ghaemiyeh.com
سرشناسه : عراقی، ضیاءالدین، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.
عنوان قراردادی : تبصرهالمتعلمینفیاحکامالدین. شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح تبصره المتعلمین/ تالیف ضیاءالدین العراقی.؛ تحقیق محمدالحسون.
مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشرالاسلامی، ۱۴۱۴ = [-۱۳۷۲]
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه؛ ۵۹۱ ، ۵۹۲، ۵۹۳، ۵۹۴.
شابک : ۲۸۰۰ ریال (ج. ۵)
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب شرحی است بر "تبصره المتعلمین فی احکام الدین" علامه حلی.
يادداشت : ج.۲ (چاپ اول: ۱۴۱۴ق.[=۱۳۷۷]).
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ ق. = ۱۳۷۱).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : علامهحلی، حسنبنیوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمینفی احکامالدین -- نقد و تفسیر.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : حسون، محمد، ۱۳۳۸ - ، مصحح
شناسه افزوده : علامه حلی، حسنبن یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین فی احکام الدین. شرح
شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی
رده بندی کنگره : BP۱۸۲/۳/ع۸ت۲۰۲۱۶۵ ۱۳۷۰ی
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۳-۱۷۰۲
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و فيه فصلان:
و هو الحيوان المحلّل الممتنع في البر) بالأصالة، لانصراف الدليل إليه، فلا اعتبار بحصول أحد العنوانين عرضا.
و لئن شك في ذلك حكماً، فمقتضى عموم الدواب حرمته، و مع الشبهة الموضوعية يحكم بالحلية.
و في مورد الحكم بالحلية- و لو بالأصل- لا كفارة، للأصل أيضا.
و أما في مورد الحكم بالحرمة، فمع إحراز عنوان الصيدية، فمقتضى عمومات الملازمة- كما سيأتي- وجوبها. و مع عدم إحرازها، ففي الحكم بوجوبها اشكال، لو لا دعوى عدم الفصل بين الصيد و غيره في ذلك، فتأمل.
و على أي حال تختص الحرمة و الكفارة بالبري، و قد تقدّم انه يجوز صيد البحر، و هو ما يبيض و يفرخ فيه و إن كان تعيّشه في غيره، كما انّ المدار في البري عكسه.
و في اعتبار كونه محلّلا في صدق الصيدية نظر واضح.
و قد يتوهم دخله في حرمته، من جهة استفادة الملازمة بين الحرمة
و الكفارة من الآية في قوله: فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (1)، و الرواية المشتملة على النهي على الدلالة عليه و استحالة، معلّلا بأن فيه الفداء (2).
و في آخر: «لا يدل على الصيد، فإن دل فعليه الفداء (3)»، بضميمة عدم ثبوت الفداء في المحرم.
و فيه، انّ مجرد تخصيص دليل الفداء بالمحلل- على فرض تسليمه- لا يقتضي تخصيص دليل الحرمة، من إطلاق الآية و الرواية به، خصوصا مع جملة من النصوص الدالة على حرمة السباع ما لم يردك.
بل و عموم «اجتنب في إحرامك صيد البر كلّه» (4)، و عموم «إذا أحرمت فاتق الدواب كلها إلّا العقرب و أمثالها» (5)على ما هو مضمون النص، بل و ثبوت الحرمة و الكفارة في بعض المحرمات، الظاهر كونها من مصاديق الصيد المحرم، لا من جهة عناوينها الخاصة، قبال الصيد كما توهم.
بل من ذلك ربما يستفاد منع الكلية في عدم الكفارة في المحرمات، فلا تجدي قاعدة الملازمة في المقام شيئا، بل مقتضى الأصل ثبوتها في ما يحرم على المحرم، محلا كان أو محرما، إلّا ما خرج.
و هكذا يجوز صيد الدجاج الحبشي، لدعوى الإجماعات، بل في بعض نصوصها: «انه ليس من الصيد» (6)، و لازمة تحكيمه على حرمة
1) المائدة: 95.
2) وسائل الشيعة 9: 208 باب 17 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 208 باب 17 من أبواب كفارات الصيد حديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 75 باب 1 من أبواب الإحرام حديث 5.
5) وسائل الشيعة 9: 165 باب 81 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
6) وسائل الشيعة 9: 234 باب 40 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
الصيد، فضلا عما دل على ثبوت الكفارة، إذ هو تابع للحرمة و لو اقتضاء، كما أسلفناه.
و مقتضى النص المزبور عدم حرمته رأسا، فكيف تثبت فيه الكفارة، كما لا يخفى. و لذلك لا حرمة و لا كفارة في ذبح النعم من البقر و الإبل و الغنم، و لو كانت وحشية بالعرض. و لعله أيضا لخروجها بما ذكرنا من قيد الأصالة في الممتنع، فإنّ مثل هذه الحيوانات لم تكن كذلك بل كانت أهلية.
نعم بعض الأقسام من الوحشية تسمّى بالبقر أو المعز الجبلي، و لكن الظاهر انه من باب المشابهة في الجثة، و إلّا فليست ن مسماهما حقيقة.
و في النص أيضا: «لا يذبح في الحرم إلّا الإبل و البقر و الغنم» (1)، و معلوم انصراف هذه العناوين إلى الأهلية، و لا ينصرف الذهن إلى الجبلية المعروفة بين الناس، بل هي من سنخ الظبي و أكبر منها جثة، و هو نحو من الحيوان قبال العناوين المزبورة، كما لا يخفى.
و حينئذ ففي شمول دليل الجواز للوحشية المعروفة نظر جدا، إلّا مع فرض حكم العرف بوحدة الحقيقة، فإنه حينئذ لا بد من جعل إطلاق النص المزبور مخصصا لعموم الصيد، لو لا دعوى كون النسبة عموما من وجه، و الأصل في المجمع التساقط، فيكفي لا لحاقها بالأهلي أيضا ذلك.
و لكن عمدة الكلام في إثبات التعميم المزبور، مع حفظ الوحدة في الحقيقة، كما لا يخفى.
هذا، و أيضا المشهور نفي الكفارة في السباع، أرادتك أم لم تردك. أما الأول فواضح، و ذلك لا للملازمة بين الحلية و نفي الكفارة، إذ ذلك إنما يتم في
1) وسائل الشيعة 9: 170 باب 82 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
الحلال الاقتضائي، و إلّا فمع الحرمة الاقتضائية، و لو كانت الحلية فعلية، ربما تثبت الكفارة، كما في موارد الجهل و الاضطرار.
و من المعلوم انّ مناسبة الترخيص في ظرف إرادته إنما هي لمراعاة أهمية حفظ النفس، فتوجب كون الحلية في المقام بمناط المزاحمة، لا بملاك لا اقتضائية العمل للالتزام به فعلا أو تركا. فالملازمة المزبورة غير تامة في مثل المقام، كما هو ظاهر.
و لا للأصل، لوفاء عموم الملازمة المستفادة من النصوص السابقة لإثباته.
اللهم إلّا أن يدّعى انّ المتيقن منه أيضا الملازمة بين الحرمة الفعلية و الكفارة، لا مطلقا، حتى يشمل الاقتضائية، فيبقى مثل المقام حينئذ تحت الأصل المزبور.
و لعل مثل هذه الجهة أيضا وجه تسلّمهم في نفي الكفارة في هذه الصورة.
و إنما الكلام في نفيها في صورة عدم الإرادة، حيث نفي بعض الأعاظم أيضا الكفارة عنه، بزعم عدم نص ناطق في خصوص السباع.
و فيه: أنّ ذلك إنما يتم في فرض عدم تمامية الملازمة بين الحرمة و الكفارة بالآية و الرواية، و إلّا فيكفي لإثبات الكفارة هذه القاعدة، بضميمة ورود النهي عن صيد السباع عند عدم الإرادة، و بعد ذلك لا مجال لجريان الأصل المذكور.
و عليه فلا فرق في ثبوت الكفارة مع عدم الإرادة، بين الأسد و غيره. و عن المحقق عدم الكفارة في هذه الصورة، إلّا في الأسد (1). فعلى قاتله في الحرم كبش، لرواية أبي سعد المكاري الواردة في خصوص الحرم (2)، و لكن ضعّفوها
سندا، لاعراضهم عنها، مع عدم صلاحية عمل المحقق وحده لجبرها.
و حينئذ فالأمر يدور بين الأخذ بقاعدة الملازمة و الالتزام بثبوت الكفارة مطلقا في الأسد و غيره، و بين الأخذ بمقتضى الأصل بعد طرح هذا النص، و المصير إلى عدمها مطلقا، كما هو منسوب إلى المشهور، و اللّٰه العالم.
و أيضا لا حرمة و لا كفارة في قتل الحدأة و الغراب بجميع أقسامه.
أما عدم الحرمة فلصحيحة الحلبي من قوله: «و يرجم الغراب و الحدأة رجما» (1)و ظاهره جواز رميه و إن أفضى إلى قتله، و في التعدّي إلى القتل بغير الرمي وجه. و به ترفع اليد عن عموم: «اجتنب في إحرامك صيد البر كله» (2)، و عموم «إذا فاتق اللّٰه في قتل الدواب كلها» (3)، و أمثالهما.
و أما عدم الكفارة فللأصل، و لو لم نقل بالملازمة في طرف الحلية، كما لا يخفى.
ثم انّ في الشرائع: يجوز شراء القماري و الدباسي، و إخراجهما من مكة، للنص المشتمل على قوله: «لا أحب أن يخرج منهما شيء» (4)، أي من مكة و المدينة، كما هو مورد سؤال الشراء و الإخراج، و ظاهره الكراهة.
و في قباله جملة روايات ظاهرة في حرمة الإخراج في كل طير (5).
و في الجواهر حمل النواهي في خصوص القماري على الكراهة (6)، و يتعدّى
1) وسائل الشيعة 9: 167 باب 81 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
2) وسائل الشيعة 9: 75 باب 1 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 166 باب 81 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 204 باب 14 من أبواب كفارات الصيد حديث 3، شرائع الإسلام 1: 284.
5) وسائل الشيعة 9: 204 باب 14 من أبواب كفارات الصيد.
6) جواهر الكلام 18: 186.
إلى الدباسي بعدم القول بالفصل.
لكن الإنصاف انّ ظاهر النص كراهة إخراج كل منهما بلا اختصاصه بالقماري، فيدور الأمر بين تخصيص «الشيء» بالقماري و ما يلحق به، أو حمل «لا أحب» على الحرمة، لعدم القول بالكراهة في غير القماري و الدباسي. فلا أقل من الإجمال، فيرجع الى إطلاقات الحرمة، و أن من دخله كان آمنا، و بهذا البيان أفاد الشيخ (1).
أقول: ما أفيد مبني على إطلاق «الشيء»، و عدم كون القماري منه قدرا متيقنا، و إلّا فلا يلزم فيه محذور.
هذا مع انه على فرض الإطلاق نقول: إنّ النص- بماله من الظهور- غير معمول به، فلا مجال للمصير إليه، لشبهة اعراضهم عن سنده.
و حينئذ فالمرجع حتى في القماري إطلاقات الحرمة، لعدم النص، لا لإجماله، فتدبّر.
ثم إنه في التعدّي من الإخراج عن مكة إلى غيره من سائر التصرفات نظر، فيبقى تحت عمومات حرمة القتل و الأكل و غيرهما للمحرم مطلقا، و للمحل في الحرم، فتدبّر.
ثم إنه بعد ما اتضح ما ذكرنا من موارد نفي الكفارة في الصيد، و قبل الخوض فيه، ينبغي أولا نقل الخبر الشريف الذي فيه لوائح الصدق، و الموجب لازدياد البصيرة في المقام، و ذلك انّ القاضي يحيى بن أكثم استأذن المأمون أن يسأل أبا جعفر الجواد عليه السلام عن مسألة فأذن له، فقال: ما تقول في
1) المبسوط 1: 348.
محرم قتل صيدا؟
فقال أبو جعفر عليه السلام: قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أم جاهلا، قتله عمدا أو خطأ، حرا كان المحرم أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، مبتدئا بالقتل أم معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيره، من صغار الصيد كان أم من كبارها، مصرا كان أو نادما، في الليل كان قتله الصيد أم بالنهار، محرما كان بالعمرة إذ قتل أم بالحج كان محرما؟
فتحيّر يحيى بن أكثم- إلى أن قال-: فقال المأمون لأبي جعفر عليه السلام:
إن رأيت جعلت فداك أن تذكر لنا الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم، لنعلمه و نستفيده.
فقال: أبو جعفر عليه السلام:
: «إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحل، و كان الصيد من ذوات الطير، و كان الطير من كبارها، فعليه شاة.
و إنّ أصابه في المحرم، فعليه الجزاء مضاعفا.
و إذا قتل فرخا في الحل، فعليه حمل فطم من اللبن، و إذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ.
و إن كان من الوحش و كان حمار وحش، فعليه بقرة. و إن كان نعامة فعليه بدنة، و إن كان ظبيا فعليه شاة، و إن كان قتل من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، هديا بالغ الكعبة.
و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه و كان إحرامه بالحج نحره بمنى، و إن كان إحرامه، بالعمرة نحره بمكة.
و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء، و في العمد عليه المأثم، و هو موضوع عنه في الخطأ.
و الكفارة على الحر في نفسه، و على السيد في عبده، و الصغير لا كفارة
عليه، و هي على الكبير واجبة، و النادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، و المصر يجب عليه العقاب في الآخرة» (1).
و نقل هذه الرواية في تحف العقول مشتملة على الخصوصيات الزائدة، حتى شرح المعيد للقتل و المبدئ، و تفصيل الليل و النهار (2).
و فيه: في الحمار بدنة، فراجع الوسائل تجدها كما ذكرنا (3).
و حيث ظهر لك ذلك فليعلم أيضا انّ كلما لا يكون لفديته تقدير، ففي قتله قيمته. و استشهد له بما في صحيح سليمان بن خالد: «في الظبي شاة، و في البقرة بقرة، و في الحمار بدنة، و في النعامة بدنة، و فيما سوى ذلك قيمته» (4).
و الأصحاب أيضا فهموا من هذا العموم الكلية المتقدّمة السارية في الطيور، بل و تعدوا من الحيوانات إلى بيوضها، و لازمة تخصيص هذا العام بموارد متعددة ثبت فيها مقدر مخصوص كالحمامة ففيها الشاة، و غير ذلك مما نذكره في طي كلام المصنف، خصوصا مع عموم الآية: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (5)، بعد حمل الأصحاب إياه على المماثلة من حيث الجثة، كما يومئ إليه صدر النص السابق «في الظبي شاة، و في البقرة بقرة» الى آخره.
لكن لو لا قرينة فهمهم من الرواية المزبورة ما ذكرنا من الكلية، كان للتشكيك في تعميمها بالنسبة إلى غير الوحوش، حتى من الطيور، فضلا عن
بيوضها، مجال، لصلاحية صدرها للقرينية، لصرف المشار إليه إلى ما كان من سنخها لا مطلقا، و مع اقتران الكلام بما يصلح للقرينية لا ينعقد له ظهور في الزائد عن مورده.
و عليه فالعمدة في الكلية المزبورة أطباق كلمات الأصحاب و معاقد إجماعاتهم، الجارية لمثل هذه الكلية في البيوض أيضا، فضلا عن الطيور.
و على أي حال، الظاهر من القيمة أيضا هي القيمة وقت تلف ما لا فداء مخصوص له من الصيود، كما انّ في كلماتهم أيضا تسلم هذا المعنى.
نعم فيما له بدل كلية اخرى، و هو انه مع التعذر ينتقل الى قيمته وقت الأداء.
و ربما استفادوا ذلك أيضا من عموم نص آخر من قوله: «أو لم يجد ما يكفّر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه» (1). و فهموا منه أيضا القيمة وقت الأداء لفرض كون جزائه في عهدته. و معلوم انّ كلّ ما في العهدة لا بد في تقويمه من لحاظ قيمته يوم أدائه، كما هو الشأن في المثلي المتعذر في باب الضمان.
و من هذه الجهة- بضميمة ما ورد في الفداء بدل احداث العيب من كسر قرنه و فقأ العين، و جراحته (2)، بل و بضميمة ما ورد من انه من كان معه صيد فأحرم وجب عليه إرساله، فلو مات قبل إرساله كان عليه الفداء، كما ورد مضمون ما ذكرنا في خبر أبي سعيد (3)، و خبر بكر بن أعين (4)- أجرى
الأصحاب في المقام قواعد الضمان، بمقتضى اليد و الإتلاف في باب الضمان، و ذلك لا بمعنى كونه من باب الضمان الحقيقي، كي يلاحظ فيه المثلي و القيمي.
كيف و كثير من المثليات في المقام قيميات في باب الضمان، كما انّ بعض التقويمات الواردة في بعض المقامات، من الدرهم و نصفه و ربعه مثلا ليس من باب القيم السوقية، بل هي جميعا نحو من الجريمة و الكفارة المجعولة في هذه المقامات، فباب التقويمات في المقام، نظير جعل الأبدال المخصوصة في باب الكفارات المجعولة و الجرائم الثابتة، لمحض الاحترام للحرم أو جبرانا لحرمته و مفسدته على المحرم.
نعم من مجموع النصوص الواردة في الموارد المتعددة، أمكن استفادة اجراء الشارع شبه حكم الضمان على المورد. كيف و في الضمان لا بد من نحو اضافة للمضمون الى أحد، و في المقام لا تكون المضمونات مضافة الى أحد فالتعبير بالضمان في أمثال الباب في مثل الشرائع و أمثاله، انما هو بنحو من العناية، و بضرب من المشابهة الصورية من بعض الجهات، و ستأتي تتمة الكلام في ذلك أيضا إن شاء اللّٰه.
ثم إنّ ذلك كله حكم المحرم في الحل، و أما حكم المحل في الحرم، فمقتضى جملة من النصوص أنّ عليه قيمة التالف بقتله أو بجهة أخرى، ففي خبر معاوية قال: «إن أصبت الصيد و أنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، و إن أصبته و أنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، و إن أصبته و أنت حرام في الحل فإنما عليك فداء واحد» (1).
1) وسائل الشيعة 9: 195 باب 10 من أبواب كفارات الصيد.
و في رواية صفوان: «من أصاب طيرا في الحرم و هو محل فعليه القيمة، درهم يشتري به علفا لحمام الحرم» (1).
و في خبر يونس بن يعقوب: عن رجل أغلق بابه على حمام الحرم و فراخ و بيض، فقال: «إن أغلق عليها قبل أن يحرم فإن عليه لكل طير درهما، و لكل فرخ نصف درهم، و لكل بيضة ربع درهم» (2)، إلى غير ذلك من النصوص الواردة في أبواب مختلفة في الوسائل.
و في الجواهر جعل القيمة على المحل في الحرام على الأصح، و تمسك بجملة من النصوص المزبورة (3).
و في قباله ما عن المبسوط و غيره من أنه على المحل في صورة شركته في القتل مع المحرم القيمة، و عند انفراده الدم (4).
و ما عن الحلبي انّ على المحل مطلقا فداء بمثله (5).
ورد الأول في الجواهر بعدم معروفية القول بالتفصيل، و الأولى ردهما بعدم دليل صالح في قبال النصوص السابقة، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر- بمقتضى إطلاق النصوص- القيمة السوقية، سوى ما ورد في باب الحمام و فرخه و بيضه من الدرهم و نصفه و ربعه، فإنه من القيمة المجعولة الشرعية. و لعل هذه نكتة تخصيص بعض حكم المحل بقيمة الحمامة و فرخها، و إلّا ففي ثبوت أصل القيمة في الجملة، لا اختصاص في المحل بباب الحمامة،
كما لا يخفى على من راجع النصوص و الكلمات، و اللّٰه العالم.
و أما المحرم في الحرم فيتضاعف، بل من أخبار التضاعف أيضا أمكن استفادة أنّ على المحل في الحرم فداء، بملاحظة أنّ مناط التضاعف هو الجمع بين احترام الحرم و الإحرام، بلا دخل للإحلال و الحل في الحكم أصلا.
و بهذه الملاحظة أمكن دعوى كونه على طبق قاعدة عدم تداخل الأسباب، بل و في النص في الحمام جمع بين الشاة و قيمته للمحرم في الحرم، فيتعدّى منه إلى غيره.
و بمثله أيضا يستظهر وجه الكلية الأخرى في كلماتهم من أنّ على المحرم في الحرم الفداء و القيمة، و فيما لا فداء له تتضاعف القيمة، مجعولة أم سوقية، كما في مورد لم يقوم بحد مخصوص من درهم أو غيره.
و بهذا التفصيل يحمل التضاعف الوارد في النصوص، كما لا يخفى على من راجع كلمات الأصحاب.
و ربما سنشير إليه في طي كلام المصنف أيضا.
و حيث اتضح ذلك فنقول: إنّ الصيود الواردة فيها الكفارة تارة من القسم الذي لكفارته أيضا بدل مخصوص بنص مخصوص، و أخرى مما ليس كذلك.
و المراد من البدل المخصوص أيضا ما عيّنه الشارع بنص مخصوص، كما في كشف اللثام (1).
و ذلك لا ينافي مع الكلية السابقة من انه مع تعذر البدل ينتقل إلى القيمة بنحو العموم، بل و في الشاة أيضا ورد عموم إطعام عشرة مساكين أو صيام
1) كشف اللثام 1: 322.
ثلاثة أيام، كما في نص عمار، على ما في كشف اللثام، من قوله عليه السلام: «من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام» (1).
ثم انّ الأمور التي لفدائها بدل منصوص بالخصوص خمسة: أحدها: النعامة.
و ثانيها: البقرة الوحشية، و يلحق بها الحمار الوحشي.
و ثالثها: الضبي، و يلحقه به الثعلب و الأرنب.
و رابعها: كسر بيض النعامة.
و خامسها: كسر بيض القطا و القبج و الدراج و أمثالها جثة، على ما سيأتي جميعها في محالها.
و إلى ما أشرنا إليه أفاد المصنف أيضا بقوله:
للنصوص المستفيضة (2).
و لقد عرفت في النص السابق تصريح مولانا الجواد عليه السلام، بل في رواية تحف العقول أيضا التصريح به، و مع ذلك ففي بعض النصوص الجزور.
و مخالفة هذه مع البدنة فرع اختصاصها بالأنثى منه، و إلّا فلا اختلاف بينهما.
و على فرض الاختلاف أمكن رفع اليد عن ظهور تعيين كل منهما، لو لا ضعف سند نص الجزور باعراض المشهور، كما لا يخفى.
و مع العجز يفض ثمن البدنة على البر، للنص المشتمل على خصوصه (3)، و يؤيده الفقه الرضوي (4).
لكن في جملة أخرى اشتمالها على الطعام (1)، و قضية وحدة المطلوب توجب المعارضة بينهما، الموجبة للجمع بينهما، إما بحمل البر على الفضيلة، أو تقييد إطلاق الطعام، و نظر المصنف إلى الجمع الأخير.
و في تكملة أستاذنا العلّامة اختيار الجمع الأول، فتعدّى إلى غير البر أيضا مما يجزئ في الكفارة و لا يبعد قوة ما أفاده، نعم مع عدم الترجيح لأحد الجمعين يتعيّن البر، بقاعدة الاشتغال في التعيين و التخيير، و إن قلنا بالبراءة في الأكثر، كما هو المقرر في محله.
و يطعم بالبر أو الطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد، لجملة من النصوص المستفيضة المشتملة على المد، و بها ترفع اليد عما اشتمل على نصف الصاع، بالحمل على الفضيلة.
و ما زاد عن ستين له، و لا يجب عليه) تتميم (ما نقص عنه)، لما في صحيحة ابن مسلم من التصريح بكون المدار على أقل الأمرين من قيمة الفدية و إطعام ستين مسكينا.
و لو عجز عن الطعام المزبور صام عن كل مدين يوما، لما في النص: «و ان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما» (2).
و لكن في نص آخر: «صام لكل طعام مسكين يوما» (3)، بناء على تحديده بالمد، و إليه ذهب البعض، و لا يبعد حمل الأخير على الفضيلة.
نعم قد يتعارض الأول مع مطلقات «ثمانية عشر يوما»، فيدور الأمر بين
تقييد إطلاق الثاني، أو حمل الأول على الفضيلة، و لا يبعد الأخير، لقوة الإطلاقات و كثرتها و كونها في مقام البيان.
و مع احتمال فحوى الجمع ترجع المسألة إلى الأقل و الأكثر، فالمرجع في الزائد البراءة.
و العجب من الرياض حيث أوجب حينئذ الاحتياط، تحصيلا للبراءة اليقينية (1).
اللهم إلّا أن يوجّه كلامه بأنّ العهدة بعد ما اشتغلت بالبدنة فيشك في سقوطها بإتيان بدلها، فأصالة عدم السقوط توجب تحصيل اليقين.
لكن يمكن أن يقال: انّ اشتغال العهدة بالبدنة لا يجدي تكليفا مع عدم التمكن منه، فالتكليف الفعلي قهرا متوجه إلى بدله، و مع الشك في موضوعه يرجع الأمر إلى الأقل و الأكثر، و فيه لا مجرى إلّا البراءة، فتدبّر.
و من هنا ظهر وجه ما أفاده المصنف من قوله: فإن عجز صام ثمانية عشر يوما، و لقد عرفت انّ في التقييد نظرا.
ثم إنّ في فراخ النعامة نصا مشتملا على البدنة (2)، و مرسلة أخرى مشتملة على الإبل الصغير (3). و يدل عليه عموم الآية الشريفة فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (4)، بناء على شمولها للماثلة سنا، و لا يبعد ترجيح المرسلة المجبورة، لصلاحية حمل نصل البدنة على الفضيلة و على فرض التكافؤ يرجح ما وافق الكتاب.
على المشهور، و في المستفيضة اشتمالها على البقرة، و لكن في بعض النصوص بدنة لحمار الوحش، و الجمع بينهما بحمل البدنة على الفضيلة، لكونها أعلى قيمة، و إلّا فترفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين، فيتخير. و ذلك أيضا على فرض عدم وهن سند البدنة باعراض المشهور، و إلّا فتتعين البقرة.
فإن لم يجد فضّ ثمنها على البر، و لم أر نصا بالبر في خصوص المقام، و لعله من جهة انصراف الطعام إليه.
و فيه منع، و لذا جعل في المختصر عنوان الطعام بدل البر (1)، و إن خص به في الشرائع (2)، و في تكملة أستاذنا العلّامة تعميم الحكم لغير البر بقوله:
«و غيره»، و النصوص في المقام ناطقة بالطعام، فلا وجه للتخصيص بالبر و إن كان الأصل يقتضيه، لأنه من باب التعيين و التخيير، فالعمدة في المقام التشكيك في الانصراف المانع عن الإطلاق، و إلّا فلا وجه للتخصيص.
و يطعم به ثلاثين مسكينا، لرواية أبي بصير (3)و صحيحة معاوية (4)لكل واحد مدان، لما في صحيحة أبي عبيدة من التحديد لكل مسكين نصف الصاع، المعادل للمدين (5)، و لكن في بعض آخر في النعامة و حمار الوحش الصدقة، مد على كل مسكين، و في ذيله أيضا حكم بقرة الوحش و الظبي (6)، و إن لم يعيّن بالمد أو بغيره.
و الظاهر اتكاله على التحديد السابق، خصوصا مع كون سوقها بنحو الكلية على وجه لا اختصاص له بالنعامة و البقرة، و حينئذ فمقتضى الجمع بين ذلك و بين السابقة حمل نصف الصاع على الفضيلة.
و لا يجب عليه التتميم، و الفاضل له، و ذلك للجمع بين إطلاق الاجتزاء بالثلاثين و إن لم يبلغ قيمته (1)، و ما في نص آخر من الاجتزاء بالقيمة و ان لم يبلغ ثلاثين (2).
و إن عجز عن الصدقة صام عن كل مدين يوما، و في الجواهر: أو عن كل مد (3)، على البحث السابق.
و عمدة الوجه في الأول هي الكلية المستفادة من نص ابن محبوب كما في الوسائل من قول الصادق عليه السلام: «إذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفّر عن موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه من النعم دراهم، ثم قوّمت الدراهم طعاما، ثم جعل لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما» (4).
و للأخير أيضا ما ورد بنحو الكلية، كما في الوسائل في قول الصادق عليه السلام أيضا على ما في تفسير العياشي في قول اللّٰه عز و جل فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (5)ما هو؟ قال: «ينظر إلى الذي عليه بجزاء ما قتل، فإما أن يهديه، و إما أن يقوّم فيشتري به طعاما فيطعمه المساكين
يطعم كل مسكين مدا، و إما أن ينظركم يبلغ عدد ذلك من المساكين، فيصوم مكان كل مسكين يوما» (1).
و لا يخفى ظهور النص الأخير في أنّ الصوم بدل ما يجب عليه من إطعام المسكين من المد، غاية الأمر بمقدار ما تفي به قيمته لا مطلقا، و هذا القيد لم يكن معهودا في كلماتهم.
كما انّ الظاهر منه كون الصوم طرف التخيير من الصدقة، و ربما ذهب إليه بعض الأعاظم في كلية الأبدال، بملاحظة ظهور الآية، و في الرواية أيضا:
«إن كلما ورد في القرآن ب أو فهو للتخيير، و إن كان بكلمة إن لم يجد فهو للترتيب» (2).
لكن المشهور ذهبوا إلى الترتيب في أمثال المقام، لظهور جملة من نصوصها في الترتيب، بل لا بد من رفع اليد عن ظهور كلمة إما في المقام في التخيير، لأنّ لازمة كون البدل في عرض المبدل، و لم يقل به أحد، فلا محيص حينئذ عن رفع اليد عن إطلاق الثاني فيحمل على صورة العجز عن الصدقة، و رفع اليد عن الإطلاق الأول بتنزيله على صورة بلوغ قيمته الثلاثين.
و على أي حال لا يضر اشتمال النص على مثل هذه الجهات بمورد استشهادنا به، من حيث ظهوره في بدلية الصوم عن المد لكل مسكين.
و عليه فيجمع بين هذه النصوص الواردة بنحو الكلية و النص السابق كذلك بحمله على الفضيلة، كما انّ في المدين يحمل الأول على الفضيلة، تحكيما لظهور الاجتزاء بالأقل في جهة، على ما دل على وجوب الأكثر على الفضيلة، صدقة كانت أو صوما.
بل و إن دققت النظر ترى مثل هذا الجمع بين مطلقات صوم تسعة أيام عند العجز عن الصدقة، و بين هذه النصوص، فتحمل النصوص المزبورة أيضا على الفضيلة لو لا احتمال الجمع بينهما بالتقييد، و حمل إطلاق صوم التسعة على صورة العجز عن الصيام بدل المد أو المدين.
و لكن الإنصاف قوة إطلاق صوم التسعة، خصوصا مع اختلاف الصيام بدل المدين و المد كما عرفت.
بل و في بعض نصوص حمار الوحش «صوم ثمانية عشر عند العجز عن الصدقة»، و لازمة إلحاق البقرة به أيضا بعدم الفصل، فيحمل حينئذ الجميع على مراتب الفضيلة، و انّ الاجتزاء يحصل بالتسعة بمحض العجز عن الصدقة، كما مر منا أيضا نظيره في بدل النعامة، كما هو ظاهر.
و مما ذكرنا ظهر ما أفاده المصنف بقوله: فإن عجز صام تسعة أيام، لجملة من النصوص المطلقة من حيث الصيام بدل المد، المحمولة عند المصنف- بقرينة النصوص السابقة- على صورة العجز عن الصوم بدل كل مدين، و لكن قد عرفت ما فيه فتدبّر.
أما الظبي فلما في خبر أبي بصير:
فإن أصاب ظبيا؟ قال: «عليه شاة» (1)، بعد بيان حكم النعامة و البقرة و الحمار.
و كذلك في نص آخر بضميمة: «إنّ في الأرنب مثل ما في الثعلب» (2).
فإن عجز فضّ ثمنها على البر بناء على التشكيك في إطلاق ما في
النص من الطعام، و إلّا فالمدار على إطلاقه، كما في التكملة.
و أطعم عشرة مساكين، لما في النص: «من كانت عليه شاة فلم يجدها فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام» (1).
لكل مسكين مدان، و لعله للنص السابق الصادر بنحو الكلية، بأنّ «لكل مسكين نصف صاع»، و في قباله النص الآخر المشتمل على المد، علاوة عن الكلية المستفادة من قوله في نص أبي بصير السابق «و الصدقة مدّ على كل مسكين»، بعد ظهور عدم التحديد في البقرة و الظبي في اتكاله على الكلية السابقة، الجارية في غير الظبي أيضا، من الأرنب و الثعلب، و قد عرفت انّ مقتضى الجمع بين النصين حمل المدين على الفضيلة.
و الفاضل له، و لا يجب عليه التتميم، للجمع بين إطلاق عشرة مساكين و إن لم يبلغ تمام القيمة و كانت القيمة زائدة، و بين إطلاق نص ابن محبوب المتقدّم الوارد بنحو الكلية من تقوم جزائه دراهم بلا وجوب تتميم عليه، بل يومئ الى هذه الجهة ما في نص آخر من قوله: «ينظر إن لم يبلغ عدد ذلك من المساكين»، إذ هو ظاهر في عدم وجوب الزائد من القيمة، فراجع الوسائل في باب ما يجب في بدل الكفارات (2).
فإن عجز عن الصدقة المزبورة صام عن كل مدين يوما، و في الجواهر أيضا: أو عن كل مد (3).
و عمدة الوجه في الأول إطلاق نص ابن محبوب السابقة، و في الثاني إطلاق ما في تفسير العياشي، و لقد تقدّم في المسألة السابقة تحكيم إطلاق صوم
التسعة عليهما. و في المقام أيضا يحكم إطلاق صوم الثلاثة المترتبة على العجز عن الصدقة، فيجمع بين الجميع بالحمل على مراتب الفضيلة، لقوة إطلاق الثلاثة على كون ما ذكرنا من الجمع أولى من الجمع بالتقييد بحمل الثلاثة على صورة العجز عن الصوم بدل المد أو المدين، كما لا يخفى.
هذا، و من هنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: فإن عجز صام ثلاثة أيام، على اشكال في قيده و إن كان أحوط.
للجمع بين النصين، المشتمل أحدهما لبكرة من الإبل، و كان مطلقا من حيث الحركة (1)و ثانيهما مشتمل على صورة الحركة، مع إطلاقه من حيث البكارة (2). فبملاحظة الجزم بوحدة المطلوب، لا بد من رفع اليد عن إطلاق كل واحد بتقييد الآخر.
و يمكن الأخذ بالإطلاق، و حمل القيد في البكارة على الاستحباب، نعم في ظرف حركة الفرخ لا محيص عن التقييد من جهة المفهوم.
لكن المشهور على الجمع الأول، و قيّدوا البدل بالبكارة، و لا يخلو ذلك عن تأمل، خصوصا مع كون المقام من قبيل الأقل و الأكثر لا التعيين و التخيير، فتدبّر.
و إن لم يتحرك أرسل فحولة الإبل في إناث بعددها، فالنتايج هدي لبيت اللّٰه تعالى على المشهور، للمستفيضة المشتملة على ما ذكر، و منها صحيحة الكناني (3). و في قضية إرجاع أمير المؤمنين جواب المسألة إلى
الحسن عليه السلام (1)ظهور في اختصاص الحكم بقبل التحرك للفرخ.
و بمثله أيضا يقيّد إطلاق ما دل على انّ في بيض النعامة شاة على صورة العجز عما ذكرنا، بقرينة قوله في نص علي بن حمزة «و من لم يجد إبلا فعليه لكل بيض شاة، فإن لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام» (2).
و من هذا النص يظهر مبنى كلام المصنف من قوله فإن عجز فعن كل بيضة شاة، فإن عجز أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مدا، فإن عجز صام ثلاثة أيام. و لا مجال في المقام لاحتمال صيام بدل المد أو المدين، لاختصاص الكلية المستفادة من النصين في إصابة نفس الصيد. و لذا لم يجعل المصنف مقامنا في عداد الفروض السابقة، من تقديم صيام بدل المد على العدد المخصوص، من صوم الثلاثة في المقام.
و على أي، مقتضى النص السابق و كلمات المشهور تقديم الإطعام على الصيام.
لكن عن الصدوق مصيره الى عكسه (3)، مستندا إلى نص آخر عن أبي بصير (4)و خبر الفضل (5). و لو لا وهنهما بمصير المشهور على خلافهما، أمكن الجمع بينهما و بين النص السابق، برفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين، و يحمل على التخيير، في تقديم كل واحد على الأخير.
ثم إنّ الظاهر من بعض بيانات الأخبار، من جعل ما يفسد من البيض من طروقة الفحل، قبال ما يفسد من البيض و ما يصح منه في قبال ما يصح من البيض، كون الغرض من الإرسال حفظ البدل في الموارد الصحيحة، فلو علم من الأول فساد البيض، أمكن دعوى انصراف دليل الإرسال عن مثله.
كما انه لو علم بتعيّش فرخه بعد كسر بيضه لا يشمل دليل الإبدال أيضا لمثله، إذ الظاهر كونه بدل الفروخ التالفة بوطئه، لا بدل مجرد كسر البيض.
و أيضا الظاهر من النصوص أن تكون الأنثى من الإبل بعدد البيض، و وجهه بحسب الاعتبار أيضا واضح.
و في تكملة أستاذنا العلّامة- وفاقا للمحكي عن الخلاف (1)- الاقتصار على القطاة، لكن في الشرائع و المنافع إلحاق القبج به (2)، و في القواعد إلحاق الدراج أيضا (3).
و النصوص في المقام مشتملة على القطا فقط، لكن في باب فداء أنفسها ورد النص بقوله عليه السلام: «من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم» (4)و ربما يكون تعديهم في بيضها إلى مثل القبج و الدراج من فحوى مثل هذه الرواية. و ان حكم بيضها كحكم نفسها من حيث السراية إلى غيرها بالمشابهة الصورية. و ان ذكرهم القطاة أو مع القبج أو مع الدراج من باب المثال، و إلّا فالحكم سار في كلية الأمثال جثة، فيلحق بها
الحجل أيضا كما في النص السابق.
و لكن مع ذلك كله ففي استفادة المناط من النص المزبور، على وجه يسري في حكم النص تأمل، و ذلك هو عمدة نكتة اقتصار التكملة على القطاة.
و على أي حال فعمدة الوجه فيما ذكر من الحكم، ما ورد في الصحيحة المحكية في الجواهر: «في بيض القطاة كفارة كما في بيض النعام» (1).
و في مرسلة ابن رباط: عن أبي عبد اللّٰه: سألته عن بيض القطاة، قال:
«يصنع فيه في الغنم كما يصنع في بيض النعام في الإبل» (2).
و في صحيح سليمان بن خالد: «في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام» (3).
و لا يخفى أنّ المماثلة في الصحيح مطلقة، ربما يتعدّى منها الى جميع مراتب البدل، و لا يصلح صرف المماثلة في الأخيرين إلى جهة مخصوصة، مثل صرف إطلاق الأول إليه أيضا، بعد استقرار ظهوره.
و على أي حال فمقتضى النص السابق هو بكارة الغنم، و لعله المراد بما في المتن و غيره من صغار الغنم، و في بعض النصوص: «في إصابة بيض القطاة مخاض» (4)، و استبعدوا في ازدياد بدل اصابة البيض عن اصابة نفس القطاة، بأنه حمل فطيم، فوجه بنت المخاض. و قيل: يحمل على الفضيلة، و لا بأس بالأخير للجمع بين النصين. و لو لم يكن في البين استبعاد، فضلا عن وجوده، كما هو في محله إنصافا، لو لا قضية أبان في دية الأصابع (5).
1) جواهر الكلام 20: 220، وسائل الشيعة 9: 218 باب 25 من أبواب كفارات الصيد حديث 2.
2) وسائل الشيعة 9: 218 باب 25 من أبواب كفارات الصيد حديث 3- 4.
3) وسائل الشيعة 9: 218 باب 25 من أبواب كفارات الصيد حديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 218 باب 25 من أبواب كفارات الصيد حديث 3- 4.
5) وسائل الشيعة 19: 229 باب 12 من أبواب ديات الأعضاء حديث 1.
ثم انّ الظاهر من المماثلة المطلقة، تقييد هذه المرتبة من البدل بصورة حركة فرخه فيه، كما هو الشأن في النعامة، و إلّا فلم أظفر بنص دال على التخصيص بصورة الحركة.
و من هذا الإطلاق أيضا يستفاد حكم بقية الأبدال التي أشار إليه المصنف، بقوله: و إن لم يتحرك أرسل فحولة الغنم في إناث بعددها فالناتج هدي لبيت اللّٰه، و في صحيح سليمان أيضا التصريح بذلك (1)، و إطلاقه منزل- بقرينة المماثلة مع النعامة- على، صورة عدم الحركة.
و من المماثلة المزبورة أيضا يستفاد أنه لو عجز كان كبيض النعام من كون بدل كل بيضة شاة، و مع العجز إطعام عشرة مساكين، و مع العجز صيام ثلاثة أيام.
و في المدارك منع ثبوت هذه الأحكام، لفقد النص (2)، و الظاهر عدم تمامية إطلاق المماثلة عنده، على وجه يشمل هذه المراتب. لكن لا وجه لمنع الأصحاب خصوصا إذا كان معاضدا لفهم جل الأصحاب، و لعله من هذه الجهة جعل في التكملة التنزل إليها أحوط.
و في الجواهر: مع العجز عن المرتبة الأولى ينتقل إلى قيمة البيض (3)، و لعله لعموم صحيح سليمان بن خالد، حيث قال- بعد تعيين بعض الأبدال-: «و فيما سوى ذلك قيمته» (4).
و فيه انه على فرض عمومه في مورد لا يكون له بدل الّا بدل متعذر، لا يتعدّى منه إلى مثل المقام، و ستأتي تتمة الكلام فيه مفصلا إن شاء اللّٰه.
فالعمدة حينئذ إتمام إطلاق المماثلة، فإن تم فينتقل إلى جميع المراتب المسطورة، و إلّا فلا ينتقل إلى شيء أصلا.
القسم الثاني: ما ليس لكفارته بدل مخصوص، و هو أيضا أمور: منها: ما أفاده المصنف بقوله:
نفسها شاة بلا اشكال فيه في الجملة، للنص الآتي.
و إنما الكلام في المراد من الحمامة، فعن اللغويين تفسيرها بما كانت مطوقة، و عن الفقهاء بأنه ما يعب في الماء و يهدر.
و بعد كثرة موارد الاختلاف بين المفهومين يبقى الكلام في ترجيح أي واحد، فمع حصول الجزم من مجموع الكلمات بمعناه فهو، و إلّا فالظن بمفهومه لا يغني عن الحق شيئا، إلّا بتمامية مقدمات الانسداد الصغير، و هو أيضا دونه خرط القتاد، فلا جرم يؤخذ بالمتيقن، و يرجع في التفرق من الطرفين الى قواعد العلم الإجمالي، كما لا يخفى.
كل ذلك على المحرم في الحل، لما في الأخبار المستفيضة المشتملة، بعضها على أنّ المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة، و إن قتل فراخه ففيه حمل، و إن وطأ البيض فعليه درهم.
و إطلاقه من حيث الحل و الحرم مقيد بما يأتي من ثبوت الشاة و قيمة الحمامة على المحرم في الحرم، فيكشف ذلك عن أنّ الحكم المزبور للمحرم في الحل.
و في نص أبي بصير التصريح بقتله الفرخ في خارج الحرم، و في ذيله أيضا قال: فقال: «عليه شاة»، إلى أن قال: قلت: فمن قتل فرخا .. إلخ (1)
1) وسائل الشيعة 9: 198 باب 11 من أبواب كفارات الصيد حديث 2.
الظاهر في حكم المحرم في خارج الحرم.
نعم لا تعرض له لحكم البيض، و ربما يلحق ذلك بهما بعدم الفصل بينهما من تلك الجهة، كما لا يخفى.
و على المحل في الحرم على الحمامة درهم، و عن الفرخ نصف درهم، و عن البيضة ربع درهم.
و الأصل في ذلك ما في صحيح ابن الحجّاج من قوله عليه السلام: «في الحمامة درهم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيض ربع درهم» (1)و في النصوص المستفيضة التصريح بذلك في المحل في الحرم، و قضية وحدة المطلوب تقتضي حمل الإطلاق السابق عليه، مضافا إلى ما ورد في المحرم غير ذلك، فلا بد من حمل الإطلاق السابق على المحل في الحرم.
و في كون مثل هذا التقويم تقويما متعارفا سوقيا، أو كونه تقويما شرعيا؟
وجهان، مقتضى الإطلاق هو الثاني، لو لا تنزيله على الغالب، من مساواته للقيمة السوقية، و حينئذ فيشكل الأخذ بكل منهما عند نقصه عن الآخر، لو لا البراءة عن الأكثر في مثل المقام.
و يجتمعان أي الكفارتان من الشاة و قيمة الحمامة من الدرهم على المحرم في الحرم.
و الأصل في ذلك حسنة الحلبي، المشتملة على قوله: «و إن قتلها و هو محرم
1) وسائل الشيعة 9: 195 باب 10 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
في الحرم فعليه شاة و قيمة الحمامة» (1)، و نظيرها نص أبي بصير (2).
و عليه أيضا يحمل ما في بعض النصوص من مضاعفة الكفّارة، و بمثلها يقيد إطلاق النص السابق، المقتصر فيه- بإطلاقه- على الشاة فقط.
بل و من إطلاق القيمة للمحل في الحرم، و إطلاق الكفارة الخاصة للمحرم في الحل، يستفاد حكم الجهتين عند الاجتماع، بعد الجزم بكون الحكمين لاحترام الحرم و الإحرام، بلا دخل للإحلال و الحل في ذلك. فمع اجتماع الجهتين، و إطلاق النصين، يستفاد حكم التضاعف المزبور في جميع المراتب، بلا اختصاصه بمورد النص السابق، من قتل الحمامة مثلا. و إلى ذلك أشار في الجواهر من إجراء قاعدة عدم تداخل الأسباب (3)، كما لا يخفى.
ثم إنّ ظاهر إطلاق صحيحة الحلبي- من قوله: «يتصدّق به أو يطعمه حمام الحرم»- التخيير بين الإطعام و الصدقة في حمام الحرم و غيره.
و في رواية حماد التفصيل بين حمامة الحرم فعيّن فيه الإطعام، و حمامة غيره فعيّن الصدقة، فيدور الأمر حينئذ بين التقييد في الأول بالالتزام بالتفصيل بقرينة الثاني، أو حمل التفصيل فيه على الفضيلة بقرينة الثاني و لا يبعد الأول، لوهن إطلاقه في قبال التفصيل، الظاهر من الآخر، فتدبّر، و اللّٰه العالم.
على المشهور بين الأصحاب،
و الأصل فيه نص الحسن في اليربوع و الضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي (1)، و الجدي خير منه، و إنما جعل عليه هذا لكي ينكل عن قتل غيره، و قد يستظهر من ذيله تعدّي الحكم إلى غيرها مما يماثلها، و هو حسن لو كان الغرض كون جعل الجدي بخصوصه رادعا عن غيره لا بما هو كفارة و حينئذ لا وجه للتعدّي إلى غيرها في هذه الكفارة، كما لا يخفى.
، و حكي نفي الخلاف عنه، و النص فيه ما عن سليمان، المشتمل على قول أبي جعفر عليه السلام: «في كتاب علي عليه السلام: من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة و نظيرهن، فعليه دم» (2)، بعد حمل الدم على حمل قد فطم، بقرينة نص آخر وارد في قتل القطاة، فيسري مثل هذا الحكم في كل ما شابهه، بقرينة الرواية السابقة، ففي كل نص يرتفع الإجمال بالنص الآخر، كما لا يخفى.
و احتمال اختلاف أنحاء كل واحد، فلا يقتضي التعدّي من قتل القطا إلى غيره ضعيف جدا، بل الظاهر اشتراك الجميع في خصوصية الدم، فتعيينه بالحمل في القطا يكفي في السراية إلى غيره، كما لا يخفى.
على المشهور، لمرسلة مجبورة بالعمل، المشتملة على المد في الثلاثة.
لكن في صحيح ابن سنان في محرم ذبح طيرا: «انّ عليه دم شاة يهريقه، و إن كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن» (3).
لكن المرسلة أخص منها دلالة، فتخصص الصحيحة المطلقة بالثلاثة المزبورة.
أما الأول فللصحيح المشتمل على كف من الطعام (1)، و في قباله صحيح آخر مشتمل على التمرة، و انّ التمرة خير من جرادة (2). و يمكن رفع اليد عن إطلاق كل منهما، الظاهر في تعيينه بنص الآخر فيتخير بينهما.
و في قبالهما ما في خبر حناط، من أنّ عليه دما (3)، و لعله محمول على كثيره، بقرينة ما ورد بأنّ في كثيره شاة، كما سيأتي بيانه.
و أما الثاني فلما في خبر ابن مسكان، بل فيه النهي عن إعادتها في محلها (4)، و لكن في صحيح حماد: «لا شيء عليه» (5).
و يجمع بينهما بالحمل على استحباب الكفارة، بل لا شيء في قتله أيضا، لقوله في الصحيحة المزبورة: «لا شيء في القملة، و لا ينبغي أن يتعمد قتلها» (6)، الظاهر في كراهة قتلها أيضا، الملازم لعدم الكفارة جزما.
على ما حكي عن غير واحد، و في نص ابن سعيد: «إن قتل كثيرا فشاة» (7)، مؤيدا بإطلاق رواية حماد المتقدمة المقيّدة
1) وسائل الشيعة 9: 233 باب 37 من أبواب كفارات الصيد حديث 6.
2) وسائل الشيعة 9: 232 باب 37 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 232 باب 37 من أبواب كفارات الصيد حديث 5.
4) وسائل الشيعة 9: 297 باب 15 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 4.
5) وسائل الشيعة 9: 233 باب 38 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 298 باب 15 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 6.
7) وسائل الشيعة 9: 233 باب 15 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 1.
بقليله، الخارج عنه، للنصوص السابقة.
و لا بد فيه من حفظ عنوان الكثرة، و في صدقها على الزائد من الواحد أو الاثنين اشكال. و مهما شك في صدقها فلا يرجع إلى أصالة عدم الاتصاف بها، لكون الشبهة مفهومية، لا تكون المرجع فيها هذا الأصل. كما انّ أصالة عدم وجوب الدم، معارضة بأصالة عدم وجوب الثمرة أو الطعام. فقاعدة الاشتغال بأحد الأمرين تقتضي الجمع بينهما، لو لا إلحاق العرف أمثال المقام، الراجع إلى إضراره في المالية إلى الأقل و الأكثر، فيرجع في مثله إلى البراءة عن تحمل الضرر المشكوك زائدا عن المقدار المتيقن. و ذلك أيضا لو لا احتمال مطلوبية إراقة الدم، الذي هو جهة أخرى زائدة من حيث الإضرار في المالية، فلا محيص حينئذ عن الجمع بين الوظيفتين، و اللّٰه العالم.
ثم انّ ذلك كله مع التمكن من التحرز و لو لم يتمكن من التحرز عنه لم يكن عليه شيء، لما في صحيح حريز: «على المحرم أن يتنكب الجراد إذا كان على طريقه، فإن لم يجد بدا فقتل فلا بأس» (1)، و في صحيحة أخرى: «لا شيء عليه» (2).
أحدهما: إنه لو قتل صيدا معيبا كالمكسور و أمثاله، فمقتضى الآية المشتملة على المماثلة، الاكتفاء بمثله.
و حينئذ فلو فداه بصحيح أيضا جاز، لأنّ الآية في مقام نفي الاكتفاء بما
دونه، فهو نوع بر و إحسان.
ثم المماثلة في المقام هي المماثلة في الجهة المرغوبة، من حيث الخصوصية النوعية و المالية، لا المماثلة المعتبرة في المثليات في باب الضمان، كيف و لا معنى لا في الحيوانات، كما في المقام.
و عليه فيمكن التسوية من هذه الجهة بين الأنوثة و الذكورة، لو لا موجبية اختلافهما في اللحم، أرغبية الذكور. و ذلك لو لا خصوصيات أخرى في الإناث الفاقدة في الذكور. و للتأمل في أمثال المقام مجال، و لذا تأمل فيه أيضا بعض الأعاظم للتشكيك في الجهات المزبورة.
و لو أكل المحرم في الحل ما قتله، كان عليه فداءان عند جل الأعاظم، للنصوص المستفيضة التي منها قوله عليه السلام في نص زرارة: «من أكل طعاما لا ينبغي أكله و هو محرم، متعمدا، فعليه دم شاة» (1)، و بمعناه جملة أخرى.
و ذهب في المقام جمع آخر إلى أنّ بالأكل يثبت قيمته، فمع قتله يجتمع القيمة و الفداء. و تمسكوا ببعض نصوص اخرى مشتملة على قوله: «و أي قوم اجتمعوا على صيد، فأكلوا منه، فإنّ على كل واحد منهم قيمته، فإن اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك» (2).
و في آخر: اهدي لنا طائر مذبوح بمكة، فأكله أهلنا، فقال: لا يرى به أهل مكة بأسا، فأي شيء تقول أنت؟ قال عليه السلام: «عليهم ثمنه» (3).
لكن رماهما بعضهم بالضعف، بل جمعهما في الرياض (1)مع السابقة بحمل القيمة في الأول على البدل المخصوص، بقرينة المماثلة في ذيله، المحمولة على الفداء جزما، و الثانية على المحل في الحرم، بقرينة نص آخر مصرح به في كشف اللثام (2)، بعد ذكر هذه الرواية، في توجيه النص الثاني منهما.
و عليه فالثمن مستحب، بل بعد نقل الرواية الأولى، أفاد بأنّ الظاهر أنّ أهل مكة كانوا لا يرون بأسا، لأنّ الآكلين محلون.
أقول: بعد فرض كون المذبوح في الحرم حراما على المحلين أيضا، حتى قال بعضهم: إنه بمنزلة الميتة، و في النص أيضا: انه يدفن، بل ربما قيل بتقديم الميتة عليه في المخمصة. و حينئذ لا يعرف لهذا التوجيه وجه، و عليك بالتأمل فيه، لعلك ترى ما غفلنا عنه، فإن الإنسان يساوق السهو و النسيان.
و أيضا لا وجه لحمل الثمن في الرواية- في حق المحل، بعد حرمة أكله من المذبوح في الحرم- على الاستحباب، بعد ظهور الرواية في وجوبه، إلّا قيام إجماع على خلاف ظاهر النص، و لم يعرف مثل هذا المعنى من كلماتهم، بل أفتى بعض من أثق بتتبعه بكون الكفارة في حق المحل المزبور بالمضاعف.
فللتأمل و التدبّر في المسألة، بالإضافة إلى أكل المحل ما هو حرام عليه من المذبوح في الحرم، مجال، و اللّٰه العالم.
و لو أكل ما ذبحه غيره ففداء واحدة من جهة أكله فقط، للنصوص السابقة.
و لو اشترك جماعة في قتله، فعلى كل واحد فداء، و ذلك لما في المستفيضة الواردة في المحرمين في الحل، و إلّا ففي الحرم لا بد من تضاعف
الجزاء على ما تقدّم، من حفظ إطلاق حرمة الحرم و الإحرام، كما يستفاد من مجموع النصوص الواردة في تضاعف الكفارة في صيد المحرم في الحرم.
بل و مثل هذا الحكم أيضا جار في المحل في الحرم، لأنّ المستفاد من النصوص المزبورة: انّ المشاركة في القتل، مثل الاستقلال في السببية، لكفارة مستقلة، فيتعدّى حينئذ عن موردها إلى المحل في الحرم، حيث أثبتنا عليه قيمة كفارته، فراجع و تأمل.
و كل من كان معه صيد، و يزول ملكه عنه بالإحرام على المشهور بين الأصحاب، خلافا لابن الجنيد و غيره، حيث منعوا زوال الملكية، و إنما الواجب عليه إرساله و إخراجه عن ملكه. و مستند خلافهم اختلافهم في فهم المراد من نص ابن سعيد المكاري: «لا يحرم أحد و معه شيء من الصيد، حتى يخرجه عن ملكه، فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه، فإن لم يفعل حتى يدخل الحرم فمات، لزمه الفداء» (1).
و ذلك لأنّ الظاهر من النص- بقرينة نفي الإحرام إلّا بإخراج الصيد عن ملكه- كون الإخراج مقدّمة لإحرامه. و هذا المعنى خلاف الإجماع، فلا بد أن يحمل على بيان المضادة بين الإحرام و بقاء الملكية، كما هو مذهب المشهور.
أو على كون وجوب الإخراج من أحكام الإحرام، و إن بقي الإحرام، من باب نفي الملزوم بنفي لازمة، و هو مذهب ابن الجنيد.
و الظاهر- إنصافا- أقربية المعنى الأخير من الأول، و لعلّه من جهة قوة هذه الشبهة جعل في تكملة أستاذنا العلّامة الحكم المزبور على اشكال.
1) وسائل الشيعة 9: 230 باب 34 من أبواب كفارات الصيد حديث 3، التهذيب 5: 362 حديث 1257.
ثم انه على مذهب ابن الجنيد يكفي في الطيور و كثير من الوحوش نفس إرساله، لأنه بمنزلة إتلافه المخرج عن ملكه، كالقائه في البحر، مما لا يمكن أخذه بعد الإرسال. فإن كان من الأمور الخطيرة، فاعراضه عنه بإرساله كاف أيضا في الإخراج، و إلّا فيشكل الاكتفاء بإرساله، فلا بد من إخراجه عن ملكه بوجه من الوجوه، و لو بنقله إلى محل قابل لتملّكه، و اللّٰه العالم.
و من التأمل في النص المزبور ظهر أيضا وجه ما أفاده المصنف بقوله: و يجب عليه إرساله، فإن أمسكه ضمنه حسب الكلية المشار إليها سابقا، من أنّ كل ما لا تقدير لكفارته فكفارته قيمته.
فيما كان لفديته تقدير منصوص، و إلّا ففيه أيضا مثل ما في المحل في الحرم القيمة في كلية باب الصيد، و مرجع القيمة فيها إلى القيمة السوقية، إلّا في باب الحمامة و فرخها و بيضها، المتقدّم تحديد قيمتها من الشرع بالدرهم و نصفه و ربعه.
و قد تقدّم شرح الجميع في طي المقدّمة التي أسسناها في أول الشروع في كفارات الصيد فراجع.
كما انه ظهر هناك أيضا وجه ما أفاده المصنف بقوله: و يجتمعان على المحرم في الحرم زائدا على ما تقدّم أيضا في كفارة الحمامة و فرخها و بيضها، لقاعدة اجتماع السببين، من الإحرام و الحرم.
و عليه أيضا ينزّل ما ورد في تضاعف الكفارة، في جملة من النصوص.
و مقتضى جملة منها ثبوت المضاعفة، و إن بلغ الفداء بدنة، خلافا لما في المرسلة المعمول بها عند الجل، المشتملة على المضاعفة.
ما لم يبلغ بدنة فلا تتضاعف، لأنه أعظم ما تكون. و من جهة قوة الإطلاقات و ضعف سند المرسلة، جعل في تكملة أستاذنا العلّامة الحكم المزبور على الأحوط و إن اقتضت الأصول حينئذ عدم التضاعف.
بلا إشكال، لإطلاق قوله «في محرم أصاب صيدا، قال: «عليه الكفارة»، قلت: فإن عاد؟ قال: «كما عاد عليه كفارة» (1).
و نظيره ما رويناه عن الإمام أبي جعفر عليه السلام فراجع (2).
و في ثالث: في المحرم يصيد الصيد؟ قال: «عليه الكفارة في كل ما أصاب» (3).
هذا كله في المحرم في الحل، و هكذا المحل في الحرم، لإطلاق أدلته المذكورة في مقدمة الباب.
و مقتضى إطلاقها- أيضا مثل المحرم- لزوم التكرار أيضا في الخطأ و العمد.
لكن في قبالها في المحرم المرسلة المعمول بها، المشتملة على قوله: «إذا أصاب الصيد في الحل خطأ فعليه- أبدا- في كل ما أصاب الكفارة، فإن عاد فأصاب ثانيا متعمدا فليس عليه الكفارة، و هو ممن قال اللّٰه تعالى: وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» (4)الآية.
و بمضمونها أيضا صحيحة الحلبي (5)، و بهما تقيد الإطلاقات السابقة.
1) وسائل الشيعة 9: 244 باب 47 من أبواب كفارات الصيد حديث 3.
2) وسائل الشيعة 9: 244 باب 47 من أبواب كفارات الصيد.
3) وسائل الشيعة 9: 243 باب 47 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
4) المائدة: 96، وسائل الشيعة 9: 244 باب 48 من أبواب كفارات الصيد حديث 2.
5) وسائل الشيعة 9: 244 باب 48 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
و في شمول العائد للجاهل اشكال، و في الجواهر أيضا أدخله في المخطئ (1)، و ان كان في المتردد الملتفت لا يخلو عن تأمل، لو لا دعوى أنّ التردد المستتبع للحكم بالارتكاب مستند في النهاية إلى خطائه، بخلاف ما لو استتبع لوجوب اجتنابه، فإنه متعمد، حيث انّ الشارع حينئذ ألغى اعتبار شكه، فلا يكون ارتكابه حينئذ مستندا إلى خطائه، بل مسبب عن سوء اختياره، كما هو الشأن في باب الخطأ و العمد في باب الصلاة، فراجع.
و مما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و لو تكرر الخطأ تكررت الكفارة، بلا اشكال و لا خلاف.
و كذا العمد بمعنى أنّ في العمد الأول كفارة بلا اشكال، و إنما الكلام في العمد بعده، فإنه على الأشهر لا كفارة، للنصوص المستفيضة، خصوصا المرسلة المتقدمة، خلافا لجماعة فالتزموا فيه أيضا بتكرر الكفارة، للإطلاقات، و طرح المرسلة و غيرها سندا أو دلالة. كما حكي وجهه في المطولات، خصوصا الجواهر (2)فراجع.
و على أي حال، ففي التعدّي عن المحرم في الحل إلى المحل في الحرم، و لو للفحوى اشكال، و في تكملة أستاذنا العلّامة أيضا تقييد إطلاق الحكم المزبور بالمحل في الحرم، أخذا بمضمون المرسلة في المحرم في الحل، و عدم التعدّي منها الى غيرها.
و هكذا في الجواهر حيث قال: الظاهر اختصاص ذلك بالمحرم دون المحل في الحرم، كما صرّح به ثاني الشهيدين (3)، انتهى.
و فداه مع المكنة، و إلّا أكل الميتة، و ظاهره كون جواز أكله الصيد مشروط بتمكنه من الفداء، و مع عدم التمكن تقدّم الميتة، كما هو أحد الأقوال في المسألة.
و يحتمل حمل الاستثناء على بيان عدم حرمة أكل الميتة حينئذ، و انّ قوله أكل الميتة لدفع توهم الحظر، فمفاده مع عدم التمكن يتخيّر. و عليه فيجعل ذلك سادس الأقوال، لو كان القول بالتخيير هو التخيير مطلقا، فراجع.
و على أي حال، منشأ اختلاف الأقوال، اختلاف نصوص الباب (1)، ففي جملة منها: تقديم الصيد و عليك الفداء (2)، و في بعضها: «فكل و أفده» (3).
و ظاهر الأخير صورة التمكن من الفداء، بخلاف لسان الأول، فإنّ ظاهره كون الفداء على عهدته، و هو أعم من تمكنه فعلا أو مآلا أم لا، كما هو الشأن في كلية باب الضمانات. و مع الدوران يؤخذ بلسان الأول، لأنه أوسع دائرة عن الثاني، بعد عدم استفادة التقييد منه، و إلّا فلا بد أن يقيّد، لثبوت وحدة المطلوب.
نعم على فرض الأخذ بالمقيد، لا محيص عن حمل التمكن على التمكن مآلا، لا خصوص الفعلي منه، بشهادة نص يونس بن يعقوب، المشتمل ذيله على قوله: قلت: فإن لم يكن عندي مال، قال: «تقضيه إذا رجعت إلى مالك» (4).
و في قبال هذه النصوص نص عبد الغفار الجازي: سألت أبا عبد اللّٰه عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها و وجد صيدا، قال: «يأكل الميتة و يترك
الصيد» (1).
و في نص آخر: «يأكل الميتة التي أحل اللّٰه له» (2).
و مقتضى الجمع بين هذه الطائفة و الطائفة السابقة- الظاهرة في خصوص صورة القدرة على الفداء- هو تقييد هذه المطلقات بصورة القدرة كما هو أحد الأقوال في المسألة، و هو أيضا محتمل كلام المصنف، بل ظاهره.
لكن بعد كون المدار في الحجية على مفاد الطائفة الأولى، فلا محيص عن ملاحظة النسبة بينها، و من المعلوم انّ مقتضى إطلاقها التباين. و في مثله لا معنى للجمع المذكور، و لو بشهادة النصوص المختصة بحال القدرة، إذ ذلك من باب نفي الإطلاق لا من باب الظهور في التقييد.
و عليه فلا محيص عن رفع اليد عن إطلاق هيئة كل واحد، و حملها على ثبوت الوجوب في الجملة، و لو تخييرا، و إلّا فلا محيص عن انتهاء الأمر إلى التعارض.
و حينئذ لا محيص عن تقديم الطائفة الأولى على الثانية بمخالفة العامة.
و ذلك كله أيضا بناء على الوثوق بسند الثانية، و لو من جهة الوثوق بأنّ منشأ التفصيل في الكلمات هو الجمع بين الطائفتين، و إلّا فبناء على ما أفاده في الجواهر، من ضعف الاسناد بنحو لا تقاوم الأولى، فلا تنتهي النوبة إلى التفصيلات المزبورة.
و بمثل هذه البيانات أيضا ظهر مدرك جملة من الأقوال.
و أما مدرك القول بتقديم الميتة، مع كون الذبيحة ذبيحة المحرم، لأنه حينئذ ميتة و زيادة كونه صيدا حراما على المحرم، فتقدم الميتة من غير الصيد،
فهو اجتهاد في قبال إطلاق النصوص.
اللهم إلّا أن تحمل النصوص على فرض الدوران بين الصيد بما هو صيد، و الميتة، بلا نظر إلى صيرورته ميتة بجهته، و لذا ربما لا يشمل صيدا مات حتف أنفه بلا ذبح أحد إياه.
و حينئذ أمكن دعوى تقديم الميتة بمناط المزاحمة على الصيد المزبور.
لكن الإنصاف إطلاق أخبار الصيد من هذه الجهة، فلا يبقى مجال للجمع بينهما بما ذكر، كما انه لا وجه لتقديم الميتة مطلقا، إلّا بطرح النصوص المستفيضة السابقة، و هو كما ترى.
فاردأ الأقوال هذا القول، ثم سابقه، ثم التفصيلات.
فأقوى الأقوال مدركا هو التخيير مطلقا جمعا، أو تقديم الصيد مطلقا ترجيحا.
و مع عدم التمكن عن الفداء يبقى على عهدته.
و ربما يؤخذ بإطلاق أدلة بقية الإبدال أيضا، مع عدم وجدان سابقه، إلى أن ينتهي إلى الصوم، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و غير المملوك يتصدّق به.
أقول: مقتضى العبارة انه ليس على المحرم المتلف لمال الغير بد لأن، أحدهما للمالك و الآخر صدقة للفقراء، بل ليس عليه إلّا بدل واحد، و هو للمالك من دون فرق بين البدل المقدّر و غيره، و بين كون المقدّر زائدا عن مالية التالف بحسب السوق أم ناقصا أم مساويا.
و في الجواهر: انّ الالتزام بهذا المعنى مستتبع لمحذور خلاف القواعد من جهات، بل مقتضى القواعد الجمع بين إعطاء القيمة للمالك، و كون المقدار
المقدر شرعا للّٰه تعالى (1).
و نسب هذا المعنى إلى جمع من الأعاظم، و قوّاه، جمعا بين إطلاقات ضمان المتلف للمالك، و بين إطلاقات ثبوت الكفارة بقتل الصيد، أو دلالته، أو أكله، و أمثال ذلك.
أقول: ما أفيد إنما يتم بناء على ما حققناه سابقا من أنّ باب الكفارة باب جبران المفسدة أو الجريمة لا من باب الضمان المصطلح، و انّ إطلاق الضمان على مثله أحيانا بضرب من العناية، فإنه لا تنافي بين ثبوت الجهتين على المحرم.
و أما لو قلنا بمقتضى ظواهر كلماتهم، من انّ ثبوت الفداء المخصوص بإطلاق أدلته، من باب التضمين الحقيقي، فنقول:
لا شبهة في عدم قابلية مال واحد لضمانين، غاية الأمر للشارع تحديد ماليته بمرتبة مخصوصة، منطبقة على ما عيّن له من الفداء زاد عن ماليته السوقية أم نقص، كما هو الشأن في تعيين قيمة الحمامة بدرهم، و فرخه بنصفه. فإن من المعلوم انّ قيمة الشيء ليست إلّا باعتبار ماليته، غاية الأمر مثل هذه المالية، مع عدم التحديد من مالك الملوك، تنصرف إلى قيمته السوقية، و أما مع تعيين المالك الحقيقي، فتتعيّن المالية و القيمة فيما عين.
و بعد ذلك نقول: إنّ قضية ضمان المتلف للمالك كون القيمة المعينة لمالكه، و انّ تعيين النصوص مثل هذه القيمة في مصرف معيّن راجع الى حقوق اللّٰه، و منصرف إلى صورة لا يزاحمها حق الناس، و إلّا فمع مزاحمة حق الناس تصرف القيمة المفروضة فيهم، دون حق اللّٰه من الصدقة أو الذبح في مكة أو منى، و ليس في مثل هذا المعنى حينئذ مخالفا لقاعدة، على وجه يقتضي
1) جواهر الكلام 20: 342.
رفع اليد عن قواعد الضمان.
كما انه في صورة التضاعف بالأكل و القتل، أو بكونه محرما في الحرم أو بالدلالة أو الشركة في القتل، أيضا لا بد أن تحدد ماليته بمرتبة أخرى، منطبقة على ما قيل من التضاعف. فمستحق الجمع بالمزاحمة السابقة هو مالك العين، لأنه مستحق تمام المالية للعين، فإذا عيّن ذلك في هذه الصورة بالتضاعف المزبور، فلا بد أن يكون المستحق له بتمامه هو المالك لا غيره.
هذا، لكن الإنصاف انّ مثل هذا المعنى أيضا خلاف ظاهر كلماتهم من جهة أخرى، إذ الظاهر منهم انّ كل واحد من السببين موجب لضمان مستقل، غير الضمان الحاصل بالسبب الآخر. و من البديهي أنّ المال الواحد لا يصلح لضمانين، إذ ليس له إلّا مالية واحدة في عهدة صاحبه، و المالية الواحدة- سواء قدرت بالقيمة السوقية أم بغيرها- لا تستعد إلّا لعهدة واحدة، تسمّى بالضمان.
و عليه فيمكن جعل مثل هذه الجهة قرينة على عدم إرادتهم- في تعبيراتهم في المقام بالضمان- الضمان المصطلح.
و حينئذ لا وجه لرفع اليد عن مقتضى أدلتها، فإطلاق كون أمثال هذه المجعولات الإلهية من حقوق اللّٰه لها مصرف مخصوص، غير مرتبط بباب الضمان لمال الغير، غاية الأمر- بملاحظة إتلاف مال الغير- تجيء قواعد الضمان بلا مزاحمة حينئذ بين الحقين، كي تقتضي تقديم حقوق الناس على حقوقه تعالى، بإطلاق معاقد الإجماعات في أمثال الباب من المزاحمات، بل يؤتى كل ذي حق حقه.
و لئن شك في انّ المقام أيضا من أي الوجهين، فقضية إطلاق القاعدة أيضا هو حفظ الحقين، لأنّ كون الفداء من باب الضمان موجب لتخصيص إطلاقات صرفها في سبيل اللّٰه، و لو للمزاحمة السابقة، و مع عدم إحراز هذه
الجهة فنفس إطلاق الدليل كاف في صرفه في مصرفه، مع عدم منافاته أيضا مع اقتضاء قاعدة الضمان بالإتلاف أيضا لإعطاء قيمته للمالك.
و في هذه الصورة أيضا لا وجه لتقدير ضمانه بمقدر شرعي، إذ المقدرات الشرعية محمولة على مصارفها المعيّنة، فجهة ضمانه للمالك تبقى بإطلاقها تحت القواعد، من الضمان بالقيمة السوقية، كما هو الظاهر.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر انّ الفداء المخصوص ليس في جميع المقامات إلّا في مصرف واحد من الصدقة، كان له مالك أم لا، غاية الأمر لو كان له مالك، كان له ضمان آخر بقيمته السوقية على حدة، كما لا يخفى.
و إليه أيضا ذهب أستاذنا العلّامة في تكملته، فراجع.
ثم انّ ما فيه الفداء إن كان نفس قيمته، فمقتضى الإطلاقات التصدّق به مطلقا، و إن كان دما، من بدنة أو غيرها، فسيأتي حكمه، من انه يذبح في مكة أو في منى.
نعم لو لم يجد الدم فينتقل إلى قيمة البدل، ففيه أيضا مصرف مخصوص، من إطعام ستين مسكينا، أو ثلاثين، أو عشرة، على ما تقدّم شرح كل واحد في محله.
هذا كله في غير حمام الحرم.
و إن كان من حمام الحرم، يشتري بقيمته علف لحمامه و قد تقدّم شرح ذلك في ذيل اصابة المحرم في الحرم، فراجع.
و إن كان معتمرا في مكة بالموضع المعروف بالحزورة، أما حكم المحرم بالحج، فالظاهر عدم الاشكال فيه فتوى، مطلقين فيه بين فداء الصيد و غيره. و قد
يتمسك له بإطلاق رواية ريان من كلام الجواد عليه السلام في مجلس المأمون في جواب يحيى بن أكثم (1). و نظيره ما عن تحف العقول، من نقل هذه القضية بتغيير جزئي (2)، كما أشرنا إليه سابقا، عند التعرض لهذه الرواية.
و أظن أنّ ما حكي عن علي بن إبراهيم عين هذه الفقرة، لا أنه رواية أخرى، و لا أقل من احتماله، كما هو الشأن في غالب المرسلات المتحدة مضمونا مع المسند، فلا وثوق في كونها رواية أخرى، قبال النصين السابقين.
و بعد ذلك نقول: بعد ظهور الرواية- صدرا و ذيلا- في كون الامام بصدد بيان أحكام الشقوق التي فصلها في جواب سؤال يحيى، عن حكم الصيد، لا يبقى إطلاق لمثل هذه الفقرة في طي هذا الجواب ليشمل حكم غير الصيد، فلا يكاد يتم مثل هذا الدليل على مدعاهم، فإن تم حينئذ إطلاق الحكم المزبور إجماعا فهو، و إلّا فللنظر فيما تمسكوا به من الإطلاقات مجال.
نعم قصارى ما يمكن أن يقال حينئذ هو انّ جواز ذبحه في منى إجماعي، و إنما الاحتمال لو كان في التخيير بينه و بين مكة مثل المحرم في العمرة، و أما احتمال خصوص مكة للمحرم بالحج، فلا أظن يلتزم به أحد.
و عليه فيرجع الأمر- بعد الجزم بتقييد الحكم بأحد المكانين- إلى التعيين و التخيير، و الأصل فيه هو التعيين.
نعم لو كان المقام من باب الشك في التقييد بأصل المكان و عدمه، كان المورد من صغريات الأقل و الأكثر، كما يومئ إليه بعض الإطلاقات من النصوص، مثل قوله في كفارة النعامة: «إذا أصاب المحرم الصيد و لم يكفّر في موضعه الذي أصاب فيه الصيد، قوّم جزاءه» (3).
و في آخر: «فليتصدق مكانه» (1).
و في مقطوعة عمار: «يفدي المحرم فداء الصيد من حيث صاد» (2).
و حكى الفتوى به عن الأردبيلي (3)، كما انّ في المدارك مصيره إلى عدم اشتراط المكان في غير كفارة الصيد، لاختصاص الصحاح المفصلة بين الحج و العمرة في كفارة الصيد (4).
و لو لا اعراض المشهور، و الوثوق بإطباق الأعاظم على طرح مثل هذه النصوص، لكان ما أفاده الأردبيلي في غاية المتانة، لقوة الإطلاقات على وجه يصلح قرينة لحمل المفصلات على الفضيلة.
كما انّ ما أفاده المدارك في غير كفارة الصيد، من عدم شرطية المكان، فرع التشبث بمثل هذه الإطلاقات، بعد تقييدها بكفارة الصيد للصحيحة، أو بعدم الوثوق بتحصيل الإجماع في باب إحرام الحج، من تعيين مني، أو لا أقل من احتمال تعيينه على الوجه المتقدّم، كما هو مقتضى الانصاف، و إلّا فالأصل أيضا يقتضي ما أفاده في غير كفارة الصيد، حتى في الحج، من البراءة، فيتم ذلك في كفارة الصيد بمقتضى صحيحة ابن سنان، و خبر زرارة.
و حينئذ لا بد من تعيين كفارة الحج بمنى، نعم في كفارة العمرة المفردة ورد نص آخر بأفضلية مكة. و يلحق غيرها بها، بعدم الفصل بين أقسام العمرة لو تم، و إلّا فيبقى المتمتع بها تحت إطلاق الصحيحة، من تعيين مكة، و إطلاقها من حيث كفارة الصيد و غيره، و إن كان قابلا للتخصيص بالصحيح السابق، لكن التصرف في هيئة الصحيحة في العمرة، بحملها على
الفضيلة، ليس بأدون من التصرف في إطلاق الأخير، كما لا يخفى.
و عليه فتصير النتيجة وجوب إيصال كفارة الحج مطلقا- للإجماعات أو أصالة التعين- إلى منى، و كفارة العمرة لصيده إلى مكة بنحو الفضيلة، على اشكال في المتمتع بها، و إلّا فيجزئ في منى أيضا.
و في غير كفارة الصيد يجزئ حيث شاء، حتى في المتمتع بها، للأصل، بعد عدم الوثوق بالإجماع للتقييد بأحد المكانين في باب العمرة دون باب الحج، و اللّٰه العالم.
ثم لا يخفى انّ ذيل رواية معاوية بن عمار «و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام» (1)، و إطلاقه يشمل المعتمر و الحاج، و صدره مختص بمن أصاب الصيد، و لا يشمل غيره، لأنه المتيقن في مقام التخاطب، المانع عن الإطلاق، كما لا يخفى.
فمن أصاب فيه صيدا ضمنه بلا إشكال.
و يستدل له بنص أبي بصير: «إن كان مشى عليها و رعى و هو ينظر اليه فلا شيء عليه» (2). و لا يخفى انّ مورده صورة إيراد العرج عليه، و نفي الشيء في الرواية حينئذ لا يناسب الكلمات الظاهرة في ثبوت الأرش و لو مع التئامه، فلا يصلح حجة على المدّعي، إلّا بحمله على صورة كون عرجه لوجعه،
لا لتأثير الرمي في كسره أو عرجه.
نعم عن نسخة أخرى: فجرح و عرج، و عليه فلا بد من حمل نفي الشيء على نفي تمام القيمة، و إلّا فيطرح. و بعد مثل هذا الاختلال في متنه لا يصلح دليلا على المدعى، فالأولى التشبث بأصل البراءة، مع عدم دليل في مثل هذا الفرض، كما لا يخفى.
و لو أثّر الرمي بكسر شيء منه، مع علمه به، فالظاهر من المحقق في شرائعه: أنّ عليه أرشه بقواعد الضمان (1)، و قيل: ربع قيمته، لصحيح علي بن جعفر (2).
و قد عرفت أنّ قواعد الضمان غير جارية في المقام، بل الجاري في أمثال المورد صورة الضمان بمقدار اقتضاء نصوص الباب، و من المعلوم انّ النص في المقام ربع القيمة، فلا وجه للتعدّي عنه إلى الأرش حقيقة إلّا بطرح النص، و الأخذ بفحوى النصوص الواردة في المقام، على وجه يستفاد اجراء كلية أحكام الضمان في باب الصيد.
لكن طرح النص، مع عمل جمع به مشكل، كما انّ اجراء جميع قواعد الضمان، من النصوص الواردة في باب الصيد و جزائه أشكل. فالأولى الالتزام بربع القيمة، خصوصا مع كونه غالبا أزيد من أرشه، فإنّ الاحتياط حينئذ لا ينبغي تركه.
ثم انّ في كون المراد من الصحيحة ربع قيمة الصيد أو ربع قيمة فدائه كلام آخر، و ربما يؤيد الأخير ما في نص آخر: «ربع الفداء» فإنه يجمع مع
النص السابق بالاجتزاء بربع قيمة فدائه.
و حينئذ لا يبقى مجال لاحتمال ربع قيمة الأصل، خصوصا إذا كان أزيد من ربع قيمة الفداء، لأنّ الأصل حينئذ أيضا ينفيه.
نعم في رواية أبي بصير، في كسر قرني الغزال، نصف قيمته، و كذا في إحدى رجليه (1). و عمل به جمع، و طرحه آخرون لضعف سنده.
و على أي حال يختص هذا الحكم بالغزال، و إلّا ففي غيره يكون مقتضى القاعدة هو الأرش، بناء على تمامية قاعدة الضمان، و إلّا فمسمّى الصدقة أو ربع قيمة البدل، لما ستعرف في كلية غير المنصوص عليه.
ثم انّ من المنصوص أيضا نتف ريش حمامة الحرم، بأن عليه صدقة. و في النص: وجوب إعطائها باليد الناتفة (2)، و حمل خصوصية اليد على الاستحباب، و فيه نظر، لعدم ما يصلح لرفع اليد عن ظهور وجوبه.
ثم انّ النص مختص بالكسر، و في التعدّي عنه إلى الجرح كلام.
و في الجواهر: تقوية الاقتصار على مضمون النصوص، و اجراء قواعد الأرش في الجرح (3). و فيه انه فرع استفادة كون المقام من صغريات باب الضمان، أو ما هو بحكمه، حتى من تلك الجهة. و استفادة كل منهما في غاية الإشكال. فلو لا استفادة فحوى نص الكسر في الجرح لا وجه لثبوت شيء على الجرح.
فالأولى الالتزام بفحوى النصوص المزبورة، و انّ المقصود بالكسر تأثير رميه بأي وجه، و لو جرحا. و مع ذلك لا تخلو المسألة عن تأمل و اشكال، بل يمكن
دعوى الجزم بثبوت الكفارة في الجرح من مجموع الكلمات، و إنما الكلام في مقداره.
و حينئذ فمقتضى الأصل- بعد التردد بين شيء من الصدقة، بناء على إطلاق قوله في رواية السكوني في كسر قرن الصيد: «عليه صدقة، أو الأرش، أو ربع القيمة»- هو الأخذ بالأقل للبراءة من الأكثر.
نعم مع الدوران بين الربع المزبور و الأرش، و لو بطرح رواية السكوني و إجمالها، كان مقتضى الأصل أقل الأمرين، و الاحتياط أكثرهما، كما لا يخفى.
و لكنه بمعزل عن التحقيق، فالمتيقن حينئذ أن يتصدّق بشيء- و لو لاحتماله- و إن لم يبلغ الأرش و لا الربع المعهود، و اللّٰه العالم.
هذا، و من التأمل فيما ذكرنا، ظهر حكم كسر بيض غير المنصوص عليه، إذ في إلحاقها بالمنصوص عليه وجه. كما انه مع الشك ينتهي الأمر إلى نفي شيء رأسا، أو الأرش أو الصدقة بشيء.
و قد تقدّم الكلام فيه الجاري في المقام حرفا بحرف.
نعم في صورة كسر ما هو أعظم من المنصوص عليه، لا يبقى مجال للاقتصار على الأقل من المنصوص عليه، بل لا بد من ملاحظة التساوي أو الأزيد، لانغراس الذهن بأنّ مرتبة الكفارات في المعاصي لا تكاد تنحط عن مرتبة العصيان، فتأمل.
و بعين هذه البيانات نلتزم في المحل في الحرم، و ذلك لأنه- بناء على استفادة حكم إتلاف مثل هذه الجهات من إتلاف أصل الحيوان جريا لقواعد الضمان فيه، بضميمة حمل نص عبد الغفار الوارد في المحل في الحرم،
بقوله «تصدق بصدقة» (1)على الإجمال- فالواجب وجوب الأرش في كلية غير المنصوص عليه بالخصوص، كما هو أيضا مذهب الجواهر في المسألة السابقة (2)، جريا على وفق ما استفادة من مجموع نصوص الباب، بإجراء جميع قواعد الضمان في مثل المقام.
نعم بناء على التشكيك في هذه الكلية، لا محيص عن المصير إلى وجوب شيء، و مع احتمال كونه شيئا من الصدقة، يقتصر عليه، و إلّا فلا بد أن ينتهي إلى أقل الأمرين، من ربع القيمة أو الأرش، للأصل، بناء على التعدّي عن نصوص ربع القيمة إلى المقام أيضا، من دون دخل لتقدير قيمته بفداء مخصوص، كما لا يخفى.
و المسألة بهذه الخصوصية و إن لم نجدها محررة في كلمات الأعلام، إلّا انه يمكن استفادتها من فحاويها، كما لا يخفى على البصير بمذاقهم.
ثم إنّ ذلك كله مع العلم بمقدار عيبه، و لو لم يدر- بعد ما جرح أو كسر- انه على أي حال، لزمه فداء كامل، و ذلك لما في نص أبي بصير و غيره، من قوله: فلا يدري ما صنع «فعليه فداء كامل» (3)، معللا ذلك في خبر أبي بصير، بقوله: «لأنه لا يدري لعله قد هلك». و موضوع هذا النص صورة الجرح، بناء على نسخة اخرى.
نعم بناء على نسخة الاقتصار على العرج، المحتمل كونه لشدة وجعه لكسره و جرحه، كما هو مورد استشهادهم بنفي الشيء فيه على صورة العلم
بعدم تأثيره، فلا بد أن يكون موضوع الرواية صورة احتمال عدم التأثير رأسا، لكن مع اختلال المتن لا حجية للنص في هذه الصورة، لو لا عموم علّته، و هو أيضا كاف في المدّعى، كما لا يخفى.
و حينئذ فاحتمال بعضهم عدم شيء عليه في فرض الشك في أصل التأثير، بتوهم اختصاص النصوص بصورة الكسر، الملحق بها فرض جرحه أيضا، و في غير مورد النص الأصل البراءة، منظور فيه، إذ يكفي حجة في قبال الأصل المزبور عموم العلة المزبورة، كما لا يخفى.
هذا، و في التعدّي في مثل هذا الحكم الوارد على خلاف القاعدة، لكونه من باب إيجاب الاحتياط في الشبهة الموضوعية البدوية، التي هي خلاف عموم أدلّة البراءة عقلا و نقلا، إلى المحل في الحرم، اشكال. و لم أر كلماتهم في هذه الجهة كي نستضيء بنورها، و حينئذ فللتأمل فيها بعد مجال.
لمرسل ابن أبي عمير «كان يكره أن يرمي الصيد و هو يؤم الحرم و يقصده» (1)، و ذهب المتأخرون إلى كراهته، جمعا بين المرسلة و صحيح ابن الحجاج، المشتمل ذيله على نفي شيء عليه تارة، و نفي الجزاء اخرى (2)، و ظاهر تمثيله في ذيله بنصب الشبكة صريح في حرمته أيضا.
و يدل أيضا انه لو أصابه و دخل الحرم فمات فيه أيضا لم يضمن بجزاء، و بمثله يجمع بينه و بين نص عقبة (3)و صحيح الحلبي (4)، المشتملين على
الضمان و الجزاء، بحمل الأخيرين على الندب، كما لا يخفى.
ثم انّ الأخبار النافية بفحواها يشمل ما لو أصاب بين البريد و الحرم، و يسمّى بحريم الحرم. و يستفاد منها بضم المثبتة منها الكراهة فيه أيضا، و كذا استحباب جزائه.
و لو بجر رباطه الملازم لجره و إخراجه من الحرم، بلا اشكال فتوى و نصا، و يكفى من النص قوله تعالى وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (1).
و في الصحيح أيضا في موضوع الفرض: «و ثمنه و لحمه حرام» (2).
و نظيره أيضا: «لو كان الرجل في الحل فرمى صيدا في الحرم فعليه فداؤه» (3).
و في الصحيح: «و ما دخل من الوحش و الطير في الحرم كان آمنا من أن يهاج و يؤذى، حتى يخرج من الحرم» (4). و ظاهر ذيله كون خروجه بتمامه محلا لا بذاته، فيشرح به دخوله في صدره، و لو بدخول جزء منه.
و حينئذ فلو كان بعضه في الحل و بعضه في الحرم يحرم ايذاؤه و لو بإصابة جزئه الواقع في الحل، فضلا عما هو واقع في الحرم، كما لا يخفى.
بل و لو كانت شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحل، و على فرعها طير فأصابه رمي من المحل، كان أيضا حراما، للنص المعلّق بكون أصلها في
الحرم (1). و لو كان الأمر بالعكس، ففي استفادة حلية الصيد من هذا النص اشكال، لو لا إطلاق مفهومه.
و يؤيده نص آخر في نفس الشجرة و فرعها، و صرّح بأنّ المدار في الحرمة على أصلها لا فروعها (2).
و مما ذكرنا أيضا ظهر حكم من دخل بصيد في الحرم وجب عليه إرساله، بل لو أخرجه فتلف كان ضامنا.
و استدل له بجملة من النصوص غير الشاملة لحكم التلف بعد الإخراج.
اللهم إلّا أن يتشبث باستصحاب ضمانه، بعد الجزم بحصوله بالإدخال.
نعم في السبع كالفهد و غيره قام النص بجواز إخراجه، لقوله «كلما أدخلت من السبع الحرم أسيرا فلك أن تخرجه» (3).
و لو كان الطائر مقصوصا وجب حفظه حتى يكمل ريشه ثم يرسله، لصحيح البختري (4).
و في الصحيح أيضا انه: «لو ذبح الصيد في الحل ثم جيء به مذبوحا في الحرم لا يحرم على المحل» (5)، و عليه الفتوى أيضا، فلا اشكال.
كما أنه لو رمى بسهم في الحل و دخل السهم في الحرم، ثم خرج و قتل صيدا في الحل، فلا حرمة و لا ضمان، للأصل و لا يقاس ذلك بما لو رمي من الحرم فأصاب صيدا في الحل، فإنّ في النص حرمته و ضمانه أيضا، للتعليل بأنّ الآفة جاءته من الحرم، إذ المنصرف منه صورة كون أصل الرمي منه،
لا مثل المقام، و لا أقل من الشك في شموله فيرجع إلى البراءة.
لاستناد الإتلاف إليه، و كذا الراكب إذا وقف بها. و أما إذا سار ضمن ما يجنيه بيدها و رأسها كالقائد، و في صحيح أبي الصباح: «ما وطئته بعيرك أو دابتك و أنت محرم فعليك فداؤه» (1)، و إطلاقه يقتضي الضمان مطلقا في الراكب و غيره، برأسه أو برجليه.
و قيل: لا قائل بعمومه، و لعلهم قاسوا المقام بباب الإتلاف في كتاب الغصب، و هم ملتزمون فيه بالتفصيل المزبور، جارين ذاك التفصيل في المقام أيضا. و لعله من استفادة التشكيك في صدق الإتلاف بالنسبة إلى الراكب و القائد في غير التلف برأسه أو بدنه. و تتمة الكلام مبني على تلك المسألة، فإن تم التشكيك المزبور فهو، و إلّا فللنظر في إلحاق الباب بما هناك مجال.
و بالجملة المدار في الجزاء و الحرمة في المقام على صدق إسناد الإتلاف إليه و لو تسبيبا، الذي منها تلف الطفل بإمساك امه، و لو في الحل.
و هكذا إتلاف الصيد بإرساله كلية من الحرم، سواء أصابه في الحل أو الحرم، بل في الأخير تتضاعف الكفارة من المحرم، و هكذا لو تلف بتنفيره أو أخذه جارح، بل و لو وقع الصيد في شبكة، و أراد تخليصه، فتعيّب بتخليصه، قيل: ضمن، و قيل بعدم الضمان، لقاعدة الإحسان.
و في الجواهر: لا تنافي بين قاعدة الإحسان و الضمان بعموم مقتضيه، من صدق الإتلاف (2).
و فيه: انه كذلك لو لا اقتضاء نفي السبيل على المحسن لنفي ضمانه، و إلّا فهو حاكم على عمومات الضمان في المقام و في سائر الموارد، إذ هو ناظر إلى نفي ما هو بمقتضاه، لو لا الإحسان ثابتا، فلا وجه لإثباته في المقام، مع صدق الإحسان في حقه.
لصحيح الحلبي المشتمل على قوله: «و لا تدلن عليه محلا و لا محرما فيصطاده، و لا تشر اليه فيستحل من أجلك، فإنّ فيه فداء لمن تعمده» (1)، و ظاهره الفداء على الدال.
و في آخر أيضا: «إن دل فقتل فعليه الفداء» (2)، و الظاهر إلحاق الجرح و الكسر بالقتل، إذ المنساق من الرواية عدم كون التلف من أجلك، من دون خصوصية لأنحاء التلف، من تلف جزء أو وصف صحته، أو تلف تمامه بهلاكه.
لا يضمن، للأصل. و كذا لو شك في كونه في الحرم، أو في الحل، بالنسبة إلى المحل أو المحرم في تضاعف كفارته، كل ذلك للأصل، كما لا يخفى.
كذلك لو كان صيدا و شك انه صيد بر أو بحر، لو لا إطلاق حرمة الصيد، و إنما الخارج صيد البحر، فإنّ أصالة عدم البحرية تثبت الحرمة و الضمان، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
هذا كله حكم جزاء الصيد.
. و فيه مسائل):
أو في أثنائهما قبلا أو دبرا، عامدا عالما بالتحريم بطل حجة، و عليه إتمامه و القضاء من قابل و بدنة و الأصل في ذلك ما في المستفيضة فيمن واقع أهله، و في بعضها: «انه إن كان جاهلا فلا شيء عليه، و إن لم يكن جاهلا فإن عليه أن يسوق بدنة، و يفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، و عليهما الحج من قابل» (1).
و في نص آخر: «إن لم يجد بدنة فإطعام ستين مسكينا، و إن لم يقدر على الإطعام فصيام عشرة أيام، و عليها أيضا مثله إن لم تكن مكرهة» (2).
و في ثالث: التصريح بأنّ على المكره فداءان (3).
و في رابع: قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: «الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، و الأخرى عليهما عقوبة» (4).
و لا يخفى انّ صريح هذا النص صحة الحج الأول، و كون الباقي عقوبة،
و إليه أيضا ذهب جمع من الأعاظم، و لازمة الاجتزاء به في القضاء عنه وليه، أو استحقاق النائب بمثله الأجرة، برء نذره به.
لكن في بعض النصوص انّ «الرفث فساد الحج» (1)، و يؤيد تعبير فساده بالجماع في كثير من الفتاوى و المتون، و لازمة عدم ترتيب الآثار المزبورة إلّا على الثاني لا الأول، بل يجب إتمامه عقوبة، أو من جهة عدم خروجه عن إحرامه إلّا بإتيان محللاته، المنوطة بإتيان مناسكه في محلها، كي به يقدر على إحرام جديد لحج مستأنف.
و يمكن حمل الفساد في النص و الفتوى على الفساد الحكمي، بملاحظة عدم جواز الاقتصار عليه، و وجوب إعادته.
بل من الممكن نقص الأولى و فسادها على وجه قابل للتدارك بالإعادة، نظير تدارك نقص الصلاة بسجدتي السهو أو ركعتي الاحتياط.
و بهذا المعنى أطلق عليه أنه لهما، و انه لا يتم إلّا بالثانية. و إطلاق العقوبة أيضا بهذه العناية. و لازمة ترتب الآثار المزبورة بتمام الثانية، لا بصرف الأولى.
لكن الإنصاف انّ كون الثانية عقوبة لا يلائم هذا المعنى، إذ مرجعه إلى كونه جريمة، و مرجع ما ذكرنا إلى كونه جابرا، و الجبران غير الجريمة.
و حينئذ فالتوجيه الأول- في مقام الجمع بين النصين- أولى من الثاني.
و مثله أيضا يلائم مع كون الجماع مثل سائر المحرمات مضرا بالحج، و إنما شدة مفسدته توجب حجا آخر عقوبة، فإطلاق الفساد عليه بهذه العناية، و اللّٰه العالم.
1) وسائل الشيعة 9: 257 باب 3 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 8.
ثم انّ إطلاق الأخبار يشمل الحج الواجب و المندوب، كما انّ إتيان الأهل أعم من الدائمة و المنقطعة، بل و ملك اليمين، لصدق أهله عليه أيضا.
و في جريان الحكم مع الزنا اشكال، لو لا دعوى شمول الجماع المفسر به الرفث، الذي به فساد الحج لمثله. و على تسليم الحكم في الزنا، ففي جريانه في اللواط أشكل، لانصراف الجماع عنه، و لذا استشكل فيه الحلبي و لم يوجب فيه إلّا البدنة (1).
و في الجواهر أيضا الإشكال في وجوب البدنة (2)، لأنه مقتضى صرف النصوص عنه مع ان ثبوته إجماعي. فكأنه يؤيد ثبوت بقية الأحكام فيه، و فيه تأمل. فالمسألة لا تخلو عن اشكال، و أشكل منه وطء الحيوانات للأصل.
ثم في شمول النصوص لوطء الدبر تأمل آخر.
لكن الانصاف عدم قصور في شمول عنوان إتيان الأهل لمثله، لأنه أحد المأتيين، كما في النص (3).
و أيضا مقتضى النصوص اختصاص الحكم المزبور بالعالم العامد، فالجاهل و الناسي و الساهي لا شيء عليه، فيصح حجه بلا اعادة، فلو جهل أحدهما دون الآخر، يختص العالم بالحكم المزبور لا الجاهل.
و إطلاق النص و الفتوى يشمل الجاهل بالموضوع أو الحكم، و لذا عبّروا بالعامد، بعنوان الجماع عالما بالتحريم، و كونه محرما، فلو انتفى واحد منها لا تشمله الإطلاقات.
كما انّ الظاهر من قوله: «و إن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل» (1)انّ الحكم مختص بالجماع قبل إتمام الوقوف بالمشعر، و ستأتي تتمة الكلام فيه.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: سواء كان الحج فرضا أو نفلا، لما عرفت من إطلاق المستفيضة، و أن عليها مثل ذلك إن طاوعته كما هو مصرّح به في بعض النصوص المتقدمة.
و عليهما الافتراق و هو أن لا ينفرد بالاجتماع إن حجا من قابل في موضع المعصية إلى، أن يفرغا من المناسك، كما هو المنصوص في صحيح ابن عمار (2)، و مرفوع أبان (3)، و مرفوعة أخرى (4).
و أيضا لو أكرهها صح حجها و يتحمل عنها الكفارة بلا اشكال، و في بعض النصوص: «ليس عليها شيء» (5)، و إطلاقه يشمل نفي اعادة الحج و البدنة. و في النص الآخر عند كونها مستكرهة: «على الرجل البدنتان، و عليهما الحج من قابل» (6)و ذيله يحمل على الاستحباب، بقرينة النص الأول.
و لو كان الجماع بعد الموقفين صح الحج، و وجبت البدنة على كل منهما مع اختيارهما، كما في النص المشار إليه آنفا، بعد جبر سنده
1) وسائل الشيعة 9: 261 باب 6 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 255 باب 3 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 256 باب 3 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 6.
4) وسائل الشيعة 9: 257 باب 3 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 9.
5) وسائل الشيعة 9: 259 باب 4 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 259 باب 4 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 2.
بفتوى المشهور. و يؤيده مفهوم قوله: قبل أن يأتي المزدلفة، بعد تقييده ببعد إتمام الوقوف فيها، لا في أثنائها.
و لعله من جهة ما في بعض النصوص من قوله: فيمن واقع يوم النحر قبل طواف الزيارة، من قوله عليه السلام: «إن كان بشهوة فبدنة، و إلّا فبقرة أو شاة» (1)بناء على جعل قوله: «إن كان بشهوة» كناية عن تعمده بالجماع، عالما بالتحريم، و أنّ المراد من قوله «و إلّا» أي فإن لم يتمكن من البدنة، لا فإن لم يكن بشهوة، و إلّا فلا بد من طرحه، لعدم القول به.
و يؤيد الاحتمال الأول ما في خبر علي بن جعفر في تفسير الرفث، حيث قال: «فمن رفث فعليه بدنة، و إن عجز فعليه شاة» (2)، بناء على حمل إطلاقه- بقرينة الرواية السابقة- على ما بعد الوقوف بالمشعر، كما انّ إطلاق تعيين الشاة أيضا ينزل على عدم اختيار البقرة بشهادة النص السابق.
كما انّ بهذا النص يحمل قوله «إلّا» في السابقة على عدم التمكن من البدنة، لا عدم الشهوة، فبكل نص ترفع اليد عن ظاهر الآخر.
لكن ذلك كله لو لا شبهة وهن السند في أمثال هذه النصوص، بعدم عامل بظاهر كل واحد، و تردد ذلك بين بنائهم على الجمع المزبور، أو على الطرح و الاعراض عن السند.
مع هذا الاحتمال لا يبقى وثوق بالسند، كي ينتهي الأمر إلى الجمع بينهما بما ذكر، و لعله لذلك قال في المدارك بعدم ظفره، على مستند الرجوع الى بدل البدنة (3)، خصوصا مع ما في بعض النصوص في ظرف العجز عن الجزور قال: ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له و لا يفسدوا حجه، ساكنا عن بدله رأسا.
و لقد جعل في تكملة استاذنا أيضا التنزل إلى البقرة أحوط- و كذا التنزل إلى الشاة في ظرف العجز عن البقرة، و لعل نظرهم الى فحوى ما ورد في الجماع قبل طواف النساء- على ما سيأتي بيانه، لكن على فرض دلالته على الترتيب المزبور يمنع فحواه على وجه يجري في المقام، و اللّٰه العالم.
لإطلاق «إن جامعت بعد وقوف المشعر فعليك بدنة و لا حج عليك» (1).
و إن عجز عنها فعليه بقرة أو شاة، و لعله من جهة ما في نص خالد في الجماع قبل طواف النساء، المشتمل على جواب الإمام تارة بالبدنة و اخرى بالبقرة، و ثالثة بشاة، معتذرا عن ذلك بقوله: «أنت موسر عليك بدنة، و على الوسط بقرة و على الفقير شاة» (2).
و لا يخفى أن استفادة التخيير بين البقرة و الشاة، إنما هو مبني على إطلاق الفقرتين، و إلّا- كما يوهمه التفصيل بين الفقير و المتوسط- كانت الشاة في ظرف العجز عن البقرة، و مع هذا الإيهام لا يكون في هذه الفقرات حجة على التخيير، فينتهي الأمر حينئذ إلى التعيين و التخيير، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و لو كان قد طاف منه أي من طواف النساء خمسا فلا كفارة، لرواية حمران المشتملة على نفي الشيء بمضي خمسة أشواط، مع جعل البدنة في الثلاثة (3)، فإنه في غاية الظهور في توجه نفي الشيء في الخمسة حينئذ إلى البدنة.
نعم في بعض النصوص: «له أن يقرب النساء إذا زاد على النصف» (1)، فإن سلمنا الملازمة بين الجواز و نفي الكفارة، كانت هذه الرواية قرينة على التصرف في السابقة، بتخصيص ما دل على ثبوت البدنة بالجماع بعد الوقوف بالمشعر بهذه الصورة، و إلّا فالمرجع العموم المزبور إلى أن تمضي الخمسة بالنص المزبور آنفا.
و عليه فعمدة الإشكال في الملازمة المزبورة، و لقد اعترف بها العلّامة الأستاذ قدّس سرّه في تكملته، و المسألة لا تخلو عن اشكال، و اللّٰه العالم.
عمرته، و عليه بدنة و قضاؤها، أي العمرة و إتمامها، بلا اشكال ظاهرا في العمرة المفردة، و تكفي له المستفيضة المشتملة بعضها على إفساد الجماع قبل أن يفرغ من طوافه و سعيه (2)، و في آخر قبل سعيه (3)، و إطلاق الأول يشمل حال دخوله في سعيه قبل الفراغ منه، و هو المحكم، لعدم المعارضة. فما عن المصنف من التقييد بقبل السعي منظور فيه، إلّا أن يحمل على ما قبل فراغه منه.
و موضوع نصوص الباب طرا العمرة المفردة، و في التعدّي إلى المتمتع بها- كما هو ظاهر إطلاق المصنف و الشرائع (4)أيضا- إشكال، و لعله لفحوى ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار: عن رجل متمتع وقع على امرأته و لم يقصّر، قال، «ينحر جزورا، و قد خشيت أن يكون ثلم حجه إن كان عالما، و إن كان جاهلا فلا شيء عليه» (5)بتقريب أن الخوف من تطرق الفساد بهذا الجماع
يقتضي عرفا تحققه قبل ذلك، و هو قبل الفراغ عن السعي، و فيه ما لا يخفى.
كيف و من المحتمل أن حكمه جعل الكفارة، لئلا يتجرأ من بعد ذلك فيفسد حجه بالجماع قبل الوقوفين، و حينئذ لا اقتضاء فيه لفساد عمرته أصلا، و من جهة هذه التشكيكات في النص المزبور اختار العلّامة الأستاذ في تكملته أيضا عدم التعدّي من العمرة المفردة إلى المتمتع بها، فراجع.
ثم انه لو بنينا على فساد العمرة المتمتع بها، ففي وجوب إتمامها بحجها و إعادتها في القابل اشكال آخر، من كون العمرة مرتبطة بالحج فإتمامها ملازم مع الإتيان بحجها، و من انّ الارتباط في الصحيح منه دون الفاسد.
اللهم إلّا أن يدّعي انّ إطلاق الفساد عليها كإطلاقه في الجماع قبل الوقوفين في الحج. و قد تقدّم أنّ صريح النص أن الأول له و الثاني عقوبة، فيتعدّى منه بالفحوى، فيجب إتمام حجه جزما، و إعادتهما عقوبة من قابل.
و في الجواهر التشكيك في أصل فساد العمرة (1)، و على فرض الفساد فالتشكيك في وجوب إتمام حجه، بتوهم كون الأول فاسدا، فلا يشمل ذلك دليل الارتباط.
و قد أجاد فيما أفاده أولا، لكن فيما أفاده أخيرا نظر و تأمل، لقوة جريان فحوى ما دل على أنّ الثاني في الحج عقوبة في المقام أيضا، و لازمة بقاء دليل الارتباط بحاله، فيجب إتمام حجه أيضا ثم إعادتهما عقوبة، و انّ إطلاق الفساد عليه بعناية لزوم الإعادة، بل و على فرض ورود نقص فيه قابل للجبر بالثانية، كان دليل الارتباط أيضا وافيا بإتمام حجه أيضا، بلا وجه لدعوى انصرافه إلى الحج التمام الكامل، غير المحتاج الى الجبر.
1) جواهر الكلام 20: 354.
نعم لو قلنا بالفساد رأسا، كان لما أفيد من انصراف دليل الارتباط عن المقام وجه، لكن أتى لنا بإثباته، و اللّٰه العالم.
ثم في جملة من النصوص: «و عليه أن يقيم بمكة محلا حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، فيخرج إلى الوقت الذي وقّته رسول اللّٰه، فيحرم منه و يعتمر» (1).
و في نص آخر: «يقيم إلى الشهر الآتي فيعتمر» (2)، و لازمة إتمام هذه العمرة مقدمة لإحرام جديد، بناء على فسادها، و إلّا فيجب إتمامها صحيحة.
ثم في وجوب العمرة في خصوص الشهر الآتي متصلا بهذا الشهر نظر، من ظهور الخبر الثاني، و من إطلاق الأول لو لا ظهور الفاء في التعقيب بالاتصال.
و مع الإجمال فرضا يرجع الشك إلى الأقل و الأكثر، للشك في التقييد بالشهر الأول.
نعم لو علم بتقييده بشهر مردد بين الأول أو أحد الشهور بنحو التخيير، كانت المسألة من صغريات مسألة التعيين و التخيير، و الأصل فيها التعيين كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الأمر بالإعادة، كفاية أول وجود الطبيعة في امتثال الأمر بالإعادة، عن قبل إفساد حجه أو عمرته.
و حينئذ فلو أفسد حجة المعاد أيضا، تجزئه حجة واحدة صحيحة بعده،
لإفساده الأولى، بلا اقتضاء الحج المعاد عقوبة لإعادة أخرى، لأنّ المنصرف من الإطلاقات كون الإعادة بإفساد فريضته الأصلية، أو المستحب عليه بأصل الشرع، لا ما وجب عليه عقوبة، إذ لا ينصرف الذهن إلى عقوبة أخرى للعقوبة، كما انه لو بنينا على كون الثاني حجة المشروع فريضة أو ندبا، لا قصور أيضا في اقتضاء الإطلاقات الاكتفاء بحجة واحدة صحيحة، امتثالا لأمر فرضه أو ندبه.
و عليه فالاختلاف في الحج من كونه عقوبة أو فريضة، لا ينتج في المقام شيئا.
كما انه لو قلنا بوجوب البدنة بالجماع في كل حج صحيح أو عمرة صحيحة لازمة تكرار البدنة بتكرار الإفساد، لعدم تداخل الأسباب، إلّا أن يقال بانصراف دليل البدنة إلى إفساد فريضة أو مندوبة بأصل الشرع، فينتج النزاع السابق في المقام.
و في الجواهر بعد التزامه بكفاية حج واحد قال: و أما البدنة ففي تكررها أوجه (1).
ثم إنه لو جامع بعد الفراغ من سعي العمرة المفردة، فالمشهور أنه لا اعادة عليه، و عليه البدنة، و لعله لمفهوم النصوص الواردة، من عدم الفساد بالجماع بعد الفراغ من السعي. و على فرض منع المفهوم، يكفي في نفي وجوب الإعادة الأصل، و أما وجوب البدنة فلما ورد في العمرة المتمتع بها من صحيح معاوية بن عمار، حيث أثبت فيه الجزور بجماعة قبل تقصيره، بضميمة التعدّي عنه إلى العمرة المفردة، بعدم الفصل بينهما في الكلمات من تلك الجهة.
1) جواهر الكلام 20: 354.
هذا، لكن يظهر من تكملة أستاذنا العلّامة- أعلى اللّٰه مقامه- عدم التعدّي إلى العمرة المفردة، بل في المتمتع بها أيضا التزم بالتخيير بين البدنة و البقرة و الشاة. و لعله للجمع بين النص المزبور مع ما في صحيح الحلبي من بقرة أو شاة (1)، و صحيح عمران من دم شاة (2)، فترفع اليد عن تعيين كل واحد بالحمل على التخيير.
و حينئذ فعلى فرض تمامية عدم الفصل يجيء في المفردة التخيير المزبور، لكنه لم يعهد في كلماتهم ذلك، و ربما يوهن مثل هذه دعوى عدم الفصل بينهما.
و حينئذ ففي وجوب البدنة بعد مضي السعي اشكال، خصوصا على فرض المفهوم للنصوص، لكن الانصاف منع تمامية المفهوم.
نعم يمكن دعوى جريان استصحاب ملازمة الجماع مع البدنة سابقا، و يشك في ارتفاعها بتمام السعي، و ذلك بدعوى تجريد العرف التقييد بقبل السعي عن موضوع الملازمة، و يجعل ذلك من قيود علمه بها، و طرفا، لثبوت الملازمة المزبورة نظير تجريد الغليان في إضافته إلى العنب في الحكم بملازمته مع النجاسة، المستصحبة إلى زمان الزبيبية.
و حينئذ نقول: إنه بناء على جريان هذا الأصل، يلزم الحكم بوجوب الإعادة أيضا بالاستصحاب، بعين التقريب المزبور و لا يبقى معه مجال للأصل النافي كما توهم.
نعم الذي يسهّل الخطب في المقام إطباقهم على عدم الإعادة، و ذلك يكفي في نفي جريان الاستصحاب المزبور.
و أما البدنة فالمشهور على إثباتهم و إن لم يبلغ إلى حد الإجماع، و لكن يكفي فيه استصحاب ثبوتها بالتقريب المتقدّم.
هذا مع أنّ المحكي عن ابن عقيل فتواه بعدم الإعادة و وجوب البدنة في فرض الجماع قبل السعي، و عدم فتواه بشيء في فرض الجماع قبله، معتذرا بعدم حفظه عن الأئمة شيئا في هذا المقام.
و من المعلوم أنّ الظاهر من ذلك كون فتواه في الشق الأول مستندة إلى رواية عن الأئمة واصلة إليه، و حينئذ كان ذلك بمنزلة مرسلة بالنسبة إلينا، محكية إجمالا، مع الجزم بعدم استفادته الحكم من مفهوم النصوص المزبورة، و إلّا فهي صريحة في حكم الفرض الأخير، فلا معنى لعدم حفظه.
و بعد مثل هذا الظهور لا بأس بالاتكال على مثلها، إذا كانت منجبرة بالشهرة، فتدبّر، و اللّٰه العالم.
هذا و مؤيدا ذلك بما في النص الآتي في اللعب بامرأته، بأنّ عليه الكفارة، و انه مثل الذي يجامع. إذ الظاهر من ذلك كون الجماع ملزوم الكفارة إلّا ما خرج.
فإن عجز فبقرة، فإن عجز فشاة، كما عن جملة من الأعاظم، بل في الجواهر نسب إلى المشهور (1).
و يدل عليه موثقة أبي بصير: رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى، قال: «إن كان موسرا فعليه بدنة، و إن كان متوسطا فعليه بقرة، و إن كان فقيرا فعليه شاة» (2).
و في رواية معاوية في محرم نظر إلى غير أهله، «عليه دم» (1).
و في صحيح زرارة: «عليه بدنة أو بقرة، و إن لم يجد فشاة» (2).
و لا يخفى أنّ الأمر يدور بين رفع اليد عن الإطلاق في الأخيرين، و حمل التفصيل على الفضيلة، أو تقييده بالمفصل بين الأمور الثلاثة، و انّ التخيير الثاني أيضا محمول على الترديد في فرض وجود أحد الموضوعين، وجهان، لا يبعد ترجيح الثاني، لضعف الإطلاقات، خصوصا إطلاق الدم، لقوة كونه في مقام الإهمال من هذه الجهة، كما لا يخفى.
ثم انّ ذيل الرواية الأخيرة ظاهر في كون عنوان الموضوع هو الفقير غير الواجد، بخلاف الاولى حيث أخذ العنوان فيه الفقر. فالأمر يدور بين حمل عنوان الفقير عليه تنزيلا، للإطلاق على الغالب، أو حمل عدم الوجدان على الفقير بعين هذا الوجه. و حيث لا ترجيح، مع الجزم بوحدة المناط لمثل هذا الحكم، يسقطان عن ظهورهما في الفقر أو مجرد عدم الوجدان، فالمرجع في غير المجمع هو الأصل، لأنه من باب العلم الإجمالي بين شخصين، فلا يكون منجزا للحكم في واحد منهما.
هذا، لكن الإنصاف أن التعبير باليسار في رواية البدنة كناية عن التمكن من تحصيلها لا الغناء و لو لا يتمكن، فينزل الفقير في ذيله على من لا يسار له، فيصير تمام المدار على الوجدان و عدمه، كما عن المصنف و جماعة.
و في الشرائع جعل العنوان الموسر و المعسر، و هو أيضا يساوق ما في المتن، فتدبّر.
ثم انه مع عدم التمكن من الشاة، قيل ينتقل الفرض إلى صوم ثلاثة أيام.
و لعله للتعدّي عما ورد في كفارة الصيد، بل في الرياض: تعليله بأنه أصل عام (1). و فيه: انه لا وجه له، لعدم مساعدة دليل عليه، كما لا يخفى. و لقد أجاد في الجواهر في إنكاره مثل هذا الأصل على الرياض (2).
و لو نظر إلى أهله بغير شهوة فأمنى فلا شيء عليه بلا خلاف ظاهر، و إن كان بشهوة فجزور على ما نسب إلى جملة من الأعاظم.
و عمدة الوجه في هذا التفصيل الجمع بين النصين، المشتمل أحدهما على نفي الشيء بإطلاقه (3)، و الآخر على النظر بشهوة إلى امرأته فجزور (4). و بمثلهما ترفع اليد عن إطلاق المرأة في النصوص السابقة، بحملها على الأجنبية، لو لم نقل بانصراف مثل هذا التعبير إليها.
نعم في نص آخر: نفي الشيء في نظره الى امرأته بشهوة أيضا (5).
لكن إعراض الأصحاب يوهن سنده، و إلّا فيكون قرينة حمل الجزور على الفضيلة.
مع امرأته كان عليه الجزور، بل و على المرأة أيضا مع المطاوعة، لصحيح ابن الحجاج: عن الرجل يبعث بامرأته حتى يمني و هو محرم من غير جماع، الى أن قال: «عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع» (6)بناء على حمل الجزور على البدنة، و إلّا فعلى الجماع بدنة.
1) رياض المسائل 1: 469.
2) جواهر الكلام 20: 386.
3) وسائل الشيعة 9: 274 باب 17 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
4) وسائل الشيعة 9: 274 باب 17 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 3 و 4.
5) وسائل الشيعة 9: 274 باب 17 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 3 و 4.
6) وسائل الشيعة 9: 271 باب 14 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
ثم انّ ظاهر الاقتصار في صدره على الكفارة يكشف عن المماثلة للجماع في خصوصها، لا الإعادة.
و توهم انّ الإعادة حكم جماع خاص، مما كان حكم الجماع مطلقا هو الكفارة في الإحرام للعمرة أو الحج، مدفوع بأنّ الكفارة أيضا حكم جماع خاص، و هو الجماع قبل خمسة أشواط في طواف النساء، فالأولى ما ذكرنا في وجه التفكيك بين الإعادة و الكفارة.
نعم قد ورد النص في باب الاستمناء باليد، حيث قال: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال عليه السلام: «أرى عليه مثل ما على من أتى أهله و هو محرم، بدنة و الحج من قابل» (1). و إليه ذهب جمع غفير، و في الشرائع قوى عدمه، جمعا بينه و بين صحيح ابن عمار من عدم القضاء لو جامع دون الفرج (2).
و لكن ذلك صحيح لو كان المراد من العبث بذكره مطلق اللعب به، و لو بوضعه فيما دون الفرج، و إلّا فلو كان المراد العبث به بيده الفعل الشنيع المعروف، فهو موضوع آخر غير الملاعبة مع الأهل، و لو بوضع ذكره فيما دون الفرج.
و عليه فيحتاج الجمع المزبور على إحراز وحدة الحكمين من الخارج، و إلّا فلا مانع من تخصيص الملاعبة المعروفة ملحقا، بالجماع لشناعته في اقتضاء القضاء أيضا.
لكن الانصاف منع اختصاص الملاعبة بالذكر بغير الوضع فيما دون الفرج، بل هو أيضا من مصاديقه. و بعد ذلك يمكن دعوى الجزم بعدم
التفصيل في مصاديق عنوان واحد. و حينئذ يصلح صحيح ابن عمار شاهدا على نفي القضاء في مطلق العبث بالذكر، كما هو مختار المحقق.
و لو مس امرأته بغير شهوة، أمنى أم لم يمن، لم يكن عليه شيء، و إن مس امرأته بشهوة أمنى أم لم يمن فعليه شاة. و ذلك كما في النص عن الحلبي المفصل بين المس بلا شهوة، فقال: «نعم يصلح خمارها» (1)، و بشهوة فقال: «يهريق دم شاة» (2). و في نص آخر، التصريح بنفي الشيء في المس بلا شهوة و في الشهوة يهريق دما، و ما في نسخة اخرى: دم شاة (3).
و لو قبّل امرأته بغير شهوة فعليه شاة، و لو كان بشهوة فعليه جزور، لجملة من النصوص المثبت للجزور في التقبيل بنحو الإطلاق، بضميمة نص آخر مصرح بأنّ في التقبيل بغير شهوة شاة، نعم في ذيله: «إن كان بشهوة فأمنى فجزور» (4).
لكن لا ينافي مع الإطلاق السابق، بعد قابلية حمل الثاني على الغالب، مع فوران الشهوة، و إليه أيضا ذهب في الشرائع (5)، و هو مختار الجواهر أيضا (6).
و بمثل هذه النصوص يشرح ما ورد بأنّ في القبلة دم شاة، بالحمل على غير
1) وسائل الشيعة 9: 274 باب 17 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 2.
2) وسائل الشيعة 9: 276 باب 18 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 275 باب 17 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 6.
4) وسائل الشيعة 9: 276 باب 18 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 3.
5) شرائع الإسلام 1: 295.
6) جواهر الكلام 20: 391.
الشهوة، كما انّ إطلاق الدم في النص آخر أيضا يفسر بما ذكر، و اللّٰه العالم.
و لو استمع لمن يجامع فأمنى من غير نظر، لم يلزمه شيء، للنص الوارد بهذا المضمون في موثق سماعة (1)، و حكي دعوى نفي الخلاف فيه أيضا.
ثم انهم لم يتعرضوا لحكم النظر إلى الأجنبية، أو تقبيلها، أو مسها و في التعدّي من حكم امرأته إليها إشكال، لإمكان كون جبرانه لشدة شناعته موكول إلى الآخرة، فلا شيء عليه في هذه النشأة، بل الأصل البراءة بعد عدم شمول الدليل. و لم أر من تعرض له، فكأنّ سكوتهم كاشفا عما ذكرنا، خصوصا مع تعرضهم لذلك في فرع النظر. و لعله لخفة عصيانه بالنسبة إلى بقية العناوين، فكان قابلا للجبران بالكفارة دونه.
و ربما يؤيد ما ذكرنا ما ورد من تكرار الكفارة في قتل الصيد خطأ، و عدم تكررها في عمده، مع أنّ الثاني أعظم، فراجع.
و من هنا لا مجال لجعل الأشنعية من معصية أخرى منشأ لإسراء حكم كفارتها كما لا يخفى، فما في جملة من الكلمات في بعض المقامات، في إثبات الكفارة في مورد، بمناط الأشنعية منظور فيه، فراجع كلماتهم في المطولات، و اللّٰه العالم.
و لو حج أو اعتمر ندبا فأفسده ثم أحصر، كان عليه بدنة للإفساد، لإطلاق النصوص السابقة، و دم للإحصار، لما سيأتي من إطلاق نصوصه لمثل المقام، بملاحظة دخل إراقة الدم في تحلله، و كفاه قضاء واحد لعمرته في شهر
1) وسائل الشيعة 9: 278 باب 20 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
آخر أو لحجة في سنة أخرى، لعموم وجوب القضاء عقوبة، حتى في إفساد المندوب، الشامل بإطلاقه أيضا للمقام.
نعم لو كان حجه واجبا بأصل الشرع، يجب عليه أيضا إتيان حجه زائدا عن قضائه. و الفرق انّ المندوب غير واجب في نفسه، و إنما يجب إتمامه بملاحظة احتياج تحلله إلى مناسكه، لا أنه بنفسه واجب. و المفروض حصول تحلله بالإحلال الصدّي، فلا يجب عليه إلّا القضاء بالإفساد.
و هذا بخلاف الحج الواجب عليه بالشرع أو غيره، فإنه يجب عليه في القابل حجان: أحدهما قضاء لما أفسد، و الآخر امتثالا لأمر حجه، لإطلاق دليلهما لمثل المقام المقتضي لعدم التداخل، و اللّٰه العالم.
بلا خلاف ظاهرا، و يدل عليه أيضا فحوى موثقة سماعة الواردة في عقد المحل لمحرم، حيث قال: «لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوج محرما، و هو يعلم أنه لا يحل له»، قلت: فإن فعل فدخل بها المحرم، قال: «إن كانا عالمين، فإنّ على كل واحد منهما بدنة» (1). و تضعيف بعض لسند الرواية مع موافقتها لمذهب المشهور، منظور فيه، فلا بأس الأخذ بها منطوقا و فحوى.
و بذلك يستفاد حكم المحلل أيضا، و إطلاقه يشمل لو كان العاقد نفسه.
و توهم الانصراف مدفوع، و على فرض تسليم الانصراف يتعدّى إلى عقد نفسه أيضا بالفحوى، كما لا يخفى، هذا.
سواء الصبغ و الاطلاء و البخور
1) وسائل الشيعة 9: 279 باب 21 من أبواب كفارة الاستمتاعات حديث 1.
و الأكل، بلا خلاف على المحكي، عدا ما عن المقنعة (1)في الاستبصار، حيث أفتى بمضمون جملة من النصوص الآمرة بالتصدّق بمقدار ما صنع تارة (2)، و بالإطلاق أخرى (3).
و في نص آخر: تخصيص ذلك بحال السهو، و أما عمدا فدم شاة (4).
و في نص آخر: «إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء، و إن كان عامدا فعليه دم شاة» (5).
و الروايات المفصلة قرينة على حمل مثل هذه الأوامر على صورة السهو، كما أنه- بقرينة نص مشتمل على نفي الشيء- محمول على الاستحباب، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ في الروايات المشتملة على الدم التصريح بالأكل و التداوي في القرحة بمثل اطلائه، و يتعدى منهما إلى سائر استعمالاته المذكورة في المتن، بل في نصوص الصدقة- المحمولة على السهو- النهي عن مسه و التلذذ به و الإمساك بأنفه عن الاستشمام، فيتعدّى بمثلها إلى حرمتها متعمدا، و انّ عليه دم الشاة، لعدم الفصل.
و لا بأس بخلوق الكعبة و إن كان فيه زعفران، لما في صحيح يعقوب: المحرم يصيب ثيابه زعفران من الكعبة، قال: «لا يضره
و لا يغسله» (1)، و قد تقدّم الكلام فيه في تروك الإحرام فراجع.
و أيضا لا بأس بأكل الفواكه و إن كانت رائحتها طيبة، كالسفرجل و التفاح، و في النص: نفي البأس عنها معلّلا بأنها «طعام و ليس من الطيب» (2).
على المشهور، لنص أبي بصير- كما في الجواهر (3)- المشتمل على التفصيل المزبور، قال: رجل قلم ظفرا من أظفاره و هو محرم، قال: «عليه مد من طعام حتى يبلغ العشرة، و إن قلم أصابع يديه كلها فعليه دم شاة»، قلت: فإن قلم أصابع يديه و رجليه جميعا، فقال: «إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، و إن كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان» (4)، و في نسخة بدل المد قيمته.
لكن المشهور أخذوا بالمد، خصوصا مع اشتمال بقية النصوص أيضا على المد، نعم في بعض النصوص تحديد البلوغ إلى دم شاة بالخمسة (5)، و به أفتى الإسكافي، بل و خيّر بين المد و قيمته. و لعله في الأخير أخذ بالنصين، الوارد أحدهما بالقيمة و الآخر بالمد، و في الأول استند بجملة من النصوص، المشتملة على التحديد بخمسة.
لكن لا يخفى انّ النصوص المشتملة على الخمس محمولة على الاستحباب
بقرينة النصوص السابقة المحددة بالعشر، و أما الأخذ بالتخيير بين المد و قيمته، فإنما يصح بناء على ثبوت النصين، لأنّ قضية جمعهما رفع اليد عن إطلاق الهيئة، الظاهرة في التعيين.
لكن الكلام في كون المقام من صغريات تعارض الخبرين، بل من القوي- و لا أقل من الاحتمال- كون المقام من باب اختلال متن رواية واحدة، و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لإحراز سند آخر للآخر، كي يشمله عموم «صدق»، و لازمة الرجوع إلى أصالة عدم الغفلة، الجارية في كل منهما، فتتعارضان و تتساقطان، فينتهي الأمر حينئذ- لو لا شهادة النصوص الأخرى- إلى التعيين و التخيير، و الأصل هو التعيين، كما لا يخفى.
هذا، و حينئذ فالمشهور هو المنصور.
و على المفتي إذا قلم المستفتي فأدمى إصبعه شاة، لرواية إسحاق (1)المنجبرة بدعوى نفي الخلاف فيه، كما في الجواهر (2).
و في نص آخر: «عليه دم شاة» (3)في من قلّم أظفاره بفتوى مفتيه.
و يحتمل فيه رجوع الضمير على المستفتي المقلّم، و لكن النص الأول، و فهم الأصحاب يرجعه إلى المفتي، كما انّ إطلاقه أيضا- منزّل بشهادة النص السابق مع وحدة المطلوب- على صورة الإدماء، و إلّا فالنص المزبور بإطلاقه غير معمول به، كما لا يخفى.
ثم إنه قد يتوهم انّ المراد من المفتي في المقام المظهر للفتوى على المحرم على
وجه يكون باعتقاده حجة عليه و يكون داعيه في اقدامه، سواء كان المظهر المزبور مقلدا له أيضا أم مجتهدا غير من يقلّده، و انّ توهم الانصراف إلى من يقلّده.
لكنه منظور فيه، لظهور النص و الفتوى في كون المفتي المزبور- بملاحظة تغريره إياه بالفتوى- من كان يقلده فكان ضمانه عليه، و هذه الجهة لا يفرّق فيها بين المجتهد الناقل لفتوى مقلّده بالفتح أو المقلّد.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ هذه المناسبة موجبة لتسرية مثل هذا التغرير في سائر موارد الكفارة، و الأصحاب غير ملتزمين بذلك، و إنما التزموا بخصوص المورد، للنص المزبور، فيقتضي عدم فهمهم مثل هذا المناط من فتوى المفتي، و عليه فظاهر المفتي ينصرف إلى الفتوى عن قبل نفسه، بنحو يكون باعتقاد المستفتي حجة عليه، و إن كان بإبراز المقلّد إياه بنحو التسلم و الإجماعية، على نحو يعتقد المستفتي بحجيته لديه، و على أي حال لا خصوصية لفتوى مفتيه المجتهد واقعا، كما لا يخفى.
بلا اشكال ظاهرا فتوى و نصا، و في النص: «من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا أو ساهيا فلا شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم» (1)، و إطلاقه يشمل المضطر.
بل في نص آخر: عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب فلبسها، قال: «عليه لكل صنف فيها فداء» (2). بناء على تفسير الفداء بالدم، بقرينة
إطلاق السابقة أو من جهة الإجماع على عدم الفصل بين الدم و ثبوت الفداء، كما لا يخفى.
و بمثله ترفع اليد عن عموم رفع آثار الاضطرار التي منها الكفارة امتنانا.
عند المصنف رحمه اللّٰه شاة، أو إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد، أو صيام ثلاثة أيام، و إن كان مضطرا، و الذي ظفرت عليه من النصوص صحيحة زرارة: «من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه، و من فعله متعمدا فعليه دم» (1).
و في نص آخر منه كذلك بالنسبة إلى نتف الإبط (2).
و ربما يتعدّى منه إلى إزالة مطلق الشعر من بدنه بالفحوى، كما أنّ من النتف أيضا يتعدّى الى مطلق الإزالة، فلا اختصاص له بالحلق، نعم ظاهرهما تعيين الدم.
و في قبالهما نصان آخران في تفسير الآية فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً (3)التصريح في أحدهما بالتخيير بين صيام الثلاثة، أو الصدقة بمدين لكل مسكين، على ستة مساكين، أو الدم (4).
و في الآخر: التخيير بين صيام الثلاثة و الصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، و دم شاة (5).
و مقتضى الجمع بين الأخيرين من حيث إطعام ستة أو عشرة، حمل العشرة على الفضيلة، كما انّ الإشباع غالبا يحصل بالمد، فيحمل المدان على الفضيلة أيضا، ثم يحمل اختصاص الأخيرين بحلق الرأس، على انه من باب الاتفاق، في مورد ابتلاء السائل، و إلّا فلا اختصاص له، لمعلوم النصين السابقين.
و مثلهما أيضا ترفع اليد عن ظهور السابقين في تعيين الدم، فيحمل على التخيير، فكان المقام من باب رفع اليد عن ظاهر كل واحد بنص الآخر.
و لكن لازم هذا الجمع جريان التخيير المزبور في النتف أيضا، بل ليس للنتف حينئذ خصوصية، بل تمام الموضوع ازالة الشعر عن البدن، و الحال انّ الأصحاب غير ملتزمين بذلك، بل مصرحين في النتف بتعيين الدم للنصين السابقين بعد حمل إطلاقهما على نتف الإبطين، و إلّا ففي إبط واحد ملتزمين بإطعام ثلاثة مساكين، لا الدم، لنص آخر ظاهر فيه، و ذلك كله شاهد على عدم تعدّي الأصحاب من عنوان نتف الإبط إلى إزالة الشعر عن بقية البدن.
و عليه فليس في غير الإبط إلّا عنوان حلق الرأس، و في نصه التخيير بين الثلاثة من الدم و الطعام و الصيام، و بمثله ترفع اليد عن ظهور التعيين في صحيح زرارة في تعيين الدم في حلق الرأس أيضا. و حينئذ ففي التعدّي عن حلق الرأس إلى مطلق ازالة شعر مطلق البدن غير الإبط إشكال.
و في تكملة أستاذنا العلّامة التعدّي عن الحلق الى مطلق الإزالة، مع تخصيص الحكم بالرأس، و اجراء التخيير بين الإطعام بمدين على ستة و بين صيام الثلاثة، مع جعله الدم بخصوصه أحوط. و لا يخلو ما أفاد عن تأمل، و اللّٰه العالم.
و في الشرائع تخصيص العنوان بالحلق (1)، مع تعميم الشعر لغير الرأس
1) شرائع الإسلام 1: 296.
بإطلاقه كالمصنف، فإن تم إجماع على التعدّي المزبور فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
و مما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: السادسة: في نتف الإبطين شاة، و في أحدهما إطعام ثلاثة مساكين، جمعا بين مرسلة حريز في نتف إبطيه شاة (1)، و بين خبر عبد اللّٰه في محرم نتف إبطه، قال: «يطعم ثلاثة مساكين» (2). و بمثلهما يفسّر الإبط في نصي زرارة، بحملهما على تعيين الدم على الجنس من نتف الإبط، لا نتف إبط واحد.
لكن في نص حريز اختلال المتن، ففي نسخة نتف الإبط.
و عليه فيمكن الجمع بين النصين برفع اليد عن تعيين كل منهما بالحمل على التخيير، خصوصا لو ضم إليهما صحيحا زرارة.
و توهم انصراف الإبط إلى الإبطين- بمقتضى الغلبة- مشترك الورود في جميع النصوص، فلا وجه لحمل أحدهما على نتف إبط واحد و البقية على الجنس المنطبق على الإبطين، فيفصل في حكمهما، فلو لا حجية فهم الأصحاب و تسلمهم، الكاشف عن الإجماع على التفصيل المزبور، كان للنظر فيه مجال.
نعم قصارى ما يمكن أن يقال في المقام: الحكم بإجمال النصوص، من جهة احتفاف عنوان الإبط بما يصلح للقرينية، من الغلبة المزبورة، على وجه يبلغ انصرافه إلى الحد المضر بظهوره الإجمالي، لا مبين للعدم، و لا التشكيك البدوي، فتصير النصوص من تلك الجهة مجملة، و لازمة الاولى التعيين و التخيير، بضم الجزم باحتمال تعيين الدم في الإبطين، و تعيين الإطعام في إبط
واحد، فمقتضى أصالة التعيين في كل واحد الأخذ بمقتضى التعيين في كل واحد، و نتيجة التفصيل الإطعام المزبور، و اللّٰه العالم.
و لو سقط من رأسه أو لحيته شيء بمسه تصدّق بكف من طعام على ما نسب إلى قطع الأصحاب، و في الصحيح: «إذا وضع أحدكم يده على رأسه أو لحيته و هو محرم فسقط شيء من الشعر فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق» (1).
و في نص آخر «بكف أو كفين» (2)، فيحمل الأخير على الفضيلة.
بل في نص آخر: «تمرة خير من شعرة» (3).
و في آخر: «لا يضره» (4).
و مقتضى الجمع بين المجموع الحمل على مراتب الاستحباب، لكن الذي يوهن الأخيرين اعراضهم عنهما، فيبقى خبر الكف بلا معارض.
و إن كان سقوط الشعر في الوضوء فلا شيء عليه، للنص المشتمل على نفي الشيء على سقوطه بإسباغ الوضوء، معللا بعموم نفي الحرج (5). و بمقتضى التعليل يتعدّى إلى مطلق الطهارات الثلاث، و لو لغير الصلاة، بل و لازمة التعدّي الى غير باب الطهارات أيضا من سائر الكفارات، إلّا ما خرج بتصريح نص بالخصوص، أو إجماع على التعميم، مع الاضطرار،
1) وسائل الشيعة 9: 299 باب 16 من أبواب بقية الكفارات حديث 5.
2) وسائل الشيعة 9: 299 باب 16 من أبواب بقية الكفارات حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 299 باب 16 من أبواب بقية الكفارات حديث 4.
4) وسائل الشيعة 9: 300 باب 16 من أبواب بقية الكفارات حديث 8.
5) وسائل الشيعة 9: 299 باب 16 من أبواب بقية الكفارات حديث 6.
و اللّٰه العالم.
و بمثله أيضا يخرج عن حكم التخيير في الكفارة عن ازالة مطلق الشعر عن البدن على القول به، مع ما فيه من الاشكال، كما تقدم، و اللّٰه العالم.
على ما نسب إلى الأكثر، بل المشهور، للمستفيضة المشتملة على الشاة، ففي نص إبراهيم بن أبي محمود قلت:
كم الفداء؟ قال: «شاة» (1).
و في صحيح علي بن جعفر: «عليك الكفارة» (2)، فيحمل على الشاة.
نعم روي: انّ علي بن جعفر نحر بدنة لكفارة الظل، و لعله فهم من قول الامام: «عليك الكفارة» البدنة، و فهمه ليس بحجة لنا.
نعم في قبالها نصوص أخرى مشتملة على التصدّق بمد لكل يوم (3).
و في نص آخر: التصريح بالتخيير بين الصيام و الصدقة و النسك، المفسر بالشاة (4). و مقتضى الجمع بين النصوص، هو حمل الأول على التخيير، و لكن ضعف مثل هذه النصوص- و لو بالعراض المشهور- يوجب طرحها و العمل بالمستفيضة، الحاكمة بتعيين الشاة.
ثم انّ مقتضى إطلاق رواية علي بن جعفر، هو شمول الحكم للمختار أيضا، فلا يضرّه تخصيص الحكم في البقية بالمضطر. نعم لو لا ذلك لم يكن مجال لدعوى الفحوى من هذه الجهة، بما ورد من تكرار الكفارة في تكرار الصيد خطأ لا عمدا، على ما تقدّم، و لو بملاحظة أنّ شدة العصيان موجبة
لعدم صلاحية تطهيره في الدنيا بالكفارة، بل عقوبته منحصرة بعذاب الآخرة.
و لو ظلل في إحرام العمرة و الحج، كان عليه دمان، لعدم تداخل الأسباب بعد إطلاق النصوص للمحرم مطلقا، مضافا إلى التصريح به في مضمرة علي بن راشد (1).
و في صورة استدامة التظليل، لا شبهة في كونه تظليلا واحدا، و ليس عليه إلّا كفارة واحدة، لظهور دليلها في ترتيبها على عنوان التظليل، المعلوم عدم صدق تكرر السبب فيه، إلّا بتخلل العدم بينهما.
نعم هذا التظليل الطويل ليس محرما شخصيا بحيث لا يوجب إلّا عقوبة شخصية مترتبة على أول وجوده، بل هو نظير شرب واحد للخمر طويلا، في انحلال نهيه إلى نواه متعددة، على وجه يستحق بكل مرتبة عقوبة مستقلّة، فباجتماع المراتب تحت وجود فاصلة واحدة، تجتمع العقوبات أيضا تحت حد شديد، قابل لأن يقال بأنه عقوبة واحدة، منحلة إلى مراتب من العقوبة.
و يمكن ترتب العقوبات العديدة بعدد المراتب التحليلية، المنطبقة عليه أول مرتبة من وجود المعصية، و نظائر هذه المحرمات كثيرة جدا.
لكن تلك الجهة غير مرتبطة بباب سببية وجودها لترتب الكفارة، فإنه حينئذ تابع لصدق وحدة الوجود و تكرره، فما لم يتخلل العدم ليس إلّا سببا واحدا طال ما طال.
و كذا يجب شاة في تغطية الرأس و إن كان لضرورة، و حكي نفي الخلاف فيه، و استدل عليه بالمرسلة المنجبرة في من غطّى رأسه «عليه الفداء» (2)، بضم قوله: «لكل شيء خرجت به من حجك فعليك دم
تهريقه» (1). فإنّ مثل هذا أصل في المحرمات إلّا ما خرج. و ان المراد من خروجه عن الحج: خروجه عما جعل له من الحدود تكليفا و وضعا، و محرمات الإحرام من حدوده التكليفية.
و يتعدّى من الحج الى حدود العمرة أيضا، خصوصا في المتمتع بها بضم إلحاق المفرد بعمرة المتعة بعدم الفصل، فيكون مثل هذا العام أصلا في باب محرمات مطلق الإحرام، فيتبع في غير موارد قيام النص و الإجماع على خلافه.
و لئن أريد من الدم مطلقها، يلزم قلة التخصيص أيضا و حينئذ يرجع المقام إلى دوران الأمر بين الشاة و فوقها، و من المعلوم انّ المقام حينئذ- بنظر العرف- من باب الأقل و الأكثر، لو لا تعيين الشاة، و احتمال عدم الإجزاء بالبدنة. فحينئذ يكون المقام من المتبائنين.
و لكن ذلك على فرض إجمال الدم، و إلّا فمقتضى إطلاقه الاجتزاء بالشاة إلّا مع قيام قرينة على تعيين الطبيعة بفرد مخصوص، و لازمة الاجتزاء بغيره من سائر الدماء أيضا، و لا أظن التزامهم بعدمه في أمثال المقام.
هذا كله، مع انّ مقتضى إجمال دليل الفداء، لو لا هذه الكلية أيضا، رجوع الأمر إلى التعيين و التخيير، بعد الجزم بعدم تعيين أمر آخر، للإجماعات المدعاة في المقام.
اللهم إلّا أن يدّعى أنها على فرض حجيتها تكفي قرينة لتعيين الفداء بالشاة، و إلّا فلا طريق إلى نفي تعيين غيرها، فلا يبقى مجال للمصير إلى تعيين خصوص الشاة، فتدبّر.
ثم انّ ظاهر المرسلة تغطية تمام الرأس بأي سبب، و لا يشمل تغطية بعضه
1) وسائل الشيعة 9: 290 باب 8 من أبواب بقية الكفارات حديث 5.
للأصل، لو لا دعوى شمول إطلاق النص تغطية البعض المعتد به أيضا. نعم لا يشمل تغطية بعضه الذي لا اعتداد به عرفا، كتغطيته بوقوع نقطة طين أو حبل القربة و أمثالهما، فالأصل في مثلها محكم جدا.
و على أي حال لا فرق في التغطية بين رقيق الشيء أو غليظة، حناء أو غيره، لا أن تبلغ الرقة بدرجة لا يحكم في مثله بالتغطية.
كما انّ المنصرف من التغطية أيضا التغطية بغير أجزاء بدنه، من يده أو شعره. و في النص: «لا بأس بأن يستر بعض جسده ببعض» (1)، و نظيره نص آخر في قبال النهي عن الستر بالثوب (2).
كما انّ ذلك مختص بحال الاختيار، و لا يشمل الضرورة، إذ مضافا إلى عموم رفع الاضطرار، قد ورد نص ابن عمار، المشتمل على استثناء المريض و من به علة أو لا يطيق حر الشمس (3).
لكن في استفادة نفي الكفارة من مثله نظر، فلو لا عموم التعليل في النص السابق الوارد في سقوط الشعر في الوضوء، أشكل أمر سقوط الكفارة في المقام، بمقتضى إطلاق النص السابق كما لا يخفى.
هذا، و حينئذ فما في المتن من قوله: و إن كان لضرورة لا يخلو عن تأمل، و اللّٰه العالم، هذا.
و كذا في الكاذب مرة، و لو
ثنّى فبقرة، و لو ثلّث فبدنة على المشهور بين الأصحاب، و ورد على هذا التفصيل الفقه الرضوي (1)، بل هو مضمون فتوى ابن بابويه الذي هو مرجع الأصحاب عند اعوازهم النصوص، فإن تم ذلك المقدار وثوقا بصدور مثل هذا المضمون عن مصادر الوحي، فهو، و إلّا ففي استفادتها من مجموع النصوص الواردة في الباب نظر، إذ النصوص بين ما اشتمل على الشاة للصادق فوق مرتين، و البقرة للكاذب، و بين ما اشتمل على مطلق الدم للصادق ثلاثا، و للكاذب واحدا، و بين إثبات الدم أيضا مطلقا للجادل ثلاثا مطلقا و بين إثبات الجزور لجدال المحرم كاذبا.
و في خبر يونس بن يعقوب نفي الشيء على الجدال الواحد الصادق (2).
و من المعلوم انّ المستفاد من المجموع ثبوت الشاة في الصدق ثلاثا، و في الكذب مرّة. و به يقيّد إطلاق خبر الجزور، بل إطلاق الجادل ثلاثا، بصورة الصدق في الأخير، و بغير الجدال الواحد في الأول، فيلزمه ثبوت الجزور على الزائد عن الواحد و البقرة في الزائد على الاثنين.
و حيث إنّ البقرة أخف من الجزور فلا بد من الالتزام بحمل الجزور في الثلاث على الاستحباب، كما انه يحمل الجزور في الثاني أيضا على الاستحباب بالفحوى.
و أما اقتضاؤه ثبوت البقرة في المرة الثانية، فلا يكاد يثبت إلّا بدعوى ملازمة مشروعية البدنة في الثانية للاجتزاء بالبقرة، و هو أول الدعوى. و عليه لا تثبت البقرة في الثانية، و لا الجزور في الثالثة بنحو اللزوم.
نعم قد يدعى ثبوت البقرة في الثانية برواية عبد الحميد المشتملة على قوله
عليه السلام: «من جادل في الحج فعليه إطعام ستين مسكينا» إلى قوله:
«فإن عاد مرتين فعلى الصادق شاة و على الكاذب بقرة» (1)، بدعوى التبعيض في فقرأت الرواية بأخذ الأخيرة و طرح البقية.
و فيه انّ ذلك صحيح لو كان المراد من قوله «عاد مرتين» بلوغ جداله بعوده مرتين، و هو خلاف ظاهر الرواية، بل الظاهر بلوغ عوده مرتين، و لازمة ثبوت البقرة في الثالثة، بتوافق النصوص السابقة، بل و على هذا المعنى لا يحتاج إلى طرح فقرة إثبات الشاة، لعوده مرتين في الصادق، و لا أقل من احتمال هذا المعنى، فالنص المزبور من تلك الجهة مجمل لا شهادة فيه على شيء.
و حينئذ إن تمّ الرضوي، بضميمة فتوى ابن بابويه سندا، أمكن تقييد المطلقات الواردة في المقام على وجه يستفاد من المجموع التفصيل المزبور، و إلّا فللنظر فيه مجال.
ثم انّ بعض النصوص في المجادلة ثلاثا في الصادق مطلق، و في بعضها التقييد بكونها ولاء. و قضية وحدة المطلوب توجب التقييد و إن لم يكن للقيد مفهوم، إلّا أنّ اعراض المشهور عن الخبر المقيّد أوجب الوهن فيه، فيؤخذ بالإطلاق.
و أيضا مقتضى الإطلاقات ثبوت الكفارة حتى في صورة الاضطرار لإثبات حق أو نفي باطل، لكن عمومات رفع الاضطرار، بل و التعليل الوارد في سقوط الشعر في الوضوء، تقتضي عدم الكفارة، لأنّ في رفعها كمال الامتنان على الأمة.
1) وسائل الشيعة 9: 282 باب 1 من أبواب بقية الكفارات حديث 10.
و أيضا لا كفارة في إكرام أخيه، و في النص أيضا نفي الكفارة عنه معلّلا بأنه إنما أراد بهذا إكرام أخيه (1).
و أيضا نفي وجوب الكفارة عن أقل من الثلاث في الصادق لا يقتضي نفي حرمته الثابتة باطلاقاته، فيستغفر اللّٰه عن ذنبه.
كما انّ الظاهر كون الشاة على اليمين الواحدة، و البقرة على المرتين، و البدنة على الثلاثة، كون الوحدة المأخوذة في الشاة هي الوحدة بشرط لا، من دون فرق بين أن تكون اليمين الثانية على المطلب الأول أو على مطلب آخر.
و لازمة انقلاب الفرض من الشاة إلى البقرة بمجرد ضم يمين أخرى إلى اليمين الاولى، سواء كفّر عن الأولى أم لا، غاية الأمر مع وقوع التكفير يكشف عن عدم وقوعه في محلّه، بل فرضه في علم اللّٰه هو البقرة أو البدنة، و عليه فلا يسقط التكفير بشاة عن التكفير بالبقرة و البدنة.
نعم لو كان الموضوع فيه الوحدة السارية في ضمن جميع الوحدات، يلزمه ثبوت الشاة في كل مرة، غاية الأمر في المرة الثانية البقرة أيضا، و كذلك البدنة في الثلاثة.
و استقرب في الجواهر هذا المعنى (2)، لو لا قيام إجماع على الخلاف.
أقول: مقتضى جعل الوحدة موضوعا للشاة هي الوحدة السارية، و لو في الوحدات الثلاث، و لازمة جعل الاثنين موضوعا للبقرة، و هكذا الثلاثة موضوعا للبدنة، الاثنان و الثلاث الساريان، و لو في ضمن خمسين، و لازمة لزوم بقرة أخرى في الرابعة أيضا، و بدنة أخرى في السادسة، بل و ثلاث
بقرات و ستة شياه أيضا، و لا أظن التزامه من أحد، فذلك يكشف عن أنّ الاثنين و الثلاث أريد بهما صرف وجودهما.
غاية الأمر لا يشترط من حيث الزيادة، و لازمة أخذ الوحدة أيضا كذلك، و مقتضاه عدم ثبوت أزيد من شاة واحدة إلى أن يبلغ الخمسين.
نعم لا يسقط فرض الشاة ببلوغ اثنين أو الثلاث، و لازمة مع التكفير بشاة عدم ثبوت شيء على الاثنين إلّا البقرة، و في الثلاثة إلّا البدنة.
نعم مع عدم التكفير بشاة يثبت ضم شاة واحدة إلى البقرة و البدنة.
و على أي حال لا يكاد يتم مذهب الجواهر لو لا قيام الإجماع، و لا مذهب غير واحد من التفصيل بين التكفير عن كل واحد بشاة و لو في الثلاثة، فلا تجب البقرة و لا البدنة، و مع عدم التكفير رأسا يكتفي في الثانية بالبقرة محضا، و في الثالثة بالبدنة محضا بلا شاة.
كما انّ الشاة كذلك في البقرة في الثالثة، إذ مثل هذه النتائج لا تناسب واحدا من المبنيين.
نعم تتم استفادة الجواهر لو جعلنا الوحدة سارية دون الاثنين و الثلاث في البقرة و البدنة.
و لعمري انّ مثل هذا التفكيك في مضمون الرضوي، و فتوى ابن بابويه في منتهى الركاكة، فالأمر فيها يدور بين أحد الوجهين، إما بجعل كل واحد بشرط لا، بحيث في كل حد لا يجب إلّا شيء واحد، كفّر أم لم يكفّر، أو بجعل كل واحد من العناوين لا بشرط، بالنسبة إلى الزائد عنه، فيلزم التفصيل بين الفداء في المرتبة الأولى و عدمه. فلا يلزم إلّا فداء المرتبة الثانية في الأول، و إلّا فيجب الجمع بين الفداءين، و هكذا في الثانية بالنسبة إلى الثالثة.
و عليه فنقول: إنّ الفداء في المرتبة الأخيرة، حيث أخذ صرف وجوده
لا بشرط عن الزيادة، و إلّا فيلزم سقوطه في الرابعة، و هو كما ترى، فليكن الأمر كذلك في البقية، و لازمة ما ذكرنا من النتيجة الأخيرة.
هذا، لكن التحقيق أن يقال: إنّ الحكم في كل واحد من العناوين، بعد ما لم يكن من قبيل الطبيعة السارية، بل يصرف وجوده، كما هو طبع الإطلاق، نقول:
إنّ تعليق الحكم على كل عنوان يقتضي كونه تمام الموضوع، و العلة للحكم الشخصي. فإن تم من الخارج وحدة المطلوب، كان لا محيص عن تقييد إطلاق حكم الأقل من حيث الانضمام بأكثره، بثبوت حكم آخر في الأكثر، فلا جرم يصير موضوع الأقل بشرط لا، عن ثبوت الأكثر. و حيث إن لا حكم فوق الثالثة، فلا مقتضى لرفع اليد عن إطلاقه، حتى من حيث الانضمام، فيبقى هو على إطلاقه، و يكون موضوعه الثلاثة لا بشرط عن الزيادة، بخلاف البقية.
و حينئذ لا يصلح لا بشرطية الأخيرة قرينة على مثلها في البقية، نعم لو لم يثبت من الخارج وحدة المطلوب في مرتبة من المراتب، تبقى كل مرتبة على إطلاقها، و لازمة النتيجة الأخيرة المذكورة.
و حيث إنّ وحدة المطلوب بعد غير ثابتة، لا وجه للمصير إلى المشرب الأول، بل لا محيص- بمقتضى الصناعة- عن المصير إلى المشرب الثاني.
و حينئذ ان تم إجماع على ما أفاده غير واحد، فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال، بل لا محيص عن المصير إلى ما ذكرنا، لا ما أفاده في الجواهر أيضا، و عليك بالتأمل في المقام، فإنه من مزال الأقدام.
هذا كله في الجدال، و أما الفسوق ففيه نص مشتمل على التصدّق بشيء (1)، و نص آخر مشتمل على انه «لم يجعل اللّٰه له حدا، يستغفر اللّٰه
1) وسائل الشيعة 9: 282 باب 2 من أبواب بقية الكفارات حديث 1.
و يلبي» (1)، و الجمع يقتضي حمل الأول على الاستحباب كما لا يخفى، و ذلك أيضا منسوب إلى ظاهر الأصحاب، و اللّٰه العالم.
، أما الأول فلمضمرة ابن أبي عمير: في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، فقال: «إن كان فعله بجهالة فعليه إطعام مسكين، و إن كان بعمد فعليه دم شاة» (2).
و حمل صدره على الاستحباب بقرينة نص آخر، من نفي الشيء على فعله بجهالة في مطلق استعمال الطيب غير ضائر بذيله. و يتعدّى من دهن البنفسج إلى كل دهن فيه طيب، كما انّ من تداويه في القرحة يتعدى إلى مطلق الاستعمال، لعدم توهم الفصل بين هذه الجهات.
و أما الثاني، فلخبر محمد بن عيسى المشتمل على قوله: محرم قلع ضرسه، فكتب: «يهريق دما» (3)، بناء على حمل الدم على الشاة كما هو الشأن في أمثاله، لو لا إطلاقه المنطبق على أقل المراتب، الذي هو الشاة في باب الكفارات، و ضعف الرواية- كسابقها- منجبر بالشهرة.
نعم قد تعارض الثانية ببعض النصوص النافية للبأس عنه، و في الجواهر طرحها لإعراض المشهور أو حملها على صورة الاضطرار، مؤيدا بقاعدة «رفع ما اضطروا اليه» كما أشرنا اليه.
و في إلحاق السن بالضرس وجه.
و أيضا تقدّم انه لا يجوز الادهان بما ليس فيه طيب.
و في ثبوت الكفارة فيه فرع تمامية الكلية المشار إليها سابقا من قوله:
«لكل شيء خرجت به من حجك فعليك دم تهريقه»، فإن تم مثل هذه الكلية فهو، و إلّا فالأصل يقتضي نفيه. و لا تخلو المسألة عن تأمل، و ستأتي الإشارة إليه في المسألة الآتية، فانتظر لتمام الكلام و تدبّر، و اللّٰه العالم.
و في الصغيرة شاة، و في أبعاضها قيمته و لو كان القالع محلا، كما هو ظاهر إطلاق المصنف.
و استدل له بقوله: في رواية موسى بن القاسم: «إذا كان في دار الرجل شجرة الحرم لم تنزع، فإن أراد نزعها كفّر بذبح بقرة يتصدّق بلحمها على المساكين» (1)، معتضدا بقول ابن عباس: «في الدوحة بقرة، و في الجزلة شاة» (2)، بضميمة ما في الموثقة: عن الرجل يقطع من الأراك الذي بمكة، قال: «عليه ثمنه» (3)، بحمل الأخير- بقرينة من التبعيضية- على قطع الأبعاض، و الأول- بقرينة قضية ابن عباس- على الدوحة و في الجزلة الصغيرة شاة، بمقتضى حكايته، فيستفاد من المجموع التفصيل المذكور المشهور، كما عن غير واحد على المحكي.
هذا، لكنّ الإنصاف أنّ تمامية حكاية ابن عباس في مقام الحجية دونها خرط القتاد، و حينئذ ليس من الرواية إلّا الموثقة الظاهرة في القيمة، في قطع الأبعاض، و إطلاق الشجرة في رواية موسى (4)، المشتملة على البقرة،
فلا يستفاد حينئذ التفصيل بين الصغيرة و الكبيرة من النصوص.
نعم لا مجال للمصير إلى نفي الكفارة مطلقا، كما هو مذهب ابن إدريس (1)، و لا إلى إطلاق البقرة، و لا إلى إطلاق القيمة كما عن بعض آخر.
و توهم انّ ما اخترنا أيضا قول بالفصل، المفقود بين كلمات الأصحاب، مدفوع بأنه لا يكاد يحرز في مثل هذه المسألة، مع تشتت هذه الكلمات، أطباق على عدم الفصل المزبور، بل المقام مما لم يتعرض فيه التفصيل المذكور، بزعم عدم وفاء النصوص به، و إلّا فلو استفاد أحد منها شيئا، لا مجال لإنكاره، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ المراد من القلع الموجب للضمان بالبقرة أو الشاة، هو القلع المؤدي إلى الإتلاف عن الحرم و لو غرسها في غيره، أو المؤدي إلى الإتلاف مطلقا، أو مطلق القلع و لو لم يكن مؤديا إلى الإتلاف، بأن يعيدها إلى مكانها أو مكان آخر من الحرم و يغرسها فيه، وجوه.
أوجهها بالنظر إلى الإطلاق، كفاية مطلق قلعها في الكفارة، و لئن قيل بالانصراف عن صورة عدم التلف المتيقن منه عدم تلفه على الحرم لا مطلقا، و لا عن خصوص مكانه كي يجب عودها إليه، و لا تسقط الكفارة بدونه، كما لا يخفى.
ثم إنّ في الشرائع: لا كفارة في قلع الحشيش، و إن كان فاعله آثما، إلّا فيما استثنى (2).
و في الجواهر: للأصل بعد عدم اقتضاء نصوص النهي الكفارة (3)، خلافا
للعلّامة فالتزم بضمان القيمة (1).
و لعله من جهة استفادة الضمان من الموارد المنصوصة لجميع ما يتعلق بالحرم من المحرمات، و مع عدم التعيين ينصرف إلى القيمة السوقية.
أقول: قد عرفت سابقا انّ باب الكفارة في محرمات الإحرام، حتى الصيد منه، ليس من باب الضمان الحقيقي، كي يبقى مجال التسرية إلى كل ما يتصور له المالية، بل هو نحو جريمة ثابتة في بعض المقامات، بنحو يشبه الضمان، و بعده لا مجال للتسرية إلى ما لا نص فيه بتضمين القيمة.
نعم لو تمّت الكلية السابقة من قوله: «كلما خرجت فيه من حجك فعليك دم تهريقه»، كان لا بد من المصير، إلى ذلك في المقام، نظير الادهان بالدهن الخالص عن الطيب، إلى الكفارة بالشاة، و إلّا فالأصل كما أفاده في الجواهر.
و من العجب أنه تشبث بالكلية المزبورة في المسألة السابقة، و لم يتشبث بها في المقام، فربما يشهد خلو الكلمات عنه بعدم تماميتها، كما هو المستفاد من فحاوي بياناتهم، من تسالمهم على الرجوع إلى الأصل، مع عدم الظفر بدليل خاص على الكفارة، كما يظهر من تردد المحقق في مسألة قطع الشجرة، و استعمال دهن فيه طيب، و قلع الضرس، لمحض تضعيف نصوصها. فلو تمت الكلية المزبورة، لكان المتعيّن في الجميع كفارة الشاة، خصوصا في الدهن و قلع الضرس، فذلك كله شاهد على عدم اعتنائهم بالكلية المزبورة.
و حينئذ يشكل إثبات الشاة في الادهان بما ليس فيه طيب أيضا، و اللّٰه العالم.
1) قواعد الأحكام 1: 100.
، و الأصل في ذلك قاعدة عدم تداخل الأسباب.
و توهم انّ السبب هو الوطء في الحج الصحيح، و بالوطي الأول أفسد الحج، مدفوع أولا بمنع الفساد، بل الثاني عقوبة، كما عرفت.
و على فرض الفساد، حيث إنه يجب الإتمام، فيصدق على الجماع الثاني انه جامع في حجه قبل الوقوف بالمشعر، اللهم إلّا أن ينصرف إلى الصحيحة لا المسقطة للأمر الأصلي، و هو مدفوع.
و مدار التكرر على العرف بصدق الوجودين، المنوط بتخلل عدم عرفي بينهما، و إلّا فبدونه فهو جماع واحد طال ما طال، كما هو الشأن في مناط التكرر في اللبس و غيره، من دون الفرق أيضا بين صورة التخلل بالتكفير و عدمه، و بين مجلس واحد أو مجلسين، إذ إطلاق سببية كل وجود لوجود مستقل، يرفع التوهمات المزبورة.
نعم لو قلنا بأنّ كل سبب يؤثر في مرتبة من وجوب الشيء، كان للتفصيل بين تخلّل الكفارة و عدمه مجال، و بذلك وجّهنا كلام العلامة، حيث ذهب إلى مثل هذا التفصيل في هذه المسألة.
لكن الإشكال في مبناه، بملاحظة ظهور أدلة الأسباب في اقتضائها مستقلة لوجود المسبب، غاية الأمر باقتضائه التشريعي المستتبع لتكرر الوجوب بتكرر وجود السبب لا تأكده، كما لا يخفى.
هذا، و على أي حال، هذه القاعدة سيالة في جميع الأسباب، بالنسبة إلى مسبباتها، إلّا في مورد اعتبر السبب صرف وجود الشيء، كما في اقتضاء الجدال الواحد للشاة، و الاثنين للبقرة، و الثلاثة للبدنة، فإن تكررها لا يجدي شيئا. و لا يوجب تكرر كفارة، خلافا للجواهر بالنسبة إلى اقتضائه الشاة، مع تسليمه ذلك في البقرة و البدنة.
و نحن بقرينة الآخرين التزمنا في الشاة أيضا بمثلهما فراجع.
و بالجملة نقول: إنّ مبنى عدم التداخل، هو استفادة السببية للطبيعة السارية لا لصرف وجودها، و الأصل في الأسباب الشرعية- كالعرفية- أن تكون من هذا الباب، إلّا أن تقوم قرينة على خلافها كما في الجدال.
و من الموارد الخارجة عن هذه القاعدة أيضا مسألة تكرر جناية الصيد عمدا، فإنّ في وجوده الثاني الواقع بعد صدور الأول عمدا لا كفارة، للنص و الإجماع.
نعم صورة خطئهما أو خطإ أحدهما يدخل في صغريات المسألة، فتكرر الكفارة، فراجع المسألة في محلها.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر لك الإشكال في تقييد المصنف، حكم تكرر الكفارة، بالتكرر في فرض اختلاف المجلس، كما لا يخفى.
و الأصل في ذلك نصوص مستفيضة، مشتملة على هذا المضمون، فمن النصوص المزبورة قوله: «ليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلّا الصيد، فإنّ عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد» (1).
و نظيره ما في حسن ابن عمّار (2)، و في المرسل (3)، و في جملة من النصوص الواردة في الموارد الخاصة المتقدّمة.
نعم قد وردت النصوص في مقامات متعددة على التصدّق بالارتكاب
جهالة، مثل ما في التداوي للقرحة بدهن البنفسج (1)، و ما في غسل يده بلا علمه بالطيب (2)، و في تقليم الظفر (3)، و باب سقوط الشعر بالمس (4)، و في أكل خبيص فيه زعفران (5).
لكن الأصحاب حملوها على الاستحباب، للنصوص السابقة، مضافا إلى عموم «أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» (6).
و أما مع الاضطرار، فمقتضى إطلاق كل باب شموله، إلّا ما خرج، على ما عرفت، لو لا دعوى العكس، بعموم حديث «رفع ما اضطروا إليه»، علاوة عن عموم التعليل الوارد في سقوط الشعر في الوضوء، فإنّ مقتضى هذه العمومات، انقلاب الأصل الأولي بأصل ثانوي إلّا ما خرج.
و لقد أشرنا إلى هذه الجهة في طي جملة من المسائل فراجع.
و أما المجنون فعموم: «رفع القلم عنه» تكليفا، و مؤاخذته دنيويا و أخرويا، يقتضي نفي الكفارة عنه.
نعم لو قلنا بأنّ باب الكفارة في المحرمات المزبورة خصوصا بالنسبة الى ما يتعلق بالحرم، باب الضمان في الماليات، لا يكاد يشمله دليل رفع القلم، إذ مثله غير شامل للضمانات المالية.
و لكن قد عرفت ما فيه، و أنّ الكفارة من باب الجريمة أو جبران المفسدة، و لا قصور لشمول حديث «رفع القلم» لمثله.
1) وسائل الشيعة 9: 285 باب 4 من أبواب بقية الكفارات حديث 5.
2) وسائل الشيعة 9: 284 باب 4 من أبواب بقية الكفارات حديث 4.
3) وسائل الشيعة 9: 293 باب 11 من أبواب بقية الكفارات حديث 3.
4) وسائل الشيعة 9: 298 باب 16 من أبواب بقية الكفارات.
5) وسائل الشيعة 9: 283 باب 3 من أبواب بقية الكفارات حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 289 باب 8 من أبواب بقية الكفارات حديث 3.
نعم لو كان الدليل في المقام منحصرا بفحوى «عمد الصبي خطأ» لم يكن يشمل كفارة الصيد، لأنّ في خطائه أيضا كفارة، و لعل نظر الجواهر في رد القائل بنفي الضمان إلى ذلك، و إلّا فلا يتم اشكاله بالنسبة إلى حديث «رفع القلم».
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال عدم الكفارة على الصبي أيضا، حتى في كفارة الصيد، فضلا عن غيرها المختص بحال العمد، لأنّ عمده خطأ. و في بعض نصوص الباب أيضا التصريح بعدم ضمان الصبي، و ذلك مثل خبر تحف العقول (1)، فراجع و تدبّر.
1) تحف العقول: 109.
و هو واجب مرة في العمرة المتمتع بها، و مرتين في حجه، و في كل واحد من عمرة الباقيين مرتين، و كذا في حجهما.
و لا يخفى انّ مرجع هذا الكلام إلى عدم وجوب أزيد من طواف الزيارة في العمرة المتمتع بها، بخلاف العمرة المفردة و الحج مطلقا، متمتعا أو مفردا أو قرانا، فإنّ فيها طوافين، طواف الزيارة و طواف النساء، فهنا مسألتان:
إحداهما: عدم وجوب طواف النساء في العمرة المتمتع بها، زائدا على طواف الزيارة.
و الأخرى: وجوب طواف النساء أيضا في العمرة المفردة، و الحج بجميع أقسامه.
و لا يخفى انّ المشهور في كلتا المسألتين على وفق المتن.
و يدل على مدّعاهم الأخبار المستفيضة التي منها ما في صحيح معاوية:
«على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاث أطواف بالبيت، و سعيان بين الصفا و المروة»، و في ذيله: تفصيل ثبوت طواف واحد في عمرته، و طوافان في حجه (1).
1) وسائل الشيعة 8: 149 باب 2 من أبواب أقسام الحج حديث 1.
و في صحيح منصور مثله (1).
و في صحيح الحلبي أيضا التصريح بأنّ في المفردة بالحج و القارن طوافين (2).
و في حسن معاوية أيضا مثله (3).
و في المكاتبة أيضا التصريح بأنّ في العمرة على صاحبها طواف النساء، و أما التي يتمتع بها الى الحج فليس على صاحبها طواف (4). و به يخصص إطلاق خبر عمر بن يزيد (5)، و مثل هذه النصوص كلها منجبرة بالعمل، و يستفاد منها التفصيل المتقدّم.
نعم في قبال ما دل على وجوب طواف النساء في العمرة المفردة، نص أبي خالد مولى علي بن يقطين على المفرد بالعمرة، عليه طواف النساء؟ فقال- يعني أبو الحسن عليه السلام-: «ليس عليه طواف النساء» (6).
و في مرسلة يونس: «ليس طواف النساء على الحاج» (7).
و لو لا وهن سندهما باعراض المشهور، كان الجمع مع السابقة الحمل على الفضيلة. و لذا ذهب إليه جمع من متأخر المتأخرين على المحكي.
لكن الإنصاف انه لا يصلح مثل هذه سندا للمقاومة مع السابقة.
و أيضا في قبال ما دل على عدم وجوب طواف النساء في العمرة المتمتع
1) وسائل الشيعة 8: 156 باب 2 من أبواب أقسام الحج حديث 9.
2) وسائل الشيعة 8: 154 باب 2 من أبواب أقسام الحج حديث 6.
3) وسائل الشيعة 8: 150 باب 2 من أبواب أقسام الحج حديث 4.
4) وسائل الشيعة 9: 493 باب 82 من أبواب الطواف حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 493 باب 82 من أبواب الطواف حديث 2.
6) وسائل الشيعة 9: 495 باب 82 من أبواب الطواف حديث 9.
7) وسائل الشيعة 9: 495 باب 82 من أبواب الطواف حديث 10.
بها خبر سليمان بن حفص، المشتمل على قوله عليه السلام: «إذا حج الرجل و دخل مكة متمتعا فطاف بالبيت- إلى قوله- و سعى بين الصفا و المروة، و قصّر فقد حل له كل شيء، ما خلا النساء» (1). بناء على جعل حله بالتقصير قرينة حله عن عمرته.
كما انّ إيجاب الصلاة بعد الطواف عليه، لأنه من توابع الطواف، فلا ينافي عدم دخلها في المحلية. فالرواية بحسب الدلالة لا قصور فيها، إلّا انها قابلة للحمل على الاستحباب، بقرينة، الأخبار النافية، و أنّ الغرض من عدم حل النساء عدمه بلا حزازة، و هو لا ينافي كراهته، بحيث يكون الدافع لها طواف النساء، اللهم إلّا أن لا يلتزم المشهور باستحبابه أيضا.
و حينئذ لا محيص عن طرحه سندا، لاعراضهم، كما لا يخفى.
ثم إنّ عنوان النصوص: المتمتع بالعمرة إلى الحج، و المفرد، و القارن، و صاحب العمرة المبتولة، و أمثال ذلك. و من المعلوم انّ أمثال هذه العناوين خالية عن ذكر الجنس، الشامل للرجال و النساء و الخناثى و الخصيان، مضافا إلى قاعدة الملازمة الثابتة في كلية الأحكام، القابلة للاشتراك، إلّا ما خرج بالدليل.
علاوة عن صحيح علي بن يقطين، حيث سأل أبا الحسن عليه السلام عن الخصيان و المرأة الكبيرة، أ عليهم طواف النساء؟ قال: «نعم عليهم» (2).
و الخنثى أيضا داخل في أحد الصنفين، و يلحق بهما بعدم الفصل لو قلنا بأنه شق ثالث، بل لا خلاف في المسألة أيضا، و اللّٰه العالم.
من الحدث الأكبر
و الأصغر، بلا خلاف، مضافا الى النصوص المستفيضة المشتملة بعضها على قطع الطواف مطلقا و عدم الاعتداد به مع تذكر فقد الوضوء (1).
و في بعضها التصريح بإعادة طواف الفريضة، و في ذيله «و إن كان تطوعا توضأ و صلّى» (2).
و نظيره- في عدم اعادة طواف النافلة- صحيح حريز (3)، و نص عبيد (4).
و بذلك كله تقيّد الإطلاقات السابقة، الحاكمة بقطع الطواف إذا علم انه على غير وضوء.
فما عن أبي الصلاح- كإطلاق المصنف- من وجوب الطهارة في النافلة أيضا للإطلاقات المزبورة (5)، منظور فيه.
و عموم طهورية التيمم و بدليته عن المائية، يوجب الاجتزاء به في المقام أيضا، كسائر غايات الطهارة.
ثم المراد من طواف النافلة هو الطواف لنفسه، لا ما كان جزء عمرة مندوبة أو حج مندوب، فإنه يلحق بالفريضة، بملاحظة وجوب إتمامه و حرمة إفساده بجماع أو غيره.
إلّا أن يقال: إنّ مجرد لا بدية إيجاده في أحداث التحلل عما انعقد من إحرامه، و ترتب العقوبة بإعادته على جماعة المحرم بإحرامه، لا يخرج الطواف المزبور عن النفل، إذ لا نعني من النفل إلّا عدم ترتب العقوبة على تركه، و هنا أيضا كذلك، و إن كان يلتزم ببقاء محرمات الإحرام عليه، و ذلك لا يوجب
قلب نفله الى الفريضة. و حينئذ أمكن دعوى انصراف عنوان الفريضة عن مثله.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ المطلقات المثبتة للإعادة شاملة لذلك، و إنما المخرج عنها النصوص المشتملة على طواف المندوب، و هو منصرف إلى غير ما لا بد منه، و لو للتخلص عن إحرامه، كما لا يخفى.
هذا، و يشترط فيه أيضا
و لو كان الطواف ندبا، كما عن الأكثر، لعموم «الطواف بالبيت صلاة» (1).
و مقتضى عموم التشبيه كون الطهارة المزبورة- مع عدم العلم بالنجاسة- شرطا علميا.
و يؤيده أيضا ما في خبر يونس المشتمل على الأمر بقطع الطواف ثم ازالة الدم و تطهير محله و العود الى الطواف فيتمه (2)، بناء على ظهوره في صورة عدم سبق علمه بالنجاسة.
ثم إنّ عنوان الدم في هذا النص مطلق يشمل المعفو عنه في الصلاة، و لازم العموم السابق العفو في الطواف عما عفي عنه في الصلاة، فيدور الأمر حينئذ بين الأخذ بأحد الإطلاقين. و حيث انّ النسبة بينهما عموما من وجه، فيتعارضان و يتساقطان، و يرجع إلى أصالة عدم مانعية الدم المعفو عنه في الصلاة عن الطواف.
اللهم إلّا أن يدّعى انّ عموم «الطواف صلاة» ناظر إلى الشرائط المجعولة أولا فيها، فلا يشمل المعفو عنها في الصلاة.
و أيضا فإنّ العموم المزبور غير ناظر إلى ما عفي عنه فيها لمصلحة أقوى من مصالح جعل الشرط، و حينئذ يبقى الإطلاق الآخر بلا معارض.
لكن الانصاف عدم قصور في شمول نظر العموم إلى ما اعتبر فيها بالنظر إلى فعلية التكليف، مع أنّ التعبير بالعفو موجود في كلمات الأصحاب، و إلّا فظاهر الأدلة تخصيص المانعية- في عالم الاقتضاء- بغيره، كما لا يخفى.
هذا، و أما أحكام الخلل- من حيث الشك في الطهارة بعد اليقين بالحدث، أو الخبث، أو العكس، أو مع الجهل بالحال قبل الشروع في العمل، أو في أثنائه بالنسبة إلى الأشواط الآتية، أو بعد الفراغ منه أجمع- فتجري في المقام أيضا.
ففي الأول: يحكم بالنجاسة و المحدثية أصغرا أو أكبرا.
و في الثاني: يحكم بالطهارة عن كليهما.
و مع الحالة السابقة يحكم بالطهارة الخبيثة لا الحدثية.
و مع كشف خلاف الأول- بعد تمام العمل- يجزئ.
و في أثنائه يجزئ عن الأشواط الماضية لا الآتية، فيجب تحصيل طهارة جديدة ما لم يلزم فعل كثير فيه.
و بعد الفراغ أيضا يحكم بالصحة.
و في الأثناء أيضا يحكم بصحة ما مضى من الأشواط دون غيرها.
كل ذلك بمقتضى عمومات الاستصحاب، و أصالة الفراغ، مما لا ريب فيه و لا شك يعتريه، و اللّٰه العالم.
و من شرائط الطواف أيضا
، بلا اشكال ظاهرا نصا و فتوى. و في النص: «الأغلف لا يطوف بالبيت» (1).
1) وسائل الشيعة 9: 369 باب 33 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
و في آخر: «لا بأس أن تطوف المرأة غير مخفوضة، و أما الرجل فلا يطوفن إلّا و هو مختون» (1).
و في ثالث: في من أسلم: «لا يحج حتى يختتن» (2)، و منها يظهر اختصاص الحكم بالرجال.
كما انّ الظاهر من النواهي الواردة في مقام بيان حقيقة الشيء، هو الإرشاد إلى مانعية متعلقها، و إطلاقها من تلك الجهة يشمل حال عدم التمكن، فلازم ذلك حتى على فورية الحج تأخيره إلى عام يتمكن من الختان.
و توهم أهمية جهة الفورية عن شرطية الختان، فتسقط الشرطية، فيحج بلا ختان، مدفوع بأنّ موضوع الفورية هو الحج، و لا يصلح مثل هذا الخطاب أن يحرز موضوعه، فإطلاق دليل الشرطية ينفي موضوع الفورية، فلا يبقى مجال للمعارضة.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ دليل الفورية و إن لم يكن ناظرا إلى إحراز موضوعه، و لكن إطلاقه بنحو الإجمال، شامل لحال عدم التمكن من الختان أيضا، و لازم وجوبه فيه كون المأتي به حجا.
و حينئذ تقديم كل واحد من الإطلاقين يوجب التخصيص في الآخر، فيتزاحمان. و حيث لم يحرز أهمية أيهما، فالعقل حاكم بالتخيير، و لازمة جواز الاقدام بالحج بلا ختان، أو تأخيره مع الختان.
و توهم أنّ النص الأخير يدل على لزوم تأخير الحج، المستلزم لأهمية الختان، مدفوع بأنّ الرواية في مقام النهي عن الحج قبل الختان، و لو في ظرف التمكن منهما، و لا نظر له لحال المزاحمة، و لا أقل من شبهة إهماله من هذه الجهة،
مع كونه مسوقا لبيانها، فلا يصلح دليلا على المرام.
نعم الذي يسهّل الخطب عدم تمامية الدليل على الفورية بهذا المعنى، فيبقى إطلاق مانعية الختان باقيا بحاله، كما لا يخفى.
و قوله: «الأغلف لا يطوف» يشمل الكبير و الصغير، و في شمول الخنثى- بناء على الطبيعة الثالثة- وجه، و إلّا فيكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و مرجعه الأصل، و البراءة عن المانعية تصحح حجه بلا ختان.
و في الرياض جعل المقام مجرى قاعدة الاشتغال (1)، و لا وجه له حتى على شرطية الختان، للشك في أصل التقييد بالنسبة إليه، لاحتمال كونه امرأة، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ عموم «الطواف صلاة» يقتضي اعتبار الستر فيه، و في النص عن العامة و الخاصة: «لا يحج بعد العام مشرك و لا عريان» (2).
و بهذا المضمون نصوص متعددة فراجع الجواهر (3).
و بقرينة الإجماع على جواز طواف مستور العورة و إن كان عاريا، يحمل النصوص على اعتبار ستر العورة.
على نحو ما اعتبر في سائر العبادات، و على المختار من كونها الداعي يسقط النزاع في كون محلها كل نسك في العمرة و الحج، أو
محلها حين الشروع بأول أفعالهما، المستلزم لكفاية النية حين الإحرام بهما، نظير كفاية النية حين الشروع في الصلاة، و انه يعتبر في بقية النسك عدم قصد الخلاف، كما هو الشأن في بقية أفعال الصلاة.
و لكن يمكن دعوى كون الحج مركبا من عبادات مخصوصة، على وجه تكون عباديتها قائمة بذاتها، لا من جهة عبادية الحج محضا.
و حينئذ فربما تجب النية لكل واحد بخصوصه، و محلها كل نسك بنفسه، كي به تتحقق صلاحيتها للوقوع جزء من الحج الواجب.
نعم في عبادية الحج، الملتئم من هذه العبادات، يكفي مجرد النية حين الشروع فيه، و لو بشروعه في إحرامه. و بذلك يمتاز الحج عن سائر العبادات، من مثل الصلاة و غيرها، حيث إنّ عبادية أجزائها بعين عبادية الصلاة، الملتئمة منها.
و هذا بخلاف الحج فإنه عبادة ملتئمة من عبادات مستقلة، و لازمة حينئذ جعل أمر كل واحد أو رجحانه النفسي، داعيا مستقلا، حتى لو أتى به بداعي أمر الحج محضا لا يكون صحيحا، إلّا بكونه من باب الداعي إلى الداعي.
و إلّا فلا تصح العبادة بالتقرب بأمر غيرها، و لو قلنا بكفاية الداعي في النية، فضلا عن جعل النية عبارة عن إخطار الأمر و صورة العمل، إجمالا أو تفصيلا حين الشروع فيه.
لكنّ الذي يسهّل الخطب عدم إحراز مثل هذه، بل من المحتمل أنّ المطلوب منها عباديتها الطارئة عليها، من قبيل عبادية الحج، و إن كانت في نفسها أيضا عبادة مستقلة، لكن ما هو ملتئم منه الحج المأمور به، ذواتها التي تصير عبادة بعين عبادية الحج، نظير أجزاء سائر العبادات، و لا أقل من الشك فيه، فترجع المسألة إلى دخل حيثية عباديتها المستقلة في جزئيتها للحج.
و الأصل البراءة، فلا يجب في مقام التقرب بها أزيد من التقرب بأمر
الحج الملتئم منها، غاية الأمر كما كان المعتبر الداعي المعهود المتعلّق بتمام العمل، فلا محيص عن إتيان الجميع بذلك الداعي بلا اعتبار بقاء فيه على وجه يضر به تخلل العدم في خلال كل نسك، كما هو الشأن في سائر العبادات حتى الصلاة. إذ لا دليل على هذا المعنى بعد فرض إتيان تمام اجزائه على وجه قربي، و حينئذ يسقط النزاع في محل النية.
نعم على المختار أمكن دعوى لزومها في كل نسك على هذا المشرب أيضا، و لو من جهة استقلال كل نسك عرفا. و إليه أيضا ذهب في الجواهر (1)و هو أيضا شاهد اختياره للمشرب الثاني، من كون عبادية النسك بعين عبادية الحج، غاية الأمر استقلال وجودها في الأنظار أوجب الاخطار المزبور عند الشروع بأي نسك. و به يمتاز عن أجزاء الصلاة، التي هي بنظر العرف أمور مرتبطة لا استقلال لوجود كل واحد في نفسه، و إلّا فلو كانت جهة عباديتها المستقلة دخيلة في الجزئية للحج لكان يكفي في وجوب النية عند كل جزء بملاحظة حفظ عبادية نفسه، المعلوم لا بدية اقترانه بالنية، و لو لم تكن الأفعال بنظر العرف أمورا مستقلة، بل و ليست جهة امتياز الحج عن الصلاة حينئذ بصرف ما ذكر، كما لا يخفى، فراجع كلماتهم ترى ما ذكرناه حقيقا بالقبول.
بلا اشكال نصا و فتوى، و في الوسائل عقد بابا لذلك (2)، و في النص: «انه من سنن عبد المطلب فأقرّه اللّٰه فريضة على المسلمين» (3)، إلى غير ذلك من النصوص. و في الجواهر ادعى تواترها.
و يعتبر فيه الابتداء بالحجر و الختم به بلا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا (1)في الجملة. و في النصوص المستفيضة نحو هذا المضمون، من انه من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود (2).
و حينئذ لو ابتدأ الطائف بغيره، أو ابتدأ من قبله مثلا و لم يقصد بالزيادة، بل قصد امتثال أمره من حين وصوله إلى الحجر الأسود صح، و لازمة خروج الزائد عن الجزئية.
نعم لو قصد الطواف المأمور به من حين ما شرع أولا فيصدق عليه الزيادة، فلا يكفي حينئذ تتميم السبعة، و لو من الحجر إلى الحجر، لأنّ الزيادة عمدا في الطواف كالصلاة مبطلة إجماعا كالنقيصة.
و يومئ إليه أيضا عموم «الطواف بالبيت صلاة»، بناء على مانعية الزيادة في طبيعة الصلاة و لو المندوبة، و إلّا فمثل هذا العموم غير متكفل لإثبات الأحكام الثابتة لأنواع خاصة من الصلاة، بلا دخل مثلها في أصل الطبيعة.
و توهم ضعف سند العموم، لكونه عاميا، مدفوع باشتهار التمسك بمثله بين الأصحاب في موارد متعددة، و ذلك المقدار يكفي لجبر سنده فراجع كلماتهم.
ثم المراد من البدأة من الحجر كون أول جزء من طوافه و مشيه مقارنا للحجر، و لازمة كفاية محاذاة مقاديم بدنه لآخر جزء من الحجر، و في وجوب العود إلى محل شروعه أو كفاية عوده إلى الحجر، بأن تكون مقاديم بدنه محاذية لأول جزء من الحجر، على وجه يصدق أنه إلى الحجر، وجهان: من اقتضاء الإطلاق للثاني، و اختاره في الجواهر أيضا (3).
و من انصرافه إلى صورة وحدة المبدأ و المنتهى، و أنّ الإطلاق المزبور ناظر إلى إتمام طوافه، و ان طوافه من الحجر، فذكر الحجر الثاني سيق لبيان إتمام الدور، لا لبيان الاكتفاء ببلوغ الحجر، و إن لم يتم دورة كاملة.
نعم مع الشك فالأصل البراءة عن جزئية المشكوك فيه، لكن الإنصاف انّ العرف يفهمون من مثل هذه البيانات إتمام الدور، خصوصا في موارد لا تكون للغاية سعة محسوسة، كما لا يخفى.
و يعتبر فيه أيضا
بلا إشكال أيضا نصا (1)و فتوى، و في النصوص المستفيضة ما يومئ بذلك، ففي بعضها: «إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوذ، و هو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب» (2).
و في آخر: «إذا فرغت من طوافك و بلغت مؤخر الكعبة» (3).
و في ثالث: «إذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة» (4).
إذ من مثل هذه النصوص يستفاد تسلم كون طوافه على نحو يقع البيت على يساره.
و إطلاقه يقتضي اعتباره في حال السهو، فلو جعل البيت على يمينه، أو في قبال وجهه، أو على ظهره، لم يجزئه و لو نسيانا. و في الجواهر: لم يصح ذلك عندنا، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إنه يعيد إن أقام بمكة، و إلّا جبره بشاة (5).
ثم المدار في جعل البيت على يساره كونه كذلك عرفا، فلا يضر به ميله يسيرا إلى اليمين بنحو لا يخرج به عن صدق الاسم، بل الأصل أيضا في المراتب المشكوكة يقتضي البراءة.
و مما يعتبر فيه أيضا
بلا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا (1). و من النص ما في الصحيح: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر كيف يصنع؟ قال: «يعيد الطواف الواحد» (2)، و رواه الشيخ بقوله: «يعيد ذلك الشوط» (3).
و في نص آخر: أمن البيت هو، أو فيه شيء من البيت؟ فقال: «لا و لا قلامة ظفر، و لكن إسماعيل دفن فيه، فكره أن توطأ فجعل عليه حجرا، و فيه قبور الأنبياء» (4)، و نظيره غيره.
و ذلك يكشف عن خروجه منه أيضا، فليس وجه إدخاله في الطواف.
كونه من البيت، مع أنّ المسألة في مقامنا مسلّمة غير مبتنية على النزاع في دخول الحجر في البيت أو شيء منه و عدمه.
و منها أن يكون بين المقام و البيت على المشهور بين الأصحاب، و يدل عليه خبر حريز عن ابن مسلم قال: سألته عن حد الطواف الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت، قال: «كان الناس على عهد رسول اللّٰه
يطوفون بالبيت و المقام، و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، و الحد قبل اليوم و اليوم واحد، قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنه طاف في غير حد و لا طواف له» (1).
و الظاهر من الرواية انّ المقام هو الذي كان في عهده عليه السلام المعلوم عدم تعيين محله الى زماننا، و إلّا لبان، و هو الذي عيّنه عمر في زمان خلافته، و لو من جهة حصول تغيير قبله بسيل أو غيره.
و هو أيضا محله الذي كان في عهد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الظاهر من التواريخ كونه محله في زمان الجاهلية أيضا.
و على أي حال فالسيرة القطعية قائمة على أنّ محل المقام في زماننا هو محله في عصر الأئمة، و امضاؤهم يكشف عن محله واقعا، و ذلك المقدار يكفينا.
كما انّ الظاهر من النص ملاحظة نسبة تلك المسافة في جميع الأطراف، بلا استثناء الحجر من خارج البيت أيضا كما قيل.
لكن حكي نفي الاشكال في عدم احتسابه منها، و في المسالك: احتسابه من المسافة و إن لم يجز سلوكه (2)، و في الجواهر: و لا ريب في انه الأحوط (3).
أقول: مع كون الحد الذي يطاف فيه مرددا بين المتباينين، الناشئ احتماله من الرواية، و نفي الاشكال على خلافه في الكلمات، كيف يتصور كون الأخذ بأحد المحتملين أحوط! بل الأحوط تكرار الطواف بتمام أشواطه
من الخطين، كما لا يخفى.
و على أي حال فظاهر النص المزبور كون المدار هي المسافة بين البيت و محل الصخرة، لا الحائط الواقع على المقام، و لا عينها، كما هو ظاهر.
و ظاهر إطلاقه أيضا شمول الحكم للمختار و المضطر، و عن الإسكافي:
جواز الطواف خارج المقام للضرورة.
و قد يتشبث له بما في النص من قوله- بعد السؤال عن الطواف خلف المقام-: «ما أحب ذلك، و ما أرى به بأسا فلا تفعله، إلّا أن لا تجد منه بدا» (1). و في دلالته على مدّعاه نظر، بل ظاهره الكراهة مع الاختيار، و ان الاضطرار يرفع الكراهة.
و بمثله لم يعلم فتوى أحد، فيطرح سندا لوهنه، بعد عدم قرينة على حمله على مدعى الإسكافي، كما لا يخفى.
و يجب بعد الطواف
، و ظاهر كلماتهم كون وجوب الصلاة أيضا كوجوب سائر الأمور المعتبرة فيه أيضا، من مستتبعات وجوبه، و ذلك المعنى يمكن أن يكون من باب كون الصلاة أيضا واجبا، مستقلا في الحج، ثابتا بتبع ثبوت الطواف، و إن جعله في عداد ما اعتبر فيه لا بنحو الشرطية أو الجزئية، بحيث يوجب تركها ترك الطواف المضر بحجه عمدا و جهلا، بل بمعنى كون مصلحته ملزومة، مصلحة الصلاة، فتكون بحسب المطلوبية تابعا لمطلوبية الطواف بهذا المعنى، و إلّا فالصلاة أيضا من أجزاء الحج، في عرض جزئية الطواف. غايته كونها من أجزائه غير الركنية، بخلاف الطواف نفسه.
و يمكن أن تكون الصلاة المزبورة متممة للطواف و مكملة له في عالم
1) وسائل الشيعة 9: 427 باب 28 من أبواب الطواف حديث 2.
المطلوبية، على وجه لا يكون دخلها في الحج إلّا بتبع دخل الطواف، لا انه نسك مستقل في قباله، و انّ الطواف بمرتبة ركن في الحج، و بمرتبة أخرى ليس ركنا. و هذا المعنى أليق بكلماتهم، في جعلهم الصلاة من شئون الطواف، بلا جعلهم إياها نسكا قبال سائر المناسك، و لا يستفاد من نصوص الباب كما سنذكرها أيضا أحد الوجهين.
و الذي يسهّل الخطب عدم تصور ثمرة علمية بينهما، فلا يهمنا حينئذ تنقيحه.
و على أي حال فمقتضى التبعية المزبورة- بأي واحد من المعنيين- كونه في الوجوب و الندب مساويا مع حكم صلاته، و هو الظاهر من الكلمات في مبدئه، و الظاهر عدم الخلاف فيه، و الأصل أيضا يقتضيه.
و المشهور بينهم في واجبه انه مستتبع لوجوبها أيضا، و ربما يدل عليه ظهور قوله: «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم وصل ركعتين» (1)، و اشتماله على المندوبات فيها غير ضائر بظهور هذا الأمر في الوجوب، بعد الجزم بانفصال القرينة.
و يؤيده الأوامر المتعلّقة بقضائها، الكاشفة عن ملزمية مصلحته. و بمثلها أيضا يشرح الآية الشريفة وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (2)، و بذلك كله يدفع توهم استحبابها بشهادة ما في النص، من تعداده الصلاة الفريضة، و لم يجعل منها هذه الصلاة، لعدم صلاحيته للمقاومة لما تقدّم، لإمكان حمله على الفرائض الأصلية لا التبعية لشيء آخر.
ثم انّ في النص السابق استحباب قراءة التوحيد في الأولى و الجحد في
الثانية، و في نص آخر عكسه، و يمكن حملهما على التخيير بينهما، لو لا ضعف الأخير، و لو لا اعراضهم الكاشف عن الوهن في المستحبات جزما، فيتعين الأخذ بمضمون الأولى.
فيأتي بها على المشهور، و النص أيضا ناطق به، ففي صحيح ابن مسلم: «يرجع إلى المقام فيصلّي ركعتين» (1)، و نظيره نص آخر (2).
و في المرسلة: «يصليهما و لو بعد أيام» (3)بلا تعيين مكان فيه.
و في نص آخر قال عند السؤال عن نسيان الصلاة: «صلّ في مكانك» (4).
و لعل مثل ذلك يصلح مستندا للصدوق، حيث ذهب الى أنه يصليهما حيث يذكر (5).
و في دلالة المرسلة نظر، لعدم سوق الإطلاق من تلك الجهة، و على فرضه فيقيّد بالسابقة لوحدة المطلوب، كما انّ الثانية أيضا محمولة على فرض المشقة بالعود.
نعم لو شق عليه العود و لو للزحام قضاهما حيث ذكر، لصحيح أبي بصير المشتمل ذيله على قوله: «فإني لا أشق عليه و لا آمره أن يرجع، و لكن يصلّي
حيث يذكر» (1).
و في نص آخر «إن ارتحل فلا آمره أن يرجع» (2)المنزّل على الغالب، من مشقة الرجوع بعد الارتحال.
و نظيره ما في نص آخر مشتمل على عدم الرجوع بالارتحال (3)، و يدل أيضا إطلاق ما أسلفنا من النصوص الآمرة بالصلاة في مكانك، بعد إخراج صورة عدم المشقة عنها، بقرينة النص السابق الصريح في المشقة، و بقية النصوص الآمرة بالعود، المنصرفة إلى صورة عدم المشقة، كما لا يخفى.
و لو مات و لم يصلّهما قضاهما الولي، لعموم ما دل على قضاءه الصلاة الفائتة، بل و يظهر من خبر عمر بن يزيد (4)جواز النيابة عنه من غير الولي مع وجود الولي، و لكنه غير معمول به بظواهر كلماتهم.
و الجهل في المقام- قاصرا أو مقصرا- ملحق بالنسيان، لقوله في الصحيح:
«إنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام بمنزلة الناسي» (5). فيترتب عليه ما ذكرناه من الأحكام، و إطلاقه يشمل المقصّر أيضا، فيلحق به العامد، لا لعدم القول بالفصل، كيف و قد اعترف في الجواهر تعرّض الأصحاب لحكم التارك عمدا (6)، بل لاستفادته من فحوى الجاهل، الشامل، للمقصّر جزما، إذ العرف لا يرى بين نحوي العمد فرقا، كما هو ظاهر.
و في كشف اللثام: انه المشهور (1).
و في الجواهر: انه كذلك، مع نيته ابتداء على وجه الإدخال في الكيفية، ضرورة كونه حينئذ ناويا لما لم يأمره الشارع، إلى أن حكى كلام كشف اللثام. و كذا لو نواها في الأثناء، لأنه لم يستدم النية، قال: و فيه إنّ ذلك غير مناف لاستدامة النية على السبع، الى آخره (2).
أقول: لا يخفى أولا انّ ازدياد الشيء لا يكون إلّا بانقلاب حده بحد آخر، فيعتبر في صدقها أمران:
أحدهما: كون المزيد فيه محدودا بحد موجب لخروج الزائد عنه.
و ثانيهما: كون الزائد أيضا على نحو موجب لانقلاب هذا الحد بحد آخر، كي به يصدق كون الزائد أيضا محسوبا من الشيء و مشمولا لعنوانه، كزيادة الخط بالنسبة على المرتبة الفاقدة عنه.
و من المعلوم انه بدون اعتبار الأمرين لا تكاد تصدق الزيادة فيه على الأمور المزبورة، إذ بدون ملاحظة حد الشيء الموجب لفقدانه عنه، و كان الشيء على نحو قابل للانطباق على القليل و الكثير، لا يتصور فيه زيادة، إذ كلما أتى من سنخه فهو منه لا زائد عليه.
كما انه لو لم يكن الحد المزبور منقلبا إلى حد آخر، و غير قابل للانقلاب، لا تكاد تصدق الزيادة فيه، بل المأتي به أجنبي عنه، فكيف يصدق ازدياد الشيء بمثله. فإيجاد الزيادة في الشيء إنما يتحقق من ازدياد المزيد فيه بالزيادة، و هذا المعنى يوجب انقلاب حده بحد آخر.
و حينئذ نقول: من المعلوم أنه لا بد أن يكون المأتي به في قصده و تشريعه مأتيا به بنحو يكون إتيانه مساوقا لإتيانه بقصد كونه منه، المساوق لقصد جزئيته، و إلّا فلو لم يقصد الجزئية له لم يعقل ارتباطه بالعمل المزبور، فكيف يقلب حد بحد، فلا تكاد تصدق حينئذ الزيادة في مثل الصلاة أو الطواف، إلّا إذا أتى بها بهذا القصد.
نعم لو تعدّى بكلمة عن لم يقتض ذلك دخوله فيه بالنحو المزبور، إذ في مثل هذه الكلمة اعتبر معنى التجاوز المساوق لكون الزائد أجنبيا عنه و غير مرتبط به، فلا جرم تقاس الزيادة بالنسبة إلى مطلق عمله فيصدق انه زاد فيه، و حينئذ فكم فرقا بين عنوان «زاد في الشيء» أو «زاد عنه».
و حيث اتضح ذلك فنقول: إنّ مثل هذا المعنى تارة يعتبر في الشيء حقيقة، و اخرى يعتبر فيه جعلا و تشريعا. فالأول لا يتصور إلّا في مورد تكون توسعة حقيقة الشيء و تضيقها بيده، كي يصدق بأن المكلّف زاد فيه تارة و نقص عنه اخرى.
و حيث إنّ الماهيات الجعلية لا تكون بحدودها تحت اختيار المكلف، و لا بحدود أمرها كذلك، فلا يتصور عنوان الزيادة على ما يأتي به بنحو الحقيقة، لا بالنسبة إلى نفس العنوان، و لا بالنسبة إلى عنوان كونه مأمورا به، فلا محيص حينئذ عن دعوى: انّ في صدق الزيادة على الصلاة و الطواف لا بد أن يكون مأتيا به بقصد الجزئية لهما و لو تشريعا، من دون فرق بين كونهما من العناوين القصدية أم لا، إذ مجرد تشريعه في توسعة العنوان، المساوق لإتيانه بقصد الجزئية، كاف في صدق الزيادة المزبورة، و من البديهي أنّ هذا المقدار صادق مع قصدية العنوان و عدمه.
و بعد ما ظهر ذلك فنقول: انّ التشريع المزبور إن كان في مرحلة نفس الأمر الداعي، فمثل هذا التشريع يخل بالقربة، المبطل للعمل، سواء كان في
بدو العمل أم في أثنائه.
و أما إن كان التشريع المزبور في مرحلة التطبيق فلا يضر هذا المقدار بقصد الامتثال، من دون فرق أيضا بين أن يكون في أثناء العمل أم في ابتدائه.
نعم لو كان ذلك بعد الفراغ عن العمل لم يكن يقتضي مجرد هذا التشريع، و لو في أمره من هذا الحين، إضرارا بالعمل المأتي به أولا بامتثال أمره الحقيقي.
و عليه فإن كان في البين دليل على مبطلية الزيادة المزبورة في العمل، فلا محيص عن الالتزام بمبطليته للعمل، بمجرد صدقها بلا ملاحظة حيثية إخلالها بالقربة و عدمه، و لا فرق في ذلك أيضا بين قصد إتيان الزيادة من حين الشروع أو في أثنائه.
نعم بالنسبة إلى ما بعد الفراغ عن العمل، ففي مبطلية الزيادة بعد صدقه جزما وجه، خصوصا بناء على إلحاق الزيادة على العمل بالزيادة فيه لا عنه.
و عليه فقد يشكل أمر الزيادة بقصد الجزئية للصلاة بعد السلام، إذ ظاهرهم عدم مبطلية مثلها. و عمومات الزيادة فيها أو عليها- كما في النص صريحا- تقتضي بطلانها، و حينئذ فكيف التوفيق؟
و قصارى ما يمكن أن يقال في المقام: انّ مقتضى محللية السلام للمحرمات حينها، التي منها إيجاد الزيادة فيها، رفع مانعية مثل هذه الزيادة و محذوريتها، لا أنه بمجرد الخروج عن حد الصلاة شرعا، لا تصدق الزيادة على المأتي به، و ان كان بقصد الجزئية، كيف و قد عرفت انّ المدار في صدق الزيادة قلب حده الشرعي الفاقد بحد آخر و لو تشريعا، و ذلك يحصل بمجرد التشريع في جزئية شيء آخر لها بعد التسليم.
فعمدة وجه عدم المبطلية إنما هو من جهة قصور حكم مبطليته، لكون السلام محلل كل محظور قبله، لا من جهة قصور في موضوعه.
كيف و لو كان الغرض من عدم صدق الزيادة من جهة التحديد في الصلاة شرعا بالسلام، و هذا الحد غير قابل للقلب فلا زيادة، إن أريد من عدم القلب عدمه حقيقة، فالأمر كذلك في إتيان ركعة أخرى قبل السلام، إذ التحديد الشرعي بأربع ركعات غير قابل للقلب، فلا فرق بين المقامين.
و إن أريد عدم قلبه و لو تشريعا، فهو تابع تشريعه.
و العقل لا يرى فرقا بين التشريع قبل السلام و بعده، فلا جرم يصير ذلك شاهدا في أنّ عدم إضراره بعد السلام ليس من جهة عدم صدق الزيادة في الصلاة و لو تشريعا، بل وجه عدم الإضرار ليس إلّا جهة محللية السلام، و انه لا يكون ممنوعا ما هو ممنوع أثناء الصلاة قبل التسليم.
و بمثل هذا البيان يفرّق بين قصد الزيادة بإتيانه بقصد الجزئية أثناء الصلاة و الطواف، و انّ في المقامين الزيادة البعدية كالزيادة في الأثناء أو في ابتداء الأمر، غاية الأمر قضية محللية السلام أوجبت خروج الفعل بعد السلام عن المانعية. و هذا المعنى لا يكون في الطواف، فلا قصور في شمول دليل المانعية لمثله أيضا.
نعم لو فرضنا عدم وفاء دليل مانعيتها، و كنا و مرحلة إضرار الزيادة بالقربة، لم يكن فرق بين المقامين في عدم إضرار مثل هذا التشريع بعد الفراغ عن العمل و لو كان تشريعا في أصل الأمر، فضلا عن أن يكون في مرحلة التطبيق، كما أشرنا إليه سابقا.
و بعد التنبيه على هذه المقدمة فلنرجع إلى بيان أنّ وجه المانعية في الزيادة هي جهة إخلالها بالقربة، كي يفصل بين التشريع في الأمر في الابتداء أو الأثناء، و بين التشريع في مقام التطبيق، أو مانعية نفسها الثابتة بالنص
الخاص، و قد ظهرت ثمرة هذه الجهة في طي البيان السابق.
و عليه فنقول: إنه بعد أصالة عدم المانعية، ربما يستفاد من بعض النصوص على وفق فتوى المشهور، مانعية الزيادة في المقام أيضا تارة من عموم «الطواف بالبيت صلاة»، بناء على تعميمه لتمام الآثار التي منها مانعية الزيادة كشرطية الطهورين.
و توهم انّ مقتضى هذا العام أيضا عدم مانعية الزيادة بعد تمام الطواف، كما هو الشأن في الصلاة، مدفوع بأنه كذلك لو كان ذلك من شئون كونه بعد تمام الصلاة و أما لو كان من شئون محللية السلام، فدليل التنزيل غير ناظر إلى مثل هذا الأثر، بل هو مترتب على عنوان خاص، لا مثل عنوان تمام الصلاة، المشمول لعموم التنزيل.
و اخرى من قوله في نص عبد اللّٰه بن المغيرة: «الطواف إن زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها فعليك الإعادة» (1).
و في نص آخر: عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط، قال: «يعيد حتى يستتمه» (2). و ظاهر جعل الاستتمام غاية للإعادة، كون المراد من الاستتمام طلب إيجاده تماما و بلا زيادة، لا الإتمام، كي يلزم خلاف القاعدة في احتساب ما أتى به بقصد الجزئية للأول جزء للطواف، فلا يكون النص حينئذ على خلاف القاعدة أصلا.
نعم يؤيد هذا الاحتمال ما في نص آخر من قوله: في رجل طاف طواف الفريضة ثمانية أشواط، قال عليه السلام: «يضيف إليها ستا» (3).
و حكى في الجواهر نحوه مضمونا (1)، و لكن بواسطة مخالفة النص الأخير لفتوى المشهور حمله في الجواهر على وجهين، إما على إتيان الشوط سهوا، أو على فرض قصده من الأول طوافا مستقلا بالشوط الزائد عن السبعة.
أقول: لا محيص عن التوجيه الأول، و سيأتي شاهد له من النصوص المستفيضة على وفقه، و هو المشهور أيضا بين الأصحاب. و سيجيء الكلام فيه عند تعرض المصنف إياه عن قريب، فانتظر البحث هناك.
و لو لا هذا الوجه لم يكن مجال للتوجيه الثاني، كيف و لازمة القران بين الطوافين في الفريضة، و هو في نظر هذا الحامل الجليل مبطل لهما، فكيف يصلح مثل هذا الحمل أمر هذه الرواية الظاهرة في صحتهما. فلا محيص عن طرح الرواية بمخالفة مضمونها لفتوى المشهور، خصوصا لو كان ظاهرها كون الثامنة مأتية بقصد جزئيتها للأول. فإنه في إتمامه بست أخر، يلزم مخالفة قاعدة أخرى في التقرب بالعبادة بداعي شخص أمرها.
ثم إنّ ذلك كله في صورة الزيادة عمدا. و أما في فرض الإتيان بها غفلة، فالظاهر من كلماتهم عدم إضرار هذه الزيادة.
و ربما يستدل له بعموم رفع مانعية المنسي، بتقريب أنّ رفعه التنزيلي بلحاظ رفع بقاء الأمر به الموجب لإعادته.
و فيه: انّ ذلك صحيح لو كان حديث الرفع يشمل رفع المنسي، حتى بلحاظ الآثار المترتبة عليه حال التذكر، و إلّا فلا يجدي إلّا في نفي الإعادة بلحاظ حال النسيان، بمعنى عدم ترتب العقوبة عليه مع تمكنه من التحفظ.
فرفعه حينئذ بلحاظ رفع إيجاب تحفظه. و مثله لا يجدي شيئا في نفي وجوب الإعادة في حال التذكر، مع بقاء محل العمل.
1) جواهر الكلام 19: 309.
و أوضح منه فسادا عموم «الطواف بالبيت صلاة» فإن مثل ذلك ناظر الى ما هو من لوازم طبيعة الصلاة، و عدم مضرية الزيادة السهوية لا يكون من لوازم هذه الطبيعة، بل ربما تختلف أجزاؤها في ذلك. و أشكل من ذلك شمول عموم «أيما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»، فإنه أيضا منصرف إلى نفي الشيء ما دامت الجهالة.
و النكتة فيه: انّ الظاهر من هذه الألسنة كون مثل هذه العناوين- من الجهل و النسيان، بل و الاضطرار أيضا- مانعة عن اقتضاء مقتضيات الآثار، ما دام وجودها، فبارتفاعها تؤثر المقتضيات أثرها.
و بمثل ذلك يفرّق بين أثر العقوبة، و بين وجوب الإعادة، فإن العقوبة على الفعل أو الترك في حال عدم الجهل إنما هي على الاستحقاق، فبالجهل ترتفع.
و أما في وجوب الإعادة فلأن المصلحة في كل آن باقية، فما دامت تلك المصلحة المقتضية كانت مقرونة بالمانع لم تكن تؤثر في وجوب الإعادة، فمهما ارتفع المانع فالمصلحة الباقية حين الارتفاع مؤثرة في إيجاب الإعادة.
و لذا نقول بعدم صلاحية مثل هذه الأدلة لإثبات الاجزاء في الأوامر الظاهرية، أو الاضطرارية لنسيان أو غيره، و لعله من جهة ذلك التزم الأصحاب بالاجزاء في فرض الجهل أو الغفلة عن حكم المسألة، و جعلوا الجاهل بالحكم كالعامد.
نعم في صورة الجهل بالموضوع ربما ينتهي أمره الى الغفلة، فيكون تركه خارجا عن العمد، كما هو الشأن في باب الصلاة.
و عليه فتسريتهم حكم العامد إلى الجاهل بالحكم أو الناسي له، كان على القاعدة. غاية الأمر مع القصور فيهما يفترقان مع العمد في الإثم، و إلّا ففي باب الاجزاء يكون كلاهما توأمين في عدم الاجزاء عن الواقع.
و بعد ذلك يبقى الكلام- بعد عدم تمامية هذه الوجوه- في الاجزاء المزبور، في وجه التزامهم بالاجزاء بالنسبة إلى صورة النسيان عن الزيادة المزبورة موضوعا، بعد شمول دليل مانعية الزيادة بإطلاقه لمثل هذه الحالة فنقول: قد يقال: إنه يكفي- دليلا- ما يستفاد من النصوص المستفيضة، بأنه مع الزيادة سهوا يتم أسبوعا آخر.
و فيه: انه إنما يتم على مذهب المشهور، من أنّ الأولى فريضة، و إلّا فعلى القول بكون الأولى نافلة و الثانية فريضة، فلا يتم به المدعى أيضا. و سيجيء عن المقنع مصيره الى بطلان الطواف بالزيادة سهوا (1)، و لنا فيه أيضا كلام فانتظر لسماعة مفصلا.
ثم إنّ في الشرائع أيضا: إنّ الزيادة في الطواف النافلة مكروهة (2)، و لا قصور فيه إمكانا، و في الفرق بينه و بين الفريضة من تلك الجهة، بعد الفراغ عن تصحيح قرينيته فيهما، و لو من جهة صرف التشريع فيه الى جهة التطبيق، فإشكال الجواهر في عدم الفرق بينهما من حيث الحرمة، إنما يتوجه على فرض كون وجه مبطلية الزيادة في المقامين هو الإخلال بالقربة من ناحية تشريعه، و إلّا فعلى فرض ثبوت المانعية في نفس الزيادة من غير جهة التشريع، لا قصور في تصوّر الفرق بينهما في الحرمة و الكراهة، غاية الأمر تحتاج كراهة الزيادة في المقام إلى دليل متقن، و ربما اعترف به أيضا بقوله:
اللهم .. إلخ.
و عليه فقد يتوهم الأخذ بإطلاق خبر طلحة، الدال على كراهة القطع بغير
الوتر مثل الثمانية، فإنّ لازمة كراهة هذه الزيادة، فيتعدّى إلى غيره بعدم القول بالفصل، بعد حمل إطلاقه- من حيث النفل و الفرض أيضا- على النفل، بقرينة ما دل في الفريضة على مانعية الزيادة فيها و حرمتها.
لكن لا يخفى ما فيه، من انّ التعدّي إلى الغير، بعدم القول بالفصل في مثل المقام، مستلزم لطرح الرواية، إذ لا مجال للأخذ بمفهومها سندا و طرح منطوقها، لعدم مساعدة العرف على ذلك. فلا يبقى بعد ذلك مناط للتعدّي أصلا، فلا محيص في مثل المقام إلّا عن غمض العين عن النص رأسا، أو غمض العين عن تعدّي الأصحاب من الشفع في الزيادة إلى الوتر، بل من المحتمل كون المراد من الرواية الانصراف عن غير الوتر المعهود من السبعة، لا كل وتر، فتكون الكراهة بمعناها اللغوي المجامع مع الحرمة أيضا، فلا يرتبط بمدعانا حينئذ أصلا، و لا يبعد مثل هذا الحمل في قبال طرحها رأسا، كما لا يخفى.
و عليه فلا دليل- بعد البراءة عن مانعية الزيادة في النافلة- على الكراهة المصطلحة، و لعله لذا حمل في الجواهر الكراهة، في المقام على الزيادة بمعنى القران بين الطوافين، لا على زيادة شوط واحد (1). و مع هذا الاحتمال في كلماتهم لا تسلم في ذلك في البين على وجه يلازم قيام إجماع في المسئولة، نظير المسألة السابقة. فلو لا التسامح في المرجوحية، و لو من جهة فتوى فقيه واحد في المندوبات و المكروهات، لا وجه للحكم بكراهة الزيادة في النافلة رأسا.
و أما مسألة القران بينهما، الحاصل بطوافين بلا تخلل صلاة بينهما، و هي
فنقول: انه قد يظهر من كلماتهم
1) جواهر الكلام 19: 310.
أيضا الفرق بين الفريضة و النافلة، بالحرمة في الأول و الكراهة في الثانية.
و الأصل في ذلك نصوص واردة من أصحاب العصمة، ففي بعضها:
«و لا قران بين أسبوعين في فريضة و نافلة» (1).
و يؤيده إطلاق نص البزنطي بعد السؤال عن الرجل يطوف الأسباع جميعا فيقرن، فقال: «لا إلّا أسبوع و ركعتان» (2).
و في ثالث «لا يصلح حتى يصلّي ركعتي الأسبوع الأول، ثم ليطوف ما أحب» (3)، و ظاهره نفي الصلوحية في الطواف الأول و عدم الضمير في القران بين البقية.
و بمثل هذا النص لا يمكن أخذ الإطلاق من حيث الفريضة و النافلة، إذ لازم حمل الأول على الفريضة عدم الكراهة في النافلة حتى في الطواف الأول.
و لازم شموله للنافلة الكراهة في الطواف الأول. فقهرا لازم الإطلاق وقوع التعارض في أول وجود النافلة في كراهيته و عدمها، فربما يصير مثل ذلك شاهدا، لإجمال الرواية من حيث الفريضة و النافلة.
نعم لا بأس بالأخذ بنص آخر من قوله: هل يصلح له أن يطوف الطوافين و الثلاثة و لا يفرّق بينهما بالصلاة حتى يصلّي بها جميعا؟ قال:
«لا بأس غير انه يسلّم في كل ركعتين» (4). و ظاهر «يصلّي بها» في الوجوب قرينة نفي البأس عن تكرار الطواف، و إلّا فلا بد من حمل هيئته على الندب.
و على أي حال فإطلاقه يشمل الفريضة و النافلة، فعلى الاحتمال الأول يلحق بالمطلقات السابقة المانعة، و على الأخير يكون ذلك بإطلاقه دليلا على
جواز القران حتى في الفريضة.
و لكن الانصاف- لو لا قوة الاحتمال الأول- لا قوة في الثانية، فلا يصلح مثل هذا النص أيضا قرينة على الجواز المطلق، فتبقى الإطلاقات السابقة باقية بحالها، مع الجزم بلزوم تقييدها بغير الطواف الأول من النافلة جزما، بقرينة الرواية الثالثة.
و حينئذ فلو تم عدم الفصل في عدم الحرمة في النافلة بين الطواف الأول و الثاني، كان ذلك صالحا لرفع الإجمال بحمل «لا يصلح» على الحرمة في الفريضة، بجعل الطواف الأول كناية عن الفريضة، و بعد ذلك أمكن استفادة التفصيل بين الفريضة و النافلة بهذا البيان.
و يؤيده أيضا ما ورد في النص أيضا من التفصيل بين الفريضة و النافلة في الكراهة، بحمل الكراهة- بقرينة ظهور «لا» في المطلقات- على الكراهة اللغوية، نظير «لا يصلح» المحمول على الحرمة كما ذكرنا. و لا أقل من عدم ظهوره في الكراهة المصطلحة، فلا يزاحم المطلقات إلّا في الترخيص في النافلة. و هو أيضا بقرينة إطلاق قوله «لا قران»، بل و التصريح به في النص الأول في خصوص النافلة أيضا، و لازمة استفادة الكراهة المصطلحة فيها دون الفريضة.
نعم في مثل هذا الجمع يبقى اشكال آخر، و هو انّ في بعض النصوص صدور القران من الأئمة عليهم السلام، و هو ينافي الكراهة في النافلة أيضا، فلا محيص إما من الحمل على التقية بقرينة ما في بعض النصوص من قوله:
«إنما قرن أبو الحسن لأنه كان يطوف مع محمد بن إبراهيم لحال التقية» (1)، و حينئذ لا قصور في النصوص لاستفادة مذهب المشهور من التفصيل بين
1) وسائل الشيعة 9: 441 باب 36 من أبواب الطواف حديث 6.
الفريضة و النافلة في حرمة القران و الكراهة.
ثم إنه بعد ثبوت حرمة القران فهل يقتضي ذلك مجرد البطلان بجعل قوله «لا» إرشادا الى عدم الوقوع، أو يستفاد الحرمة مولويا؟
و على الأخير فهل يستفاد منه بطلان الطواف أيضا أم لا؟
و على الأول فهل الباطل هو الأول أو الأخير أو كلاهما؟
وجوه، مقتضى التحقيق كون مدلول النهي أو النفي في أمثال المقام مجرد الإرشاد إلى عدم الوقوع، نظير سائر النواهي الواردة في مقام بيان حقيقة الشيء. و بعد ذلك يمكن دعوى انّ العرف يفهم من عدم وقوع القران بطلان الثاني.
نعم لو تعلق النهي بالأول مقرونا بغيره فظاهره البطلان بقرانه بغيره، و أما لو كان بلسان نفي وقوع القران بين الطوافين فيستفاد منه الإرشاد إلى عدم وقوع الثاني، لا الأول.
ثم لا يستفاد منه فساد الحج أيضا، إذ مثل هذا النهي ناظر إلى الإرشاد إلى وقوع الطواف و عدمه، و كان في مقام الإرشاد إلى بيان هذه الحقيقة، بلا نظر فيه إلى بيان مانعيته عن الحج أبدا. فلا يقاس المقام حينئذ بالنهي عن القران بين السورتين في الصلاة، إذ هناك لا معنى لإرشاديته إلى مانعيته عن وقوع نفس السورة، فلا محيص عن جعل النظر فيه إلى الإرشاد إلى مانعيته للصلاة، فالقياس المناسب للمقام هو ما لو فرض نهي عن القران بين الصلاتين، فإنه أيضا يدل على فساد الثاني، كما لا يخفى.
ثم لو أغمض عن ذلك و جعل النهي أو النفي خاليا عن مطلوبية ترك القران مولويا، ففي اقتضائه بطلان واحد منهما إشكال، إذ النهي المتوجه إلى نفس الإضافة لا يقتضي مبغوضية ذات المضاف، فلا بأس ببقاء ذاته على محبوبيته، القابل للتقرب به مع مبغوضية إضافته الخاصة إلى غيره.
و لئن أغمض عن ذلك أيضا و قلنا برجوع مبغوضية الإضافة، التي هي من الأمور الاعتبارية، إلى مبغوضية منشأ اعتبارها من الطرفين، فلا وجه لتخصيص المبغوضية بأحدهما، بل بمقتضى الترجيح بلا مرجح، ترجع المبغوضية إلى كليهما، لكن مثل هذا الكلام فرض في فرض غير واقع.
نعم في المقام احتمال آخر في النهي قبال الاحتمالين، بل ربما أمكن استفادته من بعض النصوص، و هو حمل النهي عن القران على العرضي بلحاظ النهي عن ترك ضده من الصلاة الواجب فورا، و لازمة حينئذ عدم بطلان واحد منهما نظير النهي عن البيع وقت النداء، بل على فرض ارشاديته أمكن دعوى الإرشاد إلى عدم تمامية الأول من الطوافين بترك صلاته.
و في اقتضائه هذا المقدار من النهي فوت محل الصلاة رأسا اشكال، كيف و ليس ذلك بأعظم من بقية المناسك، حيث قلنا بعدم اقتضائها فوت محل الصلاة، بل يأتي بها في محلها، كما لا يخفى، هذا و اللّٰه العالم.
للإطلاقات و الأصل. و هو المسلّم أيضا في الكلمات كما انّ في الحج غير المتمتع به طول ذي الحجة و لو اختيارا، فلا اثم، لما في صحيحة معاوية: سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال: «يوم النحر، أو من الغد و لا يؤخر، و المفرد و القارن ليسا بسواء، موسع عليهما» (1).
و ظاهر التوسعة بإطلاقه جواز تأخيره طول ذي الحجة الذي هو ظرف حجه، بل إطلاق ظرفيته ربما يقتضي ذلك في غير ما عين وقته كالوقوفين.
و أما المتمتع به فظاهر النص المزبور عدم جواز تأخيره من الغد من يوم
1) وسائل الشيعة 10: 202 باب 1 من أبواب زيارة البيت حديث 8.
النحر، و في بعض آخر: «لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت» (1).
و في قبالها صريح بعض النصوص في جواز التأخير عن أيام التشريق أيضا (2).
و في آخر: رجل أخّر الزيارة إلى يوم النفر، قال: «لا بأس» (3)، و إطلاقه يشمل المتمتع.
فالأمر يدور بين حمل النهي عن التأخير على الكراهة، أو حمل المطلقات على القارن و المفرد، و على فرض التشكيك في ترجيح أحد الجميع، كان الأصل يقتضي التوسعة أيضا و عدم تعيين زمان إلى آخر أشهر الحج، و هو طول ذي الحجة، فكيف لو قلنا بترجيح الإطلاق- خصوصا مع قوة كون الحاج الذي شأنه النفر غالبا متمتعا- كان الأمر أظهر، و اللّٰه العالم.
عند المصنف، و عند دخول المسجد عند جماعة، و النص في الأخير ما عن الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير، كما حكاه في الجواهر (4).
بل و في صحيح معاوية أيضا دعاء مخصوص فراجع الجواهر (5).
و أما الدعاء لدخول البيت فلم أظفر له على مستند، بل في كثير من المطولات السكوت عنه و عدم التعرض له، و انّ قضية التسامح في السنن
تسهّل الخطب في مثله.
و يستحب أيضا عند دخول الحرم مضغ الإذخر لحسن معاوية:
«إذا دخلت الحرم فخذ من الإذخر فامضغه» (1).
و قال الكليني: سألت بعض أصحابنا، فقال: يستحب ذلك ليطيب به الفم لتقبيل الحجر (2). و ذلك يقتضي استحبابه عند دخول المسجد، و ربما تعدّى الأصحاب بهذا المناط لدخول مكة أيضا لشرافتها.
و دخول مكة من أعلاها و في النص: «ادخل من أعلى مكة، و إذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة» (3).
و ليكن دخولها أيضا حافيا بسكينة و وقار، و في النص: «من دخولها- يعني مكة- بسكينة غفر له» (4). و ورد في نص آخر يفسر السكينة بالتواضع (5)، و ربما يستفاد كونه حافيا أيضا من ذلك، بل ورد مثله في دخول المسجد و الحرم (6)، فيتعدّى إلى مكة أيضا لشرافتها.
و الغسل من بئر ميمون أو فخ، و في النص: «إن تقدمت فاغتسل من بئر ميمون، أو من فخ، أو من منزلك بمكة» (7). و التفصيل منزّل على اختلاف محله.
و في نص آخر: «أو عبد الصمد» (8)، و يمكن الحمل على التخيير لمن كان
1) وسائل الشيعة 9: 316 باب 3 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
2) الكافي 4: 398.
3) وسائل الشيعة 9: 317 باب 4 من أبواب مقدمات الطواف حديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 320 باب 7 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 320 باب 7 من أبواب مقدمات الطواف حديث 2.
6) وسائل الشيعة 9: 320 باب 7 من أبواب مقدمات الطواف حديث 3.
7) وسائل الشيعة 9: 318 باب 5 من أبواب مقدمات الطواف.
8) وسائل الشيعة 9: 318 باب 5 من أبواب مقدمات الطواف حديث 2.
خارج مكة بين البئرين و الفخ و للداخل من منزله، كما هو ظاهر المصنف أيضا.
و استلام الحجر و الركن اليماني، و في النص: «إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله استلم هذين، و لم يستلم هذين»، يعني الركنين الأخيرين، و في ذيله «و إنما على الناس أن يفعلوا ما فعل رسول اللّٰه» (1).
و في النص أيضا: «إنّ رسول اللّٰه كان يقبلهما و يضع خده عليهما» (2).
و ليكن الاستلام في كل شوط، و كذا تقبيله أو الإيماء إليه، لما في النص من انه «كان أبي إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده و قبّله، و إذا انتهى الى الركن اليماني التزمه» (3). و ظاهره انتهاؤه إليه في كل شوط.
و أما الإيماء فإنه أيضا نحو تعظيم يستفاد- حكمه من المراتب السابقة من الالتزام و التقبيل و مسح اليد، و لم أر نصا به بخصوصه (4)، لكن الخطب فيه سهل كما سبق.
و الدعاء عند الاستلام، و في النص المنسوب إلى معاوية تفصيل الدعاء عند التزام المستجار، و عند الركن اليماني، و عند الحجر (5).
و الدعاء في الطواف أيضا بالمأثور كما في صحيح معاوية أيضا بقوله:
1) وسائل الشيعة 9: 418 باب 22 من أبواب الطواف حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 418 باب 22 من أبواب الطواف حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 419 باب 22 من أبواب الطواف حديث 3.
4) ورد في صحيحة معاوية بن عمار: «فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك، فان لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه و قل: اللهم أمانتي أديتها ..» إلخ، وسائل الشيعة 9: 400 باب 12 من أبواب الطواف حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: باب 16 من أبواب الطواف حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 415 باب 20 من أبواب الطواف حديث 1.
7) شرائع الإسلام 1: 269.
و من نص معاوية ظهر حكم التزام المستجار، و وضع الخد عليه و البطن، و أيضا أشرنا إلى استحباب استلام الركن اليماني المستفاد من النصوص المستفيضة، و أشرنا إلى بعضها فراجع.
بل و في بعض النصوص استحباب استلام باقي الأركان (1)، لكن لا بدرجة الركنين المعهودين، و لعل ترك رسول اللّٰه إياهما كان لحكمة اخرى.
نعم في النص السابق دلالة على عدم اقدام الناس على ما لم يقدم عليه رسول اللّٰه، و هو مشعر بعدم رجحانه، و يمكن حمله على عدم أقدامهم بقصد استحبابهما بمقدار البقية. و لعل ذلك حكمة ترك رسول اللّٰه، لبيان أفضلية البقية، و إلّا فربما ينغرس في الأذهان تساوي الأركان في ذلك، فتدبر.
و الطواف ثلاثمائة و ستين طوافا، فإن لم يتمكن فثلاثمائة و ستين شوطا، لصحيح ابن عمار المصرح بالتفصيل، و في ذيله: «فإن لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف» (2).
و إليه أشار المصنف أيضا بقوله: و الطواف للزيارة ركن، من تركه عمدا بطل حجه، بل و هكذا في العمرة. و الأصل في ذلك فحوى صحيحة ابن يقطين (3)و خبر علي بن حمزة (4)، الواردين في طواف الحج، الملحق به العمرة بعدم الفصل.
و مورد النصين صورة تركه بجهالة فقال: «أعاد، و عليه بدنة»، و في الآخر:
«أعاد الحج، و عليه بدنة» فيتعدّى إلى صورة العلم بالفحوى.
و في وجوب البدنة بالتعدّي المزبور اشكال، و قد أنكره بعضهم، و لعله للتشكيك في مناط الكفارة نظرا إلى ما ورد بعدم تكررها بتكرر الصيد عمدا كما تقدّم، لقوله تعالى وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ (1)، بخلاف ما لو تكرر خطأ و سهوا فتتكرر الكفارة.
و الانصاف أن المستفاد من النصوص المزبورة كون الإعادة و البدنة توأمين، فلو وجبت الإعادة بالفحوى فيتعدّى إلى البدنة أيضا. مع انّ قيام الدليل على خلاف الفحوى في مورد لا يوجب منع انعقاد ظهوره في مقام آخر، فيؤخذ به مع عدم الدليل كما لا يخفى.
ثم انّ المدار في ترك الطواف على عدم إتيانه في وقت الاجتزاء به، على خلاف فيه في التمتع قد تقدّم في المسألة الرابعة من المسائل السابقة في المستحبات.
و حيث اخترنا فيه كون زمانه طول ذي الحجة، ففوته بتركه فيها بتمامه من دون فرق بين المتمتع و القارن و المفرد بالحج، كما انّ فوت الطواف في العمرة المفردة طول عمره في المتمتع بها قيل الى آخر زمان يتمكن من درك اختياري عرفة، للنهي عن تأخيره من هذا الزمان، حفظا لاختياري عرفة كما لا يخفى، و حينئذ يصدق الفوت بتركه في هذا الزمان.
و قد يتوهم انّ الفوت بمناط المزاحمة لا يوجب ضيقا في وقته، المقوم لصحتها، و إن أثم من جهة أخرى.
و لعله لذا جعل في الجواهر مناط فوته زمانا يستلزم تداركه فوت اضطراري الوقوفين (2)، إذ حينئذ ينتهي إلى عدم قدرته على إتمام الحج صحيحا، و لازمة
عدم وقوع هذا الطواف امتثالا لأمره، فلا يقدر بعده على إتيانه، الموجب لصدق فوته، فتفوت به عمرة تمتعه، و لئن شك في ذلك أيضا فالاستصحاب يقتضي توسعة وقته إلى هذا الزمان.
هذا، و لكن لا يخفى أنّ ذلك إنما يتم على فرض عدم إحراز أهمية حفظ اختياري الوقوفين عن سائر المناسك، و إلّا فبعد ابتلائه بإلزام العقل بترك الطواف المزبور، يصدق على مثله تفويت الطواف على نفسه.
و لئن شئت قلت: إنه مع فرض هذه الأهمية لا بد من حفظ الوقوفين، و مع القدرة عليهما من الأول لا تنتهي النوبة إلى اضطراريهما، إذ أدلة الوقوف الاضطراري غير شاملة لصورة تفويت الوقوف عليه اختيارا إجماعا، فكيف يتمكن مثل هذا الشخص من حفظ حجه بطوافه، المنتهي الى تفويت اختياري الوقوفين بسوء اختياره. و سيجيء تتمة الكلام عند التعرض لأبواب المزاحمات بين مناسك الحج أو العمرة، فانتظر لتام الكلام في باب الوقوف بعرفات في مسألة ركنيته إن شاء اللّٰه.
ثم إنه في ظرف فساد الحج أو العمرة، لا شبهة في عدم وقوع إحرامه جزء لحجة أو عمرته، و أما فساد أصل الإحرام فلا موجب له، إذ عدم وقوعه جزء الحج أو العمرة المتمتع بها، لا يقتضي بطلان أصل إحرامه، الحاصل بالنية سابقا. فكان وزان الإحرام وزان الطهارة الحاصلة بأفعال مخصوصة، معتبرة في شيء بنحو الشطرية، حيث انّ فساد المركب منها لا يقتضي نقض طهارته، بل الناقض لها أمور مخصوصة لا يتحقق النقض بدونها، سواء وقع بوصف الجزئية لعبادة أم لا.
و عليه فيحتاج التحلل منه إلى ضم بقية المحللات اليه، و حيث انّ إطلاق محللية التقصير بعد السعي و الطواف يقتضي الاكتفاء به في تحلله من إحرامه
هذا، فيكتفى في تحليله بإتمامه عمرة مفردة، بلا احتياج إلى الصبر إلى القابل.
نعم لو كان لإحرام الحج مناسك مخصوصة محلّلة له، و لا يجدي في تحلله بمناسك أخر، كان للصبر المزبور مجال. و لكن بعد عدم اختلاف في حقيقة الإحرامين، و ملاحظة إطلاق محللية الطواف و السعي و التقصير، لا يحتاج في تحلله منه إلى ضم الوقوفين، المستتبع لبقائه على إحرامه لزوما إلى العام القابل.
و حينئذ فما في الجواهر من التزامه اقتضاء فساد الحج مثلا فساد إحرامه، على وجه لا يحتاج بعد الى التحلل (1)، منظور، فيه جدا، و اللّٰه العالم.
و لو كان ناسيا يأتي به و لو بعد المناسك و انقضاء الوقت، من تمام ذي الحجة كما عرفت، و الأصل في ذلك أيضا ما في صحيح هشام: عمن نسي طواف زيارة البيت حتى يرجع الى أهله، قال: «لا يضره إذا كان قد قضى مناسكه» (2).
و في صحيح علي بن جعفر قال: «يبعث بهدي إن كان تركه في حج يبعث به في حج، و إن كان في عمرة بعث به في عمرة، و يوكل من يطوف عنه ما تركه من طواف الحج» (3).
و إطلاق ذيله يقتضي الإجزاء بالاستنابة، حتى مع عدم تعذر عوده بنفسه.
و لكن يمكن تنزيله على الغالب من تعذره، و لو بالتعسر في عوده، وفاقا لظاهر المشهور أيضا، فتبقى أصالة المباشرة في العبادات الواجبة بحالها، فيجب عليه- مهما أمكن و لم يتعسر عليه العود- التدارك، و لو بعد الوقت.
و توهم معارضة ذلك مع ما ورد في الروايتين السابقتين، من اعادة الحج للفوت بجهالة، بل في خبر علي بن حمزة في نسخة: عن رجل سها (1)، بدل جهل.
مدفوع بمنع اتحاد موضوع المسألتين، و اختلال متن رواية علي بن حمزة أيضا يسقطها عن الحجية، لو لم نقل بقوة نسخة جهل بقرينة النص الآخر، و فهم الأصحاب. و على فرض تسليم صحة النسخة فالرواية الأولى نص، فتحمل الأخرى على الفضيلة.
و على أي حال فيستفاد من النص الثاني حكم العمرة أيضا، و انه يجب عليه العود مع المكنة و عدم التعسر.
ثم في وجوب إعادة السعي معه، حتى في فرض التدارك بعد الوقت تأمل، قيل به لإطلاق قوله: فيمن طاف بين الصفا و المروة قبل أن يطوف بالبيت. فقال: «يطوف بالبيت ثم يعود الى الصفا و المروة فيطوف بهما» (2)، علاوة عن ترك استفصاله.
لكن الإنصاف يقتضي دعوى انصرافه الى قبل مضي الوقت، فلا يشمل بعده. فيبقى ظهور قوله- في الرواية السابقة-: «يطوف عنه ما تركه من طواف الحج» (3)، في خصوص الطواف دون السعي بحاله.
و يؤيده ما في نص آخر- بعد حكمه بإعادة الطوافين- قال: «عليه دم» (4)، فان ظاهره حصر الواجب عليه في الدم، فترفع اليد عنه بنص الاستنابة في الطواف، فيبقى السعي بحاله في نفي الوجوب.
و ربما يومئ إليه سكوت كلماتهم أيضا عن إعادة السعي، فلا وجه لوجوبه، خصوصا بعد تعليل نفي الإضرار بترك الطواف أيضا، بأنه قضي بقية المناسك، إذ الظاهر شموله للسعي، فلازمه الاجتزاء به، بحكم هذا النص، إذ هو بمنزلة بيان الاكتفاء ببقية المناسك في الوقت في صحة الحج، فلا يضر به عدم وقوع خصوص طوافه، و إن كان يلزم تداركه بعد الوقت بنفسه أو بنائبه، و لو في زمان حياته، كما لا يخفى، فإذن التحقيق عدم وجوب تدارك السعي معه.
نعم هنا مطلب آخر، و هو انّ لازم فوت الطواف و الاكتفاء ببقية المناسك في وقته، حصول الإحلال عمّا يتوقف على البقية، و عدم حصوله عما يتوقف على الطواف. و عليه فهو على إحرامه في الجملة، إلى أن يرجع الى مكة، فيطوف و يحل حينئذ من كل شيء. و حينئذ ففي الاكتفاء بهذا المقدار من الإحرام في رفع حرمة دخول الحرم أو مكة بلا إحرام، وجه.
نعم في النائب لا بد من إحرام جديد، و بعد إحرامه فهل هذا الإحرام النيابي هو مثل الإحرام الثابت لمنوبه، في كفاية الطواف في إحلاله، أو إحرام تام مستقل، لا يتحلل إلّا بمناسكه من قبل نفسه؟ أوجههما الثاني، إذ من المعلوم انه في إحرامه هذا لم يكن نائبا عن غيره، لفرض حصوله، بل هو من جهة تكليف نفسه، من حرمة دخوله إلّا محرما.
و من البديهي انّ مثل هذا الإحرام يحتاج الى مناسك مخصوصة من قبل نفسه، فلا يجدي فيه طوافه عن غيره، بل لا بد أن يطوف طوافا مستقلا، و سعيا و تقصيرا، مقدمة لحصول التحلل لنفسه، كما لا يخفى. و لم أر في كلماتهم تعرضا لهذه الجهة، فراجع، و لعله من باب إيكالهم ذلك إلى مقتضى القواعد و العمومات، كما هو الشأن في كثير من الفروع الخفية الجزئية. فعليهم إلقاء القواعد، و عليك بتفريع الفروع، ما لم ينته الى مخالفة المشهور المعصوم عن
الخطأ غالبا.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده بقوله: و مع التعذر يستنيب.
بقي في المقام مطلب، و هو انّ ما ذكرنا كله كان في طواف الزيارة، و أما طواف النساء، فالظاهر من كلماتهم عدم كونه ركنا في الحج، فمن تركه في حجه مع فوت وقته فلا يبطل حجه.
و ربما يدل عليه ما في النص تارة من قوله «و طواف بالبيت بعد الحج» (1)و هو طواف النساء.
و اخرى في مورد اضطرار المرأة بتركها لطواف النساء حتى خرجت من مكة. قال: «تمضي فقد تم حجها» (2)، إذ موردها و إن كان صورة الفوت بالاضطرار، إلّا أنّ سياق الجواب بتمامية الحج آب عن حمل تمامية الحج على خصوص حال الاضطرار، خصوصا مع ضمه بالرواية الاولى.
مع انّ مجرد وجوب شيء في الحج لا يقتضي جزئيته، و ظهور الأوامر الواردة في بيان الحج في الإرشاد- كما هو الشأن في سائر المقامات- ربما يكون مرهونا بثبوت عدم ركنية كثير من واجباته، خصوصا، لو انضم إليها المحرمات في حال الإحرام.
و عليه فلا يبقى الظهور المزبور في باب الحج على حاله، فيحتاج حينئذ في إثبات الركنية، المساوقة للجزئية و لو في حال العمد إلى دليل آخر. كما انّ بناء الأصحاب أيضا عليه، لعدم تشبثهم في الركنية بظهور أدلة وجوبها، بل
يتشبثون بأدلة أخرى.
و حينئذ فمع الشك في الجزئية المساوقة للركنية، فالأصل يقتضي عدمها، غاية الأمر مقتضى دليل الوجوب لزوم تداركه مهما أمكن، و مع الفوت يشمله عموم «اقض ما فات».
نعم الاكتفاء بالاستنابة يحتاج الى دليل آخر.
و ربما يكفي له في المقام إطلاق صحيح علي بن جعفر (1)الثابت في فرض النسيان، و المشتمل على الاكتفاء بالنيابة، المنزّل على صورة تعذره عن العود، بل و في النصوص المستفيضة أيضا التقييد بحال التعذر.
نعم في جملة أخرى إطلاق الاستنابة، بل نسب ذلك إلى المشهور. و في الإطلاق نظر، و الأصل عدم ثبوت النيابة، كما هو الشأن في صورة تركه عمدا، فإنّ ظاهرهم أيضا وجوب عوده بنفسه. و إطلاق كلام الجواهر يشمل حال الاضطرار عن العود بنفسه، و لعله لاختصاص دليلها بحال النسيان، و لا يشمل العمد، و أصالة المباشرة في العبادة باقية بحالها، فتدبّر.
، لعموم قاعدة التجاوز، المستفاد من قوله: «إنما الشك في شيء لم تجزه» أي في محله، بعد تقييد التجاوز في خصوص الوضوء بمرتبة خاصة، ملازمة للدخول في غير الوضوء أو الفراغ عنه.
و مع الغض عنه يشمله عموم قاعدة الفراغ، المستفاد من قوله: «كلما شككت مما مضى فامضه كما هو»، المضروب في مورد الشك في صحة الموجود، قبال الأول المضروب في مورد الشك في الوجود، مع عدم تصور جامع
1) وسائل الشيعة 9: 467 باب 58 من أبواب الطواف حديث 1.
بين مفاد كان التامة و الناقصة.
و من النص المخصوص بالمقام أيضا ما في صحيح ابن حازم: عن رجل طاف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة، قال: «فليعد طوافه»، قال:
ففاته، قال: «ما أرى عليه شيئا» (1).
و في الجواهر: و نحوه غيره، و في بعضها: «و الإعادة أحب الي و أفضل»، ثم قال: و لم نجد قائلا باستحباب الإعادة (2).
أقول: ما أفيد في غاية المتانة، لو كان المراد من النص فضيلة اعادة التمام، و إلّا فلو كان اعادة الشوط المحتمل نقضه فلا ضير في فضله، لأنه احتياط مستحسن.
و في الأثناء يعيد إن كان الشك فيما دون السبعة باحتمال نقصه، كما نسب الى المشهور، و الأصل في ذلك نصوص مستفيضة (3)مشتملة على التفصيل بين الفريضة و النافلة، بإعادة التمام في الأولى، و البناء على مقدار اليقين في الثانية.
ففي الموثق- في من طاف فأوهم فقال: طفت أربعة أو ثلاثة-: «إن كان طواف فريضة فليلق ما في يديه و يستأنف، و إن كان طواف نافلة فاستيقن ثلاثة و هو في شك من الرابع انه طاف، فليبن على الثلاثة» (4).
و في آخر: «إن كان فريضة أعاد كلما شك فيه، و إن كان نافلة بنى على ما هو أقل» (5).
و في ثالث «يعيد طوافه حتى يحفظه» (1).
و المستفاد منها: انّ حكم الشك في أشواط الطواف حكم الركعتين الأولتين من الفريضة، مبطلة للطواف رأسا.
و في قبال المشهور من التزم بعدم لزوم الإعادة، و البناء على اليقين بالأقل.
و عمدة سنده ما في النص من قوله: «هلا استأنفت» (2)لمن أعاد طوافه بشكه، فإنه صريح في عدم وجوب الإعادة، غاية الأمر بمقتضى أصالة عدم الإتيان بالمشكوك أيضا يحكم بوجوب تداركه فقط ليس إلّا.
و عليه فالأمر يدور بين طرح إطلاق هذا النص و حمله على النافلة، أو الأخذ بإطلاقه و طرح ظهور الأوامر بالإعادة في النصوص السابقة.
و عليه فلا أقل من الشك في ترجيح أحد الجمعين، فيرجع إلى الشك في مانعية الشك المزبور عن الصحة، فالأصل البراءة. لكن الإنصاف مساعدة العرف- في مثل المقام- على ترجيح التقييد على التصرف في الأوامر المعهودة.
و لو كان الشك في الزائد على السبعة بنى على العدم، للأصل. و إليه أشار المصنف بقوله: و إلّا قطع على يقينه لاستصحاب عدم زيادته على السبع.
و من التأمل فيما ذكرنا أيضا ظهر حكم طواف النافلة، فإنه مثل صلاتها يبني على الأقل. و يجوز الاستئناف أيضا بقرينة النص السابق، المحمول على النافلة جمعا، كما عرفت.
، لما تقدّم من اشتراط الطهارة الحدثية، و في صحيح ابن مسلم أيضا التصريح بأنه «يتوضأ
و يعيد طوافه، و إن كان تطوعا توضأ و صلّى ركعتين» (1).
و لو قرن في طواف الفريضة بطل، و قد تقدّم الكلام في ذلك في المسألة الثالثة من المسائل السابقة على مبحث المستحبات فراجع، و ترى أيضا انّ مقتضى التحقيق انه يكره فيها أيضا مثل ما في النافلة، و لو زاد سهوا أكمل أسبوعين، و صلّى ركعتي الواجب قبل السعي، و المندوب بعده، كما هو المشهور و إن كان فيه خلاف قاعدة التقرب في باب العبادة، إلّا انه لا ضير فيه بعد قيام النصوص المستفيضة عليه ففي صحيحة ابن مسلم: «إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة و استيقن ثمانية أضاف إليها ستا» (2)، و نظيرها نصوص اخرى (3).
و عليه أيضا يحمل الإطلاق في صحيح أبي أيوب (4).
و في نص علي بن أبي حمزة: عن رجل طاف بالبيت ثمانية، قال: «نافلة أو فريضة»؟ فقال: فريضة: فقال: «يضيف إليها ستا، فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم ثم خرج إلى الصفا و المروة فطاف بهما، فإذا فرغ صلّى ركعتين أخريين، فكان طواف نافلة و طواف فريضة» (5).
و في نص وهب «إنّ عليا عليه السلام أضاف ستا و صلّى أربع ركعات» (6).
1) وسائل الشيعة 9: 444 باب 38 من أبواب الطواف حديث 3.
2) وسائل الشيعة 9: 437 باب 34 من أبواب الطواف حديث 8.
3) وسائل الشيعة 9: 437 باب 34 من أبواب الطواف حديث 7.
4) وسائل الشيعة 9: 438 باب 34 من أبواب الطواف حديث 13.
5) وسائل الشيعة 9: 439 باب 34 من أبواب الطواف حديث 15.
6) وسائل الشيعة 9: 437 باب 34 من أبواب الطواف حديث 6.
و في آخر مشتمل على تفريقه بين الصلاتين بقبل السعي و بعده (1).
و في قبال المشهور ما حكي عن المقنع انه التزم بالإعادة بمثل هذه الزيادة السهوية أيضا (2).
و في بعض النصوص تارة بإطلاق الأمر بإعادة الزيادة مطلقا حتى يثبته، و في آخر في فرض النسيان المزبور، «و أما الفريضة فليعد حتى يتم سبعة أشواط» (3)، و في آخر: «فليتم أربعة عشرة شوطا، ثم ليصلّ ركعتين» (4)، بتقريب انّ الاقتصار على الركعتين يكشف عن بطلان الأول، و انهما للثاني.
و فيه: انّ لازمة عدم تماميته عن قصد أمره، حسب إتيان شوط منه بقصد إتمام الطواف الأول، اللهم إلّا أن يقال: إنه يكفي مجرد إتيانه بداعي الأمر المتعلّق به ضمنا، و إنما اشتباهه في كونه جزء للأول أم للأخير. و هذا المقدار غير مضر بالقربة، بعد عدم قصدية الحقيقة، و لو في المشخصات الفردية، و حينئذ لا يكون في هذه الرواية خلاف قاعدة من هذه الجهة.
نعم ربما تخالف الأولى في لزوم الصلاتين.
و يمكن الجمع بينهما أيضا بحمل الأولى فيها على الندب، كما يومئ إليه ما في نص ابن أبي حمزة بقوله: «فكان طواف نافلة و طواف فريضة»، الظاهر في كون الأولى نافلة، بمقتضى الترتيب الذكري. و حينئذ فلا يجب صلاته، فيحمل ترك الصلاة في هذه النصوص أيضا على هذه الجهة، لعدم وجوب صلاة النافلة.
و على أي حال لا بأس باستفادة مثل هذا المعنى من هذه الطائفة،
بلا دلالتها على الفساد المطلق. و لا دلالة الطائفة الأولى على صحة الأولى فريضة، بلا تهافت بين النصوص حينئذ. و مقتضاه حينئذ حرمة قطع الثانية، لكونها فريضة. و لكنه خلاف المشهور بين الأصحاب، خصوصا مع بعد انقلاب ما قصد به فريضة ندبا بعد الإتيان. ففهمهم ربما يشهد على لزوم الصلاة بعد الطوافين للأول، و صلاة أخرى بعد السعي للنافلة.
و في وجوب التفريق المزبور وجه، لظهور الأوامر في ذلك، لو لم يحمل الأخير على رفع توهم لزوم التقديم على السعي، خصوصا مع توهم الجمع بين الصلاتين قبل السعي، المستفاد من خبر وهب، و الأحوط هو التفريق، و اللّٰه العالم.
لو تركه عمدا، و لم يصدر منه ما ينافيه، من حدث أو سكوت طويل يخرجه عن هيئة التوالي عرفا، و لو لانصراف الدليل إليه، خصوصا مع كونه صلاة يعتبر فيه عدم قواطعها من عدم التوالي و غير ذلك، علاوة عما يستفاد من الحكم بالإعادة بدخول البيت في أثناء الطواف في خبر حفص (1)، فراجع، بلا إشكال في وجوب إتمامه، مقدّمة لامتثال تكليفه. فلو صدر حينئذ واحد من هذه القواطع عمدا يعيد طوافه إجماعا، و لبطلان المشروط بانتفاء شرطه الثابت بعموم التنزيل.
و أما لو كان سهوا فالمشهور التفصيل بين صورة تجاوز النصف و عدمه، فيستأنف الطواف على الأخير، و بنى على ما طاف على الأول مع تمكنه، و إلّا استناب للتمام في الأخير، و الإتمام في الأول.
1) وسائل الشيعة 9: 447 باب 41 من أبواب الطواف حديث 1.
قيل و الأصل في ذلك بالنسبة إلى جهة التفصيل بين تجاوزه النصف و عدمه، ما ورد من التعليل في الطامث، بقوله «تتم طوافها و متعتها- الى أن قال- لأنها زادت على النصف» (1)، إذ ظاهر التعليل يقتضي تمامية المتعة، بل و مطلق الحج، لعدم الفصل بمحض الزيادة عن النصف في طوافه، فلا يضر به إخلاله مع الاضطرار، الملحق به النسيان بعموم العلة.
و فيه انّ العلة المزبورة إن اقتضت إلغاء خصوصية المورد، فيلزم التعدّي منه إلى صورة العمد أيضا، و لم يقل به أحد. و ان لم يقتض ذلك فلا وجه للتعدّي الى غير مورده، حتى صورة النسيان. فالأولى انّ مثل هذه التفصيل ورد في صورة المرض الموجب لعدم إتمام طوافه أيضا، و كذا في الحدث سهوا في الأثناء، فإنّ مثل هذه الموارد المختلفة في الموانع و في أنحاء العذر، يكشف عن حكم كلّي لجميع الأعذار، الشامل للنسيان.
و لو تركه نسيانا و لم يتذكر إلى أن رجع إلى أهله استناب، للصحيح: في من طاف ستة أشواط قال: «يطوف شوطا واحدا»، فقال سليمان: فإن فاته ذلك حتى أتى أهله؟ قال: «يأمر من يطوف عنه» (2)، بناء على حمله على صورة السهو إجماعا بضم عدم الفصل بين فوت شوط واحد أو أزيد إلى أن يبلغ الى النصف، و إطلاقه يشمل صورة تمكنه من العود أيضا، فيجزئ عنه الاستنابة.
و لو بلغ إليه أو كان أقل من ذلك استأنف، لإطلاق دليل القاطعية حال السهو أيضا، مع عدم دليل واف بالاجزاء في مثل هذه الصورة
جزما، و عليه أيضا معقد إطباق الأصحاب.
و كذا يجري التفصيل السابق في من قطع الطواف لحاجة، و ذلك للجمع بين ما دل على إعادة الفريضة في صورة قطع طوافه على شوط أو شوطين مع الأمر بالبناء في النافلة، و بين ما دل فيمن لم يتم طوافه في الفريضة أيضا بالبناء عليه، بعد عدم القول بالفصل بين الشوطين الأولين، و بين غيره إلى أن يبلغ النصف، المستلزم لتقييد إطلاق الثاني.
و في كون دخول البيت أو صلاة نافلة في غير صورة فوته من الحاجة إشكال، فإطلاق أدلة القواطع يقتضي استئنافه رأسا مع الإمكان.
و لو لم يكن في مطافه، ففي الاجتزاء بالاستنابة فيه، مع تمكن عوده اشكال، لعدم الدليل. نعم مع اضطراره لا بأس بشمول فحوى ما دل على مثلها في موارد اضطرار العود، و ذلك كله أيضا مع عدم فوت وقت الطواف بخروجه عن ذي الحجة، و إلّا فيدخل في من ترك الطواف عمدا فيبطل حجه و عليه البدنة كما تقدم حكمه، بل و في النص- في دخول الكعبة- التصريح بالاستئناف، المحمول على صورة تمكنه منه، كما لا يخفى.
في من مرض أثناء الطواف، لنص إسحاق بن عمار، المشتمل على التفصيل المزبور بتمامه.
و لا يحتاج الى النقل لوضوح المأخذ، فراجع الرواية بطولها في الجواهر (1)، و قول المخالف فيه شاذ لا يعبأ به، لضعف دليله.
و كذلك فيمن أحدث في طوافه، فإن في مرسل ابن أبي عمير، الذي هو
1) جواهر الكلام 19: 330.
بمنزلة مسنداته: «فإن جاوز النصف بنى على طوافه، و إن كان أقل من ذلك أعاد الطواف» (1)، بناء على حمله على صورة النسيان، كما فهمه الأصحاب، و إلّا فيشكل التمسك به، لعدم جبره بإطلاقه، فحينئذ يكون الحدث المزبور من صغريات مسألة قطع الطواف نسيانا، فان تمت الكلية هناك فهو، و إلّا فللنظر فيه- لو لا إجماعاتهم على التفصيل المزبور- مجال.
إن كان ذلك بعد التجاوز عن النصف في طوافه، جاوز نصف السعي أم لا، و إلّا فيعيد طوافه، تاما قبل سعيه فيعود الى سعيه فيتمه، هكذا في الشرائع (2).
و استدل له في الجواهر بعموم التعليل في نص الطامث المتقدّم (3)، بضميمة ما في موثقة إسحاق من قوله: عن رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف به، ثم ذكر انه بقي عليه من طوافه شيء، فأمره أن يرجع الى البيت ليتم ما بقي من طوافه، ثم يرجع إلى الصفا فيتم، الى آخره (4).
بحمل هذا النص على صورة التجاوز عن نصف طافه، لإيهام قوله: «بقي من طوافه شيء»، كونه أقل من النصف. خصوصا لو ضم اليه التعليل في ذيله في مقام الفرق بقوله «لأنه دخل في شيء من الطواف و لم يدخل في شيء من السعي»، مضافا الى كون المقام من صغريات القطع نسيانا، الجاري في المقام بملاحظة اقتضاء دخوله في السعي، خصوصا مع استلزام سبقه بصلاته فوت الموالاة المعتبرة في الطواف، بعموم التنزيل المنجبر بالعمل، بلا ضير في عامية الخبر.
نعم إطلاق الموثقة يقتضي البناء على السعي حتى مع دخوله فيه قبل نصف الطواف، الملازم لعوده تماما بحكم العلة أو غيره.
و دعوى أنّ الموثقة مشتملة على البناء على السعي في ظرف بنائه على الطواف، فإذا قيّدت الموثقة في هذا الحكم بصورة التجاوز عن نصف الطواف، فإنها لا تشمل صورة قبل التجاوز. فلا وجه حينئذ للاكتفاء بالبناء في السعي أيضا، بعد اقتضاء دليل ترتيب السعي على الطواف، وقوعه بتمامه عقيب الطواف.
مدفوعة بأنّ إطلاق المرسلة بعد استقرار ظهورها على البناء في المقامين مطلقا، فبالدليل المنفصل ترفع اليد عن حجية ظهور البناء في الطواف، فيبقى إطلاق البناء على السعي حتى في صورة نقص الطواف بأزيد من النصف، باقيا على حاله، كما لا يخفى.
و منها: انّ في بعض النصوص جواز قطع الطواف لصلاة فريضة ثم البناء عليه (1)، بل و في نص آخر: جواز قطع طوافه لخوف فوت صلاة الوتر (2).
و لكن في صلاة الفريضة لا تقييد بخوف الفوت. و مقتضى إطلاقهما شمولهما لصورة التجاوز عن النصف و عدمه.
و في بعض الفتاوى أيضا التصريح بذلك، و في الجواهر: ينبغي أن يقيد ذلك بصورة التجاوز عن النصف بأخبار الحاجة، الحاكمة بإطلاقها بإعادة التمام في الشوط و الشوطين، فبضم عدم الفصل يتعدّى الى بلوغ النصف (3).
أقول: يمكن إدراج الصلاة المزبورة، بل و صلاة الميت من الحاجة عند خوف فوتها، كما في نص الوتر أيضا، فيشمل النص السابق، القابل لتقييد مثل هذه الإطلاقات بصور التجاوز.
و أما في فرض عدم خوف فوت الفريضة كما في نصه، فلا يكون ذلك بمناط الحاجة كي يشملها دليل وجوب الإعادة في أقل من النصف، فلا موجب لتقييدها ببعد النصف.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ صورة فوته يدخل في الأخبار المزبورة، و بضميمة عدم الفصل في الفريضة بين الصورتين من فوته و عدمه، تقع معارضة بين الإطلاقين، معارضة العموم من وجه، فيتساقطان في ما قبل النصف من الفريضة الموسعة، فيرجع إلى أصالة فساد الطواف بقطعه، و اللّٰه العالم.
و منها: أنه يظهر من فحاوي النصوص السابقة حكم الترتيب بين الطواف و السعي، و أنه لا يجوز الدخول في السعي قبل تمام الطواف عمدا. و في صحيح منصور: عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل أن يطوف بالبيت.
فقال: «يطوف بالبيت ثم يعود إلى الصفا و المروة فيطوف بينهما» (1). و إطلاقه يشمل جميع الحالات، إلّا انه خرجت صورة نسيان دخوله فيه بعد تجاوز نصف الطواف كما عرفت آنفا، و أيضا يشمل إطلاقه الحج و العمرة.
و منها: انّ طواف النساء أيضا مؤخّر عن السعي، و لا يجوز تقديمه عليه، لمرسل أحمد بن محمد، المشتمل على قوله «لا يكون سعي إلّا قبل طواف النساء» (2)، و إطلاقه يشمل الحالات أجمع.
و لكن في قباله موثقة سماعة: عن رجل طاف طواف النساء قبل أن يسعى، فقال: «لا يضره، يطوف بين الصفا و المروة، و قد فرغ من حجه» (1).
و الأصحاب حملوا الأول على صورة الاختيار و العمد، و الأخير على صورة الاضطرار و السهو. و في الجملة المزبور نظر، لو لا دعوى تيقن العمد من الأول، و غيره من الثاني. فيمنع مثل ذلك عن التشبث بإطلاقهما، بناء على التحقيق انّ من شرائط التمسك بالإطلاق عدم وجود قدر متيقن في البين.
لكن الانصاف منع كونهما متيقنا من نفس الخطاب، فلا يجدي لصرف اليد عن الإطلاق فيهما. و لو لا الإجماع كان مقتضى الجمع بينهما حمل الأول على الكراهة. و لكن الأصحاب غير ملتزمين به، فلا محيص عن طرح الأخير، أو تقييده بغير بصورة الاضطرار و النسيان.
و في الجواهر: لا ينبغي ترك الاحتياط في فرض الاضطرار بالاستنابة، مع سكوته عنه في فرض النسيان، مع وحدة المدرك، فالأولى تسرية الاحتياط المزبور هنا أيضا.
ثم انّ نص الاجزاء يشمل الجاهل و هم لا يقولون به، و ظاهرهم إلحاقه بالعامد، و الحال انّ الجمع السابق بين النصين آت هنا أيضا. و ذلك يكشف عن عدم تمامية الاستدلال بإطلاق نص الاجزاء إلّا بمقدار عمل الأصحاب.
و فيه أيضا نظر جدا، و المسألة غير خالية عن الاشكال، و اللّٰه العالم.
و منها: انّ من طاف كان بالخيار في تأخير السعي إلى آخر ليلته، و في النص: ربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل (2). و ظاهره دخول الغاية فيشمل
منتهاه. و يؤيده ما في نص آخر: من النهي عن التأخير إلى الغد (1)، المتحقق بطلوع فجره، فلا يجوز التأخير حينئذ مع القدرة إلى الغد، و أما مع عدمها فلا بأس به، لعموم دليل الاضطرار، بعد عدم ثبوت مشروعية النيابة، الحاكمة على الاضطرار.
و منها: انّ من نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله و واقع أهله، قيل:
عليه بدنة علاوة على الرجوع إلى الطواف بنفسه أو نائبه.
و قيل: لا، جمعا بين حسنة معاوية، الآمرة بالجزور (2)، و بين المروي عن العلل: عن المحرم يأتي أهله ناسيا، قال: «لا شيء عليه، إنما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان و هو ناس» (3).
و إطلاقه يشمل الجماع بين الوقوفين أيضا فضلا عن المقام.
و في المرسل: «إن كنت ناسيا، أو ساهيا، أو جاهلا فلا شيء عليك» (4)، و هو شامل للمقصّر أيضا. فلا بأس بالالتزام بترتب العقوبة أيضا، لعمومات «هلا تعلّمت»، و لا ينافي ذلك الصحة مع عدم الكفارة حتى لو كان قبل الوقوفين، و اللّٰه العالم.
و منها: انه لا يجوز تقديم طواف حج التمتع و سعيه على الوقوف على المشهور، لخبر أبي بصير المشتمل على عدم الاعتداد بالطواف المأتي به قبل الوقوفين (5).
و في قباله صحيح ابن يقطين النافي للبأس عن الطواف قبل خروجه إلى منى (1).
و في آخر: «هما سواء أخّر ذلك أو قدمه» (2).
و حمل إطلاق الثاني على ذوي الأعذار بعيد، إذ عذره موجب لضرورة تقديمه، و ظاهر الحكم بالتسوية منصرف الى القادر عليهما.
و حينئذ يدور الأمر بين الأخذ بهذا الإطلاق و حمل القيد على الفضيلة، كما نسب إلى بعض متأخر المتأخرين. أو حمله على ذوي الأعذار، على وجه يتمكنون من الإتيان به بعد الوقوف بمشقة، و الانصاف ترجيح الأول، خلافا للجواهر من مصيره- بملاحظة فهم الأصحاب- إلى الثاني (3)، و لكن لو لا وهن سنده باعراضهم عن ظاهره لكان الجمع الأول أقوى.
و على المشهور فالحكم ثابت لكل أحد إلّا لخائفة الحيض، و المريض، و الشيخ العاجز عن العود و لو للزحام، و نحوهم من ذوي الأعذار. و في النص:
«لا بأس أن يجعل الشيخ الكبير و المريض و المعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى» (4).
و في آخر بعد السؤال عن الشيخ الكبير و الامرأة تخاف الحيض-: «نعم من كان هكذا يعجل» (5).
فما عن ابن إدريس من عدم جواز التقديم للخائف المزبور مبني على أصله من طرح أخبار الآحاد، و الاقتصار على القطعيات منها، و هو كما ترى.
ثم انّ الخوف المأخوذ في موضوع الحكم هل له الموضوعية أم الطريقية؟
وجهان، الظاهر الثاني.
و حينئذ ففي اقتضاء إتيانه- مع كشف خلاف العذر- الإجزاء إشكال.
و في الجواهر: مصيره إليه (1)، و هو مبني على أصله في كلية الأوامر الشرعية من اقتضاء الاجزاء، و هو بمعزل عن التحقيق في الأحكام الظاهرية.
نعم بناء على موضوعية الخوف متين، لكن الكلام فيه، إذ الظاهر من الخوف في كلية هذه المقامات كونه من باب الطريقية إلى الواقع، و انه كناية عن احتمال طروء العذر في محله، فجعل الشارع هذا الاحتمال عنده بمنزلة الواقع، لا أنّ موضوع الحكم الواقعي- علاوة عن عذره واقعا- هو خوف وجوده أيضا، كما لا يخفى.
و منها: انه يجوز تقديم طواف النساء أيضا على الوقوف للضرورة، و عن الفاضل و جماعة: التصريح به (2)، و في كشف اللثام: انه المشهور (3)، و لصحيح ابن يقطين: «لا بأس بتعجيل طواف الحج و طواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى، و كذلك لا بأس لمن خاف أمرا لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف و يودع البيت ثم يمر، كما هو، من منى إذا كان خائفا (4).
و في قباله خبر علي بن أبي حمزة، المشتمل على: ان الخائفة لحيضها تقضي المناسك عدا طواف النساء فتستعدي الجمال و الرفقاء حتى يقيم عليها حتى
تطهر فتقضي مناسكها (1).
و لا يخفى ما في الأخير من انها مع سلطنتها على الاستعداء المزبور لم تكن من الخائفة، و إنما تكون خائفة لو لم يكن لها هذه السلطنة و انّ الجمال و رفقاءها أيضا لا يلاحظونها، فلا تعارض هذه للرواية الاولى، بل لا محيص عن طرح الثانية، أو حملها على الاستعداء بنحو الأخذ بالحياء لا الاستعداء قهرا، و إلّا فلا سلطنة لها عليهم جزما.
و يجوز تقديم طواف الزيارة على الوقوف للمفرد و القارن اختيارا، و هو المشهور. و في صحيحة حماد: عن مفرد الحج يقدّم طوافه أو يؤخره؟ فقال: «هو و اللّٰه سواء، عجّله أو أخّره» (2).
و نظيرها غيرها (3)، و في بعضها: إذا طاف بالبيت و بالصفا و المروة أ يعجل طواف النساء؟ قال: «لا، إنما طواف النساء بعد أن يأتي منى» (4)، نعم لا بأس به عند الخوف للإطلاق السابق الشامل للمتمتع و المفرد.
و في قبالها ما في خبر زرارة بعد أمر أبي جعفر بتقديم طواف الحج، فقال لرجل إلى جنبه: لكن شيخي لم يفعل ذلك- إلى قوله- من شيخك؟ فقال:
علي بن الحسين (5).
و فيه أنه- لضعفها و اعراض المشهور عنها- لا تقاوم الاولى، مع إمكان حمل الجواز على الكراهة، كما صنعه في الشرائع (6)، و اللّٰه العالم.
1) وسائل الشيعة 9: 474 باب 64 من أبواب الطواف حديث 5.
2) وسائل الشيعة 8: 204 باب 14 من أبواب أقسام الحج حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 8: 204 باب 14 من أبواب أقسام الحج حديث 1 و 2.
4) وسائل الشيعة 9: 205 باب 14 من أبواب أقسام الحج حديث 4.
5) وسائل الشيعة 9: 204 باب 14 من أبواب أقسام الحج حديث 3.
6) شرائع الإسلام 1: 271.
و لو حاضت المرأة في عمرتها المتمتع بها قبله، أي قبل الطواف، انتظرت الوقوف، فإن لم تطهر بطل متعتها و صارت حجتها مفردة و تقضي العمرة بعد ذلك، على المشهور. و يدل عليه صحيح جميل (1)و موثقة إسحاق (2).
و في قبالهما نص علاء ابن صبيح (3)و خبر عجلان (4)، المشتمل على قوله «و إن لم تطهر، فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء و أهلّت بالحج» الى آخره.
و بعضهم جمعوا بين النصين بالتخيير بين الطريقين، و قيل بعدم مساعدة العرف.
و فيه انّ مرجعه إلى رفع اليد عن تعيين كل منهما فيحمل على التخيير. و في الحقيقة يتصرف في إطلاق الهيئة بنص الآخر، و مثل ذلك جمع متعارف، و داخل في كلية ما عليه بناؤهم من رفع اليد عن ظاهر كل أمر بنص الآخر.
و حينئذ فالأولى المصير إلى طرح الأخيرة سندا، أو تأويلها بصورة تجاوزها النصف قبل تجدد العذر، بشهادة خبر أبي بصير المشتمل على صورة طروء الحيض و قد جاوزت النصف من طوافها، قال: «فعلّمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها، و ان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله» (5).
و في بعضها: «إنّ متعتها تامة لأنها زادت على النصف» (6).
1) وسائل الشيعة 8: 214 باب 21 من أبواب الحج حديث 2.
2) وسائل الشيعة 8: 216 باب 21 من أبواب الحج حديث 13.
3) وسائل الشيعة 9: 497 باب 84 من أبواب الطواف حديث 1 و 2.
4) وسائل الشيعة 9: 497 باب 84 من أبواب الطواف حديث 1 و 2.
5) وسائل الشيعة 9: 501 باب 85 من أبواب الطواف حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 502 باب 85 من أبواب الطواف حديث 4.
و عموم التعليل يشمل صورة عدم التمكن من إتمام العمرة لفوت الوقوف حتى الاضطراري منه فتتم حجها فترجع إلى إتمام طوافها، و لقد تعرضنا للمسألة إجمالا في أوائل كتاب الحج عند الكلام عن تجديد الإحرام بالتلبية بعد الطواف فراجع.
و مما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف من قوله: و لو حاضت خلاله فإن جاوزت النصف تركت بقية الطواف و فعلت بقية المناسك ثم قضت الفائت بعد طهرها، و إلّا فحكمها حكم من لم تطف عمدا فتبطل حجها و عليها بدنة على اشكال في الأخير كما تقدّم.
و المستحاضة إذا فعلت ما يجب عليها من وظائفها المرتبطة باختلاف الدم قلة و كثرة كانت كالطاهرة، على ما تقدّم الكلام في محله مفصلا.
و هو واجب في كل إحرام مرة بعد طواف الزيارة، كما عرفت بلا اشكال فيه، بل وجوبه كذلك ضروري المذهب، لوجوب الطواف قبله.
و يدل على ذلك مراجعة النصوص الواردة في شرح الحج بأنواعه، و في بعضها: «انّ في حج التمتع سعيين، سعيا لعمرته و سعيا لحجة»، و لقد عقد في الوسائل بابا لذلك (1)، فراجع.
بلا اشكال، لعباديته على التفصيل المتقدّم في الطواف، بلا مزية لها في المقام.
و البدأة بالصفا و الختم بالمروة بلا خلاف منا، و النصوص به مستفيضة، و في النص: «من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا» (2).
و في آخر: تشبيه المقام بالوضوء في تقديم الأيسر على الأيمن (3). و ظاهر هذا التشبيه جواز الاكتفاء بالصفا المأتي به شوطا لو لم يخل بالتقرب في مثله،
كما هو الشأن في الوضوء أيضا. فالأمر بطرح ما سعى حينئذ محمول على طرح ما سعى على نحو ما قصده من اكتفائه به شوطين، لا طرح سعيه للصفا أيضا.
ثم انّ الظاهر من السعي كون مقاديم بدنه الى المقصد، فلا يجزئ القهقري و غيره، للانصراف.
كما انّ الظاهر من إطلاق «بين الصفا و المروة» شموله لما يصدق مسماه، فلا يحتاج في الرجوع الى خصوص الخط الذي مشى أولا، نعم في اعتبار الاستيعاب وجه، كما هو الشأن في حمل كلية أمثال هذه التحديدات الشرعية على المداقة العقلية نظير الأوزان و المقادير.
نعم مع الاكتفاء بالركوب في المقام ربما يوهم عدم مراعاة الدقة، بل المدار على السير بينهما عرفا. و قد يتوهم انّ الاستيعاب في كل نحو من المشي و الركوب بحسبه يقتضي التفصيل بينهما، في لزوم الاستيعاب دقة في المشي دون الركوب و هو محل منع، إذ المراد من «بينهما» في المقامين معنى واحد، فيؤخذ المقدار بمقدار سيره ركوبا، بلا فرق بين أنحاء سيره بينهما، كما لا يخفى.
ثم المراد بالمسعى ما هو محط استقرار السيرة على طوافه طبقة عن طبقة، فلا وجه للتشكيك فيه بكونه جزء من المسجد أو خارجا عنه، و لا يجب صعود الصفا و لا المروة، لخروجها بنفسهما عن «بينهما»، نعم على المداقة لا بأس بهما مقدمة علمية، كما لا يخفى.
، و ذلك شوطان بلا اشكال. و ربما تومئ إليه النصوص المشتملة على البداية بالصفا و الختم بالمروة، مضافا إلى التصريح بانّ من حسب الذهاب و المجيء شوطا واحدا فقد زاد ما عليه، بعد طرح ذيله بنفي البأس، أو تأويله بالحمل على السهو، فذلك قرينة على انّ الذهاب و المجيء شوطان.
للجمع بين قوله: «لا بأس أن يقتضي المناسك كلها على غير وضوء إلّا الطواف» (1)علاوة على ما دل على الأمر بإتمام الحائض سعيها بعد طروء الحيض (2)، بل و فيمن بال بعد أربعة أشواط فيتم سعيه بغير وضوء (3). و بين ما اشتمل على قوله «لا طواف و لا سعي بغير وضوء» (4)، و في آخر: النهي عن سعي الحائض لأنه من شعائر اللّٰه (5).
و يستحب أيضا استلام الحجر، و الشرب من زمزم، و الاغتسال من الدلو المقابل للحجر الأسود، كل ذلك لما في صحيح معاوية (6)و حسن الحلبي (7)المذكورين في الجواهر (8)، فراجع.
و الخروج من باب الصفا و الصعود عليه، أما الأول فلما في صحيح معاوية (9)، و الثاني فلحسنته (10)المحمولة على الاستحباب بقرينة الاكتفاء ببينهما في النصوص السابقة، كما لا يخفى.
و استقبال ركن الحجر بالتكبير و التهليل سبعا و الدعاء، كل ذلك لحسن معاوية الطويلة المذكورة في الجواهر (11). و المشي طرفيه أي طرفي
1) وسائل الشيعة 9: 530 باب 15 من أبواب السعي حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 530 باب 15 من أبواب السعي حديث 5.
3) وسائل الشيعة 9: 530 باب 15 من أبواب السعي حديث 6.
4) وسائل الشيعة 9: 531 باب 15 من أبواب السعي حديث 7.
5) وسائل الشيعة 9: 530 باب 15 من أبواب السعي حديث 3.
6) وسائل الشيعة 9: 514 باب 2 من أبواب السعي حديث 1.
7) وسائل الشيعة 9: 515 باب 2 من أبواب السعي حديث 2.
8) جواهر الكلام 19: 411.
9) وسائل الشيعة 9: 517 باب 3 من أبواب السعي حديث 2.
10) وسائل الشيعة 9: 517 باب 4 من أبواب السعي حديث 1.
11) جواهر الكلام 19: 415.
السعي، يعني أوله و آخره، أو طرفي السعي قبل المنارتين و بعدهما.
و الهرولة من المنارة إلى زقاق العطارين، فإنه من وادي محسر كما قيل، و لما في حسن معاوية من الأمر بملاء فروجه من المنارة إلى الأخرى (1)، و في نص آخر: من زقاق إلى زقاق (2). و ضعّفه في الجواهر بمخالفة المشهور (3)، و الأمر فيه سهل بعد استحبابه و التسامح فيه.
و يستحب أيضا الدعاء، و السعي ماشيا، لأن أفضل الأعمال أحمزها، و إلّا فلا بأس به راكبا بأي وجه، كما في حسنة معاوية (4)، فراجع.
و لا بأس بأن يجلس في خلال السعي للراحة أينما كان، لما في صحيح الحلبي من التصريح بجواز الجلوس على الصفا، أو على المروة، أو بينهما (5).
و هو ركن يبطل الحج بتركه عمدا لا سهوا، كما هو الشأن في الطواف كما تقدّم. و الأصل في ذلك ما في صحيح معاوية: في رجل ترك السعي متعمدا، قال: «عليه الحج من قابل» (6). و إطلاقه يشمل ترك السعي في العمرة المتمتع بها أيضا، فيتعدّى إلى المفردة منها أيضا، بعدم الفصل.
كما أن هذا الإطلاق يشمل حجه بأقسامه، و المدار في صدق تركه، مثل ترك الطواف، بخروج ذي الحجة، لما عرفت من بقاء وقتهما إلى آخره. و مع بقاء الوقت يعود إليه بنفسه، و مع التعذر يستنيب، بناء على شمول فحوى الاستنابة لمثل الفرض أيضا. و لكن لم أر في الكلمات من تعرّض له، لا في
المقام و لا في باب الطواف، و لعلهم أوكلوها على وضوحها من تشريع الاستنابة لمن وظيفته الرجوع و لم يتمكن.
و لو كان الترك سهوا يعود لأجله و لو بعد الوقت، فإن تعذر استناب، لحسن معاوية المشتمل على إعادة الناسي السعي، بضم نص آخر مشتمل على انه يطاف عنه، و إطلاقهما- لو لم نقل بانصرافه- يشمل بعد الوقت أيضا.
، و في النص: إنّ السعي أيضا مثل الصلاة في إبطال زيادتها عمدا (1)، و لقد تقدّم تفصيل الزيادة في باب الطواف الجاري في المقام أيضا.
و أما سهوا فلا خلاف ظاهرا في عدم إضراره، و في النص «و إن كان خطأ طرح واحدا و اعتد بسبعة» (2).
و في آخر «سبعة لك و سبعة تطرح» (3).
و بمجموع هذه النصوص يقيّد ما في إطلاق صحيح هشام السابق، الذي أشرنا إلى تأويل ذيله، و هكذا إطلاق صحيح معاوية، الحاكمين بطرح الثمانية و الاعتداد بسبعة، في من أتى بخمسة عشر شوطا، الشاملين للعمد، فيحملان على السهو.
نعم في بعض النصوص في فرض الإتيان بأشواط ثمانية، أضاف إليها ستا (4)، و لازمة الاعتداد بالزائد. و ربما لا ينافي الأولى الآمرة بطرح الواحد،
بجعله كناية عن عدم احتسابه من السبع، فلا ينافي احتسابه من السبع الآخر.
نعم ربما يعارض مع الأمر بطرح السبعة الزائدة، لو لا دعوى أنّ السبعة الزائدة بقصد الأمر بالطواف جهلا، لا يقتضي صحته، لعدم تقربه بشخص امره، فلا يزاحم مع النص الآخر الآمر بإتمام الستة، و لو من جهة الاكتفاء في تقربه بالأمر في إتمامه لإتمامه.
و على أي حال حكى بناء الأصحاب على طبق الإتمام ستا نفلا، لحصول الامتثال بالأول جزما، لعدم إضرار قصد الزيادة في حال السهو بتاتا، فلا يكون الأمر به إلّا ندبا، بعد الجزم بعدم السعيين عليه.
و اشكال الرياض (1)و الحدائق (2)- بعدم صحة الثاني، و لزوم طرحه لكون البدأة فيه من المروة، بقول الجواهر (3)- اجتهاد في قبال النص المعمول به لدى الأصحاب.
نعم في نص آخر في من طاف على تسعة أشواط، قال: «فليسع على واحد و ليطرح ثمانية، و إن كان على الثمانية فليطرحها و يستأنف السعي» (4).
و ظاهره بطلان السبعة الأولى بالزيادة، بل و بطلان الزيادة معها أيضا، و لا بد من حمله على فرض العمد.
و لكن في الفرق بين الثامنة و التاسعة في الاعتداد بالثانية دون الأولى إشكال، بأنه إن كان من جهة الإخلال بالقربة، فليكن كذلك في التاسعة.
و إلّا فلا وجه لطرح الثمانية أيضا، فيتمه سبعا بعد بطلان الأولى بالزيادة.
إلّا أن يقال: إنّ الثامنة مقدمة لإبطال الأولى، و هو حرام دون التاسعة، و ذلك لأنّ لازم مبطلية الزيادة كون الطواف سبعة بشرط لا، فالثامنة قهرا نقيض الشرط اللازم فيصير منهيا عنه.
و أما توهم عدم النهي عن الابطال فيمكن منعه، باستفادته من هذا النص، بل و من قوله- في ذيل بطلان الطواف بزيادته-: «و كذلك السعي» في كون التشبيه ناظرا إلى مثل هذه الجهة أيضا.
و على أي حال لا يكون النص المزبور على خلاف النصوص السابقة، بعد صلاحية حمله على خصوص حال العمد بقرينة السابقة الحاكمة على الاعتداد بالثامنة، و ضم ست أخر به في حال النسيان، مع عدم إحراز حرمتها بمناط التزاحم لكونه بمناط التزاحم غير المضر حرمته بالعبادة حال النسيان، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و يعيده أي الشوط لو نقص عن السبعة و لم يحصل عدد أشواطه، أما مع عدم الإخلال بالموالاة فلا إشكال في الاكتفاء بالتتميم و البناء على ما فعل، سواء بلغ النصف أم لا.
و إن لم تحصل الموالاة، ففي الجواهر دعوى الإجماع على عدم اعتبار الموالاة في المقام، فيتمم ما مضى منه، بلا فرق أيضا بين البلوغ الى النصف و عدمه، للأصل (1).
أقول: التمسك بالأصل في المقام إنما يتم لو لم يدع انصراف الأمر فيه إلى لزوم الموالاة مثل الأمر في الطواف، و إلّا فلا محيص عن التمسك- في نفي الاشتراط- بالإجماعات المنقولة، فإن تمت فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال،
1) جواهر الكلام 19: 443.
خصوصا مع ورود النص المفصل بين صورة عدم البلوغ الى النصف فيعيد، و صورة تجاوزه فلا يعيد، إذ مثل هذا النص كاشف عن وحدة الحكم بين المقام و بين باب الطواف.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ النص وارد في الحائض، المعلوم عدم إضرار حيضها في سعيها كما تقدّم. فالأمر بالإعادة حينئذ محمول على الندب جزما، مضافا الى جملة من النصوص الدالة على قطع السعي على شوط و يصلّي حتى مع سعة وقتها، أو يمشي في حاجته فيعود و يتم سعيه، و إن لم يكن مضطرا في قضائها (1)إذ من مجموع ذلك يستفاد توسعة في السعي ليس مثله في الطواف، حيث كان لا بد فيه من ملاحظة تجاوز النصف و عدمه.
مع انّ ظهور الأمر في التوالي منظور فيه، و إنما التوالي يستفاد في الطواف من كونه بالبيت صلاة، لا من انصراف أمره إليه، كيف و ليس أمره بأزيد من الأمر بالغسل بل و الوضوء. و لذا تشبثوا في استفادة التوالي فيه بنصوص خاصة دالة على كفاية التوالي أثرا، الذي لا يكون منصرف الأوامر بتاتا.
و عليه فالأصل جار في المقام بلا اشكال، و مقتضاه- على فرض عدم تمامية الإجماعات- عدم اعتبار التوالي في المقام.
و من ما ذكرنا ظهر أيضا وجه ما أفاده من قوله: و لو قطعه لقضاء حاجة أو صلاة فريضة تممه بلا اعادة، و لو لم يتجاوز النصف، كما في النصوص المستفيضة المذكورة في الجواهر (2)، و مصرّح بعضها بالتتميم حتى على شوط واحد.
نعم لو شك في الأثناء في عدد الأشواط فمقتضى أصالة الأقل، و إن كان هو الحمل على الأقل، إلّا أن في النص التصريح ببطلان الجميع مع الشك و عدم الحفظ. كما هو الشأن أيضا في الطواف، و لذا قلنا بأنّ الشك في أعدادهما بمنزلة الشك في الأولتين من الصلاة، في اقتضاء شكه للبطلان.
. أما حكم الكفارة بالبقرة للجماع، فلما في نص عبد اللّٰه بن مسكان، المصرح فيه بالظن بالتمام (1)، و لتقليم الأظفار ما في صحيح ابن يسار (2)على حمل قوله «و هو يرى» على صورة ظنه.
و لكن ظاهر الأصحاب عدم الكفارة في غير الصيد للنسيان، و في الجواهر: لذا حمله بعض الأصحاب على الاستحباب (3)، و حمل تردد المحقق في الشرائع على هذا الوجه (4).
أقول: إن تم ذلك فقد أوجب وهنا في سند النصين، و لو من جهة طرحهم إياه بظاهره المحتمل، لكونه بمناط طرح السند، و إلّا فلا محيص عن الأخذ بظهورهما و طرح عموم القاعدة المتلقاة من الأصحاب، و تخصيصها بالمورد، مع إمكان المصير إلى توجيه بعض إياها، على وجه لا ينافي قاعدة النسيان: بأنّ المقام من باب العمل بالظن، و عدم الاعتناء بالاحتمال الملزم عقلا بدفعه.
فلا يكون معذورا في عمله، فلا يدخل في معقد كلماتهم على عدم الكفارة في
فرض النسيان لعدم الإثم.
و أما الإشكال في كون كفارة الجماع بقرة، مع انها قبل طواف النساء بدنة. و في كونها في التقليم أيضا بقرة، مع انّ الواجب في تقليم المجموع شاة.
فمدفوع أيضا بحمل الثاني على غير المقام، و حمل الأول على البقرة من حيث التقصير في سعيه. فلا ينافي وجوب البدنة في جماعة، مع إمكان فرضه في عمرة التمتع، الذي لا طواف للنساء فيها كما لا يخفى. و بالجملة العمدة في المقام تصحيح السند بعمل الأصحاب، و بعده لا بد من الأخذ بمدلوله بلا لزوم اشكال عليه أصلا، و اللّٰه العالم.
و أدناه أن يقص أظفاره أو شيئا من شعره، على المشهور عندنا، و يدل على ذلك ما في النصوص المشتملة بعضها على قص الشعر، و أنه يحلل عن كل شيء (1).
و في آخر: أهوت إلى قرونها و قرضت منها بأسنانها و قرضت بأظافرها، هل عليها شيء؟ قال: «لا» (2).
و إطلاقهما موجب للاكتفاء بمسمّى قص الشعر أو الأظفار، فما في نص آخر: «تقصّر من شعرك جوانبه و لحيتك، و خذ من شاربك و قلّم أظفارك» (3)محمول على الفضيلة.
و ظاهر الأمر بالتقصير مطلقا تعيين التقصير على المعتمر، كما انّ حكم الامام بلزوم البدنة على جماعه قبل تقصيره، يكشف عن تعيين التقصير عليه،
كما انّ إطلاقه من حيث العمرة المفردة يقيد بما سيجيء من النص على التخيير بينه و بين الحلق في المفردة.
و لا يحلق رأسه فإن فعل كان عليه دم، و قد يستدل على ثبوت الدم تارة بقوله- بعد السؤال عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه-: «عليه دم يهريقه» (1)، و اخرى بما دل على أنّ في حلق الرأس بعد الشهر من توفير شعره دما (2).
و فيه: انّ الأول قابل للحمل على صورة الغفلة و النسيان، و الثاني على انّ الدم لتوفير الشعر لا لمطلق الحلق. و الأصحاب غير ملتزمين بوجوب الدم فيهما.
فلا بد من حملهما على الاستحباب، فلا دليل على ثبوت الدم و لزومه حينئذ.
فلا يبقى في البين إلّا الشهرة، فإن تم إجماعا فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
و لذا جعل الدم لحلق الرأس في تكملة أستاذنا العلامة- أعلى اللّٰه مقامه- أحوط. و في الجواهر أيضا قوّي جانب الاحتياط (3). و التقييد بتمام الرأس، لشبهة انصراف الحلق الموجب للدم إلى حلق تمام الرأس، بلا حرمة في حلق بعضه، لعدم شمول الدليل، فضلا عن ثبوت الدم فيه.
ثم انّ في عدم جواز الحلق و تعيين التقصير قد خالف بعض الأعاظم في صورة عقص شعره أو تلبيده، فالتزم بتعيين الحلق عليه، و استدل بصحيح معاوية بن عمار: «إذا أحرمت فعقصت شعرك أو لبّدته، فقد وجب عليك الحلق، و ليس لك التقصير» (4).
و في آخر: «عليه دم بتقصيره، و إحلاله بتدهين و غيره» (1).
و اعراض المشهور ربما يوهنهما سندا مع انّ في الأول منهما «و ليس في المتعة إلّا التقصير»، و هو قرينة انصراف الأول إلى الحج، فلا يشمل المقام. و أما الأخير فقابل للحمل على الاستحباب بقرينة الأخبار السابقة الصريحة في الاجتزاء بالتقصير.
ثم إنّ ظاهر قوله «يحل له كل شيء» عدم منع شيء على المتمتع بعد تقصيره و لو قبل حجه، فلا يحرم عليه الحلق أيضا، خلافا لبعض. و لذا احتاط فيه بعض محشّي التبصرة أيضا، خروجا عن مخالفة من خالف، و لا وجه له بعد العموم المزبور فراجع.
ثم انّ قضية تقابل التقصير للحلق في الكلمات كونهما متباينين، فما عن بعض من أنّ أول الحلق تقصير، فلا جرم كل حلق مسبوق بالتقصير، المستلزم لعدم حرمة الحلق للمحرم في العمرة، لسبقه بالتقصير المحلل، كلام ظاهري، لعدم الانسباق من لفظ «التقصير» إلى الذهن على وجه يشمل مثل ذلك، خصوصا مع جعل الامام الحلق قبال التقصير، بقوله «أراد أن يقصّر فحلق رأسه»، إذ مثل ذلك تمام الشاهد على فساد مدعاه. و اللّٰه العالم.
و كذا عليه الدم عند المصنف لو نسيه أي التقصير حتى أحرم بالحج، لخبر إسحاق المشتمل على الدم للناسي المزبور (2)، و إليه ذهب
العلامة المصنف في قواعده (1)، و سلار (2)، و ابن إدريس أيضا (3).
و في قباله صحيحة معاوية المشتملة على نفي شيء عليه و يستغفر اللّٰه (4).
و لا يخفى أنّ الأمر يدور بين الأخذ بإطلاق الأخيرة و حمل الأمر بالدم على الاستحباب، أو الأخذ بظهور الأمر في الأول و تقييد الأخيرة بنفي العقوبة.
و في الجواهر: تقوية التقييد على التصرف في الأمر (5). و فيه نظر، و لا أقل من الشك، فيرجع إلى البراءة عن الدم.
ثم على فرض ثبوته فهو محمول على الشاة، كما هو الشأن في كل مورد أطلق فيه ذلك، و لعل وجهه: انه أقل مرتبة من الدماء المجعولة كفارة في باب الحج، فالبراءة تنفي الزائد، كما لا يخفى.
و لو ترك التقصير عمدا فأهل بالحج، فالظاهر من جملة من كلماتهم بطلان عمرته، و صيرورة حجته مبتولة. و بهذا الحكم ورد نص أبي بصير (6)و خبر ابن سنان (7)، و لا بأس بالأخذ بهما، مع كونهما معمولا بهما لدى جل الأصحاب، بل حكى انه المشهور بينهم.
و إطلاق النص و الفتوى يشمل ما لو كان فرضه المتعة أيضا، فيكون المورد من الموارد التي رخّص للنائي أن يحج الافراد و عدوله إليه قهرا.
و توهم عدم قصده للافراد، بل دخل بعنوان كونه حج التمتع لا الافراد، فيلزم الإخلال بالنية.
مدفوع بأنّ حقيقة حج الافراد لا تختلف عن حقيقة حج التمتع من حيث القصد، كما أنّ الأمر بالحج بأي وجه لا يكاد يختلف على وجه، لا يكون الداعي على حجه هذا، غير شخص أمره، فلا إخلال بالنية أصلا. فلا تكون الرواية من هذه الجهة على خلاف القاعدة، فلا وجه حينئذ لطرحها و الأخذ بمقتضى القواعد. كما هو ديدن ابن إدريس، حيث حكم في المقام ببطلان الحج أيضا (1).
و على أي حال لا اشكال- بمقتضى الكلمات- في أنّ مثل هذا الشخص ليس له التقصير بمحض الإهلال بالحج.
و دعوى أنّ المكلف قبل تقصيره باق على إحرامه الأول، و بعد ذلك لا يعقل طروء إحرام جديد عليه، و معه كان محل تقصيره باقيا، و لا يمنعه تخيّل حدوث إحرام جديد له، فيجب حينئذ أن يعود الى التقصير، فيحرم جديدا بالحج.
مدفوع بأنّ طوافه لما كان من المحللات، فلا بأس بتجديد الإحرام التام، بتلبية جديدة لحجة. و من المعلوم انّ تقصيره حينئذ لا يصلح أن يكون محللا لهذه المرتبة من الإحرام. فباهلاله للحج فات محل تقصيره، كما لا يخفى.
ثم انّ ذلك كله في العمرة المتمتع بها، و أما المفردة فلا إشكال في أنّ إحلاله يتحقق بالتقصير أو الحلق، بل الحلق أفضل. و في النص الصحيح في المعتمر المفرد «حلق أو قصر» (2).
و في آخر أمر بالحلق، معللا بأن رسول اللّٰه ترحم للمحلقين ثلاثا، و للمقصرين مرة (1).
و منه يستكشف أفضلية الحلق عن التقصير، و اللّٰه العالم.
و مع التقصير يحل المعتمر المتمتع من كل شيء أحرم منه، كما هو مضمون النص السابق، إلّا الصيد ما دام في الحرم، و ذلك أيضا من جهة حرمة الصيد المزبور حتى على المحل، لا أنه لا يصير محلا بالإضافة إليه.
و هذا بخلاف المعتمر المفرد، فإنه لا يحل من النساء إلّا بطواف النساء بعد الحلق أو التقصير بلا إشكال في الأخير، على المشهور في أصل وجوبه، خلافا لبعض تقدّم الكلام عنه.
و يستحب له للخارج عن إحرام عمرة التمتع أن يتشبه بالمحرمين خصوصا في ترك لبس المخيط، لما في النص الوارد في مرسلة ابن البختري من انه «ينبغي للمتمتع بالعمرة إذا أحل أن لا يلبس قميصا، و ليتشبه بالمحرمين» (2). و ظاهر إطلاق الذيل يشمل بقية التروك، لو لا دعوى انصرافه الى التشبيه في وجه خاص، من ترك لبس القميص و غيره من المخيط. و لعل نظر المصنف إليه، و لكن الإطلاق لا يخلو عن وجه كما لا يخفى.
و أيضا يستحب لأهل مكة أن يتشبهوا بالمحرمين أيام الحج، لخبر معاوية «لا ينبغي لأهل مكة أن يلبسوا قميصا، و أن يتشبهوا بالمحرمين شعثا غبرا» (3)، و إطلاقه منصرف إلى أيام الحج جزما.
إذا فرغ من العمرة وجب عليه الإحرام بالحج من مكة بلا اشكال فيه فتوى و نصا، و في النص:- كما في كشف اللّثام- في المتمتع يريد الخروج إلى الطائف، «يهل بالحج من مكة، و ما أحب أن يخرج منها إلّا محرما» (1).
و في آخر: من أين يهل بالحج و هو بمكة؟ قال: «إن شئت من رحلك، و إن شئت من المسجد، و إن شئت من الطريق» (2)، الى غير ذلك.
و في الوسائل عقد بابا لذلك و إن لم يذكر فيه إلّا ما اشتملت على مستحبات الأمكنة (3).
و في كشف اللثام أيضا عن قرب الاسناد ما اشتمل على قوله «لا يرجع- يعنى من مكة- حتى يحرم بالحج» (4).
و بالجملة يستفاد من مجموع نصوص الباب تسلّم كون محل الإحرام في
حج التمتع مكة من أي مكان منها، كما يومئ إليه النص السابق، المعلّق أمره على مشيئته، بل و إطلاق البقية.
و من الأوامر الواردة بالإحرام من الكعبة تارة (1)، و من المسجد اخرى (2)، يستفاد أفضلية المسجد و الكعبة عن غيرهما. و في الترجيح بينهما اشكال، بل و يمكن دعوى كون نص الكعبة مختل المتن، و في نسخة اخرى «المسجد»، فالمتيقن بقرينة النصوص الأخر هو المسجد. نعم أفضله خلف المقام، كما في النص من قوله: «ثم صلّى ركعتين خلف المقام ثم أهل بالحج» (3).
ثم إنّ في نص إسحاق عن أبي الحسن عليه السلام «كان أبي مجاورا هاهنا- يعني مكة- فخرج يتلقّى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج، و دخل- يعني مكة- و هو محرم بالحج» (4)، و ظاهره كفاية الإحرام من غير مكة للحج مع أنّ وظيفته حج التمتع.
و فيه: انه من الممكن بلوغ مجاورته حدا انتقل فرضه من التمتع الى الافراد، و انّ وظيفته الإحرام من أدنى الحل لعذر، فأحرم من ذات عرق. و يمكن حمله على إحرامه للعمرة المتمتع بها، و انّ التعبير بإحرامه للحج، بملاحظة كونها مرتبطا به، على وجه قابل لإضافة إحرامها اليه. و حينئذ لا مجال لرفع اليد عما يستفاد من مجموع النصوص و الكلمات، بمثل هذا النص القابل للحمل على الوجوه المزبورة.
و كيف كان نقول: إن أجرم من غير مكة لا يجديه، و وجب الاستئناف منها تحصيلا للامتثال.
و لو تعذّر عليه الإحرام من مكة بوجه، ففي الاكتفاء بالإحرام المزبور، أو وجوب تجديد الإحرام من حيث أمكن، أو من مكانه، وجوه. مقتضى الأصل عدم الاجتزاء بإحرامه السابق لفساده، فيتردد الأمر بين الأخيرين، فيتعيّن الأول منهما بقاعدة الميسور، بعد قيام الإجماع على الاجتزاء بالإحرام الجديد، و في الجواهر تقوية هذا الوجه أيضا (1)، فراجع.
و لو تعمّد ترك الإحرام من مكة، ثم لم يتمكن من العود إليها، ففي الجواهر: بطلان حجه، لعدم دليل يساعد على صحة الإحرام من حيث أمكن في مثله (2).
أقول: ذلك بناء على عدم فورية الحج في غاية الوضوح، و إلّا فقد يتوهم عدم بأس بشمول قاعدة الميسور، و إثبات وجوب الإحرام حيث أمكن.
و فيه: إنّ قاعدة الميسور لا تقتضي إنشاء الإحرام من غير محله، إذ هو من المعاني البسيطة التي لا جزء له، كي تقتضي القاعدة وجوب بعضه بتعذر بعضه الآخر، كما هو ظاهر.
نعم لو نسي الإحرام من ميقاته، بمكة كان أو غيرها، و تعذّر عليه العود إليه، أحرم من حيث أمكن. و به نصوص مستفيضة (3)، و أطباق الكلمات أيضا.
و في نص عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: عن رجل مرّ على الوقت الذي أحرم الناس منه، فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة، فخاف إن
رجع الى الوقت أن يفوته الحج، فقال: «يخرج من الحرم و يحرم و يجزئه ذلك» (1).
و غير ذلك مما ورد في الجاهل المتعدّي عنه إلى الناسي بالفحوى و إن لم يكن كذلك في عكسه، لكونه غالبا بحكم العامد.
ثم إنّ من كان مقيما بمكة أزيد من سنتين ينتقل فرضه من التمتع الى الافراد، لجملة من النصوص المشتملة على عنوان «أزيد من سنتين» (2)، و بعض النصوص «من أقام سنة فهو مكي» (3)، و في آخر «التحديد بأكثر من ستة أشهر» (4).
و مقتضى الجمع بدوا هو الأخذ بالأقل أجزاء مع الاجتزاء بغيره، إلى أن يبلغ الأكثر، فيتعين عليه حينئذ فرض حاضري المسجد الحرام من القران و الافراد.
لكن الأصحاب غير ملتزمين بذلك، فقيل بحمل السنتين على الحجين الحاصل بأكثر من سنة واحدة بقليل. و به يجمع بين ما اشتمل على السنة و السنتين، بضميمة حمل ستة أشهر على من قصد التوطن بها و أقام فيها سنة، أو على التقية.
أقول: الأولى طرح الأخيرة، بل و طرح ما حدد بالسنة أيضا، بإعراض الأصحاب، لظهور كلماتهم على تعيين أكثر من سنتين حقيقة، بل الاستصحاب أيضا يقتضي ذلك، فلا ينتقل إلّا بمضي أزيد من سنتين، كما
هو مفاد النصوص.
و في لزوم البلوغ إلى الثلاثة إشكال.
و حيثما تحقق فرضه بأفراد الحج، فيجب إحرامه من ميقات المفردين بالحج، و لا يبعد الاكتفاء لأهل مكة من منزلهم، لما تقدّم من عموم: «من كان منزله دون الميقات فمحل إحرامه منزله»، و تقدّم الكلام في بعض المباحث السابقة.
و يستحب أن يكون إحرامه يوم التروية عند الزوال بعد أن يصلّي الظهر، و في النص: «إذا كان يوم التروية فاغتسل- إلى قوله- ثم اقعد حتى تزول الشمس، فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، و أحرم بالحج» (1)و غير ذلك من النصوص (2)، فراجع.
و ليكن ذلك من تحت الميزاب عند المصنف و جمع آخر، و في كشف اللثام: لم أظفر بسند لخصوصه (3). و في النص- بعد السؤال من أي المسجد أحرم؟- قال: «من أي المسجد شئت» (4)أي: أي مكان منه. و حينئذ فالأمر سهل بعد استحباب أي مكان منه، و إن كان بملاحظة تخصيص الأمر بالإهلال خلف المقام، كونه أفضل أمكنة المساجد.
أي كيفية الإحرام كما تقدّم، إلّا انه في المقام ينوي الإحرام للحج، بمعنى قصده امتثال أمر حجه، المركب منه و من غيره من
المناسك، و إلّا فليس الإحرام بالحج يختلف عن الإحرام بغيره في حقيقته.
و يقطع التلبية يوم عرفة عند الزوال فيحرم عنده، و في صحيح معاوية: التصريح به (1)، و في اقتضائه حرمته ذاتا نظر، لإمكان دعوى انصرافه إلى التلبية المأتي بها بعنوان المشروعية قبل ذلك.
و هذا المقدار لا يقتضي إلّا حرمة العمل الخارجي المأتي به بهذا العنوان.
و هو أيضا غير حرمة تشريعه كما لا يخفى.
نعم لا يستفاد منه حرمة ذاتية مطلقا، كما هو الشأن في غالب العبادات المنهي عنها، فذلك نحو حرمة بين حرمة تشريعية و حرمة ذاتية بقول مطلق، و اللّٰه العالم.
و لو نسيه حتى يصل بعرفات أحرم بها إن لم يتمكن من الرجوع إلى مكة، و إلّا فيتعين عليه الرجوع إليها و الإحرام منها.
و الأصل في الحكم المزبور ما حكي من سؤال علي بن جعفر عن أخيه:
عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو بعرفات ما حاله؟ قال: «يقول:
اللهم على كتابك و سنة نبيك، فقد تم إحرامه» (2). و إطلاقه منزّل على العذر عن العود، و لا أقل من كونه بعوده يفوت عنه اختياري عرفة.
و أما غيره فيجب العود باطلاقاته، و نسب الى الشيخ (3)و ابن حمزة (4)الإطلاق في الاكتفاء بالإحرام من مكانه، حتى مع التمكن من العود، نظرا إلى إطلاق النص المزبور من هذه الجهة. و هذا إنما يتم لو لم يجعل الفوت المزبور
عذرا، و إلّا ففيه نظر لتنزيله منزلة الغالب، من عدم تمكنه لدرك اختياري عرفة بعوده إلى مكة و إحرامه منها، و ذلك نحو عذر، و يلحق به غيره.
و توهم انّ ذلك فرع أهمية اختياري عرفة من الإحرام، و إلّا فيدخل المكلف فيمن لا يدرك إلّا اضطراري عرفة.
مدفوع بأنه مضافا إلى ما سيجيء من إثبات أهميته من سائر المناسك، انّ النص المزبور بعد كونه معمولا به، فيؤخذ بمقدار دلالته، و من المعلوم انّ إطلاقه من حيث الأعذار الخارجية لا قصور فيه، و إنما الملازم له جهة عذره من إدراك اختياري عرفة.
و في مثل هذه الصورة كان حكمه عليه السلام بالاكتفاء بإحرامه من عرفة يكشف عن أهميته من الإحرام من مكة، و ليس في الرواية تعليق الحكم على العذر، كي يشكل في صغراه، بل من الإطلاق المنزل على صورة العذر غالبا تستكشف الأهمية، فالرواية بإطلاقها المنزل على مثل هذا العذر متكفلة لإحراز صغرى العذر.
و يؤيد ما ذكرنا ما ورد في الناسي من سائر المواقيت، حيث حكم بإحرامه من مكانه، من جهة الخشية من فوت الحج، إذ هو بإطلاقه شامل لفوت المرتبة الأقصى منه، الملازم لفوت اختياري الوقوفين.
و من ذلك يستفاد أهمية اختياري الوقوف من الإحرام لعمرته، فيتعدّى منه إلى إحرام حجه أيضا، لفهم العرف إلغاء الخصوصية مع إمكان دعوى عدم الفصل بين الإحرامين، كما لا يخفى.
و لو لم يذكر حتى يقضي مناسكه لم يكن عليه شيء على المشهور، خلافا لابن إدريس (1)، على ما تقدّم من المصنف أيضا سابقا. و شرحنا أيضا
1) السرائر: 137.
بأنّ عمدة مستندهم فيه مرسل جميل (1)، بل في صحيح علي بن جعفر أيضا الحكم بالاجتزاء مع الجهل (2)، الملحق به النسيان، كما في الجواهر (3).
و خلاف ابن إدريس مبني على أصله من طرح أمثال هذه الأخبار و الأخذ بمقتضى القواعد، من لزوم القضاء بفوت إحرام حجه، المفوت لحجة، بدليل اعتباره فيه.
و لكن لا يخفى ما فيه، فلا محيص عن رفع اليد عن جزئية الإحرام حال نسيانه بمقتضى النص المزبور، فتختص ركنيته و إضرار فوته بالحج بحال علمه و عمده و إن كان بينه و بين الطواف و السعي فرق، حيث إنّ بناءهم على أنّ الجاهل فيهما بحكم العامد بخلاف المقام، فإنّ الجاهل- بحكم النص- ملحق بالناسي، بل في الوقوف بعرفة أيضا، ظاهر بعضهم معذورية الجاهل.
و عن الحدائق دعوى استفاضة النصوص فيه (4)، فراجع، و تتمة الكلام فيه و في الوقوف بالمشعر سيأتي إن شاء اللّٰه.
. يستحب للمتمتع الخروج يوم التروية إلى منى، و الصلاة و الدعاء فيها، بلا اشكال.
و في دعائم الإسلام: روينا عن جعفر بن محمد عليه السلام انه قال:
«يخرج الناس من مكة إلى منى يوم التروية، و هو اليوم الثامن من ذي الحجة، و أفضل ذلك بعد صلاة الظهر، و لهم أن يخرجوا غدوة و عشية إلى الليل،
و لا بأس أن يخرجوا قبل التروية» (1)، و نظيره غيره (2).
و في نص آخر: «إذا انتهيت إلى منى فقل: اللهم إلى آخره» (3).
نعم يستحب لإمام الحاج و أميرهم أن يصلّي الظهر بمنى، لما في صحيح ابن مسلم: «لا ينبغي للإمام أن يصلّي الظهر يوم التروية إلّا بمنى، و يبيت بها الى طلوع الشمس» (4).
و في نص آخر: الأمر بصلاة الظهر في منى لغير الإمام أيضا (5)، و لا بأس به بعد إمكان الحمل على مراتب الفضيلة، أو التخيير لغير الامام بينهما كما لا يخفى.
و قيل: إنّ استحباب الخروج يوم التروية ثابت لكل أحد إلّا المضطر، كالشيخ و غيره و لو لخشية الزحام فيخرج قبله، و في الصحيح: السؤال عن خروج خائف الزحام قبل يوم التروية، قال: «نعم»، و في ذيله قال: يعجل بيوم؟ قال: «نعم»، قلت: بيومين؟ قال: «نعم»، قلت: ثلاثة؟ قال:
«نعم»، قال: أكثر من ذلك؟ قال: «لا» (6).
و هو أيضا محمول على الكراهة، بقرينة إطلاق ما دل على جواز الإحرام للحج، عند الفراغ عن اعمال العمرة.
و حكى عن الشيخ عدم جواز الخروج قبل الثلاثة (7)، و لكنه محجوج
1) دعائم الإسلام 1: 140.
2) وسائل الشيعة 10: 2- 3 باب 1 و 2 من أبواب إحرام الحج.
3) وسائل الشيعة 10: 6 باب 4 من أبواب إحرام الحج حديث 5.
4) وسائل الشيعة 10: 5 باب 4 من أبواب إحرام الحج حديث 1.
5) وسائل الشيعة 10: 6 باب 4 من أبواب إحرام الحج حديث 5.
6) وسائل الشيعة 10: 4 باب 3 من أبواب إحرام الحج حديث 1.
7) المبسوط 1: 366.
بالإطلاق المزبور. كما انّ المراد من الأمور المسطورة أيضا عدم تأكد رجحانه على غيره، أو مزاحمته لمرجح آخر، لا أنّ المصلحة المقتضية للرجحان مفقودة في المضطر المذكور.
و يستحب أيضا أن يغتسل للوقوف بعرفة، لحسن الحلبي (1).
ثم إنّ من مقدمات الوقوف بعض أحكام أخر راجعة إلى منى، سيأتي التعرض لها.
و هو أي الوقوف بمسمّاه ركن في الحجّ يبطل بالإخلال به عمدا و عن علم، بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و يكفي من النص ما ورد بلسان نفي الحج لأصحاب الأراك و هم الذين يقفون عند الأراك، الخارج عن عرفة (2).
فمرجع مثل هذا اللسان إلى نفي الحج لمن لم يقف بعرفة، و سيأتي وجه ركنية مسمّاه عند التعرض لزمان وجوبه.
و لو تركه ناسيا حتى فات وقته و لم يصل بالمشعر بطل حجه، و ظاهر هذه العبارة بقرينة ما يأتي من المصنف، من نسبة الاجتزاء بإدراك اضطراريهما إلى قوم، المشعر بتردده فيه، صورة فوت وقتي عرفة، و لو الاضطراري منه، مع عدم درك اختياري المشعر، سواء أدرك اضطرارية أيضا أم لا.
و حينئذ فيستفاد من العبارة فرضان:
أحدهما: صورة فوت اضطراريهما أيضا.
و ثانيهما: صورة فوت اختياري المشعر، مع فوت اضطراري عرفة أيضا.
فإنّ الحكم في كليهما بطلان الحج، بلا اشكال ظاهرا في الأول، و على المشهور
في الأخير خلافا لبعض آخر، حيث التزم بصحته.
أما الصورة الأولى فربما يستفاد من فحوى ما يدل على أنّ مدار درك الحج بدرك جمع قبل الزوال، و بدونه لا حج له. خرج عنه من أدرك اختياري عرفة أو اضطرارية على قول، و بقي الباقي تحته. مضافا إلى فحوى جملة أخرى من النصوص الدالة على فوت الحج عند فوت اضطراري عرفة أيضا، بفوت اختياري المشعر، فإن دلالتها على فوت الحج بفوت اضطراري المشعر أيضا بالفحوى.
و أما الصورة الثانية، فالمشهور على فوت الحج بفوت الاضطراري من عرفة و اختياري المشعر، و عدم كفاية درك اضطراري المشعر محضا. و المستند فيه جملة من النصوص المشار إليها، مثل الصحيح الحلبي المشتمل ذيله على أنّ «من لم يدرك المشعر الحرام- يعني قبل أن يفيض الناس- فقد فاته الحج» (1)، و نظيره جملة أخرى من النصوص، الصريحة في مورد الفرض.
و في قبالها مطلقات مشتملة على أنّ من أدرك المشعر قبل الزوال من يوم النحر فقد أدرك الحج (2)، و لا يخفى أنّ الأمر يدور بين تقييد مثل هذه المطلقات بمن أدرك اضطراري عرفة، كما هو مقتضى النصوص السابقة، أو الأخذ بإطلاق هذه، و حمل فوت الحج في السابقة على فوت مرتبة كمال الحج لا أصله، كما هو مختار المدارك.
و المشهور على تقديم الجمع الأول، و لكن الانصاف منع قوة أحد الجمعين على الآخر. و حينئذ ترجع المسألة إلى الشك في شرطية درك اضطراري عرفة- في ظرف وجود اضطراري المشعر- في صحة الحج، للمضطر عن درك
الاختياريين. و الأصل يقتضي عدم الشرطية، و لا يعتد- في مثل هذه المسألة مع وضوح مدرك المشهور- على مخالفتهم، و إن كان الاحتياط يقتضي الوفاق معهم عملا.
ثم إنّ من فحاوي هذه النصوص يستفاد أيضا كفاية درك اضطراريهما في صحة الحج، و إليه أيضا جنح بعض الأعاظم، منهم المحقق في الشرائع (1)، خلافا لبعض آخر، حيث ذهب إلى عدم كفايته.
و عمدة سندهم عموم: «من لم يدرك الناس بالمشعر قبل طلوع الشمس فلا حج له» (2).
و لكن في قباله جملة أخرى من المطلقات، الدالة على أنّ من أدرك المشعر قبل الزوال فقد أدرك الحج (3). فإنه يصلح لرفع اليد به عن الأولى بالحمل على نفي الكمال، كما احتملنا في الطائفة السابقة، بل و على فرض التقييد لا بد أن تقيد الاولى بمن لم يدرك اضطراري المشعر أيضا على وجه، أو بمن لم يدرك اضطراري عرفة على وجه آخر.
و أيضا ظهر من مجموع النصوص المزبورة حكم من أدرك اختياري المشعر، و لو لم يدرك الوقوف بعرفة مطلقا، فإنّ مقتضى النصوص المزبورة بأجمعها صحة حجه و تماميته.
كما انه في صورة درك اختياري عرفة، مع نسيانه أو جهله عن درك
الوقوف بالمشعر، و لو الاضطراري منه، كان مقتضى جملة من النصوص صحة حجه و تماميته. و ذلك مثل ما دل تارة على أنّ «الحج عرفة» (1)، و اخرى بما دل صريحا على صورة فوت اضطراري المشعر بجهله، فقال: «لا بأس»، (2)المنزل على صورة دركه اختياري عرفة.
و في قباله ما ورد بعموم قوله: «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» (3)، و بمفهوم جملة «من أدرك المزدلفة قبل زوال الشمس يوم النحر قد أدرك الحج»، فإطلاقه يقتضي عدم درك الحج بفوت المزدلفة مطلقا، و إن أدرك اختياري عرفة.
و في نص آخر: «انّ عرفة سنة، و المزدلفة فريضة» (4)، و حينئذ فاللازم تقييد هذه المطلقات بصورة درك اختياري عرفة، بقرينة نفي البأس في النصوص السابقة.
نعم مقتضى إطلاقها جواز الاقتصار بدرك اضطراري عرفة فقط أيضا إذ القدر الخارج منها- بقرينة النصوص السابقة- صورة عدم درك وقت عرفة مطلقا، و بقي الباقي تحته. و ذلك المقدار أيضا لا يتنافى مع كون عرفة من السنة، و المزدلفة من الفريضة، بعد البناء على الاكتفاء باضطراري المشعر فقط أيضا، كما هو مذهب المدارك.
نعم لو بنينا- كما هو المشهور- على عدم الاكتفاء باضطراري المشعر فقط، أمكن التعدّي عنه- بالفحوى المستفاد من هذا النص- إلى عدم الاكتفاء باضطراري عرفة أيضا.
هذا، و لكن الكلمات غير مساعدة لذلك، بل مقتضى استقصاء الجواهر جميع شقوق المسألة و تمييز صحيحها عن فاسدها، عدم جعل ذلك من الفروض الصحيحة، بل يستفاد من فحاوي كلماتهم تسلم فساده.
نعم في كشف اللثام حكاية الاكتفاء بأحد الاضطراريين عن ظاهر أبي علي (1)، فإن تم حينئذ إجماعا على الفساد فهو، و إلّا فمقتضى الجمع السابق- بين نص الاكتفاء بعرفة و فوت المزدلفة مطلقا، و بين نص عدم الاكتفاء بصرف الوقوف بعرفة، مع فوت المشعر مطلقا- هو الصحة، لإمكان حمل الثاني بقرينة الأول على نفي الكمال.
ثم انّ في الاكتفاء باضطراري المزدلفة ليلها بدل يومها في كل مورد يكتفي باضطراري المشعر وجه، و السند فيه- مضافا إلى فحوى دليل الاضطراري اليومي، كما هو في الجواهر (2)- إطلاق قوله في خبر مسمع: في رجل أفاض من المشعر قبل أن يفيض الناس، فقال: «إن كان جاهلا فلا شيء عليه، و إن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» (3).
لكن الانصاف انصرافه إلى فرض دركه اختياري عرفة، فلا يبقى في البين ما يستفاد منه بدلية اضطراري الليلية عن النهارية في الاكتفاء به أيضا، في كل مورد يكتفى باضطراري النهاري منه، إلّا الفحوى و الأولوية المدعى من الجواهر.
و لو لا حكاية الترديد عن سبط الشهيد في ذلك، لأمكن دعوى عدم
الفصل بينهما أيضا. و مع هذا الترديد في الفحوى و الأولوية، أشكل التعدّي عما اشتمل على الاكتفاء باضطرار النهاري بالمشعر إلى اضطرار الليلي.
فلا محيص عن الاقتصار على مورد النص، و هو صورة درك اختياري عرفة، كما هو منصرف نص مسمع.
و في الجواهر التصريح بالاكتفاء باضطراري عرفة مع اضطراري المشعر بليلتها أيضا، و هو فرع تمامية مبناه، من جريان الفحوى في مثله (1)و فيه نظر، و الأحوط فيه اعادة الحج، و اللّٰه العالم.
انه بعد ما اتضح الاكتفاء بأحد الموقفين الاختياريين عند الاضطرار بفوت أحدهما، ففي ترجيح أي واحد منهما عند الدوران اشكال، لعدم ثبوت الترجيح بالأسبق زمانا.
اللهم إلّا أن يدعى أنّ مقتضى قوله- في النص السابق- كون «الوقوف في المشعر من الفريضة، و الوقوف بعرفة من السنة»، بضميمة كبرى أخرى في ذيل «لا تعاد»، بأنّ الركوع و السجود فريضة، و القراءة سنة، و لا تترك الفريضة بالسنة، أهمية الفريضة من السنة، و لازمة في المقام تقديم الوقوف بالمشعر على الوقوف بعرفة.
و من هذه الجهة أيضا يقدّم درك اضطراري المشعر على اضطراري عرفة، في ظرف المزاحمة، و البناء على كفاية، درك اضطراري أحدهما، فضلا عما لو لم نقل بكفاية درك اضطراري عرفة، مع الاكتفاء باضطراري المشعر.
و على المشهور- من عدم الاكتفاء به أيضا- فلا اشكال.
1) جواهر الكلام 19: 45.
و مع مزاحمة اختياري عرفة فقط مع اضطراري المشعر، فعلى القول بعدم كفاية اضطرارية فقط، فلا إشكال في تقديم اختياري عرفة. و على القول بكفايته، فلا إشكال في تقديم اختياري عرفة.
و على القول بكفايته، ففي تقديم اختياري عرفة على اضطراري المشعر وجه، من جهة انّ الاختياري من كل وقوف أهم، و لو من اضطراري غيره.
و لا أقل من الشك، فينتهي الأمر إلى التعيين و التخيير، لو لا احتمال أهمية الاضطراري المزبور أيضا، لكونه فريضته. فلا محيص حينئذ عن انتهاء الأمر فيه إلى التخيير. و لو انعكس الأمر فيتعيّن تقديم اختياري المشعر جزما، لأهميته عنه بتا.
و لو دار الأمر بين ترك اختياري كل من الوقوفين أو ترك سائر المناسك، مثل الإحرام أو الطواف أو السعي أو مناسك منى بجميعها أو بعضها، فلا شبهة في انّ إطلاق الأمر- في كل واحد- يقتضي حفظ وجود متعلقه، المستتبع للاضطرار في ترك غيره، المنتهي أمره إلى بدله، من الفعل الاضطراري، الصادر عن نفسه أو نائبه. فالظاهر حينئذ وقوع التزاحم في الجهات المزبورة.
و عليه فنقول: لو لا قرينة خارجية على إثبات أهمية أحد الجانبين، كان لا محيص عن انتهاء الأمر في أمثال المقام إلى التخيير. و لكن احتمال جريان قاعدة التخيير بين الوقوفين و غيرهما من سائر المناسك منسد في كلمات الأصحاب، بل بناؤهم غالبا على ترجيح الوقوفين، و لو اختياريهما على سائر المناسك. و لذا ذهب جلهم إلى كون المناط في فوت طواف العمرة إلى زمان فوت اختياري عرفة، و إن خالفهم الجواهر فيه (1).
1) جواهر الكلام 19: 46.
و هكذا بناؤهم في تدارك الإحرام من الميقات مقدارا لا يخاف معه فوت الحج، و لو بمرتبته الأقصى.
و هكذا في العدول من التمتع إلى الافراد، بنوا على كون المدار على فوت الحج باختياري وقوفه. و لعل عمدة الوجه في إحراز أهميته، ما ورد من بعض النصوص المشار إليها سابقا، من «أنّ الحج عرفة»، علاوة على كون المشعر أيضا أهم من عرفة، لما عرفت من أنه فريضة، و لا تترك بالسنة، بمقتضى النص. فيقدّم الوقوفان حفظا للحج بمرتبته الأقصى، الملازم لدرك اختياري وقوفهما على غيرهما من سائر المناسك. فينتقل حفظهما إلى حفظ بدلهما، المأتي به بنفسه أو بنائبه، كما لا يخفى.
هذا كله بالنسبة إلى ملاحظة أهمية الوقوفين على غيرهما، و أما في فرض مزاحمة غيرهما بعضها مع البعض، فلا يبعد تقديم ما هو ركن عن غيره، لأهمية الركن جزما. و أما في غير الركن فلا محيص عن انتهاء الأمر إلى التخيير، إلّا إذا ثبت في مورد قرينة على الأهمية، من إجماع أو غيره. و لكن لا أظن قيام إجماع في البين، لعدم تعرضهم لمثل هذه المزاحمات، فكأنهم أو كلوها على القواعد، فتدبّر.
: إنّ مقتضى القاعدة الأولية كون جميع أنحاء تروك المناسك ملحقة بالتروك العمدية بمقتضى إطلاق أوامرها، و لو مادة. و لكن يثبت العذر في نسيان جميعها، إلّا فوت الموقفين، و لو باضطراريهما إجماعا. فتبقى هذه الصورة فقط تحت القاعدة الأولية، المستفادة من إطلاق نفي الحج بفوت الموقوفين إلى طلوع الشمس من يوم النحر، في صحيح حريز (1)، و خبر
1) وسائل الشيعة 10: 23 باب 1 من أبواب إحرام الحج حديث 1.
إسحاق (1). و ذلك أيضا مستند من لم يكتف باضطراري المشعر فقط.
و لكن قد تقدّم ما فيه، و انه قابل للتقييد بما دل على أن من أدرك زوال الشمس من يوم النحر للمزدلفة فقد أدرك الحج، بحمل نفي الحج في الأول بالنسبة إلى هذه الصورة على نفي الكمال.
و بهذه الملاحظة صار امتياز أركان الحج عن أركان الصلاة بإضرار فوتها عمدا لا نسيانا، بخلاف الصلاة فإنّ مناط ركنية الشيء فيها على الفوت و لو نسيانا. فأركان الحج من قبيل الأجزاء غير الركنية في الصلاة من هذه الجهة.
نعم ما هو في الحقيقة ركن مثل الركنية في الصلاة هو فوت مجموع الموقفين حتى الاضطراريين، فغير الأركان في باب الحج ما لا يضر بفوتها في وقتها و لو عمدا، كطواف النساء و أمثاله.
و توهم انّ ذلك ينافي أصل الجزئية للحج، صحيح لو أريد منها الجزئية لجميع مراتبها، و إلّا فالجزئية هي للمرتبة الأقصى المطلوبة منه، فلا تنافي بينها و بين عدم إضرار فوتها بمرتبة أخرى من الحج. و بهذه الملاحظة صارت هذه أيضا من مناسك الحج كسائر المناسك، سوى انّ ركنيتها بمعنى أنّ تركها مضر بالحج في حال العمد دون النسيان، و هذه مضرة في حال العمد بمرتبة دون مرتبة.
بل و لئن دققت النظر ترى الأركان أيضا غير مأخوذة في جميع مراتبها، و إنما أخذت بعض المراتب بالقياس إلى حالتي العمد و السهو، فما هو مأخوذ في جميع المراتب هو فوت الموقفين فقط.
و بذلك ظهر فساد توهم كون ما لا يضر فوته بالحج و لو عمدا من قبيل الواجبات في الواجب، فلا يصلح حينئذ عدّها في مناسك الحج و من أجزائه
1) وسائل الشيعة 10: 23 باب 1 من أبواب إحرام الحج حديث 2.
في عرض سائر الأركان.
نعم لم يكن من هذا القبيل تروك الإحرام غير الجماع قبل الوقوفين عمدا، فإنّ جميعها من التكاليف الثابتة على المحرم، بلا صلاحيتها للإعداد في مناسك الحج، فالحج حينئذ ملتئم من أمور:
بعضها تكاليف محضة ثابتة في حال الإحرام.
و بعضها مأخوذة في الحج ببعض مراتبه حتى في حال العمد.
و بعضها مأخوذة في جميع مراتبها في خصوص حال العمد.
و بعضها مأخوذة في أصل الطبيعة بلحاظ جميع الحالات، كمجموع الموقفين من حيث المجموع، بمعنى إضرار تركهما أجمع فيه لا المجموع.
ثم انّ ذلك كله بلحاظ حال النسيان، و أما بالنسبة إلى حال الجهل فقد يقال: إنّ القاعدة الأولية ربما انقلبت بقاعدة ثانوية أخرى، من قوله «أيما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»، بناء على إطلاق نفي الشيء، بالنسبة إلى المؤاخذة الأخروية و الجريمة الدنيوية و اعادة العمل.
و لازمة إلحاق الجهل بباب النسيان في كلية المقامات، إلّا ما خرج، بل ربما يقال بمثله في أجزاء الصلاة أيضا في غير أركانها، علاوة عن تخيل عموم «لا تعاد» بالنسبة إليها أيضا.
و لكن قد حققنا عدم العموم في «لا تعاد» على وجه يشمل حال الجهل حكما و موضوعا، إلّا ما كان يلحق بالنسيان، و لو في مقدماته، كما في بعض النصوص. و ليس بناء المشهور أيضا الأخذ بعموم نص الجهالة في الحكم بالأجزاء كلية، و إنما حكمهم بالأجزاء في باب الحج أيضا إنما هو لنصوص خاصة، لا من جهة مثل هذا العموم.
و لعل عمدة النكتة في ذلك هو انّ هذا العموم كعموم رفع النسيان، إنما هو ناظر إلى مانعيتهما عن تأثير المقتضيات الواقعية في حالهما، ما دام وجودهما،
بلا نظر لهما إلى حال انكشاف الواقع. فالمصالح الواقعية الثابتة اقتضاؤها على الإطلاق، تبقى على تأثيرها في حال الانكشاف.
و لقد أشرنا إلى هذه الجهة في بعض المقامات السابقة، و ذكرنا هناك النكتة الفارقة بين الإعادة و المؤاخذة دنيوية أو أخروية، فإنهما مرفوعان بهما على الإطلاق، لأنّ مقتضاهما نفس حدوث العمل في حال الجهل المانع، بخلاف الإعادة، فإنّ مقتضاه بقاء المصلحة في حال الالتفات غير المقرون بالمانع.
و عليه فلا تصلح مثل هذه العمومات لقلب القاعدة الأولية في جميع العبادات، فيحتاج قلبها إلى دليل آخر.
و حينئذ نقول: إنه قد ورد في صحيحة الحلبي- في باب فوت الوقوف بعرفات- الأمر بالوقوف بالمشعر، معللا بأنّ اللّٰه أعذر لعبده و قد تم حجه (1).
و لا يخفى انّ مقتضى هذا التعليل كون الترك العذري غير مانع عن صحة الحج إلّا ما خرج، و هو يشمل الترك بجهالة أيضا، و يتعدّى- بمقتضى العلة المزبورة- إلى سائر مناسك الحج كذلك، خصوصا في الإحرام الذي ورد فيه النص بمعذورية الجاهل أيضا.
نعم في طواف الزيارة و السعي كان بناؤهم على عدم معذورية الجاهل، و النص في طواف الزيارة ناطق به أيضا، الملحق به طواف السعي أيضا.
و أما في غيره فالظاهر أيضا بناء الأصحاب على معذورية الجاهل حتى انّ في الحدائق في باب الوقوف بمعرفة ادعى استفاضة النصوص على معذورية الجاهل (2). و عمدة تشكيكه كانت في معذورية الناسي، و فيه نظر و تأمل.
و بالجملة نقول: إنّ مثل هذه العلة كافية في إثبات عذر النسيان و الجهل في كلية المناسك إلّا ما خرج، بل و في الجواهر نسبة عذرية الجهل بالوقوف في المشعر إلى الأصحاب (1). و ربما أمكن دعوى الفحوى في عذريته بالنسبة إلى الوقوف بعرفة، لكونه من السنة التي يكون أمرها أهون من الفريضة، كما لا يخفى.
أي في الوقوف بعرفات النية بلا اشكال، لكونه من العبادات مستقلا. و لقد ذكرنا شرح النية و كيفية الاجتزاء بها في باب الإحرام و الطواف، بلا احتياج الى التكرار.
و يجب أيضا الكون بعرفات إلى غروب الشمس من يوم عرفة بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و في النص: متى يفيض من عرفات؟ فقال: «إذا ذهبت الحمرة من هاهنا»، و أشار بيده الى المشرق (2)، أي مطلع الفجر، و هو كاشف عن أنّ الغروب في المقام مثل الغروب في باب الصلاة و الصوم، غير استتار القرص، كما هو مذهب العامة.
كما أنّ المراد من الوقوف فيه أيضا مطلق كونه فيه، قائما أو قاعدا أو نائما، راكبا أو ماشيا، للإطلاق.
و لا إشكال أيضا فتوى و نصا في عدم كفاية الوقوف بعرفة قبل الزوال محضا، في صحة الحج، بل و لا في عدم جواز تأخير الوقوف من غروب الشمس اختيارا.
و يدل على الأول ما دل من النص من الأمر بالغسل و الصلاة و الدعاء إذا
زالت الشمس (1).
و في آخر: الأمر بقطع التلبية عند زوال الشمس، و الاغتسال، و عليك بالتكبير و التهليل و التحميد و التسبيح و الثناء على اللّٰه، وصل الظهر و العصر بأذان و إقامتين (2)، بناء على ظهور كون هذه من وظائف الوقوف غير المنفك عنه، فتحديدها بالزوال، يكشف عن تحديد وقوفه به، كما انّ المستند للثاني ما في خبر الدعائم المشتمل على قوله: «يقف بها- إلى قوله- حتى تغرب الشمس» (3)، فإن أمره التعييني في التحديد بالغروب أيضا، يكشف عن تعيينه.
و أيضا لا إشكال في انّ الركن منه- بمعنى كون تركه مضرا بالحج- مسماه، جمعا بين ما تقدّم، و بين ما دل على انه لو أفاض قبل الغروب عامدا عليه بدنة، مثل ما في المرسلة: في رجل أفاض من عرفات قبل أن تغرب الشمس، قال: «عليه بدنة» (4)، و نظيره في خبر الدعائم (5)، و لا يضر ضعف سندهما مع الجبر بعمل الأصحاب، و بين ما دل على نفي الحج عمن وقف بأراك و أمثاله.
إنما الكلام في أنّ الواجب- الموجب تركه للإثم- استمرار وقوفه من أول الزوال إلى الغروب، كما نسبوه إلى الأصحاب، أو الواجب استمراره من بعد الصلاتين الى الغروب، أو الواجب منه كالركن مسمّاه.
ففي الرياض: تقريب كون الواجب منه أيضا مسماه، و هو الركن أيضا (6).
و يرده ما دل على وجوب البدنة بالإفاضة قبل الغروب، إذ الظاهر منه كونه جريمة ملازمة مع الحرمة، لو لا دعوى ثبوت كفارة الصيد نسيانا، فثبوت الكفارة في باب الحج لا يلازم الإثم.
نعم ربما يدل على الوجوب المزبور، الملازم لحرمة الإفاضة قبل الغروب، ما دل على تعيين وقت الإفاضة بذهاب الحرمة، و ترخيصه به في جواب السؤال عن الرخصة في الإفاضة بقوله: متى يفيض؟ كما أشرنا إلى نصه سابقا.
و حمل السؤال عن وقت الإفاضة- على وجه لا يترتب عليها بدنة، و هو غير السؤال عن أصل الرخصة- في غاية البعد.
كما انه يرد وجوب الاستيعاب من أول الزوال أيضا، ما دل على الأمر بالوقوف بعد الصلاتين، و حكاية فعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أيضا من انه صلّى الظهرين ثم مضى الى الموقف. فإنّ مثل ذلك أيضا ظاهر في انّ الوقوف الواجب لم يكن من أول الزوال، و الأخبار السابقة المحددة للاغتسال و الدعاء و التحميد بالزوال أيضا غير دالة على وجوب الوقوف من الزوال، بل غاية دلالتها على عدم الوجوب قبل الظهر.
و توجيه ذلك كلّه بإمكان كون ذلك كله حين وقوفه الواجب، و انّ المراد من الوقوف المأمور به بعد الصلاة هو الوقوف في المواقع الخاصة المستحبة، كما في الجواهر (1)، خلاف ظاهر الأمر، و لا شاهد له على الاستيعاب، إلّا محتملات كلمات الأصحاب، بعد توجيهها على وجه يرجع الى مختاره، و هو كما ترى.
اذن فأقوى الاحتمالات ما نسبه التذكرة- على المحكي- إلى الأكثر، من
1) جواهر الكلام 19: 41.
وجوبه من بعد الصلاتين، بعد جمعهما بأذان و إقامتين (1)، إذ هو المستفاد من مجموع نصوص الباب.
و حينئذ يجب بقاؤه فيها بعد صلاتية عند جمعهما إلى الغروب، فلو خرج عامدا فعليه بدنة، و إن كان جاهلا فلا شيء عليه- كما في النص- و يلحق به الناسي، لعموم العلة السابقة في المعذورية.
و عن بعض- كما في الرياض (2)- دم شاة على العامد، و لعله لعموم: «من ترك نسكا فعليه دم»، المحمول على الشاة، و فيه انه مخصص بلا مجمل مبين في المقام بالبدنة.
و في الشرائع أيضا: انه لو عاد إليها بعد إفاضته قبل الغروب لم يكن عليه شيء (3)، و ظاهره الشمول لمن أفاض منها عمدا، و إنما يتم على فرض وجوب الاستيعاب، و هو أيضا لا يناسب البدنة إلّا على وجه بعيد، و لذا استشكل عليه بعض الأجلة بعدم وجه لسقوط البدنة عنه، و في كشف اللثام: تقويته أيضا (4)، و اللّٰه العالم.
و لو قبل الفجر بقليل، بلا اشكال فيه فتوى و نصا. و في النص: في رجل أدرك الإمام بجمع، فقال:
«إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها» (5).
و في نص آخر: «إن كان في مهل حتى يأتي عرفات الى آخره» (1).
و مقتضاهما- كما هو المسلم عندهم أيضا- عدم وجوب أزيد من المسمّى لإطلاق القليل في الأول بالنسبة إلى ليله، و ظهور الثانية أيضا في إفاضته قبل الفجر، مقدمة لدرك الناس، كما هو الغالب.
هذا، مضافا إلى ظهور الأمر بالطبيعة في المقام، في كفاية أول وجودها المنطبق على المسمّى، بلا قرينة في المقام على لزوم الاستمرار إلى زمان خاص، كما لا يخفى.
و لو لم يتمكن من الوقوف المزبور ليلا أيضا، أو نسي حتى طلع الفجر وقف بالمشعر و أجزأه، لما في ذيل النص الثاني، المشتمل على «المهل» بقوله: «و ان قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإن اللّٰه تعالى أعذر لعبده» (2).
و بهذه العلة أيضا يلحق الجاهل القاصر بالناسي، و أما المقصّر فملحق بالعامد في المقام، بل في كل مقام قرن جهله بنسيانه، فإنّ المنصرف منه ما كان قاصرا، كما هو الشأن في منصرف نسيانه غالبا، نعم لا يبعد في مورد إطلاق فيه الجاهل، شموله للمقصر أيضا، لو لا قرينة أخرى على خلافة، و يجمع بين استحقاقه للعقوبة مع أجزائه، كما يجمع ذلك في باب الجهر و الإخفات.
، خلافا لبعض
حيث التزم بشاة، و تقدّم وجهه مع فساده.
و في النص: لو عجز صام ثمانية عشر يوما إن كان عالما بوظيفته، و لو كان جاهلا بها حكما أو موضوعا أو ناسيا فلا شيء عليه، كما تقدّم وجه الجميع، و إطلاق الجاهل في النص- بقرينة نفي البدنة عنه- منصرف إلى القاصر.
و نمرة، و ثوية، و ذو المجاز، و عرنة، و الأراك حدود خارج عن الموقف، لا يجزئ الوقوف بها، لما في خبر سماعة: «و اتق الأراك و نمرة، و هي بطن عرنة، و ثوية و ذي المجاز، فإنه ليس من عرفة و لا تقف فيه» (1).
فيه أمور، منها: أن يخرج إلى منى يوم التروية بعد الزوال، لما تقدّم سابقا عند الشروع في أحكام الوقوف فراجع.
و تقدم أيضا أنّ الامام و هو أمير الحاج كما قيل يصلّي بها ثم يبيت بها إلى فجر عرفة، و لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس.
أما الأول فلما في النص، من انه يصلّي بها الغداة (2)، و ذلك أيضا في غير الامام، و أما هو فيقف بها إلى طلوع الشمس، لما في خبر الدعائم من حكاية فعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله من انه لم يخرج من منى حتى طلعت الشمس (3).
و في نص آخر: «من السنة أن لا يخرج الامام حتى تطلع الشمس» (1).
و أما الثاني فلصحيح هشام: «لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس» (2)، المحمول على الكراهة، بقرينة نفي البأس عن النفوذ من منى الى عرفات قبل طلوع الشمس في نص آخر (3).
و يدعو عند نزولها و الخروج منها و في الطريق، و في النص: «إذا توجهت إلى منى فقل: اللهم .. الى آخره، و إذا انتهيت إلى منى فقل:
اللهم .. الى آخره، و إذا غدوت الى عرفة فقل: اللهم .. الى آخره» (4)، و فحواه يشمل الطريق أيضا.
و أن يقف في عرفات مع السفح في ميسرة الجبل داعيا قائما، و في الموثق: فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض؟ فقال: «على الأرض» (5).
و في آخر: «عرفات كلها موقف، و أفضل المواقف سفح الجبل» (6).
و في آخر: «قف في ميسرة الجبل فإن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله وقف بعرفات في ميسرة الجبل» (7).
و في ثالث: «ألا أعلّمك دعاء يوم عرفة، و هو دعاء من كان قبلي من الأنبياء، يقول: لا إله إلّا اللّٰه .. الى آخره» (8).
1) وسائل الشيعة 10: 5 باب 4 من أبواب إحرام الحج.
2) وسائل الشيعة 10: 47 باب 14 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 47 باب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر.
4) وسائل الشيعة 10: 7 باب 7 من أبواب إحرام الحج.
5) وسائل الشيعة 10: 11 باب 10 من أبواب إحرام الحج حديث 5.
6) وسائل الشيعة 9: 13 باب 11 من أبواب إحرام الحج حديث 2.
7) وسائل الشيعة 9: 13 باب 11 من أبواب إحرام الحج حديث 1.
8) وسائل الشيعة 9: 16 باب 14 من أبواب إحرام الحج حديث 2.
و أما كونه قائما، فلم نجد فيه نصا بالخصوص، و لا بأس به لكونه أحمز، و لأن القيام الى التضرع و الخضوع أقرب، إلّا إذا أوجب كسالة من التعب فيجلس في دعائه لحفظ الخشوع.
و أن يجمع بين الظهرين بأذان واحد و إقامتين، و ربما لما في النص عن معاوية: «و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء و مسألة» (1).
و في آخر: «ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين، ثم مضى الموقف و توقف فيه» (2).
و ربما يشعر النص الثاني بوجوب الجمع بأذان واحد مقدمة لاستيعاب الوقوف، و لكن في النص جعل حكمة الجمع فراغ النفس للدعاء، مع انّ في لزوم الاستيعاب مهما أمكن أول الكلام، كي يقتضي ذلك ترك الأذان.
و أما توهم دلالة الأمر بالجمع على سقوط الأذان الثاني، فيكفي ذلك لعدم المشروعية، الملازم للزوم الجمع المزبور، فرارا عن التشريع، فيمكن منعه بإمكان حمله على دفع توهم تأكد الاستحباب كما في سائر المقامات، فلا ينافي المشروعية. و عليه فلا موجب لتوهم وجوب هذا الجمع بوجه، كما لا يخفى.
عند المصنف و جماعة، و في قيام الدليل على الكراهة نظر، لأنّ غاية ما في النص: تارة كون الوقوف على الأرض أحب، و اخرى: تعليق الأمر به على الضيق، و النص الأول لا يقتضي إلّا أفضلية الأرض لا مرجوحيته الجبل، كما انّ التعليق بالضيق كان لحفظ الأفضل مهما أمكن لا لمرجوحيته.
و يكره أيضا الوقوف قاعدا و راكبا لما عن التذكرة من دعوى الاتفاق على ذلك (1)، و لم أظفر فيه على نص بالخصوص، بل في بعض النصوص: رأيت أبا عبد اللّٰه جعفر بن محمد عليهما السلام على بغلة رافعا يده الى السماء (2)، و مع تمامية الاتفاق المزبور لا بد من حمل هذا النص على اقتران ركوبه بجهة راجحة، مثل تعبه، المانع عن الخشوع في دعائه قائما و غير ذلك.
و كذا يكره الوقوف بغير وضوء، لخبر علي بن جعفر قال: «لا يصلح»، بعد السؤال عنه (3).
و هو المسمّى بالمزدلفة، و في النص: «ما للّٰه تعالى منسك أحب إلى اللّٰه تعالى من موضع المشعر الحرام، و ذلك أنه يذل فيه كل جبار عنيد» (4).
إذا غربت الشمس من يوم عرفة أفاض إلى المشعر، و في النص:
«إذا غربت الشمس فأفض مع الناس و عليك السكينة و الوقار» (5). و لقد تقدّم أيضا عدم جواز الإفاضة منها قبل غروب الشمس، بل لو أفاض عمدا كانت عليه بدنة.
، كل
ذلك لما في صحيح معاوية المحكية في الجواهر (1).
و يؤخر العشاءين حتى يصليهما فيهما، لما في النص: «لا يصليهما حتى ينتهي إلى جمع، و إن مضى من الليل ما مضى» (2).
و في آخر: «لا يصلّي المغرب حتى يأتي جمعا و إن ذهب ثلث الليل» (3).
فيحمل الأول أيضا على مضي أوقات الفضيلة، لأهمية حفظ فضيلة المكان في المقام عن فضل الزمان. و بظاهرهما أفتى الشيخ بوجوب التأخير (4)، و في كشف اللثام حكايته عن الأكثر (5)، لكن الانصاف كونهما في مقام دفع توهم فضيلة التعجيل، مضافا إلى ظهور جملة من النصوص في استحبابه، ففي بعضها: «لا بأس أن يصلّي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة» (6).
و من النص المشتمل على ذهاب الثلث يستفاد عدم البأس بالتأخير و لو صار ربع الليل، بل إطلاق الأول يقتضي البلوغ إلى حد لا يجوز تأخره بخروج وقته. و لا إطلاق فيه على وجه يزاحم دليل الوقت أيضا، إذ هو في مقام دفع توهم التعجيل، الراجح لحفظ أوقات الفضيلة، لا لبيان تشريع توسعة الوقت للصلاة، كما لا يخفى.
و يجمع بينهما بأذان و إقامتين بلا صلاة نافلة بينهما، و في النص:
«صلاة المغرب و العشاء يجمع بأذان واحد و إقامتين، و لا تصل بينهما بشيء» (7).
1) جواهر الكلام 1: 62.
2) وسائل الشيعة 10: 39 باب 5 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 2.
3) وسائل الشيعة 10: 39 باب 5 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 1.
4) المبسوط 1: 366.
5) كشف اللثام 1: 358.
6) وسائل الشيعة 10: 39 باب 5 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 3.
7) وسائل الشيعة 10: 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 3.
و في آخر: عن ركعات النافلة بعد المغرب؟ قال: «صلّهما بعد العشاء» (1)، و ظاهره يوهم عدم مشروعية الأذان الثاني، و النافلة بعد المغرب.
و لكن أمكن حمل الأمر في أمثال المقام على دفع توهم تأكد الفضل، و انّ الأفضل الصلاة بعدهما، لا لدفع أصل المشروعية، كي يلازم وجوب الجمع المزبور، فرارا عن التشريع.
و الأصحاب أيضا فهموا ما ذكرنا، و لذا جعلوه في زمرة الآداب و المستحبات، و لقد أشرنا إلى نظيره في الجمع بين الصلاتين بعرفة. و لكن الجمع هنا لا يقتضي أزيد من ترك الأذان الثاني، و أما تأخير النافلة فلا.
و يمكن حمل تأخير النوافل في المقام على قضائهما لفوت وقتهما عند البلوغ الى جمع غالبا، و حينئذ وجه تأخره أحقية ذي الوقت بوقته.
بنحو تقدّم في سائر المناسك لعباديته كغيره إجماعا.
و الكون فيه من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، أما الأول فلصحيح معاوية: «أصبح على طهر بعد ما تصل الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل، و إن شئت حيث تبيت، فإذا وقفت فاحمد اللّٰه، إلى آخره» (2).
و في اقتضاء النص المزبور الاستيعاب من طلوع الفجر نظر، بل ظاهر الأمر بالوقوف بعد الصلاة، كون بدو وجوبه بعدها، كما هو الشأن في الوقوف بعرفة. و لا ينافي ذلك كون صلاته في الجمع، لعدم اقتضاء ذلك دخول وقت صلاته في الوقت الواجب.
نعم ربما يستفاد منه عدم جواز الاكتفاء به قبل الفجر، لظهور الأمر
بالوقوف بعد الصلاة في الوجوب تعيينا، و بعد وحدة المطلوب يقتضي ذلك تعيينه عليه عند الاختيار و التمكن.
و ربما يدل عليه أيضا ما في خبر مسمع من قوله- فيمن أفاض عن جمع قبل إفاضة الناس-: «إن كان جاهلا فلا شيء عليه، و إن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» (1)، بناء على ملازمة الكفارة في غير الصيد للإثم، و لو بقرينة فهم الأصحاب. و دلالته على الاجتزاء بالوقوف ليلا في صحة الحج لا ينافي وجوب هذا الوقوف أيضا تعيينا، غاية الأمر لا يكون ركنا فلا يجتزئ بالوقوف الليلي اختيارا عن الخروج عن عهدة الواجب، فيترتب عليه الإثم، كما هو الشأن في سائر الواجبات غير الركنية.
نعم مع عدم الوقوف ليلا بمسمّاه، لا بد من حفظ الركن بمسمّى الوقوف في هذه القطعة، لعموم «من أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج».
و من ذلك يستفاد أيضا عدم الاكتفاء في امتثال الواجب- اختيارا- بعد طلوع الفجر، للجزم بصلاحية ما هو واجب من الوقوف، ان يقع مصداقا لما هو ركنه. فبعد عدم إدراك الحج، بالوقوف بعد الشمس، يستكشف عدم وجوبه أيضا رأسا في حق المختار.
و ما في جملة من النصوص، المشتملة على أن درك الحج بدرك جمع الى زوال يوم النحر، فهو منزّل على من لم يتمكن من وقوفه الاختياري إجماعا، و سنشير إليه أيضا عن قريب إن شاء اللّٰه.
فتلخص مما ذكرنا: انّ المستفاد من مجموع النصوص، هو كون الركن من هذا الوقوف من الليل الى طلوع الشمس، و الواجب منه غير الركني، من بعد
1) وسائل الشيعة 10: 49 باب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 1.
الفجر، بمعنى عدم الاجتزاء عنه بالوقوف قبله، كما لا يجتزئ عنه بالوقوف بعد طلوع الشمس.
يبقى الكلام في لزوم استيعاب الوقوف من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، كما هو المنسوب إلى جل الأعاظم، أم لا يجب تعيينا زائدا عن الركن، الذي دائرته أوسع منه، بل الواجب المزبور غير الركني، المنطبق عليه الركن أيضا أحيانا، هو المسمّى من الوقوف ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس.
قلت: قد أشرت، سابقا إلى أنّ لزوم الاستيعاب من طلوع الفجر، خلاف ظاهر نص معاوية السابق، كما انّ لزوم الاستيعاب إلى طلوع الشمس أيضا خلاف ظاهر الموثقة، المشتملة على قوله «قبل أن تطلع الشمس بقليل لغير الامام»، بل و ظاهر المرسلة المشتملة على «انه ينبغي للإمام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس، و سائر الناس إن شاءوا عجّلوا، و إن شاءوا أخروا».
و يؤيده النهي عن تجاوز وادي محسر قبل طلوع الشمس، بناء على حمل التجاوز عن الوادي، تجاوزه عن تمامه، لا التجاوز عن حده الملاصق بالمشعر، الملازم لدخوله، بل يكفي لنفي لزوم الاستيعاب من الجانبين أيضا الأصل، فلا يجب بين الطلوعين أيضا إلّا المسمّى، كما هو مختار الجواهر (1)و جمع آخر.
نعم قد يدعى في قبال ما ذكرنا- من وجوب الوقوف بين الطلوعين للمختار- احتمال جواز الاكتفاء للمختار بالوقوف الليلي، مستندا إلى ما في صحيحة هشام من قوله: «و المتقدم من المزدلفة إلى منى يرمون الجمار و يصلّون الفجر في منازلهم بمنى لا بأس» (2)، علاوة على إطلاق «من أدرك المشعر قبل
طلوع الشمس» الشامل للإدراك ليلا، مضافا إلى عدم اشتمال رواية مسمع (1)للرجوع مع التمكن، تحصيلا للوقوف فيه بين الطلوعين، و اليه- أيضا- ذهب بعض الأجلة، كما هو في الجواهر (2).
و لكن لا يخفى ما في الأول، من انّ الظاهر كونه في مقام بيان وظيفة المتقدّم، و أما من كان وظيفته التقدّم، فليس النص المزبور في مقام بيانه.
و بعبارة أخرى: غاية دلالة النص هي: أنّ من تقدّم يفعل كذا، و أما أن تقدمه مشروع فلا يستفاد من النص، فلو جمع بينه و بين رواية مسمع، من قوله «عليه دم شاة» لا يرتاب أحد في حرمة تقدمه.
نعم لا بأس للضعفاء من الرجال الذين يخافون على أنفسهم، و هكذا المرأة، كما سيأتي.
و أما عدم تعرضه للرجوع فغاية الأمر كان سكوته بمنزلة الإطلاق، و هو يتقيد بالأمر بالوقوف تعيينا بعد الصلاتين، كما في النص السابق.
و أما خبر «من أدرك» فإطلاقه لا يقتضي إلّا التوسعة في الركنية، و نحن أيضا نقول بمقتضاه، و لا دلالة فيه على نفي وجوب شيء آخر لا ينوط به درك حجه بتمام مراتبه، و لو للمختار إجماعا كما أشرنا.
و لو فاته الوقوف بين الطلوعين لضرورة، فإلى الزوال يقف، و ذلك لأنّ مقتضى الجمع بين ما دل على تحديد درك الحج بطلوع الشمس، و بين ما دل على تحديده بالزوال، حمل الأخير، على المضطر، و الأول على المختار، لأظهرية كل واحد في مورده.
لكنّ الإنصاف انّ العمدة في هذا الجمع فهم المجمعين، و لو لا الإجماع المزبور لكنا نقول بحمل الأول على الفضيلة، و الأخير على الاجزاء.
ثم مع الغض عن ذلك فلا دلالة فيه على وجوب درك جمع بعد الشمس، حتى لمن أدرك جمعا بمسماه ليلا، لعدم شمول إطلاقه له. و ما في النص أيضا من الأمر بالرجوع إلى جمع أو المشعر لمن أتى من عرفات إلى منى، و لو في ارتفاع النهار، فغير مرتبط بمورد الكلام، إذ ظاهره عدم وقوفه فيه ليلا أيضا.
و أيضا، لا دلالة فيه على وجوب الاستيعاب إلى الزوال في وقوفه، بل الأصل يقتضي الاكتفاء بالمسمّى، المتحقق به الركن في المقام أيضا، كما هو الشأن في الاختياري على المختار.
و عليه فملخص ما يستفاد من مجموع أدلة الباب، هو أنه لو لم يتمكن- لعذر- من إدراك اختياري المشعر، و لا إدراك مسمّاه فيه ليلا، وجب الوقوف في المشعر من طلوع الشمس إلى الزوال بمسمّاه لا مستوعبا. و أما في غير هذه الصورة فالأصل البراءة عنه، لعدم وفاء دليل بوجوبه، لعدم دليل يفي بلزوم الاستيعاب، و لو قلنا به في اختيارية، فضلا عما لو لم نقل فيه.
و حينئذ ليس حال اضطراري الموقف حال اختيارية في وجوبه و إن أدرك الركن في ليله، و لم أر في كلماتهم ما تعرض لهذه الجهة، و إن كان إطلاق الوقت عليه اضطرار بدل الاختياري يوهم جريان حكمه فيه، و لكن النصوص الواردة غير وافية، لإثباته. فإن تم في مثله إجماع على المماثلة للوقت الاختياري من جميع الجهات فهو، و إلّا فالنظر فيه مجال.
ثم إنّ في الاكتفاء في درك الحج بدركه حتى مع فوت وقوفي عرفة كلام آخر تقدّم شطر منه، و لا نعيده لعدم المجال.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه أنه لو أفاض قبل الفجر عالما
عامدا كفّر بشاة، لنص مسمع المتقدّم، و هو مشتمل على نفي الشيء على الجاهل المنصرف في المقام إلى القاصر. و يلحق به الناسي، لعموم التعليل بالعذرية في بعض النصوص السابقة في الوقوف بعرفة، الجارية في المقام أيضا، و صح حجه حينئذ، لظهور النص المذكور فيه. و منه أيضا استكشفنا التوسعة في ركنية هذا الوقوف، بعدم اختصاص مسمّاه الركني، بخصوص بين الطلوعين، و إن وجب هو أيضا مستوعبا أو بمسماه بينهما، على الخلاف المتقدّم.
و هذا الوقوف الليلي يفي بصحة حجه و إن كان وقف بعرفات و لو الاضطراري منه عند المصنف و جماعة، و لكن المختار- وفاقا لجمع آخر- كفايته مطلقا، خصوصا في المقام الذي يكون في أصل ركنيته اختياريا، و إن كان في أصل وقوفه اضطراريا، لفحوى ما ورد في الاجتزاء به في حق الضعاف من بني هاشم، الجاري في كل مضطر، بالمناط و عدم الفصل.
و يجوز للمرأة و الخائف الإفاضة قبله أي قبل الفجر، للنص المشتمل على الأمر بتعجيل ضعفاء بني هاشم بالليل (1). و بمناط الضعف الملازم غالبا لخوف التلف يتعدّى إلى كل مضطر، و لو من غير هذه الجهة.
و بهذه الملاحظة نلتزم بكونه من الأوقات الاضطرارية، كما انّ في المرأة أيضا ورد نص مخصوص مشتمل على قوله: «فأفض بهن بليل كما صنع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله» (2)، و إطلاقه يقتضي كونه موقفا اختياريا لهم، و عليه الفتوى أيضا.
و حد المشعر ما بين المأزمين إلى الحياض إلى واد محسر بلا اشكال فتوى و نصا، و في صحيحة معاوية التصريح بما يوافق المتن (1)، و بمعناه نصوص اخرى (2).
و هذا الوقوف بمسمّاه ركن من الليل إلى طلوع الشمس من يوم النحر للمختار، و إلى زوال الشمس للمضطر، لما عرفت من بنائهم على الجمع بين التحديد بطلوع الشمس أو الزوال بذلك و لو للإجماع المتقدّم، و لنا في هذا النحو من الجمع نظر و اشكال.
فمن تركه ليلا و نهارا عمدا بطل حجه، لمفهوم «من أدرك»، لأنّ الموصول في المقام متضمن للشرطية، نظير «من أدرك» في باب الصلاة. مع أنه مقتضى وحدة المطلوب أيضا و إن لم نقل بالمفهوم.
و لو كان ناسيا و أدرك عرفات و لو باختياريها فقط صح حجه، خلافا لبعض آخر في الأخير، تقدّم الكلام فيه. و يلحق بالناسي في المقام الجاهل، و ذلك لخبر مسمع، إذ الجهل هنا عذر عن ترك الواجب غير الركني منه، و لا يلازم ذلك عذريته في ركنيته أيضا، بل العمدة فيه عموم التعليل بالأعذرية السابقة، مضافا إلى النص المذكور في الرياض (3)، الصريح في عدم الإضرار بالجهل، فالاحتياط لا يترك.
إنه قد تقدّم أنّ وقت الوقوف الاختياري بعرفات من زوال الشمس يوم عرفة إلى غروبها.
و الاضطراري منه إلى الفجر من يوم النحر.
و وقت الوقوف الاختياري بالمشعر من طلوع الفجر يوم النحر الى طلوع الشمس مع التوسعة في ركنيته، حيث إنّ وقته من أول الليل الى طلوع الشمس.
و الاضطراري منه إلى الزوال من يوم النحر.
فإن أدرك أحد الموقفين اختيارا وفاته الآخر لضرورة، مع درك اضطرارية أولا صح حجه إجماعا في الأول، و على المشهور في الثاني.
و إن أدرك الاضطراريين معا بلا درك اختياري واحد منهما فاته الحج على قول، خلافا للمشهور، مع ضعف مستنده، كما تقدم.
و أما لو أدرك أحدهما أي أحد الاضطراريين، فإنه يبطل حجه إجماعا عند المصنف، و قد حكى كاشف اللثام هذا القول عن ظاهر أبي علي (1)، بل عن المدارك أيضا: الاكتفاء باضطراري المشعر فقط (2)، كما أشرنا إليه سابقا، فراجع.
و قد عرفت منا أيضا إتمام الدليل على الاكتفاء بأي واحد منهما، نظرا إلى ما هو الأقرب من أنحاء الجمع، بحمل نفي الحج- بفوت عرفة- على نفي الكمال.
و لا أقل من الشك في كيفية أنحاء الجمع بين النصوص، فترجع المسألة إلى الشك في الشرطية أو الجزئية فالأصل البراءة.
و يحل بعمرة مفردة بلا اشكال فيه في الجملة، و في النص: «أيما حاج سائق للهدي، أو مفرد
للجمع، أو متمتع بالعمرة إلى الحج قدم و قد فاته الحج، فليجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل» (1). و في اقتضاء الأمر وجوب ذلك، الملازم لعدم جواز بقائه على إحرامه إلى القابل إشكال، لإمكان حمله على دفع توهم وجوب إتمام حجه، و لو ببقائه على إحرامه إلى السنة الآتية، فلا يستفاد من مثل هذا الأمر تعيين التحلل بعمرة مفردة فعلا، و إن ذهب إليه بعض.
نعم في الأمر بجعل ما بيده عمرة، ظهور في مشروعية عنوان العمرة في حقه، و لازمة قصد العدول في امتثال أمره، و إن لم يكن عنوانه من الحقائق القصدية كالظهرية في الصلاة، إذ بعد فرض احتياج كل عبادة إلى قصد امتثال شخص أمره، ففي المقام، بعد ما قصد في إحرامه- الذي هو أحد مناسك حجه و عمرته- امتثال أمر حجه، فتبديله الى امتثال أمر العمرة، يحتاج إلى العدول في نيته، و هذا العدول حينئذ على خلاف القاعدة، المحتاج إلى قيام الدليل، و إلّا فلا يصلح مثل هذا القصد لتغيير ما وقع، عما هو عليه، و لذلك كان النص الوارد في المقام على خلاف القاعدة.
نعم لو كان الغرض من الأمر بجعله عمرة، إيجاد محللات العمرة، من الطواف قبل الوقوفين و غيره، لم يحتج هذا المقدار الى قصد العدول، إذ لا يراد حينئذ إلّا إيجاد مناسك مخصوصة، بعنوان عبادية نفسها، بلا احتياج إلى إيجادها بعنوان كونها عمرة عبادية.
و حينئذ أمكن كون النص وفق القاعدة، لو بنينا على إطلاق محللية المناسك المخصوصة عن كل إحرام وقع صحيحا. لكن الكلمات لا تساعده، علاوة على انّ التحقيق خلافه، إذ من المعلوم انّ اختلاف محللات الاحرامات، يكشف عن اختلاف مراتب الإحرام، على وجه لا يتحلل
1) وسائل الشيعة 10: 65 باب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 1.
بعضها بصرف الطواف و التقصير قبل الوقوفين، و بعضها يتحلل به.
و هذا الاختلاف لا بد أن يكون إما ناشئا عن خصوصية وقوعه في المواقيت الخاصة، أو ناشئا عن قصد كونه إحرام عمرة أو حج.
و لا مجال للمصير إلى الأول، إذ كثيرا ما يكونان من حيث الميقات أيضا متحدين، و مع ذلك يختلف المحلل، كإحرام العمرة المفردة لمن يمر على أحد المواقيت، أو عن أدنى الحل مع إحرام العمرة المتمتع بها للعابر عن أحدها، أو كان ناسيا على وجه يكون تكليفه العود إلى أدنى الحل. فإنّ هاتين العمرتين متحدان ميقاتا، و مع ذلك مختلفان محللا، كما لا يخفى. فلا محيص عن دعوى كون الاختلاف المزبور ناشئا عن قصد إحرامه لعمرة مفردة أو المتمتع بها.
و لأن أبيت عن اختلاف مراتب الإحرام، فلا محيص لك عن دعوى كون اقترانه بالقصد الخاص أوجب الاختلاف في كيفية الإحلال منه.
و على أي تقدير، لا تصلح محللات العمرة أن تكون محللات عن إحرام قصد كونه للحج، فالحكم بجعل العمرة بالمعنى المزبور في النص يرجع إلى الاكتفاء بمحللات العمرة عن إحرامه الحجي، و هو أيضا خلاف قاعدة أخرى، محتاج الى قيام دليل على مثله، فالنص المزبور حينئذ وارد على خلاف القاعدة مختص بالمورد، فلا يتعدّى حينئذ إلى غيره، و لذا لا أظن أحدا يلتزم بأنّ من أحرم بالحج، له أن يتحلل بمحللات العمرة عند تمكنه من إتمام حجه، و هكذا العكس.
و بعد ما اتضح ذلك لا يبقى مجال لإرجاع النص إلى مقتضى القواعد، فلا بأس حينئذ بالأخذ بظهور «يجعل ما بيده» عمرة عبادية محتاجة إلى قصد عدوله من امتثال شخص أمره إلى أمر آخر، كما هو ظاهر، و على ما ذكرنا أيضا جل من الأعاظم كما لا يخفى على من راجع.
هذا، و كيف كان، بعد ما جعل ما بيده عمرة يقضي الحج في
القابل مع الوجوب، امتثالا لأمره.
بالمشعر بعد الصلاة، لما تقدّم في النص السابق.
و يستحب أيضا الدعاء بالمأثور، للنص المزبور الذي ورد الأمر فيه بالدعاء بعد الوقوف.
و كذا يستحب وطء المشعر بالرجل للصرورة، و عن الحلبيين إطلاقه (1)، و لكن في الصحيح: «يستحب للصورة أن يقف على المشعر الحرام و يطأه برجله» (2). و عن بعض: أو يطأه برجله، و في الجواهر وجّهه بجعل الواو بمعنى «أو» (3)، و في نسخة الرياض الموجودة عندي ذكر كلمة أو في مقام ذكر النص، و لعله بملاحظة موافقته لفتوى من ذكرنا.
و على أي حال ففي النص تخصيص الحكم بالصرورة، فلا وجه للإطلاق كما لا يخفى.
و الصعود على قزح، و ذكر اللّٰه عليه كما روته العامة عن الصادق عن أبيه عن جابر: انّ النبي ركب القصوى الى آخره (4)، المشتمل على مضمون ما في المتن، و مع التسامح في أدلة السنن يكفي ذلك و لا بأس به رجاء.
، لما في النص: «خذ
حصى الجمار من جمع، و إن أخذته من رحلك بمنى أجزأك» (1).
و يجوز أخذ الحصاة المزبورة من أي جهات الحرم كان عدا المساجد التي في الحرم، و في النص: «يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلّا من المسجد الحرام و مسجد الخيف» (2)، و لا إطلاق فيه على وجه يشمل بقية المساجد، و لذا ذهب بعضهم الى تخصيص الحكم بهما.
و قيل: مبنى القائل بإطلاق المساجد حرمة إخراج الحصى منها، و ذلك أيضا تضييق لدائرة التكليف، و إلّا فالوضع لا يتضيق به، بناء على كون الرمي ضد المأمور به، فتدبّر.
و يستحب أن تكون برشا بقدر الأنملة، كحلية، منفصلة، ملتقطة، لما في النص من الأمر بالأخذ من البرش و كره الصم منها (3).
و في نص آخر: بقية القيود (4)، فراجع إلى الجواهر ترى نصه كما حكينا (5).
أمور، و مقتضى ذلك عدم كون نفس الوقوف بها واجبا إلّا من باب المقدمة. نعم عدا الكون بها ليالي التشريق- حسب ما يجيء الكلام فيه- فإنه واجب نفسي و على أي حال فتلك الأمور:
على المشهور، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه (1). و طعن على من نسب الخلاف إلى الشيخ، بأنّ مراده من السنة كونه مأخوذا منها لا أنه ندب.
و بالجملة فيكفي ظهور الأمر فيه في النص بقوله: «ثم ائت الجمرة القصوى فارم بها» (2). و هكذا في نصوص اخرى (3)، مع عمل الأصحاب بظاهرها، فيكفي هذا المقدار لإثبات الوجوب.
و لا بد أن يكون بسبع حصيات، لما في رواية أبي بصير من الأمر بأخذ واحدة تتميما لما في يده من الست (4).
و أن تكون ملتقطة من الحرم غير المساجد، على خلاف في غير مسجد الحرام و الخيف، كما تقدّم.
و لتكن الحصيات أبكارا، لما في النص من النهي عن أخذ حصى الجمار و من خارج الحرم (5).
و أن يكون مع النية المقارنة لحين الرمي لا حين الإصابة إلى الجمرة، لأنّ الرمي عبادة محتاجة إليها.
و يعتبر فيه أصابه الحصاة إلى الجمرة بفعله بما يسمّى رميا، فلا يجزئ غيره، لظاهر الأمر به، المنصرف إلى هذه الخصوصيات.
و في النص أيضا: «فإن رميت بحصاة فوقعت في المحمل فأعد مكانها» (6)،
1) السرائر: 143.
2) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة.
4) وسائل الشيعة 10: 218 باب 7 من أبواب العود إلى منى حديث 2.
5) وسائل الشيعة 10: 53 باب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 1.
6) وسائل الشيعة 10: 72 باب 6 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
و إطلاقه يشمل ما لو أصابت الجمرة بعده بحركته.
و لكن في قباله ما في ذيله: «فإن أصابت إنسانا أو جملا ثم وقعت على الجمار أجزأك»، و بذلك يقيّد إطلاق الصدر.
نعم لو لم تصدق أصابته إليها برميه لم يجز، و لا يجزئ أيضا لو قصرت حركته فأصابتها بتحريك غيره، لعدم صدق أصابتها برميه. كما انه لو شك في الإصابة فالأصل العدم، فيعيد كما هو الشأن لو شك في العدد حين التشاغل به. و مع صدق التجاوز عنه- و لو بالدخول في فعل آخر مرتب عليه- فيبني على وجوده لقاعدة التجاوز. كما انه لو شك في انه وقعت السبعة بدفعات أو مرة، بعد صدق الفراغ عنه، يبني على الصحة.
و يعتبر فيه أيضا أن يكون متعاقبا و إن كانت الإصابة مرة، و لا يجدي العكس، للشك في اندراج الثاني في الدليل، بخلاف الأول، لشمول الإطلاق له، كما لا يخفى.
و يستحب أن تكون الحصاة رخوة غير صلبة، و في النص: «كره الصم منها» (1)، و في اقتضائه استحباب الرخوة نظر.
و أن تكون برشا قدر الأنملة ملتقطة، لا مكسرة، و لا صلبة، كل ذلك لما عرفت وجه بعضها سابقا. و أما عدم الكسر فلرواية أبي بصير (2)، بناء على كون الغرض من النهي عن كسره عدم الرمي بمكسوره، و إلّا فلا يرتبط بالمدعى.
و يستحب الدعاء عند كل حصاة، لما في النص من قوله:
«و تقول- و الحصى في يدك-: اللهم .. الى آخره» (1).
و الطهارة حال الرمي، لما في النص: «يستحب أن يرمى الجمار عن طهر» (2).
و التباعد بين الرامي و المرمى إليه بمقدار عشرة أذرع إلى خمسة عشرة ذراعا، لحسنة معاوية، المشتملة على نظير ما في الكتاب، من قوله عشرة أذرع أو خمسة عشر (3). و يمكن حمل الترديد على بيان مراتب الفضيلة، و يمكن أن يكون لبيان حدي الأقل و الأكثر في أصل الفضل.
و في نص آخر: التعبير بالخطوة (4)، و هو قريب منه.
و أن يكون الرمي خذفا، و في النص: «تخذفهن- أي الحصاة- خذفا» (5).
و أن يستقبل هذه الجمرة و يستدبر القبلة، لما حكي عن الشيخ:
انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فعل هكذا (6).
و في حسن معاوية: «فارمها من قبل وجهها و لا ترمها من أعلاها» (7).
و في غيرها يستقبلهما، أما استقبال الجمرة فلانصراف الإطلاقات إليه، و أما استقبال الكعبة فإنه خير المجالس. و في الجواهر: لم نقف على رواية بالخصوص عدا المرسلة (8)، و الأمر فيه بعد التسامح في الأدلة سهل فلا بأس
1) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
2) وسائل الشيعة 10: 70 باب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 3.
3) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة.
5) وسائل الشيعة 10: 73 باب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
6) المبسوط 1: 369.
7) وسائل الشيعة 10: 70 باب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
8) جواهر الكلام 19: 112.
به رجاء.
و يجوز الرمي عن العليل بلا اشكال مع بقاء العلة إلى آخر وقته، قيل: و كذا مع عدمه، لإطلاق النص و الفتوى. و في النص: «الكسير و المبطون يرمي عنهما، و الصبيان يرمي عنهم (1).
و في الموثقة: «المريض يرمى عنه الجمار» (2).
و في شمول إطلاقها لصورة العلم بالبرء في يومه الذي هو وقته نظر، لانصراف الإطلاقات المزبورة- بحكم الغلبة- إلى صورة البقاء في تمام اليوم، كما سيجيء في محله.
و حينئذ فلو لا استفادة الإجماع من إطلاق الكلمات لمثل هذه الصورة، كان للنظر، فيه مجال، كما هو الشأن في غير المقام.
و أيضا إطلاقها يقتضي عدم شرطية الاستئذان، بل المقام من باب النيابة الجعلية الإلهية. و في النص أيضا: «يرمي عن المغمى عليه» (3). و في اقتضائه الاجزاء مع كشف التمكن في خارج الوقت وجه، للإطلاق المنصرف إلى بيان وظيفته، التي بإتيانها كان يسقط تكليفه، و إن كانت القاعدة الأولية لا تقتضي الاجزاء، لعدم كشف مثل هذه الأوامر عن البدلية التامة.
و لو لا نظرها إلى حيث إسقاط الوظيفة رأسا، و لو بتفويت محلها على وجه لا يبقى مجال للتدارك، كان لإطلاقاتها الأولية في وجوب القيام بها مع التمكن مجال.
و الشاهد على ما ذكرنا عدم جواز تحصيل العذر و تفويت الاختيار، و لو
كان وافيا بتمام مراتب المبدل، و لو كان في ظرف الاضطرار جائزا له.
و من ذلك نقول بأنّ الأجزاء في أمثال المقام، على فرض ثبوته لا بد أن يكون من باب تفويت محل التدارك، لا من باب الوفاء بتمام المصلحة المتداركة. و لا ينافي ذلك أيضا جواز اقدامه بالفعل الاضطراري، حتى مع علمه بطروء الاختيار في الوقت، على القول به، لإمكان قيام مصلحة في ترخيص التفويت لما زاد بتعجيله. غاية الأمر كل ذلك يحتاج إلى دليل واف بإطلاقه لجميع المراحل.
و لقد أشرنا في بعض مسائل الصلاة، إلى أن بناء الأصحاب في كلية الصلوات الاضطرارية، بل و كذلك في الصوم، على الأجزاء و عدم وجوب القضاء بعود التمكن. و لا يبعد دعوى إلحاق باب الحج أيضا بهما من تلك الجهة.
و لعل نظرهم إلى استفادتهم من إطلاقات الأوامر الاضطرارية الواردة في المواقع الخاصة، كونها في مقام بيان الوظيفة المسقطة لما في عهدة المكلف من التكليف، فتدبر في أمثال المقام.
ثم انّ للرمي أحكاما أخر ستجيء عند الرجوع إلى منى بعد الطواف و السعي، و سنعرضها عند كلام المصنف إن شاء اللّٰه.
و يجب الرمي ثم الذبح مرتبا كترتب الحلق على الذبح أيضا، بلا إشكال في أصل الوجوب.
أمّا الوجوب فلنص سعيد الأعرج، المشتمل على قوله: «من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، و إن تمتع في غير أشهر الحج ثم تجاوز مكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم (1).
1) وسائل الشيعة 8: 195 باب 10 من أبواب أقسام الحج حديث 1.
و في نص آخر: «عليه- أي على المتمتع- الهدي»، فقلت: و ما الهدي؟
قال: «أفضله بدنه، و أوسطه بقرة، و أخسه شاة» (1).
و أما الترتيب المزبور، فنسب إلى أكثر المتأخرين، و عمدة ما دل على الترتيب بين الرمي و الهدي قوله في نص سعيد السمان: «فأمر من كان عليها منهن هدي أن ترمي و لا تبرح حتى تذبح» (2).
و في نص آخر: «فيرمين الجمرة ثم يصبرن ساعة ثم ليقصرن» (3).
و في ثالث: «فيرمين الجمرة، فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن» (4). فمفهومه دال على تقديم الذبح على التقصير، بل في نص آخر:
التصريح به، حيث قال: «إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك» (5).
و مع ذلك كله ذهب جماعة إلى عدم وجوب الترتيب، منهم صاحب الرياض (6)، بل و عن العلّامة في المختلف أيضا (7). مستندين في ذلك إلى ما في خبر أحمد بن محمد بن أبي نصر المشتمل على قول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لا حرج» (8)فيمن قدّم ما لا ينبغي تقديمه، و أخّر ما لا ينبغي تأخيره من الأمور الثلاثة. و ترك الاستفصال يكشف عن إطلاقه لحال العمد أيضا.
و توهم صرف نفي الحرج في الرواية إلى ما توهمه السائل، من بطلان حجهم بعد علمهم ذلك، مدفوع بأنّ إطلاقه يقتضي الترخيص فيما فعلوا، و هو
1) وسائل الشيعة 8: 183 باب 5 من أبواب أقسام الحج حديث 3.
2) وسائل الشيعة 10: 51 باب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 5.
3) وسائل الشيعة 10: 51 باب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 7.
4) وسائل الشيعة 10: 67 باب 1 من أبواب رمي جمرة العقبة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 10: 177 باب 1 من أبواب الحلق و التقصير حديث 1.
6) رياض المسائل 1: 389.
7) المختلف: 303.
8) وسائل الشيعة 10: 140 باب 39 من أبواب الذبح حديث 6.
كاشف عن جوازه، و بمثل ذلك أمكن رفع اليد عن النهي عن العود في نص آخر، و عن النصوص السابقة، بالحمل على الفضيلة.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ الأمر دائر بين هذا الجمع و جمع آخر، بالتزام التقييد في إطلاق نفي الحرج، و صرفه إلى نفي اعادة العمل، و عدم الضير بالمخالفة عمدا، كما عليه الأصحاب أيضا، عدا النادر.
و مع الدوران يرجع الأمر إلى التعيين و التخيير، و قاعدة الاشتغال تقتضي الترتيب.
و على أي حال لا إشكال في عدم ركنية الترتيب المزبور، فلو تركه عمدا لا ضير فيه، لصحيح ابن سنان المشتمل على نفي البأس، و النهي عن العود لمثل ذلك (1). و الأمر بإمرار الموسى بعد الحلق (2)، محمول على ضرب من الندب.
كما انّ التمسك بالآية الشريفة (3)أيضا كاشف عن أصل الترتيب، لا على وجوب العود.
و لكن الظاهر أنّ التمسك بها كان لعوده، و حينئذ حمل ذلك على الندب- بقرينة نفي البأس- يضر بدلالة الآية أيضا.
و هو أي الذبح عبارة عن الهدي على المتمتع خاصة في الفرض و النفل، و يدل عليه نص سعيد (4)السابق. و إطلاقه يشمل الفرض و النفل، و نظيره في نفي الوجوب عن غيره ما في خبر إسحاق، من قوله «و إن لم يكن متمتعا لا يجب عليه الهدي» (5).
و ما في صحيح العيص في رجل اعتمر في رجب، قال: «إن أقام بمكة حتى يخرج منها حاجا فقد وجب عليه الهدي» (1)، محمول على إقامته فيها ليحج متمتعا بعمرة جديدة في أشهرها، و لو بقرينة ذيله، و إلّا فيطرح باعراض المشهور، الموهن لسنده، أو جهته الموافقة العامة. و ذلك أيضا لو لا حمله على الاستحباب، بقرينة النصوص النافية.
و أيضا إطلاق النصوص السابقة يشمل المكي المتمتع أيضا. و توهم رجوع الإشارة في الآية الشريفة إلى الهدي، خلاف النصوص المفسرة لها بالتمتع، فتوهم سلار حينئذ (2)في غير محله كما لا يخفى.
و للمولى إلزام المملوك، بالصوم أو أن يهدي عنه بلا اشكال، و في الصحيح: «فمره فليصم، و إن شئت فاذبح عنه» (3)، و نظيرها غيرها (4).
و ما في خبر علي بن حمزة من أمر المولى بالذبح عنه (5)، محمول- بقرينة السابقة- على الندب.
فإن أعتق قبل أحد الموقفين لزمه أي العبد المعتق الهدي مع القدرة و إلّا صام، لارتفاع المانع، بل و في القواعد: لو أعتق قبل صومه لزمه الهدي و إن لم تكن حجته حجة الإسلام (6)، لما تقدّم من شرطية الحرية فيها.
و اختصاص الآية، الموجبة للهدي بحجة الإسلام نظر، بل إطلاق وجوب
الهدي على المتمتع مع تمكنه يشمله.
بنحو تقدّم، و أن يكون ذبحه بمنى بلا اشكال، و في نص الكرخي: «إن كان هديا واجبا فلا تنحره إلّا بمنى» (1).
و ما يستفاد من بعض النصوص من جواز نحره بمكة (2)، مطروح أو مؤول بالندب، لإعراض الأصحاب عن ظاهرها.
و ليكن ذلك في يوم النحر بلا اشكال فيه، بمعنى عدم جواز تقديمه عليه، لكونه من مناسك منى، المعلوم نزولهم فيها يوم النحر، و في كشف اللثام: دعوى الإجماع عليه (3).
و أما بمعنى عدم جواز تأخيره، ففيه خلاف، فعن المشهور تعيين يوم النحر للناسي بقوله «خذوا عني مناسككم» (4)، و في النص أيضا في سياق الهدي «إن كان أشعر أو قلّد فلا ينحره إلّا يوم الأضحى» (5)، بانضمام عدم القول بالفصل بينه و بين الهدي الواجب من تلك الجهة.
و مع ذلك كله فعن المصباح التصريح بجواز التأخير طول ذي الحجة، و أن يوم النحر أفضل، و لكن في النص: «النحر بمنى ثلاثة أيام، فمن أراد الصوم لم يصم حتى تمضي الثلاثة» (6).
و في آخر: الأمر بالصوم يوم النفر، معللا بأن «أيام الذبح قد مضت» (1).
و في الجواهر: يمكن أن تكون أيام النحر في منى أربعة- إلى قوله- فإن أخر عنهن مختارا أثم (2).
و نظره إلى ما ورد من الأمر بالذبح في عشية اليوم الثالث لواجد الهدي.
و في النص أيضا: عن الأضحى كم هو بمنى؟ قال: «أربعة أيام» (3).
و لا يخفى ما فيه من اختصاصه بالأضحية المستحبة، و لا يشمل الهدي الواجب. كما انّ النص غير شامل للمتمكن المختار، نعم نصوص الثلاثة كافية لإثبات مدعاه، بناء على حملها على ثلاثة التشريق، فإنها بضم العيد تصير أربعة، و لو بقرينة نفي الصوم فيها. و مؤيدا بحكمه بمضي أيام الذبح يوم النفر، الذي هو بعد ثلاثة أيام التشريق. و لا ينافيها الأمر للخائفة عن حيضها إن توكل من يذبح عنها، إذ لا يستفاد منها تعيين خصوص يوم النحر.
كما انه يمكن الجمع بينها و بين أدلة وجوب خصوص يوم الأضحى، بحملها على الفضيلة، و هو مقدّم على تقييد هذه بصورة العذر. و لا أقل من الدوران و إجمال الوقت من هذه الجهة، فيرجع الأمر إلى شرطية يوم النحر في الواجب، فالأصل البراءة عنه، و ليس المقام من صغريات التعيين و التخيير، كما لا يخفى.
نعم مقتضى الحكم بمضي أيام الذبح في يوم النفر تعيين وجوبه فيها، و حمل يوم النفر على خروج ذي الحجة خلاف الظاهر، و لأن أجمل هذا النص
من تلك الجهة فالتحديد في زمان الذبح بالثلاثة كاف لإثبات زمان الوجوب الذي يكون التأخير عنه موجبا للإثم.
و لكن الظاهر إطباقهم على الاجزاء طول ذي الحجة، و استدلوا بما دل على أنّ من لا يجد الغنم يأمر من يشتري عنه و يذبح، و إن مضى ذو الحجة أخّر ذلك إلى القابل (1).
و في آخر: في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت، فاشترى بمكة ثم ذبح (2)بناء على حمله على ذبحه بمنى. و فيه انّ غاية دلالتهما الاجتزاء بالذبح المزبور للمعذور، و أما المختار فلا يكون مورد هذه النصوص، فالعمدة في البين هو ظهور اتفاق كلماتهم، و فيه الكفاية.
الواجب بلا اشكال مع الاختيار و التمكن، و على المشهور حتى مع الضرورة، و في النص تارة: عن النفر تجزيهم البقرة؟ فقال: «أما في الهدي فلا، و أما في الأضحى فنعم» (3).
و في أخرى: «البقرة و البدنة تجزئ في الأمصار عن سبعة، و أما في منى فلا تجزئ إلّا عن واحد» (4).
و في قبالها ما اشتمل على قوله: «كنا نتمتع في عهد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و نشترك السبعة في البقرة أو البدنة» (5).
و في آخر: «تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إن كانوا من أهل خوان
واحد» (1).
و في ثالث: «تجزئ عن سبعة إذا اجتمعوا من أهل بيت واحد و من غيرهم» (2).
و في رابع: «الجذعة تجزئ عن ثلاثة من أهل بيت واحد، و المسنة تجزئ عن سبعة، و الجزور تجزئ عن عشرة متفرقين» (3).
و في خامس: «اشتركوا فيها»، قال: قلت: و كم؟ قال: «ما خف فهو أفضل»، فقال عن كم تجزئ؟ قال: «عن سبعين» (4).
و في جملة أخرى من النصوص التصريح في الأضحية (5)، و في بعض نصوص الأضاحي قوله «لا أحب ذلك إلّا من ضرورة» (6).
و لا يخفى انّ الأمر يدور بين حمل الاولى على الفضيلة، على مراتبها من حيث الضرورة و الاختيار أيضا بقرينة الأخيرة، بل و رواية فضيلة الأخف الدالة على أفضلية الانفراد بالفحوى، و بين حمل الطائفة الثانية على الأضحية، و تخصيص عدم الشركة بالهدي الواجب بإبقاء الأولى على ظهورها، و تخصيص الجواز بالضرورة، و لأهل خوان واحد، بملاحظة بعض المفاهيم في النصوص السابقة، مع ضم مفهوم دليل الضرورة في النص الأخير.
و فيه: إنّ دليل الضرورة مختص بالأضاحي، فلا يشمل المقام، فلم يبق في البين إلّا المفاهيم المزبورة، و لازمها تخصيص الجواز مطلقا لأهل خوان
1) وسائل الشيعة 10: 113 باب 18 من أبواب الذبح حديث 5.
2) وسائل الشيعة 10: 114 باب 18 من أبواب الذبح حديث 6.
3) وسائل الشيعة 10: 114 باب 18 من أبواب الذبح حديث 7.
4) وسائل الشيعة 10: 115 باب 18 من أبواب الذبح حديث 11.
5) وسائل الشيعة 10: 114 باب 18 من أبواب الذبح حديث 9- 12.
6) وسائل الشيعة 10: 114 باب 18 من أبواب الذبح حديث 10.
واحد. و هذا الاحتمال كالاحتمال الأول، لم يعرف له قائل بإطلاقه الشامل لحال الاختيار، فلا محيص، إما عن تخصيص الثانية بحال الضرورة، علاوة على التقييد بخوان واحد بالإجماع، أو عن حمل الثانية- بقرينة الطائفة الأخيرة- على الأضحية، و الثاني أولى كما صنعه في الجواهر (1).
من البقر و الإبل و الغنم، و في النص المتقدّم: «أفضله بدنة، و أوسطه بقرة، و أخسه شاة» (2)و عليه استقرت الفتاوى أيضا.
و يعتبر أيضا أن يكون ثنيا قد دخل في السادسة إن كان من البدن، و في الثانية إن كان من البقر و الغنم. و في النص: «يجزئ الثني من الإبل، و الثنية من البقر، و الثنية من المعز، و الجذعة من الضأن» (3).
و في جملة من النصوص: «إنّ الجذع من المعز لا يلقح، و الجذع من الضأن يلقح» (4)، و ذلك قرينة أصغرية الجذع من الثنية، و لذا حملوه على ما تم عامه.
و عن ابن إدريس: ما تم عليه ستة أشهر (5)، و رده في الجواهر بعدم السند (6).
و على أي حال تفسير العناوين المزبورة بما ذكر معروف كما عرفت، و عن بعض آخر تفسير الأخيرين بدخولهما في الثالثة، و الأصل مع الإجمال يقتضي
الاجتزاء بالأقل، كما لا يخفى.
و ظهر مما ذكرنا: انه يجزئ من الضأن الجذع لسنة.
و يعتبر أيضا أن يكون تاما، فلا تجزئ العوراء، و لا العرجاء، و لا المريضة، و لا مكسورة القرن من داخل، و لا مقطوعة الأذن. كل ذلك لما في الصحيح من قوله: «إلّا أن يكون هديا واجبا، فإنه لا يجوز أن يكون ناقصا» (1)، و المذكورات كلها من الناقص.
نعم لا بأس بمكسور القرن خارجا، لنصوص مستفيضة، مشتملة على نفي البأس عنه إن كان أصله صحيحا (2).
قيل: و كذلك لا بأس بمشقوق الاذن و مثقوبة، للنصوص الدالة على الاجتزاء بها، مثل ما في مرسل أبي بصير و غيره (3).
لكنها في الأضاحي، و التعدّي عنها إلى الهدي الواجب مشكل. فعموم عدم الاجتزاء بالناقص يقتضي عدم الاجتزاء بها. اللهم إلّا أن يدّعى انصرافها عنها، أو لا أقل من التشكيك، فيرجع إلى الشك في مانعية ذلك عن الصحة، و الأصل البراءة عنها.
و قيل أيضا بالاجتزاء بما لا قرن له خلقة و لا اذن أو لا ذنب كذلك، للأصل و الإطلاقات.
أقول: ذلك كذلك فيما لا قرن له، لعدم كونه ناقصا. و في غيره- خصوصا الأخير- إشكال، لعموم عدم الاجتزاء بالناقص، عرضيا كان النقص أم خلقيا.
و يعتبر أيضا أن يكون غير مهزول لخبر منصور في الهدي، و في ذيله «و إن اشتراه و هو يعلم انه مهزول لم يجز عنه» (1)، و هو المشهور بين الأصحاب أيضا.
و عن المصنف و جماعة تحديد الهزال بحيث لا يكون على كليتيها شحم، و سندهم فيه خبر الفضل، المشتمل ذيله على قوله: «إن كان على كليتيها شيء من الشحم فقد أجزأت» (2)، و لضعفه و إضماره طرحه بعضهم، و أخذ بما يسمّى عرفا كذلك.
و يمكن أن يكون التحديد المزبور أول مرتبة يسمّى بها مهزولا عرفا، و لا أقل من الشك في صدق المفهوم، لا في مصداقه. فالمرجع في الزائد عنه البراءة. نعم مع التشكيك في الأنقص منه أيضا يؤخذ بالأنقص للأصل المزبور، كما لا يخفى.
بلا خلاف، و يساعده فحوى ما دل على الإناث من الإبل و البقر، و الفحولة من الغنم، إذ بمثله يستفاد اعتبار المرغوبية فيها، فكلما ازدادت فيها جهة المرغوبية لسمن أو غيره كان أفضل على ما قيل.
و أن تكون مما قد عرّف بها (3)إناثا من الإبل و البقر، و ذكرانا من الضأن و المعز و في النص: «أفضل البدن ذوات الأرحام من الإبل و البقر، و قد تجزئ الذكورة من البدن، و الضحايا من الغنم الفحولة» (4). و هذا و إن
احتمل كونه لبيان صفات الأضحية، و لكن فحواه كاف في المقام جزما.
و قد يظهر عن بعض الأجلة عدم الاجتزاء بالذكورة من ثور أو جمل، و هو محجوج بالأصل و الإطلاقات، مع عدم مساعدة دليل على خلافها، بل في النص: «الذكور و الإناث من الإبل و البقر تجزئ» (1).
و الدعاء عند الذبح، لنص معاوية و صفوان (2).
و أن يأكل ثلثه، و يهدي ثلثه، و يطعم القانع و المعتر بثلثه الأخير صدقة، لما في النص من قوله: «كل ثلثا، و اهد ثلثا، و تصدّق بثلث» (3)و يحتمل حمل العبارة على إعطاء ثلث الهدية للقانع و المعتر. و حينئذ فثلثه الأخير للمسكين، على ما يستفاد من مجموع الآيتين، من قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ (4)، و قوله أيضا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ (5)، و في النص أيضا بهذا المضمون (6)، فراجع.
و لو فقد الهدي بأقسامه و وجد ثمنه خلّفه عند من يشتريه و يذبح طول ذي الحجة، و في الشرائع جعل انتقال فرضه الى الصوم أشبه (7)، و المشهور على الأول.
و يدل على قول المشهور ما في الحسن كالصحيح في متمتع يجد الثمن
و لا يجد الغنم. قال: «يخلّف الثمن عند بعض أهل مكة، و يأمر من يشتري له و يذبح عنه، فإذا مضى ذو الحجة أخّر ذلك إلى قابل ذي الحجة» (1).
و في قباله ما دل على أنّ من وجد ثمن هديه يوم النفر «يصوم، لأنّ أيام الذبح قد مضت» (2).
و في آخر: فيمن وجد هديا يوم خرج من منى، قال: «أجزأه صيامه» (3).
و يمكن أن يقال: الظاهر من الثاني أجزاء الصيام لا تعيينه، كما انّ الأمر به في الأول لدفع توهم الحظر، بظن التمكن من الذبح الواجب، فأفاد بأنه مضى زمان وجوبه، فلا ينافي ذلك مع بقاء زمان اجزائه، مع الاجتزاء بالصوم أيضا.
و حينئذ فمقتضى الجمع بين النصوص هو الذي أفاد به أبو علي من التخيير بين الذبح و الصيام، ما دام بقاء ذي الحجة، و هو واجد للثمن.
نعم و لو فقده أي الثمن أيضا طول ذي الحجة، فيدخل في عموم «من لم يجد فصيام ..» صام حينذاك ثلاثة أيام متواليات في الحج، يعني في سفره قبل رجوعه إلى أهله، مع كونه في شهره الذي هو في المقام ذو الحجة.
كل ذلك لما في خبر رفاعة (4)حيث تمسك بالآية الشريفة فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ (5)يقول في ذي حجة، و ذلك بضميمة نص آخر مشتمل على أنه «لا يصوم الثلاثة متفرقة» (6)، فهو دليل وجوب التوالي.
و إطلاق شرح الحج بذي الحجة في النص المزبور، يشمل أي وقت منه قبل أيام الحج و بعدها، و توهم عدم تقدّم وقت البدل عن المبدل اجتهاد في قبال النص. كيف و في النص الأمر بالصوم بيوم قبل التروية و يومها و يوم عرفة، حذرا من الوقوع في العيد المحرّم صومه (1). و منه يستفاد الأفضلية.
و في آخر: «إن لم يتيسّر هذه الأيام بصوم يوم النفر المسمّى بالحصبة و يومين بعده» (2)، فهذه الأيام مترتبات في الفضيلة.
و في نص آخر: إن لم يقم عليه جماله يصوم يوم النفر و بعده يومين في الطريق، و إن شاء إذا رجع إلى أهله (3)، بعد تقييده ببقاء ذي حجة.
و أما ما اشتمل على الأمر بالصبر إلى يوم النحر، فمحمول على مراعاة احتمال وجدانه واقعا، الذي هو الراجح في المراعاة في وقته، و هو أيضا- بظاهر الكلمات- محمول على، استحباب الاحتياط في هذه الشبهة، كما لا يخفى.
و يجوز تقديم الثلاثة من أول ذي الحجة، و عمدة الوجه في ذلك إطلاق النصوص.
و لا يجوز تقديمها على ذي الحجة، لما في النص السابق من تحديد شهره بذي الحجة، و معلوم- بمقتضى الآية- أن تكون الثلاثة في الحج سفرا و زمانا في ذي الحجة.
ثم انّ مقتضى إطلاق عدم التفريق بين الثلاثة، لزوم التوالي مهما أمكن.
فإن لم يتمكن إلّا من يوم قبل العيد و يومين بعده، يفرّق في المورد. و لكن في نصوص الباب الحكم باجزاء يوم التروية و يوم عرفة و يوم آخر بعدها،
و إطلاقه يشمل حال الاختيار، فالأمر يدور بين تقييد هذه بالضرورة أو تخصيص عموم التفريق بهذه الصورة.
ثم على التحقيق فالظاهر من النص الاغتفار بفصل يوم النحر، فيتعدّى من مورد النص إلى صورة صوم يوم واحد قبله و يومين بعده.
و على أي حال، لا يبعد ترجيح التخصيص على التقييد بالضرورة، لأنه أمر أجنبي، لا ينتقل الذهن إليه، و اختاره في الجواهر أيضا (1)، فراجع.
فإن خرج ذو الحجة و لم يصمها أي الثلاثة الأيام تعيّن الهدي في القابل بمنى على المشهور، و في النص: «من لم يصم في ذي الحجة حتى يهل المحرم فعليه شاة و ليس له صوم و يذبح بمنى» (2)، بمعنى انتظاره إلى العام القابل، كما تومئ إليه نصوص ذبح النائب أيضا، فلا موجب لتوهم الإطلاق كما هو ظاهر.
نعم في قبالها جملة من النصوص الدالة بإطلاقها على أنّ له صيام عشرة أيام في منزله بعد رجوعه (3)، و لقد تقدّم بعضها، و حملناه، على صورة بقاء ذي الحجة بقرينة السابقة، و هنا جموع أخرى بعيدة جدا، فراجع المطولات.
ثم انّ ظاهر النص المزبور لزوم الكفارة، المنصرفة إلى العامد، فلا كفارة حينئذ مع الجهل قصورا أو النسيان بعموم «أيما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»، بناء على شموله للمؤاخذة الأخروية و الدنيوية، و يلحق به النسيان بعدم القول بالفصل.
نعم إطلاق النص السابق يشمل الجاهل المقصر أيضا، كما لا يخفى.
و لو قبل التلبس بالسبعة، لم يجب عليه الهدي عند المشهور، و في النص: فمن صام ثلاثة ثم وجد هديا يوم نفره، قال: «بل يصوم»، و في ذيله التعليل بأن أيام الذبح قد مضت (1).
و في قباله نص آخر مشتمل على الأمر بالذبح و أنّ ما صامه نافلة (2).
و في الجواهر حمله على الندب لإعراض المشهور عن ظاهره (3).
أقول: لو لا الخوف من إطلاق الكلمات، أمكن حمل النص الأول- بظهور تعليله- على سقوط الهدي لو وجده بعد مضي زمان وجوبه كما تقدّم، و لا يشمل صورة الوجدان في زمانه. كما انّ المنصرف منه أيضا صورة عدم إحرازه الوجدان من الأول. و لا يبعد، صرف إطلاق الكلمات أيضا إلى هذه الصورة، لا مطلقا كي يشمل صورة علمه بالوجدان في ذي الحجة من الأول.
و على أي حال لا اشكال عندهم في انّ الهدي حينئذ أفضل من إتمام الصوم، للنص السابق، المحمول على الفضلية. و عليه ففي الصور التي استشكلنا سقوط الهدي فيها لا يترك الاحتياط.
و لو خرج ذو الحجة، للإطلاق الدال أيضا على عدم اعتبار التوالي فيها آية و رواية. فما في بعض النصوص من الأمر بعدم التفريق في السبعة أيضا محمول على الندب، خصوصا مع ملاحظة عموم: «كل صوم يفرّق إلّا ثلاثة أيام في كفارة اليمين» (4).
فإن أقام بمكة انتظر مقدار وصوله إلى أهله ما لم يزد على شهر، على المشهور، و يدل عليه ما في صحيحة معاوية المشتملة على قوله: «و إن كان له مقام بمكة و أراد أن يصوم السبعة يترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام» (1)، و به يقيّد إطلاق الأمر بالصيام بعد أيام التشريق في نص آخر (2).
ثم إنّ في التعدّي من مكة إلى غيرها لمن صار مصدودا، فيه كلام و إشكال، لأنّ في الآية الشريفة الأمر بالسبعة بعد الرجوع إلى الأهل، خرج مورد النص تعبدا و بقي الباقي. و هو أيضا ظاهر كلمات جل الأصحاب، فما في التحرير من التعدّي إلى الطريق (3)أيضا منظور فيه.
قيل: صام عنه وليه الثلاثة، و لا قضاء في السبعة. و قيل- و هو المشهور-: وجوب تمام الصيام على وليه.
و سند الأخير ما في صحيح معاوية: «من مات و لم يكن له هدي لمتعته، فليصم عنه وليه» (4)، مضافا إلى عموم وجوب قضاء ما فات على الولي.
و في قبالهما حسن الحلبي المصرّح بوجوب قضاء الثلاثة على الولي، و عدم قضاء السبعة عليه (5).
و مقتضى الجمع حمل الأول على الندب أو تخصيصه بغير السبعة، كما
صنعه في الرياض (1)، و لكن الإشكال في سنده باعراض المشهور، فالأحوط ما عليه المشهور، و اللّٰه العالم.
بلا إشكال في كلماتهم. و ذلك يكشف عن تعلّق وضع به كعين مقدوره. و في كونه حق اللّٰه أو حق الفقراء تأمل، و من الممكن كونه من قبيل الحج من الواجبات المتعلقة بالمال، بلا تعلّق وضع أو حق الغير به، و كونه حينئذ دينا لا بد أن يكون بنحو من العناية، كما تقدّم في أول الكتاب، فراجع.
و لو لم يف ماله بتمام الهدي صرف في بعضه، لقاعدة الميسور، و مع عدم التمكن منه ففي الرجوع إلى الميراث أو وجوب التصدّق به وجهان، مقتضى أصالة عدم تعلّق حق به، و عدم انطباق الدين عليه، الرجوع الى الوارث.
بل يقتصر على الصوم، مع عدم وجدانه غيره. و ربما يلحق بها الخادم و الفرس و الدار، التي كانت من مستثنيات الدين، لما عرفت من أنّ الهدي عندهم من الديون المالية، فيجري فيه حكمها. و ربما يشعر به ما في ذيل المرسلة أيضا من قوله. بعد السؤال عن بيع الثياب المزبورة في الدين-: «هذا يتزين به المؤمن، يصوم و لا يأخذ من ثيابه شيئا» (2)و مناطه سار في الدار و فرس الركوب و الخادم أيضا، و عدم تعرضهم لذلك لعله من باب الإيكال إلى الوضوح، بعد إجرائهم حكم الدين عليه.
و منها: إنه لو ضل الهدي فذبحه غير صاحبه، ففي الشرائع: لم يجز عنه (1).
و إطلاقه يشمل ما لو ذبحه الواجد عن صاحبه أيضا. و لذا شرحه في الجواهر بقوله: ناويا به صاحبه (2)، و لعله للأصل و عدم ثبوت النيابة.
و لكن في النص تارة الحكم بالاجزاء مطلقا قبل التعريف أو بعده، نوى عن صاحبه أو لم ينو.
و في الجواهر عدم القول بهذا الإطلاق (3)، و لعله مقيّد من الجهتين بصحيح ابن مسلم، المشتمل على التعريف ثم الذبح عنه فيجزئ عن صاحبه (4)، و لا بأس به بعد نقل الشهرة على وفقه من حيث دخل قصده عنه في كفايته.
و أما وجوب تعريفه فحكى ذلك أيضا عن الشيخ (5)، و وافقه في كشف اللثام (6)، بل في جملة من النصوص الاكتفاء بمجرد الضياع (7)، و نسب ذلك أيضا إلى بعض الأجلة، و لكن المسند منها وارد في الأضحية، و ما ورد مطلقا قابلا للانطباق على الهدي مرسلة قابلة لأن تكون مأخوذة من هذه المسندات، فلا يصلح الاتكال بمثلها في الهدي الواجب في الذمة، خصوصا مع ما في نص أبي بصير المشتمل على فرض ظن الهلاك، بأنه يشتري مكانه آخر، و إطلاقه مقيّد بصورة عدم علمه بذبح الواجد عن قبله بمنى، بقرينة النصوص الأخرى كما لا يخفى.
كما في الشرائع (1)، و لكن في النص و جملة من الكلمات: عدم جواز إخراجه من الحرم، و استثنى في صحيحة ابن مسلم السنام منه (2).
و في نص آخر: استثناء السنام و الجلد و الشيء ينتفع به (3).
و في نص معاوية أيضا: تخصيص النهي بالخروج بشيء من لحمه (4). و هو من حيث محل الخروج ساكت، قابل للحمل على منى. و لا يعارضه بقية الصحاح الناهية عن الخروج عن الحرم.
لكن لو لا ظهور إطلاق الأول في منى، كان الخروج عنه مشكوك الاندراج تحت النهي، فالأصل يقتضي جوازه. نعم لا بأس بدعوى انصرافه إلى منى، لو لا دعوى معهودية الحرم، بقرينة بقية النصوص.
و حينئذ فالمتيقن منها حرمة خروجه عن الحرم، و إن كان الاحتياط- بعدم إخراج اللحم عن منى- لا يخلو عن قوة.
و أما السنام و الجلد فالظاهر جواز خروجها عن الحرم، فضلا عن منى، بل كل شيء ينتفع به منه غير لحمه، المنصوص في صحيح معاوية.
نعم في بعض النصوص: الترخيص في إخراج لحم الأضاحي من منى، و هو غير دال على محل الفرض، لاحتمال تخصصه بالأضحية المندوبة. مع انه على فرض التعميم لا يعارض ما دل على عدم الخروج من الحرم، بل يصلح حينئذ شارحا لنص معاوية السابقة، بحمله على الخروج من الحرم، أو بحمله على الكراهة، و لكن في تماميته على وجه يشمل المقام مشكل، و اللّٰه العالم.
هذا كله في هدي التمتع، و أما هدي القران فيجب ذبحه أو نحره بمنى إن قرنه بالحج، و بمكة إن قرنه بالعمرة.
و في النص: «لا ذبح إلّا بمنى» (1).
و في آخر: في من سأل عمن ساق في العمرة بدنة، أين ينحرها؟ قال:
«بمكة» (2). و إطلاقه يقتضي أي مكان منها.
و عن القواعد: تعيين فناء الكعبة (3).
و في النافع: انه أفضل (4).
و في النص: تعيين الحزورة منها (5)، و لا بأس به بعد حملها- بقرينة الإطلاق السابق- على الفضيلة.
نعم على التقييد لا بد من تعيين الحزورة لا مطلق فناء الكعبة، لعدم الظفر بنص به بخصوصه، غير انه مشهور في كلمات الأصحاب، و لعله لمعهوديته من فعل الأئمة، بضميمة الأمر بأخذ المناسك عنهم، و إلّا فلا يصلح هذا المقدار من الاشتهار سندا، و إن كان يكفي في المستحبات، بناء على الجمع بحمل الأوامر المزبورة- بقرينة إطلاق مكة في النص السابق- على الفضل، كما لا يخفى.
و يجوز ركوب الهدي و شرب لبنه ما لم يضر به و بولده، لعدم خروجه بالقران أو غيره عن ملكه، و إن تعيّن في الذبح بمنى، بمعنى قصور
سلطنته عن العين إلّا في تصرف مخصوص، و ذلك لا يقتضي تعلّق حق الغير به. و لازمة جواز سائر الانتفاعات به ما لم يضر به، لأنّ إضراره حينئذ خارج عن حيطة سلطنته بخروج عينه عنها.
و من هاهنا نقول: إنّ ولدها الملحق بها في التعيين للهدي أيضا مثله لا يجوز الإضرار به أيضا، فلا يجوز شرب لبنه المضر به أو بولده ذلك. و أما ما لا يكون ملحقا به في كونه أيضا هديا، فلا بأس بالإضرار به، لأنه ملكه و هو مسلّط عليه.
و على ما ذكرنا أيضا نصوص خاصة واردة في الباب و فيها التصريح بنفي البأس عن ركوبه «غير مجهد و لا متعب» (1).
و في آخر: «ما لم يضر بولدها» (2)، و إطلاقها يشمل المضمون أيضا.
و عن جماعة: التفصيل بين المضمون و غيره، بعدم جواز الركوب أو شرب لبنه في المضمون، و إن ركب أو شرب كان ضامنا لمستحق أصله.
و في المنتهى: دعوى الإجماع على التفصيل المزبور (3)، و لذا أجاد في الجواهر حيث أفاد بأنه إن تمّ الإجماع فهو، و إلّا فهو اجتهاد في قبال إطلاق النص و فتاوى كثير، لعدم منافاة الضمان مع إباحة مثل هذه الانتفاعات (4).
ثم إنّ في بعض النصوص السابقة: «إن نتجت بدنتك فأحلبها ما لم يضر بولدها، ثم انحرهما جميعا» (5).
و نظيره صحيح آخر (6)، و ظاهرهما صورة نتاجه بعد ما تعيّنت للهدي
بالقران، فلا يشمل قبله، فيبقى على ملكه.
و لا يعتبر- في تعيين الولد للهدي تبعا لامه- قصد المالك هديه، للإطلاق.
و في إلحاق الصوف و غيره من سائر نماءاته بالولد اشكال، فيبقى تحت أصالة الملكية. نعم في المضمونة اشكال، لتعلق حق الغير بنمائه، المحسوب من توابع عينه عرفا مع عدم دليل على إباحتها في غير اللبن و الركوب، و لا وجه للتعدّي عنها إلى غيرها، بعد ما كان على خلاف القاعدة، كما لا يخفى.
، للأصل، بعد عدم خروجه عن ملكه، و لاشتغال ذمته بكلي يكون ذلك فرده، غاية الأمر كان سياقه بإشعاره و عقد التلبية به أخرجه عن تحت سلطانه في التصرفات غير ذبحه بمنى، لعدم مساعدة دليل وجوب ذبحه تعيينا إلّا ذلك، فلا مقتضى للضمان.
كما انه لا يضمن أيضا بلا تفريط، و إن تعلّق النذر بتعيين شخصه للهدي، بلا تعلقه بالكلي في الذمة أصلا، إذ مجرد ذلك لا يوجب ضمانه، بعد عدم المقتضي له من يد أو إتلاف، وفاقا للرياض (1)و غيره.
نعم لو تعلّق نذره بذمته، وجب امتثال ما وجب في ذمته بفرد آخر، مثل كفارته. و هو المراد من الهدي المضمون في كلماتهم، كما في مضمر أبي بصير تفسيره به، و ذلك أيضا غير الضمان المصطلح.
و إلى ما ذكرنا أيضا أشار في النص- بعد السؤال عن الهدي يقلّد أو يشعر ثم يعطب- فقال: «إن كان تطوعا فليس عليه غيره، و إن كان جزاء أو نذرا فعليه بدله» (2).
و ظاهر نذره بإطلاقه و إن توهم شموله للمتعلّق بالمعيّن الموجود، إلّا أنّ اقترانه بالجزاء لا يصلح للقرينية على الحمل على الكلّي في ذمته، فلا تكون الرواية خلاف القاعدة.
نعم إطلاق الرواية في تطوعه من حيث التفريط و عدمه يقتضي نفي الضمان أيضا، و هو خلاف ما في نص آخر من قوله: «إن اشتريت أضحيتك و قمطتها و صارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله» (1)، بناء على ظهور تقميطها في عدم تفريطه.
فمفهومه يقتضي الضمان، فيقيّد به الإطلاق المذكور، و ذيله ربما يكون قرينة على حمل الأضحية في صدره على الهدي المسوق، و إلّا فيمكن التعدّي عنه في طرف المفهوم بالفحوى. و هو أيضا ظاهر المحقق في شرائعه (2)، و إمضاء الجواهر إياه (3). و ربما يستفاد من جعله إياه في سلك المسلمات قيام الإجماع عليه، بل و يظهر ذلك من كشف اللثام (4).
أقول: إن تم ذلك إجماعا فهو، و إلّا فللنظر في ضمان التطوع مجال، إذ مجرد قصور سلطة المالك عن العين و تعيينه للذبح بمنى لا يقتضي تعلّق حق غيره به، كي يجيء فيه الضمان المصطلح.
و أما النصوص، فمفهوم القيد المزبور فيها مع ضعفها لا يصلح لتقييد الإطلاق، و لعله لذلك حكى الإشكال في ضمان هدي المسوق تطوعا من المحقق الثاني، معللا بعدم تعيينه بالسياق للصدقة، فلم يجب عليه ضمانه (5).
و في الجواهر: إمكان كون مجرد وجوب ذبحه منشأ ضمانه (1).
و فيه: انه يحتاج إلى الدليل، إذ غاية ما ورد في النص ثبوت الفداء في المضمون، المفسر بالجزاء و النذر.
و في نص آخر: التفصيل بين التطوع و الواجب، و انّ في الواجب قيمته (2). و يمكن حمل الواجب فيه على المضمون، بقرينة قوله: «و إن لم يكن مضمونا فلا شيء عليه».
نعم من النصوص المزبورة يستفاد الضمان في المنذورة نتيجة أم فعلا، و هكذا الكفارة. فلا إشكال حينئذ في ضمانهما، فيما لو تعلّق بالذمة، و إلّا ففيما تعلّق النذر بالمعيّن قد تقدّم الاشكال فيه، بل و ظاهرهم عدم ضمانه.
نعم لا إشكال في الضمان في هدي المتمتع، لكونه من الواجب في الذمة، فبتلفه- و لو بلا تفريط- يتعيّن البدل، مقدمة لامتثال الكلي في ذمته.
و في النص المرسل عن أحمد بن محمد بن عيسى تقييد عدم ضمانه باستيثاقه في رحله، و فيه: «إن أوثقها في رحله فضاعت فقد أجزأت عنه» (3)، و لكنها لضعفها و عدم جابر لها لا يصلح لأن يخالف لها القاعدة.
و لا يتعيّن الصدقة في هدي السياق إلّا بالنذر، فبدونه يستحب أكله، و ان يهدي بثلثه، و ان يتصدّق بثلثه، لما في نص شعيب العقرقوفي من قوله: «كل ثلثا، و تصدّق بثلث، و اهد ثلثا» (4).
و يمكن حمل الأمر بالأكل في المقام- كما في هدي التمتع- على دفع توهم
لزوم الصدقة بتمامه، فلا يستفاد منه الوجوب. نعم لا بأس باستفادة رجحانه في المقامين، و لو بقرينة فهم الأصحاب و تسلمهم عليه. فاحتمال بعضهم لوجوب الأكل و الإطعام بمثل هذه الأوامر منظور فيه، بل القائل بالوجوب المزبور لا بد أن يلتزم بوجوب التثليث المزبور، لتعلق الأمر كذلك كما لا يخفى.
ثم إنه على القول بوجوب الأكل، ففي تعلّق النذر بتصدقه أجمع اشكال، لعدم مشروعيته. و المفروض انّ النذر أيضا كالشرط لا يكون شرعا. فالتزامهم بصحة النذر المزبور مناف لوجوب الأكل منه. نعم لا ينافي رجحانه، لإمكان رجحان ضده أيضا.
و لا يعطى الجزار الجلود من الهدي الواجب بنذر أو كفارة أو غيرهما مما يجب في الذمة، و في الجواهر: استثناء هدي التمتع عن هذا الحكم (1). و في النص: «لا يعطي الجزارين من جلود الهدي» (2). و إطلاقه يشمل الواجب في التمتع أيضا.
نعم النهي عن أكله مختص بغير الهدي المزبور، إذ في النص: «كل هدي من نقصان الحج فلا تأكل منه، و كل هدي من تمام الحج فكل» (3)، و معلوم انّ الواجب في التمتع من تمامه، و لقد تقدّم أيضا استحباب أكل ثلثه.
و في آخر: النهي عن أكل المضمون، مع تفسير المضمون بما كان لنذر أو كفارة (4).
و حينئذ فاستثناء الجواهر لهدي التمتع تمام بالنسبة إلى أكله (5). و أما
بالنسبة إلى إعطاء الجزارين فلم أر تخصيص أحد غيره. و من المحتمل حمل تخصيصه على التخصيص بلحاظ مجموع ما في متن الشرائع من الأحكام، التي منها أكله و أخذه لنفسه (1)، و هو بعيد.
و بالجملة فمع إطلاق النص السابق تكون عهدة التقييد المزبور عليه.
ثم إنّ في بعض النصوص المشتملة على شرح المضمون في ذيله، بعد النهي عن الأكل، قال: «إنما هو للمساكين» (2). و لازمة عدم جواز أخذ جلده و شيء منه لنفسه أيضا.
و لكن في قباله ما دلّ على جواز الانتفاع بجلد الأضحية، و إن تصدق فهو أفضل (3).
و في آخر: يعطي الأضحية من تسلخها بجلدها؟ قال: «لا بأس» (4). ثم تمسك بالآية الشريفة: فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا .. (5).
و مقتضى الجمع الحمل على الكراهة في المقامين. و توهم احتمال التخصيص بالأضحية المندوبة، فلا يشمل الواجب بنذر، مدفوع بأنه هو.
مقتضى إطلاقها، من دون احتياج إلى التشبث بظهور الآية للهدي الواجب، لإمكان حمله على الواجب بالتمتع، الذي لا إشكال في جواز أكله، و حينئذ لا قصور في الأخذ بإطلاق الرخصة، و رفع اليد عن ظهور النواهي بالحمل على الكراهة، كما صنعه بعض الأجلة. و هو أولى من التقييد في الثانية، و إبقاء ظهور النواهي بحالها، كما نسب ذلك الى المشهور.
نعم لو قيل بتساوي الجمعين في نظر العرف، فيرجع إلى الأصل المقتضي لجواز الأكل و الانتفاع به.
نعم بالنسبة إلى تمليك الجزارين كان الأصل عدم جوازه، و لعل ذلك أيضا مستند من فصل في المقام.
نعم الذي يسهّل الخطب في المقام ضعف سند الأخير بنفسه، لا من جهة إعراض المشهور، كي يدفع باحتمال كونه من باب الجمع بالتقييد، كما عرفت، و اللّٰه العالم.
و ثلاثة بعده بمنى، و يومان بعده في غيرها. و في النص: عن الأضحى كم هو بمنى؟ فقال: «أربعة أيام» (1).
و في غيره قال: «ثلاثة أيام» (2).
و النصوص على أصل تشريعها متواترة، و في كثير منها التعبير بالوجوب، حتى توهم الإسكافي وجوبها.
و لكن في كثير من نصوص اخرى بيان حكمتها على نحو يناسب استحبابه، بل في نص آخر: «إنما كتب على النحر و لم يكتب عليكم» (3)، و بذلك ذهب أصحابنا إلى الاستحباب، حتى كررت دعاوي الإجماعات عليه في كلماتهم.
و يجزئ هدي التمتع عنها، لما في الصحيح: «يجزئ الهدي عن
الأضحية» (1)، و في انصراف الإطلاق إلى الهدي الواجب بالتمتع نظر، فيشمل غيره أيضا.
و لو فقدها تصدّق بثمنها، و مع اختلاف قيمتها جمعها و تصدّق بثلثها، كما في النص المنسوب إلى عبد اللّٰه بن عمر المشتمل على التثليث في فرض اختلاف القيم (2)، المعلوم حكم غيره بالفحوى.
و يكره التضحية بما يربيه كما في النص المنسوب الى محمد بن الفضل، و في ذيله: «لا تربين شيئا من هذا ثم تذبحه» (3).
و إعطاء الجزار شيئا من الجلود، للنواهي السابقة المطلقة المحمولة على الكراهة بقرينة المرسلة المنسوبة الى الصدوق (4)، و لكن قد تقدم منهم تضعيف المرسلة فكيف يجمع بينهما في المقام، فراجع الجواهر في المقامين، و لقد تقدّم منا الكلام في المسألة السابقة، من احتمال تخصيص النواهي بغير الأضحية المندوبة، بل من الممكن دعوى انصرافها عنها، و حينئذ ففي ثبوت الكراهة الشرعية نظر، نعم لا بأس بتركه رجاء.
و أيضا يكره أن يخرج به من منى، لما في النص (5)، و في بعض النصوص استثناء سنامها فراجع (6).
ثم إنّ في المقام بعض إشكالات واهية تعرّض لها في الجواهر بجوابها (7)،
1) من لا يحضره الفقيه 2: 297 حديث 1472.
2) وسائل الشيعة 10: 172 باب 58 من أبواب الذبح حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 175 باب 61 من أبواب الذبح حديث 1.
4) وسائل الشيعة 10: 151 باب 43 من أبواب الذبح.
5) وسائل الشيعة 10: 150 باب 42 من أبواب الذبح حديث 1.
6) وسائل الشيعة 10: 150 باب 42 من أبواب الذبح حديث 4.
7) جواهر الكلام 19: 230.
و هي بالاعراض عنها أجدر في مثل هذا المختصر.
على المشهور، للأمر به بقوله: «من لبّد شعره أو عقصه فليس عليه أن يقصّر و عليه الحلق، و من لم يلبّد تخيّر إن شاء قصّر و إن شاء حلق، و الحلق أفضل» (1)، إذ الظاهر من الفقرة السابقة وجوب الحلق عليه تعيينا، لانتفاء عدله الواجب تخييرا بظهور قوله: «إن شاء إلى آخره»، إذ حصر تخييره بين الأمرين ظاهر في منع تركهما، كما انّ مقتضى ما تقدّم من لزوم الترتيب بين المناسك الثلاثة كون حلقه بعد ذبحه.
و أما تخصيص ظرفه بيوم النحر، فهو فرع اختصاص يوم الذبح به، و إلّا فعلى ما ذكرنا من التوسعة في وقت الذبح إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، فليكن وقت الحلق أيضا موسعا، لأنه بعده.
و بما ذكرنا من النص ظهر وجه قول المصنف: و الحلق أفضل، و يتأكد للصرورة و الملبّد، و قيل بوجوبه فيهما، و مال إليه في الرياض (2).
لكنّ الانصاف منع مقاومة الأمر بالحلق للملبّد و الصرورة مع إطلاق التخيير المستفاد من الآية، و رواية ابن الفضل، و صحيح الحلبي، بل في الصرورة لفظ لا ينبغي في تقصيره، لو لا دعوى أصرحية التعبير بالوجوب في الملبّد عن الإطلاقات المزبورة، خصوصا الآية القابلة للحمل على بيان تشريعهما و لو في كل مورد، و الاحتياط في الملبّد لا ينبغي تركه، و اللّٰه العالم.
و يتعيّن في المرأة التقصير، للنبوي: «ليس على النساء حلق، و إنما على النساء التقصير» (3).
و في خبر علي بن حمزة: «و تقصّر المرأة و يحلق الرجل، و إن شاء قصّر إن كان قد حج قبل ذلك» (1).
و لو رحل الحاج من منى قبل الحلق أو التقصير رجع و فعل أحدهما، للنص الصحيح الآمر بالرجوع المزبور للناسي (2).
و في آخر في الجاهل (3)، و يشمل الحكم العامد بالفحوى.
و ما في بعض النصوص في من نسي: «يحلق رأسه في الطريق» (4)، و في آخر: زار البيت و لم يحلق رأسه، قال: «يحلق بمكة و يحمل شعره إلى منى، و ليس عليه شيء» (5)، مطروحان بمخالفتهما لفتوى الأصحاب، أو محمولان على صورة التعذر من العود. و إطلاق الأمر و سكوته من إرسال الشعر قرينة حمل الأمر في الثاني على الاستحباب.
و في بعض نصوص اخرى: انهم «كانوا يستحبون ذلك» (6)، أي دفن الشعر بمنى.
و مما ذكرنا- خصوصا بعد نفي الخلاف فيه- ظهر وجه قول المصنف: فإن تعذّر حلق أو قصّر أين كان- كما في رواية مسمع- (7)وجوبا، و بعث شعره إلى منى ليدفن بها استحبابا، و من ليس على رأسه شعر يمر الموسى عليه عند جمع، و ظاهره الاجزاء عن التقصير.
1) وسائل الشيعة 10: 188 باب 8 من أبواب الحلق و التقصير حديث 2.
2) وسائل الشيعة 10: 182 باب 5 من أبواب الحلق و التقصير حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 183 باب 5 من أبواب الحلق و التقصير حديث 4.
4) وسائل الشيعة 10: 182 باب 5 من أبواب الحلق و التقصير حديث 2.
5) وسائل الشيعة 10: 185 باب 6 من أبواب الحلق و التقصير حديث 7.
6) وسائل الشيعة 10: 184 باب 6 من أبواب الحلق و التقصير حديث 5.
7) وسائل الشيعة 10: 182 باب 5 من أبواب الحلق و التقصير حديث 2.
و مستنده ما في خبر زرارة الوارد في رجل أقرع، فأمر أن يلبي عنه، و يمر الموسى على رأسه، فإنّ ذلك يجزئ عنه (1).
و لكن لم يعمل به الأكثر، فإن كان عمل البقية به كافيا في جبره فهو، و إلّا فمقتضى القاعدة- بعد عدم التمكن من الحلق- تعيين التقصير و عدم الاكتفاء بإمرار الموسى عليه، كما هو.
و لا يترك الاحتياط في أمثال المقام، لأنه من قبيل التعيين و التخيير.
و أحوط منه الجمع بينهما في الصرورة بملاحظة احتمال التعيين في حقه أيضا، لأنه ميسور الحلق المحتمل التعيين في حقه.
نعم لو لم يكن له شعر يقصّره تعيّن عليه الأمر المزبور، لاحتمال بدليته من مجموع النصوص الواردة في الباب، و عدم حصول الإحلال له إلّا به، فالأصل يقتضي تعيينه عليه، كما لا يخفى.
و لا يزور البيت قبل التقصير أو الحلق، لما في صحيح ابن مسلم قال: «إن كان زار البيت و هو عالم أنّ ذلك لا ينبغي، فإن عليه دم شاة» (2).
و في آخر، قال: «لا ينبغي إلّا أن يكون ناسيا» (3)، و في ثالث- بعد السؤال عن تقديم ما لا ينبغي تقديمه و تأخير ما لا ينبغي تأخيره- قال: «لا حرج» (4).
و الانصاف ظهور لا ينبغي- في النص الأخير الواقع في كلام السائل-
في الحرمة، إذ هو الّذي دعاه إلى السؤال عما يترتّب على فعله المشروع بخياله، فأجابه الإمام بأنه لا حرج، أي لا شيء مترتّبا على فعله، لا أنّه لا حرج في نفس العمل السابق، لأنّ المفروض انه عالم بأنّه لا ينبغي، لا أنه لا يعلم حكم الواقعة، فتمام سؤاله إنّما هو عمّا يترتّب على عمله.
و مثل هذه قرينة على انه من الأول فهم الحرمة، و انّ مراده من لا ينبغي هو ذلك، كيف و لو فهم من الأول كراهته لم يكن فعله بنظره في معرض ترتب شيء عليه غالبا كي يصير بصدد السؤال عنه، فنفس هذا السؤال شاهد فهمه الحرمة، و الامام عليه السلام أيضا قرّره على فهمه، و ذلك هو الوجه أيضا في مصير الأصحاب إلى الحرمة.
و ربما يصير مثل ذلك شاهد حمل لا ينبغي في كلام الإمام أيضا على الحرمة، خصوصا فيما اشتمل على «أنّ عليه دم شاة»، إذ مثل هذه من الشواهد النوعية على الحرمة، فلا مجال لرفع اليد عن ظهور وجوب الكفارة، بحمله على الاستحباب، بقرينة التعبير ب لا ينبغي المجمل، و إن كان مقتضى الإنصاف أنّ مثل هذا اللفظ. و إن لم يكن له ظهور في الكراهة المصطلحة، على وجه يقاوم ظهور «عليه دم شاة» في الوجوب، لكن مما يصلح للقرينية المانعة عن انعقاد الظهور في «عليه دم» فيما نحن فيه، الذي هو من صغريات اتصال الكلام بما يصلح للقرينية، فعلى التحقيق- من رجوع الأصول اللفظية، من أصالة الحقيقة و غيرها إلى أصالة الظهور- يخرج الكلام بالاتصال بالمجمل المزبور من موضوع الحجية.
نعم لو كانت الأصول المزبورة معتبرة تعبدا إلى أن تقوم قرينة على خلافها، كان لما أفيد من تقديم ظهور «عليه دم» مجال، لعدم ظهور لا ينبغي في الكراهة، و على فرضه لا يكون بمثابة يقاوم «عليه دم» و لذا يقدّم ظهور «عليه دم» عليه لو كانا في كلامين جزما، فلو لا استظهار في
الرواية الأولى، لم يكن مجال للتشبث بالبقية، لحرمة التقديم.
و بهذه البيانات ظهر نحو محاكمة بين الجواهر (1)و الرياض (2)، المصرين في طرفي المنع و الإثبات، في استفادة المدعى من الأخبار المزبورة.
ثم إنّ الظاهر من ثبوت الدم على الفعل المزبور، كونه حراما تكليفيا، إما لنفسه، أو من جهة مقدميته لفساد العمل، بمرتبة لا يمكن تداركه معها.
و على أي تقدير لا يقتضي ذلك عدم اعادة الطواف بنفسه، لو لا ظهور الاقتصار بالدم في نفس شيء آخر عليه، حتى الإعادة، لإمكان بقاء مرتبة اخرى قابلة للتحصيل بإعادة الطواف، فإطلاق الأمر به بعد التقصير يقتضي وجوبه، لو لا التشكيك في ظهورها في هذه الخصوصية.
نعم في قبال الظهور المزبور ما في نص آخر من التصريح بالإعادة، حيث قال: «لا بأس يقصّر و يطوف» (3).
فحينئذ يدور الأمر بين الأخذ بالأول و رفع اليد عن ظهور الأمر في الأخير بالإعادة على الاستحباب، أو الأخذ بالأخير و رفع اليد عن الإطلاق في الأول. و مع التكافؤ يرجع إلى إطلاق الأمر بالطواف بعد التقصير، و مع التشكيك في ظهورهما في الترتيب المزبور، يرجع إلى الشك في شرطية الطواف لمثل هذا الشخص، و مقتضى الأصل البراءة.
و في الرياض: يرجع إلى أصالة الاشتغال (4)، و هو إنما يصح لو كان الشك في مسقطية المأتي به عن المأمور به، و هو فرع إطلاق الأمر بالطواف عقيب التقصير لكل أحد، إلّا من ثبت في حقه المسقط.
و مع هذا الإطلاق لا تنتهي النوبة إلى الأصل، لأنه كاف في إثبات عدم المسقط، حيث إنه من المخصصات اللبية، القابلة إحرازها بالظهور، فانتهاء النبوة إلى الأصول فرع عدم وجود مثل هذا الإطلاق أيضا، و بعده فتنتهي النوبة إلى الشك في أصل الشرطية بالنسبة إلى من قدّم طوافه كما لا يخفى.
ثم إنّ لهذه الرواية جهة معارضة اخرى للنص السابق، من حيث اشتماله على نفي البأس في فعله السابق، فإنّ ذلك ينافي ثبوت الجريمة الملازمة للحرمة غالبا، فالأمر يدور أيضا بين حمل «عليه دم» على الاستحباب، أو تقييد نفي البأس من حيث قابلية المحل لتداركه بالطواف جديدا، أو حمله على صورة النسيان.
و الانصاف تقديم الجمع الأول، إلّا أن يقال: إنّ الالتزام بعدم الجريمة و وجوب الإعادة قول ثالث، لم يلتزم به أحد، فينتهي الأمر حينئذ إلى العلم الإجمالي بمخالفة الظاهر في لا بأس، أو مخالفته في الأمر بالطواف.
و مع التساقط يرجع إلى الشك في وجوب أحد الأمرين، فمقتضى الاحتياط الجمع بينهما، كما انه لو بنينا على التكافؤ بين الجمعين، كان دليل وجوب الطواف كافيا في إثبات الجريمة التي هي لازمة بالفرض، و اللّٰه العالم.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر الوجه في وجوب الإعادة للناسي إذا قدّم طوافه، جمعا بين إطلاق نص ابن يقطين الحاكمة بنفي البأس و اعادة الطواف، و بين إطلاق صحيح جميل الساكت عن الإعادة. و لا يبعد في المقام تقديم نص ابن يقطين على السكوت المزبور، كما لا يخفى.
و من جميع ما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف أيضا بقوله: فإن طاف قبله عمدا كفّر بشاة، و لا شيء على الناسي و يعيد طوافه بناء على إرجاعه إلى الصورتين. و يحتمل إرجاعه إلى الأخير، و انّ بناءه- مثل
الصيمري (1)- على عدم اعادة العامد، بل نسب ذلك الى ظاهرهم، و لقد عرفت وجه الجمع فراجع.
و كيف كان فإذا حلق المتمتع، أو قصّر أحل مما عدا الطيب و النساء، للنصوص المستفيضة التي منها صحيحة معاوية بن عمار: «إذا ذبح و حلق أحل من كل شيء أحرم منه إلّا النساء و الطيب، فإذا زار البيت و طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلّا النساء، فإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلّا الصيد» (2).
و إطلاقه من حيث حج التمتع و غيره مقيّد بصريح النص الآخر: عن الحاج يوم النحر ما يحل له؟ قال: «كل شيء إلّا النساء»، و عن المتمتع ما يحل له يوم النحر؟ قال: «كل شيء إلّا النساء و الطيب» (3).
كما انّ بمثل هذا النص، بل و خبر جميل أيضا، يقيد إطلاق ما في نص آخر: عن المتمتع إذا حلق رأسه ما يحل له؟ قال: «كل شيء إلّا النساء» (4).
كما انّ تصديقه لعبد الرحمن، في أمره باستعمال الطيب قبل طوافه (5)، محمول على المفرد بحجه. و كذلك إطلاق البقية من تلك الجهة، فلا تصلح إطلاقاتها للمعارضة مع رواية محمد بن حمران، المشتملة على التفصيل بين الحاج و المتمتع (6).
1) شرح الشرائع (مخطوط).
2) وسائل الشيعة 10: 192 باب 13 من أبواب الحلق و التقصير حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 195 باب 13 من أبواب الحلق و التقصير حديث 11.
4) وسائل الشيعة 10: 194 باب 13 من أبواب الحلق و التقصير حديث 8.
5) وسائل الشيعة 10: 196 باب 14 من أبواب الحلق و التقصير حديث 3.
6) وسائل الشيعة 10: 195 باب 14 من أبواب الحلق و التقصير حديث 1.
ثم إنّ عموم كل شيء إلّا النساء و الطيب في جملة من النصوص، يقتضي الحل من الصيد أيضا. و لكن في الصحيحة الأولى استثناء الصيد، فالأمر يدور بين الأخذ بعموم البقية و تخصيص الصيد فيه بالحرمي لا الإحرامي، أو الأخذ بإطلاق الصيد في الصحيحة، و تخصيص كل شيء به، و الأول أولى.
و عليه أيضا بناء الأصحاب، نعم يحرم الصيد الحرمي على المحل أيضا، فلا ينافي ذلك حصول الإحلال بطواف النساء عن كل شيء حتى الصيد، و يثمر في مضاعفة الفداء، و في أكله لصيد غير الحرم.
ثم انّ في جملة من النصوص: حصول الإحلال بالرمي، مثل ما عن قرب الاسناد وفقه الرضا عليه السلام (1)و هما مقيدان بما تقدّم، مع عدم تمامية خبرية الثاني، و لا سند الأول، بعد ضعفه و اعراض المشهور عن ظاهره، كما لا يخفى.
ثم إنّ من صحيحة معاوية السابقة، بل و بقية النصوص، ظهر وجه ما أفاده المصنف من قوله: فإذا طاف طواف الزيارة حل له الطيب، و ظاهره كفاية الطواف المزبور في حلّه، بلا احتياج إلى صلاته، فضلا عن السعي، و هو الذي صار إليه في كشف اللثام، و نسبه الى إطلاق النصوص و الفتاوي (2).
و لعله المراد من النصوص، ما كان بلسان «لا يحل الطيب حتى يطوف» كما ورد بهذا المضمون في خبر منصور (3)، و نظيره ما في خبر المفضل، المشتمل
ذيله على قوله «ثم تزور البيت، فإذا أنت فعلت ذلك فقد أحللت» (1)، و إلّا فما ورد بلسان النهي عن مس الطيب قبل الطواف، لا يفي بإثبات محللية الطواف بنفسه، فالعمدة أن سند هذا المدعى ما ذكرنا من اللسان.
و عليه فربما يعارضه ما في صحيحة معاوية السابقة، من ترتيب الحلية على السعي، الملازم لدخل الصلاة في احلالهما أيضا، بل في صحيحة أخرى منه مثله.
و كذا ما في خبر آخر لمنصور، عند السؤال عن الطيب، قال: «لا، حتى يطوف بالبيت و بين الصفا و المروة» (2).
و بمثلها يمكن تقييد خبر منصور السابق و غيره، بصور استتباعه بالصلاة و السعي، و هو أولى من حمل المقيدات على الفضيلة، و مع الدوران يرجع إلى استصحاب الحرمة إلى زمان اليقين الناقض.
ثم انّ ذلك كله في المتمتع، و إلّا ففي غيره لا يحتاج إلى الطواف في حل الطيب، لما في خبر حمران المتقدم و بقية المطلقات الآمرة بأن بالحلق يحل من كل شيء إلّا النساء.
و لو قدّم المتمتع طواف الزيارة على الوقوف، ففي كونه محللا عن الطيب أيضا وجه، لإطلاق الخبر الأول، لو لا دعوى انصرافه إلى الطواف المعهود المتعارف المؤخر عن الوقوفين، مضافا إلى صلاحية تقييده بما في صحيحة معاوية من قوله: «إذا زار البيت- بعد قوله إذا حلق- أحل من كل شيء إلّا الطيب و النساء».
كما انّ ظاهره أيضا تأخير طواف النساء عن طواف الزيارة، بعين هذا
الوجه. و لا أقل من الإجمال، فيرجع إلى إطلاق محللية الحلق عن كل شيء، خرج عنه المتمتع غير الصادر عنه الطواف الصحيح، و بقي الباقي تحته، و لازمة عدم حصول التحليل من الطيب أيضا إلّا بالحلق.
و توهم انّ ذلك ينافي بناءهم على لزوم تجديد التلبية عقيب الطواف السابق على الوقوف، لجملة من النصوص الواردة بأنه يجدد التلبية عقيب كل طواف لئلا يحل، و مثل ذلك كاشف عن محللية الطواف، و لو في الجملة حتى لو وقع قبل الوقوف.
مدفوع بأنّ النصوص المزبورة، غالبها في الطواف المندوب، الوارد في غير المتمتع، و مثل ذلك لا يكون محللا جزما، خصوصا في المفرد الذي ظهر من جملة من نصوص الباب بأنّ الحلق محلل لكل شيء إلّا النساء، التي لا تحللها إلّا طوافهن. حيث إنّ الظاهر منه عدم محللية الطواف للزيارة عن شيء، فلا محيص عن حمل التعليل بالإحلال، على الإحلال الصوري لا الحقيقي.
و بهذه المناسبة أيضا حملنا الأمر بالتجديد على ضرب من الندب، فراجع المسألة في أوائل الكتاب.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أيضا حكم المفرد و القارن أيضا، من أنهما بحلقهما أو تقصيرهما يتحللان من كل شيء إلّا النساء، للنصوص السابقة، خصوصا المشتملة على التفصيل بين المتمتع و غيره.
و تحل النساء لجميعهم مفردين أو متمتعين بطوافهن، لما في صحيح معاوية و غيره من المستفيضة. و الظاهر الاحتياج إلى الصلاة أيضا بلا سعي، كما في صحيحة معاوية، حيث إنه بعد الأمر بالصلاة خلف المقام عقيب الطواف، قال: «ثم أحللت من كل شيء و فرغت من حجك» (1).
1) وسائل الشيعة 10: 205 باب 4 من أبواب زيارة البيت حديث 1.
ثم انّ هذا الطواف مشترك بين الرجال و النساء، لما في الصحيح: «فإذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها» (1).
و في آخر: إثبات طواف النساء على الخصيان و المرأة الكبيرة (2).
و في ثالث: «و ذلك على النساء و الرجال واجب» (3).
و توهم عدم دلالة النصوص الأخيرة على المحللية، مدفوع بأنّ المعهود من طواف النساء في كل مورد، هو جهة محلليته للفراش، و لذا سمّي بطواف النساء، لمحلليته لهن بما هو فراش للرجال، الجاري في النساء أيضا.
و بمثل هذه المعهودية أمكن دعوى عدم انصراف محللية مخصوصة حاصلة بعد المناسك، بل مهما شرع مثل هذا الطواف بهذا العنوان كان ملازما مع المحللية، فلو شرع فرضا تقديمه على الوقوفين أو على غيره من المناسك بجهة من الجهات، تلزمه المحللية عن النساء لمحض هذه المعهودية الموجبة لصدق هذه التسمية، و بذلك يمتاز عن طواف الزيارة في محلليته للطيب، فإنه ليس في المحللية بهذه المرتبة من المعهودة.
و بهذه الجهة كان لتخصيص محلليتها بخصوص المتأخر عن مناسك منى كمال مجال، و لا أقل من التشكيك في إطلاقاته فيرجع الى الاستصحاب.
و هذا بخلاف المقام، و لئن شئت فافرض أنه لو كان مثل هذا الطواف أيضا مسمّى بطواف الطيب، ربما يستفاد من مثله نحو معهودية لمحلليته له بنحو يفهم العرف منه توأميته مع المحللية في كل مورد شرع فيه، و حينئذ لا يبقى مجال لمقايسة الجواهر هذا المقام بالباب السابق، ليلتزم فيه بانصراف محلليته
أيضا بالطواف الحاصل عقيب المناسك (1).
ثم إنه على فرض تسليم هذا الانصراف لا يبقى مجال لمحللية الحلق للنساء، إذ جميع النصوص المتكفلة لمحللية الحلق مصرحة بأنه محلّل لغير النساء، و ليس في البين ما يدل على محلليته مطلقا، كي يؤخذ به في غير ما خرج، كما صنعنا في طرف الطيب.
و الفارق وجود مثل هذا الإطلاق هناك دون المقام، فمن أين نثبت محللية الحلق للنساء، بل المرتكز في الأذهان انحصار تحليلهن بالطواف المذكور، فلو انحصر ذلك أيضا بالطواف الخاص لبقي بالنسبة إلى من قدّم طواف النساء لعذر مسوغ بلا محلل له للنساء، و هو كما ترى، و اللّٰه العالم.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّ مواطن التحلل للمتمتع في حجه ثلاثة، أحدها: الحلق.
و الثاني: طواف الزيارة.
و الثالث: طواف النساء.
و في حج الافراد و القران مواطنه اثنان، الحلق و يحل من كل شيء إلّا النساء، و طواف النساء المحلل لهن، و اللّٰه العالم.
فإذا تحلل بمنى مضى ليومه أو غده إلى مكة ليطوف بالبيت إن كان متمتعا.
و ظاهره عدم جواز تأخيره عنهما كما في الشرائع: حيث أفاد بأنه إن أخّره- يعني عن الغد- أثم (2)، وفاقا لجمع من الأعاظم، لما في صحيحة معاوية من
النهي عن التأخير عن الغد (1).
و لكن في قباله صحيح ابن سنان المشتمل على نفي البأس عن التأخير إلى يوم النفر (2).
و في آخر: «الى اليوم الثالث» (3).
و في ثالث: «إلى أن تذهب أيام التشريق» (4).
و مقتضى إطلاق الأخير جواز التأخير بعد ذهاب أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة، الذي هو شهر الحج، لقوله الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (5)، و من المعلوم انّ الأمر فيها دائر بين الحمل على مراتب الفضيلة، المستلزم لجواز التأخير بلا اثم إلى آخر ذي الحجة، أو تقييد بعض المطلقات بالمفرد، و حمل ما ورد في خصوص المتمتع بلفظ «يكره» على الحرمة، بقرينة التوسعة في المفرد في ذيله، و الأول أولى، وفاقا للجواهر (6)و خلافا للرياض (7)و على فرض الدوران بين الجمعين فمقتضى الأصل جواز تأخيره و عدم شرطية زمان خاص.
و على أي حال لا وجه لمصير بعضهم إلى عدم جواز التأخير عن أيام التشريق، إذ نص جواز التأخير حجة عليه. و على القولين حكي من غير واحد الاجزاء لو أخّر طول ذي الحجة، و إن أثم بالتأخير عن غد، و ذلك مبني على حمل النص الأخير على نفي البأس في اجزائه لا في تأخيره.
و لكن لا يخفى انه مضافا إلى كونه خلاف الظاهر بقرينة ذيله، مناف لصريح قوله عليه السلام: «أنا ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق» إذ
1) وسائل الشيعة 10: 200 باب 1 من أبواب زيارة البيت حديث 1.
2) وسائل الشيعة 10: 202 باب 1 من أبواب زيارة البيت حديث 9 و 10.
3) وسائل الشيعة 10: 202 باب 1 من أبواب زيارة البيت حديث 9 و 10.
4) وسائل الشيعة 10: 201 باب 1 من أبواب زيارة البيت حديث 2.
5) البقرة: 197.
6) جواهر الكلام 19: 265.
7) رياض المسائل 1: 404.
ظاهره فعله كذلك اختيارا، كما لا يخفى.
فيذهب إلى مكة لطواف الحج للأمر بالتوسعة في حق القارن و المفرد في النص، مضافا الى إطلاق «حتى تذهب أيام التشريق» في حقهما جزما، و إطلاق قوله في نصّ ابن سنان: «إنما يستحب التعجيل مخافة الأحداث و المعاريض» (1)يقتضي رجحان التعجيل بهما أيضا. و في الشرائع: كراهة تأخيرهما (2)، و فيه نظر.
هذا كله في طواف الزيارة، و أما طواف النساء فزمانه طول ذي الحجة، فيجوز التأخير فيه أيضا إجماعا، للإطلاقات، نعم لا يجوز تأخير أفعال الحج عن ذي الحجة، لأنه آخر شهوره و الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (3)فلا بد من وقوع مناسكه فيها.
و بعد طوافه يصلّي ركعتيه كما تقدّم شرحه، ثم يسعى للحج بين الصفا و المروة كما تقدّم، ثم يطوف للنساء، كل ذلك سبعا كما عرفت مفصلا، ثم يصلّي ركعتيه كما تقدّم.
و إليه أيضا أشار المصنف بقوله: و صفة ذلك كما قلنا في أفعال العمرة، حيث تعرّض المصنف للطواف و السعي في أفعال العمرة، على خلاف ترتيب الشرائع (4)و القواعد (5)و النافع (6)و غيرها، و قد تقدّم.
و معتمر مفرد دون المتمتع.
فإذا فرغ من هذه المناسك رجع إلى منى و بات بها ليلة الحادي عشر و الثاني عشر من ذي الحجة واجبا و في كونه من مناسك الحج و متمماته اشكال، حكي الأول عن الحلّي (1)، و لكنه مناف لما دل على أنّ بطواف النساء يتم الحج.
نعم ينافي ذلك قوله: «الحج عرفة و رمي الجمار»، بل منه يستفاد كون هذه الرميات أيضا من المناسك، لكن في اقتضاء ذلك كون الوقوف المزبور منها تأمل و إن لم يخل عن وجه. و على أي حال، ظاهرهم كون هذا الوقوف أيضا واجبا، بل و عباديا يعتبر فيه النية كسائر المناسك، خصوصا لو بنينا على أصالة التعبدية.
و يدل على أصل وجوبه الأمر بالتبييت في الليلتين المذكورتين في جملة من النصوص، ففي صحيحة معاوية: «لا تبت ليالي التشريق إلّا بمنى، فإن بت في غيرها فعليك دم، و إن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلّا و أنت بمنى، إلّا أن يكون شغلك بنسكك أو قد خرجت من مكة، و إن خرجت نصف الليل فلا يضرك أن تصبح بغيرها» (2).
و في آخر- فيمن اشتغل بالزيارة و الدعاء في البيت الى أن طلع الفجر-:
«ليس عليه شيء كان في طاعة اللّٰه» (3).
و في ثالث: «أذن لعباس بالبقاء لسقاية الحاج» (4)، و ظاهر قوله: «إن بت في غيرها فعليك دم»، ثبوت الدم في كل بيتوتة، لأنه من قبيل الطبيعة
السارية في كل فرد، لا انّ المراد ثبوته على المجموع.
و يؤيد الأول ما في نص جعفر بن ناجية في من بات ليالي منى بمكة:
«عليه ثلاث من الغنم» (1)بناء على دخول الثلاثة، غاية الأمر بشرائطها الآتية، بل في نص أبي إبراهيم: ثبوت الشاة لنومه في الطريق في ليلته (2).
و في قبال هذه النصوص ما في صحيح العيص: عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى، قال: «ليس عليه شيء» (3)، و نظيره صحيح سعيد (4).
و في جملة أخرى من النصوص: نفي شيء عليه لو خرج من مكة و نام في الطريق، ففي صحيح هشام بن الحكم: «إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاوز بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شيء عليه» (5).
و نظيره صحيحة محمّد بن إسماعيل (6).
و في ثالث: «لا بأس عليه، و يستغفر اللّٰه و لا يعود» (7).
و لا يخفى أنّ مقتضى الجمع بين النصوص المزبورة حمل ثبوت الدم في الأول على الاستحباب، و لكن اعراض المشهور عنها يوهنها و إن قوّى القول بالاستحباب المزبور في الرياض (8)إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.
و أيضا ففي ذيل صحيحة معاوية: استثناء المشتغل بالعبادة عن وجوب المبيت المزبور، و هكذا في نص آخر تقدّم، و عليه أيضا بناء الأصحاب، كما
1) وسائل الشيعة 10: 210 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 20.
2) وسائل الشيعة 10: 208 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 10.
3) وسائل الشيعة 10: 207 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 7.
4) وسائل الشيعة 10: 208 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 12.
5) وسائل الشيعة 10: 209 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 17.
6) وسائل الشيعة 10: 209 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 15.
7) وسائل الشيعة 10: 210 باب 1 من أبواب العود إلى منى حديث 22.
8) رياض المسائل 1: 421.
انّ فيه أيضا عدم الإضرار بالخروج نصف الليل، المحمول على ما بعده، بقرينة الفقرة السابقة.
بل و في خبر عبد الغفار: «فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيء» (1)، و إطلاقه يقتضي جواز الدخول بمكة و لو قبل الفجر، بل في نص جعفر: التصريح بالإصباح بغير منى إذا خرج بعد النصف (2)، و في نص آخر لعلي بن جعفر أيضا مثله (3).
نعم في بعض الصحاح: «إذا زار البيت بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلّا و هو بمنى، و إن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس أن ينفجر الصبح و هو بمكة» (4)و إطلاق صدره يقتضي لغير من اشتغل بالعبادة أن يصبح بمنى، و لكن يمكن رفع اليد عنه بالحمل على الفضل بالأخبار السابقة، كما انّ صريح ذيله دال على جواز الإصباح بمكة.
و بمثله ترفع اليد عما ورد من النهي عن الإصباح بمكة في خبر عبد الغفار، بل فيه: «لا يصلح حتى يتصدق»، و ظهوره في الحرمة ممنوع.
و عليه فلا وجه لما في الشرائع من نسبته إلى القول بأنه لا بد من أن لا يدخل مكة إلّا بعد طلوع الفجر. و ظاهر نسبته يشعر بضعفه عنده، بل في الجواهر: لم نعرف له مأخذا (5).
أقول: يكفي في المأخذ ما في خبر عبد الغفار و إن استشكلنا فيه بجهتين، فراجع.
و أيضا الظاهر من صحيحة معاوية أنه مهما ورد في أول الليل فلا بد أن يبقى إلى نصف الليل في منى، و نظيره في خبر ابن ناجية، فلا يستفاد منهما كفاية أي نصف منه أولا أو آخرا. نعم ظاهرهما عدم لزوم استيعاب تمام النصف الأول، و أما الاجتزاء بالنصف الثاني فلا يستفاد منهما، بل و لا إطلاق في شيء من النصوص من هذه الجهة. فمع الدوران في النصفين يتعيّن الأول بنحو ما وصف، لكون المقام من قبيل التعيين و التخيير، لتردد المقيد بين المتباينين، لا الأقل و الأكثر كي يرجع إلى البراءة.
نعم ظاهر قوله: «ما أحب أن ينشق الفجر إلّا و هو بمنى» استحباب بقائه فيه إلى الفجر. و ما في بعض النصوص السابقة من الأمر بالاستغفار، فمحمول على الكراهة في الإصباح بغيرها. و يمكن أن يكون ذلك من جهة فوت الإصباح بمنى، فلا يستفاد الكراهة في غيرها أيضا، كما لا يخفى.
ثم إنّ ذلك كله حكم المختار، و أما المضطر و ذوي الأعذار فالظاهر عدم الإشكال في جواز مبيتهم في غير منى. و لعله لعموم الحرج، و فحوى الرخصة للسقاء، بل و الرعاة على ما حكي النص به عن العامة، و التمسك بالفحوى المزبور يقتضي نفي الفداء في غيرهم أيضا، لظهور نص الرخصة فيه.
و أما على التمسك بنفي الحرج ففي اقتضائه نفي الكفارة إشكال، لو لا دعوى انصراف دليله- بمقتضى مناسبة الحكم مع موضوعه المغروس في الأذهان- إلى غير القاصر و المضطر. و بذلك ربما يشكل في ثبوتها في الناسي و الجاهل أيضا، خصوصا مع عموم «أيما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» الشامل لمثل هذا الجبران جزما، فيتعدّى منه الى الناسي. فما في الجواهر من وجوبها عليهما، بل و على المضطر في غير مورد النص (1)منظور فيه، خصوصا مع التعدّي عن
1) جواهر الكلام 19: 267.
النص بالفحوى كما اعترف به.
بلا اشكال فيه فتوى و نصا، و النصوص به مستفيضة، و يكفي له ما في النص من «أنّ الحج عرفة و رمي الجمار»، و في الوسائل عقد بابا لوجوب العود على من نسي رمي الجمار (1)، و بابا لأصل وجوبه (2)، و ذكر النص المذكور فيها فراجع، بل و يستفاد وجوبها في كل يوم من صحيحة معاوية: «ارم في كل يوم عند الزوال» (3)، و حمل القيد على الاستحباب بقرينة منفصلة لا ينافي استفادة الوجوب لأصل الرمي كل يوم.
و ليكن كل جمرة في كل يوم بسبع حصيات بلا اشكال، لمعهودية ذلك، و استفادته من فحوى قوله- بعد الأمر بالرمي في كل يوم-: «و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة» (4)، إذ يستفاد منه أنّ حاله مثله.
يبدأ بالجمرة الاولى، و يرميها عن يسارها مكبرا داعيا، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كل ذلك لصحيح معاوية المتقدّمة.
و لو نكس أعاد على ما يحصل معه الترتيب، سواء كان عمدا أو غيره، لإطلاق الأمر بالإعادة في صحيحة معاوية بقوله: «يعيدها على الوسطى و جمرة العقبة».
و لا اشكال عندهم في انه يحصل الترتيب في المقام بأربع رميات لا أقل، لما في صحيح معاوية صريحا بيان كيفية تحصيل الترتيب على الوجه المزبور.
و في شمول الإطلاق حال الجهل و النسيان وجه، و دعوى الانصراف موهونة، و توهّم النهي عن الرمي في اللاحقة قبل إكمال السابقة، فلا يتقرب به مع العمد، مدفوع بأن إطلاق المقام حاكم على دليل ترتب التمام على التمام، و مع ذلك لا يترك الاحتياط بإعادة التمام عند العمد.
و على أي حال ففي نصوص الباب: «يرمي الجمرة الأولى بثلاث، و الثانية بسبع» (1)في من رمى الاولى بأربع، و الثانية بثلاث، و الثالثة بسبع.
و ظاهره- بقرينة التقابل مع الأولى- إعادة الثانية بتمام السبع لا بإتمامه، و إلا فكان يقول مثل الاولى و الثانية بأربع، فلا يبقى معه مجال هذا الاحتمال كما نسب إلى جمع من الأعاظم.
على المشهور، و في النص المعمول به التحديد بما بين طلوع الشمس إلى غروبها (2). و ما في نص آخر من التحديد بالزوال (3)محمول على الفضل، و في الفقه الرضوي: «كلما قرب الزوال كان أفضل» (4)، و به أفتى جملة منهم، بناء منهم على حجية الرضوي، و فيه ما فيه. و لا بأس به رجاء.
و لا يجوز الرمي ليلا إلّا للمعذور كالخائف و الرعاة و المرضى و العبيد، للنصوص المستفيضة المشتملة بعضها على الخائف، و المملوك الذي لا يملك أمره شيئا، و الحاطب، و المدين و المريض، و في ذيله: «فإن قدر أن يرمي، و إلّا فارم عنه و هو حاضر»، كل ذلك في نص أبي بصير (5). و بعد
تنزيل إطلاق فقرأتها على فرض حرجية رميهم في النهار، أو عدم قدرته كما فهمه الأصحاب أيضا، و اللّٰه العالم.
فإذا أقام اليوم الثالث بليلته رماها أيضا، لعموم «ارم في كل يوم» في صحيحة معاوية السابقة، المنصرفة الى ما ذكرنا، بل في بعض النصوص المحكية في التذكرة عن طريق الخاصة في النفر الأخير: «فلا عليك أي ساعة نفرت و رميت قبل الزوال أو بعده» (1). و ظاهره لا بدية الرمي فيه كما لا يخفى، و في الجواهر أيضا نفي الخلاف فيه ظاهر (2).
و إلّا يعني و إن لم يقم اليوم الثالث سقط عنه الرمي، و في التذكرة إجماعا، و هو كذلك بعد جواز تفويت مقدمته، و فيه مثل ما في المتن: دفن حصاه بمنى استحبابا و لم يذكر له مستندا، بل في قرب الاسناد: يتركها في منى (3). و هو لا يقتضي دفنها.
و لو بات الليلتين بغير منى وجب عليه عن كل ليلة شاة، إلّا أن يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة، و يجوز أن يخرج بعد نصف الليل على ما تقدّم.
في الثاني عشر الذي هو يوم النفر الأول بمنى بشرط اتقاء النساء أيضا، كما في جملة من النصوص المشتملة بعضها على الاتقاء من الصيد (4)، و بعضها من
النساء (1)، و في جملة من النصوص إطلاق الاتقاء (2)الموهم للاتقاء عن جميع المحرمات.
و خصّه بعضهم بما فيه كفارة، و لعله للانصراف بحكم الغلبة في محرمات الإحرام.
و الانصاف انّ الأخبار المخصوصة بالصيد و النساء قابلة لشرح المطلقات، نعم في بعض النصوص: «لمن اتقى الكبائر» (3)، و لكنه تفسير للآية بمعنى آخر من التعجيل غير المرتبط بالتعجيل في النفر.
و في بعض آخر: «لمن اتقى الصيد لا ينفر إلّا النفر الثاني» (4)، و هو موافق للعامة، فجهته موهونة لا يصلح للاتكال.
ثم إنه إذا غربت الشمس في الثاني عشر بمنى لم يجز النفر، لما في صحيحة ابن عمار: «إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى فليس لك أن تخرج حتى تصبح» (5)و في خبر أبي بصير مثله (6).
و ظاهرهما عدم جواز الخروج في الليلة الثالثة بعد النصف أيضا، بخلاف الأولتين.
و لو نفر من محله قبل الغروب و فاجأه قبل الخروج من حدود منى، فلوجوب التبييت أيضا وجه، لإطلاق «إذا جاء الليل فبت».
نعم في خبر أبي بصير: «و إن هو لم ينفر حتى يكون غروبها» ربما يوهم
1) وسائل الشيعة 10: 225 باب 11 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
2) وسائل الشيعة 10: 226 باب 11 من أبواب العود إلى منى حديث 9.
3) وسائل الشيعة 10: 227 باب 11 من أبواب العود إلى منى حديث 12.
4) وسائل الشيعة 10: 226 باب 11 من أبواب العود إلى منى حديث 6.
5) وسائل الشيعة 10: 224 باب 10 من أبواب العود إلى منى حديث 2.
6) وسائل الشيعة 10: 224 باب 10 من أبواب العود إلى منى حديث 4.
شمول إطلاقه للمقام، لصدق النفر قبل الغروب.
لكن يمكن حمل النفر فيه- بقرينة إطلاق الأول- على النفر من منى كلها، لا عن خصوص محله، و لا أقل من الإجمال، فالاستصحاب التعليقي في المقام يقتضي وجوب تبييته، و هو حاكم على استصحاب جواز النفر تخييرا، كما هو الشأن في كل أصل تعليقي، بالنسبة إلى الأصل التخييري في مورده.
و قد ظهر مما ذكرنا أنّه إنّما يجوز النفر الأول لمن اتقى الصيد و النساء، إذا لم تغرب الشمس في الثاني عشر بمنى و لا يجوز لغيره، كما عرفت، فإن نفر كان عليه شاة كما تقدّم.
و النافر في النفر الأول سواء في اليوم الأول أم الثاني لا يخرج إلّا بعد الزوال، و في النفر الثاني الذي هو النفر يوم الثالث عشر، و هو آخر أيام التشريق يجوز النفر بعد رميه، و لو كان قبله أي قبل الزوال على المشهور في الجميع، لنص ابن عمار: «إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس، و إن تأخرت إلى آخر أيام التشريق و هو النفر الأخير فلا شيء عليك أي ساعة نفرت و رميت قبل الزوال أو بعده» (1).
و مع هذا النص المعمول به لدى الأصحاب، لا مجال لتوهم جواز النفر في كل واحد من الأيام بعد الرمي أي ساعة، بزعم أنه لا يجب في الثلاثة إلّا المبيت ليلا، و أما توقف النهار فمن المستحبات، لأنه اجتهاد في قبال النص الصحيح المعمول به.
على رمي الغد، على
1) وسائل الشيعة 10: 222 باب 9 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
المشهور، لما في النص قال: «يرمي إذا أصبح مرتين: إحداهما بكرة و هي للأمس، و الأخرى عند زوال الشمس» (1).
و في نص آخر: «يرمي إذا أصبح مرة لما فاته، و الأخرى ليومه» (2).
و اشتمال النصين على القيد، المحمول على الاستحباب، بقرينة منفصلة، غير مضر بحجية ظهوره في أصل وجوب القضاء، و وجوب الترتيب بنحو أفاد في المتن. فما في الرياض من الإشكال في أمثال المقام، في دلالة الأمر على الوجوب، مع فرض استحباب القيد (3)، منظور فيه، إذ ما أفيد إنما يصح لو فرض صيرورة القرائن المنفصلة موجبة لانقلاب ظهور الكلام، عما استقر عليه، و إلّا فمع بقاء الظهور لا ضير في التفكيك في مرحلة الحجية.
ثم انّ إطلاق النصوص المزبورة يشمل تركه عمدا أيضا، و يلحق به حال جهله، كما لا يخفى.
، للعلم الإجمالي المنجز للتكليف.
و لو نسي الرمي حتى دخل مكة رجع و رمي ما دامت أيام التشريق باقية، بلا إشكال، للأمر به مع بقاء وقته. و على قول آخر يرجع و لو بعد أيام التشريق. و لكنه ضعيف و إن توهمه بعض، للإطلاقات، مثل قوله:
«يرجع فيفصل بين كل رميتين بساعة»، قلت: فاته ذلك و خرج، قال:
«ليس عليه شيء» (4).
و في آخر: «فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمى» (1).
و في ثالث كذلك، و في ذيله: أو جهل حتى فاته و خرج، قال: «ليس عليه أن يعيده» (2).
لكن يمكن التشكيك في مثل هذه الإطلاقات، بملاحظة احتمال كون المراد من فوته في الذيل هو فوت دركه في وقته، لا الفوت مطلقا، و إلّا فلا معنى لتوهم الإعادة، كما انّ قوله «فلترم كما كانت» إشارة إلى خصوصية حفظ الوقت، و من المعلوم انّ الإطلاق إذا اقترن بمثل هذه القيود الصالحة للقرينية، خرج عن ظهور إطلاقه، فلا يبقى مجال للتشبث به لإثبات إطلاق الحكم لمن خرج وقته.
و توهم جريان الاستصحاب صحيح لو لا ظهور دليل التوقيت في انتفاء المقيد، فيحتاج القضاء حينئذ إلى أمر جديد.
هذا كله مضافا إلى نص عمر بن يزيد، المشتمل على قوله: «من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فإن لم يحج رمى عنه وليه، فإن لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمى عنه، و انه لا يكون رمي الجمار إلّا في أيام التشريق» (3).
و ضعف الرواية منجبر بالعمل كما في الجواهر (4)، و مع هذا الانجبار لا بد من الأخذ بظاهره، من وجوب القضاء بنفسه، و إلّا فيقضي عنه وليه، و إلّا فيستعين بمسلم آخر في القضاء عنه.
و حمل هذه المراحل على الاستحباب بزعم ضعف الخبر، منظور فيه. مع
انه على فرض الضعف لا وجه للاستحباب أيضا شرعا، غاية الأمر عدم الترك رجاء باحتمال المحبوبية.
ثم انّ ظاهر النص ترتب الاستنابة على عدم حجه، لا على عدم تمكنه منه، فله الاستنابة مع التمكن من العود، و هو أيضا ظاهر الشرائع (1)، خلافا للمصنف حيث قال: فإن تعذر مضى و رمى في القابل أو استناب مستحبا، و لعل نظره إلى إطلاق نفي الشيء عليه، و لكنه مقيد بالرمي في القابل، أو الاستنابة بالنص المعمول به لدى المشهور.
، لما في خبر العيص (2).
و في آخر: «المقام بمنى أفضل» (3).
و في نص آخر: «لا بأس أن يأتي الرجل مكة فيطوف بها في أيام منى و لا يبيت بها» (4)، و نظيره صحيح آخر (5)، إذ لا تنافي بين رجحان الضدين مع أفضلية أحدهما من الآخر. نعم ذلك نقض على من التزم بأنّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، و ذلك أيضا لو لا تصحيح الترتيب على هذا القول بتقريب حققناه في محله.
فإذا فرغ من هذه المناسك تم حجه على وجه، و إلّا فتمام الحج
و على أي حال فمقتضى محللية طواف النساء بعد الحلق و الطواف للزيارة عن كل شيء وقوع هذه المناسك حال إحلاله، بلا محللية مثل هذه، على فرض دخولها في الحج لشيء، فضلا عن خروجها عنه و من توابعه. و ما في بعض النصوص من كون رمي الجمار محللا للنساء، محمول- بقرينة النصوص السابقة- على الاستحباب، أو كراهة النساء قبلها.
و استحب له العود إلى مكة لطواف الوداع بلا اشكال فتوى و نصا مستفيضا، ففي الصحيح: «فودع البيت و طف أسبوعا ..» (1)إلخ.
و يستحب أيضا دخول الكعبة، ففي صحيحة ابن عمار: رأيت العبد الصالح دخل الكعبة .. إلخ (2).
و في آخر: «الدخول فيها دخول في رحمة اللّٰه» (3).
و في ثالث: «يدخل فيه و اللّٰه راض عنه» (4)، إلى غير ذلك من النصوص.
خصوصا للصرورة، و في النص- بعد السؤال عن دخول الكعبة- قال عليه السلام: «أما الصرورة فيدخله، و أما من حج فلا» (5)، و ذيله محمول على نفي تأكد الرجحان، للإطلاقات السابقة.
و يستحب الصلاة في زواياها، و بين الأسطوانتين، لنص ابن
1) وسائل الشيعة 10: 231 باب 18 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 370 باب 34 من أبواب مقدمات الطواف.
3) وسائل الشيعة 10: 230 باب 16 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
4) وسائل الشيعة 9: 370 باب 34 من أبواب مقدمات الطواف حديث 2.
5) وسائل الشيعة 10: 371 باب 35 من أبواب مقدمات الطواف حديث 3.
عمار، و على الرخامة الحمراء، لقوله: «فصل بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء- الى قوله-: و تصل في زواياه» (1).
ثم إنّ هذا الحكم ثابت للنساء أيضا، لقوله: أ تغتسل النساء إذا أتين البيت؟ قال: «نعم» (2).
نعم ليس فضله بمقدار الرجال، لما في بعض النصوص من وضعه عنهن.
و يستحب أيضا دخول مسجد الحصبة و الصلاة فيه و الاستلقاء على قفاه، و في رواية ابن عمار: «إذا نفرت و انتهيت إلى الحصبة فشئت أن تنزل قليلا، فإنّ أبا عبد اللّٰه قال: كان أبي ينزلها ثم يرتحل فيدخل مكة من غير أن ينام فيها» (3)و نظيره نص ابن مريم (4).
و ليس فيها ذكر الصلاة و لا الاستلقاء، نعم في الفقه الرضوي:
الاستلقاء (5)، و في الدروس: روي أنّ النبي صلّى فيه (6). و الأمر فيه سهل، مع الإتيان بهما رجاء خصوصا الصلاة فيها التي هو نحو احترام له بمناط تشريعها عند الدخول في كل مسجد احتراما له.
و كذلك بمسجد الخيف الواقع في منى، و في التذكرة: يستحب أن يصلّي فيه (7)، و في النص: «الصلاة ست ركعات» (8)، بلا تعرض لخصوصية
1) وسائل الشيعة 9: 372 باب 36 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 377 باب 39 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
3) وسائل الشيعة 10: 229 باب 15 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
4) وسائل الشيعة 10: 229 باب 15 من أبواب العود إلى منى حديث 3.
5) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 231.
6) الدروس: 139.
7) تذكرة الفقهاء 1: 394.
8) وسائل الشيعة 10: 229 باب 15 من أبواب العود إلى منى.
الاستلقاء، و لا بأس بالإتيان به رجاء.
و يخرج من المسجد من باب الحناطين، للتأسي بأبي جعفر عليه السلام (1).
و يسجد عند باب المسجد، و في الجواهر: قبل خروجه من المسجد، كما في صحيحتي معاوية و إبراهيم بن أبي محمود (2)، و ذلك كاف لإثبات رجحانه.
و يشتري بدرهم تمرا و يتصدق به و ينصرف، لما في صحيح ابن عمار (3)، و في بعض النصوص: «فتكون كفارة لما لعله دخل في حجه» (4).
و في ثالث: «قبضة قبضة في تصدقه» (5).
، و في النص: «لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكة سنة»، قلت: كيف يصنع؟ قال: «يتحول عنها» (6).
و في بعض النصوص: «إنّ المقام بمكة يقسي القلوب» (7).
و في آخر: التعليل بأنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله خرج منها (8).
و في قبالها جملة من النصوص الأخرى، المشتملة بعضها على أنّ المقام بمكة
1) وسائل الشيعة 10: 232 باب 18 من أبواب العود إلى منى حديث 3.
2) وسائل الشيعة 10: 231 باب 18 من أبواب العود إلى منى حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 10: 234 باب 20 من أبواب العود إلى منى حديث 1.
4) وسائل الشيعة 10: 234 باب 20 من أبواب العود إلى منى حديث 2.
5) وسائل الشيعة 10: 235 باب 20 من أبواب العود إلى منى حديث 3.
6) وسائل الشيعة 9: 242 باب 16 من أبواب مقدمات الطواف حديث 5.
7) وسائل الشيعة 9: 243 باب 16 من أبواب مقدمات الطواف حديث 9.
8) وسائل الشيعة 9: 242 باب 16 من أبواب مقدمات الطواف حديث 8.
أفضل من الخروج (1).
و في آخر: «إنّ قراءة القرآن فيها كذا و الصلاة فيها كذا» (2).
و يمكن الجمع بينهما بأنّ نفس المجاورة و المقام بنفسه مكروه، لكن مقدمة لهذه الأعمال مستحب و أفضل، و لا ينافي ذلك خروج رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، لاحتمال شغل أهم في خارجها.
، بل حكي عن الدروس الإجماع عليه (3)، و في النص: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (4).
و في آخر: «لا يصبر على لأواء المدينة و شدتها أحد من أمتي إلّا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» (5).
و الحائض تودّع من باب المسجد من خارجه، لما في النص: «إذا أرادت الحائض أن تودّع البيت فلتقف على أدنى باب من أبواب المسجد فلتودع» (6)، و لأنّ ذلك هو الميسور منها، فلا يسقط بالمعسور.
ثم يستحب أن يأتي الحاج المدينة لزيارة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله استحبابا مؤّكدا، و زيارة فاطمة عليها السلام من الروضة، و زيارة
الأئمة عليهم السلام بالبقيع، و زيارة الشهداء خصوصا قبر حمزة بأحد.
و في النص: «من زارني بعد موتي كمن هاجر إليّ في حياتي» (1).
و في بعض النصوص: «إنّ في تركه جفاء» (2)، إلى غير ذلك من النصوص البالغة حد التواتر معنويا أو إجماليا.
و ورد في زيارة فاطمة عليها السلام بعد إثبات وجوب الجنة بالسلام عليها و على علي، قال: قلت في حياتك و حياته؟ قالت: «نعم، و بعد موتنا» (3)، بل هو من ضروريات المذهب.
و لأئمة البقيع، قيل: ما لمن زار واحدا منكم؟ قال: «كمن زار رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله» (4).
و في نص آخر: «من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم»، و في ذيله:
«كانوا شفعاء لهم» (5).
مضافا إلى النصوص الخاصة الواردة في زيارة الامام المجتبى عليه السلام، و علي ابن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد، و هم أئمة البقيع، فراجع الجواهر (6).
و يستحب الاعتكاف ثلاثة أيام بها، أي بالمدينة في مسجدها و إن كان مسافرا، و فضل الاعتكاف فيه غنى عن البيان، خصوصا مع قيام النصوص على فضيلة الصوم ثلاثة أيام بالمدينة، فيتأكد رجحانه إذا صامها في الاعتكاف بها.
و هي فريضة مثل الحج بشرائطه و أسبابه، بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا، و في النص: «إنّ العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج»، مستدلا بقول اللّٰه عز و جل وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ (1).
و في آخر: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع» (2).
و في ثالث: «انكم أمرتم بالحج و العمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم» (3).
و ظاهرها خصوصا الأخير منها: كون العمرة مثل الحج واجبا مستقلا على المستطيع و إن لم يستطع على الحج، كما أنّ في طرف الحج أيضا كذلك، و انّ وجوبهما ثابت على من استطاع منهما.
كما انّ إطلاقها أيضا لا يفرق بين النائي و غيره، و مجرد اختلاف فرضهما في حج التمتع و الافراد، لا ينافي اشتراكهما في وجوب العمرة.
و حينئذ فربما يلزم من ذلك وجوب المبادرة من المستطيع النائي قبل أشهر الحج للعمرة، بناء على المشهور القائلين بالفورية، بل لو مات قبل مجيء أشهر
الحج وجب استئجار نائب عنه في العمرة، بل ربما تجب على النائب في الحج النائي تعجيل السفر لتحصيل العمرة لنفسه قبل الحج للمنوب عنه.
و الالتزام بمثل هذه الأمور مشكل جدا، و لذا التجأ في الجواهر إلى دعوى السيرة على عدم وجوب العمرة المفردة، على النائي (1)، و إنما تجب خصوص المتمتع بها، على خلاف مقتضى الإطلاقات.
نعم في كل مورد وجبت العمرة المفردة لا إشكال في سقوطها بالمتمتع بها، لصحيح عمار. و لا يخفى انّ لسانه لا يقتضي إلّا كون المتمتع بها بعد وجودها مسقطة، و أما اقتضاؤه جواز تركها في وقتها و انتظار زمان المتمتع من أشهر الحج فلا.
و حينئذ فلو بنينا على عدم فورية العمرة مثل الحج، فلا شبهة في جواز التأخير إلى أن يأتي بالمسقط، و أما لو بنينا على ملازمة وجوبها للفورية، فمن الأدلة المزبورة لا يستفاد جواز التأخير، بل غاية ما ثبت انه لو أثم و أخّر إلى أن أتى بالعمرة المتمتع بها، يسقط وجوب المفردة.
و عليه فلا معنى لما قيل: من انّ من مجموع النصوص يستفاد انّ الفريضة المجعولة بالأصالة في حق كل أحد هي العمرة المفردة، غاية الأمر مستقر هذا الوجوب في حق حاضري مسجد الحرام دون غيرهم، بل رخّص في حقهم تبديلها إلى العمرة المتمتع بها و إسقاطها بها.
و ذلك لأنّ ما أفيد إنما يتم على فرض الالتزام بعدم فورية العمرة على فرض وجوبها، و إلّا فلا معنى لهذا الترخيص لو وجبت قبل أشهر الحج، لأنّ لازم الفورية لزوم الاقدام، مع انّ ذلك المقدار أيضا لا يقتضي سقوط العمرة من النائب باستطاعته في سنة نيابته قبل أشهر الحج، مع انه أيضا من الأمور
1) جواهر الكلام 20: 441.
التي لا يمكن الالتزام بها.
و حينئذ فلا يتم مثل هذه الجهات إلّا بدعوى السيرة على عدم الوجوب، بمعنى عدم وجدان غير المتمتع بها للمصلحة الملزمة في حق النائي، لا بمعنى عدم استقرار وجوبها، مع قيام الرخصة على بدلها من المتمتع بها في حقه، غير المنافي لكونها واجدة للمصلحة الملزمة الموجبة لها تعيينا مع عدم التمكن من البدل.
و ربما يترتب على ما ذكرنا عدم وجوب قبول النائي بذل العمرة فقط، على وجه لا يسقط عن الحج، بخلافه على مسلك الجواهر، حيث يلوح من كلامه قيام السيرة على عدم استقرار وجوبها، بل و نسب ذلك إلى كلمات الأصحاب، و الحال انه لا أظن التزامهم بفرع النائب و البذل الذي أشرنا إليه، فتدبّر.
حسب ما تقدّم في نية الحج، بجميع خصوصياتها، الجارية في المقام.
و من الأفعال الإحرام بجميع الخصوصيات السابقة، و كذلك تقدّم شرح الطواف الذي هو أيضا من أفعالها و ركعتاه، و هكذا السعي المعتبر فيها. كما انه تقدّم أيضا انه يعتبر في الحج و العمرة المفردة طواف النساء و ركعتاه، و التقصير أو الحلق. و ليس في العمرة المتمتع بها طواف النساء و لا الحلق.
و تجوز العمرة المفردة في جميع أيام السنة، و أفضلها رجب، لما في صحيح ابن عمار: «المعتبر يعتمر في أي شهور السنة شاء، و أفضل العمرة رجب» (1).
1) وسائل الشيعة 10: 240 باب 3 من أبواب العمرة حديث 13.
و في بعض النصوص: «أفضلها عمرة رمضان» (1).
و احتمال دخل خصوصية لذلك مشترك في المقامين، كما انّ احتمال أفضليتها عن الصوم مناف للسؤال عن أفضل الأفراد من بين العمرات.
فلا محيص عن الجمع بينهما برفع اليد عن إطلاق كل بالنسبة إلى طرفه، فيستفاد التخيير بينهما، و كونهما أفضل من العمرة في سائر الشهور، و لكن ذلك لو لا طرح الأخير بمخالفة المشهور، الموهن له في المستحبات جزما، كما لا يخفى.
و القارن و المفرد في الحج، يأتي بها بعد الحج و لكن قد عرفت في الرواية السابقة التصريح بأن «لا تبالوا بأيهما بدأتم»، و لقد تقدّم سابقا أيضا الإشكال في لزوم التأخير، فراجع.
و تقدّم أيضا انّ العمرة المتمتع بها تجزئ عنها، بل عرفت عدم وجوب العمرة المفردة على النائي، و بذلك دفعنا شبهة الوجوب على النائب المستطيع منها في غير أشهر الحج، أو فيها بما لا يزاحم عمله النيابي.
و لو اعتمر في أشهر الحج جاز أن ينقلها إلى التمتع في فرض مشروعيته له بلا اشكال، قيل: لعدم ما يقتضي خلافه بعد فرض عدم اختلاف في حقيقة العمرتين قصديا و لا قصور في التقرب بشخص أمره المتوجه إليه، غاية الأمر كان ذلك من باب قصد الامتثال بفعل ثم بدا له ضم فعل آخر اليه.
نعم لو قلنا بدخول العمرة المتمتع بها في حقيقة الحج على وجه، بحيث لا بد أن يقصد فيها امتثال أمر حجه، كان العدول المزبور على خلاف القاعدة. و لكن أنى لهم بإثباته، بل دخول العمرة في الحج بمعنى ارتباط عمل
1) وسائل الشيعة 10: 241 باب 4 من أبواب العمرة.
مستقل في وجوده بعمل آخر، كارتباط الأصابع بالتشبيك على ما مثّله الإمام. و ذلك غير معنى دخول الركعات في الصلاة، بحيث لا يجدي فيها غير قصد الأمر بالكل.
كما انّ اشتمال المفردة على طواف النساء غير مضر في صيرورتها عمرة تمتع، لو كان عدوله إليها قبله، فإنه حينئذ يقتصر بالتقصير بلا طواف النساء، بل لو بدا له بعده أيضا كشف ذلك عن لغويته. نعم لو تحلّل بالحلق لا بد من حين عدوله أن يقصّر، لكشف قصده عن كون إحرامه إحرام العمرة المتمتع بها، الذي لا يتحلل منه إلّا بالتقصير.
أقول: ذلك كذلك لو لا كونه خلاف مقتضى إطلاقاتهم في العدول عما أتى به إلى التمتع، بلا احتياج إلى شيء آخر. فمثل هذا المعنى حينئذ يحتاج الى دليل خاص على خلاف القاعدة، بل لو قلنا باختلاف مراتب الإحرام، حيث اختلاف محللاته الناشئة عن قصد كون إحرامه للمتمتع بها أو للعمرة المفردة، فلا شبهة في أنّ العدول المزبور موجب لقلب ما وقع من الإحرام عن القصد المخصوص، من مرتبة إلى مرتبة اخرى، و هو خلاف قاعدة أخرى، فلا محيص لإثبات المشروعية للعدول المزبور من نص مخصوص.
و عليه فنقول: إنه تكفي النصوص المستفيضة المشتملة بعضها على قوله- بعد إتيان عمرته مفردة بتمامها-: «و إن أقام إلى الحج كانت عمرته متعة و ليس له متعة إلّا في أشهر الحج» (1).
و في آخر: «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء، إلّا أن يدركه خروج الناس يوم التروية» (2). و ظاهره و إن كان إيجاب خروجه
معهم، إلّا انه من باب دفع توهم الحظر. على أنّ في نص آخر: إطلاق نفي البأس عن الخروج إلى أهله حتى يدرك خروج الناس بمنى (1).
فما عن القاضي من مصيره إلى وجوب التمتع إلى الحج (2)، منظور فيه.
و لا يخفى أنّ إطلاق هذه النصوص يشمل صورة إحلاله من عمرته أيضا بصرف الحلق بلا اعادة تقصير عليه، و هو خلاف إطلاق ما دل على تعيين التقصير في المتمتع بها، بل و لو احتاج في جعلها متعة إلى التقصير يلزم قلب إحرامه إلى غير ما قصد به أولا، بل و هو خلاف إطلاق ما دل على عدم احتياج إحرام العمرة المفردة إلى قصد التقصير.
و على أي حال فالعمل بهذه النصوص يلزم خلاف قاعدة، و بعد ذلك لا وجه لرفع اليد عن إطلاقها الظاهر في التخيير، في صرف جعل ما بيده متعة بلا زيادة شيء و لا تغييره عما وقع.
بل في الاحتياج إلى قصده بما فعل كونه عمرة تمتع أيضا محل نظر، إذ غاية ما يستفاد من الأمر بالتمتع قصده في تتميم عمله في حجه المتمتع به، كيف و في النص: «من حج معتمرا في شوال و من نيته أن يعتمر و يرجع إلى بلاده، فلا بأس بذلك، و إن هو أقام إلى الحج فهو متمتع» (3).
و بذلك ترفع اليد عما يتوهم خلافه من قوله في نص آخر: «إنما أنزلت العمرة المفردة و المتعة، لأنّ المتعة دخلت في الحج و لم تدخل العمرة المفردة» (4).
بحمله على أنّ له الإدخال بقصد التتميم بعنوان المتعة، و له عدمه بعدم قصده كذلك.
و على أي حال تطبيق هذه النصوص على القواعد لا يكاد يتم إلّا بجعل
امتياز عمرة التمتع عن غيرها بصرف قصد التتميم بإتيان الحج و عدمه. و انّ مثل هذا القصد موجب لقلب العمرة من الأول متعة، المستلزم لعدم الاكتفاء بحلقه السابق أيضا في إحلاله، من دون اختلاف في حقيقة إحرامه، و إنما الاختلاف في المحلل جاء من قبل قصد التتميم و عدمه، فتكون هذه النصوص على طبق القاعدة.
بل و لازمة تقييد إطلاقها في الأمر بإيجاد التمتع بإعادة تقصير في الإحلال عن العمرة، لكن لازم ذلك ربما ينتهي إلى كون إحرام الإنسان و عدمه مانعا عن قصد إتمام العمل تمتعا أم لا، كما في صورة بنائه من الأول على الإحلال بالحلق، فإنه على تقدير قصده الإتمام متعة لا يكون محللا.
و على تقدير عدمه كان محللا، و لا أظن الالتزام به من أحد، فلا محيص عن الالتزام بحصول الإحلال بما فعل. غاية الأمر هو مخيّر بين إبقائه على أفراده فيذهب إلى منزله، و بين إرادة إتمامها تمتعا، فيهل بالحج جديدا.
لا أنه في هذه الصورة محرم محتاج إلى التقصير.
و لازمة حينئذ كون مقتضى النصوص عدم الاحتياج إلى التقصير في المتمتع بها، و لا ضير في ارتكاب هذا المقدار من خلاف القاعدة بالنص.
و ذلك أولى من الالتزام بكونه في إحرامه و عدمه فعلا تابعا لكيفية قصده فيما بعد، و اللّٰه العالم.
ثم إنه لا إشكال في عدم صلاحية العدول في العمرة إلى التمتع إلّا في ما وقع في أشهر الحج، و إلّا فالواقع في غيرها لا يصلح لذلك. و في بعض النصوص التصريح بذلك، حيث قال: «فإن اعتمر في رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع» (1).
1) وسائل الشيعة 10: 237 باب 2 من أبواب العمرة.
و في النص السابق أيضا: «و ليس له متعة إلّا في أشهر الحج» (1)، و عليه أيضا بناء الأصحاب.
و تجوز في كل شهر، و أقله في كل عشرة، لخبر علي بن حمزة: عن رجل يدخل مكة في السنة المرة و المرتين و الأربعة، كيف يصنع؟ قال: «إذا دخل فليدخل ملبيا، و إذا خرج فليخرج محلا»، قال: «و لكل شهر عمرة»، فقلت: يكون أقل؟ قال: «لكل عشرة أيام» (2).
و ما في بعض النصوص من التحديد بالسنة (3)، محمول على المتمتع بها، و إلّا فهو مطروح بإعراض الأصحاب.
و لا حد لها عند السيد المرتضى رحمه اللّٰه (4)قيل: للإطلاقات، مثل قوله: «العمرة الحج الأصغر» (5).
و في النبوي: «العمرة إلى العمرة كفارة الذنوب» (6).
و فيه انّ إطلاقاتها لما لم تكن مسوقة لبيان تلك الجهة، فأصالة عدم المشروعية مع الفصل بأقل من الشهر محكم، لو لم نقل بأنّ المقام من باب الشك في شرطية الفصل المزبور في صحة العمل، بعد إطلاق مشروعية.
و في مثله يكفي لرفع الشرطية مثل حديث الرفع، و لكن ذلك فرع إطلاق في الهيئة الدالة على إطلاق المشروعية، و بعد فرض التشكيك في إطلاقها لا يبقى مجال للأصل المزبور، بل أصالة عدم المشروعية محكمة، كما لا يخفى.
و هما لغة بمعنى واحد، و لكن في النص ورد التصريح بالفرق بينهما، ففي نص ابن عمار: المحصور غير المصدود، فإن المحصور هو المريض، و المصدود هو الذي ردّه المشركون، كما ردوا رسول اللّٰه ليس من مرض.
و المصدود يحل له النساء، و المحصور لا يحل له النساء، و بينهما فرق من جهات أخرى أيضا تأتي في تضاعيف البحث.
و إلى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله:
، قبال ما سيأتي منه بأنّ المحصور هو الممنوع بالمرض.
و على أي حال فإن تلبس المصدود بالإحرام نحر هديه و أحل من كل شيء أحرم منه على المشهور، و عليه جملة من النصوص، المشتملة على فعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله حين صدّ بالحديبية من أنه صلّى اللّٰه عليه و آله نحر و أحل (1).
و خبر زرارة: «المصدود يذبح حيث يشاء، فيرجع صاحبه و يأتي النساء» (2). و يؤيدهما المرسل المنجبر بالعمل: «المحصور و المضطر يذبحان
بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه» (1). بناء على ارادة المصدود من المحصور، بقرينة ما سيأتي من عدم حل المحصور إلّا ببلوغ الهدي محلّه، فليس له الذبح في مكان الاضطرار.
و بالجملة يكفي لجواز التعجيل في الذبح المزبور ظهور فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في تعجيل النحر، فلا مجال لانتظار زمان ضيق الوقت عن الحج، كيف و ظاهر حكاية الإمام فعله كونه في مقام بيان الحكم. بمثله و لازمة استظهار كون ما فعله النبي هو تمام الموضوع للحكم، و مقتضاه الأخذ بإطلاق كلامه في نقل فعله، و انّ تمام المناط هو هذا العمل، الذي عبارة عن ذبحه حين الاضطرار و الصد.
و بمثل هذا البيان ترفع اليد عن احتمال دخل قيد زائد فيه، فليس المقام من باب التمسك بفعلهم كي يقال: إنّ أفعالهم صالحة للوقوع على وجوه، فلا إطلاق فيها، بل في الحقيقة إنما يتمسك بقوله في مقام تمسكه بصرف فعله في ظرف وجود أمر خاص. فإنّ الظاهر من كلامه هذا، كون ما حكي من العنوان المخصوص تمام الموضوع في ترتب فعله، فيستفاد منه إطلاقه في الموضوعية للحكم، فتبقى القيود المحتملة زائدة، كما لا يخفى.
ثم إنّ مورد النصوص و إن كانت صورة الصد عن تمام الأفعال حجا أو عمرة، إلّا انه بتنقيح المناط يتعدّى إلى صورة الصد عن بعضها أيضا. و بعد ذلك فيلحظ انّ الفعل المصدود عنه إن كان مما تشرع فيه النيابة، فلا يسقط الفعل المزبور، بل يجب عليه حينئذ أن يستنيب و ينتظر إلى حصول العمل نيابة، ثم يتحلل بإحلال حجه من الحلق أو التقصير، و يأتي ببقية المناسك
1) وسائل الشيعة 9: 309 باب 6 من أبواب الإحصار و الصد حديث 3.
بنفسه إن تمكن.
و إلّا فبنائبه، و ليس له حينئذ التحلل الصدّي، و ذلك لأنّ دليل النيابة في مورد إنما يشرع بسعة دائرة الموضوع، الموجب لعدم صدق ضده من العمل المزبور و لو تنزيلا، فكان لدليل النيابة حينئذ نحو حكومة على دليل الصد، بحيث يكون ناظرا إلى نفي موضوعه تنزيلا، بلحاظ نفي حكمه. فيجب على مثل هذا الشخص إتمام حجه و لو بنائبه، ثم يتحلل بإحلال حجه من الحلق أو التقصير بلا انتهاء النوبة حينئذ إلى إحلاله الصدّي، لعدم كونه مصدودا و لو تنزيلا.
نعم لو لم يتمكن من الاستنابة المزبورة، أو لم يكن العمل المصدود عنه مما شرعت فيه النيابة، يصدق على مثل هذا الشخص بأنه مصدود عن بعض العمل، فيجيء فيه الإحلال الصدّي بمناطه، و مع انتهاء التوبة إليه فيؤخذ بإطلاق دليل الصد و يتحلل بما اشتمل عليه دليله.
و لذا نقول: الاحتياج في التحلل بالذبح أو النحر إلى نية التحلل به اشكال، و الإطلاق يدفعه.
كما انّ مقتضى الإطلاقات السابقة عدم الاحتياج إلى التقصير، و لكن في بعض النصوص: «انّ رسول اللّٰه قصّر و نحر و أحلّ» (1). و حكى في الجواهر رواية اخرى أنّه صلّى اللّٰه عليه و آله حلق يوم الحديبية (2).
و على فرض ثبوتهما يصلحان للتقييد، كما انه يجمع بينهما أيضا برفع اليد عن تعيين كل منهما، فيحملان على التخيير. و لكن ضعفهما مع عدم جبرهما بعمل الأصحاب يخرجهما عن صلاحيتهما لتقييد المطلقات، و لذا أطلق
المصنف أيضا في حصول التحلل بالنحر.
و في تكملة استاذنا أيضا إمضاؤه، كما أمضاه أيضا سيد الأعلام في حاشيته على الكتاب. و بمثل المطلقات المزبورة أيضا ترفع اليد عن استصحاب بقاء إحرامه كما هو ظاهر.
و إنما يتحقق الصد عن العمرة بالمنع عن مكة، أو المنع عن الموقفين في الصد عن الحج. أما الصد الحاصل بالمنع عن مكة، فلا شبهة في تحقق موجب الإحلال عنه بالذبح المزبور، للإطلاقات السابقة. و من المعلوم انّ الصد عن مكة فرع انسداد جميع الطرق إليها أو عدم وفاء نفقته بالطريق الآخر، إما لطوله، أو لاستلزامه عوارض اخرى.
و ذلك أيضا لو لا تمكنه من الاستقراض بلا حرج عليه، و إلّا فيشكل شمول الإطلاقات لمثله، فاستصحاب بقاء إحرامه، يقتضي عدم إحلاله إلّا بمحللات العمرة و لو مفردة. نعم لو كان قرضه أو مشيه من طريق آخر حرجيا، زائدا عما يقتضيه طبع التكليف، فيسقط عنه و يكون مثل هذا الشخص بحكم مصدود الطرق عليه.
بل لو فرض وفاء نفقته، و لكن الطريق بعيد عليه، بنحو لا يحسبه العرف ذا طريق إليها، فهو مصدود أيضا.
بل لو جزم بفوت الحج معه، يجب عليه أن يتحلل بمحللات العمرة، و لو في إحرام حجة، فضلا عن المقام. كما هو الشأن في كل من أحرم متمتعا و علم في الأثناء بفوت الموقفين عليه اختياريا و اضطراريا، فإنه ينقلب حجه إلى عمرة مفردة، فيتحلل بمحللاتها. و لا يجوز في حق هذا الشخص أيضا التحلل الصدّي، لأنّ أدلة الصد إنما تقتضي التحلل بالذبح في مورد علم أنّ فوت العمرة أو الحج مستند إلى صده، لا إلى طول الطريق.
و قد أطبقت كلماتهم في المقام أيضا بعدم جريان أحكام الصد على مثله،
كما لا يخفى.
ثم الظاهر من الصد عن الشيء هو المنع عن إيجاد العمل في وقته، و لازمة عدم صدق الصد الموجب للتحلل المخصوص في العمرة، إلّا مع صدق فوته في وقته. و هذا المعنى في العمرة المتمتع بها، إنما يتحقق في صورة اقتضاء صده فوت عمرته و لو بفوت أحد الوقوفين اختيارا.
كما انه في إحرام العمرة المفردة لا يصدق الفوت إلّا بعدم تمكنه في تمام الشهر أو في العشرة الأولى، بناء على الفصل بينهما بعشرة. و أما لو بنينا على عدم اعتبار الفصل بينهما، بل كانت العمرة متصلة، ففي صدق الفوت من قبل هذا الصد إشكال، إذ ذاك حينئذ مبني على فرض بعيد، من بقائه على الحبس طول عمره.
و إلّا فمع العلم بانكشاف العذر، لا يكون فوت العمرة من قبل صده، بل الطبيعة المطلوبة ممكن الوصول إليها، فالالتزام بإجراء أحكام الصد على مثله فرع الالتزام بإطلاق دليل الصد، حتى لمن علم بانكشاف عدوه. و هو أيضا كما ترى غير ملتزم به في كلماتهم، بل هو خلاف المنساق من إطلاقات أدلة الصد.
هذا، و لكن نقول: إنّ ما أفيد إنما يتم لو كان التكليف- في العمرة المفردة علاوة على السراية إلى الخصوصيات من الحصص- متعلقا بنفس الجامع، إذ حينئذ لا يكاد يصدق فوت الطبيعة إلّا بفوت تمام أفرادها طول العمر، و لو فرض كون الأمر المتعلّق بالعمرة المفردة من باب الأمر بالطبيعة السارية، على وجه تكون جميع الحصص بخصوصياتها تحت الأمر، بلا تعلق أمر آخر بصرف الطبيعة، فلا شبهة حينئذ أنّ ما أحرم له من الفرد المخصوص يفوت بصدق فوت ما أمر به من عمرته، فيصدق الصد بالنسبة إليه، فيشمله حينئذ إطلاق دليله.
و لعله إلى ذلك نظر في الجواهر بقوله: بل ظاهر النص و الفتوى تحقق الصد و إن كان يمكن فيما بعد ذلك الإتيان بالمصدود عنه، مع بقائه على إحرامه (1). لا إلى شمول إطلاق دليل الصد، حتى لمن كشف عنه العدو في زمان يمكنه الإتمام، كي ينافي ذلك لما اختاره في الحج، بعد الجزم بوحدة لسان الدليل في المقامين.
نعم حكي عن جامع المقاصد: وجوب بقائه على إحرامه بعد التلبس ببعض اعمال العمرة (2). و لعل نظره إلى أنّ بقية الأفعال محسوبة من شخص هذه العمرة، فلا يصدق عليه الفوت. بخلاف ما لو صد عن الدخول الى المسجد، فإنه يتحلل و لو علم بانكشاف الصد بعد يوم، كما هو ظاهر إطلاقه.
و فيه: انّ احتساب بقية الأفعال لهذا الشخص غير مناف لصدق فوت العمرة المشروعة في هذا الزمان، فيشمله إطلاق دليل الصد، كما في الجواهر (3).
نعم لا بأس بالالتزام في المقام أيضا كما في غيره، بأنه مع وجود الطريق الأبعد المستتبع اختياره فوت فرد منها في زمانه، لا يجري فيه أحكام الصد، كما هو الشأن لو فرض مثل هذا الطريق في حجه أو عمرته، مع العلم بفوتهما بسلوكه، لما عرفت من انصراف أدلة الصد إلى صورة كون الفوت مستندا إلى انسداد الطريق بصده، لا إلى بعد الطريق مع انفتاحه.
ثم إنّ ذلك كله في صورة إحرامه بالعمرة و صده عن دخول مكة، و أما لو
أحرم بالحج و صد عن الوقوفين، فلا إشكال إجمالا في جريان حكم الإحلال بالصد في حقه، و ليس له- بمقتضى إطلاق النصوص و الكلمات- الإحلال بمحللات العمرة المفردة قبل أن يفوت حجه بصبره، مع فرض تمكنه من الوصول إلى مكة، فضلا عمن لم يتمكن منه.
و ربما يشهد لما ذكرنا إطلاق كلماتهم في انه لو صابر المصدود إلى زمان فوت الحج لم يجز له التحلل بالهدي، بل يتحلل بعمرة مفردة. إذ معلوم أنّ هذا الكلام في مورد يتمكن من الوصول إلى مكة. غاية الأمر ليس له العمرة قبل فوت الحج، و في هذا الموضوع حكم بأنه ليس عليه الصبر من الأول أيضا فيتحلل باحلاله الصدّي.
و في مقام آخر أيضا التزموا بأنّ الصد عن الحج يتحقق بفوت الوقوفين، و كذا يتحقق بالمنع عن دخول مكة، فإنه أيضا كالصريح في عدم احتياج الإحلال بصده الموجب لفوت الموقفين إلى صده عن مكة، فمهما تحقق بصده فوت الموقفين، يصدق عليه الصد عن حجه، فيترتب عليه أحكامه.
نعم في المقام كلام آخر، و هو انه بعد ما كان للحج مراتب درك الاختياريين منه، أو درك اختياري أحدهما و اضطراري الآخر، أو بلا دركه الاضطراري المزبور أيضا، أو درك الاضطراريين منه، أو درك أحدهما، على ما حكي عن أبي علي، خلافا للمشهور، فهل الصد الموجب للإحلال المعهود هو المنع عن الحج بجميع مراتبه، أو المنع عن المرتبة الكاملة؟ وجهان لا ثالث في البين بمقتضى الصناعة.
فعلى الأول فيلزمه عدم انتهاء النوبة إلى الإحلال الصدّي، إلّا في صورة العلم باقتضاء صده فوت جميع المراتب. و لازمة عدم وصول النوبة إلى الإحلال الصدّي إلّا في ظرف فوت الاضطراريين منهما أيضا على مذهب
أبي علي، أو أحدهما على مذهب الجواهر، أو الاختياريين على مذهب من لم يكتف بدرك الاضطراريين في صحة الحج.
و على الثاني يلزم كفاية فوت أحد الاختياريين، فضلا عن كليهما، في فوت الحج المنتهي بصده عنه إلى إحلاله. و في الشرائع (1)و كذا القواعد (2)التزم بكفاية فوت الموقفين في الحكم بالإحلال بالصد عن حجه.
و لكن لا يخفى ما فيه: من انه إن كان المدار في الصد على فوت الحج و لو بمرتبة كماله، فلا يحتاج إلى فوتهما، بل فوت أحدهما كاف فيه. و إن كان المدار على فوت الحج بجميع مراتبه، فما أفيد إنما يصح على مذهب أبي علي، بعد إطلاق شمول الموقفين لاضطراريهما أيضا. و لكنه خلاف مختاره، بل مختاره كفاية درك اضطراريهما معا، ففوته حينئذ بفوت أحدهما، لا بفوتهما أجمع.
و في التذكرة: التصريح بكفاية فوت أحدهما (3)، و هو محمول على الاختياري جزما، لعدم التزامه بمذهب أبي علي جزما. كيف و في تبصرته دعوى الإجماع على عدم كفاية فوت أحد الاضطراريين. و حينئذ لازمة جعل المدار في المقام على فوت الحج و لو بمرتبته الكاملة.
و في الجواهر قال- بعد ما حكيناه عن الشرائع-: بل يتحقق أيضا بالمنع عما يفوت الحج بفواته، كما عرفت الحكم فيه في الأقسام الثمانية (4). و ظاهره كون المدار على فوت الحج بجميع مراتبه، و هو بظاهره خلاف مذهب العلّامة في التذكرة (5).
و الذي يقتضيه التحقيق في أمثال المقام أن يقال: إنّ المسألة في أمثال الباب مبتنية على الأخذ أما بإطلاق المنع عن الحج، أو بإطلاق الحج الممنوع.
فعلى الأول يصدق على فوت الحج و لو بمرتبة كما له الواجب، فيجتزئ حينئذ ثبوت أحد الاختياريين.
و على الثاني لا يصدق إلّا بانعدام الحج بجميع مراتبه، المستتبع لفوت اضطرارية أيضا.
و حيث اتضح ذلك نقول: في مقام الدوران إن كان إطلاق الصد محكما، و لازمة الاكتفاء بفوت أحد الاختياريين من الوقوفين، و هو مذهب العلّامة في التذكرة (1).
ثم إنه لو صد بعد الوقوفين عن الرجوع، ففي الجواهر: استناب الرمي و الذبح ثم حلق و تحلل و أتم باقي الأفعال (2).
أقول: ذلك كذلك لو لم يكن لخصوص منى دخل في محللية الحلق أو التقصير، و إلّا فمع فرض صده عنها و عدم تشريع نيابة فيها لا وجه للاكتفاء بالحلق في خارج منى في التحليل عن إحرام حجة، بل لا محيص عن التنزل إلى إحلاله الصدّي، بناء على مختاره في كفاية الصد عن بعض أفعال الحج في جريان أحكامه. كما هو الشأن عنده لو لم يتمكن من الاستنابة في رميه و ذبحه.
و بعد ذلك لا تنتهي النوبة إلى إتمام بقية الأفعال، إذ هي مترتبة على حلقه في منى، في عدم التمكن فلا بد أن يتحلل بالهدي المحلل له عن كل
شيء حتى الطيب و النساء، فلا تنتهي النوبة إلى الطوافين، كي يتم بهما حجه، بل يبقى حجه حينئذ ناقصا يأتي به في القابل لو كان واجبا.
و حينئذ إن تم في البين إجماع على كفاية الحلق خارج منى لم يستنب لرميه أو ذبحه فهو، و إلّا فللنظر فيما أفاد في المقام مجال واسع، و لقد أشرنا سابقا بحسب الكبريات الكلية إلى تشخيص موارد الصد عن غيره.
نعم ما أفيد إنما يتم لو كان ممنوعا عن خصوص الرمي و الذبح فيها، لا عن الحلق بمنى أيضا.
كما إنه لو كان مصدودا بعد الإتيان بمناسك منى عن النزول إلى مكة كان له الاستنابة أيضا في طوافه و سعيه، بل و طواف النساء. و لا مجال حينئذ لاحلاله الصدّي، لما عرفت من تحكيم دليل النيابة على دليل الصد، للتوسعة في بدنه.
و إن لم يتمكن من الاستنابة المزبورة أيضا فينتهي الأمر إلى إحلاله الصدّي، لصدق الصد عن بعض الأفعال، المتعدّي إليه بتنقيح المناط، كما تقدّم.
و حينئذ فما عن المصنف، بل و عن الشرائع، من جعل الصد عن مكة فقط، في عدل الصد عن الوقوفين (1)، إنما يصح لو كان الغرض من الصد عن مكة في إحرام المعتمر، و إلّا فلا خصوصية له في ذلك، بل يلحق به الصد عن العود إلى منى، لإتيان مناسكها من الرمي و الذبح و الحلق، كما لا يخفى.
ثم إنّ مقتضى كون الصد عن كل شيء بفوت، الشيء في موطنه، عدم شمول دليله لصورة العلم بانكشاف العدو قبل فوت العمل، بل و مع الشك
1) شرائع الإسلام 1: 281.
أيضا يدور صدقه مدار الواقع، فمع فرض انكشافه واقعا لا يكاد يصدق الصد في الواقع. نعم في مرتبة الظاهر يحكم ببقاء الصد إلى زمان الفوت، فلو أحل حينئذ لا يقع في محله.
نعم لو كان للعلم به موضوعية في الحكم بعدم الإحلال، كان لاحلاله مع الشك، بل و مع الظن بانكشافه مجال، لكن أنى لنا بإثباته.
كما انه لو كان الموضوع هو الصد عن دخول مكة أو عن الموقفين و لو في غير وقت حجه، كان لما أفيد مجال.
و إلى ذلك أيضا نظر في الجواهر، حيث التزم بخروج صورة العلم بكشف العدو قبل العمل بالإجماع، و إلّا فلا قصور للإطلاقات (1).
لكن يمكن دعوى الجزم على خلافه، إذ تمام النظر في إطلاقات الباب إلى صده المانع عن عمرته و حجه، لا الصد المانع فعلا عن دخول مكة.
و لو علم انكشاف العدو وقت العمل، فخروج صورة الانكشاف عند المجمعين باعترافه ليس بمقيد خارجي، و إنما هو من جهة عدم صدق الصد عن عمله المنصرف إليه الإطلاق. و بعد ذلك كيف يشمل مثل هذا العنوان صورة الشك في تحقق نفسه، فلا محيص حينئذ عن كون المرجع هي الأصول العملية، كما لا يخفى.
نعم مع العلم ببقاء الصد إلى وقت العمل، لا يجب تأخير إحلاله إلى حين فوته، بل مقتضى الإطلاقات جواز إحلاله الصدّي و لو قبل مجيء وقت العمل، كل ذلك بمقتضى قواعد الباب ظاهر واضح.
ثم إنه بعد تحقق الصد و إن كان يتحلل بما ذكر لكنه لا يسقط
1) جواهر الكلام 20: 133.
عنه الواجب من حجة أو عمرة، بل لا بد أن يأتي بها من قابل، أو في شهر آخر لو كانت عمرة مفردة، أو في عشرة أخرى، أو يأتي بفرد آخر منها بإحرام جديد.
نعم لا يجب عليه التحلل بمجرد عروض الصد، خصوصا في العمرة، كيف و الأمر لمحض دفع توهم الحظر، و له البقاء على إحرامه إلى أن يفوت وقت عمرته المتمتع بها أو حجه. و بعد ذلك لا محيص- مع التمكن- عن إتمام عمرته مفردة، و لو بانكشاف إمكان التحلل بعمرته، و ليس له بعد ذلك التحلل الصدّي، لأنّ إحرامه الموجود فعلا مما يمكن أن يترتب عليه عمله من العمرة المفردة، و هذا غير الفرع السابق، الصادق عليه صد المحرم من عمرته كما هو ظاهر.
و لو كان إحرامه عن حج مندوب أو عمرة مندوبة، فبعد إحلاله بالصد يسقط المندوب، بمعنى عدم وجوب إعادته بعد الإحلال. و أما لو لم يحل إلى أن فات وقته و تمكن من إتمامه عمرة مفردة، وجب عليه الإحلال بعمرته، و ليس له حينئذ أيضا الإحلال الصدّي كما أشرنا إلى وجهه آنفا.
و لا يصح التحلل إلّا بالهدي، و قد عرفت منا عدم الاحتياج إلى نية التحلل، خلافا للمصنف في كتابه هذا و غيره من سائر كتبه.
و يجزئ هدي السياق عنه على ما نسب إلى المشهور، لخبر رفاعة قال:
قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر، قال: «يبعث بهديه»، قال: يستمتع من قابل؟ قال: «لا، لكن يدخل في مثل ما خرج» (1)، هذا بضميمة عدم القول بالفصل في ذلك بين المصدود و المحصور.
1) وسائل الشيعة 9: 308 باب 4 من أبواب الإحصار و الصد حديث 2.
و في قباله قاعدة عدم تداخل الأسباب، و الفقه الرضوي (1)، و في الثاني ما ترى، و الأول قابل للتخصيص بالنص المزبور المعمول به لدى المشهور.
في جميع الأحكام، غير انه لا تجدي في حقه الاستنابة في طوافه أو سعيه لو صد بعد دخول مكة أو قبله.
و لذا لا تنتهي النوبة إلى إتمام عمله و لو نيابة، فيجري في حقه الإحلال الصدّي، بخلاف باب الحج حيث ذكرنا انه لو صد عن الطواف أو السعي يبعث بنائبه و يتم العمل و لا يتحلل بالإحلال الصدّي.
و عمدة الفارق قابلية الطواف في الحج للاستنابة بخلاف طواف العمرة، فلو صد عنه فيها فإنه يتحلل باحلاله الصدي أيضا، كما لا يخفى على من راجع الكلمات و الكلية السابقة التي ذكرناها لبيان ميزان جريان حكم الصد و عدمه، و اللّٰه العالم.
بقي في المقام مطلب آخر، و هو انّ في كلمات جماعة عدم وجود بدل لهدي التحلل، و ادعى عليه الإجماع في الغنية (2)، علاوة على الاستصحاب. و قيل بوجود البدل من الصوم، لبعض نصوص واردة في المحصور، ففي حسن عمار في المحصور: «إن لم يجد ثمن الهدي صام» (3)، و نظيره غيره (4).
و قد منع صاحب الجواهر تسرية الحكم من المحصور إلى المصدود أولا، و اعراض الأصحاب عنها حتى في المحصور، فضلا عن التعدّي منها الى
المصدود. ثم قال في ذيل كلامه: و لكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، خصوصا في المحصور (1).
أقول: إن كان الغرض من الاحتياط إيجاد البدل باحتمال وجوبه في صرف ارتكابه للمحرمات، ففيه انه مع احتمال عدم كونه محللا، كيف يكتفي باحتمال محلليته. و إن كان الغرض احتمال إيجابه حتى مع بقائه على الاجتناب إلى زمان اليقين بوجود المحلل، ففيه- مع فرض البناء المزبور- انه لا مجال لاحتمال وجوب البدل، إذ على فرض بدليته واقعا لا يجب عليه الإحلال، بل الأمر باحلاله حينئذ من باب دفع توهم الحظر، فما وجه احتياطه في المقام.
ثم انّ مقتضى الإطلاقات كون الحكم المزبور دائرا مدار عنوان الصد بالعدو، فمهما تحقق ذلك يترتب عليه الحكم بجواز الإحلال، سواء تمكن من رفعه بقتال مع ظن السلامة، أو بإعطاء مال، أو لم يتمكن من.
و في الشرائع: وجوب بذل المال إن لم يكن مجحفا (2).
و فيه انّ دفع المال بعد ما كان مقدمة لرفع الصد، لا يجب من حيث البقاء على إحرامه. نعم لو استقر عليه وجوب الحج، مع الالتزام بفوريته، لا يبعد الوجوب، ما لم ينته إلى الحرج، لأنّ الضرر المالي غير صالح لرفع التكليف، لعدم جبره بعملهم، كما انه لو أمكن دفعهم بقتال بلا حرج، لا يبعد الالتزام بوجوبه مقدمة لواجبه الفوري.
و لكن فورية الوجوب في غاية الإشكال، فلا يبقى في البين إلّا لزوم دفعه
من قبل إحرامه، و لقد عرفت انه ينوط بصدق الصد، و بعده يجوز إحلاله الصدّي بلا احتياج إلى رفعه بمقدمة من المقدمات.
هذا كله حكم المصدود، و أما
و هو الممنوع بالمرض كما عرفت فيبعث هديه إن لم يكن قد ساق، كما هو المشهور، خلافا للإسكافي، فخيّر بين الذبح في مكانه و بين الإرسال إلى محله. و لسلار حيث فصلّ بين حجة التطوع و حجة الإسلام، من الذبح في مكانه في الأول دون الثاني (1).
و عمدة نظر المشهور إلى جملة من النصوص المشتملة على إرسال الهدي، خصوصا ما في صحيح ابن عمار المشتمل على قوله: «يواعد أصحابه ميعادا، فإن كان في حج فمحل الهدي يوم النحر، و إذا كان يوم النحر فليقصر- إلى قوله- و إن كان في عمرة فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكة» (2).
و في جملة من نصوص أخرى: «إذا حصر بعث بهدية» (3).
و في قبال هذه النصوص قضية حصر الحسين عليه السلام حيث دعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها و حلق رأسه و أرجعه إلى المدينة (4).
و في نص آخر: في محصور لم يسق الهدي، قال: «ينسك و يرجع» (5).
و في ثالث: حكاية إحلال الحسين في السقيا مع كونه سائقا (6).
1) المراسم: 114.
2) وسائل الشيعة 9: 305 باب 2 من أبواب الإحصار و الصد حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 306 باب 3 من أبواب الإحصار و الصد.
4) وسائل الشيعة 9: 305 باب 2 من أبواب الإحصار و الصد حديث 2.
5) وسائل الشيعة 9: 307 باب 3 من أبواب الإحصار و الصد حديث 2.
6) وسائل الشيعة 9: 309 باب 6 من أبواب الإحصار و الصد حديث 2.
و المشهور طرحوا الطائفة الأخيرة و أخذوا بالطائفة الاولى، و لعل الإسكافي جمع بينهما بالحمل على التخيير، كما انّ سلارا يمكن مصيره إلى الجمع بين الطائفتين، بشهادة المرسلة المحكية، عن المفيد، المشتملة على التفصيل بين حجة الإسلام و التطوع (1)، و انّ إحلال الحسين عليه السلام محمول على تطوعه في الحج، بقرينة المرسلة. فتبقى بقية المطلقات على حجيتها في وجوب البعث في حجة الإسلام.
و هذا الجمع أقوى الجموع لو تم سند المرسلة، و إلّا فمقتضى الجمع بين الطائفتين في نفسهما هو التخيير، لو تم سند الأخيرة. و لكن مع وهنها بمخالفة المشهور يتعين الأخذ بالأولى، كما لا يخفى.
ثم انّ مقتضى الإطلاق في المقام كباب الصد، عدم احتياج الإحلال- بعد بلوغ الهدي و ذبحه- إلى النية. هذا كله أيضا إذا لم يكن سائقا، و إلّا اقتصر على هدي السياق، لما في صريح النص من قوله: «القارن يحصر و قد قال و اشترط» (2)الى آخره. و اشتماله على شرط الإحلال غير ضائر، بعد الجزم بعدم الفصل بينهما من تلك الجهة، مضافا إلى الإطلاقات السابقة، كما لا يخفى على من لاحظ إطلاق كلمات الأصحاب أيضا.
و لقد صرّح بالمحل المزبور في موثق زرعة (3). و عليه أيضا تحمل بقية المطلقات، لمعهوديته عند سياق الهدي، كما هو الشأن للقارن
أيضا، كما انّ زمانه في الحج يوم النحر كما تقدّم في نص ابن عمار.
و لا وقت له في العمرة، للإطلاقات، خصوصا مع عدم تعرض نص ابن عمار له في قبال الحج، المعيّن نحره في يوم العيد. و يمكن الالتزام بجواز التأخير إلى آخر أيام التشريق، بناء على ما عرفت من جواز التأخير.
و في الجواهر: يمكن ارادة ذلك من يوم النحر (1)، و هو بعيد.
و عليه فيحتاج اجراء حكم الهدي في كلية الحج. إلى مناط يجري في سياقه للإحلال، فإن تم إجماع على وحدة الزمانين فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
لو لا دعوى انصراف بلوغ الهدي محله في الآية و الكلمات، و معهودية زمان الذبح، الذي يكون في بعث الهدي اشارة إليه، إلى زمان كان متعارفا في الاجتزاء بذبح هديه، و هو ليس أيام التشريق، و اللّٰه العالم.
ثم انّ في حكم إرسال الهدي بنفسه، إرسال قيمته عند عدمه، ليشتري بها الهدي فيذبح في محله. و يدل عليه ما في ذيل نص زرارة الآتية من قوله:
«أ رأيت إن ردوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه» (2). و حيث انه لا إطلاق فيه على وجه يزاحم إطلاق إرسال نفس الهدي، فالمتيقن منه صورة عدم تمكنه من نفسه، كما لا يخفى.
و أيضا نقول: إنه لا إشكال في احتياج الإحلال في المقام، علاوة على الإرسال المزبور، الى التقصير. و في جملة من النصوص: التصريح به، و في الكلمات أيضا ظهور إطباقهم فيه، و به يمتاز المحصور عن المصدود.
و حينئذ نقول: إنه بعد العلم ببلوغ الهدي محله و ذبحه أحل من كل شيء إلّا من النساء، و ذلك أيضا من أحد المميزات بين المصدود و المحصور، حيث إنّ في المصدود بمجرد الذبح في مكانه يحل عن كل شيء حتى النساء دون المحصور.
و في بعض النصوص- مثل نص ابن عمار- التصريح به في مقام بيان الفارق بين المصدود و المحصور.
و في قضية الحسين عليه السالم أيضا التصريح بأنّ الحسين عليه السلام لما كان محصورا لم تحل له النساء، بخلاف النبي صلّى اللّٰه عليه و آله يوم الحديبية، فإنه كان مصدودا- و عدم العمل ببعض فقرأته- كما أشرنا- غير ضائر بهذه الفقرة المعمول بها.
حتى يحج في القابل إن كان واجبا، أو يطاف طواف النساء عنه إن كان ندبا على المشهور بين الأصحاب. لكن أقول: بعد اقتضاء الإطلاقات الاحتياج في إحلال النساء له إلى طواف نفسه، إن تم قابلية المحل للاستنابة، إما مطلقا أو في زمان عجزه، فليكن الحكم في المقامين كذلك، لحكومة دليل الاستنابة على الإطلاقات، و إلّا فلا يثمر دليل الاستنابة في التحكيم، لعدم كونها مشرعة، فلا محيص عن طواف نفسه في المقامين.
و حينئذ فالتفصيل المزبور فرع دعوى القابلية في الحج الندبي، و لو مع التمكن، دون الوجوبي و لو مع عجزه عنه بنفسه.
و إتمام ذلك فرع قيام إجماع في البين، فان تم فهو، و إلّا فمقتضى الأصل عدم مشروعية النيابة عند التمكن في هذه السنة، و مشروعيتها مع عدمه كذلك لمعهوديته في غير باب المحصور جزما، الجاري في المقام، بارتكاز أذهان المتشرعة، المحتاج في نفي ذلك في مقام الى الردع عنه بدليل متيقن.
و حيث لم يكن في البين رادع، فبحكم الارتكاز يجري التفصيل المزبور في
المقام أيضا، كما لا يخفى.
: لو بان أنّ هديه لم يذبح بعد تحلله بخيال ذبحه، ففي الشرائع: لم يبطل تحلله (1). و الأصل فيه ما في صحيح ابن عمّار: «فإن ردوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحل، لم يكن عليه شيء» (2).
و في نصّ آخر: «و المحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما، فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه»، قلت: أ رأيت إن ردوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه و قد أحل فأتى النساء؟ قال: «فليعد و ليس عليه شيء، و ليمسك الآن عن النساء إذا بعث» (3)إذ الظاهر من قوله: أحل فأتى النساء، «و ليس عليه شيء» هو الإحلال الحقيقي.
و مثل هذا النص كاف لإثبات الاجتزاء بمقتضى اعتقاده البلوغ لا باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء. إذ المقام من صغريات الإحلال باعتقاده و لا يقول أحد في مثله بالاجزاء بمقتضى القاعدة، فالاجزاء بمثل هذا الإحلال الاعتقادي لا بد أن يكون بنص مخصوص، و استفادته من النص السابق، فرع حمل الإحلال في كلام السائل أو الامام على الإحلال الحقيقي، لا على الاعتقادي، بتقصيره بخيال بلوغ الهدي، الذي هو المدار أيضا في إحلاله واقعا.
و يؤيد ذلك أمره بالإمساك عن النساء حتى يبعث هديا آخر، و ربما يتأخر عن زمان انكشاف الواقع بكثير، فلو لا ثبوت الإحلال الحقيقي، لما كان معنى لتأخير الإمساك عن زمان انكشافه.
أقول: الظاهر انّ تخصيص الأمر بالإمساك عن النساء، من باب كونه غالبا محل ابتلائه فعلا من المحرمات، و إلّا فالظاهر عدم خصوصية فيه، كما يشهد به إطلاق الإمساك في نص ابن عمار من قوله: «و لكن يبعث من قابل و يمسك أيضا»، إذ الظاهر منه رجوعه إلى إمساكه السابق قبل إحلاله.
و عليه نقول: إنّ الإمساك المأمور به ليس من الأحكام التعبدية الثابتة على المحل، لبعد انصراف الذهن منه إليه، بل المغروس في الأذهان كون ذلك بمناط عود إحرامه، الموضوع لهذه المحرمات، و هذا الإحرام إن كان إحراما جديدا فيحتاج إلى نية جديدة، و النص آب عن إثبات هذه الجهة، بل الظاهر منه ترتب الإحرام على نفس البعث، فلا يناسب ذلك إلّا كونه باقتضاء إحرامه السابق.
و عليه فلا محيص عن التصرف، في ظهور النص، في كون وقت إحرامه وقت بعثه، بحمله على عزمه على بعثه، لا بعثه خارجا.
و ربما يؤيده قوله: «فليمسك الآن عن النساء»، إذ الظاهر منه آن عزمه على الإعادة، و هو آن انكشاف الواقع لديه، و به يشرح ما في قوله في الرواية الأخرى: «و لكن يبعث في القابل و يمسك أيضا»، بالحمل على تعلق الأمر بالإمساك من حين الرد للثمن، لا حين البعث.
و لازمة حمل قوله: «أحل» على إحلاله باعتقاده، لا إحلاله واقعا. و انّ نفي الشيء عنه أيضا محمول على نفي الإثم، بارتكابه المحرم من الإثم و الكفارة، لا نفي الشيء في إحلاله حقيقة.
و لعمري انّ هذا التوجيه في الرواية أولى من الالتزام بالإمساك تعبدا، للحمل حقيقة، أو جعل الأمر بإمساكه كناية عن الأمر بإحرامه جديدا بنية جديدة، من غير ميقاته و في منزله، إذ كل واحد منهما من البعد بمكان لا يصلح الالتزام به من أحد، بل هو خلاف المغروس في نوع الأذهان.
و لئن أبيت عما ذكرنا من الاستظهار، و لا أقل من تصادم الاحتمالات في النص، فيترتب عليه حكم الإجمال من تلك الجهة في النص، فيرجع الى استصحاب بقاء إحرامه واقعا، إلى أن يبلغ الهدي محله، و عدم وجود ما يصلح لاقتضاء مثل هذا الأمر الاعتقادي للأجزاء، كما لا يخفى.
ثم انّ ظاهر قوله: «أحل في الميعاد» الإحلال بأسبابه، زائدا عن بلوغ الهدي.
و حينئذ لا يقتضي ذلك عدم الاحتياج إلى التقصير أو الحلق، فلا يقتضي أيضا عدم الاحتياج إلى طواف النساء و لو بنائبه.
و حينئذ فلا مجال لاستفادة الإحلال من النساء بمجرد بلوغ الهدي، كيف و لازمة كفاية البلوغ أيضا من الإحلال عن سائر الأمور أيضا بلا حلق أو تقصير.
و عليه فلا يصلح أمر «حلل» في الرواية من هذه الجهة لحمله على إحرام العمرة المتمتع بها غير المحتاجة إلى طواف النساء، كيف و هو محتاج إلى التقصير قطعا، فكما انه يستفاد احتياج لزوم تقصيره من فرض إحلاله بسببه، كذلك يستفاد من أمر إحلاله في حجه أيضا بسببه الذي منه طواف النساء، فما في الجواهر من الاشكال و التوجيه (1)في غير محله، فراجع و تأمل.
ثم انّ الظاهر من نصوص شرطية بلوغ الهدي محله في المحصور، كون وقت إحلاله وقت ميعاد بلوغ هديه، لا وقت إرساله. و لا إشكال في هذا المقدار بمقتضى النصوص، و إنما الإشكال في انّ البلوغ الواقعي في وقت الميعاد دخيل
1) جواهر الكلام 20: 146.
في التحلل واقعا، أم تمام المدخلية هو مضي وقت الميعاد باعتقاده، و قد كان ذلك في المسألة السابقة محل إشكال، في استفادته من النصوص.
و في الجواهر جعل عنوان الكلام و البحث الجهة الاولى، ثم تممها بما يناسب الجهة الثانية (1)، فراجع كلماته لعلك ترى عدم خلوه عن الخلط بين الجهتين، كما لا يخفى.
و لو بعث هديه و زال الحصر قبل التحلل التحق بأصحابه، فإن أدرك أحد الموقفين صح حجه، و إلّا فلا، بل يتحلل بعمرة مفردة. بلا إشكال في الصورة الأولى، للأمر بإتمام حجه مع التمكن المفروض حصوله، و عدم شمول دليل الإحلال و الصبر الى القابل لمثل هذه الصورة جزما، علاوة على النص الوارد بالمضي في حجه إن وجد في نفسه خفة بعد بعث هديه. و في ذيله: «و إن قدم مكة و قد نحر هديه فإن عليه الحج» (2).
نعم قد يستشكل في الفرض الثاني في صورة عدم زوال حصره إلى أن يفوت وقت الحج بفوت موقفيه و لو اضطرارا، على المختار من كفاية إحلاله الحصري، المتقوم ببلوغ الهدي محله، بضم تقصيره أو غيره، أو يحتاج إلى الإحلال بعمرة جديدة مفردة.
و مبنى المسألة هو إطلاق دليل الإحلال الحصري لمثل المورد و عدمه، فعلى الأول فلا يحتاج إلى العمرة الجديدة، بل يتحلل في ميعاد بلوغ الهدي بضمائمه.
و على الثاني يحتاج إلى عمرة جديدة، كما هو الشأن في كل من فاته الحج، حيث يتحلل بعمرة مفردة إجماعا و نصا.
و في الجواهر دعوى عدم إطلاق في نصوص الباب، على وجه يشمل المقام (1).
أقول: غرضه من انصراف إطلاق الباب إن كان انصرافه إلى كون بلوغ الهدي حين حصره، و هنا بعده، ففيه انّ طول مدة الميعاد ربما يبعد مثل هذا الانصراف، إذ في غالب الأمراض تحصل الإفاقة قبل الميعاد، فلا وجه لصرف الإطلاقات إلى الموارد النادرة، أو صرفها عن الموارد الكثيرة.
و بعد تمامية الإطلاق من تلك الجهة لا يبقى في البين، إلّا دعوى صرفها إلى صورة الشك في الفوت حين الميعاد، و من المعلوم أنّ ذلك يوجب خروج العلم بالدرك عن تحت الإطلاقات، لا خروج صورة العلم بالفوت، بل مثل هذه الصورة حينئذ داخلة في الإطلاقات بالفحوى، فلا وجه حينئذ لدعوى صرفها عن مثل المقام، كما لا يخفى.
و عليه فلا قصور في شمول إطلاق إحلاله الحصري لمثل المقام، بلا احتياج إلى الإحلال بعمرة جديدة.
نعم لو علم بعد فوت الحج حين الميعاد، يشكل إحلاله، لما عرفت من إمكان دعوى انصراف الإطلاقات عن مثل ذلك. نعم قد يستشكل في بعض مراتب الفوت في انصراف الإطلاق عنه، مثل فوت اختياري الوقوفين، فضلا عن فوت أحدهما. و لو لا شمول إطلاق الأمر بالمضي في النص بمحض الإفاقة لصورة التمكن من إتيان الحج صحيحا، و لو بتحصيل اضطراريهما أو أحدهما، على مذهب أبي علي، كان لإطلاق دليل الحصر مجال.
بل يمكن التشكيك فيه أيضا، لأنّ إجمال مراتب الانصراف، حيث كان من قبيل القرائن الحافة، كانت موجبة لإجماله الموجب للرجوع الى استصحاب
1) جواهر الكلام 20: 156.
عدم إحلاله إلّا بعمرة مفردة.
و ذلك أيضا بعد دعوى أنّ الأمر بالإحلال الحصري كالصّدي لمحض الرخصة، لدفع توهم الحظر لا العزيمة، كي يوجب التشكيك حينئذ في محللية العمرة أيضا، كما لا يخفى.
هذا، و من التأمل فيما ذكرنا ظهر الإشكال في إطلاق كلام المصنف أيضا في طرفي عقدي المسألة، و اللّٰه العالم.
من أنحاء حجة، بل في بعضها: هل يتمتع في قابل؟ قال: «لا، و لكن يدخل في مثل ما خرج منه» (1)، و ظاهر الأمر كونه بنحو العزيمة.
و توهم طرح النصوص و التمسك بأصالة التخيير الثابت من الأول، منظور فيه. نعم في شمول الإطلاق لصورة تعيين غيره، الذي عدل إلى القران للضرورة إشكال، للشك في اندراج مثل هذه الصورة تحت الإطلاق. و ظاهر قوله: «و لكن يدخل في مثل ما خرج منه» كون اللازم حفظ المماثلة بين الخارج و الداخل فيه. و حينئذ لا يضره اختصاص مورده بالقارن، فيتعدّى إلى غيره أيضا، كما لا يخفى.
ثم إنّ مقتضى إطلاق النصوص عدم الفرق بين كون الداخل فيه أولا واجبا أم ندبا. و توهم سوقها في مورد لا بد من إعادته، فيختص بالواجب، منظور فيه، بل غاية ما فيها هو السؤال عن إعادتها تمتعا، لا عن إعادتها الواجبة.
1) وسائل الشيعة 9: 307 باب 4 من أبواب الإحصار و الصد.
و حينئذ فلا وجه لتخصيص النصوص بالحج الواجب، كما يظهر من الشرائع، لقوله: و إن كان ندبا حج بما شاء من أنواعه (1).
و في الجواهر أيضا: إنّ مجرد الندبية لا يقتضي نفي وجوب المماثلة، على فرض ارادة القضاء (2).
و حينئذ فما أفيد في الشرائع لا يخلو عن اشكال، كما لا يخفى.
و الحمد للّٰه أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.
تم كتاب الحج في السابع من ربيع المولود سنة ألف و ثلاثمائة و واحدة و أربعين سنة 1341 من الهجرة، على يد الأقل ضياء الدين بن محمد العراقي عفي عنهما، و أسأل اللّٰه التوفيق لإتمام بقية الكتب، حامدا راجيا و مصليا.
كتاب الجهاد و هو من الجهد- بالفتح- بمعنى المشقة، و بالضم بمعنى الوسع و الطاقة، و أطلق بالعناية على بذل النفس و المال و تهيئة سائر المقدمات لإعلاء كلمة الحق و الإسلام، و اقامة شعائر الدين و الايمان، و هو باب من أبواب الجنة، و أفضل الأشياء بعد الفرائض. و قد عقد في الوسائل بابا لوجوب الجهاد على الكفاية، و فيه قول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «الخير كله في السيف، و تحت ظل السيف، و لا يقيم الناس إلّا السيف» (1).
و عقد أيضا بابا لوجوب الجهاد على الرجل دون المرأة، و فيه قول أمير المؤمنين عليه السلام: «كتب اللّٰه الجهاد على الرجال و النساء، فجهاد الرجل بذل ماله و نفسه حتى يقتل في سبيل اللّٰه، و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها و غيرته» (2).
و بابا لكفر منكريه و فيه: «من جحدها، أو جحد واحدا منها، أو شيئا من سيرها، أو أحكامها فقد كفر بما أنزل اللّٰه على محمد صلّى اللّٰه عليه و آله» (3).
ثم إنّ الجهاد تارة بالهجوم على العدو ابتداء لإعلاء كلمة الإسلام، و اخرى بالدفاع عن حوزة المسلمين في الجهة المذكورة، و من ثم سمّي الثاني دفاعا.
و أما دفع من يريد قتل نفس محترمة، أو أخذ مال محترم، أو سبي حريم فهو دفاع، لكن لا يسمّى جهادا اصطلاحا، و سيأتي حكمه إن شاء اللّٰه في كتاب الحدود.
فموضوع البحث في المقام هو الجهاد بالمعنى السابق، و قد عرفت أنه على قسمين:
أما القسم الأول- الذي هو عبارة عن مقاتلة العدو ابتداء- فهو المقصود من قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ (1)الظاهر من إطلاقه، المستلزم لوجوب الهجوم عليهم بدوا.
و هو بلا اشكال فرض على الكفاية مع عدم الاحتياج إلى أزيد من جهاد طائفة منهم غير المنافي لوجوبه على الجميع، في مقام احتياجهم إلى الاستمداد منهم، و لا لوجوبه على شخص خاص إذا أمره الوالي و لو لمصلحة الوقت.
و يدل عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام: «و الجهاد فرض على جميع المسلمين، لقول اللّٰه عز و جل كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ، فإن قامت بالجهاد طائفة من المسلمين وسع سائرهم التخلف عنه ما لم يحتج الذين يلون الجهاد إلى المدد، فإن احتاجوا لزم الجميع أن يمدوا حتى يكتفوا، قال اللّٰه عزّ و جل وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (2)، و إن دهم أمر يحتاج فيه إلى جماعتهم
نفروا كلهم، قال اللّٰه تعالى انْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالًا وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (1)» (2).
و يدل على الكفاية أيضا ما ورد بتفضيل المجاهدين على القاعدين درجة (3)، و مثل هذه النصوص تشرح ما يوهم وجوبه على الأعيان، بحمله على اقتضاء الوجوب المنافي لعدمه فعلا على البقية، عند قيام من به الكفاية، حسب مراتب قوة المشركين و ضعفهم.
بل ربما يستفاد من مثل هذا البيان أصل مشروعيته لكل أحد، حتى مع وجود من به الكفاية و قيامهم به، كما هو ظاهر السعة في التخلف عما أمروا، إذ غايته الاقتضاء مع بقاء العموم في صدره على لزومه، فيبقى ظهوره- خصوصا مع ملاحظة بقية العمومات- في عموم المشروعية بحالها، كما لا يخفى.
و عن بعض الأعاظم دعوى الإجماع على وجوبه في كل سنة مرة، و قد يستدل له بعموم تعليق الوجوب على انسلاخ أشهر الحرم، بتقريب انّ عموم التعليق يقتضي تجدد الوجوب بتجدد الانسلاخ، كما أنّ طبيعة المعلق تقتضي الإجزاء بصرف وجوده المنطبق على وجود واحد.
و فيه: إنّ الأمر بالقتال- منوطا بالانسلاخ- إنما هو لدفع توهم الحظر، لا للإيجاب كي يستفاد منه تكرر الوجوب بالانسلاخ، و العمدة فيه الإجماع المزبور.
نعم لا إشكال في حرمة الجهاد بهذا المعنى في الأشهر الحرم، و هي: رجب
و ذو القعدة، و ذو الحجة، و محرم، للآية الشريفة (1).
كما إنه يحرم في الحرم أيضا، لأنّ من دخله كان آمنا. و لقوله تعالى وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (2)و زعم بعض العامة نسخ الآيتين بعموم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3).
و في الشرائع أيضا الاعتراف به في المكان (4)، خلافا للعلّامة في التذكرة (5)و المنتهى (6).
و الأقوى ما عن العلّامة، لأنّ المقام من باب دوران الأمر بين النسخ و التخصيص، و التخصيص أولى من النسخ، لأنّ النسخ نحو تصرّف في الجهة، و التخصيص نحو تصرّف في الدلالة. و بناء الأصحاب تبعا للعرف على تقديم التصرف الدلالي على الجهة، و لذا يقدّم عندهم الجمع العرفي على الحمل على التقية.
و لعل عمدة النكتة في ذلك هو أنّ في الحمل على التقية طرح للسند تماما، بخلاف التخصيص، لأنه يبقى السند في الدلالة على العموم بحاله بالنسبة إلى ما بقي تحته، فعموم التعذر بالعمل بالسند فيهما يقتضي الأخذ بهما في الزائد عن مقدار المعارضة، كما لا يخفى.
ثم إنّ حرمة القتال في الأشهر الحرم أو في الحرم، إنما هو في من يرى لأشهر الحرم و الحرم حرمة، و إلّا فصريح العلّامة جواز قتالهم، لقوله تعالى:
وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ، فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (1)و لخبر العلاء بن الفضيل (2)، مؤيدا بما ورد في سبب نزول الآية الشريفة، بعد عدم الفصل بين الأشهر الحرم و الحرم في ذلك (3)، كما لا يخفى على من لاحظ الكلمات.
هذا كله في الجهاد بالمعنى الأخص، لانصراف الدليل إليه، و إلّا ففي الدفاع مهما هجموا يجب دفعهم، لإطلاق دليله. علاوة على أهمية حفظ بيضة الإسلام و المسلمين عن احترام أمثال هذه الأزمنة و الأمكنة، كما لا يخفى.
هذا، و كيف كان فيجب الجهاد كفاية
أحدها:
و ثانيها:
، لعموم رفع القلم عنهما، علاوة على دعوى الإجماع عليه و جعله في سلك المسلمات.
و ثالثها:
، و عن المنتهى دعوى الإجماع عليه (4)، و في التذكرة: روي انّ النبي كان يبايع الحر على الإسلام و الجهاد، و يبايع العبد على الإسلام دون الجهاد (5).
و لعله بضم الانجبار بالعمل يكفي في الحجية، و إلّا فما قيل من أنه لا يملك شيئا، فيدخل في ما لا يجدون شيئا للإنفاق أو لا يقدرون على شيء، إنما يصرف الجهاد عنه في ظرف عدم اذن المالك، و عدم بذل لما ينفقه منه أو من
غيره. و هذا المقدار لا يقتضي اشتراط الحرية أو مانعية المملوكية، كما لا يخفى.
و لعله لذلك حكي عن الإسكافي عدم الشرطية المزبورة، و عمدة سنده العمومات، علاوة على المرسلة المشتملة على بيعة علي عليه السلام مع العبد في الجهاد أيضا، و ضعفه- مع مخالفة المشهور- يوهنه و يخرجه عن الحجية.
نعم العمومات في غاية المتانة لو لم نقل بتخصيصها بالمرسلة السابقة المنجبرة بالإجماعات المحكية، و حينئذ لا يجب الجهاد على المملوك بجميع أقسامه عدا المبعض في نوبته عند مهاياته، للعمومات، بعد انصراف المرسلة و معاقد الإجماعات عن مثله.
بلا إشكال أيضا نصا و فتوى، و في النص:
«كتب الجهاد على الرجال و النساء» (1)، و فسر فيه جهاد النساء بالصبر على أذى زوجها، قبال تفسير جهاد الرجال ببذل النفس و المال.
و أما الخنثى المشكل فعلى الطبيعة الثالثة يكون مشمولا للعمومات، و إلّا فيكون من باب الشهبة المصداقية للعام المخصص، فلا يكون العام حجة فيه، كما حققناه في محله.
و حينئذ فقد يتوهم جريان الأصل فيه النافي لوجوبه عليه، كما صرّح به في الجواهر (2)و التذكرة (3).
و لكن يشكل ذلك بأنّ وجوب الجهاد عليه طرف العلم الإجمالي للتكاليف المتوجهة على النساء، فيجب الاحتياط بالجمع بين الوظيفتين.
و نظير هذا الاشكال يرد على ما في النجاة، من عدم وجوب قضاء فوائت
أبيه، لعدم ذكوريته الموجبة لكونه الأولى به، و لو من حيث استحقاق حبوته، لأنّ هذا الوجوب طرف العلم بالتكاليف المتوجهة إليه لو كانت امرأة. و حمل كلماتهم في هذه المقامات على صورة عدم ابتلائها بتكاليف النساء، في غاية البعد، إذ لا أقل من حرمة كشف بدنها على الرجال غير المنفك عنه غالبا.
و هكذا التلبس بلباسهم و غيرهما.
و من هذا الباب أيضا وجوب غسله احتياطا عند دخول ذكر في فرجه المحتمل، و أصالة عدم الجنابة غير جارية مع عليّة العلم الإجمالي، و لو لم يكن معارضا مع أصل آخر.
نعم على اقتضاء العلم الإجمالي للموافقة القطعية، أمكن معارضته مع البراءة عن تكاليف الرجال، كما هو الشأن، في أصالة عدم الولاية له في المسألة السابقة، فيتساقطان، فيرجع إلى البراءة الشرعية عن الحكم، في مجرى الأصل الموضوعي، لانتهاء النوبة إلى الأصل المحكوم، بعد سقوط الحاكم بالمعارضة. و لكن المبنى في غاية الضعف، كما لا يخفى.
هذا و قد يتوهم بناء على العليّة أيضا، بأنه مع سبق مثل هذه التكاليف المشروطة بالعلم الإجمالي بتكاليف اخرى، كان العلم الإجمالي بين التدريجيين منجزا للطرف الآخر من الأول، و بعد ذلك لا يبقى مجال لمنجزية العلم الحاصل من المشروط بعد العلم بحصول شرطه و الطرف الآخر المنجز بالعلم السابق، فيجزي في مثله حكم الانحلال، فتجري البراءة عن التكليف الجديد.
و يدفع التوهم بأنّ ذلك كذلك في صورة سبق أحد العلمين على الآخر رتبة، كالعلم الحاصل، بين الملاقي و طرفه، بالنسبة إلى العلم بين ملاقيه و طرفه، و أما لو كان أحد العلمين أسبق زمانا لا يكون العلم السابق منجزا للحكم في زمان لاحقه، بل العلم في كل زمان منجز له في زمانه، فمع بقاء العلم الى
حين حدوث العلم الجديد يحصل علم بجميع التكاليف مرة واحدة، و في مثله منجز لجميع أطرافه.
و توهم أنّ في التدريجين كان العلم السابق بحدوثه منجزا للاحق من التكليف، بشهادة عدم بقائه في زمانه، مدفوع بأنّ مدار بقاء التنجيز على بقاء العلم بالتكليف، من غير ناحية سقوطه بعصيانه أو اطاعته، و بهذا المعنى كان العلم الأول باقيا على حاله.
و الشاهد على ذلك انه لو لم يبق العلم المزبور بهذا المقدار، لما كان العلم السابق بحدوثه مؤثرا في تنجز المحتمل اللاحق كما لا يخفى. فإن تم تسلّمهم في هذه المقامات، و كشف ذلك عن جعل بدل من قبل الشارع، فهو، و لا بأس بجريان البراءة حينئذ في غيره، و إلّا فللنظر فيه مجال، لمنجزية العلم الإجمالي حينئذ على أي حال، كما هو ظاهر.
و خامسها:
عاجزا عن الجهاد، و في الآية الشريفة لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (1)و المورد داخل في الضعفاء، مضافا إلى عموم نفي الحرج في حقه، لو لا دعوى انصراف العموم إلى الحرج الزائد عن مورد التكليف في كل موضوع، لا بلحاظ نوع المكلفين، فلو لا الآية الناصة بنفي الحرج في مورد الضعيف و المريض لما كان يجدي في نفيه عنهما عموم نفي الحرج.
نعم لو لم يكن ضعيفا مع كبر سنه لم يكن قصور في شمول العمومات لمثله، كما انّ مقتضى نفي الحرج عن الضعيف أيضا نفي لزومه لا نفي أصل مشروعيته، و لا في جهاد مثل عمار و مسلم بن عوسجة الواجب على الكبار
1) التوبة: 91.
لو لا عمومات وجوبه لكل أحد، عدا ما استثني من الضعاف و المرضى و غيرهم.
و سادسها: أن لا يكون
، لدخوله في المريض المنصوص عليه في الآية الشريفة.
و سابعها: أن لا يكون
، لعدم قدرته على الجهاد بما له من اللوازم، علاوة عن شمول فحوى الضعيف و المريض له جزما.
و ثامنها: أن لا يكون
، للآية السابقة، و عموم نفي الحرج على أحد التقريبين. و قد أشرنا في الشيخ الكبير أنّ مثل هذا الحكم مرفوع عنه و عن المريض ما دام يعجز كل واحد منهما عنه، و إلّا فلا قصور في العمومات لشمولها لهما.
و تاسعها:
في هذه الجهة بالخصوص، أو بنحو العموم الشامل له، كما في النص من تصديق الامام تؤم بشير الدهان، حيث رأى في المنام انه بدون اذنه مثل أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير (1).
و منه يستكشف كونه حراما ذاتيا لا تشريعيا، و لا منوطا بقصد المشروعية، لو لا دعوى انصرافه إلى الجهاد بقصد المشروعية، فإنه يقتصر في حرمة العمل بهذه الصورة. و ذلك أيضا لو لا حرمة جعل النفس في معرض التهلكة بعموم الآية عند عدم المشروعية.
و به يمتاز المقام عن سائر العبادات، بعد صرف النهي في الجميع إلى العمل بعنوان المشروعية، لا ذاته مطلقا، و لا بعنوان صرف التشريع غير الساري إلى العمل الخارجي، لكونه من محرمات الجنان لا الجناح.
1) وسائل الشيعة 11: 32 باب 12 من أبواب جهاد العدو حديث 1.
ثم إنّ في المقام نصوصا مستفيضة، مشتركة في الدلالة على دخل الاذن في مشروعية الجهاد، و من جملتها ما دل على نفي الجهاد في زمانه بقوله: «و لا أعلم في هذا الزمان جهادا غير الحج و العمرة» (1).
و نظيره ما في نص آخر عن علي بن الحسين عليه السلام حيث أجاب السائل عن وجه تركه للجهاد، مع دلالة الآية الشريفة على فضله، بقوله:
«تمم الآية»، فقال السائل الْعٰابِدُونَ (الْحٰامِدُونَ) السّٰائِحُونَ (2)إلى آخره. فقال:
«الجهاد مع هؤلاء أفضل من الحج» (3).
و الظاهر انّ غرضه انه مع وجودهم موجب لبسط يده، المنشأ لإطاعة رأيه، لا أنّ هذه الصفات معتبرة في من شرع في حقه الجهاد، كيف و إطلاق كلماتهم كالصريح في عدم اعتبار أزيد من الصفات السابقة ذكرها.
و على هذا المعنى أيضا يحمل قوله في الرواية السابقة: «لا أعلم في هذا الزمان»، بملاحظة عدم بسط يدهم فيه. و ذلك أيضا من جهة دخله في إطاعة أمره.
فالشرط في الحقيقة- بقرينة الخبر السابق المشتمل على النوم المزبور- هو اذنه و رأيه المطاع، و انه لا رأي لمن لا يطاع. لا انّ في المقام شرطين، أحدهما عنوان بسط اليد، و الآخر اذنه بما هو مبسوط اليد، ففي الحقيقة عنوان بسط اليد دخيل في شرطية إذنه.
بل و لان دقق النظر يرى انّ حقيقة الاذن و الأمر إنما يصدر من الآمر، في ظرف يصلح لإحداث الداعي عن قبله، فمع عدم إطاعتهم لأمره لا معنى لصدور الأمر.
و مجرد دعوته لآحاد العارفين بحقه، لا يصلح أمر الجهاد المنوط بقيام جم غفير، معلوم في العادة عدم اتفاقه في زمانهم، مع كمال سلطة أهل الجور و الباطل. فشأن آحاد الشيعة في زمانهم هي التقية في ذلك، و عدم تجاهرهم في امتثال أوامر أئمتهم، و مع هذا الحال كيف يصلح صدور الاذن منهم في الجهاد و عدمه، فصح دعوى أنّ شرطية إذنهم في مشروعية الجهاد بمقتضى النص السابق، اقتضى نفي الجهاد في زمانهم الموجب لمقهوريتهم لسلاطين عصرهم، لعدم صلاحية الوقت لصيرورتهم في أمر الجهاد مصدر الأمر و الاذن نفيا و إثباتا.
و بهذا البيان أمكن التشكيك في كون مثل هذا الاذن دخيلا في وجوب الجهاد، و ربما يثمر ذلك عند الشك في صدوره عنهم، أو وجوب الاستئذان على المجاهدين منهم، مع الشك بأنّ لهم الأمر، أو الشك في صدور الاذن من أولى الأمر منهم، لأنه على كونه شرطا للوجوب لا يجب الاقدام على تحصيل شرط وجوبه، فلا يجب عليهم الاستئذان حتى مع العلم بصدور الاذن منهم، بخلافه لو كان شرطا للواجب، فإنه مع احتمال صدور الاذن عنهم، مع العلم بكونهم أولي الأمر أو العكس، يجب عليه الإقدام في تحصيله، لاحتمال قدرته، التي هي من الشرائط العقلية.
نعم لو لم يحصل الاذن خرج العمل حينئذ عن حيطة قدرته، فلا يجب عليه حينئذ تحصيله.
و حيث كان الأمر كذلك أمكن أن يقال: إنّ المسألة من صغريات المسائل المعروفة، من أنه لو كان لنا إطلاق في دليل مستقل، حاك عن تعلّق الوجوب- بقول مطلق- بشيء على الإطلاق، و ورد القيد في دليل آخر، فقد يشك في رجوعه إلى هيئة الدليل الآخر المقيّد بحكمه، أو إلى مادته. و لقد حققنا في ذلك المقام بأنّ المادة على أي حال لا يبقى على إطلاقها، فينتهي
الأمر حينئذ إلى الشك في تقييد الهيئة، فأصالة الإطلاق فيه بلا معارض فيحكم به، و لازمة استفادة كونه شرط الواجب لا الوجوب.
و ربما يؤيده بناء المجاهدين من الصدر الأول على الاستئذان من واليهم، خصوصا في أصحاب سيد الشهداء عليه السلام. و ربما يكون مثل هذا الديدن شاهد عدم بنائهم على خلوص أنفسهم قبل صدور الاذن من و إليهم، من باب الاتفاق على تكليف الجهاد، بحيث لا يجب عليهم الاستئذان حتى مع علمهم بأنه يأذن، بل ينتظر إلى أن يحصل منهم الأمر من باب الاتفاق.
و هذا المعنى أيضا لا ينافي مع نفي الامام الجهاد في زمانه، لعدم صلاحية الزمان لكونهم أولي الأمر، و انّ إطاعة أمرهم تبعا لأوامر أهل الجور لا تصيرهم أولي الأمر. و لا يقاس هذا الزمان بزمان الأمير، حيث أمر الحسين عليه السلام في مضيه إلى الجهاد مع جيش عمر، إذ في ذاك الزمان كان الأمير عليه السلام طرف الشورى على وجه كان رأيه مطاعا بلا تبعية رأيه لرأيهم محضا، و أين هذا الزمان مع زمان ابتلاء بقية الأئمة بالأمويين أو العباسيين، فإنهم كانوا مقهورين ظاهرا تحت سيطرتهم و سلطانهم، فلا يصدق على مثلهم أنّ لهم رأيا في قبال رأي سلاطين الجور، إذ لا رأي لمن لا يطاع، و بهذه الجهة لا جهاد في زمانهم.
و بهذا البيان ظهر أيضا وجه كلام المصنف: لا يجوز الجهاد بالمعنى المتقدّم مع الجائر بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا. ففي نص عبد اللّٰه بن سنان بعد السؤال عن الذين يقتلون في الثغور، قال: «الويل لهم، يتعجلون قتلة في الدنيا و قتلة في الآخرة» (1).
1) وسائل الشيعة 11: 21 باب 6 من أبواب جهاد العدو حديث 4.
بل ربما يظهر من بعض النصوص: حرمة قتالهم و لو دفاعا إذا كان بأمرهم، نعم لا بأس بقتالهم بقصد الدفع عن نفسه أو عن غيره من المسلمين، و في ذيله: «فإن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين يقاتل لنفسه لا للسلطان» (1).
و بمثل هذه النصوص و الفتاوى ربما يحمل دعاء السجاد- في نصرة جيش المسلمين، المعلوم كونه في زمان عدم كونهم أولي الأمر، و بلا اذن منهم- على مبغوضية انكسارهم المستتبع لطروء و هو في هيمنة المسلمين. و مثل هذا المعنى غير مناف لمبغوضية أصل جهادهم، و كونه بمنزلة أكل الميتة و الدم، كما هو مضمون النص السابق.
ثم انه من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه كلام المصنف: إلّا أن يدهم المسلمين عدو يخشى عليهم من حيث دينهم أو أراضيهم و أموالهم أو أنفسهم، سبيا أو قتلا أو غير ذلك، كما سيأتي وجهه، فيدفعه حينئذ و لا يقصد بقتاله و دفعه لهم معونة الجائر، و ذلك هو المراد بقوله عليه السلام: «يقاتل لنفسه لا للسلطان».
و لا يعتبر في ذلك القسم من القتال الشروط السابقة المعتبرة في الجهاد بالمعنى الأول، من هجوم المسلمين عليهم بدوا، لإطلاق النص المزبور و ترك استفصاله عليه السلام عن وجدانه للشرائط السابقة و عدمه، مضافا إلى أنه صريح في عدم شرطية اذن الامام فيه، و انّ الظاهر كون السائل في مقام استعلام حكم الواقعة، لا في مقام الاستئذان منه في هذا الدفاع.
و بعد ذلك نقول: إنّ لازمة عدم اعتبار سائر الشروط أيضا، لعدم الفصل
1) وسائل الشيعة 11: 19 باب 6 من أبواب جهاد العدو حديث 2.
بينهما.
هذا كله مع إمكان دعوى شمول مطلقات المقاتلة مع المشركين لمثل هذا الدفاع أيضا، و إنما خرج بأدلة المقيدات، المقاتلة البدوية لفاقد القيود، و بقي الباقي تحتها.
نعم لا بأس بدعوى شرطية البلوغ و العقل في المقام أيضا الحديث رفع القلم، إلّا أن يكون الدفاع عن المسلمين يحتاج إليهم أيضا في جهة من الجهات، فيجب على الولي تمكينهم عليه مقدمة لحظ المسلمين، للجزم بأنّ أهمية حفظهم كانت بمثابة توجب مطلوبية الإقدام حتى من الصبي و المجنون.
غاية الأمر مثل هذه المصلحة الملزمة لا تكون موجبة لتوجه التكليف إلى الصبي و مثله، و لا مانع لتوجهه إلى وليه، كما هو الشأن في الأغراض المتعلقة بأموالهم و أنفسهم في حقوق الناس، فإنّ المكلف بحفظها هو الولي.
و بالجملة نقول: كل مورد تعلّقت بعمل الصبيان و المجانين مصلحة ملزمة لا يفي بها إلا عملهم- كمثل هذه المصلحة- و إنّ لم يمكن توجه التكليف إليهم، لعموم رفع القلم عنهم في جميع التكاليف، إلّا أنه لا مانع في اقتضاء مثل هذه المصلحة توجيه التكليف نحو وليهم، نظرا إلى انّ الاهتمام بالمصلحة المزبورة مقتضية لتوجه الطلب نحو إيجاده بقول مطلق، ما لم يمنع منه مانع، و حيث إنّ لإيجاده أنحاء من الاعتبار من إيجاده مباشرة أو تسبيبا، و كان لأحدهما مانع، كانت المصلحة مؤثرة في إيجاب إيجاده تسبيبا.
و حيث انّ الأولى به وليه الإجباري يتوجه التكليف بدوا إليه، و مع عدمه يتوجه الى الحاكم، لأنّ في الحسبيات كان الحاكم أولى بهم من غيره، و مع عدم الحاكم يتوجه التكليف المزبور إلى العدول، لأوليتهم عن غيرهم. كما هو الشأن في جميع الحسبيات.
و مع عدم العدل يتوجه التكليف إلى بقية المسلمين، فلهم بل عليهم تمكين الصبيان أو المجانين على المقاتلة، أو سائر الجهات اللازمة في قبال البقية.
و لعل إلى هذا المعنى ينظر كلماتهم، في عدم اعتبار الشروط المذكورة، في الجهاد بالمعنى الأعم. إذ ظاهر إطلاق عدم الشرطية يشمل البلوغ و الجنون أيضا.
و حينئذ فمعنى عدم الشرطية فيهما، عدم سقوط التكليف عن أوليائهم، لا بمعنى كونهم مكلفين. كيف و الصبي غير متعلّق به التكليف و كذا المجنون إجماعا، من دون فرق بين نحو تكليف دون تكليف، كما لا يخفى.
نعم في الجهاد بالمعنى الأخص ليس الاهتمام به بمثابة تقتضي محبوبية إيجاد العمل بأي نحو و لو تسبيبا، و لذا لا مقتضى لوجوب التسبيب على الولي، بل حديث رفع القلم حينئذ يرفع التكليف عنهما مباشرة، فلا يبقى عمل الصبي و المجنون تحت أمر مطلقا، لا تسبيبا و لا مباشرة كسائر تكاليفهما، كما لا يخفى.
نعم قد يشكل في جريان شرطية السلامة عن المرض، المنتهي إلى عدم قدرته على الدفاع أيضا، فإنه لا يعقل نفي شرطيته، بل و إطلاق نفي الحرج عن المريض و الضعيف و غير القادر على النفقة أيضا يشمل المقام، كما يشمل إطلاق كتب الجهاد على الرجال، بناء على شموله للدفاع أيضا.
و كذا دليل الحرية حيث إنّ الجهاد عندهم عبارة عن مطلق المقاتلة لتشييد أركان الدين و حفظ جهات نوع المسلمين، أعم من أن يكون بمهاجمتهم على المشركين بدوا، أم لدفع هجوم غيرهم عليهم. فلا اختصاص لمفهوم الجهاد عندهم بالمعنى الأول.
و يشهد له تقسيمهم الجهاد من الأول إلى القسمين، و حينئذ فلا قصور
لشمول مثل هذه الإطلاقات لمقامنا.
اللهم إلّا أن يدعى انصرافها إلى الجهاد بالمعنى الأول، و لعل وجه الانصراف: انّ الدفاع عن المسلمين- مع قيام من به الكفاية- لا يجب على غيرهم، و يسقط عنهم و لو كانوا واجدين للشرائط، فضلا عن فاقديها، للجزم بأني مصلحة الدفع قائمة بإقدام جماعة وافية بها، بلا اقتضاء فيها للزوم الدفع على الزائد منهم، و لو مع وجدان الشرائط، فضلا عن فقدانها.
و أما مع عدم قيام من به الكفاية، بل كان الدفاع بمثابة تحتاج إلى العبيد و النساء و الصبيان و المجانين و غيرهم، فالاهتمام بمصلحة حفظ المسلمين دينا و نفسا، بل مالا و أراضي، بنحو ينتهي، إلى ذلك المسلمين، يقتضي قيام جميعهم، بلا صلاحية شمول الأدلة النافية عن الأصناف لمثل هؤلاء.
نعم لا بأس بشمولها للجهاد بمعنى هجومهم على المشركين بدوا، لعدم إحراز الاهتمام فيه بهذه المثابة، بحيث يكشف عن وجوب قيام فاقدي الشرائط عند عدم كفاية غيرهم.
بل غاية الأمر يسقط الجهاد حينئذ عن الجميع، لعدم وجود من به الكفاية من واجدي الشرائط، بلا قرينة خارجية حينئذ مقتضية لرفع اليد عن النصوص النافية في حق المذكورين. فأدلة الشرائط النافية للجهاد عن الأصناف المزبورة باقية على حالها بالنسبة إلى الجهاد بالمعنى الأول، بخلافه على المعنى الثاني، كما لا يخفى.
نعم في المرض و الإقعاد و العمى الموجبة لخروج الدفاع عن تحت قدرته رأسا و بجميع جهاته، يسقط عنه التكليف حينئذ عقلا، و لكن، ليس ذلك بإسقاط شرعي كاشف عن عدم المصلحة، كي لا يجب عليه تحصيل مقدمات رفع هذه الموانع، حتى مع القدرة على رفعها، بل إنما هو بإسقاط عقلي كاشف عن مجرد سقوط التكليف عنه، مع علمه بوفاء عمله بالغرض. و لازمة
وجوب تحصيل مقدمات قدرته على الجهاد، بل و مع الشك فيه أيضا يجب عليه الاحتياط، كما هو الشأن في جميع الشرائط العقلية، كما لا يخفى.
ثم إنّ ذلك كله حال الشرائط المعتبرة في الجهاد بالمعنى الأول، و أما الأحكام المترتبة عليه، مثل أحكام الشهيد، و قسمة الغنيمة، و حرمة الفرار، ففي ترتبها عليه بالمعنى الثاني أيضا، مبني على ترتب الأحكام المزبورة على مطلق المقاتلة في حماية الدين و تشييد أمر المسلمين، و إلّا فيشكل أمر جريانها في الجهاد بالمعنى الثاني.
و في الجواهر: احتمال التفصيل بين فرض كون الدفاع مع الامام العادل أو من نصبه، و عدمه، فعلى الأول فهو جهاد يترتب عليه أحكامه، و على الثاني لا يكون جهادا فلا تترتب عليه الأحكام المزبورة.
أقول: يمكن أن يقال أولا، إنّ أحكام عنوان الشهيد تترتب على من قتل بين الصفين أو في حماية الدين، فلا بد من ملاحظة انّ مثل هذا العنوان شامل للدفاع بإطلاقه أم ليس له إطلاق من حيث حضور الإمام أو عدمه، أو من حيث شموله للقتال الدفاعي في قبال هجومهم على المشركين بدوا.
و ليس مبني مثل هذا الحكم شرح مفهوم لفظ الجهاد، كي يتشبث بشمول عنوانه لمثل المقام و عدمه، كما انّ قسمة الغنيمة و حرمة الفرار أيضا ليس المأخوذ في موضوعهما مثل هذا العنوان، بل غاية ما يتبادر من الأول ما يغنمه المقاتلون في مورد حماية الدين، و غاية ما أخذ في موضوع الثاني- كما في الآية الشريفة- ملاقاتهم للكفار زحفا.
ففي شموله للمقام و عدمه لا بد من تنقيح أنّ إطلاقه هل يشمل مطلق المقاتلة في حماية الدين و لو في زمن الغيبة دفاعا و بلا حضور إمام، أو يختص بصورة حضور الإمام، أو يختص علاوة على حضوره بصورة القتال البدوي؟
فليس مبني هذه الجهة أيضا شرح عنوان الجهاد من حيث الصدق على مورد دون مورد.
و على أي حال لا مجال للتفصيل المزبور من حيث صدق عنوان الجهاد و عدمه، بل عمدة الوجه ملاحظة إطلاق المقاتلة في سبيل اللّٰه و ما في معناه، المأخوذ في موضوع الشهيد، و موضوع قسمة الغنيمة و حرمة الفرار. فإن كان له إطلاق على وجه يشمل مثل هذه الجهات فيؤخذ به، و إلّا فيقتصر في ترتب مثل هذه الأحكام- الواردة على خلاف القاعدة- على موردها.
و عليه فلا يبعد منع إطلاق هذه العناوين الواردة في شرح الشهيد أو قسمة الغنيمة و حرمة الفرار من حيث هذه الجهات، بل غاية ما يستفاد منها كونها في مقام بيان أنّ للمقاتلة المزبورة مثلا دخلا في الحكم، و انه منوط بتحقق عنوان المقاتلة في سبيل اللّٰه، أو في حفظ نوع المسلمين، لا بكل مقاتلة و أما كونه تمام الموضوع فليس مثلها في مقام البيان، فلا موجب حينئذ لتسرية الأحكام المزبورة إلى غير الجهاد بالمعنى المعهود.
و حينئذ ففي شمولها لصورة الدفاع المزبور، و لو مع حضور الإمام إشكال.
ثمّ إنّ موضوع البحث في المقام من حيث وجوب الدفاع و ترتب سائر الأحكام أيضا هو الدفاع في حماية الدين و حفظ نوع المسلمين، و لو مالا و أراضي، كما هو مقتضى إطلاق النص السابق، فلا يصغى إلى ما في الجواهر من منع وجوبه عند كون غرضهم مجرد التسلط على الأراضي، بلا نظر منهم إلى تغيير دينهم أو حكم من أحكامهم (1). إذ ذلك خلاف إطلاق النص السابق، الشامل لصورة كون استيلائهم على أراضي المسلمين موجبا لذلهم
1) جواهر الكلام 21: 15.
و هتك صولتهم جزما.
و أما الدفاع عن هجوم العدو على أشخاص مخصوصين، لا من حيث كونهم مسلمين، بل لخصوصية اخرى، نفسا أو عرضا أو مالا، فهو يقينا مورد انصراف الأحكام المزبورة عنها و الشرائط المسطورة، غير وجوب الدفاع عنهم، بل ربما لا يعتبر في وجوب مثل هذا الدفاع كون العدو كافرا، بل يشمل المسلم أيضا. و مثل هذا المعنى أيضا منصرف عنه عنوان الجهاد، فلا يبقى مجال توهم جريان الشرائط و الأحكام المزبورة في مثله، و سيأتي تفصيل ذلك في كتاب الحدود إن شاء اللّٰه.
عن المقاتلة يجب أن يستنيب مع القدرة و الاحتياج إليه، لعدم الكفاية، مع فرض عدم تمكن غيره من النفقة، نظرا إلى أنّ وجوب الجهاد لما كان كفائيا، ففي الفرض المزبور يجب على القادر على الإنفاق- مع عجزه عن القتال- بذلها لغيره. فالواجب عليه حينئذ تعيينا بذل المال.
نعم مع قدرته لا يجب عليه تعيينا البذل المزبور، لكن في وجوبه عليه، و لو تخييرا، وجه- إذ بعد الجزم بتشريع النيابة في باب الجهاد، للجزم بأنّ مصلحته غير مخصوصة بعمل نفسه، بل مما يفي به فعل غيره أيضا تسبيبا، فالواجب من الأول علاوة على كونه كفائيا تخييري أيضا بين الجهاد بنفسه أو بنائبه بماله، إذ هو أيضا نحو جهاد بالمال، فيشمله عموم يجاهدون بأنفسهم و أموالهم.
نعم لو لم يحتج إلى العاجز، لقيام من به الكفاية، فلا وجه لوجوب استنابته، بل لا يجب عليه حتى مع قدرته، بعد فرض القيام المزبور.
كما انه لو تمكن النائب بنفسه يجب عليه مستقلا، مثل ما يجب على هذا العاجز. فمع الاحتياج إليه يجب عليه بلا نيابته عن غيره. و ذلك أيضا على نحو التخيير بين الجهاد بنفسه أو بنائبه و لو كان قادرا في صورة لا يحتاج إليهما، كما انّ على الأخير أيضا كذلك. و ربما ينتهي الأمر أيضا إلى وجوب بذل واحد منهما بنحو الكفاية، لغير قادر على النفقة.
و لا فرق في هذه الجهات بين الجهاد بالمعنى الأخص أو الأعم، كما هو ظاهر. و حينئذ ظهر ما في إطلاق كلام المصنف، من وجوب استنابة العاجز.
و لقد أجاد العلّامة الأستاذ في تكملته، في مصيره إلى عدم وجوب الاستنابة إلّا مع الاحتياج، بناء على إرادته من الوجوب في طرف المستنثى أعم من التخييري و التعييني (1)، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه انه تجوز الاستنابة أيضا لغير العاجز، لما عرفت من كون الوجوب في المقام- علاوة على كفائيته- تخييريا بين المباشرة و التسبيب كما لا يخفى.
انه لو تجدد العجز في أثناء الحرب و بعد تلاقي الصفين، فإن كان ذلك بمثابة يخرج عن حيز القدرة على الجهاد بجميع شئونه، و لو عن خدمة المقاتلين، فلا إشكال في سقوط التكليف، لقبح التكليف بما لا يطاق عقلا.
و كذا لو بلغ حد الحرج الخارج عن مقدار ما يقتضيه طبع التكليف بالجهاد، لحكومة عموم نفي الحرج على أدلة التكاليف، من دون فرق في ذلك أيضا بين
1) لا يوجد لدينا كتابه.
الجهاد و الدفاع عن بيضة الإسلام أو عن نوع المسلمين.
و إن لم يبلغ هذا الحد، فمع عدم من به الكفاية، فلا إشكال في وجوب الثبات في الدفاع، لعدم دخل الشرائط الزائدة عن القدرة فيه. و مع وجوده و قيامه به، فلا يجب عليه الثبات و لو كان صحيحا، بلا تحديد شيء عليه، بناء على ما عرفت من عدم جريان دليل حرمة الفرار بعد التلاقي، و وجوب الثبات في باب الدفاع.
نعم لو كان جهادا بالمعنى الأخص، ربما وقعت المعارضة بين عموم دليل الشرطية و عموم وجوب الثبات عند التلاقي، بالعموم من وجه، فيتساقطان، فيرجع إلى البراءة.
هذا و لكن مقتضى الإنصاف أن يقال بمنع عموم لدليل الثبات، على وجه يشمل هذه الصورة، إذ هو ناظر إلى من يجب عليه الجهاد و لو كفاية، فيحرم عليه الفرار عند التلاقي، فكأن مثل هذا الدليل سيق لبيان قلب الوجوب الكفائي قبل التلاقي إلى الوجوب العيني بالتلاقي.
و حينئذ فدليل الشرطية بإطلاقه وارد على دليل حرمة الفرار، لا معارض له، كي يلاحظ بينهما النسبة كما لا يخفى.
هذا، و من هذا البيان ظهر حكم جميع صور المسألة مع تشتت كلماتهم فيها، كما لا يخفى على من راجعها.
و ربما يظهر لك النظر في كثير من كلمات الأعلام في المقام، و اللّٰه العالم.
انّ من عليه دين فتارة يكون مؤجلا، و اخرى يكون معجلا. و على الأخير فتارة هو معسر، و اخرى هو موسر. و على التقادير فتارة يكون في الجهاد بالمعنى الأخص، و اخرى في الدفاع. و على التقديرين فتارة مع قيام من به الكفاية، و اخرى مع عدمه.
و على الأخير فلا شبهة في أهمية حفظ بيضة الإسلام أو نوع المسلمين، و لو مالا و أراضي، على وجه ينتهي الأمر إلى ذلهم عن وفاء الدين، فلا يكاد يتعلق به التكليف بأداء الدين، و لو كان الدائن مطالبا لدينه المعجل فضلا عن صورة عدم مطالبته، أو عدم تعجيل دينه.
و أما لو كان مع قيام من به الكفاية، فلا شبهة في تقديم الدين المعجل مع المطالبة دون غيره، لعدم ثبوت تكليف على قيامه بالدفاع، فضلا عن أهميته عن الدين.
نعم وجب القيام قبل قيام الغير به، لكن لا يزاحم ذلك مع التكليف بأداء الدين المعجل، فيجب القيام بأداء دينه كي يتعيّن على الغير قيامه بالدفاع، كما لا يخفى.
و أما في فروض الجهاد بالمعنى الأخص، ففي تقديم التكليف بالجهاد حتى مع عدم من به الكفاية، على الدين المطالب المعجل اشكال، لعدم إحراز الاهتمام به على وجه يزاحم حقوق الناس، كما هو الشأن في غالب موارد مزاحمة حقوق اللّٰه مع حقوق الناس. فإنّ بناء الأصحاب على تقديم حقوق الناس على حقوق اللّٰه، و لازمة حينئذ توقيف الجهاد إلى أن يتمكن بوجه عنه.
و أما مع عدم تعجيل الدين أو عدم مطالبة الدائن، فلا شبهة في وجوبه عليه، لفرض الاحتياج إليه، للعمومات.
و مثل هذا التفصيل جار في صورة وجود من به الكفاية و عدم قيام غيره بعد، و إلّا فمع قيام الغير أيضا لا يجب عليه الجهاد رأسا، كما هو ظاهر.
هذا كله بمقتضى القواعد، و أما مقتضى النصوص الخاصة، فقد ورد في الباب تارة بلسان: إنّ المقاتلة في سبيل اللّٰه تكفّر الخطايا إلّا الدين (1).
1) سنن البيهقي 9: 25.
و اخرى بأنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال في حق من استشهد في الجهاد و عليه دين كثير: «لا زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها» (1).
و يمكن تنزيل الأول على صورة تقصيره في أداء الدين، بقرينة جعله في زمرة الخطايا، بخلاف الأخير، و لو لعدم مطالبة الدائن. و ليس فيه إطلاق يشمل مطالبته قبل الجهاد، فلا دلالة فيهما على خلاف ما ذكرنا، من مقتضى القواعد، كما لا يخفى.
: لا إشكال في وجوب الدفاع مع عدم قيام من به الكفاية، حتى مع منع والديه على وجه يتأذيان بمخالفته إياهما، لأهمية حفظ بيضة الإسلام و نوع المسلمين من حرمة أذى الوالدين.
كما انه يحرم قتاله مع وجود من به الكفاية بنهي الوالدين على الوجه المزبور.
نعم لو لم يتأذ الوالدان من مخالفته، فلا دليل على وجوب إطاعتهما.
و لقد أجاد في الجواهر حيث منع من إطلاق وجوب إطاعتهما، نعم يحرم عليه ايذاؤهما و لو بمخالفة أمرهما، لعموم فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ (2)و حينئذ فلا بأس بمقتضى القاعدة إقدامه على الدفاع حتى مع نهي والديه و قيام من به الكفاية ما لم يتأذيا من مخالفته.
و أما الجهاد بالمعنى الأخص فمع قيام من به الكفاية، فالظاهر جريان التفصيل السابق، بين صورة تأذيهما و عدمه، فيحرم على الأول دون الثاني.
و أما مع عدم قيام من به الكفاية للثاني و فرض تأذي الوالدين، ففي تقديم
حرمة التأذي أو وجوب الجهاد اشكال.
و توهم عدم إطلاق لدليل حرمة التأذي، على وجه يشمل ترك واجباته، كما لو تأذى الأبوان عن صومه الواجب و صلاته، إذ لم يقل أحد بمزاحمته لهما.
و لازمة الحكم بمفاد دليل وجوب الجهاد، و خروج المورد عن موضوع حرمة التأذي. و لئن شئت قلت: بأنّ تأذي الوالدين إنما يحرم المورد القابل لأن يترك، و هذه القابلية لا بد أن تحرز من الخارج، و لا يصلح هذا الدليل لإحرازها، بل بعموم دليل وجوب الجهاد يحرز عدمها.
مدفوع أولا بأن مقتضى هذا التقريب بعينه جار في طرف وجوب الجهاد، فكما أنّ إطلاق دليله يحرز قابلية المحل، و لو من جهة كونه من اللوازم العقلية القابلة لإحرازها بالعموم، كذلك في عموم دليل حرمة التأذي أيضا مثل هذا النظر و الإطلاق، فلا جرم لا يكون نسبة دليل حرمة التأذي بالإضافة إلى أدلة سائر الواجبات نسبة المورد إلى الوارد، بل هو من قبيل نسبة التزاحم.
و حينئذ فمجرد إحراز أهمية أمثال الصوم و الصلاة من الخارج، لا يقتضي إحراز الأهمية، لكل واجب، حتى يشمل الجهاد.
و حينئذ فلا محيص مع الشك في الأهمية إلّا عن الرجوع إلى الأصول العملية، و الأصل، في مثل المقام يقتضي التخيير بينهما.
و حينئذ فإن تم إجماع على أهمية الجهاد في فرض تعيينه عليه فهو، و إلّا فللنظر في تقديم الجهاد اشكال. خصوصا مع احتمال كون عدم تأذي الوالدين من حقوقهما على الأولاد، لا من الأحكام، فإن بناء الأصحاب حينئذ على تقديم حقوق الناس على حقوقه تعالى.
هذا كله أيضا بمقتضى القواعد، و أما مقتضى النصوص ففي كثير منها ترجيح مراعاة جانب الوالدين على الجهاد. بل في نص أبي سعيد: اعتبار إذنهما
في الجهاد، حيث أمر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله برجوعه الى اليمن فيستأذن للجهاد (1).
و في الجواهر: انّ النص عامي (2)و لم يكن مجبورا بعملهم، كيف و ظاهر كلماتهم اعتبار منعهما في نفي الوجوب لا دخل إذنهما في جوازه. بل و يمكن حمل إطلاق كلماتهم في دخل المنع أيضا على الغالب، من كون مخالفتهما موجبة لتأذيهما، لا على دخله مطلقا.
و حينئذ لم يبق في البين إلّا بقية النصوص، الظاهرة في صورة تأذيهما بجهاده بقرينة بكائهما، كما في بعض النصوص (3)، أو كراهتهما (4)الملازمة لتأذيهما غالبا من مخالفته كما في نص آخر (5).
و حينئذ فربما توهم مثل هذه الروايات أهمية مفسدة حرمة التأذي عن مصلحة وجوب الجهاد، فتقدّم.
لكن يمكن أن يدعى أنّ مصب هذه الروايات صورة وجود من به الكفاية، بشهادة عدم توقف النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عن الجهاد بتركه، و في مثل هذه الصورة قد أشرنا الى أنّ القواعد أيضا تقتضي تقديم مراعاتهما على الجهاد.
إنما الكلام و الاشكال، في صورة عدم قيام من به الكفاية، ففي هذه الصورة لا يكاد يمكن التشبث بالنصوص المزبورة لإثبات ترجيح حرمة التأذي، لخروج مثله عن مصب النصوص. فلا محيص عن التشبث بدليل آخر، فإن تم
إجماع على أهمية الجهاد، كما هو ظاهر كلماتهم من تقديم منع الوالدين إلّا مع تعيين الجهاد عليه، المحمول على صورة عدم قيام من به الكفاية، بل في الجواهر التصريح بالإجماع على تقديم الجهاد، فهو، و إلّا فللنظر في ترجيح أي واحد اشكال، فالمرجع البراءة عن الطرفين، فيتخيّر في الأخذ بأي طرف كما لا يخفى.
ثم إن في جريان حرمة التأذي في الأب الكافر إشكال، لإمكان دعوى انصراف الآية عن مثله، لو لا الأوامر الواردة بمصاحبتهما بالمعروف في الدنيا، فإنه يؤكد الإطلاق. و لازمة إلحاق الكافر بالمسلم من تلك الجهة، لو لا شهادة جهاد أبي بكر و أبي حذيفة مع النبي، مع كفر أبويهما، على عدم منع تأذيهما عن جواز الجهاد.
و ذلك أيضا لو لا احتمال عدم تأذيهما منه، فلا دلالة فيهما أيضا على إطلاق تقديم الجهاد على عقوق الأب الكافر، مع أنّ مقتضى إطلاق أمر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بمراعاة جانب الوالدين بلا استفسار عن حالهما، عدم الفرق في ذلك بين المسلم و الكافر. لو لا دعوى غلبة إسلامهم، فتنزل المطلقات المزبورة على الغالب.
و كذا لو كان الأب مملوكا فإنه لا ينافي وجوب مراعاة جانبه، فلا قصور في شمول الآية لمثله، فيلحق المملوك من تلك الجهة أيضا بالحر.
: لو بذل للمعسر ما يحتاج إليه، فمع قيام من به الكفاية في الجهاد لا يجب عليه القبول، إذ حاله حينئذ حال الموسر الساقط عنه الجهاد بقيام من به الكفاية. و مع عدمه فيجب عليه تعيينا، في صورة يعلم بعدم قدرة الباذل بنفسه على الجهاد، و أما مع قدرته فيجب عليهما حينئذ بنحو الكفاية، فباقدام أيهما يسقط عن الآخر.
و في هذه الصورة يدور الوجوب مدار بقائه على البذل، فمهما رجع، عن البذل سقط، و لو في صورة تقابل العسكرين، لما عرفت من أنّ دليل حرمة الفرار أيضا قاصر الشمول لفاقد الشرط.
و مع الشك يستصحب عدم رجوعه، و لو كان بذله تدريجيا ففي جريان الاستصحاب المذكور اشكال، نظير الإشكال في استصحاب جريان الدم بنحو التدريج في باب الحيض.
و عمدة وجه التشكيك التشكيك في اعتبار العرف الأمور المندرجة المنفصلة بمنزلة الواحد المستمر، و ذلك أيضا في صورة استمرار مقتضاها، و إلّا فمع انفصال المقتضيات لا إشكال في عدم اعتبارهم الوحدة المستمرة في أمثال ذلك، فلا مجال لجريان الاستصحاب جزما، كما لا يخفى.
نعم في كفاية الوثوق بكلام الباذل وجه، لو لا دعوى أنه بمنزلة خبر الواحد لا يعبأ به في الموضوعات.
هذا، و لكن يمكن في المقام دعوى القبول، لأنّ الغالب في موارد البذل عدم طريق لإحراز بقائه على بذله إلّا الوثوق بكلامه، كما هو الشأن في بذل الزاد و الراحلة في الحج أيضا، فقضية عدم تنزيل إطلاقات وجوب الحج أو الجهاد بالبذل على الموارد النادرة، لزوم الاتكال و الوثوق بكلامه، فيستفاد حينئذ حجية هذا الوثوق من فحوى الإطلاقات، كما هو ظاهر.
اللهم إلّا أن يدعى أنّ غالب موارد البذل دفعي، و في مثله يجري استصحاب عدم رجوعه، بلا احتياج إلى حجية الوثوق به. و عليه فلا دليل في التدريجيات- لو لا الاستصحاب- على حجية الوثوق بكلام الباذل.
فالعمدة حينئذ هو الاستصحاب، فمع التشكيك المزبور فيه، أشكل أمر الوجوب بمثل هذا البذل التدريجي.
و أشكل منه وجوب القبول في هبته، بناء على كون الوجدان في الجهاد
بالمعنى الأخص- كالحج- من الشرائط الشرعية، كما هو الظاهر أيضا من الآية الشريفة المشار إليها سابقا.
نعم في الدفاع حيث إنه من الشرائط العقلية، يجب عليه القبول عند عدم قيام من به الكفاية، بل و فيها يجب على المبذول له الاقدام بمحض احتمال البقاء، لكونه من صغريات الشك في القدرة، الحاكم فيها العقل بالاحتياط، كما لا يخفى.
انه يجب- على من يضعف في بلد الكفر عن إظهار شعائر الإسلام، من الأذان و الصلاة و الصيام و غيرها- الهجرة إلى بلاد الإسلام، مع تمكنه من المهاجرة، بلا خلاف. و في الجواهر: لمعلومية أمر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بها (1)، و في الآية الشريفة أيضا في قوله أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً (2)دلالة عليه.
نعم من لم يتمكن من المهاجرة لا حرج عليه، لعموم نفي الحرج، كما انّ من يتمكن من اقامة الشعائر فيه خارج عن مورد الآية الشريفة، لظهورها في كونه مستضعفا عن إظهار دينه.
و معقد كلماتهم مختص ببلاد الكفر، لعدم التمكن من إظهار أصل الأذان و الصلاة و الصيام. و أما من كان في بلاد العامة، و لا يتمكن من إظهار تشيعه، فهو خارج عن مصب الكلمات.
نعم لا يبعد شمول عموم الآية من قوله «ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ» في تفويت
أحكامهم و مصالحهم الواقعية لمثله، لو لا دعوى كون التقية دينا ثانويا لهم، على وجه يصلح لجبر المصالح الفائتة، فلا يكون بهذه الجهة ظالما.
و توهم انّ ذلك كذلك لو لم نقل بلزوم عدم المندوحة في التقية، و إلّا فمع التمكن من الهجرة لا تقية عليه، لعدم صدق الاضطرار الجميع للمحذور.
مدفوع بأنّ عموم الاضطرار و إن لم يشمل المقام، إلّا انّ من الموارد المنصوصة، المأمور بإجراء التقية فيها، يمكن أن يستفاد انّ في ظرف الابتلاء بمورد التقية لا يلزم عليه تغيير موضوع الابتلاء. فالعمدة في المقام حينئذ التعدّي عن الموارد المنصوصة إلى غيرها، مضافا إلى إمكان استفادته من فحاوي الإطلاقات الواردة غالبا في فرض التمكن من المندوحة في ظرف الابتلاء، و يستفاد حينئذ توسعة في باب التقية، موجبة لامتيازها عن سائر الأعذار، كما لا يخفى.
و لعل هذه الجهة هي منشأ صرف أنظار المشهور في مثل هذا الحكم إلى خصوص من كان من المسلمين في بلاد الكفر، دون من كان من الشيعة في بلاد العامة.
و حينئذ فما عن الشهيد من إجرائه فيهم أيضا (1)، وفاقا للكركي (2)، منظور فيه. و لقد أجاد في الجواهر في ردهما، بكونه خلاف السيرة في زمن الغيبة (3)، مؤيدا بجملة من النصوص الواردة في الحث على معاشرتهم، بتشييع جنائزهم. و ان كان في استفادة جواز تفويت التكليف من مثلها نظر، كيف و إطلاقها يقتضي جواز جعل نفسه اختيارا مورد الابتلاء بهم، و لا أظن التزامه
من غالبهم، كيف و في النص أيضا الأمر بصلاته في بيته، ثم يظهر الصلاة معهم صورة. فالعمدة في وجه الاستفادة هو الذي أشرنا إليه.
ثم إنّ الأمر بالمهاجرة باق ما دام أهل البلد كافرين، و عدم تمكنه من اقامة الشعائر فيه، و إن كان بعد فتح المسلمين له.
و ما في النبوي من قوله: «لا هجرة بعد الفتح» (1)محمول على فتح مكة، لصيرورتها من بلاد المسلمين بفتحها، مع إمكان تنزيله على ما هو الغالب من تمكن المسلمين بعد فتحها من اقامة شعائرهم، و إلّا فإطلاق الآية الشريفة السابقة شاملة له، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و
، أما الاستحباب فهو المشهور، بل في الجواهر: لا أجد خلافا بينهم إلّا عن التنقيح، حيث ذهب إلى وجوبها على المسلمين كفاية من غير شرط ظهور الامام (2). و وجّهه في الجواهر بصورة لزوم الضرر على المسلمين بدونها (3)، و لكنه خلاف إطلاق كلامه.
و على أي حال فعمدة وجه الاستحباب استفادة الرجحان من جملة نصوص، تارة بلسان «رباط ليلة خير من صيام شهر» (4).
و اخرى بأنّ من العين التي لا تمسها النار عين باتت تحرس في سبيل اللّٰه (5).
و ثالثة بأنّ كل ميت يختم على عمله إلّا المرابط (1).
و مثل هذه النصوص لا يستفاد منها سوى مجرد رجحان المرابطة، و أما وجوبها فلا، كما هو الشأن في مفاد الآية، لعدم اشتمالها على أزيد من مدح الذين جاهدوا و رابطوا.
نعم في نص يونس: الأمر بالمرابطة و النهي عن المقاتلة (2)، و لعل ذلك مدرك التنقيح في مصيره إلى وجوبه (3). و لكن يمكن حمل هذا الأمر أيضا على دفع توهم الحظر بتوهم كونها كالقتال مع الجائرين، الممنوع شرعا، كما توهمه بعض أصحابه، و عليه فيكفي في نفي الوجوب الأصل.
ثم إنه لا تعارض دلالة السابقة على الرجحان مع ما في بعض النصوص من النهي عن المرابطة تارة، و من ثبوت الويل للمقتولين في الثغور اخرى، لإمكان تقييدها بصورة قصد الإعانة للجائرين، كما هو المرئي منها.
ثم إنّ في اقتران الأمر بالمرابطة بالنهي عن القتال، يستفاد إنّ الرباط غير القتال، بل غايته كون الغرض منه كونه عينا للمسلمين، و سببا لإعلامهم بحال المشركين كي لا يهجموا عليهم غفلة منهم، و مثل هذا المعنى أمر مستحسن حتى في زمن الغيبة، و لا يختص بزمان الحضور. و إطلاق النصوص المزبورة ربما يكون شاهدا على ذلك، خصوصا مثل قوله: «رباط ليلة خير من صيام شهر» (4)، و توهم عدم سوقه لهذه الجهات، منظور فيه.
و ظاهره أيضا عدم اختصاص الرجحان في طرف الأقل بالثلاثة الأيام،
و ما في النصوص من قوله: «الرباط ثلاثة و الكثرة أربعون يوما» (1)محمول على مراتب الفضيلة، كما هو الشأن في المستحبات.
و ما في ذيل الرواية بمضمون قوله: فإن زادت كانت جهادا بمعنى انّ ثوابه ثواب المجاهدين، لا انّ حد الرباط أربعون ليس إلّا، بحيث لو تجاوز عنه لا ثواب له، بل بازدياده يتأكد ثوابه، إلى أن يبلغ حد ثواب المجاهدين.
و تجب المرابطة بالنذر و شبهه، لعموم دليله بعد رجحانه ذاتا، و الوجه فيه ظاهر.
بالمعنى الأخص.
و هم: ثلاثة أصناف: الأول: اليهود و النصارى و المجوس المعبّر عنهم بأهل الكتاب.
و هؤلاء يقاتلون إلى أن يسلموا أو يلتزموا بشرائط الذمة، بلا خلاف فيه فتوى و نصا.
و في الجواهر: و قد روت العامة و الخاصة أنّ النبي كان يوصي أمراء السرايا بالدعاء- يعني دعاء أهل الذمة- إلى الإسلام قبل القتال، فإن أبوا فإلى الجزية، فإن أبوا قوتلوا (2).
و في النص الواصل من طريق الخاصة: «فأما السيوف الثلاثة الشاهرة:
فسيف على مشركي العرب، قال اللّٰه عز و جل فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3)، فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام.
و السيف الثاني على أهل الذمة، قال اللّٰه تعالى:
قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ (1)، فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل.
«و السيف الثالث على مشركي العجم، يعني الترك و الخزرج و الديلم و الخزر- إلى قوله- و هؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام» (2).
و أمثال هذه النصوص دلّت على اختصاص أهل الذمة بالبقاء على دينهم مع قبول شرائط الذمة و الالتزام بها.
و أما تعيين أهل الذمة فيستفاد من روايات أخرى مشتملة تارة على قوله:
«ما من مولود يولد إلّا على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه، و إنما أعطى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الذمة و قبل الجزية عن رءوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهودوا أولادهم.» (3).
و في نص آخر قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «أني لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب- إلى أن قال- إنّ المجوس كان لهم نبي فقتلوه و كتاب أحرقوه» (4).
و في نص ثالث: «المجوس يؤخذ منهم الجزية، لأنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قال: سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» (5)، و في نص آخر مثله أيضا (6).
و هذه النصوص بمجموعها تدل على اختصاص أهل الكتاب عن بقية المشركين بقبول الجزية منهم على خلاف غيرهم من المشركين، عربا و عجما، فإنه لا يقبل منهم إلّا الإسلام.
و أيضا يستفاد منها: انّ المجوس ملحقون بأهل الكتاب و محكمون بسنتهم في قبول شرائط الذمة منهم، فما عن العماني من إلحاقهم بالمشركين فلا يقبل منهم إلّا الإسلام، منظور فيه بل في الجواهر هو مسبوق بالإجماع و ملحوق به (1)، و النصوص السابقة أيضا ناطقة بخلافه.
، و يدل عليه النص بأنّ إبائهم عن قبولها يحل دماءهم (2).
على ما يظهر عن بعضهم، و لكن في كونه من مقومات عقد الذمة، على وجه ينقض عقده بمخالفتهم و لو لم يشترط في متن العقد تأمل، و سيأتي توضيحه في ذيل بيان الشرائط التي اعتبرها المصنف إن شاء اللّٰه تعالى.
كشرب الخمر، و نكاح المحارم. و يدل عليه ما في النص المشتمل ذيله على انهم إن فعلوا ذلك برئت ذمة اللّٰه منهم (3).
و ظاهر إطلاقه يشمل ما لو لم يشترط ذلك في متن العقد، و انّ نفس فعلها مناف للذمة، فمقتضاه كونه من اللوازم الشرعية لعقد الذمة بلا احتياج إلى اشتراطها في متن العقد، بل لو اشترط خلافها كان باطلا، لأنه شرط خلاف مقتضى العقد، كما هو الشأن في الجزية.
، و في الغنية:
دعوى الإجماع عليه، و انه ينقض بها العهد و إن لم يشترط في متن العقد بحيث لازمة كون ذلك أيضا من لوازم الحقيقة في عقد الذمة و لو شرعا (1).
و في الجواهر: لو لا تمامية الإجماع أشكل أمره، خصوصا مع كونهم مقررين على أحكامهم (2).
و عن الأكثر: انّ انتقاض العهد بمثله فرع التصريح به في متن عقد الذمة، و إلّا فلا ينتقض. و لازمة عدم جعلهم ذلك من لوازم الحقيقة، فيدخل في سائر الأمور الخارجة عن قوام عقد الذمة، و مع هذا الخلاف يوهن إجماع الغنية.
الراجعة إلى جهة إسلامهم كالتزامهم بأداء الحقوق و ترك المنكرات الإسلامية، و أما لزوم مطلق التزاماتهم، و لو بمثل استخدامهم مجانا أو بعوض، فالظاهر عدم كونه من لوازم عقد الذمة، كي لا يحتاج نقضه بخلفهم إلى الاشتراط في متن العقد، إذ عمدة الدليل عليه آية الصاغرين (3)، إذ الصغار- كما في التذكرة (4)- عبارة عن الالتزام بأحكام الإسلام لا بمطلق التزامات المسلمين، و لو لم يكن الملزم به من أحكام الإسلام، كالاستخدام المزبور.
نعم ليس للآية الشريفة إطلاق لوجوب التزامهم بأحكام الإسلام، و لو لم يكن في البين إلزام من المسلمين، إذ موردها إعطاء الجزية المسبوق بإلزامهم، و لذلك فسّر في الجواهر هذا الشرط بوجوب قبولهم لما يحكم به المسلمون من رد حق و غيره.
و ربما اختلفت عباراتهم في شرحه، و يستفاد من مجموعها: كونه عبارة عن
ذلهم البالغ بمرتبة يصلح أن يكون داعيا لقبولهم الإسلام.
و حينئذ فكل ما له دخل في ذلهم لا بد أن يعامل معهم، و أعظمها كونهم ملزمين بأحكامنا و إلزاماتنا في المرافعات و غيرها.
و ربما يدخل في ذلك عدم علو بنائهم و أمثالها، لو لا دعوى أنّ المتيقن من مراتب الذل المأخوذ في قوام عقد الذمة- كما هو ظاهر الآية- التزامهم بالزاماتنا، و الزائد منه مشكوك، فلا يكون فيها نقض لعقدها، لو لا اشتراطها في متن العقد، كما لا يخفى.
و كيف كان فمثل هذه الأمور- عدا بناء الكنيسة و إيذاء المسلمين- هي من لوازم عقد الذمة على وجه لا يحتاج في اعتبارها إلى الاشتراط.
نعم عن الرياض أيضا: التشكيك في اعتبار عدم تظاهرهم بالمحرمات لو لا اشتراطه في متن العقد (1)، نظرا إلى تشكيكه في إطلاق النص السابق، و هو مع ملاحظة صدره في محله، لإمكان حمله على صورة الاشتراط في متن العقد، كما يومئ إليه الصدر.
لكن في الجواهر تقوية إطلاقه (2)، و هو المشهور، و لو لا إجماع في البين كان تشكيك الرياض إنصافا في محله.
و حينئذ فالمتيقن من مقومات عقد الذمة قبول الجزية، و قبولهم لأحكام المسلمين بالتزامهم، بما هو من شئون أحكام الإسلام، و أما الزائد عنها فلم يكن من مقومات عقد الجزية، بحيث يستلزم خلفها- و لو بلا اشتراط- نقض العهد.
و حينئذ فمثل احداث الكنيسة، و عدم ضرب الناقوس، و عدم اطالة البناء و غيرهما- مما عدا الجزية و الصغار- لم يدل دليل على القوامية، عدا إجماع
الغنية، فإن تم فهو و إلّا فللنظر فيه مجال، فمقتضى أصالة الوفاء بالعقد، العاري عن مثل هذه القيود، يقتضي عدم نقضه بمخالفتها، مع فرض عدم اشتراطها في متن العقد.
كما انّ قضية عدم سب النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و غيره من أئمة الدين و المذهب أيضا لا دليل على كونه من مقومات عقد الذمة إلّا دعوى إجماع الغنية، و إلّا فمجرد وجوب قتلهم بمثل سب الأنبياء و الأئمة أو الملائكة، على ما سيأتي في كتاب الحدود، لا يقتضي كونه من مقومات عقد الذمة، كي يثمر ترتيب سائر الآثار الخارجة عن الذمة، من استباحة ماله و ولده و سبي ذراريه و استحلال نسائه. كما انه لو نالوهم بما دون السب، فإنه لا يوجب القتل، بل غاية الأمر يعزرون بما يراه الحاكم، و ذلك أيضا غير مناف لبقاء عقد الذمة من سائر الجهات.
و منه أيضا إيذاؤهم للمسلمين، و التعرض لنسائهم و أطفالهم و أمثالها، فإنه أيضا لا دليل على مقوميتها لعقد الذمة.
نعم لا بأس بأخذها شرطا في العقد، فمع عدم الاشتراط لا موجب لخلف العقد بارتكاب ذلك، غاية الأمر يجري عليهم ما ثبت له في الشرع من العقوبات حدا أو قتلا أو تعزيرا.
و أما ترتيب الآثار الناقضة لعقد الذمة، و إجراء أحكام الحربي عليهم فلا وجه له، بعد صدق الوفاء بالعقد العاري عنها.
نعم لو دخلوا في الحرب مع المسلمين فهو خلاف مقتضى عقد الذمة، كما هو ظاهر. و لذا لم يجعلوا مثل هذه الجهة من شرائطها قبال سائر الشرائط، لأنه ليس أمرا خارجا عن حقيقة عقد الذمة عرفا، كي يحتاج إلى التنبيه عليه، كما هو الشأن في المقومات الشرعية، كما لا يخفى.
ثم لا يخفى أنّ مثل هذا العقد مهما صدر من أهله، فإنه يجب على الطرفين الوفاء به، و مع الشك في اشتراط زائد عن مقوماته، فأصالة الإطلاق يلحقه بغير المشروط. فلا يكون مخالفته نقض عقد الذمة، و إن كان ربما يترتب عليه سائر الجهات من الحد و التعزير، الوارد في شرعنا على ارتكابه، لو لا تعزيرهم على مذهبهم، الموجب لسقوط أمثال هذه العقوبات عنهم كما ربما تومئ إليه آية الصغار، إذ الظاهر من قوله قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1)انهم بإعطاء الجزية صاغرون يبقون على حالهم و تدينهم بغير دين الحق.
و ذلك أيضا هو المنشأ لاستقرار السيرة على تقريرهم على مذهبهم، و انه الأصل لهم إلّا ما خرج بالدليل، بانكارهم لشيء أو إثبات عقوبة خاصة في حقهم، نظير القتل في سب رؤساء المذهب و التعزير فيما دونه و غير ذلك.
ثم انّ شأن هذا العقد أن يصدر عمن له عقد الذمة لقطر أو ناحية، و هو- كما سيأتي- ليس إلّا رئيس الجيش و الذي أمر الحرب بيده إثباتا و رفعا في زمان مشروعية الجهاد و بسط يد الامام. و أما في غيره ففي كون الأمر في زمن الغيبة بيد الفقيه أو ذي الشوكة من المسلمين كلام سيجيء شرحه في مسألة الذمام و تعيين عاقده.
و توهم أنّ نتيجة عقد الذمة رفع اليد عن الجهاد، فكيف يتصور في زمن لا يشرع فيه الجهاد، مدفوع بعدم اختصاص نتيجته بذلك، بل عمدة النتيجة خروجهم بذلك عن الحربية و صيرورتهم محقوني الدم و المال، و هذا المعنى يعم
1) التوبة: 29.
زمن الغيبة، فلا بد من تعيين عاقده فيه.
و على أي حال لا يكاد يصدر ذلك من آحاد المسلمين حتى للآحاد، لعدم إطلاق يقتضي نفوذ عقده مطلقا، إذ ما ورد من العمومات في وجوب الوفاء بالعقود إنما يتم في عقد صادر عمن له سلطان على ذلك لا مطلقا، مع انّ مثل هذا العقد في زمن الحضور مختص بمن له زمان أمر الحرب، و هو الرئيس، و بعد الجزم ببقاء أصل مشروعية العقد في زمان الغيبة يشك في بقاء اختصاص هذا الشأن بالرئيس فيستصحب، و تتمة الكلام يجيء في بحث الذمام.
فإن التزموا بهذا يعني بما ذكر من شرائط الذمة، على اشكال في بعضها إذا لم يشترط في متن العقد، و كذا بغيرها مما اشترط في عقد الذمة كف عنهم القتال، كما هو مضمون نفس العقد، فيصيرون بذلك في أمان ما داموا على عهدهم، و عدم نقضهم إياه بمخالفتهم، و لو لما اشترط فيه، فضلا عما به قوام العقد.
بلا اشكال على المشهور، لما في النص- بعد السؤال عن حد الجزية-: «ذلك إلى الامام، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء، على قدر ما يطيق»، الى أن قال: «فإنّ اللّٰه عز و جل قال حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» (1).
و حينئذ فما في بعض النصوص من التحديد في طرف الأقل بالدينار (2)، و في آخر: تحديدها في كل صنف و طبقة بحد (3)، بل و على اختلاف
الأراضي، من حيث الزراعة و تحديدها بمقدار مخصوص، محمول على ما رأوه مصلحة في ذلك الحين، و إلّا فليس فيها شيء موظف، على وجه لا ينبغي أن يتجاوز عنه في طرفيه الأقل و الأكثر، كما هو صريح النص السابق.
و لا تؤخذ الجزية عن الصبيان و المجانين و البله و النساء بلا اشكال ظاهرا نصا و فتوى، و في النص التصريح برفع الجزية عمن يحرم قتله من النساء و الولدان (1). و في آخر: «جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه و لا من المغلوب على عقله» (2). و لعل المراد من المعتوه- كما في الجواهر (3)- الأبله الضعيف العقل، المعبّر عنه بالأحمق الذي كان أدون من السفيه الشرعي.
ثم إنّ المستفاد من النص السابق: كون وضع الجزية دائرا مدار جواز قتلهم و عدمه، و لازمة وضع الجزية عن المقعد و الأعمى و الشيخ الفاني و الصغار من الولدان، و في ذيله: «فمن ذلك رفعت عنهم الجزية»، و لازمة اشتراط وضعه عنهم بعدم دخولهم في الحرب، و إلّا فيجوز قتلهم فتوضع عليهم الجزية أيضا.
و إلى هذا التفصيل ذهب بعضهم كما في الجواهر (4)، و حكي عن الإسكافي أيضا.
لكن في الجواهر (1)أيضا قوله: إلّا أنه لا جابر للرواية بعمومها، فالأقوى عدم السقوط للعموم من قوله: «يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء». فإنه ظاهر في عموم من عليه الجزية إلّا ما خرج بالنص الصحيح المعمول به، و حيث لا جابر للعموم السابق، فيقتصر على مورد اليقين، كما أفاده المصنف أيضا من الأصناف الثلاثة، لكن الإنصاف أنّ المسألة لا تخلو من اشكال، لقوة سند التفصيل.
و أما المملوك فالظاهر عدم ثبوتها عليه، لأنه لا يقدر على مثل هذا العقد، الذي مفاده جعل شيء في عهدته، و كون مفاده اشتغال ذمة مولاه أيضا على خلاف القاعدة، إذ ضرب الجزية على كل إنسان يجعل المال في ذمته لا في ذمة غيره، و العبد غير قادر عليه.
و لا يقاس المقام بسائر الديون كالغرامات المالية و الجنائية، لأنّ ثبوتها في ذمة العبد لم يكن منوطا بأسباب اختيارية، بحيث كان لقدرته دخل فيها، و لذا لا تمضي معاملاته الذمية إلّا بإذن مولاه.
نعم لا بأس بمقتضى القاعدة ضرب الجزية عليهم بإذن الموالي، فيشتغل به ذمتهم و لا يلزم الموالي في أدائه، كما انّ في عقد الذمة مع المولى كان للإمام جعل الجزية على رأس العبد كغيره، الراجع إلى جعل ما في ذمتهم، إذ هذا المعنى هو المنكر بعموم «لا يقدر»، لو لا اذن مولاه فإنّ القاعدة تقتضي صحته، لو لا الفتوى المشتملة على نفي الجزية على العبد، مؤيدة بما دل على ملازمة ضرب الجزية مع جواز القتل. و سيأتي أنّ العبد لا يجوز قتله إلّا مع دخوله في الحرب.
و في قبال النبوي نص الباقر عليه السلام بثبوته على العبد، و لا يؤدي عنه
1) جواهر الكلام 21: 237.
مولاه (1). و لا مجال للجمع بينهما بحمل الأخير على اذن المولى المناسب لإلزامه بأدائه، و حمل الأول على عدم إذنه، لأنه لا شاهد على مثله بعد إطلاقهما، و المناسبة المذكورة أيضا لا تقتضي الظهور كما لا يخفى.
لكن الذي يسهّل الخطب اشتهار الفتوى على طبق النبوي، الحاكم بالسقوط، و إليه أيضا ذهب في الجواهر (2). فإن تم ذلك جبرا له و وهنا للنص الباقري، فهو و إلّا فللتأمل فيه مجال، في عدم الثبوت في ذمة العبد، حتى مع اذن المولى، مع عدم التصريح به في متن عقد الذمة.
نعم مع التصريح به في العقد فقد يتوهم اقتضاء عموم الوفاء ثبوته عليهم.
و فيه إنّ المقام من قبيل الشك في قابلية المحل لورود العقد عليه، و عموم الوفاء به لا يثبت القابلية. و ذلك أيضا لو لا كون المسألة من صغريات الصلح المشكوك كونه محلّلا للحرام أو محرّما للحلال. و أصالة عدم المخالفة بنحو سلب الاتصاف تدخله في عموم وجوب الوفاء بالعقد، كما لا يخفى.
و كيف كان فتؤخذ الجزية من غير هؤلاء، رهبانا كانوا أو فقراء مع تمكنهم و لو بقرض أو بيع شيء، و لو من مستثنيات الدين، المناسب للامتنان غير الجاري في المقام، لعدم مناسبة مع صغارهم، و مع عدم التمكن يبقى دينا في عهدتهم إلى أن يتمكنوا.
و في إجبارهم على الكسب حينئذ و لو باستخدامهم وجه، لو لا دعوى الإجماع على خلافه.
و لو ضربت عليهم جزية و اشترطوها على النساء في أصل ثبوتها فيبطل، لعدم مشروعية العقد المزبور، و لو اشترطوا عليهنّ الأداء لديونهم، بحيث يكون أصل ثبوت الجزية على الرجال، و على النساء أداء ديون رجالهم، ففي كونه صلحا محلّلا للحرام إشكال، لأنّ الثابت عدم وضع الجزية عليهن، لا عدم جعلهن ملتزمات في أداء ديون الغير.
و لعل ظواهر الكلمات أيضا منصرفة عن هذه الصورة، و إن كان كلام صاحب الجواهر يوهم شمول عدم المشروعية للصورة الثانية أيضا، و فيه تأمل، لعدم مساعدة دليل عليه، لو لا قيام إجماع في البين، و فيه أيضا بعد شبهة صرف الكلمات إلى الصورة الأولى إشكال.
و لو حاصر المسلمون حصنا و قتلوا رجالهم، و طلبت النساء وضع الجزية عليهن و كونهن في أمان من السبي، ففيه قولان، أقواهما: العدم، لعدم المشروعية، لو لا دعوى انّ نفيها عنهن امتناني غير شامل لمثل المقام، الذي تكون المنة في حقهن ضربها عليهن، و لعله إليه نظر القائل بالجواز.
و هل يجوز إيقاع صورة الصلح معهن مقدمة لفتح الحصن، ثم يسبين؟
نسب ذلك إلى قائل مجهول، و مشعر بضعفه. و لعله من جهة شمول دليل شبهة الإمكان لهن حينئذ، فيجب ردهن إلى مأمنهن، و ليس لهم سبيهن حينئذ، بل عن الكركي جواز عقد الأمان لهن بلا ضرب جزية، لعموم الوفاء بالعقد (1).
و دعوى انحصار أمر أهل الكتاب بالقتل و سبي النساء و تملك الأموال، إلّا مع التزامهم بالذمة، و حيث لا ذمة على النساء، لعدم وضع الجزية التي هي من مقوماتها عليهن، فلا أمان لهن.
1) جامع المقاصد 3: 443.
مدفوعة بأنّ غاية نفي الذمة لهن كونهن بحكم الحربي، و سيأتي عقد الأمان معهم، على وجه يبقون في أرض المسلمين مأمونين. نعم من دخل بشبهة أمان لا بد أن يرد إلى مأمنه، و ليس له البقاء بعد رفع الشبهة، كما سيأتي تفصيله.
و لو كان ذلك بعد عقد الجزية و الذمة فلازم نقضهم للعهد عدم جريان الاستصحاب في أمان نسائهم أيضا، لأنه يتبع بقائهم على العهد، و المفروض نقضهم، الموجب لحصرهم في الحصن. فما عن المحقق في الشرائع من استصحاب أمانهن، و لو بلا جزية (1)، منظور فيه.
و لو أعتق العبد الذمي أجبر على الخروج من دار الإسلام إلّا بقبول الجزية و شرائط الذمة بلا اشكال. و لا يقتل فعلا، لأنه دخل بشبهة الأمان مع سيده، فيجري عليه حكمه. و هكذا في إلزامهم على ضرب الجزية على كل من بلغ من صبيانهم، لعموم صحة وضع عقد الجزية و اجراء حكم الذمة على كل بالغ.
و في كون حكمهم حكم العبد حتى في كونه تحت شبهة الأمان في دخوله في دار المسلمين اشكال، و في الشرائع إلزامه بالجزية فإن امتنع كان حربيا (2). و ظاهره جواز قتله، و ذلك لإمكان منع صدق الشبهة عليه حين البلوغ.
و كونه في أمان حين عدم التكليف غير مشمول لدليل شبهة الأمان، و بذلك يفترق المقام عن العبد المعتق. لكن في الجواهر أظهر التسلم بكونه في شبهة أمان أبيه، فيرد الى مأمنه (3). فإن تم إجماعا فهو، و إلّا ففيه نظر.
و في حكم الصبي البالغ المجنون الذي أفاق من جنونه.
و في الأدواري دورة إفاقته، خصوصا مع كونها أكثر من دورة جنونه، كلام آخر، من كونه بحكم المطبق مطلقا، أو بحكم المفيق مطلقا، أو فيه تفصيل بين صورة بلوغ إفاقته إلى السنة و عدمه، وجوه، بل هنا تفصيلات أخر، كما لا يخفى على من راجع الجواهر.
و الذي يقتضيه التحقيق- بعد عموم اجراء حكم الذمي على الجميع- انه لا بد من ملاحظة دليل المخصص، و هو عنوان المغلوب عليه، فإن انصرف الى المطبق فيدخل في عموم المستثنى منه، و إلّا فينصرف إلى المغلوب عليه وقت عقد الذمة، فيصير المدار عليه لا على إفاقته في السنة.
اللهم إلّا أن ينصرف، دليل وضع الجزية المحدودة بالسنة، إلى صورة بقائه على الشرط في تمامها، بل لو فرض تحديد زمان الجزية بأقل منها، بناء على عدم اعتبار السنة فيها، كما يظهر من كلماتهم، فيعتبر بقاؤه على الشرط في هذه المدة، للانصراف المزبور، و لعله لا يخلو عن قوة، و اللّٰه العالم.
و يجوز وضعها يعني الجزية على رءوسهم و أراضيهم بأجمعهما على اشكال فيه، أو بانفراد كل منهما عن الآخر بلا اشكال. و عمدة وجه الإشكال في الأول- بعد عموم الوفاء بالعقد على أي نحو وقع- ما في النص: «و ليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء وضع على رءوسهم و ليس على أموالهم شيء، و إن شاء وضع على أموالهم و ليس على رءوسهم شيء» (1).
و في آخر: «فإن أخذ من رءوسهم فلا سبيل له على أراضيهم، و إن أخذ من أراضيهم فلا سبيل على رءوسهم» (2).
لكن لا يخفى أنّ ظاهرهما أنه بعد شرط كل منهما منفردا في عقد الذمة، ليس له التعدّي إلى غيره، لا أنه ليس له جعل مجموعهما في العقد، أو جعل الجزية عليهما بعد شرطها في الذمة بنحو الإجمال.
و حينئذ فعموم ليس فيه شيء موظف، و ان كيفية جعله و ضربه بعد العقد بنحو الإجمال، أو في متن العقد، بنظر الامام، يبقى على حاله.
و لو أسلموا سقطت الجزية سواء كان إسلامهم قبل الحلول أم بعده قبل الأداء، بلا إشكال في الأول في الجملة. و على المشهور في الثاني.
و عمدة ما وجهوا له هو عموم قاعدة الجب، و عموم إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ (1)، و عموم «ليس على المسلم جزية» (2)، و في آخر: «لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الخراج» (3)يعني الجزية، و بأنّ الغرض من ضرب الجزية الرغبة إلى الإسلام، و مع دخولهم فيه لا مقتضى لها.
و فيه: إنّ غاية ما يستفاد من قاعدة الجب رفع الآثار غير الامتنانية، من الإلزامات و العقوبات المرتبة على حدوث أسبابها حال الكفر، لا ما يترتب على بقائه إلى حال الإسلام. و ذلك هو عمدة الفارق بين ديونه و قضاء عباداته أو سائر عقوباته. و مثل هذا المعنى يجري في المقام أيضا، بعد كونه بمقتضى عقد الذمة دينا عليهم.
و كون الداعي على العقد ترغيبهم إلى الإسلام لا ينافي بقاء دينهم الحاصل بالعقد بإزاء حقن دمهم و أمانهم، و لو في مقدار من الزمان. و مجرد كون دينهم
هذا من تبعات كفرهم، لا ينافي البقاء بعد فرض كونه عوض حقن الدم ما دام كفرهم، الحاصل و لو في آن.
و توهم انّ قاعدة الجب لا يشمل ما كان حدوثه من تبعات الكفر، و لو كان الأمر مترتبا على بقائه، و بذلك يفرق بين الدين في المقام و سائر الديون.
مدفوع أولا: بأنّ لازمة سقوط دين ثمن الخمر و الخنزير أيضا لو أسلما معا، بل و سقوط الزيادة في ذمته من المعاملات الربوية، لأنّ مثل هذه الديون من تبعات كفرهم، و لا أظن التزامه من أحد.
و ثانيا: انّ عاقده الجب إنما هي من جهة المنة الثابتة للمسلمين، و مجرد وجود الدين بلا سلطة و لا وجوب أداء لا يكون خلافهم منة عليهم. و إنما المنة في رفع ما ينتهي إلى التكليف. و حينئذ فظاهر القاعدة رفع إلزام أو عقوبة دنيوية مترتبة على حدوث السبب حال الكفر، بل ينظر إلى التكاليف الثابتة لبقاء موضوعه حال الإسلام. و بهذه الملاحظة تبقى ديونه أجمع، من دون فرق بين ما كان حدوثه باقتضاء كفره أم لا.
هذا كله الكلام في قاعدة الجب، و أما ما دل على عدم الجزية على المسلمين، ففيه انّ غاية ما يستفاد من عدم الجزية على المسلم، عدم ضربها جديدا عليهم لا عدم أداء ما ضرب عليهم حال الكفر.
و توهم انّ مثل هذا الدين يلازم- بمقتضى الآية- صغارهم، و هذا المعنى ساقط عن المسلم جزما، فيلازم سقوطه سقوط الدين أيضا، إذ لا اعتبار لوجوده في ظرف يكون دينهم مسلوب السلطة من جميع الجهات، كما هو الشأن في ملكية الأعيان.
مدفوع بأنّ لازم ذلك سقوطها بموتهم أيضا، و عدم الأخذ من تركتهم، و ليس كذلك جزما.
و حلّه: أنّ اختصاص كيفية الأداء بحال الكفر لا يوجب تخصيص أصل أدائه، و الآية في مقام بيان كيفية الأداء حال الكفر، لا في مقام بيان تخصيص الأداء.
و الأولى أن يقال: إنّ باب ضرب الجزية ليس من قبيل المصالحات المعاوضية، بجعل المال في ذمتهم قبال حقن الدم كما توهم. بل مرجع عقدها إلى الإغماض عن دمائهم و نسائهم و عن بقية أموالهم، و القرار على مقدار معيّن في ذممهم أو على أعيان أموالهم، نظير إغماض ذي الحق عن تمام حقه ببعض منه في عين أو في الذمة، بلا اعتبار معاوضة فيه أبدا.
و مثل هذا المعنى إنما يستقر عليهم ما داموا كفارا، فباسلامهم يسقط ما لهم عن الفيئية للمسلمين، فلا يبقى لهم حق عليهم، كي يصلح أن تكون ماليته في عهدتهم. فمفاد عقد الصلح من الأول ليس إلّا تحديد مقدار استحقاقهم الثابت خارجا في دين أو عين معين، و لا يكون مقيّدا لأصل الاستحقاق، كي يكون في زمرة بقية الديون الصالحة للبقاء إلى حين الإسلام. بل أصل استحقاقهم بملك المال ثابت بكفرهم، و إنما مفاد العقد تعيين محل أخذه من عين أو دين.
و من المعلوم أنّ هذا الاستحقاق بعد ما كان منوطا ببقاء كفرهم، فمصالحتهم المزبورة تتبع هذا الاستحقاق. فبانتفاء أصله يفوت مفاد عقد المصالحة، الذي هو تبعه. و هذا هو عمدة النكتة في سقوط الجزية بإسلامهم، لا ما تقدّم، كي يشكل أمره بما ذكر.
و لا شبهة في انّ لازم ما ذكرنا سقوط جميع الجزية بمجرد الإسلام قبل مضي السنة أو بعدها، فما في بعض الكلمات من الفرق في الإسلام قبل السنة و بعده منظور فيه.
و لو مات الذمي بعد الحلول المضروب عليهم مثلا، فلا إشكال في
استقرار الحق بتمامه في الذمة، و أخذت من تركته، إذ ليس الموت كالإسلام محددا لدائرة الاستحقاق بأصله.
و هكذا الأمر لو مات قبل تمام السنة بعد دخوله، لأنه بمقتضى الشرط يستحق تمام ما في ذمته، لا خصوص الحصة المقسطة على ما مضى، كما يظهر من العلّامة (1).
نعم لو مات قبل دخول السنة المضروبة، و ذلك بأن يكون مفاد العقد الواقع في صفر مثلا كون الجزية عليه من أول الربيع، فمات قبل الدخول في الربيع. فتارة يكون الغرض من التحديد المزبور تحديد وقت أدائه في ظرف السنة أو في آخرها، مع كون الغرض من الصلح تعيين الاستحقاق منه من حين العقد في عين أو دين، بحيث يكون ظرف مطالبته في السنة المعينة. و اخرى يكون الغرض من التحديد الإغماض قبل دخول الشهر عن أصل استحقاقه رأسا، و حصر الاستحقاق عليه من حين دخول الشهر بدين أو عين.
فعلى الأولى لا يسقط الحق عن ذمة الميت بالإضافة إلى تركته، بل حاله كما لو مات في أثناء السنة، فينتقل في تركته ما شرط عليه بتمامه، بعد فرض أنّ الموت لا يسقطه. بل حتى لو قلنا بالمعاوضة أيضا، كما هو مسلك صاحب الجواهر (2).
و لازمة في الفرض المزبور استحقاق تمام ما شرط عليه و لو مات قبل السنة، لأنّ المفروض انه عاوض حقن دمه من حين العقد ما دام كافرا قل أو كثر بمقدار كذا.
و لا ينافي ذلك عدم استحقاق المطالبة عنه قبل دخول الشهر، و سلطة
الذمي على امتناعه عن أزيد مما شرط عليه، لأنّ الموت أوجب انتقال حقه الثابت في ذمته من الآن، عوض حقن دمه في تركته. كما هو الشأن في ما لو مات في أثناء السنة، مع فرض تعيين وقت الأداء في آخرها.
و أما على الفرض الأخير، لو مات قبل الدخول في الشهر، لا يكون شيء مستحقا على الميت، إذ المفروض أنّ نتيجة الصلح هو الإغماض عما يستحق عليه قبل الشهر رأسا. و إنما عين الاستحقاق عليه من حين دخول الشهر، فقبل الشهر الذي هو زمان حياته لا يستحق عليه شيء، و بعد موته لا يبقى ظرف أصل الاستحقاق عليه، كي يبقى ظرف للمصالحة و التعيين في دين أو عين.
و لعل كلمات الأصحاب- في فرض موته قبل دخوله في السنة، حيث حكموا بعدم استحقاق الامام عليه السلام في تركته شيئا- منزّلة على هذه الصورة، بل و يتعيّن هذا المعنى في فرض تعيين وقت الأداء بآخر السنة مثلا، إذ لا معنى لتحديد بدية حينئذ إلّا لبيان تعيين ظرف أصل الاستحقاق الملازم لعفوه عما قبله رأسا. و لكن لا يتعين الفرض بخصوص هذه، بل قد تتعين السنة لتعيين الأقساط في أدائه، في أولها و آخرها و وسطها مثلا، أو من أولها إلى آخرها بنحو التدريج.
و حينئذ ليس في التحديد المذكور دلالة على الإغماض و العفو عن قبل دخول السنة رأسا، بل لمجيء الفرض الأول حينئذ كمال مجال. و في مثله لا وجه لسقوط الحق الثابت في ذمته بالموت بمحض تعيين وقت أدائه، كما هو الشأن في موته في أثناء السنة مع التعيين لوقت أدائه في آخر السنة كما لا يخفى.
هذا و عليك بالتدبر، لعلك ترى انصراف كلماتهم عن هذه الصورة، و إلّا فلا بد من ملاحظة بلوغه حد الإجماع، و إلّا فيتمشى على وفق القاعدة.
ثم في فرض عدم الاستحقاق في تركته بموته، لو استسلف الامام منه شيئا، و لو بتراضيهما، لا بد أن يرده، لو لا كون وارثه خارجا عن الذمة، فيملك المال
منه مستقلا، كما لا يخفى.
ثم إنّ ذلك كله لو مات أو أسلم قبل أداء ما عليه، و لو أسلم بعد الأداء فلم يكن مجال لمطالبته من الامام. و عمدة النكتة فيه هو انه بعد مصالحة استحقاق تملكه، بمال معيّن، فنتيجة الصلح المزبور قطع سلطنته عن أخذ بقية أمواله أو قتله مثلا، و قصر سلطنته في تملكه عنه بما في ذمته أو بعين خاص في يده. و قبل الأخذ يكون للإمام عليه السلام اعتبار تملك أن يتملك، و هذا المقدار يكفي في اعتبار الكلي في ذمة الذمي، و لا يحتاج إلى المملوكية الفعلية، فلو أسلم حينئذ قبل الأخذ يسقط أصل الاستحقاق المزبور فيرتفع طرف المصالحة أيضا كما أشرنا.
و أما لو أخذ و تملك فخرج المال عن ملكية الذمي، و دخل في ملك المسلمين، فلا يقتضي الإسلام رفع ملكيتهم عن المال، لأنه خلاف الامتنان في حق المسلم.
نعم بناء على مسلك المعاوضة، و كون الامام مالكا لما في ذمة الذمي، لتعيين أدائه في عين مخصوصة، فلا فرق حينئذ بين فرض أدائه قبل الإسلام أو بعده. فإنّ قاعدة الجب كما ترفع ملكية المسلمين عما في ذمتهم، ترفع ملكيتهم عن العين المأخوذة بعنوان تشخيص الدين أيضا.
و إلى ذلك نظر الجواهر في مصيره في نهاية الأمر إلى لزوم الاسترداد (1)، لكن التحقيق خلافه، من جهة بطلان مسلكه على ما لا يخفى على المراجع.
ثم إنّ قاعدة الذمة لما كانت بالعقد على ما هو فيء للمسلمين، أما في الذمة
1) جواهر الكلام 21: 97.
أو على عين مخصوصة، فنقول: إنّ ذلك في زمان بسط يد الامام، لما كان في قبال كفهم عن جهادهم، الموجب كون مالهم فيئا للمجاهدين، و من الغنائم المختصة بهم، فاعتبار مثل هذا التعيين يقتضي كون ما في ذمتهم أيضا لهم، و مخصوصا بهم. و لعل ذلك هو الوجه في تسلّمهم كون مصرف الجزية في زمان بسط اليد مصرف الغنيمة و هم المجاهدون.
و أما في زمان الغيبة، فإن صدر مثل هذا العقد من الجائر عفوا عن جهادهم، فالحكم حكم عقد الامام، بعد ثبوت تقرير فعلهم.
و أما إن صدر عن الفقيه أو ذي شوكة من المسلمين، ممن ليس له وظيفة الجهاد، بل كانت وظيفته إبقاء أمانهم بعد بلوغ صغارهم، فلا محيص عن أن يكون صرفه بنظر من له الرئاسة على عفوهم، و المصالحة معهم.
و لا يبعد أن يكون مصرفه أيضا مصرف بقية أموالهم لو امتنعوا عن الجزية، لأنّ المفروض أنّ مفاد عقده هو تعيين استحقاقهم لبقية الأموال، على فرض الجزية، في مقدار مخصوص في ذمتهم أو في عين خاصة. فلا يوجب مثل هذا العقد تغيير مصرفه عن مصرف بقية أموالهم، و لا اختصاص لها في هذه الصورة بالمجاهدين بمعنى المدافعين، كما قيل، و لا تعيين مصرف الخراج في الأراضي الخراجية الراجعة إلى نوع المسلمين. و إن كان في ضربه عليهم في كل سنة شبيها لضرب الخراج على أراضيهم، خصوصا إذا كان ذلك على أراضيهم لا على نفوسهم، و لكن مجرد المشابهة الصورية لا توجب اتحاد المصرف.
و حينئذ فما في الكلمات من تعيين أمثال هذه المصارف، إن كان لقيام إجماع أو قرينة أخرى كاشفة عن حكم المعصوم فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
و لا يختص هذا الاشكال بما ذكرنا في شرح عقد الذمة، بل جار على مشرب المعاوضة على حقن الدم و غيره، كما هو مسلك الجواهر أيضا، لأنّ إتلاف الحربي بغير عنوان الجهاد غير مختص بشخص دون شخص، كفيئية
أموالهم للمسلمين، فلازم حصة المعاوضة المزبورة في زمان الغيبة، هو دخول العوض في ملك من هو مسلّط على ذلك لولاه، و هو نوع المسلمين، فكل من أقدم على أخذه يتملك بأخذه منهم، بلا اختصاصه بطائفة دون طائفة.
نعم في زمن مشروعية الجهاد لو صولح، كان المصالح له خصوص المجاهدين، كما يظهر مما تقدّم وجهه.
ثم إنّ الظاهر من كلماتهم انّ للإمام عقد الجزية بأي نحو يراه مصلحة، من حيث تعيين الجزية عليهم سنة أو سنوات، منقطعة على عدد معين أو غيرها.
كما انّ في تحديد الجزية عليهم كان الأمر بيده، فإن رأى المصلحة في كيفية الضرب أو كميته على الدوام، فليس للإمام اللاحق تغييره مع بقاء كبارهم من الطبقة الأولى إلى زمان الإمام الثاني.
و أما مع عدم بقاء الكبار و الموجودين حال العقد، بحيث لم يبق من الطبقة الثانية إلّا صغارهم الموجودون مع الطبقة السابقة، الخارجين عن موضوع العقد مع الكبار، و إن كانوا في أمان بتبع أمان كبارهم، فلا شبهة في أنّ حكم الامام اللاحق بدوام مضمون العقد مع الكبار لا يقتضي عدم اختلاف نظره مع الامام السابق في العقد الجديد مع الصغار في الكيفية.
نعم لو كان الامام السابق رأى المصلحة في كيفية العقود الواردة على جميع الطبقات متدرجا بنحو واحد، فليس للإمام اللاحق تغييره في العقد الجديد على الصغار، كما هو واضح.
كما إنه لو لم يتعلّق نظر الإمام في عقده مع الكبار الموجودين، في زمانه دوام هذا العقد عليهم حتى بعد موته، كان للإمام اللاحق تغيير كيفية العقد معهم جديدا على الطبقة الاولى من الكبار، فضلا عن العقود الجديدة الواردة على صغارهم.
و من هذا البيان ظهر ما في إطلاق كلام المحقق من قوله: إذا مات الامام و ضرب لما قدره من الجزية أمدا معيّنا أو اشتراط الدوام، وجب على الإمام القائم بعده إمضاء ذلك (1).
و ربما يوهم هذا الكلام بإطلاقه- مثل كلام الجواهر، في مقام إجراء أصالة الإطلاق في عقد الإمام في زمان بالنسبة إلى الشروط المشكوك اعتبارها في متن عقد الجزية، مع كونها خارجة عن قوامها- أنّ العقد على الطبقة السابقة جار على جميع الطبقات.
و ربما تؤيده السيرة على إجراء أحكام الذمي، من حقن دمه و ماله، بمحض اقدامه على الجزية و قبول الشرائط، بلا احتياج في زمان متأخر إلى عقد جديد، و لو فرض كونه مخالفا مع العقد السابق على الطبقة السابقة أحيانا.
و لكن مثل هذا المعنى لا يناسب أطباق كلمتهم على احتياج الصغار في كل طبقة بعد بلوغهم الى عقد جديد، و عليه فلا بد أن توجه السيرة المزبورة بأنّ نفس بنائهم على أخذ الجزية منهم، بعد بلوغهم و رضاهم ببقائهم على الشرائط السابقة، نحو عقد جديد و لو معاطاة.
كما انّ السكوت أحيانا عن عرض الإسلام عليهم، ربما يكون بملاحظة اشتهار دعوة الإسلام بينهم، و إلّا فمع غفلتهم عنها فلا بد أن ينبهوا عليه قبل أخذ الجزية.
كما انّ كلام المحقّق أيضا قابل لأن يوجه بالنسبة إلى خصوص الكبار الموجودين في الطبقة السابقة، لا مطلقا.
و أما كلام الجواهر فلا بد أن يحمل على صورة إحراز موافقة العقود اللاحقة للسابقة، كما هو مقتضى السيرة في الاكتفاء في الطبقات اللاحقة بالتزامهم بما
1) شرائع الإسلام 1: 333.
التزم به سابقوهم، و إلّا فلا مجال لتوهم نفوذ العقد الجاري على الطبقة السابقة على الطبقة اللاحقة، لأنه خلاف صريح فتاواهم.
و حينئذ فلا يكون عقد الامام مركز أصالة الإطلاق عند الشك في ذكر شرط من الشروط، بل مع احتمال مخالفة العقد السابق اللاحق في بعض الشروط، يلاحظ أصالة الإطلاق بالنسبة إلى العقود اللاحقة لا السابقة.
أي الجزية من ثمن المحرمات بلا اشكال، و في صحيح ابن مسلم: عدّ صدقات أهل الذمة، و ما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم و خنازيرهم و ميتتهم، قال: «عليهم الجزية في أموالهم، تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم، و ثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم» (1).
و ظاهر النص: انّ جواز الأخذ أيضا غير مختص بالجزية، بل ربما يجري هذا الحكم بالنسبة إلى ما يؤخذ منهم بأي عنوان، حتى بدل زكاة أو خمس ربح، لو لم نقل بتقريرهم على عدم إعطائهم الخمس، بكون أموالهم المخمسة أيضا بحكم مالهم، كما هو مقتضى السيرة على المعاملة معهم معاملات أملاكهم، حتى فيما يتعلّق بها الخمس، خصوصا في أرباح مكاسبهم.
نعم في زكاتهم كان مقتضى إطلاق كلماتهم بل صريح جملة منها عدم سقوطها عنهم. و لذا قيل بسقوط القربة في مثله، لعدم صلاحية الكافر للتقرب. و ذلك أيضا لو لا إطلاق جواز معاملة الحربي في أمواله حتى في ماله الزكوي، بلا تعرض لوجوب أداء حق الفقير مما بيده من المال، مع سبق تعلق الزكاة به.
1) وسائل الشيعة 11: 117 باب 70 من أبواب جهاد العدو حديث 1.
و توسم عدم تملك الحربي من الأول منظور فيه، اللهم إلّا أن يستفاد من الفيئية كون أملاكهم بحكم عدم الملك لأحد بالإضافة إلى المسلمين، فلازمه عدم وجوب الزكاة على المأخوذ منهم و إن وجبت عليهم بمقتضى كونهم بحكم المسلمين وضعا و تكليفا، و لكن في استفادة مثل هذا التنزيل من دليل الفيئية نظر. و على فرضه فغايته اختصاصه بالحربي، فلا يجري في أهل الذمة الذين هم محترمون في أموالهم و أنفسهم.
و حينئذ فلو لا السيرة المزبورة في الخمس لكان التفكيك بين الخمس و الزكاة في غاية الإشكال، لو لا اقتضاء قاعدة التقرير فيما يتدينون به، بعد التزامهم بالجزية، كما هو مفاد الآية الشريفة، على ما أسلفنا الحكم بكون المال بحكم ملكهم تماما إلّا ما خرج. و الثابت بمقتضى الكلمات لزوم أخذ الزكاة منهم، و به ترفع اليد عن تقريرهم، فيبقى الباقي مثل الخمس و غيره على حاله، فتدبّر.
ثم انه قد تقدّم البحث و الكلام في انّ مستحقها، يعني مستحق الجزية في زمان بسط يد الإمام الذي كان زمان أمر الجهاد نفيا أو إثباتا بيده، هم المجاهدون، لما عرفت وجهه مفصلا.
نعم في زمان الغيبة يشكل ثبوته لهم بمعنى المدافعين بخصوصهم و إن كان ذلك أيضا ظاهر كلمات جملة منهم، بل يمكن حمل كلام المصنف عليه أيضا، لو لا دعوى انصرافه إلى الجهاد بالمعنى الأخص. و قد عرفت انّ التخصيص بالمجاهدين أو بالصرف في مصرف الخراج في زمن الغيبة، الذي لا يشرع فيه الجهاد بالمعنى الأخص، فرع تمامية الإجماع المدعى في كلماتهم، و إلّا فللنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.
يعني لأهل الذمة استئناف بيعة و لا كنيسة في دار الإسلام، بل و لا صومعة و لا بيوت نيران.
و الأصل فيه ما عن الدعائم عن علي عليه السلام: «انّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله نهى عن إحداث الكنائس في دار الإسلام» (1).
و في النبوي: «لا تبنى الكنيسة في الإسلام» (2).
و يؤيده ما عن ابن عباس الذي قيل بأنّ من عادته الرواية عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «أيما مصر مصّره العرب فليس لأحد من أهل الذمة أن يبني فيه بيعة، و ما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يقر لهم» (3).
و في آخر: «أيما مصر مصّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، و لا يضربوا ناقوسا، و لا يشربوا فيه خمرا، و لا يتخذوا فيه خنزيرا» (4).
و لا يخفى انّ ظاهر إطلاقها منعهم من ذلك و عدم إقرارهم على مذهبهم و إن لم يشترط ذلك في عقد الجزية، و هو ظاهر جملة من الكلمات أيضا. لكن في الجواهر تقييد الحكم المذكور بصورة الاشتراط عليهم (5). و لا أرى له وجها مع إطلاق النصوص و فتاوى جملة من الأعلام.
و ظاهر ذيل رواية ابن عباس السابقة وجوب ابقائهم على مذهبهم في الأبنية المزبورة، فيما كان قبل الفتح، و قبل صيرورة البلد بلد المسلمين و بيدهم. بل عن عمر بن عبد العزيز انه كتب الى عماله: أن لا يهدموا بيعة و لا كنيسة و لا بيت نيران (6)، و هو المشهور أيضا.
و مع ذلك فقد استشكل فيه بعدم حجية قول ابن عباس، و لا فعل عمر.
و لما كانت خبرية قول ابن عباس عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ظنية، فلا تثمر الشهرة في جبرها، كعدم جابريتها للفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام، للشك في خبريته.
و حينئذ فلا مجال لاستفادة الحكم الشرعي الواقعي من مثل هذه الروايات، غاية ما في البين قيام السيرة على عدم هدم كنائسهم القديمة، و لعله مستند إلى إمضاء الجائر و إقراره معهم الممضاة في شرعنا، و ذلك غير الحكم الشرعي الحقيقي، كما لا يخفى.
لكن مقتضى الإنصاف أن يقال: إنّ عموم دليل التقرير يقتضي إثباتها على حالها، غاية الأمر قام النص على ردعهم عن الأحداث، و لا يشمل الإبقاء جزما، فيبقى تحت دليل التقرير، كما لا يخفى.
و هل يجوز تجديدها مع كون أصل بنائها قبل الإسلام؟ وجهان مبنيان على انه احداث مشمول للنواهي، أو إبقاء خارج عنها، فيبقى تحت عموم تقريرهم على مذهبهم.
و في الجواهر تقوية الأول (1)، لكن الانصاف اختلاف أنحاء التجديد، فتارة يكون تجديدا في أصل البنيان، خصوصا مع تغيير وضع الأول، فلا يبعد فيه صدق الإحداث، خصوصا مع ما في النص من النهي عن بناء الكنيسة، بلا لفظ احداث فيه، المعلوم صدقه في هذه الصورة جزما.
و تارة يكون تجديدا في بعض جدرانه أو سقوفه أو شيء آخر منه، فلا شبهة في عدم صدق الإحداث حينئذ، بل و بناء الكنيسة أيضا منصرف عن مثله،
1) جواهر الكلام 21: 283.
فلا يكون مثله مشمول النواهي، فيبقى على عموم دليل تقريرهم، و لا أقل من استصحاب بقاء حكمهم في شرعهم، السابق على شرعنا، فيكون المقام من صغريات استصحاب الشرائع السابقة، فتدبّر.
و لو فتحت الأرض صلحا، على أن تكون الأرض لهم و يؤدون الخراج أو الجزية، فالظاهر عدم صدق كونها حينئذ من أراضي المسلمين و بلادهم، فلا تشملها النواهي عن بناء الكنائس و غيرها، فلا وجه لمنعهم عما يقتضيه تدينهم.
نعم لو شرط عدمها في متن عقد الصلح، قلنا المنع عنها، لعدم سلطتهم عليه، فللمسلمين حق منعهم حينئذ، كما هو ظاهر.
و أما الأرض التي صولح عليها على أن الأرض للمسلمين، ففي جواز اشتراطهم احداث الكنيسة فيها اشكال، لكونه شرطا أو صلحا على خلاف السنة.
و في الجواهر: انّ للإمام مثل هذا الشرط إذا رأى مصلحة فيه (1)، و فيه انّ شأن الإمام ليس تغيير الأحكام و لا يجوز صلح هو محلل للحرام، إلّا أن تكون المصلحة الملحوظة بمثابة تكشف عن تخصيص دليل الحرمة، كي لا يقع الصلح المزبور محللا للحرام. و مع عدم كشف هذا التخصيص لا بد أن يستكشف تخصيص دليل بطلان الصلح المحلل للحرام، فيستكشف منه صلاحية الصلح المزبور للمانعية عن مقتضى الحرمة في تأثيرها.
و إحراز هذا المعنى لا يكون إلّا بعد وقوعه من المعصوم، و إلّا فقبل صدوره منهم فمقتضى العمومات المزبورة استحالة صدوره منهم، لأنهم لا ينطقون عن الهوى فليس لنا حينئذ نسبة جواز ذلك إليهم إلا بالنحو المزبور، كما لا يخفى.
1) جواهر الكلام 21: 283.
، و عمدة الوجه فيه الإجماعات المتكررة في كلماتهم، و إلّا فقوله: «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» محمول على العلو شرفا و معنى، لا العلو في المحسوسات الخارجية. و لعل فهم الأصحاب منه في مورد البحث قرينة معهودية أمثال هذا المعنى منه، و إلّا فهو بظاهر إطلاقه منظور فيه، كما لا يخفى.
ثم إنّ مقتضى الخبر المزبور عدم مساواة بنيانهم أيضا، بل و عدم الفرق بين الحدوث و البقاء لما ابتاعه من مسلم، مع انّ الظاهر من جم غفير جواز إبقاء الأخير على حاله. كما انّ مختار المحقق أيضا جواز مساواته، و ربما يكون في أمثال هذه الفتاوى نحو إيهام بعدم استفادتهم الحكم السابق من الخبر المزبور، بل العمدة فيه الإجماع غير الجاري في المقامين.
و من هنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و يقر ما ابتاعه من مسلم على حاله.
ثم انّ إطلاق معاقد الإجماعات في المقام أيضا عدم اختصاص الحكم المزبور بصورة شرطه في متن عقد الذمة، و إن كانا يفترقان في نقض العقد المزبور بفعلهما و عدمه.
أيضا أن يدخل الذمي فضلا عن غيره من سائر فرق الكفّار المساجد، لظهور تفريع عدم دخول المسجد الحرام في الآية على نجاسة المشرك، الجاري في غيرهم من أهل الذمة، فضلا عن شموله لهم، لقولهم بانّ عزير أو المسيح ابن اللّٰه. بضميمة عدم الفصل بين المسجد الحرام و غيره، خصوصا مسجد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، بل إطلاقه يشمل صورة عدم تعدّي نجاستهم أيضا كالكلب و الخنزير، خصوصا مع صدق الهتك به، الجاري حرمة مثله حتى في العذرة اليابسة أحيانا، كما تقدّم في أحكام
المسجد، و ما روي عن العامة من إدخال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بعض الكفار غير ثابت.
و لا فرق في حرمة الدخول بين رضاء المسلمين لذلك و عدمه، للإطلاق، كما انّ هذا الإطلاق أيضا يمنع عن اجتيازهم و أخذ شيء منه أو وضعه فيه، فضلا عن لبثه.
و كذا لا يجوز لهم الدخول في الحرم، لما في خبر الدعائم: «لا يدخل أهل الذمة الحرم، و لا دار الهجرة، و يخرجون منها» (1).
و تنقيح المناط يقتضي إلحاق حرم النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و بقية الأئمة، بل و المشاهد المعظّمة، و حرم الزهراء سلام اللّٰه عليها. بل و لو مات فيه لم يدفن فيه، بمناط عدم دفنهم في مقابر المسلمين أيضا، بل لو دفن ينبش قبره، لعدم احترام له. بل لا وجه لحرمة نبش قبرهم مطلقا، لعدم احترام لجنائزهم، و دليل حرمة النبش قاصر الشمول عن المورد.
بل المشهور عدم جواز استيطانهم في الحجاز، لقول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «اخرجوا اليهود من الحجاز» (2)، بضم عدم الفصل بينهم و بين غيرهم.
و في بعض النصوص: إخراجهم من جزيرة العرب (3)، و فسر ذلك بالحجاز، لأنّ السيرة على خلاف عمومه، لعدم إخراجهم من اليمن، مع انه منها.
و مقتضى الأمر بالإخراج حرمة مطلق مكثهم، بل و مجرد دخولهم، لو لا انصرافه إلى إخراج متوطنيهم، فلا يستفاد حرمة مطلق المكث.
ثم انّ في المقام فروعا أخر، سنتعرض لها في ذيل البحث عن عقد المهادنة.
هذا كله في أهل الذمة، و هم القسم الأول من أصناف الكفّار.
و
منهم من عدا هؤلاء من الكفار، و يجب جهادهم و لا يقبل منهم إلّا الإسلام بلا اشكال، لعموم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1)، و قوله فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ (2)، بل و مقتضى الآية الشريفة: عمومه لمن تهود أو تنصر من الكفار بعد نسخ شريعتهما بالإسلام، لظهور دليل المخصص- المخرج لأهل الذمة- بمن كان قبل شرع الإسلام، بل و عليه نقل- ظاهرا- الإجماع عن التذكرة (3)و المنتهى (4).
و كلام الأمير عليه السلام في بني تغلب، من عدم قبول الجزية منهم، إنما هو لنقض عهدهم، فلا ينافي كونهم أهل الذمة بتنصرهم قبل البيعة. ففعل عمر من ضرب الجزية عليهم باسم الخراج غير مسموع.
بل الظاهر من فعل علي عليه السلام أنّ تنصر أولادهم بعد خروج آبائهم عن شرائط الذمة لا يوجب اجراء عقد الذمة عليهم جديدا، لأنهم بتبع آبائهم خرجوا عن الأمان، فصاروا بحكم الحربي، من جواز سبيهم، بما هم من ذراري آبائهم، ما داموا صغارا، و إلّا فيجري عليهم حكم القتل.
و ما تقدّم في السابق من عرض الإسلام على الصغار جديدا ثم عقد الجزية معهم كذلك، إنما هو في فرض كون الصغار في أمان آبائهم لا مثل المقام، كما لا يخفى.
ثم انّ حصر الأمر في حق غير أهل الكتاب بالقتل أو قبول الإسلام، إنما هو إضافي بالنسبة إلى قبول الجزية منهم بشرائطها، و إلّا فسيأتي أنّ للإمام
و نائبه بل و سلطان الجور عقد أمان لهم، المعبّر عنه بعقد الذمام، بل و لآحاد المسلمين أيضا مثل هذا العقد لآحادهم إلى عشرة أو أزيد، كما انّ للإمام أو رئيس المسلمين الذي بيده زمام أمر الجهاد أيضا إيقاع الهدنة معهم إلى سنة أو أقل، على ما سيأتي الكلام فيهما.
فالغرض من الحصر المزبور عدم قبول التزامهم بالجزية و شرائط الذمة، بعد تخصيص أهل الكتاب باليهود و النصارى، بضم المجوس إليهم لنصوص خاصة تقدّمت.
بلا إشكال في الأخير، لأنه مقتضى السياسة و وجوب دفع الخطر و الضرر مهما أمكن عقلا. و كذا الأول بظهور قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ (1)بناء على إطلاقه حتى المقاتلة البدوية، الملازمة لبدء المقاتلة، فيستفاد منه حينئذ وجوب الابتداء بالأقرب فالأقرب، كما هو ظاهر جمع.
و عن بعضهم: جعله أولى، تشكيكا في دلالة الآية على وجوب البدأة، و غايته وجوب قتال الأقرب لا وجوب البدء بهم.
و ذلك مع عدم تمامية الإطلاق على الوجه المزبور في غاية المتانة، بل و يجب على رئيس الجيش التربص، مع كثرة العدو و قلة المسلمين، حتى تحصل الكثرة القابلة للمقاومة معهم، بل و لا بد أيضا أن يلاحظ رئيس الجيش أطراف بلاد المسلمين، و يستحكمها عن هجوم العدو بما يراه صلاحا، من حفر الخنادق و غيرها.
1) التوبة: 123.
و كيف كان لا يبدءون بالقتال قبل دعوتهم إلى الإسلام، و إنما يحاربون بعد الدعاء من الامام أو من نصبه، أو من أقروه في عمله من سلاطين الجور إلى الإسلام، لما في خبر مسمع من قول النبي: «يا علي لا تقاتلنّ أحدا حتى تدعوه إلى الإسلام» (1).
و لو بدر أحد من المسلمين إلى حربي فقتله قبل الدعوة أثم و لكن يكن ضامنا، لعدم حرمة دمه و لو قبل الدعوة، بخلاف الذمي بعد التزامه بشرائط الذمة.
و ظاهر المصنف و جمع آخر كون الدعوة شأن رئيس الجيش، و هو الظاهر من وصيته صلّى اللّٰه عليه و آله لعلي عليه السلام. و لا أقل من احتمال كونه شأن الرئيس، فلا يثبت مثل هذا الشأن لغيره.
اللهم إلّا أن يدعى انّ عمومات المقاتلة تقتضي الجواز حتى قبل الدعوة، خرج منه صورة عدم الدعوة من أحد، و بقي الباقي. و النصوص أيضا لا تدل على أزيد من لزوم تنبيههم إلى الإسلام، و لا مفهوم في خطابه لعلي، فتبقى عمومات المقاتلة بعد دعوة واحد من المسلمين بحاله. و حينئذ فلو لا الإجماع على تخصيص هذه الوظيفة بشخص خاص، لكان للنظر فيه مجال.
و تسقط الدعوة مع علمهم بها بقتال سابق أو غيره، للجزم بأنّ الغرض من الدعوة تنبيههم إليها كي يرغبون في الإسلام، و مع علمهم به لا فائدة فيه. نعم مع احتمال حصول الرغبة بالتأكيد، ربما يجيء، مناط وجوبها، لو لا احتمال اختصاص المصلحة الملزومة بأول مرتبة التنبيه، فلا إطلاق لدليل الوجوب. نعم لا بأس بدعوى أولويته، بشهادة دعوة علي عليه السلام عمرو بن عبد ود، و لا فرق في الدعوة المزبورة بين أهل الكتاب و غيرهم إجماعا.
1) وسائل الشيعة 11: 30 باب 10 من أبواب جهاد العدو حديث 1.
فإن امتنعوا عن الإسلام حل قتالهم، للعموم السابق من الأمر بقتال المشركين، الجاري في غيرهم من فرق الكفّار، علاوة على إطلاق ضرب رقاب الكفّار.
بلا عوض و بعوض، للمسلمين و عليهم مع اقتضاء المصلحة ذلك، إما لقلة المسلمين و ضعفهم، أو جهة أخرى.
و يدل عليه فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله المعلوم من السير و التواريخ، و في الآية الشريفة فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلىٰ مُدَّتِهِمْ (1)، وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا (2).
و ما عن ابن عباس من نسخ آية السلم غير مسموع و مع الدوران بين نسخها بآية وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3)، أو تخصيصها بزمان المهادنة، كان التخصيص مقدّما، كما هو الديدن في الصنعة المألوفة.
و لا إشكال في جوازها إلى أربعة أشهر حتى مع قوة المسلمين، و في الآية الشريفة فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (4)، و هو أيضا فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في تبوك، على اشكال فيه أشار إليه في الجواهر (5).
و لا يجوز عند المشهور هذه المهادنة أزيد من السنة، و استدل له بالآية الدالة على وجوب الجهاد في كل سنة، و هو ينافي المهادنة في تمامها. و لا يخفى انّ لازم هذا الاستدلال عدم جواز المهادنة بمقدار السنة و أزيد، فلا يناسب ما
في كلام المحقق (1)و غيره من التحديد بأزيد من السنة.
اللهم إلّا أن يحمل كلامهم على ما في المبسوط بقوله: و لا تجوز المهادنة في سنة و أزيد (2). و على فرض صحة هذا الحمل لا يخفى ما في هذا الاستدلال، إذ غاية مفاد الآية هو وجوب القتال في السنة بحسب المصلحة الأولية، و ذلك لا ينافي جواز تركه لعقد الهدنة معهم لمصلحة أقوى، خصوصا لتروّيهم في أمر الإسلام لعلهم يسلموا بلا حرب، فتزيد بهم شوكة المسلمين.
و حينئذ لا مجال لتوهم المعارضة بين دليل القتال بعد انقضاء الأشهر الحرم، كما هو مفاد آية فَإِذَا انْسَلَخَ (3)التي هي الدليل على وجوبه في كل سنة. و عليه فلو لا قيام إجماع في البين كان مقتضى القاعدة صحة عقد الهدنة بأي نحو يراه رئيس الجيش مصلحة للمسلمين، نعم مع عدم قيام مصلحة ظاهرة في ذلك لا مجال لصحتها، لعموم قوله فَلٰا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ (4).
و توهم إطلاق الآية حتى لصورة قيام المصلحة من غير جهة ضعف المسلمين، و بمثله تستكشف أهمية مصلحة الجهاد عن غيره.
مدفوع بأنّ الغرض من الجهاد- بعد ما كان دفع المضار مقدمة لازدياد شوكة المسلمين- يستحيل أقووية ذلك عما يراه رئيس الجيش في الوصول إلى مثل هذه المصلحة بطريق الهدنة، فكان المقام من صغريات اتصال الكلام بخصوصيات ارتكازية، مانعة عن إطلاقه لبعض الصور، فلا يبقى مجال للتمسك بمثل هذه الإطلاقات على فساد عقد الهدنة مع المصلحة الظاهرة،
الأهم مما هو مرتكز الأذهان من مصالح الجهاد.
فتمسك الجواهر بأمثال هذه العمومات، على بطلان عقد الهدنة مع قوة المسلمين بأزيد من السنة (1)، منظور فيه، خصوصا مع جريان هذه الوجوه في الأربعة أشهر و ما زاد، بل و في الأقل من أربعة أشهر، مع فرض قوة المسلمين و كونهم هم الأعلون، و هو كما ترى.
و حينئذ فالعمدة في المقام تمامية الإجماع المزبور، و إلّا فللنظر فيه مجال.
نعم مع ضعف المسلمين و مدخلية المهادنة في قوتهم، لا اشكال ظاهرا في عدم تحديدها بأربعة أشهر أو سنة، بل ربما تقتضي المصلحة المزبورة المهادنة إلى عشرين سنة أو أزيد.
و ما في بعض الكلمات من التحديد بعشر سنوات أيضا، منظور فيه، لأنّ مصالحة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله مع قريش عشر سنين لا يدل على التحديد، لاحتمال اقتضاء ما يراه من المصلحة هذا المقدار، فالأمر حينئذ يدور مدار ملاحظة ازدياد قوة المسلمين بالهدنة في أي مقدار يرى حصولها فيه، بلا تحديد في هذه المقادير.
نعم لو أطلق في الزمان، لا بد أن يشترط خيار النقض للمسلمين، و إلّا فربما تنجر مهادنتهم على الإطلاق إلى مفسدة. و شأن الإمام أجل من ذلك، فلا يصدر منه ذلك، لا أنه لو صدر كان باطلا، كيف و هو لا ينطق عن الهوى، فبالان تستكشف صحة فعله و صلاح عمله.
نعم ربما يثمر ذلك في فعل الجائر أو النائب، على فرض كون زمام الجهاد بيده. كما في الدفاع في زمان الغيبة، على فرض تصور ذلك فيه، و لو بتصور مهادنتهم بأخذ العوض. فإن إطلاق عقدها معهم بعوض مع قوة المسلمين ربما
1) جواهر الكلام 21: 297.
تكون فيها مفسدة، فلا بد أن يكون فعلهم من باب الولاية، بملاحظة المصلحة في حقهم.
كما انه لو بنينا على الجهاد بالمعنى الأخص لهم، لا بد من هذه الملاحظة.
و بذلك أيضا ربما يقطع بعدم تقريرهم فعل الجائر الموجب للفساد على المسلمين، بل فيما لا صلاح فيه و لا فساد يشكل أيضا ثبوت تقريرهم لأعمالهم، كما لا يثبت ولاية الفقيه أيضا و لو في الدفاع في هذا المقدار.
نعم الذي يسهّل الخطب في دفاعهم زمن الغيبة، أنّ المطلوب دفعهم بأي وجه من الوجوه، سواء بعقد المهادنة معهم على الإطلاق بلا عوض، أو مع عوض يسير لا يحسب ضررا على المسلمين، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر انّ اشتراط ما لا يجوز فعله للحربي، مثل التظاهر بالمناكير و اعادة النساء المسلمات المهاجرات، مع عدم اقتضاء المصلحة في هذا الشرط، أو المفسدة في تركه، لا يجوز قطعا، لأنه شرط على خلاف المشروع، للنهي عن اعادة النساء المهاجرات في الآية الشريفة.
و أما مع المفسدة في ترك الشرط أو المصلحة في فعله، كما لو كان المسلمون على الضعف على وجه يخشى من قتالهم انقراض المسلمين و ذهاب شوكة الإسلام، و بروز آثار الذل عليهم، بأزيد مما يقتضيه الشرط، ففي عدم جوازه نظر، بل من المقطوع أهمية حفظ بيضة الإسلام و شوكة المسلمين عن هذه الأمور.
فإطلاق كلماتهم في بطلان هذه الشروط لا بد أنّ ينزّل على غير هذه الصورة، اللهم إلّا أن يكون في المقام أيضا إجماع على ذلك، و لا أظن به، فضلا عن الجزم بمثله، و اللّٰه العالم.
و أيضا ليس لهم في فرض إطلاق عقد الهدنة إعادة الرجال المهاجرين مع إسلامهم، بعد وجوب مهاجرتهم عن بلادهم الكفر، عند عدم تمكنهم من اقامة الشعائر. بل و مع التمكن أيضا ليس لهم الإلزام بالخروج معهم عن دار الإسلام، إذ غاية ما يستفاد من عقد المهادنة صيرورتهم في أمان نفسا و مالا.
و أما ثبوت حق إلزام لهم على المهاجرين، بجلبهم الى بلادهم، فلا. بل لا وجه لمثل هذا الالتزام بشأن الكفار، لو أرادوا الإقامة في بلاد المسلمين برضاهم، و لو برجاء ميلهم إلى الإسلام.
نعم للمسلمين إلزامهم بالخروج عن بلادهم، لعدم اقتضاء عقد الهدنة استحقاقهم للبقاء في بلاد الإسلام، خصوصا لو خيف منهم الفتنة بين المسلمين. و في فرض رضاء المسلمين بإخراج رجالهم، فليس عليهم إلّا مجرد التخلية بينه و بينهم، و ليست مئونة السفر و راحلته عليهم، لعدم الدليل، كما لا يخفى.
ثم في فرض عدم اعادة النسوان يجب عليهم رد ما أنفقوا عليها من مهرها إلى زوجها، لما في الآية الشريفة وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا (1)بعد تفسيرها بالمهر، فلا يجب عليهم رد غيرها. كما لا يجب رد المهر لو لم يكن مالا شرعا كالخمر و الخنزير. نعم لا بد أن يكون مردودا لو كان ذلك من ثمنهما، كل ذلك مما لا اشكال فيه، بالتسلم في كلماتهم.
ثم انّ المال المردود إليهم، يكون من بيت مال المسلمين المعد لمصالحهم، و ذلك منها.
و لا إشكال في وجوب رد المهر لو كانت المطالبة في العدة، و أما بعدها فعن المسالك حكاية سقوط وجوب الرد عن بعض الأصحاب (2).
و في الجواهر ما يشعر بتمريضه، ثم قال: و هو كذلك، لإطلاق النص و الفتوى (1)، و يؤيدهما الاستصحاب أيضا.
ثم انّ المتولي لعقد الهدنة مثل عقد الذمة، من كان زمام أمر الجهاد بيده، و ليس سوى رئيس الجيش، الذي ليس في الجهاد بالمعنى الأخص إلّا الإمام أو نائبه، أو من قرر فعله من سلاطين الجور في زمان عدم بسط يده، و لو كان ذلك في زمان الغيبة.
و أما الجهاد- و لو بمعنى الدفاع- فلا شبهة في وجوبه على ما تقدّم حتى في زمان الغيبة، و لو كان غرض الكفار مجرد الاستيلاء على بلاد المسلمين بلا نظر الى عقائدهم، كما أشرنا إليه سابقا، من جهة إطلاق قوله: «فإن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل»، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان.
و في فقرته السابقة: «إلّا أن يخاف على ذراري المسلمين، فإن ظاهر الفقرتين:
انّ خوف استيلائهم على المسلمين أيضا مجوز لدفاعهم، و لو لم يكن غرضهم محو آثار الإسلام.
و حينئذ فزمام أمر هذا الجهاد في زمن الغيبة، بيد الفقيه المبسوط اليد، و إلّا فبيد ذي الشوكة من المسلمين، الجامع لكلمتهم، المرغوب إليه في مثل هذه الأمور.
و في نفوذ عقد المهادنة منه معهم على النحو الذي تصورناه في الدفاع، بدون إذن الفقيه اشكال. لو لا الجزم بأنّ المصلحة الملحوظة في هذا العقد لازم المراعاة على جميع المسلمين، بلا اختصاصه ببعضهم دون بعض. فليس المقام مقام تصرف جبري ولائي، كي يستشكل في نفوذ ولاية غير نائب الإمام أو
1) جواهر الكلام 21: 306.
من قرره على عمله من سلاطين الجور، و على فرضه فيجب على الفقيه إنفاذه و إمضاؤه.
و أما عقد الذمة مع الكتابي فقد لا يتصور في الدفاع، لأنه فرع ضعفهم الداعي إلى تقبلهم للذمة، حقنا لدمائهم عن هجوم المسلمين. و في الدفاع لا يتصور مثل هذه المراحل، بل و مع ضعفهم هم لا يهجمون على المسلمين، و ما لم يهجموا لا يصدق على مقاتلتهم الدفاع.
نعم الذي يسهّل الخطب أنّ نتيجة عقد الذمة ليست منحصرة بترك القتال، كي يجيء فيه ما ذكر، بل ربما تكون نتيجة خروج أهله عن عنوان المحارب، فيصيرون به محترمي النفس و المال. و هذا المعنى غير مختص بزمان الحضور، بل يجري في زمان الغيبة أيضا.
و عليه فلا قصور في صحة عقدها في زمن الغيبة، و إنما الكلام في عاقدها، و الظاهر انه قائد الذمام في زمن الغيبة، و سيأتي شرحه إن شاء اللّٰه، و قد أشرنا إليه سابقا.
بقيت في المقام فروع تعرّض لها المحقق رحمه اللّٰه في ذيل عقد المهادنة (1)، و نحن أيضا نتابعه، فنقول:
منها: لو انتقل الذمي عن دينه الى دين لا يقر عليه، فلا يقر عليه، بلا اشكال فتوى و نصا، للعمومات، من عدم قبول غير الإسلام من غير أهل الكتاب، فإن أبوا فحكمهم القتل (2).
و في الآية وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (3).
و في النبوي: «و من بدّل دينه فاقتلوه» (1).
و لو انتقل إلى ما يقر عليه كنصراني تهوّد أو بالعكس، فعن جماعة: يقبل، لشمول دليل أهل الكتاب له.
و في الشرائع: عدم القبول أشبه (2)، من جهة انصراف دليل أهل الكتاب إلى من كان كذلك قبل النسخ بالإسلام، و إلّا فبعد النسخ لا يقبل تنصّره الجديد، فيشمله عموم «من بدّل دينه» و من يبتغ غير الإسلام.
و لا يقاس ذلك بما لو رجع إلى دينه الأول، لصدق تهوده بعد الإسلام فلا يقبل منه أيضا، لأنه يقال: إنه بعد شمول نصوص القتل لمثله، فلا أقل من استصحاب حكم عنوانه، بتقريب انّ تهوّده سابقا كان حافظا لدمه، و الآن كما كان.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ عمومات وجوب قتال الذين كفروا شامل لهم، و قد خرج الباقي على تهوّده قبل البعثة و بقي الباقي تحت الحكم المذكور. و ليس دليل القتل منحصرا بنصوص التبديل، كي يشكل شموله للمقام، و حينئذ لا وجه لما قرّبه في الجواهر من عدم القتل و إقرارهم بعد العود (3).
و منها: إنه لو فعل أهل الذمة ما هو سائغ في دينهم و غير سائغ في دين الإسلام، فلا يتعرّض لهم ما لم يتجاهروا، لعموم دليل تقريرهم المفهوم من آية الصغار.
و مع التجاهر، فإن قلنا بأنه من مقومات عقد الذمة- كما قيل- فينقضون
به عقدهم فيصيرون حربيين، و إلّا- كما استشكلنا فيه سابقا- فلا يخرجون بذلك عن كونهم ذميين، ففي جواز ردعهم الكاشف عن عدم تقريرهم في هذه الصورة إشكال، و لو لا التسالم في الكلمات كان للنظر فيه مجال.
و توهم استفادة ذلك من كونهم صاغرين، مدفوع، إذ المتيقن منه كونهم مأمورين بأمر المسلمين، لا مردوعين عما أقروا عليه في شرعهم.
نعم الذي يسهّل الخطب أنّ للمسلمين أن يأمروهم بترك التجاهر بها، فيجب عليهم القبول لكونهم صاغرين.
و هذا المقدار لا ينافي تقريرهم على مذهبهم، إذ مرجع عدم تقريرهم اجراء حكم العصاة بدوا عليهم، لأنهم مكلّفون بالفروع.
و هذا بخلاف ابقائهم على تقريرهم و عدم اجراء حكم العصاة بدوا عليهم. و مع ذلك لو أمروا بترك شيء جائز في مذهبهم، اقتراحا من المسلمين، يجب عليهم الإطاعة، لكونهم صاغرين، فتدبّر.
و لو فعلوا ما هو غير سائغ حتى في دينهم، ففي الشرائع: فالحكم فيه كما في المسلم، و إن شاء الحاكم دفعه إلى أهل نحلته ليقيموا عليه الحد (1).
و في الجواهر: لو لا الإجماع لكان ردّهم إلى نحلتهم مشكلا، لأنّ مقتضى تكليفهم بالفروع عدم تعطيل الحد الشرعي في حقهم. و قضية تقريرهم على مذهبهم إنما هو مع عدم الاطلاع، و إلّا فلا عموم في الأدلة (2).
أقول: لا قصور في إطلاق أدلة التقرير، لشمولها لصورة الاطلاع أيضا، خصوصا إذا لم يتجاهروا، و لازمة حينئذ تعيين إرجاعهم إلى نحلتهم فيما اختلفوا معنا في أصل الحد أو في كيفيته و كميته. إذ مرجع تقريرهم إلى عدم
استحقاقهم الزيادة الثابتة في شرعنا، فلا مجال في هذه الصورة لكلام المحقق و لا لكلام الجواهر.
اللهم إلّا أن يوجه كلام المحقق بأنّ المستفاد مما ورد في تخيير الحاكم بين الحكم بين المتخاصمين بمذهبنا و الاعراض عنهم للآية و رواية أبي بصير، إنّ شأن من ثبت في حقه منهم شيء من حقوق الناس أو حقوق اللّٰه، تخيير الحاكم بين إجراء الحق عليه أو إعراضه و إرجاعه إلى نحلته، من دون اختصاص ذلك بالخصومات في حقوق الناس. فلا وجه حينئذ لتسلم الجواهر ذلك في الخصومات في حقوق الناس دون حقوق اللّٰه من الحدود و التعزيرات.
و منها: انه مهما حكم على الذمي بالقتل لتبديل دينه، فهل تملك أطفاله و نساؤه، أم يبقون على أمانهم؟ وجهان: من أنّ أمانهم كان بتبع أمان أبيهم و رجالهم، و لذا لو عادوا حربيين تملك نساؤهم و ذراريهم، فكذا لو خرجوا عن دينهم صاروا حربيين.
و من أنّ أمانهم جاء من قبل عقد ذمتهم، و هو ما دام باقيا يبقى أثره، و خروجه بنفسه عن موضوع العقد بتبديل دينه لا يوجب نقض عقده، فالعقد بعد باق على أثره بالنسبة إلى ذراريه.
لو لا دعوى انّ عقد الذمة لا يوجب لهم أمانا مستقلا، و إنما يؤمنهم تبعا لأمان رجالهم، فمهما خرج الرجل عن الأمان فهم بتبعه أيضا يخرجون.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ احتمال كون مقتضى العقد تأمينهم مستقلا ما لم ينقض كاف في استصحاب أمانهم، و المسألة إنصافا لا تخلو عن اشكال، و اللّٰه العالم.
و منها: إنّ الذمي إذا خرج عن مقتضى عقد الذمة، و لم يكن في أمان
المسلمين من جهة أخرى، و لا في شبهة أمان، و لا مورد عقد المهادنة في المدة المعيّنة، كان ماله فيئا للمسلمين و دمه هدرا، بمعنى عدم ضمان قاتله، و في جواز قتله بلا إذن الرئيس و لو مثل الفقيه في زمن الغيبة، أم لا بد فيه من الاذن، وجهان.
و في الجواهر أجرى حكم الأسير عليه، من تخيير الحاكم بين القتل و بين الفداء و الاسترقاق (1).
أقول: لا يخفى أولا انّ في إجرائه في المقام حكم الأسير بتخيير الامام بين القتل و الفداء، لعله اشتباه من قلم الناسخ، و إلّا فقد تقدّم منه انّ في الأسير وقت الحرب يتعيّن عليه القتل، و بعده لا قتل عليه فيتخير بين المن و الفداء و الاسترقاق.
و حينئذ فليس في البين دليل على التخيير بينه و بين غيره كي يتعدّى منه إلى المقام، بل إطلاق الأمر بقتال المشركين يقتضي تعيين قتله، كما انّ إطلاقه يقتضي جوازه لكل أحد، و لا يجري عليه حكم الأسير، من كون أنحاء قتله بنظر الامام بمقتضى نصه الآتي، بل أصالة الحل تقتضي جواز تصديه لكل أحد.
و حينئذ فإن استفيد من تسلّم الجواهر في المقام كون التخيير بين قتله و استرقاقه بيد الإمام إجماعيا فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
و على أي حال فاحتمال وجوب ردهم بعد نقضهم العهد إلى مأمنهم، كما عن بعض، أو حرمة ذراريهم و نسائهم بعد ذلك أيضا، كما عن بعض آخر، منظور فيه، إذ طرف العقد ليس إلّا الرجال و قد نقضوه، و ليسوا هم طرف العقد، كي يحتمل بقاؤه بالنسبة إليهم، فلا يبقى مقتض للأمان بالنسبة إليهم
1) جواهر الكلام 21: 319.
أصلا.
بلا اشكال فيه نصا و فتوى، بعد ندرة قول أبي الصلاح في عدم مضي زمام الآحاد بلا اذن (1)، و لقصور النص الدال تارة على عدم انفراد المؤمن بالصلح إلّا باجتماع ملائهم على ذلك. و اخرى على نفي التسالم من مؤمن دون مؤمن (2)، لإمكان حملهما على الصلح الكلي بين الطائفتين، بلا نظر فيهما لذمام الآحاد للآحاد.
و على أي حال يكفي للنص قوله: «أيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم، نظر إلى رجل من المشركين فهو جار» (3).
و في النبوي: «المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، و يسعى بذمتهم أدناهم» (4).
و ورد في شرحه: «لو أنّ جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين- إلى قوله- فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به» (5).
و في خبر مسعدة الوارد في إجازة أمان عبد مملوك لأهل حصن، معللا بأنه من المؤمنين (6).
و في المنتهى: إمضاء النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لاجارة أم هاني معللا
1) الكافي في الفقه: 257.
2) وسائل الشيعة 11: 50 باب 20 من أبواب جهاد العدو حديث 5.
3) وسائل الشيعة 11: 43 باب 15 من أبواب جهاد العدو حديث 2.
4) وسائل الشيعة 19: 55 باب 31 من أبواب قصاص النفس.
5) وسائل الشيعة 11: 49 باب 20 من أبواب جهاد العدو حديث 1.
6) وسائل الشيعة 11: 49 باب 20 من أبواب جهاد العدو حديث 2.
بقوله: «إنما يجير على المسلمين أدناهم» (1)، إلى غير ذلك من النصوص.
و صريح الأخيرين إمضاء عقد المملوك المسلم و لو لم يكن بإذن مولاه، و إمضاء عقد المرأة المسلمة، و بذلك ترفع اليد عن عموم «لٰا يَقْدِرُ»، خلافا للعامة القائلين بعدم نفوذ عقد العبد بدون اذن مولاه، للعموم.
نعم في شمول الإطلاقات لذمام أطفال المسلمين المميزين نظر، فضلا عن غير المميز، إذ الظاهر اشتراط كون العاقد مسلما حقيقة، و الأطفال ليسوا كذلك، و إنما هم بحكم المسلمين في أحكام خاصة (2). ففي شمول المطلقات للأطفال نظر بيّن، خصوصا مع سلب عباراته (3)في عقوده و إيقاعاته. و كذلك المجنون خصوصا مسلوب الشعور لانصراف النصوص عن مثله و كذلك السكران و غيره.
كما انّ المكره- بحديث رفع القلم- مسلوب العقد أثرا- و كونه على خلاف الامتنان في حق الغير لا ضير فيه إذا كان ذلك الغير كافرا.
و أما عبارة البالغين- أي عبارة كانت- فظهورها- و لو بالقرائن المنفصلة فضلا عن المتصلة- حجة، و لعل أمر أمثال هذه العقود أوسع من أمر سائر عقود المعاملات، فيكتفى بالمجازات البعيدة و الكنايات الغريبة، بعد فهم المراد هنا بالقرينة.
1) جواهر الكلام 21: 95.
2) لم نعهد اشتراط البلوغ في صحة قبول الإسلام، و انما الثابت في صحة إسلام الطفل مع غض النظر عن التبعية لأشرف الأبوين كونه مميزا فقط، نعم كان البلوغ شرطا في أصل التكليف فقط لا في صحة عباداته و معاملاته أيضا.
3) و هذا أغرب من سابقه، إذ شهرة القول بسلب عبارة الطفل المميز من الشهرات التي لا أصل لها، بل الثابت خلافها نصا و فتوى فراجع.
ثم إنّ ظاهر اجازة علي عليه السلام اجارة العبد لأهل حصن، بل و في نص آخر: «اجارة أدنى المسلمين لقوم» (1)عدم اختصاص نفوذ اجارة الآحاد للآحاد فقط، بل يمضي على القبيلة أيضا، لأنه أقل ما يصدق عليه القوم، بل إطلاقه يشمل الأزيد، كما أنّ أهل الحصن، و القرية ربما يبلغ عددهم الى مائة فما زاد.
و لكن في الشرائع: إنّ فعل علي عليه السلام قضية في واقعة (2).
و فيه: انّ تعليله عليه السلام يقتضي التعدّي.
و في الجواهر تسليمه نفوذ ذمام الآحاد لقرية صغيرة أو قافلة قليلة (3)، و لعله لكونه المتيقن من صدق القوم و أهل الحصن المزبور، فلا يشمل الدليل أزيد من المتيقن مما يستفاد من لفظهما.
نعم للإمام أن يذم لأهل الحرب جميعا، و له أيضا ذمام قطر أو ناحية، بل في زماننا هذا ربما ينفذ ذمام سلاطين الجور لنوع الحربيين، و لو بعقد الهدنة معهم، في دخولهم في بلاد المسلمين آمنين و اتفاقهم مع الأجانب بإرسال السفير إليهم، و قبوله منهم، و مراودتهم بين الدولتين، فإنّ ذلك كلّه من شئون عقد الذمام مع الحربيين.
و ربما يكون فعلهم هذا ممضاة في زمن الأئمة، و لذا كان الحربيون في زمانهم بعد هذه المعاهدة آمنين نفسا و مالا، سواء كانوا من أهل الكتاب الخارجين من شرائط الذمة أو غيرهم. فجرت هذه السيرة إلى زماننا، بل يمكن التعدّي منه إلى مطلق ذي الشوكة من المسلمين، على ما قيل به في عقد الذمة الجاري في زمان الغيبة بالسيرة القطعية.
و منه يتعدّى إلى إمضاء معاهدات سلاطين الشيعة، أو هيئة الشورى القائمين بإصلاح أمر الأمة، كل ذلك للجزم بأنّ معاهداتهم هذه ممضاة شرعا عند الفقهاء الراشدين، طبقا عن طبق، بلا تشكيك لأحد في مثل هذه المعاهدات و نتائجها.
و ربما ينتهي ذلك إلى عمل السالفين، المنتهي إلى زمان الغيبة الصغرى، الواصل يدهم إلى النواب و سفرائهم المخصوصين، العارفين بمذاق إمام عصرنا عجّل اللّٰه فرجه. فلا يضر بمثله حينئذ عدم ابتلاء الأئمة بفعل مطلق ذي الشوكة من الشيعة أو سلاطينهم.
و عدم معلومية إمضائهم لسلاطين الجور إنما هو بما هو ذوو الشوكة من المسلمين، كي يبقى مجال استصحابه، بمثل استصحاب الحكم في الشرائع السابقة الثابتة لعناوينها.
نعم قد يستشكل في صحة أمثال هذه المعاهدات في أمثال زماننا، من جهة كون، ذوي الشوكة من المسلمين في منتهى الضعف بالنسبة إلى سائر الملل، بحيث يمكن دعوى انّ معاهدات سلاطينهم مع الملل الخارجة لمحض الاضطرار و الإكراه غير الصالحة للنفوذ، كما أشرنا. فمثل هذه المعاهدات لا تصلح لاحترام دمائهم، و أموالهم عينا شرعا و إن لم نستطع من هتكهم خارجا.
فيثمر حينئذ جواز غيلتهم و سرقة أموالهم خصوصا مثل أهل الكتاب القاطنين في بلاد المسلمين، الذين هم تحت حماية الملل الخارجة، الذي هو موجب لمقهوريتنا على المعاملة معهم، معاملة المحترمين نفسا و مالا، لا أنه مستند إلى معاهدة من المسلمين معهم، كي يصيروا بذلك مأمونين شرعا.
لكن الإنصاف يقتضي إمكان دفعه، بأنّ مجرد إلجاء المسلمين في المماشاة مع الخارجي، لا يوجب عدم جواز امانه، لإمكان كون المقام من باب
الإكراه على اللازم، فيكون في معاهدتهم تأمينهم في بلاد المسلمين عن طيب نفس منهم و إن كانوا ملجئين في ذلك لخوف المضار الواردة عليهم من جهة أخرى.
و هذا المقدار غير مضر بصحة معاهداتهم المزبورة، كما هو الشأن في سائر المعاملات الصادرة عن الاضطرار و الإلجاء، غير المانع عن صحتها. فيترتب على مثل هذه المعاهدات حينئذ صيرورتهم في أمان من المسلمين نفسا و مالا، فيحرم التعدّي عليهم حينئذ و لو غيلة، ما دام بقاء المعاهدة حتى بالنسبة إلى من كان تحت حماية الخارجي، إذ مقتضى عقد الذمام معهم صيرورة أمثال هذه الطوائف أيضا مأمونين من قبلهم، فلا يحتاج في تأمينهم حينئذ عقد الأمان معهم في تأمين هذه الطائفة، و إن كانوا من أهل دينهم و نحلتهم، بل لا بد من عقد الذمام معهم مستقلا.
و عليه فأهل الكتاب القاطنون في زماننا في بلاد المسلمين، و ان كانوا خارجين عن شرائط الذمة، و لكن بملاحظة كونهم من رعايا دول أجانب أو تحت حمايتها، مأمونون نفسا و مالا من قبل معاهدة ذوي الشوكة من المسلمين مع سلطانهم، أو من كانوا تحت حماية معاهدة التأمين.
نعم لو انتقضت المعاهدة المزبورة، لا يبقى بعد ذلك لأمثالهم أمان، بل يحتاج أمانهم حينئذ إلى ضرب معاهدة جديدة معهم، إما بعقد الذمام أو بعقد الذمة، و إلّا فيكون ما لهم فيئا للمسلمين، و دمهم هدرا.
ثم إنّ ما ذكرناه كله فيما لو كانت الدولة الإسلامية دولة مستقلة، و إن كان ضعفهم، بالنسبة إلى سائر الدول و باقي الملل موجبا لتحملهم بعض التحميلات غير المنافية مع استقلالهم.
و أما لو لم تكن دولتهم دولة مستقلة، بل كانوا تحت حماية الأجانب،
فذلك تارة يكون عدم استقلالهم في جهات غير مرتبطة بأمثال هذه المعاهدات، فلا ينافي حينئذ استقلالهم في ذلك، فتمضي عليهم المعاهدة الذمامية و الذمية.
و تارة يكون عدم استقلالهم من جميع الجهات حتى هذه الجهة، ففي مثل هذه الصورة تارة يكون مرجع استقلالهم إلى كونهم ملزمين من قبلهم على المعاهدة المزبورة أيضا، فذلك من المصاديق الظاهرة لكون أمثال معاهداتهم هذه صادرة عن إكراه و إلزام منهم عليها، فلا يكون مثل ذلك نافذا شرعا و إن كانوا في الخارج حينئذ مقهورين على التأمين.
لكن لا يجدي ذلك في حرمة أموالهم بأخذها غيلة أو سرقة، بمقدار لا يوجب إضرارا على المسلمين، من جهة أخرى تكون أهم من ذلك.
و اخرى لا يكونون ملزمين بمثل ذلك، بل غاية الأمر التزامهم بلوازمه، بحيث لا يصدق عليه الإكراه على نفس المعاهدة، بل كان من مصاديق الإكراه على اللازم، لتكون حال هذه الصورة حال الدول الضعاف المستقلة ظاهرا، المجبورة على أمثال هذه المعاهدات. و لقد عرفت انّ مقتضى القواعد صحة معاهداتهم حينئذ، و ترتيب الأثر عليها شرعا، من احترام أنفسهم و أموالهم، و كذلك كل من يلوذ بهم.
ثم انّ ذلك أيضا في صورة كونهم دولة، غاية الأمر غير مستقلة و تحت حماية غيرهم من الأجانب.
و أما لو لم يكونوا دولة، بل كانت لهم صورة دولة يشكلها الأجانب، بجعلهم واحدا من المسلمين سلطانا على البقية، بحيث يكون هو المسئول عنهم تجاه الأجانب في الشئون السياسية و التجارية و غيرها، فيعاهدون معه بمعاهدات خاصة.
فتارة يكون ذلك أيضا صوريا محضا، فلا يثمر في تحقق الذمام
بلا اشكال، لعدم تحقق معاهدة من قبل ذي الشوكة من المسلمين، بل هذا المسلم المنصوب يعد من أحد المأمورين لهم و محسوبا منهم، فكانت معاهداته معهم لمجرد الصورة، بلا اعتناء بمثل هذا العهد، فيصح حينئذ سلب المعاهدة الحقيقة بينهم و بين المسلمين، فلا ينتج مثله احتراما لهم.
و اخرى لا يكون غرضهم من التشكيل المزبور إلّا جعله حقيقة دولة، غاية الأمر غير مستقلة، ففي مثله يجيء التفصيل السابق حرفا بحرف، و لعل العراق في زماننا هذا من هذا القبيل.
و لو شك في مورد أنه من أي الأقسام، و وقعت معاهدة بين ذي الشوكة خارجا، فتارة يكون الشك في كونها معاهدة صورية أو حقيقة، من جهة الجهل بإرادة الحقيقة جدا أو لا، فأصالة الحقيقة تجعلها حقيقة.
و اخرى يكون الشك في كونها معاهدة الرئيس بما هو رئيس المسلمين أو معاهدة مأمور من مأموريهم، و أن صورة المعاهدة من جهة الجهل برئاسته، و لو في هذه الجهة. ففي جريان أصالة الصحة إشكال، للشك في صدق عنوان المعاهدة بين المسلمين بما هم مسلمون مع الكفار، فأصالة الصحة قاصرة عن إثبات الصحة في مثلها.
نعم لو علم بأنّ ذي الشوكة من المسلمين لم يكن من خدامهم، غاية الأمر كان تحت سيطرتهم و حمايتهم، و شك في انّ معاهدته هذه عن إلزام منهم بها، أو إلزام بلازمه، كانت أصالة الصحة حينئذ مجدية، فيحكم بصحة المعاهدة، و يترتب عليها أثرها.
ثم إنّ وقت عقد الأمان لآحاد المسلمين قبل الأسر لا بعده إجماعا، نعم للإمام عليه السلام و النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بأمينهم أو إطلاقهم، حتى بعد الأسر بشهادة اجازته صلّى اللّٰه عليه و آله لزينب في تأمين زوجها بعد أسره.
و ربما يمضي مثل ذلك من سلاطين الجور أيضا بشهادة إمضاء علي عليه السلام فعل عمر في حق الهرمزان.
و ربما يستصحب مثل هذا في حق سلاطين الجور في زمان الغيبة، نظير استصحاب أحكام الشرائع السابقة.
و أما ثبوت مثل هذا الشأن للفقيه، فهو فرع إثبات عموم الخلافة و النيابة، و أشكل منه إثباته لذوي الشوكة من مطلق المسلمين.
و توهم الملازمة بين هذا التأمين و بين تأمين القطر و الناحية الثابتة لهم في زمان الغيبة، حسب ما عرفت من نفوذ معاهداتهم مع الكفار، منظور فيه.
فالأصل عدم نفوذه منهم، لو لا دعوى انّ مقتضى الإطلاقات نفوذ أمان الآحاد للآحاد، حتى بعد الأسر، خرج عنه من لم يكن رئيسا و ذا شوكة، و بقي الباقي.
اللهم إلّا أن يدفع الإطلاق بعدم سوقها من تلك الجهة، فتبقى أصالة الفساد خالية عن المعارض.
ثم انّ هذا العقد- مثل عقد الذمة- قابل لوقوعه مطلقا و مشروطا، فيصح في ضمنه كل شرط سائغ شرعا، لا غيره. فلو اشترط ذلك فيه، فمع علم الكافر ببطلان الشرط فلا أمان له، لانتفاء القيد بانتفاء شرطه، بعد الجزم بعدم كون الشروط في ضمن أمثال هذه المعاهدات من باب تعدد المطلوب، بخلاف ما إذا لم يعلم به فإنه في شبهة أمان.
كما انّ حقيقة هذه المعاهدات أيضا ليست إلّا من باب التسالم الخارجي المنوط بقاؤه ببقائهم على العهد، فمهما انتقضوا العهد بالعمل على خلافه، ينقض العهد حقيقة، و ليس من باب العهود و التسالمات الإنشائية الحاصلة
بالإنشاء غير المنقض مضمونها بصرف مخالفة أحد الطرفين، التي كان لكل منهما إلزام طرفه على الحركة على وفقها.
و عليه فلعاقد الأمان أن يشترط على أنفسهم المال أو في أموالهم شيئا، فتصير شبيهة عقد الجزية.
و حينئذ فالفرق بين عقد الذمام و عقد الجزية هو أنّ في عقد الجزية كان قوامه بالمال و كونهم صغارا، بخلاف عقد الذمام فإنه ليس قوامه ذلك، بل يصح بدونهما.
كما انّ عقد الجزية حق لهم، بحيث لو أقدموا عليه يجب على رئيس الجيش أو ذي الشوكة من المسلمين قبوله، و يقروهم على مذهبهم، و يمكّنوهم من بلاد المسلمين أو بلادهم بخلاف عقد الذمام، فإنه حق للمسلمين و ذوي شوكتهم، فيصح لهم تأمينهم مع المصلحة، بل في الآحاد للآحاد و لو اقتراحا، ما لم يضر ذلك بالإسلام و لا بهيئة المسلمين، فإنه حينئذ لا ولاية له عليه جزما، فمهما تحقق صحيحا كان مساويا لعقد الذمة في حفظ النفس و المال، بلا يتعرض المسلمين لهم ما لم يهتكوا مقدسات المسلمين، لانصراف الأدلة عن مثل هذه الصورة.
كيف و ذلك منة من اللّٰه على المسلمين بشرافة إسلامهم، فلا يكاد يشمل دليله ما يوجب خلاف المنة عليهم، أو يوجب هتك شرفهم بما هم مسلمون.
ثم إنه لو أقر مسلم بذمام حربي قبل أسره، قبل، لكونه مدعيا بلا معارض. و لو عارضه غيره في ذلك، فيحتاج سماعة إلى بينة في أصل إيقاع العقد، و مع العلم به كانت أصالة الصحة تقتضي تقديم قوله بيمينه.
و لو ادعى الحربي أمان المسلم له، فمع العلم بأصل المعاهدة و الشك في وقوعها بعد الأسر أو قبله، قبل قوله، لأصالة الصحة.
و لو أنكره المسلم انتقض الأمان فعلا، و في كونه حينئذ في شبهة أمان وجه، لأصالة عدم علمه ببطلان المعاهدة.
و أما مع الجهل بأصل الأمان لا يسمع، بل أصالة عدمه يدخله في الحربي.
نعم مع عدم منكر في البين، ربما يسمع قوله بمناط الدعوى بلا معارض، فتدبّر.
و لو عقد مع الحربي الذمام على أن يتوطن في دار المسلمين، صح و استؤمن على نفسه و ماله.
و لو التحق بعد ذلك بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه في نفسه، و في انتقاض الأمان في ماله نظر، من كونه بتبع نفسه، و من انّ عقد الأمان كان على النفس و المال كليهما، فانتقاض أثر أحدهما لا يوجب انتقاض الآخر.
و لئن شئت قلت: إنّ استيطانه في دار الحرب لا يكون ناقضا لأصل العقد، إذ ليس عدمه شرطا فيه، و إنما هو ناقض لأثره، إذ أثره حقن دمه ما دام متوطنا في دار الإسلام، فإذا التحق بدار الحرب لا يبقى مجال لحقن دمه، لخروجه عن مفاد العقد، فيبقى حينئذ أثر العقد بالنسبة إلى ماله باقيا.
نعم لو أخذ ماله و أتى به إلى دار الحرب، يبطل أمان ماله أيضا.
و حينئذ لا يقاس المقام بباب مخالفة الذمي للذمة، الموجبة لنقض الأمان في نفسه و ماله، لأنّ أمانهما كان تابعا لبقاء العهد، فإذا انتقض العهد حقيقة فلا موجب لأمانهما أصلا، و ذلك ظاهر، فتدبّر.
و حينئذ فلو أسّره المسلمون و استرقوه دخل ماله في ملكهم تبعا لرقبته.
في بلاد المسلمين لشبهة الأمان إلى مأمنه بلا اشكال نصا و فتوى، و في النص: «لو أنّ قوما حاصروا مدينة فسألوهم
الأمان فقالوا: لا، فظنوا أنهم قالوا: نعم، فنزلوا إليهم، كانوا آمنين» (1).
و ظاهر النص حصول أمانهم بشبهتهم، و لازمة لزوم إيصالهم إلى مأمنهم، و ليس لهم البقاء مأمونين بعد رفع الشبهة إلّا بأمان جديد، أو بشبهة أخرى.
و إلّا فللمسلمين إما إيصالهم إلى المأمن أو تأمين جديد، فمع عدم تأمين جديد لا تقتضي الشبهة إلّا المأمونية من قبل دخولهم المستتبع لخروجهم. و إما بقاؤهم اختيارا في بلد المسلمين بعد رفع الشبهة، فلا بد أن يكون بأمان جديد، كيف و لا يقتضي دليل الأمان الحاصل بالشبهة، مثل هذه الصورة المستند فيها بقاؤهم باختيارهم و عمدهم، فلا شبهة كما لا يخفى.
و لو دخل الحربي بدعوى الشبهة، ففي سماع دعواه وجه، لأنه لا يعلم إلّا عن قبله، إلّا مع وجود القرائن و ظواهر الأحوال التي هي بمنزلة ظاهر اللفظ الحاكي على خلافه، فيحكم حينئذ على طبق ظهور حاله، لبناء العقلاء على حجية ظواهر الأحوال كظواهر الألفاظ.
، بلا إشكال في الأول في الجملة نصا و فتوى، و يكفي من النص الآية الشريفة المشتملة على المستثنى و المستثنى منه (2)، و في ذيل نص إسماعيل بن جابر: «إذا كان عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف، و إن كان العدة رجلين لرجل كان فارا من الزحف» (3).
و نظيره بعض نصوص أخر في حرمة الفرار مع الضعف (1)، و في بعض النصوص أيضا: «حرّم اللّٰه الفرار من الزحف، لما فيه من الوهن في الدين» (2).
و أما المستثنى، فلما تقدّم من استفادته من الآية الشريفة، بل ربما ينصرف عنوان الفرار المحرّم عن مثله، كالانصراف عن الفرار غيلة، لوقوع الخصم في أمكنة موجبة لمعلوميتهم، لخصوصية من الجهات الحربية. و نظيره أيضا الفرار مائلا و متحيزا إلى فئة منقطعة عن غيرها للإمداد، فإنّ ذلك كله من الفنون الحربية غير الصادقة على فاعليها الفرار عن القتال، بل هذا نحو قتال باعمال فنونه.
ثم انّ إطلاق حرمة الفرار من الزحف يشمل صورة الظن بالهلاك، لأنّ موضوع القتال الواجب وارد مورد شبهة الهلكة المنجبرة بمصالح أخروية و دنيوية. و العقل في مثله قاصر عن الحكم بوجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل، و آية الهلكة أيضا قاصرة الشمول لغير مورد الجزم بالهلاك، نعم مع الجزم به و إمكان الفرار على وجه لا يترتب عليه نقض آخر، لا بأس بالالتزام بوجوب الفرار للآية، و إلّا فمع صدق الإهانة بالدين و إيقاع الذل بالمسلمين، فربما تقتضي التعليلات الواردة في حرمة الفرار من الزحف، أهمية تلك المصالح عن مصلحة حفظ النفس، كما هو ظاهر.
و لو كان المسلمون أقل من النصف فلا يشملهم دليل الحرمة، و في النص:
«إنّ وجوب قتال الواحد مع العشر نسخ تخفيفا من اللّٰه» (3). و في شمول
نصوص «رجل برجلين» في الآحاد أيضا إشكال، لأنها واردة لبيان نسبة العسكرين، و ربما يكون فيه خصوصية في غلبتهم لتعاضد مجموعهم بالمجموع.
و حينئذ ففي التعدّي عنه الى الآحاد نظر، فأصالة البراءة حينئذ محكمة، بعد عدم شمول الأمر بالقتال مع الضعف لمثل هذه الصورة. و ذلك أيضا لو لا عموم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1)لأمثال المورد، و لو بدعوى انّ في مورد الشك في الغلبة يرجع إلى الشك في القدرة، فيجب احتياطا.
اللهم إلّا أن يدعي انصرافه إلى صورة الجزم بالغلبة و القدرة، فمع احتمال المغلوبية فالأصل البراءة في غير المورد المنصوص فيه بحرمة الفرار.
مع العدو بسائر أنواع الحرب بلا إشكال، لإطلاق الأمر بالمقاتلة، علاوة على قوله وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ (2)، و قوله:
وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (3)، مضافا إلى ما ورد من إرسال الماء عليهم، أو إلقاء النار عليهم أو الرمي بالمنجنيق (4).
بل و إطلاق بعض النصوص المزبورة يشمل قتلهم بحبس الماء عنهم ليموتوا عطاشا (5)، خصوصا مع التعليل في بعضها «بأنهم شر الدواب و أشدهم أذية» (6).
بل في بعضها: و فيهم الصبيان و النساء و الشيخ الكبير و الأسارى من
المسلمين و التجار، قال: «يفعل ذلك بهم و لا يمسك عنهم لهؤلاء، و لا دية عليهم للمسلمين و لا كفارة» (1).
و هو أيضا محمول على صورة توقف الفتح على ذلك، فلا ينافي ما سيأتي من عدم جواز قتل الصبيان و النساء، و غيرهما مع عدم إمكان الفتح بذلك.
و بالجملة لا خصوصية في أنحاء الحرب حتى بالآلات الجديدة أو غيرها، إلّا إلقاء السم في بلادهم، لما في خبر السكوني المنجبر بالعمل: «نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أن يلقى السم في بلاد المشركين» (2)، و إطلاقه يشمل حتى صورة توقف الفتح عليه.
نعم يمكن أن يستفاد منه أن وجه النهي منصرف إلى صورة استلزامه هلاك الصبيان و النساء، و حينئذ فربما يشكل شموله لصورة اختصاص الهلاك بمن يستحق القتل.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ قتل الصبيان و النساء جائز بأنحاء القتل عند الضرورة، فخصوصية النهي عن إلقاء السم في بلادهم مع الضرورة، ليست إلّا لخصوصية في السم من بين آلات المقاتلة، و بعد ذلك يمكن التعدّي إلى قتل المستحقين أيضا، و لعله إلى ذلك نظر الجماعة في إطلاق حكمهم بالتحريم.
و مما ذكرنا ظهر أنه لو تترسوا بالصغار و النساء أو المسلمين، و لم يمكن الفتح إلّا بقتلهم جاز، لما تقدّم في نص حفص من الأمر بقتلهم و فيهم الصبيان و النساء و الشيخ و الأسارى من المسلمين و التجار (3).
و إطلاقه ربما يوهم جوازه حتى مع تمكن الفتح بغيره، و فيه منع، لأنّ كيفية الواقعة غير معلومة، لو لم نقل بظهورها في صورة الإلجاء إليه مقدمة للفتح. و المتيقن منه صورة توقف الفتح عليه، فتبقى- مع عدمه- نواهي قتل الصبيان و النساء بحالها.
و لا فرق فيه بين الجهاد بالمعنى الأخص أو الأعم الشامل للدفاع، و توهم اختصاص النص المزبور بالأول ممنوع، و على فرضه فيتعدّى منه إلى غيره، لإلغاء الخصوصية.
و مع الغض عنه فينتهي الأمر إلى التفصيل بين صورة التمكن من الدفاع بدونه و عدمه، و في الثاني يكون الترجيح لجانب الوجوب، لأهمية حفظ بيضة الإسلام و المسلمين، بخلاف الأول فإنّ حرمة قتلهم باقية بلا مزاحم.
و ذلك بالنسبة إلى التترس بالمسلم، و إلّا فبالنسبة إلى نسائهم و أطفالهم فيمكن دعوى جريان التشكيك السابق، من حيث احتمال اختصاصه بالجهاد بالمعنى الأخص، فيبقى عموم وجوب الدفاع بحاله.
و لكن ذلك أيضا لو لا دعوى فهم ذلك من جعل الوظيفة في الحربي سبي ذراريه و نسائه، فإنه يفهم منه عدم جعل القتل عليهم، بل و في الجزية قد تقدّم أنّ بناءهم على وضعها عنهم، لأنها ملزوم جواز قتلهم، فيكشف ذلك عن تسلم حرمة قتلهم حتى في الدفاع إلّا مع الضرورة.
ثم إنّ في ذيل رواية حفص: نفي الدية عمن جاز قتله عند التترس به، مسلما كان أو غيره، بل و نفي الكفارة، و الأصحاب أخذوا بالفقرة الأولى فنفوا الدية، و طرحوا الأخيرة و رجعوا فيه إلى عموم كفارة قتل المسلم أو غيره.
و في كونه من قبيل العمد أو الخطأ كلام آخر، و لا يبعد مع القصد في الرمي مع عدم قصد المسلم بخصوصه مثلا أن يكون من باب شبه العمد لا العمد المحض و لا الخطأ المحض. و مع قصده بخصوصه و لو للتوصل به إلى
قتل الكفار، يكون من العمد، و مجرد جوازه لا يخرجه عن العنوان، كما انّ عدم حرمته لا ينافي الكفارة كما في الخطأ.
اللهم إلّا أن يدعي أنّ زيادة كفارة العمد تكون من تبعات حرمته، فلا يترتب عليه حينئذ إلّا كفارة شبه العمد أو الخطأ، و هو فرع التشكيك في عموم دليل كفارة العمد في المقام، أو قيام إجماع عليه، و إلّا فللنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.
و لا الصبيان و المجانين و إن عاون أو عاونوا إلّا مع الضرورة، بلا خلاف ظاهرا في غير النساء. نعم قيل بحرمة القتل حتى مع الضرورة، و فيه نظر، لأهمية الجهاد و إعلاء كلمة الحق، و ربما يكون الالتزام به موجبا لتعطيل الجهاد. و لقد عرفت سابقا نص حفص و غيره من الأمر بقتلهم، المحمول على الضرورة. و في نصوص الباب تعليق ترك قتلهم بمقدار الإمكان، الذي هو كناية عن عدم الإلجاء على قتلهن، مؤيدا ذلك بسكوت النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عن قتلهن بعد اعتذار القاتل في يوم الخندق باضطراره في ذلك بمنازعتها في قائم سيفه.
و الخنثى المشكل أيضا بحكم المرأة، و لعله من جهة تغليب جانب الحرمة مع الدوران، و لا وجه له، كما انّ عموم وجوب قتل المشركين حيثما وجدوا، على فرض عدم انصرافه الى الذكور، فلا أقل من سقوطه عن الحجية للشبهة المصداقية.
و حينئذ فيكون المورد من أظهر مصاديق الدوران بين المحذورين، بلا ثبوت ترجيح لأحد الجانبين، كما هو ظاهر.
ثم إنّ مقتضى إطلاق النهي عن قتل النساء، و الصبيان مهما أمكن، حرمة قتلهم و لو كانوا محاربين. لكن المستفاد من بعض النصوص جواز قتلهم مع
محاربتهم، لقتل النبي يوم بني قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن مسلمة (1)، و يتعدّى بالفحوى إلى الصبيان إذا كانوا داخلين في الحرب.
و لا يبعد تخصيص النواهي بمثلها، لو لا عدم مساعدة إطلاق كلمات الأصحاب في الجزية، فإنه ربما يوجب الوهن في سند الرواية المزبورة، خصوصا مع التصريح في بعض النصوص بحرمة قتلهن و إن قاتلن.
و في التعدّي من الحكم المزبور إلى الدفاع في زمان الغيبة وجه، كما أنه مع الضرورة و توقف حفظ بيضة الإسلام و المسلمين على قتلهم، لا شبهة في جوازه.
ثم إنّ في بعض النصوص إلحاق الشيخ الفاني بالصبيان من قوله:
«و استحيوا شيوخهم و صبيانهم» (2)، على معنى كف القتال عنهم، و حكي عن التذكرة دعوى الإجماع عليه (3).
ثم إنّ ذلك أيضا في صورة عدم كونه ذا رأي، و إلّا فربما يكون وجوده أضر من نفس الجيش، فيجب قتله جزما، و الكلمات أيضا منصرفة عن هذه الصورة كالنصوص.
و أيضا مقتضى العموم وجوب قتل الراهب و غيره، و ما في نص مسعدة من النهي عن قتل المتبتل في شاهق (4)، الشامل بالمناط لمثل الراهب، لا حجية فيه، لوهنه بعدم عمل المشهور به، فما عن ابن الجنيد من حرمة قتله، منظور فيه.
نعم لو كان شيخا فانيا غير ذي رأي، لا يقتل، للنصوص السابقة.
و ربما يلحق بالشيخ- من حيث الفحوى- الأعمى، و المقعد، و المريض الذي لا يرجى زوال مرضه، بشرط عدم كونهم صاحبي رأي في الحرب.
و في بعض النصوص التصريح بإلحاق الأعمى و المقعد بالنساء و الصبيان (1)، فراجع.
و يحرم أيضا قتل الرسول، لأنه مقتضى السياسة، و لقول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لرسولي مسيلمة: «لو كنت قاتلا رسولا لضربت عنقيكما» (2).
و لا يجوز التمثيل بهم بقطع الآناف و الآذان، لما عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «لا تجوز المثلة و لو بالكلب العقور» (3)، و إطلاقه يشمل حال قيام الحرب و بعده، قبل القتل و بعده، فعلوا بالمسلمين ذلك أم لا.
و كذا لا يجوز الغدر بهم، بأن يقتلوا بعد الأمان، و في النص: «ألا و انّ الغدر و الفجور و الخيانة في النار» (4)، نعم تجوز الخدعة في الحرب، لفعل علي عليه السلام بعمرو بن عبد ود، و قال عليه السلام: «الحرب خدعة» (5).
و يحرم الغلول، قيل: و هو سرقة أموالهم بعد الأمان، و إلّا فقبله فهي فيء للمسلمين. و من المحتمل قيام الإجماع على حرمة مطلق سرقة أموالهم، و لكنه
مشكل جدا.
و قيل في تفسيره: السرقة من الغنيمة.
و على الاحتمالات فالمتيقن هو الأول و الأخير.
: إذا طلب المشرك المبارزة و لم يشترط عدم الإعانة جاز اعانة المسلم، و إن شرط و قبلوا شرطه فهو بمنزلة أمانة من تلك الجهة، فتحرم اعانة المسلمين لمن بارزه.
و إن فر المسلم و طلبه الحربي، جاز لهم دفعه، لأنه خارج عن شرطه، فالمسلمون حينئذ يد على من سواهم. و لو لم يطلبه الحربي لم يجز محاربته، لأنه بمقتضى شرطه في أمان حتى يرجع الى مأمنه.
و قيل: يجوز، لعدم اقتضاء المبارزة مع الشرط أمانه مطلقا، و له وجه، لأنّ عدم إعانة المبارز غير الأمان من سائر الجهات، فما في الجواهر من كونه أمانا كذلك (1)، منظور فيه.
من أسلم في دار الحرب حقن دمه و ولده الصغار من السبي، و ماله من الأخذ مما ينقل و يحول بلا اشكال فيه، لخبر حفص، قال:
سألت أبا عبد اللّٰه عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك، فقال: «إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار، و هم أحرار، و ولده و متاعه و رقيقه له، فأما الولد الكبار فهم فيء للمسلمين إلّا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك، فأما الدور و الأرضون فهي فيء، و لا تكون له، لأن الأرض هي أرض جزية لم يجر فيها حكم الإسلام، و ليس بمنزلة ما ذكرناه،
1) جواهر الكلام 21: 89.
لأنّ ذلك يمكن احتيازه و إخراجه إلى دار الإسلام (1).
و من هذا النص أيضا استفيد حكم ما أفاده المصنف من قوله: و أما الأرضون و العقارات فمن الغنائم.
و لو أسلم العبد قبل مولاه و خرج من دار الحرب ملك نفسه بلا اشكال فيه، و في خبر السكوني: «أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حر، و أيما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد (2).
و الظاهر انّ المنصرف منه خروجه إلينا مسلما، أو أسلم بعد خروجه، لا أنّ مجرد خروجه مع بقائه على الكفر يجعله حرا، بل هو حينئذ فيء للمسلمين كسائر أموالهم، و إطلاق النص يشمل الخروج قبل إسلامه أيضا.
و لكن يشترط كون إسلامه بعد إسلام سيده، و إلّا فيبقى على ملك المسلم، خرج قبله أم لم يخرج، إذ هذه الصورة مما انصرفت عنها كلمات الأصحاب، لأنّ مال المسلم محترم، و النص أيضا منصرف عن هذه الصورة.
نعم لو صار مسلما قبل مولاه، و خرج بعد مولاه، فإنه يبقى على ملكه بمقتضى النص المزبور. و لا ينافي ذلك ملكيته للكافر، لأنّ الكافر يصلح أن يبقى على تملك المسلم، غاية الأمر أنه يقهر على بيعه، كما هو الشأن في عبد الذمي إذا أسلم، و هذا المقدار من البقاء لا ينافي علو الإسلام، و لا يستلزم سبيل الكافر على المسلم، و سيأتي إن شاء اللّٰه شرح ذلك في كتاب البيع.
، و هم كل من
خرج على إمام عادل، كما هو المنسوب إلى عرف المتشرعة، و لا خلاف و لا إشكال في انه يجب قتاله مع دعاء الإمام أو من نصّبه.
و يدل عليه ما تقدّم في خبر حفص (1)بن غياث: «و أما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي و التأويل قال اللّٰه عز و جل وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ ..
إلخ (2)». و قد بشّر أمير المؤمنين عليه السلام بقتال أهل البغي من المارقين و أهل الجمل و الخوارج أجمع. و عن علي عليه السلام إنه قال: «أمرت على قتال الناكثين و القاسطين و المارقين، ففعلت ما أمرت» (3).
و لا إشكال في فوريته، و كون تأخيره كبيرة، و في النص: انه أعظم من الجهاد مع الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله (4).
كما لا إشكال في انّ وجوبه على الكفاية، إلّا مع تعيين الامام فيتعيّن، لوجوب اطاعته.
و في النص: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «إنّ اللّٰه قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم الجهاد مع المشركين معي» (5)، و ظاهره كون كتابة الجهاد في الفتنة بعده مثل كتابة الجهاد في عهده بنحو الكفاية.
و من المماثلة المزبورة يستفاد حرمة الفرار عن الزحف في القتال مع البغاة، كالفرار في القتال مع المشركين.
و في جواز قتل الوالد، مع الأمر بصحبته في الدنيا معروفا، نظر. لو لا
دعوى أهمية القتال معهم و دفع شرهم عن الامام و حفظ بيضة الإسلام، من مصلحة الرفق بالأب، و أمر وجوب القتال مع سائر الأرحام أوضح.
و قيل فيهما بالكراهة، و لعله من جهة إحراز أهمية مفسدة ترك الصحبة أو قطع الرحم عن مصلحة دفع شرهم.
و فيه: إنّ لازمة الحرمة لا الوجوب، لكون المقام من باب التزاحم بين العنوانين، و مع الترجيح يقدّم مصلحة الراجح في تأثيره، لو لا دعوى انّ ذلك في الوجودين لا وجود واحد. ففي مثله يكون اقتضاء الرجحان للحرمة فرع بلوغه مرتبة اللزوم، و مع الشك فيرجع إلى البراءة، فلا يستفاد منه إلّا الكراهة.
و لكن ذلك كله مبني على الترجيح المزبور، و فيه نظر، خصوصا مع اضرارهم بالإمام، فإنّ حفظ وجوده أهم من جميع الأمور.
ثم إنّ حد الجهاد معهم إلى أن يرجعوا، لأن المقدار الواجب دفعهم عن الامام، نظير وجوب الدفاع في زمان الغيبة.
: من له فئة فيجهز على جريحهم، و يتبع مدبرهم، و يقتل أسيرهم. و من لا فئة له فلا يجهز على جريحهم، و لا يتبع مدبرهم، و لا يقتل أسيرهم بلا إشكال في ذلك نصا و فتوى. و في نص حفص بن غياث عين هذا التفصيل (1).
و في خبر تحف العقول (2)أيضا بيان وجه افتراق معاملة الأمير في الجمل و صفين، حيث لم يتبع في الأول، و تبع في الأخير، بأنّ لهم في صفين فئة دون الجمل.
و في شمول حكم البغاة غير الجماعة مثل الآحاد، نظر، لانصراف دليلها إلى الجماعة، نعم بملاحظة كونه شاهرا سيفه على الامام، يجب دفعه و لو بقتله.
و في وجوب قتله مع التمكن من حفظ الامام عليه السلام بدونه، نظر، ما لم يكن كافرا، و لو لإنكاره ضروريا من ضروريات الدين. و يؤيده وصية الأمير في ابن ملجم و تخييره بين العفو و القصاص، و إلّا فيجب قتله، لكونه من البغاة.
بل لو كانت الجماعة الباغية في قبضته، فعن ابن إدريس: أنهم ليسوا أهل بغي (1).
و في الجواهر: توجيهه بأنّ حكم البغاة لم يعلم إلّا من فعل علي عليه السلام و مورده الجماعة المنفردة عنه، و الخارجة عن قبضته، فيقتصر على المتيقن (2).
و يومئ إليه ما في النص أيضا: «ما دامت أيديكم معنا» (3)، و لكن في الجواهر تضعيف سنده بالإرسال و عدم جابر له (4).
أقول: ما أفيد أولا إنما يصح لو كانت مثل هذه الخصوصيات مما يلتفت إليها العرف، و إلّا فلا محيص عن التعدّي إلى كل من خرج على الامام عليه السلام و لو كان في قبضته.
و في لزوم كونهم على اعتقاد باطل في أمر الإمامة أو غيرها، منظور فيه، بشهادة أهل الجمل و صفين، و لذا لا يقتل هؤلاء ما لم يخرجوا على الامام، كما
يومئ إليه وصية علي عليه السلام بعدم قتل أحد من أهل النهروان بعد انتهاء الحرب، نعم من كان ناصبا فهو كافر يجب قتله، لكونه منكرا لضروري الدين.
بلا اشكال ظاهرا نصا و فتوى، و في جملة من النصوص تعريض الأمير بالمقاتلين حين طلبوا الأسير منهم بقوله: «أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه» (1).
و في جملة اخرى: «إنّ دار الشرك يحل ما فيها، و دار الإسلام لا يحل ما فيها» (2).
و في جملة ثالثة: إنّ عليا منّ عليهم بعدم أخذ أموالهم و عدم سبيهم مراعاة لشيعتهم المبتلين بدولتهم الآتية الباطلة (3).
بل و في بعضها: التصريح بأن سيرة القائم عجل اللّٰه فرجه غير سيرة علي، لأنه كان يرى شيعته في أيديهم فراعاهم مقدمة لمراعاتهم، بخلاف القائم، فإنه لا مقتضى لمراعاته لهم لانحصار الدولة بالحق (4).
و من المجموع يستفاد انّ حفظ أموالهم و عدم سبي نسائهم لحكمة التقية، لا لأنهم مستأهلون لذلك، و نرى أنصاف علي عليه السلام في حقهم، و مع ذلك فعلوا بذراريه ما فعلوا، ألا لعنة اللّٰه عليهم أجمعين.
و مقتضى عموم قوله: «و دار الإسلام لا يحل ما فيها» عدم الفرق في عدم جواز الأخذ بين ما يجدون من أموالهم بعد الحرب أو حينها، و بين ما حواه
العسكر و غيره، و بين تملك المقاتلين و غيرهم. و لكن عن الشيخ في المبسوط:
روى أصحابنا أنّ ما يحويه العسكر من الأموال يقسّم (1).
بل في الشرائع ما مضمونه: انّ سيرة علي على الأخذ، و هو الأظهر.
و لكن في جملة نصوص- زيادة على المضمون السابق- أن عليا نادى أن من وجد ماله فليأخذ.
و جمع في الجواهر بين الطائفتين بأنه عليه السلام أذن لهم بأخذ المال الذي عند العسكر، ثم بعد ذلك جبر ضررهم من بيت المال (2).
و فيه: إنه مناف لنهيهم عن أخذ المال، و أمر البغاة بأخذ عين مالهم من يد العساكر.
و حينئذ فإن تم سيرة علي عليه السلام فهو، و إلّا فالأخبار الناهية ترجح بموافقتها مع عمومات حرمة مال المسلم، بعد عموم دليل إسلام مظهر الشهادتين، إلّا منكري ضروري الدين كالغلاة و الخوارج، فإنهم شر من الكلاب و أسوأ خلق اللّٰه و أظهرهم كفرا، بل و كذلك النصّاب.
و في النص عنه صلّى اللّٰه عليه و آله: «من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني و لا يرفع إلى السلطان» (3).
نعم مع الخوف على النفس جاز ترك قتلهم تقية، و في النص: «لو لا إنّا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم، و رجل منكم خير من ألف رجل منهم، لأمرناكم بالقتل لهم» (4).
و عن الرضا عليه السلام: انه نهى ريان بن الصلت ثلاث مرات عن قتل العباسي الذي كان ينال منه عليه السلام (1).
و يلحق بالإمام في ذلك فاطمة الزهراء و الملائكة، بل و رؤساء الدين، احتراما للمذهب. و يكون سابّهم بحكم الكافر الحربي، فماله فيء، و تسبى نساؤه إذا كنّ ناصبيات مثله، و إلّا فمع إسلامهن يفترقن عنه فورا، بل قيل بعدم قبول توبته في رفع قتله نظير المرتد فطريا و إن لم يكن منه، مع عدم استحلاله لذلك، للإطلاقات.
و هو جمع الغنيمة و المراد منها- في المقام-: خصوص ما يغنم من أموال المشركين أو من بحكمهم، من دار الحرب، عند حواء العسكر لها بالقهر و الغلبة حين المقاتلة أو بعدها.
و هي تنقسم إلى ثلاثة أنواع: المنقول، و الأراضي، و السبايا.
و لا يجوز لأحد- غير الامام- التصرف في شيء منها قبل القسمة.
و المشهور جواز تناول ما لا بد منه، كعليق الدابة و أكل الطعام، لقوله تعالى فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلٰالًا طَيِّباً (2).
و في نص مسعدة: النهي إلّا عما لا بد من أكله (3).
و يستفاد من فحواه جواز عليق الدابة، الظاهر منه ما كان محتاجا إليه مطلقا. و في اعتبار الاعتياد في الاحتياج نظر، لعدم الاحتياج حال كونهم في بلادهم الممكن لهم شراء المأكول.
و يلحق به المشروب المحتاج إليه لا مطلقا، و منها العقاقير و الأدوية.
ثم انّ ما ينقل إن كان مما يصح تملكه للمسلمين فيبقى عليه، و إلّا فيجوز إتلافه، لأنه لا يدخل في الغنيمة المملوكة. نعم مع صلاحية الخمر للتخليل، يشكل إتلافه، لأنه يصلح لأن يصير مالا، فلهم حق اختصاص به، دون ما ليس كذلك، فيدخل الأول في الغنيمة.
كما انّ الأشياء المباحة في دار الحرب كالطيور و الأشجار و نحوها لا يختص بها أحد و يتملكه من حازه من المسلمين، نعم لو كان فيه أثر ملك فهو غنيمة.
و لو وجد شيء في دار الحرب و لم يعلم انه من المسلمين أو من الكفار، ففي دخوله في الغنيمة نظر. و عموم «لا يحل مال امرئ إلّا من حيث أحله اللّٰه» يدخله في اللقطة، خصوصا مع أصالة عدم يد الحربي عليه. فلا يكون غنيمة.
و لا تعارضها أصالة عدم جريان يد محترمة عليه، فيجوز تملكه، لأنّ مقتضى عموم «لا تحل» هي حرمة المال إلّا من قبل الحيثيات المحللة، فأصالة عدمها تدخله في المحرم، فالحلية حينئذ من آثار كون المال ملك حربي، لا عدم كونه ملك مسلم.
و حينئذ فلا محيص عن دعوى حرمة التصرف إلّا مع تحقق شرائط اللقطة، و ذلك هو نكتة اجراء الأصحاب- مثل المحقق (1)، و العلّامة (2)، و ثاني الشهيدين (3)- حكم اللقطة في المقام، و قد ذكرنا نظير هذا الكلام في
الكنوز القديمة، في باب الخمس، فراجع.
ثم انّ مقتضى إطلاقات ما دل على انّ ما حواه العسكر فهو للمجاهدين- بل و في بعض النصوص: التعبير بالشركة بينهم، كما في خبر حفص بن غياث (1)- عدم اختصاص أحد بما يتناوله، كي يكون تصرف الإمام في حصته، و إعطاء ما يتناوله أحد لغيره، من باب الولاية على نقل ماله، بل إنما هو ولي إجباري في تصرّف الافراز، و ممضى على الشركاء، قهرا عليهم.
و حينئذ فلا يصح للمتناول بيع الغنيمة على غيره، لعدم إحراز الملكية التامة. نعم له نحو استحقاق في المال بميزان عدد المجاهدين، فلو باع حصته من المال المزبور، مع علمه بمقداره، لا بأس به، و لا ينافي ذلك كون ملكيته في معرض الزوال، بقسمة الامام و إفراز حصته من الجميع في مال آخر، إذ هو نقل جديد غير مانع عن البيع الأول، غاية الأمر يصير المشتري حينئذ طرف هذه الشركة، فبقسمة الامام ينتقل المال من يد المشتري إلى الغير، و ينتقل إليه بمقدار ما اشتراه من حصة المقاتل في هذا المال، فيصير شريكا فيه لا أنّ القسمة موجبة لانفساخ البيع الأول.
نعم لو قلنا بأنّ الغنيمة- من الأول- ملك للنوع لا الأفراد، و أن نتيجة قسمة الامام تعيين المالك، كما هو الشأن في غنيمة الأراضي، غاية الأمر هناك لا تعيين من قبل الامام، بل له أخذ خراجها و صرفها في مصالح النوع، كان لعدم جواز البيع، و لو بمقدار حصته المعلومة وجه وجيه، لعدم مالكية الأشخاص حينئذ قبل تطبيق الامام عليه السلام و تقسيمه.
و ربما يكون نظر من التزم بعدم صحة البيع مطلقا، حتى بمقدار الحصة
1) وسائل الشيعة 11: 81 باب 39 من أبواب جهاد العدو حديث 3.
المعلومة إلى ذلك. و لكن في الشرائع مال إلى الوجه الأول (1)، و قوّاه في الجواهر (2). و في تقويته نظر، لمساعدة الاعتبار على انّ اعتبار ملكية الغنيمة للمجاهدين، كاعتبار ملكية الزكاة للأصناف، على القول بالبسط، لا كاعتبار المال للأشخاص بنحو الشركة، و انّ إطلاق الشركة في المقام بلحاظ البسط عليهم، لا بلحاظ مالكية أشخاصهم، للأعيان مشاعا.
لكن الإنصاف انه مجرد احتمال لا يساعده ظواهر الأدلة، فما في الجواهر و الشرائع لا يخلو عن قوة، لو لا وهنه بندرة القول به، فتأمل.
و ربما يترتب على هذه الجهة مسألة انعتاق من ينعتق على الغانمين، فتدبّر في وجه طرفي الاحتمال.
هذا كله في المال المنقول، و أما الأراضي فسيأتي الكلام عليها في طي كلام المصنف.
في جهة كالجعائل بلا إشكال، لولاية الامام على مثل هذه التصرفات، و كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و من جملتها جعل السلب لقاتل أو لقاطع يد أو رجل تشويقا و تحريضا على القتال، فله تخصيص السلب بأي عنوان، و مع الانطباق على شخص دون آخر، فيكون استحقاق السلب تابعا لعنوان جعله، فكون السلب لمن قتل قتيلا ليس حكما إليها غير قابل للتغيير، كي يدور مدار صدق القاتل على أي شخص، بل إنما يتبع جعل الامام بنحو الجعالة لأحد العناوين. فمع الانطباق على شخص يكون هو المستحق، نعم يختص بمن كان
داخلا في المقاتلة، فلا يشمل الأجنبي إلّا مع تصريح الإمام لمصلحة يراها.
بل و له التصرف في اشتراط كون المقتول ممن شرع قتله و لو لضرورة، و إلّا فلا يشمل قتل المرأة و الشيخ الفاني و الصبيان مع عدم الضرورة.
و من هنا ظهر أنه لو لم يشترط الامام كان السلب أيضا من جملة الغنائم، بلا اختصاص القاتل به، بلا اشكال فتوى و نصا، لعمومات الغنيمة، بعد الجزم بعدم مخصص شرعي، إذ ظاهر قول الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله: «من قتل قتيلا فله سلبه» في يوم خيبر، كونه بجعله لا لحكمه تعالى في الواقعة، كما هو الأصل في أمثال هذه البيانات الصادرة منه صلّى اللّٰه عليه و آله و يؤيده قرينة فهم النوع من ذلك.
ثم إنّ المراد من السلب كلما كان مع المقتول في الحرب، من اللباس و آلات الحرب و المركب، و لو لم يكن حال ركوبه عليه. و يشمل الهميان و النقود التي عنده، حال الحرب و غيره، دون ما كان موضوعا في منزله، من العقار و الأسباب، إجماعا و انصرافا.
و يقدّم أيضا على القسمة على المجاهدين الرضخ للنساء، و العبيد، و الكفار، إنّ قاتلوا بإذن الإمام.
أما النساء فلخبر سماعة المشتمل على قوله: «و لم يسهم لهن من الفيء شيئا و لكن نفلهن» (1)، بعد طرح ما يوهم خلافه لضعفه.
أما العبد فمع كونه مأذونا من قبل المولى أو الإمام ولاية عنه، فقد حكي نفي الخلاف فيه إلّا ما عن الإسكافي، من كونه ذا سهم، و استدل بما اشتمل
1) وسائل الشيعة 11: 86 باب 41 من أبواب جهاد العدو حديث 6.
على التسوية بين أهل الإسلام في خبر حفص (1)، و في نص عامي: «ضرب لهم سهامهم». و لكن هما ضعيفان موهونان بمخالفة المشهور، و في قبالهما ما في الدعائم: «ليس للعبد من الغنيمة شيء و إن حضر و قاتل» (2)، المنجبر بالشهرة.
و إطلاق النص يشمل المأذون و غيره، و لكن يمكن منع نظره إلى مثل هذه الجهة، بل إنما هو في مقام بيان جعل شيء بدل السهم في ظرف مشروعية قتاله. بل يمكن دعوى انصرافه إليه، فلا يشمل صورة كون سفره و قتاله حراما، لعدم الاذن. و حكى الإجماع في الجواهر أيضا على عدم كونه ذا سهم، بل عدم وضع رضخ له أيضا (3).
و لا فرق بين أنحاء العبودية، فلو تحرر منه شيء قبل انقضاء الحرب أسهم له بنسبة حريته، و يرضخ له بقدر رقيته.
و أما الكافر فإنما يستحق من سهم المؤلفة و الرضخ إذا خرج و قاتل بإذن الإمام، فلو خرج بغير اذنه لم يسهم له و لا يرضخ له إجماعا في شقي المسألة، و في الجواهر أرسله إرسال المسلمات (4).
ثم انّ ظاهر جماعة تخصيص الرضخ بالمذكورين، و عن الشيخ إلحاق الأعراب بهم، لعدم كونهم ذوي سهم في الغنيمة (5)، و له وجه.
و مما يقدّم على القسمة أيضا الأجرة المجعولة من قبل الإمام
للمستحفظين لبيت المال و غيرهم، لأنه من التصرفات الراجعة إلى مصلحة المسلمين، و لا بد أن تكون منها مئونة الاستئجار على الغنيمة، لأنها راجعة إلى حفظها.
و كذا ما يصطفيه الامام لنفسه قبل كمال القسمة، و يدل عليه قضية خالد مع علي عليه السلام حين اصطفى جارية لنفسه (1). و فيه تصريح بولايته و خلافته عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بلا فصل، و في نص آخر: «للإمام صفو المال» (2).
و في كونه قبل الخمس أو بعده كلام آخر، نظير الجعائل و الرضائخ، و تقدّم تفصيل ذلك في الخمس.
و يظهر من المصنف من قوله: ثم يخمّس الباقي انّ الخمس بعد الأمور المزبورة.
و الأربعة الأخماس الباقية إن كانت مما تنقل و تحوّل فللمقاتلة، و من حضر القتال و إن لم يقاتل خاصة.
و يلحق بالمقاتلين المولود بعد الحيازة و قبل القسمة، لما في النص من أنّ المولود في أرض الحرب قسّم له (3)، و في آخر: «أسهم له» (4).
كما انّ المستفاد من خبر حفص: شركة من اتصل بالمقاتلة من المدد، و لو بعد الحيازة و قبل القسمة (5).
و إطلاق النص و ان كان يشمل ما بعد القسمة أيضا، كما هو الشأن في نص المولود، إلّا انه يقيّد، بما قبل القسمة إجماعا.
و من هذا النص يستفاد أيضا حكم الحاضرين في المعركة للقتال بالفحوى، نعم لا يشمل مطلق الحاضرين لغرض آخر، غير القتال، كما هو ظاهر الأصحاب، فلا سهم لهم.
و لو صار أحد المقاتلين أسيرا أو بريدا فحضر قبل القسمة فله سهم و إن لم يكن حاضرا وقت القتال، خلافا لبعضهم حيث اعتبر عدم تقضي الحرب، و إطلاق نص حفص يؤيد الأول، نعم لو حضر بعد القسمة فلا سهم له إجماعا.
ثم انّ كيفية القسمة في ما أشار إليه المصنف من قوله: للراجل سهم، و للفارس سهمان، و لذي الأفراس ثلاثة بلغ عدد أفراسه ما بلغ، بلا اشكال فتوى و نصا، و في خبر حفص التصريح به، و كذا في غيره (1).
و ما في بعض النصوص من «أنّ للفارس ثلاثة أسهم» (2)، كما ذهب إليه الإسكافي منا، وفاقا للجمهور، مطرح أو مؤول.
كما انّ من خبر الحسين بن عبد اللّٰه عن أبيه عن جده أمير المؤمنين عليه السلام: «إذا كان مع الرجل أفراس لم يسهم إلّا لفرسين منها» (3).
يستفاد حكم الفقرة الثانية، بل نفي عنه الخلاف.
و أيضا يستفاد من نص آخر عن حفص: انّ مثل هذا التقسيم جار في
راكب السفن إذا كان فرسه معه و إن لم يحتج الى ركوبه (1).
بل ربما يستفاد منه الحكم المزبور في غير السفن، و انّ المدار على حضور فرسه في المقاتلة لمحض القتال و إن لم يحتج إليه.
و قد تقدّم انّ من ولد بعد الحيازة قبل القسمة أسهم له، و كذا من يلحقهم للمعونة قبل القسمة.
، لما في النص:
«أجعلهم كبني رجل واحد، لا يفضل أحد منهم لفضله» (2).
و تقدم أيضا وجه ما أفاده المصنف بقوله: و يقسم ما يغنم في المراكب هذه القسمة مع حضور فرسه في القتال، لقصور النص عن الشمول لغيره، خصوصا مع ما في ذيل النص: «و هم الذين غنموا دون الفرسان»، و هو بمنزلة التعليل لحكمه بالقسمة المزبورة لراكب السفينة.
نسب ذلك إلى عامة الفقهاء قديما و حديثا، و انه لم ينقل عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله سهم لغير الخيل، مع انه كان معه يوم بدر سبعون بعيرا، على المحكي. و هذا المقدار يكفي دليلا على العدم بلا احتياج إلى أصالة عدم استحقاق غير الخيل من الغنيمة، لأنها تعارض بأصالة عدم استحقاق البقية للزائد المشكوك فيه.
اللهم إلّا أنّ يجري حكم الوارث المشكوك في المقام، و قد تقدّم شطر من الكلام في شرح هذا الأصل في بعض المباحث السابقة في غير هذا الكتاب،
فراجع.
و الاعتبار في زيادة السهم بكونه فارسا عند الحيازة لا بدخوله المعركة، بمعنى بقاء فرسه معه إلى حين الحيازة و إن لم يحتج إلى ركوبه، إذا كان معه معدا له للقتال. و أما لو ذهب فرسه حين القتال و بقي بلا فرس، أو كان معه فرسه لا لجهة القتال، بل لغرض آخر، فلا سهم لفرسه، كما هو ظاهر النص السابق و الفتوى.
، و هو المشهور خلافا للحلّي في السرائر (1). و الأصل فيه ما في ذيل الصحيح الطويل:
«و ليس لهم من الغنيمة شيء» (2)، و نحوه المرسل (3)المحتمل كونه مضمون النص الأول.
و على أي حال فهو مجبور بالعمل، و بذلك تخصيص الإطلاقات التي هي مدرك ابن إدريس، بعد عدم اعتنائه بالخبر الواحد بمقتضى أصله.
و المراد من الأعراب: هم الذين أشار إليهم في قوله تعالى الْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً (4)، و هم الذين يقولون أسلمنا و لم يؤمنوا حقيقة، و هو كناية عن عدم ايمانهم، و إليه أشار المحقق في شرائه بأنهم من أظهر الإسلام و لم يصفه (5).
و لو كانت الحرب قائمة، لإجماع التذكرة (1)، و مرسلة المنتهى من انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان يسترقهم إذا سباهم (2).
و بعد الاستيلاء عليهم بالسبي لا يزول الملك عنهم بالهرب، بل الظاهر كفاية قصد الحيازة كما في المباحات الأصلية، بلا احتياج إلى قصد التملك، لعموم دليل الحيازة مثل «من سبق» كما هو ظاهر.
و من اشتبه بالبالغ امتحن بأمارات البلوغ، و مع فقد الامارة و بقاء الاشتباه يلحق بغير البالغ بالاستصحاب.
ما لم يسلموا، و يتخيّر الامام بين ضرب أعناقهم و قطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يتركهم حتى ينزفوا و يموتوا. و إن أخذوا بعد انقضاء الحرب لم يجز قتلهم، و يتخيّر الامام بين المن و الفداء و الاسترقاق على المشهور في الحكمين، خلافا للإسكافي في الأول حيث أطلق التخيير بين الثلاثة الأخيرة، و مقتضاه عدم القتل، و المحكي عن القاضي في الأخير من زيادة القتل في أطراف التخيير.
و الأقوى ما هو المشهور، و الأصل فيه ما حكي في خبر طلحة قال: سمعت أبا عبد اللّٰه يقول: «كان أبي يقول: انّ للحرب حكمين، إذا كان الحرب قائمة و لم يثخن أهلها فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام فيه بالخيار، إن شاء ضرب عنقه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف من غير حسم، ثم يتركه يتشحط في دمه حتى يموت- إلى أن قال- و الحكم الآخر إذا وضعت الحرب
أوزارها و أثخن أهلها فكل أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار، إن شاء منّ عليهم فأرسلهم، و إن شاء فاداهم أنفسهم، و إن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا» (1).
و بمثل هذا النص أيضا تشرح الآية الشريفة من قوله فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً (2).
ثم إنه لا شبهة فيما أفاده المصنف من أنه بالإسلام يحقن الدم، و لقد قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا اللّٰه» (3).
و في خبر الزهري: «الأسير إذا أسلم فقد حقن دمه و صار فيئا» (4).
و ظاهره بقاء حق استرقاقهم، و النص ضعيف، و ثبوت مثل هذا الحق على مثل هذا الأسير من الأول مشكل، فلا استصحاب أيضا، فلا موجب لاسترقاقه بعد أصالة الحرية للمسلم.
و لو أسلم الأسير غير المحكوم عليه بالقتل، فمقتضى الأصل بقاء التخيير بين الثلاثة في حقه. و الظاهر تسلّم ذلك عندهم ما عدا المبسوط، حيث قال بسقوط الاسترقاق، استشهادا بقضية عقيل (5).
و فيه: إنه لا يدل على تعميم الحكم، فهو قضية في واقعة، مع انّ الفداء أحد طرفي التخيير، فاختياره لذلك لا يدل على سقوط الاسترقاق رأسا.
و لو عجز الأسير عن المشي، ففي الشرائع- وفاقا للجماعة- لم يجب قتله،
لأنه لا يدري ما حكم الامام (1). و التعليل في كلامه مأخوذ من خبر الزهري الناهي عن قتله.
و حينئذ فلا بد من حمل كلام المحقق أيضا على نفي الوجوب بمعناه الأعم المناسب مع الحرمة أيضا.
كما انّ مقتضى التعليل في الرواية بعدم العلم بحكمه عليه السلام صرف النهي إلى أسير، شرع أصل القتل فيه، غاية الأمر كان تخيير كيفيته بنظر الامام، و إلّا فلو كان أسيرا بعد انقضاء الحرب على وجه لا يشرع في حق مثله القتل، لا مجال لهذا التعليل، بل وجهه حينئذ عدم مشروعية أصل القتل في حقه، و كيف كان من مثل هذا النص، بل و من أدلة التخيير، يمكن استفادة كون ولاية قتله للإمام، و به يخرج الأسير عن عموم «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ».
ثم انّ مقتضى فحوى النص وجوب إيصاله إلى الامام بحمل أو غيره، و مع عدمه فيرسله لسقوط التكليف بما لا يطاق.
ثم إنّ ظاهر قول علي عليه السلام- كما في قرب الاسناد- «إطعام الأسير و الإحسان إليه حق واجب» (2)وجوب إطعام الأسير و لو كان مستحقا للقتل، و به أفتى المحقق في شرائعه (3)، و تبعه جماعة أخرى، و عدم دلالة غيره على الوجوب غير ضائر.
و يجب مواراة الشهيد دون الحربي، و مع الاشتباه يوارى من كان صغير الذكر، لأمر الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله في المرسل بذلك (4).
و استبعاد دخل الأمور الاعتقادية التي به قوام التدينات في كيفية الخلقة
و كميته، و انه من الممكن كون أمر الرسول بملاحظة كون المسلمين في ذلك الزمان من طوائف خاصة كانت كيفية خلقتهم ذلك، فجعل ذلك طريقا إلى كون المقتول من تلك الطائفة، التي اتفق إسلامهم، ربما دعي الى عدم التعدّي عن مورد النص. و التزموا في غيره بالقرعة لأنها لكل أمر مشكل، و ذلك لا ينافي مقبولية النص بمضمونه لدى الأعاظم، بل المشهور.
لكن الانصاف عدم الاعتبار بهذا الاستبعاد، مع بناء الأعاظم على التعدّي عن مورده بإلغاء الخصوصية كسائر الموارد. و على فرضه لا مورد للقرعة في غير الماليات، فالمرجع في أمثال هذه التكاليف هو سائر الأصول، و في المورد فيرجع الأمر إلى العلم الإجمالي، و وجوب دفن الجميع مقدمة علمية، بعد عدم ثبوت حرمة دفن الكافر ذاتا، كما انّ الصلاة على الجميع بقصد الصلاة على المسلمين بينهم لا ضير فيها، ما لم تكن في البين شبهة فساد صلاة بعضهم لبعده عن المصلّى، كما لا يخفى.
و حكم الطفل حكم أبيه في الإسلام و الكفر بلا اشكال، و في النص:
«أطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم، و أولاد المشركين يلحقون بآبائهم» (1).
و إطلاقه يشمل جهة الكفر و الإسلام بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية أيضا زائدة عن الشئون الأخروية، و عليه السيرة المستمرة. و في إلحاقهم بأمهاتهم المسلمات مع كفر آبائهم إشكال، بل إطلاق النص خلافه، لو لا اجراء حكم الإلحاق بالأشرف في باب الحرية في المقام بمناط الأشرفية من جهة الإسلام.
و لو كانت امه كافرة فلا إشكال في الإلحاق بأبيه، لشمول الإطلاق له.
و من هنا ظهر وجه إلحاق الأطفال المسبية بكل واحد من الأبوين المسلمين، فيلحق بالأم المسلمة حتى مع كفر أبيه. و لقد عرفت أنه خلاف
1) بحار الأنوار 5: 294.
إطلاق الرواية السابقة. و لو لا التسلم في كلماتهم كان للنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.
ثم لا فرق في ذلك بحسب كلماتهم بين كون أبويه مسبيين معه أم لا، و لو كان الأبوان كافرين فمع سبيهما معه أيضا فلا إشكال في إلحاق الطفل بهما، و كذا لو سبي معه أحدهما.
و أما لو كان منفردا عنهما في السبي، فالمعروف بينهم إلحاقه بالسابي. و قد يتمسك بعموم «كل مولود يولد على الفطرة»، و في دلالته على المدعى نظر واضح، فالعمدة، في البين قيام الإجماع، فإن تم فهو و إلّا فإطلاق التبعية للوالد بمقتضى النص أو الأشرف منهما، بمقتضى الكلمات محكم.
و التشبث ببعض الأصول في المقام لإثبات طهارته، بعد فرض جريان استصحاب التبعية و النجاسة، كلام ظاهري، و لا يستأهل للتعرض له فراجع الجواهر، فقد طوّل في المقام بمثابة لا يناسب هذا المختصر المعد لمهام الأمور (1)، و اللّٰه العالم.
: لو أسر الزوج البالغ فلا يملك بالأسر، لأنّ أمره بيد الامام، سواء كان مستحقا للقتل أو لا. فلو اتفق استرقاقه لأحد غير الزوجة، ففي الشرائع:
انفسخ النكاح (2)، و في الجواهر: دعوى نفي الخلاف بل الإجماع (3)، و إلّا فلا تنافي بين المملوكية و النكاح، كما هو الشأن في حدوث النكاح حال رقيته.
و يدل عليه ما ورد عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله انه قال في سبي أو طاس: «لا توطأ حامل حتى تضع حملها، و لا حائل حتى تحيض» (1)، و ذلك ملازم مع انفساخ نكاحهما.
ثم إنّ ظاهر النص منصرف إلى صورة حدوث الرقية.
و لو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ نكاحهما بالأسر، لعدم حدوث الرقية. و لو قيل بأنّ للمالك الجديد فسخ نكاحهما فله وجه، لعموم «لٰا يَقْدِرُ».
نعم لو كان المسترق هي الزوجة و لو بتمليكها له فلا تجتمع العلقتان، فينفسخ النكاح حينئذ، و سيأتي توضيح المسألة في باب النكاح إن شاء اللّٰه.
و مما ذكرنا ظهر انه لو كان الزوج المسبي طفلا، أو المسبية امرأة فإنهما يسترقان بالسبي فينفسخ النكاح حينئذ بنفس سبيهما.
لا يختص بها الغانمون، بل للمتجددين- و لو ولادة- حق فيه. و في النص:
السواد ما منزلته؟ قال: «هو للمسلمين لمن هو اليوم، و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و من لم يخلق بعد» (2).
و النظر فيه إلى الامام الذي هو ولي المسلمين و الأولى بهم من أنفسهم، خصوصا في مثل هذا المقام الذي هو ملك لنوع المسلمين لا لأشخاصهم، نظير ملكية العناوين الكلية في الوقف العام، بل للمقام
خصوصية أخرى يمتاز بها عن الوقوف على العناوين الكلية، بأنّ الملكية في المقام بمرتبة خاصة من الملكية التي لا يباح للنوع إلّا صرف حاصلها و خراجها في مصالح نوعهم لا في أشخاصهم.
و لا يصح من جهة ذلك بيعها، و لا وقفها، و لا هبتها، و لا تملكها على الخصوص. و في النص: «لا تشتر من أرض الخراج شيئا» (1).
و في آخر: «و من يبيع ذلك و هي أرض المسلمين» (2).
و في ثالث: كره من شراء أرض الخراج، و قال: «إنما أرض الخراج للمسلمين» (3).
و بالجملة لا إشكال في عدم كون ملكية أرض الخراج للمسلمين بنحو يستحقون نمائها بأشخاصهم، بل يصرف الامام حاصلها في المصالح الراجعة إلى نوع المسلمين في زمان بسط يده.
و أما مع عدم بسط اليد و كون الأراضي بيد الجائرين، فيمضي عملهم و صرفهم حاصلها فيما يرونه تقية، للجزم بوقوع التقرير في زمان الأئمة، بضم الاستصحاب، بالتقريب الجاري في أحكام الشرائع السابقة، و سيأتي تمام الكلام فيه في باب الخراج و المقاسمة، إن شاء اللّٰه.
نعم مع قطع يدهم عن الأراضي المزبورة، لا دليل على لزوم الإيصال إليهم، و حينئذ ففي كونهم مراجع أو الفقيه في زمان الغيبة، كلام بين الاعلام و اشكال، و حيث إنّ الولاية العامة غير ثابتة للفقيه، و عدم إحراز كون أمثال هذه الأمور من شئون قضاة الجور، و المتيقن من المقبولة إثبات شئونهم للفقيه
فلا تكون دليلا على مرجعيته العامة.
نعم مثل هذا الأمر ليس إلّا من وظائف الرئيس، و من المحتمل كون المرجع حينئذ من يكون متوليا لسد ثغور المسلمين، فلا يبعد لزوم إيصاله إليهم بإذن الفقيه، و لا اختصاص بذلك بالجائر، بعد عدم دليل على إمضائهم فيما ليس في أيديهم، بل ربما يكون الإيصال إلى ذي الشوكة من الشيعة، الحافظ لسد ثغورهم أهم بنظر امام الزمان عجّل اللّٰه فرجه. فللفقيه مع عدم بسط يده، الأمر بإيصال الخراج المزبور إليهم.
نعم ربما يشكل الأمر في الأراضي التي كانت سابقا بيد سلاطين الجور، فإن استصحاب لزوم الإيصال إليهم، المحصل للبراءة اليقينية محكم، فيتعيّن الإيصال المزبور، بلا احتياج إلى إذن الفقيه حينئذ أصلا، و اللّٰه العالم.
ثم المقدار المعلوم- بمقتضى أطباق الفتاوى أو النصوص أو التواريخ- انها من المفتوحة عنوة فهو، و إلّا فمع الشك فيه، ففي كفاية الظن بمقتضى الخبر الواحد أو غيره اشكال، لعدم اعتبار الخبر الواحد في الموضوعات، و كذا مطلق الظن كما لا يخفى. فمع احتمال كون حجية اليد أمارة على الملكية التامة الشخصية، يحكم بها، لو لا كونها طرفا للعلم الإجمالي في أمكنة يعلم إجمالا بوجود المفتوح عنوة فيها، فتسقط اليد حينئذ عن الاعتبار في جميعها.
اللهم إلّا أن يدعى انّ في حرمة التصرف في بعض الأطراف و لو من جهة عدم اذن من بيده الأرض، ينحل العلم الإجمالي، فلا يبقى لمثل هذا العلم أثر. و لازمة حينئذ جواز الأخذ من ذي اليد عينا أو منفعة، بأصالة صحة تصرفه. و لو قلنا بسقوط اليد عن الاعتبار، و لو لعدم اعتبار العقلاء كاشفية ما هو طرف لمعلوم المخالفة إجمالا، فضلا عما لو لم نعمل بذلك. فلو كان وجه سقوط اليد عن أطراف العلم كالأصل لزم طرح تكليف عملي، فإنه حينئذ
بعد الانحلال المزبور لا قصور في أمارية اليد على الملكية في طرف الابتلاء بتصرفه المأذون فيه، كما لا يخفى.
و أما الموات من الأراضي وقت الفتح فهي للإمام لا يتصرّف فيها إلّا باذنه، و ذلك للنصوص المستفيضة المنقولة في الوسائل، الدالة على أنّ الموات من الأرض من الأنفال و هي للإمام (1). و في نص حماد بن عيسى جعل الأرض الخربة من الأنفال، و جعلها بعد الخمس للإمام (2).
و قد استشكل في الرياض بكون النسبة بين هذه الطائفة و بين ما دل على أنّ المفتوح عنوة للمسلمين، الشاملة لمواتها حال الفتح أيضا، عموما من وجه، فلا وجه للترجيح إلّا الإجماع المنقول. و في الجواهر أيضا التشبث في تقديم الطائفة الأولى بالإجماع (3).
و لا مجال لتطبيق الترجيح المزبور على القاعدة، بدعوى انّ قضية التعارض بينهما الرجوع الى أخبار العلاج، و الترجيح مع الاولى، بما دل على أنّ الأرض كلها للإمام، لإمكان منع كون مطلق العامين من وجه مشمولا لأخبار العلاج، لعدم مساعدة العرف على التبعيض في السند و عدم وجه لطرح الجميع، حتى موردي الافتراق، بل العرف يعاملون في المجمع معاملة المجمل، و يأخذون بدلالتهما في مورد الافتراق، و هو أيضا ديدن الأصحاب، كما لا يخفى.
مع انّ العام المزبور إنما يكون مرجحا إذا فرض مخالفة مضمونه لبعض
الطائفتين، و هو إنما يتم على فرض كون الملكية لها مرتبة خاصة، منطبقة على المتعارف بين الناس، و إلّا فلو قلنا بأنّ لها مراتب قابلة لاجتماع بعضها مع بعض، نظير ملكية السلاطين للأراضي مع ملكية الرعية لها، فلا مانع من اجتماع ملكية الإمام بمرتبة، مع ملكية نوع المسلمين بمرتبة أخرى.
كما انّ ملكهم أيضا غير مناف مع ملكية الشخص المعمّر لها و لو تبعا لآثارها، بقرينة إطلاق الشراء لها و لو تبعا للآثار في بعض النصوص، بلا احتياج إلى تصرف في أحد من هذه الأدلة إلّا بحملها على اختلاف المراتب في الملكية.
كما انه بمثل ذلك أيضا يجمع بين ما دل على إباحة الامام طسق هذه الأراضي لشيعته، و مع ذلك أمر بدفع خراج الأرض المفتوحة عنوة لأن يصرف في مصالح نوعهم.
كما إنّ مقتضى السيرة أيضا إباحة ما ينقل منها من نمائها و ترابها على عامة الناس من دون خصوصية للشيعة في ذلك، و انّ اختصاصهم إنما هو في التصرف في الأراضي بنفسها بتعميرها لا في غيرها.
كما انّ عمومات عدم جواز بيع الأرض المفتوحة عنوة، لا تشمل بيع ما أخذ منها، فضلا عما يحسب من نمائها، من خشبها و حشيشها و غير ذلك، لانصراف عنوان الأرض عن مثلها، بل الناس فيها شرع سواء.
كل ذلك للسيرة المستمرة على تملكهم الآجر و التربة من أرض كربلاء و الكيزان المعمولة و غيرها، و معاملة الناس معها معاملة الاملاك.
و من الممكن أيضا دعوى اختصاص إباحتها بجميع شئونها للشيعة، بعموم قوله: «الأرض كلها لنا، و ما كان لنا فهو لشيعتنا». و انّ بالنسبة إلى غيرهم يعامل معهم معاملة الملك في جواز الشراء منهم فيما يرونه ملكا لهم، كثمن الخمر و الخنزير من الذمي و إن كان تصرفهم فيها حراما محضا.
هذا كله حكم الأرض المفتوحة عنوة، سواء المحياة حال الفتح أو الموات.
مع اشتراط كون الأرض لهم حتى في مواتها، مع كونها أيضا مورد عقد الصلح، و إلّا فربما تشملها إطلاقات كون الموات من الأراضي من الأنفال.
و في النص: «إن ما فتحت صلحا تركت على يد أهلها و يؤخذ منها العشر و نصف العشر فيما عمروه منها، و ما لم يعمروه أخذه الامام و يقبله» (1).
و يدل عليه أيضا ما ورد في أهل الذمة من وضع الجزية على رءوسهم أو أراضيهم.
و الظاهر انصرافها إلى المعمر منها، القابل لوضع الجزية و الخراج عليها، و إلّا فلا يكون المرسوم وضع شيء على الأراضي الخربة.
و على أي حال فليس عليها إلّا ما صالحهم الامام عليه، من دون فرق بين كونهم كتابيين أم غيرهم، للزوم الوفاء بالصلح.
نعم يظهر من بعض الكلمات اختصاص مثل هذا الصلح- مثل الجزية المعهودة- بأهل الذمة، و لذا سميّت أرض الصلح بأرض الجزية.
و لكن عموم ولاية الإمام على الصلح لمصلحة المسلمين بعوض على الذميين أو أراضيهم مقتض لصحة صلحه المزبور، حتى مع أهل الحرب غير الكتابيين، فضلا عنهم، و لو عند عدم التزامهم بشرائط الذمة.
بل ربما تقتضي المصلحة الصلح معهم مجانا، كما انه ربما يقتضي الصلح كون الأراضي ملكا للمسلمين و لهم الانتفاع بها بعوض معيّن أو بلا عوض، حسب اقتضاء المصلحة في كل مقام نحوا من الصلح.
1) وسائل الشيعة 11: 119 باب 72 من أبواب جهاد العدو حديث 1.
و قضية وضع الشيء على الأراضي تارة بنحو يكون مرجعه إلى الإغماض عن الرقبة إلّا بمقدار حق استيفاء المال المعيّن من العين.
و اخرى بنحو الإغماض عن تمام الرقبة التي هي فيء للمسلمين، بإزاء شيء في ذمتهم بشرط أدائها من حاصل العين ما دام ملكهم، ثلثا أم ربعا أو أقل أو أكثر.
و ثالثة بنحو الإغماض عن الرقبة و استثناء نمائها بالمقدار المخصوص للمسلمين.
و رابعة بنحو الصلح عن العين بإزاء تسليطه على أخذ مقدار مخصوص من حاصلها، ما دام ملكهم.
و خامسة بهذا النحو مع التسليط على الأخذ من ذات العين إذا انتقلت.
و من المعلوم انّ كل واحد من هذه الفروض ينتج شيئا، فعلى الأول و الثالث و الأخير يستلزم بقاء حقهم على الأرض، مهما كانت العين، و لو انتقلت إلى المسلم. و عليه أيضا يترك ما في بعض النصوص من أنّ المشتري «يؤدي كما يؤدون» (1).
و في آخر: «هو بمنزلتهم» (2).
و في ثالث: «و عليه خراجها» (3)، بناء على حملها على أرض صولح عليها، بقرينة ذيله بقوله: «إلّا أن يستحق».
و انّ الغرض من أرض الخراج للمسلمين كونها فيئا لهم، و ذلك أيضا يؤيد ما ذكرنا سابقا، من انّ مستحقها في زمن مشروعية الجهاد للمقاتلين.
و في غيره لعامة المسلمين، لأنه بدل رقبتها التي هي فيء لهم.
كما انه على الثالث يسقط حقهم عن الأرض بمحض الانتقال و لو إلى ذمي أو حربي آخر، بلا اشتغال ذمة البائع بشيء.
و على الثاني ينتقل حقهم إلى ذمة البائع لفوت محل الأداء بالشرط، فيجب أداؤه من مال آخر.
و نسب هذا المعنى إلى المشهور كما انّ المعنى الأول نسب إلى الحلبي (1).
فكان النزاع بينهم في الحقيقة في كيفية وقوع الصلح، و إلّا فمع العلم بالكيفية لا ينبغي مثل هذا النزاع بين الحلبي و المشهور.
و عليه فمع وقوع الصلح و الشك في كيفيته، فالاستصحاب يقتضي بقاء حقهم على نماء الرقبة و سلطتهم على استيفائهم منها أيما وقعت، و حينئذ لا يخلو مذهب الحلبي عن قوة.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ما في عبارة المصنف من قوله: و لو باعها المالك انتقل ما عليها من الجزية إلى رقبته يعني رقبة البائع، إذ ذلك إنما يصح على فرض كون الصلح من قبيل الفرض الثاني. بل تومئ عبارته إلى كون أرض الصلح مختصا بمن عليه الجزية من الكتابي، كما تقدّم حكايته عن بعض، و لقد عرفت ما في الأخير و كذا الأول، لعدم انحصار نحو الصلح بما ذكر، و مع الشك فالاستصحاب يقتضي خلافه، لو لا دعوى اقتضاء إطلاق الصلح كونه من قبيل الثاني، و إليه نظر المشهور.
كما انّ النصوص الحاكمة بأنّ الأرض تترك بيدهم أيضا منزلة على بيان اقتضاء طبع مثل هذا الصلح عند الإطلاق ذلك، و إلّا فليس ذلك من الأحكام المجعولة الشرعية، و إلّا فلا يصح الصلح معهم على أن تكون الأرض
1) الكافي في الفقه: 261.
للمسلمين، لأنه حينئذ خلاف السنة، و كلماتهم صريحة في صحة هذا الصلح، و ذلك يكشف عن عدم كونه مفاد السنة، بل هو من جهة أنه مفاد طبع الصلح المزبور في ارتكاز الأذهان عند الإطلاق، و لتكن مثل هذه الجهة أيضا مورد نظر المشهور، فإن تم ذلك حينئذ فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال كما عرفت، و اللّٰه العالم.
و لو أسلم الكافر المزبور سقط ما على أرضه أيضا بلا اشكال.
و عمدة الوجه فيه، هو انّ ما يستحق على الأرض أو على رقابهم، هو الذي صولح عليه من أموالهم التي هي فيء للمسلمين، غاية الأمر تارة يكون ما استقر عليه في المصالحة مقدارا من العين، و اخرى من ماليته في ضمن الكلي على ذمهم و رقابهم.
و من المعلوم انّ هذا المقدار المصالح عليه في عقد الصلح في الحقيقة باق بعنوان الفيئية، نظير ما يبقى بعد الصلح على المدعى به ببعضه عينا أو دينا.
و هذا العنوان إنما يبقى ما داموا على كفرهم، و أما بعد دخولهم في الإسلام فلا تبقى جهة الفيئية، فيسقط المال المزبور قهرا عن أراضيهم و رقابهم. و لقد عرفت نظير هذه الجهة في ذيل تنقيح كيفية الجزية، و انها بالإسلام تسقط بالمرة.
و بذلك ظهر أيضا انه لو شرطت في عقد المصالحة كون الأرض للمسلمين كانت كالمفتوحة عنوة لو كان الصلح على أن تكون الأرض لنوع المسلمين، بمرتبة خاصة من الملكية الثابتة في المفتوح عنوة، و إلّا فلو شرط في ضمن عقد الصلح بقاء الأرض على جهة الفيئية، التي يكون المسلمون فيها شرع سواء، فيكون المال حينئذ ملكا خاصا لشخص من سبق، بلا اقتضاء في
طبع الصلح المزبور لكون المال ملكا للمسلمين بالمرتبة المخصوصة، بل ربما يجيء فيها احتمال تخصيص المجاهدين بها، بمناط تخصيصهم بالجزية عند حضور الامام و لو بملاحظة كون هذا المال مما غلب عليه المجاهدون.
و لكن في صدق الغلبة المزبورة في المقام نظر، بخلاف باب التزامهم بالجزية بعد الغلبة.
و حينئذ لا وجه لمثل هذا التخصيص بمقتضى الحكم الشرعي، نعم للإمام تخصيصهم بها في عقد الصلح، مع اقتضاء المصلحة ذلك.
كما لا يبعد دعوى انّ إطلاق جعل الأرض للمسلمين، كون نمائها مصروفا في مصالحهم النوعية، و عينها تبقى لذلك، و لازمة بحسب ارتكاز الذهن في مثل هذا الصلح، يقتضي كونه على الوجه الأول.
و لعله إلى ذلك نظر جملة من الأعلام، بل ظاهر الجواهر من جعل ذلك المقدار بحسب التسلم، و إنما نقل قول بعض بكونها من الأنفال، و لا وجه له إلّا كون مفاد عقد الصلح ذلك، و هو خلاف الفرض.
نعم لا بأس بالالتزام به في الأراضي الخربة، لو لا جعل الإمام إياها أيضا في حيز عقد الصلح كما أشرنا إليه.
و أما أرض من أسلم عليها طوعا و لو لإحياء سابق و إن تركوا تعميرها فعلا فلأربابها، و ليس عليهم سوى الزكاة مع الشرائط.
أما الموات الفعلي بالأصالة، فإنه للإمام نصا و فتوى، و يتصرّفون في محياتها فعلا تصرف الملاك في أملاكهم.
و أما غيرها فهي بيد الامام يقبلها ولاية على من يحييها على مقدار تعلّق به نظره وفق مصلحة الوقت، من نمائها أو من مال آخر.
كل ذلك لما في الصحيح: الخراج و ما سار به أهل بيته، فقال: «العشر
و نصف العشر على من أسلم طوعا، تترك أرضه في يده، و أخذ منه العشر و نصف العشر مما عمر منها، و ما لم يعمر منها أخذه الوالي يقبله من يعمره، و كان للمسلمين، و ليس فيما كان أقل من خمسة أوسق شيء» (1)، و نحوه المضمر (2).
و ذيلهما يدل على أنّ العشر المأخوذ منهم هي الزكاة، كما انّ قوله: «و ما لم يعمرها» بقرينة فهم الأصحاب مخصوص بما كان مسبوقا بالاحياء فتركوا تعميرها، لا مطلق ما لا يكون معمورا و لو بالأصالة، فإنها كما أشرنا للإمام نصا و فتوى.
كما انّ الظاهر من قوله: «و كان للمسلمين» كون ما قبلها الامام للمسلمين طوعا بناء على جعل اللام للعهد، و إلّا فعلى الجنسية يظهر منه كونها لنوعهم، مثل المفتوحة عنوة، و لازمة صرف خراجها في مصالحهم.
و الظاهر انّ المشهور من الأعاظم أيضا فهموا الأول، حيث جعلوا ما تركوا تعميرها لمن أسلم طوعا، بملاحظة كونها ملكا لهم باحيائهم السابق، كما يقتضيه الاستصحاب أيضا.
و لا ينافي ذلك كون تقبيلها بيد الإمام، لأنه أولى بهم من أنفسهم، و لازمة إيصال خراجها إلى أربابها.
نعم حكي الاحتمال الثاني عن القاضي (3)و ابن حمزة (4)على المحكي في الجواهر (5). و فيه ضعف، لضعف دلالة اللام مع سبق العهد على الجنس.
و في التعدّي عن المورد إلى كل أرض مسبوقة بإحياء ترك تعميرها فأخذها الإمام من يدهم قهرا، و تقبيلها عنهم ولاية، إشكال. إذ قضية ولاية الامام: انّ له ذلك، لا أنّ وظيفته لا بد أن يكون ذا، و ظاهر النص هو ذلك.
و عليه فلا بد أن يرجع الى مقتضى القواعد، و هو بمقتضى الاستصحاب بقاؤها على ملك المحيي، و لا إطلاق لما دل على أنّ موات الأرض للإمام كي يشمل مثل ذلك، و لا يشمله أيضا مضمون أنّ الأرض كلها لنا، إذ هو منصرف عن الاملاك المخصوصة للآحاد، و ستأتي تتمة الكلام في باب احياء الموات.
ثم انّ ظاهر قوله: «و ما لم يعمر منها» شموله بإطلاقه لصورة بلوغها بعدم التعمير إلى حد الموات أيضا. و لازمة كون الموات من هذه الأراضي بالعرض أيضا ملك من أسلم طوعا، كما انّ مقتضى الأصل السابق كما المحياة المنتهية إلى الموات بترك العمارة أيضا بقاءها على ملك المحيي، و سيأتي أيضا شرحه.
و مما ذكرنا كلّه ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و كل أرض ترك أهلها عمارتها فللإمام أن يقبلها و يدفع طسقها من المتقبل إلى أربابها بناء على حمله على ظاهره، من انّ للإمام عند قيام المصلحة مثل هذا التصرف ولاية، فإنه حينئذ غير مختص بأرض أسلم عليها أهلها طوعا، و إلّا فلو كان المراد أنّ وظيفة الإمام لا بد أن يكون ذلك، ففيه أنه لا دليل على هذه الكلية، بل غاية الأمر قيام النص على مثله في خصوص من أسلم عليها أهلها طوعا، لا مطلقا، بل في غيرها كان ملكا لأربابها، و ان كان للإمام تقبيلها أيضا قهرا عليهم ولاية، لكن ليس ذلك مما لا بد أن يفعله الامام، كما هو الشأن في تصرفه بالنسبة إلى سائر الأملاك، كما هو ظاهر.
و كل من أحيى أرضا بالأصالة أو بالعرض بإذن الإمام أو بإذن المالك السابق في الثاني فهو أحق بها، لعموم «من أحيى أرضا ميتة فهي له». و لو كان لها مالك كما في الموات بالعرض كان عليه يعني على المحيي طسقها له يعني لمالكه، و إلّا كما في الموات بالأصالة فللإمام طسقها لكونه خراج ملكه، و مع غيبته فهو أي المحيي أحق بها و مع ظهوره له رفع يده لكونها ملكه و كونه مسلطا عليها.
أن لا يكون في يد مسلم، و لا حريما لعامر، و لا مشعرا للعبادة، و لا مقطعا، و لا محجرا.
و الاحياء بالعادة و التحجير لا يفيد التمليك، بل يفيد الأولوية، كل ذلك مما لا اشكال فيه، و سيأتي شرح الجميع و تفصيلها في كتاب احياء الموات إن شاء اللّٰه.
بقي في المقام شيء لم يتعرّض له المصنف، و هو أنّه لو هاجمت الدول الإسلامية بعضها إلى (1)بعض في زمن الغيبة، فلا شبهة في أنّ حكم المهاجم حكم الشاهر بسيفه من آحاد المسلمين، و هو محسوب من جملة المحاربين المهدوري الدم، فيجب على غيرهم كفاية دفعهم، و يقدم الأقرب فالأقرب، بلا إشكال في ذلك فتوى و نصا.
و لا يجوز أخذ ماله غنيمة، لعدم جواز التصرف في أموال المسلمين، و تفصيل ذلك أيضا يجيء في باب الحدود.
و لا يترتب على مثل هذا الدفاع حكم دفاع المشركين بلا إشكال أيضا،
1) هكذا في النسخة الخطية.
فلا يترتب على مقتوله حكم الشهيد. و لو قيل به في الجهاد بالمعنى الأعم، و لا قسمة الغنيمة، و لا حكم الأراضي المفتوحة عنوة، و لا حكم الفرار عن الزحف، بل يجب دفع النائرة و الفساد على كل متمكن مهما أمكن.
و في كون هذا الدفع بإذن الرئيس في زمن الغيبة إشكال، إذ لا دليل عليه مع إطلاق وجوب دفع المفسدة، نعم لو توقف على كونهم تحت كلمة جامعة فيحب عليهم إطاعة ذي الشوكة منهم، خصوصا لو كان فقيها، مقدمة لدفع الفساد الواجب.
و لو هاجم كل طرف على غيره، فيجب على الثالث دفع نائرة الفساد، و كان الطرفان حينئذ من مصاديق من يريد في الأرض علوا و فسادا. فمع توقف دفعهم على المقاتلة مع الطرفين يجب، لهدر دم الطرفين و وجوب دفع الفساد، حيث انّ اللّٰه لا يحبه.
كما إنه لو كان في دفعهما بالاتفاق مع أحد الطرفين محذور، يجب، و يراعى في تعيين ذلك أيضا أقل المحذورين. و مع التساوي يتخيّر، و اللّٰه العالم.
اللهم عجّل فرج ولينا صاحب الأمر و إمام العصر، ليخرجنا من غياهب الغيبة، و اجعلنا من أعوانه و أنصاره، آمين.
كان الفراغ من مباحث الجهاد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة ألف و ثلاثمائة و واحدة و أربعين، على يد العبد المحتاج إلى ربه الباقي ضياء الدين محمد العراقي.
و هما يجبان عقلا بتوهم كونهما مقدمة لاستقامة الفرائض المعلوم
حسنها، إما بمناط حسن الإطاعة، و إما بمناط الحسن الذاتي الداعي إلى الأمر بها، بناء على التحقيق من كون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية، و إما بملاحظة كونهما مقدمة لحفظ النظام و عدم اختلاله.
و ربما صار ذلك أيضا منشأ زعمهم أنّ من وجوه وجوب القضاء الحافظ للنظام وجوب الأمر بالمعروف، فيكشف ذلك عن دخل الأمرين في شئون حفظ النظام، التي منها جعل القضاء و تشريعه بين الناس.
لكن في جميع الوجوه المزبورة نظر، لمنع مقدمية الأمر بالمعروف لحفظ النظام، الحاكم بوجوبه العقل، بل و منع كون مستند وجوب القضاء و تشريع باب القضاء مثل هذه الجهة.
و ربما يتضح في محله عدم صحة الاستناد في وجوب القضاء إلى وجوب الأمر بالمعروف، فلا يكون الأمر بالمعروف مقدمة لوجوب القضاء، فضلا عن كونه مقدمة لحفظ النظام، خصوصا البالغ مرتبة بحيث يدرك العقل معها قبح الإخلال به، و منع كشف الحسن الذاتي الداعي إلى الأمر به من الأدلة السمعية، في مدركية حكم العقل للمدعى.
كيف و لازمة إرجاع جميع الأدلة السمعية، في كل تكليف إلى الدليل العقلي، و منع حكم العقل بحسن الأمر المزبور، لمحض كونه مقدمة لا طاعة الأوامر، إذ ذلك إنما يتم لو أحرز من الخارج مطلوبية العمل و لو تسبيبا، بأنّ الأمر بالمعروف يصير حسنا بمناط حسن الإطاعة، و إحراز هذا المعنى في غاية الاشكال.
و حينئذ لا طريق لإثبات هذه المرتبة من المطلوبية إلّا من الأدلة السمعية، القائمة على وجوبها، فينحصر الدليل عندئذ بالسمعي، من إجماع أو كتاب و سنة. و هذا المقدار يكفي للمدّعى، و قيامهما هنا من الواضحات، كما لا يخفى على من راجع كلمات الأصحاب و النصوص الواردة في الباب.
و المستفاد من المجموع أيضا الوجوب في الجملة، لعدم سوقها في أزيد من ذلك، و يكفي لذلك ما ورد في الكتاب وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (1)، و ما ورد في السنة بقوله: «إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض» (2)، إلى غير ذلك من النصوص المتقاربة مضمونا (3).
و حينئذ فلو شك في مشروعية مرتبة من الأمر بالمعروف بالغة حد الجرح أو الشتم، بل الضرب و الهتك الزائد عن مقدار اقتضاء طبع الأمر بالمعروف، لا يبقى مجال للتشبث بمثل هذه الإطلاقات، بل لا بد من التماس نص آخر، و إلّا فأصالة عدم المشروعية محكمة.
نعم لا قصور في دلالة السنة على وجوب الأمر بالمعروف فعلا و تركا، بالنسبة إلى كل فريضة، لاقتضاء التعليل بإقامة الفرائض ذلك.
و توهم الاستفادة من هذه العلّة مشروعية ما يكون مقدمة لإقامة الفرائض بأي مرتبة من المراتب، مدفوع بمنع بلوغ الإطلاق في العلة المسطورة إلى هذه الدرجة، كيف و مقتضى المقدمية لإقامة الفرائض، ملاحظة أهمية مصلحة الفريضة من المفاسد المترتبة على المراتب المذكورة، و إلّا فلا معنى للإغماض عن الأهم حفظا للمهم، فلا محيص عن حمل «كونها مما تقام به الفرائض» على كونها كذلك غالبا بالنسبة إلى أول مرتبة الردع عن المنكر و البعث على المعروف.
نعم طبع الأمر يقتضي مرتبة من العقوبة على مخالفته، فإذا فرض جعل
صفة الأمر به لشخص بالإضافة إلى شخص آخر، يقتضي ذلك بفحواه إنّ له السلطنة على عقوبة المأمور بمخالفته، و لازمة صحة توعيده على المخالفة بمرتبة من العقوبة، و المتيقن منه هتكه بأول مرتبة منه، و أما بلوغه حد الضرب أو سائر مراتب الهتك فلا، و لازمة صيرورة خوف مثل هذا الضرر داعيا له على العمل.
لكن ذلك أيضا غير كون هتكه مقدمة لإيجاده خارجا، كما هو الشأن في بلوغ مرتبة الزجر إلى هذه الدرجة، و ذلك ظاهر.
ثم إنّ الغرض من الأمر بالمعروف، بعد ما كانت إقامة الفرائض، فمع ترتب الغرض بقيام البعض يجب على الكفاية، و إلّا فلا بد أن يجب على الآحاد عينا، و ذلك ظاهر. و عليه فيمكن إرجاع النزاع في العينية و الكفائية إلى جهة صغروية، و إن كان يوهم كلام الجواهر (1)خلافه.
لكن عند التأمل يمكن إرجاع نظره في اختياره الكفاية إلى صورة فرض الكفائية، كما انّ كلام المحقق في العينية (2)أيضا محمول جزما على فرض عدم قيام الفرائض بإقدام كل أحد بالأمر بالمعروف، بحيث لو حصل مثلا هذا الغرض من فعل طائفة خاصة لا يبقى مجال وجوبه على غيرهم حتى عنده، فلا تغني حينئذ صغروية النزاع إلّا ذلك، فراجع كلماتهم.
ثم إنّ وجوب الأمر بالمعروف مشروط
أحدها:
على المشهور، بل في الجواهر:
دعوى موافقته لكلمات الأصحاب (1)، خلافا للمحقق الثاني (2)و المسالك (3)، حيث ذهبا إلى إطلاق وجوبه، المستلزم لوجوب تحصيل مقدمته.
و استدل للأول بظهور خبر مسعدة من قوله عليه السلام: «إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف عن المنكر» (4)، حيث أخذ العلم المزبور في موضوع الوجوب، الكاشف ذلك عن إناطته بوجوده كاناطة وجوب الحج بموضوع الاستطاعة.
و يمكن أن يقال: إنّ لازم ذلك إناطة الوجوب بعنوان المطاعية أيضا، و لازمة عدم وجوبه مع احتمال عدم إطاعة أمره، فضلا عن الظن به، و هذا المقدار خلاف ما تقتضيه كلماتهم الآتية، بل ظاهر التزامهم بوجوب الأمر مع احتمال التأثير، كون تأثير أمره في الدعوة من قبيل شرائط الواجب، التي شأن المكلف وجوب الاقدام فيه بمحض الشك في قدرته على القيد.
نعم مع القطع بعدمه لا يبقى مجال للوجوب، للجزم بأنّ الغرض من الأمر هو تأثيره في إقامة الفرائض، و مع الجزم بعدم ترتبه عليه لا يبقى مجال الأمر به.
و لعل وجه اناطة الوجوب بالقوي أيضا من هذا الباب، بملاحظة قدرته غالبا على إحداث الداعي بأمره، في قبال الضعيف الذي لا يجدي أمره سوى الاستهزاء به و بكلامه.
و بعد ذلك لا يبقى مجال للأخذ بظهور النص المزبور، في شرطية العلم بالمعروف- في ظرف الأمر- في الوجوب، خصوصا مع ارتكاز الذهن بأنّ ذلك
من جهة دخل العلم في تشخيص ما يأمر به و ينهى عنه، كي لا يقع في الغلط و الاشتباه، فيكون مغريا بالجهل، و موقعا في خلاف المقصود.
و من المعلوم انّ أمثال هذه الجهات، هي من شئون القدرة على الشيء، التي ينوط بها جميع الواجبات عقلا، المستتبع لوجوب الاقدام عليها عند احتمالها، و مثل ذلك أجنبي عن شرط الوجوب شرعا، الذي لا يكاد يتحقق الوجوب إلّا في ظرف العلم بوجوده، و إلّا فمع احتمال العدم فالأصل يقتضي العدم.
نعم لا شبهة في دخل مثل هذه العناوين- كما أشرنا في القدرة- في إيجاد الواجب غالبا، التي هي من الشرائط العقلية للوجوب.
و مثل هذا المقدار غير منكر لدى المحقق (1)و الشهيد الثاني (2)أيضا، بل لا يبعد حمل كلمات القوم أيضا على ذلك.
و يؤيده كلام المحقق في الشرائع عند تعليله لشرطية العلم بعدم الغلط و الاشتباه، المناسب لدخلهما في القدرة على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذ الأمر الصادر منه بهذا العنوان، لا يكاد يتحقق إلّا مع علمه به.
نعم قد يكفي في الأمر بالمعروف بنحو الإجمال، مجرد علمه بوجود معروف في أحد الطرفين لتاركهما، ففي مثله لا حاجة إلى العلم به تفصيلا، بل يكفيه علمه الإجمالي المزبور.
و ما في النص السابق من دخل العلم في الوجوب أيضا منصرف إلى صورة أمره بالمعروف تفصيلا لا مطلقا، كما انّ كلمات الأصحاب مثل كلام المحقق أيضا منصرفة عن هذه الصورة.
و حينئذ لا وجه لتعليق الوجوب شرعا على مثل هذا العلم، خصوصا بعد إطلاق أدلة وجوب الأمر بالمعروف من هذه الجهات.
اللهم إلّا أن يدّعى أنّ التعليل فيها بإقامة الفرائض، ربما يوهن إطلاق وجوبها، إذ هو فرع العلم بإطلاق مطلوبيتها من كل أحد و لو تسبيبا. و مثل هذا الإطلاق لا يستفاد من أدلتها و لا من إطلاق أدلة وجوب الأمر بالمعروف بعد اقترانها بمثل هذه العلة المهملة المبهمة، إذ مثل ذلك- بملاحظة اتصالها باللام- مما يصلح للقرينية في نفي الإطلاق في دليل الوجوب.
هذا و لكن يمكن أن يقال: إنّ التعليل بإقامة الفرائض لا يكون في بيان مطلوبيتها، في قبال مطلوبية الأمر المزبور، كي يستتبع إهماله من جهة إهمال وجوب مقدمته من تلك الجهة، بل مقتضى التعليل المذكور ليس إلّا ترتب الإقامة على الأمر بالمعروف، و لا يستفاد مطلوبيته إلّا من قبل مطلوبية مقدمته، و من المعلوم انه في مثل هذا المورد تتبع كيفية مطلوبيته لأصل المطلوبية، إطلاقا و اشتراطا. فيستفاد ذلك من إطلاق مطلوبية الأمر المزبور و إهماله، فلا تصلح أمثال هذه التعليلات لقلب ما عليه ذو العلة عما هو عليه من الظهور.
و حينئذ فلا بد أن يلحظ بدوا ظهور الأمر في إطلاق وجوبه أم لا، و بعد ذلك لا يبعد دعوى سوقه لبيان الإطلاق، بلا صلاحية دليل آخر لتقيد وجوبه.
نعم ربما لا يجب تحصيل مقدمته، من العلم أو القوة و المطاعية، للحرج فيسقط عنه وجوبه، كسقوط وجوبه بعلمه بعدم القدرة على إحداث الداعي.
و الشرط الثاني هو أن يجوز الآمر و يحتمل
، لأنّ الغرض من الإنكار لا يكاد يترتب على أمر لا يؤثر في احداث الداعي، فمع
الجزم بعدم التأثير يكون لغوا محضا. نعم مع احتماله- بملاحظة احتمال القدرة على التوصل إلى الغرض المطلوب- يجب الاقدام، كما هو الشأن في جميع الواجبات المشكوك القدرة على امتثالها.
و لقد عرفت أنّ ما في النص السابق من اشتماله على اناطة الوجوب على القوي المطاع، ليس إلّا بلحاظ أنّ للقوة و لعنوان المطاعية دخلا في القدرة على إيجاد المقصود، من احداث الداعي على المطلوب. و مع هذا الارتكاز يكون المورد من قبيل دفع توهم الحظر في باب الأوامر، المانع عن انعقاد ظهور اناطة الوجوب بالمطاعية حتى بمرتبة الاقتضاء.
و أضعف مما ذكرنا في استفادة الشرطية المذكورة، ما دل على أنّ الأمر بالمعروف إنما هو عند ما يقبل منه، و انه انّما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلم، و أما صاحب سوط أو سيف فلا (1).
و غير ذلك مما يقرّب هذا اللسان، إذ مثل هذه الألسنة لا تقتضي إناطة الوجوب بالتأثير و لو بنحو الشرط المتأخر، كيف و لازمة عدم وجوبه حتى مع الظن بالتأثير، فضلا عن احتماله. و هو خلاف بناء الأصحاب، و ظواهر كلماتهم، فلا محيص عن كون الغرض من إناطة الوجوب بذلك في أمثال ذلك، هي الإناطة العقلية الناشئة عن دخل القدرة على التوصل إلى الغرض في الوجوب حتى مع الاحتمال فضلا عن الظن به كما هو ظاهر.
و الشرط الثالث: أن
، أي الندم و الامتناع في المأمور، بأن لا يكون مصرا على ارتكاب المنكر أو ترك المعروف، و إلّا فمع قيام الامارة المزبورة كان في نفسه داع إلى العمل
1) وسائل الشيعة 11: 401 باب 2 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 2.
بالمعروف و الاقتلاع عن المنكر، فيكون الأمر المزبور أيضا غير صالح لإحداث الداعي، و بعد ذلك لا يبقى موضوع للأمر به.
و لا إشكال في هذا المقدار مع القطع به، كما انه لو بلغت أمر الامارة مرتبة ظهور الحال، التي هي مورد اتكال العقلاء كظواهر الألفاظ، فلا إشكال في ذلك، و إلّا فيشكل سقوط الأمر المزبور، و لو من جهة احتمال التأثير، خصوصا مع سبق الإصرار.
اللهم إلّا أن يقال: إنه مع الاقدام على الطاعات و الاجتناب عن المعاصي، كان نهيه عن المنكر توهينا في حقه، و الأصل في مثله الحرمة، لاحترام عرض المسلمين كدمه و ماله إلّا ما خرج، و هو ليس إلّا من كان بصدد ترك الطاعات.
و أما مع الشك فيه فأصالة عدم كونه من العاصين تقتضي عدم جواز مثل هذا الهتك المحتمل في حقه. فما لم يحرز في حقه كونه من العصاة لا يكاد يجوز نهيه و هتكه، و لازمة اناطة جواز الإنكار عليه بالأمارة على كونه عاصيا، لا أنّ عدم وجوب أمره و نهيه منوط بأمارة الندم و الإقلاع.
نعم ما أفيد صحيح بالنسبة إلى من كان مسبوقا بالإصرار على الارتكاب، و لا يبعد حمل كلماتهم أيضا على ذلك، إذ مقتضى الأصل وجوب الأمر بالمعروف في حقه إلى أن يثبت خلافه، و في مثله لا يكفي مجرد الظن بالخلاف، ما لم يكن حجة شرعية، من كونه مستندا إلى ظهور أو بينة عادلة، و إلّا فلا يغني الظن عن الحق شيئا.
و الشرط الرابع:
في إنكاره على غيره، من دون فرق بين رجوع مفسدة عمله إليه أو إلى غيره من إخوانه المؤمنين.
و حينئذ فمع ترتب المفسدة المزبورة، لا يجب الإنكار.
و يدل عليه عموم نفي الحرج فيما لا يتحمل، بل و ما في بعض النصوص من تعليقه على الإمكان و عدم الخوف على النفس (1)، و في آخر مع زيادة:
«و على أصحابه».
و الظاهر من الخوف على النفس خوفه من الضرر الوارد عليه أو على أصحابه أعم من المال و غيره لا انّ المراد خصوص خوف الضرر النفسي.
فالنفس في المقام مأخوذ في قبال الغير من الأصحاب، لا في قبال العرض و المال و يؤيده ما في نص آخر من قوله: «من تعرض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤجر عليها» (2).
و من المعلوم أنّ الغرض من البلية مطلق الضرر الوارد من قبله و لو مالا، فلا قصور في الروايات في شمولها للضرر المالي. و بذلك لا يختص مثل هذا الحكم- في ارتفاعه- بالضرر المالي الكثير، بل يعم الضرر المالي و لو يسيرا ما لم ينته إلى حد الندرة الملحقة بالعدم.
فلا يحتاج في نفيه- للضرر المالي حينئذ- إلى التشبث بعموم لا ضرر، كي يدعى عدم جبر عموم نفي الضرر المالي في نفي التكاليف، كيف و لازمة جواز ارتكاب كل محرم بمحض العلم بترتب ضرر مالي يتحمل عادة، بنحو لا مشقة و لا حرج في ارتكابه، و لا أظن التزامه من أحد.
نعم يمكن أن يقال: إنّ العناوين المأخوذة في النصوص السابقة آبية عن الشمول للضرر المالي غير البالغ حد الحرج في ارتكابه، فلا تبقى في البين إلّا دعوى جبر فتاويهم لعموم نفي الضرر، حتى المالي منه في خصوص المقام، و إن لم يلتزموا به في غير مقام.
و يؤيده أيضا ما في بعض النصوص: «لا يوجبون أمرا بمعروف و لا نهيا عن منكر إلّا إذا آمنوا الضرر» (1)، و إطلاقه غير قاصر الشمول للضرر المالي و لو يسيرا، ما لم ينته إلى حد يلحق بالعدم عرفا، كما هو ظاهر.
ثم انّ في إلحاق خوف الضرر بصورة اليقين به، حتى في المال اشكال.
نعم لا يبعد الإلحاق في النفسي و العرضي، لأنه يجب حفظ نفسه عن المضار المزبورة، و مع الشك فيه فقاعدة الاشتغال تقتضي وجوب الحفظ.
نعم لو قلنا بأنّ الهتك حرام، لا يبعد المصير إلى البراءة، و لكن في الجواهر: إنّ ظاهر الأصحاب إلحاق الظن بالضرر باليقين، و قوّي إلحاق مطلق الخوف و استبعد عدم مساعدة العقل عليه كما توهم (2).
و عليه فيحتاج إثباته إلى دليل متيقن، فإن كان في البين إجماع- و لو بتسرية مناط خوف الضرر من باب الوضوء و الصوم و أمثالهما إلى المقام- فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.
ثم انّ ظاهر حصرهم الشرائط في الأربعة المذكورة عدم شرطية غيرها، فما عن البهائي من اشتراط كون الآمر غير تارك للمعروف لقوله تعالى أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (3).
و في المروي عن الخصال: «إنما يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر من كان فيه ثلاث خصال: عامل بما يأمر به، و تارك لما ينهى عنه» (4)، و أمثال ذلك و هي كثيرة.
ففيه: إنّ الآية في مقام الذم على تركه المعروف، لا على أمره به.
و أما النص فإنما هو في مقام التعريض بأئمة الجور المتلبسين بلباس العدل، و انّ الغرض منه بيان أنّ من شأن الآمر بالمعروف أن يكون هكذا، كي يؤثر أمره في القلوب، و إلّا ففي غيره لا يكاد يؤثر غالبا، فالحصر المزبور منزّل على الغالب، من العلم بعدم تأثير أمره، لا أنه لا يجب على الفاسق الأمر بالمعروف حتى مع علمه بالتأثير.
و لئن أغمض عن هذا التوجيه، فلا أقل من طرح هذا الظهور بإعراض الأصحاب حسب إطلاق كلماتهم، فالمرجع حينئذ إطلاقات الأمر بالمعروف، بعد ضعف شبهة كونها في مقام الإهمال من هذه الجهات، و اللّٰه العالم.
: واجب و ندب، فالأمر بالواجب واجب، و الأمر بالمندوب مندوب بلا اشكال فيه، لعدم زيادة الفرع على الأصل، و لما في النص من «أنّ الدال على الخير كفاعله» (1).
و في آخر: «فهو شريك» (2).
و في ثالث: «و لا يتكلم الرجل بكلمة حق يؤخذ بها، إلّا كان له مثل أجر من أخذ بها» (3).
و بمثل ذلك ترفع اليد عن وجوب الأمر بمطلق المعروف، فيبقى على ظهوره في غيره، من دون اقتضاء ذلك قلب الأوامر المزبورة، إلى الظهور في مطلق الرجحان، أو في اختصاصها بخصوص الواجب منها، كي يلزم سقوط حجيتها
في الوجوب في الواجبات على الأول، أو سقوط حجيتها عن أصل الرجحان في المندوب على الثاني.
و عمدة النكتة فيه انّ القرائن المنفصلة لا تقتضي صرف الظواهر- في غير موردها- عما عليها من الظهور، و إنما شأنها رفع اليد عن حجيتها بمقدار قيام الدليل على الخلاف، كما لا شبهة في أنّ ظهور الإطلاقات يقتضي وجوب الأمر بمطلق المعروف. غاية الأمر قامت القرينة على عدم اللزوم في خصوص المندوبات، فيبقى ظهورها في البقية حجة بلا معارض، فتكون مثل هذه المطلقات- بنفس حجيتها على الوجوب في الواجبات- حجة على رجحانها في المستحبات بلا لزوم محذور أبدا.
نعم ذلك كلّه على فرض إطلاقها في الوجوب بالنسبة إلى مطلق المعروف، و إلّا فمع قيام الارتكاز على عدم صلاحية الأمر بالمندوب أن يكون زائدا على المندوب، فربما يكون ذلك من القرائن الحافة بالكلام، المانعة عن انعقاد ظهورها في الوجوب في مطلق المعروف، بل لا بد إما من صرف ظهورها عن إطلاقها، أو صرف ظهورها في الوجوب.
و مع التزاحم يطرأ الإجمال، فتخرج المطلقات عن دلالتها على الوجوب، حتى في الواجبات، لو لم نقل بأنّ دلالة الأوامر على الوجوب بالوضع، أو لاقترانها ببعض القرائن، و إلّا فيكون مقدّما على الإطلاق، لعدم مزاحمة المقتضي التعليقي مع التنجيزي.
و حينئذ فتخرج المطلقات عن الدلالة على الرجحان في المستحبات، فلا بد من التشبث بالنصوص السابقة، في إثبات الرجحان في الأمر بالمندوبات.
لكن الذي يسهّل الخطب، منع بلوغ الارتكاز بمثابة تمنع عن انعقاد أصل الظهور، و لو من جهة احتمال كون مصلحة الإيجاب في المندوبات، مجرد
إعطاء الحجة توطئة للأخذ به في الزائد عن مقدار القرينة على الخلاف، فتأمل.
ثم إنّ الأمر في المندوبات ينبغي أن يكون بنحو الرفق، بحيث لا يوجب اشمئزازا و كلالا عن العمل، فضلا عن أصل الشريعة رأسا بشهادة ضرب الامام المثل المعروف المشتمل على استنكاف جديد الإسلام عن بقائه على إسلامه، اعتذارا بمشقة دين المسلمين، فراجع الرواية بطولها في الجواهر (1).
بمقتضى ما جرى عليه اصطلاحهم في اختصاصه بالمحرّم، و جعلهم المكروه بلحاظ معروفية تركه في المعروف، و إلّا فبناء على ملاحظة مراتب الإنكار فيه كان حكمه حكم المعروف، في إنّ ما يبلغ مرتبة اللزوم فالنهي عنه واجب، و ما لا يبلغ بهذه المرتبة فالنهي عنه غير لازم.
، لأنه من تبعات التدين و الالتزام بأحكام الدين، و ربما لا ترتبط هذه المرحلة بباب الأمر بالمعروف، الواجب على الكفاية، بل ربما يجب ذلك على عامة المتدينين، لأنه من مراتب الاعتقاد و التدين بالدين، و لا ينوط ذلك بإقامة الفرائض. إذ ما لم يظهر مثل هذا الإنكار لا يكاد يحصل لغيره الداعي على العمل، فنفس هذه العلة شاهدة على أنّ ما هو الواجب في المقام كفاية غير هذه المرتبة. و ربما ينصرف عنوان الأمر و النهي عن مثله و إن كان هو روحهما.
1) جواهر الكلام 21: 364. و الوسائل 11: 429 باب 14 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 9.
و يدل على وجوبه ما في النص: «فأنكروا بقلوبكم و ألفظوا بألسنتكم- إلى قوله- و أبغضوهم بقلوبكم» (1).
و في آخر: «من رأى منكرا فلينكر بيده إن استطاع، (فإن لم يستطع فبلسانه) فإن لم يستطع فبقلبه» (2). و ظاهر هذه الرواية التنزّل من اليد إلى القلب بلا توسط اللسان (3). و لعله منزل على الغالب من عدم استطاعته على الإظهار باللسان، و إلّا فينتهي الأمر إليه مع التمكن.
و إليه أشار المصنف بقوله:
، و يدل عليه قوله:
«الجهاد بأبدانكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم» (4).
و في النص السابق أيضا قوله «و الفظوا بألسنتكم»، ثم قال بعد ذلك:
«فجاهدوهم بأبدانكم» (5)و حينئذ فيجب الإنكار بمثل هذه المراتب على الترتيب حسب الاستطاعة.
و ذلك أيضا إذا لم يرتدع إلّا ببلوغ الإنكار الدرجة العالية من الإنكار باليد، و إلّا فربما يجب مراعاة الأسهل فالأسهل و لما هو أقل هتكا على المسلم، فلو كفى مجرد إبراز الانزجار القلبي، و لو ببعض الحركات و تغيير الوجه، أو تقليل المراودة، أو تركها، فليتقدم ذلك، و إلّا فيظهر بلسانه أمرا و نهيا، بلين ثم
1) وسائل الشيعة 11: 403 باب 3 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 1.
2) وسائل الشيعة 11: 407 باب 3 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 12.
3) بما انّ الشارح- حسب عادته- نظر الى الرواية و هي مذكورة في الجواهر 21: 375 و نقلها عنه بلا مراجعة الأصل، زعم عدم ذكر الإنكار باللسان فيها، و إلّا فهي في الأصل مذكورة حسب المراتب الثلاث في الإنكار بالقلب و اللسان و اليد. راجع وسائل الشيعة 11: 407 باب 3 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 12، و نحن قد صححنا الرواية وفق الأصل رغم إسقاط الشارح لفقرة الإنكار باللسان طبق نصها في الجواهر، و قد جعلناها بين المعقوفتين.
4) وسائل الشيعة 11: 406 باب 3 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 10.
5) وسائل الشيعة 11: 403 باب 3 من أبواب الأمر بالمعروف حديث 1.
بخشونة، إلى أن يبلغ الأمر إلى الإنكار باليد. كل ذلك من جهة حرمة هتك الغير إلّا بمقدار لازم في البعث على ارتكاب الطاعات و الاجتناب عن المعاصي.
و ربما يؤيد ما ذكرنا من الترتيب ما في قوله تعالى فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ (1)حيث قدّم الإصلاح بأي وجه على القتال.
و من وجوه الإصلاح التشبث إليه بالانزجار عنه ظاهرا عن بغي إحداهما، ثم بالإظهار باللسان بأمرهما و نهيهما، ثم باليد، إلى أن ينتهي إلى القتال. و هذا المعنى و ان لم نقل بمشروعيته في غير مورد البغي، لكن هذا المقدار لا ينافي الاستشهاد به على تقديم مراتب الأسهل على الأشد، فيلاحظ مثل هذه المراتب في جميع المقامات، المتعلّقة بزجر الغير و ردعه عن المنكر بالفحوى.
مع انّ الإطلاقات من هذه الحيثية بعد ما لم تكن في مقام البيان، فينتهي الأمر حينئذ إلى التعيين و التخيير، و الأصل في مثله التعيين.
ثم المراد من الجهاد باليد في مثل هذه النصوص، هو الردع باليد، التي هي كناية عن التحريك إلى العمل بيده و لو بتوسط الضرب، و هو المتيقن المستفاد منه عرفا.
و توهم انّ المراد به فعل نفسه، مقدمة لتأسي الناس به خلاف الظاهر من قوله: «فجاهدوهم بأبدانكم»، إذ المنساق منه نحو إيذائهم بالبدن، لا مجرد ارتكابه المعروف الداعي على تأسيهم بكمال المرافقة و الرحمة.
نعم في التعدّي من الضرب إلى الشتم وجه، لثبوت الفحوى.
1) الحجرات: 9.
و أما في التعدّي منه الى مرتبة أشد بالغة حد الجرح اشكال، لعدم استفادته من الجهاد باليد، و لا دلالة للإطلاقات أيضا على مثل هذه الجهة.
و ما في الرواية السابقة وارد مورد البغي و الفساد، غير المقتضي للتعدّي إلى مثل المقام. كما انّ ما في بعض النصوص التحريض على الإنكار بالسيف، منزل على غاصبيهم و منكري فضائلهم، نظير أهل الشام، الذين هم مورد النص، فلا يشمل الفسقة من محبيهم.
و حينئذ فدليل حرمة الدم يقتضي تحريم هذه الدرجة من الإنكار، بل لو لا الإجماعات في الكلمات كان يشكل ثبوت أصل مشروعية هذه الدرجة من الإنكار في أمر فروع الدين، بالنسبة إلى المسلمين، المستتبع لعدم إقدام الإمام أيضا لذلك.
و مجرد مشروعية الحدود لهم و الجهاد في أمر الدين و العقائد في حقهم، لا يقتضي التعدّي إلى هكذا إنكار شديد لمحرم فرعي، خصوصا مع كونه- فعلا أو تركا- من أضعف المحرمات، لا سيما إذا بلغ أمر الجرح إلى القتل، المعلوم عدم مقاومة مصلحته مع مفسدة القتل، بل و مطلق الدم أيضا.
لكن الانصاف تسلّم ثبوت هذه المرتبة للإمام في كلماتهم، و كذا المأذون من قبله. و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: و لو افتقر إلى الجراح لم يفعله إلّا بإذن الامام. و في ثبوت الإذن لنائبه في الغيبة حينئذ، بمقتضى عمومات الولاية إشكال، و أشكل منه إثبات ذلك لهم بمقتضى المقبولة الدالة على ثبوت وظائف قضاة الجور لهم، إذ ذلك فرع إحراز كون ذلك من وظائفهم، و إلّا فلو احتمل كونه من وظائف ولاتهم، فلا يكاد يثبت ذلك من المقبولة.
و أضعف من الجميع إثبات ذلك بمقدمات الحسبة، إذ مطلوبية وجود هذه الدرجة من الإنكار، قابل لأشد الإنكار.
ثم إنّ مقتضى قوله- كما في بعض النصوص-: «انّ الحكم و الجمعة و الحد للإمام العادل» انّ الحدود لا يقيمها إلّا بأمره أي إلّا بأمر الامام و اذنه عليه السلام.
و المشهور انه يجوز للرجل اقامة الحد على عبده بلا احتياج إلى إذن شخصي في كل واقعة، و الأصل في ذلك خبر علي بن جعفر، المشتمل على ضربه بقدر ذنبه، و إن زنى جلده، و إن كان غير ذلك فعلى قدر ذنبه (1)مؤيدا ذلك أيضا بخبر عنبسة المشتمل على اذنه بإقامة الحد على جاريته سرا (2).
لكن احتمال كون ما في هذه الرواية من باب اذنه عليه السلام يسقطه عن صلاحية الاستدلال به، فيكفي لنا خبر علي بن جعفر، الظاهر في بيان الحكم الشرعي.
مع انه على فرض كونه من باب الاذن، فهو اذن عام لكل مولى بالنسبة إلى مملوكه، و هو المدرك للمشهور أيضا، خلافا للمفيد (3)و الديلمي (4)على المحكي.
و إطلاق النص يشمل مطلق المملوك و مطلق المولى و لو كان فاسقا.
و في شموله للمبعض اشكال، كشموله للنساء بالنسبة إلى رقيقهن، لو لا قاعدة الاشتراك، المغروسة في الأذهان. مع انّ المنصرف إلى الذهن كون المقتضي لمثل هذا الحكم علقة الملكية، بلا دخل للرجولية و الأنوثية.
و لو اشترك موليان اشتركا في الاستيفاء.
و لا فرق بين أنحاء الحد حتى البالغ إلى القتل، لإلغاء الخصوصية عن الضرب، بقرينة قوله: «و في غيره على قدر ذنبه»، إذ المنساق منه أنّ عقوبة كل ذنب بمقداره.
و قيل: بإلحاق ولده و زوجته بمملوكه في جواز اقامة الحد أو التعزير عليه بمقدار ذنبه، إذا أمن الوالد و كذا الزوج من الضرر، خلافا للمشهور.
و عمدة الوجه في ذلك دعوى السيرة على تعزير الآباء و الأزواج لأولادهم و زوجاتهم، علاوة عما ورد في الزوج من أدلة جواز الضرب مع تقصير الزوجة في حقوق الزوجية.
لكن لا يخفى أنّ مجرد قيام السيرة على تأديب الأولاد بمثل الضرب و الشتم تأديبا، لا يقتضي جواز اقامة الحد الشرعي عليهم، خصوصا لو انتهى إلى حد الجرح غير المعلوم قيام السيرة على هذه المرتبة من التأديب أيضا، فضلا عن الحدود الشرعية.
و أما ضرب الزوجة في مقام امتناعها عن أداء الحق، فهو أيضا غير مرتبط بباب اقامة الحد، كيف و هذا المقدار بل و أزيد منه شأن كل ذي حق في مقام استيفاء حقه، لأنّ لي الواجد يحل عقوبته و عرضه، و أين هذه الجهة من اقامة الحدود، فعموم ما دل على أنّ الحد وظيفة الإمام باق على حاله، و إلى ما ذكرنا ذهب في الجواهر أيضا (1)، و لقد أجاد فيما أفاد.
و عن المصنف انّ للفقهاء إقامتها حال الغيبة مع الأمن من الضرر، و يجب على الناس أيضا مساعدتهم وفاقا لجمع من الأعاظم.
1) جواهر الكلام 21: 389.
بل في الجواهر: انه المشهور (1).
و في الشرائع نسب هذا القول الى القيل الظاهر في توقفه فيه (2).
و في مكاسب شيخنا العلّامة أيضا استشكاله في ثبوته، و في ثبوت بعض مراتب الأمر بالمعروف أيضا (3).
و عمدة وجه الاشكال- بعد اختصاص الحد بالإمام، بمقتضى النص السابق، المخصص لإطلاق وجوب قطع يد السارق و جلد الزاني، الموهمين لثبوتهما لكل أحد- عدم وفاء دليل على إذنهم عليهم السلام للفقيه، نظرا إلى عدم تمامية أدلة الولاية العامة، من مثل جعلهم خلفاء و ورثة و حجة، لإمكان صرف ذلك كله إلى الجهة الظاهرة من تبليغ الأحكام و بيان الحلال و الحرام.
كما انّ المستفاد من جعلهم حكّاما- في المقبولة (4)- ليس بأزيد من الاذن في الحكم و الفصل بين الخصومات.
و فحوى المقبولة و إن اقتضى إثبات شئون قضاة الجور لقضاتنا، لكن كون الحد من شئون قضاتهم أول الدعوى.
مع انّ عموم «الحوادث الواقعة» (5)مجمل، لاحتمال عهدية اللام، مع انّ التوصيف بالواقعة ربما يشعر بلا بدية وقوعها، و كون الحد من هذا القسم أول الدعوى.
كما انّ قوله: «مجاري الأمور بيد العلماء باللّه»، ربما ينصرف إلى الامام،
فلا إطلاق فيه على وجه يشمل كل فقيه.
هذا و لكن مقتضى الإنصاف إمكان كون الحد الذي يقوم به الفقيه داخلا في الحكم، و إجراؤه في حقوق اللّٰه، خصوصا في حد القذف الثابت عنده بالترافع إليه، و إبداء الخصومة عنده، فيكفي حينئذ ذلك في مشروعية جعله حاكما، الذي من شأنه إجراء الحكم الإلهي في الواقعة الشخصية، مضافا إلى إطلاق قوله: «اقامة الحدود الى من إليه الحكم» (1)و لو بتفويض الامام الحكم إليه، فلا وجه للاختصاص بمن إليه الحكم أولا و بالذات، لا بجعل الامام و بأمره، فلا قصور في شمول النصين لمثل هذا الحد و إثباته للفقيه الذي إليه الحكم، و لو بنصب الامام، كما لا يخفى.
و حينئذ فمذهب المشهور هو المنصور، و لو لم نقل بثبوت الولاية العامة للفقيه، لعدم مساعدة العمومات السابقة، و اللّٰه العالم.
و بعد مشروعية اجراء الحد للفقيه، لا اشكال ظاهرا في وجوبه، لظهور قوله: «من عطّل حدا من حدودي فقد، عاندني» (2)في حرمة تعطيل الحد في حق من شرع ذلك في شأنه.
كما انه بعد اقدام الفقيه في مورد على اقامة الحد، يجب على الناس إعانته، لأنه من البر و التقوى المأمور بالإعانة عليهما، مع انّ في ترك الإعانة شوب رد لحكم الحاكم، و هو في حد الشرك باللّه، و فيه أيضا نوع استخفاف بحكمه فيحرم، و اللّٰه العالم.
و أيضا لهم أي للفقهاء الفتوى و الحكم بين الناس في زمن
الغيبة، بل في زمان الحضور أيضا، بقرينة إرجاع العوام الى بعض رواتهم، في أخذ معالم الدين عنهم و جعلهم حكّاما في المقبولة، من دون اختصاص بزمان دون زمان.
كما انّ حكم العقل برجوع الجاهل الى العالم أيضا غير مختص بزمان الغيبة.
نعم ربما يختص زمان الحضور باشتراط عدم إمكان التوصل- و للحرج- الى جنابه عليه السلام.
كما انّ دلالة جواز التقليد- مثل آية السؤال- ليست بهذا الإطلاق، و لذا أوجبنا تقليد الأعلم، بل المرجع الأول في تعيين أصل الوظيفة للعامي، لا بد أن يكون مجمع الوصفين، حذرا من لزوم الدور، و تفصيل ذلك موكول إلى مباحث التقليد.
كما انّ الفتوى و الحكم أيضا لا بد أن يكون مع الشرائط المبيحة للفتيا، و سيأتي البحث عن ذلك في كتاب القضاء و في مباحث التقليد.
و مقتضى آيتي النفر و السؤال- الواردين في مقام وجوب، الجواب و الإنذار، من جهة ما فهموا و علموا- وجوب الإفتاء عليهم.
كما انّ على الحاكم أيضا الحكم عند المطالبة، بل وجوب تهيئة نفسه للقضاء مقدمة لذلك، إما بنحو الكفاية مع وجود من يقوم به، أو بنحو العينية مع عدمه. و من هذه الجهات التزمنا بوجوب الإرشاد في الأحكام الكلية، التي يكون تكليف العامي الرجوع فيها إلى العالم.
و أما في غير ذلك من الشبهات الموضوعية، التي لا تكون للعالم مزية في فهمها على الجاهل، بل ربما يكون العامي هو من أهل الخبرة دون العالم، فلا دليل على رجوعه إلى العالم، و لا يجب على العالم أيضا إرشاده.
كما انّ عمومات الأمر بالمعروف أيضا لا تكاد تشمل إلّا ما كان
المعروف معلوما للفاعل و واصلا إليه، و إلّا فمع عدم الوصول لا يكون في حقه معروفا، على وجه يشمل مرتبة الجهل به، و لذا يشمل مثله عمومات الإباحة، فيصدق عليه انه في ظرف الجهل به لا يكون معروفا في حقه، و إن كان معروفا في المرتبة السابقة على الجهل به.
لكن هذا المقدار من المعروفية لا يقتضي جواز الأمر به، بعد ظهور الأوامر في المعروفية المطلقة، الملازمة مع الفعلية بجميع المراتب، حتى في ظرف الجهل بها.
و ربما يرشد إليه قضية اللمعة في الغسل، حيث ردعه الإمام في إرشاده إليه.
نعم ربما يكون الغرض في بعض المقامات بالغا مرتبة يصير الشارع بصدد حفظها، حتى في مرتبة الجهل بها، فيوجب الاحتياط، حتى مع كون الشبهة موضوعية، فيصير العمل بحسب الظاهر معروفا و واجبا، فيجب الأمر به.
بل ربما يكون الغرض بمثابة يراد حفظه من قبل المكلفين، و إن لم يكن الفاعل مكلفا. و من هذا الباب حرمة تمكين المجانين و الصبيان من قتل نفس محترمة أو عرض كذلك، بل في السكوت على إتلاف مال الغير في فرض لم يصدق على سكوته الإتلاف إشكال.
و في كون التمكين على شرب النجاسة و أكلها تأمل، نعم لا يبعد إدخال تلويث المساجد، المستلزم لهتكها، في الموضوع الأول. و مع الشك في كونه من أي القسمين يلحق بالثاني، للأصل، كما هو ظاهر.
و لا يجوز الحكم بمذهب أهل الخلاف بلا خلاف، مع التمكن من المشي على وفق الحق و الصواب، لعمومات حرمة الحكم بغير ما أنزل اللّٰه، و في
النص: «فهو كافر باللّه العظيم» (1)، و في آخر تفسير الفاجر بالحكام الجائرين (2).
فإن اضطر عمل بالتقية بلا إشكال أيضا، لعمومات التقية، و في النص أيضا: «إذا كنتم في أئمة جور فامضوا أحكامهم و لا تشهروا أنفسكم فتقتلوا» (3)، و قضية أخذ الاضطرار في موضوع التقية في قوله: «و كل شيء اضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه» (4)، ليس إلّا عدم وجود المندوحة في ارتكابه، لو لا دعوى انّ الغالب في موارد الابتلاء إمكان التخلص، و لو بتغيير ظرف الابتلاء. و حينئذ لو خرجت هذه عن تحت العمومات، يلزم تنزيلها على الموارد النادرة.
اللهم إلّا أن يدعى انّ عمومات التقية واردة في مقام المنة على العباد، و من المعلوم انّ شأن مثل ذلك رفع ما في وضعه خلاف الامتنان في حقه، و لا يكون خلاف منة في حق الغير، فلا يصلح جواز تفويت حقوق الغير و أمواله بحكمه بالخلاف تقية، لأنه خلاف المنة في حق الغير.
نعم لو اضطر إليه، فمقتضى النص المزبور جوازه.
و توهم انّ ذلك أيضا من الأحكام الامتنانية غير الشاملة لما يكون خلاف المنة في حق سائر الناس، مدفوع بأنّ جعل التقية في الحكم المزبور، و إمضائهم المستتبع لخلاف المنة في حق الغير، يقتضي عدم مراعاة الشارع في شخص هذا الحكم منة على غيره، و لو من جهة كون الشخص بترك التقية في معرض القتل، الكافي في صدق الاضطرار بهذا المقدار.
و لا يشمل ذلك صورة إمكان تخلصه من التقية و لو بتغير موضوع الابتلاء، فيختص الترخيص المزبور بمثل هذه الصورة. و أين ذلك من عمومات التقية الواردة في مورد الامتنان غير الشامل لصورة خلاف امتنان على غيره و إن كانت شاملة لصورة تمكنه من تغيير موضوع الابتلاء كما لا يخفى.
و حينئذ فلا بأس بتصدية للحكم على وفقهم تقية ما لم يكن قتلا، و في النص: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقية» (1).
و في المرسلة أيضا: «إلّا أن يخاف في ذلك على نفسه، فإنه يجوز له حينئذ أن يفعل في حال التقية ما لم يبلغ قتل النفوس، فلا تجوز فيه التقية» (2).
و ظاهر المرسلة تخصيص حرمة التقية بصورة البلوغ حد قتل النفس، كما هو أيضا ظاهر المصنف و جماعة مثل المحقق في الشرائع (3)و غيره.
لكن ربما يوهم من الأول شمول نفي التقية البالغة إلى مطلق الجرح، و يمكن دعوى انصرافه أيضا إلى القتل، لأنّ المراد من الدم في الفقرة السابقة غالبا هو ذلك كما يشعر به أيضا ما في النص السابق، من قوله «فتشهروا أنفسكم فتقتلوا».
و مثله يصلح للقرينة على حمل الدم في الفقرة الأخيرة أيضا على القتل لا مطلق الجرح، و حينئذ تبقى عمومات التقية بالنسبة إلى الجرح باقية بحالها.
نعم لو أكره على جرح غيره بتوعيد ضرب، فقد يتوهم ترجيح تحمل ضرر نفسه على ضرر الغير، لأنه أعظم.
و فيه انه لا دليل على نفي الضرر المتوجه إلى الغير بتحمله الضرر، كما
لا يكون عكسه في عكسه، من صرف الضرر المتوجه إليه بإضرار غيره، إذ عموم نفي الضرر و الضرار لا يقتضي نفي الضرر عمن توجه إليه الضرر، لأنه خلاف الامتنان في حق الغير، أو في حق نفسه، كما هو ظاهر.
من قبل الامام العادل، بل الفقيه المنصوب من قبله، بعد تمامية أدلة النصب و لو في الحسبيات.
و لو ألزمه الإمام عليها وجبت لوجوب إطاعة أمره، و انه ليس لأحد الخيرة في قبال اختياره.
و في ثبوت هذا الشأن للفقيه، فرع إحراز عموم النيابة و الخلافة.
و يحرم عند المصنف الولاية من الجائر ما لم يعلم تمكنه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لو أكره بدونه جاز، و ظاهره كون المقام من باب تقديم الواجب على الحرام، بمناط المزاحمة. و هو أيضا مؤيد ما قربناه سابقا من «كونه قويا مطاعا» مأخوذ في موضوعهما، بمناط دخلهما في القدرة، المستلزم لكون وجوبه وجوبا مطلقا، على وجه يجب مع التمكن تحصيل مقدمته، فيقدّم على حرمة التولي من قبل الجائر، و لذا قيل بأنه بدون التمكن من إقامتهما لا يجوز التولي إلّا باكراهه عليها أو اضطراره في القبول.
لكن لا يخفى انّ ذلك بإطلاقه يقتضي حرمة الولاية من قبلهم، كما ربما يشعر به ما في كلمات شيخنا العلّامة في مكاسبه، حيث التزم بحرمة جعل الشخص نفسه من عمّال الظلمة، على وجه يدخل في مناصبهم، و يكتب اسمه في دواوينهم (1).
و يؤيده أيضا ما في رواية تحف العقول من جعل ولاية الشخص من قبل
1) المكاسب: 55.
الجائر من المكاسب المحرمة، بعنوانه الخاص، مع قطع النظر من حيث عنوان الإعانة على الإثم و معونة الظالم (1).
و لا يرد النقض بولاية علي بن يقطين و ابن بزيع، لإمكان اقتضاء مصالح كانت أهم من مفسدة الولاية عن قبلهم، بحسب أمر الإمام لهم بذلك، و وعدهم بالثواب الجزيل حتى في بعضها: «إن بيوت هؤلاء تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، فكن يا محمد أنت منهم» (2).
و حينئذ فما لم يعلم تمكنه من اجراء المعروف مهما أمكن بتوسط الولاية المذكورة، فمقتضى قاعدة التزاحم عدم جواز الاقدام لقبولها، لأنّ العقل مستقل بعدم جواز تفويت المصلحة المتيقنة باحتمال وجود المزاحم. و به يمتاز عن باب التعارض و التخصيص، فإنّ المرجع في الشبهة المصداقية، مع عدم العلم بالحالة السابقة، هي البراءة كما هو ظاهر.
و إلى ذلك نظر في المنتهى حيث أفاد بأنه لا يجوز التولي المزبور إلّا مع العلم بالتمكن بسببه من اقامة المعروف (3).
نعم لو أكره على الولاية المحرّمة جاز، ما لم يستلزم ذلك ضررا على الغير، لان عمدة المدرك فيه عموم رفع الإكراه و الاضطرار، غير الجاري في مورد يستتبع خلاف الامتنان في حق الغير.
اللهم إلّا أن يدّعى- بتنقيح المناط- إجراء أخبار التقية في غير الدم، و كذا إجراؤها في مطلق الإكراه عن قبل الغير.
لكن إثبات ذلك في غير مورد إلزام الجائر، المستتبع للتقية عنهم، في غاية الإشكال، فالمتيقن ثبوته هو في مورد التقية عنهم للنصوص السابقة.
و أما في غيره فلا بد أن تجري فيه قواعد الإكراه و نفي الضرر، و ربما يختلف ذلك بكيفية توجه الضرر- بدوا- إليه أو الى غيره، حيث التزموا بجواز الارتكاب في الثاني دون الأول، نظرا إلى عدم لزوم صرف الضرر عن نفسه بتوجهه إلى الغير.
و عمدة النكتة فيه عدم لزوم خلاف امتنان على الغير من قبل ارتكابه في الأول، لأنّ المفروض انّ الضرر من الغير متوجه إليه، فلا يكون عمله إضرارا له من قبله، كي لا يشمل مثله العمومات الامتنانية، بخلافه في الفرض الثاني، و هو ظاهر.
و بعد مشروعية عمله بالإكراه عليه يجتهد مهما أمكن في إنفاذ الحكم بالحق و اقامة المعروف، للزوم الفرار- مهما أمكن- عن الحكم بغير ما أنزل اللّٰه، و عن ترك اقامة المعروف، و الزجر عن المنكر، و وجه الجمع واضح.
بقي في المقام مطلب- هي خاتمة للمرام- و هو انّ الظاهر من إطلاق النصوص و الكلمات وجوب الأمر بالمعروف بالنسبة إلى المعاملات و العبادات، و حينئذ فربما تجيء الشبهة في الثاني، بأن صحة الأمر من الآمر إنما هي في صورة صلاحيته للدعوة، و به يشهد أيضا ما في النصوص من التعليل باستقامة الفرائض، و لازم دعوة هذا الآمر في العبادة كونها مأتية بداعي أمر غيره تعالى، فلا يكون مخلصا في عمله، فتبطل، فيستحيل حينئذ الأمر المزبور، لاستحالة دعوته إلى المعروف.
و ربما أوردوا مثل هذه الشبهة في النيابة في العبادة، بتقريب أنّ متعلّق الإجارة لا بد أن يكون قابلا لأن يؤتى به بعنوان الوفاء بعقد إجارته، و مثل العبادات يستحيل أن يؤتى بها بمثل هذا العنوان، المستتبع لعدم الخلوص في
العبادة، بل و لانغراس مثل هذه الشبهة في الأذهان، صار منشأ التزامهم بإضرار الرياء بالخلوص، و لو بنحو الداعي على الداعي.
و توهم الاكتفاء في المقام بهذا المقدار من العبادة الصورية، كالاكتفاء في باب الزكاة أيضا بصرف الأخذ من الممتنع بلا قربة، مدفوع بمنع صحة المقايسة، لإمكان دعوى أنّ في الزكاة جهة حق الناس، فلا يسقط بمحض عدم القربة من الممتنع، بخلاف غيرها، الذي لا يكون في البين إلّا حق الباري تعالى، المتعلق بعبوديته، المنوط بقربية عمله، مع إمكان دعوى انّ الحاكم ولي الممتنع، فهو يتولّى القربة، لأنها شأن من يعيّن الزكاة في مال عزلا أو أداء، و هذا الشأن في صورة الامتناع يكون للحكام أو السعاة، فهم المتولون للنية أيضا، و هذا بخلاف ما في سائر العبادات، حيث لا تكون في البين جهة مالية، و تعيين حق، لتكون ولاية للغير، فلا يكون المتكفل للقربة إلّا العامل.
و حينئذ فلا محيص في دفع الشبهة في المقام إلّا عن الالتزام بعدم إضرار الدواعي الطولية في الخلوص. إذ المعتبر منه عدم دعوة شيء غير أمر اللّٰه في عرضه لا مطلقا. و يؤيده انتهاء أمر الداعي- في غالب العبادات بنحو الطولية- إلى غير داعي اللّٰه.
و توهم انّ الآثار المترتبة من قبله تعالى و داعويتها على العمل، غير مضرة بالخلوص مدفوع بأنّ لازمة عدم الإضرار و لو كانت داعوية الآثار في عرض داعوية الأمر، و لا أظن التزامه من أحد، فيكشف ذلك عن أنّ ما هو مضر من غير دواعي القربة عرضا، غير مضر بالعبادة طولا.
و بمثل هذا البيان يمكن التخلص عن شبهة عدم الخلوص في النيابة في العبادة.
مع إمكان دعوى اخرى فيها، بأن المعتبر في صحة العبادة صدورها عمن
له العبادة خالصا، و في المقام يصدق عليه الخلوص من تلك الجهة، و إن كان من حيث إضافته إلى النائب غير خالص، و كان بداعي الوفاء بالإجارة.
ففي الحقيقة منشأ حل الإشكال في باب النيابة هو التفكيك بين الفعل، من حيث إضافته إلى المنوب عنه و إلى النائب، لا التفكيك بين المصدر و اسم المصدر، على ما قرع سمعي من بعض المعاصرين.
نعم هنا اشكال آخر في أصل قربية العمل للمنوب عنه بفعل النائب، بأنّ منشأها أي جهة؟ و هي جهة أخرى من الإشكال كالإشكال في جهة أخذ الأجرة على ذلك و دفع كل منهما موكول إلى محله، و المناسب للمقام هو اشكال الخلوص بالتقريب المزبور، و دفعه ليس إلّا بأحد الوجهين المذكورين، فتفكر فيهما و تدبّر.
و الحمد للّٰه أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.
حرره الأحقر ضياء الدين محمد العراقي.
و قد حصل الفراغ من الكتابة على الأوراق التي زينها المصنف- دام ظله- بعبارات لطيفة و فوائد جليلة، قل من اطلع عليها ممن له أهلية النظر في تمييز لآليها الدرر، يوم الأربعاء، الحادي عشر من شهر رجب، سنة احدى و أربعين بعد الألف و ثلاثمائة في الغرية على مشرفها آلاف التحية، بيد أقل المشتغلين، ابن محمد حسن، عبد اللّٰه التبريزي غفر لهما.