدّث الميرزا حسين النوري:«التاسع من مشايخ آية اللّه العلاّمة:خاله الأكرم،و استاذه الأعظم،الرفيع الشأن،اللامع البرهان، كشّاف حقائق الشريعة بطرائف من البيان،لم يطمثهن قبله إنس و لا جان، رئيس العلماء،فقيه الحكماء،شمس الفضلاء،بدر العرفاء،المنوّه باسمه و علمه في قصّة الجزيرة الخضراء،الوارث لعلوم الأئمة المعصومين عليهم السّلام، و حجّتهم على العالمين،الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي،الملقّب ب(المحقق)على الإطلاق،الرافع أعلام تحقيقاته في الآفاق،أفاض اللّه على روضته شآبيب لطفه الخفي و الجلي،و أحلّه في الجنان المقام السني و المكان العلي.و هو أعلى و أجلّ من أن يصفه و يعدد مناقبه مثلي» (3).

19-و قال عنه السيد حسن الصدر:«هو أوّل من نبع منه التحقيق في


1) مقابس الأنوار:12،ط حجرية. [1]

2) روضات الجنّات:182/2 رقم 170،ط قم [2]منشورات إسماعيليان(بلا تاريخ).

3) خاتمة مستدرك الوسائل:466/2 ط قم عام 1415 ه بتحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

الفقه و عنه اخذ،و عليه تخرّج ابن اخته العلاّمة الحلّي رحمه اللّه و أمثاله أرباب التحقيق و التنقيح.و ليس في الطائفة أجلّ منه بعد الشيخ الطوسي رحمه اللّه» (1).

20-و قال الشيخ عباس القمّي:«الشيخ الأجل الأعظم،شيخ الفقهاء بغير جاحد،و واحد هذه الفرقة و أيّ واحد،أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي.حاله في الفضل و العلم و الثقة و الجلالة و التحقيق و التدقيق و الفصاحة و البلاغة و الشعر و الأدب و الإنشاء، و جميع الفضائل و المحاسن أشهر من أن يذكر.كان عظيم الشأن جليل القدر،رفيع المنزلة،لا نظير له في زمانه.له شعر جيد و إنشاء حسن» (2).

21-و قال السيد محسن الأمين:«كفاه جلالة قدر اشتهاره بالمحقّق، فلم يشتهر من علماء الإمامية على كثرتهم في كل عصر بهذا اللّقب غيره و غير الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي.و ما أخذ هذا اللّقب إلاّ بجدارة و استحقاق» (3).

22-و قال عنه العلاّمة الشيخ محمد تقي التستري:«هو أوّل من جعل الكتب الفقهية بترتيب المتأخّرين،فجمع في شرائعه لبّ ما في نهاية الشيخ،الذي كان مضامين الأخبار،و ما في مبسوطه و خلافه اللّذين كانا على حذو كتب العامّة في جميع الفروع.و قبله كان بعضهم يكتب كالنهاية، كسرائر الحلّي،و بعضهم كالمبسوط و الخلاف،كمهذّب القاضي.و له تحقيقات أنيقة» (4).


1) هامش«لؤلؤة البحرين»:228 [1] ترجمة 83.

2) الكنى و الألقاب للقمّي:127/3،ط صيدا [2]عام 1358 ه.

3) أعيان الشيعة:129/6 [3] ترجمة 3457.

4) قاموس الرجال:378/2،و:89/4،ط قم عام 1410-1419 ه.

23-و قال عنه خير الدين الزركلي:«فقيه إمامي مقدّم.من أهل الحلّة في العراق.كان مرجع الشيعة الإمامية في عصره.له علم بالأدب،و شعر جيد» (1).

نثره و شعره:

لم ينحصر نبوغ المصنّف بعلوم الشريعة،بل نبغ في شتّى ميادين العلم و المعرفة،و تفوّق في مختلف الفنون،كما مرّ علينا فيما تقدّم من كلمات العلماء في حقّه،و هذا هو شأن النوابغ و اولي حدّة الذهن،يفوقون الأقران في كل واد يسلكوه،و يبدعون في كل ميدان يقتحموه.فقد برع المصنّف في كلّ ما طرقه من المجالات،و منها ميدان الأدب،و ظهرت براعته في أوّل خطوة له في ذلك،فتراه يجيد القريض في أوّل مقطوعة له، و يلهب المشاعر في بداية الجولة،فإذا به و هو يخوض التجربة الأدبية قدير على انتقاء المفردات العذبة،متمكّن من صياغة الجمل المتناسقة،آخذ بمجامع القلوب.فما بالك به لو أنّه واصل المشوار،و سلك هذا الدرب، و لم يقطع عليه والده المسيرة،و لم يصدّه عن تلك الوجهة؟!حرصا على طاقاته الهيّاجة،و ذكائه الوقّاد،و عمره الثمين،أن يبذل إلاّ فيما يجعله «صاحب الشرائع»،و شفقة عليه في أن يشتهر إلاّ ب«المحقّق»،و أن يوصف إلاّ ب«نجم الدين»؛فتحية و ألف تحية لهذا الأب.فمثله الجدير بأن يوصف ب(الأب).و أدرك الابن حسن الغاية،فحبس نفسه عن تعاطي الشعر و الأدب،و فرّغ نفسه للتفقّه في الدين،حتّى صار مفخرة لذلك الوالد،بل


1) الأعلام:123/2،ط بيروت [1]عام 1986 م.

للامّة الإسلامية و المذهب الإمامي.و لنقرأ القصّة برواية المصنّف نفسه،في جواب رسالة أتته من أحد العلماء،طلب منه فيها أن يطلعه على شعره:

قال السيد الأمين:في مجموعة الشهيد (1)التي هي بخطّ الشيخ محمد ابن علي العاملي الجباعي،جدّ الشيخ البهائي:«قال الشيخ أبو القاسم جعفر ابن سعيد الحلّي:بسم اللّه الرحمن الرحيم.لمّا وقفت على ما أمر به الصاحب،الصدر الكبير،العالم الكامل،العارف،المحقق،بهاء الدنيا و الدين،غياث الإسلام و المسلمين،أدام اللّه أيامه في عزّ مؤيّد،و فخر ممهّد،وجد مجدّد،و نعمة قارّة العيون،باسقة الغصون،دارّة الحلب، حميدة المنقلب،محروسة الجوانب،مصونة من الشوائب؛و تأمّلت ما برز عنه من الألفاظ،التي هي أعذب من الماء الزلال،و أطيب من الغنى بعد الإقلال،فهي التي يعجز الطامع ببديعها،و يعجب السامع حسن جمعها و ترصيعها،فكأنّ الشاعر عناه بقوله:

و لا ذنب للأفكار أنت تركتها إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها

تنوء بإيراد المعاني و ألّفت خواطرك الألفاظ بعد شرادها

فإن نحن حاولنا اختراع بديعة حصلنا على مسروقها أو معادها

و ليس بمستغرب تفرّده ببديع النثر و النظم،مع ما وهبه اللّه سبحانه من جودة القريحة،و قوّة الفهم.نسأل اللّه أن يديم لفضلاء الآداب، و رؤساء الكتّاب ما كنفهم من ظلّه،و شملهم من فضله،و أباحهم من مراتعه،و سوّغهم من شرائعه،ليستمرّ نفاق سوقهم،و يشمّروا للاجتهاد فيه


1) كلمة(الشهيد)عند إطلاقها تنصرف إلى الشهيد الأوّل،و لكنّ المقصود بها هنا الشهيد الثاني،لأنّ وفاة الشهيد الأوّل في سنة 786 ه،و وفاة صاحب الخطّ في سنة 886 ه.

عن سوقهم.دلّت ألفاظه الكريمة على استدعاء ما يكون تذكرة لأهل الوداد،و عهدا يجدّد به ما أخلقته يد العباد.فعند ذلك أحببت أن أدخل فيمن سارع إلى امتثال أوامره،لأكون في جملة من شرّفه بذكره،و تخطّره بخواطره،فأقول:إنّ الشعر من أفضل مشاعر الأدب،و أجمل مفاخر العرب،به تستماح المكارم،و تستعطف الطباع الغواشم،و تشحذ الأذهان، و تستلّ الأضغان،و يستصلح الرأي الفاسد،و تستثار الهمم الجوامد،لكنّه عسر المطلب،خطر المركب،لافتقاره إلى امور غريزية،و اخرى كسبيّة، و هي شديدة الامتناع،بعيدة الاجتماع،فالمعتذر عن التعرّض له معذور، و المعترف بالقصور عنه مشكور.و قد كنت زمن الحداثة أتعرّض لشيء منه ليس بالمرضي،فكتبت أبياتا إلى والدي رحمه اللّه،اثني فيها على نفسي،بجهل الصبوة،و هي:

ليهنك أنّي كلّ يوم إلى العلى

اقدّم رجلا لا تزلّ بها النعل

و غير بعيد أن تراني مقدّما

على الناس طرّا ليس في الناس لي مثل

تطاوعني بكر المعاني و عونها

و تنقاد لي حتّى كأنّي لها بعل

و يشهد لي بالفضل كلّ مبرّز

و لا فاضل إلاّ ولي فوقه فضل

فكتب رحمه اللّه فوق هذه الأبيات ما صورته:لئن أحسنت في شعرك،لقد أسأت في حقّ نفسك،أمّا علمت أنّ الشعر صناعة من خلع العفّة،و لبس الحرفة،و الشاعر ملعون و إن أصاب،و منقوص و إن أتى بالشيء العجاب،

و كأنّي بك قد أوهمك الشيطان فضيلة الشعر،فجعلت تنفق ما تلفق،بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره،فسمّوك به،و كان ذلك و صمة عليك آخر الدهر،أ لم تسمع:

و لست أرضى أن أكون شاعرا تبّا لها من عدد الفضائل

فوقف خاطري عند ذلك،حتّى كأنّي لم أقرع له بابا.و لم أرفع له حجابا، و أكّد ذلك عندي ما رويته بإسناد متصل،أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دخل المسجد،و به رجل أطاف به جماعة،فقال:ما هذا؟قالوا:علاّمة.فقال:

ما العلاّمة؟قالوا:عالم بوقائع العرب و أنسابها و أشعارها.فقال عليه الصلاة و السلام:ذلك علم لا يضرّ من جهله،و لا ينفع من علمه.و من البيّن أنّ الإجادة فيه تفتقر إلى تمرين الطبع،و صرف الهمّة إلى الفكر في تناسب معناه،و رشاقة ألفاظه،و جودة سبكه،و حسن حشوه،تمرينا متكررا، حتّى يصير خلقا.و كما أنّ ذلك سبب الاستكمال فيه،فالإهمال سبب القصور عنه.و إلى هذا المعنى أشرت في جملة أبيات:

هجرت صوغ قوافي الشعر مذ زمن هيهات يرضى و قد أغضبته زمنا

وعدت اوقظ أفكاري و قد هجعت عنفا و ازعج غربي بعد ما سكنا

إن الخواطر كالآبار إن نزحت طابت و إن يبق فيها ماؤها أجنا

فاصفح شكرت أياديك التي سلفت ما كنت اظهر عيبي بعد ما كمنا

و لمكان إضرابي عن نظمه،و إعراضي حتى عن ذكر اسمه،لم يبق إلاّ ما هو حقيق أن يرفض و لا يعرض،و يضمر و لا يظهر،لكنّي مع ذلك اورد ما أدخل به في حيّز الامتثال،و إن كان ستره أنسب بالحال.فمنه:

و ما الإسراف من خلقي و إنّي لأجزأ بالقليل عن الكثير

و لا اعطي المطامع لي قيادا و لو خودعت بالمال الخطير

و اغمض عن عيوب الناس حتّى أخال بأن يناجيني ضميري

و أحتمل الأذى في كلّ حال على مضض و أعفو عن كثير

و من كان الإله له حسيبا أراه النجح في كلّ الامور

و منه:

يا راقدا و المنايا غير راقدة و غافلا و سهام الدهر ترميه

بم اغترارك و الأيام مرصدة و الدهر قد ملأ الأسماع داعيه

أما أرتك الليالي قبح دخلتها و غدرها بالذي كانت تصافيه

رفقا بنفسك يا مغرور إنّ لها يوما تشيب النواصي من دواهيه

و حسب تحصيل الغرض بهذا القدر،فنحن نقتصر عليه،و نستغفر اللّه سبحانه و تعالى من فرطات الزلل،و ورطات الخلل،و نستكفيه زوال النعم،و حلول النقم،و نستعتبه محلّ العثار،و سوء المرجع في القرار.و من أفضل ما يفتتح به النظام،و يختتم به الكلام؛ما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:من سلك طريقا إلى العلم سلك اللّه به طريقا إلى الجنّة.و قال صلّى اللّه عليه و آله:لا خير في الحياة إلاّ لعالم مطاع،أو مستمع واع.و قال صلّى اللّه عليه و آله:تلاقوا،و تذكروا، و تحدّثوا؛فإنّ الحديث جلاء القلوب،إنّ القلوب ترين كما يرين السيف.

و قال صلّى اللّه عليه و آله:لا يزيد في العمر مثل الصدقة،و لا يردّ البلاء مثل الدعاء، و لا ينوّر العبد مثل الخلق الحسن،و لا يذهب الذنوب إلاّ الاستغفار.

و الصدقة ستر من النار،و جواز على الصراط،و أمان من العذاب.و قال صلّى اللّه عليه و آله:

صلوا الأرحام يغفر لكم،و تعاهدوا المساكين يبارك لكم في أموالكم،و يزاد في حسناتكم.و قال صلّى اللّه عليه و آله:إنّ اللّه سبحانه يقول:اطلبوا الحوائج عند ذوي الرحمة من عبادي،فإنّ رحمتي لهم،و لا تطلبوها عند القاسية قلوبهم،فإنّ غضبي فيهم.و قال صلّى اللّه عليه و آله:صنائع المعروف تقي مصارع السوء.و قال صلّى اللّه عليه و آله:

من اقتصر من الدنيا على ما احلّ له سلم،و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا،و من أراد به الدنيا فهو حظّه.و كتب جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي» (1).

و من نماذج شعره و نثره ما جاء في جوابه عن رسالة وردته من الشيخ محفوظ بن وشاح،ذكرهما المحقّق الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني،قال:

«رأيت بخطّ الشهيد الأوّل،في بعض مجاميعه،أنّ الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد،كتب إلى الشيخ المحقّق نجم الدين بن سعيد،أبياتا،من جملتها:

أغيب عنك و أشواقي تجاذبني إلى لقائك جذب المغرم العاني

إلى لقاء حبيب مثل بدر دجى و قد رماه بإعراض و هجران

و منها:

قلبي و شخصك مقرونان في قرن عند انتباهي و بعد النوم يغشاني

يا جعفر بن سعيد يا إمام هدى يا واحد الدهر يا من ما له ثان

إنّي بحبّك مغرى غير مكترث بمن يلوم و في حبيك يلحاني

فأنت سيّد أهل الفضل كلّهم لم يختلف أبدا في فضلك اثنان

في قلبك العلم مخزون بأجمعه تهدي به من ضلال كل حيران

و فوك فيه لسان حشوه حكم يروى (2)به من زلال كلّ ظمآن

و فخرك الشامخ الراسي (3)وزنت به رضوى فزاد على رضوى و ثهلان


1) أعيان الشيعة:133/6-134 [1] ترجمة 3457.و قد ذكر الشيخ الحرّ العاملي محلّ الشاهد منها،في:أمل الآمل:50/2-51 [2] ترجمة 127.

2) كذا في الروضات.و [3]في الأعيان( [4]تروي).

3) كذا في الروضات.و [5]في الأعيان( [6]السامي).

فأجابه المحقّق بهذه الأبيات:

لقد وافت قصائدك العوالي تهزّ معاطف اللّفظ الرشيق

فضضت ختامهنّ فخلت أنّي فضضت بهنّ عن مسك فتيق

و جال الطرف منها في رياض كسين بناضر الزهر الأنيق

فكم أبصرت من لفظ بديع يدلّ به على المعنى الدقيق

و كم شاهدت من علم خفيّ يقرّب مطلب الفضل السحيق

شربت بها كئوسا من معان غنيت بشربهن عن الرحيق

و لكنّي حملت بها حقوقا أخاف لثقلهنّ من العقوق

فسر يا با الفضائل بي رويدا فلست اطيق كفران الحقوق

و حمّل ما اطيق به نهوضا فإنّ الرفق أنسب بالصديق

و كتب بعدها نثرا.من جملته:و لست أدري كيف سوّغ لنفسه الكريمة، مع حنوّه على إخوانه،و شفقته على أوليائه و خلاّنه،إثقال كاهلي بما لا يطيق الرجال حمله،بل تضعف الجبال أن تقلّه،حتّى صيّرني بالعجز عن مجاراته أسيرا،و أوقفني في ميدان محاورته حسيرا» (1).

مؤلّفاته و مصنّفاته:

اشارة

قال السيد الأمين:«قد رزق في مؤلّفاته حظّا عظيما» (2).و لعلّ السرّ في هذا التوفيق-بعد الإخلاص في العمل للّه تعالى-أمران:أحدهما:أنّ مؤلّفاته جاءت تلبية لحاجة فعلية،و كانت بدافع الضرورة،فملأت الفراغ


1) روضات الجنّات:184/2-185 [1] ترجمة 170،أعيان الشيعة:134/6 [2] ترجمة 3457.

2) أعيان الشيعة:129/6 ترجمة 3457.

الملموس،فأصبح لها الوقع الكبير في النفوس.و هذا ما يبدو بوضوح من إجراء مقارنة-و إن كانت عاجلة-بينها و بين ما سبقها من كتب الإماميّة في الفقه و اصوله.

ثانيهما:أنّه مؤلّف مقلّ،يهمّه الكيف لا الكم،يرجّح الإتقان على الإكثار.فقد صبّ كلّ ثقله العلمي في مؤلّفاته،من حيث المادّة،و من حيث الأداء،و من حيث المنهجية.فخرجت مؤلّفاته مهذّبة منقّحة.و هي:

1-شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام.

لقد وصفه العلاّمة الحجّة السيد حسن الصدر بأنّه«قرآن الفقه» (1).

و قال فيه السيد الأمين:«هو عنوان دروس المدرسين في الفقه الاستدلالي في جميع الأعصار،و كل من أراد الكتابة في الفقه الاستدلالي يكتب شرحا عليه،كمسالك الأفهام،و مدارك الأحكام،و جواهر الكلام،و هداية الأنام، و مصباح الفقيه،و غيرها.و صنّف بعض العلماء شرحا لتردداته خاصّة.

و عليه من التعليقات و الحواشي عدد كثير (2).و نسخه المخطوطة النفيسة لا تحصى كثرة.و طبع طبعات كثيرة في إيران.و لا يكاد يوجد واحد من العلماء أو طلبة العلوم الدينيّة ليس عنده منه نسخة.و طبع في لندن عاصمة بلاد الإنگليز».كما طبع في النجف الأشرف عام 1389 ه،في مطبعة الآداب في أربعة مجلّدات،بتحقيق عبد الحسين محمد علي البقّال، و مقدّمة رائعة للعلاّمة الكبير السيد محمد تقي الحكيم.و قال فيه العلاّمة


1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام:306.

2) ذكر العلاّمة الطهراني شروحه،في:الذريعة إلى تصانيف الشيعة:316/13- 332 ط النجف [1]عام 1378 ه،و ذكر حواشيه في نفس المصدر:106/6-108، ط طهران عام 1363 ه.

الطهراني:«و قد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلّفه إلى الآن.و لا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية.و قد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة،فجعلوا أبحاثهم و تدريساتهم فيه،و شروحهم و حواشيهم عليه» (1).و للتعرّف على مزايا هذا الكتاب و خصائصه يرجع إلى مقدّمة السيد الحكيم على طبعة النجف المذكورة.

2-النافع.

و يطلق عليه(المختصر النافع).و هو متن فقهي متين،اختصر المصنّف كتابه السابق فيه،فهو مختصر«شرائع الإسلام».و قد نال هو الآخر،اهتمام الفقهاء،و إعجاب المحققين،فعكفوا عليه،و صار عنوانا لأبحاث طائفة اخرى من المجتهدين،و محطّا لأنظارهم.قال السيد الأمين «عليه شروح كثيرة،مثل:كشف الرموز لتلميذه الآبي اليوسفي،و التنقيح الرائع للمقداد السيوري،و البرهان القاطع،و غيرها.و عليه من الحواشي و التعليقات شيء كثير لأجلاّء العلماء» (2).

و طبع عدّة مرّات،منها في القاهرة عام 1376 ه،بتحقيق لجنة من العلماء،و تقديم الشيخ أحمد حسن الباقوري،وزير الأوقاف في مصر آنذاك،و اقرّ تدريسه في جامع الأزهر.و منها في النجف عام 1383 ه.

3-المعتبر.

و هو كتاب فقهي استدلالي مقارن،وضعه المصنّف شرحا لكتابه السابق،إذ قال في مقدّمته:«حتى اتفق لنا اختصار كتاب الشرائع بالمختصر


1) نفس المصدر:47/13.

2) أعيان الشيعة:129/6 [1] ترجمة 3457.و ذكر شروحه العلاّمة الطهراني،في: الذريعة إلى تصانيف الشيعة:57/14،ط النجف [2]عام 1381 ه.

النافع،فدقّ كثير من معانيه،لشدّة اختصاره،و اشتبهت مقاصده،لبعد أغواره؛فحرّكني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله،و تقرير دلائله».

و لكن لم يخرج منه إلاّ كتاب الطهارة،و الصلاة،و الزكاة،و الصوم، و الاعتكاف،و شيء من كتاب الحجّ.و قد صدّره بمقدّمة في أربعة فصول.

الأوّل:في وصايا نافعة.الثاني:في أنّ مذهب أهل البيت عليهم السّلام متعيّن الاتباع.الثالث:في مستند الأحكام.الرابع:في السبب المقتضي للاقتصار على نقل أقوال طائفة معيّنة من الفقهاء.و قد طبع عدّة مرّات،لعلّ آخرها في مجلّدين،في قم عام 1364 ه شمسي،بتحقيق جماعة.لكنّه بحاجة إلى طبعة لائقة به.

4-شرح نكت النهاية.

و هو مجموعة تعليقات له على كتاب«النهاية»للشيخ الطوسي،و قد يسمّى ب:«حلّ مشكلات النهاية» (1).و هو كتاب جليل مفيد،نافع في حلّ مشكلات النهاية و غوامضها،و شرحها،و تفسيرها.و جاءت هذه التعليقات بصياغة أسئلة و أجوبة عن نكات معيّنة غامضة في بعض عبارات الشيخ الطوسي في الكتاب المذكور.و قد طبع هذا الكتاب أخيرا منضمّا إلى كتاب «النهاية»تحت عنوان«النهاية و نكتها»في ثلاث مجلّدات،في قم عام 1417 ه،بتحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.

5-أجوبة المسائل العزّية.
6-أجوبة المسائل العزّية الثانية.

1) مقدّمة«النهاية و نكتها»:128.

7-أجوبة المسائل المصرية.
8-أجوبة المسائل البغدادية.
9-أجوبة المسائل الخمسة عشر.
10-أجوبة المسائل الكمالية.
11-أجوبة المسائل الطبرية.
12-رسالة التياسر في القبلة .

12-رسالة التياسر في القبلة .(1)

13-المقصود من الجمل و العقود

13-المقصود من الجمل و العقود .(2)

و هذه الرسائل التسع(5-13)كلّها فقهية،و قد طبعت منضمّة إلى بعضها في مجلّد واحد تحت عنوان«الرسائل التسع»في قم عام 1413 ه، بتحقيق الاستاذ العلاّمة الشيخ رضا الاستاذي.

14-مختصر المراسم

14- مختصر المراسم .(3)

قال العلاّمة الطهراني:توجد منه نسخة في مكتبة الشيخ محمد السماوي،في النجف الأشرف (4).


1) قال الشيخ ابن فهد الحلّي،في:المهذّب البارع:312/1:«و اعلم أنّه اتفق حضور العلاّمة المحقّق خواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي-قدّس اللّه روحه-مجلس المصنّف[يعني:المحقّق الحلّي]طاب ثراه،و درسه؛فكان فيما جرى بحضوره درس القبلة،فأورد إشكالا على التياسر،فأجاب المصنّف في الحال بما اقتضاه ذلك الزمان،ثمّ عمل في المسألة رسالة،و بعثها إليه،فاستحسنها المحقّق حين وقف عليها.و ها أنا موردها بلفظها...».و تقدّم ذكر القصّة.

2) و هو مختصر«الجمل و العقود»للشيخ الطوسي.

3) كتاب«المراسم في الفقه الإمامي»لحمزة بن عبد العزيز الديلمي،الملقّب ب (سلاّر)،المتوفى سنة 463 ه،ط النجف الأشرف عام 1400 ه.

4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة:208/20،ط طهران [1]عام 1390 ه.

15-رسالة في عدم كفر من اعتقد بإثبات المعدوم.

توجد منها نسخة خطيّة في مكتبة السيد الروضاتي بأصبهان (1).

16-فهرست المصنّفين ،أو:تلخيص فهرست الشيخ الطوسي

16 -فهرست المصنّفين ،أو:تلخيص فهرست الشيخ الطوسي .(2).(3)

17-كتاب في المنطق.

و قد اختلف في ضبط اسمه،و تردد بين«النكهة» (4)و«الكهنة» (5).

قيل:توجد منه نسخة خطيّة في طهران (6).

18-المسلك في اصول الدين.
19-الرسالة الماتعية.

و قد طبعا منضمّين إلى بعضهما في مجلد واحد،في مشهد المقدّسة عام 1421 ه،بتحقيق الاستاذ العلاّمة الشيخ رضا الاستاذي.

20-المعارج في اصول الفقه.

بهذا الاسم ذكره ابن داود في رجاله (7)،و الحرّ العاملي (8)،و الميرزا الأفندي (9)،و المحدّث البحراني (10)،و السيد الأمين (11).و لكن سمّاه


1) مقدّمة«الرسائل التسع»:20-21. [1]

2) كما في:الذريعة إلى تصانيف الشيعة:395/16،ط طهران [2]عام 1347 شمسي.

3) كما في مقدّمة«الرسائل التسع»:20. [3]

4) كما في رجال ابن داود:83 ترجمة 300.

5) كما في:أمل الآمل:49/2 ترجمة 127،رياض العلماء:106/1، [4]لؤلؤة البحرين:235 [5] ترجمة 83،روضات الجنات:183/2 [6] ترجمة 170،و غيرها.

6) مقدّمة«الرسائل التسع»:21. [7]

7) رجال ابن داود:83 ترجمة 300.

8) أمل الآمل:48/2 ترجمة 127.

9) رياض العلماء:106/1. [8]

10) لؤلؤة البحرين:235 [9] ترجمة 83.

11) أعيان الشيعة:132/6 [10] ترجمة 3457.

الميرداماد ب«نهج المعارج»،فقال في«الرواشح»في بحث(المرسل):«قال المحقّق في مختصره المعروف«نهج المعارج»في الاصول» (1).و قال العلاّمة الطهراني:إنّه اسم آخر للكتاب (2).و ذكره هو في عدّة مواضع (3)بعنوان«معارج الاصول»،و في موضع بعنوان«معارج الأحكام»في اصول الفقه (4).و الاسم الشائع على الألسن«معارج الاصول»،اختصارا و تخفيفا- كما يقال ل«العدّة في اصول الفقه»للشيخ الطوسي:«عدّة الاصول»-و هو العنوان الذي تحمله الطبعة الحجرية من الكتاب في طهران عام 1310 ه.

هذا ما يتعلق باسمه.

و أمّا الكتاب نفسه،فقد عرّفه العلاّمة الطهراني بقوله:«متن مختصر في اصول الفقه،للمحقّق الحلّي رحمه اللّه.و هو-كسائر تصانيفه-ممّا عكف عليه الأصحاب بالشرح و التعليق» (5).و ذكر له من الشروح و الحواشي ما يلي (6):

1-شرح معارج الاصول،بعنوان«قوله قوله»،لبعض الأصحاب المتأخّرين عن الشهيد الثاني.

2-شرح معارج الاصول،للشيخ العالم الشهير بميرزا بابا


1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة:425/24،ط طهران 1398 ه. [1]

2) نفس المصدر. [2]

3) نفس المصدر:69/14-70،و:180/21،و:193/24-194،و: [3]425/24.

4) نفس المصدر:204/6. [4]

5) نفس المصدر:69/14. [5]

6) نفس المصدر:69/14-70،و:193/24-194،و:204/6. [6]

السبزواري.قال الطهراني:و نسخته موجودة في مكتبة مدرسة المولى محمد باقر السبزواري في مشهد الرضا عليه السّلام.

3-شرح معارج الاصول،للمير عبد الصمد الحسيني،من أحفاد مير سيد عليا الهمداني الحائري العارف.قال الطهراني:يوجد عند الميرزا عبد الرزاق المحدّث الهمداني،كما كتبه إلينا،و عند السيد محسن الأمين العاملي،رأيته في مكتبته بالشام.

4-شرح معارج الاصول،للسيد الأجل مير فيض اللّه بن عبد القاهر الحسيني التفريشي،المتوفى سنة 1025 ه.قال الطهراني:نسخة منه كانت عند الفاضل أبي المجد آقا رضا الأصفهاني كما كتبه إلينا.و نسخة عند الشيخ هادي كاشف الغطاء،ضمن مجموعة كلّها بخطّ الشيخ شرف الدين علي بن جمال الدين المازندراني النجفي،كتبها 10 سنة 1055 ه إلى 1060 ه.و فيها كثير من المسائل و الرسائل و الفوائد.

5-نظام الفصول في شرح نهج الوصول إلى علم الاصول.قال الطهراني:المتن هو(نهج المعارج)للمحقّق الحلّي كما ذكره الميرداماد،أو (معارج الاصول)كما على المطبوع 1310 ه.و الشرح هذا لفتح اللّه بن علوان القباني الدورقي المتوفى عام 1130 ه،أوّله(الحمد للّه...و الصلاة و السلام على أشرف العالمين).و أضاف:رأيت منه نسخة عليها تملّك محمد بن إسماعيل الحجازي القبيسي العاملي،ملكها في المشهد الغروي -على مشرّفه السلام-في 1175 ه.

6-شرح المعارج في الاصول،للآخوند محمد كاظم ابن الحاج كمال الدين البزّاز ابن قطب الدين البهبهاني،المتوفى سنة 1254 ه،من

تلامذة الوحيد البهبهاني.نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى بطهران (1).

7-الحاشية عليه،للمولى محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي الأخباري،المتوفى بمكّة عام 1038 ه،تقرب من ألف بيت.قال الطهراني:رأيتها في مكتبة مجد الدين.

8-الحاشية عليه،للشيخ عبد الحسين بن الحاج جواد البغدادي، المتوفى في رجب 1365 ه.قال الطهراني:رأيتها في كتبه ببغداد.

و الملفت للانتباه في هذه الشروح و الحواشي أنّها متأخّرة التاريخ، ممّا يدلّ على بقاء هذا الكتاب رائجا متداولا بين أهل العلم،و الدراسة الحوزوية،رغم تعقّبه بمؤلّفات العلاّمة الحلّي المتعدّدة في اصول الفقه، المختصرة و المتوسطة و المبسوطة،ف«تهذيب العلاّمة»و إن لاقى إقبالا شديدا في حوزات البحث و التدريس،و جعل متنا لكثير من الشروح و التعليقات (2)،و لكن«المعارج»لم يفقد بذلك مكانته عند المحصّلين،و لم تضعف منزلته عند المشتغلين.بل يدلّ زمن هذه الشروح و الحواشي على بقاء هذا الكتاب غضّا نظرا في رياض البحوث العلمية،و جنائن الحوزات التدريسية،رغم خروج مقدّمة«معالم الدين»للمحقّق الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني،المتوفى عام 1011 ه،فإنّها لم تصبح بديلا له كمنهج دراسي،و لم تحلّ محلّه كمتن اصولي،إلاّ بعد تطاول المدّة،و تعاقب الفترة.


1) هذا الشرح لم يذكره العلاّمة الطهراني،و إنّما ورد ذكره في مقالة نشرت في مجلّة «پيام بهارستان».

2) راجع مقدّمة«تهذيب الوصول»:19،ط قم [1]عام 1421 ه.

و غيابه عن المحوريّة للتدريس فيما بعد،لم يستتبعه هجران ما فيه من آراء و نظريات لمؤلّفه،بل بقيت آراء المحقّق الحلّي في اصول الفقه مطروحة على بساط البحث و التحقيق،و أقواله حيّة تخضع للمدارسة و التدقيق.فهذا الشيخ الأنصاري،مجدد علمي الفقه و اصوله عند الإمامية، و الذي قلب قواعد اصول الفقه و أركانه رأسا على عقب ليعيدها بهيكلية فنيّة منقّحة،و يقيمها على مبان علمية رصينة،و يصوغها بمنهجية جديدة متطوّرة؛نراه لا يغفل آراء المحقّق و أقواله في هذه الحلبات،بل يتفطّن إلى دقائق عباراته،و يحلّ ألغاز أفكاره،و يتبنّاها رأيا له أحيانا،يدعمه بالبرهان الساطع و الدليل القاطع،كما في مسألة التفصيل في حجية الاستصحاب بين الشك في المقتضي و الرافع (1).

هذا،على ما عليه الكتاب من الأهمية في كشفه عن المراحل التي مرّ بها علم اصول الفقه عند الشيعة الإمامية،و مجال معرفة تاريخ مفردات المباحث و المسائل المطروحة في هذا العلم،و تحديده لمعاني المصطلحات التي تعاقبت عليها الأدوار،كمصطلح الاجتهاد،الذي كان في كتابي«الذريعة»و«العدّة»ممقوتا يوصف بالبطلان،لما له من معنى في ذلك العصر يضعه في عرض أدلّة الاستنباط،و مستند الأحكام،ثمّ أصبح في عصر«المعارج»مقبولا،لا يتحاشاه الإمامية،و لا يبرءون منه،لما آل إليه من معنى«بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية من أدلّة الشرع» (2).

و بعد،ف«المعارج»متن اصولي متقن،مختصر،مقارن.احتوى على


1) فرائد الاصول:50/3-51 ط قم [1]عام 1422 ه.

2) راجع ص(253)من هذا الكتاب.

عصارة الأفكار الاصولية المعاصرة له،و لباب المطالب المهمّة،مع تهذيب المباحث،و تنقيح الأدلّة،و تبويب المسائل،بعيدا عن التكرار و الإطناب و بعثرة المطالب.ذلك ما ميّزه عن ذريعة علم الهدى و عدّة شيخ الطائفة، و أفرده عمّا أعقبهما من المصنّفات،فأصبح الكتاب الثالث للإمامية في اصول الفقه.

هل للمصنّف كتاب آخر في اصول الفقه؟

جاء في بعض كتب التراجم و المعاجم عنوان«نهج الوصول إلى معرفة علم الاصول»في عداد مؤلّفات المصنّف.و لكنّه وهم ،نشأ من ورود هذا الاسم في إجازة الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني،نقلا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القسيني،في إجازة للشيخ نجم الدين طمان بن أحمد العاملي الشامي.و قد اشتملت هذه الإجازة على حكاية امور مستبعدة،ذكرها السيد الخونساري (1)،فلا يمكن الاعتماد عليها.على أنّه لم يعثر على أيّ نسخة من هذا الكتاب.و ما ادعي له من النسخ في الفهارس فهي نسخ«المعارج»التبس فيها الأمر على النسّاخ و المفهرسين.فلو كان للمصنّف كتاب كهذا لاشتهرت نسخه بين أهل العلم -لما لهم من إقبال على مؤلّفات المحقّق-و لعثر على بعضها.و ثالثا:إنّ للعلاّمة الحلّي كتابا في اصول الفقه بهذا العنوان (2)،و هذا ينفي وجود كتاب للمحقّق بهذا الاسم،فمن المستبعد جدّا أن يؤلّف العلاّمة الحلّي-و هو مجمع الفضائل و الكمالات-كتابا يحمل اسم كتاب استاذه و خاله.هذا،


1) روضات الجنّات:188/2-189 [1] ترجمة 170.

2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة:426/24، [2]عن«الخلاصة».

و قد اعتبر البحّاثة الخبير العلاّمة الطهراني أنّ هذا العنوان هو اسم آخر ل«المعارج» (1).

وفاته و مدفنه:

قال تلميذه ابن داود،في رجاله:«توفي في شهر ربيع الآخر سنة ستة و سبعين و ستمائة» (2).و نقل المحدّث البحراني عن«بعض الأجلاّء الأعلام من متأخّري المتأخّرين[أنّه]قال:رأيت بخطّ بعض الأفاضل ما صورة عبارته:في صبح يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة 676 ه، سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي رحمه اللّه من أعلى درجة في داره،فخرّ ميتا لوقته من غير نطق و لا حركة،فتفجّع الناس لوفاته،و اجتمع لجنازته خلق كثير،و حمل إلى مشهد أمير المؤمنين عليه السّلام.

و سئل عن مولده،فقال:سنة 602 ه» (3).

قال الحجّة السيد محمد صادق بحر العلوم:«أي:مشهد أمير المؤمنين عليه السّلام المعروف ب(مشهد الشمس)بالحلّة.قال صاحب منتقى المقال:

«و قبره اليوم مزار معروف،و عليه قبّة،و له خدّام يتوارثون ذلك أبا عن جدّ.

و قد خربت عمارته منذ سنين فأمر الاستاذ العلاّمة-دام علاه-بعض أهل الحلّة فعمروها.و قد تشرّفت بزيارته قبل ذلك و بعده».و يريد ب(الاستاذ العلاّمة)الآغا محمّد باقر بن محمد أكمل البهبهاني المتوفى بكربلاء سنة 1206 ه.و ما زال قبر المحقّق الحلّي حتى اليوم في محلّة(الجباويين)


1) نفس المصدر:193/24-194،426-427.

2) رجال ابن داود:83 ترجمة 300.

3) لؤلؤة البحرين:231 [1] ترجمة 83.

من الحلّة ماثلا للعيان،و عليه قبّة مجصّصة،يتبرّك الناس به خلفا عن سلف.و قد فتح أخيرا في المحلّة المذكورة-حيث محلّ قبره-شارع جديد يعرف باسم(شارع المحقّق)حتى اليوم.و عند ما فتح هذا الشارع تصدّى الوجيه الحاج عبد الرزاق مرجان لشراء قطعة مجاورة للمرقد، و بناها ملحقة به،و بنى عليه قبّة جميلة من الحجر الكاشاني،و كان ذلك سنة 1375 ه» (1).

رثاؤه:

قال الشيخ الحرّ العاملي (2):و لمّا توفي رثاه جماعة.منهم الشيخ محفوظ بن وشاح،فمن قصيدته يرثيه قوله:

أقلقني الهمّ (3)و فرط الأسى و زاد في قلبي لهيب الضرام

لفقد بحر العلم و المرتضى في القول و الفعل و فصل الخصام

أعني أبا القاسم شمس العلى الماجد المقدام ليث الزحام

أزمّة الدين بتدبيره منظومة أحسن بذاك النظام

شبّه به البازي في بحثه و عنده الفاضل فرخ الحمام

قد أوضح الدين بتصنيفه من بعد ما كان شديد الظلام

بعدك أضحى الناس في حيرة عالمهم مشتبه بالعوام

لو لا الذي بيّن في كتبه لأشرف الدين على الاصطلام


1) هامش«لؤلؤة البحرين»:231-232.و [1]يراجع النصّ المنقول عن أبي علي الحائري صاحب:منتهى المقال:240/2 ط قم عام 1416 ه.

2) أمل الآمل:51/2-52 [2] ترجمة 127.

3) في نسخة:«أتلفني الدهر».و في:أعيان الشيعة:35/6:« [3]أقلقني الدهر».

قد قلت للقبر الذي ضمّه كيف حويت البحر و البحر طام

عليك منّي ما حدا سائق أو غرّد القمري ألفا سلام

*** و في الختام أذكّر بأنّ ما تقدّم عن حياة المصنّف ليس إلاّ قبسة عجلان،و إلاّ فإنّ الإلمام بشخصيته و أبعادها،و دراسة مصنّفاته المتعدّدة في مختلف العلوم و تقييمها،له مجال آخر.و إنّما أردنا السير على ما جرت به العادة من تصدير الكتب بلمحة عن حياة مؤلّفيها و مصنّفيها،لئلاّ يدخل القارئ إلى الكتاب خالي الذهن عن شخصيّة صاحبه.و نستميح المصنّف و القراء العذر عن قصورنا و تقصيرنا في إعطاء المصنّف حقّه بهذه الترجمة اليسيرة.

النسخ الخطيّة المعتمدة في التحقيق:

اعتمدت في تحقيق الكتاب على النسخ الخطّية التالية:

1-نسخة محفوظة في مكتبة(ملك)في طهران-منضمّة إلى«المسلك في اصول الدين»للمصنّف،المحفوظ فيها في مجموعة برقم(1632)- و هي بخطّ محمد بن علي...فرغ منها في شهر شوال سنة(674)ه.

أي:قبل وفاة المصنّف بأكثر من سنتين.و قوبلت على الأصل المأخوذة عنه في سنة 682 ه.و قد سقط ما يزيد على ثلثها الأوّل.و قد أشرنا في هامش ص(158)إلى موضع بدايتها.و رمزنا إليها في الهامش بالحرف(أ).

2-نسخة محفوظة فيها أيضا،بآخر المجموعة المذكورة.و هي نسخة نفيسة،جيدة،كاملة،مصححة،و عليها بعض الحواشي و التعليقات.

فرغ كاتبها منها في رجب سنة(707)ه.و لكنّه ختمها بتسمية الكتاب ب(نهج الوصول إلى علم الاصول).فرمزنا إليها في الهامش بالحرف الأوّل منه(ن)إلفاتا لذلك.

3-نسخة محفوظة برقم(9049)في مكتبة الإمام الرضا عليه السّلام في

مشهد-إيران.و هي بخطّ علي بن أحمد النباطي.فرغ منها في العاشر من شهر صفر من سنة(1010)ه.و هي مقابلة بنسخة عليها خطّ المصنّف.و عليها تصحيحات،و بعض الحواشي.و رمزنا إليها في الهامش بالحرف(ب).

4-نسخة محفوظة برقم(2948)فيها أيضا،مجهولة الناسخ و التاريخ.رمزنا إليها في الهامش بالحرف(ج).

5-نسخة محفوظة برقم(6711)فيها أيضا.مجهولة الناسخ و التاريخ.و الورقة الأخيرة منها مكتوبة بخطّ يغاير خطّ ناسخها.رمزنا إليها في الهامش بالحرف(د).

6-نسخة محفوظة برقم(2013)في مكتبة المدرسة الفيضية بقم- إيران.ناسخها أبو القاسم بن أحمد الحسيني،فرغ منها بأصبهان في العاشر من جمادى الثانية عام(1243)ه.رمزنا إليها في الهامش بالحرف(ه).

كما قابلنا على النسخة المطبوعة حجريا في طهران عام 1310 ه.

منهج التحقيق:

1-قابلت النسخ بعضها ببعض،و اتبعت طريقة التلفيق بينها في اختيار النصّ المثبت في المتن،فعند اختلاف النسخ أثبتّ الصواب أو الأصوب في المتن،و أوردت في الهامش ما في النسخ الاخرى.كما أشرت في الهامش إلى اختلاف النسخ في الزيادة و النقيصة.

2-أهملت ذكر ما اختلفت فيه النسخ تذكيرا و تأنيثا،و ما احتوته من أخطاء لغوية و إعرابية و إملائية،فأوردت النص على وفق القواعد الأدبية.

كما أهملت الإشارة إلى ما اختلفت فيه النسخ في إيراد كلمة(تعالى) و(سبحانه)بعد ذكر لفظ الجلالة،و اختلافها في(صلّى اللّه عليه و آله) و(عليه السلام)بعد ذكر النبي،و اختلافها في الترضّي و الترحّم بعد ذكر بعض العلماء كالسيد المرتضى و غيره،فأثبتّ في المتن ما ورد في أكثر النسخ و لم اشر في الهامش إلى اختلافها في مثل هذه الموارد.

3-قمت بتقطيع النصّ،و وضع علامات الترقيم،وفقا لما تمليه مادة البحث،كيلا يجد المراجع مشقة عند مطالعة الكتاب و مراجعته،و العثور على مورد بحثه.و وضعت العناوين على حدة بحروف متميّزة،و وضعت على رأس سطر العبارات التي يبدأ بها البحث عن مسألة جديدة،أو يبدأ بها الاستدلال،و ما أشبه ذلك.

4-تخريج الآيات القرآنية.و أثبتّ في الهامش رقمها و اسم السورة التي وردت فيها.

5-تخريج الأحاديث الشريفة على كتاب(جامع الاصول)لابن الأثير،فقد احتوى غالب ما ورد في كتابنا من أحاديث،فهو كتاب يجمع الاصول.و أثبتّ في الهامش موضع وجود الحديث،كما أشرت إلى اختلاف لفظ الحديث إن وجد.و يلاحظ أنّ الأحاديث التي وردت في كتابنا هي التي تداولتها معظم كتب الاصول المتقدّمة التصنيف على زمان المصنّف،فقد وردت في تلك الكتب إمّا للتمثيل بها،أو للاستدلال،أو لكون مدلولها هو محلّ البحث و هو موضوع المسألة،كما يجد القارئ ذلك في بحث(المجمل).و هناك عدّة قليلة من الأحاديث لم أعثر عليها في (جامع الاصول)استخرجتها من مصادر حديثية اخرى،كما سيلاحظه القارئ.

6-تخريج النصوص و العبارات المنقولة عن الكتب الاصولية و غيرها،و مقابلتها بما جاء في تلك الكتب،و الإشارة إلى الاختلاف إن وجد،و الإشارة إلى موضع وجودها في المصدر المنقول عنه.

7-تخريج الآراء و الأدلة المنسوبة إلى العلماء.فقد قمت بالبحث عن الآراء و الأدلّة و استخراجها،إمّا من كتب أصحابها إن كان لصاحب القول أو الدليل كتاب في متناول اليد،و إمّا من الكتب الاصولية الناقلة لها ممّا هي

متقدّمة زمانا على المصنّف.فإذا نقل المصنّف قولا أو استدلالا للجبّائي مثلا فإنّي اشير في الهامش إلى المصنّفات الاصولية،السابقة على زمان المصنّف،الناقلة له.و ربّما أوردت في الهامش عددا كثيرا من المصادر، و ذلك لاحتمال أن يكون كل منها هو المصدر الذي اعتمده المصنّف في نقل ذلك القول أو الدليل،مرتّبا لها عند ذكرها بحسب تاريخ وفاة أصحابها و طبقاتهم.

8-نسبة الأقوال و الأدلّة لأصحابها.فإنّا نجد المصنّف أحيانا يذكر رأيا أو دليلا دون تعيين القائل،و إنّما يذكره بعنوان(قيل)،و يذكر الدليل بعنوان(احتجوا).و قد بحثت في كتب الاصول عنها فإن وجدت القائل و المستدل ذكرته،و إلاّ أشرت في الهامش إلى موضع وجود تلك الأقوال و الأدلّة فيها.

9-أثبتّ في آخر الكتاب أسماء المصادر التي رجعت إليها في التحقيق،لإيضاح تفاصيل الطبعات التي اعتمدت عليها و تعيين النسخة من كل كتاب رجعت إليه،نظرا لتعدد طبعات الكتاب الواحد.

و الحمد للّه أولا و آخرا،و ظاهرا و باطنا.

بقلم

محمد حسين ابن المرحوم العلاّمة السيد علي نقي نجل الحجّة العلم صاحب الكرامات المشهورة آية اللّه المقدّس الحاج السيد مرتضى الرضوي الكشميري.

قم المقدّسة/ليلة عيد الغدير من سنة 1423 ه.

نماذج مصوّرة من النسخ الخطيّة المعتمدة في تحقيق الكتاب بداية الموجود من نسخة أ

نهاية النسخة أ

بداية النسخة ن

نهاية النسخة ن

بداية النسخة ب

نهاية النسخة ب

بداية النسخة ج

نهاية النسخة ج

بداية النسخة د

نهاية النسخة د

بداية النسخة ه

نهاية النسخة ه

بداية النسخة الحجرية

نهاية النسخة الحجرية

معارج الأصول للمحقّق الحلّي

الشّيخ نجم الدّين ابي القاسم

جعفر بن الحسن بن يحيي بن سعيد الهذلي

«صاحب الشّرائع»

602-676 ه

حقّقه

السّيّد محمّد حسين الرّضويّ الكشميري

بسم اللّه الرحمن الرحيم (1)أحمد اللّه على سابغ نعمته (2)،و سائغ عطيّته،كما أشكره على جليل (3)هبته،و جميل هدايته،حمد معترف بكمال قدرته،مقرّ بجلال (4)عظمته،معتقد أنّه لا شبه له في أحديته،و لا مضاهي له في إلهيّته (5)، مذعن بقصور الأذهان عن اكتناه هويته،و انسداد المخارج المفضية إلى الإحاطة بحقيقة معرفته،و اصلّي على خير بريّته،و أكرم خاصّته،و على الطاهرين من عترته.

و بعد ذلك،فإنّه تكرر من جماعة من الأصحاب-أيّدهم اللّه تعالى بعصمته،و شملهم بعامّ رحمته-التماس مختصر في الاصول،مشتمل على


1) زاد في ن:(ربّ وفقني يا لطيف).و زاد في ب:(و به ثقتي).

2) في ب،د،الحجرية:(نعمه).

3) في ه:(جزيل).

4) في ه:(بجميل).

5) في ج:(هيبته).

المهمّ من مطالبه،غير بالغ في الإطالة إلى حدّ يصعب على طالبه؛فأجبتهم إلى ذلك،مقتصرا على ما لا بدّ من الاعتناء به،غير متطاول إلى إطالة مسائله،و تغليق مذاهبه،و من اللّه استمدّ التوفيق،إنّه على ذلك قادر، و بإسدائه حقيق.

و هو يشتمل على أبواب عشرة:

الباب الأوّل: في المقدّمات

اشارة

و هي ثلاثة

المقدّمة الاولى

اشارة

لمّا كان البحث في هذا الكتاب إنّما هو بحث في اصول الفقه،لم يكن بدّ من معرفة فائدة (1)هاتين اللّفظتين:

فالأصل (2)في الأصل هو:ما يبنى (3)عليه الشيء و يتفرّع عليه.

و الفقه هو:المعرفة بقصد المتكلّم.و في عرف الفقهاء هو:جملة من العلم بأحكام شرعية عملية مستدلّ على أعيانها.

و نعني بالشرعية:ما استفيدت بنقل الشريعة لها عن حكم الأصل،أو بإقرار الشريعة لها عليه.

و اصول الفقه في الاصطلاح هي:طرق الفقه على الإجمال.

فائدتان

الاولى:الأحكام عندنا هي المنقسمة إلى كون الفعل حسنا-واجبا كان،أو مندوبا،أو مباحا،أو مكروها-و إلى كونه قبيحا.

فالواجب:ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذمّ.


1) كلمة:(فائدة)لم ترد في ه،الحجرية.

2) في الحجرية:(و الأصل).

3) في د،ه،الحجرية:(يبتني).

و المندوب:ما بعث المكلّف على فعله على وجه ليس لتركه تأثير في استحقاق الذمّ على حال.

و المباح:ما استوى طرفا (1)فعله و تركه في عدم استحقاق المدح و الذمّ.

و المكروه:ما الأولى تركه،و ليس لفعله تأثير في استحقاق الذمّ.

و القبيح:ما لفعله تأثير في استحقاق الذمّ.و لا يسمّى القبيح حراما و لا محظورا حتى يزجر عنه زاجر.

الفائدة الثانية:إذا عرفت أنّ اصول الفقه إنّما (2)هي طرق الفقه على الإجمال ،و كان المستفاد من تلك الطرق إمّا علم،أو ظنّ عن دلالة أو أمارة بواسطة النظر؛لم يكن بدّ من بيان فائدة كلّ واحد من هذه الألفاظ.

فالنظر:هو ترتيب علوم،أو ظنون،أو علوم و ظنون،ترتيبا صحيحا ليتوصّل به إلى علم أو ظنّ.

و العلم:هو الاعتقاد المقتضي سكون النفس،مع (3)أنّ معتقده على ما تناوله.و الأقرب أنّه غنّي عن التعريف،لظهوره.

و الظنّ:هو تغليب أحد مجوّزين ظاهري التجويز بالقلب.

و الدلالة:هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم.

و الأمارة:هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى الظنّ.


1) في ن،ب،ج،د،ه:(طرف).

2) كلمة:(إنّما)لم ترد في الحجرية.

3) كلمة:(مع)لم ترد في ن،د.و لمعرفة الوجه لذكرها يراجع:الذريعة:20/1.

المقدّمة الثانية

اشارة

الخطاب هو:الكلام الذي قصد به مواجهة الغير.

و الكلام هو:ما انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المسموعة المتواضع عليها إذا صدرت من ناظم واحد.و منهم من شرط الإفادة (1).

و منهم من شرط المواضعة (2).و الثاني يبطل بتقسيم أهل اللّغة الكلام إلى المهمل و المستعمل،و مورد التقسيم مشترك.

و على ما قلناه؛فالكلام إمّا مهمل،و هو:ما لم يوضع في اللّغة لشيء.و إمّا مستعمل.

و المستعمل:إمّا أن لا يستقلّ بالمفهومية،و هو الحرف.و إمّا أن يستقلّ:فإن دلّ على الزمان المعيّن فهو الفعل،و إن لم يدلّ فهو الاسم.

ثم الاسم:إمّا أن يكون تصوّر معناه مانعا من وقوع الشركة فيه،فهو (3)الجزئي،أو لا يمنع،فهو الكلّيّ (4)و حينئذ إن دلّ على الماهية فهو اسم الجنس عند النحاة،و إن دلّ على موصوفيتها فهو المشتق.

تقسيم

اللّفظ و معناه:

إن اتحدا:فإمّا جزئي و إمّا كلّي.فإن كان كلّيا،و كان معناه في موارده


1) الذريعة:8/1،العدّة:28/1. [1]

2) المعتمد:10/1،المحصول:177/1-178.

3) في ن:(و هو).

4) جملة:(فهو الكلّي)زيادة من ه.

بالسوية؛فهو متواطئ،أو متفاوتا؛فهو مشكك.

و إن تكثّرا؛فالألفاظ متباينة،سواء كانت المعاني متصلة أو منفصلة.

و إن تكثّرت الألفاظ و اتحد المعنى؛فهي مترادفة.

و إن تكثّرت المعاني و اتحد اللّفظ من وضع واحد:فإن كانت دلالتها على المعاني بالسوية؛فهي مشتركة.أو متفاوتة؛فالراجح حقيقة، و المرجوح مجاز.

المقدّمة الثالثة: في الحقيقة و المجاز.و هي ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: يشتمل على مسائل:

المسألة الاولى:في تعريفهما:

أظهر ما قيل في الحقيقة هي:كلّ لفظة افيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به (1)

المعتمد:11/1،المحصول:286/1.

.

و المجاز هو:كلّ لفظة افيد بها غير ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به،لعلاقة بينهما 2.

المسألة الثانية:فيما يفصل به بينهما

.و هو إمّا بنصّ أهل اللّغة-بأن يقولوا:هذا حقيقة و ذاك مجاز-أو بالاستدلال بعوائدهم (2)،كأن يسبق إلى أذهانهم-عند سماع اللّفظ-المعنى من دون قرينة.

و هاهنا فروق أخر (3):

الأوّل:الاطراد في فائدتها،دلالة على كون اللّفظ حقيقة في تلك الفائدة.

الثاني:صحّة التصرّف،كالتثنية و الجمع،دلالة على الحقيقة.

الثالث:استعمال أهل اللّغة،دلالة عليها أيضا.


1) 1 و 2)

2) في هامش الحجرية:(أي:عاداتهم).و في ه:(بفوائدهم).و قد وقع التعبير بكليهما في كتب اصول الفقه،ففي:المعتمد:25/1؛التعبير بالعادات،و في: الذريعة:13/1؛التعبير بالفوائد.

3) المعتمد:26/1-27،العدّة:38/1-39.

الرابع:تعليق اللّفظة بما يستحيل تعلّقها به،دلالة على المجاز،كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (1).

و في الكلّ نظر (2).

المسألة الثالثة:اللّفظ إمّا أن يستفاد وضعه للمعنى بالشرع أو
اشارة

بالوضع

.و الأوّل هو الحقيقة الشرعية.و الثاني:إمّا أن ينقل عن موضوعه (3)لمواضعة طارئة،و هو العرفية،أو لا ينقل،و هو اللّغوية.و كلّ واحدة من هذه الألفاظ:إمّا أن تكون موضوعة لمعنى واحد،و هي المفردة،أو لمعنيين فصاعدا،و هي المشتركة.

فوائد ثلاث

الاولى:لا شبهة في وجود الحقيقة الوضعية.و أمّا العرفية فكذلك؛ أمّا الإمكان فظاهر.و أمّا الوقوع فبالاستقراء:إمّا من عرف عامّ،كالغائط للفضلة و قد كان للمطمئن،و الدابّة للفرس و قد كان لما دبّ.و إمّا من عرف خاصّ،فكما للنحاة من الرفع و النصب،و لأهل الكلام من الجوهر و الكون.

تقسيم

العرف إمّا أن يجعل الاسم مستعملا في غير ما كان مستعملا فيه،أو في بعضه.و الثاني تخصيص،كلفظ الدابّة.و الأوّل:إمّا أن يرجح العرف الطارئ و يرفض السابق،و هو نقل،كالغائط و الراوية،أو لا يرجح،فيكون مشتركا،كقولنا:(كلام زيد)،فإنّه يقع على لفظه،و على حكاية كلامه،


1) يوسف82/.

2) وفاقا للسيد المرتضى،في:الذريعة:13/1-14.

3) في الحجرية:(موضعه).

كقولنا:(هذا كلام أمير المؤمنين)عند إيراد خطبه.

الفائدة الثانية:الحقيقة الشرعية موجودة.و صار جماعة من الأشعرية (1)إلى نفيها.و نعني بالشرعية:ما استفيد وضعها للمعنى بالشرع.

لنا:وجودها في ألفاظ الشارع،فإنّ الصوم في اللّغة الإمساك،و في الشرع إمساك خاصّ،و الزكاة الطهارة،و في الشرع طهارة خاصّة،و الصلاة الدعاء،و في الشرع لمعان مختلفة أو متواطئة،تارة تعرى عن الدعاء كصلاة الأخرس،و تارة يكون الدعاء منضمّا كصلاة الصحيح.

تفريع

الأصل عدم النقل،لأنّ احتمال النقل لو ساوى احتمال البقاء على الأصل لما حصل التفاهم عند التخاطب مع الإطلاق،لأنّ الذهن يعود مترددا بين المعنيين،لكنّ التفاهم حاصل مع الإطلاق،فكان الاحتمال منفيا.

الفائدة الثالثة:لا شبهة في وجود الحقيقة المفردة.و اختلف في المشتركة؛فمن الناس من أوجب وجودها،نظرا إلى كثرة المعاني و قلّة الألفاظ (2).و منهم من أحالها،صونا للفهم عن الخلل 3.و الأوّل باطل،لأنّا لا نسلّم كثرة المعاني عن الألفاظ.و الثاني باطل،لأنّ الغرض قد يتعلّق بالإبهام كما يتعلق بالإبانة.و أمّا وجودها فاستقراء اللّغة يحقّقه.

فرعان

الأوّل:الأصل عدم الاشتراك،لأنّه لو لا ذلك لما حصل الفهم إلاّ عند


1) كالقاضي أبي بكر،و من تبعه،مستدلا بوجهين.و لم يوافقه الغزالي و غيره،فراجع: المنخول:73،المستصفى:273/1،المحصول:298/1،الإحكام:33/1.

2) 2 و 3) المعتمد:17/1،المحصول:262/1،الإحكام:20/1.

العلم بعدمه،و هو باطل،لأنّه يلزم بطلان الاستدلال بالنصوص،لجواز أن تكون ألفاظه (1)موضوعة لغير ذلك المعنى.

الفرع الثاني:يجوز أن يراد باللّفظ الواحد كلا معنييه-حقيقة كان فيهما،او مجازا،أو في (2)أحدهما-نظرا إلى الإمكان لا إلى اللّغة.

و أحال أبو هاشم (3)و أبو عبد اللّه (4)ذلك (5).و شرط أبو عبد اللّه في المنع شروطا أربعة:اتحاد المتكلم،و العبارة،و الوقت،و كون المعنيين لا تضمّهما فائدة واحدة (6).و قال القاضي (7):ذلك جائز ما لم يتنافيا كاستعمال


1) في ب:(يلزمه)بدل:(يلزم).و في ن:(الألفاظ)بدل(ألفاظه).

2) كلمة:(في)لم ترد في ب.

3) هو:عبد السلام بن محمّد بن عبد الوهّاب الجبّائي-نسبة على غير قياس إلى (جبّا)من قرى البصرة-من أبناء أبان مولى عثمان:عالم بالكلام،هو و أبوه-أبو علي-من كبار المعتزلة.له آراء انفرد بها.و تبعته فرقة سمّيت(البهشمية)نسبة إلى كنيته(أبي هاشم).ولد في عام 247 ه.و توفي سنة 321 ه.له مصنّفات،منها (الشامل)في الفقه،و(تذكرة العالم)و(العدّة)في اصول الفقه.عن:الأعلام للزركلي:7/4. [1]

4) هو:أبو عبد اللّه البصري؛الحسين بن علي بن إبراهيم،الملقّب ب(الجعل):فقيه حنفي المذهب،من شيوخ المعتزلة،كان رفيع القدر،انتشرت شهرته في الأصقاع لا سيّما خراسان.مولده في البصرة عام 288 ه.و وفاته ببغداد سنة 369 ه.قال عنه أبو حيّان:«يرجع إلى قوّة عجيبة في التدريس،و طول نفس في الإملاء،مع ضيق صدر عند لقاء الخصم».من كتبه(الردّ على الراوندي)و(الرد على الرازي). عن:الأعلام للزركلي:244/2. [2]

5) المعتمد:300/1،العدّة:53/1، [3]الإحكام:452/1.

6) المعتمد:300/1،التبصرة:184. [4]

7) هو:عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار الهمذاني الأسدآبادي،أبو الحسين: قاض،اصولي،كان شيخ المعتزلة في عصره.و هم يلقبونه ب(قاضي القضاة)و لا

لفظة(افعل)في الأمر و التهديد،أو (1)الوجوب و الندب (2).

لنا:أنه ليس بين إرادة اعتداد المرأة بالحيض و اعتدادها بالطهر منافاة، و لا بين إرادة الحقيقة و إرادة المجاز معا منافاة،و إذا لم يكن ثمّة منافاة لم يمتنع اجتماع الإرادتين عند التكلّم (3)باللّفظ.

حجّة المانع (4):لو استعمل المتكلم اللّفظة في حقيقتها و مجازها لكان جامعا بين المتنافيين،و إنّما قلنا ذلك لوجهين:أحدهما:أنّه يكون مريدا لاستعمالها فيما وضعت له و العدول بها عنه.و الثاني:أنّ المتجوّز يضمر كاف التشبيه،و مستعمل الحقيقة لا يضمر،فلو استعملها في المعنيين لأراد الإضمار و عدمه.

الجواب:لا نسلّم كونه جامعا بين المتنافيين.قوله:«يكون مريدا لموضوعها و العدول عنه».قلنا:تعني بالعدول كونه مريدا لاستعمالها في غير ما وضعت له (5)كما أراد استعمالها فيما وضعت له؟أم تريد استعمالها فيما وضعت له و أن لا يستعملها فيه؟الأوّل مسلّم و لا ينفعك،و الثاني ممنوع.


1) في ج،الحجرية:عطف بالواو.

2) المعتمد:301/1،الإحكام:452/1.

3) في ه،الحجرية:(المتكلم).

4) المعتمد:302/1.

5) كلمة:(له)لم ترد في ب،د.

قوله في الوجه الثاني:«يريد الإضمار و عدمه».قلنا:لا بالنسبة إلى شيء واحد،بل بالنسبة إلى شيئين،و ذلك ليس بمتناف.

و أمّا بالنظر إلى اللّغة:فتنزيل المشترك على معنييه باطل،لأنّه لو نزّل على ذلك لكان استعمالا له في غير ما وضع له،لأنّ اللّغوي لم يضعه للمجموع،بل لهذا وحده،أو (1)لذاك وحده،فلو نزّل عليهما معا لكان ذلك عدولا عن وضع اللّغة.

حجّة المخالف وجهان (2):

الأوّل:قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (3).

الثاني:قال سيبويه:(الويل) (4)دعاء و خبر.

جواب الأوّل:أنّ في الآية إضمارا:أمّا على قراءة النصب،فلأنّ ذلك أدخل في باب التعظيم.و أمّا على قراءة الرفع،فلأنّ العطف على اسم(إنّ) لا يصحّ إلاّ بعد تمام الخبر عند البصريين (5)،فكان التقدير:(إنّ اللّه يصلّي و ملائكته يصلّون).

و عن الثاني:أنّ ذلك إخبار عن كون اللّفظة موضوعة لهما معا، و ذلك غير موضع النزاع.


1) في ه:عطف بالواو.

2) الإحكام:453/1.

3) الأحزاب56/.و [1]وجه الاستدلال:أنّ الصلاة من اللّه الرحمة،و من الملائكة الدعاء و الاستغفار،و هما معنيان مختلفان،و قد اريدا بلفظ واحد.كما في: الإحكام:453/1.

4) أي:قول القائل لغيره:(الويل لك).كما في:المعتمد:306/1. [2]

5) الإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري:186/1 مسألة(23).ط عام 1380 ه- 1961 م بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

المسألة الرابعة:لا يجوز أن يخاطب اللّه تعالى عباده بما لا طريق لهم إلى العلم بمعناه،خلافا للحشوية (1).

لنا:أنّ ذلك عبث،فيكون قبيحا.

احتجّوا (2):بقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (3)،و بقوله تعالى: حم (4)،و الم (5)،و ما أشبهها.

و الجواب:لا نسلّم خلوّ ذلك عن الفائدة،لأنّ الأوّل كناية عن القبيح (6)و استعارة فيه،و الثاني اسم للسورة.


1) المحصول:385/1.

2) المحصول:386/1. [1]

3) الصافات65/.

4) الآية الاولى من السور التالية:غافر،فصّلت،الزخرف،الدخان،الجاثية، الأحقاف.

5) الآية الاولى من:البقرة،آل عمران،العنكبوت،الروم،لقمان،السجدة.

6) في د:(القبح).

الفصل الثاني: في المجاز و أحكامه.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:أكثر الناس على إمكانه و وجوده

.و منعه قوم إمكانا و آخرون وقوعا (1).

لنا:أنّ اسم(الحمار)يستعمل في البليد،و ليس حقيقة فيه،فهو مجاز.

احتجّوا (2):بأنّ المجاز إن دلّ بدون القرينة فهو حقيقة،و معها لا يحتمل إلاّ ذاك (3)،فهو حقيقة أيضا.

جوابه:أنّ القرينة خارجة عن دلالة اللّفظ،و كلامنا في دلالته مفردا.

على أنّ القرينة قد لا تكون لفظية،و كلامنا في الدالّ بالوضع.

المسألة الثانية:المجاز ممكن الوجود في خطاب اللّه تعالى،

و موجود،خلافا لأهل الظاهر (4).

لنا:قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ (5)، وَ جاءَ رَبُّكَ (6)،


1) المعتمد:23/1،المنخول:75،الإحكام:40/1.

2) المحصول:323/1،الإحكام:41/1.

3) في ج،ه:(ذلك).

4) الإحكام لابن حزم:437/1-440،المعتمد:24/1، [1]المحصول:333/1، [2]الإحكام:42/1،المنتهى:23.

5) الكهف77/. [3]

6) الفجر22/. [4]

و قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (1)،و ليست هذه موضوعة في اللّغة لما أراده اللّه تعالى بها قطعا،و لا الشارع نقلها،لعدم سبق أذهان أهل الشرع عند إطلاقها إلى المراد بها،فتعيّن أن يكون مجازا.

احتجّوا:بأنّه لو تجوّز لكان ملغزا معمّيا (2).

و جوابه:أنّه لا إلغاز مع القرينة.

المسألة الثالثة:اختلفوا في جواز تعدية المجاز عن موضع

الاستعمال

؛فأجازه قوم (3)،و منعه الأكثر (4).

احتجّ المانع (5):بأنّه لو كفت العلاقة،لصحّ تسمية الحبل الطويل نخلة،كما يسمّى (6)به الرجل الطويل،و يسمّى الأبخر أسدا.

المسألة الرابعة:تشتمل على فوائد:

الاولى:لا يجوز خلوّ اللّفظ-بعد الاستعمال-من كونه حقيقة أو مجازا،لأنّه إن استعمل فيما وضع له فهو حقيقة،و إلاّ فهو مجاز (7).

الثانية:الحقيقة و المجاز لا يدخلان أسماء الألقاب،لأنّها لم تقع على مسمّياتها المعيّنة بوضع من أهل اللّغة و لا من الشرع،و إذا لم يكن كذلك لم يكن مستعملها في الأشخاص تابعا لأهل اللّغة،لا بالحقيقة و لا بالمجاز (8).


1) ص75/.

2) المعتمد:25/1،المحصول:333/1،الإحكام:43/1.

3) الذريعة:14/1-15.

4) المعتمد:30/1،المحصول:329/1،الإحكام:46/1.

5) المعتمد:30/1-31،المحصول:329/1،الإحكام:46/1.

6) في ب:(تسمّي).و في ن،ج،د،الحجرية:(سمّي).

7) المعتمد:28/1.

8) المعتمد:27/1-28.

الثالثة:إذا تجرّد اللّفظ عن القرائن نزّل (1)على حقيقته،لأنّ واضع اللّغة وضعه للدلالة على معناه،فكأنّه قال:(عند الإطلاق اريد به ذلك المعنى)،فلو لم يفد به عند الإطلاق كان ناقضا (2).

الرابعة:قال جماعة من الاصوليين (3):يجب اطّراد الحقيقة في فائدتها دون المجاز،لأنّا إذا علمنا أنّ أهل اللّغة سمّوا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول،و لو لا ذلك لما سمّوه طويلا؛وجب تسمية كلّ جسم فيه طول بذلك،قضية للعلّة.


1) في د:(يدلّ).

2) المعتمد:28/1.

3) المعتمد:29/1،الذريعة:11/1.

الفصل الثالث: في جملة من أحكام الحروف:

(الواو)للجمع المطلق ،لإجماع أهل اللّغة على ذلك (1).و أيضا:فإنّه يستعمل فيما يمتنع فيه الترتيب،كقولنا:(تقاتل زيد و عمرو).

و احتجّ (2):بإنكار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على قائل:«من أطاع اللّه و رسوله فقد هدي،و من عصاهما فقد غوى»بقوله:«قل:و من عصى اللّه و رسوله» (3).

و الجواب:أنّ الإفراد أدخل في باب التعظيم من الجمع،فلعلّه عليه السّلام قصد ذلك دون الترتيب.

(الفاء)للتعقيب (4)،بإجماع أهل اللّغة (5).و منهم (6)من جعلها للتراخي أيضا،لقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ (7)و الإسحات متراخ عن الفرية (8)،و لأنّ الفاء تدخل على التعقيب (9).

و جوابه:أنّ الأوّل تجوّز،و الثاني تأكيد.

(ثمّ)للمهلة .و قال آخرون:إلاّ في عطف الجمل،كقوله تعالى:

لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (10).


1) قال السرخسي في اصوله:20/1:«هو قول أكثر أهل اللّغة».

2) العدّة:32/1، [1]المحصول:367/1،الإحكام:60/1.

3) جامع الاصول:739/11-740 ح 9434.و فيه:(رشد)بدل(هدي).

4) أي:البعدية بلا مهلة(هامش ب).

5) المحصول:373/1.

6) في ب،ه:(فيهم).

7) طه61/. [2]

8) في ه:(الافتراء).

9) المحصول:375/1-376.

10) طه82/. [3]

(في)للظرفية خاصّة .و قيل (1):للسببية،كقوله:عليه السّلام«في خمس من الإبل شاة» (2).و لا يعرفه أهل اللّغة (3).

قيل:(الباء)إذا دخلت على المتعدّي تبعيضية.و أنكر ذلك ابن جنّي (4).

(إنّما)للحصر ،لأنّ(إنّ)للإثبات،و(ما)للنفي،فيجب أن يكون لنفي ما لم يذكر و إثبات ما ذكر،لاستحالة غيره من الأقسام.و يؤيّده قول الشاعر:

«و إنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي» (5)،و قوله:«و إنّما العزة للكاثر» (6).

احتجّ المخالف (7)بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (8).

و (9)جوابه:أنّه للمبالغة.


1) المحصول:377/1.

2) جامع الاصول:590/4-591 ح 2670.

3) كذا ذكر الفخر الرازي،في:المحصول:377/1،قال:«لأنّ أحدا من أهل اللّغة ما ذكر ذلك،مع أنّ المرجع في هذه المباحث إليهم».و لكن أثبته ابن هشام الأنصاري،في:مغني اللبيب:168/1 ط القاهرة [1]مطبعة المدني بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد،قال:«و الثالث:التعليل،نحو:(فذلكنّ الذي لمتنّني فيه)(لمسّكم فيما أفضتم)و في الحديث(أنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها).».

4) المحصول:380/1.

5) للفرزدق.و أوّله:(أنا الذائد الحامي الذمار).راجع:شرح شواهد المغني للسيوطي:718/2 رقم 494.ط دمشق [2]عام 1966 م بتحقيق أحمد ظافر كوجان.

6) للأعشى.و صدره:(و لست بالأكثر منهم حصى).راجع:المصدر السابق: 902/2 رقم 782. [3]

7) المحصول:383/1. [4]

8) الأنفال2/. [5]

9) حرف العطف:لم يرد في ب،ه.

الباب الثّاني: في الأوامر و النّواهي

اشارة

و فيه فصول

الفصل الأوّل: فيما يتعلّق بصيغة الأمر.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:لا شبهة في وقوع لفظ (1)الأمر بالحقيقة على القول المخصوص.و اختلف في وقوعه على الفعل؛فأنكر ذلك قوم (2)،و اعتمده آخرون (3)،و توسّط أبو الحسين (4)،فقال:هو مشترك بين القول المخصوص و بين الشيء،و الصفة،و الشأن،و الطريق (5).و هو المختار.

لنا:أنّ القائل إذا قال:(هذا أمر بالفعل)علم القول،و إن قال:

(مستقيم)علم الشأن،و إن قال:(لأجله جاء زيد)علم الشيء و الغرض، و إن أطلقه حصل التوقّف،و هو دلالة الاشتراك.و لا يجوز أن يكون لفظ


1) في ب،ج،د:(لفظة).

2) و قالوا:متى ما عبّر به عن الفعل كان مجازا،كما في:الذريعة:27/1.و في: المعتمد:39/1،و:الإحكام:356/1؛أنّ عليه أكثر الناس.و في:العدّة: 159/1؛ [1]أنّه مذهب أكثر المتكلمين و الفقهاء.و في:المحصول:9/2؛أنّه قول الجمهور.

3) و قالوا:هو مشترك بين القول و الفعل،كما في:الذريعة:27/1.و في: المعتمد:39/1؛أنّه قول طائفة من أصحاب الشافعي.و في:المحصول:9/2؛ أنّ عليه بعض الفقهاء.

4) هو:محمد بن علي الطيّب،أبو الحسين البصري:أحد أئمة المعتزلة.ولد في البصرة،و سكن بغداد و توفي بها سنة 436 ه.قال الخطيب البغدادي:«له تصانيف و شهرة بالذكاء و الديانة...».من كتبه:(المعتمد في اصول الفقه)جزءان، و(شرح الاصول الخمسة)و(تصفّح الأدلّة)و(غرر الأدلّة)كلّها في الاصول،و كتاب في الإمامة،و غيرها.عن:الأعلام للزركلي:275/6. [2]

5) المعتمد:39/1.

الأمر حقيقة في مطلق الفعل،و إلاّ لسمّي الشرب اليسير أمرا.

احتجّ من خصّه بالقول:بأنّ الأصل عدم الاشتراك (1).

و جوابه:أنّ الأصل ظاهر لا قاطع،و قد يترك (2)الظاهر لقيام الدلالة.

و احتجّ من جعله حقيقة في الفعل بوجوه (3):

أحدها:قوله تعالى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ (4).

الثاني:قوله تعالى: وَ ما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ (5).

الثالث:أنّ(أمرا)في الفعل جمعه(امور)،و الجمع دلالة الحقيقة.

الرابع:أنّه (6)مستعمل في الفعل،و الاستعمال دلالة الحقيقة.

و الجواب عن الأوّل:أنّه محمول على القول،و (7)يؤيّده قوله:

فَاتَّبَعُوا (8).

و عن الثاني:لا نسلّم أنّ المراد بذلك الفعل،و إلاّ لكانت أفعاله كلّها واحدة،بل الشأن،أي:شأننا ذلك.

و عن الثالث:لا نسلّم أنّ التصرّف دلالة الحقيقة.

سلّمناه (9)،لكن لا نسلّم أنّ(امورا)جمع(أمر)،فإنّه لا فرق بين


1) المحصول:9/2،الإحكام:357/1.

2) في ب،ج،د:(ترك).

3) المعتمد:41/1-42،العدّة:161/1، [1]اصول السرخسي:11/1-12، المحصول:11/2-13، [2]الإحكام:361/1.

4) هود97/. [3]

5) القمر50/. [4]

6) في ن،ب:(هو).و في ج،د،حجرية:(و هو)بدل(أنّه).

7) حرف العطف:لم يرد في ب،د،ه.

8) هود97/. [5]

9) في ج،د،الحجرية:(سلّمنا).

قولهم:(أمر فلان مستقيم)و بين قولهم:(اموره مستقيمة).

سلّمناه،لكن إطلاق ذلك لخصوص (1)كونه شأنا،لا لعموم كونه فعلا.

و عن الرابع:لا نسلّم أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة.

سلّمناه (2)لكنّه (3)معارض بأنّ الأصل عدم الاشتراك.

المسألة الثانية:الأمر القولي هو:استدعاء الفعل بصيغة(افعل)أو ما جرى مجراها على طريق الاستعلاء،إذا صدرت من مريد لإيقاع الفعل.

شرطنا الصيغة المخصوصة،احترازا من:الخبر،و التمنّي و شبهه (4)،إذا تضمّن الاستدعاء.

و شرطنا الاستعلاء،احترازا ممّن طلب متذلّلا ملتمسا.

و شرطنا الإرادة،على ما اختاره المرتضى (5)،خلافا للأشعرية (6)،


1) في د:(بخصوص).

2) في ج،د،الحجرية:(سلّمنا).

3) في ج،د،الحجرية:(لكن).

4) في ن:(شبههما).

5) هو:أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام،الملقّب ب(الشريف المرتضى)و ب(علم الهدى):نقيب الطالبيين،و أحد الائمة في علم الكلام و الأدب و الشعر.ولد ببغداد سنة 355 ه، و توفي بها سنة 436 ه.عدّه ابن الأثير من مجددي مذهب الامامية في رأس المائة الرابعة.له تصانيف كثيرة،قال العلاّمة الحلّي:«و بكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه إلى زماننا هذا و هو سنة 693 ه،و هو ركنهم و معلّمهم».من تصانيفه:(الشافي في الإمامة)و(تنزيه الأنبياء)و(الذريعة)في اصول الفقه،و(الانتصار)و(المسائل الناصرية)في الفقه.و(الغرر و الدرر)يعرف ب(أمالي المرتضى).عن:الكنى و الألقاب للقمّي:439-443،الأعلام للزركلي:278/4-279.و راجع ما اختاره هنا:الذريعة:41/1.

6) فإنّهم أثبتوا للطلب معنى مغايرا للإرادة.انظر:التبصرة:17-21،المنخول:

و جماعة من الفقهاء (1).

لنا:أنّ الصيغة ترد أمرا،كقوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ (2)،و غير أمر،كقوله:(افعلوا ما شئتم)،و لا مخصّص إلاّ الإرادة،لبطلان ما عداه من الأقسام.

احتجّ المخالف بوجهين (3):

أحدهما:لو لم يكن الأمر أمرا إلاّ بالإرادة،لما صحّ الاستدلال بالأمر على الإرادة.

الثاني:أنّ أهل اللّغة قالوا:الأمر هو قول القائل لغيره:(افعل)مع الرتبة؛و لم يشترطوا الإرادة،فجرى ذلك مجرى استعمال لفظ(الإنسان) في موضوعه (4)،فإنّه لا يفتقر إلى الإرادة.

و جواب الأوّل:أنّا لا نستدلّ على الإرادة بالأمر من حيث كان أمرا، بل من حيث هو على صيغة(افعل)و قد تجرّد،لأنّ هذه الصيغة موضوعة لطلب المراد حقيقة،فإذا تجرّدت،وجب حملها على موضوعها.

و جواب الثاني:سلّمنا عدم (5)اشتراطها نطقا (6)لظهورها،و لكن لا نسلّم عدم اشتراطها في نفس الأمر،كما لم يشترطوا انتفاء القرائن.


1) المعتمد: [1]43/1.

2) هود114/.

3) المعتمد:47/1.

4) في ج،الحجرية:(موضعه).

5) في ب،الحجرية:(بعدم).

6) في ه:(لفظا).

و ليس تمثيل (1)تسمية(الإنسان)ممّا نحن فيه،لأنّا (2)لا نخالف (3)-عند إطلاق هذه اللّفظة-أنّها تحمل على الأمر،بل الخلاف:هل يسمّى أمرا و إن لم يرد الفعل؟

المسألة الثالثة:لفظة(افعل)حقيقة في الطلب بلا خلاف.و هل هي حقيقة في التهديد أم لا؟الأظهر عدمه،و إلاّ لتوقّف الذهن في فهم أحد الأمرين عند الإطلاق،و هو باطل.

و أيضا:فإنّها حقيقة في الطلب،فلتكن مجازا في غيره،دفعا للاشتراك.

المسألة الرابعة:لفظة(افعل)حقيقة في الوجوب.و قال آخرون:

الإيجاب (4).و هو اختيار الشيخ أبي جعفر (5)(6).و قال أبو هاشم:هي للندب،


1) في د:(بمثله).

2) في ج،ه:(لأنّ).و في الحجرية:(لأنّه).

3) في ب،ج،د،الحجرية:(لا يخالف).

4) الذريعة:51/1،العدّة:171/1. [1]

5) هو:أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي:عماد الشيعة و رافع أعلام [2]الشريعة،شيخ الطائفة الإمامية على الإطلاق،و رئيسها الذي تلوى إليه الأعناق. صنّف في جميع علوم الإسلام و كان القدوة في ذلك و الإمام.و كان فضلاء تلامذته المجتهدين يزيدون على ثلاثمائة من الخاصّة،و من العامّة ما لا يحصى.ولد سنة 385 ه،و انتقل من خراسان إلى بغداد سنة 408 ه،و أقام فيها أربعين سنة،و كان له فيها كرسي الكلام،ثمّ رحل إلى النجف فاستقرّ فيها إلى أن توفي فيها سنة 460 ه.من مصنّفاته:(التبيان في تفسير القرآن)عشر مجلدات،و(المبسوط)في الفقه ثمان مجلدات،و(الخلاف)في الفقه المقارن،و(التهذيب)في الحديث عشر مجلدات،و(العدّة)في اصول الفقه،و(تلخيص الشافي)في علم الكلام و الإمامة. عن:الكنى و الألقاب للقمّي:357/2-359، [3]الأعلام للزركلي:84/6. [4]

6) العدّة:172/1.

إذا صدرت من الحكيم،و كان المقول له في دار التكليف (1).و توقّف آخرون (2).و قال المرتضى:هي مشتركة بينهما،نظرا إلى اللّغة (3).

قال:و أوامر الشارع المطلقة تحمل على الوجوب،مدعيا في ذلك الإجماع (4).

حجّتنا:أنّ العقلاء يذمّون العبد الممتنع عند قول سيّده:(افعل)مع إطلاق الأمر،و يعلّلون حسن ذمّه بمجرّد ترك الامتثال،و لا معنى للوجوب إلاّ هذا.و ما يشيرون إليه من القرائن تفرض ارتفاعه،و استحقاق الذمّ باق بحاله قطعا.

احتجّ المرتضى (5):بأنّها وردت للإيجاب و الندب (6)،و الأصل في الاستعمال الحقيقة.

و جوابه كما أنّ الأصل عدم التجوّز،فالأصل عدم الاشتراك.

المسألة الخامسة:صيغة الأمر الواردة بعد الحظر كحالها قبله.و قال قوم:تفيد بعد الحظر الإباحة (7).

لنا:أنّ صيغة الأمر تفيد طلب الفعل،و الإباحة تفيد التخيير فيه،فلم يكن مستفادا منها.و غير ممتنع انتقال الشيء من الحظر إلى الوجوب.


1) المعتمد:51/1،الذريعة:51/1.

2) اصول السرخسي:16/1.

3) الذريعة:51/1-53.

4) الذريعة:55/1.

5) الذريعة:52/1-53.

6) في ن،د:(للندب).

7) المعتمد:75/1،الذريعة:73/1،العدّة:183/1، [1]التبصرة:38،اصول السرخسي:19/1.

احتجّ الخصم (1):بقوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (2).

و جوابه:معارض بقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (3).

المسألة السادسة:ذهب الجبّائيان (4)إلى أنّ الأمر المطلق لا يقتضي التعجيل،و جوّزا التأخير عن أوّل (5)أوقات الإمكان (6).و صار آخرون إلى تحريم التأخير (7).و اختاره الشيخ (8).و قال المرتضى بالاشتراك (9).

و الظاهر:أنّه لا إشعار فيه بفور و لا تراخ.

لنا:أنّه ورد مع الفور تارة،و مع التراخي اخرى،فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما،صونا للكلام عن الاشتراك و التجوّز.

و أيضا:فإنّ قول القائل(افعل)هو طلب للفعل (10)في المستقبل، فجرى (11)مجرى(تفعل)في كونه إخبارا عن الفعل في المستقبل،و كما يجوز وقوعه بعد مدّة،فكذلك الأمر.


1) المعتمد:77/1،العدّة:184/1، [1]التبصرة:39-40. [2]

2) المائدة2/. [3]

3) التوبة5/. [4]

4) هما أبو علي،و ابنه أبو هاشم.و تقدّمت ترجمة الابن،و ستأتي ترجمة الأب.

5) كلمة:(أوّل)لم ترد في ج،ه،الحجرية.

6) المعتمد:111/1، [5]العدّة:226/1، [6]الإحكام:387/1.

7) المعتمد:111/1، [7]اصول السرخسي:26/1-27،الإحكام:388/1.

8) العدّة:227/1. [8]

9) الذريعة:131/1.

10) في ه:(الفعل).

11) في ج،د،الحجرية:(و جرى).

احتجّ القائلون بالفور (1):بقوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (2)، و بأنّه لو جاز تأخيره،فإمّا مع بدل،و يلزم سقوط المبدل،و هو باطل،أو لا معه،و هو ينافي الوجوب.

و جواب الأوّل:أنّه استدلال على غير المطلوب.

و جواب الثاني:أنّه (3)منقوض بما لو صرّح بالتأخير (4).

المسألة السابعة:الأمر بالشيء على الإطلاق لا يقتضي التكرار، خلافا لبعض الاصوليين (5).

لنا وجهان:

أحدهما:أنّ السيّد إذا أمر عبده بدخول الدار،ثمّ فعل،لم يحسن منه ذمّه على ترك المعاودة.

الثاني:لو أفاد التكرار لعمّ الأوقات،لعدم الأولوية،و هو باطل.

احتجّ المخالف بوجهين (6):

الأوّل:لو لم يفد التكرار لما اشتبه على سراقة حين قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«أ حجّتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» (7).


1) الذريعة:133/1-134،العدّة:227/1-229، [1]التبصرة:54-55.

2) البقرة148/. [2]

3) كلمة:(أنّه)لم ترد في ب،ج،الحجرية.

4) في د:(بالتراخي)بدل(بالتأخير).

5) المعتمد:98/1،الذريعة:99/1،العدّة:200/1،التبصرة:41،اصول السرخسي:20/1،الإحكام:378/1.

6) المعتمد:100/1-102،المحصول:103/2،الإحكام:379/1.

7) جامع الاصول:3/3-5 ح 1265،1266،1267،بتصرّف في اللفظ.و السائل هو الأقرع بن حابس التميمي،لا سراقة.

الثاني:أنّ فيه احتياطا فيجب المصير إليه.

و جواب الأوّل:أنّ هذا لا يصلح حجّة للقاطعين بالتكرار،بل لأصحاب الاشتراك،و لا فرج (1)أيضا لأولئك،لأنّا لا نسلّم أنّ الاشتباه بالنظر إلى اللّفظ،بل لم لا يجوز أن يكون اعتقده مماثلا للصلاة و الصيام؟! فأراد إزالة هذا الاشتباه.

و يدلّ على أنّه ليس للتكرار قول النبي صلّى اللّه عليه و آله:«لو قلت هذا لوجب» (2)لأنّه إشعار بكون الوجوب مستفادا من قوله،لا من اللّفظ.

و جواب الثاني:أنّ الاحتياط يجب مع عدم الدلالة على عدم وجوب التكرار،و أمّا مع وجودها فلا.

المسألة الثامنة:الأمر المعلّق على شرط،أو صفة،لا يتكرر بتكررهما،سواء كان شرطا حقيقيا،كقوله:(إن كان الزاني محصنا فارجمه)،أو مؤثّرا،كقوله:(إن زنى فارجمه).و مثال الصفة: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (3).و قال قوم (4):إنّه يتكرر بتكررهما.

لنا وجهان:

الأوّل:أنّ السيّد إذا قال لعبده:(إن دخلت السوق فاشتر لحما) لا يقتضي التكرار.


1) في الحجرية:بالحاء المهملة.

2) في الحديث المتقدّم تخريجه آنفا.

3) المائدة38/. [1]

4) المعتمد:106/1، [2]الذريعة:109/1،العدّة:206/1، [3]التبصرة:47، [4]المستصفى:10/2، [5]المحصول:107/2، [6]الإحكام:384/1.

و الثاني:لو أفاد الأمر مع الشرط التكرار،لم يخل:إمّا أن يفيده لفظا أو معنى.و القسمان باطلان؛أمّا اللّفظ فظاهر.و أمّا المعنى:فلأنّه لو أفاد ذلك (1)لكان ذلك لكون الشرط كالعلّة عندهم،و ذلك باطل،لأنّ الشرط يقف عليه تأثير المؤثّر،فلا يمتنع تكرر (2)الشرط،دون العلّة،فلا يحصل الحكم،و إذا كان اللّفظ لا يقتضي التكرار،و الشرط لا يقتضيه،فمجموعهما كذلك.

المسألة التاسعة:الأمر المقيّد بالشرط،منتف عند انتفاء الشرط، خلافا للقاضي (3).

لنا:أنّ قول القائل:(أعط زيدا درهما إن أكرمك)جار مجرى قولنا:

(الشرط في إعطائه (4)إكرامك)،و في الثاني ينتفي العطاء عند انتفاء الإكرام، فكذلك في مسألتنا.

و أيضا:فإنّ الشرط هو ما يقف (5)عليه الحكم،فلو حصل بدونه لم يكن شرطا.

و لا حجّة للمخالف (6)في قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (7)لأنّه لمّا ذكر الإكراه شرط إرادة التحصّن ليتحقّق الإكراه.


1) كلمة:(ذلك)زيادة من ج،الحجرية.

2) في ه،الحجرية:(تكرار).

3) المراد به إمّا عبد الجبّار و إمّا أبو بكر الباقلاّني،فكلاهما مخالفان في المسألة، فراجع:المعتمد:142/1،المحصول:122/2،الإحكام:84/2،المنتهى:152.

4) في ب:(عطائه).

5) في ج،ه:(يتوقّف).

6) المعتمد:144/2،المحصول:127/2،الإحكام:87/2.

7) النور33/. [1]

المسألة العاشرة:إذا تكررت الأوامر،فإن اختلف المأمور به،تعدّد كقوله:(صلّ صم).فإن تماثلا:فإمّا أن يصحّ فيهما التزايد أو لا يصحّ،فإن صحّ:فإمّا أن يكون الثاني معطوفا أو لا يكون،فههنا ثلاثة أقسام:

الأوّل:أن يصحّ فيه التزايد و لم يكن معطوفا؛فعند القاضي (1)يفيد غير ما أفاده الأوّل،إلاّ أن تمنع العادة منه،أو يكون الثاني معرّفا،كقولك:

(اسقني ماء اسقني ماء)،فإنّه لا يتكرر عادة،و كذلك:(صلّ ركعتين صلّ الركعتين)،لأنّ الظاهر أنّ الألف و اللاّم للعهد،فإذا تجرّد عن العادة و التعريف تعدّد.و توقّف أبو الحسين (2).

لنا:لو حمل الثاني على الأوّل،لكان الثاني تكرارا أو تأكيدا، و كلاهما خلاف الأصل.

الثاني:أن يكون الثاني معطوفا:فإن لم يكن معرّفا أفاد غير ما أفاده الأوّل،كقوله:(صلّ ركعتين و صلّ ركعتين).و إن (3)كان الثاني معرّفا، كقوله:(صلّ ركعتين و صلّ الركعتين)يجب هاهنا التوقّف،لأنّ اللاّم للعهد، و العطف يقتضي المغايرة،فتعارضا.

الثالث:أن يكون ممّا لا يصحّ فيه التزايد:فإن كانا عامّين أو خاصّين اتحدا،سواء كان بعطف أو بغير عطف.و أمّا إن كان أحدهما عامّا و الآخر خاصّا:فإن كان الثاني معطوفا؛قال القاضي (4):لا يدخل تحت الأوّل،


1) أي:عبد الجبّار،كما في:المعتمد:161/1.

2) المعتمد:162/1. [1]

3) في ن،ب،ج،د،ه:(فإن).

4) أي:عبد الجبار،كما في:المعتمد:164/1. [2]

مراعاة لحكم العطف.و الأولى التوقّف.و إن كان الثاني غير معطوف، كقوله:(صم كلّ يوم صم يوم الجمعة)،فإنّ الثاني تأكيد قطعا.و قال قوم بالتوقّف (1).

المسألة الحادية عشرة:تعليق الحكم على العدد لا يدلّ على نفي ما زاد عليه،و لا ما نقص عنه،من حيث اللّفظ،بل باعتبار زائد،لأنّ الأعداد مختلفة،فلم يجب اتفاقها في الحكم.

احتجّ الخصم بوجهين (2):

أحدهما:أنّه لو لم يدلّ لم يكن لذكر العدد فائدة.

الثاني:أن النبي عليه السّلام لمّا نزل عليه: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ (3)قال:«لأزيدنّ على السبعين» (4)،فلو لم يسبق إلى فهمه بأنّ


1) المعتمد:164/1.

2) المعتمد:147/1. [1]

3) التوبة80/. [2]

4) رواه البخاري و مسلم و النسائي،كما في:جامع الاصول:167/2-168 ح 658.هذا و قد ردّ السيد المرتضى،في:الذريعة:410/1؛هذا الخبر،قائلا: «و النبي صلّى اللّه عليه و آله أفصح و أفطن لأغراض العرب من أن يجوز عليه مثل ذلك،لأنّ معنى الآية النهي عن الاستغفار للكفار،فإنّك لو أكثرت في الاستغفار للكفار ما غفر اللّه لهم،فعبّر عن الإكثار بالسبعين،و لا فرق بينها و بين ما زاد عليها».و قطع الغزالي، في:المنخول:212؛بكذب الحديث قائلا:«إذ الغرض منه التناهي في تحقيق اليأس من المغفرة،فكيف يظنّ برسول اللّه(ص)ذهوله عنه».و قال في: المستصفى:87/2:« [3]الأظهر أنّه غير صحيح».و روى البخاري و الترمذي و النسائي، كما في:جامع الاصول:169/2 ح 659،أنّ النبي(ص)قال:«لو أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها».قال السيد المرتضى،في:الذريعة: 410/1:«و على هذه الرواية لا شبهة في الخبر».

ما زاد بخلافه،لما قال ذلك.

و جواب الأوّل:أنّه يدلّ بطريق دليل الخطاب،و سنبيّن ضعفه.

و عن الثاني:لا نسلّم أنّه عقل من اللّفظ،بل لأنّ الأصل جواز الغفران،و نحن لا نأبى العلم بذلك بدليل (1)آخر،كما نعلم حظر ما زاد على الثمانين في القذف بدليل الأصل.

المسألة الثانية عشرة:الحكم المعلّق على الاسم لا يدلّ على حكم ما عداه،سواء كان خبرا،كقوله:(زيد في الدار)،أو إيجابا،كقوله:(أكرم زيدا)،خلافا لأبي بكر الدقّاق (2)(3).

لنا:لو صحّ ذلك لما صحّ الإخبار عن إنسان (4)بشيء إلاّ بعد العلم بانتفائه عمّا عداه،و هو باطل.

و أيضا:فكان يلزم أن يكفر الإنسان بقوله:(موسى رسول اللّه)،لأنّه يتضمّن نفي الرسالة عن غيره.

احتجّ:بأنّ تعليق الحكم على الاسم يقتضي فائدة،و لا فائدة إلاّ اختصاصه بالحكم (5).

و جوابه:منع المقدّمة الأخيرة.

المسألة الثالثة عشرة:تعليق الحكم على الصفة لا يدلّ على نفيه


1) في ن،ب،ج:(من دليل).و في ه:(عن دليل).

2) هو:القاضي محمد بن محمد بن جعفر البغدادي،المولود سنة 306 ه، و المتوفى سنة 392 ه في بغداد:اصولي،شافعي.عن هامش:المحصول: 134/2.

3) المحصول:134/2،الإحكام:90/2،المنتهى:152.

4) في ج،د،الحجرية:(الإنسان).

5) المحصول:135/2،المنتهى:152.

عمّا عداها نظرا إلى اللّفظ،و لا نمنع (1)أن يستدلّ على ذلك بالأصل،أو بدليل آخر،خلافا لمعظم أصحاب الشافعي (2)،و أبي عبد اللّه البصري (3).

لنا:لو دلّ لدلّ إمّا بلفظه،أو بفحواه و معناه،و القسمان باطلان.أمّا الملازمة فظاهرة.و أمّا بطلان دلالته بلفظه؛فإنّه ليس في اللّفظ ذكر ما عدا الصفة.و أمّا الفحوى فلا تدلّ إلاّ بطريق التعليق و اللّزوم،و لا لزوم بين تعلّق الحكم عند صفة و انتفائه عند اخرى.

الثاني (4):قد ورد معلّقا على الصفة و انتفى عن غيرها،كقوله:«في سائمة الغنم زكاة» (5)،و ورد لا مع انتفائه،كقوله: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (6)،فيجعل حقيقة للقدر المشترك بينهما،و هو ثبوته عند الصفة حسب (7)،صونا للكلام عن الاشتراك و المجاز.

احتجّ الخصم:بأنّه لو ثبت الحكم مع انتفاء الصفة لكان تعليقه على الصفة عريّا عن الفائدة (8)،و يجري مجرى قولك:(الإنسان الأشقر لا يعلم


1) في ه:(يمتنع).

2) المعتمد:149/1،الذريعة:393/1-394،المحصول:137/2،الإحكام: 70/2،المنتهى:149.

3) المعتمد:150/1،الإحكام:70/2،المنتهى:149. [1]

4) في ج،ه،الحجرية:(فإنّه)بدل(الثاني).

5) مضمون أحاديث الزكاة،فراجع:جامع الاصول:590/4-594 ح 2670، 2671.

6) الإسراء31/. [2]

7) كلمة:(حسب)لم ترد في ه.و ضرب عليها المصحح لنسخة ب.

8) المعتمد:158/1،الذريعة:402/1،الإحكام:74/2،المنتهى:151.

الغيوب)،و:(الأسمر إذا نام لا يبصر) (1).

و جواب الأوّل:منع الملازمة،و هذا لأنّ هاهنا فوائد غير ما ذكروه:

منها:إعلام السامع أنّ الحكم متناول للصفة،لئلا يتوهّم خروجها عنه (2)،كقوله مثلا: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (3)،لأنّه لو لا اعتبار الخشية لأمكن أن يتوهّم أنّ القتل جائز معها،فذكر ذلك ليعلم ثبوت التحريم عندها أيضا.

و منها:أن تكون المصلحة تقتضي إعلامه حكم الصفة بالنصّ،و ما عداها بالنظر و الفحص.

و أمّا التمثيل بالأشقر و الأسمر؛فلا نسلّم أنّ الاستقباح جاء من حيث ذكروا (4)،بل من حيث هو بيان للواضحات.

و أيضا:فما ذكروه معارض بقولنا:(يجوز التضحية بالشاة العوراء)، فإنّه لا يدلّ على نفي الإجزاء (5)عن الصحيحة.


1) المحصول:143/2-144،مع تغيير المثال.

2) كلمة:(عنه)لم ترد في الحجرية.

3) الإسراء31/. [1]

4) في ه:(ذكرهما).

5) في الحجرية:(الصحة)بدل(الإجزاء).

الفصل الثاني: في المأمور به.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:الأمر بالأشياء على طريق التخيير يفيد وجوب الكلّ على البدل.و قال قوم:الواجب واحد لا بعينه.و قال آخرون:الواجب واحد،و هو يتعيّن باختيار المكلّف (1).

و معنى كون الكلّ واجبا:أنّه لا يجوز الإخلال بجميعها،و لا يجب الجمع بين اثنين منها.فإن كان الخصم يسلّم ذلك،فهو وفاق،و إن أنكره حصل الخلاف.

لنا:لو كان الواجب معيّنا لما خيّر المكلّف،و إلاّ لكان تخييرا بين الواجب و غيره.

لا يقال:يتعيّن باختيار المكلّف.

لأنّا نقول:الوجوب حاصل قبل الاختيار،فالموصوف به قبل الاختيار إمّا الكلّ على البدل،و هو مذهبنا،أو البعض،و ذلك ينافي التخيير.و ليست المسألة كثيرة الفائدة.

المسألة الثانية:الأمر يقتضي الإجزاء.نعني بذلك سقوط التعبّد عند الإتيان بالمأمور به (2).و قال القاضي (3):إنّ معنى وصف العبادة بكونها


1) المعتمد:79/1،الذريعة:88/1،العدّة:220/1، [1]التبصرة:70، [2]المنخول: 119،المستصفى:81/1-82، [3]المحصول:159/2-160،الإحكام:88/1، المنتهى:97. [4]

2) كلمة:(به)لم ترد في ب.

3) عبد الجبّار،كما في:المعتمد:91/1،الإحكام:395/1،المنتهى:97. [5]

مجزية هو أنّه لا يجب قضاؤها.

و هذا باطل،لأنّ كثيرا من العبادات لا تقضى و إن لم تكن مجزية، كصلاة الجمعة و العيدين إذا اختلّ بعض شرائط صحّتها (1)،و لأنّ القضاء يمكن تعليله بأنّ العبادة غير مجزية،و العلّة غير المعلول.

و إنّما قلنا إنّ الأمر يقتضي الإجزاء بهذا التفسير،لأنّ وجوب المأمور به يدلّ على اختصاصه بالمصلحة،فلو لم يكن الإتيان به على ذلك الوجه كافلا (2)بتحصيل المصلحة المطلوبة،لما حصل الأمر به.

لا يقال (3)الحجّة التي حصل الوطء فيها يجب إتمامها و لا تجزي.

لأنّا نقول:تجزي في البراءة من عهدة الأمر المتناول للمضي فيها، و لا تجزي في سقوط القضاء.

المسألة الثالثة:الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضدّه نطقا.و خالف في ذلك قوم (4).

لنا:أنّ أهل اللّغة فرّقوا بين صيغتي الأمر و النهي،و الفرق دليل على قطع الشركة.

حجّة المخالف (5):أنّ الآمر بالشيء مريد له،و إرادته للشيء كراهته (6)


1) كذا في النسخ.و المناسب تثنية الضمير.

2) في ه:(كافيا).

3) المعتمد:92/1،الذريعة:122/1-123،العدّة:213/1، [1]التبصرة:86، [2]المنخول:118،المستصفى:13/2،المحصول:248/2،الإحكام:397/1، المنتهى:98. [3]

4) المعتمد:97/1،اصول السرخسي:94/1،المستصفى:96/1،المنتهى:95.

5) الذريعة:86/1،العدّة:198/، [4]التبصرة:90، [5]المنتهى:95. [6]

6) في ه:(كراهية).

لضدّه (1).

و جوابه:منع الثانية.

و أمّا من جهة المعنى:فالأمر بالشيء على وجه الوجوب يدلّ على كراهية تركه و ضدّه إذا كان له ضد واحد،لأنّ الواجب تركه قبيح،إلاّ أنّ هذا ليس من دلالة اللّفظ في شيء.

المسألة الرابعة:ما لا يتمّ الواجب إلاّ به:إن لم يتمكّن المكلّف من تحصيله لم يكن واجبا.و إن تمكّن:فإن توقّف عليه الوجوب لم يجب.

و إن توقّف عليه الواجب لزم،و ذلك كنصب السلّم لصعود السطح.

لنا:أنّ الأمر مطلق،و الشرط مقدور،فيجب،و إلاّ لكان التكليف من دونه تكليفا بما (2)لا يطاق.


1) في ب،ج،د،ه،الحجرية:(ضده).

2) في ب،د،الحجرية:(لما).

الفصل الثالث: في مباحث الأمر المؤقّت.و فيه مسألتان:

اشارة

المسألة الاولى:الفعل إمّا أن يزيد على الوقت،و لا (1)يجوز التعبّد بإيقاعه فيه،أو يكون مساويا له (2)،كصوم يوم معيّن،و هو جائز إجماعا، أو يقصر عن الوقت،كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (3).و الأكثرون على جوازه.و منع بعض الحنفية ذلك.و قال بعضهم:الوجوب مختصّ بأوّل الوقت.و قال آخرون:بآخره (4).و قال أبو الحسن (5):هو مراعى (6).

لنا:أنّ الوجوب معلّق على الوقت،فيجب أن يكون في كلّه،و إلاّ لكان في بعضه،و هو ترجيح من غير مرجّح،أو لا في شيء منه،و هو باطل بالإجماع.


1) في ن:(فلا).

2) كلمة:(له)لم ترد في الحجرية.

3) الإسراء78/. [1]

4) المعتمد:125/1، [2]العدّة:234/1-235، [3]التبصرة:60-61، [4]المستصفى:/1 83-84، [5]المحصول:173/2-175، [6]الإحكام:92/1،المنتهى:35-36. [7]

5) هو:أبو الحسن،عبيد اللّه بن الحسين الكرخي،نسبة إلى الكرخ جانب من جانبي بغداد:فقيه،انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق.مولده في الكرخ سنة 260 ه، و وفاته ببغداد سنة 340 ه.له رسالة في الاصول،و عليها مدار فروع الحنفية، و(شرح الجامع الصغير)و(شرح الجامع الكبير).عن:الأعلام للزركلي:193/4. [8]

6) المعتمد:125/1، [9]التبصرة:61، [10]المحصول:174/2، [11]الإحكام:92/1، المنتهى:36. [12]

حجّة المخالف (1):لو وجب في أوّل الوقت لقبح تركه فيه.

و جوابه:أنّا نقول يترك إلى بدل،و هو العزم عند القوم (2)،و عند آخرين هو فعله بعد ذلك،فلا يلزم قبح تركه (3)،كخصال الكفارة.

المسألة الثانية:إذا لم يفعل الموسّع في أوّل الوقت،لا يجب العزم.

و قال الشيخ (4):يجب العزم.

لنا:لو وجب العزم،لسقط التكليف بالفعل في الثاني،لأنّه إن قام العزم مقامه،كفى في الإتيان بمقتضى الأمر،فلو وجب في الثاني بذلك الأمر،لزم أن يكون الأمر للتكرار،و قد أبطلناه.

فرعان

الأوّل:الأمر المؤقّت بزمان معيّن،لا يقتضي فعله فيما بعده إذا عصى المكلّف بتركه،لأنّ الأمر لا يدلّ على ما عدا ذلك الوقت، لا بمنطوقه،و لا بمعناه.

الفرع الثاني:الأمر المطلق إذا لم يفعله المكلّف في أوّل وقت الإمكان،هل يجب الإتيان به في الثاني؟قال من نفى الفور:نعم.و اختلف القائلون بالفور على قولين (5).


1) الذريعة:151/1،التبصرة:62،الإحكام:93/1.

2) في ه:(قوم).

3) في ه:(لتركه).

4) العدّة:235/1. [1]وفاقا للسيد المرتضى في:الذريعة 146/1-147،152.

5) الحقت هذه المسألة بالسابقة في بعض كتب اصول الفقه،ك:المحصول:

احتجّ مسقطوه (1):بأنّ قوله:(افعل)يجري مجرى قوله:(افعل في الآن الثاني من الأمر)،و لو صرّح بذلك لما وجب الإتيان به فيما بعد،لما سلف.

احتجّ الموجب (2):بأنّ الأمر يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق،و ذلك يوجب استمرار الأمر.


1) المعتمد:136/1.

2) المعتمد:135/1.

الفصل الرابع: في المباحث المتعلّقة بالمأمور.و فيه مسألتان:

المسألة الاولى:إذا تناول الأمر جماعة:فإمّا على سبيل الجمع، و يسمّى فرض عين،كقوله: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1)،أو لا على سبيل الجمع،و يسمّى فرض (2)كفاية.

و الفرض فيه موقوف على العلم،أو غلبة الظنّ،فإن علم أو ظنّ قوم أنّ غيرهم يقوم به سقط عنهم.و إن علموا أو ظنّوا أنّ غيرهم لا يقوم به وجب عليهم.

المسألة الثانية:الكفار مخاطبون بالعبادات.و أنكر ذلك بعض الحنفية (3).

لنا:وجهان:

أحدهما:كلّ خطاب تناول الناس تناولهم،كقوله: يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا (4)،و عارض الكفر لا يصلح معارضا،لأنّه يمكن إزالته.

الثاني:قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ


1) البقرة43/. [1]

2) كلمة:(فرض)لم ترد في الحجرية.

3) المحصول:237/2،الإحكام:124/1،المنتهى:42.و [2]قال السرخسي في اصوله:74/1-75:«و مشايخ ديارنا يقولون بأنّهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات.و جواب هذه المسألة غير محفوظ من المتقدّمين من أصحابنا رحمهم اللّه نصّا،و لكن مسائلهم تدلّ على ذلك».

4) البقرة21/. [3]

اَلْمُصَلِّينَ (1)،و قوله: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ اَلَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ (2).

و وجه الدلالة:توجيه الذمّ إليهم على ترك الصلاة و الزكاة،و الذمّ لا يتحقّق مع عدم الوجوب.

لا يقال:الذمّ إنّما توجّه بانضمام كونهم مشركين،و بانضمام التكذيب بيوم الدين.

لأنّا نقول:الظاهر تعلّق (3)الذمّ بكلّ واحد من الخصال المذكورة.


1) المدّثر42/،43. [1]

2) فصّلت6/،7. [2]

3) في ه:(توجّه)بدل(تعلّق).

الفصل الخامس: في مباحث النهي.و فيه مسألتان:

المسألة الاولى:النهي هو:قول القائل لغيره:(لا تفعل)أو ما جرى مجراه،على سبيل الاستعلاء،مع كراهية المنهي عنه.و تقريره ما مرّ.

و هو يقتضي التحريم.

أمّا أوّلا:فلأنّ العقلاء يستحسنون ذمّ من خالف مقتضى النهي إذا صدر ممّن تجب طاعته.

و أمّا ثانيا:-و هو يخصّ مناهي النبي صلّى اللّه عليه و آله (1)-فقوله (2)تعالى: وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3).

المسألة الثانية:النهي يدلّ على فساد المنهي عنه في العبادات، لا في المعاملات.

و نعني بالفساد:عدم ترتّب الأحكام،كالإجزاء في العبادات، و كانتقال الملك في البيع،و حصول البينونة بالطلاق (4).

و إنّما قلنا ذلك:لأنّ النهي يقتضي كون ما تناوله مفسدة،و الأمر يقتضي كونه مصلحة،و أحدهما ضدّ الآخر،فالآتي بالمنهي عنه (5)لا يكون


1) في ه:(الرسول)بدل(النبي).

2) في ج،الحجرية:(لقوله).و في ه:(بقوله).

3) الحشر7/. [1]

4) كذا في النسخ.و المناسب:في الطلاق.

5) كلمة:(عنه)لم ترد في ب،ج،د،الحجرية.

آتيا بالمأمور به (1)،و يلزم عدم خروجه عن عهدة الأمر.

و أمّا في المعاملات:فإنّه لا يدلّ،لأنّه لو دلّ لدلّ (2)إمّا (3)بالمطابقة، أو الالتزام،و القسمان باطلان.أمّا المطابقة فظاهر.و أمّا الملازمة:فلعدم اللّزوم بين النهي و بين (4)الفساد،لأنّه لو صرّح بالنهي،و أخبر بأنّ المخالفة ليست مفسدة،لم يتناف،و ذلك يدلّ على عدم اللّزوم.

احتجّ الخصم (5):بقوله عليه السّلام:«من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ» (6)(7).

و أيضا:فإنّ الصحابة كانت تحكم بفساد الحكم عند سماع النهي عنه (8).

و جواب الأوّل:لا نسلّم أنّه أدخل في الدين ما ليس منه،و إنّما يكون ذلك باعتقاد كونه من الدين.و أمّا أحكامه (9)فلا نسلّم أنّها ليس من الدين.

و جواب الثاني:سلّمنا أنّ الصحابة حكمت عنده،لكن لا به.يدلّ


1) كلمة:(به)لم ترد في ن،ب،ج،د،الحجرية.

2) كلمة:(لدلّ)لم ترد في ب،د،الحجرية.

3) في ب:(فإمّا).

4) كلمة:(بين)لم ترد في الحجرية.

5) كلمة:(الخصم)لم ترد في ب،د،الحجرية.

6) المعتمد:174/1،الذريعة:184/1،التبصرة:101، [1]المستصفى:21/2، [2]المحصول:297/2، [3]الإحكام:409/1،المنتهى:100.

7) جامع الاصول:289/1 ح 75.و اللفظ:«من أحدث في أمرنا».

8) المعتمد:177/1،الذريعة:184/1،المستصفى:21/2-22، [4]المحصول: 297/2، [5]الإحكام:409/1،المنتهى:100. [6]

9) في ه:(الأحكام).

على ذلك حكمها في موضع آخر بالصحّة مع سماع النهي،كالنهي عن بيع حاضر لباد (1)،و تلقّي الركبان (2).


1) جامع الاصول:529/1-530،532 ح 349،350،351،355،356.

2) جامع الاصول:530/1-532 ح 352،353،354،356.

الباب الثّالث: في العموم و الخصوص

اشارة

و فيه فصول

الفصل الأوّل: في مباحث الألفاظ العامّة

اشارة

و فيه مسائل:

المسألة الاولى:الكلام (1)العام هو:المستغرق لجميع ما يصلح له، إذا أفاد في الكلّ فائدة واحدة.و زاد قاضي القضاة (2):في أهل (3)اللّغة من غير زيادة.و احترز به من التثنية و الجمع المنكّر.

و وصف ما ليس بلفظ بالعموم مجاز،لعدم الاطّراد،لأنّه لا يقال:

(عمّهم الأكل)كما يقال:(عمّهم المطر).و أيضا:فإنّ العموم يقتضي كون المعنى حاصلا بجملته لكلّ واحد،و ذلك غير حاصل في قولهم:(عمّهم المطر).

و قال قوم:هو مشترك بين المعاني و الألفاظ (4).و ذلك غير بعيد.

المسألة الثانية:في اللّغة ألفاظ موضوعة للعموم.و هو اختيار الشيخ (5).و قال المرتضى (6):هي مشتركة كلّها بين العموم و الخصوص، نظرا إلى الوضع لا إلى الشرع.و قال قوم:هي حقيقة في الخصوص،مجاز


1) كلمة(الكلام)لم ترد في ه.

2) المعتمد:190/1.

3) في ن،ج،ه،الحجرية:(أصل).و ما أثبتناه يوافق ما في:المعتمد:190/1.

4) الإحكام:415/1-416.

5) العدّة:279/1. [1]

6) الذريعة:201/1.

في العموم (1).و توقّف آخرون (2).

لنا:لو كانت(كلّ)و(جميع)مثلا للعموم و الخصوص على الاشتراك لكان القائل:(رأيت الناس كلّهم أجمعين)مؤكّدا للاشتباه،و ذلك باطل.

بيان الملازمة:أنّ لفظة(كلّ)و(أجمعين)عند الخصم مشتركة على سبيل الحقيقة،و اللّفظ الدالّ على شيء يتأكّد بتكريره،فيلزم أن يكون الالتباس متأكدا (3)عند تكريره.و أمّا بطلان اللاّزم؛فلأنّا نعلم ضرورة (4)من مقاصد أهل اللّغة إزالة الاشتباه بتكرير هذه الألفاظ.

الوجه الثاني:لا شكّ أنّ قول القائل:(ضربت كلّ الناس)يناقضه:

(لم أضرب كلّ الناس)،فلو لم يكن الأوّل مستغرقا للكلّ،لم يكن الثاني نقيضا (5).

الوجه الثالث:أنّ ألفاظ العموم يصحّ الاستثناء فيها،و الاستثناء دلالة التناول،لوجهين:أحدهما:النقل.و الثاني:أنّه مشتق من الثني،و هو:

المنع و الصرف.و إذا كان للإخراج،فلو لم يتناول اللّفظ الأوّل ذلك (6)المخرج،لما كان إخراجا.


1) المعتمد:194/1،المستصفى:29/2،33، [1]الإحكام:417/1،المنتهى: 102-103. [2]

2) التبصرة:105،المستصفى:34/2، [3]المحصول:315/2، [4]الإحكام:417/1، المنتهى:103. [5]

3) في ه:(مؤكدا).

4) في ه:(نقضا).

5) في ه:(نقضا).

6) كلمة:(ذلك)لم ترد في د.

احتجّ الآخرون بوجوه:

أحدها:لو كانت للاستغراق،لعلم ذلك إمّا بالبديهة،أو بالمشافهة، أو بالتواتر،أو بالآحاد.و الثلاثة الاول باطلة،لأنّها لو كانت حقّا لاستوينا فيها،و الآحاد ليست طرقا إلى العلم (1).

الوجه الثاني:ألفاظ العموم مستعملة في العموم و الخصوص،فتجعل حقيقة فيهما (2).

الوجه الثالث:لو كانت للاستغراق،لسبق إلى الفهم عند سماع لفظه (3).

و جواب الأوّل:أنّه معلوم بطرق مركبة من العقل و النقل المتواتر، و هو ما بيّناه من الوجوه.ثمّ نقول:إن زعمتم أنّه للخصوص فالحجّة مقلوبة عليكم.و إن قلتم بالاشتراك،فالحجّة عليكم لا لكم.

و جواب الثاني:لا نسلّم أنّ الاستعمال دلالة على الحقيقة،و إلاّ لكان استعمال(البحر)في الكريم كذلك.سلّمناه (4)لكن:إن زعمتم أنّها تستعمل في الخصوص حقيقة،فهو موضع الخلاف.و إن قلتم:تستعمل فيه بغير قرينة،فيكون حقيقة.قلنا:هذا باطل،لأنّ المشترك لا يستعمل في أحد معنييه إلاّ بقرينة.


1) المعتمد:207/1،التبصرة:110،المستصفى:34/2،المحصول:345/2.

2) المعتمد:209/1،الذريعة:201/1-202،المستصفى:34/2-35، [1]المحصول:345/2،الإحكام:423/1-424،المنتهى:104.

3) المعتمد:208/1،التبصرة:111،المستصفى:35/2،المحصول:347/2، الإحكام:424/1،المنتهى:104.

4) في ه:(سلّمنا).

و جواب الثالث:منع وجوب سبق الذهن إلى فائدة اللّفظ،فإنّه ليس كلّ معلوم يعلم بأوّل وهلة.سلّمناه (1)لكن معنا (2)من (3)الألفاظ ما هو كذلك،كلفظة(كلّ)و(جميع).

فوائد ثلاث

الاولى:(من)و(ما)إذا كانتا معرفتين بمعنى(الّذي)لا تعمّان.و إن وقعتا للمجازاة أو الاستفهام عمّتا،إذ لو كانتا مشتركتين،لوجب أن يتوقّف سامع(من دخل داري أكرمته)على استفهام مستحقّ الإكرام،و عدم التوقّف دلالة على الاستغراق.و أيضا:فإنّه يجوز الاستثناء منهما،و جواز الاستثناء دلالة على التناول.و تقريره ما مرّ.

و كذلك(متى)تفيد الاستغراق في الأزمنة.و(أين)في الأمكنة.

و تقريره ما ذكرناه.

الثانية:(كلّ)و(جميع)تفيدان الاستغراق،للتأكيد كانتا أو لغيره.

و تقريره ما مرّ.و نزيد هنا:أنّ (4)الجزء نقيض الكلّ،فلو لم يكن الكلّ مستغرقا،لما كان الجزء نقيضه.


1) في ج،د،الحجرية:(سلّمنا).

2) في ه،الحجرية:(منعنا).و هو تصحيف.

3) في الحجرية:(عن).

4) في ب:(فإنّ).

الثالثة:النكرة في سياق النفي (1)تعمّ جمعا (2)و في الإثبات بدلا، لوجهين:

أحدهما:أنّ قولك:(أكلت شيئا)يناقضه:(ما أكلت شيئا)،فلو لم تكن الثانية عامّة،لم تحصل المناقضة.

الثاني:لو لم تكن للعموم،لما كان قولنا:(لا إله إلاّ اللّه)توحيدا.

المسألة الثالثة:الجمع المعرّف باللاّم-مشتقّا كان أو غير مشتقّ-إن كان[هناك]معهود انصرف إليه،و إلاّ فهو للاستغراق،خلافا لأبي هاشم (3).

لنا:أنّه يؤكّد بما يقتضي العموم في قولك:(قام القوم كلّهم) و(رأيت المشركين كلّهم)،فلو لم يكن الأوّل للاستغراق،لما كان الثاني تأكيدا.

الثاني:أنّ قوله:(رأيت رجالا)يفيد الجمع،فإذا دخلت اللاّم،فإن أفاد (4)الجمع أيضا لم يكن ثمّة (5)فائدة،فلا بدّ من إفادة الاستغراق،و إلاّ لتجرّدت اللاّم عن تجديد فائدة.

حجّة المخالف وجهان (6):


1) زاد في هذا الموضع في ن،ب:(مبنية)،و في ج،د،الحجرية:(منفية).

2) في ج،ه،الحجرية:(جميعا).

3) المعتمد:223/1،العدّة:292/1،المحصول:357/2.

4) في ن،ب،ج،د،ه:(افادت).

5) في ن،ب،ه:(ثمّ).

6) المعتمد:225/1،المحصول:361/2.

أحدهما:أنّ قولهم:(جمع الأمير الصاغة)لا يعقل أنّه جمع كلّ صائغ.

الثاني:لو كان اللاّم-في صورة النزاع-للاستغراق،لكان في العهد مجازا.

و جواب الأوّل:أنّ ذلك علم بقرينة تعذّر جمع صاغة الدنيا، و يلزمهم تجويز جمع صاغة الدنيا،لأنّهم لا يرفعون (1)عنه (2)الجواز.

و جواب الثاني:أن اللاّم تقتضي التعريف،و هو القدر المشترك بين العهد و الاستغراق،فإن كان ثمّة (3)عهد انصرف إليه،و إلاّ انصرف إلى الاستغراق،لأنّ المخاطبين به أعرف ممّا (4)ليس بمعهود.

فائدة

الجمع المضاف،كقولك:(عبيدي)و(عبيد زيد)للاستغراق.

و الحجّة عليه جواز الاستثناء.و تقريره ما مرّ.


1) في ه:(يدفعون).

2) كلمة:(عنه)لم ترد في ن،ب،ج،د،الحجرية.

3) في ن،ب:(ثمّ).

4) في ه:(بما).

الفصل الثاني: فيما الحق بالعموم.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:الاسم المفرد إذا دخل عليه(لام التعريف)أفاد الجنس،لا الاستغراق،مشتقّا كان أو غير مشتقّ.و قال الشيخ (1):يعمّ.

لنا وجهان:

الأوّل:لو دلّ على الاستغراق،لاكّد بمؤكّدات الاستغراق،نحو(كلّ) و(جميع)،و ذلك باطل،لأنّك لا تقول:(رأيت الإنسان كلّهم)،و لا:

(جاءني الكريم أجمعون).

الثاني:لو استغرق لصحّ الاستثناء منه مطّردا،و إلاّ فلا.أمّا الملازمة فظاهرة.و أمّا بطلان اللازم فلأنّك لا تقول:(جاءني الرجل إلاّ الطوال)، و لا:(رأيت العالم إلاّ النحاة).

احتجّ الخصم بوجهين:

أحدهما (2):أنّه يجوز وصفه بالجمع،كما يقال:(أهلك الناس الدرهم البيض،و الدينار الصفر).

الثاني (3):يصحّ الاستثناء منه،كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا (4).

و الجواب عنهما:أنّ ذلك مجاز،لعدم الاطّراد،فإنّك لا تقول:


1) العدّة:293/1. [1]

2) المعتمد:228/1، [2]المحصول:369، [3]الإحكام:422/1.

3) العدّة:293/1، [4]المحصول:368/2. [5]

4) العصر2/-3. [6]

(جاءني الرجل القضاة)،و لا:(العالم إلاّ الفقهاء).و لو قيل:إذا لم يكن ثمّة (1)معهود،و صدر من حكيم،فإنّ قرينة حاله تدلّ على الاستغراق؛ لم ينكر ذلك.

المسألة الثانية:الجمع المنكّر لا يدلّ على الاستغراق.و حمله الشيخ (2)على الاستغراق من جهة الحكمة.و هو اختيار الجبّائي (3)(4).

لنا:أنّه وضع للدلالة على الجمع،لأنّه يفسّر بالقلّة و الكثرة،فيجب أن لا يحمل على أحدهما إلاّ لدلالة،لكن أقلّ الجمع من ضروريات محتملاته،فيجب أن يقتصر عليه،إلاّ لدلالة زائدة (5).

احتجّ الجبّائي (6):بأنّ حمل اللّفظ على الاستغراق،حمل له على جميع حقائقه،فكان أولى.

و احتجّ الشيخ (7):بأنّ هذه اللّفظة إذا دلّت على القلّة و الكثرة،


1) في ن،ب،ه:(ثمّ).

2) العدّة:296/1.

3) هو:أبو علي،محمد بن عبد الوهّاب بن سلام الجبّائي:من أئمة المعتزلة و رئيس علم الكلام في عصره.و إليه نسبت الطائفة الجبّائية.له مقالات و آراء انفرد بها في المذهب.نسبته إلى(جبّا)من قرى البصرة.ولد سنة 235 ه،و اشتهر في البصرة،و توفي سنة 303 ه،و دفن ب(جبّا).له(تفسير)حافل مطوّل ردّ عليه الأشعري.عن:الأعلام للزركلي:256/6. [1]

4) المعتمد:229/1،المحصول:375/2،التبصرة:118.

5) في ه:(ظاهرة)بدل(زائدة).

6) المعتمد:229/1،المحصول:376/2،الإحكام:422/1.

7) العدّة:295/1.حكى الشيخ هذه الحجّة عن أبي علي الجبّائي و اعتمدها.كما

و صدرت من حكيم،فلو أراد القلّة لبيّنها،و حيث لا قرينة،وجب حمله على الكلّ.

و جواب الأوّل:لا نسلّم أنّ اللّفظ موضوع لهما حقيقة،بل موضوع لمطلق الجمع،لا للقلّة من حيث هي قلّة،و لا للكثرة من حيث هي كذلك، و الدالّ على الكلّي غير دالّ على الجزئي.سلّمنا أنّه حقيقة فيهما،لكن يجب (1)التوقّف إلاّ لقرينة،و القرينة موجودة مع أقلّ الجمع،لأنّه مراد قطعا.ثمّ نقول:لم (2)زعمتم أنّه يجب حمله على جميع حقائقه؟لا بدّ لهذا من دليل.

و جواب الثاني:لا نسلّم تجرّده من 3القرينة،و قد بيّنا وجودها.سلّمنا أنّه لا قرينة،و لكن لو أراد الكلّ لبيّنه أيضا.

فائدتان

الاولى:الجمع في الاشتقاق:ضمّ الشيء إلى الشيء،فمعناه موجود في الاثنين فصاعدا.و في العرف:يفيد ألفاظا مخصوصة.و لفظ الجمع كقولنا:(رجال)يفيد الثلاثة فما زاد.و قيل:يقع على الاثنين أيضا 4.

لنا:فرّق أهل اللّغة بين ألفاظ التثنية و الجمع.


1) في ب،ج،د:(لا يجب).و هو خطأ.

2) في ج،د،حجرية:(إن)بدل(لم).

الثاني:أنّ ألفاظ الجمع توصف بالثلاثة فما زاد،فيقال:(رجال ثلاثة)،و لا يقال:(رجال اثنان).

الفائدة الثانية:ضمير الجماعة يبنى على ما يعود إليه،فإن كان مستغرقا،كان كذلك،و إلاّ فهو خاص.

المسألة الثالثة:نفي المساواة بين الشيئين لا يقتضي عموم نفي المساواة،خلافا لبعض الشافعية (1).

لنا:أنّ المساواة تقتضي (2)الاستواء في جميع الصفات،فنفي المساواة نفي لذلك المجموع،و نفي المجموع من حيث هو كذلك يحصل بنفي بعضه،فلا يلزم نفي المساواة من كلّ وجه.

المسألة الرابعة:إذا اجتمع المذكّر و المؤنّث في لفظ غلب التذكير.

فإن ورد مجرّدا عن القرينة الدالة على المراد به،هل يحمل على الذكران منفردين؟قال قوم:نعم (3).و حمله الشيخ (4)عليهما.

حجّة الأوّلين (5):أنّ(قاموا)مثلا-يفيد تضعيف فائدة(قام)،و هو للمذكّر خاصّة،فكذلك تضعيفه.

حجّة الشيخ (6):نصّ أهل اللّغة أنّ مع اجتماعهما يغلب لفظ التذكير.


1) المعتمد:232/1،اصول السرخسي:143/1،الإحكام:457/1،المنتهى: 105. [1]

2) في الحجرية:(تفيد)بدل(تقتضي).

3) المعتمد:233/1،التبصرة:77،المحصول:381/2،المنتهى:115.

4) العدّة:195/1.

5) المعتمد:233/1،المحصول:381/2،المنتهى:115.

6) العدّة:195/1.

الفصل الثالث: في المباحث المتعلّقة بالخصوص.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:وصف الكلام بأنّه خصوص و خاصّ يفيد:أنّه وضع لشيء واحد.و وصف الكلام بأنّه مخصوص هو:أنّه قصر على بعض فائدته.و قولهم:(خصّ فلان العموم)يستعمل بالحقيقة على أنّه جعله خاصّا،و لا يجعله كذلك إلاّ إذا استعمله في بعض فائدته.و التخصيص:

ما دلّ على أنّ المراد باللّفظ بعض (1)ما تناوله.

فائدة

الفرق بين النسخ و التخصيص من وجوه:

الأوّل:أنّ التخصيص لا يصحّ إلاّ في (2)الألفاظ،و النسخ قد يكون لما علم بدليل شرعي،لفظا كان أو غيره.

الثاني:التخصيص يؤذن بأنّ المخصوص غير مراد من اللّفظ عند الخطاب،و النسخ يؤذن أنّ المنسوخ مراد عند الخطاب.

الثالث:أنّ النسخ يدخل على عين واحدة،و التخصيص بخلاف ذلك.

الرابع:التخصيص قد يكون بدلالة العقل،و الاستثناء،و أخبار الآحاد،و النسخ لا يقع بذلك.

الخامس:التخصيص مقارن،و النسخ متراخ.


1) من قوله:(فائدته)إلى هذا الموضع؛ساقط من ب.

2) في ن:(مع)بدل(في).

المسألة الثانية:يجوز أن يستعمل اللّه تعالى العام في الخصوص.أمّا الإمكان؛فلأنّ أهل اللّغة تجوّزوا بمثل ذلك في كلامهم،و قد بيّنا أنّ المجاز جائز الحصول في خطابه تعالى.و أمّا الوقوع؛فظاهر في القرآن و الأحاديث.

لا يقال:الحكمة تمنع من ذلك،لأنّه يوهم الكذب.

لأنّا نقول:متى؟إذا تجرّد عن القرينة أم لا (1)،و نحن لا نجيزه إلاّ مع القرينة.

المسألة الثالثة:يجوز تخصيص ألفاظ العموم حتى يبقى واحد.

و هو اختيار الشيخ (2)،و مذهب القفّال (3)(4).و قيل:حتى يبقى ثلاثة (5).


1) كتب في ن،ب في هذا الموضع ما يلي:(م ع).و في ج،د،الحجرية: (ممنوع).

2) العدّة:379/1-380.

3) هو:محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي،القفّال،أبو بكر:من أكابر علماء عصره بالفقه و الحديث و اللّغة و الأدب،من أهل ما وراء النهر.و هو أوّل من صنّف الجدل الحسن من الفقهاء،و عنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده.مولده في الشاش (وراء نهر سيحون)عام 291 ه،و بها وفاته سنة 365 ه.رحل إلى خراسان و العراق و الحجاز و الشام.من كتبه(اصول الفقه)و(محاسن الشريعة)و(شرح رسالة الشافعي).عن:الأعلام للزركلي:274/6. [1]

4) مذهب القفّال التفصيل بين لفظة(من)و بين ألفاظ الجمع،فيجوز في الاولى أن يبلغ التخصيص إلى الواحد،و لا يجوز ذلك في الثانية،بل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة.كذا حكي عنه في:المعتمد:236/1،الذريعة:297/1، الإحكام:488/1.و اقتصر في:التبصرة:125،و: [2]المحصول:13/3؛على ذكر رأيه في ألفاظ الجمع.

5) المستصفى:53/2،المنتهى:119.

و منهم من فصّل بين لفظ الجمع و غيره من الألفاظ (1).و قال أبو الحسين (2):

حتى يبقى كثرة إلاّ على سبيل التعظيم.و هو الأظهر،لأنّا نعلم قبح قول القائل:(أكلت كلّ ما في البستان (3)من الرمّان)و فيها ألف،و قد أكل واحدة.و كذلك يقبح:(أخذت كلّ ما في الصندوق من الذهب)و فيه ألف، و قد أخذ دينارا.

المسألة الرابعة:يجوز تخصيص العام بالشرط،و الغاية،و الصفة، و الاستثناء،و دلالة العقل،و الكتاب،و الإجماع،و السنّة متواترة كانت أو آحادا.

فالشرط هو:ما يقف عليه الحكم.و هو ضربان:مؤكّد،كقوله:(قم إن استطعت)،و مبيّن،كقوله:(أكرمه إن فعل).و له صدر الكلام تقدّم أو تأخّر.و لا يدخل إلاّ على المتوقّع لفظا أو تقديرا.و لا يدخل على الماضي و الحاضر.و لا يمتنع كون الشيء شرطا لأشياء كثيرة،كما يكون للشيء الواحد شروط كثيرة.

و الغاية:كقوله: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ (4).و قد اختلف فيما بعد الغاية (5).و الأظهر انتفاء الحكم السابق معها.


1) هو مذهب القفّال،كما تقدّم.

2) المعتمد:236/1.

3) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(بالسلّة)بدل(في البستان).و في:المعتمد: 236/1:(في الدار).

4) البقرة222/. [1]

5) المعتمد:240/1،الذريعة:407/1،العدّة:478/2، [2]المستصفى:94/2، [3]المحصول:66/3-67، [4]الإحكام:516/1،المنتهى:128.

و الصفة تخصّ العام،و تقيّد المطلق.أمّا العام؛فكقولك:(أكرم الرجال الطوال).

و لنضع للمطلق مسألة على حيالها:

المسألة الخامسة:في المطلق و المقيّد.و المطلق هو:الدال على الماهية.و المقيّد هو:الدالّ عليها مع صفة.مثال الأوّل قوله تعالى:

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (1).و مثال الثاني قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (2).

فإذا وردا:فإمّا أن يكون بينهما تعلّق،و يجب تنزيل المطلق على المقيّد.و إمّا أن لا يكون بينهما تعلّق:فإن كان حكماهما مختلفين؛كان المطلق على إطلاقه،كأن يأمر بالصلاة،ثم يأمر بالصيام متتابعا.و إن كان حكمهما متفقا،و كان سببهما واحدا،و علم أنّ المراد بأحدهما هو الآخر؛ كان المطلق مقيّدا بتلك الصفة؛لأنّ المأمور به واحد،و التقييد يقتضى اشتراطه،فلو لم يقيّد المطلق به لكان غيره.و إن لم يعلم أنّ المراد بأحدهما هو الآخر،كان المطلق على إطلاقه،و المقيّد على تقييده، و تغايرا.و إن كان سببهما مختلفا،بقي المطلق على إطلاقه،و لا يجب تقييده بالصفة إلاّ لدلالة،خلافا لبعض الشافعية (3).

لنا:أنّ الأمر على الإطلاق لسبب (4)معيّن،لا ينافي التقييد لسبب (5)آخر،و إذا لم يتنافيا؛لم يجب تنزيل أحدهما على الآخر،و لا تقييده به.


1) المجادلة3/. [1]

2) النساء92/. [2]

3) المعتمد:289/1،العدّة:331/1، [3]اصول السرخسي:267/1،الإحكام:7/2، المنتهى:136. [4]

4) في ن،ج،ه:(بسبب).

5) في ن،ج،ه:(بسبب).

احتجّوا:بأنّ القرآن كالكلمة الواحدة (1).

و جوابه:إن أردتم في عدم التناقض؛فمسلّم.و إن أردتم في وجوب تنزيل المطلق على المقيّد؛فممنوع.


1) المعتمد:291/1،الذريعة:276/1،العدّة:333/1، [1]المحصول:145/3، الإحكام:7/2،المنتهى:136.

الفصل الرابع: في مباحث الاستثناء.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:الاستثناء يخرج من (1)الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته،و لا تكفي الصلاحية.و هو اختيار أبي جعفر (2)،لوجهين:

أحدهما:لو كفت الصلاحية لصحّ:(رأيت رجلا إلاّ زيدا)،أو (3):

(رجالا إلاّ زيدا)،لأنّ الصلاحية موجودة.

الثاني:يصح الاستثناء من الأعداد،و لولاه لوجب دخوله،فيجب في الكلّ،صونا للفظ الاستثناء عن الاشتراك.

و الوجهان ضعيفان:

أمّا الأوّل:فحسنه لازم له (4)أيضا،لأنّه يقول:النكرة يجب أن تعمّ بدلا.و لو كفى الوجوب،لجاز الاستثناء حيث ذكر.فإن أجاب:بأنّ الوجوب مشروط بالشمول،كان لخصمه منع ذلك.

و أمّا الثاني:فنقول:لا نسلّم صحّة الاستثناء في الأعداد لخصوص الوجوب،بل لعموم الصلاحية.

و استدلّ بعض الاصولية (5)لذلك بأنّه:لو كفت الصلاحية لتساوى قولنا:

(اضرب رجلا (6)إلاّ زيدا)،و:(الرجال إلاّ زيدا)،و عدم التساوي


1) في الحجرية:(مخرج عن).

2) العدّة:279/1. [1]

3) في ب،ج،د،الحجرية:عطف بالواو.و زاد بعدها في الحجرية:(رأيت).

4) كلمة:(له)لم ترد في ج،د،الحجرية.

5) المعتمد:203/1-204.

6) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(رجالا).

دليل على أنّ الاستثناء لا يكون حقيقة إلاّ في موضع الوجوب.

المسألة الثانية:شرط كون الاستثناء مخصصا،كونه متصلا أو متراخيا بما جرت العادة بأنّ المتكلم لم يستوف غرضه.و لا يجوز تراخيه عن ذلك،خلافا لما حكي عن ابن عباس (1).و لا نزاع في الجواز عقلا،بل وضعا،فإنّ أهل اللّغة يستقبحون قول القائل:(اضرب الرجال)ثمّ يقول بعد سنة:(إلاّ زيدا)،بمعنى:أنّهم لا يعدّون ذلك استثناء،فمستعمله إذن خارج عن عرف أهل اللّغة.و جاء في شواذ أخبارنا (2)جواز استثناء المشيئة في اليمين إلى أربعين يوما،و ليس بمعتمد.

المسألة الثالثة:الاستثناء من غير الجنس مجاز،لأنّ الاستثناء لإخراج ما لولاه لتناوله اللّفظ،و ليس كذلك صورة النزاع.

و هو واقع وضعا،كقوله:«و ما بالرّبع من أحد إلاّ أواري» (3)

يا دار ميّة بالعلياء فالسند أقوت و طال عليها سالف الأمد و محلّ الشاهد من بيتين منها،هما:

وقفت فيها اصيلا لا اسائلها عيّت جوابا،و ما بالربع من أحد

،و شرعا،

1) المعتمد:242/1،الذريعة:242/1،العدّة:314/1، [1]التبصرة:162، [2]المحصول:28/3،الإحكام:494/1،المنتهى:124. [3]هذا و قد شكك الغزالي في نسبة ذلك إلى ابن عباس،فقال في:المنخول:157:«و الوجه تكذيب الناقل،فلا يظن به ذلك».و قال في:المستصفى:75/2:«و لعلّه لا يصح عنه النقل،إذ لا يليق ذلك بمنصبه».

2) الكافي-الفروع/كتاب الأيمان و النذور و الكفارات/باب الاستثناء في اليمين/ ح 4،6؛و:التهذيب/كتاب الأيمان و النذور و الكفارات/باب الأيمان و الأقسام/ ح 20،21.

3) للنابغة الذب [4]ياني،من معلّقته التي مطلعها:

كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ (1).

فائدة

اختلفوا في جواز استثناء أكثر الشيء؛فمنعه قوم،و الأكثرون على جوازه (2).

و الظاهر:أنّ الكثرة قد تنتهي إلى حدّ يقبح استثناؤها،فإنّه يقبح عادة أن يقال:(له عندي مائة إلاّ تسعة و تسعين درهما و نصفا).و هذا ظاهر.

المسألة الرابعة:الاستثناء إذا تعقّب جملا معطوفة،و لم يكن الثاني إضرابا؛قال الشيخ أبو جعفر 3:يرجع إلى جميعها.و قال السيد المرتضى 4:يرجع إلى الأخير قطعا.و توقّف في رجوعه إلى الأوّل إلاّ لدلالة.

احتجّ الشيخ بوجهين 5.


1) الحجر30/-31.

2) الذريعة:247/1،المعتمد:244/1،العدّة:315/1-316،التبصرة:168، المحصول:37/3،الإحكام:501/1-502،المنتهى:125.

الأوّل:إذا تعقب الشرط جملا رجع (1)إلى الكلّ،فكذلك الاستثناء، و الجامع كون كلّ واحد منهما لا يستقلّ بنفسه.

الثاني:أنّ حرف العطف يصيّر الجمل المعطوفة في حكم الجملة الواحدة،إذ لا فرق بين قولك:(رأيت زيد بن عمرو،و زيد بن خالد) و بين قولك:(رأيت الزيدين)،فيجب رجوع الاستثناء إليهما.

احتجّ المرتضى بوجهين (2):

أحدهما:حسن استفهام المستثنى عقيبهما عن كل واحدة منهما، و الاستفهام دلالة الاشتراك.

الثاني:وجدنا الاستثناء تارة يعود إليهما،و تارة إلى الأخيرة،فيجعل مشتركا،لأنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة.

المسألة الخامسة:إذا تعقّب الاستثناء استثناء آخر:فإن كان معطوفا، كانا عائدين إلى الأوّل.و إن لم يكن معطوفا:فإن كان الاستثناء الثاني مثل الاستثناء الأوّل فصاعدا،رجع إلى المستثنى منه أيضا.و إن كان دونه،رجع إلى الاستثناء.و قيل (3):يرجع إلى المستثنى منه.و الأوّل أظهر.


1) في ج،د،الحجرية:(يرجع).

2) الذريعة:250/1.

3) المحصول:41/3. [1]

الفصل الخامس: في بقيّة المخصّصات.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:العام يخصّ بالدليل العقلي،لأنّا نخرج الصّبي و المجنون من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (1)هذا في حال كونهما كذلك،و إن كانا عند البلوغ و العقل مخاطبين بالعبادة بتلك العبارة.

احتجّ المانع (2):بأنّ المخصّص مقارن،و دليل العقل متقدّم.

و جوابه:لا نسلّم اشتراط المقارنة في كلّ مخصّص.

المسألة الثانية:تخصيص الكتاب بالكتاب جائز،كقوله تعالى:

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (3)،ثمّ قال في موضع آخر:

حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (4).

و كذلك تخصيص الكتاب بالسنّة قولا،كتخصيص آية المواريث (5)بقوله عليه السّلام:(القاتل لا يرث) (6)،و فعلا،كتخصيص آية الجلد (7)برجمه عليه السّلام ماعزا (8).


1) البقرة21/. [1]

2) العدّة:338/1.و [2]حكي في:المعتمد:252/1،و المستصفى:56/2، و [3]الإحكام:518/1؛عن المانع اعتبار التأخّر في المخصص،لا المقارنة.

3) محمد4/. [4]

4) التوبة29/. [5]

5) النساء11/-12.

6) جامع الاصول:601/9،ح 7377.

7) النور2/.

8) جامع الاصول:515/3-531 ح 1833-1839.

و بالإجماع،كالتسوية بين العبد و الأمة في تنصيف الحدّ (1)،تخصيصا لآية الجلد (2).

و أما تخصيص السنّة بالسنّة،فقد أنكره قوم (3).و الأصحّ جوازه.

المسألة الثالثة:يجوز تخصيص العموم المقطوع به بخبر الواحد.

و أنكر ذلك الشيخ أبو جعفر (4)،سواء كان العموم مخصوصا أو لم يكن، و هو اختيار جماعة من المتكلّمين (5).و من الاصولية من فصّل (6).

احتجّ المجيز (7):بأنّهما دليلان تعارضا،فيجب العمل بالخاص منهما،لبطلان ما عداه من الأقسام.

احتجّ المانع (8):بأنّ العموم المقطوع يوجب العلم،و الخبر يوجب الظنّ،و لا يجوز ترك المعلوم للمظنون.

أجاب الأوّلون:بأنّ ما ذكرته منقوض بالبراءة الأصلية،فإنّها تترك بالخبر.و أيضا:فإنّ تناول العموم لموارده مظنون،و إن كان مقطوع النقل، و الخبر و إن كان مظنون النقل فتناوله لما يتناوله و العمل به مقطوع،فتساويا في القطع و الظنّ.


1) المعتمد:256/1،المنتهى:131-132.

2) النور2/.

3) المعتمد:255/1،الإحكام:523/1،المنتهى:130.

4) العدّة:344/1. [1]

5) الذريعة:280/1،التبصرة:132،المنخول:174.

6) الذريعة:280/1،العدّة:344/1، [2]التبصرة:132-133،المستصفى:60/2، المحصول:85/3، [3]الإحكام:525/1،المنتهى:131.

7) التبصرة:134،المحصول:86/3، [4]الإحكام:524/1.

8) العدّة:344/1، [5]التبصرة:134،المستصفى:60/2،المحصول:93/3، [6]الإحكام:527/1،المنتهى:131. [7]

و الأولى التوقّف.

و نجيب عن الأوّل:بأنّا لا نسلّم أنّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة، فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به،و ما يدّعونه من الأخبار الّتي حكم بتخصيص العموم بها،عنه (1)جوابان:عام،و خاص:

فالعام:أن نقول:أحصل الإجماع على التخصيص؟فإن قالوا:لا، سقط الاستدلال.و إن قالوا:نعم،قلنا:لا نسلّم أنّه حصل التخصيص بها، بل الإجماع.فإن قالوا:لا بدّ للإجماع من مستند.قلنا:نعم،لكن لا نسلّم أنّ المستند هو ما ذكرتم.

الثاني:أنّا (2)نعارضهم بأخبار مثلها.فإذا استدلّوا بخبر أبي هريرة (3)في تحريم نكاح المرأة على عمّتها و خالتها،و رجوع الصحابة إلى ذلك (4)عارضنا بخبر فاطمة بنت قيس (5)،المتضمّن لسقوط نفقة المبتوتة و سكناها،فإنّ عمر طرحه (6)و عمل بالآية (7).


1) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(عنها).

2) في ج،د،الحجرية:(أن).

3) جامع الاصول:494/11 ح 9055.فهو مخصص لقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ: النساء3/، [1]كما في:التبصرة:133، [2]أو لقوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ: النساء24/، [3]كما في:المحصول:89/3،و:الإحكام:525/1.

4) التبصرة:133، [4]المستصفى:61/2، [5]المحصول:89/3، [6]الإحكام:525/1، المنتهى:131. [7]

5) جامع الاصول:128/8-134 ح 5976.

6) المعتمد:398/1،التبصرة:133-134، [8]المحصول:91/3،الإحكام: 526/1،المنتهى:131.

7) و هي قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ: الطلاق6/. [9]

الفصل السادس: في العام المخصوص.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:العام إذا خصّ صار مجازا،سواء خصّ بدليل متصل أو منفصل.و هو اختيار أبي جعفر (1).و جعله قوم حقيقة على الإطلاق (2).و منهم من فصّل (3).

لنا:أنّ العموم حقيقة في الاستغراق،فإذا اريد به الخصوص كان مجازا،لأنّه استعمال له في غير موضوعه.لا يقال:العام مع القرينة حقيقة في الخصوص.لأنّا نقول:ذلك يسدّ باب المجاز،فإنّ المجاز لا ينفكّ عند استعماله من القرينة.

المسألة الثانية:يجوز التمسّك بالعام المخصوص-إذا لم يكن التخصيص مجملا-مطلقا.و منهم من فصّل (4).

لنا:أنّ اللّفظ متناول لما عدا المخصوص،فيجب استعماله فيه.

و إنّما قلنا أنّه متناول له لأنّا بيّنا أنّ ألفاظ العموم حقيقة في استغراق الكلّ،


1) العدّة:306/1-307. [1]

2) المعتمد:262/1،الذريعة:237/1،التبصرة:122، [2]المستصفى:38/2، [3]المحصول:14/3، [4]الإحكام:439/1،المنتهى:106. [5]

3) المعتمد:262/1،العدّة:306/1-307، [6]التبصرة:122-123، [7]المستصفى: 38/2-39، [8]المحصول:14/3، [9]الإحكام:439/1-440،المنتهى:106. [10]

4) المعتمد:265/1-266،التبصرة:187-188،اصول السرخسي:144/1، المحصول:17/3،الإحكام:443/1-444،المنتهى:107-108.و نسب الغزالي،في:المنخول:153،القول بأنّه مجمل فلا يتمسك به؛إلى جمهور المعتزلة.

و لا معنى للكلّ سوى مجموع الآحاد،و التخصيص لا يمنع التناول، و إلاّ لدار.

احتجّ ابن أبان (1)بوجهين (2):

أحدهما:أنّ العام لمّا عرض له التخصيص،صار مجازا،فلم يجز التعلّق به (3).

الثاني:أنّ إخراج البعض المعيّن،يجري مجرى قوله:(لم ارد الكلّ)،و لو قال ذلك لمنع من التعلّق بظاهره،فكذلك ما جرى مجراه.

و جواب الأوّل:سلّمنا أنّه مجاز بالنظر إلى تناول الكلّ،لكن لا نسلّم أنّه مجاز في تناول الباقي،فإنّا بيّنا أنّه متناول له في أصل الوضع،سمّي مجازا أو لم يسمّ.

و جواب الثاني:أنّه قياس من غير جامع.و الفرق بينهما عدم إمكان الوصول إلى المراد في الاولى،و إمكان الوصول إليه في الثانية.

المسألة الثالثة:إذا ورد عام و خاص متنافيي الظاهر،كقوله عليه السّلام:

«في الرقّة ربع العشر» (4)،و قوله:«ليس فيما دون خمس اواق من الورق


1) هو:عيسى بن أبان بن صدقة،أبو موسى:قاض،من كبار فقهاء الحنفية.كان سريعا بإنفاذ الحكم،عفيفا.خدم المنصور العباسي مدّة.و ولي القضاء بالبصرة عشر سنين،و توفي بها سنة 221 ه.له كتب،منها(إثبات القياس)و(اجتهاد الرأي)و(الجامع)في الفقه.عن:الأعلام للزركلي:100/5. [1]

2) المعتمد:268/1،الإحكام:446/1.

3) اصول السرخسي:145/1،المستصفى:40/2،المحصول:21/3،المنتهى: 108.

4) جامع الاصول:593/4-594 ح 2671.

صدقة» (1):فإمّا أن يعلم تاريخهما أو يجهل.فإن علم:فإمّا أن يعلم اقترانهما،أو تقدّم العام،أو تأخّره.فههنا أربعة مباحث:

الأوّل:إذا علم اقترانهما،بني العام على الخاص بلا خلاف.

الثاني:إذا تقدّم العام و تأخّر الخاص:فإن كان ورد بعد حضور وقت العمل بالعام،فإنّه يكون نسخا.و إن كان قبله،كان تخصيصا للعام،عند من يجيز تأخير بيان العام.

الثالث:إذا كان الخاص متقدّما،و العام متأخّرا؛فعند الشيخ أبي جعفر يكون العام ناسخا (2)،لأنّه لا يجيز تأخير البيان.و قال الأكثرون (3):إنّ العام يبنى على الخاص.و هو الأظهر.

لنا:دليلان تعارضا،فلو عمل بهما لتناقضا،و لو عمل بالعام لالغي الخاص،فيجب العمل بالخاص،صونا لهما عن الإلغاء.

الرابع:إذا جهل التاريخ بينهما؛فالذي يجيء على ما اخترناه أن يبنى العام على الخاص.و توقّف بعض الحنفية (4).

لنا:إمّا أن يكون مقارنا،أو متقدّما،أو متأخرا؛و على التقديرات الثلاثة،وجب بناء العام عليه على ما قلناه،فكذلك في صورة الجهالة،لأنّه لا يعدو أحد الأقسام.


1) جامع الاصول:587/4 ح 2668.

2) العدّة:393/1. [1]

3) المعتمد:257/1،الذريعة:315/1،التبصرة:153،المستصفى:68/2، المحصول:106/3.

4) المعتمد:261/1،التبصرة:153،المحصول:111/3. [2]

الفصل السابع: فيما الحق بالمخصصات.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:الخطاب العام الوارد على السبب الخاص:إمّا أن يكون مستقلا بنفسه،و إمّا أن لا يستقلّ.فإن لم يستقلّ،كان مقصورا على سببه،كقول النبي عليه السّلام-و قد سئل عن بيع الرّطب بالتمر-:«أ ينقص إذا يبس؟فقيل:نعم.فقال:لا إذن» (1).و إن كان مستقلاّ:فإن كان عامّا في غير ما سئل،فلا شكّ في عمومه،كقوله عليه السّلام-و قد سئل عن ماء البحر- فقال:«هو الطهور ماؤه،الحلّ ميتته» (2).و إن كان أعمّ منه في ذلك الحكم، لم يقصر العام على السبب الخاص.و هو اختيار أبي جعفر (3).و صار جماعة إلى قصره عليه (4).

لنا:أنّ المقتضي،للعموم موجود،و العارض لا يصلح معارضا.أمّا وجود المقتضي؛فما بيّناه من كون الصيغة حقيقة في العموم.و أمّا فقدان العارض؛فلأنّ المانع هو ما يذكره المخالف،و سنبطله إن شاء اللّه تعالى.

احتجّوا (5):بأنّ الخطاب لو كان عامّا لكان ابتداء و جوابا،و ذلك يتنافى (6)،لما بين الجواب و الابتداء من التفاوت.


1) جامع الاصول:564/1-565 ح 392.

2) جامع الاصول:62/7 ح 5027.

3) العدّة:369/1. [1]

4) الذريعة:308/1،التبصرة:145، [2]المحصول:125/3،الإحكام:449/1، المنتهى:108. [3]

5) الإحكام:450/1.

6) في ن:(متناف).

و أيضا (1):فإنّ من حقّ الجواب مطابقة السؤال،و ذلك إنّما يكون بالمساواة.

و جواب الأوّل:لا نسلّم التنافي بين الجواب و الابتداء،كما لو صرّح بذلك.

و عن الثاني:لا نسلّم انحصار المطابقة في المساواة،بل بمعنى انتظام الجواب مع (2)السؤال،و هو موجود.

المسألة الثانية:إذا تعقّب العام صفة أو استثناء أو حكم،و كان ذلك لا يتأتّى في جميع ما يتناوله العموم،بل في بعضه؛قال قوم يقصر العموم عليه (3)،و أنكره القاضي (4).و هو مذهب الشيخ أبي جعفر (5).و الأولى التوقّف (6)،لأنّ صيغة العموم للاستغراق،و ظاهر الكناية الرجوع إلى ما ذكر،فيجب التعارض،لعدم الترجيح.

لا يقال:التمسّك بالعموم أولى،لأنّه ظاهر (7).

لأنّا نمنع الأولوية،و لعلّ الكناية أولى.

المسألة الثالثة:إذا عطف على العام،و كان في المعطوف إضمار


1) المعتمد:283/1، [1]الإحكام:451/1،المنتهى:109.

2) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(لجميع)بدل(مع).

3) المحصول:140/3،الإحكام:535/1.

4) عبد الجبار،كما في:المعتمد:283/1.

5) العدّة:384/1-385. [2]

6) و إليه ذهب أبو الحسين،في:المعتمد:283/1،و السيد المرتضى،في: الذريعة:300/1،و الفخر الرازي،في:المحصول:140/3.

7) المعتمد:284/1-285.

مخصوص؛قال القاضي (1):لا يجب إضمار مثله في المعطوف عليه، كقوله عليه السّلام:«لا يقتل مؤمن بكافر،و لا ذو عهد في عهده» (2)،ففي (3)الثاني إضمار مخصوص،و هو(بكافر حربي)،لأنّ ذا العهد يقتل بالذمّي بلا خلاف.

و الأولى التوقّف،لأنّ العطف يقتضي الاشتراك،خصوصا في عطف المفرد،و صيغة العموم تقتضي الاستغراق،و ليس أحدهما أولى من الآخر.

المسألة الرابعة:لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي،لأنّ المقتضي للعموم موجود،و هو الصيغة الموضوعة للاستغراق،و عدول الراوي يجوز أن يكون عن أمارة أو نظر فاسد.

لا يقال (4):لو لم يعلم من شاهد حال النبي عليه السّلام التخصيص،لبيّن وجه العدول.

لأنّا نقول:لا نسلّم وجوب إظهار الوجه إلاّ عند المطالبة،فلعلّها لم تحصل.سلّمنا حصولها،لكن لم ينقل،لأنّ النقل (5)ليس واجبا على السامع.

المسألة الخامسة:ذكر بعض ما يتناوله (6)العام لا يخصّ العموم،


1) عبد الجبار،كما في:المعتمد:286/1.

2) جامع الاصول:26/8-28 ح 5863.

3) في ه،الحجرية:(و في).

4) المعتمد:176/2، [1]الذريعة:313/1،المحصول:176/2، [2]المنتهى:133.

5) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(نقلها).و استظهر مصحح نسخة(د)أنّ الصواب: (نقله).و مرجع الضمير(وجه العدول)،كما أنّه مرجع الضمير في(ينقل).

6) في ب:(تناوله).

خلافا لأبي ثور (1)(2)لأنّ التخصيص مشروط بالتنافي،و لا تنافي.

و كذلك قصد المتكلم بخطابه إلى المدح و الذمّ،لا يمنع من كونه عامّا،خلافا لبعض الشافعية (3)لأنّ قصد المتكلم ذلك لا ينافي صيغة العموم،لا وضعا و لا عادة،لصحّة الجمع بينهما.


1) هو:إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي:الفقيه،صاحب الإمام الشافعي.قال ابن حيّان:صنّف الكتب،و فرّع على السنن و ذبّ عنها،يتكلّم في الرأي فيخطئ و يصيب.مات ببغداد شيخا عام 240 ه.قال ابن عبد البر:له مصنّفات كثيرة،منها كتاب ذكر فيه اختلاف مالك و الشافعي،و ذكر مذهبه في ذلك.و هو أكثر ميلا إلى الشافعي.عن:الأعلام للزركلي:37/1. [1]

2) المعتمد:288/1،المحصول:129/3،الإحكام:534/1،المنتهى:133. [2]

3) المعتمد:279/1،التبصرة:193،المحصول:135/3،الإحكام:485/1، المنتهى:118.

الباب الرّابع: في المجمل و المبيّن

اشارة

و فيه فصول

الفصل الأوّل: في تفسير ألفاظ يحتاج إليها في هذا الباب

المجمل؛قد يراد به:ما أفاد جملة من الأشياء،من قولهم:(أجملت الحساب).و في الاصطلاح هو:ما أفاد شيئا من جملة أشياء،هو معيّن في نفسه،و اللّفظ لا يعيّنه.

و البيان في العرف هو:كلام أو فعل دالّ على المراد بخطاب لا يستقلّ بنفسه في معرفة المراد.

و المبيّن:قد يطلق على ما يحتاج إلى بيان،و قد ورد عليه بيانه.و قد يطلق على الخطاب المبتدأ المستغني عن بيان.

و المفسّر:له المعنيان أيضا.

و النصّ هو:الكلام الذي يظهر (1)إفادته لمعناه،و لا يتناول أكثر ممّا هو مقول فيه.


1) في ج:(ظهر).

الفصل الثاني: فيما يحتاج إلى بيان

و الضابط فيه:أنّ كلّ ما لا يستقل بنفسه،في معرفة المراد به؛فهو مجمل.

و تقسيم ذلك أن نقول:الأدلة الشرعية إمّا أقوال أو أفعال.

فالأقوال على ضربين:ما يستقلّ بنفسه في معرفة المراد به.و هو (1)يدلّ إمّا بصريحه،كقوله تعالى: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (2)،و قوله:

وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)،أو بفحواه،كقوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (4)، و هذا حقيقة عرفية في نفي الأذية مطلقا.و قيل (5):يعلم ذلك بالقياس.و هو باطل؛لأنّه يعلمه من لا يستحضر القياس،و من لا يعتقد صحّته أيضا.

و (6)ما لا يستقلّ بنفسه.و هو نوعان:أحدهما:يحتاج إلى بيان ما لم يرد منه،كقوله تعالى: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (7).


1) زاد في ه هاهنا كلمة:(ما).

2) الكهف49/. [1]

3) النساء176/. [2]

4) الإسراء23/. [3]

5) القائل الشافعية،و يسمّونه القياس الجلي،كما في:المعتمد:226/1،العدّة: 410/1، [4]التبصرة:227،المستصفى:84/2، [5]المنخول:334،المحصول: 173/3،الإحكام:65/2،المنتهى:148.

6) زاد في ن،ب،ج،د،ه،الحجرية؛كلمة:(منه)في هذا الموضع.و الصواب عدمها،كما استظهره مصحح نسخة(ب).

7) المائدة38/. [6]

و هذا يصحّ التعلّق به.و منهم من أدخله في حيّز المجمل (1).و الأظهر ما ذكرناه.و النوع الثاني:ما يفتقر إلى بيان ما اريد به.و هو على أقسام:

الأوّل:ما وضع في اللّغة لمعنى واحد موجود في أشخاص متعدّدة؛ فإنّه بالنظر إليها أو إلى بعضها المعيّن،مجمل،كقوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (2).

الثاني:ما وضع لمعان مختلفة متعددة،و هو المشترك،فهو مجمل أيضا،على ما مرّ بيانه،كقوله تعالى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (3).

الثالث:ما استعمل في بعض موضوعه لمخصص مجمل (4)،كقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ (5).

الرابع:ما استعمل في غير موضوعه.و هو ضربان:أحدهما:الأسماء الشرعية،منقولة كانت،كقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (6)،أو مختصّة، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (7).و الثاني:ما استعمل في مجازه،و تساوت المجازات بالنسبة إليه،فهو مجمل فيها.

و أمّا الأفعال:فكلّها محتاجة إلى البيان،لأنّها لا تنبئ عن الوجوه الّتي


1) المعتمد:310/1،الذريعة:350/1،العدّة:440/2،المحصول:171/3، الإحكام 19/2،المنتهى:139.

2) الأنعام141/. [1]

3) البقرة228/. [2]

4) كلمة:(مجمل)لم ترد في ب،د،الحجرية.

5) المائدة1/. [3]

6) البقرة43/. [4]

7) البقرة187/. [5]

وقعت عليها (1).و قد يقترن بها ما ينبئ عن الوجوه التي وقعت عليها،كما إذا رؤي مثلا أنّه صلّى صلاة جماعة بأذان و إقامة،علم أنّها واجبة،لأنّ ذلك من دلائل الوجوب.


1) كتب في هامش ب:(من الوجوب و الندب).

الفصل الثالث: فيما ادخل في المجمل.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:التحريم و التحليل المعلّقان على الأعيان،ينصرف إلى المنفعة المطلوبة من تلك العين عرفا.و قال أبو عبد اللّه (1):هو مجمل.

لنا:أنّ الذهن يسبق إلى ذلك،فإنّ القائل:(هذا الطعام حرام)يسبق إلى الذهن تحريم أكله،و:(هذه المرأة حرام)يسبق إلى الذهن تحريم الاستمتاع بها،و سبق الذهن إلى الشيء دلالة على كون اللّفظ حقيقة فيه.

احتجّ (2):بأنّ الأعيان غير مقدورة،فلا يتناولها النهي،و ليس مجاز أولى من مجاز،فوجب التوقّف.

و جوابه:منع الثانية،لقيام الأولوية البادية بقضية العرف.

المسألة الثانية:قال الشيخ أبو جعفر (3):(الباء)في قوله تعالى:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (4)للتبعيض،لأنّ الفعل متعدّ بنفسه،فلو لم تفد التبعيض لم يكن ثمّة (5)فائدة.

و قال القاضي (6):تفيد الإلصاق فحسب،كما تقول:(امسح يدك بالمنديل)،فإنّه يوجب إلصاق يده بالمنديل،إمّا بكلّه أو ببعضه.


1) المعتمد:307/1،التبصرة:201. [1]

2) المعتمد:307/1،التبصرة:202.

3) العدّة:440/2. [2]

4) المائدة6/.

5) في ن،ب،ه:(ثمّ).

6) عبد الجبّار،كما في:المعتمد:308/1.

و قال بعض العراقيين (1):هي مجملة،لأنّها تحتمل مسح الكلّ و البعض،فإذا مسح النبي عليه السّلام بناصيته،كان ذلك بيانا للمجمل.

المسألة الثالثة:حرف (2)النفي إذا دخل على المصدر،كقوله:«لا صلاة إلاّ بطهور» (3)قال أبو عبد اللّه البصري (4):هو مجمل.و قال قوم (5):

إن كان الفعل شرعيا،انتفى عند انتفاء الصفة المذكورة،كقوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (6)،لأنّ الشرع أخبر (7)بانتفاء ذلك.و إن كان حقيقيا (8)انصرف إلى حكمه:فإن كان له حكم واحد،انتفى ذلك الحكم،كقوله:«لا شهادة لقاذف» (9).و إن كان له أحكام متساوية،كان مجملا.


1) المعتمد:308/1،المحصول:164/3،الإحكام:14/2،المنتهى:137. [1]

2) *) بداية النسخة(أ).

3) جامع الاصول:439/5 ح 3600.و اللّفظ:«بغير طهور».

4) المعتمد:309/1،التبصرة:203. [2]

5) المعتمد:309/1،المحصول:166/3-167.

6) جامع الاصول:326/5-327 ح 3423،و:428/5 ح 3583،و:644/5- 645 ح 3915.و اللّفظ:«لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

7) في ب:(أخبرنا).

8) في ن،ب،ج،د،ه،الحجرية:(حقيقة).

9) لم أجد حديثا بهذا اللّفظ.نعم ورد مضمونه،فانظر:وسائل الشيعة/كتاب الشهادات36/-باب قبول شهادة القاذف بعد التوبة و عدم قبولها قبله.

الفصل الرابع: في البيان.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:البيان يقع بأشياء:

الأوّل:القول،و هو ظاهر.

الثاني:الكتابة،كما بيّن اللّه تعالى لملائكته بما كتبه في اللّوح (1)، و الرسول بما كتبه لعمّاله (2)،و الأئمة من بعده (3).

الثالث:الإشارة،كما قال:«الشهر هكذا و هكذا»بأصابعه العشر،ثمّ أعاد و حبس إصبعه في الثالثة (4).و هذا القسم لا يصحّ في حقّ اللّه تعالى، لافتقاره (5)إلى الأعضاء،و استحالتها في حقّه تعالى.

الرابع:الفعل.و أنكر ذلك قوم (6).و الأصحّ جوازه،كما بيّن النبي عليه السّلام الحجّ و الوضوء بفعله.و لا يكون بيانا حتى يعلم ذلك من قصده،


1) و كحديث الصحف الاثني عشر،المروي في:اصول الكافي:279/1-/284 كتاب الحجّة/باب أنّ الأئمة عليهم السّلام لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلاّ بعهد من اللّه عزّ و جل و أمر منه لا يتجاوزونه/ح 1،2،4؛و كحديث اللّوح،المروي في المصدر السابق:527/1-/528باب ما جاء في الاثني عشر و النصّ عليهم عليهم السّلام/ح 3.

2) راجع كتاب:مكاتيب الرسول،للشيخ علي الأحمدي الميانجي:507/2-706 مطبعة دار الحديث طهران عام 1419 ه.

3) اصول الكافي:238/1-/242كتاب الحجّة/باب فيه ذكر الصحيفة و الجفر و الجامعة و مصحف فاطمة عليها السّلام/ح 1،6.

4) جامع الاصول:279/6-282 ح 4393،4394.

5) في ج،د،الحجرية:(لافتقارها).

6) المعتمد:311/1، [1]الذريعة:339/1-340،180/3،اصول السرخسي: 27/2،الإحكام:25/2،المنتهى:140.

أو بنصّه،كقوله:«صلّوا كما رأيتموني اصلّي» (1)،أو بالدليل العقلي،كما إذا فعل وقت الحاجة إلى بيان الخطاب.

الخامس:الترك،كأن يتركه عليه السّلام بعد فعله عمدا،أو يكون الخطاب متناولا له و لامّته،ثمّ يتركه (2)،فيعلم خروجه عن العموم.

فرعان

الأوّل:الفعل أكشف من القول في البيان،لأنّ الفعل ينبئ عن صفة المبيّن عيانا،و القول إخبار عن تلك الصفة،و ليس الخبر كالعيان.

الفرع الثاني:إذا ورد عقيب المجمل قول و فعل يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما بيانا:فإن لم يتنافيا،و علم تقدّم أحدهما،كان هو البيان، و الثاني تأكيدا.و إن جهل،كانا (3)سواء في الاحتمال.و إن تنافيا،و علم تقدّم أحدهما،كان هو البيان.و إن جهل،كان القول هو البيان دون الفعل، لأنّه يدلّ بنفسه،و ليس كذلك الفعل.

المسألة الثانية:لا يجب أن يكون البيان كالمبيّن في القوة،خلافا للكرخي (4)،فإنّه لا يعمل بخبر الأوساق (5)،مع قوله عليه السّلام:«فيما سقت السماء العشر» (6).


1) جامع الاصول:576/5-577 ح 3820.

2) زاد في أ في هذا الموضع كلمة:(هو).

3) في أ،د،ه:(كان).

4) المعتمد:313/1،المحصول:184/3،الإحكام:28/2،المنتهى:141.

5) جامع الاصول:587/4-590 ح 2668،2669.

6) جامع الاصول:587/4-589 ح 2668،611/4-613 ح 2694،2697. بألفاظ متفاوتة.

و إنّما قلنا ذلك لأنّه لا يمتنع تعلّق المصلحة به،و هو متضمّن لحكم شرعي عملي،فجاز استفادته بالخبر المظنون،على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

الفصل الخامس: في المبيّن له.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:يجوز أن يؤخّر النبي صلّى اللّه عليه و آله تبليغ العبادة إلى وقت الحاجة إليها.و أوجبه قوم قبل الحاجة (1).

لنا:لو علم ذلك،لعلم إمّا سمعا أو عقلا،و القسمان منتفيان (2).

احتجّوا (3):بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (4)،الأمر للفور.

و جوابه:أنّ المراد بذلك القرآن،لأنّه هو المستفاد عند إطلاق التنزيل.

المسألة الثانية:لا خلاف بين أهل العدل أنّ تأخير البيان عن (5)وقت الحاجة غير جائز،إذا لم يكن للمكلّف طريق إلى معرفة ما كلّف به إلاّ بالبيان،و إلاّ لكان تكليفا بما لا يطاق (6).

و اختلفوا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب؛فأجازه جماعة من


1) المعتمد:314/1-315،الذريعة:360/1-361،العدّة:447/2، [1]المحصول:218/3،الإحكام:44/2،المنتهى:143-144.

2) في ب،ج،د،الحجرية:(منفيّان).

3) المصادر السابقة.

4) المائدة67/. [2]

5) في ج،الحجرية:(عند).

6) المعتمد:315/1،الذريعة:361/1-362،العدّة:448/2، [3]المحصول: 187/3،215/2،الإحكام:30/2،المنتهى:141. [4]

الشافعية مطلقا (1).و أنكره أبو علي،و أبو هاشم (2).و أجاز أبو الحسين (3)تأخير ما لا ظاهر له،و منع من تأخير ما له ظاهر استعمل في خلافه،كالعام إذا اريد به (4)الخصوص،و النكرة إذا اريد بها معيّن،و الأسماء الشرعية.

احتجّ الأوّلون بوجوه (5).

الأوّل:أنّ البيان إنّما يراد ليتمكّن المكلّف من الإتيان بما كلّف، فلا حاجة إليه عند الخطاب،كما لم يجب تقديم القدرة.

الثاني:لو قبح تأخيره زمانا طويلا،لقبح تأخيره زمانا قصيرا.

الثالث:لو قبح تأخير بيان العام،لقبح تأخير (6)بيان المنسوخ.

الرابع:قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (7)، و(ثمّ)للتراخي.

الخامس:أمره تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة (8)،و هو لا يريد الإطلاق،و أخّر بيان صفتها إلى ما بعد السؤال (9).لا يقال:البيان توجّه إلى


1) المعتمد:315/1،التبصرة:207،المستصفى:286/1، [1]المحصول:188/3، [2]الإحكام:30/2،المنتهى:141. [3]

2) نفس المصادر.

3) المعتمد:316/1.

4) في ج،د،الحجرية:(في)بدل(إذا اريد به).

5) المعتمد:322/1-326،التبصرة:209-210،المستصفى:287/1،290، [4]المحصول:189/3،193،الإحكام:30/2-38،المنتهى:142. [5]

6) كلمة:(تأخير)ساقطة من ب،ج،د،الحجرية.

7) القيامة18/-19. [6]

8) البقرة67/.

9) البقرة68/-71.

تكليف ثان؛لأنّ ظاهر الكنايات العود إلى المذكور.

و يمكن أن يجاب عن الأوّل:بأنّا لا نسلّم انحصار فائدة الخطاب فيما ذكرتم،بل له فائدة اخرى،و هي ارتفاع العبث و إزالة الإغراء باعتقاد الجهل،و هذه الفائدة لا تحصل إلاّ مع مقارنة البيان للخطاب.

و عن الثاني:بإظهار الفرق،و منع الملازمة؛فإنّ الإنسان قد يتكلّم بما لا يفهم أصلا،ثم يبيّنه في الحال،و لا يقبح ذلك منه.و يقبح أن يتراخى (1)ببيانه عن الزمان القصير.و لأنّ الكلام إذا اتصل به البيان صار كالجملة الواحدة.

و عن الثالث:بالتزام التسوية بين النسخ و الخصوص،فإنّه لا يجوز إسماع المنسوخ إلاّ مع الإشعار بالنسخ.

و عن الرابع:بأنّ ظاهر الكناية عودها إلى جميع القرآن،و كلّه لا يفتقر إلى بيان.

فإن قلت:يجب تنزيلها على ما يفتقر منه إلى بيان،كالمجمل و العموم.

قلت:ليس ما ذكرته (2)أولى من التمسك بظاهر الكناية،و يكون البيان إظهاره بالتنزيل،أو يكون إشارة إلى البيان التفصيلي (3).

احتجّ أبو الحسين (4):بأنّه لو تأخّر بيان ما له ظاهر،لكان المخاطب:


1) في ج،د،الحجرية:(إن تراخى).

2) في ج،د،الحجرية:(ذكره).

3) في ه:(بيان التفصيل).

4) المعتمد:316/1-317. [1]بتصرّف.

إمّا أن لا يريد إفهامنا بذلك،و إمّا أن يريد (1)،و يلزم من الأوّل بطلان كونه خطابا،و من الثاني تكليف ما لا يطاق،أو الإغراء باعتقاد الجهل،لأنّه إن أراد منّا فهم ظاهره،لزم الإغراء بالجهل،و إلاّ لكان (2)تكليفا بما لا سبيل إليه.

و هذا ينتقض بجواز تأخير النسخ،و بأنّه قد يتوجّه الخطاب إلى من يموت قبل تمكّنه من الإتيان بالفعل،فيعلم خروجه عن الخطاب،و لم يبيّن ذلك.

و احتجّ أبو هاشم (3):بأنّه لو جاز تأخير بيان المجمل،لجاز مخاطبة العربي بالزنجية،و لا يبيّن له في الحال،و الجامع كون السامع لا يعرف المراد في الحالين.

و جوابه:منع الملازمة،و إبداء الفرق،و هو أنّ العربي لا يفهم موضوع الزنجية،و ليس كذلك في صورة النزاع،لأنّ السامع يعلم أنّ المتكلم أراد أحد محتملات اللّفظ،و قد يتعلّق الغرض بإبانة مثل ذلك القدر.

المسألة الثالثة:يجوز إسماع العام من لم (4)يعرف الخاص،سواء


1) في أ،ب،ج،د،الحجرية:(إمّا أن يريد إفهامنا بذلك و إمّا أن لا يريد).و هو خطأ.

2) في ه:(كان).

3) المعتمد:321/1، [1]التبصرة:211، [2]المستصفى:288/1،المحصول:205/3- 206، [3]الإحكام:42/2.

4) في د:(لا)بدل(لم).

كان المخصص عقليا أو شرعيا،خلافا لأبي الهذيل (1)،و أبي علي (2).

لنا:حصول الاتفاق على جواز إسماع العام المخصوص بالعقل، فليجز (3)مثله في الخصوص بالنقل،و الجامع كون السامع في كلّ واحد من الأمرين يتمكّن (4)من فهم المراد.

احتجّ الخصم بوجهين (5):

أحدهما:لو جاز ذلك لزم الإغراء بالجهل،أو الخطاب بما لا يفهم.

الثاني:لو جاز ذلك لما جاز العمل بالعام إلاّ بعد العلم بانتفاء المخصّص،و ذلك يسدّ باب الاستدلال بالعمومات.

و جواب الأوّل:أنّ الإغراء و الجهل منتفيان،لأنّ السامع يجوّز التخصيص،فيسعى في طلب المخصّص.

و جواب الثاني:أنّ غلبة الظنّ بانتفاء المخصّص تكفي في جواز العمل بالعام.


1) هو:محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي،مولى عبد القيس،أبو الهذيل العلاّف:من أئمة المعتزلة.ولد في البصرة عام 135 ه.و اشتهر بعلم الكلام،له مقالات في الاعتزال و مجالس و مناظرات،إليه تنسب فرقة الهذلية من المعتزلة.و ذكر أنّ الجبّائي صنّف كتابا في تكفيره.توفي سنة 235 ه.له كتب كثيرة،منها كتاب سمّاه(ميلاس)على اسم مجوسي أسلم على يده.عن:الأعلام للزركلي:131/7،و [1]هامش:المحصول:221/3.

2) فإنّهما فصّلا،فأجازا في العقلي دون الشرعي،كما في:المعتمد:331/1، المحصول:221/3،الإحكام:45/2.

3) في أ:(فلنجز).

4) في أ،ن،ب،د،ه:(متمكن).

5) المعتمد:332/1،المحصول:222/3-223،الإحكام:46/2.

الباب الخامس: في الأفعال

اشارة

و فيه فصلان

الفصل الأوّل: في أفعال النبي صلّى اللّه عليه و آله.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:التأسّي في الفعل هو:أن يفعل صورة ما فعل (1)الغير (2)،على الوجه الذي فعل،لأجل أنّه فعل.

و في الترك هو:أن يترك مثل الذي ترك لأجل أنّه ترك.

و الاتّباع:قد يكون في القول،و هو:امتثال مقتضاه من وجوب أو ندب أو حظر.و قد يكون في الفعل و الترك،و هو مثل التأسّي.

و الموافقة هي:المشاركة في صورة ما يشتركان فيه،سواء كان في عقيدة أو في فعل.

و المخالفة:قد تكون في القول،و هي:العدول عن مقتضاه.و في الفعل،و هي:العدول عن مثل فعله إذا وجب،لأنّه لو لم يجب،لم يسمّ العادل مخالفا،كما لا يقال:(الحائض مخالفة للنبي صلّى اللّه عليه و آله (3)في ترك الصلاة).

و الائتمام:هو فعل مثل ما فعله تبعا له.

المسألة الثانية:أفعال النبي صلّى اللّه عليه و آله:

إن كانت بيانا لمجمل واجب؛كانت على الوجوب في حقّنا،أو لمندوب؛كانت كذلك في حقّنا.

و إن لم تكن بيانا،و كانت شرعية،و لم يعلم الوجه الذي وقعت


1) في د:(فعله).

2) في ه:(النبي صلّى اللّه عليه و آله)بدل(الغير).

3) في ن:(للحائض مخالفة النبي).

عليه؛قال ابن سريج (1):تدلّ على الوجوب في حقّنا (2).و قال الشافعي (3):

تدلّ على الندب (4).و قال مالك (5):على الإباحة (6).و الأولى التوقّف.

لنا:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله فعل الواجب و غيره،و لا إشعار للفعل بوجهه الذي وقع عليه،و مع تساوي الاحتمال يجب التوقّف.


1) هو:أحمد بن عمر بن سريج البغدادي،أبو العباس:فقيه الشافعية في عصره. مولده ببغداد سنة 249 ه،و بها توفي عام 306 ه.كان يلقب بالباز الأشهب.ولي القضاء بشيراز،و قام بنصرة المذهب الشافعي فنشره في أكثر الآفاق.كان حاضر الجواب،له مناظرات و مساجلات مع محمد بن داود الظاهري.له تصانيف كثيرة. منها(الأقسام و الخصال)و(الودائع لمنصوص الشرائع).عن:الأعلام للزركلي: 185/1. [1]

2) التبصرة:242-243، [2]المحصول:229/3،الإحكام:149/1.

3) هو:محمّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع،الهاشمي القرشي المطّلبي،أبو عبد اللّه:أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة.و إليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزّة بفلسطين عام 150 ه،و حمل منها إلى مكّة و هو ابن سنتين،و زار بغداد مرّتين،و قصد مصر سنة 199 ه،فتوفي بها سنة 204 ه،و قبره معروف في القاهرة.أفتى و هو ابن عشرين سنة.له تصانيف كثيرة أشهرها(الامّ)في الفقه سبع مجلدات،و(الرسالة)في اصول الفقه،و(المسند)في الحديث.عن:الأعلام للزركلي:26/6. [3]

4) التبصرة:242، [4]المحصول:230/3،الإحكام:149/1.

5) هو:مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري،أبو عبد اللّه:إمام دار الهجرة، و أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة،و إليه تنسب المالكية.مولده في المدينة عام 93 ه،و وفاته بها عام 179 ه.وشي به إلى جعفر-عمّ المنصور العباسي- فضربه سياطا انخلعت لها كتفه.سأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به،فصنّف(الموطّأ).و له كتب اخرى.عن:الأعلام للزركلي:257/5. [5]

6) المحصول:230/3،الإحكام:149/1.و لكن نسب في:الذريعة:578/2، العدّة:575/2،التبصرة:243؛إلى مالك القول بحمله على الوجوب.

احتجّ القائلون بالوجوب بالقرآن و الإجماع (1).

أمّا القرآن:فبقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (2)، و الأمر حقيقة في الفعل،و قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (3)،و قوله: وَ اتَّبِعُوهُ (4).

و أمّا الإجماع:فلأنّ الصحابة خلعوا نعالهم لمّا خلع،و حلقوا لمّا حلق،و ذبحوا لمّا ذبح،و رجعوا إلى قول عائشة في الغسل من التقاء الختانين.

و جواب الأوّل:لا نسلّم أنّ الأمر حقيقة في الفعل.سلّمناه لكن المشترك لا ينزّل على كلا معنييه،بل على أحدهما،و القول مراد قطعا، فالفعل غير مراد.

و جواب الثاني:لا نسلّم أنّ التأسّي هو الإتيان بمثل فعل الرسول،بل الإتيان به على الوجه الذي فعل،كما بيّناه.و هو الجواب عن الآية الاخرى.

و أمّا الإجماع:فلا نسلّم أنّهم فعلوا لأجل فعله مطلقا،بل لعلّه كان بيّن ذلك لهم.

المسألة الثالثة:إذا علم الوجه الذي وقع عليه فعله صلّى اللّه عليه و آله؛قال أبو جعفر الطوسي (5):يجب اتباعه في ذلك.و هو اختيار أبي الحسين


1) المعتمد:349/1-351، [1]الذريعة 582/2،العدّة:578/2-581، [2]التبصرة: 244-245، [3]المستصفى:99/2-101، [4]المحصول:231/3-233،الإحكام: 150/1-151، [5]المنتهى:49. [6]

2) النور63/. [7]

3) الأحزاب21/. [8]

4) الأعراف158/. [9]

5) العدّة:572/2-573.

البصري (1).و توقّف قوم في ذلك (2).

احتجّ الأوّلون بوجهين (3):

أحدهما:قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (4)،و قوله: وَ اتَّبِعُوهُ (5).

الثاني:الإجماع في الرجوع إلى أفعاله في تعرّف (6)الأحكام الشرعية.

و يمكن أن يجاب عن الأوّل بأنّ (7)الاسوة ليست من ألفاظ العموم، فتصدق بالمرّة الواحدة،و قد توافقنا على وجوب التأسّي به (8)في بعض الأشياء،فلعلّ ذلك هو المراد.و هذا هو الجواب عن الآية الاخرى.

لا يقال:العرف يقضي بوجوب التأسّي به في كلّ الامور،لأنّه لا يقال:(فلان اسوة لفلان)إذا كان اسوة له في أمر واحد.

لأنّا نقول:هذا ممنوع،فلا بدّ له من دليل.

و أمّا الإجماع:فهو استدلال بصورة خاصّة على قضية عامّة.و لئن سلّمنا حصوله في تلك الصورة،فتعديته قياس.


1) المعتمد:353/1-354. [1]

2) في:التبصرة:240:«و [2]قالت الأشعرية:لا تشاركه فيه الامّة إلاّ بدليل».و في: المحصول:248/3:«و [3]من الناس من أنكر ذلك في الكل»أي:أنكر التعبّد بالتأسّي في العبادات و المناكحات و المعاملات.و لم أجد من نسب إليه التوقّف.

3) المعتمد:354/1-355، [4]الذريعة:576/2،العدّة:573/2-574، [5]التبصرة: 241. [6]

4) الأحزاب21/. [7]

5) الأعراف158/. [8]

6) في ج،د،ه،الحجرية:(تعريف).

7) في أ،ن،ب،ه:(أنّ).

8) كلمة:(به)لم ترد في ج،د،الحجرية.

الفصل الثاني: في الوجوه التي تقع عليها أفعاله و في حكم التعارض.

اشارة

و فيه مسألتان:

المسألة الاولى:فعله عليه السّلام قد يكون بيانا.و يعلم ذلك بوجهين:

أحدهما:أن يتقدّم فعله خطاب يفتقر إلى بيان،و يعدم ما يمكن أن يكون بيانا له.

الثاني:أن ينصّ على كون فعله بيانا للخطاب (1).

و قد يكون فعله ابتداء شرع،فيكون واجبا أو مندوبا أو مباحا.

فالواجب يعلم بخمسة طرق:بنصّه على الوجوب،أو يكون فعله (2)بيانا لواجب (3)،أو يفعل عليه السّلام معه أمارة تدلّ على الوجوب،أو يفعله بدلا عن (4)واجب،أو يكون الفعل قبيحا لو لم يكن واجبا،كركوعين في ركعة.

ذكره أبو الحسين (5).

و المندوب يعلم بأربعة أشياء:بنصّه عليه السّلام،أو يعلم أنّ له صفة زائدة على حسنه و لا تدلّ دلالة على وجوبه،أو يكون بيانا لخطاب يدلّ على الندبية،أو يكون امتثالا لخطاب دالّ عليها.

و الإباحة تعلم بأربعة أشياء:بأن يعلم ذلك من قصده إمّا بنص أو أمارة، أو تدلّ[دلالة]على حسنه و لا تدلّ دلالة على وجوبه و لا ندبه،أو يكون


1) في ن،ج،د،ه،الحجرية:(لخطاب).

2) في أ:(يكون الفعل).و في ب،ه:(بكون فعله).

3) في ن:(لوجوب).

4) في الحجرية:(من).

5) المعتمد:356/1-357.

بيانا لخطاب دالّ على الإباحة،أو امتثالا لخطاب دالّ عليها (1).

المسألة الثانية:التعارض بين فعليه بالنظر إليهما غير ممكن،لأنّهما لا يقعان إلاّ في زمانين (2)،بل قد يقترن بالفعل ما يدلّ على عمومه في الأشخاص،و شموله للأوقات،فيصحّ تطرّق التعارض.و في التحقيق:

التعارض راجع إلى تلك القرينة.

و أمّا التعارض بين قوله و فعله فممكن؛فعلى هذا إذا تعارض قوله و فعله،و لم يعلم تقدّم أحدهما على الآخر،وجب التوقّف،إلاّ لدلالة غيرهما،سواء كان التعارض من كلّ وجه أو من بعض.و قال جماعة (3):

يجب المصير إلى القول.

و احتجّوا (4):بأنّ القول يدلّ بنفسه،و الفعل يفتقر (5)في الدلالة إلى القول،فكان القول أولى.و بأنّ الفعل يحتمل الاختصاص به عليه السّلام،و ليس كذلك القول.

و جواب الأوّل:أنّ الكلام ليس في الفعل المطلق،بل في الفعل الذي قام الدليل على وجوب متابعته فيه،فصار كالقول.و هذا هو الجواب عن الثاني.


1) في أ:(لذلك)بدل:(لخطاب دال عليها).

2) في أ:(الأزمان).

3) المعتمد:360/1-361،العدّة:589/2، [1]التبصرة:249، [2]المستصفى: 105/2،المحصول:258/3-259،الإحكام:28/2،المنتهى:51.

4) المصادر السابقة.

5) في أ،ن،ب:(مفتقر).

فائدة

اختلف الناس في النبي صلّى اللّه عليه و آله.هل كان متعبّدا بشرع من (1)قبله أم لا؟ و هذا الخلاف عديم الفائدة،لأنّا لا نشك أنّ جميع ما أتى به لم يكن نقلا عن الأنبياء،بل عن اللّه تعالى بواسطة الملك،و نجمع على أنّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل الأنبياء،و إذا أجمعنا على ثمرة المسألة،فالدخول بعد ذلك فيها كلفة.


1) زاد في ن هاهنا كلمة:(كان).

الباب السّادس: في الإجماع

اشارة

و فيه فصول

الفصل الأوّل: و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:الإجماع و إن كان في وضع اللّغة مشتركا بين الاتفاق و الإزماع (1)فهو في الاصطلاح:اتفاق من يعتبر قوله في الفتاوى الشرعية على أمر من الامور الدينية،قولا كان أو فعلا.

و هو ممكن الوقوع.

و في الناس من أحاله (2)،كما يستحيل إجماع أهل الإقليم الواحد على الاشتراك في ملبس واحد و مأكل واحد.و هذا باطل،بما (3)يعلم من الاتفاق على كثير من مسائل الفقه ضرورة.ثمّ الفرق:أنّ التساوي في المأكل و المشرب ممّا يتساوى فيه الاحتمال،و ليس كذلك المسائل الدينية، لأنّها يصار إليها عند الأدلّة،فجاز الاتفاق عليها.

و من الناس من أحال العلم به إلاّ في زمن الصحابة (4)،نظرا إلى كثرة المسلمين و انتشارهم،و كون ذلك لا يعلم إلاّ بالمشافهة لهم أو التواتر عنهم،و هما متعذّران فيمن بلغ هذا الحدّ.


1) في ه:(الإعزام).قال ابن الأثير في النهاية:296/1:« [1]أجمعت الرأي،و أزمعته، و عزمت عليه؛بمعنى».

2) المعتمد:22/2،المحصول:21/4، [2]الإحكام:168/1-169،المنتهى:52. [3]

3) في ه:(لما).

4) المعتمد:67/2-68،اصول السرخسي:313/1،المحصول:34/4-35، الإحكام:169/1،المنتهى:52.

لا يقال:نحن نعلم اتفاق المسلمين على كثير من المسائل،كنبوّة محمد صلّى اللّه عليه و آله،و الصلوات الخمس،و نعلم غلبة كثير من المذاهب على بعض البلاد.

لأنّا نجيب عن الأوّل:بأنّه لا معنى للمسلم إلاّ من قال بهذه الأشياء، فكأنّ (1)القائل:(أجمع المسلمون على النبوّة)يقول:(أجمع من قال بالنبوّة على النبوّة).

و أمّا غلبة بعض المذاهب،فلا نسلّم أنّا نعلم ذلك في أهل البلد كافّة.و لئن سلّمنا أنّ الأكثر منهم قائل به،لكن هذا ممّا لا يجدي في باب الإجماع.

المسألة الثانية:عندنا أنّ زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم حافظ للشرع،يجب الرجوع إلى قوله فيه.إذا تقرر هذا،فمتى أجمعت (2)الامّة على قول،كان ذلك الإجماع حجّة.و لو فرضنا خلوّ الزمان من ذلك الإمام،لم يكن الإجماع حجّة.

و هاهنا بحثان

الأوّل:مع وجوده عليه السّلام الإجماع حجّة،للأمن على قوله من الخطأ، و القطع على دخوله في جملة المجمعين.و على هذا،فالإجماع كاشف عن قول الإمام،لا أنّ الإجماع حجّة في نفسه من حيث هو إجماع.


1) في ن،ج،ه:(و كان).

2) في ن،ه،الحجرية:(اجتمعت).

البحث الثاني:لو خلا الإجماع عن المعصوم عليه السّلام لم يكن حجّة، خلافا لسائر الطوائف ما عدا الخوارج و النظّام (1)(2).

لنا:لو كان حجّة لعلم ذلك إمّا بالعقل أو بالنقل (3)،و القسمان باطلان بما يبطل به معتمد المخالف،و هم طائفتان:طائفة تتمسك بالمعقول، و اخرى بالمنقول.

أمّا المعقول:فقالوا (4):

لو لم يكن الإجماع حقّا (5)،لاستحال إجماعهم عليه،كما يستحيل تواطؤهم على التلفّظ بالعبارة الواحدة،و التحلّي بالزي الواحد.

الثاني:أنّ إجماع الخلق العظيم على الحكم يستدعي دلالة أو أمارة،


1) هو:إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري،أبو إسحاق النظّام:من أئمة المعتزلة. قال الجاحظ:«الأوائل يقولون:في كلّ ألف سنة يظهر رجل لا نظير له.فإن صحّ ذلك؛فأبو إسحاق من أولئك».تبحّر في علوم الفلسفة.و انفرد بآراء خاصّة. و تابعته فرقة من المعتزلة سمّيت النظامية نسبة إليه.أمّا شهرته بالنظّام فأشياعه يقولون:إنّها من إجادته نظم الكلام،و خصومه يقولون:إنّه كان ينظم الخرز في سوق البصرة.و في«لسان الميزان»أنّه«متهم بالزندقة.و كان شاعرا أديبا بليغا». و ذكروا أنّ له كتبا كثيرة في الفلسفة و الاعتزال.توفي عام 231 ه.عن:الأعلام للزركلي:43/1. [1]

2) المعتمد:4/2،الذريعة:604/2،العدّة:601/2-602،التبصرة:349، اصول السرخسي:295/1،المستصفى:204/1،المحصول:35/4، [2]الإحكام: 170/1،المنتهى:52.

3) في ب،ج،د،الحجرية:(النقل).

4) البرهان:262/1-263،المحصول:100/4،المستصفى:211/1.

5) في ه:(حجّة)بدل(حقّا).

و كلاهما حجّة.

و جواب الأوّل:منع الملازمة،و إبداء الفارق بأنّ صورة الوفاق ممّا يتساوى فيه الاحتمال،و تختلف فيه الدواعي،و ليس كذلك الإجماع على الحكم،لأنّه قد يحصل عند (1)شبهة،ثمّ تعمّ تلك الشبهة.

و جواب الثاني:منع الحصر،لجواز أن يجمعوا لشبهة.

ثم إن الوجهين منقوضان بإجماع اليهود و النصارى و غيرهم من الفرق الموفين على عدد المسلمين،فإنّهم أجمعوا على كثير من الأباطيل.

و أمّا المتمسكون بالمنقول،فاستدلوا بوجوه (2):

الأوّل:قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (3)الآية،فلو لم يكن كلّ واحد منهما محظورا لقبح الجمع بينهما،كما يقبح:(من شاقّ الرسول و شرب ماء، عاقبته)،و مع ثبوت ذلك يكون اتباع غير سبيل المؤمنين (4)محظورا، فيكون اتباع سبيلهم واجبا.

الثاني:قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (5)،و الوسط العدل و الخيار،بالنقل (6)عن أئمة اللّغة و أهل التفسير (7)،و الموصوف


1) في ج،د،الحجرية:(عن).

2) المعتمد:4/2-16،التبصرة:349-355، [1]اصول السرخسي:296/1- 299،المستصفى:206/1-207، [2]المحصول:35/4-79، [3]الإحكام:170/1-187.

3) النساء115/. [4]

4) في أ،ج،د:(المسلمين)بدل(المؤمنين).

5) البقرة143/. [5]

6) في أ:(بالنصّ)بدل(بالنقل).

7) الصحاح للجوهري:908/1، [6]المفردات للراغب:522( [7]مادة وسط)،الكشّاف للزمخشري:198/1- [8]في تفسير الآية المذكورة.

بالعدالة مجانب لمواقعة (1)الخطيئة،و ذلك ينافي الإجماع عليها.

الثالث:قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (2)أخبر أنّهم ينهون عن المنكر،و هو يعمّ كلّ منكر،بما عرف في باب العموم،و هو ينافي الإجماع عليه.

الرابع:قوله عليه السّلام:«امّتي لا تجتمع على خطأ» (3)،و صحّة نقل الحديث مشهورة.و لو دفع بعينه (4)لكان معناه (5)منقولا بالتواتر،لوجود هذا المعنى في أخبار لا تحصى كثرة.

و جواب الأوّل:منع (6)عموم السبيل،فلعلّه أراد في ترك المشاقّة (7)خاصّة.و لو سلّمنا عمومه،لزم ترك اتباع إجماعهم،لأنّهم إن أجمعوا من غير دلالة،لم يجز الاتباع.و إن كان لدلالة،لم يجز العمل بما أجمعوا عليه إلاّ بعد الظفر بتلك الدلالة،لأنّه قد كان من شأنهم لو لا الدلالة لما عملوا به.

و لو سلّمنا ذلك،لم يكن فيه منافاة لمذهبنا،لأنّ الواقع وجود الإمام المعصوم عليه السّلام،و هو أحد المؤمنين،و اتباع (8)غير سبيله غير جائز،و نحن


1) في ج،د،ه،الحجرية:(لموافقة).

2) آل عمران110/. [1]

3) هذا اللفظ ورد في كتب اصول الفقه المتقدّمة الذكر.و المروي في كتب الحديث: «قد أجاركم اللّه من ثلاث خلال...و أن لا تجتمعوا على ضلالة»و«إنّ اللّه لا يجمع امّتي-أو قال:أمّة محمد-على ضلالة»:جامع الاصول:195/9-196 ح 6760،6761.

4) في أ:(نقله)بدل(بعينه).

5) كلمة:(معناه)لم ترد في ه.

6) في ن،ب،ه:(بمنع).و في ج،د،الحجرية:(نمنع).

7) في أ،ه:(المشاققة).

8) في ن،ب،ه:(فاتباع).

نتكلّم على تقدير عدمه.

و جواب الثاني:منع عموم العدالة في الأشياء كلّها،فلعلّهم عدول في الشهادة على الناس خاصّة.ثمّ إن أراد بذلك أمّة النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يتحقق (1)الإجماع إلاّ بعد اتفاق كلّ من كان و يكون من الامّة،و إن أراد البعض -و ليس في الآية إشعار به-دخل في حيّز المجمل،فلعلّه أراد من ثبتت عصمته من الأئمة عليهم السّلام (2).

و جواب الثالث:أنّ(المنكر)اسم مفرد معرّف باللاّم،و قد بيّنا أنّه لا يقتضي العموم،و إذا كان كذلك،جاز أن يراد به النهي عن الكفر،و مع قيام الاحتمال (3)يبطل التعلّق بالآية.

لا يقال:هذا حاصل في سائر الامم،فلا يكون فيه مزيّة،و ظاهر الآية إثبات المزيّة.

لأنّا نقول:المزيّة حاصلة،و هي مبالغتهم في النهي عن الكفر،كما لو صرّح بهذا المعنى لم تبطل المزيّة.

و جواب الحديث 4:منع أصله.و لو سلّمنا تواتره،لقلنا بموجبه من


1) في أ:(نتحقق).

2) في الحجرية:(الامّة).

3) في أ،ب،ج،د،الحجرية:(الإجمال).

حيث أنّ امّته عليه السّلام لا تخلو من المعصوم،فيكون قولها حجّة لدخول قوله في الجملة.

فرعان

الأوّل:جاحد الحكم المجمع عليه كافر 1،لأنّه يجحد ما يعلم حقّيته من الشرع.

الفرع الثاني:الإجماع لا يصدر عن مستند ظنّي (1)،لأنّ معتمد المعصوم الدليل القطعي،لا الحجّة الظنيّة.نعم يجوز أن تكون أقوال باقي الإمامية مستندة إلى الظنّ،كخبر الواحد منضمّا إلى قوله الصادر عن الدلالة.

المسألة الثالثة:لا يجوز أن ينعقد إجماع على مسألة،ثمّ ينعقد بعده


1) قال أبو الحسين،في:المعتمد:36/2:« [1]ذكر قاضي القضاة عن الحاكم صاحب (المختصر)أنّه قال:إذا انعقد الإجماع لأهل العصر عن اجتهاد،جاز لمن بعدهم أن يخالفهم فيه.و عندنا أنّه حجّة يحرم خلافه».و قال السرخسي،في:اصوله: 302/1:«كان ابن جرير رحمه اللّه يقول الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يصدر عن خبر الواحد و لا عن القياس،لأنّ خبر الواحد و القياس لا يوجب العلم قطعا،فما يصدر عنه كيف يكون موجبا لذلك؟!و لأنّ الناس يختلفون في القياس هل هو حجّة أم لا؟ فكيف يصدر الإجماع عن نفس الخلاف؟!و هذا غلط بيّن،فقد بيّنا أنّ إجماع هذه الامّة حجّة شرعا باعتبار عينه لا باعتبار دليله،فمن يقول بأنّه لا يكون إلاّ صادرا عن دليل موجب للعلم فإنّه يجعل الإجماع لغوا،و إنّما يثبت العلم بذلك الدليل، فهو و من ينكر كون الإجماع حجّة أصلا سواء،و خبر الواحد و القياس و إن لم يكن موجبا للعلم بنفسه فإذا تأيّد بالإجماع فذلك يضاهي ما لو تأيّد بآية من كتاب اللّه، أو بالعرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و التقرير منه على ذلك،فيصير موجبا للعلم من هذا الطريق قطعا».و قال الآمدي،في:الإحكام:224/1:«القائلون بأنّه لا ينعقد الإجماع إلاّ عن مستند؛اختلفوا في جواز انعقاده عن الاجتهاد و القياس،فجوّزه الأكثرون،لكن اختلفوا في الوقوع نفيا و إثباتا.و القائلون بثبوته اختلفوا؛فمنهم من قال:الإجماع مع ذلك يكون حجّة تحرم مخالفته،و هم الأكثرون.و منهم من قال: لا تحرم مخالفته،لأنّ القول بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد و لا يحرمه. و ذهبت الشيعة و داود الظاهري و ابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك.و من الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي.و المختار جوازه و وقوعه،و أنّه حجّة تمتنع مخالفته».كما صرّح باختيار ذلك الشيرازي،في:التبصرة:372، و [2]الغزالي،في:المستصفى:227/1،و [3]الفخر الرازي،في:المحصول:210/4، و [4]ابن الحاجب،في المنتهى:55. [5]

إجماع على خلافها،و إلاّ لكان قول المعصوم خطأ.

لا يقال:ربّما كان قوله الأوّل تقيّة.

لأنّا نقول:الإجماع لا يتقرر ما لم يعلم الاتفاق قصدا.

المسألة الرابعة:كلّ ما انعقد الإجماع عليه فهو حقّ،سواء كان من العقائد الدينية،أو الفروع الشرعية،أو غير ذلك.لكن كلّ ما يتوقّف العلم بوجوب وجود الإمام المعصوم عليه السّلام عليه،لم يصحّ الاستدلال عليه بالإجماع،و إلاّ لدار.و كلّ ما لا يكون كذلك،جاز الاستدلال عليه بالإجماع.

الفصل الثاني: في المجمعين.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:قال القاضي أبو بكر (1):يعتبر في الإجماع عوام الامّة،نظرا إلى لفظ الخبر (2).و قال الأكثرون:المعتبر بقول العلماء و أهل الاجتهاد خاصّة (3).و قال أهل الظاهر:المعتبر بإجماع الصحابة خاصّة (4).

و الذي يجيء على مذهبنا اعتبار من يعلم دخول المعصوم فيهم.فعلى هذا،لو أجمع العلماء،أو الفقهاء،أو أهل البيت (5)لكفى ذلك في كونه حجّة،لما قرّرناه.


1) هو:محمد بن الطيّب بن محمد بن جعفر،القاضي الباقلاّني:من كبار علماء الكلام،انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة.ولد في البصرة عام 338 ه، و سكن بغداد،و توفي فيها عام 403 ه.وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك الروم،فجرت له في القسطنطنية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها.له مؤلفات عديدة،منها(إعجاز القرآن)و(الإنصاف)و(التمهيد في الردّ على الملحدة و المعطّلة و الخوارج و المعتزلة).عن:الأعلام للزركلي:176/6. [1]

2) المحصول:196/4،الإحكام:191/1،المنتهى:55.

3) المعتمد:26/2،التبصرة:371، [2]المنخول:310،الإحكام:191/1،المنتهى:55. [3]

4) الإحكام لابن حزم:539/1،المعتمد:27/2،التبصرة:359، [4]المحصول: 199/4،الإحكام:195/1،المنتهى:55. [5]

5) قال السرخسي،في:اصوله:314/1:«من الناس من يقول:لا إجماع إلاّ لعترة الرسول لأنّهم المخصوصون بقرابة رسول اللّه(ص)و أسباب العزّ.قال عليه السّلام:«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي إن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي»و قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. »و ذكر الاستدلال بالآية و الحديث أيضا أبو إسحاق الشيرازي،في:التبصرة:369،و [6]الفخر الرازي،في:المحصول:170/4،و الآمدي،في:الإحكام:209/1.

فائدة

اعتبر قوم بلوغ المجمعين حدّ التواتر (1)

ص:100 أيضا-الإحكام:212/1.

.

و على ما اخترناه؛المعتبر من يعلم دخول المعصوم في جملتهم.

المسألة الثانية:إجماع أهل كلّ عصر حجّة،خلافا لأهل الظاهر (2).

لنا:أنّ زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم،و متى كان كذلك فلا بدّ من دخوله في المجمعين،و مع دخوله يكون الإجماع حجّة.

و لغيرنا:الظواهر الدالة على كون الإجماع حجّة من غير تقييد.

المسألة الثالثة:إذا اتفقت الامّة على قولين:فإن كان الثالث ممّا يلزم منه الخروج عن الإجماع،كان باطلا بالاتفاق.و إن لم يكن كذلك،لم يجز إحداث الثالث عند قوم (3)لأنّ الثالث إن كان باطلا لم يجز العمل به،و إن كان حقّا لزم خلوّ الامّة عنه،و هو باطل.

و على ما أصّلناه؛فالإمام في إحدى الطائفتين،فتكون محقّة، و الخارج عن الحقّ باطل.

المسألة الرابعة:إذا لم تفصّل الامّة بين مسألتين:فإن نصّت على المنع من الفصل،فلا كلام.و إن عدم النصّ:

فإن كان بين المسألتين علقة،بحيث يلزم من العمل بإحداهما العمل


1) المحصول:199/4-و انظر

2) الإحكام لابن حزم:539/1،المعتمد:27/2،التبصرة:359، [1]المحصول: 199/4،الإحكام:195/1،المنتهى:55.

3) في أ:(عندنا)بدل(عند قوم).و هو خطأ.و في:المحصول:127/4:«الأكثرون منعوه».و في:الإحكام:227/1:«ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك».

بالاخرى؛لم يجز الفصل،كما في زوج و أبوين،و زوجة و أبوين،فمن قال:للام ثلث أصل التركة؛قال في الموضعين،و من قال:ثلث الباقي؛ قال في الموضعين،إلاّ ابن سيرين (1)(2).

و إن لم يكن بينهما علقة،قال قوم:يجوز (3)الفصل بينهما (4).

و على ما ذهبنا إليه؛لم يجز،لأنّ الإمام عليه السّلام مع إحدى الطائفتين قطعا،و يلزم من ذلك وجوب متابعته في الجميع (5).

المسألة الخامسة:لا يجوز انقسام المجمعين إلى فرقتين تجمع كلّ واحدة منهما بين حقّ و باطل،لأنّ الإمام مع إحداهما،و هو يمنع من اتفاقها (6)على الخطأ.


1) هو:محمد بن سيرين البصري،أبو بكر:إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي،من أشراف الكتّاب.مولده في البصرة عام 33 ه،و بها وفاته سنة 110 ه.نشأ بزّازا،في اذنه صمم.تفقّه،و روى الحديث،و اشتهر بالورع و تعبير الرؤيا.استكتبه أنس بن مالك بفارس،و كان أبوه مولى لأنس.ينسب له كتاب (تعبير الرؤيا).عن:الأعلام للزركلي:154/6. [1]

2) فإنّه فصّل بين الموضعين،كما في:المعتمد:44/2-45،التبصرة:388، [2]المحصول:134/4،الإحكام:230/1،المنتهى:61.

3) في ب:(بجواز).

4) المحصول:131/4-132،الإحكام:228/1،المنتهى:61. [3]

5) في أ،ب:(الجمع).

6) في ن،ج،ه،الحجرية:(اتفاقهما).

الفصل الثالث: في كيفية العلم بالإجماع.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:قد عرفت أنّ الإجماع إنّما كان حجّة لدخول الإمام عليه السّلام فيه،فالمعتبر حينئذ قوله.فعلى هذا،يعلم قول المعصوم عليه السّلام بعينه بأمرين:

أحدهما:السماع منه مع المعرفة به.

و الثاني:النقل المتواتر.

فإن فقد الأمران،و أجمعت الإمامية على أمر من الامور على وجه يعلم أنّه لا عالم من الإمامية إلاّ و هو قائل به،فإنّه يعلم دخول المعصوم عليه السّلام فيه،لقيام الدليل القاطع على حقّية مذهبهم،و الأمن على المعصوم من ارتكاب الباطل.

إذا تقرّر هذا،فإن علم أن لا مخالف،ثبت الإجماع قطعا.و إن علم المخالف و تعيّن باسمه و نسبه،كان الحقّ في خلافه.و إن جهل نسبه،قدح ذلك في الإجماع،لجواز أن يكون هو (1)المعصوم.و إن لم يعلم مخالف، و جوّزنا وجوده،لم يكن ذلك إجماعا،لإمكان وقوع الجائز،و كون ذلك هو الإمام.

المسألة الثانية:إذا اختلفت الإمامية على قولين:فإن كانت إحدى الطائفتين معلومة النسب،و لم يكن الإمام أحدهم (2)،كان الحقّ في الطائفة


1) في ج،د،ه،الحجرية:(هذا)بدل(هو).

2) جملة:(و لم يكن الإمام أحدهم)لم ترد في أ.

الاخرى.و إن لم تكن معلومة النسب:فإن كان مع إحدى الطائفتين دلالة قطعية توجب العلم،وجب العمل على قولها؛لأنّ الإمام معها قطعا.و إن لم يكن مع إحداهما دليل قاطع؛قال الشيخ (1):تخيّرنا في العمل بأيّهما شئنا.

و قال بعض أصحابنا (2):طرحنا القولين،و التمسنا دليلا من غيرهما.

و ضعّف الشيخ (3)هذا القول بأنّه يلزم منه اطّراح قول الإمام.

قلت:و (4)بمثل هذا يبطل ما ذكره،لأنّ الإمامية إذا اختلفت على قولين،فكلّ طائفة توجب العمل بقولها،و تمنع من العمل بالقول الآخر، فلو تخيّرنا لاستبحنا ما حظره المعصوم عليه السّلام.

تفريع

إذا اختلفت الإمامية على قولين،فهل يجوز اتفاقها بعد ذلك على أحد القولين؟قال الشيخ (5):إن قلنا بالتخيير،لم يصحّ اتفاقهم بعد الخلاف؛لأنّ ذلك يدلّ على أنّ القول الآخر باطل،و قد قلنا إنّهم مخيّرون.

و لقائل أن يقول:لم لا يجوز أن يكون التخيير مشروطا بعدم الاتفاق فيما بعد؟و على هذا الاحتمال،يصحّ الإجماع بعد الاختلاف.

المسألة الثالثة:الإجماع يقع على ضروب:

منها:أن يجمع أهل الإجماع على المسألة بالقول الصريح.


1) العدّة:637/2. [1]

2) العدّة:636/2. [2]

3) نفس المصدر.

4) حرف العطف:لم يرد في ج،ه،الحجرية.

5) العدّة:637/2. [3]

الثاني:أن يجمعوا عليها فعلا.

الثالث:أن يقول بعض،و يقرّره الباقون.

و لا بدّ في هذه الوجوه من ارتفاع التقيّة.

الرابع:أن يعلم رضاهم بالمسألة.

لا يقال:كيف يعلم اتفاق الإمامية كلّهم على ذلك،مع كثرتهم و انتشارهم في البلاد.

لأنّا نقول (1):كما يعلم (2)اتفاق المسلمين (3)على كثير من المسائل، كإيجاب غسلة واحدة في الوضوء و أنّه لا قائل بوجوب الثانية و الثالثة،و كما يعلم (4)أنّه إذا اجتمع أخ و جدّ،فإنّه لا قائل بأنّ الأخ يحوز المال دون الجدّ،و غير ذلك من المسائل.


1) العدّة:632/2. [1]

2) في ب،ج،د،الحجرية:(نعلم).

3) في ه:(الاتفاق)بدل(اتفاق المسلمين).

4) في ن،ب:(نعلم).

الباب السّابع: في الأخبار

اشارة

و فيه مقدّمة و فصول

أمّا المقدّمة

فنقول:

الخبر:كلام يفيد بنفسه نسبة أمر إلى أمر نفيا أو إثباتا.

و من الناس من قال:الخبر:ما يحتمل الصدق و الكذب (1).و هو تعريف بما لا يعرف إلاّ به.

و الصدق:هو الإخبار عن الشيء على ما هو به.

و الكذب:هو الإخبار عن الشيء لا على ما هو به.

و لا يفتقر إلى كون المخبر معتقدا لكونه (2)كذبا.و اعتبره الجاحظ (3)(4).

و الخلاف لفظي (5).

و لا بدّ من كون المخبر مريدا،حتى تكون الصيغة مستعملة في


1) المعتمد:74/2، [1]العدّة:63/1، [2]المحصول:217/4،الإحكام 250/1، المنتهى:65.

2) في ه:(بكونه).و هو المناسب.

3) هو:أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء،الليثي:كبير أئمة الأدب،و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة.ولد في البصرة عام 163 ه و توفي بها سنة 255 ه.فلج في آخر عمره،و كان مشوّه الخلقة.مات و الكتاب على صدره؛قتلته مجلّدات من الكتب وقعت عليه.له تصانيف كثيرة،منها(الحيوان) [3]أربعة مجلدات،و(البيان و التبيين)و(سحر البيان)و(التاج).عن:الأعلام للزركلي: 74/5. [4]

4) المعتمد:75/2-76،المحصول:224/4،الإحكام:253/1،المنتهى:66.

5) المحصول:225/4.

فائدتها،لأنّ الصيغة قد توجد غير خبر (1).

إذا عرفت هذا،فالخبر:إمّا أن يقطع بصدقه،أو كذبه،أو يكون محتملا لكلّ واحد من الأمرين.

و ما علم صدقه ينقسم إلى:ما علم صدقه بمجرّد الإخبار،و إلى ما علم صدقه بأمر مضاف إلى الإخبار،كضرورة العقل أو (2)استدلاله.

و يدخل في ذلك جميع ما عدّ (3)من الأقسام الدالة على صدق الخبر، كإخبار اللّه تعالى،و رسوله،و المعصوم،و ما أجمعت (4)عليه الامّة،و ما ذكر بحضرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله بمسمع منه و لم يكن غافلا عنه فلم ينكره؛لأنّ كلّ ذلك علم صحّته بالدليل.

و ما علم صدقه بمجرّد الإخبار،فهو المتواتر.و سنفرد له فصلا،إن شاء اللّه تعالى.

و ما علم كذبه؛فلا يكون إلاّ بأمر مضاف إلى الخبر،و هو خمسة أشياء:

الأوّل:ما خالف ضرورة العقل.

الثاني:ما أحالته العوائد.

الثالث:ما خالف دليل العقل.

الرابع:ما خالف النصّ القاطع من الكتاب و السنّة المتواترة.

الخامس:ما خالف الإجماع.


1) المعتمد:73/2،الذريعة:478/2،العدّة:64/1،المحصول:223/4.

2) في ج،د،الحجرية:عطف بالواو.

3) في أ،ن،ج:(عدد).و في ه:(عدّوا).

4) في ج،د،ه،الحجرية:(اجتمعت).

الفصل الأوّل : في المتواتر من الأخبار.و فيه مسائل:

المسألة الأولى:الخبر المتواتر مفيد للعلم.و أنكره السمّنية (1).

لنا:أنّ الواحد منّا يجد نفسه جازمة بالبلدان و الوقائع-و إن لم يشاهدها-عند الإخبار عنها،كجزمنا بما نشاهده،جزما خاليا عن التردد.

و ما تورده السمّنية من الشبه (2)،فهو تشكيك في (3)الضروريات، فلا يستحقّ الجواب.

و أمّا كيفية حصول هذا العلم:فذهب أبو هاشم و أتباعه و جماعة من الفقهاء إلى كونه ضروريا (4).و قال المفيد 5من


1) الذريعة:481/2،العدّة:69/1، [1]المنخول:235،المستصفى:155/1، المحصول:228/4،الإحكام:259/1،المنتهى:68.و السمّنية:-نسبة إلى (سومان)بلد في الهند-من الفرق [2]التي كانت قبل الإسلام و القائلة بالتناسخ.قالوا بقدم العالم و بإبطال النظر و الاستدلال.و زعموا أن لا معلوم إلاّ من جهة الحواس الخمس.و أنكر أكثرهم البعث بعد الموت.عن:الفرق بين الفرق للبغدادي:270 ط سنة 1367 ه- [3]1948 م بتعليقات الشيخ زاهد الكوثري.

2) في ن،ج،د،ه،الحجرية:(الشبهة).

3) في أ،ن،ه:(على)بدل(في).

4) المعتمد:81/2،الذريعة:485/2،العدّة:70/1، [4]التبصرة:293،اصول السرخسي:291/1،المستصفى:156/1-157،المحصول:230/4-231، الإحكام:262/1،المنتهى:68.

أصحابنا:هو كسبي 1.و توقّف الشيخ 2و المرتضى 3في الإخبار عن البلدان و الوقائع،و قطعا على أنّ الأخبار الشرعية المتضمّنة لمعجزات 4الأنبياء و الأئمة،و غير ذلك من المذاهب المتواترة؛كسبي،يفتقر إلى ضرب من الاستدلال.

و الظاهر أنّه ضروري،لأنّه يجزم بهذه الامور من لا يحسن الاستدلال و لا يعرفه.و لا أمنع أن يفتقر بعض الأخبار المتواترة إلى ضرب من الاستدلال،و ليس هذا موضع الكشف عن غامض هذه المسألة.

المسألة الثانية:شرائط إفادة الخبر المتواتر العلم أربعة:

الأوّل:أن يخبروا عمّا علموه،لا ما ظنّوه.

الثاني:أن يكون ذلك المعلوم محسوسا.

الثالث:أن يبلغوا حدّا لا يجوز عليهم التواطؤ و المراسلة.

الرابع:أن يستوي الطرفان و الوسط في هذه الشرائط.

لأنّا نعلم أنّه متى اختلّت (1)هذه الشرائط أو أحدها لا يحصل العلم بمجرّد الإخبار.

المسألة الثالثة:ليس للتواتر عدد محصور.و حدّه قوم بسبعين، و آخرون بأربعين،و قوم بعدّة أهل بدر (2).و الكلّ تحكّم لا معنى له.

لنا:أنّا نحكم بوجود البلاد و الوقائع عند الإخبار من غير تنبّه للعدد، فلو كان العدد شرطا،لتوقّف العلم على حصوله.و لعلّ الهمّة لو صرفت إلى دركه لأمكن ذلك بعد صعوبة.

و تحقيقه:أنّا إذا سمعنا بخبر عن واحد فقد أفادنا ظنّا،ثم كلّما تكرر الإخبار بذلك قوي الظنّ،حتى يصير الاعتقاد علما،فعند ذلك إن ضبط العدد كان ذلك هو المعتبر،لأنّ الإخبار هو المقتضي للعلم،و السبب لا يختلف بحسب محالّه إذا كان تامّا.

المسألة الرابعة:شرط قوم (3)شروطا ليست معتبرة،و هي أربعة:

الأوّل:أن لا يجمعهم مذهب واحد،و لا نسب واحد (4).


1) في ج،د،ه،الحجرية:(اختلفت).

2) حكيت هذه الأقوال و أدلّتها في:المعتمد:92/2،التبصرة:295،المستصفى: 162/1،المنخول:241،المحصول:466/4-467،الإحكام:268/1، المنتهى:70.

3) المستصفى:164/1-165،المحصول:268/4-269،الإحكام:269/1- 270،المنتهى:70.

4) عبارة:(و لا نسب واحد)ساقطة من الحجرية.

الثاني:أن يكون عددهم غير محصور.

الثالث:أن لا يكونوا مكرهين على الإخبار.

الرابع:العدالة.

و الكل فاسد،لأنّا نجد النفس جازمة بمجرّد الأخبار المتواترة من دون هذه الامور،فلم تكن معتبرة.

المسألة الخامسة:حكى بعض الأشعرية (1)و المعتزلة (2)أنّ الإمامية تعتبر قول المعصوم عليه السّلام في التواتر.و هو فرية عليهم،أو غلط في حقّهم، و إنّما يعتبرون ذلك في الإجماع.

المسألة السادسة:التواتر بالمعنى مفيد للعلم،ككرم حاتم، و شجاعة علي عليه السّلام،و إن كانت مفردات أخبارهما آحادا.


1) كالغزالي،في:المنخول:242،و:المستصفى:165/1،و الآمدي،في: الإحكام:270/1،و ابن الحاجب،في:المنتهى:70.و إنّما القائل بذلك هو ابن الراوندي،كما في:المحصول:269/4.

2) لم أعثر عليه.و ربّما كان القاضي عبد الجبّار،فانظر:الشافي في الإمامة،للسيد المرتضى:283/1،ط قم عام 1410 ه،مصوّرة عن طبعة عام 1407 ه.

الفصل الثاني : فيما لا يقطع بصدقه و لا كذبه.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:حكي عن أهل الظاهر أنّ خبر الواحد يفيد العلم (1)،و عن قوم أنّه يوجب العلم الظاهر (2).و هذا باطل ضرورة،و لأنّه لو أوجبه الخبر لكونه خبرا،لأوجبه كلّ خبر،و من جملتها إخبارنا لهم أنّ خبر الواحد لا يوجب العلم.

و حكي عن النظّام (3):أنّ خبر الواحد إذا اقترنت به قرائن أفاد العلم، كما إذا سمعت الواعية في دار إنسان،و نشرت (4)نساؤه شعورهن، و سوّدت أبوابه،و استغاث غلمانه،و اخبر بموته،فعند ذلك يحصل العلم بصدق المخبر.و هو باطل،لأنّه قد ينكشف بطلان الخبر في كثير من ذلك.نعم،قد يفيد الظنّ القوي.و لا احيل في بعض الأخبار انضمام قرائن قوية كثيرة تبلغ إلى حدّ يفيد معها العلم.

المسألة الثانية:يجوز التعبّد بخبر الواحد عقلا،خلافا لابن قبة (5)


1) الإحكام لابن حزم:112/1،المعتمد:92/2،96،العدّة:97/1، [1]التبصرة: 298،المنخول:252،المستصفى:172/2،الإحكام:274/1.

2) المعتمد:93/2،الذريعة:517/2،العدّة:97/1-98، [2]المستصفى:172/2، [3]الإحكام:274/1.

3) المعتمد:92/2-93،الذريعة:517/2،العدّة:97/1، [4]التبصرة:298، [5]البرهان:217/1،اصول السرخسي:330/1،المنخول:239-240.

4) في ن،ب،ج،د،ه،الحجرية:(نشر).

5) هو:أبو جعفر،محمد بن عبد الرحمن بن قبة،الرازي:فقيه،رفيع المنزلة،من

من أصحابنا،و جماعة من علماء الكلام (1).

لنا:أنّ التعبّد به يجوز اشتماله على مصلحة،فيجب الحكم بجواز التعبّد به.أمّا الاولى:فلأنّ المانع من اشتماله على المصلحة هو ما يذكره الخصم،و نحن نبطله.و أمّا أنّه إذا كان كذلك وجب الحكم بجواز التعبّد به؛فلأنّ الشرائع معذوقة (2)بالمصالح،و الحكمة الإلهية موكولة برعايتها، فيجب في الحكمة مهافتة (3)الشارع على نصبها.

احتجّ الخصم بوجهين (4):


1) الذريعة:519/2،529،الإحكام:285/1.

2) في هامش ب،الحجرية:(أي:موسومة).و في ه:(مقترنة)بدل(معذوقة).

3) في هامش ب،الحجرية:(أي:متابعة).

4) كما قد ذكرت حجج اخرى في المقام،و أهمّها ما جعله ابن الحاجب،في:

أحدهما (1):أنّ خبر الواحد لا يوجب العلم،فيجب أن لا يعمل به.

و الاولى ظاهرة،و لأنّا لا نتكلم إلاّ فيما هذا شأنه من الأخبار.و أمّا الثانية فلأنّه عمل بما لا يؤمن كونه مفسدة،و أيضا قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 2.

الوجه الثاني 3:ثبت أنّه لا يقبل خبر النبي إلاّ بعد قيام المعجزة على صدقه،ففيمن عداه أولى.

و جواب الأوّل:أنّ الأمان من كونه مفسدة حاصل عند قيام الدلالة على العمل به.

و جواب الثاني:التزام التسوية،فلأنّا لا نعمل بخبره ما لم تقم الدلالة على العمل به.

ثمّ الوجهان منقوضان بالعمل بشهادة الشاهدين،و استقبال القبلة عند غلبة الظنّ و عدم العلم بجهتها،و غير ذلك من الظنون الواردة في 4الشرع.

المسألة الثالثة:إذا ثبت جواز التعبّد بخبر الواحد،فهل هو واقع أم لا؟منعه المرتضى 5.و قال أكثر المعتزلة و الفقهاء من العامّة بوقوعه 6.


1) المعتمد:104 [1]/2،الذريعة:522/2،التبصرة:301-302،المحصول: 389/4-390،الإحكام:286/1.

و اعتبر أبو علي (1)في الخبر رواية عدلين حتى يتصل بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.و اكتفى الباقون برواية الواحد العدل.و عمل به الطوسي (2)إذا كان الراوي من الطائفة المحقّة،و كان عدلا.

احتجّ المرتضى (3):بأنّه لو وجب العمل به لعلم إمّا بالعقل أو النقل (4)،و القسمان باطلان.

أمّا الملازمة؛فلأنّه لو كان التكليف به واردا،لكان للمكلّف إليه طريق،لأنّ تكليف ما لا طريق إلى العلم به قبيح عقلا.

و أمّا انحصار الطريق في العقل و النقل؛فظاهر.

و أمّا انتفاء اللاّزم فبما سنبطل به معتمد المخالف،و هم طائفتان:

طائفة تتمسك بالعقل كابن سريج و أتباعه (5)،و اخرى (6)بالنقل-و هم الأكثر (7)-كالقاضي (8)و أبي عبد اللّه (9)و من تبعهما.و منهم من يجمع في الدلالة بين العقل و النقل (10)،كالقفّال (11)و أبي الحسين (12).


1) الجبّائي،كما في:الذريعة:529/2،العدّة:99/1-100، [1]التبصرة:312، المنخول:255،المحصول:417/4. [2]

2) العدّة 100/1. [3]

3) الذريعة:529/2.

4) في ج،د،ه،الحجرية:(بالنقل).

5) العدّة:98/1،المحصول:353/4،الإحكام:288/1،المنتهى:74.

6) في د،الحجرية:(الاخرى).

7) المنتهى:74.

8) عبد الجبّار،كما في:المحصول:353/4.

9) قال الآمدي،في:الإحكام:288/1:«و فصّل أبو عبد اللّه البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة و ما لا يسقط بها،فمنع منه في الأوّل و جوّزه في الثاني».

10) التبصرة:303.

11) المحصول:353/4،الإحكام:288/1.

12) المعتمد:106/2-126.

احتج ابن سريج (1):بأنّ العمل بخبر الواحد دافع للضرر،و كلّ ما كان كذلك كان واجبا.أمّا أنّه دافع للضرر؛فلأنّ المخبر عن الرسول إذا كان ثقة يغلب على الظنّ صدق قوله،و مخالفته مظنّة للضرر.و أمّا أنّ دفع الضرر واجب؛فضروري.

و الجواب:لا نسلّم أنّ مخالفة الخبر مظنّة للضرر،و هذا لأنّ علمنا بوجوب نصب الدلالة من الشارع على ما يتوجّه التكليف به،يؤمّننا الضرر عند ظنّ صدق المخبر.ثمّ ما ذكروه منقوض برواية الفاسق،لا بل برواية الكافر،فإنّ الظنّ يحصل عند خبره.لا يقال:لو لا الإجماع لقلنا به.لأنّا نقول:حيث منع الإجماع من اطّراد هذه الحجّة،دلّ على بطلانها،لأنّ الدليل العقلي لا يختلف بحسب مظانّه.

ثمّ إنّ الحجّة مقلوبة عليهم،لأنّه لو وجب العمل بخبر الواحد لجواز اشتماله على مصلحة لا يؤمن الضرر بفواتها،فليجب اطّراحه لجواز اشتماله على مفسدة لا يؤمن من الضرر بفعلها،و يلزم على ما ذكروه وجوب العمل بقول مدعي النبوّة بدون (2)المعجز بعين ما ذكروه (3).


1) ذكرت هذه الحجّة بصيغ مختلفة دون ما نسبة إلى ابن سريج في:المعتمد:106/2 -107،الذريعة:534/2،العدّة:107/1، [1]المستصفى:174/1، [2]المحصول: 388/4.و في:الإحكام:289/1،و:المنتهى:76؛ [3]نسبت إلى أبي الحسين البصري،و زاد في الأوّل:«و جماعة من المعتزلة».

2) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(دون).

3) في ن:(لعين).و في ه:(من دون المعجزة لعين ما ذكروه).

و احتجّ المتمسكون بالنقل بوجوه (1).

الأوّل:قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (2).و وجه الدلالة:أنّ اللّه تعالى أوجب الحذر بخبر الواحد،و متى وجب الحذر وجب العمل،لأنّ عند سماع الخبر المحذّر:إمّا أن يمتنعوا عن استباحة ما حذّر عنه،و هو عمل به،و إذا عمل به في موضع وجب في كلّ موضع،إذ لا قائل بالفرق.و إمّا أن لا يمتنعوا،و ذلك يقتضي ترك الحذر الذي دلّت الآية على وجوبه.

الثاني:قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (3).و وجه الدلالة:أنّه أمر بالتبيّن عند كونه فاسقا،فيجب (4)أن لا يحصل وجوب التبيّن عند عدمه،و إلاّ لما كان لتعليق التبيّن على الفسوق فائدة.

الثالث:أنّه عليه السّلام كان يبعث رسله إلى البلدان و القبائل،و هم آحاد، و يوجب على المرسل إليهم القبول من المرسل.

الرابع:أجمعت الصحابة على العمل بخبر الواحد،و إجماع الصحابة حجّة.أمّا أنّهم أجمعوا؛فلأنّهم رجعوا إلى أزواج النبي عليه السّلام في الغسل من التقاء الختانين (5)،و رجع أبو بكر في توريث الجدّة إلى خبر المغيرة (6)،


1) المعتمد:110/2-116،الذريعة:531/2-534،العدّة:108/1-115، 121، [1]التبصرة:304-307، [2]المستصفى:175/1-179، [3]المحصول:354/4- 377، [4]الإحكام:291/1-299،المنتهى:74-75. [5]

2) التوبة122/. [6]

3) الحجرات6/. [7]

4) في ج،د،الحجرية:(فوجب).

5) جامع الاصول:268/7-270 ح 5300.

6) جامع الاصول:608/9-609 ح 7391.

و رجع عمر إلى رواية عبد الرحمن في سيرة المجوس بقوله:«سنّوا (1)بهم سنّة أهل الكتاب» (2)،و منع من توريث المرأة من دية زوجها،و رجع عن ذلك بخبر الضحاك بن قيس (3)،و عن عليّ عليه السّلام:«كنت إذا سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حديثا نفعني اللّه بما شاء أن ينفعني،فإذا حدّثني به غيره استحلفته،فإذا حلف لي صدّقته» (4)،و عمل عليّ عليه السّلام بخبر المقداد في المذي (5).و هذه الأخبار و إن كانت آحادا،فإنّ معناها متواتر،كما يعلم كرم حاتم،و شجاعة عمرو،و إن كانت مفردات أخبارهما آحادا.

لا يقال:لم لا يجوز أن تكون الصحابة عملت عند هذه الأخبار، لا بها؟

لأنّا نقول:لو عملوا لا بها،لوجب نقل ذلك الموجب للعمل دينا و عادة،لأنّ الجماعة إذا مسّتهم الحاجة إلى كشف ملتبس،ظهر منهم الاستبشار عند وضوحه،و التعجّب من حصوله،فيظهر لا محالة.و لو صحّ من الواحد ستره لما استمرّ في الجماعة كلّهم،و لكان يحدوهم الدين إلى إظهار السبب الموجب للعمل،لئلاّ يحصل التوهّم أنّهم عملوا للخبر (6)، و إذا ثبت أنّ بعضهم عمل بما ذكرناه،و لم ينكر الباقون مع ارتفاع الموانع من الإنكار،كان ذلك إجماعا.

و الجواب عن الآية الاولى أن نقول:لا نسلّم وجوب الحذر.


1) في النسخ:(سيروا).و هو تصحيف.

2) جامع الاصول:660/2 ح 1151.

3) جامع الاصول:620/9 ح 7414.

4) جامع الاصول:390/4 ح 2448.

5) جامع الاصول:197/7-200 ح 5219.

6) في ج:(بالخبر).

فان قال:(لعلّ)في حقّ اللّه للوجوب.

قلنا:هي في حقّه للوجوب بمعنى تحقّق حصول ما دخلت عليه، لا بمعنى استحقاق الذمّ بتركه.

سلّمنا أنّ الحذر واجب عنده،لكن لا نسلّم أنّه يلزم العمل بمضمونه،و لم لا يكون ثمرة الحذر البعث على (1)استعلام الحقّ و الفحص عنه؟!على أنّ وجوب الحذر ينافي العمل بخبر الواحد،إذ مع العمل به يؤمن الحذر،فكيف يكون سببا له؟!

ثمّ نقول:كما يحتمل ذلك نقل الخبر يحتمل نقل الفتوى،و مع قيام الاحتمال لا يعود حجّة على موضع النزاع.على أنّ تناوله للفتوى (2)أولى، لقوله تعالى: وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ (3)،لأنّ العمل بالخبر يختصّ العلماء (4)دون غيرهم،و تنزيلها (5)على الأعمّ أولى.

و الجواب عن الآية الثانية أن نقول:الاستدلال بها مبنيّ على القول بدليل الخطاب،و هو باطل.

فإن قال:إنّ تعليل التبيّن بكون المخبر فاسقا يقتضي عدم الحكم عند عدمه،فلا يجب التبيّن عند خبر العدل.

قلنا:هذا معارض بأنّ (6)عدم الأمان من إصابة القوم بالجهالة علّة في


1) في ه:(عن).

2) في أ:(الفتوى).

3) التوبة122/. [1]

4) كذا في النسخ،و المناسب(بالعلماء).

5) في أ،ج،د،ه،الحجرية:(فتنزيلها).

6) في أ،ن،ب،ج،د،الحجرية:(بما أنّ).

وجوب التبيّن،و هو ثابت في العدل،فيجب التبيّن عملا بالعلّة.

فإن قال:لو استوى العدل و الفاسق في ذلك،لم يكن لذكر الفسوق فائدة.

قلنا:لا نسلّم،و ما المانع أن تكون الفائدة هي إظهار فسوق من نزلت الآية بسببه،و هو الوليد بن عقبة (1)،فإنّه يمكن أنّه كان على ظاهر العدالة عندهم،فكشف عن فسوقه.

و الجواب عن الثالث:أن نقول:لا نسلّم أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يبعث رسله إلى القبائل لرواية الخبر،و لم لا يجوز أن يكون بعثهم للحكم و الفتوى؟! و مع قيام هذا الاحتمال يبطل التعلّق بهذا الاستدلال.

و الجواب عن الرابع:لا نسلّم حصول الإجماع على ذلك.

قوله:«نقل بالتواتر حكم الصحابة به».

قلنا:لا نسلّم تواتر ذلك،إذ لو كان كذلك لحصل لنا العلم به كما حصل (2)لك،و لحصل لكثير ممّن أنكر ذلك من المعتزلة و غيرهم.


1) قال الزمخشري في تفسيره المسمّى ب(الكشّاف):359/4-360 ط عام 1366 ه، [1]في تفسير الآية المذكورة:«بعث رسول اللّه(ص)الوليد بن عقبة،أخا عثمان لامّه-و هو الذي ولاّه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص،فصلّى بالناس و هو سكران صلاة الفجر أربعا،ثمّ قال:هل ازيدكم،فعزله عثمان عنهم-مصدقا إلى بني المصطلق،و كانت بينه و بينهم إحنة،فلمّا شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له،فحسبهم مقاتليه،فرجع و قال لرسول اللّه(ص):قد ارتدّوا و منعوا الزكاة. فغضب رسول اللّه(ص)و همّ أن يغزوهم.فبلغ القوم،فوردوا و قالوا:نعوذ باللّه من غضبه و غضب رسوله،فاتهمهم فقال:«لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا هو عندي كنفسي،يقاتل مقاتلكم،و يسبي ذراريكم»ثمّ ضرب بيده على كتف عليّ رضى اللّه عنه. و قيل:بعث إليهم خالد بن الوليد،فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين،فسلّموا إليه الصدقات،فرجع».

2) في ج،د،الحجرية:(يحصل).

قوله:«عمل به بعض الصحابة و سكت الباقون».

قلنا:لا نسلّم أن بعضا عمل.فإن استدلّ بالأخبار المذكورة؛قلنا:

هي آحاد،فيكون ذلك إثباتا للشيء بنفسه.سلّمنا أنّ بعضهم عمل،و لكن لا نسلّم أن سكوت الباقين لا يحتمل إلاّ الرضا،لأنّ العامل بذلك هم أرباب الحكم كأبي بكر و عمر و عثمان و أمثالهم،و ليس كلّ أحد قادرا على الإنكار عليهم.و إن قدر الواحد أو العشرة من الصحابة،فإنّ وفاقهم لا يكون إجماعا،لأنّا لا نعلم ارتفاع الاحتمال في حقّ الباقين.

على أنّ هذا الاستدلال لو صحّ لكان معارضا بمثله،فإنّ بعض الصحابة ردّ خبر الواحد،و لم يعلم النكير من غيره،كما روي أنّ أبا بكر ردّ خبر عثمان فيما رواه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من إذنه بردّ الحكم بن أبي العاص (1)،و أنّ عمر ردّ خبر فاطمة بنت قيس (2)،و أنّ عليا عليه السّلام رد خبر بروع بنت واشق (3)،و أنّ عائشة ردّت خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه (4)،و غير ذلك ممّا عدّدوه،و تقريره ما تقدّم.

و ذهب شيخنا أبو جعفر (5)إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا.


1) الإصابة في تمييز الصحابة،للحافظ ابن حجر:345/1-346 مطبعة مصطفى محمد عام 1358 ه و بهامشه الاستيعاب:317/1-319. [1]

2) جامع الاصول:128/8-140 ح 5976.

3) السنن الكبرى،للبيهقي:247/7 ط دار المعرفة.و راوي الخبر-الوارد في قضية بروع بنت واشق-هو معقل بن سنان الأشجعي.و قد ذكر الخبر في:جامع الاصول:16/7-18 ح 4990.

4) جامع الاصول:91/11-94 ح 8563،8564.

5) العدّة:126/1. [2]

لكن لفظه و إن كان مطلقا،فعند التحقيق يتبيّن (1)أنّه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل بهذه الأخبار الّتي رويت عن الأئمة عليهم السّلام و دوّنها الأصحاب،لا أنّ كلّ خبر يرويه إماميّ (2)يجب العمل به.هذا الذي تبيّن لي في (3)كلامه، و يدّعي إجماع الأصحاب على العمل بهذه الأخبار،حتى لو رواها غير الإمامي،و كان الخبر سليما عن المعارض،و اشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة بين الأصحاب؛عمل به.و احتجّ لذلك بوجوه ثلاثة:

الأوّل (4):دعوى الإجماع على ذلك.فإنّه ذكر أنّ قديم الأصحاب و حديثهم إذا طولبوا بصحّة ما أفتى به المفتي منهم،عوّل على المنقول في اصولهم المعتمدة و كتبهم المدوّنة،فيسلّم له خصمه منهم الدعوى في ذلك،و هذه سجيّتهم من زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى زمن الأئمة عليهم السّلام،فلولا أنّ العمل بهذه الأخبار جائز لأنكروه و تبرّءوا من العامل به.

الوجه الثاني (5):وجود الاختلاف من الأصحاب بحسب اختلاف الأحاديث يدلّ على أنّ مستندهم إليها،إذ لو كان العمل بغيرها ممّا طريقه القطع،لوجب أن يحكم كلّ واحد بتضليل مخالفه و تفسيقه،فلمّا لم يحكموا بذلك،دلّ على أنّ مستندهم الخبر،و على جواز العمل به.

لا يقال:هذا دليل على أنّهم غير معاقبين على العمل به،و عدم العقاب لا يدلّ على كونه حقّا.


1) في أ،ب،ه،الحجرية:(تبيّن).و في ج،د:(يبين).

2) في ج،الحجرية:(الإمامي).

3) في ه:(من)بدل(في).

4) العدّة:126/1. [1]

5) العدّة:136/1. [2]

لأنّا نقول:الجواب عن ذلك من وجهين:

أحدهما:أنّ الغرض في جواز العمل بهذه الأخبار إنّما هو ارتفاع الفسق،و ارتفاع العقاب.

و الثاني:أنه لو كان العمل بها خطأ،لما جاز الإعلام بالعفو عن فعله، لأنّ ذلك يكون إغراء بالقبيح.

الوجه الثالث (1):اعتناء الطائفة بالرجال،و تمييز العدل من المجروح، و الثقة من الضعيف،و الفرق بين من يعتمد على حديثه و من لا يعتمد، و كونهم إذا اختلفوا في خبر نظروا في سنده.و ذلك يدلّ على العمل بهذه الأخبار،لأنّهم لو لم يعملوا بها لما كان لشروعهم في ذلك فائدة.

المسألة الرابعة:قد يقترن بخبر الواحد قرائن تدلّ على صدق مضمونه،و إن كانت غير دالّة على صدق الخبر نفسه،لجواز اختلاقه مطابقا لتلك القرينة.و القرائن أربع:إحداها أن يكون موافقا لدلالة العقل،أو لنصّ الكتاب خصوصه أو عمومه أو فحواه،أو السنّة المقطوع بها،أو لما حصل الإجماع عليه.

و إذا تجرّد عن القرائن الدالّة على صدقه،و لم يوجد ما يدلّ على خلاف متضمّنه؛افتقر العمل به إلى اعتبار شروط نذكرها في الفصول المعقّبة لهذه (2).


1) العدّة:141/1. [1]

2) في أ،ب:(بهذه).و في ن:(لهذا).

الفصل الثالث: في مباحث متعلّقة بالمخبر.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:الإيمان معتبر في الراوي.و أجاز الشيخ (1)العمل بخبر الفطحية (2)و من ضارعهم،بشرط أن لا يكون متّهما بالكذب،و منع (3)من رواية الغلاة (4)،كأبي الخطّاب،و ابن أبي العزاقر.

لنا:قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (5).

احتجّ الشيخ (6)بأنّ الطائفة عملت بخبر عبد اللّه بن بكير،و سماعة، و علي بن أبي حمزة،و عثمان بن عيسى،و بما رواه بنو فضّال، و الطاطريون.

و الجواب:أنّا لا (7)نعلم إلى الآن أنّ الطائفة عملت بأخبار هؤلاء.


1) العدّة:134/1.

2) فرقة من فرق الشيعة،قالت بإمامة عبد اللّه الأفطح-ابن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام-بعد أبيه،فنسبت إليه.و لقّب بذلك لفطح في رأسه أو رجليه. و توفي بعد أبيه بسبعين يوما،و لم يعقّب،فانقرضت.انظر:الإرشاد،للشيخ المفيد:210/2-211 ط قم [1]عام 1413 ه،و:رجال الكشّي:254 فقرة(472) ط مشهد عام 1348 ه.ش.

3) العدّة:135/1.

4) الغلاة:الذين غالوا في أهل البيت عليهم السّلام،و تجاوزوا الحدّ في وصفهم في الرفعة، فقالوا فيهم ما لا يقولون هم في أنفسهم.انظر:مجمع البحرين:319/1 [2] مادة(غلا) ط بيروت عام 1403 ه.

5) الحجرات6/. [3]

6) العدّة:150/1. [4]

7) في أ،ن:(لم)بدل(لا).

المسألة الثانية:عدالة الراوي شرط في العمل بخبره،و قال الشيخ (1):يكفي كونه ثقة متحرّزا عن (2)الكذب في الرواية،و إن كان فاسقا بجوارحه.و ادعى عمل الطائفة على (3)أخبار جماعة هذه صفتهم.

و نحن نمنع هذه الدعوى،و نطالب بدليلها.و لو سلّمناها،لاقتصرنا على المواضع الّتي عملت فيها بأخبار خاصّة،و لم يجز التعدّي في العمل إلى غيرها.

و دعوى التحرّز عن (4)الكذب مع ظهور الفسق (5)مستبعدة (6)،إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر من تحرّجه عن الكذب (7).

تفريع

عدالة الراوي تعلم باشتهارها بين أهل النقل،فمن اشتهرت عدالته من الرواة أو جرحه؛عمل بالاشتهار.و إن خفي حاله،و شهد بها محدّث واحد،هل يقبل قوله بمجرّده؟الحقّ أنّه لا يقبل إلاّ على ما يقبل عليه تزكية الشاهد و جرحه،و هو شهادة عدلين.

و إذا جرح بعض،و عدّل آخرون؛قدّم العمل بالجرح،لأنّه شهادة بزيادة لم يطّلع عليها المعدّل،و لأنّ العدالة قد يشهد بها على الظاهر،


1) العدّة:152/1. [1]

2) في أ:(من).

3) من هذا الموضع إلى ما سنشير إليه؛ساقط من نسخة(أ).

4) في ب:(من).

5) في ن،د:(الفسوق).

6) كذا الظاهر.و في النسخ:(مستبعد).

7) في ن:(تحرّزه من الكذب).

و ليس كذلك الجرح.

المسألة الثالثة:المجنون و الصبيّ لا تقبل روايتهما في حال كونهما كذلك،لأنّ الوثوق بهما لا يحصل،لعدم تحقق الضبط،سواء كان الصبي مميّزا أو غير مميّز.

لا يقال (1):الصبي تقبل شهادته في الجراح و الشجاج،فيجب قبول روايته.

لأنّا نقول:لم لا يجوز أن يكون ذلك احتياطا في الدم؟!لا لصحّة خبره.على أنّ منصب الرواية أعظم،إذ الحكم بها مستمر،و الثابت عنها شرع عامّ في المكلّفين،و ليس كذلك الشهادة،فلا يقاس أحدهما على الآخر.أمّا لو تحمّل الشهادة صبيّا؛لقبلت إذا أدّاها بالغا (2).

المسألة الرابعة:المجهول النسب؛إذا عرف إسلامه،لم يكف في قبول روايته.فإن عرفت عدالته،قبلت؛لأنّا نتيقّن ارتفاع الفسق المانع من قبول الشهادة.

فإن عارضها رواية معروف النسب و العدالة،كان الترجيح لجانب المعروف (3).

المسألة الخامسة:إذا قال:(أخبرني بعض أصحابنا)و عنى الإمامية،


1) الإحكام:304/1-305،المنتهى:76-77. [1]

2) و استدلّ على ذلك بوجوه،أهمّها إجماع الصحابة على قبول رواية ابن عباس، و ابن الزبير،و النعمان بن بشير،و غيرهم من أحداث الصحابة مطلقا،من غير فرق بين ما تحمّلوه في حالة الصغر و بعد البلوغ.كما في:المحصول:395/4، الإحكام:305/1،المنتهى:76-77.

3) و علّل ذلك الآمدي،في:الإحكام:465/2،بقوله:«لأنّ احترازه عمّا يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر».

يقبل و إن لم يصفه بالعدالة،إذا لم يصفه بالفسوق؛لأنّ إخباره بمذهبه شهادة بأنّه من أهل الأمانة،و لم يعلم منه الفسوق المانع من القبول.

فإن قال:(عن بعض أصحابه)،لم يقبل؛لإمكان أن يعني نسبته إلى الرواة أو أهل العلم،فيكون البحث فيه كالمجهول.

المسألة السادسة:إذا أرسل الراوي الرواية؛قال الشيخ (1):إن كان ممّن عرف أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة،قبلت مطلقا.و إن لم يكن كذلك، قبلت بشرط أن لا يكون لها معارض من المسانيد الصحيحة.

و احتجّ لذلك (2):بأنّ الطائفة عملت بالمراسيل عند سلامتها عن المعارض كما عملت بالمسانيد،فما (3)أجاز أحدهما أجاز الآخر.

المسألة السابعة:رواية المرأة المعروفة بالعدالة مقبولة،للسبب المقتضي للقبول،و تستوي في ذلك الحرّة و المملوكة.

المسألة الثامنة:يعتبر في الراوي الضبط،فإن عرف له السهو غالبا لم يقبل.و إن عرض نادرا قبل،لأنّ أحدا لا يكاد يسلم منه،فلو كان زواله أصلا شرطا في القبول،لما صحّ العمل إلاّ عن معصوم من السهو،و هو باطل إجماعا من العاملين بالخبر.

المسألة التاسعة:إذا قال راوي الأصل:(لم أرو لك هذه الرواية) قاطعا؛كان ذلك قادحا في الرواية.و إن قال:(لا أذكر)أو:(لا أعلم)،لم يكن قادحا؛لجواز السهو على الأصل.و وجود العدالة في الفرع ينفي التهمة عنه.


1) العدّة:154/1.

2) العدّة:155/1. [1]

3) في ن،ب،الحجرية:(فمن).و ما أثبتناه في المتن-و هو ما في ج،د،ه- مطابق للعدّة.و المراد-عندئذ-أنّ المقتضي للعمل بالمسانيد متحقق في المراسيل السالمة عن المعارض.

الفصل الرابع: في مباحث متعلّقة بالخبر.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:الألفاظ الّتي تعلم نسبة الخبر بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو أحد الأئمة عليهم السّلام أربع مراتب:

الاولى:أن يقول:(أسمعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،أو:(شافهني)،أو:

(حدّثني).

و يلي ذلك في القوّة:أن يقول:(قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،أو:

(سمعت منه)،أو:(حدّث).

و يلي ذلك:أن يقول:(أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و يليه:أن يقول:(رويت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و هاهنا ألفاظ أخر ليست صريحة في الرواية:منها:أن يقول:(امرنا بكذا)،أو:(نهينا عن كذا)،أو:(ابيح لنا كذا)،أو يقول:(من السنّة كذا)، أو يقول الصحابي:(كنّا نفعل كذا)؛فهذه الألفاظ لا يعلم من نفسها الدلالة على الرواية ما لم ينضمّ إليها ما يدلّ على القصد بها.

أمّا إذا كانت الرواية عن بعض الرواة،فالصريح فيها ثلاثة ألفاظ:

(أخبرني)،أو(حدّثني)،أو يقال للراوي:(هل حدّثك)،أو:(أخبرك فلان؟)فيقول:(نعم).

و هاهنا امور تقوم مقام ذلك:أحدها الإشارة بالجوارح،أو بالكتابة، أو بتسليم كتاب الرواية-و يسمّى مناولة-أو بالإجازة المعهودة.و هو:أن

يأذن له أن يروي عنه ما صحّ أنّه (1)من أحاديثه،إمّا بأن يحيله على كتاب مشهور،أو أخبار معروفة.

المسألة الثانية:يجب عرض الخبر على الكتاب،لقوله عليه السّلام:«إذا روي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه،فإن وافق فاقبلوه،و إلاّ فردّوه» (2).

المسألة الثالثة:إذا روى الراوي خبرا يخالف مذهبه،لا يكون ذلك طعنا في الرواية،لجواز أن يرى ذلك لما ظنّه دليلا و ليس كذلك.

المسألة الرابعة:يجوز رواية الخبر بالمعنى،بشرط أن لا تكون العبارة الثانية قاصرة عن معنى الأصل،بل ناهضة بجميع فوائدها (3):

لأنّ الصحابة كانت تروي مجالس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد انقضائها و تطاول المدد،و يبعد في العادة بقاء ألفاظه عليه السّلام بعينها على الأذهان.

و لأنّ اللّه سبحانه[و] (4)تعالى قصّ القصّة الواحدة بألفاظ مختلفة، و حكى معناها عن الامم،و من المعلوم أنّ تلك القصّة وقعت بغير اللّغة العربية،و إن كانت باللّغة العربية فإنّ الواقع منها يكون بعبارة واحدة،و ذلك دليل على جواز نسبة المعنى إلى القائل،و إن اختلفت الألفاظ.


1) في ه:(له)بدل(أنّه).و هو أصحّ.

2) الحديث بهذا اللّفظ ورد في بعض كتب اصول الفقه،ك:اصول السرخسي: 67/2-68،و:المحصول:91/3،و [1]بلفظ قريب منه في:اصول السرخسي أيضا:365/1،و غيرهما.و قد روى ثقة الإسلام الكليني،في:اصول الكافي: 69/1-كتاب فضل العلم/باب الأخذ بالسنّة و شواهد [2]الكتاب/ح 5،بإسناده«عن أبي عبد اللّه عليه السّلام،قال:خطب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمنى،فقال:أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فأنا قلته،و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله».

3) وفاقا للشيخ الطوسي،في:العدّة:152/1.في ن:(الفوائد).

4) حرف العطف إضافة منّا لتستقيم العبارة.

احتجّ المانع:بقوله عليه السّلام:«رحم اللّه من سمع مقالتي فوعاها و أدّاها كما سمعها» (1).

و الجواب أن نقول:إذا أدّاها بمعانيها فقد امتثل،كما تقول:(حكى فلان رسالة فلان)،إذا أتى (2)بالمعنى و لو خالفه في اللّفظ (3).

المسألة الخامسة:إذا روى الواحد رواية،ثمّ رواها ثانيا و زاد فيها زيادة،أو اختلف (4)الرواة في الرواية بالزيادة و النقصان،هل يكون ذلك قادحا في الرواية أم لا؟

نظر،فإن كان الراوي واحدا،و لم تكن الزيادة منافية لمعنى الأوّل؛ لم يكن ذلك قادحا،لجواز أن يكون سمعها في مجلسين،فحكى كلّ واحد منهما (5)تارة،أو في مجلس واحد و اقتصر على حكاية بعضه.

و إن تغاير الراوي،و كان المنفرد بالزيادة واحدا،و بالنقيصة جماعة يستحيل عليهم أن لا يسمعوا ما نقله الواحد؛كانت الزيادة مردودة.

و إن لم يستحل ذلك،بأن يكون سمعها في مجلسين،أو في مجلس


1) المعتمد:141/2،التبصرة:347، [1]المنخول:279،المستصفى:199/1، [2]المحصول:469/4،الإحكام:332/1،المنتهى:84.و لفظ الحديث المذكور في المتن يوافق ما في:المحصول،و يختلف عمّا في غيره.قال الغزالي،في: المستصفى:199/1:«و [3]هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة و المعنى واحد» و ذكرها.و في:جامع الاصول:18/8 ح 5849؛عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه،قال: سمعت رسول اللّه(ص)يقول:«نضّر اللّه امرءا سمع منّا شيئا فبلّغه كما سمعه،فربّ مبلّغ أوعى من سامع».

2) في ه:(أدّاها)بدل(أتى).

3) في ب:(باللّفظ).

4) في ب،ج،د،الحجرية:(اختلفت).

5) في ج،د،الحجرية:(واحدة منها).

واحد يجوز أن يغفل عنها (1)الآخرون؛قبلت الزيادة.

فإن كانت الزيادة منافية لمعنى الأوّل،تضادّت الرواية بها،و وجب (2)التوقّف عن العمل بها (3).


1) كلمة:(عنها)زيادة من ن.

2) في ن:(فوجب).

3) كلمة:(بها)لم ترد في ب،د،الحجرية.

الفصل الخامس: في التراجيح بين الأخبار المتعارضة و فيه مسائل:

المسألة الاولى:إذا تعارض خبران،و أحدهما موافق لعموم القرآن أو السنّة المتواترة أو لإجماع الطائفة؛وجب العمل بالموافق،لوجهين:

أحدهما:أنّ كلّ واحد من هذه الامور حجّة في نفسه،فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر الموافق له.

الثاني:أن المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض،فما ظنّك به معه؟.

و كذلك إذا تعارضا،و كانت رواة أحدهما عدولا؛كان الترجيح لجانب ما رواه العدول (1)لأنّ رواية من ليس بعدل لا تقبل مع السلامة عن المعارض،فمع وجود المعارض أولى.

المسألة الثانية:رجّح الشيخ (2)بالضابط و الأضبط،و العالم و الأعلم؛ محتجّا بأنّ الطائفة قدّمت ما رواه محمّد بن مسلم،و بريد بن معاوية، و الفضيل بن يسار،و نظائرهم،على من ليس له حالهم.

و يمكن أن يحتجّ لذلك:بأنّ رواية العالم و الأعلم (3)أبعد من احتمال الخطأ،و أنسب بنقل الحديث على وجهه،فكانت أولى.

المسألة الثالثة:قال الشيخ (4):إذا روى أحد الراويين اللّفظ،و الآخر


1) في ب،ه:(العدل).

2) العدّة:152/1-153. [1]

3) كذا ما في النسخ.و الظاهر سقوط:(الضابط و الأضبط).

4) العدّة:152/1. [2]

المعنى،و تعارضا:فإن كان راوي المعنى معروفا بالضبط و المعرفة، فلا ترجيح.و إن لم يوثق منه بذلك،ينبغي أن يؤخذ المروي لفظا.

و هذا حقّ،لأنّه أبعد من الزلل.

المسألة الرابعة:إذا روى الخبر سماعا،و روى المعارض إجازة؛ كان الترجيح لجانب المسموع،إلاّ أن يكون أحاله على أصل مسموع،أو مصنّف مشهور،فيكونان متساويين.

المسألة الخامسة:إذا كان راوي أحد الخبرين مجهولا،و الآخر معروفا،أو كان أحد السندين متصلا،و الآخر مرسلا؛كان الترجيح للمعروف و المسند،لوجود شرائط العمل فيهما على اليقين،و عدم اليقين في الطرف الآخر.

المسألة السادسة:إذا رويت روايتان،و في إحداهما زيادة عن الاخرى؛قال الشيخ (1):عمل على الرواية المتضمّنة للزيادة،لأنّها في حكم خبرين.

و لقائل أن يقول:أ تعني بذلك أنّه يعمل بالزيادة كما يعمل بالأصل؟ أم تعني مع التعارض يكون أرجح؟إن أردت الأوّل فمسلّم.و إن أردت الثاني فممنوع.

المسألة السابعة:إذا عمل أكثر الطائفة على إحدى الروايتين،كانت أولى،إذا جوّزنا كون الإمام في جملتهم،لأنّ الكثرة أمارة الرجحان، و العمل بالراجح واجب.

المسألة الثامنة:إذا كان أحد الخبرين موافقا للأصل؛قال قوم:


1) العدّة:155/1.

يكون أولى،لأنّ الظاهر أنّه هو المتأخّر.و قال آخرون:الناقل أولى،لأنّ له حكم النقل،و الموافق للأصل يستغنى بالأصل عنه،فيغلب على الظن أنّه لا حاجة للشارع إلى ذكره،للاستغناء بحكم الأصل (1).

و الحقّ:أنّه إمّا أن يكونا (2)عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو عن الأئمة عليهم السّلام:

فإن كانا (3)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و علم التاريخ؛كان المتأخّر أولى،سواء كان مطابقا للأصل أو لم يكن.و إن جهل التاريخ؛وجب التوقّف،لأنّه كما يحتمل أن يكون أحدهما ناسخا يحتمل أن يكون منسوخا.

و أمّا إن كانا (4)عن الأئمة عليهم السّلام؛وجب القول بالتخيير،سواء علم تاريخهما أو جهل،لأنّ الترجيح مفقود عنهما،و النسخ لا يكون بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله،فوجب القول بالتخيير.

المسألة التاسعة:قال الشيخ (5):إذا تساوت الروايتان في العدالة و العدد،عمل بأبعدهما من قول العامّة.

و الظاهر أنّ احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق عليه السّلام (6).


1) المعتمد:182/2-183،المحصول:433/5-434.

2) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(يكون).

3) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(كان).

4) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(كان).

5) العدّة 147/1. [1]

6) هي مقبولة عمر بن حنظلة،المروية في:اصول الكافي:67/1-كتاب فضل العلم/باب اختلاف الحديث/ح 10،و:الفقيه:8/3-11 ح 3233،و:التهذيب: 301/6-303 ح 845،و:الاحتجاج للطبرسي:355.و لكن في المقام عدّة روايات،فراجع:وسائل الشيعة/كتاب القضاء/الباب(9)من أبواب صفات القاضي و ما يجوز أن يقضي به/ح 19،29،30،31،34،42،46.و ذكر الوجه في

و هو إثبات لمسألة علمية بخبر واحد،و ما يخفى عليك ما فيه.مع أنّه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة،كالمفيد (1)و غيره.

فإن احتجّ:بأنّ الأبعد لا يحتمل إلاّ الفتوى،و الموافق للعامّة يحتمل التقيّة،فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.

قلنا:لا نسلّم أنّه لا يحتمل إلاّ الفتوى،لأنّه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام،كذلك تجوز الفتوى بما يحتمل التأويل،مراعاة لمصلحة (2)يعلمها الإمام،و إن كنّا لا نعلمها.

فإن قال:ذلك يسدّ باب العمل بالحديث.

قلنا:إنّما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض،و حصول مانع (3)يمنع من العمل،لا مطلقا،فلم يلزم سدّ باب العمل.

المسألة العاشرة:إذا كان أحد الخبرين مشافهة،و الآخر مكاتبة؛كان الترجيح لجانب (4)المشافهة،لأنّ المكاتبة تحتمل من الخلل ما لا تحتمله المشافهة.

المسألة الحادية عشرة:إذا كان أحد الخبرين حاظرا و الآخر مبيحا،


1) لم أعثر على ذلك.

2) هنا نهاية ما سقط من نسخة(أ).

3) في أ:(ما)بدل(مانع).

4) في ج،د:(بجانب).

و كان حكماهما مستفادين من الشرع؛قال قوم (1):يكون الحاظر أولى، لقوله عليه السّلام:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2)،و لأنّه أحوط في التحرّز من الضرر.

و جواب الأوّل:أنّه خبر واحد،لا يثبت بمثله مسائل الاصول.

و الثاني ضعيف،لأنّ الضرر متوجّه في الإقدام على حظر ما لا يؤمن كونه (3)مباحا،كما هو محتمل في الطرف الآخر.

و الأولى التوقف.


1) المحصول:439/5-440،الإحكام:478/2،المنتهى:225.

2) جامع الاصول:179/10 ح 7674.و في الهامش:«قال النسائي:هذا الحديث جيد جدا».و رواه الشيخ أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي المتوفى سنة 449 ه،في كتابه:كنز الفوائد:164 ح 6 ط حجرية. [1]

3) زاد في ه هاهنا كلمة:(من).

الباب الثّامن: في النّاسخ و المنسوخ

اشارة

و فيه فصول

الفصل الأوّل: في النسخ.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:النسخ في الأصل هو:الإزالة،من قولهم:(نسخت الشمس الظل)،و التغيير،كما يقال:(نسخت الريح الأثر).و قيل (1):هو حقيقة في النقل،مجاز في غيره.و قيل (2):بل (3)هو مشترك.و البحث لفظي.

و في الشرع عبارة عن:الإعلام بزوال مثل الحكم الثابت بالدليل الشرعي،بدليل شرعي متراخ عنه،على وجه لولاه لكان الحكم الأوّل ثابتا (4).

و من الناس من يجعل النسخ رفعا (5).و منهم من يجعله بيانا لانتهاء مدّة الحكم الأوّل (6).

و الناسخ هو:الدليل الثاني.و قد يطلق الناسخ (7)على ناصب دلالة


1) اصول السرخسي:53/2،المحصول:279/3،الإحكام:69/2،المنتهى: 154. [1]

2) العدّة:485/2، [2]المستصفى:128/1، [3]الإحكام:96/2،المنتهى:154. [4]

3) كلمة:(بل)لم ترد في ب،ج،د،الحجرية.

4) المعتمد:366/1،الذريعة:414/1،العدّة:486/2، [5]المنخول:290، المستصفى:129/1، [6]المنتهى:154. [7]

5) المنخول:290،المستصفى:128/1، [8]المحصول:287/3، [9]الإحكام:98/2، المنتهى:154. [10]

6) اصول السرخسي:54/2،المنخول:289،المستصفى:129/1، [11]المحصول: 287/3، [12]المنتهى:154.

7) في أ:(النسخ).

النسخ.و قد يتجوّز به في الحكم،كما يقال:(نسخ شهر رمضان صوم عاشوراء)،و في المعتقد،كما يقال:(الحنفي ينسخ القرآن بالسّنّة).

و المنسوخ هو:الدليل الأوّل.و قد يستعمل في الحكم.

و لا يطلق النسخ بالحقيقة إلاّ حيث يكون الدليلان شرعيين.فلو كانا عقليين أو أحدهما؛لم يكن ذلك نسخا بالحقيقة،و إن كان معنى النسخ موجودا فيه.

المسألة الثانية:النسخ في الشرائع جائز عقلا و شرعا.

أمّا عقلا فلوجهين:

أحدهما:أنّ الشرائع تابعة للمصالح،و هي جائزة الاختلاف،فجاز اختلاف ما هو تابع لها (1).

الثاني:أنّ الدلائل القطعيّة دلّت على نبوّة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله،و يلزم من ذلك نسخ شرع من قبله (2).

و أمّا شرعا فوجوه:

أحدها:ما نقل أنّ نوحا عليه السّلام احلّ له كلّ دابّة،ثمّ حرّم على لسان موسى عليه السّلام كثير من الحيوان (3).

الثاني:قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (4).


1) المعتمد:370/1-371،الذريعة:426/1،العدّة:508/2،التبصرة:252، [1]الإحكام:107/2،المنتهى:156.

2) العدّة:507/2، [2]المستصفى:132/1، [3]المحصول:294/3،الإحكام:108/2، المنتهى:155.

3) المحصول:295/3،الإحكام:108/2،المنتهى:156. [4]

4) البقرة106/. [5]

الثالث:وقوع النسخ في شرعنا،كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة (1)،و نسخ الاعتداد في الوفاة بالحول إلى أربعة أشهر و عشر (2)،و نسخ ثبات الواحد في الجهاد لعشرة إلى ثباته لاثنين (3).

احتجّ المانع بوجوه (4).

الأوّل:لو جاز النسخ،لزم منه الأمر بالشيء و النهي عنه،لكن ذلك فاسد من وجوه:

الأوّل:أنّه يلزم منه البداء.

الثاني:أنّه يؤدّي إلى كون الشيء حسنا و (5)قبيحا.

الثالث:أنّ (6)الأمر يدلّ على حسن المأمور به (7)،فلو نهى عنه لانتقضت تلك الدلالة.

الوجه الثاني:أن إطلاق الأمر يدلّ على استمرار الإلزام بالفعل،فلو لم يرد دوامه،لوجب بيان مدّته،و إلاّ لزم الإغراء باعتقاد الجهل.

الوجه الثالث:لو جاز النسخ لزم رفع الثقة بدوام الأحكام.

و تمسّك اليهود في المسألة بقول موسى عليه السّلام:«تمسّكوا بالسبت


1) البقرة142/،143.

2) المنسوخة:البقرة240/.و الناسخة:البقرة234/. [1]

3) الأنفال65/،66.

4) المعتمد:371/1،العدّة:509/2-510، [2]التبصرة:253-254، [3]الإحكام: 109/2-110،المنتهى:155.

5) حرف العطف:زيادة من ه.

6) زاد هاهنا في ب،ج،د،الحجرية:(يكون).

7) كلمة:(به)زيادة من ه.

أبدا»،و بقوله:«تمسّكوا بالسبت ما دامت السماوات و الأرض» (1).

و الجواب عن الأوّل أن نقول:لا نسلّم أنّه يلزم منه الأمر بالشيء و النهي عنه،لأنّا بيّنا أنّ الدليل الأوّل تناول غير ما تناوله الثاني،و إنّما يلزم البداء لو كان الأمر بنفس ما نهى عنه،و الوقت و المكلّف واحد.

قوله:«لو نهى عنه لانتقضت دلالة الحسن».

قلنا:لا نسلّم،لأنّ الدليل الثاني دلّ على قبح ما لم يدلّ عليه الأوّل، فلم تنتقض دلالته،و جرى ذلك مجرى ما علم زواله عقلا،فإن الشرع إذا دلّ على وجوب فعل،فإذا عجز عنه المكلّف سقط بالعجز،و لا يلزم أن يكون العجز ناقضا لدلالة الوجوب،فكذا مسألتنا.

و الجواب عن الثاني:قوله:«لو لم يرد دوامه لبيّنه،و إلاّ لزم الإغراء باعتقاد الجهل».

قلنا:لا نسلّم؛لأنّ المكلّف يعلم أنّ تغيّر المصالح يوجب (2)تغيّر التكاليف،و ذلك يمنعه عن القطع باعتقاد الدوام.

قوله في الوجه الثالث:«يلزم أن لا يحصل الوثوق بدوام شيء من الأحكام».

قلنا:نحن نعلم دوام كثير من الأحكام بالضرورة من مقاصد الشرع، فيكون الوثوق بالدوام حيث يكون (3)الأمر كذلك دون غيره.

المسألة الثالثة:الزيادة على النصّ إن كانت رافعة لمثل الحكم


1) المحصول:301/3، [1]الإحكام:111/2،المنتهى:156.و [2]قد أجاب عن هذا الاستدلال الآمدي،في:الإحكام:114/2؛جوابا وافيا.

2) في أ،ن،ب،د،ه:(موجب).

3) كلمة:(يكون)لم ترد في ب،ج،د،الحجرية.

الشرعي المستفاد من الحكم الشرعي؛كانت نسخا.و إن كانت رافعة لحكم من أحكامه المستفادة من العقل؛لم يكن ذلك نسخا.

و فائدة ذلك:ما ثبت أنّ خبر الواحد لا ينسخ به حكم الدليل المقطوع به،فكلّ موضع نعدّه نسخا لا يجوز استعمال خبر الواحد فيه.

و قال السيد المرتضى (1)،و أبو جعفر (2):إن كانت الزيادة مغيّرة للمزيد عليه،بحيث لو فعل كما كان يفعل قبل الزيادة،لم يكن مجزيا، و وجب استئنافه؛كان ذلك نسخا،و إلاّ فلا.

لنا:ما بيّناه أوّلا من أنّ شرط النسخ أن يكون رافعا لمثل الحكم الشرعي المستفاد بالدليل الشرعي،فبتقدير أن يكون ذلك الحكم مستفادا من العقل لا يكون الرفع لمثله نسخا حقيقيا،و إلاّ لكان كلّ خبر يرفع البراءة الأصلية نسخا،و هو باطل.

لا يقال (3):لو وجبت الصلاة ركعتين،ثمّ زيد عليها ركعة (4)اخرى؛ لكانت ناسخة،لأنّ التسليم وجب تأخيره إلى ما بعد الثالثة،و قد كان يجب أن يكون عقيب الثانية،و لأنّ الركعتين كانتا مجزيتين بانفرادهما،فعادتا (5)غير مجزيتين لو انفردتا.

لأنّا نقول:لا نسلّم أنّ ذلك نسخ لوجوب الركعتين و لا للتشهد،و إن


1) الذريعة:443/1-445. [1]

2) العدّة:528/2-529. [2]

3) المعتمد:408/1-409.

4) كلمة:(ركعة)لم ترد في أ،ن،ب،ه.

5) في ه:(فصارتا).

كان التغيير (1)فيهما ثابتا،بل بتقدير أن يكون الشرع دلّ على وجوب تعقيب التشهّد (2)للثانية،يلزم أن يكون الأمر بتأخيره نسخا لتعجيله،إذ لم يرفع الدليل الثاني شيئا غير ذلك.

و أمّا الركعتان فإنّ حكمهما باق من كونهما واجبتين،غاية ما في الباب أنّ وجوبهما كان منفردا،فصار منضمّا إلى الثالثة،و الشيء لا ينسخ بانضياف غيره إليه،كما لا ينسخ وجوب فريضة واحدة إذا وجب بعدها اخرى.

و أمّا كونهما لو انفردتا لما أجزأتا بعد أن كانتا مجزيتين،فإنّ الإجزاء يعلم لا من منطوق الدليل،بل علم بالعقل،فلم يكن نسخا.و لو علم الإجزاء من نفس الدليل الشرعي،لكان المنسوخ إجزاؤهما منفردتين، لا وجوبهما.

المسألة الرابعة:النقيصة من العبادة لا تكون نسخا لها،سواء كان الناقص جزء منها أو شرطا لها.لكن إن دلّ الدليل الشرعي على وجوب ذلك الجزء أو ذلك الشرط،ثمّ دلّ الآخر على ارتفاعه،كان ذلك نسخا للجزء و (3)الشرط (4)خاصّة،دون نفس العبادة.

مثال ذلك:إذا أوجب صلاة ثلاثيّة (5)مثلا،ثمّ أسقط منها ركعة؛كان ذلك نسخا لتلك الركعة حسب،و لم يكن نسخا للصلاة كلّها.أو أوجب فريضة،و شرط لها شرطا،ثمّ أسقط ذلك الشرط؛كان نسخا له حسب،


1) في أ،ب،ه:(التغيّر).

2) استظهر مصحح نسخة(ب)أنّ الصواب:(التسليم)بدل(التشهّد).

3) كذا في النسخ.و المناسب العطف ب(أو).

4) في ن،ب،د:(للشرط).

5) في أ:(ثنائية).

و لم يكن نسخا للفريضة.

لنا:أنّ الدليل المقتضي لثبوت الحكم السابق ثابت،و الدليل الثاني ليس رافعا لمثل حكمه،فلا يكون نسخا.

فإن قالوا (1):العبادة الاولى كانت غير مجزية بتقدير أن لا يفعل الشرط،و قد صارت الآن مجزية،فقد انتسخ الإجزاء.

قلنا:لا نسلّم أنّ ذلك نسخ،لأنّا قد بيّنا أنّ الإجزاء إذا لم يتضمّنه الدليل الشرعيّ يكون معلوما بالعقل،فلا يكون زواله نسخا.و لو سلّمنا أنّ ذلك نسخ،لكان نسخا للأجزاء،لا نسخا للعبادة.

المسألة الخامسة:يعلم النسخ بأن يقال:(هذا ناسخ و ذاك منسوخ)، أو يكون حكم أحد الدليلين مضادّا لحكم الآخر،فيكون المتأخّر ناسخا.

و يعلم التاريخ بوجوه:

منها:أن يتضمّن لفظ أحدهما ما يدلّ على التأخّر أو التقدّم.

و منها:أن يضاف أحدهما إلى زمان أو مكان يعلم منه التقدّم أو التأخّر.

و منها:أن يروي إحدى الروايتين عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من انقطعت صحبته عند تجدّد صحبة راوي الاخرى.

و هل يقبل قول الصحابي إذا قال:(كذا منسوخ)مطلقا،أو:(منسوخ بكذا)؟الأظهر:لا،إذ يجوز أن يكون قال ذلك اجتهادا،لا عن سماع، و قد يخطئ المجتهد.


1) المعتمد:415/1.

الفصل الثاني: في مباحث متعلّقة بالناسخ.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:من شرط الناسخ أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ نفسه،إذ لو اريد إزالة المنسوخ نفسه لكان أمرا بنفس ما نهى عنه،و يلزم من هذا (1)البداء.

المسألة الثانية:من شرط الناسخ أن يكون متراخيا،لأنّه لو كان متصلا لما كان نسخا،كما في قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ (2)،و قوله (3)تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (4)بل ذلك بالتقييد و التخصيص أشبه.

المسألة الثالثة:من شرط الناسخ أن يكون في قوّة المنسوخ، فلا ينسخ المتواتر بالآحاد،و لا المعلوم بالمظنون كالقياس و ما شاكله.


1) في أ:(منه)بدل(من هذا).

2) البقرة222/. [1]

3) في أ،ب،ج،د،ه:(و كقوله).

4) البقرة187/. [2]

الفصل الثالث: في مباحث متعلّقة بالمنسوخ،و ربّما وقعت مشتركة.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:إذا تضمّن الدليل الأوّل لفظ التأبيد،هل يجوز نسخه؟أنكره قوم (1).و الحقّ خلافه،لأنّه قد يستعمل فيما لا يراد به الدوام،فإنّه يقال:(تعلّم العلم أبدا).و لو سلّمنا أنّه حقيقة في الدوام،لكان ورود الناسخ يدلّ على أنّه لم يرد به الدوام.و كما أنّ العام حقيقة في الاستغراق،ثمّ مع ورود المخصص يعلم أنّه لم يرد؛فكذا هنا.

المسألة الثانية:يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل.و منعه قوم (2).

لنا:نسخ الصدقة بين يدي المناجاة (3)لا إلى بدل،و لأنّ النسخ تابع للمصلحة،فإذا كان الشيء مصلحة في وقت امر به،و إذا انقلب إلى (4)مفسدة نهي عنه،ثمّ لا يلزم البدل.

المسألة الثالثة:لا بدّ أن يكون المنسوخ مطلقا،غير مؤقّت بوقت معيّن،لأنّه لو وقّت لم يكن ذلك نسخا،لأنّ شرط تسميته أن يثبت الحكم لو لا الدليل المتراخي،و ذلك غير حاصل في هذه الصورة.

المسألة الرابعة:لا يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله،مثل أن يأمر


1) المعتمد:382/1،التبصرة:255، [1]اصول السرخسي:60/2،المحصول: 228/3،الإحكام:123/2.

2) المعتمد:384/1،المستصفى:141/1،المحصول:319/3،الإحكام: 124/2.

3) المجادلة12/،13.

4) كلمة:(إلى)زيادة من الحجرية.

في أوّل النهار بصلاة ركعتين عند الزوال،ثمّ ينسخهما قبل ذلك.و هو اختيار المرتضى (1)،و أبي جعفر (2).و قال المفيد بجواز (3)ذلك (4).و هو اختيار جماعة من الفقهاء و الأشعرية (5).

لنا:لو وقع ذلك،لزم أن يأمر بنفس ما نهى عنه،لكن ذلك محال، لوجهين:

الأوّل:أنّ الأمر يقتضي كونه حسنا،و النهي يقتضي كونه قبيحا، فيلزم كونه حسنا قبيحا معا.

و الثاني:أنّ الفعل الواحد إمّا أن يكون حسنا،و إمّا أن يكون قبيحا، فبتقدير أن يكون حسنا يلزم قبح النهي عنه،و بتقدير أن يكون قبيحا يقبح الأمر به.

احتجّ المجيز لذلك بوجوه (6).

الأوّل:قوله تعالى: يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ (7).

الثاني:أنّه تعالى أمر إبراهيم عليه السّلام بذبح إسماعيل،ثمّ نسخ ذلك قبل ذبحه (8).


1) الذريعة:431/1.

2) العدّة:519/2.

3) في ه،الحجرية:(يجوز).

4) حكاه عنه الشيخ الطوسي،في:العدّة:519/2.

5) المعتمد:376/1، [1]التبصرة:260،اصول السرخسي:63/2،المنخول:297، المستصفى:133/1،المحصول:311/3-312،الإحكام:115/2،المنتهى: 156. [2]

6) المعتمد:379/1-381،التبصرة:260، [3]اصول السرخسي:64/2-65، المحصول:312/3، [4]الإحكام:115/2-116،119،المنتهى:156-157. [5]

7) الرعد39/. [6]

8) الصّافات102/-107.

الثالث:ما روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله امر ليلة المعراج بخمسين صلاة،ثمّ اقتصر به على خمس (1).

و لأنّ المصلحة قد تتعلّق بنفس الأمر و النهي،فجاز الاقتصار عليهما من دون إرادة الفعل (2).

و الجواب عن الأوّل:أنّ المحو و الإثبات معلّقان على المشيئة، فلا نسلّم أنّه يشاء مثل هذا القدر.

على أنّه يحتمل أن يكون يمحو ما يشاء ممّا يثبته غيره،و كذلك يثبت ما يشاء،فمن أين أنّه يمحو ما يثبته هو تعالى؟!

و قد قيل:إنّ الحفظة تثبت على العبد معاصيه و طاعاته،فيمحو اللّه سبحانه ما يشاء من المعاصي (3).و هذا و إن لم يكن معلوما،فهو محتمل، و بمثله يخرج الاحتجاج عن اليقين.

و الجواب عن الثاني:لم لا يجوز أن يكون الأمر كان بمقدّمات الذبح،و يكون الذبح-و إن نطق به-غير مراد؟!و يدلّ على ذلك قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (4).

لا يقال:لو كان ذلك مرادا لما قال: فَانْظُرْ ما ذا تَرى (5)،و لما


1) المعتمد:380/1-381،جامع الاصول:183/5-184 ح 3237.

2) زاد في الحجرية في هذا الموضع:(الأوّل و ترك الثاني).

3) التبيان في تفسير القرآن:263/6.و [1]انظر:المعتمد:379/1.

4) الصّافات105/. [2]

5) الصّافات102/.

قال: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (1)،و لما قال: وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (2).

لأنّا نقول:غلب على ظنّ إبراهيم عليه السّلام أنّ المراد الذبح،فلهذا قال:

ما ذا تَرى، و بواسطة ذلك الظنّ قال: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.

و أمّا الفداء فقد يجوز أن يسمّى بذلك و إن لم يجب ذبح المفدّى،لمكان ظنّ إبراهيم عليه السّلام أنّه تعالى أراد الذبح.

و الجواب عن الثالث:أنّه خبر واحد،لا يثبت بمثله مسائل الاصول.

على أنّ فيه طعنا على الأنبياء بالإقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة (3).

و الجواب عن الرابع:أنّ الأمر و النهي يتبعان متعلّقهما،فإن كان حسنا كانا كذلك،و إلاّ قبحا.على أنّه لو كان الأمر كذلك،لم يكن متعلّق الأمر مرادا،فلا يكون مأمورا به،فلا يكون النسخ متناولا له.

المسألة الخامسة:النسخ في القرآن جائز.و يدلّ على ذلك وقوعه، كنسخ عدّة الوفاة بالحول إلى أربعة أشهر و عشر (4)،و كنسخ الصدقة أمام المناجاة (5)،و كنسخ الفرار من الزحف من العشرة (6).


1) الصّافات106/. [1]

2) الصّافات107/. [2]

3) قال السيد المرتضى،في:الذريعة:441/1:«و فيه مع ذلك-أي:مع أنّه خبر واحد-من الشّبه و الأباطيل ما يدلّ على فساده».

4) المنسوخة:البقرة240/.و الناسخة:البقرة234/. [3]

5) المجادلة12/،13.

6) الأنفال65/،66.

احتجّ المانع (1):بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ (2).

و الجواب:لا نسلّم أنّ النسخ باطل.و لا يلزم من كونه إبطالا أن يكون باطلا.سلّمناه جدلا،لكن لم لا يجوز أن يكون ما«بين يديه»إشارة إلى كتب الأنبياء المتقدّمة،و«خلفه»إشارة إلى ما يكون بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله أو بعد كمال نزوله؟!و هذا الاحتمال كاف في إبطال الاحتجاج.

المسألة السادسة:نسخ الحكم دون التلاوة جائز،و واقع،كنسخ الاعتداد بالحول (3)،و كنسخ الإمساك في البيوت كذلك (4).


1) المحصول:311/3.و راجع المصادر المتقدّمة في الهامش(4)من ص(233) فقد ادمجت فيها هذه المسألة في مسألة جواز أصل النسخ،و لم يفرز بينهما في البحث كما في المحصول و الكتاب.و قد حكى في:المحصول:307/3،و: الإحكام:106/2،و:المنتهى:154؛ [1]أنّ المانع أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني،صاحب(جامع التأويل)في تفسير القرآن.يقع في عدد(14)مجلدا.

2) فصّلت42/. [2]

3) المنسوخة:البقرة240/.و الناسخة:البقرة234/.راجع:المعتمد:386/1، المحصول:322/3.

4) المنسوخة:البقرة240/.قال الفخر الرازي،في:مفاتيح الغيب:134/6، في تفسير هذه الآية:«فثبت أنّ هذه الآية توجب أمرين:أحدهما:وجوب النفقة و السكنى من مال الزوج سنة.و الثاني:وجوب الاعتداد سنة...ثمّ إنّ اللّه تعالى نسخ هذين الحكمين.أمّا الوصيّة بالنفقة و السكنى فلأنّ القرآن دلّ على ثبوت الميراث لها،و السنّة دلّت على أنّه لا وصيّة لوارث،فصار مجموع القرآن و السنّة ناسخا للوصيّة للزوجة بالنفقة و السكنى في الحول.و أمّا وجوب العدّة في الحول فهو منسوخ بقوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين و المتأخرين من المفسّرين».

و نسخ التلاوة مع بقاء الحكم جائز.و قيل:واقع (1)،كما يقال:إنّه كان في القرآن زيادة نسخت (2).و هذا و إن لم يكن معلوما (3)،فإنّه يجوز.

لا يقال:لو نسخ الحكم لما بقي في التلاوة فائدة؛فإنّه من الجائز أن تشتمل على مصلحة تقتضي إبقاءها،و أمّا بطلان دلالتها فلا نسلّم،فإنّ الدلالة باقية على الحكم،نعم لا يجب العمل به.

المسألة السابعة:يجوز دخول النسخ في الأخبار الّتي تتضمّن معنى الأمر و معنى النهي،كما يجوز في الأمر و النهي.و كذلك في الخبر المأمور به،كالإخبار بالتوحيد و العدل،فيؤمر بذلك الخبر تارة،و ينهى عنه اخرى بحسب اختلاف المصلحة.و هذا لا بحث فيه.

و هل يجوز أن يخبر اللّه تعالى بخبر محض،ثمّ يخبر بخلافه؟نظر، فإن كان ذلك المخبر مما يتغيّر مدلول الخبر فيه،أمكن ذلك،و إلاّ لم يجز.

المسألة الثامنة:نسخ الكتاب بالكتاب جائز،و السنّة المتواترة بمثلها، و الآحاد بالآحاد،كما قيل في ادّخار لحوم الأضاحي (4)،و زيارة القبور (5).


1) المستصفى:145/1-146،المحصول:233/3-324،الإحكام:128/2، المنتهى:159.

2) قال أبو الحسين،في:المعتمد:287/1:«و [1]نسخت التلاوة دون الحكم فيما روي أنّه كان ممّا أنزل اللّه عزّ و جلّ:(و الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه).و يحتمل أن يكون ذلك ممّا انزل وحيا و لم يكن ثابتا في المصحف.و قد روي عن عمر أنّه قال:لو لا أن يقال:زاد عمر في المصحف،لأثبتّ في حاشيته: الشيخ و الشيخة».و ذكر ابن الأثير الرواية بذلك،في:جامع الاصول:494/3- 496 ح 1810،و:116/4-117 ح 2083.

3) كما في:الذريعة:429/1،و:العدّة:516/2. [2]

4) جامع الاصول:365/3-367 ح 1684،1686.

5) جامع الاصول:157/5-158 ح 3207.

و هل يجوز نسخ السنّة المتواترة بخبر الواحد؟منعه الأكثرون (1).

و هو الحقّ.و قال قوم من أهل الظاهر بجوازه (2).

لنا وجوه:

أحدها:أنّ خبر الواحد مظنون،و المتواتر معلوم،و لا يجوز ترك المعلوم للمظنون.

الثاني:أنّ خبر الواحد مختلف في العمل به،و ليس كذلك المتواتر، فيكون العمل بالمتفق عليه أولى.

الثالث:لو وجب العمل بخبر الواحد لكونه منسوبا إلى صاحب الشرع،لوجب في المتواتر،فيلزم التناقض.و لو عمل بالمتواتر لكونه متواترا،لم يلزم العمل بالخبر الواحد،فلا يلزم التناقض.

احتجّ الخصم بوجهين (3):

أحدهما:يجوز التخصيص به،فيجوز النسخ به.

الثاني:وقع النسخ به،كما في قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (4)بقوله:«لا تنكح المرأة على عمّتها،و لا على خالتها» (5)،و قوله


1) المعتمد:398/1،المحصول:333/3،الإحكام:132/2،المنتهى:160. [1]

2) الإحكام لابن حزم:505/1،المعتمد:398/1،المحصول:333/3،الإحكام: 132/2.

3) المعتمد:398/1-399،التبصرة:269-271، [2]المحصول:333/3-335. [3]

4) النساء24/. [4]

5) جامع الاصول:494/11-496 ح 9055،9056،9057.بألفاظ مختلفة.

تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ (1)بنهيه عن كلّ ذي ناب من السباع (2).

و الجواب عن الأوّل:أن نمنع تخصيص الكتاب بخبر الواحد.ثمّ لو سلّمناه،لما لزم من التخصيص النسخ،لأنّ النسخ إزالة الحكم،و التخصيص ليس كذلك.

و عن الثاني:لا نسلّم أنّ ذلك نسخ،بل هو تخصيص.على أنّا لا نسلّم أنّ التخصيص واقع بمجرّد الخبر،بل لكون الامّة تلقته بالقبول، و ذلك غير ما نحن فيه.

المسألة التاسعة:يجوز نسخ السنّة المتواترة بالقرآن،خلافا للشافعي (3).

لنا:وقوعه،فإنّ استقبال بيت المقدس نسخ بقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (4)،و تحريم المباشرة بالليل (5)نسخ بقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ (6).


1) الأنعام145/. [1]

2) جامع الاصول:463/7-468 ح 5555،5556،5557،5558،5559، 5561،5562.

3) المعتمد:391/1،الذريعة:470/1،العدّة:550/2،اصول السرخسي: 67/2،المستصفى:146/1، [2]المحصول:340/3،الإحكام:135/2،المنتهى: 160. [3]

4) البقرة144/. [4]

5) كلمة:(بالليل)زيادة من الحجرية.

6) البقرة187/. [5]

احتجّ الشافعي (1):بقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (2)، فلو نسخ قوله بالقرآن،لما كان قوله بيانا.

و الجواب:لا نسلّم أنّه يلزم من كونه مبيّنا ما نزّل إلينا؛أن لا يكون في المنزّل بيان لبعض أقواله.

المسألة العاشرة:نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة واقع.و حكي (3)عن الشافعي إنكاره.

لنا:أنّ السنّة المتواترة يقينيّة،فتكون مساوية للقرآن في اليقين، فكما جاز نسخ الكتاب بالكتاب،جاز نسخه بالسنّة المساوية في العلم، و لأنّ الزانية كان يجب إمساكها في البيوت (4)،و نسخ ذلك بالرجم في المحصنة (5).

احتجّ المانع (6):بقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (7)،و السنّة ليست مماثلة للقرآن.


1) المعتمد:391/1،العدّة:551/2،التبصرة:273، [1]المستصفى:146/1، [2]المحصول:342/3-343،الإحكام:136/2،المنتهى:161. [3]

2) النحل44/. [4]

3) المعتمد:392/1-393،الذريعة:462/1،العدّة:543/2، [5]اصول السرخسي: 67/2،المحصول:347/3،الإحكام:138/2،المنتهى:161. [6]

4) النساء15/. [7]

5) جامع الاصول:497/3 ح 1812،و:532/3-540،ح 1843،1844، 1845،1847،1849،1852.

6) المعتمد:394/1-395،الذريعة:465/1،العدّة:546/2، [8]التبصرة:265، [9]المنخول:294،المستصفى:147/1، [10]المحصول:349/3-351،الإحكام: 140/2،المنتهى:161. [11]

7) البقرة106/. [12]

و بقوله: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ (1).

و الجواب عن الأوّل:أنّه لا يلزم أن يكون المأتي به عوض المنسوخ ناسخا،فلم لا يجوز أن تنسخ الآية بالسنّة و هي دونها،ثمّ يأتي اللّه بآية خير من المنسوخة و لا تتضمّن حكم النسخ.

و الجواب عن الثاني:أنّا نسلّم أنّه لا يبدّله إلاّ بوحي من اللّه،و لا يلزم أن يكون الناسخ قرآنا،بل يجوز أن يكون الأمر بالنطق بالناسخ قرآنا، و ذلك ممّا لا ينافي ما قصدنا (2).

المسألة الحادية عشرة:في الإجماع،هل ينسخ و ينسخ به أم لا؟ يحتاج ذلك إلى تقديم مقدّمة:

و هي أنّ الإجماع هل يمكن استقراره قبل انقطاع الوحي أم لا؟أنكر ذلك الجمهور بأجمعهم (3).و أجازه بعض (4)أصحابنا (5).

أمّا الجمهور فقالوا (6):إذا اتفق المسلمون على شيء في زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله فإن كان منضمّا إلى قوله صلّى اللّه عليه و آله ففيه الحجّة،لا في قول غيره،فلم يكن إجماعا.و إن كان منفردا عن قوله صلّى اللّه عليه و آله لم يعتدّ به.


1) يونس15/. [1]

2) في ج،ه:(قصدناه).

3) المعتمد:400/1،اصول السرخسي:67/2،المستصفى:147/1،المحصول: 354/3.

4) كلمة:(بعض)لم ترد في أ.

5) سيأتي أنّه السيد المرتضى.

6) المعتمد:401/1،المحصول:354/3. [2]

و أمّا المرتضى (1)فإنّه أجاز وقوع الإجماع في زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله،بناء على أنّ الإجماع هو اتفاق من يعلم أنّ المعصوم عليه السّلام في جملتهم،و بأنّ الأدلة الّتي استدلوا بها على صحّة الإجماع لا تختصّ بما بعد انقطاع الوحي.

و قول الجمهور:(لا اعتبار بقول الجماعة)ضعيف،لأنّه لو لا اتفاق الجماعة لما علم قول النبي صلّى اللّه عليه و آله فكان اتفاقهم منضمّا إلى قوله من غير تعيين حجّة.

إذا عرفت هذا فنقول:اختلف أصحابنا في الإجماع،هل ينسخ و ينسخ به؟فقال المرتضى (2):يجوز ذلك عقلا،لكن الإجماع منع منه.

و قال الطوسي (3):الإجماع دليل عقلي،و النسخ لا يكون إلاّ بدليل شرعي، فلم يتحقق النسخ فيما يكون مستنده العقل.و قال بعض المتأخّرين (4):

الإجماع لا يكون إلاّ اتفاقا،و لا يكون إلاّ عن مستند قطعي،فيكون الناسخ ذلك المستند،لا نفس الإجماع.و في هذه الوجوه إشكال.

و الذي يجيء على مذهبنا أنّه يصحّ دخول النسخ فيه،بناء على أنّ الإجماع انضمام أقوال إلى قول لو انفرد لكانت الحجّة فيه،فجائز حصول مثل هذا في زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله ثمّ ينسخ ذلك الحكم بدلالة شرعية متراخية.

و كذلك يجوز ارتفاع الحكم المعلوم من السنّة أو القرآن بأقوال يدخل في جملتها قول النبي صلّى اللّه عليه و آله.


1) الذريعة:456/1-457.

2) نفس المصدر.

3) العدّة:538/2-539. [1]

4) لم أعثر عليه.

المسألة الثانية عشرة:هل يدخل النسخ فحوى الخطاب؟الحقّ نعم،لأنّه دليل شرعي،فجاز رفع الحكم الثابت به،كغيره من الأدلّة.لكن يجوز رفع المنطوق و الفحوى،و رفع الفحوى دون المنطوق،إذا تعلّقت به مصلحة،و إن كان فيه بعد (1).

و هل يجوز رفع المنطوق به دون ما دلّت عليه الفحوى؟هذا جائز.

و أنكر ذلك قوم (2)،و زعموا أنّ الفحوى إنّما علمت تبعا للصريح (3)،فإذا رفع الأصل تبعه الفرع.


1) و منعه أبو الحسين،في:المعتمد:405/1-تبعا لقاضي القضاة في(الدرس)- قائلا:«لأنّ فحوى القول لا يرتفع مع بقاء الأصل إلاّ و قد انتقض الغرض،لأنّه إذا حرم علينا التأفيف على سبيل الإعظام للأبوين؛كان إباحة ضربهما نقضا للغرض».

2) المعتمد:404/1،المحصول:360/3،الإحكام:149/2،المنتهى:163.

3) في الحجرية:(للتصريح).

الباب التّاسع: في الاجتهاد

اشارة

و فيه فصلان

الفصل الأوّل: و فيه مسائل:

المسألة الاولى:في حقيقة الاجتهاد.

الاجتهاد:افتعال من الجهد.و هو في الوضع:بذل المجهود في طلب المراد مع المشقّة،لأنّه يقال:(اجتهد)في حمل الثقيل،و لا يقال ذلك في حمل الحقير.

و هو في عرف الفقهاء:بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية.

و بهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا،لأنّها تبنى (1)على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر،و سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره.فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فإن قيل:يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد.

قلنا:الأمر كذلك،لكن فيه إيهام (2)من حيث إنّ القياس من جملة الاجتهاد،فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية الّتي ليس أحدها القياس.

المسألة الثانية:لا يجوز أن يكون النبي صلّى اللّه عليه و آله متعبّدا بالقياس في الأحكام الشرعية،لأنّا سندلّ (3)أنّ العبادة لم ترد بالعمل به.

و هل يجوز أن يكون متعبّدا باستخراج الأحكام الشرعية بالطرق


1) في ن،الحجرية:(تبتني).

2) في ن،ج،د،ه،الحجرية:(إبهام).

3) في ج،د،ه،الحجرية:(نستدلّ على).

النظرية الشرعية عدا (1)القياس؟لا نمنع من جوازه،و إن كنّا لا نعلم وقوعه.

و على هذا التقدير،فهل يجوز أن يخطئ في اجتهاده؟الحقّ أنّه لا يجوز،لوجوه:

الأوّل:أنّه معصوم من الخطأ،عمدا و نسيانا،بما ثبت في الكلام، و مع ذلك يستحيل عليه الغلط.

الثاني:أنّا مأمورون باتّباعه،فلو وقع منه الخطأ في الأحكام،لزم الأمر بالعمل بالخطإ،و هو باطل.

الثالث:لو جاز ذلك،لم يبق وثوق بأوامره و نواهيه،فيؤدّي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله.

احتجّ المجيز لذلك بوجهين (2):

الأوّل:قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (3)،و يلزم من المماثلة جواز الغلط عليه.

الثاني:قوله عليه السّلام:«فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذنّه إنّما أقطع له به قطعة من النار» (4)،و هذا يدلّ على أنّه يجوز منه الغلط في الحكم.

و الجواب عن الأوّل:أنّه لا يلزم من المماثلة في البشرية المساواة في الغلط،لوجود الدلالة المانعة من ذلك في حقّه.

و الجواب عن الثاني:أنّ حكمه للإنسان بشيء من حقّ أخيه ليس بغلط،لأنّه هو الحكم المأمور به شرعا،سواء كان مطابقا للباطن أو


1) في ن:(غير)بدل(عدا).

2) المحصول:17/6.

3) الكهف110/. [1]

4) جامع الاصول:180/10-182 ح 7677.

لم يكن،و الإصابة ليس إلاّ في (1)العمل بالأوامر الشرعية على الوجه الذي عيّن له،و هو موجود فيما يحكم به.

المسألة الثالثة:الأحكام إمّا أن تكون مستفادة من ظواهر النصوص المعلومة على القطع،و المصيب فيها واحد،و المخطئ لا يعذر.و ذلك ما يكون المعتقد فيه لا يتغيّر بتغيّر المصالح.

و أمّا ما يفتقر إلى اجتهاد و نظر،و يجوز اختلافه باختلاف المصالح، فإنّه يجب على المجتهد استفراغ الوسع فيه،فإن أخطأ لم يكن مأثوما.

و يدلّ على وضع الإثم عنه وجوه:

أحدها:أنّه مع استفراغ الوسع يتحقق العذر،فلا يتحقق الإثم.

الثاني:أنّا نجد الفرقة المحقّة مختلفة في الأحكام الشرعية اختلافا شديدا،حتى يفتي الواحد منهم بالشيء و يرجع عنه إلى غيره،فلو لم يرتفع الإثم لعمّهم الفسق و شملهم الإثم،لأنّ القائل منهم بالقول إمّا أن يكون استفرغ وسعه في تحصيل ذلك الحكم أو لم يكن،فإن لم يكن، تحقّق الإثم.و إن استفرغ وسعه ثمّ لم يظفر،و لم يعذر،تحقق الإثم أيضا.

الثالث:الأحكام الشرعية تابعة للمصالح،فجاز أن تختلف بالنسبة إلى المجتهدين،كاستقبال القبلة،فإنّه يلزم كلّ من غلب على ظنّه أنّ القبلة في جهة أن يستقبل تلك الجهة-إذا لم يكن له طريق إلى العلم-ثمّ تكون الصلوات مجزية لكلّ واحد منهم،و إن اختلفت الجهات.

فان قيل:لا نسلّم أنّ مع استفراغ الوسع يمكن الغلط في الحكم، و ذلك لأنّ الواقعة لا بدّ فيها من حكم شرعي،و لا بدّ من نصب دلالة على ذلك الحكم،فلو لم يكن للمكلف طريق إلى العلم بها،لكان نصبها عبثا و لما كان لذلك المخطئ طريق إلى العلم بالحكم مع تقدير استفراغ الوسع،


1) كلمة:(في)لم ترد في ن.

و ذلك تكليف بما لا يطاق.

و الجواب:قوله:«لا بدّ من نصب دلالة».قلنا:مسلّم،لكن ما المانع أن يكون فرض المكلّف مع الظفر بتلك الدلالة العمل بمقتضاها،و مع عدم الظفر بها يكون الحكم في الواقعة لا ذلك الحكم.و مثاله جهة القبلة،فإنّ مع العلم بها يجب التوجّه،و مع عدم العلم يكون فرضه التوجّه إلى الجهة الّتي يغلب على ظنّه أنّها جهة القبلة.و كذلك العمل بالبيّنة عند ظهور العدالة و خفاء الفسق،و لو ظهر فسقها لوجب اطّراحها،فما المانع أن تكون الأدلّة الّتي وقع فيها النزاع كذلك؟!أ لا ترى أنّ العموم يخصّ مع وجود المخصّص،و يعمل بعمومه مع عدم المخصّص؟!

الفصل الثاني: في القياس.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:القياس في الوضع هو:المماثلة.

و في الاصطلاح عبارة عن:الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم آخر،لتساويهما في علّة الحكم.

فموضع الحكم المتفق عليه يسمّى:أصلا.

و موضع الحكم المختلف فيه يسمّى:فرعا.

و العلّة هي:الجامع الموجب لإثبات مثل حكم الأصل في الفرع.

فإن كانت العلّة معلومة،و لزوم الحكم لها معلوما من حيث هي، كانت النتيجة علمية.و لا نزاع في كون مثل ذلك دليلا.و إن كانت العلّة مظنونة،أو كانت معلومة،لكن لزوم الحكم لها كان (1)-خارجا عن موضع الوفاق-مظنونا،كانت النتيجة ظنّية.

و هل هو دليل في الشرعيات؟فيه خلاف.

المسألة الثانية:النصّ على علّة الحكم و تعليقه عليها مطلقا،يوجب ثبوت الحكم إن ثبتت العلّة،كقوله:(الزنا يوجب الحدّ)،و:(السرقة توجب القطع).أمّا إذا حكم في شيء بحكم،ثمّ نصّ على علّته فيه:فإن نصّ مع ذلك على تعديته؛وجب.و إن لم ينصّ،لم يجب تعدية الحكم إلاّ مع القول بكون القياس حجّة.مثاله:إذا قال:(الخمر حرام لأنّها مسكرة)،فإنّه يحتمل أن يكون التحريم معلّلا بالإسكار مطلقا،و يحتمل أن


1) كلمة:(كان)زيادة من الحجرية.

يكون معلّلا بإسكار الخمر،و مع الاحتمال لا يعلم وجوب التعدية.

المسألة الثالثة:من الناس من منع من التعبّد بالقياس عقلا (1).

و أكثرهم قالوا بجوازه (2).

احتجّ المانع بوجوه:

أحدها:أنّ العمل بالقياس إقدام على ما لا يؤمن كونه مفسدة،فيكون قبيحا،كالإقدام على ما يعلم كونه مفسدة (3).

الثاني:أنّ القياس موجب للظنّ،مع إمكان العمل بالعلم،فيكون باطلا (4).

الثالث:أنّ عمومات القرآن و السنّة المتواترة كافلة بتحصيل الأحكام الشرعية،و القياس (5)إن طابقها فلا حاجة إليه،و إن نافاها لم يجز العمل به (6).

و احتجّ شيخنا المفيد (7)لذلك أيضا بأنّه لا سبيل إلى علّة الحكم في الأصل،فلا سبيل إلى القياس.أمّا الاولى:فلأنّ العلّة إمّا أن تعلم بطريق


1) الإحكام لابن حزم:370/2،487،التبصرة:419،المستصفى:110/2، المحصول:23/5-24،الإحكام:272/2،المنتهى:186.

2) المنخول:324،المستصفى:110/2، [1]المحصول 5:26،الإحكام:272/2.

3) المعتمد:205/2،المستصفى:110/2، [2]المحصول:111/5،المنتهى:186. [3]

4) المعتمد:208/2،الذريعة:674/2،العدّة:651/2، [4]التبصرة:422، [5]المحصول:111/5-112.

5) في أ،ج،ه:(فالقياس).

6) الإحكام لابن حزم:488/2،المعتمد:233/2،التبصرة:424 [6] هامش(2).

7) حكاها عنه الشيخ الطوسي،في:العدّة:650/2-651.و [7]عاد إلى شرحها في ص:656-657.و حكاها السيد المرتضى،في:الذريعة:674/2؛دون نسبة، و فصّل القول فيها في ص 681-683.

علمي أو ظنّي،و القسمان باطلان.أمّا العلم فظاهر،و أمّا الظنّ فلأنّه لا حكم له إلاّ عن أمارة،و الأمارة مفقودة،و مع عدم الوقوف على علّة الحكم تستحيل تعديته.

و الجواب عن الأوّل:أنّ الأمن من المفسدة يحصل بتقدير وجود الدلالة الشرعية،كما في غيره من الامور المظنونة.

و الجواب عن الثاني:أنّا لا نستعمل القياس في موضع يكون العلم بالحكم ممكنا،بل في موضع يفقد العلم بالحكم.

و الجواب (1)عن الثالث:لا نسلّم أنّ عمومات القرآن كافلة بالأحكام، فإنّ في مسائل الديات و المواريث و البيوعات و غيرها،ما يعلم خروجه عن مدلولات العموم.

و الجواب عن احتجاج المفيد أن نقول:لا نسلّم أنّه لا سبيل إلى تحصيل علّة الحكم.

قوله:«إمّا أن يعلم بطريق علمي أو ظنّي».قلنا:لم لا يجوز أن يكون علميا؟!كما إذا نصّ الشارع على العلّة.سلّمنا أنّها لا تكون علمية،فلم لا تكون ظنّية؟!

قوله:«الظنّ لا حكم له إلاّ عن أمارة».قلنا:سلّمنا ذلك،و الأمارة (2)قد تحصل بالطرق الّتي أشار إليها مثبتو القياس،كالدوران و السبر،فإنّه مهما ثبت الحكم عند شيء و انتفى عند انتفائه،كان ذلك أمارة دالّة على التعليل.


1) كلمة:(الجواب)لم ترد في أ،ن،ب،ه.

2) في أ:(لكن الأمارة).

و كذلك إذا عدّدت (1)أوصاف محلّ الوفاق،و أبطلت إلاّ قسما واحدا، غلب على الظنّ أنّه علّة الحكم،و ذلك كاف في حصول الظنّ أنّ الحكم معلّل بتلك العلّة.

المسألة الرابعة:الجمع بين الأصل و الفرع قد يكون بعدم الفارق، و يسمّى:تنقيح المناط.فإن علمت المساواة من كلّ وجه،جاز تعدية الحكم إلى المساوي.و إن علم الامتياز أو جوّز،لم تجز التعدية إلاّ مع النصّ على ذلك،لجواز اختصاص الحكم بتلك المزيّة،و عدم ما يدلّ على التعدية.

و قد يكون الجمع بعلّة موجودة في الأصل و الفرع،فيغلب على الظنّ ثبوت الحكم في الفرع،و لا يجوز تعدية الحكم-و الحال هذه-بما سندلّ (2)عليه.

فإن نصّ الشارع على العلّة،و كان هناك شاهد حال يدلّ على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلّة في ثبوت الحكم،جاز تعدية الحكم،و كان ذلك برهانا.

و لنفرض أمثلة يوقف منها على التحقيق:

الأوّل:قوله عليه السّلام-و قد سئل عن بيع الرّطب بالتمر مثلا بمثل-:

«أ ينقص إذا جفّ؟فقيل:نعم،فقال:لا،إذن» (3)،فقد علّل التحريم بنقصانه عند الجفاف،و شاهد الحال يقضي (4)أنّه لا اعتبار بما عدا تلك العلّة من أوصاف الأصل،فكأنّه نصّ على أنّ كلّ ما نقص بعد الجفاف من


1) في ج،الحجرية:(عدّت).

2) في ب،ج،ه:(يستدلّ).

3) جامع الاصول:564/1-565 ح 392 بلفظ:«أ ينقص الرّطب إذا يبس».

4) في ه:(يقتضي).

الربويات،لا يجوز بيعه مثلا بمثل.

و يمكن التوقّف هنا،فإنّ من المحتمل أن يكون النقصان موجبا للمنع من البيع في الرّطب بالتمر خاصّة،لجواز اشتماله على ما يوجب اختصاص النهي.غاية ما في الباب أنّ ذلك لا يعلم،لكن عدم العلم بالشيء لا يدلّ على انتفائه في نفس الأمر.

الثاني:أنّه إذا قال:(وطأت عامدا في شهر رمضان)،فقال:(عليك الكفارة)أو قال:(ملكت عشرين دينارا و حال عليها الحول)،فقال:(عليك الزكاة)؛علم أنّ الحكم متعلّق بذلك،و لا اعتبار بأوصاف السائل،بل يحكم بأنّ كلّ من اتفق له ذلك،ثبت له ذلك الحكم.

الثالث:إذا حكم في واقعة و علم بشاهد الحال أنّ الحكم فيها باعتبارها،لا باعتبار محلّها؛عدّى الحكم،كما روي (1)أنّ عليا عليه السّلام قضى في دابّة تنازعها اثنان،و أقاما البيّنة،أنّها لمن شهد له بالنتاج؛فلا يقصر الحكم على الدابّة،بل يعدّى (2)إلى كلّ ما حصل فيه هذا المعنى.

المسألة الخامسة:ذهب ذاهب (3)إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا،و كان القياس موافقا لما تضمّنه أحدهما؛كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر على معارضه.

و يمكن أن يحتجّ لذلك:بأنّ الحقّ في أحد الخبرين،فلا يمكن


1) الفروع من الكافي:418/7-كتاب القضاء و الأحكام/باب الرجلين يدعيان فيقيم كل واحد منهما البيّنة/ح 1.

2) في ج:(يتعدّى).

3) لم أعثر على من ذهب إلى ذلك ممّن يرى عدم حجيّة القياس.و أمّا من يرى حجيّة القياس فيسقط عنده الخبران بالتعارض و يكون القياس مرجعا لا مرجّحا.

العمل بهما و لا طرحهما،فتعيّن أن يعمل بأحدهما،و إذا كان التقدير تقدير التعارض،فلا بدّ في (1)العمل بأحدهما من مرجّح،و القياس (2)ممّا يصلح أن يكون مرجّحا،لحصول الظنّ به،فتعيّن العمل بما طابقه.

لا يقال:أجمعنا على أنّ القياس مطروح (3)في الشرع.

لأنّا نقول:بمعنى أنّه ليس بدليل على الحكم،لا بمعنى أنّه لا يكون مرجّحا لأحد الخبرين على الآخر.و هذا لأنّ فائدة كونه مرجّحا كونه دافعا (4)للعمل بالخبر المرجوح،فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض،و يكون العمل به،لا بذلك القياس.و في ذلك نظر.

المسألة السادسة:قال شيخنا المفيد (5):خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر فيه إلى العلم،و ربّما يكون ذلك إجماعا،أو شاهدا من عقل،أو حاكما من قياس.

فإن عنى بالقياس البرهان،فلا إشكال.و إن عنى القياس الفقهي، فموضع (6)النظر،لأنّ الخبر بتقدير أن لا يكون حجّة،فمع انضياف ذلك القياس الفقهي إن صار حجّة:فإمّا لكونه خبرا،و ذلك نقض لما يذهب (7)إليه من طرح العمل بالخبر.و إن كان بالقياس،لزم منه إثبات حكم شرعي بالقياس الفقهي،و هو باطل،إذ لا فرق بين أن يثبت به الحكم أو الدلالة


1) في ن،ج،الحجرية:(من).

2) في ب:(فالقياس).

3) في ج،ه:(مطروح).

4) في ج،د(رافعا).

5) لم أعثر عليه.

6) في ن،ج،ه:(فهو موضع).

7) في ن:(ذهب).

الدالّة على الحكم.

المسألة السابعة:القائلون بجواز التعبّد بالقياس عقلا،منهم من يقول:ورد التعبّد به (1).و هم الأكثر.و أطبق أصحابنا على المنع من ذلك (2)إلاّ شاذا (3).

لنا وجوه:

الأوّل:أنّ العمل بالقياس عمل بالظنّ،و العمل بالظنّ غير جائز.أمّا الاولى فظاهرة.و أمّا الثانية فبقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (4)،و بقوله إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (5)،و بقوله: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (6).

لا يقال:مع (7)وجود الدلالة عليه،لا يكون عملا بالمظنون،بل بالمقطوع به،كالعمل بالشاهدين،و الحكم بالاروش (8)،و استقبال القبلة (9).

لأنّا نقول:وجد المنع فوجب طرده،فإذا خرج ما أشرتم إليه،وجب


1) المعتمد:243/2-244،التبصرة:424، [1]المستصفى:110/2، [2]المنخول: 324،المحصول:22/5، [3]الإحكام:272/2،المنتهى:188.

2) الذريعة:697/2،العدّة:666/2-667. [4]

3) و الشاذ هو محمد بن أحمد بن الجنيد،أبو علي،الإسكافي؛فقد قال النجاشي في ترجمته:«سمعت شيوخنا الثقات يقولون عنه:إنّه كان يقول بالقياس».راجع: رجال النجاشي:388 ت 1047.

4) الإسراء36/. [5]

5) يونس36/. [6]

6) البقرة169/. [7]

7) في د،الحجرية:(على)بدل(مع).

8) في د،الحجرية:(بالأرش).

9) الذريعة:792/2-793.

تناوله لما بقي،عملا بمقتضى الدليل.و سنبطل ما يزعمون أنّه دليل على العمل به،فيبقى ما ذكرناه من الدليل سليما عن المعارض.

الثاني:أجمعت الإمامية على ترك العمل به (1)،و نقل عن أهل البيت عليهم السّلام المنع منه متواترا (2)،نقلا ينقطع به العذر.

الثالث:لو تعبّدنا بالعمل به،لوجدت الدلالة عليه،لكن الدلالة مفقودة،فالعمل به غير جائز.

أمّا الملازمة:فلأنّ التكليف يستدعي وجود دلالة،و إلاّ لكان التكليف به-من دون دلالة عليه-تكليفا بما لا سبيل إلى العلم به،و هو تكليف بالمحال.

و أمّا بطلان اللاّزم فبالاستقراء.

الرابع:لو ورد التعبّد به،لاشتهر ذلك بين أهل الشرع،لكن ذلك باطل.

أمّا الملازمة:فلأنّ الاستدلال به ممّا يعمّ،و الوقائع الّتي تستدرك بالقياس كثيرة عندهم،و العادة قاضية بأنّ مثل ذلك ممّا يشتهر العلم به، فلمّا لم يشتهر دلّ على بطلانه.

لا يقال:قد اشتهر ذلك بين الصحابة حتى أنّ خصومكم يدّعون (3)


1) الذريعة:697/2،العدّة:666/2-667.

2) اصول الكافي:54/1-58:كتاب فضل العلم/باب البدع و الرأي و المقاييس/ح 7،9،10،11،13،14،15،16،17،18،20،21.و غيرها ممّا أورده الشيخ الحرّ العاملي،في:وسائل الشيعة/كتاب القضاء/الباب(6)من أبواب صفات القاضي و ما يجوز أن يقضي به.

3) في د،الحجرية:(تدّعي).

الإجماع عليه (1).

لأنّا نقول:لو كان كذلك لما اختصّ الخصم بعلمه دوننا،لما ذكرناه من عموم البلوى به،و زوال الأغراض الباعثة على إخفائه.

و احتجّ بعض أصحابنا (2)أيضا:بأنّ القول بورود التعبّد به مع بطلان الحجج الّتي ذكرها الخصم ممّا لا يجتمعان،و الثابت بطلانها،فلا يكون التعبّد به ثابتا.

بيان أنّهما لا يجتمعان:أنّ القائل بكونه حجّة يتمسّك في ذلك بالوجوه الّتي يذكرونها،فهو يقول:إنّها حقّ،و المنكر له يبطلها و يمنع من كونه (3)حجّة،فالقول بكونه حجّة مع أنّ تلك الحجج باطلة،قول ليس لأحد،فيكون منفيا.

لا يقال:نحن نجوّز أن يكون غير ما ذكر دليلا على كون القياس حجّة،فلا يلزم من القول ببطلان هذه الحجج بطلان القياس.

لأنّا نقول:مع القول بكونه حجّة،و تجويز وجود حجّة،لم يذهب ذاهب إلى القول ببطلان هذه الحجج المذكورة.

و احتجّ الجمهور على وقوع التعبّد به بوجوه معقولة و منقولة.

أمّا المعقول (4):فقالوا:القياس يفيد الظنّ،و العمل بالظنّ واجب.أمّا


1) المعتمد:216/2،التبصرة:425-427، [1]المنخول:330،المستصفى: 114/2-117،المحصول:53/5-61، [2]الإحكام:300/2-302،المنتهى: 188.

2) لم أجده.

3) في أ،ج،ه:(كونها).

4) المعتمد:215/2 اصول السرخسي:339/1،المحصول:98/5-99.

إفادة الظنّ فظاهرة.و أمّا أنّ العمل بالظنّ واجب،فلما ثبت من أنّ التحرّز من الضرر المظنون واجب كالمعلوم.

و أمّا المنقول فوجوه:

الأوّل (1):قالوا:أجمعت الصحابة على العمل بالقياس،فيكون حجّة.أمّا أنّ الصحابة عملت به،فلأنّ بعض الصحابة عمل به،و لم يظهر من الباقين إنكار،و قد بيّنا أنّ مثل ذلك حجّة،فيما سلف.أمّا أنّ بعض الصحابة عمل به؛فمن وجهين:أحدهما:أنّ الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة،و ليس تمسّكهم فيها بالنصّ،فتعيّن أنّهم عوّلوا على الاجتهاد.

الثاني:أنّهم استدلّوا في كثير من المسائل بالقياس،و أشاروا إلى التشبيه بين المسائل،كما قال ابن عباس:«ألا يتقي اللّه زيد يجعل ابن الابن ابنا،و لا يجعل أب الأب أبا» (2)،و ما روي من قول عمر لأبي موسى:

«و قس الامور برأيك» (3)،و ما روي عنه أنّه قضى في زوج،و أمّ،و إخوة لامّ،و إخوة لأب و أمّ،أن للامّ السدس،و للزوج النصف،و للإخوة من الامّ الثلث،فقال الباقون:«هب أنّ أبانا كان حمارا،ألسنا من أمّ


1) المعتمد:216/2،التبصرة:425-427،المنخول:330،المستصفى: 114/2-117، [1]المحصول:53/5-61، [2]الإحكام:300/2-302،المنتهى:188. [3]

2) تناقلته كتب اصول الفقه،ك:المعتمد:218/2،العدّة:677/2، [4]التبصرة: 427، [5]اصول السرخسي:188/2،المستصفى:119/2، [6]المحصول:55/5، الإحكام:302/2.

3) السنن الكبرى،للبيهقي:135/10 ط حيدرآباد عام 1342 ه.

واحدة؟!» (1)فشرّك بينهم.و غير ذلك من المسائل.و أمّا أنّ الباقين لم ينكروا؛فلأنّه لو حصل ذلك لظهر،لأنّ القياس من الاصول الّتي لو وقعت فيها المناكرة لظهرت.و أمّا أنّ مثل ذلك إجماع؛فلأنّ سكوتهم لا يحتمل إلاّ الرضا به،لما عرف من تحرّج الصحابة في إنكار الباطل،و المنع من العمل به.

الوجه الثاني (2):قوله عليه السّلام لمعاذ و أبي موسى:«بم تقضيان؟قالا:إذا لم نجد الحكم (3)من (4)الكتاب و السنّة،نقيس الأمر بالأمر،فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.فقال أصبتما» (5).و قوله عليه السّلام لابن مسعود:«اجتهد


1) ذكرت هذه القضيّة في بعض كتب اصول الفقه،ك:المعتمد:219/2، المستصفى:116/2، [1]المحصول:58/5،الإحكام:301/2.كما ذكرها و آراء الفقهاء و مذاهبهم في المسألة ابن كثير الدمشقي،في تفسيره:471/1 ط دار المعرفة بيروت 1417 ه،في تفسير الآية(12)من سورة النساء.و ذكرت أيضا في كتب الفقه و غيرها،و يقال لها المسألة المشرّكة،و المشتركة،و الحمارية،و الحجرية، و المنبرية،كما في هامش:التبصرة:428.

2) المعتمد:222/2،التبصرة:425،المنخول:331،المستصفى:124/2، 204، [2]المحصول:38/5، [3]الإحكام:293/2،المنتهى:190.

3) في ه:(الأمر)بدل(الحكم).

4) في ج،د،الحجرية:(في)بدل(من).

5) الحديث بهذا اللّفظ ورد في بعض كتب اصول الفقه، [4]ك:المعتمد:222/2، المحصول:38/5، [5]الإحكام:293/2.و ما في كتب الحديث فهو حديث معاذ بلفظ:«أنّ النبي(ص)لمّا أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن،قال له:كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟قال:أقضي بكتاب اللّه.قال:فإن لم تجد في كتاب اللّه؟قال أقضي بسنّة رسول اللّه.قال:فإن لم تجد في سنّة رسول اللّه؟قال:اجتهد رأيي و لا آلو.قال:فضرب رسول اللّه(ص)صدره و قال:الحمد للّه الذي وفّق رسول

برأيك» (1).

الوجه الثالث (2):نبّه النبي صلّى اللّه عليه و آله على القياس،و ذلك إذن في العمل به.أمّا تنبيهه فبقوله لعمر-و قد سأله عن القبلة (3)-:«لو تمضمضت بماء ثمّ مججته أ كنت شاربه؟!» (4)،و قوله صلّى اللّه عليه و آله للخثعمية:«أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان يجزي؟فقالت:نعم،قال:فدين اللّه أحقّ أن يقضى» 5.

الوجه الرابع 6:قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ 7.

و الاستدلال بهذه الآية ضعيف.

و الجواب عن الأوّل:قوله:«العمل بالظنّ واجب».قلنا:متى؟إذا


1) هذا ما ورد في بعض كتب اصول الفقه،ك:المعتمد:222/2،اصول السرخسي:130/2،المحصول:39/5،الإحكام:294/2.و ما في كتب الحديث ورود هذه العبارة في حديث معاذ بلفظ أبي داود،كما في:جامع الاصول: 177/10 ح 7673.

2) المعتمد:223/2،المنخول:329،المستصفى:124/2-125،المحصول: 49/5،52،الإحكام:294/2،المنتهى:189.

3) زاد في أ:(في شهر رمضان).و المراد قبلة الصائم،و السؤال عن مفطريتها.

4) جامع الاصول:299/6 ح 4424 باختلاف في اللّفظ.و باللّفظ المذكور ورد في كتب اصول الفقه المتقدّم ذكرها.

أمكن العلم،أو إذا لم يمكن،و نحن قادرون على تحصيل الأحكام من ظواهر النصوص المعلومة.سلّمنا أنّه لا طريق إليها إلاّ بالقياس،لكن لا نسلّم وجوب العمل بالظنّ،إذ لو وجب ذلك،لوجب العمل بقول الشاهد الواحد،لا بل كان يجب العمل بقول المدّعي بمجرّده إذا غلب على ظنّ الحاكم صدقه،حتى يعمل بقول مدّعي النبوّة من دون المعجز.

لا يقال:منعت الأدلّة من العمل بما ذكرته.لأنّا نقول:لو كان الظنّ وجها لوجوب العمل،لاطّرد ذلك،كما أنّ ردّ الوديعة لمّا كان وجها موجبا لم يختلف وجوب الفعل الذي يقع عليه.على أنّ الدلالة قد منعت من ذلك،و هو قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (1).

و أمّا الجواب عن المنقول فنقول:لا نسلّم أنّ الصحابة عملت به.

قوله:«عمل بعض و لم ينكر الباقون».قلنا:لا نسلّم أنّ بعضا عمل.قوله:

«اختلاف الصحابة مع استبعاد أن يكون مستندهم النصّ دليل على العمل».

قلنا:لم لا يجوز أن يكون مستندهم النصوص (2)؟!و الاستبعاد الذي ذكرتموه لا يفيد اليقين.قوله:«استدلّوا على كثير من المسائل بالقياس».

قلنا:هذا منقول بطريق الآحاد،فلا يثمر العلم.سلّمنا صحّة نقلها،لكن لا نسلّم أنّهم استندوا في ذلك إلى القياس،و إن كان معنى القياس فيه موجودا.

أمّا قصّة (3)ابن عباس فإنّه يحتمل أنّه رأى ابن الابن يسمّى ابنا،


1) البقرة169/. [1]

2) في أ:(النص).

3) في ه:(قضيّة).

و كذلك أب الأب يسمّى أبا،فألزمه التسوية ظنّا أنّه إنّما عمل في أحدهما (1)بوقوع الاسم عليه،و الآخر مثله في تناول اللّفظ،و ليس ذلك قياسا.

و أمّا قول عمر:«قس الامور برأيك»،فغاية ما أمره بالمقايسة،فجائز أن يكون أراد التسوية في مدلولات الألفاظ.

و أمّا المشرّكة (2):فلا نسلم أنّ الإخوة للأب و الامّ استدلّوا بالقياس، بل بطريق أنّ ولد الامّ يستحقون الثلث،و من كان من ولد الأب و الامّ فهو من ولد الامّ.

قوله:«لو أنكر الباقون لظهر».قلنا:أوّلا لا نسلّم أنّ السكوت دليل الرضا،فإنّه يحتمل وجوها كثيرة غير ذلك،و قد ذكر ذلك في باب الإجماع.سلّمنا أنّه يدّل على الرضا،لكن لا نسلّم أنّهم سكتوا،و لم لا يجوز أن يكونوا أنكروا ذلك؟!قوله:«لو كان لنقل».قلنا:لا نسلّم ذلك.

سلّمناه،لكن لا نسلّم أنّه يجب استمرار النقل حتى يتّصل بنا.ثمّ نقول:

يجب أن ينقل ذلك متواترا أو آحادا؟الأوّل ممنوع.و الثاني مسلّم،و قد نقل الإنكار في مواضع:

منها:ما روي عن أبي بكر أنّه قال:«أيّ سماء تظلّني و أيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب اللّه برأيي؟!» (3).


1) في ه:(بأحدهما).

2) في ب،ج،ه:(المشتركة).و كلاهما صحيح،فقد تسمّى بهذا كما في: التبصرة:428،و قد تسمّى بما في المتن،كما في:الإحكام:301/2.

3) إعلام الموقعين،لابن قيّم الجوزية:54/1 ط مطبعة النيل مصر،الإحكام لابن حزم:213/2.و قد ذكره ابن كثير في مقدّمة تفسيره،و فيه:«ما لا أعلم»بدل «برأيي».

و عن عمر أنّه قال:«فإن جاءك ما ليس في الكتاب و السنّة،فاقض بما أجمع عليه أهل العلم،فإن لم تجد فلا عليك أن لا تقضي» (1).

و عن ابن عباس:«يتخذ الناس رؤساء جهّالا يقيسون الامور برأيهم (2)» (3).و قال:«إذا قلتم في دين اللّه بالقياس أحللتم كثيرا ممّا حرّم اللّه،و حرّمتم كثيرا ممّا أحلّ اللّه» (4).

و الجواب عن خبر أبي موسى و معاذ أن نقول:هو خبر واحد، لا يجوز العمل به في مسألة علمية.ثمّ هو مطعون فيه بوجوه:منها:أنّه مرسل.و منها:أنّ بعض المحدّثين روى أنّه لمّا قال:«اجتهد».قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«اكتب إليّ،أكتب إليك» (5).ثمّ نقول:لا نسلّم أنّ قوله:

«أجتهد برأيي»إشارة إلى القياس،بل كما يحتمل ذلك،يحتمل أنّه أراد الاجتهاد في العمل بدلالة الأصل،و دلالة الاحتياط،و غير ذلك من وجوه الاجتهاد،و مع الاحتمال يجب التوقّف.

و الجواب عن تنبيه النبي صلّى اللّه عليه و آله على القياس أن نقول:هي أخبار


1) بهذا اللّفظ ورد في بعض كتب اصول الفقه [1]ك:المحصول:76/5، [2]الإحكام: 304/2.و هو نقل بالمعنى لما رواه النسائي،و لفظه:«فإن لم يكن في كتاب اللّه تعالى و لا في سنّة رسول اللّه(ص)فاقض بما قضى به الصالحون،فإن لم يقض به الصالحون،فإن شئت فتقدّم و إن شئت فتأخّر،و لا أرى التأخّر إلاّ خيرا لك و السلام».كما في:جامع الاصول:180/10 ح 7675.

2) في:المستصفى:119/2:« [3]يقيسون ما لم يكن بما كان».

3) كذا في:المحصول:77/5.و في:المعتمد:221/2،المستصفى:119/2، [4]الإحكام:304/2:«عن ابن مسعود».

4) كذا في:المحصول:77/5.و في:المستصفى:119/2، [5]الإحكام:304/2: «عن ابن مسعود».

5) الذريعة:773/2-774،المحصول:41/5. [6]

آحاد،لا توجب العمل في مسألة علمية.على أنّا نطالب بصحّتها.و لو سلّمناه،لما كان ذلك أمرا بالقياس،لأنّ التشبيه (1)لا يقتضي تعدّي الحكم، كما لو قال:(عبدي سالم حرّ لأنّه حبشي)،لم يغلب على الظنّ أنّه يريد عتق كلّ حبشي له.

و أمّا الآية فبعيدة عن الدلالة على مرادهم،لأنّ ظاهرها الأمر بالاتعاظ،فأين ذلك من قياس الفرع على الأصل؟!.


1) في ج:(التنبيه).

الباب العاشر: و هي خاتمة الكتاب

اشارة

في فصول مختلفة

الفصل الأوّل: في المفتي و المستفتي.و فيه مسائل:

اشارة

المسألة الاولى:يجوز للعامي العمل بفتوى العالم في الأحكام الشرعية.و قال الجبّائي:يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد،دون ما عليه دلالة قاطعة (1).و منع بعض المعتزلة ذلك في الموضعين (2).

لنا:اتفاق علماء الأعصار على الإذن للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر،و قد ثبت أنّ إجماع أهل كلّ عصر حجّة.

الثاني:لو وجب على العامي النظر في أدلّة الفقه،لكان ذلك إمّا قبل وقوع الحادثة أو عندها،و القسمان باطلان.أمّا قبلها فمنفي بالإجماع، و لأنّه يؤدّي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك،فيؤدّي إلى الضرر بأمر المعاش المضطر إليه.و أمّا عند نزول الواقعة (3)فذلك متعذّر،لاستحالة اتصاف كلّ عامي عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين.

لا يقال:هذا لازم في المسائل العقلية الاعتقادية،مع أنّه لا يسوغ فيها التقليد.

لأنّا نقول:تلك حصولها سهل بأوائل الأدلّة،و هي عقائد مضبوطة، و ليس كذلك الفقه و حوادثه،لانتشارها،و انفراد كلّ مسألة منها بدليل على حياله.


1) المعتمد:361/2،التبصرة:414، [1]المحصول:73/6،الإحكام:451/2، المنتهى:220. [2]

2) المعتمد:360/2،التبصرة:414، [3]المحصول:73/6،الإحكام:451/2، المنتهى:220. [4]

3) في أ،ه:(الحادثة)بدل(الواقعة).

و احتجّوا لذلك أيضا (1):بقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (2).

و يمكن أن يقال:سلّمنا وجوب السؤال،لكن لا نسلّم وجوب العمل.

و احتجّوا أيضا (3):بقوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (4).

و لقائل أن يقول:الإنذار ممّا يوجب الحذر،لكن قد يكون باعثا على النظر في الأدلّة،فلم لا يجوز أن يكون هو المراد؟!

و احتجّ المانعون بوجوه:

الأوّل (5):قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (6)، وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (7)،و إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (8).

و ثانيها (9):أنّه عمل بما لا يؤمن كونه مفسدة،فيكون قبيحا،لأنّ


1) التبصرة:414، [1]المحصول:86/6،الإحكام:451/2،المنتهى:220. [2]

2) الانبياء7/. [3]

3) التبصرة:407، [4]المحصول:86/6( [5]احتجّوا بها في مسألة التقليد لمن بلغ درجة الاجتهاد و [6]لم يجتهد في المسألة التي ابتلى بها،و الاستدلال جار هنا).

4) التوبة122/. [7]

5) المستصفى:240/2، [8]المحصول:78/6، [9]الإحكام:452/2،المنتهى:220. [10]

6) البقرة169/. [11]

7) الإسراء36/. [12]

8) يونس36/. [13]

9) المعتمد:362/2، [14]المحصول:79/6، [15]الإحكام:452/2،المنتهى:220. [16]

المفتي جائز الخطأ،فكلّ ما يفتي به يجوز أن يكون مخطئا فيه،فيكون الإقدام على العمل إقداما (1)على ما لا يؤمن كونه مفسدة،و قبح ذلك ظاهر.

و ثالثها (2):لو جاز التقليد في الشرعيات،لجاز في العقليات،و الثاني محال،فالأول مثله.

و الجواب عن الآيات أن نقول:خصّ منها العمل بشهادة الشاهدين و استقبال جهة القبلة مع الظنّ-عند عدم العلم-و الظن (3)باروش الجنايات،و قيم المتلفات (4)،و إنّما خصّ لوجود الدلالة،كذا (5)هنا.

و عن الثاني:أنّ الأمن من المفسدة بما أشرنا إليه من الدلالة الدالة على جواز العمل بالفتوى.

و عن الثالث:بالفرق بين الأمرين بتشعّب مسائل الفقه و كثرة أدلّتها، و سهولة أدلّه الكلام و قلّتها،و بأنّ العقليات الغرض (6)فيها الاعتقاد، فلا تبنى (7)إلاّ على العلم،و الشرعيات يجوز التعويل فيها على الظنون عند وجود الدلائل الدالّة على اشتمالها على المصلحة.

المسألة الثانية:لا يجوز تقليد العلماء في اصول العقائد،خلافا للحشوية (8).


1) كلمة:(إقداما)لم ترد في ب،ج،د،ه،الحجرية.

2) التبصرة:414،المحصول:79/6،الإحكام:453/2،المنتهى:220. [1]

3) في أ:(و الحكم).

4) الذريعة:792/2-793.

5) في ج:(فكذا).

6) في أ،ن:(الفرض).

7) في أ،ن:(تبتني).

8) كما في:المستصفى:238/2،الإحكام:446/2،و في:المعتمد:365/2؛ [2]أنّ

و يدلّ على ذلك وجوه:

أحدها:قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (1).

الثاني:أنّ التقليد:قبول قول الغير من غير حجّة؛فيكون جزما في غير موضعه،و هو قبيح عقلا.

الثالث:لو جاز تقليد المحقّ لجاز تقليد المبطل،لأنّه إمّا أن يكون تقليد المحقّ مشروطا بالعلم بكونه حقّا أو لم يكن،و يلزم من الأوّل طلب العلم،و أن لا يكون تقليدا.و إن جاز تقليد المحقّ من دون العلم بكونه حقّا لزم تقليد المبطل،لاشتراكهما في سبب الاتباع،و هو مجرّد التقليد.

و إذا ثبت أنّه غير جائز،فهل هذا الخطأ موضوع عنه؟قال شيخنا أبو جعفر:نعم (2).و خالفه الأكثرون.

احتجّ:باتفاق فقهاء الأعصار (3)على الحكم بشهادة العامي،مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلّة القاطعة.

لا يقال:قبول الشهادة إنّما كان لأنّهم يعرفون أوائل الأدلّة،و هو سهل المأخذ.

لأنّا نقول:إن كان ذلك حاصلا لكلّ مكلّف،لم يبق من يوصف بالمؤاخذة،فيحصل الغرض،و هو سقوط الإثم.و إن لم يكن معلوما لكلّ


1) البقرة169/.

2) العدّة:731/2.

3) في أ،ن،ب،ج،د،الحجرية:(الأمصار).و ما أثبتناه في المتن-ه-هو المستفاد من:العدّة.

مكلّف،لزم أن يكون الحكم بالشهادة موقوفا على العلم (1)بحصول تلك الأدلّة للشاهد منهم،لكن ذلك محال،و لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يحكم بإسلام الأعرابي من غير أن يعرض عليه أدلّة الكلام،و لا يلزمه بها،بل يأمره بتعلّم الامور الشرعية اللازمة له (2)،كالصلاة و ما أشبهها.

المسألة الثالثة:الذي يسوغ له الفتوى هو العدل العالم بطرق العقائد الدينية الاصولية،و بطرق الأحكام الشرعية،و كيفية استنباط الأحكام منها.

و بالجملة:يجب أن يعرف جميع ما يتوقّف عليه كلّ واقعة يفتي فيها،بحيث إذا سئل عن لمّية ذلك الحكم أتى به و بجميع اصوله الّتي يبنى (3)عليها.و إنّما وجب ذلك،لأنّ الفتوى مشروطة بالعلم بالحكم،و ما (4)لم يكن عارفا بتلك الامور لا يكون عالما به،لأنّ الشكّ في إحدى مقدّمات الدليل،أو في مقدّمات مقدّماته؛شكّ في الحكم،و لا تجوز الفتوى مع الشكّ في الحكم.

و إذا تقرّر هذا؛فلا يجوز للمفتي (5)أن يتعرّض للفتوى حتى يثق من نفسه بذلك.و لا يجوز للمستفتي أن يستفتيه حتى يعلم منه ذلك،من ممارسته،و ممارسة العلماء و شهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى،و بلوغه إيّاه.و لا يكتفي العامي بمشاهدة المفتي متصدّرا،و لا داعيا إلى نفسه، و لا مدّعيا،و لا بإقبال العامّة عليه،و لا اتصافه بالزهد و التورّع،فإنّه قد


1) في ج،د،الحجرية:(الحكم).

2) كلمة:(له)لم ترد في ج،ه،الحجرية.

3) في ن،الحجرية:(يبتني).

4) في ن:(من)بدل(ما).

5) في أ،ن،ب،ه:(من المفتي).

يكون غالطا في نفسه أو مغالطا.

و إذا ثبت ذلك،فإن كان في البلد واحد بهذه الصفة تعيّن للفتوى.

و إن كان أكثر:فإن تساووا في العلم و العدالة،جاز استفتاء كلّ منهم.فإن اختلفوا في الفتوى-و الحال هذه-كان المستفتي مخيّرا في العمل بقول أيّهم شاء.و إن كان أحدهم أرجح في العلم و العدالة،وجب العمل بفتواه.

و إن اتفق اثنان،أحدهما أعلم،و الآخر أكثر عدالة و ورعا؛قدّم الأعلم،لأنّ الفتوى تستفاد من العلم،لا من الورع،و القدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم،فلا اعتبار برجحان ورع الآخر.

تفريع

العالم إذا كان من أهل الاجتهاد،و حصل له حكم الواقعة بنظر صحيح،لم يجز له العدول إلى العمل بفتوى من هو أعلم منه،لأنّه عدول عمّا يعلم إلى ما يظنّ.و كذا إن لم يجتهد،لم يجز له الرجوع إلى قول الأعلم،لأنّ تحصيل العلم ممكن في حقّه.

أمّا إذا أشكل عليه طريق الواقعة،جاز له الرجوع إلى الأعلم،لأنّه بالنسبة إليه في تلك الواقعة كالعامي.

المسألة الرابعة:لا يجوز للعامي أن يفتي بما ينقله عن العلماء، سواء نقل عن حيّ أو ميت،لأنّه قول بما لا يعلم،فكان حراما.

المسألة الخامسة:إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة،ثمّ وقعت بعينها في وقت آخر:فإن كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى.و إن نسيه افتقر إلى استئناف نظر.فإن أدّى نظره إلى الأوّل فلا كلام.و إن خالفه وجب الفتوى بالأخير.

و الأولى تعريف من استفتاه أوّلا (1)،لأنّه عامل بقوله و قد رجع عنه، فلو استمرّ لبقي عاملا بالفتوى من غير دليل و لا فتوى مفت.


1) كلمة:(أوّلا)زيادة من الحجرية.

الفصل الثاني: في مسائل مختلفة:

المسألة الاولى:اتفق أهل العدل على قبح التصرّف فيما فيه مضرّة خالية عن (1)نفع.و كذا ما لا منفعة فيه.و كذا ما علم وجه قبحه كالظلم.

و اختلفوا فيما عدا ذلك،ممّا ينتفع به و لا يعلم كونه واجبا و لا مندوبا؛فقال قوم:إنّه على الحظر (2).و هو مذهب طائفة منّا (3).و قال الآخرون:على الإباحة (4).و هو اختيار المرتضى (5).و توقّف آخرون فيه عقلا،و أباحوا منها ما دلّ عليه الشرع (6).و هو اختيار شيخنا المفيد (7).

احتجّ القائلون بالحظر:بأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه،فيكون قبيحا (8).

أجاب الآخرون:بأنّا لا نسلّم أنّه تصرّف بغير إذن المالك،و هذا لأنّ الأدلّة الّتي نذكرها يلزم منها الإذن.سلّمنا أنّه لم يأذن،لكن كما لم يأذن


1) في الحجرية:(من).

2) المعتمد:315/2،التبصرة:532-533، [1]المحصول:158/1،الإحكام: 82/1.

3) العدّة:742/2. [2]

4) المعتمد:315/2،التبصرة:533، [3]المستصفى:77/1، [4]المحصول:158/1، الإحكام:82/1.

5) الذريعة:809/2.

6) المعتمد:315/2،التبصرة:532، [5]المستصفى:77/1، [6]المحصول:159/1، الإحكام:82/1.

7) العدّة:742/2. [7]

8) المعتمد:319/2،الذريعة:821/2،العدّة:744/2، [8]التبصرة:534، [9]المستصفى:78/1، [10]المحصول:163/1،المنتهى:32. [11]

لم يحظر.ثمّ نقول:لا نسلّم أنّ مال الغير يحرم التصرّف فيه إلاّ مع المنع، أو مع مضرّة تتوجه (1)على المالك،أو فوت مصلحة له.يدلّ على ذلك أنّا نستبيح الاستناد إلى جدار الغير من غير إذنه،و كذا نستضيء بضوء مصباحه،و لا علّة لذلك إلاّ خلوّه من غرض يقتضي المنع (2)،و الأشياء بالنسبة إلى اللّه سبحانه تجري هذا المجرى.ثمّ ما ذكرتموه منقوض بالتنفس في الهواء،فإنّه يستباح عقلا من غير توقّف على إذن.لا يقال:

ذلك لمكان الضرورة.لأنّا نقول:لو كان كذلك لما جاز أن نستبيح منه إلاّ ما يدفع الضرورة،و ليس كذلك.ثمّ نقول:لو قبح منه الإقدام لأنّه تصرّف في مال الغير،لقبح الإحجام لمثل (3)ذلك،إذ تصرّفه في نفسه-إقداما و إحجاما-تصرّف في ملك الغير،فيلزم الجمع بين النقيضين.

احتجّ القائلون بالإباحة بوجوه:

الأوّل (4):أنّ ذلك تحصيل لمنفعة خالية عن الضرر،فتكون حسنة.

أمّا الاولى:فلأنّ المالك سبحانه لا ينتفع و لا يستضرّ و لا ينقص ملكه شيء.و أمّا المنتفع فلأنّا نتكلم على هذا التقدير.و أمّا الثانية:فيدلّ عليها وجهان:الأوّل:أنّ مثل ذلك خال عن وجوه القبح.و الثاني:أنّ الاستظلال بجدار الغير يحسن من غير إذن مالكه،و لا وجه لحسنه إلاّ عدم استضرار المالك و انتفاع المستظل،و هذا الوجه حاصل فيما ذكرناه،فيجب أن يحسن.


1) في ج،ه:(متوجهة).

2) ذكر الغزالي،في:المستصفى:78/1؛أنّ العلّة عدم صدق التصرّف عرفا على مثل ذلك.

3) في ن،ج،ه:(بمثل).

4) المعتمد:315/2،الذريعة:809/2-810،العدّة:746/2-747، [1]المستصفى:78/1،المحصول:160/1. [2]

لا يقال:هذا باطل بالربا و الزنا و غير ذلك من المحرّمات،فإنّ المالك لا يستضرّ بفعلها،و هي نافعة للفاعل،فلو كان وجها يقتضي الحسن لما قبح شيء منها.

لأنّا نقول:ورود النهي عنها دليل على اشتمالها على مفسدة عائدة إلى المكلّف تقتضي المنع،و ليس كذلك ما نحن فيه.

الوجه الثاني (1):لو لم تكن المشتهيات (2)على الإباحة لزم أن يكون تعالى فاعلا للقبيح،لكن هذا اللازم محال.و بيانه:أنّه بتقدير أن لا تكون مخلوقة للانتفاع:إمّا أن يكون في خلقها غرض حكمي،و إمّا أن لا يكون.

و يلزم من الثاني العبث.و إن كان:فإمّا النفع عائد إليه تعالى،و هو محال.

و إمّا الضرر عائد إلى غيره،و هو قبيح،لعدم الوجوه المقتضية لحسنه، فتعيّن أن تكون للانتفاع.

و لقائل أن يقول:لم لا يجوز أن يكون فيه غرض غير الانتفاع؟!و هو إمّا امتناع المكلّف منه،لتحصيل الثواب بمنع النفس عن تناوله،أو ليستدلّ بها على الصانع سبحانه،أو غير ذلك من الوجوه.

فإن قالوا:خلقها يحسن مع عدم التكليف.

كان لقائل أن يمنع ذلك.

و كذلك إن قالوا:يمكن الاستدلال على الصانع سبحانه من دونها بغيرها.


1) المعتمد:320/2،الذريعة:814/2-815، [1]العدّة:747/2،التبصرة:536، [2]المستصفى:78/1، [3]المحصول:162/1،الإحكام:83/1،المنتهى:32. [4]

2) في ج،ه،الحجرية:(المشتبهات).

قلنا:العقل لا يمنع من ترادف الأدلّة،و لا يقبّحه.

الوجه الثالث (1):قالوا:قد علمنا حسن التنفّس في الهواء من دون إذن المالك،و الاستظلال بجدار الغير و الاستضاءة (2)بمصابيحه (3)،و العلّة في ذلك أنّه لا ضرر فيه على المالك و لا على غيره،إذ لا وجه يضاف إليه الجواز إلاّ ذلك (4)،و لأنّ ذلك الحكم يدور مع هذه العلّة وجودا و عدما، فيجب أن يحسن التصرّف فيما ذكرناه،للاشتراك في الموجب.

الوجه الرابع:الاستدلال بالشرع على الإباحة،و هو أمران:القرآن، و الإجماع.

أمّا القرآن (5):فقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (6)، و قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ (7)،و قوله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ (8).

و أمّا الإجماع:فلأنّ أهل الشرائع كافّة لا يخطّئون من بادر إلى تناول شيء من المشتهيات،سواء علم الإذن فيها من الشرع أو لم يعلم،


1) المعتمد:321/2،الذريعة:812/2-813،العدّة:744/2-745، [1]التبصرة: 535، [2]المستصفى:78/1،المحصول:163/1. [3]

2) في النسخ:(الاستضواء).

3) في ه:(بمصباحه).

4) تقدّم عن الغزالي،في:المستصفى:78/1:أنّ وجه الجواز هو عدم صدق التصرّف عرفا على هذه الامور.

5) العدّة:750/2، [4]التبصرة:535، [5]المحصول:97/6-103.

6) البقرة29/. [6]

7) الأعراف32/. [7]

8) المائدة4/. [8]

و لا يوجبون عليه عند تناول شيء من المأكل أن يعلم التنصيص على إباحته (1)،و يعذرونه في كثير من المحرّمات إذا تناولها من غير علم، و لو كانت محظورة لأسرعوا إلى (2)تخطئته حتى يعلم الإذن.

المسألة الثانية:إذا ثبت حكم في وقت،ثم جاء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم،هل يحكم ببقائه على ما كان؟أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة،كما يفتقر نفيه إلى الدلالة؟حكي عن المفيد (3):أنّه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه.و هو المختار.و قال المرتضى (4):لا يحكم بأحد الأمرين إلاّ لدلالة.

مثال ذلك:المتيمم إذا دخل في الصلاة،فقد أجمعوا على المضيّ فيها.فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة،هل يستمرّ على فعلها استصحابا للحال الأوّل،أم يستأنف الصلاة بوضوء؟فمن قال بالاستصحاب قال بالأوّل،و من اطّرحه قال بالثاني.

لنا وجوه:

الأوّل:أنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت،فيثبت الحكم،و العارض (5)لا يصلح رافعا (6)له،فيجب الحكم بثبوته في الثاني.

أمّا أنّ مقتضي الحكم الأوّل ثابت،فلأنّا نتكلم على هذا التقدير.

و أمّا أنّ العارض لا يصلح رافعا،فلأنّ العارض إنّما هو احتمال تجدّد


1) في ج،الحجرية:(الإباحة).

2) في أ:(في)بدل(إلى).

3) العدّة:756/2. [1]

4) الذريعة:829/2-830.

5) في ج،ه:(المعارض).

6) في ه،الحجرية:(دافعا).

ما يوجب زوال الحكم،لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه،فيكون كلّ واحد منهما مدفوعا بمقابله،فيبقى الحكم الثابت سليما عن رافع.

الوجه الثاني:الثابت أولا قابل للثبوت ثانيا-و إلاّ لانقلب من الإمكان الذاتي إلى الاستحالة-فيجب أن يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أولا،فلا ينعدم إلاّ لمؤثّر (1)،لاستحالة خروج الممكن من (2)أحد طرفيه إلى الآخر لا لمؤثّر (3)،فإذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر، يكون (4)بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد المجتهد،و العمل بالراجح واجب.

الوجه الثالث:عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل، و الموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف،فيثبت (5)العمل به.

أمّا الاولى:فكمن تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث،فإنّه يعمل على يقينه.و كذلك بالعكس (6).و من تيقّن طهارة ثوبه في حال،بنى على ذلك حتى يعلم خلافها.و من شهد بشهادة بنى على بقائها حتى يعلم رافعها.

و من غاب غيبة منقطعة،حكم ببقاء أنكحته،و لم تقسّم أمواله،و عزل نصيبه في المواريث،و ما ذاك (7)إلاّ لاستصحاب حال حياته.

و هذه العلّة موجودة في مواضع الاستصحاب،فيجب العمل به.

الوجه الرابع:أطبق العلماء على أنّ مع عدم الدلالة الشرعية يجب


1) في ج:(بمؤثر).

2) في ج:(عن).

3) في ن،ج،د،الحجرية:(إلاّ)بدل(لا).

4) في ه:(فيكون).

5) في أ،ب،د،ه،الحجرية:(فثبت).

6) في ج:(و كذا العكس).و في ه:(و كذا بالعكس).

7) في ه:(ذلك).

إبقاء (1)الحكم على ما تقتضيه البراءة الأصلية،و لا معنى للاستصحاب إلاّ هذا.

فان قيل (2):ليس هذا استصحابا،بل هو إبقاء الحكم على ما كان، لا حكما بالاستصحاب.

قلنا:نحن نعني (3)بالاستصحاب هذا القدر،لا نعني به شيئا سوى ذلك.

احتجّ المانع:

بأنّ ذلك حكم (4)بغير دليل،فيكون باطلا (5).أمّا أنّه حكم بغير دليل،فلأنّ ثبوت الحكم بالدليل في وقت أو في حال لا يتناول ما عدا تلك الحال و ذلك الزمان،فلو حكم بذلك الحكم في الحال الثاني،لكان حكما بغير دليل.و أمّا أنّ الحكم بغير دليل باطل،فبالاتفاق.

الوجه الثاني (6):لو كان الاستصحاب حجّة،لوجب فيمن علم زيدا في الدار،و لم يعلم خروجه،أن يقطع ببقائه فيها،و كذا كان يلزم إذا علم أنّ زيدا حي،ثمّ انقضت (7)مدّة و لا (8)يعلم فيها موته،أن يقطع ببقائه، و كلّ ذلك باطل.

الوجه الثالث (9):استدلّ بعض الجمهور بأنّ العمل بالاستصحاب يلزم


1) في ج،د،الحجرية:(بقاء).

2) في ن،ب،ج،د،الحجرية:(قال).و في ه:(قال قائل).

3) في ج:(نريد)بدل(نعني).

4) في أ،ن،د،ه:(عمل)بدل(حكم).

5) الذريعة:830/2،المستصفى:240/1.

6) الذريعة:832/2.

7) في أ،ن،ب:(تقضّت).

8) في ج،ه:(لم)بدل(لا).

9) المستصفى:241/1.

منه التناقض،فيكون باطلا.و ذلك أنّ الاستدلال به كما يصحّ أن يكون حجّة للمستدلّ،يصحّ مثله لخصمه،فإنّه إذا قال:(الثابت قبل وجود الماء للمصلّي المضي في صلاته،فيثبت ذلك الحكم إذا وجد الماء)؛كان لخصمه أن يقول:(الثابت اشتغال ذمّته بصلاة متيقّنة،فيجب أن يبقى الشغل)،أو يقول:(قبل الصلاة لو وجد الماء لما جاز الدخول فيها بتيمّمه، فكذلك بعد الدخول فيها).

و الجواب عن الأوّل:أن نقول:

قوله:«إنّ ذلك عمل بغير دليل» (1)قلنا:لا نسلّم،لأنّ الدليل دلّ على أنّ الثابت لا يرتفع إلاّ برافع،فإذا كان التقدير تقدير عدمه،كان بقاء الثابت راجحا في اعتقاد المجتهد،و العمل بالراجح لازم.

قوله في الوجه الثاني:«لو كان الاستصحاب حجّة،لوجب القطع ببقاء ما يعلم الانسان وقوعه في الأزمان المنقضية (2)إذا لم يعلم له رافعا».

قلنا:نحن لا ندعي القطع،و لكن ندعي رجحان الاعتقاد لبقائه (3)،و ذلك يكفي في العمل به.

قوله في الوجه الثالث:«يلزم منه التناقض».قلنا (4):لا نسلّم،إذ ليس كلّ موضع يستعمل فيه الاستصحاب يفرض فيه ذلك الفرض،و وجود التعارض في الأدلة المظنونة لا يوجب سقوطها حيث تسلم عن المعارض، كما في أخبار الآحاد و القياس عند من يعمل بهما.

و الذي نختاره نحن:أن ينظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم،فإن


1) في ن،ب،ج،د،الحجرية،(حجّة)بدل(دليل).

2) في أ،ن:(المقتضية).

3) في ج،ه:(ببقائه).

4) كلمة(قلنا):لم ترد في ب،ج،د،الحجرية.

كان يقتضيه مطلقا،وجب القضاء باستمرار الحكم،كعقد النكاح مثلا،فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقا،فإذا وقع الخلاف في الألفاظ الّتي يقع بها الطلاق،كقوله:(أنت خليّة،و بريّة)،فإنّ المستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بها (1)لو قال:(حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه،فيجب أن يكون ثابتا بعدها)،لكان استدلالا صحيحا،لأنّ المقتضي للتحليل-و هو العقد- اقتضاه مطلقا،و لا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء،فيكون الحكم ثابتا،عملا بالمقتضي.

لا يقال:المقتضي هو العقد،و لم يثبت أنّه باق،فلم يثبت الحكم.

لأنّا نقول:وقوع العقد اقتضى حلّ الوطء لا مقيّدا بوقت،فلزم (2)دوام الحلّ،نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه،فيجب أن يثبت الحلّ حتى يثبت الرافع.فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه،فليس ذلك عملا بغير دليل.و إن كان يعني به أمرا وراء ذلك،فنحن مضربون عنه.

المسألة الثالثة:النافي للحكم إن (3)قال:(لا أعلم)،لم يكن عليه دليل،لأنّ قوله لا يعدّ مذهبا.و إن قال:(أعلم انتفاء الحكم)،كان عليه إقامة الدليل،كما يلزم المثبت،سواء نفى حكما شرعيا أو عقليا.و يدلّ على ذلك وجهان:

الأوّل:أنّ النافي جازم بالنفي،فيكون مدعيا للعلم به،فإمّا أن يكون علمه اضطرارا أو استدلالا.و الأوّل:باطل،لأنّا لا نعلم ذلك،فتعيّن الثاني.


1) في ن،ب،د:(بهما).

2) في ن،ج:(فيلزم).

3) في ج،ه:(إذا).

و يلزم من ذلك تعويله على مستنده إن كان معتقدا،أو إبرازه إن كان مناظرا، ليتحقّق دعواه،و ليتمكّن من تركيب الحجّة على مناظره.

الثاني:لو لم يلزم النافي إقامة الدلالة،لزم من ذلك التفصّي من الأدلّة في كلّ دعوى،لكن ذلك باطل.

و بيان ذلك:أنّ المدعي لقدم العالم،إذا طولب بالدلالة،عدل عن هذا اللّفظ،بأن يقول:(ليس العالم بحادث)،فيسقط عنه الدليل.لكن لو صحّ ذلك له،لأمكن خصمه أن يقول:(ليس العالم بقديم)،فيسقط عنه الدليل أيضا.و بطلان ذلك ظاهر.

احتجّ الخصم (1):

بأنّ النفي عدم،و العدم لا يفتقر إلى الدلالة.

و بأنّ إثبات الأحكام موقوف على ثبوت الأدلّة،فيكون عدمها مستندا إلى عدم الأدلّة،كما أنّ المعجزة دلالة على النبوّة،و عدمها دليل على عدم النبوّة.

و يؤيّد ذلك قوله عليه السّلام:«البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2).

و الجواب:

قوله:«النفي عدم».قلنا:هذا صحيح،لكن الجزم بذلك النفي هو المفتقر إلى الدلالة.


1) المعتمد:324/2-325،الذريعة:827/2،العدّة:752/2،التبصرة:530، المستصفى:242/1،المنتهى:218.

2) جامع الاصول:183/10 ح 7679.و فيه:«المدّعى عليه»بدل«المنكر».

قوله:«إثبات الأحكام يفتقر إلى الدلالة،فيكفي في نفيها عدم الدلالة».قلنا:هذا محض الدعوى،فما الدليل عليه؟فإنّ من علم دليل الثبوت جزم به،و من عدمه فإنّه يجوّز ثبوت الحكم كما يجوّز عدمه،إذ عدم الدليل لا يدلّ على عدم المدلول كما يدعيه.

قوله:«عدم المعجزة دليل على عدم النبوّة».قلنا:لا نسلّم،فإنّ من لا يعلم معجزة النبي،لا يجوز له الجزم بنفي نبوّته.أمّا إذا ادعى النبوّة و لا معجزة له،فإنّا ننفي نبوّته لا لعدم المعجزة،بل لعلمنا عقلا أنّه لو كان نبيّا لكان له معجزة.فنستدلّ بعدم اللاّزم على عدم الملزوم،و ذلك من الأدلّة القاطعة،فكان مستند الحكم بانتفاء نبوّته؛إلى ذلك الدليل،لا إلى مجرّد عدم المعجزة (1).و كذا إذا حكمنا بانتفاء واقعة لو وقعت لعلمت،مثل ابتكار مدينة قريبة لم نسمع ببنائها،أو وقوع حادثة في ملأ و لم نسمع منهم،فإنّا نحكم بانتفاء ذلك كلّه،لأنّ ذلك ممّا لو كان لظهر،فلمّا لم يظهر،دلّ ذلك على عدمه.

و أمّا قوله عليه السّلام:«و اليمين على من أنكر»،فإنّا نقول:لا نسلّم أنّ القول قوله من غير حجّة،بل الحجّة معه بتقدير عدم البيّنة من طرف المدّعي،و ذلك أنّه إذا ادعى عليه عينا فإنّها تكون في يده،و اليد دلالة على (2)الملك،فكان الحكم باليد،لا بعدم البيّنة بمجرّده.و إن ادعى عليه


1) كلمة:(المعجزة)المتكررة في هذه الأسطر جاءت في بعض النسخ كما أثبتناه، و في بعضها الآخر:(المعجز).

2) كلمة:(على)زيادة من ج،د،الحجرية.

دينا،فالأصل براءة الذمّة (1)،فهو يستدلّ (2)بالأصل.على أن إيجاب اليمين عليه يجري مجرى الحجّة في جنبه (3)شرعا،و ذلك ممّا يدلّ على أنّه لم يثبت قوله بعدم البيّنة،إذ لو ثبت ثبوتا باتّا (4)لما كلّف اليمين (5).

و إذا ثبت هذا،فاعلم أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعية، فإذا ادعى مدّع حكما شرعيا،جاز لخصمه أن يتمسّك في انتفائه بالبراءة الأصلية،فيقول:لو كان ذلك الحكم ثابتا،لكان عليه دلالة شرعية،لكن ليس كذلك،فيجب نفيه،و لا يتمّ هذا الدليل إلاّ ببيان مقدّمتين:

إحداهما:أنّه لا دلالة عليه شرعا،بأن تضبط طرق الاستدلالات الشرعية،و يبيّن عدم دلالتها عليه.

و الثانية:أن يبيّن أنّه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل،لأنّه لو لم يكن عليه دلالة،لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به،و هو تكليف بما لا يطاق.و لو كان عليه دلالة (6)غير تلك الأدلّة (7)لما كانت أدلّة الشرع منحصرة فيها،لكن قد بيّنا انحصار الأحكام في تلك الطرق.و عند هذا يتمّ كون ذلك دليلا على نفي الحكم.و اللّه أعلم.


1) في أ،ب،د،الحجرية:(الذمم).

2) في ج،د،ه،الحجرية:(مستدل).

3) في ج،الحجرية:(حقّه).و لعلّ الصواب:(جانبه)و كتبها النّساخ بالألف القصيرة.

4) كلمة:(باتا)لم ترد في ج،د.و في ه:(تامّا).

5) في ه:(باليمين).

6) في أ:(دليل).

7) في ج،د،الحجرية:(الدلالة).

الفصل الثالث: فيما الحق بأدلّة الاصول و ليس منها.و فيه مسائل:

المسألة الاولى:إذا اختلف الناس على أقوال،و كان بعضها يدخل في بعض-كما اختلف في حدّ الخمر،فقال قوم:ثمانون،و آخرون:

أربعون (1).و في دية اليهودي،فقيل:كدية المسلم،و قيل:ثمانون (2)، و قيل:على النصف،و قيل:على الثلث (3)-هل يكون الأخذ بالأقلّ حجّة؟ حكم بذلك قوم.و أنكره آخرون (4).

أمّا القائلون بذلك فقالوا:قد حصل الإجماع على وجوب الأقلّ، و الإجماع حجّة،و اختلف في الزائد،و البراءة الأصلية نافية له،فيثبت الأقلّ بالإجماع،و ينتفي (5)الزائد بالأصل،لأنّ التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية،و قد بيّنا أنّ مع عدمها يكون العمل بالبراءة الأصلية لازما.

لا يقال:الذمّة مشغولة بشيء،و قد اختلف فيما تبرأ به الذمّة،و في الأقلّ خلاف،و بالأكثر تبرأ الذمّة يقينا،فيجب الأخذ به،احتياطا لبراءة الذمّة.


1) بداية المجتهد و نهاية المقتصد،لابن رشد:439/2 ط 1386 ه.

2) من الإبل المسنّة.

3) بداية المجتهد و نهاية المقتصد:409/2-410،شرائع الإسلام،للمصنّف: 247/4 طبعة النجف 1389 ه.

4) المعتمد:326/2،الذريعة:833/2،المستصفى:235/1، [1]المحصول: 154/6، [2]الإحكام:237/1-238،المنتهى:64.

5) في ج،د،الحجرية:(ينفى).

لأنّا نقول:لا نسلّم اشتغال الذمّة مطلقا،لأنّ الأصل دالّ (1)على خلوّها،فلا تشتغل إلاّ مع قيام الدليل،و قد ثبت اشتغالها بالأقل،فلا يثبت اشتغالها بالأكثر،و الاشتغال بالأكثر مغاير للاشتغال المجرّد،و مغاير للاشتغال بالأقلّ،فيكون الاشتغال بالأكثر و الاشتغال المطلق منفيا بالأصل.

لا يقال (2):فإن لم يثبت دلالة على الأكثر،فإنّه من الممكن أن يكون هناك دليل،و لا يلزم من عدم الظفر به عدمه،فكان العمل بالأكثر أحوط.

لأنّا نقول:ذلك الدليل المحتمل لا يعارض الأصل،لأنّا قد بيّنا أنّ مع تقدير عدم الدلالة الشرعية يجب العمل بالبراءة الأصلية،و ذلك يرفع ما أومأ إليه من الاحتمال.

المسألة الثانية:إذا اختلفت الامّة على قولين،هل يجب الأخذ بأخفّهما حكما بتقدير عدم الدلالة على كلّ واحد منهما؟صار إلى ذلك قوم.و قال آخرون بالأثقل (3).و الكلّ باطل.

و احتجّ الأوّلون:بالنقل و العقل.

أمّا النقل:فقوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (4)،و قوله: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (5)، و قوله عليه السّلام:«لا ضرر في الإسلام» 6،و قوله:«بعثت بالحنيفية السهلة


1) في ن،ب:(دلّ).

2) المحصول:158/6.

3) المحصول:159/6، [1]الإحكام:482/2.

4) البقرة185/. [2]

5) الحجّ78/. [3]

السمحة» 1.

و أمّا العقل:فلأنّ احتمال الأخفّ مساو لاحتمال الأثقل في عدم الدلالة،و الأخذ بالأثقل 2احتياط لحقّ اللّه سبحانه،و هو غنيّ لا يتضرر، و بالأقلّ تخفيف عن العبد،و هو فقير يتضرر،فيكون الترخيص 3في حقّ من لا يتضرر 4أولى.

احتجّ القائلون بالأثقل بوجهين:

أحدهما 5:أنّ العمل بالأثقل أحوط،فيجب الأخذ به.

الثاني:أنّ العمل بالأثقل أفضل،فيجب العمل به.أمّا أنّه أفضل؛ فلقوله صلّى اللّه عليه و آله:«أفضل العبادات أحمزها» 6.و أمّا أنّه إذا كان أفضل وجب العمل به؛فلأنّ الأفضل خير،فيجب الاستباق إليه،لقوله 7تعالى:

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ 8.

و الجواب:

أمّا الآيات:فالجواب عن الاولى:لا نسلّم أنّ إرادة اليسر لا تتناول الأثقل،بل هو يسر،كما أنّ الأخفّ يسر.ثمّ لا يلزم من إرادة اليسر اختصاصها بالأيسر.

و عن الثانية:لا نسلّم أنّ الأثقل حرج.فإن قال:الحرج هو الضيق، و هو يتناول الأثقل.قلنا:لو تناول الأثقل لأجل ضيق المشقّة،لتناول الأخفّ.فالأولى صرف الضيق إلى ما تقصر عنه الطاقة،فلا يكون متناولا للأثقل،لأنّه ممّا يدخل تحت الطاقة.

و الجواب عن الخبر الأوّل:أن نقول:نفي الضرر يتناول الجميع، و هو متروك الظاهر،فيحمل على ما وقع الاتفاق على تركه.

و عن الخبر الثاني:أنّ الخفيف و الثقيل سهل سمح،إذ كلّ واحد منهما دون طاقة العبد.

ثمّ الخبران معارضان بقوله عليه السّلام:«الحقّ ثقيل مري،و الباطل خفيف وبي» (1).

و الجواب عن المعقول:أن نقول:قوله:«إنّ اللّه سبحانه غنيّ


1) ذكره الفخر الرازي،في:المحصول:160/6.و فيه:«قوي»بدل«مري». و الشريف المرتضى،في:نهج البلاغة:/737الحكمة رقم 376،ط قم عام 1415 ه منشورات دار الأسوة،بتحقيق د.صبحي الصالح؛رواه عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السّلام.و قال ابن أبي الحديد،في:شرح نهج البلاغة:104/2 ط مصر عام 1385 ه مطبعة عيسى البابي الحلبي:«و من كلام[أمير]المؤمنين عليه السّلام لعثمان:إنّ الحقّ ثقيل مري،و إنّ الباطل خفيف وبي،و أنت رجل إن صدقت سخطت،و إن كذبت رضيت».و مثله ذكر ابن حجّة الحموي،في:خزانة الأدب: 58 ط المطبعة [1]الخيرية بمصر عام 1304 ه منشورات دار القاموس الحديث في بيروت.

لا يتضرر فيكون الترخيص في حقوقه».قلنا:حقوق اللّه تعالى لا تنفكّ عن مصلحة عائدة إلى العبد،فيكون الترخيص فيها ترخيصا في حقّ المتضرّر، فعدوله حينئذ يكون تركا لمصلحته (1)،و هو غير جائز.

و يمكن أن يجاب الآخرون بأنّ نقول:قوله:«العمل بالأثقل أحوط».

قلنا:سنبيّن أنّ الاحتياط دلالة ضعيفة،بل باطلة.

و قوله:«العمل بالأثقل أفضل».قلنا:متى؟إذا ثبت أنّه مأمور به (2)، أو إذا لم يثبت؟و نحن لا (3)نسلّم أنّه مأمور[به].قوله عليه السّلام:«أفضل العبادات أحمزها» (4).قلنا:لا نسلّم أنّها عبادة،و إنّما يثبت ذلك إذا ثبت أنّه مأمور به.

المسألة الثالثة:العمل بالاحتياط غير لازم.و صار آخرون إلى وجوبه.و قال آخرون:مع اشتغال الذمّة يكون العمل بالاحتياط واجبا،و مع عدمه لا يجب.

مثال ذلك:إذا ولغ الكلب في الإناء فقد نجس.و اختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة،أم لا بدّ من سبع؟و فيما عدا الولوغ هل يطهر بغسلة،أم لا بدّ من ثلاث؟

احتجّ القائلون بالاحتياط (5):

بقوله عليه السّلام:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (6).


1) في ن،ج،د،ه،الحجرية:(لمصلحة).

2) كلمة:(به)زيادة من أ،ه.

3) في ن،ب:(فلا).

4) تقدّم ذكر مصادره.

5) المحصول:439/5،الإحكام:478/2.

6) تقدّم ذكر مصادره.

و بأنّ الثابت اشتغال الذمّة يقينا،فيجب أن لا يحكم ببراءتها إلاّ بيقين،و لا يقين إلاّ مع الاحتياط.

و الجواب عن الحديث:أن نقول:هو خبر واحد،لا يعمل بمثله في مسائل الاصول.سلّمناه،لكن إلزام المكلّف بالأثقل مظنّة الريبة،لأنّه إلزام مشقّة لم يدلّ الشرع عليها،فيجب اطّراحها بموجب الخبر.

و الجواب عن الثاني أن نقول:البراءة الأصلية-مع عدم الدلالة الناقلة- حجّة،و إذا كان التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية على الزيادة،كان العمل بالأصل أولى.و حينئذ لا نسلّم اشتغال الذمّة مطلقا،بل لا نسلّم اشتغالها إلاّ بما حصل الاتفاق عليه،أو اشتغالها بأحد الأمرين.

و يمكن أن يقال:قد أجمعنا على الحكم بنجاسة الإناء،و اختلفنا فيما به يطهر،فيجب أن يؤخذ بما حصل الإجماع عليه في الطهارة،ليزول ما أجمعنا عليه من النجاسة بما أجمعنا عليه من الحكم بالطهارة.

المسألة الرابعة:شريعة من قبلنا،هل هي حجّة في شرعنا؟قال قوم:نعم،ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه.و أنكر الباقون ذلك (1).و هو الحقّ.

لنا:وجوه:

الأوّل:قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (2).


1) المعتمد:337/2،الذريعة:598/2،العدّة:590/2-591، [1]التبصرة:285، [2]اصول السرخسي:99/2،المستصفى:246/1، [3]المحصول:265/3-266، الإحكام:378/2، [4]المنتهى:205. [5]

2) النجم3/-4. [6]

الثاني:لو كان متعبّدا بشرع غيره،لكان ذلك الغير أفضل،لأنّه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع،لكن ذلك باطل بالاتفاق.

الثالث:لو كان متعبّدا بشرع غيره،لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع،لكن ذلك باطل،لأنّه لو وجب لفعله،و لو فعله لاشتهر،و لوجب على الصحابة و التابعين بعده و المسلمين إلى يومنا هذا متابعته على الخوض فيه،و نحن نعلم من الدين خلاف ذلك.

الرابع:لو كان متعبّدا بشرع من قبله،لكان طريقه إلى ذلك إمّا الوحي أو النقل.و يلزم من الأوّل أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره،و من الثاني التعويل على نقل اليهود،و هو باطل،لأنّه ليس بمتواتر،لما تطرّق إليه من القدح المانع من إفادة اليقين،و نقل الآحاد منهم لا يوجب العمل،لعدم الثقة.

و احتجّ الآخرون (1):

بقوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (2)و بقوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (3)و بقوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً (4)و بقوله: إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ (5)و بقوله: إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ (6)،


1) المعتمد:340/2-341،العدّة:596/2-597، [1]التبصرة:286،المستصفى: 248/1-249، [2]المحصول:272/3-273،الإحكام:380/2،المنتهى:205. [3]

2) الأنعام90/. [4]

3) النحل123/. [5]

4) الشورى13/. [6]

5) النساء163/. [7]

6) المائدة44/. [8]

و بأنّه عليه السّلام رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة (1).

أجاب الأوّلون (2):

عن الآية الاولى:بأنّها تتضمّن الأمر بالاقتداء (3)بهداهم (4)كلّهم، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم،لأنّه مختلف،فيجب صرفه إلى ما اتفقوا (5)عليه،و هو دلائل العقائد العقلية،دون الفروع الشرعية.

و عن الثانية:بأنّ(ملّة إبراهيم)عليه السّلام المراد بها العقليات،دون الشرعيات.يدلّ على ذلك قوله: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (6)،فلو أراد الشرعيات لما جاز نسخ شيء منها،و قد نسخ كثير من شرعه،فتعيّن أنّ المراد منه العقليات.

و عن الآية الثالثة:أنّه لا يلزم من وصية نوح بشرعنا أنّه أمره به،بل يحتمل أن يكون ما وصّاه به أمرا لامّته (7)بقبوله عند انتهاء أعقابهم إلى زمانه عليه السّلام،أو وصّاه به بمعنى أطلعه عليه و أمره بحفظه.

و لو سلّمنا أنّ المراد أنّه شرع لنا ما شرع لنوح،لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول (8)على العقائد الدينية.و لو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان،ثمّ لا يكون شرعه حجّة علينا من حيث هو


1) جامع الاصول:541/3-548 ح 1853،1854،1855.

2) المصادر المتقدّمة في الهامش(1)من الصفحة السابقة.

3) في أ،ب،ج،د،الحجرية:(بالاهتداء).

4) في الحجرية:(بهم)بدل(بهداهم).

5) في أ:(اتفق).

6) البقرة130/. [1]

7) كذا العبارة في ن.و باقي النسخ مضطربة.

8) في أ:(بالعقول).

شرعه،بل من حيث ورد على نبيّنا عليه السّلام بطريق الوحي،فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه.

و عن الآية الرابعة:أنّ المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع.

و عن الآية الخامسة:أنّ ظاهرها يقتضي اشتراك الأنبياء جميعا في الحكم بها،و ذلك غير مراد،لأنّ إبراهيم و نوحا و إدريس و آدم لم يحكموا بها،لتقدّمهم على نزولها.فيكون المراد أنّ الأنبياء يحكمون بصحّة ورودها عن اللّه،و أنّ فيها نورا و هدى.و لا يلزم أن يكونوا متعبّدين بالعمل بها، كما أنّ كثيرا من آيات القرآن منسوخة،و هي عندنا نور و هدى.

و أمّا رجوعه عليه السّلام في تعرّف حدّ الرجم؛فلا نسلّم أنّ مراجعته للتوراة ليعرفه،بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لإقامة الحجّة على من أنكر وجوده في التوراة (1)؟!

المسألة الخامسة:الاستقراء هو:الحكم على جملة بحكم،لوجوده فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة.و مثاله:أن تستقرئ الزنج،فتجد الموجود (2)منهم أسود،فتحكم بالسواد على من لم تره كما حكمت على من رأيته.و حاصله التسوية من غير جامع.و مثاله من الفقهيات:إذا اختلف في الوتر،فنقول:هو مندوب،لأنّه لو كان واجبا لما جاز أن يصلّى على الراحلة،لكنّه يصلّى على الراحلة.و المقدّم مستفاد من الاستقراء،إذ


1) المعتمد:341/2،الذريعة:603/2،المستصفى:249/1، [1]المحصول: 269/3،الإحكام:381/2.

2) في ج،ه،الحجرية:(كل موجود).

لا شيء من الواجب يصلّى على الراحلة.و الاستثناء معلوم بالإجماع.

و هل مثل ذلك حجّة في ثبوت (1)الأحكام؟الحقّ أنّه ليس بحجّة، لأنّ موارد الأحكام مختلفة،فلا يلزم من اختصاصها ببعض الأعيان وجودها في الباقي،و لأنّ ثبوت الحكم فيما وجد،قد يكون مع وجوده في الباقي، و قد يكون مع فقده،و مع الاحتمال لا يجوز الحكم بأحدهما دون الآخر.

و لأنّ وجود الحكم في فرد من أفراد النوع،لا يلزم منه وجوده في باقي الأفراد،فكذا وجوده فيما هو أكثر من الواحد.

فإنّ قيل:مع كثرة الصور يغلب الظنّ أنّ الباقي مماثل لما وجد، و العمل بالظنّ واجب.

قلنا:لا نسلّم أنّه يغلب على الظنّ،إذ لا تعلّق بين ما رأيت و ما لم تره،و لا بين ما علمته من ذلك و ما لم تعلمه.و لو سلّمنا حصول الظنّ، لكن الظنّ الحاصل من (2)غير أمارة لا عبرة به.و ليس وجود الحكم فيما رأيته من أجزاء الجملة أمارة لوجوده في الباقي.سلّمناه،لكن الظنّ قد يخطئ،فلا يعمل به إلاّ مع وجود دلالة تدلّ عليه.

فان قيل:مع الظنّ يرجح في ذهن المجتهد إرادة الشارع لتعميم الحكم،فتصير المخالفة مظنّة الضرر.

قلنا:غلبة الظنّ المذكور معارض بغلبة الظنّ أنّ شرعية الحكم تستدعي الدلالة،و مع ارتفاع الدلالة يغلب على الظنّ انتفاء الحكم،فينتفي ظنّ الضرر.على أنّ مع النهي عن العمل بالظنّ يزول ظنّ الضرر،و النهي


1) كلمة:(ثبوت)زيادة من أ.

2) في ب،د،الحجرية:(عن).

موجود بقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1)و قوله: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2).

المسألة السادسة:في المصالح.

المصلحة:هي ما يوافق الإنسان في مقاصده لدنياه،أو لآخرته،أو لهما.و حاصله:تحصيل منفعة أو دفع مضرّة.و لمّا كانت الشرعيات مبنيات على المصالح،وجب النظر في رعايتها.و المصالح تنقسم ثلاثة أقسام:

معتبرة شرعا،و ملغاة،و مرسلة.

فالمعتبرة:كتحريم القتل،و شرع القصاص؛لاستبقاء الأنفس.

و فرض الجهاد،و قتل المرتدّ؛لحفظ الدين.و تحريم الزنا،و إقامة الحدّ؛ لحفظ الأنساب.و القطع في السرقة؛لحفظ الأموال.

و الملغاة:كما يقال للغني (3)-في كفارة الوطء في نهار شهر رمضان عمدا-:(تصوم (4)شهرين تحتيما)،لأنّ ذلك يكون أزجر له عن المعاودة؛ لكن الشرع أسقط هذه المصلحة عن درجة الاعتبار.

و المرسلة:ما عدا القسمين.و هذه المصلحة إن كان معها مفسدة راجحة أو مساوية،كانت ملغاة.و إن كانت المصلحة صافية عن المفسدة، أو راجحة؛حكي عن مالك أنّها حجّة (5)،حتى قال:يضرب (6)المتّهم


1) الإسراء36/. [1]

2) يونس36/. [2]

3) في ب:(الغني).

4) في ب:(يصوم).

5) البرهان:180/2 فقرة 1181،المحصول:165/6.

6) في ب،ج:(بضرب).و في د،الحجرية:(نضرب).

بالسرقة محافظة على المال (1).و أنكر ذلك الأكثر (2).و منهم من اعتبر في العمل بها شروطا ثلاثة (3):أن تكون ضرورية،و كلّية،و قطعية.و أمّا ما لا يكون كلّيا،كالفروع الجزئية (4)،مثل مسائل الإجازة،و جزئيّات المساقاة، و رعاية الكفاءة في النكاح؛فإنّه لا يجوز التعويل على المصالح المرسلة فيها إلاّ مع دلالة شرعية تدلّ على اعتبارها.

احتجّ الأوّلون (5):بأنّ الحكمة باعثة على رعاية المصلحة،فحيث يثبت (6)أنّ في الشيء مصلحة يعلم تعلّق داعي الحكمة به،تحصيلا لتلك المصلحة.

و الجواب:متى تكون الحكمة باعثة على رعاية المصلحة؟إذا تحقّق خلوّها من جميع المفاسد،أم إذا لم يتحقّق؟الأوّل مسلّم،و الثاني ممنوع، و التقدير تقدير عدم التحقّق.غاية ما في الباب أن يغلب الظنّ،لكن التكليف من فعل اللّه سبحانه،فيبنى على ما علمه،لا على ما ظننّاه نحن.

لا يقال:المكلّف يبني في كثير من الشرعيات على الظنّ.

لأنّا نقول:حيث دلّ الدليل الشرعي على العمل به،لا لمجرّد (7)الظنّ.

ثم نقول:لو جاز العمل بالمصلحة المرسلة،لوجب حضور مجالس الوعظ،تحصيلا لمصلحة الانزجار،و لوجب الحدّ في الغصب،تحصينا للمال.


1) المنخول:365،المستصفى:260/1.

2) الإحكام:394/2،المنتهى:208.

3) المستصفى:260/1،المحصول:163/6-164. [1]

4) في أ،ن،ب،ج،ه،الحجرية:(الغريبة).

5) المصادر المتقدّمة.

6) في ج،د،الحجرية:(ثبت).

7) في ب،د،ه،الحجرية:(بمجرّد).

و ما حكي عن مالك من جواز ضرب المتّهم بالسرقة،باطل؛لأنّه لو جاز ذلك،لجاز ضرب المتهم بالقتل،و المتهم بالغصب؛محافظة على الأنفس و الأموال،لكن ذلك باطل إجماعا.

و أمّا الفريق الثاني:فإنّا نفرض لما ذكروه مثالا،فنقول:إذا تترّس أهل الحرب بالاسارى من المسلمين،هل يجوز رميهم و إن أدّى ذلك إلى تلف الأسرى؟قال هؤلاء:نعم،إذا علمنا أنّا إذا لم نرمهم ظهروا على الإسلام.فقالوا:هذه ضرورية،لأنّه لا يندفع استئصال المسلمين إلاّ بالرمي.و كلّية،لأنّ الضرر عامّ في المسلمين كافّة.و قطعية،لأنّا نتيقّن تسلّط أهل الكفر مع عدم الرمي.و احتجّوا لوجوب مثل هذا القدر بأن قالوا:المحافظة على الدماء مقصود للشارع،و الرمي مفض إلى ذلك القصد،فيكون واجبا و إن أدّى إلى قتل الأسير (1).

و الجواب:ما الذي تعني بالقصد (2)؟إن عنيت أنّ الشرع منع من القتل و أوجب القصاص،فمسلّم.و إن عنيت أنّه قصد حفظها بغير ذلك ممّا لم يدلّ عليه الشرع،فلا نسلّم.أو نقول:لا نسلّم أنّ المحافظة على الدماء مقصودة كيف كان،بل لم لا يجوز أن تكون المحافظة مقصودة بتحريم القتل و القصاص (3)لا غير،و لا يلزم من تشريع هذه الزواجر شرع طريق آخر.

ثمّ نقول:هذه المصلحة دلّ الشرع على إلغائها،فيجب سقوطها عن الاعتبار (4).يدلّ على ذلك قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ


1) جملة:(و إن أدى إلى قتل الأسير)لم ترد في ن.

2) كلمة:(بالقصد)لم ترد في أ.

3) أي:و بشرع القصاص.

4) قوله:(عن الاعتبار)لم يرد في ن.

جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (1)،و قوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ (2)،و قوله عليه السّلام«من سعى في دم امرئ مسلم و لو بشطر كلمة،جاء يوم القيامة مكتوبا على جبينه آيس من رحمة اللّه» (3)،و غير ذلك من الأحاديث الدالة على المنع من قتل المسلم،و مع وجود النصّ لا اعتبار بغيره؛فعلى هذا النهج يكون احتجاجك-على ما يرد عليك-من هذا الباب.

و اللّه العاصم (4).


1) النساء93/. [1]

2) الأنعام151/. [2]

3) ذكره الفخر الرازي،في:تفسيره:165/26 ط بيروت عام 1411 ه منشورات دار الكتب العلمية،في تفسير الآيات(21-25) [3]من سورة ص.مع اسقاط كلمة «امرئ»،و إبدال«على جبينه»ب«بين عينيه».

4) في ن:(و اللّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب)بدل(و اللّه العاصم).

الفهارس العامة

اشارة

(1)فهرس الآيات القرآنيّة

(2)فهرس الحديث

(3)فهرس الأعلام

(4)فهرس أسماء الكتب

(5)فهرس الكتاب

فهرس الآيات القرآنيّة

اشارة

الآيةرقمهاالصفحة

سورة البقرة(2)

الم 185

يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ 21114،140

خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً 29285

أَقِيمُوا الصَّلاةَ 43114،155

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها 106232،247

وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 130301

وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً 143182

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ 144246

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ 148100،296

وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 169205،263، 269،276، 278

يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 185295

ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ 187238

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ 187155،246

وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ 222133،238

الآيةرقمهاالصفحة

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 228155

سورة آل عمران(3)

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ 110183

سورة النساء(4)

(آية المواريث)11-12140

وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ 24245

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ 92134

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها 93306-307

وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ 115182

إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ 163300

وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 176154

سورة المائدة(5)

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ 1155

وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا 299

أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ 4285

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ 6157

وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 38101،154

إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ 44300

الآيةرقمهاالصفحة

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ 67162

سورة الأنعام(6)

فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ 90300

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ 141155

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ 145246

وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ 151307

سورة الأعراف(7)

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ 32285

وَ اتَّبِعُوهُ 158171،172

سورة الأنفال(8)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ 290

سورة التوبة(9)

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ 599

حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ 29140

إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ 80104

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ 122208،210، 276

الآيةرقمهاالصفحة

سورة يونس(10)

قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ 15248

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً 36263،276، 304

سورة هود(11)

فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ 9794

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ 11496

سورة يوسف(12)

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ 8280

سورة الرعد(13)

يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ 39204

سورة الحجر(15)

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ 30138

سورة النحل(16)

ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 123300

لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ 44247

الآيةرقمهاالصفحة

سورة الإسراء(17)

فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ 23154

وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ 31106،107

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ 36263،276، 304

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ 78111

سورة الكهف(18)

وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً 49154

جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ 7786

قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ 110254

سورة طه(20)

لا تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ 6189

لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى 8289

سورة الأنبياء(21)

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 7276

سورة الحج(22)

وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ 78295

سورة النور(24)

(آية الجلد)2140،141

الآيةرقمهاالصفحة

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً 33102

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ 63171

سورة النمل(27)

لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ 44247

سورة الأحزاب(33)

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ 21171،172

إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ 5684

سورة الصافات(37)

كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ 6585

فَانْظُرْ ما ذا تَرى 102241

قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 105241

إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ 106242

وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ 107242

سورة ص(38)

لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ 7587

سورة فصّلت(41)

حم 185

وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ اَلَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ 6-7115

لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ 42243

الآيةرقمهاالصفحة

سورة الشورى(42)

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً 13300

سورة محمّد(47)

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ 4140

سورة الحجرات(49)

إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا 6208،215

سورة النجم(53)

وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى 3-4299

سورة القمر(54)

وَ ما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ 5094

سورة المجادلة(58)

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ 3134

سورة الحشر(59)

فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ 2268

وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا 7116

الآيةرقمهاالصفحة

سورة المدثر(74)

ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ 42-43114-115

سورة القيامة(75)

فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ 18-19163

سورة الفجر(89)

وَ جاءَ رَبُّكَ 2286

سورة العصر(103)

إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا 2-3127

فهرس الحديث و الأثر

الحديث الصفحة

-اجتهد برأيك 267-268

-أ حجتنا لعامنا هذا أم للأبد(قول سراقة)100

-ادخار لحوم الأضاحي 244

-إذا روي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه 220

-إذا قلتم في دين اللّه بالقياس أحللتم كثيرا ممّا حرّم اللّه و حرّمتم كثيرا ممّا أحلّ اللّه(ابن عباس)271

-أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان يجزي؟فدين اللّه أحقّ أن يقضى 268

-أفضل العبادات أحمزها 296،298

-اكتب إليّ أكتب إليك 271

-ألا يتقي اللّه زيد يجعل ابن الابن ابنا و لا يجعل أب الأب أبا(ابن عباس)266

-البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر 291

-امتي لا تجتمع على الخطأ 183

-امر النبي ليلة المعراج بخمسين صلاة 241

-أنّها لمن شهد له بالنتاج(قضاء علي عليه السلام في دابة تنازعها اثنان)261

-أيّ سماء تظلّني و أيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب اللّه برأيي(ابو بكر)270

الحديث الصفحة

-أ ينقص إذا يبس؟فقيل:نعم،فقال:لا إذن 146

-أ ينقص إذا جف؟قيل:نعم،فقال:لا إذن 260

-بعثت بالحنيفية السهلة السمحة 295-296

-بم تقضيان؟قالا إذا لم نجد الحكم في الكتاب و السنّة نقيس الأمر بالأمر،فقال:أصبتما 267

-تمسّكوا بالسبت أبدا،تمسّكوا بالسبت ما دامت السموات و الأرض(عن التوراة)233-234

-حديث الرجم في المحصنة 247

-الحقّ ثقيل مري و الباطل خفيف وبي 297

-خبر ابن عمر في تعذيب الميّت ببكاء أهله عليه 212

-خبر الأوساق 160

-خبر بروع بنت واشق 212

-خبر الضحاك بن قيس في توريث المرأة من دية زوجها 209

-خبر عثمان فيما روى عن النبي بردّ الحكم 212

-خبر فاطمة بنت قيس 142،212

-خبر المغيرة في توريث الجدّة 208

-خبر المقداد في المذي 209

-دع ما يريبك إلى ما لا يريبك 227،298

-رجوع الصحابة إلى أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله في الغسل من التقاء الختانين 208

-رجوع النبي صلّى اللّه عليه و آله في معرفة الرجم إلى التوراة 301

-رجمه عليه السّلام ماعزا 140

-رحم اللّه من سمع مقالتي فوعاها و أدّاها كما سمعها 221

الحديث الصفحة

-رواية عن الصادق عليه السّلام في الترجيح بمخالفة العامة 225

-زيارة القبور 244-245

-سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب 209

-الشهر هكذا و هكذا 159

-صلّوا كما رأيتموني اصلّي 160

-فإن جاءك ما ليس في الكتاب و السنّة فاقض بما أجمع عليه أهل العلم 271

-فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذنّه إنّما أقطع له به قطعة من النار 254

-في خمس من الإبل شاة 90

-في الرقّة ربع العشر 144

-في سائمة الغنم زكاة 106

-فيما سقت السماء العشر 160

-القاتل لا يرث 160

-قل و من عصى اللّه و رسوله 89

-كنت إذا سمعت من رسول اللّه حديثا نفعني اللّه به ما شاء أن ينفعني فإذا حدّثني به غيره استحلفته(علي بن أبي طالب عليه السّلام)209

-لا تنكح المرأة على عمّتها و لا على خالتها(خبر أبي هريرة)142،245

-لأزيدنّ على السبعين 104

-لا شهادة لقاذف 158

-لا صلاة إلاّ بطهور 158

-لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب 158

الحديث الصفحة

-لا ضرر في الإسلام 295

-لا يقتل مؤمن بكافر و لا ذو عهد في عهده 148

-لو تمضمضت بماء ثمّ مججته أ كنت شار به 268

-لو قلت هذا لوجب 101

-ليس فيما دون خمس اواق من الورق صدقة 144-145

-من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ 117

-من سعى في دم امرئ مسلم و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا على جبينه آيس من رحمة اللّه 307

-هب أنّ أبانا كان حمارا ألسنا من أمّ واحدة(قول جماعة لعمر)266-267

-هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته 146

-و قس الامور برأيك(قول لعمر)266

-يتخذ الناس رؤساء جهّالا يقيسون الامور برأيهم(ابن عباس)271

فهرس مواضع تراجم الأعلام

الاسم الصفحة

ابن أبان 144

ابن سريج 170

ابن سيرين 190

ابن قبة 203

أبو بكر الدقّاق 105

أبو ثور 149

أبو جعفر(الطوسي)97

أبو الحسين(البصري)93

أبو عبد اللّه(البصري)82

أبو هاشم(الجبّائي)82

أبو الهذيل 166

الجاحظ 197

الجبّائي(أبو علي)128

الشافعي 170

القاضي أبو بكر 188

القاضي(عبد الجبّار-قاضي القضاة)82

القفّال 132

الكرخي 111

الاسم الصفحة

مالك 170

المرتضى 95

المفيد 199

النظّام 181

فهرس مصادر التحقيق

1-الإحكام في اصول الأحكام.

لابن حزم الأندلسي الظاهري،المتوفى سنة 456 ه.منشورات دار الحديث بالقاهرة.الطبعة الثانية عام 1413 ه.يقع في مجلّدين.

2-الإحكام في اصول الأحكام.

لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي،المتوفى سنة 631 ه.تحقيق الشيخ إبراهيم العجوز.ط بيروت.منشورات دار الكتب العلمية.يقع في مجلّدين.

3-الأعلام.

لخير الدين الزركلي.منشورات دار العلم للملايين.الطبعة السابعة عام 1986 م.

يقع في(8)مجلّدات.

4-اصول السرخسي.

للإمام أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي،المتوفى سنة 490 ه.

حقّقه أبو الوفاء الأفغاني.منشورات الجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدرآباد الدكن بالهند.ط عام 1372 ه.يقع في مجلّدين.

5-الاصول من الكافي.

لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي،المتوفى

سنة 328،329 ه.تحقيق الشيخ علي أكبر الغفّاري.منشورات دار الكتب الإسلامية في طهران.الطبعة الثالثة عام 1388 ه.يقع في مجلّدين.

6-البرهان في اصول الفقه.

لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني،المتوفى سنة 478 ه.تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة.ط بيروت عام 1418 ه.منشورات دار الكتب العلمية.يقع في مجلد واحد.

7-التبصرة في اصول الفقه.

للشيخ الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، المتوفى سنة 476 ه.تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.منشورات دار الفكر بدمشق.

ط عام 1403 ه.يقع في مجلّد واحد.

8-التبيان في تفسير القرآن.

لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي،المتوفى سنة 460 ه.

تحقيق الشيخ أحمد حبيب قصير العاملي.ط بيروت.منشورات دار إحياء التراث العربي.يقع في(10)مجلّدات.

9-تهذيب الأحكام.

لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 ه.

تحقيق الحجّة السيد حسن الموسوي الخرسان.ط طهران عام 1390 ه.منشورات دار الكتب الإسلامية.يقع في(10)مجلّدات.

10-جامع الاصول في أحاديث الرسول.

للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد؛ابن الأثير الجزري،المتوفى سنة 606 ه.تحقيق عبد القادر الأرناءوط.ط بيروت عام 1403 ه.منشورات دار الفكر.يقع في(11)مجلدا.

11-الذريعة إلى اصول الشريعة.

للسيد المرتضى علم الهدى،المتوفى سنة 436 ه.تحقيق الدكتور أبو القاسم گرجي.منشورات جامعة طهران عام 1363 ه شمسي.يقع في مجلّدين.

12-العدّة في اصول الفقه.

لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي،المتوفى سنة 460 ه.

تحقيق محمد رضا الأنصاري القمّي.ط قم عام 1417.يقع في مجلّدين.

13-الفروع من الكافي.

لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي،المتوفى سنة 328،329 ه.تحقيق الشيخ علي أكبر الغفّاري.منشورات دار الكتب الإسلامية في طهران.يقع في(5)مجلّدات.

14-الكنى و الألقاب.

للشيخ عباس القمّي.ط مطبعة العرفان في صيدا عام 1357،1358 ه.يقع في (3)مجلّدات.

15-المحصول في علم اصول الفقه.

للامام فخر الدين محمد بن عمرو بن الحسين الرازي،المتوفى سنة 606 ه.

تحقيق الدكتور طه جابر فيّاض العلواني.منشورات مؤسسة الرسالة في بيروت.الطبعة الثانية عام 1412 ه.يقع في(6)مجلّدات.

16-المستصفى من علم الاصول.

للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي.تحقيق الدكتور محمد يوسف نجم.

منشورات دار صادر في بيروت.الطبعة الاولى عام 1995 م.يقع في مجلّدين.

17-المعتمد في اصول الفقه.

لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيّب البصري المعتزلي،المتوفى سنة 436 ه.قدّم له الشيخ خليل الميس.ط.بيروت عام 1983 م.منشورات دار الكتب العلمية.يقع في مجلّدين.

18-منتهى الوصول و الأمل في علمي الاصول و الجدل.

للإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمرو بن أبي بكر المقري،المعروف بابن الحاجب،المتوفى سنة 646 ه.ط بيروت عام 1405 ه.منشورات دار الكتب العلمية.يقع في مجلّد واحد.

19-المنخول من علم الاصول.

لحجّة الإسلام الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي،المتوفى سنة 505 ه.تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.منشورات دار الفكر بدمشق عام 1400 ه.يقع في مجلّد واحد.

20-من لا يحضره الفقيه.

للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي،المتوفى سنة 381 ه.تحقيق الشيخ علي أكبر الغفّاري.ط إيران عام 1392 ه.يقع في(4) مجلدات.

فهرس المحتويات

الموضوع الصفحة

المقدّمة 7

حياة المؤلّف 10

اسمه و نسبه 10

اسرته 10

مولده و موطنه 13

جمل الثناء عليه 25

نثره و شعره 32

مؤلفاته 39

وفاته و مدفنه 49

رثاؤه 50

نسخ الكتاب 51

منهج التحقيق 52

بداية الكتاب 69

مقدّمة المصنّف 71

الباب الأوّل:في المقدّمات و هي ثلاثة 73

المقدمة الاولى:في المبادئ التصورية 75

الموضوع الصفحة

المقدمة الثانية:في الخطاب و أقسامه 77

المقدمة الثالثة:في الحقيقة و المجاز،و هي ثلاثة فصول 79

الفصل الأوّل:و يشتمل على مسائل 79

الفصل الثاني:في المجاز و أحكامه 86

الفصل الثالث:في جملة من أحكام الحروف 89

الباب الثاني:في الأوامر و النواهي،و فيه فصول 91

الفصل الأوّل:فيما يتعلّق بصيغة الأمر 93

الفصل الثاني:في المأمور به 108

الفصل الثالث:في مباحث الأمر المؤقت 111

الفصل الرابع:في المباحث المتعلّقة بالمأمور 114

الفصل الخامس:في مباحث النهي 116

الباب الثالث:في العموم و الخصوص،و فيه فصول 119

الفصل الأوّل:في مباحث الألفاظ العامة 121

الفصل الثاني:فيما الحق بالعموم 127

الفصل الثالث:في المباحث المتعلّقة بالخصوص 131

الفصل الرابع:في مباحث الاستثناء 136

الفصل الخامس:في بقيّة المخصصات 140

الفصل السادس:في العام المخصوص 143

الفصل السابع:فيما الحق بالمخصصات 146

الباب الرابع:في المجمل و المبيّن،و فيه فصول 151

الفصل الأوّل:في تفسير ألفاظ يحتاج إليها في هذا الباب 153

الفصل الثاني:فيما يحتاج إلى بيان 154

الموضوع الصفحة

الفصل الثالث:فيما ادخل في المجمل 157

الفصل الرابع:في البيان 159

الفصل الخامس:في المبيّن له 162

الباب الخامس:في الأفعال،و فيه فصلان 167

الفصل الأوّل:في أفعال النبي صلّى اللّه عليه و آله 169

الفصل الثاني:في الوجوه التي تقع عليها أفعاله 173

الباب السادس:في الإجماع،و فيه فصول 177

الفصل الأوّل:في حقيقة الإجماع 179

الفصل الثاني:في المجمعين 188

الفصل الثالث:في كيفية العلم بالإجماع 191

الباب السابع:في الأخبار،و فيه مقدّمة و فصول 195

المقدّمة 197

الفصل الأوّل:في المتواتر من الأخبار 199

الفصل الثاني:في خبر الواحد 203

الفصل الثالث:في مباحث متعلّقة بالمخبر 215

الفصل الرابع:في مباحث متعلّقة بالخبر 219

الفصل الخامس:في التراجيح بين الأخبار المتعارضة 223

الباب الثامن:في الناسخ و المنسوخ،و فيه فصول 229

الفصل الأوّل:في النسخ 231

الفصل الثاني:في الناسخ 238

الفصل الثالث:في المنسوخ 239

الباب التاسع:في الاجتهاد،و فيه فصلان 251

الموضوع الصفحة

الفصل الأوّل:في الاجتهاد 253

الفصل الثاني:في القياس 257

الباب العاشر:في فصول مختلفة 273

الفصل الأوّل:في المفتي و المستفتي 275

الفصل الثاني:في مسائل مختلفة 282

أ-التصرفات غير معلومة الحكم 282

ب-الاستصحاب 286

ج-النافي للحكم هل عليه إقامة الدليل؟290

الفصل الثالث:فيما الحق بأدلّة الاصول و ليس منها 294