موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 13

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الثالث عشر

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية:

إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 37742808 - 37742088 ( 25 ) ( 0098 )

الفاكس : 37742056 ( 25 ) ( 0098 )

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 ( 33 ) ( 00964 )

الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

شابك (ردمك)

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلّد الثالث عشر

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأولى - 2000 نسخة

سنة الطبع: 1436ه-

المطبعة:

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

اشارة

مركز الأبحاث العقائدية:

إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 37742808 - 37742088 ( 25 ) ( 0098 )

الفاكس : 37742056 ( 25 ) ( 0098 )

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن علیه السلام

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 ( 33 ) ( 00964 )

الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

شابك (ردمك)

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلّد الثالث عشر

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأولى - 2000 نسخة

سنة الطبع: 1436ه-

المطبعة:

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

دليل الكتاب

مقدّمة المركز...11

لیتوانیا

(1) مندوکس کوندریسکاس ...13

مالاوي

(2) جانجيا تمبو (إبراهيم) ...20

(3) خليل عثمان ...22

(4) داود مصطفى ...29

(5) رفیق موسى ماوا ...38

مالي

(6) أحمد محمد تراوري ...45

(7) إدريس كويتا ...51

(8) إسماعيل جارا ...62

(9) آمنة أحمد هادي ...67

(10) بابا جالو (أبو علي) ...74

(11) بكايغو (فاطمة) ...77

(12) بوكار نيان ...86

(13) جبريل بواري ...94

(14) جينو بوبكر ...98

(15) عبد الله بالو ...102

(16) عبد الله توري ...108

(17) عثمان تراوري ...115

(18) عمر جري....119

(19) عيسى جارا ...125

(20) محمّد كوني ...132

(21) محمد حبيب عبد الله كان ...138

(22) محمّد صالح بارو ...145

(23) محمد نيجاي ...152

(24) محمد هاشم جاكيتي ...159

(25) محمود جيري ...162

(26) مولاي توري ...175

مالیزیا

(27) سيوشوك بنك ...179

(28) عبد الله بن حسن....183

مدغشفر

(29) بدر الدين راكوتونيائنا ...192

(30) شاکر موسیمو ...197

(31) ناتوفا رجال جان بیل...294

مصر

(32) أحمد إدريس ...211

(33) أحمد البحراوي ...213

(34) أحمد راسم النفيس..216

(35) أحمد عبد النبي السيّد...233

(36) أحمد علي ...239

(37) أحمد محمد صلاح الدين...244

(38) أسامة إبراهيم محمود ...249

(39) أُمُّ حسين المصريّة ...256

(40) أيمن عبد الخالق...263

(41) حسام الدين أبو المجد ...270

(42) حسام الدین صفوت ...290

(43) حسن شحاتة...297

(44) خالد صالح ...302

(45) خالد محيي الدين الحليبي ...305

(46) السيد هر ميل ....315

(47) شادي علي ...321

(48) شوقي أحمد محمّد ...327

(49) عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ...337

(50) عبد الخالق محمّد أبو المجد ...344

(51) عبد الستّار محمود متولّي ...351

(52) علاء الدين المصري ...357

(53) محمد إبراهيم الحسيني ...36

(54) محمّد السقّا ...373

(55) محمّد أحمد محمود إبراهيم...384

(56) محمّد بن أحمد الجعني ...399

(57) محمّد سلامة الشرقاوي ...402

(58) محمّد سليمان حامد ...411

(59) محمّد عصمت بكر ...415

(60) محمود جابر ...421

(61) معروف عبد المجيد...433

(62) نصر مصطفى أبوشوشة ...438

المغرب

(63) أبو محمّد علي ...445

(64)أحمد عبد السلام...455

(65) أحمد متفكر 459

(66) السيد قاسمي محمّد...466

(67) إلياس الفردوسياني ....470

(68) آمنة العلوي ...475

(69) أمين بن إدريس بنونة ...479

(70) بدر الدين بن الطيب كسوبة...483

(71) بنت فاطمة ...490

(72) بنجو فوزية ...596

(73) جمال وادفل ...504

( 74) خالد علواوا الحسيني ...511

(75) عبد العاطي ...516

(76) عبد الله الدهدوه...524

(77) لطفي أبو بوطي...529

(78) لیلی جلّودی ...537

(79) هدی ...540

(80) هند هاني الحسيني العشاني ...544

(81) ياقين محمد عبد القادر ...554

المصادر ...561

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنام، نبيّنا وحبيب قلوبنا المصطفى محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين المعصومين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

والحمدُ الله على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً، بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب، وأولاده المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

من الأعمال المهمّة التي قام بها مركز الأبحاث العقائديّة التي يعتبرها الكثير من الفضلاء عملاً ريادياً ، سبقنا الآخرين به واتّبعنا في عملنا ومنهجنا بعض المؤسسات والمراكز العلميّة، هو الاهتمام بالمستبصرين - بعد التعرّف عليهم، مباشرةً أو بالمراسلة - والعمل على رفع مستواهم الثقافي والعلمي، والإجابة على الشبهات التي ورثوها من الآباء والأجداد، والتي لا زالت عالقة في أذهانهم، وذلك بواسطة التواصل معهم، وإرسال الكتب العقائدية لهم.

وحينما نتعرّف على المستبصر بواسطة قسم خاص بهم في المركز باسم «قسم المستبصرين»، يقوم المستبصر بملء استمارات خاصة أعدّت له، يكتب فيها كافة المعلومات المتعلّقة به من اسمه ونسبه، وولادته ودراسته، والشهادة العلمية التي حصل عليها، والأعلام الذين تأثَّر بهم، وكذلك الكتب التي طالعها وأثّرت في تفكيره، ثمّ يذكر قصة استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام والأسباب التي دعته لترك موروث الآباء والأجداد، والمصاعب التي واجهته بعد إعلانه

للاستبصار.

وبذلك فقد تجمّع لدى المركز عدد كبير من ملفّات المستبصرين، مرتبةً حسب أسماء الدول التي ينتمون إليها. وقد استفدنا كثيراً من هذه الملفّات والمعلومات التي تحتويها، في إصدار هذه الموسوعة التي تتعلّق بترجمة حياة

المستبصرين.

وإذا كان المستبصر من أهل القلم، فإنّ المركز يشجّعه في تأليف كتاب، يذكر فيه قصّة استبصاره، مضيفاً لها موضوعاً علمياً مناسباً له، وقد طبع المركز لحد الآن 43 كتاباً من كتب المستبصرين ضمن« سلسلة الرحلة إلى الثقلين».

وكذلك ثمّ طباعة 12 مجلداً من «موسوعة من حياة المستبصرين»، وهذا المجلّد الذي بين يديك - أيّها القارئ الكريم - هو المجلّد الثالث عشر منها، الذي يحتوي على ترجمة واحد وثمانين مستبصراً، ركبو اسفينة النجاة وأخذوا يتعبّدون الله وفقاً لمذهب أهل البيت علیهم السلام، وهم عبارة عن نماذج من المستبصرين من عدّة دول هي: ليتوانيا مالاوي مالي ماليزيا مدغشقر، مصر، المغرب.

والمركز بحمد الله تعالى، جادُ في إكمال هذه الموسوعة، حيث يقوم باختيار بعض المستبصرين من كلّ دولة، ويترجم حياتهم، فإنّ استيعاب تراجم حياة المستبصرين كافة يستوجب كتابة موسوعة كبيرة تقع في عشرات المجلدات.

وختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير للإخوة الأعزاء أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد، فلله درهم وعليه أجرهم.

والحمد لله أولاً وآخراً.

محمّد الحّسون

23 ربیع المولد 1436ه-

البريد الإلكتروني: www.aqaed.com/Muhammad

الصفحة على الإنترنيت: Muhammad@aqaed.com

(1) مندوکس کوندريسکاس

(مسيحي / ليتوانيا)

ولد عام 1398 ه- ( 1978م) في بلدة شسولي الليتوانية، وهي دولة كان تنتمي إلى الاتحاد السوفيتي سابقاً.

كانت والدته نصرانية مؤمنة بعكس والده الذي كان ملحداً، وكان يسخر منه عندما يجده يقرأ الإنجيل، ثمّ حدث أن تطلّق أبواه فأعطى ذلك الفرصة لمندوكس في أن يطالع الكتب الدينية.

أنهى «مندوكس» دراسته الثانوية سنة 1417 ه- ثمّ سافر إلى لندن ومكث فيها لمدّة عام رغبة منه لمعرفة الثقافات الأخرى، وهناك اطّلع على الكتب الإسلامية، ومن خلالها عرف الكثير عن الإسلام، فاهتمّ به ومن ثمّ أعلن إسلامه.

هاجر إلى الكويت لإتمام دراسته الجامعية فيها وتعلّم اللغة العربية، وكان يجهل بموضوع المذاهب، فقرّر البحث في المذاهب، فاطّلع على الكتب الوهّابية المنتشرة هناك، وذات مرّة التق «مندوكس» شاباً شيعياً، فدار الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الصلاة على النبي الأكرم، ولم يذكر (آله) فيها، فذكّره الشاب بحديث الصلاة البتراء الذي يرويه الفريقان.

جعلت الحوارات مع الشاب الشيعي «مندوكس» يقرر البحث عن المذهب الشيعي، فبدأ بقراءة كتبهم ومطالعة استدلالاتهم.

مكانة الإمامة في المنظومة العقدية:

من أهمّ الاختلافات التي نشأت بين المسلمين بمختلف طوائفهم والتي تكون نقطة تأمّل عند الباحث حول المذهب الشيعي مقايسةً لغيره من المذاهب هي المکانة التي يوليها الشيعة للإمامة ومكانتها عندهم ، فقد ذهب شيعة أهل البيت علیهم السلام إلى أنّ الإمامة ركنُ من أركان العقيدة، وأصلٌ من الأصول الإيمانية التي أسّس لها القرآن قبل الحديث النبوي وقبل الروايات الواردة عن أئمَّة أهل البيت علیهم السلام. وهي على حدّ النبوة، وعلى حدّ التوحيد، وكلّها متفرّعات عن التوحيد.

فالإمامة فرع من فروع التوحيد والاعتقاد بها جاء من جهة أنّنا وجدنا أنّها من النتائج الأساسية للفهم الذي نعرفه عن التوحيد، ولما فهمناه من التوحيد القرآني؛ إذ وجدناه يهدينا إلى النبوة والإمامة والعدل والمعاد، ومن الناحية الإيمانية فكما ينبغي الإيمان بالله سبحانه وتعالى)، وبتوحيده وبعدله، وبصفاته وبأسمائه، كذلك ينبغي الإيمان بالنبوّات والرسالات والرسل جميعاً.

وقضية الإمامة ليست قضية سياسية، بل إنّ الإمامة من ثمراتها النزاع السياسي؛ لأنّ لها جذوراً ولها أُسساً ولها بناءات، هي أساس كلّ هذه النتائج، ومن نتائجها مسألة الإمامة السياسية والخلافة السياسية، فليست نزاعاً تأريخياً، لكي يقول الوهّابية : لنترك التاريخ لحاله، ولنترك الخلافات التي وقعت في صدر الإسلام، ونجعل الحكم فيها هو الله سبحانه وتعالى، يحكم بين عباده وبين صحابة رسول الله يوم القيامة، وما بالنا نشغل أنفسنا بهذه القضية.

هذا المنطق صحيح إذا كانت قضية الإمامة قضية سياسية أو تأريخية، ولكن إذ أنّها مسألة إيمانية وعقدية، ومرتبطة بعلم الكلام وبالبعد الإيماني للإنسان المسلم، فهي تعدّ رُكناً أساسياً من أركان المنظومة الإيمانية والعقدية في مدرسة أهل البيت علیهم السلام.

وهنا لابدّ من الرجوع إلى القرآن الكريم من أجل معرفة حقيقة هذا الأمر؛ فالمنهج القرآني يقوم على أساس أنّ الحقائق القرآنية يمكن استنتاجها قرآنياً، ولكن نحتاج إلى من يوجّهنا، ليقول: ابحثوا في هذه النقطة، أو في هذا المضمون، وسوف نصل إلى النتيجة.

فلا كلام عند علماء المسلمين في أنّ المرجعية الأولى لفهم الدين، وللوقوف على معارف الدين، وللسير على نهج الدين، هي: القرآن الكريم.

وهو ما أكّدت عليه مجموعة من الروايات:

1 - عن السكوني، عن أبي عبد الله ، عن آبائه علیهم السلام ، قال : «قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: أيّها الناس إنّكم في دار هدنة، وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كلّ جديد، ويقرّبان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّ موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز».

قال: فقام المقداد بن الأسود، فقال: يا رسول الله ! وما دار الهدنة؟

قال: «دار بلاغ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن؛ فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل؛ يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره: حكم، وباطنه: علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تُحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجلِ جالٍ بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينجُ من عطب، ويتخلّص من نشب؛ فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص، وقلّة التربّص»(1).


1) الكافي 2: 598 - 599.

ومحل الشاهد هذه الجملة: «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن»، فهو نصّ واضح في أنّ المرجعية الأولى هي: القرآن، وما من حقيقة مرتبطة بالدين والشريعة إلّا والقرآن يشتمل عليها، إمّا اشتمالاً إجمالياً يحتاج إلى بيان وتفصيل من النبي، وإمّا بياناً تفصيلياً.

2 - قال أمير المؤمنين علیه السلام : «واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدّث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان في عمى.

واعلموا أنَّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم؛ فإنّ فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغيّ و والضلال» (1).

فهذا النص الثاني للإمام أمير المؤمنين علیه السلام يخوض في الاتّجاه نفسه الذي ذكره رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم..

إذاً هو المرجع، وهو الذي لابدّ أن تُعرض عليه الآراء والأفكار والاعتقادات، والروايات والأحاديث والصحابة، وبيانات الأمَّة، كلّها تُعرض على القرآن.

والقرآن يرشد إلى أنّ فهم معارف القرآن يحتاج إلى من يفهم لسان القرآن فقال: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»(2)، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يضيف شيئاً غير موجود في القرآن، بل المعارف كلّها موجودة في القرآن، ولكن نحتاج إلى من يبيّنها لنا.

وهنا يبدأ النزاع، فما هو الطريق لفهم القرآن، للوصول إلى بيانات الرسول


1) نهج البلاغة ، محمد عبده 2: 91، الخطبة 176.

2) النحل (16): 44.

التي تبيّن القرآن؟

الفريق الأوّل قالوا: الطريق اتّباع مدرسة أهل البيت عليّ وأهل بيته علیهم السلام .

الفريق الثاني قالوا: اتّباع الصحابة؛ ولذا نجد الآن المدارس الحديثة تؤكّد على أنّ فهم الصحابة هو الحجّة، فإنّهم يقولون: ما فَهِمَ الصحابة من حديث رسول الله، هو الذي يكون حجّةً علينا.

وهناك فارق أساسي بين هذين الطريقين، إنّ منهج أهل البيت علیهم السلام إنَّما انتخب هذا الطريق لاعتقاده أنّ القرآن الكريم والنبي صلی الله علیه وآله وسلم بينا عصمة هذا الطريقفهذا الطريق إلى القرآن والسنّة يمرّ من طريق معصوم، وهو: عليّ وأهل بيته علیهم السلام، لأنّ القرآن الكريم بشكل صريح أثبت عصمة أهل البيت علیهم السلام، مضافاً إلى النصوص المتواترة عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم التي أثبتت هذه الحقيقة، وهي: أنّ هناك معصوماً بعد رسول الله، وهم علىّ وأهل بيته بقوله صلی الله علیه وآله وسلم : «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض يوم القيامة» (1).

إذاً الطريق الذي انتخبه أتباع أهل البيت علیهم السلام وجعلوه مرجعيتهم للوصول إلى الكتاب والسنّة هو الطريق المعصوم.

أمّا طريق أتباع الصحابة، فلا يعتقدون - على الأقل من الناحية النظرية - بعصمة الطريق الذي انتخبوه للوصول إلى الكتاب والسنّة.

ولو فرضنا أنّه لم تثبت عصمة أئمَّة أهل البيت علیهم السلام فلا إشكال ولا شبهة في أنّ أهل البيت علیهم السلام أدرى بما فيه؛ فلو دار الأمر بين الأخذ ممّن كانوا قد صاحبوا النبی صلی الله علیه وآله وسلم لسنة ولسنتين، وكانوا من أجواء خارجة عن أجواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين من عاصر النبي وعاش معه، وكان معه ليلاً ونهاراً إلى أنفاسه الأخيره، فلا يدلّ المنطق العقلائي والمنطق الصحيح على تساوي الطريقين.


1) تاریخ بغداد 14 :322 .

وإنّ طريق أهل البيت علیهم السلام محصور في عدد محدود، وهو: اثنا عشر، ولكن هم عندما يقولون بسنّة الصحابي، فيقولون بعدالة الصحابة، وهم بالآلاف، وإذا توسّعت الدائرة فقد تصل الدرجة إلى مئة ألف فكيف يعقل من الناحية المنطقية أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول بأنّه: إذا أردتم أن تعرفوا سنّتي، إذا أردتم أن تعرفوا أحاديثي، إذا أردتم أن تعرفوا تراثي، فارجعوا إلى اثني عشر ألف إنسان.

هذا مضافاً إلى الاختلاف الواسع والشاسع الذي وقع بين الصحابة أنفسهم، فكيف يتعقّل أن يجعل هذا الطريق طريقاً للوصول ، تكون له المرجعية لفهم القرآن ولفهم السنّة الصحيحة.

وهم نظرياً لم يلتزموا بعصمة الصحابة، ولكن عملياً تعاملوا مع كلمات الصحابة تعامل العصمة والعدالة المطلقة فجعلوها حجّةً، لذا من يخالف الصحابة عندهم فيه إشكالات كثيرة ترجع إليهم.

وخلاصة ما ننتهي إليه: أنّ الطريق الذي يوصلنا إلى النبي وإلى القرآن هم أئمَّة أهل البيت .

فمرجعية أتباع أهل البيت علیهم السلام لأخذ المعارف الدينية تمرّ من هذا الطريق، وهو طريق خالص لا يوجد فيه سهو ولا نسيان كما لا يوجد فيه كذب ولااختلاف؛ لأنَّه طريق معصوم.

بخلاف طريق الآخرين فإنّ من غير المنطقي أن يُرجع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأمة إلى عدد كبير من الصحابة، مضافاً إلى ذلك فهذا الطريق ليس بمعصوم؛ لأنَّهم لا يقبلون بوجود معصوم بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقولهم : إنَّ باب العصمة انتهت بانتهاء حياة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم.

إذاً الطريق الذي يعتمدونه طريق غير مأمون من الخطأ، ووقوع الاختلاف ولو رجعنا إلى الخلفاء الثلاثة الأوائل نجد أن هناك اختلافات كبيرة بينهم في السيرة

والسلوك والسياسة المالية والإدارية، وخصوصاً بين الثاني والثالث، وهذه الاختلافات تكفي لتثبت عدم معصومية أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وإلّا لما وقع الاختلاف بينهم.

اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام:

لقد كانت كلّ هذه الأدلة كافية أن تجعل «مندوكس» يعلن تشيّعه، وأن يعتقد بأن اتّباع مذهب أهل البيت يعني اتّباع الإسلام الحقيقي، فبدأ بجعل عباداته تنسجم هذا المذهب، وأوّل مع هذه الخطوات كانت الصلاة على التربة الحسينية، كما صلّى رسول الله على التراب.

ولقد أحدث الانتقال في روحه تغيّرات عديدة، وأدرك هناك حلاوة الإيمان وشهده، لقد عاش إحساسين متناقضين : الفرحة لاكتشاف الحقيقة والوصول لبرّ الأمان، والحزن والأسى لما انتاب أهل البيت من مصائب وويلات والحزن الأعظم على ما طُمس من معالم عقيدة أهل البيت علیهم السلام (1).


1) أجرت مجلة المنبر لقاء مع مندوكس» الذي غيّر اسمه إلى «مبارك» في عددها السابع، لشهر رمضان 1421 ه- ذكر فيه أدلة الاستبصار وكيفيته.

(2) جانجيا تمبو (إبراهيم)

(شافعي / مالاوي)

20-13

تمّت الإشارة إلى مقتطفات من سيرته، وكيفية استبصاره، في (1: 15) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً.

قبل الاستبصار لم يكن يرَ «جانجيا» للحياة أيّة ثمرة عندما كان يواجه المصاعب والمصائب؛ فعندما كان يصاب بأذى من أحد، أو يغضب منه، سريعاً ما كانت تبدو على وجهه مشاعر اليأس من هذه الحياة، وكان يتساءل مع نفسه: ما هي الغاية من وجودي، ولِمَ أنا موجود؟ وهل يجب علَيّ تحمّل كل هذه المصائب ؟!

ولكنّه لم يجد لتلك الأسئلة جواباً مقنعاً..

فلمّا بلغ رشده وبدأ يميّز بين المبادىء والرؤى الموجودة، وجد دينَين سماوييّن معروفَين بين أهله وأصدقائه: الإسلام والمسيحية.

وبما أنّه كان يعدّ نفسه مسلماً، مع بُعده عن حقيقة الإسلام وجوهر العقيدة، كان يميل إلى قراءة القرآن الكريم، وكان يجد راحة في نفسه عند تلاوته، ورغبة في معرفته وفَهم معانيه.

ولكنّه من جهة أخرى بدا متحيّراً لما كان يراه من المخاصمة بين المسلمين أنفسهم؛ فكلّ منهم يدّعي أنّ ما يتّبعه الحقّ، وما هو أحقّ بأن يؤخذ ويُتبع، فقرّر العكوف على دراسة اللغة العربية والعقائد عند مختلف فرق المسلمين، ليرى هل ما

یدین الله به (وهو المذهب الشافعي) هو المذهب الذي يسير بصاحبه إلى الجنّةوالرضوان ونيل السعادة في الدارين، أم لا؟

وبعد فترة ليست بالقصيرة من البحث والتحقيق توصّل «جانجيا» إلى أنّ ما يتعبّد الله به لم يكن هو الحقّ المطابق للعقل والنقل، بل إنّ مذهب أهل البيت علیهم السلام هو ما أراده النبي صلی الله علیه وآله وسلم للمسلمين من بعده.

يرى «جانجيا» أنّ أهمّ ما توصّل إليه بعد مراجعة أدلّة المذاهب الإسلامية هو:

1 - كون أصول الدين منطقية في مذهب أهل البيت علیهم السلام .

2 - كون مذهب أهل البيت علیهم السلام هو المنصوص عليه في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.

كون هذا المذهب هو الحقّ، وهو الإسلام الأصيل الذي ينبغي أن يُتبّع (1).


1) ما ذكر هنا مقتطفات من رسالة المستبصر التي بعثها لمركز الأبحاث العقائدية (بتصرف يسير).

(3) خلیل عثمان

(شافعي / مالاوي)

29-13

ولد عام 1400 ه- ( 1980م) في مدينة «ماشينغا» المالاوية لأُسرة سنّية شافعية المذهب.

نشأ «خليل» في هذه الأسرة على أنّ المذهب الذي ينتمي إليه هو المذهب الحقّ الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتّباعه، إلى أن سمع بمجموعة من المسلمين ينتمون إلى المذهب الشيعي.

يقول «خليل»: كنت في مدينة زومبا، وسمعت هناك بوجود فرقة تسمّى الشيعة، فحصل عندي رغبة في التعرّف عليهم والبحث عن معتقداتهم، وكانت الشبهات التي تطرح ضدّهم تحفّزني لمواصلة البحث والتحقيق.

وكان أن سمع «خليل» بعد ذلك بمدرسة للشيعة في العاصمة المالاوية «ليلونغو»، فذهب إليها ليتعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام من قريب، ويسمع من أتباع المذهب الشيعي أدلّتهم على أحقّية هذا المذهب، وما يدينون الله ب-ه دون الرجوع إلى مناوئيهم ومعاديهم، الذين يحاولون ليلاً ونهاراً النيل منهم، بإلقاء مختلف التهم والافتراءات.

حديث الثقلين وعدم افتراقهما :

يعدّ حديث الثقلين من أهمّ الأدلّة التي يستدلّ بها أتباع مدرسة أهل

البيّت علیهم السلام على أحقيّة هذا المذهب، ولهذا نجد محاولات حثيثة من الوهّابية للادّعاء بأنّ مقطعاً من حديث الثقلين - وهو : قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» ، أي: الكتاب والعترة أهل البيت علیهم السلام - لم يثبت بسند صحيح، ولا يمكن الاحتجاج به .

قال ابن تيمية: إنّ لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم... فحثّ على... وهذا اللفظ يدلّ على أنّ الذي أمرنا بالتمسّك به وجعل المتمسك به لا يضلّ هو: كتاب الله (1).

ومن المعاصرين: الأرنؤوط؛ قال: قلنا: وقد ورد التصريح بأنّ المراد من قوله وعترتي هو: وجوب مراعاتهم ،ومحبّتهم واجتناب ما يسوؤهم، والاحتراز عمّا يؤذيهم في حديث زيد بن أرقم عند مسلم (2).

إذا كلّهم يؤكّدون أنّ الصحيح :ما ورد في صحيح مسلم، حتّى يضيعوا على الأمة مقطع: «ما إن تمسّكتم أو ما إن أخذتم، و: لن تضلّوا، و: لن يتفرقا حتّى يردا علىّ الحوض».

والمتابع يجد بأنّ هناك طريقين أشار إليهما الطبراني في المعجم الكبير، وكلا الطريقين صحيح من الدرجة العالية جدّاً؛ إذ لم يختلف أحد في وثاقة رجال السندين.

عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي وإنّها لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»(3).

ونص هذه الرواية أيضاً ورد في كتاب آخر لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفّى سنة 277 ه-؛ قال: حدّثنا يحيى، حدّثنا جرير، عن الحسن بن


1) منهاج السنة 300:4.

2) مسند أحمد، بتعليق الأرنؤوط 17: 175.

3) المعجم الكبير للطبراني 5: 169 و 170.

عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم ، قال: قال النبي: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله - عزّ وجلّ - وعترتي أهل بيتي، وإنّها لن يتفرقا حتّى يردا علىّ الحوض» (1).

وهذا هو السند نفسه من جرير وحسن بن عبيد الله وأبي الضحى وزيد بن أرقم، وكلّهم ثقات.

وأمّا الفسوي، فيقول عنه الذهبي: يعقوب بن سفيان أبو يوسف الفسوي الحافظ، عن أبي عاصم وأبي نعيم، وعنه: النسائي والترمذي وعبد الله بن ،درستویه، ثقة مصنّف خيّر صالح (2).

وأمّا شيخه يحيى ، فقال عنه الذهبي: يحيى بن يحيى بن بكر التميمي النيسابوري أبو زكريا، أحد الأعلام، عن مالك وزهير بن معاوية، وعنه: البخاري ومسلم وداود بن الحسين البيهقي، قال أحمد: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله وقال ابن راهويه ما رأيت مثله ... ثَبت فقيه، صاحب حديث، وليس بالمكثر جداً.... نقل عنه البخاري ومسلم والترمذي(3).

والمهم في هذا النص: أنّ فيه أيضاً: «ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي» فالتمسّك هنا لا يريد منه: «أذكّركم الله في أهل بيتي»، كما في مسلم وتوهّم الوهّابية بأنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان مراده ذلك.

وبهذا يتبيّن أنّ ما ذكر عن المعجم الكبير للطبراني، وما جاء في المعرفة والتاريخ للفسوي روايات صحيحة السند لا مجال للتشكيك في سندها.

بل إنّ الألباني يقول: إنّ الرواية - التي فيها عطية العوفي، والذي ناقشوا فيه وقالوا: إنّه ضعيف؛ لأنّه شيعي - أيضاً حسنة يمكن الاستناد عليها، قال: وشاهد آخر


1) المعرفة والتاريخ 1: 295.

2) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة 2 394.

3) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة 2: 378.

من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، يقول: «إنّي تارك... ألا وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض» ... وهو إسناد حسن في الشواهد(1).

مع العلم بأنّ النصوص التي جاءت في المعجم الكبير للطبراني والمعرفة والتأريخ للفسوي لا يوجد فيها عطية العوفي .

بل إنّ الألباني صحّح هذه الرواية في موارد متعدّدة - وهي التي فيها مقطع: «وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»، كما صرّح بذلك في كتاب صحيح الجامع الصغير؛ قال: «ولن يتفرقا حتّى يردا علىّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيها.

صحیح »(2).

وصحّحها الألباني في كتاب صحيح سُنن الترمذي؛ قال: قال رسول الله: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم فيه لن تضلّوا أبداً، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما صحيح» (3).

هذا مضافاً إلى أنّ هناك طرقاً أخرى متعدّدة لتصحيح هذا الحديث، منها: ما ذكره الطحاوي، المتوفّى سنة 321 ه-؛ يقول: ... عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حجّة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحات... «فإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض». قال أبو جعفر : هذا الحديث صحيح الإسناد، لا طعن لأحد في أحد من رواته(4).

وكذلك نقله ابن كثير، المتوفّى سنة 774 ه- قال: «فانظرواكيف تخلفوني فيها، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 356 و 357.

2) صحيح الجامع الصغير 1: 482.

3) صحيح سنن الترمذي 3: 543.

4) شرح مشكل الآثار 5: 18

حديث صحيح (1)، ولم يعلّق عليه ابن كثير، فابن كثير يسلم بصحّة هذا الحديث.

وممّن أشاروا إلى ذلك علّامة بغداد الآلوسي، في ذيل هذه الآية من سورة الأحزاب: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله )(2)يقول : وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله صلی الله علیه وآله وسلم : «إنّي تارك فيكم خليفتين - وفي رواية ثقلين : كتاب الله ، حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي وإنّها لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(3)، فلا مجال للريب فيه.

فحديث الثقلين المشتمل على قوله: «وإنّهما لن يفترقا، أو يتفرقا، حتّى يردا علَيّ الحوض» صحيح إلّا عند الوهّابية.

ولكن مع كلّ هذا تجد أنّ ابن تيمية عندما يأتي إلى هذا الحديث بهذا المقطع يقول: وأمّا قوله :«وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض» فهذا رواه الترمذي، وقد سُئل عنه أحمد، فضعّفه، وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصحّ (4).

فهو وعلى طريقته المعهودة يحاول أن يوهم القارىء بأنّ هذا الحديث لا أصل له!

وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على نصب العداء من هذا الشخص ومن يتبعه لأهل البيت علیهم السلام و البغض لهم، فمع تصحيح كلّ هولاء الأعلام ولكنّهم عندما يصلون إلى هذه الرواية يقولون بأنّ هذا المقطع فيها غير صحيح.

وهناك عدّة شواهد تثبت بأنّ النص الذي ورد عن زيد بن أرقم، وذكره الطحاوي أو الفسوي أو الطبراني أو الحاكم أو الذهبي أو ابن كثير أو الألباني


1) البداية والنهاية 7: 668

2) الأحزاب (33): 33.

3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 16:22.

4) منهاج السنة 400:4 .

وغيرهم، أدقّ وأصحّ ممّا ورد في صحيح مسلم.

أوّلاً: إنّ الواقعة واحدة وليست متعدّدة، كما أنّ الراوي واحد؛ فإنّه تكلّم في غدير خم ولم يتكلّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في غدير خم في عمره إلّا مرة واحدة، فلا يمكن القول بأنّ زيد بن أرقم نقل الرواية عن واقعتين.

ثانياً: إنّ هذه الواقعة بالنصوص الصحيحة لم يسمعها زيد بن أرقم فقط، بل سمعها العشرات، وبتعبير بعض الروايات ثلاثون، وبعض الروايات ناس كثير. وهو ما تشير له الرواية التي ينقلها الألباني؛ قال: جمع عليّ رحمة الله الناس في الرحبة ثم قال لهم: «أنشد الله كلّ امرىء مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم ما سمع لَما قام». فقام ثلاثون من الناس، فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس: أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم، يا رسول الله . قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إنّي سمعت عليّاً يقول كذا وكذا. قال: فما تنكر ؟ قد سمعت رسول الله يقول ذلك (1).

وهنا يظهر بشكل واضح أنّ زيد بن أرقم يروي واقعة واحدة وليست متعددة.

وعند المقارنة بين نص مسلم الذي يقول فيه: كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعيه، والنصوص الأخرى نجد أنّ النصوص الأُخرى أدق؛ إذ يقول: فقلت لزيد: سمعته من رسول الله ؟ يعني: أنّه قال لعلي، فقال: ماكان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينه وسمعه بأذنيه، يعنى هؤلاء الثلاثون لا أقل، هؤلاء الناس الكثيرون الذين وصل إليهم صوت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم .

فكيف يمكن مع كلّ هذا أن نقول أن النص الوارد في صحيح مسلم مقدّم على


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 330 و 331.

النص الوارد عن هؤلاء الأعلام؟!

اندفاع الشبهات والاستبصار :

بعد التعرّف على الأحاديث التي تدلّ على ضرورة اتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، واتّضاح الجواب عنده على كثير من الشبهات التي كان تطرح ضدّ هذا المذهب، قرّر «خليل» الاستبصار وتغيير انتماءه المذهبي، وأعلن عن اتّباعه

للمذهب الشيعي عام 1416 ه- (1996م) في مدينة «ليلونغو» في مالاوي.

يقول «خليل» عن فترة ما بعد الاستبصار ... بعدها كنت معرّضاً للأسئلة عن الشيعة ، فكنت أدافع عنهم، وأبيّن أنّهم ليسوا كما يقول الوهّابية.. وقد دفعني ذلك :أي: التعرّض للأسئلة - إلى المزيد من البحث عن الشيعة، وكنت أُحرّض الأصدقاء للتسجيل في المدرسة الشيعية؛ لأجل تقوية عقائدهم(1).


1) للمستبصر ملف صوتي في مركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه أدلّة استبصاره وكيفيته.

(4) داود مصطفیٰ

(شافعي / مالاوي)

ولد عام 1397 ه- (1977م) في مدينة «مجينج» في «مالاوي»، ونشأ في أوساط عائلية تعتنق المذهب الشافعي.

لم يكن «داود» في بداية الأمر من المهتمين بالأُمور الدينية، ولكنّه أخذ يلتفت إلى الدين لعسر وضيق مرّ به في مرحلة من مراحل حياته، وعندما بدأ بالغور في عمق المسائل الدينية والوقائع التاريخية بدأت بعض الأسئلة والاستفسارات تمرّ في ذهنه، وكثرت هذه التساؤلات يوماً فيوماً حتّى - وكما يقول هو - «اصطدم بالواقع» منذ تعرّف على الفكر الشيعي.

فبين صفحات تاريخ المسلمين ما هو الصحيح وما ليس كذلك، ومن الضروري للباحث المنصف أن يبحث عن الحقيقة، ولا يقبل كلّ ما نقله المؤرّخون إلّا بالدليل والبرهان؛ فإنّ الجميع يعلم بمواقف سلاطين الجور ووعّاظهم تجاه بيان الحقائق التي تضر - حسب اعتقادهم - بهم وبسلطتهم.

وكان من أبرز الأشخاص الذين تلاعبوا بالحقائق لمصلحتهم الشخصيّة، وأشدّهم وأكثرهم تأثيراً في تزويرها: معاوية بن أبي سفيان.

هيئة كتابة التاريخ برئاسة معاوية:

ما إن استشهد أمير المؤمنين علیه السلام حتّى انتقل معاوية من حربه العسكرية، التي

قاد فيها القاسطين لحرب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في معركة صفّين، إلى حربه الإعلامية ضدّه علیه السلام؛ إذ اتّخذ سلسلة من الإجراءات بهذا الصدد، ومنها:

أوّلاً: البراءة من الإمام على علسه السلام:

كان معاوية قد أوجد سنّة سبّ الإمام على علیه السلام في حياته؛ إذ قنت عليه ولعنه بالصلاة وخطبة الجمعة، وأضاف إليه الحسن والحسين وابن عباس والأشتر النخعي(1)، ولذا كان من شروط الإمام الحسن علیه السلام على معاوية: عدم سبّ الإمام على علیه السلام فقد جاء في وثيقة الصلح بينهما: «ألّا يتّبع أحد أبما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علياً إلّا بخير» (2).

إلّا أنّ معاوية لمّا بسط سيطرته على الحكم تجاوز الحدّ ليس فقط بسبّ الإمام علي علیه السلام ، بل جعل البراءة من الإمام من المسائل التي تزكّى الفرد أو تتّهمه (3).

وكان معاوية يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إنّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك؛ فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.. وإنَّه كتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يذاع بها على المنابر ، واستمرّ ذلك إلى خلافة عمر بن عبد

العزيز (4).

بل إنّ لعن الإمام علي علیه السلام في موسم الحج أصبح من المستحبّات(5).

وكان خالد بن عبد الله القسري، والي العراق لهشام بن عبد الملك، يقول في خطبته: اللهم العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله على


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 137.

2) مقاتل الطالبيين: 43، وشرح نهج البلاغة 44:16.

3) شرح نهج البلاغة 4: 56 - 58.

4) شرح نهج البلاغة 4: 56 - 57.

5) شرح نهج البلاغة 4: 57

ابنته، وأبا الحسن والحسين! ثمّ يقبل على الناس ويقول: هل كنّيت؟!(1).

وكانت جماعة من بني أُمية قالت لمعاوية بعد سنين من حكمه: إنّك قد بلغت ما أمّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ! فقال : لا والله حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً (2)!

وكان هذا الأمر قد أخبر به الإمام عليّ علیه السلام ، إذ قال لأصحابه: «أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه، ولن تقتلوه، ألا إنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّى، فأمّا السبّ فسبّوني؛ فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرؤوا منّي؛ فإنّي ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة» (3).

وبعد ما تولّى معاوية الأمر كتب كتاباً إلى جميع الولايات جاء فيه: «أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب» (4).

يقول المدائني (هو أحد الإخباريين ت 224 ه- وله مؤلّفات عدّة، فُقد أكثرها، ومن بينها: كتاب الأحداث، الذي اعتمده ابن أبي الحديد في هذا الموضوع):«فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر ، يلعنون عليّاً، ويبرؤون منه، ويقعون

فيه وفي أهل بيته»(5).

قال أبو جعفر الاسكا في المعتزلي (ت 204ه-): «إنّ بني أمية منعوا من إظهار فضائل الإمام عليّ علیه السلام وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتّى أنّ الرجل إذا روى عنه


1) شرح نهج البلاغة 57:4.

2) شرح نهج البلاغة 57:4.

3) نهج البلاغة 1 105 ، وراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 54، النهاية في غريب الحديث 2: 105.

4) شرح نهج البلاغة 44:11 ، النصائح الكافية لابن عقيل: 97 .

5) شرح نهج البلاغة 11: 44 ، النصائح الكافية: 97.

حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجلسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب(1).

وروى أبو غسان البصري: إنّ عبيد الله بن زياد بن أبيه بني في البصرة أربعة مساجد تقوم علىّ بغض الإمام عليّ علیه السلام والوقيعة به، وهي: مسجد بني عدي، ومسجد بني مجاشع ، ومسجد كان في العلاقين على فرضة البصرة، ومسجد في الأزد(2).

ولما تولّى المغيرة بن شعبة الكوفة لمعاوية، أمر حجر بن عدي أن يقوم في الناس ويلعن الإمام عليّاً علیه السلام ، فأبى ذلك، فأخذ يهدّده، فقام حجر وقال: أيها الناس إنّ أميركم أمرني أن ألعن عليّاً، فالعنوه. ويقصد المغيرة باللعن(3).

وقرّر زياد بن أبيه يوماً أن يستعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من الإمام عليّ علیه السلام ، وأن يقتل كلّ من امتنع من ذلك، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون ومات(4).

ومن الذين عملوا بوصايا معاوية : عمرو بن ثابت أخو زيد بن ثابت،وكلاهما معادٍ للإمام عليّ علیه السلام ؛ فقد كان عمرو أيام معاوية يركب ويدور في قرى الشام، ويجمع أهلها ويقول: أيّها الناس إنّ عليّاً كان رجلاً منافقاً، أراد أن ينخس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهل تلك القرية، ثمّ يسير إلى قرية أخرى، وهكذا(5).


1) شرح نهج البلاغة 4: 73.

2) شرح نهج البلاغة 4: 94 - 95.

3) شرح نهج البلاغة 4: 85 .

4) شرح نهج البلاغة 4: 85 .

5) شرح نهج البلاغة 4: 103.

ثانياً: اضطهاد أصحاب الإمام عليّ علیه السلام :

كان من شروط الإمام الحسن علیه السلام على معاوية: عدم تتّبع أصحاب الإمام عليّ علیه السلام (1)، إلّا أن معاوية لم يف بهذا الشرط؛ إذ كتب لولاته: (ألّا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة)(2).

ويبدو أنّ الكتاب الأخير ترك أثراً سلبياً على أصحاب الإمام عليّ علیه السلام وكان أشدّه في الكوفة، إذ يقول المدائني: (وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة (3)عليّ علیه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضمّ إليه البصرة، فكان يتّتبع الشيعة وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيام عليّ علیه السلام ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم (4).

ويقول المدائني: إنّ معاوية كتب كتاباً آخر جاء فيه: انظروا من قامت عليه البيّئة أنّه يجب عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه)(5).

ولم يقتصر الأمر على أصحاب الإمام علیه السلام بل امتدّ إلى كلّ من يشتبه بموالاته للإمام ولأهل البيت علیهم السلام وأصحابه ؛ إذ جاء في أحد كتب معاوية: (ومن أتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنکّلوا به واهدموا داره) (6).

ولنا أن نتصوّر كيف كان الحال بعد هذا المرسوم، فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر


1) شرح نهج البلاغة 44:16 .

2) شرح نهج البلاغة 11 44 ، النصائح الكافية: 97 .

3) ليس المقصود بلفظ الشيعة هنا من يعتقد بولاية أمير المؤمنين علیه السلام، وإنما يقصد به من ناصر الإمام عليّاً علیه السلام أيام خلافته، بدليل ذكره زياداً؛ لأنّه كان من أنصار الإمام علي علیه السلام أيام خلافته ثمّ أصبح من أعدائه فيما بعد..

4) شرح نهج البلاغة 11: 44.

5) شرح نهج البلاغة 11: 45.

6) شرح نهج البلاغة 11: 45.

منه بالعراق، ولاسيّما الكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ علیه السلام اليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلق إليه سّره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه (1).

وفي حديثه لأبان بن أبي عياش أجاد الإمام محمّد الباقر علیه السلام تصوير الحال وقتذاك بقوله: «فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله، أو هُدمت داره، ثمّ لم يزل الأمر يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين علیه السلام، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة وأخذهم بكل ظنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق، أو: كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ»(2).

ثالثاً: تقريب خصوم الإمام عليّ علیه السلام :

بعد أن أفرغ معاوية الساحة تماماً من أصحاب الإمام عليّ علیه السلام ، ملأها بخصوم الإمام علیه السلام ؛ فقد جاء في أحد كتبه لولاته: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقرّبوهم، وأكرموهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته (3).

رابعاً: افتعال فضائل لعثمان:

لقد أحسن خصوم الإمام أداء المهمة التي أوكلت إليهم، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه؛ لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي


1) شرح نهج البلاغة 11: 45.

2) شرح نهج البلاغة 44:11.

3) شرح نهج البلاغة 44:11.

في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه وقربه وشفّعه (1).

خامساً: افتعال فضائل لسائر الصحابة مقابل فضائل الإمام عليّ علیه السلام :

جاءت المرحلة الأخيرة التي شكّل فيها معاوية لجنة من مجموعة من الصحابة كعمرو بن العاص وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير (2)، وكانت مهمّتها:

1 - افتعال فضائل للصحابة.

2 - وضع فضائل للصحابة مقابل فضائل الإمام عليّ علیه السلام.

3 - افتعال مثالب للإمام عليّ علیه السلام.

ولذا كان لكلّ واحد من هؤلاء دور في تنفيذ أمر معاوية!

كما جاء في أحد كتب معاوية: (إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله)(3).

لقد وجد هذا الكتاب أكله؛ فقد رويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجّد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألق إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله... فظهر حديث كثير


1) شرح نهج البلاغة 11: 44 - 45.

2) شرح نهج البلاغة 4: 63.

3) شرح نهج البلاغة 11: 45.

موضوع، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة (1).

وقد استغلّ ذلك القرّاء المراءون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة كما رووها ولا تدينوا بها (2).

هذا الواقع كان ماثلاً لدى الإمام محمّد الباقر علیه السلام إذ قال فيه: «ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا

عنا ما لم نقله ، وما لم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن علیه السلام(3)».

واستمر الأمر إلى أيام ولاية الحجاج الثقفى للعراق، حيث تقرّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه، وموالاة من يدّعي من الناس أنهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا الغضّ من عليّ علیه السلام والطعن فيه والشنآن له (4).

إنّ من يستقرىء ذلك الواقع بإمعان يستغرب كيفية وصول فضائل الإمام عليّ علیه السلام إلى الأجيال؛ إذ لم يزده هذا المنع والتعتيم على فضائله علیه السلام إلّا رفعة وسموّاً، وكأنّه المسك الذي كلّما ستر انتشر ، وكلّما كتم تضوع نشره، وكأنه شمسٌ لا تستر


1) شرح نهج البلاغة 45:11، وراجع: المعيار والموازنة للإسكافي: 18

2) شرح نهج البلاغة 11: 45 - 46.

3) شرح نهج البلاغة 11: 43.

4) راجع شرح نهج البلاغة 46:11

بالراح، وكضوء النهار الذي إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة (1)، ولذا عدّ الشيخ المفيد ذلك من باب المعجزات الخارقة للعادة (2)، وكيف لا يكون من باب المعجزات؛ إذ أنّ أولياء الإمام علیه السلام كتموا فضائله خوفاً، أمّا أعداؤه فكتموها حسداً، ومع ذلك برز ما بين هذين ما ملأ الخافقين.

قال أبو جعفر الاسكافي: (فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لانقطع نقلها للخوف والتقيّة من بني مروان، مع طول المدّة، وشدّة العداوة، ولولا أنّ الله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه من يعلمه لم يُروَ في فضله حديث، ولا عُرفت له منقبة )(3).

حقائق تاريخ المسلمين تدعو لاتّباع الحقّ:

بعد أن بدأ «داود» ببحثه ومتابعته لمصادر الفريقين وجد الحقائق تتجلّى أمامه كلّما تعمّق أكثر ، وإذا باستفساراته وإشكالاته تنحلّ - بصورة عامّة - وفي المقابل أخذ اعتقاده بمذهبه يتزلزل، ومكانة كثير من الشخصيات التي كانت في نظره مقدّسة تتزعزع، فحق أهل البيت علیهم السلام غصبته هذه الثلة من المتظاهرين بالإسلام، وزوّروا الأحاديث الواردة فيهم علیهم السلام فأشركوا في فضائلهم غيرهم، أو أهملوا فضائلهم ومنعوا نشرها ظلماً وعدواناً، بل تجرّؤا أكثر من ذلك بظلمهم العترة الطاهرة علیهم السلام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.

كلّ ذلك وغيره جعل «داود» يراجع نفسه ومنهجيّته في الاعتقاد، فقرّراعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، والتنوّر بنورهم مهما كلّف الأمر.

وكان ذلك عام 1415ه- ( 1995م) في مدينة «ليلونجو»(4).


1) راجع شرح نهج البلاغة 1: 16 - 17.

2) راجع: الإرشاد 1 309 .

3) شرح نهج البلاغة 4: 73.

4) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه أدلّة الاستبصار، كما له لقاءمع إحدى الصحف الإيرانية.

(5) رفیق موسیٰ ماوا

(شافعي / مالاوي)

ولد في «مالاوي»، ونشأ في أسرة شافعية المذهب.

اتّبع «رفيق» هذا المذهب كسائر الأبناء الذين يتّبعون ما حصلت القناعة لديهم بصحّته، نظراً لانتماءات الآباء.

مقارنة بين الفكر الوهّابي وفكر مدرسة أهل البيت علیهم السلام :

عند بلوغ مرحلة الرشد سمع «رفيق» بوجود طائفة تسمّى: «الشيعة»، في مالاوي، يقولون: أنهم يتّبعون القرآن الكريم، وما رسمه لهم الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل البيت علیهم السلام من بعده صلی الله علیه وآله وسلم هذه الدنيا وما بعدها، في شتّى المجالات، فأثار ذلك انتباهه وجرّه إلى أن يبحث عن مدى صحة ما يعتقده أتباع هذا المذهب.

ومن جهة أخرى هناك فكر ونهج آخر عند جملة من الناس، يتّهمون فيه كلّ من لا يتّفق معهم - ولو في أيّ مفردة دينية كانت حتّى لو كانت تلك المفردة من المفردات الثانوية والفرعية، وليست من المفردات الأساسيّة بالكفر، والفسق،

والبدعة، والزندقة، والشرك.

وفي الوقت نفسه يشيعون أنّ ظاهرة التكفير إنّما هي موجودة في مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، وأنّ الشيعة الإمامية هم الذين يكفّرون باقى المسلمين، ويكرّرون هذه المقولة من غير دقّة وتدبّر لمضمونها.

وبمراجعة كتب العقائد يتّضح للباحث المنصف أنّ المروّج لظاهرة التكفير هذه هم: ابن تيمية وأتباعه، الذين يحاولون أن يسوّقوا أفكاره في الزمن الحاضر، من السلفية المحدثة ومن أتباع محمّد بن عبد الوهّاب.

موقف ابن تيمية من عموم المسلمين:

إنّ ابن تيمية وأتباعه ليست مشكلتهم مع الشيعة الإمامية الاثني عشرية فحسب، بل إنّ موقفهم هذا يعمّ الأشاعرة، وهم كما قال ابن حجر الهيثمي : أهل السُنّة والجماعة، وهم جمهور المسلمين، وكذلك الصوفية والمعتزلة، وغيرهم من المذاهب الإسلامية.

نجد ابن تيمية يقول: ثمّ أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إنّ له صفات... وأمّا المعتزلة فإنّهم ينفون الصفات مطلقاً... وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم... فهؤلاء كلهم ضُلال مكذَّبون للرسل.

ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعاً أنهم يلحدون في أسمائه وآياته... ولهذا كانوا يقولون: إنّ البدع مشتقة من الكفر وإليه. ويقولون: إنّ المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخاني

المعتزلة(1).

ولكي يتّضح المراد من «الجهمية» لابدّ من الرجوع إلى الذهبي لكي يعرّفنا ب- «جهم»؛ إذ يقول: جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي، مولاهم السمرقندي، الكاتب المتكلّم، أسّ الضلالة (2).

فعندما يعبّر ابن تيمية عن هذه الطوائف بأنها «جهمية» فهو ينسبهم إلى جهم بن صفوان الذي يعدونه أسّ الضلالات.


1) راجع مجموعة الفتاوى 6: 258 .

2) سير أعلام النبلاء 6: 26.

وقال محمّد بن عبد الوهّاب: هذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا ربّ العالمين بصفات المعدوم والجماد؛ فلقد أعظموا الفرية على الله، وخالفوا أهل الحقّ من السلف والأئمّة وأتباعهم، وخالفوا من ينتسبون إليه؛ فإنّ أبا الحسن الأشعري صرّح في كتابه (الإبانة والمقالات) بإثبات الصفات، فهذه الطائفة المنحرفة عن الحقّ قد تجرّدت شياطينهم لصدّ الناس عن سبيل الله، فجحدوا توحيد الله في الإلهية، وأجازوا الشرك الذي لا يغفر الله،(إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )(1)فجوّزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل..

فالأئمّة من من أهل السُنّة وأتباعهم لهم المصنّفات المعروفة في الردّ على هذه الطائفة الكافرة المعاندة كشفوا فيها كلّ شبهة لهم، وبيّنوا فيها الحقّ الذي دلّ عليه كتاب الله وسنّة رسوله، وما عليه سلف الأئمّة وأئمّتها من كلّ إمام، رواية ودراية(2).

فمحمّد بن عبد الوهّاب يرى أنّ علماء الأشاعرة شياطين، وهم معاندون؛ فالطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري كافرة ومعاندة.

وأمّا من المعاصرين، فقد قال فوزان وهو عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء: منهج أهل السُنّة والجماعة في الردّ على أهل البدع منهجهم في ذلك مبنيّ على الكتاب والسُنّة، وهو المنهج المقنع المفحم؛ حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلّون بالكتاب والسُنّة على وجوب التمسّك بالسُنن والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألّفوا المؤلّفات الكثيرة في ذلك، وردّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفواكتباً فى الردّ على ذلك (3).

ويعني الفوزان بهذه الكتب كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب محمّد


1) النساء (4): 48.

2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 3: 210.

3) محاضرات في العقيدة والدعوة 1: 109 .

بن عبد الوهّاب، فهي الكتب التي ألّفت للردّ على جمهور المسلمين من شيعة ومعتزلة وخوارج وأشاعرة وغيرهم.

وقال الألباني: الذي يشغلني عنه في كثير من الأحيان ردود تنشر في رسائل وكتب ومجلات من بعض أعداء السنّة من المتمذهبة والأشاعرة والمتصوّفة(1).

هنا أضاف الألباني «المتصوّفة» إلى الأشاعرة والمعتزلة والخوارج والمتصوّفة هم عشرات الملايين في العالم الإسلامي، وكثير منهم من أهل السنّة والجماعة وليسوا من أتباع الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولكن لأنّهم لم يتفّقوا مع ابن تيمية فصاروا أعداء السُنّة، أخرجوهم عن النهج القويم والصراط المستقيم وصاروا أهل بدعة وأعداء للسُنّة!

وأمّا في ما يتعلّق بمواقفهم من الشيعة أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام فتّتضح من خلال الإشارة إلى مجموعة من النصوص:

قال ابن تيمية: وأشهر الناس بالردّة خصوم أبي بكر الصديق وأتباعه، ك-: مسيلمة الكذّاب ،وأتباعه، وغيرهم، وهؤلاء تتولاهم الرافضة (2).

اذاً الرافضة لا يتولّون رسول الله، وإنّما يتولّون مسيلمة الكذّاب!

كما يقول ابن تيمية : سُئل أيضاً الشيخ محمّد بن عبد اللطيف: رجلان تنازعا في السلام على الرافضة والمبتدعين، ومن ضاهاهم من المشركين، وفي مواكلتهم ومجالستهم؟ فقال أحدهما: جائز.. وقال الآخر : لا يجوز... أمّا بعد، فقد سألني من لا تسع مخالفته... فالواجب على من أحبّ نجاة نفسه وسلامة دينه أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب؛ فإنّ الإيمان لا يستقيم إلّا بذلك(3).


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 6: القسم الأوّل، ص 676.

2) منهاج السُنّة 2: 501 .

3) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 8: 437 - 438.

فالشيعة إذاً في عداد المشركين، فهل توجد دعوة أوضح من هذه الدعوة للكراهية والتباغض بين المسلمين ؟ فلابدّ من عداوتهم؛ لأنّه من أهمّ المهمّات وآكد الواجبات.

وفي موضع آخر من الكتاب يقول: ونسوا دينهم الصحيح المقرّر، فعميت البصائر، واستحكمت غربة الدين، وعمّت الفتن وانتشرت، حتّى اجتمع الصالح والفاسق بالعابد واختلط الحابل بالنابل، وخالط المسلمون الكفّار والمشركين والرافضة والملحدين (1).

فالشيعة الإمامية الذين يتشهدون الشهادتين، ويقيمون الفرائض الإلهية من صلاة وصوم وحجّ وجهاد وزكاة، هؤلاء في عداد الكفّار والمشركين والملحدين.

وهناك أبعاد عملية لهذه الفتاوى، ومن أخطرها ما ورد عن ابن باز؛ فقد سُئل: هل طريقة الشيعة الإمامية من الإسلام، ومن الذي اخترعها؟ لأنهم، أي: الشيعة، ينسبون مذهبهم لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ، وإذا لم يكن مذهب الشيعة من الإسلام، ما الخلاف بينهم وبين الإسلام؟

فأجاب : مذهب الشيعة الإمامية مذهب مبتدع (2).

ومعنى هذا الكلام أنّ ابن باز يعتقد أنّ بينه وبين النصارى وبين اليهود توجد مشتركات، ولكن بينه وبين الشيعة الإمامية لا يوجد أي مشترك، لا أصول ولا فروع؛ لأنّه من من أصولنا التوحيد، والشيعة لا توحيد لهم، ومن أصولنا: النبوّة، والشيعة لا نبوّة لهم، وكذا المعاد والصلاة والصوم !


1) الدرر السَنية في الأجوبة النجدية 15: 463.

2) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 2: 268.

موقف أعلام مدرسة أهل البيت علیهم السلام من المسلمين على مختلف مذاهبهم :

إنّ الشيعة تعدّ مسألة الإمامة من الدعائم المهمّة والأساسية في منظومتها العقدية، يقول الشيخ المفيد:

(اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي عليّ، ولكنّهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملّة الإسلام؛ إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة، ولم يكفروا كفر ردّة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين، والاعتصام بذلك

عن كفر الردّة المخرج عن الإسلام، وإن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقّين اللعنة والخلود في النار)(1).

فتبيّن أنّه يتكلّم عن كفر غير الكفر الاصطلاحي، فهو كفر في قبال الإسلام، فإذا كان كافراً فليس بمسلم ، ولكنه هنا يصرّح بأنّه عندما أقول: هؤلاء كفّار، ليس مرادي: الكفر في مقابل الإسلام، فهؤلاء ليسوا كفّاراً بحسب الشرع، نعم في الآخرة يعامَلون ككفّار.

فهذا ليس إخراجاً عن الإسلام، وإنّما إخراج عن أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام، وهو مسلم تجري عليه جميع أحكام الإسلام في الدنيا.

وممن صرّح بهذا الرأي من أعلام الشيعة الكبار وأساطين الفقه: الشيخ محمّد حسن النجفي؛ فهو يقول : إذ هو إمّا البناء على كفر المخالف، وهو معلوم الفساد؛ للأخبار المعتبرة المنجبرة بعمل الأصحاب، وبالسيرة القاطعة الدالّة على تحقّق


1) أوائل المقالات: 151.

الإسلام بالشهادتين، من قالها فهو مسلم، تترتّب عليه جميع أحكام الإسلام (1).

عرف الحق فاستبصر :

للتعرّف على الفكر الشيعي عن قرب قرّر «رفيق» الانضمام إلى مدرسة «خاتم الأنبياء»، التي كانت تبيّن الفكر الشيعي ومباديء أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام .

عندها ازداد اطّلاعه على فكر ومنهج أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم، الذي أساسه الرحمة، وعدم التكفير، وتحريم قتل المسلمين، فقرّر اتّباع الحقّ وتغيير عقيدته ومسلكه، فأعلن عن استبصاره، وكان ذلك عام 1416 ه- (1996م) في

مدينة «ليلونجو» عاصمة مالاوي(2).


1) جواهر الكلام 83:4 .

2) للمستبصر ملف خاص في المركز وقد أُجري معه حوار، ذکر فيه أهم أدلة الاستبصار.

(6) أحمد محمّد تراوري

(مالكي / مالي)

45-13

ولد في مدينة «باماكو» في جمهورية مالي في عائلة مالكية المذهب، ودرس في مدينته حتّى حصل على الليسانس في مادة الحقوق، وبالإضافة إلى الدراسة الأكاديمية درس الأحكام الشرعية والقرآن الكريم في المساجد.

نظرتان في صفات الباري تعالى :

بعد تلقّيه التعاليم الدينية وفق مذهبه صار «أحمد» من المدرّسين في إحدى المدارس الدينية، ولم يكن يعرف حينها عن المذهب الشيعي إلّا القليل، حتّى شائت الأقدار الإلهية أن يحصل على بعض الصحف والمجلات العربية والفرنسية والتي كانت تبيّن الفكر الشيعي، فأثارت انتباهه واستغرابه؛ إذ كان فيها معلومات دينية جديدة لم يسمع بها من قبل، فدأب على قرائتها، وبدأ بالمقارنة بين ما يعتقده أهل السنة وبين ما تتبنّاه الرؤية الشيعية.

ومن المواضيع التي تلفت نظر الباحث في المقارنة بين المذاهب : نظرة الشيعة لصفات الباري تعالى وتتّضح تلك الرؤية بمقارنتها مع آراء الآخرين.

ومن ذلك : حديث (الأطيط ) واعتباره من قبل الوهّابية؛ فقد قالوا بأنّه صحیح السند وتام الدلالة والمضمون. والتزموا بلوازمه التي تثبت الثقل الله عزّ وجلّ..

فقد قال ابن تيمية، بعد أن نقل الروايات عن كعب الأحبار: فهؤلاء الأئمّة المذكورة في إسناده هم من أجل الأئمّة، وقد حدّثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبّار فوقهنّ، فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدّثوا به على هذا الوجه (1).

فهو يؤكّد هذه الحقيقة، التي هي من أخصّ وأهمّ لوازم الجسمية؛ فإنّ الجسم من أهمّ لوازمه وخواصّه الثقل، الجهة، الحدّ، التحيّز والحجم.

فهو يركّز على مسالة الثقل، ويقول: إنّ هؤلاء الأعلام من الأئمّة ذكروا هذه الأحاديث في كتبهم، ولم ينكروا على الدليل والمضمون، ولو كان باطلاً لم يذكروه ولم يقبلوه، ولكن ذكروا وقبلوا المضمون؛ إذاً الحديث صحيح وليس بباطل.

ولم يكن ابن تيمية منفرداً في هذا الرأي، فهذا ابن بطّة العكبري، يقول: ذيل قوله... قال المؤلّف: إنّ الله عزّ وجلّ على العرش، وللعرش أطيط كأطيط الرحل الجديد، وحديث الأطيط معروف، ضعّفه بعض العلماء وحسّنه بعضهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية (2).

وقال الدشتي وممّن احتجّ بهذا الحديث وقبله أو صرّح بصحّته من أهل العلم: محمّد بن إسماعيل البخاري، ومنهم : عثمان بن سعيد الدارمي (3).

وأمّا أتباع ابن تيمية من تلامذته ومن الوهّابية، فقد وافقوا ابن تيمية وساروا على نهجه :

قال ابن قيم الجوزية:

واذكر حديثاً لابن إسحاق الرضي ***ذاك الصدوق الحافظ الرّباني


1) راجع بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 3: 268.

2) شرح كتاب الشرح والإبانة على أُصول السنة والديانة 2: 570.

3) إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس على العرش: 141.

في قصّة استسقائهم يستشفعون إلى الرسول بربّه المنّانِ فاستعظم المختار ذاك وقال*** شأن الله ربّ العرش أعظم شاني لله فوق العرش فوق سماءه سبحان ذي الملكوت والسلطان*** ولعرشه منه أطيط مثل ما*** قد أطّ رحل الراكب العجلان (1)

وهذا غاية التشبيه؛ لأنّه يقول: مثل الراكب العجلان، ومع ذلك يقولون: بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف.

فابن القيّم يقبل هذا المعنى، وإلا لو لم يقبل أحاديث الأطيط سنداً أو دلالة كما ضمّنها هذه القصيدة النونية التي يقولون عنها: إنّها قصيدة التوحيد.

وقال محمّد عبد الوهّاب وإنّه ليأطّ به أطيط الرحل بالراكب، إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبّة (2).

وقال صالح بن فوزان العبد الله الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، قال في شرحه للأبيات التي شرحها ابن القيم آنفاً: لعرشه منه أطيط مثلما قد أطّ رحل الراكب العجلان... يقول: وهذا فيه إثبات العلو الله - عزّ وجلّ -، وفي الحديث نفسه أخبر صلی الله علیه وآله وسلم : أنّ العرش يأطّ من عظمة الله واستوائه، كما يأطّ الرحل بالراكب.

وإنّما قال ذلك لأنّ الوهّابية لا يعتقدون بالأمور المعنوية، ويقولون: هذا خلاف الظاهر.

والثقل أساساً لا يكون إلا بجاذبية، فأيّ جاذبية التي تجذب الحق سبحانه وتعالى وتؤثّر على وزنه وثقله - تعالى الله عن ذلك لأنّهم يقولون: أن العرش أعظم من السموات والأرض والله جالس على هذا ، فأي جاذبية تستطيع أن تجذب هذا الوزن، فهذا غير ممكن.


1) شرح القصيدة النونية 1: 277 .

2) راجع أصول الإيمان: 8.

وأمّا أئمّة أهل البيت علیهم السلام فقد أسّسوا أساساً وقالوا: ليس المهم أنّ الرواية صحيحة السند ، أو أنها نقُلت عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المهم: انطباقها على الضوابط والمحكمات القرآنية، فإذا لم تنطبق يضرب بها عرض الجدار وإن صحّ سندها.

خصوصاً إذا علمنا بأن قضية الوضع وتدمير وهدم مباني العقيدة الإسلامية كانت في سلّم أولويات النهج الأُموي.

إنّ أهل البيت علیهم السلام أسّسوا أصلاً أساسياً، وهذا الأصل مستقیً من القرآن الكريم، وهو ما نقله الشيخ الصدوق، عن الإمام الرضا علیه السلام ، قال «فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه»(1).

فإذا كان في الخلق حدّ فلا يوجد فيه حدّ ، وإذا كان في الخلق مكان فلا يوجد له مكان، وإذا كان للخلق ثقل فلا يوجد له ثقل، وإذا كان للخلق علوّ وسفل، وذهاب وإياب، وصعود ونزول، فليس له ذلك؛ لأَنّه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (2).

وهذه القاعدة أهم أصل في المعارف التوحيدية المدرسة أهل البيت علیهم السلام.

وفي رواية أخرى دخلنا على أبي الحسن علي بن موسى الرضا، فحكينا له أن محمّداً رأى ربّه في صورة الشاب الموفّق في سن أبناء ثلاثين فخرّ ساجداً الله، ثم قال: «سبحانك ما عرفوك ولا وحّدوك، فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن يشتهوك بغيرك، يا محمّد ! إنّ رسول الله حين نظر إلى عظمة ربّه كان في هيئة الشاب الموفّق ثم التفت إلينا فقال: ما توهّمتم من شيء فتوهّموا الله غيره، ما توهّمتموه من شيء فتوهموا الله غيره»(3).

وعن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن


1) التوحيد للصدوق: 41.

2) الشورى (42): 11 .

3) الكافي 1: 249.

الرضا علیه السلام فاستأذنته، فأذن لي، فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقرّ أنّ الله محمول ؟

فقال أبو الحسن علیه السلام :«كلّ محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج، والمحمول اسم نقص في اللفظ والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله :«ولله الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا »(1)، ولم يقل في كتبه: إنّه المحمول، بل قال: إنّه الحامل في البر والبحر، والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول».

قال أبو قرة: فإنّه قال: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ )(2)وقال: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ )(3)؟

فقال أبو الحسن علیه السلام : «العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة، وعرش فيه كلّ شيء، ثمّ أضاف الحمل إلى غيره خَلْق من خَلْقه؛ لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلْقاً يسبّحون حول عرشه، وهم يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده.. واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته، والله على العرش استوى، كما قال والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله الحامل لهم، المحافظ لهم الممسك القائم على كلّ نفس وفوق كلّ شيء، وعلى كل شيء، ولا يقال: محمول، ولا أسفل، قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى».

قال أبو قرّة: فتكّذب بالرواية التي جاءت أنّ الله إذا غضب إنّما يُعرف غضبه أنّ الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخّرون سُجّداً، فإذا


1) الأعراف (7): 180 .

2) الحاقة (60): 17 .

3) غافر (40): 7.

ذهب الغضب خفّ ورجعوا إلى مواقفهم؟

فقال أبو الحسن علیه السلام: «أخبرني عن الله تبارك وتعالى، منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه ، فمتى رضي ؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه؟!

كيف تجترىء أن تصف ربّك بالتغيير من حال إلى حال، وأنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟!

سبحانه وتعالى، لم يزل مع الزائلين، ولم يتغيّر مع المتغيرين، ولم يتبدّل مع المتبدّلين، ومَن دونه يده وتدبيره، وكلّهم إليه محتاج وهو غني عمّن سواه»(1).

الانطلاق في مسير الهداية:

بعد أن قارن «أحمد» بين الرؤى التي يتبنّاها الشيعة من جهة، وغيرهم من جهة أخرى، عرف الحقّ، وعلم أنّ التوحيد الحقّ هو التوحيد الذي يحمله آل البيت علیهم السلام وشيعتهم، فقرّر أن يتّبع الحقّ، وكان ذلك سنة 1401 ه- (1981م) في مالی.

ولتنمية رصيده الديني وفق مذهب أهل البيت علیهم السلام هاجر «أحمد» بعد استبصاره إلى «غانا»، ثم التحق بحوزة قم المقدّسة (2).


1) الكافي 1: 130 - 132.

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه ما يتعلق باستبصاره، كما له تسجيل صوتي يذكر فيه قصة الاستبصار.

(7) إدريس كويتا

(وهابي / مالي)

ولد في مدينة «سيكو» في جمهورية مالي سنة 1391 ه- (1971م) ونشأ فيها، وبسبب تأثّره بإعلام ودعايات التيار السلفى صار «إدريس» ذا ميول وهّابية.

واصل «إدريس» دراسته في السعودية وتخرّج من إحدى الجامعات فيها، ثمّ رجع إلى «سيكو»، وأصبح مديراً لأحد المراكز الوهّابية هناك.

سمع «إدريس» عن الشيعة والاتّهامات التي توجّه إليهم، ممّا دعاه إلى مطالعة الكتب الشيعية، فتبيّن له مدى الكذب الذي تحمله الوهّابية في أفكارها ومدّعياتها.

نسخ السنّة للقرآن :

من الشبهات التي أثارها أتباع التيار الوهّابي ضدّ المذهب الشيعي في معرض هجومهم المغرض عليه شبهة نسخ السُنّة للقرآن الكريم، وقد تمحورت شبهتهم حول مجموعة من المسائل:

المسألة (الشبهة) الأُولى:

قالوا: اعتقادهم بأنّ قول الإمام ينسخ القرآن، ويقيّد مطلقه، ويخصّص عامّه... ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد... ليست إلّا جزءاً من وظيفة الأئمّة الكبرى، وهي: (التفويض في أمر الدين)، والتي يقرّرها صاحب (الكافي) في باب يعقده في هذا الشأنّ بعنوان : (باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمّة علیهم السلام في

أمر الدين)...

ولعلّ المتأمّل لهذه المقولة، والمحلّل لأبعادها يدرك أنّ الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيّد الأنام ... وهذه الدعوى تقوم على أنّ دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمّة الاثنى عشر لإكماله، وأنّ كتاب الله وسُنّة رسوله صلی الله علیه وآله وسلم لم يكمل بهما التشريع..

وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثنى عشرية؛ لأنّها شربت مذاهب الغلاة حتّى الثمالة... وقد أشار أبو جعفر النحّاس المتوفّى سنة 338 ه- إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد، فقال: وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام ينسخ ما شاء وعدَّ ذلك من عظيم الكفر ، ثم بيّن بطلانه بقوله: لأنّ النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلّا بالوحى من الله عزّ وجلّ، إمّا بقرآن مثله على قول قوم، وإمّا بوحي من غيرالقرآن، فلمّا ارتفع هذان بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتفع النسخ (1).

وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:

1 - إنّ اعتقاد الإمامية على ثلاثة أقوال:

قال الشيخ المفيد: إنّ القرآن ينسخ بعضه بعضاً، ولا ينسخ شيئاً منه السُنّة بل تنُسخ السنّة به، كما تُنسخ السُنّة بمثلها من السنّة ؛ قال الله عزّ وجلَّ: (مَا نَنَسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (2).

وليس يصحّ أن يماثل كتاب الله تعالى غيره، ولا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه ولا معنى لقول أهل الخلاف (نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا) في المصلحة؛ لأنّ الشيء لا يكون خيراً من صاحبه بكونه أصلح منه لغيره، ولا يُطلق ذلك في الشرع، ولا تحقيق اللغة، ولو كان ذلك كذلك لكان العقاب خيراً من الثواب، وإبليس خيراً من


1) أُصول وتاريخ الفرق: 170 - 171.

2) البقرة (2): 106 .

الملائكة والأنبياء، وهذا فاسد محال.

والقول بأن: (السنّة لا تنسخ (القرآن) مذهب أكثر الشيعة وجماعة من المتفقّهة وأصحاب الحديث، ويخالفه كثير من المتفقّهة والمتكلّمين(1).

وقال السيد المرتضى: اعلم أنّ السنّة على ضربين: مقطوع عليها معلومة، وأُخرى واردة من طريق الآحاد؛ فأمّا المقطوع عليها، فإنّ الشافعي ومن وافقه يذهبون إلى أنّها لا يُنسخ بها القرآن، وخالف باقي العلماء في ذلك.

وأمّا السنّة التي لا يُقطع بها، فأكثر الناس على أنّه لا يقع بها نسخ القرآن، وخالف أهل الظاهر وغيرهم في جواز ذلك وادّعوا - أيضاً - وقوعه.

والذي يبطل أن (يُنسخ القرآن بما ليس بمعلوم من السنّة) أنّ هذا فرع مبنيّ على وجوب العمل ب- (خبر الواحد) في الشريعة؛ لأنّ من يجوّز النسخ يعتمد على أنّه كما جاز التخصيص به، وترك الظاهر لأجله، والعمل به في الأحكام المبتدأة، جاز النسخ -- أيضاً - به.

وأنّ دليل وجوب العمل بخبر الواحد مطلق، غير مختص، فوجب حمله على العموم، وإذا بطل العمل بخبر الواحد في الشرع، بما سنتكلّم عليه عند الكلام في الأخبار، بمشية الله تعالى بطل النسخ ؛ لأنّ كلّ من لم يعمل به في غير النسخ لا ينسخ -ه، فالقول ب- ( النسخ مع الامتناع من العمل أصلاً) خارج عن الإجماع.

وهذا أولى مماُ يمضى في الكتب من أنّ الصحابة ردّت أخبار الآحاد إذا كان فيها ترك للقرآن؛ لأنّ الخصوم لا يسلّمون ذلك، ولأنّه يلزم عليه أن لا يخصّص الكتاب بخبر الواحد؛ لأنّ فيه تركاً لظاهره.

وليس يجب من حيث تعبّدنا الله بالعمل بخبر الواحد في غير النسخ - إذا


1) أوائل المقالات: 123 - 124.

سلّمنا ذلك وفرضناه - أن نعدّيه إلى النسخ بغير دليل؛ لأنّ العبادة لا يمتنع اختصاصها بموضع دون موضع، فمن أين إذا وقعت العبادة بالعمل به في غير النسخ، فقد وقعت في النسخ، وأحد الموضعين غير الآخر ، وليس ها هنا لفظ عام يدّعى دخول الكلّ فيه ؟!

وخلاف الشافعي في أنّ السنّة المعلومة لا يُنسخ بها القرآن ضعيف جداً، لا ندري كيف استمرّت الشبهة فيه ؟!

والذي يدلّ على فساد هذا المذهب أنّ السنّة المعلومة تجري في وجوب العلم والعمل مجرى الكتاب، فكما ينسخ الكتاب بعضه ببعض ، كذلك يجوز فيه نسخه بها.

ولأنّ النسخ إنّما يتناول الحكم والسنّة في الدلالة عليه كدلالة القرآن، فيجب جواز النسخ بها.

وليس لأحد أن يقول: إنّ السنّة تدلّ كدلالة القرآن، لكنّها إذا وردت بحكم يضادّ القرآن أنزل الله تعالى قرآناً يكون هو الناسخ.

وذلك أنّ هذه دعوى لا برهان لمدّعيها؛ ومن أين أنّ الأمر على ذلك؟!

ولو قدرنا أنّه تعالى لم ينزل ذلك القرآن كيف كان يكون حال تلك السنّة؟

فلابدّ من الاعتراف باقتضائها النسخ.

ثم إذا اجتمعا لِمَ صار الناسخ هو القرآن، دون السنّة، وحكم كل واحد من الدليلين حكم صاحبه ؟

وإذا كان نسخ الحكم بحكم يضادّه، فلا فرق بين أن يكشف عن ذلك الحكم المضادّ سنّة، أو قرآن(1).

وقال الشيخ السبحاني وهو من المعاصرين أن نسخ القرآن بأخبار الأحاد


1) الذريعة (أصول الفقه) للسيّد المرتضى 1: 460 - 463.

ممنوع جداً (1)شرح مقدّمة التفسير ، للعلّامة العثيمين 1: 129.

فتبيّن من ذلك أنّ الشيعة لديهم ثلاثة آراء في الموضوع، فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أجاز مطلقاً، ومنهم من ذهب إلى التفصيل بين المقطوع وخبر الواحد.

وجواز نسخ السُنّة للقرآن يذهب إليه الوهّابية أيضاً؛ فيقول ابن عثيمين، وهو من مقدّمي الوهّابية في عصرنا الحاضر:

وإذا سأل سائل: هل السنّة تنسخ القرآن؟

فالجواب: أنّنا نقول إذا صحّت نسخت القرآن(2).

وقال أيضاً في معرض جوابه على سؤال في شأن النسخ، هل نسخ شيء من القرآن بالسنّة ؟

الجواب: لا أعلم شيئاً من القرآن نسخ بالسنّة إلّا مسألة اللوطي - نسأل الله العافية - فإنّ الله تعالى قال في القرآن: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً )(3).، فهذه الآية تدلّ على أنّ الفاعلَين يؤذيان حتّى يتوبا ويصلحا، فجاءت السنّة من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، فهذا يستدلّ به على أنّ السنّة تنسخ القرآن.

وعمل قوم لوط أكبر من الزنا والعياذ بالله وأفحش، والدليل على هذا: أنّ الله قال في القرآن: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)(4)، أي: فاحشة من الفواحش وأمّا اللواط، فقد قال لوط لقومه : (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ )(5)، أي: الفاحشة العظمى الكبرى، ولهذا دخلت عليها (ال) ، فكان اللواط أعظم من الزنا، ويدلّ على هذا


1) أضواء على عقائد الشيعة الإمامية للشيخ جعفر السبحاني: 474.

2) شرح مقدّمة التفسير ، للعلّامة العثيمين 1: 129.

3) النساء .

4) الإسراء (17): 32 .

5) الأعراف (7): 80 .

أيضاً: أنّ الله سبحانه وتعالى بعث رسولاً برسالة تامّة لينذر من هذه الفعلة الشنيعة، وأنّ الله أهلك فاعلي هذه الفعلة الشنيعة بصفة عامة، فدلّ ذلك على أنّ اللواط أعظم من الزنا..

ولهذا يجب على وليّ الأمر إذا ثبت اللواط بين اثنين، وكلاهما بالغ عاقل، ولم يكره أحد منها، أن يقتلها؛ امتثالاً لأمر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ودرءاً لهذه المفسدة القبيحة والفاحشة الشنيعة.. نسأل الله العافية.

هذا الذي يحضر ني بعد التّتبع من نسخ القرآن بالسُنّة.

وأمّا من قال: إنّ قول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(1)، منسوخ بقوله صلی الله علیه وآله وسلم : «لا وصيّة لوارث»، فهذا قول لا يصحّ..

أولاً: لأنّ الحديث ليس فيه نسخ بل فيه التخصيص؛ لأنّ الآية فيها الأمر بالوصية للأقربين، وهذا يعمّ الوارث وغير الوارث، ثم رفع الحكم عن الوارث فقط وهذا تخصيص لا نسخ؛ لأنّ النسخ: رفع الحكم كلّه، لا رفع الحكم عن بعض أفراد العموم.

ثانياً : لأنّ الحديث مبيّن للناسخ وليس ناسخاً؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقّه فلا وصيّة لوارث وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنّ الله تعالى قسّم الميراث وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية بعد هذا التقسيم لوارث .

لكن ليكن معلوماً لديك أنّه حتّى وإن لم يوجد مثال يسلم من المعارضة؛ فإنّ السنّة إذا صحت عن النبي صلي الله علیه وآهل وسلم فهی (2).


1) البقرة (2): 180 .

2) لقاء الباب المفتوح 14:46 ، وهو عبارة عن لقاءات كان يعقدها العثيمين بمنزله كل خميس، والمقصود من رقم الجزء هو رقم اللقاء.

ولكن صاحب الإشكال نسب جواز نسخ القرآن بكلام الإمام إلى اعتقاد الإمامية.

2 - إنّ هذا الإشكال لم يجدوه في أي من كتب الإمامية، وإلا أرجعوا إليه.

3 - إنّ عقيدة الإمامية أن الشريعة الإسلامية هي التي أُنزلت على النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم، ولا نبي من بعده، ولا استمرار للتشريع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنّ رسول الله لم يكن لديه فرصة لتبيين تفاصيل أحكام الشريعة إلى عامة الناس، فأودعها عند علي علیه السلام لتبيينها للناس، ثم من بعده الأئمّة علیهم السلام.

فهذه النسبة إلى الإمامية وأنّها تعتقد بأنّ النبي لم يكمل التشريع، وأنّ التشريع استمرّ ولم ينقطع بعد وفاة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم افتراء لاصحة له.

4 - إنّ التخصيص لعام القرآن الكريم تقييد المطلق فيه، فالصحيح أن قول الإمام علیه السلام الذي أورثه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم التفاصيل لأحكام الشريعة الإسلامية فإنّه يمارس ما كلّفه به الله ورسوله، ورسول الله في الشريعة يطبّق ما نزل إليه من عند الله سبحانه وتعالى، فالتخصيص هنا ليس من الإمام علیه السلام نفسه، بل هو من رسول الله الذي وصل إليه بالوحي من الله تعالى.

المسألة (الشبهة) الثانية:

قالوا: إنّ الشيعة قالوا: يجوز لمن سمع حديثاً عن أبي عبد الله أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده، بل يجوز أن يقول : قال الله تعالى، فكان للإمام في اعتقادهم تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن؛ لأن قول الإمام كقول الله ، فالأئمة قد فوّضوا في أمر الدين كما فوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلهم حق التشريع (1).


1) أُصول مذهب الشيعة 146:1.

والجواب عن هذه الشبهة:

إنّ مؤدّى هذا الكلام أنّ قول الإمام علیه السلام، الذي ورث علم الشريعة من النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم ، كاشف عن قول الله، لا أنّه قرآن ولا أنّه كقول الله، فلا يستلزم منه أن يكون للإمام حقّ تقييد أو نسخ أو تخصيص القرآن، لأنّ تخصيص وتقييد ونسخ القرآن الله تبارك وتعالى.

و نسخ آيات القرآن الخالد إلى يوم القيامة يتحقق بآيات أُخرى من القرآن لا غیر.

المسألة (الشبهة) الثالثة:

قالوا: تقول الشيعة : إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى نبيّه، فقال: وَمَا أَنَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ (1)، فما فوض إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقد فوّضه إلينا.)وقال أبو عبد الله - كما تزعم كتب الشيعة -: «لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلّا إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وإلى الأئمّة ؛ قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِنَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً(2)، وهي جارية في الأوصياء» (3).)وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:كان استدلالهم للتفويض فى الخبرين بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وقوله تعالَ: «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله)، والذي يُفهم من الآيتين: أنّ النبي تجب طاعته في أوامره ونواهيه، وأنّ له الحكم بين الناس؛)


1) الحشر (59) .

2) النساء (4): 105.

3) أُصول مذهب الشيعة 1: 147.

فالمراد: تفويض الحكم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أئمّة الحقّ من بعده، كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ (1)فقد أمر فيه بالطاعة الله، ثم أمر بالطاعة للرسول ولأولي الأمر، والطاعة الله هي العمل بأحكام الشرع، ولرسول الله وأُولي الأمر هي: طاعتهم في الحكومة..)فتفويض النبي صلی الله علیه وآله وسلم والأئمّة معناه: تفويض الحكومة؛ فإنّ الحكومة بالأصالة هي الله تعالى، فهو المولى الحقيقي، وجميع أُمور العباد بيده، وقد فوّض الحكومة على الناس إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم و بعده إلى الأئمّة علیهم السلام ، ولا تشريع للأحكام الشرعية كما ادُّعي.المسألة (الشبهة الرابعة :)قالوا: وهذه الدعوى تقوم على أنّ دين الإسلام ناقص، ويحتاج إلى الأئمّة الاثنى عشر لإكماله، وأنّ كتاب الله وسنّة رسوله صلی الله علیه وآله وسلم لم يكمل بهما التشريع؛ إذ أنّ بقية الشريعة مودعة عند الأئمّة، وأنّ رسول الهدى صلی الله علیه وآله وسلم لم يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه، وأنّما كتم بعض ما أنزله إليه وأسرّه لعليّ.. وكلّ ذلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لأصول الإسلام.ونقلوا دليلاً على ما ذكروه: ما جاء في أصول (الكافي: عن محمّد بن منصور، قال: سألت عبداً صالحاً عن قول الله عزّ وجلّ: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )(2)؟ قال: فقال: إنّ القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ. تقرّر هذه الرواية الواردة في أصحّ كتبهم الأربعة مبدءاً هو: أنّ للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفةً تامّة... وهو محاولة)


1) النساء (4): 59.

2) الأعراف (7): 33.

لتغيير دين الإسلام من أساسه، ودعوة إلى التحلّل والإباحية ! (1.)وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:1 - ما صدر عن الأئمّة علیهم السلام في بيان الأحكام فمن سُنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لأنّها مأخوذة منه صلی الله علیه وآله وسلم حرفياً، ولم يخفيها النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، ولكن لم يكن هناك مجال لبيانهابشخصه لعامّة الناس، وإنّما بلّغها لهم من خلال أوصيائه علیهم السلام.إنّ الروايات التي جاءت في كتب أهل السنّة إنّما رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال الصحابة، فقد بيّنها للأُمّة وبلّغها إليهم بالواسطة، وأمّا الذين تجاهلوا روايات الأئمّة المعصومين علیهم السلام، وتوسّلوا في فهمهم للأحكام الشرعية إلى القياس والاستحسان، فهم من يجب أن توجّه لهم هذه التهمة، من جهة أنّ دعواهم تقوم على أن دين الإسلام ،ناقص، وأنّ كتاب الله وسنّة رسوله غير كاملة التشريع، مع أنّ ذلك ينا في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلامَ دِيناً(2)، وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (3).)2 - إنّ ظواهر القرآن لا يمكن نفيها؛ فالقرآن تبيان لكلّ شيء بمعانيه الباطنية التي تعلم بتوضيح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا واسطة، أو من خلال الأئمّة المعصومين، الذين أورثهم رسول الله علم القرآن، وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما»(4.)


1) أُصول مذهب الشيعة 1: 148 - 151.

2) المائدة (5): 3.

3) النحل (16): 89 .

4) مسند أحمد 3: 14 ، سنن الدارمي ،2 432، فضائل الصحابة للنسائي: 22، مستدرك الحاكم 3: 148، السنن الكبرى للبيهقي : 30.

3 - إنّ ما جاء في هذا الحديث: إنّ القرآن له ظهر وبطن، فهذا يدلّ على أنّ للقرآن معاني ظاهرة ومعاني باطنة، وهذا لا يعني بأي حال أنّ المعنى الباطني يخالف المعنى الظاهري وينافيه؛ فما أحلّ الله في القرآن منها حلال في الواقع، وما حرم الله في القرآن من أفعال العباد حرام. ولا ينافي ذلك أنّ لهذه الآيات معاني أُخرى أيضاً، فليس هذا الحديث دعوة إلى الإباحية والتحلّل.اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام:بعد أن اطّلع على الحقائق وتبيّن له دور أئمّة أهل البيت علیهم السلام في إكمال تبليغ الدين الذي كلّفهم به الله ورسوله، قرّر «إدريس» وبعد تتبع واستقصاء، أن يتّبع مذهب أهل البيت علیهم السلام، وذلك في سنة 1418 ه- (1998م(1).)


1) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه نبذة عن حياته وأدلّة الاستبصار.

## (8 إسماعيل جارا)(وهّابي / مالي)ولد سنة 1388 ه- ( 1968م في مدينة سيقو في جمهورية مالي، ودرس فيها إلى أنّ حصل الشهادة الثانوية، كان مالكياً ثمّ انجذب إلى المدّ الوهّابي الذي انتشر في أفريقيا، وبما أنّه كان من الباحثين عن الحقيقة من خلال الدليل والبرهان فعندما سمع بالتشيّع لفت نظره أدلّته الواضحة.)توحيد الله وتنزيهه جلّ وعلا عن صفة الجسمية:ممّا يلفت نظر الباحثين في عقائد الوهّابية موضوع التجسيم عندهم، وخلوّ فكر أهل البيت علیهم السلام من هذا الأمر.إنّ حقيقة الإنسان وكماله تكمن في عبوديّته الله سبحانه وتعالى، وهذه أُكله العبودية لله سبحانه وهذا التوحيد، وهو توحيد العبادة، لا يمكن أن يعطي وثماره إلا إذا كان مؤسّساً على معرفة صحيحة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف الله سبحانه وتعالى حقّ معرفته فلعلّه يتقرّب إليه بما هو مبغوض عنده تعالى.فإنّ العبد إذا لم يعرف مولاه كما ينبغي، ولم يعرف كيفية القرب من المولى، وما هو الأمر الذي يبعّد عن المولى، فلعلّه يمين المولى بتصوّر أنّ المولى يفرح بذلك وهو يسخطه، ولعلّه يتقرّب من عدوّ المولى وهو يتصوّر أنّه يقربه إليه في حال أنّه يبعّده عنه.

ولهذا نجد أنّ الإمام الصادق علیه السلام قال: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلّا بعداً»(1.)فعلى الإنسان قبل أن يعبد أن يتعرّف على الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب علیه السلام : «أوّل الدين معرفته»(2.)فأوّل واجب لمن يريد السير في طريق الله والالتزام بأمره أن يعرف الله؛ لأنّ الطاعة تقتضي معرفة المطاع، وامتثال الأمر يقتضي معرفة الأمر، وإلّا كيف يطاع الأمر مع مجهولية الأمر؟!عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره.قال: وكيف رأيته؟قال: ويلك! لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(3.)ويوجد في معرفة الله أتّجاهان أساسيان:الاتجاه الأوّل: وهو الاتّجاه الذي يصرّ على أنّ كلّ الصفات التي وردت في القرآن الكرم، وبالأخصّ تلك الصفات التي وردت في الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم والتي بظاهرها توحي بالتشبيه والتجسيم تحمل على ظاهر اللفظ، وبهذا اضطرّوا إلى أن يجعلوا قيداً بجنبها، وقالوا: (لا كالأجسام!)وإلا لو لم تكن تدلّ على الجسمية لما احتاجوا إلى أن يقولوا: (له وجه لا كالوجوه و (له جسم لا كالأجسام)، و له يد لا كالأيدي)، و (له قدم لا)


1) الكافي 1: 43.

2) نهج البلاغة 14:1، الخطبة الأولى.

3) الكافي 1: 98.

كالأقدام، و (له نزول وحركة لاكنزول وحركة الإنسان).)فإذا كانت الألفاظ بنفسها لا توهم الجسمية، ولا توهم التشبيه لما اضطرّوا إلى وضع هذه القيود إلى جنب هذه الكلمات.إنّ هذا يكشف عن أنّ هذه الألفاظ بطبيعتها دالّة على التجسيم والتشبيه، والوهّابية عندما حاولوا أن يدفعوا عن أنفسهم التشبيه والتجسيم قالوا: (بلا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأثير ، وإنما قالوا ذلك للتخلّص من إيهام هذه الألفاظ؛ إذ أنّها ليست لها مصاديق إلّا مصاديق جسميّة وماديّة.)وهناك شواهد تثبت أنّ الوهّابية لا مضايقة عندهم أن يلتزموا بأنّ الله سبحانه وتعالى جسم ولكن لا كالأجسام:1 - قال ابن حجر العسقلاني: (وقال ابن بطّال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسّمة في تعلّقها بهذه الظواهر ، وقد تقرّر أنّ الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه؛ فقد كان ولا مكان، وإنّما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه: اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان. انتهى(1).)إن ابن بطّال يقول : أنّ البخاري كان بصدد إبطال نظرية المجسّمة؛ لأنّ الثابت أن الله ليس له جسم، أعمّ من أن يكون كالأجسام أو لا كالأجسام.ومن قال: إنّ الله يحتاج إلى مكان التزم بأنّه جسم له خصائص الجسمية، من جهة أنّه قبل وجود المكان كان الله موجوداً؛ لأنّ المكان مخلوق من المخلوقات، ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «أيّن الأين فلا أين له». (2فهو الذي خلق المكان فلا يعقل أن يكون له مكان.)وابن حجر العسقلاني يوافق على هذا الكلام، ولا يبطله.والذي يثبت أنهم يقولون بالجسمية : أنهم ردوا على ابن بطّال قوله الذي نقله


1) فتح الباري 13: 352.

2) الإرشاد للمفيد 1: 201 .

ابن حجر ؛ قال علي بن عبد العزيز بن علي هذا النقل عن ابن بطّال عفا الله عنه فيه منكرات، منها: نفي الجسمية والاستقرار في مكان عن الله، وهو نفي لم يرد في الكتاب والسنّة، ودعوى تنزيه الله عن المكان يرمي منها نفي استواء الله على العرش، وهو ليس بسديد، بل الله مستوٍ على العرش حقيقة (1.)و من كلامهم هذا يتّضح أنّهم يعتقدون أنّ من يعتقد أنّ الله ليس بجسم وليس مستقرّاً في مكان فقد خالف الكتاب والسنّة.2 - قال ابن حجر عن أبي هريرة رفعه خلق الله آدم على صورته. الحديث، وزعم بعضهم أنّ الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصو ، موصوفاً بالعلم الذي فضل به الحيوان ، وهذا محتمل، وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة؛ فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال : صورة لا كالصور (انتهى (2).)وقد علّق علي بن عبد العزيز بن علي على هذه الفقرة من ابن بطّال حيث قال: تمسّك به المجسّمة فأثبتوا الله صورة ، فقال : هذا تمحّل من ابن بطّال، ونبز لأهل السنّة والجماعة، وللسلف الصالح بالتجسيم، لأنّهم يثبتون الله عزّ وجلّ صورة حقيقة تليق بجلاله وعظمته لا تقتضي مماثلة صور المخلوقين، كما وصفه بذلك رسول الله، حيث قال: رأيت ربّي في أحسن صورة. فهل يكون الرسول بهذا الوصف مجسّماً؟ (3.)فالله جلّ وعلا في عقيدة الوهّابية له صورة ولكنّها ليست كالصور.3- قال ابن حجر فإنَّكم ترونه في جهاتكم كلّها وهو متعال عن الجهة (4.)فإنّ القائلين بالرؤية يقول بعضهم: إنّ الله يُرى يوم القيامة بالعين المجرّدة والباصرة، ويقول بعض آخر يرونه في جهة معيّنة، أمّا في اليمين أو في اليسار، أمّا في


1) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: 125.

2) فتح الباري 5: 133.

3) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: 128.

4) فتح الباري 11: 388.

الأعلى أو في الأسفل، ويقول آخرون إنّهم يرونه لا في جهة؛ لأنّه إذا قالوا في جهة يلزم الجسمية، وهذا غير معقول.وعلّق علي بن عبد العزيز بن علي على ذلك فقال: الحقّ أنّ الله عزّ وجل يُرى في الآخرة بالأبصار، ونفى الجهة في الرؤية باطل؛ إذ لا رؤية إلّا في جهة، وهو سبحانه يُرى وهو في علوّه، يرونه من فوقهم، كما نرى الشمس والقمر من فوقنا، فالتشبيه للرؤية بالرؤية ويراه المؤمنون بلاكيف(1.)ولا يوجد تجسيم أكثر من هذا، فإذا كانوا يرونه في مكان مخصوص، وفي جهة مخصوصة في الأعلى، فكيف يرونه بلا كيفية؟!إنّ الوهّابية الذين يتبجّحون ويملؤون الدنيا صراخاً بأنّهم أهل التوحيد، هذا هو التوحيد الذي يدعون الناس إليه، توحيد التجسيم، توحيد التشبيه، توحيد الصورة توحيد المكان توحيد الجهة توحيد الاستلقاء، توحيد وضع الرجل اليمنى على اليسرى، توحيد القدم، وتوحيد الأصابع !!العمل بعد الاهتداء:لمّا اقتنع «إسماعيل» كاملاً بمبادىء مذهب أهل البيت علیهم السلام بادر إلى اعتناقه سنة 1408 ه- (1988م، ثم التحق بالمعهد العالمي لأهل البيت علیهم السلام فدرس فيه لمدّة أربع سنوات، ثم شمر عن ساعديه لخدمة هذا المذهب، فقام بتأسيس مدرسة للعلوم الإسلامية في مدينة سيقوا، بهدف قلع جذور الجهل ونشر علوم أهل البيت علیهم السلام ، وإنقاذ الأمّة من الانحطاط الفكري والخلقي، والمساهمة في بثّ الوعي الإسلامي ونشر الفكر الديني الرصين، وتوجيه الناس إلى مبادئهم القيمة وتراثهم المجيد، لاسيّما الشباب المتعطّش إلى فهم الإسلام وتطبيق مفاهيمه وتعاليمه المتعالية(2).)


1) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: 128.

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية ذكر فيه أدلّة الاستبصار وكيفيته، والنشاطات التي يقوم بها بعد الاستبصار.

## (9 آمنة أحمد هادي)(مالكية / مالي)ولدت عام 1368 ه- ( 1949م في مدينة «كاتي» في جمهورية مالي، ونشأت في بيئة تعتنق المذهب المالكي.)بعد مضي ما يقارب أربعة عقود من حياتها، المليئة بالبحث والتحقيق، وإثر توفيق ربّاني أحاطها، تحرّرت «آمنة» من معتقداتها الموروثة، فنتيجةً للتأثر بالآيات الكريمة وسيرة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ، وبالتغلّب على الشبهات التي أثارهاأعداء مذهب أهل البيت علیهم السلام ضده فُتحت أمامها آفاق واسعة رحبة، دفعتها في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائها المذهبي.من هم أُولو الأمر:من الآيات الكريمة الدالّة على ضرورة اتّباع أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وأنّهم معصومون كعصمة النبي صلی الله علیه وآله وسلم : قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ (1).)فقد قرّب الفخر الرازي دلالتها على العصمة بقوله: إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم


1) النساء (4): 59 .

والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولى الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوماً (1.)ولكن الفخر الرازي نفسه خالف الشيعة في دعواهم في إرادة خصوص أئمّة أهل البيت علیهم السلام من هذه الآية، وقرّب أن يكون المراد منها أهل الإجماع بالخصوص، واستدّل على ذلك بقوله: ثم نقول: ذلك المعصوم إمّا مجموع الأُمّة أو بعض الأمّة، لا جائز أن يكون بعض الأمّة، لأنّا بيّنا أنّ الله تعالى أوجب طاعة أُولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم.ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك، علمنا أنّ المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض الأمة ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: ﴿وَأُولِي الأمْرِ : أهل الحل والعقد من الأمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الأمّة حجّة (2).)ثم استعرض بعد ذلك الأقوال الأخر في الآية وناقشها جميعاً، حتّى انتهى إلى رأي من أسماهم بالروافض فقال: وأما حمل الآية على الأئمّة المعصومين على ما تقوله


1) التفسير الكبير 10: 144.

2) التفسير الكبير 144:10.

الروافض ففي غاية البعد؛ لوجوه:أحدها :ما ذكرناه أنّ طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر قوله: (أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ يقتضى الإطلاق، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنّه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معاً، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولى الأمر.)الثاني: أنّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر، وأُولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلّا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.وثالثها: أنّه قال: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ (1)ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أنّ الحق: تفسير الآية بما ذكرناه (2).)رد الشبهة:والذي يرد على الفخر الرازي - في استنتاجه وجوب إطاعة أهل الاجماع، وأنّهم هم المراد من كلمة أولي الأمر لا الأئمّة علیهم السلام - بناؤه هذا الاستنتاج على اعتبار معرفة متعلّق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط - لتعذّر معرفة الأئمّة والوصول إليهم - ينتفي المشروط.وهذا النوع من الاستنتاج غريب في بابه؛ إذ لازمه أن تتحوّل جميع القضايا


1) النساء (4): 59.

2) التفسير الكبير 146:10.

المطلقة إلى قضايا مشروطة، لأنّه ما من قضية إلّا ويتوقّف امتثالها على معرفة متعلّقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلّق شرطاً فيها لزمت أن تكون مشروطة.والظاهر أنّ الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدّمة الوجوب وما كان من سنخ مقدّمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلّق إنما هو من النوع الثاني، أي من نوع ما يتوقّف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه ؛ إذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولّد منه وجوب لمقدّماته، وبعد وجودها لا معنى لتولّد الوجوب منه بالنسبة إليها، للزوم تحصيل الحاصل.وعلى هذا، فوجوب معرفة المتعلّق للتكاليف لا يمكن أخذه شرطاً فيه بما هو متعلّق لها، لتأخّره رتبة عنها ، ويستحيل أخذ المتأخّر في المتقدّم؛ للزوم الخلف أو الدور.على أنّ هذا الإشكال وارد عليه نقضاً؛ لأنّ إجماع أهل الحلّ والعقد هو نفسه ممّا يحتاج إلى معرفة، وربمّا كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد، لاحتياجها إلى استيعاب جميع المجتهدين، وليس من السهل استقراؤهم جميعاً والاطلاع على آرائهم وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الإطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط، والإشكال نفس الإشكال.والغريب في دعواه بعد ذلك ادّعاء العجز عن الوصول إلى الأئمّة علیهم السلام ومعرفة آرائهم مع توفّر أدلّة معرفتهم وإمكان الوصول إلى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.ثم إنّ استفادة الاجتماع من كلمة (أُولِي الأمْرِ مبنية على إرادة العموم المجموعي منها، وحملها على ذلك خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر من هذا النوع من العمومات هو: العموم الاستغراقي، المنحل في واقعه إلى أحكام متعدّدة بتعدد أفراده)

ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه، وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبياً..فلو قال الشارع اعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة مثلاً، فهل معنى ذلک لزوم إعطائها لهم مجتمعين وإعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (وَأُولِي الأمْرِ في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة، وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك ما دام أهل الإجماع أنفسهم ممّا يحتاجون إلى المعرفة كالأئمّة، ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين كما قلنا، وبخاصّة بعد توفّر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.)وقد اتّضحت الإجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات.أمّا الإشكال الأوّل:فهو بالإضافة إلى وروده نقضاً عليه - لأنّ إطاعة الله والرسول وأهل الحلّ والعقد كلّها مما تتوقف على المعرفة : أنّ المعرفة لا يمكن أخذها قيداً في أصل التكليف، لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على إطاعة الله والرسول كلّها مقيّدة بها، فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول.والإشكال الثاني:يتّضح جوابه ممّا ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كلّ فرد حكمه، فإذا قال المشرِّع الحديث - مثلاً : حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية، فإنّ معناه أنّ حكم كلّ واحد منهم نافذ، لا حكمهممجتمعين..نعم، يظهر من إتيانه بلسان المجمع أنّ أولي الأمر أكثر من فرد واحد، وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه أن يكونوا مجتمعين في زمان واحد، لأنّ صدق الجمع على

الأفراد الموزعين على الأزمنة لا ينا في ظاهره.يبقى الإشكال الثالث:وهو عدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الردّ إليهم عند التنازع، بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول.وهذا الإشكال أمره سهل؛ لجواز الحذف اعتماداً على قرينة ذكره سابقاً، وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (1).)والإشكال الذي يرد على الشيعة - بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الأمر كما قال الفخر - أنّ القضية لا تثبت موضوعها، فهي لا تعيّن المراد من أولي الأمر، وهل هم الأمة من أهل البيت علیهم السلام أو غيرهم؟ فلابدّ من إثبات ذلك إلى التماس أدلّة أخرى من غير الآية الكريمة.وهنا يصل الدور إلى الآيات الكريمة والروايات التي تبيّن عصمة أهل البيت علیهم السلام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً(2)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر عمره الشريف: «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله.. وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىَّ الحوض»(3).)ومعنى هذا الحديث: أنّ الشخص الذي يتحرّك في خط القرآن العاري عن


1) النساء (4): 83.

2) الأحزاب (33): 33.

3) راجع: مسند أحمد 3: 14، سنن الترمذي 5: 328، المصنّف لابن أبي شيبه 7: 418،وغيرهم.

الخطأ والاشتباه هو أيضاً مصون من الوقوع في الخطأ، إذاً لابدّ أن يكون أهل البيت علیهم السلام معصومين أيضاً من الخطأ والاشتباه كيما يصحّ التمسّك بهم، ويكون طلال سلام التحرّك في خطّهم مصوناً من الوقوع في إشكال الزلل والزيغ، وإلّا فلا معنى أن يكون أهل البيت علیهم السلام غير معصومين والشخص الذي يسير في خطّهم ويتّبعهم يكون مصوناً من الوقوع في الخطأ.الوقوف على حجيّة سنة أهل البيت علیهم السلام :بعد فترة غير قصيرة من المطالعة والبحث مع الآخرين توصّلت «آمنة» إلى ضرورة تغيير رؤيتها الاعتقادية، واتّباع سنّة أهل البيت علیهم السلام، ومنهجهم الموصل إلى الكمال والسعادة في الدارين.وهكذا أعلنت «آمنة» استبصارها والالتحاق بركب أتباع المذهب الشيعي، وكان ذلك عام 1411 ه- ( 1991م في مدينة «كايبس» المالية.)وقامت بعدئذ بتعليم وإرشاد النساء، وإدارة جمعية نسوية باسم «جمعية الطاهرة عليهما السلام »(1.)


1) للمستبصرة ملف في مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه جملة من أنشطتها بعد الاستبصار وغير ذلك، وتم إرسال عدة كتب دينية لها عبر البريد.

## (10 بابا جالو (أبو علي))(مالكي / مالي)ولد عام 1358 ه- ( 1940م في جمهورية مالي بقرية «بيرا»، نشأ في أجواء دينية تعتنق المذهب المالكي، ثم توجّه إلى الدراسات الإسلامية، فتلّقى الشريعة والعلوم الفقهية وفق المذهب المالكي، حتىّ نال مرتبة الإجازة في الدراسات)الحوزوية.توجّه بعد ذلك نحو العمل التوجيهي والتبليغ، فاكتسب قلوب الناس وحاز شعبية يعتدّ بها في منطقته، ونال مكانة رفيعة بين علماء الدين.كان كثير السفر، فقد سافر إلى كلّ من السنغال، غامبيا، ساحل العاج، غانا، ليبيا، إيران السعودية، وفرنسا، كما أنّه يجيد اللغة العربية والفولانية والحسانية والبامبارية.الّف «بابا جالو» رسالة في حرية العبيد ومعاملاتهم، وكرّاس جمع فيه الفتاوی.صادف لكثرة اتّصالاته الاجتماعية - أن تعرّف على عنوان مؤسّسة البلاغ الشيعية، فراسلها، فأرسلت له هذه المؤسّسة مجموعة كتب فتحت آفاق معرفته، فجعل يقارن بين الأصول والفروع الإسلامية وفق الرؤية والعقيدة الشيعية والعقيدة السُنّية، فاستمع إلى القول ليتّبع أحسنه، فدفعه هذا الأمر لينجذب نحو مذهب أهل

البيت علیهم السلام.يقول «بابا جالو»: أسفرت مقارنتي بين الشيعة والسنّة أن جعلتني أتعرّف على أحقيّة مذهب التشيّع، وتبيّن لي أنّ التشيّع - وهو المذهب المتمثّل باتّباع أهل البيت علیهم السلام - أحقّ أن يُتَّبع من غيره؛ وذلك لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أوصى أمّته بالاقتداء بأهل بيته وعترته، وقد أكّد في مواقف كثيرة على تمسّك الأُمّة بهم.فلو كان الأوائل اجتهدوا فأخطؤوا وتبيّن لنا خطأهم، فلا داعي لاتّباع نهجهم، بل علينا أن نتّبع الحقّ.ويضيف قائلاً: فأعلنت تشيّعي عام 1420 ه- في مدينة «ديلي»، وذلك بعد أن قويت ركائزي العقائدية والمعرفية، فاتّخذت نهج العترة سبيلاً للعمل وفقه، فدخلت تحت لواء الأئمّة علیهم السلام، وصرت أتلقّى منهم معالم ديني، من قبيل الصلاة، والفروع الدينية الأُخرى.فلمّا انتشر هذا الأمر في منطقتنا توجّه إليّ عامة الناس، وانهالوا عليَّ مستفسرين سبب تركي لما كان عليه آباؤنا، فصرت أوضّح لهم الملابسات التاريخية، وأشرح لهم الحقائق التي حاول الكثير إخفاءها بعد أن وجدوها تصطدم مع مصالحهم..فاستدعاني زعيم المدينة، وقال لي: بلغني أنّك دخلت في دين جديد. فقلت له: إنّه ليس ديناً جديداً، ولكنّني انتميت إلى قراءة جديدة من الدين، وجدتها أصحّ مما كنت عليه سابقاً. فعاتبني، فقلت له: إنّ العقيدة خارجة عن نطاق الاختيار، وإنّما الإنسان إذا هيمنت عليه مجموعة من الأدلّة والبراهين فاطمئنّ إليها، فأعجب واقتنع بها، فإنّه سوف يميل إليها من دون اختيار، وأنا قد طالعت مجموعة من الكتب الشيعية، فتبيّن لي أنّ الحقّ معهم، وأنّ أمّتهم أولى بالاتّباع ممّن نحن على آثارهم سائرون.

فهدّدني ذلك الزعيم، فلم أبالي، بل سرت على المنهج الذي تبينّت لي حقيقته، وسرت باتّجاه ذلك النور الذي بدا لبصيرتي، فاستمددت قوتي من بارئي وتوكّلت عليه.وكان عون الله معي، فاستبصر جملة من أسرتي وغير أُسرتي على يدي، ثم توجّهت بعد ذلك باتّجاه عقد الاجتماعات الدينية والندوات الفكرية وبذل الجهد لنشر مذهب أهل البيت علیهم السلام (1.)


1) للمستبصر مراسلة مع «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيها أدلّة الاستبصار وتاريخه.

## (11 بكايغو (فاطمة))(مالكية / مالي)ولدت في مدينة «دناني» سنة 1402ه- ( 1982م في جمهورية مالي ، وكانت أسرتها على المذهب المالكي، فكانت تسمع عن الشيعة والشبهات التي تُثار بشأنهم، فقرّرت أن تبحث عن هذا المذهب، فوجدت أنّ ما يتّهم به الشيعة لا صحّة له.)الشفاعة ... شبهات وردود :من الشبهات التي أثارها الوهّابية ضد المذهب الشيعي: موضوع الاستشفاع عند الشيعة؛ فقد أشكلوا على الشيعة بعدّة إشكالات، وأهم ما تمسّكوا به هو:آيات القرآن الكريم :1 - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير (1).)قال ابن باز: فبيّن سبحانه أنّ الدعوة لغيره شرك بالله تعالى، سواء كان المدعو ملكاً أو رسولاً أو نبياً أو صالحاً أو جنّياً أو صناً ، أو غير ذلك (2.)وجوابه المراد من الدعاء» هنا هو العبادة، ومن الواضح أنّ عبادة غير الله


1) فاطر (35): 13 - 14.

2) نصائح وتوجيهات في الحج لابن باز 1: 41.

شرك بأيّ وجه. لكن ليس كلّ دعاء عبادة؛ فكثيراً ما دُعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وكان يرى ويسمع ذلك. فالآية توبّخ الذين يعبدون غير الله من الناس والأصنام وغيرها. والاستغاثة الصحيحة لا تتضمّن عبادة مَن يُستغاث به حتّى تكون مشمولة بالآية.)2 - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (1.)قال ابن باز وابن عثيمين : ومن العجب أن يذهب هؤلاء إلى هؤلاء المقبورين، الذين يعلمون أنّهم جثث هامدة لا يستطيعون أن يتخلّصوا ممّا هم فيه، يطلبون منهم أن يخلصوهم من الشدائد ويطلبون منهم تفريج الكربات، إذا تأمّل الإنسان حال هؤلاء فإنّه يفضي منها العجب العجاب ولو أنّ هؤلاء رجعوا إلى أنفسهم وإلى عقولهم لتبيّن لهم سفههم وأنّهم في ضلال مبين (2.)الجواب: أجيب عن الاستدلال بهذه الآية أيضاً بما تقدّم؛ فإنّ الدعاء بمعنى العبادة هنا والمستغيث لا يعبد مَن يستغيث به.قال ابن تيمية وأتباعه: إنّ القرآن نهى عن عبادة غير الله وعن دعوة فرد مع الله، والاستشفاع نوع من العبادة، قال ابن باز: فالواجب على علماء الشريعة جميعاً أن يتّقوا الله، وأن ينصحوا عباد الله، وأن يعلّموهم دينهم، وأن يحذّروهم من البناء على القبور، واتّخاذ المساجد عليها أو القباب أو غير ذلك من أنواع البناء، وأن يحّذروهم من دعاء الموتى، والاستغاثة بالموتى؛ فالدعاء عبادة الله وحده؛ لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً (3)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهُ مَا)


1) الأحقاف (46): 5.

2) فتاوی مهمة لعموم الأمة لعبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين: 76 - 77.

3) الجن (72): 18.

لا يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذا مِنَ الظَّالِمِينَ(1)، يعني: المشركين (2).)وفي معرض الجواب نقول : يجب أن نفهم أوّلاً معنى «العبادة»، فلو فسّرنا العبادة بأنّها تشمل أيّ لون من ألوان الاحترام والخضوع، لكان معنى ذلك: حرمة الخضوع والاحترام لأيّ أحد غير الله، وهذا ما لا يقرّ به عقل ولا منطق ولا دين.ولو كانت العبادة هي كلّ أنواع الطلب فمعنى ذلك أنّ الطلب بأيّ صورة كانت هو شرك، وهذا يخالف مسلّمات الدين والعقل!والعبادة لا تفهم على أنّها كلّ نوع من أنواع اتّباع شخص لشخص آخر؛ فاتّباع الأشخاص للمسؤولين والرؤساء في دوائر الدولة من أُولى ضروريات البشر، واتّباع الأنبياء وأئمة الدين من الواجبات على متبعيهم.إذاً العبادة لا تعني هذا المعنى، بل هي أعلى درجات الخضوع المعبّر عن التسليم المطلق للمعبود، والتوكّل عليه في كلّ الأمور.وليس في طلب الشفاعة من الشفعاء، أيّ من الآثار المذكورة للعبادة.أمّا النهي عن دعوة أحد سوى الله، فهذا لا يعني النهي عن مناداة الأفراد، كأن نقول: يا حسن، ويا ،أحمد، ويا علي، وليس معناه: النهي عن الاستعانة بالأشخاص، من جهة أنّ التعاون ركن أساسي للحياة في جميع شؤونها، والأنبياء والأولياء كافّة عملوا به، والوهابيون أنفسهم لم يرفضوا ذلك.والشيعة أيضاً تقول: إنّ من الشرك طلب الإنسان من إنسان أمراً من مختصّات الخالق، ومن الشرك أيضاً أنّ الإنسان يتّجه في ذلك الطلب إلى إنسان يراه قادراً بشكل مستقل على إجابة ذلك الطلب.أمّا إذا طلب الشخص من أحد شفاعة منحها له الله ، فليس ذلك شرك، بل هو


1) يونس (10): 106.

2) فتاوى نور على الدرب لعبد العزيز بن عبد الله بن باز 1: 296.

الإيمان والتوحيد بعينه، والشاهد على هذا المدّعى : كلمة «مع» في قوله تعالى: ﴿فَلاً تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً (1)فهي تفيد أنّ المنهيّ عنه هو : دعوة إنسان يراه في منزلة الله،ويعتقده في التأثير مستقلاً.)إنّ العبادة في اللغة لا تتحقّق بمطلق الخضوع والمحبة والتعظيم، ولذا لا يكون الخضوع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أوصيائه علیهم السلام في زمان حياتهم عبادة، بل لا تكون تلك الأمور بالنسبة إلى غيرهم، كالأمّ والأب، ممّن حثّنا الدين على توقيرهم وتعظيمهم عبادة، فالعبادة هي: الخضوع والتعظيم في مقابل من تعتقده ربّاً يستحقّ العبادة، فالمتوسّل بالنبي أو الأئمّة والمستشفع بهم لا ينوي ذلك أبداً، وكذلك الزائر ومقيم المأتم ، بل إنّه يعتقد أنّ النبيّ والأئمّة علیهم السلام عبيد مكرمون والأمر بيد الله تعالى.وهذا هو الفارق بين عبادة المشركين لأصنامهم والتوسّل والاستشفاع بالرسول والأئمّة علیهم السلام، فإنّهم يعبدونها عبادة لا تليق إلّا للربّ تعالى، بخلاف من توسّل بالرسول والأئمّة علیهم السلام واستشفع بهم؛ فإنّه يجعلهم وسيلة للتقرّب، لما عُرف أنّهم من المقرّبين عنده تعالى، وهذا غير عبادة المشركين.الأحاديث النبوية :1 - عن علي بن رباح، أنّ رجلاً سمع عبادة بن الصامت يقول: خرج علينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المنافق، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : لا يقام لي، إنّما يقام الله تبارك وتعالى(2.)وجواب هذه الشبهة يكون من خلال الإشارة إلى مجموعة من الأمور:أ - لو كان ذلك العمل شركاً لعاتب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على ذلك وأمره بالتوبة ،وأمره بعدم إعادته.


1) الجن (72): 18.

2) مسند أحمد 5: 317 .

ب - إنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم أراد أن ينّبههم على أنّ المستغاث به الواقعي هو الله تعالى، فيكون مثل قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمّى (1)، فلا يعارض ذلك؛ ما دلّ على جواز الاستغاثة ووقوعها.)ت - أنّ الذي يمنعه مانعو الاستغاثة هو : الاستغاثة بالحي في ما لا يقدر عليه، ودفع شر المنافق كان مقدوراً للنبي صلی الله عليه وآله وسلم ، كما دفع شر من هو أعظم منه بقدرة الله تعالى.ث - إنّ قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم : «لا يقام لي، إنّما يقام الله تبارك وتعالى»، غير مرتبط تماماً بموضوع الاستغاثة.ج - إنّ الرواية ضعيفة السند ، لأنّ في السند «ابن لهيعة»، وهو ضعيف.الإقسام بحقّ النبي والأولياء شرك:قالوا: والاستشفاع بالنبي صلی الله علیه وآله وسلم إذا كان بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلّا الله من تحصيل أمر ، أو النجاة من كرب ونحو ذلك، فهو شرك (2.)وجوابه:إذا أريد بهذه القدرة: القدرة المستقلّة الخاصة بالله، فلا يقرّ بها مسلم مؤمن بكتاب الله في غيره تعالى، وإن أريد بها مطلق السلطة غير المادية ولو كان بإذن الله ، فلا دليل على امتناع أن يتّصف بها بعض عباد الله بإذنه، وقد نصّ القرآن الكريم على كثير من القدرات في الملائكة ، كما قال:(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (3)..)وقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ


1) الأنفال (8): 17.

2) فتاوى الشبكة الإسلامية معدّلة 8: 2842.

3) السجدة (32): 11 .

سبقاً فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرا (1).)وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (2)...)وقال: «مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ »(3.)فلا فرق بين الآثار المادية التي يثبتها هؤلاء في الموضوعات وبين الآثار الغيبية؛ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً، لم يكن فرق بين الأثر المادي وغيره، وإن كان جائزاً بإذن الله سبحانه كان الجميع فيه سواء.لا فرق بين ما يكون المستغاث به قادراً عليه وبین غیره :فرّق ابن تيمية وأصحابه بين ما يكون المستغاث فيه مقدوراً للمستغاث به، وبين ما لا يكون كذلك، فجوّزوا الاستغاثة في الأوّل دون الثاني؛ قال ابن تيمية: والاستغاثة بالمخلوق ليدعو للعبد أو ليعينه بما يقدر عليه ليس بممنوع منه، وإنمّا الممنوع أن يستغاث به فيما لا يقدر عليه وأن يقسم على الله به، ولاسيّما إذا كان المخلوق ميّتاً، أو غائباً، فلا يجوز أن يستغاث به في ما يقدر عليه حيّاً ولا في ما لا يقدر(4.)لكن عند سائر المسلمين عدم الفرق؛ فيجوز طلب الرزق والعافية وطول العمر ونحوها مما لا يقدر عليه العبد من مثل النبي صلی الله علیه وآله وسلم والولي، بأن يكون المستغاث به وسيلة إلى الله تعالى، أو يُستغاث بالله ويُجعل المستغاث به شفيعاً إليه تعالى. وهذا لا يستلزم شركاً ولا حرمة؛ فقد أسند الله تعالى الإحياء وشفاء المرضى إلى


1) النازعات (79): 1 - 5.

2) الأنعام (6): 61.

3) البقرة (2) 97 .

4) الرد على البكري لابن تيمية 1: 162.

عيسى علیه السلام، فقال: «إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئ الأكْمَة وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (1).)فإنّ الخالق والمبرىء والمحيي الحقيقي هو الله تعالى، لكن جعله - لمصلحة ما - على يد عيسى علیه السلام وأسنده إليه مجازاً، فيكون من قبيل: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ؛ فإنّ المسؤول هو : أهل القرية، لكن أسند إلى القرية مجازاً.)وبعبارة أخرى كلّ شيء يكون مقدوراً للعبد بإذن الله تعالى، فإذا كان العبد مقرباً إليه تعالى، وسأله حاجة وأذِنَ بقضائها، فيكون ذلك الشيء مقدورا لذلك الشخص، بمعنى سؤاله قضاءها منه تعالى.وبعد كلّ ذلك اتّضح جليّاً أنّ اتهام الوهّابيين بالشرك للمؤمنين بالشفاعة يستند إلى مسألة واحدة، وهي كما يدّعون - :التشابه بين المؤمنين وبين المشركين في عصر الجاهلية:قال ابن تيمية وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أنّ ذلك من الجنّ، بل قد سمع أنّ أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات، وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يُفرق به بين الكرامات الرحمانية وبين التلبيسات الشيطانية، فيمكرون به بحسب اعتقاده، فإن كان مشركاً يعبد الكواكب والأوثان أوهموه أنّه ينتفع بتلك العبادة، ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممّن صوّر ذلك الصنم على صورته، من ملكٍ، أو نبيّ، أو شيخٍ صالحٍ، فيظنّ أنّه صالح، وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان؛


1) المائدة (5): 110.

قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهْؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (1)(2).)وجوابه: ارتكب ابن تيمية خطأ فظيعاً؛ وذلك للأسباب التالية:أوّلاً: القرآن أعطى منزلة الشفاعة صراحةً لجميع الأنبياء، بل للصالحين وللملائكة، لكنّه وبإذن الله قيّدها. وكيف يكون الله نهى عن الاستشفاع بإذن الله بمن قد وهبهم هو سبحانه هذه الدرجة؟!وصّرح القرآن بطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم، وهكذا صّرح بطلب الصحابة إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم أن يستغفر لهم أيضاً. أليست هذه من المصاديق الواضحة لطلب الشفاعة ؟!إنّ الاستشفاع برسول الله صلى الله عليه وآۀه وسلم بعبارة: (اشفع لنا عند الله، هي نفسها عبارة إخوة يوسف، إذ قالوا لأبيهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) (3)، كيف يجرؤ هؤلاء على إلقاء تهمة الشرك على من يؤمن بما يصّرح به القرآن، بل ويستبيحون دمه وماله؟! ولو كان هذا العمل شركاً، فلم لم ينه يعقوب بنيه عن ذلك؟)ثانياً: لا يوجد أدنى شبه بين (عبدة الأصنام و (الموحّدين المؤمنين بالشفاعة بإذن الله)، وذلك من جهات:)1 - إنّ الوثّنيين كانوا يعبدون الأصنام ويتّخذونها شفعاء، بينما المسلمون المؤمنون بالشفاعة لا تخطر في ذهنهم عبادة الشفعاء، بل يستشفعون بهم إلى الله، وطلب الشفاعة لا ارتباط له بمسألة العبادة.2 - إنّ عبدة الأصنام كانوا يتعجّبون من عبادة الإله الواحد الأحد: (أَجَعَلَ


1) سبأ (34): 40 - 41.

2) الفرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان لابن تيمية 1: 322.

3) يوسف (12) 97 .

الألِهَةَ إِلَها وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ (1).)3 - إنّ الوثنيّين كانوا يجعلون الوثن في منزلة الله: (والله إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (2.)4 - الوثنيّون كانوا يعتقدون بتأثير الأوثان على حياتهم ومصيرهم ووجودهم، وأمّا المسلمون المؤمنون بالشفاعة فيعتقدون بانفراد الله في التأثير، ولا يرون الموجود آخر غير الله استقلالاً في التأثير.والمقارنة بين الرؤيتين مقارنة جاهلة، مجافية للمنطق.معرفة الحقائق سبيل لاتّباع الحقّ:بعد أن اطّلعت «بكايغو» على كذب هذه الجماعة، وتهافت منطقها، وقوّة دليل أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ، قرّرت اتّباع الحقّ، واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك سنة 1415ه- (1996م، وتيمّناً بالزهراء البتول علیها السلام سمّت نفسها «فاطمة»(3).)


1) ص (38): 5.

2) الشعراء (26): 97 - 98 .

3) للمستبصرة ملف في مركز الأبحاث العقائدية، ذكرت فيه جملة من المعلومات المرتبطة بها، كتاريخ الاستبصار وسببه وغير ذلك.

## (12 بوکار نیان)(مالكي / مالي)![86-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/86_13.jpg "image title")ولد «بوكار» في مدينة «باماكو» في جمهوية مالي سنة 1402 ه- (1982م من عائلة تتبع المذهب المالكي، ابتدأ دراسته الابتدائية والإعدادية في مدرسة «عمر بن الخطاب» في نفس المدينة، وهي مدرسة تابعة للوهّابية، وكان متمسّكاً بعقائد أهل السنّة جدّاً حتّى أنّه كان يصلّي بهم التراويح والصلوات التهجّدية فيمساجدهم.)كانت بداية تعرّف «بوكار» على التشيّع من خلال رؤيته لأحد الشيعة يمسح رجليه في الوضوء، وعندما استفهم أرشده إلى مراجعة الآية المباركة والتأمّل فيها، ومن هنا بدأت مطالعاته وبحثه عن التشيّع، ومن أهم الأبحاث والمطالعات التي تغيّر كثير من المفاهيم في ذهن الباحث:نظرية عدالة الصحابة عند غير الشيعة :لقد اتّفقت الأمّة الإسلامية وأجمعت على أنّ المصدرين الأساسيين في فهم المعارف الدينية وتلقّى وأخذ هذه المعارف إنمّا يتلخّص في: القرآن الكريم، المصدر الأوّل والأساسي، والمصدر الثاني الذي هو بيان له، وهو: السنّة الواردة عن النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ولا يوجد خلاف من أحد من المسلمين في هذا الأمر.فإنّ الإنسان إذا أراد أن يقف على الحقائق والمعارف الدينية، على سعة

دائرتها في ما يتعلّق بالعقائد أو الفروع أو الأحكام أو الأخلاق، سواء المرتبطة منها بالأصول العقدية والأركان الإيمانية، أو ما يتعلّق بالأُمور العملية؛ فلابدّ أن يرجع إلى هذين المصدرين..وهذه الحقيقة أكّد المصدران عليها، أمّا بالنسبة إلى المصدر الأوّل، فنجد قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هُؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (1.)وأمّا بالنسبة إلى المصدر الثاني وهو السنّة النبوية، فنجد قوله تعالى:(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وفي الآية التي قبلها قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لا تَعْلَمُونَ *)بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(2).)إذاً السنّة النبوية تبيّن القرآن الكريم (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، ثم أشارت الآية (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).)وهذا القدر المتيقّن وهو: أنّ المصدر الأوّل الأساسي هو القرآن الكريم؛ إذ (أنّه تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ، ولكن هذا التبيان يحتاج إلى مبيِّن، وهذا المبين هو: الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم .)وقد اتّفقت كلمة علماء المسلمين، بمختلف اتجاهاتهم الفقهية والكلامية وغيرها، على أنّ ما جاء من الرسول الأعظم صلی لله علیه وآله وسلم إنّما هو من الوحي؛ لأنّ القرآن الكريم أمرنا بذلك؛ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(3)، ولا توجد آية أوضح دلالة من هذه الآية المباركة: ف«مَا آتَاكُمْ»، يعني: كلّ الإتيان، سواء كان إتياناً قولياً أو فعلياً، تقريرياً، أو حكمياً، يكون شاملاً لكلّ هذه الأبعاد.)


1) النحل (16): 89.

2) النحل (16): 43 - 44.

3) الحشر (59): 7.

والله سبحانه أمرنا أن نأخذ بكلّ ما آتانا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وننتهي عن كلّ ما نهانا عنه، باعتبار أنّه صلی الله علیه وآله وسلم (مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (1).)فلماذا وقع الاختلاف بين المسلمين في ما أخذ من هذين المصدرين، وما هو منشأ هذا الاختلاف ودليله؟إنّ سبب هذا الاختلاف في أخذ المعارف من القرآن والسنّة يعود إلى تعدّد من أخذ عن المبيّن صلی الله علیه وآله وسلم ، الذي يرجع إليه في فهم الكتاب والسنّة، فبعد ذهاب الرسول الأعظم وجدت مدرستان في فهم القرآن الكريم والسنّة الصادرة من النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم:1 - المدرسة الأولى : هي مدرسة الصحابة وهي تستند إلى بعض الصحابة، في قبال بيانات ومدرسة الإمام علي علیه السلام و وهم يقبلون الإمام علیه السلام في عرض الصحابة، يعني هو صحابي في قبال صحابة آخرين، بل قد يرجحون عليه غيره، بل في الأعم الأغلب يرجحون، فإذا وقع الاختلاف بينه وبينهم يرجحون غيره عليه ويصرحون بأنّ الأول والثاني والثالث هم أفضل منه علیه السلام.إنّ السنّة - في هذه المدرسة - تُؤخذ من الصحابة، والصحابة هم الذين إذا فسّروا القرآن الكريم، أو فهموا آية من الآيات فإنّ تفسيرهم، أو فهمهم سوف يكون حجّة على من جاء بعدهم من الناس.وفي هذا المجال يقول الشاطبي: سنّة الصحابة سنّة يعمل عليها ويرجع إليها، قال: ومن الدليل على ذلك أمور:أحدها: ثناء الله عليهم:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (2).)والثاني: ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم، وأن سنتهم في طلب الاتّباع


1) النجم (53): 3 - 4 .

2) آل عمران (3) 110 .

كسنّة النبي، كقوله: فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ.وقوله: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي.وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلّا به.وعنه أيضاً: إنّ الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلّهم خير.ويروى في بعض الأخبار أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم(1.)وعشرات النصوص التي وردت في المصادر الحديثية للقوم في مدرسة الصحابة، التي تعطي المرجعية للصحابة، وعلى أقل التقادير تجعل علياً واحداً منهم، أو متأخّراً عن كثير منهم.يعني : كلّ ما يقوله الصحابي فقوله حجّة يُعتمد عليه، سواء استند فيه إلى النبي أو لم يستند؛ فهم يعتقدون أنّ الصحابي إذا قال شيئاً - وهم جميعاً عدول، في نظر هذه المدرسة - فهو لا يقول شيئاً من نفسه، وإنّما يقول ما أخذه أو ما فهمه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.ولهذا وعند مراجعة صحاح القوم ومسانيدهم نجد أن عدداً كبيراً من الروايات منقولة عن الصحابة، وأنّهم يستندون إليها في فهم القرآن، وفي أخذ الحديث من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.قال الغزالي: ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجّة مطلقاً (2.)


1) الموافقات 74:4.

2) المستصفى: 168.

وعندما ترجع إلى الاتّجاهات السلفية القديمة أو الحديثة تجد أنّهم يرجعون كلّ شيء يقولونه إلى صحابي من الصحابة، وهذا هو معنى السلف عندهم فيقولون: إنّ الصحابة لم يفعلوا كذا.. فعل الصحابة كذا .. عملهم كان كذا. سلوكهم كان كذا.. وهذا معناه : إعطاء المرجعية الفتوائية وإعطاء المرجعية القولية إلى الصحابة بشكل عام.2 - المدرسة الثانية: هي مدرسة الإمام علي وأهل البيت من بعده علیهم السلام .وهي تعتقد بأنّ كلمة الفصل في كيفية فهم القرآن الكريم، وأخذ السنّة الصحيحة الواردة عن الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم، هم أهل البيت وعلى رأسهم الإمام على علیه السلام.أي مدرسة أحقّ بالاتّباع:للغزالي هنا كلام جيد؛ قال: «إنّ من يجوز عليه الغلط والسهو - إذ يقولون: أنّه لا يوجد معصوم بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم تثبت عصمته فلا حجّة في قوله(1.)إذاً كيف يمكن إثبات الحجية لقول قائل إن لم تثبت له العصمة ؟! كيف يحتجّ بقوله مع جواز الخطأ؟! وكيف تُدّعى عصمته من غير حجّة متواترة؟!من هذا يتبيّن أنّ الآخذين بسنّة الصحابة التزموا بعصمتهم؛ لأنّهم قالوا: أنّ قولهم حجّة، ولا تجوز مخالفتهم، ورووا حديثاً موضوعاً: أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم (2. فهذا الإنسان إذا لم يكن معصوماً فكيف يكون الاقتداء به مؤدّياً إلى الهداية؟! فقد يكون خاطئاً فكيف أكون مهتدياً إذا اقتديت به؟!)وهذا يكشف أنّهم التزموا بعصمة الصحابة من الناحية العملية، وإن كانوا من الناحية النظرية لم يصرّحوا بهذا المعنى.


1) المستصفى: 168.

2) تخريج الأحاديث والآثار 2: 229 .

وكيف نقول بعصمتهم وفي الصحابة منافقون، وفيهم من في قلبه مرض، ومن هم فاسقون، ك-: عبد الله بن أبيّ، ألم يكن من الصحابة؟ ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتله؛ إذ قال: أخشى أن يقال: إنّه يقتل أصحابه (1؟!)ألم يرد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة: أنّه كان يحدّث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُجلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ! أصحابي! فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى (2.)فهذه الروايات صريحة من مصادر أهل السنّة، فأين الحجّية فضلاً عن العصمة ؟!ويحاول بعضهم أن يغالط فيقول: أنتم ما دمتم لا تقبلون أحاديثنا ونحن لانقبل أحاديثكم إذ النتحاكم للقرآن؛ لأنّه متّفق عليه.الجواب: إنّ هذا المنهج غير صحيح ، ولو كان هذا المنهج صحيحاً لما قال الله لرسوله صلی الله علیه وآله وسلم:(تبيَّن للنَّاسِ ، بل لقال: ليفهموا ، وهذا يكشف عن أن السنّة ركن أساسي لفهم المعارف الدينية، ولا يمكن فهم المعارف الدينية من غير سنّة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم.)وللزم من ذلك أن يكون النبيّ الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم كناقل بريد، نقل إلينا رسالة وانتهى دوره، مع أنّ صريح القرآن الكريم يؤكّد أنّ له دوراً أوسع:(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ»، ومن هنا أمرنا الحق سبحانه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ...)فإذا لم تكن بيانات الرسول مهمّة فلا حاجة لهذا البيان !


1) الاستيعاب 3: 941 .

2) صحيح البخاري : 208 .

ورغم أنّ هذه المقولة ترجع في الأساس إلى قول عمر: عندكم القرآن حسبنا كتاب الله(1، لكنّهم لم يعملوا بها أيضاً، بل أسّسوا منظومة حديثية كاملة، وإلا بماذا نفسّر وجود صحيح مسلم وصحيح البخاري وبقية الصحاح والمسانيد والمراجع والمصادر الحديثية الأُخرى.)لماذا يصرّون على حذف السنّة:لأنّ في مصادرهم الحديثية كثيراً من الحقائق الدينية التي تدعم نظرية مدرسة أهل البيت علیهم السلام، فيكون من فمك أدينك، وهم يريدون أن يسقطوا هذا الأمر عن الاعتبار حتّى لا نستدلّ به فنحن لا نقول: أنّنا لا نقبل كتاب البخاري مطلقاً، بل نقول: إنّ الكثير مما في البخاري يمكن أن نستدلّ عليه قرآنياً، وعندنا روايات تؤكّد هذا المعنى، ونحن لا نقبل من البخاري ما انفرد به، ونستدلّ به من جهة ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم؛ لأنّ القاعدة العقلية والقاعدة المنطقية تقول: أنت تقبل أنّ صحيح البخاري حجّة عليك، ولا شأن لك في باب المناظرة أن الطرف الآخر يقبل أو لا يقبل.وهكذا هو الحال عندما نأتي إلى اليهود والنصارى، فنحتجّ عليهم بالإنجيل والتوراة، وقد سار القرآن الكريم على هذا المنهج أيضاً؛ قال تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَأَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ(2)، وهذا ليس معناه أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتقد بكلّ ما ورد في التوراة، وإنّما يريد أن يحتجّ عليهم بما آمنوا به، إذاً عندما نستدلّ بهذه الطريقة فنحن نستدل من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، وهذه قاعدة تامة صحيحة.)


1) صحيح البخاري 5: 138.

2) آل عمران (3) 93 .

ولهذا نجدهم في الأبحاث والمناظرات يلتفتون إلى هذه الحقيقة، فيكون كلّ همّهم إسقاط السنّة؛ لأنّهم يعرفون إذا سقطت السنّة فنحن لا نستطيع بالقرآن وحده أن نحاججهم؛ لأنّه حمّال ذو أوجه هذا أوّلاً.وثانياً: هذا معناه إسقاط الركن الأساسي في تحصيل المعارف الدينية، وفي فهمالدين، وهو: السنة النبوية فالسنّة النبوية ليس دورها دوراً هامشياً، بل دورها أن تبيّن للناس ما نُزِّل إليهم.الاطلاع على الحقائق :بعد أن اطّلع «بوكارنيان» على الحقائق التي كانوا يخفونها عنه، ومنها: أنّه علم بأنّ نظرية «عدالة الصحابة» لا تؤدّي إلى النتيجة العملية التي يرید ها الله و رسوله، وعلم أيضاً موقف السلفيين من السنّة وسعيهم لتهميشها، عرف الحقّ وقرّر اتّباعه وأصبح من أتباع مذهب أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السالم سنة 1419 ه- (1999م في مدينة «باماكو» المالية (1).)


1) أرسل المستبصر رسالة لمركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيها: أدلّة الاستبصار، ودراسته الأكاديمية والدينية وغير ذلك.

## (13 جبريل بواري (مالكي / مالي))![94-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/94_13.jpg "image title")ولد عام 1400 ه- ( 1980م في مدينة «باماكو» في جمهورية مالي، ونشأ في أسرة مالكية المذهب، فلمّا ترعرع «جبريل» احتواه أبوه وجعل يدرّسه المعارف الإسلامية وفق المذهب المالكي وعلى مسلك التيجانية، وهم من الجماعات الصوفية المشهورة في شمال أفريقيا.)يقول «جبريل» عن مبدأ إحساسه بضرورة توسيع دائرة معارفه الدينية وعدم اقتصاره على ما كان يتعلّمه : كنت جاداً في تلقّي الدروس التي كان يعرضها عَليّ أبي، وكان معظم تركيزي متوجّه للمسائل الدينية التي يطرحها أبي في الدرس حتّى طرق سمعي حديث رسول الله بأنّ أُمته سوف تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.فهنا فقدت عزمي نحو الاقتصار على دراسة المذهب المالكي؛ لأنّني وجدت من الضرورة التوسّع في البحث والتعرّف على المذاهب والمدارس الفكرية الإسلامية الأخرى.حديث الافتراق ورواته :ورد هذا الحديث بطرق كثيرة عند أهل السنّة، نقلها جمع كبير من أعلامهم في

كتبهم كالترمذي (1، وأبي داود (2)، وابن ماجة (3)، وأحمد (4)، والحاكم حجر (5)، وابن(6)، والذهبي (7)، والسيوطي(8)، وغيرهم.)ورواها عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم الطائفة من الصحابة: كأمير المؤمنين علیه السلام ، وأبي هريرة وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، وسعد بن أبي وقّاص، وغيرهم.وقد ادَّعت كلّ طائفة أنّها هى الفرقة الناجية دون غيرها، فكثر الأخذ والرد بين علماء الطوائف، وساقت كلّ طائفة ما عندها من الأدلّة.وقد أرشدنا النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم إلى أسهل وأقصر طريق للوصول إلى مصاديق أتباع هذه الفرقة الناجية؛ إذ قال:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيها»(9.)وأخرج مسلم في (صحيحه، في باب فضائل علي بن أبي طالب علیه السلام ، بسنده إلى زيد بن أرقم، قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى حمّاً، بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر . ثم قال: «أمّا بعد، ألا أيّها الناس! فإنّما)


1) سنن الترمذي 134:4.

2) سنن أبي داود 2: 390 .

3) سنن ابن ماجه 2 1321.

4) مسند أحمد 2 :332 .

5) المستدرك على الصحيحين 6:1.

6) تهذيب التهذيب 4: 241.

7) سير أعلام النبلاء 10: 300.

8) الجامع الصغير للسيوطي 1 184.

9) مسند أحمد 3: 17 .

أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما: كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي»(1.)وبالرغم من أنّ كثيراً من علماء الحديث من أهل السنّة قد أخرجوا هذا الحديث في صحاحهم ومسانيدهم، إلّا أنّ معظم أهل السنّة يجهلونه، بل وينكرونه عند سماعهم به وكأنّه غير موجود ومحتجّين بأن الصحيح في ذلك هو: ما رواه أبو هريرة ، بأنّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم : قال : إنّي قد خلّفت فيكم ما لن تضلّوا بعدهما ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما: كتاب الله وسنّتي(2.)فجميع الطوائف الإسلامية تزعم أنها تتبع سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبالنظر إلى وجود الاختلافات الكثيرة بين هذه الطوائف، والتي غالباً يكون سببها الاختلاف في السنّة النبوية المنقولة إليها عبر طرق مختلفة - والذي أدّى إلى الاختلاف في تفسير القرآن أيضاً - أصبحت السنّة النبوية سنناً متعدّدة، والمسلمون تبعاً لذلك أصبحوا مذاهب وفرقاً متعدّدة أيضاً، رُوي أنّ عددها ثلاث وسبعين فرقة.... فأيّ سنّة من تلک السنن أحقّ بالاتّباع؟وإنّه لسؤال فطري يدور في خلد كلّ من يتمعن في هذا الاختلاف، والذي جاء الحديث أعلاه ليجيب عليه؛ حتّى لا يترك المسلمين هكذا يحيرون في إسلامهم بعد رحيل مبلّغه، فكانت التوجيهات النبوية المقدّسة تقضي بأخذ السنّة النبوية المطهّرة عن طريق أهل البيت النبوي ومن نطق القرآن بتطهيرهم، وهي بذلك واضحة لا تحتمل ألفاظها أيّ معنى آخر، وإنّ ذلك الأخذ هو وحده الأمان من


1) صحیح مسلم 7: 123.

2) السنن الكبرى للبيهقي 114:10.

الفتنة والضلال.اتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام بعد البحث والتحقيق:بعد أن علم جبريل» بوجود فرق إسلامية متّعددة، وأنّ الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم قد أخبر بضلال هذه الفرق سوى فرقة واحدة، حاول أن يوسّع دائرة معارفه، فتعرّف حينها على بعض الأحاديث النبويّة الشريفة في هذا المجال، ومنها: قوله صلی الله علیه وآله وسلم مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق(1. فاستفسر ليعرف أيّ المذاهب الإسلامية أكثر تعلقاً وصلةً بأهل البيت علیهم السلام ، فأُرشد إلى مذهب التشيّع، ليبدأ بدراسته عن كثب.)يقول «جبريل»:... فأمضيت فترة طويلة وأنا منهمك في البحث والتّتبع، حتّى استقر بي النوى، فاعتنقت مذهب أهل البيت علیهم السلام عام 1421 ه- (2000م في «باماكو»، وذلك بعد اقتناع تامً به (2).)


1) المستدرك على الصحيحين 343:2.

2) نشرت صحيفة «سفيران نور» لقاء أجراه موفد وكالة أهل البيت علیهم السلام مع المستبصر في عددها الرابع والخمسين، الصادر في العاشر من جمادى الأولى عام 1430 ه-

## (14 جينو بوبكر)(مالكي / مالي)ولد في جمهورية مالي، تلقّى الدروس الأكاديمية حتىّ نال شهادة الديبلوم، وبعد مرحلة الاستبصار صار مديراً لإحدى المدارس، أستاذاً في الحوزة العلمية ومبلغاً لمذهب أهل البيت علیهم السلام.أمضى «جينو» شطراً من حياته متمسكاً بالمذهب المالكي تبعاً لنهج آبائه ومماشاةً مع البيئة التي كانت تحيطه.تفتّحت رؤيته وبصيرته فاستبصر واعتنق مذهب أهل البيت علیهم السلام عن طريق البحث والمطالعة والاطلاع على آفاق رحبة من العلوم والمعارف الدينية، من خلال التعمّق في آيات القرآن الكريم والسنّة الصحيحة الشريفة المنقولة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأهل البيت علیهم السلام .سنّة أهل البيت علیهم السلام وسنّة الصحابة :تُعدّ السنّة الشريفة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وتكون هذه السنّة امتداداً للقرآن الكريم وتفسيراً له وبياناً للأُمور الدينية التي بينّها القرآن بصورة مجملة أو لم يتطرق إليها بإثبات أو نفي.وقد اهتمّ علماء مذهب أهل البيت علیهم السلام بصورة مكثّفة بالسنّة الشريفة من ناحية التدوين والحفظ وبيان الكنوز المعرفية الكامنة فيها.

وتعدّ السنّة الشريفة عند مذهب أهل البيت علیهم السلام أوسع ممّا هي عليه عند أبناء العامّة؛ لأنّ الشيعة تعرّف السنّة الشريفة بأنها تعني قول المعصوم أو فعله أو تقريره، وبهذا التعريف تأخذ السنّة الشريفة نطاقاً واسعاً فتشمل قول أو فعل أو تقرير الرسول صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة من أهل بيته علیهم السلام.ويذهب أتباع أهل البيت علیهم السلام إلى أنّ المعصومين من آل البيت علیههم السلام تجري أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم مجرى قول وفعل وتقرير الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لأنّهم حجج الله تعالى على الخلق، وهم ممّن تجب طاعتهم على العباد.كما يعتقد أتباع أهل البيت علیهم السلام بأنّ ما صدر عن الأئمّة علیهم السلام ليس من قبيل رواية السنّة أو حكايتها أو الاجتهاد في الرأي أو الاستنباط، بل تمثّل سنّتهم امتداداً لسنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، وأنّ كلّ إمام يتلقّى الأحكام الشرعية عن الإمام المعصوم الذي كان قبله بطريقة قد تدخّلت فيها اليد الإلهية الغيبية ، لا بالطريقة السائدة المتعارفة بين المحدثين.ومن هذا القبيل قال الإمام عليّ علیه السلام:«علّمني رسول الله ألف باب يفتح كلّ باب إلى ألف باب» (1.)وتعدّ سنّة أهل البيت علیهم السلام سنّة مصانة، نتيجة تحلّي أهل البيت علیهم السلام بالعصمة الإلهية، وهي سنّة متّصلة بسنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وامتداداً لها، ولهذا قال الإمام الصادق علیه السلام:«حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ» (2.)


1) راجع: نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 113 ، كنز العمال 13: 114، فتح الملك العلي: 48.

2) الكافي 1: 53.

والأمر الجدير بالاهتمام هو أنّ ما تمتاز به سنّة أهل البيت علىهم السلام علی سنّة الصحابة: أن سنّة أهل البيت علیهم السلام هي سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم نفسها ؛ لأنّها نابعة من مصدر معصوم ومسدّد من قبل الله تعالى، بحيث لا يجد أحد فيها أي اختلاف، نتيجة كونها امتداداً للقرآن الذي قال عنه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كثيراً (1).)ولهذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين في حديث الثقلين بالتمسّك بالقرآن وبأهل بيته علیهم السلام ، وعدّ التمسّك بهما واقياً من الانزلاق في أودية الضلال(2. في حين نجد سنّة الصحابة حاكية لسنّة الرسول صلی لله علیه وآله وسلم تارة، ومستعملة للاجتهاد في مقابل سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أخرى.)ولا يخفى بأنّ الاختلاف الذي نجده في تفسير القرآن أو في سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسنّة أهل بيته علیهم السلام ، لا يرتبط بأصل القرآن، ولا بأصل قول وفعل وتقرير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام ؛ بل هو ناتج في خصوص القرآن من الفهم البشري الخاطىء، وفي خصوص سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام من النقل غير الصحيح للرواة أو الفهم الخاطىء للدلالة، وهذا ما أدّى إلى تأسيس علم الرجال وإخضاع الرواة إلى الجرح والتعديل.فالشيعة تجتهد للوصول إلى سنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بواسطة أهل البيت علیهم الاسلام. وأهل البيت علیهم السلام معصومون لم يختلفوا فيما بينهم.وأهل السنّة يجتهدون للوصول إلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الصحابة..والصحابة غير معصومين واختلفوا فيما بينهم، وخلطوا سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم مع اجتهاداتهم.


1) النساء (4): 82.

2) يقوم «مركز الأبحاث العقائدية بتأليف «موسوعة حديث الثقلين» يثبت من خلالها تواتر هذا الحديث عند مختلف فرق المسلمين ومذاهبهم.

حجّيّة سنّة أهل البيت علیهم السلام :نظراً لحديث الثقلين المتواتر بين المسلمين ، الكتاب يهدي إلى السنّة والسنّة تهدي إلى الكتاب؛ لأنّهما لا يفترقان، ومن تمسّك بهمانجا، ومن انحرف عنهما ظلّ، وإنَّ «جينو» هو أحد الذين وفّقهم الله تعالى للتمسّك بالثقلين ليصلوا باتّباعهما إلى الفوز الأبدي في ظلّ النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين علیهم السلام(1.)


1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه جملة من المعلومات المرتبطة به، وموقعيّته الاجتماعية والأنشطة التي يقوم بها بعد الاستبصار.

## (15 عبد الله بالو)(مالكي / مالي)ولد في مدينة «باماكو» في جمهورية مالي سنة 1383 ه- ( 1964م في عائلة تتبنّى المذهب المالكي، ودرس في مدينته إلى أن أكمل دراسة الحقوق، وعمل محامياً في المحكمة الحكومية.)كان «عبد الله» من أهل المطالعة والبحث، وقد سمع عن الشيعة وما يثار بشأنهم من إشاعات وشبهات، فقرّر البحث في هذا الموضوع.ومّما يلفت نظر الباحثين بشأن الشبهات الموجّهة إلى شيعة أهل البيت علیهم السلام بأنّهم سبّبوا الانشقاق بين المسلمين وشتتوا شملهم: مواقف معاوية وبني أُمية المعادية للخليفة الشرعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام.موقف معاوية وبني أمية من الإمام علیه السلام :هناك فرقة من المسلمين ضالّة، وهي: النواصب، وهم من يتديّنون ببغض علي وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ولم يكتف النواصب بالبغض القلبي، بل كانوا يتقربون - بزعمهم - إلى الله تعالى ببغض علي وأهل بيته علیهم السلام ، وهذا النهج بدأ بشكل واضح وصريح على يد معاوية بن أبي سفيان، وبشكل رسمي عندما سنّ سبّ عليّ علىه السلام علی المنابر ، وهذا ما صرّح به ابن كثير في

(البداية والنهاية(1)، وبنو أميّة، إلّا عمر بن عبد العزيز، إنمّا كانوا جميعاً من النواصب.)كلّ هذا مع ما عُلم من خصوصيّة الإمام علي وأهل البيت علیهم السلام بالنبي صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّهم جزء منه، حتّى أنّه صلی الله علیه وآله وسلم قال في حديث الثقلين بعد الحثّ على التمسك بالكتاب، قال ثلاثاً: «أذكركم الله في أهل بيتى» (2.)وهذا التأكيد العظيم من الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم يقتضي وجوب احترام أهل بيته، والبرّ بهم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكّدة، لا أنّه فرض بل من الفروض المؤكّدة، التى لا عذر لأحد في التخلّف عنها.ذلك فقد قابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من ومع أهل البيت دماءهم، وسبوانساءهم، وأسر واصغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم ، واستباحوا سبّهم ولعنهم ، فخالفوا رسول الله في وصيّته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه ويا فضيحتهم يوم يعرضون علیه(3.)وممّن أشار إلى هذه الحقيقة ابن حجر العسقلاني؛ فعند نقل كلام الرافعي حيث يقول: الخوارج هم فرقة من المبتدعة خرجوا على علي علیه السلام، يقول ابن حجر: وليس الوصف من كلامه وصف الخوارج المبتدعة، وإنّما هو وصف النواصب أتباع معاوية بصفين (4.)وهناك حقيقة ينقلها الحاكم النيسابوري عن أبي سعيد الخدري، قال: قال


1) البداية والنهاية :: 391 و 393.

2) راجع: مسند أحمد 4 367، صحیح مسلم 7: 123.

3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 6: 304. (

4) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13: 669 .

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من أُمتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشدّ قومنا لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم»(1.)والرواية صريحة فهي لا تقول: أشدّهم سبّاً، أو أشدّهم شما، أو لعناً، بل: أشدّهم بغضاً، بل هم أشدّ من يبغض علياً وأهل بيته علیهم السلام ، فإذا كان هؤلاء من المبغضين، فماذا نفعل بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما يقول: «يا علي ! لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق»؟!(2)يقول بابطين، وهو أحد الوهّابية، معلقاً على هذه الرواية: لقد أثبتت حوادث التأريخ أنّه لم يقع على أسرة من صنوف العذاب وضروب التنكيل ما وقع على آل النبي وأهل بيته علیهم السلام، مع أنّها بلغت الغاية من شرف الأرومة وطيب العنصر، وقد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها، وأذاقوها ضروب النكال، وصبّوا عليها صنوف العذاب ولم يرقبوا فيها إلا ولا ذمّة، ولم يراعوا لها حقاً ولا حرمة، وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال والرجال جميعاً، في عنف لا يشوبه لين، وقسوة لا يمازجها رحمة حتّى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال في فضاعة النكال ، وقد فجّرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودة في قلوب الناس، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم، وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا (3.)وهذا البغض والإسراف في بعض أهل البيت علیهم السلام وصل إلى الصحابة وكبار الصحابة، تركوا السنّة النبوية خوفاً من معاوية؛ لأنّ عليّاً كان يعمل بتلك السنّة، ويستنّ بها، فبغضاً لعليّ وخوفاً من معاوية تركواسنة رسول الله ، هكذا كانوا


1) المستدرك على الصحيحين 487:4 .

2) مسند أحمد 1: 95.

3) استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف 2: 592.

يشيعون الرعب والخوف والإرهاب في قلوب من يحبّ عليّاً ويواليه.وهذه الحقيقة رواها البيهقي عن سعيد بن جبير، قال: كنّا عند ابن عبّاس بعرفة، فقال: يا سعيد! مالي لا أسمع الناس يلبّون؟قلت: يخافون معاوية.فخرج ابن عبّاس من فسطاطه فقال : لبيّك اللّهم لبيّك، وإن رغم أنف معاوية، اللّهم العنهم فقد تركوا السنّة من بغض عليَ(1.)فهذا هو الإرهاب الذي أوجده من يصطلح عليه الوهّابيون بأنّه: الملکالمجاهد، كاتب الوحي معاوية، فإنّه منع الناس من أن يعملوا بسنّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم لأنّ عليّاً كان يستنّ بها؛ بغضاً لعليّ.فإذا كان معاوية بالخصوص وبنو أمية بشكل عام من المبغضين لعلي علیه السلام عند ذلك يأتي الحديث الذي أشير إليه عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا يحبّك إلّا مؤمن ولايبغضك إلّا منافق»، فإذا كان معاوية ومن سار على خطاه من المنافقين، يشمله محينئذٍ قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (2).)والأمر المستغرب هو أن نجد البعض يدعي أن الصحابة جميعاً في الجنة، مع ما ثبت من بغضهم لأهل البيت علیهم السلام ونفاقهم.وقد يكون أحد أسباب موقف الأنصار في السقيفة؛ إذ طلبوا الخلافة لأنفسهم، هو خوفهم من أن يأتي آل أبي سفيان إلى الحكم، وقد تحقّق ذلك بعد ثلاثين عاماً أو أقل، وجاء بنو أُمية إلى الحكم وأوّل ما فعلوه أنّهم أرادوا أن يقضوا على السنّة النبوية.


1) السنن الكبرى للبيهقي 5: 274 .

2) النساء (4): 145 .

وهناك نصوص واضحة الدلالة على أنّ معاوية لم يكن يسبّ علياً وحسب، بل كان يأمر الآخرين أن يسبّوا عليّاً، يعني أنّه هو الذي سنّ هذه السنّة، سنّة سبّالصحابة الكرام !فقد ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فلن أسبّه، لأن تكون ليواحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حُمُرِ النعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ وخلفّه في بعض مغازيه، فقال له: «يا رسول الله! تخلّفني مع النساء والصبيان»؟فقال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبوّة بعدي».وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعو لي عليّاً. قال: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه..ولمّا نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ (1)دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهم هؤلاء أهلي».)قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، صحيح من هذا الوجه(2.)وقضية سبّ وشتم معاوية لعليّ قضية متواترة في كتب التاريخ وغيرها(3، لاشك فيها.)


1) آل عمران (3): 61.

2) سنن الترمذي 5: 301 - 302.

3) راجع صحيح مسلم : 120 ، فتح الباري : 60 ، السنن الكبرى للنسائي 5: 107.

والدلالة التي يفيدها هذا الحديث هي أعظم شناعة وفضاعة وجرماً إذا جُمعت إلى ما ورد في أحاديث صحيحة مقبولة كثيرة في كلمات أعلام المسلمين، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسل: « من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن آذى عليّاً فقد آذاني»(1.)وعن عبد الله الجدلي، قال: دخلت على أُمّ سلمة، فقالت لي: أيُسبّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فيكم؟!قلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أوكلمة نحوها.قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم یقول: «من سبّ عليّاً فقد سبّني»(2.)التحقيق ثم الاستبصار :بعد أن اطّلع «عبد الله» على الحقائق التاريخية، وتبيّن له مقدار الكذب الذي كان يسمعه من وعّاظ السلاطين، وحقيقة معاوية وبني أُمية من جهة، وأهل بيت العصمة والطهارة، والمظلومية التي تعرّضوا لها من جهة أخرى، اقتنع بأحقيّة مذهب أهل البيت علیهم السلام، فقرّر أن يتبع مذهبهم ومسلكهم، وكان ذلك سنة 1415ه- ( 1995م في مدينة «باماكو» (3).)


1) مسند أحمد 6: 323 .

2) مسند أبي يعلى الموصلي 444:12.

3) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه أهم أدلّة الاستبصار.

## (16 عبد الله توري)(مالكي / مالي)ولد في مدينة «سيكو» في جمهورية مالي سنة 1386 ه- ( 1967م في عائلة تنتمي إلى المذهب المالكي، ودرس إلى أن أخذ البكالوريوس، وأصبح مديراً المدرسة سبيل الفلاح في سيكو.)العلة التي من أجلها تبنّى مذهب أهل البيت علیهم السلام:كان «عبد الله» من أهل المطالعة والبحث والتحقيق، وكان يكره التقليد للآخرين.وكان يسمع دائماً من يتحدّث عن الشيعة، وما ينسب إليهم من عقائد وأفكار، وما يُروّج أعدائهم ضدّهم من اتّهامات ظالمة وصفات باطلة من خلال نسبة العقائد الفاسدة لهم، فقرّر البحث والتحقيق عن هذا الموضوع، وممّا يثير انتباه الباحث في هذا المجال كثرة مواقف ابن تيمية ضدّ شيعة أهل البيت علیهم السلام، وحتّى ضدّ أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذين يعتقد المسلمون أنّ آية التطهير نازلة فيهم، خصوصاً سيدة نساء العالمين الزهراء البتول علیها السلام .موقف ابن تيمية من سيّدة نساء العالمين علیهاالسلام:من الثابت عند جميع المسلمين أنّ فاطمة بضعة المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم سيدة نساء أهل الجنّة، والمراد من السيادة التي تذكر في النصوص الواردة عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم،

سواء ما ذكر للزهراء علیها السلام أو ما ذكر للحسن والحسين عليهما السلام بأنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، ليس السيادة الاعتبارية الاجتماعية، رغم تحقّقها، بل هي السيادة التي تمثّل درجات ومراتب القرب الإلهي إلى الله سبحانه وتعالى.والسيادة هناك إنّما هي فرع السيادة والمقامات العليّة والمراتب والفضائل والدرجات الموجودة للإنسان في هذه الدنيا باعتبار أنّ الدنيا مزرعة الآخرة، يعني كلّ ما يحصل عليه الإنسان من درجات ومقامات وقرب إلهي في الآخرة إنّما يبدأ من هذه النشأة وهى النشأة الدنيوية..وعلى هذا الأساس، فمن كانت هي سيّدة نساء أهل الجنّة فبطبيعة الحال هي سيّدة نساء العالمين في هذا العالم الدنيوي.وهذا المعنى فيه نصوص كثيرة، ومن أهم تلك النصوص: النصّ الذي جاء في صحيح البخاري، باب مناقب فاطمة:قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : «فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة»(1.)وقال صلی الله علیه وآله وسلم: « یا فاطمة ألا ترضين أن تكونى سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة ؟!»(2.)فالنصوص متواترة في أنّ الزهراء علیها السلام بضعة المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم هي سيّدة نساء المؤمنين، سيّدة نساء هذه الأمّة، بل هي سيّدة نساء العالمين..وعلى هذا الأساس، فهي سيّدة نساء أهل الجنّة، وهذا المقام لا يصل إليه إنسان إلا إذا بلغ مقام القرب الإلهي في أعلى الدرجات، فلو كانت فاطمة صحابية كأيّة صحابية أخرى من الصحابيات اللواتي صحبن رسول الله صلی الله عیله وآله وسلم ، أو كان حالها كأيّ صحابي آخر من الأصحاب الذين صحبوا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فمن أين جاءت لها


1) صحيح البخاري 4: 183.

2) صحيح البخاري 7: 142 .

هذه السيادة، سواء على نساء أهل الجنّة، أو على نساء المؤمنين، أو على نساء هذه الأمّة ؟!فلا يمكن إلا أن يقول قائل: إنّ رسول الله أخذته العاطفة وقال في حقّ ابنته مثل هذا الكلام؟!فيقال له: أنه لا يتكلم عن العاطفة؛ لأن القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ اَلْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (1).)فالتأكيد على بضعته الزهراء علیها السلام، وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، وأنّها سيّدة نساء المؤمنين، وغيرها من الألقاب التي لقّبها بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون إلا على أساس وحياني، فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن لأحد أن يبلغ مثل هذا المقام العالي وهي: السيادة في الجنة، إلا إذا كان قد بلغ في هذا العالم أعلى مراتب الطاعة والعبودية والتسليم، والطهارة والتزكية الله ولرسوله.ولكن ابن تيمية كيف تعامل مع سيّدة نساء العالمين، كيف تعامل مع سيّدة نساء أهل الجنّة، وهو يقر بأنّها سيّدة نساء العالمين؟!المورد الأوّل:يعتقد ابن تيمية أنّ طلب فاطمة حقّها من الخليفة الأوّل في قضية فدك كان من أجل الدنيا، أي: لأمر دنيوي، ومنع الخليفة الأوّل هذا الحقّ، أو عدم إعطائها ما أرادته إنّما كان الله !!قال: ثم من المعلوم لكلّ عاقل أنّ المرأة إذا طلبت مالاً من وليّ الأمر فلم يعطها، لكونها لا تستحقّه عنده، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه، بل أعطاه لجميع المسلمين، وقيل أنّ الطالب غضب على الحاكم، كان غاية


1) النجم (53): 3 - 4.

ذلك: أنّه غضب لكونه لم يعطه مالاً، وقال الحاكم إنّه لغيرك لا لك؛ فأيّ مدح للطالب في هذا الغضب؟ (1.)فالزهراء عند ابن تيمية كانت تطلب أمراً ليس حقّها، وهو لا يجد للزهراء عذراً بأنّها اجتهدت فأخطأت كما هو حالهم مع الصحابة؛ إذ كلّما خرج خارج على أمير المؤمين على علیه السلام قالوا: إنّه اجتهد فأخطأ، وإنّه مأجور، فلماذا لا يعتذر ابن تيمية للزهراء عليها السلام ؟فقيمة الزهراء عند ابن تيمية أنّها غضبت على الخليفة الأوّل لأجل قليل من المال، وأنّ الخليفة إنما منعها لأجل الآخرة!ثمّ إنّ ابن تيمية هو القائل: إذا وقع الشجار بين صحابة رسول الله فلا نخوض في ذلك البحث. فلماذا خضت في هذا الأمر ولم تسكت عن هذه القضية، بل انتصرت الطرف على الطرف الآخر، وكلاهما صحابيّان؟!فحتّى لو افترضنا أنّ فاطمة علیها السلام ليست بسيّدة نساء العالمين، فمنطق العامة هو: إنّ ما وقع بين الأصحاب نتركه للتاريخ والحكم الله سبحانه وتعالى. فكان ينبغي أن يسكت عن هذه القضية ولا يتكلّم ولا يخوض فيها، لا أن ينتصر للخليفة الأوّل.ولسنا نعترض على انتصاره للخليفة الأوّل وليس لفاطمة، ولكنّ اعتراضنا على أنّ هذا الأمر يخالف منهجهم ونهجهم ومعناه أنّهم يضعون مناهجهم حسب رغباتهم وأهوائهم؛ فهم مثلاً عندما يتناولون خروج معاوية على عليّ بن أبي طالب علیه السلام نجدهم يوجدون له ألف عذر وعذر ، فيقولون: إنّه متأوّل، و: لا يؤثّر على عدالته، و: إنّه أمين الوحي، وغير ذلك من الصفات التي نعتوه بها، فلماذا لم يكن منطق ابن تيمية هكذا مع الزهراء علیها السلام، وإنّما أتّهمها بأنّها من أهل الدنيا، وإنّما غضبت لأجل الدنيا؟!


1) راجع منهاج السنة 4: 244.

المورد الثاني:يقول ابن تيمية بأنّ: فعل الزهراء علیها السلام في غضبها وعدم رضاها عن الخليفة الأوّل لأجل منعها المال يشبه ما فعله المنافقون مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم!!يقول: أوليس قد ذمّ الله المنافقين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّه سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهرَاغِبُونَ (1)..)فذكر الله قوماً رضوا إن أعطوا ، وغضبوا إن لم يُعطوا، فذمّهم بذلك، فمن مدح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء ألا يكون قادحاً فيها؟!(2.)إنّ ابن تيمية يقول: إنّ الزهراء إن أعطيت حقّها رضيت، وإن منُعت حقّها سخطت وغضبت ، فَمَدْحُ غضبها يعدّ قدحاً فيها؛ لأنّ هذا الغضب هو فعل المنافقين، أو يُشبّه بفعلهم. ومن الواضح عند الجميع بأنّ المنافق ليس بمؤمن.والسؤال هنا: كيف ينسجم هذا الكلام مع كون فاطمة سيّدة نساء المؤمنين، وسيّدة نساء أهل الجنة؟ولكن ابن تيمية يقول: لو أن أحداً قال: أنّ فاطمة غضبت لأجل منعها هذا المال، فغضبها وسخطها كغضب - أو يشبه - غضب المنافقين، الذين إن أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون.فلو قال قائل: إنّه أراد أن ينفى غضب الزهراء علیها السلام، وأنّها لم تغضب أصلاً.فالجواب: إنّ صريح البخاري يبيّن بأنّها غضبت على أبي بكر؛ فعن عائشة: أنّ فاطمة علیها السلام بنت النبي صلی الله علیه وآله وسلم أرسلت إلى أبي بكر، تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


1) التوبة (9): 58 - 59.

2) منهاج السنة 4: 245 .

ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر.فقال أبو بكر: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نوّرث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتى توفّيت وعاشت بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها علىّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها(1.)فما قاله ابن تيمية لا يريد من خلاله أن ينزّهها عن الغضب وينفي عنها التشبّه بالمنافقين وأيضاً من خلال قرينتين جاءتا في كلامه:الأولى: إنّما غضبت لأجل الدنيا، ولمال الدنيا ، فهذا الغضب ليست له أيّة قيمة. الثاني: إنّ الغضب إذا كان الله فله قيمة، أمّا إذا كان لأجل حطام الدنيا فلا قيمة له، بل يقدح في صاحب الطلب ، يعني : يقدح في فاطمة علیها السلام.مع أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(2.)ومن أغضب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فقد أغضب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً (3).)ورسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أطلق كلامه ، قال : فمن أغضبها فقد أغضبني، ففيه إطلاق، وفيه عموم، وكان على رسول الله - لو لم يرد الإطلاق الكامل - أن يقيّد، فيقول: فمن أغضبها الله فقد أغضبني، حتّى يتم استدلال ابن تيمية، ولكن بما أنّه أطلق، فإذا مطلق إغضابها هو إغضابُ لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وأذىً له، وبالتالي أذىً الله سبحانه وتعالى.


1) صحيح البخاري 5: 82 - 83.

2) صحيح البخاري 210:4.

3) الأحزاب (33): 57.

اعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام:بعد أن اكتشف التناقض الذي وقع فيه غير الشيعة في التوفيق بين الآيات القرآنية والروايات وعدم السير على منهج ثابت وواضح، واطّلع على الفكر الشيعي، وأنّه منسجم وواضح وليس فيه لبس ولا تناقض، قرّر «عبد الله» نبذ التعصب الأعمى واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وذلك في سنة 1411 ه- (1991م (1).)


1) ملىء المستبصر استبياناً لمركز الأبحاث العقائدية حول المستبصرين، وذكر فيه نبذة عن حياته وأهم أدلّة الاستبصار.

## (17 عثمان تراوري)(مالكي / مالي)وُلد في جمهورية مالي بمدينة «موبتى» عام 1397 ه- (1977م، نشأ مالكي المذهب وفقاً للأُسرة التي ترعرع فيها، حصل على الديبلوم ثمّ توجه إلى الدراسة الدينية، فدرس الفقه والأصول والعقائد والتفسير وفق المذهب المالكي، ثمّ أسّس أحد فروع الجمعية الإسلامية، التابعة للوهّابية، في مدينة «باماكو».)كان نشيطاً في التبليغ والدعوة الإسلامية، وكان معظم اهتمامه وتفكيره منصبّاً في مجال العلوم والمعارف الإسلامية، فكان تهماً لتلق ومعرفة الحقائق حتّى أنّه بذل قصارى جهده ليوسّع آفاق معرفته؛ لتكون زوايا رؤيته للأمور الدينية رحبةومتّسمة بالشمولية.سافر عام 1414 ه- إلى ساحل العاج لزيارة أخيه «حميد تراوري»، وفي أحد الأيام وعندما كان يتجوّل بصحبة أحد أصدقائه تعرّف على أحد الشيعة، وهو صاحب محل لبناني مقيم في تلك المنطقة.وبما أنّ اهتمام «عثمان» كان متوجهاً إلى الأمور الدينية، انساق الحديث بينه وبين صاحب المحل اللبناني ليتناول الإسلام وأهمّ أركانه التي يعتمد عليها، فانتبه «عثمان» إلى أنّ زاوية رؤيته للأمور الإسلامية تختلف عن رؤية صاحب المحل؛ وذلك لأنّ صاحب المحل كان ينظر إلى الأمور من خلال الإطار الفكري الشيعي

الذي كان منتمياً إليه، فأحبّ «عثمان» أن يستمع إليه ويتعرّف على الأفكار والرؤى التي يحملها صاحبه الجديد.فاستفسر منه عن أهمّ أسباب الاختلاف الذي أدّى إلى تباعدهما في فهم الإسلام، فذكر له ذلك اللبناني أنّ أبا بكر وعمر ومن تبعهم استغلّوا فرصة عدم تقبّل المجتمع لإمامة الإمام علي علیه السلام وذلك لصغر سنّه، أو للضغائن التي كانت في قلوب بعضهم، الذين قُتل أقرباؤهم بسيف الإمام علي علیه السلام في الحروب التي قامت بين المسلمين والمشركين، وأُمور أخرى فاستولوا على زمام الحكم، في حين أنهم لم يكونوا بذلك المستوى الذي له القدرة على قيادة مسير الأمة إلى الهداية؛ كما أنّهم اجتهدوا بعض الاجتهادات من قبيل منع تدوين الحديث، وغير ذلك، أدّت إلى الحاق أضرار فادحة في بناء الأمّة الإسلامية.يقول «عثمان»: استغربت من مقولة اللبناني وحيث أنّني كنت أحاول أن أتعامل مع آراء المذاهب الأخرى بمرونة، وكنت أسعى أن أنظر إليها بعين الحياد، بأن لا أتعصب، أو يطغى عليّ الانفعال والتشنّج، حاولت أن أُحاوره من منطلق الدليل والبرهان، فطلبت منه فرصة لأراجع فيها الأدلّة والمصادر، وليكون لنا لقاء آخر للحوار والمباحثة في هذا الموضوع.وفي الموعد المقرّر حضر الأخ اللبناني، فبدأنا نتدرّج في موضوع الإمامة والخلافة وكان أعظم مانع يمنعني من تقبّل فكرته هو: أنّني كنت أستبعد من صحابة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أن ينقلبوا على أعقابهم بمجرّد أن يرحل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، فذكر لي مجموعة أدلّة لتبيّن الصحابة في حجمهم الحقيقي، ثم في نهاية المباحثة أهداني كتاب «ثم اهتديت» للتيجانى السماوي، فأخذته، وشرعت بقراءته بدقّة وإمعان نظر، وكنت في بعض الأحيان يرتعش كياني من الحقائق التي كانت تتجلّى لي، وكانت تعتريني أزمات نفسية شديدة أشعر فيها بفقدان توازني النفسي.فصدمت بشدّة حينما عرفت حقيقة بعض الصحابة، وأصابتني صدمة نفسية

هائلة أورثتني الانهيار والإرهاق.فلم أجد بُداً سوى الاستعانة بالله عزّ وجلّ، فتوجّهت إلى الباري متضرّعاً ليهديني سواء السبيل، وأن يدلّني على الفرقة الناجية.فشعرت بعدها بحالة اطمئنان وارتياح نفسي وواصلت قراءتي للكتاب بروح بنّاءة وبنفس موضوعيّة، وحاولت أن أتمسّك بالثوابت العقائدية التي كنت أؤمن بها، فجعلتها قاعدة ثابتة للإنطلاق منها للتوسّع في معرفة معالم الدين الصحيحة.فانطلقت من التوحيد، وكنت في الأمور التفريعية أقارن بين المنهج السنّي والمنهج الشيعي.وممّا كنت أعتقد به سابقاً: مسألة الجبر، فكنت أرى أنّ الإنسان مسيّر، وأنّه منذ أن يولد فهو إما أن يولد وقد كتب على جبينه أنّه من الأشقياء، وإمّا أن يكون مكتوب أنّه: من السعداء، ولا قدرة للإنسان أن يخرج من النطاق الذي قدّره الله له. فكنت أحاول تبرير هذا المعتقد لأتخلّص من جموده وجفافه، ولكن العلماء المالكية الذين راجعتهم لم يفسحوا لي المجال لرفض هذا الاعتقاد.ولكنّني عندما تعرّفت على معتقد الشيعة رأيته يذهب إلى مقولة «لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين»(1، ووجدت أنّهم يعتقدون بأنّ لكلّ إنسان ما سعى وأنّ الإنسان قد هداه الله النجدين، وهو باختياره يختار الهداية أو الضلال، وأنّه تعالى لا يترك عباده سدى، بل يتم عليهم الحجة بشتّى السبل، وأنّه تعالى يخيّرهم بعد ذلك، وتبين لي أنّ المستضعفين أيضاً ، سوى الذين لا يجدون سبيلاً، يحاسبهم الله ويحتجّ عليهم قائلاً: «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا »(2).)


1) وهو ما روي عن الإمام الصادق ، راجع : الكافي 1: 160، التوحيد للصدوق: 206.

2) النساء (4): 97 .

ويضيف «عثمان»: إنّني كنت قادراً على أن أمر من الحقائق التي تبيّنت لي مرور الكرام، وأغضّ الطرف عنها، وأتغافل عنها، حتّى تذهب في طيّ النسيان، ولكنّني اهتماماً منّي بديني لم أفسح لنفسي الأمّارة بالسوء أن تفعل ذلك، فجاهدتها، وهاجرت إلى الله، فهجرت كلّ المعتقدات الموروثة التى وجدت خواءها، وتوجّهت إلى المعتقدات التي توصّلت إليها متر صرصة بالأدلّة والبراهين، فاعتنقت مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وأعلنت استبصاري عام 1414 ه- في ساحل العاج، ثمّ دخلت بعدها مدرسة أهل البيت علیهم السلام في بامباي، ودرست فيها مدّة أربع سنوات، ثمّ توجّهت نحو التبليغ، وها أنذا قد وطّنت نفسي أدعوا إلى سبيل ربّي وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.وقد خصّصت أيام العطل للتبليغ بشكل رسمي، وبما أنّني أجيد اللغة العربية والفرنسية ولغة «باماري» المحلية آليت على نفسي أن أبذل غاية جهدي، وأن أُوظف كلّ طاقتي ومقدرتي لتوسيع آفاق رؤية مجتمعنا، ورفع مستوياتهم الفكريةوالمعنوية (1.)


1) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية»، شرح فيه المراحل التي مرّ بها خلال رحلة الاستبصار وما تلاها، وهو ما تمّ ذكره عن لسان المستبصر في الترجمة (بتصرّف يسير).

## (18 عمر جري)(مالكي / مالي)ولد في جمهورية مالي، وهي إحدى دول غرب أفريقيا، ودرس إلى أن حصل على شهادة المعهد، وهو من عائلة مالكية المذهب.فضائل أمير المؤمنين علیه السلام:كانت ل- «عمر» مطالعات دينية كثيرة في المجال العقائدي، ومما يلفت نظر الباحث في هذا المجال الفضائل التي نقلها علماء ومحدّثوا المسلمين في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، فقد صرّح جملة منهم بأنّ ما ورد من الأحاديث الجياد والحسان في فضائل علي أمير المؤمنين عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لا يدانيه ماورد في فضائل أحد من صحابة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركّز على بيان فضائل علي ومناقبه بما لم يركّز على أحد من صحابته المنتجبين، ومن أولئك:1 - الإمام المحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي؛ فقد قال في الفصل الذي عقده لذكر فضائله علیه السلام، وأورد فيه جملة من الأحاديث الواردة في فضله: قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما ورد لعليّ رحمة الله (1.)


1) تاريخ الخلفاء: 191.

2 - ابن حجر الهيتمي، بعد أن يذكر إسلامه وهجرته يقول عن فضائله: وهي كثيرة عظيمة شهيرة، حتّى قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعليّ..وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي علیه السلام.ثمّ يدخل ابن حجر الهيتمي في بيان السبب في ذلك ويقول: «لمّا وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثّها نصحاً للأمّة أيضاً، ثمّ لمّا اشتدّ الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبّه على المنابر، ووافقهم الخوارج لعنهم الله ، بل قالوا بكفره ، اشتغلت جهابذة الحفّاظ من أهل السنّة ببثّ فضائله حتّى كثرت نصحاً للأمّة ونُصرةً للحقّ»(1.)3 - ابن حجر العسقلاني، قال: «قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في على»(2.)وهذه العناية بفضائل الإمام علي علیه السلام المنشأها ومبدأها هو الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم الذي نقرأ جميعاً: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(3)(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )(4)، وهذا ممّا أتانا به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وهو التركيز والاهتمام الخاص بفضائل ومناقب علي بن أبي طالب علیه السلام.)وهناك ثمرة تترتّب على هذه الفضائل والمناقب؛ فإنّ هذه القضية ليست قضية أخلاقية، أو مناقبية محضة أو أنّه سباق فى تعداد الفضائل والمناقب، حتّى نقول: وردت مئة، هم يقولون وردت ثمانين، فعندما نراجع تراث علماء المسلمين


1) الصواعق المحرقة 2 :353 .

2) فتح الباري شرح صحيح البخاري : 91 .

3) (1النجم (53): 3 - 4.

4) الحشر (59): 7 .

وخصوصا تراث مدرسة الصحابة نجد أنّهم يؤكّدون على إثبات الأفضلية للخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان على عليّ علیه السلام ، وهناك إصرار على هذه الحقيقة، وأنّهم بأيّ شكل من الأشكال يحاولون أن لا يتنازلوا عن هذه الحقيقة كما يدّعون.بل نجد أنّ بعضهم يقول: هناك خلاف في أنّ عثمان أفضل أو علي، ففي هذه المسألة مجال للبحث، أمّا الأفضلية على أبي بكر وعمر فهذا يُعد من الخطوط الحمراء التي لا مجال للكلام فيها.والسؤال هنا: إذا كان هؤلاء يثبتون الخلافة لأبي بكر وعمر على أساس أفضليتها على عليّ، فإنهم يريدون الوصول بذلك إلى أن أبا بكر وعمر وعثمان استحقّوا الخلافة لأنّهم أفضل من عليّ، أيّ أنّ خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدور مدار الفضائل والمناقب، فمن كان أفضل فهو الأحق بالخلافة، فهم يجعلون هناك ملازمة بين الأفضلية والخلافة.وهذا ما نجده في كلمات جملة من علماء المسلمين، ممّن ينظّرون لهذا الأصل؛ فهم يربطون بين الخلافة والأفضلية، فإذا كان الصحابي أفضل فهو أحقّ بالخلافة؛ لأنّهم لا يؤمنون بنظرية النص، ويقولون بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على أحد بالخلافة، ولم يوص بها لأحد من الصحابة.وبدؤوا يبحثون عن الفضائل للخلفاء الأوّل والثاني والثالث، وكتبت كتب كثيرة في فضائل الشيخين، وفي فضائل عثمان، وهذه كلّها تستبطن قاعدة مفادها: إنّ كل من ثبتت أفضليته فهو الأحق بالخلافة.فإذا استطعنا أن نُثبت من كتب علماء المسلمين، وخاصة من كتب مدرسة أهل السنّة، أنّ عليّاً علیه السلام أفضل من باقي الصحابة، فبمنطق: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، لابدّ أن يقبلوا أنّ عليّاً علیه السلام هو الأحقّ والأولى بالخلافة.وقد كان أمير المؤمنين علیه السلام يستند إلى هذا المنهج في احتجاجاته مع القوم،

ولهذا كان يقول: أحقّ ، و أولى ، وكأنّه يريد أن يقول : إذا كان هذا هو سبيلكم ومنهجكم لاستحقاق الخلافة ورفعتم اليد عن النص والوصية والوصاية، فأنا أفضل منكم جميعاً.ثمّ إنّه إذا ثبت من خلال الأدلّة أنّ عليّاً علیه السلام هو الأفضل من باقي الصحابة جميعاً، بمن فيهم أبو بكر وعمر ، فلا داعي لأن يُتّهم الشيعة بأنّهم من المغالين، وأنّهم من أهل البدع!فمخالفو الشيعة هم الذين أسّسوا هذا الاصل وبنوا عليه بنيانهم، وصرّحوا بأنّ: المسلم إذا فضّل عليّاً على باقي الصحابة فهو صاحب بدعة صغرى، أمّا إذا فضّله على أبي بكر وعمر فهو صاحب بدعة كبرى!قال الذهبي: أبان بن تغلب شيعي جلد لكنّه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته... فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم ، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا(1.)وهذا يعني: أن الأصل في الشيعي أن يكون كاذباً، ولكن من باب الصدفة شذّ المترجم له؛ لأن التعبير ب- (لكن يعني استثناء، وكلّ ذلك لأنّه أحبّ عليّاً علیه السلام وفضّله على أبي بكر وعمر وعثمان، ولذلك أصبح كذّاباً وصار منافقاً ولا يعتمد عليه.)هذه هي الآثار التي رتّبها هؤلاء، فالتشيّع يعني حبّ علي، وهو بدعة، وأوّل من أصّل لهذه البدعة هو: رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وحاشاه ولكن من باب الإلزام نقول ذلك؛ إذ هو القائل: «لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق» (2.)وعندما يقولون: شيعي، لا يعني أنّ الشخص يؤمن بعصمته علیه السلام، بل يريدون من تشيّعه: محبّته لعلي ؛ يقول ابن حجر والتشيّع محبّة عليّ وتقديمه على الصحابة،


1) ميزان الاعتدال 1 49 و 50 .

2) مسند أحمد 1: 95 .

فمن قدّمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيّعه، ويطلق عليه : رافضي، وإلّا فشیعی فإن انضاف إلى ذلك السبّ، أو التصريح بالبغض، فغال في الرفض(1.)فبمجرد أن تُقدّم علياً علیه السلام على واحد من الصحابة فأنت شيعي، وا ، والشيعي صاحب بدعة! فعليك أن تجعل على في عرض الصحابة، بل تجعله في عرض معاوية، بل في عرض عمرو بن العاص، فلا يحق لأحد أن يقدم علياً علیه السلام على أحد من الصحابة.وهنا نسأل: هل نزلت آيات في تقديم غير علي علیه السلام ؟فالشيعة عندما تقول بأفضلية عليّ علیه السلام يطالبوهم بالأدلّة من القرآن والسنّة، ولكنّهم عندما يقولون بأفضلية غيره علیه السلام يرسلوها إرسال المسلّمات بلا دليل ولا حجّة.بعض ما ورد في حق علي علیه السلام من الآيات :1 - قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً (2).)نزلت في النبي صلی الله علیه وآله وسلم و علي وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام(3.)2 - قوله تعالى: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (4).)نزلت في على وفاطمة وابنيها (5.)3 - قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ


1) مقدمة فتح الباري.

2) الأحزاب (33): 33.

3) صحيح مسلم :7 130 والمستدرك على الصحيحين :2: 416 و 3: 133 و 146 و 148 وغيرها.

4) الشورى (42): 23.

5) مجمع الزوائد :7: 103 و 9: 168 .

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (1).)نزلت في علي علیه السلام عندما تصدّق بخاتمه وهو راكع(2.)بعض ما ورد في حق علي علیه السلام من الروايات النبوية1 - قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (3في مواضع متعدّدة، أهمّها غدیر خم .2 - قوله صلی الله علیه وآله وسلم لعلى: «لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق» (4.)3- حديث الطير المشوي: «عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عنده طائر، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أبو بكر فردّه، وجاءه عمر فردّه، وجاء عليّ فأذن له»(5.)وغيرها الكثير الكثير (6.)اتّباع الحقّ:عندما وجد «عمر» أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو الذي فضل علياً علیه السلام علی باقي الصحابة، فركّز عليه وبيّن من فضائله ومناقبه ما لم يبيّن لأحد من صحابته وعيّنه بأمر الله عزّ وجلّ أميراً للمؤمنين، اهتدى إلى الحقيقة وقرّر اتّباع المذهب الشيعي، وأصبح في ما بعد معاوناً لمدرسة أهل البيت علیهم السلام (7.)


1) المائدة (5): 55.

2) المعجم الأوسط 6: 218 ومعرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: 102 وغيرها. (

3) مسند أحمد 1 84 و 118 و 119 و 152 و 331 و 4: 281 و 370 و 372 و 5: 347 و 366)و 370 و 419 وسنن ابن ماجة 1: 45 وفضائل الصحابة للنسائي: 14 وغيرها.

4) مسند أحمد 6: 292 ، وانظر: صحيح البخاري 1: 61.

5) السنن الكبرى للنسائي 107:5

6) على سبيل المثال راجع كتاب النص على أمير المؤمنين للسيد علي عاشور.

7) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه نبذة عن حياته، وقد تمّ اهداؤه عدداً من إصدارات المركز.

## (19 عيسى جارا)(مسيحي / مالي)ولد في مدينة «سيكو» المالية سنة 1391 ه- ( 1972م في عائلة مسيحية، وأكمل الدراسة الثانوية فيها.)كان «عيسى» يعشق القراءة والبحث، خصوصاً في الأديان والعقائد، وأثناء بحثه وقع في يده بعض كتب المسلمين الشيعة فطالعها، وممّا لفت نظره: العقائد التي يتبناها المسلمون الشيعة في موضوع توحيد الباري جلّ وعلا..التوحيد عند الشيعة :يرى المسلمون الشيعة ضرورة توحيد الله عزّ وجلّ من جميع الجهات؛ فهو تعالى واحد في ذاته، وواجب الوجود.كما يجب توحيده في الصفات، بالاعتقاد بأن صفاته تعالى عين ذاته.وأنّه لا شبيه له في الصفات الذاتية؛ فإنّه تعالى في العلم والقدرة لا شريك له، و في الخلق والرزق لا نظير له، وفي كلّ الكمالات لا ندّ له.ويجب توحيد الله تعالى في العبادة أيضاً، فلا تكون العبادة لغيره بأي وجه من الوجوه، كما لا يجوز إشراكه تعالى في العبادة بكل أنواعها، سواء كانت واجبة أو غير واجبة.

وكلّ من أشرك غيره في عبادته فهو مشرك، حتّى وإن كان رياءً في العبادة.كما أنّهم يعتقدون بأنّ صفات الله تعالى التى تسمّى بصفات (الجمال والكمال ك علمه، وقدرته، وغناه، وإرادته وحياته كلّها عين ذاته وليست صفات زائدة على ذاته، ووجودها وجود الذات..)فقدرته تعالى من حيث الوجود حياته، فهو تعالى قادر من حيث هو حيّ، وحيّ من حيث هو قادر، فلا اثنينية في الصفات، ووجودها، وهكذا الحال في سائر صفاته الكمالية.نعم، هي مختلفة في المعاني والمفاهيم، لا في الحقائق والوجود؛ إذ لو كانت مختلفة في الوجود وكانت قديمة وواجبة كالذات للزم تعدّد واجب الوجود ولا تصبح الوحدة حقيقة وهذا ما يعارض العقيدة بالتوحيد.وأمّا الصفات الثبوتية الإضافية، ك- الخلق، والرزق، والتقدّم والعلّية، فترجع في الحقيقة إلى صفة واحدة، وهي: القيومية للمخلوقات، وهي حقيقة واحدة تؤخذ منها صفات عدّة باعتبار اختلاف آثارها .وأمّا صفات «الجلال» وهي «الصفات السلبية»، فإنهّا ترجع إلى سلب واحد، وهو: سلب الإمكان عن ذاته تعالى، فسلب الإمكان معناه: سلب الجسم والحركة والصورة والثقل والسكون، وغيرها من الأمور، وسلب كلّ نقص. ومرجع سلب الإمكان إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من الصفات الكمالية الثبوتية، فترجع الصفات «الجلالية السلبية» بالنهاية إلى الصفات «الثبوتية الكمالية».والله تعالى واحد من جميع الجهات لا تركيب في ذاته المقدّسة ولا تكثّر في الحقيقة، فهو واحد صمد.وهم يعتقدون بأنّ من يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى الصفات

السلبية، فهو قد جعل للذات التي هي عين الوجود ومحض الوجود والفاقدة لكلّ نقص وجهة ،إمكان جعلها محض السلب وعين العدم.وإنّ من يذهب إلى أنّ الصفات الثبوتية زائدة على الذات، فقد قال بتعدّد القدماء، ووجود الشركاء لواجب الوجود، أو قال بتركيبه، تعالى عن ذلك، ويستدلّون على ذلك بقول علي علیه السلام: « وكمال الإخلاص له: نفي الصفات عنه؛ بشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثنّاه فقد جزاه، ومن جزّأه فقد جهله...»(1.)فالإخلاص له تعالى يعني: جعله خالصاً من كلّ عيب ونقص، ويتحقّق بنفی ذلك الجسمية والعرضية ولوازمها ، فلا يصفه سبحانه بصفات مغايرة لذاته، أو ناقصة في ذاتها، كأن يصفه ب-«الظلم» و «العجز»، وغيرها من الصفات التي تنزّه جلّوعلا عنها.فكمال المعرفة إنمّا يكون بنفي الصفات غير اللائقة بذات الله، أو المنفصلة عنه، التي هي غير عين الذات.فإنّ العقلاء وأصحاب الفكر يعرفون أنّ الصفة غير الموصوف، والموصوف غير الصفة، فالكرم غير زيد وزيد غير الكرم فهما متغايران، والذات متقدمة على الصفة ومنفصلة عنها، ولا تقوم الصفة مستقلّة برأسها بدون ذات، ومن يصف الله بغير ما هو أهل له من الصفات فقد وقع في الشرك، وكان إيمانه مشوباً بكثير من الأوهام الباطلة.فمن وصف الله بغير صفاته الذاتية، أو جعل صفاته مغايرة له، فقد قرنه إلى غيره وجمعه معه، والله منزّه عن القرين.


1) نهج البلاغة 1: 15 الخطبة الأولى.

ومن قرنه بغيره فقد جعله ثاني اثنين والله واحد لاشريك له، ولا ندّ يساويه أو يضادّه.ومن جعله ثاني اثنين فقد جزأه وقسمه، بحيث جعله بما يشترك فيه مع غيره، وبما يفترق فيه عن غيره، وهذه تجزئة له.وأنّ من جزّأه لم يعرفه معرفة كاملة؛ لأنّ معرفة الله تقتضي توحيده بالذات، وتوحيده أيضاً بالصفات.وتنشأ من هذا الجهل أُمور كثيرة تضلّ الإنسان، وتحرفه عن الاستقامة في التفكير والنظر.ومن جهل الله ولم يعرفه معرفة كاملة توهّمه في ذلك وتخيل له صورة معيّنة، وهذا التوهم والتخيّل يُشار إليه معنوياً أو حسّياً.كما أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ من صفاته تعالى الكمالية الثبوتية أنّه عادل لا يظلم ، فلا يحيف في قضائه، ولا يجور في حكمه، فهو يثيب المطيعين، ويجازي العصاة، ولا يكلّف العباد ما لا طاقة لهم به، ولا يحاسبهم زيادة على ما يستحقّون.وهو تعالى حكيم، وفعله مطابق للحكمة، وعلى حسب أكمل النظم؛ فلو كان يفعل الظلم والقبح، تعالى عن ذلك، فإنّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:أ - أن يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولكنّه محتاج إلى فعله.ب - أن يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشتهّياً وعبثاً ولهواً.ت - أن يكون جاهلاً بالأمر فلا يدري أنّه قبيح.ث - أن يكون عالماً به ولكنّه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.وهذه الصور جميعها محالة على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه وهو محض الكمال، إنّه منزّه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.

ويعتقد الشيعة بأنّه تعالى لا يكلّف الناس إلا بعد إقامة الحجّة، ولا يكلّفهم إلا ما يقدرون عليه وما يعلمونه؛ لأنّ تكليف العاجز والجاهل غير المقصّر في التعليم يعد من الظلم.والجاهل المقصّر في معرفة التكاليف والأحكام هو مسؤول عند الله تعالى ويعاقب على تقصيره؛ إذ يجب على كلّ إنسان أن يتعلّم ما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية.ويعتقد الشيعة بأنّه تعالى لابدّ أن يكلّف عباده، ويسنّ لهم الشرائع وما فيه خيرهم وصلاحهم؛ ليدلّهم على السعادة والخير ويرشدهم إلى ما فيه الصلاح، وليزجرهم عمّا فيه الضرر والفساد، وإن علم تعالى أنّهم لا يمتثلون؛ لأنّ ذلك رحمة ولطف بالعباد، لأنّهم يجهلون مصالحهم وطرقها في الدنيا والآخرة، ويجهلون كثيراً يعود عليهم بالخسران والضرر.وتعتقد الشيعة في القضاء والقدر، تبعاً لأمّتهم علیهم السلام، بالأمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين: الجبر والتفويض ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلّا بعد عدة قرون من بعد الألمة علیهم السلام. وليس من الغريب ممن لم يطلع على حكمة الأئمّة علیهم السلام وأقوالهم أن يحسب أن هذا القول، وهو: «الأمر بين الأمرين»، من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخّرين.لكنّ أئمّة أهل البيت علیهم السالم قد ذكروه قبل عشرة قرون؛ فقد قال الإمام الصادق علیه السلام لتبيين الطريق الوسط كلمة: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين. قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته، فلم ،، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية» (1.)


1) الكافي 1: 160.

فلا جبر على العباد حتّى لا يكون لهم قدرة على أفعالهم أصلاً، ولا تفويض إليهم حتّى تكون أفعالهم بقدرتهم ولا يكون لهم زاجر أصلاً، وكما قال الإمام علیه السلام: مثل ذلك: رجل رأيته على معصية فنهيته عنها ، فلم ينته، فتركته بحاله وما زجرته عنها جبراً وقهراً، ففعل تلك المعصية بقدرته واختياره، فليس حيث لم يقبل منك فتركته مع قدرتك على زجره عنها جبراً كنت أنت الذي أمرته بالمعصية، أي: جبرته عليها؛ أطلق «الأمر» على «الجبر» مجازاً، فكما أنّك لما منعته منها بالزواجر والنصائح ما فوّضت الأمر إليه، ولما رأيت أنّه يفعلها، فتركته، وما منعته منعاً يوجب ترکه، ما أجبرته عليها، كذلك صنع الله بالنسبة إلى أفعال العباد، فهذا أمر بين أمرين.فإنّ أفعال العباد هي أفعال حقيقة، وهم سببها الطبيعي، وهي تحت قدرة الإنسان واختياره من جهة، ومن جهة أخرى هي تحت قدرة الله تعالى وتدخل في سلطانه تعالى؛ لأنّه المفيض للوجود والمعطي له، فلم يجبرنا الله على أفعالنا حتّى يظلمنا في عقوبتنا على المعاصي؛ لأنّ لنا الاختيار والقدرة في ما نريد فعله، وفي الحال عينه لم يفوّض لنا خلق أفعالنا فيكون أخرجها عن قدرته، فله الحكم والخلق والأمر، وهو القادر على كلّ شيء والمحيط بالعباد.فالقضاء والقدر من أسرار الله تعالى، فمن فهمه بلا إفراط ولا تفريط فهذا هو الصحيح، وإلا فلا ينبغي عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه لكي لا يضلّ وتفسد عقيدته؛ لأنه من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدرك عمقها إلّا النادر من الناس، ولذا ضلّ فيه بعض المتكلّمين.ويكفي اعتقاد الإنسان به اجمالاً؛ تبعاً لأوامر الأئمّة الأطهار علیهم السلام من أنّه «أمر بين الأمرين»، ليس فيه جبر ولا تفويض. وبذلك أخبر أمير المؤمنين علیه السلام حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة ؟ فقال أمير المؤمنين علیه السلام: «تملكها من دون الله أو مع الله ؟

فسكت عباية بن ربعي، فقال له: قل يا عباية. قال: ما أقول؟ قال: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت: تملكها من دون الله قتلتك.قال: وما أقول يا أمير المؤمنين؟قال: تقول: تملكها بالله الذي يملكها من دونك؛ فإن ملككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك، والمالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون القوّة حيث يقولون : لا حول ولا قوة إلّا بالله؟!فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلّا بعصمة الله ، ولا قوّة لنا على طاعة الله إلّا بعون الله فوثب الرجل وقبّل يديه ورجليه (1.)انسجام العقائد مع العقل والفطرة يهدي إلى اتّباع الحقّ:بعد أن اطّلع «عيسى» على الحقائق التي تتمّ ايضاحها في مدرسة أهل البيت علیهم السلام، وقام بمقارنتها مع ما سواها، سواء من العقائد التي يتبنّاها هو، أو التي قام بالبحث عنها، وجد أنّها تنسجم مع العقل والفطرة، فقرّر اعتناق الإسلام ومذهب أهل البيت علیهم السلام وذلك في سنة 1414 ه- (1994م(2).)


1) الاحتجاج 2: 256.

2) أملى المستبصر استبيانا لمركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه ما يرتبط بسيرته وأسباب استبصاره .

## (20 محمد كوني)(وهّابي / مالي)ولد في مدينة «سيكو» في جمهورية مالي سنة 1379 ه- ( 1960م، ودرس في مدينته إلى أن أنهى الدراسة الإعدادية ثمّ هاجر إلى السعودية لإكمال دراسته، فأخذ البكالوريوس، ثم رجع إلى بلده، فتولّى إدارة مدرسة «عمر الفاروق» وأصبح إماماً لمسجد في مدينة «سيكو».)بعد أن اقترب «محمّد» من أتباع الفكر الوهابي - اثر سفره إلى السعودية - تعرّف على هذا الفكر عن قرب، واتخذه كرؤية يدين الله بها يوم القيامة.وما أن مرّت الأيام حتّى بدأت الشبهات تحوم حول معتقده، وراودته الشكوك حتّى بدأ يحس أن مبدأه ليس السبيل الذي أراده الله تعالى من العباد.كلّ ذلك سار ب-«محمّد» إلى أن يتقرّب أكثر فأكثر نحو الفكر الشيعي المطابق للفطرة والعقل السليم، والذي يقول بضرورة كون الرسول للناس، ومن كلّف بتبليغ الأحكام معصوماً من قبل الله سبحانه وتعالى من الزلل والخطأ والعصيان. عصمة أهل البيت علیهم السلام في آية أُولي الأمر:من الآيات التي تدلّ على عصمة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأُولي الأمر - وهم الخلفاء الشرعيون من عترته : آية «أُولي الأمر» وهي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ (1)فإنّ هذه الآية المباركة تُعدّ من الآيات المهمة والأساسية في فهم مقام أُولي الأمر في القرآن، بل تعدّ من أُصول الآيات وأركان الآيات التي تحدّثت عن مقامات الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم وبتبع ذلک عمّا يجب لأُولي الأمر في الأمة؛ فقد أشارت هذه الآية المباركة إلى مجموعة من)الأصول:الأصل الأوّل: الطاعة المطلقة تعني العصمة المطلقة:إنّ الإطاعة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ هي إطاعة مطلقة، وليست مقيّدة أو مشروطة، ويتبع ذلك نتيجة أساسية، وهي: إنّ من أمر الله بإطاعته مطلقاً لابدّ أن يكون معصوماً، ولابد أن تكون عصمته أيضاً عصمة مطلقة، وإلّا يلزم أن يكون من أمر بطاعته مطلقاً حتّى لو أمر بالمعصية تجب طاعته.)فكلّ من أمر الله بطاعته في هذه الآية، أو في الآيات الأخرى، لابدّ أن تكون عصمته بمستوى هذه الإطاعة يعني لابدّ أن تكون أيضاً إطاعته مطلقة، وبهذا يتضح أنّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم إذا تكلّم في حكم شرعي أو خارجي، سواء في أمر أُخروي أو دنيوي، على مستوى الفعل الخارجي أو التقرير ، فلابدّ أن يكون معصوماً، ولو لم يكن معصوماً لما كانت طاعته مفروضة من قبل الله سبحانه وتعالى وإنمّا لابدّ أن تقيّد.فما ورد في مسألة تأبير النخل وأنه أخطأ واشتبه، ثمّ قال أنتم أعلم بأمور دنياكم (2أو إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر (3)، فهو كلام غير صحيح؛ لأن عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبتبع ذلك عصمة أولي الأمر تكون مطلقة.)الأصل الثاني: عصمة أُولي الأمر:


1) النساء (4): 59.

2) تاریخ ابن خلدون 1 494 .

3) صحیح مسلم : 95 .

إِنَّه بمقتضى التشريك، وبمقتضى العطف على الرسول نستكشف أنّ أُولي الأمر في الآية المباركة لابدّ أن يكونوا معصومين ولابدّ أن تكون عصمتهم بمستوى عصمة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم؛ ولذا تعتقد مدرسة أهل البيت علیهم السلام أنّ الطاعة المفروضة للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم هي بنفس الدرجة مفروضة لأولي الأمر في الآية المباركة.والنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم طاعته مفروضة بالأصالة من قبل الله سبحانه وتعالى، وأمّا إطاعة أولي الأمر فهي مفروضة بالتبعية للرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم.الأصل الثالث: أهل البيت هم المصداق الوحيد ل- «أولي الأمر»:إنّ القرآن الكريم لم يشر إلى عصمة أحد غير أهل البيت علیهم السلام، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)، فهذه الآية المباركة عنونت وعيّنت أنّ المعصوم هم أهل البيت علیهم السلام، والإرادة هنا إرادة تكوينية، وعليه فلا مصداق لأولي الأمر في القرآن غير أهل البيت علیهم السلام.)فالأصل القرآني أثبت أنّهم عُطفوا وأشركوا مع الرسول الأعظم في الإطاعة المطلقة الدالّة على العصمة، وأن القرآن لم يثبت لنا معصوماً غير أهل البيت ؛ إذاً ليس لأولي الأمر في القرآن مصداق إلّا هؤلاء علیهم السلام .الأصل الرابع: عمومية «الأمر» في الآية:إنّ «الأمر» في الآية المباركة لم يستعمل بمعنى الشأن السياسي، أو بمعنى الشأن التشريعي، وإنمّا هو أعمّ، فإذا كان أعمّ فلا محذور في أن نحمل الآية على المعنى الأعم، فالإرادة لها حقيقة واحدة، ولكنها مرّة تتعلق بأمر تشريعي، وأُخرى تتعلّق بأمر تكويني، لا أنّه يوجد عندنا نحوان من الإرادة: إرادة تشريعية، وإرادة تكوينية، فالإمامة دورها يشمل الشأن السياسي والتشريعي، حتّى إذا لم يكن له دور تشريعي، أو سياسي.


1) الأحزاب (33): 33.

والنصوص الروائية تؤيّد هذه الحقائق وهذه الأصول:1 - عن سليم بن قيس الهلالي في حديث سمعه عن أمير المؤمنين علیه السلام ، قال فيه: «لا ينبغي للمخلوق أن يكون حبّه لمعصية الله؛ فلا طاعة في معصيته، ولا طاعة لمن عصى الله، وإنّما الطاعة الله ولرسوله ولولاة الأمر، وإنمّا أمر الله عزّ وجلّ بطاعة الرسول؛ لأنّه معصوم ،مطهر، لا يأمر بمعصيته، وإنّما أمر بطاعة أولى الأمر؛ لأنّهم معصومون مطهّرون، لا يأمرون بمعصيته»(1.)2 - عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام : لأي شيء يحتاج إلى النبي صلی لله علیه وآله وسلم والإمام؟فقال: لبقاء العالم على صلاحه؛ وذلك أنّ الله عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام ؛ قال الله عزّ وجلَّ: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهِمْ (2)، وقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون...)يعني بأهل بيته: الأئمّة الذين قرن الله عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ (3)، وهم: المعصومون المطهّرون الذين لا يذنبون ولا يعصون وهم: المؤيَّدون الموفّقون المسدَّدون، بهم يرزق الله عباده، وبهم تعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي، ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم، صلوات الله عليهم)


1) الخصال: 139.

2) الأنفال (8): 33.

3) النساء (4): 59 .

أجمعين (1.)وهذه الرواية عن الإمام الباقر علیه السلام تبيّن لنا أمرين:أولاً: إنّ أُولي الأمر لابدّ أن يكونوا معصومين.ثانياً: إنّ الأمر في الآية ليس المراد منه الأمر التشريعي والسياسي، وإنمّا الأعم من ذلك.3ذ- عن سليم بن قيس، قال: سمعت عليّاً (صلوات الله عليه يقول: وأتاه رجل فقال له: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً، وأدنى ما يكون به العبد كافراً، وأدنى ما يكون به العبد ضالاً؟ فقال له: «قد سألت فافهم الجواب: أمّا أدنى ما يكون به العبد مؤمناً: أن يعرّفه الله تبارك وتعالى نفسه فيقرّ له بالطاعة، ويعرّفه نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم فيقرّ له بالطاعة، ويعرّفه إمامه وحجّته في أرضه، وشاهده على خلقه، فيقرّ له بالطاعة..)قلت له: يا أمير المؤمنين وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت؟ قال: نعم إذا أمر أطاع، وإذا نُهي انتهى..وأدنى ما يكون به العبد كافراً من زعم أن شيئاً نهى الله عنه أنّ الله أمر به ونصبه ديناً يتولّى عليه، ويزعم أنه يعبد الذي أمره به، وإنّما يعبد الشيطان..وأدنى ما يكون به العبد ضالاً: أن لا يعرف حجّة الله تبارك وتعالى، وشاهده على عباده الذي أمر الله عزّ وجلّ بطاعته، وفرض ولايته.قلت: يا أمير المؤمنين! صفهم لي.فقال: الذين قرنهم الله عزّ وجلّ بنفسه ونبيّه ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.)قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أوضح لي.


1) علل الشرائع 1: 123 - 124.

فقال: الذين قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في آخر خطبته يوم قبضه الله عزّ وجلّ إليه: إنِّي قد تركت فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي ما إن تمسّكتم بهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي؛ فإنّ اللطيف الخبير قد عهد إلي أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض كهاتين -- وجمع بين مسبحتيه - ولا أقول: كهاتين - وجمع بين المسبحة والوسطى - فتسبق إحداهما الأخرى، فتمسكوا بهما لا تزلوا ولا تضلّوا، ولا تقدّموهم فتضلّوا»(1.)وهذه التصريحات من أئمّة أهل البيت علیهم السلام هي ليست رواية أو روايتين، والروايات إذا تعدّدت وتكاثرت تصحّح بعضها بعضاً، ويقوّي بعضها بعضاً.فعنوان «أولي الأمر» مختصّ بأئمّة أهل البيت علیهم السلام لا أنّه عام ليشمل غيرهم.حقيقة الإمامة والاستبصار :بعد أن تعرّف - من خلال البحث والتحقيق والاستقصاء - على العديد من الحقائق، ومنها: حقيقة الإمامة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، قرّر «محمّد» اعتناق الفكر والمنهج المعصوم منهج أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، وذلك في سنة 1416 ه- (1996م (2).)


1) الكافي 414:2 - 415.

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه كيفية الاستبصار.

## (21 محمد حبيب عبد الله كان)(مالكي / مالي)ولد في مدينة «كاي» في مالي، ودرس فيها حتّى نال البكالوريوس، وواصل دراسته حتّى أصبح من الشخصيات المرموقة في مدينته، له كثير من المؤلّفات، وتمتاز كتبه بأدب رفيع وأسلوب جذّاب.التقى «محمّد» أحد علماء الشيعة في المدينة المنوّرة، وجرى بينها حوار في بعض المسائل الاعتقادية، ومن ذلك الحين بدأ بتجديد النظر في معتقداته الموروثة، فبعد مناظرته مع ذلك العالم الشيعي التفت إلى كثير من الحقائق التي لم يكن ملتفتاً إليها من قبل.حقيقة توحيد النواصب، واتّهامهم للشيعة بضلالاتهم:ممّا لفت نظر «محمّد» في أبحاثه: الافتراءات التي كانت توجّه لأتباع أهل بيت العصمة والطهارة، فقد قام أعداء الشيعة وعلى طول التاريخ ببثّ الإشاعات والأكاذيب عن الشيعة، يريدون من خلال ذلك تضليل العوام وإبعادهم عن التشيّع والشيعة، ومن ثمّ إجراء المقارنة بين تلك التهم وما يعتقده المتوهّمون.ومن ذلك ما ذكره محمّد بن عبد الوهّاب النجدي بقوله : ومن قبائحهم: تشابههم باليهود، ولهم بهم متشابهات بقص اللحى أو حلقها، أو إعفاء الشوارب، هذا دين اليهود وإخوانهم من الكفر ، وإنّ اليهود مسخوا قردة وخنازير، وقد نقل

أنّه وقع ذلك لبعض الرافضة في المدينة المنورة وغيرها، بل قد قيل: أنّهم تُمسخ صورهم ووجوههم عند الموت.ومن مشابهتهم المجوس: بأنّهم قالوا بالهين النور والظلمة، وهؤلاء يقولون: الله خالق الخير، والشيطان خالق الشر، ومنها : أنّ المجوس ينكحون المحارم، كذلك غلاة الشيعة يفعلون ذلك (1.)فهذا هو منطق الإمام المصلح المجدّد كما يصفه الوهّابية، وهو لا يدلّ إلا على التدليس والجهل والحاقة، فهو لم يذكر دليلاً على مدّعياته، وليس على المسلمين إلا أن يذهبوا إلى الشيعة عند موتهم ليعرفوا صدق هذا الإنسان، وسيتّضح لهم جليّاً كذب هذا الجاهل الأحمق.إنّ كلّ هذه الحملات الشنيعة الشعواء التي ليس فيها أي لمسة من الأمانة الدينية والعلمية أدّت مفعولاً عكسيّاً؛ لأنّ ظاهرة الاستبصار بدأت تأخذ أبعادها الحقيقية، لأنّ الناس ازداد وعيهم وتطلّعت نفوسهم الصافية إلى معرفة الحقائق. وعند الرجوع إلى مصادر الوهّابية وأقوال علمائهم نجد أنّ التشابه الذي يفترونه على الشيعة، ينطبق عليهم أكثر من غيرهم، ومن الشواهد على ذلك: ما قاله الدشتي: «عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : إذا ضرب أحدكم الآخر فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته. حديث صحيح، رواه الحميدي(2.)وأصله في الصحيحين رواه البخاري (3في رقم 6227) ومسلم...(4).)إنّ أهل السنّة يحملون هذا الحديث على ظاهره ويثبتون به الله تعالى الصورة،


1) رسالة في الرد على الرافضة 1: 43.

2) مسند الحميدي 2: 476.

3) صحيح البخاري : 125.

4) صحیح مسلم 8: 32.

ويقولون: الضمير في قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم خلق الله آدم على صورته، يعود إلى الرحمن عزّ وجلّ، لسببين:الأوّل: لحديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : لا تقبّحوا الوجه (1فإنّ الله خلق بني آدم على صورة الرحمن.)والثاني: إجماع السلف في القرون الثلاثة المفضّلة على عود الضمير إلى الله ...قال ابن تيمية في: (بيان تلبيس الجهمية (2)وهو يرد على الرازي لتأويله هذا الحديث والكلام على ذلك.. فإنّ الضمير عائد إلى الله، فإنّه مستفيض من طرق متعدّدة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلّها يدلّ على ذلك» (3).)إنّ الوهابية يعتقدون بأنّ آدم مخلوق على شبه صورة الخالق، فصورة الخالق تشبه صورة ،آدم فعندما نری ،آدم، فهي صورة الله، أو تشبهه.وعند المقارنة لمعرفة مكان الحق نجد أنّ ابن حزم الأندلسي الظاهري، يقول: فصل في أوّل ورقة من توراة اليهود التي عند ربّانيهم، في صدر هذه الورقة: قال الله تعالى : اصنع بناء آدم كصورتنا، كشبهنا، ولو لم يقل إلّاكصورتنا، لكان له وجه حسن، ولكن عندما قال: كشبهنا، منع التأويلات، وسدّ المخارج، وقطع السبل، وأوجب شبه آدم الله عزّ وجلّ، ولابدّ ضرورة وهذا يُعلم بطلانه : بديهة العقل»(4.)فهذه العقيدة التي يعتقدها الوهّابية، الذين يدّعون أنّهم أهل التوحيد، هي عقيدة اليهود، ثمّ علّق ابن حزم بأنّ هذا واضح البطلان، إذ الشبه والمثل معناهما واحد، وحاشا الله أن يكون له مثل أو شبه إذ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (5).)


1) مجمع الزوائد للهيثمي 8: 106 والمعجم الكبير للطبراني 12: 329 .

2) بيان تلبيس الجهمية 6: 373.

3) إثبات الحدّ الله وأنه قاعد وجالس على عرشه: 167.

4) انظر: الفصل في الملل والاهواء والنحل 1: 117.

5) الشورى (42): 11 .

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنّ هؤلاء يعتقدون أنّ الله سبحانه وتعالى جالس على كرسيّه وكرسيّه على العرش، ولذلك قالوا بأنّه قاعد وجالس على عرشه، والرواية التي يعتمدون عليها في هذا المقام هي: «أتت امرأة إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فقالت: ادعو الله أن يدخلني الجنة، فعظم الربّ، فقال: إنّ كرسيّه وسع السماوات والأرض، وأنّه ليقعد عليه فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، ومدّ أصابعه الأربعة، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله(1.)فلله تعالى - بحسب رأي الوهّابية - حجم، فالأربع أصابع جسمية مادية، وكذلك الصوت إذا كان الكرسي جديداً وجلس عليه وكان وزنه ثقيلاً، فهذا الكرسى يخرج صوتاً بسبب ثقل الله.وأمّا الملائكة الذين هم حملة العرش؛ لأنّ هذا الكرسي موجود على العرش والعرش يحمله الملائكة فإنّهم يتحمّلون وزنه، ولكن هذا الوزن يتغيّر، فيثقل مرّة ويخف أُخرى، ففي كتاب السنّة: «إنّ الرحمن عزّ وجلّ سبحانه ليثقل على حملة العرش من أوّل النهار إذا قام المشركون، حتّى إذا قام المسّبحون خفّف عن حملة العرش»(2.)فوزنه تعالى - عند الوهّابية - يثقل ويخف ولا يعلم الربط بين هذا وذاك، وهذه هي اعتقادات هؤلاء الذين يتبجّحون بأنّهم موحدون ليلاً ونهاراً، وهذا هو توحيدهم.وفي كتاب «الشرح والإبانة على أصول السنّة والديانة ومجانبة المخالفين ومباينة أهل الأهواء والمارقين» تأليف عبد الله بن بطة العكبري، شرحه عبد الله الراجحي، قال: قال المؤلّف وإنّ الله عزّ وجلّ على العرش، وللعرش أطيط كأطيط


1) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد 1: 74.

2) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني 1: 455.

الرحل الجديد، وهذا من النصوص الثابتة، يقول تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(1)وللعرش أطيط كأطيط الرحل الجديد، وحديث الأطيط معروف، ضعّفه بعض العلماء وحسّنه ،بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لشواهده، وقال: إنّ له شواهد، وإذا ثبت حديث الأطيط فإنّه يكون شيئاً يتعلّق بالعرش (2).)وعند الرجوع إلى كتاب الملل والنحل للشهرستاني، يقول: وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه واليدين، والجنب، والمجيء، والإتيان، والفوقية، وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها، أعني: ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما روي في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: خلق الله آدم على صورة الرحمن، وقوله حتّى يضع الجبار قدمه، وأمثال ذلك، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي، وأكثرها مقتبسة من اليهود، ومنها: وإّن العرش ليأط من تحته كأطيط الرحل الجديد، وإنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع(3.)فهنا الشهرستاني يصرّح بأنّ هذه الأكاذيب التي زادوها، ويصحّحوها ويحسّنوها، إنّما هي مقتبسة من اليهود، فهذه هي طبيعتهم وهذا هو مبناهم.ولكننا عند الرجوع إلى من يتّهمونهم باتباع ابن سبأ نجدهم يتبّعون القرآن، ويؤسّسون عقيدتهم على أساس قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (4)، وقوله علیه السلام: «إنّ الله جل وعزّ أين الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان، وهو في كلّ مكان بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بما فيها ولا يخلو شيء منها من تدبيره (5).)


1) الأعراف (7): 54.

2) كتاب الشرح والإبانة على أُصول السُنّة والديانة ومجانبة المخالفين ومباينة أهل الأهواء والمارقين 2: 570.

3) الملل والنحل 1 :105 .

4) الشورى (42): 11.

5) الإرشاد للمفيد 1: 201 .

فأتباع أهل البيت علیهم السلام هم أصل التوحيد الحقيقي، وغيرهم توحيدهم هو توحيد المشبّهة المنحرفة من اليهودالاستبصار والنشاط الديني:بعد أن أجهد «محمّد» نفسه بالبحث والتحقيق عن التوحيد عند جميع الفرق وجد أنّ التوحيد الحقيقي هو التوحيد الذي يتبنّاه أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ، فلم يجد بُدّاً سوى التوجه إلى سفينة أهل البيت علیهم السلام ، ولم يتعلّل بعد ذلك في الالتحاق بهذه السفينة، فاستبصر بعون الله سبحانه وتعالى.ثمّ وجّه بعد ذلك كافّة نشاطاته لنصرة مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان من جملة نشاطاته تأسيس مكتبة أهل البيت علیهم السلام في «كاي»، فملأها بالكتب المفيدة، لتكون ملجأ لطلاب العلم والمعرفة، ومكاناً يجدوا فيه ضالّتهم المنشودة (1.)رسالة الاستنكار:كما أنّ ل- «محمد» عدّة تأليفات في مجال الدين والعقيدة، منها: ما سمّاه ب- «رسالة الاستنكار»، وهي قصيدة أهداها في المقدّمة لكلّ من ذاق الأمرّين بدأ بأمير المؤمنين علي وأولاده الطاهرين علیهم السلام، وانتهاء بآخر مصاب وضحيّة من المسلمين، ويعرّج في جزء من هذه القصيدة على المصائب التي حلّت بأهل البيت علیهم السلام، فيقول:ئمهلاً عِراقُ كفى بلاءً مالق أتباع طه مَنك في الأمصار فيكوفةٍ والنَهروان وكَربلا*** أَطنَابُ جُرمِكَ قائموا الآثار وَعَلَى الْفُرَاتِ دِمَا ذَرَارِي فَاطِمٍ رُزْيَّ شَيْمْتَ بِهِ مَدَى الْأَنْهَارِ لا كَرْبَ يَعْدِلُ كَرْبَلا كَلاَ وَلَا صَرْعَى كَصَرْعَى الطَّفِ فِي الْأَقْفَارِ*** هَذَا الْحُسَيْنُ بِبِضْعُ أَلْفِ بَرَاوَةٍ ***بَايَعْتَ ثُمَّ غَدَرْتَ بِالأَحْرَارِ


1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه جملة من نشاطاته وكيفية استبصاره، كما تم إرسال عدة من أشعاره للمركز.

وَأَخُوهُ قِدْماً قَدْ هَمَمْتَ بِقَتْلِهِ*** فَطَوَى لِصُلْح الشام كلَّ بَاري*** مِنْ بَعْدِ عِلْمِكَ دُونَ رَيْبٍ*** أَنهُمَ أَسْبَاطُ طَهَ بَنو عَلي الكَرَّارِ*** وَكَأَنَّهُ لَمْ يُوحَ قَطُّ لِجَدِّهِمْ فِي حَقِّهِمْ ذِكْرٌ مِنَ الأَذْكَارِ كُمْ مِنْ سَبَايَا مِنْ بَنَاتِ نَبِيِّنَا*** قُطِعَتْ بِهِنَّ هَجِيرَةُ الأَصْحَارِ*** أَوْمِنْ جَرِيحٍ فِي الدِّمَاءِ مُمَرَّعَ*** لَمْ يَلْقَ عَطْفاً مِنْ جُنُودِ النّارِ*** أَوْمِنْ قَتِيلِ فِي التُّرَابِ مُعَفَرٍ*** بَعْدَ الظَّا مُلْقَ بِلا أَسْتَارِ*** حَتَّى رَضِيع الآلِ مَا سَلِمَ الرَّدى وَالسَّيْفَ فِيهِ بَقِيَّةُ الأَطْهَارِ فَشَقَ بذاك بنو أُمَيَّةَ غَيْظَهُم*** وَقَضَوا يطفٌ كلَّ تَارٍ وثار (1مِنْ حَمْزَةٍ عَمَّ الرَّسولِ وَصِنْوِهِ وبَني العَقيل وَجَعْفَرِ الطَّيَارِ*** أكَذَا يَكُونُ جَزَاءُ خَيْرِ مُبَلِّغُ*** فِي أَقْرِبَاهُ العِتْرَةِ الأخْیارِ؟!)


1) الكلمة غير واضحة في الأصل، والمثبت من استظهارنا.

## (22 محمّد صالح بارو)(مالكي / مالي)ولد عام 1392 ه- (1973م في جمهورية مالي بمدينة «كاييس»، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي.)كان «محمّد» من هواة المطالعة، فصادف أن وقعت بيده بعض الكتب الشيعية، فتأثّر بها، ومنها: كتب للدكتور التيجاني السماوي، التي كثيراً ما كان يستعرض فيها الحركات الموجودة في صدر الإسلام ويرصدها، ليتسنّى للقارىء من خلال ذلك أن يصل إلى قراءة صحيحة للتاريخ الإسلامي، ومن هذه الحركات حركة النفاق.ظاهرة النفاق :كلّ من يبحث من خلال آيات القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة وقائع تاريخ صدر الإسلام تتّضح له حركة المنافقين وتأثيراتها على المجتمع الإسلامي، والعقبات التي أوجدها المنافقون في مسار الدعوة الإسلامية.النفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرّف منه اسماً وفعلاً، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، والمنافق هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً؛ يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقاً، وهو مأخوذ من: النافقاء، لا من

النفق، وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره (1.)ومن هنا استُعير هذا العمل هؤلاء الناس الذين يفعلون أفعالاً بخلاف ما يظهرون، أو يبطنون أموراً خلاف ما يظهرونها ، فسمَّوا عند ذلك ب-«المنافقين»، والله تبارك وتعالى ذكرهم في كتابه العزيز، وأشارت إليهم مجموعة من الآيات منها في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوْا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اَشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (2).)وورد ذكرهم أيضاً في سورة التوبة في عدّة آيات متتابعة، بينّت واقعهم وحقيقة أمرهم وخطرهم، وقد خصّص الله عزّ وجلّ لهم سورة خاصة، اسمها: المنافقون؛ ففضحهم القرآن الكريم وبيَّنَ شأنهم، ووضّح أمرهم وأظهرهم للناس.وفي منشأ حركة النفاق يوجد رأيان :الأوّل: إنّ قضية النفاق قضية ولدت في المدينة المنورة؛ بعد أن دخل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى هذه المدينة المباركة الكريمة فاستنارت بنور الإيمان ووحي الإسلام، غير أنّ هناك فئات من الناس لم يرق لها أن يسلك هذا الدين في هذه المدينة العظيمة، ولم يرق لها أن يتحوّل الناس من الدين الذي كانوا عليه إلى هذا الإسلام، فراحوايظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.


1) لسان العرب 10 359 .

2) البقرة (2): 8 - 16 .

الثاني: إنّ حركة النفاق ظهرت في مكّة المكرمة؛ فالمشركون عندما يئسوا من أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، أو بعشر سور كالقرآن، حينئذ عرضوا على النبی صلی الله علیه وآله وسلم أموراً كثيرة، كأن يتزوّج أجمل بنات العرب، أو أن يجمعواله من المال حتّى يكون أكثرهم مالاً، وعندما يئسوا جاؤوه فقالوا: تعبد آلهتنا مرّة ونعبد إلهك مرّة، فنزل قوله تعالى: (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُه (1)إلى آخر السورة المباركة..)فحينئذ ماذا فعلوا ؟!الجواب: جعلوا من بعض أشدّ الحاقدين على الإسلام وعلى الرسول وعلى المؤمنين عيوناً يتسللوا إلى جسم المجتمع الإسلامي آنذاك في مكّة كي يأخذوا أخبار النبي وأخبار المؤمنين من داخلهم وكي يحاربوا الإسلام من الداخل؛ لأنّهم عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، فبدأت حركة النفاق - على هذا الرأي - من مكّة المكرمة وهناك آية واحدة ذكرت في سورة العنكبوت (2، وسورة العنكبوت مكيّة، هذه الآية تتحدّث عن النفاق، ولعلّه بعضهم يذهب إلى أنّ هذه الآية مدنية.)ومن العلامات اللسانية للمنافقين في أقوالهم أيضاً، والتي يصفهم الله سبحانه وتعالى بها: (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لا تبَعُوكَ ولكن بعدَتْ عَلَيْهِمُ السُّقة وَسَيَحْلِفُونَ بِالله لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (3).)ثم نشأ خلاف بشأن هذه الحركة، وأنّها انتهت بموت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، كما يقول العامة، أم أنّها حركة قويت واشتدّت بعد وفاته، وأنّها هي التي كانت السبب في أغلب الانحرافات التي عانى منها الإسلام والمسلمين إلى يومنا هذا، كما يذهب إليه أتباع أهل البيت علیهم السلام.


1) الكافرون (109): 1 - 3.

2) العنكبوت (29): 11.

3) التوبة (9): 42 .

وقد أخرج مسلم في صحيحه عن الإمام علي علیه السلام أنّه قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأميّ صلی الله علیه وآله وسلم إلى أن لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق (1.)ومن الواضح الجليّ والمسلّمات التاريخية أنّ هناك كثيراً من الناس، من الصحابة وغيرهم، من كان يصرّح ببعض العلي علیه السلام.والحقائق التاريخية تشير إلى أنّ حركة النفاق كانت ضارّة بالإسلام والمسلمين في عهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، مع أنّ الوحي كان ينزل على الرسول وكان يكشفهم بين الحين والآخر، ولكن حركة النفاق بقيت مستمرة حتّى بعد الرسول، وكان ضرر هؤلاء كبيراً جداً؛ لأنّه لا وحي بعد رسول الله، ولا جبرائيل ينزل حتّى يكشفهم للنبي، وكان الأمر صعباً على المسلمين، ولهذا هناك كلمة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذكرها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في بعض كلماته، قال: «لقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنِّي لا أخاف على أمّتي مؤمناً ولا مشركاً؛ أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأمّا المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكن أخاف عليكم كلّ منافق الجنان عالم اللسان»(2.)فهنا إشارة إلى خطر المنافقين على الإسلام والمسلمين، ويظهر أنّ الإمام عليّاً علیه السلام كان ذاق الأمرين من هؤلاء، لذلك له خطبة خاصة يصف بها المنافقين، فهو لا يريد أن يتحدّث عن الماضي بل يريد أن يتحدّث عن أيام زمانه وعصره وأيام خلافته، فكان يقول: «أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأُحذّركم أهل النفاق؛ فأنّهم الضالّون المضلّون، والزالّون المزلّون، يتلوّنون ألواناً، ويفتنون افتتاناً، ويعمدونكم بكلّ عماد، ويرصدونكم بكلّ مرصاد قلوبهم دوية، وصفاحهم نقية، يمشون الخفاء، ويدبّون الضرّاء، وصفهم ،دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكّدوا البلاء، ومقنطوا الرجاء لهم بكلّ طريق صريع، وإلى كلّ قلب شفيع، ولكلّ


1) صحیح مسلم 1: 61.

2) نهج البلاغة 3: 29، الكتاب 27.

شجوٍ دموع، يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا، وإن عزلوا كشفوا، وإن حكموا أسر فوا، قد أعدّو الكلّ حقّ باطلاً، ولكلّ قائم مائلاً، ولكلّ حيّ قاتلاً، ولكلّ باب مفتاحاً، ولكلّ ليل مصباحاً، يتوصّلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم، وينفقوا به أعلاقهم يقولون فيشّبهون، ويصفون فيموّهون، قد هوّنوا الطريق، وأضلعوا المضيق، فهم لّمة الشيطان، وحمّة النيران، أولئك حزب الشيطان، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون»(1.)وهناك موقف آخر من مواقف المنافقين، حذّر علیه السلام منه، كما حذّر قبل ذلك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، إذ عندما يتحدّث الإمام أمير المؤمنين عن الرواة يقول: «رجل منافق مظهر للإيمان، متصنّع بالإسلام، لا يتأثّم ولا يتحرّج، يكذب على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم متعمداً، فلو علم الناس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنّهم قالوا: صاحب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم رأى وسمع منه، ولقف عنه، فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه و آله السلام فتقربوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولّوهم الأعمال، وجعلوهم حكّاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا. وإنمّا الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم الله»(2.)فالمنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، يتكلّف مظاهر الإسلام، من صلاة وغيرها، ولكنّه لا يرتدع عن معصية، ولا يخاف إثماً، وليس عنده شيء ممنوع أو مرفوع، فهذا قد استحلّ الكذب على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، و جعل ذلك من معتقده، يكذب متعمّداً عالماً عارفاً، يضع الحديث من نفسه وينسبه إلى الرسول زوراً وبهتاناً، ولو علم الناس بنفاقه وكذبه لم يقبلوا قوله، ولم يصدّقوه في ما يروي، بل كانوا يحاربونه ويدفعونه ويردّون أحاديثه، ولكنّهم دفعهم حسن ظنّهم به وأنّه صاحب رسول


1) نهج البلاغة :2: 167، الخطبة: 194.

2) نهج البلاغة 2: 189، الخطبة: 210.

الله صلی الله علیه وآله وسلم ، الذي رآه وكحّل ناظريه برؤيته، وتشّرف بالسماع منه والأخذ عنه فلحسن ظّنهم به أخذوا بقوله، فهو مجرم محترف، استغلّ اسم الصحبة فأخذ ينسج الأحاديث من عنده ويخترعها ، بقصد التشويش والتشويه وإضلال الناس والانحراف بهم.وهذه قراءة واضحة لزمن الإمام علیه السلام ، وتنبيه منه إلى خطر المنافقين، وأنّهم لا يزالون يعيشون بين أظهر المسلمين، كما يصحّ أن يكون تنبيهاً للأُمّة التي جاءت من بعده، فطوت بساط الصحابة ومنعت من نقدهم بأي شكل من أشكال النقد، ورمت من يبحث عن عدالة صحابي بأنّه زنديق يريد أن يهدم الدين ويشوّه سنّة سيّد المرسلين... يمكن أنّ الإمام قرأ هذه المعتقدات التي تعيش بيننا اليوم، والتي تجري على ألسنتهم ومثل هذه الأقوال، فالإمام علیه السلام ينبّه الناس ويلفت نظرهم أن يأخذوا من كلّ صحابي كيف كان، بل ليدرسوا حياته وسلوكه وسيرته، ويتعرّفوا عليه عن قرب، وعلى وجه الحقيقة، وقد ألفت نظر الناس وتتههم إلى أنّ الله أخبر عن المنافقين، بل أنزل فيهم سورة كاملة سّميت باسمهم، ولاحقتهم في أسرارهم ومعتقداتهم، وكلّ ما يتحرّك في شعورهم، وبيّنت أوصافهم، وحكت حركاتهم، وشرحت أحوالهم، حتّى فضحتهم وكشفت عوراتهم، وقد وصفهم الله في كتابه بمواصفاتهم، وأنزلهم في الدرك الأسفل من النار.إنّهم تستّروا وراء صحبتهم لرسول الله ، فدعموا أئمّة الجور والظلم، ونفذت كلمتهم، وصار لهم حظوة عندهم، وولّوهم الولايات، وجعلوهم من عمّالهم على العباد والبلاد، كما وقع لأبي هريرة ولسمرة بن جندب وأضرابهما مع معاوية؛ فقد دعموه بالأحاديث الكاذبة، ونسبوا إلى رسول الله بحقّه الكثير منها ممّا يدعم ملكهم ويقويه.وإنّ في سيرة بعض الصحابة ما يترفّع عنه أجلاف الجاهلية ورعاع الكفّار. ثمّ إنّه علیه السلام أعطى قاعدة عامة، مفادها أنّ الناس بشكل عام مع الملوك ومع الدنيا إلّا من عصم الله من هذا الانحراف، وذلك لأنّ الناس يبحثون عن مصالحهم الدنيوية،

فأينا تكون يكونون، فيتحركون مع الدنيا ومع الملوك لأنّها معهم. وأصحاب المبادىء والرسالات قلّة وهم الذين يرفضون الدنيا ولا يتأثّرون بها، وبمن هي معهم.الوقوف على حقيقة ظاهرة النفاق:بعد أن تبيّنت لمحمّد الحقائق، ومنها: دور المنافقين بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والأضرار التي تسبّبوا بها للإسلام والمسلمين، وبقاء مذهب أهل البيت علیهم السلام صافياً من الانحراف بفضل الأئمّة الاثني عشر المطهّرين، الذين صانوه من أن تعبث به يد النفاق، قرّر اتِّباع الحق ونبذ الباطل واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وكان ذلك سنة 1411 ه- ( 1991م في مدينة «كاييس».)عمل «محمّد» في قسم التعليم في «المدرسة المحمّدية الإبراهيمية»، كما أنّه ترأس «جمعية المهاجرين» في «كايبس»، وله دورات تدريس يعقدها لرفع مستوى الوعي الديني لشباب منطقته في مواسم العطل (1.)


1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه كيفية استبصاره، وجملة من أنشطته بعد الاستبصار.

## (23 محمّد نيجاي)(مالكي / مالي)ولد عام 1392 ه- (1973م في مدينة سيكو في جمهورية مالي الواقعة غرب القارة الأفريقية في عائلة تتبع المذهب المالكي فنشأ هناك، وأكمل دراسته الأوّلية في مدينته..)هاجر «محمّد» إلى السودان لإكمال دراسته وحصل هناك على شهادة البكالوريوس، وأصبح مدرساً في المدارس الحكومية.شبهات بشأن معاجز الأئمّة علیهم السلام :سمع «محمّد» عن التشيّع من خلال أعدائه الذين كالوا لهذا المذهب شتّى التهم ممّا أثار تعجّبه، فقرّر البحث عن هذه الأمور.ومن الأمور التي غالباً ما يتشّبث بها أعداء أهل البيت علیهم السلام في المحاورات ضدّ المذهب الشيعي هو اعتقاد الشيعة بمعاجز الأئمّة علیهم السلام ، فقد أثاروا عدّة شبهات في هذا المجال، ومنها:أنّ المعجزات التي أتى بها الأئمّة من أهل البيت قد انفرد الشيعة بنقلها ولم تنقلها بقية مصادر المسلمين، وعليه فهي حجّة عليهم دون غيرهم، قال القفاري وقد امتلأت كتب الحديث عندهم بالحديث عن هذه المعجزات (1.)


1) أُصول مذهب الشيعة للقفاري 2: 621.

وفي معرض الجواب نقول : لو كانت كتب الشيعة هي التي ذكرت لوحدها معجزات الأئمّة علیهم السلام ، لكان يمكن تصديق دعواهم، ولكنّنا نجد أنّ مصادر المسلمين مليئة بتلك المعجزات، نشير إلى بعضها :النص الأوّل: لما عزم عليّ علیه السلام على حرب الخوارج(1، وقيل له: إنّ القوم قد عبروا جسر النهروان (2)، فقال علیه السلام : «مَصَارِعُهُمْ(3)دُونَ النُّطْفَة(4)، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ (5)لها: مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلايَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ» (6).)رواه البلاذري في أنسابه (7، والبيهقي في سننه (8)، وابن أبي شيبة في مصنفه (9)والدارقطني في سننه (10)، والمّتقي الهندي في كنزه (11).)فقد روى أصحاب السيرة: عن جندب بن عبد الله الأزدي، قال: شهدت مع علي علیه السلام الجمل وصفّين لا أشك في قتال من قاتله، حتّى نزلنا النهروان، فدخلني شكّ


1) الخوارج: من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة، سُمّوا به لخروجهم على الناس، القاموس المحيط 1: 185.

2) نهروان: وهي ثلاثة نهروانات: الأعلى والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة.. وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الخوارج مشهورة. معجم البلدان 5: 324 .

3) مصارع القوم : سقوطهم عند الموت. كتاب العين 1: 299 .

4) النُّطْفَة: يريد بها ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً. مجمع البحر4: 329 .

5) الإفلات يكون بمعنى: الانفلات لازماً، وقد يكون واقعاً؛ يقال : أفلته من الهلكة، أي: خلّصته. كتاب العين 8: 123.

6) نهج البلاغة : 107، الخطبة: 59 .

7) أنساب الأشراف: 373.

8) السنن الكبرى 8 :185 .

9) المصنف 8: 732 .

10) سنن الدارقطني 3: 99 .

11) كنز العمال 11: 287 .

وقلت: قرّاؤنا وخيارنا نقتلهم!؟ إنّ هذا لأمر عظيم..فخرجت غدوة أمشي ومعي إداوة ماء حتّى برزت عن الصفوف فركزت رمحي ووضعت ترسي إليه واستترت من الشمس، فإنّي لجالس حتّى ورد أمير المؤمنين علیه السلام فقال لى: «يا أخا الأزد أمعك طهور؟» قلت: نعم، فناولته الإداوة، فمضى حتّى لم أره، ثمّ أقبل وقد تطهّر فجلس في ظلّ الترس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا فارس يريدك. قال: فأشِر إليه. فأشرت إليه، فجاء فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبر القوم وقد قطعوا النهر. فقال: «كلا ما عبروا». قال: بلى والله لقد فعلوا. قال: «كلا ما فعلوا». قال: فإنّه لكذلك إذ جاء آخر، فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم قال: «كلا ما عبروا». قال: والله ما جئتك حتّى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال قال: «والله ما فعلوا، وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم». ثمّ نهض ونهضت معه فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصّرني هذا الرجل، وعرّفني أمره، هذا أحد رجلين: إمّا رجل كذّاب جريء، أو على بيّنة من ربّه وعهد من نبيّه، اللهمّ إنّي أعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة، إن أنا وجدت القوم قد عبروا، أن أكون أوّل من يقاتله وأوّل من يطعن بالرمح في عينه، وإن كانوا لم يعبروا، (أن أُقيم على المناجزة والقتال..)فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي، قال: فأخذ بقفاي ودفعني، ثمّ قال: «يا أخا الأزد أتبيّن لك الأمر؟»قلت: أجل يا أمير المؤمنين.قال: «فشأنك بعدوك». فقتلت رجلاً ، ثمّ قتلت آخر، ثمّ اختلفت أنا ورجل آخر، أضربه ويضربني، فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم.وهذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار، وقد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين علیه السلام وبعده، فلم يدفعه عنه دافع، ولا أنكر صدقه فيه منكر.

قال الشيخ المفيد: وفيه إخبار بالغيب وإبانة عن علم الضمير ومعرفة ما في النفوس، والآية باهرة فيه لا يعادلها إلّا ما ساواها في معناها من عظيم المعجز وجليل البرهان (1.)وأحقيتهأقول: وفي إخباره علیه السلام بما في نفس الرجل زيادة دلالة على صدقه وإمامته وأحقّیقه.وقال ابن أبي الحديد: هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة؛ لاشتهاره ونقل الناس كافّة له، وهو من معجزاته وأخباره المفصّلة عن الغيوب. فالأخبار المفصّلة عن الغيوب مثل هذا الخبر؛ فإنّه لا يحتمل التلبيس، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه، وفي الخوارج، ووقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة ولا نقصان، وذلك أمر إلهي عرفه من جهة النبيّ صلی الله عليه وآله وسلم ، وعرفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من جهة الله سبحانه، والقوّة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره (2.)قوله علیه السلام : «لا يفلت مِنْهُمْ عَشَرَةً، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ »: عن أبي مخنف: أنّ المقتول من أصحابها علیه اسلام سبعة ، وكان في من قتل من أصحابه علیه السلام يزيد بن نويرة الأنصاري، وله صحبة وسابقة، وشهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنّة، وكان أوّل من قتل (3.)وكان أحد الثمانية الذين هربوا من الخوارج يوم النهر عليّ بن أبي شمر التيمي، وكان من فرسان العرب ونسّاكهم (4.)ولتوضيح الموقف نقول: إنّ الإمام علیه السلام بشّر بأنّ الخوارج قد عبروا النهر؛ لأنّ العدو إذا انسحب من المواجهة كان غزوه أسهل، والانتصار عليه أيسر لكن


1) الإرشاد للشيخ المفيد 1: 317 .

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 10 - 14.

3) تاریخ بغداد 1: 218 .

4) تاريخ الطبري 4: 139.

الإمام علیه السلام بعلمه بالغيب عرف كذب الخبر، وكان كما أخبر: أنّهم سيقعون قتلى قبل الفرات، والتي عبّر عنها ب-«النطفة»، ( يعني بالنطفة : ماء النهر، وهو أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جمّاً(1)، واستعملت في الماء الكثير إمّا بعلاقة المورد، أو باعتبار قياسه إلى ماء البحر. وقد قتلوا جميعاً باستثناء ثمانية منهم، ولم يقتل من أصحاب الإمام تسعة، كما أخبر الإمام علیه السلام(2).)وكما كان إخبار النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عن الغيوب تصديق لنبوّته، كذلك إخبار أمير المؤمنين علیه السلام عن الغيوب تصديق إمامته من الله تعالى بواسطة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، لأنّه كان مدعياً ذلك بالتواتر ، وكونه تصديقاً له من فطريات العقول وضرورياتها.النص الثاني: إخباره علیه السلام بولاية الحجّاج، وبما سيحلّ بالعراق من بلوائه، وهو ما أشار إليه بقوله: «أَمَا وَاللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ تَقِيف (3الذَّيَّالُ (4)الميَّالُ (5)يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ شَحْمَكُمْ، إيه (6)أَبَا وَذَحَة (7)»(8).)رواه المتّقى الهندي (9، وابن عساكر (10)، وابن كثير (11).)


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 3.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 273.

3) ثقف: أي: صار حاذقاً فطناً، فهو ثقف وثقف، مثال حذر وحذر، وندس وندس. وثقيف: أبو قبيلة من هوازن واسمه قسى، والنسب إليه : ثقفي، وهي حي من قيس، وهم بقية ثمود راجع الصحاح 4 1334 ، كتاب العين 5: 138.

4) الذيال من الخيل المتبختر في مشيه. لسان العرب 11: 260.

5) الميَّالُ : الكثير الميل. تاج العروس 8: 124.

6) الوذحة الخنفساء. وهذا القول يومىء به إلى الحجاج بن يوسف لعنه الله. مجمع البحرين 4: 485.

7) الوذحة الخنفساء. وهذا القول يومىء به إلى الحجاج بن يوسف لعنه الله. مجمع البحرين 4: 485.

8) نهج البلاغة :1: 230، الخطبة: 116.

9) كنز العمال 11: 362 .

10) تاريخ مدينة دمشق 12 :169 .

11) البداية والنهاية 1529.

قوله علیه السلام: «أَمَا وَاللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ تَقِيف»، مراده علیه السلام بغلام ثقيف: الحجّاج، وأخبر علیه السلام في موضع آخر بغلام ثقيف آخر ابن عم الحجّاج باسمه ونسبه يوسف بن عمر.وقد تسلّط الحجّاج على أهل العراق، كما أخبر علیه السلام كان في سنة (75 ه-.)قوله علیه السلام : «يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ»، وكلامه علیه السلام وإن كان استعارة، وكناية عن كونه ك-«سقر» لا تبقي ولا تذر للناس شيئاً، وهو ما ذكر من تشديده في الخراج حتّى خرب أكثر القرى، ممّا دفع عمر بن عبد العزيز إلى أن يقول: لعن الله الحجّاج فإنّه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة، وكان أهل السواد قد شكوا إلى الحجّاج خراب بلدهم فمنعهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال شاعر:شكونا إليه خراب السواد ***فحرم جهلاً لحوم البقر فكنّا كمن قال من قبلنا أربيها السها وتريني القمر (1)قوله علیه السلام: «وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ»، مات الحجّاج بواسط سنة (95 ه- في السنة الخامسة من ولاية الوليد، وهو ابن (54) سنة، وكان تأمّره على الناس عشرين سنة (2)، وأحصي من قتله صبراً، سوى من قتل في عساكره وحروبه، فوجد مئة وعشرين ألفاً.)وقيل: إنّه أحصي في محبس الحجّاج ثلاثة وثلاثون ألف إنسان، لم يُحبسوا في دم ولا تبعة ولا دين لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب (3.)وفّي في محبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، وكان حبسه حائراً


1) راجع: معجم البلدان 3: 274 وكتاب العين 4: 72.

2) الأخبار الطوال 328 البداية والنهاية 9 161 ، تاريخ اليعقوبي 2: 290 تاريخ الطبري 5:235 تاریخ ابن خلدون 3: 66.

3) معجم البلدان 5: 349 ، البداية والنهاية 156:9 .

لا شيء فيه يكنّهم فيه من حرّ ولا برد، ويسقون الماء مشوباً بالرماد(1.)الهداية إلى الحقّ:بعد أن اطّلع «محمّد» على كذب الادّعاءات التي أنّهم بها الشيعة وأدلّة الشيعة على أحقّيتهم، وانسجامها مع العقل والنقل، قرّر تبنّي مذهب أهل البيت علیهم السلام، وأعلن عن استبصاره في المركز الثقافي الإسلامي في «باماكو»(2.)


1) التنبه والإشراف للمسعودي: 275.

2) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية مليء فيه استبياناً حول أنشطته وكيفية الاستبصار.

## (24 محمّد هاشم جاکیتی)(سني / مالي)ولد عام 1373 ه- ( 1954م في جمهورية مالي في مدينة «باماكو» الأُسرة تعتنق مذهب أهل السنّة والجماعة، حاصل على شهادة الليسانس في العلوم الدينية.)تأثر «محمّد» لفترة ما بالطريقة الصوفية، ثم سافر إلى دولة ساحل العاج فأقام لمدّة في مدينة «غراندبسام»، ثمّ قرّر البقاء والإقامة فيها، فبقي حتّى أصبح من مواطنيها، ثمّ تأثّر هناك بالتيّار الوهّابي، فأصبح من أئمّة الوهّابيين في مدينة «غراند بسام»، ثم تصدّى لإدارة مدرسة نهضة الثقافة الإسلامية»، التي كان يمدّها مالياً جملة من تجّار الكويت الوهّابييّن.ثمّ خلال أبحاثه بانت له الحقيقة متمثلة بمذهب أهل البيت علیهم السلام، فلم يتردّد قطّ في اعتناق الحقيقة، فأعلن استبصاره وتشيّعه في تلك المدينة عام 1414 ه- (1994م، ثمّ تخلّى عن المسؤوليات التي كانت على عاتقه في المذهب الوهّابي، وأصبح إماماً في أحد المساجد الشيعية، ثمّ بيّن لجميع طلبته وتلاميذه الأدلة التي دفعته إلى الاستبصار ، ثم دعاهم إلى التشيّع، فرحّب كثير منهم بدعوته، واستبصروا على يديه، فحوّل مدرسة النهضة إلى مدرسة شيعية، وسمّاها: «المركز الشيعي الجعفري».)ثمّ كرّس جهده لمجال الدعوة والتبليغ ونشر مذهب أهل البيت علیهم السلام، حتى

استبصر على يديه أكثر من مائة شخص كانوا ينتمون إلى المذهب الوهّابي.يقول «محمّد» عن قصّة استبصاره : كنت ولا زلت أهوى قراءة الكتب بشوق ورغبة، ولاسيّما مطالعة الكتب الدينية، فصادف أن وقعت بيدي عن طريق بعض الشيعة اللبنانيين جملة من الكتب الشيعية المتضمّنة للفكر الشيعي الإمامي الاثني عشري، فلمّا قرأتها انجذبت إليها كثيراً، واستغربت من متانة أُسلوبها، وقوة الاستدلالات المذكورة فيها لإثبات أصول عقائدهم ، وكان هذا الأمر لي خلاف ما كنت أتوقّعه، وعلى العكس مما كنت قد سمعته من قبل عن الشيعة؛ لأنّني في ماسبق كنت أظنّ أنّ الشيعة فرقة ضالّة مضلّة، ولا يوجد داعٍ لأن يُتعِب الإنسان نفسه بقراءة كتبهم؛ لأنّ ذلك لا جدوى ولا ثمرة فيه سوى تضييع الوقت، ولكنّني ما إن قرأتُ كتبهم حتّى تفاجأت بقوة بيانهم ومتانة استدلالاتهم، فانبهرت بأدلّتهم القاطعة، وبراهينهم الساطعة، وتبيّن لي دناءة المستوى التفكيري الذي كنت متلبّساً به، فقرّرت بعدها أن أنقذ نفسي من التقليد الأعمى لهذا وذاك، وأن أُحرّر فكري من الجمود والتخلّف، وحالة التقوقع والانعزال واجتناب المواجهة مع الذين لا يوافقوني في الفكر.فقصدت بعض رجال الشيعة والتقيت بهم، وأجريت معهم حوارات عديدة، فألفيتهم رجالاً واعين، ثمّ عرضت لهم جملة من الإشكالات التي كانت عالقة بذهني، فأجابوني عليها بأجوبة شافية، فلمّا تبيّنت لي الحقيقة متمثلّة بمذهب أهلالبيت علیهم السلام توجّهت إليها بلهفة، فركبت سفينة عترة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم .وهكذا أمضى «محمّد» حياته في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، حتّى وافته المنية شهر

رمضان عام 1422 ه- تغمّده الله برحمته الواسعة.وترك «محمّد» من المؤلّفات ثلاثة كتب كان قد دوّنها في حياته، وهي:1 - حكم البسملة في الصلاة (مخطوط.)2- لا أريد أن أكون منافقاً (مخطوط.)3 - السجود على التربة (مخطوط (1).)


1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكرت فيه جملة من نشاطاته قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى، كما شُرحت فيه المراحل التي مرّ بها قبل الاستبصار وبعده، وهو ما تم ذكره عن لسان المستبصر في الترجمة. (بتصرف يسير).

## (25 محمود جيري)(وهّابي / مالي)![175-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/175_13.jpg "image title")ولد في مدينة براولي «سيكو» في جمهورية مالي، الواقعة في غرب القارة الأفريقية، سنة 1370 ه- ( 1951م، ونشأ فيها حتّى أكمل دراسته الأولية، ثم هاجر إلى القاهرة لإكمال دراسته، وبعد أن حصل على شهادة البكالوريوس رجع إلى بلده فتولّى إدارة مدرسة نور الهدى.)تعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام من خلال المناقشات التي كانت تدور بشأن التشيّع، فكان بعض المحاورين يطعن ويهاجم الشيعة، فجعل «محمود» يتابع هذه الشبهات والطعون حتّى توصّل آخر المطاف إلى عدم صحّة ما جاء في تلك الشبهات.شبهات ترتبط بضرورة الإمامة:يثير أعداء مذهب أهل البيت عیهم السلام بين الحين والآخر مجموعة من الشبهات عن ضرورة الإمامة، نشير إلى جملة منها:قال ابن حزم :وأمّا وجه الحاجة إليه في بيان الشريعة، فما ظهر قط من أكثر أئمّتهم بيان لشيء ممّا اختلف فيه الناس... فما ترى المصلحة التي يدّعونها في إمامهم

ظهرت، ولا نفع الله تعالى بها قط في علم ولا عمل، لا عندهم ولا عند غيرهم..(1)فقد ادّعى ابن حزم في كلامه هذا أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام لم يكن لهم أي أثر علمي أو عملي، والذي يثير العجب أنّه لم يلاحظ أنّ كتاب «الكافي» لوحده يحوي من الأحاديث ما يعادل ما جاء في الصحاح الستّة عندهم، فكيف يدّي أنّه لا أثر لهم، ولا علم منقول عنهم، ما لكم كيف تحكمون ؟!ونشير إلى بعض الآثار والأدوار التي قام بها أئمّة أهل البيت علیهم السلام:دور أهل البيت علیهم السلام في محاربة البدع:يطول بنا المقام حين نحاول استقصاء دور أئمّة أهل البيت علیهم السلام في مواجهة البدع ومحدثات الأمور والضلالات التي نشأت منذ أوّل يوم ارتحل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الملأ الأعلى فقد كانوا - وخلال مختلف الأدوار التي مرّت بها الأُئمّة - الملاذ والمنهل الذي يجد عنده الصادي الرواء، والمتعطّش للعلم والمعرفة ما يروي به حبّه للعلم من مصادره الأصيلة الحية المتصلة برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.إنّ في حياة أمير المؤمنين الإمام علي علیه السلام ومواقفه قبل خلافته و تسلّمه العملي للسلطة، وفي حياة ابنه الإمام الحسن علیه السلام، والإمام الحسين علیه السلام، وبقية الأئمّة الطاهرين آيات باهرات من المواقف التي بقيت خالدة على مرّ التاريخ.لكنّنا مع ذلك نكتفي - وانسجاما مع طبيعة الاختصار في مباحث هذه الموسوعة - بإيراد مجموعة من النصوص الواردة عنهم علیهم السلام والتي عالجت أو تصدّت لبدعة محدثة من الأمور ليست من الدين في شيء، وسوف نوزّع تلك النصوص الشريفة على موضوعاتها المتعلّقة بها؛ تيسيراً للتناول:أ - القياس والرأي:من المقولات الحادثة ما اعتُمد أصلاً في فهم الشريعة واستنباط الأحك-ام


1) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4: 85 .

الشرعية، ك: القياس، والرأي، وقد تصدّى أهل البيت علیهم السلام إلى هذه الظاهرة بكلّ قوة، وهو ما أشارت له مجموعة من النصوص نشير إلى بعضها:1 - عن أبي شيبة الخراساني قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «إنّ أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس ، فلم تزدهم المقائيس من الحقّ إلّا بُعداً، وإنّ دين الله لا يصاب بالمقائيس»(1.)2 - عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى علیه السلام عن القياس؟ فقال: «ما لكم والقياس إنّ الله لا يُسأل كيف أحلّ وكيف حرم» (2.)3 - عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها يا أبان! إنّ السنّة إذا قيست مُحِق الدين» (3.)4 - عن صفوان، عن سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: إنّ من عندنا ممّن يتفقّه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب الله ولا في السنّة نقول فيه برأينا؟فقال أبو عبد الله علیه السلام : كذبوا، ليس شيء إلا جاء في الكتاب وجاء فيه السنّة (4.)ب - التشبيه والتجسيم :من أخطر ما وقعت به بعض طوائف المسلمين عقيدتا التشبيه والتجسيم، الصادرتان عن قصور في الفهم وجمود في الفكر ، فنسبت إلى الله تعالى صفات الأجسام المحدودة والأحياء المخلوقة، فكان لأئمّة أهل البيت علیهم السلام دورهم المناسب في کشف خطأ هاتين المقولتين، وإرشاد المسلمين إلى الفهم الصحيح المنسجم مع عظمة


1) الكافي 56:1.

2) الكافي 1: 57.

3) الكافي 1: 57.

4) بصائر الدرجات: 321 - 322.

الله تعالى وقدسيّته:1 - عن هشام بن إبراهيم، قال: قال العباسي: قلت له - يعني أبا الحسن علیه السلام: - جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة؟ قال: ومن هو؟ قلت: الحسن بن سهل. قال: في أي شيء المسألة؟ قال: قلت: في التوحيد، قال: وأي شيء التوحيد؟ قال: يسألك عن الله جسم أو لا جسم؟ قال: فقال لي: «إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: مذهب إثبات بتشبيه ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه. فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز ، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث: إثبات بلا تشبيه» (1.)2 - عن أمير المؤمنين علي علیه السلام أنّه قال في صفته سبحانه وتعالى: «... ومن قال: أين؛ فقد أخلى منه، ومن قال: إلى م؛ فقد وقّته...»(2.)3 - عن داود بن القاسم ، قال : سمعت علي بن موسى الرضا علیه السلام، يقول: «من شبّه الله بخلقه فهو مشرك، ومن وصفه بالمكان فهو كافر، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب، ثم تلا هذه الآية: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (3)(4).)4 - عن النزّال ابن سبرة، قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب علیه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ! متى كان ربّنا؟ قال: فقال له عليه السلام : «إنّما يقال: متى كان لشيء لم يكن فكان، وربّنا تبارك وتعالى هو كائن بلاكينونة كائن كان بلا كيف يكون كائن لم يزل بلا لم يزل، وبلا كيف يكون كان لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل وبلا غاية ولا منتهى غاية ولا غاية إليها غاية انقطعت الغايات عنه، فهو غاية


1) التوحيد: 100 - 101 .

2) التوحيد: 57.

3) النحل (16): 105.

4) التوحيد: 69.

كلّ غاية » (1.)ت- الجبر والتفويض :من المقولات المحدثة في هذه الأمّة: مقولة الجبر، التي روّج لها الأُمويون؛ لتثبيت سلطانهم، وتبنّتها طائفة من المسلمين، الأمر الذي دعا إلى ظهور مقولة مضادّة تقف في الطرف الآخر منها، وهي مقولة التفويض المطلق، التي قال بها المعتزلة، وطال النزاع الكلامي بين أصحاب المقولتين، فكان لكلّ منها أتباع يروّجون لها ، فكانتا سبباً في اضطراب عقيدي كبير وفتن واسعة، فتصدى أمة أهل البيت علیهم السلام للمقولتين معاً، في دور طويل من الكفاح في دفع الشبهات، وهداية الناس إلى المحجة البيضاء والصراط المستقيم، ومن كلماتهم علیهم السلام في هاتين المقولتين:السلام 1 - عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «الله أكرم من أن يكلّف ، الناس ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(2.)2 - عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیه السلام ، قالا: «إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون قال فسئلا علهیما السلام: هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم، أوسع مما بين السماء والأرض»(3.)وتأوّل ظواهر الآيات والأحاديث الدالّة على التشبيه والتجسيم بما يلي:أّوّلاً - الاستواء:عن محمّد بن مارد: أنّ أبا عبد الله علیه السلام السئل عن قول الله عزّ وجلّ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(4)؟ فقال: «استوى من كلّ شيء، فليس شيء هو أقرب إليه من)


1) التوحيد: 77 .

2) الكافي 1: 160.

3) الكافي 1: 159.

4) طه (20): 5.

شيء»(1.)ثانياً - الغضب والرضا:عن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن الرضا علیه السلام، فاستأذنته، فأذن لي، فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقر أنّ الله محمول ؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: «كلّ محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج، والمحمول اسم نقص في اللفظ والحامل فاعل، وهو في اللفظ : مدحة، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلا وأسفل، وقد قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بها (2)، ولم يقل في كتبه: إنّه المحمول، بل قال: إنّه الحامل في البر والبحر، والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول»!)قال أبو قرّة: فإنّه قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (3)وقال: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْسُ )(4)؟)فقال أبو الحسن علیه السلام: العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة، وعرش فيه كلّ شيء، ثم أضاف الحمل إلى غيره : خَلْقُ من خَلْقِهِ؛ لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه، وهم: حملة علمه، وخلقاً يسبحون حول عرشه، وهم يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته.والله على العرش استوى كما قال والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله الحامل لهم، المحافظ لهم، الممسك القائم على كلّ نفس، وفوق كلّ شيء وعلى كلّ شيء. ولا يقال محمول ولا أسفل، قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى.


1) التوحيد: 315.

2) الأعراف (7): 180 .

3) الحاقة (69): 17 .

4) غافر (40): 7. .

قال أبوقرّة: فتكذب بالرواية التي جاءت أنّ الله إذا غضب إنما يُعرف غضبه أنّ الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرّون سجداً، فإذا ذهب الغضب خفّ ورجعوا إلى مواقفهم؟فقال أبو الحسن علیه السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه، فمتى رضي ؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه. كيف تجترىء أن تصف ربّك بالتغيير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه وتعالى، لم يزل مع الزائلين، ولم يتغيّر مع المتغيّرين، ولم يتبدّل مع المتبّدلين، ومن دونه يده وتدبيره، وكلّهم إليه محتاج وهو غني عمّن سواه» (1.)ثالثاً: الوجه:عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: قول الله عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ(2)؟ قال: «فيهلك كلّ شيء ويبقى الوجه، إنّ الله عزّ وجلّ أعظم من أن يوصف بالوجه، ولكن معناه كلّ شيء هالك إلا دينه، والوجه الذي يؤتى منه» (3).)رابعاً: اليدان:عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر علیه السلام فقلت: قوله عزّ وجلّ:(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (4)؟ فقال: «اليد في كلام العرب: القوّة والنعمة؛ قال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ)(5). وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ)(6)، أي:


1) الكافي 1: 130 - 132.

2) القصص (28): 88.

3) التوحيد: 149.

4) ص(38):75.

5) ص(38):17.

6) الذاریات(51):47.

بقوة. وقال: (وَأَيَّدَهُم بِروحٍ مِنْهُ) (1)، أي: قوّاهم، ويقال لفلان: عندي أيادي كثيرة، أي: فواضل وإحسان، وله عندي يد بيضاء، أي: نعمة»(2).

وعن محمّد بن عبيدة، قال: سألت الرضا علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ لإبليس: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ )(3)؟ قال: «يعني: بقدرتي وقوّتي(4).

وعن سليمان بن مهران قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام ، عن قول الله عزّ وجلّ: (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (5)، فقال: «یعنی: «ملكه لا يملكها معه أحد، والقبض من الله تبارك وتعالى في موضع آخر: المنع والبسط، منه الإعطاء والتوسيع، كما قال عزّ وجلّ: (وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(6)، يعني: يعطي ويوسّع ، ويمنع ويضيّق، والقبض منه عزّ وجلّ في وجه آخر الأخذ في وجه القبول منه، كما قال: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ )(7)أي : يقبلها من أهلها وثيب عليها».

قلت: فقوله عزّ وجلّ: وَالْسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (8)؟

قال: «اليمين اليد، واليد : القدرة ،والقوّة، يقول عزّ وجلّ: السماوات مطويات بقدرته وقوته ، سبحانه وتعالى عما يشركون» (9).

ث: التصوّف والرهبنة:

1 - علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام ، قال: سألته عن


1) المجادلة (58): 22.

2) التوحيد: 153.

3) ص (38): 75.

4) التوحيد: 154.

5) الزمر (39): 67.

6) البقرة (2): 245.

7) التوبة (9): 104.

8) الزمر (39): 67.

9) التوحيد: 161 - 162 .

الرجل المسلم، هل يصلح له أن يسيح في الأرض، أو يترهّب في بيت لا يخرج منه؟ قال: «لا»(1).

2 - ومن كلام علیه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه، يعوده، فلمّا رأى سعة ،داره قال: «ماكنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج. وبلى، إن شئت بلغت بها الآخرة؛ تقرّي فيها الضيف وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.

فقال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخى عاصم بن زياد قال: وما له ؟ قال : لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا.

قال: علىّ به .

فلمّا جاء، قال: يا عُدَيّ نفسه ! لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أه-لك وولدك. أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك.

قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك.

قال: ويحك! إنّي لست كأنت إنّ الله فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره»(2).

ج: نفي الرؤية :

القول برؤية الله تعالى يوم القيامة هو واحد من نماذج القصور في الفهم التي وقع فيها أصحاب التشبيه وغيرهم، فلننظر إلى دور أهل البيت علیهم السلام في تصحيح الاعتقاد في هذه الناحية أيضاً:


1) مسائل علي بن جعفر: 116.

2) نهج البلاغة :2: 187 - 188، الخطبة: 209.

1 - عن أحمد بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام أسأله عن الرؤية وما فيه الناس؟

فكتب علیه السلام : لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصحّ الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه؛ لأنّ الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه؛ لأنّ الأسباب لابدّ من اتّصالها بالمسبّبات (1).

2 - عن عبد الله بن سنان، عن أبيه، قال: حضرت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام ، ودخل عليه رجل من الخوارج، فقال: يا أبا جعفر ! أي شيء تعبد ؟ قال: الله. قال: رأيته؟ قال: «لم تره العيون بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُعرف بالقياس، ولا يشبّه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلّا هو».

قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته (2).

3- عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام، قال: سألته عن هل يوصف؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟ قلت بلى قال: أما تقرأ قوله تعالى: «لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ» (3)؟ قلت: بلى. قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى. قال: ما هي؟ قلت: أبصار العيون. فقال: «إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام» (4).

4 - عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: قال علي بن موسى الرضا علیه السلام في قول الله


1) التوحيد: 109.

2) الأمالي للصدوق: 352.

3) الأنعام (6): 103.

4) الكافي 1: 98 - 99.

عزّ وجلّ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (1): «يعني: مشرقة تنتظر ثواب ربّها»(2).

ح: مواجهة حركة الغلاة:

لقد واجه أهل البيت علیهم السلام الغُلاة وحاربوهم ، وأفسدوا ادّعاءاتهم الباطلة بعدة أساليب، منها:

الأوّل: التحذير منهم وكشف أكاذيبهم:

فكلّما ظهر رجل مغال أبعدوه ولعنوه وتبرؤوا منه، ثم أمروا شيعتهم بمنابذته وترك مخالطته، ثم تبّهوا الناس من أتباعهم ومن غيرهم إلى أنّ هؤلاء كذّابون يفترون على أهل البيت علیهم السلام الأباطيل وينسبون إليهم ما لم يقولوا به.

فقد بيّن الإمام الصادق علیه السلام لشيعته الطريق الأمثل لتشخيص أقوال المغالين من خلال عرض ما يأتيهم من أحاديث منسوبة لأهل البيت علیهم السلام على الكتاب والسنّة ومقارنتها بأحاديثهم المتقدّمة؛ فقد ورد عنه علیه السلام : عن هشام بن الحكم: أنّه سمع أبا عبد الله علیه السلام يقول: «لا تقبلوا علينا حديثنا إلّا ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة؛ فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزّ وجلّ وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم» (3).

وورد أيضاً: عن هشام بن الحكم: أنّه سمع أبا عبد علیه السلام يقول: «كان المغيرة ابن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون


1) القيامة (75): 22 - 23.

2) التوحيد: 116.

3) جامع أحاديث الشيعة 1: 262.

بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم»(1).

فكان الشيعة دائماً يدقّقون النظر في كتب الحديث، فربّما تحسّسوا الدخيل فيها، وربّما عرضوها على الأئمّة أنفسهم، فأثبتوا الصحيح منها وأسقطوا الدخيل؛ يقول يونس بن عبد الرحمن وافيت العراق، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر علیه السلام، ووجدت أصحاب أبي عبد الله علیه السلام متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا علیه السلام، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله علیه السلام، وقال لي: «إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله علیه السلام ، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب، يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله علیه السلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن؛ فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصدق كلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك، فردّوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقةً، وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان»(2).

الثاني : الرد على مقالاتهم الباطلة:

لقد كان أولئك الغُلاة يكذبون على أهل البيت علیهم السلام وكانوا يتحاشون اللقاء الام بهم علیهم السلام والحديث معهم، فلمّا أراد ابن أبي العوجاء الزنديق أن يناظر الإمام الصادق علیه السلام، حذّره ابن المقفع، وقال له: لا تفعل، فإنّي أخاف أن يُفسد عليك ما في


1) اختيار معرفة الرجال 2 :491.

2) جامع أحاديث الشيعة 1: 262.

يدك (1).

الثالث : البراءة منهم ولعنهم :

فقد لعنوا المغيرة بن سعيد، وأبا الخطّاب، وغيرهم، ولمّا وقفوا على بدعة ابن کیال تبرؤوا منه ولعنوه .

وحين أظهر أبو الجارود بدعته، تبرأ منه الإمام الباقر علیه السلام وسمّاه باسم الشيطان سرحوب، مبالغة في التنفير منه (2).

ولعنه الإمام الصادق علیه السلام فعن أبي بصير، قال: ذكر أبو عبد الله علیه السلام كثير النواء، وسالم بن أبي حفصة، وأبا الجارود، فقال: «كذّابون مكذِّبون كفّار ، عليهم لعنة الله. قال: قلت: جعلت فداك كذّابون قد عرفتهم، فما معنى مكذِّبون؟

قال: كذّابون؛ يأتونا فيخبرونا أنّهم يصدّقونا وليسوا كذلك، ويسمعون حديثنا فيكذّبون به »(3).

الالتحاق بركب أهل الحقّ:

بعد أن تبيّنت الحقائق لمحمود وتبيّن له كذب التهم التي أنّهم بها شيعة أهل البيت علیهم السلام وعقائدهم، وأيضاً أهمية الإمامة ودورها في حفظ الرسالة الخاتمة بعد رحلة النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم، قرار اعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام وكان ذلك سنة 1418 ه- (1998م)(4).


1) الكافي 1: 74.

2) من لا يحضره الفقيه 544:4 .

3) اختيار معرفة الرجال 2: 496.

4) ملىء المستبصر استبياناً لمركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه شهادته العلمية، أدلّة الاستبصار، وغير ذلك.

(26) مولاي توري

(مالكي / مالي)

ولد في مدينة «سيكو» في جمهورية مالي سنة 1391 ه- (1972م)، واصل دراستة الأكاديمية إلى أن نال الشهادة الثانوية، كما درس في المدارس المالكية وتخرج منها إماماً وخطيباً، ومارسها في مدينته، وعمل مدّرساً للقرآن والعقائد المالكية للصغار في بعض المدارس الابتدائية.

كانت ل- «مولاي» مطالعات كثيرة، وبعد انتهاء دراسته في مدينته سافر إلى العاصمة، ودخل - هناك مدرسة الهلال التابعة للمملكة العربية السعودية، كما كان يذهب في المساء إلى أحد المراكز الثقافية الشيعية.

وهكذا واصل «مولاي» مطالعاته وجعل يقارن ما يتعلّمه صباحاً في المعهد بما يجده في المركز الشيعي مساءً.

تنزيه البارى عن الجسميّة:

من الأمور التي ينبغي مقارنتها بين الرؤيتين الشيعية والسنيّة - وخاصّة من السنّة ما يعرفون في زماننا بالسلفية - موضوع اتّصاف الله سبحانه وتعالى بالجسمية.

ويوجد هناك اتّجاهان أساسيان في هذا المجال :

الاتّجاه الأوّل: هو الاتّجاه المبنى على أنّ الله تعالى ليس بجسم، وليس له مكان، وليس له حيّز ، ولا جهة، ولا يشار إليه بالإشارة الحسيّة، وليست له حركة ونزول كما تتحرّك المخلوقات.

الاتّجاه الثاني: وهو الاتّجاه الذي يعتقد بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسم، وله مكان، وله حيّز، وله جهة، ويشار إليه بالإشارة الحسية، وأنّ له حركة ونزول مع حركة كما تتحرّك المخلوقات، ولكن لأنّ القرآن صريح في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ)(1)اضطروا إلى أن يقولوا أنّه جسم لا كالأجسام، يد لا كالأيدي، حركة لا كالحركات، انتقال لا كالانتقالات.

وهؤلاء هم من يعبّر عنهم في زماننا الحاضر ب-«السلفية والوهابية» أتباع ابن تيمية، وعند مراجعة كلماتهم تّتضح هذه الحقيقة بشكل جلي:

1 - قال الدارمي فيقال لك: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول أنّه على العرش وفي السماء بالأينية، ومن لم يعرف أنّ إلهه فوق عرشه فوق سماواته فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن؛ لأنّ الرحمن على العرش والأوثان في الأرض (2).

فعلى المسلم أن يعتقد - حسب الاتجاه الثاني - أنّ الله مكانه في السماء جالس هناك لا ينزل إلى الأرض، والفوقية هي المكانية وليست السيطرة الوجودية، فيجب تحديده أوّلاً وإثبات مكانه، وإذا لم يعتقد المسلم بذلك فتلك عبادة الأوثان.

مع العلم أنّ على الكرة الأرضية أناس يعيشون (في هذه الجهة)، وبعضهم يعيش في الجهة الأخرى، فأين يكون الله؟ أفي هذه السماء أو في تلك السماء ؟!


1) الشورى (42): 11.

2) نقض الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد 1: 488.

2 - قال ابن تيمية: وأمّا في النفي فنفيتم عن الله تعالى أشياء لم ينطق بها كتاب ولا سُنّة ولا إمام من أئمة المسلمين، بل والعقل لا يقضي بذلك عند التحقيق، وقلتم: أنّ العقل نفاها فخالفتم الشريعة بالبدعة، وخالفتم العقول الصريحة وقلتم: ليس هو بجسم ولا جوهر (1).

فهو يحاجج أصحاب الاتّجاه الأوّل، الذين قالوا: بأنّ الله ليس بجسم، وليس له جهة، وأنّه لا يُشار إليه بإشارة حسّية، فردّ قولهم بعدّة أمور:

الأوّل: إن هذا الكلام لم ينطق به كتاب الله ولا سُنّة رسوله، ولم يذكره إمام من أئمّة المسلمين.

الثاني: عند التحقيق لا يقتضي العقل نفي الجسمية عن الله، فالعقل يرى بأنّه يمكن أن يكون جسماً، ولا يوجد محذور في ذلك.

الثالث: إنّكم عندما نفيتم الجسمية فقد قلتم بالبدعة فإذا نزّهتم الله عن الجسمية، ونزّهتموه عن الجوهر، وعن التحيّز وعن الجهة، وعن الإشارة الحسيّة، وعن الأين، وعن المكان، وعن الصورة، فأنتم أهل بدعة.

الرابع: إنّكم خالفتم العقول الصريحة بقولكم أنّ الله ليس بجسم ولا جوهر.

ويقال في الردّ على ابن تيمية : إنّه تعالى لو كان جسماً فإذا صار هنا لا يمكن أن يكون هناك، مع أن القرآن يصرّح في قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (2). فكيف يكون قريباً من دعوة الداعي، مع أنّ أحدهما قد يكون بعيداً عن الآخر، فلا يمكن أن يكون قريباً منها، ولهذا نقول: ليس معناه قريب منها يعني: هو قريب، بل يعني علمه محيط بهما، وهذا تأويل، وهم لا يؤمنون بالتأويل.)


1) بيان تلبيس الجهمية 44:3.

2) البقرة (2): 186.

3- قال ابن قيّم الجوزية ويقولون: نحن ننزّهه عن الأعراض والأغراض والأبعاض، والحدود والجهات، وحلول الحوادث، فيسمع الغرّ المخدوع هذه الألفاظ فيتوهّم منها أنّهم ينزّهون الله عمّا يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشكّ أنّهم يمجّدونه ويعظّمونه ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرسل، وتعطيل الربّ تعالى عمّا يستحقّ من كماله، فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته، ك-: سمعه، وبصره، وحياته.. (1.)فإنّ الذي يعتقد أنّ الله لا تحلّ فيه الحوادث، وليس له بعض، ولا حدود، ولا جهات، يعني: يمين وشمال وجنوب وشرق وغرب وأعلى وأسفل ونزول وصعود، فهو من «الغرّ المخدوع»!!والذي ينزّه الله عن الجسمية يعطّله عن الكمال، وإذا قلت: أنّ الله ليس محلاً للأعراض فأنت جحدت صفات الله سبحانه، فلابد أن تؤمن بالأعراض والحدود والجهات.الإنصاف والعدل يدعوان إلى اتّباع الحقّ:بعد علم «مولاي» بالعقائد التي يحملها أعداء الشيعة في مواضيع مختلفة، ومقارنتها مع ما يعتقده شيعة أهل البيت علیهم السلام ، عرف الحقّ والتوحيد الحقيقي، وقرّر اتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، فأعلن عن استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي، وكان ذلك عام 1411ه- ( 1991م في العاصمة المالية «باماكو»(2).)


1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة 3: 934.

2) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه نبذة عن حياته وكيفية استبصاره، كما له ملف صوتي في المركز سمّاه: «لماذا اخترت مذهب أهل البيت علیهم السلام».

## (27 سيوشوك بنك)(بوذي / ماليزيا)نشأ في ماليزيا، وواصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة الليسانس في تقنية إنتاج الموادّ الغذائية.كان «سيوشوك» منتمياً إلى الديانة البوذية، التي ترى أنّ السبيل لنيل السعادة يكمن في الرهبنة والعزلة، ويكون الإنسان قادراً - من خلالها - على الوصول إلى أعلى درجات الصفاء الروحي.ولكنّه وجد في معتقده فراغاً في هذا المجال، فحاول أن ينقذ نفسه من التیه والضياع الذي كان يعاني منه، وأن يملأه بعقيدة ترسم له التوازن في الرؤى والأفكار.وهكذا مضى «سيوشوك» في سبيله إلى أن شاءت الأقدار الإلهية أن تلوح لبصيرته أنوار المعارف الإسلامية المنسجمة مع الفطرة، والمسلّطة للأضواء على السبل الحقيقية التي تنقذ الإنسان من الانحراف والضلالة؛ لينال الطمأنينة والسكينة في الدنيا، والنجاة في دار الآخرة.فبدأ بدراسة هذا الدين الحنيف، وبدراسته يتّضح للباحث المنصف أنّ المصادر الرئيسية للتشريع الإسلامي، أي: القرآن والسنّة، تدلّ على المذهب الشيعي، مذهب أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام.

الشيعة» في القرآن والسنّة:إنّ هذه التسمية - الشيعة كانت تطلق منذ الزمان القديم على أتباع الأنبياء والأوصياء، فيقال: شيعة ،نوح شيعة موسى شيعة ،إيليا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علىّ ذكرك وذكر شيعتك في التوراة بكلّ خير قبل أن يخلقوا وكذلك في الإنجيل؛ فإنّهم يعظّمون إيليا وشيعته، يا عليّ ذكر شيعتك في السماء أكثر من ذكرهم في الأرض(1).)قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ(2)، وقال عزّ وجلّ: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه )(3).)وروي عن الإمام الباقر علیه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: «ليهنئكم الاسم. قلت:ما هو جعلت فداك ؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ» (4.)وقال تعالى في سورة البيِّنة:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة (5).)أخرج الطبري في تفسيره (جامع البيان بإسناده عن أبي الجارود، عن الإمام محمد بن عليّ الباقر علیه السلام ، أنّه قال: (أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )، فقال النبي : أنت يا عليّ وشيعتك (6).)وفي (الدّر المنثور للسيوطي، قال: أخرج ابن عساكر: عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فأقبل على ، فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «والذي نفسي بيده إنّ هذا)


1) بحار الأنوار 65: 41.

2) الصافات (37): 83 .

3) القصص (28) 15 .

4) بحار الأنوار 12 :29 .

5) البينة (98) 7 .

6) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 30: 335 .

وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة..».نزلت (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.)قال السيوطي وأخرج ابن عدي، عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين».)قال السيوطي: وأخرج ابن مردويه، عن عليّ، قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم تسمع قول الله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَريَّة»، أنت وشيعتك، موعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين»(1.)وذكر نحو ما تقدّم الشوكاني في تفسيره (2، وكذلك الآلوسي(3).)وعن الطبراني في الكبير : أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال لعليّ: «أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواء مرويّين مبيضّة وجوهكم، وإن عدوك يردون علي ظماء مقمحين» (4.)وأخرج الحاكم في مستدركه، وابن عساكر في تاريخه، وابن الصبّاغ المالكي فى فصوله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلىّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنّة عدن وسائر ذلك في سائر الجنّة»(5.)


1) الدر المنثور 6 :379 .

2) فتح القدير 5: 477 .

3) روح المعاني 207:30.

4) المعجم الكبير 1: 319 ، وانظر: مجمع الزوائد 9: 131 النهاية لابن الأثير 4: 106 مادة (قمح)، صحاح الجوهري 1: 397 ، لسان العرب 2: 566 مادة (قمح)، تاج العروس 2: 209.

5) المستدرك على الصحيحين :3 175 ،وصححه، تاريخ مدينة دمشق 14: 168، الفصول المهمة 145:1.

وعن الطبراني في الكبير، والهيثمي في مجمع الزوائد، وابن حجر في الصواعق وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعليّ علیه السلام : «يا عليّ ! إن أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا» (1).

وروى ابن عساكر في تاريخه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا عليّ! إذا كان يوم القيامة يخرج قوم من قبورهم لباسهم النور على نجائب من نور، أزمّتها يواقيت حمر، تزفّهم الملائكة إلى المحشر. فقال عليّ : تبارك الله ما أكرم هؤلاء على الله. قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يا عليّ هم أهل ولايتك وشيعتك ومحبّوك، يحبّونك بحبّي ويحبّوني بحبّ الله، هم الفائزون يوم القيامة» (2.)وروى ابن عساكر بسنده عن أبي سعيد، والسيوطي في (الدّر المنثور، والبلاذري في (أنساب الأشراف)، والخوارزمي في (المناقب): أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى علىّ علیه السلام فقال: «هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» (3).)السعادة الحقيقية :بعد الاقتناع بضرورة التمسّك بالإسلام ومذهب شيعة أهل البيت علیهم السلام أعلن «سيوشوك» عن استبصاره والالتحاق بأتباع المذهب الشيعي ليغمر كيانه النور، ويشعر بالسعادة الحقيقية، التي لا تبلغها السعادة الوهمية التي تعتري الإنسان نتيجة قيامه بالرياضات والمجاهدات التى ما أنزل الله بها من سلطان (4.)


1) المعجم الكبير 1: 320 ، 3: 41 ، وانظر: مجمع الزوائد :9 131 يرويه عن الطبراني، الصواعق المحرقة 2: 466 ، تذكرة الخواص: 47.

2) تايخ مدينة دمشق 42: 332.

3) تاريخ مدينة دمشق :42: 333، الدر المنثور :6 379، أنساب الأشراف: 182، المناقب: 291 ،111 .

4) ذكر «سيوشوك» ضمن المستبصرين في كتاب معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: 611.

## (28 عبد الله بن حسن)(بشافعي / ماليزيا)ولد في منطقة «قدح» الواقعة في شمال ماليزيا، ونشأ في أسرة شافعية المذهب. واصل عبد الله» دراسته الأكاديمية ، وبعد إكمالها في جامعة «رانري» في أندونيسيا، ثم في جامعة «لكنهو» في الهند حصل على شهادة البكالوريوسوالماجستير في أصول الدين.بعد دخوله الجامعة - وعبر المطالعات التي أجراها، وبمساعدة أُستاذه - تأثّر بالفكر الشيعي ووجد الجواب الشافي لما كان في ذهنه من استفسارات في موارد عدّة، منها: موضوع التوحيد، ورؤية الله (التجسيم، كما دفعته الأحاديث التي جاءت في تفسير بعض الآيات الكريمة في شأن أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم إلى البحث والتحقيق حول المذهب الشيعي.)من هم أهل البيت علیهم السلام:من الروايات التي يستدلّ بها أتباع المذهب الشيعي على عصمة أهل البيت علیهم السلام: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً(1).)


1) الأحزاب (33): 33.

فالحصر الموجود في هذه الآية الكريمة لإرادة إذهاب الرجس عنهم هو من أقوى أدوات الحصر، واستحالة تخلّف المراد عن الإرادة بالنسبة الله عزّ وجلّ من البديهيات لمن آمن به وقرأ في كتابه الكريم: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنفيكون »(1.)ولكن قد يثير بعض المتعصّبين من أعداء مدرسة أهل البيت علیهم السلام شبهة، فيقول: نذعن بأنّ إذهاب الرجس في هذه الآية يدلّ على العصمة، ولكن من هم المراد من أهل البيت؛ فقد روينا في بعض التفاسير عن النبي ورودها في نسائه خاصّة، وهو قول عكرمة ومقاتل؟!!فكان من مظاهر إصرار عكرمة وتبنّيه لهذا الرأي: أنّه كان ينادي به في السوق (2، وكان يقول: من شاء باهلته أنّها نزلت في أزواج النبي صلی الله علیه وآله وسلم(3)، وقد نسب هذا الرأي إلى ابن عبّاس.)الجواب عن الشبهة:الحديث حول هذه الشبهة يدعونا إلى تقييم آراء كلّ من عكرمة ومقاتل، ومعرفة البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كلّ هذا الإصرار والموقف غير المحايد، حتى اضطره الموقف إلى الدعوة إلى المباهلة والنداء في الأسواق، وهو موقف غير طبيعي منه، ولا ألف في غير هذا الموقف المعين.والظاهر أنّ لذلك كلّه ارتباطاً بعقيدته التي تبّناها يوم اعتنق مذهب الخوارج، وبخاصّة رأي نجدة الحروري وللخوارج موقف مع الإمام علي علیه السلام معروف؛ فلو التزم بنزول الآية في أهل البيت بما فيهم علي علیه السلام، لكان عليه القول


1) يس (36): 82 .

2) أسباب نزول الآيات: 240.

3) الدر المنثور 5: 198.

بعصمته، ولأهار على نفسه أسس عقيدته التي سوّغت لهم الخروج عليه ومقاتلته، وبررت لهم أعني الخوارج قتله.وقد استغل علائقه بابن عبّاس وسيلة للكذب عليه، وكان ممّن يستسيغون الكذب في سبيل العقيدة فيما يبدو، ومن أولى من ابن عبّاس في الكذب عليه فيما يتّصل بهذا الموضوع الحسّاس؟!وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عبّاس بين خاصته حتّى كان يُضرب المثل فيه؛ فعن ابن المسيب، أنّه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (1، وعن ابن عمر، أنّه قال ذلك أيضاً لمولاه نافع (2).)وقد حاول علي بن عبد الله بن عبّاس صدّه وردعه عن ذلك، ومن وسائله التی اتّخذها معه أنّه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن أبي الحرث : دخلتُ على ابن عبد الله بن عبّاس وعكرمة موثق على ب-اب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم ؟! فقال: إن هذا يكذب على أبي (3.)وحقده فيما يبدو لم يختصّ بأهل البيت علیهم السلام، وإنّما تجاوزهم إلى جميع المسلمين عدا الخوارج: فعن خالد بن عمران، قال: كنّا في المغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددتُ أنّ بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً (4.)وعن يعقوب الحضرمي، عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلّا كافر (5.)وأمّا مقاتل، فحسابه من حيث العداء لأمير المؤمنين علیه السلام حساب عكرمة،


1) جامع بيان العلم وفضله 2: 156.

2) عمدة القاري 1: 8 .

3) ) المعارف لابن قتيبة : 456.

4) میزان الاعتدال 3: 95 .

5) میزان الاعتدال 3 :95 .

ونسبة الكذب إليه لا تقل عن نسبتها إلى زميله عكرمة.قال وكيع كان مقاتل كذّاباً(1.)وكان يقول لأبي جعفر المنصور: انظر ما تحب أن أحدّثه فيك حتّى أحدثه (2.)وقال للمهدي: إن شئتَ وضعت لك أحاديث في العبّاس. قال: لا حاجة لي فیها(3.)وإذا كان كلّ من مقاتل وعكرمة بهذا المستوى لدى أرباب الجرح والتعديل، فأمر روايتهما ورأيهما لا يحتاج إلى إطالة حديث، وبخاصّة في مثل هذه المسألة التي تمس مواقع العقيدة أو العاطفة من نفسيهما.ولكن هذه البواعث - فيما يبدو - خفيت على بعض الأعلام، فأقاموا لرأيهما وروايتهما وزناً، ولذلك نرى أن نعود إلى التحدّث عن ذلك بعيداً عن شخصيتها، لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي:1 - الملاحَظ في قسم من الروايات أن لفظة «الأهل» لم تكن تَطلق في السنة العرب على الأزواج إلّا بضرب من التجوّز .ففي صحيح مسلم: أنّ زيد بن أرقم سُئل عن المراد بأهل البيت: هل هم النساء؟ قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطّقها، فترجع إلى أبيها وقومها (4.)وفي رواية أُمّ سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بسيتي: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً »(5وفي البيت سبعة: جبرئيل وميكائيل)


1) المنتظم لابن الجوزي : 126 .

2) تاريخ مدينة دمشق 60: 126 ، تهذيب الكمال 28: 446.

3) تاریخ بغداد 13: 168.

4) صحیح مسلم 7: 123 .

5) الأحزاب (33): 33.

وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وأنا على باب البيت، قلت: ألست من أهل البيت؟ قال: «إنّك إلى خير، إنّك من أزواج النبي صلی الله علیه وآله وسلم»((1.)فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها، وإثبات الزوجية لها، يدلّ على أنّ مفهوم الأهل لا يشمل الزوجة، كما أن تعليل زيد بن أرقم يدلّ على المفروغية عن ذلك، ولا يبعد دعوى التبادر من كلمة (أهل خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى ثابتة غير قابلة للزوال، والزوجة وإن كانت قريبة من الزوج إلّا أنّ وشائجها القريبة قابلة للزوال بالطلاق و شبهه، كما ذکر زید.)2 - مع الغضّ عن هذه الناحية، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدّعه لنفسها واحدة من النساء، بل صرّحت غير واحدة منهنّ بنزولها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين :أخرج الترمذي وصحّحه(2، والحاكم وصحّحه(3)، وابن مردويه(4)، مسن طرق عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت في بيتي نزلت: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ....». وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجلّلهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بكساء كان عليه ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».)وفي رواية أُمّ سلمة الأخرى، وهي صحيحة على شرط البخاري: في بيتي نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ..... فأرسل رسول الله إلى على وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «هؤلاء أهل بيتي».)وحديث الكساء - الذي كاد أن يتواتر مضمونه، لتعدّد رواته لدى الشيعة


1) الدر المنثور 5: 198.

2) راجع: سنن الترمذي 5: 361.

3) راجع: المستدرك على الصحيحين 2 :416 .

4) مناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه: 301.

والسنّة في جميع الطبقات - حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص:تقول عائشة : خرج النبي صلی الله علیه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال:( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمتطهيراً (1).)والذي يبدو أنّ الغرض من حصرهم تحت الكساء وتطبيق الآية عليهم ومنع حتّى أم سلمة من الدخول معهم كما ورد في روايات كثيرة - هو التأكيد على اختصاصهم بالآية وقطع الطريق على كلّ ادعاء بشمولها لغيرهم، وهناك آيات آحاد تُوسع بعضها في الجالسين تحت الكساء إلى ما يشمل جميع أقاربه وبناته وأزواجه، وبعضها تخّصهم بالعباس ،وولده، حيث اشتمل النبي صلی الله علیه وآله وسلم على العباس وبنيه بملاءة، ثم قال: يا ربّ، هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من الناركستري إياهم، فأمّنت أشكفّة الباب وحوائط البيت، فقالت: آمین ثلاثا(2.)وهي لعدم طبيعتها وضعف أسانيدها ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن يطال فيها الحديث، وحسبها وهنا أن لا يستدل بها أو يستند إليها أحد من أولئك أو أحد أتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لأمثالهم.وكأنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم قد خشي أن يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتّى تألفه الأسماع وتطمئن إليه القلوب.يقول أبو الحمراء: حفظت من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثمانية أشهر بالمدينة، ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلّا أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم


1) صحیح مسلم : 130.

2) الصواعق المحرقة: 144.

قال: «الصلاة الصلاة ،(إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً (1).)وفي رواية ابن عباس قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب علیه السلام عند وقت كلّ صلاة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت،(إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً (2).)ومع ذلك كلّه، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات من أمثالها حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها؟3 - أمّا ما يتصل بدعوى وحدة السياق، فهي لو تّمت لما كانت أكثر من كونها اجتهاداً في مقابلة النصّ، والنصوص السابقة كافية لرفع اليد عن كلّ اجتهاد جاء على خلافها.على أنّها في نفسها غير تامة؛ لأنّ من شرائط التمسّك بوحدة السياق أن يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدّد في الكلام لا مجال للتمسّك بها بحال.ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبي صلی الله علیه وآله وسلم لا يدلّ على وحدة الكلام، لما نعرف من أنّ نظم القرآن لم يجر على أساس من التسلسل الزمني، فربّ آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس، فضلاً عن إثبات أن الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة.ومع تولّد هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسّك بوحدة السياق، وأي سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدّد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول؟


1) الدر المنثور 5: 199.

2) الدر المنثور 5: 199.

على أنّ تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها يقرّب ما تمت الإشارة إليه؛ إذ أنّ وحدة السياق تقتضي اتّحاداً في نوع الضمائر، ومقتضى التسلسل الطبيعي أن تكون الآية هكذا إنّما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت، لا عنكم.والظاهر من روايات أمّ سلمة - وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية - أنّها نزلت منفردة، كما توحي به مختلف الأجواء التي رسمتها رواياتها، لما أحاط بها من جمع أهل البيت وإدخالهم في الكساء، ومنعها من مشاركتهم في الدخول إلى ما هنالك.والحقّ الذي يتراءى من مجموع ما روي من نزول الآية، وحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عدم مشاركة الغير لهم فيها، واتّخاذه الاحتياطات بإدخالهم تحت الكساء ليقطع بها الطريق على كلّ مدّع ومتقوّل، ثم تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كلّ يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة علیهما السلام، كلّ ذلك مما يوجب القطع بأنّ للآية شأناً يتجاوز المناحي العاطفية، وهو ممّا يتنزّه عنه مقام النبوة؛ لأمر يتّصل بصمیم التشريع من إثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع إليهم والتأثر والتأسى بهم في أخذ الأحكام.الهداية والعمل التبليغي :بعد فترة طويلة من البحث والتحقيق، والمراجعة للعديد من مصادر الفريقين، توصّل «عبد الله» إلى أنّ الرؤية الصحيحة للإسلام هي رؤية أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ، فقرّر الالتحاق بهذا المذهب عن بصيرة، وأعلن استبصاره عام 1403 ه- (1983م في الهند.)في العام 1410 ه- عاد «عبد الله» إلى مسقط رأسه ثانية، وبدأ بالنشاطات الثقافية لنشر مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وفي السنة نفسها أسّس حسينية الزهراء علیهما السلام

في بلدته، ولم يكن حينها في المنطقة شيعي، أو كان بعض الشيعة الذين لم يجرؤوا على إظهار عقيدتهم، فأحسّ «عبد الله» العارف بتكليفه، والمجدّ في عمله بوظيفته، وبدأ بتأسيس الحسينية، لتكون المقدّمة والوسيلة لنشاطاته الكثيرة، والتبليغ لنشر مذهب أهل البيت علیهم السلام.وبعد جهد جهيد منه، ومن الذين ساهموا معه في أنشطة هذه الحسينية، أثمر جهدهم عن ازدياد عدد المستبصرين حتّى بلغ عددهم ثلاثمائة شخص، وهي حالياً أحد المراكز المهمة للشيعة، ولتجمّع الناس لإحياء شعائر الإسلام، وذكر فضائل الرسول الأكرم وأهل بيته الطاهرين علیهم السلام (1.)


1) زار المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية»، وله ملف في المركز ذكر فيه أدلّة الاستبصار والأنشطة التي يقوم بها في حسينية الزهراء علیهما السلام ، وقد دعم المركز جهوده بإرسال العديد من الكتب الدينية للحسينية.

## (29 بدر الدين راكوتونيائنا)(مسيحي / مدغشقر)نشأ في مدغشقر بشرق أفريقيا في أسرة مسيحية الديانة، وتربّى فيها على أنّ الديانة المسيحية وما في كتابها المقدّس هو ما ينبغي على الإنسان أن يدين الله به.بعد بلوغ «بدر الدين مرحلة الرشد الفكري شاءت الإرادة الإلهية أن يغور في الكتاب المقدّس ليتأمّله ويدرسه، ومن جهة أخرى كان يسمع بالأديان السائدة الأُخرى، وبما فيها الإسلام، فقرّر دراسة موروثه الفكري والرؤى الأُخرى المباينة له بشكل كامل ليصل إلى النتيجة المتوخّاة في ضوء ذلك.إثر دراسات معمّقة ومساعدة بعض الأصدقاء الذين دعوه إلى الإسلام أحسّ «بدر الدين» أنّه يقترب إلى رؤية أخرى غير الرؤية التي كان ينتمي إليها لفترة طويلة من الزمن، ألا وهي الشريعة الإسلامية وفق مذهب أهل البيت علیهم السلام . السنة النبوية عند الشيعةمن الواضح لمن يدرس الدين الإسلامي - وبملاحظة ما مرّ عليه بعد وفاة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم من الإعراض عن الخليفة الشرعي بعده، وانتصار بعضالصحابة له - أنَّ وجود الشيعة الإمامية الاثني عشرية ضمن الأمّة المحّمدية لأمرٌ واقع لا يمكن إنكاره كما أنّ للشيعة دوراً كبيراً في بناء الثقافة الإسلامية، ومع هذا نرى الحملة السيّئة ضدّ الشيعة من قبل بعض الناس، متَهمين إياهم بتحريف القرآن

أو الشكّ في نبوة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم بسبب موقفهم تجاه السنّة النبوية المخالف لوجهة نظرهم .ولا سبيل إلى التخلّي عن هذه الظاهرة والالتفات إلى أحقيّة أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام في هذه المسألة إلّا بمعرفة آراء الشيعة في القرآن والسنّة النبوية، كمصدري التشريع الأساسي بإجماع المسلمين، على اختلاف مذاهبهم وتشتّت فرقهم.إنّ الشيعة يدينون بأصالة القرآن الكريم، وأنّه اليوم على نفس الهيئة التي أنزل على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. وأمّا ردّ الشيعة لكثير ممّا في الصحاح الستّة فلا يقصد به ردّ السنّة النبوية، وإنمّا ردّاً لبعض أحاديثها بسبب رجال أسانيدها، فلا لوم عليهم أن يقفوا هذا الموقف بسبب الخلفيّة التاريخية لبعض رواة الحديث.فالشيعة، كغيرهم من المذاهب الإسلامية، يعتمدون على السنّة النبوية في أخذ معالم الدين، أصولاً وفروعاً، ويجعلونها المصدر الثاني بعد الكتاب الكريم في أخذ أحكام الله عزّ وجلّ.ولأهمية السنّة النبوية في تشريع الأحكام، فقد اهتمّوا بها اهتماماً بالغاً لتنقيب الأحاديث التي اعتمدوا عليها، ودوّنوا الحديث في كتبهم، وأشهرها: الكتب الأربعة، وهي: الكافي، لمحمّد بن يعقوب الكليني، المتوفّى سنة 328 ه- فيه 16099 حديثاً، وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمّد بن بابويه القمّي المتوفى سنة 381ه- فيه 9044 حديثاً، وكتابي التهذيب، وفيه 13095 حديثاً، والاستبصار، وفيه 5511 حديثاً، لصاحبها الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 461 ه- وهذه الكتب مبوّبة مرتّبة، يذكر في كلّ باب جميع ما يتّصل به من الأحاديث.ولصيانة التراث النبوي وحمايته من الأوهام، وضع علماؤهم الأسس والقواعد التي يمكن التوصّل بها إلى معرفة الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن غيرها.. ومنها: أنّهم وضعوا علم الدراية والرجال، وألّفوا فيها عشرات الكتب

لتصفية الأحاديث، وبيان ما يجوز الاعتماد عليها وما لا يجوز.والحديث عندهم ينقسم إلى: المتواتر والآحاد ويعنون بالمتواتر: أن ينقله جماعة بلغوا من الكثرة حدّاً يمنع من اتفاقهم على الكذب، ولا إشكال في حجيّة هذا النوع من الأخبار.وأمّا الآحاد: هو الذي لا ينتهي إلى حدّ التواتر، سواء أكان الراوي واحداً أو أكثر، فقد اتّفق أكثرهم على جواز العمل بأخبار الآحاد في الأحكام، وينقسم هذا النوع من الخبر إلى أربعة أقسام، وهي كالتالي:1 - الصحيح ما إذا كان الراوي إمامياً ثبتت عدالته بالطريق الصحيح.2 - الحسن: ما إذا كان الراوي إمامياً ممدوحاً ولم ينص أحد على ذمّه أو عدالته.3 - الموثّق: ما إذا كان الراوي مسلماً غير شيعي ولكنّه ثقة أمين في النقل.4 - الضعيف : ما لا يستوفي الشروط المتقدّمة كأن يكون الراوي فاسقاً.تلک هي جهود الشيعة في تنقيح السنّة النبوية، وإن بلغ جهدهم إلى أقصاه في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وصيانة السنة النبوية وحمايتها من الأوهام والإسرائيليات، ولكنّهم لم ينجوا من التهم في أنهم لا يعترفون بالسنّة النبوية، وأنكرواكلّ الأحاديث الواردة عن طريق الصحابة..بل إنّ الشيعة شنّوا هجوماً عنيفاً على رواة الحديث الذين عند حدّ مناقضيهم من أهل الثقة، أمثال أبي هريرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم، وعلى ذلك فهم إذاً من الملحدين؛ لأنّ الأحاديث تصل إلينا عن طريقهم، وهي تمثّل التراث الهائل، وتكون نصف الدين، ومفسّرة لمبهم القرآن ومجمله، فمن أنكرها فقد كفر .. هذا قول خصوم الشيعة.والضرورة تملي علينا أن نسرد أقوال علمائهم فيها؛ لأنّه ليس من الإنصاف

إلصاق التهم بهم من غير إعطاء علمائهم الفرصة الكافية للدفاع عن أنفسهم؛ فإنّ الشيعة اعتمدوا على الأحاديث النبوية في إثبات الأحكام الشرعية، وتقسيمهم للأحاديث إلى أربعة أقسام نوع من احتياطهم لقبول ما جاء عن الرسول وأئمّتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا لا يعني أنّهم يردّون كلّ ما جاء عن طريق غيرهم، فإن كانوا معروفين بالوثاقة قبلوا الرواية، ولهذا قال الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه : قصدت إلى إيراد ما أفتى به وأحكم بصحّته، واعتقد فيه أنّه حجّة فيا بيني وبين ربّي تقدّس ذكره (1: وما يرويه في الكتاب المذكور فيه الإمامي وغيره.)وكفى بهذا القول ردّاً على عدوان بعض القائلين بأنّ الشيعة لا يقبلون أحاديث أهل السنّة، فهم لا ينفون ما جاء عن طريق غيرهم، لكن وضعوا الشروط المتشدّدة في قبول صحّة الحديث، وكان ذلك من النتائج الطبيعية للظروف القاسية التي اجتاحتهم في عهد الدولتين الأموية والعبّاسية، وصدور آلاف الأحاديث المكذوبة على الرسول الأكرم وأهل البيت علیهم السلام.وأمّا رفضهم لصحيح البخاري، في حين أنّه عند معارضي الشيعة من أصحّ الكتب بعد كتاب الله، فذهب السيّد شرف الدين العاملي إلى القول بأنّ: البخاري لم يستوف الشروط المتّفقة عندهم في نقل الأخبار (2فقد كتم البخاري كثيراً من النصوص المتعلّقة ببيان خصائص أهل البيت بالإضافة إلى أنّه اعتمد على أبي هريرة ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص، الذين عند الشيعة ليس لهم من الاعتبار مقدار جناح بعوضة بدلاً من أن يروي عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام.)مع أنّ أقوال أئمّة أهل البيت علیهم السلام حجّة لهم؛ وذلك لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأئمّة بالأخذ بأقوالهم، كما صرّح في حديث العترة، فالتمسّك بأحاديث الأئمّة عندهم


1) راجع من لا يحضره الفقيه 1: 3.

2) المراجعات: 192.

امتثال لقوله صلی الله علیه وآله وسلم: فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلال، وأنّ النبي شبّه العترة بسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وهذه كلّها تدلّ على حجّية أقوال أئمّة العترة الطاهرة علیهم السلام .الاستبصار والتأليف في مجال العقائد:بعد اقتناع «بدر الدين» بالمبادىء الإسلامية وفقاً لرؤية أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام عن بصيرة ووعي، قرّر اتّباع هذا المذهب.وللاستفاضة من علوم أهل البيت علیهم السلام واصل «بدر الدين» دراسته العلمية في إحدى الحوزات العلمية الكبيرة للشيعة.كما قام بتأليف كتاب سماهُ: «التحقيق في المسيحية»، تناول فيه دراسة الكتاب المقدّس، يشتمل على سبعة فصول:الأوّل: تعريف الكتاب المقدّس.الثاني: من عجائب الكتاب المقدّس.الثالث: التناقضات في الكتاب المقدّس.الرابع: التوحيد في الكتاب المقدّس.الخامس: بشارة الكتاب المقدّس (التوراة والإنجيل بنبي الإسلام.)السادس: عدم صلاحية المسيحية في قيادة العالم إلى السعادة.السابع: عقيدة الإسلام والمسلمين حول الكتاب المقدّس (1.)


1) للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، وقد زار المركز بعد الاستبصار.

## (30 شاکر موسیمو)(شافعی / مدغشقر)![197-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/197_13.jpg "image title")ولد في مدينة «انبيلوب» في جمهورية مدغشقر البلد الواقع في جنوب شرقي أفريقيا، سنة 1402 ه- (1982م ، في عائلة شافعية المذهب، ودرس فيها إلى أن أخذ شهادة الإعدادية.)كان «شاكر» كثير المطالعة للكتب الدينية، وبالخصوص كتب السيرة التي تتحدّث عن سيرة الخلفاء، وكان يجري أثناء المطالعة مقارنة بين الأحداث.واقعة الغدير ودلالاتها :ممّا لفت نظر «شاكر» أثناء قراءته وبحثه واقعة غدير خم ودلالاتها، والأدوار الأساسية التى أنيطت إلى مقام الإمامة في مدرسة أهل البيت علیهم السلام.فالإمامة لها أصل قرآني، بيّنه قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً(1أيضاً قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (2)، وهي مستمرة حتّى في الشريعة الخاتمة لنبيّنا صلی الله علیه وآله وسلم ، ولها استمرارية غير منقطعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فليست ظاهرة الإمامة القرآنية كظاهرة النبوة المقيّدة بقوله صلی الله علیه وآله وسلم لعليّ علیه السلام : «أما)


1) البقرة (2): 124 .

2) الأنبياء (21): 73 .

ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»(1، فالنبوة ظاهرة قرآنية وأصل قرآنى منقطع الآخر، وإن كان له ابتداء..)أمّا الإمامة والولاية والخلافة القرآنية فهي مستمرة ولن تنقطع؛ لأنّ القرآن الكريم يقول: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ »(2، و«جاعل» يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الفعل المضارع يدل على الاستمرارية، كذلك (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )(3)يدل على الاستمرارية.)وإذا ثبت أنّ الإمامة أصل قرآني مستمر وليس منقطعاً، فمن هم الأئمّة؟ وما هي شرائطهم في الشريعة الخاتمة؟ فكما أنّ أنبياء بني إسرائيل أئمّة، أشار إليهم قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(4)، كذلك للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم سيكون هناك أئمّة أيضاً، وسيكونون موجودين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.)والتعبير بأنّ الإمامة أصل قرآني لا يعني أنّها الإمامة أصل قرآني متواطي؛ لأنّ الإمامة التي كانت لإبراهيم ليست الإمامة نفسها التي كانت في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا، كما أنّ الأنبياء والمرسلين يتفاضلون فيما بينهم.)والإمامة أيضاً لها درجات تفاضل، ولها درجات متعدّدة، فكما أنّ النبوة يعبّر عنها تعالى بقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (5)، كذلك الأئمّة يتفاضل بعضهم على بعض، سواء على مستوى الإمامة في شريعتنا والإمامة السابقة على ذلك، أو حتى على مستوى الأئمّة في شريعتنا.)


1) صحیح مسلم : 120 .

2) البقرة (2) 30 .

3) البقرة (2): 124.

4) السجدة (32): 24 .

5) البقرة (2) 253 .

فعندما نأتي إلى الإمامة الثابتة لإبراهيم الخليل والإمامة الثابتة للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، نجد : أنّ إمامة النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم هي أعلى مرتبة من إمامة إبراهيم الخليل، كما أنّ نبوّته ورسالته أعظم وأفضل من نبوة ورسالة إبراهيم الخليل، كذلك عندما نأتى إلى الأئمّة في مدرسة أهل البيت؛ فإنّ إمامتهم وخلافتهم ووصايتهم وولا يتهم أعلى مرتبة من الأئمّة الآخرين الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وهذا ما أثبته الدليل القرآني والنصوص المتواترة عليها.ولكي تتّضح حقيقة واقعة الغدير ومضمون هذه الواقعة لابدّ من توضيح الأدور التي يعتقدها الشيعة لإمامة أئمّة أهل البيت علیهم السلام.فتوجد هناك رؤيتان للإمامة:الأولى: الرؤية التي تبنّتها مدرسة الصحابة وهي تعتقد أنّ الإمامة ليس لها أي دور سياسي أو إداري لقيادة الأُمة سياسياً واجتماعياً ونحو ذلك، وذكرت بعض الشرائط البسيطة.الثانية: نظرية مدرسة أهل البيت علیهم السلام للإمامة، وفيها تأخذ أبعاداً وأدواراًأخرى ومسؤوليات أساسية أنيطت بهذه الإمامة، ولهذا المقام الإلهي الذي عبّر عنه في القرآن الكريم: (إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (1)، وإنّ هذه الإمامة التي توجد لأئمّة أهل البيت هي وراثة لإمامة إبراهيم، وأنّها هي استمرار لذلك الخط الأصيل الذي ثبت قرآنياً، فكمّا أنّ النبيّ الأكرم هو وارث الأنبياء والمرسلين كذلك أئمّة أهل البيت هم ورثة إمامة إبراهيم.)والأدوار التي يقوم بها الإمام بحسب منهج وفكر أهل البيت:الدور الأوّل: هو الدور التشريعي.


1) البقرة (2): 124 .

الدور الثاني: هو الدور السياسي.والفرق بين الدور التشريعي والدور السياسي فتارة يأتي الشخص ويبيّن أنّه من قام بهذا العمل فعليه الحد الكذائي، يقول بأنّه من ملك مالاً بهذا القدر فعليه الزكاة بهذا القدر، فيشرّع الحكم الشرعي ويبيّن التشريعات، أما إذا تخلّف الشخص و المجتمع عن أداء هذه الأحكام، ففي هذه الحالة لا يقوم الشخص المبيّن بتطبيق هذه الأحكام على المجتمع. فرق كبير بين أن يبيّن حكم الزكاة وبين أن يأخذ الزكاة من الناس، ولهذا نجد القرآن الكريم يبيّن أحكام الزكاة في موضع، وفي موضع آخر يقول للرسول الأعظم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ (1)، فبيان حكم الزكاة هو الدور التشريعي، أمّا أخذ الأموال فهذا بيان لدور القيادة وبيان لدور الإمامة في الأئمّة بنحو إذا امتنع منه أحد يعاقب على ذلك، فهو دور التنفيذ والتطبيق.)وعند الرجوع إلى كلمات أئمّة أهل البيت علیهم السلام نجدها واضحة جليّة؛ قال الإمام الرضا علیه السلام: «إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف»(2.)فالإمام الرضا علیه السلام بعد أن يبيّن أنّ بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد يقول: «وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف»، وهذه ليست من الأدوار التشريعية للإمام وإنّما هي من الأدوار القيادية في الأمّة، وأنّ التشريع وحده لا يتم إلّا مع التطبيق، والإمام هو الذي يطبّق هذه الأمور.


1) التوبة (9): 103 .

2) الكافي 1: 200.

الدور الثالث: الدور الوجودي:فكلّ نظام عالم الإمكان إنّما يصل إليه الفيض والرحمة من الله بتوسّط الإمام المعصوم، وهذا هو الدور الوجودي، وهو ما بينه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ (1)بتوسّط الإمام المعصوم.)فكما أنّ الإنسان إذا لم يكن هناك أوكسجين تنعدم حياته، كذلك هذا النظام لا يمكن أن يبقى على حاله إلّا بتوسّط أو بوجود حجّة الله، إمّا ظاهر مشهور، وإمّا غائب مستور، وقد أشارت إلى هذه الحقيقة مجموعة من النصوص:النصّ الأوّل:عن علي بن الحسين علیه السلام، قال: «نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وبنا ينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض مّنا لساخت بأهلها (2».)فلابدّ من حجّة الله إمّا ظاهر وإما غائب باطن، وهذه سُنّة إلهية.النصّ الثاني:عن الإمام الهادي علیه السلام ، قال : «بكم فتح الله ، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم ينفس الهم ويكشف الضر» (3.)فالأدوار الأساسية لأهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام ليست منحصرة بالقيادة السياسية حتّى إذا حُرموا منها لا يبقى هناك أيّ دور، فالقيادة)


1) فاطر (35): 10.

2) الأمالي للشيخ الصدوق: 252 - 253.

3) عيون أخبار الإمام الرضا علیه السلام 2: 308 .

السياسية واحدة من الأدوار التى أنيطت بهم، وبالإضافة إلى دورهم السياسي يوجد هناك الدور التشريعي، ويوجد هناك الدور الوجودي، وقد اصطلح على هذه الأدوار ب-«نظرية الإنسان الكامل في القرآن وضرورة وجوده في كلّ زمان.وليس كلّ دليل من الأدلّة القرآنية والروائية هي بصدد إثبات كلّ هذه الأدوار، وإنمّا كلّ دليل وكلّ لسان بصدد إثبات دور من هذه الأدوار، ولكن بعض هذه الألسنة تثبت جميع هذه الأدوار، ومنها: غدير خم..وقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث بعدّة أمور:1 - هيّأ المقدّمات، فأرجع الذين تقدّموا، وحبس الذين كانوا متأخّرين، وجمع هذا العدد الكبير من الحجاج في هذا الموقف الكبير والعظيم والتأريخي.2 - قال : أيّها الناس ألا تسمعون؟ يعنى اطمأنّ أنّ الجميع يسمع صوته.3 - ثم عرّف الثقلين وأهميتهما بالنسبة للأمّة، فقال: «الثقل الأكبر: كتاب الله، طرف بيد الله وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر: عترتي؛ وأنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض، فسألت ذلك لها ربي فلا تقدّموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنها فتهلكوا».4 - أخذ بيد عليّ فرفعها حتّی رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! إشارة إلى قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ(1)، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، أي: قائدهم، وأولى بهم من أنفسهم، وأنا مولى المؤمنين، فالنبي صلی الله علیه وآله وسلم فسّر معنى المولى في النص، فمن كنت مولاه فعلي مولاه.)والمراد من الأولوية، وبقرينة الآيات الأخرى، والروايات الواردة في المقام،


1) الأحزاب (33): 6.

والتي تؤيّد هذا المعنى، هي: الأولوية في كلّ شأن من شؤون المؤمنين والمسلمين والأمّة الإسلامية، سواء كانت شؤون فردية أو شؤون اجتماعية، أو أي شأن آخر فالنبي أولى منهم.فعلى مستوى هذه الآية يتّضح لنا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصدد بيان الدور القيادي؛ لأنّ القائد هو الذي لابدّ أن يطاع في كلّ شأن من شؤونه، وإلّا ففي الدور التشريعي يمكن أن يبيّن المَّشرع شيئاً، والمكلّف حرّ في أن يلتزم أو لا يلتزم.إذاً يستفاد من هذا النصّ المبارك: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»: أنّ نفس هذه الأولوية في غدير خم أعطيت لعليّ علیه السلام ، فلم يكنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب صلی الله علیه وآله وسلم نصّ هذا الحديث، بصدد بيان الدور الوجودي، أو بصدد بيان المرجعية والدور التشريعي، وليس هو بصدد بيان المودّة والمحبّة، وإنّما بصدد بيان الدور القيادي والسياسي والإمامة والخلافة السياسية في الأمّة بعده صلی الله علیه وآله وسلم.معرفة حقيقة دور الإمامة واتّباع الحقّ:بعد أن اتّضحت ل- «شاكر» الحقائق، وتبيّن له دور الإمامة في الفكر الإسلامي الذي بيّنه النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم في غدير خم وحديث الثقلين، سلّم للحقّ والعقل والمنطق والفطرة، فقرّر اعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك سنة 1421 ه- (2001م في مدينته «انبيلوب»(1).)


1) ملىء المستبصر استبيان «مركز الأبحاث العقائدية» الخاص بالمستبصرين، وقد دعمه المركز بإرسال بعض الكتب الدينية إليه.

## (31 ناتوفا رجال جان بیل)(شافعي / مدغشقر)![204-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/204_13.jpg "image title")ولد عام 1395 ه- ( 1976م بمدغشقر في مدينة «ما ينتيوانو»، ونشأ في أُسرة شافعية سنية المذهب.)بعد دراسته في بلده واصل «ناتوفا» دراسته الجامعية في «الجامعة الإسلامية» في المدينة المنورة، حتّى تّخرج منها حاصلاً على شهادة الليسانس.يقول «ناتوفا» عن مبدأ بحثه عن مدى ضرورة اتّباع أهل البيت علیهم السلام: كان عندنا أستاذ في مدرسة النور في «تاناناريف» عاصمة مدغشقر، لا يخطب إلّا وهو يذكر فضائل أهل البيت علیهم السلام، أو يتعرّض للكلام حول الخلافة، سواء في خطبة الجمعة أو المناسبات الأخرى، عندها علمت أنّ لعليّ بن أبي طالب علیه السلام فضائل كثيرة، ودخل في قلبي حبّه بما يغاير حتّي له سابقاً، ولكن بقى علىّ أنّ أحقّق حينذاك عن موقف أمير المؤمنين علیه السلام: هل وافق سيرة الخلفاء قبله أو خالفهم؟وأقول في نفسي: لو كان هؤلاء على ضلالة وغصبوا حقّه علیه السلام في الخلافة فلم تركهم مع اعتراف الكلّ بشجاعته ؟!وكان هذا الاستفسار مبدأ للتحقيق في الوقائع التي وقعت في زمن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وكيفيّة تعامل الخلفاء وأعوانهم خاصّة، وعموم أهل السنّة عامة، معها بعده صلی الله علیه وآله وسلم.

تعامل السلفيين مع موقع غدير خم والمعالم الإسلامية الأخرى:من الأحاديث المتواترة الصحيحة التي ورثها المسلمون عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم «حديث الغدير»، فقد وصل علماء الحديث عند مختلف الفرق الإسلامية وتيقنوا بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاله في غدير خم.إذا اتّضح ذلك، وجب على المسلمين أن تكون لهم معاملة خاصّة مع هذا الحديث؛ فما تواتر ووصل الأمّة ليس كحديث الآحاد المضنون الذي قد لا يتحمّس علماء الحديث في تأمّله وشرحه وجمعه وجمع طرقه وألفاظه، وهكذا..و«حديث الغدير» روي بعدّة طرق، منها: ما روي عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقيمن، ثم قال: «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظر واكيف تخلفوني فيها؛ فإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ثم أخذ بيدي عليّ فقال: من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»(1.)قال الحاكم في مستدركه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله (2.)وقد أشار الإمام علي علیه السلام إلى هذه الحقيقة بقوله: «لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد علیهم السلام مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً، هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ وَعِمَادُ اليَقِينِ، إِلَيْهِمْ يَفِيُّ الغَالِي وَبِهِمْ يَلْحَقُ التَّالِي، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقٌّ الوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الوَصِيَّةُ وَالوِرَاثَةُ» (3.)


1) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل : 15 ، سنن الترمذي 5: 329 .

2) المستدرك على الصحيحين 3: 109 .

3) نهج البلاغة 1: 30، الخطبة: 2.

فآل محمّد عليهم السلام يقوم الدين كما يقوم البناء على أساسه، وبمقدار ما يكون الأساس قوياً محكماً ثابتاً يكون البناء راسخاً شامخاً قوياً، وآل محمّد هم أساس هذا الدين؛ فعن أيديهم كان، وهم أهله ورعاته والمدافعون عنه.. هم مبلّغوه ونلشروه وهم الذين رسخت العقيدة في نفوسهم، فكان التعبير عن نهاية الوصول إلى أرفع درجات الإيمان والعقيدة، فكانوا هم عماد اليقين من هذه الجهة، ومن جهة أنهم يرفعون الشبهات ويزيلونها من أمام الناس ويعمّقون العقيدة في قلوب الضعفاء حتّى يقووا ويشتدّوا..وأهل البيت علیهم السلام الميزان، فمن أراد أن يعرف كفره من إيمانه، وشكّه من يقينه، وعدله من ظلمه، وحقّه من باطله ، وصدقه من كذبه، وخيره من شرّه، فعليه أن ينظر إلى أهل البيت؛ فإن كانت أفعاله كأفعالهم، وأقواله كأقوالهم، وسلوكه کسلوكهم، وعقيدته كعقيدتهم، فهو الصحيح السليم على الصراط المستقيم، وإلا فعليه مراجعة حساباته وتصحيح مساره..فمن تجاوز ما قالوا وما فعلوا يجب أن يرجع إليهم، ومن قصّر عن ذلك يجب أن يلتحق بهم. وفي زيارة الجامعة الكبيرة: «فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق، والمقصّر في حقّكم ،زاهق والحق معكم وفيكم، ومنكم وإليكم، وأنتم أهلهومعدنه»(1..)لقد جعلهم النبي ،أوصياءه، وقلّدهم الأمر من بعده؛ فقال في حقّ الإمام في حديث الغدير ما قال..وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أوصيائه الذين يتولّون الأمر من بعده، فكان علي وأولاده هم ولاة الأمر، ولهم ميراث النبي؛ لأنّهم أولى الخلق به في كتاب الله وفي منطق العقل والنقل..


1) من لا يحضره الفقيه 2: 612.

ولكن كثيراً من الناس يمر عليه مرور الكرام، ومنهم المحدّثون الذين يتحرّجون من التفسير، فمن أجل حماية أنفسهم من خطأ الصحابة يقعون في خطأ أكبر عندما يحرّفون النص عن مراد النبي صلی الله علیه وآۀه وسلم ، ويحاولون أن يتأوّلوه تأويلاً بعيداً..ويمكن أن يجمع بين الأمرين بأن تصحّح الأحاديث وترى مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعدّ مخالفته كفراً، لأنّ كثيراً ما عهد النبي إلى أمّته، أو إلى الصحابة، أن لا يتقاتلوا فتقاتلوا، عليهم أن لا يتنافسوا في الدنيا فصار هناك تنافس في الدنيا، فهذه كتلك، ليس هذا أول أمر لم يمتثل فيه أمر الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، لیست مخالفة حديث الغدير المخالفة الوحيدة، وهناك اعترافات كثيرة جداً من الصحابة، بأنّه من باب الزهد، أو من باب الندم أننّا فعلنا كذا، أو ليتنا ما فعلنا كذا، حتّى أنّ بعض الصحابة قال: كلّنا تغيّرنا إلّا فلان أو فلان، يعني: التغيّر حصل مع عهدة النبي لهم أن لا يغيروا، أن لا يتقاتلوا، أن لا يتنافسوا!فخطأ فادح في مسألة التمجيد الكبير، مثل أحاديث التبشير بالجنّة؛ هذا الحديث اختلف فيه، حتّى من أهل الحديث، فهو حديث آحاد تخالفه أحاديث متواترة، وليس في الصحيحين والناس يظنونه فيها، لماذا يقول أبو عبيدة بن جراح: ليتني كنت كذا، وليتني أكون جذعاً يذبحني أهلي (1؟ فإذا كان يعرف أنّه في الجنّة لماذا يتمنّى أن يكون هكذا؟ وكذلك كانت لأبي بكر تمنّيات هائلة، فليس هناك عشرة مبشرون بالجنّة والغلوّ فيهم مشكلة.)إنّ كلّ السلطات التي حكمت المسلمين، من معاوية بن أبي سفيان حتّى مجيء هولاكو، كانت معادية لآل البيت النبوي، ففي التاريخ الإسلامي كثير من المناسبات وغدير خم واحد من المناسبات البالغة الأهمية، لكن معاوية بن أبي سفيان، وغيره من الطغاة، لم يسمحوا بالاحتفال بغدير خم، بل أمر معاوية بلعن أبي تراب على


1) أسد الغابة 3: 86 .

المنابر، حتّى خُيّل للناس في بلاد الشام أنّ ذلك جزء من العقيدة، والذي فعله فيما بعد بنو العباس في آل البيت لا يقل وحشية عن ذلك.وعلى نفس المنهج يُحمل قول الأصمعي الذي قال: لم يولد بغدير خم أحد فعاش إلى أن يحتلم إلا أن يحول منها (1.)فهذا المكان الذي وقف فيه النبي ونزلت فيه أعظم آية (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأَسْلامَ دِيناً ،(2)تحوّل إلى مكان منحوسلا يولد به أحد إلّا مات قبل أن يحتلم، فهل هذه ببركة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ؟!)والذي يرجع إلى الأصمعي يجد أنّه كان أديباً فيه نصب، ويعبّر عن ابن تيميةبأنّه كان أديب أهل السنّة، ومعنى هذا: أنّه متحمّس فى الرد على الشيعة، وهذا القول الذي قاله الأصمعي غير صحيح، وذلك لأنّ موقع غدير خم لم يكن فيها سكان إلى اليوم حتّى يقول بأنّه ما عاش فيها أحد فبلغ الحلم إلّا مات، وجعل خم موطناً مشؤوماً مع أنّها مكان آخر وصية أوصى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فغدير خم موطن مبارك، وقف فيه النبي صلی الله علیه وآله وسلم وخاطب أمّته، وأوصاهم وصيّة جامعة، وهذا المكان فيه انقطعت الرسالة وبدأت فيه مسؤولية البشر، انقطعت فيه مهمة السماء وبقيت مهمة الإنسان على الأرض.والدليل على خوفهم من تراث النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه المنتجبين لا يتمثّل في الغدير وحسب، بل إنّ البيت الذي ولد فيه النبي غير موجود، وكذا البيت الذي سكن به مع خديجة وليس هناك ما يدل على الشعب الذي حوصر فيه بنو هاشم، وغار حراء ممنوع الصعود له وأنّه شرك، وغير ذلك.يتضح من كلّ ذلك أنّ هناك تشدّد في الحيلولة بين المسلمين وبين معرفة


1) لسان العرب 8: 379 .

2) المائدة (5): 3.

تاريخهم.ويعود السبب في ذلك إلى أنّ هذه الآثار تدلّ على مواقع الحق، وفي التاريخ شواهد على ذلك؛ فإنّ الحجاج بن يوسف الثقفي لما حضر في مكّة ورأى مقام إبراهيم أراد أن يضع رجله فمنعه محمّد بن الحنفية، فهذه الطبائع الجافية التي ترجّح الخليفة عبد الملك على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، واحتجّ بأنّ رسول الرجل إلى أهله أقلّ من خليفته في أهله ، فقاس على ذلك، قال: إذاً خليفته عبد الملك أعظم من رسوله، يعني: رسول الله محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.فهذه الترعة الجافّة الجافية مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم استمرّت في جماعة يدّعون الإسلام والإيمان برسول الله ، وينطقون الشهادتين ويشهدون أنّ محمّداً رسول الله، لكنهم لا يرضون ببقاء آثاره والتعظيم والعناية بها.فالملفت للنظر أنّه لا توجد أمّة إلى الآن تتنكّر لماضيها ولرسالتها الإسلامية كما هو موجود في مكّة والمدينة؛ فأبنية شاهقة تحيط بالمسجد الحرام، والمسجد النبوي.. لم يتركو اللمسلمين حرية التنفّس، أو لتصوّر كيف كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه، وكيف كانت تُعقد الرايات !إنّ ما يجري هو استمرار لسياسة معاوية وأبي جعفر المنصور وعبد الملك بن مروان والحجّاج، فينبغي تعريف المسلمين بكلّ مكان وقف به النبي أو أهل بيته أو أصحابه، أو حدثت به حادثة ما، وبالخصوص محل واقعة الغدير، التي لو كانت الأمّة التزمت بما جاء فيها من أوامر نبوية لكان حالها غير الحال الذي هي عليه.الاطّلاع على خفايا بعض الأمور يؤدي إلى اتّباع الحقّ:الاطّلاع على مكانة المعالم الإسلامية المرتبطة بالرسول الأكرم وأهل البيت علیهم السلام عند السلفيين - وخاصّة لمن زار الحرمين الشريفين - يدعو الباحث للتأمل في سبب هجرانهم للكثير منها وهدمهم لبعضها.

من الواضح أنّهم يرومون من وراء ذلك قطع صلة المسلمين بما يرتبط من ماضيهم بسيرة الرسول الأكرم وأهل البيت علیهم السلام، ليتمكّنوا من خلال ذلك أن يرفعوا من شأن من لم يرسم له التاريخ وجهاً مشرّفاً في زمن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم .ولكنّهم غفلوا عن أنَّ من كان دأبه البحث بالدليل والبرهان لا يتأثّر بمثل تلك الأفعال، ك- «ناتوفا» الذي سار به دليله إلى الاعتراف بأفضلية أمير المؤمنين بالنسبة لغيره من الصحابة.يقول «ناتوفا»: بعد اطّلاعي على أحقّيته علیه السلام من غيره للخلافة والإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم استبصرت، واعتنقت مذهب أهل البيت علیهم السلام ، وكان ذلك قبل عام 1425ه- في مدينة «تاناناريف» عاصمة مدغشقر (1.)


1) زار المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية»، وله ملف خاص في المركز، ذكر فيه أدلّة الاستبصار بالتفصيل.

## (32 أحمد إدريس)(سنّی / مصر)نشأ في «مصر» في أجواء سنّية المذهب، نال شهادة «الماجستير» بعد تخطّي مراحل الدراسات الأكاديمية، وهو يعمل في تدوين المقالات في إحدى الصحف.كان «أحمد» من العاكفين - وبجدّ - على البحث والتحقيق، وكان غالباً ما يحبّذ البحث في المسائل العقائدية، لما لها من أهمية في حياة الإنسان، ما دفعه إلى النظر والتأمّل في معتقدات باقي الانتماءات المذهبية المعتقدات التي بنوا عليها مبانيهم الدينية، وعملوا بالفروع بالاتكاء عليها.وقفة مع المباحث العقائدية وأهمّيتها:إذا أردنا البحث عن أهمية العقائد لابدّ لنا أوّلاً من تعريف هذه الكلمة ومعرفة مفرداتها، كي يتسنّى لنا الوصول إلى أهمّيتها وعلوّ خطرها.الاعتقاد هو النهج الذي يتّبعه فكر الإنسان للوصول إلى السعادة والكمال الذي يرسمه ذلك المنهج.والأعمال التي تترتّب على هذه الاعتقادات وتقع نتيجتها في الخارج تسمّى ب-«فروع» ذلك المعتقد..فعلى سبيل المثال: إذا اعتقد الإنسان بأنّ الجنة والنار حقّ - وكان ممّن يعير لاعتقاده أهميّة - فإنّه لا محالة يكفّ عن العمل بالمحرّمات، ويسعى لأن يؤدّي ما كلّف به من الواجبات التي تقرّبه من الله سبحانه وتعالى.

ثم إنَّ أهمية الاعتقادات تكمن في غايتها التي يرسمها منشىء ومؤسّس ذلك المعتقد، فتارة تكون الغاية: الوصول إلى الكمال والسعادة في هذه الدنيا فقط، فباعتقاد هذا الفكر تنتهي الحياة المادية بانتهاء العمر، وهذا ما يكون غالباً في المكاتب المادِّية، التي تنشأ على إنكار ما وراء الطبيعة الملموسة، وتقول ب-«أنّ المحسوس هو الموجود» لا غير؛ فإنّهم ينكرون الخالق والآخرة لعدم دركهم لهما حسّیاً.وتارة أُخرى تتّسع الغاية في الوصول إلى الكمال والحياة الطيّبة، فتشمل هذه الدنيا والحياة التي تليها بعد الموت؛ فإنّ القائل بهذا المعتقد يرى أنّ هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وقد أجاد من قال: الدنيا متجر أولياء الله؛ فإنّ الصالحين يتّخذون منها محلاً لتجارتهم، وأي تجارة أفضل من هذه؟! (تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (1).)ثم البحث في أنّ الإنسان - وللوصول إلى هذه الغاية - يجب أن يتّبع أيّ الطرق؛ هل كلّ من يدّعي أنّه يوصل الإنسان إلى السعادة الأبدية في الدارين جدير بأن يُتَّبع ؟أم أنّه يجب أن تكون فيه خصائص يمتاز بها عمّن سواه ممن يدّعي هذا الادّعاء.من كلّ ذلك تتّضح ضرورة النظر في المعتقد الذي يتعبّد الإنسان به.صمود التشيّع أمام التيارات الأخرى:توصّل «أحمد» من خلال بحثه إلى أن الكثير من المعتقدات - حتّى عند بعض المسلمين - ليست بمستوى من الاستحكام والصمود ، لذا قرّر البحث بجدّية عن أحقّية هذه المذاهب ليتّبع ما يبرىء به ذمّته أمام الله عزّ وجلّ، وبعد البحث والتحقيق توصّل إلى أحقية المذهب الشيعي، فاعتنقه، وتمسّك بولاية أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين علیهم السلام(2.)


1) الصف (61): 10.

2) للمستبصر ملف في المركز، دوّنت فيه أدلّة استبصاره وشهادته العلمية، وغير ذلك.

## (33 أحمد البحراوي)(سنّی / مصر)ولد في مدينة دمنهور» الواقعة في شمال «مصر» في أجواء سنّية المذهب، واصل «أحمد» دراسته الأكاديمية إلى أن دخل كلّية الصيدلة.بعد أن أحسّ «أحمد» بأنّ العقيدة السائدة في مجتمعه لا تلبيّ احتياجاته العقائدية بدأ ببحث الرؤى الإسلامية الأخرى.من خلال بحثه على شبكة الإنترنيت وقع نظر «أحمد» على موقع مركز الأبحاث العقائدية، الأمر الذي هوّن له طريق البحث والتحقيق..يقول «أحمد»: من خلال قراءتي لكتب هذا الموقع الذي أعتبره الموقع الأوّل على مستوى المواقع الشيعية، ومن خلال البحث عن الحقيقة تبيّن لي الحق (1.)موقع aqaed.com:هو أحد المواقع الشيعية التي أخذت على عاتقها بيان الأسس العقائدية التي بني عليها مذهب أهل البيت علیهم السلام، و من أهم الأقسام الموجودة في هذا الموقع قسم «الأسئلة والأجوبة»؛ فقد بذل علماء الشيعة جهدهم الجهيد في سبيل الإجابة على الشبهات العقائدية التي أوردتها شتّى الفرق والملل، وقد أجابوا على كثير من هذه


1) المستبصر على تواصل مع المركز من خلال شبكة الانترنيت.

الأسئلة، إلّا أنّ هذه الإجابات حُرِّرت في كتب مختلفة وبصيغ حوزوية وعلمية بحتة، ما جعلها بعيدة عن فهم غير ذوي الاختصاص.ومن هنا قام مركز الأبحاث العقائدية بتشكيل لجنة لجمع هذه الأسئلة والأجوبة من الكتاب الواحد، أو الكتب المختلفة، ثم قام بإعادة صياغتها بلغة عصرية قدر الإمكان، وتم عرضها على هذا الموقع لتيسير استفادة العموم منها.وقد طبعت هذه الأسئلة والأجوبة في موسوعة بعنوان: موسوعة الأسئلة العقائدية.ويمكن للمراجع أن يقوم بطرح الأسئلة التي تجول في ذهنه في المجال العقائدي في هذا القسم.كما يتسنّى للمراجع أن يزور المكتبة العقائدية التخصّصية في هذا الموقع، والتي تحتوي على الكتب والمؤلّفات التي دوّنت في المجال العقائدي، وخاصّة ما ألفه المستبصرون في مجال ما تأثّروا به في طريق الاستبصار.وهناك قسم آخر في الموقع يهتم ب- «المستبصرين»، تُذكر فيه تُبَذُ من سِيرَهم إن أجازوا ذلك، كما يتم إدراج مساهماتهم التي دوّنوها وأعلنوا فيها عن استبصارهم، فبعض منها مكتوب والبعض الآخر مدرج في الموقع على شكل ملف مرئي. قسم الندوات العقائدية» أيضاً أحد الأقسام المهمة في الموقع، ويمكن م--ن خلال هذا القسم مشاهدة المحاضرات التي ألقاها علماء الدين وفضلاء الحوزة العلمية في المركز لعدة سنين، كما يمكن تحميل تلك الندوات صوتياً ومرئياً.«التعريف بالمواقع الشيعية ك: مواقع المرجعيات الدينية، فضلاء الحوزة العلمية، الشبكات الجامعات والمعاهد الصحف والمجلات، وكالات الأنباء، المراكز والمؤسسات التي يديرها الشيعة في سائر أرجاء الأرض، هو قسم آخر في الموقع.

كما يوجد قسم باسم «الشيعة في العالم»، حيث ذكرت الدول التي يتواجد فيها أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام والإحصائيات التي أجريت هناك عن عددهم ونشاطاتهم، إمّا من قبل المستبصرين أنفسهم، أو من قبل الجهات الرسمية. ويتم تحديث هذا القسم والأقسام الأخرى من الموقع باستمرار من قبل لجنة خاصة.تغيير الانتماء المذهبي :بعد أن منّ الله على «أحمد» وفتح أمامه آفاق البحث والتحقيق، وبعد أن تبينّت له الحقيقة بأجلى صورها قرّر الاستبصار وتغيير انتماءه المذهبي، فأعلن عن استبصاره عام 1426 ه- ( 2006م.)

## (34 أحمد راسم النفيس)(سنّی / مصر)![216-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/216_13.jpg "image title")مرّت ترجمته في :(2: (51) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً.)بذل «أحمد» بعد مرحلة الاستبصار جلّ جهده لنشر فكر أهل البيت علیهم السلام من خلال كتابة الكتب وتدوين المقالات، كما دخل مجال الإنترنيت والإعلام بكلّ جدية، ليرد الشبهات المثارة ضد المذهب الشيعي، ويرصن عقائد أتباع هذا المذهب بالدليل والبرهان.مؤلّفاته :1 - الطريق إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام :صدر عن مركز الغدير في بيروت عام 1418 ه-- على خطى الحسين علیه السلام:هو الآخر صدر عن مركز الغدير نفس العام، وقد أشير إلى موضوع الكتابين وسبب تأليفهما في ترجمته في المجلد الثاني من هذه الموسوعة.3 - الجَمَل ومسيرة المصائب والنكبات التي لحقت بالأمّة الإسلامية: صدر سنة 2008م.)4 - علي بن أبي طالب علیه السلام والعدالة الاجتماعية:

قام المؤلّف بعرضه في مؤتمر الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام بطهران عام 2001م.5 - المصريون والتشيّع الممنوع:صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت.يتحدّث الكتاب عن التدمير الثقافي والحضاري الذي تعرّضت له مصر على يد صلاح الدين الأيوبي، وكيف أنّه دمّر مكتبة القاهرة التي حوت مليون وستمائة ألف كتاب، وعشرات المخترعات التي سبق المسلمون بها العالم قبل 800 عام من الآن، وغيرها من الجرائم التي لا يتصوّرها عقل، ومن بينها: أنّه هدم أهرامات الجيزة، وأخذ أحجارها لبناء القلعة.6 - المهدي المنتظر علیه السلام ومعركة تحرير القدس:صدر في مصر عام 2002م.وجاء في مقدّمة المؤلّف عن سبب تأليفه للكتاب:لقد كان تطوّر الأحداث الأخيرة ،وتدافعها، والتهديدات التي تتعرّض لها الأمّة الإسلامية صباح مساء دافعاً لكتابة هذه السطور؛ لنوجّه رسالة تقول: (أصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله (1).)اصبروا على أداء واجباتكم، وصابروا عدوّكم اللعين، ورابطوا في انتظار إمامكم الموعود: (في يضع سِنِينَ الله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ اللَّه وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (2).)وبقي أن نقول: أنّ أمام المسلمين الكثير والكثير من الجهد والجهاد الذي يتعيّن


1) آل عمران (3): 200.

2) الروم (30): 4 - 7.

عليهم القيام به، ليخرجوا من ورطة وكارثة هي من صنع أيديهم، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ (1). ويضم الكتاب بين دفّتيه عدّة مواضيع، منها:

•

حديث عن الوعد الإلهي.

•

من هو المهدي المنتظر؟

•

المنهج الإسلامي وفلسفة الانتظار.

•

الظهور المبارك ومراحله.

•

تأمّلات حول طبيعة الصراع.

7 - التحكيم (قراءة في الفقه التاريخي للأمّة الإسلامية):

صدر عام 2003م

• نقض الوهّابية:

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت ودار المحروسة في القاهرة.

وهو مناقشة لكتاب التوحيد والرد على الرافضة»، و«رسائل ابن عبد الوهاب».

9 - بيت العنكبوت:

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت.

يقول المؤلّف عن هذا الكتاب:

يمتاز بيت العنكبوت بصفتين:

الصفة الأولى هو بنائه الضعيف، الذي يمكن له أن ينهار لدى أوّل هبة ريح تطاله، فتجعل منه أثراً بعد عين.


1) الشورى (42): 30 .

والصفة الثانية: افتقاده لنقطة البدء والمنتهى، فلا يمكن للمتأمّل فيه وفي أحواله أن يعرف أين وكيف بدأ، ولا كيف ينتهي.

هكذا يحدث عندما تتشابك الخيوط وتطلسم الطلاسم، فيختلط الحابل بالنابل، ويخفى على المرء وجه الخطأ والصواب والحق والباطل، كما هو حالنا الآن.

.. لهذه الأسباب قرّرنا أن نفتح باب النقاش حول أحد التابوهات الموروثة في ثقافتنا، والقائلة بأنّ البخاري ومسلم هما أصحّ الكتب بعد كتاب الله عزّ وجلّ، وأنّ من يتجرّأ على مناقشة هذه الحتمية الوهمية هو منكر للسنّة النبويّة، ومنكر السنّة زنديق وكافر !!

وقبل أن نخوض في الملحمة التاريخية التراثية نؤكّد على أننا لا ننكر صحّة ما ورد في هذه الكتب بصورة مطلقة، بل نؤكّد على أنّ هذه الكتب بها الصحيح والضعيف، وبها خلط متعمّد وعشوائي بين ما له أصل وما ليس له أصل، وأنّ عملية الخلط هذه جاءت في إطار خطة أمويّة، مازالت متواصلة حتى الآن، هدفت إلى إقصاء أئمة أهل البيت علیهم السلام ، وتقديم تصوّر إسلامي بديل» يفسح المجال لهيمنة القوى المتسلّطة على رقاب الناس باسم الدين والدين منهم ومن خلطهم وتلبيسهم براء.

10 - المسير والمصير (رحلتي مع الشيعة):

صدر عن دار المحروسة في القاهرة ودار المحجّة البيضاء في بيروت.

يعدّد المؤلّف فيه الأصول الاعتقادية لمذهب أهل البيت علیهم السلام ، ويبحث مسألة الإمامة وفق الرؤية الشيعية واستناداً لآية التطهير، وآية ذوي القربى، وأنّ أهل البيت علیهم السلام هم المصطفون من قبل الله سبحانه وتعالى ، كما يبحث في الفصل الأخير الاحلام منه خطبة الوداع، ويستدل بها على معتقد الشيعة في مسألة الولاية.

11 - على بن أبي طالب علیه السلام وأخلاقيات السياسة:

صدر عن دار المحروسة بالقاهرة.

12 -شرح دعاء السحر للإمام السجاد علیه السلام:

وهو شرح لطيف وأدبي لدعاء السحر، المروي عن ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد علیه السلام.

يقول المؤلّف في افتتاحية شرحه للدعاء:

أشبه ما يكون بالارتماء تحت أقدام الملك الجبّار... الباب مغلق، انفتح بالدعاء: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )(2).

ارتمى الداعي بين يدي جبّار السماوات والأرض خاشعاً خاضعاً متذلّلاً يطلب الأمان ومهلة للاستماع...

ومن هنا جاء الافتتاح بتلك الصرخة الوالهة.

إلهي لا تؤدبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك.

من أين لي الخير ولا يوجد إلّا من عندك ؟؟

ومن أين لى النجاة ولا تستطاع إلّا بك (3)؟؟

13 - الجماعات الإسلامية (محاولة استمساخ الأمّة الإسلامية):

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت عام 2005م.

رغم أنّ الكثيرين يرون في الجماعات الإسلامية، كالإخوان المسلمين، مشروعاً لإنقاذ الإسلام والمسلمين من الجهل والتخلّف، ودفعهم نحو الحضارة والرقي والتقدّم ، إلّا أنّ التجربة التي عاشها المؤلّف مع هذه الجماعة دفعته لتأليف هذا


1) غافر (40): 60.

2) البقرة (2): 186 .

3) الكتاب موجود على صفحة المركز على الإنترنيت www.aqaed.com .

الكتاب في نقد مبادئهم، وهي تجربة معايشته لهم معايشة مباشرة لمدة تسعة أعوام، من عام 1976م وحتى عام 1985م، والتي انتهت بانفصاله عن تلك الجماعة ومشروعها المستحيل بإعادة تأسيس الأُمة الإسلامية أو استنساخها، وبعبارة أُخرى كان مشروعها الحقيق: استمساخ الأمة الإسلامية، فالكائن الجديد هو مسخ لا هو ولا غيره .

14 نفحات من السيرة (موجز لسيرة الرسول وأهل البيت علیهم السلام ):

جاء في تعريف المؤلّف للكتاب:

قراءة متكاملة ما زالت الحاجة مستمرّة إليها لدى المسلمين؛ لقراءة السنّة النبويّة قراءة متأنيّة ومتكاملة.

ومن هنا تأتي أهميّة هذا الكتاب الذي يتعرّض السيرة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بصورة كاملة، والتكامل هنا يأتي من ضرورة إلحاقها بسيرة الأئمّة من آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، الثقل الثاني، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين عناهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله المتواتر: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّها لن يتفرّقا حتّى يردا علي الحوض»(1).

وقد كتبت مؤسّسة البلاغ مقدّمة لهذا الكتاب، وصدر بحلّة لطيفة في خمسة عشر فصلاً:

فصل لكلّ من المعصومين علیهم السلام ، وفصلين يختصّان بأمير المؤمنين علیه السلام.

ويشتمل كلّ من الفصول المختصّة بأحد المعصومين على عدّة نقاط :

•

منزلة المعصوم ومكانته.

•

ملامح شخصية المعصوم.

دور المعصوم في مقارعة الظلم والسلطة الحاكمة.


1) راجع: مسند أحمد 3: 14، سنن الترمذي 5: 329، المستدرك على الصحيحين 3: 109.

الأنشطة التي قام بها كل من المعصومين حسب الظروف المحيطة بهم.

• كيفية استشهاده.

15 - الشيعة والتشيّع لأهل البيت علیهم السلام :

صدر عن مكتبة الشروق الدولية عام 2006م.

16 - الشيعة في العراق بين الجذور الراسخة والواقع المتغيّر):

صدر عن دار المحروسة في القاهرة.

17 - عندما يحكم العبيد:

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت.

18 - القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية:

أقدم القرضاوي على تأليف كتاب سماه: «تاريخنا المفترى عليه»، سجّل فيه المعلومات والحوادث الواقعة في الصدر الأول وما يليه وفق رؤيته الم-بتنية على عدالة قسم خاص من الصحابة، وتحصينهم ممّا ينسبه التاريخ إليهم.

وقد قام العديد من المؤرّخين بمناقشة هذا الكتاب، ومنهم: أحمد راسم النفيس؛ إذ ألف الكتاب المذكور في ردّ ادّعاءات القرضاوي، فوضعها قيد البحث بموضوعية؛ ليتّضح للباحث مدى صدقه ومراعاته للأمانة العلمية.

ويحتوي هذا الكتاب على عدّة فصول، منها:

•

القرآن بين التأويل والفهم الحرفي.

•

كيف فرضت العقيدة الأشعرية على المسلمين؟

•

لصالح من يدافع الشيخ عن تاريخنا؟

•

كيف تحوّلت تهمة قتل عثمان إلى أداة لتصفية الشيعة.

•

الدولة الأموية والعنف الدموي.

•

الشيخ القرضاوي محامي بني أُميّة.

•

العبّاسيون والتاريخ.

•

المفترون يتحدثون.

•

تزييف الوعي الجمعي للأمّة والإبادة الجماعية.

19 - الشيعة والثورة ما بعد استشهاد الإمام الحسين علیه السلام ) :

يستعرض هذا الكتاب الثورات الشيعية التي نهضت في مواجهة الطغيان الأموي في الفترة التي تلت استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام وحتّى سقوط هذه الدولة، كما أنّه ومن خلال تحليل هذه الثورات يبرز الفارق الواضح بين التحرّك الشيعي الثوري وحركات الخوارج التي ما زالت توالي تكاثرها منذ ذلك العهد الأوّل وحتى عصرنا الراهن، ومن جهة أخرى يثبت زيف محاولة الربط بين الشيعة والإرهاب العشوائي الذي يستهدف الأبرياء بكل صوره

وأشكاله.

20 - المسلمون والآخر.

21 - النبوّة في نهج البلاغة:

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت عام 2010م.

هذا الكتاب ليس كتاباً تقليدياً يحكي سيرة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، بل هو قراءة في الرؤية العلويّة للسيرة المحمّديّة العطرة، تبدو ضرورية وبالغة الأهمية وسط ذلك الجدل القديم الجديد بشأن النبوّة، كتبها المؤلّف وسط الضجّة المثارة حول الإساءات الموجهة للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم من الصحافة الدانماركية؛ إذ رأى أنّه من الضروري أن يقدم تلك الرؤية المركزية المتفقة مع السياق القرآني للنبوّات بصورة عامّة.

22 - علي بن أبي طالب علیه السلام المفسّراً للقرآن

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت عام 2010م.

ويشتمل هذا الكتاب على عدّة مباحث:

•

القرآن في مدرسة أهل البيت علهیم السلام.

•

القرآن والإنسان.

•

رجال الله.

•

رجال الشيطان.

•

الفتنة وأبناؤها.

•

علي بن أبي طالب علیه السلام مفسراً للقرآن.

•

العقيدة.

23 - من أسّس لثقافة العنف (دراسة في أيديولوجية العنف السياسي للجماعات الدينيّة المعاصرة).

24 الفاطميون والقدس:

صدر عن دار المحجّة البيضاء في بيروت عام 2010م.

يتحدّث فيه المؤلّف عن جهاد الفاطمييّن في مواجهة الغزو الصليبي، متطرّقاً إلى الأوضاع السياسية في القدس والشام عقب ظهور الفاطميين، ومتحدثاً عن «تزيمكس» ودوره في الهجوم الصليبي، ومعلّقاً على رسالته إلى «آشوط الثالث». كما توقّف عند الأوضاع الاجتماعية في عهد الظاهر الفاطمي، وانتشار الفاطمييّن ليصلوا إلى إيطاليا، وتحدّث عن حكم السلاجقة في بغداد، وهجومهم على القدس، الذي اضطر الفاطميون إلى التصدّي لهم والدفاع عن الأرض المقدّسة، وغيرها من الأحداث التاريخية الحاصلة آنذاك.

وقفة في كتابه «الجمل ومسيرة المصائب

والنكبات التي لحقت بالأُمّة الإسلامية»

الجمل لم يكن يوماً ما مجرّد دابّة ركبها البعض ساعياً من أجل تحقيق هدف يبعد عن الحقّ والصواب، إنّما هو رمز وعلامة على طريقة تفكير وأُسلوب في المصير، وكما يوضّح المؤلّف في كتابه هذا: أنّ أهمّ دليل تشبّث به من قاتل الإمام علي علیه السلام في واقعة الجمل كان الثأر لمقتل عثمان بن عفّان.. لكن من الضروري أن نبحث موقف المناوئين للإمام علیه السلام والثائرين لعثمان حين تعرّض عثمان للحصر ثمّ القتل.

1 - دور معاوية في قتل عثمان :

يقول المؤلّف في هذا المجال:

• قلنا من قبل: أنّ عثمان بن عفّان كان نصف أُموي ونصف شوروي، وإن كانت عملية الشورى التي جاءت به معيبة ومبرمجة سلفاً لتعطي هذه النتائج، لا فارق بين (ديمقراطيات) العالم الإسلامي القديمة أو المعاصرة..

فالديمقراطية الحقيقية لابد أن تنطلق من مقدمات صحيحة تتعلّق بوعى الأمّة الأخلاقي والسياسي بما يضرّها وينفعها، سواء على المستوى الفكري، أو على مستوى التنظيمات والجماعات السياسية الفاعلة في الساحة، ومدى احترامها

للقواعد الأخلاقية والسياسية للحياة السياسية، بالإضافة إلى منظومة الأفكار التي تتبنّاها تلك الأحزاب والجماعات.

والتاريخ القديم والمعاصر شاهد على إمكانية إقناع الجماهير بالشيء ونقيضه، فليست الديمقراطية هي مجرّد إعطاء الجماهير حقّ التصويت والاقتراع، وإنمّا الأهم من هذا: إعطاؤها الوعي الفكري والسياسي والأخلاقي الصحيح، ثمّ إلزام جميع أطراف اللعبة السياسية بعدم التآمر أو اللعب على المكشوف.

ولكن إذا كان لنا أن نختار بين ديمقراطية منقوصة وديكتاتورية تسلّطية أموية، اخترنا الديمقراطية المنقوصة.

من هنا كان السباق بين معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يريد عثمان بن عفّان قتيلاً، ليطالب هو بدمه، وبين الإمام علي علیه السلام ، الذي يسعى لتحقيق إصلاح سياسي سلمي، أو نهاية سلمية لتلك الحقبة الأموية المظلمة، سداً لأبواب الفتن والشرور المخزونة لدى بني امية.

كان ابن آكلة الأكباد متربّصاً كالضبع لسقوط الفريسة بين أسنانه، بل كان يسعى لتعجيل سقوط عثمان فريسة للثوّار، وفريسة لسوء تصرفه، وفريسة المستشاريه الجهلة الذين أشاروا إليه بما ذكره التاريخ، ولم يكن من بين نصائحهم نصيحة واحدة يمكن أن تردّ السيل عن أدراجه، أو تُسهم في تحسين الأوضاع المنهارة.

ثمّ جاءت القرارات التي اتّخذها عثمان بن عفّان في مستوى تلك التوصيات، حيث عجز أغلب عمّاله، مثل: سعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد، عن العودة إلى مقار أعمالهم، وجرى طردهم بشكل مهين إلى من أرسلهم بالمدينة المنوّرة، باستثناء شخص واحد، هو معاوية بن أبي سفيان، الذي أقام في الشام ما يشبه الحكم الذاتي و تمددت سلطته وسط تغافل عثمان عن مظالم عمّاله ، ونقمته على خير المسلمين، مثل:

عبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وأبي ذر.

كان ابن آكلة الأكباد يتمدّد ويتمدّد في الشام بينما هو ينكمش وينكمش في عاصمة الخلافة الإسلامية تمهيدا للانتكاسة الفاصلة.

خرج معاوية بن أبي سفيان عائداً إلى الشام بعد انتهاء ذلك الاجتماع، وفي طريق سفره مرّ على نفر من المهاجرين فيهم أمير المؤمنين على علیه السلام وطلحة والزبير، وعليه ثياب سفره خارجاً إلى الشام، فقام عليهم قائلاً:

إنّكم تعلمون أنّ هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتّى بعث الله نبيّه فتفاضلوا بالسابقة والقدم والجهاد، فإن أخذوا بذلك، فالأمر أمرهم والناس لهم تبع، وإن طلبوا الدنيا بالتغالب، سُلبوا ذلك وردّه الله إلى غيرهم، وإنّ الله على البدل لقادر، وإني قد خلّفت فيكم شيخنا، فاستوصوا به خيراً، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم مضى(1).

قال ابن أبي الحديد: من هذا اليوم أنشب معاوية أظفاره في الخلافة؛ لأنّه غلب على ظنّه قتل عثمان، ورأى أنّ الشام بيده وأنّ أهلها يطيعونه، وأنّ له حجّة يحتجّ بها عليهم، ويجعلها ذريعة إلى غرضه، وهي: قتل عثمان إذا قتل، وأنّه ليس في أمراء عثمان أقوى ولا أقدر منه على تدبير الجيوش واستمالة العرب، فبنى أمره من هذا اليوم على الطمع في الخلافة..

ألا ترى قوله لصعصعة بن صوحان من قبل: أنّه ليس أحد أقوى منّي على الإمارة، وإنّ عمر استعملني ورضي سيرتي؟!

أولا ترى إلى قوله للمهاجرين الأوّلين إن شرعتم في أخذها بالتغالب وملتم على هذا الشيخ، أخرجها الله منكم إلى غيركم، وهو على الاستبدال لقادر ؟!


1) الكامل في التاريخ 3 :158 .

وإنما كان يعني نفسه، وهو يكنّي عنها، ولهذا تربّص بنصرة عثمان لما استنصره ولم يبعث إليه أحداً(1).

والمهم في هذا التحليل العميق الذي أورده ابن أبي الحديد: أنّ ابن آكلة الأكباد كان يريد أن لا تنتهي أزمة عثمان بن عفّان سلياً، لا بخلعه ولا بوفاته، بل كان يريده مقتولاً؛ لأنّ هذا يوفّر له مادّة قانونية للمنازعة على السلطة، كونه ولي دم الخليفة القتيل، ولذا لوّح بالحديث عن الغلبة والتغالب والاستبدال..

وهنا كانت خطورة الموقف، ولهذا حاول الإمام علي علیه السلام إيجاد حلّ سلمي للأزمة السياسية التي ضربت كيان الأمة الإسلامية، ومهدّت لبزوغ نجم الشيطان الأموي.

ومن هنا حاول البعض أن يستخلص من ذلك الموقف العلوي نوعاً من النصرة والتعاطف مع الخليفة (المظلوم)، ولم يكن هذا الاستنتاج صحيحاً بأي حال من الأحوال، بل كان الإمام علي علیه السلام يحاول أن يمنع عثمان بن عفان عن التمادي في ظلمه، ولكن هيهات هيهات فقد كان الرجل يسعى إلى حتفه بظلفه.

وخير دليل على هذا السعي هو : ترحيبه بنصيحة مستشار السوء سعيد بن العاص، حينما أشار عليه بقتل المعارضين والمتذمرين، فقال: إنّ هذا هو الرأي لولا ما فيه (2).

2 - الحزب التيميّ ومقتل عثمان :

بعد ذكر المؤلّف لسياسة معاوية في النأي بالنفس عن مساندة عثمان عسكرياً، وتأجيج النيران من حوله، أملاً أن تنتهي المعركة بقتله، يبدأ ببيان موقف ما يسمّيه


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 139.

2) تاريخ الطبري 3: 373 .

بالحزب التيمي من تلك الواقعة، فيقول:

لم يكن الحزب الأموي وحده في ميدان الفتنة، بل كان هناك الحزب التيمي الذي تكوّنت أركانه حول عائشة بنت أبي بكر، التي كانت تطمح أن تتواصل الخلافة التيمية، التي بدأت بأبيها، وأن لها أن تستمر من خلال طلحة بن عبيد التيمي هو الآخر.

كان ذلك الحزب يمنّي نفسه بالقفز إلى سدّة الخلافة فوق القاعدة الشعبية المعادية والساخطة على الخليفة الثالث، والمتحفّزة لقتله في أي لحظة، والواقع يقول: أنّ تلك القاعدة كانت متلهفة إلى قيادة علي بن أبي طالب علیه السلام، بينما كان ابن آكلة الأكباد يعتمد على ما يمتلكه من قوة عسكرية حشدها بالشام، وقاعدة شعبية جاهلة لم تعرف سواه منذ أن دخلت الإسلام.

إذاً فالحزب التيمي كان يراهن على نفس القوى التي التفّت حول الإمام علیه السلام في صحوة مفاجئة للوعي، تمالا هؤلاء بعد ذلك من أجل القضاء عليها قضاءً مبرماً إلى يومنا هذا:

يروي ابن جرير الطبري: عن ابن عبّاس قال: لمّا حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور، مررت بعائشة بالصلصل فقالت يا ابن عباس أنشدك الله فإنّك أعطيت فهماً ولساناً وعقلاً، أن لا تخدّل الناس عن طلحة؛ فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان وأتّهجت ورفعت لهم المنابر ، وتجلبوا من البلدان لأمر عظيم قد حمّ، وإنّ طلحة قد اتّخذ رجالاً على بيوت الأموال ، وأخذ مفاتيح الخزائن، وأظنّه يسير إن شاء الله بسيرة ابن عمّه أبي بكر.

فقال: يا أُمه! لو حدث بالرجل حدث، ما فزع الناس إلّا إلى صاحبنا.

فقالت : إيهاً عنك يا ابن عبّاس، إنّي لست أريد مكابرتك، ولا مجادلتك (1).

... تكشف هذه الرواية عن جانب من الدور الذي لعبه طلحة بن عبيد الله في الاستيلاء على بيت مال المسلمين، وهو الأمر الذي ذكرته عائشة بقولها: إنّ الأمر قد حُمّ، وإنّ طلحة اتّخذ رجالاً على بيوت الأموال، أي: أنّها كانت عارفة وراضية بهذا المسلك، آملةً أن تصل السلطة إلى ابن العم طلحة (ذي الأصبع)، الذي كان يرى نفسه أهلاً لهذه المكانة؛ بسببب وضعه في لائحة الستة أصحاب الشورى من قبل عمر بن الخطاب بالرغم من وصفه له بالزهو، ذلك الزهو الذي تضاعف أضعافاً مضاعفة مع تلك الحادثة.

لذا لم يكن من الغريب أن يروي عنه ابن جرير الطبري في تاريخه: عن عبد الله بن عياش بن ربيعة قال: دخلت على عثمان بن عفّان، فتحدّثت عنده ساعة فقال: يا ابن عیاش! تعال. فأخذ بيدي، فأسمعني كلاماً من على باب عثمان، فسمعنا كلاماً، منهم من يقول: ما تنتظرون به؟؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع. فبينما أنا وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد الله، فوقف فقال: أين ابن عديس؟ فقيل:ها هو ذا. قال: فجاءه ابن عديس، فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل، ولا يخرج من عنده.

قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله. ثم قال عثمان: اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله ؛ فإنّه حمل عليَّ هؤلاء والبهم، والله إنّي لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يُسفك دمه؛ أنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له (2).

لاحظ هنا .. أنّ كلّاً من طلحة وعثمان هما من المبّشرين بالجنّة !!


1) تاريخ الطبري 3 :434 .

2) تاريخ الطبري 3: 411.

كما روى ابن أبي الحديد كان طلحة من أشد الناس تحريضاً عليه، وكان الزبير دونه في ذلك.

وروي: أنّ عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية، يعني: طلحة، أعطيته كذا وكذا بهارا(1)ذهباً، وهو يروم دمي، يحرض على نفسي، اللهم لا تمتعه به - يعني لا تمتّعه بذهب المسلمين - ولقه عواقب بغيه.

وروي أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس، يرمي الدار بالسهام.

ورووا أيضاً: أنّه لمّا امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار، فأصعدهم إلى سطحها وتسوّروا منها على عثمان داره، فقتلوه.

ورووا أيضاً أنّ الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدّل دينكم. فقالوا: إنّ ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدىء بابني، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غداً.

قال مروان بن الحكم يوم الجمل: لا أترك ثأري وأنا أراه، ولأقتلنّ طلحة بعثمان، فإنه قتله. ثمّ رماه بسهم، فأصاب نابضه، فنزف الدم حتّى مات(2).

وقد أشار الإمام علي علیه السلام إلى الدور الذي لعبه طلحة بن عبيد الله في قتل عثمان بن عفّان، ثم تأجيجه نار الحروب بين المسلمين، حيث قادهم بالتعاون مع ابنة العم عائشة إلى محرقة الجمل، فقال علیه السلام: ( والله ما استعجل متجرّداً للطلب بدم عثمان إلا خوفاً من أن يطالب بدمه لم يكن إلّا مظنّته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه،


1) البهار: الحمل ، وقيل : هو ثلاثمائة رطل بالقبطية. لسان العرب 84:4.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 :35 .

فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الأمر ويقع الشك..

ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالماً، كما كان يزعم، لقد كان ينبغي أن يؤازر قاتليه، وأن ينابذ ناصريه.. ولئن كان مظلوماً، لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه، والمعذّرين فيه.. ولئن كان في شك من الخصلتين، لقد كان ينبغي له أن يعتزله، ويركد بجانبه، ويدع الناس معه، فم-ا ف-ع-ل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعره بابه، ولم تسلم معاذيره)(1).

ولا شكّ أنّ ما فعله طلحة بن عبيد الله الخليفة التيمي المفترض، كان يعبّر عن حالة من التخبّط والتحرّك العشوائي في اتّجاه الشيء ونقيضه، فهو في صفوف المواجهة الأولى مع ابن عفّان، ثم بعد أن تم له ما أراد من قتله وبايع الناس لعليّ علیه السلام إذا به في مقدّمة المطالبين بالثأر من قتلة عثمان، أي: الثأر من نفسه لأنّهم يطلبون دماً هم سفكوه، وكما وصفهم أمير المؤمنين علي علیه السلام: ( ألا وإنّ الشيطان قد ذمر حزبه، واستجلب جلبه، ليعود الجور إلى أوطانه، ويرجع الباطل إلى نصابه.. والله ما أنكروا عليّ منكراً، وما جعلوا بيني وبينهم نَصفاً، وإنّهم ليطلبون حقاً هم تركوه، ودماً هم

سفکوه»(2)(3).


1) نهج البلاغة ،2 88، من كلام له في طلحة.

2) نهج البلاغة 59:1، الخطبة 21.

3) مقتطفات من كتاب الجمل لأحمد راسم النفيس: 82 - 109. (بتصرف يسير).

(35) أحمد عبد النبي السيّد

(شافعي / مصر)

ولد في محافظة الغربية بمصر، ونشأ في أسرة شافعية المذهب، بعد تخطّى الدراسة الأكاديمية في المدارس بنيل شهادة الدبلوم في العلوم الزراعية بدأ بدراسة القانون.

لم يكن «أحمد» مقتنعاً بالمذهب الذي نشأ عليه، وكان متأثّراً بالفكر العلماني، إلّا أنّه أحسّ أن الفكر العلماني أيضاً لا يروي غليله، وأنّه بحاجة للبحث عن الحقّ، فاستمرّ في بحثه حتّى رأى النور في طريق ثالث..

يقول «أحمد»: قد عانيت مرّ المعاناة بحثاً عن الحق؛ فالدرب طويل والأشواك قد أدمت قلوبنا الجريحة، ولأننّا أردنا الحقيقة العارية عن كلّ دنس فقد حملنا على عاتقنا الجهد وطول البحث والسهر.

في رحلة البحث عن الحقيقة.. بعد أن أوغلت في علمانيّتي، مؤمناً بأنّها الأمل الأخير وسط الزيف الذي نتعرّض له في تاريخنا ومستقبلنا، ولمّا طالت غربتي عن الله، رأيت النور في قربي من الله متقرباً من مذهب آل البيت علیهم السلام، ومن هنا بدأت البحث ودليلي عقلي..

واقعة الجمل:

من خلال مطالعة «أحمد» للتاريخ الإسلامي لفتت نظره «واقعة الجمل» وما

جرى فيها من أحداث؛ فقد كانت بيعة الإمام علي علیه السلام لا تشبه غيرها من البيعات، سواء ما سبق أو ما تلا، واستلم علیه السلام الدولة ممزّقة في حالة من الفوضى والثورة والغضب، وعاد الطلقاء والبدريون، وعادت المواجهة من جديد.

ولو أنّ واحداً من المسلمين في زماننا خرج إلى الشارع وقال: أن-ا أق-ول خلاف ما قال الله تعالى، يحكم عليه إمّا بالجنون وإمّا بالردّة والكفر؛ لأنّ هذا يخالف الله ويكذبه ويردّ قوله، لكن حينما تخرج إحدى أزواج النبي صلی الله علیه وآله وسلم وتقول علناً لأزواج النبي الأخريات تعالين اخرجن معي، والقرآن قال لهنّ: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)(1)، فلو أنّ باحثاً متجرّداً من المذهبية والطائفية والقومية رآى ذلك فكيف يمكن أن يبرّر هكذا موقف منها ؟

فالمبالغة في التحريض على عثمان وحصاره وقيادة الجيوش، واستنهاض الناس واستنفارهم للخروج على الإمام علي علیه السلام ، كل ذلك قد صدر منها، وقادت جيشاً جرّاراً إلى البصرة فقام بعزل و الي على علیه السلام عليها والاستيلاء على بيت المال.

فمع ما جاء في أنّ طاعة أُولي الأمر واجبة، وأنّ الخروج عليهم يؤدّي إلى النار، وأنّه يجب الدعاء لهم والهداية وغير ذلك، لكن حينما بويع الإمام علي علیه السلام أرسلت كتب إلى أهل البصرة من طرف عائشة زوج النبي صلی الله علیه وآله وسلم وطلحة والزبير ومروان وغيرهم، للتحريض على قتال الإمام علي علیه السلام، فهم عمليّاً أرسلوا كتباً إلى أهل البصرة يحرّضون فيها على قتال ولي الأمر ، فهل يا ترى يجوز التحريض على قتال وليّ الأمر، أم يجب طاعة ولي الأمر؟!

ففي أواخر أيام عثمان كان هناك تيار مثّله في البداية عبد الرحمن بن عوف، ثم بعد ذلك طلحة والزبير وعائشة، أرادوا التخلّص من عثمان قتلاً وليس عزلاً، بينما عندما يعود الإنسان إلى المراسلات التي جاءت من كلّ مكان إلى عثمان يجد أنّها


1) الأحزاب (33): 33.

طلبت منه الإصلاح.

وكان هناك شعور بأنّ بعض الصحابة أرادوا أن يعيدوا الدنيا إلى ما كانت علیه قبل الإسلام، معاوية قيصر على الشام والجزيرة يتفاوض مع بيزنطة والكنيسة الأرمنية، ويقرّر أن يدفع الجزية للإمبراطور البيزنطي في سبيل أن يبقى قيصراً، وهناك من أراد أن يستقل بالبصرة.

وفى أواخر أيام عثمان أيضاً توقّفت الفتوحات في خراسان، وكذا في الشمال الإفريق، وتعطّلت حركتها وبدأ الاستيلاء على الأموال، فكلّ وال من ولاة عثمان أراد إنشاء دولة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح أراد الاستقلال بمصر، وعبد الله بن عامر ومعه الزبير وطلحة وعائشة الاستقلال بالبصرة ، وترك أهل الكوفة ليموتوا جوعاً؛ لأنّ خراج أهل الكوفة كان من الجزيرة، وعندما صار معاوية والياً على الجزيرة قطع عنهم الخراج.

فهذه صورة لتمزيق الأمّة والدولة الجديدة، وتعطيل حركة الجهاد، ولهذا لام طلحة والزبير بقسوة عبد الله بن عامر لمّا ترك البصرة ورجع إلى المدينة، وبعد ذلك خطّط معه والتحق بعائشة إلى مكة، وكان مجيء يعلى بن أمية وتدبير المؤامرة في البصرة وشنّ أوّل حرب أهلية.

فنحن أمام تيار تمزيق وإنشاء دويلات ما قبل الإسلام، وإيقاف حركة الجهاد من جهة، ومن جهة أخرى الإمام علي علیه السلام وسعيه لحفظ المسؤولية وإعادة الوحدة.

أراد الإمام علي علیه السلام التوجّه إلى الشام ، وجهّز القوّات، ليرغم معاوية على الطاعة، ومعاوية كان متمرّداً، وكان قد أقام علاقات مع أعداء المسلمين.

ولابدّ من وقفة هنا - مع الدماء التي هُدرت في الجمل وفي صفّين، وكم عطّل هذا الأمر مسيرة الإسلام؟

وكيف أنّ الهياطلة الأتراك عادوا إلى خراسان وبدأت محاولة لإعادة إحياء الإمبراطورية الساسانية من جديد؟

وكيف توقّفت الفتوحات ضد بيزنطة وصار الجيش الشامي ايليت، يعني: (الفرقة الخاصّة)، التي بدلاً من أن تتابع الفتوحات ضد بيزنطة صارت وظيفتها وظيفة الشرطي الذي يقمع ما يحدث في العراق فيما بعد.

فمن المسؤول عن قتلى الجمل؟ ومن المسؤول عن قتلى صفين؟

فلابد لعائشة أن تتحمّل المسؤولية، هي والزبير وعبد الله بن الزبير، وأيضاً طلحة.. وقد نصحتها أمّ سلمة، لكن عبد الله بن الزبير شتم أم سلمة، وألجمها ولم يدعها تكمل، وأُخرجت مطرودة من بيت عائشة!

إنّ المسؤولية تقع على عائشة وطلحة والزبير في حرب الجمل، والمسؤولية تقع على معاوية في قتلى صفّين، والمسؤولية تقع على عثمان في ما أحدثه.

والأخطر من كلّ ذلك: أنّ باب الفتنة والصراعات الداخلية في المجتمع الإسلامي أهدر من الطاقات أكثر بكثير، وأضعاف مضاعفة مما أهدر أو ما استخدم من الطاقات في حركة الفتوحات ونشر الإسلام.

ومع ذلك يبرّر بعضهم فيقول: إنّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأوّلت، مع أنّه روي عن معمّر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنّ النبي صلیا لله علیه وآله وسلم قال لنسائه: أيتكنّ تنبحها كلاب ماء كذا وكذا؟ - يعني: الحوأب - فلمّا خرجت عائشة إلى البصرة نبحتها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الماء؟ فأخبروها، فقالت: ردّوني. فأبى عليها ابن الزبير (1).

عند ذلك لا يبقى معنى للنصوص ؛ لأنّه سمّى المكان، والنبي لم يذهب إلى الحوأب، وقال: «أيتكُن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فينبحها كلاب الحوأب»(2)


1) المصنّف لعبد الرزاق الصنعاني 11: 365 ، وانظر: مسند أحمد 6: 52.

2) مجمع الزوائد : 234.

وفعلاً كان الجمل أدبب، والإمام علي علیه السلام قال عنه: أنّه شيطان، فكيف يصح هكذا تأويل؟

والإمام على علیه السلام لم يذهب للبصرة، ولا قتل أحداً من أهل البصرة، ولا غصب مال أحد منها، ومع ذلك نجد أن كلّ أهل البصرة يحملون في صدورهم عداوة لوليهم، الذي قال رسول الله فيه :«من كنت مولاه فعلیّ مولاه»(1)، فقاتلوه بكلّ ضراوة، وذلك بفعل التضليل الإعلامي الذي قام به الناكثون.

ولم يخلو المجتمع يومها من عقلاء؛ فسعيد بن العاص قال لعائشة بنت أبي بكر ، حينما قالت: نطالب بدم عثمان قال لها بعد أن ضحك فهؤلاء قتلة عثمان معك يا أمّ المؤمنين (2).

وأيضاً ابن أُمّ كلاب الذي قال الأبيات المعروفة:

فمنك البداء ومنك الغير*** ومنك الرياح ومنك المطر*** وأنتِ أمرت بقتل الإمام*** وقلت لنا إنّه قد كفر*** فهبنا أطعناكِ في قتله*** وقاتله عندنا من أمر*** ولم يسقط السقف من فوقنا*** ولم ينكسف شمسنا والقمر وقد بايع الناس ذا تدراً يزيل الشبا ويقيم الصغر ***ويلبس للحرب أثوابها ***وما من وفي مثل ما قد غدر (3).

فكانت عائشة هي التي بدأت التمرّد حينما تراجعت من اتّجاهها من مكّة المكرمة إلى المدينة المنوّرة، بعد عمرتها، لكن معاوية بن أبي سفيان هو الذي أثار هذا التمرّد، وأثارها برسائله إليها، وإلى طلحة والزبير يثيرهما، وإلى بعض الصحابة


1) سنن الترمذي 5: 297.

2) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) 1: 60.

3) الكامل في التاريخ 3: 206 - 207.

الآخرين، وهذه الكتب مذكورة في المصادر التاريخية، فمعاوية هو الذي أثار هؤلاء وجعل لعائشة حق البكارة في الخروج على عليّ علیه السلام حتّى يستطيع أن يجمع أمره وشمله ليوطّد أمره للخروج على علي علیه السلام.

فهي كانت تقول: اقتلوه، واليوم تطلب بدمه، وهذا لا يصلح في أُمّة هي أهدى الأمم، وفيها فقهاء، وفيها صحابة كبار ، مجاهدون، ولهذا قال لها سعيد بن العاص : هؤلاء قتلة عثمان، فلماذا تذهبين لحرب الإمام علي علیه السلام ؟

حقائق «معركة الجمل» تقود إلى الهداية:

بعد أنّ اطّلع «أحمد» على هذه الحقائق المسلّمة، تاريخياً وحديثياً، عن واقعة الجمل، أسبابها وأهدافها ونتائجها الكارثية التي ما نزال نعاني منها إلى يومنا المحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أيقن بالحقّ الذي تذهب إليه مدرسة أهل البيت علیهم السلام في تحليلها لهذه الوقائع وأمثالها، فقرّر اتّباع الحقّ، وترك العصبيات الجاهلية، وسار في ركب أهل البيت علیهم السلام (1).


1) لمستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال موقع المركز على الإنترنيت.

(36) أحمد علي (ستی / مصر)

ولد عام 1398 ه- (1978م) في العاصمة المصريّة «القاهرة»، وتربّى في أحضان عائلة سنّية المذهب، واصل «أحمد» دراسته الأكاديمية حتّى الحصول على شهادة البكالوريوس في الزراعة.

نظراً للأجواء التي كان يعيشها في القاهرة حسيث المزار المعروف ب-«رأس الحسين»، ومشهد السيدة زينب علیها السلام ، كان «أحمد» يحب التردّد على هذه المشاهد وزيارتها؛ وذاك أنّها منتسبة إلى البيت النبوي الرفيع.

وذات يوم حكى له أحد أصدقائه عن شيعة أهل البيت علیهم السلام، وبدأ بسرد التهم والافتراءات عليهم، الأمر الذي شدّ «أحمد» إلى أن يبحث بنفسه عن الشيعة ومعتقداتهم، ونظراً لقلة المصادر المتوفّرة لدى العموم اضطر إلى البحث عن معتقدات أتباع هذا المذهب من خلال طرق أُخرى غير الكتب، ومن حسن الحظّ أنّه استطاع رصد إحدى الإذاعات الشيعية بصعوبة.

ولاية أهل البيت علیهم السلام:

من أهمّ معتقدات أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام: القول بولاية وخلافة الإمام على وأولاده المعصومين علیهم السلام بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: فقد دلّت الروايات المتضافرة على أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتحل وقد نصّب عليّاً علیه السلام للولاية والخلافة، فأبان ولايته وولاية من

بعده من الأئمّة في مواقف مختلفة، نذكر منها هذا الموقف:

روي أنّ سائلاً أتى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ علیه السلام الراكع ، فأشار بيده للسائل، أي: اخلع الخاتم من يدي، فنزل قوله سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (1).)وقد تضافرت الروايات على نزول الآية في حقّ علي علیه السلام؛ نقلها كبار الحفّاظ والمحدّثين، منهم: ابن جرير الطبري، أبو بكر الجصاص الرازي الحاكم النيسابوري أبو الحسن الواحدي النيسابوري، جار الله الزمخشري(2، وغيرهم من أئمّة الحفّاظ وكبار المفسّرين، ربّما ناهز عددهم السبعين وهم بين محدّث ومفسّر ومورّخ.)والذي يجب التركيز عليه هو : فهم معنى الولي، الوارد في الآية المباركة، والذي وقع وصفا الله سبحانه ولرسوله ومن جاء بعده.المراد من الولي في الآية :هو الأولوية الواردة في قوله سبحانه: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ (3.)فالنبي صلی الله علیه وآله وسلم أولى من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم، فهو بما أنّه زعيم المسلمين ووليهم، يتصرّف فيهم حسب ما تقتضيه المصالح في طريق حفظ كيان الإسلام والمسلمين، وصيانة هويَّتهم والدفاع عن أراضيهم، ولغاية نشر الإسلام.وليست الغاية من هذه الولاية الموهوبة للنبي صلی الله علیه وآله وسلم هي حفظ مصالح النبي صلی الله علیه وآله وسلم الشخصية، بل الغاية صيانة مصالح الإسلام والمسلمين.فالولاية بهذا المعنى هي المراد من قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ، والقرائن الدالّة على تعيُّن هذا المعنى كثيرة، نذكر منها ما يلي:)


1) المائدة (5): 55 .

2) راجع جامع البيان 6: 389، أحكام القرآن للجصاص 2 557، معرفة علوم الحديث للحاكم: 102 ، أسباب نزول القرآن: 133، الكشاف 1: 624.

3) الأحزاب (33): 6.

الأولى: إذا كان المراد من الوليّ هو :الزعامة، يصح تخصيصها بالله سبحانه ورسوله ومَن أعقبه، وأمّا لو كان المراد منه هو الناصر والمحب، فهو ليس مختصّاً بهؤلاء؛ لأنّ كلّ مؤمن محبّ للآخرين أو ناصر لهم، كما يقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ (1).)الثانية: إنّ ظاهر الآية: أنّ هناك أولياء وهناك مُوَلّى عليهم، ولا يتحقّق التمايز إلّا بتفسير الولاية بمعنى الزعامة، حتّى يتميّز الزعيم عن غيره، وهذا بخلاف من فسّره بمعنى: الحب والود أو النصر، فتكون الطوائف الثلاث على حد سواء.الثالثة: إذا كان المراد من الولي هو: الزعيم، يصحّ تخصيصه بالمؤمن المؤدّي للزكاة حال الصلاة، وأمّا لو كان المراد بمعنى المحبّ والناصر وما أشبهها يكون القيد زائداً، أعني: إعطاء الزكاة في حال الصلاة؛ فإنّ شرط الحب هو: إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وأما تأديتها في حال الركوع فليس من شرائط الحب والنصرة، وهذا دليل على أن المراد: فرد أو جماعة خاصة يوصفون بهذا الوصف، لا كلّ المؤمنين.الرابعة: إنّ الآية التي بعدها فسرت معنى الولاية؛ يقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (2.)فإنّ لفظة: (الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية هو نفسه الوارد في الآية المتقّدمة أعنی:(وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ )، وعلى هذا يكون المراد من القول: أخذهم زعياً ووليّاً، بشهادة: أنّ حزب الله لا ينفك من زعيم يدبر أمرهم.)إلى هنا تبيّن أنّ الإمعان في القرائن الحافة بالآية تفسر معنى الوليّ، وتعيّن المعنى، وتثبت أنّ المقصود هو الزعيم لكن من نكات البلاغة في الآية أنّه سبحانه صرّح بولا بولايته وولاية رسوله ومَن جاء بعده، وعلى ذلك صارت الولاية للثلاثة،


1) التوبة (9): 71.

2) المائدة (5): 56 .

وكان اللازم عندئذٍ أن يقول: إنما أولياؤكم بصيغة الجمع، لكنّه أتى بصيغة المفرد إشارة إلى نكتة، وهي: أنّ الولاية بالأصالة لله سبحانه، وأمّا ولاية غيره فبإيهاب من الله سبحانه لهم، ولذلك فرّد الكلمة ولم يجمعها..وهناك نكتة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي: أنّ الصحابة الحضور لم يفهموا من الآية سوى الولاية، ولذلك صبَّ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما فهمه من الآية في قالب الشعر، وقال:فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع*** فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ بخاتمك الميمون يا خير سيد و يا خير شار ثمّ یا خیر بايع فأنزل فيك الله خير ولاية وبينها في محكمات الشرائع (1)والظاهر ممّا رواه المحدّثون أنّ الأمّة الإسلامية سيسألون يوم القيامة عن: ولاية عليّ علیه السلام؛ إذ ورد السؤال في تفسير قوله سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ(2):)روى ابن شيرويه الديلمي في كتاب «الفردوس» في قافية الواو، بإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم :(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ عن ولاية علي بن أبي طالب علیه السلام (3.)ونقله ابن حجر عن الديلمي، وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ، أي: عن ولاية على وأهل البيت؛ لأنّ الله أمر نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلا المودة في القربى والمعنى أنّهم يسألون: هل والوهم حقّ الموالاة، كما أوصاهم النبي صلی الله علیه وآله وسلم أم أضاعوها وأهملوها، فتكون عليهم المطالبة)


1) مناقب علي بن أبي طالب الله للخوارزمي: 265 ، مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام الابن مردویه :238 .

2) الصافات (37) 24 .

3) شواهد التنزيل للحسكاني 2: 162 .

والتبعة (1؟)معرفة حقوق أهل البيت علیهم السلام النور في الظلمات :إنّ تأكيد القرآن والسنّة على بحقوق أهل البيت علیهم السلام مشعر باختصاصهم بخصوصيات لا تشمل غيرهم، وهذا فيه دلالة واضحة على أفضليتهم ووجوب طاعتهم في كلّ الأُمور.هذا ما توصّل إليه «أحمد» بعد البحث الشاق، وأعلن إثر ذلك عن استبصاره والتحاقه بأتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك عام 1420 ه- (2000م في القاهرة (2).)


1) الصواعق المحرقة : 149 .

2) راسل المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية» عبر موقع المركز على الإنترنيت، وأعلن عن استبصاره والأسباب التي أدت إلى ذلك.

## (37 أحمد محمد صلاح الدين)(سنّي / مصر)نشأ في مصر في عائلة سنيّة المذهب، واصل «أحمد» دراسته الأكاديمية إلى أن نال شهادة البكالوريوس في الطب.بعد أن تخرّج من الجامعة سافر إلى دولة السويد لظروف خاصّة، وهناك بدأت الرحلة الحقيقية مع آل البيت علیهم السلام.يقول «أحمد» عن ما سبق تلك الفترة: كنت أدرس بالسعودية، ولم يكن ما أسمعه عن الشيعة غالباً إلّا البهتان والسب والتعدّي، ولكن هيا الله تعالى لي أناساً منصفين في معقل الوهّابية قالوا لي: إنّ الشيعة فرقة ذات فكر مخالف في الفروع ولكن الأصل واحد.كان من نعم الله عليّ أن آمنتُ بهذا الكلام مع أنّ الأكاذيب عن هذا المذهب المظلوم كانت دائماً ما تتردّد على سمعي.«صحيح البخاري» لا يجمع كل الأحاديث الصحيحة:من الأكاذيب التي يروّج لها بعض الشخصيات التي تدّعي المكانة لنفسها عند الفكر السنّي أنّ عقيدة المهدي المنتظر هي عقيدة خاصة بالشيعة، لا علاقة لها بالقواعد الدينية وعقائد علماء المسلمين، ويستندون - لإثبات تلك العقيدة بأنّها لو كانت من العقائد الإسلامية الثابتة لوجدنا ذكراً لهذه العقيدة في الصحيحين، وهما

أصحّ كتابين بعد كتاب الله عزّ وجلّ، أو إشارة إليها فيها!وممّن ذكر هذا الأمر: أحمد أمين المصري في كتابه ضحى الإسلام؛ قال: وفكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، ففي نظري إنها نبعت من الشيعة، وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم وانتقالها إلى معاوية، وقتل عليّ، وتسليم الحسن الأمر لمعاوية(1.)وقال محمّد رشید رضا على أنّهم أنشؤوا في العصور الأولى عصبيات لأجل المهدي ولكنّها جاهلية، بل أنشؤوا المهدي المنتظر نفسه لأجل تلك العصبيات الفارسية المجوسية، التي كانت تسعى لإزالة ملك الأمّة العربية وإفساد دينهم الذي أعطاهم الملك والقوة، ولأجل ذلك كثر الاختلاف في اسم المهدي ونسبه وصفاته وأعماله، وكان لكعب الأحبار جولة واسعة في تلفيق تلك الأخبار(2.)إذا تبيّن أنّ الأطروحة المهدوية بما لها من هذه الأطر العامة منشأها مجوسي فارسي فالقضية قضية قومية ونشأت منها هذه الفكرة!ومن الذين صرّحوا أيضاً بهذه الفكرة من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، رئيس المحاكم القطرية ؛ قال : وإنّ أصل من تبنىّ هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم: الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو: الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري. فسرت هذه الفكرة وهذا الاعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنّة (3.)والجواب على هؤلاء: إذا قلنا أنّ الروايات التي يمكن الاحتجاج والتسليم بها وقبولها ليست إلّا في الصحيحين إذاً لابدّ أن يُقتصر على الصحيحين، صح البخاري وصحيح مسلم، باعتبار أنّ سنن الترمذي ومسند أحمد والنسائي


1) ضحى الإسلام 3 :241 .

2) تفسير المنار 9: 414، ذيل الآية (187) من سورة الأعراف.

3) لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر: 3 - 4.

والمستدرك ومسند أبي يعلى، وغيرها عشرات المسانيد والصحاح، هذه ليست حجّة، ولا يمكن الاستناد إليها.وهذه مغالطة يحاول أن يستعملها البعض للتعمية وإضلال العوام، وللإجابة على هذه المغالطة لابدّ من الإشارة إلى مجموعة من الأمور:الأوّل: إنّ البخاري قال بأنّ هناك أربعين ألف رجل وامرأة رووا الحديث، وهؤلاء أشار إليهم في كتابه «التاريخ الكبير».الثاني: إنّ البخاري نفسه عنده كتاب اسمه «الضعفاء» ضعّف فيه سبعمائة من الرواة من مجموع أربعين ألف، هذا معناه أنّ الباقي، وهم البالغ عددهم حدود تسعة وثلاثين ألف راوٍ للحديث من غير مدرسة أهل البيت في الأعم الأغلب، كلّهمثقات.الثالث: إنّ ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم ممّن اجتمعا عليه من الرواة، أو ممّن انفرد به كلّ واحد منهما عن الآخر ، لا يتجاوز ألفين وخمسمائة راو من مجموع تسعة وثلاثين ألف راوٍ، وهذا يعني أنّ حدود ستّة وثلاثين ألف وخمسمائة راوِ ثقة يوجد عندهم أحاديث ولكن لم ترد في صحيحي البخاري ومسلم.وإلى هذه الحقيقة اشار الحاكم بعد ذكره لأقسام الصحيح المتّفق عليه والمختلف فيه، فقال: «هذه وجوه الصحيح المتفقة والمختلفة، قد ذكرناها لئلا يتوهّم متوهّم أنّه لم يصحّ من الحديث إلّا ما أخرجه البخاري ومسلم...فإذا نظرنا فوجدنا البخاري قد صنّف كتاباً في التاريخ، جمع أسامي من روي عنهم الحديث من زمان الصحابة إلى زمن خمسين، فبلغ عددهم قريباً من أربعين ألف رجل وامرأة، خرّج في صحيحه عن جماعة منهم، وخرج مسلم في صحيحه عن جماعة. قال الحاكم: جمعت أنا اساميهم، وما اختلفا فيه، فاحتج به أحدهما، ولم يحتج به الآخر، فلم يبلغوا ألفي رجل وامرأة.

قال: ثمّ جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين ألفاً، فبلغ مائتين وستّة وعشرين رجلاً، فليعلم طالب هذا العلم أنّ أكثر رواة الأخبار ثقات، وأنّ الدرجة العليا للذين في صحيحي البخاري ومسلم، وأنّ الباقين أكثرهم ثقات، وإنمّا سقطت أساميهم من الصحيحين للوجوه التي قدمنا ذكرها لا لجرح فيهم، وطعن في عدالتهم، وإنمّا فعلا ذلك في كتابيها زيادة في الاحتياط، وطلباً لأشرف المنازل، وأعلى الرتب، وباقي الأحاديث معمول بها عند الأئمّة»(1.)فهل يمكن لعاقل أن يدّعي أنّه لا تقبل تلك الروايات إلّا إذا كانت في صحيح البخاري ومسلم؟فالبخاري لم يلتزم بتخريج كلّ ما صحّ من الحديث، كما أنّه لم يخرّج عن كلّ من صحّ حديثه، ولم ينسب إلى شيء من جهات الجرح، وهم خلق كثير، يبلغ عددهم نيفاً وثلاثين ألفاً، هؤلاء لم يُجرحوا بل وثّقوا؛ لأنّ تاريخه يشتمل على نحو من أربعين ألف وزيادة، وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين.فجامع البخاري ليس هو الجامع لكلّ الأحاديث، بل هو مختصر لسُنن النبی صلى الله علیه وآله وسلم، وهو ما صرّح به البخاري نفسه بقوله: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتاباً مختصراً لسنن النبي صلی الله علیه واله وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب يعني: كتاب (الجامع(2).)فقد ظهر بهذا أنّ قصد البخاري كان وضع مختصر في الحديث، وأنّه لم يقصد الاستيعاب، لا في الرجال، ولا في الحديث.ونقل المزّي عن البخاري قوله ما أدخلت في كتاب الجامع إلّا ما صحّ،


1) نقله عنه ابن الجزري في جامع الأصول في أحاديث الرسول 1: 114 - 115.

2) تاریخ بغداد 2 :8 .

وتركت من الصحاح لحال الطول (1.)وممّا يزيد الأمر إيضاحاً: التأمّل في عنوان صحيح البخاري؛ فإنّه سمّاه: الجامع الصحيح المسند المختصر، ولكن يد الخيانة العلمية تدخلت فسمّته ب-«جامع صحیح البخاري»، وهذا يوهم القارئ والمحقّق والمتتبّع أنّ كلّ ما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجود في هذا الكتاب، مع أنّ البخاري ألفه على أنّه مختصر، ولم يقصد الاستيعاب، ولم يلتزم بإخراج كلّ ما صحّ من الحديث.وإنّما سمّاه: جامع؛ لأنّه جمع فيه كلّ أبواب العلم، لا أنه في كلّ باب جمع كلّ الروايات، فهو يحتوي على أحاديث فى الأبواب الثمانية المعروفة.ومن هنا يتّضح جواب من يتساءل مغالطاً وموهماً بعدم وجود أحاديث الإمام المهدي في الصحيحين البخاري ومسلم، إذ هما ليسا جامعين لكلّ ما صحّ من الرجال والأحاديث، وإلّا لذهب نصف الفقه ونصف العبادات.الوقوف على حقيقة الشبهات يؤدّى إلى اتّباع الحقّ:بعد أن اتّضح ل-«أحمد» خطأ ما كان يرّوجه أعداء شيعة أهل البيت علیهم السلام ، وذلك بفضل الله عزّ وجلّ؛ إذ عرفه على أحد أتباع المذهب الشيعي، الذي بذل . مجهوداً عظيماً، وأخذ بيده لينهل من ينابيع آل البيت علیهم السلام التي لا تنضب، بعد كلّ ذلك قرّر «أحمد» اتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ، والاعتقاد بالأئمّة الاثني عشر وخاتمهم الإمام المهدي علیه السلام عن وعي وبصيرة ، نابذاً بذلك التعصب والاتّباع الأعمى (2.)


1) تهذيب الكمال للمزي 1: 167.

2) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية» عام 1423 ه- وأعلن عن استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي.

## (38 أسامة إبراهيم محمود)(شافعي / مصر)ولد عام 1381 ه- ( 1962م في العاصمة المصريّة «القاهرة»، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، واصل «أسامة» دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في التجارة من جامعة عين شمس في القاهرة.)حكومة معاوية وكذب الإعلام الرسمي لدولة بني أمية:وجد «أسامة» من خلال مطالعاته أنّ الأمّة المثقّفة هي الأمّة التي تتلقّى الثقافة المناسبة، فتتعرّف على حاضرها وعلى ماضيها لكي تنطلق إلى مستقبلها، وهذا مفقود في إعلام الدول الإسلامية منذ قرون من الزمان، فأكثر شيء في الإعلام الغناء والطرب ونشرات الأخبار المعروفة، يعني دشّن، قام، خرج، التق، إلى غير ذلك.فمنهج الإعلام الرسمي هو تغييب الحقائق وطمسها، وتعظيم الطغاة في هذا الزمان والماضين أيضاً، ومن أبرز النماذج لهذه الحقيقة: الدولة الأموية، وما يشاع عنها من أنّها الدولة العربية المجيدة الفاتحة التي عزّ الإسلام في زمانها، وتعدّدت فتوحاتها، وغير ذلك من الأكاذيب.ولكنّنا إذا أخذنا نموذجاً من قادتها، بل مؤسّس تلك الدولة، نجد أنّ ذلك لا ينطبق على الحقائق في التاريخ والحديث؛ فعندما يأتي حاكم جديد، سواء بناء على

وفاة الحاكم السابق، أو انقلاب عسكري، أو انتفاضة وثورة، فمن العادة أن يبدأ بوعود، يعطي وعوداً ويهدّئ الناس، وبعد مدّة يظهر على حقيقته، ولكنّ معاوية بن أبي سفيان افتتح حكمه بنقض معاهدة الصلح، وهي معاهدة من بنود كثيرة، والمؤرّخون ذكروا تلك البنود، ولكن لّما انتهت القضية وصار الحاكم الرسمي الفعلي هو معاوية أول شيء بدأ به قال جملتين:الأولى : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنمّا قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم کارهون(1.)الثانية: إنّي قد كنت قبلت للحسن شروطاً، وهي اليوم تحت قدمي هاتين (2.)وقد ذكر هذه الحقيقة: الحصين بن المنذر الرقاشي؛ قال: ما وفى معاوية للحسن بشيء ممّا أعطاه ، قتل حِجْراً و أصحاب حجر، وبايع لابنه وسمٌ الحسن!!(3.)وقال القاضي شريك معلّقاً على هذه العبارات: هذا والله التهتّك. وقال أبو إسحاق السبيعي : هذا والله الغدر (4قالوا ذلك في القرن الثاني، بعد أن زالت دولة آل أبي سفيان و آل مروان.)ومن الناحية الدبلوماسية والأخلاقية، فالمعاهدات شيء مقدّس خصوصاً في الإسلام قال تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5)، وقال: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(6)فالمعاهدة كلمة الرجل في عهده، فإذا لم يف فلم يعد له وزن، وهذا افتتح عهده)


1) تاريخ مدينة دمشق 59 :150 .

2) مقاتل الطالبيين: 45.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 7.

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 16.

5) المائدة (5): 1.

6) البقرة (2) 27 .

بنقض المعاهدة.والأسوأ من معاوية وبني أمية بعض الناس الذين يجعلون للسلطة أعذاراً، كأنّهم غير مطالبين بالإسلام، فكثير من العلماء والفقهاء يعترفون أنّ معاوية وبني أمية ارتكبوا كلّ تلك الفجائع، لكنّهم لا يأبهون ولا يستحضرون النصوص الشرعية التي تحذّر من النكث بالعهد، أو من قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، أو من لعن أهل بدر، وكأنّ الله يخشى من معاوية؛ فمن يقرأ كلام المعتذرين عن معاوية يتصوّر أنّ الله لن يعاقبه إذا قتل مسلماً، وإذا لعن، وإذا نقض العهود، وإذا أبطل سنن النبي، وإذا ارتكب كلّ حرام، فيتعاملون تعاملاً بارداً مع هذه المعاصي، كأنّ الشرع ليس ملزماً لمعاوية وبني أُمية.وأمّا الوفاء بالعهد، فليس له أيّ قيمة من جهة أنّ النصوص لا قيمة لها عند معاوية وبني أمية، فلذلك تجده عندما يحتج عليه في الربا يردّ عليه، وعندما احتجّوا عليه بحديث قتل عمّار، قال: قتله من جاء به (1، فهذا منهجه، ليس هناك غريب في الأمر.)ومع كلّ ذلك لا يوجد من يعدّد فضائح معاوية ويكتب فيها، باعتبار أنّها أعمال منافية للإسلام؛ كقتل الصحابة وقتل التابعين، وسبّ الإمام عليّ علیه السلام على المنابر، ونبش قبر حمزة، وتجويع الأنصار، وهذه الأعمال كلّها التي تدينها اليوم منظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الرسمية، وكلّ من في قلبه ذرّة من الإنسانية، فضلاً عن الدين، فما هو الذي يجعله يحتفظ بحصانة دبلوماسية؟! بل يأتي ابن حجر الهيتمي فيكتب كتاباً في الدفاع عن معاوية، وهنا ليس المطلوب ذم معاوية لكن محاكمته إلى الشرع.أضف إلى ذلك: الثقافة السياسية لمعاوية ومنهج السلطة، فالثقافة السياسية


1) مسند أحمد 2: 206.

لمعاوية هي ثقافة بيزنطية، وهو أمضى معظم حياته يتثقّف سياسياً وإدارياً في بلاد الشام بالمواريث البيزنطية، وكان المستشارون المقربون منه رجال لاهوت ورجال إدارة بيزنطية، فمعاوية تعامل مع الدين وسيلة وليس شريعة.فالتقاليد البيزنطية تُعرف بعدم الالتزام بالعهود والوعود، ويتّهمون بالغدر، ومردّ ذلك إلى الجانب اللاهوتي فقد يعطي القائد أو الإمبراطور أو الحاكم البيزنطي عهداً ويأتي رجل الدين فيحلّله من العهد، وإذا ما حلّله من العهد انتهت القضية، فهو اعتاد على سياسة التحليل من الوعود وإعفائه من كلّ ما التزم به أو كتبه، وبالتالي عندما واجه أهل الكوفة لم يكن عنده مشكلة، فالدين وسيلة وليس شريعة يلتزم بها، ومن ثمّ هو تحلّل، أو حلّل نفسه من هذه العهود، ولم يكن طلب دم عثمان عنده الّاسياسة، وقد أباح لجرير بن عبد الله البجلي رسول علي علیه السلام عندما قال: قل لعليّ:يجعل لي الشام وأنا أبايع له. هذه في سير أعلام النبلاء في ترجمة جرير بن عبد البجلي(1، وفي تاريخ الإسلام(2)أيضاً وهي بأسانيد قوية.)وعند مراجعة روايات الصلح بينه وبين الإمام الحسن علیه السلام يتبيّن أنّ الإمام الحسن مدرك لهذه الأمور؛ فقد صالحه على أن يسلّم إليه ولاية أمر المؤمنين، ولم يقل : على أن يسلّم إليه وظيفة أو منصب أمير المؤمنين، على أن يعمل فيهم بكتاب الله، وسنّة نبيه محمد صلی الله علیه وآله وسلم، وأن لا يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى بين الناس، وعلى أن لا يبغي الحسن بن علي غائلة ستراً، ولا علانية، ولا يخيف أحداً من أصحابه (3.)فهو علیه السلام كان يتوقّع سلفاً عدم الالتزام، وكان مدركاً لذلك؛ لأنّ الدين بالنسبة


1) سير أعلام النبلاء 3: 140.

2) تاريخ الإسلام للذهبي 3: 539.

3) أنساب الأشراف 3: 4.

لمعاوية وسيلة لا شريعة، وممكن بالنسبة له أن يحلّل نفسه إن لم يجد من يقنعه بتحليل نفسه، وعدم الالتزام بأيّ وعد من الوعود.فهو قال لأهل الكوفة، وأعلن مراراً: أنّه لم يأت إلّا ليحكمهم، لم يأت من أجل صلاة أو صوم أو زكاة أو شريعة، فالقضية واضحة كلّ الوضوح، فكلّ هذه الأمور تجتمع مع بعضها بعضاً لتبرهن على أنّ الرجل كان آخر من أسلم، وأوّل من تسلّط على أمة محمّد صلی الله علیه وآۀه وسلم و حوّل الأمّة من مواطنين إلى رعية وفقاً للتقاليد الرومية البيزنطية، المسيحية في الحقيقة.فمعاوية أرسل إلى الإمام الحسن علیه السلام الصحيفة بيضاء وختمها، وقال له: اشترط فيها ما شئت. ثمّ لم يف بشرط واحد من شروطه، فهذا الإنسان لا يبالي بمليارات المسلمين التي تأتي بعده وتنظر كم تافهة هي هذه الشخصية ولم يفكّر في نفسه و اشمئزاز الناس مسلمين وغير مسلمين من شخصية بهذه الدرجة من الوضاعة.وأمّا ما يسمّى ب- «عام الجماعة»، فقد سمّاها الأديب المعروف محمود أبو رية ب-«عام الفرقة» (1، و: عام الغدر؛ لأنّه أعلن في العام نفسه الغدر بالإمام الحسن، بالشروط التي اشترطها.)والثقافة يجب أن تُفهم من خلال أنّ الصالحين قليل، فالصالحون في الأُمّة قد لا يتجاوز عددهم ألفي شخص بين مئات الآلاف من القبائل أصحاب الولايات والرئاسات والأموال.وأكثر أهل بدر كانوا يرون معاوية منافقاً ولا يرونه مسلماً، يرونه أسلم ظاهراً، وهذه لا تُعرف إلّا بالتتبّع والبحث؛ لأن الناس يأخذون الظاهر ولا يدققون، والعامة يصدّقون ما يسمعونه فوق منبر المسجد، مثل ما يسمعون اليوم في


1) شيخ المضيرة: 152.

تلفزيون في قناة إخبارية؛ إذ يسمعون الأخبار على علاتها، مع أنّ الأخبار اليوم في القنوات الإخبارية هي أصدق بكثير من منابر المساجد في عهد بني أمية؛ لأنّ منابر المساجد في عهد بني أمية تهدف إلى تفريغ الدين من محتواه وإلزامهم بالجبر والنصب والتشبيه والطاعة المطلقة المبالغة في فضائل السلطان..وكان بنو أمية يفضّلون السلاطين على الأنبياء، كما في خُطب الحجّاج وخالد القسري، ومعروف أنّهم كانوا يسألون الناس فوق المنابر: أسألكم بالله : أرسول الرجل خير أم خليفته على أهله ؟ والناس يجيبون من جنابات المسجد: بل خليفته على أهله، فيقول: فخلفاؤكم هؤلاء عند الله أفضل من الرسل والأنبياء؛ لأن الرسول رسول فقط، يوصل الرسالة ويرجع، أما نحن فاستخلفنا الله، فهذه هي القواعد الأساسية للفكر الأموي!وهذه الثقافة الأموية بثتها أبواق بني أُميّة، ومحدّثوهم، ورواتهم، عبر الأحاديث، ووصلت إلى كتب العقائد، خاصّة كتب العقائد السلفية، وكذلك التكفير، فالناس يتّهمون الخوارج بالتكفير ، مع أنّ الخوارج تكفيرهم ديني التكفير السياسي فأموي، ولذلك كفّر حجر بن عدي؛ قيل: إنّه كفر كفرة صلعاء. قال عبد الرحمن: يعني بذلك: كفّرة عليّ بن أبي طالب؛ لأنّه كان أصلع..(1)هذا التكفير ،سياسي والتكفير السياسي أخطر، وهو أقرب إلى العامة من التكفير المذهبي، أو التكفير الديني، ومعظم البلاءات الثقافية التي عاشها المسلمون هي نتيجة الفكر الأموي، الذي أوصل صوته عبر عشرة آلاف خطيب في نواحي العالم الإسلامي، أوصلها إلى العامة وألزمهم بصلاة الجماعة، ومن باب صلاة الجماعة، وهم من تشدّد بأنّ من تخلّف عنها منافق، وهم من نسب إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم


1) الغارات للثقفي 2: 565.

أحاديث تقول: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثمّ أعهد لمن لم يشهد الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم »(1.)وهذه الأحاديث الأموية إلى الآن تفتك بالمسلمين، وتشغل المسلمين بعضهم ببعض، تشغلهم عن العدالة، وتشغلهم عن تدبّر القرآن، وتشغلهم عن حرية التعبير، وتشغلهم عن حقوق الإنسان، وغيرها من الأمور المهمّة.الاطلاع على أكاذيب وسائل الإعلام بشأن تاريخ المسلمين والحديث النبوي الشريف:بعد بحث عميق ودراستة متّصلة في كتب أهل السنّة وصحاحهم، وبعد أن اتّضحت ل-«أسامة» الحقائق، وزيف كم هائل من التاريخ والحديث، الذي كان يسمعه من وسائل الإعلام والمناهج الدراسية والمنابر توصّل إلى أنّ الإسلام الحقيق يختلف عن الذي عرفه في ما سبق، وأنّ الإسلام المحمدي الأصيل نقله وطبقه وحافظ عليه أهل البيت علیهم السلام، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقرر اتّباع الحق ونبذ الباطل، واعتنق المذهب الشيعي عام 1417 ه- (1997م.)وبعد مرحلة الاستبصار قام «أسامة» بتأليف عدد من الكتب العقائدية التي تبيّن المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة ، وتوضح تاريخ الخلفاء بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، هي:- بذور الإرهاب منذ الخلفاء.- الفاروق.- لقد ظلمنا الله ورسوله.


1) مسند أحمد 2 :376 .

## (39 أُمّ حسين المصرية)(سنّية / مصر )ولدت في مصر، ونشأت في بيئة محافظة محبّة لأهل البيت لكن ليست موالية لهم، كما هو حال أغلب الأسر المصرية، تزوّجت وهاجرت مع زوجها إلى ألمانيا لإكمال دراسته، وكان ضعيف الاعتقاد بالمذهب السنّي، وفي ألمانيا التقوا مع بعض الشيعة، فأعطوهم كتب تتحدّث عن المذهب الشيعي، فتعجّبت وزوجها من الأدلّة والبراهين، والتي وردت في كتب أهل السنّة نفسها.تقول «أمّ حسين» في ألمانيا تعرّفنا على عدّة من الأخوة العراقيين الشيعة، وكانوا على قمّة الأخلاق والالتزام بالأحكام الشرعية، وأعطونا كتباً كثيرة من كتب الشيعة، مثل كتاب المراجعات وغيره.فقرأنا هذه الكتب، وتعجبنا من قوّة الأدلّة والحجج في حقّانية مذهب أهل البيت علیهم السلام، والعجيب أنّ هذه الحجج والأدلّة موجودة في كتب السنّة، ولكنا لم نكن مطلعين عليها.ومن أهم تلك الأدلّة: حديث الثقلين الذي حاول أعداء أهل البيت علیهم السلام التشكيك بمفاده ودلالاته بشتى الطرق، ولكن الزبد يذهب جفاء.حديث الثقلين دليل حقّانية أهل البيت علیهم السلام :الوهّابية المعاصرة يصرون على أنّ حديث الثقلين ليس له صيغة صحيحة

معتبرة إلّا تلك الصيغة الواردة في صحيح مسلم؛ وأنّ هذه الصيغة لا تعطي أيّة مزية لعليّ وأهل بيته علیهم السلام ، ومن هنا يريدون أن يفرّغوا محتوى حديث الثقلين عن أي بُعد عقائدي أو فقهي أو شرعي.وهذا ما صرّح به ابن تيمية؛ قال: والحديث الذي في مسلم فليس فيه إلّا الوصية باتّباع كتاب الله، وهذا أمر قد تقدّمت الوصية به في حجّة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: أذكّركم الله في أهل بيتي، وتذكير الأُمّة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدّم الأمر به قبل ذلك، من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدّم بيانه قبل غدير خم، فعلم أنّه لم يكن في غدير خم أمر يشرع نزل إذ ذاك، لا في حق عليّ ولا غيره، لا إمامته ولا غيرها (1.)ومن المعاصرين: شعيب الأرنؤوط، الذي هو على هوي ابن تيمية، وعلى نفس هذا النهج؛ فهو عندما يصل إلى هذا الأمر بعد أن يشير إلى الرواية - يقول: كلّ ما في الأمر هو: وجوب مراعاتهم ومحبّتهم، واجتناب ما يسوؤهم، والاحتراز عمّا يؤذيهم، بقرينة وبشهادة حديث مسلم؛ إذا ليس المراد: إن اتّبعتم أهل بيتي لن تضلّوا، وإنمّا هذا مفعول لفعل محذوف، أذكّركم الله أهل بيتي، فقال: إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي؛ فقوله هنا: وعترتي أهل بيتي منصوب بفعل محذوف، يعني: احفظوا عترتي، أو: أُذكّركم الله في عترتي، كما هو نص مسلم (2.)وللرد عليهم لابدّ من الإشارة إلى أمور:الأمر الأول: إنّ الحديث إنمّا يقبل من الشخص، حتّى لو كان صحابياً، إذا كان حين بيانه للحديث تام الضبط، يعني كان ضابطاً، وهذا ما يصرح به علماء الحديث،


1) منهاج السنة النبوية 4: 255.

2) مسند أحمد بن حنبل، بتعليق الأرنؤوط 17: 175.

ومنهم الوهّابية؛ قال ابن عثيمين: فالصحيح لذاته ما رواه عدل تام الضبط (1.)إذاً لابدّ أن يكون لا فقط ضابط وإنمّا في أعلى درجات الضبط، حتّى تكون الرواية صحيحة في نفسها، والرواية التي وردت في المقام في صحيح مسلم: عن زيد بن أرقم، وهو صحابي، ولكنّه حين بيانه لهذه الصيغة لم يكن تام الضبط، فلا يُقبل قوله لأنّه يقول: يا ابن أخي والله لقد كبرت سنّي وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلّفونيه (2، فلا يعتمد على ضبط هذا الشخص وإن كان صحابياً عادلاً.)فصيغة مسلم لا يوجد فيها عنصر الضبط، فكيف يمكن أن تكون هذه الصيغة الواردة في صحيح مسلم هي الصيغة المحورية وباقي الصيغ تكون راجعة إليها ومؤوّلة لها؟!الأمر الثاني: إنّ عبارة زيد بن أرقم من الأوّل إلى الآخر، ظاهرة في أنّه ينقل بالمعنى لا أنّه ينقل الألفاظ ؛ يقول : فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه... قام رسول الله ... فينا خطيباً بماء يدعى خماً... فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال.... فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال:...(3.)إذاً تبيّن أنّه إمّا قصد قطع الحديث خوفاً ، وإمّا أنّه نسي ولا يتذكّر إلّا هذا القدر!وكلّ هذه العبارات تدلّ على أنّه نقل النص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمعنى.والوهّابية عند تعرّضهم لهذه الرواية؛ لتضعيف أصل: (وعترتي، والقول بأنّ الصحيح هو: (وسنّتي)، قالوا: بأنّ هذا النص الوارد في صحيح مسلم لا اعتبار به؛)


1) مصطلح الحدیث 7: 13.

2) صحیح مسلم 7: 122.

3) صحیح مسلم 7: 122 .

لعدّة أسباب:أولاً: عدم وجود الضبط.ثانياً: أنّه نقل بالمعنى.وهذا ما صرّح به صالح بن عبد العزيز بن محمّد بن إبراهيم آل الشيخ، قال: لأنّ هذا الحديث حصل فيه اختصار في الروايات، وزيد بن أرقم ذكر بأنّه اختصر الكلام، كما في صحيح مسلم، وأنّه لم يسقه بكامله (1.)فإذا كان هذا النص الوارد في صحيح مسلم نصاً ناقصاً ومبتوراً، فكيف أمكلن الوهّابية القول بأنّها صحيحة، وفهم الروايات الأخرى على أساسها ؟!الأمر الثالث: إنّ الواقعة التي رواها مسلم وقعت في غدير خم؛ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكّة والمدينة(2. ومن المعلوم بأنّ)سل الله عليه والهرسول الله صلی الله علیه وآۀه وسلم لم يقف في هذا الموقف إلا مرة واحدة، لأنّه لم يحج بعدها؛ إذ ارتحل عن هذه الدنيا قبل حلول موسم الحج التالي، واتّفقت كلمة علماء المسلمين على أنّ رسول الله في واقعة غدير في واقعة غدير خم أوصى لعليّ علیه السلام؛ فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، وقد حذفت من الرواية، وهذا يكشف عن أنّ الرواية غير تامة وناقصةومبتورة.ويدلّ على ذلك أيضاً ما أشار له الألباني قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، ورد من حديث زيد بن أرقم... حديث زيد: وله عنه طرق خمس:لمّا دفع النبي من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقُممن، ثمّ قال:«كأَنِّي دُعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله،


1) اللآلىء البهية في شرح العقيدة الواسطية 2: 461.

2) صحیح مسلم 7: 122 .

وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها؛ فأنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض... ثمّ قال: إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ثمّ إنّه أخذ بيد علیّ فقال: من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». صحيح على شرط الشيخين (1.)فخمسة طرق عن زيد كلّها فيها حديث الثقلين وال من والاه، ولكن في صحیح مسلم لم ترد هذه المقاطع !!لقد تلاعبوا بها بمثل هذه الطريقة الواضحة؛ لأنّ زيد بن أرقم نقل هذا النص وله طرق خمس صحيحة، كما ذكر الحاكم، وهذا خير شاهد على أنّ مسلم تلاعب بالحديث، والبخاري لم يذكره أصلاً.فالصيغة الواردة لحديث الثقلين في صحيح مسلم لا يمكن قبولها بأيّ مقياس من المقاييس العلمية، والذي يريد أن يقول: إنّ هذه الصيغة هي أصح الصيغ، فعليه أن يجيب على هذه التساؤلات.والصيغة الصحيحة والمعتبرة هي: ما نقلها كبار أئمة وعلماء أهل السنة والجماعة، منهم: الحاكم النيسابوري؛ قال: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقمُمن فقال: كأنّي قد دُعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيها؛ فإنهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ ،مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليّ رضي الله عنه، فقال: من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها 4 330، رقم الحديث 1750.

بطوله (1.)ومنهم: النسائي، مع إضافة لم يذكرها الحاكم ؛ قال: عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله صلی الله علیه آله وسلم عن حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقُممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظرواكيف تخلفوني فيها؛ فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا على الحوض، ثمّ قال: إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت وليّه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه (2.)وأخرجه الطحاوي، وقال: هذا الحديث صحيح الأسناد لا طعن لأحد في رواته(3.)ويستثنى منهم أمثال ابن تيمية وأتباع ابن تيمية من الوهّابية، أُولئك الذين يثقل عليهم أن يكون مثل هذا المقام لعليّ، ولهذا صرّح في منهاج السنّة بأنّه: لم يثبت في حديث غدير خم لا إمامة لعلى ولا غيرها.الوقوف على تزوير الحقائق يدعو للهدى:بعد أن اطّلعت «أُمّ حسين» على الحقائق، وعرفت الزيف والتزوير الذي قام به أعداء الشيعة من أجل طمس فضائل أهل البيت علیهم السلام، قررت اتّباع الحقّ واتّباع مذهب أهل البيت علیهم السلام.تقول «أُمّ حسين» عن بداية تأثرها بالمذهب الشيعي:... كنّا في بداية الأمر


1) المستدرك على الصحيحين 3: 109.

2) السنن الكبرى للنسائي 5: 130 .

3) مشكل الآثار 2 308 - 309 .

نجد صعوبة لمخالفة مذهبنا ومذهب أهلنا، وبعد بحثنا وأخذنا بالأدلّة، وخصوصاً من كتب السنّة والقرآن الكريم، وجدنا أنّ مذهب أهل البيت علیعهم السلام هو طريق النور،والهداية إلى طريق الحق ، والطريق إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.وجدناه مذهباً متكاملاً يعطي نظاماً ثابتاً للحياة، وذلك بضرورة وجود المعصوم من آدم علیه السلام إلى ظهور الحجّة علیه السلام.كيف لا نؤمن بالأئمّة علیهم السلام و حديث الثقلين حجّة على كلّ الناس في كلّ زمان ومكان، وأنّ أهل السنّة للأسف في بلدنا يعرفون هذا الحديث، ولكن بسبب التراث الذي ورثوه من السلاطين الظلمة لم يهتمّوا به (1.)


1) ذكر استبصارها موقع رافد للمعلومات www.rafed.net، كما أشير إلى جملة من كلامها بعد الاستبصار في صحيفة «برتو» الناطقة بالفارسية بتاريخ 4 شوال 1422ه-

## (40 أيمن عبد الخالق)(سنّی / مصر)ولد في «القاهرة» عاصمة مصر، ونشأ في أسرة سنيّة متدينّة، واصل «أيمن» دراسته الأكاديمية وسافر إلى ألمانيا لإكمالها عام 1402ه-، وبعد عامين تخرّج من الجامعة هناك بشهادة طبيب تخصّص باطنية.في المجال العقائدي أحسّ «أيمن» منذ بلوغه مرحلة الرشد الفكري أنّ استدلالات علماء أهل السنّة غير مقنعة في كثير من الموارد، يقول:.. على سبيل المثال: إنّ أهل السنّة يعتقدون بعدالة سائر أصحاب النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، إلّا أنّ اعتقادهم هذا غير منسجم مع العقل، فلا يمكننا القول بأنّ مائة وعشرين ألف صحابي كلّهم عدول، كما لا ينسجم هذا المعتقد مع القرآن الكريم، فقد جاء في بعض الآيات الكريمة أنّ بعض من كان يدّعي محبّة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم كان من المنافقين.الصحبة وعدالة الصحابة :إنّ مسألة الصحبة من المسائل التي أسالت حبراً كثيراً وأُثير حولها لغط كثير، ولا يمكن إنكار أهمية هذا البحث بالنسبة إلى من يريد الالتحاق بركب مذهب أهل البيت علیهم السلام؛ لأنّه يعدّ من أركان مذهب أهل السنّة ؛ فأهل السنّة عموماً يعدّون الصحابة جزءاً لا يتجزّأ من إيمان الفرد المسلم، وإذا طعن أي فرد بأيّ واحد من الصحابة فقد اقترف إثماً عظيماً ووزراً كبيراً.

لكن هذه المسألة مسألة عدالة الصحابة - لو يتجرّد الباحث المسلم المنصف للخوض فيها يرى ويعلم علم اليقين أنّها ليسَتْ من المعتقدات المهمة، سواء التي تفقت عليها طوائف المسلمين، كالتوحيد والمعاد والنبوّة، أو التي اختُلِفَ بشأنها، كالعدل والإمامة..فأركان الإسلام عند أهل السنّة خمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة والزكاة، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه.فأين الصحابة من هذه الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام؟!ثمّ أليس لكلّ نبيّ صحابة ؟! فإذا كان الإيمان بصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ضرورات الإسلام أو من أركان الإيمان، فلماذا لا يكون الإيمان بصحابة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى علیهما السلام كذلك؟!ثمّ بأيّ دليل من الكتاب والسنّة نجد أن الإيمان بمسألة الصحابة جميعاً واجب علينا كالإيمان بالله ورسوله؟!الصحابة في القرآن:يقول تعالى في سورة الفتح:(مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا (1). فمن ينظر إلى أوّل الآية يرى أنّ الممدوحين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم عموم الصحابة، لكن انظر إلى قوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ


1) الفتح (48): 29 .

لهم....)فلم يعد الله جميع الصحابة بالمغفرة والأجر، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً، ولو كان الوعد للجميع لقال: (وعدهم الله... ؛ فتأمّل!)ويقول تعالى في السورة نفسها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (1).)وأنت ترى في هذه الآية أن الله تعالى يحذّر الناكثين بأنّهم إنمّا ينكتون على أنفسهم وليسوا بضاري الله تعالى شيئاً.ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (2).)فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين ؛ إذ وصفهم بأبشع وصف، وهو: أنّهم لا يعقلون، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنّهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع أنّهم مؤمنون به صلی الله علیه وآله وسلم.ويقول في سورة الحجرات أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3).)ومن المعلوم والمشهور أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان صلى الله(4بن عفان لأمّه، عندما بعثة إلى بني المصطلق فرجع وكذب على النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، فالله)


1) الفتح (48): 10.

2) الحجرات (49): 4 - 5.

3) الحجرات (49): 6.

4) انظر: تفسير الفخر الرازي، التفسير الكبير :29: 119 ، تفسير الطبري 26: 160، تفسير الدر المنثور 6: 88 .

يصف الوليد ب- «الفاسق»، وأئمّة السنّة يقولون: إنّه عدل؟!ويقول تعالى في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَتْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحْبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(1).)في هذه الآية يذكر الله ويشنّع على المسلمين فرارهم يوم حنين ؛ إذ تركوا النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع ثلّة قليلة عدد أصابع اليد وفروا، وقد اغتر المسلمون في حنين بكثرتهم حتّى قال أبو بكر: (لن تُغلب اليوم من قلّة (2).)وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اتَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3). يقول الفخر الرازي في تفسير الآية وهذا يدل على أنّ كلّ المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك: إنّ خطاب الكلّ وإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن(4).

فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو، وكما لا يخفى فإنّ الله تعالى توعّد الصحابة في هذه الآية بالعذاب الأليم وباستبدالهم بقول آخرين الفرس على رأي - إذا لم ينفروا في سبيله ؛ فأين مدح الله للصحابة هنا؟!

و في سورة التوبة نفسها تقرأ قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَ منفَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم


1) التوبة (9): 25.

2) انظر: الطبقات الكبرى 2 :15.

3) التوبة (9): 38 - 39.

4) تفسير الفخر الرازي 16: 60.

مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَافًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوايَكْذِبُونَ (1).)المشهور أنّ هذه الآية نزلت في أحد الصحابة على عهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وهو: ثعلبةبن حاطب الأنصاري، الذي شكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفقر وطلب أن يدعو له الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بالغنى والثروة، ولما أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال: إنها الجزية، أو: أُخت الجزية، فأنزل الله فيه هذه الآية(2.)إنّ ثعلبة صحابي أنصاري، عاش مسلماً مؤمناً بالله ورسوله لكنّه يوصف بالنفاق كما قال تعالى، فأين عدالة الصحابة جميعاً؟ وأين ما يدّعيه علماء أهل السنّة وأئمتهم؟!ثمّ يأتي من يقول: إذا انتقصت أحداً من الصحابة فأنت زنديق.. فها هو الله ينتقص بعضهم، بل كثير منهم، أفتونا بعلم إن كنتم صادقين!!ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِنَّا غُرُورًا (3).)قد يقول كثير من علماء أهل السنة : أنّ هذه الآية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة، ولكن من ينظر مليّاً إلى الآية فسيجدها تقصد فئتين: المنافقين، ثمّ فئة أُخرى غير المنافقين، وهم: الذين في قلوبهم مرض.ويقول الله تعالى عزّ وجلّ في سورة الأحزاب أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ


1) التوبة (9): 75 - 77 .

2) راجع: أسباب النزول: 170 .

3) الأحزاب (33): 12 .

لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا(1).)قال الفخر الرازي في تفسيره: القائل هو طلحة بن عبيد الله، الذي قال: لئن عشتُ بعد محمّد لأنكحنّ عائشة (2).)وانظر تفسير الآلوسي ؛ إذا يورد رواية عن ابن عبّاس، لكنّه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالاسم فيها وإنمّا بلفظ «رجل»، ثم أورد اسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أيّ دليل (3.)ويقول تعالى في آية أُخرى من سورة الأحزاب: ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (4).)نعم، هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه، ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لأحد، لا لصحابي ولا لزوجة النبي، إنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم بما في ذلك الأنبياء والمرسلين.بل إنّ صحبة الرسول مسؤولية خطيرة ، وكذلك الزوجيّة له صلی الله علیه وآله وسلم ، فمن لم يراعها حقّ رعايتها كان عذابه مضاعفاً ؛ لما رأى من الحقّ ومن هدي الرسول الكريم ؛ فهل بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من هاد، وهل بعده من عظيم ؟!ولولا رسول الله لأخذ عذاب الله كثيراً من الصحابة، كما أخذ السامريّ ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الأنبياء، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (5).)


1) الأحزاب (33): 53.

2) انظر تفسير الفخر الرازي لهذه الآية 25 ،225 ، تفسير الدر المنثور 5: 214 .

3) انظر: روح المعاني للآلوسي البغدادي 22: 74.

4) الأحزاب (33): 30.

5) الأنفال (8): 33.

ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (1).
إنّ الله لا يتأذّى ولكن أذى الله من أذى الرسول، وعليه فكلّ من آذى الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، صحابيّاً أو غيره، فقد آذى الله، وهذا نظير قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله )(2)، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيّات، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجباً.

استفسارات حول حجم الصحابة الحقيقي تهدي لسبيل الحقّ:

بعد وضع مسألة عدالة سائر الصحابة قيد البحث توصّل «أيمن» إلى أنّ ما يعتقده أتباع المذهب الشيعي في هذا المجال هو الموافق للتاريخ، المنطق، والعقل السليم، الأمر الذي جعله يطمئن بصحّة معتقد أتباع هذا المذهب.

وبعد فترة غير قصيرة من البحث والتحقيق بجدّيّة أعلن «أيمن» عن تغي- انتمائه المذهبي واستبصاره عن قناعة تامّة، وكان ذلك عام 1405ه- (1985م) في ألمانيا.

بعد مرحلة الاستبصار قرّر أيمن» شدّ الرحال إلى إحدى الحوزات الدينية الشيعية المعروفة لتنمية رصيده المعرفي(3).


1) الأحزاب (33): 57.

2) النساء (4): 80.

3) أجرت مجلة أخبار الشيعة الناطقة باللغة الفارسيّة في عددها الرابع لقاء مع المستبصر ، ذكر فيه أدلّة الاستبصار بالتفصيل.

(41) حسام الدين أبو المجد

(شافعی / مصر)

ولد عام 1393ه- ( 1974م) في مدينة «الاسكندرية بمصر، ونشأ في أسرة متدينة شافعيّة المذهب.

كان لوالد «حسام الدين» دوراً ملحوظاً في أن يهيئ لأسرته مناخاً إيجابياً للبحث والتحقيق في المسائل التي ترتبط بالعقيدة.

يقول «حسام الدين» عن الأجواء الأسريّة التي تربّى فيها، وكيفية تأثّره بالمذهب الشيعي :

من حسن الحظ أن ولدت في كنف والدين متدينين، زرعا التديّن والأخلاق في أولادهما منذ الصغر، كان أبي رحمة الله ممّن رعته العناية الإلهية بسبب حبّه للبحث والسعي للوصول إلى الحقيقة.. حيث ولد هو أيضاً في وسط أسرة متدّينة ومحافظة.

و في شبابه كانت الهجمة الفكرية للشيوعية قد استوعبت مجموعة من الشباب والمثقفين.. ممّا جعله يتساءل ويفكّر، وبالتالي يبحث إلى أن هداه بحثه إلى ضرورة التمسك بالإسلام والعمق به أكثر ؛ لأنّه الحقيقة التي يبحث عنها الإنسان.. لذا بدأ يسأل ويبحث عمّن يمثّل الإسلام ومن هو البجسّد له؟؟

في تلك الآونة كانت هناك جماعات إسلامية عدة.. كلّ يدّعي أنّه الممثّل له

والداعي له، وأنّه المحقّ وغيره على باطل.

في سبيل الوصول الله تعالى انضمّ أبي الجماعات عديدة، منها: «أنصار السنّة، و«الإخوان المسلمين»، و«القطبيين»، و«التوقّف والتبيّن»، و«التكفير والهجرة»، وكان يخرج من كلّ جماعة ؛ لملاحظته أُمور لا يمكن أن تمَّت للإسلام بصلة... إلى أن خرج على عقيدة التكفير والهجرة مهاجراً إلى اليمن، وهناك كان الخبر واليمن كله ينتظره ..

إذ في ذلك الوقت كانت هناك شعلة وثورة إسلامية في إيران.. الإعلام كلّه يتحدّث عنها، وهي تتحدّث عن نفسها: أنّها ثورة إسلامية.

ثورة إسلامية!! كيف ؟؟ أليسوا هؤلاء بشيعة ؟؟ والشيعة قوم خارجون عن الملّة ؟؟ ولا يُعدّوا من المسلمين؟؟ كما قرأنا ذلك وأخبرنا به علماؤنا؟؟ هكذا كان يساءل أبي له باندهاش وحيرة، لكن ليس هذا الوجه وهذه السيماء بسيماء كفرة، أو خارجين عن الملة !! ليس هذا الكلام الذي يقوله قائد هذه الثورة بكلام ينم عن كفره، أو كفر هذه المجموعة الثائرة.. هكذا كان انطباع أبي رحمة الله عن الثورة وقائدها السيد العالم الفقيه الخميني قدس سره بدأ يتساءل أبي: لماذا لا أقرأ عنهم وأتعرّف عليهم من يكونون؟؟

ظلّ والدي رحمة الله يفكّر ليلة بكاملها، وكان ينظر مجيئ الفجر بفارغ الصبر.. بدأ نور الصباح ينتشر .. سرعان ما تهيّاً أبي رحمة الله للنزول قاصداً العاصمة صنعاء.. وفي مدخلها لمح مكتبة (كشك) تفترش الأرض أكثر عناوينها معروفة لوالدي رحمة الله . لكثرة قراءته كان يعرفها.. جال النظر في المكتبة إلى أن أسر عينه كتاب، دقّق أبي رحمة الله النظر جيّداً، وجده كتاباً غريباً عليه ولم يره أو يسمع به من قبل.. اشترى الكتاب وفوراً رجع إلى المنزل..

اعتكف عليه، قرأه مرّات عديدة، وفصولاً منه تحديداً، تُرى ما هذا الكتاب

الذي جعل والدي يقرأه في تلك الليلة عدّة مرّات، ويراجع بعض فصوله مرّات ومرّات؟؟

ترى ما هذا الذي وجده في هذا الكتاب؟؟

(المراجعات).. كان هذا عنوان الكتاب الذي جعل أبي رحمة الله يراجع نفسه وفكره، ويراجع حياته كلّيا.. كان هذا الكتاب الذي جعل فجر الحقيقة يأتي على ليل الوهم ويبدّده للأبد...

حان الفجر .. وكانت أوّل صلاة يصليها والدي رحمة الله بعد انقشاع الفجر الكاذب...

وهكذا شملت أبي، ومن بعده أمّي، ومن بعدهم نحن (أولادهم) العناية الإلهية، فكان أبي رحمة الله سبب وصولنا وسبب الرحمة التي شملتنا.

استبصار الأب وتأثيره على الأسرة:

يقول «حسام الدين بعد استبصار أبي كان يراوده السفر لدول بها مجتمعات شيعية، ليعيش بينهم، ويراهم عن قرب، خاصّة علماءهم، ولكي يتربّى أولاده في مجتمع شيعي أصيل، لذا سافرنا إلى سوريا، وبعد عامين سافرنا منها إلى الجمهورية الإسلامية.. وهناك بطبيعة الحال كان التطوّر أكبر.. وفهم الإسلام أعمق..

وهناك تركت الدراسة الثانوية التي كنت التحقت بها وتوجّهت للدراسة الحوزوية التي عشقتها ووجدت فيها ما أرومه من علم وفكر وأخلاق، والأهمّ.. علماء.

هذه المسألة أربكتنى وجعلتنى حائراً.. وكانت هي الدافع الذي دفعني للبحث وعدم اكتفائي بما تربيت عليه وما قاله لي والدي رحمة الله .. فطفقت أبحث وأتساءل مع نفسي.. إلى أن هداني ربي جل وعلا بالبراهين الواضحة والدلائل النيرة.. فتثبتت الحقيقة، وأشرقت شمس الهدى.

المصاعب بعد الاستبصار :

لم يسلم «حسام الدين» بعد استبصاره من المشاكل والمصاعب ؛ فقد ثمّ اعتقاله ووالده وأخيه الأصغر عام 1414 ه لمدة عامين بتهمة التشيّع والانتماء لمذهب أهل البيت علیهم السلام، كما اعتقل ثانية عام 1426ه-.

مؤلفاته:

له عدّة مؤلّفات، أكثرها ضاع في زحمة الأسفار، أو بسبب المصادرة والاعتقال، منها:

•

فلسفة الحكم عند الإمام علي علیه السلام.

•

الرفاق وسفينة النجاة (رواية).

•

كيف تستكمل حقيقة الإيمان (شرح روائي لإحدى روايات المعصومين علیهم السلام ) .

•

مفتاح السعادة (بحث حول مداليل روايات فضل زيارة المعصوم والبكاء علیه).

•

جامع الأحكام الشرعية (الاستدلالية)، شرح استدلالي لكتاب جامع الأحكام الشرعية للعلامة السبزواري رحمة الله.

•

شرح اللمعة الدمشقية (شرح استدلالي لمتن اللمعة).

•

المعرفة والمعرّف (حوار حول الإمامية).

وقد قام مركز الأبحاث العقائدية بطبعه ضمن سلسلة «الرحلة إلى الثقلين»، العدد 24.

•

المباحثات ( في علم أصول الفقه).

•

روضة الحقائق في تعبير الإمام الصادق علیه السلام .

•

المنهج وقواعد النقد الفكري.

وقفة مع كتابه «المعرفة والمعرف»

يشرح المؤلّف في بداية الكتاب فكرة «المعرفة والمعرّف»، فيقول:

قابلت - ذات يوم - شابّاً من الشباب ممّن يتمتّعون بثقافة عالية وسعة أُفق، قليلاً ما نجدها في هذه الأيام، تحدّثنا في أمور شتّى، وتطرّقنا إلى مواضيع مختلفة، يهمّني من تلك المواضيع الحوار الذي دار بيننا على مدى أيّام متعدّدة، ذلك الحوار الذي أثمر ثمرة هامّة سيمتدّ أثرها إلى ما شاء الله تعالى من أجيال قادمة.

إنّه حوار بشأن مسألة تخص الإنسان في صميم ذاته، في دينه، في أفكاره في سلوكه.

إنّها مسألة الإمامة والسفارة الإلهية بين الله وخلقه، أو بعبارة أُخرى (المعرفة والمعرّف) ؛ إذ تلّخص هاتان الكلمتان فلسفة الإمامة كلّها، بل فلسفة خلقنا. فقد كنت أحبّه على التمسك بالدين الإسلامي، والعمل بمقتضاه، وما إلى ذلك، فأحسست منه استثقالاً، وعدم رغبة في سماع كلامي، فقلت له: ما بك؟ أتريد تغيير الموضوع؟ أم مشغول بشيء تريد الانصراف له؟ أم ماذا؟

فقال: بصراحة تامّة إنّ موضوع الدين مشكل بالنسبة لي.

فحملقت في وجهه متعجباً، لكنّى تداركت ذلك وأثرت له أن يواصل حدیثه.

فقال: لا تعجب ؛ فإنّ الدين الذي تتحدّث عنه أصبح موضوعاً اعتباريّاً.

زاد تعجّبي، واشتدّت ،دهشتي ثمّ واصل حديثه قائلاً: أيّ دين تحثّني على

التمسك به ؟

هل الدين الأشعري أم الماتريدي؟ أم المعتزلي؟ أم الشيعي؟ أم أم... قائمة طويلة من فرق متعدّدة، وكلّها تدّعى الإسلام.

بالله عليك، هل الله سبحانه يرضى بهذه الاختلافات؟ ألم يرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليبيّن للأمّة أمور دينها؟ أي أن الدين ،واحد فمن أين أتت كلّ هذه الفرق؟ وهل يعقل أن ننسب جميعها إلى الصواب؟!

للأسف أقول عن نفسي: إنّي مسلم!

وأخرج لي بطاقته الشخصيّة، وقال: انظر ما كتب مقابل الديانة: (مسلم)،

وهكذا الكل، من منّا يعرف دينه؟!

يا صديقي الكلّ تائه في فلاة ليس لها بداية أو نهاية، الكلّ يريد النجاة من هذه الفلاة، الكلّ يفكّر، يخطط ، يتوهّم طريقاً بظنّه كذلك، بل يتيقّن أنّه ذلك، بل وإنّ غيره لن يوصل إلى النجاة مطلقاً، توهّم طريقاً، بل وحصر النجاة في السير عليه هذا هو حالنا يا صديقي، فرق متعدّدة، ومذاهب شتّى، وأفكار متقابلة، اختلاف مطلق أو كاد... وبعد كلّ ذلك تقول لي: تمسّك بالدين!!

فقلت له: أولست متّفقاً معي على أنّ أساس الدين هو الكتاب الكريم والسنّة المطهرة؟!

قال: نعم، وليس غير ذلك.

فقلت: إذا تمسّك بالكتاب والسنّة.

فقال: يا أخي، إنّي لست مختصّصاً في الدين، نعم، أقرأ القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وأفهم بمقدار ما أستطيع، وليس من المعقول أن يكون مطلوباً من كلّ فرد مسلم أن يتفقه في الدين، ويتخصص في ذلك، وإلّا لاختل نظام الحياة، لذلك كان هناك فقهاء بالشريعة علماء بالدين، يرجع إليهم عند الجهل أو الشبهة أو الشك،

فيكشفون ذلك بما أوتوا من معرفة وعلم..

هذا هو المفترض، ولكنّ الواقع غير ذلك، فإنّ بالرجوع إليهم تزداد الحيرة، وتتوسّع رقعة الإبهام، للأسف فكلّ عالم ينصر مذهبه، ويؤوّل الآيات ويحوّر فهم الأحاديث بما يطابق أفكاره وتوجّهاته، وإن خالفت العقل والفطرة.

فقلت له: تلك اجتهادات، ولكلّ رأيه.

فقال غاضباً: اجتهادات ؟! أصبح كلّ ما في الدين مسرحاً للاجتهاد؟ إذ أليس هناك دين من الأساس، فكلّ له رأيه، فالآراء هي الدين إذاً، وليس الكتاب والسنة، وإنّما هي مجرّد واجهة تتمرّس وراءها الأفكار والآراء فقط ؛ لتكتسب منها شرعيّتها، ولتقبلها العامّة بلا جدال.

فقلت: يظهر منك أنّك متحامل على العلماء كثيراً، وتحمل تجاههم أفكاراً مسبقة.

فقال: لا والله، ولكنّي أقول ما هو واقع، إنّي أتمنّى أن أجد تخلصاً ممّا أنا فيه : فإنّي في حيرة لا تدري بها، ثمّ أطرق لحظات برأسه محاولاً مداراة ألمه وحيرته، ثمّ نظر لي بتعّجب واستفهام قائلاً: ولكن أولست أنت واقعاً في هذه الحيرة؟!

قلت: لا.

فقال : لا .. كيف؟!

قلت: الأمر بسيط للغاية، يحتاج إلى تجرّد و تعقّل فقط، فإذا تجرّدت وتعقّلت أبصرت ما لا يبصره غيرك، فبدا عليه الاهتمام والتأمّل بشدّة في الكلام.

فقال لي: بالله عليك، إلّا ما بصّرتني بما أورثك كلّ هذه الطمأنينة والثقة واليقين.

المعرّف وهدف الخلقة :

قلت: لنعود إلى الوراء، إلى حيث المبدأ من بعيد، إلى بدء وجودنا، فنحن نعلم

بوجودناكمخلوقات لابد وأن يكون لنا خالق، ونعلم كذلك أنّنا لم نخلق أنفسنا، ولا خلقنا من هو مثلنا، فتعيّن أن لنا خالقاً واحداً، أحداً، عالماً، وحكماً، وقادراً، قيّوماً، ومن هذه صفته فله هدف وغاية من إيجادنا ؛ لأنّه لا يجوز عليه - على ما وصفنا - العبث واللهو واللعب، فوجد على كلّ عاقل أن يسأل نفسه: ما غاية خلقنا؟

فالعقل عندما يرى نعم خالقه متواترة عليه في نفسه والكون من حوله، لا يملك سوى الانحناء لخالقه إجلالاً وتعظيماً وشكراً له وحياءً منه، هذا ما يدركه عقله ويوجبه عليه، ويدرك أنّ الخالق سبحانه لم يخلق هذا الكون وهذا الإنسان عبثاً، وقد بين تعالى في كتابه الكريم هذا المعنى، فعندما نرجع إلى كلامه جلّ وعلا نراه محكماً في معناه، إذ قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِنَّا لِيَعْبُدُونِ (1).)فعلمنا أنّ مراده «جلّ وعلا» عبادته وطاعته والانقياد له، وإذ لا يمكن أن يترك الله لنا السُبل مفتوحة للوصول إلى ما أراد ؛ لأنّ العقول متفاوتة في الإدراك وكلّ سيدرك هدفاً غير الآخر، بينما الهدف واحد ، ولا يمكن أن يتعدّد، لذا اختار الله من بين البشر أناساً لهم صفات معيّنة، ليقوموا بهذا الدور الإرشادي التوجيهي، وليبلFغونا غاية خلقنا، كما أرادها رب العالمين جلّ وعلا.هنا قال صاحبي : ولم لا يهدينا الله بشكل مباشر، إذ هو قادر على أن يهدي كلّ إنسان بطريقة أو بأخرى؟قلت: لا يمكن ذلك ؛ لأنF الله سبحانه وتعالى - أراد من وجودنا في هذه الحياة أن يختبرنا، ومعنى الاختبار أن يكون الإنسان في وضع الاختيار بين طرف وآخر، أو بين أطراف متعدّدة..المهمّ أنّ الاختيار الموجّه للإنسان يتضمن الاختيار الإنساني، أي: أن الله - سبحانه وتعالى خلقنا وهيّأ لنا الحياة الطيبة على الأرضِ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ


1) لذاريات (51): 56 .

زِينَةٌ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (1)لكي يترك زمام الاختيار إلى الإنسان نفسه ؛ لأنّ الإنسان يختلف عن الملائكة وعن الحيوانات الأخرى، فهو يتمتّع بميزتين معاً: العقل والقوّة الشهوانية، وهما معاً لا يوجدان في الملائكة ولا الحيوان، لذا الإنسان هو الوحيد (ومعه الجن) المكلّف ويترتب على هذا التكليف جزاء، إمّا الثواب أو العقاب.)فكان من الطبيعي أن يترك الإنسان إلى اختياره ليحدّد مصيره بكامل إرادته، وذلك بعد أن بيّن الله تعالى له أنّ في الدنيا طريقين: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (2.)الآن يواجهنا سؤال هام للغاية، وهو: كيف نعبد الله تعالى؟ فإذا كان الهدف هو العبادة، فبأي طريقة وكيفية تتحقّق ؟ والجواب المنطق على ذلك هو: بالمعرفة.أي أنّنا لا يمكننا أن نعبد الله تعالى إلّا إذا عرفناه، فبقدر المعرفة تكون العبادة، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (3). فكلّما ارتقى الإنسان في المعرفة الإلهيّة كانت عبادته أرقى وأكمل، فمعرفة الله سبحانه هي أساس العبادة ؛ إذ قد يعبد الله تعالى من لا يعرف الله، ولا يعرف صفاته، ولا أوامره ونواهيه، ولا يعلم أيّ طريق فيه رضاه، وأيها فيه غضبه - جلّ وعلا -- لذا رفع الله العلماء (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )(4).)وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةً رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (5).)


1) الكهف (18): 7.

2) الإنسان (76): 3.

3) فاطر (35): 28.

4) المجادلة (58): 11.

5) الزمر (39): 9 .

وعلى مدار التاريخ الإنساني وجدت طوائف كثيرة تعبّدت الله بطرق اخترعوها من تلقاء أنفسهم، فضلوا الصراط السوي ؛ لأنّ العالم بحقائق الأمور، والعالم بما فيه مصلحة الإنسان وما فيه ضرره هو الله تعالى، لذا انحصر طريق العبادة بما يعرّفنا به الله تعالى..وكما ذكر من قبل بأنّ الحياة امتحان، وأنّ الله تعالى ارتضى لنا طريق عبادته، فكان من تمام رحمته - جلّ وعلا - أن يدلّنا على كيفيّة عبادته، أيّ: أن يعرّفنا ذلك، فكان لابدّ من معرّف ؛ لكي لا نخطأ الطريق، ولئلا يكون للناس على الله حجّة، وهو - سبحانه - له الحجّة البالغة على الخلق أجمعين ؛ ولأنّ الله حكيم منزّه عن العبث سبحانه.وهكذا كان ؛ فأبوا البشر علیه السلام هو أوّل معرف وجد في أوّل مجموعة بشريّة على وجه الأرض، واحتفظت تلك المجموعة بإيمانها إلى أن تكاثر وا فهجم التفكير المنحرف عليهم، فأوردهم موارد شتّى كلّ اختار طريقاً، وتيقّن أنّ النجاة في سلوكه فاقتضت رحمة الله تعالى وحكمته بعث معرّف يعرّف خلقه معالم الطريق حتّى يكونوا على بصيرة من أمرهم ؛ قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ (1)..)فعلى هذا، علّة الخلق: العبادة، وعلّة وجود المعرّف: بيان الطرق الصحيحة للمعرفة والعبادة التي يرضاها الله تعالى.قال صاحبي لو فرضنا عدم وقوع الاختلاف في معرفة الحقيقة والعبادة الصحيحة، فهل يعني ذلك عدم الاحتياج للمعرّف؟قلت: نعم، ما دام المجتمع البشريّ مجمعاً على «الصراط المستقيم»، فلا حاجة للمعرّف بعد ذلك، ولمّا كان الاختلاف بين الناس، وهو طبيعة بشرية، اقتضى ذلك


1) البقرة (2): 213 .

وجود المعرّف دائماً ؛ ليبيّن الحق من الباطل، وليكون حجّة على العباد.وفي هذا الأمر يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (1)، فالاختلاف باقي ما بقي البشرإلّا من رحمهم الله بالاجتماع على الحق الذي عرفهم إيّاه المعرّف، ولذلك خلقهم.)فالاجتماع على العبادة هو هدف الخلقة، ولذا نقرأ كل يوم في صلاتنا الخمس في فاتحة الكتاب: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (2)، فمادم الاجتماع على العبادة لا يتم إلّا بوجود المعرّف، الذي يجتمعون بسببه على الحق، وعلى دين الله سبحانه، كان بوجود المعرّف رحمة الله تعالى. فالرحمة تدور مدار الاجتماع على دين الله تعالى، والاجتماع يدور مدار وجود المعرّف وعدمه، فالرحمة تدور مدار وجود المعرف وعدمه..)فحجج الله تعالى رحمة الله في خلقه، وهم محلّ الرحمة الإلهية ؛ قال تعالى: (وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِي وَلَا نَصِيرٍ (3)، الآية الكريمة قسمت الناس إلى قسمين: المرحومين والظالمين.)المرحومون هم من اجتمعوا على دين الله بهداية المعرّف، وما عداهم فهم الظالمون.إذا فهدف بعث الرسل هو تصحيح المسار وتوضيح معالم المحجّة، تلك كانت مهمتهم، والعلّة الغائيّة لإرسالهم ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُو أَكَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (4).. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ )(5)، فهناك عبادة، وهي الغاية، وهناك)


1) هود (11): 118 - 119 .

2) الفاتحة (1) 5 .

3) الشورى (42): 8.

4) النحل (16): 36 .

5) الأنبياء (21): 25.

المعرفة، وهي شرط لتحقّقها، وهناك المعرّف، الذي هو العلّة لتحقّقها، وهناك الرحمة الإلهية التي هي لازم مجموع العبادة والمعرفة والمعرّف.ويتّضح ممّا ذكر أمر آخر، وهو: أنّ العبادة هي الصراط المستقيم، وبما أنّ المعرّف هو الذي يدلّنا على العبادة، وهي نفسها الصراط، فالمعرّف إذا هو باب الله الأوحد، فلا يمكن الوصول إلى الله بغير طريقه ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٌ (1)وهل من الممكن أن يعتصم أحد بالله بغير طريق رسوله، ويصل إلى الصراط المستقيم ؟!)تفویض اختيار المعرّف مستحيل :وطالما أنّ المعرّف له الخصوصيات المتقدّمة، فإنّ تعيينه يتطّلب دقّة متناهية في الاختيار، أي: لابدّ وأن يكون أكمل أهل زمانه، وأفضل من يُبعث لهم، فالمرسل عرفاً - يرسل أفضل رسول لديه ينطق عنه فبالرسول يستدلّ على المرسل، وهنا المرسل هو الكامل المطلق، فلابد وأن يكون الرسول أقرب الخلق إليه، ومن هكذا صفته أنّى للبشر اختياره، مهما بلغوا من كمال إلّا أن يكونوا على حد المعرف نفسه، فتنتفي حينئذ فائدة بعثه، فالمرسل يجب أن يكون هو الذي يختار المعرّف ؛ لأنّه هو وحده العارف به، وهناك نماذج عديدة لمحاولات البشر في تعيين مصيرهم وطريقهم للسعادة ولكنّها باءت بالفشل.فالاختيار إذاً الله وحده، متعلّق به كاله وربّ لنا، يستحيل أن يتعلّق بغيره، وفي ذلك يقول الله سبحانه بأوضح بيان: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (2)، فالخلق والاختيار له سبحانه: ﴿ مَا كَانَلَهُمُ الْخِيَرَةُ ...)


1) آل عمران (3): 101 .

2) القصص (28): 68.

فالاختيار شأن خاصّ بالله، فيجب التسليم المطلق لاختيار الله سبحانه - وإلّا وقعنا في دائرة الشرك بالله، فمن اختار معرّفاً وهادياً دون الرجوع الله سبحانه، فهو مشرك بالله تعالى معنى ذلك أنّ رحمة الله تقتضي إرسال المعرّف، وتعريفه لخلقه ؛ لتكتمل الحجة عليهم، وتنقطع أعذارهم.علامات المعرِّف :قمة أمران يُعرف بهما المعرِّف - هذا مع كماله في نفسه، وأهليّته لذلك، وهذا غنّي عن البيان - وهما: ادّعاؤه الرسالة، وإتيانه بالمعجز، وهو: البيّنة على دعواه، فلو تمّ الأمران وجب التسليم لذيها بلا أدنى ريب.وهذا المعرّف الذي يأتي بالرسالة مقترنة بالآية (المعجزة يسمّى ب-: (الرسول)، فإذا انتهت مدّة حياته في الدنيا قام مقامه من يسمى ب-: (الإمام)، فالمعرّف هو : رسول الله، وهو ميلاد الرسالة وبدؤها ، والإمام هو استمرار وامتداد للرسول والرسالة، ولابد أنّ يكون كاملاً كمال الرسول، واختياره كذلك أمر مختص بالله تعالى كما هو الحال في اختيار الرسول.)قد تستفسر : هل يجب أن يكون الإمام بهذه الصفة ؟ وبأيّ دليل؟والجواب عن ذلك واضح بعد ما تقدّم بيانه ؛ إذ الاختلاف طبيعة لازمة من اجتماع البشر، نظراً لتفاوت العقول، ورحمة الله وحكمته تقتضيان وجود معرِّف يعرِّفهم وجه الحقّ والصواب في ما اختلفوا فيه، ونفس البيان آنف الذكر يرد هنا فاتّضح أنّ الإمام يجب أن يكون أكمل أهل زمانه، وإلّا انتقض الغرض، وانتفت فائدة نصبه، إذاً عدم وجود الإمام معناه عمليّاً موت الرسالة وهلاك البشر، وعدم كونه كاملاً يؤدّي إلى نفس النتيجة، فوجود الإمام الكامل هو المتعيّن.إذا وجب أن يكون هناك معرّف طالما هناك بشر، سواء كان رسولاً أو إماماً. قال صاحبي : هناك فرق بين الرسول والإمام، فالرسول يأتي بكتاب فيه

تبيان كلّ ما تحتاجه أمته، فوجود الإمام زائد عن الحاجة، فقبل الرسول لم يكن هناك كتاب يرجع إليه عند الاختلاف، فألّحت الحاجة إلى وجوده وقد أورث أُمته هذا الكتاب، يرجعون إليه في قضاياهم ومنازعاتهم، فقياس حاجة البشر إلى إمام بحاجتهم إلى رسول قياس مع الفارق.قلت: إذا كان الكتاب كافياً في حسم النزاعات، وتبيين الحائق بلا مبيّن، فما الذي حدث بعد وفاة أو استشهاد النبي ؟ ما الذي حدث في أُمّته؟ فقد وقع اختلاف صارخ في القضايا الأصليّة والمصيرية، فضلاً عن القضايا الفرعيّة والثانوية، هذا مع ادّعائهم كافّة الاعتصام بالكتاب، وإسناد معارفهم إليه؟إنّ وجود الكتاب مع عدم اقترانه بشارح ومترجم لمعانيه المرادة لا يصدر من حكيم خاصّة إذا كانت لغته في أعلى قمة البلاغة والفصاحة والمعارف الإلهية.. نعم، قد يفهم منه بعض القضايا الإجمالية على سبيل اليقين، ولكن في الأمور التفصيليّة كافة أقصى ما يمكن أن يوصل إليه لا يرقى إلى أدنى درجات اليقين فلابدّ من وجود عالم بالكتاب المنزل، يكون هو المرجع في فهمه، ولأنَّ غيره من بقيّة البشر ليس لديهم العلم بالكتاب، فلا يمكن لهم بحال من الأحوال اختيار العالم به، فالجهل بالمعلوم جهل بالعالم به.إذاً اختيار العالم المرجع الذي هو الإمام، لا يخلوا إمّا من منزل الكتاب سبحانه، أو الرسول المنزَل عليه ؛ لأنّه هو وحده من دون بقيّة البشر عالم بمن هو أعلم بالكتاب ، وحيث أنّ الرسول لا يفعل ولا يقول إلّا بأمر من الله سبحانه فيكون تعيينه للإمام بعده بأمر الله سبحانه وتعالى.فقال لي صاحبي ما قلته أمر كلّي وقاعدة عامّة، تنطبق على كلّ العصور، وما قلته في ذلك لا غبار عليه ؛ فما جئت به أقوى الحجج، وأكمل البراهين.. نوّر الله قلبك كما أنرت قلبي ، وأذهب عنك الشكّ والشبهة و آثارهما، كما أذهبت ذلك عن قلبي،

غير أنّى أُريد معرفة هذا الأمر بعد نبيّنا ورسولنا الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إذ معنى ما ذكرت: استمرار وجود المعرّف بعد رسولنا صلی الله علیه وآله وسلم معيّناً من قبل الله سبحانه وتعالى.ثمّ قال: من هو أكمل أهل زمان ما بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ؟ أليس هو أبو بكر؟ ولكن ما قلته من شرط الكمال غير متحقق فيه، وهو مقرّ بذلك، فكيف يستخلف الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من هذه صفته ؟وأين المعرّف في زمننا هذا؟فقلت: وضعت يدك يا صاحبي على الجرح الأعظم، وذكرت المصاب الجلل، وإنّي بتوفيق الله عزّ ذكره لمبيّن لك هذا الأمر بواضح البيان، ومبرهن لك الحق بأظهر برهان، بما لا يدع لك مجالاً للشكّ أو الشبهة ولله الحمد في الأُولى والآخرة.ولكن أسألك بالله - عزّ وجلّ - أن تسمع كلامي بتفكّر، ولا تجعل لهوى أو عصبيّة سبيلاً إلى عقلك، وأن تدعو الله أن يريك الحق حقاً، ويرزقك اتّباعه، وأن يريك الباطل باطلاً، ويرزقك اجتنابه، وهو وحده الموفّق والهادي.صفات المعرّف ومصاديقه :أوّلاً: قال أصدق القائلين - وقوله شفاء من كل داء -: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)، يستخلص من هذه الآية الكريمة ما يلى: أ) إنّ الإمامة عهد من الله سبحانه بما لا يدع مجالاً لاختيار بشري ؛ فهي جعل من قبله سبحانه: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وهذا كقوله سبحانه في موضع آخر: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (2).)ب إنّ هذا العهد وهذا الجعل لا ينال الظالمين، سواء كان ظلم النفس، أو ظلم)


1) ( البقرة (2): 124.

2) القصص (28): 68.

الغير، بأيّ درجات الظلم، كما هو معنى الإطلاق من الآية.ثانياً: قال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (1).)والمتحصّل منها: أن ثمة خلقاً من البشر على امتداد خطّ البشريّة وحيثما كانوا، مهمّتهم هداية الخلق.. وبسط العدل فيهم ، والفعل المضارع (يَهْدُونَ شاهد على ذلك..)وللتدليل على هذا المعنى قال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءٍ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (2). وقال تعالى: وَمِن قَوْمٍ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (3)، و( مُنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصدَةً وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ)(4)، وغيرها من الدلائل والإشارات كقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )(5)و (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُّسْلِمَةٌ لَّكَ) (6). فكلّها دلائل على عدم خلوّ الأمم، على طول خطّ وجودها، من منذرٍ أو هادٍ.

وهذه الأمّة التي تهدي الناس إلى الحق، وتبسط فيهم العدل إنمّا يهدون بأمر من قبل الله سبحانه وتعالى، ولذا قال سبحانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (7)...)


1) الأعراف (7): 181.

2) آل عمران (3): 113 - 115.

3) الأعراف (7): 159.

4) المائدة (5): 66 .

5) الرعد (13): 7 .

6) البقرة (2): 128 .

7) السجدة (32): 24.

فجعل الأئمّة من قبله سبحانه، والهداية إنّما هى بأمره سبحانه، فمن كان كذلك وجب اتّباعه ؛ لذا قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَا يَهِدِّيَ إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (1).)ثالثاً: قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (2).)والمتحصّل من الآية: أنّ الله سبحانه وتعالى قد اصطفى من هذه الأمة عباداً، واختارهم اختياراً ؛ ليرثوا علم الكتاب الكريم، وليكونوا أهلا لحمله، وهم السابقون بالخيرات.فالمتحصّل من مجمع ما ذُكر : أنّ الإمامة عهد من الله لا يعطى لظالم، فالإمامة تعهد إلى أناس قد اصطفوا من قبله سبحانه ليهدوا بأمره الخلق إلى الحقّ.ومعنى ذلك: أنّ الإمام يشترط فيه أعلى درجات الطهارة، وهي المعبّر عنها ب-: (العصمة، وهي عدم الظلم في الآية الأولى، والاصطفاء في الثانية، وأعلى درجات العلم ؛ إذ لا يعقل الهداية إلى الحقّ بلا علم به، مع أنّ شرط العصمة وحده كافٍ ؛ إذ معنى العصمة: الكمال، فبعد انقضاء حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لابدّ من وجود المعرّف بعده ؛ ليبيّن لنا حقائق الكتاب ومعارفه بعد الرسول ، وهذا المعرف (الإمام) يجب أن يكون معصوماً عن الظلم، وعالماً بالكتاب كلّه. وطالما الأمر كذلك وجب في الحكمة الإلهية تعريفهم لنا ؛ لئلّا نضلّ، وهو الغاية، فلنرى إذاً من هم أمتنا بعد رسولنا الكريم صلی الله علیه وآله وسلم:)قال سبحانه: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (3)، والذكر هو الرسول صبی الله علیه وآله وسلم، وهو: القرآن..)


1) يونس (10): 35.

2) فاطر (35): 32.

3) النحل (16): 43.

والدليل على الأوّل: قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ(1).)والدليل على الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (2).)وكلا المعنيين مراد ؛ فأهل القرآن ،عدله ، وهم على أعلى مستوى من الكمال الذي يناسب كلام الله ، فأهل القرآن على علم كامل به، ومن هذه صفته فلابدّ أن يكون على أعلى قمّة الطهارة.فأهل القرآن هم مطهّرون، وهذا هو المطابق للآية الكريمة: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (3)، فالمطهّرون هم المصطفون من العباد، وهم الأمّة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ؛ لأنّ من يعرف الحقّ معرفة كاملة، هم أهل الكتاب الذين أورثوه، والمطهّرون المصطفون من قبل الله سبحانه..)فمن من الأمّة المطهّرون والمصطفون من قبل الله تعالى؟لا نجد في كتاب الله سبحانه سوى آية واحدة تعرّضت لتعريف المطهّرين من هذه الأمّة، وهم أهل الذكر، أي: الرسول صلی الله علیه وآله وسلم - وهو المعنى الثاني من الذكر - والآية هي: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطْهِيرًا (4)، فحصر الله سبحانه إرادة إذهاب الرجس عن فئه محدّدة، وهم: أهل البيت علیهم السلام، والرجس: القذارة والإثّم ،مطلقاً، وللتأكيد قال تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرًا ؛ لئلّا يدع سبحانه مجالاً للقيل والقال، فهي طهارة مطلقة خاصة بهم (أَهْلَ الْبَيْتِ).)وأهل البيت وضحهم لنا القرآن نفسه في الآية الكريمة: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن


1) الطلاق (65): 10 - 11.

2) الحجر (15): 9.

3) فاطر (35): 32.

4) الاحزاب (33): 33 .

بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1)، والابتهال إنمّا يُقبل من الصادق المخلص المطهّر : فالرسول أتى بأطهر الأمّة، ولو كان هناك من هو أطهر ممن أتى بهم لما أتى بهم، وهو في معرض الابتهال والدعاء للتفريق بين الحقّ والباطل، وقد أتى بأمر من قبله سبحانه وتعالى - فالله أعلم بالشاكرين.)فأتى صلی الله علیه وآله وسلم بمن هو بمنزلة نفسه، والنساء والأبناء، هؤلاء هم أهل بيته، وكما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (2)، فقد بيّنهم لنا بفعله صلی الله علیه وآله وسلم؛ فأجمع الرواة أنّ من اصطحبهم الرسول صلی الله علیه وآله وسلم للمباهلة كانوا أربعة نفر لا غير، وهو الخامس صلی الله علیه وآله وسلم : علي وفاطمة والحسن والحسين علیهما السلام، فأنفسنا هو: علي علیه السلام، و(نساءنا) هي : فاطمة علیها السلام و(أبناءنا) هما: الحسن والحسين علیهما السلام، وما ورد في تفسير آية التطهير كان المطهرون هم الخمسة علیهم السلام.)انظر من مصادر أهل السنّة التي روت هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد صحيحة: صحيح مسلم(3، سنن الترمذي(4)، مسند أحمد بن حنبل(5)، المستدرك للحاكم النيسابوري (6)وغيرها من المصادر الكثيرة.)فمن كان مطهّراً من قبله تعالى» كيف نجرؤ ونقدّم عليه غيره؟ وكيف نثق بمعارف من أخذ من غيرهم علوم دينه؟ وإذا كان لدينا الكامل كيف نتركه ونتوجّه


1) النحل (16): 44.

2) النحل (16): 44.

3) صحيح مسلم :7 130 باب فضائل أهل البيت.

4) سنن الترمذي 5: 361 ما جاء في فضل فاطمة ، و 5: 328 كتاب تفسير القرآن.

5) مسند أحمد 18: 314 ، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده 12: 344، والطبراني في المعجم الكبير 3: 53 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 13: 203، و 14: 141.

6) المستدرك على الصحيحين 3 :147 .

إلى الناقص؟!(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (1، فهل هناك في الأمة أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون غير أهل البيت علیهم السلام ؟)وقد تسأل: ومن الإمام بعدهم علیهم السلام إلى زمننا هذا؟والجواب: إنّ القرآن أوضح لنا القائم مقام الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّه لابدّ أن يكون كاملاً مطلقاً، ولمّا كان هذا البيت أطهر بيت وجب أن يكون باقي الأئمّة علیهم السلام منه، وقد دلّنا على ذلك قول المطهَّرين علهیم السلام ؟ ، فلمّا ثبت أنّ الخمسة هم المطهَّرون، وجب اتّباعهم وتصديقهم في كلّ ما يقولونه، وقد بيّنوا لنا من هم الأئمّة من بعدهم، فوجب تصديقهم، فكان كلّ إمام ينصّ على من يليه...ولتأكيد الحجّة كان للإمام الكرامة والآية التي تثبت دعواه الإمامة، وكان ذلك كافٍ بحدّ ذاته لإمامته بلا نصّ.وغير ذلك: لم يثبت أن واحداً منهم تعلّم على يد أحد، بل هم الأعلم دونهم، ولم يكن لأحد فيهم مغمز ولا مهمز ، وكان فضلهم عمياً على الكلّ بلا استثناء.وقد صرّح المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم بأسمائهم في أكثر من مقام، بل صرّح صلی الله علیه وآله وسلم بألقابهم أيضاً (2.)


1) يوسف (12): 106.

2) راجع: المعرفة والمعرّف : 17 - 39. (بتصرف يسير).

## (42 حسام الدین صفوت)(سنّي / مصر)نشأ في مصر، وتربّى في أُسرة سنّية المذهب، فتلقّى ما يتلقّاه الطفل من والديه وبيئته، فالطفل يأخذ العقائد بدون معرفة الحقيقة ؛ لصغر سنّه، وتنمو معتقداته كلّما تقدّم به العمر عبر المدرسة ودار العبادة وأجهزة الإعلام أي كانت، مسموعة أو -رئية، فيتعلّم أنّه لا نقاش في العقيدة، وتتم إضافة هالة من القداسة حول بعض الأشخاص ممّن صاحب الرسل والأنبياء، بحيث لا يسمع بنقد تصرفاتهم، وأنّ القيام بعكس ذلك يدخل في باب الكفر.يقول «حسام الدين»: عندما تتحدث عن المذاهب في الدين الواحد تجد أنّك متعصّب لمذهبك دون نقاش ، ترفض حتّى سماع محدّثك من المذهب الآخر، إنّنا نعيش في مصر مع المسيحيين جنباً إلى جنب، نرى تفرّق مذاهبهم وعداوتهم لبعضهم البعض ويبدو أنّنا أصبنا بتلك العدوى، فنحن نتعصب للسنة على حساب الشيعة بدون أن نعرف حقيقة هذا المذهب، لم نحاول أن نسمع منهم واكتفينا بما سمعناه من مدرّسينا وأئمة المساجد وأصدقائنا .الاتّهامات الموجّهة ضد المذهب الشيعيوأما عن مبدأ تعرّفه على المذهب الشيعي، فيقول:

لقد بدأت أتّجه بنظري نحو الشيعة عندما احتلّت الولايات المتحدة العراق، وظهرت معها مشاكل الشيعة، سواء مع المحتل أو مع طاغية العراق صدام، استرجعت معلوماتي عن الشيعة، وهي كلّها معلومات سطحية ولا ترقى حتّى إلى الحقيقة في أغلبها، هنا يتم إظهار سلبيات الشيعة فحسب، سواء كانت حقيقة أم زور..يوجد بداخلنا كم هائل من الافتراءات نحو المذهب الشيعي، نرى إقامة المجالس في ذكرى الإمام الحسين علیه السلام حزناً عليه، ونجد التفسير يأتينا من بعضهم بأنهم يؤذون أنفسهم، لأنهم قتلوا الحسين علیه السلام ، أصبح المجني عليه جانياً، وذلك عبر آلة سريعة الانتشار، وهي حديث المقاهي وجلسات الجهلاء.عندما تسمع أنّ موقعاً على الإنترنيت، أو أحداً يشوّه صورة النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ماذا يحدث بداخلك؟ بالتأكيد تشعر بالغليان والغضب الشديد، وتتمنّى أن تصل لمرتكب هذا الجرم لتقتله.. وإذا سمعت أنّ الشيعة يقولون بأنّ أمير المؤمنين علي علیه السلام هو الأحقّ بالرسالة، وأنّ جبريل علیه السلام أخطأ بنزول الوحى على سيدّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، ويؤكّدون على ذلك بأنّ الأذان ينادي على سيّدنا علي علیه السلام وليس على النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ماذا ستكون ردّة فعلك؟ماذا لو عرفت أنّ هناك نسخة محرّفة من القرآن الكريم؟ هل ستلتزم الصمت أم تتخذ موقفاً إيجابياً؟ لقد قال لنا العائدون من دون الخليج أن الشيعة يزيدون في عدد آيات القرآن الكريم، ويصلّون على الحجارة، ويحجّون إلى العراق، ويخالفون تعاليم القرآن والسنّة، ويشدّون الرحال خلافا للسنّة.كل هذا الافتراءات ولا تجد إيضاحات من الإعلام الرسمي داخل بلادنا ،فالتخبّط في المعلومات ينتج عنه بلبلة في أوساط العامة، وخاصّة غير المثقّفين.إنّ اهتمام العامّة هو السعي وراء الرزق، فلا وقت للتحليل والسعي لنيل

الحقيقة، وعندما تظهر محاولة لتسليط الضوء على الشيعة وحقيقة اختلافهم مع السنّة تكون داخل إحدى الصحف غير الرسمية وعلى استحياء، فلا تصل إلى العامّة المنتشرة فيما بينهم الإشاعات والافتراءات.إنّ الإشاعات والافتراءات تتحوّل وتتغيّر وتترسّخ في أعماقنا كلّ يوم، فما بالك بتلك التي بدأت من يوم كربلاء ومستمرة حتّى اليوم.مبدأ البحث عن حقيقة المذهب الشيعي:تربيتي الدينية كانت متعدلة، أعرف حقوق الله الواجبة عليّ، وأحاول جاهداً المحافظة عليها بدون تأخير أو كسل، أحبّ آل البيت علیهم السلام وأزور أضرحتهم الموجودة في مصر، وأتوسّل بهم في دعائي.. وعندما خرجت للعمل وفّقني الله تعالى وأنعم عليّ بنعم كثيرة، وهو ما دفعنى إلى التقرّب من الله عزّ وجلّ أكثر ولكن حدثت لي بعض الصعوبات التي حاولت أن أجد لها حلاً طوال سبع سنوات، كان في داخلي شيء يدفعني إلى الاعتقاد بأنّني قد خالفت الله في أمر من الأمور، ولكنّنى كنت أصلي وأصوم وأقرأ القرآن وأدعو الله، وأتجنّب المعاصي، وأداوم على الاستغفار وذكر الله، فكنت أتساءل: هل ما أنا فيه غضب من الله أم اختبار من المولى عز وجل؟لذلك اتّخذت قراراً باستشارة علماء الدين السنّة، محاولاً الخروج من أزمتي، وبدأت في البحث عن مواقعهم على شبكة الإنترنيت، وخلال بحثي وجدت موقع يحمل اسم أحد علماء الدين الشيعة، لم أكن أعلم أنّه شيعي، ولكن عندما دخلت إلى الموقع عرفت أنّه يتبع المذهب الشيعي، فتردّدت في استشارته، ولكنّ الفضول دفعني إلى مراسلته، وتلقّيت رسالته الأولى بعد ساعات..وكانت تصلني ردود علماء السنة بمجرد الدعاء وبعض الأذكار، ولكن رسالة عالم الدين الشيعي كانت شاملة تحتوي على الدعاء والنصيحة، استغربت لتجاوبه

معي ؛ فهو شيخ شيعي وأنا سنّي، لم يبخل علىّ بالنصيحة والإرشاد، ولكن أكثر من أثر بي هو مجموعة من كلمات الإمام علي علهی السلام..وكانت تلك الكلمات مفتاح الخروج من محنتي وكربي، فشعرت بمدى صدق كلمات أمير المؤمنين علیه السلام، وثارت التساؤلات في نفسي: من هم الشيعة؟ وهل لكلّ ما نعلمه عنهم حقيقة؟ هل يمكن أن تكون أخلاق الشيعة بهذا النبل وهم يتّبعون مذهب لا يؤمن بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويحرّف القرآن؟ وغيره من الأكاذيب التي كنّا نعلمهاعن الشيعة.هنا بدأت أولى خطواتي نحو طريق البحث، وكان عليَّ أن أبدأ بطريقة عقلانية، أتخلّى فيها عن أفكاري القديمة عن الشيعة، وأتعامل مع الأمر بحياد كامل ولكنّنا نحترم الصحابة ولا نستطيع المساس بهم فمكانتهم في قلوب السنّة عظيمةوالتعرض لهم هو كفر !!بنور فاطمة علیها السلام اهتديت :يتابع «حسام الدين» قائلاً: فكان الحل أن أقرأ كتب الشيعة وكأنّني أدرس كتب شريعة غير المسلمين، ولم أتحيّر كثيراً، فقد بدأت طريقي بقراءة كتاب: (بنور فاطمة اهتديت للكاتب السوداني المتشيّع عبد المنعم حسن، لقد وجدت الكثير من الأدلّة والبراهين التي تثبت حقيقة المذهب الشيعي، وكيف أنّه هو الطريق الحقّ، وكانت تلك الأدلّة والبراهين من مصادر أهل السنّة والجماعة.)في تلك اللحظات كنت قد بدأت أنفض غبار السنوات من فوقي، أخذت أقلّب الصفحات واحدة تلو الأخرى دون أن أشعر بوقت أو بمن حولي، وصلت للنهاية وأنا على اقتناع تام بالمذهب الشيعي، شعرت بأنّني مشوّش، داخلي فيروسات تحاول أن تفتك بالبراهين، لقد بدأ العقل الباطن بالتدخل في الأمر، كلّ الموروثات القديمة والتي ظلّت مختزنة في أعماق عقلي الباطن ظهرت على السطح، لذا

قرّرت أن أبدأ في قراءته مرة ثانية.تأكّدت أنّ كّل البراهين مأخوذة من الكتاب الكريم ومصادر أهل السنّة بدأت في عملية مقاومة فيروسات العقل الباطن، وكان رجل العلم الشيعي يقف من وراء ظهري بدون أن يؤثّر عليّ، لقد اكتشفت أنّ الحقيقة ظاهرة للعين، ولكن لا يراها إلّا من أراد الله له أن يركب سفينة النجاة، كقول الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: مثل أهل بيتى فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق (1.)لقد انهمرت دموعي خوفاً من الله ، فلقد ظلمنا آل البيت منذ مئات السنين ومازلنا في ظلمنا لهم، كيف نظلمهم؟! وفيهم سيّدة نساء العالمين فاطمة علیها السلام، بضعة أبيها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو وأمير المؤمنين الإمام علي علیه السلام وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين علیهما السالم ؟ فهل يتساوى سيّدنا علي علیه السلام مع معاوية، أو سيّدنا الحسين علیه السلام مع یزید؟!وكغالبية المصريّين نحبّ آل البيت علیهم السلام ، فأضرحتهم المنشرة في جميع أنحاء مصر هي الملاذ والملجأ لكل محتاج، فالمصريون يحتفلون بمواليد ووفيات آل البيت علیهم السلام ، يأتون من كلّ أرجاء البلاد لزيارة مقام سيّدنا الحسين علیه السلام، ومقام السيّدة نفيسة علیها السلام بالقاهرة، و(علي والحسن والحسين وزينب وفاطمة وغيرها كلّها أسماء منتشرة في جميع أنحاء مصر، تيمناً بآل البيت علیهم السلام.)لذلك لم يكن من الصعب عليّ فهم المذهب الشيعي، فأوّل درجة نحو التشيّع هي حبّ آل البيت علیهم السلام ، والاعتراف بحقّهم في الولاية، وهو اعتراف يجب أن يكون نابعاً من العقل قبل القلب، لذلك كان بحثي عن أدلة تثبت حق آل البيت علیهم السلام من الكتاب والسنّة، وما يزيد الاقتناع كونها من مصادر أهل السنّة.


1) راجع: المستدرك على الصحيحين 2: 343 و 3: 151.

ظلامة آل البيت علیهم السلام :أوّل ما صدم «حسام الدين» في بداية رحلة تشيّعه ذلك الظلم الواقع على بضعة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و آل البيت علیهم السلام، و سبب الصدمة الأوّل كان: جهله بمكانة السيّدة فاطمة علیها السلام لدى الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم. والسبب الثاني: أنّه كان يرى أبا بكر وعمر بنفس الصورة التي يراهم بها السنّة.يقول «حسام الدين»: لقد أحسست أنّي ظلمت السيد فاطمة علیها السلام كما ظلمها الشيخان ، إنّ فاطمة علیها السلام الحوراء الإنسية بنت أعظم مخلوق، تضرب وتعصر بالباب ويسقط جنينها «المحسن»، وتنهب حقّها «فدك»، وتقضي حياة مليئة بالتضحيات، قصيرة في زمنها طويلة في عطائها، إنّها مظلومية تكشف حقائق الحقّ لكلّ القلوب المفكّرة والمتأمّلة.. ألم يقل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: يؤذيني : يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها، وفاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني(1ذ؟)وقال: إنها من يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها (2.)تأثير واقعة الطف في الوصول إلى الحقّ:يتابع قائلاً: ثمّ كانت الصدمة الثانية: قصة كربلاء، قد قرأتها أثناء الدراسة، وكانت الرؤية مختلفة جداً، فجريمة قتل سيّدنا الحسين علیه السلام البشعة بكلّ المقاييس، نظراً لمكانته في نفوس المسلمين، فقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً» (3.)ولكن لكون المدارس لدينا في مصر تتبع الحكومة، والحكومة سنّيّة، فالقصّة


1) راجع: مسند أحمد 4: 5، صحيح البخاري 4: 210، فضائل الصحابة، للنسائي: 78، المصنف، لابن أبي شيبة 7: 526.

2) راجع المستدرك على الصحيحين :: 154 ، الآحاد والمثاني، للضحاك 5: 363.

3) مسند أحمد 4 172، سنن الترمذي 5: 324 .

تكون مختلفة ؛ لقد درستها على أنّها نزاع على السلطة، بل أكثر من ذلك، قيل لنا: أنّ قتلة سيّدنا الحسين علیه السلام ندموا على ما فعلوا ، ولذلك فهم في ذكرى استشهاده يقيمون المجالس حزناً عليه، لذلك كانت من ضمن الأفكار الخاطئة لدي عن الشيعة أنهم هم من قتلوا سيّدنا الحسين علیه السلام.ولكنّي بعدما عرفت الحقيقة قرأت تلك الواقعة مرة أخرى، هذه المرة كنت في أقصى حالات التأثّر، فقصة استشهاد الحسين علیه السلام، ومن قبلها إيذاء الزهراء علیها السلام جعلتني أشعر بالمرارة والأسى..يعلم الله أنّنى بكيت حزناً على آل البيت علیهم السلام سنوات عمري التي قضيتها بعد الاستبصار، وما أقوم به من مجهود بسيط لنشر حقيقة مذهب آل البيت علیهم السلام هو لوجه الله ومحبة لآل البيت علیهم السلام، لعلّي أستطيع التكفير عن أخطائي في حقّهم وعدم اتّباعهم(1.)


1) ما ذكر عن لسان المستبصر ليس إلا فقرات من كلامه في قسم مساهمات المستبصرين في الموقع الإلكتروني لمركز الأبحاث العقائدية. (بتصرف يسير).

## (43 حسن شحاتة)(حني / مصر)![297-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/297_13.jpg "image title")ولد عام 1365ه- ( 1946م في بلدة «هربيط» التابعة لمركز «أبو كبير» بمحافظة «الشرقية» بمصر، ونشأ في أسرة حنفية المذهب.)نظراً للأجواء الدينية فى أُسرته بدأ «حسن» بدراسة القرآن منذ نعومة أظفاره، كما ربّاه والده على - حب العترة الطاهرة علیهم السلام.يقول «حسن» عن تلك الفترة نشأت منذ صغري على حبّ آل البيت علیهم السلام وموالاتهم، فوالدي ربّاني وكلّ أفراد العائلة على حبّهم، وكان كثيراً ما يحدّثني عن شخصيّة الإمام علي علیه السلام ، وكان يقول لي: يا ولدي إنّ أمير المؤمنين كان حامي حمى الإسلام ، وكان النبي صلی الله علیه وآله وسلم إذا مشى وحده يتعرّض للأذى، وإذا مشى م-ع-ه أم-ير المؤمنين لم يكن يجرأ أحد على التعرّض له بسوء».اعتلى «حسن» منبر الجمعة لأوّل مرة في حياته وهو دون سنّ الخامسة عشر ، وظلّ يخطب الجمعة في مسجد «الأشراف» ببلدته خمس سنوات، ثمّ انتقل إلى مسجد «الأحراز» ببلدة مجاورة ؛ إثر فتنة فيها.. وكان قد دخل في تلك الفترة كلّية الأزهر، وتخرّج من معهد القراءات، وحصل على شهادة الماجستير في علوم القرآن.

محبّة أهل البيت علیهم السلام تقوده للدفاع عنهم:وبسبب المحبّة التي كان يكنّها لأهل البيت علیهم السلام كان «حسن» يستاء ممّا يبثّه الوهّابية من التعرّض لأهل البيت علیهم السلام والتنقيص من مكانتهم، وهم من شوّهوا صورة الإسلام، وبنوا فكرهم على الباطل ؛ إذ أنّهم لا يعترفون بأحد إماماً سوى ابن تيمية، الذي يقدّسونه أكثر من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومن هنا قرّر بما يسعه - أن يقوم بأنشطة ضد هذا الفكر في أحد معاقل الوهّابية، وهي: مدينة «الدورامون»، فقام فيها بإمامة الناس وتثقيفهم دينياً لردّ شبهات الوهّابية لمدّة ثمان سنوات.استمر نشاط «حسن» الديني بسفره إلى القاهرة، وكان ذلك بين عام 1404 حتّى 1416ه-، وقد اكتضّت هذه الفترة بمختلف الأنشطة ؛ فكان يقيم خمسة دروس يومياً في مساجد متعدّدة، غير خطبة الجمعة وإمامة الصلاة في مسجد الرحمن بمنطقة كوبري الجامعة، كما كانت له أمسيات دينية بإذاعة القرآن الكريم، وبرامج في إذاعة صوت العرب وإذاعة الشعب، وسجّل برنامجاً أسبوعياً تلفزيونياً بعنوان «أسماء الله الحسنى»، كان يُبثّ على القناة المصرية الأولى.إعلان الولاية :بعد مرحلة شاقّة من البحث والتنقيب استمرّت ما يقارب السنتين توصّل «حسن» إلى أنّ مجرّد إظهار محبّة أهل البيت علیهم السلام لا تكفي ؛ فالذين حاربوهم كانوا يمدحونهم وادّعوا حبّهم أيضاً.. بل إنّ المحبّة ينبغي أن تلازم الاتّباع والانقياد إلى أوامرهم علیهم السلام؛ فهم مصابيح الهدى وسفن النجاة، الذين أمر الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم باتّباعهم.وبعد أن ضاق صدره بما كان يحمله من معارف، بدأ بإعلانه الاستبصار والتمسّك بالعترة الطاهرة علیهم السلام على المنابر ، وفي التلفاز والصحف وغير ذلك، وكان

ذلك عام 1417ه- (1996م.)يقول «حسن»: في الفترة من عام 1994 إلى 1996م مررت برحلة بحث مضنية، انكشف لي الحق في آخرها، وتمسّكت بحبل الله المتين وصراطة المستقيم، بولاية أهل البيت علیهم السلام، فبدأت في إعلانها في كلّ مكان، وقصدت بذلك أداء وظيفتي في تعريف المسلمين بالواقع والحقيقة التي أخفيت لقرون طويلة.إنّ موقعيتهم علیهم السلام موقعية الإمامة العظمى ، فهم أصل الأصول في وجود هذا الكون، وهم نجوم الاهتداء من اتّبعهم اهتدى لصراط الله المستقيم، ومن حاد عن طريقهم كان من المغضوب عليهم، ومن الضالّين.فأهل البيت علیهم السلام مصابيح الهدى وسفن النجاة، وهم أئمّتنا وأولوا الأمر المفروض طاعتهم، وهم خزّان القرآن وهم كواكب الصراط، وهم أهل الذكر المطلوب منّا سؤالهم عن كلّ شيء في الدين، وهم أهل الدين الصحيح، فوجب على كل موحّد عاقل أن يتّبعهم في العبادة والمعاملة والعادة ؛ إذ هم أهل القدس والطهارة، وأهل العصمة والنزاهة.المضايقات والمصاعب :بمجرد إعلان «حسن» عن اتّباعه العترة الطاهرة علیهم السلام اقتيد للتحقيق في أمن الدولة، فتمّ اعتقاله وإيداعه السجن ثلاثة أشهر، وكانت تهمته الوحيدة في ذلك هي: «إعلان الولاية لعلي بن أبي طالب وترويجها»، وأنّهم رسمياً ب- «ازدراء الأديان».ولم يسلم بعد ذلك أيضاً من المصاعب، فتعرّض للاعتقال ثانية عام 2009م مع أكثر من ثلاثمائة من أتباع أهل البيت علیهم السلام.إقامة مجالس الإمام الحسين علیه السلام:رغم فترة الانخناق التي واجهها بعد خروجه من السجن تصدّى «حسن»

لإقامة مجالس الإمام الحسين علیه السلام ما أثار غضب أتباع الفكر الأموي، فشبّهوا إقامته تلك المجالس بإعداده لانقلاب.يقول «حسن»: إنّ بني أُمية أسّسوا في بلادنا مصر أنّ يوم عاشوراء يوم عيد، وكذبوا على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ذلك أكاذيب من قبيل الدعوة إلى الإطعام في هذا اليوم، والاكتحال ولبس الجديد والغسل والصيام، وزعموا بكذبهم أنّ هذا اليوم كان يوم السعادة لجميع الأنبياء!لقد كنت أنظر إلى هذا الهراء الذي يضحك الثكلى ويؤلم قلوبنا في نفس الوقت، فالعوام ما زالوا يتّخذون هذا اليوم عيداً يوزّعون فيه الحلوى، ويطلقون عليها بالعامية اسم: «حلاوة عشوراء» ؛ وذلك كلّة لأنّ العلماء خرست ألسنتهم فكتموا الحقّ وماجوا في الباطل، فلم يعرف الناس ماذا جرى للحسين علیه السلام یوم عاشوراء.لقد صرخت وبحّ صوتي وقلت: أيّها الناس... كيف لكم أن تحتفلوا وتبتهجوا في يوم قتل فيه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرة عينه ؟!وبدأت أُقيم مجالس عزاء الإمام الحسين علیه السلام، فكنا نجلس أيام محرّم على شرفه صلوات الله عليه، ونتذاكر سيرته العطرة، ورزيّته المفجعة.ولّما فعلت ذلك ولبست السواد وجلسنا عند مقامه (مسجد الإمام الحسين علیه السلام خافوا أن تنقلب مصر، ففعلوا بي ما فعلوا... إنّي لأعجب ممّن يعترض على إحياء ذكريات آل البيت.)والله إنّه لأمر عجيب في هذا الأمّة لم يكتفوا بقتلهم وتشريدهم ومطاردتهم وسمّهم وذبحهم، بل ويحاولون أن ينسوا الخلق ذكرهم، وينسفوا مجالسهم! فأي أمّة هذه ؟!

إنّ النصارى يلتمسون آثار السيد المسيح علیه السلام، ويقيمون الكنائس، ويحيون مولده، وتحتفل الدنيا كلّها معهم.. واليهود يقفون عند حائط المبكى يبكون على الهيكل؟؟ وهؤلاء يعترضون علينا حين نبكي إمامنا الحسين ونندبه (1! الشهادة في سبيل الله :)بعد عمر من المثابرة في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، ومذهب أهل البيت علیهم السلام شاء الله سبحانه وتعالى أن ينال «حسن»، وبعض رفاقه من أتباع المذهب الشيعي، الجزاء الأوفى ، فرزقهم الشهادة في سبيله، وعلى أيدي شرذمة من النواصب المنتمين إلى الفكر السلفي التكفيري.كان ذلك يوم الأحد الرابع عشر من شعبان لعام 1434 الموافق 23 حزيران / يونيو 2013م 2013م في مدينة الجيزة، عند إقامة مراسم مولد منجي الأمم المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف.. فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً(2).)


1) أجرت مجلة «المنبر » في عددها الحادي عشر لشهر محرّم الحرام عام 1422ه- لقاء مع المستبصر، ذكر فيه أدلّة الاستبصار، وسلّط الضوء فيه على سيرته الشخصية، والأنشطة التي قام بها بعد الاستبصار.

2) قام «مركز الأبحاث العقائدية» بتأبينه بعد استشهاده في مجلس مهيب حضر فيه ثلّةمن علماء الحوزة العلمية في قم المقدّسة فضلائها، وجموع المؤمنين.

## (44 خالد صالح)(سنّي / مصر)ولد في «مصر»، ونشأ في أسرة سنّية المذهب، فاعتنق هذا المذهب تبعاً لأسرته كسائر الأبناء.مصادر تلقي العلم:وجد «خالد» خلال احتكاكه بعلماء مذهبه أنّ بعض المعتقدات التي يطرحونها بعيدة عن العقل والوجدان، فدفعه ذلك إلى رفض هذه المعتقدات وتوجّه باحثاً عن معتقدات يقبلها العقل وتستسيغها الفطرة، وكان أوّل ما اهتمّ به في بحثه هو العثور على المصادر الموثوق بها والتي يمكن الاعتماد عليها في تلقي العلوم الصحيحة.شائت الأقدار أن يرحل «خالد» من بلده إلى «هولندا» حيث من السهولة العثور على التقنيات الحديثة للتواصل، فتعرّف «خالد» على بعض الكتب الشيعية لمستبصرين مصريّين، كما تعرّف على موقع مركز الأبحاث العقائدية (www.qaed.com فجعله في قائمة المواقع التي يزورها ليوسّع بذلك أُفق إلمامه بمصادر العلم.)ويعدّ قسم الأسئلة والأجوبة العقائدية الموجودة على موقع المركز من أكثر

الأقسام التي يزورها الباحثون عن الحقيقة ؛ إذ يشتمل على الادلّة التي يستدلّ بها الشيعة على صحّة معتقداتهم، ومن تلك الأدلّة: حديث باب مدينة العلم. حديث باب مدينة العلم :قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم :«أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب»(1.)وهذا الحديث يشير بصراحة إلى أنّ الطريق الصحيح للوصول إلى علم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو الإمام على علیه السلام، وأنّ الذي يحاول الوصول إلى مدينة علم الرسول صلی الله علیه وآله وسلم من طرق أخرى فإنّ جهوده - لا محالة - ستبوء بالفشل وتذهب سدى، وسيبقى وراء السور!فقد مثّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في هذا الحديث بالمدينة التي تحوي العلوم، وأنّ تحصيل تلك العلوم لابدّ أن يحصل من طريق باب تلك المدينة، وهو ليس إلّا أمير المؤمنين علیه السلام، فإذا أراد المسلم أن يحصل على بعض تلك العلوم لابدّ أن يتمسّك بعليّ علیه السلام ويجعله هادياً ليستقيها من أقواله علیه السلام.التواصل مع علماء الشيعة:إنّ البحوث العقائدية التي أجراها «خالد» أثبتت له أنّ أهل البيت علیهم السلام - في الواقع - الطريق الصحيح لتلقي العلم.فمن خلال قراءة كتب المستبصرين وتواصله بعلماء الشيعة - ومنهم: المرحوم الشيخ فارس الحسّون - واستماعه إلى أدلّتهم توصّل «خالد» إلى أنّ الصورة المشوّهة التي كان يحملها عن الشيعة باطلة، وأنّ الذي يريد أن يحكم على معتقدات


1) المستدرك على الصحيحين :3 137 ، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد روي هذا الحديث بصيغ متقاربة أخرى، ذكرها الحاكم في الفصل نفسه والطبراني في معجمه الكبير 11 :55 ، وابن عبد البر في الاستيعاب3 : 1102، وغيرهم.

فئة معيّنة لابدّ أن يقوم بدراسة معتقداتهم من خلال الكتب المعتمدة، أو من خلال الالتقاء المباشر بهم ؛ لأنّ رجال كلّ مذهب هم أعرف بمذهبهم من مخالفيهم، وليس من الصحيح أن يكتفي الباحث لمعرفة مذهب معين بأقوال مخالفي ذلك المذهب.اتّضاح الحقيقة:بعد البحث والتحقيق، والتوصّل إلى أنّ طريق أهل البيت علیهم السلام هو الطريق الصحيح لمعرفة الإسلام، والمعرفة ما جاء به الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّهم الطريق المضمون للوصول إلى الحقائق الربّانيّة، أعلن «خالد» عن استبصاره واتّباعه لمذهب أهل البيت علیهم السلام و اعتماد بعد ذلك في تلقي العلم على المصادر الشيعية التي تقتبس معارفها من أهل البيت علیهم السلام (1.)


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، وقد أخبر «خالد» نفسه عن استبصاره عند اتصاله بالمركز.

## (45 خالد محيي الدين الحليبي)(وهابي / مصر)![305-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/305_13.jpg "image title")مرّت ترجمته في (2:279 من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.)بعد مرحلة الاستبصار عكف «خالد» على دراسة التاريخ الإسلامي بجدية ؛ ليبيّن بذلك الحقائق التاريخية للجيل المسلم، الذي طالما سعت الأيدي الظالمة إلى إبعاده عن تاريخه الإسلامي المشرق.فقام بتأليف العديد من المؤلّفات في هذا المجال، منها: كتابه القيّم الذي سماّه: « علی علیه السلام وزير النبي صلی الله علیه وآله وسلم».ويحتوي هذا الكتاب بين دفتيه ثلاثة عشر فصلاً:الفصل الأول: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي كانا قبل الخلق.الفصل الثاني من الميلاد إلى نزول الوحي في بيت النبوّة.الفصل الثالث: علي علیه السلام بعد الوحي أوّل من أسلم وآمن وصلّى.الفصل الرابع: تعلّم أمير المؤمنين علیه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمرحلة المكّيّة والمدنيّة، ونزول كرائم القرآن فيها.الفصل الخامس: جهاد أمير المؤمنين علیه السلام مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم .

الفصل السادس: وصيّة النبيّين بأمير المؤمنين علیه السلام ، ووصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به .الفصل السابع: على علیه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر أيام عمره حتّى الوفاة.الفصل الثامن: اضطهاد أهل بيت النبي صلی الله علیه وآله وسلم بعد وفاته صلی الله علیه وآله وسلم.الفصل التاسع: جمع أمير المؤمنين علیه السلام للقرآن.الفصل العاشر: عمل أكابر الصحابة بمبدأ ولاية الفقيه مجبرين أمام علم أمير المؤمنين علیه السلام.الفصل الحادي عشر : فراسة أمير المؤمنين علیه السلام ووضعه لأساس كثير من العلوم.الفصل الثاني عشر: رأي الصحابة والعلماء في علي علیه السلام.الفصل الثالث عشر : خلافة أمير المؤمنين علیه السلام.

وقفه مع كتابه «علي علیه السلام وزير النبي صلی الله علیه وآله وسلم»سلك المؤلّف في كتابه هذا مسلكاً بيّن فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين نفس واحدة بنصّ القرآن خُلقت قبل خلق السماوات والأرض، فلما هبطت نزلت في كعبة الله المشرفة حتى يعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن أنّه رسول، وأمير المؤمنين بمكان المولد أنّه إمام، وبيّن بعد ذلك صلاته علیه السلام وكيفيتها مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم والسيّدة خديجة علیها السلام قبل الوحي، ثم بيّن مع مبدأ الوحي تنبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه والأمّة أنّه علیه السلام خليفة الأمّة من بعده، وحتّى آخر أيام حياته.ثمّ أتى المؤلّف بالآيات التي نزلت فيه علیه السلام في مكّة، ثمّ في المدينة، ومواقفه، ومن قتلهم بكلّ غزوة ، فإذا مات النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان هو الذي يكفّنه ويتولّى أمر تجهيزه للدار الآخرة، ثمّ مظلوميّته بعد موت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وجمعه للقرآن الذي بين أيدينا،وغير ذلك.رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعلى علیه السلام كانا قبل الخلق :يذكر المؤلّف في الفصل الأول من كتابه : خَلْق الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأمير المؤمنين علیه السلام بالنظر لما ورد في القرآن الكريم والسنّة النبویّة، فيقول:يبيّن تعالى أنّه خلق محمّداً وقدّمه على الخلق، وأخّر نزوله للدنيا، وهو المقدّم المؤخّر لما يشاء وقت ما شاء ؛ قال تعالى في أخذ الميثاق صلی الله علیه وآله وسلم في عالم الذر وقبل خلق العالم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ

مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (1).)وهنا روي عن أمير المؤمنين على علیه السلام أنّه قال: «لم يبعث الله نبيّاً، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمّد صلی الله علیه وآله وسلم وهوحي ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره أن يأخذ العهد بذلك على قومه»(2.)وهذا الميثاق هو الوارد في الآية التي ذكرناها آنفاً، وهذا كان قبل الخلق ، فلمّا نزل آدم علیه السلام إلى الأرض أبلغ كلّ نبي أمته بذلك. وهذا واضح من حديث جابر بن عبدالله : قال : «يا جابر، إنّ الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنّة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جنّي ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء.. فخلق من الجزء الأول: القلم، ومن الثاني: اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء.. فخلق من الجزء الأول: حَمَلة العرش، ومن الثاني: الكرسي، ومن الثالث: باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء.. فخلق من الأول: السماوات، ومن الثاني: الأرضين، ومن الثالث: الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء.. فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم، وهي: المعرفة بالله، ومن الثالث: نور إنسهم، وهو التوحيد لا إله إلا الله محمّد رسول الله» (3.)وفي الترمذي وغيره: عن أبي هريرة ، أنّه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : متى كنت (أو كتبت نبيّاً؟ قال: «كنت نبيّاً وآدم بين الروح والجسد»(4).)


1) آل عمران (3): 81 .

2) راجع الدر المنثور 2: 47، فتح القدير 1: 357.

3) راجع: كشف الخفاء، للعجلوني 1: 265.

4) راجع: سنن الترمذي :5 245 ، المستدرك على الصحيحين 2: 609.

وإذ خَلق الله تعالى رسوله الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ونوره ترد نصوص تبيّن أن علياً علیه السلام خُلق أيضاً من نوره، كما في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «خلق الله قضيباً من نور قبل أن يخلق الدنيا بأربعين ألف عام، فخلق منه نبيّكم والنصف الآخر علي بن أبي طالب(1.)وعن سلمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم یقول: «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله مطيعاً يسبّح ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقا في صلب عبد المطلب ؛ فجزء أنا، وجزء علي»(2.)وعن مالك، عن سلمة، عن أبي سعيد، قال: سأل أبو عقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم، فقال : يا رسول الله، من سيّد المسلمين ؟ فقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : من تراك يا أبا عقال؟ فقال: آدم. فقال:ها هنا من هو أفضل من آدم فقال: يا رسول الله، أليس خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وزوجه حواء أمته، وأسكنه جنّته، فمن يكون أفضل منه؟فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : من فضّله الله عزّ وجلّ. فقال: شيث؟ فقال: أفضل من شيث. فقال: إدريس؟ فقال: أفضل من إدريس ونوح. فقال: فهود؟ فقال: أفضل من هود وصالح ولوط. قال: موسى؟ قال: أفضل من موسى وهارون. قال: فإبراهيم إذاً؟ قال: أفضل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. قال: فيعقوب؟ قال: أفضل من يعقوب ويوسف. قال: فداود؟ قال: أفضل من داود وسليمان. قال: فأيّوب إذاً؟ قال: أفضل من أيوب ويونس. قال: فزكريا إذاً؟ قال: أفضل من زكريا ويحيى. قال: فاليسع إذاً؟ قال: أفضل من اليسع وذي الكفل . قال: فعيسى إذاً؟ قال: أفضل من عيسى. قال أبو عقال: ما علمت من هو يا رسول الله ملك مقرب ؟ فقال النبي صلی الله علیه وآله وسل: مكلّمك


1) تاريخ مدينة دمشق 67:42 .

2) تاريخ مدينة دمشق 42 67 ، وراجع نظم درر السمطين: 79 ، المناقب للخوارزمي :145.

يا أبا عقال - يعني نفسه صلی الله علیه وآله وسل، فقال أبو عقال: سررتني والله يا رسول الله. فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : أزيدك على ذلك؟ قال: نعم.فقال: اعلم يا أبا عقال إنّ الأنبياء والمرسلين ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيّاً لو جُعلوا في كفّة وصاحبك في كفّة، لرجح عليهم.فقال: ملأتني سروراً يا رسول الله، فمن أفضل الناس بعدك؟فذكر له نفراً من قريش، ثمّ قال: علي بن أبي طالب.فقال أبو عقال: يا رسول الله، فأيّهم أحب إليك؟ قال: علي بن أبي طالب. فقال: ولم ذلك؟ فقال: لأنّي خُلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد. قال: فقلت: فلم جعلته آخر القوم؟قال: ويحك يا أبا عقال أليس قد أخبرتك أنّي خير النبيين، وقد سبقوني بالرسالة، وبشّروا بي من قبلي، فهل ضرّني شيء إذ كنت آخر القوم، أنا محمّد رسول الله ؟! وكذلك لا يضر عليّاً إذا كان آخر القوم، ولكن يا أبا عقال، فضل علي على سائر الناس كفضل جبرئيل على سائر الملائكة.قال الكنجي الشافعي: هذا حديث حسن ،عال، وفيه طول أنا اختصرته، ما كتبناه إلّا من هذا الوجه(1.)وهذه النصوص تثبت أنّ الله تعالى لمّا خلق نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم خلق من نوره تعالى وزيره علياً علیه السلام؛ لما روي عنه علیه السلام : عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم، فقال: الحمد الله. فأوحى الله تعالى إليه: حمدني عبدي، وعزّتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقها في دار الدنيا ما خلقتك.قال: إلهي ، فيكونان منّي ؟ قال : نعم يا آدم واحدة، ارفع رأسك، وانظر.


1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب 1: 512 - 514، الباب السابع والثمانون.

فرفع رأسه، فإذا مكتوب على العرش لا إله إلّا الله محمّد نبي الرحمة، وعلي مقيم الحجة، من عرف حقّ علي زكا وطاب، ومن أنكر حقّه لعن وخاب، أقسمت بعزّتي وجلالي أن أدخِل الجنّة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني»(1.)وعن محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله تعالى آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله تعالى ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب، فقسّمه قسمين: قسماً في صلب عبد وقسماً في صلب أبي طالب، فعلى منّى وأنا منه» (2.)ثمّ يعرض الله تعالى نبوّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و وصية علي علیه السلام على السماوات والأرض، فيقبلنها ، كما في الحديث عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ الله لمّا خلق السماوات والأرض دعاهنّ، فأجبنه، فعرض عليهنّ نبوّتي وولاية علي بن أبي طالب، فقبلتاهما، ثمّ خلق الخلق وفوّض إلينا أمر الدين، فالسعيد من سعد بنا، والشقي من شقي بنا، نحن المحلّون الحلاله والمحرّمون لحرامه»(3.)ويتم كتابة: «محمّد بن عبد الله رسول الله علي بن أبي طالب أخو رسول الله». على باب الجنّة، كما في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:« مكتوب على باب الجنّة : لا إله إلّا الله محمّد بن عبد الله رسول الله، علي بن أبي طالب أخو رسول الله ، قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام»(4.)فكلّ نبيّ بشّر بمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم ، و علي علیه السلام نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ بمقتضى آية المباهلة:


1) راجع المناقب، للخوارزمي: 318 .

2) راجع تاريخ مدينة دمشق 42 67 ، المناقب، للخوارزمي: 145.

3) راجع: المناقب، للخوارزمي: 135، كشف الغمة 1: 296.

4) راجع: مناقب علي بن أبي طالب الالها الابن مردويه : 100، المناقب، للخوارزمي: 144. الابن

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (1).)وبناءاً على ما ورد من أحاديث من أنّ علياً علیه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خُلقا من نور واحد - كما بيّنا - يشير القرآن هنا إلى صحّة هذه المرويات من خلال هذه الآية، ولذلك نجد أنّ كلّ الأنبياء والمرسلين يقولون: لا نسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكر للعالمين:قال تعالى عن نوح علیه السلام: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِنَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)، وكذلك قال مثله هو (3)، وصالح، ولوط (4)، وشعيب علیهم السلام أيضاً(5). وهذه الآيات تبيّن كأنّهم لم يطلبوا الأجر على هذا البلاغ بمودّة قرباهم ؛ لأنّها القرابة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم التي دعوا لها جميعاً، وهي قرابة مقدّمة على كلّ قرابة، وأمّا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فقد طلب مودّتهم، كما أمر الله عزّ وجلّ في قوله تعالى: قُل نَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (6).)و في كتاب التوراة إشارة إلى هذا النسل الإسماعيلي الذي يبارك الله تعالى فيه ويكثّره ؛ قال تعالى لإبراهيم علیه السلام : وأمّا إسماعيل، فقد سمعت دعاءك فيه، وقد باركته، وسأثمره وأكثره جداً جداً، وأجعل منه اثني عشر شريفاً يولد، وأجعله حزباً عظمیاً (7.)وهذا هو تمام معنى قوله تعالى عندنا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(8)، والكوثر هو:)


1) آل عمران (3): 61.

2) الشعراء (26): 109 .

3) الشعراء (26): 127 .

4) الشعراء (26): 145.

5) الشعراء (26): 180 .

6) الشورى (42): 23.

7) نقلاً عن كشف اليقين للعلامة الحلي: 5.

8) الكوثر (108): 1.

الخير الكثير، وهو نهر في الجنّة جعله الله تعالى لرسوله صلی الله علیه وآله وسلم والمؤمنين الذين تولّوا الله تعالى ورسوله ثمّ أمير المؤمنين، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (1).)وهذه الولاية الله تعالى ؛ لأنّه الإله الخالق المطاع، ولرسوله صلی الله علیه وآله وسلم، وهو أوّل الخلق إسلاماً قبل خلق السماوات والأرض، فالله تعالى يأمره بأن يقول: (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (2)، أي: أوّلهم إسلاماً من هذه الأمّة، وأما قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (3)، فَأَوَّل من أسلم، أي: قبل الخلق كله ؛ لورود لفظ أسلم في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(4)أي: أَنَّ إِسلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلقه كان قبل خلق السماوات والأرض، وبالتالي أمير المؤمنين علیه السلام كذلك ؛ لأنّهما خُلقا من نور واحد، كما أوردنا. والدليل الثاني على صحّة ما قلناه أنّه لم يأت في القرآن أنّ نبيّاً أو رسولاً قال: وأنا أوّل المسلمين، بل كلّهم يقولون كفرع يدخل على أصل، وهو: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا من المسلمين، كقول نوح علیه السلام مثلاً: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (5)..)يقول تعالى في إبراهيم وإسماعيل علیهما السلام : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُّسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (6)، وهنا لم يقولا:)


1) المائدة (5): 55-56 .

2) الأنعام (6): 163.

3) الأنعام (6): 14.

4) آل عمران (3): 83 .

5) يونس (10): 73.

6) البقرة (2) 128 .

أوّل المسلمين لك، وذلك لأنّ أوّل الخلق إسلاماً كما بينا - هو: رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وكلّ الأنبياء والمرسلين في كلّ زمن يدعون لكلمة واحدة، هي: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، ولذلك بشّرت به كلّ الديانات، وستكون أمته كثيرة جداً، كما أوردنا في نصّ التوراة.وعلى ذلك، إذا قرأنا في الأحاديث أنّ اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مكتوباً على باب الجنّة، أو على العرش، عندما أفاق آدم علیه السلام ، وسرت فيه الروح، كان ذلك صحيحاً.وإذا كان هذا في مذهب أهل البيت علیهم السلام، فإنّ مذهب أهل السنّة ورد عندهم قريب من ذلك ؛ أخرج الحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين بسنده: عن مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: خذوا عنّي قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنّة عدن، وسائر ذلك في سائر الجنّة» (1).)وكذلك: عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: «يا علي الناس من شجرة شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة». ثمّ قرأ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ (2). وكذلك ذكره السيوطي في الدرّ المنثور عن الحاكم وابن مردويه: عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يا علي الناس من شجرة شتّى وأنا وأنت يا علي من شجرة واحدة». ثمّ قرأ النبي صلی الله علیه وآله وسلم : وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعُ وَنَخِيلٌ صِنْوَانُ (3)(4).)


1) المستدرك على الصحيحن 3 160.

2) الرعد (13): 4 ، راجع: الحديث في المستدرك على الصحيحين 2: 241.

3) الدر المنثور 44:4 .

4) مقتطفات من كتابه علي الا لوزير النبي ع : 5 - 10. (بتصرف يسير).

## (46 السيد هرميل)(حنفي / مصر)ولد عام 1380ه- ( 1961م في محافظة الغربية في جمهورية مصر، في عائلة حنفية سنّية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادة البكالوريوس في التجارة.)يرى «السيد هر ميل» أنّ الظلم والطغيان الذي لحق بالشعوب الإسلامية في التاريخ الإسلامي بدأ منذ انقلاب الصحابة على أعقابهم بعد رحيل النبي الأكرم صلی االله علیه وآله وسلم، ومن هنا تّتضح أهمية تصحيح المعتقدات الموروثة التي يعتقدها السنّي غير المتعصّب، وضرورة البحث عن الحقائق بالاعتماد على الأسس القويمة العلمية، وبروح موضوعية منهجية، وذلك لأنّ قداسة الصحابة وعدالتهم المطلقة من الأركان التي بني عليها مذهب أهل السنة والجماعة.روايات ارتداد الصحابة ورجوعهم على الأعقاب:وردت روایات مستفيضة عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أكد فيها أنّ النكوص والانقلاب على الأعقاب واقع بعده من قبل الصحابة..فقد روي عنه الله صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال: «أنا فرطكم على الحوض، ولأناز عنّ أقواماً، ثمّ لأغلبنّ عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي ! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا

بعدك» (1.)والرواية واضحة الدلالة في أن أصحابه هؤلاء كانوا معروفين بين الناس بالاستقامة في حياته صلی الله علیه وآله وسلم ولكنهم انحرفوا من بعده.وفي رواية أخرى، قال صلی الله علیه وآله وسلم: «ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني حتّى إذا رفعوا إليّ ،ورأيتهم اختلجوا ،دوني، فلأقولنّ: ربّ أصحابي أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (2.)وروي عنه صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً أنّه قال: «إنّكم محشورون إلى الله تعالى... ثمّ يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم مذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح:( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّشَيْ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)(4))وفي العذاب المذكور في الآية قرينة على ارتكاب الذنوب من قبل الصحابة، واتصافهم بالفسق والخروج عن العدالة والاستقامة، وإلّا فلا موجب لعذاب العادل النزيه.ومن خلال تتبّع الروايات يصل الباحث إلى أنّ الانحراف عن نهج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و الابتعاد عن المفاهيم والقيم الإسلامية، المعبّر عنه بالارتداد والرجوع على الأعقاب والتقهقر، قد عمّ عدداً كبيراً من الصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحبة ليست بالقصيرة، وقد عبّر صلی الله علیه وآله وسلم عن كثرتهم بقوله: «بينا أنا قائم إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله،


1) صحیح مسلم : 68.

2) مسند أحمد 5: 48.

3) المائدة (5): 117 - 118.

4) مسند أحمد 1: 235.

قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم... قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم» (1.)ويتضح من الروايات المتقدّمة أنّ السائل هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمجيب غيره، وهنالك روايات أخرى تنصّ على أنّ المجيب هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ؛ إذ يخاطب بعض أصحابه في يوم القيامة بإثبات انحرافهم عن الاستقامة بعد رحيله من الدنيا ؛ فقد روى الحاكم عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال: «ما بال أقوام يقولون: إنۀ رحمى لا ينفع، بلى والله إنۀ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيۀها الناس فرطكم على الحوض، فإذا جئت قام رجال فقال هذا يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا يا رسول الله، أنا فلان، وقال هذا يا رسول الله أنا فلان، فأقول: قد عرفتكم، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى»(2.)وتنص الروايات على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبرأ منهم، ولا يتدخّل في إنقاذهم ممّا هم فيه عند ورودهم الحوض ؛ ففي رواية: يقول صلی الله علیه وآله وسلم: «.. فأقول: أصحابي أصحابي! فقيل: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: بعداً بعداً.. أو سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي»(3.)وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يحذّر من الانحراف بعد رحيله، ويجعل ملاك التقييم هو حسن أو سوء العاقبة : ففي رواية: أنّه صلی الله علیه وآله وسلم قال لشهداء أحد:« هؤلاء أشهد عليهم». فقال أبو بكر: (ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟، فقال : «بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي»(4).)


1) صحيح البخاري : 208 .

2) المستدرك على الصحيحين 4 74 - 075

3) مسند أحمد 3: 28.

4) كتاب الموطأ 2: 462.

وقد أكد بعض الصحابة حقيقة الانحراف عن نهج الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم بعد رحيله، ومن ذلك قول أبي بن كعب: مازالت هذه الأمّة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيّهم (1).)وقوله: (ألا هلك أهل العقيدة والله ما آسى عليهم، إنمّا أسى على من يُضلّون من الناس(2).)رأي الشيعة في الصحابة:يتّبع الشيعة طريقاً وسطاً وعقلانياً بالنسبة للصحابة - ينطبق مع الكتاب والسنّة، فلم يقولوا بعصمتهم جميعاً كأهل السنّة، وكيف يقولون ذلك وفي الصحابة من مارس الفواحش وشرب الخمر وقتل النفوس، ومنهم من حارب سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأشعل الفتن؟!ومن الواضح لمن تتّبع السيرة النبوية أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه كان يقيم الحدود، كحدّ السرقة والزنا وشرب الخمر، فعلى من كان يقيم تلك الحدود؟! أليس على أصحابه المسلمين، وإلّا فالكافر بعيد عن المجتمع المدني بطبيعة الحال.ولو تأمّل الباحث كتب الشيعة لرآها مليئة بمدح الصحابة الذين لم يغيّروا ولم يتغيروا بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، كما يجد ذلك في دعاء أئمة أهل البيت علیهم السلام كالصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين علیهما السلام.فهذه الضوضاء التي يُثيرها بعض الغوغاء على الشيعة ليست بأكثر من زوبعة في فنجان، وهكذا كلّ عقائد الشيعة في الواقع كلّها متطابقة مع العقل والنقل، ولكن أبى بعضهم إلّا التهريج، وجعلوا أصابعهم في آذانهم!ويتضح من كلّ ما ذكر أن هناك عدة أحاديث مكذوبة بشأن الصحابة، ك-:


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 24.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 24

حديث (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(1)، فالصحابة اختلفوا وتنازعوا، وأفتى بعضهم بخلاف الآخر، فبأيّ واحد أم بأي فريق نقتدي ؟!)نعم، أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بأن يتّبع المسلمون أهل بيته علیهم السلام، فقال صلی الله علیه وآله وسلم:«تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما، لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2، وهكذا حدّد لمن ترجع الأمّة من بعده صلی الله علیه وآله وسلم، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ليخفى عليه ما سيقع في أمّته من الفتن، خاصة ما سيحدث بين أصحابه، ولهذا كان غير المعقول أن يوصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله ورائه، بجميع الصحابة، فهذا بمثابة اجتماع للنقيضين.فينبغي أن يرجع الباحث إلى كتاب الله ليرى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (3).)وقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ (4).)وليرجع إلى قول الرسول : «أنا مدينة العلم وعلىّ بابها»(5، أو قوله: «ياعلي، لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق»(6)، أو قوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» (7)، وغيرها كثير كثير.)


1) تخريج الأحاديث والأثار للزيلعي 2: 229.

2) مسند أحمد 3: 17، مستدرك الحاكم 3: 148 وورد في صحيح مسلم بالفاظ أخرى،)أنظر صحيح مسلم، كتاب الفضائل فضائل علي بن أبي طالب.

3) المائدة (5): 55 .

4) الأحزاب (33): 33.

5) المستدرك على الصحيحين 3: 126.

6) سنن ابن ماجة 42:1 .

7) مسند أحمد 1: 84 و 118.

نبذ التعصبّات الموروثة، ثمّ الاستبصار :إنّ تعامل الإمامية مع الصحابة ليس تعاملاً منطلقاً من التعصّبات الموروثة، بل يعتمد على ما رسمه القرآن الكريم والسنّة النبوية من قواعد وأسس يبتني عليها كيفية اتّخاذ المواقف أمام رجال التاريخ وأعمالهم، وما هذا الأمر إلّا دليل على أحقيّة المذهب الشيعي الذي اعتنقه «السيد هر ميل» بعد فترة من البحث والتحقيق، وكان استبصاره عام 1399ه- (1979م في مصر (1).)


1) المستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت، وله مساهمات في موقع المركز.

## (47 شادي على)(حنفي / مصر)ولد عام 1405ه- (1985م في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب، واصل «شادي» دراسته الأكاديمية حتّى نال البكالوريوس في الهندسة.)شاءت الأقدار الإلهية أن تقع إحدى كتب د. أحمد راسم النفيس» في يد «شادي» ليقرأها بدوره، ويبدأ بالبحث عن الحقيقة عن طريق الإنترنيت.يقول «شادي» عن كيفية بحثه في الشبكة المعلوماتية: أعطاني صديق لي عنوان إحدى المنتديات، وعندما راجعته وجدت فيه كثيراً من المناظرات بين الشيعة والسنّة ، كما قمت بإرسال طلب كتب إلى «مركز الأبحاث العقائدية». وبالفعل أرسلوا لي الكتب فطالعتها واطّلعت على أنوار الحق رغم التعتيم الشديد جداً هاهنا في مصر.وهكذا تعرّف «شادي» على عقائد الشيعة ومتبنّياتهم في مختلف المجالات.تحریفات ومخالفات معاوية وبني أميّة للسنّة النبويّة الشريفة:من الأمور التي تتبنّاها الشيعة وتستدلّ بها على عدم صلاحية معاوية ومن تبعه للخلافة الشرعية مخالفتهم للنصوص الصريحة الواردة عن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلمفي مختلف المسائل ؛ ففي الفقه، على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى:

التغيير في الصلاة، ترك التكبير عند الركوع والسجود، الدعاء للأمير في الأذان، تقديم خطبة العيدين الخطبة جالساً، تعطيل الحدود، جواز الجمع بين الأختين، إتمام الصلاة في السفر أكل الربا، تغيير السنّة في الديات وإدخال ماليس منها فيها، استصفاء أموال العمّال، ترك التلبية في الحج، الأمر بطاعة الظالمين، ومدح الركون إليهم الإجبار على البيعة، سبّ الصالحين على المنابر، سبّ الرموز المخالفة ولعنهم وتبكيتهم.. وهذه كلّها داخلة في الفقه الإسلامي، وأكثرها عبادات. وهنا يأتي التساؤل المشروع فمن الممكن أن يقع شخص في مخالفة النبي صلى الله علیه وآله وسلم في مسألة أو مسألتين، أما هنا فهناك مشروع كامل المخالفة النبي صلی الله علیه وآله وسلم.وهنا يظهر أثر السلطة في الدين، سواء على مستوى العقائد، أو الأحكام، أو السلوك ؛ فإنّ هذا الدين الذي أنزله الله عزّ وجلّ قد تعرّض خلال مسيرته في التاريخ ، وخاصة بعد أيّام النشأة والتدوين قد تعرّض لكثير من التغيير والتحريف والزيادة والنقصان، والصحابة الصالحون كانوا أقلّية من قديم..بل إنّ التغيير في الصلاة قد حدث بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فعندما وصل الإمام علي علیه السلام إلى البصرة وصلى بهم في الجامع الأعظم ذكّر المصلّين صلاة رسول الله (1.)والمستغرب هنا العداوة لكلمة: الله أكبر وللبسملة.التكبير والبسملة واجها انتهاكاً ومحاربة شنعاء من بني أُميّة وأتباعهم، وبقيت محاربة البسلمة إلى اليوم، وهناك نصوص مهمة جداً:1 عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس: صلّيت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق، فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، يكبّر إذا سجد وإذا رفع رأسه، قال: فقال ابن)


1) عن مطرف عن عمران بن حصين، قال صلّى مع عليّ بالبصرة، فقال: ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصلّيها مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فذكر أنّه كان يكبر كلّما رفع وكلّما وضع صحيح البخاري 1: 190.

عباس: تلك صلاة أبي القاسم عليه الصلاة والسلام(1.)2 عن الأشعري، قال: لقد ذكرنا ابن أبي طالب ونحن بالبصرة صلاة كنّا نصلّيها مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، يكبر إذا سجد وإذا قام ، فلا أدري أنسيناها أم تركناها عمداً (2).)(3 علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة وهو يحدّث خلاد بن رافع عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوصفها له: يكبّر إذا سجد وإذا رفع رأسه، كصلاة الهاشميين ، قال له خلاد فمن أول من ترك ذلك؟ قال: معاوية (3).)وهنا فائدة عجيبة ؛ فعندما يقول: كصلاة الهاشميين، نلحظ أنّه لم يبق من حافظ على الصلاة إلى حد ما أو إلى أكبر حد إلّا الهاشميين، وأمّا المساجد الرسمية أو التي استولى عليها السلطان، بما فيها الحرمان الشريفان، كانت صلاة أخرى غير صلاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم، والرواية من طريق أبي هريرة مهمّة ؛ لأنّه كان مقرّباً من معاوية،وكان يختلف أحيانا مع معاوية فيفضي لبعض الحق ويذكر بعضه، وإذا أرسل له معاوية المال سكت ولم يتكلم، كما قال صهره سعيد بن المسيب في ترجمته في سيرة أعلام النبلاء(4.)وقوله: كصلاة الهاشميين، يدلّ على أنّ صلاة الهاشميين انفصلت في عهد معاوية عن الصلاة الرسمية التي قرّرها معاوية.فمعاوية لم يكن لديه ثقافة لا قبل الإسلام ولا بعده ؛ لأنّه عاش في وسط مسيحي لاهوتي، وهذا الوسط المسيحي اللاهوتي علّمه أنّ الدين وسيلة وليس شريعة، والمثل الأعلى لدى معاوية كان هرقل، وليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا واحد من


1) مسند أحمد 1: 218 .

2) مسند أحمد 4: 392.

3) تاريخ مدينة دمشق 202:59 - 203 .

4) سيرة أعلام النبلاء 2: 615.

أصحابه، ولو أنّه امتلك شيئاً من الحياء لما جاهر بأنّ هرقل هو مثله الأعلى، وسياسته سياسة بيزنطية، وهو الذي هادن البيزنطيين ودفع لهم من أموال المسلمين ليقاتل إمام الحق الإمام علي علیه السلام.وهو جند ابن اثال ليغتال له خصومه، وهو كان وراء اغتيال الإمام الحسن علیه السلام، وكان وراء كثير من المخالفات.وهو الذي قال للمغيرة - وذلك عندما طلب منه ترك إيذاء بني هاشم ؛ لأنها أبق لذكره !! ..... هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه؟! ملك أخوتيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: أبو بكر. ثمّ ملك أخو عدي، فاجتهد، وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل عمر وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أن محمّداً رسول الله، فأيّ عمل يبق؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا! لا أبا لك! لا والله إلّا دفناً دفناً (1. وطالما ليس بعد الكفر من ذنب فكلّ ما صدر عنه ومن تبعه كسلطة هو ردّة عن الإسلام، ولم تفلح هذه الردّة مع أنّها استخدمت الأدوات الإدارية والمالية والثقافية، ثمّ الوسائل المسلّحة بتصفية الخصوم سواء عن طريق قتل الإمام الحسن)ثمَّ حِجر بن عدي، أو من بعد وقائع كربلاء والحرّة ومكة، وغير ذلك من أمور.ومعاوية يقول بجواز الجمع بين الأختين ؛ أخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد أنّ حيّاً سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين: يكونان عند الرجل، يطأهما؟ قال: ليس بذلك بأس (2.)وقد طبّق هذا عملياً فزوجته ميسون بنت بجدل الكلبية وتزوّج أختها، وميسون بقيت بعد معاوية ولم يكن قد طلقها، وهذه مخالفة لصريح الآية في سورة


1) مروج الذهب 4 49 النصائح الكافية: 116 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 238.

2) الدر المنثور 2: 137 .

النساء: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللآتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللأَتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللأَتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سلف(1).)ومعاوية شرب الخمر (2، لم ير فيه بأساً كما لم ير في المتاجرة بالخمر بأساً (3). ذكر ذلك بعض علماء الحديث، كالإمام أحمد.)وهنا يأتي أثر معاوية ؛ فالسلطة تنتج مذهباً يحمي الظالمين، ويستبدّ على الذين يريدون أن ينقدوا أو يفتحوا العقول على مثل هذه الأمور، فمعاوية لا يرى بأساً بأي شيء، من قتل مسلم إلى ذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاستهزاء به..وصحابة العصر الأول في عصر معاوية سم بعضهم وقتل بعضهم بسهولة ك-: محمد بن مسلمة، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، فكلّ من ينطق بالمجاهرة بإنكار منكر، ولو إنكار لعن الإمام علي علیه السلام يتعرّض للقتل، وأمّا أغلب الجيوش فهم مع السلطة وكذا أغلب الفقهاء والعلماء.وبعد معاوية جاء نظام الملك، عندما أنشأ المدرسة النظامية في أيام السلاجقة، وبالخصوص أيام ملك شاه، وجعل العلماء يتخرّجون من مدرسة تابعة للسلطة حسب المذهب الشافعي، وفيما بعد مزج الفكر الشافعي بفكر الأشاعرة.فعنوان السلطة فضفاض، وينطبق على ما بعد وفاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم كما ينطبق اليوم، وفي زمن السادات أرادوا أن يسألوا المفتي عن مسألة تنظيم النسل، أو تحديد النسل، قال لهم: تريدون فتوى في مصلحة تحديد النسل أم فتوى ضد تحديد النسل؟


1) النساء (4): 23.

2) مسند أحمد 5: 347.

3) تاريخ مدينة دمشق :26: 117 ، سيرة أعلام النبلاء 2: 10 .

فالسلطة المتقدّمة هي التي أنتجت، وهي التي كتبت في ضوئها الأحاديث، ومعظم الرواة والمحدّثين كانوا جلساء السلاطين ؛ فأبو هريرة كان جليس معاوية، والله قد حذّر فقال: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (1)، فمجرّد الركون إلى الذين ظلموا فيه وعيد شديد!)الرجل الثاني الذي دوّن الحديث بعد أبي هريرة هو: الزهري محمّد بن مسلم، وكان جليس هشام، وكتب حديثه، وهو الذي أجبره على كتابة الحديث.ثمّ الرجل الثالث الذي دوّن الحديث بقوة وختم به الحديث هو الإمام أحمد وكان مقرّباً من التوكل...فللسلطة أثر، وعندما يستعرض الباحث أحاديثهم وينظر أحاديث قرائنهم ممّن لم يلتصق بالسلطة ولم يكن مقرباً إليها سيعرف الفرق، وهذه طبيعة إنسانية، فأي دولة الآن إذا كلّفت مجموعة من الباحثين بكتابه سيرة تاريخ البلاد، هذه المجموعة حتى لو كانت حرّة خارج قاعات الاجتماع إلّا أنّها لا تستطيع أن تدوّن ما يتعارض مع السلطة، وكذلك جميع المساجد وجميع الجامعات والمدارس الخاضعة للسلطة.الحقائق تسير به إلى الحق :بعد أن اتّضحت لشادي الحقائق ومدى التحريف الذي حصل في الفقه والعقائد الإسلامية من قبل حكام الجور، وسلامة فقه وعقائد أتباع أهل البيت علیهم السلام من ذلك، قرّر اتّباع الحقّ ونبذ العصبيّة، فاعتنق مذهب أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، وكان ذلك سنة 1423ه- (2003م في مصر (2).)


1) هود (11): 113.

2) للمستبصر أنشطة عديدة في غرف المنتديات، ويدير إحدى هذه الغرف، كما له تواصل مع إدارة مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقع المركز على الانترنيت.

## (48 شوقي أحمد محمّد)(وهابي / مصر)ولد عام 1372ه- (1953م في مدينة «الزقاريق» بمصر، ونشأ في أسرة سنيّة المذهب إلّا أنّه كان متأثّراً بالفكر الوهابي.)واصل دراسته الأكاديمية إلى أن حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية.شاءت الإرادة الإلهية أن يتعرّف «شوقي» على أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلافي موسم الحج من قريب فأعجب بهم، الأمر الذي دفعه نحو البحث والتحقيق في مذهبهم، والأدلّة على صحته.يقول «شوقي»: أعجبت بنظام الشيعة الإيرانيين خلال موسم الحج وسألت عن سبب بكائهم الدائم أمام مقابر البقيع، وتقابلت مع أحدهم - وكان يجيد اللغة العربية - وناقشته فوجدت منطقاً وأسلوباً وأدلّة أدهشتني، فتابعت البحث بعدعودتي..بعد الوصول إلى بلده من الديار المقدّسة لم يجد «شوقي» الكتب العقائدية التي توضّح الرؤية الشيعية إلا بصعوبة بالغة، حتى عثر على إحدى المواقع الإلكترونية الشيعية التي أخذت على عاتقها إدراج متن العديد من الكتب التي ألفها أتباع

مدرسة أهل البيت علیهم السلام في المجال العقائدي.وكان اعتماد علماء الشيعة على القرآن الكريم في إثبات آرائهم من العناصر الأساسية التي جعلت «شوقي» محبّاً وتابعاً لمذهب الإمامية.وفي هذا المجال تعدّ آية التطهير من أهم الآيات التي يستدلّ بها علماء الشيعة على عصمة أئمة أهل البيت علیهم السلام، وإنّ من جملة ما يحاول إثباته بعض المخالفين هو إثبات الدعوى القائلة بأن آية التطهير خاصّة بزوجات النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وأنّها نزلت فيهنّ، وأنهنّ المعنيّات بهذه الآية.نماذج من أقوال علماء أهل السنة في اختصاص آية التطهير بأصحاب الكساء:قال الطحاوي في (مشكل الآثار ضمن عنوان : (باب بيان مشكل ما روي عنه علیه السلام في المراد بقول الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) من هم؟ قال: (حدّثنا الربيع المرادي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلى).)ثمّ قال: (ففى هذا الحديث: أنّ المرادين بما في هذه الآية هم: رسول الله وعلي وفاطمة وحسن وحسين.)ثم قال: (حدّثنا فهد ، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )...)ثمّ قال الطحاوي: ففي هذا الحديث مثل الذي في الأوّل(1).)


1) تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار ، نقلاً عن الحصون المنيعة: 230.

وقال بعد أن ذكر مجموعة من الروايات الحديث الكساء من طريق السيّدة أمّ المؤمنين أمّ سلمة رضوان الله تعالى عليها:(فدلّ ما روينا في هذه الآثار مما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمّ سلمة ممّا ذكر فيها لم يرد به أنّها كانت ممّن أريد به ما في الآية المتلوة في هذا الباب، وأنّ المرادين فيها هم: رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين دون من سو راهم (1).)وقال العلامة يوسف بن موسى الحنفي (أبو الحاسن:)(روي أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لمّا نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا دعا عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي)...)وروي: أنّه جمع (علياً و(2)فاطمة والحسن والحسين، ثمّ أدخلهم تحت ثوبه، ثمّ جأر إلى الله تعالى: ربّ هؤلاء أهلي.)قالت أم سلمة: يا رسول الله، فتدخلني معهم؟قال: أنت من أهلي.يعني: من أزواجه، كما في حديث الإفك من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ لا أنّها أهل الآية المتلوة في هذا الباب.يؤيّده: ما روي عن أم سلمة: أنّ هذه الآية نزلت في بيتي، فقلت: يا رسول الله.. ألست من أهل البيت؟قال: «أنت على خير، إنّك من أزواج النبي وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين..».


1) تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار 8: 476.

2) لم يذكر الإمام علي الاهلي ضمن من جمعهم النبي صلی الله علیه وآله وسلم تحت الكساء، والظاهر أنّه اشتباه منه، أو من الناسخ.

وما روي أيضاً عن واثلة بن الأسقع أنه قال: أتيت عليّاً فلم أجده، فقالت فاطمة انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريده.قال: فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدخلا ودخلت معهما، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمالحسن والحسين، وأقعد كلّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثمّ لفّ عليهم ثوباً وأنا منتبذ، ثمّ قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهلى، اللهم هؤلاء أهلى، إنّهم أهل حق».فقلت يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلى.قال واثلة: فإّنها من أرجى ما نرجو.وواثلة أبعد من أمّ سلمة، لأنّه ليس من قريش وأمّ سلمة موضعها من قريش موضعها، فكان قوله صلی الله علیه وآله وسلم لوائلة: «أنت من أهلي، لاتباعك إياي وإيمانك بي، وأهل الأنبياء متّبعوهم».يؤيده قوله تعالى لنوح:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ (1)، فكما خرج ابنه بالخلاف من أهله ، فكذلك يدخل المرء في أهله بالموافقة على دينه وإن لم يكن من ذوي نسبته.)والكلام الخطاب أزواج النبي صلی الله علیه وآله وسلم تمّ عند قوله: (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ. وقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) استئناف تشريعاً لأهل البيت وترفيعاً لمقدارهم، ألا ترى أنه جاء على خطاب المذكّر، فقال: عنكم، ولم يقل عنكنّ، فلا حجّة لأحد في إدخال الأزواج في هذه الآية.)يدلّ عليه: ما روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أصبح أتى باب فاطمة فقال:


1) هود (11): 46.

«السلام عليكم أهل البيت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »)(1).)وقال الشيخ حسن بن على السقّاف:(وأهل البيت هم سيّدنا علي والسيّدة فاطمة وسيّدنا الحسن وسيّدنا الحسين علیهم السلام ، وذريتهم من بعدهم، ومن تناسب منهم، للحديث الصحيح الذي نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه على ذلك ففي الحديث الصحيح:نزلت هذه الآية على النبي صلی الله علیه واآله وسلم :(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلّله بكساء، ثمّ قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت إلى خير)(2).)وقال في هامش صحفة 657 من المصدر نفسه، وهو يردّ على الشيخ الألباني في قوله: (وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم دون نسائه له من تحريفهم لآيات الله تعالى ؛ انتصاراً لأهوائهم، واله كما هو مشروح في موضعه)، فقال رداً عليه:)(وهذا من تلبيساته وتمحله في ردّ السنّة الثابتة في تفسيره لأهل البيت، وهو بهذا أراد أن يلبس على القارئ بأنّ من قال: إنّ أهل البيت هم أهل الكساء أنّهم الشيعة!! والحقّ: أنّ من قال ذلك جميع أهل السنّة والجماعة، وقبلهم الذي لا ينطق عن الهوى صلی الله علیه وآله وسلم ، ولكن هذا هو النصب الذي يفضي بصاحبه إلى ما ترى، كما شرحنا في موضعه.)


1) معتصر المختصر 2: 266 - 267.

2) صحيح شرح العقيدة الطحاوية: 655.

وقال العلامة أبو بكر الحضرمي في رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي: (والذي قال به الجماهير من العلماء، وقطع به أكابر الأئمّة، وقامت به البراهين، وتضافرت به الأدلّة أنّ أهل البيت المرادين في الآية هم: سيدنا علي)وفاطمة وابناهما... وما كان تخصيصهم بذلك منه إلا عن أمر إلهي ووحي سماوي(1).)وقال أيضاً:(والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وبما أوردته منها يعلم قطعاً أنّ المراد بأهل البيت هم: علي وفاطمة وابناهما رضوان الله تعالى عليهم، ولا التفات إلى ما ذكره صاحب روح البيان من أنّ تخصيص الخمسة المذكورين علیهم السلام بكونهم من أهل البيت من أقوال الشيعة ؛ لأنّ ذلك محض تهوّر يقتضي العجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب أهل السنّة السنية يسفر الصبح لذي عينين(2).)وقال الشوكاني في (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول وهو يردّ على من قال بأن الآية في نساء النبي صلی الله علیه وآله وسلم:(ويجاب عن هذا بأنّه: ورد بالدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين) (3).)وقال السمهودي في (جواهر العقدين (وهؤلاء هم أهل الكساء، فهم المراد من الآيتين آية المباهلة وآية التطهير )(4).)وقال أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد بن هبة الله، المعروف بابن عساكر (ت 620ه، في كتابه: (الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين)، بعد أن ذكر رواية عن أمّ سلمة، قالت فيها: (وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين))


1) رشفة الصادي: 23.

2) رشفة الصادي: 35.

3) إرشاد الفحول: 83 .

4) جواهر العقدين: 204.

(هذا حديث صحيح..)ثمّ قال: (وقولها وأهل البيت هؤلاء الذين ذكرتهم، إشارة إلى الذين وجدوا في البيت في تلك الحالة، وإلّا فآل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كلّهم أهل البيت، والآية نزلت خاصّة في هؤلاء المذكورين. والله أعلم (1).)وقال العلامة سيدي محمّد حبسوس في (شرح الشمائل: (... ثمّ جاء الحسن ابن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معهم، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطْهِيرًا)، وفي ذلك إشارة إلى أنّهم المراد بأهل البيت في الآية ) (2).)وقال العلامة محمّد أحمد بنيس في شرح همزية البوصيري (لوامع أنوار الكوكب الدرّي: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، أكثر المفسّرين أنها نزلت في على وفاطمة والحسنين (رضي الله عنهم)(3).)وقال توفيق أبو علم، وهو يردّ على عبد العزيز البخاري، في كتابه (أهل البيت: (أمّا قوله: إنّ آية التطهير المقصود منها : الأزواج ؛ فقد أوضحنا بما لا مزيد عليه أن المقصود من أهل البيت هم: العترة الطاهرة، لا الأزواج)(4).)لم يؤثر عن واحد من الصحابة قول صحيح باختصاص آية التطهير بزوجات النبي صلی الله علیه وآله وسلم :ثمّ أنّه لم يؤثر في رواية بسند صحيح أنّ واحداً من الصحابة ذكر أو أدّعى أنّ آية التطهير خاصة بزوجات النبي صلی الله علیه وآله وسلم أو أنّها تشملهن.. نعم، توجد روايتان ينسب


1) الأربعين في مناقب أُمهات المؤمنين: 106.

2) شرح الشمائل 1: 107.

3) لوامع أنوار الكوكب الدري 2: 86

4) أهل البيت: 35.

فيها إلى ابن عباس أنّه قال عن هذه الآية بأنّها نزلت في نساء النبي صلی الله علیه وآله وسلم :الأولى: رواها الواحدي في أسباب النزول، قال: (أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمّد السراج، قال: أخبرنا محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الحسن بن علي ابن عفان، قال: أخبرنا أبو يحيى الحماني، عن صالح بن موسى القرشي، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية في نساء النبي صلی الله علیه وآله وسلم :(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1).)والأخرى ذكرها ابن كثير في تفسيره ؛ قال : (عن ابن أبي حاتم، قال: حدّثنا علي بن حرب الموصلي، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُالرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، قال: نزلت في نساء النبي صلی الله علیه وآله وسلم خاصّة) (2).)ولكن بملاحظة سند هاتين الروايتين نجد أنهما ضعيفتان من هذه الناحية، فلا اعتبار بهما ؛ لمخالفتهما النصوص الصريحة والصحيحة، التي ذكرنا جملة منها في ما سبق، والتي تدلّ على أنّ آية التطهير خاصّة بأصحاب الكساء فقط.فرواية الواحدي في سندها أكثر من راهِ ضعيف، يكفي في فساد الاستدلال بها أن نثبت ضعف بعض هؤلاء ؛ ففي سندها (أبو يحيى الحماني، وهو: (عبد الحميد ابن عبد الرحمن الحماني)، وقد رمي بالإرجاء والمخطأ، وقال النسائي: (ليس)بالقوى.)وقال ابن سعد وأحمد: (كان ضعيفاً، وقال العجلي: (كوفي ضعيف الحديث) (3).)


1) أسباب النزول للواحدي: 239.

2) تفسير ابن كثير 3 :491 .

3) راجع ترجمته في الكاشف 1 :67 ، تهذيب التهذيب :6: 109 ، تقريب التهذيب 556:1.

وفي سندها: (صالح بن موسى القرشي، وهو: (الطلحي) ؛ قال فيه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال البخاري في ضعفائه منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال الذهبي: (واه)، وقال العسقلاني: (متروك)(1)، وفي سندها: (خصيف)، وخصيف هذا الذي يروي عن سعيد بن جبير هو: (خصيف بن عبد الرحمن الجزري) مولى عثمان بن عفان، وقيل: معاوية بن أبي سفيان، قال عنه أحمد ابن حنبل: (ليس بحجّة ولا قوي في الحديث)، وقال أيضاً: (ضعيف الحديث)، وقال أبو حاتم: (صالح يخلط، وتكلّم في سوء حفظه) ، وقال العسقلاني: (صدوق سيّء الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء)، وقال الذهبي (صدوق سيّء الحفظ، ضعفه أحمد) (2).)وأمّا رواية ابن كثير، فساقطة سنداً أيضاً ؛ ففي سندها: (الحسين بن واقد، وهو من المدرّسين، وصفه بالتدليس: الدارقطني وأبو يعلى الخليلي، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه : (ما أنكر حديث الحسين بن واقد عن أبي المنيب، وقال العقيلي: أنكر حديث الحسين بن واقد عن أبي المنيب، وقال العقيلي: أنكر أحمد بن حنبل حديثه، وقال الأثرم قال :أحمد في أحاديثه زيادة ما أدري أي شيء هي ونفض يده)(3).)وفي سندها: عكرمة البربري، مولى عبد الله بن عباس، وهو ممّن اشتهر كذبه على مولاه ابن عباس، فهذا سعيد بن المسيّب يقول لغلامه (برد): (يا برد! إيّاك)


1) راجع ترجمته في الجرح والتعديل 4 415، الضعفاء الصغير للبخاري: 62، الضعفاء والمتروكين للنسائي: 194 ، الكاشف للذهبي 1: 499 .

2) راجع ترجمته في الجرح والتعديل للرازي 3: 403 ، الكاشف للذهبي 1: 373، تقريب التهذيب لابن حجر ،1 269 ، تهذيب الكمال 8: 258 - 259.

3) راجع ترجمته في طبقات المدلّسين لابن حجر: 20 ، التبيين لأسماء المدلسين لابن العجمي: 22، تهذيب التهذيب 2: 321 .

و أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس، وقد قيّده علي بن عبد الله بن عباس على باب الكنيف، ولمّا قيل له عن سبب ذلك، قال: (إنّه يكذب على أبي)(1).)اتّباع أصحاب الكساء:بعد تحمّل مشاق البحث والتحقيق في سبيل الوصول إلى الحقّ أعلن «شوقي» عن توصّله إليه، واقتناعه بأن اتّباع أهل البيت علیهم السلام الخمسة هو ما أراده الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم للأمّة بعده، وكان استبصاره عام 1422ه- (2002م (2).)


1) تهذيب التهذيب : 237 .

2) راسل المستبصر مركز الأبحاث العقائدية عبر موقعه على الإنترنيت، وأعلن عن استبصاره بعد البحث والتحقيق.

## (49 عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ))(سنيّة / مصر)نشأت في «جمهورية مصر العربيّة» في أسرة سنيّة المذهب، واصلت «بنت الشاطئ» دراستها الأكاديمية حتّى نالت شهادة الدكتوراه من كلّيّة الشريعة، وأصبحت فيما بعد أستاذة اللغة العربية و آدابها بجامعة عين شمس، وأستاذة الدراسات القرآنية بكلية الشريعة ودار الحديث.مخالفات البخاري للقرآن والسنّة والخيانة العلمية فيه:منذ أن أدركت بنت الشاطئ كانت تسمع عن صحيح البخاري ؛ فقد ادّعوا بأنّ هذا الكتاب هو أجلّ كتاب كُتب في الإسلام، وأنّه أفضل ما كُتب بعد کتاب الله سبحانه وتعالى، الأمر الذي يستوقف المرء حتّى يصبح عنده من المسلمات، وذلك من خلال القدسية التي أضفوها إليه.فقد قال التاجكستركي: (وأمّا كتابه الجامع الصحيح فأجلّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله، وقال: وكان من أحسنها تصنيفاً وأجودها تأليفاً، وأكثرها صواباً وأقلها خطاً، وأعتها نفعاً وأعودها فائدة، وأعظمها بركة وأيسرها ...(1).)وغيرها من العناوين التي لا تقال إلّا في كتاب الله جل وعلا.


1) إرشاد الساري 1: 29 .

روايات مخالفة لنصوص القرآن، رواها البخاري:عندما يقال بأن هذا الكتاب هو أفضل وأصح كتاب بعد كتاب الله، فهذا معناه أنّه لابدّ أن يكون منسجماً مع كتاب الله ، ولكن الباحث وعند مراجعته لهذا الكتاب يجد أنّ هناك روايات تخالف بشكل واضح نصوص القرآن الكريم... ومن هذه الروايات:1 - عن عائشة قالت: سمع النبي صلی الله علیه وآله وسلم رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله، لقد أذكر نى كذا وكذا ،آية أسقطتهنّ من سورة كذا وكذا(1).)فهذا النص يسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسيان القرآن، وقد يتصور أنّه صلی الله علیه وآله وسلم ينسى بعض الأمور الحياتية، وإن كان ذلك غير صحيح حتّى في الموضوعات، أمّا أن ينسى القرآن فهذا خلاف النص الصريح:( سَنُقْرِزُكَ فَلَا تَنسَى (2)، ولكن البخاري ينسب النسيان وإسقاط العديد من الآيات لا آية واحدة أو نصف آية، وإنما يعبّر: (لقد أذكر ني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا).)2- الرواية نفسها، باختلاف يسير في الألفاظ في موضع آخر من صحيح البخاري، وهي:عن عائشة، قالت: (سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال: يرحمه الله ، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا(3).)وهذه الرواية واضحة تشير إلى أن رسول الله ينسى، فهذا هو الكتاب الذي يدعون أنّه أصحّ كتاب بعد كتاب الله وهو يسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه ينسى القرآن!!


1) ( صحيح البخاري 2: 451.

2) الأعلى (87): 6.

3) صحيح البخاري 6: 110.

والرواية التي تعارض نص القرآن الكريم لابد أن يرمى بها عرض الجدار فهي زخرف لا يمكن أن تصدر من النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم.عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت في الجاهلية قِردَة اجتمع عليها قِرَدة، قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم (1).)هذا هو الكتاب الذي يُعدّ عندهم أفضل ما كُتب بعد القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، بل ويصرحون بأنّ: كل ما فيه صحيح. وهو ما صرّح به ابن حجر، به ابن حجر، قال: فهذا ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميعما أورده البخاري في كتابه، ومن اتفاقهم على أنّه مقطوع بنسبته إليه (2).)فحديث الغدير ، وحديث الثقلين، وحديث لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق، لا تصحّ عند البخاري، ويصح عنده أنّ قردة زنت، فاجتمعت عليها القردة فرجموها حدّ الزنا !!ومن أجل ذلك فإنّ الذين آمنوا بصحّة جميع ما ورد في البخاري صاروا في حيرة واضطراب في كيفية توجيه هذه الرواية : فبعض قال: من أراد أن يراجع عليه أن يرجع إلى ذيل هذه الرواية في فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ؛ لأنّه يقول: (لعلّ هؤلاء القردة كانوا من نسل الذين مسخوا فبق فيهم ذلك الحكم (3).)ومعنى كلام ابن حجر: أنّ هذا الحكم الذي جاء به القرآن كان حكم القِرَدَة. وأنّ هؤلاء القردة وصلوا إلى مستوى شخصوا فيه الزنا من غير الزنا، وأنّ عندهم نكاح صحيح ونكاح غير صحيح وعندهم أيضاً فقه العقود، فالتزموا بعقد النكاح.وقالوا في توجيه هذه الروايات بأنّ: أبا مسعود ذكرها وليست في نسخ


1) صحيح البخاري 4: 238.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8: 562.

3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 121.

البخاري، فلعلّ هذه الرواية أُقحمت في البخاري من أجل حفظ ماء وجه البخاري، قال ابن حجر: (وأغرب الحميدي في الجمع بين الصحيحين ؛ فزعم أنّ هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاري، وأنّ أبا مسعود وحده ذكره في الأطراف، قال: وليس في نسخ البخاري أصلاً فلعل من الأحاديث المقحمة(1).)ولازم هذا الكلام، أنّه عندما نضع يدنا على أيّة رواية في كتاب البخاري فيأتي احتمال أنّها مقحمة وأنّها ليست مسندة، وهذا معناه سقوط البخاري عن الاعتبار، وبتعبير علماء الأصول يكون شبهة مصداقية، يعني: أينا نضع يدنا يمكنأن نقول: لعلّه هذه الرواية مقمحة.مخالفات أُخرى للبخاري في صحيحه:إنّ البخاري خان الأمانة العلمية والدينية في موارد عديدة في كتابه ؛ فحذف الأسماء وتلاعب بالألفاظ، فلا يمكن الاعتماد على كلّ ما ورد في صحيح البخاري، وهناك نماذج تدلّ على هذه الحقيقة:المورد الأول:جاء في مسلم: عن أبي عثمان ، قال : لمّا ادّعى زياداً، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم ؟ إنِّي سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو يقول: من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه، يعلم أنّه غير أبيه، فالجنّة عليه حرام. فقال أبو بكرة: أنا سمعته من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (2.)وعند الرجوع إلى صحيح البخاري، فإنّه يروي الرواية بهذا الشكل: عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان، قال: سمعت سعداً، وهو أوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة، وكان تسوّر حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: سمعنا


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 121 .

2) صحیح مسلم 1: 57.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم، فالجنّة عليه حرام(1.)فحذف قضية زياد ؛ لكي يستر عورة معاوية والفعل القبيح المخالف للسنّة القطعية من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وليته تستّر على أمر بسيط، ولكنّه أمر قال فيه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من فعل كذا كانت الجنة عليه حرام.إنّ البخاري كان أموي الهوى، ونشأ في جو أموي يدافع عن بني أميّة، ولهذا فإن ابن حجر لا يستطيع أن يفسر هذا الحديث ؛ لأنّ القضية مشهورة، وأنّها مرتبطة بزياد بن أبيه، وأن معاوية استلحقه حتّى يقرّبه من جهاز حكمه وسلطانه في ذلك الزمان (2.)وهذا يفسّر عدم ذكر جنايات بني أمية في صحيح البخاري ؛ لأنّ البخاري كان أمويّ الهوى والاعتقاد، فكيف يكتب شيئاً يضر بني أمية، فكل ما يرتبط بجنايات الأمويين وبما فعلوه ببني هاشم، كلّها حُذفت من صحيحه.وفي المقابل يحذف كل ما يرتبط بأهل البيت علیهم السلام، فهناك إقصاء كامل في صحيح البخاري، لحديث الثقلين وحديث الغدير وأحاديث كثيرة في هذا المجال.مخالفات البخاري ومسلم في صحيحيهما:روى البخاري حديثاً في مواضع متعدّدة من كتابه: عن عبيد الله بن عبد اللهابن عتبة أنّ عائشة قالت: لمّا تقل النبي صلى الله عليه وآۀه وسلم واشتد به وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج النبي صلی الله علیه وآله وسلم بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر، قال عبيد الله : فأخبرت عبد الله بن عباس، فقال: أتدري من الرجل الآخر ؟ قلت: لا. قال: هو علي(3.)


1) صحيح البخاري 5: 103 .

2) فتح الباري بشر صحيح البخاري 15: 501 .

3) صحيح البخاري 57:1 .

وعند الرجوع إلى صحيح مسلم، نجد هذه الرواية نفسها والسند نفسه والألفاظ: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: لمّا ثقل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم واشتدّ به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له،فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا. قال ابن عباس: هو علىّ(1.)فصحيحا البخاري ومسلم اتفقا على هذا.لكنّنا عند رجوعنا إلى «مسند أحمد» نجد أنّ هناك إضافة في الرواية قام البخاري ومسلم بحذفها عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ عائشة أخبرته، قالت: أوّل ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت ميمونة، فاستأذنت أزواجه أن يمرض في بيتها، فأذن له، قالت: فخرج ويدٌ له على الفضل بن عباس، ويدٌ له على رجل آخر، وهو يخطّ برجليه في الأرض، قال عبيد الله : فحدثت به ابن عباس، فقال: أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تستم عائشة؟ هو علي، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً (2.)والرواية بالسند نفسه الذي ورد في البخاري ومسلم لا أنه شيء آخر، والسؤال هنا: لماذا يخفي البخاري ومسلم الحقائق؟!الوقوف على التاريخ الصحيح يؤدّي إلى اتّباع النور:عندما اتّضحت لبنت الشاطئ الحقائق التاريخية، ومدى التلاعب الذي ساد كتب القوم، وأن كثيراً منها كتب بيد أعداء أهل البيت علیهم السلام : لإخفاء فضائلهم


1) صحیح مسلم 2: 22.

2) مسند أحمد 6: 228 .

وتحسين صورة أعدائهم، قرّرت اتباع الحق، فاعتنقت مذهب أهل البيت علیهم السلام، وصارت من المدافعين عنه.وقامت بتأليف عدة آثار في المجال الديني، منها: التفسير البياني للقرآن الكريم ( في جزئين، مع المصطفى، موسوعة آل النبي صلی الله علیه وآله وسلم، أم النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، بطلة كربلاء، تراثنا بين الماضي والحاضر (1).)


1) ذكرها السيد مرتضى الرضوي في كتابه مع رجال «الفكر في القاهرة» ضمن المستبصرين الذين تواصل معهم بعد الاستبصار (راجع مع رجال الفكر 1: 208).

## (50 عبد الخالق محمّد أبو المجد)(سنيّ / مصر)ولد في إحدى القرى المجاورة لمدينة الاسكندرية بمصر، ونشأ في أسرة سنّية ملتزمة بالعبادات والتقاليد الريفية.بعد رحلة طويلة في عمق الجماعات الدينية المختلفة لأهل السنّة والجماعة مرّت على أسماع «عبد الخالق» قصّة عبد الله بن سبأ، فقد كان الإعلام الحكومي والديني المعادي لأهل البيت علیهم السلام آنذاك يصف الشيعة بأنّهم من صنع ابن سبأ اليهودي، الذي جاء لضرب الإسلام في العمق.ولكن من خلال متابعته لأتباع المذهب الشيعي وتصرفاتهم أثير عجبه وهشته ؛ إذ كيف يكون عبد الله بن سبأ مؤسساً لهذه الأفكار التوحيدية العميقة؟!كيف ليهودي أن ينشئ مثل هذا المذهب الذي لا يتفوّة علماؤه إلا عن رؤى واضحة للإسلام وتعاليمه المنسجمة تمام الانسجام مع القرآن الكريم وروح الشريعة؟!أسطورة عبد الله بن سبأ:بمراجعة التاريخ الإسلامي والمصادر التي يستند إليها من يدّعي أنّ الفكر الشيعي هو امتداد لأفكار ابن سبأ، يتّضح للباحث أنّ سائر الروايات التي استندوا

إليها في هذا المجال موضوعة وضعها شخص واحد، ومنه أخذ كلّ الكتاب والمؤرّخين، وهذا الشخص هو : سيف بن عمر التميمي البرجمي الكوفي المتوفى سنة 170ه-، فإنّه وضع هذه القصة الخرافية لهذا الشخص اليهودي الذي نُسب إلى صنعاء في اليمن، ويعبِّر عنه ب-«ابن السوداء» أحياناً.ومختصر الأسطورة: أنّ عبد الله بن سبأ أظهر الإسلام في زمن عثمان ليسيء إلى الإسلام والمسلمين، فتنقل في الأمصار الإسلامية الشام، والكوفة، ومصر، والبصرة، داعياً لأمور:أ رجعة النبي صلی الله علیه وآله وسلم.)ب أنّ عثمان غاصب للخلافة وأن عليّاً هو الوصيّ.)وقد اجتمع الناس حوله و تبعته جماعات منهم كبار الصحابة والتابعين، منهم: أبو ذر، وعمّار بن ياسر ، ومحمّد بن أبي بكر ، وغيرهم، وقد جمع الجموع لقتل الخليفة عثمان، حتّى قتلوه في داره.ويستمر سيف بن عمر حتّى يذكر حرب الجمل ؛ فيختلق شخصاً يجعله وسيطاً للصلح، اسمه القعقاع بن عمرو، يقوم بالسعي للصلح بين عليّ من جهة وبين أصحاب الجمل من جهة أخرى، حتى إذا اتفق المعسكران على الصلح ورأى أتباع عبد الله بن سبأ ذلك، فخافوا على أنفسهم من نتيجة هذا الصلح، فاندسوا بين الجيشين، فهجم من اندسّ منهم في جيش علي على جيش عائشة، ومن اندسّ منهم في جيش عائشة على جيش علي علیه السلام فأثاروا الحرب، دون علم عليّ وعائشة.وهذه الخرافة وضعها سيف بن عمر قبل سنة 170ه-، وقد أخذ منه المؤرّخون جميعاً، ثمّ اشتهرت في كتب التاريخ على مدى قرون حتّى يومنا هذا، فأصبحت من الحوادث التاريخية الشهيرة التي لا يتطرّق إليها الشك.وفي هذه الخرافة مجموعة من الأُمور تؤكّد على كذبها ووضعها:

أ - إنّ هذه القصّة وضعها شخص واحد.ب - إنّ هذا الشخص مشهور عند جميع علماء الحديث بالوضع، ومتّهم بالزندقة.ت - إنّ المؤرّخين أخذوا من هذا الشخص دون غيره، منهم:1 -الطبري المتوفى سنة (310ه-، أخذ من هذا الراوي في تاريخه، وإلى يومنا هذا أخذ سائر الكتاب والمؤرّخين من الطبري.)2- ابن عساكر، المتوفّى سنة (571ه-، في كتابه «تاريخ مدينة دمشق».)3- ابن أبي بكر، المتوفّى سنة (741ه-، في كتابه «التمهيد والبيان في فضائل الخليفة عثمان».)4- ابن خلدون المتوفّى سنة (808ه-، فيلسوف المؤرّخين، فإنّه بعدما ذكر القصة عند ذكره «مقتل عثمان» و «واقعة الجمل» قال: (وهذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردّة والفتوحات والحروب، ثمّ الاتّفاق والجماعة، أوردتها ملخّصة عيونها ومجامعها من كتاب محمّد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير ؛ فإنّه أوثق ما رأيناه في ذلك، وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الأُمة من خياراهم وعدولهم من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فكثيراً ما يوجد في كلام المؤرّخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم، أكثرها من أهل الأهواء، فلا ينبغي أن تسوّد بها الصحف) (1).)5- سعيد الأفغاني قال: (إنّي جعلت أكثر اعتمادي.. على تاريخ الطبري خاصة، وهو أقرب المصادر من الواقع، وصاحبه أكثر المؤرّخين تحرّياً وأمانه وعليه اعتمد كل من أتى بعده من الثقات.. وحرصت هنا كلّ الحرص على عبارته ما


1) تاريخ ابن خلدون، القسم الثاني 2: 187 - 188.

وجدت إلى ذلك سبيلاً... (1). وقال: (معظم اعتمادنا في ما نسوق على الطبري)(2).)فانتشرت هذه الخرافة في الكتب التاريخية بعد أن ذكرها الطبري عن طريق سيف بن عمر الزنديق الكذّاب وحده، معتمدين على وثاقة الطبري.وأمّا القعقاع بن عمرو، وما ذكر عنه من بطولات في حروب الردّة وفتح الشام والقادسية وغيرها، وصحبته للنبي صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّ كلّ ذلك من اختراعات سيف في أساطيره.ولو فرض صحّة قصّة عبد الله بن سبأ، المعروف بأنّه يهودي ومفسد، ومفرق لكلمة المسلمين، وكان السبب في ثورة المصريين، وأنّه قصد الأمصار الإسلامية ليثير الفتن والثورة على الخليفة، وبثّ الأفكار والمبادئ المنحرفة، لماذا لم يحاسب على هذه الأمور التي قام بها، ولم يُلقَ عليه القبض من سلطات الخليفة، ولم يتم نفيه عن الأمصار الإسلامية، بل تُرك يعبث ويلعب كما يشاء وحسب ميوله وشهواته؟بل وجدنا كلّ الانتقام توجّه للأبرار من صحابة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن ،مسعود وعمّار بن ياسر ، وأبي ذرّ، وعمرو بن الحمق، وصعصعة وزيد ابني صوحان والتابعين لهم بإحسان، مثل: جندب بن زهير ومالك الأشتر، وكعب بن عبدة، ويزيد الأرحبي، وعامر بن قيس وعروة البارقي، وكميل بن زياد، والحارث الهمداني...فقد نفوا وضربوا حتى كسرت أضلاعهم وفتقت بطونهم، وتعرّضوا إلى الإهانة والسباب من الألسن، وقبل هؤلاء الإمام علي علیه السلام، الذي كان في نظر عثمان أحق بالنفي من أولئك ؛ إذ أخرجه إلى ينبع مرّة بعد أخرى ليقلّ هتاف الناس باسمه


1) عائشة والسياسية: 5.

2) عائشة والسياسية: 67.

للخلافة! فمن كلام له قاله لعبد الله بن عبّاس، وقد جاءه برسالة من عثمان بعد أن لا حاصره الناس، يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع (1، ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل ، فقال علیه السلام: « يا ابن عباس، ما يريد عثمان إلا أن يجعلنى جملاً نا ضحاً بالغرب أقبل وأدبر (2)بعث إلى أنّ أخرج، ثمّ بعث إلىّ أن أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثما» (3).)فكلامه علیه السلام استهجان على عثمان وما كان يمارسه في حقّه، وهذا نموذج لأفعال عثمان التي كان يقوم بها ثمّ يتراجع عنها تحت الضغط، ثمّ يعود فيفعلها، ثمّ يعتذر منها.. يأخذ عثمان على نفسه أن يرفع الظلم عن الناس ويكفّ عنهم أيدي الأمويين من عماله، ولكنّه يتراجع عن ذلك ويبقي الأمور كما هي، فتزداد النقمة عليه وتشتدّ المعارضة، فيعلن توبته من جديد ثمّ يعود لممارسة مظالمه ، وهكذا دواليك، حتّى أجهز عليه عمله، وقضت عليه ممارسته...لقد كان عثمان ضعيفاً أمام مروان والأمويين إلى حد أنهم انتزعوا منه القرار وأصبحوا هم الخليفة فعلاً وحقيقةً، بينما أضحى عثمان خليفة رمزاً و شكلاً.حصر الثوار عثمان وضيّقوا عليه، ولم يقدر أن يتخلّص من قبضتهم وعقابهم، فنظر فلم يجد إلّا عليّاً ظنّ أنّه وراء هذه الأحداث، أو ظنّ أنّه يستطيع وحده أن يوقف زحفهم ويمنعهم من إكمال ما يريدونه، فلذا طلب من الإمام بواسطة ابن


1) ينبع: بفتح الياء، آخر الحروف، والنون الساكنة، والباء المضمومة الموحدّة، وفي آخرها العين المهملة، وهي قرية بناحية المدينة. الأنساب 5: 707.

2) الناضح: جمل يستقى عليه الماء للقرى في الحوض، أو سقي أرض، وجمعه: النواضح. قوله: (أقبل وأدبر)، أي: يقول لي ذلك، كما يقال للناضح، وقد صرّح العباس بن مرداس بهذه الألفاظ، فقال: أراك إذا أصبحت للقول ناضحاً، يقال له بالغرب أدبر وأقبل. كتاب العين 3: 106، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 297.

3) نهج البلاغة 2 232، الخطبة: 240.

عباس أن يخرج من المدينة إلى أرضه بينبع، التى كانت ملكاً للإمام، فخرج الإمام فازدادت النقمة على عثمان وكثر الهتاف باسم الإمام، فعاد عثمان ليطلب عودة الإمام فعاد، ثم أراد عثمان من الإمام أن يخرج من جديد، فقال علیه السلام هذه المقالة التي تحمل العتاب والاستهجان، وقبح هذا التصرف، الذي لا يستند إلى أساس شرعي ولا عقلي ولا عرفي...«يريد أن يسلبني إرادتي وحرّيتي ويحوّلني إلى آلة مسخّرة لمشيئته، أتصرّف كما يريد وكما يحب طبقاً لإرادته وما يشتهي، إذا قال: أقبل، يجب أن أقبل، وإذا قال أدبر، يجب أن أدبر».شبّه حاله علیه السلام بالبعير المسخّر لنقل الماء، ليس له حرية الحركة ولا حرية الاختيار.ثمّ فسّر ذلك بقوله : أقبل وأدبر ؛ بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إلىّ أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج ... ثمّ أقسم الإمام أنّه خشي من الإثم، لأنبه كان يدفع المهاجمين والثائرين على عثمان... إنّه كان يدفعهم لعلّه يتوب ويرجع، فإذا به يتمرّد ويعصي، ويصرّ على موقفه الخاطئ، وحقّ له أن يخشى الإثّم مع إصرار الطرف الآخر على الخطأ...فهل كان ابن سبأ وجماعته بمرأى ومسمع من الخليفة وقد أكثروا الفساد وطغوا في البلاد؟وكيف اهتم لأمر الصحابة الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ولم يهتم بقمع عبد الله بن سبأ وأصحابه؟ بإعدامه أو صلبه، أو بقطع يده ورجله من خلاف، أو بنفيه من الأرض.هل كانت وظيفة الخليفة أن يشاور الصحابة الأجلاء في شأن ابن سبأ بدلا من مشاورة بني أُمية في شأن أبي ذر بقوله: (أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب، إمّاً

أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله ؛ فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام (1).)الاطلاع على الحقائق يؤدّي إلى الانصياع لداعي الحقّ:عندما اتّضحت الحقائق لعبد الخالق، وعرف زيف التاريخ الذي يسوقه أعداء الشيعة، واعتمادهم على الخرافات الأساطير التي تتعارض مع العقل والنقل والتاريخ الصحيح، قرّر الاستماع لصوت الحق ونبذ التعصب الأعمى واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام (2.)وبعد مرحلة الاستبصار عمل عبد الخالق» رئيساً لمجلس إدارة مجلّة الزهراء علیها السلام، وبعد طول خدمة المذهب أهل البيت علیهم السلام انتقل إلى رحمة الله في شهر صفر عام 1423ه-.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 56.

2) ذكرت كيفية استبصاره بالتفصيل في ترجمة ابنه «حسام الدين أبو المجد» من مصر.

## (51 عبد الستار محمود متولّي)(شيوعي / مصر)![351-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/351_13.jpg "image title")ولد عام 1362ه- (1943م في مصر، وسكن مدينة «الاسكندرية»، وله ذوق شعري لطيف.)كان «عبد الستار» متأثّراً بالفكر الشيوعي الذي اجتاح الدول العربية والإسلامية حينها، ولكنّه من خلال البحث والتحقيق تعرّف على فكر مدرسة أهل البيت علیهم السلام في شتى المواضيع، وخاصة فيما يرتبط بالإمام المهدي (عجل الله فرجه.)عقيدة الإمام المهدي المنتظر عقيدة المسلمين:غالباً ما يسمع عوام أهل السنّة عن العقيدة بالإمام المهدي وما يشنّع به على الشيعة فيها، وأنّهم يلقون بأموالهم في سرداب ليخرج المهدي فيقوم بصرفها، وغيرها من الأمور التي تصوّر الشيعة على أنهم جماعة لا عقل لها تنتظر غائباً فيسرداب.ولكن «عبد الستار» بعد أن أجرى البحوث المعمّقة عن هذا الموضوع وجد أنّ العقيدة بالإمام المهدي تعدّ ركناً أساسياً من أركان المنظومة العقديّة للإسلام، فليست هي مفردة هامشية أو ثانوية، وهي لا تختص بمذهب دون آخر، ولا بمدرسة دون أخرى، وإنمّا كلّ من كان مسلماً فلابدّ له أن يعتقد بظهور المهدي المنتظر علیه السلام،

وأنّه لابدّ من أن يأتي في آخر الزمان من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وإنّ الإنسان إذا لم يعتقد هذا الاعتقاد فإنّه سوف يكون خارجاً عن الدين، أو لا أقل سوف يكون مكذّبا للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم.وذلك لأنّ النصوص المتواترة أثبتت أنّ النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم بشّر بهذا المنجي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان، ومن الواضح أن مَن كَذَّب النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم في أيّ مفردة من المفردات فهو خارج عن الإسلام!وممّن أشار إلى هذه الحقيقة عبد العزيز بن باز ؛ فقد سُئل: يوجد لدينا رجل ينكر المسيح الدجّال والمهدي ونزول عيسى علیه السلام ويأجوج ومأجوج، ولا يعتقد في شيء منها، ويدّعي عدم صحّة ما ورد في ذلك من أحاديث، مع العلم بأنّه لا يفقه شيئاً في علم الحديث ولا في غير علم الحديث، وقد نوقش في هذه الأمور من قِبَل علماء ولكنّه يزعم أنّ كلّ الأحاديث الواردة في هذه الأمور مكذوبة على النبي صلى الله عليه وآله وسلمودخيلة على الإسلام، وهو يصلي ويصوم ويأتي بالفرائض فما حكمه وفقّكم الله؟الجواب: «مثل هذا الرجل يكون كافراً والعياذ بالله ؛ لأنّه أنكر شيئاً ثابتاً عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فإذا كان بيّن له أهل العلم ووضّحواله ومع هذا أصرّ على تكذيبها وإنكارها ، فيكون كافراً ؛ لأن من كذّب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم فهو كافر، ومن كذب الله فهو كافر، وقد صحّت وتواترت هذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نزول المسيح بن مريم من السماء في آخر الزمان، ومن خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال في آخر الزمان، ومن مجيء المهدي كلّ هذه الأربعة ثابتة، المهدي في آخر الزمان يملأ الأرض قسطاً بعد أن ملئت جوراً، ونزول المسيح بن مريم، وخروج الدجال في آخر الزمان، وخروج يأجوج ومأجوج كلّ هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله ، فإنكارها كفر وضلال» (1.)


1) فتاوى نور على الدرب 1: 355 و 356.

والحديث الصحيح المتواتر يعني القطعي الصدور ؛ فنجزم بصدوره منرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما نجزم بوجوده صلی الله علیه وآله وسلم، وينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (1).)ومع ذلك يخرج بعض الجهلة من الاتجاه الآخر، والذين يسمّون أنفسهم بأهل العلم، فيقولون: بأنّ هذه من البدع.وهذه الكلمات يوجد لها مثيل في مدرسة أهل البيت علیهم السلام:الحديث الأول : عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه علیهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرنی(2.)وعبارة الإمام الصادق علیه السلام تشبه هذه الفتوى المذكورة، ومن الواضح أنّتكذيب النبي صلی الله علیه وآله وسلم في ما يتعلق بالمهدي المنتظر علیه السلام هو تكذيب الله تعالى.الحديث الثاني: عن الصادق عن آبائه علیهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآلاه وسلم : مننكر القائم من ولدي في زمان غيبته مات ميتة جاهلية (3..)فإن العقيدة السائدة في مذهب أئمّة أهل البيت علیهم السلام أنّ المهدي المنتظر علیه السلام وموجود، ولذا نجد الرواية الواردة عن الرسول تقول في زمان غيبته وزماننا هو زمان الغيبة الكبرى.هذا، وقد حدث اختلاف في نسب الإمام المهدي علیه السلام الذي يجب الاعتقاد به ولكن لا معنى لتصوّر أنّ الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالاعتقاد بعقيدة ولا يبيّن لنا حدود و ثغور تلك العقيدة.وتنقسم الروايات الواردة عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم في ما يتعلّق بنسب المهدي


1) الحشر (59): 7.

2) كمال الدين وتمام النعمة: 412 .

3) بحار الأنوار 51: 73 .

المنتظر علیه السلام إلى أصناف ثلاثة:الصنف الأول: وهي عناوين عامّة قابلة للانطباق على كلّ أحد، من قبيل: عنوان المهدي، والخليفة، والإمام، وعنوان الأمير ، وهذه العناوين قابلة للانطباق، ولذا عبّر عن الكثير بعنوان الخليفة، أو المهدي، فعلى مر التاريخ كثير من الناس ادعوا المهدوية، وهذا معناه أن هذا العنوان فيه قابلية الانطباق على أكثر من شخص، وعنوان الخلافة أيضاً ؛ وجدنا من لم يكن لهم الحق في خلافة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ادعوا الخلافة ك- بني أمية وبني العباس، وكلّهم كان يسمّي نفسه: خليفة.وهكذا عنوان الإمام ؛ فيمكن لكلّ أحد أن يدّعي لنفسه أنّه إمام، أو أم-ير المؤمنين، فإذا نظرنا إلى هذا الصنف الأول من الروايات نجد أنّها عناوين عامة قابلة للانطباق على كثيرين.الصنف الثاني: وهذا الصنف من الروايات أخصّ من هذه الروايات، فتضيّق الدائرة، من قبيل تعبيرها بأنّه منّي، أو منّا أهل البيت، أو: من عترتي أو: من ولد فاطمة، وهكذا، وهذه العناوين أضيق كثيراً من الأول.الصنف الثالث: فإنّ الروايات بعد أن عنونت هذا المهدي، وهذا الخليفة، وهذا الذي من ولد فاطمة، عنونته بالاسم وعنونت وبيّنت من هو أبوه الذي ينتسب إليه، وإلى أين ينتهي، يعني قالت: هو م ح م د ابن الحسن العسكري، واستمرّت السلسلة إلى أن تنتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب، سلسلة واضحة، وهؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر الذين تعتقد بهم مدرسة أهل البيت.هذه الأصناف الثلاث من الروايات كلّها واردة في مصادر وتراث مدرسةالصحابة، ولكن هناك دوائر يتّفق فيها علماء المسلمين، وهناك دوائر يختلفون فيها...ونشير هنا إلى الصنف الأول، وفيه عناوين أربعة: المهدي، الخليفة، الإمام الأمیر.

العنوان الأول: المهدي:من النصوص التي تكلّمت عنه: ما روي عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال : يخرج في أ. أمّتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً. يعني: حججاً.قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (1.)وقال الذهبي في هامشه على مستدرك الحاكم: صحيح.وقال الألباني: وهذا سند صحیح، رجاله ثقات (2.)العنوان الثاني: الخليفة:وأشارت له مجموعة من الروايات منها ما روي عن ثوبان: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم،ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم، ثمّ ذكر شيئاً فقال : إذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج ؛ فإنّه خليفة الله المهدي.قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (3.)والملاحظ أنّه قال: هو خليفة الله، وليس فقط خليفة رسول الله، وهذا العنوان من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (4)، ثمّ أعطاه عنوان قال له: ﴿يَا آدَمُ أَنبِئُهُم بِأَسْمَائِهِمْ) هذا الخليفة الإلهي، وله مقام عظيم)


1) المستدرك على الصحيحين 558:4 .

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 2: ح711.

3) المستدرك على الصحيحين 463:4 - 464.

4) البقرة (2) 30 .

عند الله.وكذلك العنوان الثالث والرابع:فالملاحظ أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم مرة يعبر عنه ب- «المهدي»، ومرة أخرى ب- «الخليفة» تارة ب- «الإمام»، وتارة أخرى ب- «الأمير»، فعندما يقول: هذا خليفة، يريد أن يقول: هذا من الخلفاء الاثني عشر. وعندما يقول: إمام، فهو من الأئمّة الذين نصبهم الله ؛ ليكونوا من بعده.. وهكذا . فالقضية ليست قضية نظرية وترفيه، بل هي مقصودة.حقائق عقيدة الإمام المهدي تقول إلى الحقّ:بعد أن اطّلع عبد الستار على المعلومات التي يبثّها أعداء شيعة أهل البيت علیهم السلام عن موضوع الإمام المهدي والحقائق التي تحويها كتب ومصادر المسلمين، قرّر الاذعان للحق والإيمان بالأئمّة الاثنى عشر، وبالإمام المهدي علیه السلام(1.)


1) زار المستبصر مركز الأبحاث العقائدية» بعد مشاركته في مؤتمر الفكرة المهدويةفي طهران.

## (52 علاء الدين المصري)(شافعی / مصر)ولد عام 1388ه- ( 1969م في قرية ملوي في المنيا في جمهورية مصر العربية، وواصل الدارسة إلى أن نال شهادة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وهو من عائلة سنيّة تتبنىّ المذهب الشافعي.)في أحد الأيام في أثناء الدارسة الجامعية سمع أستاذاً يدعو الطلبة إلى عدم قراءة كتب الشيعة لأنّهم كفرة ، فلم يقتنع هو وصديقه بهذا الكلام ؛ إذ كيف يقضون على الحقيقة ما لم يطالعوا جميع الأفكار، وكان أوّل ما طالعوه هو: موضوع غدير خم، حيث بحثوا هذه الحادثة بالنظر لكتب الحديث والتاريخ السنيّة.واقعة الغدير والأولوية فيها:واقعة الغدير متواترة ولم يختلف المسلمون في وقوعها، وإنمّا اختلفوا في تأويل مضمون ما جاء فيها، فالنبي صلی الله علیه وآله وسلم جمع المسلمين في طريق عودتهم من الحج إلى بلدانهم في مكان يدعى غدير خم، فأمر بإعادة الذين سبقوا، وحثّ الذين تأخروا على الالتحاق بهم، ثمّ نُصب له منبر من أقتاب الإبل في هذا المكان، فخطب في المسلمين الذين حجّوا ذلك العام، وقال:إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ

الحوض.ثمّ قال صلی الله علیه وآله وسلم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالها ثلاثاً وهم يجيبونه بالتصديق والاعتراف، فرفع صلی الله علیه وآله وسلم يد عليّ وقال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار (1.)فحادثة غدير خم موثّقة في جميع المصادر، وما من كاتب في الحديث أو الأخبار إلّا وحادثة غدير خم موثّقة لديه، وهي تتمّة لما حدث في حجّة الوداع في مكّة المكّرمة، وهذه الحادثة تبيّن:أوّلاً: أنّ عترة آل البيت والقرآن الكريم لن يفترقا.ثانياً: أنّ عليّاً علیه السلام هو مولى المؤمنين، كما أنّه صلی الله علیه وآله وسلم مولى المؤمنين، وبالتالي من والاه نجا ومن عاداه خذل، وهذه أصبحت قاعدة لكن فيما بعد جرت محاولات للتأويل والتفسير.والغريب في الأمر أن بعض المسلمين يصلّون لعشرات السنين في الصفوف الأولى، ولا تفوتهم جمعة ولا تراويح ولا رمضان، إلّا أنّهم لم يسمعوا ولو لمرّة واحدة بالغدير، مع أنّ النبي صلیا لله علیه وآله وسلم ركّز على هذه المسألة وأكد عليها، وجمع جميع الذين حجّوا في ذلك العام وخطب فيهم.....فإذا كان النبي صلی الله علیه وآله وسلم قد جمع المسلمين يوم الغدير، ليُعلمهم أنّه ينبغي أن يحبّوا عليّاً، ويحترموه فقط، فهذا من توضيح الواضحات ؛ لأنّه قال يوم خيبر: يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله(2، وقال له يوم تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى(3)، فيجمع مائه وعشرين ألفاً، كما في بعض كتب التاريخ والسيرة، ليذكّر بأنّ)


1) مسند أحمد 5: 370 .

2) مسند أحمد 1: 99.

3) مسند أحمد 1: 174 .

عليّاً يجب أن يُحبّ، وأن يُنصر ؟!لقد أراد صلی الله علیه وآله وسلم أن يكون علياً علیه السلام إماماً وقائداً للأمّة، ولكن للأسف لم يسلّمواله القيادة، ولا يقال هنا بأنّ الإمام علیه السلام النا خسر الإمامة، بل خسرته الأمّة في الحقيقة، خسروا عدله وحكمه وحكمته وانحيازه التام إلى الحق والعدل، وهو أزهد الزهاد ؛ قال عبد الله بن العبّاس: دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت: لا قيمة لها فقال علیه السلام : والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً(1.)وهو يكشف عن نفسية المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍذِكْرَى الدَّارِ (2)، «إنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها»(3).)فالإمام شاهد تكالب الناس على الدنيا، وحيلهم ومكرهم، وهو ينظر بعين المؤمن الورع التقي.. مالكم هكذا تتقادمون عليها تقادم الحمر؟ مالكم تتناحرون؟ ولذلك قال: فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون ؛ كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (4).)ففي الواقع كان أمير المؤمنين علیه السلام مرجعاً للأُمّة في كل احتياجاتها ؛ ولذلك حتّى عندما خرج عليه الخوارج، وبغى عليه الباغون، تعلّمت منه الأمّة كيف تتعامل في قتال أهل البغي، قال الشافعي: لولا علي، لما عرفنا حكم البغاة (5.فأراد النبي صلی الله علیه وآل وسلم في واقعة الغدير أن يعرّف الأمة بأنّ هذا الرجل هو نفس


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 110، الخطبة 33.

2) ص (38): 46.

3) نهج البلاغة 2: 218 .

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 :126 ، الخطبة 3، القصص (28): 83 .

5) كتاب الأم 4: 233 ، باب : الخلاف في قتال أهل البغي.)

رسول الله ما عدا النبوّة، فإذا أرادوا أن يأخذوا أحكامهم من رسول الله نفسه فعليهم بعلي بن أبي طالب علیه السلام، ولكن للأسف لم يتم ما أراد النبي صلی الله علیه وآله وسلم.وإلّا فهل يُعقل أن يجمع النبي صلی الله علیه وآله وسلم مائة وعشرين ألف شخص ويقول لهم: من كنت مولاه فهذا على مولاه، وهو يعرف أن عبارة «مولى» لها عشرون معنى، ولا يعطيهم المعنى الصحيح، فاذهبوا وابحثوا عن المعنى؟!فهل هذا معقول من النبي صلی الله علیه وآله وسلم الذي أنزل إليه الذكر ليبين للناس ؛ قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (1)؟! وهل تقوم الحجّة من النبي صلی الله علیه وآله وسلم على أُمته من خلال هذا العمل؟!

له عند مراجعة كلام النبي صلی الله علیه وآله وسلم نجده يسأل المسلمين ثلاث مرّات: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فيقولون: بلى.. فهل هناك أكثر من هذا الوضوح ؟!

فهو مولى المؤمنين وأولى بهم من أنفسهم، وهذه الولاية أكّدها أيضاً للإمام على علیه السلام.

والأولويّة هنا أولويّة مطلقة ؛ كما في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ (2).)وهذه الأولوية ليس لها أي مخصص أو مقيّد، وأولى وأظهر مصداق لها هو الأولوية التصرفية التي تلازم التصرّف الزمني والسلطة الزمنية، فكيف نجرأ على أن نسلبها ونخصص الآية ومضمونها ، والرسول صلی الله علیه وآله وسلم يرمز ويشير إلى ما في الآية الكريمة ؟!وممّا يؤكّد على هذا المعنى أنّه: لمّا بلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري أتى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على ناقة له، فأناخها بباب المسجد، ودخل المسجد، وأتى النبي صلى الله علیه وآله وسلم


1) النحل (16): 44.

2) الأحزاب (33): 6.

وهو في ملأ من أصحابه، فقال: يا محمّد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصلّي خمساً، فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة، فقبلنا ، وأمرتنا بالحج، فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً، فقبلنا، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك، ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟فقال صلی الله علیه وآله وسلم : «والذي لا إله إلا هو هذا من الله».فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله حقّاً، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فما إن خرج من باب المسجد وقبل أن يصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، فقتله، وأنزل الله سبحانه: ﴿ سَأَلَ سَائِلُ بِعَذَابٍ واقع * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع (1)(2).)أليست هذه الأولوية تشمل حتى السلطة الزمنية التي كانت مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يومئذ ؟! هل لنا أن نسلب الأولوية في السلطة الزمنية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من معنى الآية ؟!فإذا كانت جملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنمّا تذكّر بالآية الكريمة، وبالأولوية التي وردت عن الله تعالى في الآية الكريمة، ولا نستطيع أن نسلب الأولوية الزمنية الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، إذ هي مرادة في الآية الكريمة، فكيف نسلبها عن علي علیه السلام ؟!فهل هذا كلّه للأولوية الروحية والمعنوية والعلمية والوصاية العلمية دون السلطة الزمنية ؟ فهذا لا يتناسب مع هذا ؟؟فهل أراد الله أن يقف الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في هذه الصحراء الجرداء ليقول للناس: لا تغضبوا على علي.. أو: لا تشكو عليّاً؟!


1) المعارج (70): 1 - 2.

2) تفسير الثعلي 10: 35 .

الدلالة لابدّ أن تكون إمّا مطابقية، أو تضمنّية، أو التزامية، ولا دلالة بأي نحو من الأنحاء في قضية الغدير على سلب الدلالة عن السلطة الزمنية، وليست السلطة الزمنية هي أهم إلى جانب السلطة الروحية والمعنوية والوصاية الدينية والعلمية، لكن كيف نسلبها عن الأولوية ؟!ما الذي يجرّئنا على أن نسلب الأولوية بالسلطة الزمنية المتوارثة من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم نقلاً منه نصّاً إلى على علیه السلام تذكيراً منه بالآية الكريمة؟!وحتّى لو فرض أن واقعة الغدير كان الهدف منها التأكيد على محبّة الإمام علي علیه السلام، ولكن في سنة (40 صارت كلّ منابر دولة الإسلام بلا استثناء تلعن عليّاً، فكان كما قال السيد محسن الأمين العاملي:)أيسبّ فوق منابر الإسلام من*** لولاه ما استعلى رفيع بنائه؟! عجباً لسيف الدين تقتل أهله ظلماً ويُصبح في يدي أعدائه*** وبنو النبي يُجردون ثيابه*** وبنو أمية تكتسي بردائه*** وتعود مدركةً بسيف محمّد*** ثاراتها في الكفر من أبنائه*** أبيتم الإسلام قبل وبعد ذا*** حاربتم الإسلام تحت لوائه*** أسلمتم كرهاً وإن قلوبكم ***مملوءة من بغضه وإبائه أيسلّمون على النبي وقد غَدَت أسيافهم مخضوبة بدمائهِنعم، هذا هو الغريب العجيب الذي مرّ على هذه الحقيقة الواقعة في التاريخ الإسلامي، فهناك حقائق على لسان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، بالنسبة إلى هذه الشخصية العظيمة، وهناك وقائع تاريخية لاحقة على عكس ما قاله رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالنسبة إلى هذه الشخصية، تماماً مائة بالمائة.

الاستبصار والتبليغ الديني:بعد أن تبيّنت لعلاء الدين هذه الحقائق عن واقعة الغدير، وتبيّن له أنّ النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم نصّب علياً وليّاً من بعده، خليفةً ووليّاً، سياسياً ودينياً، وأن ما جرى من بعده كانت مؤامرة للسيطرة على السلطة، وخلافاً لما أمر به الله ورسوله، قرّر اتّباع الحق ونبذ العصبية، فاعتنق مذهب أهل البيت علیهم السلام، وذلك سنة 1410ه- (1990م في)دولة النيجر.وقام «علاء الدين» بعد الاستبصار بأنشطة عديدة في المجال الديني والتبليغ، وهو رئيس مجلس إدراة الاتحاد العام لمراكز ومكتبات أهل البيت علیهم السلام بالنيجر، ومدرّس في مدرسة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، هناك (1.)


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت، وله ملف خاص في المركز.

## (53 محمّد إبراهيم الحسيني)(شافعي / مصر)![364-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/364_13.jpg "image title")ولد عام 1400ه- ( 1980م في جمهورية مصر العربية، في أسرة شافعية سنّية المذهب، وواصل دراسته حتّى نال شهادة الدبلوم في الصناعة.)من خلال تعرّف «محمد» على أحد برامج المحادثة على الإنترنيت، في مبدأ نشأته ونموّه الفكرى، وكثرة تردّده عليه أحس أنه بدأ يتأثر بالأجواء التي كانت تحيط به في هذا البرنامج وكان ممّا يشاهده هناك الهجمات الشرسة على الدينالإسلامي، وإثارة الشبهات حوله من قبل الفئات المسيحية.وكان يرى أنّ منفّذي هذه الهجمات لم يسعوا في الغالب إلى تغيير الانتماء الديني للباحث، وإنمّا هم بصدد تشويش ذهنه وإبعاده عن دينه ؛ ليظل يدور في حلقة تيه مفرغة.يقول «محمّد»: عند دخولي لإحدى الغرف المسيحية في البرنامج سمعت أحاديث لم أسمع بها من قبل، مثل أحاديث رضاع الكبير، والروايات التي يتّهم فيها الصحابة بعضهم بعضاً بأنّ هذه السورة كانت أقصر مما هي عليه زمن نزولها، أو أطول منها، وأن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم حاول الانتحار أكثر من مرة، وكان يسهو فلا يدري يم صلى، وأنّه صلی الله علیه وآله و سلم سجد للغرانيق العلى عند ذكرها، وغير ذلك ممّا يعفّ لساني عن

ذکرها.صدمت بسماعي لهذه الأمور، ممّا دفعني للتفكير: هل يمكن أن يكون هذا ديني الذي أدين الله به، وهل هذا هو رسولى الذي أتبعه ؟! خاصّة أنّ كلّ ما ذكروه كان من كتب السنّة المعتمدة والصحيحة.وعندما فتحت صحيحي البخاري ومسلم وجدت أغرب من تلك الأحاديث، فأخذت أسال نفسي: هل يمكن وأنا مسلم منذ 23 سنة أن لا ألتفت لمثل هذه الأمور حتى أعرفها من أعداء ديني؟!كلّ ذلك دعا «محمّد» لأن يوسّع آفاقه الفكرية ويدرس الدين الإسلامي من خلال رؤية صحيحة غير مشوبة بالتعصّب الأعمى، فبدأ بالتردّد على الغرف الشيعية في هذا البرنامج ليدرس مبانيهم العقدية من خلال ما يقولوه هم، لا ما يدّعيه أعداؤهم عنهم.وأوّل ما شهده هناك أنّه سمع محاضرة لأحد علماء الشيعة يتكلّم فيها عن واقعة الطف وشهادة سبط رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فلم يتمالك نفسه من البكاء، ثم سأل من يعرفه الشيعة والتشيع، فبدأ أحد أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام بتعريفه لهذا المذهب.يقول «محمّد».... تعرّفت على هذا المذهب على لسان شيعي موال إمامي اثني عشري ليزداد تأكّدي من صدق المذهب، وأنّي على الطريق الصحيح.ثمّ تعرّفت على مظلومية الزهراء علیها السلام وتأكّدت من كفر بني أمية وظلمهم، وابتدأت تنكشف لي خيوط المؤامرة الكبرى من بني أمية على الإسلام والمسلمين وشراء الذمم، وتلفيق الأحاديث، مثل حديث أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنّة (1).)


1) راجع مسند أحمد 1: 80 .

إعلانه للاستبصار ونشره للتشيّع:بعدما يقارب ثلاثة أشهر من التحقيق الجاد في المواقع الشيعية ومواقع الشبهات، وتصفّح كتب المستبصرين في «مركز الأبحاث العقائدية»، أعلن «محمّد» عن استبصاره في غرفه الغدير المباركة في برنامج البالتوك، وعلى يد أحد علماء الدين، وكان ذلك بتاريخ 16 ذي الحجة لعام 1424ه- (1.)ثمّ بادر إلى تأليف كتاب يتكلّم فيه عن كيفية تعرفه وانتمائه إلى العقيدة الجعفرية، وسمى كتابه: أنوار الحقيقة.مؤلّفاته:«أنوار الحقيقة»:يتألّف الكتاب من مقدمة وأربعة فصول، وهي:- الحقيقة من الحق والحق هو الله، فإذا عرفت الحقيقة فقد عرفت الله.- عوائق على طريق الاستبصار ، شبهات ومعتقدات خاطئة.- بهؤلاء اقتديت ؛ أمّة أهل البيت علیهم السلام.- بعض الآيات التي وردت في آل البيت علیهم السلام.وقد ذكر المؤلّف في المقدّمة أنّ هدفه من تأليفه لهذا الكتاب إضاءة شمعة على طريق الحقّ، وهو دعوة لتحرير العقول من أغلالها، والتحاور مع الآخر، وتقبّل وجهات النظر المخالفة، وترك الجدال والتعصب الأعمى الذي لا يؤدّي إلى الخيرأبداً.


1) لمستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت، وله عدة مقالات في موقع المركز (www.aqaed.com).

وقفة مع كتابه: «أنوار الحقيقة»بعد أن يعرض المؤلّف نبذة عن ترجمة حياته ويوضّح كيفية اختياره لمذهب أهل البيت علیهم السلام يذكر الأدلّة والمواضيع العلمية من القرآن والسنة، التي حدت به إلى اختيار هذا المذهب، كما يقوم بردّ عدّة شبهات موجّهة ضد المذهب الشيعي.«مصحف فاطمة علیها السلام» :عند البحث مع أهل السنّة استوقفت «محمد» عدّة شبهات، منها: ما يرتبط بمصحف فاطمة علیها السلام والافتراءات التي يدّعوها عن هذا المصحف عند الشيعة، فأجاب في كتابه عن هذه الشبهة، فقال:«لقد كثر الكلام حول ما يُسمّى بمصحف فاطمة علیها السلام، ولقد حاول أعداء أهل البيت علیهم السلام التشنيع على الشيعة من خلال أتّهامهم بأنّ لهم قرآناً آخر يأخذون منه أحكام الدين غير القرآن الكريم، يُسمّونه: مصحف فاطمة.هذا ما يقوله أعداء مدرسة أهل البيت علیهم السلام، وهو اتّهام رخيص ليس له أي قيمة علمية ؛ إذ سرعان ما يجد الباحث بطلان هذا الكلام لدى رجوعه إلى الواقع الخارجي، ولدى مراجته للنصوص المأثورة عن أئمّة أهل البيت عیهم السلام.ثمّ إنّ هذا الاتّهام ليس جديداً، بل يصل تاريخه إلى عهد الأمويين والعبّاسيين الذين عاصروا الأئمّة علیهم السلام، ويدلّ على ذلك أسئلة الرواة وأجوبة

الأئمّة علیهم السلام، وتصريحاتهم النافية بشكل قاطع كون مصحفة فاطمة علیها السلام قرآناً آخر.لكن رغم كل ذلك ورغم الإجابات المتكرّرة التي أجاب بها العلماء الأفاضل في مختلف العصور عن هذا السؤال، فإنّنا نجد أنّ هناك من يجد بغيته في اتّهام الشيعة بهذا الاتّهام، ولا يدفعه إلى ذلك طبعاً سوى المرض أو الجهل.أمّا الآن لنرى ما هو المقصود من مصحف فاطمة علیها السلام عند أهل البيت علیهم السلام وعند أتباعهم الشيعة الإمامية الاثنى عشرية.لمعرفة ذلك لابدّ أن نعرف أوّلاً المعنى اللغوي لكلمة المصحف، ثمّ نأتي بعد ذلك إلى الروايات والأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت علیها السلام كي نعرف حقيقة مصحف فاطمة علیها السلام.المعنى اللغوي للمصحف:قال الفراء في لفظ «المصحف»: وقد استثقلت العرب الضمّة فكسرت ميمها وأصلها الضم، من ذلك: مصحف ... لأنّها في المعنى مأخوذة من أصحفٍ جمعت فيه الصُحف (1.)وقال أبو الهلال العسكري في «الفروق اللغوية»: الفرق بين الكتاب :والمصحف أنّ الكتاب يكون ورقة واحدة ويكون جملة أوراق، والمصحف لا يكون إلّا جماعة أوراق صحفت، أي: جمع بعضها إلى بعض (2.)وكلمة «مصحف» مأخوذة من الصحيفة، وهي: القرطاس المكتوب، والمصحف - مثلث الميم - هو : ما جُمع من الصحف بين دفتي الكتاب المشدود، ولذلك قيل للقرآن: مصحف، وعليه فكلّ كتاب يسمّى : مصحفاً (3.


1) راجع لسان العرب 9: 196.

2) الفروق اللغوية: 447.

3) دائرة المعارف الحسينية للكرباسي، معجم المصنفات الحسينية 1: 19.)

ما هو مُصحُف فاطمة ؟مصحف فاطمة الزهراء علیها السلام هو كتاب عظيم المنزلة، أملاه جبرائيل الأمين على سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علیها السلام بعد وفاة أبيها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؛ وذلكتسكيناً لها على حزنها لفقد أبيها صلی الله علیه وآله وسلم.أمّا كاتب هذا الكتاب فهو : الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام؛ فقد كتبه بخطّه المبارك.ومصحف فاطمة علیها السلام يُعد من جملة ودائع الإمامة ؛ قال الإمام الرضا علیه السلام -وهو يُّعد علامات الإمام المعصوم علیه السلام.... ويكون عنده مصحف فاطمة علیها السلام(1.أمّا بالنسبة إلى مكان وجود هذا المصحف في الحال الحاضر فهو اليوم موجود عند الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه.)ويُعد هذا المصحف أوّل مصنف في الإسلام، إذ أنّ الزهراء علیها السلام توفّيت في الثالث من شهر جمادى الأولى عام 11 ه- (2، ولم يكتب قبل هذا التاريخ كتاب في عصر الإسلام.)فمصحف فاطمة هو مجموع حديث جبرائيل الأمين لفاطمة علیها السلام، فهو وحي غير معجز، كالحديث القدسي والنبوي.ولا غرابة في ذلك ؛ إذ أنّ الزهراء علیها السلام كانت محدَّثة، وليست الزهراء هي الوحيدة التي حدّثتها الملائكة، فقد كانت مريم بنت عمران ،محدثة، كما كانت أمّ موسى بن عمران علیهما السلام محدثة، وسارة زوجة النبي إبراهيم علیه السلام أيضاً كانت محدَّثة ؛ فقد رأت الملائكة فبشّروها بإسحاق ويعقوب.ذلك أنّ الحديث مع الملائكة رغم أهميته وعظمته فهو ليس من علامات


1) عيون أخبار الرضاء علیه السلام 2: 193 .)

2) دائرة المعارف الحسينية، للكرباسي، معجم المصنفات الحسينية 1: 19.

النبوّة وخصائصها، فمن ذكرناهنّ لسن من جملة الأنبياء، كما هو واضح، لكن الملائكة تحدّثت إليهنّ.. وإلى هذا يشير محمّد بن أبي بكر قائلاً:إنّ مريم لم تكن نبيَّة وكانت محدثة، وأم موسى بن عمران كانت محدَّثة ولم تكن نبيّة، وسارة امرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة فبشّروها بإسحاق ومن وراءإسحاق يعقوب ولم تكن نبيّة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت محدثة ولم تكن نبيّة (1.)المعصومون و «مصحف فاطمة علیها السلام» :عندما سئل الإمام الصادق علیه السلام عن مصحف فاطمة علیها السلام قال: إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكانت دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءها على أبيها ، ويُطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيّتها، وكان علي علیه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (2.)عن حمّاد بن عثمان، عن الإمام الصادق علیه السلام، أنّه لمّا سأله: وما مصحف فاطمة؟قال صلی الله علیه وآله وسلم: «... إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، فأرسل الله إليها ملكا يسلّى غتها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين علیه السلام ، فقال : إذ أحسست بذلك وسمعتِ الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين علیه السلام يكتب كلما سمع، حتّى أثبت من ذلك مصحفاً.ثمّ قال: أما إنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون»(3.)


1) علل الشرائع 1 : 183 .

2) الكافي 1: 241.

3) بصائر الدرجات: 177، الكافي 1: 240.

ليس في «مصحف فاطمة» شيء من القرآن:قال الإمام الصادق علیه السلام : ( وإنّ عندنا لمصحف فاطمة علیها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟! مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات(1، والله، ما فيه من قرآنكم حرف واحد، إنما هو شيء أملاه الله وأوحى إليها»(2).)وقال الإمام الصادق علیه السلام: «... مصحف فاطمة ما فيه آية من القرآن...»(3.)وقال الإمام الصادق علیه السلام«.. وعندنا مصحف فاطمة ، أما والله ما فيه حرف من القرآن...»(4.)وقال الإمام الصادق علیه السلام: مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله، وإنما هو شيء ألقي عليها بعد موت أبيها صلى الله عليهما»(5.)وقال الإمام الصادق علیه السلام «... وفيه مصحف فاطمة، وما فيه آية من القرآن» (6.)وقال الإمام الصادق علیه السلام«.. وعندنا مصحف فاطمة، أما والله ما هو بالقرآن»(7)ما يحتويه «مصحف فاطمة علیها السلام » :قال الإمام الصادق علیها السلام: «.. وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويُطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها ...»(8.)


1) قد تكون إشارة إلى حجم هذا الكتاب بالقياس إلى القرآن الكريم.

2) راجع بصائر الدرجات: 172.

3) بصائر الدرجات: 176.

4) بصائر الدرجات: 178.

5) بصائر الدرجات: 179.

6) بصائر الدرجات: 180.

7) بصائر الدرجات: 171.

8) الكافي 1: 241.

وقال الإمام الصادق علیه السلام :«... وليخرجوا مصحف فاطمة، فإنّ فيه وصية فاطمة»(1.)وقال الإمام الصادق علیه السلام : «وأما مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حادث وأسماء كلّ من يملك إلى أن تقوم الساعة(2.)وقال العلامة المجلسي لرحمة الله الظاهر من أكثر الأخبار اشتمال مصحفها على الأخبار فقط(3.)


1) الكافي 1: 241.

2) روضة الواعضين: 221.

3) مرآة العقول 3: 56 .

## (54 محمد السقا)(سني / مصر)ولد عام 1399ه- ( 1979م في مدينة الاسكندرية في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أسرة سنّية المذهب غير مهتمة بالانضمام إلى مذهب محدّد من المذاهب الأربعة ؛ إذ كانت ترى جميعها صحيحة، ولكلّ أن يتعبّد بالمذهب الذي يعتقد به.)واصل «محمّد» دراسته الأكاديمية إلى أن أصبح مهندس كهربائياً.ذات يوم كان يشاهد إحدى القنوات الفضائية الشيعية فجرى على مسامعه ذكر لأسماء الأئمّة من أهل البيت علیهم السلام فأحبّ أن يتعرّف على سيرتهم، الأمر الذي سار به إلى أن يستعين بأحد أصدقائه المتأثرين بالتشيع أولاً : ليتعرّف على الفكر الشيعي عن قرب، ثمّ الخوض في الشبكة المعلوماتية (الإنترنيت للتعرّف على أئمة أهل البيت علیهم السلام، أكثر من ذي قبل. مناشدة يوم الشورى:)من الحقائق التي تأثر بها «محمّد» حين دراسة سيرة أهل البيت علیهم السلام : بعض مناشدات الإمام أمير علي علیه السلام واحتجاجاته مع غاصبي الخلافة وأتباعهم.ومن هذه المناشدات - والتي رواها القاصي والداني : مناشدته علیه السلام يوم الشورى سنة 23ه-.

فقد روى ابن المغازلي الشافعي (المتوفّى سنة 473ه- بسنده عن عامر بن واثلة، أنّه قال: كنت مع علي علیه السلام في البيت يوم الشورى، فسمعتُ علياً يقول لهم: لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم [أن] يُغير ذلك.)ثمّ قال: أنشدكم بالله أيّها النفر جميعاً! أفيكم أحد وحّد الله قبلي(1؟قالوا: اللهمّ لا .قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر الطيار في الجنّة مع الملائكة غيري؟قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء أهل الجنّة غيري؟قالوا: اللهمّ لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد له سبطان - مثل سبطي الحسن والحسين -سيّدا شباب أهل الجنّة غيري؟قالوا: اللهمّ لا .قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ناجى رسول الله عشر مرّات يقدم بين


1) روى ذلك جمع من الصحابة منهم: زيد بن أرقم ، قال : أوّل من أسلم مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : عليّ بن أبي طالب. راجع: مسند أحمد 4 371، السنن الكبرى للنسائي: 105.)وقال ابن عباس: علي أوّل من أسلم المصنّف للصنعاني 5: 325.وروى الحاكم عن بعض مناوني أمير المؤمنين علیه السلام كأبي موسى الأشعري، أنّه قال: إنّ عليّاً أوّل من أسلم مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.رسول وكسعد بن أبي وقاص، الذي قال عندما سمع أحدهم يشتم علياً علیه السلام: يا هذا على ما تشتم علي بن أبي طالب؟! ألم يكن أوّل من أسلم؟ ألم يكن أوّل من صلى مع رسول الله الله المستدرك على الصحيحين 3 500. عَلَيْهِ

يدي نجواه صدقة قبلى (1؟قالوا: اللهمّ لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ليبلغ الشاهد منكم الغائب (2غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلى، وأشدّهم حُبّاً لك وحُبّاً لي يأكل معى من هذا الطائر، فأتاه فأكل معه (3غيري؟)قالوا: اللهم لا .قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : لأعطين الرّاية غداً رجلاً يُحِبُّ الله ورسوله ويُحِبُّه الله ورسوله، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه إذ رجع


1) راجع الروايات الواردة في هذا المجال ذيل الآية الكريمة: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً المجادلة (58): 12. فقد روي عن مجاهد في هذه الآية أنّه قال: نهوا عن مناجاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم حتى يتصدقوا ، فلم يناجه إلّا علي بن أبي طالب، قدم ديناراً فتصدّق به، ثمّ أنزلت الرخصة في ذلك. راجع جامع البيان للطبري 28 27 ، تفسير الثعلبي 9: 261، تحفة الأحوذي 9 138، وغيرها من المصادر.)وروي عن أمير المؤمنين علیه السلام نفسه أنّه قال: إنّ في كتاب عزّ وجلّ لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، قال: فُرضت، ثمّ نُسخت. راجع جامع البيان، للطبري 28 27، أحكام القرآن للجصاص 3 572 ، زاد المسير، لابن الجوزي 7: 325.

2) يعد حديث الغدير من الأحاديث المتواترة التي أجمعت الأمة على صحته، ويكفي في ذلك أن صاحب الغدير الشيخ الأميني رحمة الله ذكر في كتابه 110 صحابياً روي عنهم هذا الحديث إما مجملاً أو مفصلاً ، مع ذكر من خرّجه من الحفاظ عنهم.راجع:الغدير 14:1-60.

3) راجع المستدرك على الصحيحين : 132، المعيار والموازنة: 224، المعجم الأوسط 207:2، تاریخ بغداد 9: 376 تاريخ مدينة دمشق :42 250 ، أسد الغابة 4 30 ، وغيرها.

غيري منهزما (1غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال في (2رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني وليعة:لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي، طاعته كطاعتي، ومعصيته كمعصيتي، يغشاكم بالسي(3)غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له (4رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه : كذب من زعم أنّه يُحبنّي ويبغض هذا (5)غيري ؟)قالوا: اللهم لا .قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المواساة، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إنّه منّى وأنا منه، فقال له جبرئيل: وأنا منكُما (6غيري؟)


1) روت هذه الواقعة التاريخية أهم مصادر الحديث عند أهل السنة. راجع: مسند أحمد 1: صحيح البخاري 4 20 صحيح مسلم 5 195، السنن الكبرى للنسائي 5: 108، سنن ابن ماجة 44:1 ، المستدرك على الصحيحين :3: 109 ، صحيح ابن حبان 15: 377.

2) كذا في المصدر ، والظاهر أن الصحيح فيه.

3) راجع الخصال، للصدوق: 555، وأمالي الطوسي: 546. كما روي في مصارد السنة قريباً من ذلك عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعث إليهم رجلاً كنفسي، ينفذ فيهم أمري، فيقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، فما راعني إلّا برد كفَّ عمر في حجزتي من خلفي ، يقول : من تراه يعني؟ فقلت: إنّه لا يعنيك، وإنّما يعني خاصف النعل، وعلي يخصف نعلاً، وإنّه قال: «هو هذا». راجع: سنن النسائي 5: 127 ، المصنف، لابن أبي شيبة 7: 56 ، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديثد 9: 167.

4) كذا في المصدر، والظاهر أنّ «له» زائدة.

5) تاريخ مدينة دمشق :42 268 كفاية الطالب، للكنجي الشافعي :: 519، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث حسن ، عال، رواه التكريتي في مناقب الأشراف.

6) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13 :261 ، العثمانية، للجاحظ: 324، ربيع الأبرار، للزمخشري 2 176، تاريخ الطبري 2: 197، وغيرها من المصادر.

قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد نودي فيه من السماء: لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي (1غيري؟قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على (2لسان النبي صلی الله علیه وآله وسلم (2) غيري ؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: إني قاتلت على! تنزيل القرآن وتُقاتل أنت على تأويل القرآن (3غيري؟قالوا: اللهم لا .


1) وكان ذلك في وقعة بدر عندما حمل أمير المؤمنين علیه السلام على مشركي قريش وفرّق جماعتهم بأمر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.)راجع: المعيار والموازنة للإسكافي: 148، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 211، الرياض النضرة للمحب الطبري :3: 155 ، الكامل في التاريخ 2: 154، وغيرها.

2) روي عن أبي أيوب الأنصاري أنّه قال: سمعت النبي صلی الله علیه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات. قال أبو أيوب: قلت: يا رسول الله مع من نقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: مع علي بن أبي طالب. المستدرك على الصحيحين 3: 140.

3) روى الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد قال: كنا مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فانقطعت نعله، فتخلف علي يخصفها، فمشى قليلاً، ثمّ قال: إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فاستشرف لها القوم وفيهم : أبو بكر وعمر. قال أبو بكر: أنا هو؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل - يعني علياً ، فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع به رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.)ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين 3 :123 .وكذا راجع: مسند أحمد 3: 33، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 407، السنن الكبرى للنسائي ه: 154، الإصابة 1: 191، وغيرها.

قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد رُدّت عليه الشمسُ حتّى صلّى العصر في وقتها (1غيري؟قالوا: اللهم لا .قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأخذ (براءة من أبي بكر، فقال له أبو بكر : يا رسول الله أنزل في شيء؟ فقال له: إنه لا يُؤدِّي عَنِّي إلّا على (2)غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي (3غيري ؟


1) روي حديث رد الشمس لعلي علیه السلام عن اثني عشر صحابياً في كتب أهل السنة ؛ فعن ابن مردويه، عن أسماء بنت عميس، وأم سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، والحسين بن علي أنّ النبي صلی الله هلیه وآله وسلم كان ذات يوم في منزله وعلي بين يديه إذ جاء جبرئيل يناجيه عن الله عزّ وجلّ، فلما تغشى الوحي توسّد فخذ علي، ولم يرفع حتى غابت الشمس، فصلى العصر جالساً إيماء، فلما أفاق قال لعلي فاتتك العصر؟ فقال: صليتها إيماء. فقال: ادع الله يردّ عليك الشمس حتى تصلها قائما في وقتها، فإنه يجيبك لطاعتك الله ورسوله.)فسأل الله في ردّها، فردّت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلّاها ثمّ غربت. المناقب، لابن مردويه: 146.وقد نظمه الحميري - كما عن الشريف الرضي في خصائص الأئمّة: 52 - فقال:ردّت عليه الشمس لما فاته ***وقت الصلاة وقد دنت للمغرب ***حتى تبلج نورها في وقتها ***للعصر ثمّ هوت هوي الكوكب ***وعليه قد ردّت ببابل مرة ***أخرى وما ردّت لخلق معربوبلغ هذا الخبر حدّاً من الشهرة حتّى ألّف فيه جمع من المحققين رسائل منفردة، منهم: السيد جعفر مرتضى العاملي، والشيخ محمد باقر المحمودي.

2) راجع المصادر التي ذكرت واقعة تبليغ سورة براءة لأهل مكة، وأمر رسول الله صلی الله علیه وآل وسلم بأن لا يبلغها عنه سوى أمير المؤمنين الإمام علي علیه السلام، ومنها: كتاب السنة، لابن أبي عاصم: 595، السنن الكبرى للنسائي 5: 128 ، المعجم الأوسط 3: 347، وغيرها.

3) لا يخفى على الخبير تواتر حديث المنزلة وأنّه من الأحاديث المتفق على صحتها بين الفريقين وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وغيرهما من أصحاب الصحاح والمعاجم والسنن والمسانيد.)راجع مسند أحمد 1: 170 و 3: 338، صحيح البخاري 4 : 208 و 5 : 129، صحیح مسلم 7: 120، سنن ابن ماجة 1 43 سنن الترمذي 5: 302 ، فضائل الصحابة، للنسائي: 13 المستدرك على الصحيحين 2: 337 ، السنن الكبرى للبيهقي 9: 40، المصنف، للصنعاني 406:5، المعيار والموازنة للإسكافي: 70 ، وغيرها كثير.

قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: لا يُحِبُّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلّا كافر (1غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله أتعلمون أنّه أمر بسدّ أبوابكم وفتح بابي، فقلتم في ذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ما أنا سَدَدتُ أبوابكم ولا أنا فتحت بابه، بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه (2غيري؟قالوا: اللهم نعم.قال: فأنشدُكم بالله أتعلمون أنّه ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال


1) راجع تاريخ مدينة دمشق 42: 270 ، ينابيع المودة 2: 274. وقد ورد مستفيضاً في مصادر أهل السنة : عن أمير المؤمنين علیه السلام، أنه قال: عهد إلي النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنّه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق. راجع مسند أحمد 1: 95 ، صحيح مسلم 1: 61 ، سنن الترمذي 306:5، سنن النسائي 8: 116 ، سنن ابن ماجة 1: 367، وغيرها.

2) روى أحمد بن حنبل بسنده عن زيد بن أرقم، قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد، قال: فقالوا يوماً سدّوا هذه الأبواب إلا باب علي. قال: فتكلم في ذلك الناس. قال: فقام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فإني أمرت بسدّ هذه الأبواب إلا باب علي، وقال فيه قائلكم، وإنِّي والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكني أُمرت بشيء فاتبعته، مسند أحمد 4: 369.)وكذا راجع المستدرك على الصحيحين 3: 125 ، السنن الكبرى للنسائي 5: 118، الرياض النضرة 3: 158، البداية والنهاية : 379 ، المناقب، للخوارزمي: 327.

ذلك، فقلتم : ناجاه دوننا، فقال: ما أنا انتَجيتُه بل الله انتجاه (1؟!)قالوا: اللهم نعم.قال: فأنشدُكم بالله أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحقُّ مع عليّ وعليُّ مع الحق، يزولُ الحق مع عليّ حيث زال (2؟!قالوا: اللهم نعم.قال: فأنشدُكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، لن تضلّوا ما استمسكتم بهما، ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض (3.


1) راجع سنن الترمذي 5: 303، كتاب السنة، لابن أبي عاصم: 584، مسند أبي يعلى 4: 119 ، المعجم الكبير :2: 186 ، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 7: 24.

2) الفقرة الأولى من الحديث معروفة مشتهرة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم. راجع: المعيار والموازنة: 119، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 297، تاريخ بغداد 14: 322، تاريخ مدينة دمشق :449:42، الإمامة والسياسة 1: 98، ربيع الأبرار، للزمخشري 2: 173.)وأمّا الفقرة الثانية فقد ذكرت بعبارات مختلفة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أنها مذكورة في مواقع متعدّدة أو أن الراوي لها ذكر بعضها بالمعنى، فقد وردت مرة... لا يفترقان حتى يردا علي الحوض يوم القيامة. المعيار والموازنة: 322، وقريب منه في تاريخ بغداد 14: 322 ، وتاريخ مدينة دمشق 42: 449.وأخرى ... يدور [الحق] معه حيثما دار. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 18: 72.وأخرى .... اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار. راجع تفسير الرازي 1: 205، المستصفى للغزالي: 170 ، تفسير القرآن المجيد للشيخ المفيد: 176.وأخرى .... يميل مع الحق كيفما مال الاحتجاج، للطبرسي 1: 97 .وأخرى .... يزول الحق مع علي حيث زال [كما في المتن].وأخرى ... لا يفترقان ينابيع المودة 1: 173.

3) يعدّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة عند الفريقين، ويكفي في تواتره أن يذعن ابن حجر المكّي أنه ورد عن أكثر من عشرين صحابياً، يقول: اعلم أن لحديث التمسك بذلك [أي: الثقلين] طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، و في أخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي آخر أنّه قاله لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف. الصواعق المحرقة: 150 .)وقد باشر «مركز الأبحاث العقائدية» بجع ألفاظ حديث الثقلين ودراسة أسانيده في مصادر المسلمين على اختلاف مشاربهم ثم بحث دلالته، فأثبت ضرورة التمسك بالقرآن الكريم وأهل البيت علیهم السلام ، فهو أفضل سبيل لوحدة المسلمين الواقعية، وقد طبعت من هذه الموسوعة خمس مجلدات لحد الآن.

قالو: اللهم نعم.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد وقى رسول الله بنفسه من المشركين فاضطجع مضطجعه (1غيري؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبد ودّ حيث دعاكم إلى البراز غيرى (2؟)قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(3)(4)غيري؟


1) راجع: مسند أحمد 1: 348 ، المصنف، للصنعاني 5: 389، المعجم الكبير 11: 322، تخريج الأحاديث والآثار 2: 77 ، تاریخ بغداد :13: 193، تاريخ مدينة دمشق 69: 150.

2) راجع المصادر التاريخية التي أشارت إلى غزوة الخندق، فقد ذكرت موقف الإمام علي علیه السلام، ومبارزته لعمرو بن عبدود، ومنها: تاريخ اليعقوبي 2: 290، البداية والنهاية 4: 121، وغيرها كثير.

3) الأحزاب (33): 33.

4) إذا ما رجع الباحث إلى صحيح مسلم : 130، وسنن الترمذي 5: 31، وسنن البيهقي 2: 149، وسنن النسائي 5: 108 ، ومسند أحمد بن حنبل 1: 331، ومستدرك الحاكم 416:2، وتفسير الطبري :22 9 ، وتفسير ابن كثير :3: 492 ، وهكذا إلى الدر المنثور 5: 198، وغير هذه الكتب من التفاسير ومن كتب الحديث، يجد أنهم يروون عن ابن عباس، وأب-ي سعيد، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم، وأم سلمة، وعائشة، وعن بعض الصحابة الآخرين: أنّه لمّا نزلت هذه الآية المباركة على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم جمع أهله - أي: علياً وفاطمة والحسن والحسين - ، والقى عليهم كساء، ثمّ قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.)وفي بعض الروايات: ألقى الكساء على هؤلاء، فنزلت الآية المباركة.والروايات بعضها تفيد أن الآية نزلت ففعل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، هكذا ، وبعضها تفيد أنّه صلی الله علیه وآله وسلم جمعهم تحت كساء فنزلت الآية المباركة.

قالوا: اللهم لا .قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : أنت سيدُ العرب (1؟قالوا: اللهم لا.قال: فأنشدُكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما سألت الله شيئاً الاسألتُ لك مثله (2غيري؟قالوا: اللهم لا (3.)


1) روى الحاكم بسنده عن عائشة ، عن النبي صلی لله علیه وآله وسلم، أنّه قال : أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين 3: 124.)وكذا راجع: المعجم الكبير :3: 88، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 170، تفسير الرازي 6: 212، تاریخ بغداد :11 90 ، تاریخ مدينة دمشق 304:42.

2) روى النسائي في خصائصه عن القاسم بن زكريا بن دينار، قال: قال لي علي: وجعت وجعاً، فأتيت فأقامني [أي النبي صلی الله علیه وآله وسلم ] في مكانه، وقام يصلي، وألقى عليّ طرف ثوبه، ثمّ قال: قم يا علي قد برئت لا بأس عليك، وما دعوت لنفسي بشيء إلا دعوت لك بمثله، وما دعوت بشيء إلا استجيب لي، أو قال: قد أعطيت إلّا أنّه قيل لي: لا نبي بعدي. خصائص أمير المؤمنين: 126.)وكذا راجع: المعجم الأوسط 8: 47، نظم درر السمطين : 119، تاريخ مدينة دمشق 42: 311، المناقب، للخوارزمي: 110

3) مناقب علي بن أبي طالب الالا لابن المغازلي: 115 - 120.

كما قد ذكر هذه المناشدة ، أو قسم منها ، جمع من علماء السنّة، من منهم: الحمويني في فرائد السمطين (1، وابن حاتم الشامي في الدر النظيم (2)، والخوارزمي الحنفي في المناقب (3)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(4)، وابن مردويه في المناقب (5)، والدارقطني كما ينقل عنه بعض فصوله ابن حجر في الصواعق (6)- وابن عبد البر في الاستيعاب (7)، وغيرهم.اجتياز العقبات ثمّ الاستبصار :بعد تأثر «محمّد» ببعض مناشدات الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ومن خلال الدراسات التي أجراها في المصادر المعتمدة عند الشيعة والسنة توصل إلى أحقية مذهب أهل البيت علیهم السلام، فتوكل على الله واستعان به، فمكنه الله من اجتياز کل الحواجز والعقبات والموانع التي وجدها في طريق استبصاره، إلى أن أعلن ذلك عام 1426ه- (2006م في جمهورية مصر العربية (8).)


1) راجع: فرائد السمطين .1: 319 وفيه احتجاجات غير التي ذكرت هنا أيضاً.

2) الدر النظيم 329 .

3) المناقب: 301.

4) تاريخ مدينة دمشق 42 :431 .

5) مناقب علي بن أبي طالب : 128 .

6) الصواعق المحرقة: 126 .

7) الاستيعاب 3: 1098 .)

8) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقعه على الإنترنيت www.aqaed.com.

## (55 محمّد أحمد محمود إبراهيم)(حنفي / مصر)![384-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/384_13.jpg "image title")ولد عام 1384ه- ( 1965م في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أسرة حنفية المذهب.)واصل «محمّد» دراسته الأكاديمية هناك إلى أن نال شهادة الليسانس في قسم الاجتماع من جامعة عين شمس، وشهادة ديبلوم للدراسات العليا في علم الإجرام من نفس الجامعة، كما له بحوث ومقالات خاصة ببعض المشاكل الاجتماعية في المجتمع المصري، كالبطالة والطلاق والتفكّك الأسري.التقدير الإلهي يقود «محمّد» للتعرّف على المذهب الشيعي:بعد ما يقارب ثلاث عقود من نشأته على المذهب الحنفي قاده التقدير الإلهي إلى أن يدخل بعض المواقع على الإنترنيت، والتي كانت تطلب من روّادها إبداء آرائهم بالنسبة لبعض القادة العرب والمسلمين، فأثنى حينها على أحد القادة الموالين لأهل البيت علیهم السلام كونه من المقاومين ضد الغطرسة الصهيونية والأمريكية، فما كان من روّاد هذا الموقع إلّا أن أرسلوا ردوداً على آرائه تستنكر ما قاله، وتطالب إدارة الموقع بطرده كونه من «الشيعة الرافضة».لم يكن يعلم «محمّد» حينها ما معنى هذه العبارة، فدفعه حبّ الاستطلاع إلى

البحث عن هذا المصطلح.يقول «محمّد»... فقد آثرت على نفسي حينها أن أبحث عن معنى «الشيعة»، وكانت الصدمة لي أن أرى أنّ الشيعة هم أنصار الرسول الأكرم والإمام على والحسن والحسين علیهم السلام ، وأنّهم مسلمون مثلنا، فأخذت على نفسي أن أبحث أكثر لأتعرّف عن قرب عن أولئك المسلمين مثلنا، ومن عملت آلة الإعلام على التشويش والتغطية عليهم، فقرأت العديد من الكتب بتمحيص وتدقيق، وخصوصاً كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، والبداية والنهاية لابن كثير .الاطلاع على المصادر الشيعية ثمّ الاستبصار :يتابع «محمّد» قائلاً: بعدها اطّلعت على بعض الكتب الشيعية من خلال معرض الكتاب السنوي الذي كان ينظّم في القاهرة، وكان هناك مراسلات وتبادل للأفكار بيني وبين بعض المستبصرين من خلال الإنترنيت، فكانوا يجيبون على الأسئلة التي كنت أطرحها عليهم.وبعد ثلاث سنوات من البحث والتحرّي الذاتي أيقن «محمّد» أنّ الإسلام الحق لا يكون إلّا باتباع أهل البيت علیهم السلام وموالاتهم والبراءة من أعدائهم، فأعلن عن استبصاره، وكان ذلك عام 1426ه- ( 2006م في جمهورية مصر العربية.)مؤلفاته:القيم الاجتماعية كما تعكسها ثورة كربلاء.صدر عام 1434ه- (20113م عن «مركز الأبحاث العقائدية» ضمن سلسلة «الرحلة إلى الثقلين»، العدد 43.)وهو دراسة تحليلية لقيم الإمام الحسين علیه الاسلام ومقارنتها مع قيم السلطة الأموية، ويحتوي الكتاب على مقدّمة وأربعة فصول:جاء الفصل الأوّل بعنوان ( الإجراءات المنهجية للدراسة، وفيه عرض

الباحث مشكلة الدراسة وأهميّتها وأهدافها وتساؤلاتها، كما تعرّض للمنهج الذي استخدمه في دراسته، وأدوات جمع البيانات ومجتمع البحث والعيّنة، وأخيراً تعرّض لأهمّ المفاهيم التي استخدمت في الدراسة.وقد جاء الفصل الثاني بعنوان: «الاتجاهات النظرية المفسّرة للقيم»، وفيه استعرض الباحث بعض النظريات الاجتماعيّة المفسّرة للقيم ؛ إذ تعرّض للنظرية البنائية الوظيفية، والنظرية الماركسية، ونظرية الصراع، كما تعرّض للاتجاه الفينومينولوجي، وجميعها نظريات ساهمت في التعرّف على طبيعة القيم، وأهمّ العمليات المتضمّنة لها، وقد اختتم هذا الفصل بعرض مدخل نظري تصوّري تبنّاه الباحث في دراسته.هذا، وقد جاء الفصل الثالث بعنوان: «الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع بعد وفاة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم»، وتعرّض فيه لبعض صور الواقع الاجتماعي، والتي تمثّلت في مؤتمر السقيفة، ونتائجه وبعض الأحداث التي رافقت قيام دولة الخلافة الأُولى والثانية، وممارسات رافقت قيام الخليفة الثالث «عثمان بن عفان»، التي كان لها أثراً بالغاً في إحداث الفتنة، كما تناول دور الأحزاب السياسية، التي كان لها تأثيراً ملموساً على سير الأحداث في داخل المجتمع، ودورها في الاضطرابات السياسية وقيام الحروب الأهلية، كالناكثين، والفئة الباغية، وكذلك المحايدين، وأخيراً تعرض لتحليل سوسيولوجي لثورة الإمام الحسين علیه السلام : للوقوف على أهمّ أسباب الثورة وتداعياتها.أمّا الفصل الرابع، فقد جاء بعنوان: «القيم الاجتماعية عند الإمام الحسين علیه السلام وعند السلطنة الأموية»، وتعرّض الباحث فيه لأهمّ القيم التي دافع عنها كلا الطرفين من أجل تبرير مواقفهما، السياسية والاجتماعية.وقد اختتم هذه الدراسة بعرضه لأهمّ النتائج التي وصلت إليها الدارسة المیدانیة.

وقفة مع كتابه «القيم الاجتماعية كما تعكسها ثورة كربلاء»يتناول الباحث في الفصل الرابع من كتابه هذا القيم الاجتماعية التي طالما كان يؤكّد عليها الإمام الحسين علیه السلام كضرورة قصوى وملحة في المجتمعات التقليديّة التي تعاني من الاستغلال والاستبداد، ويرى أنّه بدون التأكيد على قيم التغيير الاجتماعي هذه لن يكون هناك أي أمل في تطوّر هذه المجتمعات سواء على المستوى الروحي أو المادّي.قيم الثورة والتغيير الاجتماعي :يقول «محمّد»: يطرح الإمام الحسين علیه السلام الأسباب الملحّة التي جعلته يقوم بالثورة من أجل التغيير الاجتماعي والتي من أجلها ضحّى بروحه وروح آل بيته، وضحّى معه أتباعه الشرفاء، فهو يقوم بتحليل الواقع الاجتماعي والسياسي في عصره، ويؤكّد على أنّ هذا الواقع كان متدنّياً وزائفاً ولم يعد بحالة النقاء والصفاء التي كان عليها في زمن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، فالقيم والأفكار الإيجابية التي دعمها الإسلام ولا زالت محفورة في صفحات الكتاب الربّاني، قد نبذتها السلطة الأمويّة وجعلتها وراء ظهورها.فقد أماتوا السنّة وأحيوا البدع والقيم والأفكار الجاهلية التي طالما حاربها الإسلام، فالمتحكّمون في أمور المسلمين ومصائرهم من بني أميّة قد دأبوا على نشر

هذه البدع والقيم الجاهلية.والنتيجة أن عمّ الفساد والرشوة في المجتمع ، وتعطلت القوانين (الحدود، وأصبح الحق غريباً في بيته، لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، بل أصبح سمة مميزة في المجتمع، وأصبحت ثروة المجتمع دولة بين الأقلية من السلطة الأموية وعائلاتها المحظوظة التي عاشت حياة الغنى والترف، بينما الأغلبية في المجتمع يعانون الفقر والحرمان والتهميش والقمع.)ورغم ذلك تطالبهم السلطة الأموية بضرورة مجاراة الواقع والتسليم له خصوصاً بعد أن فرضت السلطة الأموية - تساندها الصفوة الأرستقراطية بما لها من نفوذ ديني وسياسي - على المجتمع يزيد بن معاوية خليفة لهم، وانتزعت من البعض المبايعة بحد السيف والقهر تارة، وبالرشوة والنفاق تارة أخرى، مستندة إلى أدواتها القمعية، ضاربة عرض الحائط بمبادئ الشورى، التي هي باطلة أيضاً، وحرّية الناس في اختيار خليفتهم، وغير مكترثة بالمعارضة الواسعة لتولّي يزيد الخلافة! فقد كانت الغالبية العظمى ترفض بيعة يزيد، وترى فيه أنه شخص غير مؤهل للخلافة، ولا تنطبق عليه شروط تولّي الخلافة، فضلاً عن أنهم قد رأوا في وفاة معاوية أملاً في التخلّص من حكم البيت الأموي، الذي استندت سياسته إلى القهر والديكتاتورية، والتجويع، وملاحقة المعارضين السياسيين ، وتصفيتهم جسدياً، وقطع الأرزاق عنهم، ومصادرة أموالهم ، ولكنهم صدموا مرّة أخرى بفرض يزيد بن معاوية عليهم، تلك هي حالة البناء الاجتماعي المتدهور على كافة المستويات، فعلى المستوى السياسي: (إرهاب، ديكتاتورية، وتغيير في نظام الحكم السائد إلى نظام ملكي وراثي.. وعلى المستوى الاجتماعي: (تفاوت طبقي شديد، أقلية تمتلك الثروات والقصور والضياع، وأغلبية مغلوبة على أمرها تعيش حالة الفقر والكفاف والتهميش، ولا يؤخذ برأيها في أمور الدولة.. وعلى المستوى القيمي الثقافي: (قيم اجتماعية ظهرت في المجتمع كانت قد اختفت أو قاربت على الاختفاء تم إحياؤها من)

جديد، كالعصبية، والأثرة، والترف، وحبّ السلطة، وظهور أمراض اجتماعية خطيرة انتشرت،كالرشوة والفساد وانتشار القيم السلبية والنفاق..، وانتشار البدع في الدين، ووضع الأحاديث المكذوبة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استخدمها البعض في صراعه على السلطة، وظهور اتجاهات دينية فسّرت الدين بما يتناسب مع هوى الحاكم (القدرية والجبرية).)ومن هنا كان من أهمّ أوليات الإمام الحسين علیه السلام إصلاح هذا البناء الاجتماعي المنهار من خلال إحداث عملية تغيير شاملة في المجتمع، وذلك من خلال منهج تطبيقي، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استخدمه من خلال أُسلوبين مختلفين:الأول: سلمي، اقتصر فيه على محاوراته مع السلطة الأموية، ورفضه لبيعة يزيد، ومحاولاته لإثناء هذه السلطة على فرض يزيد على المجتمع الإسلامي.والثاني: ثوري، عندما علم جدّية السلطة في فرض يزيد على المجتمع، وأنّ السلطة الأموية لن تتركه حيّاً إلّا إذا اعترف بشرعية يزيد قهراً وقسراً، فكان من الضروري الثورة على يزيد بن معاوية باعتباره رئيس السلطة والحكم الأُموي المسؤول عن انهيار المجتمع، مخالفاً لسنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم.وباعتباره هو أولى المسلمين بقيادة هذا التغيير، فواجبه الديني والاجتماعي يحتمان عليه القيام بالثورة، والتي سوف تأتي بالتغيير الإيجابي في المجتمع، وانتشال الأُمّة من حالة الانهيار الحضاري، بعد أن تركت المنكر يعمل به، وتراخت عن الأمر بالمعروف، وتخلّت عن عقلها، وضميرها.فعملية التغيير الاجتماعي الشاملة التي حاول الإمام الحسين علیه السلام أن يحقّقها، والتي ترتكز على منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنمّا كان يهدف من ورائها إلى مجتمع يعيش فيه الإنسان بحرّية وبدون قهر، ومجتمع يسوده العدل في كلّ)

مكان، يحقق العدالة الاجتماعية، وتصان فيه حقوق الإنسان، ويسمح لأفراده في اتّخاذ القرارات المصيرية، مجتمع لا مكان فيه للطغاة، ولا للجبّارين، ولا للظالمين، ولا للجلّادين.وعلى الرغم من أنّ الإمام الحسين علیه السلام كان على علم بأنّه يواجه سلطة غاشمة تمتلك من الإمكانات المادية والنفوذ ما يمكنها من وأدعملية التغيير الاجتماعي إلّا أنّه أصرّ على القيام بها ، بصرف النظر عن نتائجها وعواقبها الآنية، والتي كان يعلم الإمام علیه السلام لأنّها لن تجني ثمارها في الوقت الأدنى، فقد تحولُ الأوضاع الاجتماعية المختلفة دون تحقيق الأهداف والقيم المرغوبة، ولكن ذلك لا قيمة له أمام الحقیقی الباعث لهذه الأهداف والقيم، ولهذا كانت كلمات الإمام الحسين علیه السلام الخالدة تجسيداً القيمه على أرض الواقع المجتمعي:«إنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرت جداً فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به وأنّ الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة (1، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما» (2).)«إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنمّا خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»(3.)«من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفالسنّة رسول الله، يعمل في عبادة الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعةالرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله


1) كذا في المصدر، ولعلها: سعادة.

2) تاريخ الطبري 305:4.

3) راجع الفتوح، لابن أعثم 5: 21.

وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري(1.)قيم السلام والتسامح :تعدّ قيم السلام والتسامح من أبرز القيم التي أكّد عليها الإمام الحسين علیه السلام في ثورة كربلاء ؛ فقد دافع عن الخير في مواجهة الشرّ، ومناصرة المظلوم ضدّ الظالم، وكانت ثورته من أجل الفقراء والمساكين، في حين كانت السلطة الأموية يقتلون الناس ويشيعون الخوف، ويزيدون من آلام الناس، ويفضّلون المنفعة الخاصة على مصالح الأمّة.فلم يكن الإمام الحسين علیه السلام يبتغي الفتنة، أو أن يضرب الناس بعضها ببعض، أو أن يقطع أواصر الأمّة، كما صوّرته الدعاية الأُموية.. ولم يكن داعية حرب، على الرغم من أنّه من أفضل المحاربين وأشجعهم، فهو لم يخرج إلى الكوفة بجيش لاحتلالها، ولكنّه خرج تحقيقاً لرغبة ومطالب أهل الكوفة الذين تعاهدوا على مبايعته ونصره وإيوائه، وبلغت رسائلهم حوالي ثمانية عشر ألف رسالة يطلبون فيها من الإمام الحسين علیه السلام للسرعة المجيء إلى الكوفة.إنّ صوت السلام نسمعه في صدى أفعاله النبيلة، فهو لم يبدأ بقتال جيش السلطة الأموية، ورفض اقتراح زهير بن القين بمحاربة طلائع جيش يزيد، الذي قابله وهو في طريقه إلى العراق، ولو كان حاربهم لأبادهم جميعاً، وكان جوابه: ما كمنت لأبدأهم بالقتال(2.)كما رفض محاولة مسلم بن عوسجة الذي أراد أن يرمي أحد قوّاد الجيش الأُموي (شمر بن ذي الجوشن بسهم عندما وقف أمام معسكر الإمام الحسين علیه السلام وأخذ يشتم ويسبّ الإمام الحسين علیه السلام ، فلم يأذن له الإمام بذلك قائلا له: «لا ترمه،)


1) راجع تاريخ الطبري 4 304 ، الكامل في التاريخ : 48.

2) تاريخ الطبري 4 : 309 ، الكامل في التاريخ 524 .

فأنّي أكره أن أبدأهم» (1.)وهو لم يستخدم آليات السلطة الأموية في الوصول إلى أهدافه من إشاعة الإرهاب والخوف والخديعة والمكر وقتل الناس، ولو أراد أن ينتصر من السلطة الأموية بالجور لفعل ذلك، ولكن قيمه ومبادئه كانت سدّاً منيعاً يحول دون ذلك...فهو في طريقه إلى العراق لم يهاجم القبائل ولا القوافل ولم يروّع الأطفال والنساء، ولم يقتل إنساناً واحداً، ولم يقطع شجرة أو يحرق زرعاً، ولم يأمر باستخدام العنف والإكراه ضدّ الناس، كما فعل جيش السلطة، إنمّا كانت أوامره ووصيّته إلى سفیره مسلم بن عقيل لمّا بعثه إلى الكوفة أن أمره ب- «تقوى الله واللطف بين الناس»، وقد نفّذ مسلم بن عقيل وصيّة الإمام كما هي، ولو أنّ الإمام الحسين علیه السلام أوصاه بغير ذلك لكان في إمكانه أنّ يقتل عبيد الله بن زياد غيلة عندما سنحت له الفرصة، ولو فعل ذلك لاستولى على قصر الإمارة في الكوفة، ولتغيّرت الأحداث برمّتها، ولكنّ الإيمان والقيم هي التي حالت دون ذلك على اعتبار أنّ الفتك ضدّ الدين.وكان علیه السلام متسامحاً مع أعدائه ؛ فقد قام بتقديم الماء لأحد قادة الجيش الأموي (الحرّ بن يزيد الرياحي، وجنوده .. 1000 مقاتل)، الذين جاؤوا لمجابهته وإغلاق الطرق المؤدّية للكوفة عليه، ومنعه من الولوج إليها، بعد أن لاحظ عليهم الإعياء من شدّة العطش ولم يقتصر بتقديم الماء لهم فقط، وإنمّا أمر أيضاً أن تُسقی خيولهم من الماء، وهو بذلك قد أرسى مبداً هاماً، هو أن السلام والتسامح ليس حقّ للبشر فقط، وأنمّا يجب أن يكونا أيضاً حقاً للحيوان، وقد أكّد ذلك الإمام الحسين علیه السلام عندما أصدر تعليماته وأن «اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً»(2).)فإنسانية الإمام الحسين علیه السلام منحت أعدائه الحقّ في ألّا يمنعوا من شرب الماء،


1) أنساب الأشراف 3: 188.

2) أنساب الأشراف 3 169، تاريخ الطبري 4: 302.

ولم يستخدمه كسلاح ضدّ جيش السلطة، على الرغم من أنّ هذا السلاح قد استُخدم ضدّه هو وآل بيته علیه السلام وأتباعه بعد ذلك، ومنعوه من شرب ماء الفرات في الوقت الذي كانوا يسمحون فيه للخنازير والكلاب وسائر الملل الأُخرى بالشرب منه. لقد كان بإمكانه عدم تقديم الماء وتخزينه لاستخدامه إذا اقتضت الحاجة، ولكنّه لم يفعل رحمة منه وتسامحاً مع أعدائه. وكان متسامحاً أيضاً مع الحر الرياحي بعد أن قرّر انضمامه للحقّ، والانقلاب على جيش عمر بن سعد، تاركاً لوم اللائمين من جيش السلطة، ومؤت ومؤكداً لهم: (والله إنِّي أخير نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنة غيرها، ولو قطّعت وحرِّقت (1).)فقد وقف الحرّ أمام الحسين علیه السلام معلناً توبته واعتذاره واستعداده بالتضحية بنفسه، ومتسائلاً: هل لي من توبة؟ فأجابه الإمام الحسين علیه السلام : نعم، وبشّره بأنّه الحرّ في الدنيا والآخرة.. فتح له باب التوبة، ولم يغلقه في وجهه، وقبل اعتذاره.فهو تعامل مع أعدائه بكلّ حبّ وإنسانية ولم يحمل لأيّ من السلطة الأُموية أو جيشها أي ضغينة أو حقد أو كره أعمى، ولم تكن قضيّته بأي حال من الأحوال ذات أبعاد شخصية أو تصفية الحسابات قديمة ، فقضيّته هو أن يتّبع أولئك الحقّ، فإن أبوا فإنّما هو متبّع الحقّ، يقاتل من أجل العدالة والخير ونصرة الحقّ، وليس انتقاماً لذاته.قيم الحوار والإقناع :أكد الإمام الحسين علیه السلام على قيم الحوار والإقناع في العديد من المواقف الاجتماعية التي صادفها ؛ فقد تحاور مع بعض رجال السلطة الأموية وجنودها، وتحاور مع أصحابه وآل بيته علیهم السلام، ومع الذين عارضوا خروجه إلى العراق، ومع


1) الكامل في التاريخ :4 64 ، البداية والنهاية : 195.

الذين أعطوه المواثيق والعهود ثمّ نكثوا وانقلبوا ضدّه..فقد تحاور الإمام مع العديد من الشخصيات الذين نصحوه بعدم التسرّع في الخروج إلى العراق، مشفقين عليه من المصير المجهول الذي ينتظره هناك، فلم يتجاهلهم أو ينبذ نصائحهم وراء ظهره، وإنمّا شكر لهم نصائحهم وأكّد لهم أنّ كافّة الاعتبارات والحجج التي استندوا إليها في معارضتهم لخروجه، ليست بخافية عليه، وعمل على إقناعهم على أنّ هناك من الأسباب المنطقية التي تحتّم عليه أن يتعجّل الخروج إلى العراق، بصرف النظر عن النتائج الملازمة لخروجه.فهناك العديد من الأسباب الاجتماعية والسياسية والدينية تملي عليه الخروج اليوم قبل الغد ؛ فخبرته السياسية، وعلمه اللدني، وحسن درايته بأسلوب السلطة الأُموية في تعاملها مع المعارضين لها، وموقفها من آل بيت الرسول صلی الله علهی وآله وسلم، تجعله على يقين من أنّ السلطة سوف تقوم باغتياله عاجلاً أم آجلاً، ومؤكّداً لهم: «والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلهم، حتّی يكونوا أذلّ من قرم الأمّة» (1.)وطالما أنّ القتل هو المصير المحتوم، فإنّه يفضّل إلّا يقتل في الحرم، وعلى ذلك، فإنّه من المنطق أن يعجّل بالخروج إلى العراق ولا يتأنّى في الرحيل ؛ لأنّه لو لم يعجّل لقتل في التو واللحظة..وشرح لهم أنّ من أهمّ الأسباب التي جعلته يعجّل بالخروج بجانب الأسباب السابقة هو: أنّه قابل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في منامه وأنّه أبلغه رسالة إلهية وبعض الأوامر التي يتسنّى له تنفيذها، فرؤية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حقّ ، ولذا يجدر به أن ينقّذ رسالة الله التي أبلغها له جدّه في المنام: «إنّي رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي، فخبّرني بأمر،


1) تاريخ مدينة دمشق 14: 216 ، تاريخ الطبري 4: 296.

وأنا ماض له»(1.)ولمّا طلبوا منه أن يحدّثهم بأمر الرسالة الإلهية، اعتذر إليهم بلطف قائلاً لهم: «لا أُحدّث بها أحداً حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ»(2.)وتحاور الإمام الحسين علیه السلام مع نائب السلطة الأموية في مكّة (عمرو بن سعيد من خلال المراسلات التي تمّت بينهما، فحينما أرسل إليه نائب مكّة برسالة يقول فيها: إنِّي أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإنِّي أُعيذك من الشقاق ؛ فإن كنت خائفاً فأقبل إليّ، فلك عندي الأمان والبرّ والصلة (3).)فأرسل له الإمام الحسين علیه السلام برسالة لتوضيح الحقائق، وإقناعه بسلامة موقفه الذي لا ريب فيه، فأبلغه شكره وامتنانه لرسالته، إن كان الهدف منها النصح والإرشاد والتوجيه، وتقوية أواصر القربى، وتحقيق الخير للمسلمين، وإن كانت الرسالة على سبيل التخويف والتشكيك التخويف من عاقبة الأمر بالخروج إلى العراق، والتشكيك بأنّه سوف يفرّق الكلمة والجمع، فإنّ الأمر ليس كذلك ؛ لأن من يدعو إلى الله ويعمل صالحاً، ويريد أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، لا يمكن أن يكون هدفه تقطيع أواصر الأُمّة أو الشذوذ عن الجماعة.بل على العكس من ذلك، إنمّا يريد وحدة الأمّة، وتحقيق مصالح الجماعة. وإن كان نائب مكّة قد عرض عليه أن يمنحه أمان الخائف، فإنّ الإمام الحسين علیه السلام يردّ عليه بثقة مقنعة، بأنّه لا أمان لسلطان، وخاصّة إن كان لا يحكم بشرع الله، فهل يعقل أن يمنح السلطان الجائر الأمان لمن يعارضون حكمه غير الشرعي ؟!إنمّا الأمان الحق هو أمان الله، الذي يبعث على الطمأنينة والثقة، وأنّه لا إيمان


1) الفتوح 5: 67.

2) البداية والنهاية 8 :181 .

3) تاريخ مدينة دمشق 14: 209، بغية الطلب، لابن العديم 6: 261.

لمن يخشى السلطان، وإنمّا الإيمان لمن يخشى الله في السرّ والعلن.فكتب علیه السلام له: «إن كنت أردت بكتابك برّي وصلتي فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، وإنّه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنّني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أماناً يوم القيامة عنده»(1.)وحاور أمير الجيش الأموي (عمر بن سعد بن أبي وقّاص محاولاً إقناعه بترك تحالفه مع السلطة الأموية، والانضمام إليه وعدم قتاله، وكان الحوار مع عمر بن سعد ذا أبعاد متعدّدة، فهو أوّلاً أوضح له نسبه الشريف الذي لا يجهله أحد، وعدالة قضيّته التي يدافع عنها، والتي لا يجهلها ابن سعد ذاته ثانياً ..)وعندما رفض ابن سعد عرض الإمام الحسين علیه السلام مبرّراً موقفه من أنّه يخاف من بطش السلطة الأموية به، حيث يمكنها أن تصادر أمواله وضياعه، وتهدم داره، لم ينه الإمام الحسين علیه السلام الحوار معه، ولكنّه وضع حلولاً بديلة، ليختبر بها مدى صدق عمر بن سعد في أفعاله ؛ فقد عرض عليه أنّه سوف يقوم بإمداده بالأموال اللازمة إن كان ذلك هو السبب الحقيقي، وسيبني له داره إذا ما قدمت السلطة الأموية على هدمها.ولكن عندما أفهمه الإمام الحسين علیه السلام فأنتّم الحجّة عليه أنّه (عمر بن سعد قد غلبته شهوة السلطة، وأنّه حريض على إمارة الري وجرجان، وأنّه آثر الانحياز ضدّ الحق، وبدأ يطرح أسباباً واهية لتبرير انحيازه للسلطة الأموية كخوفه من أن يقتل أطفاله، توقّف الحوار بين الإمام الحسين علیه السلام وبين عمر بن سعد ؛ إذ لم يعد للحوار أيّ معنى، ووصل لطريق مسدود في ضوء اختلاق عمر بن سعد للحجج والذرائع غير المنطقية، والتي تبرّر نكوصه عن الحق، وانحيازه للسلطة الأموية من أجل إشباع)


1) راجع: البداية والنهاية 8: 176.

شهوته في الجلوس على كرسي الحكم لولاية الريّ وجرجان التي وعدتها به السلطة الأموية.وبعد أن اشتدّ حصار الجيش الأموي على الإمام الحسين علیه السلام، وأيقن أنّ جيش السلطة سوف يغتاله، حاول إقناع أصحابه وبني عمومته (بني عقيل، أن يتركوه وينصرفوا إلى بلادهم إن أرادوا ذلك، مؤكّدا لهم أنّ الفرصة الآن أصبحت سانحة لهم ؛ لأنّ الجيش الأموي إنمّا يريد رأسه فقط، وإن تمكّنت منه فإنّها ستكتفي بذلك، ولن تطاردهم، ولذا يمكنهم أن يتسلّوا تحت جنح الظلام والتفرّق في الأرض إذا أرادوا أن ينجوا بأنفسهم، فهو أكّد على أنّ: «من أحبّ أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له، فإنّ القوم إنمّا يريدونني.. فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري»(1).)ولمّا أيقنت أخته السيّدة زينب بنت علي أنّ الإمام علیه السلام قد أصرّ على مواجهة جيش السلطة الأموي، وهي تعلم أنّها مواجهة غير متكافئة، لطمت وجهها وشقت جيبها من هول نتيجة المواجهة ، فعمد الإمام الحسين علیه السلام على إقناعها بضرورة الصبر في حالة استشهاده (2.)وتحاور الإمام الحسين علیه السلام مع الناكثين بعهودهم معه مؤكّدا لهم بأنّه لم يقصّر في حقّهم، ولم يتوانى عن تلبية رغباتهم وتوسّلاتهم بالحضور لكي ينقذهم من ظلم واستبداد السلطة الأموية إلّا أنّهم بدلاً من أن يكونوا عوناً له، ويداً وسيفاً له على أعدائه وأعدائهم ، نكثوا العهود والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم، فخذلوه ونصروا السلطة الأموية، وأصبحوا سيفاً عليه لا على أعدائه، وحذّرهم من نتائج هذه الأفعال التي ستجعلهم أذلّة لطواغيت الأمّة من أمويين وغيرهم من الحكّام المستبدين.


1) البداية والنهاية 8: 191 .

2) تاريخ اليعقوبي :2 244، تاريخ الطبري 4: 319، المنتظم، لابن الجوزي 5: 338.

وحاول تجريب الصدمات النفسية لعلّهم يفيقون من مغبّة فعلهم، فكشف عن حقيقتهم، وعرّى نفوسهم أمام أعينهم، عندما كشف لهم أنّ أصولهم وفروعهم مشهورون بالخذل والنكث، ولذلك أصبحوا من أخبث الناس، وهم بذلك يستحقون اللعنات. وكان من المفترض أن يراجع هؤلاء الناكثون أنفسهم ويرغموها على الانحياز لصوت الحقّ، بصرف النظر عن النتائج، ولكنهم لم يستجيبوا له(1.)


1) مقتطفات من كتاب القيم الاجتماعية كما تعكسها ثورة كربلاء : 95 - 112. (بتصرّف يسير).

## (56 محمّد بن أحمد الجعفي)(56 محمّد بن أحمد الجعفي (1))(زيدي / مصر)من مواليد المائة الثالثة بعد الهجرة النبويّة الشريفة.كان «زيدياً» ثمّ اعتنق مذهب الإمامية الاثني عشرية، وكانت لديه سمعة جيدة ومنزلة رفيعة عند أهالي مصر (2.)صحبة المعصومين علیهم السلام :بعد استبصاره التحق «محمّد الجعني» بالإمام علي الهادي، وصار من أصحابه (3، كما أنّه أدرك الغيبة الصغرى والكبرى للإمام المهدي المنتظر علیه السلام.)يقول صاحب «الفوائد الرجالية» السيد بحر العلوم رحمة الله : [إنّه ] من قدماء أصحابنا وأعلام فقهائنا من أصحاب كتب الفتوى، ومن كبار الطبقة السابعة ممّن أدرك الغيبتين الصغرى والكبرى عالم فاضل، فقیه، عارف بالسير والأخ-باروالنجوم (4.)


1) المعروف ب- «بأبي الفضل الصابوني».

2) يقول العلامة الحلّي في خلاصة الأقوال: 265 ما نصه: كانت له [أي للجعفي] منزلة بمصر.

3) رجال الطوسي: 391، الرقم 5756 .

4) الفوائد الرجالية 3: 199.

وقد تتلمذ الشيخ محمّد بن النعمان، المعروف ب- «الشيخ المفيد» على يديه، كما أنّه من مشايخ أبن قولويه القمّي(1.)التأليف:يعدّ «محمّد الجعفى »من المؤلّفين الذين أكثروا التأليف في مجال الفقه، والعقائد، وغيرها من العلوم.فقد ألّف عدّه كتب، منها:كتاب الفاخر، كتاب تفسير معاني القرآن وتسمية أصناف كلامه، كتاب التوحيد والإيمان، كتاب مبتدء الخلق، كتاب الطهارة كتاب فرض الصلاة، كتاب صلاة التطوّع ، كتاب صلاة الجمعة، كتاب صلاة المسافر، کتاب صلاة الخوف، کتاب صلاة الكسوف كتاب صلاة الاستسقاء، كتاب صلاة الغدير، كتاب صلاة الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الاعتكاف، كتاب الحجّ، كتاب المعائش، كتاب البيوع، كتاب عهدة الرقيق، كتاب أمّ الولد، كتاب المدبّر، كتاب المكاتب، كتاب العتق كتاب الرهن كتاب الشركة، كتاب الشفعة، كتاب المضاربة، كتاب الإجازات، كتاب الغصب كتاب الضيافة، كتاب الإقطاعات، كتاب الحوالة، كتاب العطايا والضمان كتاب اللقطة والضالة، كتاب الوديعة، كتاب الصلح، كتاب الذريعة، كتاب العُمرى والسكنى ، كتاب الهبة والنحلة، كتاب الأيمان والنذور، كتاب الشروط، كتاب الحبس، كتاب النكاح كتاب المواريث، كتاب الوصايا، كتاب الإيلاء، كتاب المطلقات، كتاب المتعة، كتاب نفي الولد، كتاب النشوز، كتاب اللعان، كتاب الطلاق، كتاب العدد كتاب الديانات، كتاب المحاربة، كتاب الجهاد، كتاب ،الحدود كتاب قسمة الغنائم، كتاب السبق والرمي، كتاب الجزية، كتاب القضاء والشهادات، كتاب الضحايا، كتاب الصيد والذبائح، كتاب الأدعية، كتاب


1) الذريعة 16 :92 .

الأشربة، كتاب الخطب ، كتاب تفسير الرؤيا (1.)الفاخر في الفقه:من الكتب التي كان يعتمد عليها أكابر العلماء في مجال الفقه - والذي فقد، كالعديد من مصادر الكتب الشيعية - هو: كتاب «الفاخر»، الذي جمع فيه «محمّد الجعني» ما صحّ عنده من أقوال الأئمّة الطاهرين علیهم السلام الرواية وفتوى، ويذكر عنه أنّه قال في مقدّمته أنّه لا يروي فيه إلّا ما أجمع عليه وصح من قول الأئمّة علیهم السلام ...لكن السيد بحر العلوم ذكر في كتاب «رجاله»: أنّ «الفاخر» مشتمل على سبعة وستّين باباً، وهي كلّ الكتب التي ذكرها النجاشيء في كتابه (2..)ويستنتج من ذلك: أنّ المصنّف لم يقتصر فيه على مسائل الفقه، بل ألّف موسوعة كاملة تطرّق فيها إلى الأصول، والفروع، والخطب، وغيرها.


1) رجال النجاشي: 374.

2) الذريعة 16: 92 .

## (57 محمّد سلامة الشرقاوى)(سنی / مصر)ولد عام 1389ه- ( 1970م في الإسكندرية بمصر، لعائلة تنتمي إلى المذهب السنّى واصل «محمّد» دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادتي البكالوريوس في العلوم والماجستير في الرياضة.)يبيّن «محمّد» العوامل التي شجّعته على التعرّف على مذهب أهل البيت علیهم السلام ، فيقول : كنت أملك، مثل أكثر المصريين، عوامل تشجعني على التشيع، مثل: اقتناعي بالعصمة الكاملة المطلقة للأنبياء علیهم السلام ، كما كنت أكنّ البغض لبني أمية، بسبب جرائمهم الفظيعة، وخصوصاً بسبب معركة صفّين وحادثة كربلاء الأليمة، وأيضا كنت أحمل في قلبي تعظيماً خاصّاً لأهل البيت علیهم السلام.وأمّاً العامل الحاسم فكان قراءتي لنهج البلاغة ؛ إذ أصبت بصدمة ودهشة كبيرة من غزارة العلم والحكمة وشدّة ،الفصاحة وآمنت أنّ الصراط المستقيم هو صراط عليّ بن أبي طالب أمير المؤمين علیه السلام .بلاغة الإمام علي علیه السلام في نهج البلاغة:نهج البلاغة فريد في أسلوبه في فصاحته وبلاغته، في حكمه في مواعظه وإرشاداته، في تأثيره على قارئه و حافظه وسامعه وليس من المبالغة إذا قيل فيه:

إنّ فوائده الدينية والأدبية تعدل كتب جميع العلماء والأدباء، كيف لا وهو تالي كتاب الله تعالى؟!يقول ابن أبي الحديد وأمّا الفصاحة، فهو علیه السلام الإمام الفصاحة، وسيّد البلغاء، وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة.. قال عبد الحميد بن يحيى حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت، وقال ابن ثباته: حفظت الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلّا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب(1.)والرضي رحمة الله في سبب تأليفه لنهج البلاغة بعد أن جمع فصلاً من كلامه علیه السلام في كتابه «خصائص الأئمّة»، قال: فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره، معجبين ببدائعه، ومتعجّبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبداً بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين علیه السلام في جميع فنونه، ومستشعّبات غصونه، من خطب وكتب، ومواعظ وأدب، علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب ؛ إذ كان أمير المؤمنين مَشْرَع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب، وبكلامه استعان كلّ ذلك فقد سبق وقصروا، وتقدّم وتأخروا، لأن كلامه علیه السلام الكلام واعظ بليغ، ومع الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي (2.)وهكذا يتابع الشريف الرضي رحمة الله الكلام في الكشف عن فصاحة وبلاغة الإمام علي علیه السلام ومدى تعجّب أهل الأدب والعلم من كلامه علیه السلام، وأنّه يوجد بينه وبين من تقدّم من السلف فارق كبير، فيقول رحمة الله : وأنّه انفرد ببلوغ غايتهما عن جميع السلف


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 24.

2) نهج البلاغة 1: 11.

الأوّلين، الذين إنمّا يؤثر عنهم منها القليل النادر والشاذ الشارد، فأمّا كلامه فهو البحر الذي لا يُساجل، والجم الذي لا يُحافل (1.)التشكيك في نهج البلاغة :وبعد أن أحطت عن خطب أمير المؤمنين علیه السلام وكلامه خُبراً، وعلمت أنّه لا يوجد شخص يحترم نفسه وعمله، إن كان لديه علم، يدّعي أنّ (نهج البلاغة والخطب الموجودة فيه، والحكم المودعة لديه منحولة على أمير المؤمنين علیه السلام مثل ما قاله الذهبي في ترجمته للسيّد المرتضى وهو أخو الشريف الرضي، قال: (علي بن الحسين العلوي الحسيني الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي، صاحب التصانيف - إلى أن قال: - وهو المتّهم بوضع كتاب (نهج البلاغة)، وله مشاركة قوية في العلوم.)ومن طالع كتاب (نهج البلاغة، جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين على رضي الله عنه، ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيّدين: أبي بكر وعمر رضي الله عنها، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممّن بعدهم من المتأخرين جزم بأنّ الكتاب أكثره باطل) (2).)والذهبي مع عمله وإحاطته وخبرته في التاريخ والجرح والتعديل، لم يتمكّن أن يميّز ويعيّن من هو الذي جمع كتاب (نهج البلاغة، هل هو الشريف المرتضى، المتوفّى 436ه- أو أخوه الشريف الرضي محمّد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن الرضي نقيب العلويين في بغداد، أخو المرتضى والمتوفى 406ه-، وقد ترجمه هو في ميزانه، وقال فيه: (شاعر بغداد، رافضي جلد)(3).)


1) نهج البلاغة 1: 11.

2) میزان الاعتدال 3 :124 .

3) میزان الاعتدال 3: 523 .

فنقول:1- إذا كان الذهبي لم يميّز من هو جامع كتاب (نهج البلاغة، هل الرضى أو المرتضى؟ كيف تسنّى له أن يحكم على السيّد المرتضى أنّه هو المتّهم بوضع (نهج البلاغة)؟)2 - إنّ كتب السيّد المرتضى التي ألّفها في الفقه، كالانتصار، وفي الأصول، كالذريعة، وفي الأدب، كالأمالي وغيرها، كلّها موجودة ومعلومة، ولو قارن الذهبي بينها وبين (نهج البلاغة في الإنشاء والأسلوب لرأى بينها وبينه البون الشاسع بعد ما بين السماء والأرض، مع جلالة وعظمة السيد المرتضى، ولكن أين هو وأين (نهج البلاغة)؟)3-إنّ الشريف الرضي المتخصّص في الأدب، والذي قيل فيه: (وكان عالماً أديباً، وشاعراً مفلقاً، فصيح النظم ضخم الألفاظ، قادراً على القريض، متصرّفاً في فنونه، إن قصد الرقّة في النسيب أتى بالعجب العجاب، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى بما لا يُشقّ فيه غباره(1)، لو قارن الذهبي بين مؤلّفاته، كديوانه، وحقائق التأويل، والمجازات النبوية وغيرها، وبين نهج البلاغة، لرأى الفارق الكبير بينهما، وحتّى نثره الذي يعلّق به على بعض الخطب في (نهج البلاغة)، يجد الخبير اللبيب كلّ الاختلاف في الأسلوب والقوة بينه وبين (نهج البلاغة).)4- ثمّ ما هو الداعي لأن يقوم السيد المرتضى مع عدالته وورعه، أن يضع مثل هذا المجهود الكبير وينسبه إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ؟ وهل الإمام بحاجة إلى أن تكمل فضائله بالكذب والوضع؟!5- إنّ كثيراً من خطب نهج البلاغة موجودة في مصنفات وكتب صنّفت قبل أنّ يولد السيد المرتضى، بل قبل أن يولد والده.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 33 .

6- إنّ الذي ألف وجمع (نهج البلاغة هو الشريف الرضي عام 400ه-، وانتشرت نسخه في العالم، قبل وفاته بستّ سنوات، ولكن الذهبي عذره عنده ؛ إذ لم يطّلع على نسخة واحدة من نهج البلاغة حتّى يتمكّن أنّ يميّز من هو جامعه، هل الشريف الرضي ام الشريف المرتضى؟!)وحينئذ إذا حكم على (نهج البلاغة بأنه منحول على أمير المؤمنين علیه السلام ومكذوب عليه، وفيه الأشياء الركيكة والتناقضات.. فلا غرابة ولا عجب ؛ لأنه إذا كان لا يعرف جامع الكتاب، فمن باب الأولى أن لا يعرف محتواه، ولا مستواه. وكأنّ هذه الشنشنة قديمة، وقد تعرّض لها ابن أبي الحديد، وردّها بأحسن بيان ؛ قال: ... (لأنّ كثيراً من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من (نهج البلاغة ) كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم، فضلوا عن النهج الواضح، وركبوا بنيات الطريق، ضلالاً وقلّة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول:)لا يخلو إمّا أن يكون كلّ (نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً، أو بعضه.)والأوّل باطل بالضرورة ؛ لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين علیه السلام وقد نقل المحدّثون ، كلّهم أو جلّهم، والمؤرخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك.والثاني: يدلّ على ما قلناه ؛ لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب لابدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أنّ يفرق بين الكلامين، ويميز بين الطريقين - إلى أن قال: وأنت إذا تأملت (نهج البلاغة وجدته)

كلّه ماءاً واحداً، ونفساً واحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية وكالقرآن العزيز، أوّله كأ وسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض (نهج البلاغة منحولاً وبعضه صحيحاً لم يكن كذلك.)فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين علیه السلام (1.)وكلام أهل البيت عموماً، والإمام أمير المؤمنين علیه السلام خصوصاً، له لحن خاص لا يتذوّقه إلّا من أنس بكلامهم ؛ قال علیه السلام : «نحن أمراء الكلام، منّا تفرّعت فروعه وعلينا تهدّلت غصونه» (2.)7 -يضاف إلى ما تقدّم أنّ مصادر كتاب نهج البلاغة كلّها، أو أكثرها، موجودة ومنتشرة في كتب الحديث والفقه، وقد تصدّى جماعة من العلماء المحققين لتخريج خطب (نهج البلاغة) وحكمه من مصادرها الأولية، وأوسعها ما كتبه المرحوم السيد عبد الزهراء الخطيب قدس سره بعنوان: (مصادر نهج البلاغة) منشور في أربع مجلدات.)8-وأمّا ما ذكره الذهبي من السبّ في نهج البلاغة، فغير صحيح، بل الموجود فيه التنزّه عن السبّ والترفّع عنه، وأنّ السبّ لا يحلّ مشكلة ؛ قال علیه السلام : «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم اللهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتّى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»(3.)


1) مقدمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 8.

2) راجع أمالي المرتضى 4 :19 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 12 .

3) نهج البلاغة 2: 185.

وإن كان علیه السلام لَعَنَ من يستحق اللعن، كما لعن الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم من يستحق اللعن. وإنّ الخطب والكتب والحكم التي في نهج البلاغة اعتنت بالقرآن الكريم، ينقل الجاحظ في كتابه البيان والتبيين آراء الناس في الثناء على السكوت وذم كثرة الكلام، فيعلّق عليها ويقول: لو كان هذا كما يقولون لكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس أكثر الناس، فيما ذكروا(1).)وفي الكتاب نفسه ينقل هذه الكلمة المعروفة عن الإمام علیه السلام : «قيمة كلّ امرئ ما يحسنه»، ثمّ يثني على هذه الجملة ما يبلغ نصف صفحة الكتاب، فيقول: فلو لم نقف من كتابنا هذا إلّا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة على الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية، وكأن الله عزّ وجلّ قد ألبسه من الجلالة وغشّاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله(2.)وللسيد الشريف الرضي رحمة الله جملة معروفة في وصف كلام الإمام علیه السلام والثناء عليه، يقول: كان أمير المؤمين علیه السلام المشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذاكلّ قائل خطيب، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وقد تقدّم وتأخّروا ؛ لأنّ كلامه علیه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي (3.)وكان ابن أبي الحديد من علماء المعتزلة في القرن السابع الهجري، أديباً ماهراً وشاعراً بليغاً، وهو كما نعلم مغرم بكلام الإمام، وقد كرّر إعجابُه به في كتابه ومقدمته، فقال:.... وحسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر ممّا دوّن له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في كتاب (البيان


1) البيان والتبيين: 116.

2) البيان والتبيين: 58 .

3) نهج البلاغة 1: 11.

والتبيين وفي غيره من كتبه (1).)وعند شرحه رسالة الإمام علیه السلام إلى ابن عباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر ، واغتصاب مصر على يد أصحاب معاوية ؛ إذ يكتب إليه إلى البصرة يخبره بالخبر، يقول ابن أبي الحديد: انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، وتملكه زمامها، واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة، يتلو بعضها بعضاً، كيف تؤاتيه وتطاوعه سلسة سهلة، تتدفّق من غير تعسّف ولا تكلّف؟!فسبحانه من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة أن يكون غلام من أبناء عرب مكة، ينشأ بين أهله لم يخالط المحكماء، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلم الإلهية من أفلاطون وأرسطو، ولم يعلشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية - لأنّ قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك - وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يُرب بين الشجعان - لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب - وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض.قيل لخلف الأحمر: أيما :أشجع عنبسة وبسطام أم على بن أبي طالب؟ فقال: إنمّا يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة فقيل له: فعلى كل حال؟ قال: والله لو صاح في وجهيهما لما تا قبل أن يحمل عليها.وخرج أفصح من سحبان وقس، ولم تكن قريش بأفصح العرب، وكان غيرها أفصح منها : قالوا: أفصح العرب جُرهُمْ وإن لم تكن لهم نباهة.وخرج أزهد الناس في الدنيا وأعفّهم مع أنّ قريشاً ذوو حرص ومحبّة للدنيا، ولا غرو فيمن كان محمّد صلی الله علیه وآله وسلم مربيّه ، ومخرجه والعناية الإلهية تمدّه وترفده أن يكون منه ماكان(2.)


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 25.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 145 - 147.

الوصول إلى الحقيقة:بعد تعرّف «محمّد» على معتقدات الشيعة عموماً، ونهج البلاغة بالخصوص، عزم على ترك الموروث العقائدي الذي تقبّله من أسلافه دون وعي وتفكّر، ولم يكن هذا ذنبه ؛ إذ ترعرع في أجواء فرضت عليه تقديس تعاليم سرعان ما بدا لهزيفها وبطلانها.فعزم بعد ذلك على تشييد معتقداته من جديد، وبنائها على أسس تستمدّ قوَّتها من الأدلة العقلية، لا توثّر فيها العواطف والأحاسيس، فالتحق بسفينة النجاة، سفية أهل بيت المصطفى علیهم السلام، وكان ذلك عام 1410ه- ( 1990م في مدينة الاسكندرية بمصر (1).)


1) المصتبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت، وله عدة مساهمات في موقع المركز.

## (58 محمّد سلیمان حامد)(وهابي / مصر)ولد عام 1381ه- ( 1962م في مدينة الاسكندرية في جمهورية مصر العربية، ومنذ الابتدائية نشأ نشأة متدينّة، يغلّفها الخوف من الموت.)خلال فترة نشاط الجماعات الإسلامية، ومنها: جمعية التبليغ والدعوة، وأُسلوبهم في الدعوة، وحضّ الناس على الخروج إلى مناطق من مصر واصفين الخروج بأنه خروج في سبيل الله تعلّق «محمّد» بهم وانخرط في صفوفهم، إلّا أنّه سرعان ما اكتشف قصورهم وضعفهم عن إقامة الحجّة في التناظر مع الآخرين.فى سنة 1402ه- تأثّر بالفكر الوهّابي من خلال جماعة التكفير والهجرة، وفي سنة 1407ه- اعتقل لاتّهامه باغتيالات، بقي إثرها تسعة أشهر قيد الاعتقال.بعد الافراج عنه سمع «محمّد» أنّ أحد أصدقائه، الذي كان سجيناً أيضاً قد تأثّر بالفكر الشيعي..فأُصيب بالحزن، لاعتقاده بكفر الشيعة، وهذا الشخص كان حافظاً للقرآن الكريم، وعالماً بالسُنن، ومجتهداً غاية الاجتهاد. نظراً للقرابة التي كانت تجمع «محمّد» بصديقه هذا كان يمرّ على أُسرته بين الحين والآخر، وذات يوم وجد في دار صديقه كتباً لفتت انتباهه، وهي كتابا «لأكون

مع الصادقين»، و«واسألوا أهل الذكر»، للدكتور التيجاني السماوي، وكتاب «المراجعات» للسيد شرف الدين، فقرأ الفهارس من باب الفضول، ليعرف السبب الذي جعل صديقه يعتنق التشيّع.التكتّم على الحقائق.. سيرة الحكّام:من خلال تتّبع «محمّد» للكتب الحديثة والتاريخية توصّل إلى حقيقة مفادها: أنّ الكثير من الحقائق قدّ تمّ التكتّم عليها، وإخفائها عن جمهور المسلمين، والعلّة في ذلك هي: أنّ المسلمين إذا اطّلعوا على هذه الحقائق فستتغيّر نظرتهم لكلّ ما كانوا يعتقدونه.فعندما نتكلّم عن تاريخ المسلمين مثلاً: معروف لدى كلّ المسلمين أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنمّا بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»، وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، ولكن من خلال متابعة سلوك الحكّام الذين تولّوا زمام الحكم في الأمّة، ويدعي الوهّابية أنّهم الأئمّة الاثنى عشر الهداة المهديّون، وبالخصوص: معاوية، كاتب الوحي وخال المؤمنين نجد أنّ هناك حرباً على الأخلاق، فإنّه كان يعمل عكس ذلك تماماً ؛ وقد أصدر مراسم من خلالها وجدت ثقافة السبّ والشتم، ثقافة الحقد والتهميش والتزوير، وحينما نجمع هذا كله يتبين مدى تأثير ذلك في ثقافة المسلمين اليوم.وهذه الثقافات قد استقرّت في بعض تيارات المسلمين، وخاصّة التيار السلفى المغالي ، المتمثّل بغلاة أهل الحديث الذين شغلهم الكلام عن العقيدة ونشرها، وما أشبه ذلك، فهذا التيار أخذ من ثقافة معاوية الشيء الكثير خاصّة في مسألة اللعن والدعاء على الآخر ، بُغضه والحكم عليه بالنار، فهؤلاء ينفرون عن المسلمين، بل عن كلّ من يختلف معهم، من المسلم وغيره..وهذا الفريق الذي ينفر من المسلمين الصالحين يكون قريباً من الظالمين، ومن

السياسة الظالمة، والعنف، فكل هذه المساوئ تجدهم قريبين منها ويدافعون عنها كما يدافعون عن معاوية، فغالباً ما لا تجد مغالياً تكفيرياً متهوّراً في الدماء والتكفير إلّا وهو يعظم معاوية! وهذا شيء عجيب ؛ لأنّ التدّين - إذا كان ما عندهم هو دين - يجب أن يكون الله، وأن لا يعظم ظالماً، أمّا أن نجد متديناً يعظّم الظالمين وينفر عن الصالحين، فهذه العجينة الغريبة هي عجينة معاوية الأولى، انتقلت من المنابر إلى المحدثين، وإلى بعض التيارات، وأثّرت فيها تأثيراً واضحاً.وقواعد هذه الثقافة مقبولة عند معظم السنّة ، مثل : عدالة الصحابة، روايات التجسيم روايات الجبر والتشبيه، وغير ذلك.وقد استعملت المساجد والمنابر منطلقاً لهذه السياسة في نشر ثقافة الحقد والكراهية، فلو أنّ معاوية كان يسب الإمام علي وأهل البيت علیهم السلام مثلاً في الأسواق أو المجالس، ويتجنّب المساجد ؛ لأنّها وجدت لذكر اسم الله سبحانه، لكن هناك توجه دقيق لمعاوية ؛ إذ سعى لأن يجعل هذا السب في المساجد وعلى المنابر وهو: أن يجعله جزءاً من الدين ؛ فالخطبة تبدأ وتنتهي بالسب والشتم، فإذا نسي الخطيب يذكرونه من زوايا المسجد السنّة، السنّة، ومعناها: أن لعن وسبّ وشتم الإمام علي علیه السلام هي السنة !إنّ استغلال المنابر والمساجد لسبّ و شتم آل النبي صلی الله علیه وآله وسلم مخالف لتعاليم الإسلام، والقرآن ينهى عن سب المسلم البسيط فكيف بالإمام علي علیه السلام ، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا (1)، وقال: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2)، ويصبح سبّ الإمام علي علیه السلام في كلّ المساجد على ألسن كلّ الخطباء شيء طبيعياً، وانتقاد أحد الطلقاء، أو المتأخّرين في إسلامهم)جريمة لا تغفر.


1) الحجرات (49): 12.

2) الحجرات (49) 11 .

وهذه هي نتيجة الفعل السياسي، فغالباً ما تكون العقائد السياسية غير معقولة ؛ ففي تراث أهل السنة إذا ظهرت عقيدة لا يستطيع أصحابها أن يبرّروها ولا أن يحلّوا تناقضها، فإنّ مبدأها غالباً ما يكون سياسياً، لا شرعياً ولا عقلياً، وذلك ك-: الاعتقاد بعدالة الصحابة ؛ فكلّ من يقول مثلاً بعدالة جميع الصحابة عند محاورته لا يستطيع أن يجيب ويستدل ؛ لأن العقيدة مبدأها سياسي، وليس لها أصل علمي.البحث والتحقيق حتّى الاستبصار :بعد أن اتّضحت لمحمّد الحقائق المسلّمة، ومدى التحريف الذي لحق بالحديث والتاريخ والعقائد الإسلامية، بسبب المصالح الشخصية الضيّقة، وثبت له أنّ مذهب أهل البيت علیهم السلام هو الوحيد الذي سلم من ذلك، قرّر اتباع الحق واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام.يقول «محمّد» عن الفترة التي تلت قراءة كتب التيجاني وكتاب المراجعات وحتّى الاستبصار ... وجدت أنّ الكثير من محتويات هذه الكتب الثلاثة مستق ومؤكّد ومولّق بالأدلة من المصادر السنّية بحكم قراءتي ومعلوماتي، فأردت بحث وتحقيق باقي المحتويات، فعكفت على ذلك، ومالم يكن موجوداً لديّ استعنت للحصول عليه بالتردّد على المكتبات الكبرى، وبعد ستّة أشهر كاملة لم أخبر خلالها أحداً بما يدور في عقلي ووجداني أنار الله بصيرتي بفضله وجوده معتنقاً مذهب آل بیت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، داخلاً باب حطّة، متعلّقاً بسفينة النجاة، ومستمسكاً بحبل الله والثقل الأصغر الذي قرنه الله تعالى بكتابه العزيز (1.)


1) المستبصر هو المدير التنفيذي لمركز علوم أهل البيت لا للدراسات الإنسانية في مصر، وله أنشطة عديدة في المجال الديني.

## (59 محمّد عصمت بكر)(ستي / مصر)تقدّمت ترجمته في هذه الموسوعة (3 387)، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.)إضافة إلى نشاطه العقائدي والتاريخي في ما يرتبط بمذاهب المسلمين كانت ل-«محمّد» عدّة بحوث في الخطاب القرآني، الذي تناول قصّة الصراع بين الأجيال الأولى لبني إسرائيل والمصريين في زمن فرعون، وقد جمعها في كتاب سماه: «جذور الفتنة، أجيال بني إسرائيل الأولى»، وطبع من قبل دار النمير عام 2008م.ويبحث «محمّد» في كتابه هذا عدّة مواضيع، منها:- تعريف مصطلحات الصهيونية، اليهودية وإسرائيل...- اللبس بين معنى اليهود وبين بني إسرائيل.- أحوال بني إسرائيل قبيل دخول مصر، وبعد دخولها.- بنو إسرائيل في الفترة ما بين النبيّين يوسف وموسى علیهما السلام.- صراع النبي موسى علیه السلام مع فرعون قبل النبوّة وبعدها.- الأيدي اليهودية في توجيه الأحداث.- اليهود بين الماضى والحاضر.

وقفة مع كتابه «جذور الفتن،أجيال بني إسرائيل الأولىيقوم «محمّد» في خاتمة كتابه بمقارنة ماضي اليهود وحاضرهم ؛ ليثبت بذلك أنّ سلوكهم وأخلاقهم في زماننا تُسق من تلك الشجرة التي فسدت جذورها، وساءت أصولها، ولا يمكن أن ننتظر منها ثماراً غير خبيثة.اليهود بين الماضي والحاضر:يقول «محمّد»: إنّ الدارس العارف بتاريخ اليهود يُدرك أنّ هؤلاء القوم يتّسمون بما يسمّى ب- «الثبات السلوكي» في جميع مراحل أجيالهم، وكأنّهم لا يتناسلون إلّا الشر، وكأنّ الشر داخل في تركيبة دمائهم ينتقل من جيل إلى جيل، فإذا تناولت جيلاً من جيلهم في أي زمان أو مكان فإنّه يتشابه كلّ التشابه مع الأجيال الأُخرى.فمن لم يعرف تاريخهم عليه أن ينظر إلى الحاصل منهم في الحاضر الملموس ليدرك أنّ الشر المتأصّل في نفوسهم لا يمكن أن يكون خُلقاً عارضاً، بل هو سلوك متوارث عبر أجيالهم الأولى، فيقف بجلاء على تاريخهم وإن لم يقرأ في كتاب أو يبحث في طيات التاريخ.ومن يعرف تاريخهم ويعرف أخلاق أجيالهم الأولى، لا يتعجّب أو يندهش

لسلوكهم وأخلاقهم الشريرة في زماننا الحاضر.فكلّ ما تفعله إسرائيل اليوم في المنطقة، وكلّ ما يفعله اليهود في كلّ الدنيا، من إشعال نيران الفتن والحروب في العالم، إنّما هو دين يدينون به، وسلوك وراثي انتقل إلى حاضرهم من ماضيهم، عن طريق التعاليم والوصايا التلمودية، التي يتناقلونها ويضفون عليها سمة القداسة والدين.وهذه الحقيقة الثابتة أتوجه بها إلى الشعوب الإسلامية عامّة والعربية خاصّة، والشعب المصري على وجه الخصوص، منبهاً على أنّ الحكومات من شأنها أن تجري اتّفاقات صلح مع الكيان الإسرائيلي ؛ لأنّ الاتّفاقات والمعاهدات تتعلّق بالقدرات على المواجهة مثل القدرة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو غيرها، مع جريان العادة على أنّ حكوماتنا لا تستفتي شعوبها في مثل هذه الأمور.ولكن الذي ليس من شأن الحكومات فرضه هو: ما أسموه ب- «التطبيع مع شعب إسرائيل»، فعلاقات الشعوب غير قابلة لأن تُملى أو تُفرض عليهم، سلباً كان أم إيجاباً، وبالخصوص تلك التي ضرب العداء بينهما جذوره في أعماق التاريخ.وأجزم أنّ العيب ليس في العرب أو المسلمين إطلاقاً ؛ فالمسلمون يتعايشون مع أصحاب الديانات الأخرى سواء كانت سماوية، كالمسيحية، أو حتّى غير سماوية، في سلام وإخاء، كلَّ يحفظ للآخر حقه وحرمته.إذاً ليس العيب فينا كعرب أو كمسلمين، وإنمّا المرض في نفوس بني إسرائيل خاصّة واليهود عامّة.ومن ثمّ لا شك في حماقة دعاة التطبيع وجهالتهم هذا إذا أحسنًا الظنّ بهم - لأن التطبيع يعني: إعادة العلاقات بين اليهود والمسلمين، أو بين العرب وبني إسرائيل، إلى طبيعتها، والسؤال: هل كانت تلك العلاقات في يوم من الأيام، من الأجيال الأولى حتى الآن، طبيعية؟

فإن كانوا لا يعلمون، فإنّي أدعوهم إلى النظر في التاريخ.. فإن قالوا: إنّ ما فات قدمات.أقول: ليت ما فات قد مات! فإنّ الواقع والحاصل منهم في الحاضر يؤكّد أنّ ما فات لم يمت بل بنت عليه إسرائيل عقيدتها وسلوكها، وسياستها ؛ فكيانها الاستعماري والتوسعي قائم على أساس الأساطير التي وضعها أجدادهم.وأمّا قولي للمثقفين الذين أفلست جعبتهم في مواجهة إسرائيل، ولم يبقَ لديهم سوى الفن ومثله، فهو: أن يتوجّهوا إلى دراسة الإسلام كثقافة، إن كانت كلمة الدين من المزعجات لهم، وأن يقوموا بدراسة القرآن كوثيقة تاريخية، إن كان إيمانهم بنزوله من الله ضعيفاً أو منعدماً.فالإسلام أقوى الوسائل في مواجهة الثقافة اليهودية، وهو الأقوى في كشف أساطيرهم التي أقاموا عليها كيانهم، والتي يستغلّونها في سياسة التوسّع والاستيطان، والتى من خلالها يتحدّون ويصولون ويجولون.وأمّا المعنيّون بالتراث الإسلامي، فإنّي أتوجه إليهم أن يعيدوا النظر في جزئيات التراث، فنقبل منه ما يصحّ، ونردّ ما لا يصحّ، وألّا نرفض كل وارد علينا من أفكار دون النظر والتأمّل فيها، وأتوجّه إليهم بإعادة قراءة النصّ القرآني بعيداً عن هيمنة الإسرائيليات.فإنّ مواجهة الثقافة الإسرائيلية واجب إسلامي، وواجب وطني على كلّ غيور، والتعاون والتكاتف بين المثقفين الوطنيين المحبّين لأوطانهم وبين المثقّفين الإسلاميين ضروري لكشف ومقاومة الفساد الإسرائيلي في مصر وغيرها من المجتمعات التي نالت منها اليد اليهودية عموماً والإسرائيلية خصوصاً، هذا التعاون المؤدّي إلى التكامل عامل مهم وأساس في نجاح التصدّي للتيار الإسرائيلي الذي يتغنى بالدعوة إلى التطبيع.

وما بين العرب والمسلمين وبين إسرائيل ليس محصوراً في الأرض التي اغتصبتها، بل ما بيننا أعمق من ذلك بكثير، فمسافة البعد بيننا وبينهم كمسافة البعد بين الحق والباطل، والظلم والعدل، والحرب والسلام.فقد عادت سيناء إلى مصر، فهل عادت المودّة بعودتها بين الطرفين؟ وهل دخل في قلب مصري صميم ذرّة من أمان أو حبّ ليهودي أو إسرائيلي؟ باستثناء أفراد دخلاء، عاشوا على أرض مصر ولم ينتموا يوماً إليها، اشترتهم إسرائيل أو ربّتهم، وهؤلاء ليسوا مصريّين بأي حال من الأحوال.وهل إذا عاد جنوب لبنان لأهله، أو عادت الجولان السورية، أو حتّى أرض فلسطين لأهلها ؛ هل يدخل قلب عربي الأمان لليهود؟ أو الاطمئنان لهم مثقال ذرّة؟لذلك على دعاة التطبيع مع إسرائيل أن يطلبوا منها أوّلاً: أن تتخلّى عن طبيعتها العدوانية الحاقدة، وأن تقتلع من أعماقها جذور الفتنة إن كانوا قادرين على ذلك.فمثلنا ومثل بني إسرائيل كالمرأة التي ربّت جرو ذئب وغذّته من لبن شاة لها، فلمّا كبر الذئب ونبتت أنيابه أكل أمّه، فقالت المرأة:بقرت شويهتي وفجعت قلبي ***وأنت لشاتنا ابن ربيب ***غذيت بدرها ونشأت معها ***فمن أنباك أن أباك ذيب ***إذا كان الطبع طباع سوء ***فلا أدب يفيد ولا أديبفهذه هي الحقيقة.. فكما أنّ الذئب ذئب فاليهودي يهود.فاليهود الذين حاربوا العرب في سنة : (1948، 1956، 1967، 1973 ولا زالوا يحاربون مع إسرائيل حتّى الآن كثير منهم كانوا مصريين أو سوريين أو يمنيين أو عراقيين، ورغم ذلك حاربوا العرب الذين عاشوا بينهم وترعرعوا في أحضانهم)

وكنفهم.ومن هنا أقول لدعاة التطبيع: إنّ إسرائيل هي إسرائيل، واليهود هم اليهود. ولا يمكن أن يكون هناك تطبيع حتّى يعود كلّ يهودي في فلسطين إلى وطنه الأصلي الذي جاء منه، ويتخلّى عن الأوهام التي صوّرها له دعاة الصهيونية وأصحاب المصالح في إسرائيل، ويعيش مع جيرانه كما كان يعيش... هذا هو التطبيع الصحيح إن أرادوا أن يعلموا (1.)


1) جذور الفتنة : 202 - 206. (بتصرف يسير).

## (60 محمود جابر)(حنبلي / مصر)![421-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/421_13.jpg "image title")ولد عام 1388ه- ( 1969م في مدينة الزقازيق - الشرقية في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أسرة سنيّة حنبلية المذهب.)واصل دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادة ليسانس الدراسات الإسلامية والأصول من جامعة الأزهر.كان «محمود» - ومنذ نعومة أضفاره محباً لقراءة المصادر التي تذكر المذاهب والفرق الاعتقادية، وتبيّن مبادئها، غير أن القراءة في الكتب المعروفة ك: «الفرق بين الفرق» و «مقالات الإسلاميين» و «العواصم من القواصم» و«الملل والنحل» لم تقنعه، وطالما كان يشعر أنّ ثمة خطأ عند هؤلاء وهؤلاء، ولهذا كان يجوب الكتب ليميّز فيها العقائد الصحيحة عن السقيمة.موسوعة الشيعة الاثني عشرية:أمّا عن عن مبدأ تعرفه على المذهب الشيعي الاثني عشري بالخصوص فيقول: «ذات ليلة أهدى لي صديق موسوعة عن الشيعة الاثني عشرية (الجعفرية لكاتب مصري الجنسية، سلفي المنهج (وهّابي)، يشغل منصب أكاديمي مرموق في كلّ من جامعتي الأزهر والخليج، وقد أهملت هذه الموسوعة وقتاً من الزمن، لعلمي المسبق)

بأنّ كلّ ما فيها هو اعتقادي، وأنّ ما يمكن أن أستفيده هو أسلوب العرض وطريقة التناول، وحتّى هذه المساحات الفكرية والعقائدية لم أكن مهتماً بها في ذلك الحين ؛ لانشغالي في إتمام بحثي عن الحركات الإسلامية في مصر والوطن العربي، وكنت حريصاً على إتمام دراسة تتناول هذا الخصوص.غير أنّي ذات ليلة بدأت أتصفّح الكتاب وأجوب أجزاءه إلى نهايتها، وخرجت بملحوظة أوّلية، وهي أنّ الكتاب غير مكتمل البحث، وأنّ الكاتب غير ممتلك لأدوات البحث العلمي في هذه الموسوعة، وأنّه يفتقد لأهم ما يجب أن يتحلّى به الكاتب أو المؤرّخ وهو الحياد العلمي، غير أنّي وحتى أعطي الرجل حقه من الأستاذية أعدت قراءة الموسوعة بشيء من الأناة والتريّث، فربما تكون ملحوظتي السابقة خطاً، ولكنّى في النهاية خرجت بالآتي:- عدم اتّفاق المقدّمات مع النتائج غالباً.- تأويل النص المقتبس بما لا يحتمله، وبما يخرجه من حدود التأويل.- إعلان النتائج قبل إثارة القضية، وقبل أن يوضح الأسباب، وكأنّه سوف يأتي بالنتائج مهما كانت الأسباب(!!.)إن الكاتب يناقش هذه الموضوعات دون رفق، ودون التحلي بروح الأخوة والحرص على وحدة الأمّة، فالرجل يخرجهم من الملّة تارة، ويجعلهم شراً من اليهود أخرى، وأصحاب حقد على أهل التوحيد، وهلمّ جرّاً إلى نهاية الكتاب.ومن هنا استمر «محمود» في بحثه لهذا الموضوع أياماً وشهوراً وسنين إلى أن وفّقه الله لقراءة كتاب المراجعات وكتاب الوحدة الإسلامية لآية الله السيد محمّد باقر الحكيم، ليعلن في نهاية المطاف عن استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت علیهم السلام وكان ذلك عام 1420ه- ( 2000م في جمهورية مصر العربية.)وتصدّى «محمود» لعدّة مسؤوليات وله عدة نشاطات في مختلف المجالات،

منها : أنّه:عضو أمانه مجلس آل البيت علیهم السلام، عضو الأمانة العامة لمساندة المقاومة الإسلامية في لبنان، المنسّق العام في اللجنة الشرقية، مدير المنتدى الفكري بمركز يافا للدراسات، ومدير مركز النور للدراسات الإنمائية في القاهرة.المؤلّفات:1- الشيعة الجذور والبذور»:صدر عن «مركز الأبحاث العقائدية» ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين، العدد 26.يخاطب المؤلّف في مقدّمة الكتاب القارئ، فيقول عن موضوع الكتاب:- قد يقفز إلى الأذهان من العنوان أنّه يبحث في كل بذور وجذور التشيّع، ولكن أبعد القارئ عن هذا التصوّر ، وأقول: إنّني لم أستوعب كلّ ما للتشيّع من جذور وخصائص في هذا الكتاب، وإنمّا تعرّضت لإيضاح أمور أعتقد أنّها غائبة عن معظم مسلمي مصر والأقطار الإسلامية السنيّة المغلقة، ويرجع ذلك لما يشوب العلاقات السياسية بين هذه الدول وإيران من كدر، وما اختزلته الذاكرة العامّة لتاريخ الصراع السياسي بين السنة والشيعة.- بيد أن هذه الدراسة لم تكن الوحيدة التي تتناول موضوع الشيعة من حيث الأصول، بل هناك كتابات سابقة كثيرة أكثر عمقاً وأكثر استيعاباً للموضوعات المختلفة، ولكنّي أتصوّر أننى عالجت هذا الموضوع بأسُلوب أكثر اختلافاً عن الأنماط الأخرى ظنّاً منّي أنه أقرب الأساليب إلى القارئ.- سيجد القارئ في صفحات هذا الكتاب بعض الآلام التي خلفّتها جروح الماضي، والتي مازالت لم تلتئم بعد، ولذلك أرجو منك عزيزي القارئ عدم التشنّج ؛ وذلك لأنّ الجروح عادة ما يتبعها الآلام، ولكن بشيء من الصبر والعلاج قد تشفى

الجروح بإذن الله.- قد يقول قائل: لماذا تصر على السير في مثل هذه الدروب التي لا تجني منها غير الآلام، وليس منها فائدة إلّا اجترار الماضي دون علاج؟ وأقول: إنّ انهزاميّتنا وخوفنا من نكت تلك الجروح هي التي جعلتنا نتأخّر ويتقدّم غيرنا، فهل عسانا نفيق لتعود أمتّنا كما أرادها ربنا «خير أمّة أخرجت للناس»؟!- ممّا يهوّن الخطب أنّ مواطن الخلاف بين المسلمين أقل بكثير من مواطن الوفاق، رغم محاولات البعض أن يجعلها أكثر بحيث تصل إلى التباين، ولكن بشيء من التروي والتأمّل ترتدّ هذه الأمور إلى نصابها، ونعرف أنّ اختلاف الفرق الإسلامية لابدّ أن يكون في دائرة الفكر، وأن لا ينسحب إلى ما وراء ذلك ليصل إلى الشقاق والتناحر ، وأنّ وحدة الأمّة و ائتلافها أصل أصيل من أصول الإسلام، ولا يجب أن ينقض هذا الأصل بمسائل اجتهادية وظنّية ؛ لأنا بذلك نخالف صريح الدين.- إنّ الواجب يحتّم على علمائنا خاصة، وعلى أصحاب الفكر وأرباب الأقلام عامة أن لا يتّخذوا من العلم ستاراً للغيبة والنميمة، وأكل أعراض إخوانهم بالباطل، فالله ارتضى للمسلمين ،الوحدة، والرسول يشبّه المسلمين بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فعلينا أن نبتعد عن الرعونة والاندفاع، وهذا أخلق بنا.- كل ما أرجوه منك أيّها القارئ الكريم أن لا يتبادر إلى ذهنك أنّني أدعو الفرقة بعينها، أو أذمّ فرقة دون غيرها ، فهذا ما لا أقصده، وأعتبره مصادرة على فكر الكتاب وموضوعه، ولكن ما قصدت إلّا قرع الفكر بفكر مثله، فإن تظن أنّك أنت وقومك الناجون، فهناك من يدّعي ذلك، وهذه أدلّتهم من كتاب الله وسنّة رسوله.2- من هم الشيعة»: وهو كتاب صغير بحجم كف اليد وضعه المؤلّف لعموم الناس من أجل تبيين

مبادئ المذهب الشيعي الاثنى عشري بصورة مبسّطة.«أهل البيت علیهم السلام مقامهم ومنهجهم:وقد ألّفه كلّ من محمود جابر وأحمد عبد الرحيم ضمن سلسلة «أهل البيت علیهم السلام» الكتاب الأول، وطبعته للمرّة الأولى مطبعة ماستر للطباعة والنشر بالزقازيق عام 2008م.ويحتوي الكتاب على عدّة مواضيع مهمّة، منها:- أهل البيت علیهم السلام في القرآن والسنة.- أئمّة أهل البيت علیهم السلام الرواة عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.- منهج أهل البيت علیهم السلام في تربية أصحابهم.- الدور السياسي لأهل البيت علیهم السلام ومنهجهم. أهل البيت والفرق الضالة.4 «معالم التقريب بين المذاهب سبيل الوحدة الإسلامية»:هو الآخر ألفه محمود جابر وأحمد عبد الرحيم السايح، ضمن سلسلة«التقريب بين المذاهب الإسلامية»، الكتاب الأول، وقام بنشره مركز النور للأبحاثوالدراسات والنشر عام 2008م.ويتألّف الكتاب من مدخل عام وأربعة فصول:الفصل الأوّل: الوعي بمفهوم الإنسان في الإسلام.الفصل الثاني: الوعي بمفهوم الأخوّة الإسلامية.الفصل الثالث: الوعي بمفهوم العقلانية.الفصل الرابع الوعي بمدارس الفكر الإسلامي.5 - «دراسات حول الإمام السّجاد علیه السلام»: تحت الطبع.

6- «إنّه حزب الله»:وهو يبيّن قصة النشأة والصمود والانتصار، طبعه مركز يافا للدراسات في القاهرة عام 2002م.7 -«حزب الله والحرب التاسعة على لبنان»:هو الآخر تولّى طبعه مركز يافا للدراسات في القاهرة عام 2006م.8 و 9- «ماذا يريد الأخوان المسلمون في مصر»، و«الأخوان المسلمون يغتالون إمامهم»:طبعتهما دار عروة للطباعة والنشر في القاهرة عام 2004 و 2005م.10 و 11 و 12 - «الأبعاد السياسية لتدويل المقدّسات الإسلامية في مكّة والمدينة»، «القنوات الأمريكية في العربية السعودية»، «دراسة في العلاقات السعودية الأمريكية من تقديس النفط إلى امتهان المقدّسات»:وقد قام بطبع هذه الكتب الثلاثة مركز المقدّسات للنشر في بيروت - لبنان.13 و 14 - «الأُممية الوهابية وتخريب الإسلام (دور العربية السعودية في ضرب الاستقرار والأمن في شمال أفريقيا»، و«الوهّابية وإعادة إنتاج الاستبداد»:وقد تولّى طبعهما مركز حجازنا للدراسات في الدار البيضاء.15 - «إشكالية السقوط والانفتاح»:وهي عبارة عن دراسة في نموذج الدولة الفاطمية في مصر، وقام بطبعه مركز يافا للدراسات في القاهرة عام 2007م.16 - تحيق كتاب «شرح حديث الثقلين» للشيخ محمّد الوشنوي.

وقفة مع كتابه «الشيعة الجذور والبذوريتناول الكتاب في فصله الأوّل دراسة مسألة الخلافة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، بين حقيقة النص ونظرية الشورى. ويشير في الفصل الثاني إلى تعريف التشيّع ونشأته، والجغرافيا السياسية، والأصول العقدية لمذهب أهل البيت علیهم السلام . ويقدّم في الفصل الثالث دراسة عن عبد الله بن سبأ.الخلافة بين حقيقة النص ونظرية الشورى:يقول المؤلّف: بعد وفاة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بدأت الأمّة مرحلة أخرى من التمايز الخلقي الذي جعل فئة من الأمّة تتباعد رويداً رويداً، غير أن الإسلام يتّسع لكلّ هؤلاء على اختلافهم وتمايزهم.وبرحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ينظرون في أمر الأُمّة، ولمن تؤول قيادة الأمّة، حتّى أصبح أبو بكر خليفة، وكان هذا موضع خلاف، وفيه ثلاثة آراء:الرأي الأوّل: أنّ النبي استخلف أبا بكر بالنص الخفي أو الجليّ..ومن ذلك: ما روي عن جبير بن مطعم، قال: أتت امرأة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، فأمرها أن

ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنّها تقول: الموت. قال صلی الله علیه وآله وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر (1.)وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتّى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر (2.)وفي رواية: فلا يطمع في هذا الأمر طامع (3.)وفي رواية: قال: ادع لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه بعدي، ثمّ قال: دعيه! معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر (4.)وروي عن ابن أبي مليكة، قال: سمعت عائشة وسئلت من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلف (5.)والظاهر - والله أعلم - أنّ المراد: أنّه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهداً لكتبه لأبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه وقال يأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر.فكان هذا أبلغ من مجرد العهد فإنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم دلّ المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور ،متعدّدة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهداً، ثمّ علم أنّ المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثمّ عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثمّ لمّا حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتّباعه؟ ترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر.


1) راجع: صحيح البخاري 4: 191.

2) صحیح مسلم 7: 110.

3) كتاب السنة لابن أبي عاصم: 535.

4) مسند أبي داود: 210.

5) فضائل الصحابة للنسائي: 30.

فلو كان التعيين ممّا يشتبه على الأمّة لبيّنه بياناً قاطعاً للعذر، لكن لمّا دلّهم دلالات متعدّدة على أنّ أبا بكر المتعيّن، وفهموا ذلك، حصل المقصود.الثاني: أنّ النبي صلی لله علیه وآله وسلم نص على خلافة عليّ بن أبي طالب بالنص الصريح الواضح المتواتر في أكثر من موضع..منها: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى (خمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد، ألّا أيّها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتى رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله.. ثمّ قال: وأهل بيتي»(1).)الثالث: الشورى العامّة وعدم الاستخلاف، وأنّ الأمر شورى بين المسلمين..ذهب إلى ذلك جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية، وأنّ خلافة أبي بكر ثبتت بالاختيار، وكذا ذهبت عائشة، واستدل بعضهم: بطلب سعد بن عبادة البيعة لنفسه، وكذلك الحباب بن المنذر ، حينما تقدّما كّلا منها لطلب البيعة والخلافة في السقيفة.واحتج الذين قالوا: لم يستخلف، بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر، عن عمر أنّه قال: إني إن لا أستخلف فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف.. قال عبد الله : فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مستخلف (2.)ولكن الشيعة رفضوا القول بالشورى وعدم الاستخلاف، وذهبوا إلى:أ أنّ النبي كان إذا أراد الذهاب في سفر لا يترك المدينة دون خليفة عليها ولو كان سفره يوماً واحداً، فكيف يترك أمر الناس بعده دون راع؟!)


1) صحیح مسلم 7: 122 .

2) راجع: مسند أحمد 1: 47.

ب من الثابت أنّ الشريعة الإسلامية تفرض الوصية على المسلم حتّى في بعض الميراث البسيط ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (1). فكيف يترك الرسول صلی الله علیه وآله وسلم هذا الأمر بدون أن يوصي به والحال أنّ استقرار الأمّة متوقّف على ذلك، وبدون ذلك يؤول الأمر إلى تنازع؟!)يقول ابن حجر الهيتمي في «الصواعق المحرقة»: إنّ حديث الغدير صحيح لا مرية فيه، وطرقه كثيرة جداً، ومن ثمّ رواه ستّة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد: أنّه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي لمّا نوزع أيام خلافته، وكثير من أسانيده صحاح وحسان، ولا يلتفت لمن قدح في صحّته، ولا لمن ردّه (2.)وفي الخصائص للنسائي: عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع، ونزل في غدير خُمّ أمر بدوحات فقمن، ثم قال: صلی الله علیه وآله وسلم : «كأنّي دعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها؟ فإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. ثمّ قال: إن الله مولاي وأنّا ولي كل مؤمن. ثمّ أخذ بيد على فقال: من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلّا ورآه بعينه وسمعه بأذنيه (3.)وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم: عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات قممن، فقال: «كأنّي دعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها ؟ فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي


1) البقرة (2): 180 .

2) راجع الصواعق المحرقة: 42.

3) خصائص أمير المؤمني 93.

الحوض. ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا ولي كل مؤمن. ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت وليّه ، فهذا وليّه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه».يقول الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله (1.)وفي كنز العمّال للمتّقي الهندي: «إنّ الله مولاي وأنا وليّ كل مؤمن، من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»(2. وأخرج هذا الحديث عن: جابر، وأبي سعيد، وابن عباس وزيد بن أرقم، وأبي هريرة.)ويقول الشهرستاني في «الملل والنحل» ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (3)، فلما وصل غدير خُمّ أمر بالدوحات فقمن، ونادوا: الصلاة جامعة، ثمّ قال عليه الصلاة والسلام وهو على الرحال: «مَن كنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا هل بلّغت؟ ثلاثاً» (4).)إن حديث الغدير من الأحاديث المتواترة، وقد رُوي من قبل الصحابة والتابعين وعلماء الحديث في كلّ قرن بصورة متواترة، فقد نقل حديث الغدير ورواه (110 من الصحابة، و (89) من التابعين، و (3500) من العلماء والمحدّثين، وفي ضوء هذا التواتر لا يبق مجال للشاك في أصالة وصحة هذا الحديث، كما أن فريقاً من العلماء الفواكتباً مستقلّة في حديث الغدير.)وتأسيساً على ما سبق، نسوق تلك المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس:


1) المستدرك على الصحيحين 3 :109 .

2) كنز العمال 1 :187 .

3) المائدة (5): 67.

4) الملل والنحل 1: 163 .

كان الخليفة الثاني يأنس بابن عباس ويميل إليه كثيراً، فقال له يوماً: يا عبد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفس عليّ شيء من الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت: نعم. فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذروة من قول لا تثبت حجّة ولا تقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح ،باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه، فأمسك (1.)وما جاء في البخاري والطبقات : أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرضه الأخير: «علَيَّ بدواة وكتف، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً». فقال عمر: إنّه يهجر، وقد غلب عليه الوجع (2.)وفي النهاية لابن الأثير في مادة «هجر» (3(4).)


1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12 : 20 - 21.

2) راجع: صحيح البخاري : 9 ، الطبقات الكبرى 2: 243.

3) راجع: النهاية في غريب الحديث والأثر 246:5.

4) مقتطفات من كتاب «الشيعة الجذور والبذور»: 19 - 26. (بتصرف يسير).

## (61 معروف عبد المجيد)(شافعي / مصر)![433-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/433_13.jpg "image title")تمت الإشارة إلى ترجمته في هذه الموسوعة (3 479)، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً.)نظراً للذوق الأدبي الرفيع تمكّن «معروف» من إيصال الفكر الشيعي إلى مختلف الفئات بإبداعه أشعاراً خالدة في قيم ومبادئ الدين الإسلامي والمذهب الشيعي، وقد تمّت الإشارة إلى بعض مؤلّفاته في ترجمته السابقة الذكر، له مجموعة شعرية أخرى تم طبعها من قبل «مركز الأبحاث العقائدية» عام 1431ه- ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين - العدد 37، وعنوانها: «يكاد زيتها يضيء»

وقفة مع كتابه « يكاد زيتها يضيء»إنّ للشعر أهميّة خطيرة منذ صدر الإسلام وحتّى قبله فهو والسيف توأمان لن يفترقا، وأنّ كلّ واحد منهما يكمل الآخر.وقد شهد تاريخنا المعاصر شعراء رساليين، سخّروا أقلامهم الأدبية للدفاع عن الحقّ، فرفدوا الأمّة بقصائد رائعة هزت الأمة في أعماقها، وأفاقتها من سباتها العميق.ويعدّ هذا الديوان مصداقاً حياً لهذا الشعر العقائدي الهادف، حيث يضمّ بين دفتّيه عشرين قصيدة، تدور في فلك الولاء للرسول الأكرم وأهل البيت علیهم السلام، ففى قصيدته «بيارق المولد» التي أنشدها بمناسبة مولد رسول الإنسانية صلی الله علیه وآله وسلم يقول:هبّ النسيم وغرّد الطير*** وتمايل الريحان والزهر*** و تلالُ مكة هلّلت فرحاً*** وأتى الربيع وأمرع القفرُ*** والكعبة العصماء في طرب*** ومقام إبراهيم.. والحجرُ*** وولدت محفوفاً بمعجزة *** سحرت بها الدنيا.. ولا سحْرُ یا بدر داجية سطعت بها نوراً أضاء بنوره البدرُ*** أنشدت لحناً.. ما أجيمله*** ختمت به الأنشود(1الطُّهرُ)


1) كذا في المطبوع، ولعلّها: الأنشودة.

لمّا بدا وجه النبي، بدا*** فجرٌ تعشّق حسنه الفجرُ*** یا حمد هاشم يا محمّدها*** تسموا الفروع ويثبُت الجذرُ یا مجدها الغالي وسؤددها تغلو العروق ويرخص التبرُ یا درّها المكنون في صدفٍ لا المدّ يبلغه ولا الجزرُيا ليلها الساري وعشرتها یافجرها والشفع والوترُ*** يا أشرف الماضين من رُسُلِ صلى عليكم المنعم البرُّ لولاك موسى ما رأى قَبْساً ولما تفجر بالعصا الصخرُ ولما نجا ذو النون من ظُلَمٍ*** ولما أقام الحائط الخضرُ*** ولما بنی نوح سفينته ولما استوت وأقلَّها البرَّولما ارتضى أيوبُ محنته*** حتّى اشتكى من صبره الصبرُ*** ولَما أتى عيسى بمائدةٍ*** وإلى الخليل لما سعى الطيرُ*** ولما هوى الإيوان منهدماً*** وأصاب كسرى فارس اذُّعرُ***ولما غدت للعرب منقبةً في العالمين، وما علا ذكرُ يا سيّد الكونين من مضرٍٍ منكم وفيكم ينتهي الفخرُ طاب المديح وكلّما هدرت*** لي مدحة يتماوج البحرُ*** وتشعشع الأبيات زاهيةً*** وكأنهنّ الأنجم الزُّهرُ لكنّني في المدح أحْسِبُها صفراً أتى من بعده صفرُ*** إن كنتُ لم أحسن مديحكُمُ يا سيدي فإليكم العذرُ شعري إليك جعلته سبباً*** إن كان يشفع عندك الشعرُ*** ووسيلتي للوصل قافيةٌ*** فعسى الغياب يهون والهجرُ*** وطفقت أكتب من دمي ورقاً*** ولطالما ألقاه يخضر

إنِّي عشقتك والهوى قدري*** أُصلى به ويذيبني الجمرُ*** واستعذبت نفسي جهنّمه*** وحلى لها طعم له مرُّ*** يا دوحةً للعش ورافةً*** يا روح یا ریحانُ یا عطرُ*** لي في الهوى المشبوب سابقة*** قد عشتها وخليقتي ذرُّ*** فلبثت في سجن الهوى أمداً وأنا الخبير بأنني حرُّ وسكرتُ من حي ومابرحت غيبوبتي صحواً هو السكر وعشقت آل محمّد فدنت*** منّي السماء وأُرخي السّترُ*** وعُذلت في عشى فقلت أما*** والله إنّ ولاءهم برُّ*** (إلّا المودة آية نزلت*** وفريضة وصَّى بها الذكرُ*** ما زلت أذكر وجه فاطمةٍ*** فَرِحت به واستبشرت مصرُ*** ومزار زينب بعد أن خَبَرت کرباً أقلُّ بلائه الأسرُ وإلى الحسين مواكب وفدت*** يفدى الحسين وذلك القبرُ*** حب الحسين سلافة زخرت*** كأسي بها.. يا ح-بّذا الخمر*** عاقرتها وسهرت أدمنها*** نذراً على، ووُفِّي النذر*** وخَشِیت أسلوها فيهتكني ذنبي، ويثقل كاهلي الوزر وأبيتُ أُنكرها، فينكرني*** ربّ المدامة، إن ذا نُكْرُ وإذا أتى شهرالطفوف أتى فصل الحتوف، وضوعف الأجرُ*** وذهبت أسلك في الهوى طرقاً*** فلها اهتديت، وضلّها الغيرُ*** ووقفت عند العرش منتشياً فوقي السديم وتحتي الغَمْرُ والجنّة الفيحاء مملكتي وبكلّ ربع لي بها قصرُّ والحور شماري، وجوقتنا ***البلبل الغريد والقمر)

وسئلت: شيعي؟ فقلت: بلى*** إنّ التقيّة عندي الجهرُ..!*** آل الني وسيلتي وكفى*** والسرّ في سرّ الهوى سرُّ !*** أنا طينتي من فضل طينتهم*** فهمّ الندى وكأنني القطرُ*** أنّى حللتُ فرسمهم ثقةً*** ومتى ذَكَرْتُ فاسمهم ذكرُ*** يا عاذلي في حبّهم حسداً*** مت حسرةً، والموعد الحشرُ*** یا لیلةً ولد النبي بها*** في لحظتيكِ تلخص العمرُ*** سبحت قوارب بهجتي، وجرت*** جندولتي، وتراقص النهرُ*** ولمحت أضواء على جُزر*** غفو على أكتافها ثغرُ*** وعلى المدى تنساب أغنيةٌ*** لم يستمع لمثيلها الدهرُ*** وافترت الآفاق عن قمرٍ*** متبسّم، ثنتانه الدرُّ***فتوضّأت بالنور آمنةٌ حتى غدت وكأنها بكرُ ومشت على هون بما حملت وأمامها تترقرق الغُدْرُيا خير من ولدوا ومن ولدوا*** بشراكا، قد أقبل الخيرُ*** بادت عهود الجهل، واندثرت*** حقب الظلام، وأدبر الكفرُ*** ومضت مراكبنا يزيّنها*** غار الحضارة وابتدى السيرُ حتّى فتحنا الأرض قاطبةً يحدو قوافل رَكْبنا النصرُ*** مَدَنيّة أرسى قواعدها*** وحي السماء واشادها الفكرُ*** و تصافحت مدن وقد بَعُدت وامتدّ بين ضفافها جسرُ یا ليلة شرُفت بمولده*** وكأنها - في مذهبي - القدرُ*** أنا مذ رأيت جمال طلعته*** وعلى يديه حمائم خُضرُ*** نالت سهام العشق من كبدي*** ثمّ انتهيت، وما انتهى الأمر !(1)


1) يكاد زيتها يضيء: 81 - 88 .

## (62 نصر مصطفى أبو شوشة)(وهّابي ثمّ صوفي / مصر)ولد عام 1383ه- ( 1964م في مدينة الاسكندرية في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أُسرة سنّية المذهب، واصل «نصر» دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادتي بكالوريوس فى العلوم والفلسفة.)في المجال الاعتقادي تأثَّر بعد بلوغه مرحلة الرشد الفكري بالوهّابيَة والفكر السلفي، ثمّ مال إلى الصوفية، ولكنّه بمطالعة كتب كلا الفريقين وأفكارهم صدم، فقرّر الاستمرار في البحث والتحقيق.وبعد فترة قاربت العشرين سنة من الحيرة والبحث في مختلف المصادر والرؤى توصل «نصر» إلى الحقّ، إلى مذهب أهل البيت علیهم السلام، فاتبعه وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها (1.)سؤال موجّه للمركز والإجابة عليه:بعد مرحلة الاستبصار واجه «نصر» بعض المصاعب في إيصال الفكر الشيعي الاثني عشري إلى أهله وأقاربه، ذلك أنّه كان يرى أنّ أقاربه لا يقتنعون بالحديث


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فه كيفية استبصاره، والمراسلات التي قام بها مع المركز.

الشريف إلّا إذا كان مرويّاً عن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم فلا يستندون إلى ما روي عن العترة الطاهرة أهل البيت علیهم السلام، إثر ذلك وجه «نصر» رسالة إلى «مركز الأبحاث العقائدية» عبر موقعه على الإنترنيت طالباً منهم إرشاده إلى مصدر شيعي تجمع فيه الأحاديث المرويّة عن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم مباشرة.فأجاب قسم الإجابة على الأسئلة العقائدية في المركز على هذا السؤال بأنّ الاستناد إلى الأحاديث المروية عن أهل البيت علیهم السلام ممّا لا محيص عنه وفق مباني المسلمين على اختلاف مشاربهم، فقال:تتّضح الإجابة على سؤالكم من خلال ملاحظة الأُمور التالية:1 - إنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام خلفاء النبي، وأوصياؤه في أُمته، كما دلّت على ذلك جملة من النصوص الصحيحة، من أهمها حديث الثقلين:أخرج الترمذي: بسنده إلى أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم ، قالا: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهم لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم ن الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيها»(1.)وقد جاء هذا الحديث بألفاظ وصيغ مختلفة بعضها بلفظ: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّها لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض» (2.)ولا كلام ولا نقاش في صحة الحديث بعد أن صححه أكابر علماء أهل السنّة، بل مع وروده في صحيح مسلم (3بصيغة تختلف قليلاً عن غيرها، ومن العلماء الذين صححوا حديث الثقلين:)


1) سنن الترمذي 5: 329.

2) مسند أحمد 5: 182.

3) صحیح مسلم 7: 123.

1- الحافظ الذهبي (1.)2- الحافظ البوصيري (2.)3- الشيخ الألباني(3.)4_ الحافظ الهيثمي (4.)فهذه إشارات مختصرة جداً إلى تصحيح العلماء لحديث الثقلين، ولو أردنا أن نذكر تصحيحاتهم على الطرق المختلفة للحديث لطال بنا المقام، وكذا اقتصرنا على هؤلاء لأنّ فيهم غنى وكفاية.وبعد إثبات صحّة صدور الحديث عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم نقل الكلام إلى دلالته، فهو صريح في وجوب التمسّك بالعترة والاستقاء منهم وأنّ ذلك منج من الضلال والهلكة وموجب للهداية الحقة. صرّح بذلك أيضاً بعض علماء أهل السنة:قال الملا علىّ القاري:( والمراد بالأخذ بهم: التمسّك بمحبّتهم، ومحافظة حرمتهم، والعمل برواياتهم، والاعتماد على مقالتهم... (5).)ونقل الملا عن بعضهم قال: ( ومعنى التمسّك بالعترة: محبّتهم والاهتداء بهديهم وسيرتهم (6).)وقال المناوي في تعليقه على الحديث بعد فقرة: (حتّى يردا عليّ الحوض: أي: الكوثر يوم القيامة، زاد في رواية: كهاتين - وأشار بإصبعيه - وفي هذا مع قوله أوّلاً: إنّي تارك فيكم تلويح بل تصريح بأنّهما كتوأمين خلفها ووضى أمّته بحسن)


1) البداية والنهاية 5: 228 .

2) إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري 9: 279 .

3) صحيح الجامع الصغير 1 482.

4) مجمع الزوائد 1: 170.

5) نقله عنه المباركفوري في تحف الأحوذي 196:10.

6) نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي 196:10.

معاملتها، وإيثار حقّهما على أنفسهم (1، واستمساك بهما في الدين (2).)إذا فكلّ ما يصدر من أهل البيت علیهم السلام هو حجّة شرعية يجب الأخذ به، والعمل على وفقه، طبقاً لتعاليم النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومقتضى الأخذ بوصاياه، فالطريق السليم في المحافظة على سنة النبي هو : التمسّك بوصيتّه، وقد نصّت على التمسّك بأهل البيت، وأنّ الضلال والانحراف في ترك ذلك.وفي هذا دلالة واضحة على أنّ كل أقوال أهل البيت علیهم السلام وأفعالهم مطابقة للشريعة، وهي تمثّل أقوال النبي صلی الله علیه وآله وسلم باعتبار أنّ كلّ كلامه وأفعاله تمثّل الشريعة الغرّاء بكلّ تفاصيلها، فما يصدر من أهل البيت إنمّا هو من ذلك المنبع الأصيل.وقد أشار إلى ذلك العلامة القاري في «المرقاة» ؛ إذ قال: في إطلاقه (أي: عدم تقييد التمسّك بهم في أمر دون آخر إشعار بأنّ من يكون من عترته في الحقيقة لا يكون هديه وسيرته إلّا مطابقاً للشريعة والطريقة (3).)فاتّضح إذا أنّ كلّ ما يصدر من أهل البيت علیهم السلام هو في الحقيقة يمثّل السنّة النبوية المباركة، ولم يأتوا بشيء جديد من عندهم، بل ورثوا تلك العلوم الإلهية وبيّتوها للناس، وحفظو اسنة النبي صلی الله علیه وآله وسلم من الضياع، فكلّ ما ورد عن أهل البيت علیهم السلام هو إنّما ورد عن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وما صح في كتبنا عن أهل البيت علیهم السلام يمثل في واقعه كلام الرسول الأكرم صلى الله علیه وآله وسلم.أضف إلى ذلك : إنّ مقتضى الوصيّة بالتمسّك بأناس معينّين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُفضي بصورة طبيعية إلى كثرة تراث هؤلاء الناس عند من يعمل بتلك الوصيّة، وهذا شيء عرفي واضح، ألا تلاحظ لو أنّ عالماً من العلماء، أو زعياً معيّناً، أوصى بأخذ آرائه من جماعة معيّنة، فإنّ تراث تلك الجماعة سيكثر عند من يلتزم بتلك


1) في المصدر : أنفسهما.

2) فيض القدير للمناوي 3: 20 .

3) مرقاة المفاتيح 307:11 .

الوصية ؛ لأنّهم لا يرون بضرورة الوصول إلى ذلك الزعيم والعالم بعد أن ثبت لهم أنّه أوصى بأخذ آرائه وأفكاره من أشخاص معينيّن ؛ لأنّ هذه الآراء تمثّل في الحقيقة آرائه وأفكاره، خصوصاً عند ملاحظة الأجواء والظروف والملابسات التي سنتعرض لها في النقطة الثالثة.2 -بعد أن ثبت وجوب التمسّك بأهل البيت علیهم السلام، وأنّ ذلك وصيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمّته، نرى ماذا بيّن أهل البيت فيما نحن فيه، فقد وردت روايات متضافرة عنهم تصرّح بكل وضوح أن جميع ما عندهم هو من النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ، وأنّهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم، وأن كل أحاديثهم مسندة ومنتهية إلى النبي الكريم صلی الله علیه وآله وسلم ، وهذه الروايات، على تضافر أسانيدها وكثرة طرقها، فيها الصحيح والمعتبر ولله الحمد، ولذا سوف لا نخوض في مناقشة الأسانيد توخّياً للاختصار.وسنقتصر في المقام على ذكر نماذج من تلك الروايات ليتّضح الحال، ليس إلّا:أ في الكافي بسنده عن قتيبة، قال: سأل رجل أبا عبد الله (الصادق علیه السلام ) عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا، ما يكون القول فيها؟)فقال له: مه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، لسنا من أرأيت في شيء (1.)ب في بصائر الدرجات: بسنده عن الفضيل بن اليسار عن أبي جعفر ( الباقر علیه السلام )، أنّه قال : لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكن حدّثنا ببيّتة من ربنا بيّنها لنبيّه فبيّنها لنا (2).)ج في البصائر، أيضاً بسنده عن داود بن يزيد الأحول عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: سمعته يقول: إنّا لو كنا نفتي الناس برأينا وهو انا لكنَا من الهالكين، ولكنّها آثار)


1) الكافي 1: 58.

2) بصائر الدرجات، للصفار: 319 .

من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، أصل علم نتوارثها كابر عن كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم (1.)د في الكافي: بسنده إلى هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره، قالوا: سمعنا أبا عبد الله علیه السلام يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين علیه السلام ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وحدیث رسول الله قول الله عزّ وجلّ (2).)ه في البصائر : بسنده إلى جابر ، قال أبو جعفر علیه السلام: يا جابر، والله لو كنّا نحدّث الناس، أو حدّثناهم، برأينا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثهم بآثار عندنا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، يتوارثها كابر عن كابر ، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم (3).)فاتّضح أنّ جميع أحاديث أهل البيت علیهم السلام هي في الحقيقة أحاديث للنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وليست شيئاً آخر.3-إنّ الوضع السياسي الضاغط على أهل البيت علیهم السلام وعلى أتباعهم أدّى إلى ضياع كثير من التراث، فضلاً عن أنه أدّى إلى قلّة التحديث، بل لعلّ الشيعة كانوا في أزمنة عديدة يُحدّثون بالسر والكتمان، وكانوا يحاولون الاتّصال بأمّتهم بطرق سريّة ليوصلوا لهم أسئلتهم، ولذا يظهر جلياً أنّ قلّة الأحاديث لم تكن مقتصرة على النبی صلی الله علیه وآله وسلم شاملة للإمام علي والحسن والحسين وغيرهم من أئمّة أهل البيت علیهم السلام.ومن هنا نلاحظ أنّه لمّا حصل انفراج في الأزمة السياسية في عهدي الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام حيث كانت الدولة الأموية في نهاية عهدها والعبّاسية في


1) بصائر الدرجات: 319.

2) الكافي 1: 53.

3) بصائر الدرجات: 320.

بدايته، فانتشر التحديث واستطاع الشيعة وأتباع أهل البيت علیهم السلام الاتّصال بأمّتهم والانتهال منهم، لذا نلاحظ كثرة الروايات الصادرة عن الإمامين الباقروالصادق علیهما السلام .فتلخصّ من جميع ما تقدّم: أنّ الوضع السياسي كان له التأثير الكبير في قلة التحديث، بل وضياع الكثير من التراث، وأنّ الشيعة التزموا بوصيّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم في اتّباع أهل البيت علیهم السلام والاستقاء منهم فشملهم لذلك الإقصاء والتغييب، وأنّ كلام أهل البيت في حقيقته كلام النبي وحديثه. فكل ما صح في كتب الشيعة عن أهل البيت علیهم السلام إنّما هو عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ليس إلّا.

## (63 أبو محمّد على)(مالكي / المغرب)ولد في المغرب سنة 1397ه- (1977م في عائلة مالكيّة، وواصل دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادة البكالوريوس.)كان تعرّفه على الشيعة من خلال هجرته إلى الغرب، وكانت له أيضاً علاقة بالوهّابيين، ولكنّ نظرته المعتدلة للطوائف كانت تثير حفيظتهم من جهة أنّهم يصنّفون الناس على أنّهم إمّا منهم أو عليهم، وأنّ الشيعة أخطر على الإسلام مناليهود، وهذا ما دعا «أبو محمّد علي» إلى التحقيق والرجوع إلى الآثار الصحيحة بتجرّد ليصل إلى الحقيقة.الصحبة والنفاق.. رؤية أُخرى:من الحقائق الأساسية التي أشار إليها القرآن الكريم فيا يرتبط بالفتن التي كان المنافقون يثيرونها في صدر الإسلام هي: أنّ الهدف المحوري لهذه الفتن هو الصدّ عن سبيل الله جل جلاله ، كما ينبهنا لذلك قوله عزّ وجلّ: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّوا عَن

سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (1)، فالأيمان هنا بمعنى: القسم، والجنّة: الترس، والمراد بها: ما يتقى به ؛ من الاستعارة، والصدّ بمعنى: الإعراض، فالمراد: إعراضهم عن الدين، وصرفهم الناس عنه. وللصدّ عن سبیل الله سبحانه مظاهر متعدّدة، ومن مظاهرها التي تتناسب مع طبيعة النفاق إلباس الباطل ثوب الحق، وعرض البدع، وما ليس من الدين باسم الدين ؛ مخادعة للمؤمنين، فيبعدونهم عن سبيل الله باسم دعوتهم إلى سبيل الله جلّ جلاله ولذلك نجد أنّ الله سبحانه وتعالى دعا نبيّه الأكرم صلی الله علیه وآله وسلمإلى مجاهدة أصحابها، مصرحاً بأنهم العدو الأول ؛ إذ قال تعالى: (هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرُهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (2).

فهم كاملون بالغون في العداوة، فإنّ أعدى أعداء الشخص من يعاديه وهو يحسبه صديقاً. والدعاء عليهم بالقتال له معان متعدّدة:

1 - إنّه أشدّ شدائد الدنيا، فاستعمال المقاتلة دون القتل للدلالة على الشدّة.

2 - إنّ المراد به الإبعاد والطرد من الرحمة.

3- إنّ المراد به ليس الدعاء بل : الإخبار ؛ فإنّ شمول الطرد واللعن مقرّر لهم وثابت.

4- إنّ الكلمة مفيدة للتعجّب، كقولهم: قاتله الله ما أشعره.


1) المنافقون (63): 2.

2) المنافقون (63): 4 .

و(أنّى يؤفكون): جاء للتعجّب من كيفية صرف الحقّ، أو هو: تقريع وتوبيخ وليس استفهاماً.

ولكن المحور الأساس هو : سبل تمييز المنافقين عن غيرهم من جيل مسلمي صدر الإسلام وجيل معاصري النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، الذي يعد أهم مصادر التاريخ الإسلامي من خلال رواياتهم المنقولة في المصادر الحديثية والروائية.

وللوصول إلى نتيجة علمية في ما يرتبط بهذا الموضوع ثمرة علمية مهمة في مجال معرفة حقائق التاريخ الصحيح، وتنقيته من التحريفات النفاقية، التي ولا شكّ أخطر من غيرها ؛ لأنّها تحريفات مقصودة، الهدف منها هو : الصد عن سبيل الله.

وفي ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة نجد أنّ هناك أقساماً من الصحابة، ولهم درجات متفاوتة في الإيمان والالتزام بهذا الإيمان، وأنّ فيهم من تسمّى باسم الصحابة وهو فاسق أو منافق، وهو ليس من الصحابة المرضي عنهم، وهؤلاء كانوا قد دسوا الأحاديث في سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيّروا أحكاماً، وحرّفوا تفسير الآيات القرآنية، ونقلوا أحداثاً خاطئة، وزوّروا التاريخ الإسلامي.

وعند استعراض بعض الآيات الكريمة التي تسلّط الضوء على معنى الصحبة وأنواع الصحابة يتّضح ما معنى الصحبة ؟ وما معنى الصحابة؟ وهل تطلق الصحبة فقط على المؤمنين أو ممكن أن يطلقها القرآن الكريم على غير المؤمنين؟

فمثال على ذلك: هناك صحبة بين مؤمن ومؤمن وتسمّى صحبة، مثل: قوله تعالى على لسان موسى يخاطب الخضر: قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْ بَعْدَهَا فَلَا

تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُدْرًا (1)إذاً هذه صحبة بين مؤمن ومؤمن.)وهناك صحبة بين المرافق بالطريق قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (2، وهنا مطلق الصاحب، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمنٍ مسلماً أو غير مسلمٍ، فمن اصطحب شخصاً بالطريق فله حق الصحبة، ومن حاور شخصاً فله حق الجوار، سواء كان مسلماً أو غير مسلم.)وهناك الصحبة بين ولد وبين والدين غير مؤمنين ؛ قال تعالى: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَتَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (3)، فهذه أيضاً صحبة ولكن لغير المؤمن ؛ إذ لم يكونا مؤمنين.)وهناك صحبة بين مؤمن وكافر ؛ قالت الآية المباركة: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرُ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ وَلَئِن رُّدِدتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (4.)


1) الكهف (10): 76.

2) النساء (4): 36.

3) لقمان (31): 15.

4) الكهف (18): 34 - 38 .

وأيضاً هناك صحبة بين نبيّ وبين قومه وان كانوا كافرين، كما ذكر القرآن الكريم هذه الصحبة بين نبيّنا الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وبين قومه، سواء كان قومه من الكفار أو من المسلمين، قال تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (1، كما أن هناك صحبة بين كافر وكافرين ويشير إليه قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ*)(2)، وأيضاً هنا اصطحاب كافر لكافر.)إذاً الصحبة لم يقتصر بها على المؤمنين أو المسلمين.و في السنّة أُطلقت كلمة «صاحب» حتّى على المنافق فهناك حديث صحيح ثابت أنّ عمر بن الخطّاب يطلب من النبي صلی الله علیه وآله وسلم أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول، المنافق المشهور المتفق على نفاقه :عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنّا في غزاة قال سفيان مرّة: في جيش - فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصار: يا للأنصار وقال المهاجري: ياللمهاجرين فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ما بال دعوى جاهلية.فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار... فقال: دعوها ؛ فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فبلغ النبي صلی الله علیه وآله وسلم، فقام عمر، فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : دعه ، لا يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه (3..)


1) النجم (52): 2.

2) القمر (54): 29 .

3) راجع: صحيح البخاري 6: 65 - 66.

فسمّى ذلك المنافق ورأس النفاق صاحبه ، فكلمة «الصاحب» تطلق وقد يراد بها كلٌ من المؤمن والمسلم وغير المسلم كما قد يراد بها المنافق أو الذي في قلبه مرض.كذلك ما روي عن عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ عبد الله بن عبد الله بن أبي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إنّه بلغني أنّك تريد قتل عبد الله بن أبي في ما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً، فمر ني به ، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبّر بوالده منّى وإنّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر ،فأدخل النار. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا (1.)فهو منافق ورأس النفاق ومع ذلك سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صحابياً، نحسن صحبته.ومعنى ذلك: إنّ هناك في الصحابة من هم منافقون، وبعضهم علمهم الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وكان يصلّي عليهم، وكان يستغفر لهم إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ وَلاً تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (2)، فهو يعلم أنّ هؤلاء من المنافقين وإلا كيف يمتنع عن الصلاة عليهم؟! إذاً هو يعلم المنافق من غير المنافق.)وآية أُخرى تقول : (لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (3)إذاً هناك منافقون لا يعلمهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وعليه فالذهاب إلى عدالة كلّ من عاصر الرسول صلی الله علیه وآله وسلم هو اعتقاد خاطئ، يخالف النصوص الشريفة القرآنية والأحاديث الشريفة.)


1) جامع البيان 28: 148.

2) التوبة (9): 84 .

3) التوبة (9): 101 .

والسؤال: أين ذهب هؤلاء المنافقون بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؟ وأين المؤلّفة قلوبهم، أين الذين في قلوبهم مرض؟ أين الطلقاء وأبناء الطلقاء؟هذا وقد أجمع المفسّرون من جميع الفرق الإسلامية على أن الوليد بن عقبة، وهو صحابي وعبّرت عنه الآية ب-«الفاسق»:عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا (1)قال: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، فأتاهم الوليد، فخرجوا يتلقّونه، ففرق، ورجع إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، فقال: إرتدّوا فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد، فلمّا دنا منهم بعث عيوناً ليلاً، فإذا هم يؤذّنون ويصلّون فأتاهم خالد ، فلم ير منهم إلا طاعة وخيراً، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره (2).)والنفاق بدأ في مكّة وليس في المدينة، فهو في المهاجرين الأوائل أيضاً ؛ ففي سورة المدثّر، وهي مكّية بإجماع المسلمين: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِنَّا مَلائِكَةٌ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِنَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (3).)والهدف من ذلك هو : أنّهم عندما ثبت إعجاز القرآن وعجزوا عن الرد عليه، ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور مفتريات: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ


1) الحجرات (49): 6.

2) أحكام القرآن للجصاص 3: 529.

3) المدثر (74): 31.

بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (1)، فأخذوا يعمدون إلى من هو الأشد بغضا لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وحقداً على الإسلام والمسلمين، ولا يخافون عليه أن يسلم، فقالوا له: اندس بين المسلمين وآتنا بأخبار محمد، وبأخبار المسلمين، كي يدمّروا ويحطّموا، وكانوا يستفيدون من هؤلاء.)فالإيمان قضية قلبية وليست قضية ظاهرية والإسلام قضية ظاهرية، والمنافق أيضاً يظهر الشهادتين: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (2)، وفي الصحاح: عن النعمان بن عمرو بن مقرن قال قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (اسباب المؤمن فسوق وقتاله كفر(3).)ألم يتقاتل الصحابة فيما بينهم؟ ألم يأمر معاوية بن أبي سفيان كما في مسلم - سعد ابن أبي وقاص بسبّ أمير المؤمنين الإمام علي؟!عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟قال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً، قالهنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فلن أسبّه، لأن تكون لى واحدة منهنّ أحبّ إلى من حمر النعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ، وخلّفه في بعض مغازيه، فقال له : يا رسول الله صلی الله لعیه وآله وسلم: تخلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله : «أما ترضى أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي..».


1) هود (11): 13.

2) المنافقون: (63): 1.)

3) المصنف لابن أبي شيبة 4: 256.

وسمعته يقول يوم خيبر : «لأعطيّن الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً. قال: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه..».وأنزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ (1).. الآية، دعا رسول الله صلی لله علیه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللهم هؤلاء أهلي».)قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه(2.)وكلتا الصفتان - قتال المؤمن وسبّه - انطبقت على معاوية ؛ إذ أمر سبّ عليّ بن أبي طالب علیه السلام وقاتله في حرب صفّين، وقتل هو وجيشه عمّار بن ياسر ؛ عن أمّ سلمة : أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية (3.)وعن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت عمّار بن ياسر بصفّين، في اليوم الذي أصيب فيه وهو ينادي: إنّي لقيت الجبّار، وتزوجت الحور العين، اليوم تلق الأحبّة، محمد وحزبه، عهد إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: أنّ آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن (4.)حقائق عن الصحبة والمنافقين:بعد أن حقّق «أبو محمّد علي» في عدة مواضيع، ومنها: موضوع الصحبة والصحابة وبعد أن راجع الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة وصل إلى نتيجة مفادها: أن ما يقوله الشيعة حول ما جرى في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته هو الأقرب


1) آل عمران (3): 61.

2) سنن الترمذي 302:5.

3) صحيح مسلم 8: 186.

4) المعجم الأوسط 6: 301.

إلى العقل والمنطق، وإلى القرآن الكريم والسنّة النبوية الصحيحة المجمع عليها بين الفريقين، وأمّا ما تقوله الوهابية فهو ملىء بالتناقضات والأكاذيب والتأويلات الباطلة، فقرّر اتباع الحق ومنهج أهل البيت ، وذلك في سنة 1419ه- 1999م، فيدولة هولندا(1.)


1) راسل المستبصر «مركز الأبحاث العقائدية» وأعرب عن استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي، كما له ملف خاص في المركز.

## (64 أحمد عبد السلام)(مالكي / المغرب)![455-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/455_13.jpg "image title")ولد عام 1388ه- (1969م بالقصر الكبير في المغرب، ونشأ في أسرة مالكية المذهب.)استمر «أحمد» بالدراسة إلى أن حصل على إجازة في العلوم الاقتصادية، ولم يكن يعرف عن الشيعة والتشيّع شيئاً أبداً حتّى تعرّف على بعض المستبصرين، فكان حواره ونقاشه معهم ومطالعته لكتب علماء مذهب أهل البيت علیهم السلام من أسباب تأثّره مذهب أهل البيت علیهم السلام.يقول أحمد: كشفت لي عند تسلسلى في قراءة الكتب التاريخية حقائق لم أسمعها من قبل، منها: وقوع الحروب بين المسلمين بعد وفاة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم. وكان هذا الأمر يجعلني أفكّر في صحّة أو عدم صحة اعتقادي بعدالة جميع الصحابة، إلى أن قرأت ما جرى في واقعة صفين وما فعل معاوية والإمام علي بن أبي طالب علیه السلام في هذه الواقعة، وأوقفتني بالخصوص مسألة قتل عمّار بيد الفئة الباغية، وتأكّدت بعد ذلك أن الفئة الباغية ليسوا إلا معاوية وأصحابه، وقد علمت أيضاً أنّ الشيعة الأوائل كانوا من الصحابة، مثل: عمّار وأبي ذر وسلمان، ولم يكن التشيّع وليداً حديثاً على ساحة الإسلام.

حديث الفئة الباغية :استشهد الصحابي الجليل عمار بن ياسر في معركة صفين بين الإمام علي علیه السلام ومعاوية بن أبي سفيان، وكان لاستشهاد عمار تأثير كبير على المتحاربين، لأنّه يبيّن أصحاب الحق من الفريقين المقاتلين، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم المسلمين من قبل أنّعمار تقتله الفئة الباغية، وقد روت معظم كتب الحديث هذا الحديث الشريف.فقد جاء في صحيح البخاري بلفظ : ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار (1، كما جاء أيضاً بلفظ : ويح عمار، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار (2).)وجاء في صحيح مسلم بلفظ : بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية (3، وبلفظ : تقتلك الفئة الباغية (4).)ورواه النسائي في الخصائص (5، والحاكم في المستدرك (6)وأحمد في المسند (7). وأبو داود الطيالسي في مسنده (8)، ورواه الطبري في تاريخه(9)، والخطيب البغدادي في تاريخه (10)، وابن سعد في طبقاته (11)، وابن الأثير في أسد الغابة (12)، وابن حجر في)


1) صحيح البخاري 1: 115.

2) صحيح البخاري 3: 207.

3) صحيح مسلم 8: 185.

4) صحيح مسلم 8: 186.

5) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 132.

6) المستدرك على الصحيحين 2: 148 و 3: 386.

7) مسند أحمد 2: 161.

8) مسند أبي داود الطيالسي: 84 .

9) تاريخ الطبري 4 29.

10) تاریخ بغداد 7 355 .

11) الطبقات الكبرى 1: 241.

12) أسد الغابة 1: 29.

الإصابة (1، والمحب الطبري في الرياض النضرة (2)، والمتقي الهندي في كنز العمال(3)، والهيثمي في مجمعه(4)، ، وغيرهم.)وكان عبد الله بن الخطاب يأسف أنّه لم يقاتل الفئة الباغية مع الإمام علیه السلام وكان يقول ما آسى على شيء إلا تركي قتال الفئة البغية مع علي (5.)كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأسف أنّه كان بجوار أبيه مع الفئة الباغية (6.)وفي الإصابة في ترجمة زبيد بن عبد الخولاني، قال: له إدراك وشهد فتح مصر، ثمّ شهد صفين مع معاوية، وكانت معه الراية، فلما قتل عمار تحوّل إلى عسكر الإمام علي (7.)و في أسد الغابة قال: روى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل ، وهو لا يسلّ سيفاً، وشهد صفين ولم يقاتل، وقال: لا أقاتل حتّى يقتل عمار، فأنظر من يقتله، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : تقتله الفئة الباغية، فلما قُتل عمار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة، ثمّ تقدّم فقاتل حتّى قتل(8، وفي الإصابة عن محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: ما زال جدي كافاً سلاحه حتّى قتل عمار بصفين، فسلّ سيفه وقاتل حتّى قتل (9).)


1) الإصابة في معرفة الصحابة 1: 371 .

2) الرياض النضرة 1: 25.

3) كنز العمال 9 :169 .

4) مجمع الزوائد 7: 242.

5) الاستيعاب 3: 953 .

6) الطبقات الكبرى 2: 12 .

7) الإصابة 520:2.

8) أسد الغابة 4: 47.

9) الإصابة 2: 240.

التاريخ يثبت أنّ علياً علیه السلام على الحق:بعد فترة غير وجيزة من البحث والتحقيق، وبعد تأثّره بشخصيّة الإمام علي علیه السلام وقراءته لتاريخ واقعة صفين التي استشهد فيها عمّار بن ياسر، عرف «أحمد» المذهب الذي يفرّق بين الحقّ والباطل، فقرّر اتِّباعه وأعلن عن ذلك عام 1414ه- (1994م في بلجيكا.)وله عدّة أنشطة في المجال العقائدي بعد مرحلة الاستبصار (1.)


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه أهم أدلّة الاستبصار وكيفيته.

## (65 أحمد متفكر)(مالكي / المغرب)![459-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/459_13.jpg "image title")ولد في مدينة مراكش بالمغرب سنة 1345ه- (1927م في عائلة مالكيّة المذهب، وقد غرس والده في قلبه حبّ الإمام علي علیه السلام ، وكان يحدّثه وأفراد أسرته بفضائل هذه الشخصية العظيمة، فنشأ محبّا له ولآل بيته معتقداً بمكارمهم)وخصائصهم.وعندما كبر وبدأ يتطلع للحياة كان الدين الإسلامي خير معين، اغترف منه المنهج والعقيدة في مواجهة مصاعبها وسلوك دروبها.وكان كلّما قرأ الأحاديث النبوية في حق أهل البيت علیهم السلام، والتي حثّ فيها النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم على حبّهم، لأنّ حبّهم علامة الإيمان الصادق المنبعث من أعماق القلوب، وأن بغضهم علامة النفاق، وأن من أحبّهم أحبّ الله ورسوله، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله، كان يزداد حبّه لهم واعتقاده بمذهبهم في أمور الدين والدنيا. وكان يحدث نفسه بوجوب امتثال أوامرهم، والاقتداء بهم و والدفاع عنهم بالنفس والنفيس، لأنّهم أحد الثقلين وسفينة النجاة، ومن والاهم والى رسول الله، ومن عاداهم عادى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والرّاد عليهم كالراد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والرادّ على رسول الله كالرادّ على الله سبحانه وتعالى.

دور أمير المؤمنين علیه السلام في واقعة الأحزاب:لا ينغبي ملامة من اقتدى بأمير المؤمنين علیه السلام ورأى ضرورة امتثال أوامره بملاحظة ما حدث في واقعة الأحزاب وحدها، ومن دون الرجوع إلى الأدلة الصريحة في إثبات وجوب اتّباعه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فموقف الإمام علي علیه السلام في هذهالواقعة هو الذي أقام دعائم الإسلام، وأزاح الشرك والكفر.والمؤسف هنا أن يتّهم الشيعة بأنّهم قد اعتمدوا على بعض الروايات الضعيفة فيما يخص وقعة الأحزاب، وقول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين»(1، وناهيك في هذا من الجلالة والرفعة التي لا تضاهى، والدلالة على الأفضلية.)والجواب على هذا الإشكال يكون من خلال الإشارة إلى مجموعة أمور:أوّلاً: كان عمرو بن عبد ودّ العامري يستفزّ المسلمين ويقول : لقد بحّ صوتي في النداء هل من مبارز ، والرسول صلی الله علیه وآله وسلم يعرض عليهم : من يبرز له ويضمن على الله له الجنّة، وأعاد ذلك ثلاث مرّات، فلم يبرز أحد إلا علي في المرّات الثلاثة.وعندما عمّمه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبرز إلى عمرو بن عبد ود، توجه بهذا التاج ، العظيم بقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «برز الإيمان كله إلى الشرك كلّه» (2، فالإيمان كلّه تجسّد في عليّ علیه السلام في ذلك الموقف، كما تجسد الشرك كلّه في عمرو بن عبد ودّ العامري، فلو انهزم الإيمان في تلك اللحظة لانهزمت الدعوة الإسلامية، فلذلك كانت ضربة علي علیه السلام يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين، فهو من حيث المعنى ينسجم تماماً، والحديثان ينسجمان ويؤيّد بعضهما البعض الآخر.)ثانياً: إنّ الأولى أن يوجّه الكلام إلى أغلب كتب المحدّثين وأصحاب السير


1) المستدرك على الصحيحين 32:3 .

2) كشف الغمة 1 :205 .

الذين نصّوا على ذكر هذا الحديث من قبل النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، ومن جملتها: كتب سير الإمام علیه السلام، والمصادر كثيرة فإذا كانت هذه الكتب كلّها مبالغ فيها، فما قيمتها إذاً، ولماذا ندرسها ونعتمد رواياتها، هذا من الجانب النقلي.ثالثاً: إنّ الرواية لدينا تحمل عدّة محامل، فمرّة تأتي من باب التعظيم، ومرة تأتي مجازاً، ومرة تأتي حقيقة، ومرة تأتي بنحو الوجوب والمراد به الاستحباب على تفصيل، فلو سأل أحدهم مثلاً: بأنّ هناك عالم يلقي محاضرة ودخل وقت الصلاة، أيهما أوجب الصلاة أم المحاضرة؟ فلو قيل: الصلاة، فقد يجاب: بأنّ مجالسة علم ساعة واحدة تعادل عبادة ألف سنة، والصلاة في واحدة، والجواب الصحيح: أنّ الأوجب هو الذهاب إلى الصلاة وترك المحاضرة ؛ لأنّها مستحبّة، والصلاة واجبة، فكيف تعدل عبادة ألف سنة؟! والجواب أنّه أراد أن يبيّن عِظَم تلك المجالسة وأجرها الاستحبابي، وكذلك ضربة عليّ في الخندق تعدل عبادة ألف سنة ، وهذا لا يعني أنّه يترك صومه وصلاته، إنمّا أراد النبي صلی الله علیه وآله وسلم أن يبيّن موقف الإمام المشرّف الذي ردّ هيبة المسلمين وكرامتهم ، ولا سيّما أنّ عمرو بن عبد ود كان يصرخ بجمعهم ولا من مجیب!وأمّا الإشكال بشأن الحديث الشريف وأنّه يكون أفضل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ وأفضل من عبادة الأنبياء.فجوابه: ليس هذا هو المعنى المراد من الحديث، وإنمّا المراد: توقّف الإسلام وانتشار الدعوة الإسلامية، وهؤلاء الذين جاؤوا بعد هذه الضربة كانت أثر من آثار تلك الضربة المباركة، فلو انهزم الإسلام وانهزمت الدعوة الإسلامية في تلك الواقعة فلا تقوم للإسلام قائمة.ولتقريب المعنى نرجع إلى قوله صلی الله علیه وآله وسلم، الذي رواه أنس، قال: كان من دعاء

النبي صلی الله علیه وآله وسلم بعد حنين: «اللهم إن شئت أن لا تُعبَدَ بعد اليوم»(1، فعلّق العبادة كلّها على انهزام تلك العصابة يعني لو تهزم تلك العصابة، لم يعبد الباري تعالى، يعني: كل الآثار، وكلّ العبادات المترتبة تتوقف على انتصار تلك العصابة في حنين، أو في أي غزوة أخرى.)وكذلك في الخندق، فعبادة من يأتِ بعد هذه الضربة إنمّا هي معلول لتلك الضربة، ولو لم يهزم عليّ عمرو بن عبد ودّ العامري في تلك الضربة لما بقي للإسلام ،باقية، ولانهزمت الدعوة الإسلامية..وهذا هو الخطأ نفسه الذي يقع فيه مخالفوا مذهب أهل البيت علیهم السلام عندما يقولون: أنّ هناك روايات تقول: أنّ زيارة الحسين تعدل سبعين حجّة أو سبعين ألف ؛ فيقولون: لماذا نذهب إلى مكّة إذاً، فنذهب إلى كربلاء وتبرأ الذمّة؟ وهذه هي مشكلة الجمود على النص.فبالنسبة إلى التاريخ هناك مضايق تاريخية مهمة جداً، وإذا سيطر أحد على تلك المضايق فهو الذي يحرز النصر في التاريخ فمثلاً: هناك ممرّات مائية في العالم كثيرة جداً ولكن هناك مضيق هرمز مضيق جبل طارق، وأمثال ذلك، فالذي يسيطر على المضيق يؤثر على مجريات الأمور، ومن يجري ومن يسري في تلك المنطقة..وكذلك بالنسبة إلى التاريخ أيضاً ؛ فهناك تاريخ واسع يصول ويجول الناس فيه، وهناك مضائق تاريخية، الذي يسيطر على ذلك المضيق والذي يفتح يؤثّر على مصير التاريخ كلّه والإمام أمير المؤمين علیه السلام لشجاعته لا تقدّر بكثرة من قتل، فربّما غيره قتل أكثر منه، ولكن لم يؤثر التأثير الذي كان قد أثّر به الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، ونصر به الإسلام فمثلاً في يوم الخندق، كلّ المؤرّخين يذكرون على أنّ


1) مسند أحمد 3: 121 .

عمرو بن ود العامري أقبل وصال وجال وقال: ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز*** ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجز وكذاك أنّي لم أزل متسرعاً قبل الهزاهزإنّ الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرايز (1)و في أصحاب النبي كثير من الأبطال والشخصيات المعروفة بالفروسية والقوة والشجاعة، ولكن الوقت كان مريباً كما يصفه القرآن الكريم: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (2).)فهكذا يصف القرآن ذلك اليوم والإمام أمير المؤمنين علیه السلام لمّا برز لوحده وقتل عمرو بن ودّ العامري فليس ببعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعله ممّثلاً للإسلام كلّه، كما أنّ ممثل الشرك كلّه هو : عمرو بن ود العامري، فالذي ينتصر ذلك اليوم يقرّر مصير التاريخ، فالإمام عليّ علیه السلام لمّا قتل عمرو بن ودّ العامري في ذلك اليوم اندحر الجيش وانتصر الإسلام وقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم:« ذهبت ريحهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نغزوهم إن شاء الله»(3.)وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي تعليقة، تحدّث فيها عن موقف الإمام علیه السلام يوم الخندق، ومواقفه، فقال: فأمّا الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ودّ فإنّها أجلّ من أن يقال: جليلة، وأعظم من أن يقال: عظيمة، وما هي إلّا كما قال


1) کشف الغمة 1: 197.

2) الأحزاب (33): 10 - 12.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19: 62.

شيخنا أبو الهذيل، وقد سأله سائل أيما أعظم منزلة عند الله : علىّ أم أبو بكر؟فقال: يابن أخي والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها، وتربي عليها، فضلاً عن أبي بكر وحده.وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه، روى قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إنّ الناس يتحدّثون عن عليّ بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنّكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدّثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن عليّ، وما الذي أحدثك عنه؛ والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم في كفّة الميزان منذ بعث الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال عليّ في الكفّة الأخرى، لرجح على أعمالهم كلّها..فقال ربيعة هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إنّي لأظنّه إسرافاً يا أبا عبد الله !فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمر و وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه عليّ فقتله ؟! والذي نفس حذيفة بيده ، لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمّة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم إلى هذا اليوم، وإلى أن تقوم القيامة.وجاء في الحديث المرفوع: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك اليوم حين برز إليه: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه».وقال أبو بكر بن عياش: لقد ضرب عليّ بن أبي طالب علیه السلام ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها ؛ ضربته عمراً يوم الخندق، ولقد ضُرب عليّ ضربة ما كان في الإسلام أشام منها. يعني: ضربة ابن ملجم لعنه الله.

وفي الحديث المرفوع: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لّما بارز علي عمراً ما زال رافعاً يديه مقمحاً رأسه نحو السماء، داعياً ربّه قائلاً: «اللّهم إنّك أخذت منّي عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، فاحفظ عليَّ اليوم عليّاً، (وَرَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ (1).)وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: والله ما شَبّهتُ يوم الأحزاب، قتل علىّ عمراً، وتخاذل للمشركين بعده إلّا بما قصّه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ (2).)وروى عمرو بن أزهر ، عن عمرو بن عبيد عن الحسن: أنّ علياً علیه السلام لمّا قتل عَمراً احتز رأسه وحمله، فألقاه بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأسه، ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهلّل، فقال: هذا النصر أو قال: هذا أول النصر (3.)أفضلية الإمام على علیه السلام:بعد تحقيق دقيق وطويل قام به «أحمد» ، واطّلاعه على أفضلية الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، ومقارنته بمواقف غيره الذين لم يسجّل لهم التاريخ أيّ موقف مشرّف فكيف يساوون به فضلاً عن أن يفضلوا عليه؟؟ بعد كل ذلك عرف الحقّ فاتّبعه وعرف الباطل ، فاجتنبه، واعتنق مذهب الحق، مذهب العترة علیهم السلام، وذلك في سنة 1381ه- (1962م (4).)


1) الأنبياء (24): 89 .

2) البقرة (2) 251 .

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19: 60 - 62.

4) خصص السيد محمد الرضي الرضوي قسماً في كتابه: «لماذا اخترنا مذهب الشيعة الإمامية بهذا المستبصر، ذكر فيه أدلّة استبصاره نقلاً عن رسالة بعثها المستبصر نفسه إلى الرضوي عام 1966م.

## (66 السيد قاسمي محمّد)(سنّي / المغرب)مغربي من أسرة هاشمية تعود جذورها للإمام الحسن المجتبى علیه السلام، بحث السيد القاسمي في حديث الثقلين، ونظر في مظلومية الزهراء علیها السلام، فكانت مظلوميتها كالصاعقة التي أنعشت الميت، فأعادت له سيرة أجداده وأنارت أمامه طريق الحق، وعلّمه حديث الثقلين أنّ الحق لا يكون إلا مع المعصوم.حديث الثقلين والسيدة الزهراء عليها السلام :قال أحمد في مسنده: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا محمّد يعني: ابن طلحة، عن الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، قال: «إنّي أُوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنها لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروني بم تخلفونى فيهما» (1.)كتب علماء الطائفة عن هذا الحديث بحيث لم يبق مجالاً للشكّ في صدروه، وأنّ المقصود به هم المعصومون علیهم السلام وناقشوا كلّ من جحد هذا النصّ وحاول التشكيك


1) مسند أحمد 3: 17 .

في مفاده.وقد عارضوا الحديث المذكور بالحديث المروي في المستدرك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنّتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض..(1).والحقّ أنّ هذا الحديث لا يعارض الحديث السابق، بل يبيّنه ويوضّحه ؛ فإنّ دعوى الشيعة: أنّ سنّة رسول الله محفوظة في أهل بيته، الذين ينقلون هذه السنّة بعده صلی الله علیه وآله وسلم، ولم يُستحدث شيء فيقابل سنّته!ولذلك تجد الإشكال يدور على المعارضة بحديث آخر، وهو: عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ (2فإن التزم القوم أنّ سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غير ، سنّتهم، خرجوا عن مفاد قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «وسنتي»، وإن قالوا: أنّ اتّباع سنّة الخلفاء من سنة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، سلّمنا، لكن يبقى الكلام في ما لو تعارض قول الرسول وقول الخليفة المدّعى عندهم ؛ فأيهما يقدّم؟!)وبمجرد فرض التقديم تعلم أنّ هناك مشرّعان أشتبه في أحقّية أحدهما، لا لوجه يسهل معه ذلك، بل لتعدّد المشرّعين، وهذه هي المشكلة، ولو التزموا أنّ الخلفاء هم الأئمّة لما بقى مجال لذلك.ومحل البحث - بعد معرفة هويّة المتبعين حدود دائرة المتّبعين بنص الحديث وبالخصوص: النص المروي في كتب السنّة ؛ فتجده تارة بتعبير: «إنّي قد خلّفت فيكم ما لن تضلّوا بعدهما ما أخذتم بها، أو عملتم بهما كتاب الله وسنّتي، ولن يفترقا حتّى يردا على الحوض» (3.)وأُخرى «يا أيّها الناس! إنّي تركت فيكم من [ما] إن أخذتم به لن تضلّوا:


1) لمستدرك على الصحيحين 93:1.)

2) المعجم الكبير 18: 246.

3) السنن الكبرى 114:10 .

كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1.)ومرة: «إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها فإنها لن يتفرقا حتّى يردا علي الحوض» (2.)ويلاحظ أنّ كل هذه العبارات تشترك في أمور:الأول: التخليف والبقاء بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم .الثاني : اشتراك الحجية بين القرآن والمخلَّف.الثالث: عدم الإضلال.الرابع: وجوب الاتّباع.ولا خلاف أنّ هذه الأمور ثابتة لأهل البيت علیهم السلام ، أقصد: الائمّة الاثني عشر، ولم نجد من يدّعي أنّه يعلم أحد هو أحق بهذه المرتبة منهم، حتّى الزيدية الذين ادعوا ثبوت الحق في الاتّباع لأولاد عليّ وفاطمة، مع توفّر شروط الإمامة فيهم، عند مواجهتهم بقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «.. وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترّقا حتّى يردا علَىّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. ثمّ أخذ بيد على رضى الله عنه، فقال: من كنت أولى به من نفسي فعليّ وليّه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» (3، يلتزمون أنّ هذا لم يتحقّق في غير الأئمّة الاثني عشر صلوات الله عليهم.)والسؤال: هل تدخل الزهراء علیها السلام في هذا المعنى - فنحن لا نشك في تحقّق هذه الأمور في الزهراء علیها السلام - أو أنّ لحجّيتها معنى آخر، كما نسلّم بحجّية عيسى وموسى إلّا


1) سنن الترمذي 5: 327 .

2) السنن الكبرى للنسائي 5: 45.

3) ( المجعم الكبير 15: 167.

أنّهم لم يدخلوا في مفاد الحديث؟!والحقّ أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطْهِيرًا (1)، بعد دخول الزهراء فيه لا يمنع من دخولها في حديث الثقلين خصوصاً: أنّها من حاجّت بالقرآن من منعها حقّها، وكانت عدّله والعالمة بمواقعه، مشيرة إلى وجوب اتّباعها، وأنها لا تبغي إلّا الهداية لمن يسمعها ويقول قولها، ودخولها صريح ؛ لقوله صلی الله علیه وآله وسلم : «وعترتي أهل بيتي».)أمّا قوله: «وسنّتي»، فهو أيضاً لا يخرج أحداً من المعصومين عندنا، بما فيهم الزهراء علیها السلام ، فهي ناقلة لسنّة النبي صلی الله علهی وآله وسلم.وأمّا حديث: الخلفاء من بعدي، فلم يرد بنص كحديث الثقلين ؛ فهو مخصوص بالخلفاء بعد رسول الله، تنبيهاً على مرتبتهم، كما هنالك روايات تختصّ بمرتبة الزهراء.ولو سُلّم أنّه يشير إلى نفس سياق حديث الثقلين، قلنا: إنّ الخلفاء الراشدين أقصد: الأئمّة - ارتضوا أفعال الزهراء علیها السلام، وكانت دائما نصب أعينهم، ووجّهونا للأخذ بها، فهي مأخوذة من رسول الله وهم أعلم الناس بمن أخذ من رسول الله من عين صافية، فأمرونا بالأخذ عن الزهراء علیها السلام : فدخول الزهراء في هذه الحديث من باب لازم الأمر لا نفسه.الحق ينير الدروب :نظر السيد القاسمي في الحوادث التاريخية، وأدلّة الخلافة، فطلب الحقّ لا لأنّ الحق دعاه فقط، بل لأنّ السيد أراده، وكانت فاجعة الزهراء علیها السلام وحديث الثقلين مرشدين للسيد القاسمي، ومهيجين للأحزان في قلبه(2.)


1) الأحزاب (33): 33.

2) تواصل المستبصر مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال موقعه على الإنترنيت معرباً عن استبصاره واتِّباعه لمذهب أهل البيت علیهم السلام.

## ( 67 إلياس الفردوسياني)(مالكي / المغرب)ولد عام 1400ه- ( 1980م في مدينة «الحسيمة» بالمغرب، ونشأ في عائلة سنّية مالكية المذهب.)استمر «إلياس» في تلقيّ العلوم الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب.كان «إلياس» محباً ومتعلّقاً جداً بالعلوم الإسلامية، وكان له وعي وإدراك عميق تجاه الحياة الدينية، من هنا بدأ «إلياس» بالبحث والتمحيص في الاعتقادات والمفاهيم الإسلامية التي كان ينتمي اليها، وذلك للابتعاد عن التقليد والتعصّبالأعمى.الميل تجاه أهل البيت علیهم السلام:ما لفت انتباهه في هذا المجال الأبحاث المطروحة بشأن ولاية أهل البيت علیهم السلام في القرآن والسنّة، والتي كانت توافق ما كان يحسّه إلياس» في داخله من الميل تجاه أهل البيت علیهم السلام.يقول «إلياس» عن قصّة استبصاره:بدأت قصّتى منذ أن كنت صغير السن ؛ إذ كنت أجد في نفسي سرّاً ما يجذبني

نحو أهل البيت علیهم السلام والسيرتهم العطرة ، وذلك في سن الرابعة عشر من عمري، وهذه نعمة إلهية، وهبة ربانية عظيمة يلزمني عليها الشكر والحمد، نعمة قد يكون أكثر الناس قد ضلّ وانصرف عنها، وخاصة المسلمين، والذي أتمّناه من كل قلبي أن يكونوا في وعي أكثر لدينهم الحق ويفهموا الإسلام الأصيل والشريعة الصافية النقية.من خلال تدبّر كتاب الله عزّ وجلّ، الذي يشير في أكثر من آية قرآنية إلى ولاية أهل بيت النبوة علیهم السلام، اقتربت من هذه المدرسة المطهرة الزكية، وهذه الشجرة المباركة.عندما كنت في الإعدادية وكان انصرافي إلى جني العلوم والتحصيل في الدراسة لم تكن كلمة - شيعي - تصدر بين أسماعي، ولم أكن أفرّق بين معنى الشيعي والسُنّي العقيدي، وذلك حتّى بلوغي السابعة عشر ، إلا أن اعتقاد أبي بحب أهل البيت علیهم السلام، واعتقاده أنّ من خرج عن هذه المدرسة باء بالتخبّط في عقيدة إيمانه، وحديثه الكثير عن الإمام علي والإمام الحسين علیهما السلام شدّني أنا أيضاً وبقوة نحو البحث عن الحقيقة التي غابت عنّي، لماذا يتحدّث عنهم ويوجهني نحو معرفتهم؟إنّه كان يركّز في عقلي ووعيي حبّهم واتبّاعهم ؛ كان يقول لي: إنّ التاريخ الذي يدرّس في المدارس فيه كثير من الأشياء المستورة عن الحق، فلا يقومون بكشفها لكم ؛ لأنّهم متعلّقون بالباطل.عندما كان يردّد عليّ بأنّ بني أمية هم الذين قاموا بقتل الإمام الحسين علیه السلاكان يفجعني بتلك الكلمات، وخاصة عندما كان يقول: إن أعداء الله ورسوله قتلوا ابن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لشيء إلّا لأنّه سعى إلى إقامة الحق والعدل، والثورة ضد الظلم والظالمين، فتعدّوا على أهل بيته بالسبي والقتل، وقطعوا رؤوس أصحابه وحملوها على الرماح.

كان أبي يدمعني بكلامه، ويترك في نفسي تهيجاً كنت أحمله بين قلبي وضلوعي، فلم أكن أعرف عن أهل البيت علیهم السلام الشيء الكثير، وماذا جرى عليهم على يد أعداء الله ورسوله والدين والإنسانية.بداية البحث عن المذهب الشيعي:يقول «إلياس»: عندئذ قصدت تكسير صمتي الذي كان يشكل في نفسي فقرّرت بكل قوة وعزيمة - أن أبحث عن كل ما يتصل بأهل البيت علیهم السلام، فطالعت بعض المجلات، واتضح لي من خلال ذلك أن هناك ارتباطاً خاصاً بين أهل البيت علیهم السلام وبين من يسمون بالشيعة، فقلت في نفسي من هم هؤلاء الشيعة؟ ولماذا سموا بهذه الاسم؟لم أع ذلك بالشكل الكامل ؛ لأنّني لم أكن أعرف أنّ العالم الإسلامي منقسم إلى شيعي وسُنّي في بنيته المذهبية، إلا أنني وبعد أن ازداد وعيي بالمفاهيم والأفكار ازددت شغفا ،بالبحث كلّ ذلك ووالدي لا يعلم بما أقوم به ؛ لأنّه ومع ما كان يطالع عن الحركة الشيعية في العالم الإسلامي إلّا أنّه كان منهمكاً في عمله كطبيب للتخدير في العمليات في المستشفى بتطوان.وبعد البحث والتحقيق ومطالعة بعض الكتب، أدركت طريقي وعرفت من هم «الشيعة»، ولم يكن لي أنذاك تعصّب أو ضغائن للمذاهب الأخرى إلّا أنّني لم أكن أحس بالطمأنينة بالنسبة إلى أغلب تلك المذاهب.وعندما بلغت الواحدة والعشرين من عمري ونجحت في الباكالوريا في شعبة الآداب عام 1421ه-، انتقلت إلى جامعة أخرى في مدينة بعيدة عن مدينتا لدراسة الشريعة (الدراسات الإسلامية، إلّا أنّه لم يرق لي الدراسة فيها ؛ لأنّني وجدت الدين الذي يدّرس هناك شتّان ما بينه وبين ما كنت أسمعه من محاضرات الشيعة، مثل محاضرات الشيخ أحمد الوائلي وبما كنت أقرأه من الكتب المتوفرة لدي عن)

علماء الشيعة..فقد لاحظت فرقاً كبيراً بين مفاهيم المدرسة الإمامية الاثنى عشرية وبين ما كانوا يدرّسوه في الجامعة ؛ إذ كان يشوبها ضعف كبير، وخاصة في تحليل المسائل الشرعية الحية، فقد كنت أفتقد الحلاوة واللذة العلمية التي كنت أجدها مثلاً بين عالم كبير من علماء الشيعة.فالمدرّس في الجامعة تأتي إليه من مدينتك البعيدة لتهتم بدراسة الدين وتتفقّه عنده، لكنّه عوض أن يحاضر لك عن موضوع يثريك علمياً وفكرياً يحدّثك عن حكاياته الغابرة.فقد كان بعض من يدرّس سيرة المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم يقول عنه ما استحي أن أقوله احتراماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي حاشا أن يكون كما كان يحدّثنا به ممّا ينقله من شيوخه، بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً أصيب بالسحر من قبل اليهود، أو أنّ نفسه حدّثته بأن یرمی نفسه من جبل بعد أن جاءه الحق من ربّه.وبعد كلّ ذا يعتدون على الشيعة، فيتّهمونهم بالكفر تارة، والزندقة أخرى، وينسبون لهم بما لا ينبئ سوى عن العداء الشديد لهم، فيتهمونهم بأنّ لهم قرآناً غير القرآن الذي أنزل على سيّد الأنبياء محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، بل يذهبون أبعد من ذلك ويقولون: بإنهم يحبّون عليّاً علیه السلام أكثر من حبّهم لمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم ، و : يغلون في حبّه ويعتبروه نبياً، أو أنّ الرسالة أنزلت على على علیه السلام ، وأخذها محمد صلی الله علیه وآله وسلم، إلى غير ذلك من الأوصاف والأقاويل التي توحي بكرههم الشديد لهذا المذهب الحق.فكنت أجد في نفسي غضباً جماً عندما يتفوّه أحد عن الشيعة بتلك الأقاويل، وكأنني شيعي منهم.وبعدما يقارب العامين من الإحباط قرّرت الخروج من تلك الكليّة ودون رجعة انسحبت منها كلّياً وقمت باختيار شعبة الاعلاميات، ولكن على الرغم من

ذلك بقي ذلك الحب الذي في قلبي وهمومي دون أن أنسى ما كنت أعشقه من حبّ للدين الحنيف ولسيرة المصطفى وآله الأطهار علیهم السلام، ولعلومهم النقية.وبمرور الزمن اتّضحت لي الفكرة الشيعية أكثر من ذي قبل، وذلك حين تعرّفت على رجل شيعي إمامي على الإنترنيت فكان يستدلّ بكثير من المسائل والأمور والحقائق المجهولة لديّ عبر المراسلة.كما كنت أجد في شيعة أهل البيت علیهم السلام أوصافاً تجعلني أتقرّب منهم، وهي: مكارم الأخلاق، حسن الكلام، تبيين الحقائق الجادّة، تطبيق القول بالعمل، والابتعاد عن التعصّب والضغائن وإثارة الأهواء الشخصية.وبهذا كنت أجد بغيتي في منابع علوم آل بيت النبوة علیهم السلام ومكارم فضائلهم، وأخلاقهم النورانية، والصورة الحسنة التي يظهر بها شيعتهم، لا كما يتناقله بعض السفهاء شديدي الكره لهذا المذهب.الاستبصار وتغيير الانتماء المذهبي:بعد البحث والتحقيق في الجامعة التي كان يدرس فيها، والأيام التي تلتها ؛ إذ عكف على قراءة الفكر الشيعي على شبكة الإنترنيت ؛ وجد «الیاس» نفسه مقتنعاً بفكر أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام، ويرى «الياس» أنّه اقتنع تماماً بالمذهب الشيعي في أيام الدراسة الجامعية (1.)


1) المستبصر على ارتباط مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت، وله ملف خاص في المركز.

## (68 آمنة العلوي)(سنِّة / المغرب)من مواليد «المغرب»، نشأت في أجواء يحيطها العلم والمعرفة ؛ إذ كان زوجها رئيس مكتبة عبد العالي» في المغرب، فلم يكونوا بعيدين عن مصادر الكتب الدينية المعتبرة.لم تقتنع «آمنة» كاملاً بالمعتقدات التي كانت تمليها عليها بيئتها، فحاولت أن تزيل عن نفسها غيوم العصبية وغبار الجهل ليسعها أن تخترق الحجب التي تمنع بصيرتها من رؤية الحقّ، وليمكنها بعد ذلك من معرفة الحق بين ركام الباطل، ومعرفة سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي نزلت من قبله تعالى، وتمييزها من الأحاديث التي نسبوها إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم ولم تصدر عنه.دور أهل بيت النبوة في المحافظة على سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمبأمر من الله سبحانه وتعالى أهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علياً تأهيلاً خاصّاً ليكون قادراً على الإجابة على أي سؤال يتعلّق بالقرآن أو السنّة أو دين الإسلام بشكل عام، في أي أمر من أمور الدنيا والآخرة، وقد أعلن أمير المؤمنين علیه السلام على

رؤوس الأشهاد قائلاً: «سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة الّا حدّثتكم به » (1.)وقال أيضاً: «سلوني عن كتاب الله ؛ فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم في جبل» (2.)وأقسم قائلاً: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت»(3.ولمّا آلت الخلافة إليه علیه السلام مركّز الجزء الأعظم من اهتمامه على نشر سنّةالرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، وتشجيع المسلمين على كتابتها، وعندما أحسّ علیه السلام بتمسّك الأغلبية بسنّة الخليفتين، لجأ الإمام إلى أسلوب المناشدة، بأن يسأل الحاضرين من المسلمين بالله أنّ من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كذا أن ينهض، ومن خلال هذا الأسلوب المبتكر، ومن خلال ممارسات الإمام علیه السلام هيئت أذهان المسلمين من جديد لتقبّل فكرة كتابة ورواية سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم.


1) عمدة القاري 19: 190.

2) جامع بيان العلم وفضله 1: 114.

3) الطبقات الكبرى :2 : 338 ، وقد وردت العديد من الروايات في هذا المجال في مصادر الشيعة الروائية ؛ فقد روي عن الإمام علي علیه السلام أنّه قال: «ما دخل رأسي نوماً ولا عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتى علمت من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ما نزل به جبرئيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنة أو أمر أو نهي فيها نزل فيه وفيمن نزل... وكان الرسول يتحفظ عدد الأيام التي غاب بها عن الإمام علي علیه السلام ، فإذا التقيا قال له: يا علي نزل عليّ في يوم كذا کذا ، وفي يوم كذا كذا، حتّى يعدّهما عليه إلى آخر اليوم الذي وافي فيه». راجع: بصائر الدرجات: 217.)وروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: إنّ الله تعالى على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم القرآن، وعلمه شيئاً سوی ذلك، فما علم الله رسوله صلی الله علیه وآله وسلم فقد علم رسوله عليّا علیه السلام. بصائر الدرجات: 310.

كما اتّبع أئمّة أهل بيت النبوة سيرة أمير المؤمين علیه السلام، فكانوا قادة التيّار المعادي السياسة منع كتابة ورواية سنة النبي صلی الله علیه وآله وسلم فقد تمسّك أمة أهل بيت النبوة كلّ في زمانه بسنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، وحتّوا الناس على كتابتها وروايتها والتمسّك بها، وبذلوا ما بوسعهم لتبيين أنّ سياسة الخلفاء القائمة على منع كتابة ورواية سنّة الرسول صلی لله علیه وآله وسلمسياسة خاطئة ومظلّلة ، كما أوضحوا للناس مساوئ هذه السياسة ومخاطرها.كان الأئمّة يجيبون السائلين عن حكم سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أي أمر من الأمور، ولم يجد أي منهم حرجاً من بيان سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، حتّى للخليفة نفسه إذا استفتاه.وكانوا إذا رأوا أحداً من مواليهم وهو يمارس عملاً مناقضاً لسنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم كانوا يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر بألسنتهم، ويبيّنون له الحكم الشرعي الوارد في السنّة الشريفة لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.هذا ؛ وخرّج الأئمّة الكرام علیهم السلام كوادر فنية علّموها الأصول، وكيفية التفريع عليها، وأمروا أتباعهم بمقاطعة قضاء دولة الخلافة، وأن يتجنّبوا اللجوء إليه ؛ لأنّه لا يحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم ، وأن يختاروا من بينهم من يعرف حلال الله من حرامه ليقضي بينهم بكتاب الله وسنّة رسوله صلی الله علیه وآله وسلم، ولمّا فتح باب رواية وكتابة سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة أبدوا مطالعتهم على النصوص المنسوبة للرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وحذّروا المسلمين من أصحاب الأهواء، والرواة الكذّابين.ولو أنّ علماء دولة الخلفاء قد فزعوا ساعتها لأهل بيت النبوة علیهم السلام، وسألوهم الرأي، وطلبوا منهم أن يميزوا لهم ما قاله الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالفعل عمّا تقوله الرواية عليه لكان للسنّة الشريفة شأن غير هذا الشأن، ووضع غير هذا الوضع.

لقد تحمّل أئمّة أهل بيت النبوة علیهم السلام وأولياؤهم أعباء المواجهة مئات السنين، وحافظوا على سنّة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم كما يحافظون على أنفسهم وذراريهم، وتوارثوها كما يتوارث الآخرون أنفس ما لديهم.تقرير المصير:بعد أن تعرّفت «آمنة» على السنّة الصحيحة لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأنها التي وصلت إلى المسلمين يداً بيد من قبل أئمة أهل البيت علیهم السلام ثمّ أتباعهم الخلّص سالمة من دسائس الظلال والانحراف قررّت اتباع هذه السنّة الشريفة التي حفظت في القلوب والصدور منعاً عن وصول الأيادي الأثيمة إليها، فأعلنت استبصارها وانتمائها إلى المذهب الشيعي، مذهب أهل البيت علیهم السلام (1)


1) للمستبصرة ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، وفيه استبيان بشأنها.

## (69 أمين بن إدريس بنونة)(مالكي / المغرب)ولدسنة 1392ه- (1973م في المغرب، ونشأ في أسرة سنيّة مالكية المذهب، واصل «أمين» دراسته الأكاديمية في مجال الإلكترونيك)شاءت الإرادة الإلهية أن يتعرّف «أمين» على أحد الإخوة من الشيعة البحرينيين، فدفعه حبّ الاستطلاع إلى البحث معه عما يرتبط بالمذاهب الإسلامية، وقد أهداه صديقه - ذات مرّة - عدداً من مؤلّفات الشيعة في المجال الحديثي والعقائدي، كان لها الدور الأساسي في سيره نحو الاستبصار.منع تدوين سنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:تأثر «أمين» خلال أبحاثه التي قام بها ببعض كتب الدكتور التيجاني السماوي فمن المسائل التاريخية التي يتأثّر بها الباحث عن الحقيقة - والتي سلّط عليها التيجاني الضوء في مؤلّفاته - هي: دوافع وعلل منع السلطة الحاكمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تدوين السنّة النبوية الشريفة.يقول التيجاني في هذا المجال: إنّ أوّل ما يبعث على الاستغراب عند مطالعة التاريخ الإسلامي هو : أنّه كيف آل الأمر لوصول معاوية بن أبي سفيان، الطليق ابن الطليق، إلى منصب الخلافة، وتولّي الأمر بالقوة والقهر ؟ وقال في خطبته في جمع من

الصحابة: ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا... ولكن إنمّا قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون(1.)فلم يحرّك أحدٌ منهم ساكناً ولم يعترض ثمّ ولّى ولده يزيد على المسلمين فلم يتحرّك إلّا القليل اليسير من المسلمين، وهذا ما يدهش الباحث، ثمّ وصل الأمر بالأمراء أن يتجاهروا بالفسق والفجور، ك: شرب الخمر، والزنا، واللهو بالطرب والغناء والرقص، وحدّث ولا حرج ولو يدقّق الباحث النظر لمعرفة أسباب هذا الانحطاط فإنّه يجد بأنّ أوّل سبب له هو فصل الأمة عن حديث نبيّها صلی الله علیه وآله وسلم ، وهو الأمر الذي وقع في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ؛ إذ منعوا كتابة حديث النبي صلی الله علیه وآله وسلم بل وحتّى من التحدّث به.وورد أنّ أبا بكر جمع الناس في خلافته وقال لهم: (إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرّموا حرامه (2).)وعمر بن الخطاب أيضاً منع الناس من التحدّث بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ قال قرظة بن كعب لمّا سيّرنا عمر بن الخطاب إلى العراق مشى معنا، وقال: أتدرون لم شيعّتكم؟قالوا: تكرمة لنا.قال: ومع ذلك إنّكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم جوّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم.


1) المصنف لابن أبي شيبة 7: 251.

2) تذكرة الحفاظ 31 .

يقول هذا الراوي: فلم أنقل حديثاً قط بعد كلام عمر، ولمّا قدم العراق هرع الناس إليه يسألونه عن الحديث، فقال لهم قرظة: نهانا عن ذلك عمر (1.)ويذكر الخطيب البغدادي ، والذهبي في تذكرة الحفاظ بأنّ عمر بن الخطاب حبس في المدينة ثلاثة من الصحابة، وهم أبو الدرداء، وابن مسعود، وأبو مسعود الأنصاري، بذنب الإكثار من نقل الحديث (2.)كما أنّ عمر أمر الصحابة أن يحضروا ما في أيديهم من كتب الحديث فظنّوا أنّه يريد أن يقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها كلّها بالنار (3.)ثمّ جاء عثمان فواصل المشوار وأعلن للناس كافة أنّه: (لا يحلّ لأحد أن يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر (4).)ويضيف التيجاني السماوي: لابدّ أن هناك سرّاً لمنع الأحاديث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي لا تتماشى مع ما جرت عليه المقادير في ذلك العصر، وإلّا لماذا يبقى حديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ممنوعاً طوال هذه المدّة الطويلة، ولا يسمح بكتابته إلّا في زمن عمر بن عبد العزيز؟ولنا أن نستنتج، طبق النصوص الصريحة في الخلافة، والتي أعلنها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على رؤوس الأشهاد أنّ أبا بكر وعمر منعا من الرواية والحديث عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم خوفاً من أن تسري تلك النصوص في الأقطار أو حتى في القرى المجاورة، فتكشف للناس بأنّ خلافته وخلافة صاحبه ليست شرعيّة، وإنماّ هي اغتصاب من صاحبها الشرعي علي بن أبي طالب علیه السلام (5.)


1) راجع: سنن ابن ماجة 1: 12، المعجم الأوسط 6: 164.

2) تذكرة الحفاظ 1: 7.

3) تقييد العلم: 52.

4) الطبقات الكبرى 2: 336 .

5) فاسألوا أهل الذكر : 82 - 84 (بتصرّف يسير).

وعندما يتأمل الباحث في ما صنعه الخلفاء، فإنّه يصل إلى أنّهم ارتكبوا في حقّ الإسلام جريمة لا تغتفر فإنّهم حرّموا الأمّة الإسلامية جيلاً بعد جيل من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهدايته وإرشاداته، وفصلوا بين الأمّة وبين نبيّها صلی الله علیه وآله وسلم، وكان هذا الأمر من أسباب وقوع المسلمين في أودية الضلال والتيه.وما يمتاز به مذهب أهل البيت علیهم السلام أنّه مذهب لم يتأثر بما فعله هؤلاء الخلفاء : لأنّه أخذ أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أهل البيت علیهم السلام ، الذين عرّفهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم: سفن النجاة، وأنّ من يتمسّك بهم يعُصم من الضلال.واعتماد الشيعة على أحاديث أهل البيت علیهم السلام هو الذي عصمهم من الانحدار في أودية الضلال التي شقّها الخلفاء لأتباعهم.الهداية والاستبصار :بعد قراءته للكتب التي أهداها إياه صديقه البحريني، وبعد فترة من البحث والتحقيق استجمع «أمين» قواه ليعلن استبصاره والتحاقه بركب أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السلام، وكان ذلك عام 1414ه- ( 1994م في دولة «الأردن»(1).


1) المستبصر على تواصل مع مركز الابحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت وله ملف خاص في المركز.)

## (70 بدر الدين بن الطيب كسوبة)(مالكي / المغرب)![483-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/483_13.jpg "image title")ولد عام 1391ه- (1971م في مدينة «سلا» بالمغرب، ونشأ في أسرة مالكية سنية المذهب.)واصل «بدر الدین» دراسته الأكاديمية حتّى حصل على الإجازة في الرياضيات، وبكالوريوس في عام الإحصاء.على الصعيد الديني بعد أن بلغ بدر الدين مرحلة الرشد الفكري فتحت أمامه أجواء عقليّة توجّه من خلالها إلى البحث في مختلف الرؤى والأفكار ؛ ليصل إلى عقيدة حرّة لا مستند لها سوى الدليل والبرهان، وحاول خلال بحثه أن يبتعد عن جميع الجوانب غير العلميّة التي قد تسلب منه الرؤية الواضحة أو تمنعه من البحث الموضوعيّ النزيه.توسيع آفاق المعرفة:حاول «بدر الدين - أيضاً - أن يوسّع آفاق إلمامه بمختلف المذاهب ؛ لئلا يعيش في إطار معرفي ضيّق يملي عليه النظر إلى الحقائق من زاوية واحدة، ويدفعه إلى حالة الحرمان من النظرة الشموليّة.ولهذا قام بمطالعة مختلف الكتب لشتّى المذاهب، كما أنّه واصل بحثه عبر شبكة

الإنترنيت العالميّة ؛ ليتعرّف على شتّى المدارس الفكريّة والمذاهب الدينية والفرق المختلفة.نتائج المقارنة بين المذاهب :ممّا توصّل إليه «بدر الدين خلال البحث في الدائرة الإسلامية، من أجل معرفة المذهب الذي يمثّل الامتداد الحقيق للرسالة التى جاء بها الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، أنّه رأى أنّ كثيراً من أقواله صلی الله علیه وآله وسلم تؤكّد على اتّباع أهل البيت علیهم السلام، وضرورة التمسّك بهم، والأخذ بهديهم، الأمر الذي دفعه إلى التعرّف على أهل البيت علیهم السلام أكثر فأكثر، كما أنّه قام بعد ذلك بإرسال عدة أسئلة إلى مركز الأبحاث العقائدية» عبر موقعه على الإنترنيت وطلب إرشاده إلى المصادر التي يستطيع من خلالها أن يتعرّف على الرؤية الإسلامية الصحيحة، فزوّده المركز بمعلومات هامة في هذا المجال.ومن هذا المنطلق تعرف على أئمّة أهل البيت علیم السلام ، وقرأ كثيراً من أحاديثهم، فانجذب إلى أنوارهم الساطعة، وتعلّق قلبه بهم بحيث لم يستطع تركهم بعد ذلك، فبقي على تمسكه بهم وأعلن عن استبصاره والتزامه بالمذهب الشيعي الاثني عشري وهو يسكن حالياً في مدينة مونتريال بكندا.المؤلّفات:1- «الوصيّة» بحث في تحقيق ألفاظ حديث الثقلين:وقد قام بطبعه «مركز الأبحاث العقائدية» عام 1430ه-، ونشره ضمن سلسلة «الرحلة إلى الثقلين»، العدد 27.يوضح المؤلّف رؤيته بشأن معنى الوصية، والسبب في تأليفه لهذا الكتاب، فیقول:أعني بالوصيّة في هذا البحث: ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نحو قوله: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي...». أي: الحديث الذي يُرشد فيه أمته لما

يعصمها من الضلال إن هي أخذت به، وهو ما يُسمّى بحديث الثقلين، والذي اقترن في بعض طرقه بقوله صلی الله علیه وآله وسلم : «من كنت مولاه فعلي مولاه».ويعدّ هذا الحديث من أهم النصوص التي ما زال الخلاف حولها قائماً بين الشيعة وأهل السنّة والجماعة، وليس الغرض من هذا البحث أن نخوض في الخلاف بين الفريقين، ولكنّ الذي يعنينا، هو التحقيق في ما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته مخبراً أنّها لن تضلّ بعده إن هي تمسّكت به والضلال هنا بمعنى تفرّق الأمّة عن صراط الله المستقيم الذي ارتضاه لها، وإن شئت قلت هو خروجها عن مقتضى قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (1).)وإن شئت قلت: هو ما عناه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم حين أخبر بانتقاض عرى الإسلام عروة عروة، كلّما انتقضت عروة تشبّث الناس بالتي تليها، فأولهنّ نقضاً الحكم، و آخر هنّ نقضاً الصلاة، فبانتقاض عروة الحكم، انفكّت الجماعة التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله صلی الله علیه وآله وسلم، حتّى آل أمرها إلى ما نحن فيه اليوم، إلى فتن يصير فيها الحليم حيراناً، وأصبح الإسلام بيننا غريباً.ويتألّف الكتاب من مقدّمة واثني عشر فصلاً، ومنها:- عرض الروايات.- التمييز بين روايات الحج وروايات الغدير.- شجرة الأسانيد.- روايات الوصية في الحج.- كتاب الله وسنّتي.- كتاب الله وعترتي أهل ب- ، بيتي.- تحقيق روايات كل صحابي.


1) آل عمران (3) 103 .

تحقيق ألفاظ حديث الثقلين.- روایات «من کنت مولاه فهذا عليّ مولاه».- الصيغ الأصح لحديث الثقلين.2- توضيح المقال في مسألة القبض والإرسال»طبعته الهيئة العلمية في حوزة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم في الكويت، ضمن سلسلة «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»، وموضوعها التحقيق في المسائل الخلافية في الصلاة.3 -«النور الجلي في خصائص الإمام علي علیه السلام».4- «التهاني والبشر في معرفة الخلفاء الاثني عشر».

وقفة مع كتابه: «الوصيّة»إضافة إلى ذكر الأسانيد الصحيحة والحسنة لأحاديث الوصيّة بالكتاب والعترة علیهم السلام يتطرّق «المؤلّف» إلى بيان الحديث الذي غالباً ما يتمسّك به أهل السنّة، وهو: «كتاب الله وسنّتي»، فيقول في «الفصل الخامس» من كتابه:العبارة الشائعة بين عامة المسلمين لوصيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أنّه قال: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وسنتي» أو نحو ذلك، ويعلّق القرطبي على هذا الحديث بقوله: وهذا أيضاً محفوظ معروف مشهور عن النبيّ عند أهل العلم شهرة يكاد يستغني بها عن الإسناد (1. لكنّنا نفاجأ حقيقة عندما لا نجد للحديث بهذا اللفظ أيّ سند يُعتمد عليه، وإنما نشره رواة متّهمون عند علماء الجرح والتعديل بالكذب والزندقة.)وهذا ما جاء من رجال الجرح والتعديل في شأن هؤلاء الرواة:سيف بن عمر التميمي الضبيّ:قال فيه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني : ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال ابن عديّ: بعض أحاديثه مشهورة، وعامّتها منكرة لم يتابع عليها، وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن


1) التمهيد 24: 331، واجتهد أحد الكتاب المعاصرين (د. علي السالوس) فكتب كتاباً خاصّاً في تصحيح الحديث بهذا اللفظ أسماه (حديث الثقلين وفقهه).

الأثبات، وقال: أتّهم بالزندقة. قال: وقالوا: إنّه كان يضع الحديث. وقال البرقاني: متروك. وقال الحاكم: أتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط (1.)صالح بن موسى الطلحيّ:لم يوثّقه أحد من رجال الجرح والتعديل. قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال فيه البخاري: منكر الحديث عن سهيل، وأمّا أحمد بن حنبل فكأنّه لم يرضه. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث منكر الحديث جداً. وقال الجوزجاني: ضعيف الحديث على حسنه. وقال النسائي: لا يُكتب حديثه، وقال عنه أيضاً: متروك الحديث، وقال ابن حبّان لا يجوز الاحتجاج به. وقال أبو نعيم : متروك الحديث، يروي المناكير(2.)كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف :قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وقال عنه الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب. وضرب أحمد على حديثه. وقال الدارقطني : متروك. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالمتين. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبّان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة . ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد (3.)إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي:من أهل المدينة، توفي سنة 226ه- قال عنه يحيى بن معين: ضعيف، وقال أيضاً: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وقال أيضاً: مخلّط، يكذب، ليسعدي068:4(488)


1) راجع: الكامل لابن عدي 3: 436 ، تهذيب الكمال 12 326، الكاشف، للذهبي 1: 476، المغني في الضعفاء 1: 460 ، ميزان الاعتدال 4 255 ، تقريب التهذيب 408:1، وغيرها.

2) راجع العلل، لأحمد بن حنبل 2 91، التاريخ الصغير للبخاري 2: 182، الضعفاء والمتروكين، للنسائي : 194، الضعفاء، للعقيلي 2: 203 ، الجرح والتعديل، لأبي حاتم الرازي 4 415، المجروحين، لابن حبّان 1: 369 ، الكامل، لابن عدی 68:4.

3) راجع العلل، لأحمد بن حنبل 3: 213، الضعفاء والمتروكين، للنسائي: 228، الضعفاء، للعقلي 4 4، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 154، المجروحين، لابن حبّان 2: 221 ،الكامل لابن عدي 6: 57 .

بشيء. وقال عنه النسائي: ضعيف، ليس بثقة. وقال أبو حاتم الرازي: مغفّل محلّه الصدق. وقال الحافظ السيّد أحمد بن الصديّق في فتح الملك العليّ: (وقال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربّما كُنتُ أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم (1.)فكل هؤلاء رواة متروكون لا تحلّ الرواية عنهم، ولو في باب الترغيب الذي جوزّ فيه طائفة من العلماء الرواية عن الضعفاء، فكيف يؤخذ بروايتهم في وصيّةالنبی صلی الله علیه وآۀه وسلم لأمّته في ما يعصمها من الضلال من بعده؟!هذا، وقد اقتصرنا على ذكر العلة في راءٍ واحد لكلّ سند، وإلا ففي أسانيد هذه الروايات رواة آخرون متروكون وضعفاء ومجاهيل، وفيما بيّناه من حال هؤلاء الأربعة كفاية لردّ هذه الروايات.وكما ذكرنا سابقاً فقد اقتصرنا في هذا البحث على الروايات المتّصلة الإسناد وأعرضنا عن المراسيل والمنقطعة السند لعدم حجيّتها أصلاً ومن بين هذه المراسيل رواية الطبري في تاريخه» عند ذكره لخطبة الوداع، وأيضاً رواية مرسلة جاءت في «موطأ» مالك عن عمرو بن عوف بعبارة: (كتاب الله وسنّتي، وقد روى القرطبي عنه هذه الرواية بسند متصل سبق بيان العلّة فيه.)ولعل العامل الرئيسي في انتشار هذه الرواية مع أنّها لم تصدر إلا من رواة لا عدالة لهم في رواية الحديث، هو: براءة مضمونها، واتّفاق المسلمين بإجماع على أنّ العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه صلی الله علیه وُآله وسلم أمر واجب لا يجاحد فيه أحد، ممّا سهّل لهذه الصيغة أن تحظى بالمصداقيّة والقبول ليس عند العوامّ فحسب، بل عند الخطباء والكتّاب وطائفة من العلماء أيضاً، دونما بحث أو تمحيص، إذ ليس في مضمونها ما يدعو للشكّ والتحقيق(2.)


1) الكامل لابن عدي 1: 323 ، الكاشف، للذهبي 247:1، فتح الملک العلي:36.

2) مقتطفات من كتاب الوصيّة: 117 - 121. (بتصرّف يسير).

## (71 بنت فاطمة)(سُنّية / المغرب)نشأت في المغرب في عائلة سُنّية المذهب وتعرّفت على التشيّع من خلال حادثة حدثت في القطار صدفة ؛ إذ أخبرها أحدهم بجواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، فواجهته بالرفض، وعندما أرشدها إلى المصادر التي تشير إلى هذه الحقيقة بدأت في البحث في معتقداتها من جديد.ومن الحقائق التي توصّلت لها «بنت فاطمة» بطلان العديد من ادّعاءات الصحابة وأقوالهم التي كانت تعدّها مناقب للصحابة سابقاً، وبعد البحث والتحقيق اتّضح لها أنّها لم تكن سوى مساوئ.المرجعية العلمية للأمّة بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم:من الأمور التي كان يدّعيها العديد من الصحابة: أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يعيّن أحداً لتصدّي المرجعية العلميّة للأمة من بعده. ولكن بمراجعة العقل يتضح للباحث أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم سيّد المرسلين، الذي لا نبيّ من بعده، لا يمكن أن يكون قد غفل عن التخطيط لمستقبل الأمّة، وعن تعيين المرجعية العلمية للأمّة من بعده، ولم يبين لها المصدر الذي تأخذ معالم دينها منه، ومن أين تأخذ السنّة الصحيحة، وحقائق كتاب الله تعالى، وهو حمّال ذو وجوه.فالقضية هنا ليست الخلافة السياسية، بل الحديث عن المرجعية العلمية للأمة

الإسلامية من بعده، وبما أنّ الرسالة المحمّدية هي خاتمة الرسائل السماوية، ينبغي أن تكون هذه المرجعية العلمية مستمرّة إلى يوم القيامة.إنّ عناية النبي صلی الله علیه وآل وسلم بتعيين مرجعية دينية من بعده أمر تفرضه طبيعة الرسالة، فالرسالة أبرز شيء فيها هو كون النبي صلی الله علیه وآله وسلم شهيداً على الناس، ولم يكن هذا الأمر في عصره بل لكلّ الناس وإلى آخر الزمان، وليس من شك أنه شهيد بسُنّته وبقوله وفعله، وهذه السنّة يفترض أنّها تبق كما هي إلى آخر الزمان.وهذه الحقيقة تفرض أن يعيّن النبي صلی الله علیه وآله وسلم من بعده مرجعية علمية ؛ لأنّه روعي في تنزيل الكتاب الإلهي أن يبقى طريّاً في تلاوته، جديداً في عطائه، بحكم اهتمامه بأصول الأفكار والمفاهيم، وبقليل من تفاصيل الأحكام، وأمّا السنّة النبوية فقد تكفّلت ببيان تفاصيل الإسلام، وروعي في تبليغها حاجة المجتمع، ثمّ ورّث العلم كلّه أناس اصطفاهم الله تعالى ليواصلوا الشهادة على الناس من خلال ما لديهم من تركة رسالية، ومن موقع كونهم مطهّرين معصومين، والآية الكريمة أشارت إلى هذا الأمر، وهو قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (1)، فهذا الكتاب وعلومه ممّا أورثه الله تعالى - بصريح الآية - أناساً اصطفاهم وهؤلاء هم في موقع السابقين بالخيرات مؤهّلون لهذه الوراثة. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ (2)، فالآية واضحة في أنّ هؤلاء المخاطبين - وليس كل الأمّة بطبيعة الحال - جعلهم شهداء على الناس بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، ومن موقع أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شهيد عليهم.)أمّا تعيّن هؤلاء الورثة والشهداء بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو يقوم على أساس أنّ الإسلام جاء ليهدم إمامتين دينيتين:الأولى: الإمامة القرشية ؛ فقد كانت قريش تعدّ نفسها إمامة دينية، فتتحدّث


1) فاطر (35): 32.

2) البقرة (2): 143 .

عن الحج الإبراهيمي وقد حرّفته وأضافت إليه كثيراً من الضلالات، ولكنّها بقيت مصرّة على أنّها هي التي تتحدّث عن الحج الإبراهيمي. فجاء الإسلام ليهدم هذه الإمامة.الثانية: الإمامة الدينية الكتابية ؛ المتمثلّة بأهل الكتاب الذين حملوا كتابي موسى وعيسى علیهما السلام فحرّفوهما، وأغرقوا أتباعهم أيضاً بتحريفات كثيرة.فهاتان الإمامتان سادتا قبل البعثة، والدين سواء ينسب إلى إبراهيم، وبقاياه الحجّ الإبراهيمي، أو المعرفة الدينية بكلّ شمولها التي تطرحها التوراة والإنجيل والأسفار الملحقة بهما، فكلا الإمامتين كانتا تعبّران عن الخط الديني، سواء إبراهيم علیه السلام أو الأنبياء من بني إسرائيل..هاتان الامامتان جاء الإسلام ليهدمها وليعرض بدلها إمامة جديدة، هذه الإمامة الجديدة هي في بيت ومن بيت لا يمت بصلة إلى الإمامة القرشية السابقة، ولا إلى الإمامة الكتابية السابقة، وإنمّا هي من بيت إبراهيم علیه السلام.إنّ طبيعة الرسالة هي طبيعة شاملة جاءت من أجل أن تضع البشرية أمام ثقافة إلهية صحيحة قبل اجتهاد العقل ؛ فصحيح أنّه يفترض على العقل أن يتحرّك في ظلّ كتاب الله وبياناته التي بلّغها النبي صلی الله علیه وآله وسلم من أجل أن يصل هذا العقل إلى نتائج صحيحة، ولكن ذلك يجوز بعد أن يضمن أنّ الذي بين يديه من بيانات السنّة هو صحيح ويعتمد عليه، ولذلك حرصت حركة النبوّة على أن تكون الخلافة الدينية التي تخلف الرسول هي من بيت صافٍ، وطاهر، لا يتأثّر بالرواسب الجاهلية.ومن هنا ينبغي الالتفات إلى علّة بعث الله تعالى نبيه محمداً صلی الله علیه وآله وسلم، وجعل الأئمّة من أهل بيت بيته، من بيت بني هاشم وعبد المطلب، من خلال الرجوع إلى قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُّسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ

التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(1).)إبراهيم رسول الله تعالى يطلب من الله تعالى أن يديم عليه نعمة الانقياد التام، وهذا الانقياد التام هو الذي يؤهّل صاحبه لأن يكون نبياً، أو إماماً يقتدى به.وقوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُّسْلِمَةٌ لَّكَ يشير إلى دعاء إبراهيم بأن تكون هذه الأمة المسلمة التي دعا لها التي دعا لها من ذريته، وهي من ذريّة إسماعيل، وأن يكون إسلامها على مستوى إسلام إبراهيم وإسماعيل إسلام يهيّتهم للنبوّة وللإمامة.)وهذه الأمّة المسلمة التي يكون إسلامها كإسلام إبراهيم وإسماعيل، يشير إليها قوله تعالى أيضاً: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (2)، والمراد هنا بيت طاهر، اصطفى أحدهم وجعله رسولاً إليه أولاً قبل أن يُبعث إلى الناس ؛ إذ قال بعدها: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ )، فأخّر التزكية هنا، بينما في سورة الجمعة يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (3)، فقدّم التزكية على التعليم ؛ لأنّهم في ضلال مبين أي في شرك، فهؤلاء غير مؤهّلين لأن يتعّلموا إلا بعد أن يتزّكوا ويعلنوا طهارتهم.)وقد يتبادر للسامع أنّ كل أهل مكّة في ضلال مبين، ولهذا استدرك بقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)، فهنا: آخرين، منصوبة على الاستدراك، يعني: ولكن آخرين منهم من أهل مكّة لمّا يلحقوا بهم في ضلالهم وشركهم، وهذا ينسجم تماماً مع الآية في سورة البقرة ؛ فهناك بيت إبراهيمي كان عنوانه: عبد المطلب، معروف عنه أنّه كان يتحرّى ليعبد الله تعالى، وليوحّده في غار


1) البقرة (2) 127 - 128 .

2) البقرة (2): 129.

3) الجمعة (62): 2.

4) الجمعة (62): 3.)

حرّاء.وهذا هو البيت المنتخب والمصطفى الذي نشأ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليترك للأمّةالإسلامية تراثاً خلال ثلاثة وعشرين عاماً.التراث النبوي:عند استعراض التراث النبوي الذي بين أيدي المسلمين نجده ينقسم إلى مجموعتين:1 - مجموعة تسمّى ب- «الكتب الستّة» وروافدها، وهذه المجموعة تعرض نفسها، ويتدّين اليوم بها أغلب المسلمين، على أنّها تمثّل تراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسنّة النبوية، وعلى هذا الأساس من أراد أن يتفهّم الإسلام أو يفهم النظرية الإسلامية في موضوع ما عليه أن يرجع إلى القرآن الكريم ثمّ إلى هذه الكتب ويكوّن منها نظرية سواء في حركة التاريخ أو التشريع وهكذا.2- مجموعة تعرف ب- «الكتب الأربعة» وروافدها ونظائرها، ويعرضها شيعة أهل البيت علیهم السلام على أنّها هي التي نقلت لنا حديث النبي ، وينبغي أن توضع إلى جانب القرآن الكريم من أجل أنّ الاستنباط، سواء في الاحكام الشرعية أو المفاهيم أو الأفكار، يعتمد عليها.وعند درس هاتين المجموعتين يلاحظ فرق مهم جداً بينها ؛ فالسمة العامّة في الكتب الأربعة هي أنّ الأحاديث كلها تنسب بالأخير إلى راءٍ واحد، هو أحد أئمّة أهل البيت علیهم السلام من أبناء أمير المؤمنين، أو إلى الإمام علي علیه السلام نفسه، الذي دوّن هذه الأحاديث وكتبها بإملاء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وبالتالي فهي كتب تعرض تراث النبوة عن طريق أهل البيت علیهم السلام.في قبال ذلك: التراث النبوي الذي تنتهي الأسانيد فيه إلى الصحابة، وفيهم المكثر، ك: أبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وفيهم المقلّ الذي لا يروى عنه إلا حديث واحد.

ولا يمكن عرض المجموعتين معاً والقول: إنّ هذا هو تراث النبوة ؛ لأنّه يعرض لنا تفاصيل متعارضة، فمثلاً مسألة الرؤية للخالق ففي الكتب الستّة: أنّ الله تعالى يتجسّد يوم القيامة، وهذا الحديث يتعارض مع كتاب الله تعالى، ويتعارض مع العقل أيضاً ؛ فلا بدّ من توحيد الرؤية للأحاديث وللكتب وللسنّة النبوية من أجل استنباط شيء صحيح ؛ فدور العقل يأتي بعد فرز هذه الأحاديث فرزاً صحيحاً.ثمّ إنّ الذي وصل من سيرة الصحابة في فترة ال- 25 سنة من حكمهم يشتمل على آرائهم واجتهاداتهم، والمسلمون يتدينّون بهذه الاجتهادات ويعملون بها، وأغلبهم يقيم صلاة التراويح ولكنّهم يعلمون أنّ هذه هي ليست سنّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، وإنّما سنّة سنّها عمر في الوقت الذي كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يستطيع أن يسنّها ولم يفعل.فإنّ لحديث أهل البيت امتيازاً ؛ فقد دوّن على السنّة كاملة من أجل أن تكون تراثاً لأهل البيت علیهم السلام مع عصمتهم - في الرواية والحكم.مع أنّ علمهم لا ينحصر بهذه الكتب. نعم ينطلق منها ؛ فعلمهم أوسع من ذلك، ولكن من أجل أن تحلّ المشكلة الفكرية، ومن أجل أن يحل الخلاف الفكري ينبغي اتّباع أهل البيت علیهم السلام لأنّهم صمام أمان لحل الخلافات الفكرية والمفاهيمية والتاريخية.التحاقها بركب الهدى:بعد أن تبيّن لبنت فاطمة، دور المرجعية العلمية بعد الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ، وبعد بحث طويل دام لأكثر من أربع سنوات، عرفت الحق، الذي يفرضه العقل والمنطق وكتاب الله وسنّة نبيّه الصحيحة وتيقّنت أنّ المرجعية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي للعترةعليه والهالمعصومة، التي أذهب عنها الله الرجس وطهّرها تطهيراً، فقرّرت اتّباع الحق وترك العصبية، فاعتنقت مذهب أهل البيت علیهم السلام، وذلك في سنة 1424ه- ( 2004م(1).)


1) لم تذكر المستبصرة اسمها الحقيقي لدواعٍ خاصة، وهي عضو في منتدى شيعة الجزائر.

## (72 بنجو فوزية)(سُنّية / المغرب)ولدت في المغرب، بمدينة الدار البيضاء عام 1392ه- (1973م، في عائلة تنتمي للمذهب السنّي، درست في المدارس الأكاديمية حتّى نالت الشهادة الثانوية، وواصلت دراستها في الجامعة حتّى حصلت على شهادة في القانون.)تقول «بنجمو» عن سبب استبصارها:لم تكن الحركة الاستبصار عندي بداية من تاريخ معيّن، بل منذ أن بدأت أعى التاريخ الإسلامي، من خلال الدارسة لاحظت تغييباً مقصوداً لمواقف مولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، وبدأت بطرح الأسئلة التي لم أجد لها جواباً مقنعاً حتى عند الكبار من أساتذتي في ذلك الوقت.كانت التساؤلات المتعدّدة تدور في ذهنها، فكانت تسأل نفسها: لماذا هذا التأكيد المتعمّد على مواقف الخلفاء الثلاثة والتهميش المتعمّد أيضاً لدور الإمام علي علیه السلام في تاريخ الإسلام؟واستمرّ الحال إلى أن شاركت في أحد المعارض الدولية للكتاب، واتّفق أن التقت هناك بأحد علماء الشيعة، وكان متخصصاً في العقائد والكلام، فأوضح لها كثيراً من الأمور، وأجاب على معظم أسئلتها المهمّة، فشعرت حينذاك بأنّ قناعتها بالتشيّع قد اكتملت، ووجدت نفسها شيعية معتقدة بأئمّة أهل البيت علیهم السلام، ومنهجهم

ومذهبهم.دراسة نصّ يبيّن منع بني أمية ذكر اسم علي بن أبي طالب علیه السلاموأحاديثه:قال محمّد بن موسى الحرشي: حدّثنا ثمامة بن عبيدة، قال: حدّثنا عطية بن محارب، عن يونس بن عبيد قال: سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنّك لم تدركه ؟قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك، إنّي في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج كلّ شيء سمعتني أقول: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فهو عن: علي بن أبي طالب، غير أنّي في زمان لا أستطيع أن أذكر عليّاً(1.)أقول: يقول علماء الحديث من أهل السنّة: أنّ هذا النص مقطوع، فلا يصحّ الاحتجاج به ؛ لأنّ اتّصال أبي سعيد الحسن بالإمام علي بن أبي طالب علیه السلام لم يثبت (2.)الجواب: إنّ اتّصال أبي سعيد الحسن بالإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ثابت بوجوه، فمنها ما ذكره البخاري في تاريخه الصغير في ترجمة سليمان بن سالم بن القرشي العطّار : (سمع علي بن زيد عن الحسن ؛ رأى عليّاً والزبير التزما، ورأى عثمان وعلياً التزما)(3).)ومنها: ما أخرجه المزّي في تهذيب الكمال، وهو النص المذكور آنفاً(4.)


1) تهذيب الكمال 6 :124 .

2) انظر: تحفة الأحوذي 4: 571.

3) التاريخ الصغير 2: 182 .

4) تهذيب الكمال 6 :124 .

الأسئلة التي تطرح نفسها:1- لماذا في ذلك الوقت كان الناس لا يستطيعون ذكر اسم الإمام علي علیه السلام ؟2- هل كانت التقية مباحة آنذاك ولذلك كان يقول الحسن: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟3 -هل كان ذكر اسم علي علیه السلام في ذلك الوقت يؤرّق بني أمية، لذا عمد والكتمان ذكره، وبالتالي أرادوا محو ذكره وذكر أهل البيت علیهم السلام، حتّى يستطيعوا تحريف مجمل الأحاديث لصالح من يؤيّدهم من الصحابة؟4- هل كان هذا المنع سبباً لأن تدوّن أحاديث أبي هريرة؟اعتراف المخالفين بسب أمير المؤمنين علیه السلام:جاء في تايخ دمشق: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد المقرئ إذنا وأبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء مشافهة.... كان لا يقوم أحد من بني أمية إلّا سبّ عليّاً، فلم يسبّه عمر (1.)وفي الطبقات : أخبرنا علي بن محمّد، عن لوط بن يحيى الغامدي، قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليّاً رحمه الله، فلمّا ولي عمر أمسك عن ذلك (2.)وفي الكامل: كان بنو أمية يسبّون أمير المؤمنين على بن أبي طالب علیه السلام، إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك، وكتب إلى العمّال في الآفاق بتركه (3.)و في المختصر: كان خلفاء بني أمية يسبّون عليّاً رضي الله عنه، من سنة إحدى


1) تاريخ مدينة دمشق 96:50.

2) الطبقات الكبرى 5: 393 .

3) الكامل في التاريخ 42:5 .

وأربعين، وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أوّل سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلمّا ولي عمر أبطل ذلك، وكتب إلى نوّابه بإبطاله، ولمّا خطب يوم الجمعة ، أبدل السبّ في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)، فلم يسبّ عليّاً بعد ذلك. واستمرّت الخطباء على قراءة هذه الآية(2).)وقال الذهبي: قال عمر بن عثمان الحمصي: ثنا خالد بن يزيد، عن جعونة، قال: كان لا يقوم خليفة من بني أمية إلّا سبّ عليّاً، فلم يسبّه عمر بن عبد العزيز حين استخلف (3.)وجاء في الاستيعاب وروى ابن وهب عن حفص بن ميسرة، عن عامر بن عبد الله بن الزبير : أنّه سمع أبناً له ينتقص عليّاً، فقال: إيَّاك والعودة إلى ذلك ؛ فإنّ بني مروان شتموه ستّين سنة فلم يزده الله بذلك إلّا رفعة، وإنّ الدين لم يبنٍ شيئاً فهدمته الدنيا، وإنّ الدنيا لم تبنِ شيئاً إلى عاودت على ما بنت فهدمته (4.)وقال صاحب طبقات الشافعية : (هذه هي الفتنة التي طار شرها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق، وعظم خطبها وبلاؤها، وقام في سبّ أهل السنّة خطيبها وسفهاؤها ؛ إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع وتوظيف سبّهم على المنابر وصار لأبي الحسن كرم الله وجهه بها أسوة لعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في زمن بعض بني امیه


1) النحل (16) 90 .

2) المختصر في أخبار البشر 1: 201.

3) تاريخ الإسلام للذهبي 7: 227.

4) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1118.

حيث استولت النواصب على المناصب واستعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب(1).)وقال الذهبي في تاريخ الإسلام روى عمر بن علي بن الحسن، عن أبيه، قال: قال :مروان ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعنى: عليّاً، عن عثمان -قال: فقلت : ما بالكم تسبّونه على المنابر ؟! قال: لا يستقيم الأمر إلّا بذلك.رواه ابن أبي خيثمة بإسناد قوي، عن عمر (2.)تلاعب الأُمويين في الدين:قال: أخبرنا معمر ، قال : سألت عنه الزهري؟ فضحك وقال: هو عليّ بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء - يعنى بني أمية - قالوا عثمان (3.)وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي وهو يتحدّث عن القانون الذي قرّره معاوية، وجاء فيه: (فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ؛ فإنّ هذا أحب إلي ، وأقر لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها(4).)التيار الأموي في الماضي والحاضر:لقد أنتجت الدوافع السلطوية المدعومة بقوّة المال والنفوذ مع قوة مراكز الدين المستحدثة لأغراض السلطة السياسية الأموية واقعاً كارثياً على وعي الأئمّة


1) طبقات الشافعية الكبرى 3: 391 .

2) تاريخ الإسلام للذهبي 3: 461.

3) المصنّف للصنعاني 5: 343.

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 45.

وسلامة مفاهيمها وتراثها، حتّى أصبح لعن علي علیه السلام وفاطمة الزهراء والحسنين علیهم السلام وشيعتهم سنّة من سُنن الإسلام وورداً يتقرب به هؤلاء وقومهم إلى الله في صلوات المسلمين ودعائهم ؛ لما يزيد على سبعين عاماً في أجيال المسلمين...وحتّى أصبح التشيع والولاء لأهل البيت علیهم السلام، وحبّهم والتعلّق بهم جريمة دينية قبل أن تكون جريمة سياسية يعاقب عليها قانون حكّام الجور وسلطتهم.. حتّى تدحرج هذا التأسيس الفاسد وأنتج فيها أنتج قتل الإمام الحسين علیه السلام سبط الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنّة، بسيف البغي وإسلام البلاط الأُموي زوراً وبهتاناً، وكأنّ ليس في القرآن آية المودّة في القربى، ولا كأن قراء المسلمين كانوا يردّدون تلك الآيات من القرآن، الذي نزل على نبيّهم ليل نهار، ويتعبّدون بها، ولا كان الرسول قد أخبر الأُمّة أنّ الحسن والحسين علیهما السلام سيّدا شباب أهل الجنّة.وهكذا أيضاً فضح قتل الحسين علیه السلام المفارقة بين تراث ودين حكّام الجور من بني أُمية وآل أبي سفيان ووعّاظهم، ودين وتراث أهل البيت علیهم السلام، الذي هو دين الله، الذي دفعوا من أجل الحفاظ على جوهره الغالي والنفيس من دمائهم الطاهرة، وحرياتهم، وسبي نسائهم ، وكثير من التضحيات العظيمة لهم ولشيعتهم..ورغم أنّ العصر الأموي اندحر واندحرت معه رجالاته، ومراكز تأثيره السياسي، إلّا أنّ نتائج عبثه بالإرث الديني، وعملية تلقيح المفاهيم المزوّرة بالدوافع السلطوية والسياسية في عقول الأجيال المعاصرة له لم تندحر، بل آتت أُكُلها وتفاعلت أكثر ممّا أراد لها معاوية نفسه حين قال: (حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير.)إنّ نتائج خوض الأُموييّن في عملية العبث بالتراث الديني، الذي استلزمته متطّلبات صراعهم مع أهل البيت النبوي والسيطرة عليه لخدمه أغراضهم

السياسية، أسّس حالة من التهافت والابتذال من أجل استخلاص حصانة مزعومة لحكّام الجور الفاسقين، مع لي وتحريف وتشكيل الإرث الديني بما يتلائم مع متطّلبات السلطة الأموية.. تلك الحصانة أصبحت أساساً دينياً وفكرياً أيضاً لانطلاق وتأسيس مفاهيم وقيم دينية أُخرى مزعومة، مثل: حرمة الخروج على هؤلاء الحكّام مهما كانت مستوياتهم الدينية والأخلاقية والسلوكية هابطة، ومهما كانوا فسقة وجائرين ومهما كان الخارجون عليهم صالحين، حتّى لو كان أحدهم بثقل الإمام الحسين علیه السلام في موقعه وصلاحه، حفيد الرسول وسبطه، وسيّد شباب أهل الجنّة.ومع ترسّخ مثل تلك المفاهيم المزيّقة في وعي بعض المسلمين نتيجة للإرادة الأموية وتيارات السلطة، أو نتيجة للمصالح الدنيوية المشتركة لبعض وعّاظ السلاطين مع بني أمية وسلطتهم.. ونتيجة أيضاً لمحاربة بني أُمية لفكر أهل البيت في كلّ مكان، وجعله تهمة، وقمعه ومنعه من الوصول للآخرين، ونتيجة لانغلاق كثير من المجتمعات في محيط السلطة وسيطرتها جراء سيطرة التحالف الشيطاني الديني السياسي، تجدّرت تلك المفاهيم في بعض بقاع المسلمين وتحوّلت إلى موروث ديني وفقهي تقوم عليه مدارس وإنتاجات فقهية ومذهبية وفكرية خاصّة، وتتأثّر به.فلقد استطاع الحكم الأموي، ومن خلال أدواته الدينية التي أشغلها وفعّلها بما يخدم طبيعته ويناسب أهدافه، أن يشحن، وأن يضحّ، وأن ينقل كلّ القلق وكلّ التأزّم والتشنّج الذي كان يعتريه تجاه كلّ ما هو علوي وتجاه كلّ ما هو شيعي إلى ذلك الموروث، بحيث يصبح كلّ ما هو علوي وكلّ ما هو شيعي مصدر الانشغال والقلق المستمر، والحاضر المشترك في إنتاجات تلك المدرسة وامتداداتها عبر العصور، وفي كلّ المراحل التاريخية إلى اليوم، يستقطب جل اهتمام تلك المدرسة

وامتداداتها الأموية التاريخية والمعاصرة بكل تشكّلاتها الواسعة، أكانت أنظمة سياسية، أو أفراداً، أو مؤسّسات دينية رسمية وغير رسمية، أو تجمّعات دينية ومذهبية، أو عصابات قطع رؤوس، كان الشيعة والتشيّع ولازالوا يشكّلون معظم انشغالات تلك التشكلات ؛ يشهد على ذلك: حجم القلق والتشنّج، وحجم الانشغال، وحجم الفتاوى الرسمية وغير الرسمية، وحجم المفخّخات والسكاكين، التي تترصّد وتبحث عن كلّ ما هو شيعي لتستهدفه، والتهمة هي: التشيع لآلالبيت علیهم السلام.إجابة نداء الفطرة:إنّ جميع هذه المحاولات لم تتمكّن من منع وصول صوت الحق إلى آذان من يبحث عنه ولهذا نرى ازدياد عدد المستبصرين في جميع بلدان العالم يوماً بعد يوم ؛ لأنّ الإنسان المنصف المهتم بأمر دينه وآخرته لا يمرّ على الحقائق مرور الكرام، بل يقف عندها ويتأمّل ويبحث عن صحتها أو سقمها.ومن الواضح أن مجرّد تحرّر الإنسان السنّي من التعصّب واقتناعه بجواز البحث عن المعتقد لا يؤدي به إلّا إلى اعتناق مذهب أهل البيتعلیهم السلام.. وقد حصل هذا الأمر للأخت «بنجمو»، كما أشرنا إليه في البداية ؛ فإنّها بمجرّد أن وصل إليها صوت الحقّ اعتقدت به اعتقاداً ،راسخاً، وتحرّرت من قيود التبعية العمياء ؛ لأنّها كانت ناحجة في تحرير عقليتها من قيود التعصب والتحجر (1.)


1) المستبصرة على اتصال بمركز الأبحاث العقائدية من خلال شبكة الإنترنيت، ولها ملف خاص في المركز.

## (73 جمال وادفل)(سنّي / المغرب)نشأ في المغرب في أُسرة سنّية يرجع نسبها إلى الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم .واصل «جمال» دراسته الأكاديمية حتّى أصبح طبيباً وجرّاحاً حاذقاً، كما أنّه مارس مهنة التدريس في الجراحة في كليّة الطب بالرباط، وهو عضو جمعية الجراحة بليون في فرنسا.على الصعيد العقائدي كانت الأسرة التي نشأ فيها «جمال» من الأسر المحبّة والمتعاطفة مع أهل البيت علیهم السلام، الأمر الذي جعله يتقرّب من الفكر الشيعي المتّبع لأهل البيت علیهم السلام أكثر فأكثر، ومن جهة أخرى كانت تدور في ذهنه العديد من الأسئلة والاستفسارات بخصوص النظريّات غير المنسجمة مع القرآن والسنّة في الفكر السنّي، والتي بنوا عليها الكثير من معتقداتهم.هل في الصحابة منافقون؟ممّا يلفت نظر الباحث الإسلامي عند مطالعته التاريخ الإسلامي - مثلاً - وجود المنافقين في عصر الرسالة وما بعده ، الأمر الذي ينسف نظرية عدالة الصحابة -التي اتخذها أهل السنّة مبدأ لمعتقداتهم - من أساسها ؛ فإنّه لا يخفى على أحد أنّ الله -جل جلاله - قد أمر رسوله المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم بمجاهدة المنافقين والتغليظ عليهم

وجعلهم في ذلك بمصاف الكافرين، لكنّه ميّزهم عنهم ببيان كثير من صفاتهم، والتحذير من أخطارهم الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، بل والعسكرية أيضاً، وكل ذلك ينبّه إلى خطورة دورهم وفتنتهم في الحياة الإسلامية.و درجات ظهور علامات المنافقين تختلف، لأنّ لهم علامات مختلفة ؛ فبعض المنافقين ظهرت عليهم هذه العلامات ؛ ومن هذا المنطلق جاءت الآية المباركة: ﴿وَلاً تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (1)، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعرف بعضاً من هؤلاء المنافقين، وفي آية أخرى ﴿وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ )(2)، فهناك منافقون معروفون ظهر عليهم التفاوت في ظهور درجات النفاق أو علامات النفاق.)وهناك قضية أُخرى، وهي: أنّ حركة النفاق هل كانت منحصرة في عصر الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أم أنّها استمرت بعد ذلك ؟ والجواب، ومن خلال الآيات المباركة والأحاديث النبوية الشريفة: أنّها استمرت ؛ فهناك آيات كريمة امتدحت بعض المؤمنين من الذين بايعوا النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (3). وآية أُخرى تقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)(4)، فهاتان الآيتان ليستا بالضرورة تضمنان الجنّة لهؤلاء، وأنّهم بايعوا، وأنّهم آمنوا لأنّ هناك آية كريمة تقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ)


1) التوبة (9): 84 .

2) محمّد (47): 30.

3) التوبة (9): 100.

4) الفتح (48): 18.

فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما(1)، فمن هؤلاء من سينكث.)ويؤيّد هذا كلام البراء بن عازب، إذ ورد عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال، لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك! صحبت النبي صلی الله علیه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده (2.)والأمر الآخر أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم صرّح في بعض أحاديثه بأنّ هناك من الصحابة منافقين، وأنّهم سوف يستمرّون على هذا النفاق ولا يدخلون الجنّة ؛ فقد ورد: عن قيس، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علىّ، أرأياً رأيتموه أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافّة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، قال : قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، وأربعة لم أحفظ (3.)إذاً المنافقون كانوا في عهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، وهم من أصحاب النبي، وهو ما يعني: أنّ بعض أصحاب النبي منافقون.والأعراب أيضاً بعضهم ،منافقون، وبعضهم مؤمنون، والقرآن الكريم صرّح بذلك، وكذلك السنّة النبوية ؛ قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىعَذَابٍ عَظِيمٍ (4).)


1) الفتح (48): 10.

2) صحيح البخاري 5: 66.

3) صحیح مسلم 8: 122 .

4) التوبة (9): 101 .

يخبر تعالى رسوله لله صلی الله علیه وآله وسلم أنّ في أحياء العرب ممّن حول المدينة منافقون، وفي أهل المدينة أيضاً منافقون مردوا على النفاق، أي مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مرید و مارد، ويقال: تمرّد فلان على الله، أي: عنا وتجبّر ..وقوله: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ لا ينا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (1)فإنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم لم يعرفهم لكنّ الله أعلمه بالمنافقين، وقد كان يعلم أنّ في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، وإن كان يراه صباحاً ومساءً..)ويشهد لصحة هذا الكلام ما رواه أحمد في مسنده ؛ إذ قال: حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل عن جبير بن مطعم، قال: قلت: يا رسول الله ! إنّهم يزعمون أنّه ليس لنا أجر بمكّة ؟فقال: «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب». وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأسه، فقال: «إنّ في أصحابي منافقين»، ومعناه: أنّه قد يصدر من بعض المنافقين والمرجفين من الكلام ما لاصحّة له، ومن مثلهم صدر.(2)وهناك آيات كريمة تنص على فسق بعض هؤلاء الصحابة، كما في قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (3)..)فالآية نزلت في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة ؛ فقد روى الواحدي:


1) محمّد (47): 30.

2) تفسير ابن كثير 2: 398 .

3) السجدة (32): 18 - 21.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد الأصفهاني، قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد الحافظ، قال: أخبرنا إسحاق بن بيان الأنماطي، قال: أخبرنا جبيش بن مبشر الفقيه، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعليّ بن أبي طالب: أنا أحدٌ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك. فقال له عليّ: اسكت فإنّما أنت فاسق فنزل: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِفَالَّا يَسْتَوُونَ (1)قال:يعني بالمؤمن عليّاً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة (2). وكذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَيَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3)؛ قال أهل التفسير :)نزلت الآية في الوليد بن أبي عقبة بن معيط ؛ بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق من خزاعة ليأخذ صدقاتهم، وكان بينه وبينهم (إحنة في الجاهلية، فلمّا قرب منهم مجيئه وسمعوا بقربه تلقّوه ليكرموه، فخافهم ورجع، وقال للرسول صلی الله علیه وآله وسلم : يا رسول الله : إنّهم منعوا الزكاة. وفي رواية: إنهم ارتدوا على الإسلام ولم يعطوا شيئاً.)فبعث النبي صلی الله علیه وآله وسلم خلد بن الوليد في سرية إليهم ، وأمره أن يتعرّف حالهم، فإن كان على ما قال الوليد قاتلهم، فذهب خالد وجاءهم ليلاً، فسمع صوت المؤذّنينبينهم، وسمع تلاوة القرآن فرجع وأخبر النبي صلی الله علیه وآله وسلم ،أنزل الله تعالى هذه الآية..فإذاً في الصحابة هناك فاسقون وهناك مؤمنون، وهناك آيات كريمة تنص على نفاق الصحابة أيضاً، فليس كلّ الصحابة على درجة واحدة بل فيهم العادل، والمتقي، والمخلص، والمجاهد، وفيهم الذي بايع ونكث وكان من المنافقين.


1) السجدة (32): 18.

2) أسباب نزول الآيات: 236.

3) الحجرات (49): 6 .

إنّ الذي يقول بأنّ الصحابة كلّهم مؤمنون يرد عليه أنّه لابدّ من شيء يميز المنافقين، وهم قد صحبوا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وذكرتهم الآيات: ﴿ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا تَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطِيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُرُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ للهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(1).)والرواية عن عمر بن الخطاب ومراقبته حذيفة بن اليمان إذا صلّى خلف جنازة من يموت من الصحابة، أم لا.. لأنّ الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم قد أخبره بأسماء بعض هؤلاء الذين صحبوه وكانوا من المنافقين.وهذا الذهبي قال في ترجمة أبي بكر: (وكان أوّل من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أنّ الجدّة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر لك شيئاً. ثم سأل الناس؟ فقام المغيرة، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يعطيها السدس. فقال له : هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر(2).)فالمغيرة الصحابي كان يروي عن مشاهدة قد يصحبها سماع، ويقول: حضرت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يعطيها السدس، ومع ذلك فأبو بكر يحتاط بقبول روايته حتّى يجد له شاهداً حضر ذلك، أو معه شيء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، وهذا مخالف تماماً لمبدأ عدالة الصحابي وقبول روايته، ومعروف أنّ موقف أبي بكر هذا قد سلكه


1) المنافقون (63): 1 - 4.

2) تذكرة الحفاظ 21 .

عمر، كما سلكه عثمان أيضاً.الوقوف على الحقائق يقود إلى اتّباع الهدى والحق:بعد أن تبينّت لجمال الحقائق التي أثبتها القرآن الكريم، وأثبتتها كتب الصحاح والتفسير عند أهل السنّة، والتي تشير إلى عدم صحّة الأساس الذي أقاموا عليه عقائدهم وأفكارهم وفقههم، ما أدّى إلى كلّ هذا الانحراف في فكر الأمّة ومنهجها، وأوصلها إلى الانحدار والخضوع والذلّ في جميع المجالات، قرّر اتّباع الحقّ والرضوخ إلى الحقيقة، فأعلن عن استبصاره والتزامه بمذهب أهل البيت علیهم السلام.ويعدّ «جمال» من أنشط المتشيعين في المغرب(1.)


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه نبذة من سيرته.

## (74 خالد علواوا الحسيني)(ستى / المغرب)ولد في المغرب في عائلة سنّية المذهب، واستمر في الدراسة إلى أن حصل على شهادة في علوم الشريعة، وتعرّف على مذهب الإمامية من خلال مطالعة الكتب ومتابعة المواقع والفضائيات التي تقوم بنشر معارف أهل البيت علیهم السلام، حتّى استبصر بنورهم واعتنق مذهبهم.الإمام المهدي علیه السلام..ولادته ووجوده :كانت مسألة ظهور المنجي في آخر الزمان من المسائل المهمة التي شغلت ذهن «خالد»، ولذا قرّر البحث والتحقيق في هذا الأمر أكثر فأكثر، إلى أن أدّت مطالعاته وتعمّقه في هذا الأمر إلى مبادرته بتحقيق كتاب «العرف الوردي» لجلال الدين السيوطي الأشعري الشافعي، وهو كتاب يحتوي على الأخبار المرتبطة بالإمام المهدي علیه السلام.يقول «خالد» عن تحقيقه لهذا الكتب :لقد وضعت دراسة كتقديم للكتاب بعنوان: «المهدي المنتظر في التراث الإسلامي»، وقد خطوت فيها الخطوات الآتية:1 - قدّمت بين يدي الموضوع بتوطئة من ثلاث نقاط واستنتاج، بيّنت فيها

أهمية هذه العقيدة عند المسلمين.2- أنجزت خمسة فصول، تعرّضت في الأربعة الأول منها للمسألة من زاوية تراثية، وختمتها بفضل خامس ترجمت فيه لحياة الحافظ السيوطي الأشعري الشافعي، كما تحدّثت عن منهجه في كتابه بإيجاز، وذكرت المصادر التي اعتمدها في إعداده.وقد جاء الدليل الموضوعي لهذه الدراسة كالآتي:توطئة.الفصل الأول: المشكّكون حول مهدي آخر الزمان.الفصل الثاني: المعترفون بتواتر الأحاديث والأخبار المهدوية.الفصل الثالث: المؤلّفون في موضوع المهدي المنتظر علیه السلام.الفصل الرابع: رواة أحاديث المهدي من الصحابة والتابعين ومن هم دونهم من سائر الطبقات «من الصدر الأوّل إلى القرن الرابع الهجري».-الفصل الخامس: الحافظ جلال الدين السيوطي الأشعري الشافعي.أ- سيرة حياته.ب - منهجه في العرف الوردي.ج - مصادر العرف الوردي.الدليل العقلي على وجود الإمام المهدي علیه السلام :إنّ الدليل على وجود الإمام المهدي علیه السلام هو الدليل نفسه على لزوم وجود الإمام أو الحجّة في كلّ زمان، والإمامة مفهوم كلّى، قد قرر ذلك العلماء بوجوه:الوجه الأوّل: إنّ العقل يحكم بوجوب وجود الإمام بدليل اللطف ؛ لما ثبت من كون الإمام لطفاً من الله تعالى ولا يتم التكليف بدونه، فمقتضى كرمه تعالى أن يهيئ لعباده وسائل الطاعة ووسائل الابتعاد عن طرق الفساد، وهو لطف، والله لطيف

بعباده، والإمامة من الألطاف الإلهية التي لا يحسن التكليف بدونها، فجرت مجرى سائر الألطاف الألهية ؛ إذ الأمّة محتاجة إلى أخذ معالم دينها من الإمام، والإمام لا يكون إلّا من هو عالم بجميع ما تحتاج إليه الرعية.الوجه الثاني: إنّ الغرض والحكمة في إيجاد الخلق هو المعرفة والعبادة، وهذا الغرض يتوقّف على الواسطة بين الخلق والخالق ؛ لاستحالة المشاهدة والمكالمة، وتكون الواسطة بالرسالة أو الإمامة ، ففرض الخلقة يقتضي الإمام بعد الرسالة.ولادة الإمام المهدي علیه السلام في كتب أهل السنّة:قد اعترف علماء كثيرون من أهل السنّة بولادة الإمام المهدي علیه السلام؛ فقد ذكر السيد العميدي (1في كتابه «دفاع عن «الكافي مائة وثمانية وعشرين شخصاً من أهل السنّة من الذين اعترفوا بولادة الإمام المهدي علیه السلام مع ترتيبهم بحسب القرون، نقتصر على ذكر بعضهم:)1- سهل بن عبد الله البخاري 341ه-.2- الخوارزمي 387ه.3- يحيى بن سلامة الخصفكي الشافعي 568ه-.4- عبد الله بن محمّد المفارقي 590ه-.5- فريد الدين النيشابوري الهمداني 627ه-.6- سبط ابن الجوزي 654ه-.7- محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي 658ه-.8-ابن خلّكان 681 ه-.9 - عزيز بن محمّد النسفى الصوفي 686ه-.10- كمال الدين عبد الرزّاق الكاشاني 730ه-.


1) دفاع عن الكافي 1: 570 - 585.

11 - الجويني الحموني الشافعي 732ه.12 - إسماعيل بن علي أبو الفداء 732ه-.13 - شمس الدين محمد الذهبي 748ه-.14 - صلاح الدين الصفدي 764ه-.15 - محب الدين أبو الوليد محمّد بن شحنة الحلبي الحنفي 815ه-.16 - ابن الصبّاغ المالكي 855ه-.17 -سراج الدين محمّد الواسطي الرفاعي 885ه.18 - شمس الدین محمّد بن طولون الحنفي 953ه-.19 - حسين الديار بكري القاضي 966ه-.20- عبد الوهاب الشعراني الشافعي 973ه-.21 - أحمد الهيتمي الشافعي 974ه-.22- أحمد القرماني الحنفي 1019ه-.23 ابن عماد الدمشقي الحنبلي 1089ه-.24 - عبد الملك المكي العصامي 1111ه-.25 - عبد الله الشبراوي الشافعي 1171ه-.26- عباس بن علي المكي 1180ه-.27- محمّد بن علي الصبّان الشافعي 1206ه-.نعم، حاول أعداء الإسلام بمختلف الطرق أن يثيروا شبهات عديدة بشأن الحقيقة المهدويّة، منها: أنّ الشيعة لا يمتلكون أدلّة على ما يدّعونه من حياة الإمام المهدي علیه السلام، ولكنّهم غفلوا عن أنّ الأدلّة التي يستدل بها علماء الإمامية تعتمد على القرآن الكريم والسنة الشريفة التي لا يمكن إنكارها لأحد من المسلمين.

الاستبصار بنور إمام العصر علیه السلام :إنّ البحث العميق والدقيق في مسألة الإمام المهدي علیه السلام بيّن لخالد اعتماد مذهب الإمامية على الأدلّة القطعية التي لا يمكن التشكيك في صحّتها، ومن هذا المنطلق قرّر اعتناق هذا المذهب والالتحاق بهذا الركب والاستبصار بنور الإمام المهدي علیه السلام فصار ممّن يحمل في قلبه أمل مشاهدة ذلك اليوم، يوم إشراق ذلك النور على جميع العالم، ليمتلأ قسطاً وعدلاً، كما ملئ ظلما وجوراً (1.)


1) المستبصر على تواصل مع مركز الأبحاث العقائدية من خلال البريد، وله ملف خاص في المركز.

## (75 عبد العاطي)(حشوي / المغرب)ولد في مدينة «مكناس» بالمغرب عام 1391ه- (1972م في أسرة مالكية المذهب، تخرّج من الجامعة، قرأ كتب الحشوية وتأثّر بها، له تجربة طويلة مع الطرق الصوفية.)يقول عبد العاطي: لي هواية كبيرة في قراءة الكتب ؛ فقد قرأت أكثر من 700 كتاب من كتب الحشوية وغيرهم، وقد تأثّرت بها ولكنّي كنت غير مقتنع بأفكارها.كما قرأت الكثير من كتب الصوفية، ومررت بتجارب صوفية متعدّدة، وقرأت كتب أبي حامد الغزالي وغيره من العلماء المفكّرين.قرأت التصوّف في عدّة مجالات، والفلسفة السنّية التي تتمثّل في أعظم مفكّريها، وهو: أبو حامد الغزالي، وقرأت عوارف معارف السهروردي، وهو غير الفيلسوف الإشراقي الشيعي، وقرأت الحديث والفقه وكنت أركّز عليهما كما قرأت روايات الدكتور نجيب الكني بصورة كاملة، لكنّي لم أجد بغيتي في جميع ما قرأت!إنّي أعتقد اعتقاداً جازماً بأنّ التصوّف له قاسم مشترك مع الفكر العرفاني، ولكن التصوّف الذي يُمارس في الواقع الخارجي ليس هو إلّا استحمار ديني ؛ لوجود مفاهيم مثل الحلول والاتّحاد والتجسيم فيه، وأعتقد أنّ التوحيد الأصيل لا يجيده إلا الشيعة الإمامية.

مقامات سيّدة نساء العالمين، رؤية أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام :يقول عبد العاطي: إنّ اطلاعي على مأساة السيّدة الزهراء علیها السلام الفاجعة، ومقامها ومنزلتها وفضائلها أثّر عليّ بشكل كبير، ولا زلت أذكر الأبيات التي قالتها:قل للمُغّيب تحت أطباق الثرى*** إن كنت تسمع صرختي وندائيا*** صُبت علىّ مصائبُ لو أنها*** صُبّت على الأيام صرن لياليا*** قد كنتُ ذات حمى بظلّ محمّدٍ*** لا أخشى من ضيمٍ، وكان جماليا*** فاليوم أخشع للذليل وأتّقي*** ضيمي، وأدفع ظالمي بردائيا*** فإذا بكت قُمرية في ليلها*** شجناً على غصن بكيت صباحيا فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسي ولأجعلنّ الدّمع فيك وشاحيا ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا(1)وواقع الأمر هو أنّني لا أتمكن أن أقول شيئاً في السيّدة الزهراء علیها السلام؛ لأنها غنيّة عنالتعريف، والعارف لا يُعَرَّف، كما يقول فيلسوف الإشراق، إنّ الأئمّة المعصومين خلقوا أنواراً قبل أن يُخلقوا في هذه الدنيا، وأنا أعتقد أنّ السيّدة الزهراء هي سرّ من أسرار الله عزّ وجلّ، بل هي سرّ الكون والوجود، ولو لا السيّدة الزهراء لم يخلق لا قمر ولا شمس ولا أرض، ولا أي شيء.مقام رضا الله جلّ جلاله وعلّة الإيجاد:قال صحاب الأسرار الفاطمية (2: إنّ من المقامات التي خُصّت بها فاطمة الزهراء علیها السلام هو: مقام الرضا، أي أنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، حيث جاءت الكثير من الروايات الشريفة المأثورة عن الرسول وأهل بيته علیهم السلام لتؤكّد هذه)


1) مناقب آل أبي طالب 1: 208.

2) الأسرار الفاطمية: 97 .

المنقبة العظيمة للصدّيقة الشهيدة.وهذا ممّا يدلّ على كونها ذا مقام عال وشريف عند الله تعالى ؛ إذ لا معنى أن يرضى الله لشخص من دون أن يكون له عند الله منزلة وكرامة عليه، وهذا مما يساعد عليه العرف العقلائي إضافة إلى الشواهد القرآنية الكثيرة على هذه المسألة، فنحن نجد من خلال الممارسات الحياتية أنّ كثيراً من الأصدقاء مثلاً يرضون لرضا شخص معيّن بالحقّ، ويقبلون شفاعته وتوسّطه، أو رضاه عن شخص معيّن، لحلّ مشكلة ما، وكذلك الحال في الغضب، وعلى هذا الأساس تكون فاطمة كريمة عند الله تعالى ؛ لعلوّ شأنها ومنزلتها عنده، لذلك يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « يا فاطمة إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(1.)وكذلك ما ورد عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال: «يا فاطمة أبشري، فلك عند الله مقامٌ محمودٌ تشفعين فيه لمحبّيك وشيعتك فتُشفعّين» (2.)ويظهر أيضاً مقامها عند الباري عزّ وجلّ من خلال الحديث الطويل الذي يروى عن أهل بيت العصمة عن الله تعالى ؛ حيث يقول الباري عزّ وجلّ: «يا فاطمة وعزّتي وجلالي، وارتفاع مكاني، لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام أن لا أعذب محبّيك ومحبّي عترتك بالنار»(3.)فأي منزلة ومقام لها عند الله تعالى، بحيث يقسم الله تعالى بعزّته وجلاله أن لا يعذّب بالنار شيعة الزهراء ومحبّيها؟! وهذا الحديث له مقام عال يثبته حديث آخر ورد في شفاعة الزهراء علیها السلام في يوم القيامة وإعطاء الكرامة العظمى لها آنذاك.


1) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 3: 107.

2) راجع: كنز الفوائد: 63.

3) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة 2: 485.

ومن المقامات الأخرى لها علیها السلام هو : علّة الإيجاد، أي: أنّها كانت علّة الموجودات التي خلقها الباري عزّ وجلّ، كما ورد في الحديث الذي يقول فيه الباري عزّ وجلّ: «يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمةلما خلقتكما »(1.)مقامها علیها السلام عند الملائكة:في حديث طويل: «.. فقالت الملائكة إلهنا وسيّدنا لمن هذا النور الزاهر، الذي قد أشرقت به السماوات والأرض؟ فأوحى الله إليها: هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتى فاطمة ابنة حبيبي وزوجة ولیّى وأخى نبیّى وأبي حججي على عبادي، أشهدكم ملائكتي أنّي قد جعلت ثواب تسبيحكم وتقديسكم لهذه المرأة وشيعتها ومحبّيها إلى يوم القيامة» (2.)وهذا يعني: أنّها علیهما السلام لها مقام النور الزاهر عند الملائكة، فهم يعرفونها في السماء بالنور الزاهر الذي أزهرت السماوات والأرض به ولأجل ذلك سمّيت ب-«الزهراء». مقامها علیها السلام عند الأنبياء وعند نبيّنا محمّد صلی الله علیه وآله وسلم:أمّا عند الأنبياء، فهذا ما يدلّ عليه الحديث المأثور عن أهل بيت العصمة الذي يقول: ما تكاملت نبوّة نبّي من الأنبياء حتّى أقربفضلها ومحبّتها، وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى، إذ يظهر من هذا الحديث أنّ لها مقامسام : عند الأنبياء، لأنّه ما تكاملت نبوّتهم حتّى أقرّوا بمنزلتها ومقامها، وفضلها ومحبتها..


1) الأسرار الفاطمية : 18 ، نقلا عن عوالم العلوم في أحوال سيدة النساء.

2) راجع: تأويل الآيات 1: 138 - 139.

واللطيف هنا إنّما الإقرار يكون عند من له الحق على الآخرين، وعليه يكون الأنبياء أقرّوا الله تعالى - لأنّه هو صاحب الحقّ عليهم بفضلها ومحبّتها.أمّا عند النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، فإنّ مقامها رفيع، ولو أردنا أن نكتب عن مقامها عند الرسول لاحتجنا إلى مجلّدات في هذا الأمر، ولكن على ما يسعنا المقام نقول: إنّ مقامها يظهر من خلال أحاديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم نفسه، حيث تارة يقول: «فداك أبوك»(1، ومرّة أخرى يقول لها: «أم أبيها»(2)، وأخرى: «بضعة منّى (3)، ولحمها لحمي (4)ودمها دمي»، ولكن الأهم من هذا كلّه فإنّها علیهم السلام يكفي من مقامها ومنزلتها عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال في حقّها: «من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي: فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي الذي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»(5).)وأيضاً قوله صلی الله علیه وآهل وسلم : ( ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن ظلمك فقد ظلمني ؛ لأنّك منّي وأنا منك، وأنت بضعة من روحي التي بين جنبيّ». ثمّ قال صلی الله علیه وآله وسلم : «إلى الله أشكو ظالميك من أمُتي»(6.)مقامها علیهما السلام عند الأئمّة :ورد عن الإمام الحسن العسكري علیه السلام أنّه قال: «نحن حجج الله على خلقه، وجدّتنا فاطمة حجّة الله علينا» (7، وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة فقد أعطى)


1) فتح الباري 10: 470.

2) انظر: أسد الغابة 5: 520 .

3) صحيح البخاري 210:4.

4) ينابيع المودة 1: 348.

5) الفصول المهمة 1: 664.

6) كشف الغمة 2: 120.

7) الأسرار الفاطمية : 99 نقلاً عن تفسير أطيب البيان.

الفاطمة علیهما السلام و على لسان حفيدها شهادة عظمى بحقها ..ويظهر من خلال حديث آخر عظم منزلة ومقام فاطمة عند الأئمّة ؛ فقد خرج من الناحية الشريفة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّه قال: «وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي أسُوة حسنة..»(1.. فأيّ مقام يظهر لنا من خلال هذا التوقيع الشريف؟! والذي بيّن فيه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّ له أسوة حسنة بفاطمة، أي أتّخذها قدوة له يتأسّى بها في المعضلات والمصائب.)وهناك كثير من المقامات التي اشتركت الزهراء علیها السلام مع الأئمّة فيها، من حديث كونهم الصراط المستقيم واشتراكها معهم فيه.. وكذلك كونهم الكلمات التي تلقاها آدم لتوبته..واشتراكها معهم في المباهلة مع وفد نجران.. وهو يدلّ على أنّها كانت قطب الرحى الذي دار في المباهلة.. وكونها الشجرة الطيّبة.. واشتراكها في النور معهم. وفي التطهير في آية التطهير ... الخ من المناقب والمقامات العالية لها علیه السلام، ولقد تضافرت الروايات الشريفة على هذه المقامات.مقامها علیها السلام يوم القيامة:إنّ أفضل مقام تعطاه فاطمة علیها السلام هو مقام الشفاعة الكبرى يوم القيامة، ومن خلال هذه المنزلة يظهر قدر ومقام فاطمة عند الله تعالى يوم القيامة وأمام الخلائق جميعاً ؛ فلقد ورد في تفسير فرات ... فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت، فيقول الله عزّ وجلّ:«يا بنت حبيبي ! ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتّي؟فتقول: يا رب ! أحببت أن يُعرف قدري في مثل هذا اليوم.فيقول الله: «يا بنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك، أو لأحد


1) الغيبة للطوسي: 286.

من ذريتك، خذي بيده فأدخليه الجنّة».قال أبو جعفر علیه السلام : « والله - يا جابر، إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيد من الحب الرديء. فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا، فيقول الله عزّ وجلّ:يا أحبائي، ما التفاتكم وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟فيقولون: يا رب! أحببنا أن يُعرف قدرنا في مثل هذا اليوم..فيقول الله: يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة، خذوا بيده وأدخلوه الجنّة». قال أبو جعفر علیه السلام:«- والله - لا يبق في الناس إلّا شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات، نادوا كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، فيقولون: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (1).)قال أبو جعفر علیه السلام :«هيهات هيهات منعوا ما طلبوا، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (2)(3).)الاهتداء بنور عظمة أهل البيت علیهم الاسلام:يقول «عبد العاطي»: من خلال قراءة كتب علماء الشيعة، والاطّلاع على مقامات ومنزلة أهل البيت علیهم السلام، والاتّصال بالمستبصرين في المغرب، والبحث معهم


1) الشعراء (3): 100 - 102.

2) الأنعام (6): 28.

3) تفسير فرات الكوفي: 299.

في أمور متعدّدة، عرفت أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت علیهم السلام، وهم أدرى بالذي فيه، فاهتديت بهداهم وركبت سفينة النجاة وتمسكت بالثقلين.وكان استبصاره عام 1414ه- ( 1994م(1).)


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، وقد أُجري معه لقاء ذكر فيه نبذة من سيرته وكيفية الاستبصار.

## (76 عبد الله الدهدوه (سني / المغرب))![524-13](/storage/sources/28/library/books/145/627745/images/524_13.jpg "image title")ولد عام 1385ه- ( 1966م في مدينة «طنجة» أكبر مراكز الصناعة والتجارة بالمغرب، وتربّى في أحضان أسرة سنيّة المذهب.)واصل «عبد الله» دراسته الأكاديمية بعد الذهاب إلى العاصمة البلجيكية بروکسل»، فنال شهادة البكالوريوس في العلوم الطبيعية من إحدى الجامعات في بلجيكا.على الصعيد العقائدي كان عبد الله - ومنذ بلوغه الفكري - يرى ضرورة البحث عن المعتقد بعيداً عن التعصّب الطائفي أو القومي، بل بدراسة شاملة للتاريخ والعقائد الإسلامية تتكفّل الوصول إلى برّ الأمان الذي وعد الله تعالى به عبادهالصالحين.وكان ممّا توصل إليه ضمن أبحاثه: أن بعض المباني التي ابتنى عليها المذهب السني لا تتلائم والتاريخ الإسلامي الذي ترويه لنا المصادر التاريخية، فمثلاً: يعد هذا الفكر نظرية «عدالة الصحابة» من أهم المباني والمرتكزات التي بني عليها أفكاره، ولكن بمراجعة التاريخ يرى الباحث العديد من الوقائع التاريخية التي تفنّد صحة هذه النظرية.

يقول «عبد الله ضمن حديثه عن الوحدة بين المسلمين... لكن هذا لا يمنعنا من إثبات أنّ فلاناً من الصحابة قد أخطأ في المسألة الفلانية، وهذا لا نقوله حصراً على أبي بكر وعمر وعثمان، بل إنّ العديد من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخطؤوا، ونحن لا نخفي ذلك عندما يتطّلب الأمر قوله طبعاً نحن نقوله مع الدراسة الموضوعية العميقة.مواقف للصحابة لابدّ من التأمّل فيها:قال مالك في كتاب «الموطّأ»: عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، أنّه بلغه أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال الشهداء أحُد: هؤلاء أشهد عليهم. فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بلى، ولكن لا أدري ما تُحدثون بعدي».فبكى أبو بكر، ثم بكى، ثم قال: أننّا لكائنون بعدك ؟ (1.)والحديث صريح على أنّ حسن العاقبة موقوف على ما سيحدثه البعض بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من أحداث.. ولم يصرّح النبي صلی الله علیه وآله وسلم هنا لسائله بالجنّة، مع أن السائل كان يذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإيرادات والاحتجاجات ليحظى بشهادته له بحسن العاقبة، إلا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنحه ذلك الوسام ، واكتفى بقوله: بلى، ولكن لا أدري ما تحدِثون بعدي !!وهذا المعنى الوارد في الحديث يتّفق تماماً مع ما جاء ذكره من أحاديث الحوض المعروفة الواردة في صحاح أهل السنّة، والتي جاء في بعضها قوله صلی الله علیه وآله وسلم: يرد عَليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي !! فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (2.)وأمّا الأحداث التي جرت بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ، والتي أحدث فيها بعض الأصحاب


1) الموطأ 2: 462.

2) صحيح البخاري : 208 .

ما خالفوا فيه الكتاب والسنّة فهي كثيرة ، ولعل أبرزها هو: الاعتداء على عترة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وابتزاز حقّها، وأشد تلك المواقف هو السعي إلى حرق بيت الزهراء فاطمة علیها السلام بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ووديعته في أمّته، والتي قال فيها: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها»(1.)وقد اعترف أبو بكر بهذه الحادثة ؛ فقد قال في مرض موته - فيما نقله المؤرخون والمحدّثون عنه -: أما أنّي لا أسى على شيء في الدنيا إلّا على ثلاثة فعلتهنّ، وددت أنّي لم أفعلهن... فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإنأُغلق على الحرب (2.وقد ذكر كلّ من البخاري ومسلم في صحيحيهما أنّ فاطمة علیها السلام غضبت على أبى بكر وهجرته عندما منعها إرثها عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ولم تزل مهاجرته حتّى توفیت (3.)هذا، مع أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان قد شهد لابنته فاطمة علیها السلام في هذا المورد بالذات -أي: مورد الرضا والغضب - أنّ رضاها وغضبها لا يكون إلّا عن حق ؛ فقال صلی الله علیه وآله وسلم مخاطباً ابنته فاطمة علیها السلام :«إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(4، ومن المسلّم ضرورة أنّ رضا الله وغضبه لا يكون إلّا للحق وبالحق !!)


1) الآحاد والمثاني 5: 362.

2) المعجم الكبير 1 62 تاريخ الإسلام الذهبي :3 : 117 ، كنز العمال 5: 632، ونقله المتّقي الهندي عن أبي عبيد في كتاب «الأموال»، وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في «فضائل الصحابة»، وعن الطبراني في «الكبير»، وابن عساكر، وعن الضياء المقدسي صاحب المختارة.)وأمّا عن التهديد بالإحراق فيمكن مراجعة تاريخ الطبري 2 443 ، شرح نهج البلاغة 6: 48، السقيفة وفدك: 73.

3) صحيح البخاري 4 42 ، صحيح مسلم 5: 154.

4) المستدرك على الصحيحين 3 167 ، وقال الحاكم بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. المعجم الكبير ،1: 108 ، كنز العمال 12: 111، ذخائر العقبی 39، سبل الهدى والرشاد 44:11

كما روي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم : «إنّما فاطمة شجنة - أي: قرابة مشتبكة - منّي، يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها »(1.)وكان النبي صلی الله علیه وآله وسلم قبل هذا قد أوصى أمته بأهل بيته علیهم السلام ، وقال مكرّراً ذلك على أصحابه: «أذكركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي» (2.)الاهتداء، ثمّ هداية المجتمع:بعد فترة من البحث الشاقّ لم تدع الأدلّة الصريحة - في ضرورة اتّباع المذهب الشيعي - أمام «عبد الله» سوى تغيير الرؤية السابقة واعتناق مذهب أهل البيت علیهم السلام ، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بركب شيعة النبي وآله علیهم السلام.ولتنمية رصيده الديني والارتواء من ينابيع معارف أهل البيت علیهم السلام قرّر الذهاب إلى إحدى أعرق الحوزات العلمية، يقول عن ذلك: تشيّعت وعمري سنة، وبعد أربع سنوات ذهبت للدراسة في مدينة قم بإيران، وهناك اطّلعت على الفكر الشيعي بعمق.ثمّ عاد إلى بلجيكا، ولكن تعطّشه لتلقي التعاليم الدينية دفعه للرحيل إلى مدينة قم المقدسة ثانية، فأروى غليله ليعود هذه المرّة إلى بلجيكا، ولكن بأطروحة بنّاءة لهداية المجتمع إلى سبيل أهل البيت علیهم السلام ، فقام - وخلال ما يقارب عشرين عاماً بمواصلة نشاطه التبليغي والتثقيف هناك، وتربى عنده أكثر من 200 طالب، كما أمّ الموالين في مسجد الإمام الرضاء علیه السلام أكبر المساجد الشيعية في بروكسل.إضافة إلى ذلك فقد ساهم في نشر مجلة فقهية عقائدية باللغة الفرنسية باسم «شعاع الحكمة»، كما ألّف كتاباً سماّه: «الحرّية من وجهة نظر الإسلام والغرب».


1) أخرجه الحاكم في مستدركه 3 : 168 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.

2) صحيح مسلم 7: 123، مسند أحمد 4: 367.

استشهاد في سبيل الله :لم ترُق لمرتزقة الفكر الوهّابي فكرة أن يجمع أحد أتباع المدرسة الشيعية الناس في الغرب على الولاء لأهل بيت الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فقاموا بإثارة المشاكل للحيلولة دون تأثّر الناس بكلامه، وفي آخر سعي لهم قام بعض أتباعهم بهجمة شرسة على المسجد الذي كان يؤم الناس فيه وأحرقوه، الأمر الذي أدى إلى اختناق «عبد الله» فيه ليلاقي ربّه مستشهداً في سبيله عزّ وجلّ، وكان ذلك عام 1432ه- (2012م.)وبعد استشهاده نقل جثمانه الطاهر إلى المغرب، وشُيّع من قبل أعداد غفيرة من معتنقي الفكر الشيعي في مسقط رأسه مدينة «طنجة»، ودفن هناك.كما أقيمت عدّة مجالس تأبينية في بروكسل، وغيرها من المدن التي يقطن فيها أتباع أهل البيت علیهم السلام.فالسلام عليه يوم ولد، ويوم استُشهد، ويوم يرزق حيا(1.)


1) للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، جمعت فيه بعض كلماته، وما يرتبط بسيرته وكيفية استشهاده.

## (77 لطفي أبو بوطي)(صوفي / المغرب)ولد عام 1392ه- (1973م في مدينة مكناس كلمة أمازيغية تعني المحارب- إحدى أعرق مدن المغرب، وكانت عاصمة للمغرب منذ عام 1672م حتّى سنة 1727 ، وهي مدينة ذات تاریخ معروف واصل «لطفي » دراسته الجامعية، والتقى ببعض الأخوة الذين هيّجوا في داخله مشاعر الولاء لأمير المؤمنين علیه السلام ، ممّا دفعه باللحاق بركبه علیه السلام.)الشخصية والعقيدة :يحاول بعض الناس معرفة تواريخ الأشخاص وسيرهم، وكلّ سيرة يتأثّر بها القارئ تُبقي في نفسه نوعاً من التغيير، إلّا أنّ عظمة صاحب السيرة قد تجعل هذا التغيير تحوّلاً على كافّة الأصعدة الفكرية والمنهجية، ولنقل الأيديولوجية والرؤيةالكونية لشخص القارئ.بل حتّى أنّ القرآن الكريم أشار لأهمية معرفة سير الأشخاص العظام والسير على نهجهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (1)، وفلان يتأسّى بفلان، أي: يرضى لنفسه ما يرضيه،)


1) لأحزاب (33): 21 .

ويقتدي به، وكان في مثل حاله (1...)وعلى كلّ حال لا يمكن التأسّي بشخص إلّا بعد تتّبع سيرته، ومعرفة حياته.ولعلّ من أكثر السير التي حيّرت المفكرين سيرة أمير المؤمنين علیه السلام ، إذ حوت العديد من المواقف منذ ولادته حتّى وفاته، والتي لم يتوقّف أحد عن نقلها وتحليلها، فولادته كانت في الكعبة وهو أوّل من أسلم، وأوّل من صلى مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وهو الذي فدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند هجرته، وتزوّج ابنته علیهما السلام، كما أنّه فاتح خيبر، والقائم بأمر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على جنازته، وخليفته ، والصابر على ما جرى عليه بعد رحيله صلی الله علیه وآله وسلم، وهو الذي حارب الناكثين والقاسطين والمارقين.. وغيرها ممّا يُعجز عن حصرها..فكلّما قرأ شخص عن سيرته تعلّم عن نفسه أكثر، وفهم مسيرته، وكأنّه يقرأ عن الأمير ليتعلّم عن شخصه ؛ لأنّ حياة أمير المؤمنين علیه السلام لا تنير الدرب لمن أراد أن يعرف الحق، ومن عُمّي على قلبه سيجد لكلّ أمر عذراً حتى لا يهتدي...شخصية أمير المؤمنين علیه السلام:لا نحاول هنا عرض شخصية أمير المؤمنين علي علیه السلام بقدر ما نريد مناقشة من حاول التقليل من شأنه، وسنبحث نقاط ثلاث علم أمير المؤمنين، وشجاعته، وقرابته من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.(أ علمه :)قال أبو إسحاق الشيرازي في كتابه «الإشارة إلى مذهب الحق»، بعد ذكره أنّ الخلافة ليس فيها نصّ، وأنّ إجماع الصحابة هو الحجّة في الأمر ؛ لأنّهم لم يقدّموا المفضول على الفاضل، ما نصّه:«فإن قيل: عليُّ أولى بالخلافة ؛ لأنّه أعلم من أبي بكر وأشجع، وكان أقرب


1) لسان العرب 14: 35 .

إلى النبي من أبي بكر ؛ لأنّه كان ابن عمّه.يقال لهم: هذا ليس بصحيح، والدليل على أنّ أبا بكر كان أعلم الصحابة بعد النبي وأشجعهم: قوله يوم الرّدة: لو منعوني عقالاً - أو عناقاً - ممّا أعطوا رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو جلاني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي.فقال عمر: سمعت النبي يقول: «أُمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلّا الله، فإذا قالوها عصموا منّى دماءهم وأموالهم».فقال أبو بكر: سمعته يقول: «إلّا بحقها، والزكاة من حقّها، والله لا أُفرّق بين ما جمع الله عزّ وجلّ ؛ قال الله عزّ وجلّ : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (1).)إلا أنّه لم يلتفت بأنّ هذا الدليل يثبت أعلمية أبي بكر على عمر، ولا يفيد أعلميته على جميع الصحابة، إلّا أن يقال: أنّ عمر كان أعلم الصحابة!والمواقف التي وقعت بين أمير المؤمنين علیه السلام وأبي بكر وعمر توضّح الفارق العلمي بينهم، بل وحكي جهل أبي بكر بمعرفة معاني آيات القرآن، كما حدّث محمّد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: (أنّ أبا بكر سئل عن: ﴿فَاكِهَةٌ وَأَبا ؟ فقال: أيّ سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.)وفي تفسير الثعلبي: (أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمّد خالد بن قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: حدّثنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا محمّد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: أنّ أبا بكر سئل ....(2).)فكيف يناقش في أعلميته من أمير المؤمنين الذي تخرّج من مدرسته أمثال ابن عبّاس وغيرهم؟!وكلّ هذا يؤكّد عدم رجحان أعلمية أبي بكر على أمير المؤمنين إلا أن تثبت


1) الإشارة إلى مذهب الحق: 256 - 257 .

2) تفسير الثعلبي 10: 134.

بدليل.. وعلى كلّ ما أراده لم يصبه بهذا النصّ.وقد تسالم عند الفريقين أحاديث تثبت أعلمية الإمام علي علیه السلام مطلقاً، كما فيحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(1.)وقد أشكل الشيرازي على هذا الحديث بقوله: (هذا الخبر لا يخلو: إمّا أن يكون علي رواه، أو غيره، فإن كان غير علي رواه، فهذا علمٌ من العلوم علمناه من غير الباب، وإذا جاز أن يُعلم علمٌ من العلوم من غير الباب جاز أن يعلم جميعها أو أكثها من غير الباب.وإن كان علي قد رواه، فهذه شهادته لنفسه، وشهادة الرجل لنفسه لا تقبل، فدلّ على أنّ الخبر له معنى غير ما ذهبوا إليه. وأشار إلى أنّ المعنى المقصود من علي بابها هو علوّه ؛ أي: رفيع بابها وعظيم شأنها (2.)ليت شعري! أيكذب علىٌ في حين يصدق كلّ الصحابة لعد التهم، أو يُكذب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المدحه إياه؟!وكيف ينكر كون علي علیه السلام باب علم الرسول، بل كيف يغفل عن أنّ الحصر المذكور حصر ادّعائي، لا حصر حقيقي على أسس كلام أهل المنطق، فإنّ العرب كلامهم تابع لمرادهم، ويرسلون العام ويريدون الخاص، وكأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى أنّ قصب السبق للإمام علي علیه السلام في هذا الأمر، والكمال له فيه، كما تقول: أم--ر الأمير الناس بكذا، وأنت تريد من في إمارته.ولا تخفى المغالطة في حديثه ؛ فالعلم الذي قصده النبي صلی الله علیه وآله وسلم علمٌ غير النقل.. وبصيغة أخرى: إن كان المخاطب أمير المؤمنين فقط، فلا معنى للحديث، وإن كان


1) عيون أخبار الرضاء علیه السلام 2: 71 - 72 ، المستدرك على الصحيحين 3: 126، المعجم الكبير للطبراني 11 55، الاستيعاب لابن عبد البر :3: 1102 ، نظم درر السمطين: 113، الجامع الصغير للسيوطي 1: 415 ، وكنز العمال :13: 148، حديث 36463.

2) الإشارة إلى مذهب الحق: 260 - 261.

المخاطب المسلمين عامة، فكيف لا ينقلونه وهم سمعوه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؟!ولا يخفى أنّ كلّ ما يُنقل من أحاديث عن غير الأئمّة أنفسهم، كأحاديث: جابر بن عبد الله، وأبي ذر وسلمان، وغيرهم، هي عند الإمامية مقبولة ؛ الحجّية خبر الثقة، وكأنّ الإمام بمفاد هذه الحجّية قبل ما فيها وقرّره، فيكون صدورها منهم مع قبول الإمام لنقلهم كصدورها منه، فلا يرد ما أورده.شجاعته :قال الشيرازي: (ومن الدليل على أنّ أبا بكر أشجع من علي رضي الله عنه: أنّ النبي أعلم عليّاً بموته، فقال له: «ابن ملجم يقتلك»، فكان علي رضي الله عنه إذا لقي ابن ملجم يقول: «متى تخضب هذه من هذه؟» يعني لحيته من دم رأسه، فكان إذا دخل الحرب فلاقى الخصم يعلم أنّ ذلك الخصم لا يقتله، فهو معه كأنّه نائم على فراشه.وأبو بكر كان إذا دخل الحرب ولاقى الخصم لا يدري هل يقتل أم لا، فمن يدخل الحرب وهو لا يدري هل يقتل أم لا، ويقاسي من الكرّ والفرّ والجزع والفزع ما يقاسي، يكون كمن يدخل الحرب وهو نائم كأنّه على فراشه، فدلّ على أنّ أبا بكر كان أشجع.ثمّ يقال لهم: الشجاعة ليس فيها فضل والدليل عليه: لو أنّ الشجاع تخلّف عن الجهاد وجاهد الجبان، كان الفضل للجبان لا للشجاع المتخلّف، ثمّ لو جاهدا جميعاً وقلنا: الفضل للجبان، كان غير بعيد. لأنّ الجبان يقاسي من المشقّة ما لا يقاسيه الشجاع الذي له دربة بالحرب، فإذا قلنا: إنّ الجبان أفضل لما يناله من المشقة في كرّه وفرّه يكون غير بعيد (1).)لا عجب أنّ مثل هذا الفكر يقود إلى التردّي وعدم تبصر الحق، فإنّ


1) الإشارة إلى مذهب الحق: 57 - 58 .

الشجاعة لا تتوقّف على معرفة نتيجة العمل كما لو علمت أنّ قفزك من علوّ ألف متر لن يقتلك ؛ لأنّك مربوط بحبل متين، لتردّدت في القفز ألف مرة وقد لا تقفز أصلاً -وكذا الحال في علم علي علیه السلام أنّ ابن ملجم يقتله، فهو لا يعني نفي الخوف عنه من الموت، بل مجرّد توقّعه يبتّ الخوف في نفس البشر، وكان الأمير لا يهتم لهذا الأمر، الله وليس لنفسه ؛ حتّى أنّه دخل المسجد للصلاة يوم قُتل وهو يعلم أنّ هذا اليوم يوم شهادته؟ولو سُلّم لقلنا: أنّه قد يخاف قطع يده، أو بتر رجله، أو فقد إحدى عينيه، وهذه كلّها تهيئ للخوف في نفس البشر، وكان أمير المؤمنين علیه السلام يقاتل ولا يبالي رغم احتمال حصول أحد هذه الأمور إلّا القتل على الفرض.ومن قال: أنّ النائم على فراشه في القتال كالذي يقاسي الكرّ والفرّ ؛ فالفرار عيب في حقّ من يدّعي الشجاعة، أمّا فضل الشجاعة فهو منقبة للشجاع تميّزه عن سائر أقرانه.وما مثّل به الشيرازي إنّما هو المدح من جهة التشجيع للمُقْدِم على الحرب مع جبنه، لا لفضله على الشجاع، ولو كان الفضل لمجرّد الإقدام كان المقدم الفارّ كالمقدم الباقي في ساحة المعركة، وهذا لا يقول به عاقل.ولو سُلّم فإنّ فرّ وكرّ الجبان في المعركة مدعاة لوثوق المحارب في قوّته وإقدامه على الهجوم ؛ والمفترض أنّ المحارب وجد ليرعب عدو الله لا ليثبّت قدمه ويساعده في معرفة نقاط ضعفه، فأيّهما أفضل الذي يرعبه بوجوده فقط، أو الذييرعبه بفعله ووجوده؟!ولا يخفى أنّ المشقّة الحاصلة للجبان إنّما هي مشقّة نفسانية لا علاقة لها بالمشقّة في جنب الله، وأي مشقّة أفضل: مشقة النفس - أقصد: خوفها - لأجل نفسها، أو مشقّة النفس - التي هي جهاده - لأجل الله كالتي يفترض أن تكون في الشجاع؟

وكان الأولى به ذكر المواقف التي دلّت على شجاعة الخلفاء، في قبال شجاعة الأمير، لتحصل المقارنة والعلم أيّهما أشجع، لا البحث في كون الشجاعة فضيلة أم لا!(د قرابته من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم :)لم يتفرّد أبو إسحاق بهذا الإشكال، بل لعلّه من أشهر كلمات القوم في ردّ مقام ذوي القربى ؛ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1. وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في إحالة آل البيت إلى العمل دون القرابة، وبدعوى أنّ والد النبي ووالدته في النار -- والعياذ بالله - وغير ذلك ممّا يتمسّك به عندهم في ردّ حقوق ذوي القربى ، ولم يلتفت إلى قوله تعالى:(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )(2).)بل والعجب أنّهم لم يرضوا أن تكون قرابة آل محمّد ذات أهمية في حفظ شأنهم، ورضوا بأن تكون زوجاته محفوظات الشأن لقرابتهم، رغم الآيات الناطقة بأن الزوجات إذا لم يستقمن على الطريقة فلسن على شيء، وكفى مثلاً زوجة نوح وزوجة لوط.ولا حاجة لإطالة الطريق ؛ فإنّ الأقربين أولى بالمعروف، وحيث لم يجدوا جواباً لذلك، فقالوا: عثمان ذو النورين، وعلىّ القرابة لا تنفعه!وقالوا: عمر حمو الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومَن حموه الرسول لا يستفيد!وقالوا: أبو بكر له الفضل : لأنّه والد زوجةٍ أحبّها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومن فداها رسول الله زوجها ليس له الفضل !!والأعجب من ذلك أنّهم قالوا: لو كان ثّمة فضل بالقرابة لكان للعبّاس، فهو عم النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وعليّ ابن عمه، وتناسوا أنّ الفضل لجهة القرابة بيد المتقرّب إليه، لا بيد


1) الحجرات (49): 13.

2) الشورى (42): 23

الناظر في الأمر، الباحث فيه، وإن شئت فقل: رسول الله هو من فضّل قرابة عليّ علیه السلام فلا يحقّ لنا سلبها، ولا يحقّ لنا منعها، بل يجب علينا التسليم بحقّها.اللحاق بركب الأمير علیه السلام:من أهم العوامل التي فتحت طريق النور أمام عيني «لطفي» هي: سيرة أمير المؤمنين علیه السلام ، التي من تأمّل فيها عرف الصراط المستقيم، وعلم الحقّ، وميّز بين الزيف والصدق، وأوقدت في قبله نور الهداية ؛ ليعلم السبيل إلى رضا رب العالمين باتباع من أراد الله معرفة نهجهم(1.)


1) للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية ذكرت فيه بعض الأمور المرتبطة باستبصاره.

## (78 ليلى جلّودي (مالكية / المغرب))ولدت في المغرب، ثمّ انتقلت للعيش في هولندا، كانت مالكية المذهب، فتأثرت بحركة الاستبصار في المغرب، والمستبصرين من شمال إفريقيا الذين ألّفوا عن رحلة استبصارهم.بداية المعرفة:إنّ مصطلح بداية المعرفة نعني به الأسس الأوّلية التي يقيم عليها الإنسان سلسلة أفكاره ومعتقداته، وهي غالباً ما تكون مبنيّة على أحد أمور العقل، أو النقل، أو الكشف، وقد يجتمع أمران عند شخص، أو الثلاثة معاً، فتراه يتأثّر بفكره، أو يكشف الحق بنقل وصل إليه، وربما انجذب للبحث عن الحقائق لكشفٍ حصل له، وهذا الأخير غالباً ما يكون صعب المنال، ولذلك تجد أنّ أكثر المفكرين تدور أفكارهم حول الدائرتين الأوليتين أقصد: العقل والنقل، ولا مانع من أن يجمعبينهما..ومن هنا نرى أنّ طرق الاستبصار تختلف عن شخص لشخص، حتّى أنّ نفس طريقة التأثير العقلي والنقلي قد تختلف، فربما اقتنع شخصّ بمسألة عقلية بسيطة تغيّر كلّ كيانه، في حال أنّ غيره يجدها غير داعية لنقل الفكر والتوسّع في الرأي وتغيّر نظرته للأمور، وكذا الحال في النقل.

وقد يجتمع الأمران فترى المحاور ينقض العقل بدليل يدّعي أنّه شرعي، وينقض الشرع بدليل يدّعي أنّه عقلي، وهذا في حد ذاته يكون شبهة ويبعد الفكر عن قبول الحقائق، لا لخطأ المنهجية بل للخطأ في المقدّمات التي أنتجت هذه الشبهة. أمثلة حيّرت أناساً:لعلّنا نعرض هنا بعض الأفكار التي تحيّر بعض مريدي الاستبصار إلى الحق جامعين بين طريقى العقل والنقل، ويتجسّد ذلك بقضية خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإنّ العقلاء يقولون: إنّه متى كان لقوم رئيس يمنعهم عن التغالب، ويصدّهم عن المعاصي، ويعدّهم على فعل الطاعات، كانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الأسباب التي تمنعهم من التغالب والتهاوش وتحقّق باقي الأمور المذكورة هي: تعيين خليفة لهذا الرئيس.وقولنا: «تعیین»، نقصد به قبل موته ؛ إذ هذا التصرّف يفعله كلّ العقلاء، فلا تجد عاقلاً يترك بيته بلا قائم عليهم، ولا رئيس يترك بلده بدون من ينوب عنه، ولا حتى راعي أغنام إلّا وترك غنمه مع من يرعاها حال غيابه.ثمّ قاموا وأسّسوا قاعدة شرعية في قبال هذا الفكر العقلائي، وقالوا: إنّ الرسول مات ولم يخلّف، ودليل ذلك: اجتماع الصحابة في يوم السقيفة لاختيار خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وكأنّ النتيجة: إنّ ما يلتزم به العقل ولم يلتزم به الشرع فليس بحجة!والحقّ بغضّ النظر عن مسألة الحسن و القبح العقلي : إنّ ما التزموا به على أنّه دليل شرعى ليس كذلك ؛ فإنّا نقابلهم بأحاديث دعا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خليفته، ك-: حديث الغدير، ويوم الدار، ثمّ إنّ ما حصل يوم السقيفة ليس تصرّفاً عقلائياً يبتنى عليه فعل العقلاء، بل هو تصرّف صدر من طائفة بَنت فعلها وأسّسته على أنّها تحكي الشرع، ولو كان تصرّفهم عقلائياً لنُسب إلى العقل.وبعبارة أخرى: نحن بحاجة لدليل يثبت أنّ هذا التصرف شرعي خالف الدليل العقلي ؛ ليكون هو حجّة في المقام، أو أنّه فعل عقلائي يناهض المذكور آنفاً.

ولذا قالوا: (إنّ نصب الإمام سماعي، وهو واجب على الأمّة، وأنّ العقل لا مدخلية له في هذا الأمر (1)، وجوابه : أنّه لو كان سماعياً لكان الأمر مأخوذاً من قول الرسول أو فعله لا من فعل مَن تنازع في الأمر بعده.)ولو كان وجوبه على الأمّة لمَا انحصر بأفراد، ولو كانوا أهل الحلّ والعقد ؛ لأنّ تخصیصه بهم لا مستند عليه إلّا عدم القدرة على تحصيل رأي كلّ الأمّة، وهو دليل عقلي يقابله قول العقلاء: ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، وكذا فهو لا يسقط التكليف عن البقية، ولا يجبرهم على الاختيار.وأمّا عدم صلاحية العقل لذلك، فهي إمّا أن تكون مطلقة أو مقيّدة، فإن كانت مطلقة، فإنّ نفس الاختيار لا يتم إلّا بترجيح العقل.وإن كانت مقيّدة لم يتمّ ذلك إلّا إذ سبق التقيّد بحكم العقل، فلزم إطلاقه، أو بحكم الشرع فلزم إثباته، ولّما لم يثبت الأخير كان ترجيحاً بلا مرجح ولا يُحتجّ بفعل الصحابة يوم السقيفة ؛ لأنّه محل البحث، فلا مناص من كون نصب الخليفة أمر عقلي واجب عليه تعالى ؛ لأنّه هو الأعلم بالأصلح لهذه الأمة، وما الرسول إلّا مُبلّغ لذلك.لم أتحيّر بل عرفت طريقي:إنّ الدفاع لاستبصار «ليلى» هو كونها عاشت فكرة ومنهجية محدّدة، جعلتها تبصر الأمور، فاختارت فکر آل البيت علیهم السلام ، ومن خلاله أخذت توسّع مداركها وأفكارها في فهم الأمور من حولها، ومذهبهم الذي علمت أنّه الحقّ، وأنّه الطريق الذي يجب أن يسلك (2.)


1) راجع المسامرة شرح المسايرة : 247.

2) للمستبصرة ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، وهي على تواصل مع المركز من خلال الفاكس.

## (79 هدى)(سُنّية / المغرب)نشأت في «المغرب» في أُسرة سُنيّة المذهب، إلّا أنّها لم تكن ملتزمة تماماً بالتعاليم الإسلامية السائدة آنذاك.بعد النضج الفكري وتأثّراً بالصحوة الإسلامية التي اجتاحت البلاد في منتصف الثمانينات فُتحت أمام «هدى» آفاق إسلامية لم تعهدها سابقاً، فقرّرت ارتداء الحجاب الإسلامي وبدأت بقراءة ما يقع في أيديها من الكتب الإسلامية، وكانت حينذاك في مرحلة الإعدادية.تقول «هدى» عن تلك الفترة الزمنية: كان همّي في البداية أن أتعرّف على الدين وألتزم بما جاء في الشريعة، فمن الناحية الفقهية يتّبع المغربيون الفقه المالكي، أمّا نحن أبناء الصحوة الإسلامية كنّا نلتقط الفتاوى بطريقة عشوائية، فتارة عن طريق علماء مصر ودعاتهم، وتارة عن طريق علماء السعودية وفقهائها...فكان الفكر الحركي والسياسي إخوانيّ المصدر، وكان الفقه خليطاً من المذاهب الأخرى، وعلى رأسها الفكر الوهّابي... أمّا الفكر الشيعي فلم نكن نعرف عنه إلّا ما كانت تروّجه وسائل الإعلام أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، من فساد العقيدة وغير ذلك من الافتراءات.

وكانت «هدى» في تلك الفترة متحمّسة تجاه أفكارها ؛ تقول : كنت أناقش والدي بأسلوب قاس حول شرعية التوسّل بالنبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم أو الصالحين، ولَكَم حاربت زيارة القبور ونهيت عن إسدال الأيدي في الصلاة في تلك الفترة.تساؤلات من دون إجابة:قرّرت «هدى» وبعد التحاقها بالجامعة واختيار فرع الدراسات الإسلامية متابعة الندوات والمناظرات التي كانت تقام بين الطلبة الشيوعيين أو اليساريين من جهة وبين الإسلاميين من جهة أخرى، وذلك لتنمية رصيدها العلمي وتوسيع معارفها الدينية، إلّا أنّها كانت تشعر بالهزيمة عند مشاهدة تلكّؤ الطلبة الإسلاميين عند الخوض فيما يرتبط بالوقائع التاريخية في صدر الإسلام الأول وما تلاه.تقول «هدى» عن تأثّرها بتلك المناظرات كنت أحرص على حضور تلك النقاشات، إلّا أنّني كنت ألاحظ عجز الإسلاميين عن مناقشة بعض الأحداث التاريخية، ككيفية انتقال الحكم بين الخلفاء، كيفية تجلّي مفهوم الشورى، سبب اقتتال الصحابة فيا بينهم الاغتيالات السياسية، كمقتل عثمان ووقعة الجمل وصفّين وغير ذلك.وإثر ذلك قرّرت تعميق أبحاثي التارخية إلّا أنّني أصبت حينها بالصدمة والاكتئاب... ربّاه... أهذا هو المجتمع الإسلامي الذي أبشَّر به؟! الصحابة - ومن ألقّن بأنّ كلّهم عدول - يقتل بعضهم بعضاً، وتاريخهم تملؤه الدماء، وها نحن نبشّر بالسلمالاجتماعي والعدالة الإسلامية!نماذج من أفعال الصحابة:قد يدّعي أهل السُنّة أنّ الصحابة عدول بأسرهم، ينبغي الترضّي عليهم بلا استثناء، إلّا أنّ هذا الادعاء ينا في المسلّمات التاريخية ولا يعدو كونه دعوى بلا دليل ؛ إذ أنّ من بين الصحابة قاتل عمّار بن ياسر، الذي وعده الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم

بالنار (1، وهو يسار بن سبع، المعروف ب- «أبي الغادية الجهني»، الذي أطبق أهل السنّة على كونه صحابياً(2).)ومنهم بسر بن أرطأة، الذي ارتكب المنكرات في مكّة والمدينة، وسبى نساء المسلمين في اليمن، وذبح ابني عبيد الله بن العبّاس وهما صغيران على يد أمها(3.)ومنهم : مسلم بن عقبة (4، الذي غزا المدينة واستباح بنات الصحابة والتابعين ثلاثة أيام (5)، وقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة (6).)ومنهم: طليحة بن خويلد، الذي ارتدّ بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وادّعى النبوة وقتل بعض الصحابة مع أخيه (7.)ومنهم: خالد بن الوليد، الذي قتل مالك بن نويرة، وزنى بزوجته في ليلتها(8.)إلى غير أولئك ممن يندى جبين المسلم لانتمائهم إلى دينه.ناهيك عن الحروب التي وقعت بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بين الصحابة أنفسهم وقتل أثرها الآف المسلمين.وبعد كلّ ذا هل يمكن القول بأنّ كلّ الحصابة عدول، رضي الله عنهم، وفي الجنّة هم خالدون؟!!


1) قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : قاتل عمار وسالبه في النار. المستدرك على الصحيحين 3: 387، فيض القدير 4 613 ، تاريخ مدينة دمشق 43: 426.

2) راجع الإصابة لابن حجر :3 199 ، إكمال الكمال 6: 15 .

3) راجع تاريخ مدينة دمشق 156:10، أسد الغابة 1: 180.

4) راجع تاريخ مدينة دمشق :102:58، الإصابة 6: 232.

5) راجع: الثقات لابن حبان 2: 314، الإصابة 6: 232.

6) الجامع الصغير 2: 547 ، كنز العمال 12: 237.

7) السنن الكبرى للبيهقي :8 175 ، تاريخ مدينة دمشق 25: 149.

8) كتاب الفتوح 1: 20، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 179

تجلّي الحقيقة شيئاً فشيئاً:تقول «هدى» عن التشتّت الفكري الذي سار بها في نهاية المطاف إلى الاستبصار: مرّت الأيام وأنا على هذه الحال من الضياع، هجرت الأكل والنوم بكيت كثيراً و التجأت إلى الله تعالى سائلة منه عزّ وجلّ: ربّاه... أين الحقيقة؟هل العلمانية هي الحل ؟وهل السياسة هي التي تعبث في الدين فتفقده قدسيته؟وكانت حالي هذه إلى أن جاء يومي المبارك ؛ إذ امتدّت يد أثناء مناقشتي لبعض الطلبة وأعطتني كتاب «ثمّ اهتديت للدكتور التيجاني، فالتهمته التهاماً، وطلبت المزيد فكان كتاب «مع الصادقين»، ثمّ «فاجعة الطف»، «مفاتيح الجنان»، «الصحيفة السجادية» وغيرها.وهكذا عكفت «هدى» على دراسة المذهب الشيعي بدّقة وعمق، واتّخذت قرارها النهائي، فعزمت وتوكّلت على الله وركبت سفينة أهل البيت علهیم السلام(1.)تقول «هدى»: وأخيراً اعتنقت الإسلام الحق، وبدأت أعرف الله عزّ وجلّ وأعرف نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم، وأتأدّب في الحديث إليها. أخيراً بدأت أعرف من هم أهل البيت علیهم السلام الذين كنت أصلى عليهم في صلواتي لقلقة باللسان.أخيراً أصبح لليالي الجمعة وأيامها معنى، وصار لكلّ شهر أعماله.أخيراً عرفت معنى شهر رمضان وكيف تحيى لياليه بلذيذ المناجاة.


1) تعيش المستبصرة حالياً في دولة «بلجيكا»، وهي على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت.

## (80 هند هاني الحسيني العشاني)(سنّية / المغرب)ولدت عام 1399ه- (1979م في المغرب بمدينة إدريس الأكبر، حاصلة على شهادة الحقوق والإدارة والإعلام، تدارست «هند» سيرة آل البيت علیهم السلام حتّى عرفت مظلوميتهم وعلمت حقّهم، فأرادت نصرتهم (1).)المظلومية وتأثيرها على النفوس :من طبيعة النفس البشرية أن تتأثّر بالأمور المعنوية المحيطة بها، فتراها تفيض بعاطفة جيّاشةٍ لمن تحبّ، وتقابل من تكره بالتعنّت والردع، تتأثر لسماع حادثة وتأخذ موقف القاضي عند سماعها المظالم والشكاوي، بل وقد تصل إلى دور الجلّاد في بعض المواقف، وليس هذا إلّا لأنّ الظلم الذي هو : وضع الشيء في غير محله، فبيحُ قبحاً ذاتيًا تأباه النفوس ولا يركن إليه العقل، كما حقّق ذلك في علم الكلام ؛ وقبحه ذاتي ليس بشرعي كما يدّعي بعض الناس.وبغضّ النظر عن حقيقة الظلم تجد العقلاء وأهل العرف يذمّون من يصدر منه الظلم، ولو كان هذا الظلم وقع على ألدّ أعدائهم، ولا نقصد بالذم هنا إلّا الحاصل من منشأ عقلائي لذمّ الظالم، بعيداً عن التشّقی، أو تحويل الظلم إلى جزاء لذلك الظالم،


1) للمستبصرة ملف في مركز الأبحاث العقائدية ذكرت فيه أدلّة الاستبصار.

وكلّ من يجعل العقل حكماً في قضايا منشأها الظلم تجده - على أقلّ تقدير يميّز بين المظلوم والظالم، ويحاول إنصاف المظلوم، ومن أسوأ حالات الظلم التي وقعت على مدى التاريخ: ظلم أصحاب الرسالات والمبلّغين لها، طلباً لهداية الأمم؛ فترى أنّهم يُظلمونَ لطلبهم نجاة أمّمهم وخلاصهم ، وإيصالهم إلى رضا الله جلّ وعلا..ولا تذهب بعيداً فتنظر إلى ظلم عيسى وموسى علیهما السلام، بل توقّف في أقرب نقطة، وهي نقطة انتهاء الرسالات والنبوّة، أقصد: عصر الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده ؛ فإنّه جسّد حالات الظلم التي وقعت على مدى التاريخ للأنبياء والرسل، بظلمه وظلم عترته وولده علیهم السلام.نماذج من ظلم آل محمّد علیهم السلام :ونماذج هذا الظلم أكثر من أن تحصى، وأوّل ظلم لحق بآل محمّد بعده صلی الله علیه وآله وسلم ظلم الصديقة الشهيدة علیهما السلام ، وتصاعدت درجات هذا الظلم حتّى قتل الحسين علیه السلام بمرأى ومسمع من المسلمين، ولم يحرك أحد ساكناً ، فصار ظلم آل محمّد سُنّة وعادة عند الحكّام، ومن أهم وسائل الدول، وأسهل الطرق لتخويف الشيعة وأنصار آل محمّد، حتّى أنّ هذا الظلم لم يتوقّف عند الرموز الأولى لآل البيت علیهم السلام : كالأئمّة الاثنى عشر علیهم السلام، وزيد الشهيد مثلاً ، وغيرهم ممّن كانوا رؤوس بني هاشم، بل نال كلّ بني على وفاطمة علیهما السلام، وكأنّ ظلمهم لم يكن غاية مراد الظالم بل فناء ذرّيتهم وهلاكهم هو منيته ورغبته.استشهاد الحسين صاحب فخ:يذكر التاريخ قصصاً كثيرة عن مقتل آل أبي طالب، حتّى ألّف أبو الفرج الأصفهاني مصنّفاً في ذلك، وممّن ذكروا :الحسين، صاحب فخ، وما وقع عليه من أولاد عمر بن الخطاب وحكم بني العباس الجائر، ولا تعجب فإنّ كلّ إناء بالذي فيه

ينضح، وقد كان خروجه سنة تسع وستين ومائة(1.)فهو الحسين بن علي بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن أمير المؤمين علیهم السلام ، وأمّه: زينب بنت عبد الله بن الحسن المثنّى. كان رجلاً جليلاً عظياً، عالماً فاضلاً، كريماً سخياً، جمّ الفضائل، عظيم المناقب. ويُذكر عن فضائله ما في مقاتل الطالبيين:قال الحسن بن هذيل: (بعت للحسين بن علي، صاحب فخ، حائطاً بأربعين ألف دينار منتثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبّة ؛ كان يعطيني منها كفاً كفّاً فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة(2).)وقال أيضاً: إنّ الحسين بن علي، صاحب فخ، قال له: (اقترض لي أربعة آلاف درهم. فذهبت إلى صديق لي، فأعطاني ،ألفين، وقال لي: إذا كان غداً تعال حتّى أعطيك ألفين. فخرجت، فوضعتها تحت حصير كان يصلّي عليه، فلمّا كان من الغداة أخذت الألفين الآخرين، ثمّ جئت للمكان الذي وضعته تحت حصيره، فلم أجده، فقلت له: يا بن رسول الله ! ما فعلت بالألفين؟ قال: لا تسأل عنها، فأعذر. فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكنّي أحبّ أن أصل جناحك. فأعطيته إيّاه، أما إنّي أحسبني ما أجرت على ذلك ؛ لأنّي لم أجد لها حسناً، وقال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ (3). وقد قتل الحسين بن علي، صاحب فخ، بفخ ، وفَخ بئر قريبة من مکّة على فرسخ، وعندما نزل رسول الله بفخ وصلّى ركعتين بكى وبكت صحابته، وقال: «نزل عليّ جبرئيل، وقال: يا محمّد! إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر


1) تاريخ الطبري 6: 410.

2) مقاتل الطالبيين: 91 .

3) مقاتل الطالبيين: 90 .

الشهيد معه أجر الشهيدين»(1).

ونزل الصادق علیه السلام في رواحه إلى الحجّ من المحمل بفخ وتوضّاً وصلّى ثمّ ركب فقيل له: هذا من الحجّ؟ قال: «لا ، ولكن يقتلها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم الجنّة»(2).

وعن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل، مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لّما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم!! لا تكلّفني ما كلّف ابن عمّك عمّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد.

فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً، فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان.

ثو ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر علیه السلام حين ودّعه: يا ابن عم! إنّك مقتول، فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق، يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة.

ثمّ خرج الحسين، وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم، كما قال علیه السلام(3).

وقتل في يوم التروية الثامن من ذي الحجّة ستمائة نفر من السادات وآل أبي طالب ومواليهم، وكان ذلك في خلافة الهادي رابع خلفاء بني العبّاس، وإلى هؤلاء أشار دعبل بقوله:


1) بحار الأنوار 48 170.

2) بحار الأنوار 170:48.

3) الكافي 1: 366.

قبورٍ بكوفان وأخرى بطيبة***وأُخرى بفخّ نالها صلواتِ

قال الإمام محمّد بن علي الجواد علیه السلام :«وما وقعت وقعة بعد وقعة الطف أعظم علينا من محاربة فخ، ولمّا قتل الحسين بن علي، صاحب فخ، سمعت نياح الجنّ عليه من أول الليل إلى الصباح على مياه غطفان» (1).

والسبب في خروجه أنّ الهادي ولّى على المدينة رجلاً من ولد عمر بن الخطاب، اسمه: عمر بن العزيز بن عبد الله بن عمر، فضيّق على السادات والهاشميين وآل أبي طالب ومواليهم، وكان يؤذيهم بكلّ ما يستطيع، حتّى جرى الأمر بأن ضرب الحسن بن محمّد بن عبد الله المحض، أحد سادات بني الحسن، مائتي سوطاً لأمر، وضرب رجلين من خواصّه، ثمّ جعل الحبال في أعناقهم، وطيف بهم في المدينة مكشّفي الظهور ليفضحهم، وأشاع في الناس بأنّه وجدهم على شراب، فجاء الحسين بن علي، صاحب فخ إلى العُمري، وقال له قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم، فلم تطوف بهم؟!

فأمر العمري بهم فردّهم وحبسهم، ثمّ ضمن له الحسين وكفل له، فأخرجهم من الحبس، فغاب الحسن بن محمّد، فبلغ ذلك العمري، فغضب وأحضر الحسين بن علي، صاحب فخ، ويحيى بن عبد الله بن الحسن، فأغلظ لها وتهدّدهما، وقال: لتأتياني به، أو لأحبسنّكما، فإنّ له ثلاثة أيام لم يحضر العرض. وكان اللعين يطلب بني هاشم في كلّ يوم بالعرض عليه، ليقف على أحوالهم وشؤونهم..

قال: فتضاحك الحسين في وجه العُمري وقال: أنت مغضب يا أبا حفص؟ فقال له العُمري: أتهزاً بي وتخاطبني بكنيتي ؟ فقال له: قد كان أبو بكر وعمر هما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك، وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية؟


1) شجرة طوبى 1: 166.

فقال له: آخر قولك أشرٌ من أوّله، فإنّما أدخلتك إليّ لتفاخرني وتؤذيني. ثمّ حلف العمري أنّه لا يخلّي سبيله أو يجيئه بالحسن بن محمّد في باقي يومه وليلته، وإنّه إن لم يجئ به ليضر بنّ الحسين ألف سوط، وحلف إن وقعت عينه على الحسن بن محمّد ليقتلته من ساعته.

فخرج الحسين من عنده ووجّه إلى الحسن بن محمّد، وقال: يا بن عمّي! قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت. فقال الحسن: لا والله يا بن عمّي، بل أجيء معك الساعة حتّى أضع يدي في يده. فقال الحسين: لا والله، ما كان الله ليطّلع عَيّ وأنا جاء إلى محمّد صلی الله علیه وآله وسلم وهو خصيمي وحجيجي في أمرك، لعلّ الله

إن يقينا شرّه.

ثمّ وجّه الحسين إلى بني هاشم، فاجتمعواستّة وعشرون رجلاً من ولد علي، وعشرة نفر من الحاج، ونفر من الموالي ، فلمّا أذّن المؤذّن بالصبح دخلوا المسجد، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وقال للمؤذّن: أذّن ب- «حي على خير العمل»، فلمّا نظر المؤذّن إلى السيف في يده أذّن بها، وسمعه العُمري، فأحسّ بالشر ودهش وركب بغلته وهرب من المدينة، فصلّى الحسين بالناس الصبح، ودعا بالشهود العدول الذين كان العُمري أشهدهم عليه بأن يأتي الحسن إليه، فقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العُمري، وإلّا والله خرجت من يميني وممّا علَيّ.

ثمّ خطب الحسين بعد صلاته، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعو إلى سنّة رسول الله، أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، تمسّحون بذلك، وتضيعون بضعة منه؟!).

فأتاه الناس وبايعوه على كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه، والرضا من آل محمّد،

فبلغ ذلك خالد البربري، وكان على مسلحة السلطان بالمدينة في السلاح، ومعه مائتين من الجند، وجاء العمري ومعه أناس كثيرون حتّى وافوا باب المسجد، فأراد خالد أن ينزل، فبدره يحيى بن عبد الله بن الحسن وفي يده السيف، فضربه على جبينه، وعليه البيضة والقلنسوة، فقطع ذلك كلّه وأطار مخ رأسه، وسقط عن دابّته، وحمل على أصحابه فتفرّقوا وانهزموا..

وأقام الحسين بن علي وأصحابه يتجهّزون بالمدينة أحد عشر يوماً، وفرّق ما كان في بيت المال، وهي سبعون ألفاً على الناس، وكان يقول لهم: (أبا يعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد، وعلى أن نعمل بينكم بكتاب الله وسنّة نبيّه، والعدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفيناكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم).

ثمّ خرج الحسين وأصحابه لستٍّ بقين من ذي القعدة إلى مكّة، واستخلف على المدينة رجل من خزاعة، وبلغ ذلك إلى الخليفة الهادي.

وكان قد حجّ في تلك السنة رجال من أهل بيت الخليفة، منهم: سليمان ابن أبي جعفر، عمّ الهادي، ومحمّد بن سليمان والعبّاس بن محمد، وموسى وإسماعيل أبناء عيسى الدوانيقي، ومبارك التركي ؛ ومبارك هذا قاتل مع الحسين بالمدينة أشدّ القتال إلى منتصف النهار ثمّ انهزم، وقيل: إنّ مباركاً أرسل إلى الحسين يقول له: (والله لإن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر عليّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، فبيتني، فإنّي منهزم عنك)، فوجه إليه الحسين قوماً، فلمّا دنوا صاحوا وكبّروا، فانهزم التركي هو وأصحابه.

ثمّ أمر الخليفة، فرجع وعاد في جيشه والتحق بهؤلاء، وهم قد ساروا بجماعة

وسلاحهم من البصرة لخوف الطريق، فكتب الهادي إليهم بتولية الحرب، فلمّا قرب الحسين وأصحابه من مكّة وصاروا بفخ تلقّاهم الجيش من المسوّدة - يعني: بني العبّاس - فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح.

فعرض العباس بن محمّد على الحسين الأمان والعفو والصلة، فأبى ذلك أشدّ الإباء. ولمّا أن لقي الحسين المسوّدة أقعد رجلاً على جمله، معه سيف يلوح والحسين بن علي يملي عليه حرفاً حرفاً، يقول: ناد، فنادى: (يا معشر المسوّدة! هذا الحسين ابن رسول الله، وابن عمّه، يدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم).

فأمر موسى بن عيسى تعبية العسكر ؛ فصار محمّد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعبّاس بن محمّد في القلب، وكان أول من بدأهم موسى، فحملوا عليه ، فاستطرد لهم شيئاً حتّى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمّد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة، حتّى قتل أكثر أصحاب الحسين، وبقي الحسين في عدد يسير، وجعل يقاتل أشدّ القتال، حتّى أثخن بالجراح.

وينقل الرواة: أنّ الحسين بن علي، صاحب فخ، رُؤي وقد دفن شيئاً ظُنّ أنّه شيء له قدر، فلمّا قتل، نظر فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع ودفنه.

وكان حمّاد التركي ممّن حضر الواقعة، فقال للقوم: أروني حسيناً. فأروه إياه، فرماه بسهم، فقتله، فوهب له محمّد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.

قال أبو القرن الجمال: (إنّ موسى بن عيسى دعاني وقال لي: أحضر جمالك. فجئته بمائة جمل ذكر ، فختم أعناقها وقال: لا أفقد منها وبرة وإلا ضربت عنقك. ثم تهيأ للسير إلى الحسين، صاحب فخ، فسار حتّى أتينا بستان بني عامر، فنظر فقال لي: اذهب إلى عسكر الحسين حتّى تراه، وتخبرني بكل ما رأيت. فمضيت فدرت، فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلّا مصلّياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف، أو معدّ

للسلاح، قال: فجئته فقلت: ما أظن القوم إلّا منصورين. فقال: وكيف ذلك يا بن الفاعلة؟

فأخبرته، فضرب يداً على يد وبكى حتّى ظننت أنّه سينصرف، وقال: هم والله أكرم خلق الله، وأحقّ بما في أيدينا منّا، ولكن الملك عقيم، لو أنّ صاحب القبر - يعني: رسول الله محمّد صلی الله علیه وآله وسلم- نازعنا الملك لضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام !اضرب بطبلك).

ثمّ سار إليهم، فوالله ما أنثنى عن قتلهم. فلمّا قتلوهم، قطعوا رؤوسهم، وجاء الجند بالرؤوس إلى موسى والعبّاس وسليمان وبينهم رأس الحسين وبجبهته ضربة طولاً، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا بالأمان، فجاء الحسن بن محمّد بن عبد الله بن أبي الوقت فوقف خلف محمّد بن سليمان والعباس بن محمّد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس بن محمّد فقتلاه، فغضب سليمان غضباً شديداً.

فلمّا أحضروا الرؤوس إلى هؤلاء، وكانت مائة رأس ونيفاً، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين منهم موسی بن جعفر، فلمّا نظر موسى بن جعفر علیه السلام إلى رأس الحسين بكي، فقيل له: هذا رأس الحسين؟ قال: «نعم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً، أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ما كان في أهل بيته مثله»..

ولّما بلغ العُمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي عمد إلى داره ودور أهله، فأحرقها وقبض أموالهم ونخيلهم، وجعلها في الصوافي المقبوضة..

وأحرق العُمري دار الحسين ودور بني هاشم، ولعمري فقد اقتدى بمن وقف على باب دار علي وفاطمة علیهما السلام وأضرم النار في الباب، وأراد أن يحرق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم بالنار.

ثمّ حمل الرؤوس والأسارى إلى الهادي، فأمر بقتل بعضهم وغضب على موسى بن عيسى كيف قتل الحسين بن محمّد وقبض أمواله، ولم تزل بيده حتّى مات، ولمّا وضع رأس الحسين بن علي بين يدي الهادي غضب على الذين جاؤوا برأس الحسين وقال: (كأنّكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إنّ أقلّ ما أجزيكم به أحر مكم عن جوائزكم. ولم يعط لأحدٍ شيئاً)، فرجعوا خائبين خلسرين.

كما أنّ زجر بن قيس لمّا جاء برأس الحسين علیه السلام إلى يزيد بن معاوية ويرجو نائلة فلم يعطه شيئاً، وقيل في رثاء الحسين بن علي صاحب فخ:

ألا يا عين ابكي بدمع منك منهتن*** فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن صرعی بفخّ تجر الريح فوقهم أذيالها وغوادي دلج المزن حتّى عفت أعظم لو كان شاهدها محمد ذبّ عنها ثمّ لم تمن*** ماذا تقولون والماضون قبلهم*** على العداوة والبغضاء والإحن*** لا الناس من مضر حاموا*** ولا ربيعة والأحياء من يمن ماذا يقولون إذ قال النبي لهم ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن (1)

المظلوم يجد الناصر ولو بعد حين :

لعلك تعجب ممن يُظلم ولا يُنصر في زمانه، ولكن الله ليس بظلّام للعبيد: فالناصر، وإن عاقته الأزمان عن نصرة المظلوم لم تمنعه نفسه من نصرته رغم عوائق الزمن.. إنّ مظلومية آل محمّد كان لها الأثر الكبير في تغيير مسار حياة هند التي لم ترضَ أن يكون الظُّلّام قادة لها في دينها، أو ملهمين لها في حياتها، بل رضت بنصرة المحقّ، ولو حوربت لأجله!!


1) راجع: مقاتل الطالبيين، أيام الهادي، في ذكر مقتل صاحب فخ، وشجرة طوبى 166:1،المجلس الثالث والخمسون.

(81) ياقين محمّد عبد القادر (سنّي / المغرب)

554-13

ولد في «آسفي»، إحدى مدن المغرب، عام 1366ه- (1947م)، خرّيج ثانوية، استبصر في عام 1382ه- (1963م) ، كان ميله منذ الصغر لآل محمّد علیهم السلام إلا أنّ ما يدور حوله كان يحيل بينه وبين الوصول إلى النور، خصوصاً عامل السن، وعندما كبر، كبر ولائه لهم بالتدبّر في آيات القرآن الدالّة على حبّهم، وكان هذا أيام دراسته، ثمّ أخذ بالمراسلة والاطّلاع على مذهب الشيعة حتّى توضّحت له الأمور، فتبعهم وصار على نهجهم(1).

التشريع بين السنّة والشيعة :

الشريعة هي منهج يتّخذه البشر بأوامر إلهية، فُرض عليهم اتّباعها، وكُلّفوا بالعمل بها ليصلوا إلى نتيجتها المرجوّة، وهي - بالاعتبار الأول - تحصيل رضا الله ودخول الجنّة، وقد تكون باعتبارات أخرى منظّمة للحياة الاجتماعية والقوانين العملية في حياة الفرد والمجتمع، ولا يدّعي أحد أنّ الحكيم - جلّ وعلا - لم يضع القانون الأكمل والطريقة المثلى في تشريعاته، إلا أنّه قد يُدّعى أنّ التشريع حوى


1) ذُكرت مقتطفات من حياة «ياقين محمّد ضمن المستبصرين الذين عرّفهم السيد محمّد الرضي الرضوي في كتابه: «لماذا اخترنا مذهب الشيعة الإمامية».

كثيراً من الأمور فلابدّ من وجود من يمكنه إيصال التشريع، وإيضاح الغامض وإفهام المتعارض، وتبيين المشتبه!

والسؤال الذي يطرح نفسه: إنّ هذه الدعوة لها واقعية، فليس كلّ الأمور قد صدرت أحكامها في عصر النبوة، وليس كلّ الذي نعرفه هو نص، بل فيه المتشابه ؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(1)، فكيف عالجت المذاهب الإسلامية هذه النقطة الحسّاسة؟!

النظرة السُنّية للتشريع ومن أين يؤخذ:

يمكن تقسيم التشريع عند المذاهب السنّية إلى ثلاثة مراحل، مرحلة الرسول، ومرحلة سنّة الصحابة، ومرحلة المجتهدين، وهذه المراحل في حقيقتها تعكس مراحل الفكر السنّي في فهم النص والتعامل مع التشريع، ويحسن البدء بسنّة النبي وإن لم يكن فيها نزاع وخلاف:

(أ) السنّة النبوية :

تجد في مجريات التاريخ حادثة منع تدوين الحديث، ومنع كتابته ؛ تشكيكاً في حجّيته، سواء كان في زمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، كما روي عن عبد الله بن عمر، قال: (كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بشر يتكلّم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا حق» (2)..


1) آل عمران (3): 7 .

2) سنن أبي داود 2: 176.

أو بعده، كما يذكر المطّلب بن عبد الله بن حنطب ؛ قال: (دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فحاه)(1).

وقد تلاحظ التناقض بين متن الحديث الأول والثاني ؛ إذ أحدهما يأمر بالكتابة والثاني يمنع، وعلى الرغم من كلّ هذا استقرّت المذاهب على قبول السنّة النبوية والعمل على طبقها بالرغم من حوادث منع تدوين الحديث.

(ب) سنّة الصحابة:

معلوم من المذهب السنّي تقديم الصحابة والأخذ برأيهم، إلّا أنّ محل الكلام هو الأخذ العملى لما يقول الصحابة وليس أيّ أخذ بل الأخذ في قبال النص، ولا يخفى عليك مقابلتهم نص إمامة أمير المؤمنين علیه السلام باجتهاد الصحابة في السقيفة، وتحريم عمر للمتعتين، كما صرّح هو :(متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء، ومتعة الحج)(2).

وهنا لابدّ من وقفة، فقد يعتذر لعمر أنّه إنّما نهى المتعة التی کانت تفعل على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثمّ نسخت، فحرّمها ؛ لأنّه علم تحريم النبي لها، فليس قوله تشريع في قبال تشريع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (3).

أوّلاً: إنّه لم يُنقل استنكار أحد الصحابة على هذا الفعل غير عمر، ولو علم الصحابة أنّ الرسول قد نسخ وحرّم لأنكروا أشدّ النكران على تضييع سنّة رسول الله، وهم شهود على ذلك.


1) سنن أبي داود 2: 176.

2) كنز العمال 521:16.

3) راجع شرح معاني الأثار 2: 146، معرفة السنن والآثار 5: 345.

ثانياً : إنّه نسب النهي والعقاب لنفسه، وأثبت الأحكام في عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فلو صحّ التحريم في زمن النبي لكان أبلغ أن يذكر تحريم النبي، وأجدر بأن يكون مدعاة لتركها.

ثالثاً: ما نقل من قول أمير المؤمنين: «لو لا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة، ثمّ ما زنى إلّا شق»(1). يؤكّد وقوع التحريم في زمانه، ولو قيل: أنّهروي أيضاً عن الأمير علیه السلام قوله: «نهى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحُمُر الأهلية زمن خيبر »(2). قلنا: أنّه تمّمة تناقض في زمان النهي، هل هو عام خيبر أو عام الفتح ؛ والحديث قد يحمل على نهي لفترة زمنية معيّنة ؛ إذ لم يذكر النص علّة للنهي، بل حدّه بزمن خيبر ، الذي قد يكون الخصوصية فيه نهي عن هذا الأمر، وقد حكم مالك في أحد أقواله بكراهة الحمر الأهلية (3)لحديث ابن عباس، فلماذا یكن معنى التحريم هنا الكراهة جمعا بين الحديثين، كما يكره نكاح السرّ في مذهب العامة ؟!

(ج) الاجتهاد:

وهو: بذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعي، وللمذاهب في العمل بما يفتي ! المجتهد طريقان: التخطئة والتصويب، ومذهب السنّة: التصويب، وسيأتي بيان التخطئة..

فأمّا المصوّبة فاحتجّوا بأنّه صلی الله علیه وآله وسلم جعل لمن اجتهد وأخطأ أجراً، ولمن اجتهد وأصاب أجرين، وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر بأنه على: من ذهل عن النص، أو اجتهد في ما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات في ما خالف الإجماع : فإنّ مثل


1) كنز العمال 16 522 .

2) كنز العمال 522:16.

3) المجموع للنووي 9 6.

هذا إن اتّفق له الخطأ فيه نسخ حكمه وفتواه ولو اجتهد بالإجماع، وهو الذي يصحّ عليه إطلاق الخطأ.

وأمّا من اجتهد في قضية ليس فيها نص ولا إجماع فلا يطلق عليه الخطأ، وكما قال المازري في تقرير ذلك، والانتصار له: (إنّ من قال: إنّ الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق من الفقهاء والمتكلّمين، وهو مروي عن الأئمّة الأربعة، وإن حكي عن كلّ منهم اختلاف فيه)(1).

وقد أوضح الغزالي في «مستصفيه» أنّ هذا الاختلاف إنّما في تطبيق مفاد هذه الكلّية على بعض الجزئيات ؛ قال: (الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة ؛ وقد اختلف الناس فيها، واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة، وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنيات مصيب)(2).

امّا الحوادث التي لا حكم فيها فقد ذكر الغزالي رأي المصوّبة بصراحة، فقال: «فالذي ذهب إليه محققّو المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معيّن يُطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه ، وهو المختار )(3).

وبمعنى آخر: أنّه لو اتّفق أن أفتى مفتيان في واقعة لم يُعلم حكمها، وكانت فتواهما متناقضة، فحكم الله يكون مطابق لقولهما وإن اختلفا، كأن حكم أحدهما بالوجوب، والآخر بالحرمة، وقد صرّح هو بذلك فقال: (كلّ مجتهد في الظنيات مصيب، وأنّها ليس فيها حكم معيّن الله تعالى)(4).

فهذا أساس مذهب التصويب، وبغضّ النظر عن الجزئيات فيه إلّا أنّك تعلم


1) فتح الباري 13: 269.

2) المستصفى: 352 .

3) المستصفى: 352.

4) المستصفى: 352.

ممّا تقدّم أنّ التشريع في المذهب السنّي يُستفاد من نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقول الصحابي، ورأي المجتهد في الظنّيات، وعليه: يُعلم أنّ الحكم الشرعي يتبدّل ويتناقض بناءً على فهم المجتهدين والصحابة.

النظرة الشيعية للتشريع ومن أين يؤخذ:

بالتمّعن في كتب الفقه الشيعية والأصولية عندهم يمكن تقسيم مراحل معرفة التشريع إلى مرحلتين زمن وجود الحجّة، وزمن غيبته.

(أ) زمن وجود الحجج:

وواضح أنّه في زمن وجود الحجج، أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الاثني عشر علیهم السلام، لا مجال لأخذ الحكم إلا عنهم، فهم من يعرف ما يريده الله في كلّ حادثة، ويكون بيدهم نقل الحكم وتبيانه وتوضيحه ، ولا يُتصوّر التناقض في نقل الحكم بين المعصومين ؛ فإنّ مجرد فرض العصمة لهم يعني: أنّ أفعالهم مبنية على نسق ونظم محدّد، بحيث لا يفعلوا ما يغضب الله تعالى ويخالف أوامره ؛ فتنبّه!

(ب) زمن غيبة الإمام علیه السلام:

في هذه الفترة أمرنا الأئمّة علیهم السلام بالرجوع للعلماء العاملين، الراوين لأحاديثهم، الدارين بها، وبعبارة أخرى أمرونا بالرجوع للمجتهدين في كلّ عصر وزمان من عصور غيبة الإمام علیه السلام ، والكلام هنا هل أنّ المجتهد رأيه يقابل التشريع الموجود من قبل الإمام أو لا؟

والحقّ إنّ الشيعة لا يرتضون مذهب التصويب، وهذا لا يجعل فتوى المجتهد كتشريع مقابل الحكم الله، بل هم يقولون ب- التخطئة التي تعنى أنّ الله حكماً واحداً في كلّ مسألة، ولذا كان مدار التكليف عندهم على الحكم الظاهري وليس الواقعي، أي حكم الله بعينه، سواء صادف المحكم الظاهري الواقعي أو لا، وهذا استفادوه من

الروايات المعصومية لا غير..

فالحكم إذا خفي مدركه رجع الفقيه للأصول العملية التي قُرِّرت من قبل المُشرّع، ولا يقال: أنّ السنّة لديهم أصولهم العملية ممّا يجعل ظنّهم مقبولاً، لانّا نقول: أنّ السنّة قالوا: إنّ المُتّبع هو الحكم الواقعي دون الظاهري، وكذلك فإنّهم في أصولهم العملية عملوا بالاستحسان والقياس - التمثيل في المنطق وهذه لم يثبت دليل شرعي عليها، فهو: إعمال لفكر ورأي المجتهد في قبال حكم الله، ولو لمجرّد أنّه ارتأى أنّ هذا أحسن من هذا، وقد يخالفه الآخر ؛ لأنّه لم يستحسن كلام الأول، وهذا فارق مهم.

وتعلم من هذا أنّ التشريع عن الشيعة - حفظهم الله - محصور في إخبار المعصوم ،والقرآن، وأنّ رأي المجتهد لا يغيّر شيء في الحكم، ولا يدخل في تحديده بمعنى: أنّ حكمه لا يغيّر الحكم الواقعي الذي أراده الله، ولكن حكمه من باب عمل المضطر في زمن غيبة الحجّة حتّى ظهوره علیه السلام.

الحقّ أحقّ أن يُتّبع :

إنّ معرفة آل البيت علیهم السلام لا تتوقّف على معرفة سيرتهم فقط، فلابد من معرفة أوامرهم ونواهيهم وتعاليمهم، ولذلك تجد أنّ الذي نما وفي قلبه حبّ آل محمّد علیهم السلام يطمح دائماً إلى التعرف عليهم وتتّبع نهجهم.

حاول «ياقين» أن يتعرّف على أهل البيت علیهم السلام، ويتعلّم منهم ويأخذ عنهم، ولا شك أنّ الأخذ من العين الصافية يروي الظمآن، فإنّه روى ظمأه بحبّهم علیهم السلام . واختار اتّباع الحق ؛ لأنّه أحقّ أن يُتّبع.

المصادر

*القرآن الكريم.

1- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي ( ت 840ه-) ، مكتبة الرشيد، الرياض.

2- الآحاد والمثاني، الضحاك ابن أبي عاصم (ت 287ه)، تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الدراية للطباعة النشر - الرياض، الطبعة الأولى 1411ه-.

3- الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت548ه-)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف، طبع عام 1386ه-.

4- أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص (ت 370ه-)، تحقيق: عبد السلام محمّد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.

5- الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت 282ه-)، تحقيق: عبد المنعم عامر ، دار إحياء الكتب العربي، الطبعة الأولى 1960م.

6- اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-)، تصحيح وتعليق : ميرداماد الأستر آبادي، تحقيق: مهدي الرجائي مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث.

7- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول، محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني (ت 12255ه-)، الطبعة الأولى 1356ه-، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

8 -الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (413ه-)، تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، الطبعة الثانية 1414ه-.

9- أسباب نزول الآيات، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت468ه)، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع - القاهرة، سنة الطبع 1388ه-.

10- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبيد الله بن عبد البرّ (ت 463ه-)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه-.

11 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن على بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير (ت 630ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت.

12 - الأسرار الفاطمية ، الشيخ محمّد فاضل المسعودي، تقديم: السيد عادل العلوي، مطبعة أمير - قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1420ه-.

13 - الإشارة إلى مذهب الحق، أبو إسحاق الشيرازي (ت476ه-)، تحقيق: محمّد الزبيدي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1410ه-.

14 - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1423ه-.

15 - أصول الإيمان، محمد بن عبد الوهاب (ت 1206ه-)، مكتبة التراث - بغداد.

16 - أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية - عرض ونقد، ناصر بن عبد الله القفاري، الطبعة الأولى 1414ه-.

17- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1421ه-.

18 - إكمال الكمال، الحافظ ابن ماكولا (ت) (475ه-)، دار الكتاب الإسلامي.

19 - الأمالي، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1414ه- .

20 الأمالي، السيد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى (436ه-)، تصحيح وتعليق أحمد بن الأمين الشنقيطي، الطبعة الأولى 1325ه- - 1907م، الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم

المقدسة.

21 - الأنساب، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت 562ه-)، تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي، الطبعة الأولى 1408ه-، الناشر: دار الجنان للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.

22- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279ه)، تحقيق وتعليق: محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1394ه-.

23- أوائل المقالات محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه-)، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، دار المفيد - بيروت، الطبعة الثانية 1414ه-.

24 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام، محمّد باقر المجلسي (ت 1111ه-)، تحقيق محمّد باقر البهبودي، دا رإحياء التراث العربي في بيروت، الطبعة الثالثة المصحّحة 1403ه-.

25 -البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشق (ت 774ه-)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه-.

26- بصائر الدرجات، أبو جعفر محمّد بن حسن الصفار (ت 290ه-)، تصحيح وتعليق وتقديم: میرزا حسن کوچه باغي مطبعة الأحمدي - طهران، سنة الطبع 1404ه-.

27- بغية الطلب في تاريخ حلب، عمر بن أحمد العقيلي الحلبي المعروف بابن العديم (ت660ه-)، تقديم وتحقيق سهيل زكار، سنة الطبع 1408ه-، الناشر: مؤسسة البلاغ - بيروت.

28- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحرّاني الدمشقي (ت728ه-)، الناشر : مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى 1426ه-.

29 -تاج العروس من جواهر القاموس محمد مرتضى الزبيدي (ت 1205ه-)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1414ه-.

30 تاریخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (808ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الرابعة.

31 تاریخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت808ه-)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، سنة الطبع 1391ه-.

32 تاريخ الإسلام محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1417ه-.

33۔ تاریخ الخلفاء، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911ه)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني - القاهرة، الطبعة الثالثة 1383ه- .

34- التاريخ الصغير، محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256ه-)، تحقيق : مجمود ابراهیم زايد، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1406ه-.

35- تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري ( ت 310ه-)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1403ه-.

36- تاريخ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت 284ه-)، دار صادر - بيروت.

37 -تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463ه-)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1425ه-.

38 تاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر (ت 571ه-)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1421ه-.

39- تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيد شرف الدين علي الحسيني الأستر آبادي (ت نحو 965ه-)، الطبعة الأولى 1407ه-، المطبعة: أمير، الناشر: مدرسة الإمام المهدي علیه السلام- قم المقدسة.

40- التبيين لأسماء المدلسين سبط ابن العجمي الشافعي (ت 841ه-)، تحقيق: يحيى شفيق، الطبعة الأولى 1406ه-، المطبعة والناشر : دار الكتب العلمية - بيروت.

41- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري ( ت 1353ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410ه-.

42 - تخريج الأحاديث والآثار، جمال الدين الزيلعي (ت 762ه-)، تحقيق: عبد الله ابن عبد الرحمن السعد دار ابن خزيمة - الرياض، الطبعة الأولى 1414ه-.

43- تذكرة الحفاظ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

44- تذكرة الخواص من الأمّة بذكر خصائص الأئمّة، يوسف بن قزاوغلى بن عبد الله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي (ت 654ه-)، تحقيق: حسين تقي زاده، نشر المجمع العالمي لأهل البيت - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1426ه-.

45- تفسير الآلوسي المعروف ب- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع الثماني الآلوسي.

46- تفسير الثعلبي المعروف ب- (الكشف والبيان عن تفسير القرآن)، الثعلبي (ت427ه-)، تحقيق: أبو محمّد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه-.

47- تفسير السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمّد السمعاني (ت489ه-)، تحقيق: ياسر إبراهيم وغنيم عبّاس، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى 1418ه-.

48 -تفسير القرآن الحكيم المشهور ب- (تفسير المنار)، محمّد رشيد رضا (ت 1935م)، خرّج آياته وأحاديثه وشرح غريبه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه-.

49- تفسير القرآن العظيم أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (774ه-)، تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت سنة الطبع 1412ه-.

50 -تفسير القرآن المجيد محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه-)، تحقيق: السيد محمّد علي أيازي، الطبعة الأولى 1424ه-، طبع ونشر : مكتب الإعلام الإسلامي (بوستان كتاب) - قم المقدسة.

51- التفسير الكبير، الفخر الرازي (ت 606ه-)، الطبعة الثالثة.

52- تفسير فرات الكوفي ، فرات بن إبراهيم الكوفي (ت 352ه-)، تحقيق: محمّد الكاظم الطبعة الأولى 1410ه-، الناشر: مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران.

53- تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1415ه-.

54- تقييد العلم، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463ه-)، تحقيق: يوسف العش الطبعة الثانية 1974م ، الناشر : دار إحياء السنة النبوية.

55- التمهيد، يوسف بن عبد الله بن عبد البر (ت 463ه-)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمّد عبد الكبير البكري المطبعة وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، سنة الطبع 1387ه-.

56- التنبيه والإشراف، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346ه-)،الناشر: دار صعب - بيروت.

57 تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1404ه-.

58- تهذيب الكمال في أسماء الرجال أبو الحجاج يوسف المزّي (ت 742ه-)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1413ه-.

59- التوحيد، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تحقيق : السيد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي -قم المقدّسة ، الطبعة السابعة 1422ه-.

60- الثقات، محمّد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت 354ه-)، طبع بإعانة وزارة للحكومة العالية الهندية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة الأولى.

61 - جامع أحاديث الشيعة ألّف تحت إشراف آية الله العظمى الحاج حسين الطباطبائي البروجردي (ت 1383ه-)، سنة الطبع: 1399ه-، المطبعة العلمية - قم المقدّسة.

62 - جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير الجزري (ت 606ه-)، تحقيق: أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1318ه-.

63- جامع البيان عن تأويل آي القرآن محمّد بن جرير الطبري (ت 310ه-)، ضبط وتوثيق وتخريج صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.

64- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911ه-)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1401ه-.

65- الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي ت 279ه-)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1403ه-.

66 - جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البر (ت463ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1398ه-.

67- الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327ه)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد، الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1371ه-.

68 - جواهر الكلام، الشيخ محمّد حسن النجفي ( ت 1266ه-)، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، الطبعة الثانية 1365ش، المطبعة:خورشيد، الناشر: دار الكتب الإسلامية - طهران.

69 - الحصون المنيعة رد على كتاب حوار هادئ بين السنة والشيعة)، حسن عبد الله علي، الطبعة الثانية 1426ه-، المطبعة: كوثر، الناشر: مؤسسة عاشوراء.

70- خصائص الأئمّة علیهم السلام، أبو الحسن محمّد بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف الرضي (ت 406ه-)، تحقيق: محمّد هادي الأميني، سنة الطبع 1406ه-، الناشر: مجمع البحوث الإسلامية - الآستانة الرضوية المقدسة - مشهد الرضا علیه السلام.

71- خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، أبو عبد الرحمن أحمد بن

شعيب النسائي الشافعي (ت303ه-)، تحقيق وتصحيح الأسانيد ووضع الفهارس: محمّد هادي الأميني، الناشر: مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

72- الخصال، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة، سنة الطبع 1403ه-.

73- دائرة المعارف الحسينية، معجم المصنفات الحسينية، محمّد صادق الكرباسي، المركز الحسيني للدراسات لندن، الطبعة الأولى 1419ه-.

74- الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911ه-)، دار المعرفة - بيروت.

75- الدر النظيم، يوسف بن حاتم الشامي المشغري العاملي (ت 664ه-)، الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

76- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمعه عبد الرحمن بن محمّد النجدي الحنبلي (ت 1392ه-)، الطبعة السابعة 1425ه-.

77 -دفاع عن الكافي، ثامر هاشم حبيب العميدي، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1415ه-

78- ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت 694ه) ، سنة الطبع 1356ه- مكتبة القدسي القاهرة.

79- الذريعة في أصول الشريعة، السيد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى (ت 436ه-)، تصحيح وتقديم وتعليق: أبو القاسم گرجي، سنة الطبع 1346ش، المطبعة: دانشگاه طهران.

80 -ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، جار الله محمود ب-ن ع-م-ر الزمخشري (ت538ه-)، تحقيق: عبد الأمير مهنا، الطبعة الأولى 1412ه-، الناشر: مؤسسة

الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

81- الرد على البكري (تلخيص كتاب الاستغاثة)، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحراني الدمشقي (ت728ه-)، تحقيق: محمّد علي عجال، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى 1417ه-.

82- رسالة في الردّ على الرافضة (مطبوع ضمن مؤلفات محمّد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)، محمّد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي ( ت1206ه-)، تحقيق: ناصر بن سعد الرشيدي ، الناشر: جامعة محمّد بن سعود

الرياض.

83 -روضة الواعظين، محمّد بن الفتال النيسابوري (الشهيد في 508ه-)، تقديم: محمّد مهدي الخرسان منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة.

84 -الرياض النضرة في مناقب العشرة، أبو جعفر أحمد المحب الطبري (ت 694ه-)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.

85 -سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت 942ه-)، تحقيق وتعليق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1414ه-.

86 -السقيفة وفدك، أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي (ت323ه)، تقديم وجمع وتحقيق محمّد هادي الأميني، المطبعة والناشر: شركة الكتبي للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية 1413ه-.

87- سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، طبع عام 1415ه-.

88 -سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة (ت 275ه-)، تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر.

89 -سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (275ه-)، تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحام ، الطبعة الأولى 1410ه-، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر.

90- سنن الدارقطني علي بن عمر الدارقطني ( 385ه-)، تحقيق: مجدي بن منصور سيّد الشوري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه-.

91- سنن الدارمي، عبد الله بن الرحمن الدارمي (255ه-)، مطبعة الاعتدال - دمشق سنة الطبع 1349ه-.

92 - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458ه-)، دار الفكر - بيروت.

93- السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه-)، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي ،حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه-.

94- سير أعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، تحقيق: إبراهيم الزيبق، إشراف وتخريج شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة 1413ه-.

95 - شجرة طوبى، محمّد مهدي الحائري ( ت 1369ه-)، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة 1385ه-.

96-شرح القصيدة النونية، شمس الدين بن قيم الجوزية (ت751ه-)، الشارح: محمد خليل هراس، الطبعة الثانية 1415ه- ، دار الكتب العلمية - بيروت.

97- شرح مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمّد الحجري المصري المعروف بالطحاوي (321ه-)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى 1415ه-، الناشر: مؤسسة الرسالة.

98 - شرح معاني الآثار، أحمد بن محمّد بن سلمة الأزدي الحجري الطحاوي (ت321ه-)، تحقيق وتعليق: محمّد زهري النجار، الطبعة الثالثة 1416ه-، الناشر: دار الكتب العلمية.

99- شرح مقدمة التفسير لابن تيمية محمّد بن صالح بن محمّد العثيمين (ت1421ه-)، إعداد وتقديم: عبد الله بن محمّد بن أحمد الطيار، الناشر: دار الوطن - الرياض ، الطبعة الأولى 1415ه-.

100 - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت656ه-)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1385ه-.

101 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت علیهم السلام، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني ( من أعلام القرن الخامس الهجري)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1411ه-.

102 - شيخ المضيرة أبو هريرة، محمّد أبو رية (ت 1385ه-)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الثالثة.

103- الشيعة الجذور والبذور، محمود جابر، المطبعة: ستارة، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1430ه-.

104 - الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة 1407ه-.

105 - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري ( ت256ه-)، دار الفكر، سنة الطبع 1401ه-.

106 - صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، محمّد ناصر الدين الألباني جمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، الطبعة الثالثة 1421ه-.

107- صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة العارف للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الثانية 1422ه-.

108- صحيح شرح العقيدة الطحاوية، حسن بن علي السقاف، الناشر: دار الإمام النووي - عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1416ه-.

109 - صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري(ت 261ه-)، دار الفكر - بيروت.

110 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت 974ه-)، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكال محمد الخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه-.

111- الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، محمّد بن أبي بكر بن أيوب شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت 751ه-)، تحقيق: علي بن محمّد الدخيل الله، الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى 1408ه-.

112 - ضحى الإسلام أحمد أمين، دار الكتب العربي - بيروت، الطبعة العاشرة.

113 - الضعفاء الصغير محمّد بن إسماعيل البخاري ( ت256ه-)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى 1406ه-، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.

114-ضعفاء العقيلي، أبو جعفر محمد بن عمر و العقيلي الملكي، تحقيق وتوثيق : عبد المعطى أمين قلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية 1418ه-.

115 - طبقات الشافعية الكبرى، عبد الوهاب بن علي السبكي (ت 771ه-)، تحقيق: محمود محمّد الطناحي وعبد الفتاح محمّد الحلو، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.

116 - الطبقات الكبری، محمّد بن سعد (ت 230ه)، دار صادر - بيروت.

117- طبقات المدلسين، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-)، تحقيق: عاصم بن عبد الله القزويني، الطبعة الأولى، المطبعة: جمعية عمال المطابع التعاونية عمان، الأردن، الناشر: مكتبة المنار.

118 - العلل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 341ه-)، تحقيق: وصي الله بن محمود عباس، المطبعة: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه-، الناشر: دار الخاني -- الرياض.

119 - علل الشرائع، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، سنة الطبع 1385ه-.

120 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين محمود بن أحمد العيني (ت 855ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

121- عيون أخبار الرضا علیه السلام ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحیح و تعلیق: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، سنة الطبع 1404ه-.

122 - الغارات أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي ( ت 283ه)، تحقيق: جلال الدین المحدث.

123- الغيبة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-)، تحقيق: عبد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح، الطبعة الأولى 1411ه-، المطبعة: بهمن، الناشر: مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة.

124 فاسألوا أهل الذكر، الدكتور محمد التيجاني، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية ،المطبعة: ستارة - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1427ه-.

125-فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة، وهي فتاوى من مركز الفتوى بموقع الشبكة الإسلامية www.islamweb.net بإشراف عبد الله الفقيه.

126 - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، أحمد بن عبد الرزاق الدويش الرياض - المملكة العربية السعودية.

127 - فتاوى مهمّة لعموم الأمة، عبد العزيز بن باز ومحمّد بن صالح العثيمين، تحقيق: إبراهيم الفارس الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى 1413ه-.

128- فتاوى نور على الدرب، عبد العزیز بن عبد الله بن باز، الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

129 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852ه-) ، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية.

130- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني (ت 1255ه-)، عالم الكتب.

131 - فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، أحمد بن الصدّيّق المغربي (ت 1380ه-)، تحقيق وتعليق و تصحيح الأسانيد: محمّد هادي الأميني، مطابع نقش جهان - طهران، الطبعة الثالثة 1403ه-.

132 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمّة من ذريتهم علیهم السلام أبو المجامع إبراهيم بن محمّد الجويني الخراساني (من أعلام القرن السابع والثامن الهجري)، مطبعة العترة، الناشر: دار الحبيب - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1428ه-.

133- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحراني الدمشقي (ت728ه-)، حققه وعلّق عليه: علي بن نايف الشحود.

134 - الفروق اللغويّة، أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري (ت نحو 395ه-)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة

المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412ه-.

135 - الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو علي محمّد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (ت 456ه-) ، مطبعة الأدبية - مصر ، الطبعة الأولى 1320، الناشر: دار الصادر - بيروت.

136 - الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة علي بن محمّد المالكي المكي المعروف بابن الصبّاغ ( ت 855ه-)، تحقيق: سامي الغريري، مطبعة سرور، الطبعة الأولى 1422ه-، الناشر : دار الحديث للطباعة والنشر.

137 -فضائل الصحابة، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 341ه-)، تحقيق: وصي الله محمّد عبّاس، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1403ه-.

138- فضائل الصحابة، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت.

139 - فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المناوي (ت 1031ه-)، تصحیح : أحمد عبد السلام، دار الكتب العمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه-.

140 - القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت817ه-)، مؤسسة الرسالة - بيروت.

141 - القيم الاجتماعية كما تعكسها ثورة كربلاء، محمّد أحمد محمود إبراهيم، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1434ه-.

142 -الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، شمس الدين أبو عبد الله محمّد ابن أحمد الذهبي الدمشقي (ت748ه-) ، قابلها وقدم لها وعلق عليها: محمّد عوامة، وخرج نصوصها: أحمد محمّد نمر الخطيب، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن - جدة، الطبعة الأولى 1413ه-.

143- الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني (ت329ه-)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية في طهران ، الطبعة الخامسة 1363ش.

144- الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير ( ت 630ه)، دار صادر - بيروت، سنة الطبع 1385ه-.

145 - الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (365ه)، :تحقیق سهيل زكار، قراءة وتدقيق : يحيى مختار عزاوي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة 1409ه-.

146 - كتاب الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين عبد الرحمن بن محمّد بن عساكر الدمشقيّ (ت 620ه-)، تحقيق: محمّد مطيع الحافظ وغزوة بدير، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى 1406ه-.

147 كتاب الأم، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت 204ه-)، الطبعة الثانية 1403ه-، الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

148 - كتاب السنّة، أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني (ت 290ه) تحقيق: محمّد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1406ه-.

149_كتاب الضعفاء والمتروكين، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه-)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1406ه-.

150 -كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175ه-)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مطبعة الصدر، الطبعة الثانية 1410ه-.

151 - كتاب الفتوح، أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (314ه-)، تحقيق: علي سيّدي دار الأضواء، الطبعة الأولى 1411ه-.

152 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538ه-) ، سنة الطبعة 1385ه- ، الناشر: شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر.

153-كشف الخفاء، إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت 1162ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثالثة 1408ه-.

154-كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت693ه-)، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1421ه-.

155 - كشف اليقين، جمال الدين الحسن بن يوسف المشهور ب- (العلامة الحلي) (ت726ه-)، تحقيق: حسين الدرگاهي، الطبعة الأولى 1411ه-.

156 - كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت658ه-)، تحقيق: محمد كاظم المحمودي، الناشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى 1431ه-.

157 - كمال الدين وتمام النعمة محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت381ه-)، تصحيح علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، سنة الطبعة 1405ه-.

158 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975ه-)، ضبط وتفسير بكري حياتي، تصحيح: صفوة السقا، مؤسسة الرسالة - بيروت، سنة الطبع 1409ه-.

159 - كنز الفوائد، أبو الفتح محمّد الكراجكي ( ت 449ه-)، الطبعة الثانية 1369ش، المطبعة: غدير، الناشر: مكتبة المصطفوي - قم المقدسة.

160 - لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمّد خير البشر، عبد الله بن زید آل محمود، مطابع قطر الوطنية - الدوحة، الطبعة الثانية 1400ه-.

161- لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (ت711ه)، نشر: أدب الحوزة - قم المقدّسة، سنة الطبع 1405ه-.

162 - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمّد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي ( ت 354ه-)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، توزيع: دار الباز للنشر والتوزيع - عباس أحمد الباز مكة المكرمة.

163 - مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي ( ت 1085ه-)، تحقيق: أحمد الحسيني، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة الثانية 1408ه-.

164- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت807ه)، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1408ه-.

165 - المجموع (شرح المهذّب)، أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت676ه-)، الناشر: دار الفكر

166 - مجموعة الفتاوى، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي (ت 728ه)، طبعة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.

167 - المختصر في أخبار البشر (تاريخ أبي الفداء)، عماد الدين إسماعيل أبو الفدا ت 732ه-)، المطبعة: شركة علاء الدين للطباعة، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

168- المراجعات، عبد الحسين شرف الدين العاملي (ت 1377ه-)، تحقيق: حسين الراضي، الطبعة الثانية 1402ه-.

169 - مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح علي بن سلطان محمّد القاري (ت 1014ه-)، تحقيق: جمال عيتاني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1422ه-.

170 - مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي

(ت 346ه-)، شرحه عبد الأمير علي مهنّا منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى 1421ه-.

171 - مسائل علي بن جعفر علي بن الإمام جعفر الصادق علیه السلام (ق 2ه-)، الطبعة الأولى 1409ه-، المطبعة: مهر - قم المقدسة، الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضاء علیه السلام - مشهد الإمام الرضاء علیه السلام.

172- المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، كمال الدين محمّد بن محمّد الشافعي، تحقيق: كمال الدين قاري وعزّ الدين معميش، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1435ه-.

173 - المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405ه-)، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة - بيروت.

174 - المستصفى، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي ( ت 505ه-)، تصحيح: محمّد عبد السلام عبد الشافي ، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1417ه-. 175- مسند أبي داود الطيالسي سليمان بن داود البصري الشهير بأبي داود الطيالسي (ت 204ه-)، الناشر: دار المعرفة - بيروت.

176 - مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت307ه-)، تحقيق: حسین سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الثانية 1412ه-. 177 - مسند أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-)، دارصادر - بيروت.

178 - مسند أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي (ت 241ه-)، حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية 1429ه-.

179 - مسند الحميدي عبد الله بن الزبير الحميدي ( ت219ه-)، تحقيق وتعليق:

حبیب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى 1409ه-، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت.

180 - مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت 321ه-)، طبعه مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد - الهند، الطبعة الأولى 1333ه-.

181 - مصطلح الحديث، محمد بن صالح بن عثيمين.

182 - المصنّف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211ه-)، تحقيق: حبیب الرحمن الأعظمي.

183 - المصنّف في الأحاديث والآثار، عبد الله بن أبي شيبة الكوفي (235ه-)، تعليق:سعيد اللحّام، دار الفكر - بيروت، طبع سنة: 1420ه-.

184 - مع رجال الفكر السيد مرتضى الرضوي، الطبعة الرابعة، موسعة ومنقحة 1418ه-، الناشر : الإرشاد للطباعة والنشر - بيروت ولندن.

185 - المعارف، ابن قتيبة الدنيوري (ت 276ه-)، تحقيق: ثروت عكاشة، دار المعارف - القاهرة.

186- المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، يوسف بن موسى بن محمد أبو المحاسن الملَطَي الحنفي ( ت803ه-)، الناشر: عالم الكتب - بيروت.

187 - المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين سنة الطبع 1415ه- ، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر.

188 - معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت 626ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، سنة الطبع 1399ه-.

189 - المعجم الصغير، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، دار الكتب العلمية - بيروت.

190 - المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360ه-)، تحقيق: حمد عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية.

191 -معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين البيهق (458ه)، تحقيق: سيد كسروي حسن، المطبعة والناشر : دار الكتب العلمية - بيروت.

192 -معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب، العلامة النوري، إعداد وتحرير: الهيئة العلمية التحريرية، مجمع المطالعات والتحقيقات الإسلامية، و مجمع المعارف الإسلامية.

193-معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405ه-)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، تصحيح: معظم حسين، الطبعةالرابعة 1400ه-، الناشر: منشورات دار الآفاق الحديث - بيروت.

194 - المعرفة والتاريخ، أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت277ه-)، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1419ه-.

195 - المعرفة والمعرّف، حسام الدين أبو المجد، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة ، ستاره، الطبعة الأولى 1428ه-.

196 - المعيار والموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، محمّد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي (ت 220ه-)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأولى 1402ه-.

197 - المغني في الضعفاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت478ه-)، تحقيق: حازم القاضي، دار الكتب العلمية - بيروت، سنة الطبع 1418ه-.

198 - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ، أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (ت 656ه-)، حقّقه وعلّق عليه وقدّم له: محيي الدين ديب مستو، أحمد محمّد السيد يوسف علي بديوي، ومحمود إبراهيم بزّال، دار ابن كثير دمشق -

بيروت، الطبعة الرابعة 1429ه-.

199 - مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني (356ه-)، تقديم وإشراف: كاظم المظفر ، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف الأشرف، الطبعة الثانية 1385ه-.

200 -الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت548ه-)، تحقيق: محمّد سيّد گيلاني، دار المعرفة - بيروت.

201 - من لا يحضره الفقيه محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381ه-)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة، الطبعة الثانية 1404ه-.

202 - المناقب، الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخوارزمي (ت 568ه-)، تحقيق: مالك المحمودي، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، الطبعة الثانية 1411ه-.

203 -مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهر آشوب (588ه-)، المكتبة الحيدرية النجف الأشرف، سنة الطبع 1376ه-.

204- مناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، محمّد بن سليمان الكوفي (ت 300ه-)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع ضياء الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412ه-.

205- مناقب على بن أبي طالب علیه السلام، أبو الحسن علي بن محمّد الواسطي الشافعي الشهير بابن المغازلي (ت 483ه-)، الطبعة الأولى 1426ه-، المطبعة: سبحان، الناشر: انتشارات سبط النبي صلی الله علیه وآله وسلم.

206 - مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام وما نزل من القرآن في علي علیه السلام، أحمد بن موسى

ابن مردويه الأصفهاني (ت 410ه-)، جمعه ورتّبه وقدّم له: عبد الرزاق محمّد حسين حرز الدين، الطبعة الثانية 1424ه-، المطبعة والناشر: دار الحديث - قم المقدّسة.

207 - المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي (ت597ه-)، تحقیق سہیل زکار، دار الفكر - بيروت، سنة الطبع 1420ه-.

208 - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت728ه-)، وضع حواشية وخرّجه: عبد الله محمود محمّد عمد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1420ه-.

209 - الموافقات في أصول الفقه إبراهيم بن موسى الغرناطي المعروف بالشاطبي (ت 790ه-)، تحقيق: عبد الله ،دراز الناشر: دار المعرفة - بيروت.

210 - الموطأ مالك بن أنس (ت 179ه-)، تصحيح وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، سنة الطبع: 1406ه-.

211- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، دار المحرق - بيروت، الطبعة الأولى 1382ه-.

212- النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية، محمد بن عقيل العلوي (ت 1350ه-)، دار الثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1412ه-.

213- نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني (ت 750ه-)، الطبعة الأولى 1377ه-.

214-نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عزّ وجلّ من التوحيد، عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280ه-)، حقّقه وعلّق عليه: رشيد بن حسن الألمعي قدّم له: عبد العزيز بن عبد الله

الراجحي، الطبعة الأولى 1418ه-، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض شركة الرياض للنشر والتوزيع.

215 - النهاية في غريب الحديث والأثر، عزّ الدين ابن الأثير الجزري (ت 606ه-)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، الناشر: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع - قم ، الطبعة الرابعة 1364ه-ش.

216 - نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، تحقيق وشرح محمّد عبده، دار الذخائر - قم المقدّسة، المصوّر على طبعة دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1412ه-.

217- الوصيّة بحث في تحقيق ألفاظ حديث الثقلين، بدر الدين بن الطيب كسوبة، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، الطبعة الأولى 1430ه-.

218 - يكاد زيتها يضيء، معروف عبد المجيد، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، مؤسسة الرافد للمطبوعات، الطبعة الأولى 1432ه-.

219 - ينابيع المودّة لذوي القربى سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت 1294ه-)، تحقيق: علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1416ه-.