ghaemiyeh.com
المهدی المنتظر بین الدین و الفکر البشری / د.محمد طی
ناشر: الغدیر بیروت - لبنان
مشخصات ظاهری: 197 ص
موضوع : امام زمان عج - ولادت - زندگینامه - ظهور - قیام
المهدی المنتظر بین الدین و الفکر البشری
المهدی المنتظر بین الدین و الفکر البشری
د.محمد طی
الغدیر بیروت لبنان
بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحیمِ
يعد الله ، سبحانه وتعالى ، عباده الصالحين بأن يرثوا الأرض ويجعلهم أئمة فيها، وذلك في قوله :« وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ »والأنبياء 105] وقوله : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » (القصص/5)
ووراثة عباد الله الصالحين الأرض تهدف إلى أن يملا الذين استضعفوا في الأرض هذه الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وعدوانا، ويقيض لهم ذلك بخروج رجل من عترة النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ومن أهل بيته، ليقودهم إلى تحقيقه ، فمما جاء في الحديث الشريف، في هذا الصدد : «.. ثم يخرج رجل من عترتي .. وفي تعبير آخر: «من أهل بيتي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا».
ويعين الحديث الشريف هذا الرجل الذي يبعث إمامة لعباد الله الصالحين الوارثین، فيقول: إنه رجل من ولدي اسمه اسمي»، وتفيد الأحاديث أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم سئل: من أي ولدك ؟ قال : «من ولدي هذا»، وضرب بيده على الحسين علیه السلام .
من هذه الصوص انطلقت فكرة خروج الإمام المهدي المنتظر (عج)...، وهو يخرج ليحيي سنن الدين الحنيف التي أميتت، وليقيم دولة الحق والعدل . وهو، بهذا المعنى، مخلص «بید - كما يقول محيي الدين بن عربي - الظلم وأهله.. ويظهر من الذين ما هو الدين عليه في نفسه، ما لو كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لحكم به... يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواهم یبایعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود و کشف بتعريف إلهي».
فالإمام المهدي عليه السلام ، إذا، هو المخلص الذي يتوق إلى خروجه الناس ، والمستضعفون منهم بخاصة، ليحقق، في يوم موعود، خلاص البشرية من الظلم والعناء الطويلين، والشعور بهذا اليوم الغيبي لم يقتصر ، كما يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر، على المؤمنين ديني بالغيب، بل امتد إلى غيرهم، أيضا، وانعكس حتى على أشد الأيديولوجيات رفضا للغيب ....»
وإن يكن الشعور بضرورة خلاص البشرية من الظلم والشرور مشتركة بين البشر، وإن تكن التجارب البشرية على اختلافها لم تقم نظاما يحقق ذلك، فإن هناك نظاما مذخورة في علم الغيب هو النظام الحق الموعود تحققه بخروج الإمام المهدي عليه السلام علي إمامة يقود عباد الله الصالحين إلى وراثة الأرض وتحقيق خلاص أهلها.
في سبيل بيان هذه القضية - قضية خلاص البشرية وقيام نظام الحق والعدالة، من مختلف جوانبها، كان هذا الكتاب الذي يبحث، أولا، في فكرة المهدي المنتظر - المخلص في الفكرين : الديني والوضعي، وثانية في تحديد هوية المخلص، وهو - كما يفيد البحث - الإمام المهدي عليه السلام ، وثالثة، في ولادة الإمام المهدي عليه السلام وحياته، ورابعة في الظروف التي تھیى للظهور - الثورة، وخامسا في شرائط قيام الإمام، وسادسا في ظهوره وإقامة دولته .
يحدد المؤلف قضایا البحث ومسائله، في كل فصل، ويعرض الآراء المتعددة بشأن كل منها، ويناقشها، ويخلص إلى رأي يؤيده بالأدلة المقنعة، ويؤدي ذلك بلغة سهلة التناول ...، نرجو أن نكون قد وفقنا بتقديم هذا الكتاب إلى قرائنا الأعزاء إلى ما يحبه الله ويرضاه، وهو الموفق والهادي لكل خیر .
مرکز الغدير للدراسات الإسلامية
بیروت
شكلت فكرة الخلاص من الظلم هاجسا للجنس البشري منذ أقدم الأزمنة حتى اليوم. ورأى بعض الناس أن لا عدالة في الكون، إذ أن الظالم لا ينال دائما جزاء ما اقترفت يداه أمام أعين من ظلموا، بل هو على العكس أحيانا قد يزداد تحكما من جهة وتنعمة من جهة أخرى، فيما هو يستحق أن توضع الأغلال في يديه أو يضرب عنقه أحيانا.
ولهذا فإن أعدادا هائلة من الناس تتحول إلى عبيد راضخین مستسلمين الإرادة القوي بل ومساعدين وأعوانا له، ضد من يتحركون لمقاومة الظلم.
وفي الإسلام قام الانقسام بين فريقين: الأول يتعبد بالاستسلام للحاكم أيا كان حكمه، على أساس أن تلك إرادة الله ، ولا يجوز التصدي لها. ولو حاولنا أن نسحب هذا المفهوم على المستوى العام يمسي ممنوعة علينا أن . نتحرك لتغيير أي أمر واقع، لأن الأمر الواقع إرادة الله تعالى والتصدي له تصد الإرادة الله.
وقد تغافل هؤلاء عن واجب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي إنما تمارس للتغيير، وليس للحفاظ على ما هو قائم.
أما الثاني فيدعو إلى إقامة حكم الله في الأرض كواجب على المسلمين، بوصفهم الأمة التي تلقت رسالة السماء الخاتمة، وكلفت بنشرها بين شعوب الأرض ليكون الدين في الناس، كما هو عند الله ، الإسلام.
ولما كان الله عز وجل عادة ورحيما، فقد أوعد بمعاقبة الظالم من جهة، وهو لا بد معاقبه في الدنيا أو الآخرة أو في الاثنتين معا، فإذا أخر العذاب في الدنيا أو أجل إلى الآخرة، فلا نراه، فعلينا ألا نقنط بل نعد الأمر واقعا حتما.
ومن جهة ثانية فقد وعد الله بني آدم بإقامة دولة الحق والعدل، وقد جاء هذا الوعد في مختلف الرسالات السماوية .
غير أنه لما طال الأمر على المؤمنين عاد بعضهم إلى التشكيك ، فانضم إلى جموع الكافرين بالغيب، إلا أن ما تناساه هؤلاء المشككون والكافرون وحتى نسبة عالية من المؤمنين أن خلاص البشرية مشروط بأمر أساسي، وهو وجود الجنود المستعدين للجهاد في سبيل إقامة حكم الله في الأرض، ذلك أن أولياء الله ذلوا بعد أن حاولوا إقامة هذا الحكم مرارة وكان منهم الأنبياء والصالحون، وكان آخرهم علي بن أبي طالب وابناه الحسن والحسين عليهم السلام .
وبعد هذا، عمد الإنسان إلى البحث عن مخارج لما هو فيه من الظلم، فوضعت نظریات متعددة متباينة تحاول تبیان طريق الخلاص، أو تثبط الهمم، على أساس الرضى والاستسلام. وقد برهن بعضها على ضرورة إقامة الحكم العادل على أنقاض الأنظمة الظالمة ولكن بدون تدخل إلهي، وكانت في مقدمة النظريات النظريةالماركسية التي حاولت إثبات أن الطبقة العاملة ستقود خلاص البشرية، وإن إقامة المجتمع الخالي من الطبقات والمؤسس على المساواة ، إضافة إلى انتشار العلم وتطور التكنولوجيا، سوف تؤول جميعة إلى إقامة مجتمع تتفتح فيه شخصية الإنسان، لأن المعوقات أمام نموها تزول، وذلك بعد توقر البحبوحة وتمكن كل إنسان من أن ينال حاجاته بعد أن يقوم بالعمل الذي تؤهله له قابلياته .
ومن هنا فإن الفكر الإنساني الحائر يعود فيلتقي من حيث لا يدري مع ما يعد الله به البشرية. ولإلقاء الضوء على هذه المسائل كانت هذه المحاولة ،ولكننا نعترف أنها ليست الأولى في بابها، لأن المؤلفات حول خلاص البشرية تبلغ في حدود ما نعرف، المئات، وفي الإسلام تعرف المكتبة عددا هائلا من المحاولات التي لم تترك شيئا إلآ تناولته .
إلا أن ما نطمح إليه هو أن نوفق إلى تتبع فكرة المخلص المنتظر الذي بشر به العهد القديم من بين المخلصين الذين بشر بهم والذي بشر به العهد
الجديد، ثم محاولة التوفيق بينها وبين المصادر الإسلامية، لأن هناك مخلصة مستقبلية واحدة ولا يمكن أن يتعدد. وقد التزمنا هذه الخطة في فصول الكتاب جميعا.
أما أبحاث هذا الكتاب فتتركز:
في الفصل الأول حول حتمية المخلص المنتظر في الفكر الديني والبشري.
وفي الفصلين : الثاني والثالث حول تحديد هوية هذا المخلص حيث يتأكد کون المهدي عليه السلام هو هذا المخلص، وقد تم الرد على المشككين بقدر ما وفقنا الله تعالى إليه.
وفي الفصلين : الرابع والخامس حول الظروف المهيئة للثورة، سواء منها ما حمله الفكر الديني أو الفكر البشري.
وفي الفصل السادس حول ظهور المخلص - الإمام ومعاركه وانتصاراته .
والله الموفق
يبحث الإنسان بشكل دائب ومستمر عن الحقيقة. والحقيقة هي ذلك المثال الذي يشد العقل البشري نحوه، فيندفع على الطرق التي يعتقد أنها توصل إليه، وهكذا فهو يعمل على بلوغ الغاية، كما يعمل على رفع كفاءة الوسيلة، وذلك في آن معا.
ولكن العمل الإنساني عبر العصور، أثبت للإنسان أن الطريق طويل إلى درجة لا يمكن تصورها، بحيث أن ما يظهر منها في زمن معين يصبح جزءا بسيطا أحيانا، مما يظهر في زمن لاحق، من هنا كان الركون إلى مقولة نسبية الحقيقة، التي تجعلها حقائق متعددة ومتنوعة تعدد وتنوع النشاط الفكري الإنساني.
غير أن الحقيقة ليست دائما في حالة انتظار أن يصل الإنسان إليها، فهي ليست دائمة منفعلة بل تكون فاعلة أحيانا، بحيث تنتقل إلى الإنسان دون أن يصل إليها بالتفكير المنطقي بأي وجه من وجوهه. ولما كانت تصل مجزأة فنفضل أن نطلق على الأجزاء مصطلح المعارف.
وهكذا فإن المعارف تدرك إما بواسطة العقل الإنساني المعتمد على معطياتأولية مختلف في طرق تحصيلها، أو على نتائج التجربة والاستقراء، وإما بواسطة الكشف المعتمد على عامل غير إنساني، كما في حال الرسالات السماوية أو، كما يؤكد بعضهم، في حال طرق الكشف العرفانية والصوفية ، أو العوامل التي تندرج تحت ما يسمى ب «علم ما وراء النفس» Parapsychologie.
يقوم العقل بدورين رئيسيين في عملية تحصيل المعارف، فهو إما أن يستنبطها من خلال معطيات أولية مغروزة فيه، متوافق عليها أو قابلة لأن
يتوافق عليها، وإما بواسطة الاستقراء اعتمادا على ما يقدمه الواقع من معطيات تتأثر بها أولا أدوات الحس، وهي المعطيات ذات التجلي المادي .
تعتمد عمليات الاستنباط على بديهيات أولية يسلم بها العقل عادة، ليقيم بناء معرفيا معينا وكي لا يضل العقل، فقد عمد الفلاسفة منذ أرسطو إلى وضع علم خاص لطرائق التفكير سمي علم المنطق»، الذي بدأ مع «المنطق الصوري» ثم اتخذ محتويات مختلفة.
ولكن العقل على الرغم من قدراته وأهميته، لم يستطع دائما أن يتوصل بهذه الطريقة إلى حقائق ثابتة يسلم بها الجميع، فبقيت المعلومات التي يدركها محدودة وقابلة للنقض. وإن كان توصل إلى حقائق ثابتة أحيانا فهي حقائق أولية بسيطة. ولعل الكم الأساسي من المعارف أتي من طريق آخر، طریق الاستقراء.
هذه العمليات تعتمد جمع المعارف الجزئية ومقارنتها وتحديد أوجه التشابه في خصائصها لاستخلاص القواعد الكلية الأشمل. فهي إذا تنطلق من الملاحظة أساسا، فإذا وجدت الملاحظة أن أمرا يتكرر كلما حصلت مقدمات معينة، فيقرر الإنسان عندها تلازم هذا الأمر مع تلك المقدمات.
غير أن نقطة الضعف في القواعد المبنية على الملاحظة تكمن في كون أي معطى جديد يخالف القاعدة ينسفها من الأساس. من هنا تبقى المعارف المستمدة من الاستقراء مشاريع يعاد النظر فيها كلما جد جديد على صعيدها، فهي غير مطلقة ولا ثابتة .
وهكذا فإن العقل الإنساني لا يستطيع إدراك الحقائق إلا بشكل جزئي، وغير أكيد في غالب الأحيان، وإن كان هذا لا يعني الاستغناء عنه والاستعاضة بشيء آخر.
ونحن عندما نقول إنه لا يدرك الحقائق إلا بشكل جزئي، نود ألا نقلل من أهمية هذا «الجزئي»، فهو جزئي بالنسبة إلى هذا الكون اللامتناهي وما يحمله من أسرار، من هنا يكون هذا «الجزئي» عظيما بقدر تسخير الذرة الأغراض الإنسان وبقدر الوصول إلى الكواكب. إلا أن الجزئي على عظمته يبقى جزئيا.
أما كونه غير أكيد، فيعني أنه لا يطمأن إليه بالمطلق، ولكن هذا النوع من اللاإطمئنان، لا يعني انعدام أية قيمة له، لأن الركون النسبي إليه يحقق نتائج هامة، ككل ما حققته الإنسانية في تاريخها الطويل، وإن كان هذا الذي تحقق يبقى موضوعا للتطوير والمراجعة باستمرار.
ومن هنا ولما كان العقل الإنساني، غير قادر على اكتشاف كل الحقائق، فإنه يمسي من غير حقه أن ينكر ما لا يدركه، ويعده غير موجود أو غير صحيح، وكل ما من حقه أن يفعله في هذه الحالة، أن يتمسك مؤقتا باللاأدرية، حتى تكشف له الأمور. فيحكم عند ذلك بالصحة أو البطلان .
وهذا الدور يقوم على تلقي المعرفة، ليس من طريق الوسائل العقلية ، بل من طريق انکشاف هذه المعرفة لمن اختصهم الله بالنبوة أو الرسالة، أو لمن يسعى إليها بالرياضة والمجاهدة كالصوفيين والعرفانيين على وجه العموم.
أما الأنبياء فيلقي الله إليهم المعرفة بواسطة ملاك من ملائكته فينقلونها إلى الناس، وهي معرفة واعية واضحة. وأما الصوفيون وسائر العرفانيين فيقولون إن المعرفة تنكشف لهم انکشافة، وهم في الغالب لا يستطيعون نقلها ، فيقتصر موقفهم على التلذذ بها.
وهكذا فإن العقل يستعيد دورة معينة هنا يتمثل بالكشف عن أحوال النبوة لتلقي المعرفة من طريقها، لا لاتخاذ موقف من هذه المعرفة، قبولا أو إنكارة
بل للتسليم بها. لأن إقامة العقل الإنساني نفسه حكمة في مسائل الوحي الإلهي، يعني أنه يتجاوز إمكاناته ويتنطح إلى أمور ليس من حقه التصدي لها.
فدور العقل إذا في هذه الحالة يقتصر على التأكد من حقيقة نبوة هذا الشخص أو ذاك ، ومن حقيقة صدور المعلومات عنه ، فإذا ما تأكد من ذلك، أصبحت هذه المعلومات حقائق ثابتة ونهائية ، ثم يستعيد دوره في التحليلللاستنباط استنادا إلى هذه المعلومات.
وإذا كنا اليوم لا نشهد أية نبوة حاضرة بل أخبارة عن نبوات سابقة وقرائن عليها، فإن هذه الأخبار تصبح بمثابة شهادات يجب الاستيثاق منها بدراسة أحوال من شهدوا بها، كما تصبح القرائن معطيات يجب معالجتها للوصول إلى المعلومات. وهكذا تصبح مرويات من عاشروا الأنبياء بعد تمحيص صحة صدورها وصدقية رواتها معطيات لا يمكن للعقل أن يدحضها على أساس معطياته الخاصة، كما تصبح الكتب السماوية قرائن ثابتة يجب الركون إليها.
إن الموقف الذي يرفض التصديق بحصول النبوة، أو على الأقل ببعض ما صدر عنها مما لم يعتد على مثله، هو موقف غير مبرر، بل هو موقف عقائدي يرفض هذه الأمور دون أية محاولة للتحقق منها انطلاقا من حقيقة عجز العقل البشري عن معرفة كل شيء
فقد عمدت نزعة من هذه الصنف إلى القول إن فكرة الألوهية ناجمة عن رعب الإنسان وإحساسه بالضعف أمام قوى الطبيعة الجبارة، وقد صدر هذا الراي دون الاستناد إلا إلى الظنون، وهو لا يعدو كونه فرضية تلقفها العديد من الدارسين ليبرروا إلحادهم.
إن ما تشكو منه هذه النظرية من الناحية العلمية ، هو كونها لا تقوم على استنباط ولا على استقراء، ولم يثبت مؤيدوها أي سند تاریخي لها، وكل ما
يمكن عقليا تجاهها هو القول بأنها ممكنة مبدئية وإلى أن يثبت العكس، لا إنها حقيقة مطلقة. على أنها لا تجيب على سؤالين مرکزیین : :
الأول: ألم يكن بالإمكان أن تكون ردة العقل على ظواهر الطبيعة غير مستندة إلى فكرة الألوهية، وإذا كانت فكرة عزو الروح والإرادة إلى الظواهر الطبيعية وما يتصور أنها نجمت عنه ، فهل هذا يبرر عزو فكرة الخلق وخاصة خلق الإنسان إلى خالق معین.
الثاني: إذا كانت فكرة عزو القوة الخارقة لظواهر الطبيعة المخيفة وبالتالي تصور فكرة وجود خالق للكون والإنسان، نتيجة لذلك، كلها ناجمة عن الخوف من هذه القوى والعجز عن مواجهتها، بشكل عام، ألم يكن ممكنا أن يشذ أي شعب من شعوب الأرض، حتى تلك المعزولة إلى الأمس القريب كشعوب استراليا الأصلية أو شعوب أميركا القديمة ويتفتق ذهنه عن رد من نوع آخر؟
إن هذه المواقف هي مواقف متأثرة بالفكر الإلحادي الغربي عن وعي أو عن غير وعي، وهي لا تخدم الحقيقة لا من قريب ولا من بعيد. علما بأن الفكر الغربي نفسه يقف حائرا أمام ظواهر غير عادية ، كظاهرة ماء «لورد Lourdes» في فرنسا، الذي يشفي بعض الناس من أمراض مستعصية، في حين لا يشفي بعضهم الآخر من نفس الأمراض، وما كان من هذا الفكر إلا أن تذرع باللاأدرية حينا أو بالرفض المطلق للتصديق، دون أية محاولة للتحري عن صحة ما يجري.
عندما تطرح عقيدة في مجتمع معين فإن هذا المجتمع يظهرها بطريقة خاصة متأثرة بأوضاعه ومفاهيمه وعقائده ، بحيث تأتي نسخة جديدة قد تختلف عن الأصلية لا في كثير من التفاصيل وحسب بل وحتى في الخطوط الرئيسية . كما تختلف عن النسخ التي تظهر في المجتمعات الأخرى وفي ظل الحضاراتالأخرى، وهذا ما حل بالعقيدة الماركسية الاشتراكية التي أخذت في روسيا
ومن ثم في الاتحاد السوفياتي منحي معينا اختلف عن المنحى الذي اتخذته فيالصين أو في كوبا، كما اختلفت التفاصيل حتى بين بلد أوروبي وآخر رغم التقارب الثقافي.
والعقيدة في المجال الذي نعاينه لا بد من أن تكون نسبية وتاريخية ، تأتي الترد على تحد معين، ثم تنتشر في الأمم التي تواجه التحدي نفسه ، ومع ذلك فهي تتخذ مسارات متباينة تختلف بين قوم وقوم، فكيف إذا كانت الأفكار التي تحملها أفكارة مطلقة مصدرها إلهي غير مرتبطة بظروف معينة أو تاريخ معين؟
لقد قدمت لنا الأديان البرهان الواضح على ما نقول. فلو أخذنا اليهودية مثلا، لوجدناها اليوم دينا يتناسب وأوضاع فريق من الناس بشكل عام. فيما تتباين مفاهيمه الجزئية بين بيئة وأخرى، فهو في النسخة العامة يناسب مفاهيم عنصرية انغلاقية، فيتحول «يهوه» إلى إله خاص باليهود، ليس لأنه الله الواحد الأحد الذي آمن به بنو إسرائيل، بل لأنه إله عنصري متحالف معهم على الخير والشر ضد الآخرين.
وإذا أخذنا المسيحية نجد أنها جعلت الألوهية ثالوثة على غرار ما كان سائدة في الحضارات التي انتشرت فيها في البداية كالمصرية والرافدية واليونانية .
إذا أخذنا الديانات المصرية نجد الثواليث المكون كل منها من الأب
والأم والابن:
فثالوث میتیلیس يتكون
1- أوزيريس، إله الحضب، الأب.
2 - إيزيس، الإلهة السماوية، الأم.
3- حورس، الباز، الذي أصبح حورس الابن .
وثالوث ممفيس يتكون من:
1- بتاح، الخالق، الأب.
2- سخمت، الإلهة اللبوؤة، الأم.
3- نفرتون الإله اللوتس الصغير، الإبن وثالوث الفانتين يتكون من :
ا- خنوم، الإله الخراف.
2 - سانت إلهة الشلالات.
3- أنوخت إلهة الشلالات الأخرى .
وثالوث طيبة الكبير المكون من آمون وموت وخونسو وثالوث العصر الأدنى الذي ساد في دنديرا ويتكون من حورس من أدفو، وحاطور وأبهي من أدفو، وكذلك الثالوث المكون من حورس وحاطور وابنهما حارس متوس(1).
وإذا أخذنا دیانات ما بين النهرين نجد أن الآلهة كانوا يشكلون أسرة: آن، الإله وأنيني، الإلهة . وكانوا يشكلون ثواليث الثالوث الكبير المكون من:
1- آنو، إله السماء .
2- أنليل، إله الأرض.
3 - انكي إلى المياه (2)
وهنا نجد نمطين من الألوهية العائلية والثالوث غير العائلي .
أما في اليونان القديمة، فإننا نجد، على غرار بلاد الرافدين، أسرة إلهية وتزاوجا واتحاد بین الآلهة في كل حاضرة وقد تختلف الأسماء، إذ تقول الأساطير إن الإله زفس هيباتوس، إله الأعالي اتحد مع بوزيدون الأيلوزي فولدت ارتمیس والحصان، وهذا ما يسهل فهم وحدانية الأقانيم الثلاثة في المسيحية، وهناك أسطورة تقول أن أتمیس عاشت مع أبيها بوزيدون. وقد تزوج بوزیدون بعد أن سيطر على كل الضفاف الشرقية مع الإلهة الأم (3)
وهكذا نجد أن القبائل اليهودية حورت الدين اليهودي، وفهمت الله على شكل إله قبلي خاص لا يقبل الشعوب الأخرى.
كما نجد الأمم التي اعتنقت المسيحية فهمت الألوهية على غرار ما كان سائدة من مفاهيم إلهية فيها. وبهذا أعاد اليهود والمسيحيون إنتاج دينيهما على ضوء ثقافاتهما وحضاراتهما، ثم تفرعت المذاهب التي كان أساسها الحضارات والثقافات الفرعية. فهل نجا الإسلام من هذه السنة؟
إن الإسلام تعرض لما تعرضت له الديانات السابقة، مصداقا لنبؤة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بأن هذه الأمة ستحذو حذو الأمم السابقة «حذو القذة بالقذة» أو «حذو النعل بالنعل ). (1)ففي السقيفة استخدم زعماء قريش القيم القبلية ، إذ يقول أبو بكر في رده على خطيب الأنصار: «أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قریش، هم أوسط العرب نسبا و دارا .(2)
وهكذا فقد حاج أبو بكر الأنصار الذين حموا الإسلام وقاتلوا أعداءه وقدموا الشهداء بلا حساب ، بحجة قبلية، جعلت من قريش، ومعظم رجالها ممنقاتلوا الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ودعوته، هي المستحقة للخلافة، لا بأمر إلهي، بل لأن العرب، والأكثرية الساحقة منهم أسلمت بعدما يئست من التغلب على الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، أو هي أرغمت على الإسلام، لأن العرب هؤلاء لا يعرفون هذا الأمر إلا «لهذا الحي من قریش». .
ثم إن عمر الذي يدافع في السقيفة عن أحقية أبي بكر، يتمسك بالمفهوم القبلى نفسه، فيقول، ردا على خطيب الأنصار: «والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت
النبوة فيهم وولي أمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلآ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة(1). وهو مدل بباطل ومتجانف لإثم ومتورط في هلكة لأنه ينازع عشيرة محمد صلی الله علیه وآله وسلم سلطانه، لا لأنه مخالف للقرآن والسنة.
ثم أن عمر لم يطمئن إلى النصر في بيعة أبي بكر إلا عندما أقبلت قبيلة أسلم). (2)
وهكذا فقد جرى تجاهل السابقين الأولين إلى الإسلام ممن ذاقوا الأمرين، وحسمت قریش، ببعض أفخاذها، وكأن الإسلام غنيمة قبلية.
ولكن الأمر تفاقم مع ولاية عثمان ، فقد عارض هذه الولاية عدد من كبار الصحابة ، وكان منهم عمار بن یاسر، الذي كان يرى أحقية علي علیه السلام ، فلام قریشة على اختيار عثمان ، فأجابه ، ومن المنطلق القبلي الجاهلي نفسه ، هاشم ابن الوليد بن المغيرة، بقوله: «یا ابن سمية، لقد عدوت طورك وما عرفت قدرك. ما أنت وما رأت قريش لأنفسها، أنك لست في شيء من أمرها وإمارتها، فتنع عنها. وتكلمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار وانتهروه(3). وهكذا فإن عمارة، الذي قاسي ما قاساه ، على أيدي قريش نفسها عندما آمن وكانوا كفارة، يعدو طوره إذا أعطى رأيه في خلافة المسلمين، التي جعلتها قريش إمارة لها وإمرة .
وما إن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان حتى أثارها قبلية غير مستترة، فبدأت الحساسيات تتأجج لتنفجر حربا بين القيسية واليمنية(4)وعادت مفاهیم الجاهلية لتتلبس لبوس الإسلام.
وهكذا فقد أعادت القبلية القرشية إنتاج الإسلام، وهي عصبية جاهلية كان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أمر بتجاوزها والتخلي عنها، وذلك في حديث شريف يقول:
من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية (أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية».(1)
هل أن إعادة إنتاج الأديان كانت الحل الوحيد أمام أتباعها؟
إننا نعتقد، وهذا ما أثبتته التجربة، أن الدين إذا ترك للناس أمره، فلا بد من يشوهوه ويصبغوه بصبغتهم الثقافية. أما إذا ائتمن عليه رجال اصطفاهم الله تعالى، فعندها فقط يمكن أن يحفظ. ومن هنا كانت ضرورة الإمامة لتصون الدين من التحريف. وهذا ما أمر الله رسوله بأن يبينه لأمته ، وإلا فإنها ستحذو خطي من كان قبلها حذو القذة بالقذة.
إلا أن الأئمة كانوا معروفين حتى ما بعد منتصف القرن الثالث الهجري بقليل، فهل انقطعت السلسلة؟
إن انقطاعها ضياع للدين لا يرضاه الله تعالى، ولكن سلوك البشر قد يكونسببا في ضلال أنفسهم، وهذا ما حصل فكانت غيبة الإمام، التي سنتناولها لكشف ظروفها ولنبين كيف ستنتهي، بعد تحديد شخص هذا الإمام، معتمدین معطيات العقل والعلوم البشرية إلى جانب المعطيات الدينية .
سادت هذه الفكرة وما زالت لدى كل الأديان المعروفة، وبشكل خاص الأديان السماوية نتيجة لإخبار أصحاب الرسالات السماوية بها. وقد عمد أصحاب الفكر الرافض للمسائل الغيبية إلى رفضها دون تمحيص وادعوا أنها ناجمة عن بسيكولوجيا القهر، التي تدفع الإنسان المحبط إلى إفراز قوی
1) صحیح مسلم، کتاب الإمارة الباب 57، راجع كذلك مسند احمد 306/2و 488، وسنن النسائي تحريم/28.
التحصين النفسي التي تمنعه من الاستسلام واليأس، على غرار ما يفرزه الجسم عندما يتعرض لعدوان میکروبي أو فيروسي.
إن هذا الرد يصح بشروط:
أولها: أن يثبت أن النفس ردت فعلا، لدى الشعوب المقهورة بهذه الطريقة، وهذا الثبوت يجب أن يحصل من طريق التجربة والمعاينة والشهادة . فإذا ما تحقق ذلك فإنه يطرح إمكانية كون الفكرة ناتجة عن بسيكولوجيا القهر ، دون أن ينفي الإمكانيات الأخرى.
ثانيا : أن يثبت عدم صحة حقيقة المخلص المنتظر كإمكانية واقعية أو احتمالية إلى جانب الأولى في حال صحتها.
ثالثا : إن الفكرة لم تسد فقط لدى الشعوب المقهورة، بل هي وجدت لدى الشعوب المنتصرة كذلك، كالمسلمين أيام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم واليهود أيام داود كما ورد في الكثير من المزامير .
غير أن الرفض لم يقتصر على هذا الفريق من الناس، بل هو تعداه إلى بعض المفكرين المسلمين الذين يتجاهلون الأحاديث الواردة حول المهدي المنتظر أو يشككون فيها على أساس أن الفكرة ذات منشأ مذهبي، ولكن هؤلاء لم يقوموا بدراسة حقيقية لهذه الأحاديث ويثبتوا عدم صحتها وحقيقة أصلها المذهبي.
وكان من الرافضين كل من العلامة ابن خلدون من القدماء وأحمد أمین ورشید رضا والدكتور عبد الرحمن بدوي في العصور الحديثة وغيرهم ممنتأثروا بالفكر الغربي الذي روجه «غولدسهير» و «فلون».
لقد تجاهل هذا الفريق أحاديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أو هو ربما لم يؤمن بها، فلذلك هو رفض الفكرة بشكل متعسف، وينتمي إلى هذا الفريق الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي يرى أن كعب الأحبار هو الذي حمل فكرة المهدي٫
المنتظر إلى المسلمين، وذلك اعتمادا على بيت من الشعر ورد على لسان كثير عزة، دونما انتباه إلى الأحاديث الواردة والمنسوبة إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم تلك الأحاديث التي لم يكلف الدكتور بدوي نفسه عناء دراستها بالطرق العلمية ، سواء التي اعتمدها الرواة المسلمون والفقهاء، أو التي يمكن لأي عاقل أن يعتمدها.
يقول كثير عزة: هو المهدي خبرناه کعب* أخو الأحبار في الحقب الخوالي
فيستنتج الباحث من هذا البيت «أن كعب الأحبار اليهودي الأصل هو الذي بث فكرة المهدي في الإسلام». ويضيف: «وإذا كان كعب الأحبار المتوفى سنة 32ه. هو الذي بث فكرة المهدي في الإسلام، فسيجعلنا هذا ترتفع بظهور الفكرة في الإسلام إلى قبل سنة 34ه أي أوائل خلافة عثمان» . إلا أن الكاتب يعترف أن ما زعم من قول کعب الأحبار غير محدد، الأمر الذي لا يسمح له بالاسترسال في هذا المجال. فهو يقول: «لكن عدم تحديد ما قاله کعب الأحبار بالضبط لا يسمح لنا بمزيد من التوسع في هذا الفرض»، ثم يسترسل مع الفرضيات فيقول: «ولربما كان حديثه عامة عن فكرة المهدي دون أن يربطها بشخص بعينه»، ولذلك فهو يتحفظ قائلا : فمن الأحوط أننقول إنها أصبحت عقيدة دينية بالمعنى الاصطلاحي، ابتداء من حركة الكيسانية التي تزعمها المختار بن عبيد (المتوفي سنة 97 ه. أي حوالي سنة 60ه)). (1)
وما يمكن أخذه على الدكتور بدوي هو أنه افترض أن كعب الأحبار هو صاحب فكرة المهدي في الإسلام بناء على شعر كثير عزة، الذي لا يعني أن كعبا هو الذي جاء بالفكرة، والذي يحتمل أنه أكدها مثلا، ولعل ما يؤكد هذا الأمر أن المنسوب إلى كعب من أحاديث حول المهدي هو إيضاحات وردت بمناسبة بعض الأحاديث النبوية الشريفية، أو أحاديث ثانوية لا أهمية لها. فقد
1) عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، بیروت، ط1، 1973، ج2، ص 71 وما بعدها.
أسند إليه حديث عن فتن ثلاث، وحديث عن فتن أربع، وحديث عن أن اسم المهدي اسم نبي أو هو محمد، أو أن نجمة سيطلع من المشرق، أو أن أحب البلاد إلى الله الشام، أو أن المهدي يقاتل الروم، أو أنه يهدي إلى أمر خفي، أو أن المهدي يخرج إلى بلاد الروم وخاصة إلى القسطنطينية ، أو أن أهل السماء والأرض والطيور يصلون على المهدي، وبعض الأحاديث حول ملك بمصر وآخر في الشام، وأحاديث حول بني العباس، وحول المسيح، أو حدیث اقتتال حول الفرات من أجل كنز. وهي أحاديث لم ينفرد بذكرها كعب الأحبار، وهي من بين حوالي خمسمائة وستين حديثة منسوبة إلى الرسول صلی الله علیه وآله وسلمدرسها العلماء ووجدوا فيها الصحيح والحسن والمقبول والضعيف. وكل ذلك مما لم يقم له الدكتور بدوي أي وزن، بل راح يطلق الفرضيات ويصدقها دون أي دليل يمكن الركون إليه ، وهي الآفة التي أفسدت الكثير من المواقف حول الأمور الغيبية ، فأدت، إلى رفضها بشكل متعسف.
يستعرض ابن خلدون عددا من الأحاديث الواردة في المهدي ويضعفها جميعا (1)ويستنتج قائلا : «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت، لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو أقل منه».(2)
وحتى يقضي على هذا «القليل أو الأقل منه»، يعود ابن خلدون إلى نظريته في العصبية، ليؤكد أن الفاطميين وحتى الطالبيين قد تبددوا ولن تقوم لهم عصبية تجمعهم ليؤسسوا دولة في يوم من الأيام. «والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه. وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهينالقطعية التي أريناك هناك. وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من
جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها، وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم، يبلغون آلاف من الكثرة، فإن صح ظهور هذا المهدي، فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في أتباعه، حتى تتم له شوكة وعصبية وافية بإظهار كلمته وحمل الناس عليها. أما على غير هذا الوجه، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة، إلا مجرد نسبة في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة»(1)
وهكذا فإن ابن خلدون يستند أساسا إلى نظريته في العصبية كعامل وحید في إقامة الدول، ليفسر بواسطتها عدم إمكانية إقامة دولة للمهدي (عج الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان، إلا على أساسها.
، والواقع أن نظرية العصبية نظرية كانت مقبولة حتى زمن ابن خلدون، وربما لزمن معين بعده . أما اليوم فلم يعد القبول بها ممكنا إلا في المجتمعاتالقبلية وهي مجتمعات لا تغطي الكرة الأرضية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نظريته حتى ولو كان قدر لها أن تبقى نظرية صحيحة ومقبولة بشكل عام، فإن قضية الإمام المنتظر قضية لا يستبعد فيها خرق القوانين الطبيعية .
أما ما أثاره ابن خلدون من تشكيك في الأحاديث الواردة حول موضوع الإمام المهدي (عج الله تعالی فرجه الشریف)، فهو لا يستقيم أمام النظرة العلمية، فهو من جهة يشير إلى عدد كبير من الأحاديث، بلغت ثمانية وعشرين حديثا، ثم يعمل معول النقد في أسانيدها، بطرق نقلية يسلم بها بما قاله كل عن الآخرين دون أية محاولة لتمحيص تلك الآراء ومعرفة جميع العوامل المحركة لها، متجاهلا أن وفرة الأحاديث تجبر الضعيف منها .
1) المرجع نفسه ، ص 259.
وقد رد عدد من العلماء على ابن خلدون في مجال رفضه للأحاديث ، فذهب بعضهم إلى أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر، وحكم المتواتر وطريقة معالجته ليسا كحكم أحاديث الآحاد ومعالجتها، إذ أنه في المتواتر لا يبحث عن الجرح والتعديل كما في أخبار الآحاد. وقد ذهب إلى هذا أبو الفيض الغماري في كتابه «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»، إذ يقول: «ألا وأن في أعلامها الصريحة وأشراطها الثابتة الصحيحة ظهور الخليفة الأكبر والإمام العادل الأشهر ... فقد تواترت بكون ظهوره من أشراط الساعة ومن شروطها، الأخبار وصحت عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك والآثار، ففيالتذكرة للإمام القرطبي وفتح الباري الأمير الحفاظ العسقلاني نقلا عن الحافظ أبي الحسين الآبري أنه قال ما نصه : ... تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم و في المهدي وأنه من أهل بيته ..
وممن نص على تواتر احادیث المهدي أيضا الحافظ شمس الدين السخاوي في فتح الغيث والحافظ جلال الدين السيوطي في الفوائد المتكاثرة....
ويتابع الكاتب ذکر من شهدوا بالتواتر فيسمي كلا من العلامة ابن حجر الهيثمي والمحدث الزرقاني والقنوجي والشوكاني. ويستنتج من كل هذا أنه :
قد كثر في الناس اليوم من يخفى عليه هذا التواتر ويجهله ويبعده عن صراط العلم جهله ويضله من ينكر ظهور المهدي وينفيه ويقطع بضعف الأحاديث الواردة فيه مع جهله بأسباب التضعيف وعدم إدراكه معنى الحديث الضعيف وتصوره مبادئ هذا العلم الشريف وفراغ جرابه من أحاديث المهدي الغنية بتواترها عن البيان لحالها والتعريف. وإنما استناده في إنكاره مجرد ما ذكره ابن خلدون في بعض احادیث من العلل المزورة المكذوبة ولمز به ثقات رواتها من التجريحات الملفقة المقلوبة ، مع أن ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان ولا ضرب له بنصيب ولا سهم في هذا الشأن ولا استوفي منه بمكيال ولا ميزان»(1)
1) أبو الفيض الغماري المغربي، إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، مطبعة الترقي بدمشق الشام، 1387، ص 237
وقد وصف ابن خلدون، الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بأنه من «الإخباريين الذين هم ليسوا من أهل الاختصاص»(1)
ولعل من أهم ما أخذه علماء الحديث على ابن خلدون کونه يستهل الفصل الذي يعقده حول المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بالقول: «إعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ...»(2)، ثم يشكك في الأحاديث ويضعفها، وكان الأحرى به أن يعتبر الشهرة دليلا على الصحة بوجه عام.
على أننا حتى ننصف ابن خلدون، نقول أنه لم ينف مسألة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بالمطلق، بل هو ترك لها احتمالا إذ يرى أنه يمكن أن يظهر بين أبناء الحسن والحسين وجعفر ممن كانوا ينتشرون في مكة وينبع بالمدينة» .
يقول أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام"(3)منكرة قضية المهدي المنتظر : وفكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية، واجتماعية ودينية . ففي نظري أنها نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم ويضيف: «واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية ، فأتوهم من هذه الناحية الطاهرة،ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها، فصدقها الجمهور الطيب، وسکت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم». ويستنتج أحمد أمين من كل ذلك: «حديث المهدي هذا حديث خرافة، وقد ترتب عليه نتائج خطيرة في حياة المسلمين»، إذ «امتلأت عقول الناس بأحادیث تروى وقصص تقص، ونشأ باب
كبير في كتب المسلمين اسمه الملاحم... وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث بعضها نسبوه إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وبعضها إلى أئمة أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه ، وهكذا. وكان لكل ذلك أثر سيء في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، كما كان من أثر ذلك الثورات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة كلهم يزعم أنه المهدي المنتظر، ويلتف حوله طائفة من الناس .. وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدية، وهي نظرية لا تتفق وسنة الله في خلقه ولا تتفق والعقل الصحيح...
هذا ويجاري أحمد أمين في تصوراته الشيخ عبدالله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر، الذي وضع رسالة بعنوان: «لا مهدي ينتظر بعد الرسول سيد البشر». وقد جاء فيها: «ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار ومن إثارةالفتن وسفك دماء الأبرياء، ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس من كل ما يبرأ النبي صلی الله علیه وآله وسلمعن الإتيان به، إذ الدین کامل بدونه»(1)
إن أحمد أمين يطلق استنتاجاته وخواطره دون أن يبين لنا كيف أن الشيعة هم أساس فكرة المهدية ، ودون أن يكلف نفسه مناقشة الأحاديث في إسنادها ومتونها، مكتفيا بشطحة قلم تطيح عشرات الأحاديث بل مئاتها بل آلافها، ويدعي أخيرة أنها تتناقض مع سنة الله في خلقه ومع العقل السليم.
أما قوله بأن النظرية اخترعها الشيعة فرد أهل السنة عليه هو في إثبات العشرات من أعلامهم لهذه الفكرة ولتفصيلاتها، بعدما أشبعوا الأحاديث دراسة تمحيصاً.
وأما ما ترتب على الفكرة من خروج الدعوات والدعاة كما ذكر أحمد أمين وابن المحمود، فهو أمور لا تسأل عنها الفكرة بل من استغلوها. ولو كان منطق أحمد أمين صحيحا هنا لأوخذت فكرة النبوة بسبب خروج الأنبياء الكذبة .
1) الرسالة، ص 5.
وأما أخيرة كون النظرية لا تتفق وسنة الله في خلقه، فإن أحمد أمين لم يبين لنا ما هي سنة الله في خلقه، ولا كيف كانت فكرة المهدية مناقضة لها.
وما يرد به على أحمد أمين هنا، هو أن الله تعالى يقول: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » [القصص/5] كما يقول جل من قائل: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ »[الأنبياء / 105].
هذا وأن العقل الصحيح يقضي بأن الخير لا بد أن ينتصر في نهاية المطاف، وهذا ليس نابعة من الرغبة أو العاطفة المركوزة في المستضعفين، بل نتاج لتحليل علمي يقول:
.
1- إن الله الذي خلق الخلق وأمرهم باتباع الصراط المستقيم، لا بد من أن يقيم الحجة عليهم أخيرة بإمكانية قيام نظام تتجسد فيه القيم الأخلاقية، حتى لا يتذرع أحد بكونها غير ممكنة التطبيق.
2 - إن البشرية، لا بد لها، من أن تتحرك مهما طال الزمن، ضد كل ظلم وتخلف، وبذا فإن مسيرتها لا بد أن تصل إلى إقامة مجتمع العدل والوفرة. وما الانتكاسات التي تشهدها البشرية في هذا العصر أو ذاك، إلا مراحل مؤقتة في مسيرتها الطويلة، ذلك أن الظلم الذي يتحمل حينا من الزمن لا يمكن أن يتحمل إلى الأبد، وإذا ما استسلمت له أجيال فلا بد أن تثور عليه أجيال أخرى، وإذا ما تحركت البشرية حينا بطريقة خاطئة أو قاصرة، فهي لا بد من أن تكتشف، بعد حين هذا الخطأ والقصور لتبدأ مسيرة تصحيحه .
وأما فكرة أن الدين كامل بدونه، فالرد عليها أن القائلين بظهور المهدي وضرورته لا يدعون أنه سيكمل الدين، بل أنه سيصحح مسار المسلمين، ويعيد إلى الإسلام عزته ومنعته وينشره في الأرض ليظهر على الدين كله ولو کره المشركون.
يشكك رشيد رضا في «تفسير المنار» (1)بأحاديث المهدي بعد تشکیکه٫ بأحاديث الدجال، ويرى أن التعارض في الأولى أقوى وأظهر والجمع بين الروايات عنه أعسر والمنكرون له أكثر والشبهة فيه أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما.. والشيعة.. يقولون أنه دخل السرداب في دار أبيه في مدينة سر من رأى ... وله من العمر تسع سنين وأنه لا يزال في السرداب حيا وقد رفع إليه بعض علمائهم المتأخرون أسئلة شرعية في رقاع كانوا يلقونها، وزعموا أنهم كانوا يجدون فتاواه مدونة فيها».
أما حول اسم «المهدي» فقد روي عن کعب الأحبار أنه قال : إنما سمي بالمهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي وسيخرج التوراة والإنجيل من أرض يقال لها أنطاكية. وفي رواية أخرى عنه: إنما سمي بالمهدي لأنه يهدي إلى أسفار التوراة فيستخرجها من جبال الشام ويدعو إليها اليهود، ويسلم على تلك الكتب جماعة كثيرة - رواها أبو نعيم في كتاب الفتن وروي مثل ذلك عن عمرو الداني. وإنما هو مأخوذ من تضليلات كعب الأحبار».
وحول الخلاف بين الشيعة والعباسيين حول نسب المهدي، يقول المؤلف: «وسبب الخلاف أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من ذرية علي علیه السلام ، ويضعون الأحاديث تمهيدا لذلك ففطن لهذا الأمر العباسيون فاستمالوا بعضهم. ورأى أبو مسلم الخراساني وعصبيته أن آل علي يغلب عليهم الزهد وأن بني العباس بني أمية في الطمع في الملك، فعمل لهم توسط بهم إلى تحويل عصبية الخلافة إلى الفرس تمهيدا لإعادة المجوسية. وحينئذ وضعت أحاديث المهدي مشيرة إلى العباسيين مصرحة بشاراتهمالسوداء .
1) محمد رشيد رضا، تفسیر المنار، مطبعة المنار بمصر، ط1، 1367ه - 1928م، ج9، ص .5.4 - 499
ولما انقضی أمر بني العباس وكانت الأحاديث قد دونت، لم يسع القائلين بظهور المهدي إلا أن يقولوا: «إن الرايات السوداء هي غير رايات بني العباس. على أن خصومهم قد رووا في معارضتها روایات ناطقة بأن رايات المهدي تكون صفراء، وروايات في أن ظهوره من المغرب لا من المشرق».
ويستخلص محمد رشید رضا بعض الاستنتاجات منها:
أن النبي لم يكن يعلم الغيب، وأن الله تعالى أعلمه ببعض الغيوب كفتنة قتل عثمان ويوم الجمل... أو كسؤاله الله أن لا يجعل بأس أمته بينهم، فأعلمه الله أنه لا يغير سنته. ثم أنه صلی الله علیه وآله وسلم كان يتمثل له بعض الأمور کرؤية الجنة والنار، وما رآه يوم الخندق من انفتاح قصور کسری وقيصر، وما رآه وهو في بعض آطام المدينة من الفتن.
ويذهب المؤلف إلى القول أن الرسول لم يكن مكلفا بنقل تفسير بعض الأمور إلى جميع الناس لا سيما ما يتعلق بتأويل بعض الآيات.
ويضيف أن الأحاديث نقلت بالمعنى وأن الرواة زادوا فيها من عندهم، وهم أخذوا كل ما سمعوا من أي مسلم، صادقا كان أو كاذبة، على أساس أن كلالصحابة عدول. وأخيرا فإنه يرى أن النبي كان يجهل بعض المغيبات، ويطرح فيها ظنه دون وحي كحديث ابن صائد.
وردا على موقف رشید رضا نستطيع القول: أن هذا الموقف لا يعتمد إلا على ظنون صاحبه، فهو لم يبين لنا انحصار الأحاديث بكعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، ولم يبن كيف ومتى وضع الشيعة الأحاديث ومن وضعها منهم، ومن الذي غير الأحاديث بعد انقضاء «أمر بني العباس». .
ثم كيف حكم رشيد رضا على أن الله أبلغ رسوله ببعض المغيبات كفتنة قتل عثمان، وأنه سيجعل بأس أمته بينهم، وأنه تمثلت له بعض الأمور کرواية الجنة والنار وانفتاح قصور کسری وقيصر، ولم يبلغه أي شيء بخصوص المهدي؟
فإذا كان الشيخ يقر بأن الله أعلم رسوله ببعض المغیبات فنحن نقول : ليس ما يمنع من أن يكون أبلغه الأمور المتعلقة بالمهدي لأهميتها، ذلك أن مسألة إقامة نظام إسلامي حقيقي بعد إفراغ الإسلام من كل محتواه السياسي وانحسار دولته لقرون متطاولة ، ليست مسألة هامشية، وهي ليست أقل أهمية من فتنة يوم الجمل أو فتنة مقتل عثمان أو غيرها..
أما ما يدعيه الشيخ رشید رضا من كون الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في «كان يجهل بعض المغيبات ويطرح فيها ظنه دون وحي كحديث ابن صائد، فهو تشكيك بصدقية الرسول صلی الله علیه وآله وسلم يشجع على الكفر بكل ما أتی به».
أما مسألة الشيعة وبني العباس، فإن الثابت أن الأحادیث موجودة بشهادة الرواة الذين رووها وبلغوا بها حد التواتر، وما فعله بنو العباس هو أنهم حاولوا تحقيقها، فحملوا الرايات السود وتحركوا بجيش كثيف ضد الأمويين، وأنهم أطلقوا اسم المهدي على أحد خلفائهم. ولكن ثبت أن هذه الثورة ليست ثورة المهدي، ولذلك عمدوا إلى محاولة استئصال الأئمة العلويين حتى لا يقوم المهدي وينهي دولتهم، حسب تصورهم.
وعلى كل حال فإن قضية المهدي وحسب الأحاديث قضية مرتبطة بتفشي الظلم وضرورة القضاء عليه بثورة شاملة.
إن الثورة العالمية ضد الظلم هي ثورة لم تدع إليها الأديان فقط، بل توصل إليها الفكر الإنساني من طريق معاينة أطوار التاريخ ودراسة سننه(1)
ففي اليونان القديمة، دعا السفسطائيون إلى إلغاء الامتيازات الاجتماعية لا في اليونان وحسب بل وعلى الصعيد العالمي، وعد الكلبيون تنظیمات الدولة مضادة للنظام الطبيعي للأشياء واستغربوا الفوارق الطبقية .
1) راجع ماريا لويزا بر نیري، Jourmey through Utopia ترجمة عطيات أبو السعود في عالم المعرفة وقد لخص الكتاب آراء کتاب الطوباويات منذ العصر اليوناني القديم حتى يومنا الحاضر. رقم 220 عدد أيلول/سبتمبر 1997
وحرص الرواقيون على الدعوة للتخلص من الدول والتنظيمات السياسية، وإقامة الحرية والمساواة الكاملة بين جميع البشر.
أما أفلاطون فدعا إلى تغيير جذري في النظام بحيث يكون على رأس الحكم فيلسوف.
وكل هذا ناجم عن المظالم الاجتماعية الصارخة التي عاينها المفكرون والمصلحون، فكان لا بد لهم من رسم النظام الموعود، على أن تحقيق هذا النظام لا يمكن أن يتم إلا بالثورة، سواء أكانت سلمية أم عنيفة . وقد جاهد النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم الكفار والمنافقين وخاض الحروب التحرير الإنسانية وأوصى بالجهاد ضد الكفار والظالمين.
كما أكد السيد المسيح، بحسب نسخ الإنجيل المتداولة إلى الثورة على الموروثات الاجتماعية إذا ما تعارضت مع التعاليم الإلهية ، فقال : «لا تظنوا أني جئت لألقي سلامة على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفة، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها» (متی: 10/ 36 و 35).
وبعد مجيء المسيحية والإسلام، وبعد إقامة الدولة الإسلامية ، يعود الفارابي إلى تأكيد أمور يراها الحل في مجال النظام السياسي، فيضع لرأس الدولة معايير تجعل منه نبيا أو إمامة يتلقى الوحي أو الإلهام.
وفي عصر النهضة الأوروبية دعا السير توماس مور (1978 - 1030) في «اليوتوبيا، إلى إلغاء الملكية الفردية، وإلى تقسيم عادل ومتساو للسلع، لأن الملكية المطلقة تحصر السلع بين أيدي عدد قليل من الناس، فيما يكابد الآخرون الفقر والعوز. وهؤلاء الفقراء يستحقون ما يتمتع به الأغنياء، لأن الأغنياء جشعون وفاقدو الضمير ولا فائدة منهم للدولة، أما الفقراء فهم حسنو السلوك مهذبون وبسطاء وهم أكثر نفعا للدولة بعملهم اليومي، منهم لأنفسهم.
كما دعا كامبانيلا (1018 - 1939) في مدينة الشمس» إلى شراكة السكان في كل الأشياء في جماعة يقوم القضاة على إدارتها، على ألا يقتصر هذا الاشتراك على الغذاء بل ينسحب إلى المعرفة والمسرات وأوجه التشريف
والتكريم ، بحيث لا يستطيع الإنسان التفرد بتملك أي شيء، لأن الأب الحريص على أن يهيء لابنه الثروة والشرف، إما أن يسعى للاستحواذ على الثروة العامة ، وذلك إذا كان قويا وجريئة، وإما أن يصبح جشعا و منافقا إذا كان ضعيفا.
أما فالنتين أندريا (1089 - 1959) فهو يدعو أيضا إلى إلغاء الملكية الخاصة، وإلى تمكين كل شخص من أن يتسلم كل ما يحتاج إليه من المعارض التي تحوي المنتجات الضرورية. وذلك في جمهورية يقوم الناس فيها بالعمل، وهو عمل غير مضن ولكنه ينجز ما لا يقل عن إنجاز الآخرين بأعمالهم المرهقة، ويرى أن التفاضل يقوم على القوة والعبقرية والأخلاق القويمة والتقوى، التي تحظى بأكبر قسط من الاحترام.
وفي نفس السياق يدعو جيرارد ونستنلي (1909 - 1910) إلى حكومة کومنولت تحكم الأرض دون بيع أو شراء، وتمد الجميع من مقهورين وفقراء وضعاف بحاجاتهم من المواد الغذائية، كما تمد غيرهم سواء بسواء، وتقيم السلام وتحول السيوف والرماح إلى مناجل، وتلغي كل أشكال العبودية والقهر، التي فرضها على البشرية الملوك والاقطاعيون والمحامون وملاك - الأراضي ورجال الدين .
أما غبرييل دي فوانيي (1930- 1991) فيرسم مجتمعة لا حكومة فيه، بل تتخذ القرارات فيه في المجالس المحلية لكل وحدة سكنية على حدة ، ويوفر الطعام بشكل جماعي، حيث يحمله مندوبو كل منطقة معهم إلى المؤتمر اليومي الذي يعقدونه مع مندوبي المناطق الأخرى.
ودعا اوین (1771 - 1808) إلى إقامة تعاونيات زراعية تضم الواحدة منها ما معدله ثلاثماية شخص، يلتقون في جو من المساواة وينال كل منهم نصيبا محددة من السلع المنتجة . وعلى التعاونيات أن تلتقي وتؤلف فيدرالية.
أما فورييه (1772 - 1830) فيعلن عدم ثقته بالحكومة، حتى ولو كانت مستنيرة، بل يرى ضرورة البحث عن راع ثري يستطيع تمويل إنشاء تعاونيات ، وقد أقيم فعلا على أساس أفكاره تجمعات كوميونات) في كل من فرنسا وأميركا.
ولكن لوي بلانك (1811 - 1882) الذي عايش مآسي العمال بعد الثورة الصناعية، يطلب الإصلاح من الدولة التي يجب أن تقوم بدور المنظم الأعلى للإنتاج، فتقيم ورش العمل في فروع الصناعة المهمة وتتوسع فيها حتى تشمل البلاد بأسرها، فتصبح المالك الوحيد لوسائل الإنتاج حتى تتلاشی اللامساواة فتتلاشى الدولة.
إما إيتيين کابيه (1788 - 1859) فيرى أن الرذائل تعود إلى التنظيم السيء للمجتمع ، وعلى رأس الرذائل تقوم اللامساواة. وهو يدعو إلى المشاعية القومية الكبرى في استهلاك الثروة، وعلى عكس بعض دعاة هذا التيار الذين يدعون إلى قلب الحكومة بالقوة (بابيف)، فإن كابیه بری قلبها بالمناقشة والإقناع وقوة الرأي العام. هذا ويؤمن کابيه بأنه يجب أن تكون الملكية ورأس المال للشعب، وأن العمل يجب أن يكون إلزامية. وأخيرة هو يرى أن السيادة للشعب وعليه وحده أن يضع عقده الاجتماعي.
:
وفي نفس الخط يرى إدوارد بیلامي (1850 - 1898) ضرورة تأميم الصناعة وتعبئة العمال، ويرى أن الطبقة المهمة هي الطبقة الإدارية ، أما المالك الوحيد والرأسمالي الوحيد فهو الأمة، التي يجب أن تمتلك المدخرات وتحرز الأرباح، أما الخيرات فيجب أن توزع مباشرة من المخازن الأهلية ، دون إفساح المجال للتجارة.
ويطرح بيلامي تنظيما لأفراد الشعب على أن يكونوا عما ، فيؤدون الخدمةالعسكرية ، وفي هذه المرحلة يقومون بالأعمال القذرة، وهذا يستمر ثلاث سنوات، ولا يستطيع الرجل اختیار مهنته بحرية إلا بعد سن الخامسة والأربعين.
هذا ويدعو بيلامي إلى المساواة في المشاركة في ثروة الأمة ، بصرف النظر عن العمل، لأن المكافأة تكون بألقاب الشرف والامتيازات والمناصب الرفيعة تمنح للمتفوقين في أعمالهم دون تمييز بين الرجال والنساء .
أما وليام موریس (1834 - 1896) فيرى أن القوة الكبرى الدافعة إلى التغيير في التوق إلى الحرية والمساواة، لذا فيجب العودة إلى الماضي والتعلم من العصر الوسيط، حيث كانت تقوم مجتمعات صغيرة توفر الصداقة والعلاقات الحميمة، أما الأسواق فتقوم في المدينة على إنتاج الطوائف الرقية . وتكون السلطة سلطة غير مجهولة لدولة مركزية .
ویری ولیام موريس أن السعادة الإنسانية إنما تقوم على العمل.
وفي نفس الخط الاشتراكي يرى ويلز (1866 - 1944) أن الحرية الفردية في مكان وسط بين الاشتراكية الليبرالية، وأن الواجب لا يفرض فقط توفير المأكل والملبس والنظام والضمان الصحي، بل ويفرض حماية المبادرة الفردية .
ويقترح ويلز إقامة الدولة العالمية بحيث تكون المالك الوحيد للأرض مع الحكومات والمجالس المحلية، على غرار نظام الملكية العقارية في العهد الفيودالي. والدولة تؤجر الأرض للأفراد والشركات لمدة لا تزيد عن خمسين سنة. وكذلك مصادر الطاقة يجب أن تضع الدولة عليها اليد وتوزعها، كما تنظم العمل وتدير المنتجات الطبيعية .
ويسمح ويلز بأن يتملك الإنسان ثمرات کدحه وبراعته، وأن يتاجر دون طغيان على حريات الآخرين. ويعد ويلز المال نعمة إذا أحسن استخدامه، كما يرى العمل ضرورة حتمية. ويعطي ويلز الدولة حق تنظيم النسل وتسجيل تحركات السكان والتخلص من ذوي العاهات والمستويات المتدنية بنفيهم إلى جزر وراء المحيط.
ويرى ويلز أنه يجب أن يكون أصحاب السلطة والمناقب من الساموراي (النبلاء المتطوعين).
أما الملكية الخاصة فيجب ألا تتجاوز الأشياء الشخصية ، كما يجب أن يحل العمل المبدع محل الملكية الفردية .
وهكذا فلا يبقى من ضرورة للشرطة ولا السجون، ولا يبقى في المجتمع مجانين ولا ضعاف عقول ولا معاقون. كما لا تبقى ضرورة لإقامة البرلمانات ولا للعمل السياسي ولا لتكديس الثروات .
أما تيودور هرتسكا فيرى هو الآخر أن تكون الأرض ورأس المال وسائر وسائل الإنتاج للدولة، وأن يكون لكل السكان حق متساو في الأرض المشتركة وفي وسائل الإنتاج التي توفرها الدولة، كما يرى ضرورة رعاية كبار السن والمرضى، وأن توزع الأجور تبعا لقيمة العمل.
إن هاجس تیودور هرتسکا كان ضرورة التوفيق بين الرأسمالية الجماعية والحرية الفردية، وضرورة الاستغناء عن المصلحة دون الوقوع في التحكم الشيوعي، وبذا لا يستطيع أي عائق أن يقف في طريق النظام الاجتماعي الحر.
وسنتناول کارل مارکس والماركسية اللينية على حدة بعد نهاية هذاالعرض
ولم يكن أصحاب هذه الحلول كلهم من الاشتراكيين والمساواتيين، إذ أن منهم من يرى إجراء إصلاحات من ضمن نظام الملكية الفردية ومن أهمهم:
سان سيمون (1760 - 1825) الذي يدعو إلى النظام البرجوازي، ويری أن الجزء الحيوي من المجتمع يتألف من رجال المصارف ورجال الأعمال عموما، لا من السياسيين وموظفي الدولة والكهنة، ويطالب أن تتحول فرنسا كلها إلى مصنع. إنه يرى أن تحل حكومة المديرين محل حكومة السياسيين. ويقترح أن يتولى السلطة التنفيذية مجلس نواب مؤلف من ممثلي رجال التجارة والصناعة والزراعة، وهؤلاء الممثلون يبتون باقتراحات تشريعية يعرضها عليهم مجلسان مؤلفان من العلماء والفنانين والمهندسين.
ویری سان سيمون أن الشعب كسول وسلبي ويجب أن يسقط من الحساب لدى بحث أي مشكلة.
أما اللورد لیتون (1803 - 1873) فيدعو إلى حكم الفرد الخير الذي تنتخبه الجماعة لمدى الحياة ، على أن تكون سلطاته محدودة، دون جیشأو حكومة قوة أو محاكم جنائية، لأن الجرائم تزول وكذلك الفقر .
ويرى اللورد لیتون أن الملكية لا يجب أن تكون متساوية، وعلى كل أن يقنع بمستوى حياته. ويدعو إلى استخدام مكثف للآلات وللروبوت. وهو پری كما يرى فورييه إن الأعمال القذرة ، كتنظيف الحظائر، يجب أن يقوم بها الأولاد وذلك عند الساعة الثالثة صباحا.
ومن أجل منع الصراع يجب أن يكون الجميع مدججين بالسلاح.
رأت الماركسية ضرورة الثورة العالمية لتحقيق أهداف الاشتراكية ، التي تعتبرها الطريق إلى القضاء على كل أنواع الظلم المتمثل قبل كل شيء، بالاستغلال على الصعيد الاقتصادي، معتبرة أن الملكية الفردية هي أساس قیام نظام الاستغلال المذكور. فقد كان الناس يعيشون في ظل مشاعية بدائية لا استغلال فيها، لأنه لا فائض عما يحتاج الإنسان للقيام باوده، ولما تطورت أدوات الإنتاج باکتشاف بعض المعادن أصبح تحقيق شيء من الفائض ممكنة. ومن هنا انقسم المجتمع إلى طبقتين، طبقة تكدح لتنتج وطبقة تنتزع فائض الإنتاج.
ولكي تحمي الطبقة المستغلة استغلالها وتديمه أقامت الدولة بقواها القمعية ومحاكمها وسجونها.
ولكن نظام الاستغلال المذكور لم يبق جامدة على الحالة التي قام عليها، وهي حالة انقسام المجتمع إلى أسياد وعبيد، بل هو تطور إلى الإمام، أي باتجاه التخفيف عن كاهل الطبقة المستغلة، بقوة الثورة، فأخلی مجتمع الرقيق الساحة للمجتمع الإقطاعي، الذي أخلاها هو الآخر للمجتمع الرأسمالي في بعض البلدان، وهذا المجتمع يجب أن يخلي الساحة للمجتمع الشيوعي، وستكون مقدمته المجتمع الاشتراكي الذي يحقق زوال الطبقية ويقضي على كل
أشكال استغلال الإنسان للإنسان، ويمحو الفوارق الاجتماعية بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوي وغير اليدوي، ويوفر لكل حاجاته ويسمح له بالعمل كما يشتهي «من كل حسب طاقته و قابلياته ولكل حسب حاجاته».
إن الثورة الاشتراكية إذا ثورة حتمية من وجهة نظر الماركسية، والدافع إليها سيكون «التناقضات الاجتماعية»: التناقض بين طبقة العمال (البروليتاريا) وطبقة أرباب العمل والتناقض بين جماعية الإنتاج، حيث تقوم مجموعات العمال بالعمل، وفردية الملكية، إلى غيرها من أنواع التناقضات، التي لا بد أن تتفاقم مع مرور الوقت في المجتمع الرأسمالي، فبقدر ما تتطور الرأسمالية ، يتزايد غني الرأسماليين الكبار في حين يتفاقم قمع الطبقة العاملة ومقاومتها، تلك الطبقة التي ستكون منظمة أكثر فأكثر ومجهزة نتيجة لآلية الإنتاج الرأسمالي(1)وهكذا فإن «الأزمات ومراحل الركود تزيد أيضا من خضوع العمل المأجور تجاه رأس المال وتقود بسرعة أكبر نحو الافقار النسبي، وأحيانا المطلق، للطبقة العاملة»(2). وهذه الأزمات وهي أزمات اقتصادية دورية «هي المرض الملازم بالولادة للنظام الرأسمالي. والأزمة العامة تتميز من الأزمات الأولى بكونها تضرب مجمل الرأسمالية نظام اجتماعية... إنها ليست صدفة ولا مرحلة من مراحل تعرج التاريخ، ولا نتيجة لخطأ ارتكبه القادة البرجوازيون، لكنها حالة لا يمكن الفكاك منها، وهي منطقية في عصر انحدار الرأسمالية وتفككها... إن عصر الأزمة العامة هو عنصر إفلاس الرأسمالية التي ستحل الاشتراكية محلها» (3). على أن الثورة التي ستقودها الطبقة العاملة «المظفرة»، لن تكون لامبالية تجاه مسألة التحرر الوطني، «فهي لا تستطيع التوصل إلى ذوبان الأمم إلا بالمرور بمرحلة انتقالية من التحرير الكامل لكل الأمم المضطهدة» (4).
هذا وقد تنبأ آباء الماركسية بأن أي حرب مستقبلية لن تكون إلا حربا عالمية بسبب التطور الصناعي، وهذه الحرب ستكون «لا سابق لقسوتها ويستحيل إطلاقا التكهن بمآلها»(1)
وهكذا فإن «واقع انفصال بلدان متزايدة من النظام الرأسمالي، وضعف مواقع الامبريالية التي رأى فيها لينين أعلى مراحل الرأسمالية وبالتالي مرحلة ما قبل الثورة العالمية)، وازدياد حدة التناقضات داخل هذه الامبريالية مع تنامي الرأسمالية الاحتكارية للدولة، وتزايد العسكرية واللااستقرار الداخلي والتعفن المتمادي للاقتصاد الرأسمالي، الذي يتمظهر بالعجز المتزايد عن الاستخدام الكامل لقوى الإنتاج (نمو بطئ لوتائر الإنتاج، أزمات دورية، عمالة ناقصة للقدرات الإنتاجية، بطالة مزمنة)، وتنامي الصراع بين العمل والرأسمال، وتفاقم التناقضات داخل الاقتصاد العالمي، والاستقواءالمنقطع النظير للرجعية السياسية على طول الخط، والتنكر للحريات البرجوازية، وإقامة أنظمة فاشية في كثير من البلدان، والأزمة العميقة للسياسة والأيديولوجيا البرجوازية ، تلك هي مظاهر الأزمة العامة، للرأسمالية التي ستفضي بشكل حتمي إلى الثورة .
وهكذا فإننا نرى أن الفكر الإنساني يرى حتمية الثورة على المستوى العالمي من أجل القضاء على ما يراه مظالم بحق الإنسان ، وهو بهذا يلتقي مع فكرة الثورة العالمية المهدوية التي تنتظرها الأديان جميعا تحت تسميات مختلفة، لا الدين الإسلامية وحده كما سنرى.
حفل العهد القديم المتداول بأنباء المخلصين. وحتى يمكن تحديد شخصياتهم، لا بد من معرفة أوصافهم ومهماتهم، لأن الالتباسات قائمة ، فبعضهم يرى اليهود أنه لم يأت بعد، فيما يعتبر المسيحيون أنه أتي، لكن الذي أتي في نظر المسيحيين لا ينطبق عليه الكثير من الأوصاف، ولم يقم بكل ما
1) ماركس وانجلو المختارات، ج4، 114. برناج الحزب الشيوعي السوفياتي الذي أقره صالمؤتمر الثاني والعشرين، ص 29 و 30.
هو مناط به، من هنا فإنهم يقولون أنه سيعود ليقوم بما لم يقم به. وهنا يصطدم الرأي بالمأثورات الإسلامية التي تلتقي مع رأي التوراة فنرى أنفسنا مضطرين للأخذ بها. لأن مصادر الإنجيل، هي الأخرى لا تنطبق بسهولة على الرأي المسيحي كما سنرى فيما بعد.
لقد ورد في التوراة التي بين أيدينا أقوال تؤكد مجيء مخلص للبشرية .. وقد بلغت النبؤات في هذا المجال المئات، وسنختار هنا بعضا من أكثرها وضوحا. فقد جاء في المزامير: مزمور 72: «اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك، بدین شعبك بالعدل ومساکینك بالحق. تحمل الجبال سلاما للشعب والأحكام بالبر (بمفعول عدلك) يقضي لمساكين الشعب، يخلص بني البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث (كالأمواج) الذارفة على الأرض، يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب ... ويسجد له كل الملوك.. لأنه يجيء الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معین له .. يكون اسمه إلى الدهر، قدام الشمس يمتد اسمه كل أمم الأرض يطربونه، مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده ومبارك اسم مجده إلى الدهر ....
مزمور 110 : أقسم الرب ولن يندم، أنت کاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق . الرب عن يمينك يحطم في يوم رجزه ملوكا، يدين بين أمم الأرض.
وملكي صادق هو الذي بارك إبراهيم وقدم له إبراهيم العشر من غنائمه(1)
كما جاء في سفر أشعياء: الإصحاح 6/9 و7: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا (محترما مقدر)) مشيرة إلها قديرة أبا أبدياً رئيس
1) راجع : تکوین، 19/14و20
السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود على مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا.
ولأن الكرسي سيبقى إلى الأبد، فهو لا يمكن أن يكون في مملكة لليهود. واستخدام اسم داود هنا لا بد أن يكون رمزيا، فهو إما أن يعني «ذا الأيده كما في القرآن، أي القوي، أو ذا الوة أو أي شيء آخر ولا مانع من أن يكون النبي محمد صای الله علیه وآله وسلم.
أما أن يدعي إلها قديرة أبا أبدية، فهذا على ما نظن من التحريف .
أما المشير ، فهو يعني الذي يشير أو يهدي .
وجاء في سفر دانیال :
الإصحاح 1/12 - 3: «وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت ينجي شعبك، كل من يوجد مكتوبا في السفر. وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار . والازدراء الأبدي».
وجاء في سفر حبقوق: 2/2 و3) فأجابني الرب وقال اكتب الرؤيا وأنقشها على الألواح لكي يركض قارئها. (لتقرأ بسهولة) لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد (أي حدد ميعادها) وفي النهاية (ستسير إلى أجلها) تتكلم ولا تكذب. إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانا ولا تتأخر (يتحقق بالتأكيد).
وهذا المخلص ليس مختصة باليهود بل بالبشرية بدليل أن حكمه سيستمر إلى الأبد من جهة . ويدلیل ما ورد في العهد القديم نفسه من أن الله تخلى عن اليهود إلى الأبد كما جاء في سفر أرميا، الإصحاح السابع عشر الذي يقول:خطيئة يهوذا مكتوبة بقلم من حديد... يا جبلي في الحقل اجعل ثروتك، كل خزائنك للنهب ومرتفعاتك للخطية في كل تخومك، وتتبرأ وبنفسك عن میراثك الذي أعطيتك إياه وأجعلك تخدم أعداءك في أرض لم تعرفها، لأنكم أضرمتم نارة بغضبي تتقد إلى الأبد».
كما يقول في الإصحاح التالي: «فالآن كلم رجال يهوذا وسكان أورشلیم قائلا : هكذا قال الرب : ها أنذا مصدر عليكم شرة وقاصدة عليكم قصدا (معدة لكم مشروعا) فارجعوا، كل واحد عن طريق الرديء وأصلحوا طرقكم وأعمالكم، فقالوا: باطل، لأننا نسعى وراء أفكارنا وكل واحد يعمل حسب عناد قلبه الرديء، لذلك هكذا قال الرب: اسألوا بين الأمم، من سمع كهذه ، ما يقشعر منه جدا عملت عذراء إسرائيل. هل يخلو صخر حقلي من ثلج لبنان هل يترك ثلج لبنان صخرة حقولي) أو هل تنشف المياه المتفجرة الباردة الجارية. لأن شعبي قد نسيني، بخروا للباطل، وقد أعثروهم في طرقهم، في السبل القديمة ليسلكوا في شعب، في طريق غير مسهل. لنجعل أرضهم خرابا وصفيرة أبدية. كل مار فيها يدهش وينفض رأسه (يهز رأسه کریح شرقية أبددهم أمام العدو. أريهم القفا (أدير لهم ظهري) لا الوجه في يوم مصيبتهم» .
هذا ويصرح الكتاب المقدس باستبدال بني إسرائيل بغيرهم: «... أغاظوني بأباطيلهم فأنا أغيرهم بما ليس شعبة بأمة غبية أغيظهم»(1)- ويرد في مكان آخر: «أصغيت إلى الذين لم يسألوا وجدت من الذين لم يطلبوني. قلت ها أنذا ها أنذا لأمة لم تسم باسمي»(2)
وإذا كان اليهود لن تقوم لهم قائمة، فلا بد أن يرسل المخلص إلى شعوب أخرى.
كما حفل العهد الجديد بالنبوؤات حول مخلص آخر الزمان ومنها مثلا : في خطاب للسيد المسيح علیه السلام ورد: «فكونوا أنتم إذا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان (أي يأتي في ساعة لا تتوقعون مجيئه فيها) لوقا 40/12 .
كما جاء: «... فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله» متی/ 27/19 و 28.
وجاء: «... لأنكم تحتاجون إلى الصبر حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد. لأنه بعد قليل جدا سيأتي الآتي ولا يبطئ». الرسالة إلى العبرانيين 10/ 36 و 37.
وجاء في رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي: «ورایت الوحش وملوك الأرض وجيوشهم فاحتشدوا ليحاربوا هذا الفارس الابن الصادق) وجيشه، فقبض على الوحش وعلى النبي المسيح الدجال وطرح كلاهما في بحيرة النار»الرؤيا .21 - 19/19
كما جاء في إنجيل لوقا: «ويبصرون ابن الإنسان آتية على سحاب السماء بقوة ومجد كثير فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصى السماء إلى أقصاها. متى رأيتم هذا كله فاعلموا أنه قريب على الأبواب، لوقا 21.
وإذا كانت الإشارات هنا إلى ابن الإنسان، وإذا كان «ابن الإنسان» دائما هو المسيح. فإن مجيء المسيح مقرون بمجيء المهدي المنتظر لا في الآثار الإسلامية فحسب، بل وأيضا في العهد القديم حيث ورد في سفر دانیال: «كنت أرى في رؤى الليل وأنا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتی وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطي سلطانا ومجدة وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض، وهكذا فإن المسيح إذا كان هو ابن الإنسان فسيكون هناك شخص آخر معه هو «القديم الأيام، الذي يرى بعض العلماء أنه هو المهدي المنتظر(1)
1) راجع: سعید ایوب، عقيدة المسيح الدجال ، دار الهادي، بیروت 1991، ص 101 و 102.
تفرد الآثار الإسلامية حيزا واسعا جدة للمخلص، بحيث بلغت الأحاديث والآيات في هذا الخصوص الآلاف، وسنبدأ بالآيات القرآنية ونمر بأحاديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وصولا إلى أحاديث الأئمة ثم بآراء المتصوفين .
فسر عدد كبير من الآيات القرآنية على أنها خاصة بخلاص الإنسانية وذلك من طريق الوعد بنصر المظلومين أو معاقبة الظالمين، وبنشر الدين الحق وانتصاره ومنها:
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» [التوبة/ 33] [الصف/9].
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا» [الفتح/28]
ولما كان الدين الحق لم ينتصر على الدين كله ، وكان المشركون لا يزالون متمسكين بأديانهم، لذلك فإن تأويل هذه الآيات لم يأت بعد، بل سيأتي في المستقبل.
«فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ » [الأنبياء/ 12 و 13).
«قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ » [السجدة / 29].
«وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ » [سبا 51].
ولما كانت هذه الأمور لم تتحقق تاريخية في حروب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ولم يحمل التاريخ أنها تحققت في الحروب اللاحقة من حروب الفتح، لذلك فهي لا بد أن تدل على أحداث مستقبلية.
«وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ » [الأنبياء/ 100).
«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [النور/ 55].
«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» [القصص/ 5].
ولما كان المؤمنون في هذه الأمة قد ظلموا ولم يرثوا الأرض، فلا بد أن يكون تأويل هذه الآيات مستأخرة.
وردت الأحاديث الشريفة العديدة حول المهدي الذي يظهر بعد أن يعم الجور والظلم لينشر لواء العدل والخير والبحبوحة، كما توالت الأحاديث حول حتمية هذا الظهور.
فمن الأحاديث التي تتناول الظلم والفرج الآتي بعده :
لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا، قال : ثم يخرج رجل من عترتي، أو من أهل بيتي، يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا»(1)
1) راجع من بين عدد كبير من المراجع: مسند أحمد بن حنبل، 36/3 ، 52، 70. سنن أبي داود مهدي 1. مسند أبي يعلى الموصلي، دار المأمون للتراث، دمشق، 2/ 49. صحيح ابن حبان، 290/8 و 291. الحاكم، المستدرك، 557/4.
«لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقني، يملاالأرض عدلا كما ملئت قبله ظلما، يكون سبع سنين»(1)
«تملأ الأرض ظلم وجورة ثم يخرج رجل من عترتي يملك سبعة أو تسعة فيملأ الأرض قسطا وعدلا»(2)
لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدة
كما ملئت جورا»(3)
« لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة تملك فيها رجل من أهل بيت النبي صلی الله علیه وآله وسلم» (4)
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي اسمه اسمی» فقام سلمان الفارسي (ر) فقال : يا رسول الله ، من أي ولدك ؟ قال : من ولدي هذا وضرب بيده على الحسين».. (5)
هذا وهناك حديث شريف أثار الكثير من الجدل وهو يقول: «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خلیفة كلهم تجتمع عليه الأمة ، كلهم من قریش»۔
1) راجع أحمد، 17/3 . ابو یعلی، 367/2 . ابن حبان، 291/8 . أبو نعيم: أخبار اصفهان ، 84/1 ، الجويني: فرائد السمطین، 326/2 . کنز العمال، 270/14 . الاسطنبولی: راموز الأحاديث ص 477. السيوطي: الدر المنثور، 57/6 . المقدس السلمي عقد الدرر ص 35.
2) مسند احمد، 3/ 70. الحاكم: 558/4 . عقد الدرر ص 16. فرائد السمطين، 322/2 و573.
3) مصنف ابن أبي شيبة، 198/15 ، مسند أحمد، 99/1 . أبو داود، 4/ 107، ابو زيد البلخي: البدء والتاريخ، 2/ 181. ملاحم ابن المنادي ص 41. البيهقي: الاعتقاد ص 173. عقد الدرر، 18/1 . ابن کثیر، الفتن، 37/1 .
4) ابن حبان، 576/7 . ابن المنادي، ص 41. الطبراني الكبير،161/10 . ابن حجر، الصواعق ص 163. کنز العمال، 269/14
5) الطبراني، الأوسط، عقد الدرر، ص 24. فرائد السمطين، 2/ 325 ,326.
وقد جرت محاولات عديدة لمعرفة هؤلاء الخلفاء وطرحت احتمالات التعدادهم، فلم يتفق إلا على الخلفاء الراشدين الأربعة يضاف إليهم عمر بن عبد العزيز والمهدي العباسي، أما الباقون فهم مجال خلاف كبير جدا.
وهكذا فإن الحديث لا ينطبق إلا على أئمة أهل البيت الاثني عشر بحيث يكون الثاني عشر هو المهدي المنتظر . (1)
وفي إشارة رمزية إلى هذا الأمر ورد في رؤيا القديس يوحنا، وهي الرؤيا التنبؤية الأساسية في العهد الجديد: «ظهرت امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبة، وهي حبلى تصرخ متخمضة متوجعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء، هوذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان وذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابنة ذكرة عتيدة أن يرعى جميعالأمم بعصا من حديد، واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه . والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعدلها هناك ألفا ومئتين وستين يوما» الرؤيا 1/1 - 6.
1) راجع صحيح مسلم، أمارة 5، 7- 10 وسنن أبي داود، مهدي ومسند أحمد بن حنبل، 1/ 398 406 و89/5 -90، 92، 93، 98 ، 99 - 101، 109، 107. يراجع في إيضاحه: الجويني، فرائد السمطین، بیروت 1398، ج 2 ص 313 و 329. وكذلك القندوزي الحنفي ، ينابيع المودة، مطبعة اختر، اسطنبول 1301، ج 1، ص 208. راجع كذلك الطيالسي ص 105 و 180 . وتاريخ البخاري، ج 1، ص 446، وج8، ص 410. الترمذي، 4/ 501، الطبراني الكبير، 10/ 190، الأوسط، 1/ 479. أخبار أصبهان، 2/ 117. دلائل النبوة، 326/1 ، سنن البهقي، 193/8 و144 ومصابيح البغوي، 4/ 137، وتهذيب أبي عساکر، 1/ 445 و446، وفتن ابنکثیر، 17/1 ، فرائد السمطین، 197/2 1990، ابن خلدون المقدمة ص 208، والحاوي للسيوطي، 2/ 80، تاریخ الخلفاء، ص 9، وصواعق ابن حجر، ص 20، کنز العمال، 49/6 . عون المعبود، 391/11 و 392 ر399. أبو يعلي، 448/8 . الحاكم المستدرك، 4/ 001. عقيدة أهل السنة، ص 22.
ألا يمكن اعتبار المرأة الزهراء والاثني عشر الأئمة أو الخلفاء الذين ذكرهم الحديث الشريف، وأن الابن الذي أراد التنين ابتلاعه هو المهدي٫ المنتظر علیه السلام وأن اختطافه يعني غيبته التي ستأتي على تبيانها فيما بعد؟
لقد ورد عن الإمام علي علیه السلام عشرات الأحاديث في المهدي المنتظرنورد منها ما يلي:
قال عن ابنه الحسین علیه السلام: «أن ابني هذا سيد.. وسيخرج الله من صلبه رجلا باسم نبيكم يشبهه في الخلق والخلق، يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة للحق وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضربت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكانها»(1)
وقال علیه السلام : «يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان ... إذا هز رأيته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب»(2)
«ليخرجن رجل من ولدي عن اقتراب الساعة حتى تموت قلوب المؤمنين كما تموت الأبدان، لما لحقهم من الضر والشدة في الجوع والقتل، وتواتر الفتن والملاحم العظام وإماتة السنن وإحياء البدع وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيحيي الله ب (المهدي).. السنن التي قد أمینت ويسر بعدله وبركته قلوب المؤمنين»(3)
وقال محمد بن علي بن الحسين علیه السلام: «كأني بدينكم هذا لا يزال متضخضخاً يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت (4)
وقال الإمام جعفر الصادق : «يظهر صاحبنا، وهو من صلب هذا (وأومأ بيده إلى موسی بن جعفر علیه السلام ) فيملؤها عدلا كما ملئت جورة وظلمة وتصفو له الدنيا»(1)
وقال الإمام علي الهادي بن محمد بن موسی الرضي علیه السلام : «إن الإمام بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(2)
هذا وقد وردت أحاديث المهدي على لسان عدد كبير من الصحابة والأئمة الآخرين كالحسين بن علي علیه السلام وابن عباس وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وأم سلمة وأم حبيبة وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبدالله وسلمان الفارسي وأبو هريرة وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وعوف بن مالك وثوبان مولی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وقرة بن إياس وعلي الهلالي وحذيفة بن اليمان وعبدالله بن الحارث بن حمزة وعمران بن حصين وأبو الطفيل وجابر الصدفي وغيرهم الكثير .(3)
وقد نقل الأحاديث عدد كبير من علماء المسلمين في مختلف العصور من السنة والشيعة ومن أهم محدثي وحفاظ السنة:
الآبري في معاني الوفا. والحافظ ابن الإسكافي - والحارث بن أبي أسامة في المسند - والشيخ ناصر الدين الألباني - وخير الدين الألوسي في غالية المواعظ - والبارودي - والبرزنجي في الإشاعة . والبزار في المسند - ومصطفى البكري في الهدية الندية - ومحمد البلبيسي في العطر الوردي - والبغوي في مصابیح السنة - والبيهقي في دلائل النبوة - والترمذي في السنن -
وسعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد - والثعلبي - وابن جرير فيتهذیب الآثار - وابن أمير الجزري في جامع الأصول - وسبط بن الجوزي في تذكرة خواص الأمة - وابن القيم الجوزية في المنار المنيف - والحاكم في المستدرك - وابن حبان في مسنده - وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة . وأبو حسن الحربي في الحربیات - ومحمد صدیق حسن في حجج الكرامة - ومحمد الخضر حسين في مجلة التمدن الإسلامي - وشهاب الدين الحلواني في القطر الشهدي - ونعیم بن حماد في الفتن - والحماني في المسند - وحسن العدوي الحمزاوي في مشارق الأنوار - والحموئي في فرائد السمطين - وابن حنبل في المسند۔ وابن خزيمة في الصحيح . وأبو سليمان الخطابي في معالم السنن - والخطيب التبريزي في المتفق والمفترق وتاريخ بغداد والكفاية وتلخيص المتشابه ومشكاة المصابیح - وابن خلكان في وفيات الأعيان - وأبو بكر بن خيثمة في فوائد الأخبار - والدارقطني في الأفراد - والداني في السنن - وأبو داود في السنن - وأبو مسعود الدمشقي - والديلمي في مسند الفردوس - والذهبي في الميزان والتلخيص - والروياني في المسند - والزرقاني في شرح المواهب اللدنية - والسجاعي في حاشيته على ابن عقیل - والسخاوي في فتح المغيث - وابن سعد في الطبقات . والسفاريني في لوامع الأنوار - والحسن بن سفيان. والسمهودي - والسهيلي في شرح السير - وجلال الدين السيوطي في فيض القدير وعنق الزجاجة والكشف وإتمام الدراية والعرف الوردي والفوائد المتكاثرة - والشبلنجي في نور الأبصار - والشرقاوي - وابن شرویه في الفردوس - والشعراني في الیواقیت والجواهر - والشوكاني في التوضيح . وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف - وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة - ومحمد بن الصبان في إسعاف الراغبين - وابن صديق في إبراز الوهم المكنون - والطبراني في الصغير والأوسط والكبير -والطبري في ذخائر العقبی . وابن طلحة في مطالب السؤول - وابن طولون الدمشقي في الأئمة الاثني عشر - والطيبي - وابن عدي - ومحمد بن إدريس العراقي في المهدي - والعزيزي - وابن عساكر في تاريخ دمشق - والعظیم آبادي في عون المعبود
. والعقيلي - والعلقمي في حاشية ابن ماجة - والعوالي - وأبو عوانة . وأبو علي الغساني - وملا علي الفاري في مرقاة المفاتيح والمورد الوردي - والقرطبي في التذكرة - وأحمد الدمشقي القرماني في أخبار الدول وآثار الأول - والقسطلاني - والقضاعي في مسند الشهاب - والقنوجي في الإذاعة - والكناني في نظم المتناثر - وابن كثير في الفتن والملاحم - والكرماني - والكسائي - وأبو غنم الكوفي في الفتن - وابن ماجة في السنن - والماوردي - والمباركفوري في تحفة الأحوذي والمجدولي - وولي الله المحدث في قرة العيدين - والمرغني في فوائد الفكر - والمزي في الأطراف - ومسلم في صحيحه . والبلخي في البدء والتاريخ . والمقدسي - والمقري في السنن والمعاجم - والمناوي في الكبير وجواهر العقدين والملاحم وفيض الغدير - وابن منده في الفوائد وتاريخ أصبهان - والمنذري في تهذيب السنن - والمنيني في فتح المنان - وأبو الأعلى المودودي في البيانات - ومنصور علي ناصف في التاج الجامع للأصول - والنسائي في السنن - وأبو نعيم في الحلية - والنفراوي في حاشية الرسالة - والنوربشتي - والنووي في التقريب، وتدريب الراوي والدر المنثور - وابن الهمام في المصنف . والمتقي الهندي في کنز العمال - والهيثمي في الزوائد والعرف الوردي وموارد الظمآن - والهيثمي في الصواعق المحرقة والفتاوى الحديثية - وابن الوردي في خریدة العجائب - وأبو يعلى الموصلي - والأمير اليماني - والشيخ عبدالله بن باز مفتي السعودية .
هذا بالإضافة إلى أن جميع علماء الشيعة منذ أقدم العصور حتى اليوم يعدون مسألة المهدي علیه السلام من المسلمات.
ونحن هنا نكتفي بما ورد على لسان محي الدين بن العربي في كتبه المختلفة، فهو يقول: «أعلم أيدنا الله أن خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورة وظلمة فيملؤها قسطا وعدلا ، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله
ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من ولد فاطمة يواطئ اسمه اسم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم » (1)
ويقول: «يخرج على فترة من الدين يزع الله به ما لا يزع بالقرآن»(2)، كما يقول: المهدي «يقفو أثر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولا يخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه ، يحمل الكل ويقوي الضعيف في الحق ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يعلم ويعلم ما يشهد»(3)ويضيف: «يبيد الظلم وأهله ويقيم الدين، ينفخ الروح في الإسلام، يعز الإسلام بعد ذله ويحيا بعد موته» (4)ثم يقول: «يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه، ما لو كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لحکم به... يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي»(5)
وهكذا فإن الأديان تلتقي، كما يلتقي معها العقل والكشف في ضرورة خلاص البشرية، على يد جهة تنسف المظالم وتقيم الحق وتوفر البحبوحة للجميع، من طريق تفجير طاقات الأرض وتوزيع الأموال بشكل عادل. وقد علق السيد الشهيد محمد باقر الصدر على موضوع المهدي بقوله: «إن للإنسانية يوما موعودة على الأرض تتحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مر التاريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناء طويل. بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينيا بالغيب ، بل امتد إلى غيرهم أيضا وانعكس حتى على أشد الأيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضا للغيبوالغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات،
وآمنت بيوم موعود تصفى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور التي عايشتها الإنسانية على مر الزمن، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموما بين أفراد الإنسان»(1)
هذا وأن الله تعالى يقيم الحجة على البشر، لا سيما على الحكام منهم، من طريق إقامة حكم العدالة والبحبوحة، كي لا يتذرع الحكام بعدم إمكانية إقامة هذا المجتمع على وجه الأرض، وهكذا يكون مثال حكم المهدي علیه السلام المثال الضروري الذي لا يمكن إلا أن يقوم بعد أن تجرب النظريات المختلفة أنظمتها على وجه كوكبنا، ويقتنع الناس بواسطة تلك التجارب أن هناكنظاما مذخورة في علم الغيب، هو النظام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
1) بحث حول المهدي، دار التعارف، 1992، ص 7 و8
يثور الخلاف بشكل واسع جدة حول شخصية المخلص المنتظر بين مختلف الأديان والنظريات، إلا أن هناك اتفاقا على أنه سوف يقيم مجتمع العدالة والخير والبحبوحة، فالنظرية الماركسية ترى أن هذه الأمور ستتحقق على أيدي البروليتاريا، واليهود على يدي المسيح الذي لم يأت بعد، والمسيحيون على أيدي المسيح العائد ...
بری کارل مارکس وفريدريك أنجلز أن مخلص البشرية من التناقضات والاستغلال هو الطبقة العاملة التي ستلغي وجود الطبقات في المجتمع وتقيم مجتمع الوفرة والبحبوحة الذي سينال فيه كل إنسان كل ما يحتاجه، ويبذل فيه طاقته بالشكل الذي يلذ له.
أما كيف ستوصل البروليتاريا إلى الحكم فإن ذلك سيمر عبر مسيرةطويلة.
ففي البدء كانت تسود في المجتمعات البشرية شيوعية بدائية ، يتشارك فيها جميع أفراد المجموعة في كل شيء، فيجنون ما تقدمه الطبيعة دون أي احتكار لأي فرد أو شريحة، وهم يتعاونون على صيد الحيوانات الكبيرة، وذلك بأدوات بدائية من الخشب أو الحجر.
ولكن مع تطور أدوات الإنتاج إلى الأدوات المعدنية، تزداد الإنتاجية ، فيحصل كل فرد على شيء من الفائض، لم يكن يحصل عليه سابقا بأدواته المتخلفة، وهنا تبدا طبقة جديدة بالانفصال عن جسم المنتجبين لتستأثر بالفائض، ذلك أن الإنسان إذا كان لا يمكن أن يستغني وتحت أي ظرف عن ضروریاته الأولية بشكل دائم، فهو تحت التهديد يمكن أن يتنازل عن الفائض.
أما الطبقة التي تنشأ في هذه الحالة والتي سوف تعيش على الفائض، فهي طبقة مالكي الرقيق التي تجعل المنتجين عبيدة لها. ولكن العلاقة التي تقوم بين الطبقة الجديدة المستغلة والطبقة المستقلة وهي علاقة الاستعباد، تتحول مع الزمن إلى كابح في وجه تطور أدوات الإنتاج، لأن العبد الذي سيعي الاستبداد والعسف شيئا فشيئا، سوف يكتشف أن تطور الأداة ومن ثم تطور الإنتاج لن يفيده شيئا، بل سوف يعود بالنفع على مستغليه فقط. وهكذا وبعد تطور محدود قد وصل إلى حالة الإعاقة، لا بد أن تنشب الثورة وتنسف مرتكزات مجتمع الرقيق لتقيم على أنقاضه مجتمعة جديدة، أكثر تقدمية، أي أكثر مؤاناة للطبقة الدنيا، سواء على صعيد معيشتها أو على صعيد حرياتها، وهذا النظام الذي سيتولد من رحم النظام الرقي هو نظام الملكية العقارية الكبرى (المسمى في الشرق: النظام الاقطاعي).
وقد ساد النظام الاقطاعي حتى الثورة الصناعية، حيث بدأ يتحول إلى عائق في وجه تطور الآلة وفي وجه تلبية متطلباتها، من طريق ربط الفلاحين بالأرض ومنعهم من التحول إلى عمال صناعيين، ومن طريق إقامة الحواجز بين أجزاء البلد الواحد وإعاقة حركة تنقل السلع، الأمر الذي يؤدي إلى ثورة تقضي على المعوقات وتفتح السبيل واسعة من جديد أمام التطور الاقتصادي، الذي سيحصل في ظل علاقات إنتاج جديدة، تقوم على حرية العمل وعدم الارتباط بالأرض ونسف الحدود داخل الدولة ومرکزتها. هذا النظام هو النظام الرأسمالي.
غير أن النظام الجديد ترافقه تناقضات كفيلة على المدى الطويل بتقويضه . من هذه التناقضات، استغلال الطبقة البرجوازية للطبقة العاملة (البروليتاريا) وما يرافق ذلك من تناقضات، كالتناقض بين جماعية العمل وفردية الربح، والتناقض بين العمل اليدوي والعمل الفكري، والتناقض بين المدينة والريف..
والتناقضات المشار إليها لا سيما التناقض الأساسي، لا بد من أن تعيق في مرحلة معينة قوى الإنتاج عن الاستمرار في التطور، الأمر الذي يفسح في
.
المجال الثورة البروليتاريا ضد مستغليها، وهي آخر الثورات الاجتماعية، التي ستؤدي إلى إزالة طبقة البرجوازية من الوجود بإقامة «ديكتاتورية البروليتاريا» ، أو على الأقل حكم البروليتاريا، التي ليس من مصلحتها إقامة حكم الاستغلال من جديد، بل ستقيم المجتمع الشيوعي الخالي من الطبقات والذي ستزول فيه التناقضات السابقة، ويقوم على أساس «من كل حسب قابلياته (وطاقته) ولكل حسب حاجته) .
وهكذا إذا تكون الطبقة العاملة هي المخلص المنتظر للبشرية .
يرد المخلص في التوراة على نطاق واسع، وهو حينا من نسل داود، كما يرد في سفر أشعياء 1/11 ۔ 5، حيث يقول: «... يخرج قضيب (غصن) من جذع يشي (والد داود عليه السلام ) وينبت غصن من أصوله (جذوره) ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب». وقد أتی عیسی بن مریم من هذا النسل لجهة أمه.
وهو حينا من نسل يوسف.
ولكن هناك أوصاف لمخلصين آخرين، لا تنطبق على شخصيات عرفت في التاريخ اليهودي وهي ستقيم الحكم العادل و تنتقم من الظالمين. ولما كنا بينا أن بني إسرائيل بسبب إفسادهم ونكثهم، قد حرمهم الله وتخلى عنهم إلى الأبد، من هنا كانت ضرورة البحث عن الشخصية أو الشخصيات الموعودة.
غير أن مفسري التوراة يصرون على القول إن هذه الشخصيات تمثل المسيح عليه السلام ، ونحن، إضافة إلى ما ذكرناه سابقا من تخلي الله عن بنيإسرائيل، نورد الأقوال ونناقشها:
فقد جاء في
المزمور 72: «اللهم أعط احكامك للملك وبترك لابن الملك، بدین شعبك بالعدل ومساکینك بالحق. تحمل الجبال سلاما للشعب والأكام بالبر،
يقضي لمساكين الشعب، ويخلص بني البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز(الحصيد) ومثل الغيوث الذرافة على الأرض، يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض.. أمامه تجثو أهل البرية، وأعداؤه يلحسون التراب ... ويسجد له كل الملوك.. لأنه يجيء الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معین له .. يكون اسمه إلى الدهر ، قدام الشمس يمتد اسمه، كل أمم الأرض يطوبونه ...
فهل يمكن أن يكون هذا المسيح؟
إن المسيح لم يقم بشيء من هذا، ثم أن النبؤات بعودته في العهد الجديد لا تشير إلى أنه سيفعل هذه الأمور، علما بأن العهد الجديد كان يجب أن يكون أكثر تفصيلا من العهد القديم، لأنه الأحدث.
فيبقى أن يكون إما الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وإما المهدي المنتظر .
ولكن الرسول لم يحكم بالطريقة الموصوفة ، فيبقى أنها نبؤة بالمهدي ، وسنتأكد من ذلك عند تناولنا لما سيفعله علیه السلام على ضوء المصادر الإسلامية .
المزمور 110: «أقسم الرب ولن يندم، أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. الرب عن يمينك يحطم في يوم رجزه ملوكا، يدين بين أمم الأرض».
وحتى يفهم النص، لا بد من معرفة ملكي صادق ، أولا :
يقول العهد القديم (1)أن ملكي صادق كان ملك شاليم وكان كاهنا الله العلي، وقال: «مبارك أبرام (ابراهيم) من الله العلي مالك السماوات والأرض، ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك. فأعطاه (إبراهيم) عشرة من كل شيء .
1) تکوین، 19/14
إذا كان إبراهيم أدنى مرتبة من ملكي صادق . فمن هوذا الذي سيكون في رتبة ملكي صادق؟ والذي يقول له الرب ( 1/110 ۔ 3): «إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك ، شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر لك طل حداثتك (إن شبابك يأتيك كالندى)» .
فهو سيستعيد شبابه ، فهل استعاد أحد من ملوك بني إسرائيل أو أنبيائهم أو مخلصيهم شبابه؟ لم يحمل العهد القديم ما يشير إلى ذلك.
وهل هو سينطبق على المسيح. إن المسيح لم يدس أعداءه ، ولا تقول المأثورات المسيحية ولا الإسلامية عنه ذلك، يبقى أن يكون إما الرسول محمد صلی الله علیه وآله وسلم وإما المهدي عليه السلام .
أما الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فلم يستعد شبابه . وأما المهدي فهو في نظر فريق من المسلمين سيعود شابة بعد أن يبلغ من العمر عتيا.
أشعياء 6/9 و7: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنة تكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرة إلها قديرة أبا أبديا رئيس السلام لنمو رياسته (لاتساع ملکه)وللسلام لا نهاية على كرسي (عرش) داود على مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر (العدالة) من الآن إلى الأبد ...
وإذا كان لا بد لنا من إسقاط كلمتي إلهة قديرة، لأنهما لا تصحان هنا في ديانة توحيدية، وإذا كان من يدعي ألوهية المسيح علیه السلام لا يعتبره أبا، فهنا يسقط احتمال أن يكون المسيح علیه السلام وهو في كل حال لم يملك، فيبقى احتمال أن يكون شخصية أخرى، وهذه الشخصية إما أن تكون النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم أو المهدي عليه السلام .
ولكن احتمال أن يكون النبي صلی الله علیه وآله وسلم هو احتمال ضعيف، بسبب الأوصاف الواردة «اسمه عجيبا مشيرة أبا أبديا»، فيبقى احتمال کونه المهدي عليه السلام .
فيكون تفسير ما ورد، أن الرسول يعطى ابنة، أما مسألة العجب فهي نابعة مما يحيط بولادة المهدي من غموض كما سنرى ولعل أهم ما يدفع إلى استبعاد أية شخصية من بني إسرائيل هو مسألة أبدية المملكة.
أما ورود اسم داود فهو لا يعني بأي شكل حصر الأمر ببني إسرائيل، فداود نبي، ومملكته يمكن أن يعضدها أي نبي أو عبد صالح من غير بني إسرائيل.
ثم أن كلمة داود، يمكن أن تؤخذ بمعناها، فقد تعني صاحب الود (المحبة) أو صاحب القوة أو أي معنى آخر.
دانیال 5/7 - 22: «كنت أرى أنه وضعت عروش. وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نارمتقدة، نهر نار جری وخرج من قدامه. ألوف ألوف تخدمه وعشرات الملايين) وقوف قدامه فجلس الدين (القضاة) وفتحت الأسفار ...
كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتی، وجاء القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لا يزول، ملکوته ما لا ينقرض... حتى جاء القديم الأيام (بعد هزيمة القديسين) وأعطي الدين القديسي العلي وبلغ الوقت فامتلك القديسون المملكة».
وفي ترجمة أخرى: «أن المسيح عيسى يأتي ليتسلم درج الكتاب (القيادة) من قديم الأيام»(1)فمن هو «القديم الأيام» الذي سيقربون المسيح قدامه والذي سيأتي ويتسلم قديسو العلى الدين بمناسبة مجيئه (أو هو يسلمهم إياه).
إن الآثار الإسلامية تقول إن المسيح عليه السلام سيكون مساعدة للمهدي عليه السلام وسيستلم منه. ومن هنا فإن القديم الأيام سيكون في هذه الحالة المهدي علیه السلام .
1) ایرنسايد في تفسير سفر دانيال. نقله سعيد أيوب في عقيدة المسيح الدجال، دار الهادي، بیروت 1991، ص 101 و 102.
دانیال 1/12 - 3: «في ذلك الوقت يقوم میخائيل الرئيس العظيم القائم البني شعبك ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت، وفي ذلك الوقت ينجي شعبك، كل من يوجد مكتوبا في السفر، وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض. يستيقظ هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبدي.
وأول ملاحظة تطرح هنا هي مسألة استيقاظ الراقدين في تراب الأرض . فهل يعني هذا يوم البعث؟ إنه لا يبدو ذلك، لأن في البعث، يستيقظ كل الراقدين في تراب الأرض وليس كثيرون منهم. ولأن ميکائيل، وكما يدل عليه اسمه، وكما ورد في معراج الرسول، هو القيم على الكيل والميزان، أي القيم على العدل والقسط. ولأن في النص هنا لم يرو أن ميكائيل هو الملاك المعروف، فإذا يبقى أنه من سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورة . وظلمة، وهو المهدي عليه السلام .
ولعل الملفت أن هذا الرئيس العظيم يقوم (ولم يرد: يولد). ثم هو - قائم لبني شعبه. فهل كان مجرد صدفة أن ترد في هذا المجال الألفاظ نفسها التي ستدل على ظهور الإمام المنتظر الذي سيقوم في زمن ضيق دون أن يكون ميلاده مقاربة لذلك الزمان ، بل هو يكون غير ظاهر وغير مسموع الصوت.
يتناول العهد الجديد مسألة آخر الزمان ويذكر أن المسيح سيعود، ويسميه أحيانا ابن الإنسان، ولكن العهد الجديد يذكر إلى جانب المسيح شخصية أخرى، وهي شخصية الأمين الصادق، فقد ورد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: «ثم رايت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعی امينا وصادقا بالعدل يحكم ويحارب، وعيناه کلهيب نار وعلى رأسه تیجان كثيرة وله اسم مکتوب ليس أحد يعرفه إلا هو، وهو متسربل بثوب مغموس
بدم ويدعى اسمه كلمة الله، والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزة أبيض ونقيا»(1)
ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حربا مع الجالس على الفرس ومع جنده ، فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا اسمه الوحش والذين سجدوا لصورته وطرح الاثنان حين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت . والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس، الخارج من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم».
فمن هو الصادق الأمين الراكب على الفرس الأبيض؟
هل هو يسوع المسيح؟ إن الكلام عن المسيح يسبق هذا المقطع، ثم أن يسوع علیه السلام يسمى أحيانا باسمه وأحيانا بابن الإنسان ، فيبقى أن يكون النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم أو المهدي عليه السلام .
ولما كانت الآثار الإسلامية لا تتحدث عن قدوم للرسول صلی الله علیه وآله وسلم بهذا الشكل، لا عندما جاء أولا ولا في آخر الزمان ، فيبقى أنه المهدي عليه السلام التطابق هذه الأوصاف مع بعض ما يرد في المصادر الإسلامية .
الخلاصة : يتبين مما ذكرناه أن الدين اليهودي كما المسيحي يشيران إلى الشخصية نفسها التي تشير إليها المصادر الإسلامية ، وهي بالضرورة المهدي المنتظر .
بعد أن ثبت لدينا أن المخلص (أو المسيح أو المسيا) المنصوص عليه في الديانتين السماويتين هو نفسه المهدي الوارد في المصادر الإسلامية، تبرز أمامنا مشكلة تحديد شخصيته في هذه المصادر. ذلك أن الأغراض أدت إلى نوع من التشويش في هذا الصدد، حيث وردت أحاديث تعد المهدي عیسی بن مريم أو هو من ولد العباس أو من ولد الحسن بن علي عليه السلام أو من ولد
1) الإصحاح، 11/19 وما بعدها
الحسين عليه السلام - إضافة إلى بعض النظريات البائدة تقريبا التي عدت إحدى الشخصيات في زمانها المهدي.
هناك نظرية عدت المهدي العباسي 129 - 199، محمد بن أبي جعفر المنصور، والد هارون الرشيد، المهدي المنتظر، ولكنه ، وإن كان عهده تمیز بشيء من السماحة ورد المظالم، إلا أنه لم يملأ الدنيا عدة وقسطا كما ملئت جورة وظلمة، ثم هو لم يظهر الإسلام في عهده على «الدين كله ولو كره المشركون» كما هو موعود به في زمن المهدي علیه السلام .
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد حمل التاريخ ولع هذا الخليفة بحب القيانوسماع الغناء، وهو الذي أعجب بجارية اشتراها اسمها جوهر والتي أنشدها ذات يوم :
ألا ياجوهر القلب *لقد زدت على الجوهر
فلا والله ماالمهدي *أولي منك بالمنبر
فإن شئت ففي كف* فك خلع ابن أبي جعفر(1)
فهل يمكن لهذا أن يكون مخلص البشرية وهو يرى أن الجارية أولى منه بالمنبر، والمنبر هو إما منبر المسجد الذي يخطب الخليفة من خلفه أو هو في أحسن الفروض منبر يستخدمه الخليفة بصفة كونه حاكما وقائدة.
وهناك نظرية عدت محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام المهدي المنتظر وادعت أنه احتجب في جبل رضوی، ولكن هذه النظرية زالت اليوم من الوجود، بعد أن لم تثبت ، لأن محمد بن علي ليس من ولد النبي ، والمهدي لا بد أن يكون من ولد النبي، ثم أنه لم يكن مقدمة في نظر أبيه علي علیه السلام الذي كان يطلب إليه أن يضحي بنفسه في المعارك ويقدم أخويه الحسن والحسين عليهم السلام على نفسه .
1) راجع الجاحظ، البيان والتبين، دار صعب، بیروت، ج 3، ص 556.
وهناك نظريات تعلقت ببعض الأئمة، كالإمام الصادق والإمام الكاظم علیه السلام ولكن الإمامين أظهرا بطلانها بكل قوة.
وهناك نظریات نسبت المهدوية إلى بعض أبناء الإمام جعفر، غيرالكاظم. ولكنها لم تثبت.
لقد ناقشنا المصادر المسيحية في هذا الصدد، وبينا أن المسيح سيكون إلى جانب المخلص الذي سيظهر بعد انتشار المظالم.
والآن نناقش هذه النظرية التي عادت لتتكرر على لسان بعض المسلمين . وهذه النظرية تتمسك بحديث يقول: «ولا مهدي إلا عیسی بن مریم»، فبالإضافة إلى تناقض هذا الحديث مع مئات الأحاديث الواردة عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فإنه يشكو من ضعف في سنده . فقد ورد في المصادر كما يلي:
. في فتن ابن حماد) (1): «حدثنا الفضيل بن عياض، عن هشام عن الحسن أو حدثنا غير واحد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن» - أو
حدثنا هشام عن منصور عن الحسن...»
في سنن ابن ماجه)(2)«حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، حدثني محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم...»
وقد أخذ الحاكم في المستدرك (4/ 441) عن ابن ماجة. كما أخذ عنه أبو نعيم في حلية الأولياء (161/9 ) والداني ص 102 ومسند الشهاب (68/2
)، والبيهقي في البعث والنشور (ص 209 - 211) وتاريخ بغداد (220/4 ) و میزان الاعتدال (3/ 535) والقرطبي (701/2 ) وابن كثير في الفتن .
(1/ 44) وشرح المقاصد (1/ 308) وابن حجر في الصواعق (164)، والقول المختصر (ص 3)، وعرف السيوطي، الحاوي (2/ 85) وجمع الجوامع (1/ 931) وکنز العمال ( 363/14 )، وإسعاف الراغبين ( 151/2 ) والإذاعة (ص 135) والعطر الوردي (ص 45) والمغربي (ص 583) والعباد في عقيدة أهل السنة (ص 16).
وقد لاحظنا أن الحديث في فتن ابن حماد مرسل لم يصل إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم. أما حديث سنن ابن ماجة ففيه محمد بن خالد الجندي. وقد جاء في مسند الشهاب أن الجندي مجهول، وكذلك في البعث والنشور للبيهقي وفي تذكرة القرطبي... كما جاء في البعث والنشور أيضا أن أبان بن صالح لم يسمع من الحسن البصري.
من هنا فإن الحديث متروك.
وقد ناقشنا نظرية أن المهدي عليه السلام هو المهدي العباسي، وأظهرنا بطلانها. إلا أن هناك أحاديث أخرى تستحق أن نتناولها هنا، ومنها حديث منسوب إلى أمالفضل زوجة العباس بن عبد المطلب يقول: «إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم
المهدي(1)
إن هذا الحديث لن نتوقف عنده لأنه إذا صح، وهذا مستبعد، فلا يعدو أن يعدد بعض خلفاء بني العباس ومنهم المهدي الذي أشرنا إليه سابقا.
إلا أن هناك كلاما أكثر صراحة في عد المهدي من بني العباس وهي:
ا- «یاعم النبي إن الله ابتدأ بي الإسلام وسيختمه بغلام من ولدك هو الذي يتقدم عیسی بن مریم».
1) الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية - بيروت، مطابق لطبعة المكتبة السلفية - مكة المكرمة، ج 1، ص 63.
. وفي تاريخ بغداد أيضا (2): «أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبدالله ابن مهدي، أخبرنا محمد بن مخلد الدوري، حدثنا أحمد بن الحجاج بن الصلت، حدثنا سعيد بن سلیمان، حدثنا خلف بن خليفة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمار بن یاسر قال: «بينا النبي صلی الله علیه وآله وسلم...»
-في تاريخ دمشق (3): «أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بیان الرزاز، أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن ابراهيم بن شاذان أنا أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، أنا أبو العباس محمد بن يونس الكديمي البصري وأخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل الفضيلي، أنا أحمد بن محمد الخليلي، أنا علي بن أحمد بن محمد الخزاعي، أنا الهيثم بن کلیب، أنا محمد بن يونس البصري، حدثني عبدالله بن سوار العنبري، أنا أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن أبي رجاء العطاردي عن عبدالله بن عباس، حدثني أبي العباس بن عبد المطلب (عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم)...
. وفي تاريخ دمشق أيضا: «أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنا محمد بن محمد قال : وثنا محمد بن إبراهيم، أنا محمد بن يونس القرشي، ثنا إبراهيم بن سعيد القرشي، أنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن محمد بن الحنفية عن علي قال : لقي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم....»
. وفي ذخائر العقبى(1)ورد مرسلا . وكذلك في ميزان الاعتدال (2).
وقد نقلت الأحاديث عن هذه المصادر إلى العدد الكبير من الكتب الأخرى .
وقد علق الذهبي على رواية تاريخ بغداد فقال : «رواه عن محمد بن مخلد العطار فهو آفته، والعجب أن الخطيب ذكره في تاريخه ولم يضعفه ، وكأنه سكت عنه لانتهاك حاله (أي لتأييده بني العباس أو خوفه منهم).
كما جاء في لوائح الأنوار (3): «أن كون المهدي من ذريته صلی الله علیه وآله وسلم مما تواتر عنه ذلك، فلا يسوغ العدول ولا الالتفات إلى غيره وقال ابن حجر : يمكن الجمع بأن يكون من ذريته صلی الله علیه وآله وسلم وللعباس فيه ولادة، من جهة أن في أمهاته عباسية».2
«المهدي من ولد العباس» وقد ورد في :
فتن ابن حماد(4): حدثنا الوليد عن شيخ عن يزيد بن الوليد الخزاعي عن کعب «ولم يسنده إلى الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فلا نعتد به، لا سيما وأن فيه شخصا مجهولا «عن شيخ». كما أنه في النهاية، ولو صح، عن كعب فلا يمكن الاعتداد به. وفي عرف السيوطي قال الدارقطني: «هذا حديث غريب تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم - يقصد العباسيين منهم. «والذي قال عنه الذهبي: كان يصنع الحديث».
ذخائر العقبى(5): عن أبي القاسم السهمي.. عن عثمان بن عفان .
على أن العديد من المحدثين يدحض هذا الحديث وقد قال الشوكاني(6):
1) 4/ 175، ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربي، مكتبة القديس - القاهرة، ص 306.
2) الذهبي، میزان الاعتدال ، دار المعرفة - بیروت، ج 1، ص 89
3) السفارینی: لوائح الأنوار، مجلة المنار، 2/ 3.
4) ابن حماد، الفتن مذكور سابقا، ص 103
5) احمد بن عبدالله الطبري، ذخائر العقبی، مذكور سابقا، ص206
6) القنوجي، الإذاعة، دار الكتب العلمية - بيروت، ص 135.
ويمكن الجمع بين هذه الثلاثة الأحاديث( عن كون المهدي من ولد العباس) وبين سائر الأحاديث المتقدمة (حول كونه من عترة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم) بأنه من ولد العباس من جهة أمه، فإن أمكن الجمع فهذا، وإلا فالأحاديث أنه من ولد النبي صلی الله علیه وآله وسلم أرجح».
.3- «لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم» جوابا على سؤال للعباس. وقد ورد في:
تاریخ بغداد(1): «أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق البزار و محمد بن الحسين بن الفضل القطان قالا: حدثنا محمد بن عمر القاضي الحافظ ، حدثنا محمد بن الحسن بن سعدان المروزي، حدثنا محمد بن عبد الكريم بن عبیدالله السرخسي، حدثني المهتدي بالله أمير المؤمنين ، حدثني علي بن هاشم بن طبراخ، عن محمد الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن علي عن أبيه عن ابن عباس، قال العباس یا رسول الله : مالنا في هذا الأمر؟ فقال : . هذا بالإضافة إلى أحاديث مرسلة أو منسوبة إلى كعب الأحبار ونحن نرد بصددها أن بعض المحدثين أشار إلى أن المهدي عليه السلام يمكن أن ينتسب إلى العباس لجهة أمه. ولكن إذا كان هذا الأمر غير ثابت. فإنه يكفي تعارضها مع الأحاديث المتواترة الموثوقة القائلة بغير ذلك. لا سيما وأن بعضها يحتوي تعظيما للعباس ودعوة قبلية لا يمكن للنبي صلی الله علیه وآله وسلم أن يكرسها من مثل: «هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه ... وأنت عمي وصنو أبي وخير من أخلف بعدي من أهلي، وذلك كما في تاريخ بغداد ( 93/1 ). أو مثل «اللهم انصر العباس وولد العباس» رغم كل الجور الذي سيمارسه أكثر بني العباس وكذلك الفسوق والمجون. أو مثل التباهي بالسفاح والمنصور وغيرهما.
هذا وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم تحذر من شرور بني العباس ومن أمثلتها: «يملك بنو العباس حتی پیاس الناس من الخير ثم ينشعب
1) مذكور سابقا، 3/ 348
أمرهم، فإن لم تجدوا إلا جحر عقرب فادخلوا فيه، فإنه يكون في الناس شر طويل ثم يزول ملكهم ويقوم المهدي».(1)
«ويل لذريتك من بني العباس» (2)وهو قول جبرائيل للنبي صلی الله علیه وآله وسلم
. وإلى هذه السنة المؤكدة لجور بني العباس ، والتي تثبت بطلان الأحاديث الواردة في الإشادة بهم، فإن القرآن الكريم لم يعط العباس هذه المنزلة حيث ورد: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام کمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله [التوبة/19] وهي الآية التي نزلت في مجال مقارنة العباس الذي كان يتباهی بسقاية الحجيج وعمارة المسجد، بالإمام علي علیه السلام. (3)
ولعل ما يؤكد الوضع والخلط في الأحاديث الناسبة المهدي إلى العباس، أحادیث تجعل ملكهم ممتدة إلى ظهور المهدي كما ورد في تاريخ دمشق (179/9 ) والتهذيب ( 297/7 ) لابن عساکر.
هذا إلى أحاديث تنسب المهدي إلى بني عبد شمس وتحاول جعله عمر بن عبد العزيز، وبطلان هذه الأحاديث ظاهر. ومنها ما حاولت جعله محمد بن الحسن النفس الزكية ولكن ثبت بطلانها بالنتيجة لأن أحدا لم يملا الدنيا عدل وقسطا ولم يجعل الإسلام يظهر على الدين كله .
ورد الحديث في سنن أبي داود أن المهدي من ولد الحسن، قال أبو داود). (4)
حدثنا عن هارون بن المغيرة قال : ثنا عمرو بن أبي قيس عن شعیب بن خالد عن أبي إسحق، قال : قال علي، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال : إن ابني
هذا سید کما سماه النبي صلی الله علیه وآله وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق»، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا .
أما سند هذا الحديث ففيه أبو إسحق عمرو بن عبدالله السبيعي، الهمداني ، الكوفي، وهو وإن وثقه بعضهم كما في ميزان الاعتدال للذهبي، إلا أنه أضاف قائلا : «إلا أنه شاخ ونسي ... وقد سمع منه سفيان بن عيينة وقد تغير قليلا»..
وقال الحافظ المنذري (1)عن الحديث : هذا منقطع. وأبو إسحق السبيعي رأى علية رؤية ، فقط.
وأما متن الحديث فهو متناقض مع مئات الأحاديث المتواترة القائلة بأن المهدي عليه السلام من ولد الحسين علیه السلام .
ولعل من عجب أن يأخذ بعض من يدعي العلم بهذا الحديث الشاذ دون غيره من الأحاديث ويعمد إلى اختراع الحجج لتبريره، فقد جاء في المنار المنيف (2): «وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال ....»
القول الثالث: إنه رجل من أهل بيت النبي صلی الله علیه وآله وسلم من ولد الحسن بن علي يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورة وظلما فيملؤها قسطا وعدلا ، وأكثر الأحاديث على هذا تدل». ويضيف الكاتب مسوغا: «وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو أن الحسن (ر) ترك الخلافة الله ، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض. وهذه سنة الله في عباده، أنه من ترك لأجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه» . ويؤاخذ الكاتب الحسین علت بقوله: «وهذا بخلاف الحسين، فإنه حرص عليها (الخلافة) وقاتل عليها فلم يظفر بها والله أعلم».إن هذا التبرير، المسوق لترجيح الحديث ثم المفاضلة بين موقف الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام ، إنما ينبعثان من الموقف المسبق نفسه،
الذي يأخذ على الإمام الحسين عليه السلام ثورته على الظلم وتصديه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو موقف أشياع معاوية بن أبي سفيان الذين سروا من موقف الإمام الحسن، لأنه ترك الأمر لمعاوية فكفى أجدادهم شر القتال. ولم يشاؤوا أن يدركوا أن الإمام الحسن لو وجد النصرة الكافية ضد معاوية لقاتله، تماما كما قاتله في صفوف جند أبيه ، بشجاعة دفعت الإمام عليا عليه السلام إلى الطلب من أصحابه أن يحولوا دون اندفاع الحسن في لهوات الموت، لأنه وأخاه بقية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. فقد قال علي(1): «املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فإنني أنفس بهذین (وأشار إلى الحسن والحسين عليه السلام على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.).
على أن حديث علي بن مكي الهلالي عن أبيه عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.يقول: «... ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سیدا شباب أهل الجنة وأبوهما، والذي بعثني بالحق خير منهما، یا فاطمة : والذي بعثني بالحق أن منهما مهدي هذه الأمة الطبراني ، المعجم الكبير، 52/3 .
وهذا يعني أن للحسن عليه السلام فيه ولادة، ذلك أن الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، هو ابن أم عبدالله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، فيكون جميع أولاده وأحفاده منتسبين إلى الإمام الحسن علی لجهة أمهم هذه .
القد بلغت أحاديث المهدي (عج الله تعالی فرجه الشریف) حد التواتر ولم ينسبه إلى غير الحسين سوی من ذكرنا أعلاه. أضف أن التواتر قائم على نسبته إلى الحسين عليه السلام كمافي أحاديث عن لسان علي عليه السلام و أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان وأبي أمامة، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وأبي ذر الغفاري وعبدالله بن مسعود
1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الهدى الوطنية : بیروت، 9/3.
وسلمان الفارسي، وأبي أيوب الأنصاري وحذيفة بن أسيد ومسروق والشعبي وأنس والحسن بن علي عليه السلام والإمامين الصادق والرضا عليه السلام. كل هذا عدا عن أحاديث باقي الأثمة عليه السلام .
أن لفظ «المهدي» صفة يتصف بها حفيد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من ولد الحسين أما اسمه فقال أناس أنه أحمد بن عبدالله أو محمد بن عبدالله أو ... لكن الغالبية العظمی تقول أن اسمه محمد وليس ابن عبدالله ، على أنه من نافل القول أن نذكر أنه ليس ضروريا أن نقف كثيرا عند أي اسم لا يربط المهدي بالحسين عليه السلام .
ورد في حديث منسوب إلى النبي من طریق حذيفة بن اليمان أن المهدي يسمى أحمد بن عبدالله(1)وهو رجل من ولد كنانة من رجال بني إسرائيل . وهذا يتعارض كما قلنا مع الأحاديث المتواترة التي تنسب المهدي إلى الحسين عليه السلام . وقد ورد بإسناد مختلف أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، قال : هو من ولد الحسين، وقد اعتمد إسناد الداني على: عبدالله بن عمرو المكتب، عن عتاب بن هارون عن الفضل بن عبدالله عن عبد الصمد بن محمد الهمداني، عن أحمد بن سنان القلانسي بحلب ، عن عبد الوهاب الخزان أبو أحمد الرقي عن مسلمة بن ثابت عن عبد الرحمن، عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم.
وفي هذا الإسناد قيس بن مسلم وقد قال عنه في لسان المیزان : سمع من عبادة بن الصامت وأخذ عن إسماعيل بن عبیدالله بن أبي المهاجر فقط.
. ومع ذلك فإننا نر هنا أنه أخذ هذا الحديث عن ربعي بن حراش، وأن الراوي عنه سفيان الثوري، مما يجعل الحديث مختلفة.
1) راجع: الطبري، جامع البيان، 17/5 و22/ 72، والداني، السنن، ص 104.
وردت أحاديث أخرى تقول أن المهدي، يوافق اسمه واسم أبيه اسم النبي صلی الله علیه وآله وسلم واسم أبيه ، أي أن اسمه محمد بن عبدالله ، وهذه الأحادیث مروية عن لسان عبدالله بن مسعود، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه وعن تميم الداري، وعن الطفيل، وعن عبدالله بن عمر .
أما تميم الداري فهو مسیحي أسلم سنة و للهجرة، وكان ممن رحل إلى الشام بعد مقتل عثمان أما ابن أبي ليلى فقد ورد أنه كان يوري ولا يصرح. وقد عاش في زمن الحجاج وكان في عديد جيش ابن الأشعث.
وأما الأحاديث عن عبدالله بن مسعود في هذا الموضوع فهي متناقضة ، كما في مسند أحمد 379/1 و 377 كما أن الإسناد إليه عن طريق عاصم يمر أحيانا بأبي وائل وأحيانا لا يمر به . ونتيجة لهذا التباين فإن الحديث يسقط. .
و أما عبدالله بن عمر فقد ورد عن لسانه الحديث دون ذكر اسم أبيه اسم أبي، كما في تذكرة الخواص ص 363 وعقد الدرر ص 32 ومنهاج الكرامة . ص 28 وغيرها، وبذا يتساقط الحديثان .
ويقول الكنجي في البيان تعقيبا على هذا الحديث في سنن الترمذي : إن الترمذي ذكر هذا الحديث ولم يذكر قوله «واسم أبيه ، اسم أبي» وفي معظم روايات الحفاظ والثقات من نقلة الأخبار «اسمه اسمي» فقط، والذي رواه واسم أبيه اسم أبي» فهو زائدة ويزيد في الحديث.
ويضيف: والقول الفصل في ذلك : إن الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى الحديث في مسنده في عدة مواضع «واسمه اسمي».
وجمع الحافظ أبو نعيم طرق هذا الحديث عن الجم الغفير في مناقب المهدي، كلهم عن عاصم أبي النجود عن زر عن عبدالله ابن مسعود) عن النبي . فمنهم سفيان بن عيينة، وطرقه عنه بطرق شتى. ومنهم قطر بن خليفةوطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم الأعمش، وطرقه عنه بطرق
شتی. ومنهم أبو إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني وطرقه عنه بطرق شتی. و منهم واسط بن الحارث، ومنهم يزيد بن معاوية أبو شيبة، له فيه طريقان، ومنهم سليمان بن قرم وطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم جعفر الأحمر وقيس بن الربيع ومنهم سلام أبو المنذر، ومنهم أبو شهاب محمد بن إبراهيم الكناني، وطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم عمر بن عبيد الطنافسي، وطرقه عنه بطرق شتی، ومنهم أبو بكر بن عياش وطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم أبو الجحاف داود بن أبي عوف، وطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم عثمان بن شبرمة وطرقه عنه بطرق شتى، ومنهم عبد الملك بن أبي غنية . ومنهم محمد بن عياش عن عمرو العامري وطرقه عنه بطرق شتی ، و منهم عمرو بن قيس الملائي وعمار بن زريق وعبدالله بن حكيم بن جبير الأسدي وعمر بن عبدالله بن بشر وأبو الأحوص وسعد بن الحسن ابن أخت ثعلبة ومعاذ بن هشام عن أبي عاصم. ويوسف بن يونس وغالب بن عثمان وحمزة الزياتوشيبان والحكم بن هشام.
ورواه عن غير عاصم عن زر وهو عمرو بن مرة عن زر. كل هؤلاء رووا: «اسمه اسمي» إلا ما كان من عبيدالله بن موسى عن زائدة عن عاصم، فإنه قال فيه: «واسم أبيه اسم أبيه ولا يرتاب اللبيب أن هذه الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الأئمة على خلافها. والله أعلم، ولعل الزيادة من مختلفات بني العباس (1).
وقد وردت الأحاديث مستفيضة بهذا الشكل عن جابر بن عبدالله الأنصاري وأبي سعيد الخدري وابن مسعود وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وقرة المزني والحارث بن أبي أسامة
1) راجع فتن ابن حماد نسخة مصورة عن نسخة مكتبة المتحف البريطاني، نقلا عن معجم أحاديث الإمام المهدي، ص 101 و 102، وابن حجر، القول المختصر، نسخة مكتبة أمير المؤمنين - النجف. والمتقي الهندي : کنز العمال مؤسسة الرسالة - بیروت، 589/19 ، والطبراني الكبيردار الكتب العلمية ، بيروت 120/8 .
وأبي الطفيل إضافة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام والحسن ابنه عليه السلام وسائر أئمة أهل البيت، وأهل البيت موضع ثقة جميع المسلمين، لذا فإن أحاديثهم صحيحة، وإذا جرى تشكيك في نقل هذه الأحاديث فلا أقل من أنها تعضد أحاديث الرواة الآخرين فتصبح معتبرة على أقل تقدير . ومن هنا يكون اسم المهدي محمدة، وهذا هو القدر المتيقن من جميع الأحاديث صحيحها وسقيمها .
إلا أن بعض المسلمين يحددون إضافة إلى اسمه اسم أبيه ويعتبرون أنه ولد في منتصف القرن الثالث الهجري فيما يرفض بعض آخر من المسلمين ذلك ويعتبر أنه سيولد ويعيش في آخر الزمان .
يرى عدد من علماء المسلمين أن المهدي لا بد أن يولد في آخر الزمان على أساس أنه لو كان ولد لكان عمره حتى اليوم مديدة جدا، ويرون أن ذلك أمر غير معقول، ويستندون إلى الأحاديث القائلة بأنه يقوم ابن أربعين سنة أو أقل . (1)
ولعل المقصود بالعمر المذكور هو أنه عمر ظاهري. أما طول العمر فليس أمرا مستحيلا. وقد اعتاد العلماء أن ينفوا الظواهر غير المألوفة حتى إذاعرضت لهم ظاهرة ولم يستطيعوا نفيها اعترفوا بها وراحوا يفتشون عن أسبابها وهكذا فإنهم إن نفوا أن يبلغ الإنسان ما يزيد على الألف سنة ، فإنهم إن عثروا على شخص بهذا العمر، فهم عند ذلك يتراجعون عن نفيهم وينكبون على درسته ظاهرة حقيقية .
هذا وأن شاهد الإثبات قانونية أقوى من شاهد النفي، لا سيما إذا كان الأخير افتراضيا، فإذا ذكر أحدهم أنه رأى فلانة في المكان الفلاني، وقال آخر أنه لا يعقل أن يكون في هذا المكان، بسبب كذا وكذا، فإن المرجح عند تساوي موثوقية كلا الشخصين هو كلام الأول. ومن هنا تطرح علينا مسألة كون المهدي قد ولد فعلا لنناقشها .
1) مهدي الفقيه اليماني ، المهدي عند أهل السنة، مكتبة أمير المؤمنین، اصفهان، ط2، 1902ه، ص 17 - 19.
يرى عدد من علماء الشيعة أن المهدي عليه السلام هو المولود الذي رزقه الإمام الحسن بن علي العسكري والذي أخفاه إلا عن خاصته خاصة خوفا عليه من الأعداء، ولكن عددا من العلماء يشكك في الأمر كما رأينا. فلتتفحص الأدلة على افتراض کونه ابن الحسن العسكري عليه السلام .
حديث أن الأئمة بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم اثنا عشر إماما أو أميرة أو خليفة وهو حديث عبدالله بن مسعود كما في مسند أحمد بن حنبل 398/1 و406 وحديث جابر بن سمرة كما في مسند أحمد 86/5 - 108 وفي سنن أبي داود، کتاب المهدي حيث يرد ثلاثة أحاديث بأسانيد مختلفة . وفي صحيح البخاري كتاب الأحكام الباب 52 وصحیح مسلم کتاب الإمارة .
الأحاديث من 5- 10 وكذا في الطيالسي، ص 105 و 180 و تاریخ البخاري 1/ 446 والترمذي 4/ 501 والطبراني، الوسيط 1/ 474 وأخبار أصبهان 2/ 167 ودلائل النبوة 324/6وسنن البيهقي 8/ 142 و 143 و144 والفردوسي 229/5 و 238 ومصابيح البغوي 4/ 137 وتهذيب ابن عساکر 445/1 و446 و 173/6 وجامع الأصول 4/ 439 - 442 وفتن ابن کثیر17/1 وفرائد السمطین 2/ 167 - 169 وابن خلدون ص 208 وكشف الأستار 110/4 ومجمع الزوائد 190/5 و191 و194 وتيسير الوصول 2/ 92 ومطالب السؤول 13/1 وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 80 وتاريخ الخلفاء ص و والخصائص الکبری 2/ 119 والجامع الصغير 709/2 وصواعق ابن حجر ص 20 وبرهان المتقي ص 175 وکنز العمال49/6 وعون المعبود 391/11 و 392 و 369 والطبراني الكبير وابن عدي في الكامل والحاكم 4/ 501 والمطالب العالية 2/ 197 وتطهير الجنان ص 15 وتاريخ الخلفاء ص 10 والجامع الصغیر 350/1 ومجمع الزوائد 190/5 وفيض القدير 58/2 وعقيدة أهل السنة ص 22. هذا إلى سائر كتب الشيعة المتحدثة عن موضوع الأئمة عموما والإمام المهدي خصوصا.
الفصل الثاني : من هو المخلص المنتظر؟ ولكن إذا كان الدين سيكون عزيزة أو قائمة إلى اثني عشر خليفة ، فمن هم هؤلاء الخلفاء أو الأئمة أو الأمراء؟ لقد جرت محاولات لتسميتهم، فما تم اتفاق ولو جزئي إلا على الراشدين والحسن بن علي عليه السلام وعمر بن عبد العزيز والمهدي العباسي. وكل راح يحاول التكملة بطريقته «فقد ذكر جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغيره أن آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة ثم معاوية ثم يزيد ابنه ثم معاوية بن يزيد ثم مروان بن الحكم ثم عبد الملك ابنه ثم الوليد بن عبد الملك ثم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز»..
ويضيف الكاتب: «فالتحقيق في هذه المسألة أن يعتبروا بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربعة (!) وعمر بن عبد العزيز ووليد بن يزيد بن عبد الملك بعدالخلفاء، الأربعة الراشدين». .
وقال: «الحافظ عماد الدين بن كثير .. قد وجد منهم أربعة على نسق واحد وهم الخلفاء الأربعة... ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة ، وبعض بني العباس .. (1).
ولم يبق من حل منطقي معروف إلا أن يكونوا الأئمة الذين يؤمن الشيعة بإمامتهم. فيكون آخرهم المهدي المنتظر عليه السلام. ويمكننا متابعة إثباتنا الشخصية المهدي بعد الحسين عليه السلام :
لقد تواترت الأحاديث حول أن المهدي هو التاسع من ولد الحسين فزادت عن المائة. وقد أحصى العلامة الكلبايكاني منها 168 حديثة، عن لسان ابن عباس وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وجابر بن عبدالله الأنصاري وزيد بن ثابت والحسين بن علي عليه السلام
1) محمد شمس الحق عبد العظيم آبادي، عون المعبود، المكتبة السلطية في المدينة المنورة، ج11هامش 363-366
والحسن عليه السلام وفاطمة الزهراء عليه السلام وعبد الرحمن بن سمرة وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأنس بن مالك وأبي هريرة، وأبي أمامة ، وأبي أيوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان والجارود بن المنذر العبدي وأبي ثابت مولى أبي ذر وعبدالله بن أبي أوفي وأبي سلمة راعي النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وعبدالله بن عمر(1)
وقد جمع العلامة الكلبايكاني 180 حديثة تؤيد هذا، تجعل المهدي من ولد علي بن الحسين ومن ولد أولاده. وما جاء في كونه من ولد علي بن الحسين عليه السلام ما ورد في بشارة المصطفى وهو:
وقد أحصي في هذا الصدد 103 أحاديث، بعضها يقول: إن المهدي هو السابع من ولد الباقر وما تبقى يعده من ولد أبنائه. أما الأحاديث القائلة بأنه السابع من ولد الباقر فهي:
1) راجع لطف الله الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر عليه السلام منشورات مكتبة الصدر - طهران ، ص 204 - 207. راجع كذلك، القندوزي ، ينابيع المودة، مطبعة اختر اسطنبول، ج3، ص 105 و258 و259. راجع كذلك : الجويني، فرائد السمطين، م2، ص 0313
2) محمد بن أبي القاسم الطبري، بشارة المصطفى، المكتبة الحيدري، النجف، ط 2.
-حديث عن لسان أبي المفضل الشيباني عن محمد بن علي بن شاذان عن الحسن بن محمد بن عبد الواحد عن الحسن بن الحسين العرني، عن يحيى بن يعلى عن عمر بن موسى عن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام. (1)
-حدیث عن لسان علي بن الحسين عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسن الرازي، عن محمد بن علي الكوفي عن إبراهيم بن محمد بن يوسف عن محمد بن عيسى عن عبد الرزاق بن محمد بن سنان عن فضيل الرسان عن أبي حمزة الثمالي عن الباقر عليه السلام(2)
-حديث عن لسان الحميري عن محمد بن عيسى عن النضر بن سوید عن يحيى الحلبي عن علي بن أبي حمزة عن الباقر عليه السلام(3)
(3). . حديث عن لسان علي بن الحسن (الحسين) عن محمد بن الحسين الكوفي عن أحمد بن هود بن أبي هراشة أبي سليمان الباهلي عن إبراهيم بن إسحق أبي بشر النهاوندي عن عبد الله بن حماد الأنصاري عن أبي مريم عبد الغفار بن القسم عن الباقر عليه السلام.(4)
وفيه 103 احادیث حسب إحصاء العلامة الكلبايكاني، بعضها يذكر أنه من ولد جعفر الصادق عليه السلام وبعضها الآخر أنه من ولد أولاده. ومنها:
۔ حدیث عن لسان ابن الخشاب عن أبي القاسم طاهر بن هرون بن موسى العلوي عن أبيه موسى عن الإمام الصادق عليه السلام (5)
-حديث عن لسان عبد الواحد بن محمد العطار عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزیع عن حنان (حیان) السراج عن إسماعيل بن محمد الحميري عن الصادق علیه السلام.(1)
۔ حديث عن لسان أحمد بن محمد بن سنان وأبي علي الزراد معا، عن إبراهيم الكرخي عن الصادق علیه السلام (2)
وقد أحصي 101 من الأحاديث بعضها يجعله من ولد الإمام موسی الكاظم علیه السلام وبعضها من ولد ولده علیه السلام ومنها:
۔ حديث عن لسان علي بن محمد السندي ، عن محمد بن الحسين عن سعد بن عبدالله عن الحسن بن عيسى عن محمد بن علي بن جعفر عن أخيه موسی بن جعفر علی*(4)
۔ حدیث عن لسان : أيوب بن نوح عن محمد بن سنان عن صفوان بن مهران عن الصادق علیه السلام (5)
وروي نفس الحديث عن لسان الحسن بن أحمد بن إدريس عن أبيه عن أيوب.
-حديث عن لسان محمد بن عبدالله بن حمزة عن عمه الحسن بن حمزة عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن صالح بن السندي عن يونس بن عبد الرحمن عن الكاظم علیه السلام. (1)
وقد أحصى في هذا الصدد خمسة وتسعون حديثة منها ما روى أنه من ولده ومنها ما روى أنه من ولد أبنائه ومنها:
-حديث عن لسان محمد بن علي عن أحمد بن زياد بن جعفر، عن علي ابن إبراهيم عن أبيه عن جعفر (معبد) عن الحسين بن خالد عن الرضا علیه السلام .(2)
-۔ حديث عن لسان أحمد بن زياد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الديان (أو الريان) بن الصلت عن الرضا علیه السلام (3)
-حدیث عن لسان شرف الدين أبو جعفر الأشرف بن محمد بن جعفر الحسيني المدائني، عن منتجب الدين علي بن عبیدالله بن الحسين بن بابويه القمي ثم الرازي ، عن أبي محمد شمس الشرف بن علي بن عبدالله الحسيني السيلقي، عن المؤيد أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي، عن أبي المفضل محمد بن الحسين بن سعيد القمي، عن علي بن محمد بن علي الخزاز عن أبي جعفر محمد بن علي بن بابویه ، عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمذاني، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن علي بن سعيد عن الحسين بن خالد عن الرضا علیه السلام . (4)
أحصي في هذا الصدد تسعون حديثة منها أحاديث تراه من أولاد الإمام محمد الجواد عليه السلام وأخرى تعده من أبناء أولاده. ومن هذه الأحاديث:
۔ حدیث عن لسان محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق عن محمد بن علي عن علي بن أحمد بن محمد بن هرون الصوفي عن أبي تراب عبيدالله (عبدالله) بن موسی الروياني عن عبد العظيم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زید بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن الإمام الجواد علیه السلام. (1)
-حديث عن لسان محمد بن علي عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس وهو العطار عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن حمدان بن سليمان عن الصقر بن أبي دلف عن الجواد علیه السلام (2)وبنص الإسناد ورد في نهاية الأثر .(3)
. وقد أحصي في هذا الصدد تسعون حديثة منها:
۔ حدیث عن لسان محمد بن عبدالله بن حمزة عن الحسن بن حمزة عن علي بن إبراهيم عن عبدالله بن أحمد الموصلي عن الصقر بن أبي دلف عن الإمام علي بن محمد الهادي(4)
۔ حدیث عن لسان علي بن أحمد بن يونس الدقاق وعلي بن عبدالله الوراق عن محمد بن هارون الصوفي عن أبي تراب عبدالله بن يونس الروياني عنعبد العظيم بن عبدالله الحسني، عن الهادي علیه السلام. (5)
ورد في هذا الصدد مما أحصي 154 حديثة منها:
۔ حدیث عن لسان علي بن محمد السندي ، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبدالله ، عن أبي جعفر محمد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القسم الجعفري عن الإمام العسكري علیه السلام:(1)
۔ حدیث عن لسان الحسين بن علي، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبدالله عن موسی بن جعفر بن وهب البغدادي عن الإمام العسكري علیه السلام. (2)
۔ حدیث عن لسان أبي المفضل عن أبي علي بن همام عن محمد بن عثمان العمري عن العسكري علیه السلام .(3)
۔ حدیث عن لسان واثلة بن الأصقع بن قرضاب عن جابر بن عبدالله الأنصاري عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم. (4)
-حديث عن لسان علي بن عبدالله الوراق عن سعد بن عبدالله عن أحمد بن إسحق الأشعري عن العسكري علیه السلام .(5)
-حديث عن لسان محمد بن علي بن بلال عن العسكري علیه السلام.(6)
۔ حدیث عن لسان علي بن إبراهيم، عن أبيه عن عیسی بن مسيح عن العسكري علیه السلام .(7)
1) كفاية الأثر، ص 284.
2) المرجع نفسه، ص 291.
3) المرجع نفسه، ص 292.
4) ينابيع المودة، مذكور سابقا، ج3، ص 101.
5) كمال الدین، مذكور سابقا، ص 384.
6) کشف الغمة، مذكور سابقا، ص 448
7) الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي، مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام ، قم 1909 - ج1، ص 478
8) أعلام الوری، أبو علي الطبرسي، دار المعرفة، بیروت .
-حديث عن لسان أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي عن أحمد بن إبراهيم، عن خديجة بنت محمد بن علي الرضا أخت الإمام العسكري علیه السلام. (2)
ومن الذين صفوا حول المهدي علیه السلام وذكروا الأئمة بأسمائهم وصولا إليه من أهل السنة :
۔ کمال الدین محمد بن طلحة الشافعي في مصنفه «مطالب السؤول في مناقب آل الرسول» الجزء الثاني، حيث يرد بعنوان : الباب الثاني عشر في أبي القاسم بن محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدین بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر علیه السلام ورحمة الله وبركاته . (4)
محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكنيته أبو عبدالله و أبو القاسم وهو الخلف الحجة صاحب الزمان». (1)
وقد أورد الكاتب قصيدة لأبي الفضل يحيى بن سلامة الخصكفي جاء فيها:
وسائل عن حب أهل البيت هل *أقژ إعلانا به أم أجحد
هيهات ممزوج بلحمي ودمي* حبهم وهو الهدى والرشد
حيدرة والحسنان بعده *ثم علي وابنه محمد
جعفر الصادق وابن جعفر *موسی ويتلوه علي السيد
أعني الرضا ثم ابنه محمد *ثم علي وابنه المسدد
الحسن التالي ويتلو تلوه *محمد بن الحسن المفتقد
فإنهم أئمتي وسادتي* وإن لحاني معش” وفدوا
۔ سلیمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي في مؤلفه «ینابيع المودة» حيث يعدد الأئمة الاثني عشر عن لسان مجاهد وابن عباس عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم فيقول: وصيي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين... إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد
فإذا مضی محمد فابنه جعفر، فإذا مضی جعفر فابنه موسى، فإذا مضی موسی فابنه على، فإذا مضی علی فابنه محمد، فإذا مضی محمد فابنه علي، فإذا مضى على فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي .. (1).
علي بن محمد بن أحمد الشهير بابن الصباغ المالكي في مؤلفه «الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة» حيث يرد: ولد أبو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة، وأما نسبه أبا فهو أبو القاسم محمد بن الحسن بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين). (2)
محمد بن طولون الدمشقي الحنفي في مصنفه «الأئمة الاثنا عشر»، حيث يرد في الفصل 12: «وثاني عشرهم ابنه محمد بن الحسن وهو أبو القاسم محمد بن الحسن بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسی الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم).
وقد نظمهم عليه السلام المؤلف في قصيدة تقول:
عليك بالأئمة الاثني عشر *من آل بیت المصطفى خير البشر
أبوتراب، حسن، حسین* وبغض زین العابدین شین
محمد الباقر کم علم وري*والصادق أدع جعفرة بين الوری
موسى هو الكاظم وابنه علي *لقبه بالرضا وقدره علي
محمد النقي قلبه معمور* علي التقي دره منشور
والعسكري الحسن المطهر *محمد المهدي سوف يظهر
۔ محمد الصبان المصري الشافعي، في مؤلفه «إسعاف الراغبين»، حيث يرد: «وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتاب «الیواقیت والجواهر»: المهدي من ولد الإمام حسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعیسی بن مریم. هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي علي الخواص (ر)» .
. محي الدين بن العربي: في كتاب «الفتوحات المكية» حيث ورد عن الشيخ الصبان في إسعاف الراغبين وعن الشيخ حسن العدوي الحمزاوي في مؤلف«مشارق الأنوار» أنه يذكر المهدي على أنه ابن الحسن العسكري وصولا إلى علي بن أبي طالب.(1)
فهو «من عترة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من ولد فاطمة عليه السلام جده الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده الإمام حسن العسكري ابن الإمام علي النقي بن
1) المطیعة المثمانیة ،1307 ص112
الإمام محمد التقي بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (ر) يواطئ اسمه اسم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
إلا أنني لم أجد هذا في الفتوحات المنشور في «دار صادر» لا سيما الباب 366 في المجلد الثالث بل وجدت خلافه(1)وأخيرا وجدت تباينا بين طبعة وأخرى مما يدل على التلاعب بالنصوص.
مع وجود كل الأحاديث التي تتحدث عن ضرورة ولادة الإمام المهدي، منذ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، حتى الإمام العسكري علیه السلام ، فإن هناك من ينكره، إما بادعاء عدم ولادة ابن للإمام العسكري أو بادعاء موت ولیده، أو بالتشكيك بإمامة عدد من الأئمة منذ الإمام الجواد حتى الإمام المهدي علي . هذا إلى وجود فرق قالت كل منها بإمامة أشخاص من أبناء الأئمة على التوالي غير من تدين الشيعة الإمامية بإمامتهم.
لقد كان الأئمة في حالة حذر شديد من بطش السلطة العباسية منذ الإمامموسى الكاظم على الأقل، وذلك لأن الأحاديث الخاصة بالإمام المهدي علیه السلام كانت معروفة من خلفاء بني العباس من جهة، وبسبب تأييد أعداد كبيرة من الناس لخط الأئمة، لذلك كانوا يلوذون بالتقية - أو العمل السري - ولما اشتد الضغط والرقابة على الإمام العسكري فإنه أخفى ولادة ابن له إلا عن أخص الخلاصة ولذلك كان لا بد من شیوع اعتقاد بأنه لم يرزق بولد. ولكن هذا تكذبه الروايات الموثوقة عن الشهود الذين اطلعهم الإمام العسكري على ولادة ابنه علیه السلام وأراهم إياه والتي ستراها فيما بعد.
1) ج2، المبحث الخامس والستون .
يقول البرزنجي في كتاب الإشاعة(1): الاعتقاد أنه (المهدي) محمد بن الحسن العسكري وهو باطل من وجوه ..
ثانيا: «فلأن محمد بن الحسن هذا مات وأخذ عمه جعفر میراث أبيه الحسن...». وقد تابع البرزنجي آخرون منهم الاسفراييني في كتاب«لوائح الأنوار البهية» (2): «ولكن مسألة استيلاء جعفر أخي الإمام العسكري عليه السلام على إرثه إنما تمت لأن الإمام المهدي وهو محمد الحجة بن الحسن کان متخفية ولا يستطيع الظهور العلني والمداعاة». أما موت الإمام عليه السلام فلم يستند مدعوه إلى أي مصدر موثوق. ويكذبه مشاهدة عدد كبير من الناس للإمام فيما بعد.
لقد زعمت طائفة من شيعة على ممن سيختلفون عن الإمامية، أن الإمام بعد علي عليه السلام هو ابنه محمد بن الحنفية، وزعمت طائفة ثانية أن الإمام بعد علي بن الحسين هو زید ابنه وليس الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسین عليه السلام ، وزعمت طائفة ثالثة أن الإمام بعد الصادق عليه السلام ابنه إسماعيل، وزعمت طائفة رابعة أن الإمام بعد الصادق عليه السلام هو ابنه عبدالله الأفطح. وزعمت طائفة خامسة أن الإمام الكاظم لم يمت وأنه هو القائم من آل محمد، أي المهدي ، وزعمت طائفة سادسة أن الإمام بعد الحسن العسكري عليه السلام هو أخوه جعفر، الخ...
وباستثناء القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين وإسماعيل (أو ابنه محمد ابن الإمام الصادق، فإن الفرق الأخرى اختفت منذ أمد طويل جدا بل هي لم تعمر .
أما الطائفتان المذكورتان الباقيتان فإن الأئمة عندهم توالوا: فأئمة الإسماعيليين في الأسرة الفاطمية وهم لم يكونوا من المعصومين، وكذلك أئمة الزيدية الذين ما زالوا يتوالون دون أثر للعصمة فيهم.
هذا إلى مخالفة دعاوى الجميع للأحاديث المتواترة منذ الرسول عن أن الإمامة بعد الحسين في تسعة من أبنائه وتلك الدالة على كل واحد منهم فليرجع إليها في مظانها.
فقد شكك بعض بإمامة الجواد عليه السلام بعد وفاة والده، لصغر سنه كما شكك بعض بإمامة الجواد والهادي والمهدي للسبب نفسه، ومن هؤلاء اليوم أحمد الكاتب (1)، وقد راح هذا المؤلف يشكك إلى ذلك بصحة الأحاديث عن الأئمة أو الخلفاء الاثني عشر، ثم راح يبحث في معارضتها لقواعد أصول الفقه والمنطق بشكل عام.
أما لجهة الأحاديث فإنها بلغت حد التواتر وقد أشرنا إلى أعداد ما عرف منها، ومن هنا فهي لم تعد «أخبار الآحاد المتضاربة » (2)كما يقول.
ويطرح الكاتب مسألة أخرى فيقول: «أما الروايات التي تذكر اسمه ابن الحسن العسكري صراحة أو خفاء والتي تؤكد أنه المهدي المنتظر، فإنها لم تكن موجودة بين صفوف الشيعة حتى ذلك التاريخ. وقد أكد الشيخ الصدوق عدم وجود النص على الخلف من بعد الإمام العسكري. وقال : لما مات الحسن بن علي (العسكري) لم يظهر النص والخلف بعده، وقد وضعت تلك الروايات واختلقت فيما بعد من قبل الغلاة والكذابين...»(3)
أما مسألة كون أن الغلاة والكذابين هم واضعو تلك الأحاديث فكان على الكاتب إثباته بالأسماء والوقائع ولكنه لم يفعل.
وأما كون الأحاديث لم تكن معروفة وأن الشيخ الصدوق أكد عدم وجود النص، فالرد هو:
أولا : إن الشيخ الصدوق (علي بن بابویه) أشار إلى الاثني عشر في مقدمة كتابه «الإمامة والتبصرة»، وأما في المتن فإن فصول الكتاب، الذي ينكر أحمد الكاتب احتواءه على التحديد، فهي لم تصل إلا إلى إمامة الرضا علی . وما جاء في المقدمة هو: «ولو كان أمرهم (الأئمة مهمة عن العدد وغفة ، لما وردت الأخبار الوافرة بأخذ الله میثاقهم على الأنبياء وسالف الصالحين من الأمة. ويدلك على ذلك قول أبي عبدالله (الصادق علي ) حين سئل عن نوح علیه السلام .. هل عرف نوح عددهم؟ فقال نعم وآدم... وأي تأويل يدخل على حديث اللوح وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة علیه السلام .(1)
وقد ادعى الكاتب في مكان آخر عدم تطرق النوبختي لعدد الأئمة، والصحيح أن النوبختي، إبراهيم بن نوبخت قد أشار إلى العقيدة الاثني عشرية في كتابه «یاقوت الكلام حيث يقول: «القول في إمامة الأحد عشر بعده علي علیه السلام ) نقل أصحابنا متواترة النص عليهم بأسمائهم من الرسول لیه السلام يدل على إمامتهم، وكذلك نقل النص من إمام على إمام...» وأما أن العدد لم يكن مكرسة، ولا الأسماء قبل القرن الرابع الهجري، فيدحضها ورودهم في کتاب سليم بن قيس الهلالي وهو صحابي، وإذ يشكك الكاتب في نسبة الكتاب إلى سليم بن قيس، فتشکیکه مردود برأي أصحاب كتب الرجال (2)وأما إذيقول بأنه لم يكن معروفة في أيام الأئمة الأحد عشر بعد علي، فيدحضه
ما روي عن الكتاب في عهود الأئمة، إذ يذكر أحاديثه محمد بن أبي عمير توفي سنة 217) وقد عاصر الإمام الكاظم ، وحماد بن عيسى (توفي سنة 209) وعمر بن أذينة الذي عاصر الإمام الصادق والكاظم علیه السلام إذا قبل القرن الرابع الهجري من جهة وفي عصور الأئمة الأحد عشر بعد علي من جهة أخرى.
وإذ يعكف الكاتب على مسألة صغر الأئمة فيتطرق إلى بحث أصولي يحاول فيه تفنيد موقف الشيخ المفيد.
يدعي المؤلف أولا أن بعض الأئمة كانوا قاصرين لدى ولايتهم، وأنهم كانوا تحت الوصاية ، فيزعم أن الإمام الجواد مثلا قد أوصى بابنه على الهادي إلى عبدالله بن المساور، وجعله قائمة على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد، ويستشهد بالكليني.
وبمراجعتنا للكليني(1)نجد عن لسان خالد مولى أبي جعفر علیه السلام أن أباجعفر «أشهد أنه أوصى إلى علي ابنه (وليس بعلي ابنه) بنفسه وأخواته ... : وجعل عبدالله بن المساور قائمة على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد». .
إذا هو يحرف الكلام الواضح ويجعل الإمام علي بن محمد الهادي موصی به بدلا من كونه موصى إليه، والفارق بين. ثم هو يزعم أن الإمام الحسن بن علي العسكري أوصى بصورة رسمية إلى أمه ولم يشر إلى وجود أي ولد له. ويرجع في هذا إلى النوبختي، ولكن النوبختي لم يقل أن الإمام العسكري أوصى إلى أمه أو أخيه، بل يقول أنهما ورثاه، ووراثة الأم لابنها لا مشكلة فيها سواء كان له ولد أم لم يكن. أما وراثة العم فلا تحصل مع وجود الولد، وقد عرفنا سابقا أن جعفرة أخا الإمام العسكري انتزع التركة بسبب تخفي الإمام المهدي علیه السلام .(2)
وأما ما يسوقه من بحث أصولي فهو يقول فيه: «حاول (الشيخ) المفيد... أن ينفي حجية العموم (عموم آية الحجر)(1)حتى يسلم من الاتهام، فابتكر بحثا أصولية جديدة وقال : أن الخصوص قد يقع في القول ولا يصح وقوعه في عموم العقل، والعقل موجب لعموم الأئمة بالكمال والعصمة ، فإذا دل الدليل على إمامة (الجواد والقائم)، وجب خصوص الآية فيمن عداهما بلا ارتياب به ويضيف الكاتب أن الشيخ المفيد يحاول أن يثبت الطبيعة الاستثنائية للأئمة الصغار بناء على موضوع العصمة والإمامة التي لم تثبت بعد). (2)
وفي الرد نقول: أن إمامة كل الأئمة قد ثبتت بالدليل العقلي نظرة للحاجة إليهم وبالدليل النقلي بالأحاديث التي بلغت التواتر کما بینا ثم بالممارسة العملية . ومن هنا يمسي ما ينكره هو الواقع الذي يجب إيضاحه، وليس المسألة التي يجب إثباتها. فالشيخ المفيد وغيره من مفكري المذهب يثبتون إمامة الأئمة، لا بنصوص أو روایات «اختلقت فيما بعد من قبل الغلاة والكذابين»، بل بعكس ذلك كما أثبتناه وكما أثبته السلف الصالح من فقهاء المذهب، ثم أنه ردا على التساؤل ودفعا للاتهامات يعمد الشيخ المفيد والصدوق وغيرهما إلى شرح الموضوع وإثبات عدم مخالفته للنواميس الإلهية وللنصوص.
ومن هنا ولما كانت إمامة الإمامين الجواد والحجة (المهدي) ثابتة ، وجب إزالة التعارض بينها وبين ظاهر النصوص بالطرق الأصولية ، وليس العكس. كما يصور أحمد الكاتب بادعائه أن العصمة والإمامة ليستا ثابتتين بل يجب البرهنة عليهما، والصحيح أنهما ثابتتان، وثبوتهما عرفناه بالإخبار الذي لا طريق غيره لمعرفة هذه الأمور، لأن العقل لا يستطيع أن يثبت أخلاقية أحد أو كفاءته دون الرجوع إلى التجربة الواقعية وهذا ما فعله مفكرو المذهب، فهم استدلوا على إمامة جميع الأئمة بالنصوص من لدن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتى
الإمام الحجة، كما حسمت مسألة العصمة بالإخبار والتجربة، ولما طعن الطاعنون، تصدى لهم فقهاء الشيعة بالرد والتفنيد، ومن جملته ما ذهب إليه الشيخ المفيد من إزالة التعارض بين آية الحجر وصغر سن الإمام .
أما بالنسبة إلى أعمار الأئمة فقد كانت على التوالي عند وفاة آبائهم علیهم السلام :
الإمام الجواد : بين الثالثة عشرة والرابعة عشر، على أساس أنه عاش بعد أبيه سبعة عشر سنة وأن مجمل عمره كان حوالي ثلاثين أو إحدى وثلاثين سنة، فيكون عمره على ما بيناه إذا بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة.
الإمام الهادي : بين السادسة والثامنة وقد عاش من سنة 212 (أو 214) إلى سنة 254 فيكون عاش ما بين 40 - 42 سنة.
الإمام الحسن العسكري: بين العشرين والثانية والعشرين سنة وعاش حتى سنة 260 فكان عمره کاملا 28 سنة.
الإمام محمد بن الحسن - المهدي المنتظر : خمس سنوات وكان بدء غيبته الكبرى سنة 329ه فيما كانت ولادته سنة 255ه فيكون عمره عند بدء الغيبة الكبرى أربعة وسبعين عاما.
إذا فإن ما يستشكل فيه أحمد الكاتب وأمثاله هو كون الأئمة الجواد والهادي والمهدي تولوا الإمامة صغارا، وهو يزعم أن العلامة الحلي قد أكد في التذكرة اشتراط أن يكون الإمام مكلفة وعلل ذلك بأن غيره مولی عليه في خاصة نفسه فكيف يلي أمر الأمة ، وهو ينقل هنا عن المنتظري.
أما المنتظري فيقول، حيث ينقل عنه أحمد الكاتب، إن هناك شروطا تبلغ أربعة عشر شرطة: وهي أن يكون مكلفا، مسلما، عدلا ، حرا، ذکرة، عالما، شجاعا، ذا رأي وكفاية ، صحيح السمع والبصر، صحيح الأعضاء، قرشيا، معصومة، منصوصا عليه (شيعيا)، أفضل أهل زمانه، منها عن القبائح والدناءة والرذائل ودناءة الآباء وعهر الأمهات.
ويقول الشيخ منتظري الذي أخذ عنه أحمد الكاتب : «السر في عدم ذکر البلوغ في عداد الشرائط أن موضوع البحث في بعض الكتب عنوان الإمامة ، ونحن لا نقول باشتراط البلوغ في الإمام كما لا نقول في النبي لما أشار إليه في الجواهر من نبوة عيسی ويحيى وإمامة الجواد وصاحب الأمر (المهدي المنتظر) وإيتائهم الحكم صبيا» (1)ويشير إلى نقل هذا الكلام عن الجواهر.(2)
وهكذا فإن الكاتب يعود إلى التدليس في النقل .
فالجواب إذا على مسألة الصغر يكمن في أن الله يؤتي، عندما يشاء، الحكم لمن يشاء وهو صبي(3)، فلا ندري لماذا لا يؤتي الحكم إماما وهو صغير السن.
إما إذا تركنا الجانب الإعجازي فإننا نستطيع القول : أن الإمام الذي توفي والده وهو صبي، كبر وبلغ ما بين 30 إلى 74 سنة وهو يستطيع القيامبأعباء الإمامة. فإنه في هذه الحالة يستطيع عند البلوغ أن يكسب العلم وأن يؤكد ما طرحه وعلمه في صغره أو ينفيه، ولا نعلم حالة نفي فيها أحد الأئمة في آخر عمره ما كان علمه في بداية ولايته، ولا أن الإمام الذي تولى وهو بالغ، بعد الإمام الذي تولى صغيرة، نقض ما كان طرحه سلفه، كحالة الإمام العسكري بعد الإمامين الجواد والهادي عليه السلام .
ثم أننا نستطيع الزعم إذا تجاوزنا كل هذا، وعلى سبيل الاستطراد والمجادلة ، أنه إذا لم يعد ابن الإمام المرشح للإمامة وهو صغير، إمامة، فإن
1) محمد حسین منتظري، دراسات في ولاية الفقيه، الدار الإسلامية - بيروت، ط 2، 1988، م ص 370.
2) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، دار الكتب الإسلامية - طهران، ج40، ص 12.
3) سورة مريم الآية 12 والتي تقول: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياه والآية 30 التي تقول عن عیسی بن مریم علیه السلام : «قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياء قال ذلك وهو في المهد صبي
الفراغ الحاصل شبيه بالفراغ الذي يحصل بغيبة الإمام، كما حصل للإمام الثاني عشر كما سنرى، ويمكن أن يكون ذلك تعويدة للأمة على التصدي لمشاكل غيبة الإمام، التي لا يفوت الأمة من الانتفاع فيها من الإمام إلا ما يفوتها من الانتفاع بالشمس إذا غشاها الغمام، كما سنرى فيما بعد.
وأخيرا فإن ما نستطيع تأكيده لكل المشككين وأيا تكن الجج التي يطرحونها حول أعمار الأئمة وحول إمامتهم وما إليهما، أن الأئمة قادوا أتباع المذهب بكل كفاءة وجدارة واعترف لهم بالإمامة، وإن يكن أحيانا بعد لحظة تردد من بعض الناس، وحملت إليهم الحقوق الشرعية وصرفوها حيث يجب أن تصرف دونما اعتراض من أحد من الشيعة، وكان شأن الأئمة الذين بدأوا صغارا شأن الأئمة الذين بدأوا كبارة. :
أما مسألة التشكيك في ولادة الإمام المنتظر وبوجوده تاليا، فإن الرد عليها، لا يمكن أن يتم بالاستنباط العقلي بل بالمعاينة أو المشاهدة وإفادات الشهود، وهناك عدد كبير ممن شاهدوا ابن الإمام العسكري قبل وفاته وبعدها حتى بلوغه الرابعة والسبعين، وهناك من رآه ويراه بعدها، وهذا ما سنبينه في صفحات لاحقة .
ولد الإمام المهدي على أصح الأقوال ليلة النصف من شعبان سنة 250 ه. وقد ورد هذا في عدد من الأحاديث روتها المصادر المختلفة كالهداية الكبرى وإثبات الهداة والبحار وكمال الدين والعدد القوية وتبصرة الولي وينابيع المودة ومنتخب الأثر والكافي والإرشاد وتقريب المعارف وغيبة الطوسي وإعلام الوری وکشف الغمة والمستجاد والصراط المستقيم وحلية الأبرار وإثبات الرجعة وكشف الحق ووسائل الشيعة والمستدرك وكفاية الأثر وكفاية المهتدي والنجم الثاقب والخرائج وإثبات الوصية وروضة الواعظین وتاريخ الأئمة ومهج الدعوات والفصول المهمة ومدينة المعاجز ونور الأبصار وإحقاق الحق ومنتخب الأنوار المضيئة عن عیسی بن مهدي الجوهري وأبي غانم الخادم وابن بابویه وعمر والأهوازي وابراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري وأبي جعفر محمد بن علي ومحمد بن عبد الجبار، ومحمد بن حمزة بن الحسن بن عبدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب وأبي هارون ومحمد بن إبراهيم الكوفي والبشار بن إبراهيم بن إدريس وضوء بن علي وأبي جعفر العمري ومحمد بن علي بن بلال و أبي طاهر البلالي ومعلی بن محمد البصري وعبدالله بن الحسين بن سعد الكاتب وموسی بن جعفر بن وهب البغدادي وأحمد بن محمد بن عبدالله وعیسی بن صبيح وأحمد بن إسحق بن سعد وحمزة بن أبي الفتح وأحمد بن الحسن بن إسحاق القمي وكامل بن إبراهيم المدني وأبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري ويعقوب بن منقوش وأبو هاشم الجعفري ومحمد بن مسعود العياشي(1)
أما الأحاديث المنقولة فهي:
1) راجع معجم أحاديث المهدي (ع) ج4، ص 221 - 245.
-وقال علیه السلام: «الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم خلقة وڅلقا، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته ثم يظهره الله فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورة وظلماً» .
وما اسمه؟ قال : سمي بمحمد وكني بجعفر .
وكتب أبو محمد الأحمد بن الحسن بن إسحق القمي: «ولد لنا مولود فليكن عندك مستورة وعن جميع الناس مكتومة، فأنا لم نظهر عليه إلا الأقرب القرابته والولي لولايته ، أحببنا إعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به والسلام» .
وسأل يعقوب بن منقوش أبا محمد قائلا : سيدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال : «ارفع الستره فرفعته. فخرج إلينا غلام خماسي... ثم قال لي: هذا صاحبكم».
-وسأل أبو هاشم الجعفري أبا محمد: سيدي هل لك ولد فقال : «نعم» فقلت: فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال : بالمدينة»..
-وقال أبو غانم الخادم: ولد لأبي محمد علیه السلام ولد فسماه محمد)، فعرضه على أصحابه يوم الثالث وقال : «هذا صاحبكم بعدي».
-وقال محمد بن حمزة بن الحسن بن عبدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: «ولد ولي الله وحجته على عباده وخليفتي من بعدي مختونا ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر».
-وقال محمد بن علي بن بلال: «خرج إلي من أبي محمد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده . ثم خرج إلي من قبل مضيه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده».
خلافا لما زعمه أحمد الكاتب ومن تأثر بهم، فقد أخبر بغيبة الإمام المنتظر الأئمة السابقون بأحاديث مستفيضة بلغت العشرات تتحدث عن غيبة بشكل عام، أو تحدد الأمر بغيبتين دونما تفصيل أو تتحدث عن غيبة قصيرة وغيبة طويلة.
أما سبب الغيبة فهو ظلم الحكام وتضييقهم ومحاولتهم قتله، وقلة ناصریه ، ذلك أن الإمام لا يقوم بالأمر إلا إذا توفرت النصرة وذلك حسب قول علي عليه السلام في مناسبات عديدة منها ما ورد في خطبته الشقشقية حيث يقول: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذه الله على العلماء الآ يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها»(1)وذلك بناء على وصية النبي صلی الله علیه وآله وسلم
لعلي القائلة : «إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتك (من القيام بالأمر) وإلا فألصق كلكك بالأرض»(2)، ذلك أن الإمام لا يدعو إلى نفسه بل هو علم منصوب من الله يأتيه الناس ولا يأتي الناس(3)
على أن الغيبة ليست غريبة على العقائد الدينية السماوية، فالمسيح علیه السلام غاب غيبة طويلة وما زال. وغيره غاب ، وفي الإسلام ليست مسألة الغيبة غريبة
بدلیل تعدد المذاهب القائلة بها مما يؤكد وجود أصل لها في العقيدة الإسلامية ، فعمر بن الخطاب قال عند وفاة الرسول : أنه غاب وسيعود.(1)كما أن فرقا كثيرة من المسلمين قالت بغيبة أئمتها وأن كلا منهم هو القائم المهدي وسيعود . فالكيسانية زعمت أن محمد بن الحنفية غاب ولم يمت وأنه سيقوم في اخر الزمان. والجارودية زعمت أن محمد بن عبدالله بن الحسن هو الإمام الذي يغيب ثم يقوم. والناووسية زعمت أن الإمام الصادق عليك لم يمت وأنه القائم الذي سيظهر في آخر الزمان ، والقرامطة والواقفية والإسماعيلية زعمت أن الإمام الذي غاب وسيقوم في آخر الزمان هو إسماعيل بن الإمام الصادق أو ابنه محمد. والمغيرية زعمت أنه محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .. (2)
كل هذا يدل على أن فكرة الغيبة كانت فكرة مألوفة في الفكر الإسلامي، إلا أن الغلط وقع حول من سيكون الإمام الغائب.
وإذا حاول بعضهم أن يستخلص من هذه الفوضى أن الفكرة مستوردة وغريبة عن الإسلام، فإنه يشكك بكل الذين آمنوا بها وفيهم من العلماء والعابدين والزاهدين الذين تعج بأسمائهم كتب التاريخ والسير والفرق وممن يتحرجون ويحتاطون.
وهكذا فإننا نستطيع أن نقرر أن الأحاديث الواردة حول الغيبة أحاديثصحيحة أو مستندة إلى أساس صحيح، وبالتالي يمكن اعتمادها بعد التمحيص، ومن أوجه هذا التمحيص متابعتها حيث استقرت لا حيث بادت وتراجع عنها اصحابها أو انقرضوا دون أن يتمسك بها أحد، وفيما يلي سنتابع هذه الأحاديث .
تجاوزت هذه الأحاديث المئة حديث، وممن رووها :
عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: جابر بن عبدالله الأنصاري، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن عباس، وعمار بن یاسر.
وعن علي بن أبي طالب علیه السلام : شریح بن هانی بن شريح المكي، وعمرو بن سعد وأبو عيسى عبدالله العلوي، وفرات بن الأحنف، وكميل بن زیاد، ومحمد بن الحسن المرزباني، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والأصبغ بن نباتة .
وعن الحسن بن علي علیه السلام : أبو سعید عقیص، والحسن بن الحسن .
وعن الحسين بن علي علیه السلام : إسماعيل بن عبدالله ، وعبد الرحمن بن ثابت، ويحیی بن نعمان .
وعن علي بن الحسین زین العابدینعلیه السلام : سعيد بن جبير وثابت الثمالي، وأبو خالد الكابلي، وعمرو بن ثابت .
وعن الإمام محمد بن علي الباقر علیه السلام : إبراهيم بن عمرو الكناسي، وأبو خالد الكابلي، وأبو بصير، وأبو الجارود، وجابر بن عبدالله ، والحسن، وزيد الكناسي، وعبد الملك بن أعين، وعلي بن أحمد العلوي الموسوي، ومحمد بن مسلم الثقفي الطحان، ومعروف بن خربوذ وأم هانئ الثقفية .
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : إبراهيم بن عمر اليماني، وإبراهيم الخارطي، وأبو بصير، وإسحق بن عمار، وحازم بن حبيب وحزام بن أحنف، وإسماعيل بن محمد الحميري، وزرارة، وسدير الصيرفي، وصالحبن محمد بن اليمان، وصفوان بن مهران الجمال، وعبدالله بن أبي يعفور، وعبدالله بن سنان، وعبدالله بن المفضل الهاشمي، وعبدالله بن زرارة، وعمار الساباطي، ومحمد بن مسلم الثقفي الطحان ، ومسعدة بن صدقة، ومعاوية بن حكيم، ومعاوية بن وهب، والمفضل بن عمر الجعفي، وهانيء اليماني التمار، وهشام بن سالم، وميمون الصايغ، وغیاث بن إبراهيم .
وعن الإمام موسی بن جعفر الكاظم علیه السلام : أيوب بن نوح، وداود بن كثير الرقي، وصالح بن السندي، وعلي بن جعفر بن محمد، ومحمد بن زیاد الأزدي، ويوسف بن عبد الرحمن.
وعن الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام : دعبل بن علي الخزاعي، والحسن بن علي بن فضال، والحسن بن قياما الصيرفي، والريان بن الصلت، وعلي بن جعفر بن محمد، وأبو الصلت الهروي، وعبد العظيم الحسني.
وعن الإمام محمد بن علي الجواد التقي علیه السلام : الصقر بن أبي دلف، وعبد العظيم الحسني، ومحمد بن الفضل،
وعن الإمام علي بن محمد الهادي علیه السلام : أيوب بن نوح، وعبد العظيم الحسني، وعلي بن مهزیار، وعلي بن محمد بن زياد الصيمري.
وعن الإمام الحسن بن علي العسكري علیه السلام : أحمد بن إسحق بن سعد، وأبو جعفر، وأحمد بن هلال، والحسن بن أيوب بن نوح، وداود بن القسم الجعفري ، والحسن بن محمد بن صالح البزاز، وسعد بن عبدالله القمي، وعلي بن بلال، وعلي بن محمد بن سیار، وعثمان العمري، ومحمد بن أيوب بن نوح،ومحمد بن عثمان العمري، ومحمد بن معاوية بن حکیم، وموسی بن جعفر بن وهب البغدادي، ويوسف بن محمد بن زياد، ومحمد بن صالح البزاز، ومحمد بن عبد الجبار .
كل هذا بالإضافة إلى سفراء المهدي علیه السلام الأربعة وسائر من شاهده علیه السلام وإلى إعلانه لهم عن حال غيبته وشروط قيامه .
وقد حوى أحاديث الغيبة عدد كبير من الكتب منها : نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، والمحاسن للبرقي (ت سنة 274) والغيبة (للنعمانی - القرن الرابع) والكافي لمحمد بن يعقوب الكليني ت 329) وكمال الدين للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابویه ت سنة 381) والخصال (للشيخ الصدوق) وعيون أخبار الرضا (للصدوق) وعلل الشرائع (للصدوق) وإثبات
الوصية (للمسعودي صاحب مروج الذهب ت 333) والإرشاد (للشيخ المفيد ت سنة 413 ) والأمالي (للمفيد) والغيبة (للطوسي ت سنة 460) ومصباح المتهجد (للطوسي) والأمالي (للطوسي) وكفاية الأثر (للخزاز الرازي القمي) ودلائل الإمامة (محمد بن جرير الطبري) وبشارة المصطفى (محمد بن أبي القاسم الطبري) والخرایج (سعید بن هبة الله الراوندي ت سنة 573) والمناقب ابن شهرآشوب ت سنة 583) وأعلام الوری (الفضل بن الحسن بن الفضل ت سنة 584) والملاحم (ابن طاوس ت سنة 664) وكشف اليقين (حسن بن يوسف العلامة ت سنة 726) وکشف الغمة (علي بن عيسى الإربلي) والمحتضر (حسن بن سليمان الحلي الشهيد الأول) البحار (المجلسي ت سنة 1110) ومرآة العقول (للمجلسي) وغاية المرام (السيدهاشم البحراني ت سنة 1107) والمحجة (للبحراني) وأربعون الخاتون آبادي وكشف الحق (محمد صادق الأصفهاني 1272) ومستدرك وسائل الشيعة (میرزا حسین النوري ت سنة 1320) وكشف الأستار (للنوري) وإلزام الناصب (علي اليزدي الحائري ت سنة 1333) وبشارة الإسلام (مصطفى الكاظمي ت 1336) و تنقیح المقال (عبدالله المامقانيت سنة 1351) وإثبات الهداة (للحر العامليت سنة 1104) والاختصاص (للشيخ المفيد) وأمالي الشجري (یحیی بن الحسين الشجري ت سنة 479) والإمامة والتبصرة (علي بن الحسين القميت سنة 329) والإيقاظ من الهجعة (للحر العاملي) والبرهان (للمتقي الهندي ت سنة 970) وبصائر الدرجات (محمد بن الحسن الصفار القميت سنة 290) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ت سنة 463) و تحف العقول (للحراني من أعلام القرن الرابع) وتذكرة الخواص (سبط بن الجوزي ت سنة 654) والتفسير الكبير (للرازي سنة 606) وجمع الجوامع للسيوطي ت سنة 911) وحلية الأولياء (أبو نعيم الأصفهاني ت سنة 630) والخصال (محمد بن علي بن الحسين القمي) والرسائل (للشيخ المفيد) وروضة الواعظين (محمد بن القتال النيسابوري سنة 508) والصراط المستقیم (زین الدين النباطي سنة 877) وصفات الشيعة (الشيخ الصدوق) وصفة الصفوة (أبو الفرج الجوزي ت 597) والعدد القوية (علي بن يوسف المطهر الحلي من أعلام
القرن الثامن والعقد الفريد (ابن عبد ربه) والعوالم (عبدالله البحراني) والعلم للمرهبي) والغارات (للثقفیت سنة 283) والغيبة (ابن شاذان النيسابوريت سنة 290) وقصص الأنبياء (ابن إسحاق الثعلبي ت سنة 427) وكفاية الأثر الخزاز القمي من علماء القرن الرابع) ومطالب السؤول (محمد بن طلحة القرشي الشافعي ت سنة 652) ومقتضب الأثر (ابن عياش الجوهري ت سنة 401) والمناقب (للخوارزمي ت سنة 568) ومنتخب الأثر (للكلبايكاني) ووسائل الشيعة (للحر العاملي) وينابيع المودة (القندوزي الحنفي ت سنة 1296) وتاريخ اليعقوبي وتقريب المعارف وتفسير العسكري والإنصاف وتهذيب اللغة وقوت القلوب ومنتخب الأنوار المضيئة ومنية المريد والمشيخة ونور الثقلین .
وقد مر بنا کلام العهد الجديد عن التنين الذي كان ينتظر ولادة المولود الذكر للمرأة المتسربلة بالشمس، والذي اختطف إلى الله وإلى عرشه (الرؤيا 1/12
تساءل بعضهم عن ضرورة الإمام الغائب وعما يمكن أن يؤديه للأمة، وقد عاب هؤلاء على الشيعة قولهم بأنه لا بد من إمام كي تستقيم أمور المسلمين، ثم قولهم بغياب الإمام، فإذا كان وجود الإمام ضروريا ليبلغ أحكام الله في كل ما يستجد من ظروف وليشرح ما بلغ بالطريقة الصحيحة، فإن الغيبة تكشف تهافت هذه النظرية، لصالح النظرية التي تقول بأن الأمانة تركت في عهدة المسلمين كلا، فهم قادرون على الاختيار لأنفسهم.
يقول القاضي عبد الجبار في كتاب «المغني»: «... إذا لم يظهر الإمام حتى يزول النقص به، يكون الحال فيه كالحال ولا حجة في الزمان، لأن النقص لا يزول بوجود الإمام، وإنما يزول بما يظهر منه ويعلم من قبله»(1)
1) القاضي عبد الجبار، المغني 20، ق 57/1 .
ويقول التفتازاني في شرح المقاصد: «.. لأن اختفاء الإمام هذا القدر من الأنام، بحيث لا يذكر منه إلا الاسم، بعيد جدة، ولأن بعثه مع هذا الاختفاء عبث، إذ المقصود من الإمامة صون الشريعة وحفظ النظام ودفع الجور ونحو ذلك. ولو سلم فكان ينبغي أن يكون ظاهرة لا يظهر دعوی الإمامة كسائر الأئمة من أهل البيت ليستظهر به الأولياء وينتفع به الناس»(1)
ولكن هذين الموقفين ينطلقان من فهم ناقص لموضوع الإمامة كما حدده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. الذي بيناه ، حيث قال لعلي علیه السلام أن الإمام علم منصوب وعلى الناس أن تأتيه، وقد فسر الإمام علي الإتيان بالنصرة كما في خطبته الشقشقية التي أشرنا إليها سابقا.
غير أن الإمام إذا لم يقم بالأمر لسبب خارج عن إرادته، لا يسقط من الإمامة بدليل قول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عن الحسن والحسين علیه السلام : «ولداي هذان إمامان إن قاما أو قعدا).
وهكذا فإن الإمام الذي يقعد عن القيام بالأمر مرغما لا يفقد إمامته ، وكذلك إذا اضطر إلى التخفي والعمل السري يبقى إمامة، لأن الله لا يخلي أرضه من حجة على عباده ، والحجة تقوم بوجود العارف بأحكام الله، المطمان إليه،وهو الإمام الذي لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه.
أما لماذا ينصب الإمام بعد أن بين الله أحكامه في الرسالة الخاتمة، فهو أن الله الرحمن الرحيم الرؤوف بعباده الآخذ على نفسه تسهيل سبيل الهداية لهم، قضی أن ينصب لهم الإمام لهذا الغرض، فنصب الإمام لطف من الله . فإذا تنكروا له، يكون الله قد أقام عليهم الحجة، ويكونوا هم المسؤولين عن إضاعة فرصة الاستفادة من قيام الإمام بالأمر.
لهذا فإن الإمام إذا توفرت له النصرة يقوم بالأمر، كما فعل علي علیه السلام عند «انثيال الناس عليه لمبايعته ، وهو يقوم حتى ولو كانت النصرة مشكوكا
1) التفتازاني، شرح المقاصد، طبع 1277، ص 712.
بدوامها كما فعل الحسين علیه السلام . أما إذا انعدمت النصرة، فيقعد عن القيام بالأمر كما فعل الحسن علیه السلام بعد أن خذل. وكما فعل الأئمة عليهم السلام بعده .
أما إذا تعرضت حياة الإمام للخطر الداهم فيمكن أن يلجأ إلى العمل السري، وتزداد درجة السرية بزيادة درجة الخطورة وصولا إلى الغيبة ..
ولكن الغيبة لا تثبت عدم الحاجة إلى الإمام، بدليل ما يتخبط فيه الناس اليوم دون إصابة وجه الحق، الأمر الذي دفعهم إلى التشبث بالظنون في الكثير من المواقف الشرعية. أما المسؤول عن التخبط هذا فهو من فوت الفرصة عليهم للاستفادة من الإمام. وهذا ما يذهب إليه الشريف المرتضى في ردهعلى قاضي القضاة حيث يقول: «... إذا لم يظهر الإمام لإخافة الظالمين له ولأنهم أحوجوه إلى الغيبة، كانت الحجة في فوت المصلحة به عليهم، فكانوا هم المانعين أنفسهم من الانتفاع به »(1)
على أن الانتفاع بالإمام في غيبته ليس منعدمة ولكنه محدود، وقد سئل عن ذلك فأجاب كما كان الإمام الصادق (2)أجاب، وذلك بقوله: «... كانتفاع الناس بالشمس إذا غيبها السحاب»(3)
مرت غيبة الإمام علیه السلام بطورين : الطور الأول استمر منذ وفاة أبيه الحسن ابن علي العسكري في 18 ربيع الأول سنة 290ه واستمر حتى سنة 329ه وسمي «الغيبة الصغرى»، والطور الثاني بدأ سنة 329ه وما زال مستمرة ویسمی الغيبة الكبرى». وقد أكدت المصادر التي أشرنا إليها حصول الغيبتين كما نسبت بعض الفرق الغيبتين إلى أناس آخرين، مما يعزز الإيمان بكونهما منصوصا عليهما قبل انشقاق تلك الفرق الإسماعيلية التي انشقت بعد الإمام الصادق علیه السلام .
لقد حرص الإمام العسكري على أن تعرف خاصته أنه رزق ولدا يتولى الإمامة بعده، لكن كان حذرة أشد الحذر من أن تطاله يد السلطة العباسية ، وهي التي عرفت الأحاديث حول ما سيجري لها قبل ظهوره وأنه سيملأ الأرض قسطا وعدلا ، وهي السلطة المتجبرة الظالمة.
فقد عرض الإمام ابنه على أصحابه بعد ولادته وكانوا أربعين رجلا منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح(1)كما عرضه قبيل وفاته على أربعين من أصحابه بينهم معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري (2)، كما عرضه بشكل إفرادي على بعض أصحابه والسائلين عنه، ومنهم کامل بن إبراهيم المدني المعروف بصناعة (3)وعمرو الأهوازي(4)وأبو هارون(5)ويعقوب بن منقوش (6)ورجل من أهل فارس قدم لخدمته (7)وأحمد بن إسحق بن سعد الأشعري (8)وإبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري(9)كما أخبر عن ولادته نیفا وسبعين رجلا من أهل السواد دون أن يعرضه عليهم(10)
1) راجع، الطوسي: الغيبة مذكور سابقا، ص..
2) إكمال الدين ، مذكور سابقا، 07/2 .
3) راجع الهداية الكبرى، مذكور سابقا، ص 17. وإثبات الوصية، مذكور سابقا، ص 222. ودلائل الإمامة ، مذكور سابقا، ص 273. وغيبة الطوسي، مذكور سابقا، ص 168.
4) الكافي،328/1 ، الإرشاد للمفيد، ص 369، وغيبة الطوسي، ص 190.
5) إكمال الدين، 2/ 434. وغيبة الطوسي، ص 150.
6) راجع إكمال الدین، مذكور سابقا، 407/2
7) الكافي، 329/1 ، وأكمال الدين 2/ 930 ، وغيبة الطوسي، ص 190، وينابيعالمودة ، ص 461.
8) غيبة الطوسي، ص 101.
9) إثبات الهداة : 3/ 700، وكشف الحق، ص 44. ومستدرك الوسائل، 12/ 281، ومنتخب الأثر، 303.
10) الهداية الكبرى، ص 68.
وكان الإمام العسكري يحرص دائما على التذكير بعدم إفشاء السر كما يحرص على إخفاء ابنه عن كل من يمكن أن يشي به للسلطة، التي كانت تراقب بيت أبي محمد بوسائلها يومذاك وتتجس عليه وتحاول التأكد من حمل أية امرأة في بيته ، كما كبسته عدة مرات(1)
في هذه الغيبة لم ينقطع اتصال الإمام بشيعته بشكل نهائي حيث اعتمد على السفراء بينه وبينهم، وقد اتخذ هؤلاء السفراء الوكلاء للاتصال بالأقاليم، وقدتمكن البعض، بمعاونة هذا السفير أو ذاك من رؤية الإمام، على أن السفارة لم تكن جديدة بالنسبة إلى الأئمة، فقد عرفها من سبقوا الإمام المنتظر منذ الهادي علیه السلام مرورا بالعسكري علیه السلام وصولا إلى الإمام المهدي علیه السلام . كما أن هذا النمط من العمل السري عرفه الإسلام في حركاته السرية كالفاطميين والقرامطة وغيرهم.(2)أما السفراء المجمع على سفارتهم فهم:
1- الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (ر) : وقد نصبه الإمام الهادي علي بن محمد علیه السلام (3)ثم الإمام الحسن بن علي علیه السلام ، وكان العمري أسدية يتجر بالسمن فسمي بالسمان.
وقد زكاه الإمام الهادي علیه السلام ومدحه قائلا فيه : هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعني يقوله وما أداه إليكم فعني يؤديه(4)كما مدحه الإمام الحسن بن علي بقوله: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي
1) راجع إكمال الدين، 2/ 673، ومنتخب الأنوار المضيئة، ص 109، والإرشاد للمفيد، ص 319 و 32 واعلام الوری، ص390. والخرائج والجرائح، ص 164. وإكمال الدين .
2) راجع المؤلفات الخاصة بهم ومنها د. حسن ابراهیم حسن، تاريخ الإسلام، دار إحياء التراث العربي، 1995، 2/ 12 و 3/ 190.
3) غيبة الطوسي، ص 210.
4) المرجع نفسه .
في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله وما أدى إليكم فعني يؤدي(1)، كما زكاه في مجلس ضم أربعين رجلا من خاصته(2)
أما ما هي ضرورة الوكيل بالنسبة للإمامين الهادي والعسكري، فهي أن العباسيين غالبا ما كانوا يراقبونهما لمعرفة من يتصل بهما من شيعتهما في الآفاق ومن يحمل إليهما الحقوق الشرعية، لهذا فإن الوكيل يتسلم هذه الحقوق ويخبئها ثم يأتي بها سرة للإمام.
وبعد وفاة أبي الحسن العسكري علیه السلام يبقى العمري سفيرة للإمام المهدي علیه السلام الذي أكد سفارته في غير مناسبة وأثنى عليه بقوله معزيا ابنه محمد بوفاته: عاش أبوك سعيدة ومات حميدة، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه علیه السلام ، فلم يزل مجتهدة في أمرهم ساعية فيما يقربه إلى الله عز وجل وإليهم. نضر الله وجهه وأقاله عثرته». وبقوله: «رزئت ورزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا فسره الله في منقلبه. .»(3)
فقام بالمهمة خير قيام حيث شكل صلة الوصل بين شيعة الإمام والإمام، يحمل إليه مشاكلهم وأسئلتهم والأموال الشرعية، ويحمل إليهم أجوبته وفتاواه وتعاليمه. وقد استمرت سفارة أبي عمرو حوالي عشر سنوات أو أكثر قليلا. ولما توفي أبو عمرو دفن في بغداد وما زال قبره معروفة فيها يزوره الناس للتبرك .
2 - الشيخ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (ر) : تولی السفارة بعد أبيه. وقد أشار باعتماده الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري في حديثه للنفر اليمنيين الذين زكي أمامهم أباه عثمان بن سعيد بقوله: واشهدوا علي أن عثمان بن سعيد العمري وکيلي وأن محمدا ابنه وکیل
ابني مهديكم»،(1)كما شهد بوثاقته لأحمد بن إسحاق (أبي علي) بقوله: «العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعني يؤديان وما قالا فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فهما الثقتان المأمونان» (2)
هذا وقد زكاه الإمام المهدي عليا في غير مناسبة ، فقد خرج من عنده كتاب يقول: «لم يزل ثقتنا في حياة الأب (ر) يجري عندنا مجراه ويسد مسدة وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل تولاه الله ...»(3)كما قال في كتاب آخر عنه فإنه ثقتي وكتابه كتابي»(4)
وقد اضطلع بمسؤولية السفارة حوالي الأربعين سنة ، حيث توفي سنة 30 أو 300ه(5)وهكذا فكان أطول السفراء سفارة، وكان بالتالي أكثرهم خدمة لأبناء الطائفة .
3- الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، من بني نوبخت، وقد طلب إلى أبي جعفر العمري أن يشير إليه قبل وفاته إمام رهط من وجوه الشيعة، على أنه «القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر علي والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم فبذلك أمرت وقد بلغت»(6)
وكان أبو القاسم قد عمل وكيلا لأبي جعفر - السفير الثاني - وكان خصيصا به. وقد أكد الوصاية له أيضا قبل موته بقوله : أمرت أن أوصيإلى أبي القاسم الحسين بن روح(7)وكان قد بدأ تحويل الأموال إليه قبل
موته بسنتين أو ثلاث وقد أكد الإمام المهدي علیه السلام سفارة أبي القاسم في كتاب جاء فيه: «نعرفه عرفه الله الخير كله ورضوانه وأسعده بالتوفيق، وقفنا على كتابه وثقتنا بما هو عليه، وأنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرانه، زاد الله في إحسانه إليه أنه ولي قدير». وكان تاريخ الكتاب يوم الأحد لست خلون من شوال سنة خمس وثلاثمائة»(1)
وقد لاذ أبو القاسم في سفارته بالسرية (التقية) إلى أبعد الحدود، واستمر في مهماته حتى سنة 326 (2)وقبره اليوم في بغداد معروف ویزار.
4- الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري أو السيمري أو الصيمري، وكان من أصحاب الإمام العسكري علیه السلام (3)تولى السفارة بعد وفاة أبي القاسم عام 329 وتوفي سنة 329، فاستمر ثلاثة أعوام وكانت سفارته في ظروف مضطربة شديدة الخطورة(4)وبوفاته انقطعت السفارة بين الإمام وشیعته وبدأت الغيبة الكبرى التي ستستمر إلى أن بأذن الله ، بعد أن يكون العالم قد امتلأ بالجور والظلم ليملأه بالعدل والقسط.
وقد أعلن انتهاء السفارة في كتاب أرسله الإمام علیه السلام قبل وفاة السمري بأيام يقول فيه: «.. ولا توصى إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله - تعالى ذكره - وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جور»(5)
ولأبي الحسن السمري مزار معروف اليوم في بغداد .
لم يكن السفراء يستطيعون الوصول إلى كل أنصار الإمام في مختلف أصقاع العالم الإسلامي، لذلك فقد اتخذوا الوكلاء لتسهيل هذه المهمة. وكان من الوكلاء:
. في بغداد : حاجز بن يزيد الملقب بالوشا(1)أبو طاهر محمد بن علي بن بلال(2)وكان وكيلا صالحا في البداية ثم يذكر أنه انحرف(3). والعطار.(4)
في الكوفة : العاصمي(5)ولم تعرف بقية ترجمته .
في الأهواز : إبراهيم بن مهزیار وابنه محمد بن إبراهيم الذي وجه إليه الإمام رقعة جاء فيها: «أقمناك مقام أبيك فاحمد الله»(6)
في قم: أحمد بن إسحق بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري (أبو علي القمي) الذي عده الإمام العسكري ثقة وبشره بولادة المهدي علیه السلام (7)
. في همدان : محمد بن صالح بن محمد الهمداني الدهقان، الذي كان صالحة، ويقال أنه غلا في آخر عمره فلعنه الإمام.(8)وقيل أن الذي لعنه باسم الدهقان) غيره والله أعلم.
في آذربيجان: القاسم بن العلا (أبو محمد) وقد أصيب بالعمى في أواخر أيامه(1)
وإلى هؤلاء يمكن ذكر : محمد بن حفص بن عمرو أبو جعفر (4)والحسين ابن علي بن سفیان بن خالد بن سفيان وأبو عبدالله البزوفري(5)وأحمد بن اليسع ابن عبدالله القمي(6). وأيوب بن نوح بن دراج النخعي (أبو الحسين)(7)
ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء الوكلاء الشيخ الحسين بن روح، السفير الثالث، قبل توليه السفارة .
لقد نقلت المؤلفات المختلفة توجيهات الإمام في غيبته الصغرى ودعواته إلى جانب فتاواه في القضايا المختلفة، وسنقف قليلا عند هذه الفتاوی النبين إسهام الإمام في مسائل الشريعة شرحا واستنباطة، ومن أهم الأمور التي أفتى فيها المهدي عليه السلام بواسطة سفرائه ووكلائه:
يجيب الإمام عليه السلام : «إن الله هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق، لأنه ليسبجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم،
وأما الأئمة علیهم السلام فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ويسألونه فيرزق، إيجابا المسألتهم وإعظاما لحقهم»(1)
وعلى سؤال حول معرفة الأئمة الغيب ومشاركتهم الله في ملکه، برد الإمام علیه السلام :
«... ليس نحن شركاءه في علمه ولا قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه ... وأنا وجميع آبائي الأولين... والآخرين... عبيد الله عز وجل.. قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدا ورسوله محمدا صلی الله علیه وآله وسلم، وملائكته وأنبياءه وأولياءه عليهم السلام وأشهدك، وأشهد كل من سمع كتابي هذا، أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول أنا نعلم الغيب ونشارکه في ملکه، أو يحلنا محلا سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي ... (2).
وإذا فمن هم الأئمة؟
يقول الإمام الصادق علیه السلام : «الذي يجب عليكم ولكم أن تقولوا: إنا قدرة اللهوأئمة وخلفاء الله في أرضه، وأمناؤه على خلقه، وحججه في بلاده ، نعرف الحلال والحرام ونعرف تأويل الكتاب وفصل الخطاب»(3)
ومن هنا فإن من يزعم بأن «الحسين عليه السلام لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال»(4)
. وأما عن تصرف شيعة أهل البيت إبان الغيبة، فإن الإمام يوضح طريقه بالقول: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم»(5)
الكلام في الجنة : يقول الإمام عليه السلام* : «أن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمنت ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين كما قال سبحانه ، فإذا اشتهى المؤمن ولدا خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد، كماخلق آدم عبرة»(1)
الصلاة : يبين الإمام في هذا المجال كيفية المسح على القدمين في الوضوء فيقول: «يمسح عليهما (القدمين) معة، فإن بدأ بأحداهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا باليمين»(2)
أما عن ثياب المصلي فقد وردت تفاصيل عديدة فقال الإمام عن الثياب يحوكها المجوس: «لا بأس بالصلاة فيها»(3)وأما ثياب الخز التي تغش بوبرالأرانب فيقول فيها علیه السلام : «إنما حرم في هذه الأوبار والجلود فأما الأوبار وحدها فكل حلال»(4)أما إذا حمل المصلي معه في كمه أو سراويله سكينا أو مفتاح حديد أو في رجله بطيط (وهو رأس الخف أو الخف المقطوع) فإن صلاته جائزة(5)
وأما ثياب القز والأبريسم فهل تجوز الصلاة فيها؟ يجيب الإمام على ذلك بالقول: «لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان»(6)
وأما ما يحل الصلاة فيه من الوبر والسمور والسنجاب والفتك والدلق والحواصل: فأما السمور والثعالب فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه ، ويحل لك جلود مأکول اللحم إذا لم يكن لك غيره، فإن لم يكن لك بد فصل فيه. والحواصل جائز لك أن تصلي فيه، والفراء، متاع الغنم ما لم تذبح
بأرمينية تذبحه النصارى على الصليب، فجائز لك أن تلبسه إذا ذبحه أخلك أو مخالف تثق به».(1)
أما بشأن أوقات صلاتي العشاء والغداة فيقول الإمام عليه الاسلام : «ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخر الغداة إلى أن تنقضي النجوم»(2)
وأما عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فيقول الإمام عليه الاسلام : فلئن كان كما يقولون: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان، فما أرغم أنف الشيطان أفضل من الصلاة، فصلها وأرغم أنف الشيطان»(3)
. وأما عن صلاة جعفر فإن «أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ثم في أي الأيام شئت وأي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز والقنوت فيها مرتان: في الثانية قبل الركوع، وفي الرابعة بعد الركوع»(4)وهل هي جائزة في السفر؟ أجاب الإمام: «يجوز ذلك».. (5)
وأما المصلي عند قبور الأئمة فيجب أن يقف خلف «القبر، ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لأن الإمام صلی الله علیه وآله وسلم لا يتقدم ولا يساوی .
أما السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زیارة ،والذي عليه العمل أن يضع خده الأيمن على القبر،(6)
وإذا غلط المصلي بالسجادة فيضع رأسه على ما لا يجوز السجود عليه ويكتشف خطأه بعد رفع رأسه، فهل يعتد بسجدته تلك؟ يجيب الإمام: «ما لم يستو جالسا فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة»(1)
وعن المسافر الذي يدخل منطقه كثر فيها الثلج، فإن نزل عن محمله خاف الغوص، فهل يجوز له الصلاة في المحمل؟، يجيب الإمام عليه السلام : «لا بأس عند الضرورة والشدة» (2)
أما المصلي والنار والصورة والسراج أمامه «فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام أو عبدة النيران أن يصلي والنار والصورة والسراج بین يديه . ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأصنام والنيران»(3)
أما التوجه للصلاة في «التوجه كله ليس فريضة، والسنة المؤكدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه : «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفة مسلمة على ملة إبراهيم ودین محمد وهدي أمير المؤمنين وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اجعلني من المسلمين.أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ الحمد»(4)
وفي مسألة
الصلاة خلف الإمام، إذا تأخر المصلي عنه فإنه «إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة ، اعتد بتلك الركعة ، وإن لم يسمع تكبيرة الركوع».(5)
وإذا توفي أمام القوم أثناء الصلاة فإنه: «يؤخر ويقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه .. ليس على من نحاه إلا غسل اليد، وإذا لم تحدث
حادثة تقطع الصلاة، تمم صلاته مع القوم» و «من مس میتة بحرارته غسل يديه ومن مسه وقد برد فعليه الغسل»، وأما إذا نحى الإمام الميت بثيابه دون أن يمسه «لم يكن عليه إلا غسل يده»(1)
أما في متن الصلاة :
فقد أفتى الإمام ردا على سؤال يقول: هل يجب التكبير عند القيام بعد التشهد الأول إلى الركعة الثالثة بقوله: «إن فيه حديثين، أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه تكبير. وأما الآخر فإنه روي : أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى، وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا» (2)
أما ما يقرأ في الركعتين الأخيرتين فأجاب الإمام علیه السلام : «قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم علیه السلام : كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج، إلا العليل، أو يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه .(3)
أما عن رد اليدين بعد القنوت فيقول الإمام علیه السلام : «رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض، والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء ، أن يرد بطن راحته مع صدرهتلقاء ركبته على تمهل ويكبر ويركع . والخبر صحيح وهو في نوافل الليل والنهار دون الفرائض، والعمل به فيها أفضل(4)
وحول رجل صلى صلاة الظهر ورکعتین من صلاة العصر فتذكر أنه صلى صلاة الظهر رکعتین ماذا يفعل؟ يجب الإمام علیه السلام : «إن كان أحدث بين
الصلاتین حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك»(1)
أما عن ثواب قراءة بعض السور في الصلاة وأنه قيل : «عجبا لمن لم يقرأ في صلاته «إنا أنزلناه في ليلة القدر» كيف تقبل صلاته. وأنه روي : ما زکت صلاة لم يقرأ فيها ب «قل هو الله أحد»، وأنه روي أن من قرأ في فرائضه الهمزة» أعطي من الدنيا، فقد جاء توقيع الإمام عليه السلام : «الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب وقرأ «قل هو الله أحد» و «إنا أنزلناه» لفضلهما، أعطي ثواب ما قرأ وثواب السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين، وتكون صلاته تامة ، ولكن يكون قد ترك الأفضل»(2)
وعن سجدة الشكر يقول الإمام عليه السلام: «سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل، إن هذه السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله . فأما الخبر الدروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو بعد الأربع، فإن فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعد النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرض، فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز»(3)
وحول تسبيح فاطمة عليها السلام يقول الإمام: «إذا سها في التكبير حتى يجوز أربعا وثلاثين عاد إلى ثلاث وثلاثين وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعة وستين تسبيحة عاد إلى ست وستين وبنى عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شيء عليه»(4)
وسئل عليه السلام : هل يجوز التسبيح بطين القبر فأجاب : يسبح الرجل به فما من شيء من السبح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح، وعن السجدة على لوح من طين القبر، قال عليه السلام :
«يجوز ذلك وفيه الفضل(1)
وعلى سؤال حول جواز استعمال المسبحة في الصلاة قال لي : يجوز ذلك إذا خاف السهو، ويجوز له أن يدير المسبحة بيده اليسرى (2)
وسئل عليه السلام : امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت، فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تلتزم بما تفعل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين فهل يجوز صومها وصلاتها؟
فأجاب عليه السلام : تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان يأمر فاطمة عليها السلام والمؤمنات من نسائه بذلك»(4)
وعن الصيام في رجب يقول الإمام علي : قال الفقيه: «يصوم منه أياما إلى خمسة عشر يوما، إلا أن يصومه عن الثلاثة الأيام الفائتة، للحديث: إن نعم القضاء رجب»(5)
. الحج: سئل عليه السلام عن الإحرام بالخز فأجاب: «لا بأس بذلك وقد فعله قوم صالحون(6)
وأما عن تأخير الإحرام تقية، فقال: «يحرم من ميقاته ثم يلبس ويلبي في نفسه ، فإذا بلغ ميقاتهم أظهر»(1)وأما عن كيفية الإنتزار فقال علیه السلام : جاز أن يتزر کیف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثا بمقراض ولا إبرة يخرجه به عن حد المئزر، وغرزه غرزة أو لم يعقده ولم يشد بعضه ببعض. وإذا غطى سرته وركبتيه کلاهما، فإن السنة المجمع عليها بغير خلاف تغطيته السرة والركبتين، والأحب إلينا والأفضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة والمعروفة للناس جميعا إن شاء الله، ولا يجوز شد المئزر بشيء سواه من تكة ولا غيرها»(2)هذا وقد أنبا الإمام بجواز أن يحرم وعلى إبطه المرتك(3)والتوتياء لريح العرق (4)
وعن استظلال المحرم يرفع خشب العمارية أو الكنيسة أو برفع الجناحين، أجاب علیه السلام: «لا شيء عليه في ترکه وجميع الخشب»(5)وأما نحر الهدي عن آخرين فإذا نسي الناحر اسم الموصي ثم ذكره بعد ذلك، فإنه جائز ويجزي عن صاحبه(6)وكذلك في الحج بالأجرة هل يجب أن يذكر المحجوج عنه. أجاب الإمام علیه السلام : «يذكره، وإن لم يفعل فلا بأس». (7)
. أموال الإمام: يجيب الإمام عليه السلام السائل بقوله: «وأما ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا، ثم يحتاج إليه صاحبه، فكل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار . وكل ما شلم فلا خيار فيه لصاحبه، احتاج إليه صاحبه أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغني عنه »(1)
أما تصرف من بيده أموالهم علیهم السلام تصرفه بما له من غير أمرهم، فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه يوم القيامة»، فقد قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي. فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين، وكان لعنة الله عليه لقوله تعالى : وألا لعنة الله على الظالمين» (2)
وأما عن بيع الوقف فقد قال عليه السلام : «إذا كان الوقف على إمامالمسلمين، فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم من المسلمين فليجمع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرقين إن شاء الله » . (3)
وعن الرجل من وكلاء الوقف يكون مستحلا لما في يده لا يرع عن أخذ ماله ، ربما نزلت في قرية وهو فيها، أو أدخل منزله، وقد حضر طعامه فيدعوني إليه ، فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه وقال : فلان لا يستحل أن يأكل من طعامنا، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة ، وكم مقدار الصدقة ؟ وإن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر، فأحضر فيدعوني أن أنال منها، وأنا أعلم أن الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده، فهل علي فيه شيء إن أنا نلت منها؟
فكان الجواب : «إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده، فل طعامه واقبل بره، وإلا فلا»(4)
وسئل عليه السلام عن ثمن المغنية فأجاب أنه حرام (2)
وسئل عن الفقاع فقال : حرام(4)
• البينات : سئل عليه السلام عن رجل ادعي على آخر بألف درهم وله بها بينة عادلة، وادعى عليه بخمسماية وبثلاثماية وبمائتين وله بكل منها بينة عادلة. ويزعم المدعى عليه أن الصكاك الأخيرة دخلت في الصك الأول بألف درهم، فما العمل؟ أجاب الإمام عليه السلام : يؤخذ من المدعى عليه ألف درهم مرة، وهي التي لا شبهة فيها، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدعي فإن نکل فلا حق له»(5)
وعن شهادة الضرير أجاب عليه السلام : «إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت جازت شهادته »(6)
فيه ذكر الصداق، سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق»(1)
وسئل علیه السلام عن رجل تزوج امرأة إلى وقت معلوم، وقبل انتهاء الوقت طمثت وبعد ثلاثة أيام سامحها، أيجوز لآخر أن يتزوجها بعد تلك الحيضة؟ فأجاب: «يستقبل حيضة غير تلك الحيضة ، لأن أقل تلك العدة حيضة وطهرة تامة» (2)
وحول زواج الرجل ببنت امرأته أجاب علیه السلام : «إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره، وكانت أمها في غير عياله فقد روي أنه جائز »(3)
وعما إذا كان المرء يستطيع أن يتزوج البنت والجدة، أجاب علیه السلام : . «قد نهي عن ذلك»(4)
وسئل علیه السلام عن رجل استحل بجارية وشرط عليها ألا يطلب الولد إن حبلت ولا يساکنها، فأتته بعد مدة وأعلمته أنها حبلت، ثم غابت وعادت ومعها ولدذكر.
وكان قد أوقف ضيعة (سبتها) على وصاياه قبل معرفته بالمرأة المذكورة، على أن له الأمر في الزيادة والنقصان أيام حياته، ولما أتت المرأة بالولد، لم يلحق بالوقف المتقدم المؤبد، وأوصى إن حدث به حدث الموت، أن يجرى عليه ما دام صغيرة. فإذا كبر أعطي من الضيعة مائتا دینار غير مؤبد، ولا يكون له ولا لعقبه بعدها في الوقف شيء.
فأجاب الإمام علیه السلام : «وأما الرجل الذي استحل بالجارية وشرط عليها الآ يطلب ولدها، فسبحان من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية
شرط على الله عز وجل، هذا ما لا يؤمن أن يكون، وحيث عرف في هذا الشك وليس يعرف الوقت الذي أتاها فيه، فليس ذلك بموجب البراءة في ولده. وأما إعطاء المائتي دينار وإخراجه إياه وعقبه من الوقف، فالمال ماله فعل فيه ما أراد»(1)
وسئل عليه السلام في المرأة يموت زوجها هل تخرج في جنازته أم لا، وهل يجوز لها أن تزور قبر زوجها في عدتها، وهل يجوز لها الخروج في قضاء حق يلزمها في ذلك الوقت، أجاب الإمام عليه السلام: وأنها «تخرج في جنازته و «تزور قبر زوجها ولا تبيت عن منزلها» و «إذا كان حق خرجت وقضته ، وإذا كانت حاجة لم يكن لها من ينظر فيها، خرجت لها حتى تقضى، ولا تبيت عن منزلها»(2)
حددت المصادر الدينية والبشرية الظروف الممهدة لثورة خلاص البشرية، وكان من أهم المصادر البشرية في هذا المجال النظرية الماركسية ، أما المصادر الدينية فسوف نتوقف منها على ما ورد في العهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم والسنة المطهرة .
ترى الماركسية أن الثورة تنضج ظروفها ثم تقوم عندما تصبح علاقات الإنتاج معرقلة لتطور قوى الإنتاج، أي عندما تصبح العلاقات الحقوقية والسياسية بين الطبقتين الرئيسيتين في مجتمع الإنتاج (الأسياد والرقيق، الإقطاعيين والأقنان، الرأسماليين والعمال) عامل كبح لعملية التطور على صعيد الأدوات واليد العاملة، وعندما تحصل الثورة تغير في علاقات الإنتاج فتسمح لقوى الإنتاج بأن تنطلق، ولكن مع التطور المستمر لقوى الإنتاج نتيجة الاختراع وتطور العلم والتكنولوجيا عموما، تصبح العلاقات قاصرةعن مسايرة التطور ثم تتحول إلى عامل إعاقة من جديد. وعندما تتفاقم الأمور إلى الدرجة القصوى، فلا بد أن تقوم الثورة.
إن التناسب بين علاقات الإنتاج وطابع القوى المنتجة لا يمكن أن يكون إلا مؤقتا، فهو عادة يظهر في بداية تطور أي نمط إنتاجي، في مرحلة استتباب علاقات إنتاج جديدة تستجيب لدرجة تطور القوى المنتجة، إلا أن تطور التقنية وتراكم التجربة والمعارف، لا يتوقفان، بل يتسارعان بصورة عامة. إن هذا هو المظهر الملموس للفعل الإيجابي لعلاقات الإنتاج في انطلاق القوى المنتجة. فعندما تناسب علاقات الإنتاج قوى الإنتاج، فإن التطور يتابع مسيره بطريقة منتظمة نسبية ودون عثرات.
ولكن علاقات الإنتاج لا يمكنها أن تتبع باستمرار تطور القول المنتجة . ففي المجتمع المنقسم إلى طبقات، وبعد أن تنبثق علاقات الإنتاج، تثبت حقوقيا وسياسيا على شكل ملكية بالقوانين، وبالسياسةالطبقية، وبالدولة وسائر المؤسسات.
وبقدر ما تتنامي القوى المنتجة، بقدر ما يصبح التناسب بينها وبين علاقات الإنتاج مختة ، وينتهي الأمر بظهور أزمة لأن العلاقات المتقادمة تمنع تقدم القوى المنتجة» (1)
ومن هنا تصبح ثورة الخلاص حتمية، وهي الثورة التي ستطيح آخر أشكال أنظمة الاستغلال لتنفتح الطريق إلى مجتمع المساواة والوفرة والراحة . أما الظروف المهيئة للثورة فتتلخص بتفاقم التناقضات الاجتماعية إلى درجة لا تحتمل. ولما كان لب التناقضات يتمثل في صيرورة علاقات الإنتاج في التشكيلة الاقتصادية - الاجتماعية الرأسمالية معيقة لتطور قوى الإنتاج، أي عندما يوظف التطور ضد مصلحة العامل، كأن يجنح الرأسماليون إلى إحلال الآلة محل العمال ويسرحوهم من العمل، فيأخذ العمال بالتمرد، وبالتسريح تتناقص القوة الشرائية فيحصل الكساد. كما أنه يمكن أن يعمد أرباب العمل إلى الاستغناء عن التجديد التقني لما يكلفه من أموال لا يأملون استعادتها بسرعة. هذا إلى أن المزيد من نهب ثروات الدول المتخلفة يجعلها عاجزة عن الاستيراد، وهكذا تكبل القوى الإنتاجية وتتوقف عجلة التطور. فنتيجة لفيض الإنتاج پرتمي «المجتمع فجأة في حالة همجية حتى يخيل للمرء أن هناك مجاعة أو حربا طاحنة تقطع عن المجتمع وسائل معیشته و موارد رزقه، وكأنما الصناعة والتجارة أتي عليهما الخراب والدمار. ولم ذلك؟ ذلك لأنه أصبح في المجتمع شيء كثير من المدنية وكثير من وسائل العيش وكثير من الصناعة والتجارة . ولم تعد القوى المنتجة الموجودة تحت تصرفالمجتمع تساعد على نمو
1) Pricipes du Marxisme - leninisme, éd. du Progès, Moscou, ed. P. 112 et 113.
علاقات الملكية البرجوازية وتقدمها، بل بالعكس أصبحت هذه القوى عظيمة جدا بالنسبة لهذه العلاقات البرجوازية التي أضحت عائقا في سبيل تقدمها وتوسعها. وكلما شرعت القوى المنتجة تتغلب على هذا العائق رمت المجتمع البرجوازي بأسره في الاضطراب والاختلال وهددت وجود الملكية البرجوازية بالانهيار. لقد أصبحت العلاقات البرجوازية أضيق من أن تستوعب الثروات الناشئة في قلبها. فكيف تتغلب البرجوازية على هذه الأزمات؟ تتغلب بالتدمير القسري لمقدار من القوى المنتجة من جهة، وبالاستيلاء على أسواق جديدة وزيادة استثمار الأسواق القديمة ، من جهة أخرى. بماذا إذن؟ بتحضير أزمات أعم وأهول، وتقليل الوسائل التي يمكن تلافي هذه الأزمات بها.
فالأسلحة التي استخدمتها البرجوازيةللقضاء على الإقطاعية ترتد اليوم إلى صدر البرجوازية نفسها».(1)
وإلى هذا التناقض تبرز تناقضات اجتماعية مساعدة منها التناقض بين جماعية العمل وفردية الملكية، حيث تعمل المجموعات الكبيرة من العمال فيالمصنع الواحد المملوك من شخص واحد أو من مجموعة محدودة من الأشخاص. ومنها التناقض بين العمل اليدوي والعمل الفكري، وهذا التناقض يصاحب أنماط الإنتاج الطبقية جميعا، ومنها أيضا الفوارق الصارخة بين المدينة والريف على صعيد العمل والثقافة وطرائق العيش، وكلها تبلور الوعي لدى الطبقة العاملة بضرورة الصراع لإنهاء المشكلة الأساسية، مشكلة علاقات الإنتاج.
إن هذه الصورة التي تقدمها الماركسية مستقاة من ظروف القرن التاسع عشر، لذلك فقد تجاوزتها التطورات، فعمد المفكرون إلى محاولة اللحاق بالتطورات الحديثة، وفي مطلق الأحوال أن الثورة كان يمكن أن تقوم على أساس التناقضات ذات الطابع الاقتصادي، إلا أن البرجوازيين وتحت ضغط الطبقة العاملة، اضطروا إلى التخفيف من الضائقة التي تحيق بالفئات الدنيا في
1) البيان الشيوعي راجع المختارات لمارکس وانجلز، دار التقدم موسكو، ص 17 و85.
المجتمع، فتحولت الدولة إلى دولة تدخلية تحاول تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش للطبقات الدنيا من أجل قطع الطريق على الثورة. ومن هنا برزت نسخة من الماركسية ، تحت اسم «نظرية المركز والأطراف ومن أهم دعاتها سمير أمين، المصري، تقول أن الثورة ستبدأ بالأطراف، وهي البلدان القائمة على هامش النظام الرأسمالي، وهي بلدان فقيرة لا تستطيع الرأسمالية فيها رشوة العمال. غير أن التطورات التي حصلت في العقود الثلاثة الأخيرة أذنت بنهاية دولة التدخل تحت ضغوط العولمة التي تدفع بالبنك الدولي إلى منع المساعدة عن الدول ما لم تتخل عن السياسات الاجتماعية، التي تقوم على تحميل الطبقات الثرية تكاليف تأمين الحد الأدنى من المعيشة للطبقات الدنيا. وفي هذا عودة إلى مجتمع القرن التاسع عشر الذي وصفه مارکس ونظر للرأسمالية وتطورها على أساسه. ولكن على نطاق أوسع هذه المرة. فإذا كان الصراع الطبقي الحاد والذي كان يؤدي إلى مزيد من إفقار الطبقة العاملة كلما اتخمت الطبقة البرجوازية في أي قطر من الأقطار، فإن البوادر اليوم تنبیء بصراع طبقي على صعيد عالمي، بحيث تقف وجها لوجه جموع الفقراء على وجه الكرة الأرضية في مقابل المضاربين بالمال والأسهم وأصحاب الشركات متعددة الجنسية .
تتحدث المصادر الدينية عن المسيرة التاريخية الآيلة إلى ظهور المخلص. ولعل المصدر الذي يلخص الأحداث منذ ما بعد ظهور المسيح علیه السلام حتى اليوم هو «رؤيا القديس يوحنا»، وهي أحد أسفار العهد الجديد والتي تحدد بشكل رمزي الحقب التاريخية المختلفةوصولا إلى عصر الظهور كما تتناول علامات الظهور. المباشرة. تتحدث الرؤيا (الإصحاح الخامس) عن سفر مکتوب مختوم بسبعة أختام فكها المسيح علیه السلام فكانت محتوياتها كما يلي (الإصحاحات : 6 - 8).
فلما فتح الختم الأول «وإذا فرس أبيض والجالس عليه معه قوس وقد أعطي إكليلا وخرج غالبا ولكي يغلب).
ولما فتح الختم الثاني «وخرج فرس آخر أحمر وللجالس عليه أعطي أن ينزع السلام من الأرض وأن يقتل بعضهم بعضا وأعطي سبقا عظيما.
ولما فتح الختم الثالث «وإذا فرس أسود والجالس عليه معه میزان» تبعه غلاء في الأسعار للقمح والشعير دون الزيت والخمر.
ولما فتح الختم الرابع «وإذا فرس أخضر (أو أصفر شاحب) والجالس عليه اسمهالموت والهاوية (أو مقام الأموات) تتبعه. وأعطيا سلطانا على ربع الأرض أن يقتلا بالسيف والجوع والموت (أو القابلية للموت) وبوحوش الأرض.
«ولما فتح الختم الخامس رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي أدوها) وصرخوا: بصوت عظیم قائلين : حتام، أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض. فأعطوا، كل واحد، ثيابا بيضا وقيل لهم أن يستريحوا زمانا يسيرة أيضا حتى يكمل العبيد رفقاؤهم وإخوتهم أيضا العتيدون أن يقتلوا مثلهم .
«ولما فتح الختم السادس وإذا زلزلة عظيمة حدثت والشمس صارت سوداء كمسح من الشعر (أي عباءة)، والقمر صار كالدم ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا هزتها ريح عظيمة، والسماء انغلقت کدرج ملتف وكل جبل وجزيرة تزحزحا من موضعهما. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر أخفوا أنفسهم في المغاور في صخور الجبال ....
«ورأيت ملاكا آخر طالعة من مشرق الشمس يختم عبيدالله علىجباههم، وبعدها صرخات الخلاص من مجموع الأمم».
ولما فتح الختم السابع حدث سكوت في السماء نحو نصف ساعة ، ورأيت السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أعطوا سبعة أبواق إيذانا بيوم الخلاص.
وإذا استعرضنا فض الأختام نلاحظ أنها متعلقة بمراحل زمنية :
فالفرس الأبيض الظاهر لدى البوق الأول يمكن أن يعد راكبه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لأنه خرج غالبا ولكي يغلب وليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ولأن البياض هو لون الطهر كما جاء في نفس السفر (راجع 4/3 و 4/ 4/). والفرس الأحمر (أو الأصهب الظاهر لدى البوق الثاني) يمكن أن يكون العهد الأموي لأنه نزع السلام وأدى إلى أن يقتل بعضهم بعضا، وإن أعطي سلطانة عظيماً.
والفرس الأسود الظاهر لدى البوق الثالث يمكن اعتباره العهد العباسي، بسبب السواد أولا (والعباسيون اعتمدوا السواد) ولأن معه میزان وهم كانوا يدعون في البداية إلى الرضا من آل محمد، أما الغلاء فقد عرف حسب بعض المصادر في تلك الحقبة ، كما انتشر شرب الخمر لأن الغلاء لم يصبه.
والفرس الأخضر (أو الشاحب: كما في الترجمة الفرنسية) والذي يظهر لدى البوق الرابع، فيمكن أن يكون مرحلة هجوم المغول على الدولة العباسية،وهم من العرق الأصفر، وقد حملوا معهم الموت والدمار .
وبعد فض الختم الخامس تبدأ مرحلة الذل للإسلام الذي قبض الترك على ناصيته فطوعوه.
وبعد فض الختم السادس بدأت الفتن والكوارث التي ستتحدث المصادر الإسلامية عنها بإسهاب وتليها فترة فض الختم السابع التي ستحصل في عصر الظهور.
أما المصادر الدينية الأخرى التي تتناول الظروف الممهدة للظهور فتتحدث عن الظلم الشامل والمفاسد الاجتماعية ثم غضب الله وصولا إلى ظهور المخلص، ونحن سنستشهد المصادر الإسلامية وسنتناول ما يتوافق معها من نصوص التوراة المتداولة، لتأكيد وحدة المخلص الذي سيظهر في آخر الزمان. وإذا كان أصحاب هذه التوراة يدعون أنه المسيح الحقيقي الذي لم يظهر بعد، فإننا نؤكد أن المسيح ظهر وتوفاه الله كما ثبت تاريخية. كما نود التأكيد
أن الخلاف بين المسلمين واليهود في فهم النصوص، إنما يعود إلى المواقف المسبقة والتعصب الذين يفضيان إلى تفسير الألفاظ والنصوص بطريقة متعسفة .
فالتفسير يجب أن ينطلق من أن المسيح ظهر، وبالتالي فإن النصوص يجب أن تصرف إلى غيره في ما لم يحققه. أما ترداد اسم أورشليم ويهوذاوصهيون وإسرائيل وغيرها، فيعني أمورة غير التي يظن أنها تعنيها، فهي تسميات رمزية يجب تأويلها بشكل صحيح، لا سيما وأن اليهود قد حافوا الكلم عن مواضعه كما يؤكد القرآن وكما تؤكد المصادر التاريخية(1)وما زالت المحاولات تجري من قبل علماء المسيحية واليهودية لإعادة الأمور إلى نصابها، ولو أنهم اعتمدوا المصادر الإسلامية، لكانوا أعادوا الكلم إلى مواضعه وحل الكثير من مشاكلهم.
وهكذا فإننا يمكن أن نعد أورشليم أية عاصمة إسلامية، لأن اللفظة تعني مدينة سليم أو مدينة السلام» و «إسرائيل» المصارع في سبيل الله أو المجاهد في سبيل الله وهكذا...
وما يؤكد ما نذهب إليه أن الأسفار التي نستشهد بها، إنما تنحصر ما بين فترة داود علیه السلام حتى ما قبل ظهور المسيحية، فلا يمكن أن تتناول فترات ما قبل قيام دولة يهودية كالتي قامت بعد موسي علیه السلام أو أيام داود نفسه، ثم أن المسيحية لم تقم دولة على أساس الكتاب المقدس فيبقى أن المقصود هو ما سيحصل بعد مجيء الإسلام.
كما يؤكده أن الله وحسبما جاء في التوراة، تخلى عن اليهود وضربهم بالحرمان الأبدي كما جاء في سفر أشعياء ( 10/65 ) «وتخلفون اسمكم لعنة المختاري (يلعنه من اصطفی) فيميتك السيد الرب ويسمي عبيده اسما آخر المسلمين بدل إسرائيل) فالذي يتبرك في الأرض يتبرك بإله الحق والذي
1) راجع د. كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، مؤسسة الأبحاث العربية ، ط2، ص 58.
يحلف في الأرض يحلف بإله الحق (لا بإله إسرائيل) لأن الضيقات الأولى قد نسيت ولأنها استرت عن عيني. لأني هاأنذا خالق سموات جديدة وأرضا جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال . كما ورد في سفر زکریا ( 10/11 وما بعد)، «فأخذت عصاي نعمة وقصفتها (کسرتها) لأنقض عهدي الذي قطعته لكل الأسباط، فنقض في ذلك اليوم وهكذا علم أذل الغنم المنتظرون لي أنا كلمة الرب».
كما جاء في سفر أرميا ( 3/17 ) «يا جبلي في الحقل أجعل ثروتك، كل خزائنك للنهب ومرتفعاتك للخطية في كل تخومك وتتبرأ وبنفسك عن ميراثك الذي أعطيتك إياه وأجعلك تخدم أعداءك في أرض لم تعرفها، لأنكم قد أضرمتم نارا بغضي تتقد إلى الأبد».
: وجاء في الإصحاح ( 10/18 ): «لأن شعبي قد نسيني، بخروا للباطل وقد أعثرتهم في طرقهم، في السبل القديمة ليسلكوا في شعب في طريق غير مسهل، لتجعل أرضهم خرابا وصفيرة أبدية، كل مار فيها يدهش وينفض رأسه کریح شرقية، أبددهم أمام العدو أريهم القفا لا الوجه في يوم مصيبتهم».
تصف المصادر الإسلامية الحالة السياسية والاجتماعية، التي تؤول إليها الحياة في المجتمع البشري فتعطي صورة عن ظلم شامل، تمارسة السلطة السياسية والسلطة الدينية يؤدي إلى حالة مرضية تلف جميع مناحي السلوك الإنساني، الأمر الذي يجعل الحياة في المجتمع لا تطاق، وتلتقي مع الصورة الإسلامية هذه الصورة التي تقدمها التوراة، وأهم قسمات هذه الصورة :
تؤول السلطة السياسية إلى عديمي الخبرة من الواقعين تحت تأثيرالصغار والنساء وإلى رجال مستهترين بالقيم بعيدين عن العدالة والأخلاق اللازمة للحاكم. فقد ورد عن لسان ابن عباس عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، عن الأحوال
السياسية آخر الزمان : «عندها إمارة النساء ومشاورة الإماء وقعود الصبيان على المنابر »(1)كما جاء عن علي عليه السلام: «فعند ذلك يكون سلطان النساء ومشورة الإماء وإمارة الصبيان»، تدليلا على سطوة الغرائز الجنسية وغيرها من عواطف القربي والهوى، كما تلزم الوظائف ويتحكم السلطان الكافر بالمؤمن (2)
وقد جاء في التوراة متوافقة مع هذا: «أجعل صبيانا رؤساء عليهم وأطفالا تتسلط عليهم» (أشعياء 3/ 4)، كما جاء : وأمسي الشعب «ظالموه٫ أولاد ونساء يتسلطن عليه» (أشعياء 3/ 12).
وهذه السلطة تمارس الظلم والاضطهاد والخيانة فقد جاء في المصدر السابق عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إن عندها يليهم أمراء جورة ووزراء فسقة وعرفاء ظلمة وأمناء خونة»(3). كما جاء عن نزال بن سيرة عن علي علیه السلام: إذا استعملوا السفهاء... وكانت الأمراء فجرة والوزراء ظلمة والعرفاء خونة»، فأكثروا من ارتكاب الموبقات «وأكلوا الرشا»، فعند ذلك تكون «دولة الأشرار ويحل الظلم في جميع الأمصار وتطلب الرياسة للتفاخر والمظالم، ويرعى القوم سفهاؤهم... وتصنع الرؤساء رؤوسا لمن لا يستحقها ويؤتمن الولاة الخونة ويقرب السلطان أهل الكفر... ويذل المؤمن للكافر وباختصار يتولى أمور الناس قادة» أن تكلموا قتلوهم وإن سكتوا استباحوهم ليستأثروا بفيئهم وليطأوا حرمتهم»(4)
ويتفق مع هذا ما جاء في التوراة من أنه سيكون «رؤساؤك متمردین» (أشعياء 23/1 ) وسيرعى الرعاة أنفسهم لا غنمهم فيما هم يذبحون السمين ويلبسون الصوف (حزقيال 36/ 2 و 3) وتكون أورشلیم (مدينة أو دار السلام أو أي مدينة هامة) مدينة جائرة، رؤساؤها على شعبها أسود زائرة (صفينا
1/3 ۔ 3) فينتشر الفساد ويصبح القادة «كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا» و «یکونون شركاء اللصوص» (أشعياء
23/1 ).
أما السلطة القضائية، فهي سلطة فاسدة تحكم بخلاف ما أمر الله، فقد جاء عن لسان الإمام الصادق أن القائم يقوم إذا : «رأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله »(1). كما جاء في التوراة : ويل للمدينة الجائرة... قضاتها ذئاب مساء لا يبقون شيئا حتى الصباح»(2)
على أن هذا الظلم كان النتيجة، رغم تبدل الحكومات وتناوب أصحاب المشاريع الايديولوجية والسياسية على الحكم، فالإمام المنتظر لا يظهر إلا بعد أن تجرب جميع الأفكار ولا يبقى مجال ليقول أنصار أي مشروع سلطوي أن مشروعهم كان الحل للمظالم لكن لم يتح لهم تطبيقه ، فقد جاء عن الإمام محمد الباقر علیه السلام : «دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل: {والعاقبة للمتقين) [الأعراف/ 128]».
كما جاء عن الإمام الصادق علیه السلام : «ما يكون هذا الأمر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل : إنا لو ولينا العدلنا، ثم يقوم القائم بالحق والعدل»(3)
أما وضع المسلمين على الصعيد العالمي فهو وضع مزر نتيجة لضعفهم وتكالب الأمم عليهم، حيث يقول رسول الله : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قيل: يا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال : أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوکم، ويجعل في قلوبكم الوهن. قيل : وما الوهن ؟ قال :
حب الحياة وكراهية الموت»(1)كما يقول: «إن من اقتراب الساعة هلاك العرب»(2)
ونتيجة لهذا الضعف وما يغري به الأعداء، فإن الكافرين يملكون البلاد الإسلامية المختلفة شرقا وغربا حيث تجري الأنهار الإسلامية الرئيسية وهي إيران والعراق ومصر، فقد جاء عن لسان رسول الله : «قال جبرائیل : أبشرك يا رسول الله بالقائم من ولدك لا يظهر حتى يملك الكفار الخمسة الأنهر...»(3)
لن تكون السلطة الدينية أحسن حالا من السلطة السياسية، بل هيستتعرض للفساد وتمارس الظلم وسيكثر المتنبئون الكاذبون، فقد ورد عن لسان الرسول : «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابة كلهم يزعم أنه نبي قبل يوم القيامة» كما جاء : «سيكون في أمتي دجالون كذابون يحدثونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم. فإياكم وإياكم لا يفتنونكم» (4)كما جاء على لسان الإمام الصادق علي : «لا يخرج القائم حتى يخرج مثله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه»(5)
وجاء في التوراة بهذا الاتجاه : «ويل للمدينة الجائرة... أنبياؤها متفاخرون أهل غدرات، كهنتها نجسوا القدس، خالفوا الشريعة» (صفنيا 1/3 - 5).
ونتيجة لكل هذا تنسى الشريعة ويسود الشر والضلال وخيانة العهود ويطال الظلم ضعاف الناس، وهكذا فإن الفرج لا يكون «حتى تروا الحرام
1) راجع مسند احمد، 309/2 ، وأبو داود، ملاحم 5 و 5/ 278.
2) راجع صحيح البخاري، 4/ 34، والترمذي، مناقب 99.
3) راجع، ملاحم ابن طاووس، ص 197.
4) راجع سنن أبي داود 19،مسند احمد، 118/2 ، 237، 313، 50، 530، 128 و19/5 ، 41، 46، وصحيح البخاري مناقب 20، رفتن 20 وصحيح مسلم فتن 84، وسنن الترمذي نتن 3.
5) الإرشاد، ص 308. وغيبة الطوسي، ص 297. راجع كذلك غيبة النعماني، ص 101. وأصول الكافي، ج 1، ص 338.
مغنماً والزكاة مغرما» (1)فترى «الرجل عنده المال الكثير ولم يز که منذ ملکه»(2)ويشح الغني بما في يديه ويبيع الفقير آخرته بدنياه، وترى «المحتاج يعطي على الضحك به ويرحم لغير وجه الله»(3)وحتى أن «السائل يسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحدة يضع في يده شيئا»(4)وتقسم «أموال ذوي القربی بالزور ويتنامر بها ويشرب الخمور» و «ترى من أكل أموال اليتامی بحمد بصلاحه». (5)
وتقول التوراة : فالأرض قد تدنست تحت سكانها لأنهم تعدو الشرائع غيروا الفريضة ، نكثوا العهد الأبدي» (أشعياء0/26) وليس من يدعو بالعدل وليس من يحاكم بالحق» (أشعياء 4/55) وقد «جعلوا لأنفسهم سبلا معوجة ، كل من يسير فيها لا يعرف سلامة، (أشعياء 59/ 8)، وتكثر المعاصي والخطايا والآثام ، فيتعدى الناس ويكذبون على الرب ويحيدون من وراء الإله «وارتد الحق إلى الوراء، والعدل يقف بعيدا» (أشعياء 19/09 ) بعد أن ضل الناس كالغنم (أشعياء 7/03) وأمسى الرؤساء «لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم» (أشعيا 23/1 )وباختصار لقد نجسوا اسم الإله بين الأمم» (حزقيال / 36).
وهكذا تتواری تعاليم الدين ويسود الرياء ويمسي «الفقهاء يفتون بما يشتهون»(6)وهم الذين يتفقهون لغير الدين بل لطلب الدنيا والرياسة(7)، وذلك بعد أن يكون قد قل العلماء وذهب القراء، فتحلى المصاحف وتطول المنارات وتكثر صفوف المصلين بقلوب متباغضة(8)وترى المساجد محتشدة ممن لا
يخاف الله(1)وهكذا فينكفيء الدين ويعطل الكتاب وأحكامه ثم تلتبس الأمور وتثور الفتن، لذلك يقول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «بادروا بالأعمال فتنة كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافر آ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرة، يبيع دينه بعرض الدنيا(2)وعن أمثال هذا يقول الرسول: «يدعون أنهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرائعي، إنهم مني براء وأنا منهم بريء»(3). وذلك في زمن تبطل فيه الأحكام ويحبط الإسلام ويجعل الناس الحلال حراما.. ويهتكون فيما بينهم المحارم»(4)وتفشوا البدع (5)ويستخف بالصلاة.. ويصلي المصلي ليراه الناس(6)«وعندها يحج أغنياء أمتي للنزهة ويحج أوساطها للتجارة ويحج فقراؤها للرياء والسمعة»(7)ويصبح «الأذان بالأجر والصلاة بالأجر».(8)
وهي تتمثل بالزنا والفسق واستهتار الصغير بالكبير والكذب وسوء الأمانة والسرقة والتقاتل وضياع القيم، وسنفرد فقرة للزنا، ونتناول في فقرة ثانية سائر المفاسد الاجتماعية :
الزنا: تركز المصادر الإسلامية كما التوراة على مسألة الزنا وانتشارها بشكل قبيح، فقد ورد في الآثار عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وعن أئمة الهدى أنه «يستعلن الفجور، ويذهب العفاف «ويستحلون الزنا»(9)«ويرى الرجل من زوجته القبيح فلا ينهاها ولا يردها عنه، ويأخذ ما تأتي به من كد فرجها ومن
1) روضة الكافي، ص 37.
2) مسند احمد، 306/2 و 523، صحیح مسلم إيمان 189، سنن 22، ابي داود فتن، سنن الترمذي فتن 30، ابن ماجة فتن 10.
3) الطبرسي، مكارم الأخلاق مؤسسة الأعلمي، ج 1، ص 452.
4) راجع إلزام الناصب، ج2، ص180
5) المرجع نفسه.
6) روضة الكافي، ص 37.
7) تفسير القمي، ج 2، ص 302-307
8) روضة الكافي، ص 30.
9) حديث جابر عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و إلزام الناصب، ص 137
مفسد خدرها حتى لو نكحت طولا وعرضا لم تهمه ولا يسمع ما قيل فيها من الكلام الرديء» (1)«وتصانع المرأة زوجها على نكاح الرجال ... ويبذل النساء أنفسهن لأهل الكفر فيكثر أولاد الزنا» (2)، ثم تتزوج الامرأة بالامرأة وتزف كما تزف العروس إلى زوجها.. وتكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء»(3)
هذا وتشير المصادر إلى زوال الحياء حتى ليتساند الناس كما يتسافد البهائم(4)ويؤجر الرجل زوجته وبنته (5)
هذا وتركز التوراة على مسألة الزنا سواء أعلى المستوى الحقيقي أم على المستوى المجازي، فترى أن الناس «روح الزنا قد أضلهم فزنوا من تحت إلههم، هوشع 12/4 ) حتى أن الله ، كما تقول التوراة أنبأهم قائلا : «لذلك تزني بناتكم وتفسق کناتكم». وذلك نتيجة لما يرتكبه الشعب بوجه عام، حتى يصبح زناهن هذا لا يستحق العقوبة: «لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين ولا کناتكن لأنهن يفسقن، لأنهم (أي الناس) يعتزلون مع الزانيات ويذبحون مع ناذرات الزنا (القرابين) (هوشع 13/4- 15).
هذا ويزول الحياء عند المرأة فتمسي «بنات صهيون يتشامخن ويمشین ممدودات الأعناق وغامزات بعيونهن وخاطرات في مشيهن ويخشخشن بأرجلهن» (اشعياء 16/3).
حملت المصادر الإسلامية عددا كبيرا من الأحاديث الشريفة التي تصف الحالة الاجتماعية قبل ظهور الإمام المنتظر حيث تسود شهادة الزور(6)وقول
البهتان ونقض العهود(1)وينتشر الغش فيكذب التاجر في تجارته والصائغ في صياغته وكل صاحب صنعته في صناعته(2)وعند ذلك تكثر الخيانة ويؤتمن الخونة لا المخلصون(3)وتتفشي ظاهرة التآمر العائلي، فيكون هلاك الرجل على يدي زوجته وولده(4)، فتظهر الفتن ويعم القتل (5): «والله لترجعن كفارة يضرب بعضكم رقاب بعض»(6)
وقد وردت هذه الأمور في التوراة التي تحدثت عن أشكال مختلفة من المفاسد: فلا أمانه ولا إحسان (هوشع 1/4) والغش قائم : «فصارت فضتك زغلا وخمرك مغشوشة» (أشعياء 22/1 )، وإلى جانب ذلك «لعن وكذب وسرقة وفسق» وانتشار للقتل: «يعتنفون، ودماء تلحق دما» (هوشع 4/ 2)، هذا ويتمرد الصبي على الشيخ والدنيء على الشريف (أشعياء 5/3)، ويقتل الأولاد في الأودية (أشعياء 5/57).
في ظل الظروف الموصوفة أعلاه، يصبح التدين مستهجنة، وقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم: «إن الإيمان بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء إذا فسد الناس» (7)ذلك أن الأكثرية الساحقة ستنحرف و «لن تزال من هذه الأمة أمة قائمة على أمر الله ، لا يضرهم من خالفهم، ولا ينقصهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله»(8)، وهي الأمة التي يصفها الله تعالى بقوله: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» [الأعراف/ 181].
1) المرجع نفسه
2) إلزام الناصب، ج2، ص 185.
3) تفسير القمي، ج 2، ص 302.
4) الكافي، ج8، ص 37.
5) المرجع نفسه
6) صحيح البخاري، مج 134. مغازي 79، ادب 95، ومسلم إيمان، 118 - 120، مسند احمد
7) راجع صحيح مسلم إيمان 232، مسند احمد، 1/ 189، 2/ 177، 222، 389 و 73/6
8) راجع تاريخ البخاري ج7، ص327 وصحيح البخاري علم 13 ، توحید 29، ومسلم، أمارة 174 . 191
ويفضل الإمام علي عليه السلام في معاناة هذه القلة فيخاطب المؤمنين قائلا : كونوا كالنحل في الطير، ليس شيء من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم، فوالذي نفسي بيده ، ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين، وحتى لا يبقى منكم إلآ كالكحل في العين، والملح في الطعام، وسأضرب لكم مثلا وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ، ثم أدخله بيتا وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه ، ثم أعاده إلى البيت ، فتركه ما شاء الله ، ثم عاد إليه ، فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه وأعاده . ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضره السوس شيئا، وكذلك أنتم تمیزون حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئا»(1)
وهكذا فإن المؤمنين الحقيقيين سوف يتعرضون للغربلة والتمحيص الشديدين حتى لا يبقى منهم على الخط القويم إلآ الأقل الأقل. وقد جاء على لسان الإمام الباقر عليه السلام : لا والله لا يكون ماتمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا، إلا والله لا يكون ماتمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد»(2)
وذلك كله يصدق قول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: «يأتي على الناس زمان لا يسلم الذي دین دینه إلا من هرب من شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر كالثعلب بأشباله»(3)
هذا وقد ركزت التوراة على نفس المعاني فجاء فيها: «افتحوا الأبواب التدخل الأمة البارة حافظة الأمانة» (أشعياء 29/ 32) أمناء الأرض (مزمور
6/101 )، منتظرو الرب (اشعياء 18/30 ) شعب إله إبراهيم (مزمور 9/87) شعب الله (مزمور 6/111) بقية يعقوب (ذي العقب: ربما علي) ( 21/10).
وهذه القلة المؤمنة هي «شعب منهوب مسلوب قد اصطيد في الحفر وفي بيوت الحبوس اختبأوا، صاروا نهبة ولا منقذو سلبة وليس من يقول: رد (أشعياء 22/42 ).
أما الإنسان المستقيم فلا بد له من الابتعاد عن المعترك: «فالسالك بالحق المتكلم بالاستقامة الراذل مكسب الظالم، النافض يده من قبض الرشوة الذي يسد أذنيه عن سماع (أحاديث) الدماء ويغمض عينيه عن النظر إلى الشر هو في الأعالي، يسكن، حصون الصخور ملجأه، يعطى خبزه ومياهه مأمونة (أشعياء 33/ 10 و19).
نتيجة للمظالم والانحرافات فإن غضب الله سينصب قتلا وجوعة على وجه الأرض، فقد جاء في الكتاب العزيز : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ» [البقرة/ 155]، وهذا ما تفسره الآثار الإسلامية بالغربلة والتمييز، وقد أشار الإمام الصادق إليه بالقول: «لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس(1)كل هذا نتيجة فتن متوالية أشار إليها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عدد كبير من الأحاديث حوتها كتب الفتن من الصحاح.
هذا وقد توسعت التوراة في ذكر هذه الفتن، وهي كما أشرنا لا بد أن تتناول المسلمين. وقد جاء في نبؤة في سفر زكريا ( 7/13 -9): «استيقظ یا سیف علی راعي وعلى رجل رفقتي، يقول رب الجنود، واضرب الراعي فتتشتت الغنم وارد بدي على الصغار، ويكون في كل الأرض، يقول الرب، أن ثلثين منها يقطعان ويموتان والثلث يبقى فيها، وادخل الثلث في النار
1) راجع كمال الدين، ج 2، ص 655، وغيبة الطوسي، ص 209 وبنفس المعنى عن الإمام علي عیه السلام : راجع کنز العمال، 587/19 ، وابن حماد، ص 91..
وأمحصهم کمحص الفضة. وامتحنهم امتحان الذهب، هو يدعو باسمي وأنا أجيبه . أقول: هو شعبي وهو يقول: الرب إلهي».
وفيما يتعلق بالجوع،ورد في سفر يوئيل (15/1 - 20): «آه على اليوم لأن يوم الرب قريب، يأتي كخراب من القادر على كل شيء، أما انقطع الطعام أمام عيوننا، الفرح والابتهاج عن بيت إلهنا، عفنت الحبوب تحت مدرها، خلت الأمراء، انهدمت المخازن لأنه قد يبس القمح، كما تئن البهائم، هامت قطعان البقر لأنه ليس لها مرعی ، حتی قطعان الغنم تفني، إليك يا رب أصرخ، لأن نارة قد أكلت مراعي البرية ولهيبا أحرق جميع أشجار الحقل، حتی بهائم الصحراء تنظر إليك ، لأن جداول المياه قد جفت والنار أكلت مراعي البرية .
ولعل هذا يتفق مع ما ورد في رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي في الإصحاح الثامن حيث يبوق «السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله» فوق الملاك الأول فحدث برد ونار مخلوطان بدم وألقيا إلى الأرض فاحترق ثلث الأشجار واحترق كل عشب أخضر».
متر بنا حديث ضعف المسلمين وتداعي الأمم عليهم لضعفهم وخوفهم من الموت وتعلقهم بالدنيا، أما الأمم والشعوب التي يكون المسلمون على تماس معها عند ظهور الإمام المنتظر فمنهم الروم والترك واليهود، وهم الشعوب التي جرت الحروب بينها وبين المسلمين في عصور التاريخ المختلفة، فكيف ستكون العلاقات مع هذه الجهات قبل ظهور الإمام؟
الروم: هم الشعوب الأوروبية التي غزت شاطیء بلاد الشام فيما سمي الحروب الصليبية، والتي كانت على علاقة متوترة مع الدولة الإسلامية منذ بداياتها، وهم الذين مارسوا الاستعمار في العصر الحديث ونال البلدان الإسلامية منه القسط الأوفر. وقد أكدت المصادر قوة الروم حيث ورد عن
لسان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم : «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» (1)و «أشد الناس عليكم الروم»(2)
وتثور الحروب بين الروم وبين المسلمين وتقع بينهم هدنة، وتحصل فتنة تدخل كل بيت، وربما كانت الحضارة الغربية، يقول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم إن بين يدي الساعة «... فتنة تكون في أمتي، قال وعظمها (وقيل: فتنة تقع فيكم لا يبقى بيت عربي إلا دخلته .. والخامسة : يفيض المال فيكم حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخطها... والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصغر (الروم)(3)وقال : «سيكون بينكم وبين الروم أربع هدن» .(4)
ولعل موضوع المال هو ما نعرفه بعد اكتشاف البترول وشمول خيراته بعض الدول والقبائل. أما الحروب والهدن بين المسلمين وبين الروم فهي أيضا ما نعرفه منذ بداية التاريخ الإسلامي.
ما جرى بين المسلمين واليهود أمر معروف في المرحلة النبوية ثم في هذا القرن، ولقد أشارت المصادر إلى قتال بين المسلمين واليهود قبل ظهور الإمام، على أن تحسم المعارك بعد ظهوره، فقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم :
يقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر یا مسلم هذا يهودي ورائي
فاقتله»(5)، ولقد بدأ قتال اليهود للمسلمين ولما ينته بعد.
لقد كان بين المسلمين والترك معارك في التاريخ، منها وقائع هولاكو وجنكيز خان، وهم من الأتراك غير المسلمين. أما في العصر الحديث
فقد جرت معارك مع الترك المسلمين، الذين بدأوا يتركون حكم الإسلام وهم اليوم يقيمون حكما علمانية معادية للدين وعاملا على اجتثاثه .
وقد وردت الأحاديث الشريفة بتدخل الترك متحالفين مع الروم، وهو أمر لم يحصل إلا اليوم، وقد قال صلی الله علیه وآله وسلم: «تخرج الروم في الملحمة العظمی ومعهم الترك وبرجان والصقالية» (1)و «كأني بالترك قد أتتكم على براذین مجذمة الآذان حتى تربطها بشط الفرات»(2)
تشير المصادر الدينية إلى إمارات تسبق مباشرة ظهور الإمام المخلص وهذه الإمارات منها إمارات طبيعية ومنها إمارات بشرية .
الإمارات الطبيعية: وتتمثل بالزلازل و آیات تظهر في الشمس والقمر والسماء عمومة، ثم نار ودخان وخسف.
الزلازل: ورد عن لسان الرسول صلى الله عليه و آله سلم : «أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل .. (1)
وهذه الزلازل تضرب في مصر(2)على ما ورد على لسان الإمام علي علیه السلام وتضرب في الشام «فينقعر غربي مسجدها ويخسف بقرية يقال لها حرستا» (3)وزلازل تضرب نجد التي يقول عنها الرسول «هنالك الزلازل والفتن»(4)، وزلازل تضرب البصرة فيكون فيها «خسف وقذف ورجف (5)وخسف يصيب بغداد وخراب بالري"(6)وخسف في جزيرة العرب (7)، وإلى هذا خسف بالمشرق وخسف بالمغرب،(8)وخسوف متكررة في هذه الدار أو تلك وبهذا الرجل أو ذاك9.(9)
1) مسند أحمد، 3/ 37 و 2ه، وملاحم ابن المنادي، ص 42، وبيان الشافعي، ص 505، وعقد الدرر، ص 12. و میزان الاعتدال، 97/3
2) ملاحم ابن طاوس ص 126، وابن حماد، ص 71، وعقد الدرر، ص 53.
3) عقد الدرر ص 53، العطر الوردي، ص 91 وابن حماد، ص 71.
4) مسند أحمد، 118/2 ,129،وصحيحالبخاري استسقاء / 27، رفتن 19 والترمذي مناقب 74.
5) أبو داود ملاحم 5، وملاحم ابن المناوي ص 38 و 39، وکنز العمال، 307/12
6) الإرشاد، ص 311، وأعلام الوری، ص 929. راجع كذلك النعماني، ص 146 ، البحار، 220/02 ، ومنتخب الأثر، 300.
7) مسلم فتن /39، وأبو داود، ملاحم /12، والترمذي فقه/ 21 وابن ماجه فتن/ 28، ومسند احمد، 6/4 ر7.
8) المرجع نفسه.
9) الحاكم، 4/ 510، وابن حماد ص 172 ، الدر المنثور، 2/ 329، وکنز العمال، 14/ 282.
هذا وتتردد أحاديث الزلازل في التوراة حيث يرد: «... لأن ميازيب أو سدودا) من العلاء قد انفتحت وأسس الأرض تزلزلت، انسحقت الأرض انسحاقا، تشققت الأرض تشققا، تزعزعت الأرض تزعزعة، ترتحت الأرض ترنحة كالسكران وتدلدلت (اهتزت) کالعرزال وثقل عليها ذنبها ولا تعود تقوم (أشعياء 18/29 )، ولعل هذا ما يتوافق مع سورة الزلزلة في القرآن. كما يرد «... فينشق جبل الزيتون (الذي قدام أورشليم من الشرق) من وسط نحو الشرق ونحو الغرب وادية عظيمة جدة وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب وتهربون في جواء الجبال» (زکریا 2/16)
الظواهر السماوية: تشير المصادر إلى كسوف وخسوف في شهر رمضان وإلى نجم مذئب وإلى علامات في السماء وفي القمر : فقد ورد على لسان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم و ظهور آية متعلقة بالشمس وأنها «تنکسف ... في شهر رمضان مرتين»(1)وقد أتى قول متضافر عن أئمة أهل البيت، وهم بطبيعة الحال ينقلون عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ولكن طرقهم هي المضبوطة، إلا أن في الرواية عنهم تفاوتا. فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام : «تنکسف الشمس الخمس مضين من شهر رمضان قبل قيام القائم»(2)وورد عنه : «علامة خروج المهدي كسوف الشمس في شهر رمضان في ثلاث عشرة وأربع عشرة منه»(3)وهذان حديثان لا يمكن التوفيق بينهما، ولما كان الحديث الثاني مرسلا فيرجح الأول. إلا أن روايات وردت عن الباقر عليه السلام تقول: «إن بين يدي هذا الأمر انکساف القمر لخمس تبقىوالشمس لخمس عشرة وذلك في شهر رمضان، وعندها يسقط حساب المنجمين»(4)وورد: «.. تنکسف الشمس في النصف
1) ابن حماد، ص 90 و91 و91. وعقد الدرر، ص 109 - 111، وعرف السيوطي، 2/ 90 و82، وملاحم ابن طاووس، ص 46.
2) کمال الدین، 2/ 100، وإثبات الهداة ، 3/ 723، والبحار، 207/02 ، وبشارة الإسلام، ص 120، ومنتخب الأثر، ص 441.
3) لنعمان، ص 272 ، مرسلا والبحار، 292/02 ، وبشارة الإسلام، ص 120 ، وهما عند النعماني.
4) النعماني، ص 271، وكمال الدين، 2/ 100، ومنتخب الأثر، ص 44.
من شهر رمضان والقمر في آخره ...»(1)وورد أيضا : «... ینکسف القمر الأول ليلة من رمضان وتنکسف الشمس في النصف منه»(2)
ولما كان الحديث الثالث متناقضة مع الحديثين الأولين يمكننا الاستغناء عنه، فيبقى الحديثان الآخران والتفاوت بينهما يمكن تفسيره على أساس أن الأول يقول أن القمر ينكسف قبل آخر الشهر بخمسة أيام بينما الثاني يقول أنه ينكسف في آخره، فإذا اعتبرنا أن الأيام الأخيرة هي آخر الشهر أو أواخره استقام.
وإذا قارنا هذا مع ما ورد عن الصادق علیه السلام فیمکننا، مع اعتبار أن الصادقتحدث عن الشمس فقط، فلا يمكننا إلا مع إسقاط أحد التاريخين، أو اعتبار أن الصادق قال لخمس عشرة فاستبدل المصحفون «عشرة» با «مضین» لأن رواية الباقر تشير إلى غرابة الأمر وتقول: «وعنده يسقط حساب المنجمين» و ... ولكنهما آيتان لم تکونا منذ هبط آدم علیه السلام ». وإلى هذا يشير حديث إلى آية تظهر في وجه القمر وذلك في العام الذي فيه «الصيحة» والآية هي: «وجه يطلع في القمر ويد بارزة».(3)وجاء في حديث آخر: «وكف يطلع من . السماء من المحتوم»(4)وقد يكون هو نفسه اليد البارزة.
وتذكر المصادر أن نجما مذنبا يظهر، حيث ورد عن الإمام علي عليه السلام من بين علامات الظهور: «أولها طلوع الكوكب ذي الذنب(5)هذا وتشير أحاديث كثيرة إلى طلوع الشمس من المغرب(6)
1) الكافي ، 8/ 212، النعماني، ص 271، وغيبة الطوسي، ص 270.
2) الدارقطني، 2/ 90.
3) النعماني، ص 202، ومنتخب الأثر، ص 441، وإثبات الهداة ، 3/ 730.
4) غيبة النعمان، ص 202، وإثبات الهداة ، 3/ 730، والبحار، 52/ 233، وبشارة الإسلام، ص 115
5) ملاحم ابن طاوس، ص 139، وكفاية الأثر، ص 213، ومشارق البرسي، ص 164 - 166..
6) غيبة الطوسي، ص 297، صحيح البخاري، فتن 20، رقاق 40 توحيد 22، صحیح مسلم توبة 31، إيمان 268 و269، فتن 39، 118، 128، 129 سنن أبي داود جهاد 2 ملاحم 12، سنن الترمذي، فتن 21، سنن ابن ماجة فتن 20، 28، 32، سنن الدارمي، سير 69 مسند أحمد، 192/1 و 2/ 201،129 ، 231، 270 و313، 326 و 327 و 350 و 372 و 390 و 398 و 607 و427 و446 و495 و507 و 511 و 530 و 3/ 31 و 98 و6/4 و7 و395 و4.4. وابن أبي شيبة، 178/10 ، وتفسير ابن جریر 8/ 79 والبدء والتاريه، 2/ 197، والطبراني، الكبير 9/ 216.
وقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «يطلع نجم من المشرق قبل خروج المهدي له ذناب»(1)
وإلى كل هذا صواعق تصعق أفرادا من الناس (2)وقذف من السماء (3)
هذا وتحفل التوراة بذكر الظواهر السماوية : «فإن نجوم السماوات وجبابرتها لا تبرز نورها، تظلم الشمس عند طلوعها والقمر لا يلمع ضوؤه» (أشعياء 9/13 ) «تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف» (یوئیل 2/ 30).
كما ويحمل سفر رؤيا يوحنا إنه «بوق الملاك الرابع فضرب ثلث الشمس وثلث القمر وثلث النجوم حتى يظلم ثلثهن والنهار لا يضيء ثلثه والليل كذلك» (الإصحاح 12/8 ). النار: تكثر أحاديث النار في المصادر الإسلامية وهي تشب في الحجاز وفي بصری وفي اليمن ونار من الشرق ونار من السماء ونار في الحجارة والمدر.
فعن نار الحجاز ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصری» (4).
1) ابن حماد، ص 11، وعقد الدرر، ص 111، وعرف السيوطي الخاوي، 2/ 82، وبرهان المتقي ص 108، وملاحم ابن طاوس، ص 46.
2) الحاكم 444/4 ، ومجمع الزوائد، 9/8، وکنز العمال، 14/ 230، ومسند أحمد، 3/ 90.
3) راجع ملاحم ابن طاوس، ص 126.
4) راجع مسلم بشرح النووي، دار الكتب العلمية 1990، کتاب الفتن وأشراط الساعة، وعبد الرزاق، 379/11 . البخاري فتن 24، مسلم فتن 42.
كما ورد عن علي عليه السلام : «إذا وقعت النار في حجازكم.. فتوقعوا ظهور قائمكم»(1)كما ورد عنه في أشراط الساعة: «إذا أنارت النار بصری ..»(2)
وأما عن نار اليمن فقد ورد عن رسول الله ، من بين أشراط الساعة : «... ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر»(3)ونار تخرج من قبل حضرموت(4)
أما نار المشرق فقد أشار إليها الإمام الباقر عليه السلام بقوله: «إذا رأيتم نارة من المشرق شبه الهردي العظيم تطلع ثلاثة أيام أو سبعة فتوقعوا فرج آل محمد»(5)
أما النار من السماء فقد ذكرها الإمام الصادق عليه السلام بقوله: «إذا رأيتم علامة في السماء نارة عظيمة من قبل المشرق تطلع ليالي، فعندها فرج الناس وهي قدام القائم عليه السلام بقليل (6)كما جاء عنه عليه السلام : «یزجر الناس قبل قيام القائم عليه السلام عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلل السماء ...(7)
وهذه النيران تشعل الحجر والمدر كما ورد عن الإمام السجاد بن الحسین عليه السلام (8)ولعل نارة كهذه يؤججها البترول.
1) الصراط المستقيم، 2/ 258، إنبات الهداة ، 578/3 .
2) مشارق البرسي، ص 199، الإيقاظ من الهجعة ص 370.
3) غيبة الطوسي، ص 297، والبحار 209/02 . والطيالسي، ص 193 والحميري، 2/ 1396 ومسند احمد، 1/4 و7، 5/ 144 ومسلم فتن 39، وأبو داود ملاحم، 12.
4) الترمذي، فتن 92، ومسند احمد، 8/2 ، 53، 19، 99، 119.
5) النعماني، ص 203، الطوسي ص 276، عقد الدرر، ص 64 و 137 ولوائح السفاريني، .8/2
6) النعماني، ص 297، وعقد الدرر، ص 109.
7) الإرشاد، ص 301 واعلام الوری، ص 929.
8) الصراط المستقيم، 2/ 209، وبشارة الإسلام، ص 83.
وحول موضوع النيران تتحدث التوراة أيضا حينا بشكل إجمالي وحينا بشكل مفصل. فتقول: «... وأعطي عجائب في السماء والأرض دما ونارة وأعمدة دخان» (یوئیل 2/ 30).
وعن نار الحجاز تقول التوراة : «... فأرسل نارة على تيمان (تيماء: شمال الحجاز) فتأكل قصور بصرة (بصری)، وعن أرض آدوم (وهي شمال الحجاز) و بصری تقول: «وتتحول آثارها زفتة وترابها كبريتا، وتصير أرضها زفتة مشتعلا ليلا ونهارا ولا تنطفيء إلى الأبد» (أشعياء 34/ 5).
وعن النار يقول سفر الرؤيا إنها تحرق ثلث الأشجار والأعشاب وأنها تطال البحر فتهلك ثلث الحيوانات فيه وثلث السفن وأنها تطال الأنهار والينابيع
الرؤيا 6/8 - 11).
مشاكل البصرة: تتعرض البصرة للزلازل والخسف والغرق. فقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في حديثه إلى أنس بن مالك: «يا أنس أن الناس يمرون أمصارة، وأن مصرة منها يقال له البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف و قوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير».(1)
307/12 .
كما جاء عن علي في خطبته في أهل البصرة بعد معركة الجمل: «... كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جوجو طير في لجة بحر»(2)وجاء عنه أيضا: «إذا صاح الناقوس ... واضطربت البصرة وغلب بعضها بعضها... وإلا وهو الوقت الذي وعدتم به »(3)
فيضان الفرات: وردت الأحاديث عن أئمة أهل البيت حول حصول فيضان في الفرات، ويبدو أن هذا الفيضان ناجم عن الأمطار الغزيرة التي
ستسقط في السنة المطيرة التي تسبق قيام القائم والتي يصفها الإمام الصادق بقوله: «إن قدام القائم علیه السلام لسنة غيداقة يفسد فيها الثمار والثمر في النخل فلا تشكوا في ذلك»(1)
ثم أن المطر سيصل إلى أزقة النجف حيث ورد عن لسان الإمام السجاد علیه السلام :٫ إذا ملأ هذا نجفكم السيل والمطر.. فتوقعوا ظهور القائم المنتظر»(2)
ويؤكد الإمام علي علیه السلام دخول ماء الفرات إلى النجف بقوله: «إذا وقعت النار في حجازکم وجرى الماء بنجفكم فتوقعوا ظهور القائم» (3)وهناك مصادر تؤكد دخول الفرات إلى الكوفة حيث ورد عن الإمام علي علیه السلام في جوابه على سؤال ابن عباس : ما أقرب الحوادث الدالة على الظهور؟ إذ يقول: «إذا فتق بثق في الفرات فبلغ أزقة الكوفة (4)كما ورد عن الصادق علیه السلام : سنة الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل أزقة الكوفة»(5)
ورد في عدد من المصادر حديث شريف يؤكد انحسار الفرات عن كنز منذهب يؤدي إلى قتال شديد «يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعون، أو قال : تسعة وتسعون، كلهم يرى أنه ينجو»(6).
وقد جاء في رؤيا يومنا في العهد الجديد : «ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير ، الفرات فنشف ماؤه لكي يعيد طريق الملاك الذي من مشرق الشمس.
1) الإرشاد، ص 361 وغيبة الطوسي، ص 272، واعلام الوری، ص 928، والخرائج: 3/ 1199، ومنتخب الأنوار المضيئة ، ص35
2) الصراط المستقيم، 2/ 209، وإثبات الهداة ، 3/ 578، وبشارة الإسلام، ص 83.
3) الصراط المستقيم، 208/ ، وإثبات الهداة ، 3/ 578
4) الصراط المستقيم، 2/ 208، وإثبات الهداة ، 3/ 578.
5) الإرشاد، ص 361، وغيبة الطوسي، ص 273 و 279، وأعلام الوری، ص 29، والخرائج، .1196/3
6) البخاري، فتن 29، ومسلم فتن 29 و 30 وأبو داود ملاحم 12 و 13 ، والترمذي جنة 29، وابن ماجة فتن 20 وابن حنبل، 291/2 ، را30 و 332 و346 و415 و5/ 139 و160 و6/ 454.
وهناك أحاديث تتحدث عن اقتتال على الفرات بسبب الأموال وربما كانت تشير إلى الأمر نفسه منها حديث يقول: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم. ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم»(1)ومنها حديث يقول: «یکون ناحية الفرات في ناحية الشام أو بعدها بقليل مجتمع عظيم، فيقتتلون على الأموال، فيقتل من كل تسعة سبعة وذلك بعد الهدة والواهية في شهر رمضان، وبعد افتراق ثلاث رايات يطلب كل واحد منهم الملك لنفسه، فيهم رجل اسمه عبدالله » (2)
وقد ورد في سفر الرؤيا ( 13/9 - 20 أنه لما بوق الملاك السادس انفك الأربعة الملائكة المقيدون عند نهر الفرات العظيم «المعدون للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف وأنا سمعت عددهم. وهكذا رأيت الخيل في الرؤيا والجالسين عليها لهم دروع نارية واسمانجونية وكبريتية (قارن مع الحمم والقذائف) ورؤوس الخيل کرؤوس الأسود ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبریت (من مدافع الدبابات) ومن هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار والدخان والكبريت الخارجة من أفواهها. فإن سلطانها هو في أفواهها وفي أذنابها لأن أذنابها شبه الحيات لها رؤوس وبها تضر. وأما بقية الناس الذين لم يقتلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم ....
1) ابن ماجة فتن 34، الروياني ص 123 وملاحم ابن المنادي، ص 44 ، الداني، ص 93 ، ودلائل النبوة، 10/1 ه. وبيان الشافعي، ص 89 و 520، وعقد الدرر، ص 57 و126، وتذكرة القرطبي، ص 199، وفتن ابن کثیر، 92/1 ، وعرف السيوطي الحاوي، 2/ 60، والخصائص الكبری، 119/2 ، والدر المتور، 58/6 ، ومجمع الجوامع، 1006/1 ، والبحار، 83/01
2) ابن حماد، ص 92، وعقد الدرر، ص 58.
الجراد: ورد عن علي عليه السلام حديث حول ظهور الجراد يقول: «بين يدي القائم موت ... وجراد في غير حينه»(1)وقد ورد في التوراة أخبار كثيرة عن الجراد فقد جاء في سفر يوئيل /1: «اسمعوا أيها الشيوخ واصغوا یا جميع سكان الأرض ... فضلة القمص أكلها الزحاف وفضلة الزحاف أكلها الغوغاء وفضلة الغوغاء أكلها الطيار (وهذه كلها أنواع من الجراد)»، كما جاء في الإصحاح الثاني من السفر نفسه (رقم 20 وما بعده): «السنين التي أكل الجراد والغوغاء والطيار والقمص، جیشي العظيم الذي أرسلته».
وقد تحدث سفر الرؤيا عن الجراد فقال أنه لما فتح بئر الهاوية صعد دخان ومن الدخان خرج جراد ... وشكل الجراد شبه خيل مهيأة للحرب وعلى رؤوسها كأكاليل شبه الذهب ووجوهها کوجوه الناس وكان لها شعر کشعر النساء وكانت أسنانها كأسنان الأسود، وكان لها دروع كدروع من حديد وصوت أجنحتها كصوت مرکبات خیل كثيرة تجري إلى قتال، ولها أذناب شبه العقارب وكانت في أذنابها حمات وسلطانها أن تؤذي الناس خمسة أشهر» الرؤيا 9/ 1001 (قارن مع الطيران اليوم).
ينتشر الموت قبل قيام القائم سواء في الحرب أو نتيجة للأمراض، فيقتل أغلب الناس، وهذا ليس غريبا في زمن أسلحة الدمار الشامل. أما موضوع الأمراض التي نرى اليوم أنها أصبحت قليلة الآثار خصوصا الأمراض السارية ، فإن الأسلحة الجرثومية وربما الذرية والنووية كفيلة بنشرها. وهكذا يقول علي عليه السلام : «بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض وجراد في حينه وجراد في غير حينه أحمر كالدم. فأما الموت الأحمر فبالسيف وأما الموت الأبيض
1) النعماني، ص277 و 278 والإرشاد، ص 309، وغيبة الطوسي، ص 297، والخرائج، 3/ 1102، وعقدالدررص 15، وكشف الغمة، 3/ 299، والفصول المهمة، ص 301، والصراط المستقيم، 2/ 299، وكشف النوري، ص 170.
فبالطاعون»(1). كما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام : «قدام القائم موتان : موت أحمر وموت أبيض. حتى يذهب من كل سبعة خمسة ، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون»(2)
وقد تفاوتت نسب القتلى، ففي حديث لأمير المؤمنين علي عليه السلام يقول: «لا يخرج المهدي حتى يقتل ثلث الناس ويموت ثلث ويبقى ثلث» (3)وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام : «لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلث الناس»(4)وقد ورد: ثلثا الناس ولعل الخطأ من النساخ، لأن سائر الأحاديث تحدد نسبة أعلى، كما ورد أعلاه وفي أحاديث أخرى حيث يقول الإمام الصادق في مكان آخر.. «لا يكون هذا الأمر حتى يذهب تسعة أعشار الناس»(5)وإذا صحت الأحاديث جميعا، فيمكن أن تكون مشيرة إلى نسب متفاوتة بين قطر وقطر، ولعل أكثر الناس تأثرة أهل العراق حيث ورد عن الصادق عليه السلام : «یزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد وخسف ببلدة البصرة ودماء تسفك بها وخراب دورها وفناء يقع في أهلها وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار»(6)
ولعل ما يحصل في العراق اليوم شيء مما ورد.
ومن بين الحروب قتال «منصفر إلى صفر»(7)حتى تطال الحرب
1) النعماني، ص 277، والإرشاد، ص 309، وغيبة الطوسي، ص 297، وعقد الدرر، ص 65، والخرائج، 3/ 1102.
2) کمال الدين، 2/ 100، العدد القرية، ص 19، وحلية الأبرار، 2/ 182. ٫
3) ابن حماد، ص 91، والداني ص 94، وعقد الدرر ص 93 ، وعرف السيوطي الحاري، 18/2 ، وفرائد الفكر، ص 7، وملاحم ابن طاووس، ص 58، ومنتخب الأثر، ص 453.
4) كمال الدين، 2/ 100، وغيبة الطوسي، ص209، والعدد القوية ، ص 66.
5) النعماني، ص 276، حلية الأبرار، 2/ 182.
6) الإرشاد، ص 361، أعلام الوری، ص 929، إثبات الهداة ، 3/ 733، و762.
7) الصراط المستقيم، 2/ 258، وإثبات الهداة ، 3/ 578
الحرم (1)ويسلب الحاج(2)وذلك بعد تحارب القبائل «فتكون ملحمة بمنی فيكثر فيها القتلى وتسفك فيها الدماء، حتى تسيل دماؤهم على عقبة الجمرة حتیيهرب صاحبهم فيؤتي بين الركن والمقام فيبايع وهو كاره»(3)(وهو المهدي). كما جاء عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أيضا: «يحج الناس معا ويعرفون معا على غير إمام، فبيناهم نزول بمنى إذ أخذهم كالكلب، فثارت القبائل بعضها إلى بعض واقتتلوا حتى تسيل العقبة دماء، فيفزعون إلى خيرهم فيأتونه وهو ملصق وجهه إلى الكعبة يبكي، كأني أنظر، إلى دموعه، فيقولون: هلم فلنبايعك»(4).
تنسب بعض المصادر إلى رسول الله أنه عد خروج يأجوج ومأجوج من الآيات الدالة على ظهور المهدي إذ يقول: «يأجوج ومأجوج أمم، كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا، يكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية، حتى يأتوا بیت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء فترجع نشابهم مخضبة بالدم. فيقولون: قد قتلنا من في السماء، وعيسى والمسلمون بجبل طور سینین، فيوحي الله جل جلاله إلى
1) النعماني، ص 297، والبحار، 299/02 و297، وبشارة الإسلام، ص 139.
2) ابن حماد، 59 - 60، الطبراني الأوسط، 1/ 313، الحاكم، 517/4 ، أمالي الشجري، 2/ 10 و11 و 27 وعقد الدرر، ص 101 - 106، المنار المنيف، ص 110، عرف السيوطي الحاوي2/ 82، ملاحم ابن طاوس، ص 45 و92 و190، ومنتخب الأثر، ص 450.
3) ابن حماد، ص 39، وملاحم ابن المنادي، ص 39 و66، والحاكم، 4/ 503، والداني، ص 80، وعقد الدرر، ص 103 وعرف السيوطي الحاري، 91/2 ، وکنز العمال، 299/19 ، والإذاعة ص 136 ، والعطر الوردي ص 93 ، والمغربي، ص 566.
4) الحاكم، 003/4 وابن طاووس، ص 92، وعقد الدرر، ص 109، وعرف السيوطي الحاري، 79/2 ، القول المختصر، ص 18، وبرهان المتقي، ص 193، والعطر الوردي، ص 63، وفراد الفكر، ص 8.
عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم أن عيسى يرفع رأسه إلى السماء ويؤمن المسلمون، فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف، تدخل من مناخرهم فيصبحون موتی من حاق الشام إلى حاق العراق حتى تنتن الأرض من جيفهم، ويأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب. فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها»(1)
وجاء من طريق آخر أن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كان شعاع الشمس ، قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدة، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدة، إن شاء الله ، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه . فيحفرونه ويخرجون على الناس...»(2)
ولكن الطبري يروي حديثا مشابها عن أبي الصيف عن كعب الأحبار (3): وكل هذه الأحاديث تربط خروج يأجوج ومأجوج بظهور عیسی بن مریم.
ولكن اليوم وبعد أن انفتح العالم بعضه على بعض ولم يعد أي مكان مغلقا، لا يعرف الناس شعبا بالمواصفات المذكورة ولا سدة يحجزه. فيبقى أن مسألة يأجوج ومأجوج مسألة مضت في التاريخ، وسوف نحدد متی.
جاء في التوراة في سفر أشعياء 21/26 ؛ «ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب (یعاقب جند العلاء (السماء في العلاء وملوك الأرض على الأرض ويجمعون جميعا كأساري في حبس». ولعل هذا هو أصل محارية يأجوج ومأجوج أهل الأرض وأهل السماء. ونحن نشك في كل هذه الرواية .
وقد جاء في حزقيال 38/ 3 حول يأجوج: «ها أنذا عليك ياجوج (يأجوج) رئیس ماشك وتوبال ... أخرج أنت وكل جيشك خيلا وفرسانة كلهم لابسين أفخر الثياب، جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيف فارس وكوش وفوط معهم كلهم بمجن وخوذة. وجو مر وكل جيوشه وبیت توجرمة من أقاصي الشمال». .
كما جاء في نفس السفر إصحاح 39/ 1: «وأنت يا ابن آدم تنبأ على جوج وقل: هكذا قال السيد الرب: ها أنذا عليك ياجوج رئیس روش وماشك وتوبال و أردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك على جبال إسرائيل واضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهامك من يدك اليمني ...) فليس من ذكر للمسيح عليه السلام .
إذا فيأجوج ومأجوج يقيمون خلف سد في منطقة قريبة من بلاد فارس . وقدحددهم صاحب الميزان (1)بعد بحث و تحقیق بالمغول بعد استنفاد القرائن التاريخية من جهة وبعد مقارنة الأسماء، إذ أن المغول باللغة يسمون «المنكوك أو المنجوك وهي في التراجم اليونانية للعهد القديم (توك ومأكوك) والشبه واضح مع جوج أو يأجوج ومأجوج . وقد روع المغول بلاد المسلمين سابقا، فتكون هذه الإمارة قد مرت.
والملاحظة التي يجب سوقها أن المفسرين المسلمين وحتى الرواة نقلوا التفاصيل عن كعب الأحبار لا عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم. وقد كان دیدن بعض الرواة عن الرسول، أن يسمع الخبر من غيره فيدعي أنه من الرسول مباشرة سمعه ، وأنه قد يخلط أحاديث الرسول بأحاديث غيره(2)
أما السد فكان قائما في مضيق في جبال القوقاز يسمى مضيق «داریال» ويسمى باللغة المحلية «دمیرقابو» أي باب الحديد .
يقول الله تعالى :« وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ»
وقد جاء على لسان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، أن هذه الدابة هي من علامات الساعة إذ ورد : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها والدجال والدابة»(1). كما ورد: «أن الساعة لا تقوم حتى يكون عشر آيات : الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وثلاثة خسوف... ونزول عیسی بن مریم وفتح يأجوج ومأجوج ونار تخرج من قعر عدن..»(2)
أما عن أوصاف هذه الدابة وأفعالها فقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «ألا ونشر الصف وتخرج منه الدابة أول رأسها، ذات و بر وريش فيها من كل الألوان، معها عصا موسی علیه السلام وخاتم سليمان علیه السلام ، تسم المؤمن مؤمنا، وتسم الكافر کافرة، تنكت وجه المؤمن بالعصا فتتركه أبيض وتنكت وجه الكافر بالخاتم، فتتركه أسود، فلا يبقى أحد في سوق ولا برية إلا وسمت وجهه»(3)
وقد جاء في التوراة : «وصرخ (الرب) في سمعي بصوت عالي قائلا: قرب وكلاء المدينة (أو الموكلون بمعاقبة المدينة) كل واحد وعدته المهلكة بيده وإذا بستة رجال مقبلين من طريق الباب الأعلى الذي هو من جهة الشمال ، وكل واحد عدته الساحقة بيده، وفي وسطهم رجل لابس الكتان (لباس(1)
1) صحيح مسلم، إيمان 269 و مسند احمد، 2/ 196 و201 و 32 و 337 و 407 و445 وه/ 307 والترمذي تفسير سورة 61، 9 - 27، وابن أبي شيبة، 178/10 ، وتفسير الطبري 8/ 79، والطبراني الكبير 197/9 ، ومنتخب الأثر، ص 492.
2) مسلم فتن 39 و 60 و118 و129، ومسند أحمد 1/4 و7، وابن ماجة، فتن 28 و31، والترمذي فتن 21، وغيبة الطوسي، ص 297.
3) مسند احمد، 2/ 290 و91 و 298/0 ، وعقد الدرر، ص 317، ومختصر بصائر الدرجات، ص 109 و207، وتأويل الآيات الظاهرة 1/ 404، والإيقاظ من الهجعة ص 283، والبحار 30/ 293 و 110/03 ، والدر المنشور 117/5 .
الكهان) وعلى جانبه دواة كاتب. فدخلوا ووقفوا جانب مذبح النحاس. ومجد إله إسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه، إلى عتبة البيت. فدعا الرجل اللابس الكتان الذي دواة الكاتب على جانبه ، وقال له الرب : أعبر في وسط المدينة في وسط أورشليم وسم سمة على جباه الرجال الذين يئنون ويتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة في وسطها. وقال لأولئك في سمعي: اعبروا في المدينة وراءه واضربوا، لا تشفق أعينكم ولا تعفوا: الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك ، ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسي. فابتدأوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت املأوا الدور قتلى. اخرجوا فخرجوا وقتلوا في المدينة» (حزقیال/ 8).
وقد جاء في سفر الرؤيا: «ورأيت ملاكا آخر طالعة من مشرق الشمس معه ختم الله الحي، فنادى بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة الذين أعطوا أن يضربوا الأرض والبحر قائلا : لا تضربوا الأرض ولا البحر ولا الأشجار حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم» (الإصحاح 1/7 - 3).
ويذكر الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام معركة ستنشب في قرقیسیا بین العباسيين والمروانيين فيقول: «إن لولد العباس والمرواني لوقعة بقرقيسيا، يشيب فيها الغلام الحزور، يرفع الله عنهم النصر، ويوصي إلى طير السماء وسباع الأرض: اشبعي من لحوم الجبارين ، ثم يخرج السفياني»(1). والواقع أن الإمام الباقر توفي في خلافة هشام بن عبد الملك سنة 114 ه حوالي سنة732 أو 733م أي قبل هزيمة الأمويين وزوال ملكهم. ولكن المصادر تنسب إلى الإمام الصادق حديثا بنفس الموضوع يقول: «إن الله مائدة (أو مأدبة) بقرقيسيا، يطلع مطلع من السماء فيناديه : يا طير السماء ويا سباع الأرض، هلموا إلى الشبع من لحوم الجبارين»(2)والإمام الصادق عاش إلى عهد أبي
جعفر المنصور، أي إلى ما بعد استيلاء العباسيين على الحكم ب 16 سنة، فإذا صحت نسبة الحديث إليه يكون مستقبلية ولم يحصل مضمونه بعد.
إلا أن هناك حديثا منسوبا إلى الإمام علي عليه السلام يرى أن السفياني سيكون له وقعة عظيمة بقرقيسيا، إلا أن الحديث ورد مرسلا في عقد الدرر ص 90 - 99. فلا يمكن الركون إليه لجهة ما يختص به من كون السفياني هو الذي سيجتاز إلى هذا المكان.
وقد ورد في العهد الجديد في رؤيا القديس يوحنا، وهي الرؤيا التنبؤية الأساسية في هذا العهد: «ورایت ملاكا واحدة واقفة في الشمس فصرخ بصوت عظیم، قائلا لجميع الطيور الطائرة وسط السماء، هلم اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قواد ولحوم أقوياء ولحومخیل والجالسين عليها ولحوم الكل حرة وعبدة صغيرة وكبيرة» ( 19/18 ).
قتل أهل مصر أميرهم: ورد من علامات الظهور أيضأ قتل أهل مصر أميرهم، وقد أتي به المفيد في الإرشاد مرسلا وأخذ عنه في بشارة الإسلام)، (1)فهل هو قتل أنور السادات أم أنه مقتل أمير أو رئيس آخر، هذا ما لا يستطيع أحد الجزم به .
قتل خليفة بالعراق : جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عقد الدرر من حديث أبي الحسن الربعي المالكي بسنده إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال أنه يبعث الله من دمشق بعثا... «فإذا قتل الخليفة بالعراق خرج عليهم رجل مربوع القامة، كث اللحية ، أسود الشعر ، براق الثنايا، فويل لأهل العراق من أتباعه المراق ... ثم يخرج المهدي من أهل البيت...»(2)
وورد على لسان الإمام الصادق عليه السلام : «بينا الناس وقوف بعرفات إذ أتاهم راكب على ناقة ذعلبة يخبرهم بموت خليفة يكون عند موته فرج آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم وفرج الناس جميعا»(3)
وجاء عن لسان علي علیه السلام بهذا المعنى: «بعد خراب البصرة» يولی علیکم خليفة فظ غليظ، يسمى في السماء القتال وفي الأرض الجبار، فيسفك الدماء ثم يمزج الدماء بالماء، فلا يقدر على شربه، ويهجم عليهم الأعراب ، وعند هجوم الأعراب يقتل الخليفة فيفشو الجور والفجور بين الناس وتجيئكم رايات متتابعات ... (1)
أما ما يحدث بعد موت الخليفة فيحدده الحديث الشريف القائل : «علامة المهدي إذا انساب عليكم الترك ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال ويستخلف بعده (رجل) ضعيف (أو صحیح) فيخلع بعد سنتين من بیعته ...»(2)
الحروب : يعم الاقتتال مختلف بلاد المسلمين وتنشب الحروب بينهم وبين غيرهم لكن تلتبس الأمور لدى قراءة المصادر وهذا ما سيتبين من تناولها، ومن أهم الحروب:
المغرب ضد مصر والشام : جاء في المصادر أنه من علامات المهدي خروج أهل المغرب إلى مصر»(3)کا جاء: «علامة خروج المهدي ألوية تقبل من المغرب عليها رجل أعرج من كندة»(4)وهذه الألوية تدخل أوائلها مسجد دمشق). فهل هذه الأحاديث تشير إلى حكم الفاطميين الذين انطلقت
1) ملاحم ابن طاووس، ص 124.
2) ابن حماد، ص 92، ملاحم ابن المنادي، ص 44. الداني، ص 78، وعقد الدرر، ص 46 و52 و14، وعرف السيوطي الحاري 18/2 ,79 وبرهان المتقي، ص 70، وغيبة الطوسي، ص 298 و 278،وملاحمابن طاوس، ص 58، والبحار 207/02 ، ومنتخب الأثر، ص 451.
3) ملاحم ابن المنادي، ص 44، والداني ص 78، وعقد الدرر، ص 46 و5 و66 وعرف السيوطي الحاوي 18/2 و76، وبرهان المتقي، ص 70، وغيبة الطوسي، ص 268 و 278، وملاحم ابن طاوس، ص 58، ومنتخب الأثر، ص 451.
4) ابن حماد، ص 91، وملاحم ابن المنادي، ص 44، والداني، ص 73، وعقد الدرر، ص 51، وابن طاوس، ص 77، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 71، والفتاوى الحديثية، ص 31، والقول المختصر، ص 23، وبرهان المتقي، ص 150 وفرائد فوائد الفكر، ص 14. (5) ابن حماد، ص 71، وعقد الدرر، ص 53، والعطر الوردي، ص 11. 193
جيوشهم من المغرب وصولا إلى مصر فالشام، أم هي موضوعة لخدمةمخططات الفاطميين في ذلك الوقت، أم هي تشير إلى أمور مستقبلية، الله وحده أعلم.
ولعل ما يشككنا بعلاقة هذا الأمر بالظهور وبكونه من علاماته القريبة هو أن أئمة أهل البيت لم يشيروا إليه باستثناء حديثين نسبا إلى عليه السلام علي الأول يجعل «الرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام» وذلك قبل خسف حرستا وقبل ظهور السفياني(1)
أما الحديث الثاني فقد أتی مرسلا عن علي عليه السلام في عقد الدرر (ص 90 - 91)، الأمر الذي يشككنا في كون هذه الأحداث قريبة الحصول من عهد القائم عليه السلام .
الترك: حول الترك ورد نوعان من النشاط الأول : اختلاف الترك والروم، والثاني نزولهم في الجزيرة : فحول اختلافهم مع الروم ورد : «إذا انسابت علیکم الترك وجهزت الجيوش إليكم... وتخالف الروم والترك ويظهر الحروب في الأرض..»(2)
وقد حصل تخالف الترك مع الروم في العهد السلجوقي والسلجوقيون أتراك وكذلك في عهد العثمانيين وصولا إلى الحرب العالمية الأولى، لذلك فإننا نعتقد أن هذه الأمور قد انتهت، وما يرجح هذا الاعتقاد هو أن أئمة أهل البيت لم يشيروا إليها.
أما نزول الترك في الجزيرة فقد ورد في المصادر الإسلامية عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: عدة أحاديث حول ارتباط نزول الترك إلى الجزيرة وقتال السفياني إياهم ثم المهدي ، يقول صلی الله علیه وآله وسلم: «إذا ظهر الترك والخزر بالجزيرة
وآذربيجان...»(1)«ويقاتل السفياني الترك ثم يكون استئصالهم على يدي المهدي، وهو أول لواء يعقده المهدي يبعثه إلى الترك»(2)كما ورد :
الملاحم خمس مضى منها اثنتان وبقي ثلاث : فأولاهن ملحمة الترك بالجزيرة، وملحمة الأعماق (لعلها ملحمة الروم في داخل الشام) وملاحم الدجال ليس بعدها ملحمة»(3)
هذا وقد فسر بعضهم الترك، بأنهم الترك غير المسلمين في شرق آسيا وأوروبا، يقول الشيخ علي الكوراني: «... الترك أو أخوان الترك كما تسميهم الأحاديث والذين يظهر أنهم الروس» (4)
إلا أننا لا نرى ضرورة لهذا التفسير، على ضوء المعاهدة المعقودة بين تركيا نفسها والصهاينة، فتركيا لم تعد دولة مسلمة في حكمها ولا جيشها الأمر الذي يضعها في صف آخر غير الصف الإسلامي ويستدعي عند إعادة نشر . الإسلام أن تسلم من جديد.
وفي مطلق الأحوال وفي ضوء الظروف الحاضرة، فإنه ليس مستبعدة أن يفكر الأتراك بالتقدم باتجاه سوريا إذا استطاعوا ذلك. وهم الذين هددوابمهاجمتها في الآونة الأخيرة.
ورد في الأحاديث المروية عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، أن الروم ينزلون الشام ويجبون الأموال لصالحهم لا لصالح أهل الشام، ففي فتن ابن حماد: «إذا ظهر
1) ابن حماد، ص 59
2) ابن حماد، ص 58، ومصابیح البغوي فقد أثمن عقد الدرر، ص 170 و221، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 78، وبرهان المتقي، ص 88، وملاحم ابن طاووس، ص 41.
3) ابن حماد، ص 132 و191 و198 و 109 و197 و198 و191 و192، وتهذيب ابن عساکر، 52/1 ، وأمالي الشجري 291/2 .
4) عصر الظهور، مؤسسة الشهيد سنة 1408، ص 220، راجع كذلك معجم أحاديث المهدي، ج2، ص 502.
الترك والخزر بالجزيرة وآذربيجان والروم بالعمق وأطرافها، قاتل الروم رجل من قيس من قنسرین»(1)والعمق : اسم كان في جهات حلب، أو هو عمق الشام كما سيظهر بعد قليل. وورد في سنن الداني: «... وينزل الترك الجزيرة وينزل الروم فلسطین» (2)كما ورد : «يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مد. قلنا: ومن أين ذاك؟ قال : من قبل الروم يمنعون ذلك»(3)
هذا وقد ورد عن الإمام الباقر علي أن السفياني يقاتل الترك والروم(4)
اقتتال فئتين من العجم دعواهما واحدة: (5)
جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة» (ه). ولكننا لم نجد تأكيدا واضحا لهذا الحديث فيما نقله أئمة أهل البيت علیهم السلام عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم.
ورد بین الإشارات السابقة للظهور «تطاول البنيان» و «تقارب الزمان» ، فقد جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ویکون الشهر کالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم کالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة أو الخوصة»(6)
1) ص 59.
2) ص 78، وعقد الدرر، ص 46، وغيبة الطوسي، ص 278، والبحار 207/02 ، ومنتخب الأثر، ص 901.
3) مسند احمد 3/ 317، والحاكم 4/ 454، ودلائل النبوة 330/9 ، الداني، ص 98. وعقد الدرر، ص 191 و192.
4) ابن حماد، ص 59 و 82.
5) مسند أحمد، 2/ 313 و 530، وصحيح مسلم فتن، باب نزول الفتن كواقع المطر، والبخاري فتن 21.
6) مسند احمد 2/ 233، 313 و 519 و 52 و 530 ر138، وسنن الترمذي زهد 29، والخطابي، معالم السنن 341/4 ، وأبو یعلی 12/ 32، وحلية الأولياء59/9 ، وأمالي الشجري 2/ 265 ، والبخاري فتن 29، : والفردوس 329/1 ، ومصابيح البغوي 3/ 490، وكنز العمال وأبو داود فتن، وابن ماجة فتن 21.
ويلاحظ على هذا الحديث ظاهرة التهافت وذلك لأن نسبة تقارب الزمن لیست واحدة ، فإذا أصبحت السنة كالشهر يعني أن الزمن تقلص فأصبح بنسبة 12/1 وإذا أصبح الشهر كالجمعة فيعني أنه أصبح 4/1 تقريبا وإذا أصبحت الجمعة كاليوم يعني أنه أصبح بنسبة 7/1 وإذا أصبح اليوم الساعة يعني أنه أصبح أكثر قصراً.
ولعل المقصود به ما يشعر به الإنسان من تسارع الوقت مع تسارع الوسائل التي اخترعت في الانتقال والحساب والحصول على المعلومات وقضاء الحاجات. وقد أثبتت النظرية النسبية أن الزمن يتفاوت بنسب مختلفة حسب السرعة، فيكون الحديث مشيرة إلى هذا الأمر.
وقد رأى إنجيل متى أن تقارب الزمان يحصل رحمة للناس الذين يقاسون العذاب فقال : «سيكون إذ ذاك ضيق شديد لم يسبق له مثيل منذ بدء العالم حتى الآن ولن يكون مثله من بعده، ولو لم تقصر تلك الأيام، لما كان ينجو حي، لكنها ستقصر تلك الأيام من أجل المختارین» متی
21/20 و 22.
ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أحاديث تشير إلى تطاول البنيان في آخر الزمان(1).وهذا أمر حصل خصوصا في هذا القرن حيث أقيمت الأبراج السكنية وناطحات السحاب بشكل لم يعرف في التاريخ.
تركز الأحاديث الشريفة على انفجار الفتن منذ عهد مبكر، ومن يراجع التاريخ الإسلامي لا تعوزه المصادیق منذ خلافة عثمان حتى اليوم، وما زلنا موعودين بفتن أكثر تمادية مع توفر الأسلحة الأكثر تطورا .
1) البخاري فتن 29، وأحمد 2/ 53، ومسلم إيمان 1 و 7.
فقد جاء في الحديث أنه بعد فتح الشام تقوم الفتن: «قلت : وهل يفتح الشام؟ قال : نعم وشيكا، ثم تقع الفتن بعد فتحها»(1). والفتن الكبرى بعد فتح الشام بدأت بمقتل عمر بن الخطاب ثم الثورة على عثمان ثم خروج معاوية على علي عليه السلام ثم قتل الحسن والحسين عليها السلام وقتل كبار أصحاب علي علیه السلام. ثم يتبع الفتن بعضها بعضا»(2)
وهذه الفتن تعم مختلف الأقطار الإسلامية، «فتنة تقبل من المدينة، وفتنة بمكة وفتنة تقبل من اليمن، وفتنة تقبل من الشام، وفتنة تقبل من المشرق وفتنة من المغرب، وفتنة من بطن الشام وهي فتنة السفياني»(3)وهذه الفتن تتمادى مع الزمان في استحلال المحارم، فهناك أربع فتن يذكرها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل فيها الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، والرابعة الدجال»(4)ولعل آخر الفتن أكثرها تمادية وانتشارة فهي «كلما قيل انقطعت تمادت، حتى لا يبقى بيت إلآ دخلته ولا مسلم إلا قتلته حتى يخرج رجل من عترتي»(5)وهذه الفتنة لا يبقى فيها «لله محرم إلا استحل»(6)
ولعل هذه الفتنة بأخطر مظاهرها تكون في الشام، وهي تبدأ الأسباب تافهة ولكنها ما تلبث أن يشتد أوارها، فقد جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «تكون فتنة بالشام، كأن أولها لعب الصبيان تطفو من جانب وتسكن من جانب فلا تتناهی حتي ينادي مناد أن الأمير فلان» (7)
1) الطبراني 51/18 ، ومجمع الزوائد 7/ 323، وکنز العمال 11/ 183، ومنتخب الأثر، ص 146.
2) المراجع نفسها.
3) ابن حماد، ص 8 و9 ، والحاكم 468/4 ، وعقد الدرر، ص 71، والدر المنثور 291/0 ، وكنز العمال 111/11 .
4) ابن حماد، ص 8، والطبراني الكبير 18/ 180، وحلية الأولياء 6/ 23 ، وکنز العمال 193/11
5) ابن حماد، ص 9 و10، ومعالم السنن 339/4 ، والحاکم 469/4 ، وحلية الأولياء 5/ 108، ومنتخب الأثر، ص 442، ومسند احمد 2/ 133، وأبو داود فتن 1.
6) عبد الرزاق 11/ 372، ابن حماد، ص 10، ابن أبي شيبة 291/10 ، وعقد الدرر، ص 61، والدر المنثور 6/ 59، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 90 ، والمغربي، ص 082.
7) عبد الرزاق 391/11 ، ابن حماد، ص 13 و92 و 93 ، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 70، وبرهان المتقي، ص 3، وفرائد فوائد الفكر، ص 8.
وهذه الفتنة ربما كانت ما يحصل في لبنان منذ أربعينات القرن الماضي، حيث انفجرت الفتن بين الدروز والموارنة بسبب لعب الأولاد وما زالت حتى اليوم تنفجر بين الحين والحين وهي تكبر وتتعاظم عند كل انفجار، ولعل أهم ما يسهلها هو تفتت بلاد الشام إلى دويلات واحتلال الصهاينة جزء ثمينة منها. فقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يرسل الله على أهل الشام من يفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، وعند ذلك يخرج رجل من أهل بيتي»(1)
الدجال هو صاحب آخر الفتن التي ستحل بالمسلمين حيث ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: تكون أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل فيها الدم الفرج، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، والرابعة الدجال»؟(2)
والطبراني الكبير 18/ 180، وحلية الأولياء، 6/ 23.
كما جاء عنه صلی الله علیه وآله وسلم: «الملاحم خمس مضى منها ثنتان وبقي ثلاث، فأولاهن ملحمة الترك بالجزيرة وملحمة الأعماق وملاحم الدجال ليس بعدها ملحمة»(3)52/1 ، وأمالي الشجري، 291/2.
خروجه: عد خروجه كما رأينا من علامات ظهور القائم علیه السلام ، ولكن هناك عددا من الأحاديث بذكر أن خروجه بعد ظهور القائم وحربه في بلاد الروم. فقد جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «يحكم رجل من بني هاشم في بيت المقدس وتكون هزيمة الروم وفتح القسطنطينية على يديه ثم يسير إلى رومية فيفتحها ويستخرج كنوزها و مائدة سيمان بن داود عليه السلام ، ثم يرجع إلى بيت
1) ابن حماد، ص 99 و 97، والطبراني الأسود 203/1 ، والحاکم 4/ 503، وتهذيب ابن عساکر 72/1 ، وعقد الدرر، ص 44، ومقدمة ابن خلدون، ص 202، ومجمع الزوائد 317/7 ، وعرف السيوطي الحاوي 2/ 12، والدر المنشور 57/9 ، وکنز العمال، 589/19 ، والإذاعة 127 و 128 والعطر الوردي، ص 99 والمغربي، ص 536
2) ابن حماد، ص 8 و 100 ,193، ومجمع الجوامع 981/1 وہ 54، وکنز العمال 193/11 ،
3) ابن حماد، ص 132 و191 و198 و 10 و 117 و198 و191 و192، تهذیب ابن عساكر
المقدس فينزلها، ويخرج الدجال في زمانه...»(1)وقد حددت بعض الأحاديث أوان خروج الدجال، فقال أحدها: «الملحمة العظمى وخراب القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر أو ما شاء الله من ذلك». وقيل سبع سنوات»..(2)
كثير، 1/ 81، والدر المنثور 59/6 و 60، والجامع الصغير 489/1 و2/ 971، وجمع الجوامع 448/1 ، وکنز العمال 300/16 ، وفيض الغدیر 3/ 210، و 279/6
مخرجه : اختلفت بالآثار في مخرج الدجال ، فقيل من المشرق (3)وقيل من العراق (4)، وقيل من «خلة» بين الشام والعراق (5)، وقيل من خراسان(6)وقيل من مرو،(7)وقيل من أصفهان ولعل هذا هو الأكثر تواترا(8)وما يجمع بين كل الأحاديث خروجه من الشرق، ويبدو أن ما تبقى وهم باستثناء خروجه من أصفهان نظرا لكثرة الأحاديث عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم* وعن علي عليه السلام عن
1) ابن حماد، ص 110، ابن طاووس، ص 80، وعقد الدرر، ص 261.
2) راجع مسند أحمد 189/4 و5/ وأبو داود 4، وابن ماجة فتن 30، وابن حماد، ص 130 و139 و197 و198 و196، وابن أبي شيبة 90/10 ، وتاريخ البخاري، 8/ 931، والترمذي فتن / 58 وملاحم ابن المنادي، ص33، والحاكم 929/4 و492، والبدء والتاريخ 2/ 180، ومصابيح البغوي 3/ 483، وجامع الأصول 91/11 ، وعقد الدرر، ص 212 و213 و221، وفتن ابن
3) راجع الطبراني الصغير 395/11، والحاكم 528/4 ، وتهذيب ابن عساكر 1/ 195، وكشف الهيثمي 4/ 139، ومجمع الزوائد 368/7
4) راجع عبد الرزاق 390/11 ,399، وابن حماد، ص 149، وابن أبي شيبة 10/ 150 و192، والمطالب العالية 307/4 .
5) راجع مسندأحمد4/ 181، الترمذي فتن59، والحاکم 492/4 ، وتهذيب ابن عساکر 188/1 ، وتفسير ابن كثير 1/ 099، رکنز العمال 14/ 280، وتصريح الكشميري، ص 102.
6) ابن حماد، ص 169، ابن أبي شيبة 15/ 145، أحمد 4/1 ، ابن ماجة فتن 33 و 35، الترمذي فتن 57، الحاکم 527/4 ، وبصائر الدرجات، ص 191، والبحار 189/29 و 190/02 .
7) بن حماد، ص 169 ، وکنز العمال 599/14
8) ابن حماد، ص 154 و156 و150، ومسند أحمد 3/ 229، وابن حماد، ص 150، وأبو يعلى 317/6 ، والبدء والتاريخ 4/ 30 والحاكم 4/ 028، رفتن ابن كثير 1/ 122، ومجمع الزوائد 338/7 ، وجمع الجوامع 999/1 ، وكنز العمال 329/14 ، و327، وتصريح الكشميري، ص 221، وابن حبان 8/ 282، وحلية الأولياء 6/ 77، وابن عساکر 2/ 100، وكمال الدين 2/ 520، والخرائج 3/ 133، ومنتخب الأثر، ص 927، والبحار 52/ 192.170
الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وللأوصاف اللاحقة والتي تقول إن عامة أتباعه من يهود أصفهان، وقيل أن عدد أتباعه ثمانمائة ألف.
حركته، أتباعه : يتحرك الدجال في ثمانين ألف كأن وجوههم المجان المطرقة يلبسون الطيالسة وينتعلون الشعر »(1)ولعل هنا أوصافة متعلقة بجماعة يأجوج ومأجوج أو غيرهم من الترك، وقيل أن معه سبعين ألفا من الحاكة(2)أو سبعين ألفا من المسلمين عليهم السيجان» (3)(4)، كما جاء أن أول من يتبعه النساء (5)وأنه يتجاوب معه أناس في قبورهم(6)
يهبط الدجال في خور کرمان ثم يتجه صوب البصرة فينزل جبلا مشرفا عليها وما إلى جانب ذلك الجبل .(7)ثم يتوجه إلى الشام حيث يصل إلى عقبة أفيق (8)ويتابع سيره إلى بيت المقدس ويحاصرها ثم يتوجه إلى الحجاز فتستعصي عليه المدينة المنورة ومكة المكرمة(9)فيعود من المدينة إلى باب لد(10).
1) ابن حماد، ص 191، وابن أبي شيبة 146/10 ، ومسند أحمد 2/ 337، وأبو يعلى 10/ 380، رفتن ابن کثیر 193/1 ، ومجمع الزوائد 7/ 345، وكشف الهيثمي 4/ 139
2) الفردوس 513/0 ، وزهر الفردوس 4/ 393، وجمع الجوامع 999/1 ، وکنز العمال321/16
3) عبد الرزاق 393/11 ، وابن حماد، ص 156، ومصابيح البغوي 3/ 509، وشرح المقاصد .308/1
4) السيجان : جمع ساج وهو الطيلسان الضخم الغليظ (راجع لسان العرب).
5) الطبراني، الأوسط عن مجمع الزوائد 369/7 ، وإقامة البرهان للغماري، ص 37، وعقيدة أهل الإسلام، ص 92 .
6) ابن أبي شيبة 193/10 ، والدر المنثور 5/ 300، وکنز العمال 102/14 . ابن حماد، ص 191، وابن أبي شيبة ، 146/10 ، ومسند أحمد 2/ 337، وأبو يعلى 10/ 380، رفتن ابن کثیر، 193/1
7) ابن حماد، ص 100، وحلية الأولياء 13/6 ، والزمخشري، الفائق 2/ 180.
8) ابن حماد، ص 191 و192، وابن أبي شيبة 10/ 139، وأحمد 4/ 219، والطبراني، الكبير 9/ 51 و 52، والحاكم 4/ 478.
9) راجع معجم احادیث المهدية أحاديث رقم: 399 و 900، 31، 932، 633، 636، 939، 938 ، 939، و1144.
10) ابن أبي شيبة 10/ 136 ، أحمد 6/ 70، مجمع الزوائد338/7 ، إقامة البرهان، ص
ويكون عیسی بن مریم قد ظهر بالشام فيجتمع إليه جند من المسلمين، فيسير بهم مطاردة الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله ، وقيل يذوب الدجال أمام عیسی علیه السلام (1)وربما كان الذوبان بمعنی تلاشي أمره، لا الذوبان المادي. هذا وورد عن لسان علي علیه السلام أنه يقتل «بعقبة أفيق لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من يصلي عیسی بن مریم علیه السلام خلفه...»(2)
32، وإثبات الهداة 3/ 522، الإيقاظ من الهجعة، ص 322، والبحار 52/ 192 - 190، ونور الثقلین 781/1 ، ومنتخب الأثر، ص 427.
كما ورد عن السجاد علیه السلام قوله: «... والمهدي الذي يقتل الدجال» (3)، إلا أنه ورد عن لسان الإمام الحسن أن المسيح هو الذي يقتل الدجال» (4).وللتوفيق بين الروايات يمكن القول أنه لما كانت القيادة للمهدي علیه السلام فيمكن نسبة القتل إليه حتى ولو قام به المسيح علیه السلام . وورد أخيرة عن الإمام الصادق علیه السلام أن القائم علي سوف يظفره الله بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة»(5)فهل يتناقض هذا مع قتله في باب لد أو عقبة أفيق؟ إنه في الواقع لا يتناقض، لأنه يمكن قتله هنا وحمله إلى الكوفة مقتولا لصلبه، ويبقى السؤال: هل يجوز صلب الميت؟
هناك إشارات حملها سفر الرؤيا تشير إلى وحش يطلع من البحر ووحش يطلع من الأرض يسانده، ولعل الوحشين يرمزان إلى حركة الدجال.
فقد جاء في الإصحاح الثالث عشر (1 - 3): «ثم وقفت على رمل البحر فرأيت وحشة طالعة من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى قرونه عشرة
1) ابن حماد، ص 193، وابن أبي شيبة 144/15 .
2) راجع كمال الدين 2/ 520، و526، والخرائج 3/ 1133، ومختصر بصائر الدرجات، ص 30
3) عماد الدين الطبري، الكامل في السقيفة ومنتخب الأثر، ص 172.
4) القمی 218/2 - 272، والبحار 16/ 267.
5) المهذب البارع 196/1 و195، ووسائل الشيعة 288/5 و289، وإثبات الهداة 3/ 071، والبحار 271/02 و 091/09
تيجان وعلى رؤوسه اسم تجديف (قارن مع كلمة کافر على جبهة الدجال)، والوحش الذي رأيته كان شبه نمر وقوائمه كقوائم دب، وفمه کفم أسد وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطانا عظيما، ورأيت واحدة من رؤوسه كان مذبوح للموت وجرحه المميت قد شفي» «وهذا الوحش كان وليس بكائن وسيظهر مجددة». وهذا يدل على دولة العدو الصهيوني، لأن اليهود جرحوا وشفوا في المانيا من بين أماكن تواجدهم وأعطوا عرشا وسلطانا وقوة، والرؤوس السبعة تدل على رؤساء أما العشرة القرون فهم قادة عسكريون أصبحوا رؤساء .
أما كونه كان وليس بكائن وسيظهر، فيدل على أنه كان قبل زمن الرؤيا سنة 95) فقد قامت دولتان لبني إسرائيل وزالتا سنة 70 میلادية أي قبل الرؤيا با 20 سنة، وفي أيام الرؤيا لم تكن قائمة وستقوم بعد الرؤيا سنة 1948 (أي بعد 1803 سنة).
أما الوحش الثاني فيتحدث عنه السفر نفسه (11 و12) «ثم رأيت وحشا آخر طالعة من الأرض وكان له قرنان شبه خروف وكان يتكلم کتنین. ويعمل بكل سلطان الوحش الأول أمامه ويجعل الأرض والساكنين فيها يسجدون اللوحش الأول الذي شفي جرحه المميت ...»
وهذا الوحش هو اليوم أميركا الحاضنة للعدو الصهيوني، فيتكون حلف من الوحشين، إذ أن السفر نفسه يعود فيذكرهما بالقول: «فقبض على الوحش وعلى النبي الكذاب الذي معه .. الذي صنع الآيات أمامه فاضل بها.... »
فهل يشكل الوحشان والدجال جهة واحدة؟
إن أوصاف الوحش تجعل منه جهة معينة، كما أن أوصاف الدجال تجعل منه هي الأخرى جهة لا شخصا، فالأحاديث المقبولة لم تحدد منشاه ، بل تبدأ من حيث تعتبره هبط، من خورکرمان، إذا فهو يمكن أن يكون أتی من أي مكان. ثم أن أسماء الأمكنة يمكن أن تكون رموزة، كما يمكن أن تدل على مصادر مجيء جماعات تحمل الاتجاه العالمي المعروف بالدجال .
وهذا الاتجاه السياسي العالمي يدعمه أساسا اليهود، فلا بد أن يكون دولة العدو الصهيوني، نظرا للخوارق التي ستتحقق على يديه بمساعدة أميركا من جهة، ولما له من قدرة على اجتذاب الأمم والشعوب من جهة أخرى.
ولعل ما يعزز رمزية اسم الدجال هو الأوصاف التي تتحدث عنه ؛ فهو يركب حمارة «عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا وخطوته مسيرة ثلاثة أيام» «وهو أعور» مکتوب بين عينيه (ك ف ر،)(1)
ملاحم 14، والترمذي فتن 59 و92 ، وابن ماجة فتن 33
وأن له قرنة بجبهته.وعن علي علیه السلام : «يخرج من بلدة يقال لها أصبهان من قرية تعرف باليهودية» (رئيس أركان الجيش الصهيوني اليوم يهودي إيراني الأصل) عينه اليمني ممسوحة، والعين الأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم (قارن مع مصابيح الآليات اليوم بين عينيه مكتوب کافر، يقرؤه كل كاتب وامي»(2)وهذا لا يتنافى مع ما ورد عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من أنه قصير افحج جعد(3)وعينه زجاجة خضراء (4)
وهكذا فهو ليس بإنسان حقيقي وحماره ليس بحمار. ولعل العور المنسوب إليه تعبير عن نظرة أميركا في مساندتها للعدو الصهيوني بعين واحدة أو ما يسمى الكيل بمكيالين .
1) مسند أحمد 3/ 367، والحاكم 4/ 530، وعقد الدرر، ص 232، ومجمع الزوائد 393/7 ، وكنز العمال 14/ 320، وجمع الجوامع 1/ 990. راجع كذلك أحمد 179/1 و2/ 33 و 128 و131 و199 و 3/ 79 و 5/ 433، والبخاري فتن 21 و36، ومسلم فتن 95 و100، وأبو داود
2) كمال الدين 2/ 520 - 528، والخرائج 3/ 1133، وإثبات الهداة 3/ 522، والبحار 52/ 192، ومنتخب الأثر، ص 27
3) أحمد 5/ 326 و 397، وكذلك هامش اعلاه
4) أحمد 3/ 110 و201 و211 و299، وتاريخ البخاري 39/2 ، ومسلم فتن 101 وما بعدها، رفتن ابن کثیر 1/ 120. وابن حماد، ص 146، والطيالسي، ص 73، وابن أبي شيبة 10/ 132، وأبو يعلى 3798/6 ، وحلية الأولياء 393/4 .176
ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و أن الدجال يبرئ الأكمه والأبرص (1)ويحيي الموتی(2)وهو يقتل رجلا ثم يحييه"(3)ومعه جنة ونار (4)أو نهر من ماء أبيض ونهر من نار(5)ودعوته مستجابة يأمر السماء فتمطر والأرض فتخرج نباتة ، وأنه يدعو الناس فإن أبوا لحقت به أموالهم، ويمر بالخربة فيدعوها أن تخرج كنوزها فتخرجها.(6)وأنه يخوض البحر على حماره كما الساقية ، أو يخوضه فيبلغ ركبتيه ويتناول السحاب ويسبق الشمس إلى مغربها بل ويحبسها ويطلقها فتطول الأيام وتقصر .(7)
وإذا كانت هذه الأمور مجالا للأخذ والرد، فقد أكد علي علیه السلام عن لسان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بعض الخوارق وذلك بقوله إن الدجال «يخوض البحار وتسير معه الشمس بين يديه جبل من دخان وخلفه جبل أبيض يري الناس أنه
1) أحمد 13/5 ، والطبراني الكبير 297/7 ، وتهذيب ابن عساکر 199/1 ، ومجمع الزوائد 330/7 و 339، وفتن ابن کثیر 121/1 ، وكشف الهيثمي 193/4 ، والدر المنثور 22/2 ، رکنز العمال 318/16
2) راجع المصادر نفسها أعلاه، وأحمد 4/181، والحاکم 492/4 ، وتهذیب ابن عساکر 188/1 ، وتفسير ابن كثير 594/1 ، وکنز العمال 16/ 380، ومسلم فتن 110، والترمذي فتن 59 وابن ماجة فتن 33.
3) المصادر أعلاه وكذلك عبد الرزاق 393/11 ، وابن حماد ص 156، وأبو يعلى 2/ 539، والطبراني، الكبير 90/7 ، والحاكم 4/ 537، والبخاري فتن 27، ومسلم فتن 112، وأحمد 39/3 و 398 وہ/ 396 و 36 و435.
4) ابن حماد، ص 100، وابن أبي شيبة 190/10 ، رفتن ابن کثیر 91/1 ، ومسلم فتن 106، وابن ماجة فتن 33.
5) أبو داود فتن 1، ومسلم فتن 100 و108، والبخاري فتن 29، وابن حنبل 393/5 و 395 و 399 و4.4 ، والحاکم 490/4 ، وفتن ابن کثیر 90/1 ، والدر المنثور 4/ 252، وکنز العمال،.301/16
6) أحمد 4/ 181، والحاكم 492/4 ، وتفسير ابن كثير 1/ 294،وکنز العمال 16/ 280، وكذلك مصادر الهامش.
7) ابن أبي شيبة 199/10 و 102 و 103، والدر المنثر 3/ 11 و 5/ 300، وابن حماد، ص 102 و103 و108، والحاوي 89/2 ، وبرهان المتقي، ص 194.
طعام.. تطوى له الأرض منهلا منه؟، لا يمر بماء إلآ غار إلى يوم القيامة ، ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين». (1)
وهكذا فإن الدجال يتمتع بقوى خارقة تمكنه من إغراء الناس وتخويفهم. وقد وردت خوارقه في سفر الرؤيا الملحق بالأناجيل بالقول عن الوحش الأول: «وتعجبت كل الأرض وراء الوحش وسجدوا للتنين الذي أعطى السلطان للوحش وسجدوا للوحش قائلين: من هو مثل الوحش ومن يستطيع أن يحاربه، وأعطي فما يتكلم بعظائم وتجاديف وأعطى سلطانا أن يفعل اثنين وأربعين شهرة، ففتح فمه بالتجديف على الله ليجدف على اسمه وعلى مسكنه وعلى الساكنين في السماء، وأعطي أن يصنع حربا مع القديسين ويغلبهم وأعطي سلطانا على كل قبيلة ولسان وأمة، فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح (الرؤيا 13/ 3 - 8).
وعن المساعد للوحش الأول والحاضن له : «ثم رأيت وحش آخر طالعة من الأرض وكان له قرنان شبه خروف وكان يتكلم کتنين ويعمل بكل سلطان الوحش الأول أمامه، ويجعل الأرض والساكنين فيها يسجدون للوحش الأول الذي شفي جرحه المميت، يصنع آیات عظيمة، حتى أنه يجعل نارة تنزل من السماء على الأرض قدام الناس، ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التيfi أعطي أن يصنعها أمام الوحش قائلا للساكنين على الأرض أن يصنعوا صورة اللوحش الذي كان به جرح السيف وعاش. وأعطي أن يعطي روحا لصورة الوحش حتى تتكلم صورة الوحش ويجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون، ويجعل الجميع الصغار والكبار والأغنياء والفقراء والأحرار والعيد تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى أو جبهتهم وأن لا يقدر أحد أن يشتري ويبيع (الحصار الاقتصادي) إلا من له السمة أو اسم الوحش أو عدد السمة» (الرؤيا
11/13- 18).
1) راجع مصادر الهامش (2)
إذا يتبين مما سبق أن الدجال لا يمكن أن يكون شخصا بعينه، بل هو قوة عالمية، بدليل الأوصاف وبدليل الخوارق، إذ أن القوى المادية الهائلة التي تتمتع بها أميركا اليوم، بعد أن أصبحت الزعيمة الوحيدة للعالم، قادرة على القيام بهذه المعجزات من شفاء أمراض كانت مستعصية ، ومن إسقاط أنظمة سياسية وإعادة إحيائها (ما يشار إليها بقتل شخص وإحيائه) ومن إقامتها جنة ونارة وما إلى ذلك. ويؤكد كونها اتجاهة سياسية ما ورد من طرق للقضاء على الدجال، حيث ورد أن المسيح يذيبه وأن المهدي يقتله، ومكان القتل في فلسطين أو في جوارها، مما يوحي أن القضاء على الصهيونية هو مقدمة القضاء على التسلط الأميركي، أو هو جزء من القضاء على هذا التسلط الذي استحكم اليوم .
وردت أحاديث في بعض كتب الحديث والملاحم كابن حماد وابن المنادي وابن طاووس والسيوطي والمتقي... تتناول موضوع السفياني ولكنها
جميعا من المرسلات، لهذا عمدنا إلى أحاديث أهل البيت علیهم السلام عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وقد تناولت موضوع السفياني.
فالسفياني يخرج بعد أن يحل جیش من المغرب في الشام، والمغرب في الأحاديث هو الجهة الغربية للبلاد الإسلامية، أي أنها تشمل مصر، وبعدها يحصل خسف في حرستا قرب دمشق ثم يخرج السفياني، فقد قال علي عليه السلام : «... رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين، فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذین (نوع من الخيل غير الأصيلة) الشهب المحذوفة، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإن كان ذلك، فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإن
كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستوي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك، فانتظروا خروج المهدي عليه السلام. (1)
أما اسمه فهو عثمان بن عنبسة من نسل يزيد بن أبي سفيان، يخرج من ناحية الوادي اليابس (2)في شهر رجب ويستمر خمسة عشر شهرة، منها ستة في القتال وتسعة في الحكم،(3)فهو يقاتل الأبقع والمنصور اليماني والكندي ويظهر عليهم ثم يقاتل الترك والروم وينتصر عليهم ، كما رأينا سابقا، ثم يتوجه إلى العراق .
فقد ورد عن أبي جعفر عليه السلام : «إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلهما جميعا فيظهر عليهما جميعا. ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقل الناس قبل الجاهلية ، فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة، فيكون بينهما قتال شديد، ثم يظهر الأخوص السفياني عليه، ثم يظهر الروم ويدخلون إلى الشام، ثم يظهر الأخوص، ثم يظهر الكندي في شارة حسنة، فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق، وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة، ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين عليهما السلام يدعو إلى أبيه، ويظهر رجل من الموالي، فإذا استبان أمره وأسرف في القتل قتله السفياني (4)
1) راجع النعماني، مذكور سابقا، ص 300 و 30، وابن كثير 2/ 177، والطوسي، ص 277، والخرائج 3/ 1101، والعدد القوية ص 79، والبحار 219/02 .
2) منتخب الأثر، ص 408، وابن حماد، ص 70، وعقد الدرر، ص 72 و 73، وبرهان المتقي، - ص 112 و 113، وفرائد فوائد الفكر، ص 19، ولوائح السفاريني 9/2.
3) راجع النعماني، ص 299، وأعلام الوری، ص 428، وكمال الدين 901/2 ، ومنتخب الأنوار المضيئة، ص 177، ومنتخب الأثر، ص 457
4) ابن حماد، ص 59، 79، 78، 82. راجع كذلك نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد، م2، ص 193 وما بعدها .
المنكبين، يقاتل أولا من في الشام من أهل المشرق في موضع يقال له البنية أو الثنية)، ثم يسير إلى موضع يقال له «مدین» شرق حمص يقاتل فيه بجيش من دمشق وحمص، أهل المشرق الذين وصلوا إلى هناك، فينتصر عليهم، ثم يتوجه إلى الكوفة فيحتلها ويمعن في القتل(1). ويخرب بغداد والكوفة وبابل (2)، وعندما يبلغ السفياني خبر ظهور المهدي عليه السلام في الحجاز يأمر قائده في الكوفة أن يتوجه إلى المدينة فيصلها ويحتلها فيقتل من قريش والأنصار أربعمائة رجل ويبقر البطون ويقتل الولدان، ومن بين قتلاه رجلوأخته يقال لهما محمد وفاطمة ويصلبهما على باب المسجد في المدينة (3)
يتبين من الأوصاف المعطاة للسفياني أنه رجل متعصب ضد أهل البيت وأتباعهم، وهو ظالم متجبر، ومن هنا فإنه يمكننا حمل نسبه على محمل الواقعية فيكون من نسل خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أو فهم ذلك بشكل رمزي فيکون متابعة سياسة يزيد، وما أكثر اليوم من يحمل أخلاقيات هذا الرجل ممن يمارسون القمع والظلم واغتصاب الأموال العامة والخاصة . وإذا كان عد من سلالة خالد بن يزيد بن أبي سفيان ، فکیلا يكون من سلالة معاوية بن يزيد الذي اعتزل الخلافة دون أن يرتكب المظالم. إذا هو سليل للظالمين حتى أنه يقتل في الشام كل من يحمل اسم حسن وحسین و علي، كما يقتل قريشا في المدينة وخاصة بني هاشم(4)
1) المصدر نفسه، ص 81 و 082
2) ملاحم ابن طاووس، ص 137 ، وابن حماد، ص 82، والطوسي، ص 299، وتفسير الطبري، 22/ 72، والداني ص 104، والكشاف، 497/3 و468، وتذكرة القرطبي 2/ 193 ، وتفسير القرطبي 316/14 ، وعقد الدرر، ص 74، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 81، ومجمع البيان 398/4 ، ومنتخب الأثر، ص 456.
3) ابن حماد، ص 288، وابن طاووس، ص56.
4) ابن حماد، ص 88، وعرف السيوطي الحاري 2/ 70، وملاحم ابن طاووس، ص 57.
بعد احتلال جیش السفياني المدينة المنورة ونتيجة المجازر التي يرتكبها فيها، يهرب ثلاثة أشخاص فيمن يهرب إلى مكة، وهم أشخاص منظور إليهم منهم المهدي عليه السلام والمبيض(1)
ويلوذ المهدي بالحرم، ويقتل غلام من آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن ولقبه النفس الزكية. ويرى بعض المشككين أن محمد بن الحسن النفس الزكية) قد ظهر سنة 145ه، وقتل على يد أبي جعفر المنصور العباسي. ولكن الثابت أن ذلك الشخص، لعلمه وعلم الناس بالحديث ، ولكون اسمه محمد بن عبدالله بن الحسن، وهو قريب من الاسم الوارد في الحديث لقب بالنفس الزكية، تماما كما لقب محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي بالمهدي، ليوحي بأنه الإمام المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا. في هذه الظروف تسمع صيحة من السماء بأن الحق مع علي وشیعته، فعندها يخرج القائم،(2)وذلك بعد خمسة عشر يوما من مقتل النفس الزكية .
وقد ورد أن الله يصلح أمر المهدي في ليلة واحدة(3)وناقش بعض
1) ابن حماد، ص 88 و 95، ويشارة الإسلام، ص 77، ومنتخب الأثر، ص 457، وبرهان المتقي، ص 122.
2) مختصر إثبات الرجعة، ص 117 و219 و217،وإثبات الهداة 3/ 570، مستدرك الوسائل 12/ 330 و16/ 360، وكشف النوري، ص 222
3) ابن أبي شيبة 197/10 ، وابن حماد، ص 100 و 103، وتاريخ البخاري 317/1 ، وابن ماجة 1397/2 ، وحلية الأولياء 3/ 177، وأخبار أصبهان 1/ 170، والداني، ص 100. وابن عدي، الكامل 7/ 2993، وبيان الشافعي، ص 487، وتذكرة القرطبي، 2/ 700، رفتن ابن کثیر 38/1 ، وأسنى المطالب، ص 129، وتهذيب التهذيب 11/ 172، والدر المنثور 08/1 ، والجامع الصغير 2/ 172 ، وتمييز الطيب، ص 196، وصواعق ابن حجر، ص 193، ومناقب أهل البيت، ص 237، رکنز العمال 16/ 297، ومرقاة المفاتيح 5/ 180، وكنوز الحقائق، ص 164، والإذاعة، ص 117، والمغربي، ص 533، وكمال الدين 102/1 ، ودلائل الإمامة، ص 247، وغاية المرام، ص 196 و198، ومنتخب الأثر، ص 144، والفتح الكبير، 3/ 209. .
مشايخ المسلمين في هذا الأمر، فقال الشيخ عبدالله بن زید المحمود رئیس المحاكم الشرعية في دولة قطر معلقا: «والعجيب أن يكون المهدي بعيدا عن التوفيق والفهم والرشد، ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة ليكون في صبيحتها داعية هداية ومنقد أمة»، وقد وافقه الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد على أن الوارد عبارة يصلحه أي يرده من حالة عدم التوفيق والفهم والرشد إلى الصلاح، وعد ذلك ممكنا بدليل أن عمر بن الخطاب كان من أشد الناس على المسلمين ثم تحول بقدرة الله وتوفيقه فصارت شدته على أعداء الإسلام والمسلمين». (1)
ولعل ما فات الرجلين هو تقصي الحقيقة على نطاق أوسع، فقد ورد عن الإمام الصادق الي أن الله يصلح له أمره في ليلة ، ومن هنا فإن المعنی يصبح أن يهيأه الله ويجعله مستعدة للتحرك المباشر، وذلك في ليلة واحدة بدلا من عملية استعداد تستغرق وقتا طويلا.
في هذا الوقت يتوجه جيش السفياني من المدينة إلى مكة، ولكن يخسف به في الطريق فلا ينجو إلا شخصان يحملان الخبر إلى الناس(2)
ويجتمع أنصار المهدي عليه السلام إليه وعدتهم كعدة أهل بدر، يحمل بعضهم في السحاب نهارة، وبعضهم يفقد من فراشه في بيته ، وإذا هو في أصحاب المهدي عليه السلام.(3)
(3). وقد أشار العهد القديم إلى تجمع أنصار المخلص (أشعياء 8/90) بقوله: «من هؤلاء الطائرون کسحاب وكالحمام إلى بيوتها؟» وهذا شبيه بما ورد في مستدرك الحاكم عن علي عليه السلام : «ذاك يخرج في آخر الزمان، فيجمع
-=
247، وغاية المرام، ص 196 و198، ومنتخب الأثر، ص 144، والفتح الكبير، 3/ 209. (1) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 45، سنة 1400، عدد خاص صادر بمناسبة احداث الحرم الشريف التي حصلت في تلك السنة، حيث ادعي بعضهم المهدوية ولاذ وجماعته بالحرم وجرت معركة دامية لإخراجهم وقتلهم.
1) (1) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 45، سنة 1400، عدد خاص صادر بمناسبة احداث الحرم الشريف التي حصلت في تلك السنة، حيث ادعي بعضهم المهدوية ولاذ وجماعته بالحرم وجرت معركة دامية لإخراجهم وقتلهم
2) ابن حماد، ص 90، الكافي 226/8 و220، النعماني 270 و271.
3) راجع الفتاوى الحديثية، ص 31، النعماني، ص 310، الحاكم 4/ 504، عقد الدرر، ص 09 و131، وبرهان المتقي، ص 144، والمغربي، ص 538، ومنتخب الأثر، ص 166.
الله تعالى قوما قزع كقزع السحاب» وما ورد عن أبي عبدالله : «منهم من يفقد عن فراشه لیلا فيصبح في مكة ومنهم من يرى يسير في السحاب نهارة يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه».
وقد كان السير في السحاب في العصور الماضية ضربا من المعجزات ،أما اليوم فأصبح أمرا عاديا .
ويتحرك الإمام المهدي بأنصاره من مكة ونواتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلافيهم «النجباء من أهل مصر والأبدال من أهل الشام الأخيار من أهل العراق (1)وبعد أن يتكاثر عديده إلى بضعة آلاف يتحرك باتجاه الشام، حيث برد في العهد القديم: «الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران وجلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه» (حبقوق 3/3 - 5)، فإذا استعبدنا لفظة «الله» التي يمكن أن تكون عائدة إلى التحريف أو الخطأ في النقل أو الترجمة، وإذا عرفنا أن تیمان هي تيماء الواقعة شمال الحجاز وأن باران هي مكة بدليل أن التوراة تقول أن إبراهيم أسكن سارة في باران(2)فإن القادم يصبح المهدي، ذلك أنه إن كان الكلام ينطبق على الرسول ، إلا أن الرسول لم يأت إلى فلسطين فاتحاً
ويقصد المهدي علي بجيشه السفياني، فيحرر الحجاز ويتجه إلى الشام (3)
في هذه الأثناء يكون أصحاب الرايات السود قد تحركوا من المشرق بقيادة هاشمي على مقدمته شعيب بن صالح التميمي، فيسألون الحق فلا
(1) غيبة الطوسي، ص 289 ، تاج المواليد، ص 101، منتخب الأثر، ص 468. (2) راجع، محمد عوض الخطيب، في مجلة الغدير، بيروت عدد ذي الحجة 1911، حزيران 1991، ص 209. (3) ابن حماد، ص 90، عرف السيوطي، الحاوي 2/ 77، ولوائح السفاريني 11/2 ، والصراط المستقيم 2/ 292، وإثبات الهداة 3/ 614، ومنتخب الأثر، ص 490.
يعطونه، ويكررون المسألة ثم يجعلون سلاحهم على عواتقهم ويتحركون لقتال السفياني في العراق، بعد أن يكون قد خرب ونكل وذبح، فيلاقيهم جيش السفياني في باب اصطخر، وبعد ملحمة كبري ينهزم جيش السفياني(1)ويبعث الهاشمي، وهو من نسل الحسين، بالبيعة إلى المهدي عليه السلام .
وقد اختلطت الرايات السود على بعضهم، فرأى أنها الرايات التي حملها العباسيون القادمون من خراسان لقتال الأمويين، والحقيقة أن العباسيين يمكن أن يكونوا قد حاولوا الإيحاء بأنهم هم المقصودون بالأحاديث، ولكن الأحاديث الشريفة توضح الأمر، فقد ورد من حديث سعيد بن المسيب عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس. ثم يمكثون ما شاء الله .
ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان وأصحابه ، من قبل المشرق يؤدون الطاعة إلى المهدي»(2)ويتوجه المهدي إلى الكوفة حيث يقيم عاصمته، ومنها يتحرك جيشه لفتح العالم، وتكون معركة بينه وبين السفياني في الشام عند بحيرة طبرية أو عند الرحبة فيقتل السفياني (3)وتنتهي حركته ثم يفتح العالم للمهدي.
جاء أن المهدي يتحرك باتجاه العالم الغربي فيفتح القسطنطينية ثم رومية، في زمن يكون فيه الروم (الغرب) أكثر الناس وأقوى الناس. فقد جاء
(1) ابن حماد، ص 86 و89، ابن أبي شيبة 10/ 230، ابن ماجة 1391/2 ، العقيلي 4/ 381، الهيثم بن کلیب، مسند الصحابة ، ص 41. ملاحم ابن المنادي، ص 44 ، والحاك 4/ 464، والداني، ص 92، وبيان الشافعي،ص 491، وصواعق ابن حجر، ص 164، الإذاعة، ص 131 ، والمغربي، ص 189، 532، 490، عرف السيوطي، 09/2 ، کنز العمال 588/16 ، ابو داود 108/4 (2) ابن حماد، ص 02 و80، وعقد الدرر، ص 129، وعرف السيوطي، الحاوي 19/2 ، وجمع الجوامع 467/1 ، وملاحم ابن طاووس، ص 55. (3) ابن حماد، 96، مسند أحمد 306/2 ، الحاکم 431/4 ،عرف السيوطي، الحاوي 2/ 72، الإذاعة، ص 126.
1) ابن حماد، ص 86 و89، ابن أبي شيبة 10/ 230، ابن ماجة 1391/2 ، العقيلي 4/ 381، الهيثم بن کلیب، مسند الصحابة ، ص 41. ملاحم ابن المنادي، ص 44 ، والحاك 4/ 464، والداني، ص 92، وبيان الشافعي،ص 491، وصواعق ابن حجر، ص 164، الإذاعة، ص 131 ، والمغربي، ص 189، 532، 490، عرف السيوطي، 09/2 ، کنز العمال 588/16 ، ابو داود 108/4
2) ابن حماد، ص 02 و80، وعقد الدرر، ص 129، وعرف السيوطي، الحاوي 19/2 ، وجمع الجوامع 467/1 ، وملاحم ابن طاووس، ص 55
3) ابن حماد، 96، مسند أحمد 306/2 ، الحاکم 431/4 ،عرف السيوطي، الحاوي 2/ 72، الإذاعة، ص 126.
عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس(1)، وهم أكثر الناس عداوة للمسلمين حيث يقول صلی الله علیه وآله وسلم: «أشد الناس عليكم الروم وإنما هلكتهم مع الساعة»(2).
وهذا الأمر متحقق فعلا منذ ظهور الإسلام حتى اليوم بدليل الموقف الثابت الذي تجلى في الحروب الصليبية وفي الاستعمار الحديث، ثم في الموقف من الإسلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بشكل خاص.
أما المرحلة الأولى فتشير المصادر أنها ستكون بفتح القسطنطينية ، وهنا يحتمل الأمر تفسیرین:
. فالقسطنطينية بما هي عاصمة المسيحية الشرقية كما كانت في زمن الدعوة، فاليوم ربما تكون موسکو، باعتبارها القلعة الأقوى للمسيحية الأرثوذكسية، وربما يعضد هذا الرأي أنه لم يرد لهذه العاصمة ذكر في فتوحات المهدي عليه السلام .
. وقد تكون هي نفسها أي إسلامبول، التي وإن كان أهاليها من المسلمين، إلا أن حكومتها تحارب الإسلام بضراوة، الأمر الذي يقتضي تحرير مسلميها ومسلمي تركيا، من هذه الحكومة.
وأيا يكن الأمر فإن جيش المهدي سوف يزحف إلى القسطنطينية فاتحا سائر المدن التي تعترضه بنداء الله أكبر الذي يزلزل الحصون، فقد جاء عن علیه السلام غلي ثم يسير (المهدي) ومن معه من المسلمين، لا يمرون على حصن ببلد الروم إلا قالوا عليه: «لا إله إلا الله» فتتساقط حيطانه ، ثم ينزل من (في) القسطنطينية ، فيكبرون تكبيرات (تكبیرة)، فينشق خليجها ويسقط سورها»(3)
وبعد فتح القسطنطينية يتوجه المهدي علیه السلام إلى رومية فيصلها «فيكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فتكون كالرملة على نشاز» (أي كالرملة على صخر مرتفع)(1)
فما المقصود برومية؟ إن رومية يمكن أن تكون روما، وقد كانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية الواسعة وهي اليوم لم تعد عاصمة أساسية، إلا أنه من الممكن أن تتجمع فيها جيوش الغرب لصد المهدي عنها. وإما أن تكون أي عاصمة أوروبية ، كبرلین مثلا، أو أن تكون نيويورك أو واشنطن.
هذا وتتوقف المصادر بالزحف هنا، على أن هذا ما يكفي وينفتح العالم.
والحقيقة أنه يمكن التصور أن انتصارات المهدي في بلاد الإسلام بعد ظهور عیسی بن مریم غلي سوف تقنع قطاعات واسعة من المسيحيين في أوروبا وأميركا بأن هذا هو يومهم الموعود، الأمر الذي يحدث ارتباكا في قواهم العسكرية ويجعلها عرضة للتفكك لدى أول مواجهة وربما قبلها. ذلك أن المعارك لا تتجاوز الثمانية الأشهر في أكبر التقديرات(2)
في دولة الإمام المهدي علي ستملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورة وظلما في حياتها السابقة، وسوف يعم الرخاء والسلام بعد استتباب الأمورلهذا القائد الكبير . وقد تضافرت التأكيدات لهذا الأمر سواء في الفلسفة والفكر الإنساني، أم في ما بين أيدينا من التوراة أو في المصادر الإسلامية.
الرخاء: تلخص الماركسية في هذا المجال النتائج التي توصلت إليها الفلسفة وتحددها بشكل عملي، على أساس أنها ستتجسد في الدولة الشيوعية، وذلك بعد «زوال تبعية الأفراد الاستعبادية لتقسيم العمل، وتبعة لها المواجهة بين العمل الفكري والعمل اليدوي، وعندما يصبح العمل لا وسيلة
للعيش فقط، بل يتحول إلى كونه أول حاجة حيوية، وعندما يصاحب التطور المتنوع للأفراد ازدياد في القوى المنتجة، وعندما تتدفق كل مصادر الثروة بغزارة، فعندها فقط (1)ستتحقق أهداف المجتمع المنشود
في هذه الحالة سيحل الرخاء ويختفي العوز بفضل تطور العلوم والتقنية في ظل تحرر الإنسان من القيود التي كانت تعيق تطوره وتفتح شخصيته). (2)
هذا وتفصل التوراة هذا الواقع فتقول أن الرب يرسل في ذلك اليوم إلىشعبه قمحا وعصير عنب وزيت (یوئیل 19/2 ) كما أن «مراعي البرية تنبت لأن الأشجار تحمل ثمرها، التينة والكرمة تعطيان قوتهما»، ويعطيكم الإله «المطر المبكر وعلى حقه، وينزل عليكم مطرة مبكرة ومتأخرة في آخر الوقت فتملا البيادر حنطة وتفيض حياض المعاصر خمرة وزينة، وأعرض لكم عن السنين التي أكلها الجراد والغوغاء والطيار والقمص، جیشي العظيم الذي أرسلته عليكم» (یوئیل 2/ 22 - 20).
ويساعد على كل هذا ري القفار إذ يرد: «أجعل في البرية طريقة في القفر أنهارة، يمجدني حيوان الصحراء : الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماء أنهارة في القفر لأسقي شعبي، مختاري» (أشعياء 19/93 - 21).
أما المصادر الإسلامية فتصور الوفرة بشكل أوضح وأكثر واقعية فإذا الزراعة مزدهرة والكنوز مکشوفة والأموال متوفرة حتى تغني الناس. فبلاد العرب خضراء ريانة إذ ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارة وحتي يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف (إلآ؟) ضلال الطريق (3)والملفت في هذه النبؤة عبارة (تعود) الأمر الذي يعني
1) کارل مارکس وفريدريك انغلز، نقد برنامج غونه وار مزت، ص 25 و 70.
2) راجع مبادىء الماركسية اللينينية، مطبوعات التقدم موسكو، ص 702 - 705
3) راجع احمد 2/ 370، ومسلم 701/2 ، والحاكم 977/4 ، ومصابيح البغوي 3/ 488، ومشكاة المصابيح 3/ 21، ومجمع الزوائد 331/7 ، والدر المتثور 9/ 51، وجمع الجوامع903/1 ، وكنز العمال 238/14 ، والأحاديث الصحيحة، ص 10، والعمدة، ص 629.
أنها كانت كذلك، فمتى كانت؟ يقول العلم إن بلاد العرب الصحراوية كانت منطقة مطرية كما سائر المناطق الصحراوية، ولم يكن هذا الأمر معروفة أيام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بل كشفه العلم الحديث.
ولعل ما يؤدي إلى ظهور الأنهار هو كثرة المطر التي يشير إليها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: «تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط ، ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدع الأرض شيئا من النبات إلا أخرجته »(1)وورد الوصف نفسه عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام وهو بالطبع عن رسول الله ؛ إذ يقول: «... وتخرج الأرض نبتها وتنزل السماء بركتها وتظهر له (المهدي عليه السلام ) الكنوز»(2)
وإلى الزراعة تظهر الكنوز وهي ذات قيمة بذاتها، أو هي مواد أولية للصناعة إذ يرد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة». كما يرد عن الإمام الحسن عليه السلام عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «وتظهر له الكنوز»(3)
ونظرا لهذه الوفرة فإن الناس يكتفون حتى لا يطمعون بمال، ذلك أن الله تعالى «يلقي... الغنى في قلوب العباد» (4)لأن المهدي «يعطي
1) بيان الشافعي، ص 519، وابن حماد، ص 99 و10، وعقدالدرر، ص 144، والفصول المهمة، ص 298، والقول المختصر، ص 5 و7، وفرائد فوائد الفكر، ص 11، ونور الأبصار، ص 189، والإذاعة، ص 120، وملاحم ابن طاووس، ص 19. وكشف الغمة 3/ 293، والبحار 83/01 ، ومنتخب الأثر، ص 972. وابن ماجة 2/ 1396، وأبو داود والترمذي 509/4 ، والحاكم 508/4 ، والداني، ص 99، ومصابیح البغوي 3/ 493، وتذكرة القرطبي
2) الاحتجاج 2/ 290، وإثبات الهداة 3/ 526، والبحار 20/44 ، ومن الرحمن 2/ 92، ومنتخب الأثر، ص 487، والعوالم 16/ 175.
3) نفس المصادر.
4) ابن حماد، ص 100، والقول المختصر، ص 5، وملاحم ابن طاووس، ص 71، والنعماني، ص 150، وعقد الدرر، ص 171، وإثبات الهداة 3/ 33، والبحار 191/01 و197، وبشارة الإسلام، ص 197 و168.188
المال بغیر عدده بل يحثوه حثوا (1)حتى أن الرجل يخرج «بصدقته فلا يجد من يقبلها» (2)
وهذا ما تعبر عنه الماركسية بقولها أنه يعم مبدأ: «من كل حسب طاقته٫ ولكل حسب حاجته، الذي يعني أن الإنسان يقوم بالعمل الذي يرتاح إليه وينال حاجته المادية كاملة (3)
في هذا العصر يعم العدل والسلام ويزول التحاسد والتباغض، وهذه نتيجة طبيعية للوفرة واستغناء الناس عن الحاجات المادية، وهذا ما يؤكده الفكر الوضعي، حيث يقول کارل مارکس «أن مجتمعة جديدة هو في طور الولادة، ستكون قاعدته الدولية السلام، لأنه سيسود في كل أمة المبدأ نفسه : «العمل (4)
أما التوراة المتداولة فتصف حالة السلام القائمة وتراها سائدة على الصعيد الكوني، حتى بين الحيوانات المتعادية بالغريزة فتقول: «وأقطع لهم عهدا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض، وأكسر السيف والقوس والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين»
1) ابن حماد، ص 98 و100، وابن أبي شيبة 191/10 ، واحمد 0/3 و 38 و 8 و 10 و98 و 317 و333، ومسلم 4/ 2236 و2230، وأبو يعلى 621/2 و 470، وابن حبان 260/8 ، والحاكم 4/ 454، ودلائل النبوة 6/ 330، والداني 98، والفردوس 5/ 510، ومصابيح البغوي 3/ 488، وابن عساكر 187/1 ، وجامع الأصول 89/11 ، وبيان الشافعي، ص 503 و506، وعقد الدرر، ص 191، وتذكر القرطبي 2/ 991، مشكاة المصابيح 3/ 22، ومقدمة ابن خلدون، ص 250، وعرف السيوطي، الحاوي 2/ 90، والجامع الصغير 2/ 544، وکنز العمال 293/16 ، والإذاعة ص 122، وعبد الرزاق 11/ 372.
2) البخاري 2/ 130 ود13 و9/ 73 ر74، ومسلم 2/ 700 و 70، والنسائي 77/0 ، وأبو يعلى 3/ 52، والجامع الصغیر، 507/1 ، وفيض القدير 3/ 367، رکنز العمال 206/16 ، وجامع الجوامع 901/1 .
3) راجع انجلز، وضع الطبقة العاملة في انكلترا، المطبوعات الاجتماعية، باریس 1991، ص 190، ولينين الأعمال الكاملة، 30، ص 682 (الطبعة الروسية).
4) کارل مارکس، الحرب الأهلية في فرنسا، المطبوعات الاجتماعية ، باریس 1982،ص 23.
هوشع/17) «فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والشبل والمسمن الحيوان المعلف) معا وصبي صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معا، والأسد کالبقرة يأكل نبتا، ويلعب الرضيع على سرب الصل (حية خبيثة جدا) ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان» (أشعياء 6/11 - 8).
٫ وكما ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قوله «ولا يسعى الذنب على شاة ويرفع الشحناء والتباغض وينزع جمة كل دابة حتى يدخل الوليد يده في فم الحنش فلا يضره، وتلقى الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون في الإبل كأنه كلبها والذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من الإسلام ويسلب الكفار ملكهم ولا يكون ملك إلا للإسلام»(1)كما جاء عنه صلی الله علیه وآله وسلم: «ويقول الرجل لغنمه ولدوابه اذهبوا فارعوا في مكان كذا وكذا، وتعالوا في ساعة كذا وكذا، وترعی الماشية بين الزرعين ولا تأكل منه سنبلة ولا تكسر بظلفها عودة، والحيات والعقارب ظاهرة لا تؤذي أحدة ولا يؤذيها أحد، والسبع على أبواب الدور يستطعم ولا يؤذي أحدا»(2)
وورد على لسان الإمام الحسن بن علي علیه السلام عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، أنه «لا يبقى کافر إلأ آمن ولا طالح إلا صلح، وتصطلح في ملکه السباع»(3)
وهكذا فإنه يمكننا الاستنتاج أن فكرة المخلص المنتظر هي فكرة واقعية وهي حاجة بشرية وضرورة إلهية ، هي حاجة بشرية لما يتطلع إليه الإنسان بفطرته من قضاء على الظلم الذي يراه منافية لسنن الانسجام في الطبيعة. وهي ضرورة إلهية، لإقامة الحجة على البشر بأن إمكانية إقامة دولة العدل والسلام والرخاء ليست مستحيلة، وبالتالي فإنه لا عذر لمن رفضوا إقامتها بعد المكنة من ذلك .
ولقد تبين معنا أن المخلص الذي تتحدث عن الأديان هو المهدي المنتظر الذي يتخذ تسميات رمزية أو حقيقية في الآثار، وكل حسب اللغة التي يتحدث بها والتي قد تكون الترجمات شوهتها.
وتبين معنا أن المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري عليه السلام ، وأنه . طال به العمر، وهو أمر لا يعجز الله تعالی.
أما متى يظهر، فهذا أمر موكول إلى علم الله تعالى وكذب الوقاتون، إلا . أن ظهوره لا بد أن يلي عددا من الإشارات والدلائل.
غير أن المنطق والنص أيضا يقتضيان أن يتم ذلك عندما تستحقه البشرية، وهي تستحقه بعد أن تجرب كل أنواع أنظمة الحكم التي لا بد أن تفشل، وتقتنع بهذا الفشل، فيبرز من يمتلك الاستعداد لنصرة الإمام المخلص، وعندها ينتظر الظهور.
فالبشرية خذلت كل المحاولات التي قامت في السابق، وكانت تتنكر بغالبية شعوبها وشرائح هذه الشعوب لحكم الله في الأرض على أيدي الأنبياء والرسل، وعلى أيدي الأولياء الصالحين. وكانت آخر مظاهر هذا التنكر المقاومة التي واجهها الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام فأدت إلى استشهاده قبل أن يتمكن من إنجاز مشروعه، ثم واجهها الحسن بن علي علیه السلام ، وتمثلت بخيانة أركان من قادته وبمحاولات لتسليمه إلى عدوه، ثم واجهها
أخيراً الإمام الحسين الذي دفع ثمنا لمحاولته دمه ودماء أبنائه وأبناء أخوته وأعمامه وخيرة أصحابه .
وهكذا ألف المسلمون الضياع واستمرت البشرية تتخبط وتحاول الوصول إلى الخلاص من طريق التجربة والخطأ، إلا أن المصالح هي التي كانت العامل الأساسي، لا الأفكار ولا المباديء. إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه من تراجع لدين الله وسيادة للمظالم وتنكر للقيم الروحية، الأمر الذي يدفع أعدادا متزايدة من الناس إلى اليأس فإما أن تنتحر أو تستسلم للهوس والجنون، في نحل غريبة مستهجنة من العقل السليم، وكل ذلك في ظل توازن رعب نووي لا يعلم إلا الله متى يفلت زمامه ويقضي على البشرية إن بقي الأمر على حاله . :
ومن هنا فلم يبق من مخرج إلا بظهور الإمام المهدي لينقذ البشرية مما تتردى فيه، فلنرفع أصواتنا بالدعاء لخروجه.
کلمة المرکز....5
المقدمة......7
الفصل الأول: فكرة المهدي المنتظر - المخلص ......... 11
دور العقل .........11
عمليات الاستنباط.........12
عمليات الاستقراء ................12
دور الكشف المعرفة الفاعلة) ....13
الموقف الرافض للمعرفة الفاعلة ....14
بين الإمامة وإعادة إنتاج الدين .......... 15
ضرورة الإمام ............20
فكرة المخلص المنتظر ...............20
موقف المتجاهلين، نموذج د. عبد الرحمن بدوي...21
موقف ابن خلدون ............ 23
موقف أحمد أمین....26
موقف رشید رضا...29
ضروب الثورة العالمية ...........31
مارکس، أنجلز، الماركسية - اللينينية ...37
المختص في التوراة ..............39
المختص في الإنجيل .......42
المخلص في الإسلام ..........44
في القرآن ......44
في نصرة الدين الحق ...........44
في هزيمة الظالمين ..........44
في نصر الأنبياء والمستضعفين...45
في السنة المطهرة ...............45
احاديث أئمة أهل البيت والصحابة .............. 48
المهدي عند المتصوفة ...............51
خلاصة ..............52
الفصل الثاني: من هو المخلص المنتظر ....55
المخلص الماركسي: البروليتاريا ..........55
المخلص في التوراة ............57
المخلص في العهد الجديد .....61
المهدي المنتظر في الإسلام .......62
النظريات التي تعلقت بشخصيات مضت ...63
النظرية القائلة بأن المهدي هو عیسی بن مریم...64
النظرية القائلة بأن المهدي من ولد العباس ..65
النظرية التي تجعل المهدي من نسل الحسن بن علي (علیه السلام) .....69
المهدي من ولد الحسين (علیه السلام) .......71
اسم المهدي .......72
أحمد بن عبدالله ...............72
محمد بن عبدالله .............73
المهدي اسمه اسم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ......74
نظرية ولادة المهدي في آخر الزمان ...........75
المهدي ولد فعلا .............76
متابعة المهدي في ولد الحسين (علیه السلام) ...77
المهدي هو التاسع من ولد الحسين (علیه السلام)...77
المهدي من ولد علي بن الحسين (علیه السلام) ..78
المهدي من ولد الباقر (علیه السلام) .......78
المهدي من ولد الصادق (علیه السلام) ......79
المهدي من ولد الكاظم (علیه السلام) .........80
المهدي من ولد الرضا (علیه السلام) ..........81
المهدی من ولد الجواد(علیه السلام)....81
من ولد الهادي (علیه السلام) ................82
المهدي بن الحسن العسكري (علیه السلام) ........82
المصنفات حول تعيين شخص الإمام المهدي (علیه السلام) ...84
. إنكار وجود الإمام المهدي (علیه السلام) ............ 88
إدعاء عدم ولادة ابن الإمام العسكري (علیه السلام) ...88
إدعاء موت ابن الإمام العسكري ......89
قول فرق منشقة عن الشيعة بإمامة بعض أبناء الأئمة
غير الذين تدين الشيعة بإمامتهم ..........89
التشكيك بالأئمة بعد الرضا ..........90
الفصل الثالث: ولادة الإمام المهدي وحياته ...........97
غيبة الإمام بعد الولادة ............99
الأحاديث في الغيبة على وجه عام........ 100
جدوى الإمام الغائب ......104
الغیبتان.....106
طفولة الإمام في ظل أبيه ......107
الغیبة الصغری...108
الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري .............108
الشيخ أبوجعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري ..........109
الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ....110
الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري .....111
الوكلاء ..............112
قيادة الإمام في زمن الغيبة ............113
الفصل الرابع: الظروف التي تهيء للظهور - للثورة ....127
النظرية الماركسية ....127
المصادر الدينية .........130
الظلم الشامل وسائر المفاسد الاجتماعية .....134
السلطة السياسية ....134
السلطة الدينية .............137
الانحرافات الاجتماعية....139
المفاسد الأخرى ....140
القلة المؤمنة ...........141
غضب الله .........143
بلاد الإسلام وعلاقتها بالشعوب الأخرى ............144
الروم .......... 144
اليهود ............ 145
الترك .......... 145
الفصل الخامس: شرائط قیام الامام....147
الإمارات الطبيعية ............147
الزلازل .............147
الظواهر السماوية ........148
النار............150
مشاكل البصرة ............152
فيضان الفرات .............152
جفاف الفرات وانحساره عن كنز ..........15
الجراد ........155
الموت المتمادي ........155
يأجوج ومأجوج .......157
دابة الأرض .......... 160
معركة قرقیسیا ...161
قتل أهل مصر أميرهم ....162
قتل خليفة في العراق .....162
الحروب.....163
المغرب ضد مصر والشام .........163
الترك ..............164
نزول الروم في عمق الشام .......165
اقتتال فئتين من العجم ......166
تقارب الزمان ......166
تطاول البنيان...167
الفتن ........167
الدّجال.......169
خروجه.....169
مخرجه.....170
حركته، أتباعه .............171
حركة الدجال في العهد الجديد ................172
خوارقه ..............175
حقيقة الدجال ...............177
السفياني ................177
الفصل السادس: الظهور ..........181
هزيمة السفياني في العراق ...........183
فتح العالم ..184
دولة المهدي (علیه السلام) ... 186
السلام...........189
الخلاصة .....190
الفهرس .........193