الامام علی علیه السلام مسیره جهاد وعطاء انسانی

ghaemiyeh.com

اشارة

الامام علي عليه السلام مسيره جهاد وعطاء انسانی

بقلم : الدكتور حسين إبراهيم الحاج حسن

دار المرتضی طباعة ونشر وتوزيع - لبنان بيروت

اشارة

دار المرتضی طباعة ونشر وتوزيع

لبنان بيروت , ص.ب : 25/155الغبیری

هاتف فاكس : 009911890392

E-mail: mortada 14@hotmail.com

DAR AL-MORTADA

Printing -Publishing-Distriduting

Lebanon -Beirut

POBox:155/25Ghobiery

Tel-Fax009611840392

E-mail: mortada 14@hotmail.com

Printed In Lebanon

جميع حقوق الطبع والاقتباس محفوظة

ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة طباعة

أو ترجمة الكتاب أو جزء منه إلا بإذن

خطي من المؤلف والناشر

الطبعة الثانیه

1425 هجریتة

2005میلادیة

الإمام علي عليه السلام

مسيرة جهاد وعطاء انسانی

بقلم : الدكتور حسين إبراهيم الحاج حسن

أستاذ الأدب العربي والحضارة العربية

في الجامعة اللبنانية في كلية الآداب

مشرف في قسم الماجستير والدكتوراه

دارالمرتضي بیروت

بسم الله الرحمن الرحیم

الإهداء

هنا البعت أضعه وأنا خجل بين یدی خاتم النبيين والرسل محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله سائلاً المولى الكريم أن يتقبل مني هذا العمل المتواضع یوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سلیم.

قال جبران خليل جبران:

مات علي بن أبي طالب شهید عظمته.

مات والصلاة بين شفتيه.

مات وفي قلبه الحنين إلى ربه.

مات ولم يبلغ رسالته کافية وافية.

مات ولم يعرف حقيقته ومقداره حتی جاء من جيرانه الفرس أناس يفرقون بين الحصى والجوهر، شأنه شأن جميع الأنبياء الباصرین الذين جاءوا في زمان ليس بزمانهم، إلى قوم ليس بقومهم إلى بلد ليس ببلدهم، ولكن الله في خلقه شؤون

وقال الشيخ الدكتور صبحي الصالح:

الإمام علي عليه السلام قمة العلم.

ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير.

بسم الله الرحمن الرحیم

تقديم

قال تعالى : {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَیُطَهِّرَکُم تَطهِيراً }.

العظماء من علماء العالم قليلون في كل حقبة من حقبات التاريخ، وأقل منهم الذين يتحملون عبء الرسالات الإنسانية ، شرحاً، وفهماً، وجهاداً، وكفاحاً من أجل إبقاء كلمة الله هي العليا، وأقل وأقل الذين يخلدون بفضل معطياتهم الجليلة، وأعمالهم الإنسانية النبيلة وعلومهم الخيرة الكريمة عبر التاريخ هؤلاء هم الصفوة الصفوة، ومن هؤلاء العظماء والعباقرة إمام المتقين وحبيب رسول الله الأمين أمير المؤمنين : علي بن أبي طالب علیه السلام .

لقد سما بما جاء به من موازين، وما أعرب به من مزايا، وما عبر به عن صفات الإنسان الكامل العديم النظير، حتى صارت كلمة (علي) وحدها تكفي لترسم أمام العين كل الصور الجذابة من معاني الإنسانية الخالدة نجدها محببة كتبها البعض فوق مخازنهم وحوانيتهم أو يعلقونها في إطار من الألواح المزخرفة في بيوتهم، أو ينقشونها على أبواب العمارات ، والمعاهد، والمساجد، والمؤسسات .

أقول : لعل هذه الكلمة ضرب من ضروب (البديع) ورمز من رموز الفن المعروف في علم البديع (الاكفاء) وهي واضحة المفهوم، فلا يحتاج الأن يضاف إليها شيء آخر. وكما قال عنه البلغاء :

إن علياً يحكي المجموعة الكاملة من فضائل الدنيا ومزاياها .

كان الإمام علي عليه السلام إماماً لكل المسلمين كافة، من كل بقاع الأرض، تشد إليه الرحال من أقاصي البلاد طلباً للعلم والمعرفة، وشرحاً لقضايا دينية وعلمية واجتماعية ؛ كان يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم، وسنة حبیبه رسول الله صلی الله علیه واله تلبية لما كانت تطرحه الحياة الاجتماعية بوقائعها ومشاكلها، وما كان يقصد فئة معينة من الناس، وإنما غايته تقدیم العلم والمعرفة للجميع والدليل على ذلك، أصحاب المذاهب الأقطاب أمثال أبي حنيفة ومالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري، وغيرهم وغيرهم من رؤساء المذاهب الإسلامية المختلفة. وبعبارة صريحة كان ينشر رسالة رسول الله صلی الله علیه واله بصيغ متطورة لحاضر سعيد، ومستقبل اجتماعي متقدم .

إن الأقوال والنعوت التي أبرزت دور الإمام علي عليه السلام وأظهرت علو مقامه ، وسمو فضائله قد صدرت عن كبار علماء الإسلام من شتى الفرق والمذاهب ، وما زالت آثارها باقية حتى الآن.

والإمام علي عليه السلام هو صاحب منهج عظيم جداً مد جذوره عمق التاريخ وبقي مباركاً طيباً، أصله راسخ في الأرض وفرعه في السماء يؤتي أكله كل حين باذن الله .

وصاحب هذا المنهج وحده موسوعة علمية، تقف وراء طاقاته التكوينية المتينة أسباب جليلة ساهمت جميعها في شحن المعارف الواسعة إلى فكره المركز، وإرادته المعتصمة بالمران الأصيل.

لكن كل هذه الطاقات المباركة وإن تكن متنوعة المواهب، فهي موحدة القصد والهدف، تصب كلها في بوتقة واحدة، بوتقة بناء مجتمع صالح. لذلك يمكننا اعتبار الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام خطاً سياسياً قائماً بذاته، ولكنه ملون بولائه الإمامي في إدارة شؤون الأمة الإسلامية وصيانتها من الضياع والهدر والتقهقر .

توطئة

نداء القلم:

أيها القلم ! الرقيق الأمين منذ سنين، اسمع ندائي ولب دعوتي لقد وجهت إليك دعوات تناديك إلى حضور مأدبة خاصة من المآدب الحسينية الكريمةفلبيت النداء مشكوراً. ثم تتالي إليك النداء مشفوعاً براية خضراء، عصرت منها ما استطعت زیتاً لسراجك،تكحلت به نوراً إلى دار الإمام الكاظم عليه السلام باب الحوائج. واليوم، یا رفيقي الأمين تأتيك دعوة جديدة أشعر أنها مثل الدعوات السابقات، لكنها تهزني هزة، فهل تهزك أنت؟ وهل تلبي النداء؟ إن أصابعي مشتاقة للمسك فلا تتأخر عنها . أجابني: وإني بي تعباً شديداً لأنني جاهدت معك باستمرار، وأنت أعلم بحالي فلم أحصل على إجازة معك إلا قليلاً.

فرحت أطبع على ثغره قبلاتي الحارة التي ترشح بالنشوة، وتفيض بالحنان، إلى أن تشجع واستعاد نشاطه ووعيه واستوعب ما كنت أستحثه إليه.

فيا صديقي الوفي، أعرف جيداً كم أجور عليك، وكم أحملك من الأثقال وذلك لأني أدرك أن فيك شوقاً حاراً يدفعك إلى اقتحام حلبات المصارعة مع أقلام حرة جريئة جاءت من جميع البلدان العربية، كما أدرك أيضا أنك صياد ماهر تعرف كيف تقتنض الكلمات فتلبسها زياً جميلاً، ولوناً بهيجاً، وسحراً جليلاً. فأنت فنان ماهر یا قلمي الحبيب، وأنت غواص

قادر، تغوص إلى أعماق البحار لتأتي بالدرر الثمينة واللآلىء الكريمة وأنت مراقب ماهر تقتفي أثر الخطوات الكبيرة لتأخذ من وقعها قوة ساحرة تزنر بها خصر الكلمات .

عندها اهتز القلم في كفي، واعترته نشوة غريبة، وانتفاضة نشطة وقال : لبيك لبيك، إنني قبلت الدعوة، وأنا بين يديك رفيقاً مطيعاً، وصديقاً صدوقاً، ألبي النداء، فابرني بسكينك ما شئت ، واسقني من ديمة هطول لا ينقطع غيثها فلا آخذ الكلمة إلا منك، ولا أبنيها إلا بخفقة معصمك وضوء عينيك وحرارة قلبك. وراح القلم الحبيب يخاطب المحبرة كأنه يستجديها التمده بريقها. ثم هفت إلي لتأخذ - له - مني الجواب صدقت يا رفيقي الحبيب، وأنا مثلك مشتاق، ومشتاق لأخوض معك غمار المعركة، معركة الحياة التي تعطينا المدد بعون الله ، وتبري أقلامنا وتستقينا من حبرها، نلون بها الصفحات البيضاء الخرساء، ونجعلها تنطق بالحقيقة المحقة والحق المبين عن الأئمة المعصومين.

نأخذ من الحياة الكلمة الحرة، ومن العقيدة الجملة الحارة، ونبني بها أساساً راسخاً، وعمارة صامدة في وجه الأعاصير .

فإذا كان لنا الجمع بين الأصيل، والغوص العميق، فذلك من معانيها الصحيحة، ومن أهدافها النبيلة المزدهية بجمال الصدق وقوة الغوص وحسن التجرد. فالصدق والغوص والتجرد یا قلمي العزيز يبنون النفس البشرية ، ويرشدونها إلى جمال التصوير وجلال الحياة فكلانا قوة يا قلمي في كفها الكريم.

تلك هي القضايا الكبيرة تنبت منها الكلمات الكبيرة، ويصدر عنها التعبير الجميل. ولا يخفى عليك أن المعرفة والشوق وحدهما الصيادان الماهران اللذان يقتنصان التعبير المسبوك من حقيقة القضية، ويعبران عن حقيقة جلالها.

أما هذه الدعوة الجديدة التي يحفزك ويحفزني الحب إلى جعلها

جليلة ، فلا أظنك إلا متهيباً مثلي إلى خوض الحلبة لأن لها في مجال التاريخ الكبير قضية كبيرة تفتش عن حقيقة الإنسان.عديدون هم الكواكب المشرقة الذين تناولت سيرهم العظيمة. وكلهم عظام، لكني لم أشعر بهزة عنيفة کالهزة التي تملكتني وأنا أتتبع خطوات الإمام العظيم والبطل الفذ: علي بن أي طالب: المؤمن والمستقيم، والعادل الشجاع، والصابر على المكاره والمجاهد في سبيل الله، والحكيم الأديب، والخطيب الفصيح.. وحينما أفكر بسيرته، تمر بي صور مزدانة بألوان من الصفات التي لم تجتمع في شخصية إنسان عبقري موهوب، كما اجتمعت في هذه الشخصية الفذة العجيبة، التي حيرت العقول وخلبت الألباب، فتمردت على كل العوامل التي من شأنها إبادة أي شيء وخلدت في سجل الخالدين .

إمام عظیم، جاهد وكافح من أجل الحفاظ على الرسالة الإسلامية ومن أجل بناء مجتمع سليم عادل قويم، تتعزز في تطويره كل السبل وهكذا عمل حبيب المصطفى صلی الله علیه و اله في قيام الرسالة ، وهكذا قالت الوصية، وهكذا قالت له الإمامة الهجعة في ضميره الحي وفي وجدانه المكين.

تلك هي المسيرة العظيمة، وتلك هي القضية العظيمة، خطها ونفذها أولادك العظام من بعدك . عرفوا الحق ودافعوا عنه، وقاوموا الظلم وضحوا من أجله، وساهموا في بناء المجتمع وما قصروا في كل مجالاته.

تلك هي القضية التي أدعوك إلى جلوة حروفها يا قلمي العزيز ويا رفيق عمري. فالإمام علي حياة الكلمة وصاحب النهج وأمير الكلام. وهل يبنی مجتمع سليم بغير هذه الكلمات؟! فسلام عليك وعليك السلام، يوم ولدت، ويوم توفيت ويوم تبعث حيا . وإني قاصر عن تعداد فضائلك الكثيرة فأقول كما قال الشاعر المرحوم محمد مهدي الجواهري:

تعداد مجد المرء منقصة إذا ***فاقت مزاياه عن التعداد

أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب علیه السلام

اشارة

سید الوصيين وأول أئمة المسلمين وخلفاء الله في العالمين بعد سید المرسلين محمد صلی الله علیه و اله وصحبه المنتجبين.

نسبه الشريف:

هو علي بن أبي طالب (واسمه عبد مناف )بن عبد المطلب (واسمه شيبة الحمد) بن هاشم (واسمه عمرو) بن عبد مناف (واسمه المغيرة )بن قصي، بن کلاب بن مرة، بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

أورد النقدي عن الأصبغ بن نباتة ، قال :« سمعت أمير المؤمنين يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قط؟ قيل فما كانوا يعبدون؟ قال : كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم ممسكين به»(1).

أبوه:

اسمه عبد مناف كما مر وأبو طالب کنیته وهو أخو عبد الله أبي


1) مواهب الواهب في فضائل والد أمير المؤمنين وناصر رسول رب العالمين أبي طالب علیه السلام ص23، وفي رحاب أئمة أهل البيت، السيد محسن الأمين الحسيني ص3.

النبي صلی الله علیه و اله لأمه وأبيه وأبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلی الله علیه واله؟ صغيراً وقام بنصره وحامی عنه وحاطه كبيراً وتحمل الأذى في سبيله من مشركي قريش، وقاسی بلاء شديداً، وصبر على نصره والقيام بأمره حتى أن قريشا لم تطمع في رسول الله صلی الله علیه واله ، وبقيت بعيدة عن أذيته حتى توفي أبو طالب وعندها أمر صلی الله علیه و اله بالهجرة إلى المدينة. وكان أبو طالب مسلماً صادقاً لا يجاهر بإسلامه، ولو جاهر لم يمكنه ما أمكنه من نصر رسول الله صلی الله علیه و اله لكنه جاهر بصحة نبوته صلی الله علیه و اله في شعره مرارة كقوله :

ودعوتني وعلمت أنك صادق ***ولقد صدقت وكنت قبل أمينا

ولقد علمت بأن دین محمد ***من خير أديان البرية دينا

وقال أيضاً:

لقد أكرم الله النبي محمداً ***فأكرم خلق الله في الناس أحمد

وشق له من اسمه ليجله ***فذو العرش محمود وهذا محمد

وقوله يخاطب قريشاً :

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً ***نبياً كموسی خطه في محكم الكتب (1)

إلى غير ذلك مما يطول الكلام باستقصائه .

أمه:

فاطمة بنت أسد بن هاشم أول هاشمية تزوجها هاشمي وهي أم سائر ولد أبي طالب وكانت لرسول الله صلی الله علیه واله بمنزلة الأم ربي في حجرها وكان شاكراً برها لأنها كانت تفضله على أولادها.

آمنت به في الأولين وهاجرت معه في جملة المهاجرين ولما قبضها الله تعالى إليه كفنها بقميصه صلی الله علیه واله ليدرأ به عنها هوام الأرض، وتوسد في قبرها


1) في رحاب أئمة أهل البيت ص 6.

واضطجع فيه وقال : اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، وقد خصها بهذا الفضل لمنزلتها من الله عزوجل .

وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وإخوته أول من ولده هاشم مرتين، وحاز بذلك مع النشوء في حجر رسول الله صلی الله علیه واله، والتأدب به الشرفين(1).

أقبل علي بن أبي طالب علیه السلام ذات يوم إلى النبي صلی الله علیه واله باكياً وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال له رسول الله صلی الله علیه واله: مه يا علي.

فقال علي : يا رسول الله ماتت أمي فاطمة بنت أسد.

قال : فبكى النبي ثم قال : رحم الله أمك يا علي أما كانت لي أماً، خذ عمامتي وخذ ثوبي هذين وكفنها فيهما ومر النساء فليحسن غسلها ولا تخرجها حتى أجيء فألي أمرها، وقال : وأقبل النبي بعد ساعة وأخرجت فاطمة أم علي، فصلى عليها النبي صلی الله علیه و اله صلاة لم يصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة ثم كبر عليها أربعين تكبيرة. فقام إليه عمار بن یاسر فقال : فداك أبي وأمي يا رسول الله لقد صليت عليها صلاة لم تصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة؟

قال صلی الله علیه واله : يا أبا يقظان وهل ذلك هو مني لقد كان لها من أبي طالب ولد كثير ولقد كان خيرهم كثيراً وخيرنا قليلاً، فكانت تشبعني وتجيعهم وتكسوني وتعريهم، وتدهني وتشعثهم.

قال : فلم كبرت عليها أربعين تكبيرة یا رسول الله؟

قال صلی الله علیه واله : نعم يا عمار التفت إلى يميني ونظرت إلى أربعين صفاً من الملائكة فكبرت لكل صف تكبيرة. قال : إن الناس يحشرون يوم القيامة


1) الارشاد ص 3.

عراة فلم أزل أطلب إلى ربي عزوجل أن يبعثها ستيرة، والذي نفس محمد بيده ما خرجت من قبرها حتى رأيت مصباحين من نور عند رأسها ومصباحين من نور عند رجليها، وملكيها الموكلين بقبرها يستغفران لهاإلى أن تقوم الساعة»(1).

كنيته:

یکنی علیه السلام أبا الحسن وأبا الحسين، وكان يكنى أيضا بأبي تراب کناه به رسول الله صلی الله علیه و اله ، وكانت هذه الكنية أحب کناه إليه ، لكن أعداءه من بني أمية وأتباعهم لا يطلقون عليه غيرها كأنهم يعيرونه بها مع أنها موضع فخر، ودعوا خطباءهم أن يسبوه بها على المنابر، كما كانوا يطلقون على شيعته وأتباعه الترابي والترابية حتى صار علماً لهم كما قال الشاعر الكميت :

وقالوا ترابي هواه ودينه ***بذلك أدعى بينهم وألقب

وقال السيد محسن الأمين الحسيني:

وکنیت بالسبطین شبليك واغتدی***النسل النبي المصطفى فيهما حصر

وكناك خير الرسل في دعوة أبا ***تراب وقد عابوا به وهو الفخر

لقبه:

كان يلقب بعدة ألقاب منها : المرتضی وحیدرة وأمير المؤمنین ويعسوب الدين والوصي. قال كثير :

وصي النبي المصطفى وابن عمه ***وفكاك أعناق وقاضي مغارم

كما كان يلقب بيعسوب المؤمنين ويعسوب الدين، يروى أن النبي صلی الله علیه واله قال له : أنت يعسوب الدين والمال يعسوب الظلمة، وفي رواية لابن حنبل في مسنده وأبي نعيم في حلية الأولياء وفي تاج العروس


1) بشارة المصطفى لشيعة المرتضی، محمد بن محمد الطبري، ص 241.

اليعسوب ذكر النحل وأميرها. وفي حديث لعلي عليه السلام : أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفار. أي يلوذ بي المؤمنون ويلوذ الكفار بالمال كما يلوذ النحل بيعسوبها وهو مقدمها وسيدها.

نقش خاتمه:

كان نقش خاتمه : الله الملك وعلي عبده، وكان يتختم باليمين وكذا الحسن والحسين عليه السلام أما البيقهي فقال : كان توقيعه بيده.

بوابه:

جاء في الفصول المهمة أن بوابه سلمان الفارسي (رض).

شاعره:

شاعره: حسان بن ثابت، وشاعره بصفين النجاشي والأعور الشفي والكميت وغيرهم.

زوجاته:

أول زوجاته فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله سید المرسلین صلی الله علیه واله .

لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده .

•

ثم تزوج إمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزی بن عبد شمس وأمها زينب بنت رسول الله صلی الله علیه واله .

•

ثم تزوج أم البينين بنت حزام بن دارم الكلابية.

•

وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية الدارمية .

•

وتزوج أسماء بنت عمیس الخثعمية كانت تحت جعفر بن أبي طالب فقتل ثم تزوجها أبو بكر فتوفي عنها ثم تزوجها أمير المؤمنین .

•

وتزوج أم حبيب بنت ربيعة التغلبية واسمها الصهباء وهي من السبي الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر.

•

وتزوج خولة بنت جعفر بن قیس ابن مسلمة الحنفية .

•

وتزوج أم سعید بنت عروة بن مسعود الثقفية .

•

وتزوج مخبأة بنت امرىء القيس بن عدي الكلبية .

أولاده:

الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام ومحمد (المكنى بأبي القاسم)، وعمرو، والعباس وجعفر، وعثمان، وعبد الله ، ومحمد الأصغر (المكنى بأبي بكر) وعبيد الله ، ويحي.

بناته:

زينب الكبرى، وزينب الصغرى (المكناة بأم كلثوم)، ورقية، وأم الحسن، ورملة، ونفيسة، ورقية الصغرى، وأم هاني، وأم الكرام جمانة (المكناة أم جعفر) وامامة، وأم سلمة، وميمونة، وخديجة ، وفاطمة(1).

عاصمته: الكوفة:

حروبه : الجمل، صفین، النهروان، خیبر، بدر، أحد، حنین،الخندق، وذات السلاسل.

رايته : راية رسول الله صلی الله علیه واله .

كاتبه : عبد الله بن أبي رافع .


1) هذا ما ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد .

آثاره: أهمها نهج البلاغة الذي كان ولم يزل نهجاً رفيعاً بليغاً لجميع الكتاب والأدباء العرب، ورسائل، ووصايا، وشعر.

قبره: دفنه الحسن عليه السلام في الغري، وأخفي قبره مخافة الخوارج ومعاوية وهو اليوم مزار لجميع الشيعة في العالم ينافس السماء رفعة وسموا، في مدينة النجف في العراق.

ولادته علیه السلام :

ولد علي بن أبي طالب بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بیت الله تعالى سواه إكراماً من الله تعالی جل اسمه له بذلك وإجلالاً لمحله في التعظيم(1).

وهذا ما أكد عليه أكثر المؤرخين وأرباب السير في مصنفاتهم من الشيعة والسنة، قال الشاعر السيد الحميري :

ولدته في حرم الإله وأمنه ***والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب کریمة ***طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها*** وبدت مع القمر المنير الأسعد

مالف في خرق القوابل مثله ***إلا ابن آمنة النبي محمد

وقال عبد الباقي العمري :

أنت العلي الذي فوق العلى رفعا ***ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

ويقال : إنه لما ولد سمته أمه حيدرة تيمناً باسم أبيها أسد بن هاشم لأن حیدرة من أسماء الأسد فلما جاء أبوه سماه علياً وقال :


1) الإرشاد للشيخ المفيد والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ومروج الذهب للمسعودي والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي، وفي رحاب أئمة أهل البيت للسيد محسن الأمين الحسيني .

سميته بعلي كي يدوم له ***عن العلو وفخر العز أدومه

وقال علي عليه السلام يوم خيبر :

أنا الذي سمتني أمي حيدرة ***كليث غابات شديدة قسورة

وقال السيد محسن الأمين الحسيني (1):

فسمتك بنت الليث أمك حيدرا*** فما أخطأت فيك الفراسة والحزر

علي به سماك أكرم والد*** رجاء لأن يعلو لك الصيت والذكر

ولا غرو فقد كان اسماً على مسمى، والمكتوب يقرأ من عنوانه فهو من الرسالة كقطب الرحى، والدروب التي مشاها برفقة الرسول صلی الله علیه و اله تشهد بثقل خطاه. بضع سنين ربما مشاها وحده وعلي علیه السلام إلى جنبه صلی الله علیه واله فيما عداها : في وحدة العيش، ووحدة المصير ووحدة التفكير ووحدة النهج.


1) نفسه ج 1 ص 3.

مواكبته علیه السلام لكل عصر

بسم الله بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ونبينا وشفيع قلوبنا أبي القاسم محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

من مميزات الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بل من خصائصه أن كلماته وحكمه التي قالها من قبل ألف وأربعمائة سنة تواكب العصر الحديث وتساير العلم، وهي بلا ریب نبراس يهتدى بها.

ومن أفضل ما نراه مراجعة عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر فهو يصلح أن يكون دستوراً صالحاً من جميع جوانبه لعصرنا اليوم ولكل عصر .

كما يحسن أيضاً مراجعة الخطبة الأولى من نهج البلاغة، والخطبة 88 - والخطبة 89 - والخطبة 150 - والخطبة 161.

لذلك يحق لنا أن نقول: الإمام علي عليه السلام هو العطاء الحضاري المتواصل والمستمر، فقد كان نوراً وعلماً وقيماً وعظمة وصراطاً إن لم يكنه علي فمن يكونه؟؟.

علي وحده هو الرجل الثاني في دنيا الإسلام، نفس النبي الأكرم واستمراريته علیه السلام.

علي ينبوع الحضارة مع أخيه ومربيه العظيم، حمل النور والعلم والهداية إلى آخر الزمن، فكان السحاب لعالم العقل، والبحر الزاخر في عالم العلم والينبوع الغزير للمعارف الكونية، والباب كل الباب المدينة

السماء ، والشمس التي يدور عليها الفلك الإسلامي، والعين الساهرة على الحق وجماله .

كل بيان من بيانه اشراقة سماء، وكل قول من أقواله مصدر سعادة ، وكل حرف من حروفه مصباح هداية ، وكل شيء من ذاته وحياته غاية وجود وروائع ایجاد، فهو العطاء للحق ونميره، والجمال للضوء وفجره، والروائع للقلب والروح.

فهو للقيم نبراس، وفي الشدائد ملجأ ومتراس، وللإنسانية حياة ، وللعلاء معراج، وللاستقامة منهج وللفضائل خلود. وهو الميزان الفصل لا تستقى الحقائب إلا من منهله ، ولا يلتمس الخير إلا من مورده، والفتی بفتوة السماء، والبطولة والشجاعة التي لا تعرف الهزيمة، فهو العطاء لجمال السمو والارتقاء، وحقيقة العز والإباء، وروح الاخلاص المطلق لبديع السماوات والأرض على الممثل الطبيعي للإسلام الذي يجب أن تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي صلی الله علیه واله مباشرتها. فهو المثل الأعلى للإخلاص للمبدأ. كان عليه السلام الوسيلة إلى الله تعالى في خلقه وخاصته، ومحل قدسه وحجته في غيبه، ووارث نبيه في الخلافة والحكم. وكان رواسي الرسالة وقواعد النبوة، ومهبط الأمين والخبير بأمر الدنيا والدين . وله نكير السيف، وشدة الوطأة ، ونكال الوقعة، والتنمير في ذات الله ، فهو عطاء الإسلام العظيم الذي جاء ليملأ الدنيا حضارة الإنسانية الحقة وجمالها المشرق.

ما كان بوسع الزمن المرير على امتداده إلا الاعتراف بفضل علي وبعظمة علي. فأعداؤه في الاعتراف کمحبيه، ومبغضوه في الإقرار کعاشقیه هل نجد تعبيراً يؤدي علياً بعض حقه تجاه أرقامه القياسية التي ضربها للتضحية في سبيل الإسلام، والاخلاص للمبدأ إخلاصاً جرده عن جميع الاعتبارات الشخصية وأقام منه حقيقة سامية سمو المبدأ ما بقي للمبدأ حياة .

لقد محا رسول الله صلی الله علیه واله ضلال الوثنية وجعل علياً بما أفاض عليه من نفسه وروحه عينه الساهرة على رسالة الخلود، فكانت أعمال على عنوان

کتاب التضحية الإنسانية الفاضلة، وكان التعبير الحي على وجه الأرض مدى العصور والدهور لمباديء السماء التي جاء بها محمد صلی الله علیه السلام ، وكان قرین القرآن والقرآن قرینه . كانت معاني علي نموذجاً لمثل القرآن الكريم ولذلك خلفهما النبي معاً، وبذلك أصبح على امتداداً طبيعياً لمحمد صلی الله علیه و اله وشعاعاً متألقاً من روحه العظيمة . ولبيان ذلك جعله الله تعالی نفس رسوله في آية المباهلة .{فَقُل تَعالَوا نَدعُ أَبناءَنا}[آل عمران: 61].

إن المبدأ المقدس هو الذي كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما، فحين كانت القضية الإلهية لا بد لها من شخص تظهر به وآخر يموت في سبيلها كان علي رجلها الأول أن تبقى لتحيا به، ويقدم رجلها الثاني نفسه قرباناً لتحيا به أيضاً.

وهل كان على وليد الكعبة إلا ليعلم أن علياً هو النقطة الإلهية التي يجب على البشر أن يتوجهوا إليها ليصلوا إلى الله تعالى، كما أن الكعبة هي النقطة الوحيدة التي يجب أن يتوجهوا إليها ليعبدوا الله تعالى في أهم فريضة عملية أوجبها سبحانه على عباده .

وهل أغلقت جميع الأبواب عن المسجد إلا باب بيت علي فأباحت السماء له خاصية الدخول فيه، إلا ليعلم أن علياً هو الرمز الإلهي الحي في دنيا الروح والعقيدة كما أن المسجد هو رمز السماء الصامت في دنيا المادة .

وهل امتدحت السماء فتوة علي وأعلنت عن رضاها المطلق عليه إذ قال المنادي : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، إلا ليعلم بذلك إن فتوة علي وحدها هي الرجولة الكاملة التي لا يرتفع إلى مداها إنسان ولاترقی إلى أفقها بطولة الأبطال واخلاص المخلصين .

ومن مهزلة الأقدار أن هذه الفتوة التي قدسها الهاتف الإلهي كانت عيباً في رأي مشايخ السقيفة، ونقصاً في علي يؤخذ عليه، وينزل به عن المسمى بالصديق الذي لم يكن يمتاز عليه إلا بسنين قضاها متفرجاً. وأنا لا أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلية والإسلام على تقدير سلامته في حياة

شخص واحد مجداً يمتاز به عمن خلصت حياته كلها لله تعالى. لكن التضحية العلوية والأخلاق العلوية كانت هدف أمير المؤمنين الأسمى من أجل الإسلام ونصرة الإسلام ونشر العقيدة الإسلامية .

ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوة الطبيعية التي تجعل الأجسام الدائرة حول المحور الرئيسي تسير على خط معين، فلقد ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثلها، ولكنها ليست من حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء، وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للإسلام حفظت له مقامه الأعلى، ومحوراً تدور عليه الحياة الإسلامية فتستمد منه روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء أكان على رأس الحكم أولم يكن وقد عملت هذه القوة عملها السحري في عمر نفسه فجذبته إلى خطوطها مراراً حتى قال : لولا علي لهلك عمر، وما زالت هذه المقولة سائرة على لسان العام والخاص حتى اليوم.

ونعرف علياً بما جهزته السماء به من تلك القوة كان الضرورة في وجود الإسلام، وكما ذكرنا كان الشمس التي يدور عليها فلكه بعد النبي صلی الله علیه و اله .مواقف علي كلها رائعة، وموقفه في الخلافة أكثرها روعة . وإن قوة علي في صبره لا تقل عن قوته في زنده التي اقتلع بها باب خیبر، وجندل عمرو بن ود العامري، حتى أن ضربته تعدل أعمال الثقلين .

إن علياً الذي رباه رسول الله صلی الله علیه و اله وربي الإسلام معه فكانا ولديه العزيزين كان يشعر باخوته لهذا الإسلام، وقد دفعه هذا الشعور إلى افتداء أخيه بكل شيء ، فقدم نفسه قرباناً على فراش الموت، منذ أن ولد في البيت الإلهي وإلى أنه قتل فيه.

لم يعرف في تاريخ الإنسانية موهبة عسكرية بارعة لها من الآثار الخيرة في حياة هذا الكوكب کموهبته الفذة في تاريخ الأبطال، فكانت مواقفه في سوح الجهاد وميادين التضحية بحق هي الركيزة التي قامت عليها دنيا الإسلام العظيم، وصنعت له تاريخه الجبار الشامخ.

هذا الإسلام المؤزر بناه علي بخفقات قلبه وبآلامه وكان شريك البناء بكل آلام هذا البناء، وفي كل مآسيه - فأي لحظة محرجة وجدت بتاريخ هذا البناء لم يكن علي هو الإنسان الوحيد الذي يتجه إليه نظر البناء الأول صلی الله علیه و اله . لقد عاش حقاً مرارة الوحدة ومرارة جهل العالم، ومرارة الظلم. فسكت الأجل الإسلام الذي هو مسؤول عنه، وصبر لأجله وفي العين قذى وفي الحلق شجی.

إن علياً هو العطاء الحضاري الواسع الشامل المستمر بكل ما للعطاء من معنی مشرق جمیل، فيه السعادة الحقة للإنسانيةجمعاء، فلولا علمه الذي لا يستغني عنه إنسان ما عرف حق ولا عرفت حقيقة. ولولا تأديبه وتربيته التي تحتاجها البشرية أحوج من الغذاء، ما استقام سبيل ولا انتظمت قیم. ولولا أنه أعطى ولم يبخل، وضحى ولم يتردد واضعاً دمه على كفه في كل غزوة وفي كل معركة وفي كل شدة، ما عرفت عذوبة العذاب وعشق الألم واحقاق الحق ونصرة المظلوم.

ولولا حياة علي الراقية، وعظمة علي العالية، ما عرف العالم كيف يحيا حياة حرة كريمة خالصة من كل زيغ، طاهرة من كل دنس، عظيمة في عروج، رائعة في ارتقاء، مستقيمة في مسلك . فالعالم كل العالم بحاجة إليه باستمرار كما علي عطاؤه باستمرار.

لقد ارتشف الفلاسفة الذين طاروا بأجنحة الفكر من بحار علي قطرات معدودة فسموا فلاسفة، واستقى المحققون الجهابذة غرفة من عظيم فيضه فسمي الواحد منهم عالماً نحریراً. وأتاه طلاب الفصاحة والأدب ينتهلون فقرات من كلامه الذي قيل فيه: «إنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق» فسموا خطباء فصحاء أدباء، ويبقى الجميع فيما حملوه بالنسبة لعلي عليه السلام کنسبة العدم أمام الوجود، ونسبة الظلام أمام النور. وإذا حاولنا تعداد مناقبه وعلومه ومعارفه ومزاياه لضاق بنا المجال فنقول كما قال محمد مهدي الجواهري:

تعداد مجد المرء منقصة ***إذا فاقت مزاياه عن التعداد .

لقد فاقت مزايا على حدود التعداد، وتحدت عوامل الزمن التي تجرف أمامها الماضي والحاضر فتجعله أثراً بعد عين .

هذه المزايا العلوية تحدت عوامل الزمن بقوة لم يعرف لها نظير في تاريخ العظماء حتى أصبحت شخصية فريدة كالشمس في كبد السماء التي إذا ما حجبها الضباب أو الغبار أو حال القمر بينها وبين الأرض مرة فلن يستطيع أن يحجبها مرات، كما لا يقوى على تغيير جوهرها، ونفوذ عملها وأثرها في الأرض والطبيعة.

وعوامل الزمن في الماضي والحاضر كثيرة ومتعددة يستعملها الخصم والعدو لمصالحه الشخصية وأغراضه الدنيوية. وغالباً ما يلجأ إلى وسائل الترغيب والترهيب.

فأسلوب الترغيب يضمن الدعاية لأصحابه ويستميل النفوس بالوعود والعطاء والمنح، وقد استخدمه أعداء علي بكل صوره وألوانه لحجب فضائله واسدال الستار عليها لكنهم فشلوا بكل تأكيد.

وأسلوب الترهيب يتضمن التهديد والوعيد والسجن والتقتيل للقضاء على أية بقية لعلي وأولاده ومحبيه، ممن لا يزالون يرون لعلي وذريته الصالحين شيئاً من الحرمة والمحبة والتقدير في نفوسهم.

وإذا ما تم الجمع بين الترغيب والترهيب بكل وسائلهما وطرقهما الجهنمية هان من بيده القوتان الفعالتان أن يغير اتجاه الأفكار، ويسدل ستاراً كثيراً على الماضي بجميع مزاياه وحسناته .

والترغيب اليوم وحده يعتبر من أشد أسلحة الحرب مضاء، وأكثرها فتكا،فكيف وانضمت إليه عناصر الترهيب؟ وأمريكا مثل حي في الأسلوبين مع بعض العرب . حتى أن المؤرخين والباحثين ضاعوا وضيعوا الحقائق أمام الأجيال الحاضرة والمستقبلة.

يقول ابن أبي الحديد في النهج :

«إن الأحاديث الواردة في فضل علي لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة لانقطاع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدة وشدة العداوة، ولولا أن للعناية الإلهية في هذا الرجل (علي) سراً يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله أي حديث. وهذا ما يحصل في كل العصور»؟.

وفي وصيته لابنه الحسن عليه السلام قال : «انظر یا حسن إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و اله يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور».

ثم وصی بنیه : بتقوى الله تعالى، وباقامة الصلاة لوقتها، وایتاء الزكاة عند محلها، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت للأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش.

إن كل هذه العناصر الواردة في هذه الوصية المباركة ضرورية في عصرعلي وفي عصرنا الحاضر ومستمرة في العصور الآتية .

وهكذا نرى أن كل كلمة وكل حكمة وكل مقولة نطق بها علي كانت وستبقى عنواناً مشرقاً ومثلاً حضارياً في كل العصور. وهو القائل : سلوني قبل أن تفقدوني.

فهو صهر النبي، وابن عمه، ووصيه، وخليفته، وقاضي دينه، وسيد عترته، الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، علي بن أبي طالب الذي قال عنه رسول الله صلی الله علیه و اله :

«يا علي أنت فاروق هذه الأمة، يا علي أنت تعلم الناس من بعدي»

وقال عنه صلی الله علیه و اله : «أقضاكم علي وأفقهكم علي، وأعلمكم علي، وأول الناس إيمانا علي، وعلي مع الحق والحق مع علي، وعلي مع القرآن والقرآن مع

علي، وقال عنه الرسول صلی الله علیه واله كثيراً وكثيراً أفلا يحسن بمن يمتلك هذه الأوصاف النبوية العظيمة أن يكون عطاؤه حضارياً مستمراً على مد الدهور والأجيال؟ وقال الإمام السبط الحسن الزكي في خطبة له:

«لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون بعلم».

وقال ابن عباس حبر الأمة :

«والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقدشارككم في العشر العاشر».

وقال ابن مسعود: «قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً، وعلي أعلمهم بالواحد منهم».

وقال : «وإن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن».

وقال : أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب.

وسئل هشام بن عتيبة في علي عليه السلام : «هو أول من صلى مع رسول الله ، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله».

ونختصر القول في علم علي بالحديث الشريف الذي اتفق على روايته بالتواتر فرواه علماء عامة المذاهب الإسلامية وقد بلغ عددهم ما يزيد على مائة وأربعين محدثاً ثقة والحديث الشريف هو: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

وبطبيعة الحال الرسول الأكرم لا يضع المفتاح لباب المدينة إلا في يد عالم أمین، عالم بليغ، عالم فصيح، عالم نحریر عارف بكل أمور الحياة . والعلم الذي يرمي إليه رسول الله صلی الله علیه و اله ؟ علم شامل كل أنواع العلوم والمعارف تهم أي مسلم مؤمن في الدنيا والآخرة .

فجميع المعضلات التي كانت تعترض الخلفاء الراشدين والمسائل العويصة طيلة فترة خلافتهم كان مرجعها الوحيد علي بن أبي طالب.

فمن معضلة المرأة التي تعلقت بشاب من الأنصار واتهمته زوراً .

إلى الرجلين اللذين استودعا امرأة من قریش مائة دينار .

إلى المرأتين أم الأم وأم البنت .

إلى المولود العجيب، وغيرها الكثير من المعضلات والمسائل التي تخص المسلمين وغير المسلمين من المسيحيين واليهود .

من هنا كان قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.

وقوله أيضاً: أبا حسن لا أبقاني الله لشدة لست لها .

وقوله أيضاً : لولاك لافتضحنا.

والرد على مسائل ملك الروم .

وقوله : لولا علي لهلك عمر .

كل هذه الدلائل والإشارات تدل على غزارة علم علي في حل معضلات الناس، وطول باعه في جميع العلوم الدينية والاجتماعية والعلمية والقضائية ...

هذه المعضلات والمسائل في عصر علي استمرت وبقيت وستبقى تحدث في كل العصور وحلها واجب على العلماء أبناء علي وأصحاب علي واتباع علي من علماء عارفين وفقهاء مجلين ومحدثين عالمين. من هنا كان القول المأثور :

علي هو العطاء الحضاري المستمر الخالد على صدر الزمان والذي يحتاج إليه كل إنسان في أي مكان؛ فالعدالة والحرية والمساواة والحض على كسب المال الحلال بالطرق الحلال، وصلة الرحم، ومساعدة الملهوف، وحسن معاملة الجار، واحقاق الحق ولو كان ذا قربی، ورد

الأمانة إلى أصحابها، ومقاومة الظلم والظالمين إلى ما هنالك من عناوین مشرقة، محقة، ثابتة، تعد من القواعد الرئيسة في بناء مجتمع صالح سعيد تحترم فيه حقوق الإنسان، مجتمع محصن من الآفات الاجتماعية يعيش في أمن وسلام في ظل الإسلام.

علي في أحضان النبوة

كان الرسول صلی الله علیه واله يعيش في كنف عمه أبي طالب، فقد كفل محمداً، وهو صبي يتيم منذ وفاة جده عبد المطلب، وكان يعامل أبا طالب كما يعامل ابن أباه بصدق ومحبة، ويعامل فاطمة بنت أسد ببر وحنان. فتح علي عينيه أول ما فتحهما على ابن عمه محمد الذي أصبح فيما بعد رسول الله صلی الله علیه واله . منه تعلم أولى الكلمات وعلى نهجه مشى أولى الخطوات . حتى إذا شب محمد، وتزوج من خديجة بنت خویلد، ترك بيت عمه أبي طالب ليعيش في بيت الزوجية. ومع ذلك بقي على العهد يبر عمه أبا طالب وزوجة عمه فاطمة، ويرعى ابنهما علياً. كان رسول الله صلی الله علیه واله إذا حضرت الصلاة - وهي التعبد قبل أن تفرض الصلاة ليلة الإسراء - خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي فيصليان فإذا أمسيا، رجعا ..

ثم إن أبا طالب عثر عليهما وهما يصليان، فقال لرسول الله صلی الله علیه واله: ياابن أخي، ما هذا الدين الذي تدين به؟

فقال : أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته، و دین رسله، ودين أبینا إبراهيم، بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت أي عم، أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه.

فاقسم له أبو طالب أن يحميه ما بقي حياً مهما يكن من أمر فلا يخلص إليه أحد بسوء، ولا يجرأ أحد على معارضته .

ثم سأل أبو طالب ابنه علياً : ما هذا الدين الذي أنت عليه؟!

فقال : يا أبت، آمنت بالله وبرسول الله ، وصدقته بما جاء به وصليت معه الله واتبعته .

فقال له : أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه .

أما فاطمة بنت أسد فكانت أول امرأة تسلم بعد خديجة أم المؤمنین . ثم إن أبا طالب وابنه جعفراًأتيا النبي صلی الله علیه واله في داره، فوجداه يتعبد، وعن يمينه علي، فقال أبو طالب لابنه جعفر: «صل جناح ابن عمك» فصلی عن يساره، على أن أبا طالب کتم إسلامه إيثاراً للسلامة ، ولكيلا يصطدم بشراسة الملاً من قريش الذين كانوا يرون في الدين الجديد خطراً كبيراً عليهم، لأنه سوف يفسد عليهم أمر الكعبة والتجارة، فما كانت التجارة لتزدهر في مكة إلا لأن قصادها من أرجاء الجزيرة يأتونها لعبادة الأوثان المنصوبة في الكعبة .. فكيف إذا صرفهم الدين الجديد عن عبادة هذه الأوثان، وعن اتيان مكة والكعبة؟!.

ولم يتعبد أبو طالب الأوثان والأصنام، وإن ظل على كتمان إسلامه لكنه كان رجلاً شريفاً مهاباً في قومه ، له عليهم حقوق، فبسط حمايته على ابن أخيه محمد، ومنع أن يصل إليه ما يسوءه من قريش.

نشأ علي بن أبي طالب إذن في حجر النبي صلی الله علیه واله ، ولم يفارقه حتى اختاره الله إلى جواره . وفي هذا يقول علي لقومه :

«تعلمون موضعي من رسول الله صلی الله علیه واله ، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلاً في فعل، وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بهذا الاقتداء» .

وبهذا الاقتداء وهذا العلم لم يسجد علي بن أبي طالب لصنم أو وثن قط، ولم يحن وجهه لغير الله تعالى، ولهذا نقول : کرم الله وجهه . وكرم الله وجهه لأنه لم يقع على عورة قط، فكان إذا سقط خصمه في الصراع، وأدرك

أنه هالك بسيف علي، كشف الخصم عن عورته، فيشيح علي بوجهه عنه تعففاً، بل شاعت في وجهه أمارات الاشفاق فیترکه، كما حصل لعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

وكرم الله وجهه لأنه ما أجهز على جريح قط وبهذا كان يأمر جنده في كل المواقع والحروب: «لا تجهزوا على جريح».

وكرم الله وجهه فكان كما يقول معاصروه على سمرته كالقمر المنير يتجلى بهاء ووقاراً.

بهذه النبالة وهذه الأخلاق الفاضلة كابد علي بن أبي طالب عصراً من اللؤم والغدر والأنانية عندما ولي أمر المؤمنين بعد الرسول صلی الله علیه واله ثلاثة خلفاء راشدین رضي الله عنهم !

وقد بلغ من عمق تأثيره على الناس أنه اشترى عبداً فعلمه الإسلام وأعتقه لكن العبد لم يبارحه بل لزمه بعد عتقه . حتى إذا مات النجاشي ملك الحبشة، واضطربت الأمور من بعده، اكتشف الملاً من الحبشة أن هذا العبد هو ابن النجاشي كان قد خطفه تجار الرقيق وهو غلام وباعوه في مكة !! فجاءه الملا من الحبشة يعرضون عليه ملك الحبشة خلفاً لأبيه النجاشي، لکه رفض الملك وآثر البقاء على الإسلام في صحبة علي عليه السلام !!

ومن آدابه في الفروسية : النخوة.

كانت النخوة طبعاً في علي فطر عليه، وأدباً من آداب الأسرة الهاشمية نشأ فيه، وعادة من عادات الفروسية العملية التي يتعودها كل فارس شجاع متغلب على الأقران، ذلك أن الغلبة في الشجاع أنفة تأبی عليه أن يسف إلى ما يخجله ویشینه ولا تزال به حتى تعلمه النخوة تعلماً، وتمنعه أن يعمل في السر ما يزري به في العلانية . وهكذا كان علي عليه السلام في جميع أحواله وأعماله:

بلغت به نخوة الفروسية غايتها المثلى، ولا سيما في معاملة الضعفاءمن الرجال والنساء . فلم ينس الشرف قط ليغتنم الفرصة .

أصاب المقتل من عدوه مرات ومرات فلم يهتبل الفرصة السانحة بين يديه ، لأنه أراد دائماً أن يغلب عدوه غلبة الرجل الشجاع الشريف، ولم يرد أن يغلبه أو يقتص منه كيفما كان سبيل الغلب والقصاص. قال بعض من شهدوا معركة صفين:

لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلاً اختاروه مستوياً بساطاً واسعاً وأخذ مورد الماء في أيديهم وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماء. ففزعنا إلى أمير المؤمنين فخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان فقال له: إئت معاوية وقل له إنا سرنا مسيرنا إليكم ونحن نكره قتالكم قبل الاعذار إليكم، وأنك قدمت إلينا خيلك ورجلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها إذ حلتم بين الماء والناس غير منتهين أو يشربوا فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء ويكفوا ثم ننظر فيما بيننا وبينكم وفيماقدمنا له وقدمتم له».

سأل معاوية أصحابه فأشاروا عليه أن يحول بين علي و بين المورد غیر حافل بدعوته إلى السلم ولا بدعوته إلى المفاوضة في أمر الخلاف، فانفذ معاوية مدداً إلى حراس المورد يحمونه ويصدون من يقترب منه، ثم صار بين العسكرین تراشق بالنبل، فطعن بالرماح، فطعن بالسيوف حتى اقتحم أصحاب علي طريق الماء وملکوه.

وهنا الفرصة الكبرى لو شاء على أن يهتبلها، وأن يغلب أعداءه عن طريق الظمأ كما أرادوا أن يغلبوه قبل ساعة .. وقد جاء أصحابه يقولون : والله لا نسقيهم. فصاح علي الشريف النبيل بهم: «خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم، فإن الله عزوجل قد نصرکم عليهم بظلمهم وبغيهم».

• وفي حرب أهل البصرة لاحت له فرصة أخرى فأبي كعادته أن

يهتبلها فأغضب أعوانه إنصافاً لأعدائه، حيث إنه نهاهم أن يسلبوا المال ويستبيحوا السبي، وهو في رأيهم حلال، فقالوا:

أتراه يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟

فقال علیه السلام : «إنما القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا ونحن منه ، ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر» وسن لهم سنة الفروسية الحقة أو سنة النخوة والشهامة حين أوصاهم: ألا يقتلوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح ولا يكشفوا ستراً ولا يمدوا يداً إلى مال.

وفرصة أخرى أبت عليه النخوة العلوية والشهامة النبوية أن يهتبلها وهي فرصة عمرو بن العاص جرثومة العداء والدهاء لعلي وأنصار علي حيث وجده ملقى على الأرض مكشوف السوأة لا يبالي أن يدفع عنه الموت بما حضره من وفاء . فصرف بوجهه عنه لأنه أنف أن يصرع رجلاً يخاف الموت هذه المخافة التي لا يرضاها من منازلة في مجال صراع.

هذا طبع علي كرم الله وجهه، هذا طبع من تربى في حضن النبوة في البيت الذي خرجت منه الدعوة الإسلامية . لقد كان رضاه من الآداب في الحرب والسلم رضا الفروسية العزيزة من جميع آدابها ومأثوراتها، فكان يعرف العدو عدواً حيثما رفع السيف لقتاله .. ولكنه لا يعادي رجلاً موالياً ولا جريحاً عاجزاً عن نضال، ولا ميتاً ذهبت حياته ولو ذهبت في سبيل حربه وهذه الفروسية النبيلة وهذه الأخلاق النبوية هي التي بغضت إليه أن ينال أعداءه بالسباب، لأن الفارس الشهم يأبى أن ينال أعداءه بغير الحسام. ولما سمع أصحابه سباب أهل الشام لعلي على المنابر أرادوا أن يكیلوا لهم بالمكيال نفسه بعد حروبهم بصفين . فقال لهم: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب إلى القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لج له».

ولا غرو فالذي نشأ في أحضان النبوة ملأ الدين قلبه ولم ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة، ولم يخالطه شوب يكدر صفاءه ويرجع به إلی بقاياه .. والحق يقال إن علياً كان المسلم الخالص على سجيته المثلى، وإن الدين الجديد لم يعرف قط أصدق إسلاماً منه ولا أعمق نفاذاً فيه سوی الأنبياء.

كان المسلم الحق في عبادته، وفي علمه وعمله، وفي قلبه وعقله ، حتى ليصح أنه يقال إنه طبع على الإسلام ولم تزده المعرفة إلا ما يزيده التعليم على الطباع.

كان علي عليه السلام المسلم العابد الذي يشتهي العبادة كأنها رياضة تريحه وليست أمراً مكتوباً عليه ...

وكان علي محجة في الإسلام لا يحيد عنها لبغية ولا لخشية، وآثر الخير والحق لأصحابه وأعدائه على حد سواء. فما كان الحق عنده لمن يرضاه دون من يقلاه، ولكنه كان الحق لكل من استحقه. وهذا ما دفع رسول الله صلی الله علیه واله أن يقول فيه :

«رحم الله علياً، اللهم أدر الحق معه حيث دار»(1).

وروى الترمذي أيضاً بإسناده عن زيد بن أرقم عن النبي صلی الله علیه واله قال : «من کنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»(2)وروی البخاري ومسلم بسندهما عن النبي صلی الله علیه واله ، أنه قال لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»(3).

فالذي يرضى النبي صلی الله علیه واله أن يكون أخاه يرضاه جميع المسلمين


1) سنن الترمذي ج5 ص300.

2) نفسه ج 5 ص 297 باب مناقب علي بن أبي طالب.

3) صحيح البخاري ج5 ص 22 وصحيح مسلم ج4 ص 1871 باب فضائل علي بن أبي طالب .

المؤمنين على وجه الأرض. وهذه المؤاخاة بين النبي صلی الله علیه و اله، وعلي علیه السلام میزت علياً عن بقية الأصحاب رضي الله عنهم.

فعفوك يا ابن أبي طالب !.. فأنت من الرسالة الإسلامية كقطب الرحى، وأنت في نظر الرسول الأكرم صلی الله علیه واله كقضيب من نور أخذ هو فلقة منها وأنت فلقة .. وكنت في رأيه بوابة العلم وهو مدينته. وأي فكر ساوره ولم تهطل عليك ديمه، وأي سيف سله في معظم الغزوات ولم يمر على مسنك شحذه؟.

إن الدروب التي مشيتها برفقته صلی الله علیه واله تشهد لك بثقل خطاك.. حتى روحه الطاهرة ما أحب أن يقدمها إلا على راحتيك عندما اختاره سبحانه وتعالى إلى الفردوس الأعلى.

فإذا ما نمت على فراشه فأي فرق كان بين ثوبك وبرده؟... أتكون وحدة الروح أضيق فسحة من بادرة الفداء؟!!.

فتهيأ يا ابن أبي طالب، فإن الرسالة التي ترعرعت في ظل قلبك ، وغرفت من فيض فكرك ستظل ترتبط بمحامل ذي الفقار نیاط مفاوزها.

الإمامة

اشارة

من واجب كل مسلم أن يتعرف على شروط الإمام ومنزلته، وأهمية الإمامة في هداية المسلمين واستناراتهم بنور الأحكام الدينية، والمسلمون جميعاً مدعوون إلى الرجوع إلى أهل الذكر حيث قال عز من قال : {فَسئلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ } وهذا أمر ضروري وواجب لكي نتعرف على من له الأهلية لتصدي إمامة المسلمين والقيام بهذا المنصب الخطير، كي لا تكون الإمامة تشهياً من أهل الهوى وعبدة الجاه والسلطان .

وخير ما يدلنا على خصائص الإمامة وشروط الإمام الحديث الهام الوارد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام .

روى الكليني بإسناده عن عبد العزيز بن مسلم قال: «كنا مع الرضا بمرو، فاجتمعنا في الجامع، فأرادوا أمر الإمامة وذكروا اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي عليه السلام وأعلمته خوض الناس فيه فتبسم علیه السلام ثم قال : یا عبد العزيز بن مسلم جهل القوم وخدعوا عن آرائهم إن الله عزوجل لم يقبض نبيه حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء يحتاجه العبد في الدنيا والآخرة بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كاملاً، فقال عزوجل :{ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}(1)وأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمض صلی الله علیه واله حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبل الحق، وأقام لهم علياً عليه السلام وإماماً ،


1) سورة الأنعام، الآية : 38.

وما ترك لهم شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه ، ومن زعم أن الله عزوجل لم يكتمل دينه فقد رد کتاب الله، ومن رد کتاب الله فهو كافر به. وتابع قائلاًعلیه السلام : هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم، إن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً وأبعد دوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم. إن الإمامة خص بها الله عزوجل إبراهيم الخليل بعد النبوة، وفضيلة شرفه بها وأشاد بذكرها فقال سبحانه : {وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهیمَ رَبُّهُ بِکَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّی جاعِلُکَ لِلنّاسِ إِماماً}(1)فقال الخليل: {وَمِن ذُرِّيَّتیِ }قال تعالى : {قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِى الظَّلِمِینَ} فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة. ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} (2)ولم تزل الإمامة في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً بعد قرن حتى ورثها الله تعالى النبي محمد خاتم النبيين صلی الله علیه واله، فقال عروجل : {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}. سورة آل عمران: الآية، 68.

فكانت للرسول الأكرم محمد صلی الله علیه واله خاصة فقلدها علياً عليه السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله ، وصارت في ذرية الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ}(3)فهي بلا ريب في ولد علي عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبي بعد محمد صلی الله علیه واله فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟!.

إن الإمامة هي امتداد للنبوة، وإرث الأوصياء، وهي خلافة الله


1) سورة البقرة: الآية، 124.

2) سورة الأنبياء، 72-73.

3) سورة الروم : الآية، 56.

وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين عليه السلام وذريتهما .

والإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنین . والإمامة أسس الإسلام النامي وفرعه السامي. وبالإمام تمام الصلاة والزكاة ، والصيام، والحج، والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وامضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف ؛ الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.

الإمام : كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار .

الإمام : البدر المنير والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، وأجواز البلدان والقفار ولجج البحار.

الإمام : الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى، والمنجي من الردي، وهو النار على اليفاع(1)الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.

الإمام : السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماءالظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة والغديروالروضة.

الإمام : الأنيس، الرفيق ، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق والأم البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النار(2).

والإمام: وحيد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له، ولا اکتساب بلاختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة حقيقة


1) ما ارتفع من الأرض.

2) الأمر العظيم والنار : السحاب .

الإمام؟ ويمكنه اختياره؟ هيهات، ضلت العقول وتاهت الحلوم وتصاغرت العظماء وتقاصرت الحكماء وعميت البلغاء عن وصف شأن من شؤونه أو فضيلة من فضائله وكيف يوصف أو ينعت بکنهه ، أو يفهم شيء من أمره؟ فأين الاختيار من هذا؟ وأين ادراك العقول من هذا وأين يوجد مثل هذا؟»(1).

وقال العلامةالحلي: «أجمعت الاثنا عشرية بأن منصب الإمامة لطف واللطف واجب فالإمامة واجبة. إنا نعلم بالضرورة إن الناس متى كان لهم رئيس قاهر يمنعهم من المحرمات ويزجرهم عنها ويأمرهم بالواجبات ويرغبهم فيها، كانوا من الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد.

والإمام يجب أن يكون معصوماً من الصغائر والكبائر، وإلا لزم التسلسل، لأن المقتضي للحاجة إلى الإمام جواز الخطأ على الأمة فلو جاز الخطأ عليه افتقر إلى إمام آخر وحافظ للشرع، ولأنه لو ارتكب الخطأ وجب الانكار عليه فيسقط محله من القلوب، ولأنه إن لم يجب اتباعه فيه انتفت فائدة نصبه، وإلا لزم وجوب الحرام.

والعصمة هي من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا الله تعالى فلا طريق إلى معرفة الإمام سوى النص منه، وأما الجمهور فلم يشترطوا العصمة بل ولم يشترطوا عصمة الأنبياء وجعلوا طريقة الإمامة هو البيعة من أهل الحل والعقد، والبيعة ليست طريقاً للإمامة لعدم العلم بالمعصوم إلا من قبله تعالى، ولأن الإمام نائب الله تعالی ولرسوله ونيابة الغير، إنما تحصل باذنه ، فلا تثبت الإمامة إلا بنص من الله تعالى ورسوله ولأن الإمام أعلم الخلق وأفضلهم وأزهدهم، ولأن الخلق يعجز عن نصب أمير أو قاض فعجزهم عن نصب الرئيس العام أولی، فلا يجاز أن يناط بهم نصبه، ولأن ذلك يقضي إلى وقوع الفتن لرغبة أهل كل بلد إلى نصب إمام منهم، وإنما نصب لدفع ذلك» (2).


1) ينابع المودة ص 26.

2) قادتنا كيف نعرفهم ج5 ص 78.

بما تثبت الإمامة؟

تثبت الإمامة بشيئين : نص القرآن الكريم والرسول الأكرم صلی الله علیه واله، وظهور المعاجز على يدي الإمام.

قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع فقال النبي صلی الله علیه و اله للسائل : من أعطاك هذا الخاتم؟

قال : ذاك الراكع، فأنزل الله عزوجل : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(1).

وعن عمار بن یاسر قال : كنت مع رسول الله في بعض غزواته ، وقتل علي عليه السلام أصحاب الألوية، ومزق جمعهم، وقتل عبد الله الجمحي، وقتل شيبة بن نافع، أتيت رسول الله صلی الله علیه واله ؟ فقلت : يا رسول الله إن علياً قد جاهد في الله حق جهاده .

فقال صلی الله علیه و اله :« لأنه مني وأنا منه ، وارث علمي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، والخليفة بعدي، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي ، حربه حربي، وسلمه سلمي، وسلمي سلم الله ، ألا إنه أبو سبطي والأئمة بعدي من صلبه، يخرج الله الأئمة الراشدين ومنهم مهدي هذه الأمة»(2).

واليوم وبعد أربعة عشر قرناً وبعد مضي علي بن أبي طالب علیه السلام تطالعنا معاجزه في كل خطبة من خطب النهج، بل وفي كل فصل من فصوله، ثم له عليه السلام بعد ذلك من أجوبته في القضاء والدين والاجتماع، ما لو اجتمع كل الناس على أن يأتوا بجواب واحد من تلك الأجوبة التي كان يجيب بها على البديهة، أو يفصلوا في قضية من القضايا لما استطاعوا، وهذا ما دفع الأعلام والفضلاء والصحابة إلى ذكر فضائله التي لا تعد ولا تحصى


1) سورة المائدة : الآية، 55.

2) كفاية الأثر لعلي بن محمد الرازي دون تاریخ .

قال أحمد بن حنبل «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب»(1)

وقال أيضاً: «... إن الخلافة لم تزين علياً بل علي زينها»(2).

وإن كانت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ثبتت بنص الرسول صلی الله علیه و اله ،وبظهور المعاجز على يديه، فإمامة أولاده علیه السلام ثبتت بنص الرسول صلی الله علیه و اله عليهم، وبنص كل واحد منهم على الآخر.

قال ابن عباس : «سمعت رسول الله يقول : علي مع الحق والحق مع علي، وهو الإمام والخليفة بعدي، فمن تمسك به فاز ونجي، ومن تخلف عنه ضل وغوى»(3).

وروى ابن ماجة بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، قال : «قدم معاوية في بعض حاجاته ، فدخل عليه سعد فتذاكروا علياً فنال منه، فغضب سعد وقال : تقول هذا الرجل سمعت رسول الله يقول: «من کنت مولاه فعلي مولاه» وسمعته يقول أيضاً: «أنت مني کهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» وسمعته يقول: «لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله»(4).

والحقيقة أنه نبغ في الأزمان على تعاقبها نوابغ يمتازون عن سائر أهل زمانهم وهؤلاء النوابغ يتفاوتون في نبوغهم وصفاتهم التي ميزتهم عمن سواهم سنة الله في خلقه، ومهما تكاثر النابغون في الأزمنة المتفاوتة فنابغة الإسلام بل نابغة الكون المنفرد في صفاته الفاضلة، ومزاياه الكاملة ، و اجتماع محاسن الأضداد فيه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ربيب رسول الله صلی الله علیه و اله أكمل الخلائق وخريجه .


1) تاریخ الخلفاء للسيوطي ص 168 ونظم درر السمطين ص080

2) تاریخ مدينة دمشق ترجمة علي بن أبي طالب ص 3 ص 114.

3) كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ص 20.

4) سنن ابن ماجة ج 1 ص 45.

بعد هذا العرض: من هو الإمام:

لا بد للرسول صلی الله علیه و اله أن يقيم للناس بأمر من الله تعالى الإمام ليقيم لهم الدين ويبين لهم معالم الخير، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، ويوضح لهم الحلال والحرام، ويقيم الحدود، ويعلم الناس الأحكام. فمن هو هذا الإمام الذي نصبه الرسول صلی الله علیه و اله .

لا شك أنه علي بن أبي طالب علیه السلام فالرسول صلی الله علیه و اله منذ بعثته حتى وفاته لم ينفك يشيد بعلي بن أبي طالب في محفل وناد، وفي كل مناسبة ومجمع وأمام البعيد والقريب ؛ ففي بداية البعثة دعا الرسول صلی الله علیه و اله بني هاشم، حتى إذا اجتمعوا عنده، قال لهم : فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني عليه، فيكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي من بعدي ؛ فلم يجبه أحد. عندها قال أمير المؤمنين :

أنا يا رسول الله أوازرك على هذا الأمر، فقال صلی الله علیه واله: أنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك . ومنذ ذلك الوقت بدأت تصريحات الرسول صلی الله علیه واله تتوالى في كل مجمع ومناسبة . فقال صلی الله علیه واله كلمات خالدات جرت على كل لسان : «إنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(1).

وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : «قال رسول الله صلی الله علیه واله : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني»(2).


1) صحيح البخاري باب مناقب علي بن أبي طالب ج5 ص 22 وصحيح مسلم باب فضائل علي بن أبي طالب ج4 ص 1871 ومثل ذلك نجد في سنن الترمذي ج5ص299.

2) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 121 وص 142.

وروى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن معاذ بن جبل قال : قال النبي: «یا علي أخصمك بالنبوة، ولا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع، ولا يحاجك فيها أحد من قريش، أنت أولهم إيماناً بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية وأبصرهم بالقضية ، وأعظمهم عند الله مزية»(1).

ويرسله صلی الله علیه واله إلى عمرو بن عبدود العامري وهو يقول: «برز الإيمان کله إلى الشرك كله» ویزید بعد قتله لعمرو: «ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين».

إلى مئات من الأحاديث التي صدرت عن الرسول الأكرم صلی الله علیه واله كل ذلك تهيئة لنصبه للناس إماماً، وتعيينه لهم علماً، وكان خاتمة تلك الأحاديث حديث يوم الغدير . فقد أعلن صلی الله علیه واله بأنه سوف يحج هذا العام، وإنها آخر حجة له، وإنه يوشك أن يدعى فيجيب ؛ ويحضر المسلمون من كل فج عميق. وبعد أن أقام لهم صلی الله علیه واله أقبل راجعاً إلى مدينته المنورة، ومعه جمهور المسلمين، حتى إذا كان في مفترق الطريق، وكان لا بد للحجاج أن يتوزعوا لبلدانهم، ويذهبوا لشأنهم يأمرصلی الله علیه واله بالنزول، فيرد المتقدم وينتظر المتأخر، وبعد أن يتكامل المسلمون يأمر فينصب له منبر من أحداج الإبل، فيخطب فيهم، مبيناً لهم الإمام من بعده، ثم يأخذ بيد علي بن أبي طالب يرفعها حتى بان بياض ابطيهما ويقول : فمن کنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره، واخذل من خذله ؛ ثم يفرد له خباء ويأمر المسلمين بالسلام عليه بامرة المسلمين المؤمنين، ويهبط جبرائیل بالآية الكريمة المباركة :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (2).


1) حلية الأولياء ج 1 ص 65.

2) سورة المائدة، الآية : 2.

نص الرسول صلی الله علیه واله على الأئمة علیه السلام:

أحاديث الرسول صلی الله علیه واله في أن الأئمة إثنا عشر متواترة، بشكل غريب، وربما لا تقل عن الأحاديث الواردة في الصلاة أو الصوم مثلًا وهذه الأحاديث لا تنطبق إلا على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت وهم الثقل الثاني الذي تركه الرسول صلی الله علیه بين ظهراني الأمة . ولم يستطع أحد إنكارها أو الخدش في سندها، لتواترها وكثرة رواتها ومخرجيها من أفاضل العلماء(1)قال الشيخ سليمان القندوزي : قال بعض المحققين :

إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلی الله علیه والله اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فشرح الزمان، وتعريف المكان، علم أن مراد رسول الله من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم من غير بني هاشم. ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(2).

وحديث الكساء : فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلی الله علیه واله ، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلهم، وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله ، وكان علمهم عن آبائهم متصلًا بجدهم صلی الله علیه واله وبالوراثة واللدنية . هكذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق .


1) راجع كتاب كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر الشيخ علي بنمحمد بن علي الرازي. وكتاب الاستبصار في النص على الأئمة الأطهار الشيخ محمد بن علي بن عثمان الكراجكي.

2) سورة الشوری : الآية، 23.

إن الغاية من كلام الرسول صلی الله علیه و اله : إن الأئمة الاثني عشر من أهل بيته ، ويؤكد هذا القول حديث الثقلين وأحاديث متكررة تصب كلها في هذا الموضوع. وأما قوله صلی الله علیه واله :« كلهم تجتمع عليهم الأمة في رواية عن جابر بن سمرة فمراده أن الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي المنتظر رضي الله عنهم»(1).

ومن حديث له صلی الله علیه واله في فضل علي وأولاده، فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال : يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟

فقال صلی الله علیه واله : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي، ستدرکه یا جابر فإذا أدركته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسی بن جعفر، تم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه القائم بالحق محمد مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما هؤلاء یا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني»(2).

وعن الحسين عليه السلام قال : «دخلت على جدي رسول الله صلی الله علیه واله فاجلسني على فخذه وقال لي: إن الله اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم،وكلهم في الفضل والمنزلة عند الله سواء»(3).

علي نسيج وحده:

منذ أربعة عشر قرناً، ولا يزال، اسم علي بن أبي طالب عليه السلام يحتل مكان الصدارة في بحوث الباحثين وتواريخ المؤرخين وعناوين الكتاب


1) ينابيع المودة ص 446.

2) الزام الناصب ج1 ص 185.

3) ينابع المودة ص 492.

والأدباء والمؤلفين . فإذا أرادوا ذكر الإيمان والعدل، والاستقامة والشجاعة والصبر على المكاره والجهاد في سبيل الله، أو إذا أرادوا المعرفة والحكمة ، والأدب والخطابة، والفقه أو التفسير، أخذوا منه صوراً مزدانة بألوان من الصفات التي لم تجتمع في شخصية إنسان عبقري موهوب كما اجتمعت في هذه الشخصية الفذة الفريدة التي خلبت العقول وحيرت الألباب، بحيث إنها تمردت على الزوال والإبادة مهما وقف أمامها من عوامل وعوائق، حتى أن أعداءه شهدوا له .

يقول ضرار بن ضمرة الكناني حين أرغمه معاوية على أن يقول عن على ما يرى فقال :

«كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً ، يتفجر العلممن جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نکلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله».

فعلي كان نسيج وحده لا يصح أن يقاس بالأفراد، ومن الخطأ أن يقال عنه : إنه كان أتقاهم وأورعهم وأنبلهم وأسخاهم ونحن نعرض لسيرة العظماء والمزايا الإنسانية، باستثناء من خصوا برتبة النبوة، وهو غير نبي طبعاً، لأن مزايا علي قد تجاوزت الحدود المألوفة، ولأن شخصية علي قد بلغت القمة من الأمجاد والمثل العليا في دنيا البشرية .

لقد كان على أمة مستقلة بذاتها تعبر عن نضج الزمان وقمة المجد، وتصور سمو الحضارات البشرية وتحكي عقلية الدهر بشتى صورها وألوانها حتى صارت كلمة علي وحدها تكفي لترسم جميع الصور الجذابة من معاني الإنسانية فهي تكتب فوق المخازن والحوانيت، وتعلق في إطار من الألواح

الفنية المزخرفة في البيوت، وتنقش على أبواب العمارات والمساجد والمعاهد والمؤسسات فلعل هذه الكلمة رمز من رموز الفن المعروف في علم البديع، ولا حاجة أن يضاف إليها شيء ليفهم الناس: إن علياً يحكي المجموعة الكاملة في فضائل الدنيا.

لقد فاقت مزايا علي حدود التعداد. وتحدت عوامل الزمن التي تجرف أمامها الحاضر والماضي وتجعله أثراً بعد عين، ولم يعرف المزاياه عليه السلام نظير في تاريخ العظماء حتى أصبحت شخصيته كالشمس التي إذا ما حجبها الضباب أو الغبار، أو حال القمر بينها وبين الأرض مرة فلن يستطيع أن يحجبها مرات، ولن يقوى على تغيير جوهرها وأثرها في الأرض ونفوذ عملها .

فهل كان لعوامل الزمن من أثر فعال من حجب مزايا علي عن الناس أو محو اسمه من دفتر الوجود؟.

لقد استخدم أعداء على كل العوامل الفعالة من (ترغیب):

الذي يتضمن أساليب الدعاية واستمالة النفوس بالمنح والعطاء والوعود بقصد اسدال الستار على فضائله وحجبها عن العيون. وهذا ما يحصل في كل عصر.

كما استخدموا من العوامل الفعالة (الترهيب) :

الذي يتضمن التهديد والوعيد، والسجن والتنكيل، والقتل والتشريد وذلك للقضاء على أية بقية من أولاده وأنصاره، فمن كانوا ولا يزالون يرون العلي بن أبي طالب وذريته الصالحين الأطهار شيئاً كبيراً من المحبة والتقدير والحرمة في نفوسهم.

وإذا ما تم الجمع بين الترغيب والترهيب بكل وسائلهما الجهنمية هان من بيده القوتان الفعالتان أن يغير اتجاه الأفكار وأن يبدل في العقيدة، وأن يسدل ستاراً كثيفاً على الماضي بجميع حسناته ومزاياه إلى بعض الوقت من

الزمان. وحتى اليوم يعتبر الترغيب من أمضى أسلحة الحرب وأشدها فتكاً، فكيف إذا انضمت إليها عناصر الترهيب؟.

والدعاية اليوم ألا تعد من عناصر الترغيب الفعالة؟! وإذا ما قرأناالتاريخ بامعان نراهم قد ضاعوا أمام الحقيقة فغيروا في اتجاهات الشعوب وعقائدهم والأمثلة كثيرة على ذلك.

فالأيوبيون استطاعوا بترغيبهم وترهيبهم أن يحولوا مصر الشيعية إلى مصر السنية، والصفويون استطاعوا أن يحولوا إيران السنية النشأة إلى إيران الشيعية. وكلا الطرفين الأيوبيون والصفويون استخدموا وسائل الترغیب والترهيب فاجتثوا العقيدة من أصلها وغرسوا بدلاً منها عقيدة معاكسة لها تماماً يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة :

«روی عطاء عن عبد الله بن شداد قال : إن الأحاديث الواردة في فضل علي لو لم تكن من الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل قد وصلت إلى غاية بعيدة لانقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدة وشدة العداوة، ولولا أن الله تعالى في هذا الرجل -يعني علياً - سراً يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة، ألا ترى أن لو رئيس قرية سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه بخير أو صلاح، لخمل ذكره، ونسي اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حي ميتاً» .

ولنبدأ في الترغيب كيف استخدم ضد علي وأولاده من بعده حتى ظلت هذه العداوة تماشي الزمن إلى يومنا هذا، بالرغم من تقدم العلوم، وانتشار الثقافة، واتساع الفكر، وتتبع الاطلاع والاستقصاء ونبذ التعصب فنجد في بعض المناطق من يكره علياً ويكره أتباعه، بل ربما نجد من يسبه ويلعنه من الجاهلين والحاقدين والمرتزقة عند أصحاب النفوذ.

ولا غرو فالحق والباطل لا يتفقان ولا يلتقيان على صعيد ولكل منهما أنصاره ورواده. ولقد مر أربعة عشر قرناً على استشهاد الإمام علي عليه السلام ونحن لم نزل نسمع صوت عمران بن حطان الرقاشي وهو يبجل المجرم

اللعين عبد الرحمن بن ملجم ويثني على تلك الضربة التي شج بها ابن ملجم رأس الإمام علي عليه السلام وهو يصلي في المسجد فقال اللعين:

یا ضربة من تقي ما أراد بها ***إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوماً فاحسبه ***أوفي البرية عند الله میزانا(1).

ونحن نقول له وكل أنصار علي يقولون : هي ضربة من شقي مجرم کافر وسوف يبلغ بها جهنم وغضب العرش وليس رضوانه. ولكن ما نقول في المصالح الشخصية والسياسة الأموية الظالمة والحاقدة التي لا هم لها سوى الدنيا والسلطان والمال والحياة الحاضرة.

لقد استخدم الأمويون والعباسيون كل وسائل الترغيب والترهيب لطمس الحقائق وكم الأفواه من أجل إخفاء فضائل الإمام علي ولم يتركواطريقة ذات جدوى إلا اتخذوها للوصول إلى هذه الغاية . لكن مهما تفننوا بهذه الوسائل على ما فيها من دهاء ونفوذ وإعداد على أيدي مهرة في فن الإجرام لم تكن بأكثر من خيوط واهنة أشبه بخيوط العنكبوت. فالغيمة السوداء لا تستطيع حجب نور الشمس الساطع، والكل ذهبوا وترمدوا وبقيت ذكرى علي وأولاده الأطهار الصالحين نوراً ساطعاً أكثر صفاء وأوضح بياناً وأجلی واقعاً، ومزاراتهم كانت وستبقى مقصداً لجميع أنصار علي وأولاده في بقاع الأرض يتدفقون زرافات ووحدانا إلى العراق في النجف وكربلاء وبغداد وإلى الشام وإلى مشهد في إيران يزورون قبور الأئمة الأطهار الذين أذهب عنهم الله عزوجل الرجس وطهرهم تطهيرا. وصحيح أن الاضطهاد قد يساعد على التمسك بالرأي المعاكس وبالعقيدة المخالفة لعقيدة المضطهد الظالم، ويجعلها أكثر رسوخاً في النفس، ولكن الاضطهاد المصحوب بالترغيب وبذل المال الطائل وحسن الدعاية لن يجعل رد الفعل بمثل هذه القوة التي صاحبت رد فعل المضطهدين لعلي وأنصاره وأولاده، والتي كان


1) الكامل للمبرد ج3 ص 49.

من آثارها ظهور الغلاة من الشيعة والملحقين بعلي معاجز لم يستسغ العقل نسبتها إلى الأنبياء فكيف نسبتها للخلفاء. فجعلوا اسم علي يذكر في آذان الشيعة وإقامة صلاتهم کرد فعل للسباب، واللعن الذي أوجبه أعداء علي على أنفسهم قبل الصلاة وبعدها، وعند التوجه إلى الله بالدعاء . فقد أورد ابن أبي الحديد قال :

«إن معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، والوليد بن عقبة وأبا الأعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطاة ، وحبيب بن مسلمة، وأبا موسى الأشعري، ومروان بن الحكم، كانوا يقنتون ويلعنون عليا». .وهذا هو سر عظمة الإمام علي علي هذه العظمة التي كان من آثارها أن ظلت شخصية على أربعة عشر قرنا متألقة على رؤوس الأشهاد وستظل عشرات القرون بل ومئات القرون لا عهد للباحثين والمؤرخين والمؤلفين بمثيل لها في تاريخ البشرية .

ولقد اتقن أعداء علي صياغة الدعاية ووسائل الترغيب ضد علي حتى آمن بأقوالهم الكثير من السوقة والجهلاء والسذج من الشعب الذين أثرت في نفوسهم الدعاية المضللة تأثيرة كبيرة. قال المسعودي عن غباوة طائفة من أولئك السذج البسطاء الذين استغلتهم الدعاية الأموية :

وبلغ من احکام معاوية للسياسة، واتقانه لها، واجتذاب قلوب خواصه وعوامه ، أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن (صفین) فتعلق به رجل من دمشق وقال له : هذه ناقتي أخذت مني (بصفين) فأجابه الكوفي : هذا جمل وليس ناقة !! فتشاحنا طويلا وارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي الكاذب خمسين رجلا يشهدون أن الجمل ناقة وهي للدمشقي، فقضى معاوية الداهية على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه! فقال الكوفي:

•

أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة !!.

•

فقال معاوية : هذا حكم قد مضى ... ثم دس إلى الكوفي بعد تفرق

الجماعة وسأله عن ثمن البعير ثم دفع إليه ضعفه، وبره، وأحسن إليه وقال له قبل رجوعه إلى الكوفة :

• أبلغ عليااً أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل»(1).

لقد استطاع أعداء علي وأولاده، وهم مصدر السلطة والقوة، وبيدهم المال الوفير، والقدرة على التعبئة العامة، إثارة نفوس الرعية السخط العام على علي وأولاده، ومعظمهم من السذج والرعاع.

لكن السخط العام غير الرأي العام كما يحدده علماء الاجتماع فإذا سألنا أحدهم عن طبقات المجتمع قالوا: في المجتمع :

1- طبقة السوقة الجهلاء الذين ينقادون انقيادة أعمى لرأي من الآراء، أو فكرة من الأفكار، لأنهم عاجزون تماماً عن مناقشتها لمعرفة مقدار الخطأ أو الصواب فيها.

2- وطبقة المثقفين المستنيرين الذين يستطيعون دراسة الأمور ويعرضونها على طاولة النقد المنهجي العلمي، فيقبلون ما يقبله العقل المستنير، ويرفضون ما يرفضه حسب قواعد علمية مدروسة.

وعلى هذا فلم يكن السخط العام بأي وجه من الوجوه معبراً عن الرأي العام المستنير، وقد حدثنا المؤرخون عن أن جماعة علي في عصره وفي العصور الأخيرة، كانوا في الطليعة من حيث العلم والفهم، والأدب والسيرة الحسنة والإيمان بالحق، وليس فيهم من يجوز اتصافه بالغوغائية .

فلقد كان عدد ممن شهد (بدراً) مع رسول الله صلی الله علیه واله 313من المهاجرين والأنصار وقد اشترك من هؤلاء إلى جانب علي علیه السلام في حرب صفين كل من بقي حياً وكان عددهم 178 بدرياً، استشهد منهم 63 شهيداً ،


1) مروج الذهب ج2 ص 72.

كما اشترك مع علي في معركة صفين 800 رجل ممن بايع النبي صلی الله علیه واله بيعة (الرضوان) تحت الشجرة ومن بقي حياً حتى ذلك اليوم.

كل هؤلاء من الطبقة المؤمنة، ومن أئمة الإسلام، وأعلام الهدی، وهم الذين يؤلفون الرأي العام المنطقي الواقعي الذي يمثل طبقة المستنيرين المثقفين الذين يدعون للخير والحق والصلاح، أنصار الإمام علي في عصره أمثال : أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن یاسر، والمقداد ، و حذیفة بن الیمان ، وجابر الانصاری ،وخزیمة بن ثابت الانصاری ،ومحمد بن أبي بكر، وهاشم المرقال، ومالك الأشتر، وعبد الله بن مسعود، والحارث بن النعمان، وغيرهم من المؤمنين الصابرين الصالحين.

أما أنصار معاوية الذين شاركوا في حرب علي، فكلهم من مسلمي الفتح الذين أسلموا مقهورين، والطلقاء المؤلفة قلوبهم وعلى رأسهم الداهية اللعين عمرو بن العاص، ومسلم بن عقبة، وبسر بن أرطاة، وأبو الأعور السلمي وغيرهم من الذين باعوا دينهم لدنياهم. ولا يخفى على كل عاقل أن الوعي والادراك عند الشعوب إنما يقاس بالرأي العام وليس بالسخط العام والقهر والترهيب.

إن الوعي والادراك في البلدان الراقية وعند الشعوب المتحضرة إنما يقاس بالرأي العام الخاضع للمنطق والمناقشة والحوار ، ولا يقاس مطلقاً بالسخط العام والغوغائية ، لأن الناس في هذه الحالة تكاد تنعدم شخصيتهم وفرديتهم، ويكون المجال واسعاً أمام الزعماء والقادة من غير العقلاء ممن يثيرون الجماعات ويستغلون سذاجتها.

يقول المسعودي «ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته - أي في طاعة معاوية - إلى أن جعلوا لعن علي ستة ينشأ عليها الصغير، ويهلك عليها الكبير».

ثم أضاف قائلاً : «وذكر بعض الاخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم، وأهل الرأي والعقل منهم:

•

من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ .

•

قال : - أراه لصاً من لصوص الفتن!!».

ولا عجب رأى علياً لصاً ليرضي معلمه معاوية لأنه يعمل في طاعته ويتكسب منه . وما همه من الإسلام والمسلمين إنما همه نفسه ودنياه . وكان المدركون من أعداء علي يعرفون ما له عليه السلام من فضل وشأن عند العامة وعند الخاصة ، لذلك أخذوا يسعون بكل ما أوتوا من قوة لطمس هذا الفضل ومحوه من الوجود.

قال والد عمر بن العزيز لابنه: يا بني : إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده»(1).

تفنن أصحاب معاوية في أساليب الترغيب وخلق الأكاذيب : وكما وضعوا الأحاديث والأخبار في ذم علي، وفسروا الآيات القرآنية على مزاجهم وكما شاؤوا، فقد شجعوا الشعراء على هجاء علي وأولاده بالعطايا السخية لكن لم يصلنا منه إلا بعض الشواهد.

والمتوكل كان شديد الانحراف لأهل البيت والكره لعلي وأولاده علیه اسلام حتى أنه قام بجرف قبر الإمام الحسين عليه السلام وغمره بالماء ليطمس آثاره ويخفي معالمه. ثم شجع الشعراء لينالوا من علي وأولاده بما وسعهم ومنهم علي بن الجهم.

فالترغيب والطمع والصلات هي التي كانت تدفع بالشعراء وواضعي الأخبار وملفقي الأحاديث إلى أن يتخذوا من سب علي وسيلة ارتزاق وبلوغجاه . فكرهوا علياً عن جهل وعدم ادراك.

قال الحجاج يوماً : من كان له بلاء فليقم فنعطيه على بلائه، فقام رجل فقال : - اعطني على بلائي. قال : - وما بلاؤك؟.


1) الكامل في التاريخ ج5 ص 42 وشرح النهج ج1 ص 357.

قال : - قتلت الحسين بن علي . قال : - فكيف قتلته؟ .

قال : دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، وما أشرکت معي في قتله أحداً ..!!.

قال : – فإنك لا تجتمع أنت وهو في مكان واحد، وقال : - أخرج ولم يعطه شيئاً»(1).

ونبقى مع الحجاج السفاح، قال يوماً لعبد الله بن هاني وهو رجل من قحطان، وقد شهد مع الحجاج مشاهده كلها، وكان من أنصاره، وقد أراد الحجاج أن يجزيه على ما قدم له، وأن يحسن إلى صنيعه، فقال له : - والله ما كافأتك بعد!..

ثم أكره الحجاج سید بني فزارة (أسماء ابن خارجة) ورئيس اليمانية (سعید بن قيس الهمذاني) وحملهما قسراً على تزويج ابنتيهما لابن هانی مهدداً إياهما بالقتل بعد أن رأى منهما امتناعاً، وقال الحجاج لابن هاني : - انظر.. لقد زوجتك بنت سيد فزارة، وبنت سید همدان، وعظيم کهلان. قال ابن هاني:

لا تقل - أصلح الله الأمير - ذاك ، فإن لنا مناقب عندكم ليست لأحدمن العرب. قال الحجاج: - وما هي؟.

قال : – ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد قط .

قال : - منقبة والله ...

قال : - وشهد معنا صفين مع أمير المؤمنین معاوية سبعون رجلاً، ما شهد منافع أبي تراب إلا رجل واحد، وكان ذلك الرجل والله على ما علمته : امرء سوء.

قال الحجاج : - منقبة والله ...


1) الكامل في التاريخ ج4 ص 585.

قال : -ومنا نسوة نذرن إن قتل الحسين بن علي : أن تنحر كل واحدة عشر قلائص ففعلن ...

قال : – منقبة والله ...

قال : - وما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل وزادابنیه حسناً وحسيناً، وأمهمافاطمة !!.

قال الحجاج - منقبة والله .. (1).

فتأمل إلى أي حد بلغ الترغيب واستمالة الناس بالعطاء والمال والمناصب، وإكراه الأشراف على تزويج بناتهم لمن هم دونهم شرفاً ومحتدا ، خروجاً على سنن العرب وتقاليدهم.

وكثر طلاب الجوائز بسبب ما يحملون لعلي وأولاده من العداء وكم كان بين هؤلاء من لا يجهل علي وأولاده ومكانتهم في الدنيا والآخرة. ولكنه الطمع والجشع والهبات والعطايا ...

ومن هؤلاء المحترفين في فن الكذب أبو هريرة:

فحين قدم العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال :

• يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله؟ وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: «إن لكل نبي حرماً وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور (یعني به الجبل) فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها ..

فلما سمعه معاوية أجازه وأكرمه، وولاه امارة المدينة(2).


1) ابن أبي الحديد ج1 ص 357 شرح النهج.

2) نفسه ج 1 ص 359.

نعم.. لقد أحرقت نفسك بالنار وكنت من الكاذبين مأواهم جهنم وبئس المصير وأمثاله كثر مثل سيف بن عمر التميمي وأبي وحيان التوحيدي.

وكثيرون غيرهم من المرتزقة سواء في العصور الإسلامية المتقدمة أو العصور الأخيرة ممن كانوا يضعون الأخبار ويكذبون على الله ورسوله والأولياء والتاريخ بقصد الحط من كرامة علي وأولاده، ومن بين هؤلاء كان عدد غير قليل من أئمة العلم والأدب والتاريخ..؟!.

وإن مثل هذه الأساليب من الدعاية والترغيب كانت بيد أعداء أقوياء وأذكياء، وإذا لم تستطع أن تقضي على اسم علي من الوجود فإنها استطاعت أن تخفي معالمه فترة زمنية محدودة .

لكن عظمة علي كانت أقوى وأمتن وأبقى، فهي كالشمس المنورة هكذا وجدت، وهكذا ستبقى، إذا حجبها الضباب أو الغبار مرة فإنها لا بد طالعة ولن تطيق أن تحجبها عن الأفكار والعقول. على أن الترغيب بمجمل وسائله، والدعاية بمختلف أساليبها لم تكن وحدها السلاح الذي شهر في وجه علي وأولاده وأتباعهم وإنما نال علياً وأولاده الصالحين الأطهار من سلاح الترهيب أكثر مما نالهم من سلاح (الترغيب).

والحقيقة أن لا الترغيب ولا الترهیب استطاع اجتثاث اسم علي من الوجود بل بقي اسمه خالداً على صفحات التاريخ مع الخالدين والعظماء والذين باتوا منارات مضيئة على مفارق الطرق.

الترهيب:

بدأ معاوية بالبطش والقتل والاجرام بأنصار علي بن أبي طالب حتى يرتهب ويتخوف سائر الجماهير. وأول هؤلاء كان حجر بن عدي الكندي : يقول المسعودي : في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية بن أبي سفيان حجر بن عدي الكندي، وكان حجر من المناصرين والموالين لعلي بن أبي طالب،

والمنکرین سبه على المنابر، حمله زیاد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة، وأربعة من غيرها، فأرسل لهم معاوية برجل تلقاهم في الطريق فقال لحجر:

«إن أمير المؤمنين - يعني به معاوية - أمرني بقتلك يا رأس الضلال، ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لأبي تراب، وبقتل أصحابك إلا أن ترجعوا عن كفركم، وتلعنوا صاحبکم (یعني علياً) وتتبرأوا منه».

ففعل البعض وتدبر خوفاً، أما حجر وجماعته ممن كان معه لم يفعلوا وقال حجر : «إن الصبر على حد السيف الأيسر علينا مما تدعونا إليه».

ثم ذبح عدي بحد السيف وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه .. فمن ذا الذي يسمع ويرى بمثل هذا المشهد ولا يتخوف من بطش أعداء علي وأولاده بهم؟. والكل أصبح يعلم إما السيف وإما الموالاة لعلي وأولاده .

ومن بعض وسائل الترهيب الفظيعة عند معاوية، أن أرسل بسر بن أرطاة - وهو رجل قاسي القلب وخال من الشفقة والمروءة - أرسله إلى الحجاز وإلى اليمن ليستأصل جذور جميع الموالين لعلي بن أبي طالب وأمره بالفتك فيهم دون شفقة أو رحمة .. روى ابن أبي الحديد قال : «بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن في جيش كثيف، وأمره أن يقتل كل من كان في طاعةعلي عليه السلام فقتل خلقاً كثيراً وقتل فيمن قتل إبني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب (1).

والذي ذكره المؤرخون أن ابني عبيد الله بن العباس كانا صبيين وقد قتلهما بسر لمحض قرابتهما لعلي بن أبي طالب، هذا هو ذنبهما فمن یری ويسمع هل يستطيع أن يتجهر بحبه لعلي بعد هذا الاجرام والفتك بالخلق الكثير وبصبيين بريئين يقتلان صبراً !؟.


1) شرح النهج ص 113.

يقول جورج جرداق : وكان شعار معاوية : «إن الله جنودة من عسل»وهو يعني العسل الذي يخلط بالسم ويدس لعلي وأولاده .

وبهذا العسل المسموم والسلام الغادر، قتل معاوية الإمام الحسن بن علي عليه السلام والإمام علي بن الحسين عليه السلام والإمام الباقر عليه السلام والإمام الصادق والإمام الكاظم عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام.

وبالأموال العامة اشترى معاوية الناس، واصطنع الأنصار والمحاربين فإذا تأفف الناس من ابنه يزيد، الخمير الفاجر وأبوا أن يبايعوه قال لهم متوعداً :

«أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منکم فيكذبني على رؤوس الناس، فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه »(1).

من ذا الذي يجرأ بعد هذا التهديد أن يقول شيئاً وقد سمع ما سمع!! . ثم أمر فبنى عليه أسطوانة وهو حي فمات فيها .

ثم من ذا الذي يستطيع أن يدفع صوته وهو يری ویری منادي بني أمية ينادي بالخروج إلى قتال الحسين في كربلاء ولا يخرج؟ وأي ترهيب يرهب به أعداء علي وأعداء أولاده أكثر مما أنزلوا بالحسين وأولاده وعياله وأنصاره من التقتيل والقساوة والاجرام على نحو لم يرو التاريخ مثيلاً في جميع أدواره؟.

وفي كربلاء وقف الإمام الحسين عليه السلام يخطب في جيش يزيد بن معاوية قبيل المعركة قائلاً :


1) الإمام علي، جورج جرداق، ص 215.

... أما بعد فانسبوني، وانظروا من أنا؟ ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي؟ وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه؟ وابن عمه؟ أوليس جعفر السيد الطيار في الجنة عمي؟ أولم يبلغكم قول مستفيض: إن رسول الله صلی الله علیه واله قال لي ولأخي: (أنتما سیدا شباب أهل الجنة)، فإن صدقتموني بما أقول ؟ وما أقول وهو الحق - والله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم، يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله، أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟».

ثم واصل الإمام الحسين علي خطبته فقال :

«... أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو بمال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ ... فماذا كان جواب القوم؟ كان ذلك الهجوم الذي سؤدوا منه وجه التاريخ، فوضعوا سيوفهم في رقبة ابن بنت رسول الله ورقاب أولاده وأصحابه وما انجلى اليوم العاشر من محرم حتى تساقطت اثنتان وسبعون جثة من الأشراف والأطهار، جزوا رؤوسهم، ومثلوا بهم، وداست خيولهم الصدور المؤمنة الطاهرة.

ثم صاح بهم صائحهم «احرقوا بيوت الظالمين»، فإذا بالنيران تلتهم مخيم الإمام علیه السلام ومخيم أنصاره، فتفرق النساء والأطفال مذعورين ليس لهم من يلتجئون إليه، ولا من يحتمون به. وتساق عيال الحسين عليه السلام سبايا إلى الشام، ويطوفون بها المدن والدساتر، ورأس الحسين ورؤوس أولاده وأصحابه مرفوعة فوق الرماح وبمشهد من آل بیت رسول الله صلی الله علیه واله وهذا مسلم بن عقبة أحد صنائع یزید بن معاوية ، وهو على ما وصفه المؤرخون : أعور، أمغر، ثائر الرأس، شیخ مریض : أباح المدينة حرم النبي صلی الله علیه واله ثلاثة أيام، واستعرض أهلها بالسيف فجز رؤوسهم حتى ساخت الأقدام في الدم...!! وقتل أبناء المهاجرين والأنصار، وذرية أهل بدر، وأخذ البيعة

ليزيد بن معاوية ، السکير الخمير الفاجر، على كل من استبقاه من الصحابة والتابعين ..!!.

وانطلق جنده في المدينة إلى جوار قبر النبي صلی الله علیه واله يأخذون الأموال ويفسقون بالنساء ...!! حتى بلغ القتلى في تقدير المؤرخين سبعمائة من وجوه القوم وعشرة آلاف من الموالي!.

ثم كتب إلى معلمه یزید بن معاوية بن أبي سفيان يصف له ما فعل وصف البطل الظافر المتهلل بعد كلام طويل يقول:

«... فادخلنا الخيل عليهم... فما صليت الظهر - أصلح الله الأمير - إلا في مسجدهم : بعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف، وقتلنا من أشرف لنا منهم، وأتبعنا مدبرهم !! وأجهزنا على جريحهم،وانتهبناها ثلاثاً - كما قال أمير المؤمنين - أعز الله نصره - وجعلت دور بني الشهيد عثمان بن عفان في حرز وأمان، والحمد لله الذي شفا صدري من قتل أهل الخلاف القديم، والنفاق العظيم، فطالما عثوا وقديماً ما طغوا.

أكتب هذا إلى أمير المؤمنين وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفاً مريضاً ما أراني إلا لما بي، فما كنت أبالي متي مت بعد هذا اليوم !!؟؟(1).

ماذا تراني أقول بعد هذا !! أي حقد هو؟ وأي إجرام وأي ضلال يقول العقاد في تعليل هذا الحقد الدفين:

«وكان هذا الحقد المتأجج في هذه الطوية العفنة إنما هو الحقد في طبائع المسخاء الشائهين ... يوهم نفسه أنه الحقد من ثأر عثمان أو من خروج قوم على ملك يزيد».

كان هذا الحقد منصباً بصورة خاصة على علي وأولاده وأنصاره، وقد


1) الإرشاد ص 227 و مروج الذهب ج2 ص 65.

ذهب الكثير منهم ضحية تلك القساوة والهمجية سواء في الحجاز أو اليمن أو العراق. وما قتل زید بن علي بن الحسين في الكوفة سوى شاهد آخر من حقد الأمويين على علي وذريته.

وحين ولي الحكم الوليد كتب إلى عامله في العراق وكان يوسف بن عمر الثقفي وقال له : «إذا أتاك كتابي هذا فأنظر عجل العراق - يعني به جسد زید بن علي - فأحرقه ثم انسفه في اليم نسفاً».

وقد نفذ يوسف بن عمر أمره وأمر خراش بن حوشب: «فأنزل زيداً من جذعه، وأحرقه بالنار، ثم رضه فاجعله في قوصرة، ثم في سفينة ثم ذره في الفرات»(1).

فأية حادثة من حوادث التاريخ أشد فظاعة وأقسى وأشرس على علي وأولاده ومشايعيه . لقد قتلوا النفوس البريئة الطاهرة وصلبوا الأجساد على جذوع الأشجار، ونبشوا القبور، ولو كان قبر الإمام علي معروفاً في أول أمره لما تجاوزوا عنه ولما تخلوا عن نبشه؟! والمنصور فعل ما فعل بالعلويين وقد روى التاريخ عن بطشه بأولاد علي ما تقشعر له الأبدان لشدة الفتك وضروب القتل والسجن في بطون الأرض. وقد فعل ببني الحسن خاصة أقسى ما يفعله الوحش الهائج. فقد أخذ من العلويين مشايخهم مثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وكان هذا شيخ الطالبيين في عصره - وأخذ بنيه ، وإخوته، وبني إخوته سادات بني الحسن وسجنهم وقتل عدداً منهم في السجن، ومات الآخرون في سجنهم(2).


1) تاریخ الأمم والملوك (الطبري) ج 5 ص 538 وكانوا قد قطعوا رأس زيد وصلبوا جسده أياماً ثم بعثوا برأسه إلى هشام بن عبد الملك فأمر به فنصب على باب مدينة دمشق ثم أرسل به إلى المدينة ، ثم حمل إلى مصر فنصب بالجامع راجع الأعلام للزركلي (زيد بن علي).

2) راجع مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص 178.

ومن غرائب ظلم المنصور وقساوته على أبناء علي وأصحابه : أن رجلاً من بني الحسن جاء حتى وقف على باب المنصور، فقال له المجرم :

• ما جاء بك؟

قال : – جئت حتى تحبسني عند أهلي فإني لا أريد الدنيا بعدهم.. فحبسه معهم، وكان ذلك الرجل علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان من أحسن الناس صورة.. حتى كان يسمى: (الديباج الأصفر) لحسنه وجماله، فأحضره المنصور وقال له :

• أنت الديباج الأصفر؟

قال : - كذا يقولون.. قال المنصور : - لأقتلنك قتلة لم أقتلها الأحد..!!

فقال : القدوم على الله ونبيه، وعلى وصيه ، أحب إلينا من دخول النار».

هذا بالإضافة لملاحقة المنصور (للنفس الزكية) وقتله إياه، وملاحقة إبراهيم بن عبد الله ، والمئات من مشاهير السادات العلويين الذين لاحقهم بنو العباس وشردوهم في الأصقاع، حتى اضطر أكثرهم إلى تغيير أسمائهم وهويتهم وزيهم، فحشروا أنفسهم بين الطوائف المسيحية، والتظاهر بدین غير دينهم، إيغالاً في التستر، حتى لم يبق اليوم من يعرف تاريخ أسرته من أبناء أولئك المتسترين، وما يعرف تاريخ أسرته إلا القليل.

قال المعري في علي والحسين عليه السلام :

وعلى الدهر من دماء الشهيد***ین علي ونجله شاهدان

فهما في أواخر الليل فجرا***ن، وفي أولياته شفقان

ثبتا في قميصه ليجيء الح ***شرمستعدياً إلى الرحمن

يقول جورج جرداق :

«وإني لأرى من لوعة العاطفة في هذه الأبيات الثلاثة، ومما يختفي وراءها من ثورة الفكر والوجدان، ما هو حقيقي بأن يجمع القول المتلوع الثائر في امتداد المأساة العلوية إلى مآسي أنصار الحق الذين أوذوا وجلدوا واضطهدوا، وشردوا في المفاوز والفلوات ليموتوا جوعاً وبرداً ودفنوا أحياء، وصلبوا، وأحرقوا مع إخوانهم وأولادهم، أنفة منهم لأن يخونوا ضمائرهم، فيتبرأوا من الإمام علي أسوة العبيد، وينكروا شرف الخلق الإنساني الذي استشهد الإمام في سبيله . ثم أردف:

ولكني أحس أن المأساة العلوية التي امتدت عصوراً طوالاً تحيا بهذه الأبيات الثلاثة مادة وروحاً».

«لقد أسرف خصوم الأسرة العلوية وأنصارها في محاربتها، وأذاقوها ضروب النكال، وصبوا عليها صنوف العذاب ، ولم يرعوا لها حقاً ولا حرمة وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال في عنف لا يشوبه لين وقسوة لا تمازجها رحمة، حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال في فظاعة النكال. وقد فجرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودة في قلوب الناس، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم، وصارت مصارع الشهداء حديثاً يروى، وخبراً يتناقل، وقصصاً يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم وارواء مشاعرهم»(1). فتطلبوه وحرصوا عليه.

وقد استجاب الرواة والمؤلفون لنداء هذه الرغبة العارمة، فشرعوا يؤلفون أخبارهم، ويسطرون فضائلهم ويؤرخون مقاتلهم .

من هؤلاء العلماء نذكر : أبو مخنف المتوفي قبل سنة 170 ه فقد ألف مقتل علي ومقتل الحسين عليه السلام (2).


1) المرجع السابق، ص 361.

2) الفهرست لابن الندیم ص 136.

وألف نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212ه، مقتل الحسين (1).

وألف الهيثم بن عدي المتوفى سنة 207ه أخبار الحسن(2).

وألف الواقدي مقتل الحسن والحسين (3).

وألف ابن النطاح مقتل زید بن علي(4).

وألف الغلابي مقتل علي ومقتل الحسن(5).

وألف الأشناني مقتل الحسن ومقتل زیدبن علي(6).

وألف عمر بن شبة مقتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن (7).

وألف المدائني كتاب أسماء من قتل من الطالبيين(8).

ثم جاء أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 فألف مقاتل الطالبيين أو كما سماه ابن النديم : مقاتل آل أبي طالب(9).

وترجم الأصفهاني في كتابه هذا الشهداء من ذرية أبي طالب منذ عصر الرسول صلی الله علیه واله إلى الوقت الذي شرع فيه المؤلف سنة 313ه.

وقد ترجم أبو الفرج إلى حين هذا التاريخ لنيف ومائتين من شهداء الطالبيين، وكلهم من سراة القوم، ومن الأئمة والوجوه، وأعلام الأدب


1) المصدر نفسه ص 136 -137.

2) المصدر نفسه ص 137

3) المصدر نفسه ص 146.

4) المصدرنفسه ص 144 ومعجم الأدباء ج18 ص 282.

5) المصدر نفسه ص 156.

6) المصدر نفسه ص 166.

7) المصدر نفسه ص 166.

8) المصدر نفسه ص 163.

9) المصدر نفسه ص 163.

والشعر، والعلم والفضيلة ممن قتلوا ظلماً وعدواناً بسيف الظالمين الحاقدين المرتزقة من ملوك الأمويين والعباسيين.

هذه بعض الشواهد على سبيل الذكر لا الحصر، وهنالك المئات من الشواهد التي عملت الدعاية للحكام الظالمين من جهة، والتنكيل بعلي وأولاده لطمس معالمهم واجتثاث جذورهم من جهة أخرى. وقد نجد هذه الشواهد في جميع الكتب التي ألفت قديماً والكتب التي ألفت حديثاً عن علي وأولاده وما لقوا من أعدائهم من ظلم واضطهاد وقسوة . نذكر من هؤلاء:

1- عبد الفتاح عبد المقصود 2- وكتاب الشيخ العلامة عبد الله العلايلي، 3- وکتاب جورج جرداق. 4- وكتاب عباس محمود العقاد . 5- وكتاب الشيخ محمود أبو رية 6- وكتاب جرجي زيدان 7- وكتاب الشيخ خالد محمد خالد.

وغيرهم من الكتب التي عرضت لمصائب علي وآل بيته من الاضطهاد والتنكيل بالإضافة إلى دواوين الشعر التي تضمنت العجائب مما استخدمه خصوم علي ليطمسوا ذكره ويضللوا أفكار الناس فيه، ويشوهوا الحقائق كل هذه الوسائل من ترغيب وترهيب لم تحقق شيئاً لأعداء علي وآل بيته بل انقلب السحر على الساحر وبقي علياً كما هو إنساناً كبيراً عظيماً تمثلت فيه كل عناصر الإنسانية لتخلده مدى الدهر مثلاً کریماً للعدل والكرامة، والعفةوالشهامة، والحنان والرأفة، والأدب البليغ الذي ما عرف له نظير بعد أدب القرآن الكريم. وستظل هذه الشخصية الفريدة موضوع بحث الباحثين والأدباء في ميادين الحكمة، والفلسفة، والأدب إلى نهاية عمر البشرية، إذا كان لعمر هذه البشرية من نهاية ، وذلك لتعدد نواحيها وجوانبها، واتساع آفاقها.

وإذا غفل التاريخ برهة من الزمن، ولم يذكر اسم علي، فقد قام هناك أولاد علي في مختلف الأدوار ليذكروا الناس بقيمة علي، وبجدودهم الأطهار وقيمهم المشرقة في حياة البشرية ووجود الإنسانية فيما يقدمونه

للناس من سيرة تأسر القلوب وتمتلك الأفئدة، وتضرب الأمثال الحسنة للمدى الذي يستطيع الإنسان أن يبلغه من ذروة المجد فتعود الألسن لتلهج بذكرعلي، وتشيد بمآثره، وتمجد أفضاله.

يقول عباس محمود العقاد: «... وإنك لتنحدر مع أعقاب الذرية في الطالبيين أبناء علي والزهراء مائة سنة ومائتي سنة وأربعمائة سنة ، ثم يبرز لك رجل من رجالها فيخيل إليك إن هذا الزمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع وأصله في الخصال والعادات ، كأنما هو بعد أيام معدودات لا بعد المئات من السنين، ولا تلبث أن تهتف عجباً :

إن هذه الصفات علوية لا شك فيها، لأنك تسمع الرجل منهم يتكلم ويجيب من يكلمه، وتراه يعمل ويجزي من عمل له، فلا يخطىء في كلامه ولا في عمله ، تلك الشجاعة والصراحة، ولا ذلك الذكاء والبلاغ المسکت ولا تلك اللوازم التي اشتهر بها علي وآله وتجمعها في كلمتين اثنتين تدلان عليها أوفي دلالة وهما: (الفروسية الرياضية).

طبع صريح، ولسان فصيح، ومتانة في الأسر يستوي فيها الخلق، ونخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنة المروءة والإباء»(1).

•

هذه الشخصية الفريدة - شخصية الإمام علي - تحدت كل الوسائل الفعالة التي يكفي أن يغير بعض مفعولها حقيقة الأمم وواقعها، ويبدل مجری التاريخ وحقيقته .

•

وهذه الشخصية التي تحدت الزمن رغم الدسائس والمؤامرات والحروب وبقيت متمسكة بالحق مهما حاول السياسيون المنحرفون الوقوف في وجهها وعرقلة مسيرتها الحقة.

•

وهذه الشخصية العظيمة التي عاشت في أحضان النبوة وشربت من


1) أبو الشهداء الحسين بن علي، ص 51 - 52.

معينها الصافي الزلال وتثقفت بأخلاق القرآن الكريم فاستوعبته وفهمته ووضحت معالمه لكل سائر قريب أو بعيد، خليفة أو من عامة المجتمع .

•

هذه الشخصية العالمية كانت ولم تزل ملء العين وملء القلب ، وملء الروح والقدوة المثالية عند ذوي العقول النيرة، وعند الباحثين عن الإنسانية الكاملة في دنيا البشرية .

•

هذه الشخصية التي لم تكتف بأن تصمد وتثبت كالجبل الراسي أمام تلك الزعازع والعواصف التي نسجتها الدعاية بكل ألوانها : من وعد ووعيد وحسن جراء ونقمة وترهيب أصبحت مبعث الحياة ومأمل الآمل رغم كل الحروب التي شنت عليها -حتى ألفت فيها الكتب، ووضعت عنها الدراسات، ونقلت عنها الشواهد والأمثلة، فكانت نبراساً منيراً يهتدي به التائه في ظلمات الدنيا من شرقيين وغربيين، وعرب و غیر عرب ومسلمين وغير مسلمين. ولم يطلع فجر جديد على الناس حتى يخرج علينا أدباء وعلماء وحكماء ومؤرخون وباحثون بكتاب جديد يحمل فكرة جديدة عن هذه الشخصية الفريدة العجيبة التي ضربت أروع الأمثال الأسمى الأفكار في أسمى النفوس من دنيا البشرية وعجز الدهر أن يزعزعها أو يغير شيئاً من جوهرها.

والغريب العجيب كيف حدث ما حدث من ظلم وقهر وقتل وتشريد ضد علي وضد أولاده وشیعته والنبي صلی الله علیه واله يقول عنه أقوالاً شهد بها كبار العلماء وصفوة المؤرخين وأعظم الكتاب والباحثين.

ألم يسمعوا هؤلاء؟! ألم يفكروا في مصيرهم وآخرتهم؟!.

ألم يبقى في ضمائرهم عرق ينبض ليمنعهم عن سفك دماء أهل بيت رسول الله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً؟!.

وهذه بعض أقوال الرسول الأكرم صلی الله علیه واله في علي عليه السلام على سبيل الذكر لا الحصر .

•

روى البخاري ومسلم بسندهما عن النبي صلی الله علیه واله ، أنه قال لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى».

•

وروى الترمذي بإسناده عن ابن عمر، قال : «آخى رسول الله بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله صلی الله علیه واله : أنت أخي في الدنيا والآخرة»(1).

هذه المؤاخاة وقعت بعد الهجرة فقد آخى النبي صلی الله علیه واله بين المهاجرين والأنصار لزيادة الرابطة والمودة بينهما، وبهذا الحديث امتاز علي عن بقية الأصحاب.

• وروى ابن حجر العسقلاني قال : «سمعت رسول الله والله صلی الله علیه و اله يقول : من أحب علياً في حياته ومماته كتب له الأمن والأمان»(2).

وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال : قلت للنبي صلی الله علیه واله ؟ یا رسول الله للنار جواز؟

قال : نعم.

قلت: وما هو؟

قال : حب علي بن أبي طالب (3).

وقال عمر بن الخطاب : قال رسول الله صلی الله علیه واله: حب على براءة من النار (4).

• وروى ابن ماجة بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال:

«دخل سعد على معاوية فذكروا علياً فنال منه معاوية ، فغضب سعد


1) سنن الترمذي، ج 5، ص 300.

2) الإصابة ج3 ص 613.

3) تاریخ بغداد ج 3 ص 161 ولسان الميزان ج4 ص 424.

4) ينابيع المودة للقندوزي ص 180.

وقال : تقول هذا الرجل سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: (من کنت مولاه فعلي مولاه) وسمعته يقول: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وسمعته يقول: لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله»(1).

معاوية يعرف كل هذا ويعرف محبة النبي لعلي لكنه يعرف ويحرف يحب المال والسلطان وزخارف الدنيا ولا هم عنده سوى الملك؟.

•

وروى الأربلي بإسناده عن زيد بن العوام وأبي أمامة قالا: قال رسول الله صلی الهه علیه واله: إذا كان يوم القيامة جيء بميزان العالم، حب علي بن أبي طالب عليه السلام كفتاه ، وحب الحسن، والحسين وحب فاطمة علاقته ، يوزن به محبة المحب والمبغض لي ولأهل بيتي . {فَأَماَ مَن ثَقُلَت مَوَزِينه فَهُوَ فِي عِيشَةٍرَاضِيَة وَأَمَا مَن خَفَت مَوزِینهُ فأمهُ هَاوِیة }(2).

•

وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي ذر الغفاري قال: «قال رسول الله صلی الله علیه واله من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني»(3).

•

وروى ابن كثير بإسناده عن عبد الله بن مسعود:

«سمعت رسول الله يقول : من زعم أنه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض علياً فهو كاذب وليس بمؤمن»(4).

فهل عرف معاوية ومعاونوه أين أصبحت منزلتهم؟!.

• وروى الكراجكي بإسناده عن جابر بن عبد الله ، قال :

«سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول : أول من يدخل الجنة من النبيين والصديقين علي بن أبي طالب، فقام إليه أبو دجانة الأنصاري فقال : ألم


1) سنن ابن ماجة ج 1 ص 45.

2) المستدرك على الصحیحین، ج 3، ص 142.

3) المصدر نفسه، ج 3، ص 121.

4) البداية والنهاية ج 7ص 355.

تخبرنا یا رسول الله عن الله سبحانه أنه أخبرك أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك ؟ قال : بلى، ولكن أما علمت أن حامل لواء القوم أمامهم، وعلي بن أبي طالب حامل لواء الحمد يوم القيامة بين يدي يدخل به الجنة وأنا على أثره. فقال علي : الحمد لله الذي شرفنا بك يا رسول الله»(1).

• وروى المتقي بإسناده عن ابن عباس :

«اللهم أعنه وأعن به، وارحم به، وانصره وانصر به، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه يعني علياً»(2).

• وروى الخطيب الخوارزمي بإسناده عن النبي صلی الله علیه واله قال :قال رسول الله صلی الله علیه واله: يا علي أنت قسيم النار والجنة وأنت تقرع باب الجنة، وتدخلها أحباءك بغير حساب»(3).

وفي حب علي نزلت عدة آيات في القرآن الكريم نذكر منها قوله تعالى : {طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ}(4).

روى الخطيب البغدادي بإسناده عن علي بن الحزور قال :

سمعت أبا مريم الثقفي يقول : سمعت عمار بن یاسر يقول : سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول لعلي علیه السلام :

«يا علي طوبی لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك»(5).


1) المناقب ص 227.

2) کنز العمال ج 11 ص 610.

3) المناقب ص 229، وابن كثير في البداية والنهاية ج 7 ص 355، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ج3 ص 247.

4) سورة الرعد، الآية 29.

5) المناقب، ص 58، والدر المنثور للسيوطي، ج 4، ص 59.

-وأخرج الثعلبي عن الإمام الباقرعليه السلام قال : سئل رسول الله صلی الله علیه واله عن قوله تعالى :{الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ طوبی لهم و حُسنُ مَئَابِ }.

فقال صلی الله علیه واله: هي شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة . فقيل له : یا رسول الله سألناك عنها فقلت : هي شجرة في أهل الجنة أصلها في دار علي وفاطمة واحد غداً في مكان واحد، وهي شجرة غرسها الله تبارك وتعالى بيده ونفخ فيها من روحه(1).

أما الأحاديث الواردة فيمن يبغض الإمام علياً فهي كثيرة أيضاً وإليك بعضها :

قالوا في شأن نزول الآية الكريمة : {وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}(2)روی العلماء في كتب التفسير والحديث عن ابن عباس، عن أبي سعيد الخدري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أبي ذر الغفاري، عن ابن مسعود وعن غيرهم قالوا :{وَلَتَعرِفَنَّهُم في لَحنِ القَول }ببغضهم علي بن أبي طالب (3).

وذكر الحديث بلفظ مشابه الحافظ الذهبي في تاريخ دول الإسلام ج1 ص 20 فقال : قال النبي صلی الله علیه واله لعلي:

«لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»(4).

وسوف نورد بعض ما قاله الصحابة في فضائل علي بن أبي طالب .

أبو سعيد الخدري:

قال خثيمة : «سمعت سعد بن مالك (يعني أبو سعيد الخدري) وقال له رجل : إن علياً يقع فيك إنك تخلفت عنه ، قال سعد: والله إنه لرأي رأيته


1) طبقات الحنابلة محمد بن أبي يعلي ج 1 ص 320

2) سورة محمد : الآية، 30.

3) ذكر الحديث الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب ج 2، ص 464.

4) جامع الاصول، ابن الأثير، ج 9، ص 473.

وأخطأ رأي، وإن علي بن أبي طالب علیه السلام أعطي ثلاثاً لئن أكون أعطيت إحداهن أحب إلي من الدنيا وما فيها . لقد قال رسول الله صلی الله علیه واله يوم غدیر خم بعد حمد الله ، والثناء عليه :

هل تعلمون أني أولى بالمؤمنين؟ قلنا: نعم، قال : اللهم من کنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ، وجيء به يوم خيبر وهو أرمد ما يبصر ، فقال : يا رسول الله صلی الله علیه واله إني أرمد، فتفل في عينيه ودعا له فلم يرمد حتى قتل وفتح عليه خيبر، وأخرج رسول الله عمه العباس وغيره من المسجد، فقال له العباس: تخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك وتسكن علياً؟

فقال : ما أنا أخرجتكم وأسكنته ، ولكن الله أخرجكم وأسكنه »(1).

سلمان الفارسي:

قال سلمان الفارسي: «أول هذه الأمة وروداً على نبيها صلی الله علیه واله الحوض أولها إسلاماً علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه»(2).

جابر بن عبد الله الأنصاري:

قال جابر بن عبد الله الأنصاري: «لقد سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول في علي خصالاً لو كانت واحدة منها في رجل اكتفى بها فضلاً وشرفاً قوله صلی الله علیه واله: من کنت مولاه فعلي مولاه، وقوله : علي مني کهارون من موسی، وقوله : علي مني وأنا منه ، وقوله : علي مني کنفسي طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي، وقوله : حرب علي حرب الله ،وسلم علي سلم الله ، وقوله : ولي علي ولي الله، وعدو علي عدو الله، وقوله : علي حجة الله على عباده ، وقوله : حب علي إيمان، وبغضه كفر، وقوله: حزب علي حزب


1) تاریخ الطبری ج3 ص 149.

2) الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 102.

الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان، وقوله : علي مع الحق، والحق مع علي، لا يفترقان، وقوله : علي قسيم الجنة والنار ، وقوله : من فارق علياً فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله ، وقوله صلی الله علیه واله: شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة »(1)وقال :

-«قال رسول الله صلی الله علیه واله : أنا سيد النبيين وعلي سید الوصیین، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم علي وآخرهم القائم المهدي»(2).

أبو بكر:

قال الشعبي: «رأي أبو بكر علياً ، فقال : من سره أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول الله صلی الله علیه واله، وأقربه قرابة ، وأفضله دالة، وأعظمه عناء عن نبيه فلينظر إلى هذا» ويعني علي بن أبي طالب (3).

عمر بن الخطاب:

قال عمر بن الخطاب : ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال :

1- تزويجه فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله.

2 - وسکناه المسجد مع رسول الله صلی الله علیه واله، يحل له ما يحل له .

3- والراية يوم خيبر(4).


1) ينابيع المودة للقندوزي الباب السابع ص 55.

2) نفسه الباب السابع والسبعون ص 445.

3) المناقب للخوارزمي، الفصل التاسع عشر، ص 210.

4) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 125.

وقال عمر أيضاً:

«إني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله، يقول : لو أن السماوات والأرض وضعت في كفة ميزان، ووزن إيمان علي لرجح إيمان علي على السماوات والأرض»(1).

أم سلمة:

«بلغ أم سلمة أن مولى لها ينتقص علياً - كرم الله وجهه - فأرسلت إليه وقالت له: يا بني أحدثك بحديث سمعته من رسول الله قال صلی الله علیه واله : يا أم سلمة ، اسمعي واشهدي هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وحامل لوائي في الدنيا، وحامل لواء الحمد غداً في القيامة، وهذا علي وصيي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي المنافقين يا أم سلمة هذا على سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، قلت : يا رسول الله :

من الناكثون؟ قال : الذين يبايعونه بالمدينة، وينكثون بالبصرة .

قلت : من القاسطون؟

قال :

ابن أبي سفيان وأصحابه من أهل الشام .

قلت :

من المارقون؟ قال : أصحاب النهروان.

فقال مولاها : فجازك الله عني لا أسبه أبداً»ثم أردفت وقالت : «أخذ رسول الله بيد علي بغدير خم فرفعها حتى رأينا بیاض إبطه فقال: من کنت مولاه فعلي مولاه، ثم قال : أيها الناس إني مخلف فيكم الثقلين :كتاب الله و عترني ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض»(2).


1) المناقب للخوارزمي الفصل الثالث عشر ص 77.

2) ينابيع المودة، الباب الخامس عشر، ص 81.

أبوز ذر الغفاري:

أسند أبو ذر ظهره إلى الكعبة، فقال : أيها الناس هلموا أحدثكم عن نبیکم، سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول لعلي: ثلاث لأن يكون واحدة منهن أحب إلي من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول لعلي: أللهم أعنه واستعن به، اللهم انصره وانتصر به، فإنه عبدك وأخو رسولك»(1).

وقال أبو سخيلة:

مررت أنا وسلمان بالربذة على أبي ذر فقال : إنه ستكون فتنة فإن أدركتموها فعليكم بكتاب الله وعلي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: علي أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة وهو يعسوب المؤمنين»(2).

ابن عباس:

قال ابن عباس : «العلي أربع خصال ليست لأحد:

•

هو أول عربي وأعجمي صلى مع رسول الله صلی الله علیه واله.

•

وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف.

•

وهوالذي صبر معه يوم المهراس، وهو الذي غسله وأدخله قبره»(3).

وقال ابن عباس: «علم رسول الله من علم الله، وعلم علي من علم


1) المناقب للخوارزمي الفصل الرابع عشر ص 92.

2) أنساب الأشراف ج 2 ص 118،

3) أنساب الأشراف ج 2 ص 118 ویوم المهراس: هو يوم أحد جاء فيه علي بماء من المهراس. وانظر: المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 111 والاستيعاب لابن عبد البر القسم الثالث ص 1090 ومجمع الزوائد ج 9 ص 120 وابن عساكر في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب تاریخ مدينة دمشق ج 1 ص 220.

رسول الله، وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم أصحاب محمد علیه السلام في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر، فانظر كيف تفاوت الخلق في العلوم والفهوم»(1).

سعد بن أبي وقاص:

روی عبد الله بن أبي نجيع عن أبيه ، قال : «لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص، فقال : يا أبا اسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا ننسى بعض سننه فطف نطف بطوافك ، قال : فلما فرغ أدخله في دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ثم ذكر علي بن أبي طالب فوقع فيه ، قال : أدخلتني دارك وأقعدتني على سريرك، ثم وقعت فيه تشتمه ، والله لأن تكون في أحد خلاله الثلاث أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون قال لي ما قال له، حين رآه غزا تبوكاً : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

ولأن يكون قال لي ما قال له يوم خيبر : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ولأن أكون صهره على ابنته ولي منها من الولد، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

ثم قال لمعاوية لا أدخل عليك داراً بعد اليوم، ثم نفض رداءه وخرج»(2).

وقال: «لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسب علياً ما سببته أبداً بعدما سمعت من رسول الله صلی الله علیه واله ماسمعت».


1) كفاية الطالب، ص 51 - 52.

2) تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 218.

والغريب العجيب أن كل الناس تسمع ما قاله النبي ومعاوية لا يسمع(1)!!!.

عبد الله بن عباس:

قال عبد الله بن عباس : «قلت لابن عم أخبرني عن طوع الناس مع علي، وإنما هو غلام ولأبي بكر من السابقة والشرف ما علمنا، قال : إن علياً كان له ما شئت من ضرس قاطع، البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام والصهر لرسول الله صلی الله علیه واله والعلم بالقرآن، والفقه في السنة والنجدة في الحرب، والجودة في الماعون، إنه كان له ما شئت».

وقال : «سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخباب ، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، أن علياً أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره ولما دخل علي عليه السلام الكوفة دخل عليه حكيم من العرب، فقال : والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زينتك، ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها»(2).

وهذا أمر صحيح وواقعي الإمام علي ما أراد الخلافة لنفسه، ولمرکز اجتماعي كبير وقد سمح بها عدة مرات وهو يعلم والناس تعلم أنه هو أحق بها وأن رسول الله صلی الله علیه واله أراده لها، لكنه كانت غايته من تسلم الخلافة خدمة للإسلام والمسلمين في شتى بقاع الأرض .. أراد أن يقضي على الظلم والظالمين ويساعد المظلومين المحقين، ولهذا لقب بأبي تراب لأنه لا يريد الدنيا إلا طریق مرور للآخرة. وقد أوصى جميع أصحابه وأتباعه البعد عن مفاتن الدنيا واغراءاتها إلا أن تكون طريقاً سليماً للآخرة.


1) إن بعض هذه الأحاديث قد نقلتها مكررة على لسان العلماء والثقة ومن مصادرموثوقة للتأكيد لمعاوية وأتباع معاوية اليوم الحاضر الذين لا يسمعون أيضاً.

2) تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 60؛ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب.

قال ابن عباس: «ما انتفعت بكلام بعد النبي صلی الله علیه واله إلا شيء كتب به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كتب : بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد یا أخي فإنك تسر بما يصل إليك مما لم يكن يفوتك ويسوؤك ما لم تدركه فما نلت يا أخي من الدنيا فلا تكن به فرحاً وما فاتك فلا تكن عليه حزناً وليكن عملك لما بعد الموت والسلام»(1).

فالإمام علي رضي بالخلافة ليقيم حقا ويمنع ظلماً ويعمل لتبقى كلمة الله هي العليا، فجهاده كان في سبيل الله ومن أجل خدمة عبيد الله.

قال ابن عباس - وقد سأله الناس - أي رجل كان علياً؟ قال : «كان ممتلىء جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة مع قرابته من رسول الله صلی الله علیه واله»(2).

ما قاله التابعون في فضائل علي بن أبي طالب :

أبو قيس الأودي :

*أبو قيس الأودي (3):

قال أبو قيس الأودي: «أدركت الناس وهم ثلاث طبقات :

•

أهل دين يحبون علياً .

•

أهل دنيا يحبون معاوية .

•

و خوارج(4).

قنبر :

• قنبر(5):

كان يحب علياً حباً شديداً فإذا خرج علي عليه السلام خرج على إثره بالسيف فرآه ذات ليلة فقال : مالك يا قنبر؟ قال :«جئت لأمشي خلفك يا أمير


1) الرياض النضرة ج3 ص 256.

2) كفاية الطالب ص 51-52.

3) اسمه عبد الرحمن، توفي سنة 120 ه الطبقات الکبری ج5 ص 212.

4) الاستیعاب ج3 ص 1115.

5) قنبر : مولى علي بن أبي طالب .

المؤمنين فقال : ويحك ! من أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ فقال : لا بل من أهل الأرض، فقال علیه السلام : إن أهل الأرض لا يستطيعون شيئاً إلا باذن الله فارجع فرجع»(1).

سئل قنبر«من أنت؟

فقال : أنا مولی من ضرب بسيفين، وطعن برمحين وصلى القبلتين وبايع البيعتين، وهاجر الهجرتين، ولم يكفر بالله طرفة عين کریم الأصل، شريف الفضل، فاضل القبيلة نقي العشيرة، زكي الركانة مؤدي الأمانة ، من بني هاشم وابن عم النبي صلی الله علیه واله والإمام مهدي الرشاد مجانب الفساد الأشعث الحاتم البطل الجماجم، والليث المزاحم، بدري مكي، حنفي، روحاني، شعشعاني، من الجبال شواهقها ومن الهضاب رؤوسها، ومن العرب سيدها، ومن الوغاء ليثها، البطل الهمام، والليث المقدام، والبدر التمام، محل المؤمنين، ووارث المشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين والله أمير المؤمنين حقاً حقاً علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات السنية»(2).

عكرمة :

اشارة

*عكرمة(3):

قال سبط الجوزي : «قال عكرمة : وسمع أقواماً يتناولون علياً علیه السلام فقال : ويحكم أتذكرون رجلاً كان يسمع وطء جبريل عليه السلام فوق بيته ولقد عاتب الله أصحاب رسول الله في القرآن ولم يذكره إلا بخير».

وأغرب ما جرى في ذلك الزمن، العصور الأموية والعصور العباسية


1) رجال البرقي، ص4، وتنقیح المقال ج 2 باب القاف ص 30.

2) قادتنا كيف نعرفهم ج5 ص 96-97.

3) عكرمة :كان مولى عبد الله بن عباس، تذکرة الخواص ص 154.

أن الحكام تعاموا عن الحق، الحق الأبلج الصريح الذي يعترف به القاصي والداني، فلم يروا إلا ما يفيدهم شخصياً ولم يسعوا إلا لتحقيق مطالبهم وحاجاتهم وأغراضهم، أما مصالح الأمة الإسلامية فلا تعنيهم من قريب أو بعيد. لذلك وجدناهم يقتلون ويظلمون ويتشردون دون رادع أو ضمير !! حتى أنهم كانوا يختلقون التهم ويدبرون المكايد لأنصار علي بن أبي طالب وأولاده وشیعته وهذه بعض الأمثلة التي سجلها لنا المؤرخون.

فهذا الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بظلمه واجرامه وكرهه العلي بن أبي طالب.

ذات يوم أحب الحجاج أن يصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فيتقرب إلى الله بدمه ، فأشاروا عليه بقنبر، فبعث في طلبه به فأتي به، فقال له : أنت قنبر؟

قال : نعم.

قال : أبو همدان؟ قال : نعم. قال : مولی علي بن أبي طالب علیه السلام قال : الله مولاي وأمير المؤمنين علي ولي نعمتي.

قال : ابرأ من دينه .

قال : فإذا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه؟ قال : إني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك ، قال : قد صیرت ذلك إليك.

قال : ولم؟

قال : لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها، وقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام أن ميتي تكون ذبحاً ظلماً بغير حق، قال : فأمر به فذبح»(1).


1) بحار الأنوار ج 9 ص 630 وتنقیح المقال ج 2 باب القاف ص 30.

محمد بن أبي حذيفة :

• محمد بن أبي حذيفة(1):

لما توفي علي بن أبي طالب أخذه معاوية وأراد قتله فحبسه في السجن دهراً. ثم قال معاوية ذات يوم : ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره بضلاله وبأمره أن يقوم فيسب علياً؟

قالوا: نعم، فبعث إليه معاوية فأخرجه من السجن.

فقال له معاوية : يا محمد أما آن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوماً، وأن عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه ، وأن علياً هو الذي دس في قتله، ونحن اليوم نطلب بدمه؟ قال محمد بن أبي حذيفة :

إنك لتعلم بأني أمس القوم بك رحماً وأعرفهم بك ، قال : أجل، قال : فوالله الذي لا إله غيره ما أعلم أحداً أشرك في دم عثمان وألب عليه غيرك، لما استعملك ومن كان مثلك، فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى، ففعلوا به ما بلغك ووالله ما أحد اشترك في قتله بذيئاً وأخيراً إلا طلحة والزبير وعائشة ، فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا الناس عليه، وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعاً، قال : قد كان ذلك ، قال :

والله منذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق واحد ما زاد فيك الإسلام قليلاً ولا كثيراً، وأن علامة ذلك فيك لبينة ، تلومني على حبي علياً ،خرج مع علي كل صوام قوام، مهاجري وأنصاري، وخرج معك أبناء المنافقين، والطلقاء والعتقاء. خدعتهم عن دينهم وخدعوك عن دنياك والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت ، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلوا أنفسهم


1) ابن خال معاوية كان من خيار المسلمين قال أبو الحسن الرضا عليه السلام : كان أميرالمؤمنين يقول علیه السلام : إن المحامدة تأبى أن يعصي الله عزوجل: محمد بن جعفر، محمد بن أبي بكر، محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أمير المؤمنین .

بسخط الله في طاعتك، والله لا أزال أحب علياً لله وأبغضك في الله وفيرسوله أبداً ما بقيت، قال معاوية : إني أراك على ضلالك بعد، ردوه، فردوه وهو يقرأ في السجن { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَني إِلَيْهِ }[يوسف: 33] فمات في السجن.

ما يلفتنا في هذه القصة عدة نقاط :

•

لوم معاوية لمحمد لأنه يناصر علي بن أبي طالب الكذاب !!! .

•

معاوية يرى أن محمداً في حبه لعلي بن أبي طالب قد أخطأ .

-جرأة محمد وجوابه المحكم هو يحب علياً لله ويبغض معاوية لله . فيا سبحان الله أين الحق وكيف ينظر إليه معاوية؟! فإذا كان علي قد صنفه معاوية مع الكذابين فماذا يمكن أن نقول عنه؟ وبأي خانة يمكن أن نضعه؟ ألم يسمع ما قال رسول الله في علي : علي مع الحق والحق مع علي؟! ألم يسمع ما ردده كبار الصحابة أحاديث تشيد بعلي حتى أن النبي آخاه وسواه بنفسه : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .

وأنا من علي وعلي مني، وعلي مني کهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1)الحق يبقى حقاً مهما حاول المنافقون والدجالون والمنحرفون أن يخفوه والغيمة في السماء مهما كانت كثيفة سوف تزول وتظهر الشمس بنورها الساطع. وإذا كلفنا المتنبي بالرد على معاوية لقال :

وإذا أتتك مذمتي من ناقص ***فهي الشهادة لي بأني كامل.

• والنقطة الثانية :

يرى معاوية أن محمد بن أبي حذيفة -وهو ابن خاله - هو ضال في حبه لعلي .

فلا ندري ما هو مقياس الضلالة عند معاوية !!!.


1) کنز العمال، ح32878، تاریخ دمشق، ج3 ص 120.

لا شك أن معاوية الداهية يعرف من هو على حق ومن هو على ضلال لكنه تعامی وانحرف وفضل الدنيا والجاه والمال على الآخرة.

وهو يعرف قيمة علي الأدبية والاجتماعية والفقهية والحربية والإنسانية . وقد قال عنه : هو خير خلق الله .

قال جابر : «كنا عند معاوية ، فذكر علياً فاحسن ذكره وذكر أبيه وأمه، ثم قال : وكيف لا أقول هذا لهم، وهم خیار خلق الله».

-والنقطة الثالثة:

جرأة محمد وجوابه المحكم. لقد قال الحق بلا خوف ولا وجل مع علمه بغدر معاوية وإجرامه، لقد أحب علياً لله وأبغض معاوية في الله.

ومحمد هذا شبيه بقنبر الذي عرف أن ميتته تكون ذبحاً وظلماً بغير حق وقال الحق في وجه الظالم لأنه أحب لله وأبغض في الله . وهذا هو الحب الحقيقي والحب الثالث و الدائم والحب الصافي الشريف البعيد عن المصالح والكثير الكثير مثل محمد بن أبي حذيفة وقنبر وعبد الله بن عباس وغيرهم وغيرهم أحبوا علياً لأنهم عرفوا أنه على حق وأحبوا الأئمة المعصومين لأنهم على حق وأحبوا أهل البيت لأنهم ورثة الأنبياء والمرسلين والحق منهم ومعهم يدور حيث يدورون.

فالحديث عن أهل البيت كالحديث عن القرآن الكريم، لا ينتهي أمده ولا يقف عند حد ذكره. فإنهما حبلان لا ينقطعان إلى يوم القيامة ، عهد من الله لرسوله أنهما لن یفترقا حتى یردا عليه الحوض.

والآن يجدر بنا أن نتحدث عن حب أهل البيت وولائهم.

بعض صفاته في أخلاقه وسيرته علیه السلام :

روى جماعة منهم: أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء - وابن عبد البر المالكي في الاستيعاب - وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول وغيرهم ...

أنه دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له: صف لي علياً . قال : اعفني . قال : لتصفته. قال ضرار : أما إذا كان لا بد من وصفه فإنه : «كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ویحکم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته . وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبأناه. ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نکلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين. لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول :

یا ربنا، یا ربنا يتضرع إليه ثم يقول : يا دنيا غري غيري إلي تعرضت أم إلي تشوفت هيهات، هيهات قد طلقتک ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير ، وخطرك كبير، وعيشك حقير. آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

فبكى معاوية ووكفت دموعه على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بکمه وقد اختنق القوم بالبكاء. وقال : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار : قال ضرار! حزن من ذبح ولدها بحجرها فهي لا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها ثم خرج.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب ؛ كان علي إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئاً إلا قسمه ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك،ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء ولا يخص به حميماً ولا قريباً، ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه :

«قد جاءتكم موعظة من ربكم، فاوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدین بقية الله خير لكم إن کنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفیظ. إذا أتاك كتابي هذا فاحفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك. ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك».ولا ريب أن مناقبه كثيرة ومواقفه عادلة وشريفة .

اجتماع الأضداد في صفاته علیه السلام :

قال الشريف الرضي في مقدمة نهج البلاغة : ومن عجائبه علیه السلام التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها، أن كلامه في الزهد والمواعظ، إذا تأمله المتأمل وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ولكنه لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت، أو انقطع إلى سفح جبل، لا يسمع إلا حسه ، ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من انغمس في الحرب مسلطاً سيفه ، فيقطع الرقاب، ويجندل الأبطال، ويعود به ينطف دماً، ويقطر مهجاً، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد، وبدل الأبدال ، وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة التي جمع فيها بين الأضداد، وكثيراً ما أذاكرالاخوان بها، واستخرج عجبهم منها؛ وهي موضع للعبرة والفكرة فيها . ثم أضاف ابن أبي الحديد في شرح النهج ما حاصله :

كان أمير المؤمنين عليه السلام ذا أخلاق متضادة منها :

ما ذكره الرضي وهو موضع التعجب، لأن الغالب على أهل الشجاعة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتمرد. والغالب على أهل الزهد والاشتغال بالمواعظ أن يكونوا ذوي رقة ولين؛ وهاتان حالتان متضادتان وقد اجتمعتا له علیه السلام .

ومنها : أن الغالب على ذوي الشجاعة واراقة الدماء، أن يكونوا ذوي

أخلاق سبعية ، وطباع قاسية وحشية، وكذلك الغالب على أهل الزهادة أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق، وعبوس في الوجوه، ونفار من الناس .

وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس(1)، وأزهدهم وأبعدهم عن ملاذ الدنيا، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيام الله، وأشدهم اجتهاداً في العبادة ؛ وكان مع ذلك ألطف الناس أخلاقاً، وأكثرهم بشراً حتى عيب بالدعابة وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة .

ومنها أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرياسة، الكبر والتيه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام لا يشك لا عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسباً بعد النبي صلی الله علیه واله وقد حصل من غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة، ومع ذلك كان أشد الناس تواضعاً لصغير وكبير، وألينهم عريكة، وأبعدهم عن كبر في زمان خلافته وقبلها، لم تغيره الإمرة، ولا أحالت خلقه الرياسة. وكيف ولم يزل رئيساً أميراً قال أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم:

تذاكروا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل خلافة أبي بكر وعلي فأكثروا، فرفع رأسه إليهم وقال : قد أكثرتم أن علياً لم تزنه الخلافة ولكنه زانها.

• ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس أن يكونوا قليلي الصفح لأن القوة الغضبية عندهم شديدة وكان أمير المؤمنين مع شجاعته وكثرة إراقته الدماء كثير الصفح والعفو وقد رأيت فعله يوم الجمل فقد أحسن إلى خصومه وعاملهم أفضل معاملة . وهذه عادة أهل البيت في مناقبهم وعلو أخلاقهم وقد سأل جماعة الإمام زین العابدين عليه السلام : كيف تعامل خصومك

1) كان لواء الرسول بيده في مواطن كثيرة ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله منذ قدم المدينة، إلا تبوك فإنه خلفه على المدينة وعلى عياله بعده وقال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

السفهاء هذه المعاملة الفاضلة التي لا يستحقونها وليسوا من أهلها. فقال لهم عليه السلام :

«إذا لم يكونوا هم أهلها فأنا أهل لها» ولا غرابة فهو ابن أبيه وجده علیه السلام .

• وملخص ما ذكره ابن أبي الحديد وفي اجتماع الأضداد في صفات أمير المؤمنين علیه السلام يقول الصفي الحلي:

جمعت في صفاتك الأضداد*** فلهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاکم حلیم شجاع*** ناسك فاتك فقير جواد

شیم ما جمعن في بشر قط ***ولا حاز مثلهن العواد

خلق يخجل النسيم من اللطف*** وبأس يذوب منه الجماد

جل معناك أن يحيط به الشعر*** وتحصي صفاته النقاد

وقال ابن أبي الحديد في بعض علوياته مشيراً إلى ذلك :

والحبر يصدع بالمواعظ خاشعاً*** حتى تكاد لها القلوب تصدع

حتى إذا استعر الوغی متلظياً*** شرب الدماء بغلة لاتنقع

متجلبباً ثوباً من الدم قانياً*** يعلوه من نقع الملاحم برقع

زهد المسيح وفتكة الدهر التي ***أودى بها کسری وفؤزتبع

وقال الحافظ الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء :

علي بن أبي طالب وسيد القوم محب المشهود و محبوب المعبود باب مدينة العلم والعلوم، ورأس المخاطبات ومستنبط الاشارات، راية المهتدين ونور المطيعين وولي المتقين وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيماناً ، وأقومهم قضية وايقاناً وأعظمهم حلماً، وأوفرهم علماً علي بن أبي طالب کرم الله وجهه قدوة المتقين وزينة العارفين، المنبیء عن حقائق التوحيد صاحب القلب العقول واللسان السؤول والأذن الواعي . فقاء عيون الفتن . فدفع الناكثين ووضع القاسطين ودفع المارقين الأخشن في ذات الله.

وجاء في الإصابة : كان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والاقدام ولم يزل بعد النبي صلی الله علیه واله متصدياً لنشر العلم والفتيا ثم قال :

فلما قتل عثمان بايعه الناس ثم كان قيام طلحة والزبير وعائشة في طلب دم عثمان، فكانت وقعة الجمل ثم قام معاوية في أهل الشام فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكانت وقعة صفين و كل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم ولله الحمد.

وما نلفت إليه أن الحافظ الكبير كيف تلجلج عن ادراك الحقيقة وهي أجلي من الشمس، يقول: اشتهر بالفروسية والشجاعة والأقدام، وكان الأولى به أن يقول: اشتهر بكل فضيلة !! فأي فضيلة لم يشتهر بها اشتهاره بالشجاعة؟!.

لقد اشتهر علیه السلام بالعلم والحلم وحل المشكلات عند القضاء، والزهد والورع والعبادة والعدل والأدب والفصاحة ولم يكن شيء من الفضائل لم يشتهر به.

وقوله: وكل من الفريقين مجتهد، قول صعب التصديق به ممن قتل الأمور بحثاً وتأملاً ولم يشأ أن يقلد من يجوز عليه الخطأ وممن سمع وعرف أن الاجتهاد لا يجوز في مقابل النص، ولا في القطعيات والأمور الظاهرة .

وقوله : وظهر بقتل عمار أن الحق كان مع علي، فيه من التجاهل بالحقائق ما لا ينقضي منه العجب. أفكان قول النبي صلی الله علیه واله : عمار تقتله الفئة الباغية أشهر وأعرف عند الناس من قوله صلی الله علیه واله: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار . يا علي حربك حربي وسلمك سلمي . يا علي من أبغضك فقد أبغضني ومن سبك فقد سبني ... وأمثال هذه الأقوال كثيرة مما شاع وذاع ورواه الجمهور من الصحابة والتابعين؛ ألم يكن واحد من هذه

الآثار كافياً في ظهور أن الحق مع علي فضلاً عن جميعها . ألم يكن في مبايعة المهاجرين والأنصار وإجلاء الصحابة له بالمدينة الذين لم يبايع من تقدمه أكثر منهم دليلاً على أن الحق معه. وما أحسن ما قاله بعض العلماء : العجب من قوم يأخذهم الريب لمكان عمار ولا يأخذهم لمكان علي بن أبي طالب .

إن الحق واضح أبلج، والشمس في ساطعة النهار لا تحتاج إلى دليل ولكن أكثر الناس على دين ملوكهم، همهم مصالحهم الدنيوية الزائلة . ولا غرابة في الأمر فالتاريخ يعيد نفسه، فعلي له محبون وأنصار ومعاوية له محبون وأنصار، همهم جيوبهم وبطونهم !!.

مناقبه وفضائله نظرة سريعة فيها وفي أحواله علیه السلام

اشارة

نبغ في الأزمان على تعاقبها نوابغ عظماء ومفكرون وأدباء يمتازون عن سائر أهل زمانهم، وهؤلاء النوابغ يتفاوتون في نبوغهم وصفاتهم وقدراتهم التي ميزتهم عمن سواهم، سنة الله في خلقه، لكن مهما كثر النابغون في الأزمنة المتطاولة يبقى نابغة الإسلام والمسلمين، بل نابغة الكون المتفرد في صفاته الفاضلة ومزاياه الكاملة، واجتماع محاسن الأضداد فيه هو أمير المؤمنين وإمام المتقين وسيد الوصيين : علي بن أبي طالب عليه السلام ربيب رسول الله صلی الله علیه واله أكمل الخلائق خلقاً وخلقاً .

شخصية علي فريدة فذة يعسر أو يمتنع على الباحث مهما أطال ، ومهما دقق أن يحيط بجميع ما فيها من سمو وتميز على سائر الخلق البشري ومهما حاول الإنسان أن يحيط بجميع صفاته أحس بالعجز، واستولى عليه البهر كما قال المؤلف من قصيدة علوية طويلة قد تزيد على ثلاثماية بيت مطلعها:

صفات علي لا يحيط بها الحصر*** وفي عدها تفنى الدفاتر والحبر

لكننا نحاول قدر الإمكان أن نعطي بعض الأمثلة وعلى الله التوفيق . قال النظام : علي بن أبي طالب محنة على المتكلم وإن وافاه حقه غلا وإن بخسه حقه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن صعبة المرتقى إلا على الحاذق الدين».نأمل أن نكون من الحاذقين الدينين ولا يخفى على كل باحث أن علي بن أبي طالب فرع أصيل من فروع الدوحة لكنه يختلف عن غيره بأشياء وأشياء، هو من النادرين في التاريخ الإنساني، وقد تميز تميزاً

واضحاً يلفت النظر إلى الشكل في الذي هو فوق الأشياء، كأنه من نسيج الفضاء لا تحده حدود. علي عليه السلام لبس درع الرسالة الإسلامية بعد النبي صلی الله علیه واله فوجد في كل حلقة منه نبضة قلب يتفجر عزيمة، والعزيمة تشع كضوء يتماوج بألف لون. ثم نظر إلى موقع قدميه فلمح كوة تنفتح على الجنة، ورفع بصره إلى فوق، فإذا بسمة عريضة من الفم الملائكي وكأنها تقول: سر في درب الشوق وأسرع، فأنت محوط بالعناية الإلهية .

الإمام علي عليه السلام يدرك تماماً أنه مفارق جسده وعيشه، ويعرف أنه قریب بوجه من بسمة الله تعالى، لذلك وقف وقفة بطولية وكأنه وحده، وإن كان الذين من حوله قد قبسوا من ضوئه، وشهدوا فیضان عزته. وقف وقفة بطولية لم يقل فيها «إلهي لماذا تركتني» بل صاح: «إلهي أنا قادم إليك»قالوا له: مد يداً إلى معاوية ... وقالوا له : أكرم طلحة والزبير، وقالوا له غير ذلك. أما هو فقد قال كلمة واحدة رددها أصحابه المخلصون، كلمة ثابتة ، ملتزمة تقول:

الموت البطولي في احقاق الحق وإزهاق الباطل، كلمة كما لم تقله شهادة في تاريخ الأرض. كلمة أخيه النبي الأكرم صلی الله علیه واله التي كتبها من فوح القرآن وبوح جسده الطاهر ذي القلب السماوي، ليعبر الضفة قبالة أخيه المصطفى صلی الله علیه واله وقبالة السيدة الزهراء علیه السلامعليه وعمه جعفرالطيار عليه السلام عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام.

والحقيقة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ليس للشيعة وحدهم، وليس للمسلمين عامة ، بل ما نراه أنه لكل الناس ولجميع بني البشر من كل عرق ولون. إنه كالهواء، وكالماء، وكالضوء حاجة ماسة للجميع ولكل ما هو أرقى وأنقى وأبقى. إنه لما هو أوغل في الحق. صمد بإرادته الفلاذية عندما وعدوه وأخلفوا، صبر بكل عزم عندما رأى أكثر القوم قد جبنوا وتخلفوا فقالوا: اليوم قر وغداً حر...

لقد رفض موائد بني أمية الدسمة، والآلاف المؤلفة التي كان يجمعها

معاوية بن أبي سفيان، كما رفض وحارب جاهلية مروان ومعاوية وعمرو بن العاص... ولم يثنه عن عزيمته في الشهادة ما كان له من مكانة في قلوب المخلصين من الصحابة والتابعين، والمؤمنين برسالة أخيه في الله عليه الصلاة والسلام.

فلقد آثر معاوية كرسيه وبطنه، وآثر یزید شهواته، وآثر المغيرة وعمرو بن العاص لقيمات دنيوية، ومات جميعهم جسماً وذکراً، وبقي الإمام علي عليه السلام يذكر حياً نضراً فواحاً كلما ذکر محمد وآل محمد ورسالة محمد صلی الله علیه واله. فالشفاه التي ترتل اسمه كما ترتل آيات التنزيل،والقلوب التي تلهج بحبه، والعقول التي تتحرك بالاعجاب به، ليست وقفاً على المسلمين، ولا على المئة الأولى من تاريخ الإسلام فهذا أمر ينطبق على الذي يتفوق بحال من الأحوال.

أما أمير المؤمنين عليه السلام فهو لكل حال ولكل الأجيال، لأنه باق في الوجود منذ أن أبدع الله تعالى الخير والمجد والجمال. لقد ذهب الأمويون والعباسيون وترمدوا، وانطفأت قناديل فتوحاتهم، لأنهم كانوا محکومین بغرائز الأثرة والاستبداد وحب التوريث للمال والضياع.

أما علي، أبو تراب، وأبناؤه فقد تمسكوا بشريعة الإسلام الخالدة ، وأحكامه العادلة، ومبادىء الرسول الأعظم الثابتة وأخلاقه الفاضلة، فكان لهم مواقف ثابتة حافظوا عليها، وحقوق معلنة استشهدوا دونها ...

قالوا الحق فلجلج به التاريخ، ووقفوا المواقف الإنسانية فنسخت عن صحفهم البطولات، وبقيت مشاعل صدقهم وشفافية أحكامهم کواکب مشرقة قبالة الشمس لأنها تستوحي نهج رسول الله وتتوهج من نور الله.

ونحن اليوم بعد النبي الأعظم صلی الله علیه واله وبعد علي عليه السلام أكثر عدداً من مسلمي صدر الإسلام، وأقوى عدداً، وأغزر طاقة، نحرك أكثر محركات العالم ببترولنا، وندير أكثر المصارف الأجنبية بأموالنا!! ولكن ما نفع كل هذا

عند كرامتنا وعزة أنفسنا وحقوقنا الشرعية التي اغتصبها اليهود أعداء الإسلام؟!.

إننا عندما نقرأ مناقب الإمام علي عليه السلام ومناقب أولاده وأصحابه المخلصين طلبنا الشهادة التقدم بنا الحياة، ونحيا في فردوس البطولة . وعندما نقرأ مناقب علي علیه السلام أمير المؤمنين وإمام المتقين الذي جمع المتناقضات كما جمعت الطبيعة ألوان قوس قزح، نتذكر قول الحق فينا : کنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر .

والحقيقة أن الكل هباء، فوات، تراب، فناء ما لم يتطلع إلى سمو الحقيقةالعليا، إلى الله جل جلاله ، بيده الخير كل الخير فهو وحده تعالی الدائم الباقي، والذي لا يحب البقاء في رحاب الله ، فهو میت جسداً وذكراً الموقف الموقف، والصدق الصدق، والعدل العدل، والجهاد الجهاد في سبيل الله، والحق الحق، وهذه كلها من شمائل إمامنا العظيم العظيم، ومن شمائل أمتنا الإسلامية الكريمة وبها فضلنا الناس على سائر الناس، ومن أجلها استشهد ويستشهد الشرفاء الأتقياء في لبنان وفلسطين وإيران والإمام علي عليه السلام المجاهد العظيم هزأ بالموت فإذا به ذو عرش على قلوب الملايين، يحتل قلوبهم، ويتملك مشاعرهم ومحبتهم وحسبه أنه قال للموت في خوضه المعارك ضد الكافرين والمشركين، أيها الموت، إني لا أخافك ولا أهابك أريد أن تموت أنت، وأنا سوف أحيا في ضمائر المؤمنين أبقى قطرة في محيط التاريخ الإنساني، وأتجاوز السنين والعصور، وأبقى مع الخالدين. لقد سجلت اسمي في قلب كل مؤمن، وعلقت ذكري على صدور أصحاب المواقف الحقة النبيلة، وبقيت حياً فواحاً في خواطر الابطال الذين أحبوا الحياة الحرة الكريمة.

وبعد أربعة عشر قرناً ونيف، تجد أصحاب العلويين في كل بقاع العالم يسطع من نفوسهم ضوء يهتدي، وعطر يرفع وصوت يهب سامعه إلى نجدة الحق، ونصرة الشمائل. كل ذلك في سبيل الإنسانية والحضارة

الهادفتان إلى الطمأنينة الروحية والسعادة الكونية ، وكلتاهما جناحان خفاقان نحو الصراط المستقیم.

فيا إمامي العظيم كنت للجميع من الناس تسامح المخطىء وتكافيء المحسن وأنت اليوم للجميع همك الإنسان في كل مكان وكم نحن بحاجة إلى فكرك المبدع وأحكامك المستقيمة العادلة، في أيامنا هذه حيث طغى الجور والطمع والفساد .

شجاعة الإمام علي علیه السلام :

وأما عن شجاعة ابن أبي طالب فحدث ولا حرج، شجاعة فريدة ضربت بها الأمثال. لقد باشر الحرب وعمره عشرون سنة أو فوقها بقليل، وعندها نسي الناس من كان قبله ومن يأتي بعده . ففروسية علي من الطراز الأعلى فاقت كل فروسية أخرى في عصره وبعد عصره؛ وإطالة الكلام والاكثار من الشواهد عليه، هدر للوقت. وكفي في ذلك .

إنه علیه السلام ما بارز أحداً إلا غلبه ، ولا ضرب ضربة قط أحوجته إلى ثانية، وما فر في موطن قط ولا ارتاع من كتيبة ، ولا دعي إلى مبارزة فنکل . وهذه كلها من الأمور العجيبة التي لم تتفق لغير أبي الحسن. ومن خلال أقواله علیه السلام يمكن أن توصف الشجاعة بأكثر من ذلك. وهو القائل :

ما بارزت أحداً إلا كنت أنا ونفسه عليه، ولم ألحق مهزوماً، وما جهزت على جريح، وما طعنت أحداً في ظهره!!.

وكانت العرب تفتخر بوقوفها في مقابلته في الحرب. ويفتخر المفتخرون بأنه قاتلهم. ومنهم حيي بن أخطب سيد بني النظير قال : «قتلة شريفة بيد شریف».وافتخرت به أخت عمرو بن ود في شعرها الذي رثت به أخاها. ولما أفتخر حسان بن ثابت بقتل عمرو بن ود في شعره رد عليه فتی من بني عامر فقال :

كذبتم وبيت الله لاتقتلونا ***ولكن بسيف الهاشميين فافخروا

بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغى ***بكف علي نلتم ذاك فاقصروا

علي الذي في الفخر طال بناؤه*** فلا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا

وكان يمدحه المشركون على قتله عظيماً منهم، ويجعلون ذلك فخراً العلي . قال مسافح الجمحي في رثاء عمرو أيضاً وقتل علي إياه : فاذهب علي فما ظفرت بمثله ***فخراً فلا لاقيت مثل المعضل

وافتخر به سعید بن العاص فقال :

أما أنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب. وكان ينيمه أبوه حصار الشعب في مرقد رسول الله صلی الله علیه واله فينام فيه مواجهاً للخطر طيبة بذلك نفسه .

أما شجاعته الفريدة فقد ظهرت في مبيته على فراش النبي صلی الله علیه واله ليلة الغار، موطناً نفسه على الأخطار، والنفر من قریش محیطون بالدار ليفتكوا بمن في الفراش .

•

كما ظهرت شجاعته الفائقة لما سار بالفواطم بعد الهجرة جهاراً من مكة وليس معه إلا ابن أم أيمن وأبو واقد الليثي، فلحقه ثمانية فرسان من قريش أمامهم جناح مولى حرب بن أمية . أهوى إليه جناح بالسيف وهو فارس وعلي راجل، فحاد علي عن ضربته وضربه لما انحنى على كتفه فقطعه نصفين حتى وصلت الضربة إلى فرسه. ولما رأوا جماعته ما حصل بزعيمهم انهزموا فاشلين.

•

كما ظهرت شجاعته النادرة في يوم بدر حيث قتل الوليد بن عتبة وقتل جماعة من صناديد المشركين، حتى روي أنه قتل ما يزيد عن نصف المقتولين، وقتل باقي المسلمين النصف الآخر.

وفي يوم أحد قتل أبو الحسن أصحاب اللواء جميعهم، وهم سبعة أو تسعة، وانهزم بقتلهم المشركون، ولولا مخالفة الرماة أمر الرسول صلی الله علیه واله لتم النصر للمسلمين وجميع من قتل يوم أحد من المشركين ثمانية وعشرون قتل

علي منهم ثمانية عشر . ثم لما انهزم المسلمون إلا قليلاً منهم ثبت علي مع النبي صلی الله علیه واله فحامی عنه، وكلما أقبل إليه قوم، ندبه النبي إليهم، فيفرقهم ويقتل فيهم حتى عجب منه جبرائیل وقال : يا رسول الله إن هذه للمواساة ونادی:

(لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي).

• وفي وقعة الخندق لما اقتحم عمرو بن عبدود وجماعته بخيلهم وعبروا الخندق جاء علي ومعه نفر حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا خيلهم منها، ولم يجسر على ذلك أحد غيره. ولما طلب عمرو المبارزة جبن جميع المسلمين وسكتوا وكأنما على رؤوسهم الطير، فجعل عمر يؤنبهم ويوبخهم والنبي صلی الله علیه واله يقول بأعلى صوته: من لعمرو وضمنت على الله الجنة.

فلم يقم إليه أحد إلا علي عليه السلام فقال : أنا له یا رسول الله . والنبي يقول له : اقعد إنه عمرو! حتى فعل ذلك ثلاثاً. فقال له في الثالثة :وإن كان عمراً !! ودارت المعركة وقتله علي وانهزم من كان معه، فلحقهم علي وقتل بعضهم وانكسرت بذلك شوكة المشركين ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال بعلي : وانتصر الإيمان كله على الشرك كله بسيف ذي الفقار .

• وفي يوم خيبر كان علي أرمد لا يبصر بسهولة، ولذلك بعث النبي صلی الله علیه واله اثنين غيره من المهاجرين، فرجعا مهزومين أحدهما يجبن أصحابه ويجبنونه، والآخر يؤنب أصحابه ويؤنبونه. فقال عندها النبي صلی الله علیه واله : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، کرار غیر فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه ، فدعا بعلي فتفل في عينيه فبرئتا وأعطاه الراية . فلقيه مرحب وعلى رأسه مغفر وحجر قد نقبه مثل البيضة، فضربه علي فقد المغفر والحجر ورأسه، حتى وقع السيف في أضراسه، وسمع أهل العسكر صوت تلك الضربة، ثم اقتلع باب الحصن

وجعله جسراً على الخندق الذي كان يغلقه عشرون رجلاً. فلما انصرفوا من الحصن دحا به أذرعاً واجتمع عليه سبعون رجلاً حتى أعادوه ، فأي شجاع في الكون وصل إلى هذه الشجاعة ، وأية قوة في عصره وبعد عصره تضاهي مثل هذه القوة؟! إنها فرادة تميز بها أبو الحسن عن سائر الأبطال؟!.

• وفي يوم حنین عام 8 ه:

ثبت علي علیه السلام مع النبي صلی الله علیه واله بعد أن هرب الناس وتخلوا عنه غير عشرة أو تسعة منهم من بني هاشم هو أحدهم، وفيهم العباس وابنه . ودارت المعركة وقتل علي أبا جرول وأربعين من المشركين غيره، وانهزم المشركون بقتله ، ورجع المسلمون من هزيمتهم بثباته وثبات من معه الذين إنما ثبتوا بثباته ، لأنه لم يؤثر عنهم شجاعة كما أثر عنه .

وماذا أعدد وأقول: لقد كان له في جميع الوقائع والغزوات المقام الأسمى في الثبات والاقدام والشجاعة.

• وفي يوم الجمل:

تواجه الفريقان وأشرعوا الرماح بعضهم في صدور بعض، ولما اشتد القتال زحف نحو الجمل الذي تركبه عائشة، في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والأنصار، وحوله بنوه، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل حتى طعن العسكر ثم رجع وقد انحنى سیفه، فأقامه بركبته ، فقال له أصحابه وبنوه نحن نكفيك، فلم يجبهم، ولا رد عليهم ببصره، وظل يزأر زئير الأسد، ثم حمل ثانية وحده، فدخل وسطهم، والرجال تفربين يديه وتتفرق عنه يمنة ويسرة، حتى خضب الأرض بدماء القتلى ثم رجع وقد انحنی سیفه فأقامه بركبته ثم قال لابنه محمد بن الحنفية :

هكذا تصنع یا ابن الحنفية . فقال الناس : من الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين؟!.

• وفي صفين:

قال بعض المؤرخين والرواة، عندما شهدوا مواقفه البطولية : فوالله

الذي بعث محمداً بالحق نبياً ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب علي علیه السلام إنه قتل في ما ذكر العادون جمعاً غفيراً من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنياً فيقول: معذرة إلى الله وإليكم من هذا، فكنا نأخذه ونقومه، ثم يتناوله من أيدينا ويقتحم به في عرض الصف. فلا والله ما ليث أشد نكاية منه بعدوه.

ولا غرو في ذلك فعلي يقاتل في سبيل الله ويعمل من أجل رسالة الإسلام، ولم يرفع سيفه إلا في وجه کافر أو مشرك.

ذكر العلامة ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 20 أبياتا لحسان قال :

جبریل نادی معلناً*** والنقع ليس بمنجلي

والمسلمون قد أحدقوا ***حول النبي المرسل

لا سيف إلا ذو الفقار*** ولا فتى الا علي

وفي شجاعته أحاديث كثيرة لا سبيل لحصرها منها ما قال الرسول صلی الله علیه واله: «علي أشجع العرب، على أسد الله في أرضه، على سيف الله في أرضه علي أشجع الناس قلباً، ضربة علي في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» .

وروى العلامة الراغب الأصفهاني قال : كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه . ونظر إليه رجل وقد شق العسكر فقال : قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي(1).

ولشجاعة الإمام علي عليه السلام كان اعتماد الرسول صلی الله علیه واله عليه في حروبه وغزواته فكان حامل راية النبي صلی الله علیه واله.

تحدثنا مصادر التاريخ بأن الإمام علياً علیه السلام قتل فرسان العرب


1) محاضرات الأدباء ج3 ص 138.

وصناديد قريش عندما أصروا على كفرهم وقاتلوا المسلمين وحملوا سيوفهم على عواتقهم وأعلنوها حرباً على الرسول صلی الله علیه واله فكان علي بن أبي طالب يدفع بسيفه المشركين وینازلهم ويجندل شجعانهم من أجل الرسالة الإسلامية لتبقى كلمة الله هي العليا. فهنيئاً لك يا علي وهنيئاً لكل من أحبك وتبع خطاك. علي علیه السلام أنسى الناس في الشجاعة ذكر من كان قبله ، ومحا رسم من يأتي بعده . وقيل له: أتقاتل أهل الشام في رداء وإزار؟.

فقال : أتخوفوني بالموت؟! والله لا أبالي أوقع على الموت أم وقعت عليه .

وقيل له : كيف كنت تغلب الأبطال؟

فقال : كنت أخرج إلى الرجل منهم وأنا أعتقد أني أغلبه، وهو يعتقد في نفسه أني أغلبه، فكنت أنا ونفسه عليه.

وهذا نوع من الإيحاء النفسي، الذي نسميه بالروح المعنوية، وویل لمن تخونه روحه!.

وفي ذلك يقول البحتري :

وما السيف إلا غاد لزينة ***إذا لم يكن أمضى من السيف حامله

ويقول المعري :

وليس قضيب الهند إلا كنابت*** من القضب في كف الهدان المعرد(1)

فصاحته:

إذا نظرنا إلى بلاغته وفصاحته وجدناه إمام الفصحاء وسيد البلغاء،وحسبك أن يقال في كلامه إنه بعد كلام الرسول صلی الله علیه واله:

«فوق کلام المخلوق ودون كلام الخالق».

الإمام علي كان مدرسة قائمة بنفسها، منه تعلم الناس الخطابة والكتابة


1) الهدان : الجبان، والمعرد: الفار .

يقول عبد الحميد الكاتب : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ثم فاضت(1).

وصرح المسعودي : بأن الذي حفظه الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة، أوردها على البديهة وتداول الناس ذلك قولاً وعملاً.

وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الانفاق إلا سعة وكثرة ؛ حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب.

ولما قال محفن بن أبي محفن المنافق لمعاوية عدوه : جئتك من عند أعيا الناس! قال له : ويحك! كيف يكون أعيا الناس!

فوالله ما سن الفصاحة لقريش غيره!. وأنه لم يدون للصحابة العشر مما دون له، ولا حاجة لأن نقيم شيئاً من الأدلة والشواهد على ذلك فإنه کاقامة الدليل على الشمس وقت الضحی.

وليس يصح في الأذهان شيء***متى احتاج النهار إلى دليل

وكان على قوله مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي ،وهو إلى ذلك كما يقول قدامة بن جعفر :

ممن برع في المعنيين: من الإيجاز والإطالة، فسلم في الإيجاز من التقصير وفي الإطالة من الإسهاب والتكثير ، وتقدم الناس جميعاً في ذلك كتقدمه في سائر فضائله . وله من الخطب الطوال المشهورة:

الزهراء والغراء، والبيضاء وكثير غيرهن.

ولا أدل على ذلك مما أثر عنه وجمع من كلامه کنهج البلاغة الذي كان منهلاً عذباً لكل الأدباء والشعراء والكتاب العرب .

قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في شرح نهج البلاغة :


1) أي ترسبت في وجدانه ثم فاضت على لسانه .

كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحد المشاهد، وتحول المعاهد، فتارة كنت تجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية : توحي إليها رشادها، وتقوم منها مرادها، وتنفر بها عن مداحض الزلال إلى جواد الفضل والكمال .

ثم تابع :

وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً، لا يشبه خلقاً جسدياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى. ونما به إلى مشهد النور الأزلي، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس(1). وأنا كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب، ويحذرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقاق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة، ويصدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير.والحقيقة أن «نهج البلاغة»اسم على مسمى أودع فيه كل فنون الفصاحة وخص به جميع وجوه البلاغة ، خصوصاً وهو لم يترك غرضاً من أغراض الكلام إلا أصابه ، ولم يدع للفكر ممراً إلا جابه .

ولا غرو فابن أبي طالب عاش في أحضان النبوة، فشرب الفصاحة في مهدها اللائق بها، واستوعب القرآن الكريم منذ أول نزوله فكان إمام المتقين وأمير المؤمنين وأمير البلغاء الموهوبين. فخطبه القيمة التي تعالج قضايا الإنسان من الواجب أن تدرس في المدارس والجامعات والمعاهد يستفيد منها المواطن الصالح والمجتمع الصالح.


1) التلبيس: التخليط، التدليس.

عبادة الإمام علي علیه السلام :

كان الإمام علي عليه السلام أعبد الناس، ولذا كانت جبهته كثفنة البعير الطول سجوده، وفي الأدعية المأثورة عنه كفاية . وكان حفيده الإمام زين العابدين يستصغر عبادته جنب عبادة جده أمير المؤمنین، علماً أنه لقب بالإمام السجاد لكثرة سجوده ومن غریب أحواله أنه اجتمعت في صفاته الأضداد، فبينما هو يمارس الحروب ويبارز الأقران، وقتل الشجعان، ومن تكون هذه صفاته لا بد وأن يكون قاسي القلب، بينما نراه كذلك إذ هو أعبد العباد يقضي ليله بالصلاة والعبادة والتضرع والابتهال والدعاء والخضوع لله تعالی رب العالمين، وإذا به أحسن الناس خلقاً وأرقهم طبعاً وألينهم عريكة وأعدلهم بالحق.

إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هي أحب إليه منها، الزهد في الدنيا، وحبك للمساكين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك فهم رفقاؤك في الجنة ومجاوروك في دارك وأما من أبغضك وكذب عليك فإنه حق على الله أن يوقفه يوم القيامة موقف الكذابين (1).

رواه أكثر من واحد من علماء القوم .

وعن ابن أبي الحديد قال : «وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة . وما ظنك برجل كانت جبهته كثفته البعير لطول سجوده»(2)وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان ملازماً لتلاوة القرآن ويتهجد به. وقد ذكر جماعة من علماء الجمهور أنه نزلت عدة آيات في شأن عبادة الإمام علي عليه السلام منها قوله تعالى:


1) نظم درر السمطين ص 102.

2) شرح النهج ج1 ص 17.

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَي الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}(1).

ومن عبادته المميزة أنه أول من صلى مع النبي صلی الله علیه واله.

عن ابن عباس قال : قال النبي صلی الله علیه واله :

«إن أول من صلى معي علي بن أبي طالب علیه السلام »(2).

وللعلامة ابن الجوزي بسنده عن ابن عباس قال :

أول من صلى مع رسول الله صلی الله علیه واله علي بن أبي طالب وفيه نزلت هذه الآية : { وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ} (3).

وروى ابن المغازلي بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال :

قال رسول الله صلی الله علیه واله: «صلت الملائكة مع علي سبع سنين وذلك أنه لم تصل مع أحد غيره»(4).

ومما يناسب المقام قول خزيمة بن ثابت في مدح علي عليه السلام :

أليس أول من صلى لقبلتهم وأعلم الناس بالقرآن والسنن؟! وبعد هذه الأقوال ألا تعد صلاته علیه السلام المميزة من عبادته المميزة وكما مر معنا قبل قليل : علي نسيج وحده . تميز عن غيره من المسلمين بميزات عديدة وخصال ليست لأحد.

روى الحاكم النيسابوري بسنده عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعلي أربع خصال ليست لأحد: هو أول عربي وأعجمي صلی مع رسول الله صلی الله علیه واله، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف والذي صبر معه يوم المهراس، وهو الذي غسله وأدخله قبره(5).


1) سورة الفتح، الآية : 29.

2) فرائد السمطين الباب الأول ص 47.

3) التذكرة لابن الجوزي ص 21 والواقعة الآية 10.

4) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 10.

5) المستدرك 11193، والریاض النضرة المحب الدين الطبري ص 202.

وبعد هذا ألا يحق لعلي نفسه أن يقول رأيه؟ .

روى الحافظ شمس الدين الذهبي بسنده عن المنهال بن عمر بن عباد بن عبد الله قال : سمعت علياً يقول: «أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب صليت قبل الناس سبع سنين»(1).

وبعد هذه الأقوال نرى أن علياً هو أول العابدين المسلمين، وإمام المتقين الذي تجسدت فيه أخلاق الإسلام، ومثله، فلم يسجد لغيره تعالی وكان هو المجاهد العظيم في سبيل الله.

زهده علیه السلام :

إذا نظرنا إلى زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الدنيا أخذنا العجب والدهشة من رجل في يده الدنيا كلها - عدا الشام - في رجالها وأموالها، وخيراتها في العراق وفارس والحجاز واليمن ومصر ومع هذا كله كان عليه السلام يلبس اللباس الخشن ويأكل الجشب مواساة للفقراء والمحتاجين ويقول كلمته المشهورة التي باتت على كل لسان: يا دنيا غري غيري...

وكثير من خطبه في نهج البلاغة يظهر زهده في هذه الدنيا الزائلة التي لا يقيم لها وزناً ولا يهتم لبهارجها وزينتها. فقال في خطبة له تسمى (الشقشقية) يصف الدنيا فيقول: «لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها. ولألفيتم دنیاکم هذه عندي أهون من عفطة عنز»(2).

وعند فراقه هذه الدنيا لم يخلف وراءه إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه كان يعدها لخادم يشتريه لأهله ، ثم يفرق جميع ما في بيت المال للجميع دون استثناء، ثم يأمر به فيكنس ثم يصلي فيه رجاء أن يشهد له .


1) میزان الاعتدال ج2 ص 212 وينابيع المودة ص 151.

2) نهج البلاغة ص 90 وعفطة عنز ما تنثره من أنفها كالعطسة .

كما روي عنه : أنه ما شبع من طعام قط. وقد بلغ من زهده في الدنيا أن تكون هذه الدنيا البائسة عنده أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، كما في بعض كلامه. وأن تكون الأمرة عنده لا تساوي نعلاً ثمنها ثلاثة دراهم إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً، كما قاله لابن عباس وهو سائر إلى البصرة.

وعندما نزل الكوفة، وتولى أمر المؤمنين بعد عثمان، سكن في أدنى بيت من بيوت المسلمين في الكوفة، على عكس ملوك وحكام بني أمية وبني العباس الذين بنوا القصور الفخمة على حساب الشعب الكادح.

أما على الذي تربى في أحضان النبوة، وتعلم من الرسول صلی الله علیه واله تعاليم الحياة المتواضعة الكريمة، كان يدير طاحونة اليد بنفسه، ويطحن عليها الشعير والقمح، ليصنع منه أهل بيته الخبز ...

ولم يتبدل ولم يتغير، وهو يحكم أكبر دولة، وأغنى دولة عرفها ذلك الزمان !!ذلك أنه يمتلك خصالاً من الزهد امتاز بها، وهي خصال وفرت له خصائص الإمامة ، لا سمات الملك .

والحقيقة أنه كان متعدد المواهب بحيث يصعب أن نحصيها عداً(1).

حلمه علیه السلام :

إذا نظرنا إلى حلم علي عليه السلام وصفحه ومروءته وجدناه أحلم الناس عند قوته وشجاعته ومروءته، وكفانا لاثبات بلوغه أعلى درجات الحلم صفحه عن أهل الجمل عموماً، وعن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير خصوصاً. فقد ظفر بمروان يوم وقعة الجمل، ومروان هذا كان أعدى الناس له، فصفح عنه ولم يحاسبه على سيئاته وعبد الله بن الزبير لا يقل شراسة وعداوة لعلي عن مروان، وكان يشتمه على رؤوس الأشهاد فأخذه يوم الجمل أسيراً ثم صفح عنه وقال له : إذهب فلا رأيتك، ولم يزده على ذلك .


1) علي إمام المتقين ص 24.

وظفر بسعید بن العاص بمكة بعد وقعة الجمل وكان له عدواً خبيثاً فأعرض عنه ولم يقل له شيئاً.

وعلي عليه السلام المعروف بقوته وفروسيته لم يعاقب أحداً من أهل الجمل وأهلالبصرة بل نادى مناديه ألا يتبع مول، ولا يجهز على جريح ولا يقتل مستأسراً، ومن ألقي سلاحه فهو آمن وتقبل سنة رسول الله صلی الله علیه واله يوم فتح مكة، ولما ملك عليه أهل الشام الشريعة ومنعوه وأصحابه من ماء الفرات، ثم اقتحمها وغلبهم وملكهم عليهم، قال له أصحابه : امنعهم كما منعونا ، فقال لهم: لا والله لا أكافيهم بمثل فعلهم. وكان يوصي جيوشه أن لا يتبعوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح أو يكشفوا ستراً أو يأخذوا مالاً. ومع قوته البالغة، وشجاعته النادرة، لم يكن يبدأ أحداً قط بقتال وله مندوحة عنه ، وكان يوصي ابنه الحسن عليه السلام : لا تدعون إلى مبارزة. فإن دعيت إليها، فأجب فإن الداعي إليها باغ والباغي مصروع.

وعلم أن جنود الخوارج يفارقون عسکره ليحاربوه، وقيل له إنهم خارجون عليك، فبادرهم قبل أن يبادروك، فقال : «لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون».

وكذلك فعل قبل كل وقعة ، صغرت أو كبرت، ووضح فيها عداء العدو، يدعوهم إلى السلم، وينهي رجاله عن المبادرة بالشر فما رفع يده بالسيف قط إلا وقد بسطها قبل ذلك للسلام. فهل يتعلم منه المحاربون هذا اليوم؟!.

وكان يعظ قوماً، فبهرت عظمته وفصاحته بعض الخوارج الذين كفروا، فصاح معجباً إعجاب الكاره الذي لا يملك بغضه ولا إعجابه : قاتله الله كافرة ما أفقهه !.

فوثب أتباعه فنهاهم عنه، وهو يقول: إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب .

وقد رأينا أنه كان يقول لعمر بن عبد ود: أني لأكره أن أهرق دمك ...

ولكنه على هذا لم يرغب في إهراق دمه إلا بعد يأس من إسلامه، ومن ترکه حرب المسلمين .. فعرض عليه أن يكف عن القتال فأنف، وقال : إذن تتحدث العرب بفراري . ولما لم يتراجع عن غيه وضلاله قتله.

وعلى ما كان بينه وبين معاوية من عداء لم يكن ينازلهم ولا يأخذ من ثاراته وثارات أصحابه عندهم إلا بمقدار ما استحقوه في موقف الساعة. كل ذلك بسبب مروءته النادرة وشجاعته الفائقة . وظفر بعد معركة الجمل بعمرو بن العاص، وهو أخطر عليه من جيش ذي عدة ، فاعرض عنه وترکه حين كشف عن سوءته لينجو بحياته . وزار السيدة عائشة بعد وقعة الجمل فصاحت به صفية أم طلحة : أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي . فلم يرد عليها وقال رجل أغضبه مقالها: يا أمير المؤمنين، أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فانتهره وهو يقول: ويحك، إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات أفلا نكف عنهن وهن مسلمات؟ وبعد المعركة قيل إنه ودع السيدة عائشة أكرم وداع وسار في ركابها أميالاً، وأرسل معها من يخدمها ويحف بها . قيل إنه أرسل معها عشرين امرأة من نساء عبد القيس، عممهن بالعمائم وقلدهن السيوف .. فلما كانت في بعض الطريق ذکرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي فلما وصلت إلى المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلت لها: إنما نحن نسوة.

وكانت هذه المروءة سنته مع خصومه، من استحق منهم الكرامة ومن لم يستحقها، ومن كان في حرمة عائشة ومن لم يكن له قط حرمة وهي أندر مروءة وأندر حلم وأندر شجاعة .

وبعد..... ألا يحق لنا أن نسميه : علي نسيج وحده؟!.

سخاؤه وجوده:

إذا نظرنا إلى جوده وسخائه وجدناه أسخي من السحاب الهاطل، ولا يبارى في ذلك ولا يماثل.

كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده . وفيه نزلت الآية الكريمة : {وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِهِ} .

وروى المفسرون علیه السلام إنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية فأنزل فيه : {الَّذِينَ یُنفِقُونَ أَموَلهُم}

وكان يسقي بيده نخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت(1)يده وثخن جلده وتعجر ويتصدق بالأجرة على المحتاجين.

وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وهو الذي قال : يا صفراء، ویا بیضاء، غري غيري .

ويقول الشعبي: كان عليه السلام أسخي الناس، وكان لعلي الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود، ما قال: «لا» لسائل قط، وهو الذي لم يخلف میراثاً وكانت الدنيا -غير الشام - كلها بيده .

وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه، معاوية بن أبي سفيان لمحنن بن أبي محفن المنافق لما قال : جئتك من عند أبخل الناس - يعني علياً - فأجابه معاوية : ويحك! كيف تقول إنه من أبخل الناس ولو ملك بيتاً من تبر وبيتاً من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه .

ولا ريب أن الخير ما تشهد به الأعداء.

ويحضرني هنا قول الفرزدق المناسب في وصف علي بن الحسين عليه السلام :

ماقال: لاقط إلا في تشهده ***لولا التشهد كانت لاؤه نعم


1) مجلت يده : أي صلبت وظهر ما فيها ما يشبه البثر من العمل .

حب أهل البيت علیه السلام وولاؤهم

أهل البيت ودهم أجر الرسالة(1)وهل للرسالة من أمد؟ وهم العترة الطاهرة والعروة الوثقى، وهم صراط الله المستقيم، وورثة الأنبياء والمرسلين، كيف لا؟! وهم مفترق الإيمان والنفاق(2).

أهل البيت الحق منهم ومعهم يدور حيث يدورون، من تمسك بهم نجا ومن تخلف عنهم غرق وهوى (3).

وهنا نتساءل عن حقيقة هذا الحب الذي هو أجر الرسالة، ماذا يراد منه؟ وماذا يريد به أمین الرسالة؟ نقول لمعاوية وأمثاله الذين وقفوا ضد علي وضد أولاده وأنصاره وشیعته، هل سمعوا نداء السماء مؤكداً ومنساباً إلى النفوس الصافية ، والعقول المتفتحة في خطاب الروح الأمين {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ }(4).

ويتتابع هذا الخطاب الإلهي كاشفاً عن حقيقة هذا الحب، وواقع هذا الاتباع، ومدى ارتباطهما بالإيمان والارتداد بكل صراحة. قال تعالى :


1) قال تعالى : {قُل لَّا أَسئَلُکُم عَلَيهِ أَجرًا إِلاَّ المََوَدَةَ فِي القُربَی}.

2) قال رسول الله صلی الله علیه واله: «يا علي، لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»کنزالعمال، ح 32878.

3) قال رسول الله : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوی»سفينة البحار ج 1 ص 630والمناقب لابن المغازلي الشافعي ص 132.

4) سورة آل عمران : الآية ، 31.

{يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللهُ واسِعٌ عَليمٌ}(1)والحب فضل من الله، وجهاد في سبيله ، لا يخاف أهله فيه لومة لائم ولا سطوة ظالم كالمجاهدين الشرفاء والمناضلين الأبطال الذين وقفوا مع أهل البيت ضد الحكام الأمويين والعباسيين الظالمين.

وإن لم تكن الولاية لله ولرسوله ولأهل بيته فلمن تكون؟ والعقل والوحي يتطابقان {-يَهْدي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(2).

ولا يجتمع في قلب إنسان مؤمن حبان متنافران إذ:

{ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ}(3).

{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ}(4)

وحب الله تعالى هو حب كل ولي محبوب له(5).

وهكذا فإن حب أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة من حب الله ، وولاؤهم من ولاء الله، لأن سبيلهم هو سبيل الله ، بل إن ولاءهم -الذي هو أجر الرسالة - هو السبيل إلى الله :{ قُل لا اَسئَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَی}.


1) سورة المائدة : الآية، 54.

2) سورة يونس: الآية، 35.

3) سورة الأحزاب : الآية، 4.

4) سورة البقرة: الآية ، 165.

5) كما ورد في الدعاء عن أحد المعصومين«اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إليك».

ولا عجب أن تتركز هذه العقيدة عند أتباع أهل البيت بوضوح وجلاء عبر تاریخ مسيرتهم الطويلة، وأصبحت سمة بارزة للصادق منهم عن غيره .

دخل بعض الموالين على الإمام جعفر الصادق عليه السلام قالوا: إنما أحببناكم لقرابتكم من رسول الله صلی الله علیه واله ، ولما أوجب الله عزوجل من حقكم، ما أحببناكم للدنيا نصيبها منكم إلا لوجه الله والدار الآخرة، وليصلح لامریء منا دينه . فقال الإمام عليه السلام : صدقتم صدقتم، ثم قال : من أحبنا كان معنا يوم القيامة هكذا ثم قال : والله لو أن رجلا صام النهار وقام الليل ثم لقي الله عزوجل بغير ولايتنا أهل البيت للقيه وهو ساخط عليه.

ثم قال : وذلك قول الله عزوجل : {فَلا تُعجِبکَ أَموَلُهُم وَلاَ أَولَدُهُم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُعَذِبَهُم بِهَا فِي الحَيَوةِ الدُّنيَا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم کَفِرُونَ}

ثم قال علیه السلام : إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله صلی الله علیه واله وحدانياً، يدعو الناس فلا يستجيبون له، وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالبعلیه السلام وقد قال رسول الله صلی الله علیه واله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(1).

ودخل رجل آخر على الإمام الصادق عليه السلام أيضاً فقال له الإمام : ممن الرجل؟ فقال : من محبيكم ومواليكم، فقال له الإمام عليه السلام : لا يحب الله عبد حتى يتولاه، ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة ، ثم قال له : من أي محبينا أنت؟ فسكت الرجل فقال له سدير : وكم محبوكم يا ابن رسول الله؟ فقال : على ثلاث طبقات :

1 - طبقة أحبونا في العلانية ولم يحبونا في السر .

2 - وطبقة يحبوننا في السر ولم يحبونا في العلانية .

3- وطبعة يحبوننا في السر والعلانية، هم النمط الأعلى .


1) صحيح البخاري ج5 ص 129 وصحيح مسلم ج 2 ص 360 وروضة الكافي الحدیث 80.

والطبقة الأولى النمط الأسفل، أحبونا بالعلانية وساروا بسيرة الملوك فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا.

والطبقة الثانية النمط الأوسط أحبونا في السر ولم يحبونا في العلانية .

ولعمري لئن كانوا أحبونا في السر دون العلانية فهم الصوامون بالنهار القوامون بالليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم، أهل سلم وانقياد .

قال الرجل : فأنا من محبيكم في السر والعلانية .

قال الإمام عليه السلام : إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها .

قال الرجل : وما تلك العلامات؟

قال عليه السلام : تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحید حق معرفته ، وأحكموا علم توحيده والإيمان بعد ذلك بما هو وما صفته ، ثم علموا حدود الإيمان وحقائقه وشروطه وتأويله»(1).

وما افتتن المسلمون في مسيرتهم إلى الله تعالى كما افتتنوا بأمر الولاية. ومن أجلها يدعو الإمام الصادق عليه السلام ربه طالباً معرفة الحق في الدين قائلاً:

اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك ، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك ، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.

ولا ريب أن المعرفة يستتبعها الحب، والحب يستتبع الطاعة والعمل والطاعة تتقوم بالصبر وبالمصابرة والتواصي بالصبر. ولقد شكا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلی الله علیه واله حسد الناس له فقال صلی الله علیه واله: يا علي! إن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأحباؤنا خلف ذريتنا، وأشياعنا عن


1) تحف العقول ص 324 من كلامه عليه السلام في وصف المحبة .

ايماننا وشمائلنا» ولنعلم أن الله سبحانه لا يخدع عن جنته(1). فقد أعدها للذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (2).

وليعلم أن كل من أحب أهل البيت حب علم ودراية وطاعة وولاية أن أمانتهم عظيمة لا يحملها إلا من امتحن الله قلبه للإيمان ووطن نفسه على طريق الحق. وهم كما وصفهم الإمام الصادق علیه السلام :

".... مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا وفتنوا فمن بين مجروح ومذبوح، متفرقين في كل بلاد قاصية ... وهم الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً»(3).

والله عزوجل يغمرهم بلطفه ورحمته، ويهديهم بإيمانهم كما وعدهم، إنه لا يخلف الميعاد :{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(4)

ويسرني أن أنقل بعض الحديث القدسي:

روي أنه تعالى أوحي إلى بعض الصديقين : إن لي عباداً من عبادي يحبوني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، وينظرون إلي وانظر إليهم وإن حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك».

ألا يجدر بنا أن نحبهم ونسير مسارهم ونسلك سلوكهم؟؟.


1) الإرشاد للشيخ المفيد ص 26.

2) نهج البلاغة : هيهات لن يخدع الله عن جنته .

3) تحف العقول، ص 240.

4) سورة يونس : الآيات 9-10.

نداء إلى الجزيرة العربية

و أيتها الجزيرة هل تكتفين بالشعر یرجز على دروبك وتحدو به القوافل محملة في رحلات الشتاء والصيف. وهل ترضي بالنوم على الطوي ورمولك تتعطش إلى الماء فتتلظى ولا ترتوي ؟! فما لك حائرة محتارة؟ لماذا لا تقرب أيها الربع الخالي؟! قرب ولا تخف، فليس يخفف عنك سموم الهاجرة إلا تلك النسيمات الندية ، تبردها المحيطات حواليك .

ويا فيافي الجزيرة لقد كانت طفراتك المتمردة عبر السنين في هجرات حائرة، فقربي وخذي مما أعطيت غزواً بغزو ونهباً بنهب. قربي ولملمي ذيول ليلك الطويل على كف هذا الصبح الأصيل ...

قربي وتيممي، فمكة المباركة اليوم، تشهد ولادة مباركة ما شهدتها من قبل، وزوارك تغيروا وتغيرت أهدافهم ومقاصدهم.

قربي وتيممي باللبان من أفاويك، فقد حان لك الأوان أن تحرقيها في جو صميم من أجوائك ومناخ بهيج من مناخاتك .

قربي وبارکي مخاضك الموجع، لأن المولود البكر الذي يقطع أوصالك سوف يربط أرضك بسمائك، ويفجر النور على أرجائك .. تعالي وكنسي الكعبة الشريفة من أصنامك المكسرة، فمناة واللات والعزى وهبل قد اختبلتها روعة التوحيد وشنف آذانها حلاوة الأذان تعالي واجمعي قحطانك، فأنت اليوم أصبحت قبلة الملايين من الحجاج والزوار الوافدين . فمع الأوس والخزرج نوري يثرب یا مدد الأنصار، ويا سهد المهاجرين،

واجلي الرمد عن عينيك فإن الفجر أصبح قريباً ويحمل إليك تباشير الضياء ، التي لن تتمكن مفاوزك على مداها من أن تستأثر بها ضمن آفاقها .. فهي رسالة إنسانية عامة همها الإنسان مدى الزمان .

اسمعي جيداً ندائي، فإن الوهج المتبلج لن تستطيع طمس معالمه «بئر أحد»لأنه نور يتعدى نطاق الحجب، وهو أبعد من المكان وأقصى من الزمان . نور رباني أزلي يهدي الضالين إلى الصراط المستقيم. أيتها الجزيرة العريقة : استرشدي، فإن الهدى على انبثاق بين يديك، وكوني الأصيلة ، وكوني المزار الحبيب، فليست تضرك ركيزة المنارة .. ولا تلعبي بترهاتك ، إذ تجازفين بمقدراتك .

فإن الثواب الذي به تتدثرين، بلیت خيوطه، ورثت، فأنت به على غضاضة فتوحدي ووحدي . فإن الكلمة أخذت تملأ الدنياعلى مسمعيك : «الله أكبر الله أكبر»

أيتها الجزيرة المتعطشة إلى الحق، انظري إلى البعيد البعيد، فإن الطريق الذي خط أمامك لن تقود قدميك عليه عيون کليلة لأن العقيدة التي وسعت معانيها سوف تضيق عليها قوالب الحروف ولن تستطيع من استيعابها الخيالات المبدعة.

لذلك، دورك الآن إخصاب البشرية بعقول متفتحة، وآذان صاغية وأرواح واعية، فكوني المطية السهلة العبور وعبدي الطريق، وقدري قيمة ما تتحملين من رسالة إنسانية عالمية ، همها الإنسان في كل مكان. الإنسان الذي يفهم أسرار الحياة فيعيش حراً لا ظالماً ولا مظلوماً، ويعرف الخير فتنعم بخيراته، ويكشف الحق فيعمل به.

هل تتذكرين ماضيك المؤلم وفضاءك المحدود؟ إن أمامك مستقبل زاهر عظيم وأفق غير محدود تقدح من عينيه شرارات الهدى وجمالات الحياة السعيدة الهادئة .

سوف يسجل التاريخ أسمى رسالة وأفخم ذكرى يا أرض الجزيرة الحبيبة ؛ وسوف يسجل لك التاريخ أسماء أبطال جدد وعلماء جدد، وأدباء جدد تبقى آثارهم خالدة في أذهان الأجيال القادمة ، يتخذونهم مشاعل نور على مفارق طرقاتهم المظلمة. فالبصر يتوحد مع البصيرة، والقلب ينسجم مع العقل، والأعراف تتحول إلى أخلاق فاضلة ومباديء إنسانية راقية .

فهنيئاً لمستقبلك الزاهر وحياتك السعيدة الهادئة .. هي فرصة ذهبية لا تتكرر فلا تضيعيها من يديك أيتها الجزيرةالحبيبة .والجزيرة العربية تنادي بأعلى صوتها: يا علي! في حربها ضد الغزاة الطامعين .

مولد الرسالة

اشارة

له وما أدراك ما الرسالة ...؟ إنها تسليم. وأي تسليم ..؟ ولمن..؟ إنها التسليم الذي يعطيك القوة الخارقة. لأنها التسليم لرب العالمين، الله الخالق القوي، العزيز الجبار، القادر على كل شيء . وعشاق القدرة، يجربون منهج القادر فيخضعون له؛ يمارسون خطته مرحلة مرحلة ، ينسجمون مع حركته الفاعلة فيصبحون فعالین .

ما بالهم يتوافدون زرافات ووحدانا؟ فهل استهوتهم الكلمة؟ والكلمة ما قيلت في البدء إلا استقبلت بالهزء والسخرية والنبذ والاضطهاد .

وما كانت الليالي المظلمة إلا ستاراً تغطت به هجرتان مشردتان علام يتوافدون؟ والكلمة التي تستهويهم تجر على قائلها وقابلها على السواء الويل والتشريد!!.

وما قيمة الكلمة يرددها وحيد في خلوة؟! ومتى كان جبل حراء كعبة العرب؟ومكة ويثرب كيف تتجاوز وحشة الغار؟ ومن هم هؤلاء المتوافدون؟ ومتى كان لرعاع القوم الخيلاء على الأسياد؟ وتشهد «بئر بدر» أول معركة بين سيد ومسود، تثبت فيها قيمة الكلمة بين سيد، أخذ يقلق على مصيره، ومسود بدأ يغار على مصيره .. بين جماعة ترى في ديمومة الأوضاع استمراراً لأمجادها، وديمومة لأترافها، وجماعة أخرى أصبحت تتحسس قيماً جديدة تزيل عن كاهلها حيفاً مزمناً، وذلاً مهيناً.

والظامیء إلى الحقيقة هل يرتوي إذا لم يشرب الماء؟ .

بالطبع لن يرتوي ما لم يشرب الماء ، ولو كانت ينابيع الماء محيطة به وحتى لو كان يحمل الماء. ذلك أن الارتواء بالماء يجيء من تناوله تناولاً صحيحاً، بحيث يجري من الفم إلى الجوف، ويتحول في مجاريه الطبيعية ، فيمتزج بالدم امتزاجاً يعدل ملوحته، ويخصبه، ويوازن الحياة في جسم الكائن الحي، فيتحرك في الأرض ويأكل من رزقها. والرسالة الإسلامية کالماء تماماً، قد تملا ينابيع خيرها وجودنا وقد تحمل منها إلى الناس، والأشياء .. فنطفيء به حريقاً، ونسقي بستاناً ... وندير محركاً .. ولكن سنظل ظماءً قلقين، وحائرین متوترین إذا لم نمارس الرسالة ممارسة ، ونحياها حياة، ونطبقها تطبيقاً سليماً في حياتنا العملية لكن الماء مهما كان غزيراً وصافياً وعذباً، لن يروي الظامیء، إلا إذا شربه، فامتزجت قطراته بخلايا الجسد. وهذه بديهة نسلم بها، دون حاجة إلى برهان .

والرسالة الإسلامية سلام وتسليم لله تعالى، ولله قدرة لا حدود لها، يمنح من قواها لمن يشربون منها، وتمتلىءُ بمبادئها نفوسهم.. أما قبل ذلك فلن نمتلك القدرة مهما تحدثنا عنها، ونقلنا إلى الناس منها.

والتسليم، بهذا المعنى، قدرة، لذلك كان الإسلام عند الله هو الدين .

ولذلك كان الإسلام دين الأنبياء جميعاً، بل هو دين الأرض والسماء ومن فيهن. لأن الحاكمية المطلقة لله عزوجل (1)والذي يتمرد على الحاكم المطلق ، يشقى ويقلق، ويتوتر ويتعثر، ويعرف أنه تائه ضال، يحارب قوانین الفطرة في نفسه وما فائدة المتدين من الدين؟.

أعتقد أن أحسن الدين ما يحقق للمتدين أمرين:

1- أن يسلم وجهه لله إسلاماً كاملاً، وتسليماً مطلقاً، حتى يندمج بواسطته بمبادىء الله التي فضلها منهج الله في القرآن الكريم .


1) يحسن مراجعة سورة آل عمران الآيات: 83، 89، 85.

2- وعليه أن يحسن فهم تلك المباديء، حتى تصبح منه ويصبح منها، ويصبح بذلك نافعاً لخلق الله.

بهذين الأمرين يتحقق للإنسان الدين الأحسن(1).

فالجهاد مثلاً: مبدأ من مبادىء المنهج الإلهي، قد نكتب عنه الكتب ونجمع كل الآيات المتعلقة به، ونلقي حوله الأحاديث والمحاضرات لكن هل يعني هذا مخالطة الجهاد، واقتطاف ثماره؟ فالمجاهد بهذه الطريقة يظل ضعيفاً أمام شهواته، ويظل ذليلاً مهاناً .. ويظل العدو محتلاً أرضه ...

وهنا نستطيع القول: كيف بدأت الرسالة؟ وكيف كان الجهاد الإسلامي؟ هل كان جهاداً كلامياً خطابات ووضع نظريات عن مباديء الجهاد فحسب؟

أم الجهاد الإسلامي ممارسة عملية، وحياة واقعية؟ عاشها مثال الإسلام الأول، في الرسالة المحمدية ..؟.

جهاد محمد، كان جهاداً واقعياً طويلاً، روض به نفسه ترويضاً، وأعدها إعداداً عظيماً، وكان صبراً جميلاً، واجه به قومه ومجتمعه بشجاعة وحزم، فلم يتردد، ولم يهادن أو يساوم .. لجأ إلى الاقناع ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ ولجأ إلى الدفاع عما آمن به ... حتى انتصرت الرسالة من خلال جهاده باذن الله ..

وإلى اليوم.. نرى الإسلام كما بدأ يعطي القوة لمن يريدها، والنصر لمن يريده، إذا عاشه كما هو، في مبادئه ، وظروفه، لا كما نريده نحن، نظراً وكلاماً .. لذلك لن ينتفع من لا يمارسه ويندمج بتعاليمه. ولن ينتصر من يحاضر عن الجهاد، ويعرف باطنه وظاهره، وصغيره وكبيره .. إذا لم يعشه فعلاً، ويتحمل مشقات الجهاد مع نفسه ومع أصدقائه ، ومع أعدائه ...

وهكذا كان الجهاد الحقيقي في معركة أحد، وفي غيرها، فما كادت


1) راجع سورة النساء الآية 125.

تنتهي إلا والكلمة أصلب عوداً وأعز شكيمة، وإذا هي تتثبت بمكنونها، كما تتثبت الحجة بالمنطق، ويتعلق الضعفاء بالأمل الجديد، كما يتعلق الغريق بحبل النجاة.

وإذا الكلمة أصبحت فعلاً واقعاً تجنح بالخير والحق، وتتفتق بالعدل والجمال، وتتكشف عن رؤی، تتجلى بالعقل إلى فوق،وتتطاول بالخيال إلى محطات تستهيم بها النفوس على مدى القيم.

كلمة واقعية محقة تحمل في طياتها خفقات الحنان، كما تميد حروفها برطب الجنان ...

وإذا «الله أكبر»هو إله موسى وفرعون، وإله عيسى ومحمد.. إله قدير عظیم، قوي شديد، يلبسه الوجود كما يلبس الأبد الأزل، وتندمج به الآجال، كما تندمج الآفاق بالأجواء. إله رحمان رحیم هفا إلى حضنه مساكين أهل الأرض .. جمعهم محمد من بين قبضات أقطاب قریش وسلاطينهم وتجارهم.

وتتفتق الكلمة على آفاقها كما يتفتق الصبح على الغسق وإذا الغار کوة تنهمر منها أنوار بهية، فتفتح لها أبواب الكعبة ويسقط«هبل»ويتكسر، ويتهافت الزوار حیاری مثقلين .. يجتذبهم شعورهم قبل أن تتحرك عقولهم، وكأنهم في ذهول.. يتحسسون بدفء الخاطر والارتياح النفسي على قلق المصير .. ويزاح لثام، ويسقط قناع، وتسفر الحقيقة عن وجهها لتعلن للجميع عن رسالة جديدة، وإنسان جديد. وإذا بجباه أهل الأرض ترتفع هي أيضاً من جديد أمام الشمس، تتعزز فيها قيمة الإنسان في وجوده، وفي مصيره.. إنسان حر يتلمس طريقه بقدميه ويقرر مصيره بإرادته. حر طليق لا تقيده تقاليد ولا تستذله عبودية وكما استعانت «بئر بدر»ب «أحد»هكذا استجار «أحد»ب«وقعة الخندق»..لكن لن تنفع استغاثة الخندق بحصون خیبر، لأن غار حراء أصبح ذلك الصدى البعيد في مشارق الأرض ومغاربها.

وأني لأسياد مكة وتجار قريش، وكعبة الأصنام أن تخنق أو تخفف من وهج هذا الصدى الرباني الذي أخذ يلف أجواء الجزيرة من جميع أطرافها إلى حيث يوجد إنسان في أي مكان أو زمان .

هدف الرسالة الإسلامية:

إن هدف الرسالة الإسلامية وهمها هو: سعادة الإنسان. والإسلام كما هو معروف دین الفطرة، ومنهج للحياة .. والفطرة وجدان وعاطفة .. والحياة جهاد وكفاح. وهنا تكمن تربية العاطفة الدينية، وخلقها في الإنسان وفاق الفطرة السليمة والتربية القويمة، لا إكراه في الدين .. فالدين الحنيف لا يعرف الإكراه، والتدين المكتسب في الإكراه لا يؤتي أكله كل حين .. بينما إسلام الوجدان يؤتي هذه الأكل المستمرة ويلهم الثورة المتجددة على الأدنى في سبيل الأعلى .. والإنسان في الإسلام، يتحول بأحواله، ويتقوى بقواه، ويعيشه في الممارسة والتطبيق حتى يندمج أحدهما بالآخر، فإذا الإسلام يتجسد إنساناً محسوساً... وإذا الإنسان يصبح حياً يتحرك ويفعل . وعندئذ يتحقق التطابق بين الإنسان ومبادىء الرسالة الإسلامية ويصبح هذا الإنسان دعوة مثيرة لغيره ليكون إنساناً حقاً .

والإنسان الحق يعلو إلى آفاق الإسلام الحق ؛ والإسلام الحق يرسخ مبادىء الإنسانية الواحدة . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(1)وينبغي أن يتعايشوا كأنهم النفس الواحدة، كما يتعايش الشهيق والزفير.

والإسلام، يبارك هذه الإنسانية ، ويكرمها، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (2)(1)


1) سورة النساء: الآية ،1

2) سورة الإسراء : الآية، 70.

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (1).

وجعله خليفة له في الأرض (2).

وإنسان هذا الإسلام، ينطلق في الناس، على أنهم أمته الواحدة ، وانطلاقته هذه انطلاقة ملهمة ومحببة ومنقذة لكن كيف يكون هذا الإنسان دعوة مثمرة وجاذبة للآخرين؟ الجواب: إذا عاش الرسالة الإسلامية على اعتبارها : دين الله الصافي، والصادق، والشامل، والأمين، والرحيم إن من يمارس مباديء الرسالة الإسلامية كما مارسها رسول الإسلام صلی الله علیه واله وأصحابه المؤمنون.. يصبح دعوة فعالة، والهاماً محركاً خلاقاً.. في أي مكان، وفي أي زمان ... من هنا كانت قيمة الرسالة ووزنها...

فإذا هي ليست كلمات تتغاوي بأساجيعها، بل هي مبان يطل منها الوجود على الخلود، فهي للفكر تطوافه وارتياده، وهي للروح أشواقها ومداها، وهي للحياة مآب فرشت دروبه بالعطور، وعطور طيبتها أشذاء الفضائل، وفضائل ضمخت القلوب، وقلوب وسعها الإيمان، وإيمان رسخه التوحيد، وتوحيد احتواه العقل ...

تلك هي الرسالة، نور وإيمان، واقتناع وحق، وحب وإباء وصفاءووفاء، ووفاء وإخاء ..

وبعد: فالبطولات تشرع يسوقها الإيمان إلى نصر أكيد .


1) سورة الجاثية : الآية ، 13

2) سورة البقرة: الآية، 30، 34.

واقع الرسالة

قالوا: إن السهم الذي انفصل عن قوسه لم يعد ملكاً للجعبة . ذلك كان شأن الرسالة الإسلامية العظيمة .. فهي ما كادت تدور في خلد الناس حتى تخاطفوها وأصبحت لهم كحق من حقوقهم وقد استوعبوها قدر ما كانت حاجتهم إليها، ولا ريب لقد كانوا بأمس الحاجة إليها، إلى كل ما يحرر نفوسهم من العبودية، وجسومهم من التعب المضني، عبودية طال حكمها عليهم، وثقلت وطأتها على صدورهم، عبودية الإنسان، وعبودية المال والسلطان !! وبعد: لقد تحولت إلى حاجة تنساق إليها الخواطر، وشعوربالحنين ينساب إلى الضمائر .

كانت في أول عهدها تستظل المخابیء والملاجىء في غار حراء ، إذا هي تنتقل إلى كنف يلجأ إليه القلقون يستظلون بظلها .. وإذا كانت وكأنها تحبو بين مكة والمدينة إذا بها تعدو دون أن تتوقف عند الحدود أو تتمكن من صدها الحصون، فتجاوزت تخوم الحجاز ولن تثنيها عن سيرها خطوط الصحاری .

وليس العراق وحده بانتظارها، ولا بلاد الشام وحدها تتحضرلاستقبالها بشوق ومحبة ، بل مصر وأفريقيا فتحت أبوابها وراحت تجهز المآذن لتصدح بالنشيد الإلهي : الله أكبر! ثم بلاد فارس أخذت تسهل اجتياز المعابد وتبني الجوامع. فيا سبحان الله ! لقد انقلب الانكماش إلى انفتاح، والجمود إلى حركة وانسياق، وتبدل الدفاع ضد المهاجمين إلى تبشير عند المؤمنين، ثم تحول التبشير إلى إنذار، وقد أعذر من أنذر، والانذار تحول

إلى هجوم مركز ضد المشركين والمنحرفين. من هنا، كانت الحاجة ملحة إلى تنظيم راق يدفع بالعجلة إلى السير في طريقها المرسوم لها دون أي إبطاء أو تأخير.

والغريب في الأمر أن ذلك لم يسبقه كثير من الاستعداد، لأن النجاح الذي تأمن بهذه السرعة بعون الله ، لم يكن متوقعاً إلى هذه الدرجة .

والمفاجأة الكبرى، إن صاحب الرسالة، جلا عن الساحة، إذ راح يعرض أمام ربه رصيد حسابه على الأرض دون أن يسبق ذلك انذار وفي الواقع أن غياب صاحب الرسالة عن الساحة سبقه إنذار متكرر من النبي واستعداد كامل وتخطيط لضمان سلامة التجربة الانقلابية التي مارسها الإسلام.

فقد أعلن النبي صلی الله علیه واله في سنته الأخيرة، حجة الوداع، مراراً أنه أوشك أن يدعى فيجيب. وحدد في خطابه التاريخي (يوم الغدير) سيرالتجربة بعده، وربطها من ناحية القرآن بوصفه المرجع الأعلى للرسالة، ومن ناحية أخرى بقادة رساليين على مستوى المسؤوليات الكبيرة لقيادة التجربة : عصمة وإخلاصاً ووعياً.

وكان الإمام علي عليه السلام هو الشخص الجاهز، بنص الرسول صلی الله علیه واله ليتسلم المسؤولية بعد النبي صلی الله علیه واله مباشرة .

لكن وقع بعد وفاة الرائد أعظم تمييع لم يكن سببه عدم الاستعداد والانذار المسبق، وإنما نتج عن انحراف ومصالح خاصة.

وزد على ذلك، إن الرسالة لا يزال عودها طرياً، ولم تتمرس بها نفوس البعض من المسلمين كفاية ، وهذا ما جعلها مهددة بردات كثيرة منها : ردة أحد والرجعة، لا تزال تستنجد بأقطاب قريش أولئك الذين ما زالت قلوبهم على زغل ونفوسهم على تحد.

وهناك «هبل»«والعزی»و«مناة»لا تزال تتمايل في حطامها تحت ستائر الكعبة، وكم كان لها عز وشأن...

والرسالة نفسها لا تزال مع الصحابة أحاديث مبعثرة، لم يجمعها تنسيق ولا تبويب، ومع ذلك هي معرضة لأن تلين تحت عدة تيارات من الاجتهاد والتأويل حسب المصالح والأهواء حتى في العصور التالية، الحكام الأمويون والعباسيون أوجدوا في بلاطاتهم قصاصاً ومحدثين يؤولون الأحاديث بطريقة تخدم سلاطينهم الذين لا هم لهم سوى الحكم والسلطان والمال والدنيا والخدم والحشم، حتى أنهم كانوا يتبارون عند ذهابهم إلى الحج أيهم أكثر خداماً وجواري وحلالاً وحجاباً.

على أي حال ما نريد قوله إن الرسالة كانت فتية، تتلمس طريقهالتستأنف سيرها نحو أهدافها الإنسانية البعيدة. وصلوات كان يرفعها الناس للعام الجديد، في كل مكان. وتمنيات تبعث بها القلوب وراء أفق الغد؛ مستبشرة بنور الهدى يلوح في فسحة الأمل، ليؤنس أبناء الحياة ويقودهم صوب النور شوقاً وحباً قديماً، وحنيناً ضارعاً نحو الأفضل والأسمى.

هدف الرسالة

ثم جاءت الرسالة الإسلامية لتوحد الناس على كثرة ملايينهم بصلاةواحدة ، يرفعها أمل واحد هو :

خير الإنسان وإسعاده....

وحدة غايتها لا تعدو لقاء الإنسان مع نفسه النقية .. ليري في صفاتهاأخاه الإنسان.. وبالتالي، لتنعكس في مرآة هذا اللقاء، صورة الله الكامل الذي يحول كل أيام الناس إلى فرح وسعادة وهناء.. فإذا الأرض محبة كلها .. وانطلاقاً من مبدأ الجماعة، وجدت في سير الأنبياء، والمصلحين وعباد الله الصالحين، على اختلاف مناهجهم، ودرجاتهم، الشوق نفسه يحدوه الأمل نفسه: خير الإنسان وإسعاده .. وإذا عدنا إلى أي كتاب سماوي ، نستشهد بأي من آیاته .. ولعل أفضل تصريح بذلك، ما جاء في القرآن الكريم، شارحاً الغاية من ارسال نبيه الكريم، المصطفی، بقوله تعالى: {وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ } (1).

خالق الإنسان، الذي يحب الإنسان، أكرمه وكرمه ، اصطفى من خلقه أنبياء، واجتبي من ملائكته رسلاً.. وبعثهم في سبيل الإنسان ليرشدوه ، ويأخذوا بيده إلى النور حيث يرى الخير فيعيشه، والحق فيعمل به، ويقطف من خلالهما ثمار وجوده .


1) سورة الأنبياء : الآية، 107

لا ريب أن كل الشعوب يعملون من أجل الحرية ويساهمون في انتخاب من يمثل الخير، والكل يدعون لخير الإنسان واسعاده ويتمنون التراحم والتعاطف والمحبة فيما بينهم. كلهم أجمعوا على مبدأ الرحمة . فمن يمثل هذا المبدأ؟ وبعث من أجله، فلا يتراجع عنه ... «لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في يساره» هذا الذي أرسله رب العالمين رحمة للعالمين .. لديه ما يلبي طلبات جميع الناس، ويروي ظمأ التائهين .

شهادة من الله أنه للناس رحمة، وكل الناس يطلبون التراحم والرحمة أيها المؤمنون بالإنسان وخيره، وبخالق الإنسان وصدقه ، يا من تشهدون بوحدانية الله ورسالة نبيه صلی الله علیه واله هل وقفتم متأملين بهذه الرسالة المباركة؟؟ .

ابن أبي طالب والرسالة

نقول الرسالة بكلمة ..

ولكنها كلمة كبيرة أطول من حروفها .. هي بطول قوس يرتكز حد منها على الأرض، بينما يهيم حدها الآخر ما وراء الحدود والمحسوس هي الرباط الذي يصل الدنيا بالآخرة، الإنسان بيومه بالإنسان بغده. وأي إنسان ليس له يومان، يوم إقامة ويوم رحيل؟ والأول بلا ریب، موصل للثاني، والموصل زائل، والمستقبل باق بقاء الوجود.

ولما كان الأمر كذلك، فوجب الاهتمام باليوم الأول، لأنه عتبة الوصول لليوم الثاني{ فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍشَرًّا يَرَهُ}. ومهما بعد ذلك اليوم فهو آت لا بد منه وعليه يجب إعداد العدة له، لأنه من اللازم أن تكون تلك العدة موفورة لاستقباله .

والإنسان بيومه الحاضر، وبيومه المقبل هو ابن الحياة البكر، وفيه ينحصر تراثها...

فهو وحده القوة المحركة النامية التي تتمكن من تحقيق التطور والتقدم وهو وحده القوة العاقلة التي تستطيع الافادة من مقدرات الوجود. وهو وحده الطاقة المدركة التي بها يحل مشاكله ويسير أموره المعقدة . وهو بالتالي نواة المجتمع الصالح.. ذلك المجتمع الذي هو إطاره الأكبر ، وسياجه الأمنع، وتحقيقه الأرقی والأسمى. يقول علماء الاجتماع : أعطني مواطناً صالحاً وخذوطناً صالحاً.

والمواطن الصالح هو العبد الصالح الذي فهم الرسالة وأدرك ما فيها وأحبها وعمل بمضمونها.

وإذا كان الإنسان هو ابن الوجود البكر ففي حضن هذا الوجود يدور وليس في غيره، فالبداية منه والنهاية فيه.

بهذا الإيمان العميق والشفافية المطلقة راح ابن أبي طالب يحضر عدته وعدة الناس في سبيل العبور من يوم بهي إلى يوم خالد السعادة والبهاء، وبهذه الإيجابية أخذ يحضر العدة لبناء مجتمع فاضل تسوده العدالة، وتوطد أواصره الأخوة والمحبة ، مجتمع يعمل بالفضائل التي دعا إليها الإسلام، ويبتعد عن الرذائل التي نهى عنها.

هكذا كان شأن ابن أبي طالب، إذ كانت تهجع في أعماقه کوامن الإيمان الراسخ المضمخ بتعاليم نبوية عالية .

غير أن الرسالة التي انكب عليها بزخمه، والتي انسكبت بزخمها فيه ، كانت الشرارة الوحيدة في تفجير کوامن طاقاته .

فعفوك يا أمير المؤمنین !.. لقد كنت من الرسالة كقطب الرحى. والدروب التي مشيتها برفقة الرسول الأكرم أثناء المعارك الحاسمة بين الكفر والإيمان، تشهد بثقل خطاك...

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله :

«يا علي أنت صاحب حوضي، وصاحب لوائي، وحبيب قلبي، ووصيي ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي، وأنت أمين الله على أرضه، وحجة الله على بريته، وأنت ركن الإيمان وعمود الإسلام، وأنت مصباح الدجی ومنار الهدى، والعلم المرفوع لأهل الدنيا.

یا علی من اتبعك نجا ومن تخلف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح والصراط المستقیم ..»(1).


1) ينابيع المودة ص 133.

فماذا ترانا نقول بعد هذه الشهادة من رسول الله صلی الله علیه واله ؛ فابن أبي طالب ركن الإيمان، وعمود الإسلام، ومصباح الدجی، ومنار الهدى، وباب مدينة العلم؟!.

فهنيئاً لك وهنيئاً لكل من اتبعك وأحبك فقد كنت رفیق جهاده، ورفيق عمره، ورفيق دربه، بكل ما في الدرب من وعورات، وبكل ما في العمر من أوصاب، وبكل ما في الجهاد من أثقال.

فإذا ما نمت في فراشه؟ فأي فرق كان بين ثوبك وبرده؟ .

أتكون وحدة الروح أضيق فسحة وأقل أهمية من بادرة الفداء ؟ !!.

ولا عجب یا حبيب رسول الله صلی الله علیه واله فأنت في نظره كقضيب من النور أخذ هو فلقة وأنت الثانية .. وأنت زوج ابنته وفلذة كبدة فاطمة الزهراء «أم أبيها»و«سيدة نساء العالمين»وأنت أبو سبطيه الحسن والحسين عليه السلام سيدا شباب أهل الجنة»وأنت منه كما يكون القلب من الجسد، وكما تكون العين من الحدقة.

أي فكر ساوره ولم تهطل عليك ديمه .. وأي عزم عزمه ولم يكن سيفك جاهزاً حاضراَ. وكما كنت حبيب الرسول صلی الله علیه واله : كنت أيضاً حبیب الله . قال تعالى : {فَسَوْفَ یَأْتِی اللّهُ بِقَوْم یُحِبُّهُمْ وَ یُحِبُّونَهُ}(1). وهذا ما ذكره الرسول صلی الله علیه واله لما أعطى الراية إلى علي يوم خيبر قال صلی الله علیه و اله :

«لأعطين الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» .

هكذا نعمت یا ابن أبي طالب برفقة حبيبك الرسول صلی الله علیه واله على طول السماح وهكذا صدمت بالفرقة على ألم البراح!!. حتى روحه الكريمة، ما أحب أن يقدمها إلا على راحتيك، وهو يطرحها على أحضان ربه.


1) المائدة الآية 54 جاء في تفسير العلامة فخر الدين الرازي ج12 ص 20 أنها نزلت في علي عليه السلام .

فتحضر يا «إمام المتقین»و يا «یعسوب المؤمنين»فإن الرسالة التي ترعرعت في ظل قلبك، وغرقت من فيض فكرك، ورافقت ضربات سيفك ، ستظل في ظلال عزمك، لأنك كما کنت لها ستبقى لها عندما تعترضها الصعاب. وقد شهد لك بذلك رسول الله صلی الله علیه واله عندما قال يوم الأحزاب :

«لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين»(1).

وفي رواية ثالثة عن رسول الله صلی الله علیه واله قال ذلك يوم حین برز علي إلى عمرو بن عبدود في يوم الخندق : قال صلی الله علیه واله : «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»(2).

وقد اطمأن الرسول صلی الله علیه واله على الرسالة لأنها في يد رجل أمین امتحن الله عزوجل قلبه للإيمان أفلا يكفيه مثل هذه الشهادة؟!

روى النسائي في الخصائص بسنده عن ربعي عن علي: جاء النبي صلی الله علیه واله أناس من قريش فقالوا: يا محمد إنا جيرانك وحلفاؤك وإن من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الفقه ، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا.

قال لأبي بكر : ما تقول؟

فقال : صدقوا إنهم لجيرانك وحلفاؤك ، فتغير وجه النبي صلی الله علیه واله ثم قال : يا معشر قريش، والله ليبعثن الله عليكم رجلاً منکم امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم»(3).

تلك هي الرسالة، تقدم نفسها على كف أمير المؤمنین :

نور وإيمان، واقتناع وحق، وإخاء ووفاء، وصفاء وعزاء .


1) تاریخ بغداد ج13 ص 19 وينابيع المودة ص 137 والحاكم النيسابوري في لمستدرك ج3 ص 32.

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج4 ص 344.

3) في رحاب أئمة أهل البيت ج 1 ص 104.

منهج علوي نموذجي

اشارة

لقد كان غريباً جداً على كثير من المسلمين آنذاك أن يروا إنساًكعلي عليه السلام يخير بين حياة رافهة ، فيها الغني والمال والمتعة والنفوذ، ولكن فيها إلى جانب ذلك مجاراة وسكوت عن طاغية جائر منحرف عن الخط الإسلامي. والإمام علي عليه السلام إمام معصوم يعلم أي مصير مؤلم ينتظره هو وأولاده وأصحابه . يعلم ذلك كله ثم يختار اللون القاتم الرهيب على اللون الزاهي الرغيد من الحياة .

كان غريباً على الناس في زمن علي عليه السلام وفي غير زمنه أن يروا هذا النموذج الراقي الحضاري، هذا النموذج الذي هز الضمير المسلم هزاً فأيقظه من سباته العميق ليرى صفحة جديدة مشرقة يكتبها الإمام علي عليه السلام بدم قلبه ونور فكره من أجل المبدأ القويم الذي أخذه من رسول الله صلی الله علیه واله، ومن أجل شرف الأمة الإسلامية. هذا المبدأ يقول للناس : ابتعدوا عن الحياة الذليلة، ابتعدوا عن زيف الزعماء الذين تعبدونهم، ابتعدوا عن أصناف اللحم المنغمسة في متع الحياة الدينوية الزائلة .

لقد خط أمير المؤمنين، الذي تربى في أحضان النبوة، للناس جميعاً طريقاً مضيئاً، سليماً قويماً لا عوج فيه ولا زلل، فيه الصفاء والنقاء ، طريقاً جديراًة بالحياة الإنسانية الحرة الكريمة . لقد قدم الإمام علي عليه السلام منهجاً جديداً فيه كيفية ممارسة الحياة ، وفيه القسوة والصبر والحرمان، وفيه المنهج النضالي الشريف من أجل صون حياة الإنسان .

إن هذا اللون المشرق من الأخلاق العالية في الجهادالأكبر وهذا النموذج الباهر من السلوك الرفيع، هو خطر أكيد على كل حاکم يجافي روح الإسلام، ويبتعد عن الخط المستقيم في حكمه وأحكامه هو خطر على كل الزعماء الخائنين لضمائرهم ولأمتهم ولشعبهم ولمجتمعهم، ولإنسانيتهم، فيمارسون كل أنواع المحرمات . وما حصل أن ضمائر مثل هؤلاء الزعماء قليلاً تتأثر بمثل هذه النماذج المشرقة ؛ لكن الذي يتأثر هو المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية . وهذا ما أراده الإمام المجاهد علیه السلام من أجل إصلاح الأمة التي بدأ باصلاحها حبيبه الرسول الأعظم صلی الله علیه واله خير أمة أخرجت للناس تدافع عن كرامتها وتضحي من أجل إنسانيتها .

اتهام في غير محله!

قرأنا على صفحات التاريخ أحكاماً مرتجلة توارثها جيل عن جيل في محیط معین، واتخذها السامعون قضية مسلمة مفروغاً من بحثها أو الاستدلال عليها، وهي في الواقع لم تعرض قط على البحث والاستدلال. ولم تجاوز أن تكون شبهة وافقت ظواهر الأحوال، ثم صقلتها ألسنة المحترفين والجاهلين والحاقدين على أمير المؤمنين.

من تلك الأحكام المرتجلة قولهم : إن علي بن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بخدع الحرب ودهاء السياسة .

وقد عزز هذا القول به أنه خالف الدهاة من العرب فيما أشاروا عليه ، وأنه لم ينجح بعد النصيحة المقدمة له في معظم مساعيه، فكان من الطبيعي أن يقال إنه مني بالفشل لأنه عمل بغير ما أشار به أصحابه الدهاة وأنه هو لم يكن من أصحاب الدهاء والخدع الناجحة في الحرب والأساليب الموفقة في السياسة .

ولكن ما نستطيع قوله : هل خطر في بال أحد من ناقديه في عصره أو بعد عصره، أن يسأل نفسه : أكان في وسع علي أن يعمل غير ما عمل؟ وهو

الذي قال عنه رسول الله صلی الله علیه واله : علي مع الحق والحق مع علي . فسوف نرى بعد البحث في آرائه وآراء المشيرين عليه أي هذين القولين أقرب إلى الصواب .

وسؤال آخر: هل خطر لأحد من هؤلاء المستشارين أن يسأل بعد ذلك : على افتراض أنه استطاع أن يعمل غير ما عمل، فما هي العاقبة؟ وهل من المحقق أنه كان يفضي بعمله إلى نتيجة أسلم من النتيجة التي صار إليها ..؟.

لم نعرف أحداً من ناقديه، قد خطر له أن يسأل عن هذا أو ذاك ..

والواقع أن السؤال عن هذا أو ذاك هو السبيل الوحيد إلى تحقيق الصواب أو الخطأ في رأيه ورأي مخالفيه ، سواء أكانوا من الدهاة في الحرب والسياسة أو غير الدهاة ...

واليوم بعد دراستنا شخصية علي ولواقع علي وظروف عصره، يبدو لنا أنالعمل بغير الرأي الذي سبق إليه لم يكن مضمون النجاح، بل ربما كان الأمل في نجاحه أضعف والخطر من اتباعه أعظم لو أنه وضع في نطاق العمل والمشورة التي قدمت إليه .

والربان هو أدرى بقيادة السفينة التي يقودها في غمرة العواصف والأمواج الهائجة .

والمآخذ التي وجهت إليه علیه السلام من هذا القبيل يمكن أن تنحصر في المسائل التالية وهي:

1- عزل معاوية عن ولاية الشام .

2- معاملة طلحة والزبير معاملة خاصة .

3- عزل قیس بن سعد من ولاية مصر.

4- تسليم قتلة عثمان .

5- قبول التحكيم .

وهذه كلها قابلة على الأقل للخلاف والاحتجاج من كلا الطرفين. قيل في عزل معاوية إن علياً خالف فيها رأي المغيرة وابن عباس وزياد بن حنظلة التميمي، وهم جميعاً من المعروفين بالحنكة السياسية وحسن التدبير . تلك هي آراء المشيرين من ذوي الخبرة، وهذا ما عمل به الإمام وارتضاه . فأيهما على خطأ وأيهما على صواب؟... من واجب الباحث أن يسأل : هل كان الإمام علي عليه السلام مستطيعاً أن يقر معاوية والياً على الشام؟.

ومن واجبه أيضاً أن يسأل : هل كان إقراره أدني إلى السلامة والوفاق لو أنه استطاع؟ ...

والواقع أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لم يكن مستطيعاً أن يقر معاوية في عمله لسببين:

• أولهما أنه أشار على عثمان أن يعزل معاوية عن ولاية الشام أكثر من مرة، وكان إقراره وإقرار أمثاله من الولاة المستغلين أهم المآخذ على حكومة عثمان وسوء الإدارة فيها.

فإذا أقر معاوية وقد ولي الخلافة، فكيف يقع هذا الإقرار عند أشياعه؟ ألا يقولون إنه طالب حكم لا يعنيه إذا وصل إلى هدفه ما كان يقول وما سيقوله الناس؟..

وإذا هو أعرض عن رأيه الأول، فهل في وسعه أن يعرض عن آراء الثائرين الذين بايعوه بالخلافة على أمل تغيير الحال والخروج من حكم عثمان إلى حكم جديد؟...

فهل نراهم يهدأون ويطيعون إذا علموا أن الولايات باقية على حالها وإن الاستغلال الذي شكوا منه لا تبديل فيه؟ ..

ولنزعم أن اقرار معاوية بحيلة من الحيل مستطاع... فهل هو على هذا الزعم أسلم وأدني إلى الوفاق؟.

لا نظن ذلك أبداً لأن معاوية لم يعمل في الشام عمل والٍ طوال حياته ،

ويقنع بهذا المنصب، بل كان يتطاول إلى ما وراءه، فعمل فيها عمل صاحب دولة أسسها ودعمها له ولأولاده من بعده .. فما كان منه إلا أن جمع الأقطاب من حوله، واشترى الأنصار بالمال وأحاط نفسه بالقوة العسكرية والثروة المالية الضخمة. واستعد للبقاء الطويل، واغتنام الفرص في حينها ، وأفضل فرصة كانت له: مقتل عثمان والمطالبة بثأره؟!.

فكانت هذه فرصة مناسبة له تماماً فإن ضيعها ضاع منه الملك وتعرض يوماً من الأيام لضياع الولاية . ولم يغب عن خاطر معاوية عزله بعد استقرار الأمور، فماذا تراه يعمل إذا هو عزل بعد عام من مبايعته لعلي وتبرئته إياه من دم عثمان.

فإلى العمل بقميص عثمان واغتنام هذه الفرصة الذهبية .

وإذا كان هذا موقف علي ومعاوية عند مقتل عثمان، فماذا كان علي مستفيداً من إقراره في عمله وتعريض نفسه لغضب أنصاره، لقد كان معاوية أحرى أن يستفيد بهذا من علي، لأنه كان يغنم به حسن الشهادة له وتزكية عمله في الولاية، وكان يغتنم أن يفسد الأمر على علي بين أنصاره، فتعلو حجته وتسقط حجة علي. وبعد عرض هذا الموقف أصدق ما يقال إن صواب علي في مسألة معاوية كان أرجح من صواب مخالفيه ...

2 - أما عن معاملة طلحة والزبير :

عرض عليه أصحابه ثلاثة آراء :

أ- أن يؤليهما العراق واليمن، أو البصرة والكوفة، وكان عبد الله بن عباس على هذا الرأي، فأنكره الإمام عليه السلام لأن البصرة والكوفة بهما الأموال والرجال، ومتى تملکا رقاب الناس يستميلان السفيه بالطمع، ويضربان الضعيف بالبلاء، ويقويان على القوي بالسلطان ثم ينقلبان عليه أقوى مما كانا بغير ولاية، وقد استفادا من إقامة الإمام لهما في الولاية تزكية يلزمانه بها الحجة، ويثيران بها أنصاره عليه.

ب - والرأي الثاني : أن يوقع بهما ليفترقا ولا يتفقا على عمل، وهو لا ينجح بالوقيعة بينهما إلا باعطاء أحدهما وحرمان الآخر، فمن أعطاه لا يضمن انقلابه ، ومن حرمه لا يأمن أن يهرب إلى الأثرة كما هرب غيره، فيقصد الشام ليساوم واليها الداهية معاوية ، أو أنه يبقى في المدينة على ضغينة مستورة كالنار تحت الرماد .

والواقع أنهما لم يكونا قط متفقين حتى في مسيرهما من مكة إلى البصرة، وسرعان ما وقع الخلاف بينهما في المعسكر على من يصلي بالناس، ولولا مسعى عائشة بالتوفيق بين المختلفين لافترقا من الطريق قبل الوصول. على أي حال لم تطل المحنة بينهما مختلفين أو متفقين، حيث انهزما بعد أيام قليلة بعد حربهما مع علي علیه السلام وخرج علي أقوى وأمنع مما كان قبل هذه الفتنة ولو بقيا على السلم لما انتفع بهما بهذه الهزيمة العاجلة .

ج - وكان الرأي الثالث:

أن يعتقلهما أسيرين، ولا يبيح لهما الخروج من المدينة إلى مكة حين سألاه بالمسير إليها، ثم خرجا إلى البصرة ليشنا الحرب عليه بمعونة عائشة . والواقع أن علياً، وهو إمام العقل، قد استراب بما نوياه حين سألاه الاذن بالسفر إلى مكة ... فقال لهما: «ما العمرة تريدان، وإنما تريدان الغدرة».

لكنه لم يحبسهما، لأن حبسهما لن يغنيه عن حبس غيرهما من المشكوك فيهم، وقد ترکه عبد الله بن عمر ولم يستأذنه في السفر، وتسلل أناس إلى الشام ومن مكة إلى المدينة ولا عائق لهما أن يتسللوا حيث شاءوا ولو أنه حبسهم جميعاً لما تسنى له ذلك بغير سلطان قاهر، وهو في ابتداء حكمه لم يظفر بشيء بعد من ذلك السلطان، وأغلب الظن أن سواء الناس كانوايعطفون عليهم وينقمون حبسهم قبل أن تثبت لهم البينة بوزرهم. وما أكثر المتحرجين في عسكر الإمام علي من حبس الأبرياء بغير حجة ظاهرة وبرهان قاطع؟ لقد كان هؤلاء خلقاء أن نصروهم عليه، والأفضل له أن يعلن

طلحة والزبير العصيان فيغلبهما من أن يكتماه فيغلباه ويشكك بعض أصحابه في عدله وحسن معاملته معهما.

لم يكن الجيش الذي خرج من مكة إلى البصرة ييأس من الخروج إليها إذا لم يصحبه طلحة والزبير فقد كانت «العثمانية» في مكة حزباً موفور العدد والمال .. فمسألة معقدة تلتبس فيها الطرائق، ولا يسعنا والحالة هذه أن نؤكد بطريقة أضمن وأسلم عاقبة الطريقة التي اعتمدها الإمام علي عليه السلام وخرج منها بالتالي غالباً على الحجاز والعراق.

3 - وأما عن عزل قیس بن سعد من ولاية مصر:

فقيس هذا كان من أقدر أصحاب معاوية على ولاية مصر وحمايتها وكان كفوءاً لمعاوية وعمرو بن العاص في الدهاء والخبث والمراوغة فعزله الإمام علي عليه السلام لأنه شك فيه ، لأن معاوية أشاع مدحه بين أهل الشام، وزعم أنه من حزبه والمؤتمرين في السر بأمره.

بالإضافة إلى ذلك كان أصحاب علي يحرضونه على عزله، وعلي يستمهلهم ويراجع رأيه فيه حتى اجتمعت الشبهات لديه . فعزله وشبهاته لم تكن بالقليلة ولا بالضعيفة . وقيس لم يدخل مصر إلا بعد أن مر بجماعة من حزب معاوية، فأجازوه ولم يحاربوه وهو في سبعة رجال لا يحمونه من بطشهم، فحسبوه حين أجازوه من العثمانية الهاربين إلى مصر من دولة الإمام علي عليه السلام في الحجاز .

ولما بايع المصريون علياً على يديه ، بقي العثمانيون لا يبايعون ولا يثورون، وقالوا له: «أمهلنا حتى يتبين لنا الأمر» فامهلهم وتركهم وادعين حيث طاب لهم المقام بجوار الاسكندرية .

ثم أغراه معاوية بمناصرته والخروج على الإمام علي عليه السلام ، فكتب إليه قيس رسالة لا تفيد الرفض ولا تفيد القبول، ومن قرأها حسبها مراوغة المعاوية أو أنه يترقب ساعة الفصل بين الخصمين.

وأراد الإمام علي عليه السلام أن يتأكد من الخصومة بين قيس ومعاوية ، فأمر قيساً أن يحارب المتخلفين عن البيعة... فلم يفعل وكتب إلى الإمام علي: «متي قاتلناهم ساعدوا عليك عدوك ، وهم الآن معتزلون والرأي ترکهم».

فتعاظم الشك عند علي وعند أصحابه ، وأكد المشيرون عليه بعزل قيس واستقدامه إلى المدينة .. فعزله الإمام علي علیه السلام واستقدمه، وتبين بعد ذلك أنه أشار بالرأي والصواب، لأنهم هزموا محمداً بن أبي بكر والي مصر الجديد، وحرضوا عليه من كان يواليه.

ومن غريب هذه القصة أن معاوية قد ندم على تقريب قيس من علي وقال : «لو أمددته بمائة ألف لكانوا أهون علي من قيس». .الأن قیساً قد ينفعه وهو قريب منه في عامة أموره ولا ينحصر نفعه له في سياسة مصر وحدها .

4 - وأما عن تسليم قتلة عثمان :

هذه المسألة كانت أطول جدلاً بين الإمام علي عليه السلام وبين خصومه ،وأقصر جدلاً مع براءة الإمام علیه السلام .

لقد طالبوه بالعقوبة ولم يبايعوه، مع أن العقوبة لا تكون إلا من ولي الأمر المعترف له باقامة الحدود .

وطالبوه به ولم يعرفوا من القتلة ، ومن هو الذي يؤخذ بدم عثمان من القبائل والأفراد.

وقد أعنتوه بهذا الطلب لأنهم علموا أنه لا يستطاع قبل أن تثوب السكينة إلى عاصمة الدولة، وأعفوا أنفسهم منه -وهم ولاة القتل - يوم قبضوا على عنان الحكم وثابت السكينة إلى جميع الأمصار .

وقد تحدث الإمام علي مرة في أمر العقوبة من قتلة عثمان، فإذا بجيش

يبلغ عشرة آلاف يشرعون الرماح ويجهرون بأنهم «كلهم قتلة عثمان»فمن شاء العقوبة فليطبقها عليهم جميعاً .

ولو أن المطالبين بدم عثمان التمسوا أقرب الطرق إلى الثأر له، والقصاص من العادين عليه ، لكان هذا أقرب الطرق إلى ما أرادوا ...

يؤيدون ولي الأمر حتى يقوى على إقامة الحدود، ثم يحاسبونه بحكم الشريعة حساب إنصاف..

5- وأما الذين لاموه عن قبوله التحكيم:

يخيل إلينا من عجلتهم إلى اللوم أنهم كانوا أول من يلومه ويفرط في لومه لو أنه رفض التحكيم وأصر على رفضه، لأنه علیه السلام لم يقبل التحكيم وله مندوحة عنه، ولكنه قبله بعد إحجام جنوده عن الحرب، ودب الخلاف بين عسكرهم وبين من يقبلونه ومن يرفضونه.

وقبله بعد أن حجز الحفاظ والقراء ثمانين فرعة للقتال لشكهم في وجوب القتال وذهاب البعض إلى تحريمه .

وبعد أن توعدوه بقتله كقتل عثمان، وأحاطوا به يلحون عليه في استدعاء الأشتر النخعي الذي كان يلاحق أعداءه مستحصداً في ساحة الحرب على أمل النصر القريب والمؤرخون الذين صوبوا رأيه في التحكيم وخطأه في قبول أبي موسى الأشعري، على علمه بضعفه وتردده، ينسون أو يتناسون أن أبا موسى كان مفروضاً عليه ، كما فرض عليه التحكيم في لحظة واحدة وینسون ما هو أهم من ذلك، وهو أن العاقبة متشابهة سواء ناب عنه أبو موسى الأشعري أو ناب عنه الأشتر أو عبد الله بن عباس ... فإن عمرو بن العاص لم يكن ليخلع معاوية ويقر علياً في الخلافة .

وقصارى القول أن الحكمين سيفترقان على تأييد كل منهما لصاحبه ورجعة الأمور إلى مثل ما كانت إليه . وإن توهم بعضهم أن الأشتر أو ابن عباس كان قادراً على تحويل ابن العاص عن رأيه ، والجنوح به إلى حزب

الإمام علي عليه السلام ، بعد مساومته التي ساومها فيحزب معاوية فليس ذلك على التحقيق بمقنع معاوية أن يستكين ويستسلم وحوله المؤيدون والمترقبون للمطامع يعز عليهم إخفاقهم كما يعز عليه إخفاقه.

والآن بعد هذا العرض السريع نسأل المؤرخين الناقدین ، هل كان بحوزتهم حل أصوب وأفضل من الذي صار إليه الإمام علي عليه السلام على كره منه ورغماً عنه بالنسبة للظروف التي أحاطت به، وسواء أكان عالماً بعدم صوابية هذا الحل أم لم يكن عالماً فليس هناك من حل أفضل منه .

بعض علوم الإمام علي عليه السلام

اشارة

الذي يدخل إلى محراب علي في العلوم يضيع ويدهش، فهل يمكن لأحد أن يحصي ذرات الرمال في الصحراء؟ وهل يمكنه أن يحصي ذرات المطر؟ وعندما ننظر إلى علمه عليه السلام نجده العالم الرباني الذي يقول على ملأ من الناس : (سلوني قبل أن تفقدوني).

وهل يجرؤ أحد من علماء الأرض أن يقول هذا الكلام فوق المنبر وعلى حشد من ألوف الخلق؟ وهل يأمن أن يسأله سائل عن مسألة لا يكون عنده جوابها فيخجله فيها؟ بلا شك لا يجرؤ على هذا القول إلا من كان واثقاً من نفسه كل الثقة، وبان عنده جواب كل ما يسأل عنه . ثم هل تنحصر المسألة في علم من العلوم أو ناحية من النواحي حتى يجرؤ على هذا القول ولا يكون مؤيداً بتأييد إلهي وواثقاً من نفسه كل الوثوق بأنه لا يغيب عن فكره أي جواب مسألة مهما دقت وبعدت مراميها فأبو الحسن لها بدون شك.

إن هذا المقام يقصر العقل عن الإحاطة به ويسأل وهو على المنبر :

•

عن مسافة ما بين المشرق والمغرب فيجيب بأنه مسيرة يوم للشمس وهو جواب مقنع جداً أحسن ما يجاب به في مثل هذا المقام.

•

ویسأل عما بين الحق والباطل فيقول: مسافة أربع أصابع .

الحق أن تقول : رأيت بعيني، والباطل أن تقول سمعت بأذني .

• ويسأل عن رجلين مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة فجلس معهما ثالث وأكلوا الأرغفة الثمانية ، وطرح إليهما الثالث سبعة دراهم

لأن الأرغفة الثمانية أربعة وعشرون ثلثاً . لصاحب الثلاثة منها تسعة أثلاث أكل منهما ثمانية وأكل الضيف واحداً، ولصاحب الخمسة منها خمسة عشر ثلثاً أكل منها ثمانية وأكل الضيف سبعة.

فهذه المسألة لو أجاب عنها أمهر رجل في الحساب والرياضيات من جامعاتنا اليوم، مع وجود الآلات الحاسبة والكمبيوتر وأصاب فيها لكان له الفخر.

• ومسألة المرأة التي ولدت من ستة أشهر .

أتي عمر بن الخطاب بامرأة ولدت لستة أشهر فهم عمر برجمها، لكنه استنجد بالإمام علي عليه السلام فحضر وقال له: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك .

فقال عمر: وكيف ذلك؟ أجابه الإمام عليه السلام : مدة الرضاع حولان کاملان، والحمل والفصال ثلاثون شهراً.

{وَحَملُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهرًا} وقوله عزوجل :{ وَالوَلِدَتُ یُرضِعنَ أَولَدَهُنَّ حَولَینِ كَامِلَينِ }.

30- 24 = 6 أشهر فثبت الحكم للمرأة ومنع الرجم.

وقد عمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنهم إلى يومنا هذا.

ونبقى مع الخليفة عمر بن الخطاب :

-أتاه رجل بامرأة مجنونة زنت. فأمر عمر بجلدها. فقال له أبو الحسن : إن النبي صلی الله علیه واله قال : رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فيقول :فرج الله عنك لقد كدت أهلك في جلدها .

• ویؤتی عمر أيضاً امرأة حامل قد زنت، فيأمر عمر فورة برجمها .

فاستدعى أبا الحسن وقال لعمر : هب إن لك سبيلاً عليها فأي سبيل لك على ما في بطنها . اصبر عليها حتى تلد فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد، وإذا لم تجد فاستبقها حتى تكمل رضاعة ولدها .

عندها قال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن .

• ويدخل عليه أبو الأسود الدؤلي فيخبره بأنه سمع من يلحن في القرآن الكريم. فوضع علیه السلام له أصول علم النحو في كلمات معروفة وقال له: انح هذا النحو وسجل بعلم النحو وما زالت هذه الأصول حتى اليوم وستبقى باذن الله لحفظ القرآن الكريم وعلومه من التحريف واللحن.

ماذا تراني أقول في علم علي بن أبي طالب الذي قال عنه رسول الله صلی الله علیه واله: «أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي رواية أقضى أمتي ...(1)وقال المفجع البصري في قصيدة الأشباه :

وهو الحبر والفقيه لدى الفت*** یا ویوم الهياج يفري الفريا(2)

وقال صلی الله علیه واله لعلی علیه السلام :

«ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً»(3).

وقال صلی الله علیه واله ، الحديث المعروف عند الجميع:

«أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأتها من بابها»روی الحديث ابن عباس وذكره الحافظ في تاريخ بغداد ج 2 ص 377.

وقال صلی الله علیه واله : «قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزاً واحداً وعلي أعلم بالواحد منهم»(4).

قال العلامة الحمويني في (فرائد السمطين) عن علي بن أبي


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 339، والمناقب ص49، روى الحديث العلامة أخطب خوارزم بسنده عن سلمان الفارسي عن النبي .

2) ملامح شخصية الإمام علي عليه السلام البيت رقم 135.

3) حلية الأولياء ج1 ص 65 وينابيع المودة ص 210.

4) حلية الأولياء ج 1 ص 64 ومطالب السؤول ص 21 وشمس الدين الذهبي في میزان الاعتدال ج 1 ص 58 وينابيع المودة ص 70 وغيرهم.

طالب عليه السلام قال : «علمني رسول الله صلی الله علیه واله ألف باب كل باب يفتح لي ألف باب»(1)وبعد هذه الأقوال العظيمة التي قالها الرسول الأعظم في رجل عظیم هو علي بن أبي طالب نختمها بحديث له صلی الله علیه واله يقول فيه: «لو أن البحر مداد ، والغياض أقلام، والأنس کتاب ، والجن حساب ، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن».

وبعد هذا القول : هل أستطيع أن أحصي علوم أبي الحسن؟؟.

لقد كان أمة مستقلة بذاتها، تحكي عقلية الدهر، وتعبر عن نضج الزمان، وتصور سمو البشرية وقمة المجد. فعلي لا يقاس بالأفراد فهو نسيج وحده، يحتل الصدارة في بحوث المؤرخين، فحين يجيء ذكر المعرفة ، والحكمة، والأدب، والخطابة والقضاء، والفقه، والعدل، والجهاد، تمر سيرته في صور مزدانة بألوان من الصفات التي لم تجتمع في شخصية إنسان عبقري موهوب كما اجتمعت في هذه الشخصية الفذة العجيبة التي خلبت العقول، وحيرت الألباب وكانت من حيث القوة والرسوخ - من حيث هذه المزايا : العلم والحكمة والمعرفة وسمو الخلق والإنسانية الحقة - بحيث تمردت على العوامل الفعالة التي من شأنها إبادة كل شيء أمامها.

وكما أننا لا نستطيع أن نقرن الأرض بالقمر بهاءً، لا نستطيع أن نقرن اسم علي بأسماء العظماء - باستثناء من خصوا برتبة النبوة - وهو غير نبي طبعاً - لأن مزايا علي قد تجاوزت الحدود المألوفة، وشخصية علي بلغت القمة من الأمجاد والمثل العليا في دنيا البشرية(2).


1) نظم درر السمطين ص 113 و منتخب کنز العمال ج 5 ص 43 و میزان الاعتدال ج2 ص 67 وينابيع المودة ص 77.

2) راجع : ملامح شخصية الإمام علي عليه السلام لعبد الرسول الغفار مؤسسة النعمان بیروت .

على أمير العلماء:

1 - الإسلام دين العلم .

إن أول سورة أنزلت من القرآن الكريم هي سورة (اقرأ) وفيها قوله تعالى : {الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ} وتتابعت الآيات في الحث على العلم{هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ }(1)وقوله تعالی : {إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزيزٌ غَفُورٌ}(2)

وقوله تعالى : { يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ }(3).

واهتم الرسول الأعظم صلی الله علیه واله بتعليم المسلمين، ويكفي أن نعلم أنه جعل فداء القرشيين الذين أسروا في غزوة بدر أن يعلموا عدداً من أولاد الأنصار القراءة والكتابة .

قال رسول الله صلی الله علیه واله : أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.

وقال أيضاً : اطلبوا العلم ولو بالصين(4).

وقال صلی الله علیه واله : طلب العلم فريضة على كل مسلم(5).

وقال : من تعلم باباً من العلم، عمل به أو لم يعمل به، كان أفضل من أن يصلي ألف ركعة تطوعاً(6).

وقال صلی الله علیه واله : تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبیل الجنة ، وهو أنيس في الوحشة ،


1) سورة الزمر : الآية ، 9.

2) سورة فاطر : الآية، 28.

3) سورة المجادلة : الآية ، 11.

4) معادن الجواهر ج1 ص 15.

5) منية المريد ص 23.

6) روضة الواعظین ج1 ص 12.

وصاحب في الوحدة ودليل على السراء والضراء، وسلاح على الأعداء ، وزين للأخلاء، يرفع الله بهم أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم في صلاتهم بأجنحتهم، ويستغفر لهم كل شيء، حتى حيتان البحور وهوامها وسباع البر وأنعامها، لأن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار من العمى وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الأخيار ...(1).

الرسول الأعظم صلی الله علیه واله يشيد بعلم علي عليه السلام :

كان الرسول الأعظم صلی الله علیه واله في كل مناسبة يشيد بعلم علي عليه السلام فلا نجد كتاباً في الحديث أو السير إلا تجد فيه قوله صلی الله علیه واله: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه (2).

وقوله صلی الله علیه واله: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب(3).

وقوله صلی الله علیه واله: علي أعلمكم علماً وأقدمكم سلماً(4).

وقوله صلی الله علیه واله: علي أقضى أمتي، وأعلم أمتي من بعدي(5).

وقوله صلی الله علیه واله: أعطى الله علياً من الفضل جزءاً لو قسم على أهل الأرض لوسعهم، وأعطاه من الفهم جزءاً لو قسم على أهل الأرض لوسعهم(6).

وقوله صلی الله علیه واله لفاطمة علیها السلام : زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة، وإنه الأول أصحابي إسلاماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً (7).


1) الخصال ص 492

2) الاستيعاب ج3 ص 38.

3) بحار الأنوار ج 40 ص 149.

4) المصدر نفسه ج 4 ص 149.

5) المصدر نفسه ج.40 ص 13.

6) مناقب آل أبي طالب ج2 ص 40 عن حلية الأولياء .

7) الاستيعاب ج3 ص 36.

أنا مدينة العلم وعلي بابها:

روي عن النبي صلی الله علیه واله أنه قال : أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه .

ورواه علي بن محمد الشافعي عن سبعة طرق(1).

وروى ابن حجر عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلی الله علیه واله : أنا مدينة العلم وعلي بابها، وفي رواية : فمن أراد العلم فليأت الباب (2).

ورواه الشيخ رشيد الدين من عدة طرق وقال : رواه أحمد من ثمانية طرق وإبراهيم الثقفي من سبعة طرق، وابن بطوطة من ستة طرق، والقاضي الجعافي من خمسة طرق، وابن شاهين من أربعة طرق، والخطيب من ثلاثة طرق، ويحيى بن معين من طريقين، وقد رواه السمعاني، والقاضي الماوردي، وأبو منصور السكري، وأبو الصلت الهروي، وعبد الرزاق ، وشريك، عن ابن عباس، ومجاهد، وجابر .

وهذا الحديث مما أجمعت عليه الأمة، ورواه أهل الآثار، وتسالم على صحته علماء الحديث ، واتفق على صحته الخاص والعام، وأنت إذا علمت أن الشيخ الأميني طاب ثراه ذكره في الجزء السادس من الغدير صفحة 61 عن 143 مصدراً أدركت الإجماع على صحته .

علي يعلم ألف باب:

روى أبو نعيم الحافظ بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن


1) مناقب الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ص115

2) الصواعق المحرقة ص 189.

علي عليه السلام : علمني رسول الله صلی الله علیه واله ألف باب من العلم يفتح كل باب إلى ألف باب (1).

وهذا الحديث مما تسالم عليه أهل الآثار، ورواه الخاص والعام.

علي عنده علم الكتاب:

جائ فی القران الکریم{قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(2).

روی محمد بن مسلم، وأبو حمزة الثمالي، وجابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام وعلي بن فضال، والفضيل بن يسار، وأبو بصير عن الصادق علیه السلام ، وأحمد بن محمد الحلبي، ومحمد بن الفضيل، عن الرضا عليه السلام .

وقد روي عن زيد بن علي، وعن محمد بن الحنفية رضي الله عنه ، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه، وعن أبي سعيد الخدري، وعن إسماعيل السدي : أنهم قالوا في قوله تعالى :{ قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }هو علي بن أبي طالب علیه السلام .

وروى الثعلبي أنه سأل سعيد بن جبير {وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} عبد الله بن سلام؟ قال: لا، فكيف وهذه سورة مكية.

وقد روي عن ابن عباس : لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالب، لقد کان علماً بالتفسير والتأويل، والناسخ والمنسوخ، والحلال والحرام.

قال العوني:

ومن عنده علم الكتاب وعلم ما ***یکون وما قد كان علماً مکتماً(3)


1) مناقب آل أبي طالب ج2 ص 44. الإرشاد: ص 23 بلفظ متقارب والخصال ص 605.

2) سورة الرعد: الآية، 43.

3) مناقب آل أبي طالب ج2 ص 37.

الإمام علي يتبصر القرآن، ولم ينفصل عنه أبداً، وهومترجم عن الإنسان الكامل بين الولادة وبين الشهادة، حتى أننا نلمس في علي تجسيد القرآن الكريم.

أمير المؤمنين أمير في جميع مواقفه فهو يمثل باقة من القيم الإنسانية التي تدعو جميع الناس من كل جنس ودين إلى التمثل بها.

وأمير المؤمنين أمير تراث وخبير نفوس، فعندما يتكلم يتكلم لجميع الناس في جميع الأجيال، همه الوحيد إصلاح شأن الإنسان في كل مكان ، وقد درج على هذا الطريق جميع ولده من بعده ، کانوا جميعاً مع المظلوم ضد الظالم ومع الحق ضد الباطل، همهم وغايتهم هم والدهم علیه السلام وهم جدهم صلی الله علیه واله، وقال الإمام الحسين عليه السلام الذي صارع الباطل ودافع عن

الحق حتی استشهد في سبيله :

والله ما خرجت أشراً ولا بطراً وإنما خرجت من أجل الإصلاح في أمة جدي صلی الله علیه واله.

قسم الإمام الإنسان إلى ثلاث طبقات تتناسب مع واقع الحال في عصره وفي جميع العصور من بعده . فقال : «الناس ثلاثة أصناف : زاهد معتزم، وصابر على مجاهدة هواه، وراغب منقاد لشهواته :

1- فالزاهد لا يعظم ما آتاه الله فرحاً به ، ولا يكثر على ما فاته أسفاً .

فلا يجري وراء الآمال ووراء المطامع التي لا تحدها حدود، ولا يكفي بعضها عن بعض كما قال الشاعر :

تموت مع المرء حاجاته ***وتبقى له حاجة مابقي

2- والصابر نازعته إلى الدنيا نفسه فقد عاناها، وتطلعت إلى لذاتها فمنعها. فالله يحب الصابرين ويجزيهم على صبرهم، لأن الصابر قوي العزيمة، شديد الاحتمال، جذبته إلى مباهج الدنيا نفسه فكفها وخالفها بإرادته وعزيمته وإيمانه .

3- والراغب دعته إلى الدنيا نفسه فأجابها، وأمرته بایثارها فأطاعها فدس بها عرضه، ووضع لها شرفه، وضيع لها آخرته .

رأس الحكمة معرفة الله تعالى، وإذا اجتمعت معرفة الله وطاعته للعبد، فقد رسخ إيمانه وصحت عبادته، وتمسك من دينه بحبل متين، وسار في الطريق الأمين، وصانه الله من زلل القول والعمل.

أما إذا زادت رغبته للدنيا ودعته إلى لذاتها فأطاعها فيضيع بذلك شرفه، ويحط شرفه وبالتالي يضيع آخرته . وهذه حال الحياة في الماضي والحاضر، تزاحم على مطالب الحياة، فهم بین مهموم ومحروم وكلاهما متعب منكود.

ما قاله العلماء في علمه علیه السلام :

استهل الشيخ المفيد عن أحكامه وقضاياه فقال : فأما الأخبار التي جاءت بالباهر من قضاياه عليه السلام في الدين وأحكامه التي افتقر إليه في علمها كافة المؤمنين. فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار من العامة والخاصة في قضاياه ورسول الله صلی الله علیه واله حي فصوبه فيها، وحكم له بالحق فيما قضاه ودعا له بالخير، وأثنى عليه به، وأبانه بالفضل في ذلك من الكافة ، ودل به على استحقاقه الأمر من بعده، ووجوب تقدمه على من سواه في مقام الإمامة كما تضمن ذلك التنزيل فيما دل عليه ، وعرف به ما حواه من التأويل حيث يقول الله عزوجل :{أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ یَهِدِی إِلاَّ أَن يُهدَی فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ }

وقوله سبحانه :{ قُل هَل يَستَوِي الَّذِنَ يَعلَمُونَ وَالَّذِ ينَ لاَ يَعلَمُونَ إنَّمَا يتَذَکَّرُ أُولُوا الأَلبَبِ }

وقوله عزوجل في قصة طالوت : {وَقالَ لَهُم ينَبُّهُم إِنَّ الله قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِکا قَالُوا أَنَّى يَکُونُ لَهُ المُلك عَلَينَا وَنَحنُ أَحقُّ بِالمُلکِ مِنهُ

وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ أَضطَفَهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللهُ يُؤتِي مُلكَه مَن يَشَاءُ اللهُ وَسِع عَلِيم}.

فجعل جهة حقه إلى التقدم عليهم ما زاده الله من البسطة في العلم والجسم، واصطفائه إياه على كافتهم بذلك، وكانت هذه الآيات موافقة الدلائل العقول من أن الأعلم هو أحق بالتقدم في محل الإمامة ممن لا يساويه في العلم، ودلت على وجوب تقدم أمير المؤمنين عليه السلام على كافة المسلمين في خلافة الرسول صلی الله علیه واله وإمامة الأمة لتقدمه عليه السلام عليهم في العلم والحكمة وقصورهم عن منزلته في ذلك(1).

أفمن نرضاه أميراً علينا، وقائداً لنا، ومعلماً لأجيالنا ورمزاً من رموز الحضارة الإنسانية لعصرنا، وأستاذاً في العلوم الاجتماعية لشبابنا في هذه الأيام العصيبة ، الذي ارتضاه الله تعالى وفضله رسول الله صلی الله علیه واله على غيره، وميزه بصفات وعلوم كثيرة عن سواه؟؟.

فعلي كالشمس الساطعة على مفارق الدروب يهتدي بها جميع التائهين عندروب الحقيقة، وكافة الضالين عن الحق الإلهي، وسائر المارقين عن العدالة التي يحتاج إليها كل مجتمع يريد الحياة الحرة الكريمة . نعم.. علي لنا وللجميع من البشر، لعصرنا ولكل العصور.

وعن سعيد بن المسيب قال : كان عمر ينعوذ بالله من معضلة، ليس لها أبو حسن(2).

وقال عمر في المجنونة التي أمر برجمها، وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر رجمها فقال له علي عليه السلام : إن الله تعالى يقول :{ وَحَملُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهراً} وقال له : إن الله رفع القلم عن المجنون، فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر(3).


1) الارشاد ص 104.

2) شرح النهج ج1 ص 6.

3) الاستیعاب ج 3 ص 39، وشرح النهج ج 1 ص 6، وتذكرة الخواص ص 87.

وقال : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن(1).

وقال : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن(2).

وقال خطيب خوارزم:

إذا عمر تخطى في جواب ***ونبهه علي بالصواب

يقول بعدله لولا علي ***هلكت هلكت في ذاك الجواب (3)

وقالت عائشة : علي أعلم الناس بالسنة(4).

وقال له ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري بعدما بويع بالخلافة : والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين ولئن كانواسبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك (5).

فإذا كان عصره وجماعته يحتاجون إليه فكيف بنا نحن الآن؟ ألسنا بحاجة ماسة لتطبيق أقواله والأخذ بحكمه؟ ما أحوجنا إليك يا إمامي العظيم ، وماذا يمكن أن نقول لك عن أيامنا هذه؟ لقد تفرق أكثرنا شيعاً واستغلنا الأعداءلمصالحهم الخاصة لأننا ابتعدنا عن نهجك القويم وخطك المستقيم.

ودرس آخر في العدل والإنصاف لا بد لكل حكام الأرض من تطبيقه ليتجنبوا ويلات الحرب وآثار العداوة .


1) شرح النهج ج 1 ص 6 وأسد الغابة ج 4 ص 220 وتهذيب التهذيب ج 7 ص 337.

2) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 14، والرياض النضرة ج 2 ص 179.

3) مناقب آل أبي طالب ج2 ص 39.

4) بحار الأنوار ج 4 ص 179.

5) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 155- كما سانده الشعبي فقال : ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي، بحار الأنوار ج 40ص 157 وجاء في الغدير : قال عثمان : لولا علي لهلك عثمان، ج8 ص 0214

قال الإمام في ذلك : «العدل أفضل من الشجاعة ؛ لأن الناس لو استعملواالعدل - عموماً - في جميعهم، لاستغنوا عن الشجاعة»(1)الشجاعة تكون في الرأي أو الحرب، ولو تعامل الناس بالعدل وأنصف بعضهم بعضاً، لما احتاجوا إلى ابداء الشجاعة، قال المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان*** هو أول وهي المحل الثاني

وقال شاعر غيره :

لو أنصف الناس استراح القاضي*** وبات كل عن أخيه راضي

وسئل عليه السلام عن قوله تعالى : { إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَنِ}.

فقال علیه السلام«العدل : الإنصاف، والاحسان : التفضل»(2).

جمعت هذه الآية الكريمة شريعتي العدل والفضل.

وشريعة العدل : شريعة موسى - عليه السلام لأنها مقصورة على القصاص لا عفو فيها.

وشريعة الفضل: شريعة عيسى - عليه السلام وهي مقصورة على العفو ولا قصاص فيها.

أما شريعة خاتم النبيين والرسل فهي شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فهي شريعة العدل والفضل، لأنها تجمع بين القصاص والعفو، وهو العدل والإحسان معاً.

وقد سئل عليه السلام : أيهما أفضل: العدل أو الجود؟ فقال :

«العدل يضع الأمور موضعها، والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام، والجود عارض خاص؛ فالعدلأشرفهما وأفضلهما»(3).

وقال عليه السلام في العدل والجور :


1) النهج، ص 333ج20.

2) النهج، ص 19.

3) النهج، ص 293.

«العدل صورة واحدة ، والجور صور كثيرة؛ ولهذا سهل ارتکاب الجور، وصعب تحري العدل؛ وهما يشبهان الاصابة في الرماية والخطأ فيها؛ وإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك»(1).

ومن أقواله الحكيمة في الولاية والحكام :

«إذا قوي الوالي في عمله حركته ولايته على حسب ما هو مركز في طبعه من الخير والشر».

كل إنسان وله سجية تتملكه وطبع يتطبع به وينساق إليه . والوالي هو من هؤلاء فإذا تمكن في عمله انسان بطبعه الغلاب إلى فعل الخير أو الشر ، وجرى على سجيته في ذلك بدون تكلف. يقول المتنبي:

وأسرع مفعول فعلت تغيراً*** تكلف شيء في طباعك صده

وكم يذكر لنا التاريخ من حکام انساقوا بطبعهم نحو الخير فعمرواالبلاد واسعدوا العباد، وآخرين انساقوا إلى الشر، كما حدث في الماضي وكما يحدث الآن فدمروا الأوطان وأبادوا الإنسان، لأن ذلك في طبعهم وفي سجيتهم. والطبع غلاب ويغلب التطبع.

ومن توصياته إلى الحكام وتذكيرهم بالعدل بين أفراد الرعية قوله :«اذكر عند الظلم.. عدل الله فيك، وعند القدرة.. قدرة الله عليك»(2).

الحاكم التقي يتذكر دائماً نعم الله عليه وقدرته القادرة وعدالته الصائبة فيعمل من دنياه لآخرته ، أما الحاكم الظالم فيعتد بنفسه ويهتم بدنياه دون آخرته فلا يتذكر عدل الله عزوجل وينسى أو يتناسى قدرته في بناء الكون وتغييره من حال إلى حال، وبناء الإنسان وتبدل أوضاعه بمشيئته عزوجل. وهذا ما نلاحظه في عصرنا الحاضر وفي كل عصر .


1) النهج، 328 ج20.

2) النهج، 325 ج20.

ومن توصياته علیه السلام للحكام ليرحموا الفقراء وجميع الناس قال عليه السلام : «ارحم الفقراء لقلة صبرهم، والأغنياء لقلة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم»(1).

فالفقير لا يستطيع الصبر، والغني قد يكون قليل الشكر، والأكثر الغالب قد يغفل أو يتغافل فعلى الحاكم أن يكون واسع الصدر ليستوعب الجميع ويرحم الجميع.

ثم أعطانا عليه السلام صفات الحكام وطريقتهم المثلى في الحكم فقال :

«أرجح الناس عقلاً، وأكملهم فضلاً : من صحب أيامه بالموادعة وإخوانه بالمسالمة، وقبل من الزمان عفوه»(2).

على الراعي أن يرحم رعيته ويهتم بأمورها ويحسن إدارتها، وعليه أن يتحلى بعقل راجح وصدر واسع وفضل کامل؛ فيحسن قيادتهم بالرفق واللين،ويتعامل معهم كأخوة يلاطف الصغار ويساعد الكبار ويرضى ما يجود به الزمان على أية حال . وقال علیه السلام في أمر الرحمة.

«ارحم الفقراء لقلة صبرهم، والأغنياء لقلة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم»(3)

1 - الذنب على الذنب .

2 - وملاحاة الأحمق.

3 - ومثافنة النساء.

4 - والجلوس مع الموتی .

فقالوا له: ومن هم الموتى؟ قال : كل عبد مترف .

.

في كل سورة وفي كل آية وفي كل مباشرة في الكلام يقول المؤمن : بسم الله الرحمن الرحیم».


1) النهج، ص 317.

2) النهج، ص 325.

3) سئل أمير المؤمنين عما يميت القلب فقال : أربعة .

فالله عزوجل وصف نفسه بالرحمة ألا يطلب من العبد الصالح أن يتحلى بهذه الصفة الكريمة . وإذا أردنا أن نعد الآيات التي وردت فيها كلمة الرحمة الضاق بنا المجال لكثرتها . ورحمة الله وسعت كل شيء. والإمام عليه السلام يطلب إلينا أن نكون رحماء مع جميع الناس. مع الفقراء لقلة صبرهم.

الفقر يكبل الإنسان، والفقير تضيق به الدنيا من هنا قد نعذره لبعض تصرفاته لأن صبره قليل.

والغني علينا أن نرحمه أيضاً، لأن المال قد يعمي البصر ويجذب الإنسان إلى التلهي بالملذات، فيشغل نفسه بأمور دنيوية سرعان ما تنتهي . فعلينا أننرحمه وندله على الطريق الصواب ونذكره بنعم الله الوافرة ليشكره التدوم نعمه عليه . وبالشكر تدوم النعم(1)وعلينا أن نرحم الجميع لطول غفلتهم. فالإنسان قد ينسى لانشغاله بهمومه أو مرضه أو مشاكله الكثيرة والمعقدة فعلينا أن ننقذه من غفلته ونذكره بنعم الله الذي لا تحصى نعمه علينا جميعاً وهذه حكمة علوية كريمة يحتاج إليها كل مجتمع من مجتمعاتنا العصرية وبصورة خاصة المجتمع اللبناني. قال علیه السلام :

«الاستئثار يوجب الحسد، والحسد يوجب البغضة، والبغضة توجب الاختلاف، والاختلاف يوجب الفرقة، والفرقة توجب الضعف، والضعف يوجب الذل، والذل يوجب زوال الدولة وذهاب النعمة»(2).

كل مستأثر في أي مجتمع مكروه لأن قلبه خال من المحبة تجاه الآخرين وبالتالي يصبح محسوداً منهم لعدم تعاونه معهم وعدم مساعدتهم ولما كان محسوداً أصبح مبغوضاً لا يحبه أحد من جميع معارفه ورفاقه وعندها يشعر بالغربة بين مواطينه فلا يزور ولا يزار ولا يحب أحداً ولا أحد يحبه . وهذا السبب بالذات أوجب الاختلاف. والاختلاف بين الأخوة يوهي


1) النهج، ص 317.

2) النهج، ص 225، ج 20.

العلاقات بينهم فيتفرقوا ويضعفوا وماذا بعد الضعف إلا الذل والقهر والانحلال. قال أحد الآباء يوصي بنيه :

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى ***خطب ولا تتفرقوا آحادا

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً*** وإذا افترقن تكسرت أفرادا

وماذا بعد الضعف إلا الذل والاستعباد كما نرى اليوم تسلط القوي على الضعيف، وتسلط الدول الكبرى على الدول الصغرى واستعبادها . والذليل خال من النخوة والمروءة فاقد لكرامته ودوره وواجبه في الحياة . وهذا ما نلاحظه اليوم عندنا فلما تفرقنا ضعفنا ولما ضعفنا طمع بنا الأعداء وأذلونا. وهذا ما أوجب زوال دولتنا وذهاب نعمتنا. فهبوا إلى الوحدة یا عباد الله !! الله تعالى أعطى للمؤمنين الكرامة والعزة (العزة للمؤمنين من عباد الله ، فكيف نتخلى عن هذه العزة التي كرمنا الله بها، وبذهاب العزة ذهاب الحرية وبذهاب الحرية زوال الدولة).

والنفس العزيزة لا تطلب الحاجات إلا من رب العالمين. قال عليه السلام :«اطلبوا الحاجات بعزة الأنفس؛ فإن بيد الله قضاءها»(1).

ومن حكمه علیه السلام التي ترفع من شأن الفرد وتجعله عزيزاً مكرماً في مجتمعه قوله:

«أفضل على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره»(2).

جاء في الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى» فمن يعطي يكن صاحب الفضل، محترماً بين قومه ، مرفوع الجبين، محبوباً من الجميع لكن على صاحب الفضل أن يعطي بلا منة ليكون عطاؤه مقبولاً عند الله وعند الناس. أما من يعطي متفاخراً فعطاؤه ضائع عند الله وعند الناس . قال أحد الشعراء في الفضل والمعروف:


1) النهج199 ج20.

2) النهج، ص 30، ج 20.

إزرع جميلا ولو في غير موضعه ***فلن يضيع جميلك أينما زرعا

والفضل إما أن يكون بالمال أو بالفكر أبو باليد وهو أضعف الإيمان فإن لم يستطع بهذه الوسائل فعليه أن يستغني عمن شاء ليكن نظيره شبيهه عنده الاكتفاء الذاتي، ليس له وليس عليه.

أما الذي يحتاج إلى الآخرين يبقى مكسور الخاطر تجاههم وكلما التقى بهم أو نظر إليهم يشعر وكأنه مديون لهم، أسيرهم.

و قال أحد الشعراء :

أحسن إلى الناس تستبعد قلوبهم ***فطالما استعبد الإنسان إحسان

وهنا الاستعباديعني الأسر، واستعباد القلوب مقبول ومفضل لكن استعباد الأجساد مرفوض ومرذول. لأن الله خلق الإنسان حراً طليقاً فعليه أن يحافظ على هذه النعمة الكبيرة.

وهنا أتذكر قول الإمام عليه السلام :

«أغض على القذى والألم.. ترض أبداً»(1).

الحياة ملأى بالمشاكل والأذى وهذا واقع لا بد منه، فعليه أن يتحمل الأذى والألم بإرادة صلبة وعقل مستنير حتى يخلص إلى بر الأمان. لأن الشدة سرعان ما تزول ويعيش الإنسان عندئذ راضياً مرضياً .

يقولون: الصبر مفتاح الفرج، وهذا صحيح، لكن للصبر حدوداً فإذا ما استمر القذي في العين والألم في الجسد على الإنسان أن يستعمل فكره وحسن تدبيره ليتخلص مما وقع فيه؛ لأن: «أغنى الغنى العقل»(2).

ويقول الإمام عليه السلام في أمر الولاة وبناة البلاد :

«أفضل الولاة من بقي بالعدل ذكره، واستمده من يأتي بعده»من


1) النهج، ص 30.

2) المصدر ص 20.

الشعارات المفضلة التي نراها مكتوبة في المحاكم فوق رؤوس القضاة : العدل أساس الحكم.

فبالعدل تستقيم أمور الحياة ، وبالعدل تسود المساواة، وبالمساواة تعم المحبة بين الناس، وبالمحبة تتوثق العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، وبالعلاقات الاجتماعية السليمة والصحيحة تعمر الأوطان .

والعدل أمر به الله في القرآن الكريم وهو من البنود الخمسة في الإسلام.

وكل إنسان يسعى لتخليد ذكره بعد مماته بكل ما عنده من جهود ويتم ذلك عبر صدقة جارية أو ولد صالح أو كتاب يفيد الناس. والوالي الصالح الذي يرغب في تخليد ذكره، هو الوالي العادل ، لا يفرق بين الكبير والصغير والغني والفقير، والقريب والبعيد، بل يعمل بالعدل والمساواة بين جميع أفراد الأمة، وهذا ما ركز عليه الإسلام واعتمده الإمام عليه السلام في حياته قبل الولاية وأثناء الولاية وهذا ما سبب خلود ذكره في التاريخ حتى عصرنا الحاضر.

من هنا كان قول الرسول الأكرم صلی الله علیه واله في الإمام عليه السلام : «علي مع الحق والحق مع علي».

«اللهم وال من والاه وعاد من عاداه».

«علي مني کهارون من موسی».

وعندما يكون الإمام بهذه الأوصاف فلا بد أن يستمد منه من يأتي بعده. من يأتي خير الخلف لخير السلف.

وهكذا حدث، فأمير المؤمنین استمد منه الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين استمد من أخيه الحسن (سيدا شباب أهل الجنة) والإمام علي زين العابدين استمد من أبيه الحسين، والإمام الباقر استمد من أبيه زین العابدین ، والإمام الصادق استمد في أبيه الإمام الباقر، والإمام الكاظم استمد من أبيه

الإمام الصادق، والإمام علي الرضا استمد من أبيه الإمام الكاظم، والإمام الجواد استمد من أبيه الإمام الكاظم، والإمام الهادي استمد من أبيه الإمام الجواد، والإمام حسن العسكري استمد من أبيه الإمام الهادي، والإمام المهدي المنتظر استمد من أبيه الإمام حسن العسكري فكانوا أئمة أطهاراً أبراراً معصومین اهتدوا وهدوا. وعمروا البلاد واسعدوا العباد، وما زال ذكرهم العطر تتداوله الأجيال المؤمنة جيلاً بعد جيل إلى أن تقوم الساعة . والله أعلم أين يضع رسالته.

ومن أقواله الخالدة أيضا قوله علیه السلام :

«أكرم الحسب حسن الخلق».

النبتة الطيبة تعطي ثمراًطيباً، والنبتة الخبيثة تعطي ثمراً خبيثاً ، والمفهوم بالحسب هو ما نعده من مفاخر الآباء أو المال، أو الدين أو الكرم، أو الشرف في الفعل، أو الأفعال الصالحة، أو الشرف الثابت في الآباء.

قال ابن السكيت : الحسب والكرم يكونان بدون الآباء قد يكسبهماالإنسان بجهوده الخاصة، وأخلاقه الحسنة .

أما الشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء.

كذلك الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تعطي أكلها دائماً بدون من أو هدف خاص.

وحسن الخلق يولد المحبة، وأفضل محبة هي التي وصفها القرآن الكريم بالمحبة الخالصة لأهل الإيمان . محبة الفضل كما وصفها الإمام علي في محبته لربه عزوجل . فقال : «ربي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».

والمحبة التي يبغيها الرسول صلی الله علیه واله هي تلك الصفة النبيلة، والفضيلة الجليلة، والعاطفة الصادقة التي تدفع صاحبها على الدوام إلى محبة الجميل في أي إنسان، وإلى تفضيل الجميل من أي مكان صدر، ومحبة كل کریم

وقویم من الأحياء والأشياء إلى درجة العشق . وصاحب الأخلاق الحسنة والحسب الكريم يحب الله ويبغض لله، ويعطي في سبيل الله ؛ قال الرسول الأكرم صلی الله علیه واله : «أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله» هذه المحبة تدوم وتستمر لأنها خالصة لوجه الله عزوجل ما كان الله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

من هنا كانت محبتنا للأئمة المعصومين قد استمرت وسوف تستمر باذن الله .

الحكم العلوية دائمة مع دوام الحياة ومستمرة عبر العصور لأنها تترجم عن حالات إنسانية خاصة وعن صفات اجتماعية عامة . من هذه الحالات حذرنا الإمام عليه السلام من الحسد ومن الحسود . فقال : «الحسد آفة الدين»(1).

وواقعاً الحسد آفة من الآفات الخبيثة، وهي قديمة قدم الإنسان ومستمرة حتى اليوم، وأخطرها اعتراض على الله عزوجل وتسخط عليه في تقسيمه الأرزاق، وانعامه على العباد، وكثيراً ما يؤدي إلى الكفر وكفاه ذماً إنه أول ذنب عصي الله به في السماء ؛ وذلك حسد إبليس لآدم، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، وذلك حسد قابيل لأخيه هابيل !!.

لذلك وصفه الإمام عليه السلام بالخلق الدنيء.

قال عليه السلام : «الحسد خلق دنيء .. ومن دناءته أنه موكل بالأقرب فالأقرب».

يبدأ الحسد بالأقارب، ثم بمن بعدهم وهكذا حتى يتلاشي، فمثلاً يحسد الأخ أخاه، ثم ابن عمه، ثم ذي رحمه، ثم أصدقاءه ، ثم أهل بلده ثم أهل اقلیمه ، ثم بني جنسه ، ثم بني دينه . فلا تجد عربياً يحسد أجنبياً، على حين تراه يضطرم حسداً على عربي من أبناء عمومته وهذا ما يحصل معنا اليوم .ولله في خلقه شؤون !! والحسود دائم الزفرات والآهات . فقال علیه السلام :


1) المصدر السابق ص 19.

«الحسد حزن لازم، وعقل هائم، ونفس دائم(1)والنعمة على المحسود نعمة ، وهي على الحاسد نقمة»(2).

في الواقع، الحسد يرفع ذكر المحسود ويحط من شأن الحاسد. وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي:

لولا التخويف للعواقب لم تزل ***للحاسد النعمي على المحسود

ولولا انتشار النار فيما جاورت ***ما كان يعرف طیب عرف العود

كما نجد بعض الأصدقاء يحسدون أصدقاءهم. قال الإمام عليه السلام : «حسد الصديق من سقم المودة»(3).

فلولا ضعف المودة ما كان الحسد، وأول الصداقة انصراف النظر عن رؤية التفاوت .

وبعض الأصدقاء عندما لم يستطع النيل من صديقه يعمد إلى التأسف، قال عليه السلام في شأن هؤلاء:

«الحسود ظالم، ضعفت يده عن انتزاع ما حسدك عليه ؛ فلما قصرعنك، بعث إليك تأسفه»(4).

وما فائدة الأسف والتأسف بعد أن قصرت يده عن النيل من صاحبه . إن الذي يعف عن مقدرة عندما يقدر على انتزاع الهم عن غيره تعدله منقبة ، أما الذي يضعف عن انتزاع الحسد من صديقه عن قصد وسابق تصمیم فهو صدیق ظالم وصاحب خائن يجب البعد عنه، لأن الصديق من صدق في معاملته لا من حسد صديقه لانتزاع النعمة عنه(5).


1) المصدر ص300ج40.

2) لأن الحسودیصعدالزفرات دائماً

3) النهج ص297ج20

4) النهج ص 119

5) النهج ص 331 ج 20.

ولمثل هؤلاء قال عليه السلام :

«إذا أردت أن تصادق رجلاً فانظر من عدوه»(1).

لأن عدو الإنسان يدل عليه فاللئام أعداء الكرام، والجهلاء أعداءالعلماء، والأشرار أعداء الأبرار وهكذا ... فاعتبر الأشياء بأضدادها.

والعاقل هو الذي يعرف كيف يأخذ وممن يأخذ وكيف يعطي ولمن يعطي، فيأخذ الخير ولو من أهل الشر، ويأخذ ضالته ولو من أهل النفاق .

قال علیه السلام : «الحكمة ضالة المؤمن فاطلب ضالتك، ولو من أهل الشركت»(2).

فالحكمة كالشيء الضائع من الإنسان، فيتحتم عليه أن ينشده حيثما وجده. وقديماً قال أحد الشعراء:

«فاجن الثمار وخل العود للنار» .

وقال أيضاً : ينفعك قولي ولا يضرك تقصيري .

وقال أيضاً: فالكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً .

وقال عليه السلام :

«الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة .. ولو من أهل النفاق»(3).

وفي النهج استجماع لكل نواحي الحياة ، وفي النهج جميع ما يطلب الإنسان من أمور لا غنى له عنها، وفي النهج منافع جمة لكل من أراد أخذ الخير من مصادره، فقال علیه السلام لأصحاب النفوس الضعيفة :

«خسر مروءته من ضعفت نفسه »(4).


1) النهج ص 286 ج 20.

2) النهج ص 19 الضالة في الاصل : ما ضل من البهيمة للذكر والأنثى .

3) النهج ص 165.

4) النهج، ص 19.

إن ضعف النفس ملتقى خصال السوء، وعنوان الطبيعة الدنيئة . والمروءة أعلى مراتب الإنسانية، وقد تميز بها العرب عن غيرهم من الشعوب الأخرى في صدر الإسلام وكانوا يمدحون الرجل الشريف بقولهم : لو علم أن شرب الماء القراح يفسد مروءته ما فعله . والمروءة من الصفات النادرة في عصرنا اليوم، لكنها موجودة باذن الله ، ولو فقدت لضعنا وضيعنا . قال شاعر قدیم :

مررت على المروءة وهي تبكي*** فقلت : علام تنتحب الفتاة؟

فقالت: كيف لا أبكي وأهلي*** جميعاً دون خلق الله ماتوا!!

إن الحكم العلوية حية معاصرة نجدها في كل عصر وفي كل جنس من البشر، وما أحوجنا نحن اليوم لأمثالها.

قال علیه السلام: «خف الضعيف إذا كان تحت راية الانصاف، أكثر من خوفك القوي تحت راية الجور؛ فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر، وجرحه لا يندمل»(1).

يقول الإمام عليه السلام إن القوي يستطيع أن ينتصر لنفسه بنفسه ممن يظلمه، ولكن الضعيف ينتصر من ظالمه بمالك الملك ومن بيده نواصي العباد. (إن الله يرفع من يشاء ويذل من يشاء إنه على كل شيء قدير ، وما النصر إلا باذنه تعالی).

وكأن الإمام يعيش في عصرنا الحاضر، ويصف الخلافات التي تسود في مجتمعاتنا. فقال علیه السلام: «الخلاف يهدم الرأي»(2)

ويعني الخلاف في الرأي : الخصومة فيه عناداً ومكابرة، وليس طلباً للصواب، ولا متابعة للمشورة؛ وبهذا تتشعب الآراء وتضيع الحقيقة ، وتذهب الفائدة المرجوة.


1) النهج، ص 337، واندمل الجرح: تماثل للشفاء .

2) النهج ص 199.

يتحلى الإسلام بالديمقراطية ، فأمر بالمشورة، ورأي الأكثرية يقترب من الصواب أكثر كلما اقترب من مجموع الأصوات الجماعة.

علي أمير القضاء:

قال رسول الله صلی الله علیه واله: «إن عليا أقضاکم».

وقال له عمر: فإنك الذي قال فيك رسول الله صلی الله علیه واله: أنت أعلم هذه الأمة وأقضاها بالحق.

وقال صلی الله علیه واله في أصحابه : أقضاكم علي بن أبي طالب(1)

وقال أبو إمامة : قال رسول الله صلی الله علیه واله: أعلم الناس بالسنة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب (2).

قال عبد الله : أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب (3).

«سلوني قبل أن تفقدوني»:

جاء في نهج البلاغة (4)قال علیه السلام : فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة ، وتضل مائة، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحط رحالها ...

ومما يظهر أن الإمام عليه السلام كان يكرر هذا الأمر حثاً على المسلمين للاستفادة من علمه.

قال علیه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني فوالله ما في القرآن آية إلا وأنا


1) الاستیعاب، ج3، ص 38.

2) مناقب آل أبي طالب، ج2، ص 41.

3) الاستیعاب، ج3، ص 41.

4) خطبة 92.

أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، في سهل أو جبل، وإن ربي وهب لي قلباً عقولاً، ولساناًناطقاً(1).

وعن عبد الله بن عباس قال : علي علم علماً، علمه رسول الله صلی الله علیه واله، ورسول الله علمه الله ، فعلم النبي من علم الله، وعلم علي من علم النبي صلی الله علیه واله، وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلی الله علیه واله في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر، وقال أيضاً :

و قد مليء جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة، مع قرابته مع رسول الله صلی الله علیه واله.(2)

صور رائعة من قضائه:

علي إمام القضاء في عصره وفي كل عصر، ويحق للمسلمين أن يفخروا على أهل الدنيا قاطبة ، فالمدنية اليوم وبعد أن قطعت مراحل كبيرة في التقدم الحضاري فهي اليوم تترسم خطی علي أمير المؤمنين علیه السلام التي سنها قبل ألف وأربعمائة عام، فقرارات علي تنظر في قرارات المحاكم، وهذا ما سنه الإمام عليه السلام والذي سماه الباحثون (المظالم) فهو ينظر في الدعاوى التي حكم فيها القضاة ولم يوفقوا لاصابة الحق، وفرق بين الشهود، كي لا يضيع الحق بالتواطؤ على الكذب .

ومبتكرات أخرى يجلها كبار القضاة لعل في طليعتها تدوين الشهادات كي لا يضيع الحق بالتزوير أو الإنكار .

واليوم فقد يلتبس على الحكام مصدر الجريمة بعد أن حصروه في جماعة من المتهمين فيقول الحاكم: برأتكم المحكمةجميعاً أخرجوا، وعند خروجهم من قاعة المحكمة يصيح القاضي: القاتل يقف، فيقف أحدهم وأخيراً يعترف بجريمته.


1) غرر الحکم، ص 228.

2) ومناقب آل أبي طالب، ج2، ص 47.

وإلى هذا أشار القاضي فاضل عباس الملا فقال : وإذا تعمق فيها فيسجد الغرائب والعجائب من جواهر الإمام القضائية، وسيظفر بكنوز أحجارها الكريمة، حيث سيجد أن جل أصول المرافعات في ساحات المحاكم الراهنة، والمبادىء العامة للقوانين الأصولية والاجرائية تستمد جذورها من تلك السوابق، من دون أن تكون من بنات الفكر القانوني أو القضائي المعاصر كما هو شائع، ولا عجب في ذلك ما دام الرسول الكريم قد ضرب على صدره لما بعثه إلى اليمن قاضياً وقال صلی الله علیه واله : اللهم اهد قلبه ، وثبت لسانه ، وكان علیه السلام يقول : ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين (1).

قضاؤه في قوم وقع عليهم حائط فقتلهم:

كان فيهم امرأة مملوكة، وأخرى حرة، وللحرة طفل من حر، وللملوكة طفل من مملوك، ولم يعرف المملوك من الحر، فقرع بينهما ، وحكم بالحرية لمن خرج عليها سهمها، وبالرقية لمن خرج عليه سهمها ثم أعتقه، وجعل مولاه مولاه، وحكم به في ميراثهما بالحكم في الحر ومولاه، فامض رسول الله صلی الله علیه واله هذا القضاء وصوبه(2).

1- قضاؤه في مال المسلمين:

عن القاضي نعمان، عن يزيد بن أبي خالد، بإسناده إلى طلحة بن عبيد الله أتي عمر بمال فقسمه بين المسلمين، ففضلت منه فضلة، فاستشار فيها من حضر من الصحابة فقالوا: خذها لنفسك، فإنك إن قسمتها لم يصب كل رجل منها إلا ما لا يلتفت إليه.

فقال علي عليه السلام : اقسمها أصابهم من ذلك ما أصابهم، فالقليل من ذلك والكثير سواء، ثم التفت إلى علي فقال : ويدلك مع أياد لم أجزك بها(3).


1) الإمام علي ومنهجه في القضاء ص 52.

2) معادن الجوهر، ج 2، ص 29.

3) عجائب أحكام أمير المؤمنین، ص 65.

2 - قضاؤه في وزن الفيل :

فقال رجل : إني حلفت أن أزن الفيل .

فقال له: لم تحلفون بما لا تطيقون.

قال : قد ابتليت ، فأمر علیه السلام بقرقور(1)فيه قصب فاخرج منه قصب كثير، ثم علم صنع الماء بقدر ما عرف صنع الماء قبل أن يخرج القصب، ثم صير الفيل فيه حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صنع الماء أولاً، ثم أمر بوزن القصب الذي أخرج، فلما وزن، قال عليه السلام : هذا وزن الفيل.

لقد سبقت عصرك بكثير يا إمامي الكبير، سبقت (أرخميدس) بقرون .

معلوم في الفيزياء أنه إذا غمر جسم في سائل فإنه يخسر من وزنه مقدار وزن حجم السائل الذي حل محله الجسم المغمور، ذلك لأن الجسم المغمور يكون تحت ضغطين متعامدين من ذلك السائل : أحدهما من الأسفل إلى الأعلى، يعادل عموداً من ذلك السائل طوله من سطح السائل إلى نهاية الجسم المغمور، والآخر من الأعلى إلى الأسفل يعادل عموداً من السائل طوله من سطح السائل إلى سطح الجسم المغمور فلو طرح الضغط الثاني (قوة الدفع من الأعلى إلى الأسفل )من الضغط الأول (قوة الدفع من الأسفل إلى الأعلى) حصلنا على مقدار من القوة الدافعة من الأسفل إلى الأعلى يعادل مقداراً من السائل بحجم الجسم المغمور ...

3- قضاؤه في امرأة سوداء ولدت غلاماً أبيض:

أتى رجل بامرأة إلى عمر بن الخطاب فقال : إن هذه سوداء وأنا أسود وإنها ولدت غلاماً أبيض.

فقال لمن بحضرته : ما ترون؟ .

قالوا: نرى أن ترجمها، فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض،


1) القرقور : السفينة الطويلة العظيمة .

فحضر أمير المؤمنين عليه السلام وكانت المرأة في طريقها لترجم، وزوجها إلى جانبها، فسألهما علي: ما بالكما؟ فحدثاه بما حصل.

فسأل الأسود: أتتهم زوجتك؟ .

قال الزوج: لا.

فسأله أيضاً: هل أتيتها وهي طامث؟ .

فقال الرجل: قالت لي ليلة من الليالي إنها طامث، فظننت أنها تتقي البرد، فوقعت عليها .

فقال للمرأة : هل أتاك وأنت طامث؟.

قالت: نعم، سله ، فقد حرمت عليه ذلك وأبيت .

قال علیه السلام : إنطلقا فإنه ابنكما، وإنما غلب الدم النطفة(1).

السلام عليك يا أمير المؤمنين، فأنت أمير العلماء والمعلمين، وأنت أمير الأتقياء والمتقين، وأنت أمير الأدباء والمتأدبين، وأنت أمير علماء الاجتماع والاجتماعيين، وأنت أمير الفقهاء والمتفقهین. وهذه معلومة حديثة لا يعرفها سوى الأطباء المختصين، لقد كنت إماماً لعصرك وأنت اليوم إمام لعصرنا الحاضر ولكل العصور. والسبب واضح وضوح الشمس. كان همك الإنسان وهدفك اصلاح الفرد واصلاح الجماعة، حملت هموم الآخرين لتسقط عنهم همومهم وتسعدهم، أعطيتهم خیر عطاء، ودفعت كل بلاء، كنت دائماً وأبداً مع الحق، والحق لم يترك لك صاحباً، وقلت فأصبت فخرجوا عليك، ولما ادلهم بهم الخطب عادوا إليك .

واليوم نحن بأشد الحاجة إليك في هذه الأيام العصيبة ، بحاجة ماسة إلى حاكم يتمثل بعض صفاتك من لطافة الحس، ونقاء الجوهر، وسرعة البديهة، وذلاقة اللسان، ونظافة الكف، وواسع المعرفة، ومتين الإيمان يحب الجميع ويعمل من أجل مصالح الجميع.


1) قضاء الإمام أمير المؤمنين للشفائي ص 29 والطمث : الحيض .

علي إمام المتقین:

1 - من وصية له في تقوى الله :

«أوصيكم - عباد الله - بتقوى الله فإنها حق الله عليكم والموجبة على الله حقكم(1). وإن تستعينوا عليها بالله ، وتستعينوابها على الله(2)، فإن التقوى اليوم الحرز والجنة(3)، وفي غد الطريق إلى الجنة، مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ(4)، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منکم والغابرين (5)لحاجتهم إليها غداً، إذا أعاد الله ما أبدي، وأخذ ما أعطى، وسأل عما أسدى، فما أقل من قبلها وحملها حق حملها، أولئك الأقلون عدداً، وهم أهل صفة الله سبحانه إذ يقول:{ وَقَلِيل مِن عِبادِىَ الشَّكُورُ}».

إن تقوى الله حرز وجنة ، تحصن ووقاية في هذه الدنيا لتعبيد الطريق إلى الجنة. وهي محفوظة عند الله جل جلاله، يحتاج إليها الحاضرون والغابرون. لكن الذين قبلوها واستحقوا حملها كانوا قلة وقد وصفهم عزوجل القليل من العباد الشاكرين.

فإذا كانوا في زمن الرسول قلة من العباد الشاکرین فما بالنا نحن اليوم؟!.

2 - ومن وصية له بتقوى الله أيضاً :

«أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم، وإليه يكون


1) الموجبة على الله حقكم: بها تستوجبون جنانه، وما أعده لأوليائه .

2) تستعينوا عليها بالله : تطلبون منه جل جلاله أن يوفقكم لها، وتستعينوا بها على الله : في بلوغ رضاه .

3) حرز: تحصن، والجنة : كل ما وقی.

4) مستودعها: المودعة عنده. حافظ : لها، لا تضيع عنده .

5) عارضة نفسها: تدعو إلى التمسك بها. والغابر هنا: الباقي .

معادكم وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهی رغبتكم، ونحوه قصد سبیلکم، وإليه مرامي مفزعكم، فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم ،وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم وجلاء عشا أبصاركم، وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم(1)فالتقوى دواء القلوب، ونور الأبصار، وشفاء الأجساد، وصلاح الفساد وتطهير النفس من دنس الحياة».

فمن اتصف بهذه الصفات الكريمة الفاضلة والسامية هو من أهل التقوى . فما هي الثمرات التي يجنيها المتقون؟.

و من ثمرات التقوى الخيرة أنها تجعل الإنسان موفقاً في الحياة الدنيا محبوباً في مجتمعه، مكرماً بين قومه، كما تجعله في أمن من الخوف والحزن يوم القيامة. مطمئن النفس مرتاح الضمير لأن الله تعالی بشره بذلك في الدارين . قال تعالى : {أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(2).

ومن ثمرات التقوى أيضا رحمة رب العالمين التي وسعت كل شيء،فمن يرحم عباد الله يرحمه الله، ومن يعطف على عباد الله يعطف الله وكم نحن بحاجة في هذه الأيام إلى التراحم والتعاطف والتآلف !!.

فالمواطن الذي في قلبه رحمة يقوم بواجبه خير قيام فيعطف على إخوانه من بني البشر، ويساعدهم في حاجاتهم، ويشعر معهم في مشاكلهم وأحزانهم لأن المؤمن مرآة أخيه.

ونختصر القول: فكما يعاملنا الآخرون علينا أن نعاملهم بالمثل، وبذلك تختفي الخصومات فيما بينهم وتولي غيوم الحقد والتباغض والتحاسد وكل أنواع الرذائل إلى غير رجعة.


1) النهج ج 2 ص 196 وجاشکم: نفسكم وعشي البصر : ضعف.

2) سورة يونس : الآيات، 62 - 64.

ومن ثمرات التقوى أيضاً تنوير البصيرة بالعلم والمعرفة والحكمة قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(1)

وقال سبحانه : {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(2).

وكم هو عالمنا اليوم بحاجة ماسة إلى التقوى فلو عرفها وطبقها الانطفأت جمرة الشر والحروب بماء اليقين البارد، وساد الأمن والسلام في العالم بأسره. وليس المهم اكتشاف العلوم الحديثة والمعارف المختلفة ولكن الأهم هو كيفية استعمال هذه العلوم وهذه المعارف فيما يفيد الفرد والجماعة على حد سواء.

اللهم اهدنا سواء السبيل وألبسنا ثوب التقوى لنكون من عبادك الصالحين، اللهم اجمع شمل العرب وارحمهم يا أرحم الراحمين .

لكل شيء أوان وأفضل الأشياء ما استعمل في مكانه وللغرض المعد له. والفضل كل الفضل يعود للجهة التي أعد من أجلها.

وبذلك يعم الخير على الفرد وعلى المجتمع على حد سواء.

أما إذا استعمل الشيء لهدف خاص، أو لجهة غير الجهة المعد لها انحرف عن هدفه العام وأدى إلى اشعال نار الشر والحقد والدمار . قال الإمام عليه السلام في هذا المجال :

«الخير كله في السيف، وما قام هذا الدين إلا بالسيف. أتعلمون معنی قوله تعالى : {وأنزلنا الخيريد فيه بأس شديده }هذا هو السيف(3).

يريد الإمام عليه السلام: إن الحق الأعزل مصيره الموت ما لم تدفع عنه


1) سورة الأنفال : الآية، 29.

2) سورة البقرة: الآية، 197.

3) النهج ص 308 ج 20.

القوة وتحصنه، وهو أمر مشاهد لا مرية فيه ، وقيام الدولة بالسيف معناه : أن السيف شرع لحمايته لا لنشره، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ }وقوله عزوجل :{ لَا إِكرَاهَ فِي الدِّین ِقَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِ} فالسلاح في يد المسلم للدفاع عن نفسه وكرامته وشرفه، وليس للتعدي والظلم والبغي. والاستعداد للقوة ضروري وواجب للدفاع عن النفس. قال تعالى :{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ }(1).

والارهاب هنا بالمفهوم الإسلامي غير الإرهاب في المفهوم الغربي اليوم. فالمسلم الذي يدافع عن أرضه ووطنه هو مقاوم شريف ومؤمن بطل يدافع عن حقه المشروع، أما الإرهابي الحقيقي هو المعتدي على حقوق الآخرين والمحتل لأرضهم والمعتدي عليهم والمغتصب لحقهم.

والخلاصة إن الخير كل الخير في سيف علي الذي لم يقم إلا بالحق، ولم يستعمل إلا في احقاق الحق. فنحن معك يا إمامي العظيم فكن معنا في أيامنا هذه العصيبة.

ونحن مع ولدك ، سيد الشهداء، الإمام الحسين عليه السلام ونقول معه كما قال : إن لم يستقم دین محمد إلا بقتلي فيا سيوف خذيني. الموت بكرامة خير من الحياة بالذلة، وهيهات منا الذلة. ولكي نعيش عيشة كريمة راضية مرضية علينا أن نملك أوعى القلوب فلا يطغي علينا الارتفاع فوق قدرنا ولا نعلوا ولا نسرف في المعاصي ولا نتجاوز حدودنا. وفي ذلك قال الإمام عليه السلام :«خير العيش ما لا يطغيك، ولا يلهيك»(2).

إن مجاوزة الحد والقدر يقود إلى العلو والكفر والاسراف في المعاصي، كما أن اللهو واللعب يشتركان في أنهما يشغلان الإنسان عن ذکر


1) سورة الأنفال : الآية، 60.

2) النهج ص 301 ج20.

الله ويقودان به إلى الضلال والهلاك. وقد فرق علماء اللغة بين اللهو واللعب فقيل : اللهو أعم من تجاهل الإنسان عن معرفته حدوده، يعني الظلم والطغيان، وكلاهما يسيئان بالحياة الحرة الكريمة .

ومن حكمة الخالدة التي يحتاج إليها كل فرد وكل مجتمع في أي عصر: «خير ما عوشر به الملك : قلة الخلاف، وتخفيف المؤونة، وأصعب الأشياء على الإنسان : أن يعرف نفسه، وأن يكتم سره»(1)معرفة النفس أمر ضروري وواجب على كل فرد في الحياة ، وهي لباب الحكمة، وكنز الحقيقة ، ولو عرف كل إنسان نفسه، ما تظالم الناس ولا تعادوا، ولا التبست عليهم الأمور، ولا خفي عليهم الصواب، لأن كل فرد يعرف حدوده فلا يتجاوز ولا يقصر عنه، ومن عرف الواجب عرف الحق، وجاء في الحديث :

«من عرف نفسه عرف ربه» .

الإنسان العاقل الذي يتأمل كل عضو في جسده كيف يعمل وكيف يتعاون مع الأعضاء الأخرى ليكون انسجاماً تاماً بين أفراد المجتمع الواحد يعرف عندها كيف يتعاون مع الآخرين ليعيش الجميع حياة حضارية سعيدة .

لذلك يترتب على الإنسان زيادة في كسب المعرفة وفهمها والعمل بوحيها حتى يتيسر له فهم الكثير من الظواهر المحيطة به.

والمعرفة لا تقتصر على الظواهر من لون معين، وإنما هي تتناول جميع ما يحيط بالإنسان وكل ما يتصل به.

فمن المعارف ما يتصل بتكوين الإنسان البيولوجي والنفسي، ومن المعارف ما يتصل بعناصر بيئته الطبيعية والثقافية والاجتماعية ، ومن المعارف ما يتصل بعقائده الدينية والاعتقاية ... وبعد أن يعرف الإنسان نفسه عليه أن يكتم سره .


1) النهج 333 ج20.

وكتمان السر شديد على الإنسان، ولا يستطيعه إلا الأريب اللبيب وقد عبر عن ذلك بعض الشعراء حيث يقول:

ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ***ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي

فإن قليل العقل من بات ليله*** تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب

فعلينا أن نجربه. لأن الناس صناديق مقفلة، مفاتيحها التجربة والمعاشرة، فإذا جربناهم بانت خبيئاتهم، وانكشفت سرائرهم ولربما فجعنا فيهم. وفي ذلك قال الإمام عليه السلام : «خير الناس من لم تجربه»(1)وقال أحد الشعراء:

لاتمدحن امرأ حتی تجربه ***ولا تذمنه من غير تجریب

ومن حكمة الخالدة علیه السلام في وصف المؤمن والدفاع عنه: «داریء عن المؤمن ما استطعت، فإن ظهره حمى الله عزوجل ونفسه كريمة على الله تعالى، وله يكون ثواب الله سبحانه فظالمه خصم الله ، فلا يكن خصمك»(2).

فالله سبحانه وتعالى يمنع عن المؤمن الضيم والجور، والله معه ما دام هو مع الله، يعينه ويدفع عنه شرور الظلام والمعتدين والذي يظلمه يكون خصماً لله ، ومن كان خصماً لله كتب عليه الخذلان وألحق به الخسران . والله عزوجل يمهل ولا يهمل.

والعبد الصالح هو المؤمن الذي لا يبالي بما يصادف من أخطار ونوازل، فيصبر ويأمل بالنصر والفرج وزوال الغم مهما طال الزمن، والله مع الصابرين المظلومين.

واليوم وكل يوم المعركة قائمة بين الظالم والمظلوم، وبين الحارم والمحروم، وما نشاهد أمثلة كثيرة في هذا العصر المادي الذي طغت فيه المادة على كل شيء، وحلت المصلحة الشخصية مكان المصلحة العامة .


1) النهج 291 ج20.

2) المصدر ص 155 وداریء: أي دافع. والحمى ما وجبت حمايته .

ألا يدري الظالم هذا أن الله سبحانه خصمه؟ فكيف يتجرأ على ظلم الناس. قال الإمام عليه السلام : «الخلق عيال الله وأحب الناس إلى الله أشفقهم على عياله»(1).

وما يجدر ذكره في هذه الأيام أن الذي يساعد الظالم على ظلمه هو من الظالمين والخائنين. وللأسف هم كثر في هذا العصر!!.

لهؤلاء يقول الإمام عليه السلام: «دع الذنوب قبل أن تدعك»(2).

أي اترك الذنوب اختیاراً في الشباب، لا اضطراراً في الهرم! ولا تكن ممن قضى خير عمره في الذنوب والآثام، فإذا عبرته الشيخوخة أقلع عن المعاصي مكرهاً لا بطلاً، وتاب اضطراراً، كما فعل أبو نواس يقول المعري:

رويدك في عهد الصبا مليء الطرس.

ومن كلماته العبقرية التي تعد دستوراً رشيداً للحياة الاجتماعية قوله عليه السلام :

«رأيك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم من أمورك ؛ ومالك لا يغني الناس كلهم؛ فاخصص به أهل الحق. وكرامتك لا تطيق بذلها في العامة ؛ فتوخ بها أهل الفضل. وليلك ونهارك يستوعبان حوائجك؛ فأحسن القسمة بين عملك ودعتك »(3)الرأي الحضاري الحديث يتوقف على تقسيم الأعمال تقسیماً عادلاً متوازناً مع حاجاتك وقدراتك على العمل به .

والإمام عليه السلام معلم عصره و كل عصر فقال علیه السلام للجميع في كل بقاع الأرض أيها الناس : الوقت ضيق ومحدود فلا يتسع لكل أعمالكم فاحسنوا الاختيار وفرغوا أموركم للمهم والأهم منها حسب فائدتها لكم. وأموالكم لا


1) المصدر السابق ص 340 ج20.

2) المصدر ص 310 ج20.

3) المصدر ص 314 ج20 والدعة : الراحة .

يمكنكم أن توزعوها على كل الناس فاختاروا من بينهم أهل الحق والفضل، فهم بحاجة جديرة بهم أكثر من غيرهم.

أما كراماتكم فتوخوا بها أهل الفضل فهم لها.

وتقسيم الوقت أمر ضروري في الحياة لأن الوقت ضيق ولا يستوعب كل الحوائج فعلى الفرد العاقل الفاهم أن يحسن تقسیم وقته تقسيماً متوازناً بين عمله وراحته . وتقسيم الوقت عمل حضاري مفيد يدل على فكر راجح وعطاء رابح.

وإمامنا علیه السلام إمام عصره وكل العصور وهو القائل : سلوني قبل أن تفقدوني فغداً يكشف لكم عن سرائري.

ولكن ما حصل أن منا من فقدك وما وجدك ...

ومنا من فقدك ثم وجدك . ومنا من وجدك ثم فقدك .. إنه لعجب عجاب !!.

والإحسان في تقسيم الوقت كالإحسان في القول والفعل.

قال علیه السلام:«رب حرب أحييت بلفظة، ورب ود غرس بلحظة »(1)لقد قامت الحرب بين بروسيا وفرنسا بسبب برقية في عهد غليوم الأول وبسمارك الالمانيين ونابليون الفرنسي الثالث .

وكثيراً ما تتولد المحبة من نظرة رقيقة، لأن اللحظ يعرب عن اللفظ .

ومن حكمه علیه السلام التي نحتاجها في أيامنا العصيبة هذه، كما يحتاجها كل جيل من الأجيال.

«ردوا الحجر من حيث جاء ؛ فإن الشر لا يدفعه إلا الشر»(2).

من اعتدى عليك فاعتد عليه بالمثل، والدفاع عن النفس أمر مشروع


1) المصدر ص 301 ج20

2) المصدر ص 225.

في كل القوانين الوضعية والسماوية . ودفع الشر بزجر فاعله ودفعه واجب شرعي، وذلك حتى يرتدع المعتدي، وهذا إذ لم يمكن دفعه بالاحسان .وفي ذلك يقول المتنبي :

إذا قيل رفق قال للحلم موضع*** وحلم الفتى في غير موضعه جهل(1)

وقال عليه السلام :

«الروح حياة البدن، والعقل حياة الروح»(2).

الروح للبدن كالماء للأرض، فلا تحيا إلا به، ولا تعطي خصباً وخيراً إلا بوجوده وملازمته لها، وعندما ينقطع عنها تعطش ولا تستطيع العطاء . فالبدن بحاجة ماسة إلى الروح بها يحيا ومنها يستمر بالعطاء، والبدن النظيف يفتش عن روح نظيفة تنسجم معه وتسعد به، وكذلك الروح النقية تفتش عن بدن نقي ترتاح إليه وتأنس به . من هنا كان التلازم الضروري بينهما. وكما يحيا البدن بالروح، فهي لا تحيا إلا بالعقل، تلك القوة المهيمنة على كل أجزاء جسم الإنسان.

العقل نور تستضيء به الروح، وبصيرة تهدي إلى سواء السبيل وقوة تحول كل الأشياء لصالح الإنسان، والعقل هو مفتاح المعارف التي تؤدي بالبشر إلى حياة حضارية راقية. ولا عجب إذا كان حياة للروح.

والإمام علي عليه السلام قد اختبر الزمان وعاش جميع ألوانه وشتى صروفه وعالج كل معايبه ومشاكله بحكمة وبصيرة وروية.

فقال عليه السلام :«الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان ير الهوان»(3).المراد بصحبة الزمان : طول عمر الإنسان؛ حيث تنقلب عليه أحوال كثيرة : من سعادة وشقاء، وغنى وفقر، ورخاء وشدة، وهناء وعزاء، وصحة


1) الديوان ج4 ص 164.

2) النهج ص 278ج20.

3) المصدر ص 314 ج 20.

وسقم. وعلى الإنسان أن يحكم عقله ليستطيع حل مشاكله بما ينسجم مع العدالة والحق. ومن أولى من أبي حسن بذلك؟ عقل راجح، وعدل واضح وزهد لا مشوبة فيه وصدق ابن الرومي في قوله :

أرى المرء مذيلقى التراب بوجهه ***إلى أن يوارى فيه رهن المعاطب

وإن لم يصب إلا بشرخ شبابه ***لكان قد استوفي جميع المصائب

والإمام عليه السلام كان زاهداً في هذه الدنيا الغابرة فغرت غيره ولم تغره فتركها خلف ظهره يعبث بها العابثون.

قال في هذا المجال : «الزهد كله بين كلمتين من القرآن : قال الله سبحانه {لِّکَیلَا تَأسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلاَ تَفرَحُوا بِمَاءاتَکُم} ومن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه»(1)وهو يريد بقوله هذا: أي لكي لا تحزنوا على ما لا تدركون. أو على ما تفقدوه، تسليمالقضاء الله وقدره، ولكي لا تفرحوا بماتنالون فرح الزهو والخيلاء، والبطر بالنعمة والاستطالة على من دونكم ؛ كأنكم في أمان من الفقر والموت والله لا يحب الفرحين!.

وقال كثير في الزهد: «الزهد في الدنيا قصر الأمل».

لأن الجري وراء الآمال، جري وراء المطامع التي لا تحدها حدود ولا يكفي بعضها عن بعض. قال الشاعر :

تموت مع المرء حاجاته ***وتبقى له حاجة مابقي

وقال علیه السلام :

«الزهد قربة»أي ما يقرب الإنسان من الله تعالی .

ومن حكمه الخالدة على صدر الزمان التي كانت في عصره ونراها اليوم في عصرنا وفي كل عصر، قوله علیه السلام :


1) النهج ص 254 ج20.

«ستة لا تخطئهم الكآبة : فقير حديث عهد بغنى، ومكثر يخاف على ماله، وطالب مرتبة فوق قدره،والحقود، ومخالطة أهل الأدب وليس بأديب»(1).

صحيح أن الإمام عليه السلام كان يصف الناس في عصره فقسمهم إلى ستة أصناف لكننا نجد هذه الأصناف من البشر موجودة من حولنا وفي عصرنا وأعتقد أنها موجودة عند كل الأمم وفي كل عصر .

1 - ففقير حديث عهد بغنی:

يتصرف مثل الأغنياء ظاهراً ناسياً ماضيه أو متناسياً لكنه في الحقيقة ما زالت حالات الفقر تسيطر عليه لأن غناه المفاجيء قد حير نفسه، وأقلق قلبه، وملأ صدره بالهواجس والوساوس، وفتح عليه أبواباً لا يدري كيف يدخلها أو يخرج منها . قال أحد الشعراء:

ومهما يكن عند امریء من خليقة ***وإن خالها تخفى على الناس تعلم

2 - والمكثر الخائف على ماله:

المكثر الغني بماله كالعالم الذي يكتم علمه بصدره فهذا يخاف على ماله من الصرف وذاك كأنه جاهل لا يستفيد أحد من علمه، قال المتنبي في وصفه هذه الفئة :

ومن ينفق الساعات في جمع ***ماله مخافة فقرفالذي فعل الفقر .

3- وطالب مرتبة فوق قدره :

وهذا ممن لا تخطئهم الكآبة لأنه لا يعرف قدره فيتجاوز حدوده فيبيت لا يحسن التصرف مع جماعته، يتطاول فيقع ويفشل ويحزن ورحم الله من قال : رحم الله امرءاً عرف حده فوقف عنده. فالذي يقف عند حده هو عاقل مدرك، أما الذي يتجاوزه فهو جاهل غشوم.


1) المصدر ص 4.

4 - والحسود:

والحاسد هو الضاغن المنطوي على الضغن والحقد، فيظهر الحسن ويضمر السوء، وقد وصف الإمام هذه الجماعة فقال عليه السلام :

«الحاسد المبطن للحسد کالنحل، يمج الدواء ويبطن الداء»(1).

وجاء في سورة الفلق ما يشير إلى هذا الذي أعاذنا الله تعالى من شره .

5 - والحقود:

الحقد خلق دنيء وهو كالحسد يتمنى الحاقد والحاسد زوال النعمة من المحسود والمحقود عليه وتملكها هو فهو أناني بطبعه وعمله.

والحقود ظالم لا محالة ضعفت يده عن انتزاع ما حقد به عليك فاختبأ کالنار تحت الرماد ؛ يضرب بسهامه لكن سرعان ما سهمه يطيش .. .

6 - ومخالط أهل الأدب وليس بأديب:

فاشل هو أيضاً لا محالة ، يخالط أهل الأدب ليقال عنه إنه أديب ، يحاول أن يلبس ثوباً فضفاضاً ليس له فسرعان ما تظهر علته وعيوبه ويظهر على حقيقته فيفشل في مسعاه ويبات حزيناً كئيباً .

كل هؤلاء أخطأوا في اختياراتهم، وتاهوا عن خطهم المرسوم لهم فطاشت سهامهم وظهر ضعفهم فحزنوا. وأمثال هؤلاء موجودون في كل عصر وفي كل بلد.

وفي حديث حکیم آخر يشجع الإمام عليه السلام على الكرم والسخاء والجود وهذه الصفات توثق العلاقات الاجتماعية بين الناس وتنمي المحبة في قلوبهم وهذا ما يدعو له الإسلام دائماً سعادة الفرد وسعادة المجتمع، قال علیه السلام :

«السخاء قربة، واللؤم غربة»(2).


1) النهج ص 290 ج20.

2) النهج ص 15.

والقربة تعني القرابة ، والتقرب إلى الله تعالى لأنه عزوجل يكرم الكريم ويعز السخي. فالله کریم ویحب الكرماء، ورحمته وسعت كل شيء وعلى العكس اللؤم فهو دناءة الأصل وشح النفس، واللئيم مكروه عند الناس وعند الله، وهو منبوذ في مجتمعه، غريب بين جماعته يعيش فريداً بينهم.

وقد قارن الإمام بين شجاع القلب وشجاع الوجه فقال : «السخي شجاع القلب، والبخيل شجاع الوجه»(1)

السخاء أخو الشجاعة، وكلاهما خلق الفتوة العربية، وقل أن يفترقا وفي ذلك يقول الشاعر مهيار الديلمي:

وإذا الخلال الصالحات تکاملت*** فهي الشجاعة أو أخوها الجود

اشتهر العرب بالجود والسخاء وتميزوا بذلك عن غيرهم والسخي منهم كان يشعل النار طوال الليل لكي يهتدي بها الضالون في الصحراء الواسعة الأطراف ويتناولون القرى الطيب في داره والسخاء عند العرب يكون ابتداء وليس عن مسألة.

يقول الإمام في ذلك :

«السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة .. فحياء وتذمم»(2).

إن من يحيي بتحية الإسلام ابتداء هو أكرم من الذي يرد بها أو بأحسن منها، وللمبتدىء فضل على الآخر.

ومن عمل معروفاً مع إخوانه أو أصدقائه أو أهله عليه أن يعجله وييسره ويستره. فيكون عمله لوجه الله فقط وليس من أجل الافتخار والزهو . والدعاية ؛ كما يحدث في موسم الانتخابات النيابية !! وفي ذلك يقول حافظ إبراهيم:

خير النوال في الأنام صنيعة ***تنبو بصانعها عن الاذلال


1) المصدر ص 290.

2) المصدر ص 161 ج 20.

وإذا النوال أتی ولم يهرق له ***ماء الوجوه فذاك خير نوال

من جاد من بعد السؤال فإنه ***-وهو الجواد - يعد في البخال

وما أكثر الذين يعطون من أجل الدعاية وليس من أجل العطاء! ولا ريب أن اليد العليا خير من اليد السفلى ولكن بدون إذلال وإحراج، وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :

«السعادة التامة بالعلم، والسعادة الناقصة بالزهد، والعبادة من غير علم ولا زهادة تعب الجسد»(1).

العلم معرفة، والمعرفة محبة ، والمحبة تألف، والتالف سعادة الفرد وسعادة الفرد سعادة المجتمع.

أما السعادة الناقصة فبالزهد من هذه الدنيا الغرارة والزائلة فالزهد يمنع أصحابه من التوجه إلى اللذات، ويكفهم عن التمتع بكل ما تميل إليه نفوسهم؛ فلا يرضون شهواتهم في الدنيا . روي : أن الإمام عليه السلام جيء له بفالوج؛ فقال : والله إنك لطيب الريح حسن اللون طيب الطعم، ولكن أكره أن أعود نفسي ما لم تعتده .

والعبادة بغير علم لا تكشف الظلمات، وبغیر زهد لا تقمع الشهوات .

«والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ به غيره»(2).

السعيد هو الذي يستمد العظة مما وقع فيه غيره، فيتحرز من أسباب البلاء، ولا يغمض عينيه عما يجري حوله، بل يتعظ ويعتبر قبل أن تحل به الكوارث!! وقد قيل : درهم وقاية خير من قنطار علاج.

أما الشقي فيعمي عن وجوه الحزم والتبصر في العواقب، والتحصن من طوارق الأحداث، فتحل به المصائب، فيكون منبهاً لغيره من الناس وواعظاً لهم بسوء حاله . فلا يتعظ بالعبرة بل يصبح هو عبرة للآخرين.


1) المصدر ص 308 ج20.

2) المصدر ص 289 ج20.

والإمام عليه السلام يعلمنا كيف نسأل ومن نسأل فقال : «سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً؛ فإن الجاهل المتعنت شبيه بالعالم المتعسف وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل المتعنت»(1).

للسؤال أصول وآداب، والعالم معين دائم لكل من أراد المعرفة، لكن على السائل أن يسأل لكسب المعرفة والتفقه ، أما الذي يسأل للتعنت والمماحنةفقد ضل الطريق وأصبح كالجاهل، لكن الجاهل الذي يبغي کسب العلم والتزود بالمعارف في هذه الحياة الواسعة الأطراف فهو شبيه بالعالم، فقد تحول من متعلم إلى عالم.

وبعد تحوله إلى عالم عليه أن يدرك طرق العطاء فلا يكون متعسفاًصعباً لا يؤخذ منه الجواب إلا بشق النفس. وعندها يصبح العالم المتعسف کالجاهل المتعنت. لأن العلم نور وعلى العالم أن ينور نفسه قبل تنویر الآخرين.

والآن كيف نسأل؟ .

يعلمنا الإمام عليه السلام بقوله : «سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس»(2)يريد لنا الإمام عليه السلام أن نبالغ في مساءلة العلماء حتى كأننا أغبياء، لنتمكن عندها من تمام الفهم، كما علينا أن نحفظ حفظ العقلاء الذين لا يضيعون شيئاً. وقد سئل ابن عباس عن سبب علمه فقال : بلغنا ما بلغنا بلسان سؤول، وقلب عقول.

والسؤال الحسن هو الذي يتلقی جواباً من القلب للقلب، قال الإمام عليه السلام في ذلك: «سل القلوب عن المودات ؛ فإنها شهود لا تقبل الرشا»(3).


1) المصدر ص 226.

2) المصدر ص 285.

3) المصدر ص 332 والرشا: جمع رشوة .

يريد الإمام عليه السلام أن القلوب لا تكذب أصحابها، وقد قيل :اتقوا من تبغضه قلوبكم والشاعر يقول:

وللقلب على القلب ***دليل حين يلقاه

وكأن الإمام يعيش في عصرنا ولعصرنا، ويعمل لنا ولأجلنا، فهو يريد إصلاح حال الإنسان في كل مكان، يريد أن يحصنه من الآفات ويبعده عن فساد التيارات، ويهديه إلى صواب الحياة الحرة الكريمة، فقال علیه السلام :

«سوء الخلق يعدي ؛ وذاك أنه يدعو حبك إلى أن يقابلك بمثله»(1).

جاء في الأثر : «المرء على دين خليله»والخليل يتأثر بخليله فيأخذ من عاداته ، ويعب من أخلاقه حتى يصبح مثله وشبيهاً له».

وذلك كما قال الإمام أمير المؤمنين: «سوء العادة كمين»(2)لأن العادة طبيعة ثانية فلا يؤمن جانبها، ولا يدري متى تهيج على صاحبها فتوقعه في المشكلات.

وقال الحكيم: اعتبر الصاحب بالصاحب. وقال الشاعر :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه*** فكل قرين بالمقارن يقتدي

ومن هؤلاء المصابين بالمعضلات الاجتماعية الفقراء الأغنياء، أو الأغنياء الجدد، حديثو النعمة .

قال الإمام عليه السلام واصفاً هؤلاء: «سوء حمل الغنى يورث مقتاً، وسوء حمل الفاقة يضيع شرفاً»(3).

إن الغني إذا عظمت ثروته المادية وأبطره الغني أبغضه الناس ومقتوه وإن الفقير إذا لم يتحمل أضاع كرامته وحط من قدره!! ويقول أحد الشعراء :


1) المصدر ص 290 ج20 والجب: يعني الحبيب .

2) المصدر ص302 ج20.

3) المصدر ص 287 ص 20.

ولم أر في عسر مقراً بذلة*** ولا ساحباً ذيل المخيلة في یسر

وما أكثر هؤلاء حولنا اليوم كانوا فقراء فأصبحوا أغنياء أيام الحرب والسلب أخذوا يقلدون الأغنياء تقليداً ظاهراً ونسوا أو تناسوا حياتهم الماضية فالحمار الذي كانوا يركبونه تحول إلى سيارة حديثة، والبيت الترابي العتيق أصبح قصراً فخماً يحرسه الحراس، ويخدمه الخدام، والسهرات التي كانوا يقضونها مع عائلاتهم حول موقد الحطب انتقلت إلى المقاهي والمسارح والحانات . وهذا هو سوء حمل الفاقة ضيع كرامتهم وشرفهم !!.

وهذه حكمة علوية أخرى نحتاجها كل يوم وبصورة خاصة اليوم يخاطب من خلالها الشرفاء الذين يدافعون عن حقهم في الحياة ضد كل غاصب ظالم. يقول الإمام عليه السلام : «الشریف دون حقه يقتل، ويعطي نافلة فوق الحق عليه»(1).

إن الرجل البطل الحر يستعذب الموت دون غصب حقه، لكنه يتبرع بما فوق حقه راضياً مختاراً .

يقول الشاعر :

يهون علينا أن تصاب جسومنا ***وتسلم أعراض لنا وعقول

كما رأى الإمام عليه السلام إن أشر من الموت ما يتمناه الإنسان إذا نزل به الموت. فقال علیه السلام : «شر من الموت ما إذا نزل تمنیت بنزوله الموت، وخير منالحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة»(2).

الموت بعز خير من العيش بذل، والله سبحانه وتعالى خلقنا أحراراً أعزاء، وعلى المؤمن أن يحافظ على كرامته وعزته، وفي بعض الحالات يتمنى الموت على الحياة .


1) المصدر السابق ص 305 ج20.

2) المصدر ص 291 ج 20.

قال الشاعر:

من كان يرجو أن يعيش فإنني ***أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا

في الموت ألف فضيلة لو أنها*** عرفت لكان سبيله أن يعشقا

وقال آخر:

بزني الدهر صحتي وشبابي*** ليته كان حاكماً بالسویه

ما انتفاعي - وإن عمرت طويلا -*** بحياة من الهناء خليه

ذهب الأكرمان - یا عمر - فاذهب ***أو فلبث؛ إني خسرت القضيه

وكما هو واضح تماماً أن حكم الإمام عليه السلام أبدية دائمة يتكرر وقوعها في كل عصر لأنها صادرة عن تجارب عملية عاشها الإمام عليه السلام في عصره وعرف حلوها ومرها.

والآن يعلمنا الإمام علیه السلام درساً قيماً في الصداقة والصديق علنا نستوعبها ونعمل بها ...

1-«الصديق من صدق غيبه»(1).

الصديق الصدوق يحفظ غيبة صديقه، ويصدق في مودته في كل حال، في حضوره وفي غيابه . وفي ذلك قال الشاعر :

تود عدوي ثم تزعم أنني ***صديقك إن الرأي عنك لعازب

وليس أخي من ودني رأي عينه*** ولكن أخي من ودني وهو غائب

والبعض منا اليوم يود أعداءنا ! فكيف نأمن له ونثق به؟ وبعد ذلك یظهر أمام الملأ أنه صديق؟!.

ثم يصف لنا الإمام عليه السلام الصديق والعدو فيقول :

2-«صديقك من نهاك، وعدوك من أغراك»(2).


1) المصدر ص 15.

2) المصدر ص 302 ج20.

الصديق الحق مرآة أخيه، ومن حبه له وحنانه عليه ، ينهاه عما يضره، ويمنعه عما يسيء إليه.

والعدو من عادته أن يغري عدوه بالشر ويحببه فيه، ثم يسوقه إليه ليقع فيه، فيشفي نفسه، ويشمت به.

3- وبعد هذا، من هو الصديق الحقيقي؟ يقول الإمام عليه السلام: «الصديق نسيب الروح، والأخ نسيب الجسم»(1).

الصديق الصديق هو المناسب والقريب، والظاهر هنا تفضيل الصديق على الأخ، وذلك أن القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة ، والأخ لا يكون أخاً - حقيقة - إلا إذا كان صديقاً. وهذا ما يحصل اليوم في مجتمعنا وفي كل المجتمعات حيث نجد بعض الأصدقاء أوفي وأصدق في الملمات من الإخوان، فالأخ يتفرج من بعيد، والصديق، نسيب الروح، يشارك ويساعد من قريب.


1) المصدر ص 300 ج20.

حكم في شؤون دنيوية تتواصل مع كل زمان

اشارة

يقال في المثل : الدهر يومان يوم لك ويوم عليك. وقد يطول أحدهما على الآخر، فالذي يكون في الدرجة العليا يصبح في الدنيا والعكس ممکن. وهنا يلعب الحظ دوره في الحياة . قال الإمام عليه السلام في هذا المجال :«إذا أقبلت الدنيا أقبلت على حمار قطوف(1)وإن أدبرت أدبرت على البراق»(2).

فمن أقبلت الدنيا عليه ينجح في حياته ولو كان يركب حماراً ضعيفاً تعباً يسير على مهل بخطى وئيدة، أما إذا أدبرت فيدور الدولاب دورته المشؤومة ويتنكر له الأصحاب وتسود في وجهه الحياة . وكم يحز في نفسه عندما يرى من هو دونه في المنزلة الاجتماعية والفكرية قد أصبحوا حکاماً مشهورين وزعماء مهمين في نظر العامة. في مثل هؤلاء قال الشاعر :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ***وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

وفي هذا المجال يذكرنا الإمام بحكمة سرمدية تقول: «إذا أقبلت الدنيا على أحد، أعارته محاسن غيره، وإن أدبرت عنه ، سلبته محاسن نفسه»(3).

فمحاسن غيره سرعان ما تزول بعد زوال ما أعطته من جاه وسلطان


1) الحمار القطوف: البطيء في السير ، الضيق المشي.

2) البراق : الدابة التي ركبها الرسول ليلة المعراج ؛ كناية عن السرعة. النهج ص 293 ج20.

3) المصدر ص 150 ج20.

لأنها غير أصيلة فهي مستعارة هذا من جهة، ومن جهة أخرى عندما تدبر عنه تسلبه محاسن نفسه فيتعرى أمام معاشريه واخوانه العقلاء.

هذه الدنيا الغرارة التي يتلهى بمباهجها أهلها ومحبوها، أمرها غريب عجیب کرهها الإمام عليه السلام كما كرهها محبوه لاهتمامهم بأمور آخرتهم والتاريخ يعيد نفسه فاليوم كالبارحة منا من يتلهى بدنياه ومنا من يهتم بآخرته . قال الإمام في هذا المجال:

«إذا أيسرت فكل الرجال رجالك، وإذا أعسرت أنكرك أهلك»(1)

فالسلام عليك يا إمامي العظيم فكنت لعصرك ولكل العصور.

تتحدث بلسان كل إنسان في أي زمان ومكان، لأنك كنت تحمل هموم الجميع وتسعى لاصلاح الجميع وتتألم الام الجميع .

في عصرك وفي كل عصر هناك أصحاب مال وأصحاب سلطان ، وهناك فقراء و محرومون. وقد حذرنا الإمام من أصحاب المال والسلطان فقال عليه السلام :

«إذا أكرمك الناس لمال أو السلطان فلا يعجبنك ذاك، فإن زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبنك إن أكرمك الناس لدين أو أدب»(2)

أصحاب المال والسلطان يقصدون أبوابهم ويكرمونهم ويبجلونهم أصحاب الحاجات وقد يسرون بذلك ويرتضون بهذا التكريم المزيف والمؤقت، لأنه سوف يزول حتماً بزوال المال والسلطان أما لتكريم الحقيقي الذي لا يشوبه شائبة فيكون بلا شك لأصحاب الدين والأدب، تکریم حقيقي أصيل وثابت، صادر عن وجدان سليم وبعيد كل البعد عن المصالح الشخصية والحاجات الخاصة . إن أهل الدين هم ركائز المجتمع السليم والقويم، والأدباء هم الشعلة المضيئة التي يستنير بها المواطنون الصالحون


1) المصدر السابق ص 289 ج20.

2) المصدر ص 313 ج 20.

في أيامهم الحالكة وظلاماتهم القاهرة، وهم الأرض الخصبة التي لا تنتج إلا خيراًعميماً وصلاحةاً وسلاماً. وفي هذه الرحاب نتذكر قول الإمام عليه السلام في أصحاب الملك والسلطان فيقول:

«إذا انقضى ملك قوم خيبوا في آرائهم»(1).

لأن انقضیاء الملك دليل على انقضاء السعادة والتوفيق واليمن فلا يعقب ذلك سداد ولا صواب؛ لأن العثرات تقع تباعاً وكلام الملك ملك الكلام لما يكون جالساً على العرش، أما عندما يتنحى عن كرسي الملك يصبح كلامه رخيصاً ومرفوضاً، وآراؤه غير صائبة في نظر القوم. وهذا ما نلاحظه في عصرنا اليوم كم من الحكام والرؤساء لما جلسوا على كرسي الحكم كان سائر الناس يطلبون مواجهتهم ومن الصعب الحصول عليها، وعندما تنحوا عن الحكم أصبحوا يطلبون هم مواجهة من حل مكانهم ومن الصعوبة الحصول عليها .

وما أشبه الماضي بالحاضر، وكأن الإمام عليه السلام يصف حالنا اليوم بتصوير نفسي دقيق، فنلاحظ في بعض حكمه الخالدة صورة الشر، وصورة الخير وما ينتج عنهما من فزع وألم في الأولى ومن فرح ولذة في الثانية . قال عليه السلام :

«إذا تحركت صورة الشر ولم تظهر ولدت الفزع؛ فإذا ظهرت ولدت الألم».

«وإذا تحركت صورة الخير ولم تظهر ولدت الفرح، فإذا ظهرت ولدت اللذة»(2).

ولا غرابة في هذا التصوير النفسي الدقيق فهو لا يخرج إلا من علم،«باب مدينة العلم!!».


1) المصدر ص 303 ج2

2) المصدر ج20 ص 284.

وما قاله علیه السلام في أمر المرائين المتشبهين بالمخلصين في الهيئة : «إذا تشبه صاحب الرياء بالمخلصين في الهيئة كان مثل الورم الذي يوهم الناس أنه سمين؛ فيظن الناس ذلك فيه ، وهو يستر ما يلقى من الألم التابع للورم»(1).

وهذا أيضاً نجده متفشياً في عصرنا الحاضر، مراؤن يتشبهون بالمخلصين في الظاهر، فسرعان ما يكشف أمرهم وتنجلي حقيقتهم وهم يسترون في نفوسهم ما يلقون من الألم.

وهنا يذكرنا أبو الطيب المتنبي في خطابه لسيف الدولة الحمداني:

«أعيذها نظرات منك صادقة ***أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ***إذا استوت عنده الأنوار والظلم (2)

يقول : أعيذ نظراتك الصادقة التي تصدقك حقائق المنظورات فلا تخدعك في التمييز بيني وبين غيري ممن يتظاهرون بمثل فضلي

ومما جاء في الحرية الفكرية :

قوله عليه السلام : «إذا خلي عنان العقل، ولم يحبس على هوى نفس، أو عادة دين، أو عصبية لسلف، ورد بصاحبه على النجاة»(3).

كلمة جامعة شاملة يحث بها الإمام على حرية الفكر، وفتح باب الاجتهاد، وكراهة التقليد الضار بالفرد وبالجماعة، والتخلص من الأهواء المميتة، والعادات الجامدة، والعصبيات المنكرة، التي تجمد الدين وتؤخر المسلمين تقدماً وحضارة.

فالله عزوجل خلق البشر أحراراً والأحرار حرروا العبيد ولم يتركوهم یرزحون تحت نير العصبية المميتة لأن الدين الإسلامي العامة الناس وليس


1) النهج ج 20 ص 274

2) الديوان لليازجي ج 7 ص 429.

3) النهج ص 343 ج20.

الفئة أو لطائفة أو جماعة. جاء في القرآن الكريم:{ وَمَا أَرسَلنَكَ إِلاَّ رَحمَةً لِلعَلَمِينَ }.

الإسلام حرر الإنسان وسمح للعقل التحليق في رحاب الحضارة الإنسانية،والتقدم العلمي والتسابق الحضاري، ولم يكره أحداً من الانتماء إليه، بل ترکه حراً طليقاً، يختار ما يريد وما يرغب.

ومن التربية النفسية العالية قوله علیه السلام :

«إذا عاتبت الحدث فاترك له موضعاً من ذنبه؛ لئلا يحمله الاحراج على المكابرة»(1).

هذه الحكمة هي حكمة راقية تنم عن تربية حضارية عالية يستفيد منهاالمربون والآباء والمعلمون في المدارس والجامعات . فالحدث هو شاب في مقتبل العمر يعتد بنفسه في نشأته الأولى، فلا يرضى باللوم أو العتاب ولا يقبل الكلام الجارح وبصورة خاصة أمام الآخرين؛ فعلى المربين أن يتفهموا نفسية هؤلاء الشبان فيتركوا لهم موضعاً من ذنوبهم تكون فسحة لهم ليتفادوها ويتراجعوا عنها حتى لا يسببوا لهم احراجاً، مما يدفعهم إلى المكابرة والادعاء ثم يتوجه علیه السلام إلى الطلاب والشبان ليعلمهم الرد الجميل : «إذا قصرت يدك عن المكافأة ، فليطل لسانك بالشكر »(2).

إن هذا أضعف الإيمان، فإذا لم يستطع رد الجميل بالمثل فعلى الأقل رده بالكلمة اللطيفة والابتسامة الحلوة وليكن وجهك بشوشاً أمام مربيك ووالديك وكل من أسدى إليك معروفاً مهما كان قليلاً.

وفي هذا المجال يقول أبو الطيب المتنبي :

لا خيل عندك تهديها ولا مال*** فليسعد النطق إن لم تسعد الحال


1) المصدر السابق ص 333ج20.

2) المصدر ص 314 ج20.

وما زلنا في رحاب التربية العلوية فقال علیه السلام : «إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب، قعدت وأنت كبير حيث تكره»(1).

لأن الصغير بحكم عقله البكر وتجاربه السطحية يحب القعود في مواطن غير محمودة لا تفضي به إلى الشرف مستقبلاً؛ كأماكن اللهو والخلاعة !! ونحن نعلم أن الصغار يؤثرون دور الملاهي ومجالس اللهو على المدارس والجامعات، ولو تركوا وشأنهم بلا رقابة أو ردع لنشأوا جهالاً لا يقيمون وزناً للحياة الاجتماعية الرفيعة. وهنا يأتي دور الأهل والمربين فإذا ما أحسنوا الرقابة على صغارهم تمكنوا من ردعهم وردهم إلى الصواب، أما إذا أهملوا الرقابة واستهتروا حتى يصلب العود الطري لوصلوا إلى ما لا تحمد عقباه. يقول الشاعر :

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ***ولا يلين إذا قومته الخشب

ومن الحكم التربوية قوله علیه السلام :

«إذا كان الإيجاز كافياً، كان الاكثار عياً، وإذا كان الإيجاز مقصراً كان الاكثار واجباً»(2).

فالإمام عليه السلام يعلمنا متی نتكلم وكيف نتكلم وكم نتكلم وهذا هو سر نجاح المرء في حياته الخاصة والعامة، وعلينا أن نزن كلامنا في ميزان دقیق فلا تزيد كفة على أخرى، والميزان هو العقل الذي يقدر الإيجاز حيث يجب أو الاكثار حيث يجب، فالزيادة في الكلام كالنقصان. وقد سئل الجاحظ عن الإنسان الذكي فقال : هو الذي يعلم جيداً كيف يتكلم، ومتى يتكلم، ومع من يتكلم: فلا يكثر حتى لا يقع في الثرثرة ولا يقل حتى لا يقع في الغي وخير الكلام ما قل ودل .


1) المصدر السابق ص 300 ج20.

2) المصدر ص 340ج20.

علي إمام المتقين.. وإمام العصر

وضع الإمام عليه السلام القواعد السامية والصارمة لما يجب أن يكون عليه سلوك الحاكم الصالح، وما ينبغي أن يتصف به من ورع وأدب وتقوى، وخشية لله تمنحه الشجاعة والرحمة التي تفضي به إلى طريق الحق والعدل ، وتعطيه قدرة على أن يستميل إليه قلوب الرعية ليصلحوا بمودته .

وفي هذا المجال لم أجد أفضل من العهد الذي كتبه الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر . وهو أطول عهد وأجمعها للمحاسن، وأكثرها علماً. وفوق ذلك هو أفضل دستور للحكم في سائر البلاد وكل العصور، وناموس للتعامل، ونبراس يهتدي به الراعي والرعية على السواء.

كان الإمام عليه السلام يحب مصر ويؤثر أهلها، فهو لا ينسى أنهم أصهارالرسول وأنه أوصى بهم: «استوصوابالقبط خيراً»(1).

لذلك عز على الإمام أن تصير مصر وأهلها إلى ما صارت إليه !! إذ أعطى معاوية عمرو بن العاص مصر وأهلها هبة يتصرف فيها وفيهم کیف يشاء !...

وهذا هو كتاب الإمام للأشتر. والأحرى أن يكون وثيقة دستورية تضبط موازين الأمور، ولو أنها طبقت في عصرنا هذا المتمزق والمتوتر بالمتناقضات. وهي بلا ریب تبيان للمبادىء الشرعية في سياسة الدولة الإسلامية ، لعاش المسلمون عيشة حضارية راقية .


1) القبط : المصريون.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ

«هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن حارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر : جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها وعمارة بلادها.

أمره بتقوى الله ، وایثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه : من فرائضه وسنته، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه.

وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات، ويزرعها عند الجمحات، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله .

اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وإن الناس ينتظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاية قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم.

وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف فيما أحببت أو كرهت. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل (1)، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيد في العمد والخطأ(2)فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنه فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك !


1) أي يسبق منهم الخطأ.

2) أي تأتي السيئات على أيديهم.

وقد استكفاك أمرهم(1)، وابتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله(2)، فإنه لا يد لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ، ولا تندمن على عفو، ولا تفرحن بعقوبة ... وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطان أبهة أومخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن (3)إليك من جماحك (4)، ويكف عنك من غربك (5)ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك.

وإياك ومساماة(6)الله في عظمته، والتشبه به في جبروته ، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال».

وبعد أن وضع الإمام هذه القواعد السامية لما يجب أن يكون عليه سلوك الحاكم الصالح، وما ينبغي أن يتصف به من ورع وأدب وتقوى ، وخشية لله تمنحه الشجاعة ورحمة بالناس تسلك به طريق العدل ، وقدرة على أن يستميل بها قلوب الرعية ليصلحوا بمودته.. بعد هذا كله وضع الإمام عليه السلام قواعد واضحة وحدوداً بينة للعدل فيقول: «أنصف الله وأنصف نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك ألا تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حرباً حتى ينزع أو يتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها


1) طلب الله منك رعاية مصالحهم.

2) أي مخالفة شريعته .

3) أي يخفف .

4) جموحك .

5) حدتك .

6) المباراة في السمو .

في الحق وأعمها في العدل، وأجمعها لرضاالرعية، فإن سخط العامة يجحف (1)برضا الخاصة. وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة».

إن هذا المبدأ وضعه الإمام علیه السلام مستنبطاً مبادىء الإسلام، وهو مبدأ أساسه احترام رأي الأغلبية وجعل رضا الأغلبية أساس الحكم.. وهذا ما تسير عليه الآن الأنظمة الديمقراطية الحضارية الحديثة، ثم يستمر الإمام علیه السلام بارساء هذا المذهب وتبيانه :

«وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأفضل معونة له في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف (2)، وأقل شكراً عند الإعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين وجماع (3)المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صفوك لهم، وميلك معهم».

من أجل هذا الموقف النبيل من الخاصة والعامة ، أحبه العامة وارتضوه إماماً وهادياً مهدياً، وأنكره معظم الخاصة ، وكرهه أقوام منهم، حتى لقد حاربوه وتمنوا قتله ، قاتلهم الله ، وفروا من دينه إلى دنيا معاوية، الذي أحسن استمالة أهواء معظم الخاصة، فأشبع الأطماع وأرضى الأهواء !! ثم يمضي الإمام عليه السلام فيضع ناموساً خلقياً للتعامل بين الوالي والمحكومين، همه الأوحد تحقيق مصالح الأمة التي هي كل مقاصد الشريعة وأهدافها: «وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم(4)عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشف عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت ،


1) يذهب برضا الخاصة .

2) الإلحاح .

3) جمع.

4) أبغضهم.

يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك .. أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر(1)وتغاب(2)عن كل ما لا يصح لك، ولا تعجلن إلى صديق ساع، فإن الساعي غاش (3)، وإن تشبه بالناصحين.

ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشر بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله».

وبعد أن يوضح الإمام هذه الأصول من مكارم الأخلاق التي لا تقوم السياسة الشرعية إلا بها .. يمضي الإمام عليه السلام في شرح أصول أخرى للسياسة الشرعية فيكتب لمالك الأشتر، مستخلصاً حكمة التعامل من تجارب الحياة فضلاً عن مبادىء الإسلام: «إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام، فلا يكون لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة(4)وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن لهم مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه، ولا آثماً على إثمه، أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة ، وأحني عليك عطفاً، وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر (5)الحق لك وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً من هواك حيث وقع. وألصق بأهل الورع والصدق، ثم روضهم على ألايطروك(6)، أو يفرحوك بباطل لم تفعله ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو. ولا يكون المحسن والمسيء عندك


1) عداوة .

2) تظاهر بالغباء .

3) غاش الساعي بالوقيعة أو النميمة .

4) جمع آثم

5) مرارة الحق صعوبة على نفس الحاكم.

6) عودهم على ألا يمدحوك .

بمنزلة سواء ، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة! وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه، واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عنهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم (1). فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً ، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك (2)عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدر هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحيين سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنين فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك لما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك».

ثم ينتقل الإمام للكلام عن القضاة فيتحفنا بحكم قضائية خالدة ، يتحلى بها كل قاض في أي عصر حكم قضائية عصرية حضارية .

قال علیه السلام لمالك الأشتر:

«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحکه(3)الخصوم، ولا يتماري في الزلة، ولا يحصر من الفيء (4)إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات ، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم، ممن لا یزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، أولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه (5)ما


1) أي عندهم.

2) صنعك .

3) تغضبه .

4) لا يضيق من الرجوع.

5) أي يجب مراجعة الأحكام وتصويب أخطائها .

يزيل عنه هموم العيش، وتقل معه حاجته إلى الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع في غيره من خاصتك، ليأمن ذلك اغتيال الرجال له عندك وانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار ، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا».

هذه حكم قضائية عصرية نتمنى على حكامنا اليوم الاطلاع عليها والعمل بها، ثم ينتقل إلى التحدث عن واجبات الحاكم فيقول علیه السلام:

«واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه بشخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لذوي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك (1). حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع(2)فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول في غير موطن : لن تقدس أمة، لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع . ثم احتمل الخرق(3)، والعي، ونح عنهم الضيق والأنف (4)ليبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته. ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها:

منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما يحرج به صدور أعوانك . وامض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقیت . وإن كانت كلها لله إذا صلحت النية، وسلمت منك الرعية .

وليكن في خاصة ما تخلص به الله دينك : «إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فاعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت إلى الله من ذلك».


1) أي تأمر الحرس والشرطة والأعوان ألا يتعرضوا لذوي الحاجات .

2) متردد ومتلعثم

3) الخرق: الجهل .

4) الاستكبار.

ويمضي الإمام فيوصي بألا يحتجب عن الرعية ، وهي وصية تعود الإمام أن يوصي بها كل من استعمله .

ثم يسترسل الإمام ناصحاً:

«ثم إن للوالي خاصة وبطانة ، وفيهم استئثار، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال(1). والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة (2)وإن ظنت الرعية فيك حيفاً فأظهر لهم عذرك ، واعدل عنك ظنونهم بظهورك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك(3)، وأعذار(4)تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق».

إن ما نلاحظه من استئثار بطانة الحكام وسيطرتهم سيطرة كبيرة على أكثر شؤون البلاد، باسم الحاكم وعلى علم منه في الأكثر الغالب. وما نعجب له أننا في عصر الحضارة والتقدم والتكنولوجيا ويفصلنا عن عهد الإمام عليه السلام أربعة عشر قرناً ونيف!!.

وهذا ما يدعونا إلى قراءة تراث أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لنحذو حذوه ولنعمل بنصائحه الحضارية المتنورة .

ثم يمضي في نصح الحاكم :

«إياك وسفك الدماء بغير حق، فإنه ليس شيء أدني لنقمة، ولا أعظم تبعة، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة ، من سفك الدماء بغير حقها، والله تعالی مبتدىء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا


1) يمنعهم من التدخل في شؤون الحكم.

2) احقاق الحق وإن كان ثقيلاً فهو محمود العاقبة.

3) تعويداً لها على العدل .

4) تقديم العذر وإظهاره.

تقوین سلطانك بسفك دم حرام : فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن(1).

وإياك والاعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الاطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين .

وإياك والمن على رعيتك باحسانك ، أو التزيد(2)بما وقع من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والإنسان قال تعالى : {كَبُرَ مَقتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفعَلُونَ} ثم يوضح الإمام علیه السلام :

1- مبادىء الأخلاق.

2- والسلوك .

3- والعدالة التي يجب أن يتحلى بها الحاكم، ويتعامل مع الرعية على أساسها :

«إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التساقط فيها عند امکانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت (3)أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه، وأوقع كل أمر موقعه.

وإياك والاستئثار مما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعني به مما وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك ، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور،وينتصف منك للمظلوم!.

إملك حمية أنفك(4)، وسورة حدك (5)، وسطوة يدك، وغرب


1) قود: قصاص.

2) إظهار الزيادة عن الواقع.

3) لم يعرف وجه الصواب فيها .

4) أملك نفسك عند الغضب .

5) حدك : بأسك.

لسانك، واحترس من ذلك بكف البادرة(1)، وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك .

والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك ، من حكومة عادلة أو سنة فاضلة ، أو أثر من نبينا صلی الله علیه و اله أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكي تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هداها. وأنا أسأل الله بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة. وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راغبون. والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً، والسلام».

ويختصر هذا العهد العصري الحضاري الذي وضع فيه الإمام صفات الحاكم المثالي وواجباته تجاه رعيته فلم يترك لا شاردة ولا واردة كبيرة أو صغيرةإلا ذكرها.

1- جعل رضا الأغلبية أساس الحكم، وهذا ما يجب أن تسير عليه الآن الأنظمة الديمقراطية الحضارية الحديثة .

لكن للأسف فهذه الديمقراطية غير الديمقراطية التي حددها الإمام! وهذه الحضارة هي غير الحضارة التي يريدها الإمام!.

2- وضع ناموساً خلقياً بين الحاكم والمحكومين، لأن آلة الرياسة سعة الصدر، والموقف النبيل من الخاصة والعامة لذلك أحبوه جميعاً إماماً وهادياً مهدياً .


1) ما يبدر من اللسان عند الغضب .

3- ينصح الحكام بعدم مشاورتهم البخيل والجبان والحريص، وعدم اتخاذهم وزراء كانوا من قبل وزراء للأشرار .

4- على الحاكم أن لا ينقض سنة صالحة اعتمدها الحكام الصالحون قبله ، ولا يحيي سنة ضارة تضر بمصالح مجتمعه وهدف بلاده .

5- طلب إلى الحاكم أن يكثر من مناقشة العلماء و مدارسة الحكماء ، وذلك لتثبيت ما يصلح عليه أمر البلاد، وإقامة ما استقام به الناس من قبل . ومن حكمة التي نحن بحاجة ماسة لها اليوم علی السلام:

6-«اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تغضبه الخصوم، ولا يتماري في الزلة، ولا يحصر من الفيء، ولا يضيق من الرجوع إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء».

7- أما عن واجبات الحاكم.

أن يجعل لذوي الحاجات قسماً يتفرغ لهم فيه بشخصه، ويبعد عنهم الضيق والاستكبار، ويصدر حاجاتهم يوم ورودها، ومنع البطانة من الاستئثار بمنعهم من التدخل في شؤون الحكم.

8- ويتابع عليه السلام في نصح الحاكم:

لا تدفعن صلحاً فيه دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك ؛ ولكن حذار كل الحذر من عدوك بعد صلحه .

9- إياك وسفك الدماء بغير حق، وإياك الاعجاب بنفسك وإياك والمن على رعيتك بإحسانك .

10- وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التهاون عند امکانها أو اللجاجة إذا تنكرت ولم يعرف وجه الصواب فيها .

11- وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعنی به مماوضح للعيون.

12- املك حمية نفسك، وسورة بأسك، وسطوة يدك، وحدة لسانك حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار.

13- والإمام علیه السلام يذكر الحاكم بالماضي الصالح فيوصیه :

والواجب يقضي عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سيئة فاضلة، أو أثر من نبينا صلی الله علیه واله أو فريضة من كتاب الله.

وكما نرى هو أطول عهد كتبه خليفة إلى أحد عماله وهو دستور کامل شامل يستفاد منه في كل عصر ومصر جمع فيه إمام المتقين كل ما يحتاج إليه الحاكم من صفات وواجبات ، صفات أساسية لكل حاکم ومسؤول وواجبات ضرورية من أجل إقامة العدل والمساواة ليعم الازدهار وتسود الحرية والسعادة في أرجاء البلاد، وينعم المجتمع بحياة حضارية هانئة، تخيم في رحابه المحبة والألفة والسعادة .

أنت القائل : «سلوني قبل أن تفقدوني»، لكننا نحن أنصارك وأتباعك وأتباع الأئمة من ولدك الأبرار الأطهار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

لقد تركتم فراغاً كبيراً في عالمنا الإسلامي الحاضر، و«كأنك على علم بما سيحدث من ويلات و مصائب يعجز قادتنا اليوم عن حلها فقلت علیه السلام : غداً ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري. وتعرفونني بعد خلو مكاني، وقيام غيري مقامي».

وهذا ما يحصل اليوم يا إمامي العظيم، ومكانك ما يزال بحاجة إلى أمثالك وليس لأمثالك وجود. وأين لنا المثيل؟ وقد كانت الدنيا بأسرها تنظر إليك بعد أن نبذت إليها كل ما كان لك منها كما ينبذ الليل أمام الفجر آخر ذیل من ذيولعتماته .

وأين لنا المثيل وقد كانت تنظر إليك ساحات الجهاد بعد أن تركت لها السيف الصقيل والرمح الأسيل .

في التاسع عشر من شهر رمضان ذلك اليوم الذي تكحلت به عيناك بذلك الفيض من «غار حراء»حيث دفقت عليك غموره... منذ ذلك اليوم والدنيا تطأطيء رأسها بين يديك، وتلقي بكل جبروتها تحت نعليك .

فلا عجب أن تجوع الدنيا كلما غصت بموائدها، أو تتعطش إلى مساقيك كلما غرفت في مناهلها.

والدنيا كانت ولم تزل إنما سغبها في تخمتها، وإنما صدأها بفيض غمرها، والتي قابلتها بخشونة كفك، وصدفت عنها بشمم أنفك هي اليوم التي ترنو إليك، وكأنها أدركت أنك أنعم وشي لبرودها، وأنك أسخی سحابة مرت تلطف اليبس في أجوائها وكنت أعقل معدل في صماماتها ... تارة تطبق عليها الشح فتسقط به على اختناق، وطوراً یغور بها البطر فتحبل به على انفتاق. هكذا أخضعت الدمية الكبيرة، وسلختها من أغلفة الأوهام، التلبسها الثوب البسيط المعفف، وسحقت عن أجفانها سحق المراود، وعرضتها للنور تستجمع منه مفاتن الحياة .

وإن الدنيا هذه إذ تخسر تحت عينيك بريقها الوابق، تكتسب بین راحتيك وهجها الدافق.. فإذا هي دروب آمنة الجوانب، يتمشى عليها العابرون على اتزان .. يحدوهم الشوق العفيف، والأمل اللطيف والمسعى النظيف .. في سبيل الوصول إلى غفوة قريرة، لم تنغصها: لا دلجة الطمع، ولا لمز الجشع، ولم تهتكها نخاريب الفجور أو تجاويف الغرور، ولم تؤرقها عصي المظالم.

وبعد، ليس الفقير فيها بمنأى عن الفضائل، وليس الغني منها بمغن عن الشمائل .

هكذا صنت حدود الدنيا إذ كشفت حدودها، وأسبغت عليها كنوزاً

وافرة من حيث بعثرت كنوزها، وملأت خزانات مدينتها وتسلمت مفتاح بابها.

لذلك أصبحت ترجع إليك في كل سانحة تشعر فيها بأنه قد غص بها الطريق، وفي دستورك كان لها ذلك المرجع الوثيق.

ودستورك الحضاري كان ذلك الإلمام الفسيح بكل أمور الحياة : مشاكلها ولواعجها، فلم تعالج شأناً من شؤونها إلا سبرت منه الأغوار، وسلطت عليه الأنوار، لأنها تعلم أنها دفق حضاري لعصرك الزاهر ولكل عصر حاضر.

أخذت الرسالة الإسلامية العالمية، فإذا هي من نعم الله أكبر هداية للناس أجمعين، جمعت إليها حجاك ، فشع بها منك الحجي ... وضممتها إلى قواك ... فإذا صدرك منها كظهر المجن، فرحت تغرف ذخراً وتفرغ خيراً، دون أو يوهيك الغرف أو يوهنك التوزيع .. فكأنك اليم، ما ملت من مدك الشطآن.

لم تأخذ كبيرة إلا عالجتها بكبر، ولم تتناول صغيرة إلا أعرتها الفكر .. فكنت على البعد وعلى القرب كالنور جواب النظر وجواد البصيرة . فلا عجب بعد هذا أن تهافتت حول حياضك الفضائل مترابطة كما تترابط بعضها ببعض خطوط القوافل.

عجنت الدنيا بماء الزهد وخبزتها.. فإذا موائد الجود تتفتح على حقيقة السخاء.. حتى إذا تناولت الرغيف المقدد کانت لك فيه كل العوافي ورغيفك كان من الزهد عجينه .. ومن جود زهدك كان طحينه. وبعد ذلك نسأل لماذا أنت عطاء حضاري متواصل لعصرك ولكل العصور؟ ولماذا أنت للإنسان في كل زمان ومكان؟.

وكانت الحجة الأخيرة حجة الوداع وكانت سنة عشر من الهجرة

جاء في الإرشاد للشيخ المفيد: ثم تلا وفد نجران من القصص المنبئة عن فضل أمير المؤمنين وتخصصه من المناقب لما بان به من كافة العباد حجة الوداع وما جرى فيها من الأقاصيص. كان الأمير المؤمنين علي بن أبي طالب جليل المقامات فمن ذلك :

أن رسول الله كان قد أنفذه إلى اليمن ليخمس رکازها ويقبض ما وافق عليه أهل نجران من الحلل وغيرها. فتوجه علیه السلام لما ندبه صلی الله علیه واله .

إلى أن قال :

ثم أراد رسول الله صلی الله علیه واله التوجه إلى الحج وأداء ما فرض الله تعالی عليه . فأذن في الناس بالحج، وبلغت دعوته إلى أقاصي البلاد الإسلامية فتجهز الناس للخروج معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن حولها خلق كثير وتهيؤوا للخروج معه. جاء في السيرة الحلبية : خرج معه أربعون ألفاً،وقيل سبعون ألفاً وقيل تسعين، وقيل مائة ألف وأربعة عشر ألفاًوقيل مائة وعشرون ألفاً وقيل أكثر من ذلك. هذا عدى من حج معه من أهل مكة واليمن.

قال ابن سعد: وأخرج معه نساءه التسع في الهوادج وابنته فاطمة الزهراء علیهاالسلام وأشعر هديه وقلده . قال المفيد: وكاتب أمير المؤمنين بالتوجه إلى الحج من اليمن ولم يذكر له نوع الحج الذي عزم عليه . وخرج قارنا للحج بسياق الهدي وأحرم وأحرم الناس معه، ولبي من عند الميل

الذي بالبيداء فاتصل ما بين الحرمين بالتلبية، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه من المعسكر الذي كان صحبه إلى اليمن ومعه الحلل التي كان أخذها من أهل نجران. فلما قارب رسول الله صلی الله علیه واله مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن وتقدم الجيش اللقاء النبي صلی الله علیه واله فسر رسول الله صلی الله علیه واله بذلك وابتهج بلقائه وقال : بم أهللت يا علي؟

فقال علیه السلام : يا رسول الله لم تكتب إلي اهلالاً، ولا عرفته ، فعقدت نیتي بنيتك فقلت : اللهم اهلالاً کاهلال نبيك، وسقت معي من البدن أربعاً وثلاثين بدنة . فقال رسول الله : الله الله أكبر قد سقت أنا ستاً وستين وأنت شریکي في حجي ومناسكي وهديي، فاقم على احرامك، وعد إلى جيشك، فعجل بهم حتى نجتمع بمكة إن شاء الله . وكان هدي علي قد تأخر مجيئه فأشر که رسول الله صلی الله علیه واله في هديه . ثم أتموا الحج فقال رسول الله صلی الله علیه واله: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك إحدى أصابع يديه على الأخرى ثم قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ؛ ثم أمر مناديه أن ينادي : من لم يسق منكم هدياً فليحل وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه .

فأطاع ذلك بعض الناس وخالف البعض الآخر. أما أمير المؤمنين عليه السلام فقد تأسی برسول الله صلی الله علیه واله . غضب رسول الله من عدم تنفيذ أمره عند هؤلاء المخالفين حتى في الحج وحتى على حياة الرسول، فكيف بعد موته؟!.

قال النووي في الشرح: أما غضبه فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه. وقد قال الله تعالى : {فَلاَ وَرَبَكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيَت وَ یُسَلِموا تَسلِیمًا} حزن رسول الله عليهم في نقض إيمانهم.

ثم قال : إن العمرة دخلت في الحج کدخول أصابعه بعضها في بعض وسئل : هل ذلك العامهم هذا أو لأبد الأبد؟

فقال صلی الله علیه واله: بل لأبد الأبد. ويظهر أن جماعة لم يرق لهم أن يكون حج علي كحج النبي وحجهم مخالف لذلك، فترددوا في الاحلال من الاحرام، وامتنعوا حسداً لعلي واعتذروا لكن عذرهم غير مقبول. وفي قول النبي صلی الله علیه واله: لواستقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي إيماء إلى أن حج التمتع أفضل.

وبعد رمي جمرة العقبة بمني يوم العيد نحر الهدي، نحر الرسول من البدن ثلاثاً وستين بيده الشريفة، وهي التي جاء بها من المدينة وأمر علياً فنحر الباقي وهو تمام المئة. وقال لعلي: اقسم لحومها وجلودها وحلالها بين الناس، ولا تعط جزاراً منها شيئاً، وخذ لنا من بعير جذبة من لحم واجعلها في قدر حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها، ففعل.

نخلص من هذا إلى أن كره الجماعة لعلي واضح كل الوضوح وذلك في حياة الرسول صلی الله علیه واله والرسول يعلم ذلك جيداً، وعلي يعلم ذلك أيضاً فكيف يؤكد الرسول صلی الله علیه واله حق علي في حجة الوداع وأمام الجماهير الغفيرة من كل البلدان؟.

حديث الغدير

قال المفيد: لما قضى رسول الله صلی الله علیه واله، وأشرك عليا في هديه قفل إلى المدينة ومعه المسلمون حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدیر خم، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة. وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خليفة في الأمة بعده. وقد كان تقدم الوحي إليه من غير توقيت له ، فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه . وعلم الله أن تجاوز غدیر خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وأماكنهم وبواديهم. فأراد أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين وتأكيد الحجة عليهم فيه فأنزل الله عليه :

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ} يعني في استخلاف علي والص بالإمامة عليه{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ}[ المائدة : 67] فأكد الفرض عليه بذلك، وخوفه من تأخير الأمر فيه ، وضمن له العصمة ومنع الناس منه، فنزل بذلك المكان ونزل المسلمون حوله . وكان يوماً قائظاٌ شديد الحر، فأمربدوحات هناك، وجمع الرحال ووضع بعضها فوق بعض، ثم أمر منادیه فنادى في الناس للصلاة الجامعة ، فاجتمعوا من رحالهم.

ولما اجتمعوا صعد الرسول صلی الله علیه واله على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، وأصعد علياً معه حتى قام عن يمينه . ثم خطب في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ونعى إلى الأمة نفسه، وقال :

«إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي : كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».ثم نادى بأعلى صوته :

«ألست أولی بكم بأنفسكم».

قالوا: اللهم بلی.

فقال لهم على النسق، وقد أخذ بعضدي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى بان بیاض إبطيهما(1).

«فمن کنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله»ثم نزل فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فصلی بهم صلاة الظهر، وجلس في خيمته، وأمر علياً أن يجلس في خيمة له بازائه وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنئوه بالمقام ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين. ففعل الناس ذلك كلهم. ثم أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممن معه أن يدخلن عليه بامرة المؤمنين ، ففعلن. وكان فيمن أطنب في تهنئته بالمقام وأظهر له المسرة عمر بن الخطاب وقال فيما قال : بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولي كل مؤمن ومؤمنة واستأذن حسان بن ثابت رسول الله صلی الله علیه واله أن يقول في ذلك ما يرضاه الله . فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم واسمع بالنبي منادیا

فقال له رسول الله صلی الله علیه واله : لا تزال یا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. قال : وإنما اشترط في الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف، ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الاطلاق . ومثل


1) كان كل منهما في إزار ورداء كما هو عادة العرب في كثير من حالاتهم لا سيما في حر الحجاز فلما أخذ النبي بعضدي علي ورفعهما ليراه الناس جميعاً ويعرفوه توکيداً للحجة ومبالغة في التبليغ انحسر الرداء .

ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبي صلی الله علیه واله فقال:{يَنِسَاءِ النَّّبِيِ لَستُنَّ کَأَحَدِ مِّنَ النِّسَاءِ.}

ولم يجعلهن في ذلك حسبما جعل أهل بيت النبي حيث بذلوا قوتهم الليتيم والمسكين والأسير، فأنزل الله سبحانه في : علي وفاطمة والحسن والحسين وقد آثروا على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم فقال تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًاإِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًاوَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}(1)

فقطع لهم بالجزاء ولم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم لعلمه باختلاف الأحوال .

وعائشة بنت أبي بكر وزوجة الرسول ألم تكن مع الزوجات الأخريات عندما أمرهن الرسول بتهنئة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ ماذا قالت له؟ ثم ألم تتذكر هذا اليوم (غدیر خم) عندما ركبت الهودج في حرب الجمل وأخذت تحرض المسلمين على القتال؟!! لقد طغت المصالح الشخصية على كل شيء !!.

وأعانك الله يا ابن أبي طالب على هذه الصدمات ....


1) سورة الإنسان، الآية : 8- 12.

نزول الآية الكريمة يوم غدير خم « اليوم أكملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتي... »

أجمعت روايات أهل البيت علیه السلام بأسانيدهم الصحيحة أن هذه الآية نزلت على الرسول صلی الله علیه واله يوم غدیر خم. وابن كثير يوافق روايات أهل البيت الصحيحة.

وقد أكثر شعراء الشيعة قديماً وحديثاً في ذكر غدیر خم قال الكميت بن زيد الأسدي :

ويوم الدوح دوح غدیر خم ***أبان له الولاية لو أطيعا

ولكن الرجال تبايعوها*** فلم أر مثله حقاً أضيعا

وقال السيد الحميري :

وبخم إذ قال الإله بعزمة ***قم یا محمد في البرية فأخطب

وانصب أبا حسن لقومك إنه*** هاد وما بلغت إن لم تنصب

فدعاه ثم دعاهم فأقامه ***لهم فبين مصدق ومكذب

جعل الولاية بعده لمهذب ***ما كان يجعلها لغير مهذب

وقال أبو تمام الطائي من قصيدة :

ويوم الغدير استوضح الحق أهله*** بفيحاءلا فيها حجاب ولا ستر

أقام رسول الله يدعوهم بها*** ليقربهم عرف ويناهم نکر

يمد بضبعيه ويعلم أنه*** ولي ومولاكم فهل لكم خبر

وقال المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الحسيني :

يوم الغدير استوضح الغدر وانجلى ***ولم يبق بين الناس من دونه ستر

به تمت النعمي وأكمل دينه ***إله السما والمؤمنون به سروا

دعاهم رسول الله فيه لبيعة*** هي الفوز وهي الذخر ما فوقه ذخر

يقول له الرحمن بلغ رسالتي ***إليهم ولا يمنعك خوف ولا حذر

وإن أنت لم تفعل فلست مبلغاً*** رسالة رب بالعباد هو البر

فقال ألا من کنت مولاه فيكم ***فهذا له مولي وحق له النصر

فقالوا : بخ أصبحت مولی الوری وفي ***قلوبهم نکر وفي قولهم ختر

وأفرده في خيمة وببيعة*** له جاءهم من أحمد المصطفى الأمر

فبايعه فيها الرجال مع النسا ***وأزواجه ماشاب بيعتهم سر

وأمسى أمير المؤمنين عليهم*** إطاعته فرض هي وعصيانه وزر

بمدحته حسان قد قام معلناً*** بشعر يحاكي الدر أو دونه الدر

تأكيد الوصية بالثقلين

و روی ابن سعد بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلی الله علیه واله أنه قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل مدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن یفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما . ثمكان مما أكد النبي صلی الله علیه واله لعلي من الفضل وتخصصه منه بجلیل رتبته ما تلا حجة الوداع من الأمور المتجددة لرسول الله صلی الله علیه واله الأحداث التي اتفقت بقضاء الله وقدره، وذلك أنه تحقق من دنو أجله ما كان قدم الذكر به لأمته ، فجعل يقوم مقاماً بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده والخلاف عليه ، ويؤكد الوصية لهم بالتمسك بسنته والاجتماع عليها والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم، والنصرة والحراسة والاعتصام بهم في الدين، ویزجرهم عن الاختلاف والارتداد، وكان فيما ذكر من ذلك ما جاءت به الرواية على اتفاق و اجتماع من قوله :

«يا أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردون على الحوض، ألا وإني سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني. وسألت ربي ذلك فأعطانيه ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

أيها الناس لا ألفيتكم بعدي ترجعون كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار، ألا وإن علي بن أبي طالب أخي ووصيي يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»...

جيش أسامة...

اشارة

قال ابن اسحق : ثم قفل رسول الله صلی الله علیه واله (یعني حجة الوداع) فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، وضرب على الناس بعثا إلى الشام وأمر عليهم أسامة بن زید بن حارثة مولاه.. وقال ابن سعد في الطبقات :

أمر النبي صلی الله علیه وا له يوم اثنين الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان يوم الأربعاء، بدیء به المرض، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، فخرج وعسكر بالجرف، ولم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن وقاص، وسعيد بن زيد وغيرهم ...

إلى أن قال : وثقل رسول الله صلی الله علیه واله فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة . وروى ابن هشام في سيرته : إن رسول الله صلی الله علیه واله استبطأ الناس في بعث أسامة ، وهو في وجعه، فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر وقال : انفذوا بعث أسامة ، ثم نزل وانكمش الناس في جهازهم، بعد أن قالها ثلاث مرات ... وقد يتساءل كل باحث:

ما سر الاهتمام بتنفيذ جيش أسامة؟

قال المفيد : ثم أنه عقد لأسامة بن زید بن حارثة الامرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه على اخراج جماعة من مقدمي المهاجرين والأنصار في معسكره حتى لا

يبقى في المدينة عند وفاته من يخلف في الرياسة ويطمع في التقدم على الناس بالامارة، ویستتب الأمر لمن استخلفه من بعده، ولا ينازعه في حقه منازع، فعقد له الامرة وجد في إخ/راجهم، وأمر أسامة بالبروز عن المدينة بعسكره إلى الجرف، وحث الناس على الخروج إليه والمسير معه ، وحذرهم من التلوم والابطاء. فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها.

وروى ابن سعد في الطبقات بأنه صلی الله علیه واله عالم بدنو أجله، ومع عروض المرض له، واشتداده عليه، وهو مع ذلك كله يجتهد في تجهيز جيش أسامة، ويحث عليه، ويكرر الحث مراراً:

أنفذوا بعث أسامة ، ويخرج مرة بعد مرة وهو مريض عاصب رأسه ، ويخطبهم ويقول : أنفذوا بعث أسامة ، يكررها كل مرة ثلاث مرات. وقد عرض لأسامة لواءه بعد عروض المرض له. جاء عن ابن سعد أنه بدیء المرض يوم الأربعاء، وعقد لأسامة يوم الخميس. ولا يبقى أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا وينتدب للخروج تحت امرة أسامة وهو غلام، ولا يشغله ما هو فيه من شدة المرض، وتحقق دنو الأجل عن الاشتداد في تجهيز جيش أسامة .

وقد كان مقتضى ظاهر الحال وسداد الرأي أن لا يبعث جيشاً فيه أكابر الصحابة وجمهور المسلمين في مثل تلك الحال التي يتخوف على نفسه فيهاالموت، لأن تدارك ما يخاف وقوعه عند وفاته، وإحكام أمر الخلافة في حياته أهم من تسيير جيش الغزو الروم، بل لا يجوز في مثل تلك الحال ارسال الجيوش من المدينة، ويلزم تعزيزاً للقوة فيها استعداداً لما يخاف حدوثه من الفتن بوفاته التي أشار إليها بقوله: «أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم»، لا سيما أنه قد بلغه ارتداد جماعة من العرب في عدة أماكن، وادعاء بعضهم النبوة لما بلغهم مرضه.

نستنتج مما تقدم أن تجهيز جيش أسامة لم يكن من الأمور العادية يقصد به الغزو والفتح، بل يقصد به أموراً هامة أخرى. فكان الأقرب إلى واقع الحال أن يهتم بنفسه وبمرضه الشديد، لا بتسيير الجيوش لغزو ليس فيه ما يقتضي العجلة مثل مهاجمة عدو أو حادث لا يحسن التأخر عنه . ويدلنا على ذلك أيضاً إخباره عن فتن تقع بعده، وتهويله في ذلك، روى الطبري في تاريخه بسنده عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلی الله علیه واله، قال : بعثني رسول الله صلی الله علیه واله من جوف الليل فقال لي: «يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي»، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال :

«السلام عليكم أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى».فما هي هذه الفتن یا ترى التي هول بها وعظم أمرها ووصفها بأنها كقطع الليل المظلم، وأنها متتابعة بلا انقطاع، لا تنتقل إلى خير، بل إلى ما هو شر من الأول. وكيف تتوافق هذه الرواية مع ما يروونه عنه : خیر القرون قرني ثم الذي يليه .

قال المفيد: لما أحس بالمرض أخذ بيد علي وأتبعه جماعة وتوجه إلى البقيع فقال : إني قد أمرت بالاستغفار لأهل البقيع. فانطلقوا معه، فاستغفر الهم طويلاً وأقبل على علي فقال له : «إن جبرائيل كان يعرض على القرآن في سنة مرة، وقد عرضه على العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي، ثم عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أيام موعوكة، ثم خرج إلى المسجد معصوب الرأس، معتمدة على أمير المؤمنين بيده اليمنى، وعلى الفضل بن العباس بالید الأخرى حتى صعد المنبر فخطب ثم نزل فصلي بالناس صلاة حفيفة، ثم دخل بيته وكان إذ ذاك بيت أم سلمة، وفي رواية الطبري أنه كان بيت ميمونة .

ما سر طلب عائشة نقله إلى بيتها؟!

قال المفيد: جاءت عائشة إلى أم سلمة تسألها أن تنقله إلى بيتها لتتولى تعليله، وسألت أزواجه في ذلك، فأذن لها، فانتقل إلى البيت الذي تسكنه عائشة .

لكن لا نظن أن ذلك أمراً عادياً ، القصد منه أن تتولى عائشة تعليله ، بل يمكن للمتأمل الصادق الاعتقاد بأنه كان شيئاً وراء ذلك، هو إلى السياسة، وتنفيذ خطط مرسومة ابتدأت من يوم بعث جيش أسامة، واستغلال الموقف أقرب منه إلى مجرد تولي تعليله، وهل كانت أم سلمة أو ميمونة تقصر في تولي تعليله؟! وماذا يحتاج إلى تعليل؟ وهو ليس في مرض يفتقر إلى كثير مزاولة كالفالج وشبهه، إنما هو حمي وصداع، ولو كان الداعي إلى ذلك الشفقة لأمكن الحضور إلى بيت أم سلمة ، وهو لا يبعد عن بيت عائشة إلا خطوات ، وكان له يومئذ تسع نساء وبيوتهن متقاربة ، كأنهم في دار واحدة ، فيمكنهن التناوب في تعليله في بيت أي كان، وبيت فاطمة الزهراء (أم أبيها) وحبيبته ، مجاور لبيوتهن. وكيف يمكن أن تتركه ابنته فاطمة في ليل أو نهار . وتدل الأخبار أن علياً والفضل بن عباس کانا دائماً عنده، إلا لضرورة ، فالتأمل في ذلك وفي مجرى الحوادث یرشدنا إلى أن الأمر لم يكن أمراً عادياً صرفاً، ولولا نقله إلى بيت عائشة لما دفن فيه ولما دفن الشيخان إلى جانبه ولما منع ابنه الحسن من الدفن عنده ؟!!! .

المؤامرة مستمرة...

خروج النبي صلی الله علیه واله للصلاة وهو في أشد المرض:

قال المفيد: وثقل صلی الله علیه واله فجاء بلال عند صلاة الصبح ونادي الصلاة . أفاق رسول الله صلی الله علیه واله لندائه فقال : يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي.

فقالت عائشة : مروا أبا بكر، وقالت حفصة : مروا عمر .

كل منهما أرادت الحظوة لأبيها. عندها قال رسول الله صلی الله علیه واله ، حين سمع كلامهما ورأى حرص كل واحدة منهما على التنويه بأبيها وافتتانها بذلك ورسول الله حي: اكففن فإنكن صويحبات يوسف. ثم قام مبادراً لإزالة الشبهة، وأنه لا يستقل على الأرض من الضعف، فأخذ بيد علي بن أبيطالب والفضل بن العباس فاعتمد عليهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف، فوجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه فتأخر وقام صلی الله علیه واله مقامه فكبروا وابتدأ الصلاة التي كان قد ابتدأ بها أبو بكر ولم يبن على ما مضى من فعاله .

وقد وردت روايات عديدة تتناقض وتختلف لاشتمالها على ما لا يقبله العقل ولا نستطيع الاعتماد على شيء منها لأنهاغير صحيحة والصواب هو ما ذكره الشيخ المفيد.

فرويداً يا أبا بكر تريدها سريعاً والنبي حي يرزق، فهل أذن لك بالصلاة؟ فلماذا سبقته إلى المحراب؟ وماذا كان موقفك حين أومأ لك

بالتأخر؟ ألم تحضر في غدیر خم؟ أما سمعت قول الرسول بتسليم الخلافة إلى علي بن أبي طالب أمام الجماهير الغفيرة؟ ألم تسمع عمر عندما قال له : هنيئاً لك يا علي لقد أصبحت مولاي ومولاي كل مؤمن ومؤمنة؟ وابنتك عائشة ألم تدخل إلى خيمة علي بأمر من الرسول صلی الله علیه واله وتبارك له بالخلافة مع سائر نسائه؟! الخلافة يا أبا بكر مسؤولية كبيرة وليست ملكاً، ولذلك لم يسع إليها علي بن أبي طالب، بل هي سعت إليه ، وقد قبلها مؤخراً من أجل الحفاظ على الرسالة الإسلامية ومن أجل الحفاظ على حقوق المسلمين .

وما زالت المؤامرة مستمرة!...

طلب الدواة والكتف:

وتابع الشيخ المفيد: فلما سلم انصرف إلى منزله واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر بالمسجد من المسلمين ثم قال صلی الله علیه واله :

ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟

فقالوا: بلی یا رسول الله.

قال : فلم تأخرتم عن أمري؟

قال أبو بكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهداً.

وقال عمر : یا رسول الله إني لم أخرج لأني لم أحب أن أسأل عنك الركب . فقال صلی الله علیه واله: نفذوا جيش أسامة . وكررها ثلاث مرات ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف. فمکث هنيهة مغمى عليه ، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من ولده وأزواجه ونساء المسلمين، وجميع من حضر من المسلمين. فأفاق ثم قال صلی الله علیه واله : إئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً.

ثم أغمي عليه فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر: ارجع فإنه يهجر فرجع.

وندم من حضر على ما كان منهم من التضييع والمنع في إحضار الدواة والكتف، وتلاوموا بينهم وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من

خلاف رسول الله صلی الله علیه واله ، فلما أفاق قال بعضهم: ألا نأتيك بدواة وكتف؟ فقال صلی الله علیه واله : أبعد الذي قلتم؟! ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيراً ، وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا.

قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بین رسول الله صلی الله علیه واله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

•

ومما يبدو أن الذين منعوا من أن يأتوا بدواة وكتف هم أكثر من الذين يرغبون في وصول الدواة والكتف له. وذلك لغاية في نفس يعقوب.

•

ولا شك أن الكتاب الذي يريد كتابته هو لتأكيد ما جرى يوم الغدير وهذا هو السبب الرئيسي، وهذا ما جعل ابن عباس يبكي بكاء شديداً .

•

وقول عمر : إن النبي يهجر هو في منتهى التحدي. يقول عمر : القرآن بيننا يكفي! لقد نسي أن القرآن يقول عن النبي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَی}لكن الطمع وحب الدنيا التي أحبوها وكرهها وزهد بها ابن أبي طالب. فمنهم من فقدوه وما وجدوه! ومنهم من فقدوه ثم وجدوه! ومنهم من وجدوه ثم فقدوه إنه لعجب عجاب !! فعلي باق في ضمير الزمن وفي ضمير المؤمنين الأتقياء ...

صدمات هامة

الإسلام دين جديد كان بحد ذاته من أهم الصدمات التي اصطدم بها علي الفتى، كما اصطدمت به الجزيرة برمتها، والعالم أجمع في شرقه وفي غربه . دین جدید جمعت إليه قيم التوحيد على ضوء العقل الذي تمكن من هضم الوحي وبسطه حسب الحاجة إليه والظروف المناسبة له. لقد حوى جميع الأسس والمبادىء التي تشد الناس من بعضهم لبعض والإنسان في تطوره الحضاري وتقدمه العلمي والأخلاقي يتطلع إلى الوحدة والانسجام بین مطالب نفسه وحكمة عقله ... كما يتطلع إلى الحياة الإنسانية الرفيعة التي تسمو فوق حياة الطين والحيوان.

قال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(1).

فالله تعالى يطلب من عباده المؤمنين أن يعتصموا برباط الله، الذي يتمثل في هدايته ، لتكون الأخوة المنبثقة من التقوى في الإسلام، هي الركيزة الأولى في عهد الله ودينه ونهجه، وليس مجرد تجمع على أي تصور مغایر ولا على أي هدف آخر كالجاهلية المفرقة!.

قدم على الجزيرة العربية فاستقبلته باللامبالاة. ومتى كان ابن الجزيرة يعير كثيراً من الاهتمام لدينه ! .


1) آل عمران، الآية : 103.

ولا عجب في ذلك، فإن بضعة أحجار منحوته بشكل لم يمسسها عقل بتفكيره، ولا الروح بشفافيتها، فلم تتمكن، ولا بحال من الأحوال، أن ترخي على من حولها الخشوع والاحترام.

وليس ذلك بدليل على أن البادية لا تحب أن يكون لها دين، بل إن ذلك بالأحرى، دليل على أن دینا عاقلاً لم يشغل بعد عقل البادية. حتى كان الدين الجديد، فإذا به عقل يوقظ من سباته الطويل، وتقبله الناس بعد ذهول.

وكانت الصدمة عليهم من نوع وهلة الموقظ على غفلة .. وكأنه مستحضر من نوم، ومنبه على قلة استعداد .

في هذا الوقت كان علي بن أبي طالب أول من يوسع عقله لاسقتبال الدعوة الكبيرة التي استوعبها على فهم وادراك واقتناع، ولم تشكل لديه صدمة كما شكلت عند غيره، بل أخذها من واقع الحياة عدة له على تجاوز هموم الحياة .

لذلك كله كان لديه هموم كثيرة عليه تذليلها منها :

•

توحيد الأمة الإسلامية، وتوطيد أركان الدولة الجديدة، وحماية حدودها، ونشر مبادىء الإسلام في الآفاق. وهو يعلم جيداً أن قوة الأمة تنبع من وحدة الكلمة.

•

وكان همه علیه السلام إقامة العدل وإشاعة مكارم الأخلاق، وأن يجعل المسلمين جديرين بأن يكون لهم في رسول الله صلی الله علیه واله اسوة حسنة.

•

وكان من همومه أيضاً اختیار ولاة يعلمون الناس أصول الدين الإسلامي،ويدافعون عن الحقوق والحرمات، وأن يكونوا حاسمين ورعین ينفعون بتقواهم سواد الناس، لا أولي القربى، ولا جلادین ، يتسلطون على رقاب الناس ويحمون المال والجواري.

وكان من همه علیه السلام أن يحافظ على حقوق أهل الذمة إخوانهم، وقد

أوصى بهم الله ورسوله، وحسب المسلم أن يعرف ما قاله الرسول صلی الله علیه واله؛ عن الذميين عامة : «إنهم في ذمة الله ورسوله»فمن واجب المسلم الحق أن يتقي الله فيهم، وإلا يخفر ذمة الله ورسوله!.

• وكان من هم الإمام عليه السلام أن يعود بالناس إلى شجاعة الرأي، وصدق النصيحة، كما كانوا أيام الرسول صلی الله علیه واله فالشورى واجبة ولا خيار لولي الأمر فيها، بل إنها ملزمة، وإلا استبد برأيه على الناس، وهذا الاستبداد هو ما يأباه الله ورسوله.

إلا أن المستشار مؤتمن كما نص الحديث الشريف، فمن واجب من يستشار أن يحسن المشورة، ويخلص فيها ويصدق، ولا يبتغي بها إلا وجه الله، ومصلحة الأمة فحسب.

• وكان من هم الإمام أن يحض الناس على التفكير، فلا يطيعون بلا فهم كالأنعام.

إن الله تعالى خلق لهم المشاعر والحواس والعقل ليروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم، ويتدبروا بعقولهم.. فيعرفوا الحسن والقبيح بذاته ، وبالعقل، وهو هكذا يعرف قبل أن يحدده الشرع! فالإمام عليه السلام همه أن يرتفع بمستوى العقل والإرادة في الإنسان. وأمير المؤمنین همه أن تقوم الامرة على العدل، والورع والتقوى، وأن يتساوى الناس. والله سبحانه يبلوهم ليعرف أيهم أحسن عملا، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وقد قال تعالى : {أِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَنقَكُم}.

من أجل ذلك أحب أهل الذمة والموالي الإمام علي عليه السلام كما أحبه أهل الورع وأهل التقوى من العرب، وإن كانت قريش على الرغم من مرور جيل بأسره، لم تنس له ما صنعه سيفه ذو الفقار بساداتها المشركين الكفار .

• ومن همومه علیه السلام أيضا المنافقون، الذين أظهروا الإسلام وتظاهروا بالإيمان، وهم يبطنون الشر والعداء الأمة محمد صلی الله علیه واله فكانوا يؤججون الخلافات بين الناس بمؤامراتهم ودسائسهم المنكرة. وكلما

أشعلوا ناراً للحرب أطفأها الله ، حتى لتمس ألسنتها قلب الإيمان فيستعبر وينذر لله ألا يهدأ حتى يقضي على حزب الشيطان.

وحزب الشيطان هذا كان من شعب عديدة :

من الذين ينقمون عليه لأنه قتل ذوي قرباهم من رؤوس الكفر في المغازي الإسلامية أيام الرسول صلی الله علیه واله ومن الحاسدين الحاقدين ومن الذين يخافونه على دنياهم إلى المنافقين الذين يشعرون أمام بصيرته أن خراب نفوسهم قد تكشف فجأة، إلى المغالين في حبه الذين ينتحلون آراءه ويعملون نقيضها!...

وكان جيش أمير المؤمنین مؤلفاً أغلبه من أهل الورع وممن عودهم الإمام حرية التفكير، وأخذهم بالصراحة في التعبير عن الرأي.

فكان كل مقاتل في هذا الجيش يجد لنفسه حق مجادلة القائد وحواره . لكل منهم رأيه المستقل، وكأنه أمة وحده ! ... وما من أحد منهم يذعن للأمر أوالنهي إلا إذا عرف علته، واقتنع بجدواه، على خلاف ما هو مألوف في الجيوش في ذلك الزمان، وفي كل زمان! ..

جاء علياً أحد رجاله فقال :« يا أمير المؤمنين، ما أری عائشة وطلحة والزبير اجتمعوا إلا على حق».

فقال الإمام عليه السلام : «إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه».

قال: «فهلا أكون كعبد الله بن عمر وسعد يعرفان فأعزلكم جميعاً؟ فقال الإمام: «إنهما خذلا الحق، ولم ينصرا الباطل، متى كانا إمامين في الخير يتبعهما الناس»!!.

فاقسم الرجل أن يتبع أمير المؤمنين وحده ! .

وأرسل الإمام عليه السلام إلى طلحة والزبير، ابن عمه ووزيره عبد الله بن عباس وقال له : قل لهما: إن أخاكما يقرئكما السلام ويقول لكما : هل

وجدتما في علي حيفاً في حكم أو استئثارة في فيء؟ فلما أتاهما وسألهما قالا له : لا ولا واحدة منهما.. وأضاف الزبير : قل له إننا مع الخوف الشديد، والتقوى، لنطمع في الملك!.

فعجب الإمام لهذا الرد!... كيف يمكنه أن ينقذ الأمة من الشقاق وهؤلاء النفر ينهضون ضده؟!.

ويا لله ما كان أكثر هموم الإمام أمير المؤمنين !!.

أرادعلیه السلام أن يبث همومه لبعض أصحابه فقال : «بلیت بأطوع الناس للناس : عائشة . وبأدهى الناس : طلحة. وبأشجع الناس : الزبير وأكثر الناس مالا يعلى بن أمية، وبأجود الناس : عبد الله بن عامر» فقام إليه رجل من الأنصار، وقال : «والله يا أمير المؤمنين لأنت أشجع من الزبير، وأدهی من طلحة، وأطوع فينا من عائشة، وأجود من ابن عامر، ومال الله أكثر من مال يعلى بن أمية، ولتكونن كما قال الله عزوجل :{فَسَیُنفقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسرَةً ثُمَّ يُغلَبُونَ .}

أمر الله.... زيارة الموت...

موت النبي صلی الله علیه واله :

قال تعالى: {وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَي مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِّنَ الأًموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشِرِ الصَّبِرِيِنَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتهُم مُّصِيبَة قالُوا إِنَّا لله وَإنَّا إلَيهِ رَجِعُونَ}.

ما أكثر ما نردد هذه الآية الكريمة : {إِنَّا لِلهِ وَإنَّا إِلَيهِ رَجِعُونَ} .

وما أقسى البلوى إذا جاءت مجتمعة: خوف وجوع ونقص في الأموال والأنفس. تأتي معاً في أشد امتحان وأصعب برهان يحكم حياة الإنسان ومسيرته ليختبر تعالى قوة إرادته ، ومدى التزامه بعقيدته . ثم يأتي موقف المبتلي الذي يخلق الجو الملائم للحل في نطاق من الروح الإيمانية، التي لا تنسى ذكر الله في المواقف الحرجة والتحديات الصعبة، بل تعیش حضوره المهيمن العميق في الفكر والوجدان والتطلعات للحياة، فتلتقي بالإنسان من خلال هذا الجو الروحي، فتجد لديه الصلوات الإلهية التي تغدق الرحمة والمغفرة والرضوان على الإنسان.

فكيف يواجه الإنسان المؤمن هذه الصدمات؟ بالجزع أم بالصبر بالرضا أم بالاحتجاج؟ ثم كيف يفهم البلاء؟ هل هو عذاب وانتقام، أم رحمة إلهية في نطاق النظام الكوني الذي يربط المواقف بأضدادها، من خلال المواقف الصعبة التي تواجه المؤمنين المتمسكين بالرسالة .

ولا يخفى أن للاستقامة في هذه المحن القاسية ضرائبها الثقيلة في

مختلف جوانب الحياة، حيث تتحرك قوى الانحراف لتقف حائلاً بين الخط المستقيم وبين بلوغ الهدف الشريف النبيل . وهنا يأتي دور الصبر الذي يمنح الإنسان قوة الثبات والصمود أمام المحن والمصائب التي تقف في مجالات التحدي، فلا يرتبك ولا يتراجع ولا تتعثر خطاه عند فقد حبيبه .

لكن ما قيمة الحب وأي تأثير للحرمان عليه؟ فالجواب يكون کالانصهار، لأن الألم الذي تتقلى النفس على ناره، يستعير من الحب ضلوعه، ومن الحرمان إكسيره ...

فللألم قساوة ومرارة ربما لا تجد النفس في غيرها ما يستحيلان فيهاإلى جمال ولكنه جمال مصهور تقدمه النفس للعقل طبقاً يغطي منه بعض جوعه .

هذا النوع من الألم زار ابن أبي طالب، فاکسب نفسه ذلك النوع من الجمال فانعكس على لسانه بذلك العذب من الكلام .. وكان الموت وحده ذلك المنهل .. جاء على الحب بالحرمان.

وأي حب كحب علي للنبي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنهلا نبي بعدي»وأي حب ينام على فراش الموت من أجل حبيبه .

وما أقسى فراق الأحبة !! فبين يدي علي، وفي حضنه، وتحت عينيه ، انطفأت شعلة الحياة من قلب الرسول صلی الله علیه واله وانكفأت عن عينيه تلك اللمع، وتراخت يداه عن كفيهما، ولف جسده ببرودة الموت، ونزلت دموع الحب التي عصرها ألم الفراق..

فكيف يسكت قلب نبضت فيه قلوب الناس جميعاً وانصتت إلى نبضاته آذان الملائكة؟.. وكيف ينكفي النور عن عينين قد استعار النور منهما بهاءه؟ ..

وكيف ترخي يدان قد اختبرت قوتهما الأرض والسماء؟.. وكيف يلف الصقيع جسداً كان يحمل للدنيا برداً وسلاماً؟.. ولكنها الحقيقة، والموت حق على رقاب العباد .

عاد ابن أبي طالب من ذهوله ليصدقها، فقد سلخت عنه أحب الناس إليه، وأروعهم، وأمثلهم، «علي مني بمنزلة القلب من الجسد»وبعد: ألا يتأثر الجسد على فراق قلبه؟!!.

لقد هرب من بين يديه، في غفوة الأبد، وتوقف مع رهبة الصمت ذلك القلب الحبيب.

یا رسول الله ! ترى هل هي النهاية المؤلمة؟.. أم هي البداية البهية؟ .والرسالة؟ ... هل توقفت بانکفائك إلى غار حراء؟ أبداً..، أبداً .. ليطمئن بال البعيدين والأقربين؛ فساحات الجهاد؟... فأين بدر؟.. وأين أحد؟.. وأين الخندق؟ وأين خيبر؟.. أتراها قد تناست عن الأذهان؟ وهبل، ومناة ، واللات والعزى... أتراها تململت من جديد تحت حطامها التفرح وتشمت؟...

وربما لا ينتهي الألم، يحز في نفس ابن أبي طالب وهو أمام هذا الجسدالطاهر المسجی علی رهبة الموت.

وفاجعة أخرى.. موت الزهراء علیها السلام !

صبراً جميلاً يا ابن أبي طالب على فقد النبي صلی الله علیه واله، الذي كان لك وكنت له منذ بداية الرسالة حتى قبضه الله إلى جنة المأوى.

وصبراً جميلاً على فقدك زوجتك ، الزهراء عليها السلام أم السبطين الحسن والحسين اللذين قال عنهما جدهما صلی الله علیه واله: «هذان ابناي وابنا فاطمةاللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما».

إن الجرح الذي استختم بالصبر والإيمان بوفاة النبي صلی الله علیه واله عاد عليه موت الزهراء ليفتحه من جديد على فراق حنون وحنین مضني.

لقد تفتح هذا الجرح لينزف نزفاً جديداً ومن لون جديد.

كانت الزهراء من علي دفئاً لقلبه ورباطاً لدنياه، وما أن فصلها الموت حتى أحس بعمق الفراغ وبرودة المتكأ .

وإذا بعلي من واقع الحياة على مجابهة ... جرح وضماد، وجرح وضماد وأين المتكأ؟ وأين السند؟ وأين المشتکی؟.

لكن هذه مشيئة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وإذا كان للألم في النفوس شحنة تشحنه، كذلك فعل الصدمات فإنها أشبه بالوقود تحت المراجل.

لكن ليست كل النفوس على السواء تفعل فيها الصدمات فعل الإثارة . فالضعيفة منها تقع تحت الكل، أما تلك التي تعلو فوق الجراح إلى مراتب النضج العقلي ومستوى القيم العليا فهي التي تقبل الصدمات وتتحمل

ويلاتها لتقوى على الصمود، وتكون لها مدداً يدفع بها إلى فوق لتستمر في الفداء والعطاء .

ولا ريب أن نفسية إبن أبي طالب كانت من الطراز الفريد الذي كان يعتبر الصدمات حوافز في معابر الحياة .

ولا غرابة .. فالنبي صلی الله علیه واله قال في شجاعته : «علي أشجع العرب، علي أسد الله في أرضه، علي سيف الله في أرضه، علي أشجع الناس قلباً »ولذلك كان اعتماده صلی الله علیه واله عليه في حروبه وغزواته.

فهذا النموذج الفريد في القوة والشجاعة لا تهمه الصدمات التي كان يتقبلها سحابة عمره، ولم يكن ليتقابلها بذلك التحسب الحريص الذي يتحسب به أهل الدنيا تجاه الملمات .

وما ذلك إلا لأنه كان يرى الدنيا بمنظار غیر منظار هؤلاء... فهي لديه وسيلة، بينما هي عند الآخرين غاية ...

وما أبعد الغاية بين الاثنتين !.

بهذا الواقع النفسي المبني على عقيدة واضحة المرامي، عالج علي عليه السلام الدنيا بمآسيها وصدماتها .. وقد أفاد منها كثيراً، لكنها أفادت من عقله الراجح وعقيدته الراسخة وثبوته على الحق أكثر .. فكانت الصدمات التي تقبلها بصدر واسع رياضة تتروض بهانفسه. حتى الموت الذي تذوق طعمه بفقدان حبیبه رسول الله ثم بفقدان زوجته فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، تمكن بسرعة من تقبلها وتحويلها إلى معناها الجميل ...

ومن هنا كان زهده وتقواه، بل مصدر دفاعه عن القيم بتلك البطولة الفذة. وليست الأحداث التي مرت عليه بعد رحيل النبي عن دنياه طيلة ربع قرن إلا مصداقاً لمتانة صموده أمام الصدمات، دون أن توهن من عزمه أو تلين من صلابة معتقده .

هذه الشخصية الفريدة والعظيمة التي قال عنها رسول الله صلی الله علیه واله : «إنه مني وأنا منه».وقال جبرائیل :وأنامنكما.

وهذه الشخصية المميزة في عصره وبعد عصره قال عنها الشاعر المعروف حسان بن ثابت بعدما استأذن الرسول صلی الله علیه واله :

جبریل نادی معلناً*** والنقع ليس بمنجلي

والمسلمون قد أحدقوا ***حول النبي المرسل

لا سيف إلا ذو الفقار*** ولا فتى الا علي

قالها يوم بدر وكان عمره عشرين سنة.

وهل يخاف الموت من قال عنه رجل، يوم بدر، وقد شق العسكر :«قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي عليه السلام ».

ونخلص إلى القول: إن الصدمات التي حلت به من موت النبي صلی الله علیه واله إلى موت الزهراء، إلى الفتن والمؤامرات المتعاقبة من المنحرفين إلى الناكثين إلى المشركين، إلى الخوارج، إلى الحروب التي افتعلها معاوية مع عائشة وطلحة والزبير ...

كل ذلك لم يثنه عن عزمه ولم يضعف من إرادته ولم يغير من تمسکه بالرسالة التي ألقي بها الرسول صلی الله علیه واله على عاتقه . بل واجه كل ذلك بقلب كبير وإرادة كبيرة، وحتمية لا تمنعها (کیف) ولا تغيرها (لماذا)، ولا تؤخرها (متی)، ولا تعجلها (إلى أين ... ورضوخ إلى الحق يزيد من جماله الإيمان).

وعفوك يا ابن أبي طالب فمهما قلت فيك أبقى مقصراً، ويجمد قلمي في يدي كلما وصلت معك إلى محطة عالية من محطاتك ومأثرة عظيمة من مآثرك، وما أكثر هذه المحطات التاريخية وما أعظم هذه المآثر الخالدة.وقال السيد محمد جمال الهاشمي:

شئت فلا الشمس تحكيها ولا القمر*** زهراء من نورها الأكوان تزدهر

بنت الخلود بها الأجيال خاشعة*** أم الزمان إليها تنتمي العصر

روح الحياة فلولا لطف عنصرها ***لم تأتلف بيننا الأرواح والصور

سمت عن الأفق لا روح ولا ملك ***وفاقت الأرض لا جن ولا بشر

مجبولة من جلال الله طينتها*** يرف لطفاً عليها الصون والخفر

وقال الشيخ كاظم الازري في رثاء الزهراء علیها السلام :

نقضوا عهد أحمد في أخيه ***وأذاقوا البتول ما أشجاها

وهي العروة التي ليس ينجو ***غیر مستعصم بحبل ولاها

لم ير الله للرسالة أجراً*** غير حفظ الوداد في قرباها

لست أدري إذا روعت وهي حسرى ***عاند القوم بعلها وأباها

يوم جاءت إلى عدي وتيم*** ومن الوجدما أطال بكاها

فدعت واشتكت إلى الله شجواً*** والرواسي تهتز من شكواها

فاطمأنت لها القلوب وكادت ***أن تزول الأحقاد ممن حواها

تعظ القوم في أتم خطاب ***حكت المصطفی به وحكاها

أيها القوم راقبوا الله فينا ***نحن من روضة الجليل جناها

نحن من باریء السماوات سر*** لوكرهنا وجودها ما براها

بل بآثارنا ولطف رضانا*** سطح الأرض والسماء بناها

وبأضوائنا التي ليس تخبو ***حوت الشهب ما حوت من ضياها

واعلموا أننا مشاعر دين الله ***فيكم فاکرموامثواها

ولنا من خزائن الغيب فیض*** نرد المهتدون منه هداها

إن تروموا الجنان هي من الله ***إلينا هدية أهداها

هي دار لنا ونحن ذووها ***لایری غیر حزبنامرآها

وكذاك الجحيم سجن عدانا ***حسبهم يوم حشرهم سكناها

أيها الناس أي بنت نبي*** عن مواريثه أبوها زواها؟

کي یزري عني تراثي عتيق ***بأحاديث من لدنه افتراها

هذه الكتب فاسألوها تروها*** بالمواريث ناطقاً فحواها

کیف لم يوصنا ذلك مولانا ***وتيما من دوننا أوصاها؟!

أم تراه أضلنا في البرايا ***بعد علم لكي نصيب خطاها؟

أنصفوني من جائرين أضاعا ***ذمة المصطفى ومارعیاها

وانظروا في عواقب الدهر کم*** أمست عتاة الرجال من صرعاها

مالكم قد منعتمونا حقوقاً*** أوجب الله في الكتاب أداها

وحذوتم حذو اليهود غداة*** اتخذوا العجل بعد موسى إلها

ويذكر دفنهاعلیه السلام ليلاً فيقول :

ولأي الأمور تدفن سراً*** بضعة المصطفى ويعفي ثراها

فمضت وهي أعظم الناس وجداً*** في فم الدهرغصة من جواها

وثوت لا يرى لها الناس مثوى*** أي قدس يضمه مثواها

وقال الأديب الحاج علي البغدادي في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام :

شهر الصيام به الإسلام قد فجعا*** وفي رزیته قلب الهدی انصدعا

شهر الصيام بكت عين السماء دماً*** فيه وجبريل ما بين السماء نعا

اليوم في سيف اشقى العالمين هوى*** شخص الوصي وفي محرابه صدعا

اليوم مات الهدى والدين منهدم ***وفي ثیاب الأسى قد مات مدرعا

اليوم فلتسكب الأيتام دمعتها*** ولتترك الصبر لكن تصحب الجزعا

اليوم في قتله الهادي وفاطمة*** ماتا وعليانزار سورها انصدعا

سعت بقتل وصي المصطفى فئة ***على قلوبهم الشيطان قد طبعا

قد غادروا صبح دين الله مفترقاً*** ويزعمون بقتل المرتضی جمعا

هذا ابن ملجم قد أردي أبا حسن ***أهل درى اليوم من أردىومن صرعا

ما ناله سيف أشقاها بضربته*** لكنما صنع المقدور ما صنعا

وكيف بالسيف ما ضلت مضاربه ***إذا تساقط دون المرتضی قطعا

سيف أصيب به رأس الوصي لقد*** أصاب قلب الهدى والعلم والورعا

ما بالها هجعت عن يومه مضر*** وبعده الدين والإسلام ماهجعا

فلتندب الطهر فهو ندب ثاكلة ***تساقط الدمع من أحشائها قطعا

نهاية المطاف

استشهاد أمير المؤمنین علیه السلام :

استشهد علیه السلام سنة 40 للهجرة في شهر رمضان حيث جرح عليه السلام في ليلة الأربعاء في تسع عشرة منه وقبض ليلة الجمعة في إحدى وعشرين منه وكان عمره خمساً وستين سنة منها اثنتا عشرة قبل البعثة وثلاث وعشرون مع النبي صلی الله علیه واله بعد البعثة. ثلاث عشرة بمكة وعشر بالمدينة، وثلاثون سنة بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله .

وجاء في المناقب لابن شهر آشوب : قبض علیه السلام قتيلاً في مسجد الكوفة وقت التنوير ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضين من شهر رمضان فبقي يومين إلى نحو الثلث من الليل وله يومئذ خمس وستون سنة في قول الإمام الصادق عليه السلام . فتكون المدة التي قضاها في الخلافة بعدما بويع بعد مقتل عثمان خمس سنين إلا نحو من أربعة أشهر، ودفن بالكوفة .

نعيه نفسه قبل استشهاده:

قال الحسن بن كثير عن أبيه :

خرج علي من الفجر فأقبل الأوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه فقال : ذروهن فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته .

وقال الحسن بن علي يوم قتل علي : خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره، فقال لي : يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة فملكتني

عيناي فنمت فسنح لي رسول الله صلی الله علیه واله ، فقلت : يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد.

فقال لي: ادع عليهم فقلت : اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فجاء ابن التباج فآذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فضربه ابن ملجم فقتله .

وفي تذكرة الخواض عن الشعبي أنشد علي علیه السلام قبيل قتله بأيام :

تلكم قریش تمناني لتقتلني ***فلا وربك لا فازوا ولا ظفروا

فإن بقيت فرهن ذمتي لهم*** بذات ودقين لا يعفو لها أثر

وسوف يورثهم فقدي على وجل ***ذل الحياة بما خانوا وما غدروا

وصية أمير المؤمنين

اشارة

و ذكرها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخ الأمم والملوك وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين :

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ًعبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها روي عنكما، وقولا بالحق واعملا للأجر (1)وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً . أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه کتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن البغضة حالقة الدين، ولا قوة إلا بالله . انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهون الله عليكم الحساب.

والله الله في الأيتام، لا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة، كما أوجب لأكل مال اليتيم النار .

والله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم.


1) الأجر : الآخرة .

والله والله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.

والله والله في بيت ربكم، فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، وإن أدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف من ذنبه .

والله الله في الصلاة فإنها خير العمل، وإنها عمود دینکم.

والله الله في الزكاة فإنها تطفىء غضب ربكم.

والله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار .

والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان : إمام هدى، ومطيع له مقتد بهداه.

والله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم.

والله الله في الفقراء والمساكين، فاشركوهم في معايشكم.

آخر وصاياه الخالدة:

وقال ابن الأثير أنه دعا الحسن والحسين عليه السلام فقال لهما: «أوصيكما بتقوى الله، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، واعملا بما في كتاب الله ، ولا تأخذكما في الله لومة لائم».ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال: «هل حفظت ما أوصيت به أخويك»؟ قال : نعم. قال : «فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك العظيم حقهما عليك، ولا تقطع دونهما أمراً».ثم قال : «أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقدعلمتما أن أباكما كان يحبه».

وقال الحسن :

«أبصروا ضاربي أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي».ثم قال للحسن علیه السلام : «إذا أنا مت فلا تغال في كفني، وصل علي وكبر علي سبعة وغيبقبري».

قال ابن الأثير : ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى توفي صلوات الله عليه . وبقي إلى نحو ثلث الليل وتوفي، فصرخت بناته ونساؤه، وارتفعت الصيحة، فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين عليه السلام قد قبض. فأقبل الرجال والنساء يهرعون أفواجاً أفواجاً، وصاحوا صيحة عظيمة، فارتجت الكوفة بأهلها، وكثر البكاء والنحيب، وكثر الضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها. فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله صلی الله علیه واله .

فلما توفي غسله الحسن والحسين عليه السلام ومحمد يصب الماء. وكفن في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيهما قمیص، ولا عمامة ، بل كان القميص والعمامة من غيرهما. وحنط ببقية حنوط رسول الله صلی الله علیه واله ثم وضعوه على سريرهوصلي عليه ابنه الحسن وكبر خمساً وقيل سبعاً وحمل في جوف الليل من تلك الليلة إلى ظهر الكوفة إلى النجف فدفن بالثوية عند قائم الغريين . وكان إخفاء قبره بوصية منه خوفاً من بني أمية ومن الخوارج.

قال الطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل، وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين وابن سعد في الطبقات ، والمرزباني في معجم الشعراء : أنه لما أتی عائشة نعي أمير المؤمنين عليه السلام تمثلت :

فألقت عصاها واستقرت بها النوى*** كماقر عينا بالإياب المسافر

ثم سألت : من قتله؟ قيل لها : رجل من مراد، فقالت :

فإن يكن نائياً فلقد نعاه*** غلام ليس في فيه تراب

فقالت زينب ابنة أبي سلمة : ألعلي تقولين هذا؟!.

فقالت: إني أنسى فإذا نسيت فذكروني، قال أبو الفرج ثم تمثلت :

ما زال إهداء القصائد بیننا ***شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتی ترکت کأن قولك فيهم ***في كل مجتمع طنين ذباب

مقتل ابن ملجم لعنه الله:

أوصى أمير المؤمنين لما ضربه ابن ملجم اللعين قال علیه السلام :«أحسنوا إليه فإن أعش فهضم أو قصاص، وإن أمت فعاجلوه فإني مخاصمه عند ربي عزوجل».

وروى الطبري قال : لما قبض أمير المؤمنين عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم فاحضره فقال للحسن: هل لك في خصلة إني أعطيت الله عهداً أن لا أعاهد عهداً إلا وفيت به، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه فلك على عهد الله إن لم أقتله وبقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك .

فقال له الحسن عليه السلام: لا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله، وأخذه الناس فادرجوه في بواري وأحرقوه بالنار .

وقال طاهر بن محمد في تذكرة الخواص قال لابن ملجم :

یا ضربة من لعين ما أراد بها ***إلا إمام الهدی ظلماً وعدوانا

إني لأذكره يوماً فاثبته ***أشقى البرية عند الله خسرانا

وقال هذا رسول الله سيدنا*** وخاتم الرسل اعلاماً واعلانا

وماذا تراني أقول فيك أيها اللعين أكثر مما يقال في مجرم، وماذا يهمك من النعوت القذرة تقال فيك أبشعها، وأنت الذي تجردت من كل خلجة تتأثر بها كرامة حي؟!.

الخاتمة

شمس لا تغيب:

ماذا أقول في رجل بقي نوراً متألقاً رغم الظروف الصعبة التي اعترضت طريقه من ترغیب وترهيب من حكام بني أمية وحكام العباسيين ورغم المؤامرات والحروب وجميع أساليب الدهاء والاحتيال التي كانت تهتز تحت مقارع قبضته .

كيف كانت تنظر إليك ساحات القتال بعد أن تركت لها ذا الفقار؟ ومن تسلمه بعدك؟ فهل عرفوا بعض أسرارك؟.

وكيف كنت أنت تنظر إلى الدنيا بعد أن نبذت إليها كل ما كان لك منها كما ينبذ الليل أمام الفجر آخر ذیل من ذيول عتماته؟.

لقد قابلتهابخشونة كفك وما ندمت، وصدفت عنها بشمم أنفك ، وما بخلت، وهي اليوم، بعد أن رزمت حقائبك وشددت رحلك للسفر الطويل، كأنها أدركت أنك أفضل من مر على أرضها، وأغزر سحابة مرت تلطف أجواءها، لقد کنت الصمام المعدل التياراتها الهائجة، وطوراً يغور بها البطر«فتضرس بأنياب وتوطأ بمنسم».

لقد كنت البطل الجريء الذي هتك إزارها، ودخل خدرها فمزق عنه الستار وفضح الوجه المموه بالمساحيق، والمغطى بالسجف، فظهرت الحقيقة وبانت المفاتن المصطنعة. وهكذا.. لقد سلخت عنها أغلفة الأوهام، وألبستها الثوب العفيف الشفاف، وعرضتها للنور تستجمع منه

مفاتنها. ومنذ ذلك اليوم والدنيا تطأطيء رأسها بين يديك، وتلقى بكل جبروتها تحت قدميك، فأصبحت تتجه نحو البعيد القاصي، لا تستوقفك الأعاصير ولا تلهيك رغوات الزبد.

الكل كانوا يرجعون إليك في كل سانحة يشعرون فيها بأنهن قد غصن بهم الطريق لأن في دستورك كان لهم ذلك المرجع الوثيق، وذلك الإلمام الفسيح بكل أمور الحياة، فلم تعالج شأناً من شؤونها إلا سبرت أغواره وسلطت عليه الأنوار الكاشفة. ولم تأخذ كبيرة إلا عالجتها بكبر، ولم تتناول صغيرة إلا أعرتها كل تفكيرك.

من هنا وجدنا الفضائل تتهافت حول حياضك مزدحمة ومترابطة . عجنت الدنيا بماء الزهد وخبزتها بتواضعك ، فإذا موائد الجود تتفتح على حقيقة السخاء، ورغيفك كان كفاف يومك، تأكله بحبة ملح.

وكانت لك فيه كل العافية والقوة .. فكنت أجود جواد، كما کنت أزهد الزهاد .

زهدت بالدنيا وطلقتها ثلاثاً لأنك لم تر لها ظلاً مقيماً ولا عزاً مستديماً وأنت الحكيم القائل : «إن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طویل».

ورأيت أن المثالب تنتج المتاعب، وتفسد المطالب، وتحتضن الأحقاد، وأنت الحكيم القائل : «إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلب وينبت عليهما النفاق».

ولله در حكمتك وعظمتك حين قلت :

«إسأل عن الدار قبل الجار ومن الرفيق قبل الطريق . والذليل عندي عزیزحتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه . انصروا المظلوم وخذوا فوق يد الظالم. ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب. من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه . الناس أبناء ما

يحسنون .. أو أقنع في نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم مکاره الدهر؟!.

أحب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكرهه لها، ولا تظلم كما تحب ألا تظلم.. وقال عليه السلام : «إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعامة وبضعفة الناس»..

وقال : «إذا كان الراعي ذئباً الشاة من يرعاها»؟!.

أيها القائد المثالي العظيم آلت إليك الخلافة قرابة أربع سنين امتلأت بالأحداث، وحفلت بجلائل الأمور، ابتلي بالناس وخبرهم، وتفطن المطاوي نفوسهم، واستشف ما وراء مظاهرهم، فكنت العالم المجرب والناقد الحكيم. قال عنك الإمام أحمد بن حنبل :

«إن عليا لم تزينه الخلافة، ولكنه زانها».

كل هذه الأسباب مجتمعة، إلى ما اجتمع له من لطافة الحس، ونقاء الجوهر وسرعة البديهة، وذلاقة اللسان، مكن له من وجوه البيان، وملکه أعنة الكلام، وألهمه أسمى المعاني وأكرمها، وأعذب الألفاظ وأجزلها، فجرت على لسانه الخطب الرائعة، والوصايا النافعة، والحكم السائرة، مما تناقله الرواة وزخرت به الكتب والأسفار .

لكن «إذا غضب الله على أمة غلت أسعارها، وغلبها أشرارها!».

لم تعرف الإنسانية حاكماً ابتلى بمثل ما ابتلي به أمير المؤمنین علیه السلام من فتن، على الرغم من حرصه على إسعاد الآخرين، وحماية العدل، وإقامة الحق ودفع الباطل!...

قبضت روحك الطاهرة لكنك استقريت في وعي الزمن، فكلما قيلت كلمة إمام، فهو الإمام علي، على كثرة الأئمة في الإسلام ! ذلك أن ما امتلكته من علم وفقه في الدين وما أوتيت من الحكمة لم تتوفر قط لفقيه أو عالم سواك ...

أيها الشهيد الرائع البطولة، استقريت في ضمير الزمن، فكلما نطق أحد باسم أمير المؤمنين فحسب فهو الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، على الرغم من كثرة الخلفاء في كل عصور الإسلام ... ذلك لأنه اجتمعت فيك من عناصر القدوة وشرفها، ومن مقومات القيادة ونبالتها ما لم يجتمع قط لحاكم سواك.

فكنت فريداً حقاً : عالماً وحاكماً.

فسلام عليك يوم ولدت، ويوم مت، ويوم تبعث حياً .. وسلام عليك إذا توارى جسدك في التراب، وبقيت كلماتك منارات إشعاع، ومنابع حكمة، وعدة للمتقين بعد القرآن الكريم، والسنة الشريفة.

وسيظل القلب ينبض بما قلت، وتشرق به النفس ويزهو به العقل ! . وقد صدق رسول الله صلی الله علیه واله حين قال لك :

«أنت سيد في الدنيا، وسيد في الآخرة .. من أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني وبغيضك بغيض الله، وویل لمن أبغضك من بعدي ! »قضيت ولم تخلف تراثاً غير الحكمة والقدوة الحسنة، علماً أنه ما مات أحد من رعیتك إلا خلف الأموال المقنطرة والضياع عشت تناضل عن الرسالة، والعدل، والحق، والإخاء، والمحبة والسلام، والمساواة بين الناس. فسلام عليك، يوم قال في الرسول الأكرم : «رحم الله علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار»فدار الحق معك حيث درت، وما عاداك في حياتك إلا فرسان الضلال، وعبيد الشهوات، وأهل البدع والبغاة ... من فكرك لنا الغذاء ومن فقدك لنا العزاء .

فيك الحب وفيك الرضا، فيك السماح وفيك الإباء وفيك يقظة الوجدان، وملتقى فكر الإنسان.

فهرس المصادر والمراجع

-أ-

1- القرآن الكريم

2- الارشاد للشيخ المفيد ت 1413ه ط: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت.

3- الاستبصار للشيخ محمد بن الحسن الطوسي ط: دار التعارف بيروت .

4- إلزام الناصب للحائري جزءان دار التوحيد/ بيروت لبنان.

5- الإمام علي صوت العدالة الإنسانية د. جورج جرداق، 5 أجزاء، دار مكتبة الحياة 1982م.

6- الإمام علي ومنهجه في القضاء .

6- الاصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني ط: دار الجيل / بیروت .

7- أئمتنا، الحاج علي دخیل، جزءان الطبعة الخامسة عشرة / دارالمرتضی بیروت - لبنان.

8- الاستیعاب، ابن عبد البر ط: دار الجيل/ بيروت.

9- أسد الغابة لابن الأثير عز الدين أبي الحسن علي بن محمد الجزري ت 630ه ط: دار الكتب العلمية / بيروت.

10- أنساب الأشراف الأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري من أعلام القرن الثالث الهجري ط: مؤسسة الأعلمي/ بيروت.

• ب -

11 - بشارة المصطفى لشيعة المرتضی لمحمد بن محمد الطبري، مؤسسة أهل البيت 1979م بيروت - لبنان.

12 - البداية والنهاية لابن کثیر ت: 774ه ط: مکتبة المعارف للمطبوعات / بيروت.

13- بحار الأنوار، المجلسي ت: 1110ه ط: المطبعة الإسلامية طهران.

14 - بصائر الدرجات أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار، ت: 290 ه ط: مؤسسة النعمان بيروت.

• ت -

15 - تاریخ الخلفاء لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت: 911ه ط: مصر.

16 - تاريخ مدينة دمشق لعلي بن الحسن (ابن عساکر) ط: دار الفكر بیروت .

17 - تاريخ الأمم والملوك لمحمد بن جرير الطبري، ط: مؤسسة الأعلمي بيروت .

18 - تاریخ بغداد للخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البدادي ت: 463ه ط: دار الكتب العلمية / بيروت.

19 - تنقیح المقال للمامقاني ط: إيران.

20 - تحف العقول لأبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني من أعلام القرن الرابع الهجري، ط:مؤسسة الأعلمي/ بيروت.

21 - تذكرة الخواص لعبد الرحمن ابن الجوزي، ط: مؤسسة أهل البيت بیروت .

-ج-

22 - جامع الأصول لابن الأثير المبارك بن محمد بن الأثير الجزري ت: 606ه، ط: دار الفکر بیروت .

• ح -

23 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني ت : 430 ه.

-خ-

24 - الخصال : لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت : 381ه ط: جماعة المدرسین قم.

• د -

25- ديوان المتنبي: شرح وتحقيق الشيخ ناصيف اليازجي، ط: دار الكتب العلمية بيروت ..

• س -

27 - سنن ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن یزیدت: 275ه ط: دار احیاءالتراث العربي / بيروت.

28 - سنن الترمذي ط: بولاق .

29 - السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي ت: 1044 ه ط: دار احياء التراث / بيروت.

30 - سفينة النجاة للشيخ عباس القمي، مؤسسة منشورات الشرقي ایران...

• ش -

31 - شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي ط: دار إحياء التراث العربي /بیروت ..

• ص -

32 - صحيح البخاري : محمد بن إسماعيل البخاري ت 256ه، ط: دار القلم/ بيروت.

33 - صحیح مسلم : مسلم بن الحجاج القشيري ت 261، ط: دار احیاء التراث بیروت ..

• ط -

34 - طبقات الحنابلة : محمد بن أبي يعلى، مطبعة الاعتدال - دمشق .

35- الطبقات الکبری، ابن سعد ط: دار الفكر / بيروت.

-ع -

36 - علي إمام المتقين : عبد الرحمن الشرقاوي ، مؤسسة الوفاء/ بيروت .

37 - غزوات أمير المؤمنين الشيخ جعفر نقدي، مؤسسة الأعلمي بيروت لبنان 1413 ه.. .

• ف -

38 - الفصول المهمة لعلي بن محمد بن أحمد المالكي ت: 855ه ط: مؤسسة الأعلمی للمطبوعات / بيروت .

39 - فرائد السمطين : جمال الدين الزرندي الحنفي، جزءان تحقیق محمد باقر المحمودي.

40- الفهرست لابن النديم ط: طهران.

41 - في رحاب أئمة أهل البيت السيد محسن الأمين، دار التعارف 1412 ه للمطبوعات بيروت..

• ق -

42- قادتنا كيف نعرفهم: السيد محمد هادي الحسيني الميلاني.

43 - قضاء الإمام أمير المؤمنين للشفائي مؤسسة الأعلمي، بيروت .

• ك -

44- كفاية الأثر الشيخ علي بن محمد الرازي.

45- الكامل في التاريخ لابن الأثير، المطبعة المنيرية بالقاهرة 1348 ه.

46 - کنز العمال لعلي المتقي الهندي ت: 975ه، منشورات مكتبة التراث الإسلامي سورية حلب.

47 - كفاية الطالب : لأبي عبد الله محمد یوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي ت: 658ه، ط: بیروت لبنان ...

• ل -

48 - لسان الميزان : شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجرالعسقلاني ت: 852ه ط: مؤسسة الأعلمي/ بيروت.

49 - لسان العرب: ابن منظور ط: دار صادر/ بيروت..

-م -

50- المستدرك على الصحيحين: النيسابوري : أبو عبد الله محمد بن محمد النيسابوري ت: 405ه ط: دار المعرفة/ بيروت.

51 - مروج الذهب، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ت : 957م، ط: مؤسسة الأعلمي/ بيروت.

52- مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤسسة الأعلمي بيروت 1995م.

53-معادن الجواهر، السيد محسن الأمين، دار الزهراء 1983م.

54- معجم الأدباء الياقوت الحموي ت : 626 ط: دار المأمون - القاهرة .

55- مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر رشید الدین محمد بن علي بن شهر آشوب السروي ت 588 ه ط : قم إيران.

56- مفاتیح الجنان : الشيخ عباس القمي، دار المرتضی/ بيروت .

57 - ملامح شخصية الإمام علي : عبد الرسول الغفاري، مؤسسة النعمان 1988 - بيروت.

58- مطالب السؤول: ابن طلحة الشافعي كمال الدين محمد بن طلحة : 654 ه، مخطوط.

59 - میزان الاعتدال : شمس الدين الذهبي ت 748ه، ط: دار احياء التراث العربي / بيروت.

60 - محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والأدباء : الأصفهاني أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني ط: دار مكتبة الحياة بیروت .

61 - مواهب الواهب في فضائل أمير المؤمنين وناصر رسول رب العالمين بن أبي طالب.

62 - ينابيع المودة سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ت: 1294 ه ط : الحيدرية/ النجف.

• ن -

63 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني ط: مطبعة القضاء النجف.

64 - الأعلام : الزركلي : خير الدين الزركلي ت: 187 ه.

65 - الاتحاف حب الإشراف : عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي ط: المطبعة الأدبية / مصر.

قائمة المؤلفات

1 - علم الاجتماع الأدبي، المؤسسة الجامعية بیروت 1983.

2 - أدب العرب في عصر الجاهلية المؤسسة الجامعية بیروت 1984 .

3 - حضارة العرب في العصر الجاهلي، المؤسسة الجامعية 1984.

4 - أعلام في الشعر العباسي.

5- حضارة العرب في العصر العباسي، المؤسسة الجامعية 1985 .

6 - أعلام في النثر العباسي.

7 - حضارة العرب في العصر الأموي المؤسسة الجامعية 1985.

8 - نظم إسلامية، المؤسسة الجامعية 1987.

9 - الروابط الإجتماعية في الإسلام، دارالمرتضی 1995.

10 - النقد الأدبي في آثار أعلامه، المؤسسة الجامعية 1996.

11 - الاسطورة عند العرب في الجاهلية ، 1988.

12 - أدب العرب في صدر الإسلام المؤسسة الجامعية 1992.

13 - نقد الحديث في علم الرواية وعلم الدراية ، دار الوفاء 1985 .

14 - الرسالية في الثورة الحسينية ، دار الكرام 1992.

15 - الإمام السجاد جهاد وأمجاد، دار المرتضی 1994.

16 - معالم مشعة من حياة الإمام الباقر، دار الرسول الأكرم 1996.

17 - الإمام الصادق عطر النبوة ومصدر حياة، 1997.

18 - الإمام الكاظم باب الحوائج، دار المرتضی 2000.

19 - الإمام الرضا غريب طوس، دار المرتضی 1993.

الإمام علي بن أبي طالب

20 - الحب والحياة .

21 - الإمام علي ملتقى الفكر الإنساني، 1997.

22 - الثقافة الإسلامية المستشارية الثقافية - دمشق 1988.

الفهرس

الإهداء...5

قال جبران خليل جبران ...7

تقديم ...9

توطئة ...11

نداء القلم...11

أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب (علیه السلام) ...14

نسبه الشریف...14

أبوه ...14

أمه...15

کنیته...17

لقبه...17

نقش خاتمه...18

بوابه...18

شاعره...18

زوجاته...18

اولاده...19

بناته...19

عاصمته:الکوفه...19

ولادته(علیه السلام)...20

مواكبته (علیه السلام) لكل عصر...22

علي في أحضان النبوة ...32

الإمامة ...39

بما تثبت الإمامة؟ ...43

بعد هذا العرض: من هو الإمام ...45

نص الرسول (صل الله علیه و آله) على الأئمة (علیهم السلام) ...47

علي نسيج وحده ...48

الترهيب ...59

أقوال الصحابة في الإمام علي (علیه السلام) ...74

أبو سعيد الخدري ...74

سلمان الفارسي ...75

جابر بن عبد الله الأنصاري ...75

أبو بكر ...76

عمر بن الخطاب ...76

أم سلمة ...77

أبو ذر الغفاري ...78

وقال أبو سخيلة ... 78

ابن عباس ...78

سعد بن أبي وقاص ...79

عبد الله بن عباس ...80

أبو قيس الأودي ... 81

قنبر...81

عکرمة...82

محمد بن أبی حذیفة...84

بعض صفاته في أخلاقه وسيرته (علیه السلام) ...86

اجتماع الأضداد في صفاته (علیه السلام) ...88

مناقبه وفضائله (علیه السلام) نظرة سريعة فيها وفي أحواله (علیه السلام) ... 93

شجاعة الإمام علي (علیه السلام) ...97

فصاحته ...102

عبادة الإمام علي (علیه السلام) ...105

زهده (علیه السلام) ... 107

حلمه (علیه السلام) ...108

سخاؤه وجوده ...110

حب أهل البيت (علیهم السلام) وولاؤهم ...112

نداء إلى الجزيرة العربية ...117

مولد الرسالة ...120

لا هدف الرسالة الإسلامية ...124

واقع الرسالة ...126

هدف الرسالة...129

ابن أبي طالب والرسالة...131

منهج علوي نموذجي ...135

اتهام في غير محله! ...136

بعض علوم الإمام علي (علیه السلام) ...145

علي أمير العلماء ...149

الرسول الأعظم (صل الله علیه و آله) يشيد بعلم علي (علیه السلام) ...150

أنا مدينة العلم وعلى بابها ...151

على يعلم ألف باب ...151

علي عنده علم الكتاب ...152

ما قاله العلماء في علمه (علیه السلام) ...154

على أمير القضاء ...169

«سلوني قبل أن تفقدوني»...169

صور رائعة من قضائه ...170

قضاؤه في قوم وقع عليهم حائط فقتلهم ... 171

علي إمام المتقين ...174

حكم في شؤون دنيوية تتواصل مع كل زمان ... 193

ومما جاء في الحرية الفكرية ...196

ومن التربية النفسية العالية قوله (علیه السلام) ...197

ومن الحكم التربوية قوله (علیه السلام) ...198

علي إمام المتقين .. وإمام العصر...199

وكانت الحجة الأخيرة حجة الوداع (علیه السلام) وكانت سنة عشر من الهجرة... 213

حديث الغدير ...216

نزول الآية الكريمة يوم غدیر خم:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} ... 219

تأكيد الوصية بالثقلين ...221

جيش أسامة ...222

ما سر الاهتمام بتنفيذ جيش أسامة؟ ...222

ما سر طلب عائشة نقله إلى بيتها؟! ...225

المؤامرة مستمرة...226

خروج النبي (صل الله علیه و آله) للصلاة وهو في أشد المرض ...226

وما زالت المؤامرة مستمرة!...228

طلب الدواة والكتف ...228

صدمات هامة ...230

أمر الله .... زيارة الموت ... 235

موت النبي (صل الله علیه و آله) ...235

وفاجعة أخرى .. موت الزهراء (علیها السلام) ! ...238

نهاية المطاف ...243

استشهاد أمير المؤمنين (علیه السلام) ... 243

نعيه نفسه قبل استشهاده ...243

وصية أمير المؤمنين ...245

آخر وصاياه الخالدة ...246

مقتل ابن ملجم لعنه الله ...248

الخاتمة ...249

شمس لا تغيب ...249

فهرس المصادر والمراجع ...253

قائمة المؤلفات ...259

الفهرس ...261