ghaemiyeh.com
العنوان: الحِجَاجُ في كَلامِ الإمَامِ الحُسَين (علیه السلام) .
تأليف: د.عايد جدّوع حنّون
بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.
بيانات النشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، 1438ه- - 2017م.
الوصف المادي: 376 صفحة.
سلسلة النشر: مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية.
بطاقة فهرسة
مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda
رقم تصنيف LC: BP41. 7.H36 H5 2017
المؤلف الشخصي: حنّون، عايد جدّوع. مؤلف.
العنوان: الحِجَاجُ في كَلامِ الإمَامِ الحُسَين (علیه السلام) .
بيان المسؤولية: تأليف: د.عايد جدّوع حنّون
بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.
بيانات النشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، 1438ه- - 2017م.
الوصف المادي: 376 صفحة.
سلسلة النشر: مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية.
تبصرة عامة: أصل الكتاب أطروحة دكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها قدمت الى مجلس كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة.
تبصرة ببليوغرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر: الصفحات (343-366).
موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد (علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة - خطب.
موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد (علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة - احتجاجات.
موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد (علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة - كلمات قصار.
مصطلح موضوعي: الحوار في الأدب العربي.
مصطلح موضوعي: البلاغة العربية.
اسم هيئة إضافي: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية - جهةمصدرة.
تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (4317) لسنة (2017م)
الحِجَاجُ
في كَلامِ الإمَامِ الحُسَين (علیه السلام)
تأليف:
د.عايد جدّوع حنّون
الإشرافُ العِلمِیُّ
مؤسسة وارث الأنبياء
للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية
جمیع الحقوق المحفوظة
للعتبة الحسينية المقدسة
الطبعة الأولى
1439ه- - 2018م.
إصدار
مؤسسة وارث الأنبياء
للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية
بسم الله الرحمن الرحیم
تنويه: هذا الكتاب هو جزء من متطلبات نيل
شهادة دكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها وهي بعنوان:
الحِجَاجُ في كَلامِ الإمَامِ الحُسَين (علیه السلام)
تقدم بها الطالب عايد جدّوع حنّون
تحت إشراف الاستاذ المساعد الدكتور حامد ناصر الظالمي
قدمت إلى مجلس كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة
للسنة الدراسية: 1434ه- - 2013م
مراجعة وتدقيق
اللجنة العلمية في قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء
د. الشيخ عبد الرحمن الربيعي، د. السيد محمد المدني، الشيخ فضيل الجزائري
هوية الكتاب
عنوان الكتاب الحِجَاجُ في كَلامِ الإمَامِ الحُسَين (علیه السلام)
المؤلفد. عايد جدّوع حنّون
الإشراف العلمي اللجنة العلمية في مؤسسة وارث الأنبياء
الإخراج الفنيحسين المالكي
الطبعةالأولى
المطبعةدار المؤمن
سنة الطبع1439ه- - 2018م
عدد النسخ1000
بسم الله الرحمن الرحیم
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»
صدق الله العلي العظيم
(النساء: آية59).
«قال الإمام الحسين (علیه السلام): نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله (صلی الله علیه و آله) الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كلّ شيءٍ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقائقه، فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله عزّ وجلّ: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)».
(الاحتجاج: 2/ 277؛ وينظر: مناقب آل أبي طالب: 4/74 ).
إلى مَنْ رشف رحيق القرآن فصاحة إلهيّة
إلى مَنْ عبَّ من حلاوة الحديث بلاغة قدسيّة
إلى مَنْ غاص في بحار النهج فارتوى علماً وحلماً وشجاعة حيدريّة
إلى مَنْ تحدى الصعاب فتسلقها بنفسٍ أبيّة
إلى مَنْ تسامى فتدلّى فاعتلى عرش الخلود
إليك سيدي يا حُسين...
إلى معلمي الأول، إلى مَن أعطى فأجزل
والدي العزيز...
إلى ينبوع الحَنانِ، ومرفأ الأمان
أُمِّي العزيزة...
إلى دمي الذي يجري في عروقي
إخوتي وأخواتي...
إلى العيون الساهرة على راحتي
زوجتي...
إلى ريحانتي من الدنيا أولادي...
ورود، زهراء، سجّاد، حسين
أهدي ثمرة جهدي حبّاً وعرفاناً
الباحث
إنّ نشر المعرفة، وبيان الحقيقة، وإثبات المعلومة الصحيحة، غاياتٌ سامية وأهدافٌ متعالية، وهي من أهمّ وظائف النُّخب والشخصيات العلمية، التي أخذت على عاتقها تنفيذ هذه الوظيفة المقدّسة.
من هنا؛ قامت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإنشاء المؤسّسات والمراكز العلمية والتحقيقية؛ لإثراء الواقع بالمعلومة النقية؛ لتنشئة مجتمعٍ واعٍ متحضّر، يسير وفق خطوات وضوابط ومرتكزات واضحة ومطمئنة.
وممّا لا شكّ فيه أنّ القضية الحسينية - والنهضة المباركة القدسية - تتصدّر أولويات البحث العلمي، وضرورة التنقيب والتتبّع في الجزئيات المتنوّعة والمتعدّدة، والتي تحتاج إلى الدراسة بشكلٍ تخصّصي علمي، ووفق أساليب متنوّعة ودقيقة، ولأجل هذهالأهداف والغايات تأسّست مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، وهي مؤسّسة علميّة متخصّصة في دراسة النهضة الحسينية من جميع أبعادها: التاريخية، والفقهية، والعقائدية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، والتبليغية، وغيرها من الجوانب العديدة المرتبطة بهذه النهضة العظيمة، وكذلك تتكفّل بدراسة سائر ما يرتبط بالإمام الحسين (علیه السلام) .
وانطلاقاً من الإحساس بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق هذه المؤسّسة المباركة؛ كونها مختصّة بأحد أهمّ القضايا الدينية، بل والإنسانية، فقد قامت بالعمل على مجموعة من المشاريع العلمية التخصّصية، التي من شأنها أن تُعطي نقلة نوعية للتراث، والفكر، والثقافة الحسينية، ومن تلك المشاريع:
1- قسم التأليف والتحقيق: والعمل فيه جارٍ على مستويين:
أ - التأليف، والعمل فيه قائم على تأليف كتبٍ حول الموضوعات الحسينية المهمّة، التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما ويتمّ استقبال الكتب الحسينية المؤلَّفة خارج المؤسّسة، ومتابعتها علميّاً وفنّياً من قبل اللجنةالعلمية، وبعد إجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة يتمّ طباعتها ونشرها.
ب - التحقيق، والعمل فيه جارٍ على جمع وتحقيق التراث المكتوب عن الإمام الحسين (علیه السلام) ونهضته المباركة، سواء المقاتل منها، أو التاريخ، أو السيرة، أو غيرها، وسواء التي كانت بكتابٍ مستقل أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (الموسوعة الحسينيّة التحقيقيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على متابعة المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ لجمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتم استقبال الكتب التي تم تحقيقها خارج المؤسسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد مراجعتها وتقييمها وإدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر من قبل اللجنة العلمية في المؤسسة.
2- مجلّة الإصلاح الحسيني: وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسليط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية
وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية، والفقهية، والأدبية، في تلك النهضة المباركة.
3- قسم ردّ الشبهات عن النهضة الحسينية: ويتمّ فيه جمعالشبهات المثارة حول الإمام الحسين (علیه السلام) ونهضته المباركة، ثمّ فرزها وتبويبها، ثمّ الرد عليها بشكل علمي تحقيقي.
4 - الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين (علیه السلام): وهي موسوعة تجمع كلمات الإمام الحسين (علیه السلام) في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية، ووضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام (علیه السلام) والواقع العلمي.
5 - قسم دائرة معارف الإمام الحسين (علیه السلام): وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالنهضة الحسينية من أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأسماء أعلام وأماكن، وكتب، وغير ذلك من الأُمور، مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، ومكتوبةٌ بلغةٍ عصرية وأُسلوبٍ سلس.
6 - قسم الرسائل الجامعية: والعمل فيه جارٍ على إحصاء الرسائل الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، كما ويتمّ إعداد موضوعات حسينيّة تصلح لكتابة رسائل وأطاريحجامعية تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.
7 - قسم الترجمة: والعمل فيه جارٍ على ترجمة التراث الحسيني باللغات الأُخرى إلى اللغة العربيّة.
8 - قسم الرصد: ويتمّ فيه رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في الفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب، والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية بمختلف المعلومات.
9 - قسم الندوات: ويتمّ من خلاله إقامة ندوات علميّة تخصّصية في النهضة الحسينية، يحضرها الباحثون، والمحقّقون، وذوو الاختصاص.
10 - قسم المكتبة الحسينية التخصصية: حيث قامت المؤسسة بإنشاء مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المطبوع.
11 - قسم الموقع الإلكتروني: وهو قسم مؤلّف من كادر علمي وفنّي؛ يقوم بنشر وعرض النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، كما ويتكفل بتغطية الجنبةالإعلامية للمؤسسة ومشاريعها العلمية.
12 - القسم النسوي: ويتضمن كادراً علمياً وفنياً يعمل على استقطاب الكوادر العلمية النسوية، وتأهيلها للعمل ضمن أقسام المؤسسة؛ للنهوض بالواقع النسوي، وتغذيته بثقافة ومبادئ الثورة الحسينية.
13 - القسم الفني: ويتضمن كادراً فنيّاً متخصصاً يقوم بطباعة وإخراج وتصميم النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، وكذلك الإعلانات والدعوات ومختلف الملصقات والأمور الفنيّة الأخرى التي تحتاجها كافة الأقسام.
يتكفّل قسم الرسائل الجامعية بمهمّة نشر الفكر الحسيني المبارك، من خلال تفعيل الدراسات والأبحاث العلمية الحسينية في الأوساط الجامعية والأكاديمية بمستوياتها الثلاثة: البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، مضافاً إلى الرُقي بالمستوى العلمي والتحقيقي للكفاءات الواعدة المهتمّة بالنهضة الحسينية في جميع مجالاتها. وقد تصدّى لهذه المسؤولية نخبة من الأساتذة المحققين في المجال الحوزوي والأكاديمي.
الغاية من وراء إنشاء هذا القسم جملة من الأهداف المهمّة، منها:
1 - إخضاع الدراسات والأبحاث الحسينية لمناهج البحث المعتمدة لدى المعاهد والجامعات.
2 - إبراز الجوانب المهمّة وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات والأبحاث المتعلّقة بالنهضة الحسينية، من خلال اختيار عناوين ومواضيع حيوية مواكبة للواقع المعاصر.
3 - الارتقاء بالمستوى العلمي للكوادر الجامعية، والعمل على تربية جيل يعنى بالبحث والتحقيق في مجال النهضة الحسينية الخالدة.
4 - إضفاء صبغة علمية منهجية متميزة على صعيد الدراسات الأكاديمية، المرتبطة بالإمام الحسين (علیه السلام) ونهضته المباركة.
5 - تشجيع الطاقات الواعدة في المعاهد والجامعات للولوج في الأبحاث والدراسات العلمية في مختلف مجالات البحث المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومن ثمّ الاستعانة بأكفّائها في نشر ثقافة النهضة وإقامة دعائم المشاريع المستقبلية للقسم.
6 - معرفة مدى انتشار الفكر الحسيني في الوسط الجامعي؛ لغرض تشخيص
آلية التعاطي معه علمياً.
7 - نشر الفكر الحسيني في الأوساط الجامعية والأكاديمية.
8- تشخيص الأبعاد التي لم تتناولها الدراسات الأكاديمية في ما يتعلّق بالنهضة الحسينية، ومحاولة العمل على إبرازها في الدراسات الجديدة المقترحة.
9 - التعريف بالرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين (علیه السلام) ونهضته المباركة؛ والتي تمّت كتابتها ومناقشتها في الجامعات.
إنّ طبيعة العمل في قسم الرسائل الجامعية تكون على مستويات ثلاثة:
يسير العمل فيه طبقاً للخطوات التالية:
1 - إعداد العناوين والموضوعات التخصّصية، التي تعنى بالفكر الحسيني طبقاً للمعايير والضوابط العلمية، مع الأخذ بنظر الاعتبار جانب الإبداع والأهمية لتلك العناوين.
2 - وضع الخطّة الإجمالية لتلك العناوين والتي تشتمل على البحوث التمهيدية والفصول ومباحثها الفرعية مع مقدّمة موجزة عن طبيعة البحث وأهميته والغاية منه.
3 - تزويد الجامعات المتعاقد معها بتلك العناوين المقترحة مع فصولها ومباحثها.
يسير العمل فيه على النحو التالي:
1 - مساعدة الباحث في كتابة رسالته من خلال إبداء الرأي والنصيحة.
2- استعداد القسم للإشراف على الرسائل والأطروحات فيما لو رغب الطالب أو الجامعة في ذلك.
3 - إنشاء مكتبة متخصصة بالرسائل الجامعية لمساعدة الباحثين على إنجاز
دراساتهم ورسائلهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمامهم للاستفادة من مكتبة المؤسسة المتخصّصة بالنهضة الحسينية.
يتمّ التعامل مع الرسائل التي تمّت مناقشتها على النحو التالي:
1 - وضع الضوابط العلمية التي ينبغي أن تخضع لها الرسائل الجامعية، تمهيداً لطبعها ونشرها وفقاً لقواعد ومقررات المؤسسة.
2 - رصد وإحصاء الرسائل الأكاديمية التي تمّ تدوينها حول النهضة الحسينية المباركة.
3 - استحصال متون ونصوص تلك الرسائل من الجامعات المتعاقد معها، والاحتفاظ بها في مكتبة المؤسسة.
4 - قيام اللجنة العلمية في القسم بتقييم الرسائل المذكورة، والبت في مدى صلاحيتها للطباعة والنشر من خلال جلسات علمية يحضرها أعضاء اللجنة المذكورة.
5 - تحصيل موافقة صاحب الرسالة لإجراء التعديلات اللازمة، سواء أكان ذلك من قبل الطالب نفسه أم من قِبل اللجنة العلمية في القسم.
6 - إجراء الترتيبات القانونية اللازمة لتحصيل الموافقة من الجامعة المعنية وصاحب الرسالة على طباعة ونشر رسالته التي تمّت الموافقة عليها بعد إجراء التعديلات اللازمة.
7 - فسح المجال أمام الباحث لنشر مقال عن رسالته في مجلة (الإصلاح الحسيني) الفصلية المتخصصة في النهضة الحسينية التي تصدرها المؤسسة.
8 - العمل على تلخيص الرسائل الجامعية، ورفد الموقع الإلكتروني التابع للمؤسسة بها، ومن ثمّ طباعتها تحت عنوان: دليل الرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين (علیه السلام) ونهضته المباركة.
الحِجاج في كلمات الامام الحسين (علیه السلام)
تناول الباحث في اطروحته هذه موضوعاً بالغ الأهمية في علوم اللسانيات، وهو الحِجاج، وقد عبّر عنه الباحث بقوله: (فعّالية ذهنية لسانية تسعى الى التعبير في مفردات نسق عقدي أو رؤية كونية أو تغيير في سلوك ما في حياة الناس) متمركزاً على الحِجاج في كلمات الإمام الحسين (علیه السلام)، مما يعطي أهمية متميّزة للبحث بشكل كبير، وذلك لسببين:
الأوّل: أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) قد قام بنهضة كبيرة ضدّ الأوضاع المنحرفة في ذلك الزمان مما استدعى منه (علیه السلام) أن يتكلّم ويخطب ويحاور - وبتعبير واحد: يحاجج - وهذا يستدعي أن تكون هناك دراسات معمقة لهذه الكلمات وهذا الأسلوب.
الثاني: أنّ كلمات الإمام الحسين (علیه السلام) تعتبر دستوراً إلهياً للحياة البشرية كونها الخطاب المعصوم الحاكي عن السماء.
ولاستيعاب المطالب في هذا الموضوع جاءت الأطروحة على ثلاثة فصول:
الأوّل: الحِجاج مفهومه، مقوّماته، نظرياته.
الثاني: الحِجَاج في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) في ضوء مجالات الخطاب الحِجَاجي (التداولي، اللغوي، الأسلوبي، البياني).
الثالث: دراسة حجاجية تطبيقية لنماذج من كلام الإمام الحسين (علیه السلام) .وفي الختام نتمنّى للمؤلِّف دوام السداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا، إنّه سميعٌ مجيبٌ.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وارث الأنبياء
للدراسات التخصصية في النهضة الحسينيةالمقدمة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله الذي علمنا الحمد، وهدانا له، وأثابنا عليه، وصلى الله على محمدٍ عبده ورسوله وحبيبه وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وعلى آله الفاضلين عملاً، الطيبين نسباً، المختارين أمّاً وأباً، وسلم تسليماً كثيراً.
أمّا بعد:
فالعالمُ الآن في زمن الحرية و(الديمقراطية) يعيش في حجاج مفتوح على جميع الصُّعُد السياسية، والإعلامية، والثقافية، والاجتماعية، والحجّة أصبحت عصب الحياة المعاصرة، بها يتبوأ الرؤساء مقامات الرئاسة، وتنتصر الجماعات في معارك السياسة، وبها تُقاد الجيوش الجرارة، وتُساس الأموال الدوارة؛ ممّا دفعني ذلك إلى سبر أغوار علم لساني جديد يمتُّ بصلة إلى الواقع المعاش، وهو علم الحجاج، أو موضوع الحجاج.
ومن الأسباب التي دفعتني إلى اختيار موضوع (الحجاجفي كلام الإمام الحسين (علیه السلام) ): جدّة موضوع الحِجَاج، وأهميته، والرغبة في التعرف على مكنوناته، وقلّة الدراسات فيه، وفضلاً عن ذلك فإنَّ كلّ ما في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) منتقى
بدقة وحرص؛ لتوجيه المتلقي الوجهة التي يريدها، فكلّ ما في كلامه (علیه السلام) من دقائقٍَ، ورقائقَ، وإشاراتٍ، وشذراتٍ، وأساليب، وصورٍ، وتلميحاتٍ إنّما وُجدت لإقناع المتلقي بأحقيته بالاتباع؛ بوصفه الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية، ولا عجب فقد عاش الإمام الحسين (علیه السلام) في بيت النبوّة مهبط الوحي، ومختلف الملائكة، وغدت كلماته دستور حياة، مخرت عباب الزمن، وظلّت ترن في الأذهان مفتضحةً مغالطات القوم وسياساتهم الفاسدة؛ لذا أرى أنّ اليوم بنا حاجة إلى التأمّل في كلام الإمام الحسين (علیه السلام)؛ للتعرف على مكنونات تلك الأسرار التي جعلته دستوراً للحياة الحرّة الكريمة في كلِّ بقاع الأرض.
والحجاج اللّساني يمثل فعالية ذهنية توظّف اللّسان الطبيعي؛ لتحريك الإنسان إمّا على مستوى العقلانية، وإما على مستوى العواطف، وذلك بغية التغيير في مواقفه. وبتعبير آخر: يمسي الحجاج اللّساني فعالية ذهنية لسانية تسعى إلى التغيير في مفردات نسق عقدي أو رؤية كونية أو تغيير في سلوكٍ ما في حياة النّاس. وبالتالي، فإنَّ الحجاج اللّساني ينتمي إلى عالم الجمل والصياغات اللّغوية، ولا علاقة له بعالم القضاياالتي من شأنها حكاية الوقاع كما هو في نفسه بمعزل عن الآليات اللّغوية المتعددة.
وممّا حرصت عليه في هذه الدراسة تخليص مفهوم الحِجَاج من الخلط الاصطلاحي مع المفاهيم الأُخرى، وبيان أهم المقومات التي ينبغي أن يُبنى عليها النصّ الحِجَاجي، وسلطت فيه الضوء على الجوانب الدلالية، والتداولية، واللغوية، والأسلوبية، والبيانية في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) على وفق النظريات الحِجَاجية اللسانيّة الحديثة، ثم وافقت فيما بينها جميعاً؛ لتصبّ في رافدٍ واحدٍ اصطلحت عليه ب-(المنهج الحِجَاجي)؛ بغية تحليل كلام الإمام الحسين (علیه السلام) على وفقه، يتميّز بتحليل النصوص بدلاً من الجمل والعبارات، ويتتبع قصدية المرسل، ويسلط الضوء على
كلِّ أبعاد النصّ حجاجياً، بحسب سياقاتها المقامية (الخارجية)، والداخلية؛ للكشف عن الآليات اللسانية الإقناعية التي بنى عليها الإمام الحسين (علیه السلام) خطاباته الحِجَاجية في خطبه، ورسائله، وأقواله.
ولتحقيق هذه الغايات والأهداف قسّمت الأطروحة على ثلاثة فصول هي:
الفصل الأول: (الحِجَاج: مفهومه، نظرياته، مقوماته): قسّمته على ثلاثة مباحث، سلّطت الضوء في أولها على (مفهوم الحِجَاج وارتباطاته الدلالية) فمفهوم الحِجَاج في النظريات الغربية اللسانية الحديثة يتقارب معمصطلحات أُخرى ك-(المحاجّة، والاحتجاج، والسفسطة، والخطابة، والجدل، والبرهان، والمذهب الكلامي، والمناظرة، والمناقشة)؛ ما دفعني ذلك إلى الوقوف عند هذه المصطلحات؛ بغية تمييزها من مصطلح الحجاج على وفق النظرية اللسانية؛ بوصفه نظرية لسانية غربية حديثة. أمّا المبحث الثاني: (نظريات الحجاج) فعرضتُ فيه أهم النظريات الحجاجية الحديثة. وفي المبحث الثالث: كانت لي وقفة مع (النص الحِجَاجي وتأثيره الإقناعي) تحدّثت فيه عن الشروط الواجب توافرها في النصّ الحِجَاجي الناجع، والمقومات التي ينبغي أن يُبنى عليها، والغاية الإقناعية والاقتناعية منه، وعرضت فيه أهم وسائل الإقناع.
وعندما وجدت النظريات الحِجَاجية اللسانية الحديثة قد استندت إلى موضوعاتٍ لغوية كعلم الدلالة، والتداولية، والأسلوبية، وعلم البيان جعلت هذه الموضوعات من نصيب الفصل الثاني: (الحِجَاج في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) في ضوء مجالات الخطاب الحِجَاجي (التداولي، اللغوي، الأسلوبي، البياني). وقسّمته على أربعة مباحث:
المبحث الأول: (قوة فعل الكلام) تناولت فيه قوة فعل كلام الإمام الحسين (علیه السلام) الإنجازية المباشرة متمثلة بأفعال الأمر، والنهي، ونحوهما. وقوة فعل الكلام
الإنجازية غير المباشرة متمثلة بالاقتضاء اللغوي، والاستلزام الحواريالتداولي التي استند إليها الإمام الحسين (علیه السلام) للتأثير في جمهوره من أجل حثّه على فعلٍ ما، أو ثنيه عنه.
والمبحث الثاني: (حجاجه اللغوي) استندت فيه إلى نظرية (الحِجَاج في اللغة) لديكرو وأنسكومبر التي تناولا فيها الروابط الحِجَاجية، والعوامل الحِجَاجية، والسلالم الحِجَاجية قاصراً دراستي على آثار تلك الروابط اللغوية في الربط بين حجج الإمام الحسين (علیه السلام) في خطاباته، وآثار العوامل الحِجَاجية في تقليص الإمكانات الحِجَاجية وحصرها ممّا يزيد ذلك في التوجّه نحو نتائجه المبتغاة. أمّا السلالم الحِجَاجية فهي مجموعة من الحجج يرتبها المُحاجِج بحسب القوة من الأضعف إلى الأقوى داخل الخطاب؛ لتصبّ في خدمة النتيجة المرجوة من الخطاب الحِجَاجي.
وفي المبحث الثالث: (أسلوبه الحِجَاجي) قصرتُ فيه دراستي على أسلوب الإمام الحسين (علیه السلام) الحِجَاجي في مراعاة أحوال المتلقي بالاعتماد على التوكيد، والتكرار، والاستفهام التقريري، والتقديم والتأخير، والالتفات.
والمبحث الرابع: (حجاجه البياني) تناولتُ فيه كيفية توظيف الإمام الحسين (علیه السلام) للتشبيه، والتمثيل، والاستعارة، والكناية، والتعريض في خدمة خطابه الحِجَاجي الإقناعي.
ولم أتناول الجوانب البلاغية غير الحجاجية في هذهالموضوعات؛ لأنّ زملائي ميثم قيس في رسالته (نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة بلاغية)، وموسى خابط عبود في رسالته (أدب الإمام الحسين (علیه السلام) قضاياه الفنية والمعنوية)، وهادي سعدون في كتابه (التصوير الفني في خطب المسيرة الحسينية)، وحيدر محمود في أطروحته (نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة تَحلِيليَّةٌ في جَمَاليةِ بِنْيَةِ النَّصِ) سلّطوا عليها الضوء في
دراساتهم لكلام الإمام الحسين (علیه السلام) .
وخلصتُ من الفصلين السابقين إلى منهجٍ حجاجي تحليلي أعتقد أنّه يمكن الاتكاء عليه في تحليل النصوص تحليلاً لسانياً حجاجياً، وقد استندت إليه في تحليل كلام الإمام الحسين (علیه السلام) من صباه إلى استشهاده في الفصل الثالث (دراسة حجاجية تطبيقية لنماذج من كلام الإمام الحسين (علیه السلام) )، وقسّمته على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: (كلامه (علیه السلام) في المدينة المنورة) واخترتُ له ثلاثة نماذج أولهما: كلامٌ له (علیه السلام) في صباه مع عمر بن الخطاب، وثانيهما: خطبته التي ردّ بها معاوية عندما طلب منه مبايعة يزيد خليفة للمسلمين، وثالثهما: ردَّه (علیه السلام) على مروان بن الحكم.
وفي المبحث الثاني: (كلامه (علیه السلام) أول خروجه من مكّة لحين نزوله في كربلاء) حللتُ فيه كلاماً له (علیه السلام) مع عبد الله بن الزبير عندما دعاه للبقاء في مكة، وخطبته التي دعا فيها النّاسللالتحاق به عندما عزم على الخروج إلى العراق، وخطبته بالحرّ ابن يزيد الرياحيّ وجيشه في البيضة قرب العذيب.
وفي المبحث الثالث: (كلامه (علیه السلام) في كربلاء) حللتُ فيه أبيات شعرٍ له، ومثلاً سائراً من أمثال العرب قالهما في ليلة العاشر من المحرّم تمهيداً لمحاورة مع أخته زينب (علیها السلام)، ثم خطبة قالها قبل واقعة الطف في العاشر من المحرّم.
واعتمدتُ في هذا الفصل على آليات حجاجية مختلفة في تحليل النصوص تحليلاً حجاجياً بعيداً عن الرتابة، والتكرار؛ لتمكين الدارس والباحث من الاغتراف من هذا المنهج بما يتلاءَم مع موضوعه الحِجَاجي، وفي الوقت نفسه يمكنه أن يضيف إليه ما يراه مناسباً ممّا يساعد في تطويره. وقد اتّضح من هذه الدراسة أنّ الدراسات الحِجَاجية أثبتت أنّها قادرة على تحليل النصوص، متجاوزة الجوانب الإخبارية الوصفية إلى الجوانب الإقناعية التأثيرية التي تلقي بظلالها على الفرد والمجتمع. وهنا تكمن جدّة هذا المنهج وجديته.
ومن الصعوبات التي واجهتني في هذه الدراسة أنّي لم أجد كتاباً محققاً تحقيقاً علمياً يجمع بين دفتيه كلام الإمام الحسين (علیه السلام) يمكن الاعتماد عليه في دراسةٍ علميةٍ أكاديمية؛ ممّا دفعني ذلك إلى البحث عن كلامه (علیه السلام) في أمّات الكتب، وبعدما جمعته من منابعه جعلته في ملحقٍ بعد الخاتمة.أمّا المراجع الحِجَاجية فقد اعتمدت فيها على دراسات بلاد المغرب العربي (المغرب، تونس، الجزائر) بالدرجة الأساس، وخاصّة دراسات الدكتور المغربي أبي بكر العزاوي، والدكتور التونسي عبد الله صولة في كتابه (الحِجَاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية)، فضلاً عن الدراسات الأكاديمية الجزائرية، والبحوث العلمية، والمقالات المنشورة على صفحات الانترنت. أمّا الدراسات الحِجَاجية المشرقية فقليلة، ولا يوجد فيها جديد، وهذا هو السبب الرئيس الذي دفعني إلى دراسة الحِجَاج. ومما تجدر الإشارة إليه أنّ هذه الدراسة هي أول دراسة أكاديمية في قطرنا العزيز.
والله أسأل أنّي قد قدّمت في كتابي هذا ما ينفع؛ ليكون سبيلي إلى مرضاة الله جلّ في علاه. وحسبي أنّي بمحاولتي هذه اطّلعتُ على أعظم تراث لسبطِ الرسول مُحمّد (صلی الله علیه و آله)، وأردت به خدمة ديني ولغتي، وما أعظمه من شرف.
وختاماً أقول: اللهم تقبّل منّي هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، واجعلني عندك من المذكورين. وأخيراً اعتذر إليك سيدي يا حسين إن بدر منّي نقصٌ أو تقصيرٌ، فحسبي أنّي حاولت، والله من وراء القصد، وهو المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
الباحث
قال ابن منظور (ت711ه-): «الحُجَّة: البُرْهان. وقيل: الحُجَّة: ما دُوفِعَ به الخصم. وقال الأزهري: الحُجَّة: الوجه الذي يكون به الظَّفَرُ عند الخصومة، وهو رجل مِحْجَاجٌ أي جَدِلٌ، والتَّحَاجُّ: التَّخَاصم. وجمع الحُجَّة: حُجَجٌ وحِجَاج. وحَاجَّه مُحَاجَّةً وحِجاجَاً: نازعه الحُجَّة. وحَجَّه يَحُجُّه حَجَّاً: غلبه على حُجَّتِهِ... واحتج بالشيء: اتخذه حُجَّة. قال الأزهري: إنّما سُمّيت حُجَّة؛ لأنّها تُحَجُّ أي تُقْصَدُ... والحُجَّة: الدليل والبرهان»(1).
نلحظ أنّ الحِجَاج يعني: جمع الحجّة. ومصدر (حَاجَجَ) ويراد به المنازعة بالحجّة. و(حَاجَجَ) على بناء (فَاعَلَ) دالّ على المشاركة بين طرفين أو أكثر، كما نلحظ أنّ المعنى اللغويللفعل (حاجَجَ) يدلّ على المنازعة، والمغالبة من أجل الظفر بالنتيجة. فالحِجَاج - بحسب المفهوم اللغوي - يدلّ على الخصام، والنزاع بوساطة الأدلّة والبراهين، وهو مرادفٌ للجِدَال.
1) لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين مُحمَّد بن مكرّم بن منظور الأفريقيّ المصريّ (ت711ه-)، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى (1300ه-): مادة (حجج) 2/228.
المصطلح يعني توافق حقل معرفي على مفهوم خاص، وهذا التوافق إن حصل بين الفقهاء في مسائل فقهية ينتج عنه مصطلحٌ فقهي، وإن حصل بين اللّغويين سُمّيَ مصطلحاً لغوياً، وهكذا.
فلفظة مصطلح تعني (التوافق)، و«المصطلحات لا توضع ارتجالاً، بل لابدّ في كلّ مصطلح من وجودِ مناسبة، أو مشاركة، أو مشابهة كبيرة كانت أو صغيرة بين مدلوله اللغوي ومدلوله الاصطلاحي»(1). وترجم الدكتور عبد الله صولة في كتابه (الحِجَاج في القرآن) المصطلح الفرنسي (Argumentation) بالحِجَاج(2). وهذا المصطلح يعني بالفرنسية:
القيام باستعمال الحجج.
مجموعة من الحجج التي تستهدف تحقيق نتيجةواحدة.
فن استعمال الحجج أو الاعتراض بها في مناقشة معينة(3).
«أما في الانجليزية فيشير لفظ (Argue) إلى وجود اختلاف بين طرفين ومحاولة كلّ منهما إقناع الآخر بوجهة نظره بتقديم الأسباب أو العلل»(4).
1) المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري، عوض حمد القوزي، شركة الطباعة العربية السعودية، العمارية - الرياض، الطبعة الأولى (1401ه- - 1981م): 23.
2) اُنظر: الحِجَاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، د.عبد الله صولة، دار الفارابيّ، بيروت (2007): 9.
3) اُنظر: الحِجَاج والاستدلال الحِجَاجي، الحبيب أعراب، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته)، د. حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديثة، أربد (2010م): 3/32.
4) تجليات الحِجَاج في الخطاب النبوي دراسة في وسائل الإقناع الأربعون النووية أنموذجاً، هشام فرّوم، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2009): 49.
يمثل الحِجَاج في الوقت الحاضر مجموعة من الآراء الحديثة المتداخلة تتجاذبها مجموعة من العلوم منها: القانون، والفلسفة، والمنطق، والسياسة، والإعلام، واللغة، والبلاغة. ونجد أنّ الجذر الاشتقاقي العربي للحجاج (ح ج ج) يتفرع إلى معانٍ واشتقاقات مختلفة. فالحِجَاج في العربية يعني: (المخاصمة، والدليل، والبرهان، والجدل، والمناظرة، والمناقشة...). أمّا من جهة الاشتقاق فنجد (الحِجَاج، والتحاجج، والاحتجاج، والمحاجّة).
كثرة النظريات وتنوعها، وعدم استقرار المصطلح جعلالحِجَاج مفهوماً عائماً تصعب الإحاطة به، والتعرّف عليه، وما زاد الطين بِلّة كثرة تعريفاته وتنوعها بحسب وجهات نظر مستعمليه، ومرجعياتهم العلمية، فأخذ كلّ باحثٍ يغترف ما يُريد ويخوض في بحثِ أيّ موضوعٍ شاء تحت عنوان الحِجَاج، ولا عجب في ذلك، ولا غرابة فالموضوع واسعٌ، والعوامل التي أسهمت في إنتاجه كثيرة ومتنوعة.
وممّا تجدر الإشارة إليه أيضاً أنَ للحجاج ثلاثة مستويات هي: اللّسان، نوعية اللسان، محكي اللسان (القضايا المنطقية)، إذ لم يُفرِّق بينها مَن تناول تلك الدراسات.
في أعم تعريفاته العملية التي من خلالها يسعى المتكلم إلى تغيير نظام المعتقدات والتصورات لدى مخاطبه بواسطة الوسائل اللغوية»(1)
عند أرسطو، هشام الريفي، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، فريق البحث في البلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس (1998م): 350.
.1) الحِجَاج
«هو أن يقدم المتكلم قولاً (ق1) (أو مجموعة أقوال) موجهة إلى جعل المخاطب يقبل قولاً آخر (ق2) (أو مجموعة أقوال أخر) سواء أكان (ق2) صريحاً أم ضمنياً»(1).
«هو تقديم الحجج والأدلة المؤدية إلى نتيجة معينة، وهو يتمثل في إنجاز متواليات من الأقوال بعضها بمثابة الحجج اللغوية، وبعضها الآخر هو بمثابة النتائج التي تُستنتج منها»(2).
«مجموعة من الاستراتيجيات الخطابية لمتكلم ما، يتوجه بخطابه إلى مستمع معين من أجل تعديل الحكم الذي لديه عن وضعٍ محدد»(3).
«مظهر من مظاهر القوة الباطنية التي تتوسل بشتى السبل؛ للوصول بالمتلقي إلى درجة التأثير،أو الاقتناع، بل قد تدفع الفرد والجماعات نحو تغيير السلوك،أو إنجاز الفعل»(4).
«توجيه خطاب إلى متلقٍ ما لأجل تعديل رأيه أو سلوكه أو هما معاً. وهو لا يقوم إلا بالكلام المتألف من معجم اللغة الطبيعية»(5).
1) نظرية الحِجَاج في اللغة، الدكتور شكري المبخوت، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم): 360.
2) الحِجَاج في اللغة، الدكتور أبو بكر العزاوي، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/57.
3) التواصل والحِجَاج - أي علاقة؟-، عبد العزيز السراج، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 1/282.
4) كتابة الجاحظ في ضوء نظريّات الحِجَاج، الدكتور علي محمّد علي سلمان، ديموپرس للطباعة والتجارة، بيروت، الطبعة الأولى (2010): 85.
5) مدخل إلى الحِجَاج أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان، الدكتور محمّد الولي، مجلة عالم الفكر، العدد (2)، مج (40)، لسنة (2011م): 11.
تبدو هذه التعريفات متداخلة ما بين الحجاج اللساني وغيره، زد على ذلك أنّ ثمة مفاهيم متعلقة بمفهوم الحِجَاج، وأخرى مقاربة له، ما يجعل غير المختص يظنُّ أنّها تدّل عليه: (المحاجّة، الاحتجاج، الحِجَاج الفلسفي، الحِجَاج المغالط (السفسطة)، الخطابة، الجدال، المذهب الكلامي، المناظرة، المناقشة) سأعرضها بإيجاز مبيناً أهم الفوارق بينها وبين الحِجَاج؛ لكي نتوصل من ذلك العرض إلى مفهوم الحِجَاج. وقبل ذلك أرى أنّ بنا حاجة إلى الوقوف عند مفهوم الحُجَّة التي تستند إليها هذه المفاهيم.
الحُجَّة لغة: تعني الدليل الذي يستند إليه المحاجج في رد حجج الخصم، وتقتضي وجود طرفين أو أكثر. وقال الشريف الجرجاني (ت816ه-): «الحُجَّة ما دلّ به على صحةالدعوى، وقيل: الحُجَّة والدليل واحد»(1)، وهذا أقرب إلى الاصطلاح من المعنى اللّغوي. وجاء في قاموس (لالاند) الفلسفي الحُجَّة بأنّها «استدلال موجه لتأكيد قضية معينة أو دحضها، أوتفنيدها، ويرى - من ناحية أخرى - أنّ هناك من يعتبر(2)كلّ حجة دليلاً»(3). وهي عند أبو بكر(4)العزاوي «عنصر دلالي
1) التعريفات، علي بن محمّد بن علي الجرجاني (ت816ه-)، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى (1405ه-): 112.
2) كذا، والصواب: يُعد.
3) مقدمة كتاب الحِجَاج مفهومه ومجالاته: 3؛ نقلاً عن: André Lalande, Vocabul aire Tecbnigu et Critigue de La philosophie, éd. PUF, pp 78-79..
4) أبو بكر اسم مركب.
متضمن في القول يقدمه المتكلم على أنّه يخدم ويؤدي إلى عنصر دلالي آخر، والذي يصيرها حجة، أو يمنحها طبيعتها الحِجَاجية هو السياق، فما يمكن أن يكون حجة في هذا السياق قد لا يكون كذلك في سياق آخر، حتى ولو تعلّق الأمر بنفس المحتوى القضوي، أو بنفس الحدث(1)(fait) المعبر عنه داخل القول، وقد تتحقق الحُجَّة على شكل لفظة، أو قول، أو الخطاب برمته»(2). وهي من وجهة نظر الحِجَاجيين تمثل مظهراً من مظاهر الخطاب لا تكتسب صفتها بوصفها حجة إلاّ من تأثيرها في المتلقي، وموقعها من السّياق،وتوسّع معناها لتدلّ على مجموع قول القائل وعلى ما أُضمر في القول(3).
ويرى أبو بكر العزّاويّ أن الحجج اللغوية تتسم بسمات عدّة منها:
إنها سياقية: الحُجَّة التي يقدمها المتكلم قد تؤدي إلى حجة أخرى، أو إلى نتيجة. وهكذا تكون العبارة الواحدة المتضمنة قضية واحدة حجة أو نتيجة بحسب السياق.
إنّها نسبية: إذ تحمل كلّ حجّة قوة حجاجية معينة، فقد يقدم المتكلم حجّة ما لصالح نتيجة معينة، ويقدم خصمه حجّة مضادة أقوى منها، وبعبارة أخرى هناك حجج قوية، وحجج ضعيفة، وحجج أضعف.
إنّها قابلة للإبطال: يمكن للحجة أن تُرفض، أو تُنقض بحجة أخرى أقوى منها(4).
1) كذا، والصواب: حتى لو تعلق الأمر بالمحتوى القضوي نفسه أو بالحدث نفسه.
2) اللغة والحِجَاج، د. أبو بكر العزاوي، العمدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (2006م): 127.
3) اُنظر: التواصل والحِجَاج، طه عبد الرحمن، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط (1994): 5.
4) اُنظر: الحِجَاج والمعنى الحِجَاجي، أبو بكر العزاويّ، بحث ضمن كتاب ( التحاجج طبيعته، ومجالاته، ووظائفه) تنسيق حمو النقاريّ، مطبعة النجاج الجديد، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1427ه- - 2006م): 59.
ويبدو أنّ هذه السمات لا تقتصر على الحجج اللغوية فحسب، بل هي سمات عامّة لكلِّ المفاهيم التي تستندإلى الحجّة.
وتُستعمل الحجج دليل إثبات لقضية ما أو نفيها. وتقسم على قسمين: حجج ناهضة يثبّت بها الحقّ، وحجج داحضة يموّه بها الباطل. كما تُقسم على: حجج منطقية وتُسمى استدلالاً، وحجج واقعية وتُسمى دليلاً(1).
نخلص من ذلك، ومن التعريف اللغوي للحجة في التراث العربي؛ إلى أنّ المراد بالحُجَّة المستعملة في نظريات الحِجَاج الحجج الواقعية المرادفة للدليل، وليس الحجج الاستدلالية المنطقية.
يُقال: حاجّه يُحاجّه محاجّة «والمحاجّة: أنّ يطلب كلُّ واحدٍ أن يرد الآخر عن حُجّته»(2). والمتتبع لموضوع الحِجَاج يجد أنّ هذا المصطلح يكثر دورانه عند الفلاسفة، والمحاجّة باصطلاح الفلاسفة: «إنتاج مجموعة من الحجج مرتبة بطريقة ما قصد إثبات أو تفنيد قضية من القضايا. وقد تُعنى المحاجّة بتوسيعدلالتها كلِّ وسائل الإقناع باستثناء العنف والضغط والإكراه»(3). ويرى بعض الحجاجيين اللسانيين أنّ المحاجّة مرادفة للحجاج(4)، في حين ترى لمهابة محفوظ ميارة «أنّ لفظ (الحِجَاج) -
1) اُنظر: دروس الحِجَاج الفلسفي، أبو الزهراء، مجلة شبكة التربوية الشاملة فيلومرتيل الإلكترونية (2008)، الموقع على الانترنت: ww.4shared.com/office/19kgy.../____.html.
2) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان عدنان داوودي، طليعة النور، قم، الطبعة الأولى (1426ه- - 2000م): 219.
3) الحِجَاج في درس الفلسفة: 39.
4) اُنظر: الحِجَاج في القرآن: 17؛ والتداولية والحِجَاج مداخل ونصوص، صابر الحباشة، صفحات للدراسة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى (2008م): 68؛ والحِجَاج والاستدلال الحِجَاجي، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 30؛ والاستدلال البلاغي، د. شكري المبخوت، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، الطبعة الثانية (2010م): 130-131.
وإن كان يَرد عند بعض المعجميين جنباً إلى جنب مع لفظ (المحاجّة) وكلاهما مصدر - إلا أنّ الصيغة الواردة في القرآن الكريم هي (المحاجّة)... فإن تتبع المواضع القرآنية التي ورد فيها اللفظ تدل دلالة قوية على أنّه مشحون بالمعاني المذمومة، وأنّه يأتي في أجواء من المراوغة والكبر والصراخ، ويكاد يكون في جميع المواضع مسنداً إلى الكفّار، فالمحاجّة في استعمال القرآن الكريم تدلّ على المخالفة الناشئة عن الخصومة بقصد العناد، وهذا المعنى واضح من إسنادها في أغلب المواضع إلى الكفّار... أمّا الحِجَاج فهو في القرآن الكريم مفهوم معبّر عنه بأشكال من العبارات والأساليب، التي تروم الحوار وتهدف إلى الإقناع بالبراهين والأدلة العقلية والكونية والفطرية»(1).
واستناداً إلى ذلك فإنّ عدّ المحاجّة مرادفة للحجاج أمرٌ قلق، ولا يمكن الاطمئنان إليه.
يعني «إقامة الحُجَّة... وتوكيد الحقيقة بدليل قطعي ويقين ثابت دالّ على علو مقام الجهة التي صدر عنها حقاً وعدلاً، كأن تكون من الله (عزوجل) في احتجاجه على أرباب العقائد الفاسدة... أو من الأنبياء والرسل»(2)، ومن تعريفاته أيضاً «الاعتماد على إقامة البراهين من نصوص اللغة شعراً ونثراً»(3)، وهو مشتقٌ من الفعل (احتجّ) نقول: احتجّ يحتجُّ احتجاجاً. و(احتجّ) على بناء (افتعل)، والاحتجاج على بناء (افتعال)،
1) مفهوم الحِجَاج في القرآن الكريم دراسة مصطلحية، د. لمهابة محفوظ ميارة، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مج (81)، العدد (3): 531-532.
2) المحاجّة والإقناع في القرآن الكريم، أحمد حسين خشان الهاشمي، مجلة المصباح، دار القرآن الكريم، العتبة الحسينية المقدسة، العدد (2)، لسنة (1431ه- - 2010م): 225.
3) الرواية والاستشهاد باللغة دراسة لقضايا الرواية والاستشهاد في ضوء علم اللغة الحديث، د. محمد عيد، عالم الكتب، القاهرة (1976): 102.
وهو يختلف عن الحِجَاج من جهة البناء، فنقول في الحِجَاج: حاجج يُحاجج حِجَاجاً، فبناء الحِجَاج (فِعَال)، وأصله (فَاعَل). وبناء (فاعَلَ) له معنيان في اللغة هما: المعاملة إذا كان الفعل مشتقاً من أسماء الزمان والمكان، والمشاركة بين طرفين. والحِجَاج لا يدلّ على المعاملة؛ لأنّه لم يشتق من أسماء الزمان والمكان. فهو إذاً لا يدلّ إلا على المشاركة فقط. في حين بناء (افتعل) يدلُّ على: المطاوعة، والطلب، والمشاركة، والأخذ،والاتخاذ(1). والاحتجاج استناداً إلى التعريف الاصطلاحي يدلُّ على الطلب أي: إنّ أحد الطرفين يطلب من صاحبه أن يأتي بالحجة، كما يدلُّ على الاتخاذ أي: إنّ المحاجج يتخذ شاهداً قرآنياً أو شعرياً أو نحوهما حجة، فضلاً عن دلالة المشاركة، زد على ذلك أنّ مصطلح الاحتجاج شائع في الثقافة العربية عامة، وعند النحويين واللغويين خاصة؛ للدلالة على طلب الإتيان بالشاهد، ومفهوم الاحتجاج يختلف من ثقافة إلى أخرى فهو عند غير العرب مفهوم سياسي مرتبط بالبلاغة، فايمانويل دانبلون - على سبيل المثال - يرى في بحثه (بلاغة الاحتجاج) أنّ الاحتجاج بلاغة السياسيين، ويرى أنّه على قسمين أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ إذ نجده يقول في هذا البحث: «تعد بلاغة الاحتجاج البديل البذيء والتنويري للبلاغة الوجيهة سياسياً، هذان الوجهان للبلاغة مؤسسان على نفس التصور الديمقراطي(2)... فإنّها كانت تلعب دور الهدم والتدمير المزعج، والمفيد أحياناً»(3).
ويمكن تلخيص أهم الفوارق بين الاحتجاج والحِجَاج بالنقاط الآتية:
الحِجَاج مُشتق من الفعل (حاجج) على بناء (فَاعَل)، أما الاحتجاج فمُشتق من الفعل (احتجّ) على بناء (افتعل).
الحِجَاج يدلُّ على المشاركة، أما الاحتجاج لا يدلّ على المشاركة وحدها، بل يدلّ على الطلب والاتخاذ أيضاً.
الحُجَّة في الحِجَاج احتمالية وقابلة للنقض فيمكن أن تُرفض وتُنقض بحجة أقوى منها، أما الحُجَّة في الاحتجاج فقطعية وتعتمد الشاهد سواء أكان قرآنياً أم شعرياً أم نحوهما.
مفهوم الحِجَاج غربي الأصل تُرجم إلى العربية، أما الاحتجاج فعربي الأصل، ودلالته في الثقافات الأخر تختلف عن دلالته في الثقافة العربية.
من أهم الفوارق بين الحِجَاج اللساني، والحِجَاج الفلسفي:
الحجاج اللّساني هو فن الاقناع بآليات لسانية، أما الحجاج الفلسفي فهو فن الاقناع بقضايا منطقية توصل إلى الواقع الخارجي(1).
الحجاج اللّساني هو فن الاقناع بآليات لسانية وغايته تحريك المخاطب، ويسمى دليلاً. والحجاج الفلسفي هو فن الاقناع بقضايا منطقية وغايته إيصال المخاطب إلى الواقع الخارجي(2).
الحجاج اللّساني عملية تواصلية (خطابية وكتابية) تسعى إلى تقديم مجموعة من الجمل اللّسانية للوصول إلى نتيجة صريحة، أو ضمنية بغية اقناع المتلقي والتأثير فيه. في حين الحِجَاج الفلسفي «يسعى إلى
الوصف والإظهار والكشف عن المنطق الداخلي للخطاب لمعرفة مدى تماسك عناصره وانسجامها(1)
تماسك عناصره وانسجامها.
، ومدى صحة حججه وأدلته»(2)scorazein.wordpress.com.
.قال الجاحظ: «ولولا الكلام لم يقم لله دين، ولم نبن من الملحدين... ولا بانت الحُجَّة من الحيلة والدليل من الشبهة»(3)، المراد بالحيلة هنا (المغالطة). وقال ابن عاشور: «إنّ حاجّ لا يستعمل غالباً إلا في معنى المخاصمة... والأغلب أنّه يفيد الخصام بالباطل»(4)، ففي قوله: (يفيد الخصام بالباطل) إشارة إلى ما يُصطلح عليه بالدراسات الحديثة بالحِجَاج المغالط، والمغالطة تعني السفسطة عند اليونان. و«يبنى هذا النوع على المغالطة في تقديم الحجة، ويعبر عنه باللغة الفرنسية بمصطلح (Paralogisme)المتكون من جزأين هما (para) ونعني به خاطئ و(Logisme) بمعنى الحجة»(5)
من أرسطو إلى اليوم): 406؛ واُنظر: القيمة الحِجَاجية في النص الإشهاري، الدكتور نعمان عبد الحميد بوقرة، بحث
ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته):
3/352.
. ومن أساليب المغالطة اعتماد قوة السلطة لترهيب المتلقي ويكثر1) كذا. و الأصوب:
2) الحِجَاج الفلسفي وتطبيقاته الصفية، مادونا طربية، مقال على صفحة الانترنت:
3) رسائل الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255ه-)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة (1384ه- - 1964م): 1/285.
4) تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس( 1984م): 3/32.
5) الأساليب المغالطية مدخلاً لنقد الحِجَاج، محمد النويري، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية
ذلك في النصوص السياسية، ومن أمثلته خطبة زيد بن المقنع العذري الذي سعى فيها إلى ضمان ولاية العهد ليزيد بن معاوية،فخطب في مجلس معاوية قائلاً: «هذا أمير المؤمنين - وأشار إلى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا - وأشار إلى سيفه - فقال معاوية: اجلسْ فأنت سيد الخطباء»(1). أو يعمد المغالط إلى تشكيك المتلقي في قضية يؤمن بها، بالاعتماد على أساليب لغوية ظاهرها سليم وباطنها خاطئ لا يستطيع اكتشافه إلا الخبراء وأصحاب الاختصاص. فللوظائف الصوتية، والبنيوية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية، والأسلوبية الأثر البالغ في تحقيق الكفاية التدليلية والإقناعية، فهو يعتمد على سلطة اللغة في استدراج المتلقي من أجل تغليطه، وهذا ما يميز اللغة الطبيعية من السيميائيات غير اللغوية.
والغاية من التعرّف على الحِجَاج المغالط هي صدّ كلّ من اعتمد على المغالطة، والتضليل ولن يتحقق ذلك إلا لمن يمتلك أدوات اللغة، فعلى المتلقي أن يفهم خطاب الطرف الآخر محكمه ومتشابهه، ظاهره وباطنه؛ لأنّ الوظائف اللغوية هي التي يستغلها المغالط لتضليل المتلقي وتغليطه. فقد يأتي المغالط بحجّة مقبولة ظاهرياً لكنّه في الباطن يريد حجّة أخرى، وغرضاً آخر؛ لذا وجب الاحتراز منالحِجَاجيات المغالطة.
يختلف الحِجَاج عن الخطابة في ما يأتي:
الخطابة ينبغي أن يكون حاضراً يستمع إلى
1) الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرَم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانيّ المعروف بابن الأثير الجزريّ الملقب بعز الدين (ت630ه-)، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1407ه- - 1987م): 3/352.
الخطيب وهنا ينبغي أن يهتم الخطيب بالمقام، في حين الحِجَاج لا يعتمد على الحضور والغياب فقد يكون الجمهور في الحِجَاج حاضراً، ويمكن أن يكون الحِجَاج بين طرفين، كما يمكن أن يكون بين المرء ونفسه.
المتلقي في الخطابة لا يمتلك الوقت الكافي للتأمّل بما يعرض عليه من آراء ومناقشتها، في حين المتلقي في الحِجَاج المكتوب يمتلك الوقت الكافي للتعبير عن آرائه.
الغاية من الحِجَاج الإقناع، وحمل المتلقي على الاقتناع، في حين ليس الغاية من الخطابة الإقناع، بل تُعرِّف المقنعات في كلِّ أمرٍ من
1) اُنظر: الحِجَاج أطره ومنطلقاته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، عبد الله صولة، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم): 306-307.
2) مقدمة كتاب مصنّف في الحِجَاج، شاييم بيرلمان وأولبريخت تيتيكا، ترجمة رشيد الراضي، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج
مفهومه ومجالاته): 5/66.
الأمور؛ كالطب فليس مهمته الشفاء وإنّما يبلغ من ذلك حيث استطاع(1).
الجدل لغة: «شِدَّة الفَتْل وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفتلته فتلاً محكماً»(2)، وقال الراغب الأصفهانيّ: «الأصل في الجدل الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرضالصلبة»(3). أما في الاصطلاح فله تعريفات كثيرة منها: «دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة»(4)، وعرّفه ابن الأثير بأنّه «مُقابلة الحُجَّة بالحجَّة»(5)، والجدل عند أرسطو ممارسة قولية فكرية تقابل البرهان(6).
يُفهم من ذلك أنّ الجدل في اللغة يعني: (الشدّ، والإحكام، والصراع). ولاشك في أنّ في مفهوم الجدل معنى الشدّ والإحكام؛ لأنّ كلا الخصمين يشتد على خصمه، ويُضايقه بالحُجَّة التي اجتهد في إحكامها.
وحظي الجدل باهتمام العرب لوروده في القرآن الكريم، ودخوله في الصراعات
1) اُنظر: الخطابة، أرسطو طاليس، حققه وعلّق عليه عبد الرحمن بدوي، الناشر (وكالة المطبوعات، الكويت)، و(دار القلم، بيروت) (1979م): 8.
2) لسان العرب: مادة (جدل) 11/103.
3) مفردات ألفاظ القرآن: 189-190.
4) التعريفات: 1/101.
5) النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (ت606ه-)، تحقيق محمود محمد الطناحيّ وطاهر أحمد الزاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت (د. ت): 1/247.
6) اُنظر: الحِجَاج عند أرسطو، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم): 116.
الفقهية والمذهبية، واختلفت وجهات النظر فيه، فبعضهم يرى أنّه يمثل «صوتين كلاهما يدّعي امتلاك الحقيقة، غير أنّ الصوت المرشح للسيادة هو الصوت الذي يمتلك بلاغة الخطاب مع حجج محملة بدلالات دينية أو ثقافية أواجتماعية تصل بالخطاب إلى أعلى درجات الحسم»(1)
حسن النعميّ، مجلة جذور التراث، جدّة، ج(19)، مج(9) لسنة ( 1426ه- - 2005م): 12.
، والآخر يرى أنّ الجدل لا يبيّن به حقّ، ولا تقوم به حجّة.والحقيقة إنّ الجدل على نوعين:الأول: سلبي، ومن أمثلته قوله تعالى: «وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ»(2).
والآخر: إيجابي، ومن أمثلته قوله تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(3)، وقوله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(4).
فالله (عزوجل) نهى عن النوع الأول، وأمر المسلمين بالجدل بالتي هي أحسن.
نستشف ممّا تقدّم أنّ الجدال غير الحِجَاج، ومن أهم الفوارق بينهما:
«الحِجَاج أوسع من الجدل فكل جدل حجاج وليس كل حجاج جدلاً. فهو القاسم المشترك بين الجدل والخطابة»(5).
الجدل قائم على مناقشة رأي يسعى من خلاله كلّ طرف إلى التأثير العقلي المجرد، في حين الحِجَاج لا يقتصر على التأثير العقلي
فحسب، بل يسعى إلى التأثير العقلي والعاطفي عن طريق استثارة المشاعر؛ لإرضاء المتلقي واستمالته.
الحِجَاج خطاب يصدره المحاجج إلى جمهوره يمكن أن يكون فيه الجمهور حاضراً، ويمكن أن يكون بين طرفين، كما يمكن أن يكون بين المرء ونفسه. في حين الجدل لا يوجه إلى الجمهور، ولا إلى النفس إذ لا جدال بين المرء ونفسه، و يقتصر على طرفين لكلٍّ منهما موقف مخالف لموقف الطرف الآخر.
الجدل يقتصر على المشافهة، أمّا الحِجَاج فيكون مشافهة وكتابة أيضاً.
المحاجج يذكر مجموعة من الحجج من أجل الوصول إلى الغاية المبتغاة (النتيجة).
وغالباً ما يرتبها على وفق سلّم حجاجي، أمّا المجادل فيقابل الحُجَّة بالحجّة.
يقع الجدل بعدما تتعارض الآراء، فكلّ طرفٍ يتمسك برأيه؛ لإبطال رأي الطرف الآخر؛ بسبب الصراعات الفكرية والعقائدية، أمّا الحِجَاج فهو موضوع علمي يهدف إلى تنوير العقول وتوجيهها الوجهة الصحيحة.
لكن مع كلّ هذه الفوارق ما زال بعض الباحثين يخلطبين الحِجَاج والمحاجّة والمجادلة(1)، والآخر يعدّ الحِجَاج جزءاً من الجدل(2).
1) اُنظر: التداولية والحِجَاج مداخل ونصوص: 68.
2) اُنظر: معاني ألفاظ الحِجَاج في القرآن الكريم وسياقاتها المختلفة السور السبع الطوال أنموذجاً - دراسة دلالية معجمية -، سعيد فاهم، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة مولود معمري - تيزي وزو -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة والأدب العربي (2011): 2.
نسب ابن المعتز(ت296ه-) نشأة المذهب الكلامي إلى الجاحظ، وأنكر وجوده في القرآن الكريم(1)، وردّ الزركشي ذلك الإنكار، وذكر عدداً من الآيات القرآنية مصاديقَ عليه منها قوله تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا» (2)، وأسماه (إلجام الخصم بالحجة). وعرّفه بأنّه «الاحتجاج على المعنى المقصود بحجة عقلية»(3). وعرّفه الجرجاني في كتابه (التعريفات) قائلاً: «هو أن يورد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام بأن يورد ملازمة ويستثني عين الملزوم أو نقيض اللازم أو يورد قرينة من القرائنالاقترانيات لاستنتاج المطلوب»(4).
يُستشف من ذلك أنّ المذهب الكلامي مصطلح بلاغي عربي قديم، يستند فيه صاحبه إلى حجة عقلية لغرض الإقناع أو الزيادة في الاقتناع، وهو بذلك يقترب كثيراً من مفهوم الحِجَاج لكن مع بعض الفوارق هي:
المذهب الكلامي موضوع من موضوعات علم البديع في البلاغة العربية، بعبارة أخرى هو جزءٌ من جزء. في حين أنّ مفهوم الحِجَاج لا يقتصر على البلاغة وحدها، بل تتجاذبه مجموعة من العلوم ك-(القانون، والفلسفة، والمنطق، والسياسة، والإعلام، فضلاً عن اللغة، والبلاغة).
ضيق مفهوم المذهب الكلامي يحصر الباحث في الجانب البلاغي،
1) اُنظر: البديع، عبد الله بن المعتز (ت296ه-)، تحقيق اغناطيوس كراتشقوفسكي، دار المسيرة، الكويت، الطبعة الثالثة (1402ه- - 1982م): 53.
2) سورة الأنبياء: آية22.
3) البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشيّ (ت794ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثالثة( 1404ه- - 1984م): 3/468.
4) التعريفات: 265.
ولاسيما علم البديع. في حين سعة مفهوم الحِجَاج، وكثرة نظرياته الحديثة تمكن الباحث من الإفادة من علومٍ جمّة في تحليل النصوص حجاجياً.
البرهان علمية ذهنية تتشكل من مقدمات يقينية للوصول إلى نتائج يقينية، ويُقسم على قسمين برهانرياضي رقمي، وبرهان منطقي لغوي، ومن أمثلة البرهان المنطقي اللغوي:
مقدمة أولى ← كلّ إنسان فانٍ
مقدمة ثانية ← محمد إنسان
نتيجة ← محمد فانٍ
واهتم أرسطو والحِجَاجيون المحدثون بالتفريق بين الحِجَاج والبرهان؛ لتداخل مفهوم الحِجَاج مع مفهوم البرهان عند غير المختص، والحقيقة إنهما ينتميان إلى مجالين مختلفين وبينهما فوارق كثيرة منها.
الفوارق تتجلّى جيداً إذا فكّكنا بين هاته المستويات الثلاثة:
الصياغة اللّسانية (البعد الدلالي)،
نوعية الصياغة اللّسانية في السياق (البعد التداولي)،
اللّسان بوصفه قضية تحكي الواقع الخارجي.
نأتي الآن إلى الفوارق على ضوء هذا التفكيك:
اللّسان بوصفه آليات تواصلية تداولية.
مثال ذلك:
الإنسان عالم، ففي العملية البرهانية مصحح هذا التركيب هو اندراج الإنسان بصفة العلم تحت المحمول (العالم) الذي يصدق على غير الإنسان أيضاً، فيما يصحح الجملة آلية الابتداء وآلية الخبرية.
الفارق الثالث: في البرهان يجب التصريح بالمقدمات والنتائج تصريحا عقليا وفهميا، ولا يجب التصريح اللّساني. وفي الحجاج اللّساني التصريح ليس ضرورياً لمقتضيات أصل اللّغة، وإن كان التصريح العقلي والفهمي ضرورياً أيضاً، وإلّا لا يتحقق التواصل والفهم.
الفارق الرابع: الفارق الرابع ناظر إلى آلية الإيصال، فإنَّ البرهان بوصفه يتحرك على مستوى الواقع الخارجي تكون قضاياه إما صادقة وإما كاذبة، فيما يخضع الحجاج اللّساني - بوصفه يتحرّك على مستوى اللّسان - لتراتبية تدليلية، الأمر الذي لا نجده في البرهان.
الفارق الخامس: برهانٌ واحدٌ يكفي للإقناع، وذلك أنّ البرهان يتحرّك على مستوى الواقع الخارجي أو الصدق وعدم الصدق، ما يعني أنَّ درجة الاحتمال منفية عن العملية البرهانية. فيما يخضع الحجاج اللّساني لذلك بوصفه يتحرّك على مستوى اللّسان والتداول.
الفارق السادس: يتميز البرهان باستقلاله التام عن الذات الإنسانية، فالبرهان يتألف من علاقات موضوعية قائمة بذاتها وتستند إلى قوانين عامة تستمد قوتها من ذاتها وتفرض سلطتها على غيرها، في حين يستند الحِجَاج إلى التداول الإنساني، وتستمد الحجج فيه قوتها من الواقع.
الفارق السابع: البرهان عبارة عن معايير عقلية عامة لا تخضع لإرادة فاعل البرهان (المبرهن)، فيما تخضع الحجج اللّسانية لإرادة المحاجج في تلاعبه بالآليات اللّسانية؛ بغية الوصول إلى أغراضه التواصلية والتحريكية.
الفارق الثامن: البرهان بوصفه معياراً عامّاً يقع فوق الإرادات، ولا يقبل الرد والاعتراض، فيما يقبل ذلك الحجاج اللّساني، ما يجعل البرهان أمراً مطلقاً والحجاج اللّساني أمراً نسبياً.
الفارق التاسع: الحِجَاج يتصل بالعلاقات بين الأقوال في الخطاب،عكس الاستدلال الذي يتصل بالعلاقات بين القضايا التي يحكم عليها بالصدق والكذب(1).
الفارق العاشر: يرتبط تقويم البرهان بالصدق والكذب، أما قيمة التعابير الحِجَاجية فتتعلق بالآخر الذي وُضعت من أجله بغية؛ إقناعه(2).
مثال ذلك: عبارة (الحمد لله) لسانياً يقدم الحمد على لفظ الجلالة (الله) لآلية تواضعية هي الاختصاص، فيما لا يراعي البرهان هذا الأمر، وبالتالي لا يفرق عنده أن نقول: (الحمد لله) أو (الله له الحمد)أو (الله محمود)، وذلك أنَّ البرهان يريد أن يثبت حيثية الحمد للذات المقدسة فقط.
الفارق الثاني عشر: الحجاج يخضع لآليات اللّسان البلاغية والنحوية والصرفية، فيما يخضع البرهان لآليات منطقية عقلية.
الفارق الثالث عشر: البرهان بوصفه معياراً عاماً لا علاقة له بالأشخاص، ولا بآليات اللّسان، فيما يخضع الحجاج إلى آليات اللّسان ومقتضيات التداول والتواصل(1).
ومع كلّ هذه الفوارق ما زال بعض الباحثين لا يفرق بين المفهومين ويعدهما مترادفين(2).
«المناظرة: أن تناظر أخاك في أمرٍ... وناظرت فلاناً أي صرت نظيراً له في المخاطبة»(3). وعرفها الشريف الجرجاني: «هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة
بين شيئين إظهاراً للصواب»(1). والمناظرة «المحاورة الفكرية التي تعقد بين نظيرين لعرض وجهاتالنظر في موضوع ما والفصل فيه؛ لإظهار الصواب، وتوخي الحقيقة»(2). وغالباً ما تتعلق بالقضايا الفقهية، أو مسائل علم الكلام، وظهرت في العصر الأموي، «وهي ممّا سكت عنه الشرع رحمة بنا غير نسيان»(3).
المناظرة تكون بين طرفين (المناظر والمعترض) يتبادلان الحجج أمام جمهورٍ من الحضور في مجلس أحد الشخصيات. أما الحِجَاج فيكون بين طرفين. الأول: المرسل (المحاجج). والآخر: المتلقي (المرسل إليه) يمكن أن يكون فرداًً، وقد يكون جمهوراً، وقد تكون نفس المحاجج.
المناظرة يعترض فيها كلّ طرف على دعوى الطرف الآخر من أجل إفحامه والظفر عليه وكلٌّ منهما يدّعي الحقيقة، أمّا المحاجج فيسعى إلى الإقناع، أو الزيادة في الاقتناع.
المناظرة تقتصر على المشافهة، أمّا الحِجَاج فيقوم على الخطابة والكتابة.
في المناظرة حكمٌ يحكم بأحقية شخص على حساب الآخر.
أَصل المُناقَشة من «نقَش الشوكة إِذا استخرجها من جسمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشها»(1)، والمناقشة بين اثنين هو أن ينقش كلّ منهما ما عند الآخر؛ أي يستخرجه.
المناقشة تكون بين فردين (المناقِش والمناقَش)، أما الحِجَاج فيكون بين طرفين. الأول: المرسل (المحاجج). والآخر: المتلقي يمكن أن يكون فرداً، وقد يكون جمهوراً، وقد تكون نفس المحاجج.
المناقشة تبنى على السؤال والجواب، وهذا يعني أنَّها تحتاج دائماً إلى فردين في حين «السمة
الأساسية في الحِجَاج الخطبيّ هي حينئذ إقصاء السؤال. السؤال الذي يكون منشأ للحجاج»(2).
المناقشة تقتصر على المشافهة. أما الحِجَاج فيمكن أن يكون خطابة أو كتابة.
نستشف ممّا تقدّم أنّ الحجاج:
مفهوم مستقل عن (المحاجّة، والاحتجاج، والسفسطة، والخطابة، والجدل، والبرهان، والمذهب الكلامي، والمناظرة، والمناقشة) فهو حقل قائم بذاته، يهدف إلى تنوير العقول وتوجيهها الوجه الصحيح، بآليات لسانية ومقتضيات لغوية.
الحِجَاج وظيفة من أهم وظائف اللغة، وهو من العمليات اللسانية
الخطابية والكتابية يسعى فيه المحاجج إلى التأثير في المتلقي، بتقديم مجموعة من الحجج؛ للوصول إلى نتيجة صريحة أو ضمنية؛ بغية التأثير فيه وإقناعه أو الزيادة في اقتناعه.
الحِجَاج ينتمي إلى الخطاب الطبيعي، ويتألف - في الأصل - من حجة، ورابط، ونتيجة.
الحِجَاج حججه واقعية، تُرتب غالباً على وفق سلمٍ حجاجي.
الحِجَاج يحتاج إلى مجموعة من الحجج؛ ليزيد من الدرجة الاحتمالية، ولتقوية مقبوليته لدى المخاطب.
يدّل الحِجَاج على المشاركة بين طرفين، وتكون فيه النتائج احتمالية قابلة للنقض والتفنيد بحجج أقوى منها.
نتائجه يمكن أن تكون صريحة، ويمكن أن تكون مضمرة إن دلّ عليها دليل.
أساسه الرأي، ويُراعى فيه المقام، ونفسية المخاطب.
شخصي يستند إلى التداول الإنساني.
لا يقتصر على التأثير العقلي فحسب، بل يسعى إلى التأثير العقلي، والعاطفي عن طريق استثارة المشاعر؛ لإرضاء المتلقي واستمالته.
مجاله واسع، يشمل كلّ العلوم الدينية والدنيوية.
لا يقتصر على الخطابة فحسب، بل يمكن أن يكون كتابة أيضاً، كما يمكن أن يكون بين المرء ونفسه.
يتبادل فيه المتلقي المواقع مع المُحَاجج أحياناً.
هو القاسم المشترك بين الخطابة والجدل.
19.الحقيقة فيه غير واضحة.
ظهرت في العصر الحديث آراء حجاجية بعضها ينتمي إلى البلاغة، والآخر ينتمي إلى المنطق، وبعضهم عالجها معالجة لسانية؛ وممّا يُلاحظ على تلك النظريات إنّها لا تزال في طور التكوين والتطور.
وسأذكر في هذا المبحث وصفاً موجزاً لهذه النظريات الحِجَاجية. وأعتذر عن الإطالة فيه؛ إذ وجدتُ أنّ الإحالات على المراجع السابقة لا تغني في إعطاء صورة متكاملة عن هذه النظريات.
ظهر الحِجَاج بوصفه نظرية مستقلة في منتصف القرن العشرين، وبالتحديد في عام (1958م) على يد العالم البولوني المولد البلجيكي المقام شيم بيرلمان (Chaim Perelman)، وتلميذته لوسي أولبريشت تيتيكاه (Olbrechts -Tyteca Lucie) في مصنفهما المشترك(مصنف في الحِجَاج - الخطابة الجديدة) الذي ضمّ بين طياته أسس نظرية حجاجية جديدة ركزت على جانب الظفر بالحجة، وفصلا فيه الحِجَاج عن الخطابة والجدل من جهة، وعن المغالطات السفسطائية من جهة أخرى، كما خلّصاه من صرامة الاستدلال المنطقي الذي يجعل المخاطب في وضع ضرورة وخضوع، وحاولا بذلك تقريب الحِجَاج من مجالات استعمال اللغة،
وجعلاه علماً قائماً بذاته مبنياً على الحوار من أجل حصول الوفاق بين الأطراف المتحاورة، فكلما كانت فيه حجج الخطيب أكثر إقناعاً يقبل بها الجمهور. وهما بذلك حاولا أن يجعلا للبلاغة بعداً عقلياً. وحاول بيرلمان وتلميذته من هذه النظرية إيقاظ العقول من السبات الذي سيطر عليها؛ لتفكّر، وتحلّل، وترد، وتدعم، وتفنّد، وتقتنع أو لاتقتنع. وجعلا الغاية من الحِجَاج إذعان العقُولٍ ««لما يُطْرَحُ عليها من آراء، أو أن يزيد في درجة ذلك الإذعان، فأنجع الحِجَاج ما وُفِّق في جعل حدّة الإذعان تقوى درجتها لدى السّامعين بشكلٍ يبعثهم على العمل المطلوب (إنجازه أو الإمساك عنه)، أو هو ما وُفق على الأقل في جعل السامعين مهيّئين لذلك العمل في اللّحظة المناسبة»(1)من أجل حصول التسليم للرأي الآخر بعيداً عن الاعتباطية واللامعقولية، وإزالة شك المتلقيفي وجهة النظر محل الخلاف.
فالحِجَاج - عندهما - حوارٌ يسعى إلى إحداث اتفاق بين الأطراف المتحاورة في جوٍّ من الحرية و(الديمقراطية)(2)، وموضوعه «درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التّسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم»(3). ويهدف إلى التأثير العملي المتمخض عن التصورات العقلية المقدمة من المحاجج إلى المتلقي. ويكون أكثر فعالية كلما وفق المحاجج في جعل حّدة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكلٍ يدفعهم إلى عمل شيءٍ ما أو الإمساك عنه، فالغاية التي يتأسس عليها هي مجابهة العقول وإقناعها؛ «فليس الحِجَاج في النهاية سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السُبل لمحاورتها، والإصغاء
إليها، ثم محاولة حيازة انسجامها الإيجابي والتحامها مع الطرح المقدّم»(1).
ومن الملاحظ أنّهما جعلا الإقناع لبّ العملية الحِجَاجية؛ «لينتج عنه القرار بممارسة عمل معين أو اتخاذ موقف ما»(2)لتحقيق وظيفة عملية، هي جعل السامعين مهيئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة، فضلاً عن تحقيق استمالة المتلقي لما يُعرض عليه من رأي أو دعوى، والتأثير العملي في سلوكه(3)، أو جعله ينثني عمّا كان يريد الإقدام عليه.
وعُدَّ هذا المصنّف ثورة جعلت من بيرلمان قطباً بلاغياً بارزاً، ورائداً من رواد الدراسات البلاغية في العصر الحديث(4)
لسنة (2010م)، موقعها على الأنترنت: www.ulum.nl
وذلك يعود إلى تنبهه ما تنبه إليه من إغفال الدراسات البلاغية التي سبقته الجانب الإقناعي للبلاغة (الحِجَاج) في الوقت الذي صبّت فيه جلّ اهتمامها على الجانب الامتاعي القائم على المحسنات البلاغية والتزيين والزخرفة، الذي ساد في الدراسات البلاغية ردحاً من الزمن؛ فانبرى بيرلمان وتلميذته إلى ذلك وميّزا الحِجَاج من الأسلوبية؛ ليعيدا الاعتبار للبلاغة الحِجَاجية من خلال قراءة الموروث القديم، وأعطائه صبغة جديدة بقالبٍ علمي خالص حاولا فيه العودة إلى الأصل، حيث كانت البلاغة حجاجية، وكانت فيها المحسنات البلاغية روافدلغوية تسعى إلى بعث الإقناع، وأشارا إلى ذلك1) مفهوم الحِجَاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، محمد سالم محمد الأمين الطلبة، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 2/189. نقلاً عن: Traite De I Argumentation, op.cit,p18.
2) استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي بن ظافر الشهري، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى (2004م): 457.
3) اُنظر: البلاغة والاتصال، جميل عبد المجيد، دار غريب، القاهرة (د.ت): 106.
4) اُنظر: الحِجَاج في الدرس اللغوي الغربي، أ. بوزناشة نور الدين، مجلة علوم انسانية، خطأ! مرجع الارتباط التشعبي غير صحيح.،
بقولهما: «نعتبر(1)صورة التعبير حجاجية إذا كان استتبعت تغييراً في الأفق فبدا استعمالها عادياً بالنسبة للمقام(2)الجديد المقترح. أما إذا كان الخطاب على خلاف ذلك لا يستتبع انخراط المستمع في هذا الشكل الحِجَاجي فإنّ الصورة ستظهر كمحسن، أي كصورة أسلوبية(3)بوسعها أن تثير الإعجاب ولكن ذلك يظلّ في المستوى الجمالي»(4). ويرى الباحثان أنّه من غير الممكن الفصل بين الشكل والمضمون، فلا يمكن فصل البنى الأسلوبية عن أهدافها الحِجَاجية، فينبغي الأخذ بعين الاعتبار كلّ المظاهر الشكلية بما في ذلك التنغيم والإشارات مقومات حجاجية إقناعية(5).يُفهم من ذلك أنّ نظريتهما هذه تركز بالدرجة الأساس على جانب الظفر بالحجة، أو مصادر الأدلة أكثر ممّا تهتم بجمالية العرض اللغوي الأسلوبي، الذي كان سائداً في الدراسات البلاغية الغربية.
اهتم الباحثان بمظاهر التواصل؛ لما لها من أثر أساس في تشكيل خطاب
1) كذا، والصواب: نعد.
2) كذا، والأصوب: بالنسبة إلى.
3) كذا، والصواب: ستظهر بوصفها محسناً أي صورة أسلوبية.
4) البلاغة العامة والبلاغات المعمَّمة، محمد العمري، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد (25)، لسنة (2000)، الموقع على الأنترنت: http: //www.fikrwanakd.aljabriabed.net/n61-07alwali.htm؛ نقلاً عن: et Olbrechts –Tyteca. La nouvelle rhétorique’ traité De L’argumentation (Paris 1976).p.229. ونقله في L’empire rhétorique.p.13.
5) اُنظر: الحِجَاج أطره ومنطلقاته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 317؛ ومفهوم الحِجَاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 2/196؛ والاستعارة الحِجَاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان، محمد الولي، مجلة فكر ونقد المغرب، ع (61)، لسنة (2004م). الموقع على الانترنت: http: //www.fikrwanakd.aljabriabed.net/n61-07alwali.htm.
حجاجي يسعى إلى خلق إطار تواصلي إقناعي يؤسسه المحاجج والمتلقي.
المقام يعني الظروف والملابسات التي يجري فيها الخطاب(1)، «ويشمل المشاركين في القول، والمكان، والزمان، وهدف القول، وموضوع، وجنس الخطاب، وقناة التعبير، واللهجة المستخدمة فيه، وقواعد توزيع الكلام»(2)، وشكّل المقام في نظريتهما «البؤرة التي تلتقي فيها جميع العناصر الحِجَاجية من مقدرات برهانية، وحقائق فعلية، وقرائن بلاغية، وقيم بشتى أقسامها، وعلاقة هذه القيم بمراتب الكائنات والأشخاص المعنيين بخطابٍ ما»(3)
2/209.
. حتى وُصفتنظريتهما بأنّها نظرية مقامية بالدرجة الأساس، ويعتقدان أنّ المحاجج الحاذق هو الذي يجيد ترتيب مقدماته بحسب المقام، وبحسب الأولوية والظروف المحيطة به.المحاجج (المرسل)، والمتلقي (المرسل إليه) محوران أساسيان في نظرية الحِجَاج البيرلمانية. فأهم سمة اتسمت بها هذه النظرية اهتمامها بالمتلقي، فهما يريان أنّ وظيفة المتلقي لم تقتصر على تلقي الخطبة ممّن هو أعلى منه - كما كان ذلك في الخطابة القديمة -، ولم يعد أدنى درجة من الخطيب، بل صار موازياً للخطيب يتلقى ما يتلقاه منه، ثم يفكر فيه، ويرد، ويُناقش، ويفنّد، ويدعم، وقد ينتقل - أحياناً - من
1) اُنظر: استقبال النص عند العرب، محمد المبارك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (1999م): 263.
2) من آليات تحليل الخطاب، صابر الحباشة، مجلة جذور التراث، جدّة، ج (22)، مج (10)، لسنة (1426ه- - 2005م): 332.
3) مفهوم الحِجَاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته):
موقع التلقي إلى موقع الحجاج. فالعلاقة بين المتلقي والخطيب في البلاغة البيرلمانية علاقة أفقية تبادلية، في حين كانت في الخطابة الأرسطية علاقة عمودية رأسية، يقتصر فيها أثر المتلقي في التلقي، وكان فيها المتلقي أدنى مرتبة من الخطيب.
والمتلقي قد يكون جمهوراً حاضراً، أو يكون فرداً، أو تكون نفس المحاجج، أو يكون جمهوراً كونياً لا يقتصر على زمان ومكان محددين، أو قارئاً متأملاً، «ويرى بيرلمان أنّ مخاطبة الفرد تختلف عن مخاطبة الجماعة، إذ توفر للخطيب الامتياز بالتعرف على المستمع الفرد معرفة عميقة؛ لأنّ الخطيب مع تقدّم الحوار يستطيع منخلال الأسئلة والأجوبة التعرف عليه أكثر، وخاصة بما يتعلق بميولاته والجوانب يستحب(1)لها هذا الفرد، ممّا يسهم في خلق وضعية مناسبة للإقناع والتأثير، أما إذا تجاهل الخطيب ذلك فإنّه سيقف أمام حجر عثرة يحول بينه وبين مستمعيه وبالتالي يضيع إقناعه»(2). والعلاقة بين المحاجج والمتلقي مبنية على عدم اليقين؛ فالمحاجج يحاول من حجاجه إقناع المتلقي بوجهة نظره، بتقديم الحجج على أطروحته؛ بغية استمالة المتلقي إليها، ويتوقف ذلك على مقدرة المحاجج في اقتحام عالم المتلقي وتغييره؛ لذا يهتم المحاجج الفطن بالموضوع الذي يقدّمه، ويوفّيه حقّه ممّا تستدعيه الصياغة اللغوية، والمُحَاجج الحاذق هو الذي يجعل المتلقي مشدوداً إليه، ولكي يظفر بذلك عليه التوسل بالمحسنات البلاغية من دون إسرافٍ. وحذّر بيرلمان من «الإفراط والتفريط أو المبالغة أو الإهمال فيما يخص المسائل موضع النقاش والتحليل»(3)
www.tafsir.netlvb /Tafsir18202.
لأنّ تهويل الموضوع ومنحه مساحة أكبر من حجمه أمرٌ يبعث على السخرية، ويؤدي إلىتهافت الحِجَاج(1). وينبغي أن يتمتع المحاجج بالثقة في النفس، والتحضير اللائق للمقام سواء أكان حجاجه مشافهة أم مكاتبة(2)لأنّ الفعل الكلامي الحِجَاجي عبارة عن عمل جاد، وليس نوعاً من التسلية الكلامية، فهو يتطلب قناعة ذاتية، وثقة بالنفس، وينبغي أن يضع المحاجج بالحسبان مستوى العقول التي يروم إقناعها، وأن يتحلى بالخلق الرفيع، ويبتعد عن العنف وعدم احترام المتلقي، بل عليه أن يشعره بحضوره ويهتم برأيه، ويفهم حقيقة المتلقين الانفعالية، ويتحسس مشاعرهم، وما يشغل بالهم؛ كي يستثمر ذلك في حملهم على الإقناع. وكلما كان المحاجج يعي ذلك كان تأثيره في المتلقين، وتغيير مواقفهم أسهل وأيسر. واختيار المقدمات وطريقة صوغها وترتيبها وحده يمثل قيمة حجاجية، فكلّ نصٍّ لابد أن ينطلق فيه المحاجج من نقطة معينة.
من طرائق العرض الحجاجية التي يستند إليها المحاجج:
الإيجاز في موضع الإيجاز، فلا يعرض من المقدمات ما هو معلوم لدى السامعين، فإنّ ذلك سيكون ثقيلاً على أنفسهم.* اعتماد الأسلوب البطيء في العرض.
اعتماد التكرار؛ لإبراز شدّة حضور الفكرة المقصود إيصالها إلى الجمهور.
التشديد على بعض مقاطع الخطاب من خلال الاهتمام بالصوت، أو الصمت الذي يسبق أداءها، وما يؤديانه من دورٍ عند بعض المقاطع.
كثرة إيراد الحكايات الدائرة حول موضوع واحد، وإن تعارضت تلك الحكايات وتضاربت، فإنّ ذلك يلفت الانتباه إلى أهمية الموضوع، الذي تراكمت حوله الحكايات.
كثرة الإشارات إلى الدقائق والرقائق المتعلقة بالموضوع؛ تكثيفاً لحالة الحضور التي يريد الخطيب أن يتسم الموضوع بها؛ ليحدث بذلك انفعالاً في ذهن المتلقي، وممّا يساعد على الإشعار بمدى حضور الحدث ذكر مكان الحدث وزمانه، مع الميل إلى استعمال الألفاظ الحسيّة بدل المجردة؛ لأنّها تزيد في درجة الحضور فتنجم، عن ذلك مصادقة المتلقي(1).
ويقصد بها الطرائق التي تقرّب بين العناصر المتباعدة والمتباينة في أصل وجودها، وتقيم ضرباً من التضامن بينها؛ لإبرازها في بنية واضحة، أو لغاية تقويم أحد هذه العناصر بوساطة الآخر تقويماً إيجابيّاً، أو سلبيّاً. وهذه التّقنية الاتصالية تقتضي ثلاثة أنواع من الحجج هي:
جهة أنّها تبدو شبيهة بالاستدلالات الشكلية المنطقية، أو الرياضية، ومع ذلك فإنّ من يخضعها إلى التحليل ينتبه في وقتٍ قصير إلى الاختلافات بين هذه الحجج والبراهين الشكلية؛ لأنّ الجهد يُبذل في الاختزال أو التدقيق فحسب - يكون ذا طبيعة لا صورية - يسمح بمنح هذه الحجج مظهراً برهانياً؛ ولهذا السبب ننعتها بأنها شبه منطقية»(1).
الحجج المؤسَّسة على بنية الواقع: هذا النوع من الحجج لا يبتكره الخطيب؛ إذ الأشياء فيه موجودة في الواقع، وما على الخطيب إلا الإشارة إليها، فالخطيب لا يبتدع شيئاً من عنده، وإنّما يكتفي برصد الوقائع والربط بين المتعايشات من الأشياء، أو المتناقضات. وتُستعمل للربط بين أحكامٍ مسلمٍ بها، وأحكام يسعى المحاجج إلى تأسيسها وتثبيتها وجعلها مقبولة مسلماً بها.
الحجج المُؤسَّسَة لبنية الواقع: وتمثلها الأمثال، والشّواهد، والتمثيل، والاستعارة، ونحوها(2).
هي تقنية تقوم على الفصل بين عناصر تقتضي في الأصل وجود وحدة بينها، ولها مفهومٌ واحدٌ، وتتأسّس هذه التّقنية على ثنائيّة الظّاهر والحقيقة. فالظّاهر يردّ
1) الحِجَاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه، الدكتورة سامية الدريديّ، عالم الكتب الحديث، أربد (2011): 191؛ نقلاً عن: مصنف في الحِجَاج، بيرلمان وتيتيكاه: 1/259.
2) اُنظر: الحِجَاج أطره ومنطلقاته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 324-348؛ والحِجَاج في القرآن: 32-33.
كلّ الأشياء إلى ما هو مُعاين، والحقيقة هي التي تمثل جوهر الأشياء وتكسبها هويّة جديدة، هي بمقتضاهايمكن التعبير عن الصّورة المثلى لتلك الأشياء كما استقرت في الأذهان، بمعنى أنّ الأشياء، أو الأشخاص يمكن أن يكون لها حدّان: ظاهر زائف، وواقع حقيقي. ومن الأمثلة على ذلك قولنا لشخصٍ ليس له مروءة: (ليس هذا الإنسان بإنسان) فلفظة (إنسان) الأولى تمثل الظاهر، أما اللفظة (إنسان) الثانية فتمثل جوهر الإنسان وحقيقته كما عرفناها من ديننا وثقافتنا وأخلاقنا، وبها يستطيع المحاجج أن يوقظ فكر المتلقي من غفلته وانخداعه به، والهدف من تقنية الفصل إسقاط أحد العنصرين المفصولين ثم تأكيد الآخر.
وتقنيات الفصل كثيرة يمكن أن نجدها في التشبيه، والاستعارة، والقصر، ونحو ذلك، فلو كان الجمهور المُخاطَب يعتقد أن زيداً شجاعاً ويصفونه بأنّه أسدٌ، وأراد المحاجج أن يكشف زيف ذلك يستعمل في خطابة عبارة (أيّ أسدٍ هذا؟) بدلاً من عبارة (هو جبان). وهو بذلك يفصل بين الظاهر المتعارف عليه بين الناس، وحقيقة زيد بوصفه جباناً، وهذا الأسلوب الحِجَاجي أكثر وقعاً في المتلقي، وأقوى قيمة حجاجية. ويمكن أن يفيد المحاجج من أسلوب القصر في الفصل بين الظاهر والحقيقة، فإذا كان جمهور من المخاطبين يعتقد أنّ زيداً عالمٌ، وأراد المحاجج أن يُبطل اعتقادهم يركن إلى القصر في ذلك؛ إذيقول: (ما زيدٌ إلا وجيه) وبقوله هذا ينفي عن زيد صفة العلم وما يتصل بها، ويقصر حقيقته على الوجاهة فقط(1).
وقسم بيرلمان وتيتيكاه وظائف الحِجَاج على:
1) اُنظر: البلاغة العربية في ضوء البلاغة الجديدة أو الحِجَاج، عبد الله صولة، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 52.
فقد جعلا مجال الحِجَاج مقتصراً على الأمور التقريبية والمحتملة، وهذا يعني أنّ الحِجَاج يتغير بتغير المقام وظروف المحاجج، وإن ظلّ الموضوع نفسه(2). ويُشترط فيها أن يسلّم المحاجج بوجهة نظر الطرف الآخر وحضوره، ولولا ذلك لما كان ثمّة حجاج؛ لأنّ الحِجَاج لايكون إلا في الأمور التي تثير الشكّ، وتتطلب جهداً فكرياً؛ لتدقيقها وكشف لبسها(3).
واستطاع بيرلمان وتيتيكاه بنظريتهما هذه أن يجعلاالحِجَاج يسهم في تغيير معتقدات المتلقي من دون إكراه، كما جعلاه بديلاً عملياً عن وسائل الإكراه والإفحام؛ ليكون متلائماً مع متطلبات العصر من الحرية و(الديمقراطية)، واتساع رقعة حدود التعبير عبر وسائل الإعلام من صحافة، وقنوات، وانترنت، وما صاحب ذلك من حاجة ماسة إلى الإقناع، فكلٌّ يُعلن عن بضاعته محاولاً من ذلك التأثير في المتلقي وكسب ثقته، وهكذا جعلا الحِجَاج يعني الرغبة في ترك اللجوء إلى القوة في تغيير آراء المتلقي وتبديلها، بل يعترف بها ويحاول تعديلها بمخاطبة قدراته العقلية، وأي قرارات أو نتائج يصدرها المتلقي غير موافقة لهذا المنهج
1) الحِجَاج في البلاغة المعاصرة بحث في بلاغة النقد المعاصر، الدكتور محمّد سالم محمّد الأمين الطلبة، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى (2008): 107؛ نقلاً عن: Lémpire rhétorigue, op.,p.26..
2) اُنظر: مفهوم الحِجَاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 2/182.
3) اُنظر: الحِجَاج في البلاغة المعاصرة بحث في بلاغة النقد المعاصر: 109.
يعدّانها نوعاً من الإكراه والعنف ويرفضانها تماماً، فالغلبة في هذه النظرية ليس لمن يملك فن الخطابة وسحرها البلاغي، بل لمن يمتلك قوة الإقناع والتأثير «وعلى هذا النحو من التفكير أمكن للمؤلفين أن يلمّا شتات كيان الخطابة الذي تصدّع وتوزّعت أجزاؤه [بين] الفلسفة، والجدل، والأدب»(1)، ويجمعانها بنظرية موحّدة اصطلحا عليها ب-(البلاغة الجديدة). وهكذا استطاعا ان يفصلاالحجاج الذي يتناول الآليات اللّسانية عن الحقل المنطقي الذي يوفّر القواعد المعيارية التي تجعل القضايا العلمية تحكي وتكشف الواقع الخارجي. كما حاولا ربط البلاغة ببعدٍ عقليّ يحفظها من أن تلتبس بالسّفسطة، والمغالطة، والمناورة، وعدّا الحِجَاج حواراً بين الخطيب وجمهوره، وليس استدلالاً شكليّاً، ولامغالطة، ولا مناورة، ولاتلاعباً بالمشاعر والعقول.
طبع الفيلسوف الأمريكي ستيفن تولمين (Stphen Toulmin) كتابه (وجوه استعمال الحِجَاج)(2)في انجلترا في عام (1958م) وهو العام نفسه الذي أصدر فيه بيرلمان وتيتيكاه كتابهما المشترك (مصنف في الحِجَاج - البلاغة الجديدة)، وتُرجم
1) الحِجَاج أطره ومنطلقاته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 306.
2) سمّاه بعضهم (استعمال الحِجَاج)، اُنظر: مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): هامش 35؛ وسمّاه آخرون (استعمالات الحجة) اُنظر: التواصل والحِجَاج في التداوليات الحِجَاجية للحوار(التفكير) النقدي نموذج المدرسة الهولندية - إيمرين غروتندورست، عليوي أبو سيدي، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 2/259؛ والسفسطة في المنطقيات المعاصرة التوجه التداولي الجدلي، رشيد الراضي، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 3/221.
كتاب تولمين إلى الفرنسية في عام (1994م) واشترك الكتابان في أنّهما انطلقا من مرجعيةواحدة وهي المرجعية القانونية(1).
وتولمين من أبرز رواد المدرسة الأمريكية(2)التي اهتمت بالخطابة المعرفية، ويرى أنّ الخطابة والحِجَاج لا يمثلان أدوات إقناع المخاطبين واستمالتهم إلى الحقائق والمعارف التي أُنشئت سلفاً فحسب، بل هما أدوات فعّالة لبناء حقائق ومعارف جديدة(3)
ollopue de cerizy, L'argumentation,1987,mardaga.1991(liege),p55.
. ولخّص الدكتور عبد الله صولة مفهوم الحِجَاج عند تولمين من الرسوم الحِجَاجية الثلاثة التي صاغها في كتابه، وهي بإيجاز: الرسم الأول: يتألف من ثلاثة أركان هي: المعطى، والنّتيجة، والضمان. وهو رسْمٌ يحدّد هويّة المعطى بواسطة نتيجة تستمدّ مشروعيّتها من طبيعة الضمان.المعطى ← إذاً: النتيجة
↓
نظراً إلى أنّ: الضمان
ويمكن التمثيل لها لو علمنا أنّ رجلاً اسمه (محمد) يمثل ذلك بالنسبة إلينا (المعطى).
1) اُنظر: مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): هامش 35؛ والحِجَاج أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 348.
2) وهم: بورك، وتولمين، وإهننكر، وبروكرايد، وسكوت وغيرهم. اُنظر: الحِجَاجيات اللسانية عند أنسكومبر وديكرو، د. رشيد الراضي، مجلة عالم الفكر، العدد (1)، المجلد (34)، لسنة (2005): 212.
3) اُنظر: البحث نفسه 212؛ نقلاً عن:
نستنتج من ذلك أنّ هذا الرجل مسلم وليس مسيحياً (النتيجة)، استناداً إلى التحليل العقلي؛ لأنّ أغلب المسلمين يسمون أبناءَهم بهذا الاسم تيمّناً بنبيهم محمد (صلی الله علیه و آله) وهذا يمثل(الضمان). ونلحظ من ذلك أنّ المعطى مصرّح به. أمّا الضمان والنتيجة فغير مصرح بهما في الغالب. وفي الرسم الثاني أضاف تولمين ما سمّاه ب-(التوجه، والاستثناء) وهذان عنصران يمثلان عناصر رفض تكون مضمرة في الغالب، كأن يُقال: اللهم إلا إذا كان ذلك الرجل مسيحياً. أما الرسم الثالث فقد أضاف فيه عنصراً آخر سمّاه (الأساس) الغاية منه تقوية الضمان، فيُقال: بحكم أنّ المسيحيين لا يسمون أبناءَهم بهذا الاسم.
ويرى الدكتور عبد الله صولة أنّ هذه النظرية ليست حجاجية، يدل على ذلك قوله: «لكن اللافت للانتباه في نموذج تولمين الحِجَاجي هذا أنّه ويا للمفارقة! غير حجاجي إذا اعتبرنا [كذا] أنّ الحِجَاج يرمي دائماً إلى إقناع الغير(1)، وإنّما هو أقرب إلى صناعة البرهان في المنطق حيث يقصد بالبرهان (إثبات الحقّ)، لا لإقناع الغير به في العادة،وإنّما لإقناع المرء نفسه وتلك هي الطريقة المتوخاة عادة في البرهان، على عكس سائر الصناعات المنطقية التي يراد بها عادة إقناع الغير، فهي من الحِجَاج بسبيل. إنّ هذا يفسر لنا غياب ركن الجمهور في رسوم تولمين المعروضة، ومعلومٌ أنّ الجمهور قوام الحِجَاج بالمعنى الذي نراه للحجاج في هذا الكتاب، وقد صدق بلونتين حين اعتبر(2)نموذج تولمين الحِجَاجي أقرب إلى النموذج المستوفي لشروط الحقيقة منه إلى النموذج الخطابي، وذلك لعدم إيلائه المقام منزلة فيه. وإن كان من الممكن أن نستشف وجود صوت المتلقي المحتمل يعترض ضمنياً على " م ¬ ن" فكأنّه من أجل ذلك جيء
بالأركان: ض و ج و س لتثبيت الحقيقة. ولكن هذا المتلقي المحتمل قد يكون المتكلم ذاته يخاطب نفسه ويُحاول إقناعها»(1).
يُفهم من كلام عبد الله صولة هذا أنّ نظرية تولمين ليست نظرية حجاجية؛ لأنّ غايتها لم تكن إقناع الآخر، ولم تهتم بالمقام؛ وهي أقرب إلى البرهان الذي يركّز على المادة اليقينية.
لكنّنا نجد الدكتور الفاضل يقول في موضعٍ آخر عن الضمان: «وهو شكلٌ حجاجي تخضع له جمل كثيرة في القرآن»(2). وجعل استعمال لفظة (الرسول) بدلاً من لفظة (محمد) في قوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»(3)«فيه تعليلٌ ومحاجة بالسبب لمتلقي الخطاب القرآني، وفي هذه المحاجّة بالسبب التي تؤديها كلمة (رسول)مستخدمة عوض اسم العلم (محمّد) (ص) يستند إلى ما يسميه تولمين - وقد رأيناه - بالضمان أو القاعدة التي بواسطتها يقع المرور من المعطى (وهو هنا جملة الأمر، أو النهي، أو ما أشبه) إلى النتيجة (وهي تحقيق مدلول الجملة بها؛ أي: تحقيق العمل اللغوي ونجاحه وحصول تأثيره في المتلقين»(4).
والذي أراه أنّ الرسم الأول من رسوم تولمين:
المعطى ← إذاً: النتيجة
↓
نظراً إلى أنّ: الضمان
يمثل رافداً حجاجياً ذا أبعادٍ دلالية عميقة، فإذا أردنا - مثلاً- أن ندعو إلى إثبات مسألة ما نستعمل ألفاظاً معينة من دون غيرها، وإذا أردنا نقض المسألة نفسها استعملنا ألفاظاً أخر؛ لغرض إضعافها في نظر الآخرين، كأن يقول والدٌ لابنه الشاب: فلانة فتاة خلوقة. فلو حللنا هذا القول على وفق هذه النظرية نجد أنّ المعطى هو القول المذكور، والنتيجة المضمرة هي محاولة إقناع الولد وترغيبه بالزواج منها، والضمان إنّ الفتاة التي تحمل خلقاً تكون امرأة قادرة على تكوين أسرة صالحة. وهذا يعني أنّ المحاجج لم يغفل المتلقي؛ إذ لا حجاج من دون أنتكمن خلفه غاية التأثير في المتلقي؛ لغرض تغيير سلوكه وتوجيهه نحو وجهة ما.
إذاً الغاية من كلِّ قولٍ (المعطى كما يسميه تولمين) التأثير في المتلقي؛ لغرض تغيير سلوكه بتوجيهه نحو وجهة ما، وهذا القول (المعطى) يخضع للمقام وسياق القول وظروف المحاجج. أمّا العناصر الأخر فتكون ثانوية ومشوشة، وتقسم على قسمين: أحدهما يتعلق بالمتلقي: (التوجه، والاستثناء)، والآخر يتعلق بالمحاجج، ولو عدنا إلى المثال السابق يمكن للولد أن يعترض على تلك الفتاة - وإن اتفق مع أبيه على أنّها ذات خلق - كأن يصفها بأنّها غير جميلة، وفي هذه الحال يستطيع الأب أن يحتج بأنّ الأخلاق أهم من الجمال، وهكذا....
نخلص من ذلك إلى أنّ تولمين اعتمد في نظريته هذه على ست مقولات هي:
المعطى: ويمثله القول المصرح به.
الضمان: وهو مرجعية عقلية يستند إليها المحاجج، وغالباً ما تكون معروفة عند المتلقي.
النتيجة: وهي الغاية من الحِجَاج، ويُراد منها التأثير في المتلقي، ومحاولة إقناعه بتغيير سلوكه، وحمله على عملٍ ما، وتكون مضمرة.
هذه هي الأركان الثلاثة التي استند إليها تولمين في هذه النظرية، وهي العناصر
التي يمكن الإفادة منها فيكلِّ حجاجٍ. أمّا المقولات الأخر فبعضها يتعلق بالمتلقي وهي: (التوجيه، والاستثناء)، والآخر يتعلق بالمحاجج وهو (الأساس)، وهذه المقولات الأخيرة مقولات منطقية برهانية تفيد في الحِجَاج القانوني وهو الأساس الذي انطلق منه تولمين في نظريته هذه، وتمثل هذه العناصر في نظرية تولمين وظائف ثانوية ومشوشة، في حين كان التعليل في الرسم الأول يمثل الوظيفة الأساسية للحجاج، وهذا ما أكده تولمين نفسه في نظريته(1).
وثمّة نظريات حجاجية أخر يمكن الإفادة منها في موضوعنا منها: (نظرية الحِجَاج في اللغة) لديكرو وتلاميذه - وسيأتي الحديث عنها لاحقاً -، و(نظرية المساءَلة) لمايير(2)
معاني ألفاظ الحِجَاج في القرآن الكريم وسياقاتها المختلفة السور السبع الطوال أنموذجاً: 21؛ نقلاً عن: Questions de Rhélorigue, Michel Meyer,p.142.
القائمة على (السؤال/الجواب)، فهويرى أنّ كلَّ الكلام الإنساني1) اُنظر: الخطاب الحِجَاجي السياسي في كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة - دراسة تداولية، ابتسام ابن خراف، (أطروحة دكتوراه)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2010): 109.
2) ميشيل مايير (Michel Meyer) فيلسوف لساني بلاغي بلجيكي، من تلامذة بيرلمان وضع نظرية المساءَلة (Laproblématologie) في عام (1982م) من خلال إعادة النظر في مفهوم اللوغوس الأرسطي ألغى فيها كلّ المحاولات والمدارس اللغوية التي اشتغلت على اللغة والكلام؛ لأنّها - في نظره - لم تجب عن السؤال. ماذا يعني أن نتكلم؟. وانطلق في نظريته هذه من الحقل الفلسفي، فأهم ما يميزها إنّ كلَّ آرائه جاءت بإطارٍ فلسفي ابستيمولوجي وصرّح بذلك قائلاً: اليوم يجب أن تكون الخطابة - بما فيها من حجاج وبلاغة - في خدمة الفلسفة. واستخلص تصوره للحجاج من مفاهيم المدرسة البلجيكية، ولاسيما من أستاذه بيرلمان، لكنّه خالفه في ربط الحِجَاج بنظرية المساءَلة، وربط فيها الحِجَاج بالكلام وما يثيره من تساؤلات في ذهن المتلقي عندما يلقي عليه الخطاب، ويرى أنّ المساءلة عبارة عن مفاوضة لتعميق ما بين المتكلم والمخاطب من مسافة أو تقليصها. اُنظر: اللغة والمنطق والحِجَاج، ميشيل مايير، تقديم وترجمة محمد أسيداه، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 5/1-49؛ والبلاغة والحِجَاج من خلال نظرية المساءَلة لميشال ميار، محمد علي القارصي، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية): 392-399؛ و
المنطوق والمكتوب عبارة عن أسئلة وأجوبة، ويرى أنّ الخطاب عبارة عن حجج مصرّح بها، يستنتج منها المتلقي أسئلة مضمرة(1)، فإذا كان ثمّة تطابق بين الأسئلة والأجوبة حصل الإقناع، وإذا لم يحصل التطابق تباعدت وجهات النظر. ومن جهة أخرى يرى أنّ الأسئلة التي يذكرها المخاطب يريد منها إثارة المتلقي واستدراجه إلى إعلان وجهة نظره في الموضوع موضع النقاش، ويرى أنّ الحِجَاج يترتب عليه فعلٌ إنجازي(2). ويرى أنّ الصورة البلاغية ما هي إلا صيغة من صيغ الحِجَاج،ويمكن توضيح ذلك بالمثال الآتي: (محمد أسد) ظاهر اللفظ لا يفيد الحقيقة، وهذا ما يدفع المتلقي إلى أن يتساءل عن مقصد المتكلم في اقتران محمد بالأسد؛ والسبب في هذا التساؤل يعود إلى الاختلاف بين المسند والمسند إليه. فإنّ حركة الفكر تجمع بين ثلاث مستويات هي:
محمد (الإنسان المراد وصفه).
الشجاعة (المستوى المشترك بينهما).
الأسد (الحيوان).
ويرى أنّ الإنجاز البياني يسكت عن الحلقة الوسطى وهي الشجاعة، ويفضي إلى تماهٍ بلاغي بين (محمد) و(الأسد) وهنا ينهض السؤال الباحث عن عوامل التماهي(3). فالصورة البلاغية في مظهرها الأول تظهر غامضة وغريبة، لكن بعد أن يتساءل المتلقي عن العلاقة بين طرفي الصورة يجد الجواب المقنع؛ ولهذا عدّ الصور البلاغية ذات طبيعة حجاجية تساؤلية؛ لأنّها تجذب المتلقي وتحرك خياله.
أما جين بليز غريز (Jean-Blaise-Grize) فيرى الحِجَاج نشاطاً منطقياً خطابياً ينتمي إلى المنطق الطبيعي؛ لأنّ الأمر يتعلّقبالتفكير الكلامي على أساس أن اللغة تمثل وسيلة التواصل، وعرّفه على أنّه مجموعة من الاستراتيجيات الخطابية لمتكلم ما يتوجّه بخطابه إلى مستمع معين، من أجل تغيير الحكم الذي لديه عن وضع محدد(1)، ويرى أنّه ليس بالضرورة أن يكون كلّ خطابٍ حجاجاً(2)، وهو بذلك يخالف مايير.
أسس اللغوي الفرنسي أوزفالد ديكرو (Osfwald Ducrot) بمعية تلميذه جين كلود انسكومبر (Anscombre Cloud Gean) في عام (1973م) نظرية حجاجية لسانية في كتابهما المشترك (الحِجَاج في اللغة)(3)تعارضت مع نظرية بيرلمان التي عدّت الحِجَاج منتمياً إلى البلاغة الكلاسيكية (بلاغة أرسطو)، وانطلقت هذه النظرية من فكرة مفادها: (إنّنا نتكلم بقصد التأثير)، فأرادا أن يقولا: إنّ اللغة تحمل بصفة ذاتية وجوهرية وظيفة حجاجية، وهذه الوظيفة كامنة في الأقوال نفسها، ومعانيها، وفي كلّ الظواهرالصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والمعجمية(4)، ويرى ديكرو وانسكومبر أنّ هذه النظرية تنغلق على النصّ، ولا تتعامل مع خارجه، وتهتم بالوسائل اللغوية، وإمكانيات اللغة الطبيعية؛ بغية
1) اُنظر: الحِجَاجيات اللسانية عند انسكومبر وديكرو: (بحث) 213.
2) اُنظر: الخطاب الحِجَاجي السياسي في كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة: (أطروحة دكتوراه) 128.
3) اُنظر: السلالم الحِجَاجية، أوزفالد ديكرو، ترجمة صابر الحباشة، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 5/74.
4) اُنظر: اللغة والحِجَاج: 8، 14.
توجيه المحاجج خطابه وجهة حجاجية ما تمكنه من تحقيق أهدافه.
وغايتهما من تأسيس هذه النظرية تطوير نظرية الأفعال اللغوية بإضافة فعلين لغويين إليها هما: (فعل الاقتضاء) و(فعل الحِجَاج). ويُقصد بالاقتضاء: العنصر الدلالي للقول، ويمكن توضيحه بما يأتي:
القول: كفّ زيدٌ عن التدخين.
المقول: زيد لايدخن الآن.
المقتضى (المسكوت عنه): كان زيدٌ يدخن.
ويمكن تعريفه بأنّه «غرض غير مقولي يتصل بالسياق أو المقول، وهذا الارتباط يتطلب تعليلاً للمواضع التي يحملها ويقتضيها»(1). فالمقتضى - إذاً - الدلالة التي ينقلها القول إلى المخاطب بصفة ضمنية(2). وموضوع الحِجَاج في هذه النظرية «بيان ما يتضمنه القول من قوة حجاجية تمثل مكوناً أساسياً لاينفصل عنمعناه بجعل المتكلم - في اللحظة التي يتكلم فيها - يوجّه قوله وجهة حجاجية ما»(3).
ولهذه النظرية أصداؤها في العالم العربي عامة، وبلاد المغرب العربي خاصّة؛ إذ نُقلت إليها عن طريق تلميذ ديكرو الدكتور أبو بكر العزاوي، وقد ذكر حسن مسكين مبارك ذلك قائلاً: «أبو بكر العزاوي الذي يُعد أحد المؤسسين للنظرية الحِجَاجية في العالم العربي، ذلك أنّه في الوقت الذي لم نكن نسمع عن الحِجَاج في المغرب، أو في العالم العربي كان المؤلف قد شرع في إنجاز أطروحته الأولى في الحِجَاج سنة (1983م) بإشراف العالم اللغوي ديكرو، حيث لم يكن في العالم العربي إلا باحث
واحد مختص في الحِجَاج والمنطق ألا وهو الدكتور طه عبد الرحمن»(1).
ويرى أصحاب نظرية الحِجَاج في اللغة أنّ المقصود بتعريف «الحِجَاج هو أن يقدم المتكلم قولاً (ق1) (أومجموعة أقوال) موجهة إلى جعل المخاطب يقبل قولاً آخر (ق2) (أومجموعة أقوال أخر)، سواء أكان (ق2) صريحاً أم ضمنياً، وهذا الحمل على قبول (ق2) على أنّه نتيجة للحجّة (ق1) يسمى عمل محاجة. فالحِجَاج - إذاً: هو علاقة دلالية تربط بين الأقوال في الخطاب تنتج عن عملالمحاجة»(2). ويمكن توضيح ذلك بالأمثلة الآتية:
أنا متعب إذاً أنا احتاج إلى الراحة
الجو جميل لنذهب إلى النزهة
الساعة تشير إلى الثامنة لنسرع
عليك أن تجتهد لتنجح
إذا نظرنا في هذه الجمل نجد أنّها تتألف من حجج ونتائج، فالتعب حجّة على أنّ الشخص المتعب به حاجة إلى الراحة. وجمال الجو يدعو إلى التنزّه. فالمتكلم يقدم هذه الحجج لصالح النتيجة المرجوة.
إذاً الحجة: عنصر دلالي يقدّمه المتكلم لصالح عنصر دلالي آخر (النتيجة). والحجج اللّغوية بوصفها لا تقطع نهائياً بثبوت النتيجة (من حيث المادة) تختلف عن الأدلة البرهانية التي تقطع بالنتيجة المترتبة على المقدمات(3). وقد ترد الحجج
1) مراجعات اللغة والحِجَاج عمق التنظير ودقّة الإنجاز، حسن مسكين مبارك، مجلة جذور التراث، ج (29)، مج (12)، لسنة (1430ه- - 2009م): 385.
2) نظرية الحِجَاج في اللغة، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية): 360.
3) اُنظر: الحِجَاجيات اللسانية والمنهجية البنيوية، بحث ضمن كتاب (الحِجَاج مفهومه ومجالاته): 2/104.
على شكل قول، أو فقرة، أو نصّ، أو مشهد طبيعي، أو سلوك غير لفظي ونحو ذلك...(1)
الحِجَاج والمعنى الحِجَاجي، بحث ضمن كتاب (التحاجج، طبيعته، ومجالاته، ووظائفه): 58.
. «وقد لا يرد الحِجَاج في صورة صريحة... وإنّما يتخذ صورة مضمرة بحيث يجري إضمارالحجة، أو النتيجة مع بقاء إمكان اشتقاقها اعتماداً على قرائن سياقية ومقامية»(2). ويمكن توضيح ذلك بالأمثلة الآتية:أنا متعب إذاً أنا أحتاج إلى الراحة.
أنا متعب أنا أحتاج إلى الراحة.
أنا متعب.
أنا أحتاج إلى الراحة.
فإذا قارنا بين هذه الأقوال نجد أنّ الحجّة، والرابط، والنتيجة كلّها مذكورة في المثال الأول، وذُكرت الحجّة، والنتيجة، وأضمر الرابط في المثال الثاني.أما المثال الثالث فلم يُصرّح فيه إلا بالحجة، والنتيجة فيه مضمرة يمكن استنتاجها من السياق، ونجد عكس ذلك في المثال الرابع فقد ذُكرت النتيجة، وأضمرت الحجة(3).
السلم الحِجَاجي هو علاقة تراتبية للحجج
فعندما تكون بين الحجج المنتمية إلى فئة حجاجية معينة علاقة تراتبية؛ فإنَّ هذه الحجج تنتمي إلى سلم حجاجي واحد. ويتسم السلم الحِجَاجي بسمتين:
كل قول يرد في درجة ما من السلم يكون القول الذي يعلوه أقوى منه.
إذا كان القول (ب) يؤدي إلى النتيجة (ن)، فهذا يقتضي أن القول (ج) والقول (د) اللذين يعلوانه درجة يؤديان إليها أيضاً. فإذا أخذنا المثال الآتي: (حصل زيد على شهادة البكالوريوس والماجستير بل على الدكتوراه أيضاً).
فهذه الجملة تتضمن حججاً تنتمي إلى فئة حجاجية واحدة، وتنتمي في الوقت نفسه إلى سلم حجاجي واحد، وكلّها تؤدي إلى نتيجة مضمرة من قبيل (كفاءة زيد)، أو (مكانته العلمية) لكنّ القول الأخير هو الذي يرد في أعلى درجات السلم الحِجَاجي؛ لأنّ حصول زيد على الدكتوراه أقوى حجّة على مكانته العلمية(1).
كفاءة زيد
--- دكتوراه
--- ماجستير
--- بكالوريوس
ولا يشترط في النتيجة أن يكون ترتيبها بعد الحجج، فقد تتقدم النتيجة وتتأخر الحجج، ومن الأمثلة على ذلك قولنا: زيدٌ ذكي فقد حصل على الماجستير والدكتوراه أيضاً.
1) اُنظر: نظرية الحِجَاج في اللغة، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 366؛ والحِجَاج في اللغة، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/59-60.
والترتيب السلمي للأقوال ليس معزولاً عن السياق والمقام(1).
قانون الخفض: ويُقصد به «إذا صدق القول في مراتب معينة من السلّم، فإنّ نقيضه يصدق في المراتب التي تقع تحتها»(2). فعندما يقول أحدهم: (الجو ليس بارداً) فنحن نؤول القول إذا لم يكن الجو بارداً فهو دافئ أو حار، ونستبعد التأويلات التي ترى أن البرد قارس وشديد(3).
قانون النفي: ويُقصد به «إذا كان القول دليلاً على مدلول معين فإنّ نقض هذا القول دليل على نقض مدلوله»(4). فإذا كان القول(أ) ينتمي إلى الفئة الحِجَاجية بواسطة النتيجة (ن)،فإن نقيضه(~أ) ينتمي إلى الفئة الحِجَاجية المحددة بواسطة النتيجة المضادة (لا - ن). ويمكن توضيح ذلك بالمثالين الآتيين:
زيد مجتهد لقد نجح في الامتحان.
زيد ليس مجتهداً إنّه لم ينجح في الامتحان.
قانون القلب: ويُقصد به أنّ السلم الحِجَاجي للأقوال المنفية هو عكس السلم الحِجَاجي للأقوال المثبتة. فإذا كانت إحدى الحجتين أقوى من الأخرى في التدليل على نتيجة معينة فإنّ نقيض الحجة الثانية أقوى من نقيض الحجة الأولى في التدليل على النتيجة المضادة، نحو:
1) اُنظر: الحِجَاج والمعنى الحِجَاجي، بحث ضمن كتاب (التحاجج، طبيعته، ومجالاته، ووظائفه): 59-60.
2) اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1998م): 277.
3) اُنظر: الحِجَاج في اللغة، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 60-62.
4) اللسان والميزان أو التكوثر العقلي: 278.
حصل زيد على الماجستير، وعلى الدكتوراه أيضاً.
لم يحصل زيد على الدكتوراه بل لم يحصل على الماجستير.
فحصول زيد على الدكتوراه أقوى حجّة على مكانته العلمية من حصوله على الماجستير في حين أنّ عدم حصوله على الماجستير أقوى حجّة على عدم كفاءته العلمية من عدم حصوله على شهادة الدكتوراه(1).
لقد اشتملت اللغات الطبيعية على أدوات لغوية خاصة بالحِجَاج. فاللغة العربية تشتمل على عدد كبير من الروابط والعوامل الحِجَاجية، نذكر منها الأدوات اللسانية: (لكن، بل، إذن حتى، لاسيما، إذ، لأن، بما أنّ، مع ذلك، ربّما، تقريباً، إنّما، (النفي والاستثناء)... وغيرها) إنَّ هذه الأدوات التي دفعت ديكرو وانسكومبر إلى الدفاع عن فرضية التداوليات المدمجة. وينبغي التمييز بين صنفين من الأدوات الحِجَاجية هما: الروابط الحِجَاجية، والعوامل الحِجَاجية(2).
الروابط أدوات لسانية تربط بين قولين أو أكثر، وتسند لكلِّ قول دوراً محدداً داخل الاستراتيجية الحِجَاجية العامة. ويمكن التمثيل للروابط بالأدوات الآتية: (بل، لكن، حتى، لا سيما، إذن، لأن، بما أن، إذ. (... نحو (زيد مجتهد إذن سينجح في الامتحان) نجد أنّ هذا المثال يشتمل على حجّة (زيد مجتهد) ونتيجة مستنتجة منها (سينجح)، والرابط (إذن) يربط بينهما.
لا تربط بين متغيرات حجاجية أي بين حجّة ونتيجة أو بينمجموعة حجج، بل تقوم بحصر وتقييد الإمكانات الحِجَاجية(1)التي تكون لقول ما، وتضم مقولة العوامل الأدوات: (ربّما، تقريباً، كاد، قليلاً، كثيراً، منذ الظرفية، على الأقل،...)، فضلاً عن القصر، والنفي. فعندما نقول:
ونقول:
فعندما أدخلنا على المثال أداتي القصر (لا...إلا) تأثرت القيمة الحِجَاجية للقول، أي الإمكانات الحِجَاجية التي يتيحها. وإذا عدنا إلى المثالين السابقين نلحظ أنّ للقول الأول إمكانات حجاجية كثيرة، فقد يخدم هذا القول: (الدعوة إلى الإسراع، التأخر والاستبطاء، هناك متسع من الوقت، موعد الأخبار...)، وبعبارة أخرى فهو يخدم نتيجة من قبيل: (أسرع)، كما يخدم النتيجة المضادة لها: (لا تسرع)، لكن عندما أدخلنا عليه العامل الحِجَاجي: (لا...إلا) فإنَّ إمكاناته الحِجَاجية تقلصت، وأصبح الاستنتاج العادي والممكن هو: «لاتشير الساعة إلا إلى الثامنة، لا داعي إلى الإسراع»(2).
التوجيه الحِجَاجي يرتبط بمفهوم السلم الحِجَاجي فإذا كان قول ما يمكّن من
إنشاء فعل حجاجي فإنّ القيمة الحِجَاجية لهذا القول يتم تحديدها بالاتجاه الحِجَاجي، وهذا الاتجاه قد يكون صريحاً أو مضمراً؛ فإذا كان القول أو الخطاب مشتملاً على بعض الروابط والعوامل الحِجَاجية فإنّ هذه الأدوات تكون متضمنة لمجموعة من الإشارات والتعليمات التي تتعلق بالطريقة التي يتم بها توجيه القول أو الخطاب. أمّا إذا كان القول غير مشتملٍ عليها؛ فإنّ التعليمات المحددة للاتجاه الحِجَاجي تستنتج إذاك من الألفاظ والمفردات، فضلاً عن السياق التداولي والخطاب العام(1). ووظيفة الحِجَاج في هذه النظرية تكمن في توجيه دلالة الملفوظ، ويحصل التوجيه في مستويين: مستوى السامع، ومستوى الخطاب نفسه. فالمتكلم عندما يتكلم يروم من خطابه التأثير في السامع بإقناعه ودفعه للقيام بفعلٍ ما، أو مواساته، أو إزعاجه، ونحو ذلك. والتوجيه في الخطاب يرتبط بالحجج والنتائج؛ فإذا احتوى الخطاب على أكثر من حجة فإنّ بعضها يكون معززاً للنتائجالمرجوة، والآخر داحضاً لحجج الخصم(2).
أمّا«القيمة الحِجَاجية: تعني نوعاً من الإلزام في الطريقة التي يجب سلوكها لضمان استمرارية ونمو الخطاب حتى يحقق في النهاية غايته التأثيرية، وتشير من ناحية ثانية إلى السلطة المعنوية للفعل القولي ضمن سلسلة الأفعال المنجزة لتبليغ فكرة ما إلى المتلقي»(3).
يُفهم من ذلك أنّ العلاقة بين الحجة والنتيجة ليست اعتباطية، فالجمل التي
تُستعمل في حجاج خطابي ما تفرض نتائجَ بعينها بموجب الوجهة الحِجَاجية المسجّلة فيها، ويمكن توضيح ذلك أكثر بالجمل الآتية:
الطقس جميل لنخرج إلى النزهة.
أليس الطقس جميلاً؟ فلنخرج إلى النزهة.
بما أنّ الطقس جميل لنخرج إلى النزهة.
الجملة الأولى: تألفت من الحجة (الطقس جميل)، والرابط (اللام) والنتيجة (نخرج إلى النزهة).
الجملة الثانية: زِيد فيها الاستفهام (الهمزة)، والنفي (ليس). والنفي والاستفهام هما اللذان جعلا هذه الجملة أقوى حجاجاً من الجملة الأولى.
أما الجملة الثالثة: فإنّ المرسل صاغها بطريقة تفيد العليّة ممّا جعل القول بمنزلة المتفق عليه؛ لذا كانت أقوى حجاجاً من الجملتين السابقتين، وتأتي بالمرتبة الأولى في السلم الحِجَاجي.
يرى أغلب العلماء والباحثين أنّ وظيفة اللغة هي الإخبار ووصف العالم، وكانوا ينظرون إلى اللغة بوصفها شفرة أو نظاماً من الرموز، والتواصل كان يعني نقل المعلومات إلى المتلقي، والجانب الإخباري الوصفي أساس، والمعاني الأخر ثانوية وهامشية ونجد ذلك عند أصحاب التيار الوصفي ابتداءً من دي سوسير، فهؤلاء يرون أنّ كلَّ قولٍ إثباتي يراد به وصف الواقع(1)، لكن وجهة النظر هذه انتقدها دارسون آخرون من اللغويين، وفلاسفة اللغة، ومنهم مدرسة أكسفورد،
1) اُنظر: الحِجَاج والمعنى الحِجَاجي، بحث ضمن كتاب (التحاجج، طبيعته، ومجالاته، ووظائفه): 70.
وأوستين، وسورل، وغرايس، وغيرهم، فهؤلاء وجدوا أنّ ثمة طائفة كبيرة من الأقوال لا تؤدي وظيفة إخبارية، ولا تصف الواقع، ولا تخضع لمعياري الصدق والكذب كالأقوال الإنجازية والأقوال التقويمية؛ لذا رفضوا جعل الإخبار الوظيفة الأساس للأقوال في اللغات الطبيعية، كما رفضوا طابعها الوصفي الإثباتي(1)وهذا ما جعل الحِجَاجيين يرون أنّ القيمة الإخبارية للقول ثانوية وتابعة للمكون الحِجَاجي. ومن أدلتهم على ذلك، إذا قال شخصٌ: (السماء صافية)والكلّ يعلم أنّها صافية فهذا القول لا يحمل قيمة إخبارية لكنّه يحمل قيمة حجاجية، فهو حجة لدعوة المتلقي إلى النزهة - مثلاً -، وعندما يقول أحدهم: هذا الإناء فارغ نصفه، ويقول الآخر: هذا الإناء مملوء نصفه نجد أنّ القيمة الإخبارية واحدة، وهي: إنّ الإناء نصفه مملوء والنصف الآخر فارغ لكنّهما يختلفان من جهة القيمة الحِجَاجية؛ إذ إنّ هذين القولين يعكسان وجهتي نظر متناقضتين: الأولى سلبية متشائمة، والأخرى إيجابية متفائلة(2)لذا أرى أنّ ما قاله ديكرو وتلميذه: - «إنّ الإخبارية في الواقع تعد من الدرجة الثانية بالمقارنة مع الحِجَاجية. فالزعم بوصف الحقيقة قد لا يكون إذاّ إلا قناعاً لزعمٍ أكثر جوهرية بممارسة ضغط على آراء الآخر»(3)- أقرب إلى الواقع اللغوي وجدير بالاهتمام؛ لأنّ النية في أغلب الخطابات ليست بالدرجة الأساس إيصال المعلومات إلى المتلقي، بل هي في الحقيقة تخضع لنية أكثر عمقاً، وهي التأثير فيه، ودفعه إلى اتخاذ موقف ما من تلك الخطابات.
رأى ديكرو وتابعه انسكومبر أنّ وجود الروابط والعوامل الحِجَاجية لا يكفي لضمان سلامة العملية الحِجَاجية، ولا يكفي لقيام العلاقة الحِجَاجية، بل لابدّ من ضامن يضمن الربط بين الحجّة والنتيجة، وهذا الضامن يعرف ب-(المبادئ الحِجَاجية) أو (المواضع الحِجَاجية) وهي قواعد عامة تجعل حجاجاً ما ممكناً، ولها خصائص عديدة، نذكر منها(1):
مجموعة المعتقدات والأفكار المشتركة بين الأفراد داخل مجموعة بشرية معينة.
العمومية: فهي تصلح لعدد كبير من السياقات المختلفة.
التدريجية: تقيم علاقة بين سلّمين حجاجيين (العمل - النجاح) مثلاً.
النسبية: إلى جانب السياقات التي يتم فيها تشغيل مبدأ حجاجي ما، هناك إمكان إبطاله ورفض تطبيقه؛ بوصفه ملائماً للسياق المقصود، أو يتم إبطاله باعتماد مبدأ حجاجي آخر مناقضاً له، فالعمل يؤدي إلى النجاح، لكنّه قد يؤدي إلى الفشل في سياق آخر؛ إذا زاد على الحد المطلوب ونُظِرَ إليه على أنّه تعبٌ،* وإرهاقٌ، وإهدارٌ للطاقة.
فإذا قال أحدهم: (أنا متعب إذن أنا احتاج إلى الراحة) فالمبدأ الحِجَاجي في هذا القول هو: (بقدر تعب الإنسان تكون حاجته إلى الراحة)(2)، وإذا قال أحدهم:
(الجو جميل) لا يكون علّة للخروج إلى النزهة إذا لم يكن الطرف الآخر يؤمن بهذه القاعدة. (جمال الجو يحقق المتعة)، وإلا فإنّ الحجة تسقط.
يفهم من ذلك أنّ المواضع الحِجَاجية: مجموعة من المسلمات، والأفكار، والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغوية وبشرية معينة، والكلُّ يُسلّم بصدقها وصحتها، فالكلُّ يعتقد أنّ المتعب يحتاج إلى الراحة. وبعض هذه المبادئ يرتبط بمجال القيم والأخلاق، وبعضها الآخر يرتبط بالطبيعة ومعرفة العالم(1)، لكنّ وجهة النظر هذه لم تدم طويلاً؛ إذ إنّ اعتمادهما في نظرية لغوية على الموضع كان سبباً في توجيه انتقاداتٍ لها من بعض الباحثين؛ لأنّ الموضع يتعلق بأمور اجتماعية لا علاقة لها باللغة، ممّا جعل ديكرو يُذعن لهذه الانتقادات ويقرُّ بصحتها، و يعترف بأنّه كان مجانباً للصواب؛ إذ قال: «إنّ النتيجة التي انتهيت إليها بعد هذا التفكير فيالموضع هي: إنّ أبحاثنا كانت تسير على غير هدى... لقد أخطأنا حين اعتقدنا أنّنا بصدد بيان كيفية تحقيق (الحِجَاج) بواسطة الكلمات اللغوية، والأسباب الكامنة وراء ذلك»(2). ما دفعه ذلك إلى التفكير في طريقة أخرى تقوم مقام الموضع تضمن سير مشروعه الحِجَاجي، والنتيجة التي توصل إليها في أبحاثه الأخيرة أنّ العلاقة بين الحجة والنتيجة علاقة دلالية خالصة، سار فيها على منهج دي سوسير البنيوي وممّا يدل على ذلك قوله: «إنّ الفكرة القاعدية هي أنّه في المسلسلة (ح إذن ن) نجد أنّ المعنى (ح) يتضمن في ذاته ما يشير إلى أنّه يستلزم النتيجة؛ لكي يكون تاماً. وهكذا فإنّ
1) اُنظر: الحِجَاج والمعنى الحِجَاجي، بحث ضمن كتاب (التحاجج، طبيعته، ومجالاته، ووظائفه): 66-67.
2) مفهوم الموضع وتطبيقاته في الحِجَاجيات اللسانية لانسكومبر وديكرو، رشيد الراضي، مجلة عالم الفكر، ع (2)، مج (40)، لسنة (2011م): 223. نقلاً عن: Les lopoi dans "la théorique et argumentation linguistigue, dans la langue", O.Ducrot,p.240..
معنى (ح) لا يمكن تحديده في انفصال عن كون (ح) يُنظر إليها باعتبارها(1)تقود إلى (ن) فليس هناك إذن نقلة بالمعنى الدقيق للكلمة من (ح) إلى (ن) ليس هناك تعليل ل-(ن) بالملفوظ (ح) بالوجه الذي يمنح هذا الأخير مدلولاً قائماً في ذاته مستقلاً عن (إذن ن)، وبالتالي ليس هناك إبلاغ لحقيقة، أو إبلاغ لصفة المقبولية انطلاقاً من (ح) في اتجاه (ن)، فالمسلسلة (ح إذن ن) تعرض الفقرة (إذن ن) كأنّها في الفقرة الأولى (ح)»(2).نستشفّ من ذلك أنّ العلاقة بين الحجة والنتيجة علاقة دلالية خالصة لاعلاقة لها بالحركات الاستنتاجية (حجة ← رابط ← نتيجة). وكذلك ابتعدت عن الاعتقاد بأنّ الحِجَاج فعلٌ كلامي، وكرست العلاقة بين الحِجَاج والبنيوية، كما رسخت علاقة الحِجَاجيات اللسانية في البنيوية(3).
وهذا التوجه الجديد لدراسة الحِجَاج دفع ديكرو بمعية تلميذته ماريون كاريل إلى دراسة الحِجَاج دراسة دلالية لا علاقة لها بالجوانب الاجتماعية والنفسية. ولماريون كاريل جهود كبيرة في الدراسات الحِجَاجية الدلالية بعضها مع ديكرو، وبعضها الآخر بمفردها، وأسست بمعية أستاذها ديكرو نظرية حجاجية جديدة عُرفت بنظرية (الملتحمات الدلالية)، انطلقت من النظرية البنيوية لفرديناند دي سوسير قطعت فيها الصلة بين العلاقات اللغوية بالوقائع الاجتماعية، وأكدت أنّ المدلول عليه بالدال في العلاقة اللغوية إنّما هو تصور وفكرة لا علاقة له بالواقع(4).
1) كذا. والصواب: بوصفها.
2) مفهوم الموضع وتطبيقاته في الحِجَاجيات اللسانية لأنسكومبر وديكرو: (بحث)224. نقلاً عن: Argumentation rhétorique et argumentation linguistique, dans Largumentation aujourdhui, presses Sorbonne nouvelle, O.Ducrot, paris, 2004,p.22..
3) اُنظر: الحِجَاجيات اللسانية والمنهجية البنيوية، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 2/111.
4) اُنظر: مفهوم الموضع وتطبيقاته في الحِجَاجيات اللسانية لأنسكومبر وديكرو: (بحث)226.
وقالت بهذا الصدد: «إنّ مفهوم الحِجَاج الذي آخذبه لا علاقة له بمفهوم الاستنتاج. فهذا الأخير يستند كما هو معلوم إلى فكرة النقلة، حيث ينقل ملفوظ من الملفوظات (الحجة) في سياق هذه النقلة صدقيته إلى ملفوظ آخر (النتيجة). بينما يفترض المفهوم الذي آخذ به وجود صلة بين الفقرتين (أي لا استقلال بينهما) ففي نظري لا وجود لأي ازدياد في المعلومات داخل مسلسلة حجاجية. فالرأي المتفاعل هو ذاته إما في صورة امتدادية أو في صورة ارتدادية. إنّ الحِجَاج في نظري لا علاقة له بفاعليتنا النفسية»(1).
واستناداً إلى نظرية (الملتحمات الدلالية) دُرست النصوص اللغوية بوصفها مكونات حجاجية باعتماد مفهوم (التأليف الحِجَاجي) ويُقصد به الترابط بين فقرتين من الخطاب (س) ربط (ش)، ف-(س) و(ش) فقرتان خطابيتان. أمّا (ربط) فهو رمز فوقي يؤشر إلى الوحدات اللسانية التي تربط بين الوحدات الخطابية(2). والفوارق بين النظرية الجديدة والنظرية القديمة إنّ النظرية الجديدة مالت إلى الاختصار، فهي ترى أنّ النتيجة متضمنة في الحجة، والحجة متضمنة في النتيجة، ورفضت المواضع الحِجَاجية، وجعلت الحِجَاج جزءاً من النظرية الدلالية البنيوية، فلو قال قائلٌ: (زيدٌ عاقلٌ) فإنّ هذه العبارة تحملفي داخلها دلالة أخرى هي أنّ الناس يقدرونه. وأشارت كاريل إلى أنّ أهم إضافة قدمتها نظرية (الملتحمات الدلالية) في سياق وصف هذه البنية التأليفية ضمن توجيه الحِجَاج داخل اللغة تتمثل في توسيعها للقاعدة التأويلية(3).
نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ أعمال ديكرو تداولية دلالية، والعمل الحِجَاجي عمل دلالي كلامي يجعل اللغة تحمل في ذاتها بُعداً حجاجياً استناداً إلى النظم، والحِجَاج موجود في الظواهر اللغوية البنيوية، والتركيبية، والدلالية، والمعجمية.
ولم تُستمد هذه النظرية من أعمال أرسطو إذ إنّ أرسطو «لم يهتم بدور الدلالة اللغوية في الحِجَاج، وإنّما نظر في علاقة الدلالة اللغوية بالاستدلال فالمستوى الأساسي في نظريته الحِجَاجية هو الاستدلال»(1).
1) الحِجَاج عند أرسطو، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 157.
يتولد النص الحِجَاجي من فكر المحاجج، ويكون على صور متعددة، فقد يأتي على شكل خطبة، أو رسالة، أو قصيدة، ونحو ذلك. ويكون «نصاً مترابطاً متناغماً (يقوم على وحدة معينة لا تكون بالضرورة واضحة جليّة، بل قد تأتي على نحو خفيّ لا نكاد نلمحه) وُضع لإقناع المتلقي بفكرة ما، أو بحقيقة معيّنة عن طريق تقنيات مخصوصة»(1)تهيمن فيه الوظيفة الإقناعية التي تتوسل بمجموعة من الحجج؛ بغية تغيير مواقف المتلقي وسلوكياته، وحدوث التغيير في مواقف المتلقي يعد مؤشر نجاح الخطاب الحِجَاجي.
وعندما يروم المُحاجج إعداد نصٍ حجاجي ناجعٍ ينبغي له أن يهتم ب-:
يبدأ أولاً بتحضير حججه.* يتخيّر من الألفاظ ما يناسب عقلية المتلقي.
يتخيّر مقدمة مقبولة.
يرتب حججه على وفق سلّم حجاجي؛ إذ يضع المحاجج كلّ حجة
1) الحِجَاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: 26.
في موضعها المناسب؛ ولكي تكون الحجج أكثر فعالية ينبغي أن تُصاغ صياغة لغوية مناسبة.
يعتمد آلية فنية في صياغة المحسنات البلاغية؛ لاستثارة عواطف المتلقي.
يهتم بالهيأة، وطريقة الإلقاء، ويراعي المقام في كلّ ذلك.
وهذه الشروط لم تفت علماؤنا الأوائل، فقد نبّه على بعضها الجاحظ؛ إذ قال: «ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكلّ طبقة من ذلك كلاماً، ولكلّ حالة من ذلك مقاماً حتى يقسّم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويُقسّم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على تلك الحالات»(1).
يمثل النص الحِجَاجي عنصراً أساسياً في العمليةالكلامية الاتصالية؛ ولكي يكون عنصراً مؤثراً ينبغي أن يُبنى على وفق أسس علمية، ومن أهم المقومات التي ينبني عليها النص الحِجَاجي؛ لكي يكون نصاً ناجحاً مؤثراً:
المقدمة: اشترط القدامى في النص الخطابي أن يُبتدأ بمقدمة يتصدرها الحمد والثناء؛ لأنّ النفوس تتشوق إلى الثناء على الله (عزوجل)، ثم تُزيّن بالصلاة على محمدٍ (صلی الله علیه و آله)، وتوشّح بآيات قرآنية كريمة، ف-«خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، مازالوا يُسَمّون الخطبة التي لم تُبْتدأ، بالتحميد، وتُستفتح بالتمجيد (البتراء).
1) البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255ه-)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الخانچي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة السابعة (1418ه- - 1998): 1/138-139.
ويُسَمُّون التي لم توشّح بالقرآن، وتُزَيَّن بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (الشوهاء)»(1)، وقال أبو هلال العسكري: «إذا كان الابتداء حسناً بديعاً، ومليحاً رشيقاً، كان داعية إلى الاستماع لما يجيء بعده من كلام»(2). فالمطالع والمقدمات تستميل السامع وتجذبه لسماع الخطاب، ثم تزجّ به في الموضوع، وقال ابن الأثير: «إنّما خصّت الابتداءات بالاختيار؛ لأنّها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقاً بالمعنىالوارد بعده، توفرت الدواعي على استماعه»(3)، وينبغي أن تتناسب المقدمة مع النص في طوله وقصره فإذا طالت أدت إلى الملل، وإن قصرت لم تستكمل شروط جودتها وحسنها، كما ينبغي أن يكون ثمة تناسب بين المقدمة ومقصد المحاجج وغايته من النص، وينبغي أن يكون الانتقال من المقدمة إلى النتائج بشكلٍ محكمٍ. والخروج عن هذه السنن لا يعني انتقاصاً في الخطبة أو قدحاً بها، بل يكون مستحباً أحياناً، ولاسيما إذا كان متعلقاً بالوعيد والتهديد. وأحياناً يستهل المحاجج خطابه بكلام مبهم قصد جذب المتلقي؛ «لأنّ الشيء إذا أُضمر ثم فُسر كان ذلك أفخم له من أن يُذكر»(4). والمهم من كلّ ذلك كيف يستطيع المحاجج جذب المتلقي وزجّه في الموضوع؟
1) البيان والتبيين: 2/6.
2) كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سُهيل العسكري (ت395ه-)، تحقيق علي محمّد البجاوي ومحمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، الطبعة الأولى (1371ه- - 1952م): 437.
3) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء الدين بن الأثير (ت 637ه-)، قدمه وعلق عليه الدكتور أحمد الحوفيّ والدكتور بدوي طبانة، دار النهضة، القاهرة، الطبعة الثانية (د.ت): 3/98.
4) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلّق عليه محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، الطبعة الخامسة (2004): 132.
الموضوع: يعني القدرات الحِجَاجية المبتكرة يعرض فيه المحاجج وجهة نظره بمجموعة من الحجج، تربطها مجموعة من الروابط والعوامل الحِجَاجية، مرتبة على وفق سلّمٍ حجاجي داخل سياق لغوي يهتم فيه المحاجج بالربط بينالجمل والعبارات، ويزينها بالمحسنات البلاغية؛ ليزيد من تأثيرها في المتلقي، فلكي يكون النص مقنعاً لابدّ أن تتلاحم فيه الصور البلاغية بالحجج العقلية؛ فالحجج العقلية تخاطب عقل المتلقي، والصور البلاغية تخاطب قلبه، وتحرك مشاعره؛ لأنّ أكثر الناس يتأثرون بمشاعرهم أكثر ممّا يتأثرون بعقولهم.
ومن العوامل التي تزيد من قوة النصوص الحِجَاجية:
حسن ترتيب الحجج وتلاحقها.
تناغم الأفكار، وحسن التخلص بالانتقال من فكرة إلى أخرى.
الاستعانة بالشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية، والأبيات الشعرية.
الإفادة من القوالب الجاهزة ذات التأثير في المتلقي كالحكم، والأمثال، والجمل الوعظية والإرشادية وصياغتها صياغة فنية؛ لأنّ استعمال الحكم، والمواعظ في السياق الخطابي يزيد من مصداقية الحجة وقوتها التأثيرية، ويمكن الإفادة من الأمثال لما لها من قوة حجاجية؛ لأنّها تمثل صورة حيّة لمشهد واقعي، كما يمكن أن يفيد المحاجج من المشاهد الواقعية الحية والتجارب السابقة المتعارف عليها بين المحاجج والمتلقي، ويزجّ بها في موضوعه.
الإفادة من الصور البلاغية كالتشبيه، والتمثيل، والاستعارة، والكناية، والتعريض؛ لما لها من أثر في جذب المتلقي والزج به في الموضوع.
الخاتمة: وتمثل الفرصة الأخيرة للتأثير في المتلقي، يذكر فيها المحاجج أهم ما توصل إليه من نتائج في أطروحته الحِجَاجية؛ من أجل تنشيط ذاكرة المتلقي.
هنالك بعض الضوابط ينبغي لمن يسعى إلى إقناع الآخر أن يلتزم بها، وتُقسَّم إما بلحاظ المحاجج وإما بلحاظ الحجاج(1):
أن يكون الحِجَاج ضمن إطار الثوابت الدينية والعرفية، فليس كلّ شيءٍ قابلاً للحجاج.
أن يكون النص ملائماً للسياق العام.
ينبغي أن يتحلى المحاجج بالأمانة والمصداقية؛ ليكون موضع ثقة واحترام من الآخرين.
ألّا يحدث تناقض بين أفعال المحاجج وأقواله، فيكون بذلك كالداعي إلى الإقلاع عن التدخين وهو يُدخّن.
أن تكون دلالات الألفاظ، ومراجع النص الخطابي محددة؛ لئلا يحدث الخلط بين المصطلحات.
1) اُنظر: استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية: 465-468؛ و الحجاج في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، حسين بوبلوطة، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2010): 31.
«تروي بعض الأساطير أن الشمس والرياح تراهنتا على إجبار رجل على خلع معطفه؛ وبدأت الرياح في محاولة كسب الرهان بالعواصف والهواء الشديد والرجل يزداد تمسكاً بمعطفه وإصراراً على ثباته وبقائه حتى حلّ اليأس بالرياح فكفت عنه... وجاء دور الشمس فتقدمت وبزغت وبرزت للرجل بضوئها وحرارتها فما أن شاهدها حتى خلعمعطفه مختاراً راضياً»(3)
www.saad.net/aldawah/221.htm.
.نستشفّ من هذه الأسطورة أنّ الإكراه والمضايقة يدفعان الآخر إلى المقاومة ويورثان النزاع والخلاف، أما الحِجَاج فيخاطب في الإنسان عقله المفكر الذي يختبر الفكرة ويتفحصها حتى إذا اقتنع بها استقرت يقيناً عنده، والعملية الحِجَاجية تكون ناجعة إذا تحققت فيها تلك الإرادة.
الحِجَاج يعني العملية التي يقصد منها المحاجج إحداث تغيير في مواقف المتلقي الفكرية بحجج مرتبة بطريقة تراتبية، قصد تفاعله إيجابياً مع الفكرة، فهو جهد اتصالي لساني بالدرجة الأساس مؤسس على قصد، ومخطط له سلفاً على وفق
1) اللجاج: التمادي والعناد في تعاطي الفعل المزجور عنه. اُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 736.
2) المراء: هو الاعتراض على كلام الآخرين بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم. اُنظر: إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي (ت505ه-)، مكتبة الصفا، القاهرة، الطبعة الأولى (1423ه- - 2003ه-): 75.
3) الإقناع، القوة المفقودة، أحمد بن عبد المحسن العسّاف، مقال على الانترنت:
أهداف معينة لاستمالة المتلقي، وتعديل سلوكه، ومواقفه الشخصية في ظروف مقامية معينة بالمبررات المقبولة؛ لتبني رأي ما، أو الإحجام عنه، والحِجَاج الإقناعي يعني «إطلاق العنان لنشاط غايته التأثير في أفكار وآراء ومواقف وسلوكات الفرد والجماعة»(1)ولا يوفّقالمحاجج دائماً في تحقيقه؛ لأنّ المحاجج لا يستند إلى حقائق ملموسة، بل يستند إلى نتائج احتمالية غير ضرورية، فتبقى الحقيقة في الحِجَاج ليست مضمونة.
والإقناع يمثل لبّ العملية الحِجَاجية؛ إذ ينتج عنه قرار من المتلقي بممارسة العمل، أو الإحجام عنه باختيار وطمأنينة نفس، ويتأتى ذلك القرار من الاقتناع بالعملية الحِجَاجية.
نستشفّ من ذلك أنّ الاقتناع يمثل فعل الأثر الناجم عن عملية الإقناع لدى المتلقي، فمتى ما توافرت الظروف، وتهيأت يحدث الانسجام بين الرغبة الذاتية والهدف المطلوب، و«الاقتناع بالشيء هو الرضا به، ويُطلق على اعتراف الخصم بالشيء عند إقامة الحجّة عليه، وهو على العموم إذعان نفسي لما يجده المرء من أدلة تسمح له بقدرٍ من الرجحان والاحتمال كافٍ لتوجيه عمله، إلا أنّه دون اليقين في دقته»(2)، وهو عند بيرلمان و تيتيكاه غاية الحِجَاج، ويشدد المؤلفان على ارتباط الاقتناع بما هو عقليٌ أكثر من الإقناع الذي قد يرتبط بما هو ذاتٍ، بل إنّهما يقسمان الحِجَاج بحسب نوع الجمهور على نوعين: حجاج إقناعي، وهو يرمي إلى إقناع
1) التواصل والحِجَاج (أي علاقة؟، بحث ضمن كتاب ( الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/282؛ نقلاً عن: R,Chiglione et M,Bomberg , disours. Politigue et television, lavérité de l´beure,PUF,1998,P9..
2) أساليب الإقناع في المنظور الإسلامي، طه عبد الرحمن السبعاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (2005م): 15.
الجمهورالخاص، وحجاج اقتناعي، وهو حجاج غايته أن يسلَّم به كلّ ذي عقل فهو عام. والإنسان في الاقتناع يقنع نفسه بأفكاره الخاصة، أمّا في الإقناع فإنّ الآخرين هم الذين يقنعونه(1)، والحرية الإنسانية تتحقق بالاقتناع بوصفه ممارسة لاختيار عاقل؛ ولذا يمكن القول: إنّ الحِجَاج يعني الرغبة في عدم اللجوء إلى القوة في تغيير آراء الآخر، بل يعدلها المحاجج عن طريق مخاطبة قدراته العقلية، واختيار أحسن السبل لتحقيق ذلك، والإصغاء إليه، ثم تترك للمتلقي حرية الاختيار؛ لأنّ القوة والإكراه يفقدان الحِجَاج غايته وتأثيره في الآخر«فالخطيب وإن انطلق من أفكارٍ مسلم بها لدى الجمهور، إلّا أنّه يأتي بما ليس عند الجمهور وعندها يحصل الإقناع وهنا يمكن ربط هذه الوظيفة بالعلم»(2).
والمتلقي الفطن هو الذي يصبّ اهتمامه أولاً على الحجة التي يقدمها المحاجج؛ ولذا فإنّ المحاجج الحاذق يختار حججه بدقّة وإحكام؛ لتكون ملائمة مع السياق، وظروف المقام، وغير مخالفة للدين، والأعراف الاجتماعية، ويرتبها على وفق استراتيجيات خاصة؛ ويصوغها صياغةلغوية، ويزينها بالمحسنات البلاغية؛ ليغلق الباب على المتلقي ولا يسمح له أن يجد منفذاً إلى استضعاف الحجة، فيخاطب بها عقل المتلقي، ويدغدغ عواطفه في آنٍ واحدٍ؛ ليصل بذلك إلى غايته في حمل المتلقي على أن يقنع بما يُلقى عليه، ثم يقتنع بالفكرة ويتبناها.
نخلص من ذلك إلى أنّ الحِجَاج فنٌّ لا يجيده إلا من يمتلك أدواته، وإذا اجتمعت تلك الأدوات مع الظروف الزمانية والمكانية كان تأثيرها أبلغ في المتلقي؛
«لذا أصبح مفهوم الإقناع مطلباً أساسياً في كلّ عملية فكرية سواء كانت هذه العملية فكرة، أو مقالة، أو حركة»(1). والوسائل الإقناعية التي يتوسل بها المحاجج في تحقيق الإقناع تفوق الحصر.
النصّ الحِجَاجي يبنى بناء تفاعلياً مدعوماً بأدوات، ووسائل توظّف؛ لغرض الإقناع والتأثير، فلا يقتصر المحاجج على وسيلة واحدة في كلّ السياقات الخطابية؛ لأنّ ذلك سيكون مؤشراً على جمود تفكيره؛ لذا عليه أن يختار أكثر من وسيلة لإقناع الآخر وتوجيهه نحو الفعل المراد تحقيقه، ومن أهم وسائل الإقناع:
اعتماد المحاجج على القوالب الحِجَاجية الجاهزة كالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال الأئمة، فضلاً عن الحكم، والأمثال، والشواهد المستوحاة من الوقائع في الحياة اليومية.
الاهتمام بما لدى الجمهور المتلقي من أفكار فيجعلها حاضرة في المقدمة، ويزيد من أهميتها، فالوعي المبكر بما لدى المتلقي من تصورات وأفكار يساعد المحاجج على التأثير فيه؛ «لأنّ وحدات البداية هي أهم ما يقرع الأذهان المتلقية ويحدد درجة القبول أو الرفض للتصور المتقدم»(2).
يحسن اختيار الألفاظ المناسبة لسياق القول، ويعدل عن الألفاظ المنفّرة لشعور المتلقي.
الوسيلة التضامنية: وفيها يصبح طرفا الخطاب (المحاجج والمتلقي) كأنّهما واحد؛ وذلك باعتماد المحاجج على بعض الأدوات اللغوية مثل الضمير (نحن) الذي يدلّ على الجمع بين طرفي الخطاب.
الوسيلة التبادلية: وفيها يشرك المحاججُ المتلقي في الخطاب باعتماد الحوار المتبادل (السؤال والجواب)، فيتيح له فرصة المشاركة، وتبادل المواقع.
ممّا ينبغي التنبه إليه والاحتراز منه مفهوم التطويع، ويُقصد به: نوع من الإقناع يسعى إليه المغالط (السفسطائي) باستعمال «كفايته اللغوية لإحداث تواصل فعّال مع غيره على نحوٍ يعزز التفاهم، والتعاون، والاحترام بين الطرفين»(1). فبعض المغالطين ممّن يمتلك الوسائل اللغوية يموّه النّاس، ويجعلهم خاضعين له، ومقتنعين بأفكاره؛ بغية تحقيق مآربه، وتطلعاته الشخصية(2). باتباع بعض الوسائل منها:
استغلال مواطن الضعف العاطفي عند المتلقي؛ باستعمال بعض المناورات العاطفية المناسبة؛ للتأثير فيه والاستحواذ على قلبه.
التلاعب بالألفاظ.
المغالاة في الوصف.
اعتماد بعض الحقائق؛ لاستمالة المتلقي، وجذب انتباهه.
التحلي ببديهة قوية؛ لاقتناص بعض الناس السذّج ممّن تنطلي عليهم حيله.
تمكنه من اللغة إلى حدٍّ ما.
نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ الحِجَاج يمثل وسيلة من أهم وسائل الإقناع، والحِجَاج الذي لا يحقق هدفه في إقناع المتلقي يكون كاللوحة التي يراد تعليقها على مسمارٍ لم يحسن تثبيته على الجدار.
ذهب ديكرو إلى أنّ نظرية (الحِجَاج في اللغة) فرع من نظرية أفعال الكلام - التي وضع أسسها العالمان الانجليزيان أوستين وتلميذه سورل -، ولاسيما أفعال التوجه الحِجَاجي فقد عدّها نوعاً من أنواع أفعال الكلام، وهي الأفعال التي تمثل محاولة المتكلم توجيه المتلقي للقيام بعمل ما(1)
ww.lissaniat.net/viewtopic.php?t=284&sid.
. فالفعل الحِجَاجي التوجيهي نوع من الأفعال التي تتحقق بالكلام؛ بوصفه قولاً يحقق عملاً، ويُغيّر واقعاً، وله قصدية، ومتصل بسياق.«ويقوم كلّ فعل كلامي على مفهوم (القصدية) وتقوم (مسلّمة القصدية) على أسس تداولية درسها فلاسفة التحليل ثم توسع في تفريعها وتعميقها التداوليون حتى غدت شبكة من المفاهيم المترابطة...فقد عدّ [سورل] (الغرض المتضمن في القول) (But Illocutoire) عنصراً ومكوناً أساسياً من (مكونات القوة المتضمنة في القول) (Force Illocutoire)»(2)ولذا عُدّت نظرية أفعال الكلام «مبحثاً أساسياً لدراسة
مقاصد المتكلّم ونواياه، فالقصد يحدد الغرض من أي فعل لغوي، كما يحدد هدف المرسل من وراء سلسلة الأفعال اللغوية التي يتلفظ بها، وهذا ما يساعد المتلقي على فهم ما أُرسل إليه»(1)، وتستند القصدية إلى أسس المعرفة المسبقة التي تسهم في الانسجام والمواءمة مع العالم، وتعد أساساً للكلام الإنساني، فهي تتحدد بحسب ثقافة المجتمع وطقوسه(2)، وتتجلى في عرض الحجة، فعرض الحجة في أثناء إنجاز الفعل الحِجَاجي يكون القصد منه تدعيم النتيجة، إذ لا يمكن فهم الحجة من دون فهم النتيجة، فالحِجَاج «لا يتعلق بفقرتين تلعب فيهما الواحدة دور الحجة، والأخرى دور النتيجة، فليس هناك استقلال دلالي بين الفقرتين، إنّنا إذا فحصنا جيداً هذه التأليفات نكتشف أنّ معنى الفقرة الأولى (الحجة) يحدده معنى الفقرة الثانية والعكس صحيح، فالحجةعنصر تكويني في معنى النتيجة وكذلك النتيجة بدورها عنصر تكويني في معنى الحجة»(3).
يُفهم من ذلك أنّ الغاية من نظرية (الحِجَاج في اللغة) تمتين العلاقة بين الكلام والفعل الإنجازي، فالمحاجج عندما ينطق قولاً ما يريد من كلامه إنجاز فعل ما يكون له الأثر الفاعل في الإقناع، أو التسليم، أو تغيير الموقف، أو الفكر، أو الاعتقاد، أو نحو ذلك، هذا من جانب. ومن جانب آخر فإنّ نظرية (الحِجَاج في اللغة) مثّلت «تياراً تداولياً متميزاً. ويكمن وجه تميزه في رفض التصوّر القائم على الفصل بين الدلالة (وموضوعها معنى الجملة) والتداولية (وموضوعها استعمال الجملة في المقام) من جهة. والسعي إلى سبر كلّ ما له صلة داخل بنية اللغة بالاستعمال البلاغي المحتمل من جهة أخرى، فيكون مجال البحث في هذه النظرية الجزء التداولي
المدمج في الدلالة، ويكون موضوع البحث هو بيان الدلالة التداولية (لا الخبرية الوصفية) المسجلة في أبنية اللغة وتوضيح شروط استعمالها الممكن»(1).
ولا يخفى أنّ ثمة فوارق بين الدلالة والتداولية، فالدلالة تهتم بمعنى الجملة، في حين تهتم التداولية بدراسة السياق العام للنص، فضلاً عن دراستها لما يفعلبالكلمات، في حين يدرس علم الدلالة ما نعنيه بالكلمات، كما تُعنى التداولية «بدراسة مقاصد المرسل، وكيف يستطيع المرسل أن يبلّغها في مستوى يتجاوز مستوى دلالة المقول الحرفية، كما يُعنى المنهج التداولي بكيفية توظيف المرسل للمستويات اللغوية المختلفة في سياق معين، حتى يجعل إنجازه موائماً لذلك السياق، وذلك بربط إنجازه اللغوي بعناصر السياق الذي حدث فيه، ومنها ما هو مكوّن ذاتي، مثل: مقاصد المتكلم، ومعتقداته، وكذلك اهتماماته ورغباته، ومنها أيضاً المكونات الموضوعية، أي الوقائع الخارجية، مثل: زمن القول ومكانه، وكذلك العلاقة بين طرفي الخطاب. وتسهم هذه العناصر في تحديد الدلالة عند المرسل إليه، إذ يعتمد عليها في تأويل الخطاب وفهم مقاصده، وبهذا فإن المنهج التداولي يعين على دراسة ما يعنيه الخطاب في سياق معين، كما يعين على معرفة أثر السياق في لغة الخطاب عند إنتاجه»(2)
1-183.docx
. وهذا يعني أنّ التداولية المدمجة في الدلالة التي استندت إليها نظرية (الحِجَاج في اللغة) لا تُعنى بالبحث عن الجوانب التداولية خارج أطار اللغة وإنّما تبحث عنها داخل بنية اللغة نفسها؛ لأنّ الجزء التداولي فيها يكون مدمجاً في الدلالة اللغوية، وهذا يعني أنّ الحِجَاج عنصر دلالي تداولي كامن في اللغة سواء أكانت بنية، أم تركيباً،أم سياقاً.وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ نظرية أفعال الكلام انبثقت من التداولية؛ لتغيير النظرة التقليدية للكلام؛ إذ كانت تلك النظرية تعتمد على الاستعمال الوصفي، أما هذه النظرية فقد نظرت إلى الكلام بوصفه قوة فاعلة ومؤثرة في الواقع، كما ألغت الحدود الفاصلة بين الفعل والكلام، فأي معلومة يقدّمها شخص ما ترى هذه النظرية أنّها مثارة بواسطة شيء ما، وتسعى إلى تحقيق هدف ما، وتمثّل حلقة ضمن سلسلة التبادل الكلامي الدائر في فلك الحياة.
وقسّم أوستين الجمل على وصفية (خبرية)، وإنشائية (إنجازية)، فالجمل الوصفية هي جمل خبرية تصف حدثاً ما، ويمكن الحكم عليها بالصدق أوالكذب. أمّا الجمل الإنشائية فلا يمكن الحكم عليها بالصدق أوالكذب، وتتسم باستنادها إلى المتكلم، وتتضمن فعلاً من قبيل (الأمر، أو النهي، أو الوعد، أو السؤال، أو التنبيه، أو التحذير، أو نحو ذلك). وجعل وحدات الكلام على قسمين:
بيانية: وتُستعمل لإصدار العبارات الخبرية
أدائية: يؤدي المرسل بوساطتها عملاً ما(1)، وسمّىذلك الفعل بفعل الكلام، وقصد به «كلّ ملفوظ ينهض على نظام شكلي دلالي إنجازي تأثيري»(2).
إذاً أفعال الكلام تخرج عن الوصفية، وعن احتمالية الصدق والكذب إلى أفعال تنجز عملاً ما حال النطق بها، وقسّمها أوستين على ثلاثة أقسامٍ هي:
فعل الكلام: وقصد به النطق بالألفاظ بوصفها منتمية إلى معجمٍ ما بجملة مفيدة في بناءٍ نحوي سليم، ذي دلالة، وتحكمه المستويات اللسانية المعرفية (المستوى الصوتي، والمستوى التركيبي، والمستوى الدلالي).
الفعل المتضمن في القول (قوة فعل الكلام): وهو الفعل المراد به إنجاز عملٍ ما من خلال التلفظ بالجملة، وتتحكم به مقاصد المتكلّم، والسياق، والقوة الإنجازية.
الفعل الناتج عن القول (لازم فعل الكلام): وهو الفعل الذي يخلّفه التلفظ بالجملة من إقناع، أو تسليم، أو إرشاد، أو مواساة، أو إحراج، أو إزعاج، أو نحو ذلك. وهذا الفعل يمثل نتيجة الفعلين السابقين، ويتعلق بمقاصد المتكلّم الخارجة عن العبارة، والمفهومة من السياق(1).
واهتمت نظرية (الحِجَاج في اللغة) بالقوة الإنجازية:ويُقصد بها ما يتمّ تحققه بقوة فعل الكلام، وهي على قسمين:
أ - قوة إنجازية حرفية مدلول عليها بصيغة إنشائية (كالأمر، أو النهي، أو الاستفهام، أو التعجب، أوالتحذير، أوالتنبيه، أونحو ذلك)، وهي ما تُعرف بفعل الكلام المباشر. و«يستعمل المخاطِب الفعل الكلامي المباشر عندما يولي عنايته لتبليغ قصد، وتحقيق هدفه الخطابي، ورغبته في أن يكّلف المتلّقي بعمل ما، أو يوجهه لمصلحته من جهة، وإبعاده عن الضرر من جهة أخرى، أو توجيهه لفعل مستقبلي معين. ويفترض أن يتجه المخاطب بخطابه إلى التكثير من فائدة المتلّقي، فيستعمل هذه الإستراتيجيات في شكلها الأكثر مباشرة للدلالة على قصده، كالأمر، والنهي الصريحين»(2). ويمكن توضيح ذلك بخطبة الإمام الحسين (علیه السلام) في مكارم الأخلاق؛ إذ جاء فيها: «أيها الناس (نداء) نافِسوا في المكارم (أمر)، وسارعوا في المغانم (أمر)، ولا تحتسبوا بمعروف لم تُعجّلوه (نهي)، واكتسبوا الحمدَ بالنُّجح (أمر)، ولا تكتسبوا
بالمَطلِ ذمّاً (نهي)... »(1).
ب - قوة إنجازية لا تُعرف من صيغة الجملة الحرفية، وإنّما يُستدل عليها من سياق القول، وهي ما تُعرف بفعل الكلام غير المباشر(2). وقسمها ديكرو على فعلين: فعل اقتضاء، وفعل مفهوم (استلزام حواري).
يُقصد بالاقتضاء ما «لا يدل اللفظ عليه، ولا يكون ملفوظاً، ولكن يكون من ضرورة اللفظ أعم من أن يكون شرعياً أو عقلياً، وقيل: هو عبارة عن جعل غير المنطوق منطوقاً؛ لتصحيح المنطوق. مثاله: فتحرير رقبة. وهو مقتضٍ شرعي؛ لكونها مملوكة، إذ لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم فيزاد عليه؛ ليكون تقدير الكلام: فتحرير رقبة مملوكة»(3).
وجعل ديكرو الاقتضاء مفهوماً تداولياً، يختلف عن المفهوم المنطقي الذي كان سائداً في الدراسات التيسبقته، ويرى أنّه ليس «حدثاً بلاغياً مرتبطاً بالقول، وإنّما
1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الشيخ الجليل الحسين بن مُحمَّد بن الحسن بن الحلواني من أعلام القرن الخامس، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي عليه السلام، قم (د.ت): 81-82؛ واُنظر: التذكرة الحمدونية، محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي المعروف بابن حمدون (ت562ه-)، تحقيق: إحسان عباس وبكر عباس، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى (1996م): 1/102؛ وكشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/239-240؛ والفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة عليهم السلام، علي بن مُحمَّد ابن أحمد المالكي المكي الشهير بابن الصباغ (ت855ه-)، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية (1409ه- - 1988م): 169.
2) اُنظر: التداولية منهج لساني واستراتيجية لتحليل الخطاب، سعد بولنوار، الموقع على الانترنت: brahmiblogspot.com.blogspot.com/2011/05/blog-post-3207.html.
3) التعريفات: 290.
هو منغرس في اللغة نفسها»(1)، وصار الاقتضاء عملية تواصلية، تؤدي إلى معرفة المواقع التي يقتضيها القصد من الكلام. وأثبتت الدراسات الحِجَاجية اللغوية أنّ ثمة كلمات تمثل «في ذاتها مقتضى، حتى إذا أقحمت هذه الكلمات في تراكيب كانت هي المسؤولة عن ظهور المقتضى فيها، انطلاقاً من معناها المعجمي»(2). وفضلاً عن ذلك فإنّ المحاجج «إذ يعمد إلى اختيار كلمة [من] دون أخرى ممّا يُرادفها أو يُظنُّ أنّه يرادفها، إنّما يرمي إلى مزيد التأثير في ذهن المتلقين على أساس أنّ الكلمة المختارة أعلق بعالم خطابهم، وأمضى أثراً فيه، بما لها من زوائد معنوية جاءتها من اللغة، أو من الاستعمال، أومنهما معاً... إنّ للكلمة خصائص في ذاتها تستمدها من اللغة ومن التداول، تجعلها مؤهّلة بطبيعتها؛ لتكون ذات صبغة حجاجية، وترشحها لتكون من معجم الخطاب الحِجَاجي وقوام جداوله اللغوية، وإنّ لها في الخطاب بناءً على تلك الخصائص حركة تقصي فيها غيرها وتعوّضه وتحلّ محله؛ ليكون الخطاب أوغل في الحِجَاج وأذهب في الإقناع»(3).
وسيتضح ذلك أكثر باختيار بعض الألفاظ الواردة فيكلام الإمام الحسين (علیه السلام) التي مثلت مقتضى تداولياً، وكان لها أثرٌ حجاجي انجازي استمدته من سياق القول الواردة فيه.
عندما سمِع الإمامُ الحسين (علیه السلام) عمرَ بن الخطاب يقول وهو على منبر رسول
الله (صلی الله علیه و آله): إنّه «أولى بالمؤمنين من أنفسهم»(1)، قال له - وكان صبياً-: «انزل... عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك»(2)، فالحسين (علیه السلام) عندما ذكر لفظة (أبي) في هذا المقام مضافة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقتضي ذلك أنّ الحسين (علیه السلام) أراد أن يُذكّر عمر بن الخطاب بما كان متداولاً بين المسلمين من أقوال الرسول فيه وفي أخيه الحسن، ومن تلك الأقوال قوله (صلی الله علیه و آله) في الحسن والحسين (علیهما السلام): «هذان ابناي فمن أحبّهما فقدأحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني»(3)، وقوله (صلی الله علیه و آله): «الحسينُ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حُسيناً، حُسين سبطٌ من الأسباط»(4)، ونحوهما(5). زد على ذلك أنّ المسلمين يعلمون علم اليقين أنّ النبي محمداً (صلی الله علیه و آله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. قال تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» (6)، فلا يجوز شرعاً - استناداً إلى هذه الآية الكريمة - أن تُنقل الولاية بعد الرسول (صلی الله علیه و آله) لغير أولي الأرحام، فأولى
1) الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري)، الأميرة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (1432 ه- - 2011م): 2/271.
2) المصدر نفسه: 2/271؛ واُنظر: سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ (ت748ه-)، تحقيق محمّد نعيم العرقسوسيّ ومأمون صاغرﭽيّ وأشرف على التحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية (1402ه- - 1982م): 3/285.
3) الجامع الكبير، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت279ه-)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1996): 6/115؛ واُنظر: سير أعلام النبلاء: 3/284؛ وتاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر(ت571ه-)، دراسة وتحقيق: محبّ الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري، دار الفكر، بيروت (1415ه- - 1995م): 14/151.
4) الجامع الكبير: 6/118
5) اُنظر: المصدر نفسه: 6/115-121.
6) سورة الأحزاب: آية6.
النّاس بالمؤمنين بعد رسول الله آل بيته (علیهم السلام)، فلفظة (أبي) في هذا المقام تُمثّل فعلاً كلامياً غير مباشر جاء ليزيد من قوة فعل الكلام المباشر (الأمر/انزل) فهي تقتضي أنّه لا يجوز أن يدَّعي أحد أنّه أولى بالمؤمنين بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) غير آل بيته، كما لا يجوز أن يدّعي أحدٌ أنّ له الولاية على آل بيت النبي (صلی الله علیه و آله)، ناهيك عن أنّ الأعرافالاجتماعية منذ عصر ما قبل الإسلام تقتضي أن تنتقل الولاية من الآباء إلى الأبناء. وعمر بن الخطاب لم ينفِ أنّ رسول الله كان أباً للحسين (علیه السلام)؛ وقوة فعل الكلام غير المباشر هذه دفعته إلى أن ينزل من المنبر ويقول: «فمنبر أبيك لعمري يا حُسين لا منبر أبي...»(1)، فكانت للفظة (أبي) في هذا المقام قوة إنجازية حجاجية عالية جعلت عمر بن الخطاب يُسلّم له.
فلفظة (أبي) في هذا المقام تقتضي أنّ الولاية يجب أن تنتقل بعد وفاة الرسول (صلی الله علیه و آله) إلى آل بيته (علیهم السلام) استناداً إلى ما جاء بالقرآن، وما سمعه النّاس، وما تعارفوا عليه بالأعراف والتقاليد الاجتماعية.
وردت لفظة (جدي) في بعض المواضع مضافة إلى (رسول الله)، وفي مواضع أُخر مفردة غير مضافة إلى (رسول الله) في الخطاب الحسيني. وفيما يأتي بيان قوة فعل الكلام الحِجَاجية الاقتضائية غير المباشرة في تلك المواضع:
ذكر أبو عليّ الطبرسيّ (ت548ه-) صاحب تفسير(مجمع البيان لعلوم القرآن) في أثناء تفسيره لمعنى (الصمد)في سورة الإخلاص أنّ أهل البصرة سألوا الإمام الحسين (علیه السلام) عن معنى الصمد، فأجابهم عن ذلك مبتدأ جوابه بمقدمة جاء فيها:
1) الاحتجاج: 2/271.؛ واُنظر: سير أعلام النبلاء: 3/285.
«بسم الله الرحمن الرحيم. أمَّا بعد: فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تكلموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»(1).
قول الإمام (علیه السلام): «فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تكلموا فيه بغير علم»اعتمد فيه على فعلٍ كلامي إنجازي مباشر وهو (النهي)؛ لإبعادهم عن الخوض في القرآن، والمجادلة فيه، والتكلّم به بغير علم، وفي ذلك دلالة على أنّ أهل البصرة لم يُراسلوا الإمام الحسين (علیه السلام) ليستفسروا عن معنى (الصمد) إلا بعدما وقع بين مفسريهم ما وقع من جدالٍ، واختلافٍ في وجهات النظر؛ لذا التجأ الناس إلى الإمام الحسين (علیه السلام)؛ ليبيّن لهم معنى (الصمد) الوارد في سورة الإخلاص، بعدما وجدوا مفسريهم عاجزين عن بيانها، والوقوف على كنهها.
ثم قال: «سمعت جدي رسول الله»أراد الإمام (علیه السلام) من ذكر لفظة (جدي) لفت انتباه النّاس المتناحرين - كلٌّ بحسب اعتقادهوهواه - إلى حقيقة لا مراء فيها، ولا جدال، هي أنّ المُستفتى في تفسير هذه اللفظة هو سبط رسول الله وقد زقّ علم النبي زقّاً، فما يقوله حقيقة،لا يجوز شرعاً الجدال فيها؛ بوصفه يمثل حجة سلطة مستمدة من سلطة جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) . فلفظة (جدي) في قول الإمام الحسين (علیه السلام) حملت في ذاتها قوتها الدلالية؛ لتكون أساساً يُستند إليه في تحقيق قوتها الحِجَاجية. فالمقتضى التداولي لهذه اللفظة حمله المقتضى المعجمي لها داخل الكلام؛ لتوجيه المتلقي وجهة حجاجية نحو الابتعاد عن الشكّ في قوله؛ لأنّ ما يقوله هو الحقّ، وما سواه باطل، ولكي يحقق الإمام (علیه السلام) هذه الحقيقة التداولية اسندها إلى الحديث
1) مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت548ه-)، مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع، طهران (1417ه- - 1997م): 10/550-551.
النبوي الشريف: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»؛ ليؤكد ما سبق من جانب، ويشير من جانبٍ آخر إلى أنّ خوضهم، وجدالهم في معنى هذه اللفظة محرّم شرعاً، والمصرّ على ذلك «فليتبوأ مقعده من النار». والحديث النبوي الشريف يُمثّل تقنية سلطة، وهي من تقنيات الحِجَاج التي نادى بها بيرلمان في نظريته الحِجَاجية؛ بوصفها إحدى تقنيات الوصل الحِجَاجي.
أمّا مصداق ما ورد فيه لفظ (جدّي) من دون إضافة إلى (رسول الله)، فتمثله وصية الإمام الحسين (علیه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية (رضی الله عنه) بالبقاء في المدينة، فقد جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلىأخيه محمّد المعروف بابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، جاء بالحقِّ من عند الحقّ، وأن الجنّة والنّار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً،وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمة جدِّي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف،وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدِّي وأبي عليّ بن أبي طالب»(1).
في هذا الكتاب بيّن الإمام الحسين (علیه السلام) السبب الذي دعاه إلى الخروج من المدينة، وهو طلب الإصلاح في الأمة الإسلامية، فنصح محمد بن الحنفية (رضی الله عنه) أخاه الحسين بالخروج من المدينة - بعد المضايقات التي واجهها من عامل يزيد فيها (الوليد بن عتبة) - إلى مكة وإن لم يجد الأمان في مكة يخرج إلى اليمن، ومنها يتنقل في شعب الجبال، لكنّ الإمام كانت له غاية أخرى لم يرد أن يُفصح عنها لأخيه؛ لذا جزّاه خيراً على ذلك، وطلب منه أن يبقى في المدينة لأسباب منها أن يكون عيناً له(2). وفي
الوقت نفسه كنّ الإمام الحسين ما يريد فعله في قلبه، ولما عزم على الخروج إلى مكة كتب إليه هذا الكتاب.
خروج الإمام الحسين (علیه السلام) من المدينة إلى مكة كان متفقاً عليه بين الإمام الحسين وأخيه محمد بن الحنفية، وكان اتفاقهما على الخروج هو للابتعاد عن الضغوط الأموية لكن من ينظر في ما جاء في الكتاب يجد أن الإمام يُصرح فيه أنّ خروجه كان لأجل طلب الإصلاح في أمّة جدّه، وللأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر، وهذا يعني أنّ خروجه كان على الدولة الأموية، ولم يخرج للبحث عن مأوى يجنبه الخطر الأموي، ويبدو لي أنّ من أسباب عدم الإفصاح بذلك لأخيه عندما كانا معاً هو؛ لئلا يطلب منه أخوه محمد بن الحنفية أن يلازمه في خروجه، ويُجاذبه الحديث في ذلك، والإمام الحسين يريد منه أن يلتزم بما كلّفه به من واجب مراقبة تحركات العدو في المدينة، وفضلاً عن ذلك أراد أن يشعره بأنّه قادرٌ على أن يفعل شيئاً في هذه الحرب؛ لئلا يشعر محمد بن الحنفية أنّ العوق الذي أصابه سيكون حائلاً دون نصرة دين الله، ونصرة أخيه في هذه المعركة غير المتكافئة من جهة. وصرّح الإمام (علیه السلام) في هذا الكتاب بأنّه سيلتزم بخروجه بالنهج المحمدي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير على نهج جدّه وأبيه في الإصلاح من جهة أخرى.
يبدو أنّ الغاية التي أراد الإمام الحسين (علیه السلام) تحقيقها من ذكر لفظة (جدي)؛ هي إنّه (علیه السلام) أراد أن يلفت نظر أخيه إلى أنّ الواجب الشرعي يحتم على الإمام الحسين (علیه السلام) القيامبالثورة؛ بوصفه الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية، وعلى عاتقه تقع مسؤولية طلب الإصلاح، والحِمْلُ الذي يقع على عاتقة أكبر من الحمل الذي يقع على عاتق أخيه محمد بن الحنفية (رضی الله عنه)؛ لأنّ الإمام الحسين (علیه السلام) سبط من أسباط رسول الله (صلی الله علیه و آله) فهو المسؤول الأول عن القيام بهذه الثورة، أما المسؤولية التي تقع على عاتق محمد بن الحنفية فتقتصر على الالتزام بأمره فحسب، فالفعل الاقتضائي غير المباشر
المقتضى من ذكر لفظة (جدي) هو أنّ مسؤولية القيام بالثورة تقع على عاتقي بوصفي ولي أمر المسلمين، وعليك إطاعتي بالبقاء بالمدينة، وألّا تخرج منها للالتحاق بي. وهكذا حقق الإمام بلفظة (جدي) حجّة جعلت المتلقي (السيد محمد ابن الحنفية) يُذعن لها، ويُسلّم أمره، ويبقى ملازماً للمدينة.
وممّا يبدو أيضاً أنّ قوة فعل الكلام في هذه الخطبة تكمن في صياغتها البلاغية؛ إذ أََمَرَ الإمام الحسين (علیه السلام) أخاه بالبقاء في المدينة، وهذا الأمر فيه من القوة ما جعل السيد محمد بن الحنفية (رضی الله عنه) يُذعن له، ويفوّض أمره إلى الله (عزوجل) من دون أن يستعمل الإمام الحسين في الوصية كلّها فعل الأمر المباشر بصيغِهِ البنيوية المعروفة، وإنّما استند في ذلك إلى التلميح بالفعل الاقتضائي غير المباشر.
أمّا لفظة (جدي) الثانية الواردة في الكتاب نفسه فتقتضي أنّ الإمام بخروجه لم يرد أن يدعو المسلمين إلىحربٍ ضد الأمويين لغايات دنيوية، فالمقتضى من لفظتي (جدي)، و(أبي) المضافة إلى (عليّ بن أبي طالب) هو إخبار أخيه بأنّه سيلتزم بالمسار الذي سار عليه جدّه وأبوه، والنهج الذي اختطاه ولا يتجاوز ذلك، فقوة هاتين اللفظتين الحِجَاجية الاقتضائية تكمن في مقدرتهما على الإقناع؛ بوصفهما يمثلان سلطة حجاجية عُليا يكون لها الأثر الكبير في الإقناع، ولاسيما بمن يؤمن بالرسول (صلی الله علیه و آله)، وابن عمّه علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فما عليه إلا أن يُسلّم أمره، ويفوضه إلى الله؛ إذ لا يستطيع محمد بن الحنفية أن يثني الإمام الحسين (علیه السلام) عن المسير في الخط المحمدي لتبليغ رسالة الله (عزوجل) إلى أهل الأرض.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ الإمام (علیه السلام) عندما ذكر لفظة (أبي) أضافها إلى اسم أبيه (عليّ بن أبي طالب)؛ ليُعلِمَ المتلقي (محمد بن الحنفية) أنّه يقصد بها أباه الذي خرج من صلبه (عليّ بن أبي طالب)، ولا يقصد بها جدّه (رسول الله)؛ لأنّ المتداول بين المسلمين، ولاسيما في بيت آل النبي (علیهم السلام) أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) كان يدعو جده (رسول الله)، وأباه (عليّ بن أبي طالب) بلفظة (أبي)، واتضح ذلك جلياً في خطبِهِ وكتبِهِ.
من الألفاظ التي أدت وظيفة حجاجية عالية في بعض المقامات التداولية احتجاج الإمام (علیه السلام) على جيش الكوفةبقوله عن نفسه إنّه (ابن بنت) النبي (صلی الله علیه و آله)، فهذه العبارة تسجن المتلقي في وضع ذهني يكون فيه في موقع الضعيف العاجز؛ إذ لا يمكن أن ينكر أو ينفي أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) ابن بنت النبي (صلی الله علیه و آله)، فقوتها الحِجَاجية تكمن في ما تؤديه ضمناً من معنى، وهذا المعنى الضمني منضوٍ في السمات الدلالية الضمنية، فأعداء الإمام الحسين (علیه السلام) قد أنعم الله عليهم سبحانه وتعالى بنعمة الإسلام والهداية بجده المصطفى محمد (صلی الله علیه و آله) فكيف يجوّز لهم دينهم قتل آل بيته؟! فعلى هذا يأتي معنى قوله (علیه السلام): «...أمّا بعد فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها، فانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وسلم... أفتشكّون أثَراً ما أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة»(1). فقوله: (ابن بنت)المضافة إلى النبي (صلی الله علیه و آله) التي كررها أربع مرات في
1) تاريخ الطبري(تاريخ الرسل والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ (ت310ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية (1971م): 424-326؛ واُنظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغدادي (ت413ه-)، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، (د. م) (د. ت): 2/97-98؛ والكامل في التاريخ: 3/418-419؛ وسير أعلام النبلاء: 3/301-302؛ والبداية والنهاية، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القُرَشي الدمشقي (ت774ه-)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الجيزة، الطبعة الأولى (1418ه- - 1998م): 11/534-536.
مواضع متقاربة في هذه الخطبة تقتضي حقيقة تحمل بين طياتها أنّه ممّا لا نقاش فيه، ولا جدال أنّه لا يحلّ لكم قتلي؛ لأنّ بقتلي انتهاكاً لحرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) . وهذا أيضاً ينطبق على قوله للحرّ بن يزيد وجيشه: «فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم»(1).
ويمثلها قول الإمام الحسين (علیه السلام) لجيش الكوفة عندما استكفوا به: «أ فهؤلاء تعضدون، وعنَّا تتخاذلون؟! أجل والله. خذل فيكم معروفٌ... ألا وإنَّ [الدعي] ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين: بين السّلة والذّلة، وهيهات منا الذّلّة [وهيهات له ذلك منّي]، يأبى الله ورسولُهُ ذلك والمؤمنون، وحجورٌ [طهرت وجدودٌ] طابت، وأنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌأبيّة، أن نؤثر مقام اللئام على مصارعِ الكرام... ثم قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر، فدُعي له، وكان كارها لا يحبّ أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني؟! تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان»(2).
لفظة (الدّعي) الواردة في هذه الخطبة مثّلت فعلاً كلامياً اقتضائياً غير مباشر ذا
1) تاريخ الطبري: 5/403؛ وذكر البلاذري (ت279ه-) جزءاً منها في كتابه (جمل من أنساب الأشراف)، حققه وقدم له الدكتور سهيل زكّار والدكتور رياض زركلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى (1317ه- - 1996م): 3/381؛ وينظر أيضاً: الكامل في التاريخ: 3/407-408؛ وبحار الأنوار: 44/381-382؛ وجمهرة رسائل العرب في العصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت، المكتبة العلمية، بيروت ( 1356ه- - 1937م): 2/40.
2) التذكرة الحمدونية: 5/212؛ واُنظر: تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، أبو محمّد الحسن ابن علي بن الحسين ابن شعبة الحراني (من أعلام القرن الرابع الهجري)، قدّم له الشيح حسين الأعلمي، الطبعة الأولى (1384ه-): 265-267؛ وتاريخ مدينة دمشق: 14/218-219؛ والاحتجاج: 2/278؛ وما بين الأقواس من: بحار الأنوار: 45/10.
قوة حجاجية عالية استعمله الإمام (علیه السلام)؛ ليؤكد فعلاً كلامياً اقتضائياً مباشراً وهو الاستفهام التقريري(1): «أفهؤلاء تعضدون، وعنَّا تتخاذلون؟!». فلما استكفى جيش الكوفة بالإمام الحسين (علیه السلام)، وتحاثَّوا على قتله، وسفك دمه قرع آذانهم بهذا الاستفهام، ولمّا وجدهم لم ينثنوا عمّا تحاثوا عليه قرع آذانهم بقولٍ آخر ذي قوة حجاجية عالية مثلته لفظة (الدّعي)، ف-(الدّعي) في اللغة يعني الذي يُدعى لغير أبيه، أو يدّعيه غير أبيه(2).فقد أشار الإمام (علیه السلام) بهذا اللفظ إلى حقيقة متداولة شائعة بين المسلمين وهي إنّ (زياد) والد (عبيد الله) كان يُدعى بزياد ابن أبيه، فأبوه لم يكن معروفاً. فالمقتضى الحِجَاجي من ذكر هذا اللفظ - والخطاب موجّه لجيش الكوفة عامة، ولعمر بن سعد خاصّة - إنّكم تأتمرون بأمر ابن زنى لقتل ابن نبي! وقوة فعل الكلام غير المباشر الكامنة بين طيات هذا اللفظ هي النهي عن التجمع تحت راية ابن الزنى لقتل ابن النبي (صلی الله علیه و آله)؛ لذا نجد أنّ للفظة (الدّعي) في هذا السياق خصوصية تستمدها من دلالتها المعجمية التي مثّلت قوة دافعة لدلالتها التداولية الاقتضائية، ليس لأنّها مجرد تهمة، بل لأنّها تهمة تحمل في طياتها وجه الاقتضاء حقيقة؛ لتزعزع في أذهانهم حقيقة أخرى، فبفضل المقتضى المعجمي للفظة (الدّعي) تحوّل قول الإمام (علیه السلام) من ملفوظ وصفي إخباري معرفي إلى كلام ذي قيمة حجاجية عالية بفضل قوة فعل الكلام الكامنة في طياته؛ لينجز به الإمام (علیه السلام) فعلاً كلامياً غير مباشر هو: تراجعوا
1) ستكون لي وقفة مع موضوع الاستفهام التقريري في المبحث الثالث من هذا الفصل.
2) اُنظر: العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175ه-)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، دار الهجرة، قم، الطبعة الأولى (1405ه-): مادة (دعو)2 /221؛ وتهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت370ه-)، تحقيق عبد الحليم النجار، الدار المصرية للتأليف والنشر، مصر، (1964م): مادة (دعا) 3/120.
عن هذا الأمر وعودوا إلى رشدكم.
وتتمثل خصوصية هذه اللفظة في هذا المقام فيدلالتها المعجمية الممزوجة بدلالتها التداولية الاقتضائية الحِجَاجية، فهي في الوقت الذي تحمل فيه تهمة من جهة الكلام، تمثل حقيقة من جهة المقتضى، فهي اتهام حقيقي، ولا يمكن نفي هذه التهمة إلا من خلال نفي الحقيقة. وهكذا نجد أنّ لفظة (الدّعي) في هذا المقام تؤدي وظيفة ذات قوة حجاجية عالية هي اختراق أقوال أعداء آل بيت النبي (صلی الله علیه و آله)، وفضح ادّعاءاتهم، وإبطالها، ثمّ نسفها.
فالمقتضى الناجم عن معنى كلمة (الدعي) تحوّل في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) إلى مقتضى تداولي، ناقلاً بذلك الواقع من خارج الخطاب إلى داخله، وهكذا مثلت لفظة (الدعي) في هذا السياق فعلاً اقتضائياً غيرَ مباشرٍ مهد للوصول إلى النتيجة.
«الاقتضاء يمتاز بكونه لا يتغير بتغير ظروف استعمال العبارة؛ فهو ملازم لها في جميع الحالات والأحوال، أما الاستلزام فإنه يتغير بتغير ظروف إنتاج العبارة اللغوية»(1). وسُمّيَ بالمفهوم في نظريةالأفعال الكلامية؛ لأنّه مفهوم من الكلام، ثم اصطلح عليه (غرايس) بالاستلزام الحواري؛ لأنّ اللازم فيه لا ينفك عن ملزومه(2)، ويستطيع المحاجج بواسطة هذا الفعل الكلامي أن ينجز «أفعالاً لغوية غير مباشرة باستعمال أفعال لغوية أخرى؛ لتدلّ على معنى آخر غير الذي وُجِدت له
في حقيقتها، فتتوّلد عنها معانٍ أصلية وترد في سياقات تناسب المقام، ويكون ذلك بواسطة ما يسمّى ب-(قرائن الحال)؛ إذ تخترق أحد شروط إجراء المعنى الأصلي، فيمتنع إجراؤه، ويتوّلد معنى آخر يناسب المقام»(1).
والاستلزام الحواري حدثٌ بياني مرتبط بسياق القول، ويتمثل بالاستعارة، والكناية، والتلميح(2)
http: //www.aljabriabed.net.
. وسيقتصر هذا المبحث على التلميح فقط،أما الاستعارة، والكناية فسيأتي الحديث عنها في المبحث الرابع من هذا الفصل(3).تفهم دلالة التلميح من فعل الكلام لا من مضمون القول، فالمتلقي لا يدرك المعنى من مضمون القولالمباشر، بل من قرائن الحال المقامية.
ومن أمثلته قول الإمام الحسين (علیه السلام) لابن الأزرق الخارجي شيخ الأزارقة(4): «إني سائلك عن مسألة، قال سل، فسأله عن هذه الآية: «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ»(5). يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبُوهما؟ قال الحُسَيْن فأبوهما خير أم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون»(6).
1) دراسة الأفعال الكلامية في القرآن الكريم - مقاربة تداولية -: (بحث)20.
2) اُنظر: إشكال المعنى من الاستعارة إلى الاستلزام الحواري، الموقع على الانترنت:
3) اُنظر: هذه الأطروحة: 110- 118.
4) نافع بن الأزرق كان رأس الأزارقة، وإليه نسبتهم، وكان أمير قومه وفقيههم. من أهل البصرة. صحب في أول أمره عبد الله بن عباس. وكان من الخوارج (ت65ه-). اُنظر: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة عشر (2002م): 7/351.
5) سورة الكهف: آية82.
6) تاريخ مدينة دمشق: 14/183-184؛ واُنظر: مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، مُحمَّد بن مكرّم المعروف بابن منظور (ت711ه-)، تحقيق أحمد راتب حنوش ومُحمَّد ناجي العمر، مراجعة رياض عبد الحميد مراد، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى (1405ه- - 1985م): 7/130-131.
الذي دفع الإمام الحسين (علیه السلام) إلى أن يسأل ابن الأزرق هذا السؤال الاستجابة التي رآها منه بعدما أجابه عن سؤاله في وصف الله عزّ وجلّ، فما أن أجابه الإمام (علیه السلام) عن سؤاله وجده يبكي ويقول متعجباً: «يا حسين ما أحسن كلامك! »فقال له الإمام (علیه السلام): «بلغني أنّك تشهد على أبي، وعلى أخي بالكفر، وعليَّ». قال ابن الأزرق: «أما والله يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام»، هذه الاستجابة من ابن الأزرق دفعت الإمام الحسين (علیه السلام) إلى أن يسأله عن معنى الآية الكريمة؛ليجعله بذلك يقرّ بأحقية آل البيت بخلافة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فلو أجاب ابنُ الأزرق الإمامَ قائلاً: رسول الله؛ لاستلزم ذلك أن يكون ابنا رسول الله (الحسن والحسين) أحقّ بأن يُحفظ حقهما في الخلافة، وهذا الاستلزام تفطّن إليه ابن الأزرق؛ لذا لم يجب الإمام عن سؤاله بل أضرب عنه إلى تلميحٍ آخر بقوله: «قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون»، الذي لمّح إليه ابن الأزرق في قوله هذا: إنّك يا حسين لم تسألني هذا السؤال للتعرّف على بيان معنى الآية الكريمة، بل كانت لك غاية أخرى وهي لتجرّني في مجادلة، وأنا لا طاقة لي بك، يدلّ على ذلك قوله: (قوم خصمون) الذي لمّح فيه إلى قوله تعالى: «مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»(1). فابن الأزرق فهم من سؤال الإمام عن معنى الآية أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) أراد أن يجرّه لمحاورة علّها تثنيه عن عقيدته.
والمتلقي (المباشر أو غير المباشر) يفهم تلك التلميحات من الحوار الذي دار بينهما، فالفعل غير المباشر الذي أراد الإمام الحسين أن يحققه من هذه المحاورة هو ثني ابن الأزرق عن عقيدته علّه ينقذه من الضلال الذي كان يعيش فيه، لكنَّ قوة فعل الكلام المستندة إلى حجة السلطة المتمثلة بالآية الكريمة التي استند إليها الإمام
1) سورة الزخرف: آية58، والآية تتحدث عن النبي عيسى (علیه السلام) .
الحسين (علیه السلام) بوصفها تمثل قوة فعلكلام غير مباشر لثني ابن الأزرق عن عقيدته لم تفلح مع ابن الأزرق فبقيَ على عقيدته، وتأسست على يديه فرقة من الخوارج عُرفت بالأزارقة.
فالغاية من تلميح الإمام (علیه السلام) كانت إرشاد ابن الأزرق إلى جادة الصواب، وهذا التلميح يدلّ - في الوقت نفسه - على المقدرة البلاغية التي كان الإمام الحسين (علیه السلام) يتمتع بها في استيعاب المعاني وتنويعها، والطاقة الحِجَاجية في توصيلها إلى المتلقي.
ومن الأمثلة الأخر على الحِجَاج بالتلميح قول الإمام (علیه السلام) للحر بن يزيد الرياحيّ وجيشه بالبيضة قرب العذيب(1): «... وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي، وأخي، وابن عمي مسلم [بن عقيل]، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه، وسيُغني الله عنكم»(2).
فهذا القول استمد قوته الحِجَاجية من فعل الكلام غير المباشر المستمد من التلميح إلى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»(3)، فهذه الآية تمثل حجة سلطة استند إليها الإمام (علیه السلام)؛ علّها تُجدي نفعاًمع مَنْ أصمَّ الشيطان آذانهم.
وما ينطبق على القول السابق ينطبق أيضاً على قول الإمام (علیه السلام) لجيش الكوفة لما استكفوا به: «أفهؤلاء تعضدون، وعنَّا تتخاذلون؟! أجل والله. خذل فيكم معروفٌ
وشَجَت عليه عروقكم، وتأزّرت عليه أصولكم فأفرعتم، فكنتم أخبث ثمرٍ شَجى للناظر، وأكلةً للغاصب. ألا فلعنة اللهِ على [الظالمين] الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلاً»(1).
فهذا القول استمد قوته الحِجَاجية من التلميح إلى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» * «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ» * «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ»(2). لكنّ هذا القول لم يجد صداه في قلوبٍ صادئة لا تميز الخبيث من الطيب.
يُفهم من ذلك أنّ القوة الحِجَاجية لا تقتصر على ظاهر اللفظ فحسب، بل يمكن أن يكون الحِجَاج بالخطاب التلميحي أيضاً؛ لأنّ النصّ - كما يقول الغزّاليّ (ت505ه-) -: «ضربان: ضربٌ هو نصٌّ بلفظه ومنظومه...، وضربٌ هو نصٌّ بفحواهومفهومه، نحو قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ»(3)، «وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» (4)، «فَمَن یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَیْرًا یَرَهُ»(5)، «وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ
إِلَيْكَ»(1). فقد اتفق أهل اللغة على أنّ فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم، وما وراء الفتيل، والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة، والفتيل، والتأفيف»(2). والمحاجج يمازج ما بين هذين الضربين بالحِجَاج؛ «لأنّ المرسل إليه يفهم ما يضمره في خطابه تماماً مثلما يفهم ما يظهره فيه، فإذا كانت تتجلى كفاءة المرسل التداولية في صناعة الخطاب، فإنّها تتجلى الكفاءة التداولية للمرسل إليه عند تأويل الخطاب للوصول إلى مقاصد المرسل وإدراك حججه. فلو كان التخاطب يعتمد على الاستراتيجية المباشرة [من] دون غيرها لكلّف النّاس أنفسهم عنَتاً من أجل تفسير الخطاب وتوخي الإطناب وإغفال ما تستدعيه عناصر السياق الاجتماعية من تنويع الخطاب في بنيته»(3).
نستنتج ممّا تقدّم أنّ نظرية (الحِجَاج في اللغة) وُلِدَتْ من رَحِمِ نظرية الأفعال الكلامية لأوستين وسورل، وهذه النظرية ترى أنّ الإخبار لا يُمثّل الوظيفة الأساسية للغة؛بل ترى أنّ اللغة تستمد سلطتها، وقوة سلطانها من إنجازها للأفعال، وتأثيرها في الآخرين. فالتخاطب العادي لا يُراد منه تبادل الأخبار بقدر ما يُراد منه التأثير في الآخرين؛ لحملهم على إنجاز الأفعال.
ترى نظرية (الحِجَاج في اللغة) أنّ اللغة قبل التلفظ بها عبارة عن إمكانيات لغوية، وبعد التلفظ بها تصبح خطاباً،أو بمنزلة الخطاب تصدر عن متكلم، وتستهدف مستمعاً. وأنّ الخطاب الحِجَاجي يصدر عن ذات متكلمة، ويستهدف مستمعاً، كما تنظر هذه النظرية إلى اللغة على أنّها حوار بين عقول المتحدثين وظيفته الأساس إقامة جسور التفاهم؛ لبلوغ التوافق بصدد القضايا المثارة بينهم من دون اللجوء إلى العنف، فالمتكلم يجعل قولاً ما حجّة لقول آخر، يكون نتيجة يهدف منه إقناع المتلقي، أو إزعاجه، أو نحو ذلك...، ويكون ذلك صراحة، أو ضمناً، أي أنّ المتكلم قد يصرح بالنتيجة، وقد يخفيها فيكون على المتلقي استنتاجها، كما أنّها تنظر إلى الأقوال على أنّها متتابعة مترابطة على نحو دقيق، بعضها يدعم الآخر ويثبته.
وأهم الأسس التي انطلق منها ديكرو و انسكومبر في نظريتهما الحِجَاجية هذه هي:
الوظيفة الأساسية للغة هي الحِجَاج.
المكون الحِجَاجي في المعنى أساسي، والمكون الإخباري ثانوي.
عدم الفصل بين الدلالة والتداولية، والدعوة إلى فرضية التداوليات المدمجة(1).
1) اُنظر: نحو مقاربة حجاجية للاستعارة، أبو بكر العزاوي، مجلة المناظرة، العدد (4)، لسنة (1991م): 79.
ينبغي ألّا يقتصر القارئ في فهم النص الخطابي على منطوقه، أو على المقتضى المعجمي، أو على الاستلزام الحواري فحسب، بل عليه أن يجهد نفسه في فهمه بإدراك أثر الروابط والعوامل الحِجَاجية فيه؛ لما لهذه الروابط والعوامل من أثر فعال في عملية التوجيه الحِجَاجي، وقد أثبتت الدراسات الحِجَاجية «أنّ الروابط والعوامل الحِجَاجية هي المؤشر الأساسي والبارز، وهي الدليل القاطع على أنّ الحِجَاج له مؤشر في بنية اللغة نفسها»(1).
هي الأدوات التي تربط بين قولين داخل الخطاب، وتسند لكلِّ قول أثراً محدداً داخل (الاستراتيجية) الحِجَاجية، كماتسهم في تحديد العلاقة التخاطبية العامة؛ انطلاقاً من أثرها في فهم الأبعاد الدلالية، وعُدّ الرابط الحِجَاجي في النظرية الحِجَاجية اللغوية موصلاً تداولياً «يعمل على تفكيك مكونات الفعل اللغوي ليجعل منها أفعالاً لغوية يحمل عليها وهي منفصلة»(2).
وتضم الروابط الحِجَاجية مجموعة من الأدوات اللغوية التي يمكن تقسيمها على:
الروابط التي تدرج حججاً قوية، ومنها: (حتّى، بل، لكن، ولاسيما،...).
الروابط المدرجة للنتائج، ومنها: (إذن، لهذا، وبالتالي...).
روابط التساوق(التساند) الحِجَاجي، ومنها: (حتى، ولاسيما،...)
روابط التعارض (التعاند) الحِجَاجي، ومنها: (بل، لكن، مع ذلك،...)(1).وكلام الإمام الحسين (علیه السلام) احتوى على مجموعة من الروابط، سأقتصر في هذا المبحث على استعمالاتها الحِجَاجية من دون الخوض في استعمالاتها الأُخر (التركيبية، النحوية، المعجمية،...).
ومن أمثلتها في الخطاب الحسيني:
«... وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلّطنَّ عليهم من يذلَّهم حتّى يكونوا أذلَّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائِهم»(2).
نلحظ أنّ (حتّى) استُعملت للربط بين حجتين: (وليسلّطنَّ عليهم من يذلَّهم) و(يكونوا أذلَّ من قوم سبأ...) لهما
توجه حجاجي واحد، ويخدمان النتيجة (يلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً)، لكنّ الحجّة الثانية (يكونوا أذلَّ من قوم سبأ...) التي وردت بعد الرابط (حتّى) أقوى من الحجّة التي قبلها.
(بل): جاء في خطبته (علیه السلام) في التوحيد: «أيّها النّاس اتّقوا- هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب بل هو الله ليس كمثله شيء»(1). نلحظ أنّ هذا الرابط يربط بين حجتين لهما توجه حجاجي واحد، تكون الحجّة التي بعده وهي في الخطبة (هو الله ليس كمثله شيء) أقوى من الحجّة التي قبله (أيّها النّاس اتّقوا هؤلاء المارقة يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب) في خدمة النتيجة المضمرة (لا تشبّهوا الله بأنفسكم)، فالرابط (بل) أفاد هنا الانتقال من غرضٍ إلى غرضٍ آخر لهما توجه حجاجي واحد، ويخدمان نتيجة واحدة.
(لكنّ): ومن ذلك ما جاء في ردِّ الإمام الحسين (علیه السلام) على معاوية عندما قال له: يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟ فقال (علیه السلام): «وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم، وكفّناهم، وصلينا عليهم. فضحك الحسين (علیه السلام) ثم قال: خصمك القوم يا معاوية، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم ولا قبرناهم»(2). نلحظ أنّ (لكن) «تتوسط بين كلامين متغايرين نفياً وإيجاباً يستدرك بها النفي
بالإيجاب، والإيجاب بالنفي»(1)، ويكون حكم ما بعدها مخالفاً لحكم ما قبلها، وفي المثال السابق توسطت بين قول معاوية: (... قتلناهم، وكفّناهم، وصلينا عليهم) المثبت، وقول الإمام الحسين (علیه السلام) المنفي (لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم ولا قبرناهم).
ويرى الحجاجيون أنّ الحجّة التي بعدها أقوى من الحجّة التي قبلها في خدمة النتيجة(2).
(لأنّ): ومن أمثلته ما جاء في خطبة الإمام الحسين (علیه السلام) في التوحيد: «... ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنّه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين»(3). ويُعد هذا الرابط من أهم ألفاظ التعليل، ويُستعمل لتبرير الفعل، ويربط بين النتيجة والحجّة، ففي المثال السابق يمثل قول الإمام (علیه السلام): (ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته)- النتيجة، وقوله (علیه السلام): (ليس له في الأشياء عديل) الحجّة؛ وكذلك قوله: (ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق إيقاناً بالغيب) مثّل النتيجة، وقوله (علیه السلام): (لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين) مثّل الحجّة. وممّا يُلحظ أنّ هذا الرابط جاء بعد النتيجة، وجاءت الحجّة بعده؛ لتعلل النتيجة.
(حتى): وهو من الروابط التي تدرج حججاً قوية نحو ردّ الإمام الحسين (علیه السلام) على معاوية عندما طلب منه أن يبايع يزيد؛ ليكون خليفة للمسلمين، إذ قال الإمام (علیه السلام): «... هيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفتَ، ومنعت حتّى محلت، وجزت حتّى جاوزت ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل،... فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة... فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك»(1)
عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ (ت276ه-)، تحقيق علي شيري، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى (1410ه- - 1990م): 1/209.
. نلحظ أنّ (حتّى)- لها توجه حجاجي واحد، وكلّ الحجج التي جاءت قبلها والتي جاءت بعدها خدمت النتيجة (هيهات هيهات يا معاوية).أما الروابط المدرجة للنتائج: (إذن، لهذا، وبالتالي)، فقد تبيّن من استقراء كلام الإمام الحسين (علیه السلام) أنّ هذا النوع من الروابط لم يرد في كلامه؛ وذلك يعود إلى أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) قد نهل لغته من القرآن، وهذه الروابط لم ترد في القرآن الكريم البتة. وكذلك الحال مع الروابط الأُخر نحو: (مع ذلك، لاسيما)، لكن ثمّة روابط أُخر استعملها الإمام (علیه السلام) مدرجة للنتائج ك-(لام التعليل)، نحو قوله (علیه السلام) لعمر بن
1) الإمامة والسياسة، المعروف بتاريخ الخلفاء، أبو محمّد
الخطاب: «فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمِّر أبا بكر على نفسك ليؤمِّرك على الناس»(1). الحجّة (تؤمِّر أبا بكر على نفسك)، والنتيجة (يؤمِّرك على الناس). و(الفاء) نحو قول الإمام (علیه السلام): «فتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى»(2). فالفاء ربط بينالحجّة(تزودوا) والنتيجة (خيرَ الزادِ التقوى)، وهذان الرابطان لم تشر إليهما نظرية الحجاج في اللغة.
نلحظ ممّا تقدّم أنّ بعض الأقوال المذكورة آنفاً قد تألفت من أكثر من حجّة، وهذه الحجج تناسقت فيما بينها تناسقاً حجاجياً، وهي في تناسقها هذا وجّهت الحجج وجهة حجاجية متساندة أو متعاندة. وعلى هذا الأساس ينبغي التفريق بين نوعين من الحجج هما:
1) الاحتجاج: 2/271.
2) زهر الآداب وثمر الألباب، أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ الحُصريّ القيروانيّ (ت453ه-)، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الرابعة (د. ت): 1/100؛ واُنظر: تاريخ مدينة دمشق: 14/218؛ وجمهرة خطب العرب في العصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأولى ( 1352ه- - 1933م): 2/43.
المشتمل على الأداة (حتّى) لا يقبلالإبطال والتعارض الحِجَاجي»(1).
1) اللغة والحِجَاج: 73؛ واُنظر: الحِجَاج في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، (رسالة ماجستير): 116.
2) اُنظر: هذه الأطروحة: 118-119.
3) كذا، والصواب: بوصفها.
4) كذا، والصواب: بوصفها.
5) اللغة والحِجَاج: 58؛ واُنظر: الحِجَاج في الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، (رسالة ماجستير): 112.
6) كذا، والصواب: بوصفها.
من توجيه القول بمجمله فتكون النتيجة التي يقصد إليها هذا الدليل الثاني ويخدمها هي نتيجة القول برمته»(1). وهذا يعني أنّ الحجّة التي ترد بعد (لكن) أقوى من الحجّة التي ترد قبله، فالاستدراك ب-(لكن) يوجه دلالة القول كلّه إلى سلب مضمون ما قبله.
ولم يقتصر التساند الحِجَاجي على (حتّى) فحسب؛ إذ أثبتت الدراسات الحِجَاجية أنّ الرابط (بل) يُستعمل في مواضعَ للتساند الحِجَاجي، وفي مواضع أخر للتعاند الحِجَاجي، ويمكن معرفة ذلك من السياق التداولي الوارد فيه؛ ولذا وقف عنده الدكتور أبو بكر العزاوي في موضعين من كتابه (اللغة والحِجَاج) أحدهما بوصفة مرادفاً ل-(حتّى) الحِجَاجية الدالة على التساند الحِجَاجي(2)، والآخر بوصفه مرادفاً ل-(لكن) الدالة على التعاند الحِجَاجي(3)، ومثالاستعمال هذا الرابط للتساند الحِجَاجي ما جاء في خطبة الإمام الحسين (علیه السلام) في التوحيد: «أيّها النّاس اتّقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شيء»(4). نلحظ في هذه الخطبة أنّ الرابط (بل) يربط بين حجتين لهما توجه حجاجي واحد، تكون الحجّة التي بعده وهي في الخطبة (هو الله ليس كمثله شيء) أقوى من الحجّة التي قبله (أيّها النّاس اتّقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب) في خدمة النتيجة المضمرة (لا تشبهوا الله بأنفسكم)، فالرابط (بل) أفاد هنا التساند الحِجَاجي بالانتقال من غرضٍ إلى غرضٍ آخر.
أمّا استعماله للتعاند الحِجَاجي فيمكن توضيحه بما جاء في المصادر التاريخية أنّ الشمر بن ذي الجوشن قال للإمام الحسين (علیه السلام): أبشر بالنار تردها الساعة، فقال له الإمام (علیه السلام): «كذبت، بل أبشر بربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ»(1). إنّ الرابط الحِجَاجي (بل) أقام علاقة حجاجية مركبة من علاقتين حجاجيتين فرعيتين: علاقة بين حجّة الشمر (تبشير الإمام بالنار)، والنتيجة المضمرة (إنّك كافر)، وعلاقة حجاجية ثانية تسير بالاتجاه المعاكس لهذه النتيجة، أي بينالحجّة القوية التي أتت بعد (بل)، وهي (أبشر بربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ) والنتيجة المضادة للنتيجة السابقة (أنا لستُ كافراً). والنتيجتان مضمرتان «فالرابط الحِجَاجي (بل) يربط بين الحجج والنتائج، والنتيجة المضادة (لا - ن) ستصبح نتيجة القول برمته؛ لأنّ الحجّة التي بعد (بل) أقوى من الحجّة التي ترد قبلها»(2).
نخلص من ذلك إلى أنّ الحِجَاج اللغوي يعتمد على روابط حجاجية تسهم، في ربط العلاقات التي يمكن ملاحظتها بين الحجّة والنتيجة، والحجّة التي تلي الرابط هي الحجّة الأقوى.
العامل الحِجَاجي يربط بين وحدتين دلاليتين داخل القول اللغوي الواحد، ويقوم بحصر وتقييد الإمكانات الحِجَاجية التي تكون للقول الواحد داخل الخطاب، فالعامل الحِجَاجي عبارة عن مورفيم إذا دخل في الخطاب أسهم في تقليص الإمكانات الحِجَاجية للكلام، وزاد من طاقته الحِجَاجية في التوجه نحو نتيجة حجاجية ما، ووظيفته تقتصر على شحن الكلام؛ ليؤدي وظيفة حجاجية
تتلاءم مع مقاصد المحاجج، وفي الوقت نفسه يساعد المتلقي في تحديد دلالة المراد من الكلام؛ لذا عُدّت العوامل موصلاً قضوياًحجاجياً دلالياً.
وتضم العوامل الحِجَاجية في اللغة العربية أدوات: (النفي، أدوات القصر، ربّما، تقريباً، كاد، قليلاً، كثيراً، منذ الظرفية، على الأقل،...)، ولم يرد في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) منها إلا النفي، والقصر.
النفي ردّ فعل على إثبات فعلي، وهو «توجيه على توجيه؛ لذلك بمجرد إدماج عامل النفي تتحدد النتيجة (ن) بسرعة ولا يجد المتقبل حرجاً أو كدّ ذهني(1)في إدراك المفهوم، بل إنّ عامل النفي كمفهوم علاوة على(2)وظيفته التوجيهية في الخطاب الحِجَاجي فإنّ له قيمة مضافة وهي على حدِّ عبارة ديكرو: (إنّه ضروري لوصف البنية الدلالية العميقة للملفوظ الذي يبدو غير منفي) »(3)
www.akhbarak.net/.../2595479
عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنّه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصّمد»(1)فالنتيجة التي يريد الإمام (علیه السلام) توجيه الناس إليها هي نفي تشبيه الله سبحانه وتعالى بمخلوقاته. ومن الأمثلة الأُخر على عاملية أدوات النفي الحِجَاجية وصف الإمام (علیه السلام) الله (عزوجل) جواباً على سؤالٍ لنافع بن الأزرق؛ إذ قال (علیه السلام): «يا ابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه: لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس. قريب غير ملتصق، وبعيد غير منتقص، يوحّد ولا يبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال»(2)، فالنتيجة التي أراد الإمام (علیه السلام) توجيه ابن الأزرق إليها هي نهي ابن الأزرق عن قياس الخالق بالمخلوق، أو تشبيهه (عزوجل) بمخلوقاته.كما يأتي النفي لتكذيب حجّة الخصم الواقعة، أو المحتملة، كما في قوله تعالى: «إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ»(3)أو كما جاء في قول الإمام (علیه السلام) لمعاوية: (وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً)(4).
القصر في اللغة يعني الحبس، وفي الاصطلاح «تخصيص أمر بأمر بطريق
مخصوص، ويُقال أيضاً: إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عمّا عداه»(1)، أي: حبسه عليه وجعله ملازماً له، و«التوكيد بالقصر هو عمل لغوي/كلامي يأتيه المتكلم فيجعل عمل الخصم الكلامي يسير في الاتجاه الذي يرسمه له»(2)، ويُعدّ القصر من أهم العوامل الحِجَاجية التي يستند إليها المحاجج؛ لتوجيهخطابه الوجهة التي يريد.
والقصر في اللغة العربية على نوعين:
الأول: يكون ب-(النفي والاستثناء)، ويُراد من هذا النوع قصر الشيء وحصره بصاحبه من دون سواه(3)، فهو يحصر فعالية الحِجَاج في وجهة حجاجية واحدة؛ ليضيف للكلام قوة حجاجية تزيد من طاقته في توجيهه نحو النتيجة المضمرة، ويمكن توضيح ذلك بما جاء في خطبة الإمام الحسين (علیه السلام) بذي حُسُم(4): «فإنّي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا ذلاً وبَرَمَاً(5)»(6)
الأنوار: 44/381.
، فالإمام (علیه السلام) بقوله هذا قصر الموت على السعادة، وقصر الحياة مع الظالمين على البَرَمِ، والإمام باعتماده على1) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، الطبعة الأولى (1429ه- - 2008م): 520؛ واُنظر: البلاغة فنونها وأفنانها، الدكتور فضل حسن عباس، دار الفرقان، إربد، الطبعة الرابعة (1417ه- - 1997م): 358؛ والبلاغة والتطبيق، الدكتور أحمد مطلوب والدكتور كامل حسن البصير، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد، الطبعة الثانية (1420ه- - 1999م): 169.
2) الخطاب الحِجَاجي السياسي في كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة: (أطروحة دكتوراه) 257.
3) اُنظر: دلائل الإعجاز: 37.
4) موقع قرب الكوفة. ينظر الخريطة المثبتة في المبحث الثاني من الفصل الثالث: 159.
5) البرم: السأم، والملل. اُنظر: لسان العرب: مادة (برم)12/43.
6) العقد الفريد، أحمد بن مُحمَّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت328ه-)، تحقيق محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة، القاهرة، الطبعة الثانية (1372ه- - 1953م): 5/122؛ واُنظر: تاريخ مدينة دمشق: 14/218؛ ومناقب آل أبي طالب، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن شهر آشوب المازندراني (ت588ه-)، تحقيق يوسف البقاعيّ، مطبعة سليمانزادة، منشورات ذوي القربى، قم، الطبعة الثانية (1427ه-): 3/76؛ وبحار
هذا الأسلوب الحِجَاجي قلّص الإمكانات الحِجَاجية للكلام، وزاد من القوة الحِجَاجية في توجيه المتلقي (الحرّ بن يزيد وجيشه) نحو النتيجةالمضمرة بأنّه لن يبايع يزيد البتة.
ونجد ذلك أيضاً في قوله (علیه السلام) لمعاوية عندما دعاه لمبايعة يزيد ليكون وريثاً؛ خليفة لمعاوية: «... وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ»(1). فالإمام (علیه السلام) حصر - في قوله هذا - الفعالية الحِجَاجية في وجهة حجاجية واحدة، هي أنّ دنياك يا معاوية قد انقضت - وقصرها الإمام (علیه السلام) على الغمضة للمبالغة -؛ ليوجهه وجهة حجاجية واحدة نحو النتيجة، وهي إعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين. وهكذا قيد الإمام الحسين (علیه السلام) الإمكانات الحِجَاجية، وقصرها على هذه الفرصة الأخيرة، وهذا يعني أنّ الإمام (علیه السلام) أراد أن يدفع معاوية؛ ليسلّم لهذه الحجّة.
أما النوع الآخر من أنواع القصر فهو القصر ب-(إنّما)، ويمكن توضيح ذلك بقول الإمام (علیه السلام): «... وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»(2). الإمام بقوله هذا حصر وقيّد الإمكانات الحِجَاجية في خروجه من المدينة المنورة على طلب الإصلاح في أمّة جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) .
ومن الأمثلة الأُخر على القصر ب-(إنّما) قول الإمام (علیه السلام) للحرّبن يزيد: «... ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه»(3)، في إشارة منه إلى الذين نكثوا وعودهم وعهودهم من
الكوفيين بعد مبايعته (علیه السلام) . فقد أفاد ذلك أنّ صفة النكث تقتصر على الناكثين فحسب، وتختص بمن كاتبوه من دون سواهم، فهي إذن إلى ذلك الوقت الذي خطب به الإمام الحسين (علیه السلام) هذه الخطبة لم تشمل الحرّ ومَنْ معه؛ فلذا رأى الإمام (علیه السلام) أنّ الواجب الشرعي يُحتّم عليه إرشاد القوم وهدايتهم إلى جادة الصواب، كما أنّها قيدت الإمكانات الحِجَاجية بالناكثين فحسب.
نخلص من ذلك إلى أنّ الكلام المتضمن للعوامل الحِجَاجية تكون فيه النتيجة أكثر ضماناً من الكلام الخالي منها.
يعتمد المحاجج على مجموعة من الحجج للوصول إلى النتيجة، ويمكن جمع تلك الحجج بمجموعة واحدة اصطلح عليها الحِجَاجيون ب-(الفئة الحِجَاجية) أو (السلم الحِجَاجي)(1)، وقد بينا ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول. وعرّف الدكتور طه عبد الرحمن السلالمالحِجَاجية بأنّها «عبارة عن مجموعة غير فارغة من الأقوال مزودة بعلاقة ترتيبية وموفية بالشرطين التاليين(2):
كلّ قول يقع في مرتبة ما من السلم يلزم عنه ما يقع تحته، بحيث تلزم عن القول الموجود في الطرف الأعلى جميع الأقوال التي دونه.
فالسلّم الحِجَاجي يعتمد على ترتيب الحجج عمودياً ابتداءً من الحجّة الضعيفة إلى الحجّة القوية فالأقوى في فئة حجاجية واحدة، ويمكن توضيح ذلك بأمثلة مأثورة من كلام الإمام الحسين (علیه السلام)، كدعائه على أهل الكوفة بعدما نكثوا بيعته، واستكفوا لقتله: «اللَّهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف؛ يسقيهم كأساً مصبّرة، ولا يدع فيهم أحداً إلا قتله قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم، فإنَّهم غرّونا وكذّبونا وخذلونا، وأنت ربُّنا عليك توكّلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير»(1).
النتيجة المضمرة (ن) التحذير من قتله وسفك دمه (علیه السلام)
ح3: لا يرضى لكم حتّى يضاعفَ لكم العذاب الأليم
ح2: يسفك دماءكم
ح1: يلقي بأسكُم بينكم
نلحظ أنّ الإمام (علیه السلام) رتّب حججه بتدرّج، وتراتبية بحسب تفاوتها في القوة؛ لخدمة النتيجة المضمرة بالرابط الحِجَاجي (و) في هذا الدعاء الدال على الجمع بين قولين، فهذا الرابط جمع بين مجموعة من الحجج يمكن أن نرمز لها: (ح1) و (ح2) و (ح3)¬ (ن). فجاءت تلك الحجج متساندة، والحجّة الثالثة (ح3) أقوى من (ح2) و (ح1) في إسناد النتيجة (ن)؛ لأنّها ليست كحرمانهم من قطر السماء، وليست كحرمانهم من خيرات الأرض، بل هي تمثل الانتقام الحقيقي. وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه العلاقة السلّمية التي نشأت بين الأقوال فسّرت عمل الرابط
1) بحار الأنوار: 45/10.
الحِجَاجي (الواو)، ف-(الواو) يُستعمل «حجاجياً وذلك بترتيبه للحجج ووصل بعضها ببعض بل وتقوي كلّ حجّة منها الأخرى»(1).
ومن الأمثلة الأُخر على السلالم الحِجَاجية ما جاء في آخر خطبة له (علیه السلام) في كربلاء: «... أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكُم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم حتّى يضاعفَ لكم العذابالأليم»(2).
النتيجة (ن) الانتقام منهم
ح3: سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة، ولا يدع فيهم أحداً إلا [قتله] قتلة بقتلة، وضربة بضربة
ح2: ابعث عليهم سنين كسني يوسف
ح1: احبس عنهم قطر السماء
نلحظ أنّ الحجج في هذا التحذير متساندة متساوقة نحو النتيجة، (ح1) و (ح2) ثم (ح3)← (ن). والملاحظ فيها أنّ (ح3) أقوى من (ح2) و (ح1)؛ لوقوعها في أعلى السلّم الحِجَاجي، وفضلاً عن ذلك فقد جاءت بعد الرابط (ثم) الدال على الجمع بين قضيتين متباعدتين (التراخي)؛ وهذا الرابط جاء مناسباً مع مراد الإمام (علیه السلام) في التحذير من قتل سبط النبي (صلی الله علیه و آله)؛ فإنّ التباعد في الانتقام يكون ملائماً؛ لتباعد ما بين الحوادث في الوقت.
ومن الملاحظ في هذه الأمثلة أنّ العلاقة السلمية تُبنى من المحاجج بناءً ذاتياً، وهي من الأمور النسبية التي تتدخل فيها طبيعة النتيجة المراد التوصّل إليها بواسطة
العطف «ومن القيم الحِجَاجية المتولدة عن العطف هو محاولة منالمتكلم في نقل مخاطبه من صورة إلى أخرى، إذ إنّ من دلالات العطف هو الاشتراك في الحكم، حيث ينزل المعطوف منزلة المعطوف عليه، واستعمال العطف في النصّ دليل على القوة أيضاً، وبذلك يحقق المرسل هدف الإقناع والتأثير»(1).
وفضلاً عن العلاقات السلمية المتساندة هناك علاقات سلمية تقابلية، وهي تتولد عمّا يُعرف ب- (مبدأ التعارض الحِجَاجي)(2)، «فقد تكون الحجج الواردة في الملفوظ لا تتجه لإسناد نفس النتيجة(3)، وإنّما تُساند كلّ حجّة نتيجة معارضة للنتيجة التي تساندها الحجّة الأخرى»(4).
ومن الأمثلة على ذلك قول الشمر بن ذي الجوشن للإمام الحسين (علیه السلام): أبشر بالنار تردها الساعة، فقال له الإمام (علیه السلام): «بل أبشر بربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ»(5).
(ن) لأنّك كافر----------------- (ح) أبشر بربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ
↑--------------------------------- ↓
الشمر -----------------بل----------------- الإمام الحسين
(ح) أبشر بالنار تردها الساعة -----------------(لان) أنا لستُ كافراً
1) بنية الملفوظ الحِجَاجي للخطبة في العصر الأموي، خديجة محفوظي، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة منتوري قسنطينة، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية - شعبة اللغويات (2007): 67.
2) اُنظر: الحِجَاجيات اللسانية والمنهجية البنيوية، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 2/109.
3) كذا، والصواب: النتيجة نفسها.
4) البحث نفسه: 2/109.
5) الكامل في التاريخ: 3/422.
ودائماً تكون الحجّة التي تأتي بعد (بل) أقوى من الحجّة التي قبلها، والنتيجة المضمرة (أنا لستُ كافراً) تمثل نتيجة القول برمته كما بينا ذلك آنفاً.
لا تقتصر السلالم الحِجَاجية على إيراد بعض الجمل وربطها حجاجياً، بل هنالك آليات كثيرة لا يمكن حصرها، يمكن للمحاجج أن يستند إليها في ترتيب حججه، منها على سبيل المثال:
صيغة أفعل التفضيل: وهو «اسم مشتق على وزن (أفعل) يدل - في الأغلب - على أنّ شيئين اشتركا في المعنى، وزاد أحدهما على الآخر فيه»(1)، و يتضح ذلك بقول الإمام (علیه السلام) لأبي هرّة: «... وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلّطنَّ عليهم من يذلَّهم حتّى يكونوا أذلَّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائِهم»(2).
النتيجة (ن): يلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً
ح1: يكونوا أذلَّ من قوم سبأ
ح2: ليسلّطنَّ عليهم من يذلَّهم
(ح1) حتّى (ح2) ← (ن). و(ح2) أقوى من (ح1)؛ لوقوعها بعد (حتّى) لكنّ الملاحظ في قول الإمام هذا أنّ أفعل التفضيل (أذلّ) قد أسهم في الزيادة من قوة هذه الحجّة في التوجه نحو النتيجة؛ ممّا أسهم ذلك في الزيادة من القوة
الحِجَاجية في دفع المتلقي؛ للإذعان للحجّة، والتسليم لها.
ويمكن توضيحه بقول الإمام (علیه السلام) لأخته زينب (علیها السلام): «... يا أخيّة؛ اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون، و أنَّ أهل السماء لا يبقون، و أنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ويبعث الخلق، فيعودون وهو فردٌ وحده. أبي خير منّي، وأمي خير منّي، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلِّ مسلمٍ برسول الله أسوةٌ... يا أخيّة إنّي أقسم عليك فأبري قسمي لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت»(1).
النتيجة (ن) لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا انا هلكت
(ح5) كلّ شيء هالك إلا وجه الله
(ح4) أهل السماء لا يبقون
(ح3) أهل الأرض يموتون
(ح2) رسول الله هلك
(ح1) أبي خير منّي، وأمي خير منّي، وأخي خير منّي وكلهم هلك
القياس الضمني في هذا الكلام: كلُّ شيءٍ هالك إلا وجه الله ← أنا مخلوق ← إذن أنا هالك.
1) تاريخ الطبري: 5/420-421؛ واُنظر: مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني (ت356ه-)، شرح وتحقيق السيد أحمد صقر، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، الطبعة الأولى (1423ه-): 113-114؛ و الكامل في التاريخ: 3/416؛ والبداية والنهاية: 11/531.
للأسلوب في اللغة العربية معانٍ عدّة يهمنا منها الأسلوب في الكلام، ويُقصد به فنّ القول، «يقال: أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه»(1)، ويرى ابن خلدون أنّ الأسلوب «المنوال الذي ينسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه. ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض... وإنّما ترجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص. وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها... فإنّ لكلّ فنّ من الكلام أساليب تختصبه وتوجد فيه على أنحاء مختلفة»(2)، ومفهوم الأسلوب عند شارل بالي - كما وصفه صلاح فضل - يعني: «مجموعة من عناصر اللغة المؤثرة عاطفياً على المستمع أو
القارئ، ومهمة علم الأسلوب لديه هي البحث عن القيمة التأثيرية لعناصر اللغة المنظمة، والفاعلية المتبادلة بين العناصر التعبيرية التي تتلاقى لتشكّل نظام الوسائل اللغوية المعبرة، فاللغة بالنسبة له(1)هي مجموعة من الوسائل التعبيرية المعاصرة للفكر»(2). ويعرّف الأسلوب بالدراسات الحديثة «بأنّه مجموع الطاقات الإيحائية في الخطاب الأدبي»(3).
قال سعيد العوادي واصفاً البلاغة الغربية: «انحصرت البلاغة في الأسلوب فارتبطت به باسم الأسلوبية، ثمّ تحولت من كونها معرفة فلسفية تعتمد الحِجَاج والإقناع إلى معرفة أدبية بالسلطة التي فرضها الأسلوب الشعري»(4)، ويُعد (فرديناند دي سوسير) أولمن غرس بذور الأسلوبية، ثمّ أثمرت على يد تلميذه (شارل بالي)، ثم صارت علماً قائماً بذاته، وصبّت الدراسات الأسلوبية جلّ اهتمامها على الجوانب الإمتاعية والجمالية، وعرّف جاكبسون الأسلوبية «بأنّها بحثٌ عمّا يتميز به الكلام الفنّي عن بقية مستويات الخطاب أولاً، وعن سائر أصناف الفنون الإنسانية ثانياً»(5).
ويرى بيرلمان وتيتيكاه أنّ من غير الممكن الفصل بين البنى الأسلوبية وأهدافها
1) كذا. والأصوب: بالنسبة إليه.
2) علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، صلاح فضل، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى (1998م): 97.
3) الأسلوبية والأسلوب، د. عبد السلام المسدّي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، الطبعة الثالثة: 95.
4) البلاغة والأسلوبية، سعيد العوادي، مجلة جذور التراث، جدّة، ج(23)، مج(10)، (1427ه- - 2006م): 10.
5) الأسلوبية والأسلوب: 37.
الحِجَاجية، وقال عبد الله صولة - معلّقاً على ما ذهبا إليه -: «لا يمكن دراسة البنى الأسلوبية منفصلة عن أهدافها الحِجَاجية فحتّى ما ينشأ في الخطاب من تناغم، وإيقاع، وغير ذلك من الظواهر الشكليّة المحضة يمكن أن يكون له تأثير حجاجي من خلال ما يتولّد عنه من إعجاب... وحماس لدى جمهور السامعين»(1).
وبعد هذه الفكرة الموجزة عن الأسلوب والأسلوبية سينصبّ جلّ اهتمامنا في هذا المبحث على أسلوب الإمام الحسين (علیه السلام) الحِجَاجي، وأهم المعطيات النظمية التي اتكأ عليها (علیه السلام)، ومنها:
يُقصد بالتوكيد «تثبيت الشيء في النفس، وتقوية أمره»(2)، والغرض منه «إزالة ما علق في نفس المخاطب مِنْ شكوك... وما خالجه مِنْ شبهات»(3)، وبما أنّ المادة التي يتعامل بها المرسل مع المتلقي هي اللغة؛ لذا ينبغي أن يهتم المحاجج بخطابه؛ لأنّ الخطاب ليس مجرد مفردات متناثرة يفهمها المحاجج والمتلقي، بل لابدّ من وجود ضابط معنوي وأسلوبي للعلاقة التواصلية التي تربط بينهما، كما ينبغي أن يهتم المحاجج بأحوال المتلقي من ناحية تلقيه للخبر، وتردده فيه، وإنكاره له، ودرجات الإنكار؛ لأنّ لكلِّ مبدع أسلوبه الحِجَاجي الخاص به، ويمكن الإفادة في هذا الموضوع ممّا ذكره عبد القاهر الجرجاني ممّا دار بين الفيلسوف الكندي وأبي
1) الحِجَاج أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 317.
2) في النحو العربي نقد وتوجيه، د. مهدي المخزومي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الثانية (2005م): 252.
3) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
العباس(1)إذ قال: «رُوِيَ عن ابنالأنباري أنّه قال: ركب الكنديّ المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إنّي لأجد في كلام العرب حشواً! فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: (عبد الله قائم)، ثم يقولون: (إنّ عبد الله قائم)، ثم يقولون: (إن عبد الله لقائم)، فالألفاظ متكرِّرة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: (عبد الله قائم) إخبار عن قيامه، وقولهم: (إنّ عبد الله قائمٌ) جواب عن سؤال سائل، وقولهم: (إنّ عبد الله لقائم)، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكرّرت الألفاظ لتكرر المعاني»(2). وسمّى السكاكي (ت626ه-) الجملة الخبرية الخالية من المؤكّدات بالخبر الابتدائي، والجملة التي تحتوي على مؤكّد واحد بالخبر الطلبي، والجملة التي تحتوي على أكثر من مؤكّد واحد بالخبر الإنكاري(3)، واستدلّ السكاكي على ذلك بقوله تعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ»(4). ففي حالة التكذيب استعمل سبحانه وتعالى مؤكّداً واحداً وهو (إنّ)، وفي حالة الإنكار استعمل مؤكدين (إنّ، واللام).
1) ذهب محقق كتاب دلائل الإعجاز محمود محمد شاكر إلى أنّه ثعلب (ت209ه-)، اُنظر: فهرست موضوعات دلائل الإعجاز: 677؛ في حين ذهب الدكتور مهدي المخزومي إلى أنّه المبرد (ت285ه-). اُنظر: في النحو العربي نقد وتوجيه: 255. والصواب ما ذهب إليه محمود محمد شاكر؛ لأنّ ابن الأنباري من تلاميذ ثعلب، وكان يكنيه دائماً بأبي العباس، وإذا نقل عن غيره كالمبرد - مثلاً- يذكر اسمه صراحة.
2) دلائل الإعجاز: 315.
3) اُنظر: مفتاح العلوم، السكاكي (ت626ه-)، دراسة وتحقيق أكرم عثمان يوسف، مطبعة دار الرسالة، بغداد، الطبعة الأولى (1402ه- -1982م): 353-354.
4) سورة يس: آية13-16.
يُفهم من ذلك أنّ الجملة إذا كانت خالية من المؤكّدات يراد منها الإخبار فقط، وإذا أُضيف إليها مؤكد واحد يراد منها الإخبار، وإثبات ما يأتي بعدها، ودفع الشكّ والظنّ والتكذيب؛ وإذا أُضيف إليها أكثر من مؤكّد يراد منها الإخبار، وإثبات ما يأتي بعدها، ودفع الإنكار.
ويتضح لنا ذلك أكثر بذكر أمثلة من خطب الإمام الحسين (علیه السلام)، فقد جاء في خطبة له (علیه السلام) بجيش العراق في صفين بعد فتنة التحكيم: «يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء، الشِّعار دون الدِّثَار(1)، جِدُّوا في إحياء ما دُثِرَ بينكم، وإسهال ما توعَّر عليكم، وأُلفة ما ذاع منكم،ألا إنَّ الحرب شرُّها ذريع، وطعمُها فظيع، وهى جُرعٌ متحسَّاة، فمن أخذ لها أهبتَها، واستعدَّ لها عُدّتَها، ولم يأْلَم كُلومَها عند حلولها، فذاك صاحبها. ومن عاجلها قبل أَوان فرصتها واستبصار سعيه فيها، فذاك قَمِن أَلَّا ينفعَ قومه، وأن يهلكَ نفسَه. نسأَل الله بعونه أنيَدْعَمَكم بأُلفته»(2).
السبب الذي دفع الإمام الحسين (علیه السلام) إلى أن يذكر هذه الخطبة أنّ جيش الإمام عليّ (علیه السلام) في صفين انقسم قسمين بعد فتنة التحكيم، فمنهم من قَبِلَ بالتحكيم، ومنهم من رأى به مكيدة، دبرها معاوية وصاحبه عمرو بن العاص، فأرادوا أن يحملوا على الأمويين وإن رفض الخوارج ذلك.
لو أنعمنا النظر في هذه الخطبة نجد الإمام (علیه السلام) صدّر الجملة (الحرب شرُّها
1) مثلٌ يُضرب للمُخْتَصِّ بك العالم بدِخْلَةِ أمْرِكَ. والشِّعَار من الثياب: ما يَلِى الجَسَد، والدِّثَار: ما يُلْبَسُ فوقه اُنظر: مجمع الأمثال، أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري الميداني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، السنة المحمدية، (د.م) (1955): 2/400؛ وتاج العروس من جواهر القاموس، أبو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني الزَّبيدي، تحقيق مصطفى حجازي، مطبعة حكومة الكويت، الكويت (1373ه- - 1973م): 12/189.
2) وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري (ت212ه-)، تحقيق وشرح عبد السلام مُحمَّد هارون، دار الجيل، بيروت (1410ه- - 1990م): 114-115؛ واُنظر: جمهرة خطب العرب: 1/153.
ذريع...) بأداة التوكيد (إنّ) مسبوقة ب-(ألا)، ولو حذفنا هاتين الأداتين من الخطبة لوجدنا أنّ دلالتها ستقتصر على الإخبار ووصف الحرب، والإمام الحسين (علیه السلام) في ذلك المقام لم يرد وصف الحرب، وإخبار الجيش المنقسم على نفسه عنها فحسب، بل أراد أن يحقق بهذه الخطبة دلالات أُخر أهم من الوصف والإخبار، وأهمها دفع الشكّ والظنّ عن سياسة أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام) في التعامل مع الأمويين؛ ولذا أكد الخبر ب-(إنّ)؛ لأنّ هذه الأداة تفيد توكيد الخبر، ودفع الشكّ والظنّ والتكذيب، وتثبيت ما يأتي بعدها من كلام؛ وفضلاً عن ذلك أفادت هذه الأداة في هذا المقام التعليل، أي بيانالسبب الذي دفع الإمام (علیه السلام) إلى إلقائها، فقد أثبتت الدراسات القرآنية أنّ (إنّ) إذا كان اسمها ظاهراً، وخبرها اسماً تفيد تعليل ما سبقها(1)، وقال الزركشي: «واعلم أنّ كلّ جملة صدرت بإنّ مفيدة للتعليل، وجواب السؤال مقدر، فإنّ الفاء يصحّ أن تقوم فيها مقام (إنّ) مفيدة للتعليل»(2)، وهذه الجملة يصح أن تقوم الفاء مقامها، وممّا زاد من قوة توكيدها سبقها بالأداة (ألا)، وغاية الإمام (علیه السلام) من اعتماد هذا الأسلوب تنبيه الجيش على ما سيُلقى عليه، فضلاً عمّا لهذه الأداة من فائدة دلالية أخرى هي التحقيق، أي تحقيق الجملة بعدها(3)، وهذا التحقيق يزيد من قوة التوكيد، والتنبيه فعل كلامٍ إنجازي من جهة أخرى.
وهكذا استطاع الإمام (علیه السلام) باعتماد أسلوب التوكيد أن يؤكد الخبر، ويثبته في ذهن المتلقي، ويدفع الشكّ والظن والتكذيب الذي كان يراود الجيش في سياسة أبيه عليّ
ابن أبي طالب (علیه السلام) .
يتضح ممّا تقدّم أنّ (إنّ) مثلت المحور الذي دارت حولههذه الخطبة، وبوساطتها استطاع الإمام (علیه السلام) توجيه ذهن المتلقي إلى الوجهة التي رسمها له، وهذا يعني أنّ التوكيد يمثل أسلوباً حجاجياً يستند إليه المحاجج؛ ليجعل المتلقي يسير في الاتجاه الذي يرسمه له. فلو حذفنا التوكيد من هذه الخطبة لتحولت إلى خطبة وصفية، وعظية، إخبارية خالية من أي طاقة حجاجية.
أمّا في مقام الإنكار فنجد الإمام (علیه السلام) يستعمل أكثر من مؤكّد؛ ليجعل المتلقي يسلّم له بما يعرضه عليه من حجج، ومن أمثلة ذلك ما جاء في المشادة الكلامية بين أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) في صباه وعمر بن الخطاب عندما صعد عمر منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأنكر عليه الحسين (علیه السلام) ذلك وقال له: «انزل... عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك، فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حُسين لا منبر أبي، من علّمك هذا أبوك عليّ بن أبي طالب؟ فقال له الحسين (علیه السلام): إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنه لهادٍ وأنا مهتدٍ به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب»(1).
اعتمد الحسين (علیه السلام) في جوابه لعمر بن الخطاب هذا على القسم (لعمري)، و (إنّ)، و (اللام). والقسم أسلوب إنشائي يؤتى به للتوكيد، و(إنّ) أداة توكيد، ودخولها علىالجملة يفيد تكرار الجملة مرتين، و(اللام) في (لهادٍ)، ودخولها مع (إنّ) على الجملة الخبرية تصير معهما الجملة الخبرية ثلاث جمل(2)، ودخول القسم على الجملة الاسمية مع هذه الأدوات يكون بمثابة تكرار الجملة أربع مرات(3)، ثم
أردف هذه التوكيدات بالقصر (لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب)، والقصر تأكيد للحكم على تأكيد؛ فهو (توكيد مضاعف)(1)، والغاية من هذا القصر قصر صفة الجحد على الجاحد نفسه، ويرى انسكومبر أنّ هذا النوع من القصر يكسب الجملة «بعداً حجاجياً أعمق وأنجع في التوجيه نحو النتيجة الضمنية»(2). وقال عبد الله صولة: «إنّ التوكيد بإنّ وبأنّ مع لام التوكيد، وبالقسم، والقصر، له إلى جانب المفهوم الدلالي واللاقولي... دور حجاجي يتمثل في توجيه المقول والقول معاً، والمقصود بالمقول موضوع الكلام، وبالقول مدى حضور الذات القائلة في كلامها. إنّ كلّ وسائل التوكيد التي دخلت على القضايا محل النزاع بين القرآن وخصومه تفيد معنى (حققت كذا)، و(الحقّ كذا)»(3). فعندما قال الإمام الحسين (علیه السلام): «إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنه، لهادٍ وأنامهتدٍ به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب»(4). أراد أن يقول: الحقّ كذا، ممّا دفع ذلك عمر بن الخطاب إلى أن يقول: «يا حُسين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا الناس فتأمَّرنا، ولو أمَّروا أباك لأطعنا»(5).
وجاء في كتابٍ للإمام الحسين (علیه السلام) ردّ فيه على اتهامات معاوية له: «... وإنِّي لأرجو أن لا تضرَّ إلّا نفسك، ولا تمحق إلّا عملك... »(6).
الإمام الحسين (علیه السلام) في هذا القول قَصَرَ الضرر على معاوية، وقصر المحق على
عمله. والقصر - كما أشرنا آنفاً - توكيد مضاعف له بُعد حجاجي أعمق، وأنجع في توجيه المتلقي إلى النتيجة المضمرة. وهذا الأسلوب الحِجَاجي يُستعمل في حال إنكار المتلقي للخبر، ويكون ذا قيمة حجاجية عالية(1).
وهذا يعني أنّ التوكيد بالقصر حجّة يستند إليهاالمحاجج؛ ليصل إلى نتيجة غير مصرّح بها تُفهم من سياق القول يريد المحاجج بوساطته من المتلقي أن يسلّم لها. وهذا يفضي إلى أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) أراد من قوله هذا أن يدفع معاوية إلى أن يُسلّم بهذه النتيجة، وهي - كما يتضح من سياق الكتاب -: إنّك بقتلك لصحابة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، والموالين لأهل بيته (علیهم السلام)، وادّعائك أنّ زياد بن أبيه ابن معاوية، وتوريثك أمر الأمة لصبي يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، وتهديدك إياي بالمكيدة سوف لا تضرّ إلّا نفسك، ولا تمحق إلّا عملك(2)، وبهذا الأسلوب الحِجَاجي أغلق الإمام (علیه السلام) الباب بوجه معاوية، وألجمه بالحجة.
أما النوع الآخر من أنواع القصر فهو القصر ب-(إنّما)، وهذا النوع يشبه سابقه بوصفهما يفيدان قصر الشيء على صاحبه، كما أنّهما يفيدان التوكيد المضاعف، وكلاهما له بُعد حجاجي، كما أنّ النتيجة فيهما تكون مضمرة، لكنّ هذا لا يعني أنّهما مترادفان ف-«سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد. وفرقٌ بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيءُ للشئ على الإطلاق... ليس كلُّ كلام يصلح فيه (ما) و(إلا) يصلح فيه (إنّما) ألا ترى أنّها لا تصلح في مثل قوله تعالى: «وَمَا
مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ» (1)، ولا في نحو قولنا: (ما أحد إلا وهو يقول ذاك) إذ لو قلت: (إنّما من إلهٍ الله)، و(إنّما أحد وهو يقول ذاك)، قلت: ما لا يكون له معنى. فإن قلتَ: إنّ سبب ذلك أنّ (أحداً) لا يقع إلا في النفي، وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام،... قيل ففي هذا كفايةٌ، فإنّه اعترافٌ بأن ليسا سواء[كذا]، لأنّهما لو كانا سواءً لكان ينبغي أن يكون في (إنّما) من النفي مثلُ ما يكون في (ما) و(إلا) وكما وجدت (إنّما) لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد (ما) و(إلا) لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه (إنّما) وذلك في مثل قولك: (إنّما هو درهمٌ لا دينارٌ)، لو قلت: (ما هو إلا درهم لا دينار) لم يكن شيئاً»(2).
ومن الفوارق بين النوعين أيضاً:
إنّ القصر ب-(إنّما) يفيد إثبات ما بعدها، ونفي ما سواه(3).
أسلوب الحِجَاج فيهما مختلف، فالحِجَاج ب-(إنّما) يُستعمل في حال كان المحاجج والمتلقي يعرفان الخبر، والمحاجج يقصر الخبر ب-(إنّما) لغرض تنبيه المتلقي، وتأكيده في نفسه في أثناء المحاورة(4).1. القيمة الحِجَاجية لأسلوب القصر ب-(إنّما) أقل من القيمة الحِجَاجية لأسلوب القصر ب-(النفي والاستثناء).
ومن أمثلة أسلوب القصر ب-(إنّما) ما جاء في خطبة الإمام الحسين (علیه السلام) بالبيضة قرب العذيب التي أراد فيها وعظ الحرّ بن يزيد الرياحي وجيشه، وهدايتهم: «...
ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه»(1)، في إشارة منه إلى الذين نكثوا وعودهم وعهودهم من الكوفيين بعد مبايعته (علیه السلام) .
فالمحاجج في هذه الخطبة الإمام الحسين (علیه السلام)، والمتلقي الحرّ بن يزيد الرياحي وجيشه، والحرّ بن يزيد لم يكاتب الإمام، ولم يدعه إلى المجيء إلى الكوفة، بدلالة قول الحر للإمام (علیه السلام): «إنّا والله ما ندرى ما هذه الكُتُب التي تذكر؟ فقال الحسين: يا عقبة بن سِمْعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليَّ»(2)، كما أنّ الغالبية العظمى من جيش الحرّ لم يكاتبوا الإمام الحسين (علیه السلام) .
نستشف من ذلك أنّ المتلقي لم يكن جاحداً، بل كانشاكاً، والشاك يحتاج إلى أسلوبٍ حجاجي أقل قيمة حجاجية من الأسلوب الحِجَاجي الذي يُخاطب به المنكر؛ ولهذا السبب اعتمد الإمام (علیه السلام) أسلوب القصر ب-(إنّما) في هذا المقام، وهذا الأسلوب الحِجَاجي يُراد منه - كما ذكر محمود طلحة في بحثه (القيمة الحِجَاجية لأسلوب القصر في اللغة العربية) - تنبيه المتلقي (الحرّ وجيشه) إلى الخبر؛ ليؤكده في أنفسهم في أثناء المحاورة(3)، وهذا الخبر يعرفه المتلقي (الحرّ وجيشه) إذ ورد في قوله تعالى - مخاطباً الرسول (صلی الله علیه و آله): «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»(4)
آية10.
. وهذه الآية تمثل - بحسب مفهوم بيرلمان - حجّة السلطة بوصفها صادرة من الله (عزوجل)1) تاريخ الطبري: 5/403؛ واُنظر: الكامل في التاريخ: 3/407-408؛ وبحار الأنوار: 44/381-382؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/40.
2) تاريخ الطبري: 5/402؛ واُنظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/80؛ و مناقب آل أبي طالب: 3/104؛ والكامل في التاريخ: 3/408؛ وبحار الأنوار: 44/376.
3) اُنظر: القيمة الحِجَاجية لأسلوب القصر في اللغة العربية: (بحث)115.
4) سورة الفتح:
لا ينكرها مسلم؛ ليصل الإمام (علیه السلام) من هذه الحجّة إلى دفع المتلقي إلى أن يُسلّم ويُذعن لها، وفضلاً عن ذلك فإنّ القصر ب-(إنّما) أفاد أنّ صفة النكث تقتصر على الناكثين فحسب، وتختص بمن كاتبوه دون سواهم.
أمّا قوله تعالى: «وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» (1)، فالوارد في الآية الكريمة نفسها سيشمل كلّ من يفي بعهده، ويقف بصفّ الإمام لمحاربة أعدائه، ويبدو أنّ هذا الجزء من الآيةهو الذي أراد الإمام (علیه السلام) أن يلفت انتباه القوم إليه؛ بوصفه يمثل الحجّة المضمرة التي أراد الإمام (علیه السلام) من القوم أن يسلموا بها.
ومن أساليب الحِجَاج التي اعتمدها الإمام (علیه السلام) في ردّ حجج خصومه أسلوب التوكيد بالقسم، والمصدر المؤكّد للفعل. ومن أمثلته قوله (علیه السلام): «لا والله، لا أُعطيهم بيدي إعطَاء الذليل، ولا أقرّ إقرارَ العبيد»(2)الذي ردّ فيه على قول قيس بن الأشعث عندما قال له: «أولا تنزل على حكم بني عمّك؟».
القسم - كما بينا آنفاً - أقوى أنواع التوكيد، وفضلاً عن ذلك زاد عليه الإمام (علیه السلام) التوكيد بالمصدر (إعطاء) الذي أفاد توكيد الفعل (أعطى)، والمصدر (إقرار) الذي أفاد توكيد الفعل (أقرُّ)، والإمام لم ينفِ الإعطاء عموماً، بل قصره على إعطاء الذليل، كما أنّه لم ينفِ الإقرار عموماً، بل قصره على إقرار العبيد لغير الله.
قال الشريف الجرجاني: «التكرار عبارة عن الإتيان بشيء مرّة بعد أخرى»(3)، وهو
نوع من التوكيد، ويستعمل للأمرالمهم، وقد أشار ابن فارس (ت395ه-) إلى ذلك؛ إذ قال: «التكرير والإعادة، وإرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر»(1)، وحظي التكرار باهتمام الحِجَاجيين؛ فقد عدّوه عاملاً مهماً في التدليل على المعنى، وتوجيهه وجهة حجاجية ما؛ لما فيه من زيادة في العناية بالشيء وتوكيده، وشكّل التكرار في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) ظاهرة بارزة. ومن أمثلته قوله (علیه السلام) في تفسير معنى (الصّمد): «... هو الله الصّمد، الذي لا من شيء، ولا في شيء، ولا على شيء...»(2).
تكراره للفظة (شيء) المنفية في هذا القول أراد منه الإمام (علیه السلام) - على ما يبدو - زيادة قوة الحجّة في تنزيه الله (عزوجل) عن تشبيهه بمخلوقاته، فهذه اللفظة باتت بمثابة المنبّه الذي يرنُّ في ذهن المتلقي؛ ليوقظه من غفلته؛ ليُغيّر اعتقاده في تشبيه الخالق بالمخلوق، زد على ذلك أنّ هذه اللفظة المكررة جاءت مفاجئة لتوقعات المتلقي، ومخالفة لمعتقداته، ومثّلت لبّ الموضوع، ومجمع أفكار المحاجج، فضلاً عمّا تحمله من طاقات إيحائية تعزز قوة الحجّة؛لتستميل قلب السامع إليها. «فتكرار اللفظة ذاتها في أكثر من موضع يعد من أفانين القول الرافد للحجاج المدعّمة للطاقة الحِجَاجية»(3)التي تولدها الظاهرة اللغوية لتشحن طاقات المتلقي بغية تغيير موقفه.
وإنّ «من التكرار ما هو أخفى وأشدّ أثراً في المتلقي، إنّه التكرار الذي يحمل إضافة دقيقة لما كرر فيستعيد المتكلم ما قاله، ولكن يضيف إليه ما يجعله بعيداً كل البعد عن
التماثل التام. هذا النوع من التكرار هام(1)وضروري في الخطاب الحِجَاجي؛ لأنّه يؤكد بالفعل تقدّماً في الخطاب فالمتكلّم حين يستعيد ما قاله ويضيف إليه إنّما ينطلق من أمر، ويبني عليه فما كان مقدّمة يصبح حجّة، وما كان حجّة يصبح مقدمة لحجّة أخرى»(2). وهذا النوع من التكرار استند إليه الإمام (علیه السلام) عندما لازمه الحر بن يزيد، فبعدما صلى الإمام (علیه السلام) صلاة الظهر خطب بجيش الحرّ قائلاً - بعدما حمد الله وأثنى عليه -: «أيّها الناس، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم، إنِّي لم آتكم حتى أتتني كُتُبكم، وقدمتْ عليَّ رُسُلكم: أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى، فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تُعطوني ماأطمئنُّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقْدمي كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم»(3)، فسكتوا عنه، وبقوا ملازميه، وبعدما أنهى الإمام (علیه السلام) صلاة العصر خطب فيهم خطبة أخرى جاء فيها - بعدما حمد الله وأثنى عليه -: «أيها الناس، فإنّكم إن تتقوا وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجوْر والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيُكم غيرَ ما أتتني كتبكم، وقدمتْ به عليَّ رُسُلكم، انصرفتُ عنكم»(4)
في التاريخ: 3/408-409؛ وبحار الأنوار: 44/376.
.
فإنّ ترديد الإمام (علیه السلام) للفكرة نفسها لإدراك مراميها، وبيان مقاصدها؛ من أجل ترسيخها في ذهن المتلقي؛ لما لهذا الأسلوب الحِجَاجي من طاقات إيحائية تزيد من قوة الحجّة؛ لأنّ هذا النوع من الحِجَاج يشير إلى مراد المحاجج، ويفيد في ترسيخ الفكرة. وهكذا منح الإمام (علیه السلام) بالخطبة الثانية ما احتجّ به في خطبته الأولى قوة إضافية زادت من قوتها وتأثيرها في المتلقي؛ ل-«إنّ تكرار المضمون على مستوى الجمل... له أهمية خاصة في دفع إلى درجة أقوى، وهذا ما يزيد من فعالية هذه الآلية اللغوية في إقناع المخاطب واستمالته... ولعله - من أجل ذلك - أبلغ أثراً في إقناع المخاطب بوجه نظر المتكلم، أو دعواه، أو مصداقيته»(1).
لقد ذكر عبد الله صولة ما للاستفهام من أثرٍ في توجيه الحوار وجهة حجاجية معينة؛ إذ قال: «إنّ الغاية من كلّ استفهام سواء أكان حقيقياً أم غير حقيقي، تتمثّل حسب ديكرو وأوسكمبر في أن نفرض على المخاطب به إجابة محددة، يمليها المقتضى
1) تجليات الحِجَاج في الخطاب النبوي دراسة في وسائل الإقناع، (رسالة ماجستير): 171.
الناشئ عن ذلك الاستفهام، فيتم بذلك توجيه دفة الحوار الذي نخوضه معه الوجهة التي نريد، ولما كانت أهم وظيفة ينهض لها الاستفهام هي توجيه باقي الحوار وجهة معينة، ولما كان مفهوم التوجه هذا هو لُبُّ الحِجَاج عندديكرو كان الاستفهام مظهراً حجاجياً مهماً»(1).
وغالباً ما يعدل المحاجج من الخبر إلى الإنشاء، باعتماد أسلوب الاستفهام التقريري غير الحقيقي، أي الاستفهام الذي يخرج من دلالته الحقيقية؛ وهي «طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل»(2)إلى دلالات أُخر، ومن أمثلة العدول من الخبر إلى الإنشاء باعتماد أسلوب الاستفهام التقريري ما جاء في كتابٍ لأبي عبد الله الحسين (علیه السلام) أرسله إلى معاوية رادّاً فيه على كتابٍ له تهدده فيه وتوعده، متهماً إياه بشق عصا المسلمين، وزرع الفتنة بينهم: «... ألست قاتل حجر، وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعدما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة على الله، واستخفافاً بعهده، أولست بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصْم(3)نزلت من شَعَفِ الجبال(4)، أولست المدعيزياداً في الإسلام، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، وقد
1) الحِجَاج في القرآن: 427.
2) البلاغة والتطبيق: 131.
3) الغربان حمر الأرجل، وهذا النوع من الغربان قليل جداً ويعيش في شعف الجبال، شبه فيه النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) النساء اللواتي يدخلن الجنّة به، وهذا الحديث متداول بين العرب، ويبدو أنّ الإمام الحسين كان يشير إليه، وفضلاً عن ذلك فإنّ العُصم يُطلق على الظباء، والوعول التي تعيش في شُعب الجبال ويكون في أرجلها بياض. اُنظر: لسان العرب: مادة (عصم) 12/405.
4) «شَعَفَةُ كلّ شيء أَعلاه وشعَفةُ الجبل بالتحريك رأْسُه والجمع شَعَفٌ وشِعافٌ وشُعوفٌ وهي رؤوس الجبال)). لسان العرب: مادة (شعف) 9/177.
قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام، يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل(1)؟ سبحان الله يا معاوية! لكأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمّه صلى الله عليه وسلم، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف(2)، فوضعها الله عنكم بنا؛ منّة عليكم»(3).
فقد عدل الإمام (علیه السلام) في هذا الكتاب من الخبر (قتلت حجر... وقتلت عمرو بن الحمق... وادّعيت أنّ زياداً أخوك... وقتلت الحضرمي) إلى أسلوب الإنشاء بالاستفهام التقريري؛ «لأنّه أوقع في النفس، وأدلّ على الإلزام... وذلك لما فيه من حجّةدامغة»(4)، فأفعال معاوية المشينة هذه حقائق لا مراء فيها ولا جدال هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذا الأسلوب «يجعل المخاطَب في حالة اضطرار إلى الجواب... فهو يجعل المخاطب يجيب في الاتجاه الذي يرسمه السؤال»(5)، فعدول الإمام من الخبر إلى الإنشاء في هذا الكتاب أراد منه الإمام الحسين (علیه السلام) أن ينتزع
1) إشارة إلى قوله تعالى على لسان فرعون للسحرة: «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» (سورة طه: آية71)
2) إشارة إلى قوله تعالى: «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ»[سورة قريش: آية: 1-2].
3) الإمامة والسياسة: 1/203؛ واُنظر: الاحتجاج: 2/275-276؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/59-62.
4) البلاغة فنونها وأفنانها: 190.
5) البلاغة العربية في ضوء البلاغة الجديدة أو الحِجَاج، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/47.
إقرار معاوية واعترافه بتلك الجرائم، وهو بذلك حصر معاوية في زاوية ضيقة ممّا جعله يلازم الصمت، ولم يتعرض للإمام بعد ذلك في حياته كلّها؛ لأنّه قتل هؤلاء المؤمنين لا لشيء وإنّما بغضاً للإمام عليّ (علیه السلام)، وفي سكوت معاوية، وملازمته الصمت علامة على أنّه كان يعلم أنّه ارتكب ذلك ظلماً وعدواناً، وفي أفعاله هذه خروج عن ملّة محّمد (صلی الله علیه و آله)، «فحمل عليه (علیه السلام) حملة تذكره بجرائمه وآثامه وجرأته على انتهاك الحرمات، ما يعني إبطال دعوى معاوية المسطّرة في كتابه، ولم يكتف (علیه السلام) بذكر التقرير، بل أشربه معنى الإنكار التوبيخي، فنقض العهود والمواثيق الغليظة، والاستخفاف بالتعاليم السماوية والمبادئ الإسلامية، واستلال منطق الغدر والقتل والتنكيل، كلّها أسباب تدعو إلى توبيخ فاعلها وإنكار ذلك عليه، ويحتمل التقرير - أيضاً - غرضاً آخر هو التعجب من صنائع معاوية الذي قتل الإسلام باسم الإسلام، بدليل ماجاء في ذيل النص (سبحان الله يا معاوية)»(1). وهكذا حقق الإمام (علیه السلام) بهذا العدول النتيجة المرجوة وهي أن يكف معاوية عن إيذائه والتعرض له، فضلاً عن إقناع النّاس بأنّ معاوية مجرم، خارج عن ملّة محمد (صلی الله علیه و آله) .
ومن أمثلة قول الإمام الحسين (علیه السلام) لمن تجمعوا حوله بعدما بقيَ وحيداً، يتحاثون على قتله: «أعلى قتلي تَحاثُّون؟!»(2).
الاستفهام في قول الإمام هذا خرج من الحقيقة إلى المجاز؛ لغرض دفع القوم إلى الإقرار بالاعتراف بذلك، فضلاً عمّا فيه من تعجب ممّا يقدمون عليه، ولم يرد
الإمام (علیه السلام) إقرارهم بالتحاث، واتفاق كلمتهم على التجمع، فهو لم يتعجب من تجمعهم، بل كان الإمام (علیه السلام) متعجباً من تجمعهم عليه هو خاصة من دون غيره من الناس، ويتركون يزيد ومن بايعه من الخارجين عن ملّة جدّه محمّد (صلی الله علیه و آله)؛ لأنّ الهمزة لو دخلت على الفعل تصير (أتحاثون على قتلي؟!) فيكون التعجب من فعلهم، وإنكار لما يقدمون عليه من فعلٍمشين، لكن تقديم الجار والمجرور أفاد دلالة أخرى، وهي إنّ الإمام (علیه السلام) لم يرد إنكار تحاثهم، وإنّما أنكر تحاثهم عليه هو خاصّة، مريداً من ذلك إقرارهم واعترافهم بما يقدمون عليه من فعلٍ شنيع؛ ليلقي عليهم بذلك الحجّة أمام الله سبحانه وتعالى؛ وليشنّع بهم أمام النّاس على مرّ العصور وتقادم الأجيال، وكأنّه أراد أن يقول: لا يوجد فعل أشنع من هذا الفعل، ولا أقبح منه؟ بدلالة قوله الذي جاء بعد هذا القول: «أما والله لا تقتُلون بعدي عبداً من عباد اللهِ أسخطَ عليكم لقتْلهِ منِّي»، فهذا الأسلوب فضلاً عمّا أفاده من قوة الحجّة في التعجب والإنكار أفاد دلالة أخرى، زادت من قوة الحجّة، وهي دلالة الاختصاص بتقديم شبه الجملة (الجار والمجرور) على الجملة الفعلية، وقال الدكتور عبد الله صولة: «للتقديم والتأخير بالمقياس النحوي وظيفة حجاجية من نوعٍ آخر وهي أنّه إذا دخل عليه الاستفهام... أفاد التشنيع على الخصوم إفادة لا يمكن أن تحصل لو لم يكن لجوء إلى التقديم والتأخير»(1).
نخلص من ذلك إلى أنّ أي تغيير في النظام المتعارف عليه للجملة يؤدي إلى تغيير في الدلالة،ويزيد من قوة الحجّة.
1) الحِجَاج في القرآن: 446.
ويُقصد به الانتقال من أسلوبٍ في الكلام إلى أسلوب آخر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب، أو الانتقال من الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية، أو من الجمع إلى المفرد، أو التغيير في أزمنة الخطاب، ونحو ذلك. وعرّفه ابن المعتز (296ه-) قائلاً: «هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك، ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر»(1)لأجل لفت انتباه المتلقي للخطاب. وقد أشار الزمخشري (ت538ه-) إلى ذلك؛ إذ قال: «هو فنٌّ من الكلام جزلٌ فيه هزٌّ وتحريك من السامع»(2)ليجعله يعيش الحدث كأنّه حقيقة، فضلاً عمّا فيه من جذب للموضوع.
وللالتفات مصطلحات كثيرة في موروثنا العربي منها: (الصرف، الانصراف، العدول، التلوّن، مخالفة مقتضىالظاهر، وشجاعة العربية)(3)وعلل ابن الأثير سبب تسمية العلماء العرب الالتفات بشجاعة العربية قائلاً: «وإنّما سُمّي بذلك؛ لأنّ الشجاعة هي الإقدام، وذلك أنّ الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه»(4). وهذا يعني أنّ الالتفات أسلوب خاص لا يستعمله إلا من كان واثقاً مِن أنّه حينما يقدم عليه يكون قادراً على استمالة القلوب، أو ثني الأعناق إليه؛
1) البديع: 58.
2) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جار الله أبو القاسم محمود ابن عمر الزمخشري (ت538ه-)، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجد، والشيخ علي محمد معوّض، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة ألأولى (1418ه- - 1998م): 1/210.
3) اُنظر: أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، د. حسن طبل، دار الفكر العربي، القاهرة، (1418ه- - 1998م): 11.
4) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: 2/168.
ولذا كان الإمام الحسين (علیه السلام) يستند إليه في حجاجه، ومن مصاديق ذلك ما جاء في كتابه إلى أخيه محمد بن الحنفية (رضی الله عنه)، ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفية،إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن مُحَمَّداً عبده ورسوله، جاء بالحقِّ من عند الحقّ، وأن الجنة والنار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً،ولا بطراً،ولا مفسداً ولا ظالماً؛ وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي صلى الله عليه وآله؛ أريد أن آمر بالمعروف،وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام؛ فمن قبلني بقبول الحقِّ،فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقِّ،وهو خيرالحاكمين»(1).
هذا التلوّن في الخطاب، والتفنن به عن طريق الالتفات بالحديث من الغيبة إلى الحضور، ثم الانتقال إلى الحديث عن غائب يدلّ على مقدرة فائقة في الخطاب، ولا عجب فهو رضيع لبان الفصاحة، وابن سيد البلغاء، فهذا التفنن والتلوّن لم يرد منه الإمام الإمتاع؛ لأنّ المقام يشير إلى أنّ الخطاب هنا خطاب جدّ لا لعب، بل أراد منه الإمام (علیه السلام) تحقيق غايات عدّة منها:
إنّه عندما قال: (هذا ما أوصى به الحسين... إلى أخيه) أوصل وصيته إلى أخيه من دون أن يستعمل أسلوب الأمر(أوصيك) الدال على العلو؛ للتعظيم من شأن أخيه إذ قرنه بنفسه.
عندما قال: (إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن مُحَمَّداً عبده ورسوله) ابتعد عن أسلوب الأنا (إنيّ أشهد...)؛ في ذلك دلالة على تواضعه للخالق جلّ في علاه.
1) بحار الأنوار: 44/329-330.
في التفاته إلى أسلوب المتكلم (وإنّي لم أخرج أشراً،ولا بطراً،ولا مفسداً،ولا ظالماً؛ وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي صلى الله عليه وآله...). أراد أن يلفت نظر أخيه إلى سبب خروجه؛ ليصغي إلى معرفة السبب من الخروج.وبهذه الالتفاتات جعل الإمام (علیه السلام) أخاه يُصغي إليه، ثم بيّن له السبب الذي دفعه إلى الخروج، ليقنعه بالحجّة بعد أن لفت انتباهه إليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذا الالتفات أفاد الاختصاص، أي أنّ الإمام أوصل إليه رسالة مضمونها: إنّ خروجه اختص بهذا الفعل وهو «طلب الإصلاح في أُمّة جدي صلى الله عليه وآله؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام»؛ لئلا يلومه على خروجه إلى العراق؛ لأنّ السيد محمد بن الحنفية (رضی الله عنه) كان خائفاً على الإمام الحسين (علیه السلام)؛ لأنّه كان يعتقد أنّ هذا الخروج لا يُجدي نفعاً في دفع الناس إلى الوقوف بوجه الدولة الأموية، وسيؤدي إلى هلاك أخيه.
نخلص من ذلك إلى أنّ اللغة عبارة عن مفردات، لها دلالات معجمية خاصة، تتغيّر بحسب سياقات نظمها، والخطيب الحاذق هو الذي يُحسن توظيفها بحسب المقام، وسياق القول بأسلوب، يجعل القلوب تستميل إليه، والعقول تعتقد به، والأفراد تُذعن إليه، وتُسلّم له.
البيان في اللغة يعني: «ما بُيِّنَ به الشيءُ من الدلالة وغيرِها، وبانَ الشيءُ بَياناً اتَّضَح فهو بَيِّنٌ... وكذلك أَبانَ الشيءُ فهو مُبينٌ... وأَبَنْتُه أَي أَوْضَحْتُه»(1). والبيان عند الجاحظ: «اسم جامع لكلّ شيءٍ كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى الحقيقة، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل؛ لأنَّ مدار الأمر، والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام»(2).
والبيان في الاصطلاح «أصول وقواعد يُعرف بها إيراد المعنى الواحد، بطرقِ يختلف بعضها عن بعض في وضوح الدلالة على نفس ذلك المعنى(3)، ولابد من اعتبار المطابقة لمقتضى الحال دائماً»(4).وسأقتصر في هذا المبحث على ذكر ما يتعلق منه بموضوع الحجاج:
ينعقد التشبيه بين طرفين يُعرف أولهما بالمشبه (المعنى الذي يقصده المتكلم)، والآخر: المشبه به (المعنى الذي يحيل عليه المتكلّم) تربط بينهما أداة تشبيه، وعلاقة جامعة أطلق عليها البلاغيون (وجه الشبه)، وقد يُحذف وجه الشبه وأداة التشبيه؛ لتقريب صفات المشبه من صفات المشبه به على وجه المبالغة، ممّا يدفع المتلقي إلى البحث عن وجه الشبه الذي يربط بين المشبه والمشبه به، إذن التشبيه عبارة عن عقد علاقة مشابهة بين طرفين لاشتراكهما بصفة أو أكثر، بأداة ظاهرة تربط بينهما، أوتُحذف للمبالغة. «وحقيقة التشبيه... هي التقريب بين الطرفين والمقارنة بينهما؛ لاشتراكهما في معنى من المعاني، أو صفة من الصفات، أو في حال و طريقة. وسواءٌ أكان مجوّز تلك المقارنة الحسّ أم العقل، لابد من أن تبقى العلاقة بينهما علاقة اشتراك وتمايز في نفس الوقت(1)»(2). والتشبيه ضرب من القياس؛ إذ يشترك طرفان في حكم منالأحكام؛ لعلّة جامعة بينهما، وقد تنبّه عبد القاهر الجرجاني إلى ذلك؛ إذ قال: «التشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتُستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان»(3).
والخطباء وحتّى بعض الشعراء لم يستعملوا التشبيه للحلية والتزيين فحسب، بل كانوا يعون أنّ للتشبيه قيمة حجاجية كبيرة، فهو يُقرّب المسافات بين المعاني المجردة والمعاني المحسوسة؛ ليجعل العقل يقبل العلاقات القائمة بين الأشياء،
1) كذا، والصواب: في الوقت نفسه.
2) التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، د. حمادي صمود، دار الكتاب الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة (2010): 478.
3) أسرار البلاغة، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ (ت471ه-)، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمّد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الأولى (1412ه- - 1991م): 20.
والمحاجج عندما يميل إلى التشبيه يرجو من ذلك إيصال الحجّة إلى ذهن المتلقي، فيصوّرها بصورة بيانية تشبيهية؛ ليستوعبها المتلقي مثلما يشعر بها هو «و يدرك المتلقي بالتشبيه مقاصد المرسل، الذي يحاول تثبيت حجته باستمالة المتلقي والتأثير فيه»(1).
والتشبيه الوارد في خطب الإمام الحسين (علیه السلام) كلّه تشبيه حجاجي؛ الغاية منه إيصال الحجّة إلى ذهن المتلقي، سواء أكان جمهوراً حاضراً، أم جمهوراً كونياً على مرّ العصور والأجيال المتلاحقة.ومن أمثلة تشبيهاته (علیه السلام) ما جاء في خطبته بذي حُسُم وفيها ذمّ الدّنيا وحذّر منها: «وإن الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفُها واستمرت جداً، فلم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء(2)، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوَبيل(3)»(4).
في هذا القول تشبيهان، شبّه في أولهما ما بقي من الدنيا بما بقى في الإناء من الماء أو اللبن أو نحوهما، وفي الآخر شبّه عيشها بالمرعى الذي لا يُستمرأ منه. وهذان التشبيهان حسيان أراد منهما الإمام (علیه السلام) أن يصوّر للحرّ بن يزيد الرياحيّ وجيشه حال الدّنيا التي يسعون وراءها، فالمتلقي لا يستطيع أن ينكر أنّ المتبقي من اللبن أو الماء شيء قليل لا قيمة له، والمرعى الوبيل لا يُشبع ولا يُغني من جوع، فقد أراد الإمام (علیه السلام) من خلال نقل ذهن المتلقي من الصورة المجردة إلى التفكير في الصورة
1) الحِجَاج في الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، (رسالة ماجستير): 76.
2) الصبابة، بالضم: بقية الماء واللبن، وغيرهما تبقى في الإناء والسقاء. اُنظر: لسان العرب: مادة(صبب) 1/516.
3) الوبيل: الذي لا يُستمرأ. اُنظر: المصدر نفسه: مادة (وبل) 11/719.
4) تاريخ الطبري: 5/403-404؛ واُنظر: العقد الفريد: 5/122؛ وتاريخ مدينة دمشق: 14/217؛ ومناقب آل أبي طالب: 3/76؛ وبحار الأنوار: 44/381.
الحسية التي يشاهدها في الواقع أن يقرّب له المعنى المجرد؛ ليتحوّل عنده إلى معنى حسيّ يؤدي به إلى الإقناع؛ «لأنّ اللفظ الحسي؛ إذ يكثّف درجة حضور الفكرة؛ لتنجم عن ذلك مصادقةالسامعين»(1).
ومن أروع تشبيهاته (علیه السلام) ما جاء في خطبته عندما استكف به جيش عمر بن سعد يريدون قتله وسبي عياله، أو ينزل على حكم الطغاة، فقد قال (علیه السلام): «...استسرعتم
إليها [كطيرةِ الدَّبَى(2)]، وتداعيتم عليها كتداعي الفراش»(3).
في هذا القول شبه أهل الكوفة باستسراعهم إلى بيعته (علیه السلام) بصغار الجراد (الدَّبَى)، وفي التشبيه الثاني شبه تداعيهم عليها بتداعي الفراش، وهذان التشبيهان يكمّل أحدهما الآخر، وهما من أروع التشبيهات الحِجَاجية، والدَّبَى حيوانات ضعيفة تتجمع بكثرة، وتتنقّل بسرعة هائلة، وتفتك بالمزارع إذا مرّت بها، وهي من أكبر الآفات، والعرب تضرب بها المثل، فيقولون في الشيء الكثير:(أكثرُ من الدَّبَى)(4)، وشبّه تداعيهم على بيعته (علیه السلام) بتداعي الفراش، وعُرِف الفراش بضعف بصره، فإذا رأى السراج تهافت عليه بشكل مستمر حتى يحترق(5).
1) الحِجَاج أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب ( أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 319.
2) الجراد قبل أن يطير، وقيل: الدَّبَى أصغر ما يكون من الجراد والنمل، واحدته دباة. اُنظر: لسان العرب: مادة (دبي) 14/248.
3) التذكرة الحمدونية: 5/211؛ واُنظر: تحف العقول عن آل الرسول: 265؛ ومقتل الحسين، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي (ت568ه-)، مطبعة الزهراء، النجف (1367ه- - 1948م): 2/7؛ وتاريخ مدينة دمشق: 14/218؛ والاحتجاج: 2/278؛ وما بين الأقواس من بحار الأنوار: 45/10.
4) اُنظر: مجمع الأمثال: 2/171.
5) اُنظر: حياة الحيوان الكبرى، كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري، تحقيق أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية (1424ه- - 2003م): 2/280.
فتشبيه أهل الكوفة بالدَّبَى والفراش الغاية منه رسم صورة حسيّة متعارف عليها في الثقافة العربية، وقد أشار إلى ذلك موسى خابط إذ قال: «ونلحظ أن الصورتين قد اتكأتا على العنصر الحسي البصري، الأولى بفعل مثير حركي(أسرعتم)، والأخرى بفعل مثير حركي ضوئي(تهافتم)، وقد تعاضدت الصورتان معا للكشف عن مدى إقبال أهل الكوفة لبيعته»(1)، فالإمام الحسين (علیه السلام) أراد من هذين التشبيهين أن يرسم صورة حسيّة لحال أهل الكوفة عندما أرسلوا إليه الكتب يبايعونه فيها، فسرعتهم للمبايعة كانت كسرعة الدَّبَى؛ إذ تتجمع حول الشيء لضعفها، وتهافتهم عليها كتهافت الفراش على السراج حتى يحترق.
ومن أوجه التشابه بين الكوفيين وهذه الحيوانات:
سرعة الحركة، والتجمع.1. ضعف البصر عند تلك الحيوانات، يُقابل ضعف البصيرة عند الكوفيين.
تجمعهم حول النور يكون بتزاحم وتهافت.
الكثرة.
الضعف والهوان.
سيؤول حالهم لأن يكونوا مضرباً للأمثال.
وبالنتيجة كلاهما آفة تفتك بنعم الله وبركاته.
والغاية من هذه الصورة التشبيهية - على ما يبدو - تذكير القوم بالحال التي كانوا عليها قبل البيعة، وكيف استسرعوا إليها، وتداعوا عليها؛ لتكون حجّة تضاف إلى
1) أدب الإمام الحسين (علیه السلام) قضاياه الفنية والمعنوية، موسى خابط عبود، (رسالة ماجستير)، جامعة بابل، كلية التربية، قسم اللغة العربية (1429ه- - 2008): 221.
غيرها من الحجج؛ علّهم يتأملون فيها؛ ليعودوا إلى رشدهم، بعدما يتصورون الحال التي كانوا عليها عندما دعوا الإمام الحسين (علیه السلام) إلى البيعة، ثم يعرفون من خلال هذه الصورة التشبيهية أنّه (علیه السلام) لم يخرج طامعاً في حكمٍ، ولا طالب دنيا، وإنّما خرج لنصرة المظلوم على الظالم، وكانت الغاية من إلقاء هذه الحجّة؛ لئلا يلاقوا الله سبحانه وتعالى بدمه، ولئلا يلحقهم العار الذي ظلّ يطاردهم على مرّ العصور، لكنَّ الشيطان استحوذ عليهم، فانصاعوا إلى أمره، وحدث الذي حدث من تقتيل، وتسليب، وسبي؛ ليصل الإمام (علیه السلام) من هذه الحجّة إلى نتيجة مضمرة لم يصرح بها يمكن أن يستشفّها المتلقي من السياق، وهيمحاولة إقناعهم بأن يكفّوا عن قتاله، والتعرض لحرمه.
ومن تشبيهاته أيضاً قوله (علیه السلام): «ثمّ لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم دور الرحى، وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إلي أبي عليّ، عن جدي»(1)، هذا القول مثّل صورة تشبيهية حسيّة تألفت من ثلاثة تشبيهات، الغاية منها تصوير حال مَن يُسرج ويُلجم لقتله (علیه السلام)؛ إذ شبّه مدّة دولتهم بمدّة ولادة الفرس لحين ركوبه، وهذه المدّة لا تتجاوز ثلاث سنوات - وهي المدّة نفسها الفاصلة بين مقتل الإمام الحسين (علیه السلام) وموت يزيد بن معاوية، وإعلان المختار بن عبيدة الثقفي ثورته على قتلة الإمام (علیه السلام) -، ثمّ شبّه حالهم بعد سقوط دولتهم بأنّ الدنيا ستدور بهم دوران الرّحى، التي لا تُبقي ولا تذر من الدقيق شيئاًً، وشبّه حالهم فيها بقلق المحور، والمحور: العمود المثبّت وسط الرحى، وهذا العمود «بفعل طبيعة عمل الرحى، فإنّه يتلقى ضربات متلاحقة، ومن اتجاهات مختلفة إلى
1) التذكرة الحمدونية: 5/212؛ واُنظر: تحف العقول عن آل الرسول: 267؛ وتاريخ مدينة دمشق: 14/219؛ والاحتجاج: 278، وبحار النوار: 45/10.
جانب الاحتكاك المتقطع، وهذا وصف دقيق لحال الأعداء المضطرب، الذي ما فتئ يتقلب على جمرات القصاص»(1)، وهذه التشبيهات الحسيّة التي وصفت حال جيش بني أمية، الغاية منها رسم صورة حسيّة من الواقع المعاش - آنذاك -؛ ليقرّب الإمام (علیه السلام) للمتلقي الصورة التي أخبره بها أبوه عليّ (علیه السلام)، عن جدّه المصطفى (صلی الله علیه و آله) لمن يَقْدِم على قتله، وبها ألقى الإمام (علیه السلام) حجّته على القوم؛ علّها تجد صداها عند مَن يعيها.
اختلف البلاغيون في التمثيل؛ فابن الأثير يرى أنّ التمثيل والتشبيه شيء واحد لا فرق بينهما، وصرّح بذلك قائلاً: «وجدتُ علماء البيان قد فرَّقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا باباً مفرداً، ولهذا باباً مفرداً، وهما شيءٌ واحدٌ لا فرق بينهما في أصل الوضع؛ يُقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء؛ كما يُقال: مثّلته به. وما أعلم كيف خَفَي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه»(2). في حين يرى عبد القاهر الجرجاني «أنّ التشبيه عام، والتمثيل أخص منه، فكلّ تمثيل تشبيه، وليس كلّ تشبيه تمثيلاً»(3)وأنا أرى أنّ ما رآه عبد القاهر الجرجاني أقرب إلى الدقة؛ لأنّ وجه الشبه في التمثيل لا يكون إلا عقلياً، يحتاج من المتلقي أن يجهد نفسه، ويفكر حتى يصل إليه، فالتمثيل لا يعني المشابهة بين طرفين كما يظنّ ابن الأثير، بل يعني المماثلة بين علاقتين،تستدعي من المتلقي أن يميطاللثام عن وجه الشبه المطوي في عناصر الصورة التمثيلية؛ لأنّ مضمونه يمثل معلومة جديدة يستخلصها المتلقي من تلك
الصورة التمثيلية بتأملٍ وتأويلٍ عقلي، ويرى ميشيل لوجيرن أنّ «من السهل دائماً أن ننفي ما يقوله من يتحدث إلينا أكثر ممّا يسهل أن ننفي ما نستنتجه نحن عن طريق عملية تأويلية»(1).
واستناداً إلى ذلك يمكن عدّ التمثيل أقوى حجاجاً من التشبيه؛ بوصفه يجعل الحجّة حاضرة في ذهن المتلقي، ويهيئه إلى تقبلها، ويدعم القوة التأثيرية للنص الحِجَاجي. وقد أشار بيرلمان إلى ذلك؛ إذ قال: «هو طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة المستهلك، حيث لا يرتبط التمثيل بعلاقة المشابهة دائماً، وإنّما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة»(2).
وكان أرسطو يرى أنّ التمثيل قياس، لكنّه جعله أدنى مرتبة من القياس الاستقرائي أو الاستنباطي، وحدّده بأنّه انتقال من جزئي إلى جزئي، وأدخله ضمن الأقيسة الظنّية التي لا تفيد علماً، وحدّد وظيفته بالجمهور، وحصرهابالإفهام والإيضاح والتشخيص(3)، وقال عبد الله صولة: «للتمثيل دورٌ مهم في الإبداع وفي الحِجَاج على حدٍّ سواء، ومرد ذلك أساساً إلى ما يتيحه من امتداد وتوسّع؛ إذ بواسطة الحامل يمكن للتمثيل أي(4)يوضح بُنية الموضوع، وأن يضعه في إطار مفهومي. لكن التمثيل في مجال الإبداع يختلف عنه في مجال البرهنة والحِجَاج من حيث اتّساع مدى هذا التمثيل، أو عدم اتساعه. ففي حين لا شيء يمنع من أن يطول التمثيل ويمتدّ في مجال الإبداع، يُطلب من التمثيل في مجال الحِجَاج أن يلتزم بحدّ معين، وإلّا فقد طاقته
الإقناعية»(1).
ولم تفت عبد القاهر الجرجاني أهمية التمثيل في الإبداع والحِجَاج معاً، فقد قال: «واعلم أنّ ممّا اتفق العقلاءُ عليه أنّ التمثيل إذا جاءَ في أعقاب المعاني، أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفاً، وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشَغَفاً، فإن كان مدحاً، كان أبْهَى وأفخم، وأنبلَ في النفوسَ وأعظم... وإن كان ذمّاً، كان مسُّهُأوجعَ، ومِيسَمُه ألذع، ووقعُه أشد، وَحدُّه أحَدّ، وإن كان حِجَاجاً، كان بُرهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبَيَانه أبْهر»(2). وجعل الدلالة التمثيلية من مقتضيات النظم، فهو يرى أنّ التمثيل الذي يتصف بدقة المعنى ولطف المضمون به حاجة إلى أن يُصاغ بتركيب نحوي محكم، وفي سياق لغوي سليم(3)، إذن التمثيل يمثل وسيلة من وسائل التحوّل الدلالي التي يمتلكها المحاجج في التأثير بالمتلقي؛ انطلاقاً من الأدوات اللغوية؛ لأنّ ما «تُحدثه الدلالة التمثيلية من أثرٍ في طول التأمل والتفكير فيه يكون أدعى إلى بقاء المعاني، واستقرارها في النفس مدّة أطول؛ لأنّ النفس البشرية مطبوعة على الحرص على ما جهدت في سبيله، وتعبت من أجله»(4).
1) الحِجَاج أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال (مصنف في الحِجَاج: الخطابة الجديدة) لبيرلمان وتيتيكاه، بحث ضمن كتاب ( أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية): 342.
2) أسرار البلاغة: 115.
3) اُنظر: التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر، د. عبد الفتاح لاشين، دار الجيل للطباعة، بيروت (1980م): 207.
4) الدرس الدلالي عند عبد القاهر الجرجاني، د. تراث حاكم الزيادي، (دار الصفاء للنشر والتوزيع - عمان، ومؤسسة دار الصادق الثقافية - الحلّة)، الطبعة الأولى (1432ه- - 2011م): 332-333.
وكان الإمام الحسين (علیه السلام) يجنح إلى التمثيل في كلامه متى ما وجد الحِجَاج به ضرورياً، مؤثراً في المتلقي، واتضح لنا من الوقائع التأريخية في المسيرة الحسينية أنّ الإمام عندما عزم على الخروج إلى العراق لم يلتفت إلى نصائحالصحابة والأقرباء؛ إذ أشاروا عليه بألّا يخرج إلى الكوفة؛ لما اتصف به الكوفيون من غدرٍ وخذلانٍ؛ وألّا يُصدِّق وعودهم، وعهودهم الكاذبة، فهو لم يأخذ بتلك النصائح، بل شدّ الرحال إلى العراق، مصطحباً الأطفال، والنساء، والمرضى من أهل بيته، قاطعاً رمال الصحراء بحرِّ الصيف. ما جعلهم يتعجبون ممّا يقدم عليه من فعل لا تُحمَد عُقباه؛ ولذا رأى الإمام الحسين (علیه السلام) من المناسب أن يُفصح عمّا في داخله، فبعدما حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي (صلی الله علیه و آله) قال: «خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنِّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشاً جُوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين؛ لن تشذَّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرُّ بهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاءِ الله نفسه؛ فليرحل معنا فانِّي راحل، مصبحاً إن شاء الله»(1).وما يهمنا من هذه الخطبة قوله (علیه السلام): «ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف»، فقد شبّه ولهه إلى أسلافه باشتياق يعقوب إلى يوسف، من دون أن يحدد
1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 86؛ واُنظر: مقتل الحسين: 2/5-6؛ والملهوف على قتلى الطفوف، أبو القاسم علي ابن موسى بن جعفر بن طاووس (ت664ه-)، إعداد عبد الزهراء عثمان محمد، ستارة، قم، الطبعة الأولى (1419ه- - 1998): 57؛ وكشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/239؛ وبحار الأنوار: 44/366-367.
وجه الشبه، الذي يربط بين ولهه إلى أسلافه (صلوات الله عليهم أجمعين)، واشتياق يعقوب إلى يوسف (علیهما السلام) بل تركه مطلقاً، والغاية الحِجَاجية من هذا الإطلاق دفع المتلقي إلى البحث عن العلاقة الرابطة بين العلاقتين، فيذهب به الخيال إلى قصة يعقوب ويوسف (علیهما السلام) التي ذكرها الله (عزوجل) في القرآن الكريم، ويستحضر القصة كاملة في ذهنه، ثمّ يبحث من خلالها عن أوجه الشبه التي تربط بين وله الإمام (علیه السلام) إلى أسلافه واشتياق يعقوب إلى يوسف (علیهما السلام)؛ ليخلص من ذلك إلى أنّ الرحال التي شدّها، والأسرة الزاحف بها لم يطلب بها سلطة ولا جاهاً؛ بل هي طريقه إلى لقاء أسلافه في جنان الخلد؛ ليعيش معهم الحياة الأبدية في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ وهكذا أوصل الإمام من خلال هذه الحجّة التمثيلية الفكرة التي كانت تجول بخاطره إلى من كان يلومه على شدّ الرحال إلى العراق، وبهذا القول الموجز أقنعهم بخروجه إلى أرض العراق.
نخلص من ذلك إلى أنّ التمثيل وسيلة حجاجية، يتوجهبه المحاجج إلى عقل المتلقي؛ لينقله من الحالة التصويرية إلى الإقناع، ولذا عدّ من العناصر المهمة، والفعّالة في الخطاب الحِجَاجي، وجزءاً لا يتجزأ من بنية النص الحِجَاجية.
الاستعارة لغة: «رفع الشيء وتحويله من مكان إلى آخر، يُقال: استعار فلان سهماً من كنانته،رفعه وحوّله منها إلى يده»(1). وقال ابن الأثير: «إنّما سمي هذا القسم من الكلام (استعارة)؛ لأنّ الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذة من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة»(2). وعرّف عبد القاهر الجرجاني الاستعارة قائلاً: «الاستعارة
في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفاً، تدلّ الشواهد على أنّه اختص به حين وُضِعَ، ثم يستعمله الشاعر، وغير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم؛ فيكون هناك كالعارية»(1). واللفظ عندما يُسند إلى لفظٍ آخر على سبيل الاستعارة مجازاً يبقى محافظاً على دلالته الحقيقية، فقولنا: (رأيتُ أسداً) أقوى دلالة من قولنا: (رأيتُ رجلاً شجاعاً). فعندما تُطلق لفظة (أسد) على الحيوانالمعروف تدلُّ على أنّ ذلك الحيوان يتصف بالشجاعة على وجه الحقيقة، لكن عندما تُستعار هذه اللفظة للإنسان على سبيل المجاز تكون أقوى حجاجاً، وأبلغ دلالة من الحقيقة؛ لأنّ الفكر يُخْضِعُ اللفظ المستعار إلى عملية عقلية يتوصل بها المتلقي إلى أنّ ثمة اختلافاً بين معنى المسند ومعنى المسند إليه، ممّا يدفعه ذلك إلى أن يتساءَل عن سبب ذلك الاختلاف، وعندما يُنعم النظر أكثر يجد أنّ المتكلم يروم من هذه العبارة إلفات نظر المتلقي للوقوف عندها، وليبحث عن السبب الجامع بين المسند والمسند إليه، فيجد من خلال عملية فكرية تأويلية أنّ الجامع بينهما في هذه العبارة - على سبيل المثال - (الشجاعة)؛ لأنّ السمات الدلالية للفظة (أسد) تشير إلى الشجاعة في الحقيقة، وعندما تُطْلَقُ هذه اللفظة على الإنسان على سبيل المجاز تبقى محافظة على معناها الحقيقي؛ ولهذا نجد عبد القاهر الجرجاني يقول في الاستعارة: «إنَّها تُعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تُخرجَ من الصدَفة الواحدة عِدّة من الدُّرَر، وتَجْنِيَ من الغُصْن الواحد أنواعاً من الثَّمر... فإنك لترى بها الجمادَ حيّاً ناطقاً، والأعجمَ فصيحاً، والأجسامَ الخُرسَ مُبينةً، والمعاني الخفيّةَ باديةً جليّةً، وإذا نظرتَ في أمر المقاييس وجدتَها ولا ناصر لها أعزُّ منها»(2).
وتُقسّم الاستعارة تقسيمات عدّة أهمها ما يقوم على طرفيها:
الاستعارة التصريحية: وهي التي يُحذف فيها المشبه، ويُكتفى بذكر لفظ المشبه به فقط، كما في قوله تعالى: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ»(1)، شبه الله (عزوجل) الضلال بالظلمات، وشبه الهدى بالنور، ثم حذف المشبه (الضلال، الهدى)، واكتفى بلفظ المشبه به (الظلمات، النور). والمتلقي يستند إلى القرينة السياقية - في هذه الآية - لمعرفة المشبه المحذوف.
الاستعارة المكنية: لا يُصرّح فيها بلفظ المشبه به (المستعار منه)، وإنّما يُكتفى فيها بذكر المشبه، وشيء من لوازم المشبه به. كما في قوله تعالى: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»(2). الجناح لازم من لوازم الطائر، إذن الطائر هو المشبه به، والمشبه في هذه الآية (الذّلّ)، وحذف الله سبحانه وتعالى المشبه به؛ لوجود لازم من لوازمه دلّ عليه وهو (الجناح).وقسّم أرسطو الاستعارة على ثلاثة أقسام هي: «الاستعارة الجمهورية، والاستعارة الشعرية، والاستعارة الحِجَاجية، وجعل الاستعارة الحِجَاجية تهدف إلى إحداث تغيير في الموقف العاطفي،أو الفكري للمتلقي، في حين أنّ الاستعارة الشعرية لا تهدف إلا إلى ذاتها،ولا تحيل إلا على ذاتها»(3)ولهذا السبب نصح أرسطو الخطيبَ بعدم الإكثار من الاستعارة في الخطاب؛ لئلا تظهر بمظهر التكلّف؛ لأنّ الإفراط
فيها يخرج الخطاب من جنس الخطابة إلى جنس الشعر(1)، وسار ميشيل لوجيرن على خطى أرسطو في التفريق بين الاستعارة الحِجَاجية والاستعارة الشعرية(2)، وتابعهما في ذلك الدكتور أبو بكر العزاوي،فهو يرى أنّ الاستعارة البيانية تكون مقصودة لذاتها، ولا ترتبط بالمتكلمين وبمقاصدهم وأهدافهم الحِجَاجية، مستشهداً بقول الشاعر: [البحر البسيط]
وَأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤَاً مِنْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ وَرْدَاً وَعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بِالبَرَدِ(3)فقد قال في هذا البيت: «يتضح لنا من خلال هذا المثال أنّ الشاعر لم يكن يهدف إلى التأثير في المخاطب أو إلى تحقيق بعض الغايات الحِجَاجية، بل كان يهدف إلى إظهار براعته في استعمال المحسنات البديعية»(4)، لكنّ الذي يبدو لي أنّ الاستعارة الحِجَاجية لا تخلو من قيمة جمالية، كما أنّ الاستعارة الشعرية لا تخلو من قيمة حجاجية، والاختلاف بينهما يقتصر على النسبية، فبعض الاستعارات تكون فيها نسبة الحِجَاج أقوى من نسبة الجمال، وأخرى تكون فيها نسبة الجمال أقوى من نسبة الحِجَاج، وذلك بحسب السياق اللغوي، ومقام القول.
فالاستعارة لا تقتصر على الإمتاع فحسب، بل لها وظيفة أخرى أهم من وظيفة الإمتاع،وهي الوظيفة الحِجَاجية التي تهدف إلى الإقناع؛ ولهذا السبب حظيت الاستعارة باهتمام الحِجَاجيين،فهم يرون أنّها تمثل «مركز الحِجَاج وأهم آلياته
1) اُنظر: المصدر نفسه.
2) اُنظر: الاستعارة والحِجَاج: (بحث) 89.
3) البيت منسوب إلى يزيد بن معاوية. اُنظر: ديوان يزيد بن معاوية، جمع وتحقيق وشرح الدكتور واضح الصمد، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية (2007م): 83؛ كما نُسب إلى الوأواء الدمشقي. اُنظر: ديوان الوأواء الدمشقي، تحقيق سامي الدهّان، دار صادر، بيروت (1993م): 84.
4) نحو مقاربة حجاجية للاستعارة: (بحث) 83-84.
البلاغية؛ نظراً لما تحققه من نتائج إيجابية في تقريب المعنى إلى ذهن القارئ»(1)، فقد جعلها بيرلمان نمطاً من المجاز اللغوي الذي يمثل نوعاً من الحجج المُؤَسَّسَةلبنية الواقع؛ لما لها من وقع كبير في تغيير مواقف المتلقي الفكرية والعاطفية، ثمّ حمله على الإقناع بما يُلقى عليه، وأشار المفكر المغربي طه عبد الرحمن إلى أهمية الاستعارة في الخطابات الحِجَاجية الإقناعية؛ إذ قال: «العلاقة الاستعارية هي أدلّ ضروب المجاز على ماهية الحِجَاج»(2). وأكثرُ الحِجَاجيين اهتماماً بالاستعارة ميشيل لوجيرن فقد خصص للاستعارة بحثاً وسمه ب-(الاستعارة والحِجَاج) رأى فيه أنّ اللفظ المستعمل على وجه الاستعارة يكون أقوى حجاجاً، وأدق دلالة من اللفظ المستعمل على وجه الحقيقة، ومثّل لذلك بلفظة (حمار) فقد قال فيها: «إنّ السمة أو السمات الدلالية التي تحتفظ بها في الاستعمال الاستعاري لكلمة (حمار) توجد في الاستعمال الحقيقي للكلمة. ومع ذلك لا نجد لها نفس الأثر(3). فعندما يتعلق الأمر بحمار حقيقي تكون السمتان: / بليد/ و/عنيد/ مرتبطتين بعدد من السمات الأُخر. أما في الاستعمال المجازي لكلمة (حمار) فإنّ هاتين السمتين الدلاليتين تلفتان النظر وترتسمان في الذاكرة أكثر ممّا لو كانتا مقرونتين بسمات أخرى متعددة...إنك عندما تستخدم(4)اللفظ في معناه الحقيقي، تكون كأنّك أغرقت تينك السمتين في جميع الصفاتالجوهرية»(5). ويعزو ذلك إلى أنّ الحكم في الاستعارة يكون من استنتاج المتلقي؛ إذ يقول: «من السهل دائماً أن ننفي ما يقوله من يتحدث إلينا أكثر ممّا يسهل أن
ننفي ما نستنتجه نحن عن طريق عملية تأويلية»(1)، ويستأنف قائلاً: «إنّ أحكام القيمة التي تتضمنها الاستعارات أقل التباساً من غيرها، إنّها أقرب إلى الفهم، ولو كانت أصعب كثيراً في التحليل، ولهذه الصعوبة كان الدحض أشد عسراً، ولكنها تزيد الاستعارة الحِجَاجية قوة»(2)، وقال عبد الله صولة: «إنّ صنع مجموعة لسانية ما لاستعارات تحفظها وتتناقلها عبر الأجيال ليس لكونها استعارات نحيا بها لضمان التواصل اللغوي في حياتنا اليومية فحسب، وإنّما(3)لكونها أيضاً حقائق نستند إليها في تواصلنا اللغوي؛ ضماناً لنجاعته من ناحية الحِجَاج والإقناع»(4).
ويتضح ذلك أكثر بذكر بعض استعارات الإمام الحسين (علیه السلام) الواردة في خطاباته، ومنها على سبيل المثال ما جاء في ردّه على معاوية. فتشير المصادر التأريخية إلى أنّ معاوية أراد أن يأخذ البيعة ليزيد من أهل المدينة،بخطبة استند فيها إلى مجموعة من الحجج، فبعدما شدّ الرحال من الشام إلى المدينة، أرسل بطلب الإمام الحسين (علیه السلام)، وعبد الله بن عباس، وجمع الناس حوله، ثم أرتقى المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي محمّد (صلی الله علیه و آله)، ثم امتدح يزيد بما ليس فيه؛ بأنّه عالم بكتابِ الله، وسنة نبيه؛ ويمتاز بالحلم والعلم ما يُضاهي به الإمام الحسين (علیه السلام) وغيره من الصحابة والتابعين؛ ليصل من ذلك إلى إقناع الناس بأنّه كفء للخلافة. لكنّه فُوجئ بخطبة من الإمام الحسين (علیه السلام) بددت آماله كلّها، جاء فيها قوله (علیه السلام): «فضح
الصبح فحمة الدُّجى(1)»(2). فقد شبّه الإمام (علیه السلام) بهذا القول ظلمة الليل بالفحمة، ثمّ حذف المشبه، وصرّح بالمشبه به، وفضلاً عن الجانب الجمالي التي امتازت به هذه الاستعارة من خلال تشبيه ظلمة الليل بالفحمة أضفت على الخطاب قوة حجاجية؛ ليكون أقوى دلالة، وأكثر تقريباً للمعنى، وأقرب للفهم، وأكثر تأثيراً من (فضح الصبح ظلمة الدجى)، أو (فضح الحقّ الباطل)، ثم إنّ الذي يُنعم النظر أكثر يجد أنّ المراد من هذه الاستعارة دلالة أعمق منذلك كلّه. فقد شبه فيها نيات معاوية بليلٍ حالك السواد، كانت تستتر تحته خفايا مَكرِه، وبدعوته هذه لمبايعة يزيد افتُضحت تلك النيات، واتضح مَكرُه؛ لعدم إيفائه بالعهد الذي قطعه على نفسه بصلحه مع الإمام الحسن (علیه السلام)؛ بأنّه لا يجعل الخلافة توريثاً في بني أميّة، وإنّها تنتقل من بعده إلى الإمام الحسن (علیه السلام) (3)، فهذه الاستعارة فيها ما يُراد منه لفت نظر المتلقي للوقوف عندها، والبحث عن كنهها؛ ليتوصل من خلال حركة فكرية إلى هذه النتيجة، فهذه المقولة لا تمثل استعارة تمتاز بجانبها الجمالي فحسب، بل هي فضلاً عن قوتها الجمالية والحِجَاجية مثّلت نتيجة عكسية لحجاج معاوية، في خطبته التي قطع من أجلها المسافات من الشام إلى المدينة.
وممّا جاء في هذه الخطبة أيضاً قوله (علیه السلام): «فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل»فقد شبّه فيها (الأعاليل) - و«هي العلل التي اعتل بها معاوية عند حديثه عن فضل يزيد»(4)- بالمطايا، ثمّ حذف المعنى الحسيّ(المطايا)، وأبقى المعنى المجرد (الأعاليل)،
وأراد من ذلك أن يجسر بين المعنى الحسيّ والمعنى المجرد. ويتضح ذلك للمتلقي، من خلال حركةفكرية منتظمة، يفهم منها أنّ معنى المسند يختلف عن معنى المسند إليه، فيعرف أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) عمد إلى هذه الاستعارة؛ لثقته البالغة بأنّ الاستعارة في هذا الموضع من السياق تكون أبلغ من الحقيقة، وأقوى حجاجاً، وأكثر وقعاً وتأثيراً في المتلقي، فأراد الإمام (علیه السلام) من هذه الاستعارة أن يلفت نظر المتلقي إلى أنّ «معاوية وأتباعه يقترفون ما نهى عنه الشارع المقدس ويبررون ذلك بعلّة وعند التكرار يطرحون علّة أخرى، وهكذا»(1)
دراسة وتحليل، حسين أبو سعيدة، مركز العترة الدراسات والبحوث، بيروت(1998م): 2/33.
.ومن استعاراته الحِجَاجية أيضاً قوله عند قبر أخيه الإمام الحسن (علیهما السلام) قبل أن يشدّ الرحال إلى مكة، ومنها إلى العراق: «أنت ابن سلالة النبوة، ورضيعُ لِبان الحكمةِ»(2).
فقد أضفى (علیه السلام) على المعنى المجرد (النبوّة) صفة من صفات الرجولة الحسيّة، وهي (السلالة)، وأضفى على المعنى المجرد (الحكمة) صفات المعنى الحسيّ (المرأة)، وغايته من ذلك تبسيط حالات لا تصمد أمام مقاومة التحليل الذهني؛ ليلفت نظر المتلقي إلى النهج القويم، الذي كان الإمام الحسن (علیه السلام) يسير عليه في التعامل معالدولة الأموية، ولاسيما صلحه مع معاوية؛ إذ «توحي الصورتان إيحاءً أقرب إلى اليقين أنّه (علیه السلام) كان موافقاً لما صنعه أخوه الحسن (علیه السلام) في أمر الصلح مع معاوية؛ بدلالة ألفاظ (الحكمة)، و(النبوّة)»(3)ليمهّد بذلك إلى أنّ خروجه لمواجهة الدولة الأموية لم يأتِ عن قناعة مسبقة كانت سياسة أخيه الأكبر تقف حائلاً
دونها، فقوله هذا أراد منه قطع الشكّ في أنّ السياسة التي تبناها في الثورة على الطغاة خالف فيها سياسة أخيه الأكبر. والإمام الحسين (علیه السلام) في هذه الاستعارة مازج بين جمال العبارة، وقوة الحجّة؛ ليكون لهما وقع مزدوج في التأثير بالمتلقي.
ومن استعاراته ما جاء في خطبته (علیه السلام) لما استكفَّ به جيش الكوفة: «أجل والله. خذل فيكم معروفٌ نبتت عليه أصولكم، وأتزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شَجى للناظر، وأكلةً للغاصب»(1). نجد في قوله هذا صورة استعارية تألفت من مجموعة استعارات. فقد شبّه خذلهم بالتربة، وشبّه أصولهم بأصول الشجر الخبيث النابت في تلك التربة، ثم حذف المشبه به الأول (التربة)، والمشبه به الثاني (أصولالشجر الخبيث)، وأبقى شيئاً من لوازم المشبه به، وهو (نبتت)، وشبّه خبثهم بثمر ذلك الشجر، وشبّه حالهم بأنّهم أكلة للغاصب؛ ليصوّر بهذه الاستعارات حال أهل الكوفة الناكثين لبيعته (علیه السلام)، فهم كالشجر الخبيث الأصل، النابت في تربة خبيثة، وما هم إلا فروع وثمار لذلك الشجر الخبيث، فمن خلال عملية عقلية فكرية يتوصل المتلقي إلى أنّ الشجر الخبيث لا يثمر إلا ثمراً خبيثاً، وما هؤلاء القوم إلا ثمار ذلك الشجر الخبيث؛ وذلك في إشارة منه إلى خذلهم لأبيه عليّ، وأخيه الحسن؛ ليصل من هذه الاستعارة الحِجَاجية إلى نتيجة مضمرة لم يصرّح بها الإمام (علیه السلام)؛ لها مصداق في القرآن الكريم يستشفّه المتلقي من سياق القول، وهو قوله تعالى: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ»(2)، وهذه الصفات كلّها تنطبق على الكوفيين - آنذاك -.
من خلال ما تقدم اتضحت لنا أهمية الاستعارة في الخطاب الحسيني، وقوتها الحِجَاجية، وفضلها في إبراز المعاني. ونخلص إلى أنّ الاستعارة تّعدُّ من أهم الوسائل اللغوية البيانية التي يستند إليها المحاجج للوصول إلى أهدافه الحِجَاجية، بل إنّها تأتي في المقام الأول لمايتمتع به القول الاستعاري من قوة حجاجية عالية، إذا ما قورن بالأقوال العادية.
الكناية بأصل الوضع «أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وكنّى عن الأمر بغيره يكنّي كناية، يعني إذا تكلّم بغيره ممّا يستدل عليه»(1)، والكناية لفظية مجازية، وتأتي مفردة ومركبة؛ وتُفهم دلالتها من اللفظ الظاهر، ويُقصد بها: «ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه؛ لينتقل من المذكور إلى المتروك، كما تقول: فلان طويل النجاد؛ لينتقل إلى ما هو ملزومه، وهو طويل القامة... وسُمِّي هذا النوع كناية، لما فيه من إخفاء وجه التصريح»(2). وتتألف الكناية من «ثلاثة أركان:
1 - المكنى به: وهو دلالة اللفظ الظاهر التي تقوم دليلاً على مراد المتكلّم.
2 - المكنى عنه: وهو المعنى اللازم للمكنى به الذي يرمي إليه الناطق بالكناية.
3 - القرينة العقلية التي يفرزها سياق الكلام لترشد إلى المكنى عنه، وتمنع إرادة المعنى المكنى به»(3).
والكناية أبلغ، وآكد، وأقوى حجاجاً من التصريح «فليستالمزيّة في قولهم (جَمّ الرماد). أنّه دلّ على قِرى أكثر، بل إنّك أثبتَّ له القرى الكثير من وجه هو أبلغ،
وأوجبته إيجاباً هو أشدّ، وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصِحتها أوثق»(1). والمعنى الذي يفهمه المتلقي من قصد المحاجج بعد تدّبر وتفكّر، يكون أقوى تأثيراً، وأكثر إقناعاً من المعنى الصريح؛ لأنّه يخضعه إلى عملية ذهنية عقلية، فالمحاجج عندما يُكنّي يريد من ذلك إشراك المتلقي في العملية الحِجَاجية؛ لأنّ الكناية تجعل المتلقي يقوم بعملية ذهنية عقلية؛ لإدراك العلاقة الدلالية التلازمية ما بين المعنى السطحي الظاهر (المكنى به)، والمعنى الخفي الذي يريد المحاجج التوصل إليه (المكنى عنه) ما يجعله يتوصل إلى الفكرة التي يريدها المحاجج بنفسه، وتوصل المتلقي إلى ما يريده المحاجج بنفسه يجعل تقبلها والاقتناع بها أقوى من التصريح؛ لذا إنّ الكناية تمثل حجّة يتوجه بها المحاجج إلى عقل المتلقي؛ لينقله من التعبير الكلامي الظاهر إلى دلالةٍ أعمق تردفها في التداول، ويبدو أنّ ذلك كان مكمن السرّ في تسابق البلغاء إليها، ووصفَ الدكتور محمود السيد شيخون في كتابه (الأسلوب الكنائي في القرآن الكريم) الكناية بأنّها «وادٍ من أودية البلاغة، ومقتل من مقاتل البيان العربي... وطريق جميل من طرق التعبير الفني... ووسيلة قوية منوسائل التأثير والإقناع، ولها أثر كبير في تحسين الأسلوب»(2)، فهي تزيد من حيوية العبارة وقوتها، فضلاً عمّا تضفيه على المعنى من جمال الصياغة، ومتى ما جاء المعنى مصحوباً بدليله، كان أشدّ تأثيراً، وأقوى إقناعاً؛ ولذا نجد الكناية تحظى باهتمام الإمام الحسين (علیه السلام)، فإذا رأى (علیه السلام) في موضع ما من خطاباته أنّ الكناية فيه أبلغ وآكد وأقوى حجاجاً من التصريح عمد إليها، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ردّه على معاوية عندما طلب البيعة ليزيد من أهل المدينة بحضرة الإمام الحسين (علیه السلام)؛ إذ قال
الإمام (علیه السلام) في معرض ردّه عليه: «فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون»(1). فقوله: (كان ويكون) «كناية عن احتجاج معاوية بالمنسوخ بأنّه سبق، وأنّه كان أمرٌ(2)نافذاً»(3)
وتحليل: 2/33.
، وعمد الإمام (علیه السلام) إلى هذه الكناية في هذا الموضع؛ لأنّها أبلغ، وآكد، وأقوى حجاجاً من التصريح ل«أنّ كلّ عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه أنّ إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد، وأبلغ فيالدعوى، من أن تجيء إليها فتثبتها، هكذا سَاذَجاً غُفْلاً»(4)، فهذه الكناية عندما تقرع ذهن المتلقي تدفعه إلى البحث عن الدلالة التلازمية ما بين معنى اللفظ الظاهر والمعنى الخفي، ومن ذلك يتوصل الإمام إلى إشراك المتلقي في النصّ الحِجَاجي؛ ليتوصلا معاً إلى أنّ معاوية كان يريد من خطبته أن يُفحم النّاس بأنّ المنسوخ قد سبق، وهذا ما حصل بالفعل، ممّا دفع معاوية إلى أن يلتفت إلى ابن عباس ويقول متعجباً: «ما هذا يابن عباس؟! ولما عندك أدهى وأمر»(5).يُقصد به «هو أن يُطلق الكلام ويُشار به إلى معنى آخر يُفهم من السياق، ومن ظرف القول»(6)، وسُمّيَ بذلك؛ لأنّ المعنى فيه يُفهم من عرضه، وعرض كلّ شيءٍ بجانبه، ويختص بالتركيب، ولا يأتي مفرداً، والمعنى فيه يُلمّح إليه تلميحاً(7)، ولا
يتضمن علاقة دلالية لزومية بين معنى اللفظ الظاهر والمعنى الخفي؛ إذ يمكن أن يُستعمل الخطاب الواحد في أكثر من سياق، فينتج عنه قصد يختلف باختلافالسياق، وتُفهم دلالته من القرينة، والمتلقي لا يُدرك المعنى المراد منه إلا إذا كان ملماً بالسياق الذي يرد فيه، فضلاً عن معرفة ظروف القول، ومناسبته(1)، واستعمال التعريض في الخطاب له وقع بالغ في المتلقي، وأثر حجاجي أبلغ من التصريح، وأفضل التعريض وأقواه ما ورد في قوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ»(2)، في إشارة منه سبحانه وتعالى إلى ما كان يقوله أبو جهل: لا يوجد بين جبلي مكة أعزّ منّي ولا أكرم(3).
ومن التعريض في كلام أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) ما جاء في الحوار الذي دار بينه وبين معاوية، فقد جاء فيه أنّ معاوية قال للإمام الحسين (علیه السلام) «يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟ فقال (علیه السلام): وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم، وكفّناهم، وصلينا عليهم. فضحك الحسين (علیه السلام)، ثم قال: خصمك القوم يا معاوية، لكنَّنا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم ولا صلينا عليهم ولاقبرناهم»(4).
ضَحِكُ الإمام، وردّه على معاوية فيهما تعريض بالفعل والقول؛ إذ لا يوجد في تاريخ الإسلام فعل أشنع من ذلك إلى زمن الإمام الحسين (علیه السلام)، فلو كان معاوية مسلماً كما يدّعي لما قتل نفساً بغير نفسٍ، ثم يُكفّنها، ويُصلي عليها، وهذا الفعل إن
1) اُنظر: البلاغة والتطبيق: 374.
2) سورة الدخان: آية49.
3) اُنظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني (456ه- أو 463ه-)، تحقيق الدكتور النبوي عبد الواحد شعلان، مكتبة الخانﭽي، القاهرة، الطبعة الأولى (1420ه- - 2000م): 1/501.
4) الاحتجاج: 2/275؛ واُنظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/240 مع اختلافٍ في الرواية.
دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على أنّ معاوية بقوله هذا أماط اللثام عمّا كان يُخفيه من نفاق. وضَحِكُ الإمام، أو حتى تبسمه ما هوإلا علامة أشار بها إلى نفاق معاوية بقصد التعريض به أمام النّاس. أما قوله (علیه السلام) فيدلُّ على أنّ المسلم الحقّ لا ينبغي له أن يُكفّن كافراً، ولا يُصلي عليه أبداً؛ تأسياً بالرسول (صلی الله علیه و آله)، وتنفيذاً لأمر الله سبحانه وتعالى؛ إذ قال تعالى لنبيه الأكرم (صلی الله علیه و آله) في المنافقين: «وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»(1). فقوله: «لكنَّنا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم ولا صلينا عليهم ولا قبرناهم»فيه تلميح إلى أنّ الله جلّ في علاه نهى عن الصلاة على أمثالهم من الخارجين عن دين الله سبحانه وتعالى.
ففعل الإمام وقوله هذان كانا حججاً احتج بهما على أنّ معاوية لم يكن مسلماً كما يدّعي، بل كان منافقاً بدلالةفعله الشنيع هذا، ويمكن توضيح ذلك أكثر؛ استناداً إلى نظرية تولمين الحِجَاجية:
(المعطى) لكنَّنا لو قتلنا ------------------ (النتيجة) أنت منافق يا معاوية
شيعتك ما كفنّاهم
ولا صلينا عليهم ولا قبرناهم
(الضمان) نظراً لأنّ المنافق والكافر لا يُكفّن ولا يُصلى عليه
و(الأساس) الذي يُستند إليه في تقوية الضمان الآية الكريمة المذكورة آنفاً.
نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ سحر البيان لا يأسر القلب فحسب، بل يجعل العقل متفاعلاً معه أيضاً باحثاً عن كنه أسراره، فإن اطمأنَّ المتلقي لنيات المحاجج خضع لسحر البيان قلباً وقالباً.
نستشفّ من كلِّ ما تقدّم أنّ النظريات الحجاجية اللسانية تناولت الحجاج من
1) سورة التوبة: آية84.
جوانب تداولية، ولغوية، وأسلوبية، وبيانية، واستناداً إلى ذلك يمكن اعتصار هذه النظريات؛ لتصب جميعها في بوتقة واحدة، يُصطلح عليها ب-(المنهج الحجاجي)؛ ليُضاف هذا المنهج إلى المناهج التحليلية الموجودة في الميادين اللغوية والأدبية؛ كالمنهج البنيوي، والأسلوبية، والشعرية، ونحو ذلك، ويمكن الركون إليه باطمئنان في تحليل النصوص،وأزعم أنّ هذا المنهج لا يقل قيمة عن تلك المناهج، بل يفوقها في دراسة الجوانب العقلية، وسأعتمده في دراستي التطبيقية لتحليل كلام الإمام الحسين (علیه السلام) في الفصل المقبل.
أول كلام وصل إلينا عبر المدونات التاريخية للإمام الحُسَين (علیه السلام) المشادة الكلامية التي دارت بين الإمام الحُسَين (علیه السلام) في صباه - إذ كان عمره عشرة أعوام تقريباً - وعمر بن الخطاب، عندما قال عمر بن الخطاب في خطبة له: إنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
فقد قال أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي في كتابه (الاحتجاج): «رُوي أنّ عمر ابن الخطاب كان يخطب النَّاس على منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فذكر في خطبته أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقال له الحُسَين (علیه السلام) - من ناحية المسجد -:
انزل... عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك!
فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حُسَين، لا منبر أبي، من علّمك هذا أبوك عليّ ابن أبي طالب؟ فقال له الحُسَين (علیه السلام): إن أطع أبي فيماأمرني فلعمري إنّه لهادٍ، وأنا مهتدٍ به، وله في رقاب النَّاس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها النَّاس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم وويلٌ
للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمّد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إدامة الغضب وشدّة العذاب!!
فقال عمر: يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا.
فقال له الحُسَين: يا ابن الخطاب فأيّ النَّاس أمرك على نفسه قبل أن تؤمِّر أبا بكر على نفسك؛ ليؤمرك على النَّاس بلا حجّة من نبي، ولا رضا من آل مُحَمَّد، فرضاكم كان لمُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) رضى أو رضا أهله كان له سخطاً؟! أما والله لو أنَّ للسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلاً يعينه المؤمنون، لما تخطيت رقاب آل مُحَمَّد، ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله الأسماع، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عمَّا أحدثت سؤالاً حفياً.
قال: فنزل عمر مغضباً، فمشى معه أناسٌ من أصحابه، حتى أتى باب أمير المؤمنين (علیه السلام)، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل فقال: يا أبا الحسن ما لقيت اليوم من أبنك الحُسَين، يجهرنا بصوتٍ في مسجد رسول الله، ويُحرّض عليّ الطغام وأهل المدينة...»(1).
لو تأملنا في هذا النصّ لوجدنا أنّ الموضوع الذي دارحوله الحِجَاج بين الإمام الحُسَين (علیه السلام) وعمر بن الخطاب هو قول عمر بن الخطاب الذي ذكر فيه أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإنكار الإمام (علیه السلام) بأنّ ذلك لا يحقّ له؛ محتجاً بأنّ ولاية أمر المؤمنين أوكلها الرسول (صلی الله علیه و آله) لعليّ بن أبي طالب (علیه السلام)، وعمر بن الخطاب لم ينكر ذلك على الإمام الحُسَين (علیه السلام)، لكنّه احتجَّ بأنّ النَّاس هم الذين أمَّروه (انتُخب من النَّاس). وفيما يأتي تحليل لهذا النصّ على وفق المنهج الحِجَاجي، ويمكن تقسيمه على ثلاثة أقسام:
1) الاحتجاج: 2/271، واُنظر: سير أعلام النبلاء: 3/285.
«انزل... عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك! فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حُسَين لا منبر أبي». (انزل): فعل أمر، استمد طاقته الحِجَاجية من الشخص الآمر؛ بوصفه ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وليس من الصيغة نفسها؛ إذ لو أنّ شخصاً آخر غير ابن الرسول يقول ذلك لعمر بن الخطاب لما سَلِمَ من العقاب، وهو - بحسب المنهج الحِجَاجي - فعل كلام مباشر، ذو قوة حجاجية إنجازية، اختاره الإمام الحُسَين (علیه السلام) ليكون مقدمة حجاجية يبتدئ بها حجاجه. (منبر أبي رسول الله) حقيقة لم يستطع المتلقي إنكارها، و ذِكْرُ الحقيقة الفعلية في النص له طابع حجاجي، والتسليم لها يعني التسليم للحجّة. (أبي): ذِكْرُ لفظة (أبي) في هذا المقام يقتضي أنّ الحُسَين (علیه السلام) أراد أن يلفت نظر المتلقي إلى ما كان متداولاً بين المسلمين من أقوال الرسول فيه، وفي أخيه الحسن (علیهما السلام)، وقد مرّ ذكرها في المبحث الأول من الفصل الثاني. فلفظة (أبي) في هذا المقام تُمثّل فعلاً كلامياً غير مباشر جاء؛ ليزيد من قوة فعل الكلام المباشر (الأمر/انزل)، فهي تقتضي أنّه لا يجوز أن يدَّعي أحد أنّه أولى بالمؤمنين بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) غير آل بيته، كما لا يجوز أن يدّعي أحدٌ أنّ له الولاية على آل بيت النبي (صلی الله علیه و آله)، وفضلاً عن ذلك فإنّ إضافة (رسول الله) إلى لفظة (أبي) في هذا السياق لها الأثر الحِجَاجي الفاعل في توجيه الدلالة، فلو حُذفت منالسياق، أو بُدّلت لما حقق الإمام القوة الفعلية الإنجازية التي حققها بذكرها. وقد بينا ذلك في المبحث الأول من الفصل الثاني. (لا منبر أبيك) النفي عامل حجاجي، قلّص الإمكانات الحِجَاجية، وزاد من توجيه الحجّة نحو النتيجة التي أقرّ بها عمر بن الخطاب وهي: «فمنبر أبيك لعمري يا حُسَين لا منبر أبي».
«من علّمك هذا أبوك عليّ بن أبي طالب؟ فقال له الحُسَين (علیه السلام): إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنّه لهادٍ وأنا مهتدٍ به، وله في رقاب النَّاس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها النَّاس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم، وويلٌ للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمّد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إدامة الغضب، وشدّة العذاب؟! فقال عمر: يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمّرنا ولو أمّروا أباك لأطعنا».
يمكن تقسيم هذا المقطع من الحِجَاج على وفق السلم الآتي:
النتيجة المضمرة (ن) علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله)
(ح4) يلقاهم محمّد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إدامة غضب وشدّة عذاب
(ح3) ويلٌ للمنكرين حقنا أهل البيت
(ح2) له في رقاب النَّاس البيعة على عهد رسول الله، نزلبها جبرائيل من عند الله
تعالى لا ينكرها إلا جاحد بالكتا ب، عرفها النَّاس بقلوبهم، وأنكروها بألسنتهم
(ح1) إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنّه لهادٍ، وأنا مهتدٍ به
(إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنّه لهادٍ، وأنا مهتدٍ به) اعتمد الحُسَين (علیه السلام) في قوله هذا على القسم (لعمري)، (إنّ)، (اللام). والقسم أسلوب إنشائي يؤتى به للتوكيد، و(إنّ) أداة توكيد، ودخولها على الجملة يفيد تكرار الجملة مرتين، و(اللام) في (لهادٍ)، ودخولها مع (إنّ) على الجملة الخبرية تصير معهما الجملة الخبرية ثلاث جمل(1)، ودخول القسم على الجملة الاسمية مع هذه الأدوات يكون بمثابة
1) اُنظر: البرهان في علوم القرآن: 2/408.
تكرار الجملة أربع مرات(1)، ويؤتى بالتوكيد «للحاجة للتحرّز عن ذكر ما لا فائدة له، فإن كان المخاطب جاهلاً أُلقيَ إليه الكلام خالياً عن التأكيد، وإن كان متردداً فيه حسن تقويته بمؤكد، وإذا كان منكراً وجب تأكيده»(2). (هادٍ) اسم فاعل يدل على الوصف (الهداية) وصاحبه (علي بن أبي طالب (علیه السلام) )، و«اسم الفاعل من نماذج الوصف التي يدرجها المرسل في خطابه بوصفها حجّة؛ ليسوّغ لنفسه إصدار الحكم الذي يريد، لتنبني عليه النتيجة التي يرومها»(3)،وهي (وأنا مهتدٍ به)، ولفظ (مهتدٍ) اسم مفعول «ويُصنّف اسم المفعول على أنّه من الأوصاف الحِجَاجية»(4)إذ به وضع الإمام الحُسَين (علیه السلام) نفسه في موضعٍ يجعله من الموالين لولي أمر المؤمنين، الذي نصّبه الله ورسوله.
(وله في رقاب النَّاس البيعة) نجد أنّ الإمام الحُسَين (علیه السلام) في هذا الموضع عدل نحو الأقوى حجاجياً؛ إذ قدّم الجار والمجرور(له) على (البيعة)؛ للدلالة على الاختصاص والقصر، فقَصَرَ البيعة على أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام) خاصة، أي له في رقاب النَّاس البيعة خاصة من دون غيره من النَّاس، وهذا ما أشار إليه أيضاً ميثم قيس؛ إذ قال: «وهذا العدول عن التركيبية الأصل أفاد قصر البيعة على أبيه (علیه السلام)، واختصاصه بها [من] دون غيره... كما أفادت هذه الصياغة تعريضاً بالمقابل. ويلاحظ - أيضاً - أنّه (علیه السلام) لم يكتفِ بالتقديم، بل استعان بالتجسيم الاستعاري حين جعل البيعة كالطوق المعلق في رقاب النَّاس، وهذا يدلل على عظم هذا الأمر، وحراجة النَّاس ومسؤوليتهم نتيجة الوهن، والتقصير المنبت في خبايا نفوسهم»(5)، والغاية من هذا
العدول؛ الزيادة من القوة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، وقوله (علیه السلام): (رقاب النَّاس) مجازٌ مرسل علاقته الجزئية، فالبيعة تشمل المرء بكيانه، ولا تقتصر على رقبته، كما هي الحالفي قوله تعالى: «يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ»(1).
(نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى) بعدما قضى رسول الله (صلی الله علیه و آله) مناسك حجّة الوداع، وعاد إلى المدينة، وعندما وصل إلى غدير خم نزل عليه جبرائيل (علیه السلام) بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»(2)، وأمره أن يقيم عليّاً (علیه السلام)، ويبلّغ ما نزل فيه من الولاية، فصلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) صلاة الظهر، ثم خطب خطبة جاء فيها: «... فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين. فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله (عزوجل)،؛ وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ثم أخذ بيد عليّ فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها النَّاس من أولى النَّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات،... ثم قال: اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب، ثم لميتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي»(1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي، ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممّن هنأه في مقدم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر كلٌّ يقول: بِخٍ بِخٍ لك يا بن أبي طالب أصبحت، وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة»(2)، وهو ما أجمعت عليه المرويات(3).
(لاينكرها إلا جاحد بالكتاب) الإمام (علیه السلام) قد أردف بقوله هذه التوكيدات المذكورة آنفاً بالقصر (لا...إلا)، والقصر تأكيدللحكم على تأكيد فهو (توكيد مضاعف)(4)، ويرى انسكومبر أنّ هذا النوع من القصر يكسب الجملة «بُعداً حجاجياً أعمق وأنجع في التوجيه نحو النتيجة الضمنية»(5)، وقالت خديجة محفوظي: «ويقصد المرسل باستعمال أنواع من التوكيدات إلى إثبات حججه، وأما التكثيف في
1) سورة المائدة: آية3.
2) الغدير في الكتاب والسنة، عبد الحُسَين أحمد الأميني النجفي، موسوعة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى(1994م): 29-30؛ وتُنظر الآية في سورة المائدة: آية3.
3) اُنظر: مسند أحمد، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (ت241ه-)، مؤسسة قرطبة، مصر (د. ت): 1/84، 118، 119، 152، 330؛ 4/281، 368، 370، 372؛ 5/347، 366، 370، 419؛ والمعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (360ه-)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية (1404ه- - 1983م): 2/357؛ وشرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن، أبو حفص عمر ابن أحمد بن عثمان بن شاهين (ت385ه-)، تحقيق عادل بن محمد، مؤسسة قرطبة، مصر (1415ه- - 1995م): 103؛ والمستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405ه-)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1411ه- - 1990م): 3/118.
4) اُنظر: تفسير التحرير والتنوير: 15/323.
5) البلاغة العربية في ضوء البلاغة الجديدة (أو الحجاج)، بحث ضمن كتاب ( الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/34.
الاستعمال فيهدف به المرسل إلى لفت انتباه المتلقي والتأثير فيه»(1)، والقصر عامل حجاجي يقلّص الإمكانات الحِجَاجية، ويحصر فعاليتها في وجهة حجاجية واحدة؛ ليضيف للكلام قوة حجاجية تزيد من طاقتها الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة المضمرة (علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم). فأراد من هذه التوكيدات المتتالية أن يقول: الحقّ كذا.
وممّا ينبغي الوقوف عنده في هذه الجملة لو أنّ الإمام الحُسَين قال: (من أنكرها جحد بالكتاب) لأعطت هذه الجملة المعنى الإخباري الذي أعطته جملة (لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب)، لكنَّ الفارق بين الجملتين يكمن في القيمة الحِجَاجية؛ إذ إنّ قول الإمام (علیه السلام) دلّ على التوكيد، والقصر والاختصاص، فضلاً عن صيغة المضارع (ينكرها) الدالةعلى التجدد والحدوث، فالإنكار والجحد لا يقتصر على المنكرين للبيعة في صدر الإسلام، بل يشمل ذلك كلّ من يُنكر البيعة في كلّ زمان (الماضي، والحاضر، والمستقبل)، و(جاحد) اسم فاعل يدلُّ على الوصف (الجحد) وصاحبه، وهو حالة وسطى بين الاسمية والفعلية، و هو فعلٌ دائم - باصطلاح الكوفيين - دال على التجدد والحدوث، وهو بذلك أقرب إلى الفعل من الاسم الدال على الثبوت، ودلالته على التجدد والحدوث في هذا السياق جاءت ملائمة مع الغاية منه في عدم اقتصاره على زمنٍ معين(2). وهذا ما جعل الحِجَاجيين يرون أنّ القيمة الإخبارية للقول ثانوية، وتابعة للمكون الحِجَاجي(3).
1) بنية الملفوظ الحجاجية للخطبة في العصر الأموي، (رسالة ماجستير): 73.
2) لقد فصّلت القول في دلالة الفعل الدائم في مقال نُشر في مجلة النجف الأشرف، العدد (97)، لسنة (1433ه- - 2012م) بعنوان: (دلالة تنوين (باسطٌ) في قوله تعالى: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا» (الكهف /18).
3) اُنظر: الحجاج والمعنى الحجاجي، بحث ضمن كتاب ( التحاجج، طبيعته، ومجالاته، ووظائفه): 70.
(قد عرفها النَّاس بقلوبهم، وأنكروها بألسنتهم). قد: «تدلّ على أنّ الفعل الماضي كان قبل الإخبار متوقعاً»(1)، كما تفيد تقريب الماضي من الحال(6)، فضلاً عن إفادتها التحقيق، والتوكيد(7)، وهي بذلك جاءت متناسبة مع سياق القول،وحققت النتيجة المرجوة منها.
(وويلٌ للمنكرين حقنا أهل البيت) نلحظ أنّ في هذا القول التفاتاً من المفرد المخاطب إلى الجمع الغائب من دون تحديد، والغاية من هذا التنوع في الضمائر لخلق حركية في الحوار بعيداً عن الرتابة، كما أنّه يجعل في الحوار تلميحاً لا يخصّ شخصاً بعينه فحسب، بل تنسحب معانيه إلى كلِّ من بايع عمر بن الخطاب متجاوزاً قول الله ورسوله، فينطبق عليه قول الإمام الحُسَين (علیه السلام): جاحد بالكتاب. و«الويل: وادٍ في جهنم لو سُيّرت فيه الجبال لماعت»(2). و(أهل البيت) هم الذين قال فيهم الله (عزوجل):
«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (3).
(ماذا يلقاهم به محمّد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إدامة الغضب وشدّة العذاب؟!)، (ماذا) استفهام، وللاستفهام أثر كبير في توجيه المتلقي نحو الوجهة الحِجَاجية المنشودة؛ إذ يفرض على المخاطَب إجابة محددة يمليه عليه المقتضى الناشئ عنه، فيتمّ بذلك توجيه دفّة الحوار إلى الوجهة التي يريدها المحاجج، «فالاستفهام يلعب(4)دوراً كبيراً
1) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق الدكتور عبد اللطيف محمد الخطيب، مطابع السياسة، الكويت، الطبعة الأولى (1421ه- - 2000م): 2/533.( 6، 7 ) المصدر نفسه: 2 /534، 544.
2) تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القريشي الدمشقي (774ه-)، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية (1420ه- - 1999م):: 1/311.
3) سورة الأحزاب: آية33.
4) كذا. والصواب: يمثل.
في الإقناع، وخاصة فيالعملية الحِجَاجية؛ نظراً لما يعمله من جلب المتلقي إلى فعل الاستدلال، بحيث إنّه(1)يشركه بحكم قوته وخصائصه التي تخدم مقاصد الخطاب، ويلعب دوراً أساسياً(2)بالإذعان للحجّة»(3)والسبب الذي دفع الإمام الحُسَين (علیه السلام) إلى العدول من الخبر إلى الإنشاء إزالة الجحود والإنكار، وتغيير اعتقاد المتلقي. وهكذا نجد الإمام الحُسَين (علیه السلام) يتدرّج في حججه - بحسب ما بينا ذلك في السلم الحجاجي -؛ لأنّ المتلقي كان جاحداً للبيعة.
(فقال عمر: يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا) هذا القول مثّل نتيجة حجاج الإمام الحُسَين (علیه السلام) في هذا القسم من الكلام، وفيها اعتراف صريح بأنّ النَّاس هم الذين أمَّروه وليس الله (عزوجل)، ولا رسوله (صلی الله علیه و آله)، وهذه النتيجة المرجوة من التوجيه الحِجَاجي السابق. وهي الاعتراف بأنّ توليه لأمر المسلمين كان من النَّاس، ولم يكن من الله سبحانه وتعالى، ولا من الرسول مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) .
والسؤال الذي يطرح نفسه - الآن: أيّهما أولى بالولايةمَن يوليه الله (عزوجل) أم من يوليه النَّاس؟
الجواب: - على وفق المنهج الحِجَاجي - من يمتلك حجّة أقوى هو أولى بالولاية، وحجّة الإمام (علیه السلام) أقوى؛ لأنّها مستندة إلى حجّة سلطة (آيات قرآنية، وأحاديث نبوية)، فضلاً عن المقام الذي تولى فيه الإمام علي (علیه السلام) الولاية يوم غدير خم في أيام
النبي (صلی الله علیه و آله)، فولاية علي بن أبي طالب (علیه السلام) لأمر المؤمنين كانت من الله (عزوجل) قبل انقطاع الوحي، وأمام النَّاس، ومنهم عمر بن الخطاب، وهو أول المهنئين، ثمّ هناك آية قرآنية صريحة في أمر الولاية وهي قوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:«النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» (1)فأولى النَّاس - استناداً إلى هذه الآية الكريمة - بولاية أمر المؤمنين بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) آل بيته (علیهم السلام) . وقال البلاذري (ت279ه-): إنّ النبي (صلی الله علیه و آله) قال في غدير خم بعدما أخذ بيد علي بن أبي طالب (علیه السلام): «أيّها النَّاس ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: أوليس أزواجي أمهاتهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: هذا ولي من أنا مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه»(2)، وعمر بن الخطاب لم ينفِ ذلك كلّه. أمّا حجته فتستند إلى أنّ النَّاس هم الذين أمَّرُوه، ولو أمَّرُوا علياً (علیه السلام) لأطاع. ولندع الكلام للإمام علي (علیه السلام)؛ ليصف لنا الكيفيةالتي انتقلت بها السلطة إلى عمر بن الخطاب، فقد قال (علیه السلام): «أمّا والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحا»(3). «... حتى مضى الأول لسبيله فأدى بها إلى ابن الخطاب بعده... فيا عجباً بينا هو يستقيلُها في حياته! إذ عقدها لآخر بعد وفاته!»(4)، استناداً إلى ذلك فإنّ ولاية أمر المؤمنين التي احتج بها عمر بن الخطاب كانت توصية من أبي بكر قبل وفاته لعمر بن الخطاب، وما يؤكد ذلك أيضاً قول الطبري (ت310ه-): «وعقد أبو بكر في مرضته التي تُوفيَ فيها لعمر بن
الخطاب الخلافة من بعده»(1)، ثم ساق الروايات في ذلك(2). يُفهم ممّا تقدّم أنّ المراد بالنَّاس الذين احتج عمر بن الخطاب بهم شخص أبي بكر فقط.
«فقال عمر: يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمرنا ولو أمروا أباك لأطعنا. فقال له الحُسَين: يا ابن الخطاب فأيّ النَّاس أمرك على نفسه قبل أن تؤمِّر أبا بكر على نفسك ليؤمّرك على النَّاس بلا حجّة من نبي ولا رضا من آل مُحَمَّد؟! فرضاكم كان لمُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) رضىً؟ أو رضا أهله كان له سخطاً؟! أما والله لو أنَّ للسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلاً يعينه المؤمنون، لما تخطيت رقاب آل مُحَمَّد، ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله الإسماع، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عمَّا أحدثت سؤالاً حفياً».
قول عمر بن الخطاب: (يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا) له جانبان: الأول: نتيجة لما قبله، والثاني: حجّة لردّ حجج الإمام الحُسَين (علیه السلام)، وهذا القول يمثّل - بحسب نظرية تولمين الحِجَاجية -» معطى، والضمان «إنّه انتُخب من النَّاس، بعبارة أدق: إنّه لم يستولِ على الخلافة بالقوة، بل بالانتخابات الديمقراطية، ولو أنّ النَّاس اختاروا عليّاً لكان مطيعاً، ومحترماً لرأيهم».
(يا ابن الخطاب). (يا) حرف نداء «يُنادى بها القريب توكيداً»(3)حتى يُنزل
القريب منزلة الغافل وإن كان منتبهاً(1)وهذا الأسلوب استعمله عمر بن الخطاب بحجته المذكورة آنفاً بقوله: (يا حُسَين)، وردّه الإمام الحُسَين (علیه السلام) عليه.
(فأيّ النَّاس أمّرك على نفسه قبل أن تؤمِّر أبا بكر على نفسك؛ ليؤمّرك على النَّاس بلا حجّة من نبي ولا رضا من آل مُحَمَّد؟!)، ابتدأ الإمام هذا القِسم من الحِجَاج بالاستفهام الإنكاري،والاستفهام من أقوى أفعال الكلام الإنجازية المباشرة حجاجاً، ويستمد قوته الحِجَاجية من القصد المضمر فيه، وخرج للتقرير و«يأتي الاستفهام للتقرير عندما يُراد به الدلالة على أنّ المستفهَم عنه واقع مستقر معلوم عند من يتجه إليهم الخطاب»(2)، والاستفهام هنا أدى وظيفة تداولية، بخروجه إلى وصف الكيفية التي انتقلت بها السلطة إلى عمر بن الخطاب، وهذا الكلام مرّ تفصيل القول فيه، وكأنّ قول الإمام (علیه السلام) هذا جاء مؤكداً لما مرّ ذكره، ولو نظرنا إلى هذا الكلام استناداً إلى نظرية تولمين نجد أنّ هذا القول يمثّل معطى، والضمان: من كان يملك حجّة من نبي، ورضا من آل محمد أولى بولاية أمر المؤمنين. ويمكن توضيح ذلك بالمخطط الآتي:
المعطى (...ليؤمّرك على النَّاس ------ (علي بن أبي طالب أولى بولاية أمر المؤمنين)
النتيجة المضمرة بلا حجّةمن نبي ولا رضا من آل مُحَمَّد؟!)
الضمان (من كان يملك حجّة من نبي، ورضا من آل محمد أولى بالولاية)(ليؤمّرك): (اللام) من الروابط المدرجة للنتائج تفيد التعليل، ربط بها الإمام الحُسَين (علیه السلام) بين الحجّة (تؤمّر أبا بكر على نفسك)، والنتيجة (يؤمّرك على النَّاس بلا
حجّة من نبي، ولا رضا من آل مُحَمَّد)، و «تعدّ هذه العلاقة من أبرز العلاقات الحِجَاجية وأقدرها على التأثير في المتلقي، وهي في حقيقة الأمر ضربٌ مخصوصٌ من العلاقات "التتابعية"؛ إذ يحرص المتكلّم على ربط الأفكار، والوصل بين أجزاء الكلام [من] دون الاكتفاء بتلاحق عادي بينها، وتتابع طبيعي يجعل الأحداث والأفعال أو الأفكار والأحكام متسلسلة متجاوبة، بل يعمد إلى مستوى أعمق من العلاقة، فيجعل بعض الأحداث أسباباً لأحداث أخرى»(1).
وممّا ينبغي الوقوف عنده في هذا القِسم من الكلام أنّ الإمام الحُسَين (علیه السلام) ابتدأه بالاستفهام الإنكاري؛ «ليفرض على المخاطب به إجابة محددة فيتم بذلك توجيه دفة الحوار»(2)الوجهة التي يريدها هو (علیه السلام)، فضلاً عمّا في هذا الأسلوب من نفي، وهذا الأسلوب الاستفهامي التقريري يجعل المخاطَب يُفكر، ويراجع نفسه، ثم يجدها في ضيقٍ وحرجٍ، فلا يجد حجّة يدافع بها عن نفسه؛ لذلك يركن إلى السكوت، وبهذا الأسلوب الحِجَاجي جعل الإمام الحُسَين (علیه السلام) المخاطَب في موقفٍ حرجٍ، زد على ذلك أنّ الإمام (علیه السلام) لم يعتمد هذا النوعمن الحِجَاج لو لم يكن واثقاً منه ثقة تامة، فعندما ألقى على المتلقي هذه الحجّة كان مدركاً تمام الإدراك أنّ المتلقي لا يقدر على ردّها، لأنّ هذا الأسلوب الاستفهامي التقريري يكون «أوقع في النفس، وأدلّ على الإلزام... وذلك لما فيه من حجّة دامغة»(3)، فضلاً عمّا في هذا الأسلوب من دلالة على التعجب. وبهذا الأسلوب الاستفهامي الحِجَاجي الذي عدل فيه الإمام الحُسَين (علیه السلام) من النفي إلى الإثبات جعل المتلقي يلتزم الصمت، ولم يأتِ بأيّ حجّة أخرى، ثمَّ إنّ
النفي في قوله: (بلا حجّة من نبي ولا رضا من آل مُحَمَّد) قلّص الإمكانات الحِجَاجية، وحصرها بأنّ الخلافة ينبغي أن تكون بحجّة كأن تكون بآية قرآنية نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله)، أو بوصية، أو نحو ذلك. وهذا ما جعل النفي يزيد القوة الحِجَاجية في التوجيه الحِجَاجي نحو النتيجة المضمرة (علي بن أبي طالب أولى بهذا الأمر)، كما مثّل ردّ فعل على حجّة عمر أنّ النَّاس هم الذين أمّروه، فأهل البيت (علیهم السلام) من النَّاس، وهم أولى بهذا الأمر من كلّ النَّاس، ولم يأمّروه على أنفسهم!
(فرضاكم كان لمُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) رضىً؟ أو رضا أهله كان له سخطاً؟!) هذا السؤال الإنكاري التقريري جاء مؤكداً للسؤال السابق، وممّا ينبغي الوقوف عنده في هذا القول أنّ الإمام اعتمدفيه على حجّة شبه منطقية، وهي تقنية التناقض، تلك التقنية التي ذكرها بيرلمان في نظريته، ويُقصد بها وجود قضيتين إحداهما تنافي الأخرى، فرِضا النبي مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) رضا أهل بيته (علیهم السلام)، وهذا يقتضي أنّ سخط أهل البيت يُسخط النبي (صلی الله علیه و آله) . وتأمير النَّاس لأبي بكر، ولعمر بن الخطاب إن كان يسخط أهل البيت فهذا يعني إسخاط النبي، ومن الأدلة النقلية التي تؤيد ذلك قول النبي (صلی الله علیه و آله) في الحسن والحُسَين: «هذان ابناي فمن أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني»(1). كما أنّ المرور من المفرد المخاطب (عمر بن الخطاب) إلى الجمع الغائب (فرضاكم) من دون تحديد يجعل في الحوار تلميحاً لا يخص المتلقي فحسب، بل تنسحب معانيه إلى كلّ من أسهم بذلك من النَّاس، متجاوزاً أمر الله ورسوله.
(أما والله لو أنَّ للسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلاً يعينه المؤمنون، لما تخطيت رقاب آل مُحَمَّد)، (أما): حرف استفتاح يؤتى به للتنبيه. (والله): قسم، وهو أسلوب
1) الجامع الكبير: 6/115؛ واُنظر: سير أعلام النبلاء: 3/284؛ وتاريخ مدينة دمشق: 14/151.
إنشائي يؤتى به للتوكيد؛ ولتثبيت الشيء في النفس، وتقويته، والقسم أقوى أنواع التوكيد؛ «نظراً لما فيه من وقعٍ بليغ تهتز له النفوس، وتنقاد له انقياداً، وهذا غاية ما يرمي إليه المرسل، أي التأثير في المتلقي، والهدف من استعمال القسم... تأكيد القول، ولفت أنظارالسامعين إلى أهمية ما يُقال، وأنّه جديرٌ بالتفكير، والإصغاء»(1)، كما إنّ ذكر الله سبحانه وتعالى يُضفي على الكلام ظلالاً من القداسة، وقوة في المعاني. (لو) يفيد تقييد الشرط بالزمن الماضي، وهو حرف وجوب لامتناع في هذا الموضع؛ لأنّ جوابها جاء منفياً، أي إنّ سبب تخطيه لرقاب آل محمّد يعود لعدم وجود آذان صاغية من المسلمين، ولعدم وجود فعل يعينه المؤمنون. (أنّ) حرف توكيد، وفائدة التوكيد في هذا الموضع تثبيت الحجج، وتقوية العلاقة الحِجَاجية بين عناصر الحِجَاج.
(وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله الأسماع) في هذا الكلام نجد حذفاً مقابلياً، ويُقصد بالحذف المقابلي: «أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيُحذف من واحدٍ منهما مقابله؛ لدلالة الآخر عليه»(2)، وهو نوعٌ من الإيجاز، ومال إليه الإمام (علیه السلام) في هذا الموضع؛ لدلالة المذكور عليه، ولتوضيح ذلك يمكن صياغة هذا القول على النحو الآتي: (وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، ولم ينزل في غيرهم، لا تعرف معجمه، وهم يعرفون معجمه، ولا تدري تأويله الأسماع، وهم يدرون تأويله)، وقال الدكتور عبد الله صولة عن الحذف المقابلي -الذي سمّاه ب-(الاحتباك): «على أنّ هذا الكلام المحذوف ليس أي كلام. إنّه في معظم
الأحيان الحجّة التي يسكت عنها الكلام ويسقطها، عامِلاً مع ذلك بإحكام على أن يعْثُرَ المتلقي عليها،يلتقطها ويجعلها حجته الخاصة»(1). أمّا النفي فيه فهو عامل حجاجي، قلّص الإمكانات الحِجَاجية، وزاد من القوة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، وساعد المتلقي في تحديد دلالة المراد من الكلام؛ ليلتقطها بنفسه، والإمام الحُسَين (علیه السلام) عندما قال ذلك لم يرد التهجم على عمر بن الخطاب، بل كان ذلك حقيقة توثقها كتب التفسير، إذ رُويَ عن عمر بن الخطاب أنّه قال: «أيها النَّاس ما إكثاركم في صُدُق النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما الصّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفنّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: «وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ» (2)الآية؟ قال: فقال: اللهم غفراً,، كل النَّاس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر، فقال: إنّي كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطيمن ماله ما أحب»(3). ومن ذلك أيضاً إنّه عندما قرأ قوله تعالى: «وَفَاكِهَةً وَأَبًّا» (4)قال: «كلّ قد عرفنا فما الأبّ؟ ثم رفض عصاً كانت بيده، وقال: هذا لعمر الله التكلّف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأب، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب،
والا فدعوه»(1)، في الوقت الذي كان يقول فيه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام): «سلوني عن كتاب الله؛ فإنّه ليست آية إلا وقد عرفت أبليلٍ نزلت أم بنهار، في سهلٍ أو في جبلٍ»(2). (المخطئ والمصيب عندك سواء)، (عندك سواء) قدّم الظرف(عندك) على الخبر (سواء) للاختصاص به، لأنّه المقصود بالحِجَاج.
ولم يستطع ردّ هذه الحجج (فنزل عمر مغضباً)، بهذه النتيجة تجسدت القوة الإنجازية لفعل كلام الإمام الحُسَين (علیه السلام) المباشر (انزل) الذي ذكره في بداية حجاجه.
ومن الظواهر الحِجَاجية التي امتاز بها هذا النصّ الحِجَاجي:
العطف ولاسيما العطف ب-(الواو): فقد أدى العطف ب-(الواو) في هذا الحِجَاج وظيفة حجاجية كبيرة، فبواسطته استطاع الإمام الحُسَين (علیه السلام) أن ينقل المتلقي من صورة حجاجية1. إلى أخرى، فضلاً عمّا فيه من دلالة على الاشتراك في الحكم، وبه وضّح الإمام (علیه السلام) مقاصده؛ ليضمن به التأثير في المتلقي.
وقال الدكتور عبد الله صولة: «يمكن أن نصوغ مؤقتاً قاعدة في التنكيت،فنقول: إنّه يعدل عن اللفظ (ب) إلى اللفظ (أ)؛ لِكَون (أ) أقدر على توجيه الملفوظ نحو النتيجة التي تُراد منه، ف-(أ) ذو طاقة حجاجية أرقى من (ب)، ويكون من خصائص اللفظين:
أنّ (أ) لفظ كلي (اسم جنس مثلاً)، و(ب) لفظ جزئي (اسم علم مثلاً).
أنّ (أ) لفظ تقويمي، و(ب) لفظ محايد»(2).
التقابل الدلالي بين بعض العبارات والألفاظ، فالحجّة فيها تعظيم القضية، والزيادة من التأثير في المتلقي. وذلك في أقواله (علیه السلام): (إنّه لهادٍ، وأنا مهتدٍ به)، و(عرفها النَّاس بقلوبهم وأنكروه بألسنتهم)، و(المخطئ والمصيب عندك سواء).
التوجيه: ويُقصد به توجيه المتلقي وجهة معينة في الخطاب، ويسد عليه كلّ الثغرات الحِجَاجية التي تسمح له باختيار حججه، وذلك بغلق الخطاب، وعدم تركه مفتوحاً على جهات أُخر، فالوجهة الحِجَاجية - التي دفع الإمامُ (علیه السلام) المتلقيَ - ليسير عليها الاعتراف بأنّ ولاية أمر المؤمنين يجب أن تُنقل إلى أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ويُعد التوجيه «من أوكد خصائص النصّ الحِجَاجي... فكلُّ ما فيه يوجّه المتلقي إلى وجهة واحدة [من] دون سواها، وهي نتيجة الخطاب أو غايته القصوى»(1).
الأنموذج: النبي محمد (صلی الله علیه و آله)، وآل بيته (علیهم السلام) الأنموذج الأمثل للنَّاس، فينبغي أن يأتمروا بأمرهم، وينتهوا عمّا ينهون عنه، ومَن يُخالف ذلك له الويل، والعذاب الأليم.
نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ الإمام الحُسَين (علیه السلام) استعملأساليب متنوعة لإقناع المتلقي، غلب عليها التوكيد؛ بوصف المتلقي كان منكراً جاحداً لحقِّ أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام) بالخلافة.
1) دراسات في الحجاج قراءة لنصوص مختارة من الأدب العربي القديم، الدكتورة سامية الدريدي الحُسني، (عالم الكتب الحديث، أربد) و(جدارا للكتاب العالمي، عمّان)، الطبعة الأولى (2009م): 43-44.
عندما أراد معاوية أن يجعل السلطة في البيت الأموي اعتمد أولاً على فنِّ الإقناع، فقَدِمَ إلى المدينة المنورة، وأرسل بطلب الإمام الحُسَين (علیه السلام)، وعبد الله بن عباس، وجعل لكلٍّ منهما وسادة، وجمع الناس، وخطب خطبة جاء فيها: «... وقد علِم الله ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، ولمّ الصدع بولاية يزيد... وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه بالسنة، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجَّح بالصم الصلاب... فمهلاً بني عبد المطلب، فأنا وأنتم شعباً نفع وجد، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما... واستغفر الله لي ولكما»(1). ودعاهما في خطبته هذه إلى أن يتأسُّوا برسول الله (صلی الله علیه و آله)؛ إذ قَدَّمَ عمرو بن العاص على أبي بكر، وعمر بن الخطاب في غزوة ذات السلاسل، واصفاً إياه بأنّه لم يقارب القوم ولم يعاندهم، ونحو ذلك، وبعدما أنهى خطبته قام ابن عباس ليخطب، فقال له الإمام الحُسَين (علیه السلام): على رسلك، أناالمراد ونصيبي من التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام الحُسَين (علیه السلام): «فحمد الله، وصلى على الرسول، ثمّ قال: أمّا بعد يا معاوية، فلن يؤدي القائل، وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله، من إيجاز الصفة والتنكّب عن استبلاغ النعت، وهيهات، هيهات، يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفتَ، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت،ما بذلت لذي حقٍّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله،
1) الإمامة والسياسة: 1/208.
وسياسته لأمة مُحَمَّد، تريد أن توهم النّاس في يزيد، كأنَّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمَّا كان ممَّا احتويته بعلمٍ خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجّة بذلك، ورده الإيمان إلى النصف؟! فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كانقصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى عليه وسلم وتأميره له، وقد كان ذلك؟! ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له؟! وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثُهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري). فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟! أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً، وحولك من لا يؤمَن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته؟! وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يابن عباس؟ ولما عندك أدهى وأمر. فقال ابن عباس: لعمر الله إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، وفي البيت
المطهَّر، فالُه عمّا تريد، فإن لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره، وهو خير الحاكمين. فقال معاوية: أعوَد الحلم التحلم، قال: وخيره التحلم عن الأهل. انصرفا في حفظ الله»(1).
قبل البدء بتحليل هذه الخطبة أرى من المناسب إعطاء صورة موجزة عن المقام الذي دارت فيه، فالمقام - على ما يبدو - مليء بالانفعال، انفعال لأمور الدين والدنيا، وسياسة المنافقين في إدارة أمّة محمد (صلی الله علیه و آله) لكنّه في الوقتنفسه مقام وعي في ضرورة تدارك الأمور قبل أن ينفلت زمامها، وتدبّر الأوضاع قبل فسادها، والسبيل إلى ذلك رفض دعوة معاوية في توريث يزيد الحكم، وتسلّطه على المسلمين؛ وذلك بتأجيج المسلمين على معاوية حتى يعدل عمّا جاء من أجله، ورفض دعوته قبل انتشارها في الأمصار الإسلامية. فوجد الإمام الحُسَين (علیه السلام) أنّ من واجبه أن يُقنع النّاس بفساد يزيد، وفساد نية أبيه في توريثه أمر المسلمين، فالمقام مقام حكمة وانفعال في آنٍ واحد، فكان يحتاج إلى خطبة تُبَلْسِمُ الجراح، وتفضح المستور في خبايا الظلام، فجاءت هذه الخطبة موجزة في حجمها، متراصة في دلالاتها، واسعة في تلميحاتها؛ وهذا هو المراد من الخطابة؛ ليبعد الخطيب عن جمهوره آفتي النسيان، وعدم الانتباه.
ولكي يكون النص الحِجَاجي مؤثراً بالمتلقي لابد أن يُبنى على وفق أسس علمية، ومن أهم المقومات التي بنى عليها الإمام الحُسَين (علیه السلام) خطبته هذه:
«فحمد الله، وصلى على الرسول ثمّ قال: أمّا بعد يا معاوية، فلن يؤدي القائل، وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبست به
1) الإمامة والسياسة: 1/208-210.
الخلف بعد رسول الله، من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت).
(حمد الله، وصلى على الرسول) الحمد والثناء من شروط الابتداء بالمقدمة في الخطابة العربية؛ فالنفوس تتوق إلى الثناء على الله (عزوجل)، والصلاة على النبي محمدٍ (صلی الله علیه و آله)، والمطالع والمقدمات تستميل السامع، وتجذبه لسماع الخطاب، ثم تزج به في الموضوع، (أمّا بعد يا معاوية)، (أمّا) «حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد»(1)، وغالباً ما تأتي بعده (بعد) في مطالع الخطب، وفيه دلالة على الانتقال من المقدمة إلى الموضوع. (يا معاوية) نداء، الغاية منه تنبيه معاوية، وإيقاظه من غفلته. (وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله، من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت). (قد) حرف يدلّ على أنّ ما بعده كان متوقعاً، كما يدلّ على تقريب الماضي من الحال، فضلاً عن إفادته التحقيق والتوكيد»(2).
ويُقصد به القدرات الحِجَاجية التي يعرض فيها المحاجج مجموعة من الحجج، تربطها مجموعة من الروابط والعوامل الحِجَاجية، مرتَّبة على وفق سلمٍ حجاجي داخل سياق لغوي، يهتم فيه المحاجج بالربط بين الجمل والعبارات، ويزينها بالمحسنات البلاغية؛ ليزيد من تأثيرها في المتلقي، فلكي يكون النص مقنعاً لابدّ أن تتلاحم فيهالصور البلاغية بالحجج العقلية؛ فالحجج العقلية تخاطب عقل المتلقي، والصور البلاغية تخاطب قلبه، وتحرك مشاعره.
ويُقسّم موضوع خطبة الإمام الحُسَين (علیه السلام) هذه على خمسة أقسام هي:
النتيجة النهائية المنشودة من الخطبة برمتها (هيهات، هيهات، يا معاوية) قدّمها الإمام الحُسَين (علیه السلام) في هذه الخطبة، ثمّ ساق الحجج؛ لتصبّ كلّها في خدمتها. و(هيهات) اسم فعل بمعنى (بعد) كرره للتوكيد، فضلاً عن التحسّر، والتأوه اللذين يكتنفانها، و(هيهات) فعل كلامي إنجازي مباشر بيّن فيه الإمام الحُسَين (علیه السلام) موقفه من مبايعة يزيد، فضلاً عمّا في هذا التكرار من تهويلٍ، وتفخيمٍ أراد منه الإمام (علیه السلام) أن يجعل مقدمة الخطبة (النتيجة) خطيرة في تكذيب معاوية، ف«هذه البنية التكرارية تحاول أن تتفادى توقعات المتلقي؛ لأنّها تقوم على مفاجأته بإحداث توافق شكلي، ومضموني بين البدء والختام»(1).
(يامعاوية) تكرار أيضاً، الغاية منه تكرار التنبيه الذي ذكره في المقدمة؛ ليؤكد أهمية القول، ويلفت انتباه معاوية لما سيُلقى عليه من حجج، والتكرار لا يُستعمل إلا للأمر المهم، ويُعد من الروافد الأساسية التي تُستعمل في رفد الحجج؛ كما يُعد عاملاً مهماً في التدليل على المعنى، وتوجيه الخطاب الوجهة الحِجَاجية التي يريدهاالمحاجج، فضلاً عمّا فيه من زيادة في العناية بالشيء وتوكيده.
حجج التعريض بمعاوية، وهي: «فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرج، ولقد فضّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفتَ، ومنعت حتى
1) البلاغة العربية - قراءة أخرى، د. محمد عبد المطلب، الشركة المصرية العالمية للنشر، مصر، الطبعة الأولى (1997م): 364-365.
محلت، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حقٍّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل».
(فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرج) في قوله هذا قوة فعل كلامي،يمثلها الاستلزام الحواري المراد منه التعريض بمعاوية، واستعمل الإمام (علیه السلام) هذا الأسلوب الحِجَاجي في هذا الخطاب؛ لما له من وقعٍ بالغٍ في المتلقي، بوصفها أمثالاً معروفة الدّلالة، وفضلاً عن التعريض ضمّ هذا القول بين طياته استعارة تصريحيّة. فقد شبّه الإمام (علیه السلام) ظلمة الليل بالفحمة، ثمّ حذف المشبه، وصرّح بالمشبه به. وفضلاً عن الجانب الجمالي الذي امتازت به هذه الاستعارة، من خلال تشبيه ظلمة الليل بالفحمة، أضفت على الخطاب قوة حجاجية؛ ليكون أقوى دلالة، وأكثر تقريباً للمعنى، وأقرب للفهم، وأكثر تأثيراً، من (فضح الصبح فحمة الدجى)، ثم إنّ الذي يُنعم النظر أكثر يجد أنّ المراد من هذا الكلام دلالة أعمق من ذلك كلّه، فقد شبّه نيات معاوية بليلٍ حالك السواد، كانت تستتر تحته خفايا مَكرِه،وبدعوته هذه لمبايعة يزيد افتُضحت تلك النيات، واتضح مَكره؛ لعدم إيفائه بالعهد الذي قطعه على نفسه بصلحه مع الإمام الحسن (علیه السلام)؛ بأنّه لا يجعل الخلافة توريثاً في بني أميّة، وإنّها تنتقل بعده إلى الإمام الحسن (علیه السلام) (1)، فهذا الكلام فيه من التلميح ما يُراد منه لفت انتباه المتلقي إلى الوقوف عنده، والبحث عن كنهه، وهذه المقولة لاتمثل استعارة تمتاز بجانبها الجمالي فحسب، بل فضلاً عن قوتها الجمالية والحِجَاجية فقد مثّلت نتيجة عكسية لحجاج معاوية في خطبته، التي قطع لأجلها المسافات من الشام إلى المدينة، وفي (الشمس) إيحاء لطيف لنور الهداية الذي بهر كلّ نور، فالحاجة إلى الاعتراف بالحقيقة صارت ملحّة، فلا داعي للتحايل، وقد
1) اُنظر: الإمامة والسياسة: 1/184.
افتُضحت النيات، وبانت الخبايا.
(ولقد فضّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفتَ، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حقٍّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل)،(حتى) رابط حجاجي يُستعمل لإدراج الحجج القوية التي تزيد من فعل التوجيه الحِجَاجي في خدمة النتيجة، كما أسهم هذا الرابط في تساند الحجج وتساوقها في خدمة النتيجة؛ لما امتاز به في تراتبالحجج، بالانتقال من الحجّة الأضعف إلى الحجّة الأقوى، وتكون الحجّة التي بعده مؤكدة لما قبلها؛ ولذا ذهب الحِجَاجيون إلى أنّ الحجج المشتملة على هذا الرابط لا تقبل الإبطال(1)، وكان للرابط (و) الدور الحِجَاجي الفاعل في الربط بين الحجج، ونقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى، كما أفاد منه الإمام (علیه السلام) في توضيح مقاصده، بغية التأثير في المتلقي، وإشراكه في الحكم.
(حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل) في هذا القول تلميح إلى أنّ معاوية لم يكن صادقاً، منصفاً في خطبته، والتلميح أقوى حجاجاً من التصريح؛ لحاجة المعنى فيه إلى تدّبر وتفكّر من المتلقي؛ إذ عليه إخضاع هذا القول إلى عملية ذهنية عقلية؛ لإدراك العلاقة الدلالية التلازمية، ما بين المعنى السطحي الظاهر والمعنى الخفي الذي يريد الإمام التوصل إليه، ممّا يفضي هذا الأسلوب الحجاجي بالمتلقي التوصّل إلى مراد الإمام (علیه السلام) بنفسه، وهذا التوصّل لمبتغى الإمام (علیه السلام) يجعل تقبّل الحجّة والاقتناع بها أقوى من التصريح. وهكذا استطاع الإمام (علیه السلام) أن يُشرك جمهوره في الحِجَاج، ويزجّ بهم في خضم الأحداث، فضلاً عمّا تحمله هذه العبارة من
1) اُنظر: اللغة والحِجَاج: 73؛ والحِجَاج في الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، ( رسالة ماجستير): 116.
جمالٍ فيالصياغة اللغوية، وممّا يلفت الانتباه في هذا الحِجَاج الصياغة اللغوية في الترادف بين (حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل)(1)وجيء به لتعظيم الأمر، وليزيد به القوة الحِجَاجية لتكون أقوى تأثيراً بالمتلقي.
الحجج التي استند إليها في ردِّ مغالطات معاوية في امتداح يزيد، وهي:
(وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة مُحَمَّد، تريد أن توهم النّاس في يزيد، كأنَّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمَّا كان ممَّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه؛ فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضربالملاهي تجده باصراً».
اعتمد الإمام الحُسَين (علیه السلام) في هذا القِسم من الحِجَاج على تقنية الفصل الحِجَاجي، وهي من التقنيات التي استند إليها بيرلمان في نظريته الحِجَاجية، والأساس الذي تقوم عليه هذه النظرية ثنائية الظاهر والحقيقة. فالظاهر ما قاله معاوية في وصف يزيد «وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة، ما أعياني
1) «الفرق بين النصيب والحظ: إنّ النصيب يكون في المحبوب والمكروه يقال: وفاه الله نصيبه من النعيم أو من العذاب، ولا يقال: حظه من العذاب إلا على استعارة بعيدة؛ لأنَّ أصل الحظّ هو ما يحظُّه الله تعالى للعبد من الخير، والنصيب ما نُصب له ليناله سواء كان محبوباً أو مكروهاً، ويجوز أن يقال: الحظّ اسم لما يرتفع به المحظوظ، ولهذا يُذكر على جهة المدح، فيقال: لفلان حظّ، وهو محظوظ، والنصيب ما يصيب الإنسان من مقاسمة سواء ارتفع به شأنه أم لا؛ ولهذا يقال: لفلان حظّ في التجارة، ولا يقال: له نصيب فيها؛ لأنّ الربح الذي يناله فيها ليس عن مقاسمة)). الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري (ت395ه-)، تحقيق محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة (1418ه- - 1997م): 165.
مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه بالسنّة، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجّح بالصم الصلاب»(1)، والحقيقة تمثل جوهر يزيد في«استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي»، وبهذه التقنية استطاع الإمام الحُسَين (علیه السلام) إيقاظ المتلقي من غفلته وانخداعه بيزيد، وغايته من الاستناد إلى هذه التقنية الحجاجية تسليط الضوء على مغالطات معاوية من جهة، ووصف الصورة الحقيقية ليزيد من جهة أخرى. وذكر عباس محمود العقّاد صفات يزيد التي اتصف بها على وجه الحقيقة؛ إذ قال: «إنّ معاوية لا يقنع بأن يملك لنفسه حتى يورّث المُلك ولده من بعده، وليس هو من أهل الرأي ولا هو من أهل الصلاح... ولكنّه فتى عربيد، يقضي ليله ونهاره بين الخمور والطنابير، ولا يفزع من مجالس النساء والندمان إلّا ليهرع إلى الصيد، فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة والبوادي والآجام، لايبالي خلال ذلك تمهيداً لملك، ولا تدريباً على حكم، ولا استطلاعاً لأحوال الرعية الذين سيتولاهم بعد أبيه»(2). وهذه حقائق فعلية، وأحداث معاينة لا يشك المتلقي فيها، وذكرها في النص له طابع حجاجي، و«كان الإمام يبتغي من وراء ذلك تبصير الجماهير بخروقات السلطة الأموية»(3).
(تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمَّا كان ممَّا احتويته بعلم خاص)، هذه الحجج سارت باتجاه حجاجي واحد؛ خدمة للنتيجة، وهي: (وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه) والمعنى الإخباري فيها واحد، لكن الفارق يكمن في المعنى الحِجَاجي، فهذه العبارات مترادفة، «ومن مزايا المترادفات أنّها تعين على إفراغ المعنى في قوالب متعددة، ونظمها في سلك من البلاغة، ولا تنكر مزاياها في النظم والنثر،
فبتعددها يسهل تخير ما طابق المعنى، فيأتي الكلام جزلاً بليغاً، ويعدّ الترادف مظهر ثراء في اللغة، فهو حشد لغوي تترادف فيه الألفاظ، وتتوالى على المعنى الواحد»(1).
(فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضربالملاهي تجده باصراً)، (فخذ) فعل كلام إنجازي مباشر، والغاية منه إلزام المخاطَب بفعل شيءٍ في المستقبل، وهو إنّك إذا أردت أن تصف يزيد فعليك أن تصفه بما فيه من صفات: (استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي)، (باصراً) اسم فاعل وهو وصف دال على بصر يزيد بهذه الأمور خاصة، واسم الفاعل وصف يدرجه المحاجج في حجاجه؛ ليسوّغ له إصدار الحكم الذي يريد، ومن ذلك يدرك المتلقي حقيقة يزيد المحجوبة في خطبة أبيه معاوية.
في هذا القسم حاجج الإمام الحُسَين (علیه السلام) معاوية من أجل ثنيه عمّا قَدِمَ من أجله، فضلاً عمّا فيه من تعريض. ويضم الحجج الآتية: «ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدّم على عمل محفوظ، في يوم مشهود، وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجّة بذلك، ورده الإيمان إلى النصف؟! فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتى
1) الفروق اللغوية: (تمهيد المحقق): 17.
أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار».
(ودع عنك ما تحاول)، (دع) فعل كلام إنجازي مباشر، بيّن فيه الإمام (علیه السلام) قصده في التحذير من مغبّة ما يدعو إليه معاوية، وقدّم الجار والمجرور (عنك) على المفعول به (ما) لما في هذا العدول من دلالة على الاختصاص والقصر على معاوية.
(أنت لاقيه) قدّم الفاعل على اسم الفاعل؛ للدلالة على قصر ذلك على معاوية، وحصره به. (فو الله) أسلوب إنشائي للتوكيد، بل هو أقوى أنواع التوكيد، والغاية من استعماله هنا غلق الأبواب بوجه معاوية، وتوجيه المتلقي إلى التنبّه إلى مغالطاته، جاعلاً الإمام (علیه السلام) بذلك كلمته هي العليا، كما أفاد منه في زيادة القوة الحِجَاجية، وأزال به الشكوك، وثبّت القول الذي يليه. (ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية) (حتى) رابط حجاجي يُستعمل لسوق الحجج، ويفيد انتهاء الغاية. (ملأت الأسقية) الأسقية: جمع سقاء وهو «ظَرْفُ الماءِ»(1)، وهذا القول كناية، تجعل المتلقي يغور في دلالة اللفظ الظاهر للوصول إلى المعنى الذي يقصده الإمام (علیه السلام)، بهذا الأسلوب الحِجَاجي. ومن سياق الكلام، وقرائن الحال يتوصل المتلقي إلى أنّ المكنى عنه في هذا الاستلزام الحواريهو كثرة كلام معاوية في ثنائِهِ على ابنه يزيد بفضائلَ ليست فيه؛ وسبب عدول الإمام الحُسَين (علیه السلام) إلى هذه الكناية؛ بوصفها أقوى حجاجاً من التصريح إذ إنّ المتلقي يخضعها إلى عملية ذهنية عقلية؛ فيتوصل من ذلك إلى النتيجة بنفسه، وتوصّلُ المتلقي إلى مراد الإمام يجعله يقتنع بحجج الإمام (علیه السلام) . وقد أشار إلى ذلك هادي سعدون؛ إذ قال: «فتثير لغة الإيحاء في المتلقي تأثيراً يفوق لغة التصريح، وهذا ما يهدف إليه الخطاب الحُسَيني القائم على إثارة
1) لسان العرب: مادة (سقى)14/390.
المعنى في نفس المتلقي»(1).
(وما بينك وبين الموت إلا غمضة) حصر في قوله هذا الفعالية الحِجَاجية في وجهة حجاجية واحدة هي إنّ دنياك يا معاوية قد انقضت - وقصرها الإمام (علیه السلام) على الغمضة للمبالغة -؛ والمراد من هذا القصر: لا يوجد أمامك يا معاوية فرصة أخرى لتكفّر عن ذنوبك سوى هذه الفرصة، فاستفد منها علّها؛ تنفعك في آخرتك، وهكذا قيد الإمام الحُسَين (علیه السلام) الإمكانات الحِجَاجية، وقصرها على هذه الفرصة الأخيرة؛ ليزيد من القوة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، وهذا يعني أنّ الإمام (علیه السلام) أراد أن يدفع معاوية ليسلّم لهذه الحجّة.(فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود)، (فتقدم) فعل كلام إنجازي مباشر، فيه دلالة على توبيخ معاوية، فضلاً عمّا فيه من تلميحٍ إلى قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»(2)، (وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ) في قوله هذا تلميح إلى قوله تعالى: «كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ»(3)، والمعنى: «فنادوا عند نزول العذاب بالويل كقولهم: يا ويلنا إنّا كنّا ظالمين»(4)، ولا يوجد في ذلك الوقت منجى ولافوت(5)ليزيد بهذه التلميحات من إقناع المتلقي من جهة، ويقوي حججه من جهة أخرى، ويبطل حجج معاوية من جهة ثالثة؛ لما
في كلام الله (عزوجل) من البهاء، والوقار، والبيان، وليكون شاهد صدق على الأحداث، ومثَّلت اقتباساته هذه تناصاً، ومن فوائد التناص الإيجاز في اللفظ والعمق في الدلالة.
(ورأيتك عرضّت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً) في هذا القول قوة فعل، كلام مثلها الاستلزام الحواري؛ لما فيه من التلميح إلى تنكره للصلح مع الإمام الحسن (علیه السلام) .
(ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة) في قوله هذا عدول من المخاطَب المفرد (معاوية) إلى التكلّم،وعدول آخر من اسم العلم (محمد) إلى (الرسول)، وهذان العدولان أضفيا على الخطاب عنصراً حجاجياً، أعمّ وأقرب إلى موضوع الخطبة؛ بوصف الإمام كان يحتج بأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) كان جدّه، وهذا يقتضي أنّ آل بيت الرسول (علیهم السلام) هم أولى النّاس بحمل الرسالة المحمدية.
(وجئت لنا بها) عدول من التكلّم إلى المخاطَب (معاوية)، أي إنّ سبب قطعك المسافات من الشام إلى المدينة؛ لطلب البيعة منّا ليزيد؛ لعلمك إنّا ورثة الرسول (صلی الله علیه و آله) . والتقديم والتأخير في (لنا بها) للاختصاص والحصر.
(أما حججتم به القائم عند موت الرسول). (الهمزة) للاستفهام التقريري التوبيخي، ويستمد الاستفهام قوته الحِجَاجية من القصد المضمر فيه، وهو من أقوى أفعال الكلام الإنجازية المباشرة حجاجاً. و(ما) نافية(1)، (حججتم به القائم عند موت الرسول) تقديم الجار والمجرور (به) على المفعول به (القائم) للقصر والاختصاص، وفي هذا القول التفات من المخاطب المفرد (معاوية) إلى الجمع (بني أمية)، والغاية من هذه الالتفاتات هي أنّ الإمام (علیه السلام) أراد أن يجعل المتلقي يعيش
1) اُنظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 1/349.
الأحداث كأنّها حقائق، وبها جعل الإمام الحُسَين (علیه السلام) المتلقي يصغي إليه بعد أن لفت انتباهه إلى حججه، وأوصل الإمام بها رسالة مفادها: إنّ بني أميةاحتجوا على أبي بكر في أول توليه أمر المؤمنين، بأنّهم أولى منه بهذا الأمر، بوصفهم أقرب صلة رحم من رسول الله (صلی الله علیه و آله) .
(فأذعن للحجّة بذلك) الفاء عاطفة، دلّت على قِصر الوقت الذي أذعن فيه أبو بكر للحجّة.
(فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل) الفاء عاطفة، دلّت على قِصر الوقت الذي ركبوا فيه الأعاليل. فاستعمال الفاء العاطفة في هذين الموضعين فيه دلالة على تقارب الأحداث. وهكذا نجد أن هذا الرابط (الفاء) استطاع به الإمام (علیه السلام) أن يلفت انتباه المتلقي إلى الصور المتسارعة في التنقل بين الأحداث، وهكذا أدت (الفاء) وظيفة حجاجية أخرى، زيادة على وظيفتها في الربط بين الحجج، وفضلاً عن ذلك فإنّ في هذا القول تناقضاً بين (حججتم، وركبتم) فما لبثوا أن حاججوا أبا بكر على توليه أمر المؤمنين، فإذا بهم يركنون إلى الأعاليل، وفي ذلك تلميحٌ إلى انعدام المصداقية عند معاوية وعشيرته. والأعاليل: «العلل التي اعتل بها معاوية عند حديثه عن فضل يزيد»(1)شبّهها بالمطايا، ثمّ حذف المعنى الحسيّ (المطايا) وأبقى المعنى المجرد (الأعاليل)، وأراد من ذلك أن يجسر بين المعنى الحسيّ والمعنى المجرد، ويتضح ذلك للمتلقي بحركة فكريةمنتظمة، يفهم من خلالها أنّ معنى المسند يختلف عن معنى المسند إليه، فيعرف أنّ الإمام (علیه السلام) عمد إلى هذه الاستعارة؛ لثقته البالغة بأنّ الاستعارة في هذا الموضع من السياق تكون أبلغ من الحقيقة، وأقوى حجاجاً، وأكثر وقعاً وتأثيراً في المتلقي، فأراد الإمام (علیه السلام) من هذه الاستعارة أن
1) نثر الإمام الحُسَين (علیه السلام) دراسة بلاغية: ( رسالة ماجستير)38.
يلفت انتباه المتلقي إلى أنّ «معاوية وأتباعه يقترفون ما نهى عنه الشارع المقدس، ويبررون ذلك بعلّة، وعند التكرار يطرحون علّة أخرى وهكذا»(1).
(وقلتم كان ويكون)، (كان ويكون) «كناية عن احتجاج معاوية بالمنسوخ بأنّه سبق، وأنّه كان أمرٌ(2)نافذاً»(3). وعمد الإمام (علیه السلام) إلى هذه الكناية في هذا الموضع؛ لأنّها أبلغ، وآكد، وأقوى حجاجاً من التصريح ل«أنّ كلّ عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه أنّ إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى، من أن تجيء إليها فتثبتها، هكذا سَاذَجاً غُفْلاً»(4)، فهذه الكناية عندما تقرع ذهن المتلقي تدفعه إلى البحث عن الدلالة التلازمية، ما بين معنى اللفظ الظاهر والمعنى الخفي، ومن ذلك يتوصل الإمام الحُسَين (علیه السلام) إلى إشراك المتلقي في النصّ الحِجَاجي؛ ليتوصلا معاً إلى أنّ معاوية كان يريد من خطبته أن يُفحم النّاس بأنّ المنسوخ قد سبق.(حتى أتاك الأمر يا معاوية). (حتى) رابط حجاجي يُستعمل لتساند الحجج. (يا معاوية) نداء الغاية منه إنزال معاوية منزلة الغافل، وفيه دلالة على لفت انتباهه إلى أمرٍ غضّ الطرف عنه في خطبته. (من طريق كان قصدها لغيرك) في إشارة منه إلى أنّ المسلمين قد اجتمعت كلمتهم - بعد قتل عثمان بن عفان - على رجلٍ يخلصهم من الفتنة فما وجدوا لذلك أهلاً غير عليّ بن أبي طالب (علیه السلام)؛ فبايعوه على أن لا يخلفوا له أمراً، لكنّك يا معاوية أفدت من حجّة قميص عثمان الملطّخ بالدم، مع خصلة الشعر التي نتفها رجل مصري من لحية عثمان بن عفان؛ لترفعه بالشام وبه استطعت أن تؤثّر بعواطف الشاميين؛ فبايعوك خليفة عليهم(5).
(فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار) عدول من المخاطب المفرد إلى المخاطب الجمع (المتلقي المباشر - الناس من حوله -، وغير المباشر - النّاس إلى زماننا وما بعده -). ويستمد هذا القول قوته الحِجَاجية من التناص، ومن الاستلزام الحواري المستمد من التلميح إلى قوله تعالى: «...وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ»(1)، والمتلقي يفهم مراد الإمام من قرائن الحال، والسياق الذي ذُكرتْ به الخطبة. ومعنى الآية الكريمة: «اتعظوا وفكروا فلا تفعلوا كمافعل هؤلاء؛ فيحل بكم ما حلّ بهم»(2). وما يلفت الانتباه في قوله هذا أنه أخرجه مخرج الحكمة التي تتجاوز الحدود الزمانية والمكانية؛ ليوقظ المتلقي من سباته، وينقله إلى مجالٍ أرحب؛ ليعيد النظر في الكيفية التي انتقلت بها السلطة إلى معاوية، ثم كيف يريد معاوية أن يجعلها توريثاً في آل بني أمية، وأي توريث؟ ولمن؟ لفاسقٍ سكير عربيد.
القسم الخامس: حجاجه لردّ حجج معاوية بتولي عمرو بن العاص قيادة المسلمين، وضمّ الحجج الآتية: «وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى عليه وسلم وتأميره له، وقد كان ذلك؟! ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له؟! وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثُهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري). فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟! أم كيف صاحبت بصاحب
تابعاً، وحولك من لا يؤمَن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته؟!». (وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى عليه وسلم وتأميره له) عدل فيه من الجمع المخاطب إلى المفرد المخاطَب (معاوية)، و(أل) في(الرجل) للعهد، والمراد به عمرو ابن العاص. وهذا القِسم من الحِجَاج غلب عليه الطابع الإنشائي، الاستفهامي، التوبيخي؛ ليقلّص به الإمام (علیه السلام) الإمكانات الحِجَاجية، ويوجهها وجهة حجاجية واحدة، ويزيد من طاقتها الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، ويساعد المتلقي على تحديد دلالة المراد من الكلام و«يرى ديكرو وأنسكومبر أنّ الغاية من الاستفهام تتمثّل في أن نفرض على المخاطَب به إجابة محددة، يمليها المقتضى الناشئ عن الاستفهام، فيتم توجيه دفّة الحوار الذي نخوضه معه الوجهة التي نريد، فالاستفهام يأتي في الكلام لإجبار المخاطَب على الإجابة [عن السؤال على] وفق ما يرسمه له البعد الاستفهامي الاقتضائي»(1)، وبهذا الأسلوب الحِجَاجي حصر الإمام الحُسَين (علیه السلام) معاوية في زاوية ضيقة؛ إذ فرض عليه إجابة محددة، بحسب ما أملاه عليه المقتضى الناشئ من السؤال التقريري المباشر، وبذا وجه الإمام الحُسَين (علیه السلام) الحِجَاج الوجهة التي أرادها، ففي قوله (علیه السلام): (وقد كان ذلك؟!) أراد من هذا السؤال محاصرة معاوية وإلزامه بإجابة محددة، وهي الإقرار بكذبه أمام النّاس، بأنّ الرسول (صلی الله علیه و آله) لم يؤمّر عمرو بن العاص على المسلمين، وممّا يدلّ على ذلك ما ذكرته المصادر التاريخية: إنّ عمرو بن العاص قال عننفسه: إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله)، أرسله إلى استنفار العرب إلى الشام، فلما وصل إلى ماء السلسل خاف؛ فطلب من الرسول أن يمدّه بمددٍ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح بجيش، وكان أبو بكر وعمر بن الخطاب مع الجيش، وأمره بأن لا يختلف مع عمرو بن العاص، وما أن وصل قال له عمرو بن العاص: «إنّما
1) الخطاب الحجاجي السياسي في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، دراسة تداولية (أطروحة دكتوراه): 304؛ نقلاً عن: L´Argumentation dans Ia Iangue, Ducrot et Anscombre, p30.
جئت مدداً لي. قال أبو عبيدة: لا ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه... فقال عمرو: بل أنت مدد لي» فرضي بذلك على مضضٍ؛ لئلا يُخالف وصية رسول (صلی الله علیه و آله) (1).
(ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له؟!)
سؤال إنكاري الغاية منه توكيد السؤال السابق، أزعج به معاوية، وحصره بزاوية ضيقة، فأحرجه؛ إذ أجبره على الإجابة بهذا الأسلوب الإنكاري، التوبيخي، التعجبي، الساخر؛ ممّا جعل معاوية يبتلع ريقه غاصاً بكلامه، مشلولاً لسانه، يتلفت يساراً ويميناً تارةً إلى الجمهور، وأخرى إلى ابن عباس. (وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثُهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله) قد يجهل المتلقي هذا الأمر، فجاء قول الإمام (علیه السلام) هذا جواباً عن الحقيقة التي زيّفها معاوية؛ لتتضح الحقائق، وتنجلي للأذهان، فاستعمال الإمام لهذا الأسلوب كان منهجاً ذكياً؛ لتفكيك حجاج معاوية، وهزيمته؛ وكما إنّه وضّح فيهللمتلقي مغالطات معاوية، وفضحه أمام الناس، وابتدأ قوله هذا بعامل حجاجي (النفي/ما) بوصفه عاملاً يقلّص الإمكانات الحِجَاجية، ويزيد من القوة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، واستعمل التوكيد بالقسم؛ لتأكيد الحجج التي قدّمها، وليثبتها في ذهن المتلقي؛ «ذلك أنّ القَسَم فعل حجاجي يثبّت القضية ويوجبها، ويُقيم الحجّة على المخاطَب، ويُلزمه بها في الوقت نفسه، ولا يُراد القسم بذاته، وإنّما يُراد لغرض تواصلي هو دفع المخاطَب إلى الوثوق بكلام المخاطِب»(2).
فقال صلى الله عليه وسلم: «لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري» مثّل هذا الاستشهاد حجّة سلطة استند إليها الإمام (علیه السلام)؛ لتقوية درجة التصديق بحججه من جهة، وتضعيف حجج معاوية من جهة أخرى، والغاية من هذا الاستشهاد بالحديث النبوي إشراك المتلقي في ما يعرضه من رأي؛ لأنّ المتلقي لايشكّ في كلام الرسول (صلی الله علیه و آله)، وهذا القول يدلُّ بما لا يقبل الشكّ على صدق ما قاله الإمام الحُسَين (علیه السلام) بوصفهم أنفوا إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدّوا عليه أفعاله. ويرى الدكتور عبد الهادي بن ظافر الشهري أنّ «الحجج الجاهزة أو الشواهد هي من دعامات الحِجَاج القوية... وتُسهم هذه الآلية في رفع ذات المخاطب إلىدرجة أعلى، وبالتالي منحها(1)/240 مع اختلافٍ في الرواية قوة سلطوية بالخطاب عند التلفظ بخطاب ذي بعدٍ سلطوي في أصله عندها يتبوأ المخاطِب بخطابه مكانة عليا، ويستمد ذلك من سلطة الخطاب المنقول على لسانه فقط. وبالتالي تصبح السلطة هي سلطة الخطاب الذي يتوارى المخاطِب وراءه»(2).
(فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟!) استعمل هذا السؤال؛ ليلجم معاوية بالحجّة، ويجعله يقرّ بها، ونسف به كلّ حجج معاوية التي ذكرها في خطبته، وتبلغ السخرية من معاوية ذروتها في قوله (علیه السلام): (أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً، وحولك من لا يؤمَن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته؟!)، والغاية من هذه الأسئلة إلزام معاوية بالإقرار بأنّه لم يكن صادقاً بما قاله، فالأسئلة التي عرضها الإمام (علیه السلام) لم يرد منها الإجابة لذاتها، بل إلزام معاوية وإجباره على الإقرار بها؛ ليُثبت الإمام (علیه السلام) للمتلقي
حقيقة ما كان يستره معاوية من نيات.
وهكذا وجهت الأسئلة الاستفهامية الخطاب الوجهة التي أرادها الإمام الحُسَين (علیه السلام)، وبذلك حقق منها إقناع المتلقي بأنّ معاوية كان كاذباً في أقواله، وإنّه اعتمد المغالطة في خطابه، وفضلاً عمّا تقدّم فإنّ الإمام (علیه السلام) استعمل أفعال الكلام التقريري؛ ليحدد موقفه من نقطةالخلاف مع معاوية من جهة، وإفادته منه في المواصلة في الحِجَاج لما فيه من التأكيد من جهة أخرى. والسبب الذي دفع الإمام (علیه السلام) لأن يتدرّج بحججه بأسلوب الاستفهام التقريري هو توبيخ معاوية، وحصره في زاوية ضيقة؛ ليقرّ بمغالطاته من جانب، ومن جانب آخر أنّ المتلقين للخطاب ليسوا على مستوى واحد، فبعضهم شَهِدَ ذلك، والآخر يفهمه من مضمونه، وغيرهم يحتاج إلى وقتٍ للتأمّل، فهو بذلك راعى أحوال المتلقين؛ لأنّ هذا الأسلوب يمنح المتلقي فرصة في التفكير والتأمّل؛ ليزيد ذلك من التوجيه نحو الإقناع، ثم الاقتناع بأنّ معاوية حاول إفحامهم بحججه، وهكذا أراد الإمام من المتلقين أن يقتنعوا بذلك بالتأمل العقلي من دون إكراه.
وتمثل الفرصة الأخيرة للتأثير في المتلقي من أجل تنشيط ذاكرته، وضمّت الحجج الآتية: (وتتخطاهم إلى مسرفٍ مفتونٍ، تريد أن تُلبس النَّاسَ شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لي ولكم). (مسرف مفتون) هذه صفات يزيد، أكّد بها حقيقته التي ذكرها آنفاً.
(تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك) في قوله هذا حذف مقابلي (احتباك) فقد حذف(الفاني) لدلالة المذكور عليه، ولتوضيح ذلك يمكن صياغة الجملة على النحو الآتي: (يسعد بها الباقي في دنياه،
ويشقى بها الفاني في آخرته)، لكن الإمام حذف (الفاني)؛ ليحقق دلالتين: أولاهما: الإيجاز. والأخرى: الاختصاص؛ ليكون الشقاء مختصاً بمعاوية فقط، ومقتصراً عليه. كما أنّ في هذا القول تقديماً وتأخيراً، فقد قدّم الجار والمجرور (بها) على الفاعل (الباقي) وهذا
فيه قصر واختصاص على يزيد فقط، وفضلاً عن ذلك فإنّ في هذا القول مجموعة من المتناقضات (تقابلاً دلالياً).
الباقي (يزيد) ----- الفاني (معاوية).
يسعد ----- يشقى.
دنياه ----- آخرته.
والغاية من ذلك (التقابل الدلالي) تعظيم الأمر؛ ليزيد بذلك من قوة التأثير في المتلقي، وإقناعه بحججه، ثم يصل من هذه المتناقضات إلى النتيجة (إنّ هذا لهو الخسران المبين)، (إنّ) أداة توكيد، ودخولها على الجملة يفيد تثبيت الحجج، وتقوية العلاقة الحِجَاجية بين عناصر الحِجَاج، و(اللام) في (لهو) لزيادة التوكيد، والجملة التي تحتوي على أكثر من مؤكد يراد منها دفع الإنكار. (المبين) وصف للخسران، ومن الواضح أنّ الذي يشقى في آخرته قد خسر، وأي خسارة، فهي الخسران المبين، وهذا القول يحمل بين طياته تلميحاً إلى قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ»(1)، ويكمّله قوله تعالى: «فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ»(2). والخسران المبين يعني: الظاهر الذي لا يخفى(3)، وتُشير كتب التفسير إلى أنّ سبب نزول الآية الأولى - كما
رُويَ عن ابن عبّاس - إنّ بعض النّاس كان يقدم إلى المدينة فإذا أنجبت فرسه مهراً حسناً، وامرأته غلاماً رضيَ واطمأنَّ، وإن أصابه وجع في المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة قال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا شرّاً، وكلّ ذلك من انعدام البصيرة(1)، ويبدو أنّ الإمام الحُسَين (علیه السلام) اقتبس هذه الآية ليلمّح إلى فعل معاوية الذي قَدِمَ من أجله، ولم يصب من قدومه إلا ما أصاب ذلك الرجل الضعيف البصيرة، وفضلاً عمّا في هذا القول من خطرة قوية موقظة للعقل؛ إذ صِيغ بشكلٍ إيحائي يُنبئ بمحتوى الخطبة برمتها، فإنّ الحِجَاج بالقرآن الكريم يمنح الكلام قوة حجاجية عالية؛ لأنّ المتلقي لا يشك في كلام الله سبحانه وتعالى، وبهذا الأسلوب أغلق الإمام (علیه السلام) على معاوية منافذ كلّ حجاج مضاد؛ إذ حصر كلّ ما قاله معاوية بالكذب والمغالطة، وبلغ ذلك ذروته في تكذيبه في وصف يزيد،وتولي عمرو بن العاص قيادة المسلمين.
والظواهر الحِجَاجية التي امتاز بها هذا النصّ الحِجَاجي:
توبيخ معاوية يعدّ الوظيفة الحِجَاجية الأبرز في هذه الخطبة.
متابعة حجج معاوية في خطبته وردّها واحدة تلو الأخرى.
الالتفات من مخاطبة المفرد (معاوية) إلى التكلّم (ولقد
1) اُنظر: المصدر نفسه: 7/296.
يَا أُولِي الْأَبْصَارِ» (1)، ثمّ عاد لمعاوية؛ موجهاً إليه الخطاب؛ ليفنّد حججه التي احتج بها في قيادة عمرو بن العاص للمسلمين في غزوة ذات السلاسل، معتمداً في ذلك على أسلوبٍ حجاجي آخر عدل به من الخبر إلى الإنشاء باعتماد أسلوب السؤال التقريري، ثم عاد1. ليوبّخ معاوية، ويختم بذلك خطبته.
وهذا الأسلوب في التنوّع بالضمائر من الظواهر اللافتة النظر في هذه الخطبة، فضلاً عن أثره الفاعل في التأثير بالمتلقي؛ إذ يجعله يعيش الحدث بوصفه حقيقة، فينجذب إلى الخطبة، ثم يقتنع بها.
كان للرابط (و) الدور الحِجَاجي الفاعل في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى؛ بوصفه يتميز في ترتيب الحجج وتلاحقها.
كثرة الإشارات إلى الدقائق والرقائق المتعلقة بالموضوع؛ تكثيفاً لحالة الحضور التي أراد الإمام الحُسَين (علیه السلام) من خطبته أن تتسم بها؛ ليحدث بذلك انفعالاً في ذهن المتلقي.
اعتمد في حجاجه على التقنية التتابعية؛ وهي من تقنيات الوصل الحِجَاجية وتابعة للحجج المُؤَسَّسة على بنية الواقع، وهذا النوع من الحِجَاج لا يبتكره الخطيب؛ إذ الحجج التي يستند إليها موجودة في الواقع، والمحاجج يشير إليها، ويُذكّر بها، فالإمام الحُسَين (علیه السلام) في حجاجه هذا لم يبتدع شيئاً من عنده، وإنّما اكتفى برصد الوقائع، ورَبَطَ بينها، كما رصد المتناقضات في حجاج معاوية وتتبعها.
ذِكْرُ بعض المشتقات (باصر)، و(مسرف)، و(مفتون) كانت الغاية
1) سورة الحشر: آية2.
منها بيان صفات يزيد السلبية؛ ليصل الإمام (علیه السلام) من ذلك إلى نتيجة مضمرة مفادها: كيف تكون شخصية بهذه الصفات السلبية تحكم المسلمين، وتتحكم بأرواحهم، ومقدراتهم؟!
ويُستشفّ من ذلك أنّ ألفاظ هذه الخطبة جاءت على قدرٍكبيرٍ من الدقة في الترتيب، وصياغة في التركيب.
ونخلص ممّا تقدّم إلى أنّ هذه الخطبة دارت حول محورين أساسين: الأول: رفض بيعة يزيد رفضاً قاطعاً؛ إذ إنّ ذلك يأباه الله ورسوله، والآخر: مطالبة معاوية بإعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين وهم آل بيت النبي (علیهم السلام) .
هذا المبحث يسلّط الضوء على قول الإمام الحسين (علیه السلام) لمروان بن الحكم: «يابن
الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت»(1)بدراسة لسانية حجاجية تحليلية للغور في أعماقه بعد معرفة الظروف والملابسات التي دفعت الإمام (علیه السلام) إلى ذكره.
قبل البدء بتحليل القول لابد من معرفة الظروف، والملابسات التي دار فيها من مكانٍ، وزمانٍ، والهدف منه، فضلاً عن معرفة المشاركين فيه؛ لأنّ المقام يُشكّل البؤرة التي يدور حولها القول.
عندما هلك معاوية سنة (60ه-) أرسل يزيد بن معاوية كتاباً إلى الوليد بن عتبه ابن أبي سفيان، والي المدينة؛ طالباً منه فيه أخذ البيعة من كبار أهل المدينة، ومنهمالإمام الحسين (علیه السلام)، فأرسل الوليد بطلب مروان بن الحكم؛ ليستشيره في ما جاء بالكتاب، فأشار عليه باستدعائهم قبل أن يعلموا بهلاك معاوية، ويطلب منهم البيعة بالإكراه، ومَن يرفض يقطع عنقه، فأرسل بطلبهم، وكان الإمام جالساً في المسجد هو وعبد الله بن الزبير، فلما أخبرهما الرسول بطلب الوالي قال له الإمام (علیه السلام): انصرف الآن نأتيه، فسأل عبد الله ابن الزبير الإمام عن المراد من الطلب. فقال الإمام: أظنّ أنّ طاغيتهم قد هلك فبعث، إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في النَّاس الخبر، فجمع الإمام مواليه وأهل بيته، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد، وقال لأصحابه إنّي داخل، فإن دعوتكم، أو سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا عليّ بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم. فدعا الوليدُ الإمامَ لبيعة يزيد، فقال (علیه السلام): أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سراً، فإذا خرجت إلى النَّاس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع النَّاس، فكان أمراً واحداً. فقال له
1) تاريخ الطبري: 5/340.
الوليد: انصرف على اسم الله، حتى تأتينا مع جماعة النَّاس. فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً، حتى تكثر القتلى بينكم وبينه. احبس الرجل، ولا يخرج من عندك حتى يبايع، أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين قائلاً: «يابنالزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت»ثم خرج(1).
فالمقام مليء بالانفعال لأمور الدين والدنيا، وسياسة المنافقين في كيفية إدارة أمّة محمد (صلی الله علیه و آله)، والدعوة إلى توريث إدارة شؤون المسلمين لصبيِّ ماجنٍ فاسقٍ.
من يُنعم النظر في هذا القول يجده قائماً على أُسس حجاجية، متلائمة مع المنطق اللغوي التواصلي، والسياق العام، وظروف المقام، والدين، والأعراف الاجتماعية، ومرتَّباً على وفق استراتيجية خاصّة، ومُصاغاً بصياغة لغوية، ومزيّناً بمحسنات بلاغية، وموجهاً نحو نتائج محددة فرضها الإمام (علیه السلام) على المقصودين بالكلام فرضاً، وقائماً على قولين: حجّة (يابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟)، ونتيجة مصرّح بها: (كذبت والله وأثمت)، والعلاقة ما بين الحجّة والنتيجة علاقة دلالية تداولية تلازمية، غلق بها الباب بوجه المتلقي المباشر، ولم يسمح له بإيجاد منفذٍ لاستضعاف حجّته، مفحماً إياه بها، محققاً بذلك الغاية من الحجاج، وهي إذعان العقول «لما يُطْرَحُ عليها من آراء، أو أن يزيدفي درجة ذلك الإذعان»(2)
229.
. إذ تزداد فاعلية الحجاجكلما كان الإذعان أقوى «فليس الحِجَاج في النهاية سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السُّبل لمحاورتها»(1)
traite de I argumentation, op.cit,p18.
. وللظفر بذلك استند الإمام (علیه السلام) إلى أسلوبٍ بلاغي حجاجي، يحمل بين طياته دلالات كثيرة - سيأتي بيانها - من دون إسراف، بعدما استجاب لطلب رسول الوليد بن عتبة، وجاء للوالي واستمع لكلام الطرف الآخر.نادى الإمام مروان بن الحكم ب-(يا) النداء مع قربه منه؛ لتنزيله منزلة الغافل، وفي ذلك دلالة على التوبيخ؛ لأنّ مروان لم يلتفت إلى عظم الأمر الذي يقوله، فأراد الإمام بمناداته ب-(يا) تنبيهه على عظم ما يقول، وإيقاظه من غفلته.
من المصطلحات البلاغية، يراد به «أن يقصد المتكلّم إلى شيءٍبالذكر دون غيره ممّا يسد مسده؛ لأجل نكتة في المذكور، ترجح مجيئه على سواه»(2). والنكتة في عدول الإمام الحُسَين (علیه السلام) عن ذكر اسم أبي مروان (الحكم) إلى اسم أمّ أبيه (الزرقاء) في قوله: (يابن الزرقاء)؛ ليذكّره بنسبه وحسبه، قال ابن الأثير: «يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم. وهي الزرقاء بنت موهب جدة مروان بن الحكم لأبيه، وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على ثبوت البغاء، فلهذا كانوا يذمون بها»(3).
يُقصد به ما لا يُلفظ، وإنّما يُستشفّ من اللفظ وهو: عملية تواصلية تؤدي إلى معرفة المواقع التي يقتضيها القصد من الكلام، إذ يعمد المتكلّم إلى اختيار لفظ من دون غيره؛ لأنّه أمضى أثراً بالمتلقي. فلفظة (ابن الزرقاء) التي ذكرها الإمام الحسين (علیه السلام) حملت في ذاتها قوتها الدلالية التداولية؛ لتكون أساساً يُستند إليه في تحقيق القيمة الحجاجية، وأعني بالقيمة الحجاجية «نوعاً من الإلزام في الطريقة التي يجب سلوكها لضمان استمرارية ونمو الخطاب؛ حتى يحقق في النهاية غايته التأثيرية، وتشير من ناحية ثانية إلى السلطة المعنوية للفعل القولي ضمن سلسلة الأفعال المنجزة؛ لتبليغ فكرة ما إلىالمتلقي»(1). فالمقتضى التأثيري للفظة (ابن الزرقاء) نفسيّ يستُمدَّ قوته من المقتضى التداولي ما بين المسلمين لهذه اللفظة، والإمام الحُسَين (علیه السلام) عندما قال ذلك لم يرد فضحه بشيء خافٍ عن النَّاس، بل أراد تذكيره بحقيقة يعرفها الداني والقاصي؛ ليذكّره بمكانته الاجتماعية في منظور المسلمين، أي مَن هو؟ ومع مَن يتكلَّم. وبهذا التوظيف للفظة (ابن الزرقاء) نقل الإمام الواقع من خارج الخطاب إلى داخل السياق القولي؛ ليحقق فعلاً اقتضائياً من قولٍ غير مباشر؛ تمهيداً للوصول إلى النتيجة المبتغاة من القول. وبها حبس مروان في وضعٍ ذهني كان فيه في موقف الضعيف العاجز عن الردّ، لأنَّ هذه اللفظة زعزعت في ذهنه حقيقة، لامراء فيها ولا جدال.
وفضلاً عن ذلك فإنّ الإمام الحسين (علیه السلام) حقق بقوله هذا فعلاً لغوياً غير مباشر، تناسب مع المقام بوساطة قرائن الحال، وهو إنّ الحقّ أن تدعو بالخلافة لسبط الرسول، لا لابن معاوية. وهذا ما يُستشفّ من قول الإمام (علیه السلام) .
1) القيمة الحِجَاجية في النص الإشهاري: 4/280.
نخلص من ذلك إلى أنّ قوة الكلام وتأثيره لا تقتصر على ظاهر اللفظ فحسب، بل يمكن أن تكمن بالتلميح لقولٍ آخر غير مصرّح به؛ لأنَّ النصَّ اللغوي «ضربان: ضربٌ هو نصٌ بلفظهومنظومه...، وضربٌ هو نصٌّ بفحواه ومفهومه»(1). والحاذق الذي يُمازج ما بين الضربين بالكلام؛ «لأنّ المرسل إليه يفهم ما يضمره في خطابه، تماماً مثلما يفهم ما يظهره فيه، فإذا كانت تتجلى كفاءة المرسل التداولية في صناعة الخطاب، فإنّها تتجلى الكفاءة التداولية للمرسل إليه، عند تأويل الخطاب للوصول إلى مقاصد المرسل، وإدراك حججه»(2).
إذن قول الإمام (علیه السلام): (يابن الزرقاء) يقتضي أنّك تنحدر من نسبٍ غير شريف، فكيف تريد بقولك هذا إجبار ابن بنت الرسول المصطفى (صلی الله علیه و آله) على مبايعة رجل سكّير، يُعاقر الخمر، ويلعب بالكلاب والقردة، ليكون خليفة لرسول الله؟! وأنت وغيرك يعرف مكانته بالإسلام، ولا يخفى على كلِّ النَّاس أنّ الرسول (صلی الله علیه و آله) كان يقول في الحسين (علیه السلام) أقوالاً تنمّ عن المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها (علیه السلام)، من ذلك قوله (صلی الله علیه و آله): «حسين منّي وأنّا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبطٌ من الأسباط»(3)، فكأنّ لسان حاله يقول: كيف تريد منّي التنازل عن مكاني الطبيعي، الذي وضعني فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله) لرجلٍ يستحق - على وفق الشرع الإلهي - العقاب لما يغترفه من جرائمتخالف تعاليم الخالق، وتتعارض مع القرآن الكريم؟!! فلا يخفى على النَّاس نور الحقّ، وظلمة الباطل. وإنّ ما تقوله باطلاً شرعاً، وعقلاً، ومنطقاً.
عدل الإمام الحسين (علیه السلام) بردّه على مروان من أسلوب الخبر (لن تقتلني لا أنت ولا هو) إلى أسلوب الاستفهام التقريري؛ ليحقق بذلك دلالات عدّة لايمكن تحقيقها بأسلوب الخبر المباشر؛ لأنّ الاستفهام من أقوى أفعال الكلام الإنجازية المباشرة حجاجياً؛ بوصفه يستمد قوته الحِجَاجية من القصر المضمر فيه الذي يحصر المتلقي في زاوية حجاجية ضيقة، لا سبيل له إلا أن يقرّ بما يريده المحاجج، زد على ذلك أنّ هذا الأسلوب يبعد الخطاب عن احتمالية الصدق والكذب التي في الخبر، ويزيد من درجة التوجيه نحو النتيجة، ليفرض على مروان إجابة محددة، فالإمام بهذا الأسلوب الكلامي حصره بموقفٍ جعله يلازم الصمت، ويقرّ بأنّه لن يستطيع فعل ذلك. وبه ألجمه وشلّ لسانه، فضلاً عن تحقيقه؛ لدلالة نفي القتل، وإقرار مروان بالتكذيب. فلو قال الإمام (علیه السلام): (لن تقتلني لا أنت ولا هو) لأفاد ذلك نفي قول مروان، أما في قوله: (أنت تقتلني أم هو؟) أراد الإمام من مروان أن يجيبه عن سؤاله، فضلاً عمّا في هذا الأسلوب من النفي، ما يدفع مروان إلى أن يُفكّر، ويراجعنفسه، فيجدها في ضيقٍ وحرجٍ، فهو لا يستطيع أن يقول: بلى، أنا أقتلك؛ لأنّه يعلم أنّه لو قال ذلك سيطلب منه الإمام تنفيذ الفعل، وهو في الحقيقة لا يقدر، لذلك لجأ إلى السكوت؛ ليبعد نفسه عن الوقوع في التهلكة. وقد أشار عبد الله صوله إلى ذلك، إذ قال: «إنّ العادة جرت أن المسؤول إذا أطال التفكير في جوابه، يكون ذلك علامة على عدم مجاراته للنسق الذي يريد أن يفرضه السائل عليه»(1)، فكيف بمن يلازم الصمت؟! وهكذا حقق الإمام الحسين (علیه السلام) بهذا العدول من الخبر إلى الإنشاء النتيجة المرجوة. وبهذا الأسلوب البلاغي الحِجَاجي جعل
1) الحِجَاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية: 428.
الإمام (علیه السلام) مروان في موقفٍ حرجٍ. زد على ذلك أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) لايعتمد هذا النوع من الحِجَاج لو لم يكن واثقاً ثقة تامة بما يقوله، فعندما ألقى على مروان هذه الحجّة كان مُدركاً تمام الإدراك أنّ مروان لا يقدر على ردّها، كما أنّ الوليد بن عتبة لا يقدر على ردّها أيضاً. وفضلاً عن ذلك فإنّ الإمام (علیه السلام) بعدوله من الخبر إلى الإنشاء حقق دلالتي التعجب والإنكار، اللذين يلازمان النبرة الصوتية لأسلوب الاستفهام الإنكاري التقريري. وبذا ألقم الإمامُ مروانَ وصاحبه حجراً، وخرج من عندهما من دون أن يرد عليه أحدهما.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذا القول حُذفت منه همزةالاستفهام؛ للثقل، ودلّت عليها (أم) المعادلة، والأصل (أأنت تقتلني أم هو؟).
من الأساليب البلاغية اللافتة للنظر في هذا القول أسلوب التقديم والتأخير، وهو من الأساليب التي حظيت باهتمام البلاغيين، فقد عبّر عنه عبد القاهر الجرجاني بقوله: «ومن أبين شيء في ذلك (الاستفهام بالهمزة)؛ فإنَّ موضع الكلام على أنّك إذا قلت: (أفعلت؟)، فبدأت بالفعل، كان الشكّ بالفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده. وإذا قلت: (أأنت فعلت)، فبدأت بالاسم، كان الشكُّ في الفاعل مَن هو، وكان التردد فيه»(1). وأصل القول - على وفق أصل النظام النحوي: (أ تقتنلني أنت أم هو؟)، قدّم الإمام الاسم على الفعل بعد الهمزة؛ للدلالة على أنّ الشكّ بعدم القدرة على القتل يتعلق بالفاعل والمعطوف عليه (مروان والوليد)، لا بالفعل (القتل). فالإمام (علیه السلام) لم يرد أن ينسب فعل القتل إلى مروان، وإنّما قصد التعريض به؛ ليلزمه بالحجّة، ويبكته بها. هذه أول دلالة حققها
1) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجانيّ: 111.
الإمام (علیه السلام) بتقديم الاسم على الفعل.
ولو أعدنا النظر في القول نجد دلالة أخرى زادت من قوة الحجّة، تكمن هذه الدلالة في تقديم الاسم على الفعل أيضاً، وهي دلالة الاختصاص، أي (أنت خاصة من دون النَّاس؟!)،وتتضح هذه الدلالة بالنبرة الصوتية للقول، وثمّة دلالة ثالثة تحققت بالتقديم والتأخير، وهي دلالة التشنيع. ف«للتقديم والتأخير بالمقياس النحوي وظيفة حجاجية من نوعٍ آخر، وهي أنّه إذا دخل عليه الاستفهام... أفاد التشنيع على الخصوم إفادة لايمكن أن تحصل لو لم يكن لجوء إلى التقديم والتأخير»(1). وكأنّ الإمام أراد أن يقول: لا يوجد قول أشنع من قولك هذا يا مروان، ولا أقبح منه.
نخلص من ذلك إلى أنّ أي تغيير في النظام النحوي للجملة يغيّر في الدلالة النحوية، بما يزيد من قوة الحجّة التي يبتغيها المتكلم.
النفي ردّ فعل على إثبات فعلي. والنفي «ضروري لوصف البنية الدلالية العميقة للملفوظ الذي يبدو غير منفي»(2)
إنّ مروان وصاحبه لا يمتلكان القدرة على قتله، أو إجباره على مبايعة يزيد.
جعلهما في موضع الخضوع، والإذلال، والإذعان. والتسليم.
الانثناء الإجباري عمّا أقدم عليه مروان بن الحكم.
من الأدوات اللسانية التي تربط بين قولين، وتسند لكلَّ قولٍ دوره بشكلٍ متساوٍ؛ ولذا سُمِّيت بالمعادلة، وهي في هذا القول عادلت ما بين مروان والوليد. والغاية منها مدّ ظلال التحقير، والتوبيخ، والاستهزاء إلى الوليد، للفت انتباهه لعظم ما يقدم عليه من أمر يبغض الله عزّ وجلّ.
يُقصد به «أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيُحذف من واحدٍ منهما مقابله؛ لدلالة الآخر عليه»(1)، وهو نوعٌ من الاقتصاد اللغوي، مال إليه الإمام (علیه السلام) في قوله: (أنت تقتلني أم هو؟)، والأصل: (أنت تقتلني أم هو يقتلني؟) فحذف جملة (يقتلني) الثانية لدلالة الأولى عليها؛ للوصول إلى النتيجةالمبتغاة بأقل كلمات.
علل ابن الأثير سبب تسمية الالتفات بشجاعة العربية بقوله: «وإنّما سُمّي بذلك؛ لأنّ الشجاعة هي الإقدام، وذلك أنّ الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لايتورده سواه»(2). وهذا يعني أنّ الالتفات أسلوب خاص، لا يستعمله إلا من كان
واثقاً مِن أنّه حينما يقدم عليه يكون قادراً على ثني الأعناق إليه.
وفي إلتفات الإمام (علیه السلام) إلى تحدّي الوليد بأنّه لن يستطيع قتله، بقوله: (أم هو) أراد تحقيق هذه الغاية - على ما يبدو من القول -، مريداً من ذلك أنّ التحدي لا يقتصر على مروان فحسب، بل يشمل الوليد أيضاً صاحب الولاية والنفوذ في المدينة، وفي ذلك دلالة على شجاعة الإمام، وجرأته في ردِّ خصومه. وبه حقق دلالة الشمول لا الاختصاص.
يتحقق التوجيه بغلق الباب على الطرف الآخر، وسدّ كلّ الثغرات التي تمكنه من الردّ، وهو «من أوكد خصائص النصّ الحِجَاجي... فكلُّ ما فيه يوجّه المتلقي إلى وجهة واحدة دون سواها،وهي نتيجة الخطاب أو غايته القصوى»(1). فالإمام في قوله هذا حصر مروان في وجهة واحدة، وهي إقراره بأنّه هو والوليد لا يقدران على قتله. وهذا التوجيه تحقق باستعمال الأساليب اللغوية والبلاغية التي مرّ ذكرها.
النتيجة من القول - بحسب فهمي - تُقسم على قسمين. ظاهرة يمثلها القسم الثاني من القول، ومضمرة تُستشفّ من القول كلّه.
يمثلها قول الإمام (علیه السلام): «كذبت والله وأثمت»، نلحظ أنّ هذه النتيجة تتألف من فعلين ماضيين (كذب، أثم) أُسندا إلى المخاطَب (مروان) بتاء الفاعل. وفصل بينهما
1) دراسات في الحجاج قراءة لنصوص مختارة من الأدب العربي القديم: 43-44.
الإمام بالقسم (واللهِ)؛ لما في القسم من وقعٍ تهتز له النفوس، وتنقاد له انقياداً، وتلفت أنظار السامعين إلى أهمية ما يُقال، وذكره الإمام؛ لتأكيد القول، وتثبيته في ذهن مروان وصاحبه، «ذلك أنّ القَسَم فعل حجاجي يثبّت القضية ويوجبها، ويُقيم الحجّة على المخاطَب، ويُلزمه بها في الوقت نفسه، ولا يُراد القسم بذاته، وإنّما يُراد لغرض تواصلي، هو دفع المخاطَب إلى الوثوق بكلامالمخاطِب»(1). والقسم أقوى أنواع التوكيد؛ كما أنّ ذكر الله سبحانه وتعالى يُضفي على القول ظلالاً من القداسة، وقوة في المعاني، ويمنحه مصداقية أقوى.
وقد أشرب الإمام الحسين (علیه السلام) القسم في هذا القول معنى التوبيخ؛ باعتماده على تقنية الفصل الحِجَاجي، وتتأسس هذه التقنية على ثنائية الظاهر والحقيقة، ففي الظاهر مروان يدّعي قتل الإمام الحسين (علیه السلام)، لكنَّه في الحقيقة لا يقوى على فعل ذلك.
أراد الإمامُ (علیه السلام) حصر مروان بن الحكم في موقفٍ يجعله لا يستطيع أنْ ينكر أو ينفي أنّه ينحدر من نسبٍ غير شريف، ولا يمكنه الردّ بالمثل؛ لأنّه يعلم علم اليقين أنّ نسب الإمام الحسين أشرف نسبٍ على وجه الأرض، فهو ابن بنت النبي المصطفى (صلی الله علیه و آله) الذي أُرسل رحمة للعالمين، ومروان والوليد ويزيد وغيرهم قد أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم بنعمة الإسلام والهداية برسالة جدّه، فكيف يجوّز له دينه - إن كان مسلماً - قتل ابن بنت النبي؟! كما أنّ في قوله (علیه السلام) إشارة إلى أنّه لا يحلّ لكما قتلي، وانتهاك حرمتي؛ لأنّ بقتلي تجاوزاً على حدود الله جلّ في عُلاه، وانتهاكاًلحرمة
1) الخطاب الحجاجي السياسي في كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة - دراسة تداولية، (أطروحة دكتوراه)،: 248.
رسول الله (صلی الله علیه و آله) . وبات هذا القول عاراً حفظته مصادر التاريخ لنتعرّف على أخلاقيات القوم وهمجيتهم، فبه نعرف أنّ أولئك القوم لا دين لهم، جلّ همهم إرضاء سلاطينهم مقابل مناصب سياسية فانية. والإمام الحسين (علیه السلام) كان يُدرك أنّ وجوده المادي فانٍ، لكنَّ حججه وأقواله باقية، يتردد صداها في المُهج إلى يوم القيامة.
بعد موت معاوية تغيّر المشهد السياسي العربي الإسلامي، فيزيد لم يمتلك حنكة أبيه، ودهاءَه، وسياسته، فما إن جلس على عرش الحكم أخذ يؤرقه الذين رفضوا مبايعته على حياة أبيه؛ فأمر عامله في المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأخذ البيعة منهم قسراً، وهم: الحسين بن عليّ (علیه السلام)، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر(1)، وحصلت بسبب ذلك مشادة كلامية بين الإمام الحسين (علیه السلام) ومروان بن الحكم سيأتي ذكرها. وعلى أثر ذلك شدّ الإمام الحسين (علیه السلام) الرحال من مدينة جده رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى مكة المكرمة، بعدما زار قبر جده، وأبيه، وأمّه، وأخيه الحسن (علیه السلام) وكان له مع الإمام الحسن - وهو في قبره - كلام ذكر فيه حنكة أخيهوسياسته في التعامل مع أعدائه(2)ليلقي به حجّة أكمّت أفواه مَن يعتقدون أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) لم يسر على نهج أخيه الحسن في سياسته بالتعامل مع بني أمية، وإنّه لم يكن راضياً بصلحه مع معاوية، ثمّ التقى بأخيه محمد بن الحنفية، فنصحه ابن الحنفية بالمسير نحو اليمن؛ ليكون بمأمن من الأمويين وأذنابهم، فجزّاه الإمام
الحسين (علیه السلام) خيراً وافترقا، ثم كتب إليه الإمام الحسين (علیه السلام) بكتابٍ أوصاه فيه بالبقاء في المدينة، وقد مرّ بيان ذلك في المبحث الأول من الفصل الثاني، وما إن وصل مكة البلد الآمن توافدت عليه رسل الكوفيين وكتبهم، ما ملأ خرجين يدعونه فيها إلى القدوم إليهم؛ ليكون إماماً عليهم، فكتب إليهم بكتاب مع قيس بن مسهر الصيداويّ(1)، وآخر مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وأخبرهم بأنّه مُرسِل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل؛ ليعلم كنه أمرهم، ويكتب إليهما يتبين إليه من اجتماعهم(2)
رسائل العرب: 2/73.
، وفي الوقت نفسه أرسل بكتابٍ إلى أهل البصرة مع مولاه سلمان، يدعوهم فيه إلى إحياء كتاب الله، وسنة نبيه، وإطاعة أمره(3)ليعلن موقفه الصريح والواضح من السياسة الأموية الجديدة، ورفضه القاطع لتولي الحكم لصبيّ يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب؛ ليلقي عليهم الحجّة، ويوصل رسالته إلى الأجيال؛ لتكون حجّة الحجج.لقد مثّلت المسيرة الحسينية من المدينة إلى كربلاء حملة إعلامية؛ لفضح السياسة الأموية، وقائدها السكيّر الخميّر، فالحسين (علیه السلام) بمسيره هذا أراد إنقاذ النّاس من
1) اُنظر: جمل من أنساب الأشراف: 3/378؛ وتاريخ الطبري: 5/395، والإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/70؛ والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن مُحمَّد المعروف بابن الجوزي (ت597ه-)، دراسة وتحقيق مُحمَّد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، راجعه وصححه نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1412ه- - 1992م): 5/328؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/80-81.
2) اُنظر: تاريخ الطبري: 5/353؛ والإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/39؛ و مناقب آل أبي طالب: 3/98؛ وبحار الأنوار: 44/334؛ وجمهرة
3) اُنظر: تاريخ الطبري: 5/357؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/75-76.
الغرق في ظلمات الضلال، داعياً إياهم إلى الالتحاق بركبه، وبالفعل قد أسقطت هذه الحملة الإعلامية عروش الظالمين وفضحتهم إلى الأبد، متمثلة بأفعاله، وخطبه، وكتبه، وأقواله.
فعندما عزم الإمام الحسين (علیه السلام) على الخروج من مكة إلى العراق بعدما وصلته رُسل أهل الكوفة وكتبهم نصحهبعض أصحابه والمقربين منه بأن لا يأمن الكوفيين؛ بوصفهم أهل غدرٍ لا أمان لهم، وإنّهم عبيد الدرهم والدينار، وعندما عَلِمَ ابن عباس أنّه عازم على الخروج قال له: «فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فو الله إنّي لخائفٌ أن تُقتل كما قُتل عثمان ونساؤه، وولده ينظرون إليه»(1).
وتظاهر عبد الله بن الزبير بأنّه من الناصحين للإمام الحسين (علیه السلام)؛ فدعاه إلى أن يُقيم بمكة، ويجمع من حوله النّاس، فأجابه الإمام قائلاً: «إنّ أبي حدثني أنّ بها كبشاً يستحل حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش»(2)، وروى رجل كان يطوف بالكعبة أنّه سمع عبد الله بن الزبير يُنادي الإمام الحسين (علیه السلام) ويسرّه بشيء، فالتفت الإمام (علیه السلام) إلى النّاس وقال: «أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلنا الله فداك! فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك النّاس، ثمّ قال الحسين: والله لأن أُقتل خارجاً منها بشبرٍ أحبُّ إليّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبرٍ، وأيم الله لو كنت في جُحْرِ هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم، والله ليَعتدُنَّ عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت»(3).
فالإمام (علیه السلام) بقوله هذا أراد أن يشير إلى نتيجة مضمرة، هي إنّي مقتول مُمَثَّل بي أينما كنت، ويمكن توضيحها بالسلم الحِجَاجي الآتي:
النتيجة (أنا مقتول مُمَثَّل بي أينما كنت)
(ح3) والله ليَعتدُن عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت
(ح2) وأيم الله لو كنت في جُحْرِ هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم
(ح1) والله لأن أُقتل خارجاً منها بشبرٍ أحبُّ إليّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبرٍ
فهذا الكلام المقتضب مثّل مفتاح اللغز المحيّر الذي لم تستطع العقول فكّ طلاسمه، فالقول الأول: (والله لأن أُقتل خارجاً منها بشبرٍ أحبُّ إليّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبرٍ) ذكر فيه السبب الذي يدفعه إلى الخروج من الكعبة؛ لأنّ الكعبة ليست بناءً يُهدُّ ويُبنى فهي بيت الله الحرام، فأراد الإمام الحسين (علیه السلام) من هذا القول التلميح إلى ما نقله عن أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام): (إنّ بها كبشاً يستحل حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش)، الذي ألمح فيه إلى أنّ ذلك الكبش هو عبد اللهبن الزبير، وقد أثبت التاريخ لنا ذلك(1)، وفضلاً عن ذلك ألقى به الحجّة على النّاس؛ بأنّ بني أمية لا دين لهم، وهم لا يقلّون فسقاً عن أبرهة الحبشي في حجّة مضمرة منه إلى دعوة النّاس إلى جهاد هؤلاء الفَسَقة.
أمّا قوله (علیه السلام): (وأيم الله لو كنت في جُحْرِ هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم) ففيه إشارة إلى علمه بأنّ بني أمية لا يقبلون منه إلا مبايعة يزيد،
1) هدم عبد الله بن الزبير الكعبة بعدما مال جدارها بسبب ما رُميت به من حجارة منجنيق الجيش الأموي. اُنظر: البداية والنهاية: 11/691.
ومبايعة يزيد تعني الخروج عن ملّة محمد (صلی الله علیه و آله)، وهذا ما يأباه الإمام الحسين (علیه السلام)، إذن النتيجة ستكون قتله، والتمثيل به، وقد بيّن ذلك بقوله اللاحق: (والله ليَعتدُن عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت) وفي قوله هذا أراد أن يقرّب الصورة إلى أذهان متلقيه، فعمد (علیه السلام) إلى التشبيه بالاستناد إلى القصص القرآني؛ إذ أشار الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز إلى أنّ الله (عزوجل) أمر اليهود أن يتركوا أعمالهم في يوم السبت ويجعلونه يوم عبادة، فشاء الله تعالى أن يختبرهم بتكاثر الأسماك في هذا اليوم، وندرتها في الأيام الأُخر فاصطادوها متجاوزين على أمر الله تعالى،فعاقبهم على فعلهم هذا؛ إذ مسخهم قردة(1)، وكانت غاية الإمام (علیه السلام) من هذا التشبيه تكثيف حضور الفكرة في ذهن المتلقي؛ والتشبيه من العناصر المهمة والفعّالة في الخطاب الحِجَاجي، وجزءاً لا يتجزأ من بنية النصّ الحِجَاجية، ووسيلة حجاجية يتوجه بها المحاجج إلى عقل المتلقي؛ لينقله من الحالة التصويرية إلى الإقناع، كما إنّ استناد الإمام الحسين (علیه السلام) إلى المعنى القرآني في الخطاب أسهم في تقوية الحجّة، وزاد من قوة حضور الفكرة في ذهن المتلقي.
ومن أوجه الشبه بين الإمام (علیه السلام) ويوم السبت عند اليهود: (القدسية، الابتلاء، تجاوز النّاس على أمر الله تعالى، بارتكاب الجرم فيهم، العقوبة الإلهية الفورية).
وقد أكثر الإمام الحسين (علیه السلام) في كلامه هذا من التوكيدات: فالحجّة الأولى ابتدأها بالقسم، ولام التوكيد، والحجّة الثانية ابتدأها بالقسم، والحجّة الثالثة ابتدأها بالقسم ولام التوكيد، وأردفهما بنون التوكيد. وممّا يُلحظ على هذه الحجج أنّ كلّ
1) اُنظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازي، مؤسسة البعثة، بيروت، الطبعة الأولى (1413ه-): 1/228.
واحدة منها مبدوءة بالقسم، والقسم أسلوب إنشائي يُؤتى به؛ لتوكيد الخبر وتثبيته في ذهن المتلقي؛ ليدفع عنه الشكّ والظنّ، «ويقصد المرسل باستعمال أنواع من التوكيدات إلى إثبات حججه، وأمّا التكثيف في الاستعمال فيهدف به المرسل إلى لفت انتباه المتلقي والتأثير فيه؛ لاستمالته عند تقديم حججه»(1)، وليست الغاية من هذه التوكيدات وتكراراها تثبيت الخبر في ذهن المتلقي، ودفع الإنكار عنه فحسب، بل تردد القسم بالكلام يُضفي فخامة على المعاني، كما يضفي على الكلام جوّاً من القداسة(2)، فالإمام الحسين (علیه السلام) كان يعلم علم اليقين بالمصير الذي سيلاقيه بخروجه إلى العراق؛ ممّا دفعه ذلك إلى أن يُسلّط الضوء إعلامياً على ما آلت إليه أمور الدولة الإسلامية، من انحطاط ديني وأخلاقي، في كلِّ مجالات الحياة تحت عباءة الدين؛ لئلا تعتقد الأجيال أن بني أمية كانوا يمثلون الإسلام والمسلمين، ولهذا هاجر من مدينة جدّه إلى مكة، ومنها إلى العراق، ماراً بأكبر قدرٍ من منازل المسلمين؛ ليلقي عليهم الحجّة بدعوته إياهم إلى محاربة الأمويين وأتباعهم، بحسب ما تبين الخريطة الآتية(3):
وبعد استشهاده (علیه السلام) أكملت الحوراء زينب (علیها السلام) هذه الحملة الإعلامية من كربلاء إلى الشام.
عندما عزم الإمام الحسين (علیه السلام) على المسير بأطفاله، ونسائه، وأهل بيته، وبعض أصحابه مع أسرهم وأطفالهم كان النّاس في حيص بيص، لا يعرفون غايةالإمام من الخروج إلى حربٍ خاسرة، وما حكمته في ذلك؟! فخطب فيهم هذه الخطبة:
«الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم. خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنِّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشاً، جُوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين؛ لن تشذَّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرُّ بهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاءِ الله نفسه فليرحل معنا، فانِّي راحل مصبحاً إن شاء الله»(1).
في الوقت الذي بيّنت فيه هذه الخطبة سبب خروج الإمام الحسين (علیه السلام) إلى العراق، مصطحباً نساءه وأطفاله، ألقت الحجّة على من يروم الالتحاق بالرفيق الأعلى، ويخلد مع الرسول (صلی الله علیه و آله) في جنان الفردوس، وأثبت التاريخ أنّ هذه الخطبة كان لها وقع في نفوس أهل بيته (علیهم السلام)، وبعض أصحابه (رضي الله عنهم). فهذا العرض المغري في ملاقاة الرسول (صلی الله علیه و آله)، والعيش معه إلى الأبد في جنان الخلد به حاجة إلى ثمنٍ غالٍ يناسبه، وبخطبته هذه بيّن الهدفوالغاية من ترك مكة البلد الآمن، قاطعاً رمال الصحراء بحرِّ الصيف إلى أرضٍ عُرِفَ أهلها بالشقاق والنفاق، والغدر والحيلة، وعِبادة الطاغوت، فالإمام (علیه السلام) لم يطلب السلطة والإمارة، وإنّما خرج لطلب الإصلاح في أمّة جده؛ لتبقى هذه الخطبة حجّة على مدى التاريخ، وصرخة مدوية في سماء الإنسانية؛ تقرع الآذان لردِّ تهم من اتهموه بأنّه كان طالب الدنيا بخروجه على إمام زمانه، فقُتِلَ بسيف جدّه.
1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 86؛ واُنظر: مقتل الحسين: 2/5-6؛ والملهوف على قتلى الطفوف: 57؛ وكشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/39؛ وبحار الأنوار: 44/366-367.
(لا حول ولا قوة إلا بالله) ابتدأ خطبته بتقليص الإمكانات الحِجَاجية، حاصراً كلَّ شيءٍ بمشيئة الله تعالى، فالحول والقوة مقتصرة على الله تعالى، ومحصورة به سبحانه من دون غيره؛ ليزيد من الطاقة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة النهائية المرجوّة من الخطبة، (من كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاءِ الله نفسه، فليرحل معنا؛ فانِّي راحل مصبحاً إن شاء الله)؛ «لأنّ وحدات البداية هي أهم ما يقرع الأذهان المتلقية، ويحدد درجة القبول، أو الرفض للتصور المتقدم»(1).
(خُطَّ الموت) حذف الفاعل (الله (عزوجل))، وأناب عنه المفعول به (الموت)؛ لأنّ الموت مثّل قطب الرحا الذي دارت حوله التساؤلات، لماذا الإمام الحسين (علیه السلام) يلقي بنفسه وعياله، وخيرة أصحابه بمطحنة الموت، ولم يرضَ بالحياة بمبايعة يزيد، كما فعل النّاس؟! فجاء هذا القول جواباً عنتساؤلاتهم الظاهرة والمضمرة، وحوله دارت الخطبة. فبه الحياة الأبدية مع الأنبياء، والأولياء في جنان الخلد، وهو الخطّ الفاصل بين الكرامة والذلّة؛ ولذا نجد أنّ «الاهتمام منصبٌ على نوع الحدث؛ أي التركيز على عنصر الموت من دون مسببه وهذا ما لا يتحقق فيما لو صيغ التعبير على الأصل - بنائه للمعلوم - لأنّه عندئذ سيتقاسم الاهتمام الحدث والمحدث فيتشتت تبعاً لذلك عنصر الاهتمام»(2).
(خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة) تشبيه حُذفت منه أداة التشبيه؛ لتقريب صفات المشبه من صفات المشبه به، وعمد الإمام الحسين (علیه السلام) إلى هذا اللون البياني؛ لما فيه من قوة حجاجية كبيرة، فهو يُقرّب المسافات بين المعاني العقلية المجردة والمعاني المحسوسة؛ ليوصل به حجته إلى ذهن المتلقي فيدرك المتلقي
من خلاله مقاصد الإمام (علیه السلام)، فبه أراد الإمام (علیه السلام) نقل ذهن المتلقي من الصورة العقلية المجردة إلى التفكير في الصورة الحسيّة المشاهدة في الواقع، وهي إنّ الموت محيطٌ بالإنسان إحاطة القلادة بجيد الفتاة، وغايته من تشبيه المعنى العقلي بالمعنى الحسي تكثيف حضور الفكرة في ذهن المتلقي؛ ليتحوّل عنده المعنى العقلي إلىمعنى حسيّ، يؤدي إلى الإقناع، والحجّة المضمرة في هذا الشبيه: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ»(1)، فالموت حقيقة واقعة، لا مراء فيها، ولا جدال، لا يشك فيها المتلقي، وذكره في هذا المقام له طابع حجاجي.
(وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف) عقد فيه مماثلة بين علاقتين؛ إذ شبّه ولهه إلى أسلافه باشتياق يعقوب إلى يوسف (علیه السلام) من دون أن يحدد وجه الشبه الذي يربط بين ولهه إلى أسلافه (صلوات الله عليهم أجمعين)، وذاك الاشتياق، بل تركه مطلقاً، والغاية الحِجَاجية من هذا الإطلاق دفع المتلقي إلى البحث عن أوجه الشبه الكامنة بين طيات هذه الصورة التمثيلية، فيذهب به الخيال إلى قصة يعقوب ويوسف (علیهما السلام) ويستحضر القصة كاملة في ذهنه، ثمّ يبحث من خلالها عن أوجه الشبه التي تربط بين وله الإمام (علیه السلام) إلى أسلافه، واشتياق يعقوب إلى يوسف (علیهما السلام)؛ ليلتقط المتلقي وجه الشبه بتأملٍ وتأنٍّ، ثم يُدرك الحكمة من هذا الوله، فيتعرّف على غاية الإمام من عزمه على ملاقاة الموت، بدلاً من الهروب منه.
وبهذا التمثيل أشرك المتلقي معه في الخطاب بجعله يتوصل إلى النتيجة بنفسه، والمتلقي بتوصله إلى النتيجة بنفسه يكون أكثر إدراكاً لها، وأقوى اقتناعاً بها،وهكذا أوصل الإمام (علیه السلام) من خلال هذه الحجّة التمثيلية الفكرة التي كانت تجول بخاطره إلى من كان يلومه على شدّ الرحال إلى الكوفة؛ ليتأسّوا به؛ فيسيروا بركابه، ويودعوا
1) سورة النساء: آية78.
حياة الذلّ والهوان، وبهذا الأسلوب ألقى الإمام حجته عليهم.
وهذا اللون من الحِجَاج (التمثيل) يمثّل حجّة أقوى من حجّة التشبيه؛ بوصفه يجعل تلك الحجّة حاضرة في ذهن المتلقي، فيكون أكثر استعداداً إلى تقبلها، وقد أشار بيرلمان إلى ذلك؛ إذ قال: «هو طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة المستهلك، حيث لا يرتبط التمثيل بعلاقة المشابهة دائماً، وإنّما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة»(1). لكن لا حياة لمن يُنادي، فقد صمّوا آذانهم، وأكموا أفواههم، متجاهلين قول الرسول (صلی الله علیه و آله): «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَ فِيهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»(2).
ومن اللافت للنظر في هذا التمثيل أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) عدل به عن سنن البلاغيين، التي ترى أنّ وجه الشبه ينبغي أن يكون أظهر وأقوى في المشبه به، إذ إنّ الوله أقوى دلالة من الشوق(3)
بلاغية، (رسالة ماجستير): 21.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّالإمام الحسين (علیه السلام) أخذ من شوق يعقوب إلى يوسف «شدة الشوق، أمّا نوع الشوق فمختلف؛ لأنّ اشتياق يعقوب إلى يوسف كان في الدنيا، في حين أنّ اشتياق الإمام الحسين (علیه السلام) إلى أسلافه كان اشتياقاً للآخرة، وفضلاً عن ذلك فإنّ اشتياق يعقوب إلى يوسف»كان من السلف إلى الخلف فهو اشتياق فطري غريزي، في حين كان اشتياق الإمام الحسين (علیه السلام) إلى آبائه (صلوات الله عليهم) يتجه من الخلف إلى السلف(4)قضاياه الفنية والمعنوية، (رسالة ماجستير):: 96.
، وفي ذلك نكتة بلاغية هي أنّ الإمام أراد أن يصل فكرة مفادها: إنّ ولهي إلى أسلافي أشدّ من اشتياق يعقوب إلى يوسف».وفضلاً عن ذلك، فإنّ استناد الإمام (علیه السلام) إلى القصص القرآني في الخطاب يُسهم في تقوية الحجّة، وإن كان بأسلوبٍ غير مباشر.
(خُيّرَ لي مصرعٌ) الفاعل محذوف؛ للعلم به، وهو الله سبحانه، وفيه تلميحٌ إلى أنّ الموت الذي هو ذاهبٌ لملاقاته لم يكن من قرارة نفسه، وباختيار منه، وإنّما فيه بلاءٌ واختبارٌ من الله سبحانه وتعالى، فإذا قَبِلَ بتلك الحال التي اختارها إليه ربّه التي أكدتها المرويات، وأرباب المقاتل الحسينية أعطاه الله تعالى مراده بملاقاة أسلافه، والعيش معهم هو ومن يسير بركابه، وإن لميتجاوز ذلك الاختبار، وقَبِلَ بحياة الذلِّ والهوان فلن يكون سيداً لشباب أهل الجنّة، وبهذا الاختبار حجّة من الله (عزوجل) لبني البشر، هي إنّه سبحانه وتعالى لا يُعطي شيئاً من دون مقابل، وإن كان لابن صفيه وخيرة خلقه.
(أنا لاقيه) فيه دلالة على استعداد الإمام (علیه السلام) لتقبل هذا الابتلاء، كما إنّ في تقديم الفاعل (أنا) على عامله (لاقيه) دلالة على الاختصاص والقصر، والإخبار بأنّه (علیه السلام) ملاقٍ هذا المصير، وكأنّي بلسان حاله يقول: إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني، ثمّ راح يصوّر للنّاس الحال التي سيلاقيها (كأنِّي بأوصالي يتقطَّعها عُسْلان الفلوات بين النواويس وكربلا) صوّر الإمام (علیه السلام) الحال التي يكون عليها عندما يلاقي جيش عبيد الله بن زياد؛ ولكي تكون الصورة أقرب إلى ذهن المتلقي استعار لفظة (عسلان) لهذا الجيش، - والعسلان صفة تُطلق على حركة الذئاب(1)-؛ ليُبيِّن بهذه الاستعارة الصفات التي كان يتصف بها ذلك الجيش من غدرٍ، وشراسةٍ، ووحشيةٍ، فضلاً عن سرعة الحركة والتوجيه نحوه؛ وذلك لأنّ تلك الصفات من سمات تلك الحيوانات، فمن خلال هذه الاستعارة استطاع
1) اُنظر: لسان العرب: مادة (عسل): 11/444.
الإمام أن يرسم صورة حسية؛ لتكون أقرب إلى ذهن المتلقي من الصورة المجردة للجيش الذي يزحف نحوه بعد خروجه؛ليضع النّاس من حوله أمام حقيقة لا مراء فيها، وهي إنّه مقتولٌ، مسلوبٌ، مُمَثَّلٌ به؛ ليلفت من خلالها نظر المتلقي إلى تلك الصورة المؤلمة والحزينة، التي خُطت بالقلم؛ وليرسم بها الحال التي سيكون عليها الإمام (علیه السلام) ومَن يتبعه، وهي إنّهم سيتعرضون إلى الافتراس بشراسة، ووحشية، وهمجية، وقرن هذه الاستعارة ب-(الفلوات)، ويُقصد بها «الأرض اليهماء التي لا يُهتدى فيها لطريق»(1)ليضفي صفة أخرى على الجيش الزاحف،بأنّهم حيوانات بشرية سائرة وراء غرائزها، تستمد عقائدها ومفاهيمها من الصحراء لاتعي الحقّ ولا تعرف الباطل، وهذا الوصف جاء متناسباً مع الفعل المضارع (يتقطَّعها) المضعّف الطاء؛ لما «يختزنه هذا الفعل من مثير بصري صادم، يتجلى حركياً خلال تقطع الأوصال بالاتجاهات جميعها؛ بغية تمزيقها، وربّما كان ذلك كافياً لإصعاق المتلقي وإدهاشه، وبهذا يظهر أثر العنصر الحسيّ وقوة إيحاءاته، وما يثيره من مشاعر»(2)
قضاياه الفنية والمعنوية، (رسالة ماجستير):: 229.
، وبهذه الاستعارة استطاع الإمام (علیه السلام) أنّ يرسم صورة ما سيلاقيه هو والأسرة الزاحفة معه من تقتيلٍ، وسلبٍ، وسبي، ووحشيةٍ، ونحو ذلك؛ ليكون ذلك ثمناً للقائهم بالنبي الخاتم (صلی الله علیه و آله)، وخلودهم معه؛ لئلا يظنَّ النّاس أنّه بخروجه إلى الكوفة كان طالباً دنيا.ولو قال الإمام (علیه السلام): كأنِّي بأوصالي يتقطَّعها جيش الكوفة بين النواويس وكربلاء، لم يتوصل المتلقي إلى الصورة الوحشية التي مرّ ذكرها؛ إذ إنّ هذه الاستعارة جعلته يربط بين صفات ذلك الجيش والصفات التي مرّ ذكرها لتلك
الحيوانات، بل جعلتْ تلك الصورة الاستعارية المتلقي ينظر إلى جيش الكوفة بوصفهم حيوانات على وجه الحقيقة لا المجاز؛ ولهذا عمد الإمام (علیه السلام) إلى هذه الاستعارة؛ لثقته البالغة بأنّها أبلغ من الحقيقة في هذا السياق، وهكذا ظهرت القيمة الحِجَاجية للاستعارة في هذا الخطاب، وكان لها الفضل الكبير في إبراز معانٍ خفية قد كشفت عن كنهها. وأضاف إلى هذه الصورة الاستعارية صورة استعارية أخرى، وهي قوله: «فيملأن مني أكراشاً(1)جُوفاً وأجربة(2)سغباً(3)» ويرى ميثم قيس أنّ المراد من ذلك:إنّها «بطون فارغة، كأنّها كيس فارغ ليس فيها ما يسد حاجتها، وتصوّر هيأة الذئاب الجائعة، كيف يكون حالها حينما تنقضّ على فريستها»(4)، وذهب موسى خابط إلى أنّها أكياس جائعة(5)
قضاياه الفنية والمعنوية، (رسالة ماجستير): 229.
، والذي أراه أنّ المراد من هذه الاستعارة التمثيلية أنّ الإمام (علیه السلام) أراد أن يصوّر للناس الطريقة الوحشية التي سيتبعها ذلك الجيش مع الإمام (علیه السلام)، وأهل بيته وعياله، فبعدما ينقضّون عليهم يمزقون أوصالهم، ويقطّعونهم، وينثرون أشلاءهم على مساحة من الأرض، واستعار عن هذه الدلالة المعنوية بدلالة حسية تمثيلية، متمثّلة في الوحشية والشراسة في التعامل مع الإمام (علیه السلام) وأهل بيته، وخيرة أصحابه (صلوات الله عليهم أجمعين)، وهذه الاستعارة تثير الرعب في نفس الملقي؛ لما يحمله الذئب، أو الثعلب في الخيال العربي1) «كَرِشُ الرجلِ عيالُه من صغار ولدِه، يقال: عليه كَرِشٌ منثورة؛ أَي صبيانٌ صغارٌ وبينهم رَحِمٌ كَرْشاءُ؛ أَي بعيدةٌ وتزوّجَ المرأَةَ فنَثرت له كَرِشَها وبطْنَها؛ أَي كَثُرَ ولدُها». لسان العرب: مادة (كرش) 6/339.
2) «والجريب: قدر ما يزرع فيه من الأرض...والجمع: أجربة وجربان». المصدر نفسه: مادة (جرب)1/259.
3) وسبغ الشئ يسبغ سبوغاً: طال إلى الأرض واتسع. اُنظر: المصدر نفسه: مادة (سبغ)8/432.
4) نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة بلاغية، (رسالة ماجستير):: 34.
5) أدب الإمام الحسين (علیه السلام)
–آنذاك - من غدرٍ وشراسةٍ، وفتكٍ، وضراوةٍ، ووحشيةٍ، وأراد الإمام (علیه السلام) من هذه الاستعارات رسم الصورة التي سيكون عليها بعد خروجه إلى العراق، فمن أراد اتّباعه عليه أن يعدّ نفسه إلى هذا المصير؛ لتؤول عاقبته إلى ملاقاة الرسول محمد (صلی الله علیه و آله)، لكن الحقيقة إنّ الوحشية التي شهدتها واقعة كربلاء «ليس لهاشبيه حتى بين أشد الوحوش ضراوة، وكلمة (وحشية) لا تفيها حقها من الدلالة عليها، فقد فاقت الوحشية بمراحل، وتقدمت على الدموية بخطوات، وصار لزاماً أن يوجد تعبير يلائمها، لكن العقل البشري الذي وضع لكلِّ مظهر حدوداً قصوى في الفعل والتعبير عن هذا الفعل، ولكلِّ موقف أقصى ما يلائمه من كلمات تدلل عليه، لم يستطع تخطي تعبيري الوحشية، والهمجية، مع أن الواقعة كانت تتخطاها بمراحل شاسعة»(1)، وذِكْرُ الفاء يدلُّ على التقارب بين الأحداث، فلا مهلة، أو تراخٍ زمني في الحدث، وهذا يدلّ على السرعة في الإنجاز.
وممّا يلفت النظر في هذا القول أيضاً أنّ «تقديم الجار والمجرور (منّي) على المفعول به (أكراشاً)، الذي وصف ب- (جوفاً)، والغرض هو العناية والاهتمام بالجار والمجرور أكثر من عنايته ب- (أكراشاً)... فلو قدّم الإمام (علیه السلام) المفعول به (أكراشاً) على الجار والمجرور؛ لأصبح المفعول به أكثر أهمية من المتعلق الذي تأكدت أهميته، ومدى عناية الإمام (علیه السلام) به»(2).
(لا محيص عن يوم خطَّ بالقلم) تلميحٌ إلى ما أخبر بهجبرائيل (علیه السلام) جدّه
المصطفى (صلی الله علیه و آله) بما سيلاقيه ولده الحسين (علیه السلام) بأرض كربلاء(1).
(رضا الله رضانا أهل البيت) رضا الله سبحانه = رضانا أهل البيت، و رضانا أهل البيت = رضا الله تعالى، فأراد الإمام (علیه السلام) أن يقول: إنّ كلَّ ما يُرضي الله (عزوجل) نحن به راضون، وما يرضينا يُرضي الله تعالى، فأهل البيت (علیهم السلام) هم الأنموذج الذي يجب على كلِّ مسلم الاقتداء به؛ لما امتازوا به من شجاعة، وإقدام، وقوة إيمان، وخوف على الدين، رافضين الضيم، والذلَّ، والهوان، فالمقام في هذه الخطبة مقام تأسٍ، واقتداء. وعَرَّفَ أوليفي روبول الأنموذج بأنّه «المثال الذي يظهر بمظهر يستوجب تقليده»(2)، والحجّة من ذلك أنّ المنطق العقلي لا يجوّز له مبايعة يزيد؛ لأنّ الله تعالى لن يرضى عليه إن وضع يده بيد فاسق سكّير.
(نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين) ربط هذين القولين ارتباط السبب بالنتيجة بالرابط (الواو)، فالغاية من الصبرعلى البلاء الحصول على الأجر، وأي أجر فهو أجور الصابرين؛ ليتوصّل الإمام (علیه السلام) من ذلك إلى النتيجة (لن تشذَّ عن رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس) والنفي في هذه النتيجة عامل حجاجي، حصر الإمكانات الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة النهائية، وساعد المتلقي في تحديد دلالة المراد من الكلام، وردّ حجج من يدعونه إلى الخروج عن ملّة جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) بمبايعة يزيد، فالإمام (علیه السلام) لو بايع يزيد لصار الرسول (صلی الله علیه و آله) كاذباً - حاشاه - في أقواله التي خصّه بها من جهة، ولأعطى ليزيد الفاسق الشرعية بخلافة
1) اُنظر: مسند أبي يعلى، أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي، تحقيق حسين سليم أسعد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى (1404ه- - 1984م): 6/129؛ وصحيح ابن حبان، أبو حاتم محمد ابن حبان بن أحمد التميمي (ت354ه-)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية (1414ه- - 1993م): 15/142؛ والبداية والنهاية: 11/670- 675.
2) دراسات في الحجاج: 62؛ نقلاً عن: مدخل إلى الخطابة، أوليفي روبول، المطابع الجامعية الفرنسية، فرنسا، الطبعة الثانية (1994م): 186.
رسول الله (صلی الله علیه و آله) من جهة أخرى.
(تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ ويُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ) (تَقَرّ) كناية عن فرح رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وسعادته، وسروره، وبشراه. (يُنْجَز) كناية عن الوفاء بالوعد.
(مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِيْنَا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّنَاً عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ) كناية عن إعداد العدّة والاستعداد للفداء والشهادة (1)، وممّا يُلحظ أنّ الإمام (علیه السلام) في هذا القول قدّم متعلق شبه الجملة - الجار والمجرور - (فينا) على المفعول به (مهجته)، والجار والمجرور (على لقاء الله) على المفعول به (نفسه)؛ للدلالة على الاختصاص.لقد اعتمد الإمام (علیه السلام) على هذا الأسلوب الحِجَاجي الكنائي في هذه الأقوال الأخيرة؛ لأنّ المعنى الذي يفهمه المتلقي من قصد الإمام (علیه السلام) بعد تدّبرٍ وتفكّرٍ، يكون أقوى تأثيراً، وأكثر إقناعاً من المعنى الصريح؛ فالإمام بأسلوبه هذا أراد إشراك المتلقي في العملية الحِجَاجية؛ لأنّ الكناية تجعل المتلقي يقوم بعملية ذهنية عقلية؛ لإدراك العلاقة الدلالية التلازمية ما بين المعنى السطحي الظاهر (المكنى به)، والمعنى الخفي الذي يريد المحاجج التوصل إليه (المكنى عنه)؛ ممّا يجعل المتلقي يتوصل إلى الفكرة التي يريدها الإمام (علیه السلام) بنفسه، وهذا التوصّل يجعل تقبل الحجّة، والاقتناع بها أقوى من التصريح.
وكلّ ما في النصّ من حجج، ووسائل تأثير، وإثارة، وصور إنّما أراد منها الإمام (علیه السلام) توجيه المتلقي إلى النتيجة (فليرحل معنا فانِّي راحل مصبحاً إن شاء الله). أي: أدعوكم إلى أن تتأسوا بي في اختيار الموت بعزٍّ، وشرفٍ، وكرامةٍ بدلاً من العيش بالذلِّ، والهوان، والخنوع لبني أمية، فالحاجة إلى الرحيل باتت ملحّة فلا مجال فيها للتخاذل. وهذه هي النتيجة المرجوة من الخطبة برمّتها، وممّا يُلحظ أنّ
1) اُنظر: نَثْر ُالإمَامِ الحُسَيْن (علیه السلام) دِرَاسَةٌ تَحلِيليَّةٌ في جَمَاليةِ بِنْيَةِ النَّصِ، حيدر محمود (أطروحة دكتوراه)، جمهورية العراق، جامعة البصرة، كلية التربية، قسم اللغة العربية (1433ه- -2012م): 123.
قرار الرحيل لم يكن باختيار الإمام (علیه السلام)، وإنّما كان اضطراراً، فالكريم متى تعرض للذلِّ يهجر الدنيا بما فيها.
وإذا أردنا أن نرتب حجج هذه الخطبة على وفق السلّم الحِجَاجي تكون فيه الكناية أقوى الحجج، تليها الاستعارة، فالتمثيل، ثم التشبيه.ومن المقدمات الحِجَاجية التي استند إليها الإمام (علیه السلام) في هذه الخطبة:
الحقائق، ممثلة بحقيقة الموت.
الأنموذج: (أهل البيت).
القيم: فالإمام (علیه السلام) بخروجه إلى أرض العراق أراد المحافظة على القيم النبيلة التي أكدها الدين الإسلامي، فالقيم الدينية والدنيوية لا تسمح له بأن يضع يده بيد فاسق، وهو ابن النبي محمد (صلی الله علیه و آله)، وابن الوصي عليّ (علیه السلام)، وابن فاطمة سيدة نساء العالمين (علیها السلام)، وسيد شباب أهل الجنّة، وخامس أهل الكساء.
فالدين، والعدل، والأخلاق، وابن بنت النبي أولى بالاتباع من حبّ الدنيا، ومناصرة الظلمة، والخنوع لحكم الفسقة، فالأولى بالمسلمين أن يتبعوه، ويناصروه في القضاء على آفة الفساد التي ألقت بظلالها على الأمة الإسلامية.
ويرى بيرلمان أنّ القيم عناصر حجاجية جاهزة؛ بوصفها موضع اتفاق بين المحاجج والمتلقي، وعليها مدار الحِجَاج، ويعوّل عليها في جعل المتلقي يذعن لما يُعرض عليه من آراء، ويستند إليها المحاجج؛ ليحمل المتلقي على القيام بأفعال معينة، أو يستدعيها؛ لتبرير بعض الأفعال؛ ليضمن قبولها من الطرف الآخر(1)
Traite De I Argumentation, Op.Cit,P99-102,4em ED.
.ونخلص من ذلك إلى أنّ الإمام الحسين (علیه السلام):اعتمد على عوامل عدّة زادت من القوة الحِجَاجية للنصّ، متمثلة في الصور
1) اُنظر: مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة: 2/194. نقلاً عن:
الحِجَاجية البيانية (التشبيه، والتمثيل، والاستعارة، والكناية)؛ لما امتازت به هذه الصور الحِجَاجية من مقدرة «على التقريب بين عنصرين من نظامين مختلفين مع محاولة جاهدة لطمس ما بينهما من فروق»(1)لما فيها من بلاغة، وقوة إقناع، فضلاً عمّا في هذه الخطبة من تناغم في الأفكار، وحسن التخلص من فكرة إلى أخرى، وهذا الأسلوب الحِجَاجي يؤكّد بما لا يقبل الشك أنّ كلَّ ما موجود في هذه الخطبة محكم النسج، ومنتقى بدقّة في التوجيه نحو النتيجة المرجوة.
التفنن بالالتفات؛ لتطرية نشاط ذهن جمهوره، فقد بدأ خطابه بالحديث عن الغائب (خُطّ الموت...)، ثم التفت إلى الحديث عن نفسه (وما أولهني إلى أسلافي...)؛ ليجعل المتلقي يتعرّف على السبب الذي يدفعه (علیه السلام) إلى الخروج من مكة إلى العراق، ليُقنع جمهوره بحججه بعدما يلفت أنظارهم إليه، وفضلاً عن ذلك فإنّ هذا الأسلوب الحِجَاجي أفاد الاختصاص، أي أراد الإمام الحسين (علیه السلام) أن يقول: إنّ خروجي يختص بهذا الفعل من دون سواه، وهو ملاقاة الموت؛ليكون سبباً في انتقالي إلى الحياة الأبدية مع الأسلاف في جنان الخلد، بعيداً عن حياة الذلِّ والهوان، ثم التفت بعد ذلك إلى الحديث عن أهل البيت (علیهم السلام) بقوله: (رضا الله رضانا أهل البيت)؛ ليبين للمتلقي أنّه بفعله هذا لم يخرج عن ملّة أهل البيت؛ فكلُّهم كانت غايته رضا الله (عزوجل)، يصبرون على بلائه؛ فيوفيهم أجور الصابرين. وفي ختام كلامه (علیه السلام) التفت إلى المتلقين مخاطباً إياهم (من كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاءِ الله نفسه؛ فليرحل معنا؛ فانِّي راحل مصبحاً إن شاء الله). وفي هذا القول أراد أن يلفت نظر جمهوره إلى النتيجة من هذه الخطبة، وذلك بدعوتهم إلى السير على نهجه؛ لملاقاة الله سبحانه، بمجاهدة الفسقة الخارجين عن دين جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله)،
1) دراسات في الحجاج: 48.
و«الانتقال من ضمير لآخر... يجعل المستمع يعيش الحدث الحقيقي، وبالتالي ينجذب إلى الموضوع، ويقتنع به»(1).
مال إلى الإيجاز، فاتحاً أمام أذهان متلقيه أبواب التخيّل والتصوّر؛ لأنّ الخطبة القصيرة أنفذ إلى الأسماع، وأحسن موقعاً في القلوب والأذهان(2).
وزيادة على ذلك نستشفّ:
إنّ ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) حجّة على أنّ الإسلام لا يؤيّدالحاكم الطاغي، ولا الأمير العاتي.
إنّ الإمام الحسين (علیه السلام) اختار الشهادة، وأعطاها مدلولاً جديداً، فبها يموت الجسد، وتحيا الروح.
الإمام الحسين (علیه السلام) كان عارفاً بأنّه سيخسر الحرب، لكن غايته من ملاقاتها كانت المحافظة على بيضة الإسلام من الفساد.
لم يرد الخروج إلى الكوفة استناداً إلى ثقته بوعود أهلها، بل لفضح الأمويين، وأتباعهم، والمدعين الإسلام بأفواههم.
الرحال التي شدّها، والأسرة التي زحف بها لم يطلب بها سلطة ولا جاهاً، بل هي طريقه إلى لقاء أسلافه في جنان الخلد؛ ليعيش معهم الحياة الأبدية.
ونخلص من ذلك كلّه إلى أنّ عزم الإمام (علیه السلام) على الخروج في ذلك الوقت ل«طلب الشهادة وبثّ مشاعر الشوق والحنين وغيرها من الأسباب إنّما هي أدلة ظاهرة على مدى صرامة تلك المرحلة الخَرِبة من تأريخ البشرية وخطورتها في الآن معاً،
في الوقت الذي مثّلت فيه الشهادة عامل احتجاج(1)على الآفة التي ارتدت رداء الدين؛ لتنقضَّ على أرباب الدين، وعامل احتجاج(2)على ضمائر المسلمين التي نامت نومة أهل الكهف، فإذا لم تجد الكلمة آذاناً صاغية، فالأحرى بالدماء أنتحل محلها»(3).
سار الحسين (علیه السلام) قاطعاً رمال الصحراء بالأطفال والنساء غير مبالٍ بمصاعب الطريق، والتقى بمسيره بأبي هرّة، والفرزدق، والطرماح، ودارت بينه وبين هؤلاء محاورات(4)، سألهم فيها عن أحوال الكوفة، وأهلها، فأخبروه بمقتل ابن عمه، ومقتل رسله: مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وقيس بن مسهر الصيداويّ، وأخيه من الرضاعة، عبد الله بن يقطر، وغيرهم، فالتفت إلى من سار معه من الأعراب - وهو في طريقه إلى الكوفة - قائلاً: «أيها الناس قد خذلتنا شيعتنا، وقُتِلَ مسلم، وهانئ، وقيس بن مسهر، وابن يقطر، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف، فتفرق النّاس الذين صحبوه أيدي سبأ، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من الحجاز»(5)، ثم سار مع مَن بقي معه إلى أن التقى بذي حُسُم بجيش عبيد الله ابن زياد، بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحيّ بألف فارس، أمرهم ابن زياد بملازمة الحسين (علیه السلام)، وعدم مفارقته إلى أن يأخذوه إلى الكوفة، فخطب فيهمالإمام الحسين (علیه السلام) خطبتين: أولاهما بعد صلاة الظهر، والأخرى بعد صلاة العصر،
ذكر فيهما أنّ سبب قدومه إلى الكوفة كان بطلب من أهلها، ولما أنكر الحرّ ذلك، طلب من عقبة بن ِسمعان اخراج خرجين من الكتب - وقد مرّ ذكر ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول، فقال الحرّ: «فإنَّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أُمِرنا إذا نحن لقيناك ألَّا نفارقَك حتى نُقدمك على عبيد الله بن زياد؛ فقال له الحسين: الموتُ أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا»(1)، ولما وجد الحرّ الإمام الحسين (علیه السلام) رافضاً مرافقته إلى عبيد الله قال له: «فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى المدينة؛ حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد، أو إلى ابن زياد، فلعلّ الله يأتي بأمرٍ يرزقني فيه العافية، من أن ابتلي بشيءٍ من أمرك»(2)، وظلّ الحرّ يلازم الإمام، ودار بينهما حديث، وخطب فيهم الحسين (علیه السلام) خطبته بالبيضة قرب العُذيب، جاء فيها - بعدما حمد الله جلّ في علاه، وأثنى عليه -: «أيّها النّاس إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرمِ الله، ناكثاً لعَهْد الله مخالفاً لسنة رسول الله، يَعملُ في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يغيّر عليهبفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخَله"، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حَرام الله، وحرّموا حلالَه، وأنا أحقُّ من غَيّر، وقد أتتني كتبكم، وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنَّكم لا تُسلموني ولا تَخذُلوني فإنْ تممتم عليَّ بيعتكم تصيبُوا رشدكم، فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلِكم، فلكم فيَّ أسْوة، وإن لم تفعلوا
ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي، وأخي، وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).
هذه الخطبة دارت حول أربعة محاور، سبقها نداء (أيّها النّاس) كان الغرض منه لفت انتباه الحرّ بن يزيد الرياحيّ، و جيشه إليه، وهذه المحاور، هي:
المحور الأول: قول الرسول محمد (صلی الله علیه و آله): «من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحُرمِ الله، ناكثاً لعَهْد الله مخالفاً لسنة رسول الله، يَعملُ في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخَله». الحديث النبوي يمثّل حجّة سلطة، وهي من الحجج التي تنتمي إلى الحجج القائمة على بنيةالواقع، وجعل الإمام الحسين (علیه السلام) هذه الحجّة القاعدة التي استند إليها في حجاجه؛ لزيادة درجة التصديق به من أجل إقناع النّاس بثورته، وأحقيته بالإمامة؛ لينثنوا عمّا قدموا من أجله، ويسيروا في ركابه في مواجهة الانحراف في المجتمع الإسلامي، وإصلاح مسيرته العامة.
لقد أراد الإمام الحسين (علیه السلام) من هذا الاستشهاد توجيه المتلقي إلى وجهة حجاجية واحدة هي: إنّ النبي محمداً (صلی الله علیه و آله) هو الأنموذج الأسمى، والأمثل الذي يجب على كلّ مسلم التأسي به، والعمل بأقواله في الخروج على حكم الجور، وإنّه (علیه السلام) مقتدٍ به، وسائر على نهجه، ويتضح ذلك بقوله: (أنا أحقُّ من غَيّر)؛ ليصل من ذلك إلى أنّه في ذلك المقام هو الأنموذج الأمثل، الذي يجب على النّاس التأسي
1) تاريخ الطبري: 5/403؛ وذكر البلاذري (ت279ه-) جزءاً منها في كتابه (جمل من أنساب الأشراف): 3/381؛ وينظر أيضاً: الكامل في التاريخ: 3/408-409؛ وبحار الأنوار: 44/381-382؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/40.
به، في الخروج على حكم الجور؛ إذ قال: (فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلِكم، فلكم فيَّ أسْوة). وبهذا الأسلوب الحِجَاجي سدّ الإمام (علیه السلام) منافذ الحِجَاج المضاد.
المحور الثاني: الأمويون ومناصروهم، ويمثله قوله (علیه السلام): (ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حَرام الله، وحرّموا حلالَه). في كلامه (علیه السلام) هذا دليل على أنّه لم يخرج على شخص يزيد، بل خرج على نظام الحكم الأموي برمته الذي أرسى دعائمه معاوية؛ لما حمله من سياسة خارجة عنالدين الإسلامي، وكثرة الأفعال الماضية في هذا النصّ أفادت تقرير الحقائق، ولفتت انتباه النّاس إليها.
(ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان)، (ألا) أداه تنبيه، والتنبيه فعلٌ كلامي إنجازي مباشر، وغاية الإمام (علیه السلام) من اعتماد هذا الأسلوب تنبيه الجيش إلى ما سيُلقى عليه، وفضلاً عن ذلك فإنّ لهذه الأداة فائدة دلالية أخرى، وهي التحقيق، أي تحقيق الجملة التي بعدها(1). (إنّ) أداة تفيد توكيد الخبر، ودفع الشكّ والظنّ والتكذيب عنه، وتثبيت ما يأتي بعدها من كلام؛ وزيادة على ذلك أفادت هذه الأداة في هذا المقام التعليل، أي بيان السبب الذي دفع الإمام (علیه السلام) للخروج على حكم الجور. (هؤلاء) اسم إشارة أشار فيه إلى بني أمية وأنصارهم. (قد) تدلُّ على أنّ الفعل الماضي الذي يأتي بعدها كان متوقعاً، كما تدلّ على تقريب الماضي من الحال، فضلاً عن إفادتها التحقيق والتوكيد، وجاءت هذه الأدوات (ألا)، (إنّ)، (قد)؛ لتوكيد الخبر، والزيادة في تحقيقه، (استأثروا بالفيء)، (استأثروا) انفردوا. (بالفيء)
1) اُنظر: البرهان في علوم القرآن: 2/416.
المال الذي يؤخذ من دون قتال من النّاس، الذين لا يدخلون بالإسلام(1)، قال تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(2)، وهم بفعلهم هذا (أحلّوا حَرام الله)، فضلاً عن قتل المؤمنين، وشرب الخمر، واللعب بالكلاب، واغتصاب الحقوق.
المحور الثالث: أهل الكوفة، ويمثله قوله (علیه السلام): (وقد أتتني كتبكم، وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنَّكم لا تُسلموني، ولا تَخذُلوني، فإنْ تممتم عليَّ بيعتكم تصيبُوا رشدكم... وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي، وأخي، وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه، وسيُغني الله عنكم).
(وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنَّكم لا تُسلموني، ولا تَخذُلوني)، (إنّ) أداة توكيد، تفيد توكيد الحجج، وتقوية العلاقة الحِجَاجية بين العناصر. (لا) أداة نفي، والنفي عامل حجاجي، يقلّص الإمكانات الحِجَاجية؛ ليزيد من الطاقة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، كما يساعد المتلقي في تحديد المراد من الكلام، وبه تتحدد النتيجة المضمرة، وهي - على ما يبدو - (لا تسلموني ولا تخذلوني، بل لازموني، وتأسوا بي؛ لنعمل معاً بقول الرسول (صلی الله علیه و آله): (من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرمِ الله...).
(فإنْ تممتم عليَّ بيعتكم تصيبُوا رشدكم) جملة شرطية دالةعلى الحدوث
والتجدد، والعلاقة الرابطة فيها بين فعل الشرط وجوابه علاقة سببية. (وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم... فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم)، جملة شرطية دالة على الحدوث والتجدد، استعملها الإمام (علیه السلام)؛ لتقوية الجملة الشرطية التي قبلها، وتأكيدها. (فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم) تقديم وتأخير، الغاية منه القصر عليهم، والاختصاص بهم. (فلَعَمْري ما هي لكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم) هذا الكلام يُصطلح عليه عند البلاغيين ب-(الإيضاح بعد الإبهام)(1)، جاء ليُفسّر جملة فعل الشرط (وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم) ويُعد هذا الفنُّ من «أهم الصور البلاغية ذات الدور الفعال في الميدان الحِجَاجي... والتفسير عند بيرلمان هي توضيح لعددٍ من الجمل من خلالِ عددٍ آخر، وبهذا يُسهم هذا التوضيح في نزع كلِّ الإبهامات والتساؤلات التي تتبادر إلى ذهن المتلقي، وبالتالي إقناعه إقناعاً قوياً»(2)، ويُعدّ من «أهم الوسائل الحِجَاجية التي تُسهم إسهاماً فعالاً في فك الغموض والإبهام للمتلقي، وإقناعه بالفكرة التي يريد المتكلّم أن يوصلها، ما يؤدي في آخر الأمر إلى نوعٍ من التوافق والتفاهم بين الطرفين»(3). وابتداء الإمام (علیه السلام) بالقسم الغاية منه إعطاء الكلام مصداقية أقوى. وأشربه معنى التوبيخ بالاعتماد على تقنية الفصل الحِجَاجي، وتتأسس هذه التقنية على ثنائية الظاهر والحقيقة، ففي الظاهر أنّهم بايعوا الإمام الحسين (علیه السلام) على مواجهة سلطة الجور، وفي الحقيقة أنّهم بايعوه من أجل مصالحهم الشخصية؛ ليكون كلامه هذا حجّة موجهة إلى الجمهور الكوني
(النّاس إلى زماننا وما بعده) تسلّط الضوء على موقف أهل الكوفة في ذلك الوقت الحرج، وكيف باعوا دينهم بدنانير ابن الدعيّ؛ لتبقى وصمة عارٍ تلاحقهم إلى الأبد، وبهذه التقنية استطاع الإمام الحسين (علیه السلام) أن يوقظ أذهان النّاس؛ ليتعرفوا على حقيقة الكوفيين؛ لئلا ينخدعوا بهم؛ لذا أردف قائلاً: (والمغرور من اغترّ بكم) في إشارة إلى من لازمه من الأعراب وهو في طريقه إلى الكوفة، ممّن كان منخدعاً بوعود الكوفيين.
(ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه) في هذا القول تلميح إلى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»(1)، ومثّل هذا التلميح استلزاماً حوارياً حمل بين طياته قوة فعل كلام غير مباشر زادت من قوة الحِجَاج، فهذه الآية تمثّل في هذا الحِجَاج حجّة سلطة استند إليهاالإمام (علیه السلام) علّها تُجدي نفعاً مع الحرّ وجيشه، فضلاً عمّا تحمله من دلالة على توبيخ الناكثين، وممّا يُلحظ على تضمين هذه الآية أنّه جاء متلائماً مع كلامه، ومتلاحماً فيه. و(إنّما) أداة قصر تفيد التوكيد المضاعف؛ لما لها من بُعدٍ حجاجي أبعد وأعمق في توجيه النّاس نحو النتيجة المضمرة؛ وذلك من خلال تقليص الإمكانات الحِجَاجية وحصرها؛ للزيادة في قوة الحِجَاج، وتُستعمل لتنبيه المخاطب إلى قضية حريٌّ به أن لا يغفل عنها، كما إنّها تفيد إثبات ما بعدها ونفي ما عداه(2)، وأداة القصر (إنّما) «لا تأتي إلا حين يُراد تصحيح معتقد، أو ظنّ يذهب إلى نقيض المفهوم منها»(3)، فقد أفاد ذلك أنّ صفة النكث تقتصر على الناكثين
فحسب، وتختص بمن كاتبوه من دون سواهم، فهي إذن إلى ذلك الوقت الذي خطب به الإمام الحسين (علیه السلام) هذه الخطبة لم تشمل الحرّ؛ بوصفه لم يكن من الذين بايعوه، ولا من الذين كاتبوه؛ فلذا رأى الإمام (علیه السلام) أنّ الواجب الشرعي يُحتّم عليه إرشاد القوم و هدايتهم إلى جادة الصواب، وهو بذلك حاصر الحرّ وأصحابه بزاوية ضيقة، فإمّا أن يُسايروه لمواجهة أعداء الدين، أو يضعوا أيديهم بأيدي الناكثين للبيعة، ممّن عزموا على قتله، فهذا الأسلوبالحِجَاجي - وأعني به التوكيد بالقصر - حجّة يستند إليها المحاجج؛ ليصل إلى نتيجة غير مصرّح بها، تُفهم من سياق القول يريد المحاجج بوساطتها من المتلقي أن يتوصّل إليها بنفسه، ثم يسلّم لما يتوصل إليه.
المحور الرابع: حديث الإمام عن نفسه في قوله (علیه السلام): (وأنا أحقُّ من غَيّر... فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلِكم، فلكم فيَّ أسْوة). وقسّمه على قسمين:
الأول: بعد حديثه عن ألأمويين: (وأنا أحقُّ من غَيّر) هذا القول ينم عن جرأة، وشجاعة في مواجهة الحاكم الطاغي المتسلّط المغتصب لحقوق النّاس، وفيه دلالة على أنّ السنّة الإسلامية كانت مخذولة.
والآخر: في أثناء مخاطبته أهل الكوفة: (فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلِكم، فلكم فيَّ أسْوة) في قوله هذا التفات، والالتفات «فنٌّ من الكلام جزلٌ فيه هزٌّ وتحريك من السامع»(1)إذ يجعله يعيش الحدث بوصفه حقيقة، وبه حبس الإمامُ (علیه السلام) المتلقي في موقفٍ لا يمكن معه أن ينكر، أو ينفي أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) هو ابن علي بن أبي طالب (علیه السلام)
1) الكشاف: 1/210.
وصي رسول الله وخليفته، كما لايمكنه أن ينكر أنّه ابن بنت النبي (صلی الله علیه و آله)، فطاقتهالحِجَاجية تكمن في ما يؤديه معنى ضمني، وهذا المعنى الضمني منضوٍ في السمات الدلالية الضمنية، وهي إنّ أعداء الإمام الحسين (علیه السلام) قد أنعم الله عليهم سبحانه وتعالى، بنعمة الإسلام والهداية برسالة جده المصطفى محمد (صلی الله علیه و آله)، وبسيف أبيه المرتضى (علیه السلام)، فكيف يجوّز لهم دينهم قتل أهل بيت النبي؟! وقوله هذا يقتضي حقيقة تحمل بين طياتها أنّه ممّا لا نقاش فيه، ولاجدال أنّه لايحلّ لكم قتلي، وانتهاك حرمتي؛ لأنّ بقتلي تجاوزاً على حدود الله جلّ في علاه، وانتهاكاً لحرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وجاء قوله هذا تذييلاً للجملة الشرطية (فإنْ تممتم عليَّ بيعتكم تصيبُوا رشدكم)؛ والغرض منه تحقيق معنى الجملة وتوكيده؛ إذ إنّ التذييل يعني الإتيان بعد «تمام الكلام بكلامٍ مستقلٍ في معنى الأول، تحقيقاً لدلالة منطوق الأول أو مفهومه»(1)، وهو ما عبّر عنه الدكتور عبد الله صولة قائلاً: «إنّ دلالة المفهوم أو دلالة التضمن في جملة التذييل تأتي داعمة في ذهن المتلقي، دلالة المنطوق الحاصل من الجملة الأصلية»(2)، كما إنّ المُلاحظ في هذا التذييل أنّه جاء لبيان العلّة من الدعوة إلى اتباعه. (فلكم فيَّ أسْوة) تقديم وتأخير، الغاية منه الاختصاص والقصر على التأسّي به فقط.وأهم ما امتازت به هذه الخطبة من سمات حجاجية فضلاً عمّا مرّ ذكره:
إنّ الإمام الحسين (علیه السلام) افتتحها بالتنبيه ب-(ألا)، واختتمها بالتنبيه ب-(إنّما)؛ إذ أثبتت الدراسات الحِجَاجية أنّ القصر ب-(إنّما) يفيد تنبيه المتلقي إلى الخبر، وتأكيده في نفسه(3).
التقابل الدلالي بين (لزموا طاعة الشيطان) و(تركوا طاعة الرّحمن)، والتقابل الدلالي بين (أحلّوا حَرام الله) و(حرّموا حلالَه) وكانت الغاية منه الزيادة في قوة التأثير في المتلقي؛ لاستمالته وإقناعه بحجاجه؛ لما اتصف به التقابل الدلالي من قدرة على تضخيم الفكرة.
كان لل-(واو) الأثر الحِجَاجي الفاعل في الربط بين الحجج، وترتيبها، فقد أفاد في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى، فضلاً عمّا فيه من دلالة على الإشراك في الحكم.
ظلّ الحرّ يساير الإمام الحسين (علیه السلام) حتى كربلاء، وفي ذلك المكان وصل رسول عبيد الله بن زياد حاملاً كتاباً إلى الحرّ، يأمره فيه بأن يُنْزِل الإمام الحسين (علیه السلام) في مكانٍ غير محصّن وخالٍ من الماء، وفي اليوم التالي وصل عمر بن سعد على رأس أربعة آلاف مقاتل، ولما عزموا على مقاتلته، طلب (علیه السلام) منهم أن يبيت ليلته، وفيها وزّع المهام من بعده على أهل بيته، ففي ليلة العاشر من المحرم روى عنه ابنه علي السجّاد (علیهما السلام) أنّه كان يردد الأبيات الآتية: [رجز]
يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلَيْلِ
كَمْ لَكَ فِي الإِشْرَاقِ والأَصِيْلِ
مِنْ طَالِبٍ وَصَاحِبٍ قَتِيْلِ
وَالدَّهْرُ لا يَقْنَعُ بالبَدِيْلِ
وَإِنَّمَا الأَمْرُ إِلى الجَلِيْلِ
وَكَلُّ حَيٍّ سالِكٌ سَبِيْلِ
قال علي السجّاد (علیه السلام): «فأعادها مرتين أو ثلاثاً، حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي، ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل، فأمّا عمَّتي [زينب] فإنَّها سمعت ما سمعت وهي امرأة، وفي النساء الرقة والجزع؛ فلم تملك نفسها أن وثبت تجرثوبها وإنَّها لحاسرة، حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمي، وعليّ أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمالِ الباقي. قال: فنظر إليها الحسين (علیه السلام) فقال: يا أُخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان.
قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، استقتلت نفسي فداك، فرد غصته، وترقرقت عيناه، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام. قالت: يا ويلتي أفتغصب نفسك اغتصاباً؟! فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي، ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين، فصبَّ على وجهها الماء وقال لها: يا أخيّة اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ويبعث الخلق، فيعودون، وهو فردٌ وحده. أبي خير منّي، وأمّي خير مني، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلِّ مسلمٍ برسول الله أسوةٌ. قال: فعزاها بهذا، ونحوه، وقال لها: يا أُخيّة إنّي أقسم عليك، فأبري قسمي لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت»(1).
هذه الأبيات تضمنت إقراراً بالموت، ونعياً للنفس ذكرها الإمام الحسين (علیه السلام)؛ ليمحّص قلوب أهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) قبل أن يُسَلِّمَهم الراية الرسالية؛ ليحملوها من ذلك المكان (كربلاء) إلى ديوانيزيد في الشام، مروراً بقصر الإمارة في الكوفة.
وهذا يعني أنّ الشعر غالباً ما يهدف إلى الحِجَاج، وحثّ النفس من أجل إقناع المتلقي، وتغيير أفكاره ومعتقداته؛ لدفعه إلى تغيير مواقفه، وهو ما أشار إليه محمّد إقبال العرويّ في بحثه الموسوم (من قضايا النقد القديم - الحكمة والمثل)(2).
وما إن سمعها الإمام السجاد (علیه السلام) خنقته عبرته، وكفف دموعه، ولازم الصمت؛
لأنّه تفهّم الغاية منها، لكنّ زينب الحوراء (علیها السلام) لم تستطع تحمل سماع أخيها ينعى نفسه وتسكت، وعندما وجد أخته زينب (علیها السلام) لا تقوى على تحمّل نعيه على نفسه رأى من المناسب أن يُلقي عليها كلاماً يقوّي قلبها، ويصبّرها على تحمّل الأذى؛ ليعدّها؛ كي تكون على قدر المسؤولية الرسالية الإلهية، ولتستعيد ذهنها الذي شرد منها حين سمعت أبياته، فألقى عليها حجّة موجزة في لفظها، قوية في معناها، وأعني بذلك المثل (لو ترك القطا ليلاً لنام)(1)
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا ليلاً لناما
فلم يلتفتوا إلى قولها، وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من التعب، فقام ديسم بن طارق، وقال بصوتٍ عالٍ:
إذا قالت حذامِ فصدقوها فإنّ القول ما قالت حذامِ
لما في المثل من إيجاز في اللفظ،وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية(2)ولأنّ في «المثل حجّة تقوم على المشابهة بين حالتين في مقدمتها، ويُراد استنتاج نهاية أحديهما بالنظر إلى نهاية مماثلتها»(3). وهذا ما يؤكده الزمخشري؛ إذ يقول: «ولضربِ الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأنٌ ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتّى تريك المُتخيّل في صورة المحقق، والمتوهّم في معرض المتيقن، والغائب كأنّه مشاهد»(4). وقد أشارت الدكتورة سامية الدريديّ إلى قيمة المثل الحجاجية بقولها: «ولتوضيح صلة المثل بالحِجَاج نقول: إنّ طاقة الأمثال الحِجَاجية إنّما تقوم في جوهرها على (القياس)، قياس1) يُضرب هذا المثل لِمَن حُمِلَ على مكروه من غير إرادته. اُنظر: مجمع الأمثال: 2/174. وقصته برواية الضبّي: إنّه لحذامِ بنت الريان. فعندما جنّد عاطس بن حلاج على أبيها الريان، وتحاجزوا فهرب الريان ومن معه ليلاً، ثم عسكروا في مكانٍ بعيد فلما أصبح عاطس فلم يجدهم لحقهم ووصلهم ليلاً، فلما اقتربوا من الريان وقومه أثاروا القطا فمرّت بأصحاب الريان فقالت حذام لقومها:
2) اُنظر: المصدر نفسه: 1/6.
3) في بلاغة الخطاب الإقناعي مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية: 82.
4) الكشاف: 1/191.
الحالة الحاضرة الرّاهنة على أخرى مشابهة، يعرفها الجميع ويدركون أبعادها، فمتى سلّموا فإنّهم سيسلمون بالحاضرة... فيفعل المثل في المتلقي تماماً كفعل التشبيه، أو الاستعارة فيه، ولكنّه يتفوّق على التشبيه والاستعارة من حيث أنّ المشبه به يكون حالة شائعةمتداولة، تحيل على حادثة كاملة راسخة في الذاكرة الجماعية، كامنة في أعماق الجميع بحكم الشيوع والتواتر، فيتأكّد تأثير القياس ويثبت سحر المثل»(1). وتبوأت الأمثال في كلام العرب مكانة كبيرة؛ لما لها من تأثير على العقول والنفوس؛ بوصفها «صورة حيّة ماثلة لمشهدٍ واقعي أو متخيّل، مرسومة بكلماتٍ معبرة موجزة، يؤتى بها غالباً، لتقريب ما يُضرب له»(2)، وقد وظّف الإمام الحسين (علیه السلام) هذا المثل بأسلوبٍ حجاجي جاء متلائماً مع مراده؛ بوصفه يمثل حجّة سلطة جاهزة(3).
يُستشفّ من ذلك أنّ المثل خطرة قوية، توقظ العقل بالاستناد إلى حجّة إيحائية؛ ل«أنّ المقصود من ضرب الأمثال أنّها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه؛ وذلك لأنّ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحسّ مطابقاً للعقل»(4).
أما قوله: (يا أخيّة) فنداء استعمله للفت انتباه أخته زينب (علیها السلام) إليه (اتقي، تعزي، اعلمي) أفعال كلامية إنجازية مباشرة، تزيد من الطاقة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة.
1) الحِجَاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: 295-296.
2) الصورة الفنية في المثل القرآني دراسة نقدية بلاغية، د. محمد حسين علي الصغير، دار الرشيد للنشر، بغداد (1981م): 60.
3) اُنظر: الخطاب والحِجَاج، الدكتور أبو بكر العزاوي، مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (2010م): 87، 93.
4) مفاتيح الغيب، محمد الرازي فخر الدين (ت606ه-)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى (1401ه- - 1981م): 2/80.
(أنَّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون وأنّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله) ثلاث حجج صبّت في خدمة النتيجة
(هو فردٌ وحده) ربط بينها بالواو. والسلّم الحِجَاجي الآتي يوضحها أكثر:
النتيجة: هو فردٌ وحده (حيّ لا يموت)
ح3: كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله
ح2: أهل السماء لا يبقون
ح1: أهل الأرض يموتون
وكلّ حجّة من هذه الحجج سندها لما يقويها: فالحجّة الأولى أكدّها ب-(أنّ)، والأخرى أكدها ب-(أنّ) وقوّاها بالعامل الحِجَاجي (لا) للنفي؛ لأنّ النفي عامل «ضروري لوصف البنية الدلالية العميقة للملفوظ»(1)
www.akhbarak.net/.../2595479- ب مصر
، والثالثة أكدّها ب-(أنّ) وقوّاها بالقصر، والقصر من أهم العوامل الحِجَاجية التي يستند إليها المحاجج؛ لتوجيه خطابه الوجهة التي يريد.ويُلحظ على هذه الحجج أنّ خبر (أنّ) في الحجتين الأوليتين جملة فعلية (يموتون، لايبقون) وفي ذلك دلالة على الحدوث والتجدد؛ ليكون ذلك متلائماً مع دلالة الموتوالحياة.
(أبي خير منّي، وأمّي خير مني، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلِّ مسلمٍ برسول الله أسوةٌ) في هذا القول استلزام حواري دلّ على التلميح إلى قوله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
1) عاملية أدوات النفي الحِجَاجية، سليمة محفوظي، الموقع على الانترنت:
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا»(1)ليجعل الإمام (علیه السلام) من التلميح إلى هذه الآية حجّة سلطة تقوّي حجاجه، وتزيد من الطاقة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة؛ لما فيها من قوة فعل كلام إنجازي غير مباشر.
لقد جاءت هذه الحجج، وما قبلها؛ لتخدم النتيجة (إنّي أقسم عليك؛ فأبري قسمي، لاتشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت). كما موضّح بالسلّم الحِجَاجي الآتي:
النتيجة: لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إن هلكت
(ح5) كلّ شيء هالك إلا وجه الله
(ح4) أهل السماء لا يبقون
(ح3) أهل الأرض يموتون
(ح2) رسول الله هلك
(ح1) أبي خير منّي، وأمي خير منّي، وأخي خير منّي وكلهم هلك
القياس الضمني في هذا الكلام: كلُّ شيءٍ هالك إلا وجه الله ← أنا مخلوق ← إذن أنا هالك. وفضلاً عن ذلك فإنّ النتيجة تضمنت أفعالاً إنجازية مباشرة، هي: القسم، النهي (لا تشقي، لا تخمشي، لاتدعي)
وأراد الإمام (علیه السلام) - على ما يبدو من حجاجه هذا - أن يقوّي عزيمة ابنه عليّ السجّاد، وأخته زينب (علیهما السلام)، ويعدّهما لإكمال مسيرته الإعلامية، في تسليط الضوء على الحكم الأموي وسياسته في التعامل مع الدين الإسلامي ورموزه، في قصةٍ
1) سورة الأحزاب: آية21.
سطّرتها ملحمة كربلاء، وخلدها التاريخ، رسمت دروب الحرية الإنسانية الإسلامية الرسالية، قادتُها الثقل الأصغر الذي خلّفه رسول الله (صلی الله علیه و آله) فينا.
وفي الصباح قبل وقوع الواقعة خطب الإمام الحسين (علیه السلام) في القوم خطبته المشهورة، عندما دنوا منه: «أيُّها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلِوني حتى أعظَكم بما لحقّ لكم عليّ، وحتى أعتذرَ إليكم من مقدَمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدَّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تُعطُوا النَّصف من أنفسكم أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِي إِنَّ وَلِيِّي الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.قال [الضحّاك المشرقي] فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته، فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعليّاً ابنه، وقال لهما أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن... فلما سكتن، حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمّد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكرُه. قال فو الله ما سمعتُ متكلّماً قطّ قبْلَه ولا بعدَه أبلغَ في منطق منه؛ ثم قال: أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها، فانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وابنَ وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟ أوَلم يبلغْكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: (هذان سيّدا شبابِ أهل الجنة)؟ فإن صدّقتموني بما أقول - وهو الحقّ - فو الله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن
كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبَركم؛ سَلُوا جابرَ بن عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخُدريّ، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي. أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟... ثم قال لهم الحسين: فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثَراً ما أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة. أخبروني أتطلبوني بقتيلٍمنكم قتلتُه؟ أو مالٍ لكم استهلكته؟ أو بقِصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه قال: فنادى: يا شَبَث بن رِبعيّ، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعَتْ الثمار، [و] اخضّر الجَناب، وطمّت الجمام، وإنّما تقدُم على جندٍ لك مجنّد! فأقبل، قالوا له: لم نفعل؛ فقال: سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم؛ ثم قال: أيّها النّاس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض؛ قال [الضحّاك المشرقي]: فقال له قيس ابن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثرَ من دم مسلم بن عقيل؛ لا والله لا أُعطيهم بيدي إعطَاء الذليل، ولا أقرّ إقرارَ العبيد. عباد الله إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِي أعوذ بربِّي وربِّكم من كلِّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.
قال [الضحّاك المشرقي]: ثمّ إنّه أناخَ راحلته، وأمر عقبة بن سِمْعان فعقَلها، وأقبلوا يزحفون نحوه»(1).
(أيُّها الناس) نداء للفت انتباه القوم لينصتوا إليه. (اسمعوا قولي، ولا تعجلِوني)،
1) تاريخ الطبري: 5/424-326؛ واُنظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/97-98؛ والكامل في التاريخ: 3/418-419؛ والبداية والنهاية: 11/534-536.
(اسمعوا) فعل أمر. (لاتعجلِوني) نهي. والأمر والنهي فعلا كلام إنجازي مباشر، لهما قوة حجاجية عالية اختارهما الإمام الحسين (علیه السلام)؛ ليكونا مقدمة حجاجية يبتدئبهما حجاجه، و«يستعمل المخاطِب الفعل الكلامي المباشر عندما يولي عنايته لتبليغ قصده، وتحقيق هدفه الخطابي، ورغبته في أن يكّلف المتلّقي بعمل ما، أو يوجهه لمصلحته من جهة، وإبعاده عن الضرر من جهة أخرى، أو توجيهه لفعل مستقبلي معين، ويفترض أن يتجه المخاطب بخطابه إلى التكثير من فائدة المتلّقي، فيستعمل هذه الاستراتيجيات في شكلها الأكثر مباشرة؛ للدلالة على قصده، كالأمر، والنهي الصريحين»(1).
(حتّى أعظَكم بما لحقّ لكم عليّ)، (حتّى) رابط حجاجي يُستعمل للربط بين حجتين داخل الخطاب لهما توجيه حجاجي واحد، ويخدمان نتيجة واحدة وتكون الحجّة التي تأتي بعده أقوى من التي قبله، وهي في هذا الخطاب (لكم عليّ) كلاهما جار ومجرور متساويان في الرتبة؛ إذ يجوز القول: (أعظَكم بما لحقّ عليّ لكم) من دون أن يحصل أي اختلاف في المعنى الإخباري، لكن الفارق يكمن في المعنى الحِجَاجي الدلالي؛ إذ تكون للمقدّم منهما دلالة الاهتمام، وهو المعول عليه بالحِجَاج.
(وحتى أعتذرَ إليكم من مقدمي) (الواو) رابط حجاجي يربط بين الحجج المتساوية في الرتبة، كما إنّه يفيد في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى، فضلاً عمّا فيه من دلالة على الإشراك في الحكم. (حتى) رابط حجاجي ربط ما بعده بما قبله، والحجّة (أعتذرَ إليكم منمقدَمي) أقوى حجاجاً من (أعظَكم بما لحقّ لكم عليّ) في هذا المقام الحِجَاجي.
(إليكم من مقدَمي) أيضاً كلاهما جار ومجرور متساويان في الرتبة؛ إذ يجوز القول:
1) دراسة الأفعال الكلامیّة في القرآن الكریم - مقاربة تداولیّة: (بحث)11-12.
(أعتذرَ من مقدَمي إليكم) من دون أن يحصل أي اختلاف في المعنى الإخباري، لكن الفارق يكمن في المعنى الحِجَاجي الدلالي؛ إذ تكون للمقدّم منهما دلالة الاهتمام،. والملاحظ في القولين السابقين أنّ اهتمام الإمام (علیه السلام) في هذا الحِجَاج منصبّ على المخاطب (لكم)، (إليكم) أكثر من الاهتمام بالكلام عن نفسه (علیه السلام) .
(فإن قبلتم عذري، وصدَّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل) جملة شرطية دالة على الحدوث والتجدد، والعلاقة الرابطة فيها بين فعل الشرط وجوابه علاقة سببية، والعلاقة السببية «من أبرز العلاقات الحِجَاجية، وأقدرها على التأثير في المتلقي، وهي في حقيقة الأمر ضربٌ مخصوص من العلاقات التتابعية؛ إذ يحرص المتكلّم على ربط الأفكار والوصل بين أجزاء الكلام [من] دون الاكتفاء بتلاحق عادي بينها، وتتابع طبيعي يجعل الأحداث والأفعال أو الأفكار والأحكام متسلسلة متجاوبة، بل يعمد إلى مستوى أعمق من العلاقة، فيجعل بعض الأحداث أسباباً لأحداث أخرى... فإذا بالعلاقة السببية علاقة شبه منطقية، تجعل النصّ يُحاكي نصوصاً منطقية في ترابط أجزائها، وتناسق أفكارها»(1). وكثرة الأفعال الماضية في هذه الجملةالشرطية أفادت تقرير الحقائق، ولفت انتباه النّاس إليها. (كنتم بذلك أسعد) قدّم الجار والمجرور (بذلك) على خبر كان (أسعد) للدلالة على الاختصاص والقصر عليهم، وللاهتمام والعناية بالجار والمجرور، (أسعد) اسم تفضيل وهو من الآليات الحِجَاجية التي تسهم في الزيادة من قوة الحجّة في التوجيه نحو النتيجة؛ ممّا يسهم ذلك في الزيادة من القوة الحِجَاجية في دفع المتلقي إلى الإذعان لحججه، والتسليم لها.
(لم يكن لكم عليّ سبيل) قدّم الجار والمجرور (لكم) على الجار والمجرور (عليّ)؛
1) الحِجَاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: 327.
للاهتمام بوعظ القوم أكثر من الاهتمام بدعوتهم إلى الوقوف بصفه؛ ليمهد بذلك إلى إلقاء حججه عليهم؛ علّها تنفع في منع بعضهم من الاشتراك في قتله.
(وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تُعطُوا النَّصَفَ من أنفسكم) جملة شرطية دالة على الحدوث والتجدد استعملها الإمام (علیه السلام)؛ لتقوية الجملة الشرطية التي قبلها وتأكيدها، جوابها محذوف دلّ عليه قوله السابق، ويُقدّر (لم تكونوا بذلك أسعد، وكان لكم عليّ سبيل) وسبب الحذف يعود إلى «توجيه لذهن المتلقي إلى تصوّر الجزاء الواجب تصوره، فالجزاء هو على الحقيقة مضمّن في الشرط، أو على الأقل ممّا يوجّه الشرط إليه المتلقّين توجيهاً دقيقاً بيّناً صارماً معاً؛ إذ ليس لهؤلاء المتلقين إلا أن يتصوّروهعلى النحو الذي تمليه جملة الشرط بألفاظها ومعانيها»(1). والإمام (علیه السلام) بحذفه لجملة جواب الشرط سار على وفق المنهج القرآني، إذ أثبت الدكتور عبد الله صولة من استقرائه لهذا الأسلوب في القرآن «أنّ حذف جواب الشرط مع التصريح بالدليل على المحذوف ساطعاً سطوع الشمس في جوار جملة الشرط القريب لهو من أهم أساليب الحِجَاج في القرآن، وهي إلى ذلك كثيرة الجريان فيه؛ إذ هي تضع المتلقي على تخوم الفراغ، وتدفع به إليه يملؤه، وقد زوّدته من أجل ذلك بالأدوات اللازمة استعارتها له من الجوار القريب، إنّ الكلام بطريقة الحذف على هذا النحو يصنع من ذاته حجّته الخاصة، ويزيد فيجعل من المتلقي أداة لتنفيذها، فهو يتممها ويصرّح بها في ضوء المعطيات الجاهزة في الجوار القريب»(2).
واستناداً إلى ذلك يستدرج الإمام الحسين (علیه السلام) متلقيه ليشركهم في الخطاب من خلال دفعهم إلى البحث عن جملة الجواب (الجزاء) المحذوفة؛ ليلتقطوا الحجّة
بأنفسهم، مستندين في ذلك إلى جملة الجوار التي ذكرها الإمام (علیه السلام)؛ لإرشادهم إلى الحجّة؛ ولئلا يُظنّ أنّ الإمام (علیه السلام) يترجاهم بأن يُخلّوا عنه أردف قائلاً: (أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِي، إِنَّ وَلِيِّي الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)، والقسم الأول من هذاالقول مقتبس من قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ»(1). والآخر مقتبس من قوله تعالى: «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» (2).
فمن معرفة معاني هاتين الآيتين يتوصل المتلقي إلى مراد الإمام (علیه السلام) من كلامه هذا، ومعنى هاتين الآيتين واضح جلي ليس به حاجة إلى تفسير، جاء متناسباً مع عقول أولئك القوم؛ ليتوصلوا منهما إلى مراده، كما إنّ في هاتين الآيتين استلزاماً حوارياً مفهوماً من الكلام، يحمل بين طياته قوة فعل كلام إنجازي غير مباشر، ويكمن ذلك الاستلزام في التلميح إلى معاني هاتين الآيتين، والغاية منه ثني القوم عمّا عزموا عليه، وهذا التلميح يدلّ - في الوقت نفسه - على المقدرة البلاغية التي يتمتع بها الإمام الحسين (علیه السلام) في استيعاب المعاني وتنويعها؛ من أجل إيقاظ الضمائر
من سباتها، لعلّها تنفعهم في الخلاص من عذاب الله عزّ وجلّ وانتقامه. وفضلاً عن ذلك فإنّ التذكير بالآيات القرآنية من الأساليب التي تعطي بعداً حجاجياً أوسع في النظر العقلي، فضلاً عمّا فيها من الدعوة إلى التفقه في آيات الله سبحانه وتعالى، «والتفقهخطوة عقلية أبعد مدى من التفكّر، إذ هي الحصيلة التي تنتج عن عملية التفكير، وتجعل الإنسان أكثر وعياً لما يحيط به، وأعمق إدراكاً لأبعاد وجوده في الكون، كما تجعله متفتح البصيرة دوماً»(1). وبعد هذه المقدمة الحِجَاجية انتقل الإمام (علیه السلام) إلى الموضوع.
(أمّا بعد)، (أمّا)، «حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد»(2)، وغالباً ما تأتي بعده (بعد) في مطالع الخطب، وفيه دلالة على الانتقال من المقدمة إلى الموضوع. (فانسبوني) حجاج بالنسب. (فانظروا مَن أنا) (الفاء) رابط حجاجي يربط بين الحجج يفيد في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى من دون مهلة. (ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها)، (ثم) رابط حجاجي يربط بين الحجج، يفيد في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى مع تراخٍ، أراد الإمام (علیه السلام) من هذا التراخي من القوم أن يطيلوا التفكّر في ما يقدمون عليه، وهذان الرابطان (ف)، (ثم) روابط حجاجية لهما توجيه حجاجي واحد، ويخدمان نتيجة واحدة، أمّا فعلا الأمر (انظروا)، و(ارجعوا) فهما أفعال كلامية مباشرة، الغاية منهما دفع المتلقي إلى إنجاز فعل النظر بتأمّل، ثم إنجاز فعل مراجعة النفس؛ لمعاتبتها على ما تَقْدِم إليه من فعلٍ مشين لم يسبقله مثيل في التاريخ، ولا يكون له شبيه إلى يوم القيامة. (فانظروا)
تكرار للنظر بتأمل، والتكرار أسلوب يُستعمل لغرض التوكيد، وهو من أهم العوامل الحِجَاجية في التدليل على المعنى المراد؛ لما فيه من زيادة في العناية بالشيء وتوكيده، ويستعمل للأمر المهم؛ لما يحمله من طاقات إيحائية تعزز قوة الحجّة؛ لتستميل قلب السامع إليها، وهو من أهم الروافد التي ترفد الحِجَاج، «فتكرار اللفظة ذاتها في أكثر من موضع يعد من أفانين القول الرافد للحجاج المدعّمة للطاقة الحِجَاجية»(1)التي تولدها الظاهرة اللغوية لتشحن طاقات المتلقي، بغية تغيير موقفه، وغالباً ما يُستعمل في مقامات تُفاجئ المتلقي، وتخالف معتقداته. (هل يحلّ لكم قتلي، وانتهاكُ حرمتي؟!) (هل) أداة استفهام، والاستفهام سواء أكان حقيقياً أم غير حقيقي يفرض على المخاطب إجابة محددة يمليها عليه المقتضى الناشئ عن ذلك الاستفهام؛ بوصفه فعلاً كلامياً إنجازياً مباشراً، فيتم بذلك توجيه دفّة الحوار إلى وجهة حجاجية معينة، والاستفهام في قول الإمام الحسين (علیه السلام) هذا خرج من الحقيقة إلى المجاز؛ لغرض دفع القوم إلى أن يُفكّروا، ويراجعوا أنفسهم، ثم يتحرجوا ممّا أقدموا عليه، فضلاً عمّا في هذا الأسلوب من النفي، وتقديم الجار والمجرور (لكم) أفاد دلالة الاختصاص وحصر الكلام بهم، وقول الإمام هذا مثّل النتيجة التي دارتحولها الخطبة، وهي (لا يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي)، فالإمام الحسين (علیه السلام) يحذّر القوم من انتهاك حرمته؛ لأنّ حرمته هي حرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، ومن ينتهك حرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) لن يُغفر له، ولو افتدى نفسه بملء الأرض ذهباً، ثمّ راح يسوق الحجج التي ينبغي أن ينظروا إليها، ويتفكروا فيها بتأنٍ وتأمل، وهي: (ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وسلم؟ وابنَ وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟ أوَلم يبلغْكم قول
1) الحِجَاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: 168.
مستفيض فيكم: إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: "هذان سيّدا شبابِ أهل الجنة"؟) ابن بنت النبي (صلی الله علیه و آله)، وابن الوصي، وابن الشهداء، وسيد شباب أهل الجنّة أوصاف أدرجها الإمام (علیه السلام) في حجاجه؛ ليبين للنّاس مكانته الاجتماعية، والدينية؛ وليتخذ منها حججاً، فمن له هذا النسب لايحل قتله، وانتهاك حرمته.
ويتضح ذلك أكثر بترتيب هذه الحجج على وفق السلم الحِجَاجي الآتي:
النتيجة (ن) لا يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي
(ح5) أنا سيد شباب أهل الجنّة.
(ح4) جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي.
(ح3) حمزة سيد الشهداء عم أبي.
(ح2) أنا ابن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وصي رسول الله، وابن عمّه، وأول المؤمنين، والمصدّق بالرسول.
(ح1) أنا ابن بنت نبيكم (صلی الله علیه و آله) .
فقد عدل الإمام (علیه السلام) في هذه الخطبة من الخبر (أنا ابن بنت نبيكم (صلی الله علیه و آله)، وابن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وصي رسول الله، وابن عمّه، وأول المؤمنين، والمصدّق بالرسول، و حمزة سيد الشهداء عم أبي، و جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي، وأنا سيد شباب أهل الجنّة، ومن يمتلك هذه المزايا لا يحل سفك دمه، وانتهاك حرمته، لأنّها حرمة رسولكم إن كنتم مسلمين) إلى الاستفهام؛ لإزالة الإنكار والجحود، وفضلاً عن ذلك فإنّ الاستفهام من أقوى أفعال الكلام الإنجازية المباشرة حجاجياً؛ بوصفه يستمد قوته الحِجَاجية من القصر المضمر فيه، الذي يحصر المتلقي في زاوية حجاجية ضيقة، لا سبيل له إلا أن يقرّ بما يريده المحاجج، زد على ذلك إنّ هذا الأسلوب يبعد الخطاب عن احتمالية الصدق والكذب التي في الخبر، ويزيد من درجة التوجيه نحو النتيجة،
وهي (لا يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي)، مريداً من هذا العدول إقرارهم واعترافهم بما يقدمون عليه من فعلٍ مشين، وكلّ سؤال من هذه الأسئلة جاء ليؤكّد ما قبله، أي أجيبوني عن هذا، ولا يسعكم إلا أن تجيبوني، والإمام الحسين (علیه السلام) لم يترجاهم؛ ليخلّوا عنه؛ لعلمه (علیه السلام) بأنّهم سيقتلونه بين النواويس وكربلاء، لكنّه بهذا الأسلوب الاستفهامي التقريري أراد أن يلقي عليهمالحجّة أمام الله سبحانه وتعالى، علّها تنفع مع بعضهم؛ وليشنّع بهم أمام النّاس على مرّ العصور وتقادم الأجيال، وكأنّه أراد أن يقول: لا يوجد فعل أشنع من فعلكم هذا ولا أقبح منه، وفضلاً عن ذلك فإنّ حججه هذه سيكون لها الأثر الفاعل في تمكين الأجيال اللاحقة من التعرّف على همجية أولئك الناس؛ إذ من خلالها نستطيع التعرّف على أنّ أولئك النّاس لا دين لهم، وهم أناسٌ لا شبيه لهم على وجه البسيطة، همّهم رضا سلاطينهم، وأي سلاطين؟ فاسق، وابن دعي!! «والأنبياء والشهداء والمصطفون يدركون أنّ وجودهم المادي زائل، لكن حُججهم ونفثات ضمائرهم هي التي ستبقى لتسري في النفوس مسرى النار في الهشيم، وليتردد صداها في المهج، فلا يهدأ لها صدى إلا ليرجع من مكانٍ آخر»(1).
وبهذا الأسلوب الحِجَاجي ألقمهم الإمام الحسين (علیه السلام) حجراً، فأخذوا لا يكلمونه، وقال عبد الله صولة «إنّ العادة جرت إنّ المسؤول إذا أطال التفكير في جوابه يكون ذلك علامة على عدم مجاراته للنسق الذي يريد أن يفرضه السائل عليه»(2)، فكيف بمن يلازم الصمت؟! وهكذا حقق الإمام الحسين (علیه السلام) بهذا العدول من الخبر إلى الإنشاء النتيجة المرجوة.
والسبب الذي دفع الإمام الحسين (علیه السلام) إلى تعداد صفاتالإمام علي (علیه السلام) من دون غيره في قوله: (ابنَ وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟) إنّ بعض الناس قد تبدو له شبهات في جزئيات من الشريعة، فيحتاج إلى من يجلو عنها الغبار ببعض وسائل الإقناع.
(أوَلم يبلغْكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: "هذان سيّدا شبابِ أهل الجنة"؟) «إنّ لجوء الخطيب إلى الاستفهام رغم(1)علمه بثبوت مطلوبه هو شكلٌ من أشكال الإلزام، إلزام بالجواب، وإقرار بما عمل على تحقيقه، وتثبيته»(2)، (إنّ) أداة توكيد تدخل على الجملة الخبرية؛ لتوكيد الخبر، وتثبيت الحجج، وتقوية العلاقة بين العناصر.
(هذان سيّدا شبابِ أهل الجنة) هذا الحديث النبوي مثّل حجّة سلطة استند إليها الإمام (علیه السلام)؛ ليزيد من درجة التصديق بأقواله.
(فإن صدّقتموني بما أقول) جملة شرطية حُذف جوابها؛ لأنّ «لحذف جملة جواب الشرط مع ترك الدليل عليها... دوراً حجاجياً آخر يتمثّل في توكيد الكلام المحذوف»(3)، (وهو الحقّ) جملة اعتراضيةفصلت بين قولين، استعملها لتقوية قوله، وتسديده(4)، و«التنبيه إلى ما يريد المتكلم أن يلفت إليه انتباه السامع»(5)وعدّ
1) كذا. والصواب: على الرغم من.
2) الخطاب الحِجَاجي السياسي في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة دراسة تداولية: (أطروحة دكتوراه): 304.
3) الحِجَاج في القرآن: 402
4) اُنظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 5/56.
5) البيان في روائع القرآن دراسة لغوية أسلوبية للنص القرآني، د. تمّام حسّان، عالم الكتب، القاهرة (1993م): 183.
الحِجَاجيون الجمل الاعتراضية من وسائل الحِجَاج المهمة(1)، وأنا اتفق مع الدكتور عبد الله صولة في ما ذهب إليه في إنّ الجملة الاعتراضية غالباً ما تكون جزءاً أساسياً في الكلام، الذي تدخل عليه مُشكِّلة معه تلاحماً واتساقاً(2).
(فوالله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه)، (الفاء) رابط حجاجي يدلّ على ترابط الحجج، وتناسقها من دون مهلة أو تراخٍ (والله) قسم جيء به؛ لتوكيد ما بعده، ولفت أنظار القوم إلى أهمية ما يُقال. (ما) عامل حجاجي زاد من الطاقة الحِجَاجية في التوجيه نحو النتيجة، فضلاً عن دفع الإنكار، وإثباته لما بعده (كذباً) لم يعرّفه ب-(أل) وتركه مطلقاً؛ للدلالة على أنّه لم يكذب في حياته قط، ولا عجب فهذه من صفات أهل البيت (علیه السلام)، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وجملة (فو الله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله،ويضرّ به من اختلقه) جاءت تذييلاً لجملة (فإن صدّقتموني بما أقول) و«للتذييل وظيفة دلالية أساسية هي التوكيد»(3)بوصفه يتضمّن «معنى الجملة الأصلية بوجه من الوجوه على نحوٍ يبدو معه مضمون الجملة الأولى قد تكرر مرتين»(4)، والتذييل نوعٌ من الإطناب، و«أهتم بيرلمان بالإطناب كطريقة(5)عرض حجاجية، وذلك من خلال الدور الهام الذي يلعبه بالإقناع حيث يرى(6)أنّ العناصر في مواضع ما تحتاج إلى الترديد والتطويل
حول دلالتها وأهميتها، وذلك من أجل الزيادة في حضور هذه العناصر في ذهن السامعين؛ للإقناع أكثر»(1).
(يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه) فيه تقديم وتأخير، فقد قدّم الجار والمجرور (عليه) على المفعول به (أهله)(2)، وقدّم الجار والمجرور (به) على اسم الموصول (مَن) وصلته؛ لما في هذا الأسلوب الحِجَاجي من دلالة علىالاختصاص والقصر.
(وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبَركم) (فيكم) جار ومجرور قُدّمَ للاختصاص (سَلُوا جابرَ بن عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخُدريّ، أو سهل ابن سعد الساعديّ، أو زيد ابن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي). (سلوا) فعل كلامي إنجازي مباشر يطلب فيه الإمام (علیه السلام) منهم أن يسألوا أصحاب رسول الله (رضي الله عنهم) عن هذا الحديث، وقوّى حجاجه هذا بذكر هؤلاء الأصحاب؛ لأنّهم سمعوه من رسول الله (صلی الله علیه و آله)، والرابط بين جملة فعل الشرط، وجوابها علاقة سببية، وهي من أهم طرائق الربط بين القضايا في الحِجَاج.
(أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟) تكرار للنتيجة بأسلوبٍ إنكاري؛ «لأنّه أوقع في النفس، وأدلّ على الإلزام...؛ وذلك لما فيه من حجّة دامغة»(3)لتثبيت ذلك في
1) الحِجَاج في كتاب المثل السائر لابن الأثير، (رسالة ماجستير): 26.
2) «كثر في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) تقديم المتعلقات على المفعول به على اختلاف السياقات المقالية في الخطب، والرسائل، والدعاء، والحكم القصار، وغير ذلك مع مراعاة الدلالات التي قصدها الإمام الحسين (علیه السلام)، وكان الغرض من معظم المواضع التي ورد التقديم فيها في كلامه (علیه السلام)؛ للعناية والاهتمام بالمقدم)). المأثور من كلام الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة لغوية، (رسالة ماجستير): 75.
3) البلاغة فنونها وأفنانها: 190.
نفوسهم، ولتعيه عقولهم، وتكرار الإمام الحسين (علیه السلام) للنتيجة نفسها بأسلوبٍ حجاجي أقوى؛ الغاية منه أن ينعموا في النظر أكثر، ويفكروا فيما يقدمون عليه، فضلاً عن ترسيخ النتيجة المرجوة من الحِجَاج في أذهان متلقيه؛ لما لهذاالأسلوب الحِجَاجي من طاقات إيحائية تزيد من قوة الحِجَاج؛ لأنّ هذا النوع من الحِجَاج يشير إلى مراد المحاجج، ويفيد في ترسيخ الفكرة، فضلاً عن دلالته على تحقيق ما قبله، وليكون سبباً لتصديقه.
ومن الألفاظ التي أدت وظيفة حجاجية عالية في هذه الخطبة حجاج الإمام الحسين (علیه السلام) بأنّه ابن بنت النبي محمد (صلی الله علیه و آله)، فهذه العبارة أعجزتهم؛ إذ لا يمكنهم أن ينكروا، أو ينفوا أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) ابن بنت النبي (صلی الله علیه و آله)، فالقوة الحِجَاجية لهذه العبارة تكمن في ما تقتضيه من فعلٍ كلامي غير مباشر، يوجب عليهم أن يعترفوا بأنّ الله جلّ في علاه قد أنعم عليهم بنعمة الإسلام، والهداية برسالة جده المصطفى محمد (صلی الله علیه و آله) فكيف يجوّز لهم دينهم - إن كانوا مسلمين - انتهاك حرمته وقتل آل بيته؟! فعلى هذا يأتي معنى قوله (علیه السلام): «...أمّا بعد فانسبوني... ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وسلم... أفتشكّون أثَراً ما أنّي ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة»، (فوا الله) توكيد بالقسم؛ لتثبيت الشيء في النفس، وتقوية أمره، والغرض منه إزالة ما علق في نفس المخاطب مِنْ شكوك، وما خالجه مِنْ شبهات، وإضافة لفظة (ابن بنت) إلى النبي (صلی الله علیه و آله) - التي كررها أربع مرات في مواضع متقاربة في هذه الخطبة - تقتضي حقيقة، تحمل بين طياتها أنّه ممّا لا نقاش فيه، ولا جدال أنّه لا يحلّ لكمقتلي؛ لأنّ بقتلي انتهاكاً لحرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله)؛ للفت انتباههم إلى حقيقة أخرى هي: إنّ الذي يُجمعون أمرهم وشركاءَهم على قتله سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وهو الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية؛ بوصفه يمثّل حجّة سلطة عليهم، مستمدة من سلطة جدّه
المصطفى (صلی الله علیه و آله)، فلفظة (ابن بنت) في هذه الخطبة حملت في ذاتها قوتها الدلالية؛ لتكون أساساً، يُستند إليه في تحقيق قوتها الحِجَاجية؛ لما فيها من قوة تضفي على الإمام (علیه السلام) صفة المهابة؛ وذلك لتوجيه القوم وجهة حجاجية نحو الكفّ عمّا أسرجوا، وألجموا من أجله؛ ولكي يقوي هذه الحقيقة الاقتضائية سندها إلى فعلٍ كلامي مباشرٍ وهو (أخبروني)، ولفظة (النبي) بصيغها المختلفة التي أُضيفت إلى لفظة (ابن بنت) مثّلت في ذلك المقام أثراً حجاجياً فعّالاً في توجيه الدلالة الوجهة الحِجَاجية المرجوة. (أخبروني) فعل كلام إنجازي مباشر، أراد به الإمام الحسين (علیه السلام) إلزام القوم بأن يجيبوا عن أسئلته بعدما سَئِمَ من صمتهم.
(أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه؟ أو مالٍ لكم استهلكته؟ أو بقِصاص من جراحة؟) تكرار لمعنى النتيجة التي دارت حولها الخطبة؛ لغرض توكيدها، ولفت انتباه القوم إليها، و«الغرض البياني من الاستفهام التقريري إلزام المخاطب بالحجّة، وانتزاع الاعتراف منهبما يريده المتكلم»(1)، و(الهمزة) لم يرد بها الإمام (علیه السلام) السؤال على وجه الحقيقة، بل استعملها مجازاً؛ لدفعهم إلى الإقرار بالكذب الدال على النفي، وقال ميثم قيس في قول الإمام الحسين (علیه السلام) هذا: «فقد خرجت (الهمزة) من السؤال إلى الإنكار المتضمن نفياً، أي: إنّ (الهمزة) في هذا المثال تساوي معنى (لا)، والذي يتولى الإجابة الجماعات المحتشدة لقتاله (علیه السلام)؛ لذا كان التعبير بالاستفهام أبلغ منه في النفي الصريح، ذلك أن الاستفهام في أصل وضعه يتطلب جواباً، يحتاج إلى تفكير، ولما كان المسؤول يجيب بعد تفكير وروية عن هذه الأسئلة بالنفي، كان في توجيه السؤال إليه حملٌ له على الإقرار بهذا النفي، وهو أفضل من النفي ابتداءً... وبتعبير آخر أنّ فيه تحريكاً لفكر المخاطب وتنبيهاً لمشاعره؛ كي يتأمّل ويعيد النظر فيما يريد الإقدام عليه؛
1) البلاغة فنونها وأفنانها: 193.
لعلّه يُحكِّم ضميره ويستلّه من جُبِّ مآثمه»(1)، وهذا الأسلوب «يجعل المخاطَب في حالة اضطرار إلى الجواب... فهو يجعل المخاطب يجيب في الاتجاه الذي يرسمه السؤال»(2)، فعدول الإمام الحسين (علیه السلام) من الخبر إلى الإنشاء في هذا الموضع من الخطبة أراد منه أن ينتزع إقرارهم، واعترافهم بأنّهم يقدمون على فعلٍ لا يُقاس، ولا يوصف، ولا شبيه له، ولامثيل في تاريخ الإنسانية، وهو بهذا الأسلوبحصرهم في زاوية ضيقة، وفي سكوتهم، وملازمتهم الصمت علامة على إلجامهم بالحِجَاج، وإنّهم كانوا موقنين بما قاله، وكانت عقولهم تعيه، لكنّهم لم يسلّموا له؛ إذ لا شيء يمنعهم من اعتقادهم السابق، وهذا من مميزات الحِجَاج التي أشار إليها الدكتور طه عبد الرحمن؛ إذ قال عن المتلقي: «لا شيء يمنعه من اعتقاده السابق»(3).
ولم يقتصر هذا السؤال على دفعهم إلى الإقرار فحسب، بل أشربه معاني الإنكار، والتعجب، والتوبيخ، وفضلاً عمّا أفاده هذا القول من قوة الحجّة في الإقرار، والإنكار، والتعجب، والتوبيخ، أفاد دلالة أخرى زادت من قوة الحجّة، وهي دلالة الاختصاص بتقديم شبه الجملة (الجار والمجرور) (منكم) على الجملة الفعلية (قتلتُه)، و(لكم) على الجملة الفعلية (استهلكته).
(فنادى: يا شَبَث بن رِبعيّ، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد ابن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعَتْ الثمار، [و] اخضّر الجَناب وطمّت الجمام(4)،
1) نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة بلاغية، (رسالة ماجستير): 152.
2) البلاغة العربية في ضوء البلاغة الجديدة أو الحِجَاج، بحث ضمن كتاب (الحجاج مفهومه ومجالاته): 1/47.
3) في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، الدكتور طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية (2000م): 65.
4) كناية عن وفرة الشيء وكثرته.
وإنّما تقدُم على جندٍ لك مجنّد! فأقبل)؛ لإلقاء الحجّة عليهم خاصّة، مستنداً في ذلك إلىما كتبوه إليه من كتب وردت فيها أقوالهم المذكورة آنفاً؛ لينفض غبار الشكّ والريبة التي عُبّئت بها عقول الجيش؛ بأنّه (علیه السلام) خارجٌ على إمام زمانه يزيد! وبهذا الأسلوب المباشر أحرجهم، وأزعجهم، وأجبرهم على الإجابة ف- (قالوا له: لم نفعل)؛ ليثبت للناس كذبهم، وغدرهم، وخيانتهم وخذلانهم لابن بنت الرسول (صلی الله علیه و آله)، من أجل حفنة من مالٍ وهبها إليهم ابن دعي.
(سبحان الله!) تعجب من كذبهم مع وجود الدليل المادي الملموس عليهم؛ إذ إنّ كتبهم كانت موجودة في الخرجين اللذين حملهما معه من مكة؛ ليريهما للنّاس. (بلى) حرف جواب يراد به نفي حجّة الخصم (والله) قسم، وهو أقوى أنواع التوكيد، يُستعمل لدفع الإنكار، ويثبت ما بعده، أفاد في هذا المقام تعضيد التقريرات السابقة. (لقد فعلتم) (اللام) للتوكيد (قد) تفيد التحقيق والتوكيد، وتقريب الماضي من الحال، كما تدلّ على أنّ الفعل بعدها كان متوقَّعاً(1)، وهذا يعني أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) كان متوقِّعاً إنكارهم، فأراد إلقاء الحجّة عليهم؛ ليعي النّاس حقيقة أولئك القوم؛ ولتبقى أسماؤهم مسطرة جنباً إلى جنبٍ في كتب التاريخ، تلاحقهم وصمة العار بفعلتهم المشينة تلك.(أيّها النّاس) تكرار لما ذكره في مقدمة خطبته؛ الغاية منه لفت انتباه الجيش إلى أهمية ما سيلقيه عليهم بعد هذا التنبيه، فضلاً عن دلالته على إنزال المخاطَب منزلة الغافل.
(إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض) بعدما ألقى الإمام (علیه السلام) حججه أراد أن يجلي حقيقة ما عزموا عليه بقوله هذا؛ لينتزع اعترافاتهم
1) اُنظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 2/533.
بأنّهم أسرجوا وألجموا عازمين على إرضاء أميرهم عبيد الله بن زياد، وبالفعل استطاع الإمام الحسين (علیه السلام) إنطاق قيس بن الأشعث ليقول بلسان حالهم: (أولا تنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟)، ليُعلم الإمام (علیه السلام) الناسَ على مرّ العصور أنَّ الكوفيين - آنذاك - ركزوا بين السلّة والذلّة؛ لتبقى وصمة عار تلاحقهم، وسبباً لخلودهم بسقر مع المشركين الأوائل، الذين أشار إليهم عزّ وجلّ في سورة المدثر(1). وقوله هذا لا يخلو من تلميحٍ إلى النتيجة (لا يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي).
وبعدما ألقى الإمام (علیه السلام) حججه على القوم لعلّه يجد فيهم مسلماً غُرر به، وبعدما محّص القلوب، وعرف مكنوناتها، ومال إلى معسكره مَن مال؛ كالحرّ بن يزيد الرياحيّ وغيره،ختم حجاجه بقوله الذي بات صوتاً لكلّ حرٍّ: (لا والله، لا أُعطيهم بيدي إعطَاء الذليل، ولا أقرّ إقرارَ العبيد). (لا) نفي، والنفي عامل حجاجي يزيد من درجة التوجيه نحو النتيجة النهائية، وهو من العوامل التي تقلّص الإمكانات الحِجَاجية، ويساعد المتلقي في تحديد دلالة المراد من الكلام، وهو ردّ فعل على إثبات فعلي أو محتمل حصوله، والإمام (علیه السلام) استند إلى النفي في هذا الموضع من الخطاب؛ «لأنّه باعتماد النفي أسلوباً إنّما يقصد حجاجياً إلى إثبات الصفات المنفية في سواه»(2). (والله) توكيد، والتوكيد بالقسم أقوى أنواع التوكيد، وفضلاً عن ذلك زاد عليه الإمام (علیه السلام) التوكيد بالمصدر (إعطاء)، الذي أفاد توكيد الفعل (أعطى)، والمصدر (إقرار) الذي أفاد توكيد الفعل (أقرُّ)، والإمام (علیه السلام) لم ينفِ الإعطاء عموماً، بل قصره على إعطاء الذليل، كما إنّه لم ينفِ الإقرار عموماً، بل
قصره على إقرار العبيد لغير الله، والغاية من هذا الأسلوب الحِجَاجي توجيه السامع إلى النتيجة النهائية من حجاجه، وهي التي من أجلها قطع المسافات، والمتمثلة بهذه المقولة، وبها غلق الباب نهائياً بوجه من يُناور إلى إرغامه على البيعة، جاعلاً بذلك كلمته هي العليا والأخيرة، ونكتة هذا القول: إنّ خصومه مهما حاولوا أن يجبروه على بيعةيزيد فإنّ الجملة المبدوءة بالقسم، والمؤكدة بالمصدر تبقى جواباً جاهزاً لكلِّ محاولاتهم، مهما كان نوعها (عباد الله إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ أعوذ بربِّي وربِّكم من كلِّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب) ممّا يُلحظ على هذا الكلام اعتماد الإمام (علیه السلام) فيه على أكثر من اقتباس فقوله: (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) اقتبسه من سورة الدخان(1)، وهذه الآية ذكرها الله سبحانه وتعالى على لسان النبي موسى (علیه السلام)، وهي تدلّ على أنّه «غير مبالٍ بما كانوا يتوعدونهُ به من الرجم والقتل»(2).
وقوله (علیه السلام): «أعوذ بربِّي وربِّكم من كلِّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب» اقتبسه من قوله تعالى: «وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ» (3)، ومعناه «إنّي اعتصمت بربِّي وربكم الذي خلقني، وخلقكم من كلِّ متكبّرٍ على الله، متجبرٍ عن الانقياد له، لا يُصدّق بالثواب والعقاب»(4)، وفي هذا الاقتباس تلميح إلى أنّها لم تقتصر على فرعون وحده، بل تشمل كلَّ متكبّر على الله جلّ في علاه.
ومن أهم المميزات التي امتازت بها هذه الخطبة:
حذف جملة جواب الشرط.
التوكيد بالقسم (فوالله).
التوكيد بالتذييل.
التوكيد ب-(إنّ) المؤكدة.
زد على ذلك فإنّ في هذا القول قوة حجاجية متأتية من إطلاق لفظة (كذباً)، وعدم تقييدها؛ لنفي الكذب عنه مطلقاً، ثمّ قصره على الكاذبين (يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه) بأسلوبٍ لا يخلو من التلميح إلى أنّ الكاذبين هم أنتم، أيها القوم المستكفين بي، والعازمين على قتلي.
بما لحقّ لكم عليّ)، وقوله: (حتى أعتذرَ إليكم من مقدَمي عليكم)، وقوله: (ولم يكن لكم عليّ سبيل)، وقوله: (أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟)، وقوله: (إذ كرهتموني، فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض). وحروف الجر «أدوات لغوية بسيطة تسهم في الربط بين قضايا الخطاب، وإيراد المعنى فيه، والتأكيد عليه(1)»(2).
اعتمد (علیه السلام) على وقائع حقيقية؛ لتكون أكثر تأثيراً في العقول، ولتشكّل نقطة انطلاق ممكنة للحجاج؛ لشدّة حضورها في ذهن المتلقي. منها كتب أهل الكوفة التي حملها معه، وقول الرسول (صلی الله علیه و آله) فيه وفي أخيه الحسن (علیهما السلام) .
اعتمد (علیه السلام) على حقائق فعلية، وأحداث معاينة، لا يشك القوم في ثبوتيتها.
استعمل القسم (والله) أربع مرات؛ ليُضفي على الخطاب ظلالاً من القداسة، فضلاً عن تضمينه بالآيات القرآنية.
كان للروابط الحِجَاجية (و، أو، ف، ثمّ) الدور الحِجَاجي الفاعل في نقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى.
النتيجة من الحِجَاج (لا يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي) صاغها بأسلوبٍ استفهامي إنكاري (هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟)، ثم كررها بأسلوبٍ حجاجي آخر (أفما في هذا حاجزٌ لكم على سفك دمي)، ثم كرر معناها بقوله: (أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه؟ أو
مالٍ لكم استهلكته؟ أو بقِصاص من جراحة؟)، وبالتلميح إليها بقوله: (إذ كرهتموني، فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض)، وختم خطبته بالتلميح إليها مستشهداً بقوله تعالى: «وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ»(1)، وبالتلميح إلى قوله تعالى: «وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ»(2)إذ قال (علیه السلام): (أعوذ بربِّي وربِّكم من كلِّ متكبّر لايؤمن بيوم الحساب)؛ وذلك لأنّ «من التكرار ما هو أخفى وأشدّ أثراً في المتلقي، إنّه التكرار الذي يحمل إضافة دقيقة لما كرر، فيستعيد المتكلم ما قاله، ولكن يضيف إليه ما يجعله بعيداً كل البعد عن التماثل التام. هذا النوع من التكرار هام(3)وضروري
في الخطاب الحِجَاجي؛ لأنّه يؤكد بالفعل تقدّماً في الخطاب، فالمتكلّم حين يستعيد ما قاله، ويضيف إليه إنّما ينطلق من أمر ويبني عليه، فما كان مقدّمة يصبح حجّة، وما كان حجّة يصبح مقدمة لحجّة أخرى»(4)، ويرى هشام فرّوم أنّ التكرار «من المنبهات الأسلوبية الكفيلة بإيقاظ وعي المتلقي واستنفاره لدرجة يضحى فيها المتلقي واقعاً تحت سلطة التأثير الناتج عن المنبهات التي تولدها الظاهرة اللغوية التي تتحوّل إلى شحن للمتلقي شحناً عاطفياً»(5).
لأنّ إثارة المشاعر ركيزة، كثيراً ما يقوم عليها الخطاب الحِجَاجي، وتكمن الطاقة الحِجَاجية للتركيب الإنشائي فيما يؤديه ضمناً، إذ يسهم المقتضى الناشئ عن التركيب الإنشائي في النهوض بوظائف حجاجية»(2).
ها هنا تحط ركابي، فلم يبقَ أمامي إلا أن أجمع شذرات دراستي فيما يأتي:
مضمرة وصريحة، وقابلة للنقض والتفنيد بحجج أقوى منها.
الدرس البلاغي الغربي بعد أرسطو ركّز على الجانب الجمالي أكثر من الجانب الحِجَاجي، وبعدما تغيرت حاجات الإنسان، وتنوّعت متطلباته أيقظ هذا التغيّر والتنوّع بعض الباحثين في العالم الأوربي، ودفعهم إلى إعادة النظر في الخطابة الأرسطية، وتمخّضت هذه الصحوة عن إصدار كتابين حجاجيين في عام واحدٍ، وهو على وجه التحديد عام (1958م) أحدهما بلاغي، لبيرلمان وتلميذته تيتيكاه، والآخر فلسفي، لتولمين، ثمّ توالت بعدهما الكتب، والنظريات الحِجَاجية في اللغة وغيرها.
ركز بيرلمان وتلميذته تيتيكاه على الجانب الإقناعي في الحجاج، من دون أن يهملا الجانب الأسلوبي، فقد جعلا المحسنات البلاغية روافدَ لغوية تسعى إلى التأثير في المتلقي؛ لإقناعه بما يُعرض عليه؛ وليحمله ذلك الإقناع إلى التهيؤ لعمل فعلٍ إنجازي في المستقبل، بعيداً عن الاعتباطية واللامعقولية، كما اهتما بمظاهر التواصل (الخطيب، النصّ، المتلقي)، فضلاً عن المقام، وجعلا العلاقة بين المتلقي والمحاجج علاقة أفقية تبادلية، فالمتلقي في النظرية البيرلمانية لم يقتصر دوره على التلقي فحسب، ولم يعد أدنى درجة من الخطيب، بل صار موازياً له، يتلقى ما يتلقاه منه، ثمّ يفكر فيه، ويرد، ويُناقش، ويفنّد، ويدعم؛ وقد ينتقل من موقع التلقي إلى موقع الحجاج، ولا يُفترض أن يكون المتلقي جمهوراً حاضراً، بل يمكن أن يكون فرداً، أو جمهوراً كونياً، أو يكون قارئاً متأملاً، أو تكون نفس المحاجج، ودور الحجاج في هذه النظرية لم يقتصر على
الإلقاء فحسب، بل يمكن أن يكون كتابة أيضاً.
عدّا ديكرو وانسكومبر في نظريتهما (الحجاج في اللغة) العمل الحِجَاجي عملاً دلالياً، تداولياً، كلامياً، يجعل اللغة تحمل في ذاتها بعداً حجاجياً، وذهبا إلى أنّ الحِجَاج متجذّر في اللغة، ولا يمكن الفصل بينهما، كما اهتما بالتداولية المدمّجة بالدلالة، ويعتقدان أنّ الفصل بين الدلالة والتداولية غير ممكن، وذهبا إلى أنّ الخطاب يتألف من حججٍ، ونتائجَ، تربط بينها روابط وعوامل حجاجية، وهذه الروابط والعوامل هي عبارة عن أدوات لسانية يُصرَّح بها في النصِّ، وذهبا إلى أنّ الخطيب لا يترك حججه اعتباطية وكيفما اتفق، بل يرتبها على وفق ترتيب معين بحسب القوة والضعف، وهو ما اصطلح عليه ديكرو ب-(السلالم الحِجَاجية)، وخلصا إلى الاعتقاد بأنّ المعنى الإخباري ثانوي، وتابع للمكون الحِجَاجي.
المحاجج - بحسب نظرية الحجاج في اللغة - يوجّه حجاجه وجهة حجاجية معينة يفرضها على المتلقي من أجل إقناعه، أو دفعه للقيام بفعلٍ ما، أو إزعاجه، أو نحو ذلك، ويعتقد أصحاب هذه النظرية أنّ القوة الحِجَاجية تكمن في قوة الحجّة المدعمة بالروابط والعوامل الحِجَاجية.
هذا - إلى التسليم لها، وعدم القدرة على مجاراتها، أوردّها.
استعمل الرابط (بل) للجمع بين حجتين لهما توجيه حجاجي واحد، والحجّة التي جاءت بعده* أقوى من الحجّة التي قبلها في خدمة النتيجة، واستند إليه أيضاً في إقامة علاقة حجاجية مركبة من علاقتين حجاجيتين فرعيتين: علاقة بين حجّة ونتيجة مضمرة، وعلاقة حجاجية أخرى تسير بالاتجاه المعاكس للنتيجة السابقة، خدمتْ نتيجة مضمرة أخرى، وهذه النتيجة وقعت بعد الرابط (بل)، وكانت النتيجة الأقوى للقول برمته. بعبارة أخرى: إنّ الإمام (علیه السلام) استعمل هذا الرابط للربط بين حجتين، كلّ حجّة منهما تساند نتيجة هي نقيض النتيجة التي تساندها الحجّة الأخرى، واستعمله أيضاً في تساند الحجج لخدمة النتيجة.
التي بعده أقوى من الحجّة التي قبله في خدمة النتيجة.
استعمال الإمام الحسين (علیه السلام) لأدوات التوكيد الحِجَاجية جاء متلائماً مع أحوال المتلقي، فكلما كانت درجة الإنكار عالية كان الإمام (علیه السلام) يستعمل أسلوباً أقوى في الحِجَاج، ومن أبرز توكيداته (علیه السلام) اعتماده على أسلوب التكرار اللفظي؛ لما فيه من تهويل، وتفخيم، وتأكيد أهمية القول، فضلاً عن أهميته في التدليل على المعنى، وتوجيه الخطاب الوجهة الحِجَاجية التي يريدها، ولم يقتصر في تكراره على اللفظ، بل عمد إلى تكرار المضمون، وهذا النوع من التكرار من أقوى أنواع الحِجَاج؛ لما فيه من طاقات إيحائية تزيد من قوة الحجّة، وترسيخ الفكرة.
كان (علیه السلام) يعدل في خطاباته نحو الأقوى حجاجياً؛ باعتماد أسلوب الاستفهام التقريري؛ لما فيه من الدلالة على النفي، والتعجب، والإنكار، والتوبيخ، وإجبار المخاطب على الجواب بعد أن يحصره في زاوية ضيقة؛ ليصل من ذلك إلى مراميه بحجج دامغة لا يقوى المتلقي على مجاراتها؛ ولينتزع إقرار المتلقي فيه انتزاعاً، وفضلاً عن ذلك فقد عدل من النفي إلى الاستفهام؛ لما فيه من قوة حجاجية تزيد من قوة النفي، وتجبر المتلقي على ردّ الفعل، وإنْ لم يفعل ففي ذلك دلالة على إلجامه بالحجّة، كما أفاد (علیه السلام) من أسلوب الالتفات في حجاجه؛ لأجل لفت انتباه المتلقي إلى الخطاب، فضلاً عمّا لهذا الأسلوب من قدرة على استمالة القلوب، وثني الأعناق للإذعان للحجّة، والتسليم لها.
الوظيفة الكبرى التي أداها العطف ب-(الواو)، فبواسطته استطاع الإمام (علیه السلام) أن ينقل المتلقي من صورة حجاجية إلى أخرى، فضلاً عمّا فيه من دلالة على الاشتراك في الحكم، وبه وضّح مقاصده؛ ليضمن التأثير في المتلقي، كما كان للعطف بشكل عام، والعطف بالواو على وجه الخصوص الأثر الحِجَاجي الفاعل في الربط بين الحجج وترتيبها، ولا يمكن تجاهل مدى إفادته (علیه السلام) من الجمل الشرطية في الربط بين العلاقات، فقد جعل الرابط بينها علاقة سببية؛ ليضفي على حجاجه جوانب عقلية شبه منطقية، وكان يستند (علیه السلام) في حجاجه إلى التقابل الدلالي بين بعض الألفاظ والعبارات؛ لما فيه من حجّة في تعظيم الفكرة، والزيادة من قوة التأثير في المتلقي؛ لاستمالته وإقناعه بحجاجه.
أفاد (علیه السلام) من الاقتباس من القرآن الكريم؛ وكلام جده المصطفى (صلی الله علیه و آله)؛ ليكونا القاعدة التي يستند إليها في حجاجه؛ لإقناع القوم بأحقيته بالإمامة والاتباع؛ ولتكون تلك الاقتباسات شاهد صدقٍ على الأحداث، فضلاً عمّا فيها من الوقار، والبهاء، والبيان، والإيجاز في اللفظ، والعمق في الدلالة.
جعل النبي محمداً (صلی الله علیه و آله)، وآل بيته (علیهم السلام) الأنموذج الأمثل للنَّاس في أغلب خطاباته.
اعتمد (علیه السلام) على تقنية الفصل الحِجَاجي القائمة على ثنائية الظاهر
والحقيقة في كشف زيف حجج خصومه، وتسليط الضوء على مغالطاتهم.
اعتمد (علیه السلام) في حجاجه على التقنية التتابعية في رصد الوقائع، ورَبَطَ بينها، كما رصد المتناقضات في حجاج معاوية وتتبعها.
غلب على خطاباته الاستناد إلى وقائع حقيقية، وحقائق فعلية، وأحداث معاينة، لا يشك المتلقي في ثبوتيتها.
امتاز كلامه (علیه السلام) بالتناغم في الأفكار، وحسن التخلص من فكرة إلى أخرى، وهذا الأسلوب الحِجَاجي يؤكّد بما لا يقبل الشك أنّ كلَّ ما في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) محكم النسج، ومنتقى بدقّة في التوجيه نحو النتيجة، وهو انتقاءٌ واعٍ للألفاظ والتراكيب، وطريقة في النظم معنى وأسلوباً؛ فلا وجود للاعتباطية والمصادفة في كلامه (علیه السلام)، وكانت الجزالة الطابع المميّز لألفاظه، فقد كان دقيقاً في اختيارها؛ إذ نجده ينظّم الكلمة مع أختها كالعقد المنظوم في اقتران كلّ لؤلؤة منه بأختها، وكان (علیه السلام) في جلِّ حجاجه يميل نحو الإيجاز، فاتحاً بذلك أمام أذهان متلقيه أبواب التخييل والتصوير.
لم يقتصر الإمام الحسين (علیه السلام) في حجاجه على الخطابة والكتابة، بل كانت أفعاله وأقواله شعلةً وهّاجة من الحِجَاج، أضاءت للأجيال الدروب النيرة، والعقائد الصالحة؛ لتميز بها الأجيال الخبيث من الطيب.وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
خذها وإني إليك معتذرٌ
واعلم بأنّي عليك ذو شفقه
لو كان في سيرنا عصا تمداداً
كانت سمانا عليك مندفقه
لكنًّ ريب المنون ذو نكدٍ
والكفّ منّا قليلة النفقه(1)
أغن عن المخلوق بالخالق
تغن عن الكاذب والصادق
واسترزق الرحمن من فضله
فليس غير الله من رازق
من ظن أنَّ الناس يغنونه
فليس بالرحمن بالواثق
أو ظن أنَّ المال من كسبه
زلت به النعلان من حالق(2)
ومن أشعاره (علیه السلام):
كلما زيد صاحب المال مالاً
زيد في همّه وفي الاشتغال
قد عرفناك يا منغّصة العيش
ويا دار كلِّ فانٍ وبالليس
يصفو الزاهد طلب الزهد
إذا كان مثقلاً بالعيال(3)
ليس يصفو الزاهد طلب الزهد
إذا كان مثقلاً بالعيال(1)
ومن أشعاره (علیه السلام):
لئن كانت الدنيا تعدّ نفيسة
فدار ثواب الله أغلى وأنبلُ
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت
فقتل امرء بالسيف في الله أفضلُ
وإن كانت الأرزاق شيئاً مقدراً
فقلة سعي المرء في الكسب أجملُ
وإن كانت الأموال للترك جمعها
فما بال متروك به المرء يبخلُ(2)
شعره (علیه السلام) في زوجه الرباب وابنته سكينة:
لَعْمْرُكَ إنَّني لأُحِب دَاراً
تَحُلُّ بها سُكَيْنَةُ وَالرَّبابُ
أُحِبهما وأَبْذُل كل مَالي
وليس للائمٍ عِنْدِي عِتَابُ (3)
فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حُسَين، لا منبر أبي، من علّمك هذا أبوك عليّ ابن أبي طالب؟ فقال له الحُسَيْن (علیه السلام): إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنّه لهادٍ وأنا مهتدٍ به، وله في رقاب النَّاس البيعة علىعهد رسول الله، نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها النَّاس بقلوبهم، وأنكروها بألسنتهم، وويلٌ
للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمّد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إدامة الغضب وشدّة العذاب؟!
فقال عمر: يا حُسَين من أنكر حقّ أبيك فعليه لعنة الله، أمَّرنا النَّاس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا.
فقال له الحُسَيْن: يا ابن الخطاب فأيّ النَّاس أمرك على نفسه قبل أن تؤمِّر أبا بكر على نفسك، ليؤمرك على النَّاس بلا حجّة من نبي، ولا رضا من آل مُحَمَّد، فرضاكم كان لمُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) رضى أو رضا أهله كان له سخطاً؟! أما والله لو أنَّ للسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلاً يعينه المؤمنون، لما تخطيت رقاب آل مُحَمَّد، ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله الأسماع، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عمَّا أحدثت سؤالاً حفياً.
قال: فنزل عمر مغضباً، فمشى معه أناسٌ من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين (علیه السلام) فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال: يا أبا الحسن ما لقيت اليوم من أبنك الحُسَيْن، يجهرنا بصوتٍ في مسجد رسول الله، ويُحرض عليّ الطغام وأهل المدينة...»(1).
ردَّه (علیه السلام) على ابن الأزرق الخارجي: رويَ «عن ابن عباس أنه بينما هو يحدث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال له: يا ابن عباس تفتي الناس في النملة والقملة؟ صف لي إلهك الذي تعبد، فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحُسَيْن بن علي جالساً ناحيةً فقال: إليّ ياابن الأزرق. قال: لست إياك أسأل. قال ابن عباس: يا ابن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم. فأقبل نافع نحو الحُسَيْن فقال له الحُسَيْن: يا نافع إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الالتباس، سائلاً إذا كبا عن المنهاج،
1) الاحتجاج: 2/271.
ظاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يا ابن الأزرق، أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه: لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس. قريب غير ملتصق، وبعيد غير منتقص، يوحّد ولا يبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
فبكى ابن الأزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! قال له الحُسَيْن: بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليَّ؟ قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام، ونجوم الأحكام، فقال له الحُسَيْن: إني سائلك عن مسألة، قال سل، فسأله عن هذه الآية: «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ»(1). يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبُوهما؟ قال الحُسَيْن: فأبوهما خير أم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون»(2).
خطبته في التوحيد: «أيّها النّاس اتّقوا هؤلاء المارقة، الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب،بل هو الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير. استخلص الوحدانية والجبروت، وأمضى المشيئة والإرادة والقدرة والعلم بما هو كائنٌ. لا منازع له في شيءٍ من أمره، ولا كفو له يعادله، ولا ضد له ينازعه، ولا سميّ له يشابهة، ولا مثل له يشاكله، لا تتداوله الأمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث، ولا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنّه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلا
بالتحقيق إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصّمد، ما تصور في الأوهام فهو خلافه. ليس بربّ من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء. هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائنٌ لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر من قارنه ضد، أو ساواه ندّ. ليس عن الدهر قدمه، ولا بالناحية أممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار. وعمَّن في السّماء احتجابه كمن في الأرض قربه كرامته، وبعده إهانته، لا تحله في، ولا توقته إذ، ولا تؤامره إن. علوه من غير توقل، ومجيئه من غير تنقل، يوجد المفقود، ويفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت. يصيب الفكر منه الإيمان به، موجوداً ووجود الإيمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها يوصف، و به تعرف المعارف لا بها يعرف، فذلك الله لا سمي له، سبحانه }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{ [سورة الشورى: 11] »(1).تفسيره لمعنى (الصمد): «بسم الله الرحمن الرحيم أمَّا بعد: فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تكلموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». وإنّ الله قد فسّر سبحانه الصّمد فقال: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» «لَمْ يَلِدْ» لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، ولا سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا ينبعث منه البدوات كالسنة، والنوم، والخطرة، والغم، و الحزن، والبهجة، والضحك، والبكاء، والخوف، والرجاء، والرغبة، والسّامة، والجوع والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء، و أن يتولد منه شيء كثيف أو لطيف «وَلَمْ يُولَدْ» أي: ولم يتولد من شيء، و لم يخرج من شيء، كما تخرج الأشياء الكثيفة من
1) تحف العقول عن آل الرسول: 173-174.
عناصرها، كالشيء من الشيء، والدّابة من الدّابة، والنبات من الأرض، والماء من الينابيع، والثمار من الأشجار، و لا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الأذن، و الشم من الأنف، و الذوق من الفم، و الكلام من اللسان، والمعرفة، والتمييز من القلب، و النّار من الحجر، لا بل هو الله الصّمد الذي لا من شيء، و لا في شيء، ولا على شيء، مبدع الأشياء، وخالقها، ومُنشىء الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه. فذلكم الله الصّمد، الذي لم يلد و لم يولد «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ»[سورة الرعد: 9]»(1).
خطبته في مكارم الأخلاق: «أيها الناس، نافِسوا في المكارم،وسارعوا في المغانم، ولا تحسبوا بمعروف لم تعجّلوه، واكتسبوا الحمدَ بالنُّجح، ولا تكسبوا بالمَطلِ ذمّاً، فمهما يكن لأحدٍ صنيعةٌ له رأى أنه لا يقومُ بشكرها فالله مُكافٍ له، فإنه أجزلُ عطاءً وأعظم أجراً.اعلموا أنَّ حوائج الناس إليكم من نِعَمِ الله عليكم، ولا تملُّوا النعم فتَحَوّر نِقماً، واعلموا أنَّ المعروف مُكسبٌ حمداً، ومُعقبٌ أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً، يسرُّ الناظرين، ويفوقُ العالمين، ولو رأيتم اللؤمَ رجلاً رأيتموه سَمِجاً مشوهاً تنفرُ منه القلوبُ، وتُغَضّ دونه الأبصار. أيُّها الناس من جاد ساد، ومن بَخِلَ رُذِلَ، وإنَّ أجودَ الناس مَن أعطى من لا يرجوه، وإنَّ أعفى الناس من عفا عن قُدرة، وإنَّ أوصل الناس مَن وصلَ مَن قطعه، والأصولُ على مغارسها بفروعها تسمو. من تعجَّلَ لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً، ومن أراد رضا الله تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاءِ الدنيا ما هو أكثرُ منه، ومن نَفَّسَ كُرْبَةَ مؤمنٍ فَرَّجَ الله عنه كُربَ الدنيا والآخرة، ومن أحسن أحسنَ
1) مجمع البيان في تفسير القرآن: 10/550-551.
الله إليه، و اللهُ يحبُّ المحسنين»(1).
خطبته بجيش العراق في صفين بعد فتنة التحكيم: «يا أهل الكوفة، أنتم الأحبة الكرماء، الشّعار دون الدِّثَار، جِدُّوا في إحياء ما دُثِرَ بينكم، وإسهال ما توعَّر عليكم، وأُلفة ما ذاع منكم،ألا إنَّ الحرب شرُّها ذريع، وطعمُها فظيع، وهى جُرعٌ متحسَّاة، فمن أخذ لها أهبتَها، واستعدَّ لها عُدّتَها، ولم يأْلَم كُلومَها عند حلولها، فذاك صاحبها. ومنعاجلها قبل أَوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قَمِن أَلَّا ينفعَ قومه، ويهلكَ نفسَه. نسأَل الله بعونه أن يَدْعَمَكم بأُلفته»(2).
خطبته عندما أراد معاوية وأنصاره استصغاره، والتقليل من شأنه؛ بحجة أنّ في لسانه كلالة، ولا يجيد الخطابة، إذ طلبوا منه أنّ يصعد المنبر، ويخطب، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي (صلی الله علیه و آله)، فسمع رجلاً يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحُسَيْن (علیه السلام): «نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله (صلی الله علیه و آله) الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كلّ شيءٍ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقائقه، فأطيعونا؛ فإنَّ طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله (عزوجل): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» [سورة النساء: 59]، وقال: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا»[سورة النساء:83].
وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم؛ فإنَّه لكم عدو مبين، فتكونوا
كأوليائه الذين قال لهم: «لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ» [سورة الأنفال: 48] فتلقون للسيوف ضرباً، وللرماحِ ورداً، وللعمد حطماً وللسهام غرضاً، ثم لايقبل من نفسٍ إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. قال معاوية: حسبك يا أبا عبد اللهقد بلّغت»(1).
رده (علیه السلام) على كتاب معاوية، الذي أعاب عليه فيه زواجه من جاريته بعدما اعتقها، فكتب إليه الحُسَيْن: «أمَا بعد، فقد بلغني كتابُك، وتَعْيِيرُكَ إياي بأني تزوَجْتُ مولاتي، وتركتُ أكْفائي مِنْ قُرَيش، فليسَ فَوْقَ رسول الله منتَهًى في شرَف، ولا غاية في نسب؛ وإنّما كانت مِلْكَ يميني، خرجَتْ عن يدي بأمرٍ التمستُ فيه ثوابَ الله تعالى، ثم ارتجعتُها على سنةِ نبيه (صلی الله علیه و آله)، وقد رفع اللَهُ بالإسلام الخسيسة، ووضع عنَّا به النقيصةَ؛ فلا لَوْمَ على امرئ مسلم إلاَ في أمرِ مأثم، وإنَّما اللومُ لَوْمُ الجاهلية. فلمّا قرأ معاوية كتابَهُ نَبَذهُ إلى يزيد فقرأه، وقال: لَشَدَ ما فَخَرَ عليك الحُسَيْن! قال: لا، ولكنها ألسنةُ بني هاشم الحِداد التي تَفْلِقُ الصَخْرَ، وتَغْرِفُ من البحر!»(2).
رده (علیه السلام) على معاوية عندما قال له: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحجر، وأصحابه، وأشياعه وشيعة أبيك؟ «فقال (علیه السلام): وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم، وكفّناهم، وصلينا عليهم. فضحك الحُسَيْن (علیه السلام) ثم قال: خصمك القوم يا معاوية، لكنَّنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في عليّ وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثم سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد
ظلمناك يا معاوية فلاتوترنَّ غير قوسك، ولا ترمينَّ غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكانٍ قريب، فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قَدِمَ إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك، أو دع - يعني: عمرو بن العاص»(1).
رده (علیه السلام) على كتاب معاوية الذي ذكر فيه أنّه انتهت منه إليه أمور: «وكتب إليه الحُسَيْن رضي الله عنه: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور، لم تكن تظنّني بها، رغبة بي عنها، وإن الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدد إليها إلا الله تعالى، وأمّا ما ذكرت أنه رقي إليك عني، فإنّما رقاه الملاقون، المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً، وإني لأخشى لله في ترك ذلك، منك ومن حزبك، القاسطين المحلّين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. ألست قاتل حجر، وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة على الله واستخفافاً بعهده، أولست بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شعف الجبال، أولست المدعي زياداً في الإسلام، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الولد للفراش،وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل، سبحان الله يا معاوية؟ لكأنّك لست من هذه الأمة، وليسوا منك. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم
1) الاحتجاج: 2/275؛ واُنظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2/240 مع اختلافٍ في الرواية.
الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم، وقلتَ فيما قلتَ: لا ترد هذه الأمة في فتنة، وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، وقلتَ فيما قلتَ: انظر لنفسك ولدينك ولأمة مُحَمَّد، وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحبُّ ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون، وإنِّي لأرجو أن لا تضرَّ إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك، واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتاباً «لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا» [سورة الكهف: 49]. واعلم أن الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبياً يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام»(1).
خطبته التي بددت آمال معاوية في كسب البيعة ليزيد: «فحمد الله، وصلى على الرسول ثمّ قال: أمّا بعد يا معاوية، فلن يؤديالقائل وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله، من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفتَ، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حقٍّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة مُحَمَّد، تريد أن توهم النّاس في يزيد، كأنَّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمَّا كان ممَّا احتويته بعلمٍ خاص، وقد دلّ يزيد
1) الإمامة والسياسة: 1/202-204؛ واُنظر: الاحتجاج: 2/275-277؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/58-64.
من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجّة بذلك، ورده الإيمان إلى النصف؟! فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى عليهوسلم وتأميره له، وقد كان ذلك؟! ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له؟! وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثُهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري). فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟! أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً، وحولك من لا يؤمَن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته؟! وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لي ولكم»(1).
1) الإمامة والسياسة: 1/208-210.
قوله (علیه السلام) لمروان بن الحكم(1): «يابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت»(2).
وصيته (علیه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية (رضی الله عنه) بالبقاء في المدينة: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحُسَيْن بن علي بن أبي طالب إلى أخيه مُحَمَّد، المعروف بابن الحنفية، إنّ الحُسَيْن يشهد أن لاإله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن مُحَمَّداً عبده ورسوله، جاء بالحقِّ من عند الحقّ، وأن الجنة والنار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي، صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحقِّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر، حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقِّ، وهو خير الحاكمين»(3).
قول الإمام الحُسَيْن (علیه السلام) عند قبر أخيه الحسن قبل خروجه من المدينة إلى مكة: «رحِمك اللهُ أبا محمّد إن كنتَ لَتُناصِرُ الحقَّ مَظَانَّه، وتؤثِر الله عند تداحُض الباطلِ، في مواطن التقيَّة بحسن الرويَّة، وتستشِفُّ جليلَ مَعاظم الدنيا بعينٍ لها حاقرةٍ، وتُفيضُ عليها يداً طاهرةَ الأطرافِ، نقيَّةَ الأسرَّةِ، وتردَعُ بادرةَ غربِ أعدائك بأَيسرِ المؤونة عليك؛ ولا غَروَ، وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيعُ لِبان الحكمةِ، فإلى رَوْحٍ ورَيحانٍ وجنَّةِ نعيم؛ أعظمَ اللهُ لنا ولكم الأجرَ عليه، ووهبَ لنا ولكم السّلوة وحُسْنَ الأَسَى عنه»(4).
1) عندما هلك معاوية أرسل ابنه يزيد إلى الوليد بن عتبه، والي المدينة كتاباً طلب منه فيه أخذ البيعة من الإمام الحسين (علیه السلام)، وكبار أهل المدينة، فأرسل الوليد بطلب مروان يستشيره، فأشار عليه باستدعائهم قبل أن يعلموا بهلاك معاوية، ومن يرفض يقطع عنقه. اُنظر: تاريخ الطبري: 5/340.
2) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
3) بحار الأنوار: 44/329-330.
4) عيون الأخبار: 2/314-315؛ واُنظر: جمهرة خطب العرب: 2/129.
وقال (علیه السلام) عندما أتى مقابر الشهداء بالبقيع:
ناديت سكّان القبور فأسكتوا
وأجابني عن صمتهم ندب الجثا
قالت: أتدري ما صنعت بساكني
مزقت لحمهم وخرّقت الكسا
وحشوت أعينهم تراباً بعدما
كانت تباينت المناصل والشوا
قطّعت ذا من ذا ومن هذا كذا
فتركتها رمما يطول بها البلا(1)
لا ذعرتُ السوام في غبش الصبح
معيراً ولا دُعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماً
والمنايا ترصدنني أن أحيدا(2)
كتابه (علیه السلام) إلى أهل الكوفة مع هانئ وسعيد: «كتب مع هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكان آخر الرسل. بسم الله الرحمن الرحيم من حسين بن على إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد: فان هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم، إنّه ليس علينا إمام، فأقبل؛ لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فان كتب إليّ انه قد أجمع رأي ملئكم وذوى الفضل والحجا منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم و، قرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ والحابس نفسه على ذات الله، والسلام»(3).
كتابه (علیه السلام) إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي:«أمّا بعد: فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا، والطلبِ بحقِّنا [فسألت الله أن يُحسن لنا الصُّنع] فأثابكم الله على ذلك أعظم الأجر، [ وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء، لثمانٍ مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قَدِمَ عليكم رسولي] فاكمشوا أمركم، وجدوا فيه، فإنّي قادم عليكم في أيامي إن شاء الله، والسلام [عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).
روى رجل كان يطوف بالكعبة أنّه سمع عبد الله بن الزبير يُنادي الإمام الحُسَيْن (علیه السلام) ويسرّه بشيء، فالتفت الإمام (علیه السلام) إلى النّاس وقال: «أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلنا الله فداك! فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك النّاس، ثمّ قال الحُسَيْن: والله لأن أُقتل خارجاً منها بشبرٍ أحبُّ إليّ* من أن أُقتل داخلاً منها بشبرٍ، وأيم الله لو كنت في جُحْرِ هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني، حتّى يقضوا فيّ حاجتهم، والله ليَعتدُنَّ عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت»(3).
1) جمل من أنساب الأشراف: 3/378؛ واُنظر: تاريخ الطبري: 5/395، وما بين المعقوفات من تاريخ الطبري؛ وينظر أيضاً: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/70؛ والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 5/328؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/80-81
2) تاريخ الطبري: 5/384.
3) جمل من أنساب الأشراف: 3/375؛ واُنظر: تاريخ الطبري: 5/385.
عندما عزم الإمام الحُسَيْن (علیه السلام) على المسير بأطفاله، ونسائه، وأهل بيته، وبعض أصحابه مع أسرهم وأطفالهم من مكة إلى العراق كان النّاس لا يعرفون غاية الإمام من الخروج إلى حربٍ خاسرة، وما حكمته في ذلك؟! فخطب فيهم هذه الخطبة: «الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله وسلم. خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنِّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جُوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين؛ لن تشذَّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرُّ بهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاءِ الله نفسه، فليرحل معنا فانِّي راحل مصبحاً إن شاء الله»(1).كتابه (علیه السلام) إلى عمرو بن سعيد بن العاص عامل يزيد بن معاوية على مكة، الذي كتبه له وهو في طريقه إلى العراق، الذي منحه فيه الأمان، ودعاه إلى الرجوع إلى مكة: «أمّا بعد: فانّه لم يشاقِقِ الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله عزّ وجلّ، وعمل صالحاً، وقال إنّني من المسلمين، وقد دعوت إلى الأمان والبرّ والصّلة، فخير الأمان أمانُ الله ولن يؤمْنَ الله يومَ القيامةِ مَن لم يخفْه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا، تُوجب لنا أمانه يومَ القيامة، فإن كنت نوَيتَ بالكتاب صلتي وبرّي فجُزيت خيراً في الدنيا والآخرة. والسلام»(2).
ردّ الإمام الحُسَيْن (علیه السلام) على أبي هرّة عندما قال له - وهو في طريقه إلى العراق -: يا ابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله، وحرم جدك مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله) ؟: «ويحك أبا هرَّة إنَّ بني أُمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلّطنَّ عليهم من يذلَّهم حتّى يكونوا أذلَّ من قوم سبأ؛ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائِهم»(1).
محاورته (علیه السلام) مع الفرزدق وهو في طريقه إلى الكوفة: «عن أبى جناب، عن عدى ابن حرملة، عن عبد الله ابن سليم والمذري قالاأقبلنا حتى انتهينا إلى الصفِّاح فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر فواقف حسيناً، فقال له: أعطاك الله سؤلك، وأملك فيما تحبُّ، فقال له الحُسَيْن: بيِّن لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: من الخبير سألت قلوبُ الناس، معك وسيوفُهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له الحُسَيْن: صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يومٍ ربُّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبُّ، فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيّته والتقوى سريرته، ثم حرّك الحُسَيْن راحلته فقال السلام عليك ثم افترقا»(2).
وفي رواية أخرى أنّه أجاب الفرزدق بقوله: «ما أراك إلا صدقت، إنّ النّاس عبيد المال، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(3).
خطبته (علیه السلام) بأصحابه بعد قتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن يقطر: «فلما بلغ الحُسَيْن قتل ابن يقطر خطب فقال: أيّها الناس، قد خذلتنا شيعتنا، وقُتِلَ مسلم، وهانئ، وقيس بن مسهر، ويقطر، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف. فتفرق الناس الذين صحبوه أيدي سبأ، فأخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من الحجاز»(1).خطبته (علیه السلام) بالحرّ وجيشه بعد صلاة الظهر: «أيّها الناس، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم، إنِّي لم آتكم حتى أتتني كُتُبكم، وقدمتْ عليَّ رُسُلكم أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى، فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تُعطوني ما أطمئنُّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقْدمي كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم»(2)، فسكتوا عنه، وبقوا ملازميه، وبعدما أنهى الإمام (علیه السلام) صلاة العصر خطب فيهم خطبة أخرى جاء فيها - بعدما حمد الله وأثنى عليه: «أيّها الناس، فإنّكم إن تتقوا وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولايته هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجوْر والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيُكم غيرَ ما أتتني كتبكم، وقدمتْ به عليَّ رُسُلكم، انصرفتُ عنكم. فقال له الحر بن يزيد: إنّا والله ما ندرى ما هذه الكُتُب التي تذكر؟ فقال الحُسَيْن: يا عقبة بن سِمْعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليَّ، فأخرج خرْجين مملوءين صُحُفاً، فنشرها بين أيديهم، فقال الحر: فإنَّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أُمِرنا إذا نحن لقيناك ألَّا نفارقَك، حتى نُقدمك على عبيد الله ابن زياد؛ فقال لهالحُسَيْن:
الموتُ أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا»(1).
خطبته بذي حُسُم، وفيها ذمّ الدّنيا وحذّر منها: «إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفُها واستمرت جداً، فلم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوَبيل. ألا ترون أنَّ الحقَّ لا يُعْمَل به، وأن الباطل لا يُتناهَى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقاً، فإنّي لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَمَاً»(2).
خطبته بالبيضة قرب العُذيب، وجاء فيها - بعدما حمد الله جلّ في علاه، وأثنى عليه -: «أيّها النّاس إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرمِ الله، ناكثاً لعَهْد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يَعملُ في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخَله" ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حَرام الله، وحرّموا حلالَه، وأنا أحقُّ من غَيّر، وقد أتتني كتبكم، وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنَّكم لا تُسلموني ولا تَخذُلوني، فإنْ تممتم عليَّ بيعتكم تصيبُوارشدكم، فأنا الحُسَيْن بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلِكم، فلكم فيَّ أسْوة، وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكر، لقد فعلتموها بأبي، وأخي، وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومن نكث فإنَّما ينكُثُ على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).
أبياته (علیه السلام) التي قالها للحرّ بن يزيد عندما حذّره القتال. قال البلاذريّ: «وأقبل الحر بن يزيد يقول: يا حسين أذكرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقاتلن، ولئن قُوتلت لتهلكنّ، فقال الحُسَيْن: أبالموت تخوفني؟! أقول كما قال أخو الأوس:
سأمضي فما بالموتِ عارٌ على الفتَى
إذا ما نَوَى حقَّاً وجاهدَ مسلمَا
وآسى الرجالَ الصالحينَ بنفسِه
وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشت لم أُذمم وإن مت لم أُلم
كفى لك ذلاً أن تعيش وتُرغما
فلما سمع ذلك الحر بن يزيد تنحى بأصحابه في ناحية عذيب الهجانات، وهي التي كانت هجائن النعمان ابن المنذر ترعى بها»(2).
حواره (علیه السلام) مع ابنه علي الأكبر بعدما ارتحلوا من قصر بنيمقاتل: «قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن ابن جندب، عن عقبة بن سِمعان قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرْنا ساعة، خفق الحُسَيْن برأسه خَفْقة، ثم انتبه وهو يقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين؛ قال: ففعل ذلك مرتين، أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه ابنُه عليّ بن الحُسَيْن على فرس له، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، يا أبتِ جُعلت فداك؟ ممَّ حمدتَ الله واسترجعتَ؟ قال: يا بنيّ إنّي خفقتُ برأسي خفْقةً فعنَّ لي فارسٌ على فرسٍ، فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنّها أنفسُنا نُعيت إلينا، قال له: يا أبتِ لا أراك الله سوءً، ألسنا على الحقّ؟ قال:
1) تاريخ الطبري: 5/403؛ وذكر البلاذري (ت279ه-) جزءاً منها في كتابه (جمل من أنساب الأشراف): 3/381؛ وينظر أيضاً: الكامل في التاريخ: 3/408-409؛ وبحار الأنوار: 44/381-382؛ وجمهرة رسائل العرب: 2/40.
2) جمل من أنساب الأشراف: 3/382؛ واُنظر: تاريخ الطبري: 5/404-405؛ والكامل في التاريخ: 3/409؛ وبحار الأنوار: 44/314.
بلى والذي إليه مرجع العباد؛ قال يا أبتِ: إذاً لا نبالي نموت محقِّين؛ فقال له: جزاك الله من وَلَدٍ خيرَ ما جزى ولداً عن والده»(1).
رده (علیه السلام) على سؤال عمر بن سعد الذي سأله فيه عن سبب قدومه الكوفة، حين أرسل إليه قرة بن سفيان الحنظلي: «فقال الحُسَيْن [لقرة بن سفيان]: أبلغه عنّي أنّ أهل هذا المصر كتبوا إليَّ يذكرون أن لا إمام لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقت بهم، فغدروا بي، بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، فلما دنوت، فعلمت غرور ما كتبوا به إليَّ أردت الانصراف إلى حيث منه أقبلت، فمنعني الحر بن يزيد، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان، ولي بك قرابة قريبة، ورحم ماسة، فأطلقني حتى انصرف.فرجع قرة إلى عمر بن سعد بجواب الحُسَيْن بن علي.
فقال عمر: «الحمد لله، والله إنّي لأرجو أن أُعفى من محاربة الحُسَيْن».
ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك.
فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه: «قد فهمت كتابك، فأعرض على الحُسَيْن البيعة ليزيد، فإذا بايع في جميع من معه، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي».
فلما انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال: ما أحسب ابن زياد يريد العافية.
فأرسل عمر بن سعد بكتابٍ ابن زياد إلى الحُسَيْن، فقال الحُسَيْن للرسول: (لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبداً، فهل هو إلا الموت، فمرحبا به). فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك، فغضب»(2).
خطبته (علیه السلام) بأصحابه بعدما انصرف عنه عمر بن سعد مساء ليلة العاشر من المحرم: «أُثني على الله تبارك وتعالى أحسنَ الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهمَّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين، أمّا بعد، فإنِّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصلَ من أهل بيتي،فجزاكم الله عنِّي جميعاً خيراً؛ ألا وإني أظنُّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم مِنِّي ذِمام، هذا الليلٌ قد غَشيَكم، فاتخِذوه جملاً... ثم ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي،[و] تفرقوا في سوادكم ومدائنكم، حتى يفرّج الله، فإنَّ القوم إنَّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهَوْا عن طَلب غيري، فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً؛ بدأهم بهذا القول العباس بن عليّ. ثم إنّهم تكلَّموا بهذا ونحوه، فقال الحُسَيْن (علیه السلام): يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا، قد أذنتُ لكم؛ قالوا: فما يقول الناس؟ يقولون: إنَّا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام»(1).
الأبيات التي قالها (علیه السلام) ليلة العاشر من محرم: «رويَ عن علي بن الحُسَيْن أنه قال: إني لجالس في العشية التي قتل أبي الحُسَيْن بن علي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني، إذ دخل أبي، وهو يقول:
يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلَيْلِ
كَمْ لَكَ فِي الإِشْرَاقِ والأَصِيْلِ
مِنْ طَالِبٍ وَصَاحِبٍ قَتِيْلِ
وَالدَّهْرُ لا يَقْنَعُ بالبَدِيْلِ
وَإِنَّمَا الأَمْرُ إِلى الجَلِيْلِ
وَكَلُّ حَيٍّ سالِكٌ سَبِيْلِ
1) تاريخ الطبري: 5/418-419؛ واُنظر: الكامل في التاريخ: 3/416؛ والإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2/91؛ وجمهرة خطب العرب: 2/41.
قال علي السجّاد (علیه السلام): فأعادها مرتين، أو ثلاثاً حتى فهمتها، فعرفت ماأراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي، ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل، فأمّا عمَّتي [زينب] فإنَّها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنَّها لحاسرة حتى انتهت إليه، فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمي، وعليّ أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمالِ الباقي. قال: فنظر إليها الحُسَيْن (علیه السلام) فقال: يا أُخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان. قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله استقتلت نفسي فداك، فرد غصته، وترقرقت عيناه، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام. قالت: يا ويلتي أفتغصب نفسك اغتصاباً؟! فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي، ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشياً عليها، فقام إليها الحُسَيْن، فصبَّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أخيّة اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق، فيعودون، وهو فردٌ وحده. أبي خير منّي، وأمّي خير مني، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلِّ مسلمٍ برسول الله أسوةٌ. قال: فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أُخيّة إنّي أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت»(1).
دعاؤه (علیه السلام) صبيحة العاشر من المحرم: «اللهمَّ أنت ثقتي فيكلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعُدّة، كم من همٍّ يضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلتُه بك، وشكوته إليك، رغبةً منّى إليك عمّن سواك ففرَّجتَه، وكشفتَه، فأنت وليّ كلّ نعمةٍ، وصاحب كلّ حسنة،
1) تاريخ الطبري: 5/420-421؛ واُنظر: مقاتل الطالبيين: 113-114؛ والكامل في التاريخ: 3/416؛ والبداية والنهاية: 11/531.
ومنتهى كلّ رغبةٍ»(1).
خطبته (علیه السلام) قبيل الواقعة في العاشر من المحرم عندما دنا منه القوم: «أيُّها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلِوني حتى أعظَكم بما لحقّ لكم عليّ، وحتى أعتذرَ إليكم من مقدَمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدَّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّى العذر، ولم تُعطُوا النَّصف من أنفسكم، «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ» [سورة يونس: 71]، «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» [سورة الأعراف: 196]... فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته، فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي، وعليّاً ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن... فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمّد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم، وما لا يحصى ذكرُه... ثم قال: أمّا بعد،فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها، فانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وابنَ وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّى؟ أوَلم يبلغْكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: "هذان سيّدا شبابِ أهل الجنة"؟ فإن صدّقتموني بما أقول - وهو الحقّ - فو الله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم
1) تاريخ الطبري: 5/423؛ واُنظر: تاريخ مدينة دمشق: 14/217؛ وسير أعلام النبلاء: 3/301؛ البداية والنهاية: 11/516، 534؛ وجمهرة خطب العرب: 2/43-44.
من إن سألتموه عن ذلك أخبَركم؛ سَلُوا جابرَ بن عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخُدريّ، أوسهل بن سعد الساعديّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي، ولأخي. أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟ فقال له شَمِر بن ذي الجوشن: هو يَعبد الله على حرفٍ إن كان يدرى ما تقول؟ فقال له حبيب بن مُظاهر: والله إنيّ لأراك تَعبُد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع الله على قلبك؛ ثم قال لهم الحُسَيْن: فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثَراً ما أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة. أخبروني، أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقِصاص من جراحة؟... فنادى: يا شَبَث بن رِبعيّ، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس ابن الأشعث،ويا يزيد ابن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعَتْ الثمار، و اخضرّ الجَناب وطمّت الجمام، وإنما تقدُم على جندٍ لك مجنّد فأقبل، قالوا له: لم نفعل؛ فقال سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم؛ ثم قال: أيها النّاس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض؛ ... فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحُسَيْن: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثرَ من دم مسلم بن عقيل؛ لا والله، لا أُعطيهم بيدي إعطَاء الذليل، ولا أقرّ إقرارَ العبيد. عباد الله «وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ» [سورة الدخان: 20] أعوذ «بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ» [سورة غافر: 27]»(1).
1) تاريخ الطبري: 424-326؛ واُنظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على: 2/97-98؛ والكامل في التاريخ: 3/418-419؛ والبداية والنهاية: 11/534-536.
خطبته (علیه السلام) غداة اليوم الذي استشهد فيه: «يا عبادَ اللَّهِ، اتقُوا اللَهَ، وكونوا من الدنيا على حَذَر؛ فإنّ الدنيا لو بَقِيَتْ على أحدٍ، أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياءُ أحقّ بالبقاء، وأوْلى بالرَضاء، وأرْضَى بالقضاء؛ غيرَ أنَّ اللّه تعالى خَلَق الدنيا للفناء، فجديدُهَا بالٍ، ونعيمُها مُضْمَحِلٌ، وسرورُها مُكْفَهِرٌ، مَنْزِلُ تَلْعة، ودارُ قُلْعة؛ «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [سورة البقرة: 197]، «وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» [سورة آل عمران: 200]»(1).
خطبته (علیه السلام) بجيش عمر بن سعد وهي آخر خطبة خطبها قبلوقوع المعركة: «الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور... فنعم الربّ ربّنا، وبئس العباد أنتم أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمّد صلى الله عليه وآله، ثمّ أنتم رجعتم إلى ذريته، وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين»(2).
خطبته (علیه السلام) بالناس لما استكفوا به: «لما استكف الناس بالحُسَيْن بن علي (علیه السلام) [ركب فرسه و] استنصتَ الناسَ وحمد الله تبارك وتعالى، وصلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم ثم قال: تباً لكم أيُّها الجماعةُ وترحاً [وبؤساً لكم]، أحين استصرختمونا ولهينَ، فأصرخناكم مُوجفين، سللتم علينا سيفاً كان بأيماننا وحمشتُم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّكم وعدوِّنا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم مع أعدائكم، لغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، ومن غير حدث كان فينا، ولا رأي تَفَيَّلَ منا؟
فهلّا لكم الويلات أذ كرهتمونا والسيف مَشيم، والجأشُ طامنٌ، والرأيُ لم يستحصف؟ ولإن استسرعتم إليها كطيرةِ الدّبا، وتداعيتم عليها كتداعي الفراش، فشجاً وبهلةً لطواغيت الأمة، وشذّاذ الأحزاب، ونَبَذَةِ الكتاب، ونَفْثَةِ الشيطان، وعُصبةِ الآثام، ومحرّفي الكلم، ومطفئي السنن، وملحقي العهر بالنسب، واسف المؤمنين،ومراجي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب ولبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سَخِطَ اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون.
أفهؤلاء تعضدون، وعنَّا تتخاذلون؟! أجل والله. خذل فيكم معروفٌ وشَجَت عليه عروقكم، وتأزّرت عليه أصولكم فأفرعتم، فكنتم أخبث ثمرٍ شَجَى للناظر، وأكلةً للغاصب. ألا فلعنة اللهِ على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلاً ألا وإنَّ الدعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين: بين السّلة والذّلة، وهيهات منا الذّلّة وهيهات له ذلك منّي، يأبى الله ورسولُهُ ذلك والمؤمنون، وحجورٌ طهرت وجدودٌ طابت، وأنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌ أبيّة، أن نؤثر مقام اللئام على مصارعِ الكرام. ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرة على قلّةِ العدد، [وكثرة العدو] وخذلة الناصر[ثم تمثل فقال]: [من الوافر]
فإن نَهْزِمْ فهزَّامون قدماً
وإن نُهْزَمْ فغيرُ مهزمينا
وما إن طبّنا جُبْنٌ ولكن
منايانا ودولة آخرينا
[فلو خلد الملوك إذاً خلدنا
ولو بقيَ الكرام إذاً بقينا فقل
للشامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشامتون كما لقينا
ألا ثُمَّ لا تلبثون بعدها إلا كريثِ ما يركبُ الفرس حتى تدورَ بكم دورَ الرحى
وتقلق بكم قَلَقَ المحور. عهدٌ عهده إلي أبي عليٌّ، «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ»[سورة يونس: 71] «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة هود: 56] للَّهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة، ولا يدع فيهم أحداً إلا قتله قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم ليولأوليائي وأهل بيتي و أشياعي منهم، فإنَّهم غرونا وكذّبونا وخذلونا، وأنت ربَّنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير. ثم قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر، فدُعي له، وكان كارها لا يحبّ أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني؟! تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان والله لاتتهنأ بذلك أبداً، عهداً معهوداً، فاصنع ما أنت صانع، فانك لاتفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم. فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه»(1).
دعاؤه (علیه السلام) بعد مقتل ابنه عبد الله الرضيع: «ربِّ إنْ تَكُنْ حَبَسْتَ عنّا النّصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خيرٌ، وانتقم مِنْ هؤلاء الظالمين»(2).
شعره (علیه السلام) بعد قتل عبد الله الرضيع:
كفر القوم وقدماً رغبوا
عن ثوب الله ربِّ الثقلين
قتلوا قدماً عليّاً وابنه
حسن الخير كريم الطَّرفين
حنقاً منهم وقالوا أجمعوا
نفتك الآن جميعاً بالحُسَيْن
يالقومٍ من أُناسٍ رذَّل
جمعوا الجمع لأهل الحرمين
ثم صاروا وتواصوا كلهم
باختيار لرضاء الملحدين
لم يخافوا الله في سفك دمي
لعبيد الله نسل الكافرين
وابن سعدٍ قد رماني عنوة
بجنودٍ كوكوف الهاطلين
لا لشيءٍ كان مني قبل ذا
غير فخري بضياء الفرقدين
بعليِّ الخير من بعد النبي
والنبي القرشيِّ الوالدين
خيرة الله من الخلق أبي
ثم أُمي فأنا ابن الخيرتين
فضة خلقت من ذهبٍ
فأنا الفضة وابن الذهبين
من له جدٍ كجدي في الورى
أو كشيخي فأنا ابن القمرين
فاطم الزهراء أُمي وأبي
قاسم الكفر ببدرٍ وحنين
عروة الدين علي المرتضى
هادم الجيش مصلِّي القبلتين
وله في يومِ أُحدٍ وقعة
شفت الغل بقبض العسكرين
ثم بالأحزاب والفتح معاً
كان فيها حتف أهل القبلتين
في سبيل الله ماذا صنعت
اُمة السوء معاً بالعترتين
عترة البر التقي المصطفى
وعليّ القوم يوم الجحفلين
عبد الله غلاماً يافعاً
وقريش يعبدون الوثنين
وقلى الأوثان لم يسجد لها
مع قريش لا ولا طرفة عين
طعن الأبطال لما برزوا
يوم بدرٍ وتبوك وحنين(1)
شعره (علیه السلام) لما تقدم نحو القوم بعد قتل عبد الله الرضيع:
أنا ابن علي الطهر من آل هاشم
كفاني بهذا مفخراً حين أفخرُ
وجدِّي رسول الله أكرم من مشى
ونحن سراج الله في الخلق نزهرُ
وفاطمُ أُمي من سلالة أحمد
وعمِّي يُدعى ذو الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أُنزل صادقاً
وفينا الهدى والوحي بالخير تذكر
ونحن أمان الله للناس كلّهم
نطول بهذا في الأنام ونجهر
ونحن حماة الحوض نسقي ولاتنا
بكأسِ رسول الله ما ليس يُنكر
وشيعتنا في الحشر أكرم شيعةٍ
ومبغضنا يوم القيامة يخسر(2).
ردوده (علیه السلام) على من قالوا له أبشر بالنار يوم العاشر من محرم: «قال رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة، وجاء حتى وقف بحيال الحُسَيْن فقال: أبشر يا حسين بالنار، فقال: كلا، إني أقدم على ربّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ، ثم قال: من هذا؟ قالوا: ابن حوزة. قال: حازه الله إلى النار، فاضطرب به فرسه في جدول فعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض، ونفر في الفرس فجعل يمر برأسه على كلِّ حجر، وأصل شجرة حتى مات، ويقال: بقيت رجله اليسرى في الركاب فشدَّ عليه مسلم بن عوسجة الأسدي فضرب رجله اليمنى فطارت، ونفر به فرسه يضرب به كل شيء حتى مات... ثم جاء رجل آخر فقال: أين الحُسَيْن؟. قال هأنذا. قال: أبشر بالنار تردها الساعة. قال: بل أبشر بربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ فمن أنت؟ قال: شمر بن ذي الجوشن. فقال الحُسَيْن: الله أكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني رأيت كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي)»(2).
دعاؤه (علیه السلام) على أهل الكوفة لما رماه الحصين بسهم في فمه: «اللهمَّ أحصهم عدداً
واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهمحداً)(1).
قوله (علیه السلام) للشمر وجيشه عندما حالوا بينه وبين رحله: «ويحكم إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب»(2).
(أ)
1.أبو الشهداء الحسين بن علي، عباس محمود العقّاد، نهضة مصر، مصر (د. ت).
2.الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، الطبعة الأولى (1429ه- - 2008م).
3.الاحتجاج، أبو منصور، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري)، الأميرة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (1432 ه- - 2011م).
4.إحياء علوم الدين، أبو حامد، محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد الغزّالي (ت505ه-)، مكتبة الصفا، القاهرة، الطبعة الأولى (1423ه- - 2003ه-).
5.الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، أبو عبد، الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغدادي (ت413ه-)، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، (د. م) (د. ت).
6.أساس البلاغة، أبو القاسم جار الله، محمود بن عمر بن أحمد الزمخشريّ (ت 538ه-)، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة
الأولى (1419-1998م).
7.أساليب الإقناع في المنظور الإسلامي، طه عبد الرحمن السبعاويّ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (2005م).
8.الاستدلال البلاغي، الدكتور شكري المبخوت، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الثانية (2010م).
9.استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي بن ظافر الشهري، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى (2004م).
10.استقبال النص عند العرب، محمّد المبارك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (1999م).
11.أسرار البلاغة، أبو بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ(ت471ه-)، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمّد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الأولى (1412ه- - 1991م).
12.أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، الدكتور حسن طبل، دار الفكر العربي، القاهرة (1418ه- - 1998م).
13.الأسلوب الكنائي في القرآن الكريم، محمود السيد شيخون، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، الطبعة الأولى (1398ه-).
14.الأسلوبية والأسلوب، الدكتور عبد السلام المسدّي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، الطبعة الثالثة (د. ت).
15.الأعلام، خير الدين الزركليّ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة عشر (2002م).
16.الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، أبو مُحَمَّد، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوريّ (ت276ه-)، تحقيق علي شيري، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى (1410ه- - 1990م).
17.الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازيّ، مؤسسة البعثة، بيروت، الطبعة الأولى (1413ه-).
18.أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، فريق البحث في البلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس (1998م).
(ب)
19.بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمة الأطهار، محمّد باقر المجلسي (ت1111ه-)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة (1403ه- - 1983م).
20.البداية والنهاية، عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القُرَشي الدمشقي (ت774ه-)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الجيزة، الطبعة الأولى (1418ه- - 1998م).
21.البديع، عبد الله بن المعتز (ت296ه-)، تحقيق اغناطيوس كراتشقوفسكي، دار المسيرة، الكويت، الطبعة الثالثة (1402ه- - 1982م).
22.بديع القرآن، ابن أبي الأصبع المصري (654ه-)، تقديم وتحقيق حفني محمّد شرف، نهضة مصر، مصر (1957م).
23.البرهان في علوم القرآن، بدر الدين، محمّد بن عبد الله الزركشيّ(ت794ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثالثة(1404ه- - 1984م).
24.بلاغة الإمام الحسين بن علي (علیه السلام) دراسة وتحليل، حسين أبو سعيدة، مركز العترة للدراسات والبحوث، بيروت (1998م).
25.بلاغة الخطاب وعلم النص، الدكتور صلاح فضل، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد (164)، لسنة (1992).
26.البلاغة العربية - قراءة أخرى، الدكتور محمّد عبد المطلب، الشركة المصرية العالمية للنشر، مصر، الطبعة الأولى (1997م).
27.البلاغة فنونها وأفنانها، الدكتور فضل حسن عباس، دار الفرقان، إربد، الطبعة الرابعة (1417ه- - 1997م).
28.البلاغة والاتصال، جميل عبد المجيد، دار غريب، القاهرة (د.ت).
29.البلاغة والتطبيق، الدكتور أحمد مطلوب والدكتور كامل حسن البصير، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد، الطبعة الثانية (1420ه- - 1999م).
30.البيان في روائع القرآن دراسة لغوية أسلوبية للنص القرآني، الدكتور تمّام حسّان، عالم الكتب، القاهرة (1993م).
31.البيان والتبيين، أبو عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ (ت255ه-)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الخانﭽي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة السابعة (1418ه- - 1998).
(ت)
32.تاج العروس من جواهر القاموس، أبو الفيض، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسينيّ الزَّبيديّ، تحقيق مصطفى حجازي، مطبعة حكومة الكويت، الكويت (1373ه- - 1973م).
33.تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك)، أبو جعفر، محمّد بن جرير الطبريّ (ت310ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية (1971م).
34.تاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم، علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر(ت571ه-)، دراسة وتحقيق محبّ الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري، دار الفكر، بيروت (1415ه- - 1995م).
35.التبيان في تفسير القرآن، أبو جعفر، محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (ت460ه-)، تحقيق أحمد حبيب قصير العامليّ، مكتب الإعلام الإسلامي، (د.م)، الطبعة الأولى (1409ه-).
36.التحاجج طبيعته، ومجالاته، ووظائفه، تنسيق حمو النقاريّ، مطبعة النجاج الجديد، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1427ه- - 2006م).
37.تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، أبو مُحَمَّد، الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرانيّ (من أعلام القرن الرابع الهجري)، قدّم له الشيح حسين الأعلمي، الطبعة الأولى (1384ه-).
38.التداولية عند العلماء العرب دراسة تداولية لظاهرة (الأفعال الكلامية) في التراث اللساني العربي، الدكتور مسعود صحراويّ، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى (2005م).
39.التداولية والحجاج مداخل ونصوص، صابر الحباشة، صفحات للدراسة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى (2008م).
40.التذكرة الحمدونية، محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي المعروف بابن حمدون (ت562ه-)، تحقيق إحسان عباس وبكر عباس، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى (1996م).
41.التصوير الفنّي في خطب المسيرة الحسينية، هادي سعدون هنون، العتبة العلوية المقدسة، النجف الأشرف، الطبعة الأولى (2011م).
42.التعريفات، علي بن محمّد بن علي الجرجاني(ت816ه-)، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى (1405ه-).
43.تفسير التحرير والتنوير، محمّد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس (1984م).
44.تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القريشيّ الدمشقيّ (774ه-)، تحقيق سامي بن محمّد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية (1420ه- -1999م)
45.التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السّادس، الدكتور حمادي صمّود، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الثالثة (2010م).
46.تهذيب اللغة، أبو منصور، محمّد بن أحمد الأزهريّ (ت370ه-)، تحقيق عبد الحليم النجار، الدار المصرية للتأليف والنشر، مصر (1964م).
47.التواصل والحجاج، طه عبد الرحمن، مطبعة المعارف الجديد، الرباط (1994).
(ج)
48.الجامع الكبير، أبو عيسى، محمّد بن عيسى الترمذي (ت279ه-)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (1996).
49.جمل من أنساب الأشراف، البلاذري (ت279ه-)، حققه وقدم له الدكتور سهيل زكّار والدكتور رياض زركلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى (1317ه- - 1996م).
50.جمهرة خطب العرب في العصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأولى (1352ه- - 1933م).
51.جمهرة رسائل العرب في العصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت،
المكتبة العلمية، بيروت (1356ه- - 1937م).
52.جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، السيد أحمد الهاشمي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى (1999م).
(ح)
53.الحجاج في البلاغة المعاصرة بحث في بلاغة النقد المعاصر، الدكتور محمّد سالم محمّد الأمين الطلبة، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى (2008).
54.الحجاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه، الدكتورة سامية الدريديّ، عالم الكتب الحديث، أربد (2011).
55.الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، الدكتور عبد الله صولة، دار الفارابيّ، بيروت (2007).
56.الحجاج مفهومه ومجالاته، الدكتور حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث، أربد (2010م).
57.الحسين في الفكر المسيحي، انطوان بارا، مطبعة سرور، قم، الطبعة الأولى(1424ه- - 2004م).
58.حياة الحيوان الكبرى، كمال الدين، محمّد بن موسى بن عيسى الدميري، تحقيق أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية (1424ه- - 2003م).
(خ)
59.الخطاب والحِجَاج، الدكتور أبو بكر العزاوي، مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى (2010م).
60.الخطابة، أرسطو طاليس، حققه وعلّق عليه عبد الرحمن بدوي، الناشر (وكالة المطبوعات، الكويت)، و(دار القلم، بيروت) (1979م).
(د)
61.دراسات في الحجاج قراءة لنصوص مختارة من الأدب العربي القديم، الدكتورة سامية الدريديّ الحُسنيّ، (عالم الكتب الحديث، أربد) و(جدارا للكتاب العالمي، العبدليّ)، الطبعة الأولى (2009م).
62.الدرس الدلالي عند عبد القاهر الجرجاني، الدكتور تراث حاكم الزياديّ، (دار الصفاء للنشر والتوزيع، عمان)، و(مؤسسة دار الصادق الثقافية، الحلّة)، الطبعة الأولى (1432ه- - 2011م).
63.دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلّق عليه محمود محمّد شاكر، مكتبة الخانﭽي، القاهرة، الطبعة الخامسة (2004).
64.دلالات التراكيب دراسة بلاغية، الدكتور محمد أبو موسى، دار التضامن، القاهرة، الطبعة الثانية (1408ه- - 1987م).
65.ديوان الوأواء الدمشقي، تحقيق سامي الدهّان، دار صادر، بيروت (1993).
66.ديوان يزيد بن معاوية، جمع وتحقيق وشرح الدكتور واضح الصمد، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية (2007م).
(ر)
67.رسائل الجاحظ، أبو عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ (ت255ه-)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الخانچي، القاهرة (1384ه- - 1964م).
68.الرواية والاستشهاد باللغة دراسة لقضايا الرواية والاستشهاد في ضوء
علم اللغة الحديث، الدكتور محمّد عيد، عالم الكتب، القاهرة (1976).
(ز)
69.زهر الآداب وثمر الألباب، أبو إسحاق، إبراهيم بن عليّ الحُصريّ القيروانيّ (ت453ه-)، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الرابعة (د. ت).
(س)
70.سير أعلام النبلاء، شمس الدين، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ (ت748ه-)، تحقيق محمّد نعيم العرقسوسيّ ومأمون صاغرﭽيّ وأشرف على التحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية (1402ه- - 1982م).
71.السيرة النبوية، ابن هشام (ت213ه-)، دار الجيل، بيروت (1975م).
(ش)
72.شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (ت385ه-)، تحقيق عادل بن مُحَمَّد، مؤسسة قرطبة، مصر (1415ه- - 1995م).
73.شرح نهج البلاغة، أبو حامد، عز الدين بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن أبي الحديد المدائنيّ (656ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، (د. ت).
(ص)
74.الصاحبي في فقه اللغة، أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا
(ت395ه-)، تحقيق أحمد صقر، مؤسسة المختار، القاهرة، الطبعة الأولى (1425ه- - 2005م).
75.صحيح ابن حبان، أبو حاتم، محمّد بن حبان بن أحمد التميمي (ت354ه-)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية (1414ه- - 1993م).
76.الصورة الفنية في المثل القرآني دراسة نقدية بلاغية، الدكتور محمّد حسين عليّ الصغير، دار الرشيد للنشر، بغداد (1981م).
(ع)
77.العقد الفريد، أحمد بن مُحمَّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت328ه-)، تحقيق محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة، القاهرة، الطبعة الثانية (1372ه- - 1953م).
78.علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، صلاح فضل، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى (1998م).
79.العمدة في صناعة الشعر ونقده، أبو علي، الحسن بن رشيق القيرواني (456ه- أو 463ه-)، تحقيق الدكتور النبوي عبد الواحد شعلان، مكتبة الخانﭽي، القاهرة، الطبعة الأولى (1420ه- - 2000م).
80.العين، أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت175ه-)، تحقيق الدكتور مهدي المخزوميّ والدكتور إبراهيم السامرائيّ، دار الهجرة، قم، الطبعة الأولى (1405ه-).
81.عيون الأخبار، أبو مُحَمَّد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ (ت276ه-)، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، (1996).
(غ)
82.الغدير في الكتاب والسنة، عبد الحسين أحمد الأمينيّ النجفيّ، موسوعة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى(1994م).
(ف)
83.الفروق اللغوية، أبو هلال العسكريّ (ت395ه-)، تحقيق محمّد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة (1418ه- - 1997م).
84.الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة عليهم السلام، علي بن محمّد بن أحمد المالكيّ المكيّ الشهير بابن الصبّاغ (ت855ه-)، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية (1409ه- - 1988م).
85.الفلسفة والبلاغة مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي، الدكتور عمارة ناصر، مطابع الدار العربية للعلوم، بيروت (2009م).
86.في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، الدكتور طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية (2000م).
87.في بلاغة الخطاب الإقناعي مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الدكتور محمّد العمريّ، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية (2002).
88.في البلاغة العربية، عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، بيروت (د. ت).
89.في النحو العربي نقد وتوجيه، الدكتور مهدي المخزومي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الثانية (2005م).
(ك)
90.الكامل في التاريخ، أبو الحسن،علي بن أبي الكرَم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانيّ، المعروف بابن الأثير الجزريّ،الملقب بعز
الدين (ت630ه-)، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1407ه- - 1987م).
91.كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، أبو هلال، الحسن بن عبد الله بن سُهيل العسكري (ت395ه-)، تحقيق علي محمّد البجاوي ومحمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، الطبعة الأولى (1371ه- - 1952م).
92.كتابة الجاحظ في ضوء نظريّات الحجاج، الدكتور علي محمّد علي سلمان، ديموپرس للطباعة والتجارة، بيروت، الطبعة الأولى (2010).
93.الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جار الله، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت538ه-)، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجد والشيخ علي محمّد معوّض، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى (1418ه- - 1998م).
94.كشف الغمة في معرفة الأئمة، أبو الحسن، عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربليّ (ت693ه-)، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية (1405ه- - 1985م).
(ل)
95.لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين،محمّد بن مكرّم بن منظور الأفريقيّ المصريّ (ت711ه-)، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى (1300ه-).
96.اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1998م).
97.اللغة والحجاج، الدكتور أبو بكر العزاويّ، العمدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (2006م).
98.اللغة والخطاب، عمر أوكان، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء (2001م).
99.اللغة والمنطق بحث في المفارقات، الدكتور حسان الباهي، (دار الأمان، الرباط)، و(المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء)، الطبعة الأولى (2000م).
(م)
100.المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء الدين بن الأثير (ت 637ه-)، قدمه وعلق عليه الدكتور أحمد الحوفيّ والدكتور بدوي طبانة، دار النهضة، القاهرة، الطبعة الثانية (د.ت).
101.مجمع الأمثال، أبو الفضل، أحمد بن محمّد بن احمد بن إبراهيم النيسابوريّ الميدانيّ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، السنة المُحَمَّدية، (د. م) (1955).
102.مجمع البيان في تفسيرالقرآن، أبو علي، الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت548ه-)، مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع، طهران (1417ه- - 1997م).
103.مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، محمّد بن مكرّم المعروف بابن منظور (ت711ه-)، تحقيق أحمد راتب حنوش ومحمّد ناجي العمر، مراجعة رياض عبد الحميد مراد، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى (1405ه- - 1985م).
104.المدارس اللسانية المعاصرة، الدكتور نعمان بوقرة، مكتبة الآداب، القاهرة، (د. ط)، (2003م).
105.المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله، محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوريّ (ت405ه-)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1411ه- - 1990م).
106.المستصفى من علم الأصول، أبو حامد، محمّد بن محمّد بن أحمد الغزاليّ (ت505ه-)، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية (2010م).
107.مسند أبي يعلى، أحمد بن علي بن المثنى الموصليّ التميميّ، تحقيق حسين سليم أسعد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى (1404ه- - 1984م).
108.مسند أحمد، أبو عبد الله، أحمد بن حنبل الشيبانيّ (ت241ه-)، مؤسسة قرطبة،مصر (د. ت).
109.المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري، عوض حمد القوزيّ، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، الطبعة الأولى (1401ه- - 1981م).
110.معاني الحروف، أبو الحسن، علي بن عيسى الرمانيّ (ت386ه-)، تحقيق عرفان بن سليم العشا حسونة الدمشقيّ، المكتبة العصرية، بيروت (1428ه- - 2008م).
111.المعجم الكبير، أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب الطبرانيّ (360ه-)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفيّ، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية (1404ه- - 1983م).
112.مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاريّ، تحقيق الدكتور عبد اللطيف محمّد الخطيب، مطابع السياسة، الكويت، الطبعة الأولى (1421ه- - 2000م).
113.مفاتيح الغيب، محمّد الرازيّ، فخر الدين (ت606ه-)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى (1401ه- - 1981م).
114.مفتاح العلوم، أبو يعقوب، يوسف بن أبي بكر محمّد بن علي السكاكيّ (ت626ه-)، دراسة وتحقيق أكرم عثمان يوسف، مطبعة دار الرسالة، بغداد، الطبعة الأولى (1402ه- -1982م).
115.مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهانيّ، تحقيق صفوان عدنان
داوودي، طليعة النور، قم، الطبعة الأولى (1426ه- - 2000م).
116.مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني (ت356ه-)، شرح وتحقيق السيد أحمد صقر، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، الطبعة الأولى (1423ه-).
117.مقتل الإمام الحسين وواقعة كربلاء، حسان عبد الله أبو صالح و حسن عبد الله أبو صالح (1418ه- - 1997م).
118.مقتل الحسين، أبو المؤيد، الموفق بن أحمد المكيّ الخوارزميّ (ت568ه-)، مطبعة الزهراء، النجف (1367ه- - 1948م).
119.مقدمة العلامة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق حجر عاصي، دار ومكتبة الهلال، بيروت (1988م).
120.الملهوف على قتلى الطفوف، أبو القاسم، علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت664ه-)، إعداد عبد الزهراء عثمان مُحَمَّد، ستارة، قم، الطبعة الأولى (1419ه- - 1998).
121.مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر، محمّد بن عليّ بن شهر آشوب المازندراني (ت588ه-)، تحقيق يوسف البقاعيّ، مطبعة سليمانزادة، منشورات ذوي القربى، قم، الطبعة الثانية (1427ه-).
122.المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمّد المعروف بابن الجوزيّ (ت597ه-)، دراسة وتحقيق محمّد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، راجعه وصححه نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1412ه- - 1992م).
123.منطق الكلام من المنطق الجدلي الفلسفي إلى المنطق الحجاجي الأصولي، الدكتور حمو النقاري، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى (1431ه- - 2010م).
124.المهذَّب في علم التصريف، الدكتور صلاح مهدي الفرطوسي والدكتور
هاشم طه شلاش، مطابع بيروت الحديثة، بيروت (1432ه- - 2011م).
125.الميزان في تفسير القرآن، السيد محمّد حسين الطباطبائيّ، دار الكتب الإسلامية، طهران، (1402ه-).
(ن)
126.النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة (1974م).
127.نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الشيخ الجليل الحسين بن محمّد بن الحسن بن الحلوانيّ من أعلام القرن الخامس، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي عليه السلام، قم (د. ت).
128.نظرية أفعال الكلام العامة، أوستين، ترجمة عبد القادر قينينيّ، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء (1991م).
129.النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات، المبارك بن محمّد الجزريّ المعروف بابن الأثير (ت606ه-)، تحقيق محمود محمّد الطناحيّ وطاهر أحمد الزاويّ، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت (د. ت).
(و)
130.وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقريّ (ت212ه-)، تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون، دار الجيل، بيروت (1410ه- - 1990م).
(أ)
131.أدب الإمام الحسين (علیه السلام) قضاياه الفنية والمعنوية، موسى خابط عبود، (رسالة ماجستير)، جمهورية العراق، جامعة بابل، كلية التربية، قسم اللغة
العربية (1429ه- - 2008).
(ب)
132.بنية الملفوظ الحجاجي للخطبة في العصر الأموي، خديجة محفوظي، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة منتوري قسنطينة، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية - شعبة اللغويات (2007).
(ت)
133.تجليات الحجاج في الخطاب النبوي دراسة في وسائل الإقناع الأربعون النووية أنموذجاً، هشام فرّوم، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2009).
(ح)
134.الحجاج في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، حسين بوبلوطة، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2010).
(خ)
135.الخطاب الحجاجي السياسي في كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة - دراسة تداولية، ابتسام بن خراف، (أطروحة دكتوراه)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2010).
(د)
136.دراسة وظيفية لأسلوب التوكيد في القرآن الكريم، عائشة عبيزة، (أطروحة دكتوراه)، الجمهورية الجزائرية، جامعة الحاج خضر - باتنة -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها (2009).
(م)
137.المأثور من كلام الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة لغوية، عصام عدنان رحيم الياسري، (رسالة ماجستير)، جمهورية العراق، جامعة القادسية، كلية الآداب، قسم اللغة العربية (2005م).
138.معاني ألفاظ الحجاج في القرآن الكريم وسياقاتها المختلفة، السور السبع الطوال أنموذجاً - دراسة دلالية معجمية -، سعيد فاهم، (رسالة ماجستير)، الجمهورية الجزائرية، جامعة مولود معمري - تيزي وزو -، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة والأدب العربي (2011).
(ن)
139.نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة بلاغية، ميثم قيس مطلك، (رسالة ماجستير)، جمهورية العراق، جامعة القادسية، كلية التربية، قسم اللغة العربية (1427ه- - 2006).
140.نثر الإمام الحسين (علیه السلام) دراسة تَحلِيليَّةٌ في جَمَاليةِ بِنْيَةِ النَّصِ، حيدر محمود (أطروحة دكتوراه)، جمهورية العراق، جامعة البصرة، كلية التربية، قسم اللغة العربية (1433ه- -2012م).
(أ)
141.الأساليب البيانية والخطاب الدعوي الواعي، الدكتور نعمان شعبان علوان، بحث منشور في مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر، كلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية، غزّة (1426ه- - 2005م).
142.الاستعارة والحجاج، ميشيل لوجيرن، مجلة المناظرة، المغرب، العدد (4)، لسنة (1411ه- - 1991م).
143.أهم نظرية الحجاج في التقاليد الغربية، حسن المودن، مجلة علامات، ج (42)، م (11)، لسنة (1422ه- - 2001م).
(ب)
144.بلاغة الاحتجاج، ايمانويل دانبلون، ترجمة حسن الطالب، مجلة علامات، المغرب، العدد (23).
145.بلاغة المجادلة، حسن النعميّ، مجلة جذور التراث، جدّة، ج (19)، مج (9) لسنة (1426ه- - 2005م).
146.البلاغة والأسلوبية، سعيد العوادي، مجلة جذور التراث، جدّة، ج(23)، مج(10)، لسنة (1427ه- - 2006م).
(ت)
147.الحجاجيات اللسانية عند انسكومبر وديكرو، الدكتور رشيد الراضي، مجلة عالم الفكر، العدد (1)، مج (34)، لسنة (2005م).
148.الحوار والمناظرة في منظور الشارع، نور الدين صغيري، مجلة آفاق الثقافة والتراث، العدد (36)، لسنة (1422ه- - 2002م).
(د)
149.دراسة الأفعال الكلامیّة في القرآن الكریم - مقاربة تداولیّة -، بوڤرومة، حكيمة، مجلة الخطاب، جامعة مولود معمري - تيزي وزو -، الجزائر، دار الأمل، العدد (3)، لسنة (2008).
150.(دلالة تنوين (باسطٌ)، عايد جدوع حنون، مجلة النجف الأشرف، العدد (97)، لسنة (1433ه- - 2012م).
(ق)
151.القيمة الحجاجية لأسلوب القصر في اللغة العربية، محمود طلحة، مجلة الخطاب، الجمهورية الجزائرية، جامعة مولود معمري - تيزي وزو - دار الأمل، العدد (3)، لسنة (2008).
(م)
152.المحاجّة والإقناع في القرآن الكريم، أحمد حسين خشان الهاشمي، مجلة المصباح، دار القرآن الكريم، العتبة الحسينية المقدسة، العدد (2)، لسنة (1431ه- - 2010م).
153.مدخل إلى الحجاج أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان، الدكتور محمّد الولي، مجلة عالم الفكر، العدد (2)، مج (40)، لسنة (2011م).
154.مراجعات اللغة والحجاج عمق التنظير ودقّة الإنجاز، حسن مسكين مبارك، مجلة جذور التراث، ج (29)، مج (12)، لسنة (1430ه- - 2009م).
155.مفهوم الحجاج في القرآن الكريم دراسة مصطلحية، الدكتورة لمهابة محفوظ ميارة، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مج (81)، العدد (3).
156.مفهوم الموضع وتطبيقاته في الحجاجيات اللسانية لانسكومبر وديكرو، رشيد الراضيّ، مجلة عالم الفكر، العدد (2)، مج (40)، لسنة (2011م).
157.من آليات تحليل الخطاب، صابر الحباشة، مجلة جذور التراث، جدّة، ج (22)، مج (10)، لسنة (1426ه- - 2005م).
158.من قضايا النقد القديم - الحكمة والمثل، محمّد إقبال العروي، بحثٌ منشور في مجلة آفاق الثقافة والتراث، الإمارات العربية المتحدة، العدد (34)، لسنة (1422ه- - 2001م).
(ن)
159.نحو مقاربة حجاجية للاستعارة، الدكتور أبو بكر العزاوي، مجلة المناظرة، المغرب، العدد (4) لسنة (1991م).
(أ)
160.استراتيجية الخطاب بين الدراسات النظرية والممارسات
الواقعية، عبد الهادي بن ظافر الشهريّ، الموقع على الانترنت: ww.mohamedrabeea.com/book 1-183.docx.
161.الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان، محمّد الولي، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد (61)، لسنة (2004م). الموقع على الانترنت: http: //www.fikrwanakd.aljabriabed.net/n61-07alwali.ht.
162.إشكال المعنى من الاستعارة إلى الاستلزام الحواري، محمّد السيديّ، مجلة
فكر ونقد، العدد (25)، الموقع على الانترنت:
http://www.aljabriabed.net.
163.الإقناع: القوة المفقودة، أحمد بن عبد المحسن العسّاف، مقال على الانترنت: www.saad.net/aldawah/221.htm.
164.الإقناع: المنهج الأمثل للتواصل والحوار نماذج من القرآن والحديث، الدكتورة آمنة بلعلى، مجلة التراث العربي مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد (89)، لسنة (1424ه- - 2003)، الموقع على الانترنت: www.mojtamai.com.
(ب)
165.البلاغة العامة والبلاغات المعمَّمة، محمّد العمريّ، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد (25)، لسنة (2000)، الموقع على الانترنت:
http: //www.fikrwanakd.aljabriabed.net/n61-07alwali.htm.
166.البيان الحجاجي في إعجاز القرآن الكريم - سورة الأنبياء نموذجاً -، الدكتور عبد الحليم بن عيسى، بحث منشور في مجلة التراث العربي، العدد (102)، الموقع على الانترنت: www.tafsir.netlvb /Tafsir18202.
(ت)
167.التداولية مقاربة تحليلية، الموقع على الانترنت:
www.lissaniat.net/viewtopic.php?t=284&sid.
168.التداولية منهج لساني واستراتيجية لتحليل الخطاب، سعد بولنوار، الموقع على الانترنت:brahmiblogspot.com.blogspot.com/2011/05/blogpost-3207.html.
(ح)
169.الحجاج الفلسفي وتطبيقاته الصفية، مادونا طربية، الموقع على الانترنت: scorazein.wordpress.com.
170.الحجاج في الدرس اللغوي الغربي، أ. بوزناشة نور الدين، مجلة علوم إنسانية، العدد (44)، لسنة (2010م)، موقعها على الانترنت: www.ulum.nl
(د)
171.دروس الحجاج الفلسفي، أبو الزهراء، مجلة شبكة التربوية الشاملة فيلومرتيل الإلكترونية (2008)، الموقع على الانترنت: www.4shared.com/office/19kgy.../____.html.
(ع)
172.عاملية أدوات النفي الحجاجية، سليمة محفوظيّ، الموقع على الانترنت: www.akhbarak.net/.../2595479 - ب مصر.
الإهداء9
مقدمة المؤسّسة11
قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء15
المقدمة19
الفصل الاول
الحجاج: مفهومه، نظرياته، مقوماته
المبحث الأول: مفهوم الحجاج وارتباطاته الدلالية27
الحِجَاج لغة واصطلاحاً27
الحِجَاج لغةً27
الحِجَاج اصطلاحاً28
مفهوم الحجاج29
ومن تعريفات الحِجَاج29
الحُجَّة31
1 - المحاجّة33
2 - الاحتجاج34
3 - الفوارق بين الحجاج اللّساني والحِجَاج الفلسفي36
4 - الحِجَاج المغالط (السفسطة)37
5 - الخطابة38
6 - الجدل40
6 - المذهب الكلامي43
8 - البرهان44
الفوارق بين البرهان والحجاج اللّساني:44
9 - المناظرة47
ومن أهم الفوارق بين المناظرة والحِجَاج:48
10 - المناقشة49
ومن أهم الفوارق بين المناقشة والحِجَاج:49
المبحث الثاني: نظريات الحِجَاج51
توطئة51
الحِجَاج عند بيرلمان وتيتيكاه51
مظاهر التواصل في نظريتهما54
أ - المقام55
ب - ثنائية المحاجج والمتلقي55
طرائق العرض الحِجَاجية57
التقنيات الحِجَاجية 58
أ- تقنية الوصل:58
ب - تقنية الفصل:59
الحِجَاج عند تولمين62
الحِجَاج عند ديكرو وتلامذته69
السلالم الحِجَاجية72
قوانين السلالم الحِجَاجية74
الروابط والعوامل الحِجَاجية75
أ - الروابط الحِجَاجية:75
ب - العوامل الحِجَاجية:76
التوجيه الحِجَاجي والقيمة الحِجَاجية76
المعنى الحِجَاجي والمعنى الإخباري78
المواضع (المبادئ) الحِجَاجية80
المبحث الثالث: النص الحِجَاجي وتأثيره الإقناعي85
النص الحِجَاجي85
مقومات النصّ الحِجَاجي86
ضوابط النص الحِجَاجي89
الحِجَاج فن الإقناع90
الإقناع والاقتناع في العملية الحِجَاجية90
وسائل الإقناع93
الإقناع والتطويع94
ومن صفات المطوع95
الفصل الثانی
الحجاج في كلام الإمام الحسين (علیه السلام) في ضوء مجالات الخطاب الحجاجي
(التداولي، اللغوي، الأسلوبي، البياني)
المبحث الأوَّل: قوة فعل الكلام99
فعل الاقتضاء104
لفظة (أبي)105
لفظة (جدّي)107
قوله: (ابن بنت)112
لفظة (الدّعي)113
فعل مفهوم (الاستلزام الحواري)115
المبحث الثاني: حجاجه اللغوي121
الروابط والعوامل الحِجَاجية122
1 - الروابط الحِجَاجية122
الروابط المدرجة للحجج123
الروابط التي تدرج حججاً قوية126
2 - العوامل الحِجَاجية130
عاملية أدوات النفي الحِجَاجية131
عاملية أدوات القصر الحِجَاجية132
3 - السلالم الحِجَاجية135
آليات السلالم الحِجَاجية139
4 - القياس الضمني140
المبحث الثالث: أسلوبه الحجاجي141
الأسلوب والأسلوبية141
الأسلوب141
الأسلوبية142
1 - أسلوب التوكيد143
2 - أسلوب التكرار152
3 - الاستفهام التقريري155
4 - التقديم والتأخير158
5 - الالتفات160
المبحث الرابع: حجاجه البياني163
التشبيه164
التمثيل169
الاستعارة173
الكناية182
التعريض184
الفصل الثالث
دراسة حجاجية تطبيقية لنماذج من كلام الإمام الحسين (علیه السلام)
المبحث الأوَّل: كلامه (علیه السلام) في المدينة المنورة191
مع عمر بن الخطاب191
القسم الأول:193
القسم الثاني:194
القسم الثالث:202
خطبته التي بددت آمال معاوية في كسب البيعة ليزيد211
أولاً: المقدمة213
ثانياً: الموضوع214
القسم الأول215
القسم الثاني215
القسم الثالث218
القسم الرابع220
ثالثاً: الخاتمة230
ردِّه (علیه السلام) على مروان بن الحكم234
المقام235
الوظيفة الحجاجية236
النداء237
التنكيت237
الاقتضاء238
الاستفهام التقريري240
التقديم والتأخير241
دلالة النفي242
أم المعادلة243
الحذف المقابلي243
الالتفات (شجاعة العربية)243
التوجيه244
النتيجة244
1 - النتيجة المصرّح بها (الظاهرة)244
2 - النتيجة المضمرة (العامة)245
المبحث الثاني: كلامه (علیه السلام) أول خروجه من مكة لحين نزوله في كربلاء247
التوطئة247
عندما عزم على الخروج إلى العراق248
خطبته بجيش الحرّ بالبيضة قرب العذيب267
المبحث الثالث: كلامه (علیه السلام) في كربلاء277
خطبته في العاشر من المحرم قبل الواقعة283
الخاتمة والنتائج307
أ- النتائج التنظيرية307
ب - النتائج التطبيقية309
ملحق بكلام الإمام الحسين (علیه السلام) 315
المصادر والمراجع347
المصادر والمراجع347
الرسائل و الأطاريح الجامعية362
البحوث العلمية365
المواقع الإلكترونية367
فهرس المحتويات371