ghaemiyeh.com
التمهيد للظهور
في الكُتُبِ وَالمُصَنَّفَاتُ
الجزء الثاني
إعداد وتقديم
مركز الدراسات التخصصية الانها المهدي
محرر الرقمي: عبدالعلي المحسني
مرکز الدراسات التخصصیي الامام المهدی عجّل الله تعالی فرجه
اسم الکتاب: ... التمهید الظهور في الکتب والمصنفات/ج2
إعداد وتقديم: ... مرکز الدراسات التخصصیة في الامام المهدی عجّل الله تعالی فرجه
رقم الإصدار ... 211
الطبعة: ... الاولي 1446هـ
عدد النسخ: ... طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز العراق النجف الأشرف
العراق النجف الاشرف
هاتف: 07809744474
07846787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
علامات الظهور
تأليف
المرجع اللدیني الشيخ محمّد السّند دام ظله
موسسة الرّافد المطبوعات
فقه علامات الظهور
تأليف
المرجع الديني الشيخ محمّد السند (دام ظلّه)
الطبعة الأولى: 1438هـ
العدد: 2000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للمؤلّف
إعداد القوة
قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ...)(الأنفال: 60)، وهذه الفريضة القرآنية العظيمة ليست مختصَّة بباب الجهاد وحال مناجزة العدوّ ، بل هي مطلقة على الدوام أن يبني المؤمنون أنفسهم وقوَّتهم صرحاً يهابه العدوّ رادعاً له عن التطاول، ويمكن استفادة عدَّة أمور من هذه الآية:
الأوَّل: نرى الآية فرَّقت معنى القوَّة عن رباط الخيل، وكأنَّها تشير إلى أنَّ القوَّة بحسب المعنى أوسع من معنى القوى العسكرية التي أحد مصاديقها (رباط الخيل).
الثاني: هذا التفريق والتمييز واضح في الآيات القرآنية، قال تعالى: (قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ) (النمل: 33)، فالآية هنا فرَّقت القوة عن البأس الشديد، أي بيَّنت أن معنى القوَّة أوسع من معنى القوة البدنية والعسكرية.
ومن معاني القوَّة الأخرى، قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتي نَقَضَتْ غَزْهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ...) (النحل: 92)، فقد أشير - في
التفاسير - إلى أنَّ معنى القوَّة هو الإحكام والإبرام.
الثالث: كذلك طلب ذي القرنين القوَّة من القوم الذين استنجدوه، وهي الإعانة المالية والبدنية، قال تعالى: (قال ما مَكَنّي فيهِ
رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما) (الكهف: 95)، وهكذا آيات أُخرى تشير إلى أنَّ معنى القوَّة معنى أوسع من معنى القوَّة البدنية والعسكرية.
إذن يتبيَّن أنَّ عنوان ومعنى القوَّة معنى مطلق شامل لكلِّ أنواع
القوَّة سواء القوَّة العسكرية أو غير العسكرية.
ومن الواضح أيضاً أنَّ القوَّة غير العسكرية لها مصاديق كثيرة منها: القوَّة العلمية، والقوَّة السياسية، والقوَّة الاقتصادية، والقوَّة الاجتماعية، وغيرها. رغم أنَّ الآية قالت بعد ذلك: (وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ)، فيظهر أنَّ القوَّة المعطوف عليها (رباط الخيل) شيء آخر أعمّ من (رباط الخيل)، فتكون القوَّة العلمية في التطوّر العلمي على المستوى السياسي والذكاء السياسي، وكذلك على المستوى الاقتصادي، فإنَّ القوَّة الاقتصادية قوَّة لا ينكرها عاقل، كذلك القوى التي ذكرناها، بل إنّ القوَّة الاجتماعية والوجاهة الاجتماعية والتأثير في المجتمع أيضاً قوَّة أخرى.
وكلُّ هذه المصادر للقوَّة تُولَّد هيبة وتُرهِب العدَّو المتربِّص بنا، والقضيَّة غير مختصَّة بوجود معركة أو معركة وشيكة، بل على العكس القوَّة تُبنى في وقت السلم للأسباب التالية:
1 - لأنّها تتنامى من الدرجة البسيطة ثمّ تتصاعد إلى الدرجة العليا، وهذا التنامي يكون في وقت السلم بشكل أفضل.
2 - أنَّ وقت الحرب ليس وقت بناء للقوَّة، بل هو وقت استخدام
لما بنيته من قوَّة، وهذا واضح. فإذا لم تكن بنيت قوتَّك في وقت سابق سوف تُهزَم في الوقت اللاحق - وقت الحرب -.
3 - أنَّ وقت السلم وقت صحيح لبناء القوَّة بصورة هادئة ورصينة. فينبغي تحشيد الهمم والإرادات والعزائم للقيام بالمسؤولية،
وتخطيط برنامج يقوم بعبئ ضخامة الحدث.
( ونصرتي لكم معدَّة ) (1)، وهذا النصّ ورد مستفيضاً في زياراتهم سواء في جانب الملف الأمني أو العسكري أو التعبوي للنفوس والحماس الهمم أو في الملف السياسي أو المالي والاقتصادي أو في الملف العقائدي والفكري والإيدلوجي في الملفات الأُخرى من الرعايات الحازمة التي يلزم على المؤمن النهوض بها.
قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60) ، وهذه الآية ترسم أصل محكم وقاعدة خطيرة استراتيجية، ألا وهي أنَّ بناء القوة ليس له سقف يقف عنده، بل هو أفق مفتوح لا يتناهى، بل في قوله تعالى: (يا مَعْشَرَ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالأَرضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن (33)، ودعوة للبشر إلى إنهاء سلطان قوَّتهم إلى القدرة على النفوذ من أقطار السماوات والأرض.
فإذن بناء القدرة والقوَّة ليس له سقف في دعوة القرآن، نعم استخدام القوَّة تجاه الآخرين ولو كانوا من الأعداء المعتدين له سقف وحدّ محدود، كما أنَّ استخدام القوَّة تجاه الآخرين حالة استثنائية واضطرارية وليست حالة أوَّلية في منطق القرآن ومدرسة أهل البيت علیهم السلام.
فبين بناء القوَّة وإعدادها مع استخدام القوَّة واستعمالها بون
شاسع ، ومن ذلك يُفهم التوصية بـ (كن حلساً من أحلاس بيتك) أنَّه
1) من لا يحضره الفقيه 2 : 614 / ح 3213 .
ليس دعوى لعدم بناء القوَّة لكيان الإيمان والمؤمنين، بل غايته عدم استخدام واستعمال القوَّة تجاه المخالفين لدعوتهم إلى الهدى والحقِّ، لا أنّها وصيَّة وتوصية منه علیه السلام لترك بناء القوَّة أو إيقاف مسيرة بناء القوَّة وكم بين المعنيين من فرق شاسع.
ومن ثَمَّ نلاحظ أنَّ أتباع أهل البيت علیهم السلام كانوا قلَّة بعدد الأصابع في الصدر الأوَّل، ثمّ كيف تناموا إلى يومنا هذا، وليس ذلك إلّا من بناء القوَّة والقدرة لا من إيقافها. ومن ثَمَّ ولأجل هذا الأصل والقاعدة العظيمة قام كلُّ ظالم بقتل إمام من أئمَّة أهل البيت الأحد عشر علیهم السلام واستئصاله إمَّا بالسُّمَّ أو القتل، رغم أنَّ أئمَّة أهل البيت علیهم السلام من الإمام السجّاد علیه السلام إلى الإمام الحسن العسكري علیه السلام لم يستعملوا القوة، لكن خلفاء بني أميَّة وبني العبّاس لمسوا منهم التنامي في القوَّة، فمن ثَمَّ استشعروا الخطر على ملكهم فقاموا بتصفيتهم، بينما لم يقدم بنو أُميَّة وبنو العبّاس على قتل أحد من علماء المخالفين إلّا نادراً.
وهذا برهان قاطع من سيرة أئمَّة أهل البيت علیهم السلام على الإصرار في بناء القوَّة والقدرة وتناميها وتمدّدها بلا حدود، فبين بناء القوَّة والقدرة مع استخدامها تمايز كبير ، وقد وقع الخلط عند كثيرين، بل بقي هذا الخلط معشعشاً قروناً إلى يومنا هذا.
إذن بناء القوَّة والقدرة المتنامي فائدته الردع للعدِّو عن الطمع في
مقدرات المؤمنين والمسلمين، وهو من باب (الوقاية خير من العلاج)، بينما استخدام القوَّة هو من العلاج بعد وقوع الابتلاء بمرض اعتداء المعتدي لإزالة ذلك العدوان، بل إنَّ تنامي القوَّة والقدرة له خاصية أخرى، وهي خاصية إزالة العدوان أيضاً، بنحو سلمي تلقائي عفوي.
ومن ثَمَّ يتبيَّن أنَّ الهدنة التي أوصى بها أئمَّة أهل البيت علیهم السلام في زمن الغيبة الكبرى لا تتنافى مع ضرورة بناء وتنامي القدرة، بل بينهما كمال الوئام والتلازم، فإنَّ الهدنة تعني فيما تعنيه الحفاظ على مقدرات معسكر الإيمان وكيانه، وهذا لا يتمُّ بمُجرِّد ترك المناوشة مع الخصم والعدوّ المخالف، وبمجرَّد الكفّ وصرف ترك المنابذة والمنازلة، فإنَّ ذلك بمجرَّده لا يُحقَّق الأمان والحفظ، بل لا بدَّ من اعتماد بناء القوَّة وتنامي القدرة كي يكون ذلك مُلجأ للعدِّو والخصم على رعاية الهدنة ورادعاً له عن الطمع في نكث الهدنة والقيام بالعدوان والتجاوز.
ألا ترى في هدنة الإمام الحسن علیه السلام مع معاوية لم تكن تلك الهدنة متمِّحضة في الكفّ عن القتال، بل أكثر بنود ذلك الاتِّفاق كان فيه المحافظة من الإمام الحسن علیه السلام وشيعته على إبقاء القوَّة والقدرة وعدم تسليمها لمعاوية؟
ومن ثُمَّ كان أوّل بند من بنود الإمام الحسن علیه السلام أنَّ أخاه الإمام الحسين علیه السلام يدخل في هذه الهدنة، بل يظلّ خطَّاً ساخناً يمكن تفعيله في أيَّ وقتِ، مضافاً إلى البنود الأخرى الصريحة في ذلك.
فمفهوم الهدنة وعنوانها هو الآخر من العناوين التي حصل الالتباس في مفهومها ومعناها كالتوصية الواردة: (كن حلساً من أحلاس بيتك) كما مر ، فبالدقة عندنا أصلان:
أصل تنامي القوَّة والقدرة السياسية والعسكرية، وأصل آخر وهو تنامي القوَّة والقدرة التكنولوجية والعلمية، وليس معنى القوى والقدرة السياسية أو التكنولوجية أو حتَّى الاقتصادية ليس المقصود منها الدولة فقط، باعتبار أن السياسية أو الصناعية بيدها، بل الأمر والمسؤولية على
الجميع أفراداً أو مجتمعات أو دولاً كلِّاً بحسبه كما ورد: (كلّكم راع
وكلّكم مسؤول عن رعيَّته) (1).
عموم المسؤولية على الجميع
قال النبيُ صلی الله علیه وآله وسلم: (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيَّته) (2).
وهذه الوصية النبويَّة الخطيرة لم تقصر المسؤولية على بعض دون
البعض، ولا على النخب دون عامَّة آحاد الأمَّة، بل كلٌّ من موقعه
يتحمَّل الثقل والعبى، سواء قام الآخرون بمسؤولياتهم أم تخّلوا عنها .
قاعدة الرعاية (كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيَّته)، قاعدة عظيمة ومهيمنة تمنهج وتبرمج إعداد القوَّة، رغم أن قاعدة إعداد القوَّة قاعدة عظيمة وكبيرة ومطلقة أيضاً، ولكن كيفيات الإعداد ومتعلّقات الإعداد من حيث المسؤوليات لا تتمنهج إلّا من خلال تلك الكلمة النبوية الجامعة: «كلّكم راع».
فالرعاية مسؤولية، أي إنَّ الراعي مسؤول، لذلك قال الحديث الشريف: (وكلّكم مسؤول عن رعيَّته) ، أي إنَّ هذه المسؤولية تلاحقك في الدنيا والآخرة، وأنت مسؤول قبل العمل وحين العمل وبعد العمل، ومسؤول أيضاً لو تركت العمل أو قصَّرت في العمل، وأنت مجازى بأحسن الجزاء لو أنجزت العمل بالصورة المطلوبة.
كما أنَّ لنا قدوة عظيمة بإمام عصرنا صاحب والعصر والزمان
المهدي علیه السلام، حيث إنَّ تطاول الدهور والعصور على الظهور بمشروعه الإلهي بإقامة دولة العدل والقسط في سائر أرجاء الأرض لم يثنه عن الاستقامة والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف، ولا زعزع طول المدَّة من أمله ورجاءه بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، فكم هائل وعظيم هذا الإصرار من التحمّل لإدارة المضيّ بالمسؤولية والتخطيط عبر عشرة قرون.
وهذا ينتج عدَّة أمور:
(1) أنَّ الصبر على الشدَّة وطول المدَّة في تحمّل المسؤولية والعبء الثقيل لهو من أعظم ما يُميِّز عظمة الإمام صاحب العصر والزمان علیه السلام.
أنَّ الصبر والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف بتفاؤل ملؤه أمل ورجاء بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، رغم ما مرَّت من عقبات وأزمات وكوارث و انتكاسات وفتن حلَّت بالمؤمنين.
هذه الثقة المطلقة بالله تعالى التي لا يزعزعها شيء، وهي من أهمّ بل الأهمّ في رسم خارطة المسير والمسار الصحيح في تحمّل المسؤوليات للتعامل مع متطلبات العصر الراهن.
أنَّ أصحاب وأنصار الإمام علیه السلام من الأبدال والأوتاد لا الأدعياء في دولته الخفيَّة الآن، هم قدوة أُخرى لنا للثبات على صراط الحقَّ والمسير والمسار القويم الصحيح، نعم لا محورية مستقلَّة لهم، بل محوريتهم تابعة المحوريته علیه السلام.
فإذن نحن مسؤولون عن إعداد القوَّة، ونحن مسؤولون عن رعايتها ولو تخاذل الأغلب، ولا عذر لنا ولو تخاذل الأكثر في تسخيرهم وتطويعهم وهذا الأصل مبنيٌ على موازين وضوابط وليس مفتوحاً بنحو انفلاتي.
فهذه قواعد أربع لها ركنية كبيرة في تبيان قوام منهاج أهل البيت علیهم السلام في دعوتهم لإظهار الإيمان على كافَّة أرجاء الأرض.
التقية الذكية (الكتمان الذكي)
وترقية تنامي الحس الأمني
ولا بدَّ قبل الدخول في تفاصيل هذه القاعدة من ذكرة مقدَّمة
ينبغي الالتفات إليها، وهي:
أنَّ لقاعدة التقيَّة الأمنية موقعية مهمَّة، فهي قبل الجهاد الدفاعي بكلِّ أنواعه ومعه وبعده، لأنّها تبدأ من الدرجة البسيطة، وهي معه لأنَّها حارسة له وخطّ ساند له من الخرق الداخلي للعدوِّ، وهي حصانة من الاختراق الأمني والاستخباري الذي يمكن للعدوِّ إحداثه في جسد المجتمع المؤمن، وكذلك هي بعد الانتصار العسكري أو - لا قدَّر الله - بعد الفشل العسكري حماية وحصانة من زيادة الفشل والتردّي لأجل لملمة الجراحات.
إذن موقعية قاعدة التقيَّة الذكية (الأمنية) موقعية عظيمة في الدين وفي السير والمسير السياسي والاجتماعي، كما هو حال الإمام المهدي علیه السلام الآن في غيبته، وحال الأوتاد والأبدال الذين يعملون معه في غيبته، فهذه القاعدة عامَّة وشاملة لكلِّ زمان ومكان وخصوصاً زمن الغيبة.
وفي الحقيقة إنَّ عزّ الأمم وقوَّتها وفخرها هو بوجود الجنود في الخفاء (الجنود المجهولين)، الذين يقومون بتحصين وحماية المجتمع من أن تميد بهم الأرض، بل إنَّ أحد تفاسير: (الولا الحجَّة لساخت الأرض بأهلها)، ليس أن تسيخ الأرض فقط بأهلها تكويناً بسبب الملكوت بالقضاء والقدر الإلهي، بل أيضاً بحسب الأسباب الطبيعية، أي لولا رعاية الإمام علیه السلام وفعل الإنسان الكامل - بالأسباب الطبيعية الإدارية والتدبيرية والتنظيمية -، بإحداث الموازنات والمعالجات السياسية والأمنية والاجتماعية الظاهرية والخفيَّة وكل المجالات المعيشية الأخرى لساخت الأرض بأهلها. ملاحظتان في الإعداد الأمني:
الملاحظة الأولى: أحد أهمّ مستندات هذه القاعدة هي نفس قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، فإنَّ قوله
تعالى: (مِنْ قُوَّةٍ) تشمل كل مستويات القوَّة سواء كانت قوَّة عسكرية أو استخبارية - وهي الإعداد الأمني – أو غيرهما، وإنَّ قاعدة الإعداد الأمني متقدَّمة في الأهمّية على القواعد الجهاد الدفاعي التي سنذكرها، حيث إنَّها قبل الجهاد الدفاعي ومعه وبعده، فإنَّ الجهاد الاستخباري الأمني الاجتماعي جارٍ في السلم والحرب.
من جهة أخرى فإن تتمة الآية تقول: (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ)، وفيها إشارة إلى أنَّ هناك عدوّ - متربٍّص - خفيّ سوف يُردَع سواء كان خارجياً أو داخلياً.
الملاحظة الثانية: تعاكس الإعداد الأمني مع قواعد الجهاد الدفاعي. من الطريف أنَّ قاعدة الإعداد الأمني متمازجة متداخلة مع الجهاد الدفاعي ومع ذلك هي متعاكسة، وليس معنى التعاكس هو التضاد، بل هو تعاكس السير المنظومي لتنامي هذه القواعد مع القاعدة الأخرى.
فإنَّ قاعدة الإعداد الأمني تنطلق من المستوى البسيط وتتنامى إلى المستوى العالي، تبدأ كشيء بسيط وكخليَّة صغيرة ثم تكبر، أمَّا الجهاد فإنَّه يبدأ من الدرجة الأعلى، فإن عجز عنها وجبت عليه الدرجة الأدنى وهكذا...
التقيَّة والكتمان حارس الإعداد الأمني:
يمكن استيضاح معنى الحراسة من عدَّة نقاط:
أوّلاً: وردت روايات كثيرة في الحثٍّ على التقيَّة، حتّى عُدَّت من
ضروريات المذهب، بل هو وارد في مضامين آيات كثيرة، قال تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ) (النحل: 106)، وهذه الآية ورد - في تفسيرها - بنحو مستفيض أو متواتر أنَّها في التقيَّة، ونرى
الإمام الصادق علیه السلام يُطبِّقها على مثل ميثم فيقول علیه السلام: (ما منع ميثم رحمه الله علیه من التقيَّة؟ فوالله لقد علم أنَّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه ...» (1).
وكذلك من الآيات، قوله تعالى: (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) (غافر : 28).
كذلك قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَليس مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ ثقاة) (آل عمران :28).
والتقيَّة التي نريدها في هذه القاعدة تقيَّة في بعد خاصّ وليس التقيَّة بعرضها العريض الشمولي، فتكون آيات وروايات التقيَّة شاملة لمثل موردنا - وهو التقيَّة ( الذكية) الأمنية -، لعمومها وشمولها.
ثانياً: الآيات والروايات لا تقتصر - بحسب ظهورها - على التقيَّة بالعنوان والبعد الفردي، أو بالمعنى المعهود - وهي تقيَّة الخوف - ، بل إنَّ النبيَّ صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام وسَّعوا عنوان التقيَّة إلى التقيَّة التعليمية (الأمن التعليمي أو المعلوماتي)، والتقيَّة المداراتية، قال صلی الله علیه وآله وسلم: (إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلَّم الناس على قدر عقولهم(2)، وكذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام في وصف النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم: (فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح) (3)، وكذلك قوله علیه السلام : (أُمرت بمداراة الناس)(4).
وكذلك قول الإمام الصادق علیه السلام : (ما كلَّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العباد بكنه عقله قطّ(1)، إلى غير ذلك من الروايات في هذا المضمون.
وقد سبق أنَّ ذكرنا أنَّ قول الإمام علیه السلام: (التقيَّة من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقيَّة له) (2)، فالإمام بهذا يعتبر أنَّ التقيَّة منهاج عمل له ولآبائه المعصومين علیهم السلام، ثمّ يُعمِّم هذا المنهاج لكلِّ المؤمنين، ويعتبر أنَّ من لا يعمل بالتقيَّة لا دين له، وهذا اللسان الشديد يُستَشعر منه أنَّ القضيَّة ليست عمل على مستوى الفرد والأفراد فقط، بل هو على مستوى أعظم وأهمّ وهو العمل الاجتماعي، بل أيضاً في السلوك الديني والسياسي.
ثالثاً: الكتمان الصحيح (الممدوح): لو راجعنا مضامين الروايات
التي ذكرت أسلوب التقيَّة الذي اتَّبعه النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم في المجتمع لشاهدنا أنَّ تكليم النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم الناس على قدر عقولهم وليس على قدر عقله صلی الله علیه وآله وسلم، يعني أنَّه لم يكشف الحقائق التي يعلمها، لأنَّ الناس لا تتحمَّل كل ما يحمله النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وأنَّ هناك بعض الحقائق لا يصحُّ كشفها للناس، وأنَّ الناس مراتب فإنَّ ما يُكشَف من الحقيقة - والتي هي أمر لا متناهي - للمعصومين علیهم السلام لا يتحمَّله الأبدال والأولياء، كما هو الحال فيما جرى بين الخضر وموسى علیهما السلام فضلاً عن أن يتحمَّله الناس، كذلك والحال بالنسبة إلى أصحابه صلی الله علیه وآله وسلم غير المعصومين علیهم السلام، ما يكشفه النبي لسلمان غير ما يكشفه لأبي ذر أو لعمّار رَضی الله عَنْهُ، فالناس معادن و طبقات و درجات من التحمّل والقدرة.
فإذا عرفنا هذا فإنَّه ينبغي أن لا نزن الأمور بميزان واحد ونكيل الناس بمكيال واحد، وأنَّ مستوى الأخذ غير مستوى العطاء، وهذا ما تُبيَّنه لنا وبشكل جليّ رواية عمّار بن أبي الأحوص، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : إنَّ عندنا أقواماً يقولون بأمير المؤمنين علیه السلام ويُفضِّلونه على الناس كلّهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم، أنتو لّاهم ؟ فقال لي: (نعم في الجملة، أليس عند الله ما ليس عند رسول الله، ولرسول الله عند الله ما ليس ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم وعندكم ما ليس عند غيركم؟ إنَّ الله تبارك وتعالى وضع الإسلام على سبعة أسهم: على الصبر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثمَّ قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل محتمل، ثمَّ قسَّم لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة الأسهم، ولبعض الأربعة الأسهم...، فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم...، فتتقلوهم وتُنفِّر وهم، ولكن ترفَّقوا بهم وسهِّلوا لهم المدخل ... » (1).
رابعاً: الكتمان السيّئ (المذموم): القرآن الكريم ما انفکَّ يُندّد بالذين يكتمون البيَّنات، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللأعِنُونَ) (البقرة: 159) ، الآية تُبيَّن أنَّ هناك لعن لمن يكتم البيَّنات، وقد عرفنا أنَّ الروايات تذمُّ من لا يكتم، فإذن ليس الكتمان على إطلاقه صحيحاً وليس البيان على إطلاقه صحيحاً، فهناك موارد ليست من موارد التقيَّة والكتمان، ومع ذلك ليس كُلُّ ما هو بيِّن يجب
1) الخصال: 354/ ح 35؛ وسائل الشيعة 16: 164 / باب 14/ ح (9/21248).
کشفه، بل هناك من البيِّنات ما يجب سترها وعدم إشاعتها، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: :19).
فإنَّ كتمان الفاحشة لجهة أُخرى غير حيثية التقيَّة، فيجب أن نُميِّز
بين ما يُبيَّن وما يشاع وما يُكتَم.
وهناك أصل آخر لم يتركه القرآن، وهو ما إذا لم يعرف الناس بعض الماهيات المستجدَّة والأمور الطارئة المستجدَّة المرتبطة بالوضع العامّ التي لعلَّه تخفى على المجتمع، فيذمُّ وينهى عن إذاعتها والعجلة في إعلانها قبل التعرّف على أنَّها من التي يجب إذاعتها أو كتمانها، فكأنَّ الآية تُعطي قاعدة مهمَّة وجديدة للفرد المؤمن وللمجتمع ككلّ، وهي أنَّ الأصل في مستجدات الأُمور المتعلِّقة بالوضع العامّ هو إرجاعها إلى أولي الأمر المعصومين علیهم السلام، قال تعالى: (وإذا جاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83).
فإذن الأصل هو الحذر والتثبت واليقظة، والبصيرة في معرفة أنَّها
من أيِّ نوع.
تقيَّة الكتمان مراتب و درجات:
وردت روايات تُبيِّن مدى العقوبة التي تنال المذيع للسرِّ، فما
معنى السرِّ، وما معنى إذاعته؟
وقبل بيان ذلك لا بدَّ من بيان درجات ومراتب تقيَّة الكتمان، فنقول: المرتبة الأولى: قال أبو عبد الله علیه السلام : «إني لأحدِّث الرجل الحديث فينطلق فيُحدِّث به عنّي كما سمعه، فأستحلَّ به لعنه والبراءة منه) (1).
1) الغيبة للنعماني: 43 باب 1/ ح 7.
اعظم علامات الظهور
لظهور بلا رجعة ولا رجعة بالظهور تلازم دولتهم الظاهرة تزامنا مع وقوع الرّجعة
تقرير الإتحات المحقق الفقية آية الله الشيخ محمد السند
بقلم:
جمع مِن الفضلاء
هوية الكتاب
عنوان الكتاب: ... الرجعة أعظم علامات الظهور
المؤلف: ... الشيخ محمد السند
بقلم: ... جمع من الفضلاء
سنة الطبع: ... 2015 ميلادية
عدد الصفحات: ... 136 صفحة
الإخراج الفني: ... السيد عبدالله الهاشمي
حقوق الطبع محفوظة
(يمهدون) العراق والحجاز للظهور:
الواحدة والعشرون: وروى الطبري في دلائل الإمامة بسند عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: إذا ظهر القائم علیه السلام من ظهر هذا البيت، بعث الله معه سبعة وعشرين رجلا، منهم أربعة عشر رجلاً من قوم موسى علیه السلام، وهم الذين قال الله (تعالى): (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ 159)، وأصحاب الكهف ثمانية، والمقداد وجابر الأنصاري، ومؤمن آل فرعون، ويوشع بن نون وصي موسى علیهما السلام (1).
وهذه الرواية ايضا دالة على اختصاص وقرب السبعة والعشرين الراجعين بالمهدي عج نصرة وتدبيرا.
1) دلائل الإمامة للطبري الحديث 48/444.
وأيضا مفادها إختصاص السبعة والعشرين بالمهدي عج في
أوائل ظهوره من البيت الحرام وأنهم أول من يتصل به من أصحابه الثلثمائة والثلاثة عشر، وأن السبعة والعشرين كما يوطئون العراق للظهور هم الذين يوطئون له في أرض الحجاز، وسيأتي أن أوائل
من يتصل به من أصحابه في مكة يعجلون به لكي يبادر الى الظهور.
الخامسة والعشرون: روى في مختصر بصائر الدرجات خطبة الأمير المؤمنين علیه السلام تسمى بالمخزون:..... إن أمرنا صعب مستصعب
لا يحتمله ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للايمان لا يعي حديثنا الاحصون حصينة أو صدور أمينة أو أحلام رزينة.
يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب فقال رجل من شرطة الخميس ما هذا العجب يا أمير المؤمنين قال ومالي لا أعجب وقد سبق القضاء فيكم وما تفقهون الحديث الا صوتات بينهن موتات حصد نبات ونشر أموات يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب.
قال أيضا رجل يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه قال ثكلت الآخرة أمة وأي عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الاحياء قال أنى يكون ذلك يا أمير المؤمنين.
قال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة كأني انظر إليهم قد تخللوا سكك الكوفة وقد شهروا سيوفهم على مناكبهم يضربون كل عدو لله ولرسوله صلی الله علیه وآله وسلم وللمؤمنين وذلك قول الله عز وجل (يَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور (13)) (1).
1) مختصر بصائر الدرجات الحديث 14/525 ص 552.
وسيأتي في صحيح الفضيل بيان مفاد الآية انه في الرجعة قبيل الظهور وانها اكبر علامة للظهور على الإطلاق واعظم من العلامات
الخمس المحتومة.
وهلاك اعداء آل محمد في العراق قبيل الظهور اشارت اليه روايات اخرى ايضا متطابقة مع دور السبعة وعشرين الراجعين من الموت، نظير رواية جابر الجعفي، قال: (سألت أبا جعفر محمد بن علي علیهما السلام عن قول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع) ، فقال : يا جابر، ذلك خاص وعام، فأما الخاص من الجوع فبالكوفة، ويخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم، وأما العام فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم مثله قط. أما الجوع فقبل قيام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. وأما الخوف و فبعد قيام القائم علیه السلام) (1).
السادسة والعشرون: ما رواه بطريق وبلفظ آخر محمد بن العباس بن ماهيار بسنده عن أبي الجارود زياد بن المنذر ، عمن سمع علياً علیه السلام يقول (العجب كل العجب بين جمادى ورجب) فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه ؟
1) الغيبة للنعماني ب 14 الحديث 7 ص 259 .
فقال: ثكلتك أمك! وأي عجب أعجب من أموات يضربون كل عدو الله ولرسوله ولأهل بيته، وذلك تأويل هذه الآية (يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَب الْقُبُورِ 13) الله فإذا اشتد القتل قلتم : مات أو هلك أو أي واد سلك.
وذلك تأويل هذه الآية ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْ نَكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا 6 (1))وهذه الرواية اطلقت منطقة عمل الراجعين الممهد للظهور.السابعة والعشرون: المدايني في كتاب «صفين» قال: خطب علي علیه السلام بعد انقضاء أمر النهروان فذكر طرفا من الملاحم، وقال: ذلك أمر الله وهو كائن وقتا مريحا، فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم، فبأبي وأمي من عدة قليلة، أسماؤهم في الأرض مجهولة، قد دان حينئذ ظهورهم، يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب، ومن جمع أشتات، وحصد نبات، ومن
1) تأويل الآيات الظاهرة للاسترابادي ذيل الاية 13 من سورة الممتحنة.
أصوات بعد أصوات. ثم قال: سبق القضاء سبق.قال رجل من أهل البصرة إلى رجل من أهل الكوفة في جنبه:أشهد أنه كاذب . قال الكوفي : والله ما نزل علي من المنبر حتى فلج الرجل ، فمات من ليلته (1.)وقوله: قد دان حينئذ ظهورهم، يحتمل التعبير بالظهور لهم الإشارة إلى بعث العدة من أصحاب المهدي علیه السلام من الموت، لما مر من إطلاق الظهور على الرجعة أيضا، وإن احتمل إرادة بروز حركتهم من (ظهورهم.)الثامنة والعشرون: وروى المتقي الهندي في كتابه البرهان عن كتاب عقد الدرر (2عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم:....... وظهور نار عظيمة من قبل المشرق تظهر في السماء ثلاث ليال، وخروج ستين كذّاباً كل يدعي أنه مرسل من عند الله الواحد المعبود، وخسف قرية من قرى الشام تسمّى حرستا، وهدم مسجد الكوفة مما يلي دار ابن مسعود، وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر ثم ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد وحمرة تظهر في السماء وتنشر في أفقها وليست)
كحمرة الشفق المعتاد وعند الجسر ممّا يلي الكرخ بمدينة السلام، وارتفاع ريح سوداء بها، وخسف يهلك فيه كثير من الأنام ويتوفر الفرات حتى يدخل الماء على أهل الكوفة فيخرب كوفتهم،ونداء من السماء يعمّ أهل الأرض ويسمع أهل كل لغة بلغتهم، ومسخ قوم من أهل البدع، وخروج العبيد من طاعة ساداتهم، وصوت في ليلة النصف من رمضان يوقظ النائم ويفزع اليقظان ومعمعة في شوال وفي ذي القعدة حرب وقتال، ينهب الحاج في ذي الحجة، ويكثر القتل حتى يسيل الدم على المحّجة، وتهتك المحارم وترتكب العظائم عند البيت المعظم،ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب ويكثر الهرج،ويطول فيه اللبث، ويقتل الثلث ويموت الثلث ويكون ولاة الأمركل منهم جائر (1.)التاسعة والعشرون مارواه في المناقب عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : وقوله علیه السلام في خطبة القصية من قوله: العجب كل العجب بين جمادى ورجب. وقوله : وأي عجب أعجب من أموات يضربون
1) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي صاحب كنز العمال، ص 136 ، وكنز العمال الحديث 38724.
هامات الاحياء (1.)الثلاثون: في خطبة له علیه السلام ايضا قال: فيا لهفا على ما اعلم رجب شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوال يشال فيه أمر القوم، ذو القعدة يقتعدون فيه ، ذو الحجة الفتح من أول العشر، ألا ان العجب كل العجب بين جمادى ورجب جمع اشتات وبعث أموات وحديثات هونات هونات بينهن موتات رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها بدجلة أو حولها.ألا ان منا قائما عفيفة احسابه سادة أصحابه ينادى عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثا بعد هرج وقتال وضنك وخبال وقيام من البلاء على ساق واني لا علم إلى من تخرج الأرض ودائعها وتسلم إليه خزائنها ولو شئت ان اضرب برجلي فأقول اخرجى من ههنا بيضا ودروعا.كيف أنتم يا ابن هنات إذا كانت سيوفكم بايمانكم مصلتات ثم رملتم رملات ليلة البيات ليستخلفن الله خليفة يثبت على الهدى ولا يأخذ على حكمه الرشا إذا دعى دعوات بعيدات المدى دامغات للمنافقين فارجات عن المؤمنين الا ان ذلك كائن على رغم
1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 108/2 .
الراغمين (1.)ورواه بن المنادي في الملاحم عن الأصبغ بن نباته قال أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب بالكوفة فحمد الله وأثنى عليه وقال: ... (2.)وقوله علیه السلام بدجلة وحولها تعيين لموضع رجوع الأمواتوهي الكوفة وحواليها.
### تمهيد الراجعين الحجاز للظهور:الثالثة والأربعون: روى الصدوق بسنده عن العوام بن الزبيرقال: قال أبو عبد الله علیه السلام: يقبل القائم علیه السلام في خمسة وأربعين رجلا من تسعة أحياء: من حي رجل، ومن حي رجلان ومن حي ثلاثة، ومن حي أربعة، ومن حي خمسة، ومن حي ستة، ومن حي سبعة، ومن حي ثمانية، ومن حي تسعة، ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد (1.)قد تقدمت عدة روايات بطرق متعددة أن المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف يخرج من ظهر الكعبة أو من الكوفة السبعة وعشرين رجلا من الأموات، ولاتنا في بين تسمية المكانين لعدة وجوه ذكرناها في ذيل احدى روايات المقام، بل إن في التثنية مزيد تأكيد على الصلة والإرتباط بينه وبينهم في كلا المكانين اي الكوفة ومكة وأن تخصيص ذكرهم وإرتباطهم به إشارة الى أهمية خاصة لدورهم معه، وأن تعدد ذكر مكان رجعتهم ليس اشتباها من الرواة في النقل.
1) الخصال للصدوق، في التسع الحديث 26 ص 424 .
## المشروع السياسي للإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف### اشارةقراءة في الأبعاد العقائدية والفقهية والسياسيةوالاجتماعية والأخلاقية لدعاء الندبةويليهمشروع النجاة والمسؤولياتتقرير لأبحاثالمرجع الديني الشيخ محمد السند دام ظلهتأليفالشيخ ناجي الخاقانيدار المحجة البيضاء
جميع الحقوق محفوظةالطبعة الأولى1439 هـ / 2018مISBN 978-614-426-959-6دار المحجة البيضاءالرويس - مفرق محلات محفوظ ستورز - بناية رمال - ص.ب: 14/5479هاتف: 03/287179 - 01/541211 - تلفاكس: 01/552847almahajja@terra.net.lb info@daralmahaja.comwww.daralmahaja.com
### دور المؤمنين في التمهيد للظهور المقدّسهذا المحور ضمن سياق انه علیه السلام يخرج وليس في عنقه بيعة لأحد أو التزام أو تعهد على أي ميثاق سوى المواثيق الإلهية، وهو أحد معاني غيبته، وهو أيضاً أحد صعوبات الغيبة والظهور، لأن توثيق الجانب الغيبي دائماً يحتاج إلى مؤونة الشهادة.وأكبر مسؤولية تقع على عاتق المؤمنين به والعارفين له هو تعريف البشرية على مشروعه عجل الله تعالی فرجه الشریف، وتوضيح الشعارات المهدوية للعقل البشري.محاربة قوى الظلام ومافيات المال في العالم للمشروع المهدوي واضحة تماماً وهناك وثائق لممارسات مشبوهة والتي تريد أن تعطي طابعاً معيناً عن المشروع المهدوي وانه غير واضح المبادئ والشعائر والأهداف، هذه الحرب المعلنة من خلال دعمها للفرق الضالة الذين يرفعون باسم الإمام المهدي علیه السلام شعارات مناقضة لمبادئ المشروع المهدوي ولمبادئ ضرورة الدين.لذا من الأمور ذات المسؤولية العظيمة في تعبيد الطريق لرفع ستار الخفاء عن هذا المشروع العظيم المتجسّد فيه هو صلوات الله عليه، دوراً ونشاطاً ومسؤولية، هو نشر هذه المبادئ الناصعة، وتعريف هذه المبادئ لتعرف الأمة ما هو العُرف الصالح، فالعُرف أشد تغليظاً في الالتزام من
الرأي في الانتخابات، لأن الانتخابات سنوات قليلة وتنتهي، والعُرف اشدّ من البيعة وأغلظ وأحكم لأنه عقد اجتماعي وهو من أعظم الالتزامات، وهذا العهد لا يحتاج حتى إلى التلفظ وليس هو فكرة تفصيلية حتى تأتي به نفسه، بل العقل الباطن يتداوله ويتبناه ويجري عليه ارتكازاً.فالعُرف إذا كما يقولون قانون متطوّر ومفعّل أعم من تفعيل القانون في الوزارات، ويعتبر العُرف حكومة فاعلة أكثر من الحكومات الفعلية الموجودة، فإذا قمنا ببناء أعراف مبنية على ثقافة المشروع المهدوي بدون تحريف في المعاني نكون قد بنينا حكومة الظهور، سيما أن بناء الحكومة على مراحل.
### تحمل المسؤولية والتدرج في التمهيديجب التعرّف على المنهج المجموعي الذي ترسمه الأدعية والزيارات الخاصة لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف السيرته ومشروعه وهذا لا يتعلق به فقط، بل هو منهج يجب على المؤمنين اقامته حتى في زمن الغيبة الكبرى.هناك معادلات قانونية أو معرفية في دعاء الندبة وبقية الأدعية والزيارات، وهذه القواعد المذكورة هي تعليم تربوي في الفقه العقائدي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، وهي قواعد عامة يراد منها الإنجاز ولكن بشكل تدريجي.وهناك الكثير من المحققين من أعلام الإمامية يفسّرون الظّهور بانه تدرج البشرية في الالتزام بمقومات دولة الظهور حينئذ ينبثق نور الظهور، لا أن دولة الظهور هي شروع من الصفر.طبعاً ما بعد الظهور ستتحقق إنجازات عظيمة، ولكن دولة الظهورهو كون البشرية ترتقي في تكاملها وتستعد إلى أن تأتي ساعة الظهور.ملاحم المستقبل التي ينبئ عنها سيد الأنبياء صلی الله علیه وآله وسلم، ومن بعده أمير المؤمنين والأئمة علیهم السلام هي من باب تعيين وظيفة ومسؤولية المؤمنين في
زمن الغيبة شبيه القائد العسكري الذي يبثّ العيون لرصد العدو لتأتيه أخبارهم ليرسم من خلالها خارطة عمل واستعداد وقائي.هكذا هي الملاحم، فليس المسار في الغيبة الكبرى ان نكون على ملعب فيه متسابقين ولسنا معنيين به، بل الظهور عبارة عن مسؤوليات ملقاة على عاتق جميع المؤمنين صغيرهم وكبيرهم ليسهموا في بناء الدولة المهدوية والتمهيد لها، فلكل مؤمن دوره واسهاماته في دولة الظهور (1.)وهذا الدور لا يسقط عن أي فرد، وهذه المسؤولية لا تتوقف وهي لا تعتمد على أحد أفراد بل هي مسؤولية جماعية (2وطبيعة حديث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم واضحة: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).)ومن أعظم المدارس في التاريخ في تحمّل المسؤولية وفي حضارة النهضة والإصلاح سطّرها (مسلم بن عقيل تحت راية سيد الشهداء علیه السلام، العظمة في مدرسة بن عقيل القيمية والأخلاقية أن الكل تخاذل وهو بقي حيوياً ونشطاً وفعّالاً كأنه وهو وحده جيش ليس عنده تردد أو تهاون، وهذه هي الروح الحيوية والمثابرة في القيام بالمسؤولية مع المعاناة
1) عن بشير النبال : قلت لأبي جعفر علیه السلام إنهم يقولون : إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفوا، ولا يهرق محجمة دم، فقال (كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفوا لاستقامت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق، ثم مسح جبهته) (الشيخ النعماني، الغيبة، ص 294).
2) ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه توجه إلى أصحابه بعد حجة الوداع في الجحفة فقال لهم : (إنه قد نبأني اللطيف الخبير أني ميت وأنكم ميتون، وكأني قد دعيت فأجبت وأني مسؤول عما ارسلت به إليكم، وعما خلفت فيكم من كتاب الله وحجّته وأنكم مسؤولون، فما أنتم قائلون لربّكم ؟ (الشيخ الصدوق، الخصال، ص 167).
والجراح، وهو في المعتقل لم يفقد التخطيط والتدبير، وهذا يدل على روح المسؤولية ويقظتها ونشاطها في مسلم بن عقيلإذا طبيعة علائم الظهور المنطقية والعقلية أنها درجات نقترب فيها للإعداد للظهور، فالسماء ليست عاجزة، لكن إرادة الله اقتضت ان لا يجبر البشر ولا يُفوّض، بل هو أمر بين أمرين وعلى كل فرد ان يقوم بدوره في التمهيد للظهور
### التمهيد الروحي أجل وأعظمكل هذا الازدهار المادي لدى البشر لا يُقارن بما سيكشفه الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، فيكون الانجاز العلمي والروحي في دولة الظهور يملأها قسطاً وعدلاً أعلى، كماً وكيفاً عن العدل الذي يقام في بعده المادي بكثير.وهذا يدل على حجم مسؤولية المؤمن في زمن الغيبة والتدريج في بناء تلك الدولة، وأحد الأمور العظيمة في بنائها هو العلم والتفقه في اسرار الدين وموازينه لا الجهل بها والصدّ عنها. وطبعاً هذا بموازين حقيقة الغيبة والظهور.فهل الغيبة هي خفاء بدن الإمام أم نوره؟ يعني الذين كانوا في عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كانوا يرون بدنه ونوره وهل الغيبة هي لأهل زماننا فقط ؟ الحقيقة ان المعصومين علیهم السلام كانوا في غيبة عن أهل البشر لأنهم يشاهدون ابدانهم الشريفة فقط.لذلك كل المعصومين كانوا في ظهور بدني، وحقائقهم النورية ومناصبهم الروحية التي جعلها الله لهم غير معروفة عند أهل زمانهم، لذلك كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يتأوه على اخوانه الذين سيؤمنون به من بعده (1)
1) قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ذات يوم : (يا ليتني قد لقيت إخواني! ... فقال له أبو بكر وعمر أو لسنا إخوانك آمنا بك وهاجرنا معك ؟.. قال : قد آمنتم وهاجرتم، ويا ليتني قد لقيت إخواني، فأعادا القول، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنتم أصحابي ولكن إخواني الذين يأتون من بعدكم، يؤمنون بي ويحبوني وينصروني ويصدقوني، وما رأوني، فيا ليتني قد لقيت إخواني) (مجالس المفيد، ص 132).
فالذين معه هم أصحابه، لأنهم لم يتأخوا مع الروح والنور، وهذا يدل على ان نوره كان غائباً عن أهل زمانه لقصور فيهم.ولهذا الكثير من الأعلام يقولون إن التشرّف الروحي والنوري مع صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف بالمعرفة أعظم من تشرّف البدن، وفي عالم العقل والنور ليس هناك حجب إذا تلطف الإنسان وتنوّر كحجب البدن والجغرافيا.إذن بنيان دولة الظهور النوري والعلمي وبنائها في هداية الروح والمعنى، أعظم من البنيان المادي، فاين هذا من ذاك؟! ولهذا تقع علينا مسؤولية عظيمة وهي نشر النور في عقول البشر وفي أرواحهم.تعريف المشروع المهدوي تفتح القلوب عليه، وهو أعظم فتح يمكنان يسهل أمام هذا المشروع العظيم فتح البلدان جميعاً.ولهذا عندما يقول الإمام الصادق علیه السلام: (كونوا دعاة لنا بغير السنتكم (1)، لأنه إذا تلألأنا في التقوى والنور سنكون قادرين على نشر ذلك النور، إذا تطهرنا وتعلّمنا أكثر صرنا نماذج وبؤر لنشر النور بين البشر بطريقة أعظم من اللسان المادي.)
1) ورد عن الإمام الصادق علیه السلام احاديث كثيرة في هذا المضمون منها: (كُونُوا دُعَاةٌ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ السِنَتِكُمْ ليَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالاِجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ) (الكليني، الكافي، ج 2، ص 78).
وأهل البيت علیهم السلام دائماً قواعدهم وبياناتهم ونظمهم على هذا المستوى العالي مثل (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (1)فتقوى المتقي تأثيرها أعظم في الآخرين.)
1) سورة المائدة، الآية 32.
### الفصل الثاني عشرالوعي والبصيرة في مشروع التمهيد1. التعرف على بنود المشروع2. الوعي بالمشروع المهدوي3. ضرورة المعرفة والترويج للمشروع المهدوي4. الوعي والبصيرة في مواجهة الحرب الأعلامية5. حرب المعلومات المضللة6. الدولة المهيمنة بالعلم والبصيرة
### التعرف على بنود المشروعللتعرّف على منظومة البنود المهدوية الواردة في الأدعية والزيارات الخاصة به، يعني ان لا يتوقف المؤمنون عند أفق سياسي محدود ومعين، أو عند عُرف من الأعراف المعينة.وللتعرّف على هذه البنود ينبغي التأكيد على عدّة خطوات:الخطوة الأولى، قراءة هذه البنود لنستنبط منها باستنباط اجتهادي،فهي خير مصدر للفقه السياسي في الغيبة الكبرى.وأي باحث يريد ان يكتب في الفقه السياسي أو الفقه القضائي فلا يبتعد كثيراً ويخص بحثه فقط بالمواد الموجودة على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، أو عهد أصحاب الكساء علیهم السلام، ولا ريب ان بنيتهم أساسية، لكن لا بد من العودة لمصادر من البنود الواردة فى اللون الوحياني بعنوان مهدوي من خلال الأدعية والزيارات المرتبطة به صلوات الله عليه، لأن مشروع السماء تبلور وامتد في الياته ونظامه ومعادلاته بهذا القالب.اذن قراءة هذه البنود وبالدرجة الأولى معرفتها ودوام التعرُف عليها واستنباطها سواء في البحوث العقائدية أو في البحوث الأخلاقية السياسية والاجتماعية والإدارية.
عهد أمير المؤمنين لمالك الاشتر ضروري بلا شك، وكذلك نهج البلاغة، ولكن لابد أيضا من التعرّف على البنود التي يرسمها لنا إمام زماننا عجل الله تعالی فرجه الشریف لتداخل تلك البنود مع بعضها البعض.والخطوة الثانية التعرف على غريب الالفاظ في تلك البنود، مثلالقرآن.والخطوة الثالثة معرفة معانيها.والخطوة الرابعة كيفية قراءتها على ضوء الفقه وعلم الكلام المركوزين لدينا في الأبواب والبحوث، وكذلك قراءتها على ضوء الأفق والأخلاق السياسية الحضارية في بعديها العام والفردي، وفي المحصلة معرفة هذه البنود لها خطوات ونحن مأمورون وملزمون بها.توجد روايات مستفيضة في باب التعارض بين الخبرين ذكرها صاحب الوسائل، وكذلك علماء الأصول في كيفية الأخذ بين الخبرين المتعارضين، وهناك روايات كثيرة تؤكد على ضرورة العمل بالأحدث، وأحد الاعلام يجعل بين المرجحات الروايات الاحدث.افترض في عهد الإمام الصادق علیه السلام وفي كل سنة الإمام عنده توصيات إلى أتباعه المؤمنين في أبواب الدين المختلفة، فإذا علم المكلّف بروايات صادرة عن الإمام الصادق علیه السلام قبل خمس سنين وروايات صادرة عنه في هذا العام، فإذا كان فيها تعارض يعمل بالرواية اللأحدث لأن الإمام علیه السلام وهو الذي يشخص الوظيفة في المرحلة.وهذا الأمر أيضاً ينطبق لو كان التعارض بين روايتين صدرتا عنإمامين من الأئمة علیهم السلام فأننا أيضاً نأخذ بالرواية الاحدث.
الآن نحن نعيش في عصر الإمامة والدولة الإلهية الخفية للإمام الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف، و لا ريب فيها توصيات وبنود معينة غير التوصيات السابقة التي صدرت عن أهل البيت علیهم السلام.هم نور واحد ومصدر واحد لا شك في ذلك، لكن بحسب قواعد تشريعات التطبيق الاحدث له دور، سواء نظرنا له نظرة تشريعية أو نظرة تطبيقية.فما صدر من بنود وتوصيات حول الإمام أو منه عجل الله تعالی فرجه الشریف يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار بحسب النظام والمنظومة في اخذ أحكام الدين.
### الوعي بالمشروع المهدويوالخطوة الأولى لكي نصل إلى جعل هذه المبادئ اعرافاً اجتماعية هي التعليم، لأن الجهل حاجز كبير في طريق التمهيد، فالتوعية والتثقيف والتعليم هو الخطوة الأولى.ومن ثم توضيح للبنود بصورة أكبر.والحوارية المستمرة مع العقل البشري إلى أن تصل البشرية إلى درجة الطموح والطمع والانشداد إلى هذا المشروع ببنوده الواعية غير المحرّفة والمتكاملة والمنظومة، لتبدأ المجتمعات البشرية والنخب البشرية تهتف بهذا الأمر.يعني يصبح لها أنس فيما بينها مع حكومة الظهور، وتكون البيئة صالحة لساعة الظهور، لذا كلما ابتعدت البشرية عن العلم الصحيح والسليم بالمشروع المهدوي كلما ابتعدت عن الظهور أكثر.الوعي والإحاطة أولاً بالمشروع المهدوي، هذه المسؤولية مهمة جداً، ثم بعد ذلك تعريف الآخرين به، ثم إقامة الأندية العلمية للمقارنة بين المشروع المهدوي الربّاني الصحيح وبين الذي ترسمه المخابرات العالمية لتشويه الإسلام، فالاسلام لن يُعرف بقلم النهج السقيفي أو الاموي أو العباسي أبداً، بل يعرّف بمنهج أئمة أهل البيت علیهم السلام.
### ضرورة المعرفة والترويج للمشروع المهدويالغايات الكبرى في مشروع الإمام المهدي هي بمثابة قواعد الوظائف في الغيبة الكبرى على الصعيد العقائدي، والفكري، والسياسي، وهذه المنظومة من البنود تمّ التأكيد عليها كثيرا في دعاء الندبة وفي أكثر الزيارات التي يُزار بها الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.هذه المسائل ليست قضايا عابرة، بل هي أمر مهم، والتأكيد عليه كمجموعة ومنظومة له مغزى، ولا شك أن من وظائف الوسط العلمي الحوزوي في الدرجة الأولى الوعي بالمشروع المهدوي، ومن ثم نشر هذا الوعي، من أجل أن لا تختلط هذه الغايات والكمالات بأعراف البشر الفاسدة، بل البصيرة بهذا الفاصل أمر في غاية الأهمية، وإلا والعياذ بالله الاعتقاد بمهدوية الثاني عشر لن تتحقق لنا وسيكون الإيمان والمعرفة به مجرد لقلقة لسان لا واقع لها، ولن نكون على هذا الصراط بدون البصيرة بهذه المنظومة.فمن يريد أن يعرف إمام زمانه علیه السلام عليه معرفة هذه البنود الواردة فيه وزيادة هذه المعرفة معناها الزيادة في الموالاة والنصرة والتمسك به عجل الله تعالی فرجه الشریف، فكأنما في خصوصية الإمام الثاني عشر دون بقية أهل البيت علیهم السلام ان له شؤون خاصة في الغيبة الكبرى والظهور، فإذا لم ينشد المؤمن معرفة وانقياداً وتمسكاً بهذه البنود فلن يتعرف على إمام زمانه.
ومن ثم تقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة وهي فريضة الترويج لهذه البنود وإطلاق عملية تربوية وتعليمية وارشادية هادية لتنمية العقل البشري بما فيها من معرفة، وفي كثير من أسرار الروايات إذا ما أنجزت هذه المهمة فإنها ستساعد في الظهور.ربما نستخف بهذه المسؤولية أو نستهين بها ولكن هذه المرحلة هي من اهم مراحل الإعداد للظهور ، ومن أعظم مراحل الإعداد العظيم لنصرة صاحب العصر والزمان علیه السلام، ولتوفير أرضية الظهور يجب نشر هذه البنود، وهذا ليس في الروايات فحسب بل جملة من التقارير المنشورة عن الغرب تقول لو قُدِّر لهذه الشعارات أن تنتشر ويهتف بها الناس لسلب ولاء هذه الشعوب عن أنظمتها، وهذا هو الانتصار الكبير للظهور المقدّس، أن تهتّف به الشعوب وتكون شعاراتها ومطلبها الجماهيري شخصه عجل الله تعالی فرجه الشریف.فالتمهيد لا يحتاج إلى دماء وحروب ساخنة، بل يحتاج إلى نشر هذه البنود، وهذا ما لم نقم به طيلة عشرة قرون.حتى الباحثين الغربيين الذين لا يقولون بإمامة المهدي علیه السلام يقولون أن هناك سرٌّ خفيٌّ في صمود أتباعه، فلولا وجود داعم أمني سري فان هذه الجماعة ستنقرض بسبب سياسات القتل والتنكيل المفروضة ضدها من قبل الحكومات الاموية والعباسية والعثمانية والاستعمارية فيما بعد، ويأتون بأمثلة الجماعات وملل انقرضت نتيجة سياسة معينة مورست ضدها، بينما هذه الجماعة تنتشر وتتوسّع وتتمدد وتتعملق، ومن غير المعقول أن يكون هذا الأمر صدفة.إذن المغزى العظيم من هذه البنود المنشورة في الدعاء والزيارات
الأخرى بعد ان نقوم بالواجب الأول وهو معرفتها والتبصّر بها، ثم نهدي الآخرين إلى نورها ونشرها بين بني البشر وتجذيرها فكرياً.
### الوعي والبصيرة في مواجهة الحرب الإعلاميةوعلى ضوء المنهج المهدوي يجب التنبه إلى الأعراف الموجودة، وان المسؤولية الملقاة على الجميع سيما أهل العلم أن لا يلتبس عليهم أولاً الصائب من الفاسد من الأعراف البشرية تحت وطأة الضغط الإعلامي والشبهات والأفكار المختلفة، وقد ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة أن الأشد من المنكر هو رؤية المنكر، معروفاً والمعروف منكراً، وهذا بلاء عظیم (1.)فدور الوعي العلمي والبصيرة بلحاظ بيئات البشر من المسؤوليات العظيمة الملقاة بالخصوص على كاهل الحوزة العلمية التابعة لأهل البيت علیهم السلام (2، والوعي العلمي يجب ان لا يكون فيه مداهنة، صحيح أن)
1) روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر)، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: «نعم». فقال: (كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف) فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ فقال: (نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟). (المجلسي، بحار الأنوار، ج 52 ، ص 181، ب 25، ح 1).
2) عن الإمام الصادق : (إنّما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب، ألا والخلائق كلّهم كذلك، إلا أنّ الله عزّ وجلّ فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم) (الكليني، فروع الكافي، ج 8، ص 215).
المداراة ثلثي العقل، وضرورة المعاشرة بالحسنى مع الآخرين، لكن الوعي العلمي والبصيرة لا يرتبطان بالمداراة والمعاملة بالحسنى، فهذا الخلط إذا حصل فهو طامة كبرى.يجب أن يكون المؤمن وهو تحت وطأة الحرب الإعلامية النفسية والناعمة التي قد لا يشعر بها قوياً وصلباً، وأن لا ينحني ويتراجع تحت ضغط اللوم بسبب طبيعة الضعف البشري لديه، وعليه التاسي بآل البيت علیهم السلام في ذلك فهم لا تأخذهم في الله لومة لائم (1.)فالحرب النفسية والإعلامية أعظم تأثيراً في فكر الإنسان ووعيه من أي حرب أخرى، وفي المطارحات الفكرية هناك منهج خطير من قبل العدو وهو تعمية الحقيقة وطمسها، فينبغي على المؤمن أن يسير إلى الحقيقة برؤية هادئة بعيداً عن الاستفزاز والتشنج، لأنه عند الغضب يفقد الإنسان بصيرة العقل، إلّا إذا كان الغضب مسخّر للعقل.الأئمة الماضين سلام الله عليهم فدوا بأنفسهم وأرواحهم الطاهرة وذهبوا إلى حدّ السيوف دون أن يهادنوا في الوعي، لأن الوعي إذا غاب غابت البصيرة تماماً، وفي بداية دعاء الندبة هذه الإشارة الواضحة (وَكُلُّ شَرَعْتَ لَهُ شَريعَةٌ، وَنَهَجْتَ لَهُ مِنْهاجاً، وَتَخَيَّرْتَ لَهُ أَوْصِياءَ، مُسْتَحْفِظاً بَعْدَ مُسْتَحْفِظ مِنْ مُدَّةٍ إِلى مُدَّةٍ، إقامَةٌ لِدِينِكَ، وَحُجَّةً عَلَى عِبادِكَ، وَلِئَلَّا يَزُولَ
1) من خطبة الأمير المؤمنين علیه السلام يصف فيها علاقته برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ..... (وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم سيماء الصدّيقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار. متمسكون بحبل القرآن، يحيون سنن الله وسنن رسوله. لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلون ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل). (نهج البلاغة، ج 2، ص 157).
الْحَقُّ عَنْ مَقَرِّهِ وَيَغْلِبَ الْباطِلُ عَلى أَهْلِهِ، وَلا يَقُولَ أَحَدٌ لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً مُنْذِراً وَأَقَمْتَ لَنَا عَلَماً هَادِياً فَتَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْرَى (1).)هذه الإشارة في دعاء الندبة هي أمر ضروري ومصيري، لأن المطلوب أن لا يكون هناك عمى في البصيرة فهو اخطر من عمى الأبصار، وهي زاوية مهمة جداً فلا يجب أن يكون هناك لبس في بطلان الباطل أو إحقاق الحق على أقل التقادير ، نعم قد تكون هناك ضرورة للمواربة أو عدم ابراز الحق بدرجة معينة، ولكن لابد من إبقاء قدر ما لأجل اظهار مسار الحق ومنهاجه.والمسؤولية في الدرجة الأولى تقع على أهل العلم حتى لا تلتبس الأعراف الفاسدة أو التي اختلط صلاحها بفساد على العقل والوعي البشري فيتم التعامل معها على انها مثلى أو انها وصلت القمة في الصلاح.ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الغاية التي ذكرت في دعاء الندبة الانفة الذكر، وأن إقامة الدين من خلال إقامة الحجة على العباد لتنير له الطريق وترشده نحو الصلاح حتى لا تُغلب العقول على بصيرتها، وهذا هو معنى لئلا يغلب الباطل على أهله.في أصل التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد وجملة من ثوابت الدين الأخرى هذا المقدار لا يمكن التسامح به فهو مسؤولية كبيرة وفيه فلسفة الاختبار والامتحان . سُنَّةَ الله سبحانه وتعالى في البشر ليس إجبارهم ولكن لم يفوض إليهم مطلقاً بل هو أمر بين أمرين، وفي بداية دعاء الندبة تحدد الوظيفة الاجمالية من خلال البنود التفصيلية والتي يستعرضها الدعاء:
1) مقطع من دعاء الندبة.
(اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في أَوْلِيَائِكَ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ .... إلى ان يقول: وَقَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ الْعَلِيَّ وَالثَّناءَ الْجَلِي، وَأَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَكَ وَكَرَّمْتَهُمْ بِوَحْيِكَ، وَرَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ، وَجَعَلْتَهُمُ الشَّريعَةَ إِلَيْكَ وَالْوَسيلَةَ إِلى رِضْوانِكَ، فَبَعْضُ أَسْكَنْتُهُ جَنَّتَكَ إِلَى أَنْ أَخْرَجْتَهُ مِنْهَا، وَبَعْضُ حَمَلْتَهُ في فُلْكِكَ وَنَجَّيْتَهُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنَ الْهَلَكَةِ بِرَحْمَتِكَ ... (1))وقد ورد عن أمير المؤمنين علیه السلام في وصية لكميل بن زياد النخعي (ره: (... كذلك يموت العلم بموت حامليه) ثم قال: (اللهم بلى لا تخلوا الأرض من قائم الله بحجّة، إما ظاهر مشهور، وإما خائف مغمور لئلا تبطل الله وبيناته) (2)، لذلك في الروايات عن الفريقين، وبالذات في تفاسير الإمامية في الاجماع اللطفي انه لا يمكن أن يكون في المحجة الظاهرة إمام كل البشر ليس هناك جماعة ليست هي على الحق وإلَّا أطبق حجج الباطل على أهله. (3))
1) مقطع من دعاء الندبة.
2) الشيخ محمد باقر المحمودي - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ج 8، ص 16.
3) في خطبة طويلة لأمير المؤمنين علیه السلام بالكوفة قال فيها (اللهم لابد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلمونهم علمك لكيلا يتفرق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مكتتم خائف يترقب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلن يغيب عنهم ميثوث علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، وهم بها عاملون، يأنسون بما يستوحش منه المكذبون، ويأباه المسرفون، بالله كلام يكال بلا ثمن لو كان من يسمعه بعقله فيعرفه ويؤمن به ويتبعه، وينهج نهجه فيفلح به؟ ثم يقول: فمن هذا؟ ولهذا يأرز العلم إذ لم يوجد حملة يحفظونه ويؤدونه كما يسمعونه من العالم: ثم قال بعد كلام طويل في هذه الخطبة: اللهم وإني لاعلم أن العلم لا يأرز كله، ولا ينقطع مواده فإنك لا تخلى أرضك من حجة على خلقك إما ظاهر يطاع أو خائف مغمور ليس بمطاع لكيلا تبطل حجتك ويضل أولياؤك بعد إذ هديتهم - ثم تمام الخطبة) (الكليني، الكافي، ج 1، كتاب الحجة، ب88، ص 335).
ضرورة التوضيح أن أطروحة ومشروع القرآن وأهل البيت مستمرة في هداية البشرية فهي ليست تشريعات تاريخية اكل الدهر عليها وشرب، فإذا تسرب هذا الاعتقاد إلى النفوس فهو نكث ، فمن يشهد بالشهادات الثلاث أما أن يثبت عليها، أو ينكث عهده، لأن الشهادات الثلاث معناها الوهية الباري سبحانه وخالقيته وحاكميته، لأننا لا نقول بالتجربة البشرية بل بما هو أكفأ وأوعى.
## السيد علي عاشور### اشارةظهورالمهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریفوعدالة دولته
حقوق الطبع محفوظالطبعة الأولى2008م - 1428هـللطباعة والنشر والتوزيعدار الصفوةبئر العبد - خلف محطة ديابتلفاكس : 42 49 27 (9611+ _ 00 29 55 (9611+))جوال: 800149 (9613+ من بـ: 25/91 بيروت - لبنان)E-mail : dar_asafwa@hotmail.com
### 13- التمهيد للإمام المهدي عجل الله فرجهوهو أهم التكاليف وأوجبها، بل هو المكمل لها، خاصة في هذه الأزمة التي يحس الإنسان بأنه اقترب أكثر من عصر الظهور، وكلما اقترب الإنسان منه شعر بأنّ الوقت ضاق عليه في التمهيد لهذا العصر الجديد والفريد والغريب، لذا ينبغي أن يستغل الإنسان المؤمن وقته لتطبيق ما أمكن من هذا التكليف فإنّ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، كما قال أمير المؤمنين علیه السلام.شبهة ورد:وفي الروايات ما يتحدث عن هذه المرحلة الطويلة والمهمة كما سوف تقف عليها ولكن قبل الخوض بها، وردت بعض الروايات استفاد منها البعض الجلوس أو عدم وجوب التمهيد والإعداد من قبيل: (كلّ راية قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت (1).)وهذا تمسك بالفهم الخاطيء من بعض الروايات التي أمرت بالسكوت والتريث والليد ولزوم الأرض والبيت.ومنها صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد الله علیه السلام(2)، ومنها مرفوعة ربعي عن علي بن الحسين (3)، ومنها رواية عمر بن متوكل الثقفي عن أبي عبد الله (4)ومنها)
صحيحة أبي بصير (1.)وقد أجاب العلماء عن هذا الفهم الخاطى ، (2وأن الروايات أجنبية عن البحث، ونحن بدورنا نجمل البحث اعتماداً على ماذكروه فنقول:)أما صحيحة العيص فالاعتماد بها على قوله علیه السلام: (فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم ؟ إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر ألا يسمع منا إلّا من اجتمعت بنو فاطمة معه في الله ماصاحبكم إلّا من اجتمعوا عليه...)ويريد من صاحبكم، الإمام المهدي (عج ، والرواية جاءت في وقت خروج زيد ابن علي علیه السلام.)وهذا الكلام الشريف لا يدل على حرمة الخروج بقول مطلق، نعم يحرم الخروج إذا لم تتوفر شروط الثورة وقد صرح الإمام بذلك بقوله (وليس معه أحد فعند قلّة الناصر وعدم ضمان النتيجة يحرم الخروج.)وكذا من قوله (ما صاحبكم إلّا من اجتمعوا عليه فأولاً أيَّد كثرة الناصر، وثانياً اعتبرت الرواية أن الخارج للثورة في قبال الإمام المهدي (عج) وإن كان في الظاهر يدعو للرضا من آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم كما كانت حكومة بني العباس في بداية أمرها. أما الثورة والحركة والحكومة التي تكون في الظاهر والباطن تُمهد لدولة الإمام المهدي (عج) فلا تعتبر مشمولة لحرمة الخروج والحركة.)أما مرفوعة ربعي عن الإمام زين العابدين علیه السلام : (والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم إلّا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به.)
فهذه الرواية مع التسليم بصحة سندها أيضاً أجنبية عن الخروج في عصر الغيبة، لأن الكلام جاء بعد ثورة الامام الحسين علیه السلام التي كانت خروجاً مشروعاً إلهياً غيبياً آثاره نلمسها إلى زماننا.وحصرت الخروج بالقائم علیه السلام مما يدل أولاً:1 - أن المحرم هو الخروج الموازي لخروج الإمام المهدي (عج من محاولة إقامة دولة الحق ودولة الأنبياء علیهم السلام التي وعد بها الناس في آخر الزمان، فمن ادعى هذا الخروج المختص بالإمام المهدي فهو ضال.)2 - ثانياً عبرت الرواية: (ولا يخرج أحد منا إي منا أهل البيت علیهم السلام، فيكون الإمام يجيب على من يسأل في زمنه أو أزمنة الأئمة الباقية علیهم السلام: لماذا لا تخرجون كما خرج الإمام الحسين علیهم السلام ولماذا لا تقيمون الثورة على الظالمين، فأجاب الإمام أن القيام مختص بالقائم المهدي صاحب دولة الزمان ومحقق حلم الأنبياء، وهذا أجنبي عن إقامة حكم الله للتمهيد لدولة صاحب العصر والزمان أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.)أما رواية الصحيفة السجادية والتي جاء فيها: (ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلّا اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتناء.)وهذه الرواية أولاً: سندها ضعيف لجهالة المتوكل بن هارون(1ولضعف محمد ابن عبد الله بن المطلب الشيباني (2).)ثانياً: هي أيضاً أجنبية عن البحث بل أصرح من المرفوعة لأنها صرحت: (ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت فما تقدم يشملها.)ثالثاً: قوله: (ما خرج منطبق على خروج الإمام الحسين علیه السلام وعلى زيد الشهيد،)
مما يُسقط الرواية عن الاعتبار.أما صحيحة أبي بصير: (كل راية ترفع قبل قيام القائم (عج فصاحبها طاغوت يُعبَدُ من دون الله) فهي أيضاً أجنبية عن إقامة أحكام الله تعالى ورفع الظلم عن الناس، إذ تنص أن صاحب الراية طاغوت يُعبَد من دون الله، وهذا صفة من اتخذ راية مستقلة توجب تضليل الناس عن الإمام المهدي عجّل الله فرجه.)أما الثورة التي تعتبر ممهدة (1الراية الإمام المهدي علیه السلام ويدعو صاحبها إلى عبادة الله تعالى والتمسك بأحكامه وسنن نبيه وأهل بيته الطيبين، ويريد لكلمة الله أن ترفع ولكلمة الطاغوت أن توضع، فإن مثل هذا لا يعتبر طاغوتاً يُعبد من دون الله تعالى، وفي دولتنا الإسلامية خير مدلل على ذلك فهي راية إسلامية خرجت لإقامة شعائر الله تعالى وشعائر أهل البيت علیه السلام لتمهد لدولة الحق، ولم يكن صاحبها قدس الله نفسه الزكية إلّا عبداً صالحاً دعا إلى الرضى من آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم، دعا الناس جميعاً إلى الإسلام وتطبيق أحكام القرآن، فأثبت للعالم أجمع إمكانية تطبيق حكم الله في دولة إسلامية على أساس ولاية الفقيه التي يحكم فيها بمذهب أهل البيت علیه السلام، فكانت دولة إسلامية فكرية تستلهم من المذهب الحق، كما بشّر به الإمام أبي الحسن الأول علیه السلام حيث قال: (رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد لا تزلهم الرياح العواصف، ولا يملون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين) (2).)حتى أصبح من يريد أن يعتنق الإسلام يدرس هذا المذهب كدراسته لبقية المذاهب الإسلامية الأربعة، بعد أن أثبت الإمام الخميني قدّس سرّه أن الفقه الجعفري قادرٌ على قيادة المجتمع سياسياً واقتصادياً ورقيه نحو الكمال والتطور.ولو لم يكن لدولة الإسلام إلّا هذا الأثر لكفى كيف والآثار جمة كما ليس هنا
موضع ذكرها.هذه أهم الروايات التي تمسك البعض بها لإنكار الحكومة أو الإعداد، وقد عرفت الحال فيها.وهناك روايات أخرى قريبة منها من قبيل:1 - (... فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا (1).)2 - ( الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك ... (2).)ونحوهما من الروايات التي أجاب عنها العلماء (3ومما تقدم يعلم حالها.)وهذه الروايات بعضها ليس مختصاً بعصر الإمام المهدي علیه السلام ، فالأمر بالابتعاد عن الفتن أو الجلوس في البيوت (أحلاس البيوت ففي كلا ظرف لا يستطيع الإنسان أداء كل تكليفه، وبسبب الخوف أو الضرر على نفسه أو قومه أو ماله، فإنّه يستطيع أن يبتعد عن المكان الذي يؤدي لذلك أو يجلس في بيته وهكذا حصل في زمن النبي صلی الله علیه وآله وسلم في بداية الدعوة وفي زمن أمير المؤمنين بعد وفاة فاطمة علیها السلام، وفي زمن بعض الأئمة بل مع بعض الأئمة علیهم السلام، وفي زمن الغيبة كذلك، فهذا تكليف عام، إلّا أنّه مشروط بظروفه، وهذا لا يشك فيه عاقل، إنّما الكلام إذا استطاع الإنسان أداء تكليفه، فلا يجوز له أن يتخلف وإن كان محفوظاً ببعض الشوائب وإلّا للزم تعطيل أحكام الله وحدوده المنصوص عليها في القرآن الكريم نحو: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك المفلحون) (4).)ونحو: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (5).)
وقال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض... (1).)وقال عزّ من قائل: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بَغَت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (2).)(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا (3).)فمن يسعى في الأرض ليفسد فيها ومن يعتدي ويقتل ويظلم يجب ردعه أو قتله أو نفيه وما شابه ذلك حتى إذا كان هناك معترض عليه، فمن المتصدي لذلك؟ وتحت أي سلطة سوف ينفذ هذا الحكم؟ ومن يحمي المتصدين ويساعدهم؟ بل من يحدد طريقة النفي والقتال والصلح؟ ومن يحدد البغي وعدمه؟ ومن يجمع الأموال لتهيئة مقدمات القتال وإعداد الجيوش لذلك بالأساليب المتطورة في هذه الأزمنة؟كل هذه الأمور تتوقف على إقامة الحكومة وتصدي الولي فمن ينكر ذلك عليه تعطيل الأحكام والآيات !.أما الروايات التي تنهى عن قيام الراية قبل المهدي عجّل الله فرجه، أو الأحزاب والإتجاهات بتعبير هذا الزمان، فهي تنهى عن راية الضلال التي تكون مخالفة التوجهات الإمام المهدي علیه السلام و رواياته وتؤدي إلى تعطيل أحكام الله سبحانه وتعالى، أمّا الراية التي تدعو إلى الحق وإلى الإلتزام بتعاليم الإسلام وخط أهل البيت علیهم السلام، فإنّها ليست رأية ضلال بل هي راية حق تدعو إلى حق وتنتظر الحق.خاصة في هذه الأزمنة التي لا يستطيع الإنسان أن يقف جانباً إمّا للظروف المعيشية الصعبة، أو الأمنية الخطرة، فإنّ الإنسان مفروض عليه التدخل في شؤون الحياة، وعليه فمن لا يريد أن يكون مع هذه الراية التي تدعو للحق فهو في راية
مقابلة أي الراية التي تدعو للباطل والطاغوت، وقد نهانا الله تعالى عن الركون إليها. قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروابه (1).)والنتيجة لا معنى في نظر الإسلام الجلوس جانباً وترك المسلمين يتخبطون في مستقبلهم، وقد أمر رسول الإسلام صلی الله علیه وآله وسلم بالإهتمام بأمور المسلمين: (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم (2).)### أهمية التمهيدقال السيد الخامنئي تحت عنوان: أسباب عدم تمكن الأنبياء والأوصياء من تطهير العالم: ما هو السبب الذي لم يتمكن معه الكثير من أنبياء أولى العزم علیهم السلام من تطهير العالم من الفساد والرذيلة؟ السبب هو أنّ الظروف لم تكن مهيئة.ولماذا لم يتمكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام من اجتثاث جذور الفساد في عهده رغم ما كان يتصف به من قوة ربّانية، ومع ماله من علم متصل بمعدن الحكمة الإلهية، ومع تلك الإرادة الراسخة، ومع كل تلك المناقب، ومع كثرة توصيات الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم به ؟بل وقع العكس، وأزيح هو عن الطريق! فـ (قتل في محرابه لشّدة عدله وذلك لأن الظروف والأجواء لم تكن مهيئة؛ عكّروا الأجواء عليه، واختطّوا حب الدنيا وتحقيق المطامع نهجاً في وجهه، فالذين اصطفوا في مواجهة أمير المؤمنين علیه السلام في أواخر عهده أو في أواسطه لم تكن لديهم أرضية راسخة من التدين والورع. فإذا لم تكن الظروف مهيئة تنتهي إلى وقوع أمثال هذه النكبات.)
فإذا ظهر إمام الزمان (عليه الصلاة والسلام في ظروف غير مهيئة سينتهي إلى نفس تلك النهاية، إذن فلابدّ من التمهيد له.)ولكن كيف يتحقق هذا التمهيد؟ يتحقق بنفس الصورة التي تشاهدون أمثلة لها في مجتمعكم. في حكومة إيران الإسلامية اليوم تألّق معنوي لا نظير له في أي موضع آخر من العالم، على حدّ علمنا وفي ضوء الأخبار والتقارير التي تتناهى إلينا، ولسنا غافلين عمّا يجري في العالم.في أيّ موضع من العالم تجد اليوم شباباً يسحقون شهواتهم المادّية ويتجهون نحو الآفاق المعنوية - طبعاً هناك أيضاً بضعة شبّان يشذون عن هذه القاعدة، وهذه ظاهرة طبيعية في كل العالم - بمثل هذا العدد الهائل على هذه الشاكلة ومن أبناء جيل واحد؟ لا نظير لهذا التوجه المعنوي وبهذا الزخم في العالم كله إلّا على هذه الأرض.كان البعض يتصور أن هذه الظاهرة تختص بفترة الحرب! صحيح أنّ ظروف فترة الحرب كانت أكثر خصباً، وكانت إفرازاتها في هذا الجانب أسمى وأبرز، لكن هذه الظاهرة غير مختصة بفترة الحرب، بل هي مشهودة اليوم أيضاً. فالشبان الخيّرون المؤمنون من أبناء حزب الله قد سحقوا شهواتهم النفسية وتجاوزوا مطامع المال والثروة - وإن وجد بعض آخر ممّن يلهث وراء هذه المغريات، ويلوّثون الأجواء - وساروا بكل ورع وهمّة وبصيرة غير آبهين لأمثال هذه الزخارف. إذن يمكن التقدّم في ظل هذه الأوضاع نحو الصلاح خطوة بعد أُخرى.وهكذا الحال بالنسبة للنساء أيضاً، فالمرأة في بلدنا لها سبق في العمل السياسي وفي النشاط الثقافي وفي الجوانب التشكيلية الأخرى، وعندما يحل وقت الجهاد ترسل الأمّهات في بلدنا أبناء من إلى الجبهة بأنفسهن، ولها السبق في إدارة البيت والأعمال وتربية الأولاد.هذه الظواهر وأمثالها نادر وجودها كحالةٍ عامة في الكثير من بلدان العالم، وهي ذات قيمة عُليا، وجاءت نتيجة للتربية الإسلامية. وهي طبعاً تزرع الأمل في النفوس،
وقد أدّت بحمد الله ما تشاهدون نتائجه اليوم، وهو ما أكدنا عليه مراراً وتكراراً. واليوم أخذ أبناء الشعب الإيراني يلمسون تدريجياً عزّتنا السياسية في العالم. وهذا كله بفضل الإلتزام بالإسلام وتعاليمه، وأي شعب يقتدي بالإسلام يصل الى هذه النتيجة.إذن من الممكن تمهيد الأجواء. وإذا اتّسع بإذن الله وجود مثل هذه الأجواء - في العالم تكون الأرضية قد وطئت أيضاً لظهور بقية الله أرواحنا فداه، وتتحقق عند ذاك هذه الأمنية العريقة التي طالما راودت أذهان البشرية وأذهان المسلمين (1.)### بعض روايات التمهيدعن أبي الحسن بن هلال بن عمير قال: سمعت علياً يقول: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحرث (2على مقدّمته رجل يقال له منصور يوطئ أو يمكِّن لآل محمد كما مكّنت قريش لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، واجبٌ على كلّ مؤمن نصره - أو قال: إجابته (3).)وفي كتاب الفتن قال: حدّثنا عبد الله بن مروان عن الهيثم بن عبد الرحمن عمن حدّثه عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثّل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت (4.)وفي المستدرك قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن على بن عفان العامري ثنا عمرو بن محمد العنقزى ثنا يونس بن أبي إسحاق أخبرني عمار
الدهنى عن أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال: كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال علي رضي الله عنه: هيهات - ثمّ عقد بيده سبعاً - فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان، قال الرجل: الله الله قتل (1، فيجمع الله تعالى له قوماً قزع كفرع السحاب يؤلّف الله بين قلوبهم لا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر .)قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده ؟قلت: نعم .قال: إنه يخرج من بين هذين الخشبتين .قلت: لا جرم والله لا أريهما حتى أموت فمات بها يعنى مكة حرسها الله تعالى . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (2.)وقال أمير المؤمنين علیه السلام : الْأَمْرُ لَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا قَتِيلِهِمْ ، ويتنافسوا بَيْنَهُمْ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ أَقْوَاماً مِنَ الْمَشْرِقِ فقَتَلوهُم بَدَداً ، وأحْصَوهُم عَدَداً . وَ اللَّهِ ، لا يَمْلِكُونَ سَنَةٍ إِلَّا مُلْكِنَا سَنَتَيْنِ ، وَ لَا يَمْلِكُونَ سَنَتَيْنِ إِلَّا مُلْكِنَا أَرْبَعاً .وعنه علیه السلام: إِنِّي سِبْطٍ مِنْ الأشباط أُقَاتِلُ عَلَى حَقٍّ لَيَقُومُ وَ لَنْ يَقُومُ ، وَ الْأَمْرُ لَهُمْ ، فَإِذَا كَثُرُوا فَتَنَافَسُوا فَقَتَلُوا قَتِيلِهِمْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ أَقْوَاماً مِنْ أَهْلُ الْمَشْرِقِ ، فَقَتَلَهُمْ بتدداً ، وَ أَحْصَاهُمْ عَدَداً . وَ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ سَنَةٍ إِلَّا مُلْكِنَا سَنَتَيْنِ (3.)وعنه علیه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعونَ لَيُبيِّنَنَّ اليَومَ مِن أمرِ العَرَبِ أَمْراً كان يَكْتُمُهُ.قال : وغَضِبَ ( عليٌّ غَضَباً شديداً فقالَ : مَن يَعْذِرُني مِن هذهِ الضَّياطِرَةِ ؟! يَتَمرَّع)
أحدُهُم على حَشاياهُ، ويُهَجْرُ قوم لذكرِ اللهِ ، فيَأْمُروني أن أطْرُدَهُم فأكون من الظَّالِمِينَ! والّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأُ النِّسمَةَ لقد سَمِعْتُ محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم يقول : والله ، ليضرِبُنكُم على الدِّينِ عَوْداً كَما ضَرَبْتُموهُمْ عَلَيهِ بَدء (1.)وعنه علیه السلام: كَأَنِّي بالعجم فَساطيطهم فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْقُرْآنَ كَمَا أُنْزِلَ (2.)روى الطبراني، ابن حبان عن معاوية بن قرة عن أبيه: إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثاً من الموالي، هم أكرم العرب فرساً وأجوده سلاحاً، يؤيد الله بهم الدين.ومن حديث أبي الحسن الربعي المالكي، بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفيه إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي أكرم العرب فرساً وأسوده سلاحاً يؤيد الله بهم الدين فإذا قتل الخليفة بالعراق خرج رجل مربوع ...(3).)أقول: من مجمل هذه الروايات يستفاد الأمر بالتمهيد لدولة الإمام إضافة للإخبار عن جملة من الممهدين الذين يوطئون للمهدي علیه السلام سلطانه ودولته.### الرايات السود وأهل قمعن الإمام أبي الحسن الأول علیه السلام: (رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد لا تزلهم الرياح العواصف، ولا يملون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين (4).)وقال أبو عبد الله علیه السلام: أتدري لم سمي قم؟ قلت الله ورسوله وأنت أعلم، قال:
إنما سمي قم لأن أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه (1.)وقال علیه السلام: ستخلو كوفة (الكوفة من المؤمنين، وبأرز عنها العلم كما تأرز الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدناً للعلم والفضل حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ولم يبق في الأرض حجة، فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الارض لم يبلغ إليه الدين والعلم ، ثم يظهر القائم (عليه السلام) ويسير (ويصير) سبباً لنقمة الله وسخطه على العباد، لأن الله لا ينتقم من العباد إلّا بعد إنكارهم حجّته (2).)وقال علیه السلام: إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد، و بالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد، واحتج ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والإنس، ولم يدع الله قم وأهله مستضعفا، بل وفقهم وأيَّدهم، ثم قال: إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لاسرع الناس إليه فخرب قم وبطل أهله فلم يكن حجة على سائر البلاد، وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والأرض ولم ينظروا طرفة عين، وإن البلايا مدفوعة عن قم وأهله. وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها، وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلّا قصمه قاصم الجبارين وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الله
الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله كما نسوا ذكر الله(1.)وقال علیه السلام : الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل.قال: قلت له: جعلت فداك فأخبرني بما أستريح إليه.قال علیه السلام: يا أبا محمد ليس يرى أمة محمد صلى الله عليه وآله فرجاً أبداً مادام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد رجلاً منا أهل البيت يشير بالتقى ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشي، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه ، ثم يأتينا الغليظ القصرة، ذو الخال والشامتين القائم العادل الحافظ لما استودع يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً (2.)وروى ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح : عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: (ويحاً للطالقان (3فإنّ الله عزّ وجلّ فيها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته وهم أيضاً أنصار المهدي في آخر الزمان) (4).)أقول : كنوز الطالقان رجالها الذين يخرجون مع الحسين علیه السلام وقت ظهور المهدي علیه السلام وهم إثنا عشر ألف رجل كما روي .وغالباً ما يطلق هذا اللفظ على أهل خراسان كلفظة : أهل فارس أهل قم.وعن أبي جعفر محمّد بن علي علیه السلام قال: سئل أمير المؤمنين علیه السلام عن قوله عزّ
1) البحار 212/60 - 213 باب 36 ح 22، ومنتخب الأثر: ص 263 - 264 باب 27 - 21.
2) إقبال الاعمال ص 599 - 600، وإثبات الهداة: ج 3 ص 581 - 582 ب 32 ف 59 ح 766، و البحار ج 52 ص 269 ب 25 ح 158 .
3) الطالقان : بعد الألف لام مفتوحة وقاف، وآخره نون : بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ، بينها وبين مرو الروذ ثلاث مراحل، وقال الاصطخري : أكبر مدينة بطخارستان طالقان ، و مدينة في مستوى من الأرض وبينها وبين الجبل غلوة سهم، ولها نهر كبير وبساتين ، ومقدار الطالقان نحو ثلث بلخ ثم يليها في الكبر وزوالين. معجم البلدان الحموي : 4 / 6.
4) البحار 87/51، ومستدرك سفينة البحار: 573/6 والحاوي للسيوطي : 2 / 82، وكنز العمال :7 / 262.
وجلّ: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنَهِمْ فقال: انتظروا الفرج في ثلاث، فقيل: يا أمير المؤمنين وما هنّ؟)قال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان، فقيل له: وما الفزعة في شهر رمضان؟فقال: أوما سمعتم قول الله عزّ وجلّ في القرآن: (إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين (1)هي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان (2).)ثُمّ يخرج من الكوفة مائة ألف بين مشرك ومنافق حتّى يضربوا خباهم بدمشق (3، لا يصدّهم عنها صادّ، وهي إرم ذات العماد، وتقبل رايات شرقيّ الأرض ليست يقطن ولاكنان ولا حرير مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيّد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم ، يوم تطير (4)بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر، يسير الرعب أمامها شهراً. (5))وعن غيبة النعماني عن أمير المؤمنين علیه السلام قال على منبر الكوفة: إنّ الله عزّ وجلّ
1) الشعراء: 4.
2) كتاب الغيبة، باب من علامات قبل قيام القائم: 251؛ اثبات الهداة 7: 421.
3) كذا في الرجعة، وفيه : لا يصدّتّهم وفي الأصل : حتى يضربوا دمشق ، وفي «م» و«ن» والبحار: حتى يضربون.
4) في الرجعة: تصير.
5) عنه الرجعة : 141 ح 84 والبحار : 53 / 77 ح 86 ، وفي الإيقاظ من الهجعة: 289 ح 110 و 111 قطعة منه .)وروى قطعة منه العياشي في تفسيره : 2 / 282 ح 22 عن مسعدة بن صدقة ، وعنه البحار: 51 / 57 ح 48 ، وفيه بيان ، والبرهان : 2 / 408 ح 8.وفي نهج البلاغة (د. صبحي الصالح : 212 ذخطبة 152 ، وص 280 ذ خطبة 189 ، وعنه البحار :10 / 128 ح 7 وج 3 / 39 ح 25 وج 68 / 374 ج 20 ، وفيه بيان ، وج 69 / 227 ، ح 19 ، وفيه بيان نافع أيضاً.
قدّر فيما قدّر وقضى وحتم بأنّه كائن لابدّ منه أخذ بني أميّة بالسيف جهرة وأنّ أخذ فلان بغتة، وقال علیه السلام : لابدّ من رحى تطحن فإذا قامت على قطبها وثبتت على ساقها بعث الله عليها عبداً عسفاً، خاملاً أصله، يكون النصر معه، أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال سود ثيابهم، أصحاب رايات سود، ويلّ لمن ناوأهم، يقتلونهم هرجاً، والله لكأنّي أنظر إليهم وإلى أفعالهم وما يلقى من الفجّار منهم والأعراب الجفاة لسلّطهم الله عليهم بلا رحمة فيقتلونهم هرجاً على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية والبحرية جزاء بما عملوا وما ربّك بظّلام للعبيد (1.)ومما نسب لأمير المؤمنين علیه السلام: ... وتهيج جموع أصحاب الرايات السوداء، وينصبون ناراً عظيمة اسمها صارخ، ويهددون أعداء الله بمعادن كثيرة، أخلاطاً مثل الدائرة وأشكال كثيرة، سهام طول الجبال في قلبها لهب يخترق الأرض ويفسد الماء والهواء، ولا يترك حيّاً إلّا أكله، كالحمحمة يتركه يغدو رماداً تذروه الرياح، إن لم تدفنوه، وتطلب نساء اليهود الزوج فلا يجدونه إلّا من خارج يهود، ولا يكون عشرون إمرأة أمام قيّم واحد.يجتمعون في خلّة من الأرض يذلّهم الله ويضرب عليهم الهوان والمسكنة، فلا تثور لهم ثائرة إلّا طعناً في الظهر، ينتظرون الدجال وهو شر غالب، ينتظروا، ألوف منهم يؤمنون لهم عقلّ ودين، يغدون في يوم وليلة مع سلطان المهدي (2.)ومما نسب لأمير المؤمنين علیه السلام .. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة راية الله معها رايات لا تطوى منذ نشرت بأمر الله، ورجال كأن قلوبهم أصلب من الحديد ، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم وسلاحهم بلدة ليهود إلّا خربوها، كان على مراكبهم العقبان تطير، يحبون المهدي أكثر من أنفسهم حب أصحاب محمد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، يحقّون به يقونه بأنفسهم، يوقنون أنّ الله فاتح له ما
أراد (1.)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (وإذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي (2).)وقال: (إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلوا حتى يدفعوه إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملؤها جوراً، فمن استطاع منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج (3).)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة ثم لا تصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لا أحفظه ثم قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : (فإذا رأيتم أميرهم فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي) أخرجه الحافظ ابن ماجة (4).)وزيد في رواية: (ثم يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه فإنه خليفة الله المهدي (5).)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (تجيء الرايات السود من قبل المشرق، كأنّ قلوبهم من حديد، فمن سمع بهم فليأتهم فليبايعهم ولو حبوا على الثلج (6).)قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي يعني سلطانه،)
هذا حديث صحيح رواه الثقاة والأثبات أخرجه الحافظ أبو عبد الله ماجة القزويني في سنته (1.)أقول: هذه طائفة من الروايات تتحدث عن الرايات السود من قبل المشرق من قم و خراسان وطالقان وفارس وكلها ألفاظ تشير فى هذا الزمان إلى الجمهورية الإسلامية في إيران التي انتقل إليها العلم من حوزة الكوفة أو النجف لينتشر إلى كل بقاع الأرض من خلال المبلّغين الذين يخرجون سنوياً إلى البلاد كافة لنشر العدل والإستقامة. وهي بذلك تكشف عن تمهيد هذه الرايات أو الدولة للإمام المهدي علیه السلام.### أنواع التمهيدهذه جملة من الأحاديث الشريفة التي ذكرت جملة من الأحداث تحصل قبل أو قبيل القائم عجّل الله فرجه، والتي أكثرها تمهد ظهوره المبارك، ومعنى التمهيد للظهور المبارك يختلف باختلاف الجهة:### تمهيد الأفرادهو كل فعل يزيل من خلاله الإنسان نوعاً أو قسماً من المنكرات، أو يزيد من فعل المعروف هذا على الصعيد الفردي كالابتعاد عن أماكن الدعارة، وتقليل فعل المحرمات.### التمهيد عند المؤسّساتوكذلك على صعيد المؤسسات، فإنّ واجبها الإجتماعي أو الخيري أو البيئي وغيرها، _ إذا أرادت أن تدخل في عداد الممهدين للمهدي - أحد أبرز أهدافها تقليل
1) كفاية الطالب: 490.
المنكرات التي تختص بها وتقوية المعروف الذي يندرج تحت أهدافها.فمثلاً إذا كانت تُعنى بالتربية، فينبغي لها أن تخصص ضمن برامجها التربوية ما يبعد الأطفال مثلاً عن المنكرات الذي يؤثر على روحيتهم ونفسيتهم كأكل الطعام الحرام أو النجس.وكذلك تعويد الطفل على الآداب الإسلامية والتكاليف التي تقوي شخصيته ليصبح شجاعاً خلوقاً حليماً صبوراً وهادئاً...وهكذا الأمر إذا كان مجال عملها البيئة فعليها السعي لتخفيف الأضرار على البيئة، كالسعي لإزالة آثار التلوث وتشجيع ترك التدخين، والتخفيف من الأطعمة التي تضر بالصحة والتشجيع على الزراعة المفيدة والمخففة للتلوث. الأمر الذي يهيئ مجتمعاً صالحاً للعيش ليتفرغ الإنسان إلى عمله بعيداً عن الأضرار البيئية.والأمر أكد إذا كان مجال عمل المؤسسات إجتماعياً وأخلاقياً، فعليها أن تمنع وقوع المفاسد الأخلاقية كالسرقة والزنا والإختلاط والسماح بوضع برامج ثقافية وعملية للتقليل من بؤر الفساد والسفاح .وكذلك للتشجيع - فكرياً وعملياً - على العفة والشرف والزواج الشرعي الهادف والتربية الأسرية بدل الفلتان.والخلاصة ينبغي على المؤسسات الإجتماعية أن تكون هادفة في عملها وطرحها وأهدافها، فإذا استطاعت أن تحقق شيئاً من الإستقرار الإجتماعي المفيد، والسلوك الشريف لدى العوائل والأسر أو الأفراد، فإنها تكون مشاركة في صنع الأجواء الإسلامية التي أمرنا بها، وبالتالي تصبح جزءاً من الحركة الممهدة للظهور المبارك عليه السلام.### التمهيد عند الدولوهو أهم التمهيد وأشمله، وله تأثير أسرع من غيره لامتلاكها الأساليب المتعددة
والقدرات المادية والمعنوية التي من خلالها تضمن التطبيق والإستمرارية، الأمر الذي غالباً ما يكون مفقوداً عند الأفراد والمؤسسات.فما تقدم من أمثلة في المؤسسات يجري هنا بشكل منظم وأوسع بل يمكن للدول أن تضع قوانيناً أخلاقية واجتماعية وتربوية تمنع من خلالها المنكرات والمفاسد والإباحية، ونحو ذلك وتعاقب من يتخلف عنها.وفي المقابل تأمر بالمعروف والواجبات وضمن قوانين ملزمة تعاقب من يتخلف عنها وتشجع من يلتزم بها.وينفرد التمهيد في الدول بالتمهيد العسكري، حيث أنه عادة إعداد الجيوش وتصنيع الأسلحة المختلفة أو تطويرها من شأن الدول لا الأفراد والمؤسسات.وهذا الأمر في غاية الأهمية فيما لو كانت الدولة ملتزمة بتعاليم الإسلام والقرآن والإقتداء بنبي الهدى علیه السلام وأخلاقه الحكومية والفردية.وذلك أنها تستطيع أن تعطي لبعض القوانين الإجتماعية والأخلاقية قيمة عالية وتأثيراً مهمّاً، الأمر الذي لا تستطيع أن تفعله الأفراد والمؤسسات، وذلك من خلال التخطيط لوضع قوانين إجتماعية وأخلاقية ملزمة من أجل إزالة الأجواء الموبوءة التي تؤدي إلى إفساد المجتمع وتشويه فطرة الناس التي ولدوا عليها.وهذا العمل من الدول يكون أكد وأقوى وأسرع في الوصول إلى النتيجة.ولعل أخطر أمر لقضية التمهيد هو الفساد الأخلاقي والإجتماعي الذي يؤدي شيئاً فشيئاً إلى الدخول إلى كل دولة فقرية فبيت خاصة ما انتشر في أكثر بقاع العالم من الفساد عن طريق الشاشات المتلفزة وأقراص الفيديو والكمبيوتر أو مواقع الأنترنيت، الأمر الذي يؤثر تأثيراً خطيراً وسريعاً على اتساع بقعة الفساد في كل أنحاء العالم في نفس الوقت الذي لا يدع للفرد وقتاً لكي يهتم بأخلاقه وإنسانبته وما يؤثر على بناء مستقبله ومجتمعه، وهذا الخطر المنتشر يجب التخطيط له - من قبل الدول - من أجل الحؤول دون استمراره.
### الإعدادبعد أن بيّنا كيفية التمهيد لدولة الإمام المهدي وحركته وفكره، وبيّنا بعض الرايات والطوائف التي وردت أنّها من الممهدين للإمام عجّل الله تعالى فرجه، وصل الكلام بنا إلى الإعداد وأنواعه وشموليّته:### ثواب الإعدادروى عليّ بن إبراهيم القمّي، بإسناد صحيح في تفسير تلك الآية عن الصادق علیه السلام قال: اصبروا على المصائب، وصابروا على الفرائض، ورابطوا على الأئمّة (1.)وفي البرهان وغيره عن الباقر علیه السلام في قول الله عزّ وجلّ (2(يا أيُّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) قال: اصبروا على أداء الفرائض وصابروا عدوكم ورابطوا إمامكم المنتظر (3).)وفي روضة الكافي في كتاب الدواجن بإسناده عن ابن طيفور المتطبب قال: سألني أبو الحسن علیه السلام أي شيء تركب .قلت: حماراً .فقال علیه السلام: بكم ابتعته ؟قلت: بثلاثة عشر ديناراً.
فقال علیه السلام إنّ هذا لهو السرف أن تشتري حماراً بثلاثة عشر ديناراً وتدع برذوناً.قلت: يا سيدي إن مؤنة البرذون أكثر من مؤنة الحمار.قال: فقال: الذي يموّن الحمار هو يمون البرذون، أما تعلم أنه من ارتبط دابة متوقعاً به أمرنا ويغيظ به عدونا، وهو منسوب إلينا، أدرّ الله رزقه، وشرح صدره وبلغه أمله، وكان عوناً على حوائجه ؟(1.)### شمولية الإعدادذكرنا سابقاً أنّ فكر المهدي المنقذ في آخر الزمان ليس مختصاً بمذهب معيّن أو طائفة ولا حتى بدين فالكلّ يؤمن بخروج رجل يحقق أمل الإنسانية في نشر العدل الحقيقي وإزالة الظلم الذي يزداد يوماً بعد يوم في كثير من البقاع آخذاً أشكالاًمختلفة.وبناءً على ذلك - وكما يقال من كان له الغنم فعليه الغرم - فإنّ التمهيد والإعداد بشتى أنواعه، يجب أن يشمل كلّ الطوائف والمذاهب والأديان التي تؤمن بذلك، وما تقدم ويأتي من تهيئة الأجواء والظروف لخروج هذا المنقذ، فإنّ المخاطب به كلّ أولئك على حدّ سواء.خاصة من كان الظلم عليه أشد والجور عنده أكثر، فإنّه معنى أكثر من غيره بالإلتزام بالتعاليم الإنسانية التي لا يشذ عنها عاقل، والتي تقضي بإعطاء كل ذي حق حقه، وبالإبتعاد عن المفاسد الفردية والجماعية ومحاربة الفساد الأخلاقي والإجتماعيوالحكومي.فإنّ التغيير نحو الأفضل أو الإعداد يبدأ من التزام الجميع خاصة المستضعفين،
1) الكافي : 6 / 535 ح 1، والبرهان: 1 / 334 ح8.
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1)، وسوف نبين في شروط الإعداد ذلك.)وعليه فإنّ الخطاب في التمهيد والتوطيد لدولة العدل والرحمة خطاب عام لكلّ المستضعفين في الأرض الذين تهفو أنفسهم لرؤية الحياة الإنسانية على حقيقتها والفطرة على ظاهرها.وبناءً على ذلك، فإنّ التبليغ في هذه الأزمنة لابدّ أن يأخذ شكلاً آخراً، خاصة فيما يتعلق بمستقبل العالم وتقليل الأضرار البيّئية والإجتماعية والنفسية، بلا فرق بين مكان ومكان وقوم وقوم، لأنّ الضرر مهما كان نوعه وفي أيّ مكان كان سينتشر لبقية الأمكنة إذا لم يكن اليوم ففي الغد.ثم الإعداد لا يفرق فيه بين من يؤمن بوجوده وولادته علیه السلام في أول الزمان وبين من يؤمن بولادته في آخر الزمان لأننا أصبحنا في آخر الزمان، فيتوقع ظهوره في أي وقت من الأوقات، وعليه فالإعداد يكون واجباً من الآن حتى على رأي من لا يقول بولادته علیه السلام ووجوده من أول الزمان.### شروط الإعدادوالإعداد بجميع أقسامه الآتية ينبغي أن يكون ضمن أطر وقوانين حتى يؤدي هدفه، فإنّ الخطأ ممنوع في هذه الأمور لأننا نتكلم عن بناء دولة ليس للظلم والغش والحقد فيها مجال، فلابدّ أن يكون التمهيد لهذه الدولة وصاحبها خالياً من ذلك وأىّ خطأ في التطبيق أو الإعداد أو البرمجة سيؤثر على هذه الدولة أو يبعد تحققها إلى زمن يحس البعض أنّه أصبح قريباً.وليس من المعلوم أنّه بالإمكان إصلاح بعض الأخطاء في منتصف الطريق.
1) سورة الرعد: 11 .
وعليه فلابدّ للمتصدين للإعداد بمختلف مجالاته أن يدرسوا ذلك جيداً قبل وضع أي قانون أو حكم أو إرشاد.### الشرط الأول:العزم وإخلاص النّيةوالعزم أول خطوة يحتاجها الإنسان وهو أمر واضح، ثم بعد أنّ ينوي الإنسان السير نحو دولة العدل والطهر، عليه معرفة أنّ الهدف هذا هدف شريف فلابدّ من إخلاص النية في هذا العمل.فأن ينوي الإنسان عند استعداده لتهيئة أيّ أمر من أمور أو شؤون الدولة الكريمة القربة الله تعالى لإعداد كلمة الحق وإخماد الباطل وذيوله.والرياء هنا لا ينفع فسرعان ما ينكشف الأمر لأننا نتعامل مع صاحب دولة كريمة يحكم فيها بالواقع لا بالظاهر.فمن لا يستطيع إخلاص النيّة فعليه التنحي حتى يعالج نفسه أولاً من الرياء.### الشرط الثاني:الإستمراريةإن مشكلة - بعض - العالم الثالث أنّ نفَسَهُ قصير فعند أول منعطف يعرض عن عمله وهدفه.أو أنّه يستمر إلى حين، فإذا تغير المسؤول أو توفي أو حصل تطور معيّن يأخذ البعض بالإستقلال ليبدأ من نقطة الصفر تاركاً وراءه مجموعة من التجارب والعلوم.وهكذا في من يأتي من بعده، الأمر الذي يؤخر حصول الهدف والنتيجة.لذا لابدّ لمن يريد الخوض في الإعداد والتمهيد أن يؤمن بما يسمى بنظرية دولة المؤسسات لا الأفراد، أي أن يوضع هدف معين ويقوم الجميع على تطبيقه، سواء
لهذا الجيل أم الجيل الذي يأتي وهكذا.هذا إذا كان الأمر المراد إعداده إجتماعياً أو علمياً أو سياسيّاً.وكذلك لو كان الأمر عبادياً، فإن المداومة على برنامج معيّن له أثر كبير على روحية العابد وسرعة في الوصول إلى الهدف الإلهي المنشود.### الشرط الثالثاختيار الشخص المناسبمن الأمور المؤثرة في الهداية العامة لطريق الخير وإصلاح المجتمع، اختيار الأكفأ والأعلم وتقديمه على غيره في ريادة المؤسسات أو المجموعات أو التخطيط لأيّ مشروع.قال تعالى في قصة طالوت (وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةٌ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَ اللَّهُ وَاسِعٌ علِيمٌ (1).)فقدمه الله مع فقره لما فيه من علم وشجاعة.فعلى كلّ من يريد أن يصل إلى هدفه تقديم أصحاب الطاقات العلمية والاجتماعية والقدرات النفسية على غيرهم.خاصة إذا كان الهدف هدفاً إلهيّاً كالإعداد والتهيئة لدولة صاحب الزمان.ومن جهة أخرى على الشخص غير الأكفأ أن يقدم الأكفأ لكي لا يحمّل ذمته ما لا تتحمله خاصة في ما نحن بصدده، لأنّ حركة الإمام المهدي علیه السلام ليست حركة تجارية أو وصولية بل هي حركة إلهية أمامها مراحل صعبة ومعقدة يجب أن تطوى
1) سورة البقرة: 246 - 247 .
بدقة وبأقل خسائر ممكنة، وقد روي في الحديث عن الشيخ الطوسي بإسناده، عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال: (ما تستعجلون بخروج القائم فوالله ما لباسه إلّا الغليظ، ولا طعامه إلا الشعير الجشب، وما هو إلّا بالسيف، والموت تحت ظل السيف (1).)### الشرط الرابع:السرية والخفاء في العملقال أمير المؤمنين علیه السلام: (وإستعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان لها (2).)وقال علیه السلام: (صدر العاقل صندوق سره (3).)وقال صلوات الله عليه: (من كتم سره كانت الخيرة بيده (4).)وقال علیه السلام: (إستعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود ((5).)أمرنا أهل البيت علیهم السلام بالتكتم على كلّ أمر يقوم به الإنسان وعدم نشره حتى يكتمل أو يحين موعده، لكي لا يتعرض للحسد أو العرقلة أو المنافسة أو الانحراف.هذا في مشروع وبرنامج، أمّا البرامج والمشاريع المتعلقة بدولة العدل والطهر، فالأمر يتأكد أكثر، إذ الأعداء يتربصون بنا أكثر، فإنّهم يؤمنون أيضاً بحتمية نهاية العالم وأنّه لابدّ من مواجهة مصيرية في آخر الزمان بين العدل والظلم، سمّاها البعضبمعركة «مجدون».فعلى المؤسسات والأفراد الإهتمام أوّلاً: وضع قوانين تتكفل بتنفيذ الإعداد بشكل
سرّي، ثانياً: الإلتزام العملي من قبلهم بهذا الشرط المهم.### الشرط الخامسالإتقان في العملوهذا الشرط يختلف عن الشرط الثالث، فذاك كان مختصاً باختيار الأكفأ للكوادر والقادة ومنظمي البرامج العلمية، وهذا الشرط معنيّ بالمستفيد من هؤلاء الكوادر والقادة، أي المتعلمين والمتلقين لطرق التمهيد والإعداد الذين سيصبحون في المستقبل قادة.والمراد بالإتقان، أعلى درجة من الإستفادة من المادة أو الفكرة التي تُطرح، وأن لا يكتفى الإنسان بالحصول على المعدل العام أو الشهادة، وذلك أنّه في بعض العلوم والاختصاصات يكفي لتلميذ أن يحصل على هذا المعدل أو مجرد الشهادة، أمّا ما يرتبط بدولة العدل التي تحقق حلم الأنبياء علیهم السلام، الأمر الذي هو تعامل مباشرة مع الله سبحانه وتعالى في أقدس قضية ادخرها الله إلى آخر الزمان على يد الإمام المنتظر صلوات الله عليه، ألا وهي تطبيق قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة (1)، حيث قيلت في بداية الزمان خطاباً لآدم علیه السلام ، إلا أنّها لم تطبق حيث لم يوجد لحد الآن خليفة إلهي يحكم بما أنزل الله في كلّ بقاع العالم.)وعليه فالإنسان الذي يريد المشاركة في تحقيق هكذا دولة وهدف لا يكتفى منه بشهادة ظاهرية من المستوى العادي، بل عليه إتقان دراسته وبرامجه وأعماله مهما كان وأين كان على أكمل وجه بحيث يتناسب مع هكذا قضية.
1) سورة البقرة: 30.
### الشرط السادس:سرعة التخطيطوهذا الأمر جدير بالإهتمام وتطوير طرحه من قبل المختصّين، حيث أنّ تركه يؤدي فيما بعد إلى الندم.فمثلاً يقال أنّه في العام 2050م هناك مجموعة من الدول والمناطق مثل الإسكندرية في مصر أو بعض دول الولايات المتحدة الأمريكية أو قسم من مناطق الصين، سوف تغطيها المياه بالكامل، فتصبح تحت الماء، نتيجة زيادة مياه البحر والمحيطات بشكل تدريجي.وكذلك فيما يتعلق بالتلوث البيئي، فيتوقع خطورته بعد مدة من الزمن.فإنّه إذا أهمل علاج هكذا مخاطر إلى العام 2050م ووقعت الكارثة، أو بدأت، فإنّه لا يمكن عندها العلاج.أمّا لو بدأ العلاج وقبل ثلاثين عاماً مثلاً، فيمكن تفادي الكثير من الخسائر والكوارث.فتأخير العلاج أو إهماله نتيجة مصالح شخصية سيؤدي إلى فشل الكثير من المشاريع والبرامج.وهذا الأمر يسري على كلّ الأمور حتى الأخلاقية منها، فلو تم التفكير بها في بداية بعض أنواع الفساد لأمكن الآن معالجته.وهكذا بعض المشاكل الإجتماعية أو الأسرية، لو تمّ وضع برامج لها منذ البداية لما وقعنا في مثل هذه المشاكل.وهكذا فيما يختص بالتمهيد لدولة الإمام المهدي عجّل الله فرجه، فإننا لو كنا بدأنا في الإعداد قبل عشرات السنين، لكان أفضل من البدء الآن، ولو بدأنا الآن فهو أفضل من التأخير لعدة سنوات فالوقت يضيق والفساد ينتشر ويستحكم أكثر .
وعليه فعلى المتصدين للتخطيط، الإسراع في وضع برامج العلاجات وتطبيقها على مشاكلها.### الشرط السابع:الرقابةونعني بالرقابة: الوظيفة الإدارية التي تعمل باستمرار على اكتشاف الإنحرافات والأخطاء قبل وقوعها وبالتالي العمل على منع حدوثها ما أمكن، أو على الأقل تفادي الآثار السلبية لها في حال حدوثها ومعالجة أسبابها ومنع تكرارها في المستقبل .### الشرط الثامن:تدريب البدائلوذلك لأن زمن ظهور الإمام غير معروف بل نحن ننتظر ذلك لذا الإعداد لتلك الدولة لا بد وأن يتناسب مع كل الأزمنة التي تأتي وذلك لجهلنا بمن يكون من قادته عجّل الله فرجه وجنده، ومن هنا فعلى القادة أن يدرّبوا ويؤهلوا قادة جدداً مكانهم يستلمون عنهم في غيابهم أو عند رحيلهم لكي يستمر الإعداد بالشروط المذكورة .ولا يجوز الإستثثار بالسلطة أو المسؤولية أو المعلومات أو الأفكار والإختراعات المفيدة التي يبتكرها أو يخترعها القائد أو المفكر لأنّها ليست ملكاً له بل هي ملک للأمة، فتعليمها للمؤتمنين عليها يعطي الأمة المخزون العلمي الكبير التي تحتاجه لكي تستمر في التقدم والتطور.
### أقسام الإعدادالإعداد المبعوث عنه فيما يخص دولة العدل والطهر لا يقتصر على نوع معيّن، بل يشمل كل ما تحتاجه الحياة في زمن الظهور، سواء الأمور العسكرية أم الثقافية أم الأمنية أم الأخلاقية أم الإجتماعية أم الصحية.### 1- الإعداد العسكريروى النعماني بإسناده عن الصادق علیه السلام قال: ليعدنّ أحدكم الخروج القائم علیه السلام ولو سهماً فإن الله تعالى إذا علم ذلك من نيته رجوت لأن ينسئ في عمره (1.)وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله الجعفي، قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علىّ علیه السلام كم الرباط عندكم؟قلت: أربعون.قال علیه السلام: لكن رباطنا رباط الدهر، ومن أرتبط فينا دابة كان له وزنها ووزن وزنها ما كانت عنده، ومن ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة ولا من مرتين ولا من ثلاث، ولا من أربع فإنما مثلنا ومثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن ادع قومك للقتال فإني سأنصرك فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك ثمّ توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح، حتّى انهزموا ثمّ أوحى الله إليه ان ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك فدعاهم فقالوا وعدتنا النصر فما نصرنا فأوحى الله عزّ وجلّ إليه إما أن تختار القتال أو النار.
1) غيبة النعماني: 173 باب ما جاء في ذكر الشيعة.
فقال يا رب، القتال أحب إليّ من النار.فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر، فتوجه بهم، فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتّى فتح الله عزّ وجلّ لهم (1.)قال المجلسي رضوان الله علیه في شرح قوله: رباطنا رباط الدهر أي يجب على الشيعة أن يربطوا أنفسهم على طاعة إمام الحق، وانتظار فرجه، ويتهيّأوا لنصرته.وقال رضوان الله علیه في شرح قوله علیه السلام (كان له وزنها .. الخ، أي كان له ثواب التصدق يضعفي وزنها ذهباً وفضة كل يوم ويحتمل أن يكون من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس أي له من الثواب مثلي وزن الدابة، انتهى.)### التسلح: ثوابه وسريته وأهميتهوالروايات كما ترى تذكر قسماً واحداً من الإعداد العسكري، ألا وهو التسلح وتذكره بما كان متداولاً آنذاك: السهم، وهو نموذج لا أكثر، وإلا فلكل دولة رجال وسلاح.ثم يفهم من الروايات أنّ إعداد التسلح ليس مختصاً بالدول بل يشمل الأفراد إذ الإمام قال: (وليعدن أحدكم لخروج القائم ولو سهماً.)وليس المراد بذلك انتشار التسلح الفردي خاصة في هذه الأزمنة ليشكل خطراً إجتماعياً يهدد المجتمع أو يؤثر على بقية القطاعات، إنما المراد هو الاحتياط أوّلاً والتخزين ثانياً.أمّا الإحتياط فلعل منظور الإمام أنّ الإنسان الذي يستطيع تهيئة بعض الأسلحة في زمن ما ، فليفعل كي لا يأتي عليه زمن غير قادر على امتلاكه.أما التخزين فيقهم من قوله علیه السلام اليعدن»، فهو يخاطب الفرد في الحال لامتلاك
1) أصول الكافي : 381 - 576.
السهم ونحوه ليستفيد منه في ما يأتي من سنوات قد تطول لمئات السنين: خاصة مع ملاحظة علم الإمام الصادق علیه السلام أنّ الإمام المهدي المنتظر لن يقوم في المائة سنة التي تلي هذه الرواية فما معنى الأمر باقتناء السلاح قبل ذلك إلا التخزين وإخفاء الأمر حتى على أقرب المقربين.نعم تخزين السهم كمثال يختلف عن تخزين غيره من الأسلحة خاصة في هذه الأزمنة، فإنّ بعضها يتلف فيكون منظور الإمام الصادق علیه السلام - وهو يتكلم عن كلّ عصر محتمل فيه خروج الإمام - تجديد التخزين بحيث يبقى مستعداً عند لقاء إمامه.والجميل في الرواية أنّها ليس فقط تأمر بالتسلح، بل والتشجيع عليه، بأمر يحبه كل الناس وهو عبارة عن أمرين:الأوّل: طول العمر، فكلّ إنسان يحب أن يطيل الله عمره، فالمؤمن العامل في سبيل الله الملتزم بتكاليفه يفرح ويتمنى لأنّه يقضي عمره الطويل في الطاعة.وغير المؤمن أو المقصر يحب ذلك، ليكون له فرصة التوبة والتجديد، لكن هل يوفق للتوبة فيما بعد الله أعلم (1.)وأيضاً هناك حب لغير المؤمن من باب حب البقاء والتمتع بالحياة الدنيا أكثر، وهذا مشجع على التسلح.والثاني: معاصرة الإمام المهدي علیه السلام والكون من جنده وخدمه وهذا هو مبتغى الكثير من الناس، فالإمام الصادق علیه السلام يقرن التسلح بذلك لكي يشجع الناس على الإلتزام به.ثم في الرواية الثانية عن الإمام الباقر علیه السلام نكتة أُخرى وهي أنه طلب عدم اليأس والجزع من مرة أو مرتين أو ثلاث، وأن المعد للسلاح قد لا يستعمله مع حصوله على النصر.
1) سوف تتعرض لذلك في نهاية الكتاب (الفصل السابع).
وهذا أوّلاً يؤكد على أهمية التسلح، وثانياً على استمرارية التسلح وإن طالت المدة، حيث قال علیه السلام : فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك، وكان هذا بعد جمعهم للمرة الأولى والله أعلم كم كان بين الحربين وكم استغرق جمعهم من هذه الأمكنة مع ملاحظة وسائل النقل والإتصالات في ذلك الزمان.خاصة أنه قد يأتي زمان يصعب فيه التسلح كما روي عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام أنه قال:.... وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني هي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم و إذا خرج اليماني فانهض إليه فإنَّ رايته راية هدى ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم (1.)### التدرّب على السلاحولا ينحصر الإعداد العسكري، بالسلاح بل هو أحد أفراده، فهناك أيضاً التعلم على استعماله، فالعقل يحكم على مثل هذه الروايات الأمرة بالتسلح، يحكم عليها بمعرفته ومعرفة استعماله، لأن المراد من الإعداد هو استعماله والاستفادة منه.هذا إضافة إلى ما ورد من روايات تأمر بتعلم ركوب الخيل والرماية والسباحة (2، والذي هو كناية أيضاً عن الإعداد والتعلم على أدواته.)ومن المعروف أنّ التدرب على السهم نموذج لا أكثر، ففي كل زمن هناك نوذج آخر للسلاح، فالتعلم والتدرب يخضع للسلاح المتوفر لكل زمن.لذا في مثل هذه الأزمنة، يأخذ التدرب نوعاً متطوراً علمياً من ناحية وعملانياً من ناحية أخرى، وتفصيله موكول إلى أهل الإختصاص.
### اختراع السلاحمن قسم الإعداد العسكري هو التوجه إلى تطوير الأسلحة واختراع شي جديد فيها، وهذا ما يلزمه التوجه إلى جامعات خاصة من قبل مجموعة من الأفراد ومن مختلف الدول لكي يواكبوا التطور العلمي المخصوص بالسلاح.فكما يحتاج مجتمعنا إلى الأطباء والمهندسين ..... والعلماء والرياضيّين ونحوهم، كذلك فإنّ مجتمعنا - كمجتمع يمهد لدولة الحق والعدل - يحتاج إلى قطاع عسكري يحمي بقية القطاعات، ويتطور بنفس الدرجة التي تتطور به هذه القطاعات. نعم قد يختلف هذا القطاع في الشكل والمحتوى ليأخذ طابعاً سرياً أو فنياً مختلفاً.ثم هذا الإختراع منه ما هو علمي ونظري تدخل فيه النظريّات الإلكترونية ونحوها، ومنه ما هو عملي يخضع للتجارب، وكلاهما يحتاجهم المجتمع من أجل الإعداد العسكري.### إعداد الجيوشومن الأمور التي تندرج تحت الإعداد العسكري، إعداد الجيوش وتهيئتها، لكي تكون في خدمة إمام الزمان عليه السلام.والمهم في هذا الأمر القانون الذي يوضع لهذا الجيش، والذي على أساسه يكون جيشاً للإمام المهدي علیه السلام، ومرادنا بالقانون ليس القانون العسكري، فهو خارج موضوع الكتاب ولست مطلعاً عليه، إنّما القانون الديني والسلوكي والإجتماعي الذي يؤثر على شخصية وبناء روحية إيمانية تخوله خوض أصعب المعارك.هدف هذا القانون أولاً: الإلتزام بكافة الأحكام الشرعية والابتعاد عن كافة المحرمات.وثانياً: الإلتزام بالمستحبات والآداب الشرعية، والإبتعاد عن المكروهات.
وفيما يختص بالواجبات والمحرمات، فإنّ الأمر بيّن الوضوح، فإنّ التزام من يرجو أن يكون من جيش المهدي المنتظر علیه السلام بالواجبات والمحرمات أمر مفروغ منه.إنّما الكلام في الإلتزام بالمستحبات والآداب والابتعاد عن المكروهات، وما ينافي المروءة، وهذه الأمور وإن كانت خارجة عن موضوع الكتاب، ولكن ينبغي التنبيه على أمور:الإلتزام بمستحبات الصلاة، كالصلاة جماعة وفي المسجد وكتسبيح الزهراء، وتعقيب كل فريضة والإقامة قبل الصلاة.والمداومة على قراءة شي قليل من القرآن بعد كل فريضة، والتصدق ولو بشي قليل كلّ ليلة جمعة ويومه.الإلتزام بغسل الجمعة، وقصُّ الأظافر كلّ خميس أو جمعة.المداومة على الوضوء ولا أقل عند الخروج.المداومة على زيارة عاشوراء، ولا أقل كل ليلة جمعة.الإلتزام بدعاء الندبة كلّ يوم جمعة.المداومة على دعاء العهد والبيعة كل صباح.الإسراع لغسل الجنابة، وعدم الأكل والنوم عليه، إلّا بالوضوء أو غسل اليدين ثلاثة، المضمضة والاستنشاق أيضاً ثلاث مرات.ونحو ذلك من المستحبات المذكورة في كتب الآداب والأدعية.### الهدف من الإعداد العسكريهل الهدف من هذا الإعداد العسكري الذي بيّناه الإنتقام والعنف من أعداء الله تعالى أم نشر العدل ؟مما يفهم من الروايات القرآنية أن القتال في حد ذاته ليس هدفاً، بل وسيلة حتى
في بداية الدعوة الإسلامية التي كان النبي صلی الله علیه وآله وسلم بأمسّ الحاجة لتوسيع دولته، لذا قال سبحانه وتعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم (1).)فالقتال أو الجهاد إنّما شرع من أجل حماية الإسلام وأهله ونشر دعوته .وسوف نفصل ذلك في الفصل الرابع عند الكلام عن الأهداف .### رأي الإسلام في العنفهذه المقالة مأخوذة من محاضرات السيد الخامنئي حفظه الله: إنّ للإسلام رأياً واضحاً وصريحاً حول العنف؛ فالإسلام لم يجعل العنف أصلاً من حيث المبدأ، ولكنه لم ينفه أيضاً في الحالات التي يكون فيها قانونياً.### العنف القانوني وغير القانونيإن لدينا نوعين من العنف، أحدهما قانوني، أي أن القانون يستخدم العنف عند الضرورة فينص على حبس هذا الشخص إذا ارتكب هذه الجناية أو الجريمة. فهذا عنف، لكنه ليس سيئاً، لأنه يحول دون الإعتداء على حقوق البشر ويقمع الخارجين على القانون ويجازي المعتدي، فإذا لم يستخدم العنف ضد المعتدين لازدادت الجرائم في المجتمع، فهو ضروري في هذه الحالة.والثاني عنف غير قانوني، أي أن يعتدي أحد على حقوق الآخرين كما يهوى وبلا سبب ولا دليل وخلافاً للقانون والدستور، كأن يصفع شخصاً، فهل هذا جيد أم سيّئ ؟! واضح أنه سيّئ وبلا شك.فالإسلام دين شامل وليس أحادي الجانب؛ فعندما تقف الحكومة الإسلامية لمواجهة القوة والإعتداء والإضطرابات والهجمات والخروج عن القانون فلابد لها
1) سورة التوبة: 36.
من القوة والصرامة والعنف دون خشية من هذه الكلمة. وبالعكس، أي عندما تتعامل مع أفراد الشعب والرعيّة، فعليها بالرفق واللين قال سبحانه وتعالى: ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (1)فلكل مقام مقال .)والعنف القانوني هو ذلك الحد الذي يشرّعه الإسلام. وهو أمر ضروري فضلاً عن أنه جيد.وأما العنف غير القانوني فهو جريمة فضلاً عن أنه سيّئ، وينبغي مواجهته، وهذا هو رأي الإسلام؛ فلا نقاش فيه ولا جدال حتى يأتي البعض بدون معرفة بالأسس الإسلامية وعلم بحقيقة الأمور ويملأوا صفحات بعض الصحف بعناوين بارزة ومثيرة ومبهرة ومضلّلة!وبالتأكيد فإن الأعداء الذين يريدون إشعال الساحات الإسلامية بنار البحث والجدال حول هذا الموضوع لهم أهداف أخرى. إنهم يعتبرون العنف أمراً كلّياً، ولا يفرقون بين العنف القانوني وغير القانوني، وليسوا على وفاق مع العنف القانوني؛ وهم يقولون إذا أثار أحد الإضطرابات في شوارع طهران، وسلب الناس أمنهم وراحتهم وبدد أموالهم، وعرض أبناءهم للخطر، فلا تصطدموا به لأن هذا عنف، بينما هم يمارسون أشد أنواع العنف والوحشية في كافة أنحاء العالم! إن الكيان الصهيوني - الذي تعتبر إذاعته من مروّجي معارضة العنف والتي ترفع باستمرار ذلك شعاراً - يقصف فلسطين وجنوب لبنان كل يوم فيقتل النساء والأطفال والكبار والصغار، وهكذا يفعل أيضاً رفاقهم في كافة بقاع العالم وهم الذين يسيطرون على وسائل الإعلام العالمية (2.)
### 2 - الإعداد الثقافيوالكلام فيه تارة على ثقافة الكتاب، وأخرى على ثقافة الكوادر وثالثة على ثقافة المجتمع.أمّا ثقافة الكتاب، والذي أصبح تأثيره ضعيفاً بعد ضعف القارئ نتيجة عدة عوامل كالإلتهاء بالتلفزيون أو الفيديو ونحوها، أو الخوض في تأمين لقمة العيش أو معالجة الأمراض التي انتشرت بين الناس،...لذا ينبغي التشجيع بأساليب متعددة ومتطورة على المطالعة للكتب الإسلامية والعلمية حتى نعيد للناس تعلقهم بالكتاب.وينبغي على الكّتاب المحترمين ملاحظة قلة القراء، وإدخال تعديلات على التأليف مما يعطي القارئ دفعة إلى الأمام للاهتمام بالكتاب وقراءته من قبيل الاختصار في المواضيع، تمرير بعض القصص المعبرة في أثناء المطالب العلمية، طرح المواضيع التي هي محل ابتلاء الناس، أو التي ترفع عنهم بعض الأمراض والمخاطر، أو التي تقوي عقيدتهم بالإسلام وأهل البيت علیهم السلام.وينبغي أيضاً مطالعة الكتب العلمية التي تربط وتفيد في تقوية ذهن الإنسان والإطّلاع على ما توصّل إليه العلم من تطور في مختلف المجالات خاصة ما يساعدنا على الإستعداد للإعداد كمطالعة ما يضر ويلوث البيئة، الأمر الذي سوف نتكلم عنه لاحقاً. وسبب ذلك أننا نتكلم عن الإعداد الثقافي لدولة القائم علیه السلام ، تلك الدولة التي ستغطى الكرة الأرضية المختلفة في الحضارات واللغات، والفهم الذهني بين عالم في الذرة وبين جاهل مطبق أمي، وما بينهما كثير، وعليه مع أننا لا ندري ما هو موقعنا من تلك الدولة وما هي مسؤولية كلّ فرد - هل هي ثقافية أم سياسية أم عسكرية - إلّا أنّه
في الجملة هناك حد أدنى من الثقافة لابد أن يتمتع به قواد وجند تلك الدولة.خاصة مع ملاحظة وجود معركة ثقافية - إلى جانب العسكرية - قبيل الظهور وبعده، من أجل نشر العدل الذي لا يتم إلّا مع الثقافة وبها، وإلّا فتطبيق العدل في قوم لا ثقافة لهم - جهلة - إستعمار وقهر للشعوب وإصدار أحكام لا يعلمون صحتها من بطلانها، خاصة في المناطق التي هي بعيدة عن حضارة الإسلام وآدابه وتعاليمه، وقد دخل إليها الإمام علیه السلام لإقامة الدولة المباركة فيها.كلّ ذلك يفرض علينا مطالعة بعض الكتب التي تؤهّلنا ولو قليلاً لمثل هكذا أجواء.### ثقافة الكوادر القادةوهذا الإعداد ليس بالهدف الأسمى لما يأتي في ثقافة المجتمع، بل هو إعداد مرحلي كخطوة أولى نحو نشر الثقافة.ونعني به التركيز على مجموعة من الأفراد ليكون لديهم مؤهلات ثقافية وعلمية تجعلهم قادة في دولة الأنبياء علیهم السلام القادمة.ويكون هذا الإعداد ليس عشوائياً، بل توزع الأفراد على عدة اختصاصات مهمة يحتاجها القائد كعلم الإدارة والسياسة والحوار والقضاء والأديان ....وقد ذكرنا سابقاً في شروط الإعداد ما يفيد هنا، خاصة ما يتعلق بالإسراع إلى وضع هكذا برامج ثقافية قبل فوات الوقت المناسب والندم لاحقاً على عدم التخطيط المسبق لذلك، لأنّ إعداد قادة الدولة الأئمة علیهم السلام ليس بالأمر السهل المنال.وعمل هؤلاء الكوادر ليس مختصاً بمرحلة الظهور، بل يستفاد منهم لتثقيف المجتمع كما يأتي.وليس المراد بهذا الإعداد جعله قطاعاً خاصاً فهو منافٍ لسرية العمل، بل ينبغي صهرَهُم في المجتمع ومؤسساته ليفيد ويستفيد، بل قد يستفاد من جملة روايات
الظهور، أن قادة الإمام المهدي علیه السلام - 313 - لا يكونوا في مكان واحد، بل يجمعهم أو تجمعهم الصيحة من أقطار العالم.نعم المشكلة في الجهة التي تتبنى إعداد الكوادر هؤلاء، وبما أننا نتكلم عن كل مجتمع في كلّ بقاع الأرض فينبغي أن يتصدى في كل بلد مجموعة للإهتمام بهذا الأمر والسعي لنشر ثقافة لدى عدة أفراد ليصلوا إلى هذا الهدف والله مع الذين آمنوا وهو سبحانه لهم.### ثقافة المجتمعوهو أهم الثقافات وأجلّها وهو منية إمامنا المفدى أرواح العالمين لتراب مقدمه الفدى، بل هو الشرط الأساس والمركزي في نشر العدل في الكون أجمع، لأنها دولة العلم والثقافة والعدل والحضارة، الدولة التي ينتشر فيها العلم الحقيقي والواسع لإمامنا المنتظر عجّل الله تعالى فرجه، وسوف يأتي الكلام عن علم الإمام المهدي علیه السلام و علم أصحابه رضوان الله عليهم .وانتقال هذا العلم منه عليه السلام لكل الناس بلا فرق بين امرأة أو رجل، بين شيخ أو شاب، وهذا يؤكد على صحة نظرية أنّ الثقافة ليست فقط لطائفة معيّنة، بل يجب تثقيف كل الناس ورفع الجهل عن كلّ أطياف المجتمع.وذلك مثلاً إذا قمنا بتربية أكثر من نصف أولاد القرية وتركنا الربع ففي خلال السنة تقريباً، ومن خلال معاشرة الأولاد فيما بينهم، سوف تنتقل العادات السيّئة والألفاظ غير المناسبة من الأطفال إلى أقرانهم.فمن يريد أن يفكر بطرق تربية أولاده عليه العمل على تربية أولاد جيرانه أوّلاً.ومثال آخر: لو قمنا بإعداد كوادر وقادة، وقام أحدهم بالزواج من امرأة بسيطة غير مثقفة، لا ثقافة إسلامية ولا ثقافة عامة، فإنّه سوف يواجه مشاكل في حياته الزوجية وفي إعداد الأسرة المثالية وتربية الأولاد، وهناك الكثير من القصص التي يتعرض لها
المجتمع تكشف حقيقة ذلك.فإنّ هذه المرأة التي لم تتعلم كيف تتعامل مع زوجها وما هي حقوقه وكيف تربي أولادها وتستقبل زوّارها ونحو ذلك فإنها ستأثر سلباً على شخصية هذا الكادر وعمله.وهذا يكشف لنا أهمية الثقافة الإسلامية والعامة وأهمية ثقافة كل أفراد المجتمع الذين يعيشون في أرض واحدة وتحت سماء واحدة يتزاورون ويتصاهرون فيما بينهم، ولعلّ قوله تعالى إشارة إلى ذلك: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (1).)فالتعارف من المعرفة وهو التواصل والتزاور على أساس التبادل الثقافي والإجتماعي والسياسي والعلمي وذلك هدفه.### كيفية تثقيف المجتمعولعلنا لا نستطيع أن نعطي برنامجاً واحداً لكل أطياف المجتمع، إمّا لتفاوت المستوى العلمي للناس وإما لتفاوت أوقات فراغهم بين من يعمل صباحاً وعصراً وليلاً، وإما لتفاوتهم في حب أساليب الثقافة والتبليغ، فبين محب للأسلوب القرآني وبين محب للأسلوب القصصي وبين محب للإختصار وبين محب للإطالة وهكذا.وهذا يصعب المهمة على المتصدين إلّا إذا كان بالإمكان فرز المجتمع على أساس هذه التفاوتات، فيقام درس في الليل لمن عمله في النهار، والعكس كذلك، وتعطى كلّ مجموعة ما تحب من الأساليب. وهذا أمر صعب ومعقد، لكنه ممكن لا أقل في بعض المجالات.ومن الأساليب المؤثرة والمجربة هي زيارة العوائل من قبل المثقفين والعلماء
1) سورة الحجرات: 13.
فيدخل إلى المنزل ويتعارف مع الأب والابن والبنت، ثم يسأل عن أحوالهم المادية والمعيشية والصحية، ثم يتعرض لبعض الأمور الثقافية مقدماً للأهم على المهم، كالكلام عن العفة والشرف والحجاب، والإلتزام بالواجبات المهمة والثبات عليها والإلتزام ببعض الآداب والمستحبات السلوكية، بأسلوب مشجع ومبسط أو مدعوم بالقصص، وإن استطاع إقامة صلاة جماعة بنفس هذه الأسرة فهو مهم.وهذا الأمر ليس بالأمر الصعب، نعم يحتاج لتنسيق مسبق ومتابعة حثيثة.ومما جرب وترك الأثر الإيجابي على الأولاد عندما يدخل الشخص المعمم إلى المنزل ويجلس قربهم.إضافة إلى الجرأة عند الأسرة على الأسئلة بعد التعارف، الأمر الذي لا يتم في المسجد أو الحسينية، إذا قلنا أنّ هذه العوائل تأتي إلى هناك، فإن نسبة من يأتي إلى المساجد والحسينيات هي 5% تقريباً، فمثلاً من أصل 12,000 نسمة في القرية يأتي منهم إلى المساجد المتعددة في القرية 200 شخص، وإلى الحسينية في أفضل الحالات 500 شخص.وهذا الأمر خطير على صعيد نسبة الذين يتلقون الثقافة، هذا إذا كان من يأتي إلى المسجد والحسينية يستفيذ مائة في المائة وإلا فمن أصل 5% لا يستفيد إلا نصفهم أو أكثر بقليل، وهناك الويلات .وأيضاً إذا قلنا أنّ من يستفيد يطبق، وإلّا فنسبة من يطبق لا تتعدى هذا النصف، وبالتالي فنسبة الإستفادة العملية هي قريب %1,25 فانظروا بين هذه النسبة وبين النسبة التي تحصل من زيارة كل عائلة على حدّة.إضافة الى نوعية الفائدة ووقتها ففي المسجد والحسينة فإن نوعية الفائدة محصورة في الموضوع الواحد الذي يطرحه الخطيب والقارئ، وكذلك في وقت لا يتعدى في الغالب النصف ساعة.بينما زيارة المنازل أو غيره من الأساليب التي يخطط لها، فأولاً لا تقتصر على
موضوع محدد، وكذلك لا تحدد بوقت فقد تستمر لساعتين ومن دون ملل.نعم الأساليب التبليغية الثقافية المجربة والتي تأتي بالدرجة الثانية بعد زيارة المنازل هي السهرات الليلية في المنازل التي تجمع عدداً كبيراً من الناس، ولها تأثيرها ونسبتها قريبة من نسبة زيارة المنازل.والخلاصة ينبغي التأمل من قبل المختصّين والمتصدين لوضع أساليب حديثة من أجل تثقيف المجتمع مع ملاحظة تفاوت المجتمعات في الدول.### أثر عنصر النساء على الثقافةفي البحار عن النعماني عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال: كأنني بدينكم هذا لا يزال مولياً يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلّا رجل منا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه حتى إن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (1.)لا بد من التأكيد على العنصر النسائي المؤثر في التبليغ ونشر الثقافة، وذلك لسهولة التحرك بين العوائل والأسر، ولتوفر الوقت لديه - غالباً - أكثر من غيرها.والمرأة كالرجل في وجوب تثقيفها وفي وجوب الإستفادة منها للتثقيف، ولا ضير من إعداد كوادر من النساء مع مراعاة الأحكام الشرعية المتعلقة بعملها من قبل رعاية العفة والحجاب وإذن الزوج أو الأب أو عدم إهمال المنزل وتربية الأولاد.وبعض الأمور الثقافية قد تكون مختصة بالنساء من قبيل ثقافة تربية الأولاد ورعاية شؤون البيت وثقافة آداب التعامل مع الزوج، فإن هذه الأمور المعنى بها أولاً وبالأساس هي المرأة، فلا بد من إعداد حثيث لهذا الأمر ليدخل في برامج التثقيفالعامة التي يحتاجها المجتمع.
1) غيبة النعماني: 125، وبحار الأنوار: 52 / 352 باب 27 ذیل 106.
وهذه الأمور المختصة بالمرأة هي عماد المجتمع وتقدّمه خاصة ما يتعلق بتربية الأولاد وتنشئتهم ليكونوا أمل المستقبل وقادة الأمّة.فلا بد من التركيز على هذا الأمر ووضع الخطط والبرامج له.ومن خلال بعض التجارب الإجتماعية نجد أن الكثير من المشاكل الزوجية ناتج عن عدم ثقافة المرأة ثقافة إسلامية فيما يرتبط بالحياة الزوجية، ويؤدي قسم كبير منها الى حالات ،طلاق، وقد فصلناه في كتابنا فاطمة بنت محمد قدوة للنساء.### الحذر من الثقافة الغربيةمن المسائل التي هي ركيزة دولة الإمام المهدي علیه السلام العودة الى الثقافة الإسلامية وترك ثقافة الإستكبار وأعداء الإنسانية التي تنتشر في كافة البلاد الإسلامية وغيرها.قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (1). بعث سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل علیهم السلام من أجل إحياء النفوس والأمم، فما أتى به الأنبياء علیهم السلام كان مرتبطاً بعامّة الناس، فجاء ما ينظم علاقة الإنسان بمجتمعه ويبيّن له حسن الإرتباط مع أخيه وزوجته، ويفرض أهمية برّ والديه.
فكانت الأحكام الشرعيّة والآداب الإسلاميّة والفضائل الحسنة من أجل إحياء ضمير الإنسان وحياة أفضل في الدارين، دار الدنيا وهي دار العمل، ودار الآخرة وهي دار الجزاء والثواب.
ولم يترك الإسلام أيّ حكم أو أدب يتعلّق بالإنسان وحياته وشؤونه إلّا وأتى بهاء، بأفضل أسلوب وأدقّ طرح وأعظم فائدة لهذا الإنسان سواء على نفسه أم عياله أم مجتمعه. أتى القرآن الكريم والنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وترك لنا أهل البيت علیهم السلام ثقافة غنيّة وعادات تحيي نفوسنا وتجعل لنا نوراً نمشي به بين الناس ما على الإنسان إلّا أتباعها
1) سورة الأنفال: 24.
والمداومة عليها.
لكن أعداء الإنسانية وطواغيت كلّ عصر زرعوا ثقافات معادية وعادات سيّئة وأتوا بها إلى البلاد الإسلامية لتكون بديلة عن ثقافة وعادات القرآن والنبيّ وأهل بيته علیهم السلام .
وتماشي كثير من الناس مع ذلك بل أصبحوا أداة لتنفيذ هذه المعصية العظيمة:
فبتنا عندما نرى شيئاً جميلاً أو خارقاً نقول: (أتونا بالخشب لندّق علي) وتخلّينا عن ثقافة الإسلام القائلة أن نصلّي على محمد وآل محمد، أو أن نقول: ما شاء الله سبحانه الله، الله أكبر.
فرض الإسلام ثقافة بين الناس وهي التعاطف والتراحم والتعامل بالحسنى والتزاور وإلقاء السلام فيما بيننا، لكن بدأ الناس بالتخلّي عن ذلك والتمسّك بالعادات الغربيّة المنحرفة القاضية بافتعال المشاكل والفتن بين الناس وظلمهم واستعمال الكلام البذي والقطيعة بين الناس والأرحام وترك السلام أو عدم المبالاة به، أو السلام بغیر تحيّة (الإسلام السلام عليكم واستبدلوها بمرحباً ....).
أصبحنا نرى ونسمع عن خلاف بين الأب وابنه والأخ وأخته والعم وابن أخيه، بل قد يستمر هذا الخلاف لسنواتٍ ويموت بعضهم وهو لا يكلّم الآخر ولا يراه.
كلّ ذلك أثّر على نفوسنا ومجتمعنا وأخلاقنا، فتراجعنا من كلّ النواحي وأثِمنا بكلّ الأفعال وحُرمنا من كثير النعم التي وعد الله تعالى المطيعين بها والمتأدّبين بالآداب الحسنة والأخلاق الفاضلة.
نحن أيُّها الإنسانيون مدعوّون لإحياء إنسانية الإنسان بإحيائنا للآداب المحمديّة والفضائل الإسلاميّة والتي بها نحيي أنفسنا وأهلينا.
نجن مدعوّون للتخلّي عن عادات الغرب الكافر وثقافته ولباسه وشكله، لأنّ التمثّل بهم وبلباسهم وأشكالهم من الأمور التي يمقتها الله تعالى.
بل التعامل معهم وشراء بضائعهم الداعمة للإستعمار والاستكبار مشكل شرعاً لما
فيه من تضعيف للإسلام والمسلمين وثقافتهم ومنتوجاتهم.
أيّها المسلمون، الإسلام يعلى ولا يُعلى عليه والمسلم عزيز مكرّم عند الله تعالى، فلماذا ننبهر بالكفّار المستكبرين وعاداتهم وثقافتهم بل ومنتوجاتهم وقد أذّلهم الله تعالى لما في قلوبهم من الحقد والبغض للإنسانيّة، وما في أيديهم من ضرر لشعوب العالم.
قال إمامنا الصادق علیه السلام: (أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: قُل للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي) (1).
1) مفاتيح الجنان: 836 .
وهذا الأمر ليس من اختصاصی، فذكرناه من باب تتميم أقسام الإعداد لدولة المهدي عجّل الله فرجه الشريف.
وذكرنا سابقاً في الشرط الرابع من شروط الإعداد: السرية في كل شيء، وأهميتها في العمل، وذكرنا هناك حديث أمير المؤمنين علیه السلام: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان لها) (1). وقوله علیه السلام: (صدر العاقل صندوق سره) (2).
وقوله صلوات الله عليه: (من كتم سره كانت الخيرة بيده) (3).
وقوله علیه السلام: (إستعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود) (4).
وما ينبغي التنبيه عليه هو أهمية هذا القطاع وعدم إهماله لأنّ كل الأمور نجاحها مرتبط به كما يفهم من حديث الأمير علیه السلام: المتقدم في سريّة قضاء الحوائج، فالسرية في قضاء الحوائج من الأمور المهمة خاصة في الحوائج والأهداف المصيرية أو التي تضر بمصالح البعض الداخلي أو الخارجي.
وبالأخص فيما يتعلق بالإعداد لدولة الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف دولة إقامة العدل وإماتة الظلم، الأمر الذي قد يكون هناك من يخطط لإفشال كل تمهيد أو إعداد يضر بمصالحهم الشخصية التي تبنى على الظلم والجور.
والإعداد الأمني ليس مختصاً فقط بسرية العمل بل مجاله واسع خارج عن مقصود الكتاب ومجانب لمعلومات صاحبه، ندعه لأهله.
وهذا القسم له ربط بالإعداد الثقافي المتقدّم بل هو جزء منه، أفردناه هنا لأهميته.
ونقصد به ما جاء من أجله رسول البشرية صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(1).
وما يفهم من الحديث أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم بمبعثه قد أكمل مكارم الأخلاق وأتمم الآداب، الأمر الذي لا يترك لأحد المجال أن يتقاعص عن الإقتداء بالنبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم في معرفة هذه المكارم نظرياً، ثم تطبيقها عملياً كما كان يفعل صلوات الله عليه وآله.
قال السيد الخامنئي: إن الهوية الأخلاقية هي الهوية الحقيقية للمجتمع، أي أن مركز الثقل في المجتمع هو القطب الأخلاقي، وجميع الأمور الأخرى إنما تدور حول محورها.
فعلينا أن نولي الأخلاق أهمية كبيرة، وعلى الإذاعات والتلفزة وكافة وسائل الإعلام التخطيط في مجال نشر الفضائل الأخلاقية وتفهيمها وبيانها، كالأخلاق السلوكية لأفراد المجتمع، والإنضباط الاجتماعي، والنظم والتخطيط، والأدب الاجتماعي والاهتمام بالأسرة، ورعاية حقوق الآخرين، وحفظ كرامة الإنسان، والإحساس بالمسؤولية والاعتماد على النفس، والتحلّي بالشجاعة الذاتية والوطنية، والقناعة التي هي من أهم الفضائل الأخلاقية في المجتمع.
1) بحار الأنوار: 16 / 210.
ولو أننا قد تعرضنا حالياً في بعض المجالات إلى المصائب، فمرد ذلك إلى غفلتنا عن السجية الحسنة.
وكذلك الأمانة والصلاح ومساندة الحق وابتغاء الجمال بمعنى اختيار الحياة الجميلة من الناحيتين الظاهرية والباطنية، وتجنب الاستهلاك، واختيار العفة، واحترام الأبوين والأستاذ.
هذه هي فضائلنا الأخلاقية، التي ركّز عليها الإسلام وحثّ عليها أهل البيت علیهم السلام، وعلى العلماء الأعلام وأصحاب الأقلام النّبرة دعم هذه الفضائل في كافة البرامج التلفزيونية أو غيرها التي تعدونها وفي كل مسلسل وحوار وكلمة واجتماع ومكالمة هاتفية أو تقرير أو مقالة حتى لا يتم نقضها أو تضييعها (1).
والأخلاق الإلهية والمكارم الأخلاقية وضّحتها وفصّلتها الشريعة الإسلامية المقدسة، سواء ما يتعلق منها بالإنسان ذاته كالصبر، والشكر، والإخلاص، والقناعة، أو ما يتعلق منها بصلاته مع الآخرين كالتسامح والتواضع والإيثار، وتكريم الناس، أو ما يتعلق منها بعموم المجتمع الإسلامي.
للأخلاق الإسلامية مجال واسع. وهي تلك الأمور نفسها التي تركّزت معظم جهود الأنبياء علیهم السلام والأولياء والشخصيات الكبرى في الأديان الإلهية، وكذا في الإسلام تركزت جهود الرسول الأعظم والأئمة الأطهار علیهم السلام طلب على بنائها. ولاشكّ أنّ هذه الأمور لا تنال في ظل الحكومات الجائرة إلّا بشق الأنفس، كما ذكرنا من قبل...
يجب أن نبدأ نحن والخطباء والمثقفون والكتاب ومن بيدهم وسائل الإعلام، وغيرهم لتعليم وإشاعة الأخلاق بين الناس؛ ليكون الله أيضاً عوناً لكم، وليرضى قلب صاحب الزمان عنكم وعنّا، وتكون الهداية الإلهية معنا بإذن الله، ولتحظى روح إمامنا الكبير الخميني (رحمة الله عليه) من هذه الحركة الأخلاقية بالفيض والرحمة (2).
والإعداد الأخلاقي لظهور الإمام ودولته يبدأ أولاً بالاعداد النظري، وذلك بوضع برنامج تثقيفي من أجل بيان أصول الأخلاق والآداب، كما ذكرنا في الإعداد الثقافي سابقاً.
ثم بعد وضع هذا البرنامج أو الدراسة، يبدأ العمل على تنفيذه بواسطة أخصائيين الذين يقومون بدورهم بتعليم هذه الأصول للناس أو الكوادر أو المجتمع بأكمله على ما ذكرنا سابقاً.
هذا فيما يرتبط بالجانب النظري والذي يعود إلى الإعداد الثقافي.
إن بيان أصول الفضائل والأخلاق لا يعني الوصول إلى مجتمع يعمل بالصفات الفاضلة، بل نحتاج إلى خطوة أخرى هي تنفيذ هذه الأصول وتطبيقها عملياً.
وهذا الأمر أيضاً يحتاج إلى دراسة وتخطيط ، فإنّ التجربة أنّ هناك صعوبة في تطبيق مَنْ درس أصول الفضائل هذه الفضائل، فهو إمّا ينساها وإمّا يتناساها، وإمّا يخطئ فيتطبيقها.
لذا لابدّ من برنامج من نوع خاص يتكفل بذلك:
وهذ البرنامج فيما أعلم لا يخضع لنظريات علمية بل لتجارب إجتماعية، خاصة أنّ هذا الأمر يختلف من مجتمع لآخر، ومن عائلة لأخرى ومن فرد لآخر.
ونعني بالبرنامج هو أسلوب عملي يشجع الفرد أو المجتمع على الإلتزام بالآداب
والمستحبات الشرعية أو ترك رذائلها، نعم زمانه بعد الإعداد الثقافي، أي لابدّ من كونه مسبوقاً بتعليم الفرد والمجتمع الآداب ومعناها وآثارها، وكذلك الرذائل وآثارها.
ولابدّ وأن نعترف بصعوبة هذا الأمر وكلفته، وأيضاً بعدم نجاحه في كلّ مصاديق الأخلاق والرذائل.
فمثلاً عندما نعلم باستحباب زيارة المراقد المشرفة للمعصومين، نقوم ببرمجة ذلك ضمن رحلة جماعية مستفيدين من وقتها لتطبيق جملة من الآداب كاستحباب التسمية عند كلّ فعل، الطعام الشراب، فتح الباب اللبس، الغسل... ويتم ذلك جماعة كي يلتزم به الجميع، وكذلك إذا مرّ يوم خميس، يذكّر الجميع بقص الأظافر، وليلاً باستحباب زيارة عاشوراء، وتقام جماعة.
وهكذا صبيحة يوم الجمعة يقام دعاء الندبة.
ويشجع الجميع على إقامة الصلاة جماعة، وعلى التذكير بتسبيح الزهراء و استحباب سجدتي الشكر، وتعقيبات الصلاة اليومية.
وعندما نتعلم استحباب زيارة الجيران يشجع الناس على ذلك عملياً بمصاحبتهم إلى زيارة جيرانهم.
ويمكن هنا الإستفادة مما تقدم من أساليب التبليغ: زيارة العوائل في بيتها - كأنّ تزار مثلاً ليلة الجمعة، وتقام الصلاة جماعة مع الأب والأم والأولاد، وتقرأ زيارة عاشوراء ومستحبات الصلاة المذكورة سابقاً.
وعندما يسمع الناس استحباب خدمة الاخوان وعظيم ثوابه، علينا إنشاء جمعيات خيرية هدفها خدمة الناس على الطريقة الإسلامية، بالمساعدة مع التثقيف على هذه الآداب، مثلاً إذا أرادت الجمعية أو المجموعة أن تقدم مساعدة لفقير أو عائلة، فتأتي بنفسها إلى المنزل وتعلّمهم بأسلوب هادئ وعملي معنى المساعدة وثوابها، والحفاظ على النعمة وشكر الله تعالى على هذه النعم بدل شكر المخلوق، ثم تبين بعض المستحبات وتقام الصلاة جماعة في تلك الفرصة مع المستحبات.
وينبغي هنا - كما أشرنا سابقاً - الإستفادة من عنصر النساء، الذي له دور كبير في هذا المجال، خاصة في بيان الآداب والمستحبات والأدعية، بل حتى في إقامة الجماعة الذي لا إشكال فيه شرعاً إذا كان الجميع نساء.
ثم يمكن تطبيق فضائل الأخلاق بواسطة المسابقات المشجعة - سواء في المدارس أو خارجها ، فبالإضافة للفائدة العلمية من المسابقة، يستطيع المعنيون الإستفادة منها لتطبيق بعض الفضائل فمثلاً: يوضع في المسابقة من ضمن الأسئلة أنّ من يبقى على الوضوء ثلاثة أيام متوالية أو يواظب على تسبيح الزهراء بعد الصلاة يحصل على حق الاشتراك في القرعة، أو أن من يمتلك سيارة وينقل المارة المتواجدين على الطرقات (1)من مكان إلى مكان، ويأتي بأسمائهم وعناوينهم، له حق في كذا وكذا.. ونحو ذلك من البرامج العملية التي يمكن للإنسان تطبيقها ولا تخفى على المتأمل.
1) ينقل بعض العرفاء أنّ لكل شي زكاة وشكر وزكاة السيارة نقل المارة عن الطرقات، وقد فصّلنا ذلك في كتابنا (معاجز الصدقة وآثارها).
للأخلاق أهمية قصوى في الحياة الاجتماعية ولسنا هنا بصدد بيان ذلك، فالكتاب كله ليس مختصاً بذلك، إنما نريد الإطلالة على أهمية الأخلاق وأثرها في دولة الإمام عجّل الله تعالى فرجه.
وبما أنّ الأخلاق هي مجموعة التزامات فعلية وقولية وسلوكية من قبل الناس، فإنّ ذلك سينعكس لا محال على أيّ عمل في المجتمع - سلباً أو إيجاباً - وبالأخص الأعمال الإلهية وعليه فللأخلاق أثر مهم على الإعداد لدولة العدل والطهر، وإنّ أهم شرط للكون من اتباع هذه الدولة الكريمة هو التخلّق بأخلاق الأنبياء والأئمة علیهم السلام، والإلتزام بالمفاهيم السلوكية التي تجعل الوصول إلى الهدف أسرع وأتقن.
والمراد به أن يهي الإنسان لنفسه صحة سليمة لكي يقدر على عبادة الله سبحانه والقيام ببقية أعماله المطلوبة منه.
ومن الأمور العبادية ما نحن بصدد الكلام عنه هو الإعداد لدولة القائم المهدي علیه السلام.
وعليه فالحفاظ على صحة الإنسان وتجنب المرض(1)مقدمة مهمة لواجب مهم.
نعم للصحة أهمية حتى على غير هذه الدولة لتربية الأولاد وبناء الاسرة والعمل و... إلّا أننا في صدد الكلام عن هذه الدولة.
وبناءً على ذلك على الإنسان الرسالي الذي ينتظر هذه الدولة ويؤمن بأهدافها أن يحافظ على جسده المادي بالامتناع عن ما يسبب المرض، كالتدخين وأكل وشرب ما يضر، أو استعمال وفعل ما يؤدي إلى أذية البدن، كالسرعة في السيارة أو الدراجة. والخلاصة كلّ ما يؤدي إلى ضرر، أو زيادة ضرر وأذية الإنسان - الأمر الذي يعتبر محرّماً شرعاً - فهو مانع عن الوصول إلى هذه الدولة المباركة.
وعلى المتصدين إعطاء نوع من الأهمية لهذا الموضوع المهم والمؤثر على الكثير من القضايا، فإنّ المرض المعتد به مانع عن القيام بالكثير من الأمور الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية وغيرها بل أحياناً لدغة حيوان بسيط كالعقرب،
يمنع الإنسان من أدائه لأهم واجباته الاجتماعية والسياسية وغيرهما، وهذا يبين لنا
1) المراد بالمرض هنا ما يحصل بتقصير البشر، لا ما يحصل نتيجة البلاء الإلهى .
أهمية الصحة كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (الصحة والأمان نعمتان مجهولتان) (1).
والخلاصة الحفاظ على صحة الإنسان ومنع المرض المحتمل، مانع عن الإعداد لدولة الإمام علیه السلام.
هذا بالنسبة للحفاظ على صحة الفرد.
أمّا الحفاظ على البيئة في المجتمع فأيضاً لها أهمية وليس الكتاب محل بحثها إنما نبحث هنا ما يؤثر منها على الإعداد والتمهيد لدولة الحق.
وتلوث البيئة تلوثاً كبيراً يعد مائعاً عن الكثير من الأعمال المهمة في المجتمع كما تقدم في الصحة، لأنّ تلوث البيئة يؤثر على صحة الفرد ويؤدي إلى مرضه، والمرض كما تقدم مانع عن العمل.
قد يقال أن تلوث البيئة لا يؤثر أثراً مباشرةً على صحة الفرد ولو بالمنظور القريب.
ونقول في معرض الجواب - وبما يختص بكتابنا أننا في معرض التمهيد لدولة نموذجيّة لا مكان للظلم والجور فيها، والتلوث البيئي المؤثر على صحة الناس منه ما يكون ناتجاً عن الظلم والجور كالمواد الكيميائية وآثار الحروب والدمار واستغلال الطبيعة بمواد ضارة أو محرّمة دوليّاً من أجل تكثير الإنتاج - الإقتصادي والزراعي..... ونحو ذلك.
والتمهيد لهذه الدولة أحد أركانه السعي لزوال الموانع، والجور أحد الموانع المهمة لهذه الدولة المباركة التي هدفها إزالة الظلم والجور.
فأحد أهداف الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هو إزالة الجور الناتج عن التلوّث البيئي، والتمهيد والإعداد مجاله أهداف الإمام تحقيقاً أو تقريباً.
ومن هنا ينبغي لكل من يؤمن بهذه الدولة التي تحقق حلم الأنبياء علیهم السلام أن يسعى للتخفيف من التلوث البيئي الذي يضر بهذه الدولة ويأخذ من وقت إمامنا المفدى
1) مسند الرضا (ع): 120 .
وقتاً كبيراً لإزالته، فإنّ أي تلوث بيئي نقدر على إزالته ونتهاون فيه فإننا بذلك نضيّع وقتاً مهماً للإمام علیه السلام عند ظهوره لإزالة هذا التلوث الذي يزداد يوماً بعد يوم ويتضاعف، فإذا كان إزالة تلوث ما يحتاج ليوم وتهاون الناس في إزالته فإنّه يحتاج عند ظهور الإمام علیه السلام لإزالته أكثر من مائة يوم، لأنّ التلوّث يتفاعل مع نفسه ومع محيطه ليزداد ويشكل خطراً أعظماً.
والتخفيف من التلوث ليس منحصراً بالجمعيّات والمؤسسات أو الدول بل يشمل كل فرد في محيطه، سواء ما يتعلّق بالنفايات أو قطع الأشجار أو استعمال أي مادة قد تضر الأرض والطبيعة، أو الإكثار من التدخين في الأماكن المحصورة.
وكما هناك تقصير من الدول والمؤسسات في توعية الناس لخطر التلوث القادم والعمل على تخفيفه.
ونكتفي بهذا القدر وإحالة القراء على الكتب المختصة بهذا المجال .
مجموعة مقالات ومحاضرات الاستاذ المحقق الفقيه المدقق سماحة آية الله الحاج الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني
السلام علیک ایها القائم المنتظر
باهتمام
محمد حسن دانش
سرشناسه: فاضل لنکرانی، محمد جواد 1341 -
عنوان و نام پدیدآور: بحوث في المهدوية / محمدجواد فاضل لنكراني.
مشخصات نشر :قم مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السلام، 1395.
مشخصات ظاهری: 395 ص.
شابک: 2 - 054 - 388 - 600 - 978
وضعیت فهرست نویسی: فیپا .
موضوع: محمد بن حسن (عج) - امام دوازدهم، 255ق -
موضوع: مهدویت
رده بندی کنگره: 1395 3 ب 2 / 4 / BP224
رده بندی دیویی: 297/462
شماره کتابشناسی ملی: 4600403
انتشار است مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السلام
بحوث في المهدوية
ناشر: مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السلام
حضرت آیت الله محمد جواد فاضل لنکرانی باهتمام: محمد حسن دانش
نوبت چاپ: اول / 1395 شمارگان: 300 نسخه
قیمت: 20000 تومان چاپ چاپخانه یاران
شابک: 2 - 054 - 388 – 600 - 978
مراکز پخش
قم میدان معلم مرکز فقهی ائمه اطهار تلفن: 37832303 و 37749494
قم، شعبه 1 خیابان ارم جنب مدرسه کرمانی ها، تلفن: 37744271 و 37744281
شعبه تهران: سه راه ضرابخانه، پاسداران، خیابان شهید کاشی ها، پلاک 6، تلفن: 22843965
شعبه مشهد: چهارراه شهدا، خیابان آیت الله بهجت، نبش بهجت 9/1، مقابل اداره بهزیستی، تلفن: 32220160
بسم الله الرحمن الرحيم
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ)(1)
موضوع البحث
إنّ المحقّقين والباحثين فى آيات القرآن الكريم يعلمون جيداً بوجود آيات كثيرة في القرآن تقرّر بصراحة بالغة مسألة المنقذ والمصلح لعالم البشريّة الإمام بقيّة الله الأعظم علیه السلام، بحيث إنّ هذه الآيات الشريفة تطرح هذا المفهوم بوصفه أمراً مسلّماً وحادثة حتميّة ستقع بشكل حتمي في المستقبل.
وطبعاً ورد في الروايات الشريفة عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة المعصومين صلی الله علیه وآله وسلم ما
يؤكد هذا المعنى، وقد ذهب المفسّرون من الشيعة والسنّة إلى صحّة هذا المفهوم المستنبط من القرآن والسنّة، ومن هذه الجهة نسعى في هذا المقال لتقديم «بحث ولائي حول هذه الآيات القرآنيّة في موضوع المهدويّة» (2).
1) سورة الحج، الآية 41.
2) في المؤتمر العالمي ل- (الإمام المهدي ومستقبل العالم الذي أقيم في جامعة الكوفة في العراق في 31 / اردبیهشت إلى / خرداد 1392 هـ ش وبحضور شخصيات دينيّة بارزة 2 ومشاركة أكثر من ستمائة عالم ديني من بلدان، ایران، العراق، مصر، الكويت، لبنان، وسورية، وتمّ تقديم مقالات تخصصيّة عدّة في مسألة المهدويّة لمدّة ثلاثة أيّام وإحدى هذه المقالات المقالة التي قدمت من قبل آية الله الاستاد الشيخ الحاج محمّد جواد الفاضل اللنكراني دامت بركاته وموضوع المقالة: (بحث في دلالة الآية 41 من سورة الحج على موضوع المهدويّة).
البحث الدلالي في الآية 41 من سورة الحج التي تدلّ على مسألة المهدويّة ومن جملة الآيات التي تدلّ على مسألة المهدويّة وعصر الظهور، الآية 41 من سورة الحج حيث يقول تبارك وتعالى في هذه الآية:
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأمورة) (1).
وبعبارة أخرى، إن الله تبارك وتعالى في هذه الآية الشريفة يقرّر هذه الحقيقة، وهي أنّ الأشخاص الذين نمنحهم القدرة والسلطة على الأرض سوف يتحرّكون على صعيد الإتيان بأربعة أعمال أساسية، وهي عبارة عن، «إقامة الصلاة»، «إتيان الزكاة» و«الأمر بالمعروف» و«النهي عن المنكر»
ولكن كما هو واضح أن هذه الآية الشريفة تحتوي على جملة شرطيّة هي عبارة عن: (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ)، والتوصيات الأربع اللاحقة المذكورة في هذه الآية مرتبة على هذا الشرط، ومن هذه الجهة لابدّ في بداية الأمر الالتفات في هذا المجال إلى ثلاث نقاط كمقدّمة.
بيان ثلاث نقاط مهمّة
كما أسلفنا آنفاً، وقبل الورود في تفاصيل البحث، ينبغي في بداية الأمر تقديم
1) سورة الحج، الآية 41.
ثلاث نقاط مهمّة كمقدمة فيما يتصّل بمدلول هذه الآية الشريفة، ثمّ استعراض المعنى اللغوي والاصطلاحي في الكلمات الواردة في هذه الآية:
النقطة الأولى: ادّعاء اختصاص الآية بالخلفاء الأربعة من قبل المفسّرين من أهل السنّة .
أوّل نقطة ينبغي بحثها فيما يتعلّق بتفسير هذه الآية الشريفة، هي أنّ مفسّري أهل السنّة يعتقدون بأنّ هذه الآية الشريفة تنطبق فقط على عصر الخلفاء الراشدين بعد النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، وفي هذا المسار ذهبوا إلى حدّ ليس فقط أنهم نسبوا بعض التفاسير والرؤى الموهومة للمفسّرين المتقدّمين من الشيعة بل أصروا على رأيهم هذا أيضاً.
وبعبارة أوضح، إنّ غالبيّة أهل السنّة ذهبوا في تفاسيرهم إلى أنّ هذه الآية الكريمة مختصّة بالخلفاء الراشدين، وادعوا أنّ المصداق الأساس للمتمكنين في الأرض من أصحاب القدرة والسلطة من هؤلاء المؤمنين والصالحين هم الخلفاء الأربعة الذين استلموا زمام السلطة والخلافة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وهؤلاء الخلفاء الأربعة هم الذين عملوا بهذه التوصيات الأربع الواردة في هذه الآية الكريمة، ثمّ إنّ المفسّرين الذين ادعوا هذه الدعوى بدون دليل أصرّوا على أن المفسّرين المتقدمين من الشيعة ذهبوا إلى أنّ هذه الآية مختصة بزمان خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام القصيرة، ثمّ إنّهم حكموا من جانب واحد بعدم قبولهم لهذا التفسير وأصرّوا على شمول المفهوم القرآني لكافّة الخلفاء الراشدين الأربعة، ومن المعلوم أنّ الإماميّة لا حاجة لهم لردّ هذا الادعاء من قبل علماء أهل السنّة، لأنّه لا يوجد أي أثر لمثل هذا القول وهذه النظريّة في تفاسير الشيعة.
وطبقاً لهذه الرؤية فإنّ المفسّرين من أهل السنّة كفخر الدين الرازي (544 - 606 هـ ق) في «التفسير الكبير / لسان الغيب»، وإسماعيل بن عمر بن كثير
المعروف بابن كثير (692 إلى 698 - 774 هـ ق) في «تفسير القرآن العظيم / المعروف بتفسير ابن كثير»، وشهاب الدين محمود الآلوسي (1217 - 1270 هـ ق) في تفسيره «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم» أرادوا جعل هذه الآية الشريفة من جملة الأدلة على حقانّية وإمامة الخلفاء الأربعة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وفي هذا المجال يقول الفخر الرازي:
«ودَلّت الآية على إمامة الأربعة»(1).
ولكن من خلال البحث في مطاوي هذه الآية الشريفة، يتبيّن بطلان هذا الادّعاء. النقطة الثانية: مناقشة بحث فقهي في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكّام أو عامّة الناس.
النقطة الثانية فيما يتّصل بمدلول هذه الآية الشريفة، أنّه يمكن من خلال هذه الآية استفادة مسألة فقهيّة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكّام والولاة.
وبعبارة أخرى، هنا يوجد بحث فقهى ينطلق من هذه الآية الشريفة، وذلك أنّ بعض الفقهاء ذهبوا إلى أنّ هذه الآية إذا أمكن استنباط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها فإنّ هذه الوظيفة لا تقصد عامّة الناس، أي أنّ متعلّق التكليف ليس أفراد المجتمع، بل يختّص الوجوب بالحكّام والولاة الذين يستطيعون من خلال سلطتهم وقدرتهم امتثال هذا الأمر الإلهي، في حين أنّه يمكن أن يصل أحد الفقهاء إلى هذه النتيجة وهي أنه إذا أمكن استنباط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الآية الشريفة فإنّ هذا الوجوب يتعلق بالحكّام فقط لا بعامّة الناس، وهذه النقطة المهمّة سنبحثها في البحوث الآتية.
1) مفاتيح الغيب الفخر الرازي، ج 23، ص 231 .
النقطة الثالثة، مناقشة بحثين في دلالة الآية الشريفة في نظر مفسري الإماميّة.
النقطة الثالثة فيما يتّصل بمدلول هذه الآية الشريفة، والتي يجدر مناقشتها هنا هي: هل أنّ هذه الآية الشريفة تدلّ على الفرضية المطروحة آنفاً وما ذكره أكابر المحدّثين والمفسّرين من الإماميّة، أم لا؟
وعلى هذا؟ الأساس فلابدّ فى دلالة هذه الآية الشريفة على الفرضيّة المطروحة من بيان ومناقشة قضيتين مهمّتين وهما:
القضيّة الأولى: إنّ هذه الآية بذاتها، وبغض النظر عن الروايات هل تدلّ على مسألة المهدوية والإمام صاحب الزمان علیه السلام، أم لا؟
القضيّة الثانية: هل يمكن تطبيق هذه الآية الكريمة بواسطة الروايات على الإمام صاحب العصر والزمان علیه السلام وبدون ذلك لا يمكن تطبيق هذه الآية على المطلوب؟
بيان ثلاثة مسائل في مفردات الآية
كما تقدّم من طرح ثلاث نقاط كمقدّمة لمناقشة مدلول هذه الآية الشريفة، والآن ينبغي البحث في مفردات هذه الآية المباركة فيما يتّصل بثلاث مسائل، ومسألتان منها تتّصل بالمفردات الواردة في هذه الآية، والمسألة الثالثة ترتبط بأحد المقاطع المذكورة في هذه الآية الشريفة، وهذه المسائل عبارة عنه.
المسألة الأولى: مناقشة ثلاثة احتمالات أدبّية في كلمة «الذين»
وأوّل مسألة فى بيان مفردات هذه الآية الشريفة ترتبط ببيان المكانة الأدبيّة لكلمة «الذين» الواردة في الآية الشريفة وبيان القول المختار في هذه المسألة، وفي هذا المجال ثمّة ثلاث احتمالات يمكن طرحها هنا، الاحتمال الأوّل والثاني منها ذكر في أكثر التفاسير، وهذه الاحتمالات الثلاثة هي:
الاحتمال الأول: «الذين» منصوب محلا وهو بدل من «من ينصره»
الاحتمال الأوّل في كلمة الَّذِينَ في هذه الآية الشريفة، أنها في موضع
«النصب» يعني عنها «بدل» من عبارة (يَنصُرُهُ) الواردة في الآية السابقة: (وَليَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ) (1)، ثمّ جاءت هذه الآية بعد ذلك لتقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض ...) والنتيجة أنّ الموصول وما جاء بعده يكون في موضع النصب وهو بدل من: (مَنْ يَنصُرُهُ).
الاحتمال الثاني: «الذين» وصف للآية السابقة وبدل «من الذين أخرجوا من....»
والاحتمال الثاني تكون كلمة (الَّذِينَ) في هذه الآية الشريفة وصف لـ (الَّذِينَ) الواردة في الآية السابقة، يعني (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَيَّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (2).
الاحتمال الثالث: «الذين» صفة لـ «المقاتلين والمجاهدين في سبيل الله»
الاحتمال الثالث أن تكون (الَّذِينَ) الواردة في هذه الآية الشريفة، صفة لـ «المقاتلين والمجاهدين في سبيل الله»، وعلى هذا الأساس فالاحتمال الثالث رغم أنّه يقترب شيئاً قليلاً عن الاحتمال الأوّل، ولكنّه يختلف عنه لأنّ الكلام الإلهي في الآية السابقة ناظر إلى الأشخاص الذين يقومون في سبيل الله ويقاتلون في سبيله، و من هذه الجهة يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، والمشكلة الكامنة فى هذه الصورة هو أنّ جملة (مَنْ يَنصُرُهُ) عنوان عام يعود إلى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ....) ولكن الآية تحدّثت عن نصر خاص بمعنى أنّ كلمة (الَّذِينَ) صفة للمجاهدين في سبيل الله، وهم الذين يدافعون عن الدين في سبيل الله وكذلك
يقاتلون في سبيل الله، وهذا المعنى هو المقصود من الآية التاسعة والثلاثين من سورة الحج التي تقول في مطلعها: (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ أَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (1)، ثمّ تتابع الآية الكلام وتقول: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) ...
النتيجة أنّ كلمة (الَّذِينَ) يقصد بها المدافعون والمقاتلون في سبيل الله، الذين تمكنوا فى الأرض وانتصروا على أعدائهم واستلموا مقاليد الأمر ولا يكونون مثل الأشخاص من أهل الدنيا الذين ما إن يستلموا السلطة والقدرة فإنّهم يستخدمون سلطتهم وقدرتهم لتحصيل الأمور المادية والدنيويّة واشباع نوازعهم النفسيّة وأهوائهم، بل هؤلاء من زمرة الأشخاص الذين وردت التعبير عنهم في القرآن الكريم إذا رزقهم الله تعالى السلطة والقدرة في الأرض واستلموا زمام الحكم والسلطة فسوف يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن فإنّ جمیع الأمور تعود إلى الله تعالى كما تقول الآية: (الَّذِينَ إِنْ
المنكر، وأخيراً فإنّ جميع مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمورة).
القول المختار في مورد الاحتمالات الثلاثة في «الذين»
وحسب التحقيق في هذه الآية الشريفة نرى أنّ الاحتمال الثالث أقرب إلى الواقع يعنى أنّ المعنى الأقرب من الاحتمالات الثلاث في كلمة «الذين» وهو الاحتمال الثالث الذي أشرنا إليه آنفاً.
البحث الثاني: مناقشة نقطتين في جملة «مكّنّاهُم»
البحث الثاني في بيان مفردات هذه الآية الشريفة والتي ينبغي مناقشتها، جملة
1) سورة الحج، الآية 39.
(مَكَّنَّاهُمْ)، ففي هذا المورد ثمّة عدّة نقاط مهمّة موجودة في هذه الجملة وربّما يستفيد بعض الفقهاء من هذه النقاط الموجودة في هذه الجملة وما تتضمن من كلمات بعض الشروط المترتبة على مسألة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والآن السؤال هو: لماذا استخدم الباري تعالى في هذه الآية الشريفة عبارة: (مَكَّنَّاهُمْ)، وأساساً ماذا يعني بالتمكين؟ وهل أنّه يقصد جميع أقسام القدرة والسلطة، أو ما هي خصائص التمكين في الأرض؟
ومن أجل الإجابة عن الأسئلة المذكورة ينبغي الفات النظر إلى النقاط التالية: النقطة الأولى: بحث لغوي في كلمة «مكّنّ»
للتوصل إلى نتيجة صحيحة ومقبول بداية لابدّ من مراجعة كتب اللغة، ليتبيّن معنى كلمة «مكّن» يقول أرباب اللغة في هذا المجال:
أ) يقول أحمد بن محمّد الفيومي (... - 770 هـ ق) في كتابه «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي» بالنسبة للمعنى اللغوي لـ «مكّن»:
«مكّن فلان عند السلطان مكانة وزان ضخم ضخامة عظم عنده وارتفع» (1).
ويتابع كلامه بالقول:
«و مكّنته من الشيء تمكيناً وجعلت له عليه سلطاناً وقدرة» (2).
والنتيجة وبحسب هذا الرأي، فإنّ كلمة «تمكين» لا تطلق على جميع أقسام القدرة بل التمكين خاصّ، وهو أن يكون للشخص عند السلطان مكانة وقدرة.
ب) إسماعيل بن حمّاد الجوهري الفارابي (... - 393 هـ ق) يقول في كتابه
«الصحاح في اللغة» بالنسبة إلى تمكن وأنّه تعني الحضور المقتدر بالاستقرار والثبات، يقول في هذا المجال:
«والمكن بيض الضّب» (1).
وبعبارة أخرى، كما أنّ الضبّ «السحلية» يجعل بيضه في الأرض يحفر حفرة ثم يغطي بيضه بالتراب يعمل على مراقبتها لمدّة أربعين يوماً، ولذلك يطلق على هذا العمل للضبّ كلمة «مكّن»، أو القدرة على حفظ البيض.
والآن السؤال الذي يطرح هنا هو : لماذا اطلقت كلمة «مكّن» على بيض الضبّ ؟
الجواب: إنّ الضبّ بما أنّه يستقر في مكان الخاص ولذلك يقال عنه «مكّن» بمعني أنّه من الممكن أن يستقر ويثبت في تلك الحفرة من أجل وضع بيضه فيها، ومن هذه الجهة قيل عنه «مكّن».
ج) فخرالدين الطريحي (979 - 1085هـ ق) في كتابه «مجمع البحرين ومطلع النيرين» يقول مشير إلى معنى «مكّن»:
«الناس على مكانتهم أي على استقامتهم وعلى استقرارهم» (2).
النقطة الثانية: مناقشة مادّة «مكّنة» في القرآن:
التحقيق في أصل وجذر كلمة «مكّن» في آيات القرآن الكريم يتبين أنّ لهذه الكلمة في الكتاب الإلهي معاني أخرى تشبه هذا الأصل، وهنا نلفت النظر إلى عدّة موارد:
أ) مكن بمعنى مكان الإستقرار والثبات
يقول الباري تعالى في الآية 13 من سورة المؤمنون:
(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ).
وطبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ النطفة جعلت في «مكين» يعني أننا جعلناه بقدرة في مكان محفوظ، وعبارة «في قرار مكين» بمعنى أنّ الرحم مكان له القدرة على حفظ النطقة.
ب) مكّن بمعنى الحكم القوي والمستقر
يقول الله تبارك وتعالى في الآية 54 من سورة يوسف:
(إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) .
وطبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ ملك مصر قال للنبي يوسف علیه السلام أنت الآن لدينا صاحب مكانة وأمين، يعني أنّك تملك قدرة ثابتة في أرض مصر.
والنتيجة وجد في كلمة مكين معنى الثبات والاستقرار.
ج) مكن بمعنى المكان المستقر والثيات
يقول الله تبارك وتعالى في الآية 19 و 20 من سورة التكوير
(إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ)
وطبعاً هناك آيات أخرى وردت فيها كلمة «مكين» ومادة «مكنة» الوجه المشترك بينها وبين الآيات السابقة وبخاصة عندما تكون هذه المادة من باب تفعيل يعني مكّنته، أو من باب إفعال يعني أمكنه، فيكون المعنى «الاستقرار المقترن بالقدرة».
إذ فمن ضروريات الاستقرار القدرة والقوّة، ففي هذه الصورة إذا كان الإنسان يملك استقراراً، ولا أحد من المخلوقين يستطيع الاخلال في هذا الأستقرار يعني أنّ الشخص يستطيع حفظ استقراره، وفي هذه الصورة يطلق عليه «السلطنة» أو «التمكين».
بيان القول المختار بالنسبة لاستعمالات القرآن لمادة مكن
ويتبيّن من مجموع ما تقدّم الكلام فيه، إنّ التمكين يعني الاستقرار والقدرة التي تستلزم تكويناً لـ «السلطنة» ولكن يمكن أن يقال إنّ تفسير التمكين بالسلطنة هو لازم المعنى، أي أنّ المعنى الأصلي لكلمة التمكين ليست هي السلطنة بل إنّ السلطنة من ضروريات ومن لوازم التمكين، والنتيجة:
أولاً: إنّ معنى كلمة مكّن هو الاستقرار المقترن بالقدرة والقوّة، ومن ضروريات الاستقرار في البعد الوجودي السلطنة والحكومة، ولازمها الشدّة في بعض الحالات.
ثانياً: يتبيّن ممّا تقدّم ذكره معنى كلمة «مكّناهم» بشكل إجمالي أيضاً.
البحث الثالث: مناقشة عدّة احتمالات في جملة «في الأرض»
الموضوع الثالث في دراسة مفردات الاية الشريفة التحقيق حول هذا السؤال، وهو أنّ «الألف واللام» الموجودة في كلمة «الأرض» ما هو نوعها ومن أي أنواع «الألف واللام»؟ وفي مقام الجواب: ينبغي القول بوجود احتمالين في هذا المجال
وهما:
الاحتمال الأوّل: أنّ « الـ » للعهد
وهذا يعني أنّ الألف واللام في كلمة «الأرض» للعهد، يعني يقصد بها أرض معيّنة وخاصّة وأنّ أولئك الأشخاص المذكورين في هذه الآية الشريفة ومن يمكنهم الله تعالى سيكون ذلك في أرض خاصّة، وبالتالي يكون معنى الآية:
«الذين إن مكّنّاهم في قسم محدود من الأرض، فسوق يقيمون الصلاة....»
الاحتمال الثاني: أنّ « الـ» للجنس
وهذا الاحتمال يعني أنّ الألف واللام في كلمة «الأرض» لبيان جنس الأرض التي سيتحقّق فيها التمكين والسلطنة لأولئك الأشخاص، لا أنّها أرض معيّنة
ومحدود، وفي هذه الصورة يكون معنى الآية:
«الذين إن مكّنّاهم في جميع الأرض وتسلطوا على كافّة بقاع الأرض فسوف يقيمون الصلاة و...»
القول المختار: في هذين الاحتمالين في البحث الثالث
ومعلوم أنّ المقصود من الألف واللام في الآية الشريفة هو: «جنس الأرض»، یعني هذا التمكين سيتحقّق في أي نقطة من الأرض يصدق عليها هذا العنوان، وبعبارة أخرى، وفقاً لهذا الاحتمال فإنّ الأرض تشمل جميع الأقطار وبقاع الأرض، ولا تختصّ ببقع منها، وعلى هذا الأساس وطبقاً لهذه التفسير أنّ التمكين ینتج عدّة أمور من قبيل «إقامة الصلاة» و«ايتاء الزكاة» و«التواصى والأمر بالمعروف» و«النهي عن المنكر» وطبعاً سيأتي في البحوث التالية ما هو المقصود من الآية الشريفة في كلمة المعروف والمنكر، وهل أنّه يشمل «مطلق المعروف والمنكر» أو «معروف خاصّ ومنكر خاصّ»، لأنّه لا شك أنّ مقصود من الآية
الشريفة، من الصلاة والزكاة هي الواجبات المعيّنة والواردة في الشريعة.
مناقشة سبعة احتمالات في «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» في نظر المفسّرين من أهل السنّة
بعد أن تبيّنت معاني المفردات المذكورة في الآية الشريفة بمقدار معيّن، نرى من اللازم استعراض كلمات أهل السنّة في هذا المجال، ليتبيّن هل أنّ استنباط القضايا المفروضة منها ممكن وميسور، أم لا؟
والواقع أنّ المحقّقين والباحثين الذين يعترفون وبعلم ومعرفة الفخر الرازي ويأنسون بتفسيره كلما بحثوا وتعمّقوا في الأدلّة التي يقدّمها في تفسيره فسوف يدركون نقاط الضعف العلميّة فيه أكثر، وعلى أية حال فهذه الاحتمالات عبارة عن:
الاحتمال الأوّل: الخلفاء الأربعة فقط
وفي هذا المجال يقول محمّد بن أحمد القرطبي (578 - 671 هـ ق) في تفسير «الجامع لأحكام القرآن»:
«أربعة من أصحاب رسول صلّى الله على (وآله) وسلّم لم يكن في الأرض غيرهم» (1).
طبقاً لهذا القول مصداق هذه الآية الشريفة ينحصر بأربعة أشخاص وكلّهم قد غادر الدنيا، والنتيجة لا يوجد أي مصداق لهذه الآية المباركة في عصرنا الراهن وأنّ مصداق هذه الآية قد انتهى، ونرى أنّ أهل السنّة ومنهم الفخر الرازي فيما يخصّ الآية 55 من سورة النور وفيها يقول تبارك وتعالى:
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ....).
نرى أنّهم يصرون على أنّ مراد الباري تعالى من قوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) هم الخلفاء الأربعة، بمعنى أنّ الله تعالى في هذه الآية الكريمة وعد الأشخاص الأربعة بالحكومة على الأرض.
ولكن المفسّرين من أهل السنّة لا يجدون جواباً مقبولاً في مقابل السؤال المطروح في مصداق هذه الآية الشريفة (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا ...) وأنّها لا يوجد لها مصداق الآن، ولا يوجد له مصداق في أي زمان، لأنّهم يقولون بأنفسهم أنّ عمر وعثمان قتلا وأنّ أمير المؤمنين علیه السلام استشهد أيضاً، وكلّ هؤلاء الخلفاء لم يحقّقوا الحكومة والأمن المذكور في هذه الآية الشريفة، والأنكى من ذلك أنّ أهل
1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج 12، ص 72.
السنّة يرون بشكل خاطىء فيما يخصّ الآية 55 من سورة النور، وكذلك رأيهم بالنسبة للآية 41 من سورة الحجّ حيث يصرّون على هذا المعنى، والقرطبي أيضاً يعدّ من هؤلاء الأشخاص الذين أصروا على هذه النظريّة الخاطئة، وكذلك عبدالله البيضاوي (... - 716 هـ ق) في تفسير «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» أيضاً هو أحد هؤلاء المفسرين الذين أيدوا هذه المقولة، يقول البيضاوي في هذا المجال:
«فيه دليل على صحّة أمر الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين» (1).
ومن الواضح طبعاً، أنّ السبب في ظهور هذا الرأي بين علماء أهل السنّة هو أنّهم لم يشاهدوا طيلة سنوات متمادية من حكومة الأمويين والعباسيين والأمراء المنصوبين من قبل هؤلاء الخلفاء، أنّهم عملوا بالتعاليم والدساتير الإلهيّة الأربعة الواردة في هذه الآية الشريفة، ومن هذه الجهة ذهب غالبيّتهم إلى اختيار هذا الاحتمال وأنّ هذه الآية الشريفة تتحدّث عن الخلفاء الأربعة الذين تولّوا زمام الحكم بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
الاحتمال الثاني: المهاجرين، والأنصار والتابعين
المقصود من الموصول الذي يعود عليه كلمة «الذين» في هذه الآية الشريفة هم المهاجرون والأنصار والتابعون (2).
الاحتمال الثالث: هم أصحاب النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم
وهذا الاحتمال يرى بأنّ المقصود من الموصول جميع أصحاب النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وهذا القول ذهب إليه ابن عباس وقال:
«المقصود هو كافّة أصحاب النبي وليس أمّة النبي كما قال قتادة بأنّ المقصود هو أصحاب النبي» (1).
الاحتمال الرابع: الذين يقيمون الصلوات الخمسة اليوميّة
المقصود من الموصول في هذه الآية الشريفة هم «أصحاب الصلوات اليوميّة الواجبة»، وذهب إلى هذا القول عكرمة (2).
الاحتمال الخامس: أمّة النبي الأكرم الله صلی الله علیه وآله وسلم
فنقل أبو العالية أنّ المقصود من الموصول، أمّة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم في عصر قوّة المسلمين وقدرتهم، يعني عندما تحقّق أمّة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم النصر والغلبة على جميع الأقوام من غير المسلمين، ونقل القرطبي:
«هم هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة» (3).
والنتيجة، وطبقاً لهذا القول، إذا لم تحقّق الأمة الإسلاميّة الغلبة على سائر الأقوام البشريّة ولم تتولّى زمام الحكم والسلطة على المجتمعات البشريّة، أو بعبارة أخرى «إنّ قول الآية بأنّ الله تعالى ينصرهم ويمكنهم في الأرض هو كناية عن حكومة و سلطة أمّة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم على سائر المجتمعات البشريّة.
الاحتمال السادس: مطلق الحكّام المسلمين
المقصود من الموصول هنا هو مطلق الحكّام المسلمين، سواءً جاءوا إلى الحكم بطريقة مشروعة وحكموا بتعاليم الإسلام أو كانوا حكّاماً غير مشروعين، وقد ذهب إلى هذا القول عبد الله بن يسار أبي نجيح .. - 131 هـ ق) وقال:
«إنّ المراد هو الولاة» (1).
يعني أنّ المقصود من كلمة (الذِينَ) في هذه الآية الشريفة هم الحكّام المسلمون.
الاحتمال السابع: الحكّام المسلمون الذين يملكون المشروعيّة في حكمهم
والمقصود من كلمة (الَّذِينَ) في هذه الآية هم «الحكّام المسلمون الذين يكون حكمهم مشروعاً» وقد ذهب إلى هذا القول الضحّاك بن قيس الفهري حيث قال:
«هو شرط شرطه الله عزّ وجلّ على من آتاه الملك» (2).
أي قوله في الآية (مَكَّنَّاهُمْ) عبارة عن شرط اشتراطه الله تعالى على السلطان والحاكم لشرعنة حكمه وسلطانه.
كما يتبين أنّ الاحتمال السابع يقترب من الاحتمال السادس، بمعنى أنّه وفقاً لقول الضحّاك فإنّ (مَكَّنَاهُمْ) تعود على الشخص الذي يمنحه الله السلطة والحكومة على الناس، ولكن طبقاً لقول ابن أبي نجيح فإنّ (مَكَّنَّاهُمْ) هم ولاة المسلمين وحكّامهم، سواءً أعطاهم الله هذا السلطان أو استلموا السلطة بآليات القوّة والغلبة، وبعبارة أخرى أنّ الفرق بين الاحتمال السادس والسابع هو أنّ الاحتمال السادس عامً تقريباً والمقصود من أولياء الأمور هم الأشخاص الذين استلموا زمام الحكومة بالقوة أو بالحق، أمّا في الاحتمال السابع فإنّ المقصود فقط هم الولاة من أصحاب الحقّ في ولايتهم ويملكون المشروعية والحقانية الإلهية
في سلطتهم.
توضيح آراء المفسّرين من أهل السنّة في الاحتمال الأوّل ومناقشته
وأحد النقاط المهمّة في هذا الرأي هو: هل أنّ هذه الآية الشريفة، وطبقاً لرأي أهل السنّة، تنطبق على الخلفاء الأربعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ وأيضاً یجب التحقيق في الأساس الذي يقوم عليها دليل أهل السنّة على هذا المدّعى وما المبنى لذلك؟
وقد رأينا في البحوث السابقة أنّ هذه المسائل تحتاج أحياناً إلى بعض الترتيب، وينبغي في البداية أن يتبيّن رأي المفسّرين الشيعة في هذا المجال، ثمّ نستعرض كلام مفسّري أهل السنّة، ولكن بسبب أنّ أهل السنّة ذكروا في هذا المجال مسائل مختلفة وأقوال متنوعة، فمن هذه الجهة نرى من اللازم بداية بيان أقوالهم وآرائهم وبالتالي رأينا في هذا المقال تغيير المنهج والاسلوب المتبع عادة، وطبقاً لهذه الرؤية، مع الرجوع لتفاسير أهل السنّة فنرى أنّهم ذهبوا إلى رؤية فيما يخصّ تفسير سورة النور لا يمكن بأي وجه الالتزام بها، وذلك في قوله تعالى في الآية 55 من هذه السورة المباركة: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...)، فأهل السنّة يحصرون هذا الوعد الإلهي للمؤمنين بالأشخاص الذين كانوا في بداية ظهور الإسلام، ومن هذه الجهة فإنّهم يذهبون إلى أنّ ذلك العصر قد انتهى وأنّ تاريخ الآية الشريفة قد انتهى أيضاً، وهنا نرى في الواقع وقوعهم بخطأ فاحش بالنسبة لتفسير القرآن الكريم:
(أ) توضيح نظرية الفخر الرازي
يقول الفخر الرازي: إنّ الله تعالى قد أعطى للخلفاء الأربعة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم زمام الحكم، وعلى ضوء ذلك يجب عليهم العمل بالتوصيات الأربعة الوارد في هذه
الآية الشريفة:
بداية من اللازم استعراض كلام الفخر الرازي ومناقشته حيث يقول:
«مكّن الله الخلفاء الأربعة فكان من الواجب بأن يقوموا بالأعمال
الأربعة» (1).
وطبقاً لهذا الرأي فإنّ الله تبارك وتعالى قد وصف المهاجرين بأنّهم إذا مكّنهم الله تعالى في الأرض وأعطاهم زمام الأمور ومقاليد السلطة فإنّه يجب عليهم العمل بهذه الأوامر الأربعة الواردة في هذه الآية، وهي عبارة عن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
مناقشة قول الفخر الرازي
ومقتضى التحقيق أنّ هذا الرأي للفخر الرازي لا يمكن قبوله، وفي مقام ردّه والإجابة عنه، قيل: إنّ كلمة (الَّذِينَ) صفة للمقاتلين والمدافعين عن الإسلام، ويقول الفخر الرازي في حصيلة كلامه:
«فإنّ الله تعالى قال في هذه الآية إذا مكّنّا المهاجرين فعليهم أن يأتوا بأربعة أمور: وهى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وقد ثبت أنّ الله تعالى مكّن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة» (2).
وكذلك قال بصراحة
«وإذا كانوا آمرين بكلّ معروف وناهين عن كلّ منكر وجب أن يكونوا على الحقّ، فمن هذا الوجه دلّت الآية على إمامة الأربعة ولا يجوز حمل هذه الآية على علي علیه السلام لوحده، لأنّ الآية دالّة على الجمع (3)وتقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكنَّاهُمْ ...)»(4).
ب) بیان قول إسماعيل بن كثير
يقول إسماعيل بن كثير : إنّ هذه الآية تدلّ على صحّة أفعال الخلفاء الراشدين.
وكما ذكر المؤرخون فإنّ ابن كثير كان يعيش في القرن الثامن، والفخر الرازي كان يعيش في القرن السابع، وهذه النظريّة في مورد الآية الشريفة كانت هي المشهورة مسبق في أوساط أهل السنّة إلى حدّ أنّ ابن كثير يقول في هذا الصدد:
«الآية دليل على صحّة أمر الخلفاء الراشدين».
ج) قول الآلوسي
يقول الآلوسي: إذا كانت الآية خاصّة بالمهاجرين إذن فالسلطة على الأرض تختصّ بهم، وهذه القدرة والسلطة تحقّقت في عصر الخلفاء الأربعة، يقول شهاب الدين الآلوسي في تفسيره «روح المعاني»:
«قالوا: وفيه دليل على صحّة أمر الخلفاء الراشدين.. لأنّ الآية مخصوصة بالمهاجرين لأنهم المخرجون بغير حقّ والممكنون في الأرض منهم الخلفاء دون غيرهم، فلو لم تثبت الأوصاف الباقية لزم الخلف في المقال، تعالى الله سبحانه عنه، لدلالته على أنّ كلّ ممكن منهم يلزمه التوالي لعموم اللفظ (ويقصد المهاجرين)، ولمّا كان التمكين واقعاً (أي حكم الأربعة) تمّ الاستدلال دون نظر إلى استدعاء الشرطيّة الوقوع (فإنّ نذهب إلى القول كما قيل في النحو بأنّها جملة شرطية في موضع التقدير ولا يتحتم بأنها وقعت بالفعل بل إنّها ممكن الوقوع)... فإنّ لزوم التالي مقتضى اللفظ لا محالة ولما وقع المقدّم (وهو تمكن الأربعة) لزم وقوعه (أي التالي) أيضاً (يعني أنّ الأربعة عملوا بالأمور الأربعة)، وفي ثبوت التالي ثبوت حقّية الخلافة البتة وهي واردة على صيغة الجمع المنافية
للتخصيص بعليّ وحده رضي الله تعالى عنه» (1).
مناقشة قول الآلوسي
وبالإمكان إيراد بعض الإشكالات على استدلال الآلوسي في رأيه وتفسيره لهذه الآية الشريفة، ويمكن أن نردّ بذلك مدّعى أهل السنة أيضاً في قولهم، وهذه الإشكالات عبارة عن:
الإشكال الأوّل : تمكّن الخلفاء الأربعة من قبل الله تعالى هو أوّل الكلام
إنّ تسلط الخلفاء الأربعة وامتلاكهم لزمام الأمور ومقاليد الحكم من قبل الله تعالى هو أوّل الكلام ومحلّ النقاش، لأنّ بعضهم وصلوا إلى سدة الحكم بآليات التزوير والخداع، ومن هذه الجهة لا يمكن القبول بأنّ سلطتهم على الأرض من الله تعالى، وظاهر الشرطيّة أنّها ناظرة إلى هذه الجهة.
وبعبارة أخرى، إنّ الدليل الذي يقرّر أنّ جميع المسلمين يقولون بأنّ الله تعالى قد مكّن وسلط هؤلاء الأربعة على الأرض هو من قبيل المصادرة على المطلوب، لأنّه أساساً إنّ مقولة أنّ جميع هؤلاء الخلفاء الأربعة استلموا سلطتهم من قبل الله غير واضح، بل بإجماع المسلمين أنّ هذا الأمر لم يقع من قبل الله تعالى بل حدث استلام السلطة من قبل بعضهم باستغلال الظروف وبآليات الكذب والمكر والخداع واستغلال بسطاء العامّة من الناس.
الإشكال الثاني: (إِنْ مَكَّنَّاهُم) وصف للجمع لا لأشخاص معينين
والإشكال الثاني الذي يعترض على هذا القول وأهم من إشكال الأول، هو أن جملة (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ...) في الآية الشريفة هي وصف للجمع لا لأشخاص بعينهم، وتوضيح ذلك أنّ الله تعالى قد وصف جماعة بقول: (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ....)، لا أشخاصاً
1) روح المعاني الآلوسي، ج 9، ص 164 .
معينين، لأنّ الله تعالى يقول في حقّهم: إذا آتيناهم السلطة والحكومة فإنّهم سيقومون بالأفعال التالية، يعني أنّ الله تعالى يقول في هذه الآية: إنّ الله سيعطي القدرة والسلطة لجماعة على الأرض ليقوموا بهذه الأعمال الأربعة الأساسيّة.
وبعبارة أخرى، يجب أن نقول لأهل السنّة الذين يقولون إنّ أبابكر بعد رحلة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم استلم زمام القدرة والسلطة، لا يجوز هنا استخدام عبارة (مَكَّنَّاهُمْ)، لأنّ جماعة في سقيفة بني ساعدة هم الذين جعلوا أبابكر حاكماً من خلال وضع أحاديث على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترهيب الناس وتخويفهم، أجل فإنّ أبا بكر قد أصبح متمكّناً ومتسلطاً في حادثة سقيفة بني ساعدة، ولكن ليس من قبل الله تعالى.
وعلى ضوء ذلك، فإنّ القول الصحيح والمختار أن يقال، وخلافاً لرأي أهل السنّة، إنّ هذه الآية الشريفة ليست ناظرة إلى شخص خاص أو إلى أفراد معينين وتجعلهم مخاطبين لهذه الآية، وطبعاً هناك رواية وردت في حقّ الإمام علي علیه السلام في ذيل الآية الشريفة «وهم راكعون» رغم أنّها ناظرة إلى الجمع ولكن مصداق هذه الآية مشخّص وواضح ولا يشمل سوى الإمام علي علیه السلام، يعني أنّ تطبيق مصداق هذه الآية الشريفة وبحسب الشواهد التاريخيّة ينحصر فقط في شخص الإمام علي علیه السلام رغم أنّ مفهوم الآية عامّ وجاءت الكلمة بصورة الجمع، يعني أنّها استعملت في ذلك المعنى العامّ رغم أنّها في الخارج ليس لها سوى مصداق واحد.
وفي تقديري أنّ المقصود من قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ...) يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار آية أخرى تقول: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقِّ)، لأنَّه عندما يتمّ إخراج شخص واحد من بلده ومدينته، فهل يصحّ أن يستعمل لذلك صيغة الجمع فيقال: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ) ؟ الجواب سلبي قطعاً، لأنّ الضمائر في هذه الآية جاءت بلفظ الجمع، وعليه ففي ذلك الزمان كانت هناك جماعة مورد
نظر الله تعالى وهم الذين يطبقون هذه التوصيات الأربعة ولهم صفة الجمع، وهذا الإشكال وارد أيضاً على كلام الفخر الرازي وأمثاله في الآية الشريفة: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ...) والآية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...) أيضاً، في حين أنّ الخلفاء الأربعة كلّ واحد منهم لم يكن في زمانه سوى شخص واحد، وهذا المعنى مخالف لظاهر الآية الشريفة ولا يتناسب مع سياق الآية.
وطبعاً فإنّ مقصودي ليس أنّ استخدام ضمير الجمع في الفرد خطأ، لأنّ الضمير الآية «وهم راكعون» جاءت بصيغة الجمع، في حين أنّه لا شك أن المقصود منه شخص واحد، ولكن هنا توجد قرينة على المراد، ولكن مع عدم وجود القرينة يجب على المفسّرين استعمال هذه الكلمة بصيغة الجمع، بمعنى أنّ الله تعالى وفي زمان معين لم يمنح أي فرد واحد ومعيّن السلطة والقدرة، في حين أنّ الآية تقول: ستظهر جماعة في ذلك الزمان يمكّنهم الله تعالى في الأرض ويمنحهم السلطة والحكومة.
الإشكال الثالث: استنباط الخاطي من الآية وفق نظر أهل السنة الإشكال الثالث هو أنّه، خلافاً لرأي أهل السنّة، فإنّ هذه الآية لا تريد القول بأنّ العاملين بهذه التوصيات الأربع سوف يستلمون زمام القدرة والسلطة على الأرض، بل هذه التوصيات الواردة في الآية هي واجبات وتكاليف المتمكنين والحكّام ومن يملكون زمام السلطة.
وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في ردّ نظريّة أهل السنّة أمثال الفخر الرازي والآلوسى وآخرين أنّ هذه الآية الشريفة إذا قالت إن الأشخاص يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهل هؤلاء من مصاديق من وجعل الله تعالى لهم السلطة والحكومة وأمكنهم على الأرض؟ السؤال هو: كيف يستطيع أهل السنّة إثبات هذا الأمر وإثبات ادّعائهم؟ بمعنى أنّ أهل السنّة في هذه
الصورة يجب عليهم القول: إذا جاءت جماعة أو عدد من الأشخاص وقاموا بتطبيق هذه التوصيّات والعمل بهذه الأوامر، إذن فهؤلاء من جملة الأشخاص الذين يتولّون الحكم والسلطة من قبل الله تعالى، فى حين أنّ الله تعالى يقول: نحن نمكّن في الأرض للأشخاص الذين يقومون بالواجبات الأربعة التالية، إذن فهنا يوجد معنيان لهذه العبارة يختلفان فيما بينهما، والفرق بينهما واضح أيضاً، لأنّ:
المعنى الأوّل: يقول إنّ الشخص الذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهي المنكر فهو يملك السلطة والحكومة على الأرض من قبل الله تعالى، في حين أنّ:
المعنى الثاني: أنّ الشخص الذي يؤتيه الله تعالى القدرة والسلطة یجب علیه حينئذٍ العمل بهذه التوصيّات الأربع وتطبيقها.
والحال إذا كانت الآية الشريفة تدلّ على المعنى الأوّل، ففي هذه الصورة ربّما يكون هناك مجال ومحلّ لنظريّة أهل السنّة، ولكن الآية تدلّ على المعنى الثاني، ولذلك يجب على المتمكّنين والمتسلّطين والذين يتولّون مقاليد الأمور فى الأرض أن يعملوا بهذه التوصيّات الأربع ويطبقوا هذه التعاليم، وهذه نقطة أخرى في ردّ مقولة أهل السنّة.
الإشكال الرابع: المقصود الحكومة على جميع الأرض لا منطقة خاصّة منها
الإشكال الرابع الذي يردّ على قول أهل السنة، إنّ المقصود من الخلافة الإلهيّة في هذه الآية (وإن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) ، جميع أرجاء الكرة الأرضيّة، ومن هذه الجهة فحسب الظاهر أنّ القدرة والتمكّن بدوره يستوعب جميع الأرض كما هو المفهوم من الآية الشريفة لا بعض المناطق منها.
ويمكن القول في توضيح هذا المعنى وأنّ المراد من كلمة (الأرْضِ) في هذه الآية الشريفة جميع الأرض لا قسماً أو جزءً منها ولا منطقة محددة منها، يقول
شهاب الدين الآلوسي في تفسيره «روح المعاني» في ذيل تفسير هذه المقطع من الآية:
«إن المراد هو جنس الأرض وأنّها تنطبق على مكّة لوحدها أو المدينة أو العراق أو بلد صغير لوحدهم» (1).
وبعبارة أخرى أنّ كاتب هذه السطور يتوقّع بيان هذه الحقيقة، وهي أنّ المراد من كلمة (الأرْضِ) في هذه الآية الشريفة الأرض لا قسماً منها، كما أنّ الخلافة جميع الإلهيّة في الأرض كذلك، أجل، فالمقصود من الأرض في هذه الآية الشريفة جميع بقاع المعمورة أو غالبيّة بقاع الأرض، وهذا هو المقصود والغرض الأصلي من الكلام الإلهى، ومن هذا المنطلق فالمقصود من سياق الآية الشريفة من كلمة (الأرض) تعني جميع الأرض، ولكن لو قال إنّ المقصود من كلمة (الْأَرْضِ) ليس هو جميع الأرض، يجب على الأقل أن يقول بأنّ المراد غالبية بقاع الأرض، وعلى هذا الأساس فالإماميّة، وخلافاً لأهل السنّة، لا يريدون القول إنّ هذه الآية الشريفة تشمل حكومة أمير المؤمنين الإمام علي علیه السلام، ولكّنهم يقولون إنّ هذه الآية تخبر عن جماعة سيأتون في المستقبل وأن الله تبارك وتعالى سيعطيهم القدرة والسلطة ويسلمهم مقاليد الأمور وزمان الحكم، مضافاً إلى أنّ هذه الآية الشريفة لا توجد فيها قرينة على حصر (الْأَرْضِ) في منطقة خاصّة أو بقعة معيّنة من أولهم إلى ثالثهم وحتّى لا تنطبق على حكومة الإمام علي علیه السلام، بل إنّ ظاهر الآية الشريفة يدلّ على أنّ تلك الحكومة التي بشرت بها الآية الشريفة، هي حكومة على جميع مناطق المعمورة.
الإشكال الخامس: إقامة أمور أربعة في جميع الأرض لا على قطعة منها
الإشكال الخامس، الذي يردّ على رأي أهل السنّة في هذه الآية الشريفة، أنّ
1) روح المعاني، الآلوسي، ج 9، ص 164.
المقصود من الأمور الأربعة هو إقامتها في جميع المدن والبلدان في العالم لا إقامتها في منطقة خاصّة ونقطة معيّنة، في حين أنّ السؤال هو: هل أنّ المعنى (أَقَامُوا الصَّلَاةَ) يشير إلى إقامة الصلاة في مسجد خاصّ أو مدينة صغيرة أو منطقة محدودة.
وفي مقام الجواب ينبغي القول إنّ ظاهر الآية الشريفة يقول بأنّ إقامة الصلاة وإتيان الزكاة وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحقّق في كلّ مكان وفي كلّ نقطة على الأرض، وهذا المعنى يتطابق مع الإخبار الإلهي في هذه القضيّة.
السؤال الآخر الذي ربّما يثار في هذه المسألة هو: هل تحقّق إقامة الصلاة كما يراد منها في عصر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وفي عصر كان المهاجرون يقطنون في المدينة؟
هنا ينبغي إلفات النظر إلى نقطة مهمّة في ردّ مقولة أهل السنّة في عصر النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وفي حياته حيث كان هو الحاكم على المسلمين ألم يكن المسلمون يدفعون الزكاة في المدينة؟ أو ألم يكن المسلمون في حياة نبي الإسلام صلی الله علیه وآله وسلم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ؟
هل يصحّ أن يدّعي أحد أنّ الله تبارك وتعالى لم يكن يهتمّ بهذه المسألة في حياة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ولكنّه قال للمسلمين: أيّها المهاجرون بما أنّكم هاجرتم من بيوتكم فأنا أعدكم أنني سأعطيكم السلطة والحكومة في مقطع من الزمان وستكونون حاكمين بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الجواب: لا يمكن أبداً أن ننسب إلى الله تعالى مثل هذه المقولة، بل إنّ هذه الأمور الأربعة تدلّ على أنّ الأشخاص (الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) ، لا يرتبطون بشيء مع الخلفاء الأربعة، ولا يرتبطون أبداً بالمدّة القليلة لحكومة هؤلاء الثلاثة بعد نبي الإسلام صلی الله علیه وآله وسلم.
الإشكال السادس: ترك المعروف والاتيان بالمنكرات في زمن الخليفة الأول إلى الثالث
الإشكال السادس الذي يردّ على مقولة أهل السنّة هو: كيف يمكن أن تكون
هذه الآية الشريفة ناظرة إلى زمان عصر الخليفة الأولى إلى الخليفة الثالث، في حين أنّ الكثير من الأوامر الإلهيّة والتعاليم الإسلاميّة قد تركت في هذه الفترة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، و قد شاعت الكثير من المنكرات في ذلك الزمان. وبعبارة أخرى، طبقاً لما ورد في المصادر التاريخيّة، فئمة أدلّة وشواهد كثيرة تدلّ على أنّ الكثير من حالات المعروف الديني قد ترك في زمان الخليفة الأوّل إلى الثالث، ولم يعمل بها أحد، ومن جهة أخرى فتاريخ الإسلام يحدّثنا عن وقوع الكثير من المنكرات أيضاً في هذه الفترة من خلافة الخلفاء، وكذلك فإنّ الخليفة الأول والثاني قد صرّحا بهذه المسألة وأنّهما قد ارتكبا أخطاء كثيرة، وبهذا الحال كيف يمكن أن تقبل نظرية أهل السنّة في تفسيرهم لهذه الآية الشريفة وأنّها ناظرة إلى برهة من الزمان وهي حكومة الخلفاء بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم.
الإشكال السابع: عودة ضمير (مَكَّنَّاهُمْ) على «الناس» في الآية السابقة
والإشكال السابع الواردة على نظريّة أهل السنّة أنّ الضمير في جملة (وإن مَكَّنَّاهُمْ) ، يعود إلى كلمة «الناس» الواردة في الآية السابقة، وهم جماعة من الصالحين على رأسهم الإمام صاحب العصر والزمان علیه السلام.
وبعبارة أخرى، فالإشكال الآخر الوارد على هذه المقولة أن ضمير في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) ، يعود على كلمة «الناس» السابقة التي تقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ...) يعني نحن سنعطى القدرة والقوّة لهذه الجماعة من الناس، لأنّ الآيات القرآنية تتحدّث عن الإمام صاحب الزمان علیه السلام تطبيقاً أو تأويلاً، وتتحدّث عن جماعة من الناس يقودهم الإمام المهدي علیه السلام حتّى لا يدّعي أحد أنّ هذه الآية تختصّ به، أو أنّ فيها هذا المعنى أو ذاك، أو يدّعي أحدهم أنّها تدلّ على الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
وعلى ضوء ذلك، يتبيّن من خلال مراجعة تفاسير أهل السنّة أنّهم قد ارتكبوا
خطأً فاحشاً في تفسيرهم للقرآن الكريم، نعم، إنّ جار الله الزمخشري (467 - 538 هـ ق) في الجزء الثالث من تفسير «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، المعروف بتفسير الكشّاف، يقول في تفسير هذه الآية الشريفة: «إخبار من الله عزّ وجلّ يظهر الغيب عمّا ستكون عليه سيرة المهاجرين حتّى يقوموا بأمر الدين» (1).
بيان القول الصحيح في تفسير الآية الشريفة ضمن أربع نقاط:
النقطة الأولى: التمكين يتحقّق فقط بالإرادة الإلهيّة، لا بالقوة والتزوير
رأينا فيما تقدّم من بحث في مادّة «مكن» أنّ القدرة والسلطة في هذه الآية الشريفة إنّما تتحقّق فقط بالإرادة الإلهيّة ومقتبسة من يد القدرة الغيبيّة والمشيئة الربّانيّة لا من خلال التطميع والترغيب والتزوير.
النقطة الثانية: التمكين يراد منه ما يستوعب جميع الأرض لا منطقة خاصّة منها:
إنّ المقصود التمكّين هو ما يستوعب جميع الأرض لا قسماً منها، فالسلطة والحكومة التي تتحدّث عنها هذه الآية تستوعب جميع مناطق المعمورة، بمعنى لو أنّ شخصاً صار متمكّناً وحاكماً في مكان معيّن، فلا يقال في حقّه أنّه يملك القدرة والسلطة على جميع الأرض وأنّه متمكّن في الأرض.
النقطة الثالث: الإقامة، تعنى النشر الصحيح للأمور الأربعة لا مجرّد الاتيان بها
إن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعني في هذه الآية إقامتها ونشرها في جميع ربوع الأرض وإمتداد هذه الأمور في كافة أجواء المجتمعات البشريّة لا مجرّد الإتيان بها فقط دون مفهوم الامتداد والاتساع.
1) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل الزمخشري، ج 3، ص 160.
وعلى هذا الأساس فمجرّد أن تقوم جماعة بالاتيان بهذه الأمور الأربعة في فيما بينهم زمان خاصّ لا يمكن القول إنّهم أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة بعد عشرين سنة.
وما يقوله البعض من أنّ «إقامة الصلاة» يختلف عن أداء الصلاة، لأنّ إقامة الصلاة تعنى نشرها والدعوة إليها وإحيائها في أجواء المجتمع البشري، فغير صحيح، لأنّ إقامة الصلاة تعني الاتيان بالصلاة بجميع شروطها وأحكامها، والحال إذا أتى بعض الناس في بعض الأماكن بجميع شروطها كالطهارة ومراعاة استقبال القبلة وأمثال ذلك، فهل يمكن القول إنّهم أقاموا الصلاة؟ الجواب بالنفي قطعاً.
طبقاً لهذه الرؤية، فلو فرض أنّه فى ذلك العصر سيأتى جماعة سوف يقيمون صلاة باطلة، فهل يمكن القول في حقهم أنّهم أقاموا الصلاة؟ طبعاً فيما لو أتى شخص بالصلاة بجميع شروطها فيمكن القول في حقّه أنّه أقام الصلاة، في حين أنّه بعد رحلة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم فإنّ أغلب الناس لم يقيموا مثل هذه الصلاة الصحيحة، بمعنى أنّ المسلمين بعد رحلة الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم لم يقيموا الصلاة بجميع شروطها ولم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر بجميع مواردها وأحكامها، بل إنّ إقامة الصلاة بجميع شروطها وأحكامها والأمر بالمعروف بجميع أبعاده ومصاديقه واجتناب المنكر في جميع مراتبه وموارده يتحقّق فقط في زمان ظهور الإمام المهدي علیه السلام، حيث إنّ الناس في ذلك العصر يملكون القدرة والقوّة على إقامة هذه الأمور وتطبيقها على أرض الواقع الاجتماعي في كافّة بقاع المعمورة، وهذا هو المفهوم من الرواية الشريفة الواردة عن الإمام الصادق علیه السلام حيث قال: «إِذا خَرَجَ القَائِم يَقُومُ بِأَمرٍ جَدِيدٍ وَكِتَابِ جَدِيدٍ وَسُنَّةٍ جَدِيدَة وَقَضاءٍ جديد» (1).
1) إثبات الهداة الشيخ الحر العاملي، ج 7، ص 83 .
وطبعاً فإنّ هذه الرواية لا تقول إنّ المهدي علیه السلام سيأتي بأمور جديدة خلافاً لما يعرفه الفقهاء من الإسلام، بل تقول إنّ الإمام المهدي علیه السلام في ذلك العصر سيطرح أموراً لا يعرف المسلمون أنّها من المعروف، ولكن الإمام صاحب الزمان سيأتي ويبين للناس هذه الأمور وأنّها من مصاديق المعروف، يعنى أنّ الإمام المهدي علیه السلام يبيّن للمسلمين ما هي الأشياء التي تصدق عند العقل على المعروف، وما هي الأشياء التي تصدق على المنكر في الدين والعقل، ويأمر بذلك المعروف وينهى عن المنكر.
وعلى ضوء ذلك، فلو قيل إنّ تلك الجماعة مثلاً أقاموا من مجموع مائة معروف عشرين معروفاً، أو أمروا بعشرين مورداً من المعروف فالسؤال هو: هل أنّ هذا الأمر بالمعروف أو أنّ أمرهم هذا بالمعروف يصدق حتماً على جميع موارد المعروف ومصاديقه، أو أنّهم نهوا عن جميع مصاديق المنكر أو جميع المنكرات؟
والخلاصة، أنّه سيأتي جماعة في ذلك الزمان يمنحهم الله تعالى السلطة والحكومة على جميع الأرض وسيقومون بالإتيان بهذه الأمور الأربعة في وقت واحد وبشكل صحيح وكامل.
النقطة الرابعة: تطبيق الدين الإسلامي بشكل كامل هو أحد علل فلسفة الظهور
إن التطبيق الكامل لدين الله يمثل إحدى العلل في فلسفة الظهور، وبعبارة أخرى أنّ إحدى النقاط الموجودة في قول الآية: (وللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، هي أنّ عاقبة كلّ شيء ونهاية أمره إلى الله فقط وتعود إليه فقط جميع الأمور، بمعنى أنّ الدين الجامع الذي سيحكم على المجتمعات البشريّة هو دين الله فقط، وأنّ الباري تعالى إنّما أنزل دينه لغرض تطبيقه بنسبة ثمانين أو تسعين في مائة، والحال أنّ هذا المقدار لم يطبق من الدين، ومن جهة أخرى فإنّ الله تعالى أنزل ديناً كاملاً وربّما لم يتمكن الناس بدورهم من تطبيق 40 بالمائة من الدين، وبالتالي فإنّ هذه القضيّة تتعارض مع
الحكمة الإلهيّة ولا تنسجم مع الغرض الإلهي من انزال الدين للبشر، وفي الحقيقة فإنّ إحدى القضايا المطروحة في فلسفة الدين أن يتبيّن أنّ الدين الإسلامي دين كامل ويجب أن يتحرّك الناس على مستوى تطبيقه بجميع جوانبه وأبعاده، وهذا لا يتيسّر إلّا في زمان الظهور فقط، وبالإمكان استنباط هذا المعنى بسهولة من هذه الآية الشريفة.
مناقشة روايات عدّة فيما يخص الآية 41 من سورة الحجّ
هنا وردت عدّة روايات لا بأس بالإشارة إليها:
الرواية الأولى: رواية زياد بن منذر من الإمام الباقر علیه السلام
وأوّل رواية يمكن الاستناد إليها ما ورد في كتاب تفسير علي بن إبراهيم علیه السلام وكذلك تفسير البرهان وتفسير الصافي عن كنز الفوائد، وهنا نستعرض سند ودلالة هذه الرواية، ومناقشتها:
«مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَينِ بنِ حُمَيْدِ عَنْ جَعَفَرِ بنِ عِبدِ اللَّهِ عَنْ كثيرِ بنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي الجَارُودِ» (1).
مناقشة سند الرواية
كما تبيّن أعلاه أن هذه الرواية تتضمّن أسماء عدّة في سندها، مثل: ابن أبي الجارود، أو زياد بن منذر، وأغلب علماء الرجال كالشيخ الطوسي رحمه الله علیه (2)، والعلّامة الحلّي رحمه الله علیه (3)، وابن الغضائري رحمه الله علیه(4)، وسائر الكتب الرجاليّة المتوفّرة لا يعتبروهما من الثقاة، رغم أنّ بعض علماء الرجال سكتوا عنهما، ولكنّ غالبية علماء الرجال ذهبوا
إلى تضعيفهما، وهكذا بالنسبة لكثير بن عيّاش، فأغلب علماء الرجال لا يرونه ثقة، وهناك رواة آخرون في سند هذه الرواية يواجهون بعض المشكلات في مجال التوثيق من قبل علماء الرجال، ومنهم محمّد بن عبّاس وهو مشترك مع عدّة أشخاص ولا يعلم هل أنّه محمّد عباس بن عيسى وهو ثقة، أو أنّه محمّد بن عباس بن مرزوقي وهو غير ثقة.
أما محمّد بن الحسين، فالمرحوم العلّامة المجلسي رحمه الله علیه ينقل عنه رواية في كتابه «بحار الأنوار» ويقول عن «محمّد بن الحسين بن حميد»، ولكن كاتب هذه السطور لم يجده في بين رواة «محمّد بن الحسين بن حميد»، وربّما وقع خطأ في هذا المورد، يعني أنّه «محمّد بن الحسين عن حميد»، لأنّ كلاً من الحرف «عن» وكلمة «ابن» يستخدمان كلاهما كقرينة في الكتابة، ومن هذه الجهة يبدو أنّ الصحيح «عن حميد»، وحميد هذا يقع في الطبقة الثامنة الطبقات الرجاليّة، أمّا جعفر بن عبدالله الذي ورد اسمه في سند هذه الرواية فلم يرد في كتب الرجال فيما يخص جرحه أو تعديله، وعلى هذا الأساس، فإنّ هذه الرواية لا اعتبار لها من حيث السند.
التحقيق في دلالة الرواية
في هذه الرواية يقول الإمام الباقر علیه السلام:
«عَنْ أَبِي جَعْفَرِ فِي قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ... - الآية - قال: هَذِهِ لِاِلِ مُحَمَّدٍ المَهْدِي وَأَصْحَابِهِ» (1).
وجاء في نسخة أخرى:
«وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الجَارُود عَنْ أَبِي جَعْفَرِ علیه السلام فِي قَولِهِ: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ..) هَذِهِ الآية لآلِ مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِ
1) بحار الأنوار العلّامة المجلسي ، ج 24، ص 165 .
الآيَةِ - وَالمَهْدِي وَأَصحَابِهِ يُمَلّكُهُم اللهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيُظْهِرُ الَّذِينَ - وَيُمِيتُ اللهُ بِهِ البِدَعَ البَاطِلَ - كَمَا أَمَاتَ السَّفَهُ الحَقَّ حَتَّى لَا يُرى أَثَرٌ لِلظُّلْمِ» (1).
أجل، فالإمام المهدي علیه السلام هو المصداق البارز لاحياء الدين والقضاء على البدع، كما أمات السفهاء الحقّ وقتلوا أهل الحقّ، وهذا يعني أنّ جماعة من السفهاء سيأتون في ذلك الزمان ويقتلون الحق وأهله:
« كَمَا أَمَاتَ الشقاة حَتَّى لَا يَرَى أَثَرَ لِلظُّلْمِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » (2).
بيان نقطتين مهمتين فيما يخص حجية الروايات
بعد بيان ما تقدّم من أمور، نلاحظ أنّ سند هذه الرواية ليس بسند تام، ومن هذه الجهة لابدّ من بيان نقطتين مهمّتين في هذا المجال:
النقطة الأولى: بيان مسألتين في شموليّة حجية خبر الواحد
لغير الأحكام الفقهيّة الشرعيّة
وممّا يجدر ذكره أن طرح هذه المسألة يقع في درس أصول الفقه، ولكن مع ذلك فإنّ جميع الأصوليين لم يطرحوا هذه المسألة، بل طرحها بعضهم بهدف أغراض خاصّة، والمرحوم العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه بحث هذه المسألة في (تفسير الميزان)، علی أساس هذا المحور، وعلى أية حال توجد في مسألة حجّية خبر الواحد في غير الأحكام الشرعية الفرعيّة مسألتان:
المسألة الأولى: شمولية أدلّة حجيّة خبر الواحد لغير الأحكام الفقهيّة
وأول مسألة هي أننا قد أثبتنا في بحوث دروس الخارج لأصول الفقه، أنّ خبر الواحد حجّة مطلقاً وأنّ هذه الحجيّة لا تنحصر بالأخبار التي تخصّ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، بل إنّ أدلّة حجيّة خبر الواحد حجّة بشكل عام، أي أنّها تمتد لتشمل الأحكام والتاريخ والتفسير وأمثال ذلك.
نعم، كما توصّل المرحوم آية الله العظمى الخوئي قدّس سرّه والوالد المعظم قدّس سرّه، وكذلك توصل كاتب هذه السطور أيضاً إلى هذه النتيجة وهي أنّ أدلّة حجّية خبر الواحد عامّة، وأنّ خبر الثقة في الأحكام والعقائد حجّة مطلقاً، لأنّه وردت أخبار كثيرة عن الأئمة المعصومين علیهم السلام فيما يتّصل بالعقائد والتوحيد والنبوّة والمعاد والتاريخ وتفسير الآيات القرآنيّة.
المسألة الثانية: عدم شموليّة أدلّة حجيّة خبر الواحد لغير الأحكام الفقهية
المسألة الثانية في هذا البحث أنّ بعض المفسّرين كالعلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه ذهبوا إلى أنّ أدلّة حجّية خبر الواحد لا تشمل الأخبار التي ورد فيها تفسير القرآن الكريم، بل إنّ هذه الحجّية تنحصر فقط بالروايات التي يستخرج منها المكلف حكماً شرعياً وتكليفاً دينياً، والسبب فى أنّ العلامة الطباطبائي رحمه الله علیه اعتمد في تفسيره «تفسير القرآن بالقرآن» ولم يستند في الملاحظات التفسيريّة إلى الأخبار والأحاديث، لأنّه يرى أنّ الروايات في تفسير الآيات الكريمة ليست بحجة، في حين أن الكثير من العلماء والفقهاء كالمرحوم الفيض الكاشاني قدّس سرّه والمرحوم الشيخ الطوسي قدّس سرّه والمرحوم الشيخ يوسف البحراني قدّس سرّه في تفسير القرآن ذهبوا إلى أنّ الحديث وخبر الواحد حجّة.
النقطة الثانية: بيان مسألتين في باب حجّية خبر الواحد
المسألة الأولى: الوثوق من حيث السند
المسألة الأولى، إنّ الكثير من أكابر العلماء ذهبوا إلى أن الرواية إذا كان «موثوقة
الصدور» فهي حجّة، حتى لو كان سندها ضعيفاً أيضاً، وبما أنّ غالبية الروايات في أكثر الكتب الروائيّة موثوقة الصدور من هذه الجهة، وأنّ العلماء نقلوا كثيراً منها في كتبهم ومدوّناتهم، ولا أحد شكّك في صحّة سندها، فمن هذه الجهة يمكن الوثوق بها من حيث السند.
المسألة الثانية: الوثوق من حيث الصدور
بعد أن تبيّن الحال في المسألة الأولى فربّما يقال في المسألة الثانية أنّ رواية ابي الجارود أو أكثر الروايات الواردة في تفسير علي بن إبراهيم رحمه الله علیه، هي من قبيل الروايات الموثوقة الصدور، وبهذا يمكن حلّ هذه المشكلة، إلّا أنّ تكون هناك قرينة جليّة على الخلاف بحيث لا يستطيع أحد ردّها.
بيان نقطتين مهمتين فيما يخّص الرواية الأولى
كما ذكرنا في متن الرواية الأولى أن الإمام الباقر علیه السلام قال: «هذه الآية لآل محمّد المهدي وأصحابه»، في حين ينبغي بالنسبة إلى هذه الرواية الالتفات إلى نقطتين مهمّتين، وهما عبارة عن:
النقطة الأولى: بحسب وجود قرينة، فالراوي هو محمّد بن عبّاس بن علي بن مروان
وأوّل نقطة في هذا الموضوع هو وجود قرينة، وهي أنّهم ذكروا أنّ الراوي لهذه الرواية هو محمّد بن عباس بن عليّ بن مروان، أجل من اللازم التدقيق في هذه النقطة، لأنّ هذه الرواية أشارت إلى هذه الآية الشريفة، وأن محمّد بن عباس بن علي بن مروان المشهور با بن حجام له كتاب بعنوان «فيما نزل من القرآن في أهل البيت علیهم السلام»، وقد ذكر هذه الرواية فيه وقال: إنّ هذه الرواية هي عن الإمام الباقر، والإمام الباقر علیه السلام قال: «هذه الآية لآل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم..».
النقطة الثانية: اهتمام الأئمة الأطهار علیهم السلام بدلالة الآية ورد قول المكذّبين
النقطة الثانية أنّه بمراجعة الكتب الروائية نلاحظ وجود خمس أو ست روايات
أخرى تتحدّث عن هذه الآية الشريفة وأنّ المقصود بها هم الأئمة الطاهرين علیهم السلام، تقول الرواية:
«هَذِهِ نَزَلَتْ فِينَا أَهْلَ البَيتِ» (1).
مضافاً إلى أنّ الأئمة الأطهار علیهم السلام ذكروا حديثاً خاصّاً فيما يخصّ بهذه الآية الشريفة، ولكن في المقابل سعى بعض خلفاء صدر الإسلام إلى نسبة هذه الآية إلى أنفسهم.
وتأييداً لهذا الكلام نقل العلّامة المجلسي رحمه الله علیه في كتابه «بحار الأنوار» عن صعصعة بن صوحان العبدي أنّه قال:
«دخلت على عثمان بن عفّان في نفر من المصريين، فقال عثمان: قدّموا رجلاً منكم يكلّمني، فقدّموني، فقال عثمان: هذا... وكأنّه استحدثني، فقلت له: إنّ العلم لو كان بالسنّ لم يكن لي ولا لك فيه سهم، ولكنّه بالتعلّم، فقال عثمان: هات! فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم الَّذِينَ (إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) فقال عثمان: فينا نزلت هذه الآية؟! فقلت له: فمر بالمعروف وأنه عن المنكر، فقال عثمان: دع ذا وهات ما معك» (2).
وتبيّن من هذه الرواية أنّ عثمان كان يقبل هذه الحقيقة، وهي أنّه في زمان خلافته لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، أجل، كان بعض الأشخاص يتولّون مثل هذه المناصب وهم أشخاص غير صالحين وغير ثقاة ويعتقدون كما يعتقد عثمان أنّ هذه الآية نزلت في حقّهم، ومن هذه الجهة كان من الطبيعي أن يقوم
الأئمّة الطاهرون علیهم السلام بتذكير أصحابهم وأتباعهم أنّها نزلت في مورد أهل البيت علیهم السلام
إلى حدّ أنّهم في بعض الموارد يضطرون بالتعبير بالقسم عن هذه الحقيقة: «والله نزلت الآيةُ فِينَا» (1).
الرواية الثانية: رواية عيسى بن داود عن الإمام الكاظم علیه السلام
الرواية الثانية التي استند إليها لهذا القول، الرواية التي رواها عيسى بن داود عن الإمام الكاظم علیه السلام، وهنا نستعرض سند ودلالة هذه الرواية:
«قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبَّاسِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ العلوي عَنْ عِيسَى بن دَاوُدَ» (2).
التحقيق في سند الرواية
وطبقاً للتحقيق في سند هذه الرواية، فإنّ سندها غير صحيح، لأنّ عيسى بن داود غير ثقة وقد ألف كتاباً في التفسير فقط (3)، وكذلك محمّد بن إسماعيل العلوي فهو ليس بثقة، ومحمّد بن همام لم يرد اسمه في كتب الرجال، وفي البحوث السابقة تحدّثنا عن محمّد بن عبّاس.
التحقيق في دلالة الرواية
وأحد النقاط المهمّة لمعرفة هذا الموضوع هو أنّ بعض الرواة نقلوا هذه الرواية عن الإمام الباقر علیه السلام، والبعض الآخر نقلها عن الإمام الصادق علیه السلام، وثالث نقلها عن الإمام الكاظم علیه السلام، ممّا يشير إلى أن هذه القضيّة مهمّة جداً.
فقد ورد عن الإمام الكاظم علیه السلام أنّه قال:
«عَنْ الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ مُوسَى بنِ جَعْفَر علیهما السلام قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يَوماً فِي
1) عن أبان بن تغلب عن أبي محمّد بن علي علیهما السلام عن قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ)، الآية (تفسير فرات الكوفي، ص 98).
2) البرهان في تفسير القرآن البحراني رحمه الله علیه، ج 3، ص 892 بحال الأنوار العلامة المجلسي رحمه الله علیه ج 24، ص 165.
3) معجم رجال الحديث آية الله الخوئي رحمه الله علیه، ج 14، ص 201.
المَسْجِدِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَوَقَفَ أَمَامَهُ وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَعْيَتْ عَلَيَّ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ سَأَلْتُ عَنْهَا جَابِرَ بنَ يَزِيدَ فَأَرْشَدَنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، فَقَالَ أَبِي: نَعَمْ فِينَا نَزَلَتْ وَذَاكَ لأَنَّ فِلاناً وفَلاناً وَطَائِفَةٌ مَعَهُمْ وَسَمَّاهُمْ اجْتَمَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالُوا يَارَسُولَ اللهِ إِلى مَنْ يَصيرُ هذا الأَمْرُ بَعْدَكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ صَارَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ إِنَّا لَنخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا وَلَوْ صَارَ إِلَى غَيْرِهِم لَعَلَّ غَيْرَهُم أَقْرَبُ وَأَرْحَمُ بِنَا مِنْهُمْ.
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم مِنْ ذَلِكَ غَضَبَاً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا وَاللَّهِ لَوْ آمَنْتُمْ بِالله وَبِرَسُولِهِ مَا أَبْغَضْتُمُوهُمْ، لأَنَّ بُغْضُهُمْ يُغْضِي وَيُغْضي هُوَ الكُفْرُ بِاللهِ ثُمَّ نَعَيْتُمْ إِلَيَّ نَفْسِي فَوَاللهِ لَئِنْ مَكَّنَّهُمْ اللهُ فِي الأَرْضِ لَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ لِوقتِها وَلَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ لِمَحَلَّها وَلَيَأْمُرَنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَيَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ إِنَّمَا يُرْغُمُ اللهُ أَنُوفَ رِجَالٍ يُبْغِضُونِي وَيُبْغِضُونَ أَهْلَ بَيتِي وَذُرِّيَتِي فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، فَلَمْ يَقْبَل القَومُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَکِیرِ)(1)»(2).
القول المختار في هذه الرواية
ومقتضى التحقيق، إنّ هذه الرواية من حيث الدلالة رواية جيدة جدّاً، ولكنّها من حيث السند فهي رواية ضعيفة السند.
الرواية الثالثة: رواية الحصين بن مخارق عن الإمام الكاظم علیه السلام
الرواية الثالثة، التي وقعت مورد الاستناد في هذا البحث، هي الرواية التي نقلها الحصين بن مخارق عن الإمام الكاظم علیه السلام، وهنا نستعرض سند ودلالة هذه الرواية: عن محمّد بن عبّاس عن ابن عقدة قال:
«يرويها محمّد بن العبّاس عن ابن عقدة وهي قال: مُحَمَّدُ بنُ العباس رحمه الله علیه حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بن سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ الحُسينِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الحُسَينِ بنِ مُخَارِقٍ» (1).
مناقشة سند الرواية
تحدّثنا فيما سبق عن محمّد بن عبّاس، وأنّه من جملة الرواة الذين كتبوا تفسيراً روائياً عن أهل البيت علیهم السلام، بمعنى أنّه من جملة الرواة الذين جمعوا روايات في تفسير القرآن عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام.
يقول الشيخ النجاشي رحمه الله علیه: إنّ ابن عقدة المعروف في كتب الرجال بأحمد بن محمّد بن سعيد أنّه ثقة (2)، وكذلك يقول الشيخ الطوسي رحمه الله علیه عنه: بأنّه رجل جليل بين
المحدّثين وفي ثقته وجلالة شأنه أشهر من أن يذكر (3).
أمّا أحمد بن الحسين عن أبيه ابن الحسن بن على بن فضّال فكليهما ثقة وكذلك
أحمد بن الحسن بن إسماعيل الميثمي ثقة أيضاً، أمّا الحسين بن مخارق فالنجاشي رحمه الله علیه يقول في حقّه: قال عنه بعض الأشخاص بأنّ فيه نقاط ضعف، وذهب بعض آخر إلى تضعيفه، وله كتاب في التفسير.
مناقشة دلالة الرواية
وقد نقلت هذه الرواية عن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام عن آبائه الطاهرين علیهم السلام ونصها كما يلي:
«عَنْ الإِمَامِ مُوسَى بنِ جَعْفَر علیهما السلام عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام قَالَ: قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ...)؟ قَالَ: نَحْنُ هُم»(1).
وطبعاً، فالمقصود من كلمة «نحن» في كلام الإمام علیه السلام ليس من حيث الأشخاص، بل المقصود بهم الجماعة من أهل البيت علیهم السلام الذين يمنحهم الله تعالى السلطة والقدرة.
الرواية الرابعة : حمران بن أعين عن الإمام الباقر علیه السلام و أبو الصباح عن الإمام الصادق علیه السلام
الرواية الرابعة، التي استند إليها في هذه المقولة، هي الرواية التي ينقلها ابن شهر آشوب بسند غير صحيح، وعلى أية حال فإنّ ابن شهر اشوب وضمن هذه الرواية يقول: إنّ حمران يروي عن الإمام الباقر علیه السلام وأبو الصباح عن الإمام الصادق علیه السلام فيما يخصّ الآية الشريفة مورد البحث أنّ الإمام علیه السلام يقول:
«(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ)، قَالَ: نَحْنُ هُمْ» (2).
الرواية الخامسة : رواية عمرو بن ثابت عن الإمام الحسين علیه السلام
والرواية الخامسة مورد البحث، هي الرواية التي نقلها المرحوم الاسترآبادي رحمه الله علیه في كتابه «تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة» عن الإمام الحسين علیه السلام، عن والدته فاطمة الزهراء علیها السلام، عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ونص الرواية كالتالي:
«حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ عَنْ أَحْمَدَ بنِ الحُسَينِ عن حصين بنِ مُخَارِقٍ عَنْ عمرو بنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَينِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهَا (عَنْ أَبِيهِ): في قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ...)؟ قَالَ: هَذِهِ نَزَلَتْ فِينَا أَهْلَ البَيتِ» (1).
الرواية السادسة والسابعة من تفسير فرات الكوفي
النقطة الأخرى في هذا البحث، إنّ بعض الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الشريفة، وردت في تفسير «فرات الكوفي»، وطبعاً ينبغي الالتفات إلى نقطة مهمّة في هذه الآية، وهي أنّ مقبوليّة «تفسير فرات الكوفي» بين غالبيّة كبار العلماء محلّ نقاش وذكرت فيه أقوال كثيرة، منهم السيّد محسن الأمين في كتابه «أعيان الشيعة»،
حيث يعتبره ثقة ويقول:
«فرات بن إبراهيم الكوفي له تفسير كبير يروى عنه وعن كتابه علماؤنا» (2).
أمّا المرحوم الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله علیه صاحب كتاب «وسائل الشيعة» فيقول في هذا المجال:
«يأنني استندت في كتابي إلى 80 كتاباً وتفسير فرات الكوفي هو أحد تلك الكتب»(3).
الرواية الأولى: رواية زيد بن عليّ
مناقشة سند الرواية
يقول فرات الكوفي:
«حَدَّثَنِي الحَسَنُ (الحُسينُ) بنُ عَلِيٌّ بنِ بَزِيعٍ (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ فُضَيْلِ بنِ الزُّبير) عن زَيدِ بنِ عَلِيٍّ علیه السلام»(1).
مناقشة دلالة الرواية
«قَالَ إِذا قَامَ القَائِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ نَحْنُ الَّذِينَ وَعَدَكُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) » (2).
الرواية الثانية: رواية أبي خليفة عن الإمام الباقر علیه السلام
يروي فرات الكوفي انّه:
«حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ القَاسِمِ (بنِ عُبيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجَمَالَ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحيَى بنِ هَاشِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَنصُورٍ)، عَنْ خَلِيفَةَ».
«عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو عُبَيدةَ الحَدَاءُ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ علیه السلام فَقَالَ: يا جَارِيةُ هَلُمِّي بِمرْفَقَةٍ قُلْتُ بَلْ نَجْلُسُ قَالَ يَا أَبَا خَلِيفَة لَا تَرُدَّ الكَرامَةَ لَأَنْ (أنّ) الكَرامَةَ لَا يَرُدُّها إِلَّا حِمارُ، قُلْتُ (لأبي جعفر علیه السلام) كَيْفَ لَنَا بِصَاحِبٍ هَذَا الأَمْرِ حَتَّى نَعرِفَ (نعرفه) قَالَ: فقال: قَولُ اللهِ (تعالى): (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ....) إِذا رَأَيْتَ هَذَا الرَّجُلَ (في رجل) مِنَّا فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ هُوَ صَاحِبُهُ» (3).
وينبغي الالتفات إلى هذه الحقيقة، وهي بالرغم من أنّ الكثير من الروايات ضعيفة من حيث السند، ولكن النقطة المهمّة أنّ كثرة هذه الروايات توجب الاطمئنان بصدورها، وعلى ضوء ذلك، فمن مجموع سبع روايات يستفاد عدّة أمور مهمّة ينبغي التأكيد عليها، وهذه الأمور عبارة عن:
الأمر الأوّل: إنّ الآية 41 من سورة الحج تتحدّث عن الإمام صاحب الزمان علیه السلام، يعني أنّ النتيجه النهائيّة التي توصلنا إليها بعد التحقيق في الروايات الشريفة الواردة في معنى هذه الآية الكريمة هو أنّ الأئمة الطاهرين علیهم السلام كانوا يهتّمون اهتماماً بالغاً لإثبات وتأكيد أنّ هذه الآية الشريفة نزلت في الإمام المهدي علیه السلام.
الأمر الثاني: إنّ المصداق الحقيقي لهذه الآية الكريمة بحسب الروايات، الإمام المهدي علیه السلام
الأمر الثاني أنّه بحسب ما ورد في الروايات المذكورة، فإنّ المصداق الحقيقي لهذه الآية الكريمة هو الإمام صاحب الزمان علیه السلام لا من سبقه من الأشخاص ولا يأتي من بعده، لأنّ الأئمة الأطهار علیهم السلام كانوا يؤكدون دائماً على أنّه لا يجوز للآخرين أن ينسبوا هذه الآية لأنفسهم، وحتّى فى عصرنا الراهن وبعد قيام نظام الجمهورية الإسلاميّة في ايران لا أحد يستطيع القول إنّ هذه الآية الكريمة نزلت في هذا النظام المقدّس، بل هذه الآية مختصّة بالإمام صاحب الزمان علیه السلام وأصحابه الأبرار.
الأمر الثالث : مواجهة الأئمة المعصومين لا فيما يخص تطبيق هذه الآية الأمر الثالث أنّه يمكن تحصيل الوثوق والاطمئنان فيما يخصّ الروايات المذكورة أنّها صادرة عن الأئمّة الأطهار علیهم السلام والحال إذا أخذنا بنظر الاعتبار هذه المسألة بدقّة وتمعّن وأنّ المخالفين سيدّعون أنّ هذه الآية نزلت في حقّهم، والأئمّة
الأطهار علیهم السلام تحرّكوا على صعيد مواجهة هؤلاء المدّعين والرد عليهم، فلا يبق مجال للشك في أنّ هذه الآية تتحدّث عن رجل من أهل البيت علیهم السلام سيأتي في آخر الزمان ويحقّق هذه التوصيّات الإلهيّة الواردة في هذه الآية الكريمة على أرض الواقع الاجتماعي.
التذكير بنقطة مهمّة
والنقطة المهمّة في هذا المجال، والتي ينبغي هذا المجال، والتي ينبغي أخذها بنظر اعتبار أنّ الأشخاص الذين تتحدّث عنهم هذه الآية الشريفة، لا يواجهون أي عائق أمامهم في مجال إمكانيّة تطبيق هذه التوصيّات الأربع وهذه الأوامر الإلهيّة الواردة في الآية الشريفة.
وبعبارة أخرى، النقطة الأخرى التي يمكن استنباطها من هذه الآية الشريفة هي أنّ ظاهر هذه الآية المباركة أنّ الأشخاص الذين سيمنحهم الله تعالى القدرة والسلطة على الأرض لا يجدون أمامهم أي عائق ومانع من تحقيق هذه الأمور الأربعة وتجسيدها وتطبيقها في أجواء المجتمع البشري، وهذه النقطة مهمّة وجديرة بالنظر، بمعنی أنّ المؤمنين في العصر الراهن إذا بذلوا كلّ ما لديهم من سعي وجهد لتحقيق وتطبيق هذه التوصيات الأربع فسوف يواجهون حتماً الكثير من الموانع التي تقف أمامهم للحيلولة دون انجاز هذا الأمر، ولكن هذه الآية الكريمة تتحدّث عن جماعة ستكون لهم القدرة والقوة بحيث إنّهم يعملون بهذه الأوامر الإلهيّة ويطبقونها في فضاء المجتمع دون أن يمنعهم مانع في هذا السبيل ولا أحد بإمكانه أن يوقفهم ويعيقهم عن تحقيق هذه الغاية.
وعلى هذا الأساس، فإنّ هذه النقطة تدلّ على أنّ الآية الشريفة تشير بوضوح إلى الإمام صاحب العصر والزمان علیه السلام وأصحابه الكرام، لأنّه قبل ظهور الإمام المهدي علیه السلام توجد الكثير من الموانع أمام الحكومة الإسلاميّة لتحقيق الهيمنة والسلطة والانتصار على الأعداء من جهة، وعلى جهل الناس من جهة أخرى، كما
توجد هناك فرق منحرفة وتيارات ضالة تتحرّك على صعيد منع تحقيق هذا الهدف الإسلامي، ولكن هذه الآية الشريفة تقول: بعد ظهور الإمام المهدي علیه السلام لا يوجد أي مانع في سبيل تطبيق هذه الأوامر والتوصيات الأربع الواردة في الآية الكريمة، ومن هذه الجهة فإنّ مفهوم المعروف ومفهوم المنكر سيتجلّى بشكل واضح وبارز بعيداً عن أي غموض وإبهام.
مناقشة العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه حول الآية الشريفة
يقول العلامة الطباطبائي قدّس سرّه في تفسير «الميزان»:
«هذه الآية تشمل المؤمنين والمسلمين منذ نزول الوحي إلى يوم الدين» (1).
بيان عدّة نقاط بارزة في كلام العلامة الطباطبائي قدّس سرّه
من خلال التمعّن والتدبر في كلام العلّامة الطباطبائي تتبيّن لنا عدّة نقاط مهمّة في كلامه، وهذه النقاط عبارة عن:
النقطة الأولى: الآية الشريفة تبيّن صفة جماعة دون النظر إلى الأشخاص
أوّل نقطة في كلام العلّامة رحمه الله علیه أنّ هذه الآية الشريفة ناظرة لبيان صفة جماعة من الناس من حيث المجموع دون النظر إلى أشخاص بعينهم، يعني أنّها ناظرة إلى جماعة بشكل استغراقي، وهذه المجموعة تدور حول محور الجمع لا من حيث كونهم أشخاصاً وأفراداً ، أي ليس من حيث المجموع الافرادي، وأصل عبارة السيّد الطباطبائي رحمه الله علیه كما يلي:
«قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ...) الخ، توصيف آخر للذين آمنوا
1) الميزان في تفسير القرآن العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه، ج 14، ص 387 .
المذكورين في أوّل الآيات وهو توصيف المجموع من حيث هو مجموع من غير نظر إلى الأشخاص والمراد من تمكينهم في الأرض إقدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة من غير مانع يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم» (1).
النقطة الثانية: إنّ الصلاح والسداد هو طبع المسلم
النقطة الثانية الواردة في كلام العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه هي قوله:
«يقول تعالى: إنّ من صفتهم أنّهم إن تمكّنوا في الأرض وأعطوا الحرية في اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعاً صالحاً، تقام فيه الصلاة وتؤدّى فيه الزكاة ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه المنكر وتخصّص الصلاة من بين الجهات العباديّة والزكاة من بين الجهات المالية بالذكر، لكون كلّ منهما عمدة في بابها وإذ كان الوصف للذين آمنوا المذكورين في صدر الآيات والمراد به عقد مجتمع صالح وحكم الجهاد غير خاصّ بطائفة خاصّة فالمراد بهم عامّة المؤمنين يومئذ بل عامة المسلمين إلى يوم القيامة والخصيصة خصيصتهم بالطبع فمن طبع المسلم بما هو مسلم الصلاح وإن كان ربّما غشيته الغواشي» (2).
مناقشة النقطة الثانية في كلام العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه من جهة
القول المختار
بعد استعراض كلام العلامة الطباطبائي رحمه الله علیه ربّما تثور في الذهن بعض الإشكالات على هذا الكلام، وهل يمكن أن نتوصل إلى هذه النتيجة من هذه الآية الشريفة
ونقول بأنّ هذه الآية تتعلّق بجميع المسلمين والمؤمنين في ذلك اليوم؟ أو إنّها تتعلّق بجميع المسلمين إلى يوم القيامة؟ ثمّ نقول إنّ الله تعالى أراد أن يبيّن إسلام بعض الأشخاص بأعيانهم بحيث إذا منحهم الله تعالى القدرة والسلطة على الأرض فسوف يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؟
مناقشة العلامة الطباطبائي رحمه الله علیه في ردّ قول أهل السنّة بالنسبة
للآية (الّذين إن مكّنّاهم)
من الواضح في كلام العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه في ردّ قول أهل السنّة بالنسبة للمقطع من الآية الشريفة: (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ)، أنّه يقول: إنّ بعض مفسّري أهل السنّة يرون أنّ كلمة (الَّذِينَ) مختصة بالمهاجرين، ولكن هذا القول مجانب للصواب من عدّة جهات يقول العلّامة رحمه الله علیه :
«وليس المراد بهم خصوص المهاجرين بأعيانهم سواء كانت الآيات مكيّة أو مدنيّة، وإن كان المذكور من جهة المظلوميّة هو إخراجهم من ديارهم» 1(1).
الجهات التي ذكرها العلّامة رحمه الله علیه في كلامه عبارة عن:
الجهة الأولى : أنّ عموميّة الموصوف تستلزم عدم انحصار الموصول في شخص معين
الجهة الأولى، أنّ القول بانحصار الموصول في شخص معين يتنافى ويتعارض مع عموميّة الموصوف الوارد في صدر الآية الشريفة، بمعنى أنّ الآيات السابقة تعتبر أنّ كلمة (الَّذِينَ) تعود على الجملة السابقة، وهو قوله: (أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظلِمُوا ...) (2)، وسوف نفصل الكلام في هذا المورد، يقول العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه:
«هو ذلك لمنافاته عموم الموصوف المذكور في صدر الآيات وعموم حكم
الجهاد لهم ولغيرهم قطعاً» (1).
وبعبارة أخرى أنّ السيّد الطباطبائي رحمه الله علیه يقول إنّ الآية عامّة وتشمل جميع المسلمين وتأذن لهم بالقتال، فهذا الموصوف عامّ، فلماذا يكون اسم الموصول (الَّذِينَ) يعود على فئة خاصّة منهم والقول بأنّه ينحصر في جماعة معيّنة؟
الجهة الثانية: إنّ حكومة صدر الإسلام مشمولة لهذه الآية
الجهة الثانية التي يبينها العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه في كلامه، يقول:
«على أنّ المجتمع الصالح الذي عقد لأوّل مرّة في المدينة ثمّ أنبسط فشمل عامّة جزيرة العرب في عهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم وهو أفضل مجتمع متكون في تاريخ الإسلام تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة وتؤمر فيه بالمعروف وتنهى فيه عن المنكر مشمول للآية قطعاً» (2).
إذن فالعلامة قدّس سرّه يعتقد أنّ حكومة صدر الإسلام في المدينة في عصر النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم هى المصداق البارز لهذه الآية الشريفة ومشمولة لهذا الحكم وأنّ (الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ) يشمل النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وأصحابه في صدر الإسلام لأنّهم كانوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ويتابع العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه بالقول:
«وكان السبب الأوّل ثمّ العامل الغالب فيه الأنصار دون المهاجرين» (3).
أى أننا نعلم أنّ الأنصار كانوا عاملاً مهمّاً فى تشكيل هذه الحكومة في صدر الإسلام لا المهاجرين.
الجهة الثالثة: إنّ المهاجرين في تاريخ الإسلام لم يشكّلوا مثل هذا المجتمع
الجهة الثالثة التي يبينها العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه في كلامه يقول:
«ولم يتّفق في تاريخ الإسلام للمهاجرين خاصّة أن يعقدوا وحدهم مجتمعاً من غير شركة من الأنصار فيقيموا الحقّ ويميتوا الباطل فيه» (1).
ثمّ إنّ العلّامة قدّس سرّه يخاطب أهل السنّة بقوله: إذا كانت هذه الآية منحصرة بالمهاجرين، فليس من الضروري القول بأنّ المهاجرين كانوا جماعة لم يكن الأنصار منهم، لأنّ التاريخ لم يخبرنا بهذه المقولة.
وأخيراً يقول قدّس سرّه:
«اللّهم إلّا أن يقال إنّ المراد بهم أشخاص الخلفاء الراشدين أو خصوص علي علیه السلام على الخلاف بين أهل السنّة والشيعة، وفي ذلك إفساد معنى جميع الآيات» (2).
الجهة الرابعة: سلوك بعض المسلمين في صدر الإسلام، لم يكن إحياء للحقّ
وإماتة للباطل
الجهة الرابعة التي يستعرضها العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه في كلامه، قوله:
«إنّ التاريخ يضبط من أعمال الصدر الأوّل وخاصّة المهاجرين منهم أموراً لا يسعنا أن نسمّيها إحياء للحقّ وإماتة للباطل سواءً قلنا بكونهم مجتهدين معذورين أم لا، فليس المراد توصيف الأشخاص بل المجموع من حيث هو مجموع» (3).
مناقشة نظرية العلّامة الطباطبائي رحمه الله علیه من جهة القول المختار
وطبقاً للتحقيق، فإنّ نظرية العلامة الطباطبائي رحمه الله علیه التي تقول إنّ هذه الآية لا تتعلّق بأشخاص معينين هي نظريّة صحيحة، ولكن سبق أنّ ذكرنا أنّ هذه الآية الشريفة تشير إلى جماعة من الناس، ولكن حسب القول المختار، فئمّة إشكالات عدّة ترد على نظريّة العلامة الطباطبائي قدّس سرّه، وهي عبارة عن:
الإشكال الأوّل: مشكلة عموميّة كلام العلّامة قدّس سرّه
أوّل إشكال يرد على هذه المقولة هو: كيف يمكن استنباط هذا القول من هذه الآية الشريفة بأنّ طبع المسلم يقتضي أن يقوم بالإصلاح والصلح؟ وبعبارة أخرى، إنّ ظاهر الآية الشريفة أنّ هذه الأعمال تتعلّق بجماعة خاصّة.
الإشكال الثاني: إنّ نزول الآية في مورد المسلمين في صدر الإسلام محلّ خلاف
الآية الثانية تدلّ على فعل خاصّ، بمعنى الآية تدلّ على أنّه إذا أعطى الله تبارك وتعالى القدرة والسلطة لجماعة فسوف يقومون بتحقيق الأمور الأربعة المذكورة، ولا يجدون أي مانع يمنعهم من ذلك، ولكن كما قال العلّامة الطباطبائي إذا اجتمع المؤمنون في زمان واستلموا زمام السلطة والقدرة، ولكن منعهم مانع وعارض من ذلك بحيث لم يستطيوا إقامة الأحكام الأربعة فهل يمكن مع ذلك، ندّعي أنّ هذه الآية الشريفة نازلة في حقّهم.
الإشكال الثالث: وجود أن الشرطية في الآية، تنفى رأي العلّامة قدّس سرّه
إذا كانت هذه الآية ناظرة إلى جماعة من المسلمين في صدر الإسلام، لماذا ورد فيها كلمة (إِن) ؟
بيان نقطتين
بعد أن تبيّنت المسائل والنقاط المتقدّمة نرى من اللازم الإشارة إلى نقطتين
أخيرتين فيما يخصّ الآية الشريفة:
_ النقطة الأولى: أهميّة الأمور الأربعة عند الله تعالى
إنّ الأوامر الإلهيّة الأربعة الواردة في هذه الآية الشريفة تعتبر من الأمور المهمّة جدّاً عند الله تبارك وتعالى.
_النقطة الثانية: الوجوب المضاعف للإتيان بالأمور الأربعة بالنسبة للحكومة
رغم أنّ هذا الكلام صحيح، وهو أنّ الإتيان بالأمور الأربعة واجب على كلّ فرد من المسلمين، ولكن من حيث الحكومة فثمّة وجوب مضاعف على من يتولّى زمام أمور السلطة والحكومة في المجتمع الإسلامي، وتوضيح ذلك:
أوّلاً: إنّ هذه الآية الشريفة ظاهرة فى وجوب قيام الحكومة بتطبيق هذه التوصيات الأربع في فضاء المجتمع الإسلامي.
ثانياً: إنّ من شؤون الحاكم الإسلامي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان من الواجبات الشخصيّة للإنسان المسلم، ولكن عندما يتمّ تشكيل الحكومة الإسلاميّة وتملك جماعة من المسلمين زمام السلطة ومقاليد الحكومة في الأرض، فإنّ هذا الوجوب سيكون مضاعفاً، إذن يجب على الحكومة الإسلاميّة القيام بهذا الركن الأساس في الشريعة الإسلاميّة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المتكر.
وعلى ضوء ذلك، فالحكومة الإسلاميّة لا تنفك أبداً عن هاتين الوظيفتين، وهاتان الوظيفتان تعدّان من الواجبات الأساسية.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لظهور الامام المهد عجل الله تعالی فرجه الشریف
السید ناظم الصافي الموسوي
دار المحجة البيضاء
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1432هـ / 2011م
ISBN:978-614-426-016-6
دار المحجة البيض
الرويس - مفرق محلات محفوظ ستورز - بناية رمال
ص.ب: 14/5479 - هاتف: 03/287179 - 01/541211
تلفاكس: 01/552847 - E-mail: almahajja@terranetlb
القامة و الحياة الليل
www.daralmahaja.com info@daralmahaja.com
الاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف
1_ الاعتقاد الجازم بالإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، والاستدلال على ذلك بالقرآن الكريم، والسُّنة الشريفة، والعقل والإجماع، وليست فكرته شيعية أنتجتها ظروف الكبت والإرهاب مثل ما يدعي القسم الضال والمضل عن الحق، وهو من ذكره وأكد عليه النبي الأكرم محمد صلی الله علیه وآله وسلم، بالإمام المهدي ابن الإمام الحسن بن علي العسكري وهو الإمام المعصوم مفروض الطاعة الثاني عشر، حيث إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (نص على الأئمة الاثني عشر، أولهم أمير المؤمنين غائب عن علي بن أبي طالب علیه السلام، وآخرهم محمد المهدي ابن الحسن العسكري علیه السلام، والذي ولد قبل أكثر من ألف سنة وأنه الأنظار من ذلك الزمان، ويظهر بعد أن يأذن الله سبحانه وتعالى له ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً ، وجوراً، وتؤكد الروايات أن المهدي من قريش، أخرج أحمد والماوردي أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال: (أبشروا بالمهدي، رجل
من قريش، من عترتي، يخرج على اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً) (1)، وأنه سينتصر ويحكم العالم بأسره، وتتوحد على يده الملل والنحل، وتبلغ العلوم ذروتها بفضله، الذي يرسله الله تعالى حيث يشاء لإنقاذ الناس من الظلم، وإزالة الشرك من على وجه الأرض، وتقرير التوحيد وعبودية الإنسان الله تعالى، وتحكيم شريعة الله تعالى وحدوده في حياة الناس، وهو الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل الواسع، في انتقال القوة من الطبقة المترفة المستكبرة الفاسدة إلى الطبقة الصالحة المستضعفة والتي وصفها الله تعالى في قوله: (وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَيمَةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين) وأخرج الجويني الخرساني عن سعيد ابن جبير عن عبد الله بن عباس، وذكر المجلسي بنفس السند قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله علي بعدي اثنا عشر أولهم أخي، وآخرهم ولدي، وقيل: فمن ولدك ؟ قال المهدي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لأطال الله ذلك اليوم حتى يخرج
1) (الصواعق المحرقة: ص 99)
فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى ابن مريم علیه السلام فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب) (1).
2_ الاعتقاد بأن الإمام المهدي علیه السلام، أنه واسطة وصول الفيوضات الإلهية والناموس الأعظم وقطب الأرض والنعم غير المتناهية الدنيوية والأخروية حتى وهو غائب عن الأنظار، إن نور الوجود والعلم والهداية وسائر الفيوضات والكمالات والخيرات تصل إلى الخلق ببركته وببركة عجل الله تعالی فرجه الشریف الشفاعة وبالتوسل به عجل الله تعالی فرجه الشریف تظهر الحقائق والمعارف لأوليائه وتنكشف البلايا والفتن عنهم كما يقول الله سبحانه وتعالى في الحجة بكل عصر : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فيهم) (2).
إن الارتباط بالإمام الحجة المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف ليس مجرد ارتباط بفكرة عقيدية غيبية بل بإنسان كامل حيٍّ جسداً وروحاً يعيش بيننا يرانا ونراه يعرفنا ولا نعرفه يسددنا ويوجهنا إلى حيث مصلحتنا ومصلحة الأمة وهو إمام الإنس والجن بل إمام الكون وقوامه، فلولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها،
فهو أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء
الله كما ورد في الأحاديث المأثورة عنهم علیهم السلام وهذا يعني الإمام لو سحب ألطافه ولم يتدخل في بعض الشؤون، ولم يعمل على رعاية الأمة وتسديدها في حركتها ومواقفها فالله وحده يعلم كيف سيصبح حال المجتمع الإسلامي وإلى أي درجة من الانحطاط والضياع يمكن أن يصل..؟ فقد كتب الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف مخاطباً الشيخ المفيد ومن ورائه كل المؤمنين: (... إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أي الشدائد واصطلمكم الأعداء، فاتقوا الله جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله ويحمى عنها من أدرك أمله). يقول الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف: (وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء) (1). وقال الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف في توقيعه المبارك الذي أجاب فيه على رسالة إسحاق بن يعقوب وأمر فيها بعدم الخوض فيما لا يعنيه قال علیه السلام: (وأما علة ما وقع من الغيبة، فإن الله عز وجل يقول: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لكُمْ تَسُؤْكُمْ) إنّه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه
1) (الاحتجاج: ج2).
بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد الطواغيت في عنقي، أما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم) (1).
3_ تقليد الفقيه العادل واجب على كل مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد في عصر الغيبة، وهذا التقليد المقيد بالشرط من الآداب الرفيعة والتقوى، وأن يسمعواله ويطيعوا أوامره تمهيداً لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، وجاء في حديث الإمام الحسن العسكري علیه السلام، قوله: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه) (2).
4_ محاربة الحواجز اللونية والاجتماعية والقومية التي تفصل المجموعات الإنسانية. وقد روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على
حبشي إلا بالتقوى)، وقال: (أيها الناس: إن ربَّكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض ولا أسود فضل إلّا بالتقوى).
5- مراعاة حقوق الإنسان بكل دقة حسب ما شرعه الدين الإسلامي الحنيف، والابتعاد عن أي قانون لا يمت بصلة للدين الإسلامي أي (القوانين الوضعية)، وإن كل من سار على خلاف شريعة السماء السمحاء، مختل عقلياً وغير مؤدب بآداب الإسلام الحنيف.
6_ الالتفاف حول العلماء الربانيين الأتقياء المخلصين للاستفادة منهم في مجالات الحياة الدينية أو المجالات الأخرى، وعدم التأثر بالعواطف والالتفاف عليهم للمصالح الشخصية الفاسدة، وأن لا يصغي الممهد إلى أي وسواس خنّاس معاند للحق والمذهب، وليعلم الممهد أي خطوةٍ منحرفةٍ تشكل خطراً في إطار إقامة دولة الحق والتضعيف من حركة الاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : (اغد عالماً أو متعلماً ، أو أحبّ العلماء، أو تكون رابعاً
فتهلك ببغضهم) (1).
السعي لتوحيد بلاد الإسلام الجغرافية حتى تنصهر
1) (البحار م1، ص 64).
في دولة واحدة إلى أن تصل في آخر المطاف في دولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف قال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون)(1).
ومن الواضح لدى صاحب كل عقل سليم، أن تفكك البلاد الإسلامية، بوجود الحدود الجغرافية بينها من الأسباب
الرئيسية في تخلف وتناحر المسلمين.
8_ العمل الحثيث في القضاء على الهرج والمرج (2)، الذي يدور في هذا الزمان بين الفرد والآخر، والبلد والآخر، ونحو ذلك، قال تعالى: (ادْخُلُوا فِي السَامِ كَافَةً) (3)، ففضل العبادة في الهرج كهجرة المن، يعني إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم كما ورد في الحديث النبوي، وهذه المنزلة الرفيعة هي التي يسعى إليها المهد في عصر الغيبة الهجرة إلى الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف ، ويؤكد لنا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن حجم الفتنة التي ستكون في آخر الزمان والتي يجب أن يحذرها الناس: (ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف)،
فاحذر عزيزي الممهد لدولة النور من تلك الفتن التي يكون أصحابها لا يسمعون للحق ولا ينطقون فيه للحق ، فالقابض
فيها على دينه كالماسك على جمرة من نار.
9_ التصدق بما يتيسر بالاستمرار والتكرار لحفظ الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف ، وتشجيع المؤمنين على ذلك العمل الحسن، فقد ورد في دعاء التصدق حين السفر: اللهم إن هذه لك ومنك وهي صدقة عن مولانا محمد عجل الله تعالی فرجه الشریف، وصلّ عليه بين أسفاره وحركاته وسكناته في ساعات ليله ونهاره .
10_ أن يكون الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، أحب إليه من نفسه وأهله، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وأهلي أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وذاتي أحب إليه من ذاته).
11_ التبشير بقضية الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف: إن من آداب الممهد دعوة المسلمين عامة إلى المنقذ الحقيقي للبشرية الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف واستغلال الأجهزة الحديثة الإعلامية، للاستفادة من التكنيك والتقنية الموجودة في العالم لنشر ذلك الوعي الرباني، وكذلك دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى مولاهم الحق بإخلاص والتجرد عن حبِّ حطام الدنيا، والتوغل في أفكارهم، ليطلعوا على واقعهم السيئ
وأسباب ترديه لتركهم العمل والامتثال لأوامر القرآن الكريم والعترة الطاهرة، ويرسم لهم المنهج الصحيح للنهوض من كبوتهم بشرح مبادئ الإسلام لهم ورائدنا في كل ذلك قوله تعالى: (وَلَتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُو ).
12_ القيام تعظيماً لسماع اسمه المبارك عجل الله تعالی فرجه الشریف لا سيما عند ذكر لفظة (القائم)، وتعليم صغار السّن على ذلك العمل، حتى يُزرع وينمو معهم حبّ وتعظيم الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، فقد ورد أنه ذكر اسمه المبارك عجل الله تعالی فرجه الشریف في مجلس الإمام الصادق علية السلام فقام تعظيماً واحتراماً له، وفي تنزيه الخاطر: أن الإمام الصادق علیه السلام سُئل عن سبب القيام عند ذكر القائم من ألقاب الحجة فقال عجل الله تعالی فرجه الشریف علیه السلام : لأن له غيبة طولانية(1).
وروي أيضاً عن الإمام الرضا علیه السلام، أنه قام في مجلسه بخراسان عند ذكر لفظة القائم ووضع يده على رأسه الشريف وقال : ( اللّهم عجّل فرجه وسهّل مخرجه) (2)، وفي كتاب مشكاة الأنوار قال: لما قرأ دعبل قصيدته المعروفة على
الرضا علیه السلام، وذكره عجل الله تعالی فرجه الشریف، وضع الرضا علیه السلام يده على لان رأسه وتواضع قائماً ودعا له بالفرج (1).
13_ المواظبة على هذا الدعاء بعد كل فريضة، (رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وآله نبياً، ويعلي إماماً، وبالحسن والحسين، وعلي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن، والخلف الصالح علیه السلام، أئمة ، وسادة، وقادة، بهم أتولى، ومن أعدائهم أتبرأ) .
ثم تقول ثلاث مرات: (اللهم إني أسألك العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة).
14_ أهمية إحياء ذكر الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف بين الناس في المحافل والمجالس الخاصة وفي السّر والعلن، في هذه النقطة من أعمال الاستعداد نصل إلى سرّ التأكيد البالغ على ذكر أهل البيت علیهم السلام عموماً ، فعن جميل بن دراج عن معتب مولى أبي عبد الله علیه السلام، قال سمعته يقول لداود بن سرحان: (يا داود ابلغ مواليي عني السلام وإني أقول رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا فإن ثالثهما ملك
1) (منتخب الأثر : ص 506).
يستغفر لهما وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلّا باهى الله تعالى بهما الملائكة فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر فإن في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياؤنا وخير الناس من بعدنا من ذا نر يأمرنا ودعا إلى ذكرنا).
وأنت ترى بأنَّ الإمام علیه السلام يطلق الكلمة (الذكر) من غیر
تقييد حيث يقول: (فاشتغلوا بالذكر) ومع ذلك يُطبِّقه على ذكرهم علیهم السلام، وهذا دليل على عدم انفصال ذكرهم عن ذكر الله تعالى، إن ذكر أهل البيت علیهم السلام عنه هو تمهيد فعال لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وتشهير واضح بأحقية أهل البيت علیهم السلام في خلافة الأرض.
ولا يخفى على كل ممهد لدولة الإمام أنَّ ذكرهم علیهم السلام لا يعني الحديث عن سيرتهم من تاريخ ولادتهم وشهادتهم
وبيان مناقبهم فحسب، بل إحياء لتعاليمهم وتنفيذ لوصاياهم والإعداد الصحيح لدولتهم العالمية، التي ستقام بإذنه
تعالى.
15_ الدعاء للإمام بالحفظ والسلامة والأمان من شرِّ شياطين الإنس والجن والدعاء للإمام علیه السلام بطلب الظفر
والنصر وغلبته على الكفار والملحدين والمنافقين وإقامة
دولة الحق ، ويستحب أن يختتم الممهد أدعيته اليومية بالدعاء بتعجيل فرج الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وظهوره المبارك.
(اللهم كن لوليك القائم بأمرك الحجة ابن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً ومؤيداً ومريداً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً وعرضاً وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين، اللهم انصره وانتصر به واجعل النصر منك وعلى يده واجعل النصر له والفتح على وجهه ولا توجه الأمر إلى غيره، اللهم اظهر به دينك وسنّة نبيك حتى لايستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق، اللهم إني أرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك
وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واجمع لنا خير الدارين واقض عنا جميع ما تحب فيهما واجعل لنا في ذلك الخيرة برحمتك ومنك في عافية آمين رب العالمين وزدنا من فضلك ويدك الملأى فإن كل معط ينقص من ملكه وعطاؤك يزيد في ملكك.
16_ الرضا بالمهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف إماماً وقائداً: إن الرضا بالإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف المنقذ من الضلال إماماً وقائداً أمر ضروري، وكذلك معرفة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف معرفة حقيقية لا مجرد دعوة، إن الذين يدّعون الرضا والمعرفة كثيرون، ولكن عملهم معاكس لتعجيل الفرج والعمل الصالح الذي يهيئ القاعدة، وأفئدتهم منه هواء، والإمام المهدي علیه السلام علينة منهم براء، والرضا والمعرفة أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، وينطبق قوله تعالى على الذين يدعون المعرفة والرضا وهم خلاف ذلك (يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) .
17_ أن يكون الإنسان مهموماً للإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف في أيام الغيبة والفراق بسبب عدم القدرة إلى الوصول إليه مع وجوده بيننا عجل الله تعالی فرجه الشریف، ومشارطة وملازمة هذا الهمّ من أجل الرقي إلى عشق وحب الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.
18- العمل على تقوية الإيمان بالله (عزّ وجلّ) ورسوله والأئمة الأطهار علیهم السلام ، والعمل الصالح، للتمكن من اجتياز الفتن بسلام التي تدور في العالم أجمع في هذا الزمان، من
قتل للنفس المحترمة وارتكاب للفواحش علناً وكثرة الفساد، حيث يتمكن منه كل فرد. قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (يأتي زمان القابض على دينه كالماسك على جمر من نار).
19_ أن يعلم الإنسان جيداً أن الإمام المهديعجل الله تعالی فرجه الشریف مطلع على خفايا أعمال العباد في آناء الليل والنهار بإذن الله (عزّ وجلّ) لأنه عجل الله تعالی فرجه الشریف حجة الله تعالى على خلقة والحاكم الأصل في بلاده، والمطلع على أسرار وجوده ، فيعمل الممهد وكأنما الإمام علیه السلام هو الذي يأمره في التكليف.
20 _ مذاكرة الكتب الإسلامية لمذهب الحق، مذهب أهل البيت علیه السلام، وعلى وجه الخصوص الكتب التي تتعلق بالقضية المهدوية، من أجل النضوج الفكري في هذا المجال
وعرض الشُّبه التي تدور حول قضية الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف على أهل الاختصاص في مجال العقيدة.
21_ التأثر لانتشار الفساد في الأرض بجميع أشكاله وعدم وجود المنقذ منه، وخروج الناس عن الدين واتّباعهم للمنحرفين عن العقيدة الصحيحة، وتصرخ صراخ الجريح، لقد انشق الفجر، وتنفس الصبح، وسطعت الشمس في رابعة النهار لتكشف الخبايا، وتميط اللثام عن وجوه أعداء
182
الإسلام، ولا من مناصر لشريعة محمد صلی الله علیه وآله وسلم إلا قليل، الكثير عملهم مجرد شعارات نشرت في الكتب والمجلات وكتبت على الجدران والبعض القليل من الشيعة والمحبين ينتظرون الفرج العظيم.
22_ الشعور بالحزن لعدم تسلم الخلافة والحكم للإمام العظيم والمنقذ للأرض ما دام الإمام غائباً، وأن حكمه يقود الناس للرقي إلى السعادة الحقيقية، وهو الذي يملك الإمكانات العظيمة لإغاثة المظلوم ونشر العدل والإحسان.
23_ المشاركة الدائمة للأنشطة الإسلامية، مثل المجالس
الحسينية والمسابقات الإسلامية والمحاضرات والمهرجانات
الشعرية وكل المحافل الداعمة للإسلام ونحو ذلك ...
24_ الإقرار بإمامته علیهم السلام : جاء في الحديث الشريف - لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المتواتر بين السنة والشيعة: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)، وقد أشعر الحديث الشريف بضرورة وجود الإمام ووجوب معرفته مدى الحياة، لأن إضافة الإمام إلى الزمان تستلزم استمرارية الإمامة، وتجددها عبر الأزمنة والعصور، وفي هذا الزمان هو الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.
والفقيه الذي تقلّده هو نائب للإمام علیه السلام، وقال
الإمام علي علیه السلام في نهج البلاغة (.. لا تخلو الأرض من
الشافي قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته) (1).
25_ انتظار الفرج وتوقع ظهوره المبارك والرجاء وانتظاره بالعمل والدعاء والتقوى والورع ، جاء في (إكمال الدين للصدوق ج 2) عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله (عز وجل))، وعن الإمام علي علیه السلام : (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى، ولا علم، يتبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون...) (2)، وعن الإمام الصادق علیه السلام : (والله لتكسرن تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود (كما كان) والله لتكسرن تكسر الفخار، فإن الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان، والله لتغريلنّ. ووالله لتميزن، ووالله لتمحصن حتى لا يبقى منكم إلا الأقل، وصعر كفّه ..) (3)، وعن الإمام الصادق علیه السلام: (... إن لنا دولة يجيء الله بها
إذا شاء، ثم قال: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة) (1)، وعن الإمام الصادق علیه السلام: (المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يذب عنه) (2)، وعن الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف: (وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم)(3)، إن من الأعمال المهمة جداً في عصر الغيبة الانتظار والرجاء، لأن أمرهم صعبٌ مُستَصعَبٌ، حيث وردت أحاديث كثيرة جدّاً تؤكِّد: (إِنَّ أمرنا صعبٌ مستصعبٌ لا يَحتمله إلا مَلَكٌ مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للا يمان).
26_ إن دولة المهدي دولة النور: إن الصفات المذكورة في الأحاديث للمؤمن الذي يحتمل أمرهم كلِّها صفاتٌ تنبئ عن واقع نوراني قد استولى على ذلك الإنسان المتَّصف بتلك الصفات ككونه ملكاً مقرباً أو نبيًّا مُرسلاً أو عبداً ممتحناً
أو صدوراً منيرة أو قلوباً سليمة ... الخ .
وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الواقع الذي سوف يحققه ولي الأمر عجل الله تعالی فرجه الشریف هو واقع يختلف تماماً عمّا نعيشه نحن في عصرنا الحالي من العيشة المادية الصرفة التي لا تتحلى بالمعنوية والنورانية أصلاً .. وقد مَلأت هذه الدنيا أفكارَنا وأذهاننا بحيث لم تسمح لنا أن نتصور تلك الدولة تصوراً صحيحاً ناهيك عن التصديق بها كما هي، وبالفعل صار هذا الأمر أمراً صعباً مستصعباً علينا.
وعليه: يتأكد علينا أن نجدّد نظرنا في فهم ومعرفة دولة المهدي كي نرغب فيها وننتظرها.. وفي الزيارة الجامعة الكبيرة : (عارف بحقكم مقرّ بفضلكم محتمل لعلمكم محتجب بذمتكم معترف بكم مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم).
وفي زيارة أخرى (السلام عليكم يا أئمة الهدى السلام علیکم یا أعلام التقى السلام عليكم يا أولاد رسول الله أنا عارف بحقكم مستبصر بشأنكم موقن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأيامكم مرتقب لدولتكم).
27_ فضح علماء السوء ووعاظ السلاطين، أولئك المتلبسين بلبوس الدين والمجندين سرّاً وعلانية لخدمة
السلطان الجائر والذين يمارسون أخطر دور على الإطلاق
لاستغلالهم احترام وثقة الناس بالعلماء وطاعتهم النقية
لهم، مثل هؤلاء أخطر على الإسلام من الملحدين والكفرة، وأكثر عرقلة لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف.
28_ ومن الأعمال المهمة في عصر الغيبة المباركة للإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف التضرّع والمسألة من الله تبارك وتعالى الحفظ الإيمان والدين من شبهات الشياطين والزنادقة. فعن الإمام الصادق علية السلام : (إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده، ثم أطرق مليًّا ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتق الله عبد، وليتمسك بدينه) (1)، وعن الإمام الصادق علية السلام : حين سأله أحدهم: إن أدركت ذلك الزمان أي شيء أعمل؟ .
قال: (يا زرارة إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: اللهم عرّفني نفسك فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك، اللّهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني) 7(2).
29_ تهذيب النفس من الصفات الرذيلة، وتحول الشخصية الإسلامية إلى قرآن ناطق بالحق، إن دولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، تدعو الناس إلى الطريق الذي يصل إلى ذلك الكمال الملكوتي، وليتممو ا مكارم الأخلاق ، وليزكوا النفوس، وإن هذه الدولة لها مقومات ومن هذه المقومات تغير ما في النفس من الرذائل والتحلي بالفضائل، قال تعالى في كتابه العزيز: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (1).
فتغيير ما بالنفس وتهذيبها شرط لازم لتعجيل ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، وإقامة تلك الدولة العظمى التي ستقام إن شاء الله تعالى إن شاء الناس أو أبوا، ولكن التمهيد أمر ضروري لتعجيل ذلك الفرج البهي (أرواحنا لمقدمه الفدا).
30_ الاستعانة والاستنجاد والاستغاثة بالإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف عند الشدائد والأهوال والبلايا والأمراض وعند وقوع الفتن. يقول الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف: (نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم
1) (سورة الرعد الآية (11)
ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي
أصابكم)(1).
31- التمسك بالثقلين وهما (الكتاب) الذي فيه الهدى والنور، وهو الثّقل الأكبر، وحبله الممدود من السماء إلى الأرض، و(العترة) وهي الثقل الأصغر، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ( أَيُّهَا النَّاسُ يُوشِكُ أَنْ أَقْبِضَ قَبْضاً سَرِيعاً فَيَنْطَلِقُ بِي وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ الْقَوْلِ مَعْذِرَةً إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفُ فِيكُمْ كِتَابِ رَبِّي عَزَّ وَجَلٍ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ فَقَالَ هَذَا عَلِيُّ مَعَ الْقُرْآنِ ، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليٌّ الحوض، فأسألهما ما خلفتُ فيهما) (2)2 ، وفي حديث آخر لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً)، وهذا الحديث أيضاً مشهور في كتب المسلمين كصحيح مسلم والترمذي ومسند أحمد
وغيرها، فلتخلف الأمة الإسلامية علاقة بين هذا الحديث الذي ينفي الضلالة عن الأمة بتمسكها بالثقلين، والتمسك بهما يُعد الأساس الرئيسي في التمهيد لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، وأخرج الشيخ الكليني في الكافي والصدوق في إكمال الدين والنعماني في الغيبة. عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام، حين يسأله الراوي عن تكليفه في زمان الغيبة، حين تكثر الفتن ودعاوى الضلال وتنتشر الشبهات، قال الراوي : فكيف نصنع ؟ قال فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟ فقلت نعم، قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس، أي أن الأئمة الحق مع وأمرهم واضح كوضوح ضوء الشمس في رابعة النهار، وقيام الحجة فيه على الخلق، فلابدّ من التمسك به في زمن الغيبة.
32_ من آداب الممهد لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف، أن يواظب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتهاون في ذلك، لأن كل تهاون في المسألة يعد عرقلة في طريق المسيرة المهدوية، ويحافظ فى ذلك على التمسك في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يشير إلى ذلك الفساد والمرحلة الوخيمة للأمة
بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المرحلة التي يعود فيها الإسلام غريباً مثلما بدأ غريباً (كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر) فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ .
قال صلی الله علیه وآله وسلم: (نعم)، فقال: (كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف) فقيل له: يا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ويكون ذلك؟.
فقال : ( نعم وشرٌّ من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟).
وإنكار المنكر يسري على فعل كل قوم وفرد وعلى مرِّ العصور لأن من أحبّ عمل قوم حُشر معهم، وروي أن القائم عجل الله تعالي فرجه يقتل ذراري قتلة الحسين علیه السلام لرضاهم بفعل آبائهم(1)، يجب إظهار الكراهة والإعراض عن فاعل المنكر، قال الإمام الباقر علیه السلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: انكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصکّوا بها جباهكم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا، فلا سبيل عليهم (إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) هنالك فجاهد وهم بأبدانكم، وابغضوهم
1) (وسائل الشيعة 4/409:11).
بقلوبكم غير طالبين سلطاناً، ولا باغين مالاً ، ولا مريدين بالظلم ظفراً،(حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته)(1)، وقد ورد عنهم علیه السلام أن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض وتؤمّن المذاهب، وتحل المكاسب، وتمنع المظالم، وتعمر الأرض وينتصب للمظلوم من الظالم، ولايزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء.
33- القيام بمصالح المسلمين: قال أمير المؤمنين علیه السلام :(من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم) مثل إطعام الطعام، الإصلاح بين الناس مثل إصلاح ذات البين والموعظة ونحو ذلك، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الصدقة الجارية، نصيحة المسلمين، إصلاح الطرق، إعانة الضعيف، إيواء اليتيم، بناء المدارس والمستشفيات والساجد والحسينيات والمعامل الخدمية ونحو ذلك..
34- القيام بحقوق الإخوان والإحسان إليهم: مثل قضاء حاجة المؤمن، تفريج كرب المؤمن، الطاف المؤمن وإتحافه، إكرام المؤمن، الستر على المؤمن وأن تجعل له
1) (الوسائل).
المحامل إن أخطأ، خدمة المسلم ولو باجاه، البرّ بالمؤمن والإعانة عليه ونحو ذلك.
35- الإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد: ولا يعجب البعض من السرّ العجيب المخبوء على البعض والأثر الفعلي في الصلاة على محمد وآل محمد واعتبارها من الآداب المهمة في الاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه، إن الصلاة على محمد وآل محمد هي من الكنوز التي يعجز الإنسان عن فضلها، فهي المفتاح لكثير من الحقائق والعلوم الربانية، فإذاً من المهم جداً المواظبة والإكثار منها في عصر الغيبة، وبشرط فهم معاني هذه الألفاظ مع الرياضة البعدية لها، وقال الإمام الصادق علیه السلام: (من صلّى على محمد وآل محمد عشراً صلى الله عليه وملائكته مائة مرة، ومن صلى على محمد وآل محمد مائة صلى الله عليه وملائكته ألفاً، أما تسمع قول الله تعالى:(هُوَ الَّذِى يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ خرِجَكُم مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً))(1)، وعن أبي حمزة عن أبيه، قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام قول الله عز وجل:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، فقال: (الصلاة من
1) (سورة الأحزاب الآية 43) (الوافي ج 5، ص228 ، عن الكافي).
الله عز وجل رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء)، وأما قوله عز وجل:(وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، فإنه يعني بالتسليم له فيما ورد عنه، قال: فقلت له: فكيف نصلي على محمد وآله؟
قال: تقولون: (صلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته).
قال: فقلت فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلاة؟
قال: (الخروج من الذنوب، والله كهيئة يوم ولدته أمه )(1).
36- الصلاة عليه علیه السلام : فقد ورد استحباب الصلاة عليه في أكثر من مورد كما في دعاء الافتتاح، وكالصلاة الواردة عن الإمام العسكري علیه السلام : ( اللهم صلِّ على وليك وابن أوليائك ولي الأمر المنتظر الحجة ابن الحسن، اللهم صلّ على وليك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم ..)(2)، أو بالصلاة التالية: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى وَلِيِّكَ وَابْنِ أَوْلِيَائِكَ
الَّذينَ فَرَضْتَ طَاعَتَهُمْ وَأَوْجَبْتَ حَقَّهُمْ وَاذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهيراً، اللّهُمَّ انْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ لدينِكَ وَانْصُرْ بِهِ أَوْلِياءَكَ وأَوْلِياءَهُ وَشِيعَتَهُ وأَنْصارَهُ، وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ ، اللّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ شَرِّ كُلِّ باغ وَطاغَ وَمِنْ شَرِّ جَميعِ خَلْقِكَ، وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدِيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَاحْرُسْهُ وَامْنَعْهُ أَنْ يُوصَلَ إِلَيْهِ بسوء، وَاحْفَظْ فيهِ رَسُولَكَ، وَآلِ رَسولِكَ وَأَظْهِرْ بِهِ الْعَدْلَ وَأَيَّدْهُ بِالنَّصْرِ، وَانْصُرْ ناصِرِيهِ وَاخْذُلْ خَاذِليهِ، وَاقْصِمْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكُفْرِ وَاقْتُلْ بِهِ الْكُفَّارَ وَالمَنافِقِينَ وَجَميعَ المُلحِدينَ حيثُ كانُوا مِنْ مَشارِقِ الْأَرْضَ وَمَغارِبِها وَبَرِّها وَبَحْرِها وَامْلاً بِهِ الْأَرْضِ عَدْلاً وَأَظْهِرْ بِهِ دِينَ نَبِيِّكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ السَّلامُ ، وَاجْعَلْنِي اللَّهُمَّ مِنْ أَنْصارِهِ وَأَعْوانِهِ وَأَتْباعِهِ وَشِيعَتِهِ وَأَرِنِي فِي آلِ مُحَمَّد مَا يَأْمَلُونَ وَفِي عَدُوِّهِمْ مَا يَحْذَرُونَ إلهَ الْحَقِّ آمين).
وورد في مصباح الزائر (ص 420) : (اللهم صلِّ عليه صلاة تظهر بها حجته وتوضح بها بهجته وترفع بها درجته وتؤيد بها سلطانه وتعظم بها برهانه وتشرِّف بها مكانه، وتعلّي بها بنيانه، وتعزُّ بها نصره، وترفع بها قدره، وتسمي بها ذكره، وتظهر بها كلمته، وتكثّر
بها نصرته، وتعزُّ بها دعوته، وتزيده بها إكراماً، وتجعله للمتقين بها إماماً، وتبلغه منا تحية وسلاماً).
37- الحذر واليقظة ومجاهدة العدوّ في سبيل الله تعالى: بنيّة صادقة تنصبُّ في سبيل الله تعالى مقدّماً ما يملك من النفس والمال لقيام دولة الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه ، قال تعالى: (وَجَهِدُوا بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، مجاهداً كل أمر يحول ويعرقل تعجيل الظهور الشريف للإمام وتحقيق النصر لدولة الإمام المنتظر علیه السلام.
هذا الأمر بنفسه بل أعلى مستوى منه متوفّر في المجاهد الحقيقي الذي يتمنَّى في كلِّ صباحٍ ومساءٍ أن يعيش في ظلِّ ذلك المعشوق روحي لتراب مقدمه الفداء ولسان حاله (.. فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي ملبياً دعوةَ الداعي في الحاضرِ والبادي..)، وهو بقربه إلى الله وشهوده مقام ربِّه صار كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله شهيداً في سبيل الله ، وليس للشهيد خصوصيةٌ كمصداق بل الخصوصية والقيمة لمفهوم الشهادة التي تعني الوصول إلى الله وشهود وجه المحبوب، والحذر واليقظة من المعادين لتمهيد دولة الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه من أهل الكفر
والنفاق والفسوق، لاسيما اليهود الكفار (القوى الشيطانية
الكبرى) الذين يتربصون للمسلمين وينتهزون الفرص للسيطرة الكاملة على الإسلام، بواسطة عملائهم من الأنظمة والحكام الذين راحوا يتآمرون على الإسلام باسم الإسلام، وإظهار الحرص على نشره، أن يكون الممهد مستعداً لكل طارئ ويقظاً، وصعباً على عدوّه أن ينال منه أو أن يباغته ليقضي عليه، والمباغتة مبدأ من أهم مبادئ الحرب وليس جندياً حقاً من ينام عن عدوّه، لأن المبدأ السليم في محاربة الخصم هو إدخال أسوأ الاحتمالات في الحساب، وما أصدق المثل العربي القائل: ( إذا كان عدوّك نملة فلا تنم له). 38- مبايعته علیه السلام: فقد ورد في دعاء العهد: (اللهم إني أُجدّد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً)، إن بيعة الإمام مسألة واجبة في عنق كل الناس ولكن لخذلانه من أكثر الناس للأسف الشديد، آل الأمر إلى شيعته ومحبيه في البيعة، ولاسيما تجديدها يومياً، وفي مولده الشريف في 15 شعبان من كل سنة، أو عند زيارة الأئمة علیه السلام وتجديد البيعة في حضرتهم له علیه السلام.
39- الثبات على ولايته علیه السلام : فعن الإمام الباقر علیه السلام أنه قال: (يأتي على الناس زمان يغيب عنهم
إمامهم، طوبي للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن ينادي بهم الباري جلَّ جلاله فيقول: عبيدي وإمائي آمنتم بسري وصدّقتم بغيبي فابشروا بحسن الثواب مني، أي عبيدي وإمائي حقاً منكم أتقبّل وعنكم أعفو ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء، لولاكم لأنزلت عليهم عذابي)(1).
40- التوكل على الله تعالى في تحقيق النصر في كافة المجالات، إن من النقط الأساسية في التمهيد لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه التوكل على الله تعالى، والثقة به وحده، لأنه مسبب الأسباب والمعين في تحقيق النصر وإقامة تلك الدولة الإلهية التي يعيش الناس فيها في خير وأمان وسلام، ويبلغ كل فرد فيها السعادة والعدالة في الحقوق والواجبات التي على عاتق كل فرد للوطن الإسلامي الكبير الذي سيجمع جميع الملل والنحل تحت راية الإسلام الحنيف، فإن للباطل جولة وللحق دولة، ولابدّ من قيام دولة الحق، التي وعد الله تعال رسوله صلی الله علیه وآله وسلم بإنشائها في الحياة الدنيا، قال تعالى:(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ
1) (البحار: ج 52 ص 145).
بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(1).
لأن تلك الدولة لاتقوم بدون مقومات الدين فإن دستورها القرآن الكريم وسنة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وعقائدها محط نظر الله تعالى الإمام المعصوم مفترض الطاعة، فالتوكل من مقومتها التي لابدّ منه بين أتباع الإمام (سلام الله) عليه وأن يوصوا فيه كل من يستبصر بطريق الحق .
41- كنس كل الأفكار والشبهات والعواطف المعارضة لقضية الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه ، وتبديلها بعواطف ومعتقدات وأفكار صحيحة تدور في فلك القضية المهدوية على النحو الإيجابي، ويقاس نجاح هذه المسألة في الحقل الفكري بمدى تغلغل مفاهيمها في فكر الشخصية الساعية للاستعداد للتمهيد، وفي المجال النفسي على وجه الخصوص، وبمدى
انسجام الشخصية مع تلك المفاهيم الصحيحة.
1) (سورة آل عمران الآية 160).
دِرَاسَةُ الأوضاع الْعَالِمِ قَبْلَ الظُّهُورِ عاى ضرور وَ ايات أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ و
جبولة فِي أَهُمُّ وظائفنا تُجَاهَ إِمَامٍ زَمَانِنَا الْحُجَّةَ بْنَ الْحَسَنِ عَجَّلَ اللَّهُ تَعَالِي فَرْجَهُ
شركة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان
الطبعة الأولى
1433 هـ - 2012م
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة للمؤلف
يحظر نسخ أو تصوير أو ترجمة أو إعادة التنضيد بشكل كامل أو جزئي أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة خطية من الناشر.
شركة الأعلمي للمطبوعات
بيروت - طريق المطار - قرب سنتر زعرور
هاتف : 01/450426 - فاكس : 01/450427
Published by Aalami Est.
Beirut Airport Road
Tel:01/450426 Fax:01/450427
فرع ثاني: العراق - كربلاء المقدسة - شارع السدرة - موبایل: 07801561980
كما تمتلئ الأرض ظلما وجوراً ويبتعد الناس عن الدين والأخلاق وتزداد الانحرافات وينتشر الفساد والخوف والرعب ولا يبقى من الإسلام إلّا اسمه ومن الإنسانية إلّا قالبها الجسماني كما تسود الأرض كل هذه المفاسد إلّا أنّه في نفس الوقت يبقى للحق أتباعه وإن كانوا قلّة محاربين والقابض منهم على دينه كالقابض على جمرة وتبقى هنالك فئةٌ مؤمنة صابرة محتسبة منتظرة للفرج وللأمل الموعود تشكّل القاعدة الجماهيرية الحركته عليه السلام والأرضية الصالحة للظهور المرتقب وهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة ويغربلون ويبتلون لتصفيتهم وإعدادهم لإقامة حكم الله في الأرض بإمامة منقذ البشرية الحجة بن الحسن أرواحنا لتراب مقدمة الفداء وهنا عناوين ثلاث نسلّط عليها الضوء.
العلماء الصالحون
إنّ التربية الصحيحة التي يحتاجها الممهّدون في آخر الزمان تقع على عاتق العلماء الصالحين في ذلك الزمان فهم امتداد مدرسة أهل البيت وثمرة يانعة من ثمار شجرة آل محمد التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربِّها. هؤلاء العلماء الأبرار هم الممهِّدون الحقيقيون للإمام المهدي وهم في عصر الغيبة نوّابه الفعليون الذين يمثلون الشوكة في عيون الأعداء والحماة عن مذهب أهل البيت وشيعتهم الذين يفنون حياتهم في كشف مخططات الطغاة والعتاة وجحدة الحق وإفشال مكائد الشيطان فيهم وبنور هداهم تنجلي ظلمة الجهل وتنقشع سحابة الأفكار الضالة ويبقى الشيعة الممهِّدون في حصانة من كل سوء يراد بهم بفضل حكمة وحنكة هؤلاء الأبرار وصبرهم في مقارعة الظلم والطغيان والاستكبار وما زال ويبقى دور علماء أهل البيت وأعاظم
فقهائهم على هذا المنوال ويزداد تقدّماً في نصرة الحق وأتباعه، ومواقفهم أوضح من أن تذكر وهاهي ماثلة للعيان شامخة البنيان
وليست بخافية على أحد وهاهو اليوم مذهب أهل البيت ينتشر في ربوع العالم بفضلهم وجهدهم الحثيث بأسرع ما يكون وهاهي القوى الكبرى في الأرض بما أوتيت من قوة في العدد والعدّة تقف متواضعة فتوقف بعض مخطّطاتها أو تضطرّ لاستبدالها بغيرها أو تتراجع أحياناً أمام الموقف الصلب للمرجعية الدينية التي لا تأخذها في الله لومة لائم.
وقد روي عن الإمام الهادي علیه السلام أنّه قال: (لولا من يبقى بعد
غيبة قائمكم علیه السلام من العلماء الراغبين إليه والدالين عليه والذابين عن
دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته من فخاخ النواصب لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين الله ولكنهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة مكانها أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل).
إنّ كل بنيان يحتاج إلى قواعد ولا يمكن تشييد بنيان ضخم شامخ ما لم تحكم الأسس والقواعد ويتم التأكد من كفاءتها وقدرتها وأهليتها ولذا فإنّ الحركة العالمية للإمام المهدي علیه السلام وإقامة الحكومة الإسلامية الموعودة يحتاج إلى المجتمع الصالح القادر على النصرة والمؤهل للنهوض مع إمامه بما يحمله من صلابة في إيمانه ورسوخ في عقيدته ويشكل الشيعة المخلصون في آخر الزمان مجتمع الممهدين للمهدي عجل الله فرجه الشرف وما يمرّ بهم من محن وابتلاءات إنّما هو للتمحيص والغربلة، ولتهيئتهم على أحسن وجه وقد ورد مدحهم والإشادة بهم في العديد من الروايات.
فعن علي بن الحسين علیه السلام قال: (إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان لأنّ الله تعالى ذكرهُ أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالسيف أولئك هم المخلصون حقّاً وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً).
وقال الصادق علیه السلام:(طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا ولم
يزغ قلبه بعد الهداية) فقلت له: جعلت فداك، وما طوبي؟ قال علیه السلام : (شجرة في الجنة أصلها في دار علي بن أبي طالب علیه السلام وليس من مؤمن إلّا وفي داره غصن من أغصانها وذلك قول الله عز وجلّ: (طوبى لهم وحسن مآب))(1).
وقال أمير المؤمنين علیه السلام:((الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس والمنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله)(2).
وعن زين العابدين علیه السلام قال:(من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا
أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأحد )(3).
وعن الصادق علیه السلام قال:(قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم لعلي علیه السلام: يا علي واعلم أنّ أعظم الناس يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد في بياض)(4).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو مهتد به قبل قيامه يتولى وليه ويتبّرأ من عدوّه
ويتولى الأئمة الهادية من قبله أولئك رفقائي وذوو ودّي ومودتي وأكرم
أمتي عليَّ)(1).
وعنه علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لأصحابه : ( سيأتي قوم من بعدكم الرجل منهم له أجر خمسين منكم) قالوا: يا رسول الله، نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن. فقال: (إنّكم إن تحملوا ما
حملوا لم تصبروا صبرهم)(2).
وعن أبي جعفر علیه السلام قال : ( يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ عز وجلّ: عبادي وإمائي آمنتم بسري وصدّقتم بغيبي فأبشروا بحسن الثواب مني أنتم عبادي وإمائي حقّاً منكم أتقبلّ وعنكم أعفو ولكم أغفر وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي)(3).
وعن الصادق علیه السلام لأبي بصير قال:(يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(4).
وكذلك أشاروا عليهم السلام إلى التمحيص والغربلة الذي سيمرّ بشيعتهم وأهمية التصفية للوصول إلى الخلاصة النقية والعصبة المصفاة المؤهلة لاستقبال المهدي والقيام معه ونصرته.
فعن أمير المؤمنين علیه السلام قال:(كونوا كالنحل في الطير ليس شيء من الطير إلّا وهو يستضعفها ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم فوالذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض وحتى يسمي بعضكم بعضاً كذابين وحتى لا يبقى منكم - أو قال: من شيعتي - إلّا كالكحل في العين والملح في الطعام وسأضرب لكم مثلاً هو مثل رجل كان له طعام فنقّاه وطيّبه ثم أدخله بيتاً وتركه فيه ما شاء الله ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس فأخرجه ونقّاه وطيّبه ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه ونقّاه وطيبه وأعاده ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضرّه السوس شيئاً وكذلك أنتم تميزون حتى لا يبقى منكم إلّا عصابة لا تضرها الفتنة
شيئاً)(1).
1) الغيبة للنعماني: 217.
وعن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: متى يكون فرجكم؟ فقال:(هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتى تغربلواثم تغربلوا ثم تغربلوا - يقولها ثلاثاً - حتى يذهب الله تعالى الكدر ويبقي الصفو)(1).
وعن الصادق علیه السلام قال: (والله لتكسّرن تكسّر الزجاج وإنَّ الزجاج ليعاد فيعود كما كان. والله لتكسرن تكسر الفخار فإنّ الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان والله لتغربلن والله لتميزن والله لتمحصنّ حتى لا يبقى منكم إلّا الأقل)(2).
وعن أبي الحسن علیه السلام قال :(والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعينكم حتى تميزوا وتمحصوا حتى لا يبقى منكم إلّا الأندر)، ثم تلا قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلا يَعلم اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَم يَتخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولهِ وَلا المؤمِنِينَ وَلِيجَة)(3))(4).
كلّما اقترب زمان الظهور المبارك كلّما انتشر الوعي الديني أكثر فأكثر وكلّما ترسّخت فكرة المنقذ وازدادت تغلغلاً في المجتمعات سيما الإسلامية منها خاصةً بعد ما تمتلئ الأرض ظلما وجوراً وتتبدّل الأحوال نحو الأسوء وتزداد الحياة قساوة وشدّة ويبتلى الناس في كل شيء جرّاء كل ذلك تتجه أنظار الجميع نحو المنقذ المخلِّص الذي تعقد عليه الآمال.
وهذا التوجّه يترك أثراً فاعلاً في تحرّك طبقات المجتمع نحو السؤال والبحث والتنقيب ليزدادوا معرفةً وليكونوا على بصيرةٍ من أمرهم وبالمقابل يتحرك العلماء الصالحون والأمناء على الحقّ والصلاح لاستثمار هذه الصحوة الجماهيرية الواسعة وكسبها إلى مذهب أهل البيت وربطها بالمشروع الإلهي الكبير والأمل الموعود وعلى أثر هذا التلاقح ما بين الحركتين - حركة المجتمع من جهة وحركة العلماء من جهة أخرى -يتولَّد الوعي المنشود وتنتشر الثقافة الإسلامية المطلوبة لتهيئة أجواء الظهور وينبغي أن لا تقف بعض الظنون والأوهام أمام
التحرك باتجاه النصرة والاستعداد للظهور المقدَّس فكثيراً ما نسمع من يقول أين نحن من ذلك ؟! وإنَّ لها أهلها ونحن لسنا بمؤمنين حقيقيين وما تلك إلّا وساوس وعمل الشيطان ليثبّط بها عزيمة المؤمنين ويحول بينهم وبين الرقيّ والتقدّم والتقرّب إلى الله، ولقد حارب أئمتنا هذه الظاهرة وبيّنوا لنا بأننا مؤمنون إلّا أنّ للإيمان مراتب، وكونك لست في الدرجة العليا من الإيمان هذا لا يعني أنّك لست بمؤمن إنما ينبغي عليك أن تسعى لترتفع وتقترب من الله عز وجلّ أكثر وتدنو إلى ساحته المقدسة بالعلم والعمل الصالح والتقوى.
يروى أنّ زيد الزرّاد قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: نخشى أن لا نكون مؤمنين قال علیه السلام:(ولِمَ ذلك) ؟ فقلت : وذلك أنّا لا نجد فينا من يكون أخوه عنده آثر من در همه و دیناره ونجد الدينار والدرهم أكثر عندنا من أخ قد جمع بيننا وبينه موالاة أمير المؤمنين علیه السلام. قال علیه السلام:(كلا إنّكم مؤمنون ولكن لا تكملون إيمانكم حتى يخرج قائمنا فعندها يجمع الله أحلامكم فتكونون مؤمنين كاملين والذي نفسي بيده إنّ في الأرض في أطرافها ما قدر الدنيا كلها عندهم تعدل جناح بعوضة)(1).
1) الأصول السنة عشر : 6.
العمل على إيجاد أجواء الظهور
العمل على إيجاد أجواء الظهور
إنّ الظهور المبارك للإمام الموعود (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يتوقف على مجموعة أمور لعلّ من أبرزها هو توفّر الأرضية الصالحة لهذه النبتة المباركة والاستعداد التام الكامل لتلقّي هذه الدعوة ونصرتها فكل تحرك يحتاج إلى قواعد جماهيرية وأنصار وقادة يعتمد عليهم المصلح في حركته فما لم تتوفّر هذه العناصر ويطمئن إليها ويثق بإمكانية الاعتماد عليها لا يمكن النهوض ويتأخّر اليوم المرتقب.
لذا نعتقد أنّ من أهم مسؤوليات أتباع هذه الدعوة والمنتظرين للفرج المؤمَّل أن يعملوا جاهدين على إيجاد أجواء الظهور بتهيئة أنفسهم لذلك وتزكيتها وتربيتها بالتربية الإسلامية الصحيحة وذلك بالتمسك بأحكام القرآن الكريم وأوامر النبي صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام ونواهيهم وتطبيق الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً والمسؤولية في ذلك تقع على عاتق الجميع فكل امرئ مسؤول عن نفسه وعن عائلته وعن كل من له تأثير عليه أو يمكن أن يؤثّر فيه قريباً كان أو بعيداً فلا بدّ من نشر ثقافة الانتظار وبث الفكر المهدوي الصحيح
ونشر المبادئ السامية المذهب أهل البيت علیه السلام والذي يمثل في حقيقته الإسلام المحمدي الأصيل فإنّ الناس لو اطلعوا على آداب وتعاليم أهل البيت لاتبعوهم، فالإنسان بطبيعته ينسجم مع الكمال ويميز بين الحق والباطل ويدرك الحسن والقبيح بعقله وبالتالي سيعرف الفرق بين مذهب أهل البيت وسائر المذاهب الأخرى ذلك الفرق الواضح بين الإسلام في ثوبه الإنساني وبين الإسلام المحرّف في ثوبه الآخر فالتفقّه من الواجبات والتحلي بخلق أئمة أهل البيت ممّا ينبغي أن نلزم به أنفسنا لنشر ثقافة الانتظار ونشر الوعي وتهيئة الأرضية المناسبة وإعداد جيل مؤمن واعي مدرك متفقّه في دينه متخلق بالخلق المحمدي الرفيع لتهيئة الظرف المناسب لظهور الإمام المنتظر وإنَّ أبرز مستويين ينبغي تسليط الأضواء عليهما لتمامية هذا العمل وتحقيق نتائجه المرجوّة هما المستوى الديني والمستوى الأخلاقي.
ولا يتحقق ذلك إلّا بتدبر القرآن الكريم والسنة الشريفة وهو أمر موقوف على المعرفة الكاملة التامة بأحكامهما وهديهما ولإنجاز ذلك لا بدّ أولاً من تعلم علوم آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم ونشرها والالتزام بآدابهم والاقتداء بهم في كل تفاصيل الحياة في جوانبها المختلفة سواء في جانب العبادة أم المعاملة أم الأحوال الشخصية وغيرها.
العمل على المستوى الديني
العمل على المستوى الديني
ينبغي على المؤمنين المنتظرين ليوم الظهور تهيئة أنفسهم والاستعداد التام للنصرة ببناء الشخصية الدينية الواعية وبالتالي بناء المجتمع المؤهل لاستقبال الإمام علیه السلام.
إنَّ الجانب الديني في الشخصية جانب مهم فهو الذي يحدّد مسار الشخص واتجاهه وإذا سار على الطريق الصحيح هو الذي يحدّد طبيعة المسير وكيفيته وعلى قدر الهدف يكون السعي (وكلٌّ على قدر الزيت فيه يضاء) والترقي في درجات الكمال والوصول إلى المراتب العالية والمقامات السامية لا يكون إلّا بالعلم والعمل الصالح وتقوى الله ولا يبتني ذلك إلّا على التفقه في الدين.
لذا يحظى هذا الجانب بأهمية بالغة وقد وردت في المقام نصوص كثيرة في فرضه والحثّ عليه.
منها ما عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (لوددتُ أنّ أصحابي ضربت
رؤوسهم بالسياط حتّى يتفقهوا)(1).
وقال علیه السلام:(عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعراباً فإنّه من
لم يتفقّه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزلكِّ له عملاً)(2).
وعنه علیه السلام وقد قال له رجل: جعلت فداك رجلٌ عرف هذا الأمر
لزم بيته ولم يتعرّف إلى أحد من إخوانه ؟ فقال علیه السلام:(كيف يتفقّه هذا في دينه)(1)؟؟!!
وعن أمير المؤمنين علیه السلام قال:(أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم والعمل به ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه)(2).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال :(قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إنّ الله يحبّ بغاة العلم)(3).
والمقصود من العلم في هذه الرواية وغيرها والذي ورد الحثّ على طلبه هو العلوم الدينية وإن كنا لا ننكر أهمية سائر العلوم واحتياج الناس إليها إلّا أنّه في سلسلة الأهمية عند الله تقع العلوم الدينية على رأسها المقربيتها من الله وأثرها في الوصول إلى الغاية التي خلق الإنسان من أجلها ( وما خلقت الجن والإنسان إلّا ليعبدون)(4).
وقد ورد عن أبي الحسن موسى علیه السلام قال:(دخل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: ما هذا؟ فقيل: علّامة. فقال:
وما العلّامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقايعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية ، فقال صلی الله علیه وآله وسلم:(ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه. ثم قال صلی الله علیه وآله وسلم: إنما العلم ثلاثة آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قايمة، وما خلاهن فهو فضل)(1).
ولذا عدّ أبو جعفر علیه السلام التفقه في الدين من أعلى درجات الكمال قال علیه السلام:(الكمال كل الكمال التفقّه في الدين والصبر على النائبة وتقدير
المعيشة)(2).
وقال علیه السلام:(عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد)(3).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال :(لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا يا بشير إنّ الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم)(4).
وعندما سُئل عليه السلام أيّهما أفضل رجل راوية الحديثكم يبثّ ذلك في الناس ويشدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم أم العابد من شيعتكم وليست له هذه الرواية ؟ فأجاب علیه السلام:(الراوية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)(5).
وعن علي بن الحسين علیه السلام قال: (لو يعلم الناس ما في طلب العلم الطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال أنّ أمقت عبيدي إلىَّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم وأنّ أحب عبيدي إلىَّ التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء)(1).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال:(من تعلّم العلم وعمل به وعلّم لله دُعي في ملكوت السماوات عظيماً، فقيل : تعلّم الله وعمل الله وعلّم الله )(2).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال:(قال أمير المؤمنين علیه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حقَّ الفقيه: مَنْ لم يقنِّط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة عنه في غيره ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم ألا لا خير في قرائة ليس فيها تدبّر ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر )(3).
وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ( أُفٍّ لرجل لا يفرِّغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه )(4).
وما هذا التأكيد البالغ والحث على طلب العلم والتفقّه في الدين والنهي الشديد عن تركه إلّا لما يترتب عليه فمن لم يتفقه كان في ظلمة الجهل وضلَّ عن سواء السبيل وتلاقفته الفتن والآراء الضالة وافترسته الشبهات وسقط في أسفل درك من الجحيم، ولذا ورد عن أبي عبد الله علیه السلام لأنّه قال:( العامل على غير بصيرة كالساير على غير الطريق فلا يزيده سرعة السير من الطريق إلّا بعداً)(1).
وعنه علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح)(2).
وعلى المؤمن أن يعلم بأن الله عز وجلّ إنّما أكرم الإنسان بالعقل وإنما صار سيد هذه المخلوقات بالعقل وهو بدون العقل لا فضيلة له عليها .
وعليه أيضاً أن يعرف كيف يستثمر عقله وما هو العقل.
وقد سُئل أبو عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم عن العقل ما هو ؟ فقال صلی الله علیه وآله وسلم: ( ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان)(3).
وقال صلی الله علیه وآله وسلم: (من كان عاقلاً كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة)(4).
وعن عبد الله بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد الله علیه السلام رجلاً مبتلاً بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل. فقال علیه السلام: ( وأي عقل له وهو يطيع الشيطان) فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال علیه السلام:(سله هذا الذي يأتيه من أيِّ شيء هو فإنّه يقول لك من عمل الشيطان)(1).
1) الكافي 1 : 12 .
العمل على المستوى الأخلاقي
العمل على المستوى الأخلاقي
خاطب الله سبحانه وتعالى نبيَّه الكريم محمد صلّى الله عليه وآله وسلم بقوله عزّ من قائل:(وإنّك لعلى خلق عظيم)(1)لما للخُلق من أهميّة في نشر الدعوة وتأثير صاحبها في المتلقي فما كسب النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم الناس وجذبهم إليه واستطاع أن يغيّر ويؤثر في ذلك المجتمع الصعب إلا بخلقه الرفيع وصفاته الحميدة وكذلك ينبغي على المؤمنين أن يتخلّقوا بأخلاقه ويسيروا على نهجه المبارك ليؤثّروا أثره ويكونوا خير دعاةٍ إلى دينه وطريقته المثلى.
فعن الصادق علیه السلام : قال :(إنّي لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت
عليه خلّة من خلال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت بها)(2).
وما أحوجنا اليوم وقد ابتعدنا كثيراً عن أخلاق النبي وآله وضيعنا تلك المثل السامية ما أحوجنا إلى الرجوع إلى معينهم الصافي وكوثرهم العذب لنكون كما أراد الله لنا وكما يريدون مثال الخلق الرفيع
ولذا نرى أنّ من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق الممهدين المنتظرين لظهور إمامهم المغيَّب والداعين إلى إقامة حكم الله في الأرض وإنقاذ المستضعفين والمحرومين ونشر العدل والسلام أهم ما يقع عليهم بعد التفقّه هو التخلّق بأخلاق أهل البيت وتربية أنفسهم على الفضائل والمكارم وتنزيهها عن الرذائل والنقائص فكيف يمكن لنا أن نكون من أنصار الحجة عجل الله تعالي فرجه ونحن نعيش حالة البعد والجفاء مع أخلاقه وآدابه السامية وكيف له أن يعتمد علينا ونحن لسنا على ما يحب ويرضى من الصفات الحميدة فاللازم قبل ذلك هو تنظيف ساحة القلب مما يكرهه ولا يرتضيه ومن ثمّ زرعها وتزينها بما يدخل السرور على قلبه المبارك.
وقد أولى الإسلام المحمّدي الأصيل أهمية بالغة للأخلاق الحميدة وحثّ عليها ووردت عن أئمتنا سلام الله عليهم الكثير الكثير من الروايات في هذا المجال وصنّف علماؤنا الأعلام مصنفات خاصة في هذا الجانب وتيمّناً بما ورد عن معدن الحكمة ولمزيد الفائدة والحثّ والترغيب في التخلّق بأخلاقهم الفاضلة نذكر جملة من كلماتهم الشريفة.
فعن أمير المؤمنين علیه السلام قال:(إن كنتم لا محالة متنافسين فتنافسوا
في الخصال الرغيبة وخلال المجد)(1).
وقال علیه السلام:(الخلق المحمود من ثمار العقل)(2).
وقال علیه السلام:(الخلق السجيح أحد النعمتين)(3).
وقال علیه السلام: (أحسن شيء الخلق).
وقال علیه السلام:(أكرم الحسب الخلق)(4).
وقال علیه السلام:(أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً)(5).
وقال علیه السلام:(تنافسوا في الأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة يعظم لكم الجزاء)(6).
وقال علیه السلام: (حسن الخلق أفضل الدين )(7).
وقال علیه السلام: (حسن الخلق من أفضل القسم وأحسن الشيم)(8).
وقال علیه السلام: (بحسن الأخلاق يطيب العيش) (1).
وقال علیه السلام: (بحسن الأخلاق تدرُّ الأرزاق)(2).
و قال علیه السلام: (رأس الإيمان حسن الخلق والتحلي بالصدق)(3).
وقال علیه السلام: (مَن حسن خلقه سهلت له طرقه) (4).
وقال علیه السلام: ( ما أعطى الله سبحانه العبد شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلّا بحسن خلقه وحسن نيته)(5).
وقال علیه السلام: (نعم الإيمان جميل الخلق)(6).
وقال علیه السلام: (عليك بحسن الخلق فإنّه يكسبك المحبّة )(7).
وقال علیه السلام: (في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق)(8).
وقال علیه السلام: (كان لي فيما مضى أخ في الله وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي مالا يجد،
ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً فإن قال بذَّ القائلين ونقع غليل السائلين وكان ضعيفاً مستضعفاً فإن جاء الجدّ فهو ليث عادٍ وصلٌّ وادٍ لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضياً وكان لا يلوم أحداً على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره وكان لا يشكو وجعاً إلّا عند برئه وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير )(1).
وقال علیه السلام: (إذا رأيت في غيرك خلقاً ذميماً فتجنّب من نفسك أمثاله)(2).
وقال علیه السلام: (خلّتان لا تجتمعان في قلب مؤمن سوء الخلق والبخل)(3).
وقال علیه السلام: (سوء الخلق يوحش القريب وينفّر البعيد)(4).
وقال علیه السلام: (سوء الخلق يوحش النفس ويرفع الأنس)(1).
وقال علیه السلام: (من ساء خلقه عذّب نفسه)(2).
وقال علیه السلام: (أسوء الخلائق التحلي بالرذائل)(3).
وقال علیه السلام:(الخلق السيئ أحد العذابين)(4).
وقال علیه السلام:(إذا اتقيت المحرمات وتورّعت عن الشبهات وأديت المفروضات وتنفّلت بالنوافل فقد أكملت في الدين الفضائل)(5).
وقال علیه السلام:(الفضيلة بحسن الكمال ومكارم الأفعال لا بكثرة المال وجلالة الأعمال)(6).
وقال علیه السلام: (كمال الفضائل شرف الخلائق)(7).
وقال علیه السلام: (ليست الأنساب بالآباء والأمهات لكنّها بالفضائل
المحمودات)(8).
وقال علیه السلام: (كن متصفاً بالفضائل متبِّرىٌ من الرذائل )(1).
وقال علیه السلام: (فخر المرء بفضله لا بأصله)(2).
وقال علیه السلام: (ثابروا على اقتناء المكارم وتحملوا أعباء المغارم تحرزوا قصبات المغانم)(3).
وقال علیه السلام: (التقوى رئيس الأخلاق )(4).
وعن الإمام الصادق علیه السلام قال: (إنّ الله تبارك وتعالى خصّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله عز وجلّ وارغبوا إليه في الزيادة منها) - قال الراوي: (فذكرها
عشرة - اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروءة)(5).
وروي أنّه جاء رجل إلى الصادق صلی الله علیه وآله وسلم فقال له: يا ابن رسول الله أخبرني بمكارم الأخلاق ، فقال علیه السلام: (العفو عمّن ظلمك وصلة من قطعك وإعطاء من حرمك وقول الحق ولو على نفسك)(6).
وقال علیه السلام:(عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله عزّ وجلّ يحبّها وإياكم ومذامِّ الأفعال فإنّ الله عز وجل يبغضها .... وعليكم بحسن الخلق فإنّه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم)(1).
وقال علیه السلام لنفر من الشيعة كانوا بمحضره: (معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيئاً، قولوا للناس حسناً واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول وقبح القول)(2).
وقال علیه السلام:(إنّ أحقّ الناس بالورع آل محمد وشيعتهم كي تقتدي
الرعية بهم)(3).
قال أحد الأعلام قدس الله نفسه الزكية وهو يوصي ولده:
«أوصيك يا بنيَّ وفقك الله تعالى لكل خير وجنبك من كل شرّ بمكارم الأخلاق ومحامد الأوصاف وهي أمور ...... ومنها حسن الخلق فعليك بنيَّ - أحسن الله تعالى إليك - به فإنّ فيه فوائد عظيمة في الدارين وكفى في فضله مدح الله جل شأنه لأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله به.
وقد ورد أنّه نصف الدين وأفضل ما أعطي المرء وأنّه ما يوضع في میزان امرؤ يوم القيامة أفضل منه وأنّ لصاحبه أجر الصائم القائم وأجر المجاهد في سبيل الله وأنّه يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد وأنّه يذيب الذنوب كما يذيب الماء الملح وأنّ أكثر ما تلج به هذه الأمة الجنة تقوى الله وحسن الخلق وإنّ الله يستحيي يوم القيامة أن يطعم لحم حسن الخلق النار وأنّه يزيد العمر حتى ورد الأمر بحسن الخلق في مجالسة اليهود أيضاً.
وقد وجدتُ بنيَّ من حسن الخلق آثاراً غريبة ولله درّه عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله: (إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق) وعن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال:(حسِّن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنّوا إليك وإذا متَّ بكوا عليك وقالوا: إنا لله وإنّا إليه راجعون ولا تكن من الذين يقال عند موتهم: الحمد لله ربِّ العالمين.
وسُئل الصادق علیه السلام عن حدّ حسن الخلق فقال علیه السلام: (تلين جانبك وتطيب كلامك وتلقى أخاك ببشر حسن).
وعنه علیه السلام أيضاً : (إنّ حسن الخلق مع المؤمنين هو بسط الوجه
وقال علیه السلام:(إنّ مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه
وإخوانه).
وإيّاك بنيَّ وسوء الخلق سيّما مع الأهل والعيال وقد ورد أنّ سوء الخلق في النار لا محالة وأنّه يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل وأنّ سعداً شیّعه سبعون ألف ملك ومع ذلك أصابته ضمّة القبر لسوء خلقه في أهله) (1).
ومن المعلوم أنّ حسن الخلق يقوي الأواصر الاجتماعية بين الناس فيعم الاحترام والحبّ والسعادة والوئام بين جميع أفراد المجتمع وهذا ما جاء به الإسلام بل والأنبياء جميعاً.
وعكسه سوء الخلق والذي من لوازمه إشاعة البغضاء والحقد بين أفراد المجتمع مما يؤدي إلى تفككه بل وإلى نشوب الصراعات والنزاعات والخوف والرهبة والقتل والدمار.
1) مرآة الرشاد: 31 باقتضاب .
بِحَثٌ فِي فِقْهِ الدَّلَالَةِ وَالسُّلُوك
الشَّيْخُ جَلَالِ الدِّينِ عَلِيُّ الصَّغِيرِ
الجُزْءُ الثَّانِي
مؤسسة الصَّدِيقَة الطَّاهِرَة (عليها السلام ) لِلتَبليغ الإسلَامي
جَامِعُ بَرَاثَا - بَغْدَادَ
دَارُ الْأَعْرَافِ للدراسَات / بَيروت - لُبْنَانٍ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
بيروت - بغداد
2012م - 1433هـ
الاعداد والعَالم الظهور
ربما يمثل التفكير في كيفية الاعداد لعالم الظهور أحد أهم المحاور التي تشغل عشّاق الإمام المهدي (صلوات الله عليه)، ولا أعتقد وجود شاغل أهم من ذلك بالنسبة لهم، وبالرغم من أن هذا الموضوع يكتسب أهمية بالغة فإنّ ما كُتب فيه مشتت في طيات مباحث طرحت بعناوين أخرى أو عبر واجهات أخرى، بنحو أبعد تلك المباحث عن متناول أيدي الباحثين فضلاً عمّن دونهم، وبالرغم من وجود وفرة في مادته العلمية ضمن الروايات الشريفة، إلا إن هذه المادة لم تستوف بشكل كامل أو منفرد بالتحليل والتفكيك لأسباب متعددة لا يسع المجال لذكرها، ولهذا نسعى هنا لمحاولة تكوين تصورات أساسية حول هذا الموضوع، آملين في أن نستكمل البحث في كتابنا القادم حول المشروع المهدوي الحضاري، مع الإلماع بأن ثمة شذرات متعددة قد طرحت ضمن مباحث الفصل السابق.
وبداية لا غنى لنا عن ملاحقة بحثين أساسيين أحدهما يتعلق بمبحث مسؤوليتنا تجاه عالم الظهور، فهل تتعلق بنا مسؤولية من نمط ما تجاه عالم الظهور ؟ أم إن التكليف بهذا العالم لا يشملنا؟ وفي حال سلّمنا بأن نمطاً من التكليف معلّقٌ بنا تجاه عالم الظهور فإن البحث المطلوب سيكون عن سبل الإعداد وآلياته بالنسبة لنا كمكلّفين؟.
ولكن قبل هذا وذاك لابد من الإذعان إلى حقيقة إن هناك مسؤوليات أساسية تفرضها واجبات الإمامة وقد أنيطت بالإمام (صلوات الله عليه) مباشرة، ولهذا فإن نتيجتين أساسيتين تتمخضان من ذلك، الأولى تتلخّص بالقول إن من الخطأ
بمكان التصوّر بأن الإمام (بأبي وأمي) لا تكليف له قبل الظهور، ومحض أننا لا نرى العمل الذي ينسب له (روحي فداه) لا يعني أنه بلا تكليف، بل إنه (صلوات الله عليه) ينوء بكل أعباء الإمامة، ولكن حين يقوم بها لا تُلمس هويته، بل قد تنسب لغيره، ولعله لهذا السبب تم وصفه من قبل الأئمة علیهم السلام بأنه : أخملنا ذكراً كما يصفه الإمام الباقر علیه السلام(1)، لأن أعمال الأئمة (صلوات الله عليهم) كانت تنسب لهم في غالب الأحيان.
أما النتيجة الثانية : فإنّ الإعداد للظهور وإن كان قد أنيط في جانبه الثاني إلى المنتظرين، ولكنّ ذلك لا يعني أن الإمام (صلوات الله عليه) يترك المنتظرين لوحدهم في هذه الساحة، بل هو معهم في كل ما يثمر من أعمال فيها نفع لهذه الساحة، وهو معهم في دفع كل ما يضرّها، ويدخل في ذلك كل عمليات التوجيه والتسديد والتهذيب ومن جملتها ما يتصوّره المرء في البداية وكأنه بلاء مضرّ، ثم يتبيّن له إن المصلحة الحقيقية كانت فيه، إذ من غير المعقول أن يتحدث الأئمة (صلوات الله عليهم) عن البلاء والفتن التي سيصاب بها المؤمن في حال الغيبة، والإمام (روحي فداه) لا يتدخل في عملية التوجيه والهداية، فهو (صلوات الله عليه) كالضوء الهادي في ظلمات الأيام والأزمان، يدلّ على الطريق، ويفيض بالسكينة على من يراه، لذا فإنّ المنتظِر عليه أن يتيقن بأنه ليس لوحده في ساحة الانتظار، بل إن إمامه (صلوات الله عليه) معه في كل حركة وسكنة في هذه الساحة.
وفي العودة لمبحثينا المشار إليهما في بداية الفصل، فإن من نافل القول بأن وجودنا منه في عهد الغيبة لا يسلخ عنا مسؤوليتنا تجاه عالم الظهور والإعداد له، سواء كنا بعيدين أو قريبين، وهذه المسؤولية مؤسسة في الجانبين العقلي والتشريعي، فالتشريع أمر بالإنتظار وقد وصفه الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) بأنه أفضل العبادة، (2)ووصفه الأمير (صلوات الله عليه) بأنه أحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ ، (3)واعتبره الإمام زين العابدين علیه السلام أعظم الفرج،(4)
وشخّصه الإمام الجواد علیه السلام بأنه أفضل الأعمال .(1)
ومن جهته فإن الجانب العقلي يحتّم هذه المسؤولية لأن المشروع المهدوي هو انقاذ من الظلم والجور، ولا يعقل أن المظلوم لا يبادر لدفع الظلم عن نفسه أو تخفيفه على الأقل، ولهذا فإن علينا النزوع لاكتشاف سبل الإعداد والآليات المطلوبة في هذا المجال.
ما نقصد بالإعداد هو تمهيد الإنسان (فرداً كان أو جماعة) وتهيئة الأرضية اللازمة لتحقيق ما تصبو إليه عملية الهداية الربانية فكراً وعملاً، وفق المواصفات المطروحة في المشروع المهدوي، ولهذا فإن حديثنا عن السبل الخاصة بهذا الإعداد، سيختص بهذا البعد، وكنا قد أشرنا في الفصل السابق إلى بعض من التدابير التي يمكن للمظلومين اتخاذها في قبال الظلم وسياساته، وسنتناول نماذج هنا من هذه التدابير وغيرها من خلال زاوية التكليف بالإعداد.
ومن الجدير بالذكر في البداية إننا حينما نكون بصدد الإعداد والتمهيد لمهمة
هي الأعظم في عملية الهداية الربانية من بعد بعثة النبي الخاتم (صلوات الله عليه وآله)، ولهذا فمن مفروغ البيان إن كل المنظومة الإسلامية الوجدانية والمعيارية والتنظيمية تدخل في تكريس هذه العملية وخدمتها، ولهذا فإن بحث عملية الإعداد يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار كل الالتزامات والتكاليف الإسلامية العامة فضلاً عن الخاصة.
وباعتبار إنّ عملية الإعداد هي عملية تراكمية شأنها شأن كل الأمور التربوية والتكاملية، لذلك يمكن الاشارة إلى نمطين من أنماط الإعداد أحدهما جرى طوال فترة الغيبة الكبرى، بل وما كان قبل ذلك، وما زال يجري العمل به في يومنا المعاصر، أما النمط الآخر فهو الذي يستهدف مرحلة الظهور المباشر، والفارق بين الاثنين إن النمط الأول كانت فيه التكاليف عامة، والأصل فيها هو خوض ركة البقاء والإنتشار والتجّذر الاجتماعي، غير إننا كلما اقتربنا من عصر الظهور سنجد إن التكاليف تنتقل من العام إلى ما هو أخصّ منه، ولهذا فإن الأصل في التكليف هو إفراغ الوسع في تنجيز الواجب الشرعي، مع التنبيه إلى أن
1) كمال الدين وتمام النعمة: 377 ب36 1.
مصداق الواجب الشرعي هو شأن اعتباري في بعض الأحيان، ولهذا هو يختلف من شخص لآخر ومن زمان لآخر، وذلك وفق الإمكانات التربوية والعلمية والمادية التي تتاح في أرض الواقع، فما هو مطلوب من العالم، ليس كما هو المطلوب من الإنسان البسيط في ثقافته، وما هو مطلوب من الغني ذي القدرة، ليس هو عين المطلوب من الفقير المدقع، ولا أقصد هنا التكاليف الفردية العينية فالجميع مكلّف على حد سواء في أداء الواجب كما هو الحال في الصلاة والصيام، ولكن جلّ الواجبات الكفائية هي التي يكون موردها خاصاً بالاعتبار الذاتي أو الاجتماعي، ناهيك عن أن الاختلاف بین أداء الصلاة بمعنى اسقاط الواجب، وبين إقامتها التي يترتب عليه جملة من الواجبات التي تستدعي حضور القلب واستيعاب المعاني والمفاهيم التي تكتنف عملية الإقامة هذه، وما يلحق ذلك بالعنوان الثانوي من واجبات يختلف فيها حساب العالم بها عن حساب من يجهلها، كما وإن الكثير من المباحات والمستحبات والمكروهات تنتقل من فرد لآخر من دائرتها الخاصة بها إلى دائرة الواجب والمحرم بالعناوين الثانوية، فعلى سبيل المثال نلاحظ بعض المباحات من الأعمال أتيحت للإنسان، ولكن قد تدخل هذه الإباحة دائرة الكراهة أو الحرمة من خلال عناوين ثانوية تلتصق بها، من قبيل الأكل بلذيذ الطعام في وسط فقراء مدقعين ما يتسبب إلى إهانة الفقراء أو توهينهم باعتبار ما، عندئذ يدخل الأكل المباح دائرة الكراهية الشديدة لأنه يؤدي في مثل هذه الحالة إلى إلحاق الأذى بالآخرين، فهو في نفسه مباح، ولكن طروء العنوان الثانوي عليه يدخله في دائرة الكراهة والعكس صحيح أيضاً .
ولا نحتاج إلى التأكيد على أن عملية الإعداد تتم وفق مواصفات وشروط موضوعية، بمعنى إنها لا تتم وفق صورة عفوية أو اعتباطية، فلقد تحدّثنا من قبل عن ذلك، ولكن ما نحن بحاجة إليه هو التعرف على الآليات والسبل التي أسست لها مدرسة أهل البيت علیهم السلام في الواقع الاجتماعي، والتي بموجبها يجري تهيئة الواقع لكي يتبنى المشروع المهدوي، إذ سنجد إن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) أسّسوا لمنظومات عدة من شأنها أن تطلق عملية الإعداد وفق الشروط الموضوعية لها، ومن جملة هذه المنظومات تذكر ما يلي :
ونقصد بالإطار الاجتماعي عملية تكوين القاعدة الاجتماعية التي تعمل على تجسيد عملية الإعداد وتكريسها طوال المدة التي تحتاجها عملية الإعداد، ويدخل في ذلك إيجاد عوامل التماسك والتآصر الاجتماعي في داخل هذه القاعدة وتوسعة رقعتها الكمية والنوعية، وكذا تمييزها عن غيرها من المجاميع الاجتماعية، لأن عدم تمييزها لا يقدّمها كمشروع بديل للناقمين على الأوضاع التي يحيبونها، أو أولئكم الذين لا يرتضون تلك الأوضاع إن على المستوى العقائدي أو المعنوي، أو على المستوى الاجتماعي، كما ولا يمكنها أن تكون قاعدة للهدى وإطاراً للمهتدين.
ومن الواضح إنه لا توجد أية عملية للنهوض الحضاري من دون وجود الإطار الاجتماعي المتميّز الذي بإمكانه أن يحتضن هذه العملية، ويتحمّل أعبائها الكاملة، ولديه المُكنة على تسويقها ويعرّفها للآخرين، ولو نكبت الحركات التغييرية الرسالية في التاريخ فليس بسبب رواد تلك الحركات أنبياء كانوا أو أئمة (سلام الله عليهم)، ولكن كان نتيجة تخلي المجتمع عن الارتقاء لمتطلبات هذه الحركات مما أوجد هشاشة الإطار الاجتماعي الناهض بمسؤولية وأعباء هذه الحركات، و عدم تكامل وجوده الأثر الكبير والأساس في هذه النكبات، ولهذا حينما يتحدث المشروع المهدوي عن مهمة تغيير العالم وإخراجه من الظلم والجور الذي يكتنفه إلى العدل والقسط الذي ينشده، فإنه لا بد من جماعة تحمل هذا الهّم، وتكون القاعدة التي يستند إليها الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) في هذا المسعى، وحين يكون المشروع المهدوي هو مشروع رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم) فإنّ مسعى تكوين الإطار الذي تنشأ فيه عملية التمهيد وتترعرع في وسطه حاملاً كل همومها وأعبائها، لا بدّ وأن نتلمّسه في بواكير حركة رسول الله (صلوات الله عليه وآله) إذ لا يُعقل أن يتحدّث الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) عن وعده المهدوي، وبهذه الطريقة القاطعة التي
رأيناها في حديثه الشريف، من دون أن يؤسس موضوعياً لتحقيق هذا الوعد.
فلتن اعتقدنا - نحن الذين لا نبوة لدينا - إن مجرد التمني لا يوصل الإنسان إلى شيء، وإن التحدّث عن المشاريع الكبرى لا يغدو واقعاً إلا من خلال العمل الجاد من أجل تحقيقه، بل إن من لا يعتقد ذلك يُتّهم باللاواقعية والطوباوية في التعامل مع القضايا الجادة، فما بالك بمثل رسول الله (صلوات الله عليه وآله)؟.
ولهذا نحن لا نجد مجالاً عقلائياً وموضوعياً إلا وهو يحثّنا على التفتيش عن موضع أساس لهذا الإطار في حديث الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله)، وإننا لتلمس في عدد من الأحاديث الكريمة ما يغري للقبول بذلك، لا سيما إن قرأت بعناية وموضوعية لا يتعصب أو بسذاجة!
إذ لا بد من علاقة موضوعية ما بين قوله (صلوات الله عليه وآله) المتواتر عن الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) بأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً،(1)وما بين قوله صلی الله علیه وآله وسلم المتواتر أيضاً والمذكور بألفاظ متعددة منها رواية جابر بن عبد الله : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة .(2)
حديث الرسول الأكرم (صلوات الله عليه) عن حاضره له واجهتان، الأولى منهما موضوعية فما هو حاضر لديه هو حاضر لدى جميع الأقوام والأزمان ، والثانية منهما زمانية فما هو بالنسبة لديه حاضر هو بالنسبة لأمثالنا ماض.
إذ نلاحظ هنا أولاً : إن الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وآله) ربط ما بين الأزمنة الثلاث بخط واحد، فبعد أن شخّص في الحديث الأول نقطة المستقبل المتمثلة بظهور الإمام (صلوات الله عليه)، شخّص في الحديث الثاني خط حاضره، وهو لا شك أيضاً حاضرنا مع اختلاف الأزمنة، ولكنه ربط ما بين حاضره - والذي هو ماضينا في نفس الوقت - وما بين نقطة المستقبل، وقد
1) تقدم تخريجه .
2) الخبر في صدره الأول متواتر لدى جميع أهل الصحاح، والزيادة الأخيرة هي من صحيح مسلم، انظر صحیح مسلم 1: 137 ح 156 و 3: 1523 - ح 1923، وكذا البخاري 6: 2667 ح 6881 ، ومثله في سنن ابن ماجة 1: 5 -ح7- 10. علماً إن الزيادة المتعلقة بصلاة عيسى بن مريم خلف الإمام المهدي (عجل الله فرجه) متفق على صحة مضمونها لدى جميع المسلمين.
جعل الرابط ما بين هذه الأزمنة هو الديمومة على نفس الحق، فهو حقّ في زمنه صلی الله علیه وآله وسلم ، وحقّ في زمن الإمام المهدي علیهم السلام، وهو حقّ حتماً في الفترة الفاصلة بينهما، ولكنه ميّز ظاهرياً ما بين الأزمنة بكون المجموعة الوسطى ستكون مورد هجوم وتحامل الآخرين عليها طوال هذه الفترة الممتدة، مما سيطلق موجة من التساؤلات التي يجب أن تكون ملحة حول هوية هذه المجموعة التي تكون مورد تحامل الآخرين عليها طوال هذا الزمن دون أن تنحرف عن الحق، وكذا في أسباب هذا التحامل، فتأمّل!.
ثانياً : من بديهيات عمل النبوة إن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم يفصّل لأمته المجمل من الآيات الكريمة، ويكشف عن المبهم إبهامه وعن الغامض غموضه، ولهذا فإنه من الطبيعي بمكان حينما يتحدّث بأمر مجمل، لا بد من أن يرتبط هذا المجمل بحديث لاحق أو سابق له، يكشف فيه عن هوية هذا الإجمال، فقد يضطره الحديث أحياناً للتكلّم بطريقة المجمل من القول والموجز من الفكرة، ودواعي ذلك متعددة، ولكن الرسول (صلوات الله عليه وآله) المكلّف من قبل ربه بعملية التعليم والهداية ،(1)لا يمكنه أن يبقي حديثه المجمل بلا توضيح أو تصريح، لأن الهداية لا تكون دائماً بالمجمل من الحديث، لأن طرق التلقي مختلفة، وأوعية المتلقين متفاوتة، فقد ينفع مع بعض النخبة مثل هذا الحديث، ولكن مع عامة الناس لا يمكن لعملية قرنت بصفة (الحجة البالغة)(2)أن تتكأ على احتمالات الوعي، بل لا بد من أن تلقي الحجة الكاملة على كل الأفهام وعلى كل المتلقين، من دون أن تترك أية ثغرة لقائل في أن يقول بأنه لم يتلق البلاغ الرسولي، وعندئذ يجب علينا أن لا نقتنع بأن حديث الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) عن وجود هذه الطائفة المحقة، قد ترك على هذا الاجمال من دون أن يفصح نفس الرسول (بأبي وأمي) عن هوية ومشخّصات ومواصفات هذه الطائفة، والأهم من ذلك لا بد له من أن يشخّص معيار الحق الذي بموجبه يتم تشخيص هذه الطائفة.
1) وذلك لقوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل :عمران 164]، ومثله قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة: 2].
2) وذلك لقوله تعالى : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: 149].
وفي مهمة البحث عن هذا التشخيص لا بد من البحث عن المرادفات أو القرائن التي يمكنها أن تدلّنا على ما نسعى إليه، وواحدة من هذه الأمور يمكن البحث في مرادفات الحق والباطل، ومفردات الهدى والضلال باعتبار أن حديث الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وآله) ركّز على أن هؤلاء يبقون على طريق الحق ولا يحيدون عنه، بالرغم مما يتحمّلونه من الأضرار ممن يخالفهم نتيجة لذلك، ومن حسن الحظ إن الحديث النبوي يعجّ بمثل هذه المرادفات والقرائن، وبعضها من المتواتر في القبول من قبل جميع المسلمين، أي إن صدور الحديث من قبل الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) متفق عليه.
فلو أخذنا مفردة «لن تضلوا بعدي» والتي تمثل المعادل الموضوعي، لعمل الطائفة المحقة التي ذكرت في الحديث السابق. فإننا سنجد إن الحديث النبوي ورد فيه ذلك في جملة من الأحاديث المتواترة ما بين كافة المسلمين، ومنها ما ورد في حديثين مهمين أحدهما: حديث الثقلين والذي يقول فيه (صلوات الله عليه وآله) وفقاً للترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري : رأيت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(1)في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول : يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي.(2)
ومثله ما رواه عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ احدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟(3)
وكذا ما رواه أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد الخدري : إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي؛ الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي إلا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.(4)
1) الصلاة البتراء من اختصاص المصدر.
2) سنن الترمذي :5 : 327-328 ح 3874 ، وقد قال بعده: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد، ثم قال: هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه.
3) سن الترمذي 5: 329 ح3876 وقال بعده : هذا حديث حسن غريب.
4) مسند أحمد بن حنبل 3: 59، والحديث متواتر وبألفاظ كثيرة، وقد خرجناه بالتفصيل في كتابنا عصمة المعصوم علیهم السلام وفق المعطيات القرآنية : 190 فما بعدها.
ونظيره ما رواه الحاكم النيسابوري وصححه الذهبي عن زيد بن أرقم ولكن بتحديد زمني آخر غير ما ذكره جابر (1)قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم من حجة الوداع ونزل في غدير خم أمر بدوحات فقممن،(2)فقال : كأني دعيت فأجبت؛ إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وانا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد عليّ رضي الله عنه فقال : من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.(3)
والحديث تجاوز حد التواتر وفقاً لما حكاه ابن حجر المكي في الصواعق إذ صحّ طريقه لديه عن نيّف وعشرين صحابياً، وذكر ابن حجر: في بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى: أنه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى: أنه قاله لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ثم قال: لا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الظاهرة، وفي رواية الطبراني عن ابن عمر : آخر ما تكلّم به النبي صلى الله عليه و آله وسلم : اخلفوني في أهل بيتي.(4)
أما الحديث الآخر فهو ما يعرف بحديث رزية الخميس إذ يروي مسلم بن الحجاج بسنده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله : يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى فقلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس؟ قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وجعه ، فقال : ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي (وفي عبارة البخاري: لن تضلوا بعده أبداً) فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع! وقالوا: ما شأنه أهجر ؟! (5)استفهموه. قال : دعوني فالذي أنا فيه خير..(6)
1) التعدد الزمني في الأحاديث قد يشير إلى تعدد صدور الحديث وتعدد أماكنه وأزمنته .
2) قمّ الشيء: كنسه ونظفه.
3) المستدرك على الصحيحين 3: 109 وقال بعده: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بطوله، ويقصد بالشيخين البخاري ومسلم، وقد أيّد صحته الذهبي في تلخيصه للمستدرك المطبوع في هامش المستدرك.
4) الصواعق المحرقة: 150.
5) الهجر الهذيان : !!
6) صحیح مسلم بشرح النووي 11: 89-93 وبلفظ مقارب رواه البخاري في صحيحه 5: 137.
وفي طريق آخر يروي سعيد بن جبير الحدث بهذا اللفظ عن ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثم جعل تسيل دموعه، حتى رأيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) اكتب لكم كتاباً، لن تضلّوا بعده أبداً، فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يهجر.(1)
وفي رواية عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس قال : لما حضر(2)رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هلّم اكتب لكم كتابا لا تضلّون بعده، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع؛(3)وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله! فاختلف أهل البيت فاختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: قوموا، قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(4).
وقد جاء الحديثان متقاربين في الفترة الزمنية إذ إن الأول طرح في حجة الوداع في يوم عرفة، والآخر طرح قبيل وفاة رسول الله (صلوات الله عليه وآله) بخمسة أيام، أي إن الفاصلة الزمنية بينهما هي قرابة الشهرين والنصف، وبالمحصلة فإنهما جاءا في الأيام الأخيرة لحياة الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وآله) ولهذا مغزى كبير جداً لا يخفى على المتأمّل.
وأيّاً ما يكن فإن هذين الحديثين يعربان عن المعادل الموضوعي المفردتي الحديث المتقدم عن الطائفة المناصرة للحق والتي تمهّد للإمام (عجل الله فرجه)، ففيهما
1) صحيح مسلم بشرح النووي 11: 94-95.
2) أي حال احتضاره (بأبي وأمي).
3) هو نفس مؤدى الهذيان، أي إن كلامه ناجم من الوجع الذي غلب عليه، هذا مع إنهم يقولون بان الرسول الأكرم قد أنزل فيه قرآناً يتحدّث بأنه لا يقول هجراً، لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 3-4]، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
4) صحیح مسلم 11: 95 ، وكذا في صحيح البخاري 5: 137، وبلفظ مقارب في صحيح البخاري 1: 37، هذا وقد توقفنا طويلاً عند هذا الحديث في بحثنا عن رزية الخميس، فليرجع إليه لمن أراد المزيد.
المعادل الأول وهو عدم الضلال، وفيهما المعادل الثاني وهو هوية من يخالف!، فمن يخالف مثل رسول الله (صلوات الله عليه وآله) ويتنازع بينه وبين الآخرين من أجل عدم تنفيذ أمر رسول الله (بأبي وأمي)، والرسول في حال احتضاره، وهم على مرأى من ألم الرسول (روحي فداه) وتبرّمه مما يفعلون؛ لأنه لا يجوز النزاع في شأن أمَرَ به الرسول (صلوات الله عليه وآله)، والرسول بأبي وأمي يهتف بهم :«لا ينبغي عند نبيّ تنازع»، فيجبهونه بتهمة الهذيان! حتى يؤدي بهم الأمر إلى أن يطردهم الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) من بيته بلفظه : «قوموا عني»، مع أنه هو المأمور لكي يعلّمهم ويزّكيهم وهو صاحب الخلق العظيم، وهو سيد العرب التي كانت لا تطرد قاتل آبائها وأبنائها من بيوتهم، فما بالك بمن له مواصفات موضوعية وأخلاقية كرسول الله (بأبي وأمي)؟(1)، مع أنّ الرسول كان في طلبه يقدّم لهم أعظم هدية وبشارة هائلة بمستوى قوله التأبيدي: «لن تضلوا بعده أبداً»، ومع ذلك كله ما كان طلبه بالمكلف ولا فيه أدنى مشقة لهم، بل كان طلبه بسيطاً جداً بمقدار بساطة الإتيان بـ (الدواة واللوح) .(2)
ويؤكد ابن عباس في ثنايا متبقى كلامه إن المطلب الذي كان الرسول (صلوات الله عليه وآله) يريد ذكره كان هو الذي سعّر النزاع وأدّى المخالفة هؤلاء، وبهذه الطريقة الصلفة التي عبّروا فيها عن رفضهم السنة واكتفائهم بالكتاب، وطبيعة اتهامهم للرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) بالهذيان والهجر بالقول !! إذ يقول في تتمة خبر سعيد بن جبير والذي رواه في زمن عمر بن الخطاب الذي كان قد نهاه عن الرواية: وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها !!(3)والحصيف لا يمكن أن تفوته عبارة: وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها! أمثل ابن عباس ينسى آخر وصية لرسول الله (بأبي وأمي) وهو خبر الأمة؟ وفي مثل هذا الظرف القاسي الذي جعله يبكي حتى بلّ بدموعه الحصى كما يعبّر سعيد في صدر الرواية ؟!!
أترك كل ذلك لمن كان له لب ليحكم على طبيعة الذي جرى ولماذا جرى ..
خصوصاً إذا ما قورنت بقول عبد الله بن عمر بن عمر المتقدّم عن ابن حجر المكي بروايته
عن الطبراني قال : كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اخلفوني في أهل بيتي.(1)
وعوداً على حديثّي ظهور الإمام ونزول المسيح علیه السلام وحديث الطائفة الممهّدة، فإننا إذا ما أدخلنا في ذهننا مسبّقاً بأن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) لا يتكلّم جزافاً، ولا ينطق عبثاً، فإن التساؤل المنطقي الذي يطرح نفسه سيرتبط بالأسباب التي تجعله (صلوات الله عليه وآله) يتكلّم بهذا المنطق، مع علمه اليقيني بأن المسافة الزمنية بين عهده علیه السلام وبين ظهور الإمام ونزول المسيح علیه السلام ستكون طويلة جداً؟!
ولا نجد تبريراً لذلك إلّا بالقول بأن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) إنما أطلق بهذا القول مشروع التأسيس لهذه الطائفة التي ستضطلع بعملية التمهيد، خصوصاً وإنه يتحدّث بأن هذه الطائفة ستتلقى الضرّ من الأمة، وستتحمل هذا الضرّ وتكابده من أجل نصرة الحق، مما ينطوي كل ذلك على دلالات خطيرة في طبيعة الأمة وطبيعة ما يجري فيها، وطبيعة النسق التربوي الذي ستعاني منه، بالشكل الذي تؤدي نتائجه إلى أن الطائفة المحقّة المبشّر بها من قبل الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) تتحمّل الضر !! وأي ضرّ؟ ضرّ من قبل نفس الأمة التي تدّعي الإنتماء لرسول الله (صلوات الله عليه وآله) ولدينه وشرعته وسنّته، فتأمل ولا تغفل !(2)
وما من ريب فإن التعمّق يبحث الملازمات المترتبة على الحديثين، سيفضي إلى نتائج خطيرة جداً في البنية العقائدية والعملية، وفيما التزم الشيعة ببحث هذه الملازمات التزم أهل السنة في عمومهم الغالب بالإبتعاد عن ذلك، لأنه سيجعلهم أمام مفترقات طريق مع الكثير مما يتبنون الإلتزام العقائدي والعملي به، ولذلك اكتفى شرّاح الحديث بالإفتاء لا بالبرهان بأن أهل السنة هم هذه الطائفة وما سواهم هم من يضرّونهم! دون إفساح المجال لحالة التدبّر الجاد في هذا الأمر الخطير، وكان الأجدى بطلاب الحق طرح التمذهب جانباً، والإنصات لرسول الله (صلوات الله عليه وآله) بدقة وتدبّر المؤمن الملتزم بطاعة الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) دون سواه، وفي تصوري فإن البحث بهذه الملازمات بشكل موضوعي بعيداً عن التسميات هو الذي يوصلنا لمراد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وفي المتن سنجري وراء بعض هذه الملازمات إن شاء الله، وإن كانت تحتاج إلى بحث مستقبل .
1) المعجم الأوسط 4 : 157 ح 3860.
2) ما من شك في إن هذين الحديثين لو أخذا بصورتهما الظاهرية حتى من دون التعمّق فيهما، ومن دون ملاحقة الملازمات المترتبة عليهما، يكوّن مسؤولية لدى جميع المسلمين (شيعة وسنة) في شأن الإعداد للإمام المنتظر (روحي فداه) فهم متفقون في شأن خروج الإمام المهدي (صلوات الله عليه) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهم متفقون أن ثمة مجموعة ستمسك بالحق، وتبقى على ذلك حتى يخرج الإمام (صلوات الله عليه) فتسلّم قيادها له، وعملية الإمساك بالحق والدفاع عنه هو مراد الإعداد للظهور، هذا بالرغم من الاختلاف الظاهر بين الشيعة والسنة في شأن ولادة الإمام علیه السلام.
ولا بد هنا من أن نثّبت حقيقة موضوعية نلفت الأنظار إليها بأن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) كان متيقّناً من أن مشروعه الحضاري المتكامل، وإن كان قد أطلقه (بأبي وأمي) في بعثته المباركة، إلّا إنه لن يتحقق بصورته الكاملة إلّا في عهد الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) وإلّا لما أشار إلى حالتين متناقضتين؛ الأولى نلاحظها من خلال حديثه عن عموم العدل والقسط على كل الأرض، بعد أن تملأ ظلما وجوراً في عهد الإمام (صلوات الله عليه)، والثانية نلاحظها في الفترة التي ستلي حياته الشريفة مباشرة والتي يؤكّد فيها الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وآله) وقوع الإنحراف من بعده، فالمدرسة التي ترى عدالة جميع الصحابة(1)وزندقة كل من يتكلم في عدالتهم بسوء(2)هي التي تروي وتتحدث عن هذا التأكيد، إذ روى البخاري وغيره من أصحاب ما يسمّى بالصحاح عن أنس، عنه رضي الله عنه قوله : ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا (3)دوني، فأقول : أصحابي ؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا من بعدك. (4)
وكذا ما رواه البخاري في كتاب الرقائق، باب الحوض عن سهل بن سعد :
ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. وقال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : هكذا سمعت من سعد، فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول : إنهم منّي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي.
وعين الأمر رواه البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة انه كان(5)
يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون (1)عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي؟! فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا ،بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.(2)
ويعاود البخاري روايته عن أبي هريرة بحديث هو الأخطر من نوعه في هذا الباب، إذ يشير إلى أن الإنحراف يغلب على الناس حتى لا يبقى على الصراط إلّا آحاد كآحاد المهمل من الإبل في القطيع الكبير قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل(3)من بيني وبينهم فقال : هلمَّ! فقلت : أين؟ قال: إلى النار والله؛ قلت: وما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال : هلمَّ! قلت: أين؟ قال : إلى النار والله ؛ قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل (4)النعم. (5)
ولا أدري هل بعد هذا الحديث، مجال لكي يتهم النواصب شيعة أهل البيت علیهم السلام بأنهم يفسقون كل الصحابة إلّا عدد محدود جدا منهم! مع العلم أنّ هذا الحديث أخرج الغالبية العظمى منهم من الجنة ؟؟؟ بينما بعض الروايات لدينا إنما نفت الإيمان العملي وأبقت باب التوبة مفتوحاً بينما حديث البخاري أعلاه نفى الإيمان وأغلق باب التوبة وزجَّ بالغالبية العظمى إلى النار.
وتؤكد أسماء بنت أبي بكر بأنّ الانحراف لا يقتصر على الأصحاب بل سيستمر من بعدهم في الأمة بالنظر لاستخدام فعل (برح) قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس من دوني فأقول : يا رب منّي ومن أمتي؟ فيقال :(6)هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم.(7)
1) أي ينفون ويطردون. النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 291 .
2) صحيح البخاري 7: 208.
3) للتعرف على هوية هذا الرجل ومواصفاته وشأنه، إرجع لبحثنا الموسوم بـ: من هو هذا الرجل؟
4) قال ابن الأثير: الهمل ضوال الإبل، واحدها ،هامل أي إن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة. النهاية في غريب الحديث والأثر 5: 274.
5) صحيح البخاري 7: 208-209 .
6) سياق الحديث ووجود القسم بالله سبحانه وتعالى يؤكد إن الخطاب ليس لله بل لهذا الرجل الذي أشير إليه في الحديث السابق، وإلا ما أقسم بالله .
7) صحيح البخاري : 209 .
وهذه الحالة التي يعرب فيها الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) عن طبيعة دواخل صحابته من بعده لا تأتي من فراغ، فالواقع الذي عاشه، والوقائع التي شهدها كانت حبلى بتشخيص هذه الدواخل، ويكفينا أي إطلالة على القرآن الكريم لنعرف حقيقة ما يجري، لا سيما إن استمعنا إلى القرآن المدني وهو يشرّح الواقع الاجتماعي قبيل رحلة الرسول الخاتم (بأبي وأمي)، فعلى سبيل المثال نجد سورة التوبة - وهي من أواخر ما نزل من سور القرآن الكريم - تُقدّم شرحاً مذهلاً وتشريحاً مريعاً المجتمع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عشية وفاته (صلوات الله عليه وآله) بالصورة التي لا تنسجم إطلاقاً مع ما تلهج به أقلام القوم من أنّ ذلك العهد كان عهد الوفاء الخالص لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم والبيعة المخلصة له، حتى إنك حينما تقرأ لهؤلاء تجد صورة وردية ولا أجمل عن صفاء ذلك المجتمع، فعلى سبيل المثال لا الحصر حينما تقرأ قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (1)فما يتبدّى لك حينئذ؟ ولعمري ماذا تعرب عنه هذه الآية الكريمة في مفرداتها الثلاثة (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ) و(وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) ؟ إنها ببساطة تنفي ما يُشاع عن وردية المجتمع وانصهاره بالولاء لرسول الله (صلوات الله عليه وآله)، بل تبرز قيماً معنوية لا علاقة لها بالإسلام، وتبرز هموماً لا علاقة لها بالدين، وموقفاً عملياً متخلياً عن رسول الله ( بأبي وأمي) وتركه ليواجه الموت مع قلة قليلة من أصحابه يعدّهم المؤرخون في أحسن الأحوال بما لا يتجاوز إثني عشر صحابياً، أما البقية فكانوا مدبرين، يقول جابر بن عبد الله الأنصاري في وصف الحالة : فوالله الله ما راعنا ونحن منحطون إلّا الكتائب قد شدّت علينا شدّة رجل واحد؛ وانهزم الناس أجمعون،(2)وفيما يذهب اليعقوبي في تاريخه إلى أن من تبقى من الصحابة لا يتجاوزون أصابع اليدين كلهم من بني هاشم اضافة إلى أيمن بن أم أيمن ،(3)يضيف إليهم ابن إسحاق فيما ينقله عنه الطبري(4)وابن هشام اثنين آخرين ليس إلّا (5)، هذا والرسول (بأبي وأمي) يناديهم : أين أيها الناس! هلم إليّ! أنا رسول
الله، أنا محمّد بن عبد الله، قال جابر: فلا شي،(1)أي لا استجابة له من أحد !! وبهذا قال مالك بن عبادة الغافقي :
لم يواس النبي غير بني هاشم*** عند السيوف يوم حنين
هرب الناس غير تسعة رهط ***فهم يهتفون بالناس أين
ثم قاموا مع النبي على الموت*** فآتوا زينا لنا غير شين
وسوى أيمن الأمين من القوم*** شهيداً فاعتاض قرة عين(2)
وفي حساب العباس بن عبد المطلب فإن المتبقين مع رسول الله ثمانية ليس إلّا قال:
نصرنا في رسول الله في الحرب سبعة*** وقد فرّ من قد فرّ منهم فأقشعوا(3)
وثامننا (4)لاقى الحسام بسيفه*** بما مسّه في الله لا يتوجّع (5)
وهؤلاء الثمانية بحسب ابن قتيبة: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة(6).
وأنت تعرف إن المصداقية في الإلتزام إنما يكون في الكريهة من الأيام والساعات لا في الأيام العادية، وها هي حنين التي حصلت في العام الثامن من الهجرة تنبؤك عن حقيقة المصداقية في البيعة لدى هؤلاء! ومن المعلوم إن هذا الموقف هو عين الذي كان قد حصل في غزوة أحد، ولا يفرق أمرهما عن غزوة
1) تاريخ الطبري 2: 167.
2) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 1: 141.
3) قشع القوم: فرّقهم.
4) يعني بذلك أيمن بن عبيد.
5) المعارف: 164 والبلاذري في أنساب الأشراف 4: 10 والإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 96-97 والعمدة في صناعة الشعر ونقده 1 : 16 وأسد الغابة في معرفة الصحابة 1: 189 رقم 353 .
6) المعارف: 164 .
الأحزاب كثيراً (وَإِذ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ)(1)، فالنكوص عن أمر رسول الله (صلوات الله عليه وآله) كان واستمر سيد الموقف، وحينما تتفحّص تفاصيل ما بعد حنين تجد ما يدمي القلب ويقرّح الفؤاد، ويكفيك أن تطّلع على محاولة بعض هؤلاء من أجل اغتيال الرسول (صلوات الله عليه وآله) من خلال تنفير ناقته في عقبة حنين !! لتتعرف على جانب من الطبيعة الاجتماعية لذلك المجتمع.
ولو أخذنا قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ* إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(2)لوجدنا إن الطاعة لله ولرسوله لم تك بالصورة المثالية التي يصوّرها كتاب (عدالة الصحابة)، فالآية تتحدّث عن نزوع كبير في نفوس هؤلاء للدنيا على حساب الآخرة، وذلك يتم من خلال العصيان المباشر لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي هو أمر الله (جلّ وعلا)، ولنا أن نتأمل في التهديد بالعذاب الأليم، والتهديد بالسنّة التاريخية باستبدالهم ليأتي الله بقوم غيرهم، فهم لا ميزة لهم إلّا من خلال طاعة الله ورسوله، وما خلا ذلك فهم لا يضرّوا الله شيئاً، وما أحسن لو قست ذلك بما مرّ من حديث الطائفة المحقة التي تحدّث عنها الرسول (صلوات الله عليه وآله) لتجد إن ما تحدّث عنه القرآن بالتهديد بالإستبدال، نجّزه الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الجماعة !!
ونفس الأمر ستجده لو تدبّرت في الآية الكريمة:(لَوْ کانَ عَرَضاً قَریباً وَ سَفَراً قاصِداً لَّاتَّبَعُوکَ وَ لکِنْ بَعُدَتْ عَلَیْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَیَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَکُمْ یُهْلِکُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللهُ یَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ)(3)، فالنزوع إلى الدنيا وعدم الطاعة الله ولرسول الله (بأبي وأمي) هي ما تشير إليه الآية الكريمة، ولكن هنا تضيف الآية الكريمة صفة الكذب إليهم تقريراً لواقع حصل، وليس تبياناً لاحتمال قد يقع!
ولو رجعت إلى الآيات الكريمة (45-57) من نفس السورة فستجد صورة
مريعة أخرى في تشريح أحد فصائل هذا المجتمع في تعامله مع الله ورسوله (صلوات الله عليه وآله) ودينهما! ويمكن إجمال الاستعراض القرآني في هذه الآيات بالتالي :
فهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقلوبهم تتملّكها الريبة، ويكره الله انبعاثهم، وهم من القاعدين المتخلّفين عن أمر الله ورسوله، وفي ممارستهم الاجتماعية لا تجد منهم إلّا كل أذى وتنكيلاً بالمؤمنين، وهم مثيرون للفتن، وليس هؤلاء فئة معزولة في هذا المجتمع، وإنما لديهم من يسمعهم ويصغي إليهم من شرائح اجتماعية أخرى، وهم ظالمون، وهؤلاء رغم دخولهم للإسلام، ولكن تأريخهم ينبأ بأنهم كانوا من المبتغين للفتن، وحاولوا بتقليبهم صورة الأمور بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أن يوقعوا نفس الرسول في فتنتهم! ولكن الحقّ فضحهم، وهم حينما قبلوا ؛ إنما قبلوا قبول المكره لا المقتنع ! وبعضهم سقط في الفتنة وإنه لفي جهنم المحيطة بالكافرين! ولو حصل خير لرسول الله في رسالته ودينه فإنهم يتألمون، ولكن لو ابتلى الله رسوله والمؤمنين ببلاء في مسيرة الدين وتثبيت الرسالة تغمر قلوبهم الفرحة والسرور! وهم في كل حال يتربّصون بالمؤمنين، وحال المؤمنين بأذيتهم منهم إنهم كانوا يتمنّون لهم أن يفتضحوا بأيديهم أو ينتقم الله منهم، ولو أنهم قاموا ببذل أو ما شابه منه، فإنهم مع ذلك من الفاسقين الذين لا يقبل الله منهم عملهم سواء أكانوا مكرهين أم مريدين!
ثم تقرر الآيات بأن هؤلاء من الكافرين بالله ورسوله! وإن صلاتهم لم تك إلا صلاة المكرهين المجبرين على أدائها ذراً للرماد في العيون، ثم تؤكّد الآيات الكريمة كفر هؤلاء حتى لو كانت مكانتهم الاجتماعية عالية من حيث التمكين من الأموال والأولاد، فهذه المكانة هي من صنف الاستدراج الإلهي لهم ليفتنهم ويكشف بها حقيقتهم، فهم ليسوا من المؤمنين وإنما هم كفار وقوم يفرقون!
ومن بعد ذلك كله تأتيك مجموعة من الآيات التي شرّحت واقع مجاميع أخرى من هؤلاء، فمنهم من يتعامل مع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم لا على أساس الدين والرسالة وإنما على أساس المنفعة وانتفائها (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)(1).
ثم تذكر الآيات الكريمة طائفة أخرى في المجتمع تتمثّل بمن كانوا يؤذون
1) سورة التوبة : 58.
الرسول (صلوات الله عليه وآله) بالتقول عليه والانتقاص منه، ليضعهم بالتالي في بوتقة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ فَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(1)وهم يقسمون بالله نفاقاً، وأكثر من ذلك فهم مصنّفون في أمر المحادّة الله ولرسوله ومن (يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)(2)، ومن بعد هؤلاء يشير إلى صنف المنافقين ويشرّح جانباً من أحوالهم، ثم يقرر إن هؤلاء في نار (جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)(3)ولا أستطرد أكثر من ذلك بالرغم من أن الآيات اللاحقة حافلة بالإقلاع بوصف شرائح اجتماعية أخرى كانت كلها مما يعايشها الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) وأملي أن لا يهمل القارئ الكريم إدامة القراءة المتدبّرة في بقية الآيات ففيها كثير بيان لما أشرنا إليه .(4)
فإذا كان الواقع الميداني الذي يراه الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) يعرب عن تصدع كبير بالصورة الأولية التي أبرزتها الوقائع التي بين يديك، ومما لا ريب فيه إن الرسول الأعظم (بأبي وأمي) يرى بعمق غير الذي نراه عادة، ويقيّم الأمور بطريقة تتسم بدقة وحكمة المعصوم، ولهذا فإن أيّ حديث عن أن العهد الذي عاشه الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) بأنه عهد قابل لإتمام المهمة الحضارية لرسول الله (عليه وعلى آله السلام) يكون ضرباً من الخيال الذي لا واقعية فيه، فأيّ مشروع حضاري يحتاج إلى الأطروحة الفكرية والمعنوية الخاصة بهذا المشروع، وإلى القائد الذي يقتّن الحركة ما بين الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة لتحقيق تلك الأطروحة، وإلى القاعدة الاجتماعية التي تنوء بمهمة تنفيذ البرامج القيادية، ولا شك إن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) لم يك بحاجة إلى الأمرين الأولييّن، ولكن معاناته بأبي وأمي في العنصر الثالث - أي القاعدة الاجتماعية - كانت من أوضح الواضحات لما تبيّن .
1) سورة التوبة : 61.
2) سورة التوبة : 63.
3) سورة التوبة : 68.
4) مما يدمي القلوب ويثير القرف في النفوس تعمّد غالبية المفترين وكتّاب السنة النبوية تصویر هذا التقريع الهائل بأنه خاص بجماعة صغيرة من المنافقين في المجتمع لا يزيد عددهم لدى بعضهم بأكثر من 12 شخصاً، مع أن السورة واضحة في الإنتقال من شريحة إلى شريحة أخرى لا علاقة لها بالشريحة الأولى، وليس أدلّ على ذلك من وجود كلمة (وَ مِنْهُمْ) المتعددة في هذه الآيات الكريمة.
وإلّا فأي مشروع يمكن أن يتمكّن فيه القائد من تنفيذ مخططاته الكاملة ويخلق منظومتها التربوية ويكّرس واقعها الاجتماعي، في الوقت الذي نجد الغالبية العظمى من أصحابه يتركونه في ساحة معركة أحد وحنين الحرّ السيوف وطعن الرماح !! ويخذلونه بمرارة في معركة الأحزاب يناشدهم فلا يجد إلّا رجيع الصدى؟! وما هذا إلّا مثل من صعيد واحد! فما بالك ببقية الحالات؟ والتي لو استعرضناها فلن تخرجنا أو تبعدنا عن نفس النتيجة، ويكفي للمرء أن يقرأ سورة الجمعة ليتأمل نفس هذه الغالبية وهي تترك الرسول (بأبي وأمي) خطيباً في الصلاة، لتلهث وراء بائع جاء ببضاعة لا ريب إنها ستبقى لما بعد الصلاة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ )(1)أو أن تجد زوجتاه اللاتي قالوا عنهما بأنهما الأكثر أثرة لديه! يتظاهرا عليه بالطريقة التي يكون فيها كذب عليه، وبالشكل الذي يعرب القرآن الكريم عن أنّ قلبيهما خرجا عن الدين (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ )(2)وهكذا بقية الأمثلة.
ومن المقطوع به إن ثقافات التبرير والتجميل المستمر لمساوئ التاريخ والتي انتهجها عدد كبير من المحدثين والمؤرخين والمفترين، لا يمكنه أن يسمح بخدش صورة الجمال الآخاذ الذي يتراءى للإنسان حينما يقرأ ما كتبوه، وقد يقتنع به الكثيرون، ولكن من المسلّم به إن أي كلام عن المشروع الحضاري وريادية الرسول (صلوات الله عليه وآله) في هذا المجال، يجعل هذه الثقافات موضع اتهام، لا بل إزدراء لما تعجّ به من متناقضات وأكاذيب، صحيح إن هذه الثقافات أحاطت الرسول (روحي فداه) بكلمات التكريم، ولكنها سلبته أفعال التكريم قطعاً، لأنها لو درست بشكل دقيق لخرجنا بتصوّر عن الرسول (بأبي وأمي) بصورة أقلّ ما فيها أنها جعلته إنساناً عادياً لا يمتاز كثيراً عن غيره من عربان الحجاز وأعراب اليمن! أما حينما نتحدّث عن النبي الخاتم (صلوات الله عليه وآله) وملازمات النبوة واستحقاقات العصمة وكمالاتها وننظر بموضوعية لأقواله وأفعاله، فإننا - ومن دون أدنى شك - سنخرج بصورة تختلف كليّة عمّا يريد هؤلاء تصويره .(3)
وكيفما يكن فإن الأمة التي عاصرها الرسول (صلوات الله عليه وآله) كان فيها الأرضية التي تم فيها إطلاق نواة المشروع وبذرته، ولكن هذه الأرضية كما هي أية أرضية اجتماعية أخرى لا تحمل الصفة السحرية التي تحوّل النواة إلى ثمرة من دون اكتمال كل عوامل النمو، بل إن شأن النمو فيها يحتاج إلى وقت كبير من التربية والتحصين حتى تتهيأ النفوس والأوضاع للتحدّث عن بلورة المشروع وتكامله، ولقد سارت الأحداث التاريخية بالخلاف تماماً لما كان الرسول (صلوات الله عليه وآله) يريده، ولكن قوة الزخم التي تولّدت من عملية الإطلاق من جهة، وعدم جرأة الأنظمة السياسية التي تعاقبت من بعده على العمل ضد إرث الرسول الأكرم (بأبي وأمي) علانية، بل واستفادتها من إبقاء نفسها تحت المظلة لهذا الزخم من جهة أخرى، سمح للبذرة أن تنمو وتترعرع بالرغم من الظروف المأساوية التي أحاطت بذلك فور إطلاق هذه البذرة، ولهذا فإن من صحيح القول أن يقال بأن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) أطلق هذه البذرة وأراد لها أن تنمو لكي يستثمرها القائم من آل محمّد (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين)، مع الإلماع إلى الأحاديث السابقة التي ذكرناها والتي تشير إلى إن الله سبحانه وتعالى وقت لهذا الأمر مواقيت عدّة في عهد أمير المؤمنين والإمام الحسين ثم الإمام الصادق علیهم السلام، ولكن وعي الأمة وأوضاعها لم يعط المجال التجسيد ذلك، وحيل بين ذلك وبين التنجّز في أرض الواقع.
ولا يمكننا أن ننظر إلى هذه النواة والبذرة بأبعد من القاعدة التي أشار إليها في قوله صلی الله علیه وآله وسلم في حجة الوداع :«كأني قد دعيت فأجبت ، (1)إني تركت فيكم الثقلين ؛ أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)ففي هذا القول الشريف نجد إن الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) يتحدّث عن تركة لما بعد رحيله من الدنيا، وهذه التركة لن تفترق عن الهدى، وسترد عليه الحوض بأمان من سوء العاقبة، ولو دقّقنا في المعطيات العملية لمثل هذا القول فسنجدها تتطابق بشكل كامل مع حديثه صلی الله علیه وآله وسلم عن الطائفة التي لا تفارق الحق حتى تسلّم الأمر إلى الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، ومن هنا نفهم لماذا نقول بأن التشيّع للعترة الهادية
من أهل بيته (عليه وعليهم السلام) هو القاعدة التي ستحمل على عاتقها أمر التمهيد للإمام المنتظر وتعدّ لظهوره؟ فأنت خبير بأن أي طائفة من طوائف المسلمين لم تعمل بهدي أهل البيت علیهم السلام إلّا المتشيعين لهم، كما وأن المتصفّح بجدية المجريات التاريخ يجد أنه تكذّب، ولم يُتحامل عليها، ولم تُضارّ طائفة ولم تُتَّهم ؛ كما كذّب من انتمى إلى مدرسة أهل البيت علیهم السلام، واتّهم وحُمل عليه، وهذا هو تصديق قول رسول الله (صلوات الله عليه وآله) المتقدّم، ومن ألفاظه ما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة، عن رسول الله (عليه وعلى آله السلام) قال: «لا تزال طائفة من أمّتي قوّامة على أمر الله لا يضرّها من خالفها».(1)
وكذا ما رواه عن معاوية عنه صلی الله علیه وآله وسلم: لا تقوم الساعة إلّا وطائفة من أَمتيظاهرون على الناس، لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم.(2)
ومثله ما رواه ثوبان قال : قال : لا يزال طائفة من أمتي على الحق منصورين، لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عزّ وجلّ.(3)
وقد سارت عملية النشوء، ثم الإنتشار ضمن مسارات ومخاضات تاريخية عسيرة وشاقّة، ولكنها ظلّت في مسيرتها تتكامل وتطّرد بالصورة التي نجدها اليوم تحمل في طبيعتها الكثير من القدرة والُمنعة لتحمّل مسؤولية النهوض بشأن الإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، والتي يمكن من خلالها أن نقول بأن الإطار الاجتماعي لنهضة الإمام (روحي فداه) في شرطه الأول متوفر فعلاً عبر التشيّع له (صلوات الله عليه).
زمانيّاً وَ مكَانيّاً ؟
متى تبتدأ مرحلة التمهيد المباشر ؟
أشرنا مسبقاً إلى أنّ الأئمة صلوات الله عليهم تحدّثوا في مجال العلامات عن
مرحلتين تاريخيتين، وسمت الأولى بعدم وضعها ضمن خارطة الظهور الشريف، ولهذا جاءت متناثرة ومتفرقة في الزمان والمكان، لا يجمعها جامع، ولا يؤطرها إطار، ولهذا كانت من حيث الوفرة العددية أقل من أحاديث المرحلة الثانية التي جرى فيها التأكيد على اعتبارها فاتحة الطريق في هذه الخريطة، ويلحظ عليها أنها جاءت متراصّة في الزمان والمكان، ومتناسقة بشكل موضوعي فريد من نوعه يتبع بعضها بعضاً.
وفيما أشير في المجموعة الأولى إلى دول كثيرة دون تشخيص أزمانها اقتصرت المجموعة الثانية على خمس دول فقط هي التي ستدور رحى هذه العلامات في أراضيها أو انطلاقاً منها، وهذه الدول هي سوريا وتركيا والعراق وإيران والحجاز، وذلك بسهم ينطلق من سوريا ثم ينحدر إلى العراق لينتهي في مكة المكرمة حيث ستشهد إنبلاج النور الإلهي، ولا يزيد الزمان الممتد بین أولها وآخرها - والذي جرى العناية فيه بشدة - على ثلاث سنوات.
وفي الوقت الذي خلت فيه أحاديث المرحلة الأولى من التكاليف العملية المرتبطة بطبيعة ما يتصاحب مع علامات تلك المرحلة ،(1)حفلت أحاديث المرحلة الثانية بالكثير من التكاليف العملية، واشتملت هذه الأحاديث على تصويب الأنظار نحو آليات تحرّك محدّدة .
وقد تم الفصل بين المرحلتين بشكل دقيق أيضاً، ففي رواية جابر بن يزيد
1) ما قد نراه في بعض روايات هذه المرحلة من توجيهات عملية، لا يخص ظرف العلامة ولا مكانها بالضرورة، وإنما هو في الغالب يعمّ كل المناطق، وهي توجيهات عامة لا خصوصية فيها للزمان والمكان على خلاف التوجيهات المتعلقة بالمرحلة الثانية التي تأتي مخصوصة بمنطقة دون أخرى، وبعلامة دون غيرها، وسيأتي تبيان ذلك في المباحث الروائية القادمة .
الجعفي رضوان الله عليه نجد التفريق الدقيق ما بين المرحلتين من خلال قول الإمام الباقر علیه السلام: يا جابر الزم الأرض، ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إن ادركتها ، (1)إذ أن استخدام كلمة "حتى" والتي تشير إلى لإنتقال الزماني أو المكاني ما بين موضعين، جعل عملية الفصل واضحة المعالم، فالمخبر عن الإنتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية هو حصول العلامات التي تعقب كلمة "حتى" أما ما يحصل قبل ذلك فلا علاقة له بمرحلة التمهيد المباشر، وهذه دالّة أساسية على الشروع في حركة خارطة الظهور الشريف، وبالنتيجة فإن وقوع هذه العلامات هو وحده الذي من شأنه أن يحدّد لنا موقعنا الزماني من عالم الظهور، وأي عنصر آخر لا يمكن أن يقدّم لنا يقيناً كما يمكن لهذه العلامات أن تقدّمها، ولا سيما وأنها تتضمن كل العلامات الحتمية التي لا بد وأن تتقدم ظهور الإمام صلوات الله عليه .
وكنت قد أشرت في كتابنا راية اليماني الموعود(2)إلى الخريطة الزمانية التي يجب أن تتبع لمعرفة العلامات الدالة بشكل دقيق، وقد اقتصرت هناك في الحديث عن العلامات المحتومة ، (3)وسأتبسّط هنا بالحديث لغيرها من العلامات مستنداً في الغالب إلى رواية جابر المقامة والتي ساتخذها منطلقاً لاستعراض ذلك، وهي على الرغم من طولها وما يعتور سندها، فإنها تحتوي على دلالات مهمة للمنهج الذي ألمعنا إليه سابقاً، مع التنويه إلى أن أجزاءها متناثرة في الكتب، وفي ظني إنها لم تذكر كاملة في موضع واحد، لوضوح الفارق بين النص النعماني والمفيد عن نص العياشي، ولعل السبب يعود لكثرة طرقها ، ويبدو لي أن نص الرواية المذكورة في غيبة النعماني وتفسير العياشي والإختصاص قد استعرضت جزءها الأكبر، وسأشفع معها بعض الروايات المعضّدة أو الموضحة أو المفصّلة لموضع من مواضعها، وسأكمل من غيرها بقية العلامات المرتبطة بموضوعنا هذا وذلك على
1) غيبة النعماني: 289 ب 14 ح 67.
2) كنت في هذا الكتاب قد ركّزت الحديث عن راية اليماني من دون أن أهتم بالتدقيق في غيره من العلامات، مما أوقعني بعدد من الاشتباهات وسيجد القارئ الكريم في كتابنا هذا أن تلك الاشتباهات صُحّحت وكذلك أصلحناها في الطبعة الثانية من كتاب راية اليماني الموعود إن قيّض الله تعالى لنا توفيق إصداره، وفي الوقت الذي أكرر فيه اعتذاري عن أشير إلى أن المعوّل في ذكر العلامات وخارطة الظهور الشريف إنما هو على كتابنا هذا، وليس على ما ورد في كتاب راية اليماني الموعود.
3) انظر راية اليماني الموعود أهدى الرايات: 173 فما بعدها.
وفق المنهج الذي ألمعنا إليه.
ولكن قبل أن أبدأ بذكر العلامات أعيد التأكيد على مسألة أساسية، وهي إننا
في الوقت الذي سنتحدث فيه عن العلامات الممهّدة ومن ثمَّ عن شرائط الظهور، فإن واحدة من المرتكزات التي يجب أن تبقى في ذهن القارئ الكريم إن العلامات الممهّدة وتفصيل شرائط الظهور لا نفس الشرائط ؛ هي من الأمور التي يمكن أن يدخل عليها البداء، فهي ليست من المحتومات، صحيح أن الشرائط محتومة الوقوع ، ولكن تفاصيلها لا مجال للقول بأنها أيضاً من المحتومات، وبالنتيجة فإن المحتوم سيقع بلا أدنى شك، ولكن غيره يمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع، إذ إنه في الحيز الذي أشارت إليه الآية الكريمة: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(39))،(1)وتتفاعل عوامل عديدة في تنجيز ذلك أو عدم تنجيزه كالدعاء والصدقة والإرادة البشرية المهتدية بهدى أهل البيت علیه السلام وألطافهم صلوات الله عليهم، وربما يكون من المفضّل الإستعانة بمثل قوم يونس علیه السلام حينما كتب عليهم البلاء، وكان البلاء قد بدأت مفاعيله تبرز بشكل جلي وتشتد ولكن توبة قوم يونس أنقذتهم من الهلاك بعد أن بهم حاق أو كاد.
روى الشيخ النعماني قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة ، (2)عن ابن محبوب؛ وأخبرنا محمد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه ؛ قال : (3)وحدّثني محمد ابن عمران، قال حدّثنا أحمد بن محمد بن عیسی، قال: وحدّثنا علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، جميعاً، عن الحسن بن محبوب ؛ قال : وحدّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام: يا جابر! إلزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها : (4)أولها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدّث به من بعدي عني، ومناد ينادي
من السماء، ويجيئكم صوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم،(1)وسيقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة،(2)وسيقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة،(3)فتلك السنة - يا جابر - فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب (العرب خ ل ) (4)، فأوّل أرض تخرب أرض الشام، ثم يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ثم يقتل الأصهب، ثم لا يكون له همّة إلا الإقبال نحو العراق، ويمر جيشه بقرقيسيا،(5)فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان، وتطوي المنازل طيّاً حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم، ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً يترقب على سنة موسى بن عمران علیه السلام، وقال : فينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي مناد من السماء : يا بيداء بيدي القوم، فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر، يحوّل الله وجوههم إلى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية :
1) في الاختصاص: يعقبها مرج الروم، ومعنى الهرج والمرج لا يبتعد كثيراً في المضمون وسياتي تبيانه.
2) في تفسير العياشي: فإذا رأيت الترك جازوها فأقبلت الترك حتى نزلت الجزيرة .
3) في النص الذي ذكره جعفر بن محمّد الحضرمي: الرميلة بدلا من الرملة. انظر الأصول الستة عشر : 79 كتاب جعفر بن محمّد بن شريح الحضرمي.
4) ولعله هو الأصح ، بالرغم من إن نسخة العياشي العياشي متفرّدة بهذا الشأن، وبقية النسخ هي على ما في المتن، ومع تقدير صحة كلمة المغرب، فإن المغرب معبر عنها بالنظر لموقع الحديث والمتحدث والمتلقي، إذ إن الإمام الصادق علیه السلام حدّث جابر بن يزيد الجعفي في الكوفة، والشام هي غربها، ولذلك قال : فأول أرض تخرب.
5) قرقیسیاء : مدينة سورية تقع إلى شمال الشرق من مدينة دير الزور على مسافة 42 كيلومتر باتجاه الحدود العراقية وتقع عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات، والمدينة في يومنا هذا تسمى بمدينة البصيرة، ويبدو إن تصحيفاً وقع في بعض الروايات فكتب النسّاخ البصرة بدلاً من البصيرة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا)(1)الآية. قال : والقائم يومئذ بمكة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به، فينادي: يا أيها الناس، إنا نستنصر الله فمن أجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيكم محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، ونحن أولى الناس بالله وبمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم، فمن حاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجّني في محمّد صلی الله علیه وآله وسلم فأنا أولى الناس بمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم، ومن حاجبني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين، أليس الله يقول في محكم كتابه :(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34))(2)فأنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمّد صلى الله عليهم أجمعين. ألا فمن حاجّني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجّني في سنّة رسول الله فأنا أولى الناس بسنّة رسول الله، فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما أبلغ الشاهد منكم الغائب، وأسألكم بحق الله وبحق رسوله وبحقي، فإن لي عليكم حق القربى من رسول الله إلا أعنتمونا ومنعتمونا ممن يظلمنا، فقد أُخفنا وظُلمنا وطُردنا من ديارنا وأبنائنا وبُغي علينا ودُفعنا عن حقنا وافترى أهل الباطل علينا، فالله الله فينا لا تخذلونا وانصرونا ينصركم الله تعالى. قال: فيجمع الله عليه أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ويجمعهم الله له على غير ميعاد، قزعاً (3)كقزع الخريف (4).
والرواية من حيث التوثيق السندي لا مرية في وثاقتها، فهي موثقة بطريق أحمد بن محمد بن سعيد،(5)عن شيخيه محمد بن المفضّل بن إبراهيم الأشعري،
1) سورة النساء: 47.
2) سورة آل عمران: 33-34.
3) القزع: قطع السحاب المتناثرة.
4) غيبة النعماني: 288 - 291 ب 14 ح 67 ، والاختصاص : 256 ، وتفسير العياشي 1 : 83- 85 ح 117 من سورة البقرة، ونص العيّاشي هو أكبر النصوص.
5) أتعجّب ممن يدّعي التوقف في توثيق أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة، مع أن وثاقته ليست مورد جدل بين الرجال، وفي قلبي الكثير من الشك في شأن زيدية ابن عقدة، لا أجد مجالاً هنا لمناقشته، ولكن أشير إلى أن أحاديثه لا تنبيء عن زيديته المدّعاة، ولا عن جاروديته (نسبة لأبي الجارود زياد بن المنذر) كما أشار إلى ذلك الشيخ النجاشي أعلى الله مقامه في ترجمته انظر رجال النجاشي 1: 240 رقم 231 وكان زياد بن المنذر من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام وروى عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه، ولكنه التحق بالشهيد زيد بن علي بن الحسين علیه السلام، وأتباعه يسمون بالجارودية، أو السرحوبية. .
وأحمد بن الحسين بن عبد الملك الأودي، وهي صحيحة بطريق الشيخ الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، وكذا هي صحيحة بطريق الشيخ الكليني، عن علي بن محمد (وهو ابن ماجيلويه)، عن سهل بن زياد لمن يقول ثاقة سهل بن زياد، (1)
وقد عضّد اعتمادهم على ذلك موقف الشيخ الطوسي قدس سرّه الذي ضعّفه في الفهرست. الفهرست: 142 رقم 339 .
وكذا ما نسب لابن الغضائري والذي شدد النكير على عادته على سهل بن زياد فقال : سهل بن زياد، أبو سعيد الآدمي الرازي. كان ضعيفاً جداً، فاسد الرواية والدين، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه من قم، وأظهر البراءة منه، ونهى الناس عن السماع منه وا منه والرواية عنه ويروي المراسيل، ويعتمد المجاهيل. انظر الرجال المنسوب لابن الغضائري: 66 رقم 65.
ومن أجل تحقيق الأمر نجد من الواضح أن عبارة الشيخ النجاشي المتقدّمة كانت موجهة لجانب من حديثه وليس له، أي أنه انهم بعض حديثه بالضعف، لا أنه قدح بوثاقته كشخص، وهو أمر حصل مع العديد من أعلام الرواة كما الحال هو مع جابر بن يزيد الجعفي وأحمد بن محمد بن خالد البرقي وأمثالهم، ولم يؤخذ ذلك بعنوان ضعفهم أو القدح فيهم، فقد يروي الراوي عن الضعفاء أو يروي المراسيل فلا تقبل روايته ليس لأنه هو الذي رواها، وإنما لأن ضعيفاً ورد في طريق الرواية، بدليل أنه لو روى عن الثقات يؤخذ بروايته، ولهذا فلا يمكن التعويل على أن العبارة تنطوي على القدح بنفس سهل، فتأمل. أما تضعيف الشيخ الطوسي له في الفهرست، فمردود بتوثيقه إيّاه في الرجال، فقد ذكره في أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي صلوات الله عليه موثقاً قال: يكنى أبا سعيد، ثقة، رازي. انظر رجال الشيخ الطوسي : 387 رقم 5699، ومن المعلوم إن الرجال قد كتبه الشيخ الطوسي بعد كتاب الفهرست، وكأن الشيخ بان له حال سهل بن زياد من بعد حكمه بضعفه أولاً، ولهذا فالكلام الأخير حاكم كما يبدو على الكلام الأول، ولو قدر الجدل في ذلك، فإن تساقط الشهادتين المتعارضتين، هو السبيل المتعيّن في هذا المجال.
وأما ما نسب لابن الغضائري فأهون ما فيه أن الكتاب لم تثبت نسبته لابن الغضائري، ولهذا ابتعد علماء الرجال من بعد خلاصة العلامة ورجال ابن داود عنه.
وأما تكذيب أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري رضوان الله عليه وطرده إياه من قم، فلا يمكن الركون إليه في الطعن، وذلك واضح لطبيعة تشدّد القميين في الرواية نتيجة بعدهم عن مصدر الرواية، ولهذا كانوا يتّهمون الكثيرين بالغلو بأمور هي من مسلّمات المذهب، وما كان ذلك إلّا لأنهم كانوا غير مطلعين على الحديث الصادر في غيابهم، وقصة أحمد بن محمد ابن عيسى مع أحمد بن محمد بن خالد البرقي وتكذيبه وطرده من قم ذات دلالة خاصة في هذا المجال، والتي ندم أحمد بن محمد بن عيسى على إثرها بعد أن استبان له حال البرقي واعتذاره منه وإرجاعه إلى قم، وقد بلغ من شدّة ندمه أن البرقي حينما توفي خرج أحمد بن محمد بن عيسى حاسر الرأس، ولهذا لا يمكن التعويل على هذه المواقف التي تشير إلى التسرّع في الحكم أكثر مما تشير إلى الدّقة في الطعن، وإلّا ما كنا لنرى الشيخ الكليني قدّست أسراره يعمد إلى التتلمذ على يد أبي سعيد سهل بن زياد، ويروي عنه الكثير من روايات الكافي، وما كنا لنرى توثيق الشيخ ابن قُولويه له في كامل الزيارات وروايته العديدة عنه، بل ورواية علي بن إبراهيم عنه في التفسير وكليهما أكّد وثاقة من ينقلون عنه، وما أعنيه هنا ليس المقصود دلالة الرواية على الوثاقة، فهذا له نقاش أفضنا به في مبحث التوثيقات العامة من مقدمتنا لكتاب كامل الزيارات، وإنما أعني وثاقة الرجل لدى علي بن إبراهيم وابن قُولويه مع إنهما من مشايخ القمّيين، وعدم نكيرهما عليه كما رأينا في موقف أحمد بن محمد ابن عيسى، فتأمل!.
ولهذا فالمظنون بقوة أن الرجل ثقة، وأن ما جرى من تضعيفه إنما هو حمل كلام الشيخ النجاشي على غير محمله، والله العالم.
ولذلك فإن ما يتحصّل لدينا هو أن الرواية لا يشكّ في وثاقتها .1) اختلف علماء الرجال في شأن حال سهل بن زياد الآدمي، وقد سار الأغلبية وراء عبارة للشيخ النجاشي رضوان الله عليه والتي ترجم بها له قال: سهل بن زياد، أبو سعيد الادمي الرازي، كان ضعيفاً في الحديث، غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب، وأخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها، وقد كاتب أبا محمد العسكري علیه السلام على يد محمد بن عبد الحميد العطار للنصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين. ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين رحمهما الله . انظر رجال النجاشي 1: 417-418 رقم 488 .
وفي الواقع تمثّل هذه الرواية الإطار العالم للخريطة، وهي من الروايات القليلة جداً التي ضمّت كل هذا العدد من العلامات، فالمعتاد أن الروايات لا تتحدث بهذا الكم من العلامات، ولكننا نجد في هذه الرواية كماً كبيراً من العلامات كلها في فترة التمهيد المباشر للظهور الشريف، ولا تضاهيها في ذلك إلّا صحيحة يعقوب السراج الآتي ذكرها، فهي اختصت بهذه الفترة أيضاً، ولكن بعدد أقل من العلامات، وبلغة أكثر اختصاراً مما نجده في الرواية آنفة الذكر.
ونصها على طوله ينطوي على الكثير مما يعنينا فهمه ويحدد لنا الأطر التي يجب أن نتعامل وفقها لفهم حركة علامات الظهور في عالمنا المعاصر، ولو لاحظنا في بداية الحديث وجود أداة "حتى" في قوله علیه السلام: " إلزم الأرض ولا تحرك يداً ولا
رجلاً حتى ترى علامات" والتي تعني الإنتقال من مرحلة لأخرى، والإمام صلوات الله عليه بهذه الكلمة إنما حدد إن كل العلامات التي تأتي قبل هذه المرحلة لن تدخل في التمهيد المباشر، وكل ما يأتي بعد كلمة "حتى" سوف يكون دخيلاً في مرحلة التمهيد المباشر، وهو يعني إن أي حديث عن التمهيد المباشر قبل حصول هذه العلامات يكون من باب الخوض بلا علم، والتقحّم في أتون الجهل.
ومن الواضح هنا إن أول ما يلفت الإنتباه هو ذلك التركيز في الحديث على أحداث الشام، مما يجعل أحداث الشام بوابة أساسية لأي حديث عن التمهيد المباشر، وفي زعمي إن كل ما أشير إليه في الرواية هنا متسلسل ومترابط، وواحده يلحق بالآخر ويتسبب به، أو يعين عليه، وسأحاول أن أنظّم أهم مفردات الخارطة الزمانية والمكانية وفقاً لما تحدّث به الإمام صلوات الله عليه في هذا الحديث وأشفّعه بغير هذا الحديث من العلامات المفصّلة لبعض هذه العبارات، أو الكاشفة عمّا سواها، وذلك عبر المحطات الآتية:
من هم أنصار الإمام
وديع الحيدري
من هم أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
وديع الحيدري
الرافد للمطبوعات
الطبعة الأولى
1438هـ - 2017م
arrafed_pub@yahoo.com
لقد مرّ في الأبواب السابقة بيان السبب الذي أدّى إلى غيبة الإمام علیه السلام وتأخر ظهوره ، وكان متمثلاً بعدم توافر العدد الكافي له من الأنصار الممتحنين والممحصين ، لأنّه وكما تبيّن ، أنّ كمال الشريعة ، وعصمة الإمام ، وكذلك أمر الله ورسوله بتولى الأئمة علیهم السلام زمام الأمور بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لم يبق معها أي شك في أنّ
السبب في عدم تحقق ذلك عائد إلى تخلّف الأمّة فسبب الغيبة وطول أمدها يرجعان إلى هذا الأمر أيضاً .
إنّ السلطة العباسية الحاكمة في فترة ولاية الإمام الحسن العسكري علیه السلام كانت قد وضعت بيته تحت المراقبة الشديدة ، لئلّا يولد له ولده المهدي علیه السلام، الذي كانوا يعلمون بأنّه الإمام الثاني عشر الذي أخبر به النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وبشّر به ، وأنّه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وهو الذي يهدّد عروشهم ، وعروش الظالمين من
أمثالهم بالزوال .
فكانوا يتربصون له لينالوا منه قبل أن ينال منهم ، فلو لم يغب علیه السلام لقُتل كما قُتل آباؤه الطاهرون علیهم السلام، وكيف يُقتل وهو آخر العترة الطاهرة ، والمدّخر لإنجاز الوعد الإلهي الذي وعد الله سبحانه وتعالى به المؤمنين بأن يستخلفهم في الأرض ويمكّن لهم فيها ، والمدّخر لإظهار الدين على الدين كلّه ؟
قال تعالى :
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)(1)
فهو علیه السلام في انتظار اكتمال العدد الكافي له من الأنصار كمّاً وكيفاً ، وبالفعل لا بالادّعاء ، لكي يخرج بإذن الله . وهنا يتّضح دور الممِّهدين لظهوره علیه السلام، وما ينبغي عليهم القيام به في هذا المجال ، لأنّ وظيفة الممهِّد هي تهيئة الأرضية ، وإزالة العقبات ، وفتح الطريق أمام المُمهَّد له.
فإذا كانت العقبة التي حالت بينه وبين الظهور ، والعائق الذي منعه منه ، هو قلّة الأنصار الحقيقيين ، فعلى الممهّديين والموطئين له علیه السلام ولدولته الكريمة إزالة هذه العقبة ، وإزالة هذا العائق من خلال تهيئتهم وتوفيرهم له علیه السلام.
1) التوبة ، 33 .
إنّ التمهيد لا يقتصر على نهوض أمّة من الأمم بهذا الأمر المهم ، بل يمكن لكل إنسان أن يكون له دور في هذا المجال ، وذلك من خلال إعداد نفسه ، وقيامه بأداء تكليفه الملقى على عاتقه بالشكل الصحيح والمطلوب ، وذلك من خلال طاعة من تجب عليه طاعته ، والاستعداد للذب عن دينه ومقدساته ، فيكون بذلك قد أزال مانعاً من موانع ظهور الإمام علیه السلام ، ولو بقدره وحسبه ، ويكون بذلك قد أدرك الفرج أيضاً ، وإن لم يظهر الإمام علیه السلام.
وما يدريك ، لعلّ الأمر يحتاج إلى شخص واحد فقط ليكتمل النصاب ، فلو كان لكل فرد من أفراد هذه الأمّة مثل هذا الشعور تجاه هذه القضية المصيرية ، لتهيأت الأرضية لظهوره علیه السلام ، ولكان لكل واحد منهم سهماً في تحقق ذلك الحدث العظيم .
قد يسعى الإنسان المؤمن خلال وجوده في هذه الحياة الدنيا أن يهيئ لنفسه صدقة جارية تنفعه في الدنيا والآخرة ، وذلك من خلال تربية ولد صالح يدعو له ، أو من خلال إنشاء مسجد أو مدرسة أو مستشفى خيري، أو أن يسنّ سنّة حسنة يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، أو من خلال هداية شخص ، أو تأليف كتاب ينتفع به الناس ، وما إلى ذلك من الأعمال التي يصدق عليها عنوان الصدقة الجارية ، والتي يُكتب ثوابها في صحيفة أعمال الإنسان ما دامت قائمة ويُنتفع بها من قبل الآخرين .
فانظر إلى الشخص الذي يساهم في تحقق مثل هذا الأمر العظيم، وذلك الوعد الإلهي الكبير ، ماذا سوف يُكتب في صحيفة أعماله ؟ وقد كان له دور في ظهور إمام زمانه علیه السلام بعد تلك الغيبة الطويلة ، وكان له سهم في امتلاء الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، حيث يعم السلام والإسلام، وتعم البركة مشارق الأرض ومغاربها، وتنتفع بذلك جميع الموجودات بلا استثناء ، ويدخلون الناس في دين الله أفواجاً .
هذا فضلاً عن إدخال السرور على قلب النبي الخاتم صلی الله علیه وآله وسلم، وعلى قلوب أهل بيته الطاهرين خصوصاً قلب خاتمهم وقائمهم عليه وعليهم آلاف التحية والثناء ، بل على قلوب جميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين والمؤمنين والمؤمنات من الأولين والآخرين . فهل
توجد صدقة جارية أعظم بركة وأكثر مزيداً من هذه الصدقة ؟
إنّ من أفضل ما يمكن أن يُمهّد به لظهور الإمام صاحب العصر والزمان علیه السلام، هو تهيئة الظروف لإقامة حكم الله في الارض ، لأن تهيئة الظروف هذه لإقامة الحكومة الإسلامية في بلاد المسلمين ، تعني بلوغ الأمّة في تلك البلاد، أو لا أقل بلوغ العدد الكافي منها الوعي اللازم والكافي ، والتشخيص الصحيح ، والبصيرة النافذة ، وبلوغها كذلك مرحلة التطبيق والعمل بما يقتضيه ذلك التشخيص .
وهذا لا يتم إلّا من خلال التفاف الأمّة حول من ينوب عن الإمام صاحب الأمر علیه السلام في فترة الغيبة الكبرى ، والمتعين في الفقيه الجامع لشرائط القيادة والزعامة الدينية ، والمتصدي للأمور العامة في المجتمع ، وإعانته على إنجاز هذه المهمّة الخطيرة .
فكلما ازداد هذا الشعور ، وهذا الاستعداد في الأمّة الإسلامية ، فإنّ الأرضية لتحقق الوعد الإلهي تكون متهيئة بشكل أفضل وأسرع ، لأنّ الأمّة في مثل هذا الحال تكون قد وصلت إلى مرحلة من الشعور بالمسؤولية تجاه الدين ما جعلها تستعد لإقامة هذا الأمر المهم في غيبة الإمام علیه السلام مع نائبه ، فكيف بها لو كان ذلك في ركاب الإمام علیه السلام
وتحت رايته مباشرةً ؟ من الواضح، أن تكون مع إمامها علیه السلام أكثر اندفاعاً للقيام بمثل هذه التكاليف .
وهذا في الواقع ما يحتاجه الإمام المهدي أرواحنا فداه من شيعته للقيام بمهمته ، وما ينتظره منهم ليخرج بإذن الله ، بأن يكونوا بهذا المستوى من الشعور بالمسؤولية تجاه الدين ، وبهذا المستوى من الاستعداد للتضحية في سبيله ، ومن الالتزام بالوفاء بالعهد عليهم، ذلك العهد الذي ذكره علیه السلام في رسالته إلى الشيخ المفيد قدس سره، والذي جاء فيه :
(ولو أنّ أشياعنا وفّقهم الله لطاعته ، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم ، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا ، على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا ، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم .)(1)
وإنّ العيش في ظل حاكمية الدين يكون سبباً كذلك في الإسراع في رشد الأمّة وبلوغها المستوى المطلوب كماً وكيفاً ، وذلك لأنّ القوانين الإلهية لها مثل هذه الخصوصية فيما إذا تم تطبيقها بالشكل الصحيح والمطلوب ، وذلك لوجود نوع من الدفع من قبل أجهزة
1) بحار الأنوار: ج 53 ، ص 177 .
الدولة الإسلامية ، تدفع بالأمّة نحو الصراط القويم ، ونحو الصلاح والإصلاح ، لأنّ في تطبيق الأحكام الإسلامية والقوانين الإلهية خير الأمّة وصلاحها في الدنيا والآخرة .
إنّ هذا التغيير الحاصل في الوضع الحاكم في الأمّة ، والناتج بحسب السنن الإلهية عن التغيير الحاصل في نفوس الناس ، يكون سبباً لنزول النعم والبركات الإلهية ، والمتمثلة ببركات السماء والأرض، أي النعم المعنوية والمادية .
قال تعالى :
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (1)
وقال أيضاً :
(لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)(2)
وقال كذلك :
(إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (3)
إنّ هذا التغيير الحاصل في الأمّة ، وهذه البركات السماوية النازلة عليها ، وكذلك الدفع المنظّم الواقع داخل النظام الإسلامي نحو الصلاح ، كل ذلك يكون سبباً لنشوء طبقة متميزة من حيث الإيمان والعمل الصالح داخل هذا الوسط الديني والمجتمع الإسلامي .
ويمكن توضيح ذلك من خلال مثال يقرّب الصورة إلى الأذهان، فلو أعطي مجموعة من الشباب يقارب عددهم العدد المتعارف لطلاب المدرسة الواحدة مجموعة من الكتب الدرسية ، وطُلب منهم أن يأتوا في آخر السنة الدراسية للامتحان بمادّة تلك الكتب .
فكم من هؤلاء الشباب سوف يوفق للامتحان في آخر السنة ؟ وكم من أولئك الممتحنين سوف يحصل على درجة النجاح ؟ وكم من الناجحين سيحصل على الدرجة الممتازة والمتفوقة ؟
مما لا شك فيه أن عدد الذين سوف يوفّقون للدراسة والمتابعة خلال تلك السنة ، ويوفقون بعد ذلك لأداء الامتحان سيكون قليلاً جداً بالنسبة إلى العدد الكلي ، هذا فضلاً عن عدد الناجحين منهم أو المتفوقين .
أمّا لو جُمع هؤلاء الشباب في مدرسة ، لوجدت أنّ النتائج التي سوف تحصل عليها ستكون مختلفة تماماً عن تلك النتائج الاولى ،
وخصوصاً بالنسبة إلى عدد الناجحين والمتفوقين منهم ، والسبب في ذلك يعود الى وجود النظام في المدرسة ، من حيث المتابعة والمراقبة والمحاسبة ، والمواظبة على الحضور، والتعليم الممنهج والمبرمج ، والامتحانات المستمرة والمختلفة ، فكل ذلك يدفع بالطلاب نحو الانضباط والالتزام بقوانين المدرسة ، ويدفعهم نحو المثابرة والجديّة في تحصيل العلوم والمعارف .
ولو رجعنا إلى الممثل بعد هذا المثال ، نجد انطباقه عليه ، خصوصاً فيما يتعلق بتهيئة القادة - 313 - الممتازين والمتفوقين من داخل ذلك الوسط الديني ، وكذلك انطباقه عليه من جهة الفرق بين الأمّة التي تحكمها القوانين الوضعية ، إلى أين تُساق ، وإلى أين يراد بها ، وبين الأمّة التي تعيش في ظل النظام الإسلامي الذي تحكمه القوانين الإلهية .
إنّ الإنسان الذي يعيش في ظل الحكومات المختلفة ، خصوصاً الجائرة منها ، فإنه محكوم بقوانين تلك الحكومات شاء ذلك أم أبى ، فلا يستطيع أن يتخلّف عنها بسهولة ، وإنه بإطاعته لتلك القوانين الوضعيّة يكون مُنقاداً ومُسيّراً من قبل تلك الحكومات إلى الجهة التي تريدها هي، لا إلى الجهة التي يريدها هو ، وإن اعتقد خلاف ذلك ،
إلّا أن يخرج على تلك القوانين ، أو أن يهاجر في سبيل الله ، أو أن يكون من المستضعفين الذين قال الله سبحانه وتعالى في حقّهم :
(إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أن يَعْفُو عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوا غَفُورًا)(1)
هذا في الوقت الذي لم يقبل الله سبحانه وتعالى فيه من الكثير من الناس ادّعاءهم الاستضعاف، كما في قوله تعالى :
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(2)
هذا بالإضافة إلى أنّ في إطاعة الحاكم الجائر أيضاً إعانة على بقائه وإدامة حكمه واستمرار ظلمه ، وهذا ما لا يرضى به الشارع المقدس قطعاً .
قال تعالى :
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللهِ حُكْمَاً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )(1)
والعكس صحيح بالنسبة إلى الحكومة الإسلامية ، فإنّ في إطاعة الحاكم العادل تعزيز لحكومته ، وإبقاء على حاكمية الإسلام ، وهذا يعني الوقوف إلى جانب الحق والدفاع عنه ، ويعدّ نوعاً من أنواع الجهاد في سيبل الله أيضاً ، وكما مرّ في الحديث الشريف المروي عن أمير المؤمنين علیه السلام الذي جاء فيه :
(فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان ، إمام هدى أو مطيعٍ له مقتدٍ بهداه .)(2)
ويكفي في بيان الفرق بين الإقامة تحت ظل الحكومتين العادلة والظالمة ، ما ورد في الحديث القدسي المروي عن الإمام الباقر عن آبائه علیهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن الله عزّ وجلّ ، أنه قال :
(وعزتي وجلالي لأعذبنّ كل رعيّة في الإسلام (أطاعت إماماً جائراً) دانت بولاية إمام جائر ليس من الله عزّ وجلّ وإن كانت الرعية في أعمالها برّةً تقيّة ، ولأعفونّ عن كل رعيّة (أطاعت إماماً هادياً) دانت بولاية إمام عادل من الله
تعالى وإن كانت الرعيّة في أعمالها (ظالمة)(1)طالحة مسيئة)(2)
وعندما سُئل الإمام الصادق علیه السلام عن سبب ذلك حين قيل له : ما العلّة ؟ أن لا دين لهؤلاء ، ولا عتب لهؤلاء ، قال علیه السلام :
(لأنّ سيئات الإمام الجائر تغمز حسنات أوليائه ،وحسنات الإمام العادل تغمز سيئات أوليائه .)(3)
هذا بالإضافة إلى أنّ الحاكمية الدين ، وللدماء التي تُراق من أجل إقامتها ، وفي سبيل المحافظة عليها والدفاع عنها ، وكذلك لنوايا المؤمنين المطيعين فيها ، ونوايا المرابطين في ثغورها ، من الخصوصية والآثار التكوينية التي لها القابلية على التغيير السريع في ترسيخ دعائم الإسلام وزعزعة أركان الكفر في كل مكان ، وهذا يعني التمهيد لعملية الظهور على مستوى العالم بأسره .
وقد تبيّن من خلال البحث أنّ امتحان الأمّة لابدّ أن يكون منسجماً مع الهدف المنظور ، فإذا كان هدف الإمام أرواحنا فداه يتمثل بالقيام على الظالمين ، وأخذ زمام الأمور منهم ، ومن ثمّ إقامة
حكم الله في الأرض ، فالمتوقع من الامتحان أن يكون في هذه الأمور قبل ظهوره علیه السلام أيضاً .
فالذي يمكن استنتاجه من هذه الأبحاث ، هو أنّ ظهور الإمام علیه السلام لا يتحقق إلّا بعد تحقق بعض الشرائط الأساسية والضرورية لقيامه أرواحنا فداه، والتي منها بل أهمها توفير العدد الكافي من الأنصار الحقيقيين الممحصين له علیه السلام، وذلك من خلال تهيئة الأرضية المناسبة لتربيتهم وتهيئتهم للقيام بتلك المهمّة الخطيرة ، والتي تحتاج إلى ازدياد وعي الأمّة وشعورها بالمسؤولية تجاه الدين وأحكامه الإلهية ، والسعي لتطبيقها على الأرض من خلال العمل على ترسيخ مسألة حاكمية الدين ، وهو المطلوب .
لقد ورد عن أهل البيت علیهم السلام أخباراً متعددة تتحدث فيها عن دورٍ مهم لأهل المشرق في التمهيد وتهيئة الأرضية لظهور الإمام المهدي علیه السلام، فقد روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال :
(يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي ، يعني سلطانه.)(1)
وروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال :
(أتدري لِم سمّي قم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : إنّما سمّي قم لأنّ أهله يجتمعون مع قائم آل محمد - صلوات الله عليه - ، ويقومون معه ، ويستقيمون عليه ، وينصرونه .)(2)
وعنه علیه السلام أيضاً أنه قال :
(وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق ،
وذلك في زمان غيبة قائمنا علیه السلام إلى ظهوره ، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها .)(1)
وعنه علیه السلام كذلك أنه قال :
(ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم ، وتصير معدناً للعلم والفضل ، حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال ، وذلك عند قرب ظهور قائمنا ، فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة ، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها ولم يبق في الأرض حجة ، فيفيض العلم منه إلى ساير البلاد في المشرق والمغرب ، فيتم حجه الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الأرض لم يبلغ إليه الدين والعلم ، ثم يظهر القائم علیه السلام ويسير (يصير) سبباً لنقمة الله وسخطه على العباد ، لأنّ الله لا ينتقم من العباد إلّا بعد إنكارهم حجةً )(2)
وروي عن الإمام الكاظم علیه السلام أنّه قال :
(رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق ، يجتمع معه قوم كزبر الحديد ، لا تزلّهم الرياح العواصف ، ولا يملّون من
الحرب ، ولا يجبنون ، وعلى الله يتوكلون ، والعاقبة للمتقين .)(1)
فالملاحظ في هذه الروايات الشريفة ، أنّ هناك دوراً مهماً لبلدة قم وأهلها قبل ظهور الإمام علیه السلام، فقد جاءت في رواية الإمام الصادق علیه السلام هذه العبارة : (بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق) ، وجاءت
في الأخرى : (قم وأهله قائمين مقام الحجة) ، وجاء كذلك في الروايتين: (ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها) ، أمّا بالنسبة إلى الوقت ، فجاء في الأولى ، أنّ وقت ذلك يكون : (في زمن غيبة قائمنا علیه السلام إلى ظهوره) ، وفي الأخرى : (عند قرب ظهور قائمنا) .
فالملاحظ أيضاً أنّ الإمام الصادق علیه السلام قد ربط بين هذا الحدث وبين ظهور الإمام علیه السلام، وبيّن كذلك أنّ إتمام الحجة على الخلائق يكون قبل ظهوره علیه السلام، وعن طريق الحجة التي تقوم مقامه ، وأنّ الانتقام الألهي الذي يعمّ المنكرون لها إنما يجري على يد الإمام أرواحنا فداه ، لأنّ العقاب والانتقام لا يأتيان إلّا بعد إتمام الحجة .
وهذا يعني أنّ الحق قبل ظهور الإمام علیه السلام متمثل بأهل هذه البقعة الشرقية من الأرض، لأنهم وكما جاء في الرواية قائمين مقام الحجة علیه السلام، وفي ذلك دليل على وجود من له مثل هذه المكانة
1) المصدر : ج 57 ، ص216.
والمنزلة ، منزلة النيابة العامّة للإمام علیه السلام فيها ، والمتمثل بالفقيه الجامع للشرائط ، وأنّ قيامه يبدأ من هذه المنطقة ، بحيث تكون زمام الأمور بيده ، وله من الأعوان والأنصار العدد الكافي الذي يُمكّنه من نشر الدين وإلقاء الحجة :(على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والإنس) ، وإتمامها عليهم كذلك ،(فيفيض العلم منه إلى ساير البلاد في المشرق والمغرب... حتى لا يبقى أحد على الأرض لم يبلغ إليه الدين والعلم) ، و (حتى لا يبقى مستضعف في الدين حتى المخدرات فى الحجال) .
فالحجة تلقى وتتم حتى على النساء اللواتي لا يخرجن من بيوتهنّ ، وهذا يعني وجود الوسيلة التي يمكن من خلالها إيصال كلمة الحق إليهنّ من دون الحاجة إلى خروجهن من البيت، وهذه الوسائل متوفرة في يومنا هذا بشكل واسع، بحيث لا يكاد يخلو منها بيت من البيوت ، من قبيل أجهزة التقاط القنوات الفضائية ، وشبكات التواصل الاجتماعي ، وما إلى ذلك .
وروي عن الإمام الصادق علیه السلام أيضاً أنّه قال :
(إذا رفعت راية الحق لعنها أهل المشرق والمغرب ، قلت له ممَّ ذلك قال : مِمّا يلقون من بني هاشم .)(1)
1) الغيبة للشيخ النعماني : ص299 .
وعنه علیه السلام أيضاً أنه قال :
(إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل المشرق وأهل المغرب ، أتدري لم ذاك ؟ قلت لا ، قال : للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل خروجه .)(1)
وهذا يعني أنّ هناك دوراً مهماً ومؤثراً لأهل بيته علیه السلام من بني هاشم في العالم قبل الظهور يتعارض مع مصالح الدول الغربية والشرقية، بالشكل الذي يجعلهم يصبّون فيه غضبهم على راية الحق التي يرفعها الإمام علیه السلام عند ظهورها مباشرة .
إنّ من الملاحظ اليوم وفي حاضرنا المعاصر ، ظهور هذا الدور المهم لمدينة قم المقدسة ، وكذلك لراية الحق التي ارتفعت منها بيد نواب الإمام المهدي علیه السلام من بني هاشم ، وعلى رأسهم الإمام الخميني الله قدس سره ، وخلفه سماحة السيد القائد الخامنئي دام ظلّه ، الذين استطاعا وبمعونة أهل المشرق أن ينهضوا بثورتهم العظيمة التي حطّمت عرش الطاغوت في إيران، وكانت سبباً في دخول الملايين من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى إلى المذهب الحق .
هذه النهضة التي أعادت الحق المضيّع والمغصوب إلى نصابه وإلى أهله في هذه البقعة المباركة من الأرض ، هذه النهضة التي أعادت
1) المصدر السابق .
للأمة كرامتها وعزّتها لما قدّمته من خدمات وتضحيات ، ودماء روّت بها شجرة الإسلام فرسّخت دعائمه ، وزعزعت أركان الكفر وهدّت قوائمه في كل مكان .
وها هي اليوم تؤتي أكلها وثمارها ، حيث ارتفعت للحق رايات متعددة بأيدي بني هاشم وغير بني هاشم ، كلّها تستلهم من تلك النهضة المباركة ، حيث أعطت بعض هذه الرايات للاستكبار العالمي درساً مرّاً وبليغاً لن ينساه أبداً ، كراية حزب الله لبنان .
إنّ هذه الرايات في الواقع، وكذلك الراية الأم التي رفعها الإمام الخميني قدس سره، إنّما هي فروع ذلك الأصل ، وغصون تلك الشجرة النبوية ، فكيف بالاستكبار إذا ظهرت راية الإمام علیه السلام؟
وقد شرع الاستكبار العالمي ومنذ زمن ليس بالقريب في وضع الخطط لمجابهتها ومواجهتها ، ومعرفة كيفية احتوائها والوقوف أمامها قبل أن تظهر ، لذا تجدهم يلعنونها ويصبّون عليها غضبهم بمجرد سماعهم بظهورها .
إنّ الذي قام به الإمام الخميني قدس سره، هو تهيئة الأنصار الحقيقيين للحق ، المستعدين لبذل النفس والنفيس دفاعاً عن الدين ليس في الجمهورية الإسلامية فحسب، بل في الكثير من البلدان الإسلامية الأخرى ، وهذا هو العامل الذي له الصدارة في رفع المانع الذي يقف أمام ظهور الإمام المهدي علیه السلام، ويمهّد الأرضية لظهوره كما تقدّم .
قد يَعجب الإنسان المؤمن عندما يقرأ في كتب الغيبة أنّ الإمام علیه السلام عندما يظهر يطالب بدم جدّه الحسين علیه السلام ، فما هي علاقة قَتَلَة الإمام الحسين علیه السلام بمعاصري زمن الظهور ؟
لكن عندما يطلع الإنسان اليوم على هذه الهجمة التكفيرية التي مهدت لها وساندتها وساعدتها أيادي الاستكبار العالمي والصهيونية العالمية ، بالإضافة إلى أيادي النفاق والضلالة في المنطقة ، ودعمتها بكل أشكال الدعم ، للوقوف أمام هذه النهضة الحسينية المتصاعدة والمتزايدة ، وأمام هذا الخط المقاوم في المنطقة ، يرتفع منه ذلك العَجب ، خصوصاً عندما يرى بأنّ أبرز الأسماء التي يُكَنّون بها هؤلاء التكفيريين أنفسهم، ويسمّون بما سراياهم ، هي أسماء أعداء أهل البيت علیهم السلام، وخصوصاً أسماء قاتلي الإمام الحسين علیه السلام.
روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال لمحمد بن الأرقط :
(تنزل الكوفة ؟ قلت : نعم ، قال : فترون قتلة الحسين علیه السلام بين أظهركم ؟ قال : قلت : جُعلت فداك ما رأيت (بقي) منهم أحد ، قال : فإذن أنت لا ترى القاتل إلّا من قتل ، أو من ولي القتل ، ألم تسمع إلى قول الله (قُل قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
إن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(1)فأيّ رسول قبل (قتل) الذين كان محمد صلی الله علیه وآله وسلم بين أظهرهم ، ولم يكن بينه وبين عيسى رسول ، إنما رضوا قتل أولئك فسمّوا قاتلين.)(2)
وروي عن الإمام الرضا علیه السلام أنه سئُل عن الحديث المروي عن
الإمام الصادق علیه السلام والذي قال فيه :
(إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين علیه السلام بفعال آبائها ، فقال علیه السلام : هو كذلك ، فقلت : وقول الله عزّ وجلّ (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(3)، ما معناه ؟ قال : صدق الله في جميع أقواله ، ولكن ذراري قتلة الحسين علیه السلام يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها ، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ، ولو أنّ رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب، لكان الراضي عند الله عزّ وجلّ شريك القاتل ، وإنما يقتلهم القائم علیه السلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.)(4)
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه النهضة الإسلامية المباركة والمعاصرة التي شعّ نورها ، وارتفعت رايتها ، وكثر أعداؤها ، هي المقدمة لظهور الإمام أرواحنا فداه وعجّل فرجه .
هكذا كن
مع
الحُجَّة عجل الله تعالي فرجه
مركز نون
تأليف والترجمة
جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة
بيروت. لبنان . المعمورة . الشارع العام
هاتف: 01/471070
ص.ب. 24/53 - 25/227
الكتاب: هكذا قم هكذا كن مع الحجة عجل الله تعالي فرجه
إعداد : مركز نون للتأليف والترجمة
الطبعة الأولى آب 2008م - 1429هـ
«... ولو أنّ أشياعنا وفّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا ، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا ...» من توقيعه عجل الله تعالي فرجه الصادر إلى الشيخ المفيد(1).
لا شك أنّ هناك نوعين من الانتظار أحدهما: يعبر عنه بالانتظار السلبي، وهو يعني القعود وترك العمل للظروف وحوادث الأيّام والثاني: هو
1) الميرزا النوري، ج 13، خاتمة المستدرك - مؤسسة آل البيت علیهم السلام الطبعة الأولى 1416هـ . قم المقدسة - إيران. ج 3، ص228.
الانتظار الإيجابي الذي يقترن بالعمل والجهاد وإعداد العدّة والاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه المبارك.
وباعتبار أنَّ الإمام إنّما غاب نتيجة عدم نضوج الظروف الموضوعيّة لقيامه بالأمر، يكون الانتظار هو العمل على انضاج الظروف الموضوعيّة للمشروع المهدويّ؛ بمعنى العمل على استرجاع الغائب من غيبته، ولذا كان التعبير في التوقيع المذكور آنفاً.
«... ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا ...».
فالإنتظار يعني العمل والتمهيد، أي تمهيد الأرض لقيام دولة العدل الإلهيّ.
وإنّه لشرف أعظم الشرف أن يكون المرء فاعلاً في تحقّق المشروع الإلهيّ هذا.
سؤال :
هل تستقيم للإمام علیه السلام الأمور بلا عمل؟
الجواب:
نقرأه في إجابة الإمام الصادق علیه السلام لمن قال له: إنّهم يقولون: إنّ المهديّ لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال علیه السلام: «كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت عفواً لاستقامت لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حين أدميت رباعيته وشجّ في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ثم مسح جبهته»(1).
ما أعظمها من رواية تلخّص المطلوب لنحقّق المشروع الإلهيّ الأعظم الذي يتحقق من خلال:
1 - حضور الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه وقيادته للمشروع...
1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، ج 53، ص 177.
حين قال: ... نحن...
2 - وجود أنصار مهيّأون وجاهزون... قال: وأنتم ...
3- العمل مشترك من القيادة (الإمام) والقاعدة حيث عبر بـ: ... نمسح...
4 - العمل على نوعين:
أ - جهدّ وكدّ وتعب: «... نمسح العرق...».
ب - جهادٌ بما يعني الجرح والقتل ... نمسح... والعلق...».
واللافت أن الإمام استخدم القَسَم مرتين بالذي نفس المعصوم بيده، مكرراً النفي بكلا بعد كِلا القَسَمين، الأولى لنفي التوهّم الوارد في السؤال عن عدم الحاجة إلى العمل والجهاد للتمهيد. والثاني لتأكيد احتياج الأمر إلى جهادٍ وبذل دماء.
وهذا يعني وجود أفراد على جهوزيّةٍ عاليةٍ
عقائديّاً ونفسيّاً وبدنيّاً ومن حيث الكفاءات لاستقامة أمر القائم عجل الله تعالي فرجه .
هل الإعداد فرديّ؟
بمعنى أنّ المطلوب والكافي هو أن تكون حركة التمهيد حركة فرديّة؛ أي أن يصلح كلّ فردٍ نفسه على حده، أو أنّ التمهيد عملية جماعيّة.
بالنظر إلى مشروع الدولة المهدويّة نستنتج أنّه مشروع شموليّ يشمل كلّ البشر ، ولا يشمل فيهم الحياة الفرديّة، بل يشمل النظام العام والحياة
العامّة من حكومة وأنظمة وغير ذلك.
فالرواية تعبر بـ: «... يملؤها قسطاً وعدلاً ...»(1).
لا تعني فقط ملء الأمكنة والبلدان بل تشمل نواحي الحياة ولجميع أشكالها.
1) م.ن، ج 52، ص258.
وهذا يفترض وجود أفراد على كفاءة في كافّة هذه الميادين.
ثمّ إنّ العقبات التي تحول دون قدومه عجل الله تعالي فرجه والتي قد تواجه مشروعه بعد قدومه المبارك ليست أفراداً فقط ، بل هي دول وأنظمة وجماعات منحرفة وظالمة وطاغية فهل يا ترى يمكن إزالة هذه المعوقات ومجابهتها بشكل فرديّ؟...
إذا كانت عمليّة التمهيد عمليّة جماعيّة فهي تحتاج إلى أجهزة كما تحتاج أفراداً، وهي بما أنّها مشروع جماعيّ تفرض وحدة، والوحدة تفترض قيادة موحدة .
لننظر ما يقوله التوقيع الشريف: «لو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء
بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا ...».
المكاتبة تتحدّث عن شرط الظهور وهو اجتماع القلوب، وهو عين معنى الوحدة والاجتماع وقوام الوحدة الوفاء بالعهد للإمام عجل الله تعالي فرجه أي اجتماع على قضية المهدي عجل الله تعالي فرجه .
ومن نافل القول إنّ الانتماء العقائديّ لا يكفي لأنّه لو كان هو الشرط لكان الخروج من زمن قديم، بل إنّ الوحدة والاجتماع هما في إطار العمل وصبّ الجهد في مشروع التمهيد ، لا بشكل عشوائي، بل بشكل منظم له قيادة وله نظام، فمن هو قائد هذه الحركة وهذا النظام؟
«أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ...»(1).
1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران، اطبعة سنة 1405هـ، ص280.
القائد لحركة الممهّدين هو الوليّ الفقيه. فالوليّ الفقيه هو قائد هذه الحركة الجماعيّة والموحّدة، التي تحمل توقاً إلى الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه وهو الذي يقوم برعاية الجماعات والأفراد والأجهزة والمؤسّسات، التي تعمل على التهيؤ لاستقبال واستقدام الإمام من غيبته، بما يحتاج إليه من أفراد وأجهزة ومؤسّسات ذوي كفاءة ومهارات وجهوزيّة للشروع في الحركة الإصلاحيّة، أولاً للعالم تحت لواء الإمام عجل الله تعالي فرجه ثم بناء وإدارة دولة العدل الإلهيّ على كلّ الأرض وقد ورد في صفتهم ودورهم: «... هم النجباء والقضاة والحكام...»(1).
ولهذا نقرأ في الرواية الواردة عن الإمام الرضا علیه السلام في حقّ العلماء:
1) الحر العاملي، محمد بن الحسن وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الثانية 1414هـ. ق، ج 27، ص 140 .
«لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذّابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتدّ عن دين الله، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانّها ، أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجلَّ»(1)... لاحظ إشارة الرواية إلى قيادة هؤلاء؛ حيث شبههم الإمام الرضا علیه السلام علل بربّان السفينة.
1) محمد بن جرير الطبري، دلائل الإمامة ص 562 .
عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام :«اللهم عرّفني نفسك فإنّك إنّ لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللّهم عرّفني رسولك فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللهم عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني»(1).
إنّ هذا الدعاء يتحدّث عن أول واجبات العلاقة مع الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه المقدم على كلّ واجب منها، ألا وهو معرفة الإمام التي لا تكون إلا بتوفيق وتيسير من
1) الكليني - الكافي - دار الكتب الإسلامية - طهران – الطبعة الخامسة - ج 1 – ص 327 .
الله، وبتوسّط معرفة الله ورسوله.
«لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها »(1).
إن أي علاقة مع الإمام المهديّ عجل الله تعالي فرجه إنّما تختلف بعمقها وسموها بحسب نوع المعرفة وعمقها ودرجتها .
«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(2).
والواجب أن تكون علاقتنا به علاقة مأموم بإمام يرجع إليه في كل تفاصيل حياته، وهناك آداب ذكرتها الروايات الشريفة، سنقتصر على ذكر ثلّة منها وهي:
وهذه الآداب ممّا تواترت بها الروايات والأدعية والزيارات عن أئمّة الهدى.
والتي تؤكد في النفس شدّة تألّمه هو نفسه من طول غيبته وغربته، الموجبة لتألّم وتحرّق محبّيه مؤاساتاً له، فمن دعاء الندبة نقرأ:
«عزيز علي أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك منّي ضجيج ولا شكوى» (1).
وهذا يومئ إلى ضرورة تأصيل ليس فقط الحرق والغصة والألم لفراقه وطول غيابه، بل المشاركة له في تحمّله ألم الفراق؛ لأنّه أشدّ شوقاً إلى الإياب من غيبته من أيّ مشتاق آخر، ولذا هو
1) ابن طاووس - إقبال الأعمال - ج 1 - ص 510
وفيه
«.... بنفسي أنت أمنية شائق يتمنى، من مؤمن ومؤمنة ذكرا حنا»(1)
المصححة – ج 52 - ص 96
.«هل إليك يا بن أحمد سبيل فتلقى»(2).
وهذا أيضاً ممّا تمتلئ به نصوص العترة الطاهرة على اختلافها فمن دعاء الافتتاح:
«اللهم وصلّ على وليّ أمرك القائم المؤمّل والعدل المنتظر ...»(3).
والدعاء نفسه أيضاً فيه فقرات عظيمة من الدعاء بفرجه .
وفي غير دعاء الافتتاح نقرأ
«وصلّ على الخلف الصالح الهادي المهدي... اللهم وصلّ على وليّك المحيي سنّتك القائم بأمرك الداعي إليك والدليل عليك ...»(1).
إنّ الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه هو وليّ الله في أرضه، وعين الله في خلقه، وهو باب الله الذي ورد في دعاء الندبة: «... أين باب الله الذي منه يؤتى، أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء، أين السبب المتّصل بين أهل الأرض والسماء ...»(2).
وقد ورد أيضاً عن الإمام الرضا علیه السلام:«إذا نزلت بكم شدّة فاستعينوا بنا على الله عزّ وجلَّ».
ولقد كانت سيرة العلماء والعرفاء أنّهم إذا أهمّهم
«اللهم إنّي أسألك بحقّ وليّك وحجّتك صاحب الزمان إلا أعنتني به على جميع أموري...»(1).
ولعل ذلك من أفضل الأعمال، بل إنّ التشرّف بخدمته علیه السلام هو مقام وأيّ مقام، من خلال نشر معرفته والإيمان به وبحتميّة ظهوره والتمهيد والتوطئة له وإعداد النفس والناس لنصرته، وهذا المقام من الشرف والعظمة بحيث يتمنى الإمام الصادق علیه السلام أن يناله فقد أجاب ردّاً على من سأله عن ولادة القائم عجل الله تعالي فرجه .
«لا ، ولو أدركته لخدمته مدّة حياتي» (2).
إنَّ الإمام الصادق علیه السلام يطمح ويتمنّى ويرجو خدمة الإمام الحجة عجل الله تعالي فرجه خدمة تستغرق حياته الشريفة، وكأنها عبادة لا تقاربها عبادة فضلاً وشرفاً، فماذا يبقى لأمثالنا أن يتمنى...
ورد في ذلك صلاة خاصة تسمى صلاة الاستغاثة بالحجة.
وهذه عادة المؤمنين على طول عهد الأئمة عليه السلام أن يرجعوا إليهم في ما يعتريهم من مهمات الأمور حيث كانوا يبثونهم شكاواهم مشافهة أو عبر الكتب.
كتب رجل إلى أبي الحسن علیه السلام : إنّ الرجل يحبّ أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي به إلى ربّه قال الرجل : فكتب علیه السلام: «إذا كانت لك حاجة
فحرّك شفتيك فإنّ الجواب يأتيك» (1).
وإعداد النفس له عجل الله تعالي فرجه يشمل تهذيبها وتكميلها بترك المحرّمات والإقبال على الطاعات والتحلّي بالأخلاق الحميدة، كما يشمل الاستعداد البدني والتجهّز لنصرته، فقد ورد أنه علیه السلام يطّلع على أعمال شيعته كل اثنين وخميس... فماذا سيكون موقفنا إذا ما كان فيما يرفع من أعمالنا ما يؤذيه ويسيئه، وأيّ حزن سندخله على قلبه الشريف إذا ما خيّبنا أمله فينا بسبب سوء أعمالنا ألا تكفيه غربته همّاً حتى نزيد همّه .
وقد ورد في التوقيع الشريف الصادر منه إلى الشيخ المفيد:
1) م.ن، ج 50 ، ص 155 .
«... فما يحبسنا عنهم إلا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه، ولا نؤثره منهم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل»(1).
يا الله ... الإمام يستعين بالله على مصابه بانحراف شيعته وارتكابهم الذنوب، ولعلها أسهم مسمومة تصيب قلبه الشريف. فيا أيّها العزيز أنت بالخيار بين أن ترمي إلى قلب الحجّة عجل الله تعالي فرجه. والعياذ بالله . سهماً ، أو أن تدخل في هذا القلب فرحة!!!
فعن صادق أهل البيت علیه السلام: «من سرّه أن يكون من أصحاب القائم عجل الله تعالي فرجه : فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق...»(2).
وفي الشأن الثاني من الإعداد أي الإعداد الجهادي فهذا يتضمّن مراتب من الجهوزيّة النفسيّة
والبدنيّة والتنظيميّة ، فما أروع ما ينقل لنا التاريخ من أن بعض الشيعة لشدّة يقينهم وشوقهم لرؤيته كانوا ينامون وسيوفهم تحت مضاجعهم... وقد روي كذلك في الإعداد النفسي عن الإمام الصادق علیه السلام: «أنّ القائل منكم إذا قال: «إن أدركت قائم آل محمد نصرته»، كالمقارع معه بسيفه والشهادة معه شهادتان»(1).
بل إنّ للشوق لنصرته مرتبة أرقى تشمل حتى ما بعد الموت :
«فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرّداً قناتي ملبّياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي»(2).
18 وظيفة في زمن الغيبة
الكتاب: 18 وظيفة في زمن الغيبة
إعداد : مركز نون للتأليف والترجمة
الطبعة الأولى آذار 2008م - 1439هـ
التمهيد لظهور عجل الله تعالي فرجه
والمرابطة في سبيل الله تعالى على نوعين: المرابطة المعروفة بين الناس وهي الذهاب إلى الثغور والبقاء هناك على يقظة لحفظ حدود بلاد الإسلام من الغزاة، وهذه المرابطة هي النوع الأول ، وقد جاء في فضلها الكثير من الروايات الشريفة منها ما روي عن رسول الله الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم :«رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها»(1).
وفي رواية أخرى عنه صلی الله علیه وآله وسلم: «رباط يوم خير من صيام شهر وقيامه»(2).
وهذه المرابطة من الأعمال التي تجرّ الخير لفاعلها إلى ما بعد الموت، فهي كالصدقة الجارية، ففي الرواية عن
الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم:«كل عمل منقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله ، فإنه ينمّي له عمله ويجري عليه
رزقه إلى يوم القيامة»(1).
كم أن عين المرابط والحارس لحدود الإسلام لا تمسها النار يوم القيامة تكريماً لجليل ما تقربت به إلى الله تعالى؛ فعن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:«عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله»(2).
وأقل المرابطة هذه ثلاثة أيام، ولو زادت عن الأربعين يوماً عُدّ المرابط مجاهداً في سبيل الله تعالى؛ ففي الرواية عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق علیه السلام:«الرباط ثلاثة أيام، وأكثره أربعون يوماً ، فإذا جاوز ذلك فهو جهاد»(3).
وأما النوع الثاني من المرابطة فهو يختص بمنتظري صاحب العصر والزمان عجل الله تعالي فرجه ، وكيفيته أن يعد الإنسان نفسه وسلاحه لظهوره المبارك، ويكون على استعدادٍ دائم لنصرته ، ففي الرواية عن أبي عبد الله الجعفي قال : قال لي أبو جعفر محمد بن علي الباقرعلیه السلام: «كم الرباط عندكم؟ قلت : أربعون قال : لكن رباطنا رباط الدهر، ومن ارتبط فينا دابة كان له وزنها ووزن وزنها ما كانت عنده
ومن ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة ولا من مرتين ولا من ثلاث ولا من أربع، فإنما مثلنا ومثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إليه أن ادُع قومك للقتال فإني سأنصرك فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا ، ثم أوحى الله تعالى إليه أن ادعُ قومك إلى القتال فإني سأنصرك، فجمعهم ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثم أوحى
الله إليه أن ادُع قومك إلى القتال فإني سأنصرك فدعاهم فقالوا : وعدتنا النصر فما نصرنا، فأوحى الله تعالى إليه إما أن يختاروا القتال أو النار ، فقال : يا رب القتال أحب إليّ من النار فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر فتوجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح
حتى فتح الله عز وجل لهم »(1).
وروي عن الإمام الصادق علیه السلام في تفسير قوله :تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2)قال علیه السلام: « اصبروا على المصائب، وصابروا على الفرائض، ورابطوا على الأئمة»(3).
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر علیه السلام في تفسير
الآية السابقة قال علیه السلام:«اصبروا على أداء الفرائض وصابروا عدوكم ورابطوا إمامكم المنتظر»(1).
فقد ورد في مكاتبة له عجل الله تعالي فرجه «وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم»(2). بل نجد في الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام: «ومن قال أيضاً عقيب ظهر الجمعة سبع مرات: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرج آل محمد كان من أصحاب القائم علیه السلام»(3). وهذا ما نلاحظه في العديد من الأدعية أيضاً، كدعاء، العهد: «اللهم واكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحضوره، وعجل لنا فرجه وظهوره، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً».
جمعيّة المعارف الإسلامية الثقافيّة
بيروت، لبنان . المعمورة . الشارع العام
هاتف: 01/471070 .فاكس: 01/476142
ص.ب. 25/327.24/53
www.almaaref.org
Email:info@almaaref.org
الكتاب: من وحى كلمات الحجّة عجل الله تعالي فرجه
إعداد: مركز نون للتأليف والترجمة
نشر: جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة
الطبعة الثانية آب 2011 م - شهر رمضان 1432هـ
(1) التمهيد للظهور
إنَّ يوم الظُّهور توقيته غير معلوم بالنسبة لنا كما أسلفنا، ولكن رغم ذلك فإنَّنا مؤثّرون في توقيت الظُّهور وتسريعه أو إبطائه ، وهذا ما يُشير إليه العديد من الروايات عنه عجل الله تعالي فرجه :
1.«.. وأمَّا علّة ما وقع من الغيبة فإنَّ الله عزّ وجل قال:
(2)، إنَّه لم يكن أحدٌ من آبائي إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه. وإنّي أخرج، حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي»(3). إذا كان سبب حصول الغيبة هو من قبيل حصول المانع
الَّذي يمنع من قيام الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه بدوره المبارك في إظهار وانتصار الحقِّ على الباطل والعدل على الجور، فهذا يعني أنّه مع انتفاء هذا المانع وارتفاع هذا السبب سيكون الظُّهور بإذن الله تعالى، وأنَّ الغيبة لا زالت مستمرّة باعتبار أنَّ هذا المانع لم يرتفع بعد.
ولعلَّ الرِّواية تُشير إلى أنَّ السبب الأساس للغيبة عدم وجود الناصر الكافي لتحقيق هذا الأمر، وأن الإمام لا زال ينتظر جهوزيُّة جنوده الَّذين سيُقاتل بهم الأعداء. ولعلَّ هذا هو المقصود من الاستشهاد بالآية الكريمة
(1). 2.«ولو أنّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقً
1) سورة المائدة الآية: 101 .
المعرفة وصدقها منهم بنا ، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتَصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على سيّدنا البشير النذير محمّد وآله الطاهرين وسلّم»(1).
هذه الرواية تؤكّد أنَّ الَّذي يُبقي الإمام في الغيبة ويحبسه عنّا، ويؤخّر في الظهور، ليس انتظاره لامتلاء الأرض ظلماً وجوراً ، فالأرض كانت ممتلئة كذلك من لحظة الغياب، وهي ممتلئة الآن بأبشع أنواع الظلم والجور، ولو كانت الأرض الآن بعيدة عن الظلم والجور لبادر الإمام عجل الله تعالي فرجه القيادتها بعدله، وما كان ليتأخّر عنها وهي جاهزة لذلك، إنَّ الَّذي يؤخّر الإمام عجل الله تعالي فرجه هو ما يصله ويطَّلع عليه من أعمال لا يرضاها تصدر عنّا . وما يؤخّره هو عدم جهوزيَّة المجتمع لتحمُّل هذه المسؤوليَّة الكبرى، فإذا اجتنبوا المعاصي وأعدّوا أنفسهم تماماً لتحمُّل تلك المسؤوليَّة وصاروا جاهزين
1) خاتمة المستدرك النوري، ج 3، ص 225 من رسالة للشيخ المفيد .
يملكون الكفاءة اللازمة، فسيأتي وقت العاقبة الحميدة:«والعاقبة. بجميل صنع الله سبحانه . تكون حميدة ما اجتنبوا المنهيَّ عنه من الذنوب»(1).
3.«یا معاشر نقبائي وأهل خاصّتي ومن ذخرهم الله لنصرتي قبل ظهوري على وجه الأرض إئتوني طائعين(2)»(3).
عندما يُصبح النقباء وأهل الخاصَّة ومن ذخرهم الله تعالى لنصرة الإمام عجل الله تعالي فرجه جاهزين ومستعدّين، فإنَّ النداء سيأتيهم من الإمام عجل الله تعالي فرجه ليلتحقوا به ويكون تحقيق الوعد الإلهي على أيديهم.
4 . ورد في رواية عنه عجل الله تعالي فرجه يتحدّث فيها عن كلمات قالها له والده الإمام الحسن العسكريّ علیه السلام:«فكأنّك يا بُنيَ بتأييد نصر الله قد أن، وتيسير الفلح وعلوّ الكعب قد
1) خاتمة المستدرك، م س: ج 3، ص 225 من رسالة للشيخ المفيد.
2) ثمّ جاء في الحديث بعد ذلك ما يلي: فترد صيحته علیه السلام عليهم وهم على محاريبهم، وعلى فرشهم في شرق الأرض وغربها فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن كلّ رجل. فيجيئون نحوها (أي: نحو الصيحة) ولا يمضي لهم إلّا كلمحة بصر حتّى يكون كلّهم بين يديه علیه السلام بين الركن والمقام ...
3) بحار الأنوار العلامة المجلسي، ج 53، ص7 .
حان، وكأنَّك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنَّك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدرَ في مثاني العقود، وتصافق الأكفَ على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من مَلاٍ براهم الله من طهارة الولاء ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النّفاق مهذَّبة أفئدتهم من رجس الشِّقاق ليِّنة عرائكهم (1)للدِّين، خشنة ضرائبهم(2)عن العدوان واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم(3)، يدينون بدين الحقِّ وأهله.
فإذا اشتدَّت أركانهم وتقوّمت أعمالهم فدَّت بمكانفتهم، طبقات الأمم، إلى إمام إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبريَّة .
فعندها يتلألأ صبح الحقِّ، وينجلي ظلام الباطل، ويُقسم الله بك الطغيان ويُعيد معالم الإيمان، ويُظهر بك أسقام الآفاق، وسلام الرفاق، يودُّ الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضاً ، ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازاً.
تهتزّ بك أطراف الدنيا بهجة، وتنشر عليك أغصان العزّ نضرة، وتستقرّ بواني العزّ (1)في قرارها ، وتؤوب (2)شوارد الدين (3)إلى أوكارها، يتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كلَّ عدو، وتنصر كلُّ وليّ، فلا يبقى على وجه الأرض جبَّار قاسط (4)، ولا جاحد غامط، ولا شانئِّ مبغض، ولا معاند كَاشح(5)
وما يهمُّنا أن نُلفت إليه النظر في هذه الرِّواية هو الرَّايات والأفراد الّذين كانوا على مستوى عالٍ من الجهوزيّة والاستعداد، حتّى إذا ظهر الإمام التحقوا به بشكلٍ يسير، وبلياقة وجهوزيّة كافية.
سلسلة
الدروس الثقافية
مركز نون لتأليف والترجمة
جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة
بيروت، لبنان، المعمورة، الشارع العام
هاتف: 01/471070
ص.ب. 25/327.24/53
الكتاب : معزُّ الأولياء
إعداد : مركز نون للتأليف والترجمة
نشر: جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة
الطبعة الأولى آب 2009م - 1430هـ
الممهدون و أصحاب القائم
تمهيد
إنَّ أمنية كلِّ مؤمن أن يكون في ركب جنود القائم عجل الله تعالي فرجه عند ظهوره وفي الرواية عن الإمام الباقر علیه السلام:«فيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره» (1)، والمخلصون يعملون على التمهيد لظهوره، وتهيئة الأرض ومواءمة الظروف لتحقيق شرائط الظهور، وتحقيق اليوم الموعود، وفي رواية أنَّه سئل الإمام محمَّد التقيَّ علیه السلام : لِمَ سُمِّي القائم؟ فقال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته. فقيل له: وَلِمَ سُمِّيَ المنتظر؟ فقال: لأنَّ له غيبة يكثر أيَامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزىء بذكره الجاحدون؛ ويكذّب بها الوقَّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون»(2).
فما هي صفات المخلصين للحجَّة في غيبته الممهِّدون له، وما هي صفات
أصحابه عجل الله تعالي فرجه ، هذا ما سنلقي الضوء عليه خلال هذا الدرس إن شاء الله تعالى.
1 - الإيمان بالغيب
في الرواية سئل الإمام جعفر بن محمَّد الصادق علیه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ:( الم* ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ)(1)فقال: «المتَّقون شيعة عليّ علیه السلام والغيب فهو الحجّة (الغائب) وشاهد ذلك قوله تعالى: (ويَقُولُونَ لَولا أُنزِلَ عليه آيةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبِ لِله فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المُنتظرين )» (2)(3).
إنَّ وجود الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه أصبح من الغيب نتيجة غيبته، والإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان بالغيب هو من صفات المتَّقين، لذلك كان الإيمان بالإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه متيسّر على المتَّقين.
حزب الله
عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: في حديث طويل عندما يسئل النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عن أوصيائه، فعدَّهم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم الأكرم إلى أن قال:«ومن بعده (أي بعد الحسن العسكريّ) ابنه محمَّد، يدعى بالمهديّ والقائم والحجّة، فيغيب ثمَّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، طوبي للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبَّته أولئك الذين وصفهم الله في كتابه وقال: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة)(4)، وقال تعالى: (... أُولَئكَ حِزب اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُون )»(5).(6)
2 - الصبر على الأذى
لا شكَّ أنَّ زمن الغيبة زمن ابتلاءات وامتحانات صعبة تحتاج للكثير من الثبات والصبر، وهذا ما أكَّدت عليه الروايات أيضاً، ففي الرواية عن الإمام الحسين علیه السلام: «أما أنَّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يديّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم»(1).
3 - جهوزِّية أصحاب الحجّة
وأمَّا بعد ظهور الإمام عجل الله تعالي فرجه ، فسيكون ظهوره بين أصحاب لهم صفاتهم الخاصّة أيضاً، ومن هذه الصفات الاستعداد والجهوزِّية، ففي الرواية عن الإمام محمَّد الباقر علیه السلام والإمام جعفر الصادق علیه السلام في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِم ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِمُونَ)(2)أنّهما قالا:«الأمة المعدودة هم أصحاب المهديّ عجل الله تعالي فرجه في آخر الزمان ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً كعدَّة أهل بدر، يجتمعون في ساعةِ واحدةٍ كما يجتمع قزع الخريف»(3).
فمن الملاحظ في هذه الرواية كيف يجتمع أصحاب الإمام في ساعةٍ واحدةٍ، ممَّا يشير إلى الجهوزيَّة التامَّة التي يتمتَّع بها هؤلاء الأشخاص بحيث لم ينشغلوا بتجهيز المقدِّمات وتهيئِّة الأمور لتلبية النداء، بل كانوا جاهزين وحاضرين تماماً.
4 - الركن الشديد
عن الإمام جعفر بن محمَّد الصادق علیه السلام أنّه قال:«ما كان قول لوط علیه السلام لقومه (قَالَ لَو أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوهَاوِي إِلَى رُكْنٍ شَديد)(4)، إلّا تمنِّيا لقوَّة ( القائم
المهديّ) وشدَّة أصحابه، وهم الركن الشديد، فإنَّ الرجل منهم يُعطى قوَّة أربعين رجلاً، وأنَّ قلب رجل أشدُ من زبر الحديد، لو مرُّوا بالجبال الحديد لتدكَدكَت، لا يكفُّون سيوفهم حتَّى يرضى الله عزّ وجلّ»(1).
فمن الملاحظ في هذه الرواية أن أصحاب الإمام عجل الله تعالي فرجه يتمتَّعون بقوَّة جسديَّة «يُعطى قوَّة أربعين رجلاً»، إرادة صلبة لا تلين «وأنَّ قلب رجل أشدٌ من زبر الحديد»، وبمجموع الإرادة مع القوَّة والجهوزِّية صاروا «لو مرُّوا بالجبال الحديد لتدكَدكَت»، وأهدافهم تتلخَّص برضا الله سبحانه وتعالى، فهم يسعون وراء أداء تكليفهم وتحقيق الأهداف الإلهية «لا يكفُّون سيوفهم حتّى يرضى الله عزّ وجلَّ». هذه المواصفات الممتازة التي تلحظ الأهداف والإرادة التي لا تلين مع قوَّة وجهوزيَّة بدنيَّة، هي التي يرتجى بها النصر على الأعداء، وقد تمنَّى لوط علیه السلام مثل هؤلاء الأنصار، كيف لا وقد ورد في الرواية عن الصادق علیه السلام في وصف أنصاره عجل الله تعالي فرجه قال: «يَقُوْنَه بأنفسهم في الحروب، ويَكْفُوْنَه ما يريد فيهم.. ينصر الله بهم إمام الحقّ )(2).
5- تمنّي الشهادة
عن الإمام جعفر بن محمَّد الصادق علیه السلام قال:«يَدْعُونَ بالشهادة ويتمنُّون أن يقتلوا في سبيل الله» (3).
6- الارتباط بالله تعالى
يتميَّز أصحاب الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه بارتباطهم بالله سبحانه وتعالى وعبادتهم له وتهجُّدهم في اللَّيل، وقد ورد في الحديث: «رجال لا ينامون اللَّيل لهم دويُّ كدوِيً
النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنَّهار، وهم من خشية الله مشفقون»(1).
7- الإلتزام بالنِّظام
ويشير الى ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين علیه السلام من أنَّه قال فيهم: «الزّيُ واحد، واللباس واحد، كأنَّما آباؤهم أبٌ واحدٌ»(2).
تتلخٌص صفات الممهِّدين للحجَّة، وصفات أصحابه عجل الله تعالي فرجه بما يلي:
الإيمان بالغيب: فوجود الإمام الحجّة عجل الله تعالي فرجه أصبح من الغيب نتيجة غيبته، والإيمان بالغيب هو من صفات المتَّقين.
الصبر على الأذى: إنَّ زمن الغيبة زمن ابتلاءات تحتاج للكثير من الثبات والصبر.
جهوزّية أصحاب الحجّة: فمن الملاحظ اجتماع أصحاب الإمام حوله في ساعةٍ واحدةٍ، مما يشير إلى الجهوزِّية التامة التي يتمتَّع بها هؤلاء. الركن الشديد: فمن الملاحظ أن أصحاب الإمام عجل الله تعالي فرجه - كما في الروايات - يتمتَّعون بقوَّة جسدية وإرادة صلبة، وأهدافهم تتلخَّص برضا الله سبحانه وتعالى.
الارتباط بالله تعالى: يتميُّز أصحابه عجل الله تعالي فرجه بارتباطهم بالله سبحانه وتعالى وعبادتهم له وتهجُّدهم في اللَّيل.
بالإضافة إلى الإلتزام بالنُظام.
سلسلة في رحاب الولي الخامنئي مدظله العالی
مركز نون تتاليف والترجمة
الكتاب: الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
إعداد : مركز نون للتأليف والترجمة.
نشر: جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة.
طبعة جديدة ومنقحة: آذار 2010م / 1431 هـ.
جميع حقوق الطبع محفوظة
التمهيد
الانتظار الإيجابيّ يعني التمهيد لخروج حبيب قلوبنا وقائدنا المهديّ عجل الله تعالي فرجه : فقد وردت العديد من الروايات التي يُفهم منها ضرورة وجود أنصار وأتباع يقومون بدور التوطئة والتمهيد للمهمّة الكبرى التي سيقوم بها الإمام عجل الله تعالي فرجه ،
فمثلاً ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:
«يخرج أناس من المشرق فيوطئون للمهدي»(1).
1) سنن ابن ماجه في باب خروج المهدي، من كتاب الفتن، ج2، ص 8631 .
و عنه صلی الله علیه وآله وسلم:
«إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان، فأتوها ولو حبواٌ على
الثلج، فإن فيها خليفة الله المهديَ عجل الله تعالي فرجه »(1).
وعن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام:
«يخرج رجل قبل المهديُ من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف(2)علی
عاتقه ثمانية أشهر، يقتل... ويتوجُه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت»(3).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى رايات حق ترفع قبل
ظهور المهديّ عجل الله تعالي فرجه .
فإذن علينا أن نساعد في تعجيل خروج المهديّ عجل الله تعالي فرجه وذلك بتهيئة الظروف المناسبة لخروجه؛ يقول القائد قوله دام ظله:
«... واجبكم اليوم هو أن تمهِّدوا له الأمور لكي يأتي وينطلق من تلك
القاعدة المهيُئة، لا يمكن الانطلاق من نقطة الصفر. المجتمع الذي يمكنه أن يتقبُل حكومة المهدي الموعود أرواحنا فداه هو المجتمع المستعد
المتوفر على القابليَة لذلك، وإلا فسينتهي إلى نفس المصير الذي انتهى
إليه الأنبياء على امتداد التاريخ .
ما هو السبب الذي لم يتمكن معه الكثير من أنبياء أولي العزم من
تطهير العالم من الفساد والرذيلة ؟ السبب هو أن الظروف لم تكن مهيئة.
ولماذا لم يتمكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام من اجتثاث جذور الفساد في عهده رغم ما كان يتصف به من قوُة ربَانية، ومع ما له من علم متصل بمعدن الحكمة الإلهية، ومع تلك الإرادة الراسخة ، ومع كل تلك المناقب، ومع كثرة توصيات الرسول صلی الله علیه وآله وسلم به؟ بل وقع العكس، وأزيح هو عن الطريق ! فقتل في محرابه لشدَة عدله ؛ وذلك لأن الظروف والأجواء لم تكن مهيّئة؛ فعكَّروا الأجواء عليه، واختطَوا حب الدنيا وتحقيق المطامع نهجاً في وجهه، فالذين اصطفوا في مواجهة أمير المؤمنين علیه السلام في أواخر عهده أو في أواسطه لم تكن لديهم أرضية راسخة من التدين والورع. فإذا لم تكن الظروف مهيّئة تنتهي إلى وقوع أمثال هذه النكبات؛ فإذا ظهر إمام الزمان عجل الله تعالي فرجه في ظروف غير مهيَئة سينتهي إلى نفس تلك النهاية؛ إذن فلا بد من التمهيد له...».
«.... إنَّنا لا يمكننا أن نعتبر أنفسنا من المنتظرين دون التمهيد للظهور،
ظهور المهديّ الموعود أرواحنا فداه، والتمهيد يتمَ بالالتزام بالأحكام
الإسلاميّة والقرآنية، فكما ذكرت، جاء في الروايات (والله لتمحَصُن، والله لتُغربلُن)، هذا التمحيص وهذا الامتحان الكبير الذي يواجهه مريدو وليّ العصر عجل الله تعالي فرجه وشيعته هو نفسه السعي لتطبيق الأحكام الإسلاميّة، وعليهم أن يسعوا لذلك...».
• كيفية التمهيد (أنصار المهدي عجل الله تعالي فرجه )
لقد ورد الكثير من الروايات التي تناولت مواصفات أصحاب وأنصار المهديّ عجل الله تعالي فرجه ، فكلّما كان هؤلاء الأصحاب مهيّئين كلّما كان خروج المهديّ
أرواحنا فداه قريباً. فمن مواصفاتهم:
أولاً . الإيمان ومعرفة الله :
روى ابن أكتم الكوفي في كتاب الفتوح عن أمير المؤمنين علي علیه السلام أنه قال: «ويحاً للطالقان فإن الله عزّ وجلَّ بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضَة ولكن رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدي في آخر الزمان»(1).
ثانياً . الشجاعة :
ينقل صاحب كتاب عقد الدّرر حديثاً طويلاً يقول فيه:«ويُلقي الله محبته
في صدور الناس، فيسير مع قوم أُسد النهار، ورهبان الليل» (2).
ويثقل صاحب كتاب البرهان عن تهذيب الآثار لابن جرير حديث يذكر فيه صفات أصحاب المهدي عجل الله تعالي فرجه فيقول:«يخرج إليه الأبدال من الشام، وعصب أهل المشرق، وإن قلوبهم زبر الحديد، رهبان الُليل، ليوث النَهار» (3).
ثالثاً. الإخلاص:
عن الباقر علیه السلام في حديث طويل يقول:
«...كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو ناوى الجبال لناويناها معه»(4).
رابعاً . العبادة والدعاء :
كما مرّ في الحديث:
«... فيسير معه قوم يسير معه قوم أُسد بالنهار، رهبان بالليل».
خامساً. الزهد :
عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يتحدث عن آخر الزمان فيقول:
«راحلةً في ذلك الزمان بقتبها ينجو عليها المؤمن له خير من دسكرة
تغِل مائة ألف... )(1).
سادساً . الثبات:
ففي رواية:
«لا تزال عصابة من أمُتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى
أبواب بيت المقدس وما حولها لا يضرَهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة ...»(2).
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تعطي مواصفات محدٌدة لأنصار
المهديّ الحبيب عجل الله تعالي فرجه .
يقول القائد قائلة دام ظله:
«... و من الدروس الأخرى المستقاة من الإيمان بالمهدي ومن احتفالات
النصف من شعبان بالنسبة لي ولكم، هو أنه بالرغم من أن الإيمان بالمهديّ
أرواحنا فداه يمثُل غاية سامية لا يتطرَق إليها الشك، ولكن يجب أن لا تنتهي القضيَة عند حدود التمنَي . أي تبقى طموحاً قلبياًّ أو تتخذ طابعاً احتفاليّاً أو تتردّد على اللسان على أحسن تقدير. كلا، فهي أمنية لا بدّ أن
يردفها العمل، فالانتظار الذي تحدّثوا عنه ليس الجلوس وذرف الدموع، بل الانتظار إنّما يعني وجوب إعداد أنفسنا جنوداً لإمام الزمان، فالجنديُة
عند إمام الزمان ليس بالأمر الهيّن، بل الجنديُة عند منقذ عظيم يصبو
المقارعة دوائر الهيمنة والفساد الدولييّن كافة تحتاج إلى بناء ذات ووعي
وبصيرة... فينبغي أن لا يراودنا التصور أنه بما أن إمام الزمان سيأتي ويملأ الدنيا عدلاً وقسطاً فلا تكليف علينا الآن. كلا، بل العكس، إذ إننا
مكلَفون الآن بالتحرك باتجاه الاستعداد لظهوره عجل الله تعالي فرجه .
... إن الإيمان بإمام الزمان لا يعني الانزواء، وقبل انتصار الثورة كانت
التيارات الضَالة . وما زالت تروَج الآن هنا وهناك. إلى أن إمام الزمان سيأتي ويُصلح الأمور فما عسانا صانعين الآن! وما الداعي لأن نتحرك! مثل ذلك کامتناع المرء عن ايقاد السراج في الَليل المظلم بحجَة أن الشمس ستشرق في غد... فإذا ما شاهدنا الظلم والإجحاف والتمييز والعنجهيّة تسود أرجاء الدنيا في الوقت الحاضر فتلك ممّا يظهر إمام الزمان لمكافحتها، وإذا كنا جنوداً لصاحب الزمان فعلينا الاستعداد لمكافحتها، وإن أعظم واجب يتحمّله المنتظرون لإمام الزمان هو الاستعداد من الناحية المعنويّة والأخلاقيّة والعمليّة ومن حيث ترسيخهم للأواصر الدينيّة والعقائديّة والعاطفيّة مع المؤمنين، وكذلك منابذة الجبابرة،... ومن كان على استعداد
للدفاع عن القيم وعن الوطن الإسلاميَ وعن راية الإسلام الخفُاقة في حالة تعرض بلد الإسلام للخطر بوسعه الإدَعاء بأنه سيقتحم سوح الخطر
خلف إمام الزمان إذا ما ظهر، أما الذين ينهارون وترتعد فرائصهم في
مواجهة الخطر والانحراف ومفاتن الدنيا وحلاوتها، والذين ليسوا على
استعداد للقيام بأية حركة من شأنها تعريض مطامعهم للخطر فأنَى لهم
أن يكونوا في عداد المنتظرين لصاحب الزمان عجل الله تعالي فرجه ؟
فالمنتظر لذلك المصلح العظيم يتعيّن عليه إعداد مقوّمات الصلاح
في نفسه ويعمل ما يمكِّنه من الثبات لتحقق الصلاح».
• إيران الإسلام والتمهيد للمهديّ عجل الله تعالي فرجه
يقول القائد حفظة :
«...ولكن كيف يتحقق هذا التمهيد؟ يتحقق بنفس الصورة التي تشاهدون أمثلة لها في مجتمعكم. في إيران الإسلاميّة اليوم تألق معنوي لا نظير له في أي موضع آخر من العالم، على حدّ علمنا وفي ضوء الأخبار والتقارير التي تتناهى إلينا، ولسنا غافلين عمّا يجري في العالم، في أي
موضع من العالم تجد اليوم شباباً يسحقون شهواتهم المادّية ويتجهون نحو الآفاق المعنوية . طبعاً هناك أيضاً بضعة شبان يشنون عن هذه
القاعدة، وهذه ظاهرة طبيعيّة في كل العالم . بمثل هذا العدد الهائل على
هذه الشاكلة ومن أبناء جيل واحد، لا نظير لهذا التوجه المعنويّ وبهذا الزخم، في العالم كلّه إلّا على هذه الأرض.
كان البعض يتصوّر أن هذه الظاهرة تختص بفترة الحرب! صحيح أن ظروف فترة الحرب كانت أكثر خصباً، وكانت افرازاتها في هذا الجانب
أسمى وأبرز، لكن هذه الظاهرة غير مختصّة بفترة الحرب، بل هي مشهودة اليوم أيضاً.
فالشبّان الخيّرون المؤمنون من أبناء حزب الله قد سحقوا شهواتهم
النفسيّة وتجاوزوا مطامع المال والثروة - وإن وُجد بعض آخر ممّن يلهث وراء هذه المغريات، ويلوثون الأجواء - وساروا بكل ورع وهمَّة وبصيرة غير آبهين لأمثال هذه الزخارف؛ إذن يمكن التقدَم في ظل هذه الأوضاع نحو الصلاح خطوة بعد أخرى.
وهكذا الحال بالنسبة للنساء أيضاً، ولعلّه يمكن القول إن نساء بلدنا
أفضل من نساء أي بلد آخر في العالم؛ فالمرأة في بلدنا لها سبق في العمل السياسيَ وفي النشاط الثقافيَ وفي الجوانب التشكيليَة الأخرى، وعندما يحلّ وقت الجهاد ترسل الأمّهات في بلدنا أبناءهنُ إلى الجبهة بأنفسهنّ، وبها السبق في إدارة البيت والأعمال وتربية الأولاد...
فهذا البلد . والحمد لله . بلد مقتدر وعزيز، وحتى الأعداء يشهدون
له بالرفعة ولشعبه بالعظمة، ولمسؤوليه بالإخلاص والإيمان والتمسك
بالإسلام، وهذا كلَه من بركات الإسلام. إذن من الممكن تمهيد الأجواء.
وإذا اتسع بإذن الله وجود مثل هذه الأجواء تكون الأرضية قد وطّئت أيضاً لظهور بقية الله أرواحنا فداه، وتتحقق عند ذاك الأمنية العريقة التي
طالما راودت أذهان البشرية وأذهان المسلمين...».
في الحقيقة إن كلام القائد حول دور إيران في التمهيد لظهور المهديّ عجل الله تعالي فرجه ليس كلاماً خطابيّاً إنما هناك إشارات كثيرة من الروايات، تؤكد الدور المهمّ للدولة الإيرانيّة الإسلاميّة.
من مثل ما ورد عن الحسن علیه السلامقال:
«يخرج بالري (وهي منطقة في إيران) رجلٌ... في أربعة آلاف، ثيابهم
بيض، وراياتهم سود، يكون على مقدِّمة المهدي لا يلقاه أحد إلا فلّه» (1).
وعن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:
«إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان، فأتوها ولو حبواً على
الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي»(2).
جواد عبد الهادي الفضلي
دار الولاء
لصناعة النشر
دار الولاء
لصناعة النشر
الرويس، سارع الرويس، بيروت - لبنان
Mob: 00961 3 689496 | TeleFax: 009611545133 info@daralwalaa.com I daralwalaa@yahoo.com PO. Box: 307/25 I www.daralwalaa.com
ISBN 978-614-420-757-4
جَدَلِيَّة الحَرَكَة والسُّكون في مَفْهُومِ الانتِظَار
المؤلف: جواد عبد الهادي الفضلي
الناشر: دار الولاء لصناعة النشر.
الطبعة: الأولى بيروت- لبنان 2022/1444م.
إخراج فني وتنفيذ:
eight
www.8eightproduction.com | 009613017565
© جميع الحقوق محفوظة للناشر
أجيال الِانتِظَار
أجيال الانتِظَار.
تجديد الفكر وحُجيّة العُلمَاء.
أولاً : جيل الموطِّئين في النصوص الإسلاميّة :
يقول الشّيخ الآصفيّ قدس سره : «تضافرت طائفة من النصوص الإسلاميّة، من الفريقين (الشّيعة والسُّنَّة) ، عن جيل الموطِّئين الذين يوطّئون الأرض لدولة الإمام المَهديّ عجل الله تعالي فرجه ، وقد حدّدت هذه النصوص عدداً من الأقاليم الإسلاميّة المعروفة لهذا الجيل، وأهمُّ هذه الأقاليم التي
تخصُّ جيل الموطّئين هي: المشرق وخراسان (ويظهر أنّ المشرق هو خراسان) وقُمّ، والرّي، واليمن، وفي ما يلي النّصوصُ الخاصّة بجيل الموطِّئين في هذه الأقاليم.
•روى الحاكم في المُستدرك على الصّحيحين، وابن ماجة في سُننه، واللفظ للثاني: عَن عَلقمَةَ، عَن عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ فِتْيَةٌ مِن بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغرَورَقَتْ عَيْنَاهُ وَتَغَيَّر لَوْنُهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: مَا نَزَالُ نَرَى فِي وَجهِكَ شَيْئًا نَكَرَهُهُ؟
فَقَالَ: «إِنَّا أَهْلُ بَيتٍ اختَارَ اللَّهُ لَنَا الآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَهْلَ بَيتي سَيَلْقَوْنَ بَعدِي بَلَاءٌ وَتَشْرِيدًا وَتَطْرِيدًا حَتَّى يَأْتِيَ قَومٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ مَعَهُمْ رَايَاتٌ سُودٌ فَيَسْأَلُونَ الخَيْرَ فَلَا يُعْطَوْنَهُ فَيُقَاتِلُونَ فَيُنصَرُونَ فيُعطونَ مَا سَأَلُوا فَلَا يَقْبَلُونَهُ حَتَّى يَدفَعُوهَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيتِي فَيَملَؤُهَا قِسطًا كَمَا مَلَنُوهَا جَوْرًا فَمَن أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَلَيَاتِهِمْ وَلَوْ حَبوًا عَلَى الثّلجِ».
وفي المستدرك زيادة «فإنّها رايات هُدى، يدفعونها إلى رجل من أهل
بيتي» (1).
• وعن الإمام الصادق علیه السلام:«كَأَنِّي بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا بِالْمَشْرِقِ
1) يُنظر: سُنن ابن ماجة، الحديث رقم 4082. والمستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 464 .
يَطْلبُونَ الحَقِّ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَطْلُبُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ وَضَعُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوهُ فَلا يَقْبَلُونَهُ حَتَّى يَقُومُوا، وَلا يَدْفَعُونَها إِلَّا إِلى صَاحِبِكُمْ. قَتْلاهُم شُهَدَاءُ، أَمَا إِنِّي لَوْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لاسْتَبْقَيْتُ نَفْسِي لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْر»(1).
2.الموطئون من خراسان:
• عن محمّد بن الحنفية، والرواية موضوعة، ولكن يبدو أنّها عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام: «ثُمَّ تخرج راية من خراسان يهزمون أصحاب السفيانيّ حتى تنزل ببيت المقدس توطِّئ للمهدي سلطانه» (2).
• عن ثوبان مولی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، قال: (إذا رأيتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قد جاءَت مِن قِبَلِ خُراسانَ، فأتوها، فإنَّ فيها خليفةَ اللَّهِ
المَهديَّ ) (3).
روى المجلسيّ في بحار الأنوار: عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن الأوّل (الإمامُ الكاظم - علیه السلام) قال:«رجلٌ مِن أهل قُمّ يدعو النّاس إلى الحقّ، يجتمعُ معهُ قومٌ كزُبَر الحديد، لا تُزِلُهُمُ الرّياحُ
العواصف ، ولا يملّون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكّلون،
والعاقبة للمُتّقين»(1).
وإلى هذا المعنى أشار الشّيخ أحمد القفطان في إحدى قصائده:
تَقِلُّ رِجَالاً كالحَدِيدِ قُلُوبُها*** بأعيُنِها تَرنُو لأعدائِهَا شَزرَا
رُويَ عن الإمام الباقر علیه السلام في شأن قيادة اليماني قبل ظهور الإمام: وليس فِي الرَّايَاتِ رَايَةٌ أَهْدَى مِن رَايَةِ اليَمَانيّ، هي رايةُ هُدًى لأَنَّهُ يَدعُو إِلَى صَاحِبكُم» (2).
صفات جيل (الموطِّئين) :
من أبرز صفات جيل الموطِّئين:
أولا: الصلابة والقوة والاستحكام:
فهو جيل صعب، شديد المراس، يوطّئ الأرض لظهور الإمام، ويواجه وحده طواغيت الأرض.
وقد فسّر الإمام الصادق علیه السلام لقوله تعالى: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئْهُمَا
بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) بهذا الجيل، وتصفهم الرواية بهذا الوصف العجيب: (قلوبهم كزُبر الحديد، لا تُزِلُهُمُ الرّياحُ العواصف).
إنّها قلوب ومن طبيعة القلوب اللين والرّقّة، ولكنّ هذه القلوب تتحوَّل في مواجهة الطُّغاة والعتاة إلى زبر من الحديد لا تلين ولا ترقُّ.
إنّ الصّلابةَ والقُوّة من خصائص الأجيال التي يحمّلها الله تعالى مسؤولية التغيير،والثّورة، من خصائص الأجيال التي يضعها الله تعالى في منعطفات التاريخ الكبرى لِنَقل الناس من مَرْحَلَة إلى مَرْحَلَة، وهذا الجيل يحمل هذه الخصائص.
• التحدّي والتمرّد:
وهي مهمّة هذا الجيل، فهو يتحدّى النّظامَ العالميَّ المستبدَّ ويتمرَّدُ
عليه، وما أدراك ما النظام العالميّ وكيف صمّم على خدمة القوى الكبرى، ومن دار في فلكها والاحتفاظ بمراكز القوة والمواقع الاستراتيجيّة لها في مختلف مناطق الأرض.
إنّها مسؤولية شاقّة وعسيرة ودقيقة يتعهّد بها هذا النظام على مستوى العالَم كلّه، وليس على مستوى منطقة أو إقليم من الأرض فحسب.
إنّ هذا النظام يتكوّن من مجموعة من المعادلات والموازنات السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والإعلاميّة الدقيقة، ومن أنظمة أعضاء الأُسرة الدولية ومن مجموعة من الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء في ما بين هذه الأنظمة وهذه المجموعة من الاتفاقات والتنازلات وتنظيم الأدوار واقتسام الموارد والأسواق ومصادر الثروة ومناطق النّفوذ.
إنّ هذه المجموعة المعقّدة تمكّن القوى الكبرى من السيطرة على الوضع العالمي، كما تمكّن العتلة الصغيرة - العصا الضّخمة من حديد تُستخدم في أعمال الهدم والحمل - أي الإنسان، من حمل الأثقال الكبيرة بحركة خفيفة. ولذلك فإنّ النظام العالميّ قبل سقوط الاتحاد السوفيتيّ، وبعد ذلك، يبقي أمراً يحترمُهُ الجميع، لأنّ هؤلاء يستفيدون منه كلٌّ بمقدار حجمه وقُوّته.
وهؤلاء الشباب من جيل الموطّئين يخترقون ببساطة ومن دون تردّد هذه الخطوط الحمراء، ويغيّرون هذه المعادلات والموازنات التي يتفاهم عليها الجميع ويتلقَّونَها بالقبول والاحترام، ويُفسدون على هذه الأنظمة والمؤسسات الدوليّة استقرارها وتوازنها وهيبتها الدوليّة.
ولا سبيل لها على هؤلاء الشباب، ولا تستطيع أن تتحمَّلهُمْ ولا تتمكَّنُ
من أن تدفعهُم.
فإنّ أكثر قُوّة هذه الأنظمة وهيبتها الدوليّة في مواجهة أنظمة ومؤسسات من مثلها، وأقوى ما تملك من السلاح هو القتل، والسّجن، والتعذيب، والمطاردة.
وهؤلاء لا يخافون ولا يرهبهم شيٌء من ذلك.
والوصف الموجود في الرواية دقيق في وصف هذا الجيل: (لا تُزِلُهُمُ الرّياحُ العواصف، لا يملّون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكّلون والعاقبةُ للمُتّقين).
إنّ الذي لا يجبن لا يملّ الحرب، ولا تُزِلُهُ الرِّياحُ العواصف بطبيعة
الحال.
وقُوّة هؤلاء وميزتهم أنّهم لا يجبنون ، وهذه هي مشكلتهم في حساب الأنظمة والقوى الكبرى.
هذه هي بعض ملامح جيل التحدي الذي برز في مواجهة الأنظمة والقوى الكبرى في العراق وإيران وأفغانستان ولبنان وفلسطين والجزائر ومصر والسودان، وأخيراً في الشيشان والبوسنة والهرسك. وعجيب أمر هذا الجيل، يَسبُّ جلّاديه ويشتمُهُمْ، وهو في قبضتهم وتحت سلطانهم وسياطهم، يصبّون عليه العذاب صبّاً فلا ينثني أبناؤه، ولا يلينون ولا يثنون ولا يصرخون.
وإن أحدهم ليقول لجلاديه، وهم يعذبونه بما لا يعلم إلّا الله من فنون
التعذيب: «سوف أُبقي في نفسك حسرة أن تسمع منّي صرخة تألُّم أو
أنين أو توجّع» !!
وردود الفعل العالميّة تّجاه هذا الجيل، كما تُصرّح به هذه النصوص، ردود فعل غاضبة وساخطة؛ لأنّ هذا الجيل يعرّض هذه المعادلات والموازنات لهزّات عنيفة وحقيقية؛ ولذلك فإنّ ردود الفعل العالميّة تّجاهه تتّسم بالغضب والسّخط دائماً .
رُويّ عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق علیه السلام :«إذا ظهرت راية الحقّ لعنها أهل الشرق وأهل الغرب. أتدري لم ذلك؟
قلت: لا .
قال: للذي يلقى النّاس من أهل بيته قبل ظهوره»(1).
وأهل بيته قبل ظهوره، عادةً، هم الموطِّئون الذين يُثيرون المتاعب
لهذه الأنظِمَة والمؤسَّسات ويسلبونها استقرارها وراحتها.
ورُويَ عن ثقة الإسلام الكُلينيّ في الكافيّ عن الإمام الصادق علیه السلام في تفسير قوله تعالى: ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلى بَأْسٍ شَدِيدِ)، قولهُ: «قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون واتراً لآل محمّد، إلّا قتلوه».
وردود الأفعال العالميّة، المذكورة في هذه النصوص، تشبه إلى حدٍّ كبير ردود الأفعال العالميّة اليوم تّجاه الصحوة الإسلاميّة التي يسمّونها
1) بحار الأنوار، للعلّامة المجلسيّ، ج 52 ، ص 63 .
بـ (الأصوليّة الإسلاميّة)، وينعتونها بالإرهاب وبأقسى النعوت»(1).
ثانياً: جيل الأنصار في الرّوايات الإسلاميّة :
يَتَمَيَّز أفراد جيل الأنصار بمزايا وقيّم يتفرّدون بها.
يقول الشّيخ الآصفيّ قدس سره: ونحن سوف سنستعرضُ النّصوص الواردة في نموذج واحد فقط من هذا الجيل، وهو: شباب (الطّالقان) وهذه الرّوايات وردت بأسانيد الفريقين: السُّنَّة والشيعة وطرقهم.
شباب الطّالقان :
روى المُتّقي الهنديّ في (كنز العمّال) والسّيوطيّ في (الحاوي) في أنصار الإمام من (الطالقان): (ويحاً للطّالقان، فإنّ لله عزّ وجلّ بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضّة، ولكن بها رجال عرفوا الله حقّ معرفته وهم أنصار المَهديّ ) (2).
وروى المجلسيُّ في بحار الأنوار: (كنزٌ بالطالقان ما هو بذهب ولا فضّةٍ، ورايةٌ لم تُنشر مُذّ طُويتْ، ورجال كأنّ قُلوبهم زُبرُ الحديدِ لا يشوبها شكٌّ في ذات الله أشدٌّ ذات الله أشدُّ من الجمر، لو حملوا على الجبال لأزالوها.
لا يقصدون براياتهم بلدةٌ إلا خرّبوها، كأنّ خيولهم العقبان، يتمسّحون بسرج الإمام يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به ويقونَهُ بأنفسهم في الحروب، يبيتون قياماً على أطرافهم ويُصبحون على خيولهم، رُهبان
( يخرج على حينِ غفلةٍ من النّاس وإقامة من الحقّ وإظهار من الجور، يفرح لخروجه أهلُ السّماء وسُكّانُها، ويملأَّ الأرض عدلاً كما مُلئت ظلماً)
الإمام عليّ علیه السلام
التّمهيد لغةً: التّهيئة، فيقال: مَهَدتُ الفِراشَ مَهداً بَسَطتُه ووَطَاتُه أو هيَّاتُه.
وفي الاصطلاح: جاء في الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام، قولُهُ: «إنَّ العملَ الصالح ليذهب إلى الجّنة فيُمهّد لصاحبه كما يَبعثُ الرجل غُلامه فيفرش له، ثُمَّ قرأ: (وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلِأَنفُسِهِمْ يَمهَدُونَ)(1).
وعليه، فالمعنى اللّغوي لمُفردة التَّمهِيد هو ذات المعنى القرآني والروائيّ.
وفي ضوء هذا المفهوم نستطيع القول بأنَّ التَّمهِيد، يعني: تهيئة الأنفُس والأرضية المناسبة لظهور الإمام المُنتظر علیه السلام.
1) مأخوذ من مفهوم الآية 44 في سورة الروم.
أدّلة وجوب التّمهيد :
سنذكر في المقام ثلاث روايات شريفة أشارت إلى وجوب التَّمهِيد: . • رُوي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وسلم قوله: (يَخْرُجُ رجُلٌ يوطئ أو يُمَكِّنُ لِآلِ محمَّدٍ كما مَكَّنَتْ قُرَيشٌ لرَسُولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِن نصرُهُ) أو [قال: إجابته])(1).
• ورُوي عنه صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً: (يَخْرُجُ قَومٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَيُوَطِّئُونَ لِلمَهدِي سُلْطَانَهُ)(2).
وروي عنه صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً: «يَأْتِيَ قَومٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ مَعَهُم رَايَاتٌ سُود، فَيَسأَلُونَ الخَيرَ فَلَا يُعطُونَهُ فَيُقَاتِلُونَ فَيُنصَرُونَ فَيُعْطُونَ مَا سَأَلُوا، فَلَا يَقبَلُونَهُ حَتَّى يَدفَعُوهَا إِلَى رَجُلٍ مِن أَهلِ بَيتي فَيَملَؤُهَا قِسطًا كَمَا مَلَٶوهَا جَورًا، فَمَن أَدرَكَ ذَلِكَ مِنكُم فَلَيَاتِهِم وَلَو حَبوًا عَلَى الثّلج» (3).
يقول سماحة سيّدي الوالد قدس سره: «والروايتان: الأولى والثالثة، صريحتان في ذلك حيث تفيدانه بمنطوقهما.
أمّا الثانية، فالذي يبدو لي أنَّنا نستطيع استفادة ذلك منها من مدح النَّبِيِّ صلی الله علیه وآله وسلم للموطِّئين للإمام المنتظر علیه السلام.
ويُستفاد من الرّواية الثالثة أيضاً: أنّ التّوطِئَةَ لظهور الإمام المُنتظر علیه السلام
تكون بالعمل السّياسيّ، عن طريق إثارة الوعي السّياسيّ، والقيام بالثّورة المُسلَّحة.
ولا أظنُّ أنَّ التّوطِئةَ لظهور إمام مُصلح يؤسس مُجتمعاً جديداً، وقيام دولة جديدة، تُفيد معنّى غير العمل السّياسيّ:
• إمّا بإثارة الوعي السّياسيّ وحده، حيث لا يُقتَدَرُ على الثورة المُسلّحة.
• وإمّا مع الثّورة حين يكون مجالها.
وعلى أساس ما تقدَّم ننتهي إلى النتيجة التالية وهي: أنَّ الانتِظَار ليس هو التسليم، وإنّما هو واجب آخر يضافُ إلى قائمة الواجبات الإسلاميّة»(1).
فانتظار الفرج لا يكون بالاتّكال على الغيب وحسب، ولا الترقّب بلا عمل وحركة، وإنّما هو جهاد وعمل رساليّ مع الخطّ الإلهيّ في الثبات على المبدأ والتّمهيد للمُنقذ المُنتظر مهما طال الزمن وكثُرت البلايا .
كما أنَّ العدالة المُنتظرة لا تتأتّى عبر الموعظة والنصيحة فقط.
يقول الإمام الخامنئيّ: «إنّ الذين يتوهّمون أنّ على الإسلام أن ينزوي وعلى رجاله التّوسُّل بمنطق النّصح فقط إنّما هم يردِّدون عن علم أو جهل ما تصبو إليه دوائر السُّلطة العالميّة وتريده، فدواتر الهيمنة الاستكباريّة لا يرهبها أن يقبع زعماء الإسلام في زوايا العالم
1) في انتظار الإمام، للعلّامة الفضليّ، ص 70.
ويُبادروا بين الفينة والأخرى لإصدار بيان أو تصريح - كما يفعل أحبار المَسِيحيّة في إصدار بيان وإسّداء موعظة التفوه بكلمة في أيّ من القضايا - فهم يعلمون بأنَّ ذلك لا يُشكّل خطراً بالنسبة إليهم، بل إنّهم يرهبون ويخافون أن يستيقظ المُسلمون ويقيموا حكومةً واحدةً و أن يتجسّد الإيمان الدّينيّ لدى أبناء الأُمّة في إطار نِظام واحد ودولة
واحدة وحكومة واحدة» (1).
مشروع التَّمهِيد :
لا شكّ في أنّ تهيئة الأرضيّة المُناسبة لعملية التّغيير الكبرى ليست بالأمر السّهل في ظلِّ سيطرة قوى الاستبداد على العالَم، وهم في الواقع جبهة سياسيّة واحدة، رغم كُلّ التناقضات القائمة في ما بينهم، وهي جبهة تملك كُلّ مُقَوِّمات القُوّة: (المال) و (السُّلطة) و(الإعلام).
ولكن هذا الاستبداد لم يفَتَّ في عضد القائمين على مشروع التَّمهِيد، فلم يهابوا هذه القُوّة ولم يتقاعسوا عن أداء واجبهم التّكليفيّ.
يقول الإمام عليّ علیه السلام :«رُدُّوا الحَجَرَ مِن حَيث جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّر» (2).
ومشروع التَّمهِيد يرتكز في إعداد كوادره على عدد من الأمور، ومنها:
• التربيّة الإيمانيّة الجهاديّة لِكافَّة أفراده، وهذا ما تَفْتَقِدُهُ الجبهة المُقابلة.
• تَنمِية الوَعي السّياسيّ لكوادره المتقدِّمة، فألاعيب قوى الاستكبار كثيرة ومتلوِّنة ومتغيِّرة.
فهم واقع المُجتمع الذي يتحرَّكُ فيه المُمّهدون (مكوناته، ،توجُّهاته ،عقيدته ،ارتباطاته ،همومه، مشكلاته، وتطلعاته ...إلخ).
• استعمال الأسلِحة الحديثة وتطويرها.
• امتلاك اقتصاد قويّ قادر على رفد الموطِّئين بالمال.
• إعداد قادة على قدر عالٍ من الكفاءة الإداريّة.
• إعداد إعلامييّن قادرين على استخدام وسائل العصر الإعلاميّة الحديثة (فيسبوك، تويتر انستجرام، سناب شات ... إلخ)، لا على المنبر أو الصُحف ولا حتّى الفضائيات التلفزيونيّة؛ لأنَّ هذه الوسائل أصبحت من الماضي وتأثيرها محدود جدّاً.
هذه هي مرتكزات مشروع التَّمهِيد الهادف إلى إقامة الدّولة الإسلاميّة (دولة الإسلام الموطِّئة).
والإعداد لهذه الدّولة يحتاج إلى عملِ جادّ وحركة دؤوبة، لا رصد هذه العلامة أو تلك كدلالة على قرب الظّهور والتّغنّي بها.
أشكال التَّمهِيد :
إذا ما آمن كُلُّ إنسان بأنَّ وجوده في هذه الحياة لغاية وهدف ورسالة، سيسهل عليه حينئذٍ اختيار الشكل المناسب له من أشكال التَّمهِيد، وهي تختلف باختلاف الأشخاص وقدراتهم ومواهبهم وإمكانيّاتهم
ووضعهم الاجتماعيّ، ومنها على سبيل المثال:
.1 التَّمهِيد الفكريّ: وهو دور الباحثين والمفكِّرين، ويتمثّل في بيان الهدف من الثّورة المهدويّة للناس وبالأسلوب أو اللُّغة الدّارجة التي يستعملونّها في حياتهم اليوميّة.
التَّمهِيد الاجتماعيّ: وهو دور رئيسي ويتمثّل في التكافل الاجتماعيّ بين أفراد المجتمع، وقراءة كُلِّ ما يُحاك ضدَّ المُجتمع من مؤامرات تؤدّي إلى تفكُّكِهِ وتفسُّخِهِ، قراءةً تحليليةً واعيةً، ودعم حركات التّمهيد ماليَّا ورعاية عوائلهم إذا ما استّشهدوا.
التّمهِيد الاقتصاديّ: ويتمثّل في الاستثمار بالأعمال التجارية
التي تزيد من قوة حركات التَّمهِيد.
السّياسيّة ونقد الفكر السّياسيّ المُعادي.
5.التَّمهِيد الدّينيّ: ويتمثّل هذا الدّور في بيان الواجبات الدّينيّة للمجتمع المُسلم وجعل أفراده متديّنين عن رغبة واقتناع لا عن تقليد متوارث؛ لأنَّ الوضع في هذا العصر اختلف كثيراً عمّا هو عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة على أقلِّ تقدير، فالثقافات الواردة كثيرة جدّاً، والمُغريات لا حصر لها، وهذا الدّور لا يستطيع القيام به رجل الدّين وحده؛ لأنه يتعلَّق بالمُجتمع، وللمُجتمع مختصون يفهمون ما يدور فيه بطريقة علمية، ولهذا لابُدّ من أن يعمل الطرفان سويَّا في هذا الأمر،
رجل الدّين مع المُختص الاجتماعيّ.
6.التَّمهِيد العسكريّ: ويتمثّل هذا في التدريب على حمل السلاح بشتّى صنوفه، بل تعلُّم صناعته وتطويره.
التّمهيد الأُسري: وهذا اللّون من أهمِّ ألوان التَّمهِيد محوره الأُمّ ويساعدها فيه الأب، ويتمثّل في تربية أفراد الأسرة تربيةً إسلاميةً وتعليمِهِم مفهوم الانتِظار العمليّ.
التَّمهِيد الفنيّ: ويتمثّل هذا في إنتاج الأفلام العالميّة التي تُبَشِّرُ بظهور المُخلّص المُنجي، ورسم اللوحات المُعبّرة عن مفهوم الانتِظَار العمليّ، وعمل الأناشيد التي تُشعِلُ حماس الشّباب وتربطهم بإمام العصر، كنشيد (سلام فرمانده - سلام يا مهدي) الذي عبّر عن الولاء الصادق للإمام المنتظر علیه السلام وتحوّل إلى ظَاهِرَةُ اجتماعية وانتشر بشكلٍ مؤثّرٍ في مواقع التواصل الاجتماعيّ.
التَّمهِيد الإعلاميّ: لا يخفى أنَّ لكُلّ حركة أو ثورة أو نظام جهازَها الإعلاميَّ الخاصَّ بها الذي يقوم بنشر رؤى وأفكار الحركة، ولهذا لابُدّ لمشروع التَّمهِيد من جهاز إعلاميّ فعّال يواكبُ العصرَ فيستعملّ وسائل عصره.
مُخرجات نَظريَّة التَّمهِيد :
لا أظنُّ أنَّ نتائج ومخرجات نَظريَّة التَّمهِيد بحاجة لإثبات أو أنها خافيةٌ على أحد، فالتقدُّم العلميّ الكبير الذي عليه الجمهورية الإسلاميّة
الإيرانية وفي كُلِّ المجالات وعلى كُلِّ الصّعُد ما هو إلّا من نتائج نَظريَّة التَّمهِيد.
ولم يكن ليتمَّ هذا النجاح لولا تبنّي نَظريَّة التَّمهِيد وإنشاء دولة تتبنّى مفهوم الانتظار العمليّ كعقيدة ومنهج ونظام في كُلِّ شؤونها.
الموسوعة المهدوية الميسرة
تأليف
السيد علاء الدين الموسوي
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام
النجف الأشرف - شارع السور _ قرب جبل الحويش
هاتف: 332811 و 332813
ص .ب 588
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
الإعداد الروحي لعصر الظهور السيّد علاء الدين الموسوي
تقديم وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الثالثة: 1433هـ
رقم الإصدار: 126
العدد: 10000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للمركز
الإعداد الروحي الخاص
حديثنا السابق كان حول التزكية بشكل عامّ، اليوم نتحدَّث في الإعداد الروحي الخاصّ المرتبط بمرحلة الظهور.
خصائص زمن الظهور:
الظهور زمنٌ له خصائص، بحسب هذه الخصائص ينبغي أن يُهيّئ الإنسان نفسه ويعدّها حسب متطلّبات تلك المرحلة.
أوّل خصائص مرحلة الظهور أنّها مرحلة الحقائق ومرحلة انكشاف الزيف وسقوط الأقنعة، ففي زمن الإمام علیه السلام لن يستطيع أحد أن يلبس حقيقته عن الإمام كأن يتنكَّر بوجه آخر غير وجهه الحقيقي. الإمام علیه السلام يعلم ما في النفوس، ويسير بالناس سيرة نبيّ الله داود علیه السلام، أي سيحكم بما يعلم بعلمه الواقعي.
قد يطرح هنا سؤال: ما الفرق بين سيرة داود وحكمه وسيرة نبيّناً صلی الله علیه وآله وسلم؟
الجواب: هناك فرق فقهي، نبيّنا صلی الله علیه وآله وسلم كان يحكم على الظواهر بالشهود وبالبيّنة، أمَّا داود علیه السلام فإنَّه كان يحكم بناءً على علمه الواقعي وهكذا الإمام المهدي علیه السلام سوف يحكم بناءً على علمه الواقعي، الله عزّ وجلّ
أعطاه علماً بواقع الأشياء بحيث لا يحتاج إلى بيّنة أو شهادة أحد وسيستفيد من ذلك العلم مباشرةً بلا حاجة إلى وسائط.
إذن هي مرحلة الحقائق، مرحلة الصدق، مرحلة انكشاف الزيف، مرحلة سقوط الأقنعة وظهور الإنسان على حقيقته، وممَّا ورد من الروايات المهمّة في هذا المجال أنّ الإمام علیه السلام إذا ظهر مسح على رؤوس الخلائق فاكتملت أحلامهم (1)، اكتمال الحلوم هو جانب من جوانب ما نقول، وإن مرحلة الظهور هى مرحلة الحقيقة لا مرحلة الوهم ولا مرحلة العناوين الزائفة، العقل إذا اكتمل فلا يحتاج مع كماله إلى أن يتلبَّس بقناع معيَّن ليوهم أو يلبّس الحقائق. العقل الكامل يترفَّع عن الزيف وعن الكذب، فهو عقل حقيقي يتعامل بموضوعية وواقعية مع الحياة. تصوّروا هذه العقول، إذا مسح الإمام على رؤوس الناس فاكتملت عقولهم، تصوّروا النتيجة، النتيجة أنَّهم سيتعاملون مع الحياة بواقعية
وصدق، ويتعاملون كما هم ودون أيّ تلبيس أو تنكّر أو وجوه زائفة.
هذا الأمر يدعو إلى التوقّف كثيراً، نحن الآن في هذه الحياة قد ضرب الله تعالى علينا ستره، والرواية عن أمير المؤمنين علیه السلام تقول: «لو تكاشفتم ما تدافنتم»(2)، لو علم أحدنا ما في نفس الآخر فقد لا يكون مستعدّاً حتَّى لدفنه، ويعتبره غير مسلم أصلاً.
ولو كشف الله ما في النفوس والخواطر لكانت الحياة صعبة فيما بين الناس، لكن الله عزّوجل برحمته وحتّى تسير الحياة ويكتمل نظام الحياة، رحم الناس وأعطاهم فرصة لإكمال نفوسهم وتزكيتها، يؤخّر الكشف فلا يكشف حقائقي أمام الناس ولا يكشف حقائق الناس أمامي.
هذه الستور المضروبة بعضها مضروب من الله عزّ وجلّ، وبعضه نحن نضر به على أنفسنا ونخفي أنفسنا خلفه، هذا يجعل مسألة المعايشة مسألة سهلة وممكنة في هذه الحياة. أمَّا في ذلك الزمان، الزمان الذي لا مجال فيه للفساد ولا متَّسع فيه للإفساد، الزمن الذي يراد فيه أن يطبّق الإمام علیه السلام أطروحة السماء كاملة بلا تأخير، في ذلك الوقت لا يؤخّر الإمام حكماً أو موقفاً شرعياً لأجل التقيّة أو المداراة.
بل ينبغي تنفيذ الأحكام الشرعية بحذافيرها دون حذر من أحد أو تقيّة أو خوف. فلا بدَّ أن نقف إذن أمام هذه الحقيقة: حقيقة أنَّه زمن واقعي، زمن لا يتَّحمل إخفاءً أو تلبيساً أو تنكّراً أبداً.
وعلى هذا فماذا سيكون التكليف؟
الذي يريد أن يعدّ نفسه من الآن لزمن الحقائق عليه أن يبدأ من الآن بتصفية شؤونه وأموره، وتعديل أوضاعه بشكل إذا جاء وقت الحقيقة ووصل وقت الصدق لا ينكشف أو ينفضح، فيكون هو كما هو، كما أنا الآن أكون في ذلك الزمن دون أيّة فضيحة أو مشكلة، الإمام علیه السلام حينما يخرج (الروايات تقول): إنَّه
ينتزع بعض الأملاك من الناس (يقول: هذا ليس بيتك أخرج منه)، فيعيد الأملاك والحقوق إلى أصحابها الحقيقيين حتّى إذا اشتريت بها الدور (1).
إذن هو زمن الحقيقة والصدق، فالإنسان لا بدَّ من الآن أن يعدّ نفسه ليحل عليه الظهور ويكون من السعداء بالإمام لا من الأشقياء به، أن يحلّ علينا زمن الظهور ونحن سعداء بذلك لا نخفي أنفسنا خجلاً، ولا نخفي أنفسنا خوفاً من الإمام، أن نصلح شؤوننا، أن نكون على بصيرة ممَّا في أيدينا من أموال وممتلكات ومتعلّقات، ومن كلّ القضايا الشرعية، ونكون على يقين أنَّنا ذووا صفحات بيضاء نستطيع بها أن نقابل الإمام علیه السلام ونقول: يا مولانا نحن منتظرون، ونحن سعداء بظهورك، ونحن في خدمتك.
فعلى الإنسان أن يكون دائماً مع حقيقته ولا يبتعد عنها، ما معنى ذلك؟ بعض الناس يعطي لنفسه عناوين أكبر من واقعه، ويعطي لنفسه واجهات وأسماء أكبر ممَّا يستحقّ، فيبقى يعيش هذا الوهم، ويفرض على من حوله أن يعيش بهذا الوهم، ويبقى هكذا إلى أن يظهر الإمام علیه السلام وإذا بالإمام يفاجئه بالقول: أنت لا قيمة لك، هذا العنوان الكبير الذي كنت تعيش به والاسم الكبير الذي حملته والجاه العريض الذي حصَّلته، هذا كلّه مزيَّف ليس له أيّ أصل، ارجع إلى حجمك الطبيعي، بحكم الإمام يرجع
1) في الرواية:«يبلغ من ردّ المهدي المظالم حتَّی لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتَّى يردّه».(الملاحم والفتن لابن طاووس: 143 / ح 169).
الإنسان بواقع الصدق في زمن الظهور إلى حجمه الطبيعي، (هذا
يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدقُهُمْ ) (المائدة: 120)، مثل يوم القيامة.
في يوم القيامة هل يقدر إنسان أن يفرض عناوينه الباطلة أمام الله عزّ وجلّ؟ كلاً، فإنَّ مقدار علمي هو هذا الذي ساُحاسب عليه، ومقدار تقواي هو الذي سأعامل على أساسه، وهكذا الإمام ليس عنده مجاملة مع أحد، ولا يخضع لأوهامنا أو يخضع لموازيننا التي نعيشها الآن والمبنّية على الاعتبارات الباطلة، فالإمام يأتي وينسفها تماماً. فعلينا أن نكون مهيَّئين للحقيقة، مهيَّئين إلى أن ننظر إلى أنفسنا بين يدي الإمام بحجمنا الطبيعي، فإذا كان كذلك يكون مهمّاً للإنسان أن يعيش الآن كما يعيش في ذلك الوقت، وأن يعيش في زمن الظهور كما يعيش الآن.
وأن يظهر أمام الإمام وأمام الناس كما هو الآن، لماذا أعيش الزيف إلى أن يظهر الإمام ويرجعني إلى حجمي الطبيعي فتكون هناك الفضيحة والهتك. قد يُطرد الإنسان من حضرة الإمام علیه السلام لأنّه مدَّعي، إنسان مثلاً يدَّعي الاجتهاد، فهذه الدعوى خطيرة والمسألة ليست هيّنة، فالادّعاء جدّاً خطير، أن يدَّعي الإنسان الاجتهاد، يعني أن يكون نائباً للإمام المعصوم الغائب، نائباً عنه في بعض المسائل التي يتولَّاها الإمام في الناس فإذا كان والعياذ بالله هذا المدَّعي كاذباً أو مبطلاً أو دجّالاً فما هو موقفه أمام الإمام في زمن الحقيقة والصدق؟
أين سيكون محلّ هذا الإنسان؟ سيخفي نفسه، سيختبئ في جحر في الأرض، لن يستطيع أن يقابل الإمام علیه السلام، وإذا استطاع أن يقابل الإمام ويأتي إليه سيعاقبه عقوبة ليست باليسيرة، لأنَّ الدعوى دعوى خطيرة.
فعلى هذه قِسْ ما سواها، كلّ ما نصنعه لأنفسنا من عناوين باطلة وزائلة في هذه المرحلة من الحياة علينا أن نحسب له حساب مرحلة الظهور، فإنَّ تلك المرحلة لا تتحمَّل كذباً ولا زيفاً ولا باطلاً.
فينبغي على المؤمن أن يعدَّ نفسه إعداداً روحياً حقيقياً في هذا المجال.
کیف يكون الإنسان واقعياً حتَّى لا يتفاجأ إذا أصبحت مرحلة الظهور مرحلة فعلية؟
متطلّبات زمن الظهور:
هناك أمور معينة عليه أن يلتزم بها:
أوّلاً: الصدق مع النفس:
عليه أن يكون صادقاً مع نفسه وأن لا يدَّعي لنفسه باطلاً، والإنسان
نفسه، الصادق مع نفسه سعيد وليس للاضطراب إلى قلبه سبيل، سعيد مع نفسه، سعيد مع الآخرين، يحترمه الناس. الإنسان الذي لا يعطي لنفسه أكبر من حجمها إنسانٌ محترم، مُحِبّ ومحبوب من قبل الناس.
ثانياً: التفقّه:
ترويض النفس على أحكام الله عزّ وجلّ، الفقه عندنا مسألة جدّاً مهمّة، هذا الفقه الذي نعتبره أعظم تراث ورثناه من أهل البيت
علیه السلام وأغلى جوهرة ورثناها من الأئمّة الأطهار علیه السلام فقه تعب عليه الأئمّة علیه السلام، وتوارثه أصحابهم وقتلوا من أجله، استشهد عشرات، بل مئات من أجل أن تكتب صفحة، في سبيل أن يُؤلَّف كتاب في الفقه، وما سيرة الشهيد الأوّل والثاني رضي الله عنها ببعيدة عنّا، صاحب اللمعة وشارح اللمعة - كتاب اللمعة الفقهي - كلاهما شهيدان من شهداء هذا الطريق، الفقه الذي بين أيدينا لا تتصوَّر أنَّه مسألة سهلة، يأتي البعض يستهزأ يقول: أنتم يا أهل الحوزة مشغولون بالأغسال وبالحيض والنفاس، يستهزأ وكأنَّ أحكام هذه الأمور أحكام يُستهزأ بها. هذا الذي يتكلَّم بهذا الأسلوب يستهزأ بأحكام الله في الواقع، الدين شمل بأحكامه كلّ نواحي الحياة، فالإنسان ينبغي أن يعطي قيمة لكلّ حكم شرعي والذي هو في الواقع تراث السماء.
من الأمور التي تُعين على التهيّؤ لزمن الظهور وأن يكون الإنسان في ذلك الزمن إنساناً سويّاً ومقبولاً عند الإمام علیه السلام أن يكون متفقّهاً في دينه، ليس بمعنى أن يكون مجتهداً بالضرورة، لا، بل أن تكون المرأة عارفة بأحكامها، والرجل عارفاً بأحكام عمله وجملة ابتلاءاته، أن يكون كلّ إنسان في أيّ موقع من مواقع الحياة عارفاً بأحكام عمله وحياته.
صلاته، شكوك صلاته، صيامه ،زکاته، خمسه، الطهارة والنجاسة، أحكام المعاملة والبيع والشراء، فيكون محصّناً ومكتملاً فقهياً من هذه الجهات.
التمهيد للظهور في الكتب والمصنفات/ ج 2
ثالثاً: البصيرة الكاملة:
الأمر الآخر الذي يجعله مهيّأ بشكل كامل لزمن الظهور: العقيدة الصريحة والواضحة، والبصيرة الكاملة، لو جاء الإنسان في زمن الظهور وعقائده متزلزلة وغير ثابتة، ولم يدرس العقائد بشكل كافٍ، ولم يتعرَّف على مقامات الأئمّة الأطهار علیه السلام بشكل كافٍ، فإنّه قد يقع في بلاء.
قد يأتي ويرى الإمام علیه السلام يحكم بحكم فيعترض على الإمام، فيقدمّه الإمام ويضرب رأسه، لدينا رواية تقول: بينما الرجل بين يدي الإمام المهدي يأمر وينهي يعني أنَّه أحد القادة، من الأشخاص الذين يأمرون وينهون بأمر الإمام وإذا بالإمام يقدّمه ويضرب رأسه(1).
لماذا؟ هل الإمام عنده شهوة للقتل؟ أبداً، الناس إذا لم تكن عقائدها كاملة بأهل البيت علیه السلام سيُمتحنون امتحانات عسيرة، في بعض هذه الامتحانات قد يسقطون. إذ قد يفاجئنا الإمام ويقول: إنَّ هذا الحكم الشرعي الذي اعتدتم عليه في المرحلة السابقة خطأ، حكم الله الواقعي ليس هذا.
1) عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام، قال: «يقضي القائم بقضايا ينكرها بعض أصحابه ممَّن قد ضرب قدّامه بالسيف، وهو قضاء آدم علیه السلام، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الثانية فينكرها قوم آخرون ممَّن قد ضرب قدّامه بالسيف وهو قضاء داود علیه السلام، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الثالثة فينكرها قوم آخرون ممَّن قد ضرب قدّامه بالسيف، وهو قضاء إبراهيم علیه السلام، قضاء إبر فيقدّمهم فيضرب أعناقهم. ثمّ يقضي الرابعة وهو قضاء محمّد صلی الله علیه وآله وسلم،فلا ينكرها عليه أحد». (بحار الأنوار 52: 389/ ح 207).
فإذا كانت عقائدنا قويّة بالإمام، ونعتقد أنَّ هذا هو المعصوم الحجّة من الله علينا ولا يردّ عليه بشطر كلمة نقول له: سمعاً وطاعةً، وكلّ نتائج اجتهاداتنا نرميها في البحر إذا أمر هو، ولا نناقشه ونقول له: لا هذه شريعة جدّك وأنت خالفت الشريعة، فهناك اُناس قد لا يوجد عندهم تحمّل فيقولون: لا، هذا حكم قد اعتدنا عليه، سيقول له الإمام: أنا حجّة الله عليك فإن قبل منه فذاك، وإن لم يقبل ذلك فيقدَّم ويقتل.
فعلى الإنسان أن يبني عقيدته بناءً ثابتاً ابتداءً من التوحيد وانتهاءً بالمعاد. فعلى الإخوة أن يكونوا حريصين على أن يحضروا دروس العقائد ودورات العقائد، حتَّى إذا كانوا قد مرّوا بدروس سابقة فعليهم أن يحضروا مراراً وتكراراً، فإنَّ في كلّ درس فائدة، وفي كلّ دورة شرح جديد يستفيد الإنسان منه.
الظهور مرحلة العمل الجاد لا النعيم فقط:
مرحلة الظهور هي أيضاً مرحلة المهام والمسؤوليات الجسام، فالمسألة ليست فقط أن نمنّي أنفسنا برخاء زمن الظهور ونعيم ذلك الزمن، لا بل هناك مسؤوليات تترتَّب علينا. مسؤوليات تترتَّب على المؤمنين، بالأخصّ وكما تعلمون أنَّ الإمام سيتولّى شأن العالم، لكن هذا حينما يظهر ويبدأ بالتدريج بمسح الكفر ونشر الإسلام، جيوش وقتال، عمل دؤوب، إرسال الناس إلى أطراف البلاد، تعليم، يعني هل نتصوَّر أنَّ الصين مثلاً ستدخل في
طاعة الإمام وأنَّهم سيصبحون في ليلة واحدة عارفين بأحكام الله ومطيعين وقارئين للقرآن؟ إنَّهم يحتاجون إلى من يعلمهم وإلى من يرشدهم.
على هذا ينبغي علينا نحن كنخبة شيعية تحمّل هذا الهمّ وتحمّل أهمّية المرحلة وتعرّف قدر المرحلة أن تتهيَّأ لهذه المسؤوليات الجسام.
من الذي سيحمل فكرة الإمام ودعوة الإمام إلى أطراف الأرض؟ الكفّار أنفسهم؟ الكفّار إنَّما ينتظرون الكلمة أن تخرج من هنا بالأخصّ من النجف، ذكرنا في عدَّة مرّات أنَّ الإمام علیه السلام سيتَّخذ من هذه المدينة المباركة عاصمة له، يعني عاصمة العالم. من هنا سينطلق الناس، المبلّغ والمبلّغة، القائد العسكري، الحاكم الذي سيحكم أطراف الأرض، إنَّهم سينطلقون من هنا. الإمام مقرُّ حكومته الكوفة، ومحل عبادته ودار سكناه السهلة. فهذه بقعة ليست هيّنة، ونحن اُناس نعيش الآن في بقعة خاصّة، فإذن علينا أن نتحمَّل مسؤوليات خاصّة.
فالمسألة ليست فجائية، بل علينا أن نعدّ أنفسنا لذلك اليوم. الإمام إذا أراد مجموعة من النساء المؤمنات لتعليم نساء بلد ما فإنَّه يُرسل إليهنَّ امرأة، لكن ليست امرأة جاهلة ليس لها معرفة بالأمور الشرعية، أبداً، نعم الإمام يستطيع بمعجزة أن يحوّلها إلى عالمة، هذا ممكن، إلَّا أنَّ الأمور لا تجري بالمعاجز دائماً.
الإمام إذا رأى طبقة من النساء واعية متمسّكة بعقيدتها حريصة على خدمة الإسلام فأوّل ما يكلّفها هي، ويرتضيها.
فتكون النساء حينئذٍ الجند الثقافي للإمام في نشر الوعي بين نساء العالم. نحن حينما نتحرَّك في زمن الظهور باتّجاه العالم بقيادة الإمام سنتحرَّك عسكرياً، هذا صعيد، وسنتحرَّك تحرّكاً موازياً لذلك وهو التحرّك الثقافي والديني الذي به تعلّم الناس وهذا صعيد آخر، فالقضيّة ليست قضيّة سيف فقط، فالسيف للظَلَمة، وللمعاندين ولمن لا يقبل الدين ولمن يقف بوجه المهدي علیه السلام، أمَّا الحركة الثقافية التي علينا أن ننشأها في الوقت بإمرة الإمام المهدي علیه السلام حركة فكرية تحتاج إلى كفاءات وإلى مستويات متعدّدة، وهذا ما يرتّب علينا هذه المسؤولية بأن نعدّ أنفسنا ثقافياً وفكرياً وعقائدياً لتحمّل هذه المسؤوليات الجسام.
فإذن مرحلة الظهور ليست هي فقط مرحلة نعيم، وإنَّما هي مرحلة بناء مرحلة عمل، مرحلة جهد وجهاد، وهذا أوّل ما يقع علينا قبل غيرنا، لأنَّنا نحن الشيعة نفترض بأنفسنا أن نكون أقرب الناس إلى فكر الإمام وأكثر الناس شوقاً إلى لقائه وظهوره ونعيش في بقعة سيتَّخذها الإمام عاصمة له.
إذا كانت المرحلة القادمة هي مرحلة المسؤوليات فعلينا إذن أن نعدّ أنفسنا لهذه المسؤوليات ثقافياً ونفسياً، الإعداد النفسي بمعنى أن يكون الإنسان طوع يمين الإمام، هذه مسألة قد لا تحصل لكلّ أحد، حتَّى من يدرس العقائد ويتفقَّه قد لا تكون نفسه مطواعة.
قصّة هارون المكّي:
نأتي بمثل من التاريخ، في الرواية أنَّه دخل سهل بن حسن الخراساني على الإمام الصادق علیه السلام فسلَّم عليه ثمّ جلس، فقال له: يا ابن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كلام الرأفة والرحمة وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟ فقال له علیه السلام:«اجلس یا خراساني رعى الله حقّك»، ثمّ قال: «يا حنفية اسجري التنّور»، فسجَّرته حتَّى صار كالجمرة وابيضَّ علوّه، ثمّ قال: «يا خراساني قم فاجلس في التنور»، فقال الخراساني: يا سيّدي يا بن رسول الله لا تعذّبني بالنار أقلني أقالك الله قال: «قد أقلتك»، فبينا هم كذلك إذ أقبل (هارون المكّي) ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق علیه السلام:«الق النعل من يدك واجلس في التنّور»، فألقى النعل من سبّابته ثمّ جلس في التنّور، وأقبل الإمام يحدث الخراساني حديث خراسان حتَّى كأنَّه شاهد لها، ثمّ قال:«قم يا خراساني وانظر ما في التنّور»، قال: فقمت إليه فرأيته متربّعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال الإمام:«كم تجد يا خراساني بخراسان مثل هذا ؟» فقلت: والله ولا واحداً. فقال الإمام علیه السلام:«لا والله ولا واحد، أمّا إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(1).
نرجع إلى حديثنا السابق، إذن زمن الظهور هو زمن رئاسة الإمام وحكومة الإمام، وزمن الحقيقة والصدق التي لا يُقبل غيرها. نحن لا
1) مناقب آل أبي طالب 3: 362 و 363 .
نقول: يجب على الجميع أن يصبحوا كهارون المكّي، بذلك الخضوع التّام للإمام، لأنَّ درجة هارون المكّي صعبة جدّاً بالنسبة للناس، إلّا أنَّ علينا توفير ولو درجة من ذلك التسليم.
لا ينبغي لنا أن نعترض على بيانات المعصوم، من الآن نجد بعض الناس يناقش الروايات، ليس لأنَّها ضعيفة، بل لأنَّها غير معقولة وكأنَّ عقله حاكم على كلام الأئمّة علیه السلام، بعض الناس يحاول أن يرد رواية أو يضعّف أخرى فيقول: هذه لا يتحمّلها عقلي، هذا نفسه سيعترض على الإمام علیه السلام في مرحلة الظهور.
لا يقول أحد: نحن صنميّون، بل هذا الخضوع ناتج من عقيدتنا الواضحة المبرهنة بأنَّ الإمام معصوم مفترض الطاعة.
فثمرة العقيدة هي الخضوع التامّ للإمام علیه السلام- «وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ» - كما يقول أمير المؤمنين علیه السلام واصفاً بعض أصحابه (1).
أهلية لقاء الإمام علیه السلام:
المسألة الأخيرة التي نذكرها في الإعداد الروحي للنفس استقبال مرحلة الظهور هي: مسألة أنَّنا سنكون في ذلك الوقت وجهاً لوجه مع المعصوم، الآن نحن محرومون من النظر إلى وجهه الشريف، محرومون من سماع صوته مباشرة وكلامه، لا نستطيع تداول الكلام معه والجلوس إليه، لكن هذا سيرتفع في ذلك الوقت، سيكون هذا كلّه ممكناً بالنسبة للمؤمنين.
1) نهج البلاغة 2: 109 / الخطبة: 182.
فعلينا كمؤمنين أن نهيّئ أنفسنا لذلك اللقاء. اللقاء الذي يتمنّاه كلّ مؤمن، اللقاء الذي بكي من أجله المئات، بل الملايين من المؤمنين منذ أكثر من ألف سنة، وتهجَّدوا في ليلهم ونهارهم حتَّى يتشرفوا بنظرة واحدة إلى إمامهم علیه السلام.
إنَّ ضعف نفوسنا من الموانع، في الواقع الإنسان عليه أن يتيقّن أنَّ لقاء الإمام علیه السلام ليس أمراً هيّناً وسهلاً، هناك علماء أجلّة وُفّقوا للقاء الإمام فاُغمي عليهم من نور وجهه الشريف، فما بال الإنسان في زمن الظهور يجلس مع الإمام ويتحدَّث معه، أيّ قابلية هذه يجب أن تتوفَّر فينا حتَّى نحظى بهذا الشرف؟ يقولون: إنَّ هناك سنخية إذا حصلت يمكن لأحد أن يجالس أحداً، أمَّا إذا كان هناك تباين تامّ فلن يكون الاجتماع وارداً.
نحن نرى الآن في هذا الزمان بعضاً من الناس يقول: أنا لا أجلس مع فلان نهائياً على طاولة سياسية أو تجارية، على أيّ صعيد من أصعدة النشاطات لا يستعدّ أن يجلس مع البعض الآخر، يقول: بيني وبينه تباين، أو ليس هناك بيننا نقطة لقاء.
هذا كلام صحيح منطقي، هنا أيضاً طبّقوا هذا الكلام، إذا كنّا نحن في وادٍ في أخلاقنا و تقوانا وعبادتنا وطهارة نفوسنا والإمام في وادٍ آخر فكيف لنا أن نحظى بشرف مجالسته؟ وكيف يسمح لنا الإمام أن نجلس إليه ونتقرَّب من حضرته؟
المسانخة ضرورية ولو بنسبة معيَّنة، إذا استطاع الإنسان أن يوفّر لنفسه نسبة من الطهارة ودرجة من القرب إلى الله عزّ وجلّ يكون
قد أعدَّ نفسه لذلك اللقاء الفريد. نحن الآن أحياء وما ندري ماذا سيكون بعد دقائق أو بعد أيّام، الله مَنَّ علينا بالحياة وفي هذه اللحظات في هذا الشهر المبارك رمضان شهر الخير وشهر البركة من عام (1426) للهجرة المباركة وجعلنا من أهل كرامته، هذه فرصة من حصل عليها فهو السعيد، ومن أضاعها فهو الغافل
الخاسر .
نسأل الله أن يجعلنا من الذين أعدَّهم الله خدّاماً وجنوداً لإمامنا علیه السلام، وممَّن وفَّقهم لصيام هذا الشهر وقيامه وتلاوة كتابه فيه، ببركة محمّد وآله الطاهرين.
حقيقته - منشؤه - أنواعه - أسسه
سلسلة اعرف إمام زمانك 4
الشيخ وسام البغدادي
إصدارات
مركز الترجمة والتواصل الثقافي
قسم الشؤون الفكرية والثقافية
العتبة الحسينية المقدسة
هوية الكتاب :
إسم الكتاب: الإنتظار المهدوي : حقيقته - منشأه. أنواعه - أسسه.
تأليف: الشيخ وسام البغدادي
الطبعة: الأولى.
السنة : 1444هـ / 2023م.
المطبعة: مطبعة الثقلين. النجف الأشرف.
جميع الحقوق محفوظة
الدور الامني في حركة الاعداد المهدوي.
إن دولة الإمام المهدي تهدف إلى بناء حضارة عالمية شمولية متكاملة تحت القيادة الإلهية فهي لا تختص فقط بالسياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، فهي دولة إلهية شاملة لجميع المستويات والتي منها الجانب الأمني، وهذا الجانب أمر مميز في شأن صاحب العصر، وذلك لأن الغيبة تعني السرية والخفاء أي أن الطابع الأساس لحركة الإمام المهدي عجل الله فرجه في عصر الغيبة هو السرية، والأمن وهو أكبر سلاح للمواجهة على الاطلاق ولا يختص فقط في الجانب العسكري بل هنالك أمن ثقافي وإعلامي، وسياسي واجتماعي و اقتصادي، وصحي وغيرها فكل هذه الأمور يوجد فيها جانب الأمن، وهذا يحتم على المنتظرين أن يواكبوا هذه المرحلة بطريقة تتلاءم مع السرية في الغيبة، فهي تحتاج إلى انضباط شديد من قبل المنتظرين في جانب الأمن والعمل بتخطيط واعٍ ودقيق مع المرحلة التي يعيشها الفرد أو المجتمع المنتظر فتارة تقتضي المرحلة أن يعمل المنتظرون بنظام التقية ليحافظوا على أنفسهم وصحتهم وعلى تدينهم وعقيدتهم ومقدساتهم ودينهم
ومشروعهم سيما المتمثل بإمام الزمان عجل الله فرجه الشريف وتارة تقتضي المرحلة الأمنية السرية الفائقة، والجهد الأمني العالي وذلك حينما يكون الأمر متعلقاً بشخص المعصوم وحفظه، وعدم كشف سره أمام سلاطين الجور حتى لا يلحقه الضرر، والأذى فما دام هناك جبهة ومواجهة فيحصل فيها المكر، والخداع قطعاً مع جهات مختلفة من الأعداء، وما دام أن العدو لا ينام عن مشروع دولة العدل الالهي، فكيف يمكن أن ينام أنصار صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف، فهذا كله يقتضي أن يكون المنتظرين على وعي أمنى تام وجهوزية أمنية عالية تساهم في حفظ معالم دولة العدل الالهي بجميع مستوياتها.
وتارة تقتضي المرحلة إلى المواجهة الأمنية من خلال وضع الخطط الدقيقة للمواجهة وقد أشارت النصوص على أهمية هذا الجانب من خلال عناوين كثيرة سياتي تفصيلها منها التربص بالعدو والمرابطة على ثغور الإمام المهدي، والتحسس والبصيرة العالية والدقة في القرار، والتنظيم، والتخطيط وغيرها.
المرابطة على ثغور الإمام المهدي.
إن المرابطة عمل يلي الجهاد، وتعني ملازمة الثغر ، وقيل المواظبة على الأمر وملازمته، ولذلك فهي أمر لا يختص بالمرابطة على ثغور الأعداء، أي المرابطة العسكرية، وانما كل مواظبة على أمر وملازمته يسمى مرابطة، فالفرد الذي يكون ملازما للتشيع، يمكن أن يطلق عليه مرابط على ثغور التشيع والفرد الذي يكون مواظباً على طلب العلم يسمى مرابطاً على ثغور العلم، وهكذا فهنالك مرابطة معرفية، وعقائدية وعسكرية ومنها المرابطة على الأئمة علیهم السلام أي المواظبة والملازمة لهم باتباعهم ونصرتهم والإعداد لمشروعهم.
فقد ورد في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، وقال الإمام الصادق علیه السلام: (اصبروا على المصائب، وصابروا على الفرائض، ورابطوا على الأئمة) (1).
1) تفسير الميزان ج 4 ص 133.
وروي عن الباقر علیه السلام: (ورابطوا إمامكم المنتظر).
وروي أيضاً : ( ورابطوا على من تقتدون به) (1).
كيف نكون من المرابطين على ثغور امام الزمان:
إن هذا في الواقع أمر مهم في عصر الغيبة الكبرى، فإن المنتظرين لصاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف لابد أن يكونوا مرابطين على ثغور المهدي، وملازمين لجميع مفاصل حركته وجوانبها وذلك يكون من خلال أمور عدة:
الأمر الأول: ينبغي على المؤمنين المنتظرين أن يرابط كل منهم حسب موقعه على ثغور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، فالعالم يرابط بعلمه ليستنقذ المستضعفين من الشيعة في عصر الغيبة الكبرى، وقد روي هذا المعنى عن أبي عبدالله علیه السلام قال: (عُلماءُ شِيعَتِنا مُرابطون في الثَغْر الذي يلي إبليس وعفاريتَهُ يَمنعوهُم عن الخُروج على ضُعفاء شِيعتنا وعن أن يتسلَّطَ عليهم إبليسُ وشيعته النواصب، ألا فمَن انتصبَ لذلكَ مِن شيعتنا كانَ أفضلَ مِمَّن جاهدَ الرُوم والتُرْكَ والخَزَر ألْفَ
1) البرهان ج 1 ص 334 .
ألْفَ مَرَّة؛ لأنْه يدفعُ عن أديانِ مُحبّينا، وذلك يدفع عن أبدانهم) (1).
فإن هذه الرواية وغيرها تدلنا على أن الأئمة كانوا يتوقعون أن إبليس وعفاريته سوف يركزون جهودهم لإبعاد الناس عن عقيدتهم لذلك ركزوا على انقاذ ضعفاء الشيعة، وهذا يدل على علمهم بالهجمة التي ستحل بالمذهب وأنه لابد أن تكون هناك مرابطة لإنقاذ ضعفاء الشيعة، لذلك على العالم والمتعلم أن يكون مرابطاً على ثغور الشيعة وحارسا لها.
والمسؤول الحكومي أيضاً في أي موقع من مواقع الدولة عليه أن يكون مرابطاً على ثغور المهدي من ذلك الموقع، وذلك من خلال القيام بخدمة المستضعفين من الشيعة وقضاء حوائجهم والعمل الجاد على محاربة الفساد الذي يحصل من قبل البعض من المسؤولين، فان هذا من أهم أنواع المرابطة، والإعداد لدولة العدل الإلهي، وهكذا أصحاب رؤوس الأموال لابد أن يكونوا مرابطين من موقعهم على ثغور دولة العدل
1) التفسير المنسوب الى الامام العسكري ج 1 ص 343 .
الإلهي، وذلك من خلال إنقاذ الفقراء والمساكين من شيعة أهل البيت علیهم السلام المنتظرين لإمام زمانهم ودعم كل مشروع يسهم في نصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف بجميع أصناف الدعم، فإن هذا من أعظم درجات المرابطة أيضاً.
وهكذا الأمثلة كثيرة فيمكن لكل فرد في المجتمع أن يكون مرابطاً على ثغور الإمام صاحب العصر والزمان من موقعه في المجتمع وبهذا يتأسس مجتمعاً مهدوياً مرابطاً على ثغور دولة العدل الإلهي بجميع محاورها.
الأمر الثاني: ينبغي لا يتراجع أي أحد من المنتظرين، ولا ينهزم مهما كثرت الابتلاءات واشتدت الفتن، والمصاعب، بل لابد من إتباع الإمام عجل الله فرجه الشريف، والالتزام بأوامره، والاقتداء بسيرته كما يتلزم الجندي بأوامر قيادته العليا، والمواصلة والمواظبة على التكاليف الملقاة علينا في عصر الغيبة الكبرى.
الأمر الثالث: أن يكون المرابط هو العارف بإمام زمانه وببرنامج عمله، فلا يمكن للمنتظر أن يكون مرابطاً على ثغور دولة العدل الإلهي بدون معرفة برنامج هذه الدولة، بتفاصيلها
وهذا يحتم على المنتظرين الاطلاع المسبق على مشروع الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف في آخر الزمان وهو موجود في روايات اهل البيت علیهم السلام، ويمكن لكل فرد أن يتعلم علموهم ويستفيد من تجارب العلماء والباحثين ليطلع على البرنامج المهدوي بصورة صحيحة.
الأمر الرابع: أن يكون المنتظر المرابط يقضاً ومنتبهاً جداً وواعياً وان لا يكون غافلا عما يجري في الواقع، من مخططات الأعداء للمشروع المهدوي حتى لا ينجر خلفها، وخلف الحركات الضالة، ومشاريع أعوان الشيطان.
أهمية الاستعدادات والجهوزية العسكرية
لا يخفى على أحد أن دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف دولة متكاملة من جميع النواحي سواء من الناحية العلمية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الإدارية وكذلك العسكرية، وأن كل دولة تحتاج إلى جيش منظم يمكن أن يتعامل مع الازمات الكبرى بتكتيك عالٍ.
كما هو معلوم أن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف سيخوض بعد الظهور حروباً مع أعداء الإسلام والمشروع الالهي، وهذا يحتم على المنتظرين الالتفات إلى مسألة الإعداد العسكري وهو على مراحل عدة:
أ: الشجاعة والاهتمام بالقوة البدنية :
من الأسس المهمة في جانب الجهوزية العسكرية هو الاهتمام بالجانب البدني حيث ينبغي على المنتظرين الاهتمام بالبدن من جميع النواحي سواء من ناحية الطعام والشراب أو الرياضة وترك كل ما يضر بالبدن والتدريب على التحمل والجوع والعطش بحيث يكون للفرد القدرة على المرابطة على
الثغور، والاستعداد للتصدي لأي حدث أو أمر حاسم في الجانب العسكري، فقد وردت جملة من الروايات الشريفة التي تشير إلى القوة البدنية لأنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
روي عن الإمام الصادق علیه السلام في هذا الصدد أنه قال في وصفهم قال: (ما كان قول لوط علیه السلام لقومه لو أن لي بكم قوة او آوي إلى ركن شديد الا تمنياً لقوة القائم علیه السلام ولا ركن الا شدة أصحابه فان الرجل منهم يعطى قوة أربعين رجلاً وأن قلبه لأشد من زبر الحديد لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل) (1).
وجاء في حديث آخر: (ليوث بالنهار رهبان في الليل كان قلوبهم كزبر الحديد).
وعن الإمام الصادق علیه السلام: (لو أنهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق لأفنوهم في ساعة واحدة لا يعمل فيهم الحديد لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد لو ضرب أحدهم
1) اثبات الهداة ج 5 ص 111 .
بسيفه جبلا لقده حتى يفصله ويغزو بهم الإمام علیه السلام الهند والديلم والكرد والروم وبربر وفارس) (1).
ب: الاهتمام بالسلاح وتطور الترسانة العسكرية:
إن هناك مسألة طرحت في خصوص سلاح الإمام المهدي ودولته، وسلاح جيشه وأنصاره فهل أن دولة الإمام المهدي ستواكب العصر الحديث أم أنه سيرجع الأمة، والعالم إلى السيف والفرس وغيرهما، وعندما نرجع إلى الروايات الشريفة سنجد أن هنالك قرائن عدة يمكن من خلالها نحكم بأن دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ستكون مواكبة للعصر الحديث والتطور على جميع المستويات بل أن دولة الإمام عجل الله فرجه الشريف سيكون التطور فيها بأعلى مستوياته وأرقى بكثير مما هو موجود في الواقع ومن هذه القرائن التي تؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات الشريفة وهي على انحاء عدة:
أ: الروايات الدالة على تطور درجات العلم في عصر دولة العدل الإلهي فقد روي عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال: (العلم
1) مختصر بصائر الدرجات ج ص 48 .
سبعة وعشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا اخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس وضم اليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) (1).
والذي يستفاد من هذه الرواية الشريفة أن التطور العلمي الذي سيصل اليه البشر في عصر الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف يصل إلى أكثر من اثني عشر ضعفاً من الكمال والسعة وعنه علیه السلام:(أن يؤدي الأول منا إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح)(2).
في هذه الرواية ذكر سر تطور وتكامل البشرية حيث أنه علیه السلام يمتلك الوسائل الإلهية التي يهدي بها الناس وهي الكتب والعلم والقدرة والأسلحة التي تزيل المفسدين وروي عن أبي عبد الله علیه السلام وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله علیه السلام: (إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود وإن محمدا صلی الله علیه وآله وسلم ورث سليمان، وإنا ورثنا محمدا صلی الله علیه وآله وسلم وإن عندنا صحف إبراهيم
وألواح موسى، فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم فقال: يا أبا محمد ليس هذا هو العلم، أنما العلم ما يحدث بالليل، والنهار يوما بيوم وساعة بساعة)(1).
ب: الروايات الشريفة الدالة على أن السلاح الذي سيكون بين يدي جيش الإمام عجل الله فرجه الشريف هو غير الذي كان في عهد الأئمة علیهم السلام فقد روي عن أبي عبد الله علیه السلام:( لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقده حتى يفصله، يغزوا بهم الهند الديلم والكرد والروم وبربر وفارس وبين جابرسا إلى جابلقا وهما مدينتان واحدة بالمشرق و واحدة بالمغرب) (2).
فهذه الرواية تشير إلى تطور الأسلحة في عصر الإمام عجل الله فرجه بحيث أن السلاح الذي بأيدي اصحابه يختلف عن السيف الذي عليه في صدر الإسلام من الناحية المعدنية والامكانات التي فيه.
وغيرها من النصوص التي تشير إلى الآليات العسكرية التي يمتلكها جيش الإمام عجل الله فرجه الشريف فهناك سبع قباب من نور ينزل بها إلى ظهر الكوفة (1)، وأنه سيركب السحاب، وهناك خيول مسرجة ملجمة ولها أجنحة (2).
ومضافاً إلى ذلك كله، فإن الإمام عجل الله فرجه الشريف لا يريد أن يرجع الناس إلى حالة متخلفة عن عصره، بل الذي تشير اليه الروايات على عكس ذلك تماماً فهي صريحة فيما يحصل من التطور الهائل في دولة العدل الإلهي على جميع الأصعدة، فقد ورد أن شيعته لا يكون بينهم وبينه بريد وينظرون اليه ويسمعون كلامه وهو في مكانه (3)، وغيرها من سبل التطور.
من هنا ينبغي على المنتظرين أن يهتموا كثيراً في جانب الإعداد العسكري، وذلك من خلال تطور قدراتهم العسكرية ومعلوماتهم حول الأسلحة المستخدمة في العالم، والاهتمام
بمسألة العلم والتعلم، وكسب الخبرات في الجانب القتالي والعسكري فهذا كله من ضمن الإعداد روي عن أبي بصير قال الإمام الصادق علیه السلام:(ليعدن أحدكم لخروج القائم ولو سهما) (1).
وهذا يعني أن المنتظر عليه أن يسعى لاكتساب الخبرات القتالية وامتلاك القدرة الكافية على حمل السلاح وطرق التعامل معه، فمن كان له القدرة على القتال كان مؤهلاً لأن يكون من جنوده وأنصاره، واما من لا دراية له بذلك لن يكون لحضوره دور فعال في ميادين القتال.
ج: الاهتمام بالزي واللباس والمظهر الخارجي.
إن الاهتمام بالمظهر للفرد أمر مهم في حركة الإنتظار المهدوي ولابد أن يعتني الفرد المنتظر بزيه، وبشكله وبمظهره ولباسه بما يتوافق مع انتظاره لصاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف، فمن يدعي انتظاره لصاحب الأمر عجل الله فرجه عليه أن لا يلبس لباس التشبه بالنساء والغرب، ووصلت
1) الغيبة للنعماني 320 .
المرحلة عند بعض الشباب بأن يلبس لباس النساء، ويضع المساحيق ومواد التجميل، ويتمظهر بمظاهر النساء والغرب وهذا في الحقيقة مخالف تماماً لمنهج أهل البيت علیهم السلام ولما عليه أنصار صاحب الزمان من الصفات الحميدة، فقد روي في بعض الروايات الشريفة ما يدل على أهمية الاهتمام بعملية التنظيم العسكري حتى في مسألة اللباس والزي.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَالزِّيُّ وَأحد، وَالْقَدُّ واحد، وَ الْحُسْنُ وَأحد ، َو الْجَمَالُ واحد، وَاللَّبَاسُ وَأحد، كَأنما يَطْلُبُونَ شَيْئاً ضَاعَ مِنْهُمْ، فَهُمْ مُتَحَيّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ تَحْتِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ فِي آخِرِهَا رَجُلٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم خُلْقاً وَ حَسْناً وَ جَمَالاً) (1).
1) التشريف بالمنن في التعريف بالفتنج 1 ص 288 .
سلسلة إعرف إمامك
تأليف
سماخة السيد صدر الدين القبانچي
تقدير و تحقيق
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الثانية
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدى علیه السلام
النجف الأشرف - شارع السور _ قرب جبل الحويش
الهاتف 218318 و 372011 _ النقال: 07804754535
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
القائد المنتظَر
السيد صدر الدين القبانچي
تقديم وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الثانية: 1429هـع
رقم الإصدار: 91
العدد: 3000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للمركز
التمهيد للدولة الإسلاميّة الكبرى:
التقدّم خطوات من أجل تحقيق الإنقاذ العام للبشرية.
التمهيد لسحق آخر كتيبة من كتائب الظلم، وفتح أبعد حصن من حصونه .
التمهيد لتحقيق شرائط الوعد الإلهي القاطع.
(وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَتَهُ الأَرْضِ... )(1).
إنّ البشرية التي مارست مختلف الأطروحات وحرصت على التشكيك بكل وسيلة، من أجل الحياة المطمئنة السعيدة.
1) النور: 55 .
ثمّ خابت كل آمالها، ويئست من كل الحلول، وتكشف لها الضلال، والخداع، والزيف حيثما ولّت وجهها، ولمست العفونة والتعسّف حيثما وضعت يدها.
إنّ هذه البشرية التي حرفتها أيادي الغاشمين، المستبدين عن رسالة السماء، ستعود إلى رسالة السماء.
ريثما تنكشف الخدعة، وريثما يتجهز الحق للهجوم الأخير الظافر.
فتملأ الأرض بالقسط، وتسود العدالة.
ماذا علينا الآن؟
ما علينا إلّا أن نواصل العمل. أن نكسب انتصارات، أن نحقّق أهدافاً. أن نفتح حصوناً.
أن نكتشف الخدع والمؤامرات.
أن نفضح الغاشمين، فراعنة الأرض في كل مكان.
أن نفتح عيون البشرية على الطريق.
أن نمسك الزمام ثمّ نتقدّم.
إنّك حين تكسب واحداً للحق، تكون قد مهّدت لدولة الحق، وحينما تفضح زيف الباطل تكون قد عرقلت مسيرته.
إنّ ساعة النصر قريبة لكنها مرهونة بمقدار ما نحققه من انتصارات جزئية، تمزّق كبد الظلم والطاغوت، وتدعم جبهة الحق، وشعوب الحق.
إنّ مسؤوليتنا هي:
أن نقطع مسافة أكبر من الطريق الذي بدأه الأنبياء والمرسلون والأوصياء، والذي سلكه كل المناضلين من أجل الحق.
إنّ هذا الطريق الذي وصل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم إلى آخر حلقة من حلقاته.
ودخل آخر منعطف من منعطفاته. إنّ علينا أن لا نقف فيه وإنّما نمضي.
لقد أصبحنا وأصبحت البشرية على شرف النصر الساحق.
وإنّ مسافة ليست طويلة هي التي بقي علينا أن نقطعها.
وحينما نكون أمام النتيجة نجد راية القائد المنتظر في أوساطنا، ومن داخل جبهتنا.
البشرية بانتظار قيادتنا.
لقد جزعت من كل الحلول والقرارات، والبروتوكولات.
أصبحت تضج بما حولها.
هائمة في مجاهل الظلام.
والمصباح بأيدينا، يجب أن نوصله.
لتهفو البشرية إلينا بكل شغف.
وتهوي إلى وحي السماء أفئدة أهل الأرض المعذّبين.
تلك هي مسؤوليتنا.
وعن ذلك نحن محاسبون .
لقد جعلنا الله والقرآن أمّة وسطاً، وشهداء على الناس، والرسول علينا شهيداً.
ورسالة السماء بيدنا أمانة، نحن استلمناها، وتعهّدنا أن لا نبيعها رخيصة.
ساحتنا ؟
كيف نفرّط بهذه الأمانة؟
أم كيف ننسى قيمومتنا، وشهادتنا على الناس؟
ولو نسينا أليس الرسول علينا شهيداً، فمن يبرّئ عنده ساحتنا؟
لقد وجدت أنّني أملك البرهان الواضح على مسؤوليتنا التي تحدّثت عنها.
هذا البرهان آخذه من الرسالة التوجيهية القيادية التي كتبها القائد المنتظر للشيخ المفيد.
لقد كتب إليه وهو يوجّه الحديث لكل الشيعة في الأرض، حملة راية الإسلام الحرّة الأبيُة:
«اتّقوا الله عزّ وَجلّ
وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم...»(1).
1) الاحتجاج للطبرسي 2: 323 .
أرأيتم ماذا يطلب؟
العمل الدائب، إعانته في تحقيق أهدافه الكبرى، مظاهرته في عملية إنقاذ العالم وإنقاذنا.
اتخاذ كافة التدابير الموصلة لذلك، والتي تضمن نجاح ثورته المظفّرة.
«ظاهرونا على انتياشكم.....».
لا تتركوا الساحة لغيركم.
لا تقفوا وسط الطريق.
لا تطرحوا من أيديكم سلاح الحق.
إنّنا عند ندائكم، وفي انتظار لحظة الحسم، فأعينونا، وظاهرونا، ومهّدوا الأرض.
امسحوا العراقيل، اردموا الثغرات، افتحوا عيون الناس عليكم.
وستجدون أنّني هنا.
هكذا يقصد القائد المنتظر.
ولقد أصبح واضحاً - وأنّه لواضح من قبل - كما تحدّث الإمام الصادق علیه السلام:
لقد سأله الراوي عن مسؤولية زمن الغيبة، حيث الفتن، والضلال وتيارات الانحراف .
قال: فكيف نصنع؟
وهنا نظر الإمام إلى شمس داخلة في الصفّة، فقال: «يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟».
قلت: نعم.
قال:«والله لأمرنا أبين من هذه الشمس» (1).
والآن أفضّل العودة معكم إلى طبيعة مهمّتنا بنحو أكثر تفصيلاً.
فلقد قلت: إنّ مهمتنا يمكن أن نختصرها كالتالي:
(التمهيد للدولة الإسلاميّة الكبرى).
وأعتقد أن ذلك بحاجة إلى تفصيل أكثر.
فما هي حدود هذا التمهيد؟ وما هي كيفيته؟
وإجابة على هذا السؤال سأتحدث عن العمل المطلوب منّا في إطارين:
الأوّل: العمل على صعيد الذات.
الثاني: العمل على صعيد الخارج.
أوّلاً
العمل على صعيد الذات
كيف تعمل على مستوى ذواتنا؟
أقصد.. بأيّ نفسية يجب أن نواجه مشكلتنا؟
1) الكافي 1: 336/ ح 3.
وعلى أيّ محتوى، وعلى أيّ استعدادات يجب أن نطوي صدورنا؟
إنّنا نواجه مشكلة عنيفة، وفي غاية العنف.
إنّنا نعيش صراعاً مريراً قاسياً غاية القسوة.
حكم الطاغوت والفراعنة يستبد، ويتجبر، ويُبيد.
والباطل يعمّ وينتشر ويقارع الحق بأخبث كيد، وأعقد وسيلة .
الباطل يتسرّب باتجاهاته، وتياراته إلى صفوف الحق.
وكثيرون راحوا ضحية هذه الاتجاهات المدسوسة.
الانحراف عن الحق لم يعد أمراً غريباً.
أصبحت ترى مظاهر الانحراف في كل مكان وفي كل جادّة، وفي كل بيت!
والانحراف هو الذي يملك الحكم، وأجهزة السلطة.
يملك الجند، والشرطة، وأجهزة الأمن.
يملك المادّة، والسلاح، والرجال.
يملك وسائل الإعلام، وسبل الدعاية.
حقارته تزداد يوماً بعد يوم.
يقتل، يشرّد، يعذب، يحبس.
يخادع، ينافق، يمكر، يغوي.
وغرق كثير من الناس في البحر، وطمّهم الموج.
ابتعدوا عن النور.
ركضوا وراء كل صيحة.
نعقوا وراء الناعقين.
لا ثبات لهم على الأرض.
ولا قرار لهم على رأي، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
والخطر يداهم كل واحد منا.
لم تبقَ بيننا وبين الانحراف حدود، ولا سدود.
تداخلت الجبهات، فالباطل يعيش في ديار الحق.
هذه هي مشكلتنا.
ومعها.. فإنّا نريد النصر لجبهتنا، نريد أن لا تنحرف، ولا ننصهر، ولا نيأس.
نريد أن نتقدّم كل يوم، نخنق أنفاس الباطل، نضيق عليه الأرض.
غزو متبادل، ومعركة في غاية التعقيد والضراوة.
فصائل من قوى الانحراف انضمت إلى جبهة الحق.
وفصائل من قوى الحق أسرها الانحراف، فاستسلمت.
كيف نعمل على مستوى ذواتنا إذن؟ من أجل حمايتها.
ومن يدّلنا على طبيعة هذا العمل؟
مدرسة أهل البيت علیهم السلام هي التي تحدّد لنا طبيعة العمل.
إنّ علينا أن نلتزم بثلاث:
الثبات:
حينما نعرف أنّنا على حق فما علينا إلّا أن نثبت.
وحينما نعرف أنّ خصومنا على ضلال فما علينا إلّا أن لا نتنازل لهم.
(«يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... ) (1).
هل تعرفون ثبات أبي ذر، وميثم التمّار وحجر بن عدي؟
لقد ثبت أبو ذر.
كيف ثبت؟
لقد أربك الانحراف حتّى اضطرّوا إلى نفيه للربذة، الخالية من الناس والخالية من القوت، ولكن شيئاً من ذلك لم يمنعه عن الإصراح بالحق، والصراخ في وجوه الظالمين.
ولقد قال له علي علیه السلام ساعة توديعه وهو راحل إلى الربذة:
«يا أبا ذر إنّك غضبت الله، فارجٌ من غضبت له.
إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك»(2).
ولقد ثبت ميثم التمّار، ولم يعبأ أن تقطع يداه ورجلاه، ثمّ يقطع لسانه.
فهو مشدود إلى جذع نخلة، لم ينقطع عنه نزيف الدم، كان يفضح الباطل، ويشهّر بحكم الطواغيت، ويعرّف الناس بالحق.
ويلقّنهم درساً في الثبات والنضال، حتّى اضطرّ خصومه لأن يقطعوا لسانه فيكفّ عن الكلام.
وأنت تعرف حجر بن عدي، بطل من أبطال جبهة علي علیه السلام.
هؤلاء كيف ثبتوا ؟
لقد وثقوا أنّ الحق معهم، والحق لا يعدله شيء، والهزيمة عن الحق ارتماء في أحضان الضلال، وجرم ليس مثله جرم.
(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )(1).
ولقد شرح لنا الحسين علیه السلام قيمة الثبات، وهو في معرض الحديث عن القائد المنتظر، فقال:
«له غيبة يرتدّ فيها أقوام، ويثبت على الدين آخرون، ويقال لهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )(2)؟ أما أنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله» (3).
وفي حديث عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال:
«إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط
للقتاد...»، ثمّ قال: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسّك بدينه» (1).
والثبات يتطلّب منّا جهداً.
فعلينا أن نعرف مواقع العدو، وخدع العدو.
وعلينا أن نحصّن أنفسنا بالسلاح الكافي للحماية، والكافي للهجوم في ذات الوقت.
علينا أن نعرف كاملاً عقيدتنا، لنملك حينذاك تمام الثقة بها، والقدرة على الدفاع عنها، فإن العقل الفارغ مغارة إبليس كما ورد في الحديث الشريف.
علينا أن نكتشف باستمرار زيف التشكيلات التي يقدّمها أعداؤنا .
ثمّ علينا أن نعرف أنّ القضية قضية نفس لا بدَّ أن نعودها الصبر، والعزّ، والإقدام والتضحية، والشجاعة.
يجب أن نصبح على مستوى قضيتنا، فكل شيء إزاءها رخيص وكل شيء من أجلها يهون.
ولنتمثل جيداً منطق المقداد حين استشار رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه للحرب، فقام إليه وقال:
1) الكافي 1 :335/ ح 1؛ كمال الدين: 343 ح 25.
يا رسول الله: امض لما أراك الله فنحن معك.
والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى:(اذْهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنا هاهُنا قاعِدُونَ ) (1). ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتَلون (2).
يحدّثنا عمّار الساباطي، أحد أصحاب الإمام الصادق علیه السلام:
قلت لأبي عبد الله علیه السلام: أيّما أفضل العبادة في السر مع الإمام منكم المتستّر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحق و دولته مع الإمام منكم الظاهر ؟
فقال :
«يا عمّار: الصدقة في السرّ أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك والله عبادتكم في السرّ مع إمامكم المتستّر في دولة الباطل وحالة الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزّ ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق».
وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحق.
ولقد عجب عمار وهو يسمع هذا الجواب من الإمام، ولم يكتم استغرابه، فقال:
قد والله رغّبتني في العمل، وحثثتني عليه.
ولكن اُحب أن أعرف كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالاً من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحق، ونحن على دين واحد.
فقال:
«إنّكَم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عزّ وَجلّ، وإلى الصلاة والصوم والحج، وإلى كل خير وفقه، وإلى عبادة الله عزّ ذكره سرّاً من عدوكم، منتظرين لدولة الحق، خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك والظلمة.. مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف الله عزّوَجلّ الأعمال، فهنيئاً لكم»(1).
وهكذا يصبح الثبات عظيماً، حين نعيش تحت سيطرة الظلم، دون أن نصافحه، أو نلين له.
إذا كنّا نريد أن نخدم الحق، ونقدّم له، فإن الثبات أوّلاً شرط ذلك. وإذا كنّا قد خسرنا من جبهة الحق عدداً من الناس، فلماذا نخسر أنفسنا، ونضيّع على الحق حتّى طاقتنا نحن؟!.
ومهما يكبر حجم الضلال، ويزداد عدد الزالقين في واديه، فإنّه لا يجوز لنا أن نترك الساحة خالية من أحد، ونولّي للمعركة دبرنا، إنّا إذن لظالمون.
1) الكافي 1: 333/ ح 2.
(ومَن يُوَلِهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ... )(1).
والمعسكر يتكوّن من آحاد.
أوَلسنا نشكّل أولئك الآحاد لنكوّن معسكراً؟
لقد تحدّث الإمام الصادق علیه السلام عن ضرورة الثبات في عصر الغيبة قائلاً: «كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله عليكم نجمكم» (2).
لا ننحرف إلى يمين أو شمال.
لا تجذبنا عن مواقع الحق إغراءات الباطل.
ولا تقلعنا من أرض الصدق رعدات الفراعنة واليزيديين.
أم نريد أن نكون مثل قوم موسى؟
حين غاب عنهم نبيّهم أربعين ليلة فاتخذوا العجل إلهاً.
(قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (3).
لقد ذهبوا مثلاً في التأريخ.
مثلاً للسقوط في الفتنة، والفشل عند الامتحان.
لقد كانت لهم فتنة، أن غاب عنهم نبيّهم، وأغواهم السامري.
وإنّا لفى فتنة يضل فيها من يضل، ويثبت فيها الثابتون.
لقد روي عن إبراهيم بن هليل أنّه قال لأبي الحسن علیه السلام:
جعلت فداك مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟
فقال:
«يا أبا إسحاق، أنت تعجل!».
فقلت: أي والله، وما لي لا أعجل، وقد بلغت من السن ما قد ترى؟
فقال:
«يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا وتمحّصوا وحتّى لا يبقى فيكم إلّا الأقل ...»(1).
1) الغيبة للنعماني: 208\ ح 14 .
في القرآن والسنة والعلم
تأليف
السيد صل الدين القبانچي
إعداد وتحقيق
السيد محمد الطالقاني
الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
في القرآن والسُّنَّة والعلم
تأليف
سماحة السيّد صدر الدين القبانچي
إعداد وتحقيق
السيّد محمّد الطالقاني
الناشر
مكتب إمام جمعة النجف الأشرف
الطبعة الأولى: 1436هـ / 2015م
العدد: 3000 نسخة
جميع الحقوق محفوظة للناشر
واجباتنا في زمن الغيبة
الثامن: الإعداد والاستعداد :
لا بدَّ من الإعداد والاستعداد لظهوره علیه السلام ونصرته، لكن ما هو المقصود بالإعداد والاستعداد؟
كان هناك أناس يضعون مبلغاً ماليَّاً بعنوان الخمس لصاحب الزمان علیه السلام، وربَّما يدَّخر بعضهم سيفاً أو سهما لنصرة صاحب الزمان عجل الله تعالي فرجه ، ولكن هذا العمل ليس صحيحاً، ونحن حين نقول: لا بدَّ من الاستعداد والإعداد ليس يعني ذلك أن ندفن له أموالاً ونعدّ له سلاحاً، وإنَّما نحن نعمل لتهيئة المجتمع والأمَّة لظهوره، «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيى أمرنا»(1)، هذا هو الاستعداد المطلوب، نأمر بالمعروف ونُؤسِّس مشاريع خيرية، وننشر الدين، هذا هو الفهم الصحيح للاستعداد.
لقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام أنَّه يقول: «ليعدنَّ أحدكم لخروج القائم علیه السلام ولو سهماً، فإنَّ الله إذا علم ذلك من نيَّته رجوت أن يُنسأ في عمره حتَّى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره »(2).
ولكن الفهم الصحيح لهذه الرواية هو الدعوة للاستعداد بما يناسب العصر، وهو من قبيل قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60)، فليس المطلوب في زماننا أن نعدّ الخيول مثلاً، بل هو نموذج لأدوات الحرب والقتال.
أمَّا الفهم الحرفي للرواية فهو غير صحيح، بمعنى أن ندَّخر سيفاً أو رمحاً أو سهماً، وإنَّما الصحيح هو الاستعداد الواقعي بما يتناسب مع الزمان، وكلّ واحد حسب قدرته، مثل تأسيس مجلس حسيني، وجلسة قرآنية، وتأليف كتاب، ونشر علوم أهل البيت علیهم السلام، وإصدار مجلَّة ثقافية، وموقعاً تربوياً على الانترنيت وتواصلاً صالحاً على الفيسبوك، وتأسيس فضائية لنصرة الحق، هذا جيّد، وهذا هو الاستعداد المطلوب.
إذن الاستعداد المناسب مع العصر، وليس الدِّخار الأموال والسلاح وما شاكل.
السؤال السابع والعشرون: هل أنَّ زيارة الأربعين المليونية للإمام الحسين علیه السلام هي مظهر من مظاهر التمهيد لظهور الإمام المهدي علیه السلام ؟
الجواب: زيارة الإمام الحسين علیه السلام مثل باقي الطاعات التي تنشر الدين تمهيداً لظهور الإمام المهدي علیه السلام، وهي تعبير عن إرادة شعب يوالي الإمام المهدي علیه السلام، وإرادة الشعوب هي أحد الشروط الإلهية في التغيير والإصلاح.
المصلح العالمي المنتظر
شيخ محمّد جواد الطبسي
طبسی، محمد جواد 1331 -
الإمام لمهدي المصلح العالمي المنتظر / تأليف محمّد جواد الطبسي؛ نقله إلى العربية عبد السلام الترابي -- قم : دار الهدى : 1384 .
216 ص
ISBN:964-497-086-1
فهرستنویسی بر اساس اطلاعات فیپا .
غربی +
کتابنامه: ص. [203] - 207؛ همچنین به صورت زیر نویس ،
1- مهدویت، 2. محمد بن الحسن (عجل الله تعالي فرجه )، امام دوازدهم 255 ق . - - احادیث الف. ترابی، عبد السلام، مترجم، ب. عنوان.
8الف 185ط \4 \BP224
297/462
1384
20027-84م
کتابخانه ملی ایران
20037-84م
الأمام المهدي
المصلح العالمي المنتظر
المؤلف: الشيخ محمد جواد الطبسي
الناشر: دار الهدى
الطبعة وسنة الطبع: الأولى / 1426 هـ. ق . 1384 هـ ش .
الكمية: 2000 نسخة
المطبعة: الظهور
القطع وعدد الصفحات: وزیری / 216 ص
ردمك: 1-086-497-964
ISNB: 964-497-086-1
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ©
حلقة الاتصال مع المؤلف:
J_TABASI2000@YAHOO.COM
مراكز التوزيع :
1 - منشورات فدك قم / صفائية / پاساژ المهدي / الطابق الأرضي / رقم 116/ هاتف: 7833624
2- منشورات ذوي القربى: قم/ پاساژ قدس / هاتف: 7744663
3- مكتبة الأمين : قم / گذر خان / جنب مسجد الإمام الرضا / 7742599
4- مكتبة الهاشمي : قم / گذر خان/ هاتف: 7743543
5 - بوستان کتاب قم: شارع الشهداء / هاتف: 7742155
السؤال الثالث والعشرون:
من هم أهل المشرق ؟ وما هو دورهم في زمن غيبة المهدي وحضوره ؟
الجواب : لقد صدرت روايات كثيرة عن النبي وأهل البيت في أهل المشرق، وما يقدّمون من خدمات عظيمة إلى الإسلام والمسلمين في غيبة المهدي علیه السلام وأيّام حضوره ، حتّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم بأنّهم يوطّئون للمهدي سلطانه ، وقال الباقر علیه السلام حينما ذكر أهل المشرق وخروجهم لطلب الحقّ: «أما إنّي لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر».
وقبل الحديث عن جهادهم المقدّس ، علينا أوّلاً أن نعرف من هم أهل المشرق ، وفي أي بلاد يسكنون ، وما تقول الروايات والأحاديث الإسلاميّة عنهم ، فنقول : لا شكّ أنّ أهل المشرق الذي تخرج الرايات السود من بينهم ، والذين يؤدوّن الطاعة للمهدي هم أهل خراسان لما ورد عن الباقر علیه السلام، قال : « تنزل الرايات السود
التي تخرج من خراسان إلى الكوفة ، فإذا ظهر المهدي علیه السلام بعث إليه البيعة» (1).
وبما أنّ خراسان قديماً وحديثاً، وخصوصاً في وقت صدور الروايات كانت تعدّ من بلاد فارس، فلا ريب أنّ المقصود من أهل المشرق هم الإيرانيّون ، وهكذا بملاحظة ما ورد في قم وأهل قم، والطالقان وكنوزها ، نستنتج أنّ الفرس لهم دور عظيم في حركة الإمام المهدي علیه السلام، بل لهم دور عظيم في أيّام غيبته ، فكان النبيّ والأئمّة الطاهرين يفتخرون بهم ، وبتعاطفهم مع العترة علیهم السلام، رغم كراهة بعض المنافقين ، كالأشعت بن قيس وغيره، من حضور هؤلاء بجانب الإمام أمير المؤمنين ، وتعظيم الإمام لهم ، وأمّا دورهم فكما يلي:
1 - الدفاع عن الإسلام والقرآن
1) بحار الأنوار: 217/52 .
2 - التمهيد لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
ومن أهمّ نشاطاتهم في عصر الغيبة هو الجهاد والقتال ضدّ أعداء الإسلام وفتح حصونهم وستبدأ هذه الحرب والجهاد من قم المقدّسة، وتنتهي بثورة أهل خراسان براياتهم السود ، وحربهم الدامية ضدّ السفياني ، وخروجهم إلى الكوفة ، وببيعتهم للمهدي المنتظر علیه السلام.
وقد أسفر الإمام الصادق عن هذه الحقيقة بقوله : « سيأتي زمان تكون قم وأهلها
حجّة على الخلائق ، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره» (1).
1) بحار الأنوار: 213/60.
وعلى أساس هذه الروايات ، فإنّ هذه النهضة العلميّة ، والجهاد الثقافي الكبير سيكون عند الغيبة، ويستمرّ ذلك إلى ظهور القائم المهدي علیه السلام، فإنّ صوت الإسلام الأصيل الذي يكون حجر بناء الدولة الكريمة للمهدي ، سينطلق من قم ، ويقرع أسماع العالم حتّى ينتشر الإسلام في كلّ أنحاء العالم، ولا نشكّ في يومنا هذا أنّ هذا الجهاد بدأ من المطالبة بالحقّ ، ثمّ حمل السيوف على العواتق ، وتأسيس الدولة الكريمة بقيادة الإمام الخميني قدس سره تمهيداً لدولة الإمام المهدي علیه السلام.
قال الإمام موسى بن جعفر علیه السلام: «رجل من قم يدعو النّاس إلى الحقّ ، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد ، لا تزلّهم الرياح العواصف ، لا يملّون من الحرب ، ولا يجبنون ، وعلى الله يتوكّلون ، والعاقبة للمتّقين» (1).
وأخبر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم عن هذه الدولة الممهّدة كما عن الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن عبدالله بن مسعود، قال: «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه ، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به... حتّى مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين ، فلمّا رآهم إلتزمهم وانهملت عيناه ....
فقلنا يا رسول الله ، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه ! فقال : إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وأنّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد.. حتّى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحقّ فلا يعطونه ، ثمّ يسألونه فلا يعطونه ، ثمّ يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون.. فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج ، فإنّها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ إسمه اسمي ، واسم أبيه إسم أبي ،
1) بحار الأنوار: 216/60 .
فيملك الأرض فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً »(1).
ولا شكّ أنّ هذا الجهاد العظيم لا ينتج إلّا في ظلّ دولة كريمة يؤسّسها أهل المشرق ، يقول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم:«يخرج ناس من المشرق ، فيوطّؤن للمهدي سلطانه»(2).
وتنبئنا هذه الروايات أيضاً عن أصحاب هذه الرايات السود من شجاعتهم وقوّتهم وعدم خوفهم وغلبتهم على اليهود، كما جاء النصّ بذلك من أنّه:«تخرج من خراسان رايات سود فلا يردّها شيء حتى تنصب بإيلياء» (3)، والمقصود من إيليا هو بيت المقدس (4).
مُحاضرات حَوْلَ الامام الْمَهْدِيِّ عَجَّلَ اللَّهُ تَعَالِي فَرْجَهُ
سَمَاحَةُ السَّيِّدُ مُنِيرِ الْخَبَّازِ
إعداد وتقديم وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية النظر المهدي عجل الله تعالي فرجه
اسم الكتاب :...آفَاقِ مهدوية
تأليف:...السيد منير الخباز
إعداد وتقديم وتحقيق:... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
رقم الإصدار: ...281
الطبعة: ...الخامسة ( المحققة) 1444هـ
عدد النسخ :...طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 0781678226- 07809744474
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
النقطة الثانية: الآثار الروحيَّة المترتّبة على الغيبة:
الغيبة حصلت للإمام عجل الله تعالي فرجه ، فما هي الآثار الروحيَّة المترتِّبة على
الغيبة؟
هناك ثلاثة آثار مهمَّة:
الأثر الأوَّل: اندفاع الأُمَّة للتهيُّؤ والإعداد:
شعور الأُمَّة بالتقصير يدفع لإعداد الأرضيَّة لخروج الإمام المنتظَر عجل الله تعالي فرجه ، إنَّ الإمام يحتاج إلى قاعدة شعبيَّة عريضة مخلصة مُضحيّة باذلة تعرف معنى الإمامة ومعنى طاعة الإمام، فلو وُجِدَت قاعدة شعبيَّة تملك خصائص التضحية والبذل والإخلاص والفناء والذوبان والانصهار في الإمام لظهر الإمام عجل الله تعالي فرجه ، فلا مانع من ظهوره إلَّا عدم استعداد القاعدة.
إنَّ شعور الناس بغيبة الإمام نتيجةٌ لتقصيرهم في إعداد الأرضيَّة الصالحة يكون سبباً في اندفاعهم لتهيئة هذه الأرضيَّة، وفي إيجاد النخبة المخلصة المضحيّة الباذلة، حتَّى إذا وُجِدَت وتهيَّأت هذه الأرضيَّة ظهر الإمام عجل الله تعالي فرجه .
ورد عن النبيِّ زصلی الله علیه وآله وسلم: «أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ الْفَرَج مِنَ الله صلی الله علیه وآله وسلم»(1)، ما معنى انتظار الفرج؟ هل الحوقلة وهي أنْ تقول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، اللَّهمَّ عجِّل الفرج؟ إنَّ الانتظار بمفهومه الإيجابي لا بمفهومه السلبي، بمعنى إعداد الأرضيَّة، فانتظار الضيف يعني إعداد البيت لاستقباله، كذلك انتظار الإمام بمعنى تهيئة الأرضيَّة الصالحة لظهوره، هذا الأثر الأوَّل من آثار الغيبة.
1) كمال الدِّين (ص 644\ باب 55\ ح 3) .
دراسة وتحليل
مجموعة محاضرات تتناول أبعاداً جديدة في القضية المهدوية
السيد منير الخباز
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه
النجف الأشرف - شارع السور _ قرب جبل الحويش
هاتف: 218318 و 372011، النقال: 07804754535
ص.ب 588
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
الحقيقة المهدوية (دراسة وتحليل)
السيّد منير الخباز
إعداد وتحقيق
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي علیه السلام
الطبعة الأولى: 1431هـ
النجف الأشرف
رقم الإصدار: 119
عدد النسخ: 3000
جميع الحقوق محفوظة للمركز
الظروف الممهدّة للظهور :
وأهمهّا ظرفان:
الظرف الأوّل: فشل الإيديولوجيات:
إنَّ البشرية إذا جربَّت جميع الأنظمة السياسية والأنظمة الاقتصادية، أدركت فشلها وعقمها وأنَّها ما زالت ترزح تحت الجوع والفقر والخوف من دون خلاص وحينئذٍ سيكون الظرف مهيَّأ ومعداً لخروج المنتظر علیه السلام، وتدلُّ عليه روايات، منها رواية أبي صادق كيسان بن كليب، عن أبي جعفر علیه السلام، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وذلك قول الله عزّ وَجلّ ( وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ). [الأعراف: 128]»(1).
الظرف الثاني: الظرف الروحي
إنَّ خروج الإمام يحتاج إلى أرضية تنصره وتستعدّ للدفاع عنه، وهذه الأرضية لم تتحقَّق، فإذا تحقَّقت ووجد أنصاراً كزبر الحديد مستميتين في الدفاع عن دولته، تحقَّق ظرف آخر مؤهّل لخروجه علیه السلام.
وفي رواية عن أبي خالد الكابلي، عن زين العابدين علیه السلام، قال:«... يا أبا خالد إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخلصون حقّاً وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله عزّ وَجلّ سرّاً وجهراً»(2).
وهناك جماعة ونخبة يعدّهم الله تبارك وتعالى لخروجه وهم أقطاب دولته وأركان حكومته علیه السلام، إذن الخروج خاضع للظروف وتهيّؤ الأسباب.
المحور الثالث: دور الأمّة في التمهيد للظهور :
ذكرنا أنَّ خروج الإمام المنتظر منوط ومرهون بظروف معيَّنة، فهل نستطيع نحن أن نساهم في هذه الظروف؟ هل نستطيع نحن أن نعجّل خروج الإمام؟ هل نستطيع أن نقوم بأعمال تساهم في خروجه وتُعجّل قدومه وتوطّى الأرض لظهوره؟ ما هو دورنا في إعداد الظروف المنسجمة مع خروجه علیه السلام.
إنَّ دور البشرية في الإعداد لخروجه وتهيئة الظروف له هو الانتظار الذي ورد عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله عزّ وَجلّ (1)، لكن ما هو الانتظار ؟
1) كمال الدين: 644 / باب 55/ ح 3 .
فقه علامات الظهور - الشيخ السند ...3
القاعدة الثانية: إعداد القوة...5
القاعدة الرابعة عموم المسؤولية على الجميع ...10
القاعدة الخامسة: التقية الذكية (الكتمان الذكي) وترقية تنامي الحس الأمني .....12
الرجعة أعظم علامات الظهور - الشيخ السند ...19
السبعة وعشرون الراجعون يوطّئون (يمهّدون) العراق والحجاز للظهور ...21
توطئة أهل الرجعة العراق للظهور ...23
تمهيد أهل الرجعة البلاد الإسلامية للظهور ...26
تمهيد الراجعين الحجاز للظهور...31
المشروع السياسي للإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه - الشيخ السند...33
دور المؤمنين في التمهيد للظهور المقدّس...35
تحمّل المسؤولية والتدرّج في التمهيد...37
التمهيد الروح أجلّ وأعظم ...40
الفصل الثاني عشر : الوعي والبصيرة في مشروع التمهيد ...43
التعرّف على بنود المشروع...44
الوعي بالمشروع المهدوي ...47
ضرورة المعرفة والترويج للمشروع المهدوي...48
الوعي والبصيرة في مواجهة الحرب الإعلامية ...51
ظهور المهدي المنتظرعجل الله تعالي فرجه وعدالته - السيد علي عاشور ...57
13 - التمهيد للإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه / شبهة ورد ...59
أهمية التمهيد ...65
بعض روايات التمهيد...67
الرايات السود وأهل قم...69
أنواع التمهيد / تمهيد الأفراد / التمهيد عند المؤسّسات...75
التمهيد عند الدُول ...76
الإعداد/ ثواب الإعداد ...78
شمولية الإعداد...79
شروط الإعداد ...80
الشرط الأول: العزم وإخلاص النية / الشرط الثاني الاستمرارية ... 81
الشرط الثالث: اختيار الشخص المناسب ...82
الشرط الرابع: السرية والخفاء في العمل ...83
الشرط الخامس: الإتقان في العمل...84
الشرط السادس: سرعة التخطيط ...85
الشرط السابع: الرقابة/ الشرط الثامن: تدريب البدائل ...86
أقسام الإعداد/ 1 - الإعداد العسكري ...87
التسلح: ثوابه وسريته وأهميته ...88
التدرّب على السلاح ....90
اختراع السلاح/ إعداد الجيوش ...91
الهدف من الإعداد العسكري ...92
رأي الإسلام في العنف / العنف القانوني وغير القانوني ...93
2 - الإعداد الثقافي ...95
ثقافة الكوادر القادة ...96
ثقافة المجتمع ...97
كيفية تثقيف المجتمع ...98
أثر عنصر النساء على الثقافة ...100
الحذر من الثقافة الغربية ...101
3- الإعداد الأمني ...104
4 - الإعداد الأخلاقي والسلوكي / أهمية الاخلاق العامة في المجتمع .....105 الإعداد الأخلاقي النظري / الإعداد الأخلاقي العملي / برنامج ضمان التطبيق ...107
أهمية الأخلاق في بناء دولة الإمام علیه السلام...110
5 - الإعداد الصحي أو البيئي ...111
بحوث في المهدوية - الشيخ محمد جواد اللنكراني ...115
المهدوية ومستقبل العالم في ظل القرآن ...117
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج: (41)/ موضوع البحث ... 117
البحث الدلالي في الآية 41 من سورة الحج التي تدل على مسألة المهدوية ...118
بیان ثلاث نقاط مهمة ... 118
النقطة الأولى: ادّعاء اختصاص الآية بالخلفاء الأربعة من قِبل مفسّري السنة ....119
النقطة الثانية: مناقشة بحث فقهي في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكّام أو عامة الناس ...120
النقطة الثالثة: مناقشة بحثين في دلالة الآية الشريفة في نظر مفسّري الإمامية ...121
بيان ثلاث مسائل في مفردات الآية / الاحتمال الأول: (الَّذِينَ) منصوب محلاً وهو بدل من (مَنْ يَنْصُرُهُ) في الآية السابقة: (وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40) ...121
الاحتمال الثاني:(الَّذِينَ) وصف للآية السابقة وبدل من (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٌّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله....)...122
الاحتمال الثالث:(الَّذِينَ) صفة لـ «المقاتلين والمجاهدين في سبيل الله» ... 122
القول المختار في مورد الاحتمالات الثلاثة في (الَّذِينَ)...123
البحث الثاني: مناقشة نقطتين في جملة (مَكَنَّاهُمْ)...123
النقطة الأولى: بحث لغوي في كلمة (مكّن)...124
النقطة الثانية: مناقشة (مكنة) في القرآن / أ - بمعنى مكان الاستقرار والثبات ....125
ب - بمعنى الحكم القوي والمستقر / ج - بمعنى المكان المستقر والثبات ....126
بيان القول المختار النسبة لاستعمالات القرآن لمادة مكّن...127
البحث الثالث: مناقشة عدّة احتمالات في جملة (فِي الْأَرْضِ ).....127 الاحتمال الأول: أنّ (الـ) للعهد\ الاحتمال الثاني: (الذين إن مكّناهم في قسم محدود من الأرض فسوف يقيمون الصلاة ...) الاحتمال الثاني: أنّ (ال) للجنس .....127
القول المختار: في هذين الاحتمالين في البحث الثالث/ مناقشة سبع احتمالات (في الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ)\في نظر المفسّرين من أهل السنة ....128 الاحتمال الأول: الخلفاء الأربعة فقط ...129
الاحتمال الثاني: المهاجرين والأنصار والتابعين\ الاحتمال الثالث: هم أصحاب النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم ...130
الاحتمال الرابع: الذين يقيمون الصلوات الخمسة اليومية ...131
الاحتمال الخامس: أمة النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم...131
الاحتمال السادس: مطلق الحكّام المسلمين ...131
الاحتمال السابع: الحكّام المسلمون الذين يملكون المشروعية في حكمهم ....132
توضيح آراء المفسّرين من أهل السنة في الاحتمال الأول ومناقشته ...133
(أ) توضيح نظرية الفخر الرازي ...133
مناقشة قول الفخر الرازي ...133
ب) بيان قول إسماعيل بن كثير / ج) قول الآلوسي...135
مناقشة قول الآلوسي ...136
الإشكال الأول: تمكّن الخلفاء الأربعة من قبل الله تعالى وهو أول الكلام...136
الإشكال الثاني:(إِنْ مَكَنَّاهُمْ) وصف للجمع لا لأشخاص معنيّين.... 136 الإشكال الثالث: استنباط الخاطئ من الآية وفق نظر أهل السنة ...138 الإشكال الرابع: المقصود الحكومة على جميع الأرض لا منطقة خاصة منها ....139
الإشكال الخامس: إقامة أمور أربعة في جميع الأرض لا على قطعة منها ....140
الإشكال السادس: ترك المعروف في زمن الخليفة الأول إلى الثالث .....141 الإشكال السابع: عودة ضمير(مَكَّنَّاهُمْ)على(النَّاسَ)في الآية السابقة:(وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ...) (الحج: 40) ...142
بيان القول الصحيح في تفسير الآية الشريفة ضمن أربعة نقاط ...143
النقطة الأولى: التمكين يتحقّق فقط بالإرادة الإلهية، لا بالقول والتزوير...143
النقطة الثانية: التمكين يُراد منه ما يستوعب جميع الأرض لا منطقة خاصة منها .... 143
النقطة الثالثة: الإقامة، تعني النشر الصحيح للأمور الأربعة لا مجرد الإتيان بها ...143
النقطة الرابعة: تطبيق الدين بشكل كامل هو أحد علل فلسلفة الظهور ...145
مناقشة روايات عدّة فيما يخص الآية 41 من سورة الحج...146
الرواية الأولى: رواية زياد بن منذر عن الإمام الباقر علیه السلام:(الَّذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ...) قال: «هذه لآل محمد، المهدي وأصحابه» ... 146
مناقشة سند الرواية ...146
التحقيق في دلالة الرواية...147
بيان نقطتين مهّمتين فيما يخص حجية الروايات/ لغير الأحكام الفقهية الشرعية ...148
المسألة الأولى: شمولية أدلة حجية خبر الواحد لغير الأحكام الفقهية ...149
المسألة الثانية: عدم شمولية أدلة حجية خبر الواحد لغير الأحكام الفقهية ...149
النقطة الثانية: بيان مسألتين في باب حجية خبر الواحد ...149
المسألة الأولى: الوثوق من حيث السند...149
المسألة الثانية: الوثوق من حيث الصدور...150
بیان نقطتين مهمتين فيما يخص الرواية الأولى ...150
النقطة الأولى: وجود قرينة، فالراوي هو محمد بن عباس بن علي بن مروان...150
النقطة الثانية: اهتمام الأئمة الأطهار بدلالة الآية وردّ قول المكذّبين...150 الرواية الثانية: رواية عيسى بن داود عن الإمام الكاظم علیه السلام: قوله : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ...) فقال أبي: «نعم فينا نزلت...»....152
التحقيق في سند الرواية / التحقيق في دلالة الرواية ...152
القول المختار في هذه الرواية...154
الرواية الثالثة: رواية الحصين بن مخارق عن الإمام الكاظم علیه السلام:( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ...) قال: «نحن هم»...154
مناقشة سند الرواية ...154
مناقشة دلالة الرواية...155
الرواية الرابعة: حمران بن أعين عن الباقر وأبو الصباح عن الصادق (بمثل
متن الرواية السابقة)...155
الرواية الخامسة: رواية عمرو بن ثابت عن الإمام الحسين علیه السلام: «هذه نزلت فينا أهل البيت»...156
الرواية السادسة والسابعة من تفسير فرات الكوفي...156
الرواية الأولى: رواية زيد بن علي: قال: إذا قام القائم من آل محمد يقول: «يا أيّها الناس نحن الذين وعدكم الله في كتابه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ...)\ مناقشة سند الرواية\ مناقشة دلالة الرواية...157
الرواية الثانية: رواية أبي خليفة عن الإمام الباقر علیه السلام: قلت لأبي جعفر كيف لنا بصاحب هذا الأمر حتى نعرفه؟ فقال:«قول الله تعالى:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاة ...)، إذا رأيت هذا في رجل مِنّا فاتبعه،
فإنّه هو صاحبه»...157
الأمر الأول: إنّ الآية:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج: 41)
تتحدّث عن الإمام المهدي ...158
الأمر الثاني: إنّ المصداق الحقيقي لهذه الآية الكريمة هو المهدي ...158
الأمر الثالث: مواجهة الأئمة المعصومين علیهم السلام فيما يخصّ تطبيق هذه الآية ... 158
التذكير بنقطة مهمة ...159
مناقشة العلامة الطباطبائي قدس سرّه حول الآية الشريفة...160
بيان عدّة نقاط بارزة في كلام العلامة الطباطبائي قدس سرّه...160
النقطة الأولى: الآية الشريفة تبيّن صفة جماعة دون النظر إلى الأشخاص ... 160
النقطة الثانية: إنّ الصلاح والسداد هو طبع المسلم ...161
مناقشة النقطة الثانية في كلام العلامة الطباطبائي من جهة القول المختار ...161
مناقشة الطباطبائي في رد قول السنة بالنسبة للآية (الذين إن مكناهم) ....162
الجهة الأولى: عمومية الموصوف تستلزم عدم انحصار الموصول في شخص معيّن ... 162
الجهة الثانية: حكومة صدر الإسلام مشمولة لهذه الآية...163
الجهة الثالثة: المهاجرين في تاريخ الإسلام لم يشكّلوا مثل هذا المجتمع...164
الجهة الرابعة: سلوك بعض المسلمين في صدر الإسلام لم يكن إحياء للحق
وإماتة للباطل...164
مناقشة نظرية العلامة الطباطبائي قدس سرّه من جهة القول المختار ... 165
الإشكال الأول: مشكلة عمومية لكلام العلامة قدس سرّه...165
الإشكال الثاني: نزول الآية في مورد المسلمين في صدر الإسلام محل خلاف .... 165
الإشكال الثالث: وجود إن الشرطية في الآية تنفي رأي العلامة قدس سرّه...165
بیان نقطتين ...165
النقطة الأولى: أهمية الأمور الأربعة عند الله تعالى...166
النقطة الثانية: الوجوب المضاعف للإتيان بالأمور الأربعة بالنسبة للحكومة ...166
الاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه - السيد ناظم الصافي الموسوي ....167
من شروط الاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه ...169
أطيب الثمار في عصر الانتظار - الشيخ مجيد الصائغ ...201
أوضاع الممهّدين..203.
أ - العلماء الصالحون ...204
ب - المؤمنون المخلصون ...206
جـ - انتشار الوعي الديني ...211
الباب الثاني: العمل على إيجاد أجواء الظهور ...213
الفصل الأول: العمل على المستوى الديني ...216
الفصل الثاني: العمل على المستوى الأخلاقي ...223
علامات الظهور (بحث في فقه الدلالة والسلوك) - الشيخ جلال الدين الصغير :الجزء الثاني...235
الفصل السادس: الإعداد العام لعالم الظهور ...237
سبل إعداد الظهور...240
المبحث الأول: الإطار الاجتماعي ...242
الفصل السابع: كيف تتحرك علامات الظهور زمانياً ومكانياً؟... 260
متى تبتدأ مرحلة التمهيد المباشر ؟...261
من هم أنصار المهدي - وديع الحيدري ...269
التمهيد للظهور ...271
دور حاكمية الدين في عملية التمهيد...275
دور أهل المشرق في التمهيد للظهور ...284
هكذا قم هكذا : اكن مع الحجة عجل الله تعالي فرجه - مركز نون للتأليف والترجمة ...293
هكذا مهّد ...295
هل تستقيم للإمام علیه السلام الأمور بلا عمل؟ ...297
هل الإعداد فردي؟...299
من الذي يقوم بقيادة عملية التمهيد ؟ ...300
هكذا كن معه ...304
1 - مواساته في غيبته تألّماً وبكاءً واشتياقاً لرؤيته ...306
2 - الصلاة عليه والدعاء له بالفرج...307
3 - التوسل به في المهمات وطلب الحوائج...308
4 - السعي والتشوّق للتشرّف بخدمته ...309
5 - الشكوى إليه والاستعانة به على قضاء الحوائج...310
6 - إعداد النفس وإصلاحها...311
(18) وظيفة في زمن الغيبة - مركز نون للتأليف والترجمة ...315
الفصل الثالث: التمهيد لظهوره عجل الله تعالي فرجه ...317
الوظيفة الحادية عشرة: المرابطة ...318
الوظيفة الثانية عشرة: الدعاء بتعجيل الفرج ...322
من وحي كلمات الحجة عجل الله تعالي فرجه - مركز نون للتأليف والترجمة... 323
التمهيد وعلامات الظهور...325
التمهيد للظهور...326
معزّ الأولياء - مركز نون للتأليف والترجمة ...333
الدرس التاسع: الممهّدون وأصحاب القائم \تمهيد ...335
1 - الإيمان بالغيب حزب الله ...336
2 - الصبر على الأذى / 3 - جهوزية أصحاب الحجة / 4 - الركن الشديد ...337
5 - تمنّي الشهادة/ 6 - الارتباط بالله تعالى ...338
7- الالتزام بالنظام خلاصة الدرس ...339
الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه - مركز نون للتأليف والترجمة ... 341
التمهيد...343
كيفية التمهيد(أَنصار المهدی عجل الله تعالي فرجه )...345
صفاتهم: أولاً: الإيمان ومعرفة الله / ثانياً: الشجاعة / ثالثاً: الإخلاص ...346
رابعاً: العبادة والدعاء\ خامساً: الزهد\ سادساً: الثبات...347
إيران الإسلام والتمهيد للمهدي عجل الله تعالي فرجه ...349
جدلية الحركة والسكون في مفهوم الانتظار - جواد عبد الهادي ...353
الفصل الثاني: أجيال الانتظار ...355
أولاً: جيل الموطّئين في النصوص الإسلامية...356
1 . الموطّئون في المشرق ...357
الموطّئون من خراسان\ 3. الموطّئون من (قم) و (الري) ...358
الموطّئون من اليمن ...359
صفات جيل (الموطّئين)\أولاً : الصلابة والقوة والاستحكام ...360
التحدّي والتمرد ...360
ثانياً: جيل الأنصار في الروايات الإسلامية / شباب الطالقان ...364
نظرية التمهيد...365
أدلة وجوب التمهيد ...366
مشروع التمهيد...368
أشكال التمهيد...369
مخرجات نظرية التمهيد...371
الإعداد الروحي لعصر الظهور - السيد علاء الدين الموسوي...373
المحور الثاني الإعداد الروحي الخاص / خصائص زمن الظهور...375
متطلبات زمن الظهور: أولاً الصدق مع النفس / ثانياً: التفقّه...380
ثالثا: البصير الكاملة ...382
الظهور مرحلة العمل الجاد لا النعيم فقط ...383
قصة هارون المكّي...386
أهلية لقاء الإمام علیه السلام...387
الانتظار المهدوي - الشيخ وسام البغدادي ...391
المبحث الأول: الدور الأمني في حركة الإعداد المهدوري...393
المبحث الثالث: المرابطة على ثغور الإمام المهدي...395
كيف نكون من المرابطين على ثغور إمام الزمان...396
المبحث السابع: أهمية الاستعدادات والجهوزية العسكرية...400
أ: الشجاعة والاهتمام بالقوة البدنية ...400
ب: الاهتمام بالسلام وتطور الترسانة العسكرية ...402
ج: الاهتمام بالزي واللباس والمظهر الخارجي ...406
القائد المنتظر - السيد صدر الدين القبانجي ...409
التمهيد للدولة الإسلامية الكبرى ...411
أولاً: العمل على صعيد الذات...416
الإمام المهدي في القرآن والسنة والعلم - السيد صدر الدين القبانجي...427
الفصل الرابع: واجباتنا في زمن الغيبة...429
الثامن: الإعداد والاستعداد ...430
السؤال السابع والعشرون: هل أنّ زيارة الأربعين المليونية للإمام الحسين علیه السلام هي مظهر من مظاهر التمهيد لظهور الإمام المهدي علیه السلام؟ ... 433
الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه المصلحة العالمي المنتظر - الشيخ محمد جواد الطبسي ...433
السؤال (23): من أهل المشرق ؟ وما دورهم في غيبة المهدي وحضوره...435
1 - الدفاع عن الإسلام والقرآن ...436
2 - التمهيد لدولة الإمام المهدي علیه السلام...437
آفاق مهدوية - السيد منير الخبّاز ...441
النقطة الثانية: الآثار الروحية المترتّبة على الغيبة... 443
الأثر الأول: اندفاع الامة للتهيّؤ والإعداد ...444
الحقيقة المهدوية - السيد منير الخبّاز ...445
الظروف الممهّدة للظهور/ الظرف الأول : فشل الإيديلوجيات ...447
الظرف الثاني: الظرف الروحي ...449
المحور الثالث: دور الأمة في التمهيد للظهور ...449
الفهرس ...451