ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1419 ه.ق
ISBN (ردمك): 964--6048-14-1
المکتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الحج
تأليف: آية اللّه الشهيد السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء السابع والعشرون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
1 - 14 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لم يكن بمقدوري يوم قدر لي أن أُقدِّم كتابنا (معتمد العروة الوثقى) إلى الطبع من إصدار البحوث فيما يتعلّق بالحج كاملة في جزء واحد نظراً لسعة الموضوع وكثرة مسائله.
إنّ هذه الكثرة وهذه التوسعة في مسائل الحج هي التي كانت مثار عجب واحد من كبار الرواة المختصّين بالإمام الصّادق (عليه السلام) وهو زرارة حيث تصدّى للسؤال منه عن ذلك.
فقال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلني اللّه فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاما فتفتيني ، فأجابه الإمام بما يزيل عنه هذه الحيرة قائلاً :
«يا زرارة بيت حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاما» (1).
لذلك كان لا بدّ لي من ترتيب الكتاب على الإخراج بأجزاء ثلاثة ، وقد وفّقني اللّه سبحانه لإصدار الجزء الأوّل منها مشتملاً على البحث من أوّل الحج إلى آخر البحث عن الحج الواجب بالنذر ، ومرّة اخرى حالفني التوفيق والحمد لله لإصدار هذا الجزء الثاني والّذي يبدأ من «البحث في النيابة بالحج».
وإلى اللّه أضرع أن يشملني بعنايته لإصدار البحوث لإكمال الفائدة وتقديم ما يجب تقديمه إلى الجامعة العلميّة المقدّسة.
انّه سميع مجيب ، وهو وليّ التوفيق.
رضا الموسوي الخلخالي
النجف الأشرف 6 شهر رمضان المبارك سنة 1405 ه
1) الوسائل 11 : 12 / أبواب وجوب الحج ب 1 ح 12.
لا إشكال في صحّة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب ، وعن الحي في المندوب مطلقاً وفي الواجب في بعض الصور (1).
[3142] مسألة 1 : يشترط في النائب أُمور :
أحدها : البلوغ على المشهور ،
(1) لا ريب في جواز الاستنابة ومشروعيتها في الحج المندوب عن المسلم ميتاً كان أو حيّاً ، وقد استفاضت النصوص في ذلك ، وهي مذكورة في باب النيابة من الحج في أبواب متفرِّقة ، كما لا إشكال في ثبوت النيابة في الواجب الأصلي عن الميت بل في المنذور على ما تقدّم وإخراجه من الثلث ، وأمّا النيابة عن الحي مع تمكّنه من أداء الواجب فلا دليل عليها بل هي على خلاف القاعدة ، لأنّ مقتضاها عدم سقوط ما وجب على شخص بفعل شخص آخر ، وإنّما تفرغ ذمّته عن الواجب إذا أتى به بنفسه فسقوطه بفعل الغير يحتاج إلى الدليل ، وقد قام الدليل في خصوص النيابة عن الحي العاجز وقد تقدّم الكلام فيه (1)، فيقع الكلام تارة في النائب وأُخرى في المنوب عنه وسنتعرّض لهما تبعاً للمتن.
1) في المسألة 72 من شرائط وجوب الحج.
فلا يصحّ نيابة الصبي عندهم وإن كان مميِّزاً (1) ، وهو الأحوط ، لا لما قيل من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة ، لأنّ الأقوى كونها شرعيّة ، ولا لعدم الوثوق به
(1) أمّا النائب فقد اعتبروا فيه أُموراً وهي أوّلاً : البلوغ. ويقع الكلام تارة في غير المميِّز وأُخرى في المميِّز.
أمّا غير المميز فلا ريب في عدم صحّة نيابته لعدم تحقّق القصد منه في أفعاله وأعماله ، وحاله من هذه الجهة كالحيوانات.
وأمّا الصبي المميِّز فالمشهور عدم صحّة نيابته ، واستدلّوا بأمرين :
الأوّل : عدم صحّة عبادته وعدم مشروعيتها ، وبتعبير آخر : عباداته ليست عبادة في الحقيقة لتقع عن الغير وإنما هي تمرينية.
وفيه : ما ذكرناه غير مرّة من أن عبادة الصبي مشروعة ، ولا فرق بينها وبين عبادة البالغين إلّا بالوجوب وعدمه.
الثاني : عدم الوثوق بعمله لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه.
وفيه : أن بين الوثوق والبلوغ عموماً من وجه ، وغير البالغ كالبالغ في حصول الوثوق به وعدمه فالدليل أخصّ من المدعى ، فلا فرق بين البالغ وغيره من هذه الجهة ، ولذا لا ينبغي الرّيب في استحباب نيابة الصبي في الحج كما يستحب لغيره من البالغين ، نعم لو كانت النيابة بالإجارة فحينئذ تتوقّف على إذن الولي من باب توقّف معاملاته على إذنه وعدم استقلاله فيها.
ويظهر من المصنف (قدس سره) توقف صحّة حجّه على إذن الولي مطلقاً ، سواء كان عن إجارة أو تبرّع ، وليس الأمر كذلك ، لأنّ المتوقف على إذن الولي إنما هو معاملاته من العقود والإيقاعات لا عباداته وسائر أفعاله غير العقود والإيقاعات.
والصحيح أن يقال : إن نيابة الصبي في الحج الواجب بحيث توجب سقوط الواجب عن ذمّة المنوب عنه غير ثابتة ، وتحتاج إلى الدليل ولا دليل ، بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمّة المنوب عنه بالواجب وعدم سقوطه عنه بفعل الصبي وإن كانت عباداته شرعيّة ، فإن عدم فراغ ذمّة المنوب عنه لا ينافي شرعية عبادات الصبي ، إذ لا ملازمة
.................................................................................................
بين شرعيّة عباداته وسقوط الوجوب عن ذمّة المنوب عنه.
والحاصل : مقتضى الأصل عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بفعل الغير إلّا إذا ثبت بالدليل ، ولا دليل على تفريغ ذمّة المكلف بفعل الصبي وإن كان فعله صحيحاً في نفسه ، نظير ما ذكرناه في صلاة الصبي على الميت فإنّها لا توجب سقوط الصلاة عن المكلّفين ، فلا بدّ من النظر إلى الأدلّة والروايات الواردة في باب النيابة ، فقد ورد في جملة منها لفظ «الرجل» (1)وهو غير شامل للصبي ، ولذا استشكلنا في نيابة المرأة عن الرجل الحي ، ودعوى أن ذكر الرجل من باب المثال عهدتها على مدّعيها.
وأمّا في النيابة عن الأموات فقد وردت نيابة المرأة عن الرجل وبالعكس ، وكذا نيابة المرأة عن المرأة كما في صحيح حكم بن حكيم ، قال (عليه السلام) : «يحج الرّجل عن المرأة والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة» (2)وأمّا الرجل عن الرجل فلم يذكر فيه لوضوحه ، فيعلم من هذه الرواية من جهة استقصاء موارد النيابة فيها أن النيابة تنحصر في هذه الموارد ، فكأن المغروس في ذهن السائل شبهة وهي احتمال اتحاد الجنس بين النائب والمنوب عنه ، ولذا حكم (عليه السلام) بجواز النيابة في هذه الموارد المشتبهة المحتملة عند السائل ، وحيث إنه (عليه السلام) في مقام البيان تنحصر موارد جواز النيابة في الموارد المذكورة ، ولم يذكر الصبي في الرواية ، وأمّا نيابة المرأة عن الرجل الحي فلا نلتزم بها أيضاً للروايات الدالّة على أنّ الحي يبعث رجلاً صرورة إلى الحج (3).
والحاصل : أنّ النيابة على خلاف القاعدة والاكتفاء بفعل النائب على خلاف الأصل فلا بدّ من الاقتصار على مقدار ما دلّ الدليل عليه وفي غيره فالمرجع هو الأصل ، ولم يقم أي دليل على جواز نيابة الصبي والاكتفاء بفعله في الواجبات الثابتة على ذمّة الغير.
.................................................................................................
أمّا عبادات الصبي نفسه فتارة في مورد الواجبات وأُخرى في مورد المستحبّات أمّا في مورد الواجبات فشرعيتها بالنسبة إليه في خصوص الصلاة والصوم والحج ثابتة ، للنصوص الخاصّة كقولهم (عليهم السلام) : «إنا نأمر صبياننا بالصّلاة فمروا صبيانكم بالصّلاة» (1)وذكرنا في محله أن الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء (2). ونحوه ورد في الصوم «فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم» كما في صحيح الحلبي (3)وكذلك الروايات الآمرة بإحجاج الصبيان (4).
وأمّا في موارد المستحبات كصلاة الليل وصلاة جعفر وغيرهما من المستحبات فشرعيّتها للصبيان لا تحتاج إلى دليل خاص ، بل يكفي نفس إطلاق أدلّة المستحبات فإنه يشمل البالغين وغيرهم ، ومن ذلك إطلاق استحباب النيابة فإنه يشمل الصبي أيضاً ، فإن النيابة عن الغير في نفسها مستحبة كما في جملة من الأخبار (5).
بل ربّما يقال بأن إطلاق أدلّة الواجبات يشمل الصبيان نظير إطلاق أدلّة المستحبات ، غاية الأمر يرتفع الوجوب لحديث رفع القلم (6)ويبقى أصل المطلوبية والرجحان ، ويرد بأن الوجوب أمر وحداني بسيط إذا ارتفع يرتفع من أصله ، وليس أمراً مركّباً ليرتفع أحد جزئية بحديث رفع القلم ويبقى الآخر.
ثمّ إنه قد ورد في خصوص نيابة الحج عن الميت ما يشمل بإطلاقه الصبي كما في معتبرة معاوية بن عمّار «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما يلحق الرّجل بعد موته فقال ... والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلِّي ويصوم عنهما» (7)فإن الولد يشمل غير البالغ أيضاً.
1) الوسائل 4 : 23 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 وغيره.
2) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 76.
3) الوسائل 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 وغيره.
4) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحج ب 17.
5) الوسائل 11 : 196 / أبواب النيابة في الحج ب 25.
6) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 11 ، 12.
7) الوسائل 2 : 445 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 6.
لعدم الرّادع له من جهة عدم تكليفه ، لأنه أخص من المدعى بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة ، خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرّجل ولا فرق بين أن يكون حجّة بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الولي أو عدمه وإن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحج المندوب بإذن الولي.
الثاني : العقل ، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد ، مطبقاً كان جنونه أو أدوارياً في دور جنونه (1) ، ولا بأس بنيابة السفيه.
وأمّا نيابته عن الحي فيدلّ عليها بالخصوص رواية يحيى الأزرق ، قال (عليه السلام) : «من حج عن إنسان اشتركا» (1)فإن إطلاق قوله «من حج» يشمل الصبي والظاهر من قوله «عن إنسان» هو الحي ، والمستفاد من الرواية أن كل من ناب عن إنسان حي سواء كان النائب بالغاً أو غيره اشترك في الثواب والأجر ، ولكن الكلام في سند هذه الرواية ، فإن يحيى الأزرق مردد بين يحيى بن عبد الرحمن الثقة الذي هو من مشاهير الرواة وله كتاب وبين يحيى بن حسان الكوفي الأزرق الذي لم يوثق.
وربّما يقال : إن يحيى الأزرق المذكور في أسانيد الفقيه منصرف إلى يحيى بن عبد الرحمن لشهرته ، ويبعّده أن الشيخ ذكر يحيى الأزرق مستقلا في قبال يحيى بن عبد الرحمن ويحيى بن حسان (2)فيعلم من ذلك أنه شخص ثالث لم يوثق ، ولا قرينة على انصرافه إلى يحيى بن عبد الرحمن الثقة فالرواية ضعيفة ، ولكن يكفينا في صحّة نيابة الصبي عن الحي في المستحبات إطلاق أدلّة النيابة (3).
(1) فإنه كالحيوان من هذه الجهة ، وأمّا نيابة السفيه فلا إشكال فيها لإطلاق الأدلّة وتحقق القصد منه ، والحجر عليه في أمواله وتصرفاته المالية لا يمنع عن الأخذ بالإطلاق لعدم المنافاة بينهما.
الثالث : الإيمان ، لعدم صحّة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة ، ودعوى أن ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى (1).
(1) إذا كان عمل غير المؤمن فاقداً لجزء أو شرط من الأجزاء والشرائط المعتبرة عندنا فلا كلام في عدم الإجزاء ، لأنّ العمل الباطل في حكم العدم ، وإنما يقال بإجزاء عمل النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحاً ، وإلّا فلا ريب في عدم الاجتزاء به وإن كان النائب مؤمناً ، ولعلّ الوجه في عدم تعرض الأكثر لذكر الشرط المذكور هو بطلان عمل المخالف في نفسه ، ومورد النيابة هو العمل الصحيح فلا يستفاد من عدم تعرّضهم لهذا الشرط عدم اعتبار الإيمان في النائب كما توهّم.
وأمّا إذا فرضنا أنّه أتى بعمل صحيح في نفسه واجد لجميع الشرائط والأجزاء المعتبرة عندنا وتمشى منه قصد القربة ، كما إذا رأى المخالف صحّة العمل بمذهب الحق وإن كان ذلك بعيداً جدّاً خصوصاً في أعمال الحج المشتمل على أحكام كثيرة ، إذ لا أقل من بطلان وضوئه فلا تصحّ نيابته أيضاً للأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الإيمان والولاية في قبول الأعمال وصحّتها وبطلان العبادة بدون الولاية (1).
ودعوى أن الأخبار ناظرة إلى أعمال نفسه ومنصرفة عن العمل عن الغير على وجه النيابة ، ممنوعة بما ذكرنا غير مرّة أن النائب يتقرّب بالأمر المتوجه إلى نفسه فهو مأمور بالعمل لأجل تفريغ ذمّة الغير.
وبعبارة اخرى : العمل الصادر من النائب يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه ، فإذا فرضنا أن عمله غير مقبول فكيف يوجب سقوط الأمر عن الغير ، فإن السقوط عن ذمّته في طول الأمر المتعلِّق بالنائب ، فلا بدّ أن يكون الأمر المتعلِّق أمراً قربياً ومقبولاً في نفسه وإلّا فلا يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه لعدم تحقق موضوعه.
والحاصل : أن مقتضى القاعدة الأولية عدم سقوط الواجب عن ذمّة المكلف إلّا
1) الوسائل 1 : 118 / أبواب مقدّمة العبادات ب 29 ، جامع أحاديث الشيعة 1 : 426 أبواب مقدّمة العبادات ب 19 ، المستدرك 1 : 149 / أبواب مقدّمة العبادات ب 27.
الرابع : العدالة أو الوثوق بصحّة عمله (1)، وهذا الشرط إنّما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله (1).
بمباشرته ، وإنما يسقط عن ذمّته في بعض الأحيان بإتيان العمل من شخص آخر كالنائب للنصوص ، وموضوع ذلك إنّما هو العمل القربي الصادر عن النائب ، وإلّا فلا موجب لسقوط الواجب عن ذمّة المكلف.
هذا وقد يستدل لاعتبار الإيمان في النائب بما رواه السيّد ابن طاوس عن عمّار «في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز له أن يقضيه غير عارف؟ قال (عليه السلام) : لا يقضيه إلّا مسلم عارف» (2)ولكن الرواية ضعيفة لا للجهل بالوسائط بين السيّد وعمّار ، لأنّ السيّد لم يرو هذه الرواية عن عمّار ابتداء ليقال بجهل الوسائط بينه وبين عمّار ، وإنّما يرويها عن كتب الشيخ وطريقه إلى كتبه صحيح ، كما أن طريق الشيخ إلى عمّار صحيح أيضاً (3)بل منشأ الضعف أن هذه الرواية غير مذكورة في كتب الشيخ ، فطريق السيّد إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم فتصبح الرواية ضعيفة لأجل ذلك.
(1) لا يخفى أن هذا الشرط كما ذكره المصنف إنما يعتبر في جواز الاستنابة وصحّة إجارته لا في صحّة عمله ، إذ لا ريب في الاجتزاء والاكتفاء بعمل النائب إذا أتى به صحيحاً ولو كان فاسقاً ، فالظاهر هو اعتبار الوثوق بصدور العمل منه ، وتكفي في إحراز الصحّة أصالة الصحّة ولا يلزم إحرازها بالوثوق أو بأمارة اخرى. وبالجملة : لو أحرزنا صدور العمل منه أو حصل لنا الوثوق بصدوره منه وشك في صحّته وفساده يجتزئ به لأصالة الصحّة ، فالوثوق إنما يعتبر في صدور العمل منه.
وهل يكتفى بقوله أم لا؟ وجهان. قد يقال بحجية قوله للسيرة على قبول خبر النائب في أداء العمل ، ويضعّف بأنه لا يعلم جريان سيرة المتشرعة على ذلك بحيث
الخامس : معرفته بأفعال الحج وأحكامه وإن كان بإرشاد معلم حال كلّ عمل (1).
السادس : عدم اشتغال ذمّته بحج واجب عليه في ذلك العام ، فلا تصحّ نيابة من وجب عليه حجّة الإسلام أو النذر المضيّق مع تمكّنه من إتيانه ، وأمّا مع عدم تمكّنه لعدم المال فلا بأس (2) ،
يسمع إخبار النائب وإن لم يتحقق الوثوق بصدقه ، وأمّا قاعدة من ملك المستفادة من السيرة فإنما تجري في الأُمور الاعتبارية لا في الأُمور التكوينية الخارجية ، نظير إخبار الزوج بطلاق زوجته أو بعتق عبده أو ببيع داره ونحو ذلك من الأُمور الاعتبارية فلا يطالب بالبيِّنة كما لا يعتبر الوثوق بكلامه ولا العدالة ، وأمّا الأُمور التكوينية الخارجية فلا تثبت بمجرّد إخبار من بيده الأمر كإخبار النائب بإتيان العمل بل لا بدّ من الإثبات ، ويكفي حصول الوثوق بصدور العمل منه ، وحينئذ لو شك في أنّه هل أتى به صحيحاً أم لا ، يحمل على الصحّة لأصالة الصحّة.
(1) يقع الكلام تارة في عمل النائب وأُخرى في الاستئجار والنيابة.
أمّا الأوّل : إذا ناب عن الغير تبرعاً وكان جاهلاً بالأحكام ولكن نفرض أنّه يتعلّم من مرشد أثناء العمل تدريجاً فلا ريب في صحّة عمله ، كما إذا أتى بالحج عن نفسه بإرشاد عارف بالأحكام تدريجاً وتعليم منه. والحاصل : إذا كان العامل جاهلاً بالأفعال والأحكام ونوى العمل إجمالاً على ما هو عليه وشرع فيه ولكن في الأثناء يتعلم من المرشد تدريجاً ، فلا ريب في صحّة عمله سواء كان العمل لنفسه أو عن الغير لعدم نقص في عمله ، ولا موجب للبطلان بعد كونه واجداً لجميع ما يعتبر فيه.
وأمّا الثاني : فالظاهر عدم صحّة إجارته واستنابته للجهل بمتعلق الإجارة ، لأنّ المفروض أنه يؤجر نفسه للحج وهو جاهل به فتكون الإجارة غررية ، فلا بدّ أن يكون عارفاً وعالماً بمقدار يخرجه عن الغرر كما هو الحال في إجارة سائر الأعمال والأفعال.
(2) هذا الشرط أيضاً لصحّة الاستنابة والإجارة لا لصحّة الحج الصادر منه ، فيقع
فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحج لنفسه بطل على المشهور ، لكن الأقوى أن هذا الشرط إنّما هو لصحّة الاستنابة والإجارة وإلّا فالحج صحيح وإن لم يستحق الأُجرة (1)، وتبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه ، مع أن ذلك على القول به وإيجابه للبطلان إنّما يتمّ مع العلم والعمد وأمّا مع الجهل (2)والغفلة فلا ، بل الظاهر صحّة الإجارة أيضاً على هذا التقدير ، لأنّ البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه حيث إنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لأنّه قادر شرعاً.
الكلام في مقامين :
أحدهما : في صحّة العمل والحج الواقع منه.
ثانيهما : في صحّة الإجارة.
أمّا الأوّل : فالحج الصادر منه صحيح ، لأنّ هذه المسألة من صغريات باب التزاحم للتضاد بين الحجّين ، الحج الثابت في ذمّته والحج النيابي ، ولا يمكن الجمع بينهما في سنة واحدة ، وحيث إنه يجوز الأمر بالضدّين على نحو الترتب ، بمعنى أنه يؤمر أوّلاً بالحج عن نفسه وعلى تقدير الترك أو العصيان يؤمر ثانياً بالحج عن الغير فيحكم بصحّة الحج الصادر منه على وجه النيابة بالأمر الترتبي.
وأمّا المقام الثاني : فالظاهر بطلان إجارته ولا يمكن تصحيحها بالترتّب ، لأنّ متعلق الإجارة إن كان مطلقاً فالحكم بصحّتها ووجوب الوفاء بها يستلزم الأمر بالضدّين ، إذ المفروض أن الأمر بالحج عن نفسه مطلق ومتحقق بالفعل ، كما أن الأمر الإجاري على الفرض مطلق فإمضاؤه شرعاً يستلزم الأمر باجتماع الضدّين ، وأمّا إمضاؤه معلقاً على ترك الحج عن نفسه فهو وإن كان ممكناً إلّا أنه لم ينشأ ، فما أُنشئ غير قابل للإمضاء وما هو قابل له لم ينشأ ، وإن كان متعلِّق الإجارة مقيّداً ومعلقاً
[3143] مسألة 2 : لا يشترط في النائب الحرية ، فتصحّ نيابة المملوك بإذن مولاه ولا تصحّ استنابته بدونه ، ولو حج بدون إذنه بطل (1).
على ترك الحج عن نفسه فيبطل عقد الإجارة للتعليق المجمع على بطلانه ، وعليه فلا يستحق النائب اجرة المسمّى ، نعم لا ريب في استحقاقه اجرة المثل بناء على القاعدة المعروفة كلّ شيء يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
ثمّ إنّ بطلان الحج النيابي على القول به لا بدّ من تخصيصه بحال العلم والعمد ، أعني فيما إذا كان الأمر بحج الإسلام منجزاً ، كما إذا كان عالماً بوجوب الحج وكان له مال يتمكّن معه من الحج ويتركه ، أو كان جاهلاً به جهلاً غير عذري ، وأمّا إذا كان معذوراً فلا مانع من الأمر بالضدّ الآخر ، فإن الأمر الواقعي غير منجز والمانع إنّما هو الأمر المنجز ، وكذا لو لم يتمكّن من الحج عن نفسه أصلاً ، فإنّ مجرّد اشتغال الذمّة واقعاً غير مانع عن الأمر بالضد الآخر.
وأظهر من ذلك مورد الغفلة الذي يوجب سقوط الأمر بالأهم بالمرّة ، إذ لا مانع من فعلية الأمر بالضد الآخر حينئذ.
وبذلك يظهر الحال في صحّة الاستئجار مع عدم تنجز وجوب الحج عليه ولو من جهة الجهل إذا كان معذوراً ، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة مفصلاً في المسألة العاشرة بعد المائة من شرائط وجوب الحج (1).
(1) لا تعتبر الحرية في النائب بعد كونه مؤمناً عارفاً بالحق ، لإطلاق الأدلّة والعبودية غير مانعة ، نعم تحتاج نيابته إلى إذن المولى ولا تصح بدونه للحجر عليه المستفاد من قوله تعالى ( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) (2)وكذلك استئجاره ، نعم لا بأس بالإجازة اللاحقة كما هو الحال في نكاحه ، لأنه لم يعص اللّه وإنما عصى سيّده كما في النص (3).
[3144] مسألة 3 : يشترط في المنوب عنه الإسلام ، فلا تصح النيابة عن الكافر (1)لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه ، لمنعه وإمكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه ، بل لانصراف الأدلّة ، فلو مات مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لا يجب عليه استئجاره عنه ، ويشترط فيه أيضاً كونه ميتاً أو حياً عاجزاً في الحج الواجب فلا تصحّ النيابة عن الحي في الحج الواجب إلّا إذا كان عاجزاً ، وأمّا في الحج الندبي فيجوز عن الحي والميت تبرعاً أو بالإجارة (1).
(1) يقع الكلام تارة في المشرك وأُخرى في غيره من أصناف الكفّار ، أمّا المشرك أو من هو أعظم منه كالملحد فلا ريب في عدم جواز النيابة عنهم مطلقاً في الواجبات والمندوبات ، لعدم قابلية التقرب بالنسبة إليهم وقد قال اللّه تعالى ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ) (2)، فهم غير قابلين للغفران وإنّما هم كالحيوان ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ* ) (3)، فكما لا تجوز النيابة عن الحيوان كذلك عن المشرك.
وأمّا غير المشرك من أصناف الكفار كاليهود والنصارى بل المجوس بناء على أنهم من أهل الكتاب فيقع البحث فيه في موردين :
أحدهما : في لزوم النيابة عنه في الحج الواجب إذا كان الوارث مسلما.
ثانيهما : في النيابة عنه في الحج الندبي سواء كان ميتاً أو حيا.
أمّا الأوّل : فإن قلنا بعدم تكليف الكافر بالفروع كما هو المختار فالأمر واضح لعدم كون الحج واجباً عليه ليستناب عنه فلا موجب لإخراج الحج من التركة ، وإن قلنا بأنهم مكلفون بالفروع كما هو المشهور فأدلّة وجوب النيابة منصرفة عن الكافر لأنّ الظاهر من الأسئلة الواردة في روايات النيابة إنما هو السؤال عمّن يتوقّع منه الحج
.................................................................................................
ولم يحج ، فإن قول السائل : «مات ولم يحج ولم يوص» (1)ونحو ذلك ينصرف إلى المسلم ولا يشمل الكافر الذي لا يتوقّع منه الحج ، بل لا يبعد جريان السيرة على عدم الاستنابة للكافر من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لأنّ كثيراً من المسلمين كان أبواهم من الكفّار خصوصاً في أوائل الإسلام ، ولم يعهد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أو أحداً من الأئمة (عليهم السلام) يأمرهم بالنيابة عن والديهم.
وأمّا الثاني : وهو النيابة عنه في المندوبات سواء كان حيّاً أو ميتاً فيشكل عدم جواز النيابة عنهم ، إذ لا مانع من الإحسان إليهم بالحج كما لا مانع من الإحسان إليهم بالصدقات والأعمال الخيرية ، لإمكان تقرّب الكافر ولو بالتخفيف في عقابه وعذابه هذا فيما إذا لم يكن معانداً لأهل البيت (عليهم السلام) كالكثير منهم خصوصاً المستضعفين منهم بل بعضهم يوالي أهل البيت (عليهم السلام) ، وأمّا إذا كان معانداً فيدخل في الناصب الذي لا يحجّ عنه إلّا إذا كان أباً للنائب كما في النص (2).
وربّما يتوهّم أنّ الناصب إذا لم تصح النيابة عنه مع كونه مسلماً بحسب الظاهر لاعتقاده النبوّة فلا تصحّ من الكافر أيضاً بطريق أولى ، لأنه ممّن حادّ اللّه ورسوله.
وفيه : أن الناصب المعاند لا ريب في كونه أخبث وأشد بعداً من اللّه تعالى ، وقد ورد في النص الصحيح أنّ الناصب لنا أهل البيت شرّ من اليهود والنصارى والمجوس (3).
وبالجملة : إن تمّ انصراف أدلّة النيابة عن الكافر فهو ، والأصل عدم مشروعية النيابة عنه ، لأنّ الفعل الصادر من النائب على وجه النيابة عن الكافر عبادة نشك في مشروعيتها والأصل عدمها ، وإن لم يتم الانصراف كما لا يبعد فلا بأس بجواز النيابة عنه لإمكان انتفاعه ولو بالتخفيف في عقابه في الآخرة.
[3145] مسألة 4 : تجوز النيابة عن الصبي المميز والمجنون (1)بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثمّ مات مجنونا (1).
[3146] مسألة 5 : لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأُنوثة ، فتصحّ نيابة المرأة عن الرّجل كالعكس ، نعم الأولى المماثلة (2).
(1) أمّا جواز النيابة عن الصبي المميز فلعدم قصور في أدلّة النيابة بالنسبة إليه وعدم شمول التكليف له لا يمنع من شمول إطلاق أدلّة النيابة له ، وأمّا المجنون فإن استقر عليه الحج حال إفاقته ثمّ مات مجنوناً فيجب الاستئجار عنه ، لأنّ الحج صار ديناً عليه ، والجنون لا يسقط دينه وإنما يوجب سقوط مباشرته بنفسه بالأداء ، نعم صحّة النيابة عن المجنون في غير فرض الاستقرار لا تخلو عن إشكال.
(2) لا خلاف في الجملة في عدم اعتبار المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الجنس وإن وقع الخلاف في الصرورة ، وأمّا النصوص الدالّة على عدم اعتبار المماثلة وجواز الاختلاف في الجنس فكثيرة وفيها روايات معتبرة :
منها : صحيح حكم بن حكيم «يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة» (2)، ولم يذكر فيه نيابة الرجل عن الرجل لوضوحها.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «الرجل يحج عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل؟ قال : لا بأس» (3).
وبإزائها موثقة عبيد بن زرارة قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه هل يجزئ عنه امرأة؟ قال : لا ، كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟ قال : إنما ينبغي أن تحجّ المرأة عن المرأة والرّجل عن الرّجل وقال : لا بأس أن يحج الرجل عن المرأة» (4)، وصدرها وإن كان يدل على المنع إلّا أن ذيلها
[3147] مسألة 6 : لا بأس باستنابة الصرورة (1)رجلاً كان أو امرأة عن رجل أو امرأة ، والقول بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقاً أو مع كون المنوب عنه رجلاً ضعيف ، نعم يكره ذلك خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل (1).
يدلّ على استحباب المماثلة وجواز الاختلاف لقوله : «إنما ينبغي» ، فإن كلمة «ينبغي» إن لم ترد عليها حرف النفي تدل على المدح والمحبوبية فيحمل عدم الإجزاء في الصدر على الأفضلية. وأمّا الرواية فهي معتبرة سنداً وإن كان طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيفاً بعليّ بن محمّد بن الزبير على ما ذكرنا تفصيله في محلّه (2).
(1) أمّا المرأة الصرورة (3)فقد صرّح الشيخ في المبسوط (4)بعدم جواز حجّها عن الرجال ولا عن النساء ، كما أنه أطلق المنع في النهاية (5)في نيابة المرأة الصرورة ، لخبر علي بن أحمد بن أشيم عن سليمان بن جعفر ، قال : «سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة ، فقال : لا ينبغي» (6)بناء على أنّ قوله «لا ينبغي» يدل على المنع كما استظهرنا ذلك ، لما ذكرنا غير مرّة أن «لا ينبغي» معناه أنه لا يتيسّر له وهو معنى الحرمة والمنع ، فإذا كانت نيابتها عن المرأة ممنوعة كما في الخبر فنيابتها عن الرجل أولى بالمنع ، ولكن الخبر ضعيف بابن أشيم.
وكذلك منع عن نيابة المرأة الصرورة عن الرجل في الاستبصار (7)واستدل له بعدّة
1) (*) بل الأحوط في الاستنابة عن الرجل الحي أن يكون النائب رجلاً وصرورة.
2) معجم رجال الحديث 13 : 150.
3) رجل صرور وصرورة رجل لم يحج ، وقيل لم يتزوج. امرأة صرورة لم تحج. أقرب الموارد 1 : 643.
4) المبسوط 1 : 326.
5) النهاية : 280.
6) الوسائل 11 : 178 / أبواب النيابة في الحج ب 29 ح 3.
7) الاستبصار 2 : 323.
.................................................................................................
من الروايات كلها ضعيفة :
منها : خبر مصادف «في المرأة تحج عن الرجل الصرورة؟ فقال : إن كانت قد حجّت وكانت مسلمة فقيهة فربّ امرأة أفقه من رجل» (1)، فإن مفهومه يدل على المنع عن نيابتها إذا كانت صرورة ولم تحج ، والخبر ضعيف بمصادف وسهل بن زياد.
ومنها : خبر آخر لمصادف «أ تحجّ المرأة عن الرجل؟ فقال : نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت ، ربّ امرأة خير من رجل» (2)، ودلالته على المنع أيضاً بالمفهوم كالخبر المتقدّم ولكنّه ضعيف أيضاً بمصادف.
ثمّ إنه في الوسائل في الطبعة الحديثة ذكر سند الخبر الثاني هكذا : وعنه أي عن موسى بن القاسم وعن الحسين (الحسن) اللّؤلؤي عن الحسن بن محبوب عن مصادف. ولا يخفى أن حرف الواو في قوله وعن الحسين زائدة ، والصحيح عن الحسن بلا تقديم الواو كما في التهذيب الجديد (3)والاستبصار (4)، والراوي عن الحسن بن محبوب هو الحسن اللّؤلؤي كما في التهذيب والاستبصار لا الحسين فإنّه والد الحسن اللّؤلؤي والحسن اللّؤلؤي ضعيف لتضعيف ابن الوليد وابن نوح والصدوق له فلا يفيد توثيق النجاشي حينئذ (5).
ومنها : خبر زيد الشحام «يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ولا تحجّ المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة» (6)، ودلالته على المنع واضحة ولكنّه ضعيف سنداً بمفضل وهو أبو جميلة الكذاب.
فتحصل : أنه لا دليل على منع نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة أو الرجل الصرورة ، وما دلّ على ذلك من الروايات ضعيف ، بل مقتضى إطلاق أدلّة النيابة
.................................................................................................
جواز نيابة المرأة مطلقاً عن الرجل ، ولا مقيد في البين إلّا في مورد واحد وهو النيابة عن الرجل الحي فإن اللازم كون النائب عنه رجلاً صرورة ، وأمّا نيابة المرأة عنه فمشكلة وكذا نيابة الرجل غير الصرورة ، وقد استوفينا الكلام في اعتبار ذلك عند شرح المسألة 72 من شرائط وجوب الحج (1).
ثمّ لا يخفى أن في بعض الروايات أو أكثرها أُخذ الصرورة في النائب والمنوب عنه وفي بعضها أُخذ الصرورة في المنوب عنه لا النائب ، ولا يبعد القول بكراهة نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة أو عن الرجل غير الصرورة كما في خبري مصادف المتقدمين (2)، وكذا كراهة نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة كما في خبر ابن أشيم المتقدّم.
وأمّا كراهة نيابة الرجل الصرورة عن رجل فلم يستبعدها في المتن ، بل استظهرها في الجواهر (3)واستدلّ بروايتين سنذكرهما قريباً إن شاء اللّه كما نذكر عدم دلالتهما على الكراهة ، بل قد تجب استنابة الرجل الصرورة فيما إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، بل ورد الأمر باستنابة الصرورة إذا كان المنوب عنه ميتاً كما في صحيح معاوية ابن عمّار «في رجل صرورة مات ولم يحجّ حجّة الإسلام وله مال ، قال (عليه السلام) : يحجّ عنه صرورة لا مال له» (4)، ورواها الشيخ بإسناد آخر صحيح أيضاً ولكن في متنها على طريقه تشويشاً ، لأنه بعد ما سُئل (عليه السلام) عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإسلام ويترك مالاً ، قال : «عليه أن يحج من ماله رجلاً صرورة لا مال له» (5). إذ لا معنى لأنّ يكون على الميت شيء ، وإنما يجب على الوصي أو الوارث الإحجاج من مال الميت لا على نفس الميت.
.................................................................................................
وكيف كان ، لا ريب في أن المستفاد من الرواية لزوم إحجاج الرجل الصرورة إذا كان المنوب عنه الميت صرورة ، ولو لم يكن دليل على الخلاف وجب الالتزام بمضمونها ، وبإزائها صحيحة أبي أيوب قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة وقد حجت المرأة ، فقالت : إن كان يصلح حججت أنا عن أخي وكنت أنا أحق بها من غيري ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا بأس بأن تحج عن أخيها ، وإن كان لها مال فلتحج من مالها فإنه أعظم لأجرها» (1)، فإنها صريحة الدلالة على جواز نيابة غير الصرورة ولو كانت امرأة عن الرجل الميت الذي لم يحج ، ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين صحيح معاوية بن عمّار هو الالتزام باستحباب نيابة الصرورة.
وأمّا ما استدل به صاحب الجواهر على الكراهة فهو روايتان :
الأُولى : رواية إبراهيم بن عقبة ، قال : «كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط أيجزئ كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيّدي إن شاء اللّه ، فكتب (عليه السلام) : لا يجزئ ذلك» (2)والرواية معتبرة ، فإن إبراهيم بن عقبة وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات ، إلّا أن دلالتها على الكراهة ضعيفة لأنّ الرواية ناظرة سؤالاً وجواباً إلى الإجزاء وعدمه ، وأن العمل الصادر من النائب الصرورة هل يجزئ عن حجة الإسلام أم لا ، وليست ناظرة إلى حكم الاستنابة وأنها تجوز أم لا.
وأمّا حكمه (عليه السلام) بعدم الإجزاء فبالنسبة إلى النائب فواضح لعدم القصد في عمله عن نفسه ، فإن المفروض أنّه حجّ عن غيره فلا معنى للإجزاء عن نفسه سواء في الحج الواجب عليه بالفعل أو الواجب عليه فيما بعد عند حصول الاستطاعة وأمّا عدم الإجزاء عن المنوب عنه فيحمل على كون المنوب عنه حيّاً فتوافق الروايات
.................................................................................................
الآمرة بتجهيز الصرورة عن الحي العاجز (1)، فإن قوله : «عن رجل صرورة لم يحج» ظاهر في كون المنوب عنه حيّاً وإلّا لو كان ميتاً لقال عن ميت لم يحج ، فيكون الحكم بعدم الإجزاء حينئذ لأجل عدم صدور الحج منه بتسبيب من المنوب عنه.
مع أن الظاهر من تلك الروايات اختصاص الإجزاء بصورة التسبيب من الحي دون التبرع عنه ، ولم يظهر من هذه المعتبرة أن الحج كان بتسبيب من الحي ، ولو فرض إطلاقها وشمولها للحي والميت تقيد بمورد الحي ، فتكون النتيجة الإجزاء عن الميت بالتبرع عنه كما هو الحال في الحج المندوب وعدم الإجزاء في مورد الحج عن الحي ، لعدم سقوط الحج عنه بالتبرع له وإنما يسقط عنه فيما إذا كان بتسبيب وتجهيز من المنوب عنه ، وحيث لم يظهر من الرواية كون الحج الصادر منه بتسبيب منه لذا حكم بعدم الإجزاء.
والحاصل : مقتضى الجمع بين هذه الرواية والروايات الدالّة على سقوط الحج عن الميت تبرّعاً (2)حمل هذه الرواية على صورة الإتيان عن الحي من دون تسبيب منه.
الرواية الثانية : معتبرة بكر بن صالح ، قال : «كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) : أن ابني معي وقد أمرته أن يحج عن أُمي أيجزئ عنها حجة الإسلام؟ فكتب : لا ، وكان ابنه صرورة وكانت أُمه صرورة» (3)، والرواية كما ذكرنا معتبرة لأنّ بكر بن صالح وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات. والحكم بعدم الإجزاء المذكور في هذه الرواية إنما هو بالنسبة إلى المنوب عنه خاصّة ، بخلاف عدم الإجزاء المذكور في الرواية الأُولى فإنه بالنسبة إلى النائب والمنوب عنه.
وممّا تقدّم في الجواب عن الرواية الأُولى يظهر الجواب عن هذه من حملها على كون المنوب عنه حيّاً ولم يكن الحج الصادر بتسبيب منه.
.................................................................................................
وبالجملة : لا يستفاد من الروايتين كراهة استنابة الصرورة ، بل المستفاد من الروايات لزوم كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، كما أن المستفاد من صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة استحباب كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه ميتاً ، لما عرفت من أن ذلك مقتضى الجمع بينها وبين صحيحة أبي أيوب المتقدّمة فكون النائب صرورة إما واجب أو مستحب فأين الكراهة.
وربّما يقال بأن صحيحة أبي أيوب المتقدّمة غير ظاهرة في حج الإسلام وكلامنا في حج الإسلام.
وفيه : أن الصحيحة وإن لم يقع فيها التصريح بكون الحج الموصى به حج الإسلام ولكن يظهر من الذيل أنه حج الإسلام ، لظهور قوله : «وإن كان لها مال فلتحج من مالها» في الاجتزاء بالتبرع ، ولا يكون ذلك إلّا في مورد حج الإسلام ، لأنّ الإيصاء بالحج وإخراجه من الثلث لا يسقط بالتبرع لعدم العمل بالوصية ولو تبرع ألف متبرع ، بخلاف حج الإسلام فإنه يسقط بالتبرع ويوجب فراغ ذمّة الميت المتبرع عنه ، ولا يبقى مجال للعمل بالوصية حينئذ لارتفاع موضوعها. وبعبارة واضحة : الصحيحة صريحة في تفريغ ذمّة الميت بالتبرع عنه مع أن الوصية لا تسقط به فيكشف ذلك عن كون الحج الموصى به هو حج الإسلام.
ومن جملة الروايات الدالّة على جواز نيابة غير الصرورة عن الميت صحيحة حكم ابن حكيم «إنسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة إلى أن قال إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً وأجزأ الذي أحجّه» (1)وهي صريحة في الإجزاء مع كون النائب غير صرورة ، ومعنى الإجزاء عنهما الإجزاء عن المنوب عنه وتفريغ ذمّته وترتب الثواب على عمل النائب.
ومنها : الروايات الدالّة على سقوط الحج والاجتزاء بالتبرع (2)، ولا يمكن حملها على الصرورة ، لأنّه إذا كان النائب صرورة ذا مال يجب الحج عن نفسه.
[3148] مسألة 7 : يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النية ولو بالإجمال (1) ولا يشترط ذكر اسمه وإن كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف.
[3149] مسألة 8 : كما تصحّ النيابة بالتبرّع وبالإجارة كذا تصحّ بالجعالة (2) ولا تفرغ ذمّة المنوب عنه إلّا بإتيان النائب صحيحاً ولا تفرغ بمجرّد الإجارة
فظهر من جميع ما تقدّم استحباب كون النائب صرورة وجواز نيابة غير الصرورة كما يجوز التبرّع منه ، فما ذكروه من كراهة استنابة الصرورة ممّا لا أساس له ، بل استنابة الصرورة إمّا واجبة أو مستحبّة.
(1) لأنّ النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلّا بالقصد ، والواجب على النائب إتيان العمل عن الغير ، فهو وإن كان يمتثل الأمر المتوجه إلى نفسه إلّا أن متعلقه العمل للغير فلا بدّ أن يقصده فهو مأمور بالقصد عن الغير ، ولا يتعين العمل للمنوب عنه إلّا بالقصد عنه ، وهذا نظير إعطاء المال من الأجنبي للدائن من دون قصد تفريغ ذمّة المديون ، فإن ذلك لا يحسب من أداء الدين ولا يوجب سقوط ذمّة المدين إلّا إذا قصد عند الإعطاء تفريغ ذمّة المدين ولو تبرعاً.
ثمّ إنه لا بدّ من تعيين المنوب عنه بالقصد ، لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لأحدها إلّا بالتعيين بالقصد ولو إجمالاً ، كما إذا قصد العمل عن الشخص الذي سجّل اسمه في الدفتر أو يقصد العمل عمن اشتغلت ذمّته له ونحو ذلك.
وهل يعتبر ذكر اسمه أم لا؟ في بعض الروايات صرّح بذكر الاسم وفي بعضها جوز الترك (1)، والجمع بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب ، وقد ثبت استحباب التسمية في جميع أفعال الحج وذلك من مخصصاته.
(2) لإطلاق الأدلّة ، والظاهر أنه لا خلاف بيننا في ذلك.
1) الوسائل 11 : 187 / أبواب النيابة في الحج ب 16.
وما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الإجارة في فراغها (1)منزّلة على أنّ اللّه تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصّر النائب في الإتيان ، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها.
ثمّ إنّه قد وقع الكلام في أنه هل تبرأ ذمّة المنوب عنه بمجرّد الإجارة أو أنه لا تفرغ ذمّته إلّا بعد إتيان النائب العمل صحيحاً؟
والحق هو الثاني ، ويكون العمل المستأجر عليه حاله حال الدين في عدم سقوطه إلّا بعد أداء المال ، وكذلك في المقام لا موجب لسقوط العمل عن ذمّة المنوب عنه بمجرّد الإجارة ما لم يؤد الأجير العمل ، فإذا لم يأت النائب بالعمل فذمّة المنوب عنه مشغولة به كما أن ذمّة النائب مشغولة به أو بمال الإجارة.
والظاهر أنّه لا خلاف فيما ذكرنا كما في الجواهر (2)، ولم يقل أحد بالإجزاء بمجرّد الإجارة إلّا صاحب الحدائق قال (رحمه اللّه) : لو مات الأجير قبل الإحرام فإن أمكن استعادة الأُجرة وجب الاستئجار بها ثانياً ، وإن لم يمكن فإنها تجزئ عن الميت ، فإنه لما أوصى بما في ذمّته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي ، والوصي لما نفذ الوصية واستأجر فقد قضى ما عليه وبقي الخطاب على المستأجر ، وحيث إنه لا مال له سقط الاستئجار مرّة أُخرى إلى آخر ما ذكره ، ثمّ قال : إن هذا الحكم وإن لم يوافق قواعد الأصحاب إلّا أنه مدلول جملة من الأخبار (3).
أقول : الأخبار التي استشهد بها قاصرة الدلالة وبعضها قاصر السند أيضاً.
فمن جملة الأخبار التي استدلّ بها مرسلة ابن أبي عمير «في رجل أخذ من رجل مالاً ولم يحج عنه ومات ولم يخلف شيئاً ، فقال : إن كان حج الأجير أُخذت حجّته ودفعت إلى صاحب المال وإن لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج» (4)، والرواية
.................................................................................................
ضعيفة سنداً بالإرسال وإن كان المرسل ابن أبي عمير ، لما ذكرنا مراراً أنّ مراسيله كسائر المراسيل ، وأمّا ما ذكره الشيخ من أن ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة (1)فلم يثبت ، بل الشيخ بنفسه يضعف أحياناً بعض مراسيله (2)، وأمّا ضعف الدلالة فسنذكره بعد ذكر الأخبار.
ومنها : مرسل الصدوق «الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئاً فقال : أجزأت عن الميت وإن كان له عند اللّه حجة أثبتت لصاحبه» (3)، وهي أيضاً ضعيفة بالإرسال.
ومنها : معتبرة موسى بن عمّار «عن رجل أخذ دراهم رجل (ليحج عنه كما في التهذيب -) فأنفقها ، فلمّا حضر أوان الحج لم يقدر الرجل على شيء قال : يحتال ويحج عن صاحبه كما ضمن ، سئل إن لم يقدر ، قال : إن كانت له عند اللّه حجّة أخذها منه فجعلها للّذي أخذ منه الحجّة» (4)، والعمدة هذه الرواية لصحّة سندها.
وأمّا ضعف دلالتها على كفاية الإجارة في فراغ ذمّة المنوب عنه فلوجوه :
أحدها : عدم دلالة الروايات على أن الحج المذكور فيها حج الإسلام وكلامنا في حج الإسلام ، بل يظهر منها أن الحج الذي ذكر فيها غير حج الإسلام ، لظهور قوله : «أخذ دراهم رجل» في كون المنوب عنه حيّاً ، والحج عن الحي لا يكون بحج الإسلام إذ لم يفرض فيه العجز والهرم.
ثانيها : لو سلمنا إطلاق الروايات من حيث حجّ الإسلام وغيره ، فنقيّدها بالروايات الدالّة على أن الحي يجهز رجلاً للحج (5)، والتجهيز لا يتحقق إلّا بإرسال شخص للحج ، ومجرّد التوكيل والإيجار لا يوجب صدق عنوان التجهيز والإرسال.
.................................................................................................
وثالثها : أنا سنذكر أن الأجير إذا مات في الطريق قبل الإحرام لم يسقط الحج عن ذمّة المنوب عنه فكيف إذا مات قبل خروجه ، وحينئذ فنحمل هذه الروايات على الحج الاستحبابي لا محالة.
وبالجملة : الروايات المزبورة ضعيفة دلالة مضافاً إلى ضعف إسناد بعضها ، فلا حاجة في عدم الاعتماد عليها إلى التمسك بإعراض الأصحاب عنها ، هذا.
وقد يستدل لصاحب الحدائق بمعتبرة إسحاق بن عمّار «عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ، ثمّ اعطي الدراهم غيره فقال : إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأوّل ، قلت : فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الأوّل؟ قال : نعم ، قلت : لأنّ الأجير ضامن للحج؟ قال : نعم» (1)، فإن المستفاد منها انتقال الحج من ذمّة المنوب عنه إلى ذمّة الأجير لأنه ضامن.
وفيه : أن المعتبرة غير دالّة على الإجزاء قبل الخروج وقبل الشروع في السفر كما هو المدعى ، وإنما تدل على الإجزاء إذا مات قبل انقضاء المناسك والانتهاء من الأعمال كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى في المسألة العاشرة. وأمّا ضمان الأجير للحج فلأجل إفساده الحج ، فإن الأجير إذا أفسد حجّه بالجماع يجب عليه الحج ثانياً من قابل ، وهذا الحج الذي يأتي به ثانياً أجنبي عن المنوب عنه ، نظير الكفّارة الثابتة على ذمّة الأجير إذا أتى بموجبها.
والحاصل : الروايات التي استدلّ بها صاحب الحدائق غير ظاهرة فيما ذهب إليه. مضافاً إلى ضعف أسانيد بعضها ، هذا كله في موت النائب في منزله وبلده قبل أن يخرج إلى الحج ، وأمّا إذا مات في الطريق قبل الإحرام أو بعده فسنتعرض إلى ذلك في المسألة العاشرة مفصّلاً فانتظر.
1) الوسائل 11 : 185 / أبواب النيابة في الحج ب 15 ح 1.
[3150] مسألة 9 : لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال ، بل لو تبرّع المعذور يشكل الاكتفاء به (1).
[3151] مسألة 10 : إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك فإن كان قبل الإحرام لم يجزئ عن المنوب عنه ، لما مرّ من كون الأصل عدم فراغ ذمّته إلّا بالإتيان بعد حمل الأخبار الدالّة على ضمان الأجير على ما أشرنا إليه ، وإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأ عنه (2) ،
(1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة (1)عدم جواز استنابة المعذور ، بل ذكرنا عدم جواز الاكتفاء بتبرّعه ، وذلك لأنّ الذي يجب على المكلف أوّلاً إنما هو العمل التام الواجد لجميع الأجزاء والشرائط ، ولا ينتقل الأمر إلى الفاقد إلّا بعد العذر عن إتيان الواجد التام ، وهكذا الحال بالنسبة إلى النائب ، فإن الواجب على المكلف استنابة طبيعي النائب ولا يختص بشخص خاص ، فإذا تمكن المكلف من استنابة النائب القادر على إتيان الأعمال التامّة لا يجوز له استنابة العاجز المعذور الذي لا يتمكّن من إتيان العمل التام ، لعدم الدليل على جواز استنابة المعذور وجواز الاكتفاء بالناقص بعد فرض تمكنه من استنابة القادر.
وبما قلنا يظهر أنّ التبرّع بالناقص لا يوجب فراغ ذمّة المتبرع له ، لأنّ الواجب عليه هو الحج الكامل التام.
(2) موت النائب قبل الإتيان بالمناسك يتصور على أنحاء :
الأوّل : ما إذا مات النائب بعد الإحرام وبعد دخول الحرم.
الثاني : ما إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم.
الثالث : موته في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر قبل الإحرام ، وأمّا الموت قبل الخروج من منزله فقد عرفت في المسألة السابقة بما لا مزيد عليه عدم الإجزاء جزماً خلافاً لصاحب الحدائق.
1) في المسألة [1824].
.................................................................................................
أمّا الفرض الأوّل : فلا ريب في الإجزاء فيه ، لا لكون الحكم في الحاج عن نفسه كذلك ، لعدم التلازم والاشتراك في الحكم بين النائب والمنوب عنه ، فإنّ الاشتراك بينهما إنّما هو في أفعال الحج وأعماله لا في اللوازم المترتبة على الحج ، إذ يمكن اختصاص كل منهما بحكم أجنبي عن الآخر ، فالتعدي من أحدهما إلى الآخر يحتاج إلى الدليل ، بل إنّما نقول بالإجزاء في النائب أيضاً لأنّه القدر المتيقّن من موثقة إسحاق ابن عمّار المتقدِّمة (1).
ولكن المصنف (قدس سره) ذكر أن الموثقة مطلقة من حيث الدخول في الحرم وعدمه ، وتقيد بمرسلة المقنعة «من خرج حاجّاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجّة» (2)الشاملة للحاج عن غيره أيضاً ، وضعفها سنداً بل ودلالة منجبر بالشهرة ، فالجمع بين موثقة إسحاق بن عمّار والمرسلة يقتضي الإجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب بعد الإحرام ودخول الحرم ، ولا تعارضها موثقة عمّار الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق يجب عليه الإيصاء (3)، لأنّها محمولة على ما إذا مات النائب قبل الإحرام ، أو على الاستحباب.
ويرد عليه : أنّه لا يمكن التقييد بالمرسلة ، لضعفها سنداً بالإرسال ، ودلالة لاختصاصها بالحاج عن نفسه بقرينة ذيلها لظهوره في الأصيل ، وأمّا ضعف الدلالة فلا ينجبر بالشهرة ولو قلنا بانجبار ضعف السند بها.
فالأولى بل المتعيّن أن يقال : إنّ موثقة إسحاق وإن كانت مطلقة إلّا أن القدر المتيقّن منها موت النائب بعد الإحرام ودخول الحرم ، فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء في هذه الصورة.
وأمّا الثاني : وهو ما إذا مات النائب بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ، ففي الإجزاء
.................................................................................................
قولان ، والظاهر هو الإجزاء ، لصدق عنوان أنه مات في الطريق قبل أن يقضي مناسكه الذي ذكر في الموثق ، ولا معارض له سوى موثقة عمّار الساباطي «في رجل حج عن آخر ومات في الطريق ، قال : وقد وقع أجره على اللّه ، ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل» (1)، فإن المستفاد منها عدم الإجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب في الطريق وأن عليه أن يوصي أن يحج رجل آخر ، ولكن لا بدّ من حملها على الموت قبل الإحرام ، بيان ذلك :
أنّ المستفاد من موثقة إسحاق هو الإجزاء إذا شرع في الأعمال ولو بالإحرام ، فإنّ قوله : «قبل أن يقضي مناسكه» معناه قبل الانتهاء من مناسكه وأعماله ، فإنّ القضاء هنا بمعنى الإتمام والانتهاء ، ومنه إطلاق القاضي على من يحكم بين المتخاصمين لانهائه النزاع بينهما ، ولا يصدق هذا المعنى إلّا بعد الشروع في الأعمال ولا أقل في الإحرام.
والحاصل : هذه الجملة «إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه» ظاهرة في الإجزاء إذا مات في الطريق قبل الانتهاء من أعماله ولو بالشروع في الإحرام وعدم إتمامه ، كما أنها ظاهرة فيه إذا دخل مكّة ولم يتم مناسكه ، هذا بناء على رجوع القيد أعني «قبل أن يقضي مناسكه» إلى الأمرين أي الموت في الطريق والدخول إلى مكّة ، وأمّا إذا مات قبل الإحرام فلا يصدق عليه أنه مات قبل انتهاء عمله ، إذ لم يشرع في عمل حتى ينهاه ، هذا ما يستفاد من موثق إسحاق.
وأمّا موثق عمّار الساباطي الدال على عدم الإجزاء إذا مات في الطريق فمطلق من حيث الإحرام وعدمه ، فتكون النسبة بينه وبين موثق إسحاق نسبة العموم والخصوص ، ومقتضى الجمع بينهما هو الإجزاء بعد الإحرام وعدمه قبله ، فيكون الحكم في النائب أوسع منه في الحاج عن نفسه ، لأنّ الحاج عن نفسه إذا مات إنما يجزئ حجّه إذا مات بعد الإحرام وبعد دخول الحرم ، ولكن النائب يجزي إذا مات
1) الوسائل 11 : 186 / أبواب النيابة في الحج ب 15 ح 5.
.................................................................................................
بعد الإحرام وإن لم يدخل الحرم ، لما عرفت أن الميزان في الإجزاء في مورد النائب بمجرد الشروع في العمل ولو بالإحرام وإن لم يتمه ، فتختص موثقة عمّار الدالّة على عدم الإجزاء بالموت قبل الإحرام.
هذا كلّه بناء على رجوع القيد وهو قوله : «قبل أن يقضي مناسكه» إلى الأمرين وهما الموت في الطريق والدخول في مكّة كما هو الظاهر ، نظير ما إذا قيل : (جئني بزيد أو عمرو يوم الجمعة) ، فإن القيد يرجع إليهما معاً ، وأمّا لو قلنا بعدم ظهور رجوع القيد إلى الأمرين فتكون الرواية بالنسبة إلى الموت في الطريق مجملة ، لاحتمال اختصاص رجوع القيد إلى الأخير وهو الدخول إلى مكّة ، فحينئذ لا بدّ من الاقتصار على المتيقن وهو الإجزاء بعد الإحرام ودخول الحرم فلا ظهور للموثقة في الإجزاء قبل الإحرام.
وبالجملة : لا يظهر من الموثقة الإجزاء قبل الإحرام سواء قلنا بأنها ظاهرة في الإجزاء بعد الإحرام كما هو الظاهر ، أو قلنا بأن القدر المتيقن منها هو الإجزاء بعد الإحرام وبعد دخول الحرم.
وممّا بينا ظهر حال الصورة الثالثة وهي ما إذا مات في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر وقبل الإحرام.
فتلخص من جميع ما تقدّم أن صور المسألة أربع :
الأُولى : ما إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل أن يشرع في السفر ، ولا إشكال في عدم الإجزاء بذلك ، لما عرفت من أن مجرد الاستنابة والإيجار لا يكفي في تفريغ ذمّة الميت ، بل لا بدّ من إتيان العمل خارجاً خلافاً لصاحب الحدائق (1)(رحمه اللّه) مستشهداً بعدّة من الروايات التي تقدّمت وذكرنا ضعفها سنداً ودلالة.
الثانية : ما إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم.
الثالثة : إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم.
الرابعة : إذا مات بعد الخروج من منزلة وبعد الشروع في السفر وقبل الإحرام.
1) الحدائق 14 : 257.
لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لاختصاص ما دلّ عليه به ، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق ، بل لموثقة إسحاق بن عمّار المؤيدة بمرسلتي الحسين بن عثمان والحسين بن يحيى الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيّدة بمرسلة المقنعة «من خرج حاجّاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة» الشاملة للحاج عن غيره أيضاً ، ولا تعارضها موثقة عمّار الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق عليه أن يوصي ، لأنّها محمولة على ما إذا مات قبل الإحرام أو على الاستحباب. مضافاً إلى الإجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق ، وضعفها سنداً بل ودلالة منجبر بالشهرة والإجماعات المنقولة فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء في الصورة المزبورة.
وأمّا إذا مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان ، ولا يبعد الإجزاء وإن لم نقل به في الحاج عن نفسه ، لإطلاق الأخبار في المقام والقدر المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الإحرام ، لكن الأقوى عدمه (1)، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الأمرين في الإجزاء ، والظاهر عدم الفرق بين حجّة الإسلام وغيرها من أقسام الحج ، وكون النيابة بالأُجرة أو بالتبرّع.
ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء في جميع الصور ، لعدم صدور العمل المستأجر عليه من الأجير ، ويدلّ عليه مضافاً إلى ذلك موثق عمّار الساباطي المتقدّم (2)، للأمر فيه بالإيصاء إذا حصلت أمارة الموت للنائب في أثناء الطريق ، وأمّا بحسب الروايات فلا ريب في الإجزاء إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم كما هو المستفاد من موثقة إسحاق بن عمّار ، وقد عرفت أن هذه الصورة هي القدر المتيقن من النص ، كما أن الظاهر منه هو الإجزاء إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم
[3152] مسألة 11 : إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم (1)يستحق تمام الأُجرة إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة ، وبالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال إذا كان أجيراً على الإتيان بالحج بمعنى الأعمال المخصوصة ، وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئاً سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده وقبل الإحرام أو بعده (2)وقبل الدخول في الحرم ، لأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلّاً ولا بعضاً بعد فرض عدم إجزائه ، من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدّمات من المشي ونحوه (1).
لما تقدّم أن موضوع الإجزاء هو الشروع في العمل وذلك صادق على من أحرم وإن لم يدخل الحرم ، فإن الإحرام أوّل أعمال الحج.
وممّا ذكرنا ظهر عدم الإجزاء إذا مات في الطريق قبل الإحرام ، لعدم صدق الشروع في الأعمال الذي هو موضوع الإجزاء بمجرد السفر والخروج من البيت فإن ذلك من مقدّمات الحج للوصول إلى إعماله وأفعاله لا من أعماله ، فلا ظهور لموثق إسحاق لما قبل الإحرام ، فالمرجع حينئذٍ القاعدة الأولية المقتضية لعدم الإجزاء مضافاً إلى موثقة عمّار الساباطي ، وقد ظهر بما ذكرنا أيضاً عدم الإجزاء في الصورة الرابعة كالأُولى ، فيختص الإجزاء بالصورة الثانية والثالثة.
(1) يقع الكلام في مقامين :
المقام الأوّل : إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم فقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا ينبغي الريب في الإجزاء ، وهل يستحق تمام الأُجرة أم لا؟ فيه تفصيل وهو أن النائب إذا كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميت يستحق تمام الأُجرة ، لأنّ المفروض فراغ ذمّة الميت بذلك ، وقد ذكرنا في محلّه صحّة الإجارة على ذلك ، فإنّ التفريغ وإن لم يكن مقدوراً للنائب ولكنّه مقدور له بالواسطة وبأسبابه وهذا المقدار
نعم ، لو كان المشي داخلاً في الإجارة على وجه الجزئية بأن يكون مطلوباً في الإجارة نفساً استحقّ مقدار ما يقابله من الأُجرة بخلاف ما إذا لم يكن داخلاً أصلاً ، أو كان داخلاً فيها لا نفساً بل بوصف المقدّمية ، فما ذهب إليه بعضهم من توزيع الأُجرة عليه أيضاً مطلقاً لا وجه له ، كما أنّه لا وجه لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما أتى به من الأعمال بعد الإحرام ، إذ هو نظير ما إذا استؤجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثمّ أُبطلت صلاته ، فإنّه لا إشكال في أنه لا يستحق الأُجرة على ما أتى به.
يكفي في صحّة الإجارة ، نظير الاستئجار على التطهير فإنّه مقدور بالواسطة وإلّا فالتطهير بنفسه غير مقدور له.
وأمّا إذا كان أجيراً على الأعمال والمناسك نفسها فلا بدّ من تقسيط الأُجرة وتوزيعها حسب الإتيان بالأعمال. نعم ، إذا مات قبل الإحرام فلا يستحق من الأُجرة شيئاً وإن أتى ببعض المقدّمات كالسفر ونحوه ، لعدم تفريغ ذمّة الميت بذلك وعدم الإتيان بالأعمال والأفعال المستأجر عليها ، ودعوى تقسيط الأُجرة حتى بالنسبة إلى المقدّمات لا شاهد لها.
كما أن دعوى أنه يستحق اجرة المثل لما أتى به من المقدّمات لاحترام عمل المسلم نظير استحقاق اجرة المثل في الإجارة الفاسدة لا وجه لها ، لأنّه إنّما أتى بالمقدّمات باختياره لأجل الوصول إلى العمل المستأجر عليه ، والمفروض أنه لم يكن مغروراً من قبل المستأجر ولم يكن صدور هذه المقدّمات مستنداً إلى أمر المستأجر ، فلا يقاس المقام بباب الإجارة الفاسدة الموجبة لاستحقاق اجرة المثل لأنّ إتيان العمل في باب الإجارة الفاسدة مستند إلى أمر المستأجر وذلك موجب للضمان ، بخلاف المقام فإنّ إتيان المقدّمات لم يكن بأمر المستأجر وإنما أتى الأجير بها باختياره لغرض الوصول إلى العمل المستأجر عليه ، فهي أجنبية عن متعلق الإجارة بالمرّة ، نظير ما لو استأجر على الصلاة فتوضّأ الأجير أو اغتسل ثمّ عجز عن أداء الصلاة فإنّه لا يستحق اجرة المثل لوضوئه أو غسله.
ودعوى أنه وإن كان لا يستحق من المسمّى بالنسبة لكن يستحق اجرة المثل لما أتى به حيث إن عمله محترم ، مدفوعة بأنه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه ، والمفروض أنه لم يكن مغروراً من قبله ، وحينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحج في سنة معيّنة ويجب عليه الإتيان به (1)إذا كانت مطلقة (1) من غير استحقاق لشيء على التقديرين.
المقام الثاني : إذا مات الأجير بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ، فإن قلنا بالإجزاء كما هو المختار فحكمه حكم ما لو مات بعد دخول الحرم من كون الأُجرة في قبال التفريغ أو في قبال الأعمال ، وإن قلنا بعدم الإجزاء فحاله حال الموت قبل الإحرام في عدم استحقاق شيء من الأُجرة ، لأنّ المستأجر عليه ليس هو الإحرام فقط وإنما هو الإحرام المتعقب لسائر الأعمال ، فالإحرام وحده لا يوجب استحقاق الأُجرة ، نظير ما إذا استؤجر للصوم فمات الأجير في أثناء النهار ، فإنّ إمساك مقدار من النهار لم يكن متعلقاً للإجارة ، وكذا لو استؤجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثمّ أُبطلت صلاته فإنه لا إشكال في عدم استحقاق الأُجرة على ما أتى به لعدم كونه من العمل المستأجر عليه ، بل لو فرضنا تعلق الإجارة بنفس الإحرام وحده بطل عقد الإجارة ، لأنّ الإحرام وحده من دون تعقبه لإعمال الحج عبادة غير مشروعة ، فإن ذلك نظير الاستئجار لركعة واحدة أو الصوم بمقدار نصف النهار.
وأمّا استحقاق الأُجرة للمقدّمات فيجري فيه ما تقدّم من أن المقدّمات كالمشي ونحوه لو كانت متعلقة للإجارة وداخلة فيها على وجه الجزئية توزع الأُجرة عليها وإلّا فلا.
(1) في العبارة تشويش لأنّ مفروض كلامنا فيما إذا مات الأجير ، فلا مجال لقوله :
1) (*) في العبارة تشويش ، والصحيح أن يقال : إن الإجارة إذا كانت مقيّدة بالمباشرة فهي تنفسخ بالموت من غير فرق بين أن تكون الإجارة في سنة معيّنة أو كانت مطلقة ، وأمّا إذا لم يقيد الإجارة بالمباشرة وجب الاستئجار من تركة الأجير من غير فرق أيضاً بين السنة المعيّنة وغيرها.
[3153] مسألة 12 : يجب في الإجارة تعيين (1)نوع الحج من تمتع أو قران أو إفراد (1) ، ولا يجوز للمؤجر العدول عما عيّن له وإن كان إلى الأفضل كالعدول من أحد الأخيرين إلى الأوّل ، إلّا إذا رضي المستأجر بذلك فيما إذا كان مخيراً بين النوعين أو الأنواع كما في الحج المستحبي والمنذور المطلق ، أو كان ذا منزلين متساويين في مكّة وخارجها ، وأمّا إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه (2)أيضاً بالعدول إلى غيره ، وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حق الشرط إن كان التعيين بعنوان الشرطية (3)ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس إن كان بعنوان القيديّة ، وعلى أيّ تقدير يستحق الأُجرة المسماة وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني ، لأنّ المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عيّنه فقد وصل إليه ماله على المؤجر كما في الوفاء بغير الجنس في
ويجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة. والصحيح أن يقال : كما في التعليقة إن الإجارة إذا كانت مقيّدة بالمباشرة فهي تنفسخ بالموت من غير فرق بين أن تكون الإجارة في سنة معيّنة أو كانت مطلقة ، وأمّا إذا لم تقيد الإجارة بالمباشرة وجب الاستئجار من تركة الأجير من غير فرق أيضاً بين السنة المعيّنة وغيرها.
(1) ذكر الفقهاء أنه لا بدّ في الإجارة للحج من تعيين نوع الحج من تمتع أو قران أو إفراد ، لأنّ مقتضى قواعد الإجارة اعتبار تعيين النوع الذي يريده المستأجر في صحّة الإجارة وإلّا يلزم الغرر ، فإنّ أعمال الحج غير متساوية ومختلفة حسب الكيفية والأحكام والأُجرة والقيمة كما هو كذلك في سائر الأعمال المتعلقة للإجارة ، كذا علّله في الجواهر (4).
سائر الديون فكأنه قد أتى بالعمل المستأجر عليه ، ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الأفضل أو إلى المفضول ، هذا ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الأفضل كالعدول إلى التمتّع تعبّداً من الشارع لخبر أبي بصير عن أحدهما «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها مفردة أيجوز له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال (عليه السلام) : نعم إنّما خالف إلى الأفضل» والأقوى ما ذكرناه ، والخبر منزّل على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيراً بين النوعين ، جمعاً بينه وبين خبر آخر (1)«في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها حجة مفردة ، قال (عليه السلام) : ليس له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج لا يخالف صاحب الدراهم» وعلى ما ذكرنا من عدم جواز العدول إلّا مع العلم بالرضا إذا عدل بدون ذلك لا يستحق الأُجرة في صورة التعيين على وجه القيدية وإن كان حجّه صحيحاً عن المنوب عنه ومفرغاً لذمّته إذا لم يكن ما في ذمّته متعيّناً فيما عيّن ، وأمّا إذا كان على وجه الشرطية (2)فيستحق إلّا إذا فسخ المستأجر الإجارة من جهة تخلّف الشرط ، إذ حينئذ لا يستحق المسمّى بل اجرة المثل.
أقول : لعلّ نظرهم إلى استئجار العمل المبهم المردد فإنّ ذلك مستلزم للغرر ، وأمّا إذا وقع عقد الإجارة على الطبيعي الجامع بين الأفراد فليس فيه أي غرر وإن اختلفت الأفراد كيفية وقيمة ، وللأجير اختيار أي فرد شاء وليس للمستأجر إلزامه باختيار فرد خاص كالأكثر قيمة أم غيره ، لكون المفروض أن المستأجر عليه هو الطبيعي الجامع بين الأفراد ، نظير استئجار شخص لصيام شهر من شهور السنة مع أن الصوم في الشتاء تختلف قيمته مع الصوم في الصيف ، وهكذا الحج البلدي إذا لم
.................................................................................................
يعين له طريقاً خاصّاً فإن الأُجرة تختلف حسب اختلاف كيفية السفر وأنواعه من الجو والبحر والبر ، ففي جميع الفروض تصح الإجارة من دون تعيين نوع خاص وكيفية مخصوصة وليس فيها أي غرر بعد فرض كون الأجير مختاراً في إتيان أي فرد شاء ، ولم يكن للمستأجر إلزام الأجير باختيار فرد خاص. نعم ، لو تعلق عقد الإجارة بالمبهم المردّد بين فردين بحيث لم يعلم أن مورد الإجارة هل هو هذا الفرد أو الفرد الآخر فقد يكون الأجير يختار فرداً خاصّاً والمستأجر يختار فرداً آخر ، تبطل الإجارة حينئذ للغرر.
ثمّ إنه قد صرّح جماعة ومنهم المصنف (رحمه اللّه) أنه لو استأجره لما عيّن له كالقران فليس للأجير العدول عما عيّن له ولو إلى الأفضل ، خلافاً للشيخ حيث صرّح بأنه لو استأجره للتمتع لم يجزئ غيره وأمّا لو استأجره للإفراد أو للقران أجزأه التمتع (1)، فيقع الكلام في مقامين :
أحدهما : فيما تقتضيه القاعدة.
ثانيهما : فيما يقتضيه النص.
أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة عدم جواز العدول مطلقاً ، لأنّ العمل المستأجر عليه مملوك للمستأجر وعلى الأجير تسليم العمل المعيّن إلى المستأجر ، وليس للأجير تبديله إلى عمل آخر لم يقع عليه عقد الإجارة وإن كان أفضل. وبعبارة اخرى : الإجارة إنما تعلقت بذلك العمل المعيّن ، فلا يكون الآتي بغيره آتياً بما استؤجر عليه سواء كان أفضل ممّا استؤجر عليه أم لا ، كما لو استأجره لزيارة مسلم بن عقيل (عليه السلام) فزار الحسين (عليه السلام) بدلاً عن زيارة مسلم (عليه السلام) ، فإنه لم يأت حينئذ بمتعلق الإجارة وبقيت ذمّته مشغولة به.
نعم ، إذا استأجره على الحج المندوب أو المنذور المطلق أو كان المستأجر ذا منزلين متساويين في مكّة وخارجها بحيث كان مخيراً بين التمتّع والإفراد ، فللأجير في هذه
1) المبسوط 1 : 324.
.................................................................................................
الصورة التبديل إذا رضي المستأجر بذلك ، فالتبديل إنما لا يجوز له إذا كان نوع خاص من أقسام الحج متعيّناً على المستأجر كما إذا نذر حجاً خاصّاً أو كان ممن يتعين عليه حج التمتّع مثلا.
بل ذكر المصنف أنه ليس له التبديل والعدول ولو مع رضا المستأجر ، فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره. ولا يخفى أن مراده من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر إنما هو بالنسبة إلى براءة ذمّة المستأجر وتفريغ ذمّته ، يعني إذا كان المتعيّن عليه حجاً خاصّاً فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره في براءة ذمّته ، لأنّ تفريغ ذمّته لا يمكن إلّا بإتيان ما تعين عليه.
وأمّا بالنسبة إلى استحقاق الأجير الأُجرة لما أتى به فلا مانع منه إذا رضي المستأجر بالعدول ، فإن التبديل والعدول إذا كان عن رضا المستأجر فهو كالإبراء والمستأجر يجوز له أن يبرأ الأجير ويستأجر شخصاً آخر لما تعين عليه ، كما أن له أن يرضى بالعدول إلى نوع آخر الذي هو مستحب نفسي ويستأجر شخصاً لما وجب عليه بعينه.
فما ذكره المصنف من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر إنما يتم بالنسبة إلى أداء التكليف وتفريغ الذمّة لا أنه لا يجوز له العدول حتى مع رضاه بحيث لا يستحق الأجير الأُجرة.
ثمّ ذكر السيّد المصنف (رحمه اللّه) أنه في صورة جواز التبديل وجواز الرضا به يستحق الأجير الأُجرة المسماة من دون فرق بين كون التعيين على الأجير بعنوان الشرطية ويكون رضاه بالتبديل من باب إسقاط حق الشرط ، وبين كون التعيين بعنوان القيدية وكان الرضا بالعدول من باب الرضا بالوفاء بغير الجنس.
وما ذكره واضح بناء على الشرطية ، لأنّ الأجير قد أتى بنفس العمل المستأجر عليه ، والمفروض أن المستأجر قد رفع اليد عن الشرط ، وأمّا على القيدية فإنه وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه ولكن قد أتى بالبدل بأمر المستأجر ، فعلى كلا التقديرين يستحق الأُجرة المسماة.
.................................................................................................
وتوضيح المقام يحتاج إلى بيان معنى الاشتراط والفرق بينه وبين القيد ، وهذا البحث وإن تقدّم في بعض المباحث السابقة مفصّلاً (1)فلا مجال للبسط ولكن لا بأس بالإشارة إليه ولو إجمالاً فنقول : قد ذكرنا في باب الشرط من بحث المكاسب (2)أنّ المعروف بينهم أن الشرط هو الالتزام في ضمن التزام آخر من غير أن يكون مقيّداً بالآخر ، وهذا المعنى ممّا لا محصل له ، لأنّ مجرّد الظرفية ما لم يكن بينهما ارتباط لا يترتّب عليه شيء ، بل هذا الالتزام يكون وعداً ابتدائياً لا أثر لمخالفته ، فلا بدّ من ارتباط أحدهما بالآخر حتى يترتّب عليه الأثر كما هو المتفاهم من الشرط ، ومنه الشريط فإنّه يطلق على الخيط الرابط بين شيئين ، فالشرط هو الربط بين شيئين ويقع الكلام في تحقيق هذا الارتباط ، وليس معناه تعليق المنشأ كالبيع بالشرط وإلّا لبطل العقد للتعليق المجمع على بطلانه سواء وقع الشرط في الخارج أم لا ، مع أنّه لا إشكال في جواز البيع المشروط وثبوت الخيار عند تخلّف الشرط.
بل معنى الاشتراط يرجع إلى أحد أمرين : تعليق المنشأ على الالتزام أو أنّ الالتزام بالمنشإ كالبيع معلق على وجود الشرط بحيث إذا لم يكن الشرط موجوداً لم يكن ملتزماً.
فعلى الأوّل فالعقد وإن كان معلقاً إلّا أن مثل هذا التعليق لا يضر بصحّته ، إذ المفروض تحقق الالتزام المعلّق عليه وحصوله بالفعل من المشتري ، وهذا المقدار من التعليق لا يوجب البطلان ، فإن التعليق المبطل هو التعليق على أمر متوقع الحصول وأمّا التعليق على أمر حاصل موجود بالفعل فغير موجب للبطلان. هذا فيما إذا كان الشرط من قبيل الأفعال التي قابلة للالتزام بها كالخياطة والخدمة ونحو ذلك.
وأمّا الثاني فمورده ما إذا كان الشرط خارجاً عن تحت الاختيار ككتابة العبد أو جماله ونحوهما ، فإن تعليق العقد على الالتزام بذلك مما لا معنى له ، لأنّ الالتزام بشيء إنما يتعلق بأمر اختياري مقدور للملتزم وأمّا إذا كان غير مقدور له فلا معنى للالتزام
.................................................................................................
به ، ففي أمثال هذه الموارد معنى الاشتراط هو أن الالتزام بالمنشإ والوفاء به معلق على الكتابة أو الجمال مثلا ، ومرجع ذلك إلى جعل الخيار بلسان الشرط. فحقيقة الشرط ليست عبارة عن الالتزام في ضمن التزام آخر ، بل حقيقته إما تعليق المنشأ على الالتزام في الأُمور القابلة للالتزام بها وإما أن الالتزام بالعقد معلق على وجود الشرط ، فمرجع الشرط في العقد إلى أحد هذين الأمرين وهما قد يجتمعان وقد يفترقان ، ففي كل مورد غير قابل للخيار كالنكاح بناء على المشهور وخلافاً لصاحب الجواهر (1)أو الطلاق والعتق ونحوهما من الإيقاعات التي لا يجري فيها الخيار يرجع الاشتراط إلى تعليق العقد أو الإيقاع على الالتزام ، فلو اشترطت الزوجة على زوجها بأن يكون اختيار السكنى بيدها أو أن ينفق عليها كل شهر كذا مقداراً ، معناه أنّ أصل النكاح معلق على التزام الزوج بهذه الأُمور ، وأثره إلزام الشارع المشروط عليه بإتيان الشرط ، للسيرة ولقولهم (عليهم السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» (2)وليس أثره الخيار للمشروط له ، فليس في البين إلّا حكم تكليفي وهو وجوب الإتيان بالشرط على المشروط عليه.
وفي بعض الموارد يرجع الاشتراط إلى جعل الخيار من دون التزام فيه كموارد اشتراط كتابة العبد أو جماله ونحو ذلك ممّا لا معنى للالتزام به ، لعدم كونه اختيارياً وعدم كونه تحت قدرته ، فإن الكتابة ونحوها من الصفات إما موجودة أو معدومة فمرجع الاشتراط إلى جعل الخيار له عند التخلّف. وبعبارة اخرى : التزام البائع بالعقد مشروط ومعلّق بالكتابة وإذا لم تكن موجودة فهو غير ملتزم به ، ومرجع ذلك إلى جعل الخيار له عند التخلّف.
وقد يجتمع المعنيان في مورد واحد كالبيع المشروط فيه الخياطة مثلاً ، فإنّ معنى الاشتراط فيه تعليق البيع على الالتزام بالخياطة ، وهذا التعليق بما أنّه تعليق على أمر حاصل موجود يعلم به المتعاقدان غير ضائر في صحّة البيع ، ونتيجته وجوب الوفاء
.................................................................................................
بالشرط على المشروط عليه ، كما أنه بالدلالة الالتزامية يدل على أن التزامه بالعقد معلّق على الخياطة وعلى تقدير التخلّف وعدم تحقق الخياطة يثبت له الخيار ، فأمثال هذه الموارد مجمع بين الأمرين ، تعليق البيع على الالتزام وتعليق الالتزام على الشرط ولازم الأوّل وجوب الوفاء بالشرط وإلزامه بالوفاء ، ولازم الثاني جعل الخيار له عند التخلّف ، والمشروط له يجوز له إلزام المشروط عليه بإتيان الشرط ، وله أيضاً إعمال الخيار إما في طول إلزامه أو في عرضه على الخلاف المحرر في محلِّه.
بقي الكلام في الفرق بين الشرط والقيد فإنهم قد ذكروا أن الوصف إذا كان دخيلاً في العقد على نحو الشرطية فلا يوجب تخلفه البطلان وإنما له خيار تخلف الشرط ، وأمّا إذا كان دخيلاً على نحو القيدية فتخلفه يوجب البطلان.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الوصف المأخوذ في العقد إن كان من الأعراض والصفات الخارجية التي ليست دخيلة في فردية الفرد للطبيعي ، فإن الفرد فرد للطبيعي سواء كان متصفاً بهذا الوصف أم لا ، كما إذا باع العبد مع توصيفه بالكتابة أو باعه بشرط كونه كاتباً ، فلا يعقل فيه التقييد والتضييق ويرجع ذكره في العقد إلى الاشتراط ، أعني تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على أن يكون العبد كاتباً ، ونتيجته ثبوت الخيار عند التخلّف من دون فرق بين التعابير ، لأنّ الفرد الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتضييق والتقييد ولا يتحصص بحصتين.
وإن كان الوصف المأخوذ من الأُمور الذاتية الموجبة للاختلاف في الجنس والماهية كقول البائع بعت هذا الحيوان على أن يكون فرساً ، فحينئذ إذا تخلّف وظهر كونه بقراً مثلاً بطل البيع بالمرّة ، لأنّ البيع لم يقع على الجامع بين الحيوانين وإنما وقع على الجنس المعيّن المعنون بعنوان خاص ، فاختص البيع بجنس خاص دون جنس آخر ، كما إذا باع ذهباً فبان أنه نحاس أو حديد وأمثال ذلك ، فإن هذه العناوين دخيلة في الفردية وتخلّفها يوجب بطلان البيع طبعاً لعدم انعقاد البيع بالنسبة إليه ، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، من دون فرق بين أن يعبر ويقول : بعت هذا الحيوان على أن يكون فرساً أو بعت هذا الفرس ، فإن عنوان الفرسية عنوان مقوم للمبيع فإذا تخلف وظهر غيره يبطل البيع بالنسبة إليه جزماً.
.................................................................................................
هذا كلّه فيما إذا كان المبيع مثلاً شخصيا.
وأمّا إذا كان كلياً ففيه تفصيل بالنسبة إلى الأوصاف المأخوذة في المبيع. وتوضيح ذلك : أن المبيع مثلاً إذا كان كلياً فإن كانت الأوصاف المأخوذة موجبة لاختلاف الجنس والماهية فمرجعها إلى التقييد في المبيع ، فلو قال : بعتك مناً من الطعام في ذمّتي على أن يكون حنطة أو شعيراً أو أُرزاً فسلّم غير المشروط عليه لم تبرأ ذمّته عمّا اشتغلت به للمشتري ، فإن ما سلّم لم يبع وما بيع لم يسلّم.
وإن كانت من الأوصاف التي لا تكون دخيلة في الماهية والجنس فإن كانت من الصفات المصنِّفة بمعنى وقوع البيع على صنف خاص في قبال صنف آخر ، كبيع الحنطة من المزرعة الفلانية أو أن يستأجره للخياطة الرومية دون العربية فإن ذلك أيضاً موجب للتقييد ، فإنّ المبيع أو المستأجر عليه وإن كان كلياً لكنّه مقيّد بخصوصية توجب التقييد بحسب ما هو المرتكز في الأذهان ، فيختص البيع أو الإجارة بذاك الأمر الخاص وإذا تخلف لا يستحق البائع أو الأجير شيئاً من الثمن أو الأُجرة ، لعدم إتيان العمل المستأجر عليه وعدم تسليم المبيع ، لأنّ المفروض أن ما وقع عليه العقد هو الكلي المنطبق على صنف خاص دون غيره.
وأمّا إذا لم تكن من الصفات المصنِّفة وكان الشرط أمراً أجنبياً كاشتراط خياطة الثوب في بيع الحنطة ، فإنّه لا يوجب تقييداً في المبيع ضرورة أن أخذ الأمرين الأجنبي أحدهما عن الآخر لا يكون قيداً له ، فلو سلم البائع الحنطة ولم يخط الثوب فقد سلم نفس المبيع إلى المشتري ، غاية الأمر أن له مطالبة خياطة الثوب وله الخيار عند التخلف ، فالمبيع نفس المبيع سواء خاط الثوب أم لا ، فليست الخياطة ونحوها من الأوصاف المشخّصة والمصنفة كالكتابة ونحوها من الأوصاف التي توجب الاختلاف في الصنف ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الإجارة كما إذا اشترط خياطة الثوب في الاستئجار لحج أو صلاة ، فإن الخياطة لا تؤثر في العمل المستأجر عليه من الحج أو الصلاة فإنّ الخياطة عمل خارجي أجنبي عن العمل المستأجر عليه ، ولا يوجب تقييداً في العمل المستأجر عليه وإن وجب الإتيان به حسب الاشتراط والالتزام المقرّر بينهما.
.................................................................................................
نعم ، ربّما يمكن إرجاع هذا النحو من الأوصاف إلى القيد ودخله في العمل المستأجر عليه بنحو من العناية ، بدعوى أن المستأجر عليه هو الحج الخاص المتعقب بالخياطة أو المقرون بها أو المسبوق بها ، فلو تخلّف لم يكن آتياً بالعمل المستأجر عليه.
هذا ، ولكن ذلك على خلاف المرتكز ، فإن المرتكز في أمثال المقام هو الاشتراط لا التقييد ، هذا كله بحسب الكبرى الكليّة.
وأمّا بالنسبة إلى التمتّع والإفراد والقران من أنواع الحج فالظاهر أنها من الصفات المصنفة ، فإذا تعلّقت الإجارة بواحد منها فلا محالة يكون الأخذ على نحو القيدية فإذا استأجره للحج واشترط عليه التمتّع وخالف وحج حج الإفراد لم يأت بالعمل المستأجر عليه أصلاً ، فالاشتراط في أمثال المقام يرجع إلى التقييد حسب الارتكاز العرفي.
وأمّا العدول إلى غير ما عيّن له ، فإن كان برضا المستأجر وأمره فيستحق الأجير الأُجرة المسماة وإن كان المقام من باب تغيير الجنس والاختلاف في الحقيقة ، لأنّ أمر المستأجر بالعدول ورضاه بذلك يوجب الضمان ، وإن لم يرض المستأجر بالعدول فلا يجوز العدول للأجير ، وإذا عدل من دون رضاه لا يستحق شيئاً حتى إذا عدل إلى الأفضل ، هذا تمام الكلام فيما تقتضيه القاعدة.
المقام الثاني : فيما يقتضيه النص ، فاعلم أوّلاً أن مقتضى القواعد الأولية في باب الإجارة عدم جواز العدول للأجير عمّا عيّن عليه المستأجر ، ولو عدل لا يستحق شيئاً من الأُجرة ، ولكن مع ذلك وقع الخلاف في جواز العدول إلى حج التمتّع لمن استؤجر على حج الإفراد أو القرآن وإن لم يرض المستأجر.
فقد ذهب جماعة منهم الشيخ (قدس سره) إلى جواز العدول إلى الأفضل كالعدول من الإفراد أو القرآن إلى التمتّع (1)تعبّداً من الشارع ، واستدلّوا بصحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها عنه
1) المبسوط 1 : 324.
.................................................................................................
حجّة مفردة فيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال : نعم إنما خالف إلى الفضل» (1).
وأمّا السند فقد ذكر صاحب الوسائل بعد قوله أبي بصير يعني المرادي وهو ليث بن البختري الثقة بالاتفاق ، إلّا أنه لم يظهر من أي قرينة أن أبا بصير هذا هو المرادي ، ولم يذكر المشايخ الثلاثة المرادي في كتبهم ، فهذه الزيادة والاستظهار من صاحب الوسائل ، وكان عليه (قدس سره) أن يشير إلى ذلك حتى لا يتوهم أحد أن الزيادة من المشايخ ، ومن ثمّ ذكر السيّد في المدارك أن الرواية ضعيفة باشتراك أبي بصير بين الثقة والضعيف ، لاشتراك أبي بصير بين ليث المرادي الذي ثقة اتفاقاً ، وبين يحيى بن القاسم الذي لم تثبت وثاقته عند جماعة (2)، ولكن الترديد غير ضائر عندنا لأنّ يحيى بن القاسم ثقة أيضاً كما حقق في محلّه (3)، فالرواية معتبرة ومدلولها جواز العدول إلى الأفضل مطلقاً رضي المستأجر أم لا.
وأجاب المصنف (قدس سره) بأن المعتبرة منزّلة على صورة العلم برضا المستأجر بالعدول مع كونه مخيّراً بين النوعين ، جمعاً بينها وبين خبر آخر عن الحسن بن محبوب عن علي (عليه السلام) «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها عنه حجّة مفردة ، قال : ليس له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج ، لا يخالف صاحب الدراهم» (4).
ولكن هذا الخبر ضعيف سنداً ، لأنّه من غير المعصوم بشهادة الشيخ الذي روى هذه الرواية في التهذيب والاستبصار (5)، فقد ذكر (قدس سره) أنه حديث موقوف غير مسند إلى أحد من الأئمة (عليهم السلام) ، فإن عليّاً الذي روى عنه الحسن بن
1) الوسائل 11 : 182 / أبواب النيابة في الحج ب 12 ح 1. ولا يخفى أن متن الرواية يختلف يسيراً مع ما ذكره المصنف ، والصحيح ما ذكره كما في الوسائل وكتب المشايخ [الاستبصار 2 : 323 / 1145، الكافي 4 : 307 / 1 ، الفقيه 2 : 261 / 1272].
2) المدارك 7 : 121.
3) معجم الرجال 21 : 79.
4) الوسائل 11 : 182 / أبواب النيابة في الحج ب 12 ح 2.
5) التهذيب 5 : 416 / 1447 ، الاستبصار 2 : 323 / 1146.
.................................................................................................
محبوب ليس من الأئمة ، وذكر (عليه السلام) بعده كما في الوسائل والاستبصار في الطبعة الحديثة من أغلاط النساخ أو المطبعة ، فإن الشيخ بنفسه يصرح بأنه خبر موقوف غير مسند ، فقول (عليه السلام) ليس من الشيخ جزماً ، ولو احتمل احتمالاً ضعيفاً أنه أمير المؤمنين (عليه السلام) فالخبر ضعيف أيضاً للفصل الكثير بين الحسن ابن محبوب والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يحتمل أنه الإمام على الرضا (عليه السلام) ، فإن الحسن بن محبوب وإن أمكن روايته عنه (عليه السلام) ولكن لم يطلق اسم عليّ وحده في شيء من الروايات على الإمام الرضا (عليه السلام) والظاهر أن المراد به علي بن رئاب كما عن المدارك (1)وقد كثرت روايات ابن محبوب عنه تبلغ 287 مورداً ، فيكون الحكم المذكور من فتاوى علي بن رئاب (2)ولا حجية لفتواه ، فالمعتمد إنما هو صحيح أبي بصير.
ولكن الظاهر قصور الدلالة عن جواز العدول تعبّداً ، لأنّه لو كان (عليه السلام) مقتصراً على قوله «نعم» لدلّت الرواية على جواز العدول تعبداً ، إلّا أنّ تعليله (عليه السلام) بقوله : «إنما خالف إلى الفضل» ظاهر في أنّ التعليل تعليل ارتكازي غير تعبّدي وأنّه (عليه السلام) في مقام بيان أمر ارتكازي طبيعي ، وهو أنّه لو استأجر أحد شخصاً على عمل فيه الفضل وكان غرضه وصول الثواب إليه فلا ريب في أنّه يجوز له اختيار الأفضل لأنّ ثوابه أكثر ، فالتبديل حينئذ يكون برضا المستأجر قطعاً.
ومع قطع النظر عن هذه القرينة القطعية فلا ريب في عدم جواز التبديل حتى إلى الأفضل ، لأنّ الواجب على الأجير تسليم المملوك إلى مالكه وتسليم العمل المستأجر عليه إلى المستأجر ، وتبديله إلى مال أو عمل آخر غير جائز وإن كان هو أفضل فإنّ من استؤجر لزيارة مسلم بن عقيل (عليه السلام) أو لقراءة دعاء كميل أو لإتيان
[3154] مسألة 13 : لا يشترط في الإجارة تعيين الطريق وإن كان في الحج البلدي لعدم تعلّق الغرض بالطريق نوعاً ، ولكن لو عيّن تعيّن ، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره إلّا إذا علم أنه لا غرض للمستأجر في خصوصيته وإنما ذكره على المتعارف فهو راض بأي طريق كان ، فحينئذ لو عدل صحّ واستحق تمام الأُجرة وكذا إذا أسقط بعد العقد حق تعيينه (1) ،
النوافل لا يجوز له التبديل إلى زيارة الحسين (عليه السلام) أو قراءة القرآن أو صلاة الفرائض ، وهذا أمر واضح لا غبار عليه ، فالصحيحة ظاهرة في جواز العدول فيما إذا كان المستأجر في مقام بلوغ الثواب وعود الفضل إليه ، فإن الأجير حينئذ يقطع برضا المستأجر بالعدول إلى الأفضل حسب الارتكاز ، فالرواية منزّلة على صورة العلم برضا المستأجر كما هو الغالب في أمثال هذه الموارد ، نظير ما لو استأجره لخياطة ثوبه بالخياطة العراقية فبدّل الأجير الخياطة إلى ما هو أحسن منها كالخياطة الرومية ونحوها ممّا يقطع الأجير بالرضا.
ثمّ ذكر السيّد المصنف (قدس سره) في آخر المسألة أنه لو خالف الأجير وأتى بغير ما عين له فلا يستحق شيئاً من الأُجرة ، لما عرفت أن الإجارة إنما وقعت على وجه التقييد حسب الارتكاز العرفي فلا بدّ من تسليم العمل الذي وقع عليه الإيجار ، وأمّا إذا أتى بغيره فلا يستحق الأُجرة لكونه متبرّعاً حينئذ وإن برئت ذمّة المستأجر عن الحج وكان حجّه صحيحاً عن المنوب عنه ، وأمّا إذا كان التعيين على وجه الشرطية لا القيدية ، بمعنى أن الإيجار وقع على طبيعي الحج وإنما اشترط عليه خصوص القرآن أو الإفراد فخالف ، فيستحق تمام الأُجرة لإتيان العمل المستأجر عليه ، غاية الأمر للمستأجر خيار تخلّف الشرط ، ولو فسخ للأجير أُجرة المثل لا المسماة لفسادها بالفسخ.
(1) لو عيّن له الطريق وكان له ظهور في عدم تعلّق غرضه بخصوص ذلك وإنما ذكره على المتعارف الخارجي وإلّا فهو راض بأيّ طريق كان ، فيرجع الأمر في
فالقول بجواز العدول مطلقاً أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية ضعيف كالاستدلال له بصحيحة حريز «عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحجّ عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة ، فقال : لا بأس ، إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّة» ، إذ هي محمولة (1)على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب ، مع أنها إنما دلّت
الحقيقة إلى عدم التعيين ويكون ذكره في حكم العدم ، فحينئذ لو عدل صحّ واستحق تمام الأُجرة ، وأمّا إذا كان له غرض خاص في تعيين الطريق فمقتضى وجوب الوفاء بالعقد تعين الطريق وليس للأجير العدول إلى غيره.
وعن جماعة جواز العدول مطلقاً ، وعن آخرين جواز العدول مع عدم العلم بغرض في الخصوصية.
ولا يخفى أن مقتضى القاعدة هو الأخذ بظهور الكلام وتعيّن الطريق عليه ما لم تكن قرينة على الخلاف.
وأمّا القائلون بجواز العدول فاستدلوا عليه بصحيحة حريز «عن رجل أعطى رجلاً حجة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال : لا بأس ، إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه» (2).
وأجاب عنه في المتن أوّلاً بأنها محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب.
وفيه : أن مورد السؤال في الرواية هو التخلف من جهة مبدأ السفر ، وكون الغالب في اشتراط ذلك عدم الخصوصية ممنوع ، فإن الغرض في الحج البلدي مع كثرته كثيراً ما يتعلّق بالبدأة من البلد المعيّن فلا قرينة على هذا الحمل.
وثانياً بأن الرواية إنما تدل على صحّة الحج من حيث هو ، لا من حيث كونه عملاً
.................................................................................................
مستأجراً عليه كما هو المدعى. وبعبارة أُخرى : الرواية ناظرة إلى صحّة العمل بعد وقوعه وأنه يوجب تفريغ ذمّة المنوب عنه وأن هذه المخالفة لا تفسده ، فكأن السائل زعم فساد الحج لأجل مخالفة الطريق فأجاب (عليه السلام) بأنه إذا قضى جميع المناسك وأتى بالأعمال فقد تمّ حجّه وصح ، فالسؤال عن أمر واقع في الخارج وأنه يوجب تفريغ الذمة أم لا ، وليس السؤال ناظراً إلى جواز العدول وعدمه ، فالرواية قاصرة الدلالة عن جواز العدول ، فالمرجع القاعدة المقتضية لوجوب الوفاء بالعقد والتعيين فيه يوجب التعين عليه.
وكيف كان ، لو تعين عليه طريق وخالف وعدل إلى طريق آخر فلا ريب في صحّة حجّه وبراءة ذمّة المنوب عنه ، إذا لم يكن الواجب عليه مقيّداً بخصوصية الطريق المعيّن كما إذا كان ناذراً لطريق خاص.
إنما الكلام في استحقاقه الأُجرة على تقدير العدول والمخالفة وعدمه وقد ذكر في المتن صوراً لذلك.
الاولى : ما إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئية.
الثانية : ما إذا أُخذ الطريق على وجه القيدية.
الثالثة : ما إذا كان الطريق مأخوذاً على نحو الشرطية.
أمّا إذا كان مأخوذاً على نحو الشرطية فحاله حال سائر الشروط ، بحيث يكون للمستأجر غرضان غرض تعلق بنفس العمل وغرض آخر تعلق بالشرط المنضم إلى العمل ، فإذا خالف وأتى بأصل العمل من دون الشرط يستحق تمام الأُجرة لإتيانه بمتعلق الإجارة ، وتخلف الشرط لا يضرّ بإتيان العمل المستأجر عليه ، نظير تخلف الخياطة المشترطة في البيع أو في إيجار عمل من الأعمال ، غاية الأمر يثبت الخيار للمستأجر عند التخلف ، فإذا فسخ يسترجع الأُجرة ويثبت للأجير أُجرة المثل ، لأنّ العمل الصادر منه صدر بأمر المستأجر.
وأمّا إذا كان مأخوذاً على نحو القيدية كالحج البلدي المأخوذ فيه الشروع من بلد خاص ، أو نذر الحج من البلد الخاص ، أو المريض الذي وجب عليه الإحجاج
على صحّة الحج من حيث هو لا من حيث كونه عملاً مستأجراً عليه كما هو المدعى ، وربّما تحمل على محامل أُخر.
وكيف كان ، لا إشكال في صحّة حجّه وبراءة ذمّة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيّداً بخصوصية الطريق المعيّن ، إنما الكلام في استحقاقه الأُجرة المسماة على تقدير العدول وعدمه ، والأقوى أنّه يستحق من المسمّى بالنسبة ويسقط منه
والتجهيز من بلده كما احتمله بعضهم وإن اخترنا كفاية الميقاتية فيه فلا يستحق شيئاً من الأُجرة ، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه وإن برئت ذمّة المنوب عنه بما أتى به ، لأنّه حينئذ يكون متبرعاً بعمله فلا يستحق شيئاً.
وبعبارة اخرى : العمل المستأجر عليه يباين الموجود الخارجي والمأتي به ، إذ المفروض أنّ الإيجار وقع على حصّة خاصّة المعبر عنها بشرط شيء ، وما أتى به حصّة أُخرى المعبر عنها بالطبيعي بشرط لا ، وهما متباينان ويجمعهما الطبيعي اللّابشرط المقسمي ، فيكون حال المقام كما إذا استأجره للصلاة فخالف وصام أو استأجره لزيارة الحسين (عليه السلام) فزار مسلم بن عقيل (عليه السلام) أو استأجره لقراءة القرآن فقرأ دعاء كميل وهكذا فإنه لا يستحق شيئاً من الأُجرة في جميع ذلك ، بل يكون متبرعاً بعمله ومعه لم يستحق شيئاً.
وذهب الشيخ صاحب الجواهر إلى أنه يستحق الأُجرة بالنسبة ، لأنّ العمل المستأجر عليه عمل مركب ذو أجزاء عرفاً ، فإذا خالف ولم يأت بالقيد يصدق كونه بعض العمل المستأجر عليه ، وليس ما أتى به صنفاً ونوعاً آخر يباين العمل المستأجر عليه بل هو جزء منه (1).
ويرد عليه : أنه لو فرض أخذ الطريق على نحو التقييد فالعمل المستأجر عليه هو العمل المقيّد لا العمل المركب من شيئين ، فإذا خالف ولم يأت بالقيد فلم يأت بالعمل
1) الجواهر 17 : 376.
بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئية ، ولا يستحق شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيديّة ، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وإن برئت ذمّة المنوب عنه بما أتى به لأنه حينئذ متبرع بعمله.
ودعوى أنه يعد في العرف أنه أتى ببعض ما استؤجر عليه فيستحق بالنسبة وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الأجزاء كما ذهب إليه في الجواهر لا وجه لها ، ويستحق تمام الأُجرة إن كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية بمعنى الالتزام في الالتزام ، نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط فيرجع إلى أُجرة المثل.
المستأجر عليه ، لا أنه أتى بجزء ولم يأت بالجزء الآخر ، فإن الطبيعي الموجود في ضمن مورد الإجارة غير الطبيعي الموجود في ضمن بشرط لا ، نظير ما لو استأجره لزيارة الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة فزار يوم عاشوراء فإن الزيارة وإن كانت صادقة في الموردين ، ولكن الزيارة التي وقع عليها عقد الإجارة زيارة خاصّة تنافي زيارة اخرى وتباينها.
وأمّا المأخوذ على نحو الجزئية فتارة تكون الجزئية في مقام الإثبات والدلالة بمعنى أن متعلق الإجارة في الحقيقة أمران وفي البين إجارتان ، إجارة مستقلة تعلقت بهذا الجزء كالطريق الخاص ، وإجارة مستقلّة أُخرى تعلقت بأعمال الحج ولكنه أنشأهما بإنشاء واحد وجمعهما بعبارة واحدة ، فحينئذ لو خالف وأتى بالحج من غير الطريق المتعين عليه فللمستأجر مطالبة الأجير بقيمة العمل الذي لم يأت به ، حيث إن الأجير لم يسلّم العمل الذي صار ملكاً للمستأجر فيثبت له الخيار ، وقد لا يفسخ وقد يفسخ.
فإن لم يفسخ فله مطالبة الأجير بقيمة العمل الذي تركه ، لأنّ المفروض أن العمل ملك للمستأجر وقد فوّت عليه الأجير ولا ينفسخ عقد الإجارة بالنسبة إلى العمل الذي لم يسلّمه ، لأنّ عدم التسليم في الخارج لا يوجب الانفساخ ، وأمّا الأجير
.................................................................................................
فيستحق على المستأجر أُجرة العمل الذي ملّكه للمستأجر ، فالمستأجر يستحق قيمة العمل على الأجير والأجير يستحق اجرة العمل على المستأجر ، والقيمة قد تكون أزيد من الأُجرة وقد تكون أقل.
وأمّا إذا فسخ المستأجر فله أخذ الأُجرة المسماة واستردادها من الأجير ، وحيث لم يكن اتخاذ الطريق الآخر بأمر من المستأجر فلا يستحق الأجير عليه شيئاً.
وأُخرى : يكون المركب مورداً للإجارة نظير بيع شيئين منضمين بصفقة واحدة أحدهما مشروط بالآخر ، فيقسّط الثمن أو الأُجرة بالنسبة إلى ما سلّمه وإلى ما لم يسلّمه ، وللمستأجر الخيار عند التخلّف والتبعيض في التسليم ، فإذا فسخ حتى بالنسبة إلى المقدار المسلّم فإنّ تبعض الصفقة يثبت له الخيار مطلقاً بالنسبة إلى المقدار المسلّم وغيره فالأجير لا يستحق شيئاً من الأُجرة المسماة لأنّ متعلق العقد لم يتحقّق ، وإنّما له اجرة المثل لأنّه أتى بالعمل بأمره.
وإن لم يفسخ فللمستأجر مطالبة الأجير بقيمة العمل الذي فوّته على المستأجر فلو فرضنا أنه استأجره للحج من طريق خاص بمائتي دينار ، مائة لإعمال الحج ومائة اخرى للطريق الخاص ، وخالف الأجير وحج من طريق آخر فللمستأجر الخيار ، فإن لم يفسخ فالمقدار الذي صدر من الأجير يستحق أُجرته ، وأمّا الآخر الذي لم يصدر منه فليس للمستأجر مطالبة أُجرته واسترجاعها من الأجير ، لأنّ المفروض أن الإجارة صحيحة وغير منفسخة ولا موجب لاسترداد الأُجرة ، بل له مطالبة الأجير بقيمة العمل الذي فوّت الأجير عليه ولم يسلّمه إليه.
وبالجملة : ما ذكر من الانفساخ بالنسبة إلى غير المسلّم لا وجه له ، فإن الجزئية في المقام كتبعّض الصفقة بالنسبة إلى تقسيط الأُجرة واشتراط كل واحد منهما بالآخر نظير ما لو استأجره لخياطة الثوب فمات الأجير أثناء الخياطة ، فإن أجاره خياطة الثوب مشروطة بخياطة تمام الثوب ، فإن لم يتحقق الشرط يثبت الخيار للمستأجر فإنّ فسخ فالأجير له اجرة المثل وإن لم يفسخ فالمستأجر له مطالبة قيمة العمل الذي
[3155] مسألة 14 : إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معيّنة ثمّ آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً بطلت الإجارة الثانية (1) لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالأُولى ، ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحّتا معاً ، ودعوى بطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الاولى لأنّه يعتبر في صحّة الإجارة تمكّن الأجير من العمل بنفسه فلا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن وكذا لا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة ، ممنوعة فالأقوى الصحّة.
فوّته الأجير على المستأجر ، إذ المفروض أن الإجارة صحيحة ولا موجب للانفساخ.
(1) لأنّ العمل بالثانية غير مقدور له ولم يتمكن من تسليمها بعد وجوب العمل بالأُولى ، وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً من حيث المباشرة والتسبيب فضلاً عن كليهما صحّتا جميعاً ، لأنّ العبرة بالقدرة على الجامع بين المباشرة والتسبيب وهي حاصلة.
وقد يقال ببطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأُولى ، لأنه يعتبر في صحّة الإجارة تمكن الأجير من العمل بنفسه وهو غير حاصل في المقام ولذا لا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن ولو على نحو الإطلاق ، كما لا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة.
وفيه : أن المعتبر حصول القدرة على متعلق الإجارة وهو الجامع بين المباشرة والتسبيب والمفروض حصولها عليه ، ولا يعتبر حصول القدرة على كل من فردي الجامع بخصوصه ، ولذا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد إذا لم يشترط فيها المباشرة ، هذا كله في إجارة الحج نفسه.
وأمّا إذا آجر نفسه ثانياً للمقدّمات ولتحصيل النائب ، فلا مانع منه أصلاً ، لأنّ الإجارة الثانية وقعت على فعل آخر أجنبي عن متعلق الإجارة الأُولى.
هذا إذا آجر نفسه ثانياً للحج بلا اشتراط المباشرة ، وأمّا إذا آجر نفسه لتحصيله فلا إشكال فيه ، وكذا تصح الثانية مع اختلاف السنتين أو مع توسعة الإجارتين أو توسعة إحداهما (1) ، بل وكذا مع إطلاقهما أو إطلاق إحداهما إذا لم يكن انصراف إلى التعجيل. ولو اقترنت الإجارتان كما إذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الإجارتين في وقت واحد بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما (2).
(1) لعدم التنافي بين الاجارتين وحصول القدرة عليهما ، وكذا تصح الثانية مع إطلاقهما من حيث المدّة أو إطلاق إحداهما ، لأنّ المعتبر في الصحّة هو القدرة على التسليم وهي حاصلة ، فحال الإطلاق من حيث التوسعة في الوقت حال التصريح بالتوسعة ما لم ينصرف الإطلاق إلى التعجيل ، وأمّا إذا انصرف إليه فحاله حال التقييد ، كما هو الحال في سائر العبادات المتعلقة للإجارة ، ولا يبعد دعوى انصراف إيجار الحج إلى التعجيل والإتيان به في نفس سنة الإيجار بخلاف الإيجار على الصلاة والصوم.
وبالجملة : الميزان في الصحّة قدرة الأجير ، فلو انصرف الإيجار إلى التعجيل وإتيان الحج في هذه السنة تبطل الثانية لعدم القدرة على متعلقها ، وإلّا تصح ويأتي بها في السنة الثانية ، هذا كله في الاجارتين المتعاقبتين.
(2) لو اقترنت الإجارتان كما إذا آجر نفسه لشخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما كما هو الحال في سائر الموارد ، مثل ما إذا باع ماله بنفسه من شخص وباع وكيله نفس المال من شخص آخر في وقت واحد ، أو زوجت نفسها من شخص وزوجها وكيلها من شخص آخر في وقت واحد ففي جميع ذلك تبطلان معاً ، لأنّ صحّة العقد تحتاج إلى الدليل والأدلّة لا تشمل المقام ، لأنّ شمولها لهما معاً غير ممكن وشمولها لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح فالنتيجة هي البطلان.
ولو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الإجارتين يجوز له إجازة إحداهما كما في صورة عدم الاقتران (1).
ولو آجر نفسه من شخص ثمّ علم أنه آجره فضولي من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه ليس له إجازة ذلك العقد (2) وإن قلنا بكون الإجازة كاشفة بدعوى أنها حينئذ تكشف عن بطلان إجارة نفسه ، لكون إجارته نفسه مانعاً عن صحّة الإجازة حتى تكون كاشفة وانصراف أدلّة صحّة الفضولي عن مثل ذلك.
(1) لو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الاجارتين أو كانتا متعاقبتين يجوز له إجازة أيّهما شاء ، فإن الصحّة والنفوذ تابعان للإجازة ، فإذا أجاز أحدهما يستند العقد إليه حين الإجازة ، والسّبق واللّحوق في العقدين الصادرين من الفضوليين أجنبيان عن إجازة المالك ، فإن المالك له أن يجيز أي واحد من العقدين سواء العقد السّابق أو اللّاحق ، فإذا أجاز أحدهما يستند العقد إليه.
(2) لو آجر نفسه من شخص وآجره فضولي من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه ليس له إجازة ذلك العقد السابق ، وعلله المصنف بانصراف أدلّة صحّة الفضولي عن مثل هذا الفرد ، ولا يخفى ما فيه من المسامحة ، والأولى أن يعلّل ذلك بقصور أدلّة صحّة المعاملة الفضولية عن شمول ذلك.
بيان ذلك : أنا إذا قلنا بأن دليلها هو النصوص الخاصّة فهي غير شاملة للعقد الفضولي الذي سبقه عقد المالك بنفسه كما في المقام ، فإنّ ما دلّ على صحّة نكاح الفضولي لا يشمل المورد الذي زوجت المرأة نفسها لشخص آخر ، وكذا لم يرد أي نص على صحّة بيع الفضولي وقابليته للإجازة إذا باع المالك بنفسه ماله من شخص آخر ، لأنّ مورد النصوص المعاملة التي لم تسبقها معاملة المالك بنفسه فلا حاجة إلى دعوى الانصراف ، بل قصور الروايات وعدم شمولها لأمثال المقام يكفي في فساد الإجارة الثانية.
وإذا قلنا بأن دليل صحّة الفضولي هو القاعدة المستفادة من العمومات كقوله
[3156] مسألة 15 : إذا آجر نفسه للحج في سنة معيّنة لا يجوز له التأخير بل ولا التقديم إلّا مع رضا المستأجر ، ولو آخر لا لعذر أثم ، وتنفسخ الإجارة (1)إن كان التعيين على وجه التقييد ، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية (2)(1).
تعالى ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (3)و ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (4)فيكون المالك المجيز مشمولاً لوجوب الوفاء بالعقد ، لأنّ العقد الفضولي يستند إلى المالك بإجازته ويكون العقد عقداً له بالإجازة ، فإن الأُمور الاعتبارية يصح استنادها إلى المجيز حقيقة وإن لم يصدر العقد منه ، ويصدق عنوان البائع أو المؤجر عرفاً على نفس المالك بمجرّد الإجازة فحينئذ المعاملة الفضولية الواقعة على ملك المالك بعد صدور معاملة من نفس المالك غير قابلة للإجازة والاستناد إليه ثانياً ، لأنّ المالك إذا باع مال نفسه لا يملك أمره بعده ، وكذلك المرأة إذا زوجت نفسها من شخص غير مالكة لأمرها حتى تجيز أم لا.
وبالجملة : الدليل الدال على الصحّة قاصر الشمول للمقام ، والقاعدة المقتضية للصحّة أيضاً غير شاملة له لعدم القابلية للاستناد ، فالبطلان على القاعدة ، فظهر أن التعبير بالانصراف فيه مسامحة واضحة.
(1) أمّا التأخير فلا يجوز له مطلقاً سواء كان التعيين على وجه التقييد كما استظهرناه في هذه الموارد أو على وجه الاشتراط كما هو المفروض في كلام المصنف فلو أهمل وتخلف وأخره لا لعذر فلا ريب في أنه آثم.
وهل تبطل الإجارة وتنفسخ على تقدير القيدية كما في المتن أم لا؟ الظاهر أنه لا موجب للبطلان لأنّ الإهمال في الإتيان وعدم التسليم لا يوجبان الفساد ، فإن
وإن أتى به مؤخراً لا يستحق الأُجرة على الأوّل وإن برئت ذمّة المنوب عنه به ويستحق المسماة على الثاني إلّا إذا فسخ المستأجر فيرجع إلى أُجرة المثل ،
المستأجر قد ملك هذا العمل في ذمّة الأجير ويجب عليه تسليمه إلى المستأجر ، وحيث لم يسلم إليه العمل في وقته المقرر يثبت الخيار للمستأجر ، فإذا فسخ المستأجر العقد يطالب الأجير بالأُجرة المسماة ، وإذا لم يفسخ يطالبه بقيمة العمل الذي فوته الأجير على المستأجر فلا مقتضي للبطلان والانفساخ أصلاً ، وقد تكون القيمة التي يأخذها من الأجير أكثر من الأُجرة وقد تكون أقل.
وأمّا لو فرض كون التعيين على وجه الاشتراط فإن أسقط المستأجر الشرط فيستحق الأجير الأُجرة المسماة ، لأنه أتى بالعمل المستأجر عليه فيستحق الأُجرة المقابل له ، وإن فسخ حسب خيار تخلف الشرط يأخذ الأُجرة المسماة ويسترجعها من الأجير ، ولكنه يعطيه اجرة المثل في قبال العمل الذي أتى به بأمر المستأجر.
وأمّا التقديم على الوقت الذي عيّنه ، فإن كان هناك قرينة على أن التحديد والتعيين بوقت خاص لأجل عدم التأخير عن هذا الوقت وإلّا فالمستأجر في نفسه يرغب في التقديم لكونه أولى ، كما إذا أراد أن يستأجر شخصاً للحج في هذه السنة فاعتذر لوجود مانع عنه فاستأجره للسنة الثانية ، فيعلم من ذلك أن السنة الثانية لا خصوصية لها وإنما ذكرها لأجل عدم تمكن الأجير من الإتيان في السنة الأُولى ، فإذا ارتفع المانع وتمكن من الإتيان به في هذه السنة فلا مانع من التقديم.
وبعبارة اخرى : السنة الثانية إنما أُخذت قيداً بالنسبة إلى التأخير ، بمعنى أنه لا يؤخره عن السنة الثانية لا أنه لا يقدّمه عليها فإن التقديم أفضل وأرضى للمستأجر هذا فيما إذا كانت قرينة.
وإن لم تكن في البين قرينة بل قامت القرينة على العكس وأنه لا يريد التقديم كما إذا علمنا أن غرض المستأجر هو الإحجاج في كل سنة وإرسال شخص إلى الحج ، ففي كل سنة له غرض بخصوصه ، فحينئذ إن كان التعيين من باب التقييد ففي الحقيقة لم يأت
وإذا أطلق الإجارة (1)وقلنا بوجوب التعجيل لا تبطل مع الإهمال ، وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان من أن الفوريّة ليست توقيتاً ومن كونها بمنزلة الاشتراط (1).
بما هو الواجب عليه في فرض التقديم ، ولا يستحق شيئاً من الأُجرة لا المثل ولا المسمّى لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه وعدم تسليمه إيّاه ، وما أتى به لم يكن بأمر من المستأجر ، فما وجب عليه باق في ذمّته ، وإن كان التعيين من باب الاشتراط يثبت له الخيار على النحو الذي عرفت من أنه إن لم يفسخ المستأجر يستحق الأجير تمام الأُجرة ، لأنّها في مقابل ذات العمل وقد أتى به ، وإن فسخ فله أن يسترجع الأُجرة المسماة ويعطي للعامل اجرة المثل لأنه أتى به بأمره ، ففي فرض التقديم لا يحتمل الانفساخ أصلاً لبقاء الوقت والتمكن من أدائه فيه.
(1) إذا أطلق الإجارة وقلنا بوجوب التعجيل وأهمل الأجير ولم يأت به فوراً فهل يثبت الخيار للمستأجر حينئذ أم لا؟ وجهان.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الإطلاق إذا كان منصرفاً إلى التعجيل فحاله حال التقييد والتوقيت ، لعدم الفرق في الدلالة على التعجيل بين كونه مستفاداً من الدليل اللفظي أو الانصراف لأنّ العبرة بالظهور ، فإن قلنا بالبطلان في مورد التقييد نقول به هنا أيضاً ، وإن لم نقل به فإمّا يتحقق الفسخ من المستأجر أو لا ، فيجري فيه ما يترتب على الفسخ وعدمه كما تقدّم ، وإن لم ينصرف إليه فلا موجب للتعجيل فإن العقد لا يقتضي إلّا اشتغال ذمّة الأجير بالعمل ، فحاله حال الدين المطلق في عدم لزوم التعجيل بالأداء إلّا مع المطالبة ، وإن لم يكن مطالباً فلا دليل على لزوم التعجيل.
وبالجملة : العقد بنفسه لا يقتضي التعجيل ، ولو فرضنا وجوبه فهو واجب شرعي تعبّدي لا يقتضيه العقد وإنما اقتضاه دليل آخر ، نظير وجوب أداء الأمانة فوراً ونحو ذلك من الأدلّة ، ولا يوجب تخلفه خياراً لأنّ تخلّف الواجب الشرعي لا يقتضي
1) (*) إذا كان الإطلاق منصرفاً إلى التعجيل كان راجعاً إلى التوقيت ، وإن لم يكن منصرفاً إليه لم يجب التعجيل إلّا مع المطالبة.
[3157] مسألة 16 : قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معيّنة ثمّ آجر من آخر في تلك السنة ، فهل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجر الأوّل أو لا؟ فيه تفصيل : وهو أنّه إن كانت الأُولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصحّ الثانية بالإجازة (1)، لأنّه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتى تصحّ له إجازتها ، وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة بأن تكون منفعته من حيث الحج أو جميع منافعه له ، جاز له إجازة الثانية لوقوعها على ماله (1) ،
الخيار ، فإنّ الخيار مسبب عن جعل المتعاقدين والتزامهما لا عن مجرّد مخالفة الحكم الشرعي ، فلا موجب للخيار ولا للانفساخ كما لا مقتضي للخيار.
(1) قد عرفت في المسألة الرابعة عشرة عدم صحّة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معيّنة ثمّ آجر نفسه أيضاً من شخص آخر في تلك السنة مع اشتراط المباشرة فيهما ، لحصول التنافي بينهما حينئذ وعدم القدرة على التسليم ، فهل يمكن تصحيحها أعني الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأوّل ورضاه أو لا؟
ذكر في المتن أن فيه تفصيلاً وهو أن الإجارة إذا وقعت على الملك الأوّل أي ما استؤجر عليه أوّلاً فهي قابلة للتصحيح ، كما لو آجر نفسه بجميع منافعه أو بمنفعته الخاصّة كالخياطة لشخص ثمّ آجر نفسه للخياطة لشخص ثان ، فطبعاً تقع الإجارة الثانية على المنفعة التي تكون ملكاً للمستأجر الأوّل ، نظير بيع الدار أو إجارتها الواقعين على ملك الغير ، وهذه قابلة للإجازة من المستأجر الأوّل ويمكن تصحيحها وتكون الأُجرة للخياطة الثانية للمستأجر الأوّل.
وأمّا إذا لم تكن الإجارة واقعة على المنفعة بل كانت واقعة على العمل في الذمّة كما
1) (*) بل تصح معها ، فإن الإجازة راجعة إلى إسقاط الشرط أو إلى التوسعة في الوفاء أو فسخ الإجارة الأُولى ، وعلى جميع التقادير تصح الإجارة الثانية ، وكذا الحال في نظائر المسألة.
وكذا الحال في نظائر المقام فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معيّن ثمّ آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم ليس لزيد إجازة العقد الثاني ، وأمّا إذا ملكه منفعته الخياطي فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو جاز له إجازة هذا العقد لأنّه تصرّف في متعلّق حقّه ، وإذا أجاز يكون مال الإجارة له لا للمؤجر نعم لو ملك منفعة خاصّة كخياطة ثوب معيّن أو الحج عن ميت معيّن على وجه التقييد يكون كالأوّل في عدم إمكان إجازته.
إذا استأجر شخصاً أن يحج عن والده ثمّ آجر الأجير نفسه للحج ثانياً من شخص آخر ، فليس الثاني مملوكاً للمستأجر الأوّل وليس له إجازته ، لأنّ الإيجار الثاني واقع على غير ملكه ولا دخل للمستأجر الأوّل به حتى تصح له إجازته ، وهكذا لو استأجر شخصاً لخياطة ثوب معيّن ثمّ آجر الأجير نفسه لخياطة ثوب آخر ، فإن الخياطة الثانية ليست مملوكة للمستأجر الأوّل.
وبعبارة أُخرى : إذا كانت الإجارة الأُولى واقعة على منفعة الأجير التي صارت ملكاً للمستأجر الأوّل جاز له إجازة الثانية لوقوعها على ماله وملكه نظير بيع داره أو إجارتها فضولياً ، وإذا أجاز يكون مال الإجارة للمستأجر لا الأجير ، وإن كانت الإجارة الأُولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصح الثانية بإجازة المستأجر الأوّل لأنه لا دخل للمستأجر بها لعدم وقوعها على ماله وملكه ، هكذا ذكر الماتن (قدس سره).
أقول : وليعلم أوّلاً أنه لا يعتبر في صحّة العقد الفضولي بالإجازة أن يكون مورد العقد مملوكاً لشخص المجيز ، بل يكفي أن يكون أمره بيده وإن لم يكن مملوكاً له.
ثمّ إنّ الإجارة على الحج المقيّد بالمباشرة إما أن ترجع إلى التقييد حسب الارتكاز العرفي كما استظهرناه فالمستأجر عليه هو خصوص الحج المقيّد بالمباشرة لا طبيعي الحج المشترط بها ، وإمّا أن ترجع إلى الاشتراط كما احتمله المصنف ، وعلى كلا التقديرين للمستأجر الأوّل أن يرفع اليد عن الشرط وإسقاطه ، كما أن له التوسعة
[3158] مسألة 17 : إذا صدّ الأجير أو أُحصر كان حكمه كالحاج عن نفسه فيما عليه من الأعمال ، وتنفسخ الإجارة مع كونها مقيّدة بتلك السنة ويبقى الحج في ذمّته مع الإطلاق ، وللمستأجر خيار التخلّف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد ، ولا يجزئ عن المنوب عنه وإن كان بعد الإحرام ودخول الحرم ، لأنّ ذلك كان في خصوص الموت من جهة الأخبار ، والقياس عليه لا وجه له ، ولو ضمن المؤجر الحج في المستقبل في صورة التقييد لم تجب إجابته والقول بوجوبه ضعيف (1) ،
في الوفاء بأن يبدّله بجنس آخر مع رضا الأجير كتبديل الحنطة بالشعير أو بالارز مع رضا الطرف الآخر ، فإن التبديل بجنس آخر مع الرضا جائز قطعاً ، فالمستأجر له إلغاء الشرط أو التبديل بجنس آخر مع رضا الأجير ، ولا فرق بينهما إلّا بعدم توقف إلغاء الشرط وإسقاطه على رضا الأجير بخلاف التبديل ، فإذا رفع المستأجر يده عن الشرط أو رضي بتبديل المستأجر عليه بعمل آخر مع رضا الأجير فللأجير أن يأتي بالعمل تسبيباً في هذه السنة أو يأتي به في سنة أُخرى.
إذا عرفت ذلك فلا مانع من صحّة الإجارة الثانية بالإجازة ، لأنّ مرجعها كما تقدّم إلى إسقاط الشرط أو إلى التوسعة في الوفاء والرضا بالتبديل بجنس آخر مع رضا الأجير بناءً على القيديّة ، فتكون الإجارة الثانية قابلة للإجازة ، وقد حقّق في محلّه أنّه لا يعتبر أن يكون مورد العقد ملكاً للمجيز ، بل يكفي كونه مالكاً للعقد نفياً وإثباتاً ، وأمّا إذا فسخه فالحكم بصحّة الإجارة الثانية أوضح ، إذ لم يبق مع الفسخ في ذمّة الأجير شيء ولم تكن ذمّته مشغولة للمستأجر الأوّل فتقع الإجارة الثانية على مورد فارغ ولا مانع من صحّتها أصلا.
وبالجملة : تصح الإجارة الثانية على جميع التقادير إمّا لوقوعها على محل فارغ لتحقّق الفسخ من المستأجر ، وإمّا لإسقاط الشرط ، وإمّا للرضا بالتبديل.
(1) المحصور هو الممنوع عن الحج بمرض ونحوه بعد تلبسه بالإحرام ، وحكمه أن
وظاهرهم استحقاق الأُجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال ، وهو مشكل لأنّ المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدة فيما أتى به ، فهو نظير الانفساخ في الأثناء لعذر غير الصد والحصر وكالانفساخ في أثناء سائر الأعمال المرتبطة لعذر في إتمامها ، وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري لعدم الاستناد إلى المستأجر فلا يستحق اجرة المثل أيضاً.
يبعث هدياً ويتحلّل بعد الذبح إلّا من النّساء ، والمصدود هو الممنوع عن الحج لمانع آخر كالعدو ، وحكمه ذبح الهدي في مكان الصد والتحلل به عن الإحرام ، ويأتي تفصيل ذلك في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
إنّما الكلام فعلاً في الأجير وأنه كالحاج عن نفسه في أحكام الصد والحصر أم لا؟ ولا يخفى أنّ الإجارة تنفسخ لعدم القدرة على التسليم فيما إذا كانت مقيّدة بتلك السنة وأمّا بالنسبة إلى أحكام الصد والحصر فالظاهر شمولها للنائب أيضاً لإطلاق الروايات (1)، فإنّ مقتضاه الإحلال بالهدي سواء كان الحج عن نفسه أو عن غيره والظاهر أن هذا ممّا لا إشكال فيه.
إنّما الإشكال في جهات :
منها : أن الحصر الحاصل بعد الإحرام ودخول الحرم هل يجزئ عن حج المنوب عنه أو عن النائب؟ والظاهر عدم الإجزاء عن المنوب عنه إذا كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميت ، لأنّ الفراغ بذلك على خلاف القاعدة ، وما دلّ على الإجزاء بعد الإحرام ودخول الحرم إنما هو في خصوص الموت ، وقياس صد النائب أو حصره به لا وجه له.
ومنها : لو ضمن الأجير أن يأتي بالحج في سنة أُخرى فهل تجب على المستأجر إجابته أم لا؟ الظاهر أن التعيين بالنسبة إلى هذه السنة إذا كان على نحو الاشتراط
1) الوسائل 13 : 177 / أبواب الصد والإحصار ب 1.
[3159] مسألة 18 : إذا أتى النائب بما يوجب الكفّارة فهو من ماله (1).
[3160] مسألة 19 : إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل بمعنى الحلول في مقابل الأجل لا بمعنى الفورية إذ لا دليل عليها ، والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الأجل ضعيف ، فحالها حال البيع في أن إطلاقه يقتضي الحلول بمعنى جواز المطالبة ووجوب المبادرة معها (2).
فللمستأجر الخيار ، ولو كان على نحو التقييد لم تجب إجابته ، وذكر بعضهم وجوب القبول ولا وجه له أصلاً ، لأنه جعل جديد وعقد جديد يحتاج إلى رضا مستقل للتغاير والتباين بين العمل المستأجر عليه وبين ما يأتي به في السنة اللّاحقة.
ومنها : هل تقسط الأُجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال؟ ويشكل بأن المستأجر عليه هو العمل المربوط والأجزاء المتعاقبة ، ولا عبرة بالأبعاض والأجزاء نظير ما لو استؤجر للصلاة فمات في أثنائها أو مات في أثناء النهار إذا استؤجر للصوم ، فإنّه لا يستحق شيئاً من الأجر للتغاير والتباين بين المستأجر عليه وما أتى به ، وهما شيئان متغايران فإنّ الطبيعي بشرط شيء يغاير الطبيعي بشرط لا.
(1) لا ريب في ثبوت الكفّارة على الأجير دون المستأجر ، لأنّ الأجير هو المباشر لما يوجبه فالتكليف متوجه إليه بنفسه ، ولا مقتضي لضمان المستأجر وأدائه أصلاً.
(2) لو آجر نفسه للحج على الإطلاق أو لعمل من الأعمال من دون تعيين لسنة خاصّة وأجل معيّن فإطلاق الإجارة يقتضي التعجيل بمعنى الحلول في مقابل الأجل يعني أن الأجير ليس له التأخير إذا طالبه المستأجر ، إذ لا أجل له لينتظر الأجل وأمّا التعجيل بمعنى الفورية ووجوب الأداء من غير مطالبة فلا دليل عليه.
وذهب جماعة إلى التعجيل بمعنى الفورية بدعوى أن العمل المستأجر عليه الثابت في ذمّته مال للغير ، ولا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذن المالك ورضاه ، وإبقاؤه في ذمّته وعدم تسليمه إلى المستأجر نوع من التصرف فلا يجوز إلّا برضا صاحبه.
[3161] مسألة 20 : إذا قصرت الأُجرة لا يجب على المستأجر إتمامها كما أنّها لو زادت ليس له استرداد الزائد ، نعم يستحب الإتمام كما قيل بل قيل : يستحب على الأجير أيضاً رد الزائد ، ولا دليل بالخصوص على شيء من القولين نعم يستدل على الأوّل بأنه معاونة على البر والتقوى وعلى الثاني بكونه موجباً للإخلاص في العبادة (1).
[3162] مسألة 21 : لو أفسد الأجير حجّة بالجماع قبل المشعر فكالحاج عن نفسه يجب عليه إتمامه والحج من قابل وكفارة بدنة (2) ،
وتضعف بأن إبقاء المال في الذمّة لا يعد تصرفاً في مال الغير ليتوقف على رضاه وإذنه ، ولا يقاس بإبقاء الأعيان الخارجية وعدم ردها إلى أصحابها فإن ذلك تصرف فيها قطعاً ، نظير من استعار ثوباً ونحوه فإنه ليس للمستعير إبقاء العين عنده بعد الانتفاع به في المدّة المقررة بل عليه إرجاعها وردّها ، فإن إبقاء العين نوع من الاستيلاء وهو تصرّف يتوقف على رضا المالك.
(1) يشكل الحكم بالاستحباب في الموردين بالعنوان الخاص الذي ذكره الفقهاء لعدم الدليل عليه ، وإنما ورد في عدّة من النصوص (1)عدم وجوب الرد.
أمّا الاستدلال لاستحباب الإتمام بالإعانة على البر والتقوى فإنما يتم لو كان في أثناء العمل أو قبله ، وأمّا بعد صدور العمل من الأجير فإعطاء المال له ليس معاونة على البر والتقوى ، كما أن ردّ المال الزائد بعد العمل لا يكون دخيلاً في إخلاص العبادة ، نعم يمكن الحكم بالاستحباب بعنوان آخر كالاحسان وإعطاء المال لأحد ونحو ذلك ، وأمّا الحكم بالاستحباب بعنوان التتميم أو ردّ المال فلا دليل عليه.
(2) لإطلاق النصوص (2)وشمولها للحاج عن نفسه وعن غيره. إنما الكلام في أن الأجير هل يستحق الأُجرة على الأوّل أو لا؟ قولان مبنيان على مسألة أُخرى وهي
وهل يستحقّ الأُجرة على الأوّل أو لا؟ قولان مبنيّان على أنّ الواجب هو الأوّل وأنّ الثاني عقوبة أو هو الثاني وأنّ الأوّل عقوبة.
أن الواجب الأصلي هو الحج الأوّل والثاني عقوبة ، أو عكس ذلك وأنّ الحج الأوّل فاسد وإنّما أُمر بإتمامه عقوبة والواجب الأصلي هو الحج الثاني.
فعلى الأوّل فقد أتى الأجير بالحج المستأجر عليه وبرئت ذمّة المنوب عنه ، فلو فرضنا أنّ الأجير مات قبل أن يأتي بالحج الثاني أو تركه نسياناً أو عصياناً فلا يوجب ذلك خللاً في فراغ ذمّة المنوب عنه ، غاية الأمر أنّه لم يأت الأجير بوظيفته المقررة لنفسه فذمّته بنفسه مشغولة ، وعلى هذا لا ينبغي الريب في استحقاق الأجير تمام الأُجرة المسماة لتسليم العمل بتمامه وكماله إلى المستأجر وإن ترك ما هو الواجب عليه بنفسه ، فإنه أجنبي عن العمل المستأجر عليه ، خلافاً لصاحب الجواهر (1)وجماعة فإنهم أصروا على أن الحج الأوّل فاسد وإنما وجب إتمامه عقوبة والواجب الأصلي هو الثاني ، لإطلاق الفاسد على الأوّل في النص والظاهر منه الفساد حقيقة وحمله على الفساد الحكمي مجاز لا داعي له.
والتحقيق : أن الواجب الأصلي هو الأوّل والثاني عقوبة ، ولا بدّ من حمل الفساد الوارد في بعض النصوص بالنسبة إليه على الفساد المجازي ، للنصوص الدالّة على فراغ ذمّة الحاج عن نفسه وفراغ ذمّة المنوب عنه والدالّة على أن الأوّل هو الواجب الأصلي والثاني عقوبة.
منها : صحيحة زرارة «عن محرم غشي امرأته وهي محرمة إلى أن قال : وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل ... قلت : فأي الحجتين لهما؟ قال : الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا والأُخرى عليهما عقوبة» (2)وهذه الصحيحة وإن كان صدرها مطلقاً من حيث الحاج عن نفسه والحاج عن غيره ولكن يظهر من الذيل لقوله «أي الحجتين
قد يُقال بالثاني للتعبير في الأخبار بالفساد الظاهر في البطلان ، وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي إليه ، وحينئذ فتنفسخ الإجارة (1)إذا كانت معيّنة ولا يستحق الأُجرة ويجب عليه الإتيان في القابل بلا اجرة ، ومع إطلاق الإجارة تبقى ذمّته مشغولة ويستحق الأُجرة على ما يأتي به في القابل والأقوى صحّة الأوّل وكون الثاني عقوبة لبعض الأخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه ، ولا فرق بينه وبين الأجير ، ولخصوص خبرين في خصوص الأجير عن إسحاق بن عمّار عن أحدهما (عليهما السلام) «قال قلت : فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الأوّل؟ قال : نعم ، قلت : فإن الأجير ضامن للحج ، قال : نعم» وفي الثاني سئل الصادق (عليه السلام) : «عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً يلزم فيه الحج من قابل أو كفّارة ، قال (عليه السلام) : هي للأوّل تامّة وعلى هذا ما اجترح» فالأقوى استحقاق الأُجرة على الأوّل وإن ترك الإتيان من قابل عصياناً أو لعذر ، ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو معيّنة ، وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الأوّل فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان أو هو واجب عليه
لهما» أنهما حجا عن أنفسهما ، إذ يبعد أن يكون حج الزوج والزوجة معاً عن الغير.
وكيف كان ، الرواية صريحة في أن الحج الأوّل هو الأصلي والثاني عقوبة ، ويترتب على ذلك أنه لو مات لا يخرج الثاني من صلب المال.
ومنها : روايتان في خصوص الأجير :
الأُولى : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال : «سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجّة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه ... قلت : فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى
1) (*) بل للمستأجر أن يطالب اجرة مثل العمل الفائت عليه كما أن له فسخ الإجارة ومطالبة المسماة.
تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان ، ولا يبعد الظهور في الأوّل ولا ينافي كونه عقوبة فإنّه يكون الإعادة عقوبة ، ولكن الأظهر الثاني ، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمّة (1) ،
يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الأوّل؟ قال : نعم ، قلت : لأنّ الأجير ضامن للحج؟ قال : نعم» (1).
الثانية : صحيحة أُخرى له أيضاً «في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحج من قابل أو كفّارة؟ قال : هي للأوّل تامّة وعلى هذا ما اجترح» (2).
وهذه الروايات صريحة في صحّة الحج الأوّل وأنه الحج الأصلي والثاني عقوبة ، ولا موجب لرفع اليد عن الروايات بعد وضوح دلالتها وصحّة أسانيدها ، فحينئذ يستحق الأجير الأُجرة على الأوّل وإن وجب عليه الحج ثانياً عقوبة على نفسه في السنة اللّاحقة ، وتفرغ ذمّة المنوب عنه وإن لم يأت النائب بالحج الثاني في العام القابل عصياناً أو عذرا.
(1) استظهر في المتن أوّلاً الوجه الأوّل ، وقد يوجه بأن الحج الثاني نظير القضاء فإذا كان العامل في الأوّل نائباً كان الثاني كذلك ، ولكن ما استظهره ثانياً هو الصحيح ، لأنّ الظاهر من النص كون الثاني عقوبة على من ارتكب ما يوجبها ويكون أجنبياً عن المنوب عنه كما يظهر من موثق إسحاق ، لقوله (عليه السلام) : «وعلى هذا ما اجترح» فإن ذلك واضح الدلالة على أن الحج الثاني إنما وجب من قبل النائب المجترح ، ومن المعلوم أن المنوب عنه ليس بمجترح ، فهذا الحج أجنبي عنه بالمرّة.
ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو مقيّدة بهذه السنة ، لأنّ مقتضى إطلاق الموثقة صحّة الحج الأوّل مطلقاً ، فيستحق تمام الأُجرة وإن وجب عليه الحج ثانياً في القابل كفّارة وعقوبة لما اجترحه ، هذا كله إن قلنا بأن الحج الواجب عليه بالأصل هو الأوّل
ثمّ لا يخفى عدم تمامية ما ذكره ذلك القائل من عدم استحقاق الأُجرة في صورة كون الإجارة معيّنة ولو على ما يأتي به في القابل ، لانفساخها وكون وجوب الثاني تعبّداً لكونه خارجاً عن متعلق الإجارة وإن كان مبرئاً لذمّة المنوب عنه ، وذلك لأنّ الإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأوّل لكنها باقية بالنسبة إلى الثاني
والثاني عقوبة.
وأمّا لو قلنا بأن الفرض هو الثاني والأوّل فاسد فحينئذ يقع الكلام في جهات :
الاولى : يظهر من كلماتهم أن الإجارة تنفسخ حينئذ إذا كانت معيّنة ومقيّدة بهذه السنة ولا يستحق الأُجرة ويجب عليه الإتيان في القابل بلا اجرة ، وإذا كانت مطلقة تبقى ذمّته مشغولة.
ويرد عليهم ما عرفته غير مرّة من أنه لا موجب للانفساخ في أمثال المقام ، لأنّ مجرد عدم الإتيان بالعمل المستأجر عليه اختياراً وعدم تسليمه غير موجب للانفساخ. نعم ، إذا كان عاجزاً عن الإتيان به ينكشف بطلان الإجارة ، فمن استأجر شخصاً للصلاة مثلاً ولم يأت بها الأجير اختياراً أو أفسدها لا تبطل الإجارة ، وإنما يملك المستأجر العمل في ذمّة الأجير فإن سلّمه فهو وإلّا يثبت الخيار للمستأجر ، فإن فسخ يرجع إلى الأجر المسمى وإن لم يفسخ يرجع إلى قيمة العمل الثابت في ذمّة الأجير لأنه فوّته على المستأجر ، وأمّا الأُجرة المسماة فيستحقها الأجير حسب العقد وقد تختلفان كثرة وقلّة ، فعلى كلا التقديرين فسخ أو لم يفسخ لا يستحق الأُجرة على العمل الفاسد ولكن الإجارة لا تفسد.
وبعبارة اخرى : إن فسخ المستأجر يرجع إلى الأجير في الأجر المسمى ويطالبه منه ، وإن لم يفسخ فللمستأجر مطالبة الأجير بأُجرة مثل العمل الفائت عليه ، وقد تكون أكثر من المسمّى وقد تكون مساوية له وقد تكون أقل ، فالأجير لا يحصل شيئاً من الأجر المسمّى إلّا في صورة واحدة وهي ما إذا كانت قيمة العمل أقل من الأجر المسمّى.
تعبّداً لكونه عوضاً شرعياً (1)تعبّدياً عما وقع عليه العقد ، فلا وجه لعدم استحقاق الأُجرة على الثاني. وقد يقال بعدم كفاية الحج الثاني أيضاً في تفريغ ذمّة المنوب عنه بل لا بدّ للمستأجر أن يستأجر مرّة أُخرى في صورة التعيين وللأجير أن يحجّ ثالثاً في صورة الإطلاق ، لأنّ الحج الأوّل فاسد والثاني إنّما وجب للإفساد عقوبة فيجب ثالث إذ التداخل خلاف الأصل ، وفيه : أن هذا إنما يتم إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان الأوّل ، والظاهر من الأخبار (2)على القول بعدم صحّة الأوّل وجوب إعادة الأوّل وبذلك العنوان فيكفي في التفريغ ولا يكون من باب التداخل فليس الإفساد عنواناً مستقلا ، نعم إنما يلزم ذلك إذا قلنا إن الإفساد موجب لحج مستقل لا على نحو الأوّل وهو خلاف ظاهر الأخبار ، وقد يقال في صورة التعيين إنّ الحج الأوّل إذا كان فاسداً وانفسخت الإجارة يكون لنفسه فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكون لنفسه ولا يكون مبرئاً لذمّة المنوب عنه فيجب على المستأجر استئجار حج آخر ، وفيه أيضاً ما عرفت (3)من أن الثاني واجب بعنوان إعادة الأوّل ، وكون الأوّل بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه لنفسه لا يقتضي كون الثاني له وإن كان بدلاً عنه ، لأنّه بدل عنه بالعنوان المنوي لا بما صار إليه بعد الفسخ ، هذا. والظاهر عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين كون الحج الأوّل المستأجر عليه واجباً أو مندوباً ، بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرّعاً أيضاً وإن كان لا يستحق الأُجرة أصلاً.
الجهة الثانية : بعد البناء على فساد الحج الأوّل لو أتى بالحج من قابل فهل يستحق اجرة على العمل الثاني أم لا؟ ذكر جماعة أنه لا يستحق الأُجرة عليه وإن أتى به عن المنوب عنه وفرغت ذمّته ، وذلك لعدم إتيان العمل المستأجر عليه في السنة
.................................................................................................
المعيّنة ، وما أتى به من الحج الثاني لم يكن بأمر من المستأجر حتى يوجب الضمان وإنما أتى به بأمر من اللّه تعالى عقوبة عليه.
وأورد عليهم المصنف (رحمه اللّه) بأن الثاني عوض عن الأوّل شرعاً ، ومقتضى البدلية هو الاستحقاق فإن التبديل من قبل المولى الحقيقي ، والإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأوّل لكنها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبداً لكونه عوضاً شرعيّاً.
وفيه : أنه لم يذكر في شيء من الروايات كون الثاني بدلاً وعوضاً عن الأوّل وإنما ورد فيها الحج من قابل ، وهل هو بدل أو واجب مستقل فالروايات ساكتة عن ذلك بل مقتضى إطلاقها لزوم إتيان الحج ثانياً وإن كان الأوّل ندباً أو تبرعاً ، فلا ملازمة بين الوجوب في القابل وبين كونه عوضاً ، فما ذكره القائل (1)من عدم استحقاق الأُجرة أصلاً لا عن الأوّل لفساده وعدم تسليمه ولا عن الثاني لعدم كونه بأمره بل هو أجنبي عن المستأجر وإنّما سببه وموجبه الأجير هو الصحيح ، نعم تفرغ ذمّة المنوب عنه على كلام سيأتي إن شاء اللّه تعالى ولكنه لا يلازم استحقاق الأُجرة.
الجهة الثالثة : هل تفرغ ذمّة المنوب عنه بالحج ثانياً أم لا؟ وبعبارة اخرى : بعد ما فرضنا فساد الحج الأوّل هل تفرغ ذمّة المنوب عنه بإتيان الأجير وظيفته من إتمام الحج الأوّل وإتيان الحج من قابل أم لا ، فلا بدّ للمستأجر من الاستئجار ثانياً إما شخصاً آخر في هذه السنة في صورة التعيين ، أو على الأجير أن يحج ثالثاً في صورة الإطلاق؟
ربّما يقال بذلك لأنّ الحج الأوّل فاسد على الفرض والثاني إنما وجب للإفساد عقوبة فيجب ثالث ، ولا دليل على تفريغ ذمّة المنوب عنه بالحج الأوّل ولا بالثاني أمّا الأوّل فلفساده ، وأمّا الثاني فإنما وجب على المجترح نفسه عقوبة فكيف يكون موجباً لفراغ الذمّة.
وأشكل عليه المصنف (قدس سره) بأن الحج الثاني إنما يجب بالعنوان الأوّل ، فإن
1) هو صاحب الجواهر 17 : 390.
.................................................................................................
الظاهر من الأخبار لزوم إتيانه بذلك العنوان ووجوب إعادة الأوّل نظير وجوب القضاء ، ومعنى الإعادة إتيان الشيء ثانياً كما أتى به أوّلاً ، غاية الأمر أن الوجود الأوّل فيه خلل والثاني لا خلل فيه فالواجب هو الإعادة ، فإن كان الأوّل واقعاً بعنوان لا بدّ من وقوع الثاني بذلك العنوان ليتحقق عنوان الإعادة وإلّا لا يصدق عنوان الإعادة على الثاني ، وحيث إن الأوّل وقع بعنوان النيابة فكذلك الثاني لا بدّ من وقوعه بذلك العنوان ويكفي ذلك في التفريغ.
ويضعف بأنّ كلمة الإعادة لم ترد في شيء من الروايات ولا ما يشبه كلمة الإعادة بل المذكور فيها الحج من قابل ، ومقتضى إطلاق الروايات وجوب الحج عليه من قابل بما هو ومن دون تقييده بالعنوان الأوّل ، والأمر بالحج من قابل لم يختص بالأجير حتى يتوهم أن الألف واللّام فيه من باب العهد أي الحج الذي آجره ، فإن مورد الروايات الآمرة بالحج من قابل (1)ليس خصوص الأجير بل موردها مطلق المحرم فلا يتوهّم العهد من الألف واللام أصلاً ، فحاله حال سائر الكفارات الثابتة على نفس المرتكب ، فكما أن الكفّارة تثبت على من أوجد سببها كذلك الحج من قابل ، ولا يظهر من شيء من الروايات أن الواجب عليه هو الحج بالعنوان الأوّل. نعم ، لو فرض إطلاق في هذه الروايات وقلنا بشمولها لما إذا قصد بالثاني الحج عن غيره وفرض أن النائب في مفروض الكلام قد أتى بالثاني بعنوان المنوب عنه صح القول بالإجزاء وفراغ ذمّة المنوب عنه ، ولكن ظاهر قوله «عليه» ونحوه وجوب الحج الثاني على الأجير نفسه ومن قبل نفسه لا بعنوان كونه أجيراً ليأتي بالحج الثاني من قبل شخص آخر.
والحاصل : أنه بناء على فساد الحج الأوّل فإنما يجب الحج من قابل على الأجير نفسه ، وعلى المستأجر أن يستأجر ثانياً لإتيان حج ثالث ، فلا يمكن الحكم بالتفريغ قبل الإتيان بالحج الثالث ، إذ لا مقتضي للبراءة والحكم بالفراغ ، لأنّ الأوّل فاسد على الفرض والثاني عقوبة على الأجير فتبقى ذمّة المستأجر مشغولة فعليه أن
1) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3.
.................................................................................................
يستأجر مرّة أُخرى.
هذا كلّه بناءً على فساد الحج الأوّل ، ولكن قد عرفت أن الفرض هو الأوّل والثاني عقوبة عليه فيجزئ عن المنوب عنه الحج الأوّل كما في النصوص ، ويستحق الأُجرة بذلك وإن لم يحج الأجير من قابل لعذر أو غير عذر.
فرع : لو أفسد الحاجّ عن نفسه حجّه لا ريب في أنه يجب عليه الحج ، وهل يجتزئ به عن حجة الإسلام ولا يجب عليه الحج ثالثاً أم عليه الحج ثالثا؟
لا إشكال في الاجتزاء والاكتفاء بما حج ثانياً ولا يجب عليه الحج ثالثاً ، وذلك لظهور الروايات (1)في الاكتفاء بحج واحد ، لأنّ التعبير بأن عليه الحج من قابل أو عليهما الحج من قابل مع كون الروايات في مقام البيان والسكوت عن وجوب حج ثالث يقتضي الاكتفاء بالحج الثاني عن الحج الواجب بالاستطاعة ، وعدم وجوب حج ثالث عليه أو عليهما ، وأوضح من ذلك كلّه صحيح زرارة المتقدِّم (2)، فإن المرتكز في ذهن زرارة أنه إذا فسد حجّه يجب عليه حج واحد ولم يتعرّض للحج ثالثاً أصلاً وقد قرره الإمام (عليه السلام) على ذلك.
وبالجملة : السكوت في المقام يدل على عدم وجوب حج ثالث عليه ، فالمستطيع إذا أفسد حجّه يجب عليه إتمامه وحجة أُخرى في القابل ، ولا يجب عليه حجتان بعنوان العقوبة وبعنوان الاستطاعة ، بل يكتفي في العام القابل بحجة واحدة مع إتمامه الحج الأوّل ، هذا إذا كان حجّه الأوّل حجة الإسلام وبعد استطاعته.
وأمّا إذا كان غيرها واستطاع بعد الإفساد فهل يتداخل الحج الواجب بالإفساد مع الحج الواجب بالاستطاعة أم لا؟ الظاهر هو التداخل فلا يجب عليه أن يحج ثالثاً بعنوان حج الإسلام ، فإن التداخل وإن كان على خلاف الأصل لأنّ كل أمر ظاهر في حدوث وجوب عند حدوث سببه لكن هذا فيما إذا كان متعلق كل منهما قابلاً للتعدّد
[3163] مسألة 22 : يملك الأجير الأُجرة بمجرد العقد ، لكن لا يجب تسليمها إلّا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل ولم تكن قرينة على إرادته من انصراف أو غيره ، ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير ، وعلى ما ذكر من عدم وجوب التسليم قبل العمل إذا كان المستأجر وصيّاً أو وكيلاً وسلّمها قبله كان ضامناً لها على تقدير عدم العمل من المؤجر أو كون عمله باطلاً ، ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون إذن الموكل أو الوارث (1)، ولو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأُجرة كان له الفسخ (2)وكذا للمستأجر ، لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحق الأجير المطالبة في صورة الإطلاق ، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان (1).
وأمّا إذا تعدّد الأمر واتّحد المأمور به وكان المأمور به غير قابل للتعدّد والتكرار يكون الأمر الثاني تأكيداً للأوّل لا محالة ، ولا يبقى ظهور للأمر في التأسيس بل ينقلب إلى ظهور ثانوي وهو التأكيد والتداخل ، وحيث إنّ الحج في العام القابل غير قابل للتعدّد لأنّ كل سنة لا يقع فيها إلّا حج واحد ، والمفروض أنه يجب على هذا الشخص الذي أفسد حجّه الحج من قابل عقوبة وكذا يجب عليه بعنوان الاستطاعة ، لأنّ المستطيع يجب عليه الحج فوراً وفي سنة الاستطاعة ، فيتعلق الأمران بحج واحد فيتداخلان فالتداخل في أمثال المقام على طبق القاعدة.
(1) لا ريب في أن الأجير يملك الأُجرة بمجرد العقد كما هو مقتضى العقد ، ولكن ما لم يسلّم العمل إلى المستأجر ليس له مطالبة الأُجرة لأنّ مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم ، فلا يجب على المستأجر تسليم الأُجرة ابتداءً إلّا إذا كان هناك انصراف أو
[3164] مسألة 23 : إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره إلّا مع الإذن صريحاً أو ظاهراً ، والرواية الدالّة على الجواز (1)محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر (1).
قرينة على لزوم إعطاء الأُجرة قبل تسليم العمل.
ثمّ إنه بناء على عدم وجوب تسليم الأُجرة قبل العمل لو أدّى الوكيل أو الوصي الأُجرة قبل تسليم العمل يكون ضامناً ، إذ ليس له إعطاء الأُجرة قبله إلّا إذا وكّله الموكّل على هذا النحو ، وأمّا الوصي فليس له الإعطاء حتى إذا أذن الوارث ، لأنّ المال للميت والوارث أجنبي عنه ولا أثر لإذنه إلّا إذا كانت التركة كثيرة وزائدة على مقدار مئونة الحج ومصارفه مما يكفي للاستئجار مرّة أُخرى ، فإن حصّة الميت حينئذ كالكلِّي في المعيّن ، وإذا تلف مقدار من المال لا ينقص من حصّة الميت شيء. وبالجملة : لا أثر لإذن الوارث فيما إذا أعطى الأُجرة من مال الميت ، نعم إذا أعطى الوارث من كيسه ومن ماله فلا بأس على الوصي أن يعطي الأُجرة قبل التسليم بإذنه.
ثمّ ذكر المصنف (قدس سره) أنه لو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأُجرة كان لهما الفسخ ، ولم يظهر لنا وجهه ، لأنّ عدم القدرة على العمل يوجب بطلان العقد لاعتبار القدرة على التسليم في متعلق الإجارة ، فلو فرض أنه غير قادر على العمل ولو لأجل عدم إعطاء الأُجرة له ينفسخ العقد ، لكشف العجز وعدم القدرة من الأوّل عن البطلان.
(1) لا ريب في أن مقتضى إطلاق الإجارة هو مباشرة الأجير لما استؤجر عليه ما لم تكن في البين قرينة على الخلاف ، لأنّ رضا المستأجر حسب إطلاق العقد قد تعلّق بالمباشرة ولم يعلم تعلقه بالتسبيب ، فالتبديل بفرد آخر يحتاج إلى رضا جديد من المستأجر.
1) (*) الرواية ضعيفة جدّاً مع أنها لم ترد في مورد الاستئجار.
.................................................................................................
ثمّ إنّ هنا رواية استدل بها على جواز التسبيب وإن لم يرض المستأجر ، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن عثمان بن عيسى ، قال «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : ما تقول في الرجل يعطى الحجة فيدفعها إلى غيره؟ قال : لا بأس» (1)وقد حملها المصنف وغيره على صورة العلم بالرضا من المستأجر ولكن لا وجه له.
إلّا أن الرواية غير قابلة للاعتماد عليها من جهات :
الاولى : أن صاحب الوسائل (قدس سره) نقل هذه الرواية عن الشيخ في التهذيب عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي سعيد عن يعقوب بن يزيد عن أبي جعفر الأحول عن عثمان بن عيسى ، وأبو جعفر الأحول هو مؤمن الطاق المعروف الثقة وكان من أصحاب الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) ، ولكن الموجود في موضع من التهذيب (2)الأحول فقط وفي موضع آخر جعفر الأحول (3)، ولم يعلم أن المراد به أبو جعفر الأحول المعروف ، وعلى كل تقدير أي سواء كان الراوي هو الأحول أو جعفر الأحول فهو لم يوثق في كتب الرجال ، بل هو مجهول الحال ، ولا يمكن الاعتماد على نسخة الوسائل بعد مخالفتها للتهذيب ، بل لا يمكن أن يكون الراوي هو أبا جعفر الأحول المعروف ، لأنّه من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) والراوي عنه يعقوب بن يزيد وهو من أصحاب الهادي (عليه السلام) ، ولا يمكن رواية من هو من أصحاب الهادي (عليه السلام) من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) عادة للفصل الكثير بينهما ، مع أن الرواية عن الرضا (عليه السلام) ، كما لا يمكن رواية أبي جعفر الأحول عن عثمان بن عيسى الذي من أصحاب الرضا (عليه السلام).
الثانية : أن في السند أبا سعيد الذي روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى وروى عن يعقوب بن يزيد ، وربّما يتخيّل أن أبا سعيد هذا هو أبو سعيد القماط أو أبو سعيد المكاري وكل منهما ثقة ، إلّا أنه لا يمكن رواية كل منهما عن يعقوب بن يزيد ، لأنّ
[3165] مسألة 24 : لا يجوز استئجار من ضاق وقته عن إتمام الحج تمتعاً وكانت وظيفته العدول إلى حج الإفراد عمن عليه حج التمتع ، ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتّع ثمّ اتفق ضيق الوقت فهل يجوز العدول ويجزئ عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان ، من إطلاق أخبار العدول ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه ، والأقوى عدمه (1)، وعلى تقديره فالأقوى عدم إجزائه عن الميت وعدم استحقاق الأُجرة عليه لأنه غير ما على الميت ، ولأنه غير العمل المستأجر عليه (1).
القماط من أصحاب الكاظم (عليه السلام) وأبا سعيد المكاري من أصحاب الصادق (عليه السلام) ويعقوب بن يزيد من أصحاب الهادي (عليه السلام) فلا بدّ أن يكون أبو سعيد المذكور هو سهل بن زياد فإنه مكنى بهذه الكنية أيضاً ، وذلك بقرينة رواية محمّد بن أحمد بن يحيى عنه فإنه يروي عن سهل بن زياد كثيراً ، ويؤيده رواية الكليني عن سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد (2). ولا أقل من أن أبا سعيد المذكور في السند مجهول لم يعلم من هو ، على أن أبا سعيد المكاري لم تثبت وثاقته فالرواية ضعيفة جدّا.
الجهة الثالثة : أن الرواية ضعيفة دلالة أيضاً ، لأنها لم ترد في مورد الاستئجار والنيابة وإنما المذكور فيها إعطاء الحجة وهو أعم من النيابة ، والظاهر أن المراد بها إعطاء الحجة والتبرع بها بأي وجه كان والغرض هو الحج كيفما اتفق ، نظير إعطاء المال للزيارة وصرفه في طريقها على نحو الإطلاق ، فكأن إعطاء المال لأجل مساعدة الحاج والزائر لا على نحو الإيجار والاستنابة فالرواية أجنبية عن المقام.
(1) أمّا عدم جواز استئجار من ضاق وقته عن أداء التمتّع فظاهر لاعتبار القدرة
.................................................................................................
في متعلق الإجارة ، فإذا كان الأجير عاجزاً لا يصح الإيجار ، ولا بدّ من استئجار من يتمكّن من هذا العمل ، وأمّا لو استأجر من يتمكن من ذلك ثمّ عرض له عارض ومانع عن الأداء كضيق الوقت ونحوه فالإجارة صحيحة لوقوعها على العمل المتمكن منه.
وهل تشمل أدلّة التبديل إلى حج الإفراد والعدول المقام أم لا؟ ذكر الماتن (قدس سره) أن فيه وجهين.
ولا يخفى أن أدلّة جواز العدول إلى الإفراد كثيرة (1)خصوصاً في مورد النساء لما يعرضهن من الحيض ، وجملة منها وردت في الرجال لضيق الوقت عن أداء التمتّع وبعضها وردت في الرجل والمرأة معاً في مورد الضيق ، ولا ريب أن جملة منها منصرفة إلى الحاج عن نفسه وناظرة إليه ، ولكن جملة منها مطلقة تشمل الحاج عن نفسه وعن غيره وغير منصرفة إلى الحج النفسي ، فدعوى الانصراف في مجموع الروايات لا نعرف لها وجهاً ، فإن الانصراف المانع عن الأخذ بالإطلاق ما إذا بلغ إلى حد يكون قرينة متصلة وموجباً لظهور المطلق في قسم خاص أو يكون صالحاً للقرينيّة وموجباً للإجمال ، وأمّا في غير ذلك فيؤخذ بالإطلاق ويكون ظهوره متبعاً ويكون الانصراف بدوياً ، وبالجملة : مجرد كون قسم خاص متيقناً من الإطلاق لا يوجب الانصراف إليه ولا يوجب اختصاص المطلق به.
ثم إنّه على تقدير جواز العدول لا ينبغي الريب في الإجزاء ، فإنّه بعد البناء على شمول الروايات للحج النيابي وعدم انصرافها إلى الحج عن نفسه يتعين الإجزاء ، لأنّ ما أتى به النائب بدل عما في ذمّة المنوب عنه بحكم الشارع ، فما ذكره الماتن (قدس سره) من أن الأقوى عدم الجواز لأنه غير ما على الميت لا يمكن المساعدة عليه بوجه.
وأمّا الأُجرة فالكلام فيها ما تقدّم بعينه فيما إذا مات الأجير بعد الإحرام والحرم
1) راجع الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21.
[3166] مسألة 25 : يجوز التبرّع عن الميت في الحج الواجب أيّ واجب كان والمندوب (1) ،
وأنّه تفرغ ذمّة المنوب عنه فيما إذا كان الإيجار على تفريغ الذمّة ، فحينئذ يستحق الأجير تمام الأُجرة ، وأمّا إذا كانت الإجارة على نفس الأعمال الخارجية فلا بدّ من تقسيط الأُجرة بالنسبة إلى الأعمال ، وتبديل الوظيفة غير ملازم لجعل الأُجرة بإزائه فإن الروايات الدالّة على جواز العدول ناظرة إلى تعيين الوظيفة وتبديلها وليست ناظرة إلى الأُجرة.
(1) يقع الكلام تارة في التبرّع عن الميت وأُخرى عن الحي.
أمّا الأوّل : فلا ريب في جواز التبرّع عنه في الحج الواجب والمندوب وتبرأ ذمّة الميت بذلك ، وتدل عليه عدّة من الروايات ، منها : معتبرة عامر بن عميرة ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : بلغني عنك أنك قلت : لو أن رجلاً مات ولم يحج حجة الإسلام فحج عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه ، فقال : نعم ، أشهد بها على أبي أنه حدثني أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله سلّم) أتاه رجل فقال : يا رسول اللّه إن أبي مات ولم يحج ، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حج عنه فإن ذلك يجزئ عنه» (1)وإنما تدل على ما ذكرنا بعد الفراغ عن عدم الفرق بين الأهل وغيره في التبرع عنه حسب الارتكاز في أذهان العرف. نعم ، لو كان مورد الرواية خصوص حج الولد عن والده مثلاً لاحتملنا الاختصاص ، ولكن المذكور في النص بعض الأهل ولا نحتمل الاختصاص به ، فالرواية من حيث الدلالة لا نقاش فيها.
إنّما الكلام في السند ، فإنّ الشيخ في التهذيب رواها عن عمّار بن عمير (2)، والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف ، لعدم وجود هذا الاسم في الرواة ، فإنّ الشيخ بنفسه لم يذكره في رجاله مع حرصه (رحمه اللّه) على استقصاء الرواة وأصحاب الأئمة (عليهم
.................................................................................................
السلام) حتى عدّ المنصور العباسي من جملة أصحاب الصادق (عليه السلام) ، ولو كان من جملة الأصحاب والرواة لذكره في رجاله ، وأمّا الكليني فذكر «عامر» ولا ريب أنه أضبط ، بل الشيخ ذكر في رجاله عامر بن عمير (1)، وذكر البرقي عامر بن عميرة كما في الكافي (2)، والظاهر اتحادهما وإلّا لذكره الشيخ في رجاله ، فاختصاص كل واحد منهما بذكر أحدهما يكشف عن اتحادهما. وكيف كان ، الرجل ثقة لأنه من رجال كامل الزيارات.
ويؤكّد الرواية المذكورة الروايات الكثيرة الدالّة على الإحجاج بالأُجرة فإنها تدل على جواز التبرع أيضاً ، لأنّ احتمال دخل صرف المال في الصحّة بعيد جدّا.
وبإزاء ذلك رواية معتبرة تدل على أن الحج عن الميت إنما يجزئ إذا صرف من مال الميت وإلّا فلا يجزئ ، وهي موثقة سماعة : «عن الرجل يموت ولم يحج حجة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : يحج عنه من صلب ماله ، لا يجوز غير ذلك» (3).
ولكنّها محمولة على عدم جواز التصرّف في تركة الميت قبل أداء الحج من ماله ولا تدل على عدم جواز الحج عنه من مال آخر ، وذلك بشهادة صحيحة حكم بن حكيم : «إنسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة هل يجزئ ذلك ويكون قضاءً عنه ويكون الحج لمن حج ويؤجر من أحج عنه؟ فقال : إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً وأُجر الذي أحجّه» (4)فإنها واضحة الدلالة على أن الميت له مال ، لقوله : «ولم يحج ولم يوص بالحج» إذ يعلم من ذلك أن الميت له مال ولكن لم يوص بالحج ، ولو لم يكن له مال لا أثر للوصيّة وعدمها ، فمورد الرواية الميت الذي له مال ولم يحج من ماله وأحج عنه بعض أهله فحكم (عليه السلام) بالإجزاء ولم يوجب صرف المال من تركته ، فيعلم أن الحكم
بل يجوز التبرّع عنه بالمندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالواجب (1) ولو قبل الاستئجار عنه للواجب ، وكذا يجوز الاستئجار عنه في المندوب كذلك ، وأمّا الحي فلا يجوز التبرّع عنه في الواجب إلّا إذا كان معذوراً في المباشرة لمرض أو هرم (1)فإنّه يجوز التبرّع عنه ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى كما مرّ (2)سابقاً
بعدم الجواز في تلك الرواية إنما هو للتصرف في التركة قبل أداء الحج.
وبعبارة أُخرى : الحكم بعدم الجواز ناظر إلى جهة المال وأنه لا يجوز التصرّف بهذا المال إلّا في سبيل الحج عن الميت ، وليس النظر إلى أنه لا يجوز الحج بغير مال الميت ولو على نحو التبرّع كما هو محل الكلام.
فلا ينبغي الريب في جواز التبرّع عن الميت وهذا الحكم ممّا لا خلاف فيه ، مضافاً إلى السيرة المستمرّة الجارية بين المسلمين.
أمّا الثاني : وهو الحج عن الحي ، فإن كان الحج واجباً عليه فلا يسقط بفعل الغير لعدم سقوط الواجب عن المكلف بإتيان الغير ، نعم ورد في الحي العاجز عن المباشرة إتيان الحج عنه ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في محلّه (3)وذكرنا أن الظاهر من الأدلّة وجوب الاستنابة ، بأن يجهز رجلاً صرورة لا مال له ويبعثه إلى الحج ، فلا يكتفي بالتبرّع ، هذا في الحج الواجب ، وأمّا المندوب فالظاهر جواز النيابة والتبرّع فيه للنصوص ، وقد عقد في الوسائل الباب 25 من أبواب النيابة لاستحباب التطوّع بالحج والعمرة عن المؤمنين أحياءً وأمواتا (4).
(1) ربّما يشكل ذلك بدعوى أنه مأمور بالواجب وهو متمكن منه على الفرض فكيف يصحّ الحج المندوب عنه.
وأمّا الحج المندوب فيجوز التبرّع عنه كما يجوز له أن يستأجر له حتى إذا كان عليه حج واجب لا يتمكّن من أدائه فعلاً ، وأمّا إن تمكّن منه فالاستئجار للمندوب قبل أدائه مشكل ، بل التبرّع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال في الحج الواجب (1)(1).
[3167] مسألة 26 : لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد (2) وإن كان الأقوى فيه الصحّة ، إلّا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج ، وأمّا في الحج المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة ، كما يجوز بعنوان إهداء الثواب ، لجملة
ويدفع أوّلاً بأنّه لا مانع من إتيان الحج المندوب مع اشتغال ذمّته بالحج الواجب على نحو الترتّب.
وثانياً : أنّه لم يدل دليل على أن كل مورد لا تصح فيه المباشرة لا تصح فيه النيابة والتسبيب ، ولذا تصح النيابة عن الحائض مع أنها غير قادرة على المباشرة ، كما تصح النيابة عن الميت مع أنه لا تعقل المباشرة فيه. وبالجملة : مقتضى إطلاق النصوص جواز التبرّع سواء كان المنوب عنه مكلّفاً أم لا ، وسواء كان قادراً على المباشرة أم لا.
(1) هذه الجملة أي قوله : «في الحج الواجب» موضعها في المسألة الآتية بعد قوله : «في عام واحد» ، لأنّ الكلام هنا في الحج المندوب ولا تلتئم هذه العبارة مع ما قبلها كما أن قوله : «والأقوى فيه الصحّة» في المسألة اللاحقة موقعه هنا والعبارة هكذا «بل التبرّع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال وإن كان الأقوى فيه الصحّة» وفي المسألة اللّاحقة تكون العبارة هكذا «لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد في الحج الواجب» ، ولعل الناسخ اشتبه وأثبت كلّاً منهما في غير موقعه ، واللّه العالم.
(2) يقع البحث تارة في الحج الواجب وأُخرى في المندوب.
1) (*) هذه الجملة موضعها في المسألة الآتية بعد قوله (في عام واحد) ، وأمّا قوله (وإن كان الأقوى الصحّة) فموقعه هنا.
من الأخبار الظاهرة في جواز النيابة أيضاً ، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب.
أمّا الأوّل : فلا تصح نيابة شخص واحد عن اثنين في عام واحد ، لأنّ المفروض وجوب الحج على كل واحد من المنوب عنه مستقلا سواء كان وجوبه وجوباً عرضيا كالنذر أو وجوباً أصلياً كحج الإسلام ، فلا بدّ من أن يكون حج النائب مثله على نحو الاستقلال فإن العمل الواحد يقع عن واحد ، ووقوعه عن اثنين يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، بل لو وجبت على المنوب عنه حجتان يجب عليه أن يستنيب شخصين وليس له الاكتفاء بإحجاج شخص واحد ، لأنّ الواجب إذا كان متعدداً يجب أن تكون النيابة متعددة.
نعم إذا كان الوجوب عليهما على نحو التشريك لا الاستقلال كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في إحجاج شخص واحد فلا مانع.
وأمّا الثاني : فلا مانع من التشريك وإتيان حج واحد عن اثنين أو أكثر للنصوص الكثيرة ، وقد عقد صاحب الوسائل باباً مستقلا لذلك ، منها : صحيح محمّد بن إسماعيل قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) كم أُشرك في حجّتي؟ قال : كم شئت» (1).
ولقائل أن يقول : إن إشراك الغير في الحج إنما يجوز إذا حج عن نفسه ، وأمّا إذا حج عن الغير نيابة فالروايات لا تدلّ على جواز الإشراك حينئذ ، لأنّ الظاهر من قوله : «كم أشرك في حجّتي» أو «يشرك في حجّته» كون الحج عن نفسه ويشرك في حجّه شخصاً آخر من المؤمنين والصلحاء والأقارب.
وهذه الدعوى وإن كانت في نفسها قريبة ولكن التدبّر في النصوص (2)يقتضي جواز التشريك مطلقاً ولو لم يقصد الحج عن نفسه ، لأنّه بعد البناء على مشروعية النيابة في نفسها وجواز التشريك ورجحانه لا نحتمل اختصاص الجواز بصورة كون الحج عن نفسه. على أن المراد بقوله «بحجتي» أو «حجته» هو الحج الصادر منه
[3168] مسألة 27 : يجوز أن ينوب جماعة عن الميت أو الحي في عام واحد في الحج المندوب تبرعاً أو بالإجارة ، بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً (1) كما إذا
مباشرة ولو عن الغير ، فلا نحتمل اختصاص جواز التشريك بالحج المأتي من قبل نفسه ، بل الظاهر من النصوص تعميم الحكم إلى الحج الصادر منه عن الغير.
(1) لا ريب في جواز تعدّد النائب ووحدة المنوب عنه عكس المسألة السابقة في الحج المندوب عن الحي أو الميت في عام واحد ، كما هو الظاهر من النصوص (1)، وكذا يجوز في الحج الواجب والمندوب عن الحي العاجز الذي لا يتمكّن من المباشرة لإطلاق الأدلّة بأن يجهز ويرسل جماعة ليحجوا عنه ، كما أنه يجوز التعدّد في الحج الواجب المختلف عن الحي أو الميت ، كما إذا كان على الميت أو الحي العاجز حجّان مختلفان نوعاً كحج الإسلام والنذر ، فيجوز أن يستأجر أجيرين في عام واحد لأداء الحجين ، لإطلاق الأدلّة وعدم لزوم الترتيب بينهما وإن كان أحدهما أسبق زماناً وكذلك يجوز التعدد إذا كان الثابت في ذمّته حجتين متحدتين نوعاً كحجتين للنذر وكذا يجوز فيما إذا كان أحدهما واجباً والآخر مستحباً ، بل يجوز أن يستأجر شخصين لحج واجب واحد كحجّة الإسلام في عام واحد احتياطاً ورجاءً لاحتمال بطلان حج أحدهما ، كما هو الحال في سائر العبادات كالصلاة والصوم فيستنيب رجلين لأداء الصلاة.
بل ذكر في المتن جواز تعدّد النائب حتّى مع العلم بصحّة كل واحد منهما وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر ، ولا يلزم صدورهما في زمان واحد ، فكل من السابق واللّاحق ينوي الوجوب لأنّ الأمر الوجوبي ما لم يتم العمل به باق لم يسقط نظير صلاة جماعة على الميت في وقت واحد ، فإن كل واحد منهم ينوي الوجوب ولا يضر سبق أحدهم بقصد الوجوب من الآخر ، فإن الأمر ما لم يتم العمل به يكون باقياً فيصح قصد الوجوب من كل واحد منهم ولو كان بعضهم أسبق ، فيجوز قصد
1) الوسائل 11 : 208 / أبواب النيابة في الحج ب 34 ، 63 / أبواب وجوب الحج ب 24.
كان على الميت أو الحي الذي لا يتمكن من المباشرة لعذر حجان مختلفان نوعاً كحجّة الإسلام والنّذر أو متحدان من حيث النوع كحجّتين للنذر ، فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد ، وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً والآخر مستحباً ، بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحج واجب واحد كحجة الإسلام في عام واحد احتياطاً لاحتمال بطلان حج أحدهما ، بل وكذا مع العلم بصحّة الحج من كل منهما وكلاهما آت بالحج الواجب وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر (1)فهو مثل ما إذا صلّى جماعة على الميت في وقت واحد ، ولا يضرّ سبق أحدهما بوجوب الآخر فإنّ الذمّة مشغولة ما لم يتم العمل فيصحّ قصد الوجوب من كل منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعا.
الوجوب من اللّاحق قبل السابق من العمل.
ويضعف بأنه لو أتمّا العمل في زمان واحد صح ما ذكره ، ولكن لو أتم أحدهما قبل الآخر وسقطت ذمّة المنوب عنه بإتمام العمل صحيحاً يشكل قصد الوجوب من الآخر لسقوط الأمر وفراغ ذمّة المنوب عنه بالعمل الأوّل فلا يتّصف الثاني بالوجوب ، وكذا الحكم في المقيس عليه أي الصلاة على الميت. وبتعبير آخر : لو علم الثاني بأنّ الأوّل ينتهي من عمله قبله فكيف يمكن للثاني قصد الوجوب ، لأنّ الأوّل يكون مصداقاً للواجب. هذا تمام الكلام في الحج النيابي.
والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيِّدنا محمّد وآله الطّاهرين.
1) (*) هذا إذا كان إتمام أعمال الحج منهما في زمان واحد ، وأمّا إذا كان قد سبق أحدهما بالإتمام كان هو حجّة الإسلام ، وكذا الحكم في الصلاة على الميت.
[3169] مسألة 1 : إذا أوصى بالحج فإن علم أنه واجب أُخرج من أصل التركة وإن كان بعنوان الوصية ، فلا يقال مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثّلث ، نعم لو صرّح بإخراجه من الثّلث أُخرج منه فإن وفي به وإلّا يكون الزائد من الأصل. ولا فرق في الخروج من الأصل بين حجّة الإسلام والحجّ النذري (1)والإفسادي لأنّه بأقسامه واجب مالي وإجماعهم قائم على خروج كل واجب مالي من الأصل ، مع أن في بعض الأخبار أنّ الحجّ بمنزلة الدّين ومن المعلوم خروجه من الأصل ، بل الأقوى خروج كل واجب من الأصل وإن كان بدنيّاً كما مرّ سابقاً (2)، وإن علم أنّه ندبي فلا إشكال في خروجه من الثّلث ، وإن لم يعلم أحد الأمرين ففي خروجه من الأصل أو الثّلث وجهان (1) ،
(1) الحج الموصى به تارة يعلم بأنه واجب وأُخرى بأنه ندبي وثالثة يشك في كونه واجباً أو مندوبا.
أمّا الأوّل : فقد حكم المصنف بخروجه من أصل التركة سواء كان حجة الإسلام أو النذري أو الافسادي. وما ذكره (قدس سره) من إخراج الحج الواجب من أصل التركة وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى حج الإسلام ، وأمّا بالنسبة إلى الحج النذري والإفسادي فهو محل إشكال بل منع ، لما تقدّم من أنه لا دليل على إخراج الواجبات المالية من الأصل ، وحالها حال سائر الواجبات الإلهيّة ، وما ورد في بعض الأخبار أن الحج بمنزلة الدّين فهو في خصوص حج الإسلام دون سائر أقسام الحج كما صرّح به
.................................................................................................
في الصحيحة (1).
وأمّا الثاني : وهو ما علم أن الحج الموصى به ندبي فلا ريب في خروجه من الثّلث وأن الوصية تنفذ بمقداره.
وأمّا الثالث : وهو ما لو شك في أنه واجب أو مندوب ولم تكن قرينة على أحدهما فقد ذكر المصنف (قدس سره) أن في خروجه من الأصل أو الثّلث وجهين أقواهما خروجه من الثّلث ، إذ لم يعلم كونه واجباً ليخرج من الأصل ، وإنما يخرج من الأصل إذا ثبت كونه واجباً وإلّا فيخرج من الثّلث.
وقد نقل المصنف عن السيّد صاحب الرياض رأيه في خروج هذا القسم من الأصل ، حيث استفاد ذلك من توجيه السيّد لكلام والد الصدوق (2)الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل بأن مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجباً أو ندباً فإن مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الأصل خرج عنها صورة العلم بكونها ندباً فيخرج من الثّلث ، وكذلك حمل خبر عمّار الدال بظاهره على ما عن والد الصدوق على صورة الشك.
أقول : أمّا عمومات الوصية فالجواب عنها ظاهر ، لأنها مخصّصة بما إذا لم يكن مورد الوصية ندباً وإلّا فيخرج من الثّلث ، فالتمسك بها لإثبات خروجه من الأصل من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو محل إشكال بل منع. وبعبارة اخرى : الوصية إنما يترتب عليها الأثر في غير الواجب ، وأمّا في مورد الواجب فلا أثر لها لإخراجه من الأصل أوصى به أو لم يوص به ، وأمّا في مورد الشك فلا يمكن الحكم بخروجه من الأصل لعدم إحراز الوجوب والأصل عدمه.
وأمّا خبر عمّار (3)وهو ما رواه الشيخ عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال :
.................................................................................................
الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ، إذا أوصى به كلّه فهو جائز» فقد أجاب عنه في المتن بإعراض الأصحاب عنه ، ولكن لا حاجة إلى التمسك بالاعراض ، فإن الخبر موهون بمعارضته بغيره من الروايات ممّا هو أصح سنداً وأكثر عدداً وأشهر. على أن الخبر في نفسه ضعيف ولا يمكن الاعتماد عليه وإن لم يكن له معارض ، فإن الشيخ رواه في التهذيب عن أبي الحسن عمر بن شدّاد الأزدي والسري جميعاً عن عمّار بن موسى (1)، وفي الاستبصار (2)عن أبي الحسن عمرو بن شداد الأزدي ، وفي بعض الأسناد أبو الحسين ، وذكر في السند أيضاً عن أبي الحسن الساباطي عن عمّار بن موسى (3)، وكيف كان ، لم يوثق الرجل ، وأمّا السري فهو ملعون كذاب ، وقد حمل المصنف تبعاً لصاحب الوسائل المال المذكور في الخبر على خصوص الثّلث الذي أمره بيده ، وهو بعيد جدّاً ، كما أن الشيخ حمل الخبر على ما إذا لم يكن للميت وارث أصلاً لا من قريب ولا بعيد ، فيجوز له حينئذ أن يوصي بماله كيف ما شاء ، وهذا بعيد أيضاً. على أن وجود شخص لا وارث له أصلاً نادر جدّاً ، والعمدة أن الرواية ضعيفة سنداً لا يمكن الاعتماد عليها.
وقد يتوهّم أنه مع الشك يبنى على أن وصيته في الواجب لا في المندوب فيخرج من الأصل حملاً للوصية على الصحّة ، وإلّا لو كانت في المندوب لكانت باطلة ، فليس فيها مخالفة لما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد عن الثّلث ، وليس ذلك من التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية. وبعبارة اخرى : يظهر الأثر في الزائد عن الثّلث ، لأنّ الوصية لو كانت بالواجب تصح بالنسبة إلى الزائد ، ولو كانت بالمندوب تبطل بالإضافة إليه ، فتحمل الوصية على الواجب حملاً لفعله على الصحّة.
ويندفع بأن خروج الحج الواجب من الأصل ليس لأجل الوصية ، فإنها صحّت أو لم تصح يخرج الحج الواجب من الأصل ، فهو أجنبي عن الوصية ، وإنما تؤثر في
.................................................................................................
المندوب ، فإنه لو كان زائداً على الثّلث فلا أثر لها وتصح إذا كان بمقداره.
على أن أصالة الصحّة لا مجرى لها في أمثال المقام ، توضيح ذلك : أن مدرك أصالة الصحّة سواء كانت جارية في عمل نفسه أو عمل الغير هو السيرة لا الدليل اللفظي ليتمسك بإطلاقه ، فحينئذ لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن ، والقدر المتيقن جريانها فيما إذا كان الشك راجعاً إلى نفس العمل لا إلى العامل ، مثلاً لو شكّ في أن عقد النكاح أو عقد البيع وقع صحيحاً أم فاسداً يحمل على الصحّة ، وأمّا لو شكّ في أن العامل والمباشر هل له الولاية والسلطنة على ذلك أم لا فلا يمكن إحراز ذلك بالحمل على الصحّة ، فلو رأينا شخصاً يبيع ملك أحد وشككنا في أنه هل له الولاية على ذلك أم لا ، لا دليل على الحمل على الصحّة ولا يمكن إثبات الولاية ، نعم لو شكّ في صحّة العقد الصادر من نفس المالك أو الولي يحمل على الصحّة ، وكذا لو زوج شخص امرأة من رجل وشكّ في ولايته ووكالته عنها لا يمكن الحكم بالصحّة ، لعدم إحراز شمول السيرة لأمثال المقام.
والحاصل : حيث إن الدليل منحصر بالسيرة فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقن منها وهو ما إذا أُحرز سلطنة المباشر وولايته ولكن يشك في صحّة عمله من حيث وجدانه للشرائط وعدمه ، وأمّا لو شكّ في أصل ولايته وسلطنته فلا يمكن إثباتها بأصالة الصحّة ، ولذا لا نحكم بصحّة كل عقد صادر من كل أحد ، ومقامنا من هذا القبيل ، لأنّ الحج إذا كان واجباً لا حاجة إلى الوصية ، وإن كان مندوباً ليس له الولاية في إخراجه من الأصل ، فالشك في كون الموصى به واجباً أو ندباً راجع إلى الشك في صدور الوصية عمن له الولاية أم لا ، فالصحيح ما ذكره المصنف (قدس سره) من أنه يخرج من الثّلث في صورة الشك.
نعم ، إذا كان في البين قرينة على أن الحج الموصى به هو الواجب يؤخذ بها كالايصاء بالحج من الأمكنة البعيدة في الأزمنة السابقة ، فإن الظاهر منه هو الحج الواجب ، إذ الإيصاء بالمندوب من تلك الأمكنة في الأزمنة السابقة بعيد جدّا.
وربّما يقال بالحمل على الواجب للانصراف ، فإنه بمنزلة إخبار الميِّت وإقراره
يظهر من سيّد الرياض (قدس سره) خروجه من الأصل حيث إنه وجّه كلام الصّدوق (قدس سره) الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل - : بأنّ مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجباً أو لا ، فإنّ مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الأصل خرج عنها صورة العلم بكونها ندبياً ، وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضاً على ذلك ، لكنه مشكل فإن العمومات مخصصة بما دلّ على أن الوصية بأزيد من الثّلث ترد إليه إلّا مع إجازة الورثة. هذا ، مع أن الشبهة مصداقية والتمسك بالعمومات فيها محل إشكال ، وأمّا الخبر المشار إليه وهو قوله (عليه السلام) : «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز» ، فهو موهون (1)بإعراض العلماء عن العمل بظاهره ، ويمكن أن يكون المراد بماله هو الثّلث الذي أمره بيده. نعم ، يمكن أن يقال في مثل هذه الأزمنة بالنسبة إلى هذه الأمكنة البعيدة عن مكّة : الظاهر من قول الموصي : حجّوا عنِّي ، هو حجة الإسلام الواجبة ، لعدم تعارف الحج (2)المستحبي في هذه الأزمنة والأمكنة فيحمل على أنه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف ، كما أنه إذا قال : أدّوا كذا مقداراً خمساً أو زكاة ، ينصرف إلى الواجب عليه. فتحصل : أن في صورة الشك في كون الموصى به واجباً حتى يخرج من أصل التركة أو لا حتى يكون من الثّلث ، مقتضى الأصل الخروج من الثّلث ، لأنّ الخروج من الأصل
بالواجب عليه ، كما أن إخباره بعدم ثبوت حج الإسلام عليه يسمع منه.
وفيه : أن مجرّد الانصراف إلى الواجب غير مفيد ، لإمكان أن يكون الإيصاء من باب الاحتياط وكون الواجب واجباً احتياطياً لا واجباً أصلياً ، والذي يخرج من الأصل هو الواجب الأصلي لا الاحتياطي ، وكذا في الوصية بالخمس والزكاة
موقوف على كونه واجباً وهو غير معلوم بل الأصل عدمه إلّا إذا كان هناك انصراف ، كما في مثل الوصية بالخمس أو الزكاة أو الحج ونحوها ، نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب كما إذا علم وجوب الحج عليه سابقاً ولم يعلم أنه أتى به أو لا فالظاهر جريان الاستصحاب والإخراج من الأصل. ودعوى أن ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكّه لا شكّ الوصي أو الوارث ، ولا يعلم انّه كان شاكّاً حين موته أو عالماً بأحد الأمرين مدفوعة بمنع اعتبار شكّه بل يكفي شكّ الوصيّ أو الوارث أيضاً ، ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص ، فإنّ مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمّته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث ، ولكنّه يشكل على ذلك الأمر في كثير من الموارد لحصول العلم غالباً بأن الميت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حج أو نحو ذلك ، إلّا أن يدفع بالحمل على الصحّة فإن ظاهر حال المسلم الإتيان بما وجب عليه ، لكنّه مشكل في الواجبات الموسعة بل في غيرها أيضاً في غير المؤقتة فالأحوط في هذه الصورة (1)الإخراج من الأصل.
ونحوهما من الحقوق المالية ، فإن الإيصاء بها لو كان من باب الاحتياط ولو احتياطاً وجوبياً ليس إقراراً باشتغال ذمّته وباستقرار الدين عليه ، فإن الاحتياط لا يوجب اشتغال الذمّة ، نعم إذا كان هناك ظهور في أن الموصى به هو الحج الأصلي فهو المتبع فإنّ الظهور كالصراحة في لزوم الاتباع.
ثمّ إنّ المصنف (رحمه اللّه) ذكر المتحصل ممّا تقدّم ، وهو أنه في صورة الشك في كون الموصى به واجباً حتى يخرج من الأصل أو لا حتى يكون من الثّلث ذكر أن مقتضى الأصل الخروج من الثّلث ، لأنّ الخروج من الأصل موقوف على كونه واجباً وهو
1) (*) بل الأظهر ذلك فيما إذا علم بكون الحق ثابتاً في ذمّته وشكّ في أدائه ، وكذلك فيما إذا علم بتعلق الحق بالعين وكانت باقية وأمّا مع تلفها فالأصل يقتضي البراءة من الضمان.
.................................................................................................
غير معلوم بل الأصل عدمه ، إلّا إذا كان هناك انصراف إلى الواجب كالوصية بالخمس والزّكاة والحج ، إلّا إذا كان واجباً عليه سابقاً وشكّ في إتيانه وعدمه فالظاهر جريان الاستصحاب بشك الوصي أو الوارث لا شك الموصي.
ثمّ قال : يشكل على ذلك ، الأمر في كثير من الموارد من الأموال المتروكة ، لحصول العلم غالباً بأن الميت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حج ونحو ذلك من الحقوق المالية ، وإجراء الاستصحاب يوجب الإشكال في التصرف في الأموال المتروكة ، ثمّ دفع الإشكال بالحمل على الصحّة ، فإن ظاهر حال المسلم الإتيان بما وجب عليه ، ثمّ أورد على نفسه بأنه يشكل إجراء أصالة الصحّة في الواجبات الموسعة ، بل في غيرها مما لم يكن على نحو التوقيت كالواجبات التي يجب الإتيان بها فوراً وإن لم تكن مؤقتة ، ولذا احتاط في هذه الصورة بالإخراج من الأصل.
والذي ينبغي أن يقال : إن موارد الاشتغال بالحقوق المالية على ثلاثة أقسام.
الأوّل : ما إذا تعلق الحق كالخمس والزكاة بعين المال الشخصي والمال موجود بعينه ، ونشك في أن المالك أدى ما عليه من الحق أم لا؟
الثاني : ما إذا تعلق الحق بعين المال ولكن المال غير موجود بعينه ، ونشك في أن المالك هل أدى خمسة أو زكاته قبل تلف المال أو أنه تلف قبل أداء الحق وقد اشتغلت ذمّته به؟
الثالث : ما إذا اشتغلت ذمّته بالحق من أوّل الأمر ، بمعنى أنا نعلم أن المالك أتلف المال قبل أداء الحق واشتغلت ذمّته به وانتقل الحق إلى الذمّة ، ولكن نشك في أنه هل أدّى الحق الثابت في ذمّته أم لا؟
أمّا الأوّل : فلا ينبغي الريب في جريان الاستصحاب فيه ، لأنّ هذا المال بعينه قد تعلق به الخمس مثلاً ونشك في أدائه وعدمه ، والأصل العدم.
ثمّ إن العبرة بشك الوارث أو الوصي لا شك الميت ، فلا يضر الجهل بكونه شاكاً حين موته أو كان عالماً بأحد الأمرين ، ولا يكفي إجراء أصالة الصحّة في إثبات أداء الميت الحق المتعلق بعين المال ، لأنّ أصالة الصحّة تقتضي عدم ارتكاب المالك الحرام
.................................................................................................
وعدم سوء الظن به ، ولا يترتب عليه أي أثر آخر ، ولذا لا تترتب عليه الآثار الشرعية في العقود والإيقاعات في أمثال المقام ، فلو شكّ في أنه باع داره أو صدر منه العقد أو الكلام الباطل المحرم لا يحكم عليه ببيع داره لحمل فعله على الصحّة ، بل غاية ما يترتّب على ذلك أنه لم يرتكب محرماً ولم يصدر منه الكلام الباطل ، ومن ذلك ما ذكره الشيخ الأنصاري من أنه لو تردد الأمر بين أن سلم أو سبّ لا يجب علينا ردّ السلام لحمل فعله على الصحّة (1)، وإنما نحكم بأنه لم يصدر منه السب ، فاستصحاب عدم الأداء وبقاء الاشتغال محكّم.
وأمّا الثاني : فالظاهر أن استصحاب عدم أداء الخمس لا يؤثر في الضمان ولا يوجبه ، لأنّ المفروض أن المال تلف حينما كان المالك ولياً عليه وكان جائزاً له أن يتلف الخمس ويبدله من مال آخر ، والضمان إنما يترتب على التفريط وهو غير محرز واستصحاب عدم الأداء لا يثبته.
وأمّا الثالث : وهو ما إذا اشتغلت ذمّته بالحق قطعاً ولكن نشك في أنه هل فرغ ذمّته أم لا فهل يحكم بضمان الميت واشتغال ذمّته أو بتفريغ ذمّته؟ يبتني ذلك على مسألة محررة في محلها وهي أن إثبات الدين على الميت يحتاج إلى ضمّ اليمين إلى البينة فقد وقع الكلام في ضم اليمين وأنه من باب الجزء المتمم للبينة فيكون المثبت لدعوى الدين على الميت البينة واليمين منضماً ، أو أن الدين يثبت بالبيّنة ولا يحتاج إلى ضمّ اليمين ولكن بقاؤه لا يثبت بالبيّنة إلّا بعد ضمّ اليمين ، فاليمين لإثبات بقاء الدين وعدم سقوطه لا لإثبات أصل الدّين ، فالاستصحاب لا يكفي في الحكم في البقاء بل لا بدّ في إثبات بقائه من ضمّ اليمين.
إن قلنا بالأوّل كما هو المحقق في محلّه (2)فالدين ثابت في الذمّة على الفرض ونشك في الأداء وعدمه ، فحينئذ لا مانع من جريان استصحاب عدم الإتيان ما لم يطمئن بالأداء.
[3170] مسألة 2 : تكفي الميقاتية سواء كان الحج الموصى به واجباً أو مندوباً (1) ، ويخرج الأوّل من الأصل والثاني من الثّلث ، إلّا إذا أوصى بالبلدية وحينئذ فالزائد عن اجرة الميقاتية في الأوّل من الثّلث كما أن تمام الأُجرة في الثاني منه.
[3171] مسألة 3 : إذا لم يعيّن الأُجرة فاللّازم الاقتصار على اجرة المثل للانصراف إليها (2) ،
وإن قلنا بالثاني وأن اليمين لإثبات البقاء وإلغاء الاستصحاب في باب الدين على الميت تمسكاً برواية ضعيفة (1)فلا مجال لجريان الاستصحاب ، فجريان الاستصحاب وعدمه يبتنيان على تنقيح هذين الأمرين.
(1) لأنّ مبدأ الحج من الميقات والزائد من جملة المقدّمات التي لا تجب أصلاً وعرضاً. نعم ، إذا أوصى حجاً بلدياً أو من مكان خاص يجب ، والزائد عن اجرة الميقاتية يخرج من الثّلث ، فإن كان واجباً أصلياً تقسّط الأُجرة فما كان في مقابل الميقات يخرج من الأصل والزائد عن الثّلث ، وأمّا إذا كان واجباً بالوصية فيخرج تمام الأُجرة من الثّلث.
(2) يقع البحث في موردين : أحدهما : في الحج الواجب الأصلي. ثانيهما : في الحج الندبي وإن وجب بالوصية.
أمّا الأوّل : فلا ريب في خروجه من صلب المال ، ولا أثر لتعيين الموصي أُجرته مطلقاً سواء عيّن قليلاً أو كثيراً أو مساوياً ، بل ليس له حق التعيين لعدم ثبوت ولايته عليه ، فلو فرضنا أنه عيّن الأقل أُجرة يجب الاستئجار بالأكثر إذا كان بمقدار اجرة المثل ، ويخرج من أصل المال رضي أو لم يرض أوصى أو لم يوص ، ودعوى الانصراف لا أثر لها في المقام ، نعم لو عيّن أُجرة زائدة عن اجرة المثل يخرج الزائد من
1) الوسائل 27 : 236 / أبواب كيفية الحكم ب 4 ح 1.
ولكن إذا كان هناك من يرضى بالأقل منها وجب استئجاره إذ الانصراف إلى أُجرة المثل إنما هو نفي الأزيد فقط. وهل يجب الفحص عنه لو احتمل وجوده؟ الأحوط ذلك (1)توفيراً على الورثة خصوصاً مع الظن بوجوده وإن كان في وجوبه إشكال خصوصاً مع الظن بالعدم (1) ، ولو وجد من يريد أن يتبرّع فالظاهر جواز الاكتفاء به بمعنى عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار ، بل هو المتعيّن (2)توفيراً على الورثة فإن أتى به صحيحاً كفى وإلّا وجب الاستئجار (2) ،
الثّلث ، لأنّ الذي يجب إخراجه من الأصل إنما هو الأُجرة المتعارفة للحج ، وهي اجرة المثل كما قلنا.
ولو فرض وجود أجيرين أحدهما يأخذ أُجرة المثل والآخر يرضى بالأقل فالظاهر وجوب استئجار الثاني للانصراف إلى الأقل في هذا الفرض ، بل لأنّ الثابت في ذمّة الميت نفس الحج ، والطبيعي ينطبق على الأقل فليس للوصي تطبيقه على الأكثر ، ويكون الزائد للورثة ولا يجوز له التصرف فيه إلّا برضاهم.
(1) هل يجب على الوصي الفحص عمن يرضى بالأقل؟ الظاهر عدم وجوبه لأصالة عدم وجدانه خارجاً ، ولا يستلزم ذلك تفويتاً ولا تزاحماً بالنسبة إلى حق الورثة ، إذ لم ينتقل هذا المقدار من المال إلى الورثة ليتحقق التزاحم ، فله الاستئجار بالمثل ولو احتمل وجود الأقل بل حتى ولو ظن ، لعدم العبرة بالظن فإنّه كالشك.
(2) تارة نفرض أن المتبرِّع أتى بالحج وأُخرى نفرض أنّه تبرّع ولكنّه لم يأت به بعد.
أمّا الأوّل : فلا ريب في عدم جواز الاستئجار حينئذ ، لأنّ الواجب على الوصي تفريغ ذمّة الميت بالاستئجار ، فإذا فرض فراغ ذمّته بالتبرع ليس له الاستئجار ، لعدم بقاء شيء في ذمّة الميت حتى يستأجر عنه ، فلا موضوع للاستئجار ، كالدين المتبرع
ولو لم يوجد من يرضى بأُجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الأزيد إذا كان الحج واجباً (1) بل وإن كان مندوباً أيضاً مع وفاء الثّلث ، ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى بأُجرة المثل أو أقل ، بل لا يجوز لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمّة الميت في الواجب والعمل بمقتضى الوصيّة في المندوب
به ، فإنه لو تبرع أحد بالدين لا يجب على الوصي بل لا يجوز له إعطاء المال للدائن لانتقال المال إلى الورثة ، ولا يجوز لأحد التصرف فيه بدون رضاهم ، لأنّ المفروض فراغ ذمّة الميت فلا موضوع لأداء الدّين عنه.
وأمّا الثاني : فلا يجب على الوصي الصبر حتى يأتي به المتبرع توفيراً للورثة ، بل له أن يعطي الحج قبل إتيان المتبرِّع به ولا سيما إذا أراد التأخير إلى سنة أُخرى ، لأنّ المال قبل الإتيان بالحج لم ينتقل إلى الورثة بل هو باق على ملك الميت وإنما ينتقل إلى الورثة بعد الأداء ، ولا يجب على الوصي السعي لتحصيل النفع للورثة بإيجاد موضوع الإرث. والحاصل : القدر المسلم هو عدم جواز تفويت حق الورثة أو مزاحمتهم ، وأمّا إيجاد الموضوع لإرثهم فغير واجب ، فالصبر إلى أن يأتي المتبرع بالحج أو يؤدي الدّين غير لازم ، بل ليس للميت أن يوصي على هذا النحو وإنما له الوصية بالحج عنه ما لم يؤت بالواجب لا ما لم يتبرع به أحد.
(1) إذ لا موجب للتأخير بعد ما كان الواجب تفريغ ذمّة الميت في هذه السنة لأنّ الحج واجب فوري ، والثابت في ذمّته نفس الحج لا قيمته فيجب دفع الأزيد هذا كلّه في الحج الواجب الأصلي.
وأمّا الحج المندوب في نفسه وإن عرضه الوجوب بالوصية فإن لم يعيّن الأُجرة فاللّازم الاقتصار على اجرة المثل للانصراف إليها ، وإن وجد الأقل تعين ولا مجال للتصرّف في الأزيد ، وأمّا الانصراف إلى أُجرة المثل فقد عرفت أنه لنفي الأزيد لا الأقل.
وأمّا لو عيّن الأُجرة فتارة يعيّن الأُجرة المتعارفة وأُخرى يعيّن الأقل منها.
وإن عيّن الموصي مقداراً للأُجرة تعيّن وخرج من الأصل في الواجب إن لم يزد على اجرة المثل وإلّا فالزيادة من الثّلث ، كما أنّ في المندوب كلّه من الثّلث.
أمّا في الصورة الأُولى فيؤخذ بذلك إن لم يزد ما عيّنه على الثّلث.
وأمّا في الصورة الثانية فإن وجد من يقبل ذلك فهو وإلّا فيبنى على مسألة تعدّد المطلوب ووحدته ، فإن قلنا بالتعدّد يعطى الأكثر وأمّا لو قلنا بعدم التعدّد فالوصية باطلة لتعذر العمل بها.
ولو تبرّع متبرِّع بالحج في مورد الوصية به لا يوجب سقوط العمل بالوصية ، بل الوصية باقية على حالها فيجب العمل بها ، فإن التبرّع إنما يفيد في الحج الواجب الأصلي ، لما عرفت أن الوجوب فرع اشتغال الذمّة ، وإذا فرغت ذمّته بالتبرع لا مورد للوجوب ، بخلاف المقام فإن الوجوب من ناحية الإيصاء وهو باق على حاله حتى لو تبرّع متبرِّع.
ولو أوصى بالحج وانصرف الإيصاء به إلى الأُجرة المتعارفة ولكن فرضنا أنه لم يوجد من يرضى بالأُجرة المتعارفة في هذه السنة فهل يجوز التأخير إلى السنة القادمة أم لا؟ ذكر المصنف (قدس سره) أنه لا يجوز بل تجب المبادرة إلى العمل بالوصية لأنّ العمل بها واجب فوري والتعطيل في العمل بها تصرف في مال الميت بغير إذنه فاللّازم عليه تنفيذ الوصية ولو بإعطاء المقدار الزائد على المتعارف فيما إذا كان لا يزيد على الثّلث فإنّ ذلك لا يضر الورثة ، فإنّ هذا المقدار من المال للميت ويجب صرفه فيما أوصاه ، فالتأخير توفيراً للورثة لا موجب له أصلاً ، وما ذكره صحيح.
[3172] مسألة 4 : هل اللازم في تعيين اجرة المثل الاقتصار على أقل الناس اجرة أو يلاحظ من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني والأحوط الأظهر الأوّل (1)، ومثل هذا الكلام يجري أيضاً في الكفن الخارج من الأصل أيضاً (1).
(1) يظهر من كلامه (قدس سره) أن مورد هذه المسألة حجّة الإسلام لتنظيره ذلك بكفن الميت ، حيث يظهر من ذلك أن مورد الكلام هو الواجب الأصلي الذي يخرج من الأصل. وكيف كان ، لم يستبعد ملاحظة شأن الميت شرفاً وضعة ، ولكن ذكر أن الأحوط الأظهر الاقتصار على أقل النّاس اجرة.
أقول : أمّا كونه أظهر فيمكن توجيهه بأن الواجب هو الطبيعي ويمكن انطباقه على الأقل ومعه لا موجب لتطبيقه على الأكثر. وأمّا كونه أحوط فلا ، لأنّ المال مردّد بين الميت والورثة فكيف يكون الاقتصار على الأقل أحوط مع احتمال كون المال وما يصرف في الحج راجعاً إلى الميت نفسه.
بل الأظهر هو الثاني ، فإن اللّازم في تعيين الأُجرة ملاحظة شأن الميت وأن لا يكون هتكاً له ، فإن النّاس مختلفة شرفاً وضعة بالنسبة إلى من يستأجر عنهم ، وكل أحد لا يناسب أن يكون أجيراً لذي الشرف والعز ، والعبرة بحال الميت من حيث الرفعة والضعة ، كما هو الحال في الكفن ، والسيرة قائمة على ذلك ، ويمكن استظهار ذلك من بعض النصوص كقوله (عليه السلام) : «يحجّ عنه من صلب ماله» (2)لظهوره في الحج من ماله ممّا يناسب شأنه واعتباره. وبعبارة اخرى : أدلّة إخراج مصارف الحج من التركة ناظرة إلى التعارف الخارجي ، والتعارف الخارجي يختلف حسب اختلاف النّاس.
[3173] مسألة 5 : لو أوصى بالحج وعيّن المرّة أو التكرار بعدد معيّن تعيّن (1) وإن لم يعيّن كفى حج واحد إلّا أن يعلم أنه أراد التكرار ، وعليه يحمل ما ورد في الأخبار من أنه يحج عنه ما دام له مال كما في خبرين أو ما بقي من ثلثه شيء كما في ثالث بعد حمل الأولين على الأخير من إرادة الثّلث من لفظ المال ، فما عن الشيخ وجماعة من وجوب التكرار ما دام الثّلث باقياً ضعيف.
(1) لوجوب العمل على طبق الوصية ، وأمّا التكرار فإنما يجب فيما إذا كان الثّلث وافياً ، وإن أطلق ولم يعيّن كفى حج واحد ، لأنّ الوصية بطبيعي الحج وهو يحصل بالمرّة.
ولكن نسب إلى الشيخ (1)وتبعه جماعة منهم صاحب الحدائق (2)وجوب التكرار ما دام الثّلث باقياً ووافياً ، واستدلوا بالروايات كقوله (عليه السلام) في بعضها : «يحج عنه ما دام له مال» (3)أو «ما بقي من ثلثه شيء» (4)كما في البعض الآخر.
والظاهر من قوله : «ما دام له مال» هو ثلث الميت لأنّ ماله هو الثّلث فيوافق الخبر الآخر الدال على أنه «يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء» ، فليس المقام من باب حمل المطلق على المقيّد كما توهم المصنف (قدس سره) ، فإن مال الميت لا إطلاق له بل هو منحصر في الثّلث ، فالروايات متحدة في هذا المعنى.
ثمّ إن المصنف أجاب عن الروايات بوجهين :
أحدهما : أنها محمولة على ما إذا علم أنه أراد التكرار.
ويرد عليه أن ذلك بعيد جدّاً ، للتصريح في الروايات بأن الموصي أبهم ولم يسمّ شيئاً ونحو ذلك مما يدل على الجهل بمراده.
ثانيهما : إعراض الأصحاب عنها فلا بدّ من طرحها.
مع أنه يمكن أن يكون المراد من الأخبار أنه يجب الحج ما دام يمكن الإتيان به ببقاء شيء من الثّلث بعد العمل بوصايا أُخر ، وعلى فرض ظهورها في إرادة التكرار ولو مع عدم العلم بإرادته لا بدّ من طرحها لإعراض المشهور عنها (1)فلا ينبغي الإشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بإرادة التكرار ، نعم لو أوصى بإخراج الثّلث ولم يذكر إلّا الحج يمكن أن يقال (2)بوجوب صرف تمامه
وهذا الوجه مردود أيضاً لما ذكرنا غير مرّة أنه لا عبرة بإعراض الأصحاب. والصحيح في الجواب أن الروايات في نفسها ضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها وهي ثلاث روايات :
الاولى : ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن محمّد بن الحسن (الحسين) أنه قال لأبي جعفر (عليه السلام) : «جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك ، فقال : هات ، فقلت : سعد بن سعد أوصى حجوا عنّي مبهماً ولم يسم شيئاً ولا يدرى كيف ذلك ، فقال : يحج عنه ما دام له مال» (3).
الثانية : ما رواه بإسناده عن ابن فضال عن محمّد بن أُورمة عن محمّد بن الحسن الأشعري مثله إلّا أنه قال : «ما دام له مال يحمله» (4).
الثالثة : ما رواه عن محمّد بن الحسين بن أبي خالد «عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهماً ، فقال : يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء» (5).
أمّا الضعف في الروايات فبمحمّد بن الحسن كما في التهذيب ، المعبّر عنه بمحمّد بن الحسن الأشعري أو محمّد بن الحسن بن أبي خالد أو محمّد بن حسن أبي خالد الأشعري وقد يضاف إليه القمي ، وقد يعبر عنه بمحمّد بن حسن بن أبي خالد
في الحج ، وكذا لو لم يذكر إلّا المظالم أو إلّا الزكاة أو إلّا الخمس ، ولو أوصى أن يحج عنه مكرّراً كفى مرّتان لصدق التكرار معه (1).
[3174] مسألة 6 : لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحج سنين معيّنة وعيّن لكل سنة مقداراً معيّناً واتّفق عدم كفاية ذلك المقدار لكل سنة صرف نصيب سنتين في سنة أو ثلاث سنين في سنتين مثلاً وهكذا ، لا لقاعدة الميسور لعدم جريانها (1)في غير مجعولات الشارع ، بل لأنّ الظاهر من حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحج وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيّل كفايته ، ويدلّ عليه أيضاً خبر علي بن محمّد الحضيني وخبر إبراهيم بن مهزيار ففي الأوّل تجعل حجّتين في حجّة وفي الثاني تجعل ثلاث حجج في حجّتين ، وكلاهما من باب المثال كما لا يخفى (2).
شنبوله ، وروى عنه الشيخ في الاستبصار (2)إلّا أن فيه محمّد بن الحسين بن أبي خالد والصحيح ما في التهذيب ، وعلى كل تقدير لم تثبت وثاقته (3).
(1) ما ذكره وإن كان صحيحاً ولكن لا يتم على إطلاقه ، وإنما نلتزم بذلك فيما إذا كان للكلام ظهور في صرف جميع الثّلث في الحج أو الزكاة ، وأمّا إذا كان ظاهراً في أمرين مستقلين أي إخراج الثّلث وإخراج الحج فلا وجه لصرف تمام الثّلث في الحج بل الظاهر حينئذ صرف مقدار منه في الحج وصرف البقيّة في سائر الأُمور الخيرية فالمتبع ظهور الكلام.
ولو أوصى أن يحج عنه مكرراً كفى مرّتان لصدق التكرار بذلك ولا تجب الزيادة.
(2) قد استدل على ذلك مضافاً إلى عدم الخلاف بوجوه :
الأوّل : قاعدة الميسور.
الثاني : ظهور حال الموصي في صرف المقدار المعيّن في الحج ، وإنما عيّن مقداراً
.................................................................................................
خاصّاً لكل سنة لتخيل كفايته لحجتين أو ثلاث.
الثالث : خبران لإبراهيم بن مهزيار.
أقول : أمّا قاعدة الميسور فقد أورد عليها المصنف (قدس سره) بأنها تجري في خصوص المجعولات الشرعيّة ، وأمّا في غيرها كالوصية في المقام فلا ، لأنّ القاعدة ناظرة إلى الأحكام المجعولة من قبل الشارع لا الأحكام المجعولة من قبل الموصي ونحوه.
والصحيح في الجواب : أنّ القاعدة كما ذكرنا مراراً لا أساس لها وهي مخدوشة كبرى وصغرى ، ولا تجري في الواجبات الارتباطية. نعم ، في الواجبات المستقلّة غير المرتبطة يقتصر على الميسور لا لقاعدة الميسور بل لأنّ الاقتصار على الميسور في هذه الواجبات بحكم العقل ، فإن العجز عن إتيان تمام الواجب لا يوجب سقوط الواجب عنه بالمرّة ، مثلاً لو عجز عن صيام تمام شهر رمضان وتمكّن منه في بعض الأيّام من الشهر يجب عليه الصيام في تلك الأيّام ، وهكذا الدين فإنه لو كان عاجزاً عن أداء تمام الدّين لا يوجب سقوط الأداء حتى بالنسبة إلى المقدار الممكن.
ولو تنزلنا والتزمنا بتمامية القاعدة ولو لأجل الانجبار فمقتضاها ثبوت حكم جديد على الميسور مغاير للحكم الأوّل الثابت لتمام الأجزاء ، فإن الحكم الأوّل تعلق بمجموع الأجزاء وقد انتفى بانتفاء المركب ، فالحكم الثاني الثابت للباقي حكم جديد يغاير الأوّل لا أنه يكشف عن بقاء الحكم الأوّل ، وعليه لا مانع من شمول القاعدة للمقام ، لأنّ العمل بالوصية بتمامها إذا كان غير ممكن فلا مانع من العمل بالمقدار الممكن منها.
والحاصل : القاعدة في نفسها غير تامّة وعلى تقدير تماميتها تجري في المقامين من غير فرق.
وأمّا الوجه الثاني : فلا بأس به في الجملة ويمكن قبوله في بعض الموارد.
وأمّا الوجه الثالث : فإن الخبرين رواهما الشيخ عن إبراهيم بن مهزيار.
أحدهما : ما رواه بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن إبراهيم بن مهزيار قال : «كتب إليه علي بن محمّد الحضيني أن ابن عمي أوصى أن يحجّ عنه بخمسة عشر
.................................................................................................
ديناراً في كلّ سنة ، وليس يكفي ، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) : يجعل حجّتين في حجّة ، فإن اللّه تعالى عالم بذلك» (1).
ثانيهما : ما رواه عنه أيضاً قال : «كتبت إليه (عليه السلام) : أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحجّ عنه من ضيعة صيّر ربعها لك في كل سنة حجّة إلى عشرين ديناراً وأنه قد انقطع طريق البصرة ، فتضاعف المؤن على الناس ، فليس يكتفون بعشرين ديناراً ، وكذلك أوصى عدّة من مواليك في حجهم ، فكتب (عليه السلام) : يجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء اللّه» (2)ورواهما الصدوق أيضاً عن إبراهيم بن مهزيار مسنداً (3)ورواهما الكليني عنه مرسلاً (4)، وراوي الخبرين إنما هو إبراهيم بن مهزيار ، والمصنف نسب الأوّل إلى علي بن محمّد الحضيني وليس كذلك ، فإن الحضيني هو الكاتب إلى الإمام (عليه السلام) لا الراوي عنه ، ودلالتهما واضحة ، وذكر الثلاث والاثنين من باب المثال قطعاً ، فلو كانت الحجة خمسة مثلاً ولا يكفي المال لها يصرف في أربعة أو ثلاثة إذا كان المال وافيا.
إنّما الكلام في السند فقد ذكر السيّد في المدارك أن في الروايتين ضعفاً (5)، وأورد عليه في الحدائق بأن طريق الصّدوق إلى إبراهيم بن مهزيار صحيح بل في أعلى مراتب الصحّة ، وأمّا إبراهيم فهو ثقة (6).
ولكن لا يخفى أن إبراهيم بن مهزيار لم يصرح بوثاقته في كتب الرجال إلّا أنه قد يستدل على ذلك بوجوه عمدتها وأساسها ما عن السيّد ابن طاوس في ربيع الشيعة أنه من سفراء الصّاحب (عجّل اللّه تعالى فرجه) والأبواب المعروفين الذين لا تختلف
هذا ، ولو فضل من السنين فضلة لا تفي بحجّة فهل ترجع ميراثاً أو في وجوه (1)البر أو تزاد على اجرة بعض السنين؟ وجوه (1).
الاثنا عشرية فيهم ، وتبعه غير واحد كالعلّامة (2)والفاضل المجلسي (3).
ويردّه : أنّ هذا اجتهاد منه استنبطه من بعض الروايات ، ولو كان سفيراً لذكره الشيخ في كتاب الغيبة الذي تصدى فيه لذكر السفراء وكذلك النجاشي (4)وغيرهما ممن تقدّم على ابن طاوس مع شدّة اهتمامهم بذكر السفراء والأبواب.
نعم ذكر الصدوق في كتاب إكمال الدين (5)في الباب السابع والأربعين في ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) حديثاً عن إبراهيم بن مهزيار وتشرفه بخدمة الصاحب (عليه السلام) ، وفيه دلالة على جلالة قدر الرجل ووثاقته وعلو مقامه ، ولكن راوي الرواية هو إبراهيم نفسه ، ولا يمكن إثبات وثاقة شخص بقول نفسه. على أن هذه الرواية مشتملة على أمر مقطوع البطلان والكذب وهو إخباره عن وجود أخ للحجّة (عليه السلام) مسمّى بموسى وقد رآه إبراهيم ، وهذا ممّا لا يمكن تصديقه أبداً ، والعمدة في وثاقته أنه من رجال كامل الزيارات ، فالرواية معتبرة والدلالة واضحة فلا ينبغي الرّيب في الحكم المذكور ، على أن الظاهر من حال الموصي كون الوصية بذلك من باب تعدّد المطلوب.
(1) أمّا احتمال رجوع المال الزائد ميراثاً ففيه : أن الإرث بعد إخراج الوصية فما لم يحرز العجز عن العمل بالوصية كما هو المفروض لاحتمال تعدد المطلوب لا يرجع ميراثاً ، وأمّا جعل الزائد إضافة على اجرة بعض السنين فلا موجب له بعد فرض عدم كفاية المال للموصى به ، ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط الوصية بالحج الزائد
ولو كان الموصى به الحج من البلد ودار الأمر بين جعل اجرة سنتين مثلاً لسنة وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة ففي تعيين الأوّل أو الثاني وجهان ، ولا يبعد التخيير بل أولوية الثاني ، إلّا أن مقتضى (1)إطلاق الخبرين الأوّل ، هذا كلّه إذا لم يعلم من الموصي إرادة الحج بذلك المقدار على وجه التقييد وإلّا فتبطل الوصية إذا لم يرج إمكان ذلك بالتأخير أو كانت الوصية مقيّدة بسنين معيّنة (1).
فيتعيّن الوجه الثاني وهو صرفه في مطلق وجوه البر ، لظهور حال الموصي في كون الوصية على نحو تعدد المطلوب.
نعم ، لو كانت الوصية بتعدّد الحج بالمقدار المعيّن على نحو التقييد تكون الوصية باطلة ، لتعلقها بأمر متعذر غير مقدور فيرجع المال إلى الوارث ، بخلاف ما إذا كانت الوصية في الحقيقة متعدِّدة أحدها تعلّق بالحج عنه والآخر تعلّق بصرف مقدار من الثّلث في وجوه البر من الحج ونحوه ، وتعذر واحد منهما لا يوجب سقوط العمل بالآخر كما هو الشأن في جميع موارد تعدّد المطلوب.
(1) إذا أوصى بالحج البلدي وفرضنا عدم كفاية المقدار المعيّن لتعدّده ودار الأمر بين تعدّد الحج الميقاتي وبين الاستئجار لحج بلدي واحد ، وبعبارة اخرى : دار الأمر بين إلغاء خصوصية البلد أو إلغاء التعدّد ، الظاهر تعين الثاني وتقديم الحج البلدي لإطلاق الخبرين المتقدّمين (2)لإبراهيم بن مهزيار ، فإن الأوّل منهما وإن لم يصرح فيه بذكر البلد ولكن مقتضى إطلاقه هو إتيان الحج البلدي مرّة واحدة وإن تمكن من حجّتين ميقاتيتين ، وأوضح منه الخبر الثاني ، لأنّ مورده الوصية بالحج البلدي لقوله : «وقد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن» وقد أمر (عليه السلام) بجعل حجّتين مكان ثلاث حجج.
[3175] مسألة 7 : إذا أوصى بالحج وعيّن الأُجرة في مقدار فإن كان الحج واجباً ولم يزد ذلك المقدار عن اجرة المثل أو زاد وخرجت الزيادة من الثّلث تعيّن ، وإن زاد ولم تخرج الزيادة من الثّلث بطلت الوصية ويرجع (1)إلى أُجرة المثل ، وإن كان الحج مندوباً فكذلك تعيّن أيضاً مع وفاء الثّلث بذلك المقدار وإلّا فبقدر وفاء الثّلث مع عدم كون التعيين على وجه التقييد ، وإن لم يف الثّلث بالحج أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت الوصية وسقط وجوب الحج (1).
وقد يقال بتعيين الميقاتي وإلغاء خصوصية البلدي بمقتضى النصوص الدالّة على أنه إذا لم يمكن الحج البلدي فمن الميقات حجة واحدة ، وقد عقد في الوسائل باباً لذلك وذكر فيها عدّة روايات دلّت على أن من أوصى بحجة الإسلام وجب أن يقضى عنه من بلده فإن لم تبلغ التركة فمن حيث بلغ ولو من الميقات ، منها : صحيحة علي بن رئاب وموثقة ابن بكير (2).
والجواب : أن مورد الروايات هو عدم التمكن من البلد ، والمفروض في محل الكلام هو التمكن منه ولكن لا يتمكن من التعدد ، فالروايات أجنبية عن المقام ولا يمكن التعدِّي من مواردها إلى محل كلامنا.
(1) يقع الكلام تارة في الحج الواجب وأُخرى في المندوب.
أمّا الأوّل : فإن عيّن الميت الأُجرة في مقدار معيّن ولم يزد ذلك المقدار عن اجرة المثل تعين ، وكذا لو زاد وكان ثلث الميت وافياً ، وأمّا لو زاد عن اجرة المثل ولم يبلغ الثّلث الزيادة ، كما إذا أوصى بإعطاء ألف دينار للأجير وفرضنا أن اجرة المثل خمسمائة وكان ثلثه ثلاثمائة دينار مثلاً ، ذكر المصنف أن الوصية تبطل ويرجع إلى أُجرة المثل لعدم صحّة الوصية بما زاد على الثّلث.
ولكن الظاهر أنه لا موجب للبطلان بل يضاف إلى أُجرة المثل مقدار الثّلث وهو
[3176] مسألة 8 : إذا أوصى بالحج وعيّن أجيراً معيّناً تعين استئجاره بأُجرة المثل وإن لم يقبل إلّا بالأزيد ، فإن خرجت الزيادة من الثّلث تعين أيضاً وإلّا بطلت الوصية واستؤجر غيره بأُجرة المثل في الواجب مطلقاً ، وكذا في المندوب إذا وفى به الثّلث ولم يكن على وجه التقييد وكذا إذا لم يقبل أصلا (1).
[3177] مسألة 9 : إذا عيّن للحج اجرة لا يرغب فيها أحد وكان الحج مستحبّاً بطلت الوصية إذا لم يرج وجود راغب فيها (2) وحينئذ فهل ترجع ميراثاً أو تصرف في وجوه البر أو يفصّل بين ما إذا كان كذلك من الأوّل فترجع ميراثاً أو كان الراغب موجوداً ثمّ طرأ التعذّر؟ وجوه ، والأقوى هو الصرف في وجوه البر ، لا لقاعدة
ثلاثمائة دينار في المثال ، لوجوب العمل بالوصية بالمقدار الممكن وإن لم يبلغ ذلك المقدار المعيّن الموصى به.
وأمّا الثاني : فيظهر الحال فيه بما تقدّم من أنه يتعين المقدار الذي عيّنه ويجب إخراجه من الثّلث ، فإن وفى الثّلث بأُجرة المثل وبالزيادة فهو ، وإلّا فيضاف إلى أُجرة المثل بالمقدار الممكن وإن لم يبلغ المجموع ذلك المقدار المعيّن ، لوجوب العمل بالوصية مهما أمكن ، والمتعذر هو العمل بتمام الوصية ، وأمّا العمل بالمقدار الممكن فلا موجب لسقوطه إلّا إذا كانت الوصية على نحو التقييد ووحدة المطلوب ، أو كان الثّلث غير كاف أصلاً فتسقط الوصية حينئذ.
والمسألة اللاحقة شبيهة بهذه وهي ما إذا عيّن أجيراً معيّناً ، فإن قبل اجرة المثل تعين استئجاره وإن كان ممن يأبى عن النيابة أو لا يقبل إلّا بالأزيد ولا يكفي الثّلث للزيادة يستأجر شخص آخر ، هذا في الواجب ، وأمّا في المندوب فإن وفى الثّلث فهو وإن لم يف وكانت الوصية على وجه التقييد تسقط لعدم إمكان العمل بها ، وإن لم تكن على وجه التقييد يستأجر شخص آخر مع الإمكان.
(1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة في المسألة السابقة فلا نعيد.
(2) لعدم إمكان العمل بالوصية ، وهل ترجع الأُجرة المعيّنة ميراثاً ، أو تصرف في
الميسور بدعوى أن الفصل إذا تعذّر يبقى الجنس ، لأنّها قاعدة شرعيّة وإنّما تجري في الأحكام الشرعيّة المجعولة للشارع ولا مسرح لها في مجعولات الناس كما أشرنا إليه سابقاً ، مع أن الجنس لا يعدّ ميسوراً للنوع فمحلها المركبات الخارجية إذا تعذّر بعض أجزائها ولو كانت ارتباطية ، بل لأنّ الظاهر من حال الموصي في أمثال المقام إرادة عمل ينفعه وإنّما عيّن عملاً خاصّاً لكونه أنفع في نظره من غيره فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدّد المطلوب وإن لم يكن متذكراً لذلك حين الوصية نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللُّب أيضاً يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة ، ولا فرق في الصورتين بين كون التعذّر طارئاً أو من الأوّل ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من الأخبار في نظائر المقام ، بل يدل عليه خبر علي بن سويد (1)عن الصادق (عليه السلام) قال : «قلت : مات رجل فأوصى بتركته أن أحج بها
مطلق وجوه البر ، أو يفصّل بين المتعذر من الأوّل والطارئ ففي الأوّل ترجع ميراثاً وفي الثاني تصرف في وجوه البر؟ وجوه.
والذي ينبغي أن يقال : إن الميت قد يعين الثّلث أوّلاً ثمّ يخرج منه الحج والصلاة والصوم ونحوها كما إذا قال : أخرجوا من ثلثي الحج والصلاة ونحوهما من وجوه البر ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في أنه لا موجب لرجوع المال إلى الورثة لعدم المقتضي وهكذا لو كان التعذر لأسباب أُخر كما لو أوصى من ثلثه تعمير مسجد وفرضنا أن المسجد وقع في الشارع ولم يمكن عمارته ، أو أوصى للمواكب الحسينية ومنعت ونحو ذلك ، ففي جميع هذه الموارد لا مقتضي لرجوع المال الذي عينه للصرف في جهة إلى الوارث لبقاء الثّلث على ملك الميت ، غاية الأمر تعذر صرفه في الموارد التي عينها فلا بدّ من صرفه في جهاته ، فإنه بتعيينه الثّلث لنفسه قد جعل الورثة محرومين عنه فلا يرجع إليهم ، ولا فرق بين أن يكون التعذّر من الأوّل أو أنه يطرأ بعد ذلك.
1) (*) الرواية عن علي بن مزيد لا عن علي بن سويد ، وهي ضعيفة لا تصلح للاستدلال بها ، وتكفي القاعدة للحكم المذكور بعد ظهور حال الموصي كما ذكر.
عنه فنظرت في ذلك فلم تكف للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا : تصدق بها ، فقال (عليه السلام) : ما صنعت؟ قلت : تصدّقت بها ، فقال (عليه السلام) : ضمنت إلّا أن لا تكون تبلغ أن يحج بها من مكّة ، فإن كانت تبلغ أن يحجّ بها من مكّة فأنت ضامن» ويظهر ممّا ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة من الجهات ، هذا في غير ما إذا أوصى بالثّلث وعين له مصارف وتعذر بعضها ، وأمّا فيه فالأمر أوضح لأنّه بتعيينه الثّلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه.
[3178] مسألة 10 : إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحج عنه بعد موته صح ولزم وخرج من أصل التركة وإن كان الحج ندبياً ولا يلحقه حكم الوصية. ويظهر من المحقق القمي (قدس سره) في نظير المقام إجراء حكم الوصية عليه بدعوى أنه بهذا الشرط ملك عليه الحج (1)وهو عمل له اجرة فيحسب
وأمّا لو أوصى ابتداءً بأُمور ولم تكن وصيته مسبوقة بتعيين الثّلث وإخراجه كما إذا أوصى بالحج ابتداءً فهل يرجع المال ميراثاً أو يصرف في وجوه البر؟ وجهان ، قد يقال بالأوّل لعدم إمكان العمل بالوصية فيرجع المال إلى الوارث لفقد المانع.
ولكن ذهب جماعة منهم الماتن (قدس سره) إلى الثاني للقرينة العامّة الخارجيّة على تعدد المطلوب ، فإن الظاهر من حال الموصي في أمثال المقام إرادة عمل ينفعه وإنما عيّن عملاً خاصّاً لكونه أنفع في نظره من غيره ، فتعيينه لمثل الحج ونحوه من الأُمور القربية على نحو تعدد المطلوب وإذا تعذر بعضه لا يسقط الآخر.
ويؤكد ذلك عدّة من الروايات الواردة في باب نسيان الوصية وعدم وفاء المال للعتق (2)، ويظهر من ذلك كلّه أن غرض الموصي لا خصوصية له بالنسبة إلى ما عيّنه
مقدار اجرة المثل لهذا العمل ، فإن كانت زائدة عن الثّلث توقف على إمضاء الورثة ، وفيه : أنه لم يملك عليه الحج مطلقاً في ذمّته ثمّ أوصى أن يجعله عنه بل إنما ملك بالشرط الحج عنه وهذا ليس مالاً تملكه الورثة ، فليس تمليكاً ووصية وإنّما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة (1).
بل يرجع تعيينه لمثل ذلك إلى تعدّد المطلوب.
وقد استشهد في المتن بخبر علي بن سويد (1)، والخبر على ما ذكره صحيح السند إلّا أن المذكور في السند ليس علي بن سويد ، بل هو إما علي بن مزيد كما في الفقيه (2)أو علي بن فرقد كما في الكافي (3)والتهذيب (4)، وعلى كل تقدير لم يوثق ، فتكون الرواية ضعيفة.
نعم لو علمنا بالخصوصية وأن الوصية على نحو التقييد تبطل في صورة التعذّر فلا مانع إذن من رجوع المال إلى الوارث. وأمّا قاعدة الميسور فقد عرفت غير مرّة أنه لا أساس لها ، على أنها مخدوشة في المقام صغرى لأنّ الجنس لا يعد ميسوراً للنوع.
(1) وقع الخلاف بين السيّد المصنف والمحقق القمي (قدس سرهما) في هذه المسألة.
اختار المصنف خروج الحج من أصل التركة وإن كان الحج ندبياً ولا يلحقه حكم الوصية ، وذلك لأنّ الحج عن الميت ليس مالاً تملكه الورثة ، وإنما هو ملك للميت على نحو خاص من الملكية غير قابل للانتقال إلى الوارث.
واختار المحقق القمي إجراء حكم الوصية عليه ، فيلاحظ مع الثّلث (5)فإن كان بمقداره ينفذ وإن كان أزيد توقف على إمضاء الورثة ، بدعوى أنّ الموصي قد ملك
وكذا الحال إذا ملّكه (1)داره بمائة تومان مثلاً بشرط أن يصرفها في الحج عنه أو عن غيره أو ملّكه إيّاها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه ، فجميع
الحج على ذمّة المصالَح بالفتح بهذا الشرط ، وهو عمل له اجرة فصار من جملة ممتلكات الموصي ويعامل معه معاملة الأموال المتروكة من احتساب مقدار اجرة المثل لهذا العمل وملاحظة زيادتها على الثّلث وعدمها.
وبعبارة اخرى : الحج الثابت في ذمّة المصالَح بالفتح بسبب الشرط مملوك للمصالِح بالكسر - ، فإذا مات ينتقل إلى ورثته كسائر الأموال المتروكة فحينئذ يكون أمر الموصي للمصالَح بالفتح بفعل الحج عنه وصية منه بذلك فاللّازم خروجه من الثّلث.
وأورد عليه المصنف بأن الموصي قد يملك الحج مطلقاً في ذمّة شخص آخر ، فإذا ملك عليه الحج مطلقاً ثمّ أوصى أن يجعله عنه يعامل معه معاملة الأموال المتروكة لأنه عمل له مالية وأُجرة فينتقل من الميت إلى الوارث ويجري عليه أحكام الوصية وقد يملك عليه الحج عنه وهذا ليس مالاً تملكه الورثة فليس تمليكاً ووصية ، وإنما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة.
ولزيادة التوضيح نقول : الحج الذي وجب على المشروط عليه بسبب الشرط وإن فرض أنه ملك للميت لكنه غير قابل للانتقال إلى الورثة ، فإن المملوك وهو الحج عن الموصي بسبب الشرط إذا أتى به المشروط عليه فقد سلمه إلى مالكه وهو الميت الموصي ، ومع تسليم المال إلى مالكه وهو الميت تفرغ ذمّة المشروط عليه علم به الوارث أو جهل به فلا موجب لاحتسابه من الثّلث ، والإخراج من الثّلث إنما هو في الأموال القابلة للانتقال إلى الوارث ، فليس الحج المفروض من قبيل بقيّة الأموال
1) (*) ليس هذا كالصلح المشروط بالحج أو التمليك بشرط بيع العين وصرف الثمن في الحج ، وذلك فإن مائة تومان في المثال ملك للشارط حال حياته وقد شرط على من ملكه الدار أن يصرفها في الحج فإن كان بمقدار ثلثه نفذت الوصية وإلّا فلا.
ذلك صحيح لازم من الأصل وإن كان العمل المشروط عليه ندبياً ، نعم له الخيار عند تخلّف الشرط وهذا ينتقل إلى الوارث بمعنى أن حق الشرط (1)ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.
المتروكة ، نظير ما لو باع شيئاً واشترط على المشتري بناء داره مثلاً ، فإنه يجب عليه تسليم العمل في الخارج ، وتسليمه إنما هو بوجوده وتحققه خارجاً ، فما ذكره القمي من الاحتساب من الثّلث لا وجه له.
والصحيح أن يقال : إنه لا وجه لما ذكره المصنف من أنه ملك بالشرط ، وهو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة ، لأنه لو سلمنا أنه ملك للميت فلا مانع من انتقاله إلى الوارث ، ومجرّد أنّ الثابت في الذمّة هو الحج عن الميت لا طبيعي الحج لا يكون مانعاً عن الانتقال إلى الوارث فيكون له الإبراء والإسقاط أو إيقاع مصالحة جديدة عليه ، كما يكون له مطالبته وتسليمه بالحج عن الميت.
كما لا وجه لما ذكره المحقق القمي من أنه يحسب من الثّلث ، وذلك فإنّ الحج المشروط به الصلح ليس مالاً وملكاً للميت لينتقل إلى الوارث ، فإنّ الاشتراط لا يوجب كون الشرط ملكاً للشارط ، لأنّ غاية ما يقتضيه الاشتراط لزوم العمل بالشرط وثبوت الخيار عند التخلّف كما هو كذلك في غير المقام.
وبعبارة اخرى : الاشتراط لا يوجب ملكية الشرط للشارط ولا يملك الشارط على المشروط عليه العمل بالشرط حتى ينتقل إلى الورثة ، وإنما يترتّب على الاشتراط الإلزام من الشارط والالتزام بالشرط من المشروط عليه ، فهو يقتضي إلزاماً من شخص والتزاماً من شخص آخر ، فالحج المشروط به الصلح في المقام ليس
1) (*) إن هذا الحق الذي لا ينتفع به الوارث ولا يمكنه إسقاطه لا ينتقل إلى الوارث ، بل الظاهر أنه باق على ملك الميت فإذا تخلف المشروط عليه يفسخ الحاكم عليه بالولاية ويصرف المال فيما شرط على المشروط عليه.
.................................................................................................
ممّا تركه الميت حتى يتنازع في خروجه من الثّلث أو من الأصل وإنّما يجب الإتيان به على المشروط عليه بمقتضى الوفاء بالشرط ، فلو وفى بالشرط وأتى بالحج فقد أتى بما وجب عليه وليس للورثة معارضته ، ولو تخلف وترك الحج يثبت الخيار لتخلف الشرط.
وهل يثبت الخيار للوارث أو أن الوارث أجنبي عن ذلك؟ وجهان ، اختار المصنف الأوّل وذكر أن حق الشرط ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.
ويردّه : أن الحج كما لا ينتقل إلى الوارث لعدم كونه ملكاً للميت كذلك حق الخيار بتخلّف الشرط لا ينتقل إلى الوارث. بيان ذلك : أن حق الخيار كسائر الحقوق وإن كان ينتقل إلى الوارث ومنه خيار تخلف الشرط ، فلو باع شيئاً واشترط على المشتري بناء داره مثلاً ثمّ مات وتخلف المشتري عن العمل بالشرط كان لورثة البائع الخيار ، فلهم إسقاط الخيار ولهم فسخ البيع ومطالبة المشتري بالمبيع.
والوجه في ذلك : أن الشرط وهو البناية في مفروض المثال يرجع نفعه إلى الوارث فلذا كان الخيار المترتب على تخلفه داخلاً فيما ترك فينتقل إلى الوارث ، فلهم إسقاطه كما أن لهم إعماله ، وأمّا الشرط الذي لا ينتفع به الوارث أصلاً كما في المقام فلا يكون الخيار المترتب على تخلفه مما تركه الميت ، فإن الانتفاع به خاص بالميت نفسه فيكون الخيار أيضاً مختصاً به ، ومن هنا ليس للورثة إسقاط هذا الخيار بل هم أجنبيون عنه وبما أن الميت لا يتمكن من إعمال الخيار ، للوصي أو الحاكم صرف المال فيما شرط على المشروط عليه.
والحاصل : أدلّة الإرث لا تشمل المقام ، بل يلزم على المشروط عليه الوفاء بالشرط والإتيان بالحج ، وإن تخلف يلزمه الحاكم أو الوصي بالإتيان به ، وإن امتنع المشروط عليه من الوفاء يفسخ الحاكم أو الوصي ، ويصرف الحاكم أو الوصي المال في الحج باستئجار شخص آخر.
ثمّ إن المصنف ذكر مثالين آخرين لمورد الكلام بينه وبين المحقق القمي :
أحدهما : ما إذا باع داره بمائة دينار واشترط على المشتري أن يصرف المائة في
[3179] مسألة 11 : لو أوصى بأن يحج عنه ماشياً أو حافياً صح واعتبر خروجه من الثّلث إن كان ندبياً وخروج الزائد عن اجرة الميقاتية منه إن كان واجباً (1). ولو نذر في حال حياته أن يحج ماشياً أو حافياً ولم يأت به حتى مات وأوصى به أو لم يوص وجب الاستئجار (2)عنه من أصل التركة كذلك ، نعم لو كان نذره مقيّداً بالمشي ببدنه أمكن أن يقال بعدم وجوب الاستئجار عنه ، لأنّ المنذور هو مشيه ببدنه فيسقط بموته لأنّ مشي الأجير ليس ببدنه ، ففرق بين كون المباشرة قيداً في المأمور به أو موردا (1).
الحج عنه أو عن غيره فإن المال يخرج من الأصل ، لعدم انتقاله إلى الوارث وبقائه على ملك الميت فلا تجري عليه أحكام الوصية.
ولا يخفى أن ما ذكره من غرائب ما صدر منه ، وذلك لأنّ الدار قد انتقلت إلى المشروط عليه والمائة دينار قد انتقلت إلى الشارط وصارت ملكاً له حال حياته فتشمله أحكام الوصية ، وليس هذا كالصلح المشروط بالحج المذكور في أوّل المسألة لأنّ المبلغ في المثال ملك للشارط حال حياته وقد شرط على من ملكه الدار أن يصرفها في الحج ، فهذا كالوصية الابتدائية بالحج بمائة دينار فلا ريب في جريان أحكام الوصية حينئذ ، نظير ما لو أودع مالاً عند شخص وطلب منه الحج عنه بعد موته ، فإنه لا كلام في جريان أحكام الوصية على ذلك.
ثانيهما : أن يملكه العين بشرط بيعها وصرف ثمنها في الحج عنه ، فالدار تنتقل إلى المشروط عليه بإزاء الشرط ويجب عليه الوفاء بالشرط ، وهذا المثال صحيح.
(1) لا ريب في نفوذ الوصية على كل حال ، فإن كان الحج الموصى به ندبياً أُخرج جميع مصارفه من الثّلث ، وإن كان واجباً وكان حجة الإسلام أُخرج أُجرة الحج من الميقات من الأصل والزائد من الثّلث.
.................................................................................................
ولو نذر حال حياته أن يحج ماشياً أو حافياً ولم يأت به حتى مات وأوصى به ، فإن قلنا بأن الحج النذري يخرج من الثّلث كما هو المختار فلا كلام ، وأمّا لو قيل بخروجه من الأصل أوصى به أم لم يوص به كما عليه المصنف فهل يخرج الحج النذري بجميع خصوصياته التي منها كونه ماشياً أو حافياً من أصل التركة ، أو يخرج منه أصل الحج النذري دون خصوصياته؟ وجهان.
اختار المصنف الأوّل ، والأظهر هو الثاني ، وذلك لأنّ الذي يجب خروجه من صلب المال إنما هو حج الإسلام وأمّا غيره فلا دليل على خروجه منه ، وإنما ادعي الإجماع على إلحاق الحج النذري بحج الإسلام ، ولو سلمنا كون الإجماع تامّاً فإنّما يتم في خروج أصل الحج لا في الخصوصيات.
وبعبارة أُخرى : الإجماع دليل لبِّي لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو خروج أصل الحج النذري من الأصل لا الخصوصيات ، نظير الصوم المنذور في يوم معيّن كيوم الجمعة إذا صادف العيد أو اتفق له السفر أو المرض ، فإن القاعدة تقتضي بطلان نذره لعدم التمكّن من متعلقه ، ولكن النص (1)دلّ على وجوب القضاء ومقتضاه وجوب أصل القضاء وجواز إلغاء الخصوصيات المأخوذة فيه ككونه واقعاً في يوم الجمعة أو في شهر رجب بل يقضي يوماً بدل يوم.
ثمّ إنه لو فرضنا أن الدليل دلّ على لزوم القضاء في الحج النذري لم يكن فرق بين الصورتين اللتين ذكرهما المصنف بقوله : «ففرق بين كون المباشرة قيداً في المأمور به أو مورداً» ، وذلك لأنّ نذره إذا تعلق بالحج ماشياً فلا محالة كان الواجب عليه هو المشي ببدنه لاستحالة المشي ببدن غيره ، فالتقييد وعدمه سيان من هذه الجهة ، فإذا وجب القضاء مع عدم التقييد وجب مع التقييد أيضاً.
فتحصل : أن الظاهر عدم وجوب قضاء الحج النذري وإنما يختص بالواجب أصالة ، وعلى فرض وجوب القضاء فالواجب إخراج أصل الحج دون الخصوصيات.
1) الوسائل 23 : 310 / أبواب النذر ب 10 ح 1.
[3180] مسألة 12 : إذا أوصى بحجّتين أو أزيد وقال : إنها واجبة عليه صُدّق وتخرج من أصل التركة (1)، نعم لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض الموت وكان متّهماً في إقراره فالظاهر أنه كالإقرار بالدّين فيه في خروجه من الثّلث إذا كان متّهماً على ما هو الأقوى (1).
[3181] مسألة 13 : لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة اجرة الاستئجار وشكّ في أنّه استأجر للحج قبل موته أو لا ، فإن مضت مدّة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحّة (2)مع كون الوجوب فورياً منه ، ومع كونه موسعاً إشكال ، وإن لم تمض مدّة يمكن الاستئجار فيها وجب الاستئجار من بقيّة التركة إذا كان الحج واجباً ومن بقيّة الثّلث إذا كان مندوباً ، وفي ضمانه لما قبض وعدمه لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان وجهان (3)، نعم لو كان المال المقبوض موجوداً أُخذ
(1) إذا كانت إحدى الحجّتين حجّة الإسلام والأُخرى الاستئجار تخرج اجرة الحجّتين من الأصل ، أمّا أُجرة حجّة الإسلام فواضحة ، لأنّ الإيصاء والإخبار بها إقرار بالدّين حقيقة أو تنزيلاً ، وكذلك بالنسبة إلى أُجرة الحج الاستئجاري ، لأنّ الإخبار بها إقرار بالدّين حقيقة ، ولا ريب في نفوذ الإقرار بالنسبة إلى الديّن وغيره لاستقرار سيرة العقلاء عليه. مضافاً إلى ما يستفاد من النصوص الكثيرة المنتشرة في أبواب متفرقة كالروايات في باب الأموال والرقية والزوجية ، وتستنتج منها قاعدة كليّة وهي نفوذ الاعتراف والإقرار بالنسبة إلى ما عليه. وأمّا النبوي المعروف «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فضعيف السند جدّاً ، وكذا مرسل العطار «قال : المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمناً عليه» (4).
حتى في الصورة الأُولى وإن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان مما يحتاج إلى بيعه وصرفه في الأُجرة وتملك ذلك المال بدلاً عما جعله اجرة لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت (1).
هذا كلّه إذا كان الحج المقر به واجباً مالياً كالحج الاستئجاري ، وأمّا إذا كان واجباً نذرياً فخروجه من الأصل أو الثّلث يبتني على الخلاف بيننا وبين المصنف.
(1) لو قبض الوصي اجرة الاستئجار ثمّ مات وشكّ في أنه استأجر الحج قبل موته أو لا ، ذكر في المتن لذلك صورتين :
الاولى : مضي زمان لا يمكن فيه عادةً الاستئجار ، فلا ريب في أنه يجب الاستئجار فيها من الأصل إذا كان الحج واجباً ومن الثّلث إذا كان مندوباً ، ويسترجع مال الإجارة من ورثة الوصي إذا كان المال موجوداً وإلّا فلا ضمان على الوصي إذا لم يكن مفرطاً ، لأنّ المال أمانة عنده ولا ضمان على الأمين.
الثانية : ما إذا مضت مدّة يمكن فيها الاستئجار وهي على قسمين :
أحدهما : ما إذا كان الوجوب فورياً وشك في أن الوصي هل عمل بوظيفته أم لا ، وهل استأجر في هذه السنة أم لا ، حمل في المتن أمره على الصحّة فتفرغ ذمّة الميت.
ثانيهما : ما إذا كان الوجوب موسعاً غير مقيّد بسنة خاصّة ، استشكل الماتن فيه في حمل أمره وفعله على الصحّة.
وقد يقال بأن جريان أصالة الصحّة في المقام عند المصنف من جهة أن الموصي إذا كان مؤمناً خصوصاً إذا كان متورعاً لا يترك ما وجب عليه ، والمفروض أن الواجب فوري لا يجوز تأخيره ، وأصالة الصحّة تقتضي صدور الاستئجار منه والمبادرة من الوصي إليه ، ولذا استشكل في جريان أصالة الصحّة في الواجب الموسع لأنّ ترك الاستئجار فيه وعدم المبادرة لا ينافيان التورع.
ولكن الظاهر عدم إرادة المصنف هذا المعنى من أصالة الصحّة ، لأنّ غاية ما تقتضيه أصالة الصحّة على هذا المعنى عدم ارتكاب المؤمن المعصية ، وأمّا وقوع
.................................................................................................
عقد الإيجار منه فلا يثبت بأصالة الصحّة ، نظير ما إذا كان المؤمن مديناً ومطالباً فإنه لا يمكن الحكم بالأداء بحمل فعله على الصحّة. ويؤيد عدم إرادة هذا المعنى إشكاله وتردّده في الواجب الموسع ، إذ لو كان مراده من أصالة الصحّة عدم ارتكاب المؤمن الحرام لا وجه للتوقف والتردد في جريان أصالة الصحّة في الواجب الموسع ، لعدم الحرمة في التأخير وعدم وجوب المبادرة إليه قطعاً ، إذ لا نحتمل ارتكابه للمحرم ليحمل فعله على الصحّة.
والظاهر أن كلامه (قدس سره) ناظر إلى صورة صرف المال وعدم وجدانه عند الوصي ، للتصريح في آخر كلامه بقوله : «نعم لو كان المال المقبوض موجوداً أُخذ» فيعلم أن مورد كلامه قبل ذلك عدم وجود المال عند الوصي ، وكذا استشكاله في إجراء أصالة الصحّة في الواجب الموسع قرينة أُخرى على أن كلامه ناظر إلى عدم وجود المال.
وبالجملة : مورد كلامه هو ما إذا تصرف الوصي في المال ولم يكن المال موجوداً عنده وشكّ في أنه هل صرفه في استئجار الحج أم لا ، فإن كان الواجب فورياً حمل فعله على الصحّة ونحكم بصحّة تصرفه وأنه صرف المال في استئجار الحج ، وإن كان الواجب موسعاً يجوز له صرفه في الاستئجار للحج كما يجوز له صرفه في غيره مما يرى فيه المصلحة ففي جريان أصالة الصحّة إشكال. هذا إذا كان المال غير موجود.
وأمّا إذا كان المال المقبوض موجوداً فيحتمل أن بقاء المال عنده كان على وجه مشروع كما لو أعطى الأُجرة من مال آخر ، كما يحتمل أن بقاءه عنده كان غير مشروع ، لأنّ المفروض أن الواجب فوري فيكون عدم صرف المال في الاستئجار أمراً غير مشروع. وبعبارة اخرى : نشك في أن استيلاءه على المال كان مشروعاً أو لا ، وأصالة الصحّة بالنسبة إلى بقاء المال عنده واستيلائه عليه لا تثبت لازمه وهو صرف بدله في الاستئجار للحج.
وملخص كلامه : أن أصالة الصحّة والحكم بتحقق الاستئجار إنما تجري فيما لم تكن عين مال الإجارة موجودة ، وأمّا إذا كانت موجودة فلا تجري بل يحكم ببقاء العين
[3182] مسألة 14 : إذا قبض الوصي الأُجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامناً ، ووجب الاستئجار من بقيّة التركة أو بقيّة الثّلث ، وإن اقتسمت على الورثة استرجع منهم ، وإن شكّ في كون التلف عن تقصير أو لا فالظاهر عدم الضمان أيضاً ، وكذا الحال إن استأجر ومات الأجير ولم يكن له تركة أو لم يمكن الأخذ من ورثته (1).
على ملك مالكها وهو الميت الموصي ، هذا.
ولكن الصحيح عدم جريان أصالة الصحّة أصلاً حتى فيما إذا كان المال غير موجود ، لأنّ أصالة الصحّة الثابتة بالسيرة الشرعيّة إنما تجري في كل فعل صادر من الفاعل شكّ في صحّته وفساده من جهة الشك في وجدانه للأجزاء والشرائط ، سواء كان من المعاملات كالعقود والإيقاعات أو العبادات كالصلاة ونحوها ، وأمّا لو لم يحرز صدور الفعل منه فأصالة الصحّة لا تتكفّل بوقوع الفعل منه خارجاً وصدوره منه فصرف المال في المقام وإن كان محرزاً خارجاً لكن وقوع الإيجار منه مشكوك فيه ولا يثبت بأصالة الصحّة ، نظير ما إذا أعطى المدين المال إلى الوكيل ليعطيه للدائن وصرف الوكيل المال ، فإنّه لا يمكن إثبات براءة المدين بحمل فعل الوكيل على الصحّة.
والحاصل : مدرك أصالة الصحّة هو السيرة المتشرعيّة والقدر المتيقن منها جريان أصالة الصحّة فيما إذا كان العمل بنفسه محرزاً وجداناً وشكّ في وقوعه صحيحاً أم لا وأمّا لو كان العمل بنفسه مشكوكاً فيه فلا يثبت بأصالة الصحّة من دون فرق بين وجود المال وعدمه.
(1) قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة أن ثبوت الدين بالنسبة إلى المال من باب الكلّي في المعيّن ، فلو تلف شيء من التركة قبل أداء الدّين لا ينقص من الدّين شيء أصلاً فإن الإرث بعد الدّين ، وأمّا الوصية بالمال فثبوتها على نحو الإشاعة ، فإن الظاهر من النفوذ بمقدار الثّلث وكون الثّلثين للورثة هو الإشاعة ، لأنّ ذكر النسب والمقادير ظاهر في الإشاعة ، فلو تلف شيء من التركة قبل التقسيم يحسب على
.................................................................................................
الجميع وينقص من الثّلث أيضاً ويكون الثّلث من الباقي ، لأنّ نسبة التالف إلى المال على حد سواء.
وبالجملة : تنفذ الوصية بمقدار الثّلث وثبوتها في المال المتروك على نحو الإشاعة وأمّا الدّين فهو على نحو الكلّي في المعيّن ، وقد ثبت أن الحج دين ، فلو تلف من التركة شيء أو تلف المال كلّه وبقي بمقدار الحج لا بدّ من أدائه ولا ينقص منه شيء.
ويترتّب على ذلك ما ذكر في هذه المسألة من لزوم إعطاء الحج من بقيّة التركة فإن الإرث بعد أداء الحج ، ومجرّد أخذ الأُجرة لا يوجب فراغ ذمّة الميت ما لم يؤد الحج بل لا بدّ من الحج أوّلاً ثمّ تقسيم المال بين الورثة.
ولو أخذ الوصي الأُجرة وتلفت في يده بلا تقصير لم يكن ضامناً لأنّه أمين ، ولو فرض تقسيم المال بين الورثة استرجع منهم لانكشاف بطلان القسمة ، لأنّ القسمة إنما تصح بعد أداء الدين لتقدّم الوفاء به على الإرث ، هذا كلّه في الحج الواجب الأصلي ، وأمّا في مورد الوصية بالحج فإذا أخذ الوصي الأُجرة فتلفت عنده من غير تفريط فلا ضمان عليه ، ولا بدّ من إخراج الحج من الثّلث.
ولو شكّ في كون التلف عن تقصير أم لا فالظاهر عدم الضمان ، لأنّه يشك في كون التلف موجباً لضمانه أم لا والأصل هو البراءة عن الضمان ، فإنّ التلف السماوي وشبهه لا يوجب الضمان والذي يوجبه هو التلف المستند إلى تفريطه وتفويته ، فلو شكّ في استناد التلف إلى تفويته وتفريطه فالأصل عدمه.
وبذلك يظهر الحال فيما إذا استأجر شخصاً للحج وأُعطي مال الإجارة قبل الإتيان بالحج كما هو المتعارف خصوصاً في باب الحج ومات الأجير قبل أداء الحج وفرضنا أن الأجير لم يكن له مال ليؤخذ منه أو لم يمكن الأخذ من ورثته فحينئذ يجب الإخراج من بقيّة التركة واستئجار شخص آخر إن كان الحج واجباً أصلياً وإلّا فمن الثّلث.
[3183] مسألة 15 : إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندباً ولم يعلم أنه يخرج من الثّلث أو لا لم يجز صرف جميعه (1) ، نعم لو ادعى أن عند الورثة ضعف هذا أو أنّه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيته ففي سماع دعواه وعدمه وجهان (1)(2).
(1) لو كان عنده مقدار من المال وأوصى أن يصرف خصوص هذا المال في الحج المندوب وشكّ في أن هذا المال بمقدار الثّلث أو أزيد فهل تنفذ الوصية حينئذ أم لا؟
ربّما يحتمل نفوذ الوصية للترديد بين الصحّة والبطلان ، لأنّ المال لو كان بمقدار الثّلث فالوصية صحيحة ولو كان أزيد فتبطل ، ومقتضى أصالة الصحّة هو الحمل على الصحيح ، فإن الوصية إيقاع صادر من الوصي ونشك في صحّته وفساده فيحمل على الصحّة.
وفيه : ما تقدّم من أن أصالة الصحّة بمعنى ترتيب الأثر على العقد أو الإيقاع لا بمعنى عدم ارتكاب الحرام مستندها السيرة القطعية ، ولكن مورد هذه السيرة ما إذا أحرزنا ولاية العامل على الفعل وشكّ في أنه أوقعه على الوجه الصحيح أم لا فيحمل فعله حينئذ على الصحّة ، وأمّا إذا شكّ في أصل ثبوت الولاية فلا يمكن إثبات الصحّة بالأصل ، كما إذا تصدى أحد لبيع دار زيد وشكّ في ولايته على ذلك لم يجز الشراء منه بأصالة الصحّة في بيعه ، وكذا إذا كانت عين موقوفة في يده وأراد بيعها وشكّ في أنه هل له الولاية على ذلك أم لا ، لا يمكن الحكم بصحّة بيعه بأصالة الصحّة.
وبالجملة : لا دليل على جريان أصالة الصحّة في جميع موارد الشك في الصحّة والفساد ، وإنما قام الدليل على إجرائها في موارد الشك في وجدان العمل للشرائط والأجزاء بعد إحراز الولاية على العمل.
(2) ذكر بعضهم أنه يسمع دعواه لأنه إخبار عما في يده وتحت اختياره.
1) (*) أوجههما عدم السماع.
[3184] مسألة 16 : من المعلوم أنّ الطّواف مستحب مستقلا من غير أن يكون في ضمن الحج ، ويجوز النيابة فيه عن الميت ، وكذا عن الحي إذا كان غائباً عن مكّة أو حاضراً وكان معذوراً في الطّواف بنفسه ، وأمّا مع كونه حاضراً وغير معذور فلا تصحّ النيابة عنه (1) وأمّا سائر أفعال الحج فاستحبابها مستقلا غير معلوم حتى مثل السعي بين الصّفا والمروة (2).
وفيه : أنه لم تثبت حجية إخبار ذي اليد عما في يده بجميع ما يرجع إلى ما تحت يده ، نعم لو رجع إخباره عما في يده إلى الإقرار على نفسه يسمع ، كما إذا أخبر بأن ما في يده مغصوب ، وأمّا الإخبار ببقيّة الجهات فلا دليل على السماع منه ، ولذا ذكروا أنه لو أخبر بكرية الماء الذي في يده لا يسمع منه ، فالإخبار عن إجازة الورثة أو أن المال بمقدار الثّلث يحتاج إلى الإثبات.
(1) لا ينبغي الإشكال في كون الطّواف مستحبّاً نفسيّاً مستقلا ولو لم يكن في ضمن أعمال الحج أو العمرة كاستحباب الصّلاة في نفسها ، كما في النصوص ، وقد عقد في الوسائل أبواباً تتضمن ذلك (1)، كما أنه تجوز النيابة فيه عن الميت والحي لإطلاق جملة منها وخصوص بعض الروايات كالنصوص الواردة في الطواف عن المعصومين (عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً (2)، كما لا فرق بين كون المنوب عنه غائباً عن مكّة أو حاضراً معذوراً ، لدلالة جملة من النصوص المعتبرة (3)ولإطلاق ما ورد في المبطون والمريض (4)، نعم ورد المنع في خصوص المقيم الحاضر في مكّة إذا لم يكن معذوراً كما في صحيح إسماعيل بن عبد الخالق (5).
(2) لا ريب في عدم استحباب سائر أفعال الحج مستقلا كالوقوفين أو المبيت في
.................................................................................................
منى ورمي الجمار لعدم الدليل عليه.
وأمّا السعي فربّما يقال باستحبابه مستقلا لصحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لرجل من الأنصار : إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند اللّه أجر من حج ماشياً من بلاده ، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة» (1)بدعوى أن الظاهر من قوله : «إذا سعيت بين الصفا والمروة» إلخ ، ترتب الثواب على نفس السعي وإن لم يكن في ضمن أعمال الحج ، فإن ذكر السعي في قبال الحج مع أن كل حج فيه السعي يدل على ترتب الثواب على السعي في نفسه.
ولكن هذا الاستدلال إنما يتم بناءً على ورود الصحيحة في خصوص السعي بنفسه كما في المحاسن والوسائل إلّا أن الأمر ليس كذلك ، لأنّ الصحيحة المذكورة لم تقتصر على ذكر السعي وثوابه فقط ليستفاد منه الاستحباب النفسي ، بل كان السعي في جملة ما ذكر في هذه الصحيحة من بيان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لما يترتب على أعمال الحج من الثواب في المحاورة التي دارت بينه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وبين الأنصاري ، حيث رواها الشيخ والصدوق في التهذيب والفقيه على النحو التالي بنفس السند ، وكذلك الوسائل رواها في الباب الثاني من أقسام الحج الحديث 7 (2).
ففي التهذيب عن ابن محبوب عن علي بن رئاب عن محمّد بن قيس قال : «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول وهو يحدث النّاس بمكّة فقال : إن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يسأله ، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : إن شئت فسل وإن شئت أخبرتك عما جئت تسألني عنه ، فقال : أخبرني يا رسول اللّه ، فقال : جئت تسألني مالك في حجك وعمرتك ، فإن لك إذا توجّهت إلى سبيل الحج ثمّ ركبت راحلتك ثمّ قلت بسم اللّه والحمد اللّه ثمّ مضت راحلتك لم تضع خفّاً ولم ترفع خفّاً إلّا كتب لك حسنة ومحي عنك سيّئة ، فإذا أحرمت
.................................................................................................
ولبيت كان لك بكل تلبية لبيتها عشر حسنات إلى أن يقول - (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : فإذا سعيت بين الصّفا والمروة كان لك مثل أجر من حج ماشياً» (1)إلخ ورواه الصدوق في الفقيه نحوه (2)ومن الواضح أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في مقام بيان الثواب لإعمال الحج ومناسكه ، فلا يستفاد من ذلك ترتب الثواب على كل واحد من الأفعال مستقلا ولو لم يكن في ضمن الحج.
واستدلّ أيضاً لاستحباب السعي لنفسه بخبر أبي بصير ، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ما من بقعة أحبّ إلى اللّه من المسعى ، لأنه يذل فيه كل جبّار» (3).
وفيه : أنه يدل على فضيلة للمسعى وأن المكان مكان شريف مبارك حيث يذل فيه الجبابرة لمشيهم وهرولتهم ونحو ذلك في المسعى ، ولا يدل على فضيلة لنفس السعي.
ثمّ إنّ المذكور في السند على ما في الوسائل محمّد بن الحسين عن محمّد بن مسلم عن يونس عن أبي بصير فتكون الرواية معتبرة ، ولكن الرواية مروية في العلل (4)وفيه محمّد بن أسلم بدل محمّد بن مسلم وكذا في الكافي (5)والوافي (6)وهو الصحيح ، إذ لم تثبت رواية محمّد بن الحسين عن محمّد بن مسلم ولا رواية محمّد بن مسلم عن يونس عن أبي بصير ، فتكون الرواية ضعيفة على مسلك المشهور لأنّ محمّد بن أسلم لم يوثق في الرجال ، ولكن الرواية موثقة على المختار لأنّه من رجال كامل الزيارات ، فالعمدة ضعف الدلالة كما عرفت.
[3185] مسألة 17 : لو كان عند شخص وديعة ومات صاحبها وكان عليه حجّة الإسلام وعلم أو ظن (1)أن الورثة لا يؤدون عنه إن ردّها إليهم جاز بل وجب عليه أن يحجّ بها عنه ، وإن زادت عن اجرة الحج ردّ الزيادة إليهم لصحيحة بريد : «عن رجل استودعني مالاً فهلك وليس لوارثه شيء ولم يحجّ حجّة الإسلام قال (عليه السلام) : حجّ عنه وما فضل فأعطهم» ، وهي وإن كانت مطلقة إلّا أنّ الأصحاب قيّدوها بما إذا علم أو ظنّ بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم (1).
(1) هذا الحكم في الجملة مما لا خلاف فيه ، والصحيحة المذكورة في المتن (2)واضحة الدلالة ، إلّا أنه يقع الكلام في جهات تعرض إليها المصنف.
الاولى : أن الصحيحة مطلقة تشمل حتى صورة احتمال تأدية الوارث الحج ، ولكن الأصحاب قيّدوها بما إذا علم الودعي أو ظن بعدم تأدية الورثة الحج لو دفع المال إليهم ، وأمّا إذا احتمل تأديتهم له فيدفع المال إليهم.
والظاهر أنه لا وجه لهذا التقييد ، فإن الظن لا يعبأ به لأنه لو كان معتبراً فهو ملحق بالعلم وإلّا فحاله حال الشك. وكيف كان ، لا موجب لرفع اليد عن إطلاق الصحيحة بل مقتضى إطلاقها وجوب صرف المال في الحج على الودعي وإن احتمل تأدية الوارث له ، ولا أثر للاحتمال بعد إطلاق الصحيحة ، نعم لو علم بأن الوارث يؤدي الحج فالرواية منصرفة عن هذه الصورة ، فإثبات الولاية للودعي وجواز التصرف له حتى في صورة العلم بالأداء مشكل.
الثانية : هل يحتاج تصرف الودعي في المال وصرفه في الحج إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي أم لا؟ وجهان ، الظاهر هو العدم لإطلاق النص ولأنّ الظاهر منه أنه في مقام بيان الحكم الشرعي الكلي لهذه المسألة وأن الولاية ثابتة له بأصل الشريعة لا في مقام بيان الإجازة الشخصية من الامام أو الحاكم ، فلا حاجة إلى الاستئذان بعد
.................................................................................................
تجويز الشارع وبيان الحكم الإلهي الكلّي.
الثالثة : هل يختص جواز التصرف للودعي بما إذا لم يكن لوارثه مال كما هو مورد النص لقوله (عليه السلام) : «وليس لولده شيء» أم لا؟
الصحيح هو الثاني كما في المتن ، ولا أثر لوجود المال وعدمه للورثة ، فإن الظاهر من النص أن السؤال إنما هو من جهة احتمال صرف الورثة المال في غير الحج وتضييع الحج وتفويته على صاحب المال ، وهذا لا يفرق فيه بين كون الوارث غنياً أو فقيراً فلو فرض أن الوارث غني ذو مال ولكن لا يؤدي الحج عن والده لا يجوز إعطاء المال له ، وإنما ذكر في النص «وليس لولده شيء» لكون ذلك سبباً عاديا لاحتمال صرف الوارث المال على نفسه ، فالمقصود عدم إعطاء المال في مورد يحتمل فيه إضاعة الحج سواء كان الوارث له شيء أم لا.
الرابعة : هل يختص جواز الصرف بحج الودعي نفسه عن صاحب المال أو يجوز له الاستئجار للحج عنه؟ الظاهر عدم الفرق ، لأنّ الغرض تفريغ ذمّة الميت وإرجاع الباقي إلى الوارث ، ففي كل مورد احتمل عدم عمل الوارث بالوظيفة وعدم صرف المال في الحج يجب على الودعي صرفه في الحج عنه مطلقاً ، سواء حج عنه بنفسه أو استأجر شخصاً آخر للحج عنه.
الخامسة : هل يتعدى عن مورد الوديعة إلى غيرها مما يكون المال عنده كالعارية والعين المستأجرة بل والمغصوبة أم لا؟ الظاهر هو الإلحاق ، إذ لا ريب في أن ذكر الوديعة في الصحيحة من باب المثال ولا نحتمل اختصاص الحكم بالوديعة ، والظهور العرفي يقتضي بأن جهة السؤال في الرواية متمحضة في وجود مال عند أحد لم يحج صاحبه فلا خصوصية للوديعة.
السادسة : هل يلحق بحجّة الإسلام غيرها ممّا يجب على الميت؟ فيه كلام. والصحيح أن يقال : إن هذا ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : التكاليف المحضة غير المالية وإن احتاج الإتيان بها إلى بذل المال كالصلاة والصوم ونحوهما.
ومقتضى إطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي ، ودعوى أن ذلك للإذن من الإمام (عليه السلام) كما ترى ، لأنّ الظاهر من كلام الإمام (عليه السلام) بيان الحكم الشرعي ، ففي مورد الصحيحة لا حاجة إلى الإذن من الحاكم والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شيء ، وكذا عدم الاختصاص بحج الودعي بنفسه لانفهام الأعم من ذلك منها ، وهل يلحق بحجة الإسلام غيرها (1)من أقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل الخمس والزّكاة والمظالم والكفّارات والدّين أو لا؟
وكذا هل يلحق بالوديعة غيرها (2)مثل العارية والعين المستأجرة والمغصوبة والدين في ذمّته أو لا؟ وجهان ، قد يقال بالثاني لأنّ الحكم على خلاف القاعدة إذا قلنا إن التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث وإن كانوا مكلفين بأداء الدين ومحجورين عن التصرف قبله ، بل وكذا على القول ببقائها معه على حكم مال الميت ، لأنّ أمر الوفاء إليهم فلعلهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت بأنفسهم ،
ثانيهما : ما يجب عليه أداؤه من الديون الشخصيّة كديون النّاس أو الشرعيّة كالزكاة والخمس والمظالم.
أمّا الأوّل : فلا ينبغي الشك في عدم إلحاقها بحج الإسلام بناءً على المختار من عدم خروجها من أصل التركة لسقوطها بالموت كسائر التكاليف والواجبات الشرعيّة ولا يبعد أن تكون الكفارات من قبيل ذلك ، فحينئذ لا موضوع للبحث بالنسبة إليها نعم بناءً على ما اختاره المصنف من خروجها من أصل التركة كان الحكم فيها هو الحكم في القسم الثاني.
.................................................................................................
وأمّا الثاني : فقد اختار المصنف جواز الصرف مع العلم أو الظن القوي بعدم تأدية الورثة.
وليعلم أوّلاً أن الحكم بجواز الصرف للودعي على خلاف القاعدة ، لأنّ مقتضاها عدم جواز تصرف أحد في مال الغير ، سواء قلنا بعدم انتقال المال بمقدار الدين إلى الوارث وبقائه على ملك الميت أو قلنا بالانتقال إليه وإن وجب عليه صرفه في دين الميت ، فعلى كل تقدير لا يجوز لأحد أن يتصرف في هذا المال ، أما على القول بأن التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث وإن كانوا مكلفين بأداء الدين ومحجورين عن التصرف قبل الأداء فالأمر واضح ، لأنّ المال ملك للورثة فلا يجوز للودعي ولا لغيره التصرف فيه بدون إذنهم ، وإن قلنا بعدم انتقال المال إليهم وبقائه على ملك الميت فلا يجوز له التصرف فيه أيضاً ، لأنّ المال وإن لم ينتقل إلى الورثة ولكن الولاية ثابتة لهم ، لأنّ أمر الوفاء يرجع إليهم فلعلهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال ، بل الوارث في صورة عدم الانتقال بمقدار الدين شريك مع الميت إذا كان المال أزيد من الدين ، مثلاً لو كان دينه مائة دينارٍ وكان المال المتروك مائتين فإن الوارث يكون شريكاً مع الميت حينئذ فكيف يجوز لغيره تقسيمه والتصرّف فيه.
وكيف كان ، لا يجوز للودعي التصرّف في المال إمّا لأنّ المال للوارث أو أنه شريك فيه ، وإما أنه للميت ولكن الوارث له الولاية عليه فلا بدّ من الاستئذان منه.
فدعوى صاحب المستند أن وفاء الدّين واجب كفائي على كل من قدر على ذلك (1)ضعيفة جدّاً ، لأنّ مجرد ذلك لا يجدي في جواز التصرف إلّا في مورد الحج ، هذا كلّه ما تقتضيه القاعدة ولكن مع ذلك استدل لجواز التصرف بأُمور :
الأوّل : أن ذكر الحج في الرواية من باب المثال وإلّا فلا خصوصية للحج ، كما أن ذكر الوديعة كان من باب المثال أيضاً.
وفيه : أن ظاهر النص هو الاختصاص بالحج ، وكونه من باب المثال يحتاج إلى قرينة وهي مفقودة.
1) مستند الشيعة 11 : 147.
والأقوى مع العلم بأنّ الورثة لا يؤدون بل مع الظن القوي أيضاً جواز الصرف فيما عليه ، لا لما ذكره في المستند من أن وفاء ما على الميت من الدّين أو نحوه واجب كفائي على كل من قدر على ذلك ، وأولوية الورثة بالتركة إنما هي ما دامت موجودة ، وأمّا إذا بادر أحد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به ، إذ هذه الدعوى فاسدة جدّاً ، بل لإمكان فهم المثال من الصحيحة ، أو دعوى تنقيح المناط ، أو أن المال إذا كان بحكم مال الميت (1)فيجب صرفه عليه ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه ، بل وكذا على القول بالانتقال
الثاني : تنقيح المناط ، واستدل به غير المصنف أيضاً.
ويرد بأنه قياس لا نقول به ، على أن الأولوية غير ثابتة لأنّ الحج أهم من سائر الديون حتى الديون المتعارفة ، فلا مجال للتعدي بتنقيح المناط.
الثالث : أنا إذا قلنا ببقاء المال على ملك الميت وعدم انتقاله إلى الوارث فيجب على من عنده المال صرفه على الميت ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه لأنه دفع إلى غير المستحق ، وإذا قلنا بالانتقال إلى الوارث وإن وجب عليه صرفه في دين الميت فيجوز للودعي صرفه فيما على الميت من باب الحسبة ، غاية الأمر أن الصرف يكون بإجازة الحاكم الشرعي لأنه ولي من لا ولي له ، ولو دفعه إلى الوارث ضمن لتفويته على الميت. نعم ، لو لم يعلم ولم يظن عدم تأدية الوارث يجب الدفع إليه ، بل لو كان الوارث منكراً أو ممتنعاً وأمكن إثبات ذلك عند الحاكم أو أمكن إجباره عليه لا يجوز له التصرّف في المال ، وإنما يجوز له التصرف في صورة واحدة وهي ما لو علم
1) (*) هذا الوجه هو الصحيح لكنه يختص بما إذا كان الميت لا يملك مالاً آخر يفي بأُجرة الحج فإنه مع الملك لا يتعيّن صرف خصوص ما عند الودعي ونحوه في الدين ، بل الواجب صرف الجامع بينه وبين مال آخر ، والباقي في ملك الميت حينئذ هو الكلّي وأمّا شخص المال فهو للوارث فيجري فيه ما يجري في الوجه الآخر ، ثمّ إنه في فرض وجوب الصرف في الدين ونحوه وعدم جواز دفعه إلى الوارث لم تثبت ولاية لمن عنده المال على الصرف فلا بدّ من الاستجازة من الحاكم الشرعي.
إلى الورثة حيث إنّه يجب صرفه في دينه ، فمن باب الحِسبة (1)يجب على من عنده صرفه عليه ويضمن لو دفعه (2)إلى الوارث لتفويته على الميت ، نعم يجب الاستئذان من الحاكم لأنّه ولي من لا ولي له ، ويكفي الإذن الإجمالي فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك الواجب عليه كما قد يتخيل ، نعم لو لم يعلم ولم يظنّ عدم تأدية الوارث يجب الدّفع إليه ، بل لو كان الوارث منكراً أو ممتنعاً وأمكن إثبات ذلك عند الحاكم أو أمكن إجباره عليه لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه.
أو ظنّ بأنّ الورثة لا يؤدّون ما على الميت.
أقول : إذا بنينا على أن المال لم ينتقل إلى الوارث بل هو للميت أو أنه مشترك بين الميت والوارث وإن كان الوارث له الولاية فلا يجوز للودعي تسليم المال إلى الوارث جزماً في صورة العلم بعدم الأداء أو الظن أو الشك فيه ، ولو سلمه إياه يكون مفوتاً على الميت ، ولكن كما لا يجوز له تسليم المال إلى الوارث لا يجوز له التصرف بنفسه لعدم الولاية له على ذلك ، نعم في خصوص الحج ثبتت له الولاية وجوز الشارع له التصرف ، وأمّا في غير الحج مما وجب على الميت فلا ولاية لمن عنده المال فلا بدّ من الاستئذان من الحاكم الشرعي.
وإن قلنا بأن المال ينتقل إلى الوارث وإن وجب عليه صرفه في دين الميت فالمال ماله وملكه ولو سلمه إياه سلم المال إلى مالكه وصاحبه ، فلا وجه لضمان الودعي لو دفعه إليه كما في المتن بدعوى أنه فوّت المال على الميت وأتلفه ، إذ كيف يكون متلفاً ومفوتاً مع تسليم المال إلى مالكه ، وأمّا القول بجواز تصرف الودعي في أداء دين الميت من باب الحسبة فغير صحيح ، لأنّ وجوب الصرف متوجه إلى الوارث فقط فكيف يجوز الصرف للودعي من باب الحسبة.
.................................................................................................
والحاصل : لو قلنا بأن المال ملك للميت أو أنه مشترك فيه فلا يجوز للودعي تسليم المال إلى الوارث لأنه يدفعه إلى غير المستحق ، وولايته على المال ساقطة ، كما لا ولاية للودعي أيضاً في التصرف في المال ويجب عليه الاستئذان من الحاكم الشرعي. وهذا الوجه هو المعتمد عندنا لما ذكرنا غير مرّة أن المال بمقدار الدين لا ينتقل إلى الوارث ، فغير حج الإسلام من الواجبات المالية والديون حكمه حكم حج الإسلام في جواز التصرف للودعي في المال لكن يعتبر فيه الاستجازة من الحاكم.
ولو قيل بالانتقال إلى الوارث وكان منكراً للدين ، وكان إنكاره عن عذر كعدم العلم ونحوه ، فلا يجوز للودعي التصرف في المال من باب الحسبة لفرض وجود المالك ، ولا دليل على جواز تصرف غيره حسبة في هذا الفرض ، فلا يدخل المقام في كبرى مسألة الأُمور الحسبية ، بل لو علمنا أنه معترف بالدين ولكنه ممتنع من الأداء لا يجوز التصرف للودعي أيضاً ، وإنما ذلك وظيفة الحاكم الشرعي فيأخذه منه أو يتقاص منه الدائن ، وأمّا لو كان منكراً معذوراً فليس لأحد أخذ المال حتى الحاكم.
ثمّ إن كل مورد قلنا بجواز التصرف للودعي لا بدّ من تقييده بما إذا كان المال المتروك منحصراً بما في يده ولا يملك الميت مالاً آخر أو كان له مال آخر لكنه أقل من الدين ، ففي هذين الفرضين لا يجوز لمن عنده المال إعطاؤه إلى الوارث ، لأنّ إعطاء المال إلى غير من يستحقه غير جائز ، غاية الأمر قد عرفت ثبوت الولاية للوارث ولكن لا تثبت له الولاية فيما إذا كان الحق في معرض الإضاعة والتلف.
وأمّا إذا كان الميت يملك مالاً آخر يفي بأداء الدين كما إذا ترك مائتي دينار أو أكثر وكان دينه مائة دينار ، وكان المال المودع مائة دينار أو أقل ، فإن الميت حينئذ لا يملك شيئاً من الوديعة استقلالاً أو اشتراكاً وإنما حقه كما عرفت كلّي في تمام تركته وثابت في جميع المال المتروك ، وليس المال المودع ملكاً للميت وإنما هو كغيره من المال المتروك ملك للوارث ، ولا بدّ من إخراج الدين من مجموع المال المتروك الجامع بين المال المودع وغيره ، فلو أعطى المال إلى الوارث فقد أعطاه إلى أهله ومالكه ، ولا يضمن الودعي ولو لم يؤد الوارث الدين ، فالقاعدة تقتضي جواز إعطاء المال إلى الوارث.
[3186] مسألة 18 : يجوز للنائب بعد الفراغ عن الأعمال للمنوب عنه أن يطوف عن نفسه وعن غيره ، وكذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره (1).
[3187] مسألة 19 : يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحج أن يحج بنفسه ما لم يعلم أنّه أراد الاستئجار من الغير ، والأحوط عدم مباشرته (1)إلّا مع العلم بأنّ مراد المعطي حصول الحج في الخارج ، وإذا عيّن شخصاً تعيّن إلّا إذا علم عدم أهليّته وأن المعطي مشتبه (2)في تعيينه أو أن ذكره من باب أحد الأفراد (2).
نعم إذا كان الوارث منكراً أو ممتنعاً يجبره الحاكم ، وإذا كان معذوراً في إنكاره فليس لأحد إجباره حتى الحاكم ، فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الميت لا يملك مالاً آخر يفي بالدين وبين ما يملكه.
(1) لإطلاق الروايات الدالّة على رجحان الطّواف (3)وخصوص بعض الروايات الدالّة على جواز طواف النائب عن نفسه أو عن غيره (4). كما يجوز له أن يأتي بعمرة مفردة لنفسه أو عن غيره ، وأمّا اعتبار الفصل بين العمرتين فيختص بعمرتين مفردتين عن نفسه لا العمرة المفردة وعمرة التمتّع ، كما لا يعتبر الفصل فيما إذا كانت إحدى العمرتين عن نفسه والأُخرى عن غيره ، وسيأتي التعرض لتفصيل ذلك في البحث عن العمرة إن شاء اللّه تعالى.
(2) إذا أعطى شخص مالاً لأحد لاستئجار الحج فهل يجوز لمن أخذ المال أن يحج بنفسه أو يجب عليه الاستئجار؟ في المسألة ثلاث صور :
.................................................................................................
الاولى : ما إذا علمنا بأن نظر المعطي وقوع الحج خارجاً من أي شخص كان فحينئذ لا ينبغي الشك في جواز أن يحج بنفسه ، نظير ما لو أعطى له مالاً ليدفعه إلى الفقراء وأحرزنا أن غرض المعطي إيصال المال إلى من يستحقه فلا ريب في جواز أخذه منه إذا كان فقيراً.
الثانية : ما إذا أحرز خلاف ذلك وأن غرضه استئجار شخص آخر وكان الآخذ واسطة في الإيصال ، فلا ريب في عدم جواز الحج بنفسه.
الثالثة : ما إذا شكّ في ذلك ولم يعلم أنه أراد الأعم أو خصوص الغير ، ظاهر المتن جواز الحج له بنفسه لأنه خص عدم الجواز بصورة العلم بإرادة الغير ، ثمّ احتاط في عدم المباشرة.
والظاهر عدم الجواز ، لأنّ التصرّف في مال الغير يحتاج إلى إحراز الرضا والاذن ومع الشك لا يجوز التصرّف ، فلا بدّ من إحراز مراده وأنه أراد الأعم منه ومن غيره وإلّا فلا يجوز كما هو الحال في الصدقات والتبرعات.
وأمّا إذا أعطاه مالاً ليستأجر شخصاً معيّناً تعين إلّا إذا علم أن ذكره من باب المثال وبيان المورد.
ولو علم أنّ المعطي اشتبه في تعيينه لعدم أهليته وقابليته لنيابة الحج ذكر في المتن أنه يجوز إعطاء المال لغيره ، ولكن الظاهر عدم الجواز لعدم إحراز الرضا بإعطاء المال له واستئجاره ، نعم إذا علم رضاه باستئجار من هو أهل لذلك جاز له ذلك.
[3188] مسألة 1 : يستحب لفاقد الشرائط من البلوغ والاستطاعة وغيرهما أن يحج مهما أمكن ، بل وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب ، ويستحب تكرار الحج بل يستحب تكراره في كل سنة ، بل يكره تركه خمس سنين متوالية وفي بعض الأخبار : من حج ثلاث حجات لم يصبه فقر أبدا.
[3189] مسألة 2 : يستحب نيّة العود إلى الحج عند الخروج من مكّة ، وفي الخبر أنها توجب الزيادة في العمر ، ويكره نيّة عدم العود ، وفيه أنها توجب النقص في العمر.
[3190] مسألة 3 : يستحب التبرع بالحج عن الأقارب وغيرهم أحياءً وأمواتاً ، وكذا عن المعصومين (عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً ، وكذا يستحب الطواف عن الغير وعن المعصومين (عليهم السلام) أمواتاً وأحياءً مع عدم حضورهم في مكّة أو كونهم معذورين.
[3191] مسألة 4 : يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحج إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك.
[3192] مسألة 5 : يستحب إحجاج من لا استطاعة له.
[3193] مسألة 6 : يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ليحج بها.
[3194] مسألة 7 : الحج أفضل من الصدقة بنفقته.
[3195] مسألة 8 : يستحب كثرة الإنفاق في الحج ، وفي بعض الأخبار : إن اللّه يبغض الإسراف إلّا بالحج والعمرة.
[3196] مسألة 9 : يجوز الحج بالمال المشتبه كجوائز الظلمة مع عدم العلم بحرمتها.
[3197] مسألة 10 : لا يجوز الحج بالمال الحرام لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه (1)وطوافه وثمن هديه من حلال.
[3198] مسألة 11 : يشترط في الحج الندبي إذن الزوج والمولى بل الأبوين في بعض الصور ، ويشترط أيضاً أن لا يكون عليه حج واجب مضيق ، لكن لو عصى وحج صح.
[3199] مسألة 12 : يجوز إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه ، كما يجوز أن يكون ذلك من نيّته قبل الشروع فيه.
[3200] مسألة 13 : يستحب لمن لا مال له يحج به أن يأتي به ولو بإجارة نفسه عن غيره ، وفي بعض الأخبار : إن للأجير من الثواب تسعاً وللمنوب عنه واحد.
[3201] مسألة 1 : تنقسم العمرة كالحج إلى واجب أصلي وعرضي ومندوب فتجب بأصل الشرع على كل مكلّف بالشرائط المعتبرة في الحج في العمر مرّة بالكتاب والسنّة والإجماع ، ففي صحيحة زرارة : العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج فإنّ اللّه تعالى يقول ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) [البقرة 2 : 196] ، وفي صحيحة الفضيل في قول اللّه تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) قال (عليه السلام) :
1) (*) لا يبطل الحج إذا لم يكن لباس إحرامه من حلال.
هما مفروضان. ووجوبها بعد تحقق الشرائط فوري كالحج ، ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج ، بل تكفي استطاعتها في وجوبها وإن لم تتحقق استطاعة الحج ، كما أن العكس كذلك فلو استطاع للحج دونها وجب دونها ، والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما وأنهما مرتبطان ضعيف ، كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة (1).
(1) تنقسم العمرة إلى أقسام فقد تكون واجبة بالأصل كالحج ، وقد تجب بالعرض بنذر وشبهه أو بإجارة ونحوها ، وقد تكون مندوبة ، وقد تكون غير مشروعة كالعمرة الثانية إذا أتى بها قبل انقضاء الشهر من العمرة الأُولى بناءً على اعتبار الفصل بشهر بين العمرتين وكالعمرة المفردة بين عمرة التمتّع والحج ، هذه هي أقسامها.
وأمّا حكمها فإنه كما يجب الحج على كل مكلّف مستطيع مرّة واحدة كذلك العمرة تجب على كل أحد أيضاً. وقد استدل على وجوبها بالكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (1)لشموله للحج والعمرة ، لأنّ المراد من حج البيت زيارة البيت والقصد إليه وذلك يشمل الحج والعمرة ، لأنّ كلّاً منهما زيارة إلى البيت وقصد إليه ويشتمل على طواف البيت. هذا مضافاً إلى الصحيحة المفسرة للآية الدالّة على أن المراد بها هو الحج والعمرة كصحيحة عمر بن أذينة ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) يعني به الحج دون العمرة؟ قال : لا ، ولكنه يعني الحج والعمرة جميعاً لأنهما مفروضان» (2).
وأمّا السنّة فهي كثيرة وفي بعضها أنها بمنزلة الحج (3)، فلا إشكال في أصل
[3202] مسألة 2 : تجزئ العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة بالإجماع والأخبار (1) ، وهل تجب على من وظيفته حج التمتّع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحج؟ المشهور عدمه بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات ، وهو الأقوى وعلى هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة وإن كان مستطيعاً لها وهو في مكّة ، وكذا لا تجب على من تمكّن منها ولم يتمكّن من الحج لمانع ، ولكن الأحوط الإتيان بها (2).
الوجوب ، كما لا إشكال في أن وجوبها فوري كالحج لأنها بمنزلته فيجري فيها ما يجري في الحج.
ثمّ إنّ مقتضى الآية والروايات أن كلّاً من الحج والعمرة واجب مستقل لا يرتبط أحدهما بالآخر خرج من ذلك خصوص عمرة التمتّع فإنّها مرتبطة بالحج ، وأمّا في غيرها فلا دليل على الارتباط فيمكن الإتيان بأحدهما في سنة وبالآخر في سنة أُخرى ، فالقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما وأنهما مرتبطان ضعيف كالقول باستقلال الحج دون العمرة كما عن الدروس (1).
(1) لا خلاف ولا إشكال في أن من كانت وظيفته التمتّع لا تجب عليه عمرة أُخرى غير عمرة التمتّع ، فتكفي عمرة واحدة وإن كانت في ضمن الحج ، والنصوص الدالّة على سقوط العمرة المفردة بعمرة التمتّع كثيرة ، وقد عقد في الوسائل باباً لذلك (2)، ففي صحيح الحلبي «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة» (3).
(2) وقع الكلام في أنه هل تجب العمرة المفردة فقط على من وظيفته حج التمتّع إذا استطاع للمفردة ولم يكن مستطيعاً للحج ، فلو استطاع في شهر رجب مثلاً للعمرة ولم
.................................................................................................
يكن مستطيعاً لحج التمتّع فهل تجب عليه العمرة؟ أو من كان أجيراً وبعد الفراغ عن أعماله هل تجب عليه العمرة لتمكنه منها حينئذ أم لا؟.
المشهور عدم الوجوب بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات وهو الصحيح ، وذلك لأنّ ما دلّ على وجوب العمرة لا إطلاق
له بحيث يشمل المقام. والحاصل : بعد ما كانت العمرة على قسمين متمتع بها ومفردة ، ولم يذكر في الآية المباركة ولا في الرواية أن خصوص المفردة واجبة ، بل المستفاد من الأدلّة أن طبيعي العمرة في الجملة واجب على المسلمين كالحج ، وقد عرفنا من الخارج أن عمرة التمتّع فرض النائي والمفردة فرض حاضري مكّة ، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بإطلاق الروايات على وجوب العمرة المفردة بعنوانها وبخصوصها ، ولو شكّ في الوجوب فالأصل البراءة.
ولو فرضنا إطلاق الأدلّة بالنسبة إلى المفردة والمتمتع بها وفرضنا شمولها للنائي والقريب وتمكن النائي من المفردة ، فإنه يمكن رفع اليد عن هذا الإطلاق بما دلّ على أنّ العمرة مرتبطة بالحج إلى يوم القيامة ، ومعنى ذلك أن العمرة بنفسها غير واجبة والعمرة الواجبة إنما هي المرتبطة بالحج خرج من ذلك غير النائي أي حاضري مكّة فإنّ العمرة الثابتة في حقهم غير مرتبطة بالحج ، فيبقى النائي تحت إطلاق ما دلّ على أنّ العمرة مرتبطة بالحج.
ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال «وقال : إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة ، وقال ابن عباس : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (1)وما نقله عن ابن عباس إمضاء له ، وفي صحيحته الأُخرى «قال : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (2)والمستفاد منهما أن العمرة الواجبة هي العمرة المرتبطة بالحج أي المتمتع بها ، ففي كل مورد ثبت الاستقلال فهو وإلّا فلا ، نعم العمرة المستحبة غير مرتبطة بالحج ، ويستحب الإتيان بها مطلقاً من
[3203] مسألة 3 : قد تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد والشرط في ضمن العقد والإجارة والإفساد (1) ، وتجب أيضاً لدخول مكّة (2) بمعنى حرمته بدونها ، فإنه لا يجوز دخولها إلّا محرماً إلّا بالنسبة إلى من يتكرّر دخوله وخروجه كالحَطّاب والحَشّاش (1).
البعيد والقريب كما في النصوص (2).
هذا ويضاف إلى ذلك كلّه استمرار السيرة القطعية على عدم الإتيان بها من النائي ولم يتعارف إتيانها من المسلمين حتى من النائب في سنة النيابة مع استطاعته لها ، ولو كانت واجبة لكان وجوبها من أوضح الواجبات لأنّها بمنزلة الحج.
(1) لا ريب في وجوب العمرة بالنذر وشبهه وبالإجارة وبالشرط في ضمن العقد وقد تجب بإفساد العمرة ، فإن من يفسد عمرته بالجماع قبل الفراغ من طوافه وسعيه وجبت عليه الإعادة بأن يبقى في مكّة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه وعليه بدنة لفساد عمرته كما في النصوص ، منها صحيح بريد العجلي (3)، وألحقوا بها عمرة التمتّع ، وفيه كلام سيأتي في محلّه إن شاء اللّه.
(2) وجوباً شرطياً بمعنى عدم جواز الدخول إلى مكّة إلّا محرماً ، وإذا كان الدخول إلى مكّة واجباً بسبب من الأسباب فالإحرام أيضاً يجب وجوباً مقدمياً عقليّاً لتوقّف الواجب عليه ، وأمّا إذا لم يكن الدخول واجباً فلزوم الإحرام حينئذ نظير لزوم الطّهارة في الصلاة المندوبة ، فالمراد بالوجوب الوجوب الشرطي.
واستثني من ذلك من يكثر دخوله وخروجه كالحطّاب والحشّاش. ويدلُّ عليه صحيح رفاعة : «إنّ الحطابة والمجتلبة أتوا النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فسألوه
.................................................................................................
فأذن لهم أن يدخلوا حلالا» (1)والمجتلبة هو الذي يجلب الشيء مما يحتاج إليه أهل البلد من خارج البلد ، ولا يختص ذلك بالأرزاق والأطعمة بل يشمل مثل الجصاص الذي يأتي بالجص من الخارج ونحو ذلك من حوائج النّاس.
ثمّ إن ظاهر المشهور حمل ما في الصحيحة على المثال وذكروا أن المراد به كل من يتكرّر دخوله وإن لم يكن من المجتلبة والحطّابة ومن يجلب الحشيش والراعي وناقل الميرة. وعن كشف اللثام التصريح بجواز الدخول حلالاً للمتكرر دخوله في شهر واحد بحيث يدخل في الشهر الذي خرج (2). وفي الجواهر أن الظاهر عدم اعتبار تكرر دخولهم قبل انقضاء شهر ، فلو فرض أن بعض المجتلبة يحتاج إلى فصل أزيد من شهر ويأتي بالعمل في شهر دون شهر دخل حلالاً ولا شيء عليه (3).
والظاهر أن تجويز الدخول حلالاً لم يكن بعنوان المتكرر مطلقاً ، ولا نجزم بشمول النص لكل من يتكرر منه الدخول لعيادة المريض مثلاً ، أو كان هو مريضاً يكثر الدخول للمعالجة أو لغرض آخر. أو كان له ضيعة يأتي إليها متكرراً ، أو كان مدرساً يتكرر دخوله ونحو ذلك ويحتاج التعميم إلى كل من يتكرر منه الدخول إلى القرينة ولا قرينة ، بل المستفاد من النص جواز الدخول حلالاً لكل من يأتي بحوائج البلد من ناقل الميرة والأطعمة وغيرها كالحطّاب والجصّاص والحشّاش وغير ذلك من حوائج النّاس ، وأمّا من كان له ضيعة يتكرّر لها دخوله وخروجه ، أو كان مريضاً ونحو ذلك ممّن يتكرّر له الدخول لأغراض شخصيّة أو غيرها فلا يشمله النص.
واستدلّ كاشف اللثام لتعميم الحكم لكل من يتكرّر منه الدخول بالحرج.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الإتيان بالعمرة في كل شهر مرّة واحدة لا حرج فيه ، نعم لو قلنا بوجوب العمرة لكل مرّة من الدخول وإن تكرر منه ذلك في اليوم الواحد فهو
وما عدا ما ذكر مندوب ، ويستحب تكرارها كالحج ، واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين ، فقيل : يعتبر شهر ، وقيل : عشرة أيّام (1)، والأقوى عدم اعتبار فصل فيجوز إتيانها كل يوم ، وتفصيل المطلب موكول إلى محلّه (1).
حرجي في بعض الموارد لا في كل مورد ، فلو فرضنا أن المتكرر شاب قوي فلا حرج عليه ، وإنما يستلزم الحرج فيما إذا كان شيخاً كبيراً أو كان ضعيفاً أو كان الجو لا يساعده لشدّة الحر أو البرد ونحو ذلك من العوارض ، وإذن فالحكم يختلف باختلاف الموارد.
وبالجملة : إذا كان الدليل للدخول حلالاً منحصراً بصحيح رفاعة فالتعدي من مورده لا وجه له لعدم القرينة على ذلك ، نعم الجصاص أو الحشاش أو نحوهما ممن ينقل الحوائج إلى البلد داخل في عنوان المجتلبة ، والميزان صدق هذا العنوان ولا يعتبر تكرر دخوله في شهر واحد ، بل لو أتى بحوائج البلد في كل شهرين يشمله النص لصدق عنوان المجتلبة عليه.
ثمّ إن المصنف لم يتعرض لاستثناء من أتى بعمرة وخرج ثمّ رجع قبل انقضاء الشهر فإنه لا يجب عليه الإتيان بالعمرة ويجوز له الدخول بلا عمرة ، ونتعرض لذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
(1) قد اختلف الفقهاء في مقدار الفصل بين العمرتين ، فالمشهور أن الفصل بينهما بشهر واحد. وعن جماعة أنه عشرة أيّام ، واختار جماعة عدم اعتبار الفصل بينهما فيجوز إتيانها في كل يوم منهم المصنف وصاحب الجواهر (2)، ونسب إلى العماني اعتبار الفصل بسنة بين العمرتين (3). ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات فإنّها على طوائف :
.................................................................................................
منها : ما دلّ على اعتبار الفصل بعشرة أيّام كرواية الكليني والشيخ عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام) : «ولكل شهر عمرة ، فقلت : يكون أقل؟ فقال : في كل عشرة أيّام عمرة» (1)والرواية ضعيفة بعلي ابن أبي حمزة وهو البطائني المشهور بالكذب.
وروى الصدوق بسند آخر عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) «قال : لكل شهر عمرة ، قال وقلت له : يكون أقل من ذلك؟ قال : لكل عشرة أيّام عمرة» (2)وهي كالأُولى ضعيفة بالبطائني.
وربّما يحتمل اعتبار رواية الصدوق لأنّ علي بن أبي حمزة الذي روى عنه الصدوق هو الثمالي الموثق ، لأنه (قدس سره) يروي عنه في كتابه ، ولكن يبعده أن الثمالي لا رواية له في باب الأحكام. على أن الصدوق ذكر في مشيخة الفقيه أن ما رويته عن علي بن أبي حمزة فقد رويته عن محمّد بن علي ماجيلويه عن محمّد بن يحيى العطّار عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عن علي بن أبي حمزة (3)، ولا يمكن رواية البزنطي عن الثمالي لأنّ الثمالي من أصحاب الباقر (عليه السلام) والبزنطي من أصحاب الرضا والجواد (عليهما السلام). هذا مضافاً إلى ضعف طريق الصدوق إلى علي بن أبي حمزة لأنه (قدس سره) يروي ذلك عن شيخه ابن ماجيلويه وهو ممّن لم يوثق ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ مجرّد كون الشخص من مشايخ الصدوق لا يوجب الوثاقة فإنّ بعض مشايخه من الضعفاء.
وأمّا ما رواه في الجواهر (4)وعبر عنه بالموثق «السنة اثنا عشر شهراً يعتمر لكل شهر عمرة ، قال : فقلت : أيكون أقل من ذلك؟ قال : لكل عشرة أيّام عمرة» فلا
.................................................................................................
وجود له وإنما هو ضم رواية إلى رواية أُخرى ، فإن الصدر من موثقة إسحاق بن عمّار (1)والذيل من خبر علي بن أبي حمزة المتقدّم ، فما صدر منه (قدس سره) اشتباه من قلمه الشريف فلا دليل على اعتبار الفصل بعشرة أيّام.
ومنها : ما دلّ على الفصل بسنة كما في صحيح الحلبي وحريز وزرارة ، ففي الأوّل قال (عليه السلام) : «العمرة في كلّ سنة مرّة» (2)وفي غيره «لا تكون عمرتان في سنة» (3).
ولكن لا يمكن الالتزام بمضمونها فإنه مقطوع البطلان ، للسيرة القطعية والروايات المتضافرة بل المتواترة الدالّة على استحباب العمرة في كل شهر ، فلا بدّ من طرح الروايات الثلاث أو حملها على عمرة التمتّع فإنها في كل سنة مرّة كما حملها الشيخ على ذلك (4)ولا بأس به.
ومنها : ما دلّ على الفصل بشهر واحد ، وقد دلّت عليه الروايات الكثيرة (5)، وقد حمل بعضهم الروايات المتقدّمة المختلفة على اختلاف مراتب الفضل ، ومن ثمّ اختار صاحب الجواهر عدم اعتبار الفصل بين العمرتين وجواز الإتيان بها في كل يوم (6)ولكن قد عرفت أن الأقوى بحسب المستند هو اعتبار الفصل بشهر واحد.
ثمّ إن المراد بالشهر هو ما بين الهلالين ، أي من أوّل رؤية الهلال السابق إلى رؤية الهلال الثاني إلّا إذا قامت قرينة على أن المراد به مقدار ثلاثين يوماً ، كما في عدّة الوفاة والطّلاق ونحوهما مما يكفي فيه التلفيق ويلزم فيه مضي مقدار الشهر.
ويدلُّ على كون المراد بالشهر في المقام ما ذكرناه موثق إسحاق : «السنة اثنا عشر
.................................................................................................
شهراً يعتمر لكل شهر عمرة» (1)فإن المراد بذلك اثنا عشر شهراً هلالياً ، فإذا قيل بعد ذلك : «لكل شهر عمرة» معناه أن العمرة تقع في كل شهر هلالي وأن كل شهر هلالي قابل لوقوع العمرة فيه وليس معناه اعتبار الفصل بثلاثين يوما. وعلى ما ذكرنا يجوز الإتيان بالعمرة في آخر شهر وبعمرة أُخرى في أوّل الشهر الذي يليه وإن كان الفصل بيوم واحد.
ويؤكد ذلك بأمرين :
أحدهما : ما في صحيح حماد الدال على عدم جواز الخروج من مكّة قبل الإحرام بالحج : «قلت : فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثمّ رجع في أبان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال : إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً» (2)فإنه من الظاهر أن المراد بالشهر فيه هو الشهر الهلالي لا مضي ثلاثين يوماً.
ثانيهما : ما في صحيح بريد الوارد في من أفسد عمرته ، قال : «وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة» (3)فإن المراد بالشهر الآخر هو الذي يحل برؤية الهلال لا مضي ثلاثين يوماً.
وبالجملة : المستفاد من النصوص أن كل شهر له عمرة وأمّا الفصل بمقدار الشهر أي مضي ثلاثين يوماً فلم يقدر في النصوص ، فإذا اعتمر في آخر يوم من شهر رجب له أن يعتمر في أوّل يوم من شهر شعبان ، وأمّا إذا اعتمر في أوّل يوم من رجب فليس له أن يعتمر في آخر يوم من رجب ، نعم لا بأس بالإتيان بها متكرراً في شهر واحد رجاءً وباحتمال المطلوبيّة الواقعيّة.
ثمّ إنّ المستفاد من النصوص إنّما هو عدم مشروعية إتيان العمرتين لشخص واحد
.................................................................................................
في الشهر ، فإنّ الحكم بعدم جواز الإتيان بها متكرراً في شهر واحد ينحل بالنسبة إلى كل مكلف لا بالنسبة إلى جميع النّاس. وبتعبير آخر : أنّ كل شخص مكلّف بعمرة واحدة في الشهر ونتيجة ذلك جواز الإتيان بعمرة اخرى لشخص آخر ، كما لا مانع من الإتيان بعمرتين لشخصين أو أزيد.
والحاصل : أن الممنوع هو إتيان العمرتين عن نفسه أو عن شخص واحد ، وأمّا إذا كانت إحدى العمرتين عن نفسه والأُخرى عن غيره أو كانت كلتاهما عن شخصين فلا مانع من ذلك ، ولذا لا مانع من جواز النيابة عن اثنين أو أكثر في يوم واحد.
بل الظاهر عدم اعتبار الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع ، فمن اعتمر عمرة مفردة جاز له الإتيان بعمرة التمتّع بعدها ولو كانت في نفس الشهر ، وكذا يجوز له الإتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من أعمال الحج ، فإن الروايات المانعة عن إتيان العمرتين ناظرة إلى تكرار العمرة المفردة في شهر واحد ، فإن قوله (عليه السلام) : «يعتمر لكل شهر عمرة» في موثق إسحاق المتقدّم (1)منصرف إلى العمرة المفردة ولا يشمل عمرة التمتّع ، لأنّ عمرة التمتّع لا يجوز الإتيان بها إلّا في أشهر الحج ولا تشرع إلّا مرّة واحدة في السنة ، نعم لا يجوز الإتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتّع والحج وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه.
1) في ص 141.
وهي ثلاثة بالإجماع والأخبار : تمتع وقران وإفراد ، والأوّل فرض من كان بعيداً عن مكّة ، والآخران فرض من كان حاضراً أي غير بعيد (1) ،
(1) هذا مما لا ينبغي الريب فيه ، ويدلُّ عليه الكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى ( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (1)فإنه كما يدل على أن التمتّع فرض النائي ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام كذلك يدل بالدلالة الالتزامية على أن القرآن أو الإفراد ليس وظيفة له.
بيان ذلك : أن الواجب على كل مكلف حج واحد ، فإذا كان الواجب على النائي التمتّع فلا يجزئ غيره. وبتعبير آخر : الآية في مقام بيان الوظيفة العملية الأولية ، فإذا كان التمتّع وظيفة النائي والمفروض وجوب حج واحد عليه فقط فلازم ذلك عدم جواز الاجتزاء بهما في مقام أداء الوظيفة. وبما ذكرنا يندفع ما يقال من أن ظاهر الآية حصر التمتّع بالنائي لا حصر النائي به.
وأمّا الحاضر فوظيفته إما القرآن أو الإفراد ، وتدل على ذلك نفس الآية الكريمة لظهورها في أن التمتّع ليس وظيفة له فوظيفته القرآن أو الإفراد.
وأمّا السنّة فمستفيضة أو متواترة (2).
وحدّ البعد الموجب للأوّل ثمانية وأربعون ميلاً من كل جانب على المشهور الأقوى لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قلت له : قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) [البقرة 2 : 196] فقال (عليه السلام) : يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة ، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عِرق وعُسْفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية ، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة (1).
ثمّ إنّ المشهور تعين القرآن أو الإفراد على الحاضر وعدم إجزاء التمتّع عنهما كما هو المستفاد من الآية الشريفة والنصوص المتضافرة خصوصاً المفسرة منها للآية للدلالة على أنّ التمتّع ليس وظيفة للحاضر (1)، بل لم ينقل الخلاف من أحد إلّا عن الشيخ (2)وابن سعيد (3)فقد نسب إليهما جواز التمتّع للحاضر أيضا.
وربّما يستدل لهما بأن التمتّع لا ينقص عن القرآن والإفراد بل المتمتع يأتي بصورة الإفراد وزيادة ، ولا ينافيه زيادة العمرة قبله.
ولا يخفى غرابة هذا الاستدلال ، لأنّ حج التمتّع مغاير ومباين للقسمين الآخرين وإن كان التمتّع مشتركاً معهما في جملة من الأحكام ، ولا دليل على إجزاء التمتّع عنهما بعد ما كانت وظيفة الحاضر القرآن أو الإفراد وعدم مشروعية التمتّع في حقّه ، فما نسب إليهما من جواز التمتّع للحاضر اختياراً لا يمكن المساعدة عليه بوجه.
(1) قد اختلف الفقهاء في حدّ البعد الموجب للتمتّع على قولين :
أحدهما : وهو المشهور أنه عبارة عن ثمانية وأربعين ميلاً من كل ناحية ، أي ستّة عشر فرسخاً المعبر عن ذلك بمرحلتين أو مسير يومين.
.................................................................................................
ثانيهما : أنّه عبارة عن اثني عشر ميلاً من كل جانب ، ذهب إليه المحقق (1)وصاحب الجواهر (2)، هذا بحسب الأقوال.
وأمّا الروايات فلم يرد فيها التحديد باثني عشر ميلاً إلّا أن تحمل ثمانية وأربعون ميلاً على التوزيع والتقسيط على الجوانب الأربعة ، فيكون الحد من كل جانب اثني عشر ميلاً. وهذا بعيد جدّاً وإن حاول ابن إدريس (3)رفع النزاع والخلاف بين الأصحاب بذلك.
والمعتمد هو القول المشهور لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) قال : يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة ، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عِرق وعُسفان كما يدور حول مكّة فهو ممن دخل في هذه الآية ، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة». (4)وهذه الرواية كما تراها واضحة الدلالة على ما ذهب إليه المشهور ، ولا يمكن تأويلها أو حملها على ما ذهب إليه ابن إدريس من تقسيط ثمانية وأربعين ميلاً على الجوانب الأربعة ، وأمّا ذكر ذات عرق وعُسْفان (5)في الصحيحة فهو من باب تطبيق الحد المذكور عليهما تقريباً.
ونحوها رواية أُخرى لزرارة ، قال «قلت : فما حد ذلك؟ قال : ثمانية وأربعين ميلاً من جميع نواحي مكّة دون عسفان ودون ذات عرق» (6).
ولكنّها ضعيفة بجهالة طريق الشيخ إلى علي بن السندي المذكور في السند ، فإن الشيخ كثيراً ما يروي عن علي بن السندي وغيره من الرواة من دون ذكر الواسطة
1) الشرائع 1 : 267.
2) الجواهر 18 : 6.
3) السرائر 1 : 519.
4) الوسائل 11 : 259 / أبواب أقسام الحج ب 6 ح 3.
5) عُسْفان بضم أوّله وسكون ثانيه بين الجحفة ومكّة وهي من مكّة على مرحلتين. وذات عرق مهلّ أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة. معجم البلدان 4 : 121 ، 107.
6) الوسائل 11 : 260 / أبواب أقسام الحج ب 6 ح 7.
.................................................................................................
بينه وبين الراوي ، ولكن يذكر في آخر كتاب التهذيب طرقه إلى الرواة ليخرج الخبر من الإرسال إلى الاسناد ، ولكن لم يذكر طريقه إلى علي بن السندي بل لم يتعرض الشيخ لترجمته لا في المشيخة ولا في الفهرست ولا في رجاله ، وكذا النجاشي مع أن كتابه موضوع لذكر المصنفين والمؤلفين ، ولو فرضنا عدم ثبوت كتاب لعلي بن السندي فلا عذر للشيخ في عدم ذكره في كتاب الرجال ، لأنّ كتاب الرجال موضوع لذكر الرواة والأصحاب وإن لم يكونوا من المصنفين.
هذا مضافاً إلى أن علي بن السندي لم يوثق ، ولا عبرة بتوثيق نصر بن الصباح له لأنّ نصر بنفسه لم يوثق أيضاً ، وقد حاول جماعة منهم الوحيد البهبهاني توثيق علي بن السندي بدعوى اتحاده مع علي بن إسماعيل الميثمي الثقة ، إلّا أنه لا يمكن الجزم بالاتحاد ، وتفصيل ذلك موكول إلى كتابنا معجم الرجال (1)، وتكفينا الصحيحة الأُولى.
وفي المقام صحيحة أُخرى دلّت على أن حدّ البعد ثمانية عشر ميلاً عن جهاتها الأربع (2)، وذكر صاحب الوسائل في ذيل الحديث أنه لا تنافي بين هذه الصحيحة والصحيحة المتقدّمة ، لأنّ هذه الصحيحة غير صريحة في حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلاً ، وإنما بينت حكم ثمانية عشر ميلاً وهي ساكتة عن حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلاً فتكون موافقة لغيرها فيها وفيما دونها.
ويبعِّده أن الصحيحة في مقام التحديد ويظهر منها قصر الحكم بهذا الحد خاصّة فتكون منافية للصحيحة المتقدّمة. والذي يهوّن الخطب أن هذه الصحيحة لا قائل ولا عامل بها من الأصحاب أبداً. على أنها معارضة بصحيحة زرارة المتقدّمة المشهورة فلا بدّ من طرح هذه الصحيحة المهجورة ، ولصاحب الجواهر كلام (3)سنتعرّض إليه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
وخبره عنه (عليه السلام) : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ذلِكَ ) إلخ ، قال : لأهل مكّة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة ، قلت : فما حدّ ذلك؟ قال ثمانية وأربعون ميلاً من جميع نواحي مكّة دون عُسْفان وذات عِرق. ويستفاد أيضاً من جملة من أخبار أُخر ، والقول بأن حدّه اثنا عشر ميلاً من كل جانب كما عليه جماعة ضعيف لا دليل عليه إلّا الأصل ، فإن مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتّع على كل أحد والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور ، وهو مقطوع بما مرّ
ثمّ إنه قد ورد في الحاضر خبران يدلان على أن العبرة في الحضور إنما هو بدون الميقات لا بالمقدار المذكور وأن الحاضر من كان منزله دون الميقات.
الخبر الأوّل : ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «في حاضري المسجد الحرام ، قال : ما دون المواقيت إلى مكّة فهو حاضري المسجد الحرام ، وليس لهم متعة» (1).
الثاني : صحيح حماد «في حاضري المسجد الحرام ، قال : ما دون الأوقات إلى مكّة» (2). ولكن لا يمكن العمل بهاتين الروايتين لعدم القائل بهما منا ومخالفتهما للمتسالم عليه بين أصحابنا فلا بدّ من طرحهما أو حملهما على ما دون المواقيت كلّها. هذا مضافاً إلى ضعف الخبر الأوّل سنداً ، لأنّ الموجود في السند على ما في الوسائل أبو الحسن النخعي وهكذا في التهذيب المطبوع حديثاً (3)، وفي بعض نسخ التهذيب أبو الحسين النخعي وهو لقب أيوب بن نوح بن دراج الثقة ، أمّا أبو الحسن فهو مجهول ، فيدور الراوي بين الموثق وغيره وتسقط الرواية بذلك عن الاعتبار.
وقد استدلّ على أنّ حدّ البعد الموجب للتمتع اثنا عشر ميلاً من كل جانب بوجوه.
أو دعوى أنّ الحاضر مقابل للمسافر والسفر أربعة فراسخ وهو كما ترى ، أو دعوى أنّ الحاضر المعلق عليه وجوب غير التمتّع أمر عرفي والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً ، وهذا أيضاً كما ترى ، كما أنّ دعوى أنّ المراد من ثمانية وأربعين التوزيع على الجهات الأربع فيكون من كل جهة اثنى عشر ميلاً منافية لظاهر تلك الأخبار ، وأمّا صحيحة حريز الدالّة على أن حدّ البعد ثمانية عشر ميلاً فلا عامل بها ، كما لا عامل بصحيحتي حمّاد بن عثمان والحلبي الدالّتين على أنّ الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكّة.
الأوّل : العمومات الدالّة على وجوب التمتّع على كل مكلف كصحيحة الحلبي : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأنّ اللّه تعالى يقول ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) فليس لأحد إلّا أن يتمتّع ، لأنّ اللّه أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)» (1). والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور ، فمن كان فوق الحد يشمله العمومات.
وفيه أوّلاً : أن العمومات تخصص بما دلّ على التحديد بثمانية وأربعين ميلاً كصحيحة زرارة المتقدّمة.
وثانياً : أنّ العمومات لا إطلاق لها من هذه الجهة أي ثبوت المتعة على كل مكلف وإنما هي ناظرة إلى حكم النائي في قبال العامّة القائلين بجواز الإفراد أو القرآن للنائي وهذه الروايات في مقام الرد عليهم وأن النائي لا يجوز له إلّا التمتّع.
الثاني : ما استدل به صاحب الجواهر (2)بالآية وحاصله : أن موضوع التمتّع من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وموضوع الإفراد والقران هو الحاضر ، ومقابل الحاضر هو المسافر ، فمعنى الآية أن من أراد زيارة البيت الحرام ولم يكن حاضراً وصدق عليه المسافر فوظيفته التمتّع ، وإذا كان حاضراً ولم يصدق عليه عنوان المسافر
وهل يعتبر الحدّ المذكور من مكّة أو من المسجد؟ وجهان ، أقربهما الأوّل (1)ومن كان على نفس الحد فالظاهر أن وظيفته التمتّع ، لتعليق حكم الإفراد والقران على ما دون الحد ، ولو شكّ في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص ومع عدم تمكّنه يراعي الاحتياط وإن كان لا يبعد القول (2)بأنّه يجري عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتّع ، لأنّ غيره معلق على عنوان الحاضر وهو
فالواجب عليه الإفراد أو القرآن ، فلا بدّ من ملاحظة حدّ السفر الموجب للقصر ، وقد حقق في محلّه أن حدّ السفر أربعة فراسخ أي مقدار اثني عشر ميلا.
وبتعبير آخر : كل من كان دون الحد كما يجب عليه التمام لعدم صدق المسافر عليه كذلك يجب عليه الإفراد أو القرآن لصدق الحاضر عليه ، ومن كان فوق الحد يصدق عليه المسافر فيجب عليه التمتّع ، فالعبرة بصدق عنوان المسافر والحاضر.
ويرد عليه أوّلاً : أن التحديد بأربعة فراسخ ليس من جهة دخل ذلك في صدق عنوان السفر ، فإن موضوع السفر لم يحدد بأربعة فراسخ لا لغة ولا عرفاً ، وإنما التحديد راجع إلى تخصيص الحكم بالنسبة إلى قصر الصلاة وتمامها.
وثانياً : أنّ الآية الكريمة غير ناظرة إلى الحضور مقابل السفر وإنما تنظر إلى الحضور في البلد الحرام في قبال الغياب عنه والحضور في غيره ، فالمراد من قوله تعالى ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (3)من لم يكن من أهل مكّة وسكنتها ، وذلك يصدق على من كان يسكن غير بلدة مكّة سواء كان قريباً أو بعيدا.
وإن شئت قلت : إن المكلفين على قسمين ، قسم يسكن مكّة المكرّمة وقسم يسكن غير بلدة مكّة ، والآية ناظرة إلى تقسيم المكلفين إلى قسمين من حيث مسكنهم وأوجب اللّه تعالى التمتّع على من لم يكن من سكنة مكّة المعظمة.
مشكوك ، فيكون كما لو شكّ في أن المسافة ثمانية فراسخ أو لا فإنه يصلي تماماً لأنّ القصر معلق على السفر وهو مشكوك. ثمّ ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام حيث لا يجزئ للبعيد إلّا التمتّع ولا للحاضر إلّا الإفراد أو القرآن ، وأمّا بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الأقسام الثلاثة بلا إشكال وإن كان الأفضل اختيار التمتّع ، وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجّة الإسلام كالحج النذري وغيره.
ولو كنّا نحن والآية المباركة لكان مقتضاها وجوب التمتّع على من لم يكن من سكنة مكّة المكرّمة ، سواء كان ساكناً في بلد قريب دون الحد المذكور أو كان ساكناً في البلاد البعيدة ، ولكن النصوص حددت البعد بثمانية وأربعين ميلاً وألحقت الساكنين في هذا الحد بالساكن في نفس مكّة. ويؤكد ما ذكرناه أن عدم الحضور في المسجد الحرام لم يلاحظ في الآية المباركة بالنسبة إلى الحاج نفسه وأنه إذا كان حاضراً وكانت وظيفته إتمام الصلاة كانت وظيفته التمتّع ، وإنما لوحظ بالنسبة إلى أهله الساكنين في بلاد آخر غير مكّة وليسوا بحاضرين في المسجد الحرام.
الثالث : أن عنوان الحضور المأخوذ في الآية الكريمة عنوان عرفي ولا يصدق على من كان بعيداً عن مكّة باثني عشر ميلاً ، بل يصدق عليه أنه ممن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فيجب عليه التمتّع.
وفيه : أن عدم صدقه عليه عرفاً وإن كان صحيحاً ولكنه لا يختص به بل يعم من بعد عن مكّة بأقل من ذلك أيضاً ، ومن هنا قلنا بأنه لو كنّا نحن والآية المباركة لقلنا باختصاص فريضة التمتّع بمن لم يكن من سكنة مكّة المكرّمة ، سواء كان ساكناً في بلد قريب أو بلد بعيد ، وإنما تعدينا عن ذلك من جهة صحيح زرارة المتقدِّم (1).
ثمّ إنّه لو أغمضنا النظر عن الصحيح المتقدّم لأمكن الاستدلال للقول المذكور
1) في ص 145.
.................................................................................................
بوجه آخر أولى من الوجوه المتقدّمة وهو أن المستفاد من الآية الشريفة وجوب التمتّع على من لم يكن من سكنة مكّة المعظمة ووجوب الإفراد على من كان منهم ، إلّا أن الإجماع القطعي قام على إلحاق جماعة من المكلفين ممّن بعد عن مكّة بسكنة مكّة إلحاقاً حكمياً كأهالي مر وأهالي سرف (1)كما في النص (2)، فمقتضى القاعدة هو الاقتصار على القدر المتيقن في غير الموارد المنصوصة ، فالنتيجة وجوب الإفراد على أهالي مكّة وعلى من كان الفاصل بينه وبين مكّة أقل من اثني عشر ميلاً ووجوب التمتّع على من كان بعيداً من مكّة بمقدار اثني عشر ميلاً أو أكثر.
وهذا الوجه وإن كان أوجه من الوجوه المتقدّمة ولكن مع ذلك لا يمكن الالتزام به أيضاً بالنظر إلى صحيح زرارة المتقدّم الدال على أن الحد الموجب للتمتع هو ثمانية وأربعون ميلاً ، ولا موجب بل ولا مجوز لرفع اليد عنه بعد تماميته سنداً ودلالة ، وأمّا حمله على الجوانب الأربعة فقد عرفت أنه من أضعف المحامل.
ثمّ إنه ينبغي التكلم في جهات تعرض لها المصنف (قدس سره) :
الاولى : هل يعتبر الحد المذكور من بلدة مكّة أو من المسجد؟ وجهان بل قولان. الظاهر أن العبرة بنفس المسجد لا البلد ، وذلك لأنّ عمدة ما استدلّ به للتحديد المذكور إنما هو صحيح زرارة المتقدّم الذي فسّر قوله تعالى ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) وبيّن المراد منه ، وحيث إن الآية مشتملة على ذكر المسجد الحرام فالتحديد بثمانية وأربعين ميلاً بعد ذكر الآية وبيان المراد منها ظاهر في كون التحديد بالنسبة إلى المسجد ، ولو احتمل كون التحديد بالنسبة إلى البلد باعتبار وجود المسجد الحرام فيه تكون الآية مجملة لعدم ظهورها في كون التحديد بالنسبة إلى البلد أو المسجد ، فلا بدّ حينئذ من الاقتصار على القدر المتيقن في الخروج عن العمومات المقتضية لوجوب التمتّع على كل أحد وهو كون الاعتبار بنفس المسجد.
.................................................................................................
والحاصل : أنه لا ريب في أن مقتضى العمومات وجوب التمتّع على جميع المكلفين ففي صحيحة الحلبي : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأنّ اللّه تعالى يقول ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) فليس لأحد إلّا أن يتمتّع» (1). وقد دلّت الآية المباركة على اختصاص ذلك بغير سكنة مكّة ، فكلما دلّ الدليل على إلحاق غير من يسكن مكّة بالساكن فيها فهو وإلّا كان حكمه وجوب التمتّع لا محالة وبما أن من بعد عن المسجد الحرام بأكثر من ثمانية وأربعين ميلاً وإن كان الفصل بينه وبين مكّة بأقل من هذا الحد وجب عليه التمتّع لعدم الدليل على خروجه من العموم فإن المخصص مجمل مردد بين الأقل والأكثر فلا بدّ من الاقتصار في التخصيص على الأقل المتيقن ، فالنتيجة تحديد البعد بالنسبة إلى المسجد.
الثانية : من كان منزله على نفس الحد فهل يجب عليه التمتّع أو الإفراد؟ الظاهر هو الأوّل ، وذلك لأنّ المستفاد من صحيح زرارة أن موضوع الحكم لوجوب الإفراد من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ، وأمّا إذا كان على نفس الحد فلا يصدق عليه أنه دون الحد المذكور فيشمله حكم العام وهو وجوب التمتّع على كل أحد ، ولو شك يجري ما تقدّم من الأخذ بالقدر المتيقن ، لأنّ المخصص مجمل مردد بين الأقل والأكثر ولا دليل على إلحاق من كان على نفس الحد بأهالي مكّة ، فالمرجع نفس الآية الدالّة على وجوب التمتّع على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
الثالثة : الظاهر أن العبرة في التحديد بمبدإ بلده لا بمنزله وبيته الذي يسكنه ، فحكم ساكن الدار الواقعة في أوّل البلد حكم ساكن الدار الواقعة في آخر البلد ، فلا يختلف حكم سكان بلدة واحدة باعتبار اختلاف منازلهم قرباً أو بعداً ، وذلك لأنه الظاهر من جعل الحد بين المكلف الذي يختلف في أرجاء بلده وبين المسجد الحرام ، ولا خصوصية للدار أو الدكان وما شاكلهما.
الرابعة : لو شكّ في كون منزله في الحد أو في خارجه سواء كان ساكناً في البلاد أو البادية ، ذكر في المتن أنه يجب عليه الفحص ومع عدم تمكنه يراعي الاحتياط ثمّ قال :
1) الوسائل 11 : 240 / أبواب أقسام الحج ب 3 ح 2.
.................................................................................................
وإن كان لا يبعد القول بإجراء حكم الخارج عليه فيجب عليه التمتّع ، لأنّ غيره معلق على عنوان الحاضر وهو مشكوك ، فيكون المقام نظير ما لو شكّ في أن المسافة ثمانية فراسخ أو لا ، فإنه يصلي تماماً لأنّ القصر معلق على السفر وهو مشكوك.
أقول : ما ذكره أخيراً من وجوب التمتّع عليه وعدم وجوب الفحص هو الصحيح لإحراز موضوع التمتّع وهو عدم كونه حاضراً ، بالأصل ولو بالعدم الأزلي بناءً على ما اخترناه في محلّه (1)من إمكان جريان الأصل في الأعدام الأزلية ، لأنّ كل شيء مسبوق بالعدم ولو أزلاً فلا مانع حينئذ من إجراء أصل العدم ، نظير أصالة عدم القرشية التي تثبت عدم كون المرأة متصفة بالقرشية وإن لم تثبت الانتساب إلى غير قريش ، وتفصيل الكلام موكول إلى محله ، وعليه فلا موجب للفحص ، لإحراز الموضوع بالأصل ، على أنه لا دليل على الفحص في الشبهات الموضوعية.
هذا مع أنه يمكن إحراز الموضوع بالأصل النعتي وتقريبه : أن صفة الحضور والوطنية للشخص قد تتحقّق باتخاذ نفسه بلداً وطناً له ، وقد تتحقّق بمرور زمان على سكناه في بلد كما إذا سكن فيه مدّة خمسين سنة فإن البلد يكون وطناً له قهراً ، وقد تتحقق باتخاذ متبوعه التوطن في البلد الفلاني كوالده أو جدّه أو مولاه ، فليست الوطنية من الصفات الذاتيّة كالقرشية وإنما هي من الصفات العرضية ، بمعنى أن الشيء يوجد أوّلاً ثمّ يعرض عليه صفة الوطنية ، وهذا بخلاف القرشية فإن الشخص يوجد أوّلاً أما قرشياً أو غير قرشي وليست عارضة بالمعنى المتقدّم ، فالوطنية تنشأ إما باختيار نفسه أو باختيار متبوعه وتكون من الصفات العارضة المسبوقة بالعدم فنقول : إن الحد المتقدّم لم يكن وطناً له باتخاذ نفسه ولا بتبع أبيه أو مولاه في زمان والآن كذلك ، فلا موجب للفحص بعد إحراز الموضوع بأصل العدم الأزلي أو النعتي نعم لو فرضنا عدم جريان الأصل أصلاً يجب الفحص للعلم الإجمالي ، فإن تبيّن الأمر وتعينت الوظيفة فهو وإلّا فالاحتياط.
وقد وقع الكلام في المقام في إمكان الاحتياط ، وربّما قيل بعدم إمكانه لأنّ
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 207.
.................................................................................................
الوجوب فوري ولا يمكن الجمع بين المحتملين التمتّع والإفراد في سنة واحدة.
وقد ذكر سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه الشّريف) طرقاً للاحتياط :
الأوّل : أن يحرم من الميقات قاصداً للجامع بين العمرة والحج فيدخل مكّة ويأتي بأعمال العمرة ثمّ يحرم للحج احتياطاً ، فإن كان حجّه التمتّع فقد أتى بأعماله ، وإن كان حجّه الأفراد فقد أتى بالإحرام الأوّل ويكون الإحرام الثاني للحج ملغى ، ثمّ يأتي بعمرة مفردة بعد الحج ، فحينئذ تفرغ ذمّته سواء كان عليه التمتّع أو الإفراد.
يبقى الكلام في التقصير لعدم جوازه له بناءً على الإفراد ووجوبه عليه بناءً على التمتّع ، فالتقصير أمره دائر بين المحذورين لأنه إمّا واجب أو حرام ، والحكم فيه التخيير ولكن لأجل الاحتياط في المقام يختار التقصير ، فلو كان حجّه تمتّعاً فقد أتى بما وجب عليه وإن كان إفراداً فلا يترتب على تقصيره سوى الكفّارة لا فساد الحج.
الطريق الثاني : أن ينوي بإحرامه من الميقات عمرة التمتّع التي تتقدّم على الحج فيأتي بأعمال العمرة وبعد الفراغ يحرم لحج التمتّع من مكّة ثمّ يخرج من مكّة إلى أحد المواقيت ، فإن الخروج من مكّة وإن لم يكن جائزاً لأنه محتبس ومرتهن بالحج لكن يجوز له الخروج لحاجة ، ولا ريب أن الخروج لأجل تحصيل الجزم بالإتيان وتفريغ الذمّة على وجه اليقين من أوضح الحاجات ، فيحرم ثانياً للحج ، فإن كانت وظيفته التمتّع فقد أتى بجميع ما يعتبر فيه ويكون الإحرام الثاني للحج ملغى ، وإن كانت الإفراد فقد أتى بالإحرام الثاني للحج وتكون عمرته للتمتّع لغواً ثمّ يأتي بعمرة مفردة ، وبذلك يحصل الجزم بالفراغ ، وهذا الوجه أوجه من الأوّل ولعله متعيّن.
الطريق الثالث : أنّه بناءً على جواز تقديم العمرة على الحج حتى في الحج الأفرادي يمكن الاحتياط بوجه آخر ، وهو أن يأتي بالعمرة أوّلاً بقصد الجامع بين عمرة التمتّع والإفراد ، ويأتي بطواف النساء بعد أعمال العمرة لاحتمال كون عمرته عمرة مفردة ثمّ يأتي بإحرام الحج ، فإن كانت وظيفته التمتّع فقد أتى بأعماله من العمرة والحج ، وإن كانت وظيفته الإفراد فقد أتى بعمرة مفردة وطواف النساء وبأعمال الحج لأنّ المفروض جواز تقديم العمرة على الحج الأفرادي ، فلا حاجة إلى إتيان العمرة المفردة بعد الفراغ
[3204] مسألة 1 : من كان له وطنان أحدهما في الحد والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما (1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له ، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكّة ، فقال (عليه السلام) : فلينظر أيّهما الغالب» فإن تساويا فإن كان مستطيعاً من كل منهما تخيّر بين الوظيفتين (1)وإن كان الأفضل اختيار التمتّع ، وإن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة (2).
من أعمال الحج كما ذكرنا في الطريق الثاني.
ثمّ إن تقسيم المكلف إلى قسمين قسم يتعيّن عليه التمتّع وقسم آخر يتعيّن عليه الإفراد أو القرآن إنما هو بالنسبة إلى حج الإسلام ، وأمّا الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر الأقسام الثلاثة بلا إشكال وقد عقد في الوسائل باباً مستقلا لذلك والروايات في ذلك متضافرة (2)وإن كان اختيار التمتّع أفضل ، وكذلك الحج الواجب بالنذر ونحوه إذا لم يكن مقيّداً بقسم خاص ، نعم الحج الواجب بالإفساد كالأصلي وتابع له وحكمه حكمه فاللازم مطابقته له.
(1) هذا ممّا لا إشكال فيه للصحيحة المذكورة في المتن (3).
(2) من كان له منزلان أحدهما بمكّة والآخر في غيرها من البلاد البعيدة وتساوت الإقامة فيهما ، سواء أقام في بلد ستّة أشهر وفي بلد آخر ستّة أشهر أُخرى ، أو أقام في بلد أربعة أشهر وفي بلد آخر أربعة أشهر أُخرى مثلاً وفي بقيّة الأشهر تجوّل في البلاد ولم يستقر في بلد خاص ، فقد حكم المصنف بالتخيير بين الأقسام الثلاثة إذا كان مستطيعاً من البلدين وإلّا لزمه فرض وطن الاستطاعة.
[3205] مسألة 2 : من كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها فالمشهور جواز حج التمتّع له وكونه مخيراً بين الوظيفتين (1) واستدلوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكّة فيمرّ ببعض المواقيت إله
ويستدل له بأنّ أدلّة تعيين قسم خاص من الحج لا تشمل مثل هذا الشخص ومنصرفة عنه من جهة عدم استقراره في بلد خاص فيشمله حينئذ إطلاق ما دلّ على وجوب الحج ونتيجته التخيير ، إلّا أنه لو تمّ ذلك لكان مقتضاه التخيير مطلقاً من دون فرق بين حصول الاستطاعة في البلدين أو في أحدهما ، فلو كان له منزل في العراق مثلاً وآخر بمكّة واستطاع فيها يجوز له التمتّع وكذلك العكس ، فلا يبتني التخيير على الاستطاعة في البلدين ، هذا.
ولكن الالتزام بالتخيير لا يخلو من إشكال بل منع ، وذلك لأنّ مقتضى الأدلّة وجوب التمتّع على من لم يكن حاضر المسجد ولم يكن من أهالي مكّة ووجوب الإفراد والقران على من كان حاضراً وكان من أهالي مكّة ، فموضوع أحد الواجبين إيجابي وموضوع الآخر سلبي ، ولا يمكن التخيير في مثل ذلك.
نعم ، إذا كان موضوع كل واحد منهما إيجابياً وكان المورد مجمعاً بين العنوانين لأمكن التخيير بينهما ، بخلاف ما إذا كان موضوع أحدهما سلبياً وموضوع الآخر إيجابياً فحينئذ لا يمكن الجمع بينهما فلا مورد للتخيير بين الأمرين ، والمفروض أن موضوع حج التمتّع من لم يكن حاضراً وهو العنوان السلبي وموضوع الإفراد من كان حاضراً وهو العنوان الإيجابي ، وكل من الدليلين مطلق من حيث اتخاذ وطن آخر أم لا ، فمن كان من أهالي مكّة وصدق عليه الحاضر لا يصدق عليه العنوان السلبي لاستحالة الجمع بين النقيضين فلا يتحقق موضوع حج التمتّع ، وحيث يصدق عليه العنوان الإيجابي وهو الحضور يتعين عليه القرآن أو الإفراد ، ولا أقل من أن الإتيان بالإفراد أو القرآن بالنسبة إليه أحوط.
(1) من كان من أهل مكّة وبعد عنها ثمّ أراد الحج فهل يحج متعة أو إفراداً؟
أن يتمتّع؟ قال (عليه السلام) : ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل ، وكان الإهلال أحبّ إلى» ، ونحوها صحيحة أُخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن (عليه السلام) ، وعن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك وأنه يتعين عليه فرض المكي إذا كان الحج واجباً عليه وتبعه جماعة لما دلّ من الأخبار على أنه لا متعة لأهل مكّة ، وحملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني ، ولا يبعد قوّة هذا القول (1)، مع أنّه أحوط لأنّ الأمر دائر بين التخيير والتعيين ومقتضى الاشتغال هو الثاني (2)خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحج ، بل يمكن أن يقال : إنّ محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها ، وأمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض (3)أهلها.
قولان ، فعن المشهور جواز حج التمتّع له أيضاً وإمكان إجراء حكم النائي عليه ، فإنّ النائي كما يلحق بالحاضر أحياناً كالمقيم سنتين في مكّة كذلك الحاضر قد يلحق بالنائي ، وذهب ابن أبي عقيل إلى عدم جواز ذلك له وأنه يتعيّن عليه فرض المكي (4)وتبعه جماعة بدعوى أن التمتّع فرض النائي وهذا الشخص ليس بالنائي.
وقد استدلّ المشهور بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «سألته عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكّة فيمر ببعض المواقيت إله أن يتمتّع؟ قال : ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل ، وكان الإهلال أحبّ إليّ» (5)وبصحيحة اخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين ، قالا :
.................................................................................................
«سألنا أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل من أهل مكّة خرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) له أن يتمتّع؟ فقال : ما أزعم أن ذلك ليس له ، والإهلال بالحج أحبّ إليّ» (1)فما ورد من أنّه لا متعة للحاضر وليس لأهل مكّة متعة (2)يخصص بهاتين الصحيحتين.
وقد أجاب المصنف وغيره عن الخبرين بحملهما على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني ، فإنّ مورده الندب ، وذكر بعضهم أن الخبرين مطلقان من حيث قصد الحج من البعيد والقريب فيعارض إطلاقهما بإطلاق ما دلّ على أنه ليس لأهل مكّة متعة ، فإنه أيضاً مطلق من حيث الحج الواجب والندب ، والنسبة عموم من وجه ويقع التعارض بينهما في الحج الواجب إذا قصده من البعيد ، ومقتضى الصحيحين جواز التمتّع له ومقتضى إطلاق ما دلّ على المنع من المتعة لأهل مكّة عدم جوازه له فيتساقط الإطلاقان ، ولكن ذكر في الرياض انتصاراً لابن أبي عقيل بأنه يرجّح التصرّف في المعارض وهو «لا متعة لأهل مكّة» لموافقته للكتاب والسنّة (3).
أقول : الظاهر عدم إمكان حمل الصحيحين على الحج الندبي لوجهين :
الأوّل : أن قوله (عليه السلام) : «ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل» لا يلائم المندوب ، إذ لو كان السؤال في الخبرين عن الحج الندبي فلا ريب في جواز التمتّع له فهذا التعبير ظاهر في أن مورد السؤال هو الحج الواجب. على أن جواز التمتّع فيما إذا كان الحج ندبياً أمر مسلم يعرفه كل أحد ولا حاجة إلى السؤال خصوصاً من مثل عبد الرحمن الذي هو من أكابر الرواة.
الثاني : أن قوله (عليه السلام) : «وكان الإهلال أحب إلى» لا ينسجم مع الندبي إذ لو كان مورد السؤال الحج الندبي فلا ريب في أفضلية التمتّع عن الإفراد لا الإهلال بالحج الذي أُريد به الإفراد.
.................................................................................................
وأمّا ذيل الخبر الثاني فلا إشكال في أن مورده الندب ولكن قوله : «ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) وذلك أوّل ليلة من شهر رمضان إلخ» ليس من تتمة الخبر ولا يرتبط بصدره ولا يصح أن يكون قرينة له ، بل هو خبر مستقل آخر وذلك لأنّ هذا الكلام «ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام)» لا يمكن أن يكون من كلام أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، فإنه (عليه السلام) ولد بعد أربعة عشر عامّاً من وفاة أبي جعفر الباقر (عليه السلام) (1)، فالظاهر أن قائل هذا الكلام هو الراوي وهو عبد الرحمن فيكون خبراً مستقلا مروياً عن أبي جعفر (عليه السلام) وارداً في الندب اندمج أحدهما بالآخر ولا يرتبط بصدره فلا يصلح لكونه قرينة له.
وبالجملة : ظاهر الخبرين الصحيحين هو الحج الواجب ، وبهما نقيد العمومات المانعة عن المتعة لأهل مكّة ، فالنتيجة جواز التمتّع له وإن كان الإفراد أفضل وأحب.
ثمّ إنّه لو سلمنا عدم ظهور الصحيحين في الحج الواجب فلا أقل من إطلاقهما للواجب والمندوب خصوصاً الصحيحة التي رواها الكليني (2)مع اختصاصهما بإرادة الحج من الخارج ، كما لا ريب في إطلاق ما دلّ على المنع من التمتّع الواجب لأهل مكّة من جهة إرادة الحج من مكّة أو من خارجها ، فمقتضى إطلاق الصحيحين جواز التمتّع له حتى في الحج الواجب من الخارج ، كما أن مقتضى إطلاق ما دلّ على أنه لا متعة لأهل مكّة عدم جواز التمتّع له وإن حج من الخارج ، ويتعارض الإطلاقان من الطرفين ويتساقطان ، ولا يمكن الرجوع إلى إطلاق الآية الكريمة ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) لأنها في جانب الأخبار المعارضة ، وحينئذ لا يكون إطلاق الآية مرجعاً ولا مرجحاً لأحد الطرفين كما توهّمه السيّد في الرياض ، وقد ذكرنا تفصيل الأمر في الترجيح بالكتاب في مبحث التعادل والترجيح في علم الأُصول (3).
.................................................................................................
وملخّصه : أن الترجيح بالكتاب إنما هو فيما إذا كانت دلالة الكتاب دلالة لفظيّة وأمّا إذا كانت الدلالة بالإطلاق فقاعدة الترجيح بالكتاب غير جارية ، إذ ليس ذلك مدلولاً لفظياً للكتاب ، لأنّ الإطلاق مستفاد من قيد عدمي ، والعدمي ليس من القرآن ليكون مرجعاً أو مرجحاً لأحد الطرفين.
وبتعبير آخر : مورد الرجوع إلى القرآن والترجيح به إنما هو فيما إذا كان عدم العمل بالقرآن منافياً للظهور اللفظي بحيث يصدق أنه قال اللّه تعالى كذا في الكتاب وهذا المعنى لا يصدق على مجرّد الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة.
وعليه فلا مجال للرجوع إلى إطلاق الكتاب لسقوطه بالتعارض ، فالمرجع إطلاق ما دلّ على أصل وجوب الحج المقتضي للتخيير بين الأقسام الثلاثة ، فإن الواجب إنما هو طبيعي الحج ، والتقييد ببعض الأقسام قد سقط بالمعارضة على الفرض.
ولو أغمضنا عما ذكرنا وقلنا بعدم إمكان الرجوع إلى الآيات الدالّة على وجوب أصل الحج بدعوى أنها في مقام التشريع ولا إطلاق لها من ناحية ثبوت الأحكام فتصل النوبة إلى الأصل العملي ، وقد قيل إن مقتضاه الاشتغال لدوران الأمر بين التعيين والتخيير ، فيتعيّن عليه الإفراد لأنّه موجب للفراغ قطعاً بخلاف التمتّع ، ولكن قد ذكرنا في محلّه (1)أنّ الشك في التعيين والتخيير إنما يقتضي الاشتغال في مورد التزاحم وفي موارد الشك في الحجية ، وأمّا في موارد الشك في التكليف كالقصر والإتمام التي يدور أمر الواجب بين التعيين والتخيير فمقتضى الأصل هو البراءة عن التعيين ، لأنّ المورد من صغريات دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فإن الطبيعي الجامع معلوم الوجوب وتقييده بخصوص أحدهما مشكوك فيه وهو أمر زائد والأصل يقتضي البراءة عنه ، فما ذكروه من أن الشك في التعيين والتخيير يقتضي الاشتغال لا أساس له.
فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من جواز التمتّع له أيضاً إمّا للإطلاقات وإمّا لأصالة البراءة عن الخصوصية.
1) مصباح الأُصول 2 : 457.
[3206] مسألة 3 : الآفاقي إذا صار مقيماً في مكّة فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتّع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه سواء كانت إقامته بقصد التوطّن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين ، وأمّا إذا لم يكن مستطيعاً ثمّ استطاع بعد إقامته في مكّة فلا إشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة
ثمّ إنّ المصنف ذكر أنه لا يبعد أن يكون محل كلامهم وحكمهم بالتخيير في صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عن مكّة ، وأمّا إذا حصلت الاستطاعة فيها وخرج منها وأراد الحج من الخارج فيتعين عليه فرض الإفراد ، لأنه إذا وجب عليه الإفراد لا موجب لتبدله إلى التمتّع ، فهذه الصورة خارجة عن محل كلامهم وعن مورد النصوص.
ولكن الظاهر أنه لا فرق بين الصورتين ولا موجب لتخصيص الحكم بالتخيير بمن استطاع في الخارج ، فإن الأدلّة المقتضية للتخيير مشتركة بين الصورتين ، فإنه لو فرضنا أنه استطاع في مكّة وحج منها حج الإفراد فلا كلام ، ولو خرج قبل الحج وأراد الحج من الخارج فلا مانع أيضاً من التبديل إلى التمتّع وجوازه له ، لإطلاق الصحيحين المتقدّمين فإنهما يخصصان ما دلّ على أنه لا متعة لأهل مكّة ، وإذا قلنا بسقوط النصوص بالمعارضة فالمرجع عموم ما دلّ على وجوب طبيعي الحج ، أو يرجع إلى الأصل العملي المقتضي للبراءة عن الخصوصية.
نعم ، تفترق صورة حصول الاستطاعة في مكّة عما إذا حصلت في الخارج بجريان الأصل ، فإنه بناءً على المشهور من جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة يجب عليه الإفراد في صورة حصول الاستطاعة في مكّة ، لأنّ الإفراد قد وجب عليه وهو في مكّة ثمّ بعد الخروج يشك في تبدله إلى التمتّع ومقتضى الأصل بقاؤه على وجوبه وعدم تبدله إلى التمتّع ، فبذلك تمتاز هذه الصورة عما إذا حصلت الاستطاعة في الخارج ، وأمّا بناءً على المختار من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة فلا فرق بين الصورتين كما عرفت.
كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرّد الإقامة (1).
وإنّما الكلام في الحد الذي به يتحقّق الانقلاب (2) ،
(1) الآفاقي إذا سكن مكّة فقد يتوطّن فيها وقد يجاورها ، وعلى كل تقدير فقد يكون مستطيعاً من الأوّل وقد يستطيع في مكّة فهذه صور.
أمّا المجاور الذي استطاع في مكّة فيبحث عنه تارة من حيث ما تقتضيه القاعدة. وأُخرى عما تقتضيه الروايات.
أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة وجوب حج التمتّع عليه ، لأنّ موضوع الحكم من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ومن لم يكن من أهل مكّة ، وذلك صادق على المجاور ، فإنّه لم يكن من أهل مكّة ولم يكن أهله حاضري المسجد فيشمله حكم البعيد وإن استطاع في مكّة ، فلو كنّا نحن والآية المباركة لوجب عليه التمتّع.
وأمّا الثاني : فإن الروايات تقضي بإجراء حكم أهل مكّة عليه وانقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة ، وسنتعرض إلى الروايات فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
(2) قد وقع الخلاف فيما يتحقق به الانقلاب ، فالمشهور أنه يتحقق بالإقامة في مكّة مدّة سنتين والدخول في السنة الثالثة. ونسب إلى الشيخ (1)وابن إدريس (2)تحققه بإكمال ثلاث سنين والدخول في الرابعة ، ونسب إلى جماعة كالشهيد في الدروس (3)بأنّه يتحقّق بإكمال سنة واحدة والدخول في الثانية ، وقواه صاحب الجواهر (4). وسبب الاختلاف اختلاف الروايات.
أمّا ما نسب إلى الشيخ من اعتبار الدخول في السنة الرابعة فلا دليل عليه إلّا الأصل المقطوع بالروايات.
فالأقوى ما هو المشهور من أنّه بعد الدخول في السنة الثالثة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له» إلخ ، وصحيحة عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) : «المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتّع» وقيل بأنّه بعد الدخول في الثانية لجملة من الأخبار ، وهو ضعيف لضعفها بإعراض المشهور (1)عنها ، مع أن القول الأوّل موافق للأصل ، وأمّا القول بأنه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه إلّا الأصل المقطوع بما ذكر ، مع أن القول به غير محقّق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور بإرادة الدخول في السنة الثالثة.
وأمّا مذهب المشهور فيدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له» (2)وصحيح عمر بن يزيد ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتّع» (3).
وبإزاء ذلك روايات تدل على كفاية مضي سنة واحدة ، وهي مستند القائل بكفاية إكمال سنة واحدة.
منها : صحيحة الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) لأهل مكّة أن يتمتّعوا؟ قال : لا ، قلت : فالقاطنين بها؟ قال : إذا قاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكّة» (4).
وأمّا الأخبار الدالّة على أنه بعد ستّة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها (1)، مع احتمال صدورها تقية وإمكان حملها على محامل أُخر ، والظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة ، فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الأوّل ، فما يظهر من بعضهم من كونها أعم لا وجه له ، ومن الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن. ثمّ الظاهر أنّ في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكّة ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة
ومنها : خبر محمّد بن مسلم : «من أقام بمكّة سنة فهو بمنزلة أهل مكّة» (2). وربّما يتوهّم صحّة الخبر لأنّ رجال السند كلّهم من الأعيان والثقات ، ولكنه ضعيف لضعف طريق الشيخ إلى العباس بن معروف الذي روى عنه الشيخ في الفهرست (3)بأبي المفضل ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة.
ومنها : خبر حماد ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أهل مكّة أيتمتعون؟ قال : ليس لهم متعة ، قلت : فالقاطن بها ، قال : إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صُنع أهل مكّة» (4)ولكنّه ضعيف السند لأنّ ابن أبي عمير يرويه عن داود عن حماد ولم يعلم من هو داود ، فإنه مشترك بين الثقة وغيره.
ومنها : معتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «المجاور بمكّة سنة يعمل عمل أهل مكّة يعني يفرد الحج مع أهل مكّة ، وما كان دون السنة فله أن يتمتّع» (5)والرواية معتبرة لأنّ إسماعيل بن مرار المذكور في السند وإن لم يوثق في
من بلده (1)فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلّتها وأنّ الانقلاب إنّما أوجب تغيير نوع الحج وأمّا الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتّع. هذا ، ولو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكّة لكن قبل مضي السنتين فالظاهر أنه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتّع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد ، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب ، وأمّا المكي إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيماً بها فلا يلحقه حكمها في تعيّن التمتّع عليه لعدم الدليل وبطلان القياس إلّا إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطّن وحصلت الاستطاعة بعده فإنه يتعين عليه التمتّع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الأُولى ، وأمّا إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكّة فلا ، نعم الظاهر دخوله حينئذٍ في المسألة السابقة ، فعلى القول بالتخيير فيها كما عن المشهور يتخيّر وعلى قول ابن أبي عقيل يتعيّن عليه وظيفة المكي.
كتب الرجال ولكنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي ، وذكرنا في محلِّه أن رجاله كلّهم ثقات (2)، وفي بعض نسخ التفسير إسماعيل بن ضرار وهو غلط.
ومنها : مرسل حريز «من دخل مكّة بحجة عن غيره ثمّ أقام سنة فهو مكي» (3).
وأجاب المصنف عن هذه الرواية باعراض المشهور عنها ، وهو غير تام عندنا ، على أن بعضهم قد عمل بها كصاحب الجواهر (قدس سره) (4)مع حمل ما دلّ على اعتبار السنتين على الدخول في الثانية بعد إكمال سنة واحدة ، إلّا أنه لا يمكن فإنه وإن كان محتملاً ولو بعيداً في صحيح زرارة المتقدّم لقوله : «من أقام بمكّة سنتين» ، إذ يمكن حمله على الدخول في السنة الثانية ، ولكن لا يمكن ذلك بالنسبة إلى صحيح عمر بن
.................................................................................................
يزيد للتصريح فيه بالتجاوز عن سنتين.
فالصحيح أن يقال : إن الروايات متعارضة متكافئة فالمرجع عموم ما دلّ على أن النائي وظيفته التمتّع ، ولم يثبت تخصيصه بالمجاورة مدّة سنة واحدة. وبتعبير آخر : كل من لم يكن مكياً ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وظيفته التمتّع وإن كان قاطناً في مكّة أقل من المقدار الخارج عن العموم كالأقل من سنتين.
نعم ، إذا تجاوز عن السنتين فلا كلام في انقلاب فرضه إلى الإفراد لأنه القدر المتيقن من التخصيص ، وفي غير ذلك فالمرجع عموم ما دلّ على أن البعيد وظيفته التمتّع. ولعلّ نظر المصنف في قوله : «إنّ قول المشهور موافق للأصل» إلى ما ذكرناه من مطابقته لما تقتضيه القاعدة في الجمع بين الروايات والرجوع إلى العام بعد التعارض.
وأمّا ما دلّ من الروايات على انقلاب الفرض بعد خمسة أشهر أو ستّة (1)فيرد عليها :
أوّلاً : أنه لا عامل بها.
وثانياً : سقوطها بالمعارضة بالصحيحتين المتقدّمتين ، صحيحة زرارة وعمر بن يزيد.
وثالثاً : أن ما دلّ على خمسة أشهر من الرواية ضعيف بالإرسال.
وقد تلخص مما تقدّم : أن النائي وظيفته التمتّع سواء كان مجاوراً في مكّة أم لا ، فإن العبرة في وجوب الإفراد هو التوطّن وكونه من أهالي مكّة وعدمه ، فمن لم يكن متوطناً فيها ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يجب عليه التمتّع ، خرجنا عن ذلك بالصحيحين الدالين على انقلاب فرضه إلى الإفراد إذا أقام بمكّة مدّة سنتين.
وبعبارة اخرى : النصوص الدالّة على التحديد بالمجاورة متعارضة فيكون المرجع العموم الدال على وجوب التمتّع على كل أحد ومنه الآية الكريمة بناءً على أن كلمة «من» من أداة العموم كما قيل ، فالعموم هو المحكّم والتخصيص ثابت بالمقدار المتيقن
1) الوسائل 11 : 265 / أبواب أقسام الحج ب 8 ح 3 ، 5.
.................................................................................................
وهو المجاورة بمضي سنتين ، وفي غير ذلك يقع التعارض ويكون الترجيح لما وافق الكتاب.
فالنتيجة ثبوت التخصيص بمقدار سنتين وفي غيره وظيفته التمتّع لعموم الآية والأخبار ، هذا كله فيما إذا استطاع بعد السنتين.
وأمّا إذا استطاع قبل السنتين سواء استطاع في مكّة مدّة مجاورته أو استطاع في بلده ولم يحج فهل يجب عليه الافراد وينقلب فرضه من التمتّع إلى الافراد أم لا؟ ذكر غير واحد الإجماع على أنه من كان مستطيعاً ووجب عليه التمتّع في بلده ثمّ صار مقيماً في مكّة لا يتبدل فرضه بل هو باق على حكمه ، وإنما يتبدل فرضه وتنقلب وظيفته فيما إذا استطاع بعد السنتين من مجاورته ، ولكن قال السيّد في المدارك : «وفي استفادة ذلك من الروايات نظر» (1)واستجوده في الحدائق (2).
أقول : الظاهر أن الروايات لا تشمل هذه الصورة أعني ما إذا استطاع المجاور قبل السنتين ، بيان ذلك : أن بعض الآيات الشريفة تدل على أصل وجوب الحج على جميع المكلّفين من دون نظر إلى قسم من أقسامه كقوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (3)، وبعضها كقوله تعالى ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) الآية (4)، والروايات المفسرة المبينة للآية تدل على أن الحج يختلف باختلاف الأماكن والأشخاص ، وأن النائي وظيفته التمتّع والقريب فرضه الإفراد ، فيكون المكلف على قسمين ، والصحيحتان المتقدِّمتان تنظران إلى هذا الجعل ، وأن من أقام مدّة سنتين في مكّة ينقلب حجّه إلى الإفراد ولا متعة له فهو مكي تنزيلاً ، ولا نظر لهما إلى حصول الاستطاعة سابقاً أو عدمه.
وبتعبير آخر : الصحيحان منصرفان عمن كان مستطيعاً سابقاً ، بمعنى أنهما في مقام
.................................................................................................
بيان الحج الواجب عليه وتعيين بعض الأقسام عليه ولا نظر لهما إلى من وجب عليه الحج سابقاً ، فلا يستفاد منهما إلّا الإلحاق في قسم خاص ، وأمّا إذا كان مستطيعاً سابقاً وكانت وظيفته التمتّع وترك الحج حتى جاور مكّة فالصحيحان غير ناظرين إلى وظيفته الفعلية وتبدل فرضه إلى فرض آخر ، فهو باق على حكمه السابق.
ولو احتملنا شمول الخبرين لهذه الصورة أيضاً فلا أقل من إجمالهما ، فيدور الأمر بين تخصيص الأقل والأكثر ، والقاعدة تقتضي الاقتصار على الأقل وهو خصوص حصول الاستطاعة بعد السنتين ، فينقلب فرضه إلى الإفراد إذا لم يكن مستطيعاً في بلده أو لم يكن مستطيعاً في ضمن المجاورة قبل السنتين ، فإن التنزيل بهذا المقدار ثابت ، وأمّا في غيره كما إذا كان مستطيعاً في بلده وترك الحج أو حصلت الاستطاعة قبل السنتين ووجب عليه الحج فلم يثبت التنزيل فوظيفته باقية على حالها ، وعليه فلا حاجة إلى التمسك بالإجماع المدعى في المقام ، هذا كلّه في حكم المجاور في مكّة.
وأمّا إذا توطن في مكّة وصار من أهلها فلم يحدد ذلك بشيء من السنة أو الأشهر ، فيجري عليه حكم أهل مكّة لإطلاق ما دلّ على أنه لا متعة لأهل مكّة ولا مخصّص له ، وأمّا الصحيحان الدالان على الانقلاب بالإقامة مقدار سنتين إنّما هما في المجاور والمقيم بالعرض ، وأمّا المتوطن فغير مشمول لهما ، فلو أقام شهراً واحداً أو أقل وصدق عليه أنه من أهل مكّة فعليه حكمهم ، ولا موجب للتخصيص بالسنة أو السنتين ، فمن الغريب ما عن بعضهم من اختصاص الحكم والتحديد بالسنتين بما إذا كانت الإقامة بقصد التوطن ، وأمّا المجاور فعليه المتعة.
ثمّ الظاهر أن في صورة المجاورة والانقلاب يلحقه حكم المكّي بالنسبة إلى الاستطاعة ، فيكفي في وجوب الحج عليه الاستطاعة من مكّة إلى عرفات ثمّ إلى مكّة. وذكر صاحب الجواهر أنه يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده ، لأنّ الانقلاب إنما يوجب تغيير نوع الحج ، وأمّا الاشتراط بالاستطاعة فيبقى بحاله بالإضافة إلى النائي (1).
1) الجواهر 18 : 91.
.................................................................................................
أقول : يقع الكلام في الاستطاعة تارة من حيث المبدأ وأُخرى من حيث المنتهي.
أمّا من حيث المبدأ فلا تعتبر الاستطاعة من بلد خاص ، بل المعتبر حصولها من أي بلد كان ، فلو سافر العراقي إلى المدينة واستطاع فيها وجب عليه الحج وإن لم يكن مستطيعاً في بلده ، إذ لم يدل أي دليل على اعتبار الاستطاعة من بلد خاص.
وأمّا من حيث المنتهي والعود إلى بلاده فإن فرضنا أنه أقام سنتين في مكّة واستطاع وأراد الرجوع والعود إلى بلده ، ولكن لو صرف المال في أعمال الحج ومقدّماته من الذهاب إلى عرفات والعود إلى مكّة لا يتمكّن من العود إلى بلده فحينئذ يقع الكلام في أنه هل يعتبر القدرة على العود إلى بلاده في حصول الاستطاعة أم لا؟.
ولا يخفى أنه لم يتعرض في شيء من الروايات إلى ذلك أصلاً ، وإنما ذلك أمر عرفي مأخوذ في الاستطاعة حسب المتفاهم العرفي المستفاد من القدرة على السفر إلى بلد من البلدان ، فلو قيل : إن شخصاً قادر على السفر إلى كربلاء لزيارة الحسين (عليه السلام) يفهم العرف منه أنه قادر على الذهاب والإياب ، وأمّا من كان قادراً على الذهاب فقط فلا يصدق عليه أنه قادر على ذلك السفر ، فالقدرة على الذهاب والإياب مأخوذة في الاستطاعة بحسب الفهم العرفي المرتكز في الأذهان ، ومجرّد القدرة على الذهاب لا يكفي في صدق الاستطاعة.
وهل يكفي تمكنه من الرجوع إلى محل إقامته وهو مكّة أو يعتبر قدرته على العود إلى بلاده؟. أمّا إذا كان غير عازم على العود إلى بلاده فلا كلام ، وأمّا لو كان عازماً على العود ولا يكفي ماله للعود بحيث لو صرفه في الحج لا يتمكن من العود فمقتضى كلام المصنف وجوب الحج عليه وأن حاله حال أهالي مكّة ، ومقتضى كلام صاحب الجواهر عدم وجوب الحج عليه لاعتبار تمكّنه من العود إلى بلده.
والصحيح ما ذهب إليه في الجواهر ، لأنّ أقصى ما يدل عليه النص هو الانقلاب في فرض الحج لا الانقلاب في الشروط ، وتنزيله منزلة أهالي مكّة إنما هو بلحاظ نفس الأعمال والأفعال لا الشروط ، والانقلاب في الحج لا يوجب الانقلاب في الشروط المعتبرة.
[3207] مسألة 4 : المقيم في مكّة إذا وجب عليه التمتّع كما إذا كانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتّع ، واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال : أحدها : أنّه مهلّ أرضه ، ذهب إليه جماعة ، بل ربّما يسند إلى المشهور كما في الحدائق لخبر سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن المجاور إله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال (عليه السلام) : نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فليلبّ إن شاء» المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالّة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل والنسيان وأن ذلك لكونه مقتضى حكم التمتّع ، وبالأخبار الواردة في توقيت المواقيت وتخصيص كل قطر بواحد منها أو من مرّ عليها بعد دعوى أن الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه. ثانيها : أنه أحد المواقيت المخصوصة مخيراً بينها ، وإليه ذهب جماعة أُخرى لجملة أُخرى من الأخبار ، مؤيدة بأخبار المواقيت بدعوى عدم استفادة خصوصية كل بقطر معيّن. ثالثها : أنه أدنى الحل ، نقل عن الحلبي وتبعه بعض متأخِّري المتأخِّرين ، لجملة ثالثة من الأخبار والأحوط الأوّل ، وإن كان الأقوى الثاني (1)لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة وأخبار الجاهل والناسي وأن ذكر المهلّ من باب أحد الأفراد ، ومنع خصوصية
ثمّ تعرّض المصنف لعكس المسألة السابقة وهو ما إذا صار المكّي مقيماً في بلد آخر ، فإن توطن في الخارج فلا كلام في انقلاب فرضه إلى التمتّع ، وإن لم يتوطن بل قصد المجاورة في الخارج فلا موجب لانقلاب فرضه إلى فرض النائي لعدم الدليل ولا نقول بالقياس. نعم ، من كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار وأراد الحج ، له التمتّع وإن كان الإهلال بالحج أي الإفراد أفضل كما في النص (2)ولكنّ انقلاب الفرض غير ثابت وقد تقدّم البحث عن ذلك.
للمرور في الأخبار العامّة الدالّة على المواقيت ، وأمّا أخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيّدة بأخبار المواقيت أو محمولة على صورة التعذّر (1).
(1) البحث في هذه المسألة يقع في مرحلتين :
الاولى : فيما تقتضيه القاعدة.
الثانية : فيما تقتضيه الروايات الخاصّة.
أمّا القاعدة فمقتضاها تعين الإحرام عليه من مواقيت خاصّة عيّنها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، كما يستفاد من الروايات (1)العامّة الدالّة على توقيته (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) مواقيت للآفاق ، وأن لكل قطر ميقاتاً خاصّاً كما يظهر ذلك من الروايات الآتية ، وأنه ليس لأحد أن يحرم إلّا من ميقاته الذي عيّنه له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فالعراقي يحرم من بطن العقيق والطائفي من قرن المنازل واليمني من يلملم وهكذا.
وبإزائها روايات أُخر تدل على أنه يحرم من الميقات الذي يمرّ به (2)، وقد وقع الكلام في ان هذه الروايات هل تشمل الشخص الذي يريد الحج من مكّة أو تختص بمن يريد الحج من الخارج؟
ربّما يدعى انصراف الروايات عمن يريد الحج من مكّة واختصاصها بمن يريد الحج من خارجها ، ولكن الظاهر أنه لا موجب لدعوى الانصراف ، لصدق المرور على الميقات على من يقصد الحج من مكّة بأن يخرج من مكّة إلى أي ميقات أراد من غير تعيين ، فلا يختص بمن يقصد الحج من الخارج ، فإن المرور على المكان هو الاجتياز عليه ، وهذا المعنى يصدق على من يقصد التمتّع من مكّة ، فيجوز له الخروج إلى أي ميقات شاء فإنه عند ما يصل ذلك المكان ويجتازه يصدق عليه أنه مرّ عليه
.................................................................................................
من غير فرق بين أن يريد التمتّع من مكّة أو من خارجها ، ولا يجب عليه أن يرجع إلى ميقات بلده.
فلو كنّا نحن وهذه الروايات ولم ترد رواية في حكم المقيم لالتزمنا بالقول الثاني وهو جواز الإحرام من أي ميقات شاء وأراد ، لدخوله في عنوان المار بالميقات ، ولا موجب للانصراف المذكور. هذا ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الروايات العامّة.
وأمّا الروايات الخاصّة فبعضها تدل على أنه يرجع إلى ميقات بلده كموثق سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن المجاور إله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال : نعم يخرج إلى مهلّ أرضه فيلبي إن شاء» (1)ولو تمّ هذا الخبر لكان مخصصاً لتلك الروايات الدالّة على كفاية المرور ببعض المواقيت ، لإطلاقها من حيث حج المقيم في مكّة أو حج الخارج.
واستشكل في الرياض في الخبر بضعف السند بمعلى بن محمّد استظهاراً من عبارة النجاشي في حقه ، ولم يكن الخبر منجبراً بعمل المشهور (2).
ولكن الرجل ثقة لأنه من رجال كامل الزيارات ، وعبارة النجاشي (3)لا تدل على ضعفه وإنما تدل على أنه مضطرب الحديث والمذهب ، والاضطراب في الحديث معناه أنه يروي الغرائب ، وأمّا الاضطراب في المذهب فغير ضائر إذا كان الشخص ثقة في نفسه.
والعمدة ضعف الدلالة لتعليق الخروج إلى مهلّ أرضه على مشيئته ، وذلك ظاهر في عدم الوجوب ، وإلّا فلا معنى للتعليق على مشيئته وإرادته ، وأمّا إرجاع قوله (عليه السلام) «إن شاء» إلى التمتّع فبعيد جدّاً.
ولو فرضنا دلالته على الوجوب فمعارض بروايات أُخر تدل على عدم تعيين ميقات خاص له وجواز الاكتفاء بأي ميقات شاء ، كموثق آخر لسماعة في حديث
.................................................................................................
قال (عليه السلام) : «فإن هو أحب أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عُسفان فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج ، فإن هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها» (1).
والمتفاهم منه جواز الإحرام من أي ميقات شاء ، لعدم خصوصية لذات عِرق أو عُسفان ، فإنّ المستفاد منه بحسب الفهم العرفي جواز الخرج إلى ميقات من المواقيت وإن لم يكن ميقات بلده وأهله ، والرواية قد اشتملت على التجاوز عن ذات عرق (2)والتجاوز عن عُسفان ولم يعلم لنا إلى الآن أن عُسفان واقع في أي مكان وبأي مقدار يبعد عن مكّة ، وكيف يحرم منه مع أنه ليس من حدود الحرم ولا من المواقيت ، ولكن ذلك غير ضائر في دلالة الرواية على التخيير. وقد روي أن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) اعتمر ثلاث عمر أحدها من عُسفان (3).
وأمّا القول الآخر وهو الإحرام من أدنى الحل فتدل عليه جملة من الأخبار أهمّها صحيح الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) لأهل مكّة أن يتمتّعوا؟ قال (عليه السلام) : لا ، ليس لأهل مكّة أن يتمتعوا ، قلت : فالقاطنون بها؟ قال : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكّة ، فإذا أقاموا فإنّ لهم أن يتمتّعوا ، قلت : من أين؟ قال : يخرجون من الحرم ، قلت : من أين يهلون بالحج؟ فقال : من مكّة نحواً ممّا يقول النّاس» (4).
1) الوسائل 11 : 270 / أبواب أقسام الحج ب 10 ح 2.
2) ذات عرق : مُهَلّ أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة. وقيل : عرق جبل بطريق مكّة ومنه ذات عرق. عسفان : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكّة ، وقيل : عسفان بين المسجدين وهي من مكّة على مرحلتين ، وقيل : قرية بها نخيل ومزارع على ستّة وثلاثين ميلاً من مكّة وهي حد تهامة ، وقد غزا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بني لحيان بعسفان. الجعرانة : مكان فيه ماء بين الطائف ومكّة ، وهي إلى مكّة أقرب ، نزلها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عند رجوعه من غزاة حنين وأحرم منها. معجم البلدان 4 : 107.
3) الوسائل 11 : 341 / أبواب المواقيت ب 22 ح 2.
4) الوسائل 11 : 266 / أبواب أقسام الحج ب 9 ح 3.
ثمّ الظاهر أنّ ما ذكرنا حكم كل من كان في مكّة وأراد الإتيان بالتمتّع ولو مستحبّاً ، هذا كله مع إمكان الرجوع إلى المواقيت ، وأمّا إذا تعذّر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل ، بل الأحوط الرجوع (1)إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات وإن لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه ، والأحوط الخروج إلى ما يتمكّن.
وأوضح منه دلالة موثقة سماعة «من دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ثمّ أراد أن يحرم فليخرج إلى الجِعرانة فيحرم منها» (2)فإنها صريحة الدلالة في الخروج إلى أدنى الحل وهو الجِعرانة والإحرام منه.
واستدلوا أيضاً بصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال (عليه السلام) : من أراد أن يخرج من مكّة ليعتمر أحرم من الجِعرانة أو الحديبية وما أشبهها» (3).
ويشكل بأن مورده العمرة المفردة لا الحج للمقيم في مكّة ، فالعمدة صحيح الحلبي ، فيقع الكلام في الجمع بين الروايات.
إن قلنا بسقوط حجية الخبر بالاعراض عنه فصحيحة الحلبي ساقطة ، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا مضافاً إلى أنه قد عمل جماعة بالصحيحة فهي صريحة في جواز الإحرام من أدنى الحل.
وأمّا موثق سماعة الأوّل الدال على الخروج إلى ميقات بلده ومهلّ أرضه فظاهره الوجوب ، ومقتضى القاعدة رفع اليد عن ظاهر هذا بصراحة صحيحة الحلبي الدالّة على كفاية أدنى الحل فيحمل الموثق على الاستحباب ، وكذلك الحال بالنسبة إلى
.................................................................................................
موثق سماعة الدال على جواز الاكتفاء بالخروج إلى الجِعرانة وهو أدنى الحل.
وكذلك موثقه الثاني بناءً على دلالته على وجوب الإحرام من الأماكن المذكورة فيه كذات عرق وعسفان ، ولكن قد عرفت دلالته على جواز الإحرام من أي ميقات شاء ولا خصوصية للأماكن المذكورة.
فالنتيجة هي التخيير وجواز الإحرام من أدنى الحل ، والأفضل الإحرام من أحد المواقيت المؤقتة ، وأفضل منه الإحرام من ميقات بلده.
ثمّ إن المصنف (رحمه اللّه) بعد ما اختار الإحرام من أحد المواقيت رتب على ذلك أنه إن لم يكن متمكناً من الإحرام من أحد المواقيت يحرم من خارج الحرم ، كما أنّه احتاط احتياطاً وجوبيّاً في الخروج من الحرم بأن يرجع إلى ما يتمكّن من قطع المسافة ، وإن لم يتمكّن من ذلك أيضاً فيحرم من مكانه ، وقد احتاط أيضاً بالخروج بالمقدار الممكن وإن كان داخل الحرم. والحاصل : غرضه (قدس سره) عدم الإحرام من مكانه ، بل الواجب عليه أوّلاً الخروج إلى ميقات من المواقيت وإلّا فيخرج من مكّة بالمقدار الممكن فيحرم هناك ولو كان ذلك المكان بين الميقات والحرم بل ولو كان بين الحرم وأبعاضه ومكّة.
ولا يخفى أنّ ما ذكره مبني على مختاره من وجوب الإحرام من أحد المواقيت المعيّنة ، وأمّا بناءً على مختارنا من التخيير بين الموارد الثلاثة المذكورة فلا موجب لهذا الاحتياط ، بل قد لا يجوز لعدم الدليل على جواز الإحرام من مكان أبعد من أدنى الحل ، فإن العبادة توقيفية ولا دليل على جواز ذلك في غير الموارد المنصوصة فضلاً عن أن يكون أحوط.
صورة حج التمتّع على الإجمال أن يحرم في أشهر الحج من الميقات بالعمرة المتمتّع بها إلى الحج ، ثمّ يدخل مكّة فيطوف فيها بالبيت سبعاً ويصلِّي ركعتين في المقام ، ثمّ يسعى لها بين الصّفا والمروة سبعاً ، ثمّ يطوف للنِّساء احتياطاً (1)وإن كان الأصح عدم وجوبه (1) ، ويقصِّر ، ثمّ ينشئ إحراماً للحج من مكّة في وقت يعلم أنّه يدرك الوقوف بعرفة ، والأفضل إيقاعه يوم التروية ، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها من الزوال (2)إلى الغروب ، ثمّ يفيض ويمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه ويقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ثمّ يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة ، ثمّ ينحر أو يذبح هديه ويأكل منه ، ثمّ يحلق أو يقصِّر ، فيحل من كل شيءٍ إلّا النِّساء والطِّيب ، والأحوط اجتناب الصيد أيضاً ، وإن كان الأقوى عدم حرمته عليه من حيث الإحرام ، ثمّ هو مخير بين أن يأتي إلى مكّة ليومه فيطوف طواف الحج ويصلِّي ركعتيه ويسعى سعيه فيحل له الطِّيب ، ثمّ يطوف طواف النِّساء ويصلِّي ركعتيه فتحل له النِّساء ، ثمّ يعود إلى منى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر (3)ويرمي في أيّامها الجمار
(1) ذكر المصنف (رحمه اللّه) في هذا الفصل صورة إجمالية لحج التمتّع ، ونحن نتعرّض لذلك كلّه في محاله إن شاء اللّه تعالى ، وإنما نذكر هنا إتيان طواف النّساء في
الثّلاث ، وأن لا يأتي إلى مكّة ليومه بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثّلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر ، ثمّ ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتقى النِّساء والصّيد ، وإن أقام إلى النفر الثاني وهو الثالث عشر ولو قبل الزوال لكن بعد الرّمي جاز أيضاً ، ثمّ عاد إلى مكّة للطّوافين والسّعي ، ولا إثم عليه في شيء من ذلك على الأصح ، كما أنّ الأصح الاجتزاء بالطّواف والسّعي تمام ذي الحجّة والأفضل الأحوط هو اختيار الأوّل بأن يمضي إلى مكّة يوم النّحر بل لا ينبغي التأخير لغده فضلاً عن أيّام التشريق إلّا لعذر.
عمرة التمتّع ، فنقول :
لا ريب في وجوب طواف النّساء في الحج ، وكذلك في العمرة المفردة للنصوص المستفيضة (1)، وأمّا عمرة التمتّع فالمعروف بل المتسالم عليه عدم وجوب طواف النّساء فيها ، ولكن الشهيد نقل عن بعض الأصحاب الوجوب (2)ولم يعين القائل ولم نظفر به ، وقد صرح في النصوص بعدم الوجوب.
منها : ما رواه في الوسائل عن الكليني عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى ، قال : «كتب أبو القاسم مخلد بن موسى الرازي إلى الرجل يسأله عن العمرة المبتولة (3)هل على صاحبها طواف النّساء والعمرة التي يتمتّع بها إلى الحج؟ فكتب : أمّا العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النّساء ، وأمّا التي يتمتّع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النّساء» (4)، وفي بعض نسخ الوسائل أحمد بن محمّد بدل محمّد بن أحمد.
.................................................................................................
وذكر الشيخ هذه الرواية في موردين من التهذيب أحدهما عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى ، ثانيهما عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى (1)، ورواها في الاستبصار عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن عيسى (2). والصحيح ما في الكافي لأنّ الرواية مروية عنه فهو المرجع ، وعلى كل تقدير تكون الرواية معتبرة (3).
ومنها : صحيحة صفوان بن يحيى ، قال : «سأله أبو حارث عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصر هل عليه طواف النّساء؟ قال : لا ، إنما طواف النّساء بعد الرجوع من منى» (4).
وبإزائهما معتبرة سليمان المروزي : «إذا حج الرجل فدخل مكّة متمتِّعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة وقصر فقد حلّ له كل شيء ما خلا النّساء ، لأنّ عليه لتحلة النّساء طوافان وصلاة» (5)والتعبير بقوله «طوافان» جاء هكذا في الوسائل في الطبعة الجديدة ، وهو غلط جزماً لأنّ اسم «أن» منصوب فلا بدّ أن يكون طوافين بدل «طوافان» ، والصحيح ما في التهذيب «طوافاً وصلاة».
وقد يستدل بهذه المعتبرة على وجوب طواف النّساء في عمرة التمتّع ، بدعوى أن الرواية في مقام بيان أعمال العمرة ويشهد لذلك قوله «وقصر» ، فإن التقصير بعد الطواف والسعي إنما يكون في العمرة ، وأمّا الحج فلا تقصير فيه بعد الطواف والسعي.
لكن الظاهر أن كلمة «قصر» زيادة من قلمه الشريف في التهذيب (6)، فإنّ الشيخ
.................................................................................................
روى عين هذه الرواية سنداً ومتناً في الاستبصار (1)وترك كلمة «قصر» ، فالاشتباه نشأ من كلمة (قصر) ، فإن كانت ثابتة في الرواية يمكن الاستدلال بها لطواف النّساء في عمرة التمتّع ، ولكنها غير ثابتة كما في الاستبصار فتكون الرواية في مقام بيان أعمال الحج فهي أجنبية عن المقام ، ولو أغمضنا عن ذلك وقلنا بثبوت كلمة «قصر» فتسقط الرواية بالمعارضة بما تقدّم من صراحة الصحيحين المتقدّمين بعدم الوجوب.
وربّما يتخيل أن قوله : «فقد حلّ له كل شيء ما خلا النّساء» قرينة على ثبوت كلمة «قصر» ، لأنّ الحلية في العمرة متوقفة على التقصير وأمّا الحلية في الحج فثابتة بالحلق في منى قبل الطواف والسعي ، فلو لم تكن كلمة «قصر» ثابتة لكان المعنى أنه حل له كل شيء بعد الطواف والصلاة والسعي مع أن الحلية في الحج ثابتة بالحلق قبل الطواف والسعي ، فلا بدّ من إثبات كلمة «قصر» حتى يصح التعبير بقوله : «فقد حل له كل شيء» ، فإذا ثبتت الكلمة يكون مورد الرواية العمرة التي يتمتّع بها ويثبت المطلوب وهو وجوب طواف النّساء في عمرة التمتّع.
ويرده : أن الحلية في الحج وإن كانت تثبت بالحلق في كثير من محرمات الإحرام إلّا أن حلية كلها ما عدا النّساء إنما تكون بالطواف والسعي ، ففي صحيحة معاوية بن عمّار : «فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كلّ شيء أحرم منه إلّا النّساء» (2)مع أن الحلية في الجملة ثابتة قبل ذلك بالحلق. وفي صحيحة منصور بن حازم : «عن رجل رمى وحلق أيأكل شيئاً فيه صفرة؟ قال : لا ، حتى يطوف بالبيت وبين الصّفا والمروة ثمّ قد حلّ له كل شيء» (3).
وبالجملة : يكفينا في الحكم بعدم الوجوب مع الغض عن النصوص المتقدّمة الشك لأصالة البراءة. هذا مضافاً إلى التسالم
على عدم الوجوب ، ولم ينسب القول بالوجوب إلّا إلى شخص مجهول.
.................................................................................................
لا ريب في أنّ محل إتيان طواف النّساء في العمرة المفردة بعد التقصير ، ولكن المصنف (قدس سره) ذكر في عمرة التمتّع أن محل إتيانه بعد السعي وقبل التقصير ، فيقع الكلام في وجه ذلك فنقول :
إن كان مدرك الإتيان بطواف النّساء في عمرة التمتّع معتبرة سليمان المروزي المتقدّمة (1)وأغمضنا عمّا ذكرنا من عدم ثبوت كلمة «فقصر» فالأمر بالعكس ، لأنّ المذكور فيها طواف النّساء بعد التقصير.
وإن كان مدرك الإتيان بطواف النّساء مجرّد الخروج عن خلاف بعض العلماء فلتقديم طواف النّساء على التقصير وجه ، وهو أنه قد وردت روايات كثيرة (2)في عمرة التمتّع أنه لو قصر فقد حلّ له كلّ شيء ، فلو كان طواف النّساء واجباً واقعاً لوجب قبل التقصير بلحاظ هذه الروايات ، إذ لو وجب إتيانه بعد التقصير لم يحل له كل شيء بالتقصير ، فلأجل التحفظ على هذا العموم المستفاد من المستفيضة نلتزم بتقديم طواف النّساء على التقصير.
وبتعبير آخر : ما دلّ من المستفيضة على أنه يحل له كل شيء بالتقصير يدل بالدلالة الالتزامية على تقديم طواف النّساء على التقصير وإلّا فلا يحل له كل شيء بالتقصير.
ويشترط في حج التمتّع أُمور : أحدها : النيّة بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحج حين الشروع في إحرام العمرة ، فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردّد في نيّته بينه وبين غيره لم يصح (1).
نعم في جملة من الأخبار أنّه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتّع بها (2) ، بل يستحب ذلك إذا بقي في مكّة إلى هلال ذي الحجة ، ويتأكد إذا بقي إلى يوم التروية ، بل عن القاضي وجوبه حينئذ ولكن الظاهر تحقق الإجماع على خلافه (1)، ففي موثق سماعة عن الصادق (عليه السلام) «من حج معتمراً في شوال
(1) لأنّ أنواع الحج ماهيات وحقائق مختلفة ولا تتعين إلّا بالنيّة ، كما أنه يعتبر فيه قصد القربة زائداً على قصد العنوان ، لأنّه عبادي لا يحصل الامتثال إلّا بقصد القربة ويعتبر فيه استمرار النيّة إلى تمام العمل ، وتكفي نيّة واحدة للعمل التام ولا تعتبر في كل جزء مستقلا ، نظير الصلاة ونحوها من العبادات من كفاية نيّة واحدة للعمل المركّب واستمرارها إلى الجزء الأخير منه ، فلا فرق بين الحج وغيره من العبادات من هذه الجهة ، وإنما يفترق باب الحج عن الصلاة وغيرها من العبادات باستحباب التلفظ بالنيّة في كل عمل من أعمال الحج ، فالحكم بالاكتفاء بنيّة واحدة واستمرارها إلى الجزء الأخير من أعمال الحج ممّا لا ريب فيه.
مضافاً إلى دلالة النص على ذلك ، ففي صحيح البزنطي : «عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال : ينوي العمرة ويحرم بالحج» وفي صحيحه الآخر : «كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال : لبّ بالحج وانو المتعة» (2)، فقصد العنوان والتعيين ممّا يلزم في المقام لاختلاف الماهيّة وعدم تعينها إلّا بالنيّة.
(2) قد ورد في جملة من الأخبار على ما ستأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى أنّه من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له أن يتمتّع بها ويكتفي بها عن عمرة
ومن نيّته أن يعتمر ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك ، وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتِّع ، لأنّ أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجّة فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة ، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة ، وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتِّع وإنما هو مجاور أفرد العمرة ، فإن هو أحبّ أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتِّعاً بعمرته إلى الحج ، فإن هو أحبّ أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبِّي منها» ، وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلّا أن يدركه خروج النّاس يوم التروية» ، وفي قويّة عنه (عليه السلام) «من دخل مكّة معتمراً
التمتّع ، بل ذكر المصنف (قدس سره) أن الانقلاب قهري إذا بقي في مكّة وأتى بالحج من غير حاجة إلى نيّة التمتّع بها.
وهل يستحب له الإقامة ليحج ويجعل عمرته عمرة متعة أم تجب حتّى يحج؟ وبعبارة اخرى : هل يستحب له أن يتمتّع بذلك إذا بقي إلى هلال ذي الحجة أو إلى يوم التروية أم يجب عليه إذا أدرك يوم التروية؟
فعن المشهور الاستحباب ، وعن القاضي وجوب الحج إذا أدرك التروية ، وتتبدل عمرته إلى المتعة (1)، هذا كلّه فيما إذا أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج ، وأمّا إذا أتى بالمفردة في غير أشهر الحج فلا تتبدل إلى المتعة وإن بقي إلى زمان الحج ، ولم يقل أحد بوجوب البقاء عليه إلى الحج.
فيقع الكلام فعلاً فيما إذا أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج ، فالمشهور استحباب التمتّع بها ، وحكي عن القاضي وجوب البقاء عليه إلى أن يحج متعة ولا يجوز له الخروج بعد التروية.
1) المهذب 1 : 211.
مفرِداً للحج (1)فيقضي عمرته كان له ذلك وإن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة ، قال (عليه السلام) : وليس تكون متعة إلّا في أشهر الحج» وفي صحيحة عنه (عليه السلام) «من دخل مكّة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجّة فليس له أن يخرج حتى يحج مع النّاس» ، وفي مرسل موسى بن القاسم «من اعتمر في أشهر الحج فليتمتّع» إلى غير ذلك من الأخبار ، وقد عمل بها جماعة ، بل في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً ، ومقتضاها صحّة التمتّع مع عدم قصده حين إتيان العمرة ، بل الظاهر من بعضها أنه يصير تمتعاً قهراً من غير حاجة إلى نيّة التمتّع بها بعدها ،
وأوردوا عليه بتحقّق الإجماع على خلافه ، وحملوا الروايات الواردة في المقام على الاستحباب ومراتب الفضل بالنسبة إلى البقاء إلى هلال ذي الحجة وإلى يوم التروية وذكروا أن من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج يستحب له البقاء إلى الحج ، وإذا بقي إلى هلال ذي الحجة يتأكّد له الإتيان بالحج ، وإذا بقي إلى يوم التروية يكون الإتيان بالحج آكد ، فإن تمّ الإجماع فلا كلام وإلّا فلا بدّ من النظر إلى النصوص الواردة في المقام ، وهي على طوائف :
الأُولى : ما دلّت على أن المعتمر بالمفردة في أشهر الحج ولو في شهر شوال يجب عليه البقاء إلى أن يحج كصحيحة يعقوب بن شعيب ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المعتمر في أشهر الحج ، قال : هي متعة» (2)ومقتضى إطلاقها أن من اعتمر في أشهر الحج ولو عمرة مفردة ليس له الخروج من مكّة ، لأنّ عمرته تحسب متعة والمعتمر بعمرة التمتّع محتبس بالحج ليس له الخروج إلى أن يحج.
وتؤيدها رواية علي بن أبي حمزة ، قال : «سأله أبو بصير وأنا حاضر عمن أهلّ
.................................................................................................
بالعمرة في أشهر الحج إله أن يرجع؟ قال : ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله ، ولكنه يحتبس بمكّة حتى يقضي حجّه لأنه إنما أحرم لذلك» (1).
ويؤيدها أيضاً خبر موسى بن القاسم ، قال : «أخبرني بعض أصحابنا أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال فقال : إني أريد أن أُفرد عمرة هذا الشهر فقال له : أنت مرتهن بالحج» (2).
والعمدة هي صحيحة يعقوب بن شعيب ، وأمّا الخبر الثاني فضعيف بعلي بن أبي حمزة البطائني والثالث بالإرسال.
الطائفة الثانية : ما دلّت على جواز الخروج كصحيحة عبد اللّه بن سنان : «قال (عليه السلام) : لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثمّ يرجع إلى أهله» (3).
ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين الطائفة الاولى هو الحمل على استحباب البقاء إلى أن يحج وأنه مرتهن بالحج وتكون عمرته حينئذ عمرة التمتّع.
الثالثة : الروايات المقيّدة وهي مختلفة ، ففي بعضها قيد البقاء إلى هلال ذي الحجة وأنه إذا بقي إلى هلال ذي الحجة ليس له الخروج من مكّة ، كما في رواية إسحاق عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من دخل مكّة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع النّاس» (4).
والمستفاد منها أن جواز الخروج وعدمه يدوران مدار دخول هلال ذي الحجة ولم يرد بهذا العنوان في الأخبار إلّا هذه الرواية ، ولكنها ضعيفة بالحسين بن حماد الواقع في السند فإنه مجهول الحال ، فتوصيفها بالصحيحة كما في المتن غير صحيح فلا تصلح الرواية شاهدة للجمع بين الروايات.
وفي بعضها قيّد البقاء إلى يوم التروية ، وأنه لو بقي إلى يوم التروية ليس له الخروج ويتعيّن عليه الحج ، ففي صحيحة عمر بن يزيد : «قال (عليه السلام) : من اعتمر عمرة
.................................................................................................
مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلّا أن يدركه خروج النّاس يوم التروية» (1)وفي موثقة سماعة : «وإن أقام إلى الحج فهو متمتع» (2)يعني إن أقام إلى أن يحج النّاس وهو يوم التروية غالباً ، وهما واضحتا الدلالة في جواز الخروج قبل يوم التروية ، وفي صحيحة أُخرى لعمر بن يزيد : «وإن أقام إلى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة» (3)فإذا كانت عمرته متعة لا يجوز له الخروج ويجب عليه الحج لأنه مرتهن به.
فإن كان القاضي (قدس سره) يرى الوجوب قبل يوم التروية فضعيف جدّاً ومحجوج بهذه المعتبرات الصحيحة ، وإن أراد الوجوب لو بقي إلى يوم التروية فله وجه في نفسه ، ولكن الاشكال عليه يتضح مما سيأتي.
ولا يخفى أن مقتضى هذه الروايات بأجمعها انقلاب العمرة المفردة إلى المتعة قهراً وأنها تحسب متعة إن بقي إلى يوم التروية ، فلا حاجة إلى القصد من جديد ، من دون فرق بين وجوب البقاء عليه إلى أن يحج وبين جواز البقاء إلى أن يحج أيضاً ، فإن عمرته حينئذ تنقلب إلى المتعة قهراً ، فالانقلاب القهري لا يختص بما إذا وجب عليه الحج ، بل لو قلنا بجواز الحج له واختار البقاء وحج تنقلب عمرته إلى المتعة قهراً فعلى كل تقدير يحصل الانقلاب القهري ، غاية الأمر قد يجب عليه البقاء كما عن القاضي وقد لا يجب كما عن المشهور ، فلا بدّ من إثبات الوجوب والجواز.
فمقتضى ما تقدّم من الروايات المعتبرة الثلاث وجوب الحج عليه إذا بقي إلى يوم التروية ، ولو كنّا نحن وهذه الروايات لقلنا بالوجوب.
ولكن الظاهر أنه لا يمكن الالتزام بالوجوب ، فإنه مضافاً إلى الإجماع المدعى على الخلاف قد دلّ بعض النصوص المعتبرة على جواز الخروج حتى يوم التروية ، مثل صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً ثمّ خرج إلى بلاده ، قال : لا بأس ، وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم ، وإن الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم
بل يمكن أن يستفاد منها أن التمتّع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها ، ولا بأس بالعمل بها ، لكن القدر المتيقن (1)منها هو الحج الندبي ففيما إذا وجب عليه التمتّع فأتى بعمرة مفردة ثمّ أراد أن يجعلها عمرة التمتّع يشكل الاجتزاء بذلك عما وجب عليه سواء كان حجة الإسلام أو غيرها ممّا وجب بالنذر أو الاستئجار (2).
التروية إلى العراق وكان معتمراً» (3).
وفي الرواية وإن لم يصرح بجواز الخروج يوم التروية ولكن يظهر من استشهاد الصادق (عليه السلام) بقضية خروج الحسين (عليه السلام) أن ذلك من باب تطبيق الكبرى على الصغرى وأن خروجه (عليه السلام) يوم التروية كان جائزاً في نفسه واستشهاده بفعل الحسين (عليه السلام) دليل على جواز الخروج سواء كان الحسين (عليه السلام) مضطراً كما في كتب المقاتل والتواريخ أم لا.
وأوضح من ذلك دلالة معتبرة معاوية بن عمّار ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال : إن المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء ، وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق والنّاس يروحون إلى منى ، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج» (4). وإنما كانت هذه الرواية أوضح باعتبار ذيلها «ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج».
والحاصل : لا ريب في أن المستفاد من الخبرين أن خروج الحسين (عليه السلام) يوم التروية كان على طبق القاعدة لا لأجل الاضطرار ، ويجوز ذلك لكل أحد وإن لم
.................................................................................................
يكن مضطراً ، فيكون الخبران قرينة على الانقلاب إلى المتعة قهراً ، والاحتباس بالحج إنما هو فيما إذا أراد الحج ، وأمّا إذا لم يرد الحج فلا يحتبس بها للحج ويجوز له الخروج حتى يوم التروية.
بقي الكلام في جهات :
الاولى : يظهر من بعض الروايات عدم مشروعية العمرة المفردة في العشر الاولى من ذي الحجة كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «العمرة في العشر متعة» (1)وفي صحيحة ابن سنان : «عن المملوك في الظهر يرعى وهو يرضى أن يعتمر ثمّ يخرج ، فقال : إن كان اعتمر في ذي القعدة فحسن وإن كان في ذي الحجة فلا يصلح إلّا الحج» (2).
وبإزائهما روايات أُخر تدل على جواز العمرة المفردة حتى في عشرة ذي الحجة وإن لم يكن قاصداً للحج ، كصحيحة إبراهيم اليماني المتقدِّمة (3)الدالّة على جواز الإتيان بالعمرة المفردة في أشهر الحج لمن لا يقصد الحج ، ومقتضى تطبيقه (عليه السلام) ذلك على عمرة الحسين (عليه السلام) جواز العمرة حتى في عشرة ذي الحجة كما عرفت سابقاً ، وكصحيحة معاوية بن عمّار المتقدِّمة أيضاً (4)حيث جوّز الإمام (عليه السلام) إتيان العمرة المفردة في ذي الحجة كما صنع الحسين (عليه السلام).
ومقتضى الجمع العرفي هو حمل الطائفة الأُولى على المرجوحية وأن الأفضل الإتيان بعمرة التمتّع.
الجهة الثانية : ما دلّ على انقلاب العمرة المفردة إلى المتعة هل يختص بمن لم يكن قاصداً للحج ولكن من باب الاتفاق بقي إلى أيّام الحج أو يشمل الأعم منه ومن القاصد للحج؟ وبعبارة اخرى : من كان مأموراً بالحج متعة هل يجوز له الإتيان بالعمرة المفردة ثمّ يكتفي بها عن عمرة التمتّع أو أنه يلزم عليه الإتيان بعمرة التمتّع؟ فمن
.................................................................................................
كان قاصداً للحج وكان مأموراً بالحج متعة لا تكون عمرته المفردة مورداً للانقلاب إلى المتعة.
لم أر من تعرض لذلك ، ويترتب على ذلك آثار منها : أنه لو كانت عمرته مفردة يجوز له الخروج بعدها ، وأمّا إذا انقلبت إلى المتعة وكانت عمرته متعة لا يجوز له الخروج بعدها ، لأنه مرتهن ومحتبس بالحج.
والظاهر أن الروايات ناظرة إلى الصورة الأُولى وهي ما لو لم يكن قاصداً للحج ولكن اتفق له البقاء إلى أيّام الحج ، وأمّا إذا كان قاصداً من الأوّل للحج فعمرته المفردة لا تكون مورداً للانقلاب إلى المتعة ولا يجوز له الاكتفاء بذلك ، ويشهد لما ذكرنا عدّة من الروايات :
منها : موثقة سماعة : «قال : من حج معتمراً في شوال ومن نيّته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك ، وإن أقام إلى الحج فهو متمتِّع» (1)ومورد الرواية من لم يكن مريداً وقاصداً للحج بل كان من قصده الرجوع إلى بلاده ولكن من باب الاتفاق أقام وبقي إلى الحج ، فحينئذ حكم (عليه السلام) بانقلاب عمرته إلى عمرة التمتّع ، وأمّا إذا كان قاصداً للحج من الأوّل فلا تشمله الرواية.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار الدالّة على أن المتعة مرتبطة بالحج وأن المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء كما اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثمّ راح يوم التروية ، ثمّ ذكر (عليه السلام) أخيراً «ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج» (2).
والمستفاد منها عدم الاكتفاء بالعمرة المفردة عن المتعة إذا كان مريداً للحج وقاصداً إليه.
ومنها : صحيحة الحسن بن علي الوشاء ابن بنت الياس عن أبي الحسن الرضا
.................................................................................................
(عليه السلام) «أنه قال : إذا أهل هلال ذي الحجة ونحن بالمدينة لم يكن لنا أن نحرم إلّا بالحج لأنا نحرم من الشجرة وهو الذي وقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأنتم إذا قدمتم من العراق فأهل الهلال فلكم أن تعتمروا ، لأنّ بين أيديكم ذات عرق وغيرها مما وقت لكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)» (1).
وقد دلّت الصحيحة على أنهم حيث يقصدون الحج لا يشرع لهم العمرة المفردة وإنّما عليهم العمرة إلى الحج ، فالحكم بالانقلاب يختص بمن لم يكن قاصداً للحج ولكن أراد الحج من باب الاتفاق ، وأمّا أهل العراق فيتمكنون من الإحرام للحج متعة من ذات عرق ونحوها ويتمكنون من الرجوع إليها ، فيجوز لهم أن يعتمروا عمرة مفردة ثمّ يرجعوا إلى ذات عرق وغيرها ويحرمون منها للتمتع.
وأمّا أهل المدينة حيث إنهم يقصدون الحج ولبعد الطريق بينهم وبين مكّة وقلة الوقت فلا يتمكنون من الرجوع إلى ميقاتهم فليس لهم إلّا أن يحرموا من الشجرة ، كما أن ليس لهم أن يعتمروا عمرة مفردة بل عليهم أن يعتمروا للحج متعة.
وبالجملة : يظهر من الرواية أن انقلاب المفردة إلى المتعة في مورد غير القاصد إلى الحج ، وأمّا القاصد إليه فليس له إلّا المتعة فلم تكن عمرته مورداً للانقلاب بل تتعين عليه المتعة.
الثالثة : ذكر المصنف (قدس سره) أن الحكم بانقلاب المفردة إلى المتعة يختص بالحج الندبي لأنه القدر المتيقن من الأخبار. وأمّا الحج الواجب سواء كان حج الإسلام أو الواجب عليه بالنذر أو الاستئجار فيشكل الاجتزاء بالمفردة عما وجب عليه من حج التمتّع.
أقول : الظاهر أن ذكر كلمة الاستئجار من سهو القلم ، لأنه لو استأجر شخصاً لحج التمتّع فالمستأجر يملك العمل في ذمّة الأجير من الأوّل ، وإذا فرضنا أن الأجير اعتمر عمرة مفردة لنفسه يكون عمله هذا محسوباً على نفسه لأنه لم يكن متعلقاً للإجارة ، فكيف يحتمل الاكتفاء والاجتزاء بذلك عمّا تعلق به الإيجار ، فيجب على
1) الوسائل 14 : 313 / أبواب العمرة ب 7 ح 14.
الثاني : أن يكون مجموع عمرته وحجّه في أشهر الحج ، فلو أتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له أن يتمتّع بها ، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على الأصح (1) ، لظاهر الآية وجملة من الأخبار كصحيحة معاوية بن عمّار وموثقة سماعة وخبر زرارة. فالقول بأنها الشهران الأولان مع العشر الأوّل من ذي الحجّة كما عن بعض أو مع ثمانية أيّام كما عن آخر أو مع تسعة
الأجير بمقتضى وجوب تسليم العمل المملوك الخروج من مكّة لعمرة الحج.
وأمّا في النذر فالحكم تابع لقصد الناذر ، فإن قصد الإتيان بالحج على النحو المتعارف فلا يكتفي بهذا الفرد لعدم كونه مصداقاً لنذره ، فيجب عليه الخروج والإحرام للحج من أحد المواقيت ، وإن قصد الأعم يعني نذر إتيان الحج على إطلاقه ولو لم يكن قاصداً إليه من الأوّل يجوز الاكتفاء بذلك ، لأنّ الشارع يحسب عمرته متعة.
وأمّا الحج الواجب الأصلي فلا ريب في شمول الروايات له لإطلاقها ، فمن اعتمر عمرة مفردة في شهر شوال ومن باب الاتفاق بقي إلى يوم التروية وأراد الحج يكتفي بما اعتمر في شهر شوال وتحسب عمرته متعة شرعاً. فلا وجه لاستشكال الماتن (قدس سره).
وأمّا الحج الندبي فقد خصّ المصنف الانقلاب به بدعوى أنه القدر المتيقن من الأخبار ، فيرده : أن وجود القدر المتيقن لا يمنع من الأخذ بالإطلاق وإلّا فكل مطلق له القدر المتيقن ، فمجرّد وجود القدر المتيقن لا يكون مانعاً عن الأخذ بالإطلاق.
(1) يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : أنه يعتبر في حج التمتّع وقوع عمرته وحجّه في أشهر الحج ، فلو أتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز أن يتمتّع بها. والظاهر أنه لا خلاف في ذلك ، وتدل عليه عدّة من الروايات المعتبرة (1).
1) الوسائل 11 : 254 / أبواب أقسام الحج ب 5 وص 284 ب 15 ، 14 : 310 / أبواب العمرة ب 7.
أيّام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره كما عن ثالث أو إلى طلوع شمسه كما عن رابع ضعيف. على أن الظاهر أن النزاع لفظي ، فإنه لا إشكال في جواز إتيان بعض الأعمال إلى آخر ذي الحجّة ، فيمكن أن يكون مرادهم أن هذه الأوقات هي آخر الأوقات التي يمكن بها إدراك الحج.
وأمّا العمرة المفردة فإن أتى بها في غير أشهر الحج فلا يكتفي بها عن عمرة التمتّع وإذا وقعت في أشهر الحج يكتفي بها ، وقد دلّت على ذلك روايات تقدّمت قريباً.
المقام الثاني : قد اختلف الأصحاب في أشهر الحج على خمسة أقوال :
الأوّل : أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه ، اختاره الماتن.
الثاني : أنها الشهران الأولان مع العشر الأوّل من ذي الحجة.
الثالث : الشهران الأولان مع ثمانية أيّام من ذي الحجة تبدأ بدخول الليلة الاولى من الشهر وتنتهي بانتهاء الليلة التاسعة منه.
الرابع : الشهران الأولان وتسعة أيّام من ذي الحجة وليلة يوم النحر إلى طلوع الفجر.
الخامس : نفس القول الرابع ولكن إلى طلوع الشمس.
ولكن يمكن أن يقال : إنه لا اختلاف في الحقيقة بين الأقوال والنزاع لفظي كما ذكره الماتن وغيره ، وأن كلّاً منهم يريد شيئاً لا ينافي القول الآخر ، فمن حدّده إلى تمام ذي الحجّة أراد جواز إيقاع بعض أعمال الحج في طول ذي الحجّة ، ومن حدده إلى عشرة ذي الحجّة أراد إدراك المكلف الموقف الاختياري من الوقوفين وإدراك الموقف الاضطراري للمشعر فإنه يمتد إلى زوال يوم العيد ، ومن ذهب إلى أنّه مع ثمانية أيّام يريد أنه من لا يتمكّن من الاعتمار ليلة التاسع يجب عليه أن يأتي بإحرام الحج وليس له العمرة على قول ، ومن ذكر أنه مع تسعة أيّام إلى طلوع فجر يوم العيد أراد الموقف الاختياري لعرفة والموقف الاضطراري لها ، ومن قال : إنه مع تسعة أيّام إلى طلوع
[3208] مسألة 1 : إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتّع فقد عرفت عدم صحّتها تمتعاً. لكن هل تصح مفردة أو تبطل من الأصل؟ قولان اختار الثاني في المدارك ، لأنّ ما نواه لم يقع والمفردة لم ينوها ، وبعض اختار الأوّل لخبر الأحول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج ، قال يجعلها عمرة» ، وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الأعرج ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة ، وإن تمتع في غير أشهر الحج ثمّ جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم إنما هي حجة مفردة إنما الأضحى على أهل الأمصار» ، ومقتضى القاعدة وإن كان هو ما ذكره صاحب المدارك لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض للخبرين (1)(1).
الشمس من يوم النحر أراد الوقوف الاختياري لعرفة والمشعر ، فلا خلاف من حيث المنتهي كما لا خلاف من حيث المبدأ أيضاً ، كيف وأنهم بعد ما اتفقوا على عدم صحّة الإحرام للعمرة أو الحج بعد اليوم العاشر قد اتفقوا على صحّة الحج عند تأخير الهدي أو بدله وعند تأخير الرمي والحلق عن يوم العيد ، وكذلك تأخير الطواف ، فغير بعيد أن يكون مرادهم من أن هذه الأوقات هي آخر الأوقات التي يمكن بها إدراك الحج فيكون النزاع لفظياً.
ثمّ انه قد يستشهد لكون النزاع لفظياً (2)باتفاقهم على أن أعمال منى إنما يؤتى بها بعد اليوم العاشر ، ولكن يمكن منع ذلك بأن يقال : إنها ليست بأعمال الحج وإنما هي أعمال مخصوصة مستقلة يؤتى بها في أوقات مخصوصة ، ولذا لا يفسد الحج بتركها ولو عمداً.
(1) لو أتى بعمرة التمتّع في غير أشهر الحج فهل يحكم ببطلانها أو تنقلب إلى
.................................................................................................
المفردة فيجب عليه طواف النّساء؟
اختار السيّد في المدارك البطلان ، لأنّ ما نواه لم يقع والمفردة لم ينوها (1).
واختار المصنف تبعاً للجواهر (2)الصحّة وانقلابها إلى المفردة بدعوى أن مقتضى القاعدة وإن كان هو البطلان ولكن مقتضى الخبرين المذكورين في المتن هو الصحّة وانقلابها إلى المفردة.
أمّا الخبران فأحدهما : خبر الأحول «في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال : يجعلها عمرة» (3). ولكن الخبر ضعيف لضعف طريق الصدوق إلى أبي جعفر الأحول فلا يصحّ الاستدلال به ، فإن الصدوق (4)(قدس سره) يرويه عن شيخه ماجيلويه الذي لم يرد فيه توثيق ، وقد ذكرنا غير مرّة أن مجرد الشيخوخة لا توجب الوثاقة ، فإن من مشايخه من هو ناصبي خبيث كالضبي (5).
وربّما أورد عليه بأن مورد الخبر هو الحج وكلامنا في العمرة فالخبر أجنبي عن محل كلامنا.
وفيه : أنه يمكن إطلاق الحج على عمرة التمتّع ، والحج أعم من عمرة التمتّع والحج فمن أحرم لعمرة التمتّع يصدق عليه أنه أحرم للحج.
ثانيهما : خبر سعيد الأعرج «من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة ، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثمّ جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم ، إنما هي حجة مفردة وإنما الأضحى على أهل الأمصار» (6).
1) المدارك 7 : 170.
2) الجواهر 18 : 19.
3) الوسائل 11 : 273 / أبواب أقسام الحج ب 11 ح 7 ، الفقيه 2 : 278 / 1361.
4) الفقيه 4 (شرح المشيخة) : 14.
5) الضبي هو أبو نصر أحمد بن الحسين ، يقول الصدوق في حقه : وما لقيت أنصب منه ، وبلغ من نصبه أنه كان يقول : اللّهمّ صلّ على محمّد فرداً ، ويمتنع عن الصلاة على آله. عيون اخبار الرضا 2 : 280 / ب 69 ح 3.
6) الوسائل 11 : 270 / أبواب أقسام الحج ب 10 ح 1.
الثالث : أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة ، كما هو المشهور المدعى عليه الإجماع (1) ، لأنه المتبادر من الأخبار المبيّنة لكيفية حج التمتّع ، ولقاعدة توقيفية العبادات ، وللأخبار الدالّة على دخول العمرة في الحج وارتباطها به والدالّة على عدم جواز الخروج من مكّة بعد العمرة قبل الإتيان بالحج ، بل وما دلّ من الأخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو يوم عرفة ونحوها ، ولا ينافيها خبر سعيد الأعرج المتقدّم بدعوى أن المراد من القابل فيه العام القابل فيدل على جواز إيقاع العمرة في سنة والحج في أُخرى ، لمنع ذلك بل المراد منه الشهر القابل. على أنه لمعارضة الأدلّة السابقة غير قابل (1)، وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام
ولكن الخبر لا يدل على حكم العمرة التي صدرت منه وإنما يدل على أن الرجل إذا جاور مكّة انقلبت وظيفته من التمتّع إلى الإفراد ، فيكون الخبر مخالفاً للنصوص المعتبرة المتقدّمة الدالّة على عدم الانقلاب إذا أقام في مكّة بمدّة أقل من السنتين وإنما الانقلاب يتحقق إذا جاور مدّة سنتين ، فالرواية أجنبية عن المقام. مضافاً إلى ضعف السند بمحمّد بن سنان ، فالحكم على ما يقتضيه القاعدة من البطلان من الأصل ، لأنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، نعم لا بأس بذلك رجاء ويأتي بطواف النّساء.
(1) الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في هذا الحكم ، ويدلُّ عليه وجوه :
الوجه الأوّل : ما يستفاد من النصوص الدالّة على وجوب الحج على أهل الجدة والثروة في كلّ عام مرّة واحدة (2)، فإن المستفاد من هذه الروايات أن الحج من وظائف السنة الواحدة ، ولو جاز التفكيك والافتراق بين الحج والعمرة وجاز الإتيان بهما في سنتين لكان ذلك منافياً لهذه الأدلّة ، فحال الحج حال نظائره من العبادات كالصلاة اليومية فإنها من وظائف كل يوم ، وصلاة الجمعة فإنها من وظائف كل
وأخّر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعاً سواء أقام في مكّة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثمّ عاد إليها ، وسواء أحل من إحرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة الأُخرى ، ولا وجه لما عن الدروس من احتمال الصحّة في هذه الصورة ، ثمّ المراد من كونهما في سنة واحدة أن يكونا معاً في أشهر الحج من سنة واحدة ، لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر شهراً وحينئذ فلا يصحّ أيضاً لو أتى بعمرة التمتّع في أواخر ذي الحجّة وأتى بالحج في ذي الحجّة من العام القابل.
أسبوع ، والعمرة فإنّها من وظائف كل شهر ، وهكذا الحج فإنه من وظائف السنة الواحدة.
نعم لا ريب أن هذه النصوص محمولة على الاستحباب ، لعدم وجوب الحج على المكلّفين في كل سنة وإنّما يجب في العمر مرّة واحدة بالضرورة والنصوص (1)كما عرفت في أوّل الكتاب (2)، ولكن ذلك غير دخيل في الاستفادة المذكورة.
الوجه الثاني : الأخبار المبينة لكيفية حجّ التمتّع (3)، وليس فيها دلالة ولا إشعار على جواز التفريق بين الحج والعمرة باتيانهما في سنتين ، ولو كان مشروعاً لأُشير إليه ولو في رواية واحدة ، فخلوّ الروايات البيانية مع كثرتها يكشف عن عدم مشروعية الافتراق.
الوجه الثالث : الروايات الدالّة على أن المعتمر بعمرة التمتّع محتبس في مكّة حتى يحج (4)، فإن المنظور في هذه الروايات عدم الافتراق بين العمرة والحج وأن من تمتّع بالعمرة ليس له الخروج من مكّة إلى أن يحج ، وفي ذيل بعضها أنه لو اقتضت
.................................................................................................
الضرورة للخروج في حاجة فليخرج محرماً بالحج ثمّ يمضي إلى عرفات ، فإن هذه الخصوصية تدل على لزوم إتيانهما في سنة واحدة.
والحاصل : لا يبتني الاستدلال بهذه الروايات على مجرّد الاحتباس في مكّة والارتهان بالحج حتى يرد عليه بأنه أعم من المدعى ، بل المنظور في الاستدلال بما في ذيل بعض الروايات من أنه لو اقتضت الضرورة للخروج لا يخرج إلّا محرماً للحج فإنّ هذا المعنى يدل بوضوح على عدم جواز الافتراق والتفكيك بين الحج والعمرة ولزوم الإتيان بهما في عام واحد.
الوجه الرابع : الأخبار الدالّة على أن عمرة التمتّع مرتبطة بالحج وأنه «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، وشبك (صلّى اللّه عليه وآله) أصابعه بعضها إلى بعض» (1)بخلاف المفردة فإنها غير مرتبطة بالحج كما في الروايات المستفيضة (2)ومعنى الارتباط أن مشروعية العمرة مرتبطة بمشروعية الحج ، فإذا أتى بالعمرة لا يجوز له تأخير الحج لأنه واجب فوري ، وإن لم يأت به فقد أفسد عمرته وإلّا لكان منافياً للارتباط ، وإذا أتى بعمرة التمتّع بعد أيّام الحج لم تكن عمرته بمشروعة لعدم مشروعية الحج له حينئذ ، وإذا لم يكن الحج مشروعاً لا تكون العمرة مشروعة أيضاً لفرض ارتباطها به.
الوجه الخامس : الروايات الدالّة على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو بدخول يوم عرفة أو إلى زمان لم يدرك الحج (3)ونحو ذلك ، فإن العمرة حينئذ غير مشروعة ويجعلها حجة وقد فاتته عمرة المتعة ، ولو كان الافتراق باتيانهما في عامين جائزاً لا وجه لفوات عمرة المتعة ، فيكشف ذلك عن لزوم إتيانهما في عام واحد.
الوجه السادس : قاعدة الاشتغال المعبّر عنها بقاعدة توقيفية العبادات كما في المتن.
.................................................................................................
وأُورد عليها بأن القاعدة المذكورة لا تقتضي وجوب الاحتياط بالإتيان بهما في عام واحد ، بل المقام من موارد الرجوع إلى أصل البراءة ، لبنائهم على الرجوع إليها عند الشك في الجزء والشرط وعند الشك في الأقل والأكثر.
والتحقيق أن يقال : إن جريان قاعدة الاشتغال أو أصالة البراءة مبني على كون الحج واجباً مشروطاً أو معلقاً.
فإن قلنا بأنه واجب مشروط بخروج الرفقة كما عن المشهور ولذا جوزوا تفويت الاستطاعة قبل خروج الرفقة ولم يجوزوا بعده فحينئذ لو شكّ في اعتبار اقتران العمرة بالحج وإتيانهما في سنة واحدة فمقتضى القاعدة الاشتغال ، لأنّ المفروض عدم ثبوت الوجوب قبل خروج الرفقة وإنما يحدث الوجوب بعده ، فلو أتى بعمرة التمتّع قبل ذلك مفصولة عن الحج يشك في السقوط وعدمه والأصل عدمه.
توضيح ذلك : أنه لو أتى بعمرة التمتّع قبل أيّام الحج فلا ريب في لزوم الإتيان بالحج بعدها ، لأنّ الحج واجب فوري لا يجوز تأخيره ، وهذا مما لا كلام فيه. إنما الكلام فيما لو أتى بعمرة التمتّع بعد أيّام الحج كأواخر ذي الحجة من هذه السنة ، والمفروض أن الحج يجب بخروج الرفقة في السنة الآتية ففي هذه السنة لا وجوب للحج ، فحينئذ يشك في سقوط الأمر بعمرة التمتّع من السنة الآتية باعتبار إتيان العمرة في هذه السنة بمعنى أن وجوب الحج وإن لم يكن ثابتاً بالفعل ولكن يحتمل سقوط الأمر بعمرة التمتّع للسنة الآتية بهذه العمرة المفصولة التي أتى بها في هذه السنة ، والأصل عدم السقوط وعدم الإتيان بالمسقط ، هذا كلّه بناءً على أن الحج واجب مشروط.
وأمّا لو قلنا بأن الحج واجب معلق كما هو الصحيح بمعنى أن الوجوب فعلي والواجب استقبالي ، وأن أوّل زمان الوجوب أوّل زمان الاستطاعة ولذا لو استطاع في ذي الحجة بعد فوات زمان الحج في سنته فقد وجب عليه الحج بعدها فعلاً وإن كان متعلقه متأخراً ، فحينئذ لو شكّ في أن الوجوب الفعلي للحج هل تعلق بالعمرة المقيّدة بالسنة الآتية المقترنة للحج أو بالأعم من ذلك ومن العمرة المفصولة التي أتى
.................................................................................................
بها في السنة الأُولى ، فيكون الشك شكّاً في الأقل والأكثر باعتبار تقييد العمرة بإتيانها في السنة الآتية مقترنة للحج وعدمه ، والمرجع هو أصل البراءة عن التقييد ، لأنّ متعلق الواجب باعتبار التقييد يكون كالأكثر والأصل عدمه.
ولكن قد عرفت أنه لا ينبغي الريب في الحكم المذكور ويكفينا الوجوه المتقدّمة مضافاً إلى أنه مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
ثمّ إنه لا ينافي الوجوه المتقدّمة خبر سعيد الأعرج : «من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة» (1)بدعوى أن المراد بالقابل فيه العام القابل فيدل على جواز إيقاع العمرة في سنة والحج في أُخرى.
ولكن هذه الدعوى ممنوعة ، فإن المراد من القابل فيه الشهر القابل لا العام القابل لأنّ الظاهر من قوله : «من تمتع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل» بقرينة المقابلة بين الأشهر والقابل هو الشهر القابل ، يعني من تمتع في شوال أو ذي القعدة وأقام حتى يحضر الحج من الشهر القابل. نعم ، لو قال : من تمتع في هذا العام وأقام حتى يحضر الحج من قابل لكان ظاهراً في العام القابل. على أن الخبر ضعيف بمحمد بن سنان ، ومعارض بمجموع الروايات المتقدّمة الدالّة على إتيانهما في عام واحد.
وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام وأخر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعاً سواء أقام في مكّة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثمّ عاد إليها ، ومن دون فرق بين ما لو أحل من إحرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة القادمة ، فما عن الدروس من احتمال الصحّة لو بقي على إحرام عمرته إلى السنة القادمة (2)لا وجه له أصلاً بعد فساد عمرته وإحرامه.
ثمّ المراد من السنة الواحدة ليس هو الفصل بمقدار السنة أي مضي مقدار اثنى
الرابع : أن يكون إحرام حجّه من بطن مكّة مع الاختيار للإجماع والأخبار. وما في خبر إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) : «كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج» حيث إنه ربّما يستفاد منه جواز الإحرام بالحج من غير مكّة ، محمول على محامل (1)أحسنها أن المراد بالحج عمرته حيث إنّها أوّل أعماله ، نعم يكفي أيّ موضع منها كان ولو في سِكَكها للإجماع وخبر عمرو بن حريث (2)عن الصادق (عليه السلام) : «من أين أُهل بالحج؟ فقال : إن شئت من رَحلك وإن شئت من المسجد وإن شئت من الطريق» (1)
عشر شهراً حتى يقال بصحّة العمرة لو أتى بها في أواخر ذي الحجّة من هذا العام وبالحج في السنة القادمة لكون الفصل أقل من السنة الواحدة بعدة أيّام ، بل المراد من السنة الواحدة ومن إتيانهما في سنة واحدة أن يكونا معاً واقعين في أشهر الحج من سنة واحدة ، وحينئذ فلا يصح أيضاً لو أتى بعمرة التمتّع في أواخر ذي الحجة وأتى بالحج في العام القابل.
(1) أجمع علماؤنا كافة على أن ميقات حج التمتّع مكّة المكرّمة ولا يجوز الإحرام من حواليها وضواحيها ، ويدلُّ عليه عدّة من الروايات ، وفي بعضها الأمر بالإحرام من المسجد (3)، ولكن الرواية ضعيفة بإبراهيم بن ميمون لأنه لم يوثق فتحمل على الاستحباب بناءً على التسامح في أدلّة السنن ، وفي صحيح عمرو بن حريث قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أين أُهل بالحج؟ فقال : إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة وإن شئت من الطريق» (4).
وأفضل مواضعها المسجد وأفضل مواضعه المقام أو الحجر وقد يقال : أو تحت الميزاب ، ولو تعذّر الإحرام من مكّة أحرم ممّا يتمكّن ، ولو أحرم من غيرها اختياراً متعمداً بطل إحرامه ، ولو لم يتداركه بطل حجّه ، ولا يكفيه العود إليها بدون التجديد بل يجب أن يجدّده لأنّ إحرامه من غيرها كالعدم ، ولو أحرم من غيرها جهلاً أو نسياناً وجب العود إليها والتجديد مع الإمكان ، ومع عدمه جدّده في مكانه (1).
والرواية على ما رواه في الكافي (2)لم يصرح فيها بموقع الرحل ومكانه كما لم يعلم المراد من الطريق ، ولكن الشيخ رواها في التهذيب بنحو آخر (3)يتضح منه الأمران ، وذلك فإنّه ذكر في أوّل الخبر «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو بمكّة» فيعلم أن السؤال والجواب كانا في مكّة فيكون المراد من الرحل رحله الملقى في مكّة كما أن المراد من الطريق أزقة مكّة وطرقها وشوارعها ، وقد ذكر الشيخ كلمة «من المسجد» بدل قوله «من الكعبة» ، ولعله الأظهر لعدم تمكن إحرام الحاج من الكعبة نوعاً.
ويدلُّ على الحكم المذكور أيضاً صحيح الحلبي (4).
وفي المقام رواية ربّما يستفاد منها جواز الإحرام بالحج من غير مكّة وهي موثقة إسحاق بن عمّار ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجيء فيقضي متعة ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن ، قال : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه ، لأنّ لكل شهر عمرة ، وهو مرتهن بالحج ، قلت : فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه ، قال : كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى (ملتقياً) بعض هؤلاء ، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق
.................................................................................................
بالحج ودخل وهو محرم بالحج» (1).
ومحل الاستشهاد قوله (عليه السلام) : «كان أبي مجاوراً هاهنا» إلى آخر الحديث إلّا أنّها لمعارضتها بما تقدّم من الأخبار لا يمكن الاعتماد عليها. على أنّها مشوّشة المتن لأنّ الجواب بقوله (عليه السلام) : «كان أبي مجاوراً هاهنا» إلى آخر الحديث ، لا يرتبط بالسؤال ، لأنّ السائل إنما سأل عن إحرام عمرة التمتّع والإمام (عليه السلام) حكم بالعمرة ثانياً إذا رجع في غير الشهر الذي تمتّع فيه ، ثمّ سأل السائل أنّه دخل في نفس الشهر الذي خرج فيه ، فالسؤال متمحض في حكم العمرة ، فالجواب بالإهلال بالحج ، وأن أباه (عليه السلام) أحرم بالحج ودخل وهو محرم بالحج لا يرتبط بالسؤال ولعلّ الجواب سقط في البين أو أنه (عليه السلام) أعرض عن الجواب تقيّة ونحوها وأجاب بأمر آخر أجنبي عن السؤال.
والذي يؤكِّد ما ذكرنا من عدم التئام الجواب مع السؤال أنّ أباه (عليه السلام) إذا كان متمتِّعاً بالحج فكيف خرج قبل الحج ، ثمّ إنّه (عليه السلام) متى كان مجاوراً في مكّة؟ وما هو المراد من المجاورة؟ هل جاور مدّة سنتين أو أقل؟ كل ذلك غير ثابت فلا بدّ من ردّ علم هذه الرواية إلى أهلها.
وأمّا حمل الحج فيها على العمرة كما في المتن وزعم أنّه أحسن المحامل فبعيد جدّاً لوجهين :
أحدهما : التقابل بين العمرة والحج في الرواية ، ففي صدرها يذكر العمرة وفي الذيل يذكر الإهلال بالحج ، فإن التقابل يقتضي إرادة الحج في قبال العمرة ، والحج وإن كان قد يطلق على عمرة التمتّع ولكن التقابل في الذكر يقتضي الافتراق.
ثانيهما : أنه (عليه السلام) بعد ما حكم بوجوب الإحرام إذا دخل في غير الشهر الذي تمتّع فيه سأله السائل أنه دخل في نفس الشهر الذي خرج فيه وأنّه هل يجب عليه الإحرام للعمرة لدخول مكّة؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنّ أباه (عليه السلام)
1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 8.
.................................................................................................
أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج ، وذلك غير مرتبط بالسؤال أصلاً ولا يتلائم مع السؤال أبدا.
وبالجملة : لا ينبغي الريب في وجوب الإحرام بالحج من مكّة المشرفة ولا يجوز من خارجها ، والأفضل من مقام إبراهيم (عليه السلام) أو حجر إسماعيل كما في صحيح معاوية بن عمّار (1)، وذكر بعضهم من تحت الميزاب ، ولم نعثر له على دليل ، نعم هو جزء للحجر.
فتحصل : أن مكّة المعظمة ميقات لحج التمتّع ، وحالها حال سائر المواقيت التي يجب الإحرام منها ، فإن تمكن من ذلك فهو وإلّا فيحرم من أي مكان هو فيه ، فلو فرضنا أنه خرج من مكّة بدون الإحرام ناسياً ولم يمكن له الرجوع إليها يحرم من مكانه ويذهب إلى عرفات ، وهذا الحكم وإن لم يرد فيه نص بالخصوص ولكنه مما قام عليه الإجماع والتسالم ، ويمكن استفادته من عدّة روايات (2)وردت فيمن تجاوز الميقات بلا إحرام ولم يمكن له الرجوع إلى الميقات لخوف فوت الأعمال ، وهذه الروايات وإن كان موردها إحرام العمرة إلّا أنه يمكن التعدي من موردها إلى غيره للتعليل بخوف فوت الأعمال المذكور في الروايات ، فيعلم من ذلك أن الإحرام من الميقات مشروط بالتمكن من إدراك الموقف فإذا خاف الفوت أحرم من مكانه.
وأمّا إذا أتى الموقف ووصل إليه بدون الإحرام ناسياً ولم يمكن له الرجوع إلى مكّة لضيق الوقت ونحوه ، أحرم من مكانه أيضاً.
ويدلُّ عليه صحيحتا علي بن جعفر ، قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال يقول : اللّهمّ على كتابك وسنّة نبيّك فقد تمّ إحرامه» (3)وقال في الأُخرى : «عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن
.................................................................................................
يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ، قال : إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه» (1)ويعلم منهما أن شرطية الإحرام من مكّة للحج إنما هي في حال التمكّن وموردهما وإن كان خصوص الجاهل والناسي ولكن المتفاهم منهما شمول الحكم لمطلق العذر وعدم اختصاصه بمورد الجهل والنسيان ، وإنما خصّ الجهل والنسيان بالذكر لعدم تمكن الإحرام من الميقات في موردهما وإلّا فلا خصوصية لهما.
ولو أحرم من غير مكّة اختياراً متعمداً والحال أنه متمكن من الإحرام منها بطل إحرامه ولا يجتزئ به ، لأنه غير مأمور به ، وإجزاء غير المأمور به عن المأمور به على خلاف القاعدة ويحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
ولو فرضنا أنه أحرم من غير مكّة متعمداً ولكنه رجع إلى مكّة ثانياً فهل يجزئه هذا الإحرام أو يلزم عليه التجديد والإحرام ثانياً من مكّة؟ نسب إلى بعض العامّة صحّة الإحرام وعدم لزوم التجديد ، لأنّ المطلوب منه أمران أحدهما الإحرام والآخر كونه في مكّة وهما حاصلان ، ولكنه فاسد جدّاً ، لأنّ إحرامه من خارج مكّة في حكم العدم فلا بدّ من تجديد الإحرام من مكّة بلا خلاف بيننا.
ولو أحرم من غير مكّة جهلاً أو نسياناً فإن أمكنه الرجوع إلى مكّة فلا كلام في لزوم العود إليها حتى يحرم ، إذ لا دليل على جواز الاجتزاء بذلك ، ومجرّد الجهل أو النسيان لا يجدي في الحكم بالصحّة.
وأمّا إذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكّة فهل يجزي الإحرام الأوّل أو يجب عليه التجديد في مكانه ، لأنّ الإحرام الأوّل لا دليل على الاجتزاء به؟ نسب إلى الشيخ في الخلاف (2)والعلّامة في التذكرة (3)الاجتزاء ، وعلله بعضهم بأنه لا اثر للتجديد لمساواة ما فعله لما يستأنفه ويجدده ، فإن ما يجدده عين ما أتى به أوّلاً. واستدلّ أيضاً بأصالة
.................................................................................................
البراءة عن لزوم التجديد.
وأشكل عليه في الجواهر بأنّ ما أوقعه أوّلاً لم يكن بمأمور به فهو فاسد فلا بدّ من إتيان الإحرام الصحيح المأمور به ، ومجرد كون الثاني مساوياً للأوّل في الكون في غير مكّة لا أثر له ، لأنّ الإحرام الأوّل فاسد فهو كالعدم ، وليس النسيان مصححاً وإنّما هو عذر في عدم وجوب العود ، وذلك لا يوجب الاجتزاء بالإحرام الأوّل. وأمّا أصالة البراءة فلا مجال لها مع الإطلاقات الدالّة على الإتيان بالإحرام الصحيح ، وما أتى به غير صحيح على الفرض ، وقد عرفت أن مجرّد النسيان لا يصحح الإحرام وإنما هو عذر لترك الواجب ، فالحكم بالصحّة يحتاج إلى الدليل وهو مفقود (1). وما ذكره صحيح متين.
ثمّ إن مقتضى إطلاق كلام المصنف (قدس سره) عدم جواز الاكتفاء بإحرام من أحرم من غير مكّة ناسياً أو جاهلاً ولو كان حين الإحرام غير متمكن من الرجوع إلى مكّة واقعاً حتى إذا كان متذكراً ، كما أن صاحب الجواهر (قدس سره) تأمل في الحكم بالصحّة في الصورة المذكورة ، ولكن لا يبعد جواز الاكتفاء بإحرامه إذا كان حينه غير متمكِّن من الرجوع إلى مكّة واقعاً ، لأنه قد أتى بما هو مكلف به واقعاً وهو الإحرام من هذا المكان لفرض عدم إمكان العود ، فإحرامه صحيح وإن لم يعرف سببه ، بل تخيل واعتقد أنّ الإحرام من هذا المكان جائز في نفسه وأنّه بحسب الوظيفة الأوّلية مع أنّ الأمر ليس كذلك وإنما جاز له الإحرام في هذا المكان لعجزه عن العود إلّا أنّ هذا الاعتقاد غير ضائر في صحّة عمله وإحرامه بعد فرض مصادفته للأمر به واقعاً ، فلا بدّ من التفصيل بين الإحرام الصادر عنه جهلاً أو نسياناً في حال التمكن من الرجوع إلى مكّة فيحكم ببطلانه ، لعدم كونه مأموراً به وبين الإحرام الصادر عنه في حال العجز عن العود إلى مكّة فيحكم بصحّته ، لانقلاب وظيفته الواقعية إلى الإحرام من هذا المكان وإن لم يعلم به.
1) الجواهر 18 : 21 ، 22.
الخامس : ربّما يقال أنه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته وحجّه من واحد وعن واحد ، فلو استؤجر اثنان لحج التمتّع عن ميت أحدهما لعمرته والآخر لحجّة لم يجزئ عنه ، وكذا لو حجّ شخص وجعل عمرته عن شخص وحجّه عن آخر لم يصح ولكنّه محل تأمّل ، بل ربّما يظهر من خبر محمّد بن مسلم (1)عن أبي جعفر (عليه السلام) صحّة الثاني حيث قال : «سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتّع؟ قال : نعم المتعة له والحج عن أبيه» (1).
(1) أمّا الأوّل وهو استئجار شخصين لحج التمتّع أحدهما لعمرته والآخر لحجة فلا ينبغي الريب في عدم جوازه ، لأنّ كل واحد من العمرة والحج المتمتع بهما مشروع لمن أتى بالآخر ، وأمّا إذا لم يأت بأحدهما فلا يشرع له الآخر ، لأنّ الإحرام لحج التمتّع من مكّة إنما يشرع لمن أتى قبله بالعمرة ، كما أن عمرة التمتّع مشروعة لمن يحرم للحج من مكّة ، فالتفكيك بينهما غير مشروع.
وأمّا الثاني وهو أن يأتي شخص واحد بالعمرة والحج ولكن يجعل عمرته عن شخص وحجّه عن آخر فقد تأمل فيه في المتن ، بل استظهر الجواز من صحيح محمّد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال «سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتّع؟ قال : نعم المتعة له والحج عن أبيه» (2).
ولكن الظاهر أن ذلك غير جائز أيضاً ، لأنّ المستفاد من الروايات (3)الدالّة على أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة كونهما عملاً واحداً وإن تخلل الفصل بينهما بالإحلال ، فكل منهما جزء لواجب واحد وليس لكل منهما أمر مستقل لينوب أحد عن شخص في أحدهما وينوب في الجزء الآخر عن شخص آخر ، فإن العمل الواحد
.................................................................................................
غير قابل للتبعيض ، نظير عدم جواز التبعيض في نيابة الصلاة بأن يجعل الركعة الأُولى عن زيد والركعة الثانية عن عمرو ، فكذا الصوم بأن يجعل نصف النهار عن شخص والنصف الآخر عن شخص آخر وهكذا ، فإن الأجزاء ليس لها أمر مستقل لتصح النيابة فيها ، والعمل الواحد يقع عن واحد ، فتقع العمرة عمن يقع عنه الحج وكذلك العكس ، ولا يمكن التفريق والتفكيك بينهما.
وأمّا الصحيح الذي استدل به المصنف (قدس سره) لجواز التفريق تبعاً لصاحب الوسائل حيث ذكر في عنوان الباب جواز نيّة الإنسان عمرة التمتّع عن نفسه وحج التمتّع عن أبيه (1)فلا يصح الاستدلال به ، لأنه مبني على أن يكون المراد من قوله «أ يتمتّع» عمرة التمتّع ، وكذلك يبتني على أن تحمل المتعة في قوله «المتعة له» على عمرة التمتّع وهذا غير ظاهر ، فإن كلمة المتعة وإن استعملت في بعض الروايات في عمرة التمتّع إلّا أنه خلاف الظاهر المتفاهم منها عرفاً ، فإن الظاهر أن المراد بها معناها اللغوي وهو الالتذاذ.
بيان ذلك : أنّ الراوي سأل الإمام (عليه السلام) عمن يحج عن أبيه أيتمتّع أي هل له أن يأتي بحج التمتّع ، مع أنّ المنوب عنه إذا كان ميتاً كما هو ظاهر السؤال غير قابل للتمتّع بالنساء والطيب وغيرها في الفصل بين الفراغ من العمرة والشروع في إحرام الحج ، فأجاب (عليه السلام) بجواز ذلك وأن الحج عن أبيه والمتعة أي الالتذاذ بالمذكورات لك ، فالرواية أجنبيّة عما توهمه الماتن وصاحب الوسائل. ولو أغمضنا عن ذلك فلا ريب في جواز حمل الرواية على ما ذكرناه فتصبح مجملة فلا يمكن الاستدلال بها على جواز التفريق.
ثمّ إن هذا المعنى الذي ذكرناه يظهر من الصدوق في الفقيه ، لأنه (قدس سره) ذكر في عنوان الباب باب المتمتع عن أبيه (2)وكذلك المجلسي الأوّل استظهر هذا المعنى من
.................................................................................................
الحديث في كتابه روضة المتّقين (1). نعم انّه (قدس سره) استدلّ على جواز التفريق وجعل العمرة عن شخص والحج عن آخر بخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل تمتع عن امّه وأهل بحجه عن أبيه ، قال : إن ذبح فهو خير له وإن لم يذبح فليس عليه شيء ، لأنه إنما تمتع عن امّه وأهل بحجه عن أبيه» (2)ووصفه بالصحّة والاعتبار.
والخبر كما ترى صريح في جواز التفريق بين عمرة التمتّع وحجّه وجواز جعلهما لاثنين ، إنما الكلام في السند فإن فيه صالح بن عقبة وهو لم يوثق في كتب الرجال ، بل ابن الغضائري ضعفه ، وقال : غال كذاب لا يلتفت إليه ، وتبعه العلّامة (3)، ولكن التضعيف المنسوب إلى ابن الغضائري لا يعارض توثيق ابن قولويه له في كامل الزيارات وعلي بن إبراهيم القمي في تفسيره ، لما ذكرنا غير مرّة أن نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري لم تثبت ، وأمّا تضعيف العلّامة فلا عبرة به لأنه أخذه من كتاب ابن الغضائري فالرجل من الثقات ، ولا كلام في وثاقة بقيّة رجال السند ، فالخبر معتبر لا مانع من الأخذ بمضمونه والحكم بجواز التفريق بين عمرة التمتّع وحجّه وجعلهما عن اثنين.
إلّا أن الخبر حيث إنه مخالف لما تقتضيه القاعدة كما عرفت فلا بدّ من الاقتصار على مورده بالالتزام بجواز التفريق في حج التمتّع عن أبيه وأُمّه ، بان يجعل عمرة التمتّع عن امّه وجعل حجّه عن أبيه لا جواز مطلق التفريق ولو عن غير امّه وأبيه ، فلا نتعدّى عن مورده كما صنع صاحب الوسائل حيث جعل (قدس سره) مضمون صحيح ابن مسلم عنواناً للباب السابع والعشرين من النيابة (4)وبذلك يظهر الحال
1) قال (رحمه اللّه) عند شرحه لصحيح محمّد بن مسلم : مع أنه لا فائدة للأب في التمتّع لأنه لا يمكن له التمتّع بالنساء والطيب والثياب الذي هو فائدة حج التمتّع ، قال (عليه السلام) : نعم المتعة والتمتّع بالأشياء المذكورة له والحج عن أبيه. روضة المتقين 5 : 65.
2) الوسائل 14 : 80 / أبواب الذبح ب 1 ح 5.
3) رجال العلّامة (الخلاصة) : 360 / 1419.
4) الوسائل 11 : 201 / أبواب النيابة في الحج ب 27 ح 1.
[3209] مسألة 2 : المشهور أنّه لا يجوز الخروج من مكّة بعد الإحلال من عمرة التمتّع قبل أن يأتي بالحج وأنّه إذا أراد ذلك عليه أن يحرم بالحج فيخرج محرماً به ، وإن خرج مُحلّاً ورجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة ، وذلك لجملة من الأخبار الناهية عن الخروج ، والدالّة على أنّه مرتهن ومحتبس بالحج ، والدالّة على أنه لو أراد الخروج خرج ملبِّياً بالحج ، والدالّة على أنّه لو خرج مُحلّاً فإن رجع في شهره دخل محلّاً وإن رجع في غير شهره دخل محرماً ، والأقوى عدم حرمة الخروج (1)وجوازه محلّاً حملاً للأخبار على الكراهة كما عن ابن إدريس (1)
بالنسبة إلى صحيح ابن مسلم فإنّه لو سلمنا ظهوره في التفريق نلتزم بجوازه في خصوص الحج عن الأب ، فالمتبع في غير ذلك هو القاعدة المقتضية لعدم جواز التفريق كما هو الحال في التفريق في صوم يوم واحد وصلاة واحدة.
(1) المعروف والمشهور أو الأشهر أنه لا يجوز للمتمتع بعد الإتيان بعمرته الخروج من مكّة وأنه محتبس ومرتهن بالحج إلى أن يأتي بالحج إلّا مع الاضطرار والحاجة إلى الخروج فيخرج محرماً للحج ، فإن رجع في شهره إلى مكّة فيخرج إلى الحج من دون إحرام جديد ، وإن رجع في غير شهره يحرم من جديد ويلغي إحرامه الأوّل ، وإن خرج محلّاً ورجع في شهره يرجع محلا ويحرم من مكّة بالحج ، وإن رجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة ويدخل.
وقد دلّت على هذه الأحكام روايات كثيرة معتبرة واضحة الدلالة.
فمنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال «قلت له : كيف أتمتع؟ قال : تأتي الوقت فتلبي إلى أن قال : وليس لك أن تخرج من مكّة حتى تحج» (2).
ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : كيف أتمتع؟ فقال : تأتي الوقت فتلبي بالحج إلى أن قال : وهو
(رحمه اللّه) وجماعة أُخرى بقرينة التعبير ب- (لا أحبّ) في بعض تلك الأخبار وقوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق (قدس سره) : «إذا أراد المتمتِّع الخروج من مكّة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلّا أن يعلم أنه لا يفوته الحج» ونحوه الرضوي ، بل وقوله (عليه السلام) في مرسل أبان : «ولا يتجاوز إلّا على قدر ما لا تفوته عرفة» ، إذ هو وإن كان بعد قوله : «فيخرج محرماً» إلّا أنه يمكن أن يستفاد منه أن المدار فوت الحج وعدمه ، بل يمكن أن يقال : إنّ المنساق من جميع الأخبار المانعة أن ذلك للتحفّظ عن عدم إدراك الحج وفوته لكون الخروج في معرض ذلك ، وعلى هذا فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً مع علمه بعدم فوات الحج منه ، نعم لا يجوز الخروج لا بنية العود أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج.
محتبس ليس له أن يخرج من مكّة حتى يحج» (1).
ولكن المصنف تبعاً لجماعة اختار الجواز وحمل الروايات الناهية على الكراهة ، بل ذكر (قدس سره) أنه يمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً مع علمه بعدم فوات الحج منه واستشهد بوجوه :
منها : التعبير بقوله «ما أُحب» في صحيح الحلبي ، قال (عليه السلام) : «وما أُحبّ أن يخرج منها إلّا محرماً» ، فإن قوله «وما أُحب» ظاهر في الكراهة فنرفع اليد عن ظهور بقيّة الأخبار في المنع.
وفيه : ما لا يخفى ، فإن جملة «لا أُحب» غير ظاهرة في الكراهة بالمعنى الأخص بل استعملت في القرآن المجيد في الموارد المبغوضة المحرمة كثيراً ، كقوله تعالى ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) (2)وقوله عزّ وجلّ ( لا يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ ) (3)وهو الغيبة المحرمة
.................................................................................................
وكذلك ما نسب إلى الذوات كقوله عزّ من قائل ( إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* ) (1)( وَاللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ* ) (2)( فَإِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ) (3)وغير ذلك من الآيات الكريمة فإنّ الظاهر منها أنّه تعالى لا يحبّهم لأجل إسرافهم واعتدائهم وكفرهم وظلمهم ولمبغوضية هذه الأفعال عنده تعالى ، بل تستعمل هذه الجملة في المبغوضية حتى في المحاورات فيما بين العقلاء.
وبالجملة : جملة «لا أُحب» غير ظاهرة في الجواز مع الكراهة ، بل إما تستعمل في المبغوضية المحرمة أو الأعم منها ومن الكراهة ، فلا تكون هذه الجملة صالحة لرفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الحرمة.
ومنها : مرسل الصدوق ، قال «قال الصادق (عليه السلام) : إذا أراد المتمتع الخروج من مكّة إلى بعض المواضع فليس له ذلك ، لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلّا أن يعلم أنه لا يفوته الحج» (4)فإن المستفاد منه أن المنع عن الخروج من جهة احتمال فوت الحج ، فلو علم بعدم الفوت فلا يحرم الخروج.
وفيه : ضعف السند بالإرسال وإن كان ظاهر كلام الصدوق ثبوت كلام الصادق (عليه السلام) عنده ، ولذا يقول (قدس سره) قال الصادق (عليه السلام) ، ولو لم يكن كلامه (عليه السلام) ثابتاً عنده لم ينسب الخبر إليه صريحاً بل قال : روي ونحو ذلك ولكن مع ذلك لا نتمكّن من الحكم بحجية المرسلة لسقوط الوسائط بينه وبين الإمام (عليه السلام) ، ولعلّه (قدس سره) بنى على أصالة العدالة التي لا نعتمد عليها ، فمجرّد الثبوت عند الصدوق لا يجدي في الحجية.
ومنها : الرضوي (5)، ومضمونه كمضمون المرسل المزبور ، ولكن الفقه الرضوي لم
ثمّ الظاهر أن الأمر بالإحرام إذا كان رجوعه بعد شهر إنّما هو من جهة أنّ لكل شهر عمرة لا أن يكون ذلك تعبّداً أو لفساد عمرته السابقة أو لأجل وجوب
يثبت كونه رواية فضلاً عن كونه موثقاً.
ومنها : خبر أبان وفيه : «فيخرج محرماً ، ولا يجاوز إلّا على قدر ما لا تفوته عرفة» (1)فإن المستفاد منه أنّ المدار في جواز الخروج وعدمه فوت الحج وعدمه.
وفيه : أنه مخدوش سنداً من وجهين ، لأنّ معلى بن محمّد يرويه عمن ذكره ويروي أبان عمن أخبره ، هذا مضافاً إلى أنه يدل على جواز الخروج مع الحاجة محرماً وهو خارج عن محل الكلام.
وأغرب من ذلك قول المصنف : إنّ المنساق من جميع الأخبار المانعة أن ذلك للتحفظ عن عدم إدراك الحج وفوته. إذ كيف يمكن استفادة ذلك من تلك الروايات مع التصريح فيها بعدم جواز الخروج محلا مطلقاً وجوازه محرماً مع الحاجة.
ثمّ إنّ المصنف (قدس سره) بعد ما اختار الجواز وحمل الأخبار الناهية على الكراهة ذكر أنه يمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً ، لأنّ الممنوع هو الخروج فيما إذا خاف فوت الحج ، وأمّا لو علم بعدم فوت الحج منه فلا منع أصلاً حتى على وجه الكراهة. وبعبارة اخرى : يظهر من الروايات المانعة أن المنع عن الخروج إرشاد إلى لزوم التحفّظ على إدراك الموقف وعدم فوت الحج عنه وليس حكماً تعبدياً ، فإذا لم يكن خائفاً من الفوت فلا مانع من الخروج حتى على وجه الكراهة.
ولكن قد عرفت عدم إمكان رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في المنع بل صراحتها في ذلك.
وربّما يقال بأنّ مرسل موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا «أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال فقال : إني أريد أن أُفرد عمرة هذا الشهر ، فقال :
1) الوسائل 11 : 304 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 9.
الإحرام على من دخل مكّة ، بل هو صريح خبر إسحاق بن عمّار ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتِّع يجيء فيقضي متعته ثمّ تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المنازل ، قال (عليه السلام) : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتّع فيه لأنّ لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج» إلخ ، وحينئذ فيكون الحكم بالإحرام إذا رجع بعد شهر على وجه الاستحباب لا الوجوب لأنّ العمرة التي هي وظيفة كل شهر ليست واجبة (1)لكن في جملة من الأخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده كصحيحتي حمّاد وحفص ابن البختري (2)ومرسلة الصدوق والرضوي ،
أنت مرتهن بالحج ، فقال له الرجل : إن المدينة منزلي ومكّة منزلي ولي بينهما أهل وبينهما أموال ، فقال له : أنت مرتهن بالحج ، فقال له الرجل : فإن لي ضياعاً حول مكّة وأحتاج إلى الخروج إليها ، فقال : تخرج حلالاً وترجع حلالاً إلى الحج» (3)صريح في جواز الخروج محلا ، لكن الإشكال في سنده.
وفيه : أن الظاهر كونه أجنبياً عن مورد الكلام ولا أثر له حتى إذا كان معتبراً سنداً ، وذلك لأنّ مورده عمرة الإفراد ومحل كلامنا عمرة التمتّع المرتبطة بالحج ، ولا ريب في جواز الخروج بعد العمرة المفردة ، لأنها عمل مستقل وغير مرتبط بالحج وأمّا قوله : «وأنت مرتهن بالحج» فلا بدّ من حمله على أن الحج كان واجباً عليه وأنه كان حج الإفراد كما يظهر من قوله (عليه السلام) : «وترجع حلالاً إلى الحج» ، فكأنه
1) (*) نعم ولكن الإحرام لدخول مكّة واجب إذا كان بعد شهره ، وقد صرّح في صحيحة حماد بن عيسى بأن العمرة الاولى لاغية ولا تكون عمرة التمتّع وإنما التمتّع بالعمرة الثانية.
2) (**) ليس في صحيحة حفص تعرض لذلك ، وأمّا صحيحة حماد فالمذكور فيها الرجوع في شهره والرجوع في غيره فتحمل بقرينة موثقة إسحاق على أن المراد بالشهر فيها هو الشهر الذي اعتمر فيه.
3) الوسائل 11 : 301 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 3.
وظاهرها الوجوب ، إلّا أن تحمل على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل لكنّه بعيد فلا يترك الاحتياط بالإحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج (1)
(عليه السلام) قال له : يجب عليك الحج وأنت مرتهن به وإن جاز لك الخروج من مكّة ولكن ترجع لأداء الحج. وكيف كان ، فمورد الرواية العمرة المفردة ومحل كلامنا عمرة التمتّع فالرواية أجنبية عن محل الكلام.
(1) ذكر المصنف (قدس سره) في هذا المقام فرعاً آخر وهو أن المعتمر متعةً إذا خرج من مكّة محلّاً سواء كان الخروج جائزاً كما هو المختار عنده أو محرماً كما هو المختار عندنا وأراد الرجوع إلى مكّة بعد شهر فهل يجب عليه الإحرام للدخول إلى مكّة بعمرة أُخرى أو لا يجب؟
اختار الثاني بدعوى أن الأمر بالإحرام من جهة أن لكل شهر عمرة ، وليس ذلك من جهة التعبد أو لفساد عمرته السابقة ، أو لأجل وجوب الإحرام على من دخل مكّة ، وإنما أمر به استحباباً لا على وجه الوجوب ، لأنّ العمرة في كل شهر مستحبة وليست بواجبة فالإحرام يكون مستحباً ، وذكر (قدس سره) أن الحكم بالاستحباب ممّا يدل عليه صريحاً صحيح إسحاق بن عمّار ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجيء فيقضي متعة ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن ، قال : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتّع فيه لأنّ لكل شهر عمرة ، وهو مرتهن بالحج ، قلت : فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه» الحديث (1)فإن التعليل بأن لكل شهر عمرة صريح في أن الأمر بالإحرام ثانياً لدخول مكّة على وجه الاستحباب ، لأنّ العمرة لكل شهر ليست بواجبة بل هي مستحبّة.
ويرد على ما ذكره أن الصحيحة ناظرة إلى أن العمرتين لا تصحّان في شهر واحد فإذا كان رجوعه في نفس الشهر الذي وقعت فيه الاولى فلا حاجة إلى الثانية ، وإن
1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 8.
.................................................................................................
كان رجوعه في شهر آخر فلا بدّ من عمرة ثانية ، ولا نظر فيها إلى الاستحباب أصلا.
والذي يكشف عما ذكرناه أن المتعة المعادة في مفروض الرواية هي عمرة التمتّع على ما يظهر من قوله (عليه السلام) : «فإن لكل شهر عمرة ، وهو مرتهن بالحج» فإن الارتهان بالحج يقتضي كون العمرة عمرة التمتّع وأمّا المفردة فهي غير مرتبطة بالحج بوجه ، وقد صرّح بذلك في ذيل صحيحة حماد الآتية ، وهي إمّا واجبة أو غير مشروعة فإن كان الرجوع في نفس الشهر فهي غير مشروعة لأنّ العمرتين لا تصحّان في شهر وإن كان في شهر آخر لزمته العمرة وتلغى الاولى كما صرّح به في ذيل الصحيحة ، وبعد ذلك كيف يمكن القول بأنّ الأمر بالإحرام من جهة الاستحباب ، هذا.
ولو قطعنا النظر عن ذلك وفرضنا أن مورد الرواية العمرة المفردة فإنه مع ذلك أيضاً لا يمكن القول بالاستحباب للتعليل في النص بأن لكل شهر عمرة ، فإن استحباب العمرة نفسياً لا ينافي وجوب الإحرام لدخول مكّة الواجب عليه من جهة أداء فريضة الحج ، إذ لا موجب لرفع اليد عمّا دلّ على حرمته إلّا في موارد خاصّة وكون العمرة مستحبة في نفسها لا يستلزم جواز الدخول بغير إحرام كما هو ظاهر.
ثمّ ذكر المصنف (قدس سره) أن المستفاد من جملة من الأخبار كصحيحي حماد وحفص بن البختري وغيرهما أن المدار في لزوم الإحرام والاعتمار على الدخول في شهر الخروج أو بعده لأشهر الاعتمار ، يعني يحسب الشهر من خروجه عن مكّة ودخوله إليها ، فربّما يفصل بين العمرتين بأزيد من شهر وإن كان دخوله قبل مضي شهر من خروجه كما إذا اعتمر في أوّل شوال وخرج من مكّة في آخره ثمّ دخل مكّة في عشرين من ذي القعدة ، فحينئذ لا ينطبق التعليل بأن لكل شهر عمرة الذي استفدنا منه استحباب الإحرام على التفصيل بين الرجوع في الشهر والرجوع بعده فيجب الأخذ بظاهر الأمر بالإحرام المقتضي للوجوب.
وبعبارة اخرى : إنما نلتزم بالاستحباب لظاهر التعليل بان لكل شهر عمرة الوارد في معتبرة إسحاق بن عمّار ، ولكنه لا ينطبق على ما ورد في صحيح حماد ، حيث جعل العبرة فيه بشهر الخروج لا بشهر الاعتمار ، فحينئذ لا موجب لرفع اليد عن ظهور
بل القدر المتيقن من جواز الدخول مُحلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الإهلال أي الشروع في إحرام العمرة ، والإحلال منها ، ومن حين الخروج ، إذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة : ثلاثون يوماً من حين الإهلال وثلاثون من حين
الأمر بالإحرام في الوجوب ، إلّا أن يحمل صحيح حماد على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل ، فيتّحد مورد الصحيح مع مورد التعليل الوارد في معتبرة إسحاق وينطبق شهر الاعتمار على شهر الخروج ، ولكنه بعيد ، ولذا احتاط الماتن (قدس سره) في وجوب الإحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج.
ويرد على ما ذكره أن صحيحة حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لم يذكر فيها أن المدار بشهر الخروج وأن الشهر يحسب من زمان الخروج ، فإنه قال : «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج إلى أن قال - : إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً ، قلت : فأي الإحرامين والمتعتين متعة الأُولى أو الأخيرة؟ قال : الأخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّته» الحديث (1)ولا قرينة ولا دليل على أن المراد بالشهر المذكور فيه هو شهر الخروج بل لا يبعد أن يراد به الشهر الذي تمتّع فيه فيتحد الروايتان صحيحة إسحاق وصحيحة حماد بحسب المورد.
ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقل من الإجمال ، فصحيح حماد إمّا يتحد مورده مع صحيح إسحاق أو يكون مجملاً ، فعليه يصح أن يقال : إنه لا عبرة بشهر الخروج أصلاً ، إذ لم يرد ذلك في أيّ رواية معتبرة ، أمّا صحيح حماد فقد عرفت حاله ، وأمّا صحيح حفص بن البختري فلم يتعرض فيه لذكر الشهر أصلاً ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل قضى متعة وعرضت له حاجة أراد أن يمضي إليها قال فقال : فليغتسل للإحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته فإن لم يقدر على الرجوع
1) الوسائل 11 : 302 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 6.
الإحلال بمقتضى خبر إسحاق بن عمّار وثلاثون من حين الخروج بمقتضى هذه الأخبار (1).
بل من حيث احتمال (1)كون المراد من الشهر في الأخبار هنا والأخبار الدالّة على أنّ لكل شهر عمرة الأشهر الاثني عشر المعروفة لا بمعنى ثلاثين يوماً.
إلى مكّة مضى إلى عرفات» (2)فالاستشهاد به في المقام لعلّه من سهو القلم.
نعم ، في مرسل الصدوق والرضوي المتقدّمين (3)جعل العبرة بمضي الشهر من الخروج وعدمه ، ولكن السند ضعيف بالإرسال. هذا وفي المقام مرسل آخر لحفص وأبان : «في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم ، قال : إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام ، فإن دخل في غيره دخل بإحرام» (4)ولكنّه ضعيف سنداً بالإرسال ودلالة لأنّ الظاهر أنه بين حكم أهل مكّة أو من كان مقيماً فيها ويخرج منها لحاجة ، وحكمه إن دخل قبل شهر من خروجه يدخل محلا وإن دخل بعد شهر من خروجه بدخل محرماً ، وكلامنا فيمن دخل مكّة معتمراً بعمرة التمتّع ويريد الخروج منها بعد أداء العمرة وقبل إتيان الحج ، فالمرسل أجنبي عن محل الكلام بالمرّة.
(1) هل العبرة في العمرة الأُولى التي يعتبر مضي الشهر عنها باهلالها (5)والشروع في إحرامها أو بإحلالها والفراغ من إحرامها وأعمالها؟ فيه كلام.
اختار المصنف (قدس سره) الأوّل بدعوى أنه القدر المتيقن من جواز الدخول محلّاً ، فإن أحرم للعمرة ثمّ بعد الأعمال خرج فإن رجع بعد مضي شهر من زمان
ولازم ذلك أنه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور فخرج ودخل في شهر آخر أن يكون عليه عمرة والأولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضاً. وظهر ممّا ذكرنا أن الاحتمالات ستّة : كون المدار على الإهلال أو الإحلال أو الخروج ، وعلى التقادير فالشهر إمّا بمعنى ثلاثين يوماً أو أحد الأشهر المعروفة (1).
إهلاله وإحرامه للعمرة يرجع محرماً ثانياً وإن كان الزمان بالنسبة إلى إحلاله وفراغه من الأعمال أقل من شهر ، إذ قد يحرم للعمرة ويبقى محرماً ولا يحل إلّا بعد يوم أو يومين أو أكثر.
أقول : ما ذكره وإن كان أحوط ولكن الظاهر من معتبرة إسحاق ابن عمّار (1)كون العبرة في مبدأ الشهر بالإحلال والفراغ من العمرة ، لقوله (عليه السلام) : «يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه ، وكلمة «تمتع» فعل ماضي ظاهره التحقّق والفراغ في قبال فعل الاستقبال ، فالمراد بالشهر الذي تمتّع فيه هو الشهر الذي فرغ من عمرته ، وأمّا إذا أهلّ بالعمرة ولم يفرغ منها فلا يصدق عليه انه تمتّع بل هو مشغول بأداء أعمال العمرة ، كما استظهرنا ذلك في سائر الموارد كقولنا : صلّى أو صام وغير ذلك.
(1) لا ريب في أن المتفاهم من إطلاق الشهر هو ما بين الهلالين لا مقدار ثلاثين يوماً ، وهو الذي صرّح به اللغويون ، إلّا إذا قامت قرينة على إرادة مقدار ثلاثين يوماً ، كما في أشهر العدّة فإن المراد بها مقدارها لا ما بين الهلالين ، لأنّ فرض موت الأزواج في رأس الشهر نادر بل يقع الموت غالباً في أثناء الشهر فطبعاً يراد بأربعة أشهر وعشراً مقدارها ، ولذا لا ريب في كفاية التلفيق.
هذا مضافاً إلى ما يستفاد من معتبرة إسحاق بن عمّار ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : السنة اثنا عشر شهراً يعتمر لكل شهر عمرة» (2)فإنها صريحة في أن العبرة
وعلى أيّ حال إذا ترك الإحرام مع الدخول في شهر آخر ولو قلنا بحرمته لا يكون موجباً لبطلان عمرته السابقة فيصحّ حجّه بعدها (1)(1).
بما بين الهلالين لا بمقدار الشهر ، لأنّ المستفاد من ذلك استحباب العمرة بدخول كل شهر من الأشهر الاثني عشر المعروفة لا مضي ثلاثين يوماً.
كما يستفاد ذلك أيضاً من استحباب العمرة في خصوص بعض الشهور كشهر رجب وشهر رمضان المبارك ، فإنّ مقتضى ذلك كون العبرة بالشهر وبما بين الهلالين لا بمقدار الشهر.
وعليه لو اعتمر في آخر الشهر ثمّ خرج وأراد الدخول في أوّل الشهر اللّاحق فيعتمر ، لأنّ لكل شهر عمرة وإن كان الفصل بيوم واحد.
(1) لأنّ ذلك واجب مستقل غير مرتبط بالحج ، وتركه وإن كان محرماً ويكون الداخل بلا إحرام آثماً ولكنّه لا يوجب فساد عمرته السابقة ولا حجّه.
أقول : ذكر في الجواهر (2)أنّه ليس في كلامهم تعرض لما لو رجع محلّاً بعد شهر ولو آثماً ، وقوى عدم الفساد لعدم الدليل عليه.
والصحيح أن يقال : إنّ العمرة الأُولى بحسب النص لاغية وغير قابلة للارتباط بالحج وإنّما التمتّع بالعمرة الثانية ، فالأُولى لا تكفي للتمتّع فيفسد حجّه ، فإن عمدة الروايات الواردة في المقام روايتان ، موثقة إسحاق بن عمّار وصحيحة حماد (3)والمستفاد من الاولى أنّ العمرة التي يجب الإتيان بها لدخول مكّة بعد شهر إنّما هي عمرة التمتّع ، لأنّه (عليه السلام) بعد ما حكم بأنه يرجع بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتّع فيه قال : «وهو مرتهن بالحج» ، ومن المعلوم أن الذي يوجب الارتهان والارتباط بالحج إنما هو عمرة التمتّع ، نعم العمرة المفردة قد تجب لدخول مكّة ، ولكن
ثمّ إن عدم جواز الخروج على القول به إنما هو في غير حال الضرورة بل مطلق الحاجة ، وأمّا مع الضرورة أو الحاجة (1)مع كون الإحرام بالحج غير ممكن أو حرجاً عليه فلا إشكال فيه (1).
وجوبها وجوب مستقل غير مرتبط بالحج ولا يضر تركها بالحج وإن كان عاصياً بالترك.
وأمّا الثانية فهي صريحة في ذلك ، لقوله (عليه السلام) : «وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً ، قلت : فأي الإحرامين والمتعتين متعة ، الأُولى أو الأخيرة؟ قال : الأخيرة هي عمرته ، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّته» ، وقد تقدّم أن كلمة المتعة لا تستعمل في العمرة المفردة ، فالعمرة الاولى مشروطة بأن لا يخرج من مكّة أو أنه يرجع إليها قبل الشهر وإلّا تكون العمرة الاولى ملغاة ويزول الارتباط بينها وبين الحج فيفسد حجّه حينئذ.
(1) لصحيحتي حفص وحماد ، ففي الاولى : «في رجل قضى متعته وعرضت له حاجة أراد أن يمضي إليها ، قال فقال : فليغتسل للإحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته» ، وقال في الثانية : «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج ، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عِرق خرج محرماً» (2)فمقتضى الصحيحتين جواز الخروج عند الحاجة ، فإن كان متمكناً من الإحرام ولم يكن الإحرام عليه حرجياً أحرم بالحج ثمّ يخرج وإلّا سقط وجوبه لنفي الحرج.
وهل يكفي مجرد الحاجة لجواز الخروج محلا أو لا بدّ من الاضطرار إليه؟ ظاهر المصنف (قدس سره) عدم جواز ترك الإحرام لمجرد الحاجة ، واختصاصه بمورد الحرج أو عدم الإمكان من الإحرام.
وأيضاً الظاهر اختصاص المنع على القول به بالخروج إلى المواضع البعيدة ، فلا بأس بالخروج (1)إلى فرسخ أو فرسخين ، بل يمكن أن يقال باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم ، وإن كان الأحوط خلافه (1).
ويظهر من بعضهم جواز الخروج وترك الإحرام لمجرّد الحاجة ، واستدلّ بمصحح إسحاق المتقدّم (2)، فإنّ المفروض فيه أنه خرج محلا بقرينة قوله : «يرجع إلى مكّة بعمرة» ، فإنّ موضوع السؤال أنّه خرج من مكّة لمجرّد الحاجة وفرض أنّه خرج بلا إحرام ، فيعلم من ذلك جواز الخروج بلا إحرام لمجرّد الحاجة.
وفيه : أنّ السؤال في مصحح إسحاق لم يكن عن جواز الخروج وعدمه وإنّما السؤال عن حكم الخارج وأنّه إذا خرج ماذا يصنع ، فالمتبع حينئذ إنما هو صحيح حفص المتقدّم الدال على وجوب الإحرام عند الحاجة ، ونحوه صحيح حماد.
فتحصل : أنّ مطلق الحاجة يكفي في جواز الخروج ولكن لا يكفي في ترك الإحرام وإنما يجوز ترك الإحرام عند الخروج حال الضرورة أو الحرج.
(1) وقع الكلام في أن الممنوع من الخروج هل هو مختص بالخروج إلى الأماكن البعيدة ، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين ، أو أن الممنوع هو الخروج إلى خارج الحرم ، فالخروج إلى ما دون الحرم سائغ كما عن بعضهم.
اختار الماتن (قدس سره) الأوّل ، وذكر شيخنا الأُستاذ النائيني (قدس سره) في تعليقته على العروة وكذا في مناسكه أن الممنوع هو الخروج إلى المسافة الشرعية لا ما دونها (3)، لكون مقدار الحرم مختلفاً من جهاته فلا يصحّ التقدير به ولا يطرد في جميع جوانبه.
ثمّ الظاهر أنه لا فرق في المسألة بين الحج الواجب والمستحب فلو نوى التمتّع مستحبّاً ثمّ أتى بعمرته يكون مرتهناً بالحج ويكون حاله في الخروج محرماً أو محلّاً والدخول كذلك كالحج الواجب (1).
والظاهر أن التحديد بالمسافة أو بالحرم لا دليل عليه أصلاً ، فإن الموضوع في النص هو الخروج من مكّة. نعم ، لو كان المذكور في النص مجرّد الخروج فقط أمكن القول بأن المراد به السفر إلى المسافة الشرعية كما ورد في بعض روايات صلاة المسافر من قوله : «فليس لك أن تقصّر حتى تخرج منها» (1)، لإمكان حمله على المسافة الشرعية ، ولكن الموجود في نصوص المقام الخروج من مكّة كما في صحيحتين لزرارة (2)، وهذا العنوان يصدق بالخروج عن مكّة وإن لم يبلغ المسافة أو حد الحرم فالعبرة بصدق الخروج من مكّة وعدمه.
على أن التحديد بالمسافة يختلف أيضاً فلا يصح التحديد والتقدير بها ، وذلك لأنّ المسافر إذا كان عازماً على العود يكفي السير بمقدار أربعة فراسخ ذهاباً في الحكم بالقصر ، لأنّ مجموع ذهابه وإيابه يبلغ حدّ المسافة ، بخلاف ما إذا لم يكن عازماً على العود أو كان بانياً على الإقامة عشرة أيّام فلا يكفي السير بمقدار أربعة فراسخ فيختلف الحكم حسب اختلاف المكلفين.
وأمّا التقدير بحدود الحرم فلا دليل عليه أيضاً ، بل مقتضى النصوص أن من خرج من حدود الحرم يجب عليه أن يذهب إلى الميقات ويحرم منه إن أمكن وإلّا فيحرم من مكانه ، بل هذا الحكم لا يختص بمن خرج من الحرم ويشمل كل من خرج من مكّة لإطلاق الروايات ، فالميزان هو الخروج من مكّة سواء خرج من الحرم أم لا وسواء بلغ حدّ المسافة الشرعيّة أم لا.
(1) الأمر كما ذكره بالنسبة إلى حكم الخروج ، لإطلاق الأدلّة وعدم الفرق بين
.................................................................................................
الواجب والمستحب من هذه الجهة فإنه مرتهن بالحج مطلقاً.
وأمّا بالنسبة إلى حكم الرجوع والدخول إلى مكّة ثانياً ففيه تفصيل ، لأنه تارة نلتزم بأنّ العمرة الثانية هي عمرة جديدة مفردة وغير مرتبطة بالحج ، وإنما هي واجبة مستقلّة كما مال إلى ذلك في الجواهر ، وأُخرى نلتزم بأن العمرة الثانية هي المرتبطة بالحج كما هو الصحيح على ما تقدّم فإن قلنا بالأوّل فلا كلام ، وإنما يجب الإتيان بالعمرة الثانية لدخول مكّة.
وإن قلنا بالثاني وفساد العمرة الاولى وعدم قابليتها للارتباط والاتصال بالحج للفصل بينهما فحينئذ يفترق الحج الواجب عن المستحب ، لأنّه لو كانت العمرة الأُولى فاسدة وملغاة وملحقة بالعدم فكأنه لم يعتمر ، فإنّ كان الحج مستحباً لا يجب عليه الإتيان بالعمرة الثانية ، وما دلّ على وجوب إتمام الحج والعمرة وإن كان الحج مستحباً إنما هو فيما إذا لم يخرج من مكّة ، وأمّا إذا خرج منها وفسدت عمرته على الفرض بالفصل بينهما فلا وجه لوجوب الإتيان بالعمرة الثانية عليه لفرض عدم وجوب الحج عليه ، وما أتى به من العمرة محكوم بالعدم ، فلا موضوع لوجوب اتصالها بالحج.
وقد استظهرنا من النصوص (1)أن العمرة الثانية هي المرتبطة بالحج كما عرفت وحيث إن الحج مستحب له يجوز له رفع اليد عنه ، بل يمكن أن يقال : إن الأمر كذلك في الواجب الموسع كالإجارة الموسعة أو النذر المطلق ونحوهما فله التأخير وعدم لزوم العود.
وبالجملة : لزوم العود إلى مكّة محرماً بالعمرة الثانية يبتني على كون العمرة الثانية هي عمرته المرتبطة بالحج وأن الاولى قد فسدت بالفصل بشهر فحينئذ لا يجب عليه العود إذا كان الحج مستحبّاً أو كان واجباً موسعاً ، وأمّا إذا قلنا بأن العمرة الثانية واجبة بالاستقلال وغير مرتبطة بالحج فيجب عليه العود محرماً لتفريغ ذمّته من هذا الواجب الاستقلالي.
1) الوسائل 11 : 301 / أبواب أقسام الحج ب 22.
ثمّ إنّ سقوط وجوب الإحرام عمن خرج محلا ودخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتّع (1)، وأمّا من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكّة في حرمة دخوله بغير الإحرام إلّا مثل الحَطّاب والحَشّاش ونحوهما (1).
نعم ، على تقدير عدم قابلية العمرة الاولى للارتباط بالحج وعدم إجراء حكم المتعة عليها ففي انقلابها عمرة مفردة فيجب عليه الرجوع لطواف النّساء كلام يأتي التعرّض له عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
(1) صدر عبارته مقصور بمن أتى بعمرة التمتّع ولكن الذيل أعم ، لقوله (قدس سره) : وأمّا من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكّة ، فإن قوله : من لم يكن سبق منه عمرة يشمل العمرة المفردة أيضاً ، والأمر كما ذكر في الذيل لموثقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة (2)، فانّ التعليل للرجوع إلى مكّة بعمرة بقوله : «لأنّ لكل شهر عمرة» يدل على أنّ الذي يوجب سقوط الإحرام عند الدخول إلى مكّة في شهر الاعتمار هو إتيان مطلق العمرة.
وبالجملة : لا ريب في أن النصوص مطبقة على أنه لا يجوز دخول مكّة إلّا محرماً ولا يجوز لأحد دخولها محلّاً حتى أنه إذا دخلها محلّاً عصياناً أو غفلة أو جهلاً ثمّ خرج وأراد الدخول ثانياً يجب عليه الإحرام للدخول ، وقد استثني من النصوص الدالّة على وجوب الإحرام الحطّاب والحشّاش ونحوهما ، وكذلك استثني منها من دخلها معتمراً وخرج ثمّ أراد الدخول قبل شهر (3)، وأمّا من كان من أهل مكّة الذي لم يسبق منه عمرة ، فلو خرج من مكّة وأراد الرجوع ولو في يومه وساعته يجب عليه الإحرام لدخول مكّة بمقتضى إطلاق النصوص الدالّة على عدم جواز دخول مكّة بغير إحرام.
وأيضاً سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر إنما هو على وجه الرخصة بناءً على ما هو الأقوى (1)من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين فيجوز الدخول بإحرام قبل الشهر أيضاً (1).
نعم ، مرسل حفص وأبان : «في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم قال : إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام ، فإن دخل في غيره دخل بإحرام» (2)ظاهر في عدم وجوب الإحرام لقاطن مكّة إذا رجع في شهر الخروج ، بناءً على أن مورد المرسل أهل مكّة ، ولكنّه غير صالح لرفع اليد عن تلك الروايات الكثيرة المطلقة ، لضعفه بالإرسال.
وقد ورد في بعض النصوص أن الصادق (عليه السلام) خرج من مكّة إلى الربذة لمشايعة والده الباقر (عليه السلام) ثمّ دخل مكّة حلالاً (3).
فربّما يتوهّم من إطلاق ذلك جواز الدخول محلّاً وإن لم يسبق منه العمرة أو أتى بها وتحقق الفصل بأزيد من شهر ، ولكن هذا الفعل الذي صدر منه (عليه السلام) لا إطلاق له ، إذ لعلّه كان معتمراً قبل ذلك ولم يفصل بين الدخولين مقدار الشهر.
والحاصل : لا ريب في عدم جواز الدخول إلى مكّة محلا ، لأنّ المستفاد من الروايات الشريفة أن مكّة (زادها اللّه شرفاً وعزّاً) لها كرامة وحرمة لا يجوز الدخول إليها إلّا محرماً ملبياً بالحج أو العمرة ، وجواز الدخول محلا مختص بمن أتى بالعمرة سابقاً ولم يتجاوز الشهر ، وأمّا من لم يسبق منه عمرة أصلاً وخرج وأراد الدخول يجب عليه الإحرام سواء رجع في يومه وساعته أم لا ، قريباً أو بعيدا.
(1) قد ذكرنا في بحث العمرة أن الأظهر هو اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر ولا عبرة بعشرة أيّام ، فإن أتى بها ثانياً قبل مضي شهر بعنوان عمرة التمتّع فلا مشروعية لها ، لأنّ حج التمتّع ليس فيه إلّا عمرة واحدة والمفروض إتيانها.
ثمّ إذا دخل بإحرام فهل عمرة التمتّع هي العمرة الأُولى أو الأخيرة؟ مقتضى حسنة حماد أنها الأخيرة المتصلة بالحج ، وعليه لا يجب فيها طواف النّساء ، وهل يجب حينئذ في الأُولى أو لا؟ وجهان أقواهما نعم (1)، والأحوط الإتيان بطواف مردّد بين كونه للأُولى أو الثانية (1).
وإن أتى بها بعنوان العمرة المفردة لتكون واقعة بين عمرة التمتّع وحجّه فلا بأس بالإتيان بها رجاءً لاحتمال مشروعيتها في نفسها ، ولكن مقتضى صحيح حماد عدم المشروعية ولزوم الرجوع محلا ، «قلت : فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثمّ رجع في أبان الحج في أشهر الحج إلى أن قال إن رجع في شهره دخل بغير إحرام وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً» (2). فان الظاهر منه أنه (عليه السلام) في مقام بيان الوظيفة الفعلية ، وقد عيّن أنه يرجع محلا إن رجع قبل مضي الشهر فلا يجوز له التخلف عن الوظيفة المقررة له ، ثمّ ذكر (عليه السلام) وظيفة من دخل بعد الشهر وأنه يدخل محرما.
(1) مقتضى ظهور موثقة إسحاق وصراحة صحيح حماد (3)أنه إذا دخل بالإحرام فعمرة التمتّع هي الأخيرة وأمّا الاولى فملغاة ، والأخيرة هي المحتبس بها التي وصلت بحجّته ، فلا تجب فيها طواف النّساء لعدم مشروعيته في عمرة التمتّع.
وهل يجب عليه طواف النّساء للعمرة الأُولى باعتبار أنها وإن كانت تمتعاً حدوثاً لكنها تنقلب إلى الإفراد قهراً بعد الفصل بشهر؟ ذكر المصنف (قدس سره) أن فيه وجهين ، أقواهما نعم.
ولكن ناقش غير واحد في ثبوت طواف النّساء للأُولى ، لأنه قد يفرض أنه أتى النّساء بعد الإحلال منها وقبل الخروج من مكّة أو بعده ، ومن البعيد جدّاً حرمتهنّ
ثمّ الظاهر أنّه لا إشكال (1)في جواز الخروج في أثناء عمرة التمتّع قبل الإحلال منها (1).
عليه بعد ذلك من غير موجب ، والاستبعاد المذكور في محلِّه ، فإن النّساء قد حلّت له بعد الإحلال من العمرة سواء خرج من مكّة أم لا فكيف تحرم عليه ثانياً وبأي موجب ، إذ لا دليل على التحرّم مرّة أُخرى ، بل قد عرفت أن المستفاد من معتبرة إسحاق وصحيحة حمّاد المتقدّمتين كون العمرة الاولى لاغية بالمرّة ومحكومة بالعدم فالانقلاب إلى الافراد يحتاج إلى الدليل ومجرّد الفساد ولغوية الاولى لا يوجب انقلابها إلى الافراد كي يحتاج إلى طواف النّساء.
والحاصل : يظهر من النص أن العمرة الاولى ملغاة وغير محسوبة لا أنّها تنقلب إلى الإفراد ، ولو فرضنا انقلابها إلى الإفراد كان على الإمام (عليه السلام) البيان والأمر بطواف النّساء ، فسكوته (عليه السلام) عن ذلك يكشف عن عدم انقلابها إليه ، فليس عليه طواف النّساء لا بالنسبة إلى الأُولى لكونها ملغاة ولا بالنسبة إلى الثانية لأنّها عمرة التمتّع.
(1) الظاهر أن هذه المسألة غير محرّرة عند الفقهاء (قدس سرهم) ولم أر من تعرّض لذلك.
والذي يمكن أن يقال : إن الروايات المانعة عن الخروج كلّها وردت بعد الفراغ من العمرة ، وأمّا الخروج في الأثناء فلا تشمله الروايات ، ومقتضى الأصل هو الجواز. ولا بدّ لنا من التكلم في مقامين :
أحدهما : أنه هل يجوز له الخروج من مكّة أثناء العمرة وقبل الإحلال منها أم لا؟ الظاهر هو الثاني لإطلاق النصوص المانعة ، فإن عمدة النصوص الواردة في المقام إنّما هي صحيحة الحلبي وصحيحة حماد ، وموضوع المنع فيهما هو الدخول إلى مكّة وعدم الخروج منها إلّا للحج وأنه مرتهن بحجه ، فلا بدّ من إتمام العمرة والبقاء في مكّة حتى
1) (*) بل الظاهر عدم جوازه.
.................................................................................................
يأتي بالمناسك.
ففي صحيح حماد «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج ، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان ، إلى أن قال : خرج محرماً ودخل ملبياً بالحج» (1)وفي صحيح الحلبي «عن الرجل يتمتّع بالعمرة إلى الحج يريد الخروج إلى الطائف ، قال : يهل بالحج من مكّة وما أُحب أن يخرج منها إلّا محرما» (2).
فإنه لم يفرض فيهما الفراغ من العمل ، بل الظاهر منهما أن موضوع السؤال والجواب هو الاشتغال بالأعمال وأنه يخرج وهو مشغول بالأعمال ، خصوصاً أن قوله «يتمتّع» في صحيح الحلبي ظاهر جدّاً في كون موضوع الحكم مجرد الدخول في مكّة والاشتغال بالأعمال وعدم الفراغ منها ، لأنّه فعل استقبالي يدل على الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف الفعل الماضي فإنّه يدل على الفراغ من العمل كما هو كذلك في سائر موارد الاستعمالات ، فإذا قيل رجل يصلِّي يراد به الاشتغال بالصلاة ، وإذا قيل رجل صلّى معناه الفراغ منها ، وقد ذكرنا سابقاً أن قوله «ما أُحب» لا يدل على الجواز مع الكراهة وإنّما يدل على مطلق المبغوضية وهي أعم من الكراهة والحرمة ، وإذن فلا نعرف وجهاً لجواز الخروج التكليفي في الأثناء ، فلا فرق في حرمة الخروج بين أثناء العمل أو بعده.
ثانيهما : أنه إذا فرضنا أنه خرج من مكّة محرماً بإحرامه الأوّل جهلاً أو غفلة أو عمداً قبل الفراغ من عمرته وأراد الرجوع فهل يجب عليه إحرام جديد لدخول مكّة أو أنه يدخل بنفس الإحرام الأوّل؟.
الظاهر أنّه لا حاجة إلى إحرام جديد ، لأنّ المفروض أنه على إحرامه ولم يحل ، ولا موجب لبطلان الإحرام الأوّل ، ولا دليل على إحرام آخر غير الأوّل ، حتى إذا بقي شهراً أو أزيد وأراد الدخول جاز له الدخول بنفس الإحرام الأوّل ، فإن الفصل بشهر إنّما يوجب الإحرام مجدداً على من خرج محلّاً وأراد الدخول بعد شهر لا على من خرج محرماً وهو باق على إحرامه.
[3210] مسألة 3 : لا يجوز لمن وظيفته التمتّع أن يعدل إلى غيره من القسمين الأخيرين اختياراً ، نعم إن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له نقل النيّة إلى الإفراد وأن يأتي بالعمرة بعد الحج بلا خلاف ولا إشكال وإنّما الكلام في حدّ الضيق المسوغ لذلك ، واختلفوا فيه على أقوال : (1)
(1) لا إشكال ولا خلاف في أنه ليس للمتمتع العدول إلى الإفراد أو القرآن ، لأنّ العدول من واجب إلى واجب آخر على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص. على أن من كانت وظيفته التمتّع لا يشرع في حقّه الإفراد أو القرآن لا من الأوّل ولا في الأثناء. نعم ، إذا ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج ولم يسع الوقت لذلك جاز له العدول ويجعل عمرته حج الإفراد ويتمّها حجاً ، ثمّ يأتي بعمرة مفردة ، والروايات في ذلك متضافرة (1).
إنّما الكلام في حدّ الضيق المسوغ للعدول وقد اختلفوا فيه على أقوال :
الأوّل : زوال يوم التروية ، فإن تمكّن من إتمام عمرته قبل زوال يوم التروية فهو وإلّا بطلت متعته ويجعلها حجة مفردة. اختاره والد الصدوق (2)وحكي عن المفيد (3)(قدس سره).
الثاني : غروب الشمس من يوم التروية ، حكي عن الصدوق (4)والحلبي (5)من قدماء أصحابنا.
الثالث : ظهر يوم عرفة. اختاره الشيخ في النهاية (6).
.................................................................................................
الرابع : أن العبرة بفوات الموقفين ، واختلف القائلون بفوات الموقفين على أقوال أيضا.
أحدها : أن الميزان خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري لعرفة وهو المسمّى منه.
ثانيها : أن العبرة بخوف فوت الواجب من الوقوف وهو من الزوال إلى الغروب وهو الوقوف الاختياري.
ثالثها : فوات الاختياري والاضطراري من عرفة.
رابعها : أنه إذا زالت الشمس من يوم التروية وخاف فوت الوقوف فله العدول وإن لم يخف الفوت فهو مخير بين العدول والإتمام.
ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار ، فإنها مختلفة غاية الاختلاف ، فيقع الكلام تارة فيما يقتضيه القاعدة وأُخرى فيما يقتضيه النصوص ، فإن لم يمكن العمل بها لتعارضها واختلافها أو لعدم ظهورها فالمتبع حينئذ هو القاعدة.
أمّا الأوّل : فلا ريب أن مقتضى القاعدة الأولية عدم جواز العدول مطلقاً ووجوب حج التمتّع عليه ابتداءً أو إتماماً إذا شرع فيه كما دلّت عليه الآية المباركة الآمرة بإتمام الحج والعمرة كقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1)، فالوظيفة الفعلية الأولية هي حج التمتّع ولا ينتقل فرضه إلى واجب آخر إلّا بدليل ، وعليه لو فرضنا أنه لا يتمكن من إتيان حج التمتّع وإتمامه يستكشف عدم وجوب الحج عليه فينقلب ما أتى به إلى عمرة مفردة أو أنه يحكم ببطلانه ، فإن الانقلاب يحتاج إلى دليل وهو مفقود.
وأمّا الثاني : فالنصوص الواردة في المقام على طوائف :
الطائفة الأُولى : الروايات الدالّة على أن العبرة بخوف فوت الوقوف بعرفة.
فمنها : معتبرة يعقوب بن شعيب الميثمي ، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا بأس للمتمتِّع إن لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت
1) البقرة 2 : 196.
.................................................................................................
الموقفين» (1).
فربّما استدلّ بها على أن العبرة في العدول عن التمتّع إلى الإفراد بخوف فوت الموقف ، بمعنى أنه متى قدم مكّة والنّاس في عرفات وخشي أنه إن اشتغل بأعمال العمرة يفوت عنه الوقوف فحينئذ يدع العمرة وينقل حجّه إلى الإفراد ويبادر إلى عرفات لدرك الموقف.
ويقع البحث في هذه الرواية من جهتين :
الاولى : من حيث السند. والظاهر أن الرواية معتبرة ، لأنّ رواتها ثقات حتى إسماعيل بن مرار ، فإنّه وإن لم يوثق في كتب الرجال لكنّه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي (رحمه اللّه) ، وقد وثق جميع رواته في مقدّمة التفسير (2)، فيعامل معهم معاملة الثقة ما لم يعارض بتضعيف غيره كالنجاشي والشيخ ونحوهما.
الثانية : من حيث الدلالة. والظاهر أن الرواية أجنبية عمّا نحن فيه ، لأنها وردت في إنشاء إحرام الحج وأنه غير مؤقّت بوقت خاص ، وأنه يجوز له إحرام الحج في أي وقت شاء وتيسر له ما دام لم يخف فوت الموقفين ، ومحل كلامنا فيمن أحرم لعمرة التمتّع وضاق وقته عن إتمامها.
ومنها : خبر محمّد بن مسرور ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) : ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة وخرج النّاس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه ، إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتِّعاً بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية فكيف يصنع؟ فوقع (عليه السلام) : ساعة يدخل مكّة إن شاء اللّه يطوف ويصلّي ركعتين ويسعى ويقصر ، ويحرم بحجّته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الإمام» (3)فان الظاهر منه أن العبرة بالإفاضة مع الإمام إلى المشعر لا الوقوف بعرفة في تمام الوقت من الزوال إلى الغروب ، وإنما
أحدها : خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة. الثاني : فوات الركن من الوقوف الاختياري وهو المسمّى منه. الثالث : فوات الاضطراري منه. الرابع : زوال يوم التروية. الخامس : غروبه. السادس : زوال يوم عرفة. السابع : التخيير بعد زوال يوم التروية بين العدول والإتمام إذا لم يخف الفوت.
أمره (عليه السلام) بأن يمضي إلى الموقف ليدرك الإمام ليفيض معه إلى المشعر فهو يدرك الموقف طبعاً بمقدار المسمّى ثمّ يفيض مع الإمام إلى المشعر.
لكنّه ضعيف السند بمحمّد بن مسرور كما في الوسائل ، فإنّه لا وجود له في كتب الرجال ، أو بمحمّد بن سرد أو سرو كما في التهذيب (1)فإنّه مجهول ، وذكر صاحب المنتقى (2)أن راوي الحديث محمّد بن جزك وهو ثقة ، وذكر سرد أو سرور من غلط النساخ ، فيكون الخبر معتبراً ، ولكن لا يمكن الاعتماد على ما ذكره صاحب المنتقى لأنّه مجرّد تخمين وظن ولا شاهد له ، ومجرّد رواية عبد اللّه بن جعفر عن محمّد بن جزك لا يكون شاهداً ولا قرينة على أن محمّد بن جزك هو الراوي في سند هذه الرواية ، لإمكان رواية عبد اللّه بن جعفر عن شخص آخر مسمى بمحمّد بن سرد أو سرو.
ومنها : صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة ، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر» (3)فإن دلالته على أنّ له إتمام العمرة إلى زوال الشمس من يوم عرفة واضحة جدّاً ، ومن الواضح أن السير من مكّة إلى عرفات كان يستغرق في تلك الأزمنة عدّة ساعات لأنّ ما بين مكّة وعرفات مقدار أربعة فراسخ تقريباً ، فلا يدرك المتمتِّع الموقف بتمامه وإنما يدرك مقداراً ما منه.
والمنشأ اختلاف الأخبار فإنها مختلفة أشد الاختلاف ، والأقوى أحد القولين الأوّلين ، لجملة مستفيضة من تلك الأخبار ، فإنّها يستفاد منها على اختلاف ألسنتها أن المناط في الإتمام عدم خوف فوت الوقوف بعرفة ، منها قوله (عليه السلام) في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي : «لا بأس للمتمتِّع إن لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسّر له ما لم يخف فوات الموقفين» ، وفي نسخة «لا بأس
وبعبارة اخرى : لازم صحّة إتيان العمرة إلى زوال يوم عرفة عدم اعتبار درك الموقف بتمامه وكفاية دركه مقداراً ما قبل الغروب ، والرواية كما ذكرنا صحيحة سنداً وإن كان محمّد بن عيسى الواقع في السند مردداً بين محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني وبين الأشعري ، لأنّ كلّاً منهما ثقة على الأصح ، ومدلولها يطابق القاعدة المقتضية لصحّة الحج إذا أدرك الموقف بمقدار المسمى وإن لم يستوعب تمام الوقت من الزوال إلى الغروب ، ولذا حكي عن السيّد في المدارك أن الصحيحة نص في المطلوب (1).
ومنها : صحيح الحلبي «عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً ثمّ قدم مكّة والنّاس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف ، قال : يدع العمرة ، فإذا أتم حجّه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه» (2)فإنه دال أيضاً على أن العبرة في العدول عن التمتّع إلى غيره بخوف فوت الموقف وبخشية عدم إدراكه وأمّا إذا أمكنه درك الموقف ولو بمقدار المسمى فلا مجال للعدول.
وربّما قيل : إن الوقوف الواجب إنما هو من الزوال إلى الغروب ، ولا فرق في فوت الموقف بين كون الفائت ركناً أو غيره ، فالعدول إنما يجوز فيما إذا خاف فوت الوقوف في تمام الزمان بين الظهر والغروب.
وفيه أوّلاً : أنه لو تمّ ما ذكر فهو بالإطلاق ، بمعنى أن إطلاق صحيح الحلبي يقتضي كون العبرة في العدول بفوات تمام الموقف من الزوال إلى الغروب ، ولكن صحيح
للمتمتِّع أن يحرم ليلة عرفة» إلخ ، وأمّا الأخبار المحدّدة بزوال يوم التروية أو بغروبه أو بليلة عرفة أو سحرها فمحمولة على صورة عدم إمكان الإدراك إلّا قبل هذه الأوقات فإنه مختلف باختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص ، ويمكن حملها على التقيّة إذا لم يخرجوا مع النّاس يوم التروية ، ويمكن كون الاختلاف لأجل التقيّة كما في أخبار الأوقات للصلوات. وربّما تحمل على تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بعد التخصيص بالحج المندوب ، فإنّ أفضل أنواع التمتّع أن تكون عمرته قبل ذي الحجّة ثمّ ما تكون عمرته قبل يوم التروية ثمّ ما يكون قبل يوم عرفة ، مع أنّا لو أغمضنا عن الأخبار من جهة شدّة اختلافها وتعارضها نقول : مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا ، لأنّ المفروض أن الواجب عليه هو التمتّع فما دام ممكناً لا يجوز العدول عنه ، والقدر المسلم من جواز العدول صورة عدم إمكان إدراك الحج واللّازم إدراك الاختياري من الوقوف فإن كفاية الاضطراري منه خلاف الأصل.
يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الأولين ولا يبعد رجحان أوّلهما (1)بناءً على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال والغروب بالوقوف وإن كان الركن هو المسمّى ، ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال ، فإن من جملة الأخبار مرفوع سهل
جميل (2)صريح في جواز إتيان العمرة إلى زوال يوم عرفة ، وهذا يقتضي فوات شيء من الموقف بالطبع بمقدار سيره من مكّة إلى عرفات ، لأنّ ذلك يستلزم فوات عدّة ساعات من الموقف فنرفع اليد عن ظهور خبر الحلبي بصراحة رواية جميل.
وثانياً : أنّ الوقوف الذي هو جزء الواجب هو الوقوف بمقدار المسمّى ، وأمّا الوقوف من الزوال إلى الغروب فهو واجب مستقل وليس بجزء أصلاً لا أنه جزء غير
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في متمتِّع دخل يوم عرفة ، قال : متعته تامّة إلى أن يقطع النّاس تلبيتهم» حيث إن قطع التلبية بزوال يوم عرفة وصحيحة جميل «المتمتِّع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر» ومقتضاهما كفاية إدراك مسمّى الوقوف الاختياري فإنّ من البعيد إتمام العمرة قبل الزوال من عرفة وإدراك النّاس في أوّل الزوال بعرفات.
ركني ، ولذا لو تركه عمداً لا يوجب فساد الحج وإن أثم بتركه نظير ترك طواف النّساء ، وذلك شاهد على أنه ليس بجزء للواجب ، إذ لا يعقل أن يكون جزءً للواجب وفي نفس الوقت كان تركه عمداً وعصياناً غير موجب للبطلان.
وثالثاً : أن المفروض في صحيح الحلبي أنه ورد مكّة عند ما كان النّاس بعرفة وهو زوال يوم عرفة ، ولا ريب أن السير من مكّة إلى عرفات ابتداءً من الزوال يستلزم فوت بعض الموقف عنه قطعاً سواء عدل إلى الإفراد أو لم يعدل ، فحينئذ لا بدّ أن يكون مورد سؤاله عن خشية فوت الركن من الموقف لا عن تمام ما وجب عليه فالموقف في عبارة السائل يراد منه الركن منه وهو الوقوف في الجملة.
وأمّا التحديد بفوات الموقف الاضطراري لعرفة كما هو أحد الأقوال فلا يوجد له أي نص.
الطائفة الثانية : ما دلّت على التحديد بإدراك النّاس بمنى أي ليلة عرفة ، حيث يستحب المبيت في منى ليلة عرفة ومن هناك يذهب إلى عرفات.
فمنها : خبر أبي بصير : «المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة ، فقال : إن كانت تعلم أنها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من إحرامها وتلحق النّاس بمنى فلتفعل» (1).
ومنها : صحيحة شعيب العقرقوفي ، قال : «خرجت أنا وحديد فانتهينا إلى البستان
1) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 3.
.................................................................................................
يوم التروية فتقدمت على حمار ، فقدمت مكّة فطفت وسعيت وأحللت من تمتعي ثمّ أحرمت بالحج ، وقدم حديد من الليل ، فكتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أستفتيه في أمره ، فكتب إليّ : مره يطوف ويسعى ويحل من متعته ويحرم بالحج ويلحق النّاس بمنى ولا يبيتن بمكّة» (1).
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال : إلى السحر من ليلة عرفة» (2).
وإنما ذكرنا هذه الرواية في عداد هذه الطائفة من الأخبار لأنّ تحديد إتيان العمرة بالسحر من ليلة عرفة يقتضي الالتحاق بالنّاس بمنى بعد الفراغ من أعمال متعته. وكيف كان ، لا قائل بمضمون هذه الأخبار.
ويمكن حملها على أن التحديد بإدراك النّاس بمنى باعتبار أنّه إذا لم يلتحق الحاج بمنى يفوته الموقف ، لبعد المسافة بين مكّة وعرفات خصوصاً إذا كان الحاج من الضعفاء أو كانت امرأة ونحوها من العاجزين ، وأمّا إذا ذهب إلى منى ليلة عرفة فيتمكّن من درك الموقف ، كما يمكن حملها على التقيّة. على أنّها معارضة بصحيحتي جميل (3)والحلبي (4)الدالّتين على أن العبرة بخوف فوت الموقف ، والترجيح مع الصحيحتين لموافقتهما للسنّة.
الطائفة الثالثة : ما دلّت على التحديد بزوال يوم التروية أو غروبها ، وفي بعضها يوم التروية (5)، ولكنّها معارضة بما تقدّم مما دلّ على جواز إتيان العمرة ليلة عرفة وإدراك النّاس بمنى ، وفي بعضها أن الإمام (عليه السلام) أتى بأعمال العمرة ليلة عرفة (6)، ومعارضة أيضاً بصحيحي جميل والحلبي المتقدّمين الدالّين على كفاية إدراك
وأيضاً يصدق إدراك الموقف إذا أدركهم قبل الغروب إلّا أن يمنع الصدق فإن المنساق منه إدراك تمام الواجب ، ويجاب عن المرفوعة والصحيحة بالشذوذ كما ادعي ، وقد يؤيد القول الثالث وهو كفاية إدراك الاضطراري من عرفة بالأخبار الدالّة على أن من يأتي بعد إفاضة النّاس من عرفات وأدركها ليلة النحر تمّ حجّه ، وفيه أن موردها غير ما نحن فيه وهو عدم الإدراك من حيث هو وفيما نحن فيه يمكن الإدراك والمانع كونه في أثناء العمرة فلا يقاس بها. نعم لو أتم عمرته في سعة الوقت ثمّ اتفق أنه لم يدرك الاختياري من الوقوف كفاه الاضطراري ودخل في مورد تلك الأخبار.
الوقوف الركني ، فالمرجع حينئذ هو الإطلاقات الدالّة على أن من كانت وظيفته التمتّع يجب عليه إتمامه ويكتفي بالوقوف بمقدار المسمّى ولا يلزم الوقوف تمام الوقت ، فمن تمكن من الوقوف الاختياري ولو في الجملة لا ينقلب تمتعه إلى الإفراد ، ولا عبرة بالوقوف الاضطراري.
فتلخص من جميع ما ذكرنا : أن الأصل يقتضي عدم جواز العدول من التمتّع إلى الإفراد أو القرآن في جميع الصور حتى إذا لم يتمكّن من الوقوف الاضطراري أيضاً فضلاً عن الاختياري ، لأنّ الانتقال من واجب إلى واجب آخر يحتاج إلى الدليل فإذا تمكن من درك الحج صحيحاً وإتيان جميع أعماله فهو وإلّا فيبطل أو ينقلب إلى عمرة مفردة ، وأمّا الانقلاب إلى الإفراد وإجزاؤه عن التمتّع فيحتاج إلى دليل خاص.
نعم ، ثبت بالدليل أنه إذا خاف فوت الوقوف بعرفة بمقدار المسمّى ينتقل فرضه إلى الإفراد كما هو مدلول صحيحي الحلبي وجميل ، فلو دخل مكّة معتمراً بعمرة التمتّع وضاق وقته عن إدراك الموقف من عرفة حتى آناً ما يتبدل فرضه إلى الإفراد ، وما ذكرناه هو القدر المتيقن من الأخبار ، أمّا غير ذلك من الروايات فهي متضاربة في نفسها ومعارضة بصحيحي جميل والحلبي المتقدّمين (1)والترجيح لهما ، لموافقتهما للسنّة
1) في ص 231 ، 232.
.................................................................................................
وهي الإطلاقات الدالّة على كفاية درك الموقف ولو آناً ما. على أنه يمكن حمل تلك الروايات المتضاربة على التقية وغيرها من المحامل.
ومنهم من حمل الروايات على التخيير ، فيعمل بجميع الروايات مخيراً ، وزعم أن هذا ممّا تقتضيه القاعدة بدعوى أن العمل بالروايات إذا كان ممكناً ولو على نحو التخيير فلا مجال للتعارض والتساقط.
ويرد عليه : أنه إن أراد بالتخيير التخيير في المسألة الأُصولية باعتبار تعارض الروايات ففيه : أن التخيير لم يثبت في تعارض الأخبار كما حققناه في محلِّه (1). على أن التخيير الأُصولي وظيفة المجتهد لا العامي ، لأنّ التخيير الأُصولي في المقام يرجع إلى التخيير في الحجية وذلك وظيفة المجتهد ، فيفتي على طبق إحداها مخيراً ويعمل المقلد العامي على طبق فتواه.
وإن أراد بالتخيير أن الجمع العرفي يقتضي ذلك كالأمر بالقصر والإتمام مع العلم بأنه لا تجب صلاتان في يوم واحد ، فحينئذ يحمل الأمر في كلّ منهما على التخيير ونرفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين ، لأنّ الأمر لا يدل على الوجوب التعييني بالوضع وإنّما يدل عليه بالإطلاق ، فإذا ورد الأمر بالقصر في مورد فيستفاد الوجوب منه كما يستفاد أنه تعييني بالإطلاق ، فإذا ورد في مورده أمر آخر بالتمام كان الحال فيه كما في الأوّل غير أنه يرفع اليد عن إطلاق كل منهما بالآخر ، ونتيجة ذلك هي التخيير وهذا هو المراد من الجمع العرفي بين الأمرين ، ولكن لا يمكن تطبيق ذلك على ما نحن فيه ، لأنّ الروايات متعارضة نفياً وإثباتاً ومعه كيف يمكن حمل الروايات على التخيير.
وبعبارة اخرى : لو كانت الروايات مشتملة على الإثبات ووجوب شيء فقط أمكن حملها على التخيير بالبيان المتقدّم ، وأمّا إذا كانت مشتملة على الإثبات والنفي معاً فلا يمكن حملها على التخيير ، ونصوص المقام (2)كذلك ، لقوله في بعضها : «إذا قدمت مكّة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة» ، وفي بعضها : «يقدم
بل لا يبعد دخول من اعتقد سعة الوقت فأتم عمرته ثمّ بان كون الوقت مضيقاً في تلك الأخبار (1).
ثمّ إنّ الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب وشمول الأخبار له (2) فلو نوى التمتّع ندباً وضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له العدول إلى الإفراد ، وفي وجوب العمرة بعده إشكال ، والأقوى عدم وجوبها.
مكّة ليلة عرفة ، قال : لا متعة له» ، وفي بعضها : «إذا دخل يوم عرفة ، قال : لا متعة له» ، فهذه الروايات تنفي المتعة في هذا الحد وروايات أُخر تدل على بقاء المتعة إلى زوال يوم عرفة كصحيحي جميل والحلبي وكيف يمكن حملها على التخيير.
فالمتحصل : أن الميزان في العدول إنما هو بخوف فوت الموقف الركني.
(1) لو اعتقد سعة الوقت فدخل مكّة متمتِّعاً ثمّ بان كون الوقت مضيقاً وأن هذه الليلة ليلة العيد مثلاً وفاته الموقف ، فهل تصح عمرته ثمّ يأتي بالحج أو يعدل إلى الإفراد؟
الظاهر صحّة عمرته وحجّه فيأتي بالموقف الاضطراري لعرفة وهو الوقوف ليلة العيد في عرفات ، للاكتفاء في صحّة الحج بالوقوف الاضطراري ، والمفروض أنه لم يترك الوقوف الاختياري عن غير عذر ليفسد حجّه وإنما تركه عن عذر لاعتقاده سعة الوقت.
وأمّا عدم جواز العدول فلان موضوعه الخشية وخوف فوت الموقف والمفروض أن هذا الشخص لم يكن خائفاً بل كان معتقداً سعة الوقت. ويمكن أن يقرب ما ذكرنا بأن العدول إنما جاز لدرك الموقف الاختياري لأهميّته ، والمفروض أنه قد فاته على كل تقدير عدل أو لم يعدل ، فأدلّة العدول لا تشمل المقام فيكون حجّه صحيحاً لدرك الموقف الاضطراري ، وأمّا ترك الاختياري فهو غير ضائر إذا كان عن عذر.
(2) لإطلاقها وعدم تقييدها بالواجب.
وهل تجب عليه العمرة المفردة بعد العدول إلى حج الإفراد وإتيان مناسكه أم لا؟
ولو علم من وظيفته التمتّع ضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة هل يجوز له العدول من الأوّل إلى الإفراد؟ فيه إشكال ، وإن كان غير بعيد (1)(1).
اختار المصنف عدم الوجوب وهو الصحيح ، وذلك لأنّ الأمر بإتيان العمرة المفردة بعد الإتيان بحج الإفراد الذي عدل إليه وإن ورد في عدّة من الروايات الآمرة بالعدول وأنه يصنع كما صنعت عائشة كما في صحيح الحلبي (2)، ولكنّها ليست في مقام الوجوب وإنما هي في مقام بيان ما هو عدل التمتّع وأن العمرة المفردة تقوم مقام عمرة التمتّع ، وأن المعدول إليه أي الواجب البدلي يقوم مقام الواجب الأصلي المبدل منه فالبدل يتبع الأصل ، فإن كان الأصل واجباً فكذلك البدل وإلّا فلا ، فالأمر بإتيان المفردة ليس في مقام بيان الوجوب التعبّدي وإنما هو في مقام بيان عدم فوات الوظيفة ، وأمّا الوجوب أو الاستحباب فالأخبار ساكتة عنهما ، فحينئذ يجوز له الاقتصار على إتيان أعمال الحج فقط وترك العمرة المفردة ، لعدم ارتباط أحدهما بالآخر ، فإن كلّاً من الحج والعمرة في حج الإفراد عمل مستقل في نفسه.
(1) جواز العدول هل يختص بمن كان جاهلاً بضيق الوقت ودخل في عمرة التمتّع ثمّ ضاق وقته عن إتمامها ، أو أنه يعم من لا يتمكن من الدخول في عمرة التمتّع من الأوّل ، كما لو علم بضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة؟ استشكل المصنف (قدس سره) في التعميم ثمّ لم يستبعد الجواز ، لكن الظاهر هو الاختصاص ، إذ لا دليل على العدول فيما لو علم بضيق الوقت عن إتمام عمرة التمتّع قبل الدخول فيها ، وروايات العدول كلّها واردة في جواز العدول في الأثناء وبعد الدخول في العمرة.
وقد يقال : إن الروايات وإن كان موردها ذلك ولكن يمكن استفادة الجواز قبل
ولو دخل في العمرة بنية التمتّع في سعة الوقت وأخّر الطّواف والسعي متعمداً إلى ضيق الوقت ففي جواز العدول وكفايته إشكال ، والأحوط العدول (1)وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجباً عليه (1).
الدخول أيضاً بالأولوية ، لأنّ عدم العدول حينئذ يستلزم ترك الواجب وسقوط الحج عنه بالمرّة ، لعدم تمكنه من حج التمتّع ولا يجزئه غيره على الفرض.
وفيه : أنه لا أولوية للتعميم ، لأنه لو أحرم ودخل في عمرة التمتّع ثمّ ضاق وقته عن إتمامه يكون إحرامه بقاءً إحراماً لحج الإفراد حسب النصوص الخاصّة. وأمّا إذا علم بالضيق قبل أن يدخل في العمرة وقبل أن يحرم لها ، فإن كان قد أخره عمداً وعصياناً حتى ضاق الوقت فقد استقر عليه حج التمتّع ، فلا بدّ له من الإتيان بحج التمتّع في السنة القادمة ، وأمّا إذا لم يكن التأخير مستنداً إلى اختياره ولم يكن متمكِّناً من حج التمتّع من أوّل الأمر فلا يجب عليه الحج أصلاً ، لأنّ النائي إنما يجب عليه التمتّع خاصّة فإذا لم يكن متمكناً منه سقط عنه.
وبعبارة اخرى : المكلف على قسمين النائي والقريب ، ووظيفة الأوّل هي التمتّع ووظيفة الثاني الإفراد ، ويجب على كل واحد منهما أداء وظيفته المتعيّنة له ، كالمسافر والحاضر بالنسبة إلى القصر والتمام ، فإن لم يكن النائي متمكناً من حج التمتّع من أوّل الأمر لا يجب عليه التمتّع كما لا يجب عليه الإتيان بغيره من القسمين الآخرين ، وما دلّ على جواز العدول إنما ورد في من دخل متمتعاً وضاق وقته عن الإتمام ، ولا يشمل من لم يدخل في العمرة مع ضيق الوقت عن إتمامها.
(1) الوجوه المحتملة في المسألة أربعة :
الأوّل : جواز العدول بدعوى أن نصوص المقام لا تختص بالتأخير غير الاختياري ، بل مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين التأخير الاختياري وغيره وشمولها
1) (*) بقصد الأعم من إتمامها حج إفراد أو عمرة مفردة وإن كان بطلان حجّه وإحرامه هو الأظهر.
.................................................................................................
للعامد وغيره وإن كان العامد آثماً في التأخير ، كما هو الحال في نظائر المقام من موارد الأبدال الاضطرارية ، كمن آخر الصلاة عمداً حتى ضاق الوقت عن الوضوء أو أراق الماء عمداً فإنّه يجب عليه التيمم وتصح صلاته ، وكذا من آخر الصلاة عمداً حتى أدرك ركعة من الوقت صحت صلاته أداءً وإن أثم في التأخير ، فالانقلاب بمقتضى هذه الروايات قهري.
وفيه : أن مورد النصوص من كان غير متمكن في نفسه ، ولا يعم من كان متمكناً وجعل نفسه عاجزاً عمداً. ولا يقاس المقام بباب الصلاة ، لعدم سقوطها بحال من الأحوال بالضرورة والنص كقوله (عليه السلام) في معتبرة زرارة الواردة في المستحاضة «لا تدع الصّلاة على حال» (1)فإن المستفاد من ذلك عدم سقوط الصّلاة في حال من الأحوال لا من الرجال ولا من النّساء ، والرواية وإن كانت في مورد الاستحاضة ولكن لا يحتمل اختصاص عدم سقوط الصلاة بالنّساء ، فالقرينة القطعية قائمة على عدم سقوط الصلاة ولو بتعجيز نفسه عن مقدّماتها ، ولو لم يكن الدليل القطعي قائماً في باب الصلاة لكان مقتضى القاعدة سقوطها أيضا.
الثاني : أنه بعد الفراغ عن عدم شمول روايات العدول للمقام فالقاعدة تقتضي إتيان أعمال عمرة التمتّع ثمّ يأتي بالوقوف الاضطراري لعرفة وهو الوقوف ليلة العيد أو يأتي بالوقوف الاختياري للمشعر وهو الوقوف ما بين الطلوعين من يوم العيد ، أو الوقوف الاضطراري للمشعر وهو الوقوف بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد.
وبالجملة : مقتضى القاعدة هو إتمام العمرة والاكتفاء في الحج بما تقدّم من أحد المواقف الثلاثة ، ولا يضر عدم إدراك الموقف الاختياري لعرفة أو الاضطراري لعموم ما دلّ على أن من أدرك الوقوف بالمشعر فقد تمّ حجّه (2).
وفيه : أن ما دل على الاكتفاء بالوقوف الاضطراري لعرفات أو الاجتزاء بالوقوف بالمشعر وإن لم يدرك الوقوف بعرفة خاص بما إذا كان الاضطرار حاصلاً بطبعه
[3211] مسألة 4 : اختلفوا في الحائض والنفساء إذا ضاق وقتهما عن الطهر وإتمام العمرة وإدراك الحج على أقوال :
أحدها : أنّ عليهما العدول إلى الإفراد والإتمام ثمّ الإتيان بعمرة بعد الحج لجملة من الأخبار.
الثاني : ما عن جماعة من أن عليهما ترك الطواف والإتيان بالسعي ثمّ الإحلال وإدراك الحج وقضاء طواف العمرة بعده ، فيكون عليهما الطّواف ثلاث مرّات مرّة لقضاء طواف العمرة ومرّة للحج ومرّة للنساء ، ويدلُّ على ما ذكروه أيضاً جملة من الأخبار.
الثالث : ما عن الإسكافي وبعض متأخري المتأخرين من التخيير بين الأمرين للجمع بين الطائفتين بذلك.
الرابع : التفصيل بين ما إذا كانت حائضاً قبل الإحرام فتعدل أو كانت طاهراً حال الشروع فيه ثمّ طرأ الحيض في الأثناء فتترك الطّواف وتتم العمرة وتقضي
وبنفسه ، وأمّا إذا فوت التمكن على نفسه باختياره وعجز نفسه اختياراً فالروايات منصرفة عنه ، فالقاعدة تقتضي فساد الحج ، ولا دليل على العدول ، ولا يقاس المقام بباب الصلاة إذا عجز نفسه اختياراً عن بعض مقدّماتها كما عرفت.
الثالث : أن يجعل عمرته مفردة إلحاقاً له بمن أحرم للحج ولم يدرك الوقوف بالمشعر فتبطل عمرته فقط دون إحرامه. وهذا أيضاً لا دليل عليه.
فالصحيح هو الوجه الرابع وهو الحكم ببطلان عمرته وإحرامه ، فإن الإحرام الصحيح هو الإحرام المتعقب بالطواف في سنته ، ومع عدم التعقب ولو كان بالاختيار انكشف بطلان الإحرام من الأوّل ، هذا ومع ذلك فالأحوط أن يأتي ببقية الأعمال بقصد الأعم من إتمامها حج إفراد أو عمرة مفردة ، فيأتي بأعمال الحج رجاءً ثمّ يأتي بالطّواف والسعي بقصد الأعم من حج الإفراد أو عمرة مفردة ، وعليه الحج من قابل إذا كان الحج واجباً عليه.
بعد الحج ، اختاره بعض بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين بشهادة خبر أبي بصير «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ثمّ حاضت قبل أن تقضي متعتها : سعت ولم تطف حتى تطهر ثمّ تقضي طوافها وقد قضت عمرتها ، وإن أحرمت وهي حائض لم تسعَ ولم تطف حتى تطهر» ، وفي الرضوي : «إذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم إلى قوله (عليه السلام) وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة ، وإن حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلّها إلّا الطواف بالبيت ، فإذا طهرت قضت الطواف بالبيت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج وعليها طواف الحج وطواف العمرة وطواف النّساء». وقيل في توجيه الفرق بين الصورتين ، إن في الصورة الأُولى لم تدرك شيئاً من أفعال العمرة طاهراً فعليها العدول إلى الإفراد ، بخلاف الصورة الثانية فإنها أدركت بعض أفعالها طاهراً فتبني عليها وتقضي الطواف بعد الحج. وعن المجلسي (قدس سره) في وجه الفرق ما محصله : أن في الصورة الاولى لا تقدر على نيّة العمرة لأنها تعلم أنها لا تطهر للطواف وإدراك الحج بخلاف الصورة الثانية فإنها حيث كانت طاهرة وقعت منها النيّة والدخول فيها.
الخامس : ما نقل عن بعض من أنها تستنيب للطواف ثمّ تتم العمرة وتأتي بالحج ، لكن لم يعرف قائله. والأقوى من هذه الأقوال هو القول الأوّل (1)للفرقة
1) (*) بل الأقوى هو التفصيل بين ما إذا كان الحيض أو النفاس قبل الإحرام فتحرم لحج الإفراد فتأتي به ثمّ تعتمر عمرة مفردة وبين ما إذا كانت حال الإحرام طاهرة ثمّ حاضت أو نفست ولم تتمكن من الإتيان بالعمرة قبل الحج فهي تتخير بين أن تعدل إلى الإفراد ثمّ تأتي بعمرة مفردة وبين أن تسعى وتقصّر وتحرم للحج وبعد أداء مناسك منى تقضي طواف العمرة ثمّ تأتي بطواف الحج ، ووجه ذلك أن الرواية تعين العدول في الفرض الأوّل ولا معارض لها ، وأمّا الفرض الثاني ففيه طائفتان ظاهر إحداهما تعين العدول وظاهر الثانية المضي كما ذكر والجمع العرفي قاض بالتخيير.
الاولى من الأخبار التي هي أرجح من الفرقة الثانية لشهرة العمل بها دونها ، وأمّا القول الثالث وهو التخيير فإن كان المراد منه الواقعي بدعوى كونه مقتضى الجمع بين الطائفتين ، ففيه أنهما يعدان من المتعارضين والعرف لا يفهم التخيير منهما والجمع الدلالي فرع فهم العرف من ملاحظة الخبرين ذلك ، وإن كان المراد التخيير الظاهري العملي فهو فرع مكافأة الفرقتين والمفروض أنّ الفرقة الأُولى أرجح من حيث شهرة العمل بها ، وأمّا التفصيل المذكور فموهون بعدم العمل ، مع أن بعض أخبار القول الأوّل ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الإحرام نعم لو فرض كونها حائضاً حال الإحرام وعلمت بأنّها لا تطهر لإدراك الحج يمكن أن يقال : يتعين عليها العدول إلى الإفراد من الأوّل ، لعدم فائدة في الدخول في العمرة ثمّ العدول إلى الحج ، وأمّا القول الخامس فلا وجه له ولا له قائل معلوم (1).
(1) اختلف الأصحاب في الحائض والنفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل وإنشاء الإحرام بالحج لضيق وقتهما عن ذلك على أقوال :
الأوّل : وهو المشهور والمعروف بين الأصحاب بل ادعي عليه الإجماع ، أنها تعدل إلى حج الإفراد وتذهب إلى عرفات وتأتي بجميع المناسك ثمّ تأتي بعمرة مفردة بعد الحج.
الثاني : أن تأتي بأعمال عمرة التمتّع ولكن تترك الطواف والصلاة وتسعى وتقصر ثمّ تحرم بالحج وتقضي طواف العمرة ، فعليها الطواف ثلاث مرّات ، مرّة لقضاء طواف العمرة ومرّة للحج ومرّة لطواف النّساء ، وقد نسب هذا القول إلى علي بن بابويه (1)وأبي الصلاح (2).
.................................................................................................
الثالث : ما عن الإسكافي (1)والسيّد في المدارك (2)من التخيير بين القولين المتقدّمين ، بدعوى أن ذلك مقتضى الجمع بين النصوص.
الرابع : التفصيل بين ما إذا كانت حائضاً قبل الإحرام فتعدل ، وبين ما إذا طرأ الحيض أثناء الإحرام فتترك الطواف ولكن تسعى وتقصر ثمّ تحرم بالحج وتقضي العمرة بعد الحج ، اختاره الكاشاني (3)وصاحب الحدائق (4).
الخامس : أنها تستنيب للطواف ثمّ تتم العمرة وتأتي بالحج ، ولكن الظاهر انه لا قائل به بل لا وجه له ، لأنّ الروايات الواردة في المقام بين الآمرة بالعدول وبين الآمرة بإتمام العمرة وقضاء طواف العمرة بعد أعمال الحج ولا يستفاد الاستنابة من شيء منها.
ولعل القائل بالاستنابة يرى أن الروايات بأسرها متعارضة ومتساقطة ولا مجال للرجوع إليها ، فالمتبع حينئذ القاعدة وهي تقتضي الاستنابة ، لأنّ الطواف واجب على كل معتمر بأن يطوف هو بنفسه أو يطاف به فإن لم يتمكن من الأولين ينتقل الأمر إلى الطّواف عنه ، فيتم عمله ولو بإتيان بعض أجزائه نيابة ، وأمّا العدول إلى الإفراد يحتاج إلى الدليل والمفروض عدمه ، وإتيان العمرة الناقصة بدون الطواف لا دليل عليه أيضاً.
وهذا القول وإن كان على طبق القاعدة إلّا أنه إنما يتم على تقدير تساقط الروايات وعدم إمكان الرجوع إليها ، ولكن الأمر ليس كذلك ، فإن طائفة من الروايات سليمة من التعارض فهذا القول ساقط ، وأمّا سائر الأقوال فيظهر حالها كما يظهر الصحيح منها من ذكر الروايات وما يستفاد منها ، فيقع البحث في مقامين :
.................................................................................................
أحدهما : إذا كانت المرأة حائضاً من أوّل الأمر ، أي حال الإحرام وحين الشروع فيه ويمتد حيضها إلى أوان الحج ، وأمّا لو فرض انتهاء حيضها قبل الوقوفين بحيث تتمكن من إتمام العمرة والوقوفين بعد حصول طهرها فلا كلام في عدم جواز العدول لها ، بل المتعين عليها التمتّع.
ثانيهما : ما إذا طرأ الحيض بعد الإحرام وفي أثنائه.
أمّا المقام الأوّل : فوظيفتها العدول إلى حج الإفراد ، ويدل على ذلك إطلاق صحيح جميل ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية ، قال : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة. قال ابن أبي عمير : كما صنعت عائشة» (1)فإنه واضح الدلالة على العدول إلى الإفراد سواء حدث الحيض قبل الإحرام أو في أثنائه.
ويدل عليه في خصوص حدوث الحيض قبل الإحرام صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن أسماء بنت عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر بالبيداء لأربع بقين من ذي القعدة في حجة الوداع ، فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فاغتسلت واحتشت وأحرمت ولبت مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه ، فلمّا قدموا مكّة لم تطهر حتى نفروا من منى ، وقد شهدت المواقف كلّها عرفات وجمعاً ورمت الجمار ولكن لم تطف بالبيت ولم تسع بين الصّفا والمروة فلمّا نفروا من منى أمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فاغتسلت وطافت بالبيت وبالصّفا والمروة ، وكان جلوسها في أربع بقين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجّة وثلاث أيّام التشريق» (2).
فإنّها صريحة الدلالة على العدول وأن وظيفتها الإفراد ، والمفروض فيها حدوث
.................................................................................................
النفاس قبل الإحرام ، نعم مقتضاها أن مدّة النفاس ثمانية عشر يوماً ، فتكون هذه الصحيحة من جملة الروايات الدالّة على أن مدّة النفاس ثمانية عشر يوماً كما هو أحد الأقوال في المسألة ، ولكن المختار عندنا أن مدّة النفاس كمدّة الحيض ، فالرواية من هذه الجهة غير معمول بها ، ولا يضر ذلك بالاستدلال بها للجهة التي نحن فيها.
وأوضح منها دلالة صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن أسماء بنت عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق وتهل بالحج ، فلمّا قدموا وقد نسكوا المناسك وقد أتى لها ثمانية عشر يوماً فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ، ففعلت ذلك» (1)فإنها صريحة في أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أمرها بالحج من أوّل الشروع في الإحرام من ذي الحليفة.
ويؤيد ما ذكرنا خبران لأبي بصير «وإن هي أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر» (2)والمراد منه أنها تذهب إلى عرفات قبل الطواف والسعي وتأتي بالمناسك كلّها ثمّ بعد حصول الطهر تطوف وتسعى ، وهذا هو حج الإفراد ، ولكنهما ضعيفان ، أحدهما بسهل بن زياد والثاني بالإرسال ، ونحوهما الفقه الرضوي.
والعمدة الصحاح المتقدّمة ، ولم يرد في مجموع روايات المقام إتمام عمرتها بدون الطواف وقضائه بعد الحج إذا كانت حائضاً من حين الشروع في الإحرام ، فلا موجب لرفع اليد عن الصحاح أصلاً ، فلا وجه للتخيير كما لا وجه للتأخير وقضاء الطواف ، وإطلاق صحيح جميل لا مقيّد له ، وصحيحا معاوية بن عمّار وزرارة لا معارض لهما.
وبالجملة : المستفاد منها أن وظيفة المحرمة الحائض التي لا تتمكن من إتمام عمرتها وإدراك الحج هي حج الإفراد مطلقاً ، سواء كانت ناوية للتمتع من أوّل الأمر لزعمها
.................................................................................................
انتهاء الحيض قبل الموقف ثمّ تبيّن استمرار حيضها إلى ما بعد الموقف ، أو كانت عالمة من الأوّل باستمرار حيضها إلى ما بعد الموقف فطبعاً تنوي الإفراد من الأوّل ، كما أن المتفاهم من قضية أسماء ان حج الإفراد إنما وجب عليها لأجل النفاس بحيث لولا نفاسها كانت وظيفتها التمتّع ، فيستفاد من ذلك حكم كلّي شرعي للنفساء من دون نظر إلى خصوص المورد.
ويؤكد ذلك ما في صحيح العيص المشتمل على قضية أسماء وأن ولادتها كانت بركة للنّساء (1)، فيعلم أن الحكم غير مختص بمورده.
المقام الثاني : وهو ما إذا طرأ الحيض أثناء الإحرام ، والروايات فيه على طائفتين.
الطائفة الأُولى : تدل على أن وظيفتها حج الإفراد ، وهي صحيح جميل المتقدِّم (2)فإنه بإطلاقه يدل على ذلك ، ومصحح إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات ، قال : تصير حجّة مفردة ، قلت : عليها شيء؟ قال : دم تهريقه وهي أُضحيتها» (3)فإنه صريح الدلالة على العدول إلى الإفراد في الحيض الطارئ أثناء الإحرام.
الطائفة الثانية : تدل على أن وظيفتها التمتّع لكنّها تؤخِّر الطّواف إلى ما بعد الوقوفين ، وهي صحيح العلاء بن صبيح وجماعة معه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكّة ثمّ حاضت تقيم ما بينها وبين التروية ، فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصّفا والمروة ، وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثمّ سعت بين الصّفا والمروة ثمّ خرجت إلى منى ، فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافاً لعمرتها ثمّ طافت طوافاً للحج ثمّ خرجت فسعت ، فإذا
.................................................................................................
فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلّا فراش زوجها ، فإذا طافت طوافاً آخر حل لها فراش زوجها» (1)فعليها بعد أداء المناسك ثلاثة أطواف ، طواف العمرة وطواف الحج وطواف النّساء.
ونحوها صحيحة عجلان أبي صالح ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة متمتعة قدمت مكّة فرأت الدم ، قال : تطوف بين الصفا والمروة ثمّ تجلس في بيتها فإن طهرت طافت بالبيت ، وإن لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء وأهلت بالحج من بيتها وخرجت إلى منى وقضت المناسك كلّها ، فإذا قدمت مكّة طافت بالبيت طوافين ثمّ سعت بين الصفا والمروة ، فإذا فعلت ذلك فقد حلّ لها كلّ شيء ما خلا فراش زوجها» (2)وغيرهما من الروايات المعتبرة ، وهي صريحة في بقائها على عمرتها وحجتها فيما إذا كان الحيض طارئاً أثناء الإحرام ، وأنها تطوف طواف العمرة والحج بعد قضاء المناسك ، فيتحقق التعارض بين الطائفتين ، لأنّ مقتضى الطائفة الثانية تعين التمتّع عليها وتأخير الطواف إلى ما بعد أعمال الحج ومقتضى الطائفة الأُولى كموثقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة (3)تعين الإفراد عليها ولزوم العدول إليه عليها ، وحيث نعلم بعدم وجوبهما معاً عليها فالقاعدة تقتضي رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين ، فإنّ الوجوب التعييني لا يستفاد من الظهور اللّفظي وإنما يستفاد من الإطلاق وعدم ذكر العدل للواجب بحرف أو ، ونحو ذلك ، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق كلّ منهما في التعيين بصراحة الآخر في الوجوب ، ونتيجة ذلك هي التخيير بين الأمرين بمقتضى الجمع العرفي بين الروايات كما هو الحال في نظائر المقام.
فالمستفاد من مجموع الروايات هو التفصيل بين ما كان الحيض حادثاً قبل الإحرام وضاق وقتها عن إتمام العمرة وإدراك الحج فتحرم لحج الإفراد ، وبين ما إذا طرأ
.................................................................................................
الحيض أثناء الإحرام قبل إتمام العمرة فتتخير بين العدول إلى الإفراد وبين أن تبقى على عمرتها وتأتي بجميع أعمال عمرة التمتّع عدا الطّواف ثمّ تحرم للحج وتأتي بأعماله ثمّ تأتي بطواف عمرة التمتّع قضاءً وطواف الحج وطواف النّساء.
ويؤيد ما ذكرناه من عدم تعيّن الإفراد عليها وجواز التمتّع لها بخبري أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المرأة المتمتِّعة إذا أحرمت وهي طاهر ثمّ حاضت قبل أن تقضي متعتها : سعت ولم تطف حتى تطهر ثمّ تقضي طوافها وقد تمت متعتها ، وإن أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر» (1)إلّا أن أحدهما ضعيف بسهل بن زياد والآخر بالإرسال.
وملخص الكلام في هذه المسألة : أن الروايات الواردة في المقام على أقسام :
فمنها : ما دلّ على وجوب العدول إلى حج الإفراد مطلقاً كصحيحة جميل (2).
ومنها : ما دلّ على وجوب العدول عند حدوث الحيض قبل الإحرام كصحيحة معاوية بن عمّار (3)وصحيحة زرارة (4).
ومنها : ما دلّ على ترك الطواف والإتيان بالسعي والتقصير وقضاء الطواف بعد ذلك فيما إذا حدث الحيض بعد الإحرام كصحيحتي العلاء وعجلان أبي صالح (5).
ومنها : ما دلّ على العدول إلى حج الإفراد في هذه الصورة أيضاً كمصحح إسحاق ابن عمّار (6).
أمّا القسم الأوّل : فلا مقيّد له فيما كان الحيض من الأوّل ، كما أن القسم الثاني ليس له معارض ، فيتعين القول بوجوب العدول إلى حج الإفراد من أوّل الأمر.
.................................................................................................
وأمّا القسم الثالث فبإزائه القسم الرابع ، حيث إنّ مقتضى أحدهما العدول ومقتضى الآخر إتمام العمرة بدون طواف وقضاؤه بعد ذلك ، فإن بنينا على أنهما متعارضان وليس بينهما جمع عرفي فيتساقطان لا محالة ، فيكون المرجع إطلاق صحيحة جميل الدالّة على وجوب العدول مطلقاً فيتم ما ذهب إليه المشهور ، وأمّا إذا بنينا على أن إطلاق كلّ منهما يقيد بنص الآخر كما هو الصحيح فتكون النتيجة هي التخيير فيقيد بذلك إطلاق صحيحة جميل.
فالنتيجة : أن الحيض إذا كان قبل الإحرام كانت الوظيفة حج الإفراد وإذا طرأ بعد الإحرام كانت الوظيفة هي التخيير.
بقي في المقام شيء وهو أنه ربّما يظهر من بعض النصوص عدم إمكان التخيير لها وعدم مشروعية المتعة لها كما في صحيحة ابن بزيع «عن المرأة تدخل مكّة متمتعة قبل أن تحل متى تذهب متعتها؟ قال : كان جعفر (عليه السلام) يقول : زوال الشمس من يوم التروية إلى أن قال إذا زالت الشمس أي من يوم التروية ذهبت المتعة فقلت : فهي على إحرامها أو تجدّد إحرامها للحج؟ فقال : لا ، هي على إحرامها» (1)فإن المتفاهم من قوله : «ذهبت المتعة» أن المتعة غير ثابتة وغير مشروعة في حقها.
وكذا صحيح مرازم «المتمتِّع يدخل ليلة عرفة مكّة أو المرأة الحائض متى يكون لها المتعة؟ قال : ما أدركوا النّاس بمنى» (2)أي ليلة عرفة ، لاستحباب الذهاب إلى منى ليلة عرفة ثمّ الذهاب إلى عرفة. والمستفاد منه أنها لو لم تدرك الحائض النّاس بمنى لا تشرع لها المتعة ، فيقع التعارض بين هاتين الروايتين وما دلّ على التخيير ، والمتبع حينئذ إطلاق صحيح جميل الدال على العدول إلى الإفراد مطلقا.
ولكن الظاهر أن الأمر ليس كذلك ولا تعارض في البين ، وذلك فإن الصحيحتين
.................................................................................................
لا نظر لهما إلى عدم تمكن الحائض من الطواف لأجل حيضها ، بل تنظران إلى ضيق وقت الحج بزوال الشمس يوم التروية أو بآخر زمان يمكن فيه إدراك النّاس بمنى فلا تشرع المتعة بعد ذلك ، فلو فرضنا أن الحائض قد سعت قبل زوال الشمس من يوم التروية وأخرت طوافها إلى ما بعد الوقوفين على ما دلّت عليه صحيحتا العلاء وعجلان فالصحيحتان لا تدلان على بطلان ذلك ، بل إن مقتضى صحيح ابن بزيع أن المرأة إذا حاضت يوم التروية بعد صلاة الطواف فزالت الشمس فلا متعة لها ، كما أن مقتضى صحيح مرازم أن الحائض إذا طهرت وطافت وصلت ولكنّها لا تدرك النّاس بمنى إذا سعت أنه لا متعة لها وينقلب حجها إلى الإفراد ، فلا فرق بين من عليها السعي فقط ومن عليها الطواف والسعي ، وحينئذ فإطلاقهما يقتضي ثبوت ذلك حتى إذا كانت متمكنة من الإتيان بالوظيفة بعد ظهر يوم التروية أو ليلة عرفة وأمكنها اللحوق بالنّاس في عرفات ، فيعارض ما دلّ على جواز الطواف وإتيان عمرة التمتّع ما دام يمكن لها درك الموقف ، فلا بدّ من حمل الصحيحين على التقيّة.
وإن رفعنا اليد عن الإطلاق وقيدناه بعدم تمكن الحائض من الوقوف إذا لم تذهب يوم التروية إلى منى كان حال الحائض حال سائر النّاس ، فإن العبرة في جواز تكميل عمرة التمتّع وعدمه بدرك الموقف وعدمه كما في صحيح جميل وصحيح الحلبي المتقدِّمين (1)، فلو فرضنا أنها لا تتمكّن من الموقف إذا أتمت عمرتها فطبعاً تذهب متعتها ، وعلى كل تقدير فلا تعرض في الصحيحتين لحكم الحائض من جهة عدم تمكنها من الطّواف الذي هو محل الكلام.
1) في ص 231 ، 232.
[3212] مسألة 5 : إذا حدث الحيض وهي في أثناء طواف عمرة التمتّع فإن كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها على الأقوى (1)، وحينئذ فإن كان الوقت موسعاً أتمّت عمرتها بعد الطّهر وإلّا فلتعدل (2)إلى حج الإفراد وتأتي بعمرة مفردة بعده ، وإن كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف وبعد الطّهر تأتي بالثلاثة الأُخرى وتسعى وتقصّر مع سعة الوقت ، ومع ضيقه تأتي بالسعي وتقصّر ثمّ تحرم للحج وتأتي بأفعاله ثمّ تقضي بقيّة طوافها قبل طواف الحج أو بعده (3)ثمّ تأتي ببقيّة أعمال الحج ، وحجّها صحيح تمتّعاً ، وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطّواف وقبل صلاته (1).
(1) هذه المسألة لها صور :
الاولى : أن يطرأ الحيض قبل إتمام أربعة أشواط مع سعة الوقت للاستئناف فالمشهور فيها البطلان ولزوم الاستئناف ، واستدل على ذلك بعدة روايات.
منها : ما رواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت ، قال : تمّ طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامّة ، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة لأنها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج وإن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر» (4).
ورواه الشيخ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) باختلاف يسير عن إبراهيم بن أبي
.................................................................................................
إسحاق عن سعيد الأعرج إلى قوله : «فلتستأنف بعد الحج» (1)، والرواية بكلا طريقيها ضعيفة ، فإنّ إبراهيم الواقع في السند إن كان هو النهاوندي فهو ضعيف وإن كان غيره فمجهول. على أن الطريق الأوّل فيه إرسال والطريق الثاني فيه محمّد بن سنان ، هذا مضافاً إلى أنها لا تدل على بطلان الأشواط الثلاثة وعدم جواز إتمامها بأربعة أشواط بعد الطهر فيما إذا تمكنت من ذلك ، بل هي تدل على وجوب العدول إلى الحج ، وموردها من لا يتمكن من الطواف قبل الحج ، وهو خارج عن محل الكلام كما هو المفروض في الرواية فيمن حاضت بعد أربعة أشواط.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ ، قال : «حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثمّ حاضت فمتعتها تامّة ، وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الآخر» (2).
ورواه الشيخ الكليني عن إسحاق بياع اللؤلؤ إلى قوله : «فمتعتها تامّة» (3)، فإن الرواية تدل بمفهومها على عدم تمامية المتعة لها إذا طافت أقل من أربعة أشواط ولكنّها ضعيفة بأبي إسحاق صاحب اللؤلؤ كما عن الشيخ وبإسحاق بياع اللّؤلؤ كما عن الكليني ، وبالإرسال. على أن موردها أيضاً من لا تتمكن من الطواف قبل الحج فلا دلالة لها على فساد الأشواط الثلاثة وعدم جواز إتمامها بعد الطهر إذا أمكنها ذلك.
ومنها : ما رواه الشيخ الكليني عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عمن ذكره عن أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلت ، قال : إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت ، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله» (4).
.................................................................................................
ومنها : ما رواه الشيخ الكليني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع ، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقيّة طوافها من الموضع الذي علمته ، فإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله» (1)وهذه الرواية وإن كانت دلالتها على بطلان الطواف ظاهرة إلّا أنها ضعيفة ، فإن في سندها سلمة بن الخطاب ولم تثبت وثاقته ، وقال النجاشي : إنه ضعيف في حديثه (2).
وذهب الشيخ الصدوق (قدس سره) إلى الصحّة وجواز إتمام الطواف بعد الطهر والاغتسال ، قال في الفقيه : وروى حريز عن محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أطواف أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً ، فقال : تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى» ، وروى العلاء عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) مثله. قال مصنف هذا الكتاب (رضي اللّه عنه) : وبهذا الحديث افتي دون الحديث الذي رواه ابن مسكان عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، لأنّ هذا الحديث إسناده منقطع والحديث الأوّل رخصة ورحمة وإسناده متصل. انتهى (3).
أقول : الرواية التي تمسك بها الشيخ الصدوق (قدس سره) وإن كانت صحيحة ولا يعارضها ما تقدّم من الروايات الضعيفة إلّا أنها لم ترد في طواف الفريضة وإنما هي مطلقة ، فترفع اليد عن إطلاقها وتحمل على النافلة.
قال الشيخ (قدس سره) بعد ذكره لصحيحة محمّد بن مسلم مع اختلاف يسير : إنه محمول على النافلة ، لأنّا قد بيّنا فيما مضى أن طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استئنافه من أوّله ، ويجوز له في النافلة البناء عليه ، وفيه غنى إن
.................................................................................................
شاء اللّه (1).
توضيح ذلك : أنه قد تقدّم (2)أنه متى نقص طواف الفريضة عن النصف وأحدث الطائف وخرج ليتوضّأ بطل طوافه بخلاف النافلة ، وهذا يقتضي البطلان بحدوث الحيض لا محالة ، على أن الحائض لا تخلو أيّام حيضها من سائر الأحداث ، فإذن تحمل الرواية على النافلة ، وكأن الحكم بالبطلان على ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح ، هذا ولو فرضنا أن الصحيحة كانت معارضة لتلك الروايات فبما أن الطواف عمل واحد وتعتبر فيه الموالاة فلا مناص عن القول بالبطلان ولا سيما إذا كان الفصل بأيّام كما هو المفروض في المقام. هذا ومع ذلك فالأحوط هو الإتمام بعد الطهر والإتيان بطواف كامل ، ويكفي في الاحتياط الإتيان بطواف كامل بقصد الأعم من الإتمام والتمام.
الصورة الثانية : أن يطرأ الحيض قبل إتمام أربعة أشواط ولم يسع الوقت لإتمام الطّواف بعد الطهر أو استئنافه ، وهذا يدخل في المسألة السابقة فتعدل إلى حج الإفراد على المشهور ، وتتخير بينه وبين إتمام العمرة بدون طواف وتقضي الطّواف بعد رجوعها إلى مكّة وبعد الموقفين على المختار ، ولا فرق في ذلك بين القول بجواز فصل الحيض بين الأشوط وعدمه ، فإن جواز الفصل في نفسه لا يقتضي جواز تأخير بعض الأشواط عن الوقوفين مع عدم دليل على ذلك ، وحيث لا دليل في المقام فيتعيّن العدول إلى الإفراد أو التخيير بينه وبين إتمام العمرة من دون طواف وقضائه بعد ذلك ولكن ظاهر كلام الصدوق (3)(قدس سره) هو جواز الإتمام في هذه الصورة أيضاً ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.
الصورة الثالثة : أن يطرأ الحيض بعد إكمال الشوط الرابع ، والمشهور فيها صحّة الطواف والعمرة فتتم طوافها بعد الطهر قبل الحج في سعة الوقت وبعد الوقوفين
.................................................................................................
والرجوع إلى مكّة مع ضيق الوقت وعدم إمكان الإتمام قبل الحج ، وعن الحلِّي (قدس سره) بطلان الطواف بحدوث الحيض في هذه الصورة أيضاً (1)، وقيل : إنه تبعه على ذلك بعض المتأخرين.
واستدل للمشهور بما دلّ على أن المرأة إذا حاضت بعد أربعة أشواط فقد تمّت متعتها ، لكنّك قد عرفت أن ما دلّ على ذلك ضعيف السند ، ولا أساس للقول بانجبار ضعف السند بقول المشهور ، وعليه فالقول بالبطلان هو الصحيح ، فإن الطواف كما عرفت عمل واحد يعتبر فيه الموالاة ومع الفصل بين الأشواط ولا سيما إذا كان الفصل بأيّام يحكم بالبطلان لا محالة ، وعليه فإن كان الوقت واسعاً استأنفت الطواف بعد الطّهر وأتمّت عمرتها ، وإن كان ضيقاً ولو من جهة أنها لا تطهر إلى آخر زمان يمكن فيه الخروج إلى الحج فهذا يدخل في المسألة السابقة ، والمختار فيها عندنا هو التخيير على ما عرفت ، ولكن الأحوط في الفرض الأوّل وفي هذا الفرض أن تجمع بين الإتمام والتمام كما مرّ.
هذا كلّه فيما إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف ، وأمّا إذا حاضت بعد الطواف وقبل صلاته فلا ينبغي الريب في صحّة طوافها ، فإنه لو قيل بأن حدوث الحيض بعد أربعة أشواط لا يوجب البطلان ويجوز لها الإتيان ببقيّة الأشواط بعد أعمال الحج فالحكم بالصحّة في المقام أولى ، لأنّ كلّاً منهما عمل مستقل ، وإن لم نقل بذلك كما هو المختار عندنا ، فمقتضى القاعدة أيضاً الصحّة ، إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللاحق ، نعم يتحقق الفصل بين الطواف والصلاة ولا بأس به إذا كان غير اختياري لها ، كما إذا عجز الطائف من الصلاة لمانع آخر كالمرض والكسر ونحوهما ، فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض ثمّ تأتي بأعمال الحج ، هذا إذا كان الوقت واسعاً ، وإن لم يسع الوقت فتسعى وتقصر وتصلي بعد رجوعها إلى مكّة ، كما هو الحال في قضاء الطواف. وأمّا احتمال العدول إلى الإفراد فساقط جزماً ، لأنّ أدلّة العدول وردت في من لا يتمكّن من الطواف لا الصلاة.
1) السرائر 1 : 623.
.................................................................................................
ويكفينا في الحكم بالصحّة صحيح زرارة ، قال : «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلّي الركعتين ، فقال : ليس عليها إذا طهرت إلّا الركعتين وقد قضت الطّواف» (1)، ونحوه صحيح معاوية بن عمّار ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت ثمّ حاضت قبل أن تسعى ، قال : تسعى» (2)، ومورده وإن كان حدوث الحيض قبل السعي ولكن إطلاقه يشمل قبل الصلاة وبعدها. وتؤيدهما رواية أبي الصباح الكناني قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين ، قال : إذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام إبراهيم وقد قضت طوافها» (3)، وقوله : «ليس عليها إلّا الركعتين» في صحيح زرارة ظاهر في أن الطّواف طواف الفريضة.
والمتحصل : أنّ الطّواف لا يبطل بالحيض الطارئ بعده ولا يضر الفصل بأيّام بينه وبين صلاته ، فإن كان الوقت واسعاً تصلّي بعد الطهر قبل السعي لعدم الدليل على جواز تأخيرها عن السعي مع التمكّن ، وإن كان ضيقاً فتسعى وتصلّي بعد رجوعها إلى مكّة بعد الوقوفين.
ثمّ إنّ المصنف (قدس سره) ذكر أنها تقضي بقيّة طوافها قبل طواف الحج أو بعده ولكن مقتضى صحيح العلاء (4)أنها تطوف أوّلاً طوافاً لعمرتها ثمّ تطوف طوافاً للحج ثمّ طواف النّساء.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلّى اللّه على محمّد وآله الطّاهرين.
وهي المواضع المعيّنة للإحرام أُطلقت عليها مجازاً أو حقيقة متشرعيّة والمذكور منها في جملة من الأخبار خمسة ، وفي بعضها ستة ، ولكن المستفاد من مجموع الأخبار أن المواضع التي يجوز الإحرام منها عشرة :
أحدها : ذو الحُليفة ، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمرّ على طريقهم ، وهل هو مكان فيه مسجد الشجرة أو نفس المسجد؟ قولان ، (1) وفي جملة من الأخبار أنه
(1) ذكر المصنف (قدس سره) عشرة مواقيت ، الخمسة الأُول منها تختص بمن كان بعيداً عن مكّة بمسافة معيّنة ، سنتعرض إليها إن شاء اللّه تعالى ، وهذه المواقيت مسلّمة لا كلام فيها ، وأمّا الخمسة الباقية فلهم فيها بحث سنذكر كلّاً منها في محله.
الأوّل : ذو الحليفة ، وقد اتفقت كلمة الفقهاء في أنه ميقات أهل المدينة ومن يمر على طريقهم ، والروايات في ذلك متظافرة ، منها : صحيحة الحلبي «ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة» (1).
إنما الكلام في أن الميقات المكان الذي فيه المسجد أو نفس المسجد؟ ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار ، ففي بعضها أنه ذو الحليفة وفي بعضها أنه الشجرة وفي بعضها أن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة ، وذكر في المتن أن الأحوط الاقتصار على نفس المسجد ، لحمل المطلق وهو ذو الحليفة على المقيّد وهو المسجد.
أقول : لو كان الأمر كما ذكره المصنف (عليه الرحمة) من تعيين مسجد الشجرة ميقاتاً في الأخبار فما ذكره من حمل المطلق على المقيّد هو الصحيح ، لأنّ ذا الحليفة إن كان اسماً لنفس المسجد فالأمر واضح وإن كان المراد بذي الحليفة المكان الذي فيه
1) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.
هو الشجرة ، وفي بعضها أنه مسجد الشجرة ، وعلى أيّ حال فالأحوط الاقتصار على المسجد ، إذ مع كونه هو المسجد فواضح ومع كونه مكاناً فيه المسجد فاللّازم حمل المطلق على المقيّد (1)، لكن مع ذلك الأقوى جواز الإحرام من خارج المسجد ولو اختياراً وإن قلنا إن ذا الحليفة هو المسجد ، وذلك لأنّ مع الإحرام من جوانب المسجد يصدق الإحرام منه عرفاً ، إذ فرق بين الأمر بالإحرام من المسجد أو بالإحرام فيه ، هذا مع إمكان دعوى أن المسجد حد للإحرام فيشمل جانبيه مع محاذاته ، وإن شئت فقل : المحاذاة كافية (2)ولو مع القرب من الميقات.
المسجد فليس المراد بالإحرام منه الإحرام من كل جزء من أجزاء تلك البقعة ، بل المراد جواز الإحرام من أي مكان من تلك البقعة سواء أكان من نفس المسجد أو من خارجه وحواليه ، فإذا ورد دليل على لزوم الإحرام من نفس المسجد تكون نسبته إلى الأوّل نسبة المقيّد إلى المطلق.
هذا ولكن الأمر ليس كذلك ، فإن المذكور في الأخبار ذو الحليفة وفي بعضها الشجرة ، ولا يبعد أن تكون الشجرة اسماً لذي الحليفة فيكون لهذا المكان اسمان أحدهما ذو الحليفة والآخر الشجرة ، ولم يرد في شيء من الروايات الأمر بالإحرام من مسجد الشجرة أو أنه الميقات ليكون مقيّداً فيحمل المطلق عليه كما يدعيه المصنف ، بل الوارد فيها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة ، كما أنه ورد فيها أن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة (3)، فلا موضوع لحمل المطلق على المقيّد.
1) (*) لم يرد في شيء من الروايات الأمر بالإحرام من مسجد الشجرة أو أنه الميقات ، بل الوارد فيها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة ، كما أنه ورد فيها أن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة فلا موضوع لحمل المطلق على المقيّد ، وغير بعيد أن يكون مسجد الشجرة اسماً لمنطقة فيها المسجد كما هو كذلك في مسجد سليمان.
2) (**) يأتي الكلام على كفاية المحاذاة [في الميقات التاسع].
3) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3 ، 7.
.................................................................................................
نعم ، ورد في رواية واحدة ضعيفة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أحرم من مسجد الشجرة (1)، ولكنها غير دالّة على أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عيّنه ميقاتاً وإنما تحكي فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأنه أحرم من نفس المسجد ولا ريب في جواز ذلك ، فلا تدل هذه الرواية على قصر الميقات بالمسجد خاصّة ، فالروايات الدالّة على أن الميقات ذو الحليفة باقية على إطلاقها وسالمة من التقييد.
ولإثبات ما نقول لا بدّ لنا من استعراض الأخبار وهي :
صحيح معاوية بن عمّار ، وجاء فيه «ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة» (2)، وفي صحيح الحلبي جعل الميقات الشجرة «من أين يحرم الرّجل إذا جاوز الشجرة؟» (3)، وفي صحيح ابن سنان «فيكون حذاء الشجرة» (4)، وفي صحيح إبراهيم بن عبد الحميد «يعني الإحرام من الشجرة» (5). والملاحظ من هذه الأخبار أن المذكور فيها ذو الحليفة والشجرة ومن ذلك يظهر أنهما اسمان لمكان واحد.
أمّا التعبير بمسجد الشجرة فلم يرد إلّا في رواية واحدة دلّت على أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم من مسجد الشجرة ، وهو لا يدل على تعيينه ميقاتاً كما بيّنا مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال ، إلّا أنه مع ذلك كلّه لا بدّ من الإحرام من مسجد الشجرة واعتباره ميقاتاً لروايتين :
الأُولى : صحيحة علي بن رئاب «فقال : (عليه السلام) إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة» (6).
.................................................................................................
الثانية : صحيحة الحلبي «ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة» (1)فمدلول صحيح ابن رئاب أن ذا الحليفة والشجرة اسمان لموضع واحد ، ومدلول صحيح الحلبي أن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة ، فضم الروايات بعضها إلى بعض يقتضي كون الميقات نفس المسجد ولا داعي لحمل المطلق على المقيّد.
وهل يجب الإحرام من نفس المسجد أو يجوز من خارجه؟ الظاهر هو الثاني ، لأنّ المسجد أُخذ مبدأ لا ظرفاً ، ومعنى المبدأ على ما صرّح به في صحيح الحلبي وغيره هو المنع من الإحرام قبل الوصول إليه أو بعده ، قال (عليه السلام) : «لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (2).
وأمّا لزوم الإحرام من نفس المسجد فلا يستفاد من الروايات ، فلو أحرم من خارج المسجد لا قبله ولا بعده صح إحرامه ، لصدق كون مبدإ إحرامه من المسجد ، ولا يلزم الدخول في المسجد ، نظير ما يقال : ركضت من دار فلان إلى المكان الفلاني فإنه يصدق على من ابتدأ الركض من خارج الدار وما حواليها ولا يلزم الابتداء بالركض من داخل الدار ، هذا ولا يبعد أن يكون مسجد الشجرة اسماً لمنطقة فيها المسجد ، كما هو كذلك في بلدة مسجد سليمان لا اسماً لنفس المسجد ، فمجموع المضاف والمضاف إليه اسم لهذه البقعة من الأرض ، فهذه البقعة لها اسمان أحدهما ذو الحليفة والآخر مسجد الشجرة ، هذا كلّه بالنسبة إلى أهل المدينة.
وأمّا المار بذي الحليفة فحكمه حكم أهل المدينة ، بمعنى أن ذا الحليفة ميقات لأهل المدينة ولكل من يمر على طريقهم وإن لم يكن من أهل المدينة ، فلا يختص ذو الحليفة بأهل المدينة ، وتدل على ذلك طائفتان من الروايات :
الاولى : الروايات العامّة (3)الدالّة على تعيين المواقيت وأنه ليس لأحد أن يمر عنها ويتجاوزها بلا إحرام ، فإن المستفاد منها أن هذه المواقيت مواقيت لكل حاج يكون
.................................................................................................
طريقه عليها ، إذ من الواضح عدم اختصاص وجوب الحج بأهالي هذه البلاد من الشام والعراق واليمن والطائف وأهل المدينة ، بل الحج واجب على جميع المسلمين فطبعاً تكون هذه المواضع مواقيت لأهالي هذه البلاد ولغيرهم من الحجاج إذا تجاوزوا ومروا عليها. ففي صحيح الحلبي «لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها ، ثمّ قال (عليه السلام) : ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).
وفي صحيح علي بن جعفر بعد ما ذكر المواقيت قال (عليه السلام) : «فليس لأحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها» (2)، فإنهما يدلان بوضوح على أنه ليس لأحد أن يحرم من غير هذه المواقيت ، بل لا بدّ من الإحرام منها وإن لم يكن من أهل هذه البلاد.
الطائفة الثانية : النصوص الخاصّة ، منها : صحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : «كتبت إليه : أن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مئونة شديدة فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم وخفة عليهم؟ فكتب : أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها» (3).
ومنها : صحيح ابن جعفر بعد ما سأله عن إحرام أهل الكوفة وغيرها قال (عليه السلام) : «وأهل السند من البصرة ، يعني من ميقات أهل البصرة» (4)فيعلم من ذلك أن ميقات أهل البصرة لا يختص بأهل البصرة بل يعم من يمر عنه ولو كان من أهل السند.
ومنها : معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد «عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد
[3213] مسألة 1 : الأقوى عدم جواز التأخير إلى الجُحفة وهي ميقات أهل الشام اختياراً ، نعم يجوز مع الضرورة لمرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع ، لكن خصها بعضهم بخصوص المرض والضعف ، لوجودهما في الأخبار فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات ، والظاهر إرادة المثال ، فالأقوى جوازه مع مطلق الضرورة (1)(1).
وكثرة الأيّام يعني الإحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها ، فقال : لا ، وهو مغضب من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة» (2)فإنها أيضاً تدل على عدم اختصاص الميقات بأهل المدينة بل يشمل كل من دخل المدينة ، والرواية معتبرة ، فإن إبراهيم ثقة وإن كان واقفياً ، وأمّا جعفر بن محمّد بن حكيم فإنه وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات.
ومنها : صحيح الحلبي «عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم ، قال قال أبي : يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثمّ ليحرم» (3)فإنه يدل على أن من ترك الإحرام نسياناً وجب عليه العود إلى الميقات والإحرام منه ، ويستفاد منه أن الذاكر لا يجوز له المرور والتجاوز عن الميقات إلّا محرماً. وغير ذلك من الروايات.
(1) الظاهر أنه لا خلاف بينهم في جواز تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة للمريض والضعيف ، بل يجوز العدول من ميقات إلى ميقات آخر رعاية لضعفه ومرضه كما سيتضح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
إنّما الكلام في المختار وأنه هل يجوز له العدول من مسجد الشجرة إلى الجحفة من دون عذر ومرض أم لا؟ المشهور والمعروف عدم جواز التأخير إلى الجحفة اختياراً
.................................................................................................
ونسب إلى بعض القدماء جواز التأخير اختياراً كما عن الجعفي (1)وابن حمزة في الوسيلة (2).
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، وتدل عليه طائفتان من الروايات :
الاولى : الروايات العامّة المتقدّمة الدالّة على التوقيت وأنه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت مواقيت معيّنة لا ينبغي لأحد أن يعدل عنها إلى غيرها ، والناهية عن التجاوز عنها إلّا وهو محرم ، ففي صحيحة معاوية بن عمّار «من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، لا تجاوزها إلّا وأنت محرم» ونحوها صحيحة علي بن جعفر (3).
الثانية : الروايات الخاصّة :
منها : معتبرة أبي بكر الحضرمي ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إني خرجت بأهلي ماشياً فلم أهل حتى أتيت الجحفة وقد كنت شاكياً ، فجعل أهل المدينة يُسألون عنّي فيقولون : لقيناه وعليه ثيابه ، وهم لا يعلمون ، وقد رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة» (4)فإنها تدل على أن الترخيص مختص للمريض والضعيف ، وكذا ما في معتبرة أبي بصير الدالّة على أن الصادق (عليه السلام) أحرم من الجحفة ولم يحرم من الشجرة واعتذر (عليه السلام) بأنه كان عليلاً (5).
وأمّا القائل بجواز الإحرام من الجحفة اختياراً فقد استدل بعدّة من الروايات :
منها : صحيح علي بن جعفر «وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة» (6)فإنه
.................................................................................................
صريح في جواز الإحرام من الموضعين ، فأهل المدينة مخيرون بين الإحرام من ذي الحليفة والجحفة ، فتكون هذه الرواية قرينة على حمل الروايات الدالّة على الإحرام من ذي الحليفة على الأفضلية.
والجواب : أن دلالته على التخيير بالإطلاق فيقيّد بالروايات الدالّة على اختصاص جواز الإحرام من الجحفة للمريض والضعيف.
وبالجملة : يستفاد من الأدلّة أن أهل المدينة على قسمين المختار والمريض ، أمّا المختار فلا يجوز له الإحرام إلّا من مسجد الشجرة ، وأمّا المريض فيجوز له الأمران.
ومنها : صحيح معاوية بن عمّار «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة ، فقال : لا بأس» (1).
والجواب : أن دلالته أيضاً بالإطلاق وترك الاستفصال فيقيّد بما دلّ على جواز الإحرام من الجحفة لخصوص العاجز. على أنه يمكن أن يكون الرجل المسئول عنه مريضاً أو ضعيفاً أو لم يكن عازماً على الحج وخرج من المدينة لحاجة ثمّ بدا له الحج فأجاز له الإحرام من الجحفة وأنه لا يجب عليه الرجوع إلى ميقات بلده وهو ذو الحليفة.
وبالجملة : لم يظهر من الرواية أن الرجل كان مختاراً أو كان عازماً على الحج من الأوّل.
ومنها : صحيح الحلبي «من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال : من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلّا محرماً» (2).
وفيه : أن الصحيح يدل على حكم من تجاوز الشجرة ولا يدل على جواز تأخير الإحرام اختيارا.
وهل يعم جواز التأخير إلى الجحفة سائر الأعذار كشدّة البرد أو الحر أو يختص بالمريض والضعيف كما في النص؟ وجهان ، فعن جماعة منهم المصنف التعميم ، وعن
.................................................................................................
آخرين الاختصاص بالمريض والضعيف.
ولا يبعد التفصيل بين الضرر والحرج وبين غيرهما من الأعذار.
ففي الأوّل يرتفع وجوب الإحرام من مسجد الشجرة لنفي الضرر والحرج من دون حاجة إلى دليل بالخصوص ، ولكن جوازه من الجحفة يحتاج إلى دليل آخر ، لأنّ نفي الضرر والحرج يرفع الحكم الثابت في موردهما ولا يثبت حكماً آخر ، فالمرجع حينئذٍ إطلاق ما دلّ على التخيير بين ذي الحليفة والجحفة كصحيح علي بن جعفر المتقدِّم (1)فإذا سقط وجوب أحد العدلين كما في المقام على الفرض يثبت العدل الآخر فيتعين عليه الإحرام من الجحفة.
وبتعبير آخر قد عرفت أنه لا مجال للعمل بهذا الإطلاق بالنسبة إلى من كان متمكِّناً من الإحرام من ذي الحليفة ، لتقييده بما دلّ على جواز التأخير إلى الجحفة لخصوص المريض والضعيف ، وأمّا من لم يكن مكلّفاً بالإحرام من ذي الحليفة كما هو مفروض بحثنا فيتعيّن عليه الفرد الآخر من الواجب التخييري وهو الجحفة.
وأمّا الثاني : وهو غير موارد الضرر والحرج كالحاجة الشخصية والحرج العرفي كالبرد والحر ونحو ذلك فيشكل الحكم بجواز التأخير إلى الجحفة ، لاختصاص دليل الجواز بالمريض والضعيف كما في معتبرة أبي بكر الحضرمي المتقدِّمة (2)، وحملها على مجرّد المثال كما في المتن غير ظاهر ، بل صحيح إبراهيم بن عبد الحميد (3)يدل على عدم جواز الإحرام من غير مسجد الشجرة في الحرج العرفي كشدّة البرد ونحوها من الأعذار العرفية ، فالتعدي من مورد خبر أبي بكر الحضرمي إلى مطلق العذر والحرج وإن كان عرفياً مما لا وجه له ، ولا قرينة على إرادة المثال من المريض والضعيف ، بل القرينة على الخلاف موجودة وهي صحيحة إبراهيم المتقدِّمة.
[3214] مسألة 2 : يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجُحفة أو العقيق ، فعدم جواز التأخير إلى الجحفة إنما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة ، بل الظاهر أنّه لو أتى إلى ذي الحليفة ثمّ أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز ، بل يجوز أن يعدل عنه (1)من غير رجوع فإن الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات مُحلا وإذا عدل إلى طريق آخر لا يكون مجاوزاً وإن كان ذلك وهو في ذي الحليفة ، وما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد من المنع عن العدول إذا أتى المدينة مع ضعفه منزّل على الكراهة (1).
على أنّه يمكن تقريب ما ذكرناه ببيان آخر وهو : أن معتبرة إبراهيم دلّت على عدم جواز العدول إلى غير مسجد الشجرة بالإطلاق ، وصحيح علي بن جعفر يدل على التخيير بين الإحرام من مسجد الشجرة والإحرام من الجحفة بالإطلاق أيضاً ، وقد رفعنا اليد عن إطلاقه بالنسبة إلى العليل والمريض وخصّصنا الجواز بهما ، فتكون نسبة صحيح علي بن جعفر بعد تخصيصها برواية الحضرمي الدالّة على اختصاص الجواز بالمريض والضعيف إلى إطلاق صحيح إبراهيم بن عبد الحميد نسبة الخاص إلى العام فيختص صحيح إبراهيم بغير المريض والضعيف وتنقلب النسبة من التنافي إلى العام والخاص فيختص الجواز بالمريض والضعيف.
(1) لا ريب في جواز الخروج من المدينة إلى بلد آخر كالشام أو الطائف أو اليمن والإحرام من ميقات ذلك البلد ، ولا يجب عليه البقاء في المدينة ليحرم من ميقاتها وما دلّ على أن ذا الحليفة ميقات لأهل المدينة منصرف إلى من يريد الحج من طريق المدينة ، وأمّا إذا أراد الحج من طريق آخر فلا يشمله وجوب الإحرام من ذي الحليفة بل يجب عليه الإحرام من ميقات البلد الذي أراد الحج منه.
بل لو أتى مسجد الشجرة ثمّ بدا له السفر إلى مكان آخر وأراد الحج من هناك لا
1) (*) هذا مشكل لصدق التجاوز عن الميقات وهو يريد مكّة ورواية ابن عبد الحميد لا بأس بها سندا.
.................................................................................................
مانع من الاجتياز عن ذي الحليفة بلا إحرام ، فإن الممنوع إنما هو التجاوز عن الميقات بلا إحرام لمن يريد الحج من ذي الحليفة ، وأمّا إذا أراد الحج من طريق آخر فلا إشكال في الاجتياز بلا إحرام.
إنما الكلام فيما إذا أتى مسجد الشجرة ولم يرجع منه إلى الوراء ومن هنا أراد العدول إلى ميقات آخر كالجحفة ليحرم من هناك فهل يجوز له ذلك ، أو يتعين عليه الإحرام من هذا الميقات الذي وصل إليه؟ اختار الجواز في المتن وقال (قدس سره) : «بل يجوز أن يعدل عنه من الميقات من غير رجوع» بدعوى عدم صدق التجاوز عن الميقات محلا على ما إذا عدل إلى طريق آخر ، وما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد من المنع عن العدول إذا أتى المدينة مع ضعفه سنداً منزل على الكراهة.
ويردّه : أن التجاوز عن الميقات بلا إحرام صادق وإن عدل إلى طريق آخر ، غاية الأمر أنه تجاوز من الميقات بطريق غير مستقيم ، فإن الممنوع هو التجاوز عن الميقات بلا إحرام سواء كان بطريق مستقيم بأن يتجاوز عن الميقات ويتوجه إلى مكّة من دون عدول إلى طريق آخر ، أو بطريق غير مستقيم بأن يتجاوز عن الميقات ويذهب إلى ميقات آخر ، وأمّا رواية إبراهيم بن عبد الحميد فقد عرفت أنها معتبرة ، وجعفر ابن محمّد بن حكيم المذكور في السند من رجال كامل الزيارات.
فالصحيح : أن من أتى مسجد الشجرة وكان قاصداً للحج لا يجوز له العدول إلى ميقات آخر ، بل يجب عليه أن يحرم من ميقات المدينة ولا يتجاوزه إلّا محرماً كما في معتبرة إبراهيم.
ثمّ إنه بناءً على جواز العدول إلى ميقات آخر فهل يتعين عليه الإحرام من الجحفة أو يجوز له الإحرام من أي ميقات شاء؟ لم أر من تعرض لذلك.
والتحقيق أن يقال : إنه إذا كان معذوراً من الإحرام من ذي الحليفة وغير متمكن منه فلا يجب الإحرام منه ويجوز له التجاوز عنه بلا إحرام لسقوطه عن كونه ميقاتاً بالنسبة إليه ، ففي الحقيقة مسجد الشجرة ليس ميقاتاً له أصلاً ، فحينئذ لا يتعيّن عليه الإحرام من الجحفة لعدم كون مسجد الشجرة بميقات له أصلاً ولم يجب عليه الإحرام
[3215] مسألة 3 : الحائض تحرم خارج المسجد على المختار ، ويدل عليه مضافاً إلى ما مرّ مرسلة يونس (1)في كيفية إحرامها «ولا تدخل المسجد وتهلّ بالحج بغير صلاة» ، وأمّا على القول بالاختصاص بالمسجد فمع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز إن أمكن ، وإن لم يمكن لزحم أو غيره أحرمت خارج المسجد وجددت في الجحفة أو محاذاتها (1).
منه لا تعييناً ولا تخييراً لفرض سقوطه عن الميقات بالنسبة إليه ، وحيث يجب عليه الإحرام من الميقات يجوز له اختيار أي ميقات شاء ، فيذهب إلى أي بلد شاء الذي يمر بالميقات سواء كان الجحفة أم ميقاتاً آخر.
وأمّا إذا فرضنا أنه يتمكن من الإحرام من مسجد الشجرة ولكن يجوز له العدول عنه إلى ميقات آخر على نحو الواجب التخييري كالمريض والضعيف فيتعين عليه الإحرام من الجحفة ، لأنّه إذا لم يأت بأحد العدلين الواجبين يتعيّن عليه العدل الآخر كما صنع الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) على ما في معتبرة أبي بصير ومعتبرة أبي بكر الحضرمي (2)، إذ من الواضح أن الواجب إذا كان تخييرياً وتعذّر عليه أحدهما يتعيّن عليه الفرد الآخر ، وأمّا العدول إلى ميقات آخر ليس بعدل للواجب التخييري فيحتاج إلى دليل خاص.
وإن شئت قلت : إنّ المقدار الذي ثبت من جواز المرور عن الميقات بلا إحرام لذوي الأعذار كالمريض والضعيف إنما هو التجاوز عن مسجد الشجرة بشرط الإحرام من الجحفة ، وأمّا التجاوز عنه والإحرام من ميقات آخر غير الجحفة فلم يثبت ، فالصحيح هو التفصيل بين الموردين.
(1) إذا قلنا بجواز الإحرام من خارج المسجد اختياراً فلا كلام حتى إذا قلنا بأن
.................................................................................................
الميقات نفس المسجد ، وذلك لأنّ المسجد أُخذ مبدأ لا ظرفاً كما عرفت.
ويدلُّ عليه أيضاً صحيح يونس بن يعقوب ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض تريد الإحرام ، قال : تغتسل أي غسل الإحرام وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دون ثياب إحرامها وتستقبل القبلة ، ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير الصلاة» (1).
والرواية مسندة معتبرة لا مرسلة ، ودلالتها على أن إحرامها من خارج المسجد واضحة ، وهي بإطلاقها لترك الاستفصال فيها تشمل إحرام العمرة من مسجد الشجرة أيضاً ، وذكر الإهلال بالحج في الرواية لا يوجب اختصاصها بإحرام الحج من المسجد الحرام ، لأنّ حج التمتّع اسم لمجموع العمرة والحج ويصح إطلاق الحج على عمرة التمتّع ، فلا قصور في شمول الرواية لإحرام العمرة من مسجد الشجرة ، بل شمولها لإحرام العمرة من مسجد الشجرة أولى ، إذ يبعد جدّاً خلو القوافل المتوجهة من الشجرة إلى مكّة من الحائض بل يكثر الابتلاء بذلك ، ومعه لا يصح السكوت عن بيان حكمها.
وقد يستفاد وجوب الإحرام من خارج المسجد على الحائض والنفساء وعدم جواز تأخير الإحرام لهما إلى الجحفة من قضية أسماء بنت عميس لمّا نفست بمحمّد بن أبي بكر في البيداء ، وهو خارج مسجد الشجرة ، فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بأن تحرم وتلبِّي مع النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وأصحابه ، كما في صحيحة معاوية ابن عمّار وصحيحة زرارة (2)، فتكون حالها كالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وأصحابه من حيث الإحرام من هذا المكان وعدم تأخيره إلى الجحفة أو إلى ميقات آخر.
وأمّا إذا قيل بلزوم الإحرام من نفس المسجد فقد ذكر في المتن أنه مع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز.
[3216] مسألة 4 : إذا كان جنباً ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد (1)، والأحوط أن يتيمم للدخول والإحرام ، ويتعيّن ذلك على القول بتعيين المسجد ، وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها (1).
ويرد عليه : أن أدلّة حرمة التجاوز عن الميقات بلا إحرام لا تشمل المقام ، لأنّ المفروض أن هذا المكان لم يكن بميقات لها ، وأمّا الإحرام من نفس المسجد فغير قادرة عليه فيسقط هذا الموضع عن الميقاتية بالنسبة إليها ، لا سيما بملاحظة الروايات الواردة في الإحرام من الجحفة لمن لا يتمكّن من الإحرام من الشجرة ، وأمّا الاجتياز فلا يتحقق في المقام ، لأنّ الميزان في تحقّقه صدق عنوان عابري سبيل المذكور في الآية الشريفة ( وَلا جُنُباً إِلّا عابِرِي سَبِيلٍ ) (2)، وهو أن يدخل من باب ويخرج من باب آخر على نحو يتخذ المسجد طريقاً وسبيلاً ، ولا يصدق على ما إذا دخل في المسجد وطاف ودار فيه وخرج من نفس الباب أو من الباب الملاصق له الواقع في جنبه.
على أنّه لو فرض جواز الطواف والدوران في المسجد لم يكن وجه لتقييده بعدم إمكان الصبر إلى أن تطهر ، إذ لو كان ذلك جائزاً لكان جائزاً من الأوّل ، ولا موجب لتقييده بعدم إمكان الصبر.
وما ذكره من الاحتياط في المتن بالإحرام من خارج المسجد وتجديده من الجحفة أو من ميقات آخر فلا بأس به.
(1) إذا قلنا بجواز الإحرام من خارج المسجد اختياراً فلا ريب في أنّه يتعيّن عليها الإحرام من خارج المسجد ، إذ لا يجوز لها الدخول في المسجد. وأمّا الاحتياط المذكور في المتن فهو غير مشروع ، ولا أقل من أنه على خلاف الاحتياط ، وذلك لأنه لو فرضنا جواز الإحرام من نفس المسجد وخارجه والتخيير بينهما في نفسه فإذا حاضت أو أجنب ولم يكن الماء موجوداً يرتفع التخيير ويتعين الإحرام من خارج
الثاني : العقيق ، وهو ميقات أهل نجد والعراق ومن يمرّ عليه من غيرهم وأوّله المسلخ ، وأوسطه غَمرة ، وآخره ذات عِرق ، والمشهور جواز الإحرام من جميع مواضعه اختياراً ، وأنّ الأفضل الإحرام من المسلخ ثمّ من غمرة ، والأحوط عدم التأخير إلى ذات عرق إلّا لمرض أو تقيّة فإنه ميقات العامّة ، لكن الأقوى ما هو المشهور ، ويجوز في حال التقيّة الإحرام من أوّله قبل ذات عرق سرّاً من غير نزع ما عليه من الثياب (1)إلى ذات عرق ثمّ إظهاره ولبس ثوبي الإحرام هناك بل هو الأحوط ، وإن أمكن تجرده ولبس الثوبين سرّاً ثمّ نزعهما ولبس ثيابه إلى ذات عرق ثمّ التجرّد ولبس الثوبين فهو أولى (1).
المسجد ، لأنّ أحد الفردين للواجب التخييري إذا كان غير مقدور يتعين الفرد الآخر فإذا تعين الإحرام من خارج المسجد لا يشرع التيمم للدخول في المسجد والإحرام منه ثانيا.
وأمّا إذا قيل بكون الميقات نفس المسجد فيتعيّن التيمم للدخول في المسجد والإحرام منه ، فإن التراب أحد الطهورين ، فما عن المستند من أنها تؤخر الإحرام إلى الجحفة (2)لم يظهر لنا وجهه بعد كون التراب أحد الطهورين.
(1) لا ريب في أن العقيق من المواقيت التي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، والروايات في ذلك متضافرة (3).
إنما الكلام في حدّه من حيث المبدأ والمنتهى بحسب التحديد في الروايات ، ومن جملة الروايات التي جمعت بين الأمرين معاً روايتان :
الأُولى : مرسلة الصدوق ، قال «قال الصادق (عليه السلام) : وقّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأهل العراق العقيق ، وأوّله المسلخ ووسطه غمرة وآخره
الثالث : الجُحفة ، وهي لأهل الشام ومصر ومغرب ومن يمرّ عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها.
الرابع : يَلَمْلَم ، وهو لأهل اليمن.
ذات عرق ، وأوّله أفضل» (1).
ولكن لضعفها بالإرسال لا يمكن الاستدلال بها ، ومجرد إخبار الصدوق عن الإمام (عليه السلام) على نحو الجزم لا يوجب الاعتماد عليها ، إذ يمكن ثبوت الرواية عنده بطريق غير ثابت عندنا.
الثانية : معتبرة أبي بصير وهي العمدة ، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : حدّ العقيق أوّله المسلخ وآخره ذات عرق» (2).
وقد عبروا عن هذه الرواية بالخبر ، المشعر بالضعف ، حتى أن صاحب الحدائق الذي ملتزم بتوصيف بعض الأخبار بالصحّة وبعضها بالضعف عبّر عن هذه الرواية بالخبر (3)، ولكن الظاهر أنها معتبرة ، فإن عمّار بن مروان الذي يروي عن أبي بصير وإن كان مردداً بين عمّار بن مروان اليشكري الثقة وبين عمّار بن مروان الكلبي غير الموثق إلّا أن المراد به هو اليشكري الثقة ، لأنه المعروف وهو الذي له كتاب ، وهذا الاسم عند الإطلاق ينصرف إليه ، وأمّا الكلبي فليس له كتاب وليس بمعروف حتى أن الشيخ لم يذكره.
وأمّا الحسن بن محمّد فربّما يقال إنه مجهول الحال ، والظاهر أنه الحسن بن محمّد بن سماعة الثقة الذي يروي عن محمّد بن زياد كثيراً وهو ابن أبي عمير ورواياته عنه تبلغ ستين مورداً بهذا العنوان ، وكذا بعنوان الحسن بن محمّد عن محمّد بن أبي عمير أو ابن أبي عمير.
.................................................................................................
وبالجملة : الرواية معتبرة سنداً ودلالتها واضحة فلا حاجة إلى الانجبار.
وبإزائها روايات من حيث التحديد بالمبدإ والمنتهى ، أمّا من حيث المنتهي فقد وردت روايات عديدة دالّة على أن منتهى العقيق غمرة وليس بعدها ميقات.
منها : خبر أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) «قال : حدّ العقيق ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة» (1). وهو ضعيف بسهل بن زياد والبطائني.
ومنها : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «وقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لأهل المشرق العقيق نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة» (2)وفي الوسائل في الطبعة الجديدة «نحواً من بريد» ولكنّه غلط والصحيح ما في التهذيب كما ذكرنا (3)، وأمّا دخول نفس الغمرة في حدّ العقيق فمبني على دخول الغاية في المغيى وعدمه.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «آخر العقيق بريد أوطاس ، وقال : بريد البعث دون غمرة ببريدين» (4).
ومنها : ما رواه الشيخ بهذا الاسناد في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : أوّل العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال ممّا يلي العراق ، وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلاً بريدان» (5).
وبإزائها روايات تدل على أن منتهى العقيق ذات عرق.
منها : صحيحة أبي بصير المتقدّمة (6)«حدّ العقيق أوّله المسلخ وآخره ذات عرق».
منها : صحيحة إسحاق بن عمّار الدالّة على أن الصادق (عليه السلام) أحرم من
.................................................................................................
ذات عرق بالحج (1).
فلا بدّ من ملاحظة كيفية الجمع بين الروايات ، ولا ريب أن مقتضى الجمع العرفي بينهما هو رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في عدم جواز تأخير الإحرام عن غمرة وحملها على أفضلية الإحرام منها ، وحمل هذه الروايات على جواز التأخير عن غمرة والإحرام من ذات عرق مع المرجوحية ، لأنّ تلك الروايات ظاهرة في عدم جواز التأخير وهذه الروايات صريحة في جواز التأخير إلى ذات عرق لا سيما بملاحظة فعل الصادق (عليه السلام) كما في معتبرة إسحاق المتقدِّمة ، فالنتيجة أفضلية الإحرام من غمرة وجواز تأخيره إلى ذات عرق مع المرجوحية.
ويؤيده رواية الاحتجاج الدالّة على عدم متابعة العامّة في تأخير الإحرام إلى ذات عرق (2).
وأمّا من حيث المبدأ فمقتضى بعض الروايات أنه قبل المسلخ كمعتبرة معاوية بن عمّار المتقدِّمة (3)، «قال : أوّل العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال ممّا يلي العراق» ، فأوّل العقيق قبل المكان المسمى بالمسلخ بستة أميال ، وكذا يستفاد من صحيحة عمر بن يزيد المتقدِّمة ، وفي بعض الروايات أن أوّله المسلخ كما في معتبرة أبي بصير المتقدِّمة فيقع التنافي بينهما.
فإن قلنا بأن هجر الرواية والاعراض عنها يوجب سقوط حجيتها فالأمر سهل لإعراض الأصحاب عن الروايات الاولى وإجماعهم على عدم جواز الإحرام قبل المسلخ ، فالمرجع حينئذٍ ما دلّ على أنّ أوّله المسلخ.
وإن لم نقل بذلك فالصحيح أن يقال بأن هذه الروايات إنما تدل على أن العقيق اسم يطلق على ما قبل المسلخ ولا تدل على جواز الإحرام من قبل المسلخ ، إذ لا ملازمة بين كون العقيق اسماً لذلك المكان وبين جواز الإحرام منه ، لإمكان اختصاص جواز
.................................................................................................
الإحرام بمنطقة خاصّة من وادي العقيق كالمسلخ ، وتدل على ما ذكرنا صحيحة معاوية ابن عمّار الدالّة على أن الميقات بطن العقيق «قال (عليه السلام) : وقت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق» (1)وبطنه هو المسلخ ، فتكون هذه الصحيحة في الحقيقة مقيّدة لإطلاق ما دلّ على أن الميقات ما يسمّى بالعقيق.
ويمكن أن يقال : إن نفس التسمية بالمسلخ تدل على أن المسلخ أوّل الميقات لتسلخ الحاج وتجرّده عن الثياب في هذا المكان ثمّ يلبس ثوبي الإحرام ، فكان هذا المكان سمِّي بالمسلخ بعد جعله ميقاتاً فيرتفع التعارض والتنافي بالمرّة ، أمّا من حيث المنتهي فبالحمل على الأفضلية كما عرفت ، وأمّا من حيث المبدأ فبأن قبل المسلخ يسمّى بالعقيق لا أنه يجوز الإحرام منه.
فتلخّص : أن مبدأ الميقات هو المسلخ وأوسطه غمرة ومنتهاه ذات عرق ، والحاج مخير بين الإحرام من المسلخ إلى ذات عرق ، وأمّا كون الإحرام من غمرة أفضل من ذات عرق فلم يدل عليه دليل بالخصوص ، نعم الأولى والأحوط عدم تأخير الإحرام إلى ذات عرق لما ورد في بعض الروايات أن غمرة هو المنتهي.
وأمّا الإحرام من المسلخ وهو أوّل العقيق فقد ذكروا أنه أفضل ، ودلّت عليه عدّة من النصوص المعتبرة ، وقد عقد له باباً مستقلا في الوسائل (2).
ففي صحيحة يونس «عن الإحرام من أي العقيق أفضل أن أُحرم؟ فقال : من أوّله أفضل» (3)ونحوها ما رواه الشيخ عنه (4).
ومعتبرة إسحاق بن عمّار «عن الإحرام من غمرة ، قال : ليس به بأس ، وكان بريد العقيق أحب إلى» (5)وبريد العقيق أوّله ، فإنه ذكر في الروايات أن أوّل العقيق بريد
.................................................................................................
البعث وهو دون غمرة ببريدين.
نعم يظهر من رواية الاحتجاج لزوم الإحرام من أوّل العقيق وهو المسلخ وعدم جواز تأخيره عن أوّله ، فقد روى الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري في جملة ما كتبه إلى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه) «أنه كتب إليه يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلاً بهم يحج ويأخذ عن الجادة ، ولا يحرم هؤلاء من المسلخ ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلّا أن يحرم من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب : يحرم من ميقاته ثمّ يلبس الثياب ويلبِّي في نفسه ، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره» (1).
ورواه الشيخ في كتاب الغيبة مسنداً عن أحمد بن إبراهيم النوبختي (2)، ولكن لا بدّ من رفع اليد عنها لما عرفت من دلالة بعض الأخبار المعتبرة على جواز التأخير صريحاً ، مضافاً إلى ضعف السند بكلا طريقيه. أمّا طريق الاحتجاج فبالإرسال ، وأمّا طريق الشيخ فبجهالة أحمد بن إبراهيم النوبختي.
بقي الكلام في مفاد رواية الاحتجاج وكيفية الاحتياط وملاحظة التقيّة.
فنقول : إن أمكن تجرّده ولبس ثوبي الإحرام سرّاً من المسلخ ثمّ ينزعهما ويلبس ثيابه إلى ذات عرق ثمّ يتجرّد ويلبس الثوبين تبعاً فلا إشكال ، وإن لم يمكنه ذلك إلّا متابعتهم فإن قلنا بأن لبس ثوبي الإحرام من مقومات الإحرام ودخيل في حقيقته فهو غير متمكِّن من الإحرام من الميقات وحكمه حكم من لم يتمكّن من الإحرام من الميقات. وأمّا إذا قلنا بأن لبس ثوبي الإحرام غير دخيل في حقيقة الإحرام وإنما هو واجب مستقل آخر فلا نحتاج في ارتفاع وجوبه حينئذٍ إلى دليل خاص ، بل نفس التقيّة كافية في رفع الوجوب ، فيرتفع وجوب لبس الثوبين لأجل التقيّة ولكن الكفّارة بلبس المخيط ثابتة.
الخامس : قَرن المنازل ، وهو لأهل الطائف (1).
السادس : مكّة ، وهي لحج التمتّع (2).
نعم لو كانت رواية الاحتجاج صحيحة السند لالتزمنا بعدم وجوب الكفّارة ، لأنّ السكوت عن وجوب الكفّارة في مقام البيان يكشف عن عدم الوجوب.
ثمّ إن المذكور في نصوص المقام أن العقيق ميقات لأهل نجد والعراق ، ولكن ورد في صحيحة عمر بن يزيد ان قرن المنازل ميقات لأهل نجد (1)، ويمكن الجواب بالحمل على التقيّة كما ذكره صاحب الحدائق (2)، لما رووا عن ابن عمر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حدّ لأهل نجد قرن المنازل (3)كما يمكن أن يقال بأن لأهل نجد طريقين ، أحدهما يمر بالعقيق والآخر يمر بقرن المنازل.
(1) هذه المواقيت الخمسة التي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأهل هذه البلاد ومن يمر عليها من غيرهم إلّا إذا أحرم من الميقات السابق ، وقد تضافرت النصوص في ذلك (4).
(2) وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة ، ففي بعضها الإحرام والإهلال بالحج من المسجد ، وفي بعضها من الكعبة ، وفي بعضها من رحله أو من الطريق أي شوارع مكّة وطرقها (5)، والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في المسألة.
نعم ، في المقام رواية معتبرة قد يستظهر منها خلاف ما تقدّم وأن ميقات حج التمتّع ذات عرق ، وهي معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث «قال (عليه السلام) : كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلمّا رجع فبلغ
السابع : دُوَيْرة الأهل أي المنزل ، وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكّة (1) بل لأهل مكّة أيضاً على المشهور الأقوى وإن استشكل فيه بعضهم فإنّهم يحرمون لحج القران والإفراد من مكّة (1)، بل وكذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى
ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج» (2).
وفيه : أن هذه الرواية لا تخلو عن تشويش واضطراب ، فإن جوابه (عليه السلام) بقوله : «كان أبي مجاوراً إلى آخره» لا يرتبط بسؤال السائل ، لأنّ السائل سأل عن تجدد الإحرام لدخول مكّة في الشهر الذي خرج فيه ، فكأنه (عليه السلام) أعرض عن الجواب لوجود مانع عنه وقال (عليه السلام) : «كان أبي إلخ». على أنه لم يظهر من الرواية أن الصادق (عليه السلام) كان متمتعاً بالحج ثمّ خرج من مكّة وأحرم لحج التمتّع من ذات عرق ، بل المفروض في الرواية أنه (عليه السلام) كان مجاوراً في مكّة ولو بضعة أشهر وخرج لحاجة فبلغ ذات عرق وأحرم منه ويمكن أن يكون إحرامه للقران أو الإفراد.
مضافاً إلى أنه لو كان متمتعاً بالحج لا يجوز له الخروج من مكّة ، لأنه محتبس ومرتهن بالحج فكيف خرج محلّاً ، فهذه قرينة على أنه (عليه السلام) لم يكن متمتعاً بالحج.
والحاصل : جوابه (عليه السلام) واستشهاده بفعل أبيه (عليه السلام) غير مرتبطين بحج التمتّع الذي هو محل الكلام.
(1) أي كان منزله أقرب إليها من المواقيت ، والظاهر أنه لا إشكال ولا خلاف في ذلك ، وتشهد له النصوص المتضافرة (3).
إنما الكلام في أن الميزان بالقرب إلى مكّة أو إلى عرفات أو التفصيل بين العمرة
فرض أهل مكّة ، وإن كان الأحوط إحرامه من الجِعرانة وهي أحد مواضع أدنى الحل للصحيحين الواردين فيه المقتضي إطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل ، وإن كان القدر المتيقن الثاني فلا يشمل ما نحن فيه ، لكن الأحوط ما ذكرنا عملاً بإطلاقهما ، والظاهر أن الإحرام من المنزل للمذكورين من باب الرخصة وإلّا فيجوز لهم الإحرام من أحد المواقيت ، بل لعلّه أفضل لبُعد المسافة وطول زمان الإحرام.
فيعتبر القرب إلى مكّة وبين الحج فبالقرب إلى عرفات ، إذ لا يجب المرور على مكّة في إحرام الحج من المواقيت؟ وجوه وأقوال ، والمشهور هو الأوّل ، وذهب بعضهم إلى الثاني ، وبه صرّح الشهيد في اللّمعة (1)ونقله في المدارك (2)عن المحقق في المعتبر (3)ولكن ذكر صاحب الحدائق أنه لم يجده فيه بل استظهر من كلامه القرب إلى مكّة (4)وعن الشهيد الثاني في المسالك الثالث (5).
والصحيح ما ذهب إليه المشهور لتصريح الروايات بذلك ولم يذكر في شيء منها القرب إلى عرفات ، فمن كان منزله أقرب إلى مكّة من سائر المواقيت فميقاته منزله ، وهو المعبر عنه في النصوص بدويرة أهله. نعم ، تلاحظ المسافة بين مجموع المواقيت ومنزله ، فإذا كانت مسافة منزله أقل من مسافة مجموع المواقيت فميقاته منزله ، وإذا كانت مسافة بعض المواقيت أقل فميقاته ذلك الميقات أو ميقات آخر لا منزله ، مثلاً إذا كان منزله أقل من مرحلتين إلى مكّة المكرمة فميقاته منزله ، وإذا كان منزله أكثر من مرحلتين فميقاته أحد المواقيت المعيّنة القريبة كقرن المنازل ، فإنه يبعد
.................................................................................................
عن مكّة بمقدار مرحلتين تقريبا.
فبالجملة : أن الميزان إنما هو بملاحظة المسافة بين منزله ومكّة من جهة وبين المواقيت من جهة أُخرى ، فإن كان منزله أقل مسافة إلى مكّة من المواقيت فميقاته منزله ودويرة أهله ، وأمّا إذا كانت مسافة منزله أكثر من مسافة ميقات آخر فميقاته ليس منزله ، بل عليه أن يذهب إلى أحد المواقيت المعيّنة فيحرم منه ، وعلى سبيل المثال فمن كان منزله بين مكّة والمدينة وكانت الجحفة أمامه فميقاته الجحفة لأنها أقرب إلى مكّة من منزله ، ولا يجوز له الإحرام من منزله ، وتشمله الروايات الناهية عن الإحرام من المنزل (1).
وبناءً عليه فالظاهر هو الفرق بين التحديد بالقرب إلى مكّة أو إلى عرفات ، لأنه لو فرضنا أن عرفات تفصل بين منزله ومكّة وكان الفصل بين منزله وعرفات اثني عشر فرسخاً فيفصل منزله عن مكّة بستة عشر فرسخاً لأنّ مكّة تبعد بأربعة فراسخ ، فإن قلنا بأنّ العبرة بالقرب إلى عرفات فميقاته منزله لأنّه أقرب إليها من المواقيت ، لأنّ أقرب المواقيت إلى مكّة قرن المنازل وهو يبعد عن مكّة بأقل من ستة عشر فرسخاً ، وأمّا إذا قلنا بأن العبرة بالقرب إلى مكّة فميقاته سائر المواقيت المعيّنة.
وإذا كانت مكّة فاصلة بين منزله وعرفات ، فإن قلنا بأنّ العبرة بالقرب إلى عرفات وكان الفصل بين منزله ومكّة باثني عشر فرسخاً فيحرم من الميقات لا من منزله ، لأنّ الفصل بين منزله وعرفات بستة عشر فرسخاً فلا بدّ أن يذهب إلى الميقات لأنّه أقرب إلى عرفات ، وأمّا لو قلنا بأنّ العبرة بالقرب إلى مكّة فميقاته منزله لأنّه أقرب إلى مكّة.
وبالجملة : يختلف الحال باختلاف المواقيت بعداً وقرباً من حيث المسافة بملاحظة البعد عن مكّة أو عن عرفات ، فليس الأمر كما قيل بأنّه لا تفاوت بين الأمرين.
ولكن قد عرفت أنّ المستفاد من الروايات أن الميزان بالقرب إلى مكّة ، هذا كلّه
1) الوسائل 11 : 319 / أبواب المواقيت ب 9 ، 11 ، 17.
.................................................................................................
بناءً على أنّ المعيار هو القرب والبعد بلحاظ كثرة المسافة وقلتها بالنسبة إلى مجموع المواقيت.
وأمّا بناءً على أن الميزان بما قبل الميقات وبما دونه كما هو المستفاد من نصوص الباب ، لأنّ المذكور فيها «من كان منزله دون الميقات» أو «دون الجحفة» أو «دون ذات عرق» (1)ونحو ذلك فالعبرة بما إذا كان الميقات قدامه أو وراءه ، فمن كان الميقات وراءه يكون منزله أقرب إلى مكّة طبعاً فيحرم من منزله ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي خلفه ، فكل يلاحظ منزله ومحله بالنسبة إلى الميقات الذي يقع خلفه أو قدامه ، فإن المستفاد من قوله (عليه السلام) : «دون المواقيت ، أو خلف هذه المواقيت» أن يلاحظ كل أحد ميقات محله ومنزله ، يعني كل من كان منزله أقرب إلى مكّة وكان الميقات وراءه وخلفه يحرم من منزله ، وليس عليه الرجوع إلى الميقات حتى إذا كان منزله أبعد مسافة إلى مكّة بلحاظ ميقات آخر ، لأنّ العبرة على الفرض ليست ببعد المسافة وقربها وإنما العبرة بموضع منزله ووقوعه بين مكّة والميقات.
فتحصل مما ذكرنا : أنه إذا كانت العبرة بالقرب والبعد إلى مكّة حسب مجموع المواقيت فلا بدّ من ملاحظة المسافة بين منزله وبين الميقات بالنسبة إلى مكّة ، فإن كانت مسافة بيته أقل يحرم من منزله ، وإن كانت مسافة بيته أكثر من مسافة الميقات يحرم من الميقات ، وعلى ذلك تفترق الحال حسب ملاحظة القرب إلى مكّة أو إلى عرفات.
وأمّا إذا كانت العبرة بكون منزله دون الميقات وبعده أو قبله كما هو الصحيح فيلاحظ كل أحد موقع منزله ، فإن كان منزله وسطاً بين الميقات ومكّة يحرم من منزله ، وإذا كان الميقات فاصلاً ووسطاً بينه وبين مكّة يحرم من الميقات ، ولذا يختلف ذلك قرباً وبعداً بحسب المواقيت ، لأنّ بعد المواقيت إلى مكّة مختلف ، فبعض يقع منزله بعد قرن المنازل الذي يبعد عن مكّة بمرحلتين ، وبعض يقع منزله بعد الجحفة التي
1) الوسائل 11 : 333 / أبواب المواقيت ب 17.
.................................................................................................
تبعد عن مكّة بثلاثة مراحل تقريباً وهكذا.
نعم ، بالنسبة إلى مسجد الشجرة لا يتصور ذلك ، لأنّ من كان منزله بين مكّة والمدينة بعد مسجد الشجرة فأمامه ميقات آخر وهو الجحفة ، فإنها تقع في طريق الذاهب من المدينة إلى مكّة ، وقد ورد في النص أيضاً (1)أن من آخر الإحرام من مسجد الشجرة يحرم من الجحفة ، ولعله لذلك لم يرد في النصوص دون مسجد الشجرة كما ورد ذلك بالنسبة إلى الجحفة أو إلى ذات عرق.
هذا تمام الكلام في غير أهل مكّة ممن كان منزله قريباً إليها.
وأمّا أهل مكّة المكرّمة فالمعروف بين الأصحاب أنهم يحرمون من منازلهم أيضاً لأنّ منازلهم دون الميقات فيشملهم جواز الإحرام من دويرة أهله إذا كان منزله دون الميقات ، بل يمكن أن يقال إن القدر المتيقن من هذا الحكم إنما هو أهل مكّة وأُلحق بهم غيرهم ممن كان منزله قريباً إلى مكّة.
وقد استدلّ عليه بمرسلة الصدوق «عن رجل منزله خلف الجحفة من أين يحرم؟ قال (عليه السلام) : من منزله» (2)بدعوى أن منازل أهل مكّة خلف الجحفة ، فعنوان خلف الجحفة لا يختص بمن كان منزله وسطاً بين مكّة والميقات بل يشمل منازل أهل مكّة أيضا.
ويرد عليه : أنه ليس في هذه الروايات ما يشمل أهل مكّة لا بعمومه ولا بإطلاقه.
أمّا عنوان دون الميقات فيختص بمن كان منزله وسطاً بين مكّة والميقات.
وأمّا المرسل ففيه مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال أن عنوان الخلف لا يشمل منازل مكّة ، بيان ذلك : أن الخلف والقدام أمران إضافيان اعتباريان ، فكما يمكن أن تكون مكّة خلفاً للجحفة يمكن أن تكون الجحفة خلفاً لمكّة ، كما يصح أن يقال : إنّ كربلاء خلف النجف الأشرف أو بالعكس ، فلا بدّ في صدق عنوان الخلفية من فرض
.................................................................................................
موضعين وفرض شخص يريد الذهاب من أحدهما إلى الآخر ، فإذا ذهب من هذا المكان وتوجه إلى مكان آخر فالمكان الأوّل يكون خلفاً له ، ولو انعكس فبالعكس فمن دخل الجحفة وذهب منها إلى مكّة تكون الجحفة خلفه ، وكذا يصدق عنوان الخلف على من كان منزله بين مكّة والجحفة مثلاً ، وأمّا من كان منزله في مكّة فلا يصدق عليه عنوان خلف الجحفة ، فإنّ كلّاً منهما خلف الآخر باعتبار الذهاب والتوجه ، فإن توجه من مكّة إلى الجحفة فمكّة خلفه وإن توجه من الجحفة إلى مكّة فالجحفة خلفه.
وبالجملة : أن عنوان الخلف باعتبار الشخص المتوجه الذاهب من بلد إلى بلد آخر فالبلاد من حيث هي لا خلفية فيها حقيقة.
فلا دليل على أن بلدة مكّة المكرّمة ميقات لأهل مكّة ، وما ورد في النصوص من «دويرة أهله ومنزله» (1)مختص بغير أهل مكّة ممن هو قريب إليها فلا بدّ من التماس دليل آخر لمكان الإحرام لأهل مكّة ، وقد ورد في روايتين معتبرتين أن إحرامهم من الجعرانة :
الأُولى : صحيحة أبي الفضل ، وعبّر عنها صاحب الحدائق بصحيح أبي الفضل سالم الحناط (2)مع أن الموجود في الكافي (3)أبو الفضل فقط من دون ذكر سالم الحناط ولم يكن من دأب صاحب الحدائق إضافة شيء في سند الروايات ، بل إنه (رحمه اللّه) ملتزم بذكر ما في الكتب الأربعة على ما هي عليه من دون زيادة شيء أو نقيصته.
وكيف كان ، لا ريب في صحّة السند ، والمراد بأبي الفضل هو سالم الحناط لقرائن منها رواية صفوان عنه كثيراً ، ومنها رواية أبي الفضل عن الصادق (عليه السلام) «قال : كنت مجاوراً بمكّة فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من أين أُحرِم بالحج؟ فقال : من حيث أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من الجعرانة أتاه في ذلك المكان فتوح
.................................................................................................
فتح الطائف وفتح خيبر والفتح ، فقلت : متى أخرج؟ الحديث» (1).
ونوقش في الاستدلال بها بأنها واردة في المجاور بمكّة وكلامنا في المتوطن.
وفيه : ان المجاورة أعم من الاستيطان ، ولم يؤخذ في المجاورة عنوان المؤقت وعنوان المجاورة يشمل من يريد أن يتخذ بلداً وطناً له وكذلك يشمل الإقامة المؤقتة بدون قصد الاستيطان ، وقد استعمل في القرآن في غير المؤقت كقوله تعالى ( قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) (2)نعم لا يصدق المجاور على من كان مولوداً في بلد ويستمر في الإقامة والسكنى.
والحاصل : عنوان المجاورة لا يختص بالمقيم المؤقت بل يشمل المقيم المستوطن أيضا.
وأغرب من ذلك ما في المتن من أن القدر المتيقن من إطلاق الصحيحة من لم ينتقل فرضه ولم يبق مقدار سنتين في مكّة ، فإن القدر المتيقن لا يمنع عن الأخذ بالإطلاق وإلّا فلم يبق إطلاق في البين ، لأنّ لكل إطلاق قدراً متيقّنا ، وإذن لا مانع من الأخذ بإطلاق الصحيحة والعمل على طبقها إلّا إذا قام إجماع على الخلاف ولم يقم.
الرواية الثانية : صحيحة عبد الرحمن ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أريد الجوار بمكّة فكيف أصنع؟ فقال إذ رأيت الهلال هلال ذي الحجّة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج» (3)والحديث طويل وهو ظاهر صدراً وذيلاً في أن الجعرانة ميقات لأهل مكّة (4).
ثمّ إن المصنف ذكر أن الإحرام للمذكورين من المنزل من باب الرخصة وإلّا فيجوز لهم الإحرام من المواقيت ، بل لعله أفضل لبعد المسافة وطول الزمان.
الثامن : فخّ ، وهو ميقات الصِّبيان في غير حج التمتّع عند جماعة ، بمعنى جواز تأخير إحرامهم إلى هذا المكان لا أنّه يتعيّن ذلك ، ولكن الأحوط ما عن آخرين (1)من وجوب كون إحرامهم من الميقات لكن لا يجرّدون إلّا في فخّ ، ثمّ إن جواز التأخير على القول الأوّل إنما هو إذا مرّوا على طريق المدينة ، وأمّا إذا سلكوا طريقاً لا يصل إلى فخّ فاللّازم إحرامهم من ميقات البالغين (1).
أمّا جواز الإحرام من أحد المواقيت فهو على القاعدة ، لأنّ كل ميقات ميقات لمن يمر عليه ولا يختص بأهل بلاد خاصّة فلا نحتاج إلى دليل خاص ، والتعليل ببعد المسافة وطول الزمان للأفضلية.
(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أن فخّ ميقات الصبيان (2)، وناقش فيه غير واحد بأن حكمهم حكم البالغين ، إذ لا فرق في الطبيعة الصادرة من البالغين وغيرهم إلّا من حيث الوجوب والندب ، فجميع ما يعتبر في الحج بالنسبة إلى البالغين يعتبر فيه بالنسبة إلى غيرهم كما هو كذلك في سائر العبادات كالصلاة والصوم ، فإن جميع موانع الصلاة مانعة لصلاة الصبي أيضاً ، وكل ما يعتبر في الصلاة يعتبر في صلاة الصبي ما لم يرد دليل بالخصوص ، كما ورد جواز كشف الرأس في الصلاة بالنسبة إلى الأمة وبالجملة : إطلاق نصوص المواقيت والنهي عن تأخير الإحرام عنها يشمل إحرام الصبي أيضا.
نعم ورد تجريد الصبيان من فخّ في صحيحتين :
الأُولى : صحيحة أيوب أخي أديم ، قال : «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) من أين تجرد الصبيان؟ قال : كان أبي يجردهم من فخّ» (3)ورواه الكليني بسند ضعيف فيه
1) بل الظاهر ذلك ، وإنما يكون تجريدهم من فخّ لمن يمرّ بها.
2) فخ بفتح أوّله وتشديد ثانيه وادٍ بمكّة يبعد عنها بمقدار فرسخ واحد أستشهد فيه أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة 169 هجرية. معجم البلدان 4 : 237.
3) الوسائل 11 : 366 / أبواب المواقيت ب 18 ح 1.
.................................................................................................
سهل بن زياد (1)، ورواه الشيخ بسند صحيح عن أيوب بن الحر (2).
الثانية : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) مثل ذلك (3).
وليس التجريد بمعنى الإحرام ، بل التجريد معناه لغة إنما هو نزع شيء من شيء والمراد به في المقام نزع الثياب من الصبيان من فخّ ولا ينافي ذلك إحرامهم من الميقات ، فإن التجريد ونزع الثياب من جملة أحكام الإحرام ، وقد دلّ النص على عدم إجراء هذا الحكم بخصوصه على الصبيان إلى فخّ وجوّز لهم لبس المخيط ، فحالهم من هذه الجهة كالنّساء في جواز لبس المخيط ، غاية الأمر النّساء يجوز لهنّ لبس المخيط إلى الأخير والصبيان يجوز لهم لبس المخيط إلى فخّ ومنه يجرّدون من ثيابهم.
وبالجملة : أقصى ما يستفاد من النص تجريد الصبيان من ثيابهم من فخّ وجواز لبس المخيط قبله وذلك أعم من الإحرام من فخّ ، ولا وجه لحمل كلمة التجريد على الإحرام ، فالمتبع حينئذ إطلاق نصوص المواقيت المقتضي لإحرامهم منها.
وقد يقال كما في الحدائق (4)بأن بعض النصوص يدل صريحاً على الإحرام بهم من الميقات كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر ، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم. الحديث» (5).
وفيه : أن مفاد هذه الصحيحة يشبه مضمون صحيحة أيوب المتقدِّمة (6)الدالّة على مجرّد نزع الثياب وتجريدهم عنها وترتيب لوازم الإحرام وإجراء أحكامه على الصبيان من هذه المواضع لا الإحرام بهم منها وذلك لذكر «بطن مرّ» (7)فإنّه غير ميقات جزماً
.................................................................................................
فيكون ذكره قرينة على أنه لا نظر في هذه الروايات إلى الإحرام بهم من هذه المواضع.
وبتعبير أوضح : المستفاد من هذه الصحاح أن الصبي لم يكن ملزماً بإجراء أحكام الإحرام من الأوّل ومن مسجد الشجرة ، بل يجوز لهم تأخير نزع الثياب إلى الجحفة أو إلى بطن مرّ أو إلى فخّ ، وذلك لا ينافي الإحرام بهم من الميقات كمسجد الشجرة. ولو لا هذه النصوص لكان إحرام الصبي كإحرام سائر النّاس من البالغين إلّا أن هذه الروايات تدل على جواز لبس المخيط للصبي إلى الجحفة أو إلى فخّ وبطن مرّ رعاية لحاله وعدم تحمله للبرد ونحوه من المشاق ، فليست الروايات في مقام بيان ميقات خاص للصبيان.
نعم ، خبر يونس بن يعقوب عن أبيه صريح في جواز إحرامهم من العرج أو الجحفة ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن معي صبية صغاراً وأنا أخاف عليهم من البرد فمن أين يحرمون؟ قال : ائت بهم العرج (1)فليحرموا منها ، فإنّك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة ، ثم قال : فإن خفت عليهم فائت بهم الجحفة» (2).
ولكن لم يقل أحد بكون العرج ميقاتاً للصبيان ، وذلك قرينة على عدم جواز تأخير الإحرام إلى العرج. مضافاً إلى ضعف السند بوالد يونس ، إذ لم يرد في حقّه مدح ولا قدح.
وقد يتوهّم من عبارة الحدائق (3)كون الرواية موثقة للتعبير عنها بالموثق عن يونس ، ولكن قد ذكرنا أكثر من مرّة أن المراد بذلك توثيق الرواية إلى يونس لا إلى ما بعد يونس وإلّا لذكر موثقة والد يونس أو في الموثق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
.................................................................................................
وربّما يقال بأن الرواية معتبرة لوجود هذا السند بعينه في تفسير علي بن إبراهيم (1)فإنّه يروي عن يونس بن يعقوب عن يعقوب بن قيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ويعقوب بن قيس والد يونس ، والمفروض أن جميع رجال التفسير ثقات ما لم يعارض بتضعيف غيره.
وفيه : أن والد يونس بن يعقوب وإن كان يسمّى يعقوب بن قيس لتصريح النجاشي (2)بذلك ، وكذا الشيخ صرّح في أصحاب الصادق (عليه السلام) من كتاب الرجال أن يعقوب بن قيس والد يونس بن يعقوب ، وكذا ذكر في أصحاب الباقر (عليه السلام) أن يعقوب بن يونس والد يونس بن يعقوب (3)إلّا أنه لم يثبت أن يعقوب بن قيس المذكور في التفسير والد يونس بن يعقوب ، بل الظاهر أنه لم يكن والداً له وإلّا لقال في التفسير : عن يونس بن يعقوب عن أبيه ، كما هو المتعارف المتداول فيما إذا كان الراوي عن أبيه كما في الكافي والتهذيب والوسائل ، ولذا ترى جميع روايات أحمد بن محمّد بن خالد البرقي التي يرويها عن أبيه لم يذكروا اسم أبيه بل يقولون عن أبيه ، وإلّا لاحتمل أن يكون المراد من محمّد بن خالد هو الأشعري لا البرقي الذي هو والد أحمد بن محمّد.
فتحصل : أنه لا دليل على جواز تأخير إحرام الصبيان عن المواقيت بل حالهم حال البالغين وإنّما أجيز لهم لبس المخيط إلى فخّ ، ففي الحقيقة استثناء بالنسبة إلى لبس المخيط لا استثناء بالنسبة إلى الإحرام من مسجد الشجرة.
ثمّ إنّ جواز تأخير الإحرام لهم على القول به يختص بمن يمر على فخّ ، وأمّا من لا يمر به كما إذا سلكوا طريقاً لا يصل إلى فخّ فاللّازم إحرامهم من ميقات البالغين لاختصاص الدليل بذلك.
التاسع : محاذاة أحد المواقيت الخمسة ، وهي ميقات من لم يمرّ على أحدها والدليل عليه صحيحتا ابن سنان ولا يضر اختصاصهما (1)بمحاذاة مسجد الشجرة بعد فهم المثالية منهما وعدم القول بالفصل ، ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكّة إذا كان في طريق يحاذي اثنين (1) ،
(1) المعروف بين الأصحاب أن محاذاة أحد المواقيت الخمسة ميقات لمن لا يفضي طريقه إليها. واستدلّ له في المتن بصحيحتي ابن سنان ، وإنما عبّر عنهما بالصحيحتين مع أنّ الرواية واحدة ، لاختلافهما في الطريق والمتن يسيراً.
الاولى : ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال ، فيكون حذاء الشجرة من البيداء» (2).
الثانية : ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهراً أو نحوه ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها» (3). ودلالتهما على كفاية المحاذاة في الجملة واضحة.
1) (*) لا يبعد الاختصاص بملاحظة أن مسجد الشجرة له خصوصية وهي أن السنة في الإحرام منه أن يفرض الحج في المسجد ويؤخر التلبية إلى البيْداء وهي خصوصية ليست لسائر المواقيت فلا يبعد أن يكون الاكتفاء بالمحاذاة خصوصية له ، وعلى فرض التنزل فالمحاذاة المعتبرة لا بدّ أن تكون مثل ذلك المقدار مما يمكن للشخص رؤية المحاذي له لا بمقدار مسافة بعيدة كعشرين فرسخاً أو أكثر ، وعلى هذا فلا مجال للكلام في سائر خصوصياتها التي في المتن ، ومع ذلك ففي كلامه مواضع للنظر لا موجب للتعرض لها.
2) الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 7 ح 1 ، الكافي 4 : 321 / 9.
3) الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 7 ح 3 ، الفقيه 2 : 200 / 913.
.................................................................................................
وقد يقال بأنه يعارضهما مرسل الكليني حيث قال : وفي رواية أُخرى «يحرم من الشجرة ثمّ يأخذ أي طريق شاء» (1). وخبر إبراهيم بن عبد الحميد المتقدِّم «عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيّام يعني الإحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها ، فقال : لا ، وهو مغضب ، من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة» (2).
وأُجيب بضعفهما سنداً وهجرهما عند الأصحاب ، ولكن قد عرفت أن خبر إبراهيم معتبر ، لأنّ جعفر بن محمّد بن حكيم المذكور في السند وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكنّه ثقة ، لأنّه من رجال كامل الزيارات.
والصحيح أن يقال : إنّه لا معارضة في البين ، لأنّ مفاد خبر إبراهيم بن عبد الحميد هو المنع عن العدول من الشجرة إلى غيرها ، وأمّا إذا أحرم من المحاذاة رأساً فلا يشمله المنع.
وبالجملة : لا ينبغي الريب في دلالة صحيحة ابن سنان على كفاية المحاذاة في الجملة ، ولا معارض في البين.
إنّما الكلام في جهات :
الاولى : التعدّي عن مورد الصحيحة وهو محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت.
الثانية : هل يختص الحكم بكفاية المحاذاة بالإقامة في المدينة شهراً كما جاء ذلك في الرواية؟
الثالثة : هل يختص الحكم بمن يريد الحج في مدّة الإقامة في المدينة أو يشمل من لم يكن قاصداً للحج ثمّ بدا له؟
وبتعبير آخر : قد اشتملت الصحيحة على قيود متعددة فهل يقتصر عليها أم
.................................................................................................
يتعدّى عنها؟
والظاهر هو الاقتصار على مورد الصحيحة لأنّ الحكم على خلاف القاعدة ، ولا يمكن إلغاء هذه القيود ، لأنّ جميع هذه القيود والخصوصيات مأخوذة في كلام الإمام (عليه السلام) على نحو القضية الحقيقية الشرطية ، وحملها على مجرد المثال بعيد جدّاً ولذا اقتصرنا في المناسك على مورد النص.
ثمّ إنّ ظاهر الصحيحة الثانية لزوم الإحرام في خصوص مسيرة ستة أميال ، ومقتضاه أنه إذا بلغ السير إلى سبعة أميال أو أكثر لا يجوز له الإحرام ولو كان محاذياً ، كما إذا سار سبعة أميال بالخط غير المستقيم ، لأنّ المتفاهم من قوله : «فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها» أن السير بمقدار ستة أميال له خصوصية وموضوعية في الحكم.
ولكن المستفاد من الصحيحة الاولى أن العبرة بمطلق المحاذاة ، لقوله : «فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء» ، لأنّ المراد بذلك أنه إذا سار ستة أميال فليحرم لكونه محاذياً للشجرة ، فيظهر من ذلك أنّ العبرة بالمحاذاة وإنما ذكر التحديد بالسير بمقدار ستة أميال لأنّه على نحو القضية الشخصية الخارجية ومن باب انطباق الكلي على أحد المصاديق ، ولعلّ وجهه أن السير المتعارف في ذلك الزمان كان بالخط المستقيم بمقدار ستة أميال ، فالمستفاد إذن من الصحيحة أنه لا عبرة بمسيرة ستة أميال ، بل العبرة بالمحاذاة وإن كان السير أكثر من تلك ، كسبعة أميال أو ثمانية ونحو ذلك ممّا لا يمنع من رؤية المحاذي له فيما إذا لم يكن موانع وحواجز في سطح الأرض ، نعم لا عبرة بالمسافة البعيدة كعشرين فرسخاً أو أكثر أو أقل.
وبتعبير آخر : أنه إذا حصلت المحاذاة بالسير بمقدار سبعة أميال أو ثمانية أو نحو ذلك كما إذا كان السير بخط منكسر ، فلا مانع من الإحرام في الموضع المحاذي وإن كان السير أزيد من ستة أميال ، ولعل ستة أميال المأخوذة في الرواية لأجل أن الطريق الذي كان يسلكه أهل المدينة في الزمان السابق كان بمقدار ستة أميال ، فهي قضية
فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكّة ، وتتحقق المحاذاة بأن يصل في طريقه إلى مكّة إلى موضع يكون بينه وبين مكّة باب وهي بين ذلك الميقات ومكّة بالخط المستقيم ، وبوجه آخر يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق (1) ،
خاصّة في مورد خاص ، فالسير بمقدار ستة أميال ليس دخيلاً في الحكم فهذه الخصوصية ملغاة ، بدعوى أن الظاهر من الصحيحة كون العبرة بحذاء الشجرة سواء كان السير بالخط المستقيم أو غيره ، لكن فيما إذا كان البعد قليلاً كستّة أميال أو سبعة أو ثمانية ونحو ذلك ، وأمّا إذا كان الفصل كثيراً فلا عبرة بالمحاذاة ويجب عليه الرواح إلى الميقات ، كما لا وجه للتعدّي إلى سائر المواقيت فإنه يحتاج إلى دليل خاص.
(1) وأمّا المحاذاة فقد ذكر المصنف (قدس سره) أنها تتحقق بأحد أمرين :
الأوّل : أن يصل في طريقه إلى مكّة إلى موضع يكون بينه وبين مكّة كما بين ذلك الميقات ومكّة ، بمعنى أنه يكون مقدار المسافة بين موقفه إلى مكّة كالمسافة بين مكّة وذلك الميقات فالمسافتان متساويتان ، فذلك الموضع الذي وقف فيه يعتبر محاذياً للميقات.
الثانية : أن يكون الخط الواصل بينه وبين الميقات أي الخط بين موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في طريقه وأقل من بقيّة الأماكن.
وكلا هذين الأمرين غير تام.
أمّا الأوّل : فلأن النسبة المذكورة ربّما تكون ثابتة في موارد كثيرة ومع ذلك لا تصدق على ذلك الموقف المحاذاة.
وتوضيحه : أنا لو رسمنا دائرة وجعلنا مركزها مكّة المكرّمة فكل جزء من تلك الدائرة نسبته إلى المركز نسبة واحدة لا يختلف عن بقيّة أجزاء الدائرة ، لأنّ الخطوط الخارجة من المحيط إلى المركز متساوية ، فكل من وصل إلى الدائرة من كل طرف من
.................................................................................................
أطراف الخط الدائري يكون الفصل بين موقفه ومكّة مساوياً للفصل بين مسجد الشجرة ومكّة ، لأنّ جميع الخطوط المارة من المحيط إلى المركز متساوية ، ولازم ذلك أن تصدق المحاذاة على كل من وصل إلى الدائرة من أي جانب من جوانبها كان حتى إذا كان واقفاً في الطرف المواجه إلى مسجد الشجرة ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به أصلاً ، ولا يعد ذلك من المحاذاة أبداً ، مع أن المسافة متحدة والفصل بينه وبين مكّة كالفصل بين مسجد الشجرة ومكّة.
وبعبارة اخرى : أن الذي قصد مكّة المكرّمة إن وقف في نصف الدائرة الواقع قبال مسجد الشجرة كان الشخص مواجهاً للميقات لا محاذياً له ، وإن وقف في النصف الآخر الذي وقع فيه مسجد الشجرة ، فإن كان موقفه على رأس أوّل ربع الدائرة كما لو بعد عن المسجد بتسعين درجة ففي مثله لا تتحقق المحاذاة ، بل يكون المسجد خارجاً عن يمينه أو يساره.
نعم ، تتحقّق المحاذاة للميقات فيما لو سار ووصل إلى مركز الدائرة وهي مكّة المشرفة ، فيكون مسجد الشجرة حينئذٍ عن يمينه أو يساره ، ولا فائدة في ذلك أبدا.
وبتعبير آخر : أنا لو رسمنا خطين متقاطعين في دائرة يمر أحدهما من الجنوب إلى الشمال والآخر من المشرق إلى المغرب فتكون نتيجة ذلك أن الخطين يربّعان الدائرة وكل منهما يمرّ بالمركز ، أحدهما من مسجد الشجرة إلى الطرف المواجه له ، والآخر من الطرف الآخر إلى مقابله ويحدث بذلك زوايا ذات قوائم أربع ، فإذا وصل الذاهب إلى مكّة إلى أوّل الخطين من جانب الشجرة لا تتحقق بذلك محاذاة لمسجد الشجرة إلّا إذا وصل إلى مكّة مركز الدائرة ، فيكون مسجد الشجرة عن يساره أو عن يمينيه بعد الوصول إلى مكّة المشرفة ، وما لم يصل لا يكون محاذياً مع أن البعد من موقفه إلى مكّة مساوٍ للبعد بين مسجد الشجرة ومكّة ، لأنّ البعد من أوّل الربعين إلى مكّة يساوي البعد من الشجرة إلى مكّة مع أنه لا يحاذي مسجد الشجرة قطعاً ، وكذلك كلّما سار وتوجه إلى مكّة لا تتحقق المحاذاة وإن قلّت المسافة إلّا إذا وصل إلى مركز التقاطع
.................................................................................................
وهو مكّة المكرّمة كما قلنا ، فالمحاذاة لا تتحقق بتساوي المسافتين بين موقفه ومكّة وبين الميقات ومكّة ، لا من الجانب المواجه للشجرة من الدائرة ولا من جهة النصف الآخر الذي وقع فيه مسجد الشجرة.
وأمّا الوجه الثاني فباطل أيضاً ، لأنه لو فرضنا أنه توجه إلى مكّة من موقفه الواقع على الخط المحيط للدائرة على درجة خمس وأربعين من الدائرة أي نصف الربع فدخل في الدائرة ، فيكون بينه وبين مسجد الشجرة خطاً وهمياً موصلاً بينهما ، ويشكل بذلك زاوية من الخطوط المارة في طريقه إلى مسجد الشجرة ، ولا ريب أن الخط المار من وسط المثلث أقرب الخطوط وأقصرها من الضلعين إلى الميقات مع أنه خارج عن المحاذاة.
وبعبارة واضحة : لو كان الميزان في المحاذاة بكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر من سائر الخطوط فلازمه كون الخط من وسط الزاوية محاذياً ، لكونه أقصر وأقل مسافة من الخط الواصل بين موقفه والميقات ، مع أنّ ذلك خارج عن المحاذاة حساً ، لاستلزامه الانحراف عن الميقات يميناً أو شمالاً وليس بموازٍ له.
فتحصل ممّا تقدّم : أنه لا دليل على كفاية مطلق المحاذاة إلّا في خصوص مسجد الشجرة في صورة خاصّة مما يصدق عليه المحاذاة عرفاً ، فالتعدِّي إلى غير ذلك ممّا لا وجه له ، ولا إجماع في المقام ، ولذا لا نكتفي بالمحاذاة إذا كان الفصل كثيراً وإن كان محاذياً حقيقة حسب الدقة.
والذي يؤكِّد ذلك أن مسجد الشجرة أبعد المواقيت إلى مكّة ، وأمّا الجحفة التي هي ميقات لأهل الشام وكذا العقيق الذي هو ميقات لأهل العراق فهما أقرب إلى مكّة من مسجد الشجرة ، فمن يأتي من العراق أو الشام أو المغرب متوجهاً إلى مكّة التي تقع في نقطة الجنوب بالنسبة إليهم يكون محاذياً لمسجد الشجرة قبل الوصول إلى الجحفة أو العقيق ، لأنهما أقرب إلى مكّة ، ومع ذلك يكون ميقاتهم الجحفة أو العقيق ، وهذا شاهد على عدم كفاية محاذاة الشجرة.
ثمّ إنّ المدار على صدق المحاذاة عرفاً ، فلا يكفي إذا كان بعيداً عنه فيعتبر فيها المسامتة كما لا يخفى. واللّازم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن ، وإلّا فالظن الحاصل من قول أهل الخبرة ، ومع عدمه أيضاً فاللّازم الذهاب إلى الميقات أو الإحرام من أوّل موضع احتماله واستمرار النيّة والتلبية إلى آخر مواضعه ، ولا يضر احتمال كون الإحرام قبل الميقات حينئذ مع أنّه لا يجوز ، لأنّه لا بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط ، ولا يجوز إجراء أصالة عدم الوصول إلى المحاذاة أو أصالة عدم وجوب الإحرام لأنّهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذياً والمفروض لزم كون إنشاء الإحرام من المحاذاة ، ويجوز لمثل هذا الشخص أن ينذر الإحرام قبل الميقات فيحرم في أوّل موضع الاحتمال أو قبله على ما سيأتي من جواز ذلك مع النذر والأحوط في صورة الظن أيضاً عدم الاكتفاء به وإعمال أحد هذه الأُمور ، وإن كان الأقوى الاكتفاء ، بل الأحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع إمكان الذهاب إلى الميقات ، لكن الأقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقاً (1).
ثمّ إنّه بناءً على الاكتفاء بالمحاذاة مطلقاً فلو كان في طريقه ميقاتان فالعبرة بمحاذاة أبعدهما كما إذا فرضنا أنه يحاذي مسجد الشجرة والجحفة ، فاللّازم أن يحرم من محاذاة مسجد الشجرة ، لأنّ الظاهر من قوله : «فليكن إحرامه من مسيرة ستّة أميال» وجوب الإحرام من هذا المكان المحاذي ، فهو كأنه يمر بميقات ، وليس له التأخير إلى ميقات آخر فضلاً عن محاذيه ، وتشمله الأدلّة المانعة عن المرور بالميقات بلا إحرام.
(1) إذا ثبت حجية بعض الظنون الخاصّة كخبر الواحد الثقة في الموضوعات وإن لم تثبت حجيته في بعض الموارد واحتياجه إلى شهادة عدلين فالتقييد في كلامه (قدس سره) بأنّه يلزم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن وإلّا فالظن ممّا لا وجه له ، لأنّ اللّازم تحصيل الحجة كخبر الثقة أو الاطمئنان ، ولا تتوقّف حجيتهما على عدم التمكّن من العلم ، ولو فرضنا عدم حجية خبر الثقة وقول أهل الخبرة فلا يجوز العمل بالظن مطلقاً حتى إذا لم يتمكن من تحصيل العلم ، فلا بدّ حينئذٍ من أن يمضي إلى
ثمّ إن أحرم في موضع الظن بالمحاذاة ولم يتبين الخلاف فلا إشكال ، وإن تبيّن بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الإحرام ، وإن تبين كونه قبله وقد تجاوز أو تبيّن كونه بعده فإن أمكن العود والتجديد تعين ، وإلّا فيكفي في الصورة الثانية ويجدِّد في الاولى في مكانه ، والأولى التجديد مطلقاً (1).
ميقات آخر أو ينذر الإحرام قبل الميقات ، فإنّ عدم التمكّن من العلم لا يوجب حجية ما لا حجية له.
فالأظهر أن يقال : إنه يلزم عليه تحصيل الحجة على المحاذاة من علم أو ظن معتبر أو اطمئنان ، وإن لم يتمكن من ذلك يذهب إلى ميقات آخر أو ينذر الإحرام من أوّل موضع احتمال المحاذاة ، فإن كان قبل المحاذي يصح إحرامه بالنذر ، وإن كان محاذياً واقعاً يصح ولو لم يتعلق به النذر.
ويمكن أن يحرم احتياطاً من أوّل موضع احتمال المحاذاة ويستمر في النيّة والتلبية إلى آخر مواضعه ، وبذلك يحرز وقوع الإحرام محاذياً للميقات.
ويشكل بأنه يلزم من ذلك الإحرام قبل الميقات ، لأنّ الأصل يقتضي عدم الوصول إلى المحاذي ، والإحرام قبل الميقات غير جائز.
وأجاب عنه في المتن بأن حرمة الإحرام قبل الميقات حرمة تشريعية لا حرمة ذاتيّة ، فلا مانع من الإتيان به رجاءً واحتياطاً ، لأنّ الحرمة التشريعية لا تنافي الإتيان على نحو الاحتياط والرجاء.
(1) لو أحرم في موضع قيام الحجة على المحاذاة ولم ينكشف الخلاف فلا كلام ، وإن انكشف الخلاف قبل الوصول إلى المحاذي أعاد الإحرام في موضع المحاذي ، والإحرام الأوّل باطل قطعاً ، ولا أثر لقيام الحجة عنده لارتفاع حجيتها بانكشاف الخلاف على الفرض ، من دون فرق بين كون الأمر الظاهري مجزئاً عن الأمر الواقعي أم لا ، فلا يبتني الحكم بإعادة الإحرام على عدم الإجزاء في موافقة الحكم الظاهري كما توهم.
بل لو قلنا بإجزاء الأمر الظاهري عن الحكم الواقعي لا يمكن القول به في المقام ،
.................................................................................................
وذلك لأنّ محل البحث في الإجزاء إنما هو فيما إذا كان الأمر الواقعي موجوداً ولكن لا يعلم به ، وكان الأمر الظاهري مخالفاً له ، فيقع البحث حينئذٍ في أن الأمر الظاهري هل يجزئ عن الأمر الواقعي الموجود أم لا؟ كما إذا قام الدليل على عدم اعتبار السورة في الصلاة ثمّ انكشف الخلاف وتبين وجود الدليل على لزوم السورة ، فيصح أن يقال : إن الأمر الظاهري يجزئ عن الأمر الواقعي أم لا ، وأمّا إذا فرضنا أنه لم يكن للأمر الواقعي وجود أصلاً حين الإتيان بالأمر الظاهري وإنما يحدث بعد ذلك فلا مجال ولا مورد للإجزاء ، كما إذا صلّى قبل الوقت فإنه لا أمر بالصلاة أصلاً وإنما هو تخيل وتوهم لوجود الأمر.
وبالجملة : لا مورد للإجزاء في المقام أصلاً حتى على قول الأشعري القائل بالتصويب وانقلاب الواقع إلى ما أدى إليه الظاهر ، لأنّ الإجزاء حتى على القول بالتصويب إنما يتحقق فيما إذا كان للأمر الواقعي وجود ولكن لا يعلم به ، وأمّا إذا لم يكن موجوداً أصلاً فلا مجال للإجزاء أبداً ، نظير ما لو صام في شعبان بدلاً عن شهر رمضان.
وأمّا لو انكشف الخلاف بعد التجاوز عن المحاذي وعلم عندئذ أن إحرامه كان قبل المحاذي أو بعده ، ذكر في المتن أنه يجب عليه العود والتجديد في الموضع المحاذي في كلتا الصورتين إن أمكن ، وإلّا ففي الصورة الأُولى وهي ما إذا أحرم قبل المحاذي يجدد الإحرام في مكانه ، وفي الصورة الثانية وهي ما إذا أحرم بعد المحاذاة يكتفي بإحرامه وإن كان الأولى التجديد مطلقا.
وما ذكره وإن كان صحيحاً إلّا أن ما اختاره من الاكتفاء بالإحرام في الصورة الثانية على إطلاقه غير تام ، بل لا بدّ من التفصيل بين ما إذا لم يكن قادراً في وقت الإحرام من الرجوع واقعاً فكانت وظيفته الواقعية حال الإحرام عقده من هذا المكان ، لعدم قدرته على العود واقعاً ، فاحرامه صحيح وقد أتى بوظيفته ولا حاجة إلى التجديد ، وبين ما إذا كان يمكنه الرجوع حال الإحرام وإن تعذّر عليه فعلاً حين الالتفات وانكشاف الخلاف ، ففي مثله لا بدّ من تجديد الإحرام من هذا المكان ولا يكتفي بالإحرام الأوّل ، لأنّ الإحرام في غير الميقات إنما يجوز لمن لا يتمكن من
.................................................................................................
الرجوع والوصول إلى الميقات ، وهذا العنوان غير صادق على هذا الشخص ، لأنّ المفروض أنه كان متمكِّناً من الرجوع إلى الميقات حال الإحرام وإن تعذر عليه حال الالتفات ، فيكون إحرامه باطلاً ولا بدّ من تجديده وعقده ثانياً.
لا بدّ لنا من بيان نبذة ترجع إلى توضيح ما يتعلق بالإجزاء وعدمه مما يخص المقام. فنقول : قد عرفت أن محل الكلام في إجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي إنما هو في متعلق التكليف من جهة الاختلاف في جهة من الجهات ، كفقدان الجزء والشرط للواجب ، لا في شرائط التكليف والوجوب.
بيان ذلك : أنهم قسموا الواجب إلى المطلق والمشروط ، وزاد صاحب الفصول قسماً آخر وهو الواجب المعلق وجعله من أقسام الواجب المطلق ، فإنه قسم الواجب المطلق إلى المنجز والمعلق ، وفسّر المعلق بما كان الوجوب فعلياً والواجب استقباليا.
وقد ذكرنا في المباحث الأُصولية (1)أن ما ذكره صاحب الفصول وإن كان صحيحاً ولا يرد عليه الاشكال المعروف من تخلف الوجوب عن الإيجاب ، ولكن ما ذكره ليس قسماً مقابلاً للمشروط ، بل المعلق بعينه هو الواجب المشروط غاية الأمر مشروط بالشرط المتأخر ، فإن الواجب المشروط قد يكون مشروطاً بالشرط المقارن كاشتراط وجوب الصلاة بالوقت ، فإن الوقت شرط مقارن ويحدث الوجوب بحلول الوقت وأمّا قبله فلا وجوب ، وقد يكون مشروطاً بالشرط المتأخر فيكون الوجوب فعلياً ، كوجوب الصوم من أوّل غروب الشمس في الليلة الاولى من شهر رمضان ، بناءً على أن المراد بقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2)دخول شهر رمضان ورؤية هلاله ، فالمكلّف من الليل مأمور بالصوم غاية الأمر مشروطاً بدخول النهار ، وكذلك الحج فإنّه واجب عليه بالفعل ولكنّه مشروط ببقاء الاستطاعة
ولا فرق في جواز الإحرام في المحاذاة بين البر والبحر (1) ، ثمّ إن الظاهر أنه لا يتصوّر طريق لا يمرّ على ميقات ولا يكون محاذياً لواحد منها (1)، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب فلا بدّ من محاذاة واحد منها ، ولو فرض إمكان ذلك فاللّازم الإحرام من أدنى الحل (2)، وعن بعضهم أنه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكّة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت إليها وهو مرحلتان ، لأنه لا يجوز لأحد قطعه إلّا محرماً ، وفيه : أنّه لا دليل عليه ، لكن الأحوط الإحرام منه وتجديده في أدنى الحل (2).
إلى زمان إتيانه.
ثمّ إن الإجزاء إنما يجري في فقدان الجزء أو الشرط للمتعلق لكن بعد فرض فعلية الوجوب وتحققه ، وأمّا بالنسبة إلى شرط الوجوب إذا لم يكن متحققاً نظير تخلف الوقت بالنسبة إلى الصلاة فلا مجال للإجزاء أصلاً ، وكذا إذا كان الواجب تعليقياً كما إذا كان محبوساً ولم يميز بين النهار والليل فصام في الليل معتقداً أنه النهار فانكشف الخلاف فلا مجال للإجزاء ، وكذلك الحج فإنه وإن كان واجباً معلقاً ولكن إذا أحرم قبل الميقات وقبل تحقق الشرط والوصول إلى الميقات ، فلا مجال للإجزاء أبداً حتى إذا قلنا بإجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي ، وذلك لأنّ الأمر الواقعي في المقام غير موجود لنقول بإجزائه عنه.
(1) والأمر كما ذكره من عدم الفرق في جواز الإحرام في المحاذاة بين البر والبحر.
(2) تضمنت عبارة المتن المذكورة أمرين :
أحدهما : أنه هل يتصور طريق لا يمر على ميقات ولا يكون محاذياً لواحد منها؟
.................................................................................................
ثانيهما : لو فرض إمكان ذلك فمن أين يحرم؟
أمّا الأوّل : فيبتني على الالتزام بكفاية المحاذاة وعدمها ، فإن قلنا بعدم الاجتزاء بالمحاذاة أصلاً كما هو المختار عندنا لأنّ المحاذاة إنما وردت في مورد خاص فيمكن أن يسلك طريقاً لا يؤدي إلى الميقات ، وكذا لو قلنا بكفاية المحاذاة إذا كانت قريبة ، إذ يمكن أن يختار طريقاً بعيداً لا تتحقق معه المحاذاة ، وأمّا إذا قلنا بالاجتزاء بمطلق المحاذي ولو عن بعد فلا يمكن أن لا يمر على ميقات أو محاذيه ، لما أشار إليه في المتن من أن المواقيت محيطة بالحرم من جميع الجوانب ، ومكّة واقعة في وسط الحرم تقريباً فكل من يذهب إلى مكّة يمر على ميقات أو محاذيه.
ويظهر من المصنف هنا ما ينافي كلامه السابق ، لأنه تقدّم منه عدم الاكتفاء بالمحاذاة عن بعد ، ويظهر منه هنا الاجتزاء بالمحاذاة ولو كان عن بعد.
وأمّا الثاني : وهو حكم من لا يمر على ميقات ولا بالمحاذي بناءً على إمكان ذلك ذكر في المتن أن اللّازم عليه الإحرام من أدنى الحل. ويستدل له بالمطلقات الناهية عن دخول الحرم بلا إحرام (1)بضميمة أصالة البراءة عن وجوب الإحرام عن المواقيت المعيّنة لمن لا يمرّ بالميقات ومحاذيه ، ونتيجة الأمرين لزوم الإحرام من أدنى الحل.
وبالجملة : لو فرض عدم المرور على الميقات ولا على محاذيه فقد وقع الكلام في موضع الإحرام ، فذهب بعضهم إلى أنه يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكّة ، أي يحرم من موضع يكون بينه وبين مكّة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت وهو مرحلتان ، وذهب بعضهم إلى أنه يحرم من أدنى الحل.
أمّا الأوّل : فلا دليل عليه أصلا.
وأمّا الثاني : فاستدل له بالروايات الدالّة على عدم جواز دخول الحرم بلا إحرام. مضافاً إلى أصالة البراءة عن لزوم الإحرام من المواقيت المعيّنة.
1) الوسائل 12 : 402 / أبواب الإحرام ب 50.
.................................................................................................
ويرده : أنّ الروايات الواردة في المقام مختلفة ، بعضها يدل على عدم جواز الدخول في الحرم إلّا محرماً ، وبعضها يدل على عدم جواز دخول مكّة إلّا محرماً ، فلا بدّ من تقييد ما دلّ على عدم جواز الدخول في الحرم إلّا محرماً بما إذا أراد الدخول إلى مكّة إذ لو وجب الإحرام لدخول الحرم فلا يبقى أثر وفائدة لوجوب الإحرام لدخول مكّة ، لأنها واقعة في وسط الحرم تقريباً ، فيكون الحكم بلزوم الإحرام لدخول مكّة لغواً ، فيعلم من ذلك أنهما ليسا حكمين مستقلين ، بل الحكم بلزوم الإحرام لدخول الحرم من باب المقدّمة لدخول مكّة وأنه في الحقيقة يجب الإحرام لدخول مكّة ، وأن الممنوع دخول مكّة بلا إحرام ، وإنما يجب الإحرام لأداء النسك من العمرة أو الحج وأمّا الإحرام وحده وإن كان عبادة ولكن لا يستقل بنفسه ، ولذا لو أراد الدخول في الحرم ولم يكن قاصداً لدخول مكّة لا يجب عليه الإحرام ، ولا خلاف بينهم في عدم وجوب الإحرام على من لم يرد النسك كالحطاب ونحوه ممن يتكرر دخوله لحاجة في خارج مكّة.
والحاصل : لا يستفاد من الروايات أن هناك واجبين أحدهما لزوم الإحرام لدخول الحرم والآخر الإحرام لدخول مكّة ، وعلى كلا التقديرين لا دلالة في الروايات على تعيين موضع الإحرام ، بل لو كنّا نحن وهذه الروايات ولم يكن دليل خارجي على تعيين مواضع الإحرام لالتزمنا بجواز الإحرام له من أي مكان شاء ولكن علمنا من أدلّة أُخرى عدم التخيير له في مواضع الإحرام وإنما يجب عليه الإحرام من مواضع خاصّة ، فلا يصح الاستدلال بهذه الروايات على لزوم الإحرام من أدنى الحل.
وأمّا أصالة البراءة عن وجوب الإحرام من المواقيت فلا تثبت لزوم الإحرام من أدنى الحل ، بيان ذلك : أنا نعلم إجمالاً بوجوب الإحرام من موضع ما ، ولو لا هذا العلم لجاز الإحرام من أي موضع شاء ، ولكن نعلم بلزوم الإحرام إمّا من أدنى الحل وإمّا من سائر المواقيت ، فكل منهما طرف للعلم الإجمالي ، ولا يمكن إثبات أحدهما دون الآخر بإجراء الأصل في أحد الطرفين ، لأنّ كلّاً منهما محتمل الوجوب والأصل
.................................................................................................
فيهما على حد سواء ، بل لا ريب في أن مقتضى الاحتياط هو الإحرام من المواقيت المعروفة لأنه يجزي قطعاً ، وأمّا الإحرام من أدنى الحل فلم يثبت وجوبه أو الاكتفاء به ، وأصالة البراءة في كل من الطرفين معارضة بأصالة البراءة في الآخر ، فمقتضى القاعدة هو الاشتغال المقتضي للإحرام من المواقيت المعيّنة لأنه مجزئ قطعا.
على أنه لا مجال لأصالة البراءة مع النصوص الدالّة على لزوم الإحرام من المواقيت المعروفة وعدم جواز العدول عنها ، ففي صحيحة الحلبي «ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)» (1). وفي صحيحة علي بن جعفر «فليس لأحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها» (2)وغيرهما من الروايات فإن المستفاد منها وجوب الذهاب إلى هذه المواقيت وعدم جواز العدول والاعراض عنها.
والذي ينبغي أن يقال في توضيح جريان أصالة البراءة في المقام والاكتفاء بالإحرام من أدنى الحل : إنه لا ريب في أننا نعلم إجمالاً بوجوب الإحرام من موضع ما قبل الدخول في الحرم ، فإن تعين موضعه بدليل معتبر فهو وإلّا فالمتبع في تعيين موضعه هو الأصل العملي ، ولا إشكال في أن الإحرام من المواضع المعروفة مجزئ قطعاً ، وإنما الكلام في جواز الاجتزاء بغير ذلك كأدنى الحل ، فيكون المقام من دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، إذ لا ندري أن الواجب هو الأعم الجامع بين المواقيت وبين غيرها كأدنى الحل ، أو أن الواجب خصوص الإحرام من المواقيت.
وبعبارة اخرى : لا ريب في أنا نعلم بعدم جواز الإحرام من غير هذه الأماكن وأن المكلف لم يكن مخيراً في موضع إحرامه ، بل يلزم عليه الإحرام إما من خصوص هذه المواقيت المعروفة أو من الأعم منها ومن أدنى الحل ، فيكون المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير المعبر عنه بالأقل والأكثر أيضاً ، فإن الأقل هو التخيير لإلغاء قيد الخصوصية والأكثر هو التعيين لأخذ قيد الخصوصية ، والمعروف والمشهور هو جريان أصالة البراءة عن الأكثر أي عن التعيين فالنتيجة هي التخيير ، هذا على
.................................................................................................
مسلك المشهور في جريان البراءة في أمثال المقام.
وأمّا على مسلك المحقق صاحب الكفاية (1)من أن الأقل والأكثر إذا كانا من قبيل العام والخاص فلا تجري البراءة العقلية ولا النقلية ، وإنما تجري قاعدة الاحتياط وذلك لأنّ كلّاً من العام والخاص وجود بنفسه ، وليس الخاص وجوداً للعام وزيادة فالرقبة المؤمنة في مثال ما لو قال المولى لعبده أعتق رقبة مؤمنة ليست رقبة وزيادة بل الرقبة المؤمنة وجود مستقل ، فإن أعتق الرقبة في ضمن غير المؤمنة فقد أتى بما يباين المأمور به ، وإن أتى بالمؤمنة فقد أتى بما هو الواجب في نفسه ، فالشك في اعتبار الإيمان في الرقبة ليس شكّاً في الزيادة ليدفع بأصالة البراءة.
وبتعبير آخر : إتيان الطبيعي في ضمن غير المقيّد إتيان بأمر مباين للمقيّد ، والشك بينهما من المتباينين ، نعم لا بأس بجريان البراءة في احتمال الشرطية ، لأنّ الواجب أمر معلوم ونشك في اشتراطه بأمر آخر فيدفع بالأصل ، ومسألة الدوران بين التعيين والتخيير في المقام من قبيل العام والخاص ، ويرجع الشك فيها إلى الشك بين المتباينين ، ومقتضى الأصل هو الاشتغال.
وكذلك لا مجال للبراءة بناءً على ما سلكه شيخنا الأُستاذ (2)(قدس سره) في التعيين والتخيير.
وحاصل ما ذكره : أنّ البراءة إنما تجري عن التعيين إذا لم تكن الأطراف بنظر العرف متباينة وإلّا فيجري الاشتغال ، فإذا دار الواجب بين نوعين وصنفين كالعبد والأمة تجري أصالة الاشتغال ، لأنهما بنظر العرف متباينان وإن كانا بحسب الدقّة متحدين وداخلين تحت جنس واحد ، وكذا يجري الاشتغال فيما لو دار الواجب بين كونه جنساً أو نوعاً خاصّاً ، فإن الجنس لا وجود له إلّا بالنوع ، والشك بينهما من قبيل الشك بين المتباينين.
العاشر : أدنى الحل ، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الإفراد ، بل لكل عمرة مفردة (1)(1) والأفضل أن يكون من الحديبية أو الجِعرانة أو التنعيم
فالإحرام من المواقيت الخاصّة أو الأعم منها ومن أدنى الحل إما من قبيل العام والخاص الذي ذكره صاحب الكفاية ، وإما أنهما يختلفان بنظر العرف كالنوعين وعلى كلا التقديرين يجري الاشتغال لا البراءة.
ولكن قد ذكرنا في محلِّه (2)أنه لا فرق في جريان البراءة في الأقل والأكثر بين العام والخاص وبين الجنس والنوع ، ففيما نحن فيه تجري البراءة عن الخصوصية الزائدة المقيّدة بالمواقيت المعروفة ، فيكتفي بالإحرام من أدنى الحل.
هذا ولكن مع ذلك لا مجال لجريان البراءة في المقام ، ولا يمكن الحكم بالاكتفاء بأدنى الحل ، وذلك لأنّ من جملة الأطراف المحتملة الإحرام من مرحلتين ، أي مساواة أقرب المواقيت إلى مكّة كما ذهب إليه جماعة فلا إجماع على الخلاف ، فحينئذ تكون الأطراف ثلاثة ، الإحرام من أدنى الحل ومن المواقيت المعروفة ومن مرحلتين ، فنعلم إجمالاً باكتفاء الإحرام من خصوص المواقيت أو الجامع بينها وبين أدنى الحل أو الجامع بين المواقيت وأدنى الحل وبين الإحرام من مرحلتين.
فالنتيجة أنه يتخير بين الأُمور الثلاثة ، وأصالة البراءة عن المواقيت لا تعين الإحرام من أدنى الحل ، لأنّ العلم الإجمالي على الفرض ذو أطراف ثلاثة. هذا كلّه مع قطع النظر عن النصوص الدالّة على لزوم الذهاب إلى المواقيت المعروفة والإحرام منها وعدم جواز العدول والاعراض عنها إلى غيرها.
(1) الظاهر أنه لا خلاف بينهم في كون أدنى الحل ميقاتاً للعمرة المفردة بعد حج القران والإفراد ، كما أنه ميقات للعمرة المفردة لمن كان في مكّة ، ومراد المصنف من
فإنها منصوصة ، وهي من حدود الحرم على اختلاف بينها في القرب والبعد ، فإن الحديبية بالتخفيف أو التشديد بئر بقرب مكّة على طريق جدّة دون مرحلة ثمّ أُطلق على الموضع ، ويقال : نصفه في الحل ونصفه في الحرم ، والجِعرانة بكسر الجيم والعين وتشديد الراء أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء موضع بين مكّة والطائف على سبعة أميال ، والتنعيم موضع قريب من مكّة وهو أقرب أطراف الحل إلى مكّة ، ويقال : بينه وبين مكّة أربعة أميال ، ويعرف بمسجد عائشة ، كذا في مجمع البحرين ، وأمّا المواقيت الخمسة فعن العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهي أن أبعدها من مكّة ذو الحليفة فإنها على عشرة مراحل من مكّة ، ويليه في البعد الجُحفة ، والمواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة بينها وبين مكّة ليلتان قاصدتان ، وقيل : إن الجحفة على ثلاث مراحل من مكّة.
قوله : «بل لكل عمرة مفردة» العمرة المفردة لمن أراد العمرة وحدها من مكّة ، وأمّا النائي الخارج من مكّة فميقات عمرته سائر المواقيت المعروفة كما سيأتي في المسألة السادسة ، ففي العبارة مسامحة واضحة.
وكيف كان ، الذي يدل على أن أدنى الحل ميقات للعمرة المفردة إنما هو روايتان :
الأُولى : صحيحة جميل ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية ، قال : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة ، ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة ، قال ابن أبي عمير : كما صنعت عائشة» (1).
وربّما يشكل الاستدلال بها من جهتين :
إحداهما : أنها واردة في العمرة المفردة المسبوقة بالحج ، وكلامنا في مطلق العمرة المفردة فالتعدي يحتاج إلى الدليل.
1) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 2.
.................................................................................................
ثانيتهما : أن ظاهرها وجوب الإحرام من خصوص التنعيم مع أن كلامنا في مطلق أدنى الحل.
ويمكن الجواب عن الثاني بأن ذكر التنعيم لكونه أقرب الأماكن من حدود الحرم وإلّا فلا خصوصية لذكره.
الثانية : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من أراد أن يخرج من مكّة ليعتمر أحرم من الجِعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها» (1)فإنها تشمل جميع مواضع حدود الحرم لقوله : «أو ما أشبهها» ، كما أنها مطلقة من حيث كون العمرة مسبوقة بالحج أم لا ، فلا ينبغي الريب في هذا الحكم.
يبقى الكلام في مرسلة الصدوق التي رواها بعد صحيحة عمر بن يزيد ، قال الصدوق : «وإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلّها في ذي القعدة ، عمرة أهلّ فيها من عسفان وهي عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء أحرم فيها من الجُحفة ، وعمرة أهلّ فيها من الجعرانة وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين» (2)، ورواها الكليني في الكافي بسند صحيح عن معاوية بن عمّار باختلاف يسير (3).
وربّما يقال بأن ظاهر الرواية أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم للعمرة من عسفان ، الذي يبعد عن مكّة بمقدار مرحلتين ولم يكن ميقاتاً ولا من أدنى الحل ، كما يظهر منها أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم لعمرة القضاء من الجحفة مع أنه لو كان (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قاصداً للعمرة من المدينة فكيف لم يحرم من مسجد الشجرة ، فمقتضى هذه الرواية جواز تأخير إحرام العمرة المفردة للنائي من الميقات الذي أمامه إلى ميقات آخر بعده.
والجواب : أنه إذا كان المراد بالإهلال الإحرام فتدل الرواية على جواز الإحرام
.................................................................................................
من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات ، نظير من كان منزله بعد الميقات ، فإن موضع إحرامه دويرة أهله وليس عليه الرجوع إلى الميقات ، فالحكم بجواز الإحرام من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات لا يختص بمن كان منزله دون الميقات ، بل يشمل من كان بنفسه دون الميقات من باب الاتفاق وإن كان منزله بعيداً ، فالمستفاد من الرواية أن من كان دون الميقات ولو اتفاقاً وأراد العمرة يجوز له الإحرام من مكانه وليس عليه الرجوع إلى الميقات ، ولا خصوصية لذكر عسفان ، بل الميزان كل من كان بعد الميقات سواء كان في عسفان أو في غيره من المواضع.
ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالإهلال هو رفع الصوت بالتلبية كما هو معناه لغة يقال : أهل بذكر اللّه : رفع به صوته ، وأهل المحرم بالحج والعمرة : رفع صوته بالتلبية وأهلوا الهلال واستهلوه : رفعوا أصواتهم عند رؤيته ، وأهل الصبي : إذا رفع صوته بالبكاء (1)، فمعنى الرواية أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) رفع صوته بالتلبية في عسفان ، والعمرة التي رفع صوته بالتلبية من عسفان هي عمرة الحديبية ، فلا ينافي ذلك مع إحرامه من مسجد الشجرة.
يبقى الإشكال في إحرامه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من الجحفة في عمرة القضاء كما في المرسلة.
ويندفع بأن العبرة بصحيحة الكافي عن معاوية بن عمّار ، فإن المذكور فيها الإهلال من الجحفة ، وقد عرفت أن المراد به رفع الصوت بالتلبية.
والذي يظهر من الروايات الصحيحة والتواريخ المعتبرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إنما اعتمر بعد الهجرة عمرتين ، وإنما عبر في هذه الصحيحة بثلاث عمر باعتبار شروعه في العمرة والإحرام لها ولكن المشركين منعوه من الدخول إلى مكّة ، فرجع (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بعد ما صالحهم في الحديبية واعتمر في السنة اللّاحقة قضاءً عمّا فات عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعن أصحابه فسمِّيت بعمرة
1) أساس البلاغة : 487.
.................................................................................................
القضاء ، كما صرح بذلك في صحيحة أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «اعتمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عمرة الحديبية وقضى الحديبية من قابل ، ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف ، ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة» (1)وفي صحيحة صفوان أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم من الجعرانة (2).
فالذي يستفاد من صحيحة معاوية بن عمّار أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم من مسجد الشجرة للعمرة ورفع صوته بالتلبية من عُسفان ، وهي العمرة التي منعه المشركون من الدخول إلى مكّة وصالحهم في الحديبية ورجع من دون إتيان مناسك العمرة ، ثمّ في السنة اللاحقة اعتمر وأحرم من مسجد الشجرة وأهل ورفع صوته بالتلبية من الجحفة فسميت بعمرة القضاء.
وأمّا الجِعرانة فالظاهر من الصحيحة أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم منها لظهور قوله : «وعمرة من الجعرانة» في أن ابتداء العمرة كان من الجعرانة ، لا أنه أحرم قبل ذلك ورفع صوته بالتلبية من الجعرانة كما صرّح بذلك في صحيحة أبان المتقدّمة.
فالمستفاد من الصحيحة جواز الإحرام للعمرة المفردة من الجِعرانة اختياراً وإن لم يكن من أهل مكّة كالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه ، كما يجوز الإحرام من أدنى الحل. ولكن إنما يختص ذلك بمن بدا له العمرة في الأثناء.
فما ذكرناه في أوّل البحث من أن ميقات العمرة المفردة للنائي الخارج من مكّة هو المواقيت المعروفة غير تام على إطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل ، وحاصله :
أن النائي إذا سافر وخرج من بلده لغرض من الأغراض كقتال ونحوه ووصل إلى حدود الحرم ودون الميقات فبدا له أن يعتمر ، يجوز له أن يعتمر من أدنى الحل من الجِعرانة ونحوها كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، ولا يجب عليه العود والرجوع إلى الميقات ، وأمّا النائي الذي يخرج من بلده بقصد العمرة فليس
[3217] مسألة 5 : كل من حج أو اعتمر على طريق فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق وإن كان مهلّ أرضه غيره (1) كما أشرنا إليه سابقاً ، فلا يتعيّن أن يحرم من مهل أرضه بالإجماع والنصوص ، منها صحيحة صفوان «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها».
له الإحرام إلّا من المواقيت المعروفة ، وليس له التأخير إلى أدنى الحل (1)
وأمّا حج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فإنما هو في السنة العاشرة من الهجرة ، وكانت مدّة إقامته (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في المدينة عشر سنين تقريباً ولم يحج ، ثمّ أنزل اللّه تعالى (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ) فأمر المؤذنين بأن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يحج من عامه هذا.
.(1) لإطلاق الروايات (2)الدالّة على توقيت النبي (صلّى اللّه عليه وآله) المواقيت
1) تفصيل اعتمار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في السنة السادسة من الهجرة من شهر ذي القعدة أحرم من مسجد الشجرة للعمرة ، وكان معه 1520 نفر ، وفي رواية 400 نفر ، وساق 70 بعيراً ، ولما وصل (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى حديبية وهي على مرحلة إلى مكّة منعه المشركون من الدخول إلى مكّة ، ثمّ وقع الصلح بينه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وبين المشركين في الحديبية ، ومن جملة شروط الصلح أن يرجع في هذه السنة ويعتمر في السنة اللّاحقة ، واشترطوا أيضاً أن لا يبقى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه في مكّة أزيد من ثلاثة أيّام ، فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من الحديبية إلى المدينة ولم يعتمر ، وفي السنة السابعة من الهجرة بعد ما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من خيبر صمم لزيارة مكّة والعمرة ، وعزم في شهر ذي القعدة للعمرة لقضاء عمرة الحديبية التي منعه المشركون من أدائها ، ودخلوا مكّة معتمرين ولم يبقوا في مكّة أزيد من ثلاثة أيّام ثمّ رجعوا حسب شروط الصلح ، فسميت عمرته بعمرة القضاء ، لقضاء ما فات عنه وتداركه في السنة السابعة ، ثمّ في السنة الثامنة وقع فتح مكّة المعظمة ، وتوجه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بعساكره إلى مكّة لفتحها في شهر رمضان ، وشرب الماء في عُسفان ، ولم يصم إلى أن وصلوا مكّة فاتحين ، ثمّ بعد فتح مكّة مباشرة تقريباً وقعت غزوة حنين وهو وادٍ بين مكّة والطائف وبعد غلبة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ونصرته في حنين أحرم في الثامن عشر من ذي القعدة من الجعرانة للعمرة.
2) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1.
[3218] مسألة 6 : قد علم ممّا مرّ أنّ ميقات حج التمتّع مكّة واجباً كان أو مستحباً من الآفاقي أو من أهل مكّة ، وميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة أو محاذاتها (1)كذلك أيضاً ، وميقات حج القران والإفراد أحد تلك المواقيت مطلقاً أيضاً إلّا إذا كان منزله دون الميقات أو مكّة (2)فميقاته منزله ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضاً بل هو الأفضل ، وميقات عمرتهما أدنى الحل إذا كان في مكّة ويجوز من أحد المواقيت أيضاً وإذا لم يكن في مكّة فيتعين أحدها ، وكذا الحكم في العمرة المفردة مستحبّة كانت أو واجبة ، وإن نذر الإحرام من ميقات معيّن تعيّن والمجاور بمكّة بعد السنتين حاله حال أهلها ، وقبل ذلك حاله حال النائي فإذا أراد حج الإفراد أو القرآن يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها (3)، وإذا أراد العمرة المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل (1).
الخمسة ، فإنها مطلقة من حيث أهل هذه البلاد ومن حيث من يمر عليها ولخصوص معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد ، قال : «من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة» (4)فإن المستفاد منها أن المدينة ميقات لأهلها ولكل من دخل فيها وإن لم يكن من أهلها.
وصحيحة علي بن جعفر «وأهل السند من البصرة ، يعني من ميقات أهل البصرة» (5)فإنها تدل على أن ميقات أهل البصرة ميقات لأهل السند لأنهم يمرون عليه. وأوضح من الكل صحيحة صفوان (6)المذكورة في المتن.
(1) لخّص المصنف (قدس سره) في هذه المسألة ما ذكره في المسائل المتقدّمة من
.................................................................................................
مبحث المواقيت فنقول :
إنّ مكّة ميقات لحج التمتّع للنائي سواء كان واجباً أو ندباً.
وأمّا عمرة التمتّع للنائي فميقاتها أحد المواقيت الخمسة أو محاذيها بناء على الالتزام بكفاية المحاذي ، وقد تقدّم الاشكال فيه.
وأمّا من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله ودويرة أهله ، وليس عليه الرجوع إلى الميقات.
وأمّا من كان من أهل مكّة المكرّمة فإن أراد إتيان حج التمتّع كما إذا أتى به استحباباً أو نذراً أو إجارة أو غير ذلك ممّا يصح التمتّع منه ، فقد ذكر المصنف أن ميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة مخيراً بينها لجملة من الأخبار (1)، ولكن قد ذكرنا آنفاً أن الصحيح هو التخيير له بين الإحرام من أحد المواقيت الخمسة ومن أدنى الحل (2)، لأنّه مقتضى الجمع بين الأدلّة.
وأمّا النائي الذي لا يمر بالميقات ولا بالمحاذي بناءً على إمكان ذلك فعليه أن يرجع إلى الميقات ، فإن لم يتمكن من ذلك فسيأتي حكمه إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا ميقات حج القران والإفراد فإن كان خارجاً من مكّة وكان منزله قبل الميقات فميقاته أحد المواقيت الخمسة أو ما يحاذيه بناءً على الاكتفاء بالمحاذاة ، وأمّا إذا كان منزله بعد الميقات فميقاته دويرة أهله ، وليس عليه الرجوع إلى الميقات.
وأمّا ميقات حج القران والإفراد لمن كان منزله في مكّة فذكر المصنف أنه يحرم من مكّة كما عليه المشهور ، ولكن الصحيح أن ميقاتهم الجعرانة ويحرمون منها كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحة أبي الفضل (3)، وقد ذكرنا أن دويرة أهله لا تشمل من كان منزله في مكّة.
.................................................................................................
ثمّ ذكر المصنف (قدس سره) أن ميقات العمرة لمن كان منزله في مكّة أدنى الحل سواء كانت عمرته العمرة المفردة المستقلة أو التي يؤتى بها بعد حج القران أو الإفراد وأمّا إذا لم يكن في مكّة فميقات عمرته سواء كانت عمرة مفردة أو عمرة التمتّع أحد المواقيت الخمسة.
ولا يخفى عليك أن هذا الكلام لا يخلو من المسامحة ، إذ ليس كل من كان خارج مكّة يجب عليه الإحرام من المواقيت حتى من كان منزله بعد الميقات ، فإن إحرام هذا من منزله ، والإحرام من المواقيت يختص بمن كان منزله قبل الميقات وكان الميقات وسطاً بينه وبين مكّة.
ثمّ إنّ ما ذكره لا يتم على إطلاقه بناءً على مختاره من الاكتفاء بالمحاذي ، فلا وجه للتخصيص بالمواقيت وكان عليه أن يذكر المحاذي ، نعم يتم ما ذكره بناءً على المختار من عدم الاجتزاء بالمحاذاة.
وقد ذكر المصنف (قدس سره) أن من نذر الإحرام من ميقات معيّن تعين له ذلك.
أقول : ولكن لا بدّ من تقييده بكونه مشروعاً في حقّه ، وإلّا من كان أمامه ميقات ليس له أن ينذر الإحرام من الميقات الآخر الذي بعده ، مثلاً من كان في المدينة ليس له أن ينذر الإحرام من الجحفة ، إذ لا يجوز له التجاوز عن مسجد الشجرة بغير إحرام ، والنذر لا يجعل غير المشروع مشروعاً ولا يتعلق إلّا بما هو مشروع في نفسه.
نعم ، لو جاز له الإحرام من الميقاتين كمن كان بعيداً وكان أمامه مسجد الشجرة والجحفة بحيث لا يكون أحدهما قبل الآخر بالنسبة إليه يجوز له نذر الإحرام من أحدهما ، فإطلاق كلام المصنف لا يخلو عن الاشكال ، ولو ذكر بدل قوله «تعين» «وجب» لكان خالياً عن الاشكال ، وذلك لأنّ الظاهر من قوله «تعين» أنه يتبدل حكم الناذر من التخيير بين الميقاتين إلى تعيين الميقات الخاص الذي تعلّق به النذر ، فكأنه ينحصر ميقاته بذلك ولا يصح إحرامه من ميقات آخر ، مع أن الأمر ليس كذلك ، لأنّ النذر لا يعيّن الحكم الشرعي ولا يبدله وإن كان النذر سبباً لوجوب الإتيان بالمنذور ، ولكن لو خالف النذر وأتى بالفرد الذي لم يتعلق به النذر صحّ وإن كان
.................................................................................................
مخالفاً للنذر وتجب عليه الكفّارة للحنث ، فلو نذر النائي الإحرام من الجحفة ولكن خالف وأحرم من الشجرة صحّ حجّه وعمله وإن وجبت عليه الكفّارة لمخالفته للنذر وذلك لما أشرنا إليه من أن النذر لا يوجب انقلاب الحكم الشرعي وتبدله إلى حكم آخر ، وإنما النذر واجب في واجب ، نظير من نذر أن يصلِّي الصلاة جماعة فصلّى منفرداً ، أو نذر أن يصلِّي صلاته في المسجد الفلاني وخالف وصلّى في بيته فإنه لا ريب في صحّة صلاته وإن وجبت الكفّارة لمخالفة النذر ، وكذا لو نذر أن يصوم صوم القضاء في شهر رجب وخالف وصام في شهر شعبان فإنه لا إشكال في صحّة صومه وإن كان حانثاً ، فالأحسن أن يقال وجب بدلاً عن قوله «تعيّن».
وأمّا المجاور بمكّة بعد السنتين فذكر المصنف (قدس سره) أن حاله حال أهلها وقد تقدّم منه أن إحرامهم لحج القران أو الإفراد من مكّة ، للنصوص الدالّة على الإحرام من دويرة أهله الشاملة لأهل مكّة أيضاً ، وقد ذكرنا أن تلك النصوص لا تشمل أهل مكّة وإنما تختص بمن كان منزله خارجاً من مكّة وقريباً منها ، فالواجب عليهم سواء كانوا من أهل مكّة أو من المجاورين فيها الإحرام من أدنى الحل كالجعرانة كما في صحيحة أبي الفضل وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1).
وأمّا المجاور قبل السنتين وقبل أن ينقلب فرضه ففي المتن أن حاله حال النائي فإذا أراد حج الإفراد أو القرآن فميقاته أحد المواقيت الخمسة ، وقد تقدّم منه قريباً في الميقات السابع (2)أن ميقاته أدنى الحل للصحيحتين المتقدّمتين ، وذكر أن القدر المتيقن منهما هو المجاور قبل السنتين ، فما ذكره هنا مخالف لما تقدّم منه ولا يبعد صدور ذلك منه سهواً.
وكيف كان ، ذكرنا في الميقات السابع أن المجاور مطلقاً حكمه حكم أهل مكّة فيخرج إلى الجعرانة فيحرم منها.
[3219] مسألة 1 : لا يجوز الإحرام قبل المواقيت ولا ينعقد ، ولا يكفي المرور عليها محرماً بل لا بدّ من إنشائه جديداً ، ففي خبر ميسرة «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنا متغير اللّون فقال (عليه السلام) : من أين أحرمت بالحج؟ فقلت : من موضع كذا وكذا ، فقال (عليه السلام) : ربّ طالب خير يزلّ قدمه ، ثمّ قال : أيسرّك إن صليت الظهر في السفر أربعاً؟ قلت : لا ، قال : فهو واللّه ذاك» (1).
(1) لا خلاف في عدم جواز الإحرام قبل الميقات ولا بعده ، والروايات في ذلك متضافرة ، فقد ورد في بعضها أن الإحرام دون الميقات في حكم العدم (1)، وقد شبّه في بعض الروايات تقديم الإحرام على الميقات بالصلاة ست ركعات عوض أربع ركعات العصر (2)، فتلك زيادة في الأفعال والركعات وهذه زيادة في الزمان.
والمصنف لم يذكر في المتن إلّا رواية واحدة عن ميسرة ، والموجود في الوسائل ميسر (3)وهو الصحيح ، والرواية معتبرة لأنّ رجالها ثقات ، وأمّا ميسر فقد ذكر الكشي (4)روايات كثيرة تدل على مدحه ، وقد وثقه علي بن الحسن بن فضال.
وبالجملة : لا ينبغي الريب في حرمة الإحرام قبل الميقات أو بعده ، ولكن الحرمة حرمة تشريعية لا ذاتيّة.
نعم ، يستثني من ذلك موضعان : أحدهما : إذا نذر الإحرام قبل الميقات ، فإنّه يجوز ويصحّ للنصوص ، منها خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «لو أنّ عبداً أنعم اللّه تعالى عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه أن يتم». ولا يضر عدم رجحان ذلك بل مرجوحيته قبل النذر مع أن اللّازم كون متعلق النذر راجحاً ، وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الأخبار ، واللّازم رجحانه حين العمل ولو كان ذلك للنذر ، ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرّم من حيث هو مع صحّته ورجحانه بالنذر ، ولا بدّ من دليل يدل على كونه راجحاً بشرط النذر ، فلا يرد أن لازم ذلك صحّة نذر كل مكروه أو محرّم ، وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الأخبار ، فالقول بعدم الانعقاد كما عن جماعة لما ذكر لا وجه له ، لوجود النصوص وإمكان تطبيقها على القاعدة. وفي إلحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه ، ثالثها إلحاق العهد دون اليمين ، ولا يبعد الأوّل لإمكان الاستفادة من الأخبار (1).
(1) يقع الكلام في موردين :
الأوّل : نذر الإحرام قبل الميقات.
المعروف والمشهور انعقاد نذره ووجوب الإحرام من ذلك الموضع ، وذهب جماعة إلى المنع بدعوى أنه نذر غير مشروع ، وممن صرّح بالمنع ابن إدريس (1)ونسبه إلى جماعة كالسيّد وابن أبي عقيل والصدوق والشيخ في الخلاف (2)، ولكن العلّامة خطّأه في نقله (3). وكيف كان ، فالصحيح ما ذهب إليه المشهور للنصوص :
منها : ما رواه الشيخ في الصحيح بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد عن
.................................................................................................
الحلبي (علي) قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكراً أن يحرم من الكوفة ، قال : فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال» (1)، ودلالته واضحة على انعقاد النذر وصحّته ووجوب الوفاء.
وأمّا السند فالمعروف صحّته ، ولكن صاحب المنتقى ناقش في صحّة الخبر تارة بجهل الراوي لترديده بين الحلبي وعلي ، أي علي بن أبي حمزة البطائني الكذّاب ، فإن المذكور في نسخ التهذيب القديمة علي لا الحلبي ، وفي الوسائل ذكر كلمة علي على نحو الاحتمال ، وتصحيف علي بالحلبي قريب ، ويؤيد كون الراوي علي بن أبي حمزة رواية حماد عنه ، فإن رواية حماد بن عيسى عنه معروفة كثيرة ، وأُخرى : بأن حماد واقع في السند ، فإن كان ابن عثمان كما تشعر به روايته عن الحلبي فالحسين ابن سعيد لا يروي عنه بغير واسطة قطعاً ، وإن كان ابن عيسى فهو لا يروى عن عبيد اللّه الحلبي فيما يعهد من الأخبار فالاتصال غير محرز ، ثمّ قال : في آخر كلامه : وبالجملة فالاحتمالات قائمة على وجه ينافي الحكم بالصحّة ، وأعلاها كون الراوي علي بن أبي حمزة فيتضح ضعف الخبر (2).
أقول : الظاهر أن ذكر علي في السند اشتباه ، وإنما ذكر في بعض نسخ التهذيب القديم ، والمصرح به في النسخة الجديدة (3)والاستبصار (4)الحلبي بدل علي ، فالاشتباه إنما وقع من الناسخ ، وأمّا حماد الواقع في الطريق الذي يروي عن الحلبي فالظاهر أنه حماد بن عثمان ، فإنه يروي عن الحلبي بعنوانه وعن عبيد اللّه بن الحلبي وعن عبيد اللّه بن علي وعن عبيد اللّه الحلبي كثيراً ما يقرب من مائتي مورد.
وما ذكره من أنّ الحسين بن سعيد لا يروي عن حماد بن عثمان فغير تام ، فإنّه قد روى عنه في بعض الموارد وإن كان قليلاً لا أنه لا يروي عنه أصلاً ، ولو قلنا بأن حماد
.................................................................................................
هذا هو حمّاد بن عيسى فالحلبي الذي يروى عنه هو عمران الحلبي ، لا عبيد اللّه الحلبي حتى يقال بأنّ حمّاد بن عيسى لا يروي عن عبيد اللّه الحلبي ، وأمّا ما ذكر من أنّ إرادة عمران الحلبي عند إطلاق الحلبي بعيدة فغير تام ، إذ قد يطلق الحلبي ويراد به عمران والحسين بن سعيد يروي عن حماد بن عيسى كثيرا.
ثمّ إنّه لو سلمنا أن الثابت في النسخة علي بدل الحلبي فليس المراد به علي بن أبي حمزة البطائني ، بل المراد إما علي بن يقطين أو علي بن المغيرة ، نعم حماد بن عيسى يروي عن علي البطائني وأمّا حماد بن عثمان فلا يروي عنه. والحاصل : لا ينبغي الريب في صحّة السند.
ومنها : خبر صفوان عن علي بن أبي حمزة ، قال : «كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل جعل لله عليه أن يحرم من الكوفة ، قال : يحرم من الكوفة» (1)ولكنّه ضعيف بعلي بن أبي حمزة ، ولعلّ ذكر علي في هذه الرواية أوجب الاشتباه في ذكره في الخبر السابق.
ومنها : موثقة أبي بصير ، قال : «سمعته يقول : لو أن عبداً أنعم اللّه عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان كان عليه أن يتم» (2)وتكفينا هاتان الروايتان المعتبرتان في الحكم المذكور ، ولا وجه للمناقشة فيه بعد وضوح الدلالة وصحّة السند.
إنّما وقع الكلام في تطبيق الروايات على القاعدة المعروفة ، وهي لزوم الرجحان في متعلق النذر ، وأن النذر لا ينعقد إلّا إذا كان متعلقه راجحاً في نفسه ، فمن هنا يتوجّه الاشكال من أنه لو فرضنا كون الإحرام قبل الميقات غير مشروع فكيف يتعلّق به النذر وينعقد.
وقد أجاب عنه المصنف (رحمه اللّه) في المتن بأن اللّازم رجحان النذر في ظرف
.................................................................................................
العمل ولو كان ذلك للنذر ، ولا يضر عدم رجحانه قبل النذر ، بل ولو كان مرجوحاً قبله فالرجحان الناشئ من قبل النذر كاف.
وأُشكل عليه بأن لازم ذلك انعقاد النذر إذا تعلق بالحرام أو المكروه.
وأجاب عنه في المتن بأنه إنما نقول بصحّة النذر وانعقاده فيما إذا قام الدليل على الجواز فنستكشف من الدليل كونه راجحاً بشرط النذر ، وما لم يدل دليل على الجواز لا يمكن إثبات رجحانه بالنذر ، وحيث قام الدليل على جواز نذر الإحرام قبل الميقات نستكشف منه رجحانه بالنذر ، ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرم ، وهذا بخلاف باقي المحرمات والمكروهات ، فإن إطلاق دليل الحرام أو عمومه يكفي في عدم الرجحان حتى يتعلق النذر به. وبالجملة : إنما نقول بصحّة النذر في المقام لقيام الدليل على صحّة النذر.
وأُورد عليه بأن ذلك غير معقول لاستلزامه الدور ، لأنّ صحّة النذر متوقفة على الرجحان والرجحان متوقف على صحّة النذر وهذا دور واضح.
وفيه : أن المتوقَف عليه يغاير المتوقِف عليه فلا دور ، لأنّ صحّة النذر وإن كانت متوقفة على رجحان متعلقه ولكن رجحان المنذور غير متوقف على صحّة النذر ، بل إنما يتوقف على نفس النذر. وبعبارة اخرى : مشروعية النذر تتوقف على نفس النذر وفي علم اللّه ثابت أنه متى التزم المكلف على نفسه شيئاً يكون ذلك راجحاً فيجب الوفاء به لأنّ متعلقه مشروع ، هذا كلّه بناءً على تطبيق الروايات على القاعدة.
ويمكن أن يقال بعدم الحاجة إلى التطبيق المذكور ، ونلتزم بالتخصيص في المورد بدعوى أن لزوم الرجحان في متعلق النذر ليس من الأحكام العقلية غير القابلة للتخصيص ، وإنما هو حكم شرعي تعبدي يقبل التخصيص ، فيمكن الالتزام بوجوب الوفاء بالنذر في مورد نذر الإحرام قبل الميقات ونذر الصوم في السفر وإن كان الرجحان فيهما ناشئاً من قبل النذر ، لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من النص.
وبتعبير آخر : لو اعتبرنا الرجحان النفسي في متعلق النذر فلا محيص عن التخصيص بالنص الوارد في الموردين ، وإن اعتبرنا مطلق الرجحان ولو كان الرجحان ثابتاً في
والأحوط الثاني لكون الحكم على خلاف القاعدة (1) ، هذا. ولا يلزم التجديد في الميقات ولا المرور عليها وإن كان الأحوط التجديد خروجاً عن شبهة الخلاف.
ظرف العمل وناشئاً من قبل النذر فلا موجب للتخصيص ، فإن الإحرام قبل الميقات وإن كان مرجوحاً في نفسه إلّا أنه راجح في ظرفه بالنذر فالشرط حاصل.
والظاهر أن ما ذكره المصنف من الاكتفاء بالرجحان في ظرف العمل الناشئ من قبل النذر هو الصحيح ، ولا داعي للالتزام بالرجحان الذاتي مع قطع النظر عن تعلق النذر به ، إذ لا دليل لفظي على اعتبار الرجحان في متعلق النذر ، وإنما استفدنا ذلك من أن النذر جعل شيء على ذمّته لله تعالى ، فلا بدّ أن يكون ذلك الفعل قابلاً للإضافة إليه تعالى والاستناد إليه سبحانه ، وما كان مرجوحاً في نفسه غير قابل للإضافة إليه تعالى ، ولكن يكفي في ذلك مجرد كون الفعل راجحاً ولو في ظرف العمل ، ولا يلزم ثبوت الرجحان الذاتي له قبل العمل.
وبالجملة : لا ريب في دلالة الروايات على صحّة هذا النذر وانعقاده ووجوب الوفاء به سواء كان ذلك تخصيصاً للقاعدة أو كان مطابقاً لها ، فإنّ المتبع هو النصوص فلا أثر للبحث عملاً وإنما هو بحث علمي ، فما ذهب إليه المشهور من انعقاد النذر ووجوب الوفاء هو الصحيح ، والقول بعدم الصحّة كما عن جماعة كالحلّي (1)والعلّامة (2)وعن المحقق التردّد فيه (3)فممّا لا وجه له بعد ورود النص ووضوح دلالته وصحّة سنده.
(1) مراده من الاحتياط أنه ليس للعاهد الاكتفاء بالإحرام من موضع العهد بل يجمع بين الأمرين ، يحرم من موضع العهد ويحرم من الميقات أو لا يعهد ولا يحلف ذلك ، وليس مراده من الاحتياط عدم الوفاء بالعهد والاقتصار بالإحرام من الميقات
.................................................................................................
حتى يرد عليه بأنه وإن كان أحوط من جهة ولكنه خلاف الاحتياط من جهة مخالفة العهد والمقام من قبيل الدوران بين المحذورين.
وبالجملة : كيفية الاحتياط في المقام إنما هي بالجمع بين الإحرام من مورد العهد وتجديده من الميقات ، فلا يرد عليه الاشكال.
والعمدة هو النظر إلى الروايات الواردة في المقام وأنها هل تشمل العهد واليمين أم لا فنقول : أمّا صحيحة الحلبي (1)فلا يبعد اختصاصها بالنذر ، لأنّ موردها أن يجعل لله عليه شكراً ، وذلك ينطبق على النذر خاصّة ، لأنّ النذر هو الذي يجعل الإنسان على نفسه شيئاً لله ، فكأنه جعل واقع بينه وبين اللّه ، بخلاف العهد فإنه ليس فيه جعل شيء على نفسه لله وإنما هو معاهدة نفسانية وقرار نفساني فيما بينه وبين اللّه ، وكذلك الحلف فإنه إنشاء التزام بشيء مربوط باللّه تعالى ، فكأنه يجعل اللّه لعظمته وجلالته كفيلاً وشاهداً على فعله ، وليس فيه جعل شيء على نفسه لله ، فالصحيحة لا تشمل العهد واليمين.
وأمّا الموثقة (2)فغير قاصرة الشمول للعهد واليمين ، إذ لم يذكر فيها أن يجعل لله على نفسه شيئاً ، وإنّما المذكور فيها أن يجعل على نفسه ، وهذا العنوان مشترك بين النذر والعهد واليمين ، فإنّ الحالف أيضاً يجعل على نفسه ويجعل نفسه ملزمة بشيء ، غاية الأمر مرتبطاً به سبحانه ويجعله كفيلاً وشاهداً على ما التزم به ، وكذلك قوله عاهدت اللّه يرجع إلى قرار نفساني وإلزام نفسه بشيء ، وليس كالنذر بأن يجعل اللّه طرفاً لجعله ، بل هو مجرّد جعل على نفسه وإلزام على نفسه ولم يجعل اللّه طرفاً لجعله كما في النذر ، وهذا المعنى مشترك في الجميع.
وتوضيح ما ذكرنا يتوقف على بيان أمر ذكرناه في الأُصول (3)وحاصله : أنّ كل
.................................................................................................
كلام يبرز أمراً نفسانياً ، فالمتكلم عند ما يتكلّم بشيء إنّما يبرز ذلك الأمر النفساني وحينئذ فالمبرز بالفتح قد يكون من الأُمور الاعتبارية كاعتبار شيء في ذمّة المكلف فيبرزه بقوله افعل ، وقد يكون المبرز من الأُمور الواقعية كالاستفهام والتهديد والشوق ونحو ذلك ، وكذلك الحال في الجمل الاخبارية ، فإن المبرز فيها الإخبار عن قيام زيد بالضرب مثلاً ، فإذا قال القائل : ضرب زيد فقد أبرز ما في نفسه وهو الإخبار عن صدور الضرب من زيد ، ولذا ذكرنا أنه لا فرق بين الجمل الاخبارية والإنشائية من هذه الجهة ، ولأجل ذلك لا يتصف الخبر بالصدق والكذب ، ولكن حيث إن المبرز بالفتح في الجملة الخبرية له تعلق بالخارج قد يطابقه وقد يخالفه فيتصف بالصدق والكذب.
والحاصل : لا فرق بين الخبر والإنشاء من جهة الإبراز لما في النفس.
وهكذا الأمر في باب العهد واليمين ، فإن الحالف يبرز التزامه بشيء غاية الأمر مرتبطاً باللّه تعالى ، والالتزام أمر حقيقي نفساني نظير الاستفهام والتهديد ، وكذلك العهد ، فإن العاهد يقرر شيئاً في نفسه ويعتبر على نفسه شيئاً مرتبطاً به تعالى ويبرزه بقوله : عاهدت اللّه ، كما أنه في النذر يعتبر لله على نفسه شيئاً ويبرزه بقوله : نذرت لله على أن أفعل كذا ، فالالتزام النفساني المرتبط باللّه متحقق في الموارد الثلاثة ، وإطلاق الموثقة يشمل الجميع.
ثمّ إنّه بعد الفراغ عن صحّة نذر الإحرام قبل الميقات لا حاجة إلى تجديد الإحرام في الميقات وإن مرّ عليه ، كما أنه يجوز له أن يسلك طريقاً لا يفضي إلى الميقات ، لأنّ الممنوع هو المرور بالميقات بلا إحرام ، وأمّا إذا كان محرماً بإحرام صحيح فلا موجب للإحرام ثانياً ، كما لا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات ، لأنّ الذهاب إلى الميقات إنما يجب لأجل أن يحرم من الميقات ، فإن كان محرماً فلا موجب للذهاب إلى الميقات ، نعم لا بأس بالتجديد احتياطاً ورجاءً خروجاً عن شبهة الخلاف.
وأمّا ما حكي عن بعض من التفصيل بين ما إذا نذر إحراماً واجباً وجب التجديد وبين ما إذا نذر إحراماً مستحباً استحب له التجديد ، فلا وجه له ، إذ لو كان الإحرام
والظاهر اعتبار تعيين المكان فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً فيكون مخيراً بين الأمكنة لأنّه القدر المتيقن بعد عدم الإطلاق في الأخبار (1) ، نعم لا يبعد الترديد بين المكانين بأن يقول : لله عليَّ أن أُحرم إمّا من الكوفة أو من البصرة ، وإن كان الأحوط خلافه (1).
ولا فرق بين كون الإحرام للحج الواجب أو المندوب أو للعمرة المفردة (2) ، نعم لو كان للحج أو عمرة التمتّع يشترط أن يكون في أشهر الحج لاعتبار كون الإحرام لهما فيها ، والنصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني فقط ، ثمّ لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان نسياناً أو عمداً لم يبطل إحرامه إذا أحرم من الميقات.
صحيحاً فلا فرق بين الواجب والمستحب ، ولو كان باطلاً لا فرق بينهما أيضا.
(1) لأنّ الروايات إنما جوزت نذر الإحرام قبل الميقات فيما إذا عيّن مكاناً خاصّاً كالكوفة وخراسان والبصرة ونحو ذلك من الأماكن ، ولا خصوصية للكوفة وخراسان المذكورين في النص ، لأنّ الظاهر أن ذكرهما من باب المثال. والحاصل : حيث إنّ الحكم على خلاف القاعدة فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو جواز الإحرام قبل الميقات بالنذر إذا عيّن مكاناً خاصّاً ، فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً ومن أي مكان كان لعدم الدليل عليه.
وأمّا عدم استبعاد المصنف (قدس سره) لجواز الترديد بين المكانين فلم يظهر وجهه ، إذ لا فرق بين الترديد بين المكانين وبين عدم تعيين المكان ، لأنّ عدم تعيين المكان مرجعه إلى الترديد بين أماكن ومواضع متعددة.
(2) لإطلاق الروايات وترك الاستفصال فيها ، غاية الأمر لو كان الإحرام لعمرة التمتّع لا بدّ من وقوع النذر في أشهر الحج وإلّا فلا يصح الإحرام ، لا من جهة وقوعه قبل الميقات بل من جهة وقوعه قبل أشهر الحج ، والنصوص إنما جوّزت قبل الوقت المكاني لا الزماني.
1) (*) لا يترك.
نعم ، عليه الكفّارة إذا خالفه متعمداً (1).
(1) أمّا في فرض النسيان فالأمر واضح ، لعدم العصيان وعدم المبغوضية ، فلا مانع من اتصاف إحرامه بالصحّة ، وأمّا في فرض العمد فربّما يقال كما قيل بأنه لا يصح إحرامه ، لأنّ هذا العمل مفوت للواجب فيكون مبغوضاً فلا يقع عبادة.
وفيه : أن النذر إنما يوجب خصوصية زائدة في المأمور به ، كما إذا نذر أن يصلِّي جماعة أو يصلّي في المسجد الفلاني ونحو ذلك ، فإنه يجب عليه الإتيان بتلك الخصوصية وفاءً للنذر ، إلّا أن هذا الوجوب إنما نشأ من فعل المكلف ونذره ، فهو تكليف آخر غير الوجوب الثابت لذات العمل ، والمأمور به إنما هو الطبيعي الجامع بين الأفراد ، والنذر لا يوجب تقييداً ولا تغييراً في المأمور به الأوّل بحيث لو أتى بغير المنذور كان آتياً بغير المأمور به ، بل يكون آتياً بالمأمور به مع كونه تاركاً للنذر ، فهو واجب في واجب ، ويكون آثماً من جهة مخالفة النذر وعليه الكفّارة. والحاصل : النذر لا يوجب تبديل المأمور به الأوّل إلى المنذور.
وأمّا التفويت فلا يوجب شيئاً في المقام ، لأنّ أحد الضدّين لا يكون علّة لعدم ضد الآخر ولا العكس ، وإنما هما أمران متلازمان في الخارج لعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج ، فإذا وجد أحدهما لا يوجد الآخر طبعاً.
وأمّا الإحرام من الميقات ومن المكان المنذور فليس بينهما أي علية ومعلولية وإتيان أحدهما لم يكن تفويتاً للآخر ، بل تفويت الآخر عند وجود أحدهما ملازم ومقارن له ، بل يستحيل الحكم بالفساد في أمثال المقام ، وذلك لأنّ حرمة الإحرام من الميقات متوقفة على كونه صحيحاً ، إذ لو لم يكن صحيحاً لم يكن مفوتاً ، فصدق التفويت يتوقف على أن يكون صحيحاً ، وما فرض صحّته كيف يكون فاسداً وحراماً.
ثانيهما : إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي تقضيه إن آخر الإحرام إلى الميقات فإنّه يجوز له الإحرام قبل الميقات وتحسب له عمرة رجب وإن أتى ببقيّة الأعمال في شعبان ، لصحيحة إسحاق بن عمّار (1)عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «عن رجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : يحرم قبل الوقت لرجب فإنّ لرجب فضلاً» وصحيحة معاوية بن عمّار «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلّا أن يخاف فوت الشهر في العمرة» (1)
(1) هذا هو المورد الثاني لجواز الإحرام قبل الميقات ، ويدلُّ عليه موثق إسحاق ابن عمّار ، قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يجيء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال (هلال شعبان) قبل أن يبلغ العقيق فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : يحرم قبل الوقت لرجب فإن (فيكون) لرجب فضلاً وهو الذي نوى» (2).
والرواية واضحة الدلالة ، والسند معتبر ، وعبّر عنها في المتن بالصحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) تبعاً لصاحب الجواهر (3)، إلّا أنّ الرواية عن أبي إبراهيم (عليه السلام) وليست بالصحيحة حسب الاصطلاح ، وإنما هي موثقة لأنّ إسحاق بن عمّار فطحي ثقة ، نعم على ما سلكناه من إطلاق الصحيحة على كل خبر معتبر مقابل الضعيف فلا بأس بإطلاق الصحيحة على الموثقة.
ومقتضى إطلاق الثانية جواز ذلك لإدراك عمرة غير رجب أيضاً ، حيث إنّ لكل شهر عمرة لكن الأصحاب خصّصوا ذلك برجب فهو الأحوط (1)، حيث إنّ الحكم على خلاف القاعدة ، والأولى والأحوط مع ذلك التجديد في الميقات ، كما أن الأحوط التأخير إلى آخر الوقت وإن كان الظاهر جواز الإحرام قبل الضيق إذا علم عدم الإدراك إذا آخر إلى الميقات (1).
(1) وهل يختص الحكم بعمرة رجب أو يتعدّى إلى عمرة غير رجب حيث إنّ لكل شهر عمرة ، والمفروض أنه لو آخر الإحرام إلى الميقات لا يدرك عمرة هذا الشهر؟ والأظهر عدم الاختصاص لإطلاق صحيحة معاوية بن عمّار ، قال «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقّته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلّا أن يخاف فوت الشهر في العمرة» (2)ولا مانع من العمل بها لعدم ثبوت الاعراض عنها. على أن الاعراض غير ضائر بعد صحّة السند وظهور الدلالة.
وذكر صاحب الجواهر (3)أنّ التعليل في موثقة إسحاق المتقدِّمة (4)يوجب التخصيص بعمرة رجب ، لأنّ الظاهر من التعليل أنه إنما جاز التقديم لأجل أنّ عمرة شهر رجب لها فضل على عمرة شعبان ، وأمّا عمرة سائر الشهور فليست إحداها أفضل من الأُخرى ، فإن عمرة ربيع ليست بأفضل من عمرة جمادى وهكذا ، بل هي متساوية في الفضل.
وفيه : أن الموثقة غير مختصّة بدرك الأفضل ليختص التقديم بعمرة رجب ، بل تعم كل مورد يفوت منه الفضل وذلك لا يختص بشهر رجب ، لأنّ عمرة كل شهر لها فضل ، والمفروض أنه لو آخر الإحرام إلى الميقات لم يدرك فضل عمرة هذا الشهر فالتقديم قد يكون لدرك الفضل.
بل هو الاولى حيث إنه يقع باقي أعمالها أيضاً في رجب (1).
والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالأصل أو بالنذر ونحوه (2).
(1) وهل يشترط في جواز التقديم ضيق الوقت بمعنى أنه يعتبر إيقاع الإحرام في آخر الوقت من الشهر ، أو يجوز الإحرام قبل الضيق ولو في أواسط شهر رجب إذا علم عدم الإدراك إذا آخر إلى الميقات؟ وجهان.
والظاهر هو الثاني كما في المتن لإطلاق الموثقة من هذه الجهة ، والمستفاد منها أن الميزان في جواز الإحرام قبل الميقات إنما هو بخوف فوت شهر رجب ودخول شهر شعبان وهو غير محرِم ، سواء آخر الإحرام إلى أن يضيق الوقت أم أحرم قبل الضيق بل لا يبعد أن يكون التقديم أولى ، لأنّ زمان إحرامه أطول فتكون عبادته أكثر.
ولكن المصنف علل الأولوية بقوله : حيث إنه يقع باقي أعمالها أيضاً في رجب. ومراده واللّه العالم أنه لو أحرم من هذا المكان ولم يذهب إلى الميقات يدرك جميع أعمال العمرة في رجب ، بخلاف ما لو آخر الإحرام إلى الميقات فإنه لا يدرك من رجب إلّا الإحرام فيه. ويمكن أن يكون مراده باعتبار الطريق من أنه لو أحرم من هذا المكان فيسلك طريقاً لا يفضي إلى الميقات لكونه أقرب إلى مكّة فيدرك جميع الأعمال في رجب بخلاف ما لو ذهب إلى الميقات فإنه يتأخر هناك ويفوت عنه رجب ، فالتقديم والتأخير بلحاظ المكان لا باعتبار سعة الوقت.
(2) لإطلاق موثقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة (1). وربّما أشكل عموم النص للعمرة الواجبة بالأصل ، لأنّ قوله : «ينوي عمرة رجب» ظاهر في العمرة الرجبية الثابتة لشهر رجب وهي مندوبة.
وفيه : أن العمرة الرجبية ليست اسماً للمندوبة ، فإن العمرة تحتاج إلى زمان تقع فيه ، وإنما ذكر خصوص رجب لأنّ وقوعها فيه ذو فضيلة ومزية ، وذلك لا يوجب
1) في ص 326.
[3220] مسألة 2 : كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها ، فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكّة أن يجاوز الميقات اختياراً إلّا محرماً ، بل الأحوط (1)عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات أيضاً إلّا محرماً وإن كان أمامه ميقات آخر ، فلو لم يحرم منها وجب العود إليها مع الإمكان إلّا إذا كان أمامه ميقات آخر فإنه يجزئه الإحرام منها (2)وإن أثم بترك الإحرام من الميقات الأوّل ، والأحوط العود إليها مع الإمكان مطلقاً وإن كان أمامه ميقات آخر ، وأمّا إذا لم يرد النسك ولا دخول مكّة بأن كان له شغل خارج مكّة ولو كان في الحرم فلا يجب الإحرام. نعم ، في بعض الأخبار (3)وجوب الإحرام من الميقات إذا أراد دخول الحرم وإن لم يرد دخول مكّة ، لكن قد يدعى الإجماع على عدم وجوبه وإن كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات (1).
اختصاص قوله «عمرة رجب» بالعمرة المندوبة الواقعة فيه ، فإطلاق الموثقة لترك الاستفصال فيها محكم.
(1) أمّا عدم جواز التأخير عن نفس المواقيت فللنصوص الكثيرة المتقدّمة (4)الدالّة على توقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) المواقيت الخاصّة ، وأنه لا يجوز تجاوزها إلّا وهو محرم ، ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وليس لأحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها ، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك.
وأمّا التجاوز والتأخير عن المحاذي فقد ذكر أن الأحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات.
ولا يخفى أنّ الإحرام من محاذي مسجد الشجرة في صورة خاصّة مذكورة في النص
[3221] مسألة 3 : لو آخر الإحرام من الميقات عالماً عامداً ولم يتمكّن من العود إليها لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر بطل إحرامه وحجّه على المشهور الأقوى (1)ووجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعاً ، وأمّا إذا لم
ممّا يمكن الالتزام بوجوبه ، لظهور قوله في صحيح ابن سنان «فليحرم منها» (2)في الوجوب ، وأمّا بالنسبة إلى محاذاة سائر المواقيت فلا نلتزم بالوجوب لقصور النص وأقصى ما يمكن الالتزام به في محاذاة سائر المواقيت إنما هو الجواز ، لأنه القدر المتيقن من اتفاق الأصحاب على الإحرام من المحاذي ، فاحتياط المصنف بالنسبة إلى المحاذاة في محلّه بعد الفراغ عن جواز الإحرام من المحاذي.
ثمّ إنه لو لم يحرم من الميقات وجب العود إليها مع الإمكان ، لظهور روايات التوقيت في الوجوب التعييني وبيان الوظيفة ، فلا بدّ من الرجوع إليها لأداء الوظيفة وإن كان أمامه ميقات آخر خلافاً للمصنف ، ويؤكد ذلك أن مقتضى هذه الروايات عدم التجاوز لأهل المدينة عن مسجد الشجرة مع أن أمامهم ميقات آخر وهو الجحفة. مضافاً إلى صراحة صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد المتقدِّمة (3)في أن من دخل المدينة ليس له الإحرام إلّا من مسجد الشجرة.
وأمّا ما قيل من أن مقتضى كون هذه المواقيت مواقيت لأهلها ولمن أتى عليها ومرّ بها وإن لم يكن من أهلها ، الاجتزاء بالإحرام من الميقات الآخر الواقع أمامه وعدم وجوب العود إلى الميقات الذي تجاوزه بلا إحرام ، ففيه : أن غاية ما يستفاد من هذه الروايات عدم اختصاص هذه المواقيت بأهلها بل هي لمن يمر عليها وإن لم يكن من أهلها ، وليس معنى ذلك أن يترك ميقاتاً اختياراً ويمر بميقات آخر.
يكن مستطيعاً فلا يجب (1) وإن أثم بترك الإحرام بالمرور على الميقات خصوصاً إذا لم يدخل مكّة ، والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعاً بدعوى وجوب ذلك عليه إذا قصد مكّة فمع تركه يجب قضاؤه ، لا دليل عليه خصوصاً إذا لم يدخل مكّة ، وذلك لأنّ الواجب عليه إنما كان الإحرام لشرف البقعة كصلاة التحيّة في دخول المسجد فلا قضاء مع تركه ، مع أنّ وجوب الإحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه ، وأيضاً إذا بدا له ولم يدخل مكّة كشف عن عدم الوجوب من الأوّل وذهب بعضهم إلى أنّه لو تعذّر عليه العود إلى الميقات أحرم من مكانه (1)كما في الناسي والجاهل ، نظير ما إذا ترك التوضّؤ إلى أن ضاق الوقت فإنّه يتيمّم وتصح صلاته وإن أثم بترك الوضوء متعمِّداً ، وفيه : أنّ البدلية في المقام لم تثبت بخلاف مسألة التيمّم والمفروض أنّه ترك ما وجب عليه متعمِّداً.
(1) ذكر المصنف (قدس سره) في هذه المسألة أنه لو آخر الإحرام عالماً عامداً ولم يكن أمامه ميقات آخر ولم يتمكن من العود إليها بطل إحرامه ، لأنه ترك الوظيفة اختياراً فيفسد حجّه ، نظير ترك التكبيرة للصلاة ، فيجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعاً ، وإن لم يكن مستطيعاً فلا يجب ، فيقع الكلام في جهات :
الاولى : ما إذا ترك الإحرام من الميقات عمداً وكان أمامه ميقات آخر ، وفرضنا أنه لا يتمكّن من العود إلى الميقات الذي تجاوز عنه.
فإن قلنا بمقالة المصنف في المسألة السابقة من جواز الإحرام من الميقات الثاني الواقع أمامه ولو مع التمكّن من العود إلى الميقات الأوّل ، فلا ريب في الاجتزاء في المقام ، لأنّ المفروض عدم لزوم العود إلى الميقات الأوّل في فرض التمكّن فضلاً عن المعذور كما هو المفروض في المقام.
وأمّا إذا لم نقل بذلك والتزمنا بعدم الاجتزاء بالإحرام من الميقات الثاني بدعوى
1) (*) هذا هو الصحيح على تفصيل تقدّم [في التعليقة السابقة].
.................................................................................................
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت المواقيت الخاصّة وجعل الإحرام منها وظيفة للمكلّف ، فلا بدّ من العود إليها إن تمكن ، وأمّا إذا تعذر فقد يقال بفساد حجّه لأجل عدم الإحرام من الميقات المتعين له ، ولا ينفعه الإحرام من الميقات الثاني لأنه على خلاف وظيفته المقررة له ، ولا دليل على الاكتفاء بالإحرام منه وكونه ميقاتاً له.
ولكن الصحيح أن يقال : إن من تعذر عليه الرجوع لا يفسد حجّه ، بل يحرم من مكانه إذا كان خارج الحرم ، وإذا كان في الحرم يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه كالجاهل والناسي ، فحال العامد حالهما من هذه الجهة ، وأن الميقات السابق ميقات له ما دام متمكناً من الإحرام منه ، وإذا تعذر ذلك يسقط عن كونه ميقاتاً له فيحرم من الميقات الثاني ، فهو وإن لم يكن ميقاتاً له حدوثاً ولكنه ميقات له بقاءً.
الجهة الثانية : ما إذا تجاوز عن الميقات الأوّل بلا إحرام عالماً عامداً ولم يتمكن من العود إليه لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر ، فهل يفسد إحرامه وحجّه أم لا؟
المشهور هو الأوّل ، وذهب جماعة من المتأخرين إلى الصحّة وأنه يحرم من مكانه كما في الناسي والجاهل ، وقد اختاره صاحب المستند (1)وكشف اللثام (2)، بل نسب إلى بعض القدماء ، وقد اتفقوا على أن الجاهل والناسي يحرمان من مكانهما إذا لم يدخلا الحرم ، وإذا دخلا فيه بغير إحرام يخرجان منه ويحرمان من أدنى الحل ، فكذلك العامد ، نظير من جعل نفسه فاقداً للماء اختياراً ، فإنه يتعين عليه التيمم وتصح صلاته وإن كان الفقدان بسوء اختياره.
ويظهر من المصنف أن القائل بالصحّة قاس المقام بباب التيمم عند فقدان الماء اختياراً وأنه لا فرق بين المقام وهناك. وأورد عليه بأن القياس في غير محله ، لأنه قد ثبت في باب التيمم بدلية التراب عن الماء مطلقاً حتى في حال فقدان الماء اختياراً ، ولم تثبت البدلية في المقام عند الترك العمدي.
.................................................................................................
ولكن الظاهر أن القائل بالصحّة إنما ذكر ذلك تشبيهاً لا اعتماداً عليه وتمسكاً به وإنما مستنده صحيح الحلبي «عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم ، فقال : يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم ، فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج» (1)فإن إطلاقه يشمل العامد وليس فيه ما يظهر اختصاصه بالجاهل والناسي ، بل قوله : «عن رجل ترك الإحرام» ظاهر في الترك العمدي ، ولا أقل من الإطلاق.
ولكن صاحب الجواهر (2)(قدس سره) رجح روايات التوقيت العامّة على هذه الصحيحة ، ومقتضى تلك الروايات هو البطلان ، لأنّ مقتضى إطلاقها شرطية الإحرام من الميقات مطلقاً ، خرجنا عنه في خصوص الجاهل والناسي ، وأمّا في العامد فيبقى إطلاق الروايات الدالّة على الشرطية على حالها ، وأمّا صحيح الحلبي فنخصصه بمورد العذر يعني غير العامد ، فرفع اليد عن إطلاق صحيح الحلبي أولى من رفع اليد عن إطلاق تلك الروايات لوجوه.
وذكر في المستمسك أن المراد بالوجوه المرجحة شهرة تلك الروايات وكثرتها وشهرة الفتوى بها ، والحمل على الصحّة في صحيح الحلبي ، باعتبار أن حمل الترك في صحيح الحلبي على الترك العمدي خلاف حمل فعل المسلم على الصحّة ، لأنّ المسلم الذي يريد الحج وأداء الواجب لا يترك الإحرام عمداً من الميقات ، فالمتبع إطلاق تلك الروايات الموقتة الدالّة على البطلان ، نعم ورد النص في صحّة إحرام خصوص الجاهل والناسي (3).
أقول : أمّا الحمل على الصحّة فلم يتحصل لنا معنىً صحيح له ، لأنّ الحمل على الصحّة إنما يجري فيما إذا صدر فعل من المسلم وشك في صدور الفعل عنه صحيحاً أو فاسداً ، وأمّا حمل السؤال عن فعل من الأفعال على الصحّة فلا معنى له ، فإنه يمكن
.................................................................................................
السؤال عن الحرام اليقيني ، كما يصح أن يسأل عن رجل إذا زنى أو شرب الخمر مثلاً وأنه ما هو حكمه وغير ذلك من المحرمات التي وقعت في الأسئلة ، فإن السؤال قد يقع عن قضية فرضية لا يلزم انتسابها إلى أحد.
وأمّا تقديم الروايات العامّة التوقيتية على صحيح الحلبي لكثرتها وشهرتها وشهرة الفتوى بها فلا وجه له ، لأنّ صحيح الحلبي نسبته إلى تلك الروايات نسبة الخاص إلى العام ، ولا ريب في تقدّم الخاص على العام ، فإن مورد صحيح الحلبي خشية فوت الحج ، وتلك مطلقة من هذه الجهة ، فترجيح المطلقات أو العمومات على صحيح الحلبي مما لا وجه له ، فما ذهب إليه كاشف اللثام وصاحب المستند من الحكم بالصحّة هو الصحيح وإن ارتكب أمراً محرماً بتركه الإحرام من الميقات الأوّل.
الجهة الثالثة : أنه بعد الفراغ عن فساد الحج والإحرام كما ذهب إليه المشهور هل يجب عليه القضاء أم لا؟
اختار المصنف وجوب القضاء إذا كان مستطيعاً ، فإن الحج إذا فات عنه يجب الإتيان به فوراً ففوراً ، يعني يجب عليه الإتيان به في سنة الاستطاعة ، فإن لم يأت به فيها يجب عليه أداؤه في السنة اللاحقة وهكذا ، فالتعبير عنه بالقضاء فيه مسامحة وأمّا إذا لم يكن مستطيعاً فلا يجب عليه قضاؤه لعدم وجوب الحج عليه من الأوّل فكيف بوجوب القضاء ، نعم قد ارتكب أمراً محرماً بالمرور على الميقات محلّا.
خلافاً للشهيد الثاني حيث ذهب إلى وجوب القضاء ولو لم يكن مستطيعاً ، وذكر المصنف أنه لا دليل له إلّا دعوى وجوب الحج والإحرام عليه لدخول مكّة ، فمع تركه يجب قضاؤه.
وأشكل عليه بأنه إذا بدا له ولم يدخل الحرم أو دخل الحرم ولم يدخل مكّة ينكشف أن الإحرام لم يكن واجباً عليه من الأوّل ، وإنما تخيل أن الحج واجب عليه.
واحتمال وجوب الإحرام عليه واقعاً بمجرد قصد الدخول إلى مكّة وإن لم يدخلها كما نسب إلى الشهيد الثاني (1)لا دليل عليه ، لأنّ مقتضى الأدلّة وجوب الإحرام
1) المسالك 2 : 222.
.................................................................................................
لدخول مكّة لا على من يقصد الدخول وإن لم يدخلها ، فلا معنى لوجوب القضاء مع عدم وجوب الإحرام.
مضافاً إلى أن الذي يجب عليه لدخول مكّة إنما هو الإحرام الجامع بين الحج والعمرة لا وجوب الحج ، فلم يفت منه حج حتى يجب قضاؤه ، ومجرّد القصد إلى الحج لا يوجب تعيّن الحج عليه ، ولو سلمنا وجوب الحج عليه لدخول مكّة إلّا أنّ القضاء يحتاج إلى دليل خاص ، لأنّه بأمر جديد ، وقضاء الحج إنما ثبت في موارد خاصّة ، ومجرّد وجوب الحج عليه أداءً لا يوجب ثبوت القضاء.
فتحصل : أنه يصح إحرامه وحجّه لإطلاق صحيح الحلبي ، وهذا الحكم لا إجماع على خلافه ، وعلى فرض الفساد فقد أثم بترك الإحرام بالمرور على الميقات ولا يجب القضاء.
ثمّ إن هنا رواية وهي ما رواه عبد اللّه بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : «سألته عن رجل ترك الإحرام حتى انتهى إلى الحرم فأحرم قبل أن يدخله ، قال : إن كان فعل ذلك جاهلاً فليبن مكانه ليقضي ، فإنّ ذلك يجزئه إن شاء ، وإن رجع إلى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فإنّه أفضل» (1). ولا يخفى أنه لا محصل لقوله «فليبن» أو «فليبين» ، ويمكن أن يكون فليلبِّي ووقع فيه التصحيف ، وعلى كل تقدير المراد من هذه الجملة صحّة الإحرام بقرينة قوله : «فإن ذلك يجزئه» ، ففي الرواية جهتان :
الاولى : أن مقتضى الرواية أن الجاهل لا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وإن كان الرجوع أفضل ، فتكون الرواية أجنبية عن محل كلامنا ، لأنّ كلامنا في العامد.
الثانية : مقتضى المفهوم منها أنّ العالم العامد لا يجزئه الإحرام من مكانه ويفسد إحرامه ، فتكون مقيّدة لإطلاق صحيح الحلبي المتقدِّم (2).
.................................................................................................
وفيه أوّلاً : أن مورد الرواية غير معمول به ، لأنّ مقتضاها الإحرام من مكانه وإن كان متمكِّناً من العود إلى الميقات ، ولم يقل به أحد.
وثانياً : أن الرواية ضعيفة بعبد اللّه بن الحسن العلوي ، فإنه لم يرد فيه أي توثيق ومدح ولم يذكر في كتب الرجال.
لا خلاف ولا إشكال في عدم جواز الدخول إلى مكّة إلّا محرماً إلّا لأشخاص ممن يتكرر دخوله كالحطّاب والحشّاش.
وإنما وقع الكلام في الداخل إلى الحرم ولم يكن من قصده الدخول إلى مكّة ، فهل يجب عليه الإحرام لدخول الحرم أم لا يجب إلّا لمن يريد الدخول إلى مكّة؟
المعروف والمشهور بين الأصحاب عدم وجوب الإحرام لمن لا يريد دخول مكّة ونسب إلى بعضهم وجوب الإحرام للعمرة أو للحج لمن يريد دخول الحرم ، فإنّ الإحرام وإن كان عبادة ولكن لا يستقل بنفسه ، بل إما أن يكون للحج أو للعمرة ، فمن كان قاصداً لدخول الحرم لحاجة وغرض من الأغراض ولم يكن مريداً لدخول مكّة يجب عليه الإحرام لدخول الحرم ، ثمّ يجب عليه أن يذهب إلى مكّة لأداء المناسك من العمرة أو الحج ، وممّن صرّح بوجوب الإحرام لدخول الحرم صاحب الوسائل (1)، حيث أخذ عدم جواز دخول الحرم إلّا محرماً في عنوان الباب الخمسين من أبواب الإحرام وذكر : باب أنه لا يجوز دخول مكّة ولا الحرم بغير إحرام ، وما يذكره في عنوان الباب يفتي به.
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، فإن الروايات الواردة في المقام على طائفتين :
الأُولى : ما دلّ على وجوب الإحرام لدخول مكّة ، كصحيحة محمّد بن مسلم «هل يدخل الرجل مكّة بغير إحرام؟ قال : لا إلّا مريضاً أو من به بطن» (2).
.................................................................................................
الثانية : ما دل على وجوب الإحرام لدخول الحرم كصحيحة عاصم «يدخل الحرم أحد إلّا محرماً؟ قال لا إلّا مريض أو مبطون» (1).
ومقتضى الطائفتين في بادئ الأمر وجوب الإحرام لدخول مكّة ودخول الحرم ولكن التأمل فيهما يقضي بوجوب الإحرام لدخول مكّة فقط ، وحمل أخبار الحرم على مريد الدخول إلى مكّة. والوجه في ذلك : أن جعل الحكمين معاً أي جعل وجوب الإحرام لدخول الحرم وجعل وجوب الإحرام لدخول مكّة يستلزم اللغوية.
بيان ذلك : الحكم بوجوب الإحرام لو كان مختصّاً بمن كان داخل الحرم لأمكن جعل الحكمين معاً في حقه ، فيقال له : إذا أردت دخول مكّة يجب عليك الإحرام وإذا خرجت من الحرم وأردت دخوله يجب عليك الإحرام لدخول الحرم ، إلّا أنّ مقتضى بعض الروايات الصحيحة وصراحتها ثبوت هذا الحكم لعامّة المسلمين وعدم اختصاصه بطائفة دون اخرى ، كما في صحيحة معاوية بن عمّار «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يوم فتح مكّة : إن اللّه حرم مكّة يوم خلق السموات والأرض ، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي» (2).
فلا يمكن تخصيص الحكم بداخل الحرم ، وعليه فجعل الحكمين معاً يصبح لغواً لأنّه لو وجب الإحرام لدخول الحرم فإنما هو لأداء المناسك ، وإلّا فمجرّد الإحرام بدون الأعمال والمناسك لا نحتمل وجوبه ، ومن الواضح أن مكّة المكرمة محاطة بالحرم ، فإذا دخل الحرم محرماً لأداء المناسك فجعل وجوب الإحرام الثاني لدخول مكّة لغواً لا أثر له ، فهذه القرينة توجب حمل روايات وجوب الإحرام لدخول الحرم على من يريد الدخول إلى مكّة.
[3222] مسألة 4 : لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمداً يجوز له أن يحرم من أدنى الحل وإن كان متمكناً من العود إلى الميقات فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه (1)، وإن كان الأحوط مع ذلك العود إلى الميقات ، ولو لم يتمكن من العود ولا الإحرام من أدنى الحل بطلت عمرته (1).
فمن دخل الحرم لغرض من الأغراض ولا يريد الدخول إلى مكّة لا يجب عليه الإحرام.
(1) لا ريب في أن العمرة المفردة كالحج وعمرة التمتّع في وجوب الإحرام لها من الميقات ، وإنما الفرق بما ذكره في المتن من أنه لو كان قاصداً للعمرة المفردة وترك الإحرام لها من الميقات عمداً يجوز له الإحرام لها من أدنى الحل ، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وإن كان متمكِّناً من العود إليها ، فحال أدنى الحل حال الميقات الذي يكون أمامه ، فأدنى الحل ميقات اختياري للعمرة المفردة وإن كان آثماً بتركه الإحرام عند مروره بالميقات.
وليعلم أنه قد عرفت سابقاً أنه لو تجاوز عن الميقات بلا إحرام يجب عليه الرجوع ، ولا يكتفي بالإحرام من الميقات الذي أمامه ، وقد دلّ على ذلك صريحاً بعض الروايات المعتبرة كرواية إبراهيم بن عبد الحميد (2)التي منعت من الإحرام من ذات عرق لمن كان في المدينة ، بل لو فرضنا جواز ذلك فإنما يجوز في الحج أو عمرة التمتّع ، وأمّا في العمرة المفردة فلا دليل على كون أدنى الحل ميقاتاً لها على الإطلاق وإنما هو ميقات لها لمن كان في مكّة وإن لم يكن من أهلها ، وأضفنا إلى ذلك من بدا له العمرة وكان دون المواقيت ، فإنه لا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات الذي وراءه ، بل يجوز له الإحرام من أدنى الحل كالجعرانة كما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) بعد ما رجع من الطائف وغزوة حنين ، فإنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بدا له أن
[3223] مسألة 5 : لو كان مريضاً لم يتمكن من النزع ولبس الثوبين يجزئه النيّة والتلبية فإذا زال عذره نزع ولبسهما (1)ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات ، نعم لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام لمرض أو إغماء ثمّ زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن ، وإلّا كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه (2)إذا لم يتمكّن إلّا منه ، وإن تمكن العود في الجملة وجب (3)وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره لمرسل جميل عن أحدهما (عليهما السلام) «في مريض أُغمي عليه فلم يفق حتى أتى الموقف ، قال (عليه السلام) : يحرم عنه رجل» ، والظاهر أن المراد أنه يحرمه رجل ويجنبه عن محرمات الإحرام لا أنه ينوب عنه في الإحرام ، ومقتضى هذا القول عدم وجوب
يعتمر فأهلّ من الجعرانة ولم يرجع إلى الميقات.
وبالجملة : في هذين الموردين يجوز الإحرام للعمرة المفردة من أدنى الحل ، وأمّا في غيرهما فلا دليل على كونه ميقاتاً لها ، خلافاً للمصنف وصاحب الجواهر (4)(قدس سرهما) ، فإنهما جعلا أدنى الحل ميقاتاً اختيارياً لمطلق العمرة المفردة حتى لمن يريد العمرة من الخارج ، وحملا كلام المحقق (5)من المنع عن الإحرام من أدنى الحل على غير العمرة المفردة ، ولا دليل على ما ذكراه ، بل يشكل شمول الحكم بجواز الإحرام من مكانه عند نسيان الإحرام من الميقات أو الجهل بذلك ولم يتمكن من الرجوع إلى الميقات للعمرة المفردة ، لأنّ الدليل إنما دلّ على جواز الإحرام من مكانه في الحج أو عمرة التمتّع ، ولا يشمل العمرة المفردة.
العود إلى الميقات بعد إفاقته وإن كان ممكناً ، ولكن العمل به مشكل لإرسال الخبر وعدم الجابر ، فالأقوى العود مع الإمكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه (1).
(1) كان الأنسب ذكر هذه المسألة في فصل كيفية الإحرام وواجباته ، ولا يناسب ذكرها هنا لعدم ذكر لبس الثوبين في المقام. وكيف كان ، فقد تعرض المصنف (قدس سره) في هذه المسألة لبيان فرعين :
الأوّل : لبيان حكم من كان مريضاً ولم يتمكن من نزع ثيابه.
الثاني : ما لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام والنيّة له من مرض أو إغماء أو ما شاكلهما.
أمّا الفرع الأوّل : فقد ذكر أنه تجزئه النيّة والتلبية ، وإذا زال عذره نزع ثيابه ويلبس ثوبي الإحرام.
وللمناقشة في ذلك مجال ، فإن ما ذكره بالنسبة إلى نزع ثيابه المخيطة بعد ارتفاع العذر وإن كان صحيحاً ، لأنّ لبس المخيط حرام على المحرم حدوثاً وبقاءً ، فمتى زال العذر يحرم عليه لبس المخيط ، ولكن بالنسبة إلى لبس ثوبي الإحرام بعد ارتفاع العذر فوجوب لبسهما بعد البرء وزوال العذر مبني على وجوب لبسهما حدوثاً وبقاءً ، وأمّا بناءً على وجوب لبسهما حدوثاً فقط يعني عند النيّة والتلبية وعدم وجوب استدامة لبس الثوبين وجواز نزعهما لغرض من الأغراض ، كما صرّح بذلك في المسألة السابع والعشرين من فصل كيفيّة الإحرام ، فلا يجب عليه حينئذٍ لبسهما بعد البرء وزوال الاضطرار ، فإن لبسهما في الأوّل غير واجب للعذر فكذلك لا يجب لبسهما بعد ارتفاع العذر ، لعدم وجوب استدامة لبس الثوبين ، بل يجوز له أن يبقى عارياً إذا أمن من الناظر المحترم.
وأمّا الفرع الثاني : وهو ما لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام من الميقات لمرض أو إغماء ثمّ زال ، ففي المتن أنه يجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن ، وإلّا كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه على تفصيل تقدّم قريباً.
.................................................................................................
ثمّ ذكر المصنف : وإن تمكن من الرجوع والابتعاد بالمقدار الممكن وجب. وستعرف أن الرجوع والعود بالمقدار الممكن لا دليل عليه.
وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره ، فحال الإحرام حال الطواف من الوجوب عليه بنفسه أوّلاً ثمّ الإطافة به ثمّ الطواف عنه ، واستدل هذا القائل بمرسل جميل «في مريض أُغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت ، فقال : يحرم عنه رجل» (1)وذكره في الوسائل في أبواب الإحرام (2)أيضاً لكن قال فيه : «حتى أتى الموقف» وذكر «الوقت» بعنوان النسخة ، ومقتضى إطلاقه عدم وجوب العود إلى الميقات بعد الإفاقة والبرء وإن كان متمكناً ، والاكتفاء بالنيابة عنه ، ولكن المصنف ذكر أن العمل به مشكل ، لإرسال الخبر وعدم الجابر. مضافاً إلى أنه استظهر منه أن المراد به أن يحرمه رجل ويلقنه ويجنبه عن محرمات الإحرام لا أنه ينوب عنه في الإحرام.
ولا يخفى أن ما استظهره من المرسل بعيد جدّاً ، فإن الظاهر منه هو النيابة عنه ، ولو كان الخبر صحيح السند لصح ما ذكره هذا القائل ، والعمدة ضعف الخبر بالإرسال مضافاً إلى اضطراب متنه ، فإن المروي عن الكافي «حتى أتى الوقت» (3)، وكذلك رواه في الوسائل عن التهذيب في أبواب المواقيت ، ولذا ذكر في عنوان الباب أو أُغمي عليه في الميقات ، وذكره في أبواب الإحرام حتى أتى الموقف ، كذا في الأصل ، وذكر «الوقت» بعنوان النسخة ، وفي التهذيب المطبوع حديثاً (4). «حتى أتى الموقف» ، وكذا في الجواهر (5)والحدائق (6)، وفي الوافي «حتى أتى الوقت» (7).
[3224] مسألة 6 : إذا ترك الإحرام من الميقات ناسياً أو جاهلاً بالحكم أو الموضوع وجب العود إليه مع الإمكان ، ومع عدمه فإلى ما أمكن (1)إلّا إذا كان أمامه ميقات آخر ، وكذا إذا جاوزها مُحلّاً لعدم كونه قاصداً للنسك ولا لدخول مكّة ثمّ بدا له ذلك فإنه يرجع إلى الميقات مع التمكّن وإلى ما أمكن مع عدمه (1).
فإن كان الثابت «الموقف» فالرواية أجنبيّة عن المقام ، وإن كان الثابت «الوقت» فتفيد المقام ولكن لا نعلم بصحّته فتسقط الرواية عن الاستدلال.
(1) ذكر (قدس سره) في هذه المسألة أنه من ترك الإحرام من الميقات عن نسيان أو عن جهل بالحكم أو بالموضوع كالجهل بالميقات يجب عليه العود إلى الميقات مع الإمكان ، وإلّا فإلى ما أمكن ، وهذه المسألة تنحل إلى أربع صور :
الاولى : ما إذا تذكر وتمكن من الرجوع إلى الميقات ، فإنه يجب عليه العود والإحرام من الميقات.
وتدل على ذلك أوّلاً : النصوص العامّة الدالّة على توقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) المواقيت الخمسة وأنه لا يجوز العدول والتجاوز عنها بلا إحرام.
وثانياً : أن النصوص الواردة في المقام بعضها ورد في خصوص الناسي كصحيحة الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم ، قال قال أبي : يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه» (2).
وبعضها في خصوص الجاهل كصحيحة معاوية بن عمّار ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت ، فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا : ما ندري أعليك إحرام أم لا وأنت حائض ، فتركوها حتى دخلت الحرم ، فقال : (عليه
.................................................................................................
السلام) إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه فإن لم يكن عليها وقت (مهلة) فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها» (1).
وبعضها مطلق يشمل حتى العامد كصحيح آخر للحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم ، فقال : يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم ، فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه» (2)وغير ذلك من الروايات.
والمتحصل من هذه الروايات أن من ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً فإن تمكن من الرجوع إلى الميقات وجب العود إليه والإحرام منه.
الثانية : أن يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الخارج ، ففي صحيح الحلبي أنه يحرم من مكانه ، وإطلاقه يشمل الجاهل والناسي لأنّ موضوع الحكم من ترك الإحرام.
الثالثة : أن يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لكن يمكنه الرجوع إلى خارج الحرم ، فحينئذ يجب عليه أن يرجع إلى خارج الحرم والإحرام منه في أي مكان شاء منه ، ولا يجب عليه الابتعاد بالمقدار الممكن لعدم الدليل على ذلك.
وبالجملة : مقتضى إطلاق النصوص هو وجوب الخروج من الحرم والإحرام من الخارج ، سواء في أوّل الحل ورأس الحد أو يبتعد عنه قليلاً أو كثيراً ، فإن العبرة بالإحرام خارج الحرم في أي مكان شاء ، وتقييد هذه المطلقات بمن لا يتمكن من الابتعاد عن الحرم تقييد بالفرد النادر جدّاً ، لأنّ كل من يتمكن من الخروج من الحرم يتمكن من الابتعاد بمقدار مائة ذراع أو مائتين من حدّ الحرم ، فلا يمكن حمل تلك المطلقات المجوزة للإحرام على من لا يتمكن من الابتعاد من الحرم بمقدار مائة ذراع مثلاً. نعم ، ورد الابتعاد بالمقدار الممكن في خصوص الحائض في صحيح معاوية بن
.................................................................................................
عمّار المتقدِّمة ، والتعدي عنها إلى غيرها من ذوي الأعذار والناسي والجاهل قياس لا نقول به ، فالمرجع إطلاق النصوص ، ولم يرد فيها أي تقييد عدا ما ورد في خصوص الطامث.
فالمتحصل من هذه النصوص أنه لو كان متمكناً من الرجوع إلى الميقات يجب عليه الرجوع والإحرام هناك ، سواء دخل الحرم أم لا ، وإن لم يتمكن من الرجوع إليها فإن دخل الحرم يجب عليه العود إلى خارج الحرم والإحرام من الخارج من أي مكان شاء ، ولا يجب عليه الابتعاد بالمقدار الممكن ، وإن لم يتمكن من الخروج أحرم من مكانه.
وبإزاء هذه النصوص خبر علي بن جعفر المتقدّم «عن رجل ترك الإحرام حتى انتهى إلى الحرم فأحرم قبل أن يدخله ، قال : إن كان فعل ذلك جاهلاً فليبن مكانه ليقضي ، فإنّ ذلك يجزئه إن شاء اللّه ، وإن رجع إلى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فإنّه أفضل» (1)فإنّه صريح في عدم وجوب الرجوع إلى الميقات إذا كان جاهلاً وجواز الإحرام من غير الميقات حتى مع التمكن من الرجوع إليها.
ولا يخفى أن المراد بقوله : «فليبن مكانه» أنه يبني على إحرامه ويعتمد عليه ويمضي ولا يرجع إلى الميقات ليعيده.
وأمّا ما احتملناه سابقاً من تصحيف كلمة «فليبن» واحتمال كونها فليلب فبعيد جدّاً ، لأنّ المفروض في السؤال أنه أحرم ولبى فلا حاجة إلى التلبية ثانياً بعد إجزاء الأوّل ، والعمدة ضعف الخبر بعبد اللّه بن الحسن ، فإنه غير مذكور في الرجال بمدح ولا قدح ، ولو أغمضنا النظر عن ضعف الخبر سنداً لقلنا بعدم وجوب الرجوع بمقتضى هذا الخبر وحمل تلك الروايات على الاستحباب ، ولكن لضعفه لا يمكن الاعتماد عليه فلا حاجة إلى القول بكونه شاذاً ولا قائل بمضمونه.
الصورة الرابعة : ما إذا ارتفع العذر أو تذكر قبل الوصول إلى الحرم ولم يمكنه
1) الوسائل 11 : 331 / أبواب المواقيت ب 14 ح 10 ، وتقدّم في ص 335.
.................................................................................................
الرجوع إلى الميقات الذي تجاوز عنه ، فقد يفرض أن أمامه ميقاتاً آخر ، كما إذا تجاوز عن مسجد الشجرة بلا إحرام وارتفع العذر في أثناء الطريق قبل الوصول إلى الحرم ولم يتمكن من الرجوع إلى الميقات ، وكان أمامه ميقات آخر كالجحفة ، ففي مثله يجب عليه الإحرام من الجحفة ، وهذا الحكم وإن لم يرد فيه نص بالخصوص فإن النصوص إنما وردت فيمن دخل الحرم ، ولكن الحكم المذكور على القاعدة ، لأنّ الرجوع إلى الميقات الأوّل غير واجب عليه لفرض عدم التمكن منه ، وأمّا لزوم الإحرام من الميقات الذي أمامه فيدل عليه عموم ما دلّ على لزوم الإحرام من الميقات والذهاب إليه وعدم التجاوز عنه إلّا محرما.
وقد يفرض أنه لم يكن أمامه ميقات آخر ، أو تجاوز عنه أيضاً بلا إحرام ولا يتمكن من الرجوع إليه أيضاً ، أو سلك طريقاً لا يمر بميقات أصلاً فذكر في المتن تبعاً لغيره أنه يحرم من مكانه.
أقول : وجوب الإحرام عليه من مكانه مبني على وجوب العود والرجوع بالمقدار الممكن ، وأنه لو أمكنه الابتعاد بأي مقدار كان وجب ، فحينئذ متمكن من الابتعاد فيجب عليه الإحرام من مكانه ولا يجوز له التجاوز عنه بلا إحرام ، وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن كما هو المختار لعدم الدليل عليه فلا يجب عليه الإحرام من مكانه الذي ارتفع العذر فيه ، بل هو مخير في الإحرام من أيّ موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم ولو بأن يؤخِّر الإحرام من مكانه ، لأنّ العبرة بوقوع الإحرام في خارج الحرم ، سواء وقع الإحرام في مكان رفع العذر أو وقع قريباً إلى الحرم.
ثمّ إن المصنف ألحق بالناسي من ترك الإحرام من الميقات لعدم كونه قاصداً للنسك ولا لدخول مكّة ثمّ بدا له ذلك ، فإنه يرجع إلى الميقات مع الإمكان وإلى ما أمكن مع عدمه.
أمّا إذا تمكن من الرجوع فلا كلام ، وأمّا إذا لم يتمكن من الرجوع فإن كان أمامه ميقات آخر فيحرم منه لنفس الدليل السابق ، بل المقام أولى من الفرض السابق الذي يقصد الحج وترك الإحرام من الميقات ، لأنّ المفروض في المقام عدم إرادة النسك فلم
.................................................................................................
يكن مأموراً بالإحرام من الميقات الأوّل ، وإنما قصد الحج بعد التجاوز عن الميقات فجواز الإحرام له من الميقات الإمامي أولى من الحكم بجواز الإحرام منه لقاصد الحج من الأوّل ، وإذا لم يكن أمامه ميقات آخر فالظاهر أن المعروف بينهم أنه يحرم من مكانه ، فحاله حال الناسي والجاهل. وربّما يستدل له بالإجماع ، وفيه ما لا يخفى.
وقد يستدل له بإطلاق صحيح الحلبي لقوله : «عن رجل ترك الإحرام» ، فإن ذلك صادق على غير مريد النسك أيضا.
وفيه : أن الظاهر من السؤال أنه ترك الوظيفة المعيّنة المقرّرة له ، والسؤال والجواب ناظران إلى من ترك الوظيفة الواجبة عليه فلا يشمل من ترك الإحرام لعدم قصده إلى الحج أصلا.
والصحيح أن يستدل له بوجهين آخرين :
الأوّل : دعوى الأولوية القطعية ، فإن المكلف بالحج إذا سقط عنه وجوب الإحرام من الميقات وجاز له الإحرام من غير الميقات ، فثبوت هذا الحكم لمن لم يكن مأموراً بالحج من الأوّل واقعاً لعدم المقتضى ، بطريق أولى.
الثاني : ذيل صحيح الحلبي ، فإن صدره وإن كان لا يشمل غير مريد النسك كما عرفت ولكن ذيله لا مانع من شموله له ، لقوله : «فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه» ، فإنه يستفاد منه جواز الإحرام من غير الميقات في كل مورد يخشى أن يفوت الحج منه ، والمفروض أن هذا الشخص قد وجب عليه الحج بالفعل ولا يجوز له التسويف ، وفرضنا أنه لا يتمكن من الذهاب إلى الميقات لضيق الوقت ونحوه من الاعذار ، فيحرم من غير الميقات ، فإن كان في الحرم وتمكن من الخروج إلى الحل يخرج ويحرم من الخارج ، وإن لم يتمكن من الخروج يحرم من مكانه ، وإن كان في خارج الحرم فيحرم من أي موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم.
وبالجملة : مورد السؤال وإن كان لا يشمل المقام ولكن تعليله بخشية فوت الحج شامل له ، فإن المستفاد من التعليل أن المدار في جواز الإحرام من الميقات بخوف فوت الحج الواجب عنه.
[3225] مسألة 7 : من كان مقيماً في مكّة وأراد حج التمتّع وجب عليه الإحرام لعمرته من الميقات (1)إذا تمكن ، وإلّا فحاله حال الناسي (1).
[3226] مسألة 8 : لو نسي المتمتع الإحرام للحج بمكّة ثمّ ذكر وجب عليه العود مع الإمكان وإلّا ففي مكانه ولو كان في عرفات بل المشعر وصحّ حجّه وكذا لو كان جاهلاً بالحكم ، ولو أحرم له من غير مكّة مع العلم والعمد لم يصح وإن دخل مكّة بإحرامه بل وجب عليه الاستئناف مع الإمكان وإلّا بطل حجّه نعم لو أحرم من غيرها نسياناً ولم يتمكن من العود إليها صحّ إحرامه (2)من مكانه (2).
(1) قد تقدّم حكم ذلك مبسوطاً في المسألة الرابعة من فصل أقسام الحج فلا موجب للإعادة.
(2) هذه المسألة قد لمّح إليها المصنف فيما سبق ، وهي أنه لو ترك الإحرام للحج بمكّة عالماً عامداً وذهب إلى عرفات فإن لم يتمكن من العود بطل حجّه ، لأنه ترك الجزء الواجب عمداً بلا عذر فلم يأت بالمأمور به على وجهه ، وأمّا إذا تركه جهلاً يجب عليه الإحرام حينما يتذكر ، فإن تمكن من العود إلى مكّة فهو وإلّا فيحرم من مكانه ، فإن العبرة بخشية فوت الموقف كما يستفاد ذلك من ذيل صحيح الحلبي المتقدِّم مضافاً إلى صحيح علي بن جعفر ، قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال يقول : اللّهمّ على كتابك وسنّة نبيّك فقد تمّ إحرامه ، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها فقد تمّ حجّه» (3).
بل ربّما يقال : إن مقتضى إطلاقه عدم وجوب الرجوع إلى مكّة إذا تذكّر ولو في
.................................................................................................
حال التمكّن ، ولكن يبعده أن الظاهر من مورد السؤال عدم التمكن من الرجوع إلى مكّة ودرك الموقف ، خصوصاً بملاحظة الأزمنة السابقة التي لا يمكن الرجوع إلى مكّة من عرفات ثمّ الذهاب إليها لدرك الموقف لبعد الطريق ، وأمّا في زماننا هذا الذي يمكن الذهاب والعود في مدّة قليلة بالوسائط المستحدثة ، فلا موجب ولا وجه لرفع اليد عمّا دلّ على لزوم الإحرام من مكّة لكونه متمكِّناً من ذلك.
ثمّ إنّ صحيح علي بن جعفر يشتمل على حكمين :
أحدهما : ما إذا نسي الإحرام من مكّة وتذكر وهو بعرفات ، قال : «فقد تمّ إحرامه».
ثانيهما : ما إذا جهل بالإحرام يوم التروية وأتى بجميع الأعمال والمناسك حتى رجع إلى بلده وتذكر هناك ، فحكم (عليه السلام) بصحّة الحج وأنه قد أتم إحرامه.
والمستفاد من الصحيحة أن السؤال عن مطلق المعذور ، وإلّا فلا خصوصية لذكر النسيان في صدر الرواية وذكر الجهل في ذيلها ، فكل من الحكمين بصحّة الحج والإحرام يشمل الموردين ، فإذا جهل الإحرام فذكر وهو بعرفات تمّ إحرامه ، كما إذا نسي الإحرام وقضى المناسك كلّها فذكر وهو في بلده صحّ حجّه ، لا أن الحكم بالصحّة في النسيان يختص بمورد نسيان الإحرام والحكم بالصحّة في مورد الجهل يختص بمورده ، فأحد الفرضين لم يكن مختصاً بالجهل أو النسيان ، بل الميزان هو العذر وعدم التمكن من الرجوع إلى مكّة.
وممّا ذكرنا يظهر حكم المشعر أو ما بعده ، فإنه بعد ما حكم بصحّة العمل والحج إذا قضى المناسك كلّها بغير إحرام فصحّته بعد أداء البعض بلا إحرام بطريق أولى.
ولو أحرم من غير مكّة نسياناً ولم يتمكن من العود إليها ذكر (قدس سره) أنه صح إحرامه من مكانه ، أي من مكان التذكر.
أقول : ان كان حال الإحرام متمكناً من الذهاب إلى مكّة ولكن حال الذكر غير متمكن منه فلا بدّ من الذهاب إلى مكّة ، وإن كان حين الإحرام غير متمكن من الرجوع إلى مكّة فلا حاجة إلى الإحرام ثانياً ، بل يكتفي بنفس الإحرام الأوّل ، لأنه قد أتى بالوظيفة الواقعية.
[3227] مسألة 9 : لو نسي الإحرام ولم يذكر حتى أتى بجميع الأعمال من الحج أو العمرة (1)فالأقوى صحّة عمله ، وكذا لو تركه جهلاً حتى أتى بالجميع (1).
(1) لو ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً وأتى بجميع الأعمال سواء كان في الحج أو العمرة بقسميها ولم يذكر حتى أكمل وقضى المناسك كلّها ، فهل يصح عمله أم لا؟
يقع الكلام في موارد ثلاثة :
الأوّل : في الحج ، والظاهر صحّته لصحيح علي بن جعفر ، قال : «سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال : إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه» (2)بناءً على إرادة ما يعم النسيان من الجهل ، وقد ذكرنا قريباً أن العبرة بالعذر ، سواء كان مستنداً إلى النسيان أو الجهل.
الثاني : في العمرة المفردة ، والظاهر عدم صحّتها إذا أتى بها بلا إحرام ، إذ لا نص فيها إلّا ما يقال إنها كالحج بدعوى عدم الفرق بين الحج والعمرة المفردة ، وهي غير ثابتة.
الثالث : عمرة التمتّع ، وقد استدل على صحّتها بمرسل جميل «في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى ، قال : تجزئه نيّته ، إذا كان قد نوى ذلك فقد تمّ حجّه» (3)بدعوى إطلاق الحج على عمرة التمتّع ، وقد أُطلق عليها في كثير من الأخبار. على أنه لم يقيد نسيان الإحرام فيه بنسيان إحرام الحج بل هو مطلق من هذه الجهة.
ولكن الخبر ضعيف بالإرسال وإن كان المرسل جميل الذي هو من أصحاب الإجماع ، وقد ذكرنا في محلّه (4)أن المراد بتصحيح ما يصح عن أصحاب الإجماع وثاقة أنفسهم وجلالتهم ، لا عدم النظر إلى من تقدّمهم من الرواة والقول بصحّة روايتهم
[3228] مسألة 1 : يستحب قبل الشروع في الإحرام أُمور :
أحدها : توفير شعر الرأس بل واللحية لإحرام الحج مطلقاً لا خصوص التمتّع كما يظهر من بعضهم لإطلاق الأخبار من أوّل ذي القعدة بمعنى عدم إزالة شعرهما ، لجملة من الأخبار (1) ، وهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب إلّا أنها محمولة على الاستحباب لجملة أُخرى من الأخبار ظاهرة فيه ، فالقول بالوجوب كما هو ظاهر جماعة ضعيف ، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط ، كما لا ينبغي ترك الاحتياط بإهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحلق حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضاً لخبر محمول على الاستحباب (1)أو على ما إذا كان في حال الإحرام ويستحب التوفير للعمرة شهراً.
على كل حال حتى ولو رووا عن غير معلوم الحال ، وقد ناقش الشيخ (2)في بعض الأخبار المرسلة مع أن المرسل مثل ابن أبي عمير أو غيره من أصحاب الإجماع.
أمّا الانجبار فلا نلتزم به كما مرّ غير مرّة ، فالصحيح أنه لا دليل على الصحّة في العمرة المفردة ولا عمرة التمتّع.
(1) منها : صحيح ابن سنان (مسكان) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا تأخذ من شعرك وأنت تريد الحج من ذي القعدة» (3).
الثاني : قص الأظفار ، والأخذ من الشارب ، وإزالة شعر الإبط والعانة بالطلي أو الحَلق أو النَّتف ، والأفضل الأوّل ثمّ الثاني ، ولو كان مطلياً قبله يستحب له الإعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوماً ، ويستحب أيضاً إزالة الأوساخ من الجسد لفحوى ما دلّ على المذكورات ، وكذا يستحب الاستياك.
ومنها : صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «خذ من شعرك إذا أزمعت على الحج شوال كلّه إلى غرة ذي القعدة» (1).
وهذا ممّا لا إشكال فيه في الجملة ، وانما يقع الكلام في جهات :
الاولى : هل يختص توفير الشعر بحج التمتّع أو يشمل الأعم منه ومن غيره من أقسام الحج؟ الظاهر هو التعميم لإطلاق النصوص ، ولا موجب للاختصاص بحج التمتّع.
الثانية : هل يختص توفير الشعر بالرأس أو يشمل اللِّحية أيضاً؟ ربّما يقال بالتعميم لإطلاق الأخبار الناهية عن أخذ الشعر.
وفيه : أن توفير الشعر إنما هو مقدّمة للحلق ، ومن المعلوم أن الحلق إنّما يختص بالرأس ، وممّا يؤكد أن هذه الروايات لا إطلاق لها بالنسبة إلى شعر اللِّحية ، وإنّما نظرها إلى شعر الرأس خاصّة أنّ الأصحاب لم يذكروا توفير الشعر بالنسبة إلى سائر الجسد ، بل ذكروا استحباب إزالة الشعر عن بعض مواضع الجسد كابطيه.
وقد استدلّ على التعميم بخبرين :
أحدهما : خبر الأعرج «لا يأخذ الرجل إذا رأى هلال ذي القعدة وأراد الخروج من رأسه ولا من لحيته» (2)لكنّه ضعيف بالإرسال.
ثانيهما : خبر أبي الصباح الكناني «عن رجل يريد الحج أيأخذ شعره في أشهر
.................................................................................................
الحج؟ فقال : لا ، ولا من لحيته» (1)وهو ضعيف بمحمّد بن الفضيل الأزدي ، وأمّا ما ذكره الأردبيلي (2)في رجاله من اتحاده مع محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة الذي يعبر عنه باسم جدّه كثيراً وعدم ذكر والده فغير تام ، ولا أقل من كونه مردداً بين محمّد بن الفضيل الضعيف وبين محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة ، ولا مميز في البين.
نعم لا بأس بدعوى الاستحباب بناءً على التسامح في أدلّة السنن.
ثمّ إن المصنف (رحمه اللّه تعالى) حمل الروايات الناهية عن أخذ الشعر أو الآمرة بالتوفير على الحلق وإزالة الشعر ، مع أن الظاهر من الروايات وفتوى الأصحاب هو توفير الشعر وتكثيره وإعفائه وعدم أخذ شيء منه.
الثالثة : المشهور بين الأصحاب استحباب التوفير ، ونسب إلى المفيد في المقنعة (3)والشيخ في النهاية (4)والاستبصار (5)الوجوب.
ولا يخفى أن ظاهر الروايات يعطي الوجوب ، لأنّ أخذ الشعر إذا كان منهيّاً كما في النصوص يكون تركه واجباً ولازماً ، ولكن بإزائها ما يدل على الجواز صريحاً والجمع العرفي يقتضي حمل تلك الروايات الآمرة بالتوفير على الاستحباب ، وهو صحيح علي بن جعفر ، قال : «سألته عن الرجل إذا هم بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم؟ قال : لا بأس» (6)والرواية صحيحة سنداً كما عبّر عنها في الجواهر (7)بالصحيحة ، لأنّ طريق الوسائل إلى الشيخ صحيح ، وطريق الشيخ إلى كتاب علي بن جعفر صحيح ، فلا مجال للتأمّل في صحّة السند ، ومقتضاها جواز أخذ
.................................................................................................
الشعر إلى أن يحرم وإن كان إحرامه في الثامن من شهر ذي الحجّة ، فالعبرة بالإحرام لا بالزمان ، هذا. مضافاً إلى أنه لا يمكن الالتزام بالوجوب ، لأنّ هذا الحكم مما يكثر الابتلاء به ، ولو كان واجباً لظهر وبان مع أنه لم يقل به أحد إلّا الشاذ النادر.
وبنفس البيان تحمل بقيّة الأُمور المذكورة كقص الأظفار والأخذ من الشارب على الاستحباب ، إذ لا رواية تدل على الاستحباب ، وإنما الروايات اشتملت على الأمر بها ، وتحمل على الاستحباب لأجل ما ذكر.
الرابعة : هل يجب عليه إهراق الدم بالحلق بناءً على وجوب التوفير كما عن المفيد (1)أم لا؟ ربّما يقال بوجوب الدم لصحيح جميل ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكّة ، قال : إن كان جاهلاً فليس عليه شيء ، وإن تعمد ذلك في أوّل الشهور للحج بثلاثين يوماً فليس عليه شيء ، وإن تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فإن عليه دماً يهريقه» (2).
ويرده : أن الرواية أجنبيّة عما نحن فيه ، لأنّ المدعى إزالة الشعر وحلقه في شهر ذي القعدة قبل الإحرام ، ومورد الرواية حلق الرأس في مكّة بعد الإحرام. على أنه لو كان إهراق الدم واجباً لظهر وشاع ولا يخفى حكمه على الأصحاب لكثرة الابتلاء به ، مع أنه لم ينسب إلى أحد من الأصحاب إلّا المفيد.
وأمّا فقه الحديث فالمراد من قوله : «وإن تعمد ذلك في أوّل الشهور للحج بثلاثين يوماً» هو شهر شوال ، فالمعنى أنه لو حلق رأسه متعمداً في شهر شوال الذي هو أوّل أشهر الحج وإن كان في مكّة بعد أعمال التمتّع فلا بأس ، وأمّا لو تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فعليه الدم ، فيقع الكلام في المراد بذلك.
فإن كانت كلمة «التي» صفة «للثلاثين» كما تقتضيها القاعدة الأدبية فالمراد بذلك شهر ذي الحجّة ، لأنّ الثلاثين التي يوفر فيها هو شهر ذي القعدة وبعده شهر ذي
.................................................................................................
الحجّة ، فيكون حكم توفير الشعر في شهر ذي القعدة مسكوتاً عنه ، لأنّ المذكور في الرواية بناءً على ما ذكرنا حكمه بالجواز في شهر شوال وحكمه بالمنع في شهر ذي الحجة الذي عبّر عنه ببعد الثلاثين التي يوفر فيها ، وسكت عن ذي القعدة ، وهذا بعيد في نفسه ، على أن التعبير عن ذي الحجة بذلك غير متعارف وتبعيد للمسافة ، ولو كان المقصود شهر ذي الحجة لقال (عليه السلام) : وإن تعمد ذلك في ذي الحجة فكذا.
والظاهر أن كلمة «التي» صفة لقوله «بعد» ، وإن كان لا تساعد عليه القاعدة النحوية ، فيكون المعنى وإن كان بعد شوال فإن البعد الذي يوفر فيه الشعر إنما هو ذو القعدة ، والبعد الواقع بعد الثلاثين أي شهر شوال هو شهر ذي القعدة ، والألف واللام في الثلاثين إشارة إلى الثلاثين من أوّل شهور الحج ، فمدلول الرواية تفصيل بين شهر شوال وشهر ذي القعدة.
فالمستفاد من الرواية أن المتمتع إذا حلق رأسه في شهر شوال فلا بأس به ، وإن حلق بعد شهر شوّال ففيه بأس ، ولا مانع من الالتزام بذلك ، إذ لا إجماع على الخلاف ، إلّا أن الرواية كما عرفت أجنبية عن الحلق في شهر ذي القعدة قبل التلبس بالإحرام الذي هو المدعى ، وإنما موردها الحلق في مكّة بعد الإحرام وبعد عمرة التمتّع.
تذنيب حكى صاحب الحدائق (1)عن الشيخ (2)استدلاله بصحيحة جميل المتقدِّمة (3)لما ذهب إليه المفيد من وجوب الدم بالحلق في ذي القعدة ، ونقل عن صاحب المدارك (4)طعنه في السند باشتماله على علي بن حديد ، وأورد عليه بأن الخبر روي بطريقين
.................................................................................................
أحدهما عن الكليني (1)وفيه علي بن حديد ، ثانيهما رواه الصدوق (2)عن جميل وطريقه إليه صحيح وليس فيه علي بن حديد ، فكأن صاحب المدارك لم يعثر إلّا على طريق الكليني فالخبر صحيح السند.
ثمّ تصدّى صاحب الحدائق فيما يستفاد من الصحيحة ، وذكر أن السؤال في الصحيحة وإن كان عن المتمتع وخاصّاً لمن حلق رأسه بمكّة ، ولكن الجواب عام يشمل جميع المكلفين من كان بمكّة أو في غيرها ، ولا يختص بالمتمتع.
بيان ذلك : أنه لا بدّ من تقدير كلمة الدخول أو المضي في قوله : «بعد الثلاثين» فالمقدّر إمّا بعد دخول الثلاثين أو بعد مضي الثلاثين ، فإن كان المقدر المضي فيكون المراد من بعد مضي الثلاثين شهر ذي الحجة ، فأُسقط شهر ذي القعدة في الرواية مع أنه أولى بالبيان ، وذكر أن تقدير المضي ينافي الفصاحة ، فلا بدّ أن يكون المقدّر هو الدخول ، وبه يتم المراد وتنتظم الرواية مع الروايات السابقة ، فتدل الرواية على أنه لو حلق رأسه بعد دخول الثلاثين التي يوفر فيها الشعر أي دخول شهر ذي القعدة فعليه الدم.
أقول : ما ذكره من لزوم تقدير المضي أو الدخول واضح الفساد ، لأنّ البعدية بنفسها تقتضي المضي أو الدخول فلا حاجة إلى التقدير ، فإن القبلية كالبعدية متقومة بالتحقق والمضي.
ثمّ إنّ التقدير ببعد الدخول خلاف الظاهر ، لأنّ المراد بالثلاثين هو شهر شوال وذكرنا أنّ «التي» الموصولة صفة لبعد الثلاثين ، فيكون المراد إذا كان بعد ثلاثين شوال وهو شهر ذي القعدة ، فلا حاجة إلى التقدير أصلاً.
وأمّا ما ذكره من أن الجواب عام يشمل جميع المكلفين فمما لا محصل له ، لأنّ الضمائر كلّها ترجع إلى المتمتِّع ، فلا يشمل الجواب من لم يدخل في الإحرام كما هو محل الكلام
الثالث : الغسل للإحرام في الميقات (1).
نعم يذكر في الجواب حكماً كلياً للمتمتع لا كلياً له ولغيره ممن يقصد الحج ولم يتلبس بعد بشيء من الأعمال ، ولا إشكال في أن هذا الحكم غير ثابت لجميع المكلفين وإنّما يختص بطائفة خاصّة ، هذا كلّه قبل الدخول في الإحرام.
وأمّا إذا أحرم وأتى بالأعمال وفرغ من أعمال عمرة التمتّع وحلق ، هل عليه التكفير بشاة أم لا؟ ذكر بعضهم لزوم الكفّارة ، لإطلاق الصحيحة من حيث صدور الحلق بعد الفراغ من الأعمال أو قبلها.
لكن لا يبعد عدم الوجوب ، لعدم صدق المتمتع بالفعل على من فرغ من أعماله لأنّ المشتق ظاهر في المتلبس في الحال ، كالمعتمر فإنه يصدق على من كان مشتغلاً بإتيان العمرة ، فإذا أحلّ لا يصدق عليه المتمتِّع ولا المعتمر ، وإنما كان متمتِّعاً وقد مضت متعته ، ولا قرينة على إرادة الأعم من المتلبس وممن انقضى عنه المبدأ ، نعم الحلق في نفسه بعد أعمال عمرة المتمتع غير جائز ، ولا بدّ من التحفظ على شعره ليحلقه في منى كما هو المستفاد من صحيح جميل ، إلّا في شهر شوال ، فإنه يجوز الحلق فيه ولو بعد الفراغ من أعمال عمرة التمتّع.
فالمتحصل : أنّ المكلّف إذا أتى بعمرة التمتّع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر ، وأمّا بعده فلا يجوز بل يتحفّظ على شعره إلى يوم عيد الأضحى.
(1) لا ريب في أن من جملة المستحبات المؤكدة غسل الإحرام ، والاخبار به مستفيضة (1)بل كادت تكون متواترة ، وظاهر جملة منها بل صريح بعضها وإن كان هو الوجوب كما في موثقة سماعة (2)لإطلاق الواجب عليه ، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن ذلك وحملها على الاستحباب وتأكده ، إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مع تصريح
ومع العذر عنه التيمّم (1) ،
الأصحاب بالاستحباب وتسالمهم عليه ، ولو كان واجباً لكان من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء به في كل سنة لكثير من المسلمين ، وكيف يخفى الوجوب عليهم ، ولم ينقل القول بالوجوب إلّا من ابن أبي عقيل (1)وابن الجنيد (2)ولا يعبأ بخلافهما ، لقيام السيرة القطعية المستمرّة بين المسلمين على الخلاف ، فلا ينبغي الشك في عدم الوجوب.
هذا مع إمكان حمل الواجب في موثق سماعة على معناه اللّغوي وهو الثابت ، وقد تقدّم الكلام مفصّلاً في باب الأغسال المسنونة من كتاب الطّهارة (3)، وذكرنا هناك وجهاً آخر لعدم إمكان القول بالوجوب أصلاً لا النفسي ولا الغيري.
(1) هل يقوم التيمم مقام الغسل مع العذر عنه أم لا؟ قولان ، والصحيح هو الأوّل كما هو الحال في جميع الأغسال المستحبة ، لإطلاق ما دلّ على بدلية التراب عن الماء (4)في الطّهورية ، فكل مورد ثبت كون الغسل مشروعاً وطهوراً وتعذّر منه يقوم التيمّم مقامه ، ولا حاجة إلى نص خاص.
وتوقف بعضهم في ذلك لعدم النص الخاص ، ولأنّ الغرض من الغسل تنظيف البدن وإزالة الأوساخ عنه ، ولا يترتّب ذلك على التيمم. ولكن يضعف ذلك ، لأنّ الغسل عبادة مستقلّة في نفسها وهو طهور ، وقد أُطلق الطهور على التيمّم أيضاً وأنّ التيمّم أحد الطّهورين ، وذلك يكفي في قيام التيمّم مقام الغسل. نعم ، إجزاء الغسل عن الوضوء يختص بالمبدل عنه وهو الغسل ، ولا يجري في البدل أي التيمّم ، لقصور دليل البدلية عن إثبات ذلك حتى في التيمم بدل الأغسال الواجبة غير الجنابة ، فلو تيمّم عن غسل المس مثلاً عليه أن يتوضّأ وإن كان نفس الغسل مجزئاً عن الوضوء.
ويجوز تقديمه على الميقات مع خوف إعواز الماء ، بل الأقوى جوازه مع عدم الخوف أيضاً والأحوط الإعادة في الميقات (1) ،
(1) يجوز تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه أو لم يتمكن فيه من الغسل لعذر من الأعذار كالبرد وخوف الضرر ، ويدلُّ عليه صحيح هشام ، قال : «أرسلنا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ونحن جماعة ونحن بالمدينة إنا نريد أن نودعك ، فأرسل إلينا أن اغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ثمّ تعالوا فرادى أو مثاني» (1)وأصرح من ذلك ما رواه الصدوق والشيخ هذه الصحيحة مع زيادة «فلما أردنا أن نخرج قال : لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماءً إذا بلغتم ذا الحليفة» (2)فإن ذلك صريح في الاكتفاء بالغسل المتقدّم وعدم لزوم إعادته بذي الحليفة وإن وجد الماء.
بل يجوز تقديمه وإن لم يخف الإعواز ، فيجوز الإتيان بالغسل في المدينة اختياراً من دون عذر عن الإتيان به في الميقات ، ويدلُّ على ذلك إطلاق عدّة من الروايات ، منها : صحيحة الحلبي «عن رجل يغتسل بالمدينة للإحرام أيجزئه عن غسل ذي الحليفة؟ قال (عليه السلام) : نعم» (3)والظاهر أن المراد بالسؤال عن أصل المشروعية وتقديمه في نفسه في المدينة وليس السؤال عن إجزاء الغسل الواقع في المدينة في فرض مشروعيته ولو للإعواز.
وأمّا صحيحة معاوية بن وهب فلا يصح الاستدلال بها لجواز التقديم لأنها رويت على نحوين :
أحدهما : ما رواه الشيخ والصدوق عن معاوية بن وهب ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ونحن بالمدينة عن التهيؤ للإحرام ، فقال : أطل بالمدينة وتجهز بكل ما
.................................................................................................
تريد واغتسل ، وإن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة» (1).
ثانيهما : ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب (2)، وليس فيها ذكر للغسل ، فهي على الرواية الأُولى تنفعنا لا على الثانية.
هذا كلّه مضافاً إلى إطلاقات ما دلّ على مشروعية غسل الإحرام ورجحانه (3)فإنّها تكفي في الحكم بجواز التقديم اختياراً ولو مع عدم خوف الإعواز ، وقد ذكرنا في محلّه (4)أن المطلق لا يحمل على المقيّد في باب المستحبات ، وإنما يحمل عليه في الواجبات ، للتنافي وعدم إمكان وجوب كل منهما ، ولكن المستحب حيث يجوز تركه اختياراً فلا موجب لحمل المطلق على المقيّد وإنما يكون المقيّد أفضل الأفراد ، وتمام الكلام وتحقيقه في محله.
بل المستفاد من هذه المطلقات استحباب الغسل وجواز تقديمه في أي بلد شاء ولا يلزم إتيانه في المدينة ، فلو اغتسل في بغداد وذهب مع الطائرة إلى المدينة وأحرم من مسجد الشجرة أجزأ وكفى ، فإن المقصود تحقق الإحرام في حال الغسل وأن يكون مغتسلاً عند الإحرام وإن اغتسل في بلد آخر غير المدينة بعيداً كان أو قريبا.
وأمّا صحيح هشام فلا يدل على عدم جواز الغسل في غير المدينة المنورة بل يدل على الجواز ، وذلك لأنّ تقديم الغسل إذا كان غير مشروع فخوف الإعواز لا يجعل غير المشروع مشروعاً إلّا تعبّداً ، والمستفاد من التعليل الوارد فيه أنّ المدار بصدور الإحرام مع الغسل سواء اغتسل في ذي الحليفة أو في المدينة أو في بلد آخر.
ولو قدمه اختياراً مع عدم خوف الإعواز ، ذكر المصنف أن الأحوط الإعادة في الميقات ، والاحتياط في محله ، لاحتمال عدم مشروعية الغسل الصادر عن المختار
ويكفي الغسل من أوّل النهار إلى الليل ومن أوّل الليل إلى النهار (1) ،
واقعاً ، فلا بأس بالإتيان به رجاءً.
وهل يعاد الغسل فيما لو كان قد اغتسل لخوف الإعواز فوجد الماء في ذي الحليفة؟ ربّما يقال باستحباب الإعادة لصحيح هشام ، لقوله (عليه السلام) : «لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماءً إذا بلغتم ذا الحليفة» (1).
وفيه : إن كان المراد بقوله «لا عليكم» نفي الحرمة ، أي لا جناح ولا عقوبة عليكم أن تغتسلوا ، نظير ما يقال : لا عليك أن تدخل الماء وأنت صائم ما لم تغمس فيه ، فلا بأس بالاستدلال به على استحباب الإعادة ، لأنه يدل على جواز الغسل ، وحيث إنه أمر عبادي إذا جاز استحب ، كما صرّح بذلك في المستند (2)وقال بأنه إذا لم يكن به بأس كان راجحاً. إلّا أن ذلك خلاف الظاهر لاحتياجه إلى التقدير ، والظاهر أن المنفي بقوله «لا عليكم» هو الوجوب ، لأنّ النفي وارد على نفس الغسل ، ولا حاجة إلى التقدير ، فالمعنى أن الغسل لا يجب عليكم وغير ثابت ولا آمر به إذا وجدتم ماءً في ذي الحليفة ، فلا يدل على الاستحباب في صورة عدم الأمر به ، ومن الواضح أنّ الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى الدليل.
(1) صرّح الأصحاب بأنه يجزئ الغسل في أوّل النهار ليومه وفي أوّل الليل لليلته وتدل عليه النصوص ، فإن المستفاد منها وقوع الإحرام مع الغسل ، ولم يؤخذ في شيء منها كون الغسل مقارناً للإحرام أو كان الفصل بينهما قليلاً ، فالعبرة بوقوع الإحرام عن الغسل وإن كان الغسل واقعاً في أوّل النهار والإحرام في آخره ، ويدلُّ عليه أيضاً صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : غسل يومك ليومك وغسل ليلتك لليلتك» (3).
بل الأقوى كفاية غسل اليوم إلى آخر اللّيل وبالعكس (1) ، وإذا أحدث بعدها قبل الإحرام يستحب إعادته خصوصاً في النوم (2) ،
وأمّا ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد «من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل ، ومن اغتسل ليلاً كفاه غسله إلى طلوع الفجر» (1)فلا يصح الاستدلال به ، لأنّ السند غير واضح ، لما في بعض النسخ عثمان ابن يزيد بدل عمر بن يزيد ، والأوّل غير موثق ، فيكون الراوي مردداً بين الموثق وغيره.
(1) يدل عليه إطلاق صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال : «غسل يومك يجزئك لليلتك ، وغسل ليلتك يجزئك ليومك» (2).
وموثق سماعة «من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك ثمّ أحرم من يومه أجزأه غسله ، وإن اغتسل في اللّيل ثمّ أحرم في آخر اللّيل أجزأه غسله» (3)واحتمال أن اللام في قوله «لليلتك» و «ليومك» في صحيح جميل بمعنى إلى الغاية ليكون المراد انتهاء أمد الغسل إلى آخر النهار بعيد جدّاً ، بل هي للتعدية.
بل يمكن أن يقال بأن الغسل الواقع في اليوم يكفي لليوم الآخر ما لم يحدث ، وهذا وإن لم يصرح به في النصوص ، وقد لا يتحقق في الخارج عادة لوقوع الحدث في أثناء اليوم ولو مرّة واحدة غالباً ، ولكن لا مانع من الالتزام بكفاية ذلك لو اتفق ، لأنّ العبرة كما أشرنا إليه بحصول الإحرام عن الغسل وإن كان الغسل متقدِّماً عليه بيوم أو يومين أو أكثر أو أقل ، ولا خصوصية للاجتزاء بالغسل النهاري في الليل ولا العكس ، فلا حد زماني للغسل ، كما عرفت أنه لا حد مكاني له ويجوز تقديمه على الميقات من أي موضع شاء.
(2) وجه التخصيص بالنوم مع أن البول أقوى لورود النص الخاص فيه ، وأمّا
.................................................................................................
غيره من الاحداث فلا نص فيه ، وألحقوا بالنوم غيره من النواقض ، لانتقاض الغسل بغير النوم من الأحداث أيضاً ، بل انتقاضه بسائر الأحداث أقوى.
أمّا ما يدل على استحباب إعادة الغسل بعد النوم فهو صحيح النضر عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : «سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمّ ينام قبل أن يحرم قال : عليه إعادة الغسل» (1)، ونحوه خبر علي بن أبي حمزة (2)، ولكنّه ضعيف السند.
ويعارضه صحيح العيص ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة ، ويلبس ثوبين ثمّ ينام قبل أن يحرم ، قال : ليس عليه غسل» (3)وقد حمله الشيخ على نفي الوجوب (4)بينما حمله آخر على نفي التأكّد.
ولكن الظاهر أن الخبرين متعارضان ومتنافيان ولا جمع عرفي بينهما ، لأنّ المستفاد من صحيح النضر كون النوم ناقضاً ، ويظهر من صحيح العيص عدم ناقضيته ، ولا يمكن الجمع بين ما دل على الناقضية وما دلّ على عدمها فإنهما من المتنافيين ، وقد ذكرنا غير مرّة أن الميزان في الجمع العرفي بما لو اجتمع المتعارضان في كلام واحد ولم يكن تناف بينهما عرفاً ، بل كان أحدهما قرينة على الآخر ، ففي مثله يتحقق الجمع العرفي وأمّا إذا اجتمعا في كلام واحد وكانا متنافيين بنظر العرف فلا مجال للجمع بينهما عرفاً والناقضية وعدمها من المتنافيين ، والروايتان ناظرتان إلى الناقضية وعدمها ، فالروايتان متعارضتان فتسقطان ، والمرجع هو القاعدة المقتضية لانتقاض الغسل بالحدث ، فحكم النوم وغيره سيّان.
وتفصيل ذلك : أنه لا ريب في أن الغسل ينتقض بالحدث نوماً كان أم غيره ، وأمّا الروايات الواردة في المقام فمنحصرة بالنوم ، وقد عرفت أنها متعارضة ، وحمل ما دلّ على عدم الإعادة على نفي الوجوب بعيد ، لأنّ السؤال ليس عن أصل العمل وإتيان الغسل حتى يمكن حمله على نفي الوجوب ، بل السؤال عن الناقضية وعدمها ، ولا
.................................................................................................
معنى حينئذ للحمل على نفي الوجوب ، كما أن حمله على عدم التأكّد كما عن السيِّد صاحب المدارك - (1)بعيد أيضاً ، فإنّ الناقضية وعدمها لا يتأكدان ، فلا محيص إلّا عن التساقط فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة في النوم وغيره من الأحداث فنقول :
إن كان المراد من استحباب الغسل مجرد إتيان عمل خارجي قبل الإحرام كتقديم الصلاة على الإحرام أو تقديم بعض الأدعية فلا يضر الحدث الواقع بعده ، لأنه قد امتثل الأمر الاستحبابي فليس عليه إعادة الغسل وله أن يحرم ، كما أنه ليس عليه إعادة الصلاة أو الأدعية الواردة قبل الإحرام.
وإن كان المراد باستحباب الغسل وقوع الإحرام عن طهور ، وأن يكون الإحرام صادراً منه حال كونه متطهراً ، وحيث إن الغسل طهور كما يظهر من الروايات ، بل هو أقوى في الطهورية من الوضوء لقوله (عليه السلام) : «وأي وضوء أطهر من الغسل» (2)فإذا صدر الحدث بعده فلا طهور لانتفاضه به ، فإن الطهور والحدث لا يجتمعان ، فلا يكون الإحرام الصادر منه عن طهور ، فحينئذ يستحب له إعادة الغسل ليكون الإحرام صادراً عن الطهور ولا يكفي الوضوء ، لأنّ الإحرام يكون صادراً عن طهور الوضوء لا طهور الغسل والمسنون صدور الإحرام عن الغسل.
وهذا الذي ذكرناه هو الصحيح ، لا سيما على القول بأن كل غسل ثبت استحبابه يجزئ عن الوضوء كما هو المختار عندنا. وأنه يجوز معه الإتيان بكل ما يتوقف على الطهور ، فإذن لا حاجة إلى نص خاص يدل على استحباب إعادة الغسل بعد صدور مطلق الأحداث.
مضافاً إلى ما يؤكد ذلك ويدلُّ عليه ، صحيح عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكّة ثمّ ينام فيتوضّأ قبل أن يدخل أيجزئه ذلك أو يعيد؟ قال : لا يجزئه لأنه إنما دخل بوضوء» (3)فإنّ الصحيح
.................................................................................................
يدل بوضوح على انتقاض الغسل بالنوم وأنه إذا دخل بعد النوم فقد دخلها من غير غسل ، والسؤال وإن كان عن النوم فلا يشمل حدثاً آخر ولكن الظاهر أن القصد من السؤال لم يكن مقصوراً على النوم ، وإنما منظورة في السؤال أنه هل يجزئ الوضوء عن الغسل السابق الملحوق بالنوم؟ وأنّ الغسل السابق هل انتقض بالنوم ويحتاج إلى الوضوء لدخول مكّة أم لا؟ فسؤاله مسوق لإجزاء الوضوء عن الغسل السابق الذي صدر بعده النوم ، وأجاب (عليه السلام) بعدم إجزاء الوضوء عن الغسل السابق ، فلا نظر إلى خصوص النوم ، بل لا نحتمل خصوصية للنوم ، وإنما الغرض انتقاض الغسل وإجزاء الوضوء عنه.
كما يستظهر منه عدم الاختصاص بالغسل لدخول مكّة ، بل المنظور بالعمل الذي يعتبر فيه الغسل إحراماً كان أم غيره من الأعمال ، غاية الأمر مصداقه في الرواية إنّما هو الغسل لدخول مكّة المكرّمة ، فإن المستفاد من التعليل الوارد في الرواية «لأنّه إنّما دخل بوضوء» أن كل عمل اعتبر فيه الغسل سواء كان إحراماً أو غيره ينتقض بالنوم باعتبار أنه حدث لا لخصوصية فيه ، كما لا خصوصية لغسل الدخول في مكّة وإنّما ذكر ذلك في الرواية من باب ذكر المصداق لحكم كلّي ، فإنّ التعليل يقتضي عموم الحكم لمطلق الحدث ولمطلق الغسل.
ثمّ إنّ الرواية رواها الكليني على النحو المتقدِّم (1)، ولكن الشيخ رواها في التهذيب (2)وذكر «يغتسل للزيارة» بدل «يغتسل لدخول مكّة» ، وذكر في ذيل الرواية «إنّما دخل بوضوء» مع أنّ المناسب أن يذكر «إنّما زار بوضوء» ليطابق الصدر ولعلّه وقع السهو من قلمه الشريف أو من النساخ ، وما ذكره الكليني هو الصحيح وكيف كان لا يفرق الحال بين الأمرين.
وممّا يدل على انتقاض الغسل بمطلق الحدث موثق إسحاق بن عمّار «عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور باللّيل بغسل واحد ، قال : يجزئه إن لم يحدث ، فإن
كما أنّ الأولى إعادته إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم ، بل وكذا لو تطيب ، بل الأولى ذلك في جميع تروك الإحرام فلو أتى بواحد منها بعدها قبل الإحرام الأولى إعادته (1) ،
أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله» (1)والرواية واضحة الدلالة على انتقاض الغسل بمطلق الحدث ، ولا نحتمل الاختصاص بغسل الزيارة كما عرفت.
وأمّا من حيث السند فالرواية موثقة اصطلاحاً بإسحاق لأنه فطحي ثقة ، وأمّا عبد اللّه الواقع في السند فإن كان ابن سنان كما صرّح به في التهذيب (2)فلا كلام وإلّا فالرواية معتبرة أيضاً ، لأنّ عبد اللّه مردد بين ابن سنان وبين عبد اللّه بن جبلة وكلاهما ثقة ، وهما يرويان عن إسحاق بن عمّار ويروي عنهما موسى بن القاسم ، وأمّا عبد اللّه ابن مسكان أو عبد اللّه بن المغيرة وإن كانا يرويان عن إسحاق بن عمّار ولكن لا يروي عنهما موسى بن القاسم ، وأمّا احتمال كونه عبد اللّه بن يحيى الكاهلي لأجل روايته عن إسحاق بن عمّار ورواية موسى بن القاسم عنه فيبعده أن عبد اللّه عند الإطلاق لا ينصرف إليه لأنّه غير معروف.
وروى الكليني (3)أيضاً عن إسحاق بن عمّار بسند آخر مثل ما تقدّم.
(1) قد عرفت بما لا مزيد عليه انتقاض الغسل بالنوم وبغيره من الأحداث واستحباب إعادة الغسل إذا أحدث قبل الإحرام ، كما أنه لا ينبغي الإشكال في استحباب إعادة الغسل إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم ، بل وكذا لو تطيب ، ويشهد له النصوص :
منها : صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا لبست ثوباً لا ينبغي لك لبسه أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل» (4).
.................................................................................................
ومنها : صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا اغتسلت للإحرام فلا تقنع ولا تطيب ولا تأكل طعاماً فيه طيب فتعيد الغسل» (1).
وظاهر النص وإن كان وجوب الإعادة للأمر بها ولكن الوجوب غير محتمل بعد ما كان الغسل من أصله مستحباً ، فالإعادة كالأصل مستحبة.
ولكن وقع الكلام في أن الأمر بالإعادة إرشاد إلى بطلان الغسل الأوّل كما في إعادة الغسل بعد النوم ، أو أنه أمر مولوي ، ففي الحقيقة يستحب الغسلان؟
ولا يخفى أن الأمر في أمثال هذه الموارد ظاهر في الإرشاد ، ولكن حيث نعلم من أدلّة اخرى أن الطهور لا ينتقض إلّا بالنواقض المعروفة الخمسة ، وليس الأكل أو اللبس لما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم وكذا إتيان بقيّة تروك الإحرام من نواقض الوضوء أو الغسل ، فيكون الأمر بإعادة الغسل أمراً مولوياً استحبابياً ، ففي الحقيقة يكون كلا الغسلين مستحباً ، فقوله : «فتعيد الغسل» يعني من جهة الإحرام لا أنه يعيده لانتقاضه بأكل الطيب أو لبس المخيط ، فلو أكل بعد الغسل ولم يغتسل ثانياً فهو باق على طهارته ، وبناءً على إجزائه عن الوضوء يجوز له إتيان الصلاة ومس الكتاب وكل ما يتوقف على الطهور ، فالأمر بالإعادة غير ناظر إلى انتقاض الغسل باستعمال تروك الإحرام ، وإنما الأمر بالإعادة لأجل الإحرام وعدم الفصل بينه وبين الغسل بإتيان تروك الإحرام.
نعم ، مقتضى رواية القاسم بن محمّد عن علي بن أبي حمزة ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اغتسل للإحرام ثمّ لبس قميصاً قبل أن يحرم ، قال : قد انتقض غسله» (2)هو انتقاض الغسل وبطلانه ، ولكن السند مخدوش بعلي بن أبي حمزة وهو البطائني الضعيف المعروف المتهم بالكذب ، وأمّا احتمال أن علي بن أبي حمزة هو الثمالي الموثق الممدوح فيبعده أن الثمالي لا توجد له رواية ولا واحدة في الكتب
ولو أحرم بغير غسل أتى به وأعاد صورة الإحرام (1) سواء تركه عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً ولكن إحرامه الأوّل صحيح باق على حاله ،
الأربعة. نعم ، ورد في الكافي (1)في مورد واحد من كتاب الصوم رواية القاسم بن محمّد الجوهري عن علي بن أبي حمزة الثمالي ، ولكن في نسخة اخرى علي بن أبي حمزة من غير تقييد بالثمالي ، وهو الصحيح الموافق للفقيه (2)والتهذيب (3)، ومن المطمأن به أنّ علي بن أبي حمزة المذكور في السند هو البطائني لكثرة رواية القاسم بن محمّد الجوهري عنه.
(1) للأمر به في صحيحة الحسن بن سعيد ، قال : «كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (عليه السلام) : رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً ، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب ، يعيده» (4)أي يعيد الإحرام ، ولا ينبغي الريب في عدم وجوب الإعادة والإتيان به ثانياً ، إذ لا وجه للوجوب بعد ما كان الغسل من أصله مستحبّاً ، ولذا قال في الجواهر : لا أجد له وجهاً ، ضرورة عدم تعقل وجوب الإعادة مع كون المتروك مندوباً (5). على أنّ السائل لم يسأل عن أصل الحكم وعن وجوب الإعادة وعدمه ، وإنما يسأل عن كيفية التدارك ، فالرواية ليست في مقام بيان أصل الحكم.
إنما الكلام في الحكم باستحباب إعادة الإحرام والإتيان به ثانياً ، وأنه كيف يمكن الإحرام بعد الإحرام ليحكم باستحبابه أو وجوبه على قول ، وهل إعادة الإحرام أمر معقول أم لا؟ فإن المفروض أن الإحرام لا يحل منه إلّا بعد الفراغ من الأعمال بالحلق أو التقصير ، وما لم يفرغ من المناسك فهو باق على إحرامه ، فكيف يستحب للمحرم
.................................................................................................
أن يحرم ثانياً ويعيده قبل الشروع في الأعمال أو الفراغ منها.
ومن ثمّ وقع الكلام بين الأصحاب في معنى الحديث ، وفي بيان المراد من استحباب الإعادة ، فعن بعضهم كابن إدريس إنكار الاستحباب ، وقال فيما حكي عنه في مقام الرد على الشيخ (قدس سره) : إن أراد أنه نوى الإحرام وأحرم ولبى من دون صلاة وغسل فقد انعقد إحرامه ، فأي إعادة تكون عليه ، وكيف يتقدر ذلك؟ وإن أراد أنه أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النيّة والتلبية فيصح ذلك ويكون لقوله وجه ، فحمل الإحرام الصادر منه أوّلاً على الإحرام الصوري (1).
ويرده بأن الظاهر من الرواية أن الإحرام قد صدر من الرجل ، وإنما فقد منه مجرّد الصلاة أو الغسل ، فحملها على فقدان النيّة والتلبية بعيد جدّاً.
وعن البعض الآخر كالمصنف (قدس سره) حمل الإعادة على صورة الإحرام ، فالإحرام الحقيقي هو الأوّل والثاني صورة الإحرام فيعيد مجرد التلبية. وعن آخرين أن الإحرام الثاني هو الإحرام الحقيقي ، وهو وإن كان مستحباً ولكن يوجب بطلان الإحرام الأوّل فكأنه لم يحرم من الأوّل. وبعبارة اخرى : الإحرام الأوّل مشروط بشرط متأخر وهو الإحرام الثاني ، ويصح الإحرام الأوّل ما لم يأت بالإحرام الثاني فإذا أتى به ثانياً بطل الإحرام الأوّل ، نظير التكبيرة الثانية بنيّة الشروع في الصلاة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا مانع من انعقاد الإحرام بعد الإحرام وكلا الإحرامين حقيقي صحيح ، والأوّل واجب على فرض وجوب الحج والثاني مستحب ، نظير الصلاة المعادة جماعة ، ويحسب له في الواقع أفضلهما ، نحو ما ورد في الصلاة جماعة فالأوّل صحيح وإن استحب له الإعادة التي لا تبطله ، فالحكم بالإعادة حكم تعبّدي شرعي لتدارك الفضيلة ، وهذا الوجه اختاره صاحب الجواهر (2)، وهو الصحيح ويوافق ظاهر الرواية لأنّ الظاهر منها إعادة نفس ما أتى به أوّلاً ، وأن الإعادة إعادة حقيقة للإحرام الأوّل ولا موجب لبطلانه.
.................................................................................................
ودعوى أنه لا معنى للإحرام الثاني ، إن أُريد به عدم التكرر في الحكم الشرعي المترتب على الإحرام كحرمة الصيد وحرمة لبس المخيط واستعمال الطيب ونحوها فالأمر كما ذكر ، لعدم التعدد في الحكم الشرعي ، ولا معنى للقول بأنه يحرم عليه لبس المخيط ثانياً كما حرم عليه أوّلاً ، ولكن ليس هذا معنى الإحرام بل ذلك حكم مترتب على الإحرام ، فإن الإحرام له معنيان :
أحدهما : الالتزام بترك المحرمات ولو إجمالاً إلى أن يفرغ من الأعمال ، كما صرّح به الشيخ الأنصاري (قدس سره) في مناسكه ، ولذا لو كان بانياً من الأوّل أن يلبس المخيط أو يصيد فسد إحرامه لعدم التزامه بالترك.
ثانيهما : أن الإحرام هو التكلم بالتلبية مقدّمة للإتيان بالأعمال ، فقوله (لبّيك) قبول منه لإتيان الأعمال وليس وراء ذلك شيء آخر ، فحال التلبية حال تكبيرة الإحرام للصلاة بقصد إتيان بقيّة أفعال الصلاة ، فلو كان قاصداً للصيد أو لبس المخيط أو الاستظلال لا يضر بإحرامه وإن كان بانياً من الأوّل إتيان بعض التروك.
نعم ، القصد إلى بعض التروك في أثناء الأعمال كالجماع يضر بإحرامه ، لأنّه لم يكن قاصداً لإتيان حج صحيح ، فأمر الإحرام دائر بين اثنين إمّا أنه الالتزام بترك المحرمات وإمّا أنّه التلبية ، والصحيح هو الثاني كما سيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى وعلى كلا التقديرين لا مانع من إعادة الإحرام وتعدّده ، إذ لا مانع من تعدد الالتزام كما لا مانع من إبراز الإحرام بالتلبية ثانياً ، وليس في تكرار التلبية أو الالتزام أي محذور ، غاية الأمر الإحرام الثاني مصداق للمستحب كما أنّ الإحرام الأوّل مصداق للواجب ، فكل منهما إحرام حقيقي ، نظير تكرار الوضوء فإنّ الوضوء بعد الوضوء نور على نور ، فالوضوء الأوّل صحيح وكذا الوضوء الثاني ، نعم لا معنى لتكرار الطّهارة الحاصلة من الوضوء وأمّا نفس الأفعال والأعمال فلا مانع من الالتزام بأنّ كلا الفردين حقيقيان ، غاية الأمر أحدهما واجب والآخر مستحب فكل منهما امتثال لأمره.
.................................................................................................
ودعوى : أن التعبير بالإعادة كما في النص كاشف عن بطلان الأوّل ، لأنّ المتفاهم من لفظ الإعادة هو بطلان ما أتى به أوّلاً ، فإن الإعادة عبارة عن الإتيان بالشيء ثانياً بعد الإتيان به أوّلاً ، لوقوعه على نوع خلل كتجرده عن شرط معتبر أو اقترانه بأمر مبطل كما عن الرياض (1)، فاسدة ، إذ لا موجب للبطلان ، لأنّ المفروض أن أصل الحكم في نفسه مستحب ، فالالتزام ببطلان الإحرام الأوّل لفقدان الغسل بلا موجب ، بل هو باق على حاله وعلى إحرامه ، غاية الأمر يستحب له إعادة الإحرام مع الغسل.
والحاصل : لو تمّ ما ذكرناه من صحّة كلا الإحرامين فهو ، وإلّا فيتعين ما ذهب إليه المصنف من أن الإحرام الثاني صوري فلا موجب لبطلان الإحرام الأوّل أصلا.
فلا مانع من صحّة كلا الإحرامين لعدم المنافاة بينهما. وتوضيح ذلك يبتني على بيان حقيقة الإحرام.
فإن قلنا بأن الإحرام أمر اعتباري يحصل بالتلبية أو بالإشعار وهو مسبب من أحدهما ، نظير حصول الطّهارة من الوضوء أو الغسل ، فبناءً على هذا لا معنى لتكرار الإحرام ، لعدم تعقل تكرار أمر اعتباري ، لأنّ المفروض أنه قد حصل بالأوّل فلا معنى لحصوله ثانياً بسبب آخر ، فالشخص الواحد لا يمكن أن يكون محرماً بإحرامين ، فإن ذلك من اجتماع المثلين وذلك محال حتى في الأُمور الاعتبارية ، فلا محيص حينئذٍ إلّا من الالتزام بكون الإحرام الثاني صورياً أو حقيقياً والإحرام الأوّل باطلاً كما استظهره بعضهم من النص ، بدعوى أن إعادة الإحرام ظاهرة في الإحرام الحقيقي.
وإن قلنا بأنه لا دليل على كون الإحرام أمراً اعتبارياً وإن أمكن القول به بالنسبة إلى الطهور في باب الوضوء والغسل كما ذهب إليه بعضهم ، وإن كان الصحيح خلاف ذلك حتى في مثل الطهور ، فإنه ليس أمراً اعتبارياً حاصلاً من الوضوء أو الغسل ، بل
1) رياض المسائل 6 : 240.
.................................................................................................
الطهور اسم لنفس الأفعال من الغسلتين والمسحتين ، ويظهر ذلك من روايات النواقض ، فإنها تدل بوضوح على أن الوضوء له البقاء ، ولذا يصح أن يقال : إنه نام وهو على وضوء أو أنه فعل وهو على وضوء ونحو ذلك من التعابير التي تدل على قابلية بقاء الوضوء ، وأنه ليس أمراً خارجياً ينقضي وينصرم.
وبالجملة : يظهر من الروايات بل من نفس الآية الشريفة أنّ الطهور والغسل أو الوضوء شيء واحد ، ولذا أُمر بالطهور في مورد واحد وأُمر بالغسل في نفس المورد في آية أُخرى ، قال عزّ من قائل ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)وذكر في آية أُخرى ( وَلا جُنُباً إِلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (2)وليس ذلك من باب تعلق الأمر بالسبب مرّة وبالمسبب اخرى ، بل ذلك من باب أنهما شيء واحد ، فالطهور اسم لنفس هذه الأفعال الخاصّة.
هذا حال الطهور بالنسبة إلى الوضوء أو الغسل وإن أبيت إلّا عن كون الطّهارة أمراً اعتبارياً حاصلاً من الوضوء أو الغسل إلّا أن الإحرام ليس كذلك ، إذ لا دليل على أنه أمر اعتباري سببه التلبية أو الإشعار ، وعلى فرض التسليم لا بدّ من القول بكون الثاني صورياً ، أو أنه حقيقي والأوّل باطل لامتناع اجتماع المثلين.
فبناءً على عدم كون الإحرام أمراً اعتبارياً كما هو الصحيح يدور أمره بين كونه عبارة عن توطين النفس على ترك المحرمات المعلومة ، أو أنه نفس التلبية ونحوها كالإشعار والتقليد ، نظير تكبيرة الإحرام ، وعلى كل تقدير لا مانع من صحّة الإحرامين ، إذ لا محذور في أن يوطن نفسه مرّتين على ترك المحرمات ، ولا يستلزم من ذلك اجتماع المثلين كما في باب النذر ، فإنه يجوز أن ينذر الشيء المنذور مرّة ثانية بأن يوطن نفسه على إتيان ذلك الشيء المنذور ، نعم وجوب الوفاء لا يتكرر وإنما يتأكّد ، ولا مانع من تكرار الكفّارة لتكرر الحنث بمخالفة النذر ، نظير ما إذا نذر صيام
.................................................................................................
شهر رمضان وخالف فإنه يترتب عليه كفارة تعمد الإفطار وكفارة حنث النذر.
فلا نرى مانعاً من تعدد الالتزام والبناء ، ويكون الالتزام المتأخر وتوطين النفس الثاني غير التوطين الأوّل. كما أنه لا مانع من تعدد التلبية بقصد الحج ، وإنما لا يتعدّد الحكم الشرعي من حرمة الصيد وحرمة لبس المخيط ، فإن ذلك حكم واحد يترتب على التلبيتين والالتزامين فلا مانع من أن يكون كل منهما إحراماً حقيقيا (1).
بقي الكلام في شيء وهو أنه إذا ارتكب المحرم بعض المحرمات بعد الإحرامين بناءً على صحّتهما وكون كل منهما إحراماً حقيقياً ، فهل يتعدد العقاب أو الكفّارة لأجل تعدد الإحرام أم لا؟
وصاحب الجواهر (قدس سره) مع أنه تعرّض لهذه المسألة تفصيلاً ولكنّه لم يتعرّض إلى ما ذكرنا ، ولعل عدم تعرضه لأجل الوضوح ، لأنّ هذه الأُمور المحرّمة مترتبة على المحرم لا الإحرام ، خلافاً لباب النذر.
بيان ذلك : أنّ النذر هو الالتزام بشيء وعقد القلب عليه فهو فعل قلبي قابل للتعدد ، فإذا نذر إتيان فعل يمكن أن ينذره ويلتزم به ثانياً ويعقد قلبه على ذلك ، فإذا خالف ولم يأت بالمنذور أصلاً تعددت الكفّارة ، لأنّ كل نذر موضوع مستقل للكفارة ، والكفّارة إنما تترتّب على مخالفة الالتزام. وبعبارة اخرى : موضوع الكفّارة مخالفة النذر ، وهي من آثار نفس الالتزام والنذر ، فإذا كان النذر متعدداً تتعدّد الكفّارة طبعاً ، نعم وجوب الوفاء لا يتعدّد وإنما يتأكد بالنذر الثاني ، لأنّ الحكم الشرعي غير قابل للتعدد ، وهكذا في اليمين والعهد ، هذا كلّه في باب النذر.
وأمّا الإحرام فالمحرمات غير مترتبة على الإحرام حتى يتعدّد العقاب بتعدّد الإحرام ، وإنما هي مترتبة على المحرم وهو شخص واحد ، بلا فرق بين أن يكون المحرم محرماً بإحرامين أو بإحرام واحد.
1) سيأتي في ذيل المسألة الخامسة من (فصل في كيفية الإحرام) أن سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه عدل عما ذهب إليه هنا من الحكم بصحّة الإحرامين واختار عدم الصحّة ، وسنتعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى.
فلو أتى بما يوجب الكفّارة بعده وقبل الإعادة وجبت عليه (1). ويستحب أن يقول عند الغسل أو بعده. بسم اللّه وباللّه اللّهمّ اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف وشفاءً من كل داء وسقم ، اللّهمّ طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك فإنه لا قوّة إلّا بك وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك والاتباع لسنّة نبيّك صلواتك عليه وآله.
الرابع : أن يكون الإحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة ، وقيل بوجوب ذلك لجملة من الأخبار الظاهرة فيه المحمولة على الندب للاختلاف الواقع بينها واشتمالها على خصوصيات غير واجبة ، والأولى أن يكون بعد صلاة الظهر في غير إحرام حج التمتّع فإن الأفضل فيه أن يصلّي الظهر بمنى ، وإن لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة فريضة أُخرى حاضرة ، وإن لم يكن فمقضية ، وإلّا فعقيب صلاة النافلة.
(1) إذا ارتكب شيئاً من المحرمات بين الإحرامين وقبل الغسل فهل تجب الكفّارة أم لا؟
إذا قلنا بأن الإعادة صورية أو قلنا بصحّة الإحرامين معاً كما قويناه فلا ينبغي الإشكال في وجوب الكفّارة ، لأنه أتى بما يوجبها حال كونه محرما.
وأمّا على القول ببطلان الأوّل فما ارتكبه إنما أتى به قبل بطلان إحرامه ، فإن الإحرام الأوّل على القول ببطلانه إنما يبطل إذا أتى بالإحرام الثاني وما لم يأت بالإحرام الثاني لم يبطل الإحرام الأوّل ، فحينئذٍ إذا أتى بما يوجب الكفّارة قبل الإحرام الثاني فهل تجب الكفّارة أم لا؟ فيه كلام ، قال بعضهم بعدم الوجوب ، وذهب آخر إلى الوجوب.
أقول : إن البطلان في المقام ليس بمعنى اكتشاف فساد الإحرام الأوّل من أصله وأنه لم يقع في محله ، كالإحرام للحج في مورد تبين عدم الاستطاعة واقعاً ، فإن الحج في هذه الصورة لم يتصف بالوجوب وإنما تخيل أنه واجب ، ولذا لو ارتكب بعض التروك
الخامس : صلاة ست ركعات أو أربع ركعات أو ركعتين للإحرام ، والأولى الإتيان بها مقدّماً على الفريضة ، ويجوز إتيانها في أي وقت كان بلا كراهة حتى في الأوقات المكروهة وفي وقت الفريضة حتى على القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة ، لخصوص الأخبار الواردة في المقام ، والأولى أن يقرأ في الركعة الأُولى بعد الحمد التوحيد وفي الثانية الجحد لا العكس كما قيل.
[3229] مسألة 2 : يكره للمرأة إذا أرادت الإحرام أن تستعمل الحِنّاء إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده مع قصد الزينة ، بل لا معه أيضاً إذا كان يحصل به الزينة وإن لم تقصدها ، بل قيل بحرمته ، فالأحوط تركه وإن كان الأقوى عدمها والرواية مختصّة بالمرأة لكنّهم ألحقوا بها الرّجل أيضاً لقاعدة الاشتراك ولا بأس به ، وأمّا استعماله مع عدم إرادة الإحرام فلا بأس به وإن بقي أثره ، ولا بأس بعدم إزالته وإن كانت ممكنة.
فلا شيء عليه لعدم كونه محرماً واقعاً وعدم كونه حاجّاً ، بل المراد بالبطلان في المقام أنّه بالإحرام الثاني يتبدل إحرامه إلى فرد آخر ، فلم يأت عليه زمان وهو محلّ وإنّما هو محرم حدوثاً بالإحرام الأوّل وبقاءً بالإحرام الثاني ، وأقصى ما يلزم من الاعتداد بالإحرام الثاني والقول بصحّته تبدل الإحرام الأوّل بالإحرام الثاني لا بطلان الإحرام الأوّل وفساده بالمرّة ، وذلك لأنّ مقتضى ما يستفاد من النص الآمر بالإعادة تبدّل الإحرام الأوّل إلى الإحرام الثاني ، فلم يكن محلّاً في زمان أصلاً ليقع بعض التروك حال الحل ، فالظاهر وجوب الكفّارة إذا أتى بما يوجبها بين الإحرامين حتى على القول ببطلان الإحرام الأوّل ، لأنّ ما أتى به من التروك يكون قد أتى به في حال الإحرام فلا مانع من شمول إطلاقات الأدلّة له ، لأنه محرم قد لبس المخيط مثلاً.
ثمّ إنّ المذكور في النص إعادة الإحرام لمن ترك الغسل جهلاً ، وأمّا الناسي فلم يذكر في النص ، ولذا وقع الكلام في حكمه ، وقد ألحقوه بالجاهل للفحوى والأولوية وقد نوقش في ذلك.
وواجباته ثلاثة :
الأوّل : النيّة ، بمعنى القصد إليه ، فلو أحرم من غير قصد أصلاً بطل (1)، سواء كان عن عمد أو سهو أو جهل ، ويبطل نسكه أيضاً إذا كان الترك عمداً وأمّا مع السّهو والجهل فلا يبطل ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن ، وإلّا فمن حيث أمكن على التفصيل الذي مرّ سابقاً في ترك أصل الإحرام (1).
والصحيح أن يقال : إنّه لا حاجة إلى هذه الوجوه الضعيفة ، بل الناسي داخل في الجاهل. بيان ذلك : أنّ العلم والجهل لا بدّ من تحقق أحدهما في المورد القابل ، لأنّ التقابل بينهما في المورد القابل بالعدم والملكة ، فحالهما حال النقيضين من عدم جواز خلو المورد من أحدهما ولزوم الاتصاف بأحدهما ، كما هو الحال في الإنسان فإنّه لا يخلو من أحدهما ، نظير القدرة والعجز والعمى والبصر ، نعم الجدار أو الحجر ونحو ذلك لا يتصف بشيء منهما لعدم قابليته لذلك.
ثمّ إنّ الجهل قد يكون مسبوقاً بالعلم وقد لا يكون مسبوقاً به والأوّل يسمى بالنسيان ، ويجمعهما الجهل بالفعل وعدم العلم بالشيء ، فالناسي قسم من أقسام الجاهل وليس قسماً ثالثاً في قبال العالم والجاهل ، فمن كان عالماً بشيء ونسي فهو جاهل بالفعل ، والنص وإن بيّن حكم الجاهل إلّا أن إطلاقه يشمل الناسي لأنه فرد من أفراد الجاهل ، فالنص بنفسه يتكفل حكم الناسي فلا حاجة إلى التشبث بالوجوه الضعيفة.
(1) لا ريب في أنّ الواجب الأوّل في الحج هو الإحرام ، وقد وقع الكلام في
1) (*) فيجري عليه حكم تارك الإحرام ، وقد مرّ تفصيل ذلك [في المسألة 3221 التعليقة 4].
.................................................................................................
حقيقته ، فهل هو أمر اعتباري مغاير للتلبية والالتزام بترك الأُمور المعلومة وأنه مغاير لحكم الشارع بحرمة الأُمور المعهودة ، فهو نظير الطّهارة المترتبة على الوضوء ، أم أنه عبارة عن التلبية؟
وغير خفي أنّ المتحقق في الخارج ليس إلّا عزم المكلف على ترك المحرمات المعلومة ، والتلبية ، وحكم الشارع بحرمة هذه الأُمور ، وليس وراء هذه الأُمور الثلاثة شيء آخر يسمّى بالإحرام.
أمّا العزم على ترك المحرمات وتوطين النفس على ترك المنهيات المعهودة فقد التزم الشيخ الأنصاري (1)بل المشهور بأنه حقيقة الإحرام ، ولذا ذكروا أنه لو بنى على ارتكاب شيء من المحرمات بطل إحرامه لعدم كونه قاصداً للإحرام.
ويردّ : بأن ما ذكر لا يستظهر من شيء من الأدلّة ، ولذا لو حج شخص وهو غير عالم بالمحرمات صحّ حجّه وإحرامه ، فالبناء والعزم على الترك ليس من مقومات الإحرام ، وأمّا المحرمات المعهودة فهي أحكام شرعيّة مترتبة على الإحرام.
والذي يظهر من الروايات أن التلبية سبب للإحرام وحالها حال تكبيرة الإحرام للصلاة ، فهي أوّل جزء من أجزاء الحج ، كما أن التكبيرة أوّل جزء من أجزاء الصلاة وبالتلبية أو الإشعار يدخل في الإحرام ويحرم عليه تلك الأُمور المعلومة وما لم يلب يجوز له ارتكابها ، والروايات في هذا المعنى كثيرة.
منها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج «في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام ولم يلبّ ، قال : ليس عليه شيء» (2)فإنها تدل بوضوح على أنه ما لم يلب لا يترتّب على الجماع شيء ، وهذا يكشف عن عدم تحقق الإحرام قبل التلبية ، إذ لا معنى لأنّ يكون محرماً ومع ذلك يجوز له الجماع ، فالمراد من قوله : «بعد ما يعقد الإحرام» عقد القلب على الإحرام والعزم والبناء عليه.
.................................................................................................
ومنها : صحيحة حفص البختري «فيمن عقد الإحرام أي بنى عليه وعقد قلبه على ذلك في مسجد الشجرة ، ثمّ وقع على أهله قبل أن يلبّي؟ قال : ليس عليه شيء» (1)فإن المستفاد منها أن العبرة بالتلبية وقبل التلبية لا يترتّب على الجماع شيء فيعلم أن التلبية سبب للإحرام.
وليعلم أن أهل اللغة ذكروا لكلمة أحرم معنيين :
أحدهما : أن يحرّم الإنسان على نفسه شيئاً كان حلالاً له.
ثانيهما : أن يدخل نفسه في حرمة لا تهتك (2).
والمعنى الثاني أنسب ، لأنه يدخل بالتلبية في حرمة اللّه التي لا تهتك ، والتلبية توجب دخوله في حرمة اللّه فيقال أحرم أي أدخل نفسه في تلك الحرمة التي لا تهتك.
ومنها : صحيحة حماد بن عيسى عن حريز «فإنه إذا أشعرها وقلدها وجب عليه الإحرام وهو بمنزلة التلبية» (3)ووجب بمعنى ثبت ، أي إذا أشعرها ثبت واستقر عليه الإحرام وصار محرماً بذلك.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإشعار والتقليد ، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم» (4)وهذه الصحيحة أوضح دلالة من الصحاح المتقدِّمة ، حيث تدل بصراحة على أن الذي يوجب الدخول في الحرمة التي لا تهتك ، أحد هذه الأُمور الثلاثة ، وأن الإحرام يتحقّق بأحدها.
ومنها : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير» (5)باعتبار أن الإشعار في حج القران مكان التلبية.
.................................................................................................
ومنها : صحيحة معاوية بن وهب «عن التهيؤ للإحرام ، فقال : في مسجد الشجرة ، فقد صلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وقد ترى أُناساً يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم ، تقول : لبيك اللّهمّ لبيك» (1)وهذه الصحيحة أيضاً واضحة الدلالة ولعلّها أوضح ممّا سبق ، لقوله : «فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول : لبيك» مع النهي عن الإحرام في مسجد الشجرة فقبل التلبية لا إحرام.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد أي عزمت على الإحرام فقم وامش هنيهة (هنيئة) ، فإذا استوت بك الأرض ماشياً كنت أو راكباً فلب» (2)وغير ذلك من الروايات المذكورة في أبواب متفرِّقة ، فإنّ المستفاد من جميعها أن التلبية سبب للإحرام وما لم يلب لم يكن بمحرم وليس عليه شيء.
وأمّا ما ورد في بعض الروايات من عقد الإحرام أو الأمر بعقد الإحرام الذي يتوهّم منه أنه الإحرام دون التلبية فهو غير صحيح ، وذلك لأنّ المراد بهذه الكلمة «عقد الإحرام» إمّا العزم والبناء على نفسه بترك المحرمات المعهودة ، أو يراد بها الإتيان بجميع مقدّمات الإحرام حتى لبس الثوبين ، ولعلّ الثاني أنسب ، ولكن ذلك لا علاقة له بنفس الإحرام ، لأنّ الروايات كما عرفت صريحة في كون التلبية سبباً للإحرام وما لم يلب لم يتحقق منه الإحرام ، وليس بإزاء هذه الروايات الكثيرة الواضحة دلالة ما يوجب رفع اليد عنها ، فالقول بأنّ الإحرام غير التلبية ، وأنه هو البناء والعزم على الترك وتوطين النفس على ذلك كما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) ، بحيث لو كان بانياً على ارتكاب بعض المحرّمات لبطل حجّه وإحرامه ، ممّا لا وجه له أصلا.
نعم ، في البين خبران يظهر منهما أن الإحرام يتحقّق قبل التلبية ، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن ظهورهما بحملهما على العزم على الإحرام أو إتيان مقدّمات الإحرام والتهيؤ له ، لصراحة الروايات المتقدّمة على خلافهما.
.................................................................................................
أحدهما : مرسل النضر عن بعض أصحابه ، قال : «كتبت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) : رجل دخل مسجد الشجرة فصلّى وأحرم وخرج من المسجد فبدا له قبل أن يلبي أن ينقض ذلك بمواقعة النساء ، إله ذلك؟ فكتب : نعم أو لا بأس به» (1)فإنّه دال على تحقّق الإحرام قبل التلبية ، والجواب ما عرفت مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال.
ثانيهما : صحيح معاوية بن عمّار قال (عليه السلام) : «صلّ المكتوبة ثمّ أحرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أو ماشياً فلبّ» (2)فإنه أيضاً يدل على وقوع الإحرام قبل التلبية ، إلّا أنه لا بدّ من حمله على المقدّمات مثل التجرّد من المخيط ولبس الثوبين ، لما عرفت من صراحة تلك الروايات في حصول الإحرام بالتلبية. وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في كون الروايات صريحة في أنّ التلبية سبب وموجب للإحرام وقبلها لا يتحقق الإحرام.
وإن شئت قلت : إنّ المستفاد من الروايات المعتبرة الكثيرة أن التلبية سبب للإحرام وبها يدخل في الإحرام وقبلها لا يكون محرماً ، ولكن ليس مرادنا من ذلك أن الإحرام يصدق على التلبية أو التلبية صادقة على الإحرام ، بل التلبية تلبية الإحرام لا أنها بنفسها إحرام ، نظير تكبيرة الإحرام فإن المكلف بسبب التكبيرة إذا قصد بها الصلاة يدخل في الصلاة ، وكذلك بالتلبية بقصد الحج يدخل في الإحرام وفي أوّل جزء من الحج ، بل مرادنا أن الإحرام معناه إدخال نفسه في حرمة اللّه ، غاية الأمر إنما يدخل في حرمة اللّه بسبب التلبية ، فما لم يلب لم يدخل في الإحرام وفي حرمة اللّه ، كما إذا لم يكبر لم يدخل في الصلاة وإذا كبر حرم عليه منافيات الصلاة ، وفي المقام تحرم عليه الأُمور المعهودة إذا لبّى ، ولا يتحلّل من ذلك إلّا بالتقصير في العمرة والسعي في الحج.
.................................................................................................
وبعبارة اخرى : ما استفدناه من الروايات أن الإحرام شيء مترتب على التلبية لا أنه نفس التلبية ، ولذا يعبر عنها بتلبية الإحرام ، ولا يدخل في هذه الحرمة الإلهيّة إلّا بالتلبية.
وتؤكد ذلك : الروايات الكثيرة الدالّة على أن المحرم يحرم عليه كذا أو يجب عليه كذا ، فإن المستفاد منها أن هذه الأحكام مترتبة على من دخل في حرمة اللّه وموضوع هذه الأحكام هو الداخل في حرمة اللّه وليس موضوعها الملبي ، فقوله : المحرم يحرم عليه كذا ، ليس المراد به من لبى يحرم عليه كذا ، بل يظهر من الروايات أن الإحرام أمر إذا دخل فيه المكلف وتحقق منه يحرم عليه هذه الأُمور ، غاية الأمر سبب الإحرام هو التلبية ، والإحرام أو الدخول في حرمة اللّه مسبب عن التلبية فلا بدّ أن نقول بأن الإحرام أمر اعتباري يترتب عليه هذه الأُمور بسبب التلبية ، ولا يعقل أخذ هذه المنهيات والمحرمات في معنى الإحرام وإلّا للزم الدور وأخذ الحكم في موضوعه وهو أمر غير معقول ، إذ لا يعقل أن نقول إن المحرم الذي حكم عليه بحرمة الصيد يحرم عليه الصيد ، فحال الحج بعينه حال الصلاة في كون التكبيرة أوّل جزء من أجزائها وبها يدخل في الصلاة ، وكذلك التلبية فإنها أوّل جزء من أجزاء الحج وبها يدخل في تلك الحرمة الإلهيّة ، كما في النص الدال على أن الذي يوجب الإحرام ثلاثة : التلبية ، الاشعار ، والتقليد (1).
وإذن فترتب الإحرام على التلبية قهري لا قصدي ، بمعنى أنه إذا لبى بقصد الحج يتحقق الإحرام منه قهراً ولا يتحلل منه إلّا بالتقصير أو السعي ، فتدبّر جيدا.
ثمّ إنه بعد ما عرفت حقيقة الإحرام يقع الكلام في واجباته وهي ثلاثة :
الأوّل : النيّة بمعنى القصد إليه ، فلو أحرم من غير قصد لم يكن آتياً بالإحرام ، لأنّ العمل الصادر من دون قصد كالعمل الصادر سهواً أو غفلة لا يكون اختيارياً له فلا بدّ من القصد إليه ليكون صدوره منه عن اختيار.
1) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحج ب 12 ح 20 ، وتقدّم في ص 377.
[3230] مسألة 1 : يعتبر فيها القربة والخلوص كما في سائر العبادات فمع فقدهما أو أحدهما يبطل إحرامه (1)
وقد يشكل بأنّ الإحرام إذا كان عبارة عن الالتزام والبناء على الترك فلا معنى لجعل النيّة من واجباته ، إذ لا يعقل صدوره من غير نيّة ، لأنّ الالتزام أو البناء أمر قصدي لا يتحقّق بغير القصد إلّا على وجه بعيد ، كما إذا كان بانياً على ترك المنهيات من غير قصد الحج ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأن الإحرام عبارة عن التلبية فإنّه يمكن جعل النيّة من واجباته ، لإمكان صدور التلبية عن قصد وعن غير قصد ، كما إذا أتى بالتلبية لتعليم الغير أو لتعليم نفسه ويكررها حتى يتعلم.
ولزيادة الإيضاح نقول : إن حال التلبية حال بقيّة الأعمال والأفعال الخارجية التي يمكن اقترانها بالنيّة كما يمكن صدورها من غير نيّة ، وأمّا توطين النفس على الترك والالتزام به فلا يمكن تحققه من غير قصد ونيّة أصلاً حتى نجعل النيّة من واجباته.
وكيف كان ، لا ينبغي الريب في اعتبار النيّة في الإحرام بالمعنى الذي ذكرناه ، ولكن اعتبارها فيه ليس أمراً زائداً على قصد الحج ، بل يكفي في تحقّقه نيّة الحج والقصد إليه ، فلا حاجة إلى قصد الإحرام بعنوانه على سبيل الاستقلال ، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأدعية المستحبة «لبيك بحجة أو عمرة لبيك ، لبيك هذه عمرة متعة إلى الحج لبيك لبيك» (1).
(1) لا ينبغي الريب في اعتبار القربة والخلوص في النيّة ، لأنّ الإحرام من العبادات ، ولا يتصف العمل بالعبادة إلّا بالخلوص ونفي التشريك وجعل الأمر الإلهي محركاً وداعياً كما في سائر العبادات.
1) المستدرك 9 : 179 / أبواب الإحرام ب 27.
[3231] مسألة 2 : يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه ، فلا يكفي حصولها في الأثناء ، فلو تركها وجب تجديده (1) ، ولا وجه لما قيل من أن الإحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النيّة ، والقدر المسلّم من الإجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة ولو قبل التحلل ، إذ نمنع أوّلاً كونه تروكاً فإن التلبية ولبس الثوبين من الأفعال (1)، وثانياً اعتبارها فيه على حدّ اعتبارها في سائر العبادات في كون اللّازم تحقّقها حين الشروع فيها.
(1) فالجزء الأوّل لا بدّ أن يكون مقارناً للنيّة إلى آخر العمل بحيث يكون الإحرام بتمام أجزائه صادراً عن النيّة والقصد والقربة ، فلو حصل ذلك في الأثناء لا يجزئ ولا يحكم بصحّة إحرامه ، كما هو الحال في سائر العبادات.
أقول : لو بنينا بأن الإحرام هو الالتزام النفساني وعقد القلب فهو أمر بسيط نفساني إمّا موجود أو معدوم ، وليس له أوّل أو أثناء ، فلا يتصوّر حصول النيّة في الأثناء ، وأمّا إذا قلنا بأن الإحرام هو التلبية فلا ريب في اعتبار اقتران جميع أجزاء التلبية بالنيّة والخلوص ، فلو سبق لسانه بأوّل جزء من التلبيات الأربع وأتى بالبقيّة مع النيّة والخلوص لا يجزئ عما وجب عليه من التلبيات.
ثمّ إنّه نسب إلى بعضهم الاكتفاء بحصول النيّة في الأثناء ، وعلله في المتن بأنّ الإحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النيّة ، والقدر المسلم من الإجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة ولو قبل التحلل من الإحرام بلحظة ، إذ لا دليل على أزيد من ذلك.
ولا يخفى أن هذا القول لو كان مبنياً على أن الإحرام نفس التروك فلا مانع حينئذٍ من الاكتفاء بحصول النيّة في الجملة ولو في آخره قبل التحلل ، وهذا واضح الفساد لأنّ هذه المنهيات والتروك أحكام مترتبة على الإحرام ، وموضوعها المحرم ، فلا معنى لأخذ الحكم في موضوعه ، بل قد عرفت أن الإحرام أمره دائر بين التلبية والالتزام
1) (*) بل الظاهر عدم كون لبس الثوبين جزءاً من الإحرام ، بل الإحرام يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد.
[3232] مسألة 3 : يعتبر في النيّة تعيين كون الإحرام لحج أو عمرة ، وأن الحج تمتّع أو قران أو إفراد ، وأنه لنفسه أو نيابة عن غيره ، وأنه حجّة الإسلام أو الحج النذري أو الندبي (1) فلو نوى الإحرام من غير تعيين وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل ، فما عن بعضهم من صحّته وأن له صرفه إلى أيّهما شاء من حج أو عمرة لا وجه له ، إذ الظاهر أنه جزء من النسك فتجب نيّته كما في أجزاء سائر العبادات ، وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة ، نعم الأقوى كفاية التعيين الإجمالي حتى بأن ينوي الإحرام لما سيعينه (1)من حج أو عمرة فإنه نوع تعيين ، وفرق بينه وبين ما لو نوى مردداً مع إيكال التعيين إلى ما بعد.
وتوطين النفس ، وأمّا هذه التروك فموضوعها المحرم لا أنها هي الإحرام ، ولذا لا يضر الالتزام بإتيان هذه الأُمور بالإحرام إلّا الجماع والاستمناء على ما سيأتي في محلّه.
ثمّ إنه يظهر من المصنف هنا أن لبس الثوبين من الإحرام ، وذلك ينافي ما سيأتي منه (قدس سره) أن لبس الثوبين ليس شرطاً في تحقق الإحرام وإنما هو واجب تعبّدي ، والصحيح ما ذكره هناك.
(1) لأنّ أوامره تعالى متعدِّدة وإذا لم يقصد أمراً معيّناً لا يقع شيء منها ، فإنّ امتثال كل أمر يتوقف على التعيين ، ولا يتعيّن إلّا بالقصد ولا يكفي التعين البعدي.
ونسب إلى العلّامة كفاية ذلك وأنّ الإحرام مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة في عدم لزوم تعيين الغاية وعدم قصد الخصوصية لغاية معيّنة (2)، ولكن الفرق واضح ، لأنّ الوضوء أو الغسل عبادة مستقلة وراجح في نفسه ، لأنه طهور وإن لم يقصد غاية من الغايات ، كما هو المستفاد من قوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (3)وأمّا التلبية فهي استجابة لأمر اللّه تعالى بالحج أو العمرة وهي
[3233] مسألة 4 : لا يعتبر فيها نيّة الوجه من وجوب أو ندب (1) إلّا إذا توقف التعيين عليها ، وكذا لا يعتبر فيها التلفظ بل ولا الإخطار بالبال فيكفي الداعي.
جزء من أجزاء الحج أو العمرة لا أنها مقدّمة مستقلّة ومستحبّة بنفسها ، فلو أتى بها لا بقصد الخصوصية فليست بمأمورة بها ، لأنّ المأمور به إنما هو التلبية الخاصّة التي يقصد بها الحج أو العمرة ويؤتى بها بعنوان الجزئية لأحدهما ، فما أتى به بعنوان الجزئية فهو مأمور به فلا بدّ أن يكون مقصوداً بخصوصه من الأوّل ، نظير القصد إلى البسملة بالنسبة إلى سورة خاصّة.
نعم ، يكفي التعيين الإجمالي كما لو قصد امتثال الفرد الذي يعينه فيما بعد ، لأنّ ذلك الفرد معلوم عند اللّه واقعاً وهو لا يدري ، فيقصد المتعيّن الواقعي وإن كان لا يعرفه بالفعل ، فإن المنوي يكون متعيّناً في علم اللّه وهو يشير إليه في مقام النيّة ، فإن القصد إلى الشيء يقع على قسمين :
أحدهما : أن يقصد الطبيعة المطلقة من دون نظر إلى التعيين أصلاً وإنما يتعين فيما بعد.
ثانيهما : أن يقصد المتعيّن واقعاً وإن كان لا يدري به فعلاً ، كما إذا فرضنا أنه عيّنه وكتبه في قرطاس ثمّ نسي ما عيّنه وكتبه ولم يعثر على القرطاس ثمّ ينوي الإحرام على النحو الذي كتبه ، نظير ما إذا قرأ البسملة للسورة التي بعد هذه الصفحة وهو لا يعلم السورة بالفعل عند قراءة البسملة ، فإنّ السورة متعيّنة واقعاً وإن كان هو لا يدري بالفعل عند قراءة البسملة.
(1) لأنه لا يعتبر في الواجب العبادي إلّا إتيان المأمور به متقرّباً به إلى اللّه تعالى وخالصاً لوجهه الكريم ، وأمّا قصد الوجه فلا دليل على اعتباره ، نعم إذا توقف التعيين عليه لزم ، لا لاعتبار نيّة الوجه بنفسها بل لأجل اعتبار التعيين ، كما إذا كان في الخارج أمران أحدهما ندبي والآخر وجوبي ويريد أن يمتثل أحدهما ، فحينئذٍ يجب
[3234] مسألة 5 : لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته ، بل المعتبر العزم (1)على تركها مستمرّاً فلو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك بطل ، وأمّا لو عزم على ذلك ولم يستمر عزمه بأن نوى بعد تحقق الإحرام عدمه أو إتيان شيء منها لم يبطل ، فلا يعتبر فيه استدامة النيّة كما في الصوم ، والفرق أن التروك في الصوم معتبرة في صحّته بخلاف الإحرام فإنها فيه واجبات تكليفية (1).
عليه قصد الوجه من جهة توقف التعيين عليه.
كما لا يلزم الاخطار بالبال ، بل يكفي الإتيان بالعمل بحيث يكون أمر اللّه داعياً إليه وصحّ انتسابه إليه تعالى ، ولا دليل على أزيد من ذلك ، وكذلك لا يعتبر التلفظ بالنيّة وما ورد من التلفظ بها محمول على الاستحباب كما سيأتي في المسألة الثانية عشرة.
(1) لا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار استمرار العزم على ترك المحرمات في الإحرام بعد الفراغ عن أن الإحرام ليس هو الالتزام وتوطين النفس على ترك المنهيات ، خلافاً للصوم فإن المعتبر فيه استدامة النيّة والبناء والعزم على ترك المفطرات في مجموع النهار ، ففي كل جزء من أجزاء النهار مأمور بالإمساك ، فلا بدّ أن يكون كل جزء من أجزاء الزمان مقترناً بالنيّة ، فلو أفطر في بعض الأزمنة أو نوى القطع أو القاطع كان منافياً للأمر على كلام تقدّم في كتاب الصوم (2)في نيّة القطع أو القاطع ولكن لا دليل على ذلك في باب الإحرام ، لأنه كما عرفت بما لا مزيد عليه عبارة عن التلبية الموجبة للإحرام والدخول في الحرمة ، أو عمّا يترتّب على التلبية ، فالإحرام اسم للسبب أو للمسبب ، فهو من قبيل الأفعال التوليدية المترتبة على عناوين خاصّة كالطّهارة المترتبة على الوضوء أو الغسل ، ولذا قد يؤمر بالطّهارة مرّة وبالغسل
.................................................................................................
والوضوء اخرى ، فيؤمر بالمتولد تارة وبالمتولد منه أُخرى أي بالسبب وبالمسبب كما في قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)وقال تعالى أيضاً ( وَلا جُنُباً إِلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (2)وهكذا المقام فقد أُمر بالتلبية تارة وبالإحرام اخرى فهما في الحقيقة شيء واحد وليسا وجودين منحازين وتكليفين ، بل أحدهما متولد من الآخر ، والأمر بأحدهما أمر بالآخر ، هذا ما استفدناه من الروايات ، فإذا كان الإحرام عبارة عن التلبية أو عن المسبب منها فالعزم على ترك المحرمات خارج عن حقيقة الإحرام ، وإنما هي أحكام مترتبة على الإحرام لا أنها نفس الإحرام ، فلا يضر ارتكابها في الخارج في عقد الإحرام فضلاً عن العزم عليها ، فإذا لم يكن نفس ارتكاب الفعل المحرم مضراً فكيف بالعزم عليه.
إنما الإشكال فيما ذكره المصنف (قدس سره) من أن المعتبر العزم على تركها مستمرّاً ، يعني لا بدّ أن يكون عازماً على التروك في أوّل إحرامه ، فلو لم يعزم من الأوّل بطل إحرامه.
وأنت بعد ما أحطت خبراً على ما ذكرنا تعرف أنه لا دليل على اعتبار ذلك أيضاً لأنّ الإحرام إنما هو عبارة عن التلبية الموجبة للدخول في الحرمة أو عمّا يترتّب على التلبية ، فلا يضر عدم العزم من الأوّل على استمرار الترك ، فإنّ هذه التروك أحكام شرعيّة مترتبة على الإحرام وليست دخيلة في حقيقته ، كما صرّح المصنف (قدس سره) بذلك في لبس الثوبين ، وذكر أنه ليس دخيلاً في حقيقة الإحرام وإنما هو واجب تعبدي ، ولذا يصح إحرامه إذا أحرم في المخيط ، فإن القدر الثابت في الإحرام أن يكون إحرامه صادراً على وجه القربة ، والمفروض أنه حاصل ، والعزم على إتيان المحرمات لا يضر بإحرامه لخروج العزم على الترك عن حقيقة الإحرام.
نعم ، لو كان ارتكاب بعض هذه الأُمور موجباً لبطلان الإحرام كالجماع والاستمناء وكان عازماً على ارتكابه من الأوّل بطل إحرامه ، لا لأجل أن الإحرام
.................................................................................................
هو العزم على ترك المحرمات ، بل لأنه لم يقصد الحج والإحرام الصحيح ، فإن كان المنوي منافياً للحج فالعزم عليه يلازم عدم القصد إلى الحج بخلاف سائر التروك فإن العزم عليها لا يلازم بطلان الحج.
وبتعبير آخر : أن بقيّة المحرمات محرمات تكليفية ، وأمّا الجماع والاستمناء فيجتمع فيهما الحكمان التكليفي وهو الحرمة والوضعي وهو البطلان ، ولعل ذلك يتفق لكثير من الحجاج ، فإنه حين الإحرام قد يعزم على بعض التروك كالاستظلال أو لبس المخيط ونحوهما ومع ذلك يحكم بصحّة إحرامه وحجّه.
سبق لنا أن ذكرنا (1)في فصل مقدّمات الإحرام استحباب إعادة الإحرام لمن أحرم من غير غسل ، وذكرنا أنه لا مانع من صحّة الإحرامين ، غاية الأمر الإحرام الأوّل واجب والثاني مندوب ، ولكنّنا بعد إعادة النظر في هذا الموضوع نقول بأنّ الإحرام الأوّل هو الواجب والثاني صوري لا حقيقي ، وذلك لأنا استفدنا كما تقدّم من النصوص أن الإحرام أمر بسيط مسبب عن التلبية والتلبية موجبة للإحرام وسبب له ، فلا يمكن الحكم بصحّة الإحرامين ، ولا يصح إطلاق الإعادة على الثاني لعدم إمكان الدخول في الحرمة الإلهيّة مرّتين ، فإن الدخول ثانياً متوقف على الخروج ومن كان داخلاً في شيء لا يدخل فيه ثانياً ، فإذا كان محرماً وداخلاً في الحرمة فلا معنى لإحرامه ودخوله في الحرمة مرّة أُخرى ، فإن الإحرام الحقيقي المسبب عن التلبية غير قابل للإعادة ، فلا بدّ إما من الحكم ببطلان الإحرام الأوّل أو أن الإعادة صورية لا حقيقية ، فحينئذٍ يقع الكلام في بيان المراد من صحيح الحسن بن سعيد الآمر بإعادة الإحرام إذا أحرم من غير غسل فنقول :
إن قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سعيد (2)«يعيده» إمّا يحمل على ظاهره من
.................................................................................................
إرشاده إلى فساد الإحرام الأوّل وبطلان العمل السابق ، كما هو الظاهر منه في سائر موارد استعمالاته من الأعمال المركبة ، كقولنا إذا تكلّم في صلاته مثلاً : يعيد صلاته فإنّ ذلك إرشاد إلى بطلان الصلاة بالتكلم ، ولكن هذا المعنى غير قابل في المقام ، لما عرفت من أن الإحرام أمر بسيط وعبارة عن الدخول في الحرمة الإلهيّة وذلك لا يتصف بالصحّة والفساد ، بل يدور أمره بين الوجود والعدم كسائر الأُمور البسيطة مثل الزوجية والملكية ، وإنما يتصف بالصحّة والفساد أسبابها كالبيع وعقد النكاح وإلّا فنفس الزوجية أو الملكية إما موجودة أو معدومة ، وهكذا الإحرام إما متحقق في الخارج أو لا ، فليس للإحرام فرد صحيح وفرد فاسد ، فالارشاد إلى الفساد لا معنى له ، وأمّا الإرشاد إلى عدم التحقق وإن كان أمراً قابلاً ولكن لا يعبر عنه بالإعادة ، لأنّ الإعادة وجود ثان بعد الوجود الأوّل ، فإذا كان الإحرام الأوّل غير متحقق في الواقع فلا بدّ أن يقول يحرم بدل يعيد ، فالتعبير بالإعادة في مورد عدم التحقق وعدم الثبوت غير صحيح لعدم صدق الإعادة على ذلك.
وأمّا إرادة الوجوب التكليفي من قوله (عليه السلام) «يعيد» بمعنى وجوب الإتيان بالإحرام مرّة أُخرى ، فإن قلنا باشتراط الإحرام بالغسل يمكن القول بوجوب الإعادة ، ولكن التعبير بالإعادة أيضاً غير صحيح ، لأنه بناءً على اشتراط الإحرام بالغسل يكون الإحرام الأوّل باطلاً وكأنه لم يتحقق من الأوّل لفقد الشرط ، فيجب عليه الإحرام ثانياً فلا يصح أن يعبر عنه الإعادة ، لأنّ الإعادة وجود ثاني للطبيعي والمفروض عدم تحقّق الوجود الأوّل ، وإن قلنا بأن الغسل ليس بشرط للإحرام فلا تجب الإعادة ، إذ لا نحتمل وجوب الإحرام ثانياً لتدارك الغسل الذي ليس بشرط في الإحرام ، فلا بدّ من إرادة صورة الإحرام بأن يأتي بالتلبية بعد الغسل ، وهذا أمر ممكن لا مناص من الالتزام به وإن كان على خلاف ظاهر النص ، ولكن لا مانع من ارتكابه بعد ما عرفت من أن الإحرام أمر بسيط غير قابل للتكرار والإعادة ولا يمكن رفع اليد عنه إلّا بالتحلّل الشرعي.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر أنه لا معنى لاستحباب إعادة الإحرام ، لأنّ الإعادة معناها رفع اليد عن الوجود الأوّل ، والإحرام على ما فسرناه غير قابل لرفع اليد
[3235] مسألة 6 : لو نسي ما عيّنه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد (1)سواء تعيّن عليه أحدهما أو لا ، وقيل : إنه للمتعين منهما ومع عدم التعيين يكون لما يصح منهما ومع صحّتهما كما في أشهر الحج الأولى جعله للعمرة المتمتع بها وهو مشكل إذ لا وجه له (1).
عنه ، إذ لو ارتفع كلّاً وجب الإحرام من جديد ولا يكون مستحباً ، وإن لم يرتفع الأوّل فالوجود الثاني له المعبر عنه بالإعادة غير ممكن ، فالصحيح ما ذكره المصنف من أنه لو أحرم بغير غسل أتى بالغسل وأعاد صورة الإحرام.
(1) أمّا التجديد الذي ذهب إليه المصنف فلا وجه له إلّا إذا حكم ببطلان الإحرام الأوّل ، ولا موجب للبطلان بعد وقوعه صحيحاً ، فكيف يجدد الإحرام مع أنه محرم بالفعل ، غاية الأمر لا يدري أنه للعمرة أو للحج ، فبأي شيء يتحلل من إحرامه حتى يجدِّده.
1) (*) بل الظاهر هو التفصيل بأن يقال : إذا كان أحدهما صحيحاً والآخر غير صحيح كما إذا كان في غير أشهر الحج وشك في أن إحرامه كان للحج أو للعمرة المفردة فإن كان شكّه بعد الدخول في الغير كالطّواف كما إذا أتى به بعنوان العمرة فشك في صحّة إحرامه جرت فيه قاعدة التجاوز وحكم بصحّته عمرة ، وإن كان شكّه قبل التجاوز لم تجر قاعدة التجاوز ولا قاعدة الصحّة بل يجري استصحاب عدم الإحرام لما هو الصحيح فله رفع اليد وله تجديد الإحرام للصحيح ، وأمّا إذا كان كل منهما صحيحاً كما إذا أحرم في شهر شوال فشك فلا موجب للحكم بوجوب تجديد الإحرام وبطلان الإحرام الأوّل مع العلم بوقوعه صحيحاً ووجوب إتمامه وهو متمكن من ذلك بيان ذلك : أن شكّه إذا كان في أن إحرامه كان لعمرة التمتّع أو للعمرة المفردة فيجب عليه الاحتياط بالإتيان بطواف النّساء وعدم الخروج من مكّة إلى زمان الحج للعلم الإجمالي فإذا بقي إلى الحج وأتى بأعماله أحرز فراغ ذمّته من حج التمتّع لو كان واجباً عليه وإن كان إحرامه للعمرة المفردة واقعاً لأنها تنقلب إلى عمرة التمتّع حينئذ وأمّا إذا كان شكّه في أن إحرامه كان للحج أو للعمرة المفردة فطريق الاحتياط ظاهر ، وأمّا إذا دار أمر الإحرام بين أن يكون للحج أو لعمرة التمتّع فيدور الأمر حينئذ بالنسبة إلى التقصير قبل الحج بين الوجوب والتحريم فلا محالة يكون الحكم هو التخيير وإذا جاز التقصير وجب لإحراز الامتثال بالنسبة إلى وجوب إتمام إحرامه.
.................................................................................................
ودعوى أنه لا يتمكن من الامتثال لتردد الإحرام بين أمرين لا يتمكن من امتثالهما معاً ، مدفوعة بعدم كونه عاجزاً من الامتثال بل متمكن منه قطعاً أو احتمالاً ، وعلى كل حال لا وجه للتجديد ، لأنّ التجديد في مورد بطلان الإحرام الأوّل ولا موجب له.
وتفصيل المقام أن الترديد قد يكون بين الباطل والصحيح وقد يكون بين الصحيحين.
أمّا الأوّل : كما إذا أحرم في غير أشهر الحج ثمّ شك في أن إحرامه كان للعمرة المفردة ليكون إحرامه صحيحاً أو للحج فيكون فاسدا.
وربّما يقال بعدم كون هذا المورد من موارد دوران الأمر بين الصحيح والفاسد ، بل يحكم في مثله بالصحّة عملاً بأصالة الصحّة ، لأنّ كل عمل يشك في صحّته وفساده يبنى على الصحّة.
وفيه : ما ذكرناه غير مرّة أنّ أصالة الصحّة الجارية في العبادات والمعاملات لم تثبت بدليل لفظي ليتمسك بإطلاقه ، وإنّما دليلها السيرة القطعية مع بعض الروايات الخاصّة الواردة في موارد مخصوصة المعبر عنها بقاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز وبأصالة الصحّة أحياناً ، والقدر المتيقن من السيرة جريان أصالة الصحّة في مورد يكون عنوان العمل محفوظاً ومعلوماً ولكن يشك في بعض الخصوصيات من الأجزاء والشرائط ، وأمّا إذا كان أصل العنوان مشكوكاً فيه ولا يعلم تحقق العنوان في الخارج فلا تجري أصالة الصحّة ، فلو صدر منه البيع مثلاً وشكّ في صحّته وفساده يحمل على الصحّة ، وأمّا إذا شكّ في أصل البيع وأنه هل صدر منه البيع أو القمار لا نحكم بأنه باع استناداً إلى أصالة الصحّة ، بل أصالة عدم صدور البيع منه محكّمة ، وهكذا في العبادات فلو صلّى وشكّ في أنه كبر أو ركع يحكم بالصحّة ، وأمّا لو شكّ في أنه صلّى أو قرأ القرآن فلا يحكم بصدور الصلاة منه ، ومقامنا من هذا القبيل لأنّ عنوان العمل غير محفوظ ، لترديده بين العمل الصحيح وهو العمرة المفردة وبين العمل الباطل وهو الحج في غير أشهر الحج.
.................................................................................................
والحاصل : لو كانت صورة العمل غير محفوظة فلا مجال لجريان أصالة الصحّة وإذا كانت صورة العمل محفوظة ولكن يشك في بعض الأجزاء والشرائط فلا مانع من أصالة الصحّة ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في نظير المقام في أوّل مسألة من مسائل ختام كتاب الصلاة (1)، وهي ما لو شكّ أن ما بيده ظهرٌ أو عصر.
ثمّ إنه إذا كانت صورة العمل محفوظة ، كما إذا رأى نفسه في العمرة ولكن يشك في الإحرام الصادر منه وأنه كان للحج أو للعمرة المفردة ، فإن كان شكّه بعد الدخول في الغير كالطواف إذا أتى به بعنوان العمرة جرت قاعدة التجاوز وحكم بصحّة إحرامه عمرة ، نظير ما لو شكّ في حال الطواف في أصل صدور الإحرام منه في أوّل الأعمال ، وإن كان شكّه قبل الدخول في الأعمال وقبل التجاوز لم تجر قاعدة التجاوز ولا قاعدة الصحّة ، بل مقتضى الأصل عدم صدور الإحرام الصحيح منه وعليه تجديد الإحرام الصحيح.
وأمّا الثاني : وهو ما إذا دار الإحرام بين الصحيحين كما إذا أحرم في أشهر الحج وشكّ في أنه أحرم للعمرة المفردة أو عمرة التمتّع ، فقد قيل : إنه إذا كان أحدهما متعيّناً تنصرف نيّته إلى المتعيّن الواقعي.
وفيه : أنه لا أساس لدعوى الانصراف ، لأنّ العمل قصدي يحتاج إلى النيّة ، ومجرّد التعيين الواقعي لا يوجب كونه منوياً ومما تعلق به القصد إلّا إذا كان ارتكازه على إتيان هذا الفرد بخصوصه ، كما إذا كان أحدهما واجباً والآخر مندوباً وارتكازه على إتيان ما هو الواجب عليه ، فحينئذ لا مانع من الانصراف إلى ما هو المرتكز ، وقد لا يكون كذلك كما إذا فرضنا أنه لم يكن عالماً بما تعيّن عليه أو كان عالماً به وغفل عنه بالمرّة.
وأمّا تجديد الإحرام الذي اختاره المصنف فلا وجه له ، لأنّ المفروض أن إحرامه الأوّل وقع صحيحاً ويجب عليه إتمامه فلا موجب لبطلانه.
1) ذيل المسألة [2134].
.................................................................................................
فالصحيح أن يقال : إنه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين أعمال العمرة المفردة وأعمال عمرة التمتّع إذا كان شكّه في أن إحرامه لعمرة التمتّع أو للعمرة المفردة ، وحينئذ يجب عليه الإتيان بطواف النّساء وعدم الخروج من مكّة إلى زمان الحج ، للعلم الإجمالي بحرمة الخروج عليه من مكّة إذا كان إحرامه لعمرة التمتّع وبوجوب طواف النّساء عليه إذا كان إحرامه للعمرة المفردة ، وحيث إنه يتمكن من الامتثال والجمع بين الأمرين يجب عليه ذلك لتنجز العلم الإجمالي.
نعم ، يكفي إتيان طواف النّساء مرّة واحدة بعد أعمال الحج بقصد ما في الذمّة ، فإن كانت عمرته عمرة التمتّع فليس فيها طواف النّساء وإنما يجب عليه الحج وقد أتى به وإن كان إحرامه للعمرة المفردة فقد وجب عليه طواف النّساء ، والمفروض أنه أتى به ولو بعد أعمال الحج والمناسك ، ولا يضر الفصل لعدم وجوب المبادرة إلى طواف النّساء بعد أعمال العمرة المفردة ، هذا كلّه فيما إذا دار أمر الإحرام بين كونه للعمرة المفردة أو لعمرة التمتّع.
وأمّا إذا دار أمر الإحرام بين العمرة المفردة وحج الإفراد فطريق الاحتياط أن يأتي بأعمال الحج أوّلاً ويذهب إلى الموقفين ويرمي يوم العيد ولا يقصر ، لاحتمال أن إحرامه للعمرة المفردة فلا يجوز له التقصير قبل إتيان أعمالها ، فيرجع إلى مكّة فيأتي بالطواف والسعي بالنيّة المرددة بين الحج والعمرة المفردة ثمّ يرجع إلى منى فيقصر أو يحلق ، فإن كان إحرامه للعمرة المفردة فقد أتى بأعمالها من الطواف والسعي والتقصير ، ولا يضر الفصل بين الطواف والسعي وبين التقصير ، وإن كان إحرامه للحج فقد أتى بأعماله أيضاً ، نعم يلزم عليه أن يأتي بعمرة مفردة متى شاء ، لاحتمال أن إحرامه كان للحج الأفرادي ولا بدّ من إتيان العمرة المفردة له (1).
1) وله طريق آخر للاحتياط ، وهو أن يأتي بأعمال العمرة المفردة من الطواف والسعي رجاءً ولا يقصر ، لاحتمال أن إحرامه للحج ، فيذهب إلى الموقفين فيأتي بأعمال الحج ويقصر أو يحلق في منى بقصد ما في الذمّة من العمرة المفردة أو الحج ويرجع إلى مكّة ويأتي بالطواف والسعي رجاءً فيتم أعمال الحج ويأتي بطواف النّساء.
.................................................................................................
وأمّا إذا كان شكّه في أن إحرامه كان لحج الإفراد أو لعمرة التمتّع فيدور الأمر حينئذ بالنسبة إلى التقصير قبل الحج بين الوجوب والتحريم ، إذ لو كان إحرامه لعمرة التمتّع يجب عليه التقصير قبل الحج ليحل حتى يحرم ثانياً للحج ، وإن كان إحرامه لحج الإفراد يحرم عليه التقصير بل يجب عليه الذهاب إلى الموقفين لأداء أعمال الحج ويقصر أو يحلق في منى ، فالاحتياط غير ممكن فتصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي ، ونتيجة ذلك هو الاقتصار على أحد العملين والتخيير بينهما ، فله أن يخرج من الإحرام باختيار عمرة التمتّع ويقصر ثمّ يذهب إلى الحج ويأتي بأعمال حج التمتّع رجاءً ، وبعد الفراغ من ذلك كلّه يخرج من الإحرام جزماً ، فإن الواجب عليه لو كان عمرة التمتّع فقد أتى بمناسكها وخرج من الإحرام ، وإن كان الواجب عليه حج الإفراد واقعاً فقد جاء بأعمال الحج ، ولم يصدر منه سوى مخالفة الحكم التكليفي احتمالاً وهو التقصير الواقع قبل أداء الحج ، ولا يوجب ذلك شيئاً إلّا الكفّارة. كما أن له أن يختار الحج أوّلاً ، فالواجب عليه الوقوفان ولا يجوز له التقصير ، فحينئذ يحتمل الامتثال كما يحتمل المخالفة للواقع أيضاً لأجل تركه الطواف والسعي والتقصير قبل الحج.
وكيف كان ، في مورد التقصير يدور أمره بين المحذورين فلا محالة يكون الحكم هو التخيير.
هذا ما يقتضيه الحال في بادئ النظر ، ولكن مقتضى التأمل وجوب التقصير ، لأنّ التقصير إذا جاز بحكم التخيير وجب لوجوب إتمام العمرة والحج ، فإذا جاز له التقصير يتمكن من الإتمام ، فإذا تمكن منه وجب لقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1)وقد ذكرنا نظير ذلك في كتاب التيمّم (2)في مسألة ما لو كان عنده ماء وتراب وعلم بغصبية أحدهما ، فقد ذكر الماتن أنه من فاقد الطّهورين ولا يجوز له الوضوء ولا التيمم ، ولكن قلنا هناك بوجوب الوضوء عليه حينئذٍ لأنّه من دوران الأمر بين المحذورين في كل من التيمم والوضوء ويحكم بالتخيير وبجواز ارتكاب أحد الطرفين
[3236] مسألة 7 : لا تكفي نيّة واحدة للحج والعمرة بل لا بدّ لكل منهما من نيّته مستقلا ، إذ كل منهما يحتاج إلى إحرام مستقل (1) فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها ، والقول بصرفه إلى المتعيّن منهما إذا تعيّن عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعيّن وصحّ منه كل منهما كما في أشهر الحج لا وجه له ، كالقول بأنه لو كان في أشهر الحج بطل ولزم التجديد وإن كان في غيرها صحّ عمرة مفردة.
فإذا جاز الوضوء وجب لأنه واجد للماء فلم ينتقل الأمر إلى التيمم.
(1) لأنّ كلّا منهما عمل مستقل يحتاج إلى نيّة مستقلّة.
ثمّ نقل المصنف قولين آخرين :
أحدهما : أنّ النيّة تنصرف إلى المتعيّن منهما إذا تعيّن عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعيّن وصحّ منه كل منهما ، كما إذا كان إحرامه في أشهر الحج ، وهذا القول نسبه في المدارك (1)إلى الشيخ في الخلاف (2).
ثانيهما : ما اختاره المحقق في الشرائع (3)بأنه لو كان إحرامه في أشهر الحج بطل ولزم تجديد النيّة ، وإن كان في غيرها تعيّن للعمرة المفردة.
والتحقيق أن يقال : إنه قد يقصد بإحرامه مجموع العملين وهذا مما لا ينبغي الريب في بطلانه ، سواء كان هناك متعيّن أم لا؟ وسواء كان إحرامه في أشهر الحج أم في غيرها ، وذلك لأنّ مجموع العملين لم يشرع له الإحرام وإنما شرع الإحرام لكل واحد منهما ، فما قصده لم يشرع له الإحرام وما شرع له الإحرام لم يقصده.
ولو أحرم للحج والعمرة على نحو التداخل ، بمعنى أنه يحرم لكل منهما بإتيان فرد واحد في الخارج بحيث يكون مجمعاً للفردين ، نظير ما إذا سلم جماعة على شخص فأجاب بجواب واحد قاصداً به ردّ الجميع ، فإنه في الحقيقة أجاب كل واحد من أفراد
.................................................................................................
السلام الصادر من الجميع ، غاية الأمر بمظهر ومبرز واحد ، وبذلك يتحقق الامتثال لكل من الفردين بإتيان فرد واحد حيث كان مجمعاً للعنوانين.
ثمّ إنّه في هذه الصورة قد نفرض أنه عالم بعدم جواز ذلك ويعلم أن كل واحد من الحج والعمرة يحتاج إلى إحرام مستقل ونيّة مستقلة ومع ذلك ينويهما بنيّة واحدة ويأتي بإحرام واحد ، فيكون مشرعاً ويصدر العمل منه على نحو التشريع ، فيقع العمل الصادر منه مبغوضاً ولا يمكن التقرب ولا الامتثال به ، وقد يفرض أنه جاهل بذلك فلا يكون مشرّعاً ولا يكون العمل الصادر منه مبغوضاً ، وفي هذه الصورة تارة يصح كل منهما في نفسه وأُخرى لا يصح.
أمّا الأُولى : كما إذا كان الإحرام في أشهر الحج ففي مثله لا يمكن الحكم بصحّتهما معاً ولا يقع كلاهما في الخارج جزماً ، لاحتياج كل منهما إلى إحرام مستقل ، ولا بدّ في الحكم بصحّتهما معاً من تحقق الإحرامين وهي غير ممكنة على الفرض ، وصحّة أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح ، ولا دليل على التخيير في المقام ، فمقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان ، نظير البيع الصادر من المالك والوكيل في وقت واحد نعم ورد التخيير في بعض الموارد كتزويج الأُختين معاً بعقد واحد أو اختيار الخامسة فيما إذا تزوج من خمسة بعقد واحد كما في النص (1).
وأمّا الثانية : فيمكن الحكم بصحّة أحدهما دون الآخر كما إذا كان إحرامه في غير أشهر الحج ، فحينئذٍ لا يبعد الحكم بالتعيين للعمرة المفردة لإمكان وقوعه عمرة والمفروض أنه أحرم قربة إلى اللّه تعالى ، ولا يقع عن الحج لعدم إمكان وقوعه.
وبعبارة اخرى : لا مانع من الحكم بصحّة الإحرام للعمرة المفردة لأنّ أصل الإحرام قد أتى به متقرباً إلى اللّه تعالى ، وإنما تخيل إتيان فردين بذلك ، أحدهما مشروع في نفسه وقابل لوقوعه والآخر غير مشروع ، والمفروض أنه لم يكن مشرعاً ليقع العمل الصادر منه مبغوضاً غير قابل للتقرب به ، وإنما ظنّ كفاية النيّة الواحدة
1) الوسائل 20 : 478 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 25 ، وفي ص 522 / أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ب 4.
[3237] مسألة 8 : لو نوى كإحرام فلان فإن علم أنه لماذا أحرم صح ، وإن لم يعلم فقيل بالبطلان لعدم التعيين ، وقيل بالصحّة لما عن علي (عليه السلام) والأقوى الصحّة لأنه نوع تعيين ، نعم لو لم يحرم فلان أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان (1)، وقد يقال : إنه في صورة الاشتباه يتمتّع ، ولا وجه له إلّا إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتّع (1).
على نحو التداخل وظنّ إمكان إتيانهما معاً فضم ما هو المشروع إلى قصد أمر آخر غير مشروع ، فبالنسبة إلى الحج لا يقع لعدم وقوعه في محله ، ولكن لا مانع من وقوعه للعمرة المفردة ، ومجرد ضمه إلى ما هو غير مشروع غير ضائر بالعمل القربي الواجد لما يعتبر فيه ، نظير انضمام بعض الأغسال الواردة إلى أغسال أُخر لا موجب لها ، فإنّ مجرّد اقتران ما لا أمر له إلى ما هو المأمور به لا يضر بصحّة المأمور به.
(1) هذه المسألة تتصور إلى ثلاثة صور :
الاولى : ما إذا فرضنا أن فلانا الذي قصد أن يحرم مثله لم يحرم أصلاً ، فلا ينبغي الريب في بطلان إحرامه لأنّه أحرم إحراماً لا واقع له ، إذ المفروض أن ذلك الشخص لم يحرم.
الثانية : ما إذا صدر الإحرام من ذلك الشخص المقصود واقعاً وعلم بما قصده وأن إحرامه للحج أو للعمرة ، وهذا ممّا لا ينبغي الشك في صحّته لحصول النيّة المعتبرة وتميز المنوي ، ومجرّد قصده بأنّ إحرامه كإحرام فلان غير ضائر بصحّة إحرامه.
الثالثة : ما إذا كان إحرام من قصد متابعته مجهولاً عنده ولا يعلم به حين الإحرام فتارة يفرض أنه يعلمه بعد ذلك وأُخرى لا ينكشف له إلى الآخر ويبقى على الاشتباه.
أمّا الثاني : فقد حكم المصنف بالبطلان ، والظاهر أنه لا موجب له لأنّ التعيّن الواقعي مع الإشارة الإجمالية إليه يكفي وإن لم يعلم به تفصيلاً كما تقدّم في الناسي وذكرنا هناك أن الإحرام إذا كان بقصد ما عيّنه واقعاً وإن كان منسياً فعلاً يحكم
1) (*) بل الظاهر هو الصحّة ولزوم العمل بالاحتياط المتقدّم في الحاشية السابقة.
.................................................................................................
بصحّته ، ولا فرق بين المقامين سوى كون النسيان مسبوقاً بالعلم وإلّا فالواقع متعيّن في الموردين ، غاية الأمر لا يتمكن من التمييز فتكفي الإشارة الإجمالية ، بل حتى إذا كان متمكناً من التمييز لا يلزم التفصيل في النيّة وتكفي الإشارة الإجمالية ، فيجوز له أن يحرم لما يعيّنه اللّه واقعاً فيما بعد ، والمقام أولى بالصحّة لأنه متعيّن في غير علم اللّه أيضاً ، لأنّ الشخص الذي أحرم أوّلاً يعلم قصده ، غاية الأمر من أحرم كإحرامه لا يدري بما قصده ، فالمقام نظير ما إذا نوى طبقاً لما كتبه في القرطاس الذي نساه ولا يتمكّن من الرجوع إلى القرطاس.
وأمّا الأوّل : وهو الذي يعلمه بعد ذلك وينكشف له كيفية إحرام ذلك الشخص فالظاهر أيضاً أنه لا مانع من الحكم بالصحّة ، لأنّ التعيين الإجمالي حاصل ، ولا دليل على اعتبار الأزيد من ذلك ، بل هذه الصورة أولى بالصحّة من الإحرام لما يعيّن اللّه فيما بعد ، الذي قلنا بجواز ذلك وإن لم ينكشف عنده ، والمفروض في المقام حصول الانكشاف لديه أيضاً.
وقد يتمسك للصحّة في هذه الصورة بفعل علي (عليه السلام) حينما قدم من اليمن محرماً بالحج وسأله النبي (صلّى اللّه عليه وآله) «وأنت يا علي بما أهللت؟ قال (عليه السلام) : إهلالاً كإهلال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : كن على إحرامك مثلي (1)» كما في صحيحة معاوية بن عمّار ، وفي صحيحة الحلبي «فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : يا علي بأي أهللت؟ فقال : أهللت بما أهلّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، فقال : لا تحل أنت ، فأشركه في الهدي» (2)فقد ذكروا أن معنى ذلك أني نويت الإحرام بما أحرمت به أنت يا رسول اللّه كائناً ما كان ، فكأنه (عليه السلام) لم يعيّن إهلاله حجاً أو عمرة وإنما نوى إهلالاً كإهلال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فأقره النبي (صلّى اللّه عليه وآله) على ذلك فقال له : لا تحل أنت وكن على إحرامك.
.................................................................................................
ولكن يظهر من الصحيحتين أن فعل علي (عليه السلام) أجنبي عن الإجمال في النيّة وعن الاكتفاء بقوله : أُحرم كإحرام فلان ، وذلك لأنّ الظاهر من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : إهلالاً كإهلال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، أني نويت الحج المشروع الواجب على المسلمين وهو حج الإفراد أو القرآن ، فمراده (عليه السلام) واللّه العالم أني نويت الحج كحج النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وسائر المسلمين ، ولم يكن حج التمتّع حينذاك مشروعاً ، وإنما شرّع بعد وصول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلى مكّة وبعد السعي قبل وصول أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مكّة ، فما نواه أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو حج الإفراد فلا إجمال في نيّته أصلا.
نعم ، في صحيح معاوية بن عمّار وصحيحة الحلبي ما يظهر منهما المنافاة من جهة أُخرى ، ولا يمكن الجمع بينهما من هذه الجهة ، وهي أن مقتضى صحيح معاوية بن عمّار أن الهدي الذي جاء به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أربع وستّون أو ستّ وستون وما جاء به أمير المؤمنين (عليه السلام) أربع وثلاثون أو ستّ وثلاثون الترديد من الراوي وساق الهدي كالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فيشمله قوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محلّه» ، ويظهر من صحيح الحلبي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يأت بالهدي ولم يسق هدياً وإنما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ساق مائة بدنة وأشركه في هديه وجعل له سبعاً وثلاثين ، فيكون حاله (عليه السلام) كحال سائر المسلمين لقوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل» (1)ومع ذلك أمره بعدم الإحلال وأشركه في هديه وحجّه ، فلا بدّ من الالتزام بأن ذلك من مختصاته (عليه السلام) ونحو ذلك من التأويلات.
ثمّ إنّ المصنف ذكر في آخر المسألة أنه قد يقال : يتمتّع في صورة الاشتباه وعدم انكشاف الحال إلى الآخر ، ولكن لا دليل عليه إلّا في مورد يصح له العدول إلى التمتّع كما فعله المسلمون بأمر النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، وفيما إذا لم يكن متعيّناً عليه
1) الوسائل 11 : 231 ، أبواب أقسام الحج ب 2 ح 25.
[3238] مسألة 9 : لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل (1)(1).
[3239] مسألة 10 : لو نوى نوعاً ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق (2).
[3240] مسألة 11 : لو كان في أثناء نوع وشك في أنه نواه أو نوى غيره بنى على أنه نواه (3).
[3241] مسألة 12 : يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفّظ بالنيّة
نوع خاص فحينئذٍ يجوز له قلب الإفراد إلى التمتّع ، وأمّا في غير ذلك فلا دليل على الانقلاب.
(1) أي لا يقع عما وجب عليه لا أنه يبطل برأسه ، فيحكم بصحّة المأتي به ولكن لا يجزئ عمّا وجب عليه.
(2) لأنّ العبرة بالقصد القلبي ولا عبرة بما سبق لسانه فإنه صادر من غير قصد واختيار ، وربّما يستدل له بخبر علي بن جعفر ، قال : «سألته عن رجل أحرم قبل التروية فأراد الإحرام بالحج يوم التروية فأخطأ وذكر العمرة ، قال فقال : ليس عليه شيء فليعتد (فليعد) الإحرام بالحج» (2).
وفيه : أن الخبر أجنبي عن المقام بالمرّة ، لأنّ المفروض فيه صدور الإحرام منه في الخارج ولكن يريد الإحرام ثانياً يوم التروية لدرك فضل الإحرام يوم التروية ، فلا يشمل الخطأ في الإحرام من الأوّل ، مضافاً إلى ضعف السند بعبد اللّه بن الحسن.
(3) لقاعدة التجاوز والصحّة ، وليس الشك في أصل النيّة حتى يكون الشك في أصل العنوان.
والظاهر تحقّقه بأي لفظ كان ، والأولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار وهو أن يقول : اللّهمّ إني أُريد ما أمرت به من التمتّع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنّة نبيّك (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فيسّر ذلك لي وتقبّله منِّي وأعني عليه فإن عرض شيء يحبسني فحلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت عليّ ، اللّهمّ إن لم تكن حجّة فعمرة أُحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النّساء والطيب ، ابتغي بذلك وجهك والدار الآخرة (1).
(1) ذكر المصنف في هذه المسألة استحباب التلفظ بالنيّة ، ولا خصوصية لعبارة خاصّة ويتحقق بأي لفظ كان ، لاختلاف الأخبار في كيفية التلفظ ، وذكر في المسألة الآتية استحباب أن يشترط عند إحرامه على اللّه أن يحله إذا عرض مانع من إتمام نسكه ، ويدل على استحبابهما جملة من الروايات.
منها : صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يكون الإحرام إلّا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة إلى أن قال اللّهمّ إني أُريد التمتّع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنّة نبيّك (صلّى اللّه عليه وآله) فإن عرض لي عارض يحبسني فخلني حيث حبستني» (1)وفي التهذيب : فحلني (2)بالحاء المهملة وهو الصحيح لعدم صحّة استعمال خلني أو خلاه وإنما يقال خلي سبيله.
ومنها : صحيحة ابن سنان ، قال «إذا أردت الإحرام والتمتّع فقل : اللّهمّ إني أُريد ما أمرت به من التمتّع بالعمرة إلى الحج فيسر ذلك لي ... وحلني حيث حبستني» (3)ولا يخفى أن المصنف خلط بين صدر رواية ابن سنان وذيل رواية معاوية بن عمّار ، وذكر صدر رواية عبد اللّه بن سنان في صدر رواية معاوية بن عمّار ثمّ ذكر تتمّة خبر معاوية ابن عمّار ، والأمر سهل ، فلا كلام في استحباب الأمرين.
[3242] مسألة 13 : يستحب أن يشترط عند إحرامه على اللّه أن يحلّه إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حج أو عمرة وأن يتمم إحرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه الإتيان ، كما يظهر من جملة من الأخبار ، واختلفوا في فائدة هذا الاشتراط ، فقيل : إنّها سقوط الهدي ، وقيل : إنها تعجيل التحلل وعدم انتظار بلوغ الهدي محله ، وقيل : سقوط الحج من قابل ، وقيل : أنّ فائدته إدراك الثواب فهو مستحب تعبدي ، وهذا هو الأظهر. ويدلُّ عليه قوله (عليه السلام) في بعض الأخبار : «هو حل حيث حبسه اشترط أو لم يشترط» (1) ،
(1) اختلفت كلمة الفقهاء في فائدة هذا الاشتراط فذكروا لذلك وجوهاً :
منها : ما عن العلّامة (1)وغيره أن الفائدة هي سقوط الهدي ، فيحل بمجرد الإحصار وعروض المانع ولا يحتاج إلى الهدي.
ويستدل له بصحيح ذريح المحاربي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج ، وأُحصر بعد ما أحرم كيف يصنع؟ قال فقال : أو ما اشترط على ربّه قبل أن يحرم أن يحلّه من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه؟ فقلت : بلى قد اشترط ذلك ، قال : فليرجع إلى أهله حلّاً لا إحرام عليه ، انّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط عليه ، قال فقلت : أفعليه الحج من قابل؟ قال : لا» (2).
وذكروا أنه يخصص الآية الكريمة ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (3)وكذا يخصص الروايات الدالّة على بلوغ الهدي محلّه إذا أُحصر (4)فإن مقتضى الجمع بين الآية الكريمة وهذه الروايات وبين صحيح ذريح سقوط الهدي بالاحصار إذا اشترط عند إحرامه على اللّه أن يحل.
.................................................................................................
والذي ينبغي أن يقال : إن خبر ذريح وإن كان معتبراً ، ومقتضى القاعدة تخصيص الآية وتلك الروايات به ، ولكن وردت في المقام روايات ثلاث تدل على أن المحصور يحل سواء اشترط أم لم يشترط.
الأُولى : رواية حمزة بن حمران ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول : حلني حيث حبستني ، قال : هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل» (1)فإنها صريحة في الإحلال بالحصار والحبس اشترط أو لم يشترط ، ولكنها ضعيفة بحمزة فإنه لم يوثق ، ورواها الصدوق (2)عن حمران بن أعين وهو من الأجلاء والثقات إلّا أن طريق الصدوق إليه مجهول ولم يذكره في المشيخة.
الثانية : صحيحة زرارة ، قال : «هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط» (3).
وربّما يشكل في دلالتها باعتبار جهالة مرجع الضمير في قوله «هو حل» ، حيث إنه كلام ابتدائي غير مسبوق بشيء ، ولعلّ المراد به شخص خاص معهود بين الإمام (عليه السلام) والراوي فتكون الرواية مجملة ، فلا يصح الاستدلال بها لمطلق المحبوس.
وفيه : أن الاشكال إنما نشأ من تقديم صاحب الوسائل صحيحة زرارة على رواية حمزة ، ولكن الكليني (4)روى أوّلاً رواية حمزة ثمّ ذكر صحيحة زرارة بلا فصل فيرتفع الإجمال حينئذ ، ضرورة أن المرجع في الصحيحة ما ذكره في رواية حمزة وهو الذي يقول : «حلني حيث حبستني» ، والكافي إنما حذف المرجع في الصحيحة اختصاراً في النقل وإيعازاً إلى وحدة السؤال والجواب فيرتفع الاشكال.
ويؤيد ما ذكرنا عدم وضوح المراد من الحابس ولا المحبوس لو كانت الصحيحة منعزلة عن السؤال وكانت مذكورة قبل رواية حمزة كما أثبتها في الوسائل ، وهذا بخلاف ما لو كانت الصحيحة مسبوقة برواية حمزة كما في الكافي ، فإنّ المراد من الحابس
.................................................................................................
حينئذ هو اللّه تعالى ، ومن المحبوس هو الشارط على نفسه الذي كان مرجع الضمير حسبما عرفت.
ثمّ إنّ مقتضى الجمع بين هذه الصحيحة والآية الكريمة والروايات الدالّة على بلوغ الهدي وبعثه إلى محله وذبحه ، هو حمل الحل في الصحيحة على الحل من حيث أعمال الحج والعمرة ، بمعنى أنه من أُحصر لا يجب عليه إتيان الأعمال لا أنه يحل من جميع الجهات حتى من جهة التروك والمحرمات ، فيبقى محرماً ويحرم عليه التروك إلى أن يبلغ الهدي محله ثمّ يحل ويحلق رأسه ، بل نفس الصحيحة ظاهرة في هذا المعنى ، لأنّ الحبس إنما يكون بالنسبة إلى الأعمال والأفعال الوجودية ، وأمّا التروك فأُمور عدمية فلا حبس بالنسبة إليها.
الرواية الثالثة : صحيحة البزنطي ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه أي شيء تكون حاله؟ وأي شيء عليه؟ قال : هو حلال من كل شيء ، قلت : من النّساء والثياب والطيب؟ فقال : نعم من جميع ما يحرم على المحرم ، وقال : أمّا بلغك قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) : حلني حيث حبستني لقدرك» (1)فإنها تدل على الإحلال بالحصر والمنع عن إتيان الأعمال لأجل كسر الساق مطلقاً ، سواء اشترط الحل أم لم يشترط ، ومجرّد الاستشهاد بقول الصادق (عليه السلام) واشتراطه الإحلال لا يدل على أن مورد السؤال كان من الاشتراط ، بل إحلاله عند الحبس والحصر في مورد الاشتراط من صغريات الإحلال بالحصر ، ولعله (عليه السلام) لذلك استشهد بقول الصادق (عليه السلام) لا لأجل تطبيق فعل الإمام على مورد السؤال ، فظاهر الصحيحة هو الإحلال بالحصر سواء اشترط أم لم يشترط وسواء بعث بالهدي أم لا ، إلّا أنه لا منافاة بين حصول الإحلال بالحصر وثبوت الهدي وإن كان محلا من حيث الأعمال ، فهذه الفائدة غير مترتبة على الاشتراط.
فتحصل : أن مقتضى الجمع بين الأدلّة أنه بالحصر يحل ويخرج من حرمة اللّه التي
1) الوسائل 13 : 179 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 4.
.................................................................................................
أوجبت عليه إتمام الحج أو العمرة ولا يجب عليه إتمام الأعمال ، ولا ينافي ذلك وجوب الهدي عليه وإحلاله من التروك ببلوغ الهدي.
وممّا ذكرنا تعرف ضعف الاستدلال بالصحيحة على الإحلال بالاشتراط وسقوط الهدي ، لعدم ذكر الشرط في مورد الرواية.
ومن جملة فوائد اشتراط الإحلال تعجيل التحلّل بالإحصار ، ولكن الهدي لا يسقط كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب كالمحقق في الشرائع (1)وتبعهم صاحب الجواهر (2).
أقول : إنّ كان المراد من تعجيل التحلّل حصول الإحلال قبل الذبح كما هو ظاهر المتن فهذا ممّا لا دليل عليه ، وإن كان المراد به على ما يظهر من كلماتهم حصول الإحلال بعد الذبح في المكان الذي أُحصر فيه وعدم لزوم انتظار الذبح يوم النحر فقد استدلّ له بصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث ، قال : «إنّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ علياً ذلك وهو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه في السقيا (3)وهو مريض بها ، فقال : يا بني ما تشتكي؟ فقال : أشتكي رأسي ، فدعا عليّ ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة فلمّا برأ من وجعه اعتمر ... الحديث» (4).
وفيه أوّلاً : لم يعلم أن الحسين (عليه السلام) اشترط الإحلال عند إحرامه ، ومجرّد الاستحباب لا يدل على صدور الاشتراط منه ، لجواز ترك المستحب بداع من الدواعي الراجحة ولا أقل لأجل بيان الجواز وعدم لزوم الاشتراط.
وثانياً : أن الرواية في مقام بيان حكم الاعتمار من دون نظر إلى الخصوصيات من ذكر الاشتراط ونحوه ، وإلّا لو كانت الخصوصية دخيلة في الحكم لكان على الصادق
.................................................................................................
(عليه السلام) بيانها ، فإطلاق الآية الشريفة الدالّة على بلوغ الهدي محلّه ولزوم الذبح يوم النحر يقيد بالمعتمر المحصور ، فيجوز له الذبح في مكانه ولا يجب عليه الانتظار إلى يوم النحر.
وبالجملة : ما دلّ على إحلال الحسين (عليه السلام) بالمرض والحصر مطلق من حيث الاشتراط وعدمه. ويؤيد هذا الإطلاق ما رواه في كشف اللِّثام (1)والجواهر (2)عن الجامع عن كتاب المشيخة لابن محبوب أنه روى صالح عن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل خرج معتمراً فاعتل في بعض الطريق وهو محرم ، قال : ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النّساء ، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً ، فإن برأ من مرضه اعتمر إن كان لم يشترط على ربّه في إحرامه ، وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلّا أن يشاء فيعتمر ، ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللأداء إن استمرت الاستطاعة في قابل ...» ، فإن ذكر التفصيل في ذيل الرواية بالنسبة إلى إعادة الاعتمار إن لم يشترط وعدم إعادته إن اشترط يكشف عن كون الحكم بالإحلال في صدر الرواية مطلقاً من حيث الاشتراط وعدمه ، فالمتحصل من الرواية أن الإحلال يتحقق بالحصر مطلقاً وإن لم يشترط بخلاف إعادة العمرة بعد البرء فإنه يفصل بين الاشتراط وعدمه ، ولكن الرواية ضعيفة السند.
ثمّ إن هنا صحيحة أُخرى تحكي خروج الحسين (عليه السلام) للعمرة ومرضه في الطريق ، وهي صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : خرج الحسين (عليه السلام) معتمراً وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم (3)فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه ، ثمّ أقبل حتى جاء فضرب الباب ، فقال : علي (عليه السلام)
.................................................................................................
ابني وربّ الكعبة ، افتحوا له الباب ، وكانوا قد حموه الماء فأكب عليه فشرب ثمّ اعتمر بعد» (1).
وربّما يقال بأن هذه الصحيحة خارجة عن محل الكلام ، لأنّ موضع الخلاف من لم يسق الهدي وأمّا السائق كما في مورد الرواية فلا يسقط عنه الهدي بإجماع الأُمّة كما عن فخر المحققين (2)، فلو كانت القضية المذكورة في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة متحدة مع القضيّة المذكورة في هذه الصحيحة فلا ريب في خروجهما عن محل الكلام لأنّ محل كلامنا من اعتمر ولم يسق الهدي والمفروض أنه (عليه السلام) كان سائقاً بدنة ولا يسقط الهدي حينئذٍ.
والجواب : أنه لم يعلم اتحاد القضيّة ، ومن المحتمل أنه (عليه السلام) اعتمر مرّتين ومرض فيهما وفي أحدهما ساق الهدي وفي الآخر لم يسق ، ثمّ إنه على تقدير اتحاد القضيّة فسوق الهدي في العمرة غير ثابت شرعاً وإنما ثبت في حج القران ، وأمّا العمرة المفردة أو التمتّع فليس فيها سوق بدنة ، فسياق بدنة مع الحسين (عليه السلام) غير مربوط بالحج أو العمرة ، ولعله كان من باب الاتفاق وإلّا فلا ريب في عدم ثبوت سوق البدنة في العمرة. نعم لو أُحصر المتمتع يجب عليه أن يبعث هدياً ويتحلل في مكانه بعد الذبح ، وله أن ينحر أو يذبح في مكانه ويتحلل.
فالمستفاد من الصحيحين الحاكيين لفعل الحسين (عليه السلام) أن المعتمر إذا أُحصر لا يجب عليه بعث الهدي إلى محله ، بل يجوز له الذبح في مكانه ويتحلل سواء اشترط الإحلال أم لا ، فما ذكره جملة من الأكابر (قدس اللّه أرواحهم) من جواز التعجيل فيما إذا اشترط لم يثبت ، بل الحكم ثابت لمطلق المعتمر إذا أُحصر اشترط الحل أو لم يشترط.
ومنها : سقوط الحج من قابل ، حكي ذلك عن الشيخ في التهذيب ، واستدل عليه
.................................................................................................
بصحيح ضريس بن أعين ، قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعاً بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكّة إلّا يوم النحر ، فقال : يقيم على إحرامه ويقطع التلبية حتى يدخل مكّة فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق رأسه وينصرف إلى أهله إن شاء ، وقال : هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه فإن لم يكن اشترط فإن عليه الحج من قابل» (1).
ولكن الصحيحة أجنبيّة عن مورد كلامنا ، لأنّ محل الكلام إنما هو المحصور ، وهو الممنوع عن إتيان أعمال الحج أو العمرة بمرض ونحوه من الموانع ، ومورد الصحيحة من يتمكّن من الأعمال والمناسك من الطواف والسعي ولكن فاته الموقفان لضيق الوقت والغفلة ونحو ذلك ، فهذه الفائدة إنما تترتب على الاشتراط فيما إذا فاته الوقوفان وتتبدل وظيفته إلى إتيان العمرة المفردة بنفس الإحرام الأوّل فيطوف ويسعى ويحلق رأسه ثمّ يأتي بطواف النّساء ، فهذه الصحيحة من جملة الروايات الواردة في فوت الموقفين ، وتلك الروايات على طوائف :
الأُولى : ما دلّ على أن من فاته الوقوف يجب عليه الحج من قابل ، وفي بعضها أنه يجعل ما أتى به عمرة مفردة وعليه الحج من قابل ، كما في صحيح معاوية بن عمّار قال «وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أيما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج أو متمتّع بالعمرة إلى الحج قدم وقد فاته الحج فليجعلها عمرة وعليه الحج من قابل» (2)، وقد ذكرنا غير مرّة أن هذه الجملة «عليه الحج من قابل» ونحوها ظاهرها عدم الإجزاء وعدم الاكتفاء بما أتى به أوّلا.
الثانية : وهي بإزاء الاولى ، كصحيحة ضريس المتقدّمة الدالّة على التفصيل من أنه لو اشترط الإحلال يسقط عنه الحج في القابل وتجزئ العمرة المفردة عن الحج الواجب عليه ، وإن لم يكن اشترط فعليه الحج من قابل.
الثالثة : ما يدل على أنه لو أتى بعمرة مفردة أُخرى غير ما بيده يسقط الحج عنه
.................................................................................................
في القابل ويجزئ ذلك عن الحج ، وإن لم يعتمر ثانياً فعليه الحج من قابل ، كما في صحيحة داود الرقي ، قال : «كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى إذ دخل عليه رجل ، فقال : قدم اليوم قوم قد فاتهم الحج ، فقال : نسأل اللّه العافية ، قال : أرى عليهم أن يهريق كل واحدة منهم دم شاة ويحلون (يحلق) وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا إلى بلادهم ، وإن أقاموا حتى تمضي أيّام التشريق بمكّة ثمّ خرجوا إلى بعض مواقيت أهل مكّة فأحرموا منه واعتمروا فليس عليهم الحج من قابل» (1).
فالروايات الدالّة على سقوط الحج في القابل وعدمه بين ما هي مطلقة وبين ما هي مفصلة بين الاشتراط وعدمه ، وبين ما هي مفصلة بين إتيان عمرة ثانية وعدمه.
فالمستفاد من هذه الطوائف سقوط الحج من قابل عمن اشترط ، أو عمن أتى بعمرة مفردة ثانياً إذا فاته الموقف ، فإن تمّ الإجماع المدعى على أن من وجب عليه الحج وتمكّن منه لا يسقط عنه كما عن العلّامة (2)وارتضاه غيره من الأكابر حتى صاحب الحدائق (3)الذي لا يعتني بأمثال هذه الإجماعات ، فلا بدّ من رفع اليد عن الخبرين الدالين على سقوط الحج من قابل إذا اشترط أو أتى بعمرة مفردة ثانياً ، وإن لم يتم الإجماع واحتملنا الاجتزاء من الشارع بما أتى به المشترط أو بما أتى به من العمرة المفردة ثانياً عن الحج الواجب عليه ، فلا مانع من الالتزام بمضمون الروايتين ، وعلى كل تقدير سواء التزمنا بمضامين هذه الروايات أم لم نلتزم فهي أجنبيّة عن المحصور والمصدود ، لأنّ موردها عدم التمكّن من الوقوف لضيق الوقت ونحوه لا الممنوع عن الأعمال بمرض ونحوه.
والأولى أن يستدل لترتب هذه الفائدة بصحيح ذريح المتقدّم ، فإنه صريح في سقوط الحج من قابل إذا اشترط الإحلال ، فإنه (عليه السلام) بعد ما سأل أو ما اشترط على ربّه قبل أن يحرم أن يحله؟ فأجاب السائل بقوله بلى ، ثمّ سأل الراوي
والظاهر عدم كفاية النيّة في حصول الاشتراط بل لا بدّ من التلفظ ، لكن يكفي كل ما أفاد هذا المعنى فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص ، وإن كان الأولى التعيين ممّا في الأخبار (1).
أ فعليه الحج من قابل؟ قال (عليه السلام) : لا (1)، ولو كنّا نحن وهذه الصحيحة لالتزمنا بسقوط الحج من قابل ، ولكن بإزائها صحيحة أُخرى وهي صحيحة أبي بصير الدالّة على ثبوت الحج من قابل ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج أن حلّني حيث حبسني ، عليه الحج من قابل؟ قال : نعم» (2)والتنافي بين الصحيحتين ظاهر جدّا.
وحمل قوله «نعم» في صحيح أبي بصير على الحكم الوضعي والفساد وقوله «لا» في صحيح ذريح على نفي الوجوب التكليفي ، فتكون النتيجة عدم وجوب الحج عليه في السنة القادمة وإن كان ما أتى به فاسداً فلا تعارض في البين ، خلاف الظاهر ، بل الظاهر أن النفي والإثبات واردان في مورد واحد ، وبعد التعارض والتكافؤ يحكّم إطلاق الروايات الدالّة على وجوب الحج في السنة القادمة.
فتحصل من جميع ما تقدّم : أنه لا دليل على ما ذكروه من الفوائد ، فلا محيص إلّا عن الالتزام بأنّ فائدة الاشتراط إدراك الثواب بذكر الشرط في عقد الإحرام ، فهو مستحب تعبدي في نفسه ودعاء مأمور به في الأخبار يترتب على فعله الثواب ودعاء يعلم المحرم باستجابته ، لأنه لو أُحصر ومنع عن إتيان الأعمال يحلّه اللّه تعالى.
(1) لا بدّ من إبراز هذا الاشتراط بمبرز ومظهر في عقد الإحرام والغالب هو اللّفظ ومجرّد القصد القلبي غير كاف في صدق الاشتراط كما هو الحال في سائر موارد الاشتراط ، فإنّ الشرط ربط شيء بشيء آخر ، ومجرد النيّة لا يوجب الارتباط ما لم يظهره بمبرز ، نعم لا يعتبر فيه لفظ مخصوص ، بل يكفي كلّما أفاد هذا المعنى وإن كان الأولى قراءة الأدعية المشتملة على ذكر الشرط.
الثاني من واجبات الإحرام : التلبيات الأربع ، والقول بوجوب الخمس أو الست ضعيف (1) ،
(1) لا ينبغي الريب في وجوب التلبيات بل وجوبها من جملة القطعيات ، وإنما وقع الخلاف في صورتها وكيفيتها على أقوال ذكرها في المتن.
أمّا الأوّل : فيدل عليه صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث ، قال : «التلبية أن تقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ، ذا المعارج لبيك ، لبيك داعياً إلى دار السلام لبيك ، لبيك غفّار الذنوب ، إلى آخر الدعاء ، ثمّ قال (عليه السلام) : واعلم أنه لا بدّ من التلبيات الأربع التي كن في أوّل الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد ...» (1)وهي صريحة في أن الواجب من التلبيات هو التلبيات الأربع المذكورة في أوّل الحديث ، وأمّا البقيّة فمستحبة.
وأمّا القول الثاني : فاستدل له بعدّة من الروايات.
منها : ما رواه الصدوق في الخصال (2)بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث «قال (عليه السلام) والتلبيات الأربع ، وهي : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك» (3)ولكنّها ضعيفة السند بعدّة من المجاهيل.
ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لما لبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك ، ذا المعارج لبّيك» (4).
بل ادّعى جماعة الإجماع على عدم وجوب الأزيد من الأربع ، واختلفوا في صورتها على أقوال :
أحدها : أن يقول : لبّيك اللّهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك.
الثاني : أن يقول بعد العبارة المذكورة : إنّ الحمد والنعمة لك ، الملك ، لا شريك لك.
والجواب : أن الصحيحة في مقام بيان حكاية تلبية النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، ولا دليل على أن جميع ما أتى به واجب ، بل ذكر الدّعاء في ذيل التلبيات قرينة على عدم وجوب جميع هذه الجملات ، لأنّ الدعاء غير واجب قطعاً.
ومنها : صحيحة عاصم بن حميد الحاكية لتلبية النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وأنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لبى بالأربع ، فقال : «لبّيك اللّهمّ لبّيك ، اللّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنِّعمة والملك لك ، لا شريك لك لبيك» (1).
وفيه : أن هذه الصحيحة غير منطبقة على هذا القول لاشتمالها على ست أو خمس تلبيات ، مضافاً إلى أن كلمة «الملك» متقدّمة على «لك» في الصحيحة ، وهذا القائل التزم بالعكس ، بل لم يقل أحد بوجوب تقديم «والملك» على «لك». على أنها تحكي فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، وقد عرفت أن مجرّد حكاية فعله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا يدل على الوجوب. وأمّا القول الثالث والرابع فلا دليل عليهما أصلا.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ التلبية تتحقّق بجميع ذلك ، لأنّ المستفاد من صحيح معاوية بن عمّار لزوم الإتيان بالتلبيات الأربع على النحو المذكور في الصحيحة من دون نقيصة في العبارة ، ولكن لا دليل على عدم جواز الفصل بينها بدعاء أو ذكر بل ولو بكلام آدمي ، فيقول مثلاً : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد لا شريك لك ، اللّهم اغفر لي لبّيك ، لكن مع التحفظ على صدق هذه العبارة ومراعاتها
1) الوسائل 12 : 376 / أبواب الإحرام ب 36 ح 6.
الثالث : أن يقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك.
الرابع : كالثالث ، إلّا أنه يقول : إنّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك بتقديم لفظ «والملك» على لفظ «لك». والأقوى هو القول الأوّل (1)كما هو صريح صحيحة معاوية بن عمّار والزوائد مستحبّة ، والأولى التكرار بالإتيان بكل من الصور المذكورة ، بل يستحب أن يقول كما في صحيحة معاوية بن عمّار : لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك ذا المعارج لبّيك ، لبّيك داعياً إلى دار السلام لبّيك غفّار الذنوب لبّيك ، لبّيك أهل التلبية لبّيك ، لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك مرهوباً ومرغوباً إليك ، لبّيك لبّيك تبدأ والمعاد إليك ، لبّيك كشّاف الكروب العظام لبّيك ، لبّيك عبدك وابن عبديك لبّيك لبّيك يا كريم لبّيك.
[3243] مسألة 14 : اللّازم الإتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على قواعد العربيّة ، فلا يجزئ الملحون مع التمكّن من الصحيح بالتلقين أو التصحيح ، ومع عدم تمكنه فالأحوط الجمع بينه وبين الاستنابة (1) ،
فلو خرجت عن كونها تلبية كما إذا كان الفصل بينها طويلاً ولو بالدعاء والذِّكر فلا ريب في عدم صدق التلبية.
(1) لا ينبغي الريب في لزوم الإتيان بهذه الكلمات الشريفة على الوجه الصحيح المطابق للقواعد العربيّة وأداء الحروف من مخارجها ، لأنّ ذلك هو المأمور به فلا يجزئ الملحون مع التمكّن من الصحيح ، والأمر بإتيان التلبيات الأربع في صحيح معاوية بن عمّار (2)يراد به الإتيان بها صحيحاً ، إذ لا إشكال في أنه (عليه السلام) قرأ
.................................................................................................
هذه الكلمات على الوجه الصحيح ، فاللّازم الإتيان بمثل ذلك ولا دليل على الاجتزاء بغيره ، فحال التلبيات حال القراءة والأذكار في الصّلاة (1).
ولو لم يتمكّن من الأداء على الوجه الصحيح فقد ذكر في المتن أن الأحوط الجمع بين الإتيان بالملحون والاستنابة.
وقيل في وجهه : إن مقتضى قاعدة الميسور الاجتزاء بالملحون ، ومقتضى خبر زرارة «إنّ رجلاً قدم حاجّاً لا يحسن أن يلبِّي فاستفتي له أبو عبد اللّه (عليه السلام) فأمر له أن يلبّى عنه» (2)لزوم الاستنابة ، والجمع بين الدليلين يقتضي الجمع بين الإتيان بالملحون والاستنابة.
وفيه : إن كان خبر زرارة صحيح السند فلا حاجة إلى القاعدة بل يتعيّن الاستنابة وإن كان ضعيفاً فلا موجب للاستنابة ، وأمّا قاعدة الميسور فغير تامّة أصلاً ولا يمكن إثبات حكم من الأحكام الشرعيّة بها ، وقد ذكرنا ذلك في موارد كثيرة ، وأمّا خبر زرارة فضعيف السند بياسين الضرير فإنه لم يوثق.
والصحيح أن يستدل للاجتزاء بالملحون إذا لم يتمكن من الصحيح بمعتبرة مسعدة ابن صدقة ، قال : «سمعت جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول : إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح ، وكذلك الأخرس في القراءة في الصّلاة والتشهد وما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلِّم الفصيح ...» (3)، فإن المستفاد منها عدم الاكتفاء بالترجمة بالعجز عن الصحيح ، وأنه يجب على كل مكلّف أن يأتي بالقراءة أو التلبية بالعربيّة ولا تصل النوبة إلى الترجمة مع التمكّن من العربيّة ، فيجب عليه الإتيان بالعربيّة حدّ الإمكان ولو بالملحون ، لأنّ ما يراد من العربي العارف باللّغة لا يراد من الأعجمي الذي لا يتمكّن من أداء الكلمات
وكذا لا تجزئ الترجمة مع التمكّن ، ومع عدمه فالأحوط الجمع (1)بينهما وبين الاستنابة (1) ،
على النهج الصحيح ، فلا يسقط عنه القراءة أو التلبية بمجرّد عجزه عن أداء الكلمات صحيحاً ، إذ لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح العارف باللّغة العربيّة ، فالملحون يقوم مقام الصحيح.
ويمكن الاستدلال له بما رواه الكليني بسند معتبر عندنا وفيه النوفلي والسكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته القرآن في الصّلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه» (2)فإن المستفاد منها عدم جواز الاستنابة بالعجز عن أداء الكلمات ، فإذا ثبت جواز الاكتفاء بالمقدار الممكن في الأخرس ولو بتحريك لسانه ثبت في غيره أيضاً ، إذ لا نحتمل سقوط الحج أو سقوط التلبية عنه والمفروض أنه لا دليل على الاستنابة ، فالمأمور بالتلبية نفس الأخرس أو العاجز عن أداء الكلمات الصحيحة فينتقل الواجب إلى الملحون ، فالاكتفاء بالملحون هو الأقوى وإن كان الجمع بينه وبين الاستنابة أحوط.
(1) وأمّا الترجمة فمع التمكّن من العربيّة فلا تجزئ لأنها على خلاف المأمور به في الروايات ، ومع عدم التمكّن من العربيّة فقد ذكر في المتن أنّ الأحوط الجمع بين الملحون والترجمة والاستنابة.
أقول : لا بدّ من خروج الأخرس عن هذا البحث بالمرّة ، لأنّه غير قادر على التكلّم أبداً لا بالملحون ولا بالترجمة ، فالكلام في القادر على التكلّم ، ولا ريب أن من كان قادراً على التكلّم يقدر على أداء الكلمات العربيّة ولو ملحوناً فيدخل المقام في المسألة السابقة من الاجتزاء بالملحون بدلاً عن الصحيح ، نعم لو فرض عدم التمكن حتى من الملحون فيدور الأمر بين الترجمة والاستنابة.
والأخرس يشير إليها بإصبعه مع تحريك لسانه (1) ، والأولى أن يجمع بينهما وبين الاستنابة ، ويلبى عن الصبي غير المميز وعن المغمى عليه (2).
وفي قوله : إنّ الحمد (إلخ) يصح أن يقرأ بكسر الهمزة وفتحها (3) ، والأولى الأوّل ، و (لبيك) مصدر منصوب بفعل مقدر ، أي ألبّ لك إلباباً بعد إلباب ، أو لبّا بعد لبّ ، أي إقامة بعد إقامة ، من لَبّ بالمكان ، أو ألبّ أي أقام ، والأولى كونه من لبّ ، وعلى هذا فأصله (لبّيْن لك) ، فحذف اللّام وأُضيف إلى الكاف
وقد يشكل بأن هذا الشخص لم يجب عليه الحج ، لأنه معذور عن أدائه فكيف يجب عليه الترجمة أو الاستنابة مع أنهما فرع وجوب الحج عليه ، فعليه أن يصبر إلى العام القابل ليتعلّم أداء الكلمات صحيحا.
(1) كما في رواية السكوني المتقدِّمة (1)، ويقصد بذلك عقد الإحرام بالتلبية.
(2) وأمّا الصبي غير المميز فيلبي عنه كما في صحيح زرارة (2)، وأمّا المغمى عليه فلا دليل عليه سوى مرسل جميل «في مريض أُغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الموقف (الوقت) ، فقال : يحرم عنه رجل» (3)ودلالته على جواز الاستنابة في المقام بناءً على نسخة «الوقت» وهو الميقات تامّة ولكنّه ضعيف السند بالإرسال. مضافاً إلى احتمال صحّة نسخة «الموقف» فيخرج عن محل الكلام ، لعدم دلالته على جواز الاستنابة عمن أُغمي عليه من الميقات لعمرة التمتّع أو الحج ، وإنما يختص بمن أتى الموقف مغمى عليه ، فحينئذ تكون وظيفة المغمى عليه الرجوع إلى الميقات إن أمكن وإلّا فمن مكانه. كما هي وظيفة الجاهل والناسي إذا تجاوزا الميقات غير محرمين.
(3) أمّا الكسر فللابتداء بجملة مستقلّة والإتيان بأوّل كلام آخر بعد الجمل المتقدِّمة من التلبيات ، وأمّا الفتح فلأجل التعليل ، أي لبّيك واستجيب لك لأجل كون
فحذف النون. وحاصل معناه إجابتين لك ، وربّما يحتمل أن يكون من (لبّ) بمعنى واجه ، يقال : داري تلب دارك ، اي تواجهها ، فمعناه مواجهتي وقصدي لك ، وأمّا احتمال كونه من (لُب الشيء) أي خالصة ، فيكون بمعنى إخلاصي لك فبعيد. كما أن القول بأنه كلمة مفردة نظير (على) و (لدى) فاضيفت إلى الكاف فقلبت ألفه ياء لا وجه له ، لأنّ (على) و (لدى) إذا أُضيفا إلى الظاهر يقال فيهما بالألف كعلي زيد ولدي زيد وليس لبى كذلك فإنه يقال فيه (لبي زيد) بالياء.
[3244] مسألة 15 : لا ينعقد إحرام حج التمتّع وإحرام عمرته ولا إحرام حج الإفراد ولا إحرام حج العمرة المفردة إلّا بالتلبية ، وأمّا في حج القران فيتخير بين التلبية وبين الإشعار أو التقليد (1) ،
الحمد لك وبسبب أن الحمد والنعمة لك ، وحكي عن العلّامة في المنتهي (1)عن بعض أهل العربيّة أنه قال : من قال أن بالفتح فقد خصّ ومن قال بالكسر فقد عم ، فإن الكسر يقتضي تعميم التلبية وإنشاء الحمد ، والفتح يقتضي تخصيص التلبية ، أي لبيك بسبب أن الحمد لك.
(1) لا ريب في أن التلبية ثابتة في جميع أقسام الحج والعمرة ، وهي استجابة لله تعالى ، وهي التي توجب الإحرام والدخول في حرمة اللّه ، وما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات ، فكل حاج عليه أن يلبي ، ولا ينعقد الإحرام إلّا بها.
ففي صحيح الحلبي قال : «سألته لم جعلت التلبية؟ فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى إبراهيم أن ( أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (2)، فنادى فأُجيب من كل وجه يلبون» (3). ويظهر منها أنّ التلبية استجابة لله تعالى ولا نختص بقسم خاص من أقسام الحج.
.................................................................................................
وفي صحيحة معاوية بن عمّار قال (عليه السلام) بعد ذكر التلبيات : «واعلم أنه لا بدّ من التلبيات الأربع التي كن في أوّل الكلام ، وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبى المرسلون» (1).
وفي صحيحة معاوية بن وهب «تحرمون كما أنتم في محاملكم تقول : لبيك إلى الآخر» (2).
ويعلم من هذه الروايات أنّ التلبية ثابتة في الحج وأنّ الإحرام لا ينعقد إلّا بها ، وقد تقدّمت جملة من الروايات الدالّة على أنه إذا لم يلب يجوز له كل شيء من المنهيات ويظهر منها أن تحقّق الإحرام إنما هو بالتلبية وأنه حرّ قبل التلبية ، ففي صحيحة عبد الرحمن «في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام ولم يلب ، قال : ليس عليه شيء» (3)هذا كلّه في غير القرآن من أقسام الحج والعمرة.
وأمّا حج القران فلا تجب فيه التلبية بل الحاج يتخير بين التلبية وبين الإشعار أو التقليد ، وتدل على ذلك جملة من الروايات.
منها : صحيحة معاوية بن عمّار «قال : يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإشعار والتقليد ، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم» (4).
ومنها : صحيحة أُخرى له «يقلدها نعلاً خلقاً قد صليت فيها ، والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية» (5).
ومنها : صحيحة عمر بن يزيد ، «من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير» (6).
والإشعار مختص بالبُدن ، والتقليد مشترك بينها وبين غيرها من أنواع الهدي (1)
وعن السيّد (1)وابن إدريس (2)عدم انعقاد الإحرام مطلقاً حتى في حج القران إلّا بالتلبية ، ويردهما النصوص المتقدّمة ، كما أن ما نسب إلى الشيخ (3)من أن انعقاد الإحرام بالإشعار متوقف على العجز عن التلبية فهو في طولها مردود أيضاً بإطلاق الصحاح المتقدّمة.
(1) أمّا الثاني وهو اشتراك التقليد بين أقسام الهدي فلا ينبغي الريب فيه لعدّة من الروايات (4)مضافاً إلى عدم نقل الخلاف من الأصحاب.
وأمّا الأوّل : وهو اختصاص الاشعار بالبدن فقد يقال : إنّ مقتضى صحيحتي معاوية ابن عمّار المتقدّمتين عدم الاختصاص وتعميمه لسائر أفراد الهدي ، إلّا إذا قلنا بأنّ الصحيحتين ليستا في مقام بيان الموارد ، وإنّما هما في مقام بيان أنّ الإحرام يتحقّق بذلك في الجملة ، وأمّا أنه في أي مورد وبأي شرط وفي أي زمان ومكان ، فالصحيحتان ساكتتان عن هذه الجهة.
ثمّ إنّه بناءً على منع إطلاق النص يكفينا في عدم ثبوت الإشعار في غير البدنة عدم الدليل.
نعم ، يظهر من صحيح عمر بن يزيد «من أشعر بدنته فقد أحرم» اختصاص الاشعار بالبدنة ، وإلّا لو كان الاشعار ثابتاً في غير البدنة أيضاً لكان ذكر البدنة لغواً ، لما ذكرنا في محلّه أنّ القيد وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المشهور من الانتفاء عند الانتفاء ولكن يوجب عدم سريان الحكم في الطبيعي وإلّا لكان ذكر القيد لغواً. وكيف كان ، لا دليل على ثبوت الإشعار في غير البدن.
والأولى في البدن الجمع بين الإشعار والتقليد ، فينعقد إحرام حج القران بأحد هذه الثلاثة ، ولكن الأحوط مع اختيار الإشعار والتقليد ضم التلبية أيضاً (1) ،
ثمّ إنه في البدن مخير بين الاشعار والتقليد ، ويكفي أحدهما في عقد الإحرام ، لإطلاق الروايات المتقدّمة كصحيحة معاوية بن عمّار ونحوها.
نعم ، الأولى في البدن الجمع بين الاشعار والتقليد لمعتبرة السكوني عن جعفر (عليه السلام) «أنه سئل ما بال البدنة تقلد النعل وتشعر؟ فقال : أمّا النعل فتعرف أنها بدنة ويعرفها صاحبها بنعله ، وأمّا الإشعار فإنّه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها» (1)فكأنّ الجمع بينهما مفروغ عنه وإنما سئل (عليه السلام) عن وجهه والإمام (عليه السلام) بين وجه الجمع ، ولصحيح معاوية بن عمّار «البدن تشعر في الجانب الأيمن ، ويقوم الرجل في الجانب الأيسر ، ثمّ يقلدها بنعل خلق قد صلّى فيها» (2).
بل الأحوط الأولى هو الجمع بين التلبية والإشعار والتقليد ولا يكتفي في عقد الإحرام بالإشعار أو التقليد ، خروجاً عن مخالفة السيّد (3)وابن إدريس (4)حيث ذهبا إلى أنّ التلبية محققة للإحرام في جميع الموارد حتى حج القران.
(1) ويستدل لذلك بأحد أمرين :
أحدهما : الإطلاقات الآمرة بالتلبية (5)، إذ لا يظهر منها الاختصاص بغير حج القران ، وحيث إن المفروض تحقق الإحرام بالإشعار أو التقليد فيكون وجوب التلبية عليه حينئذ وجوباً نفسيّا.
ثانيهما : موثقة يونس ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني قد اشتريت
نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن وإن لم يتوقف انعقاد إحرامه عليها فهي واجبة عليه في نفسها (1)، ويستحب الجمع بين التلبية وأحد الأمرين وبأيهما بدأ
بدنة ، فكيف أصنع بها؟ فقال : انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فأفض عليك من الماء والبس ثوبك ، ثمّ أنخها مستقبل القبلة ، ثمّ ادخل المسجد فصلّ ثمّ افرض بعد صلاتك ، ثمّ اخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها ، ثمّ قل : بسم اللّه اللّهمّ منك ولك اللّهمّ تقبل منّي ، ثمّ انطلق حتى تأتي البيداء فلبّه» (2)فإن المفروض في مورد الرواية تحقق الإحرام بالإشعار ، فيكون الأمر بالتلبية ظاهراً في الوجوب النفسي.
والجواب عنه : أمّا عن الأوّل فبأنه لا يمكن التمسك بالإطلاقات ، فإن الأخبار الآمرة بالتلبية كلّها في مقام بيان تحقق الإحرام بذلك وأنه أحد الثلاثة ، فإذا أشعر أو قلّد فقد حصل الإحرام منه ، ومعه لا يبقى مجال وموضوع للتلبية.
وأمّا عن الثاني : وهو موثقة يونس ، فالظاهر من الأمر بالتلبية في مورد الاشعار والإحرام به هو وجوب التلبية وجوباً نفسيا.
ودعوى أنه مشتملة على جملة من المستحبات وذلك يوجب عدم ظهور الأمر في الوجوب ، ضعيفة لما ذكرنا غير مرّة أن مجرد اشتمال الرواية على المستحبات لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب ، إلّا إذا قامت القرينة على عدم إرادة
الوجوب ، فالموثقة لا قصور في دلالتها على الوجوب.
ولكن مع ذلك لا يمكن الاستدلال بها للوجوب ، لأنّ الموثقة لو كانت على النحو الذي ذكرناها ورواها الكليني (3)فالأمر كما ذكرنا ، إلّا أن الصدوق (4)رواها أيضاً بطريقه الصحيح بزيادة توجب كون الموثقة أجنبيّة عن المقام بالمرّة ، ولم يذكر الكليني هذه الزيادة ، فقد روى الصدوق بإسناده عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب ، قال :
كان واجباً وكان الآخر مستحبّاً (1)(1) ، ثمّ إنّ الإشعار عبارة عن شق السَّنام الأيمن بأن يقوم الرجل من الجانب الأيسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الأيمن
«خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة ، فأرسلت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته كيف أصنع بها؟ فأرسل إليّ ما كنت تصنع بهذا ، فإنّه كان يجزئك أن تشتري من عرفة ، قال : انطلق» إلى آخر ما ذكره الكليني (2)، فالرواية واردة في العمرة ، والإحرام لها تتحقق بالتلبية فقط لا بالاشعار ، وكلامنا في حج القران الذي يتحقق الإحرام له بالاشعار ، فالرواية أجنبيّة عن المقام ، وأمّا الاشعار الوارد في الرواية فمحمول على الاستحباب لوضوح عدم ثبوت الإشعار في العمرة على إطلاقها فالقول بوجوب التلبية على القارن وجوباً نفسياً كما في المتن وغيره لا دليل عليه.
(1) ربّما يقال بأنه كيف يجتمع استحباب الجمع بين التلبية والإشعار أو التقليد وأنه إذا بدأ بأحدهما كان الآخر مستحباً وبين ما سبق أن ذكره المصنف (قدس سره) من أنه يجب الإتيان بالتلبية وجوباً نفسياً ، لأنّ مقتضى الاستحباب الذي ذكره هنا أنه لو قدم الاشعار كان الإتيان بالتلبية مستحباً ، مع أنه ذكر (قدس سره) أنه يجب الإتيان بالتلبية ولو تحقق منه الاشعار.
والجواب : أنّ استحباب الجمع بين التلبية والإشعار أو التقليد بلحاظ عقد الإحرام ولو من جهة الخروج من خلاف السيّد وابن إدريس ، يعني أن استحباب الجمع بين التلبية والإشعار أو التقليد لأجل حصول القطع بعقد الإحرام حتى على رأي السيّد وابن إدريس ، ولا ينافي ذلك فتواه بوجوب التلبية في نفسها تعبّداً ، فلو قدم الإشعار أو التقليد فلا بأس بالتلبية في نفسها بعده خروجاً من خلاف السيّد ، وأمّا لو عكس ولبّى أوّلاً فالحكم باستحباب الاشعار بعد عقد الإحرام ممّا لا دليل عليه.
ويلطخ صفحته بدمه (1)(1) ،
وعن المدارك أنه قال : وأمّا استحباب الإشعار أو التقليد بعد التلبية فلم نقف له على نص بالخصوص (2).
(1) كيفية الأشعار على ما يظهر من النصوص وذهب إليه عامّة الفقهاء أنه يشق سنامه من الجانب الأيمن ، وظاهر كلمات الأصحاب بل ظاهر الروايات بعد حمل المطلقات على المقيّد وجوب الاشعار بهذه الكيفية ، فما نسب إليهم صاحب الحدائق (3)من الاستحباب لا تساعد عليه الروايات ولا كلمات الأصحاب ، فالإشعار إنما يتحقق بشق السنام وطعنه من الجانب الأيمن لا بسائر أعضائه.
نعم ، إذا كانت معه بدن كثيرة دخل الرجل بين اثنين منهما فيشعر هذه من الشق الأيمن ويشعر هذه من الشق الأيسر كما في صحيح حريز (4)، وأمّا كيفية وقوف الرجل عند الاشعار فذكر في المتن بأن يقف الرجل من الجانب الأيسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الأيمن ، وهذه الخصوصية لم يرد فيها نص ولا تصريح من الفقهاء.
وربّما يقال بأنها مذكورة في صحيحة معاوية بن عمّار ، قال : «البدن تشعر في الجانب الأيمن ، ويقوم الرجل في الجانب الأيسر ، ثمّ يقلدها بنعل خلق قد صلّى فيها» (5).
وفيه : أنه لم يعلم أن قوله : «ويقوم الرجل في الجانب الأيسر» قيد للإشعار ويحتمل رجوعه إلى التقليد فيكون مستحبّاً ، لأنّ أصل التقليد في مورد الاشعار
والتقليد أن يعلق في رقبة الهدي نعلاً (1)خَلَقاً قد صلّى فيه (1).
[3245] مسألة 16 : لا تجب مقارنة التلبية (2)لنيّة الإحرام وإن كان أحوط ، فيجوز أن يؤخرها عن النيّة ولبس الثوبين على الأقوى (2).
مستحب فضلاً عن الخصوصيات والكيفيات ، ولا أقل من الإجمال. مضافاً إلى أنه لو كان واجباً لذكره الفقهاء ، ولا يمكن خفاؤه عليهم مع كثرة الابتلاء وشدّة الحاجة بذلك.
(1) كما في صحيحة معاوية بن عمّار «يقلّدها بنعل قد صلّى فيها» (3)، وفي صحيحة أُخرى له «يقلدها نعلاً خلقاً قد صلّيت فيها» (4)ولكن الفقهاء لم يلتزموا بهذين القيدين ، أي كونه خلقاً قد صلّى فيها ، وذكروا أن التعليق لأجل التعيين وعلامة لكون ما يسوقه هدياً ، ولذا ذكروا أن التعليق يحصل بكل شيء نعلاً كان أم غيره ، ففي معتبرة محمّد الحلبي «عن تجليل الهدي وتقليدها ، فقال : لا تبالي أي ذلك فعلت» (5)وفي صحيحة حريز عن زرارة «قال : كان النّاس يقلّدون الغنم والبقر وإنما تركه النّاس حديثاً ، ويقلدون بخيط وسير» (6).
ويؤكد ذلك : أنه لو كان التقليد على النحو الخاص واجباً لظهر وشاع وصار أمراً واضحاً عند الأصحاب ، فكيف يمكن خفاء هذا الحكم عليهم مع كثرة الابتلاء به.
(2) ذكر جماعة اعتبار مقارنة التلبية للنيّة كابن إدريس (7)والشهيد في اللّمعة (8)بينما ذهب آخرون إلى جواز تأخير التلبية عن النيّة كما نسب إلى المشهور.
1) (*) أو يجلله بشيء كالسير.
2) (**) بناء على ما هو الصحيح من أن الإحرام إنما يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد فلا حاجة إلى نيّة أُخرى غير نيّتها ، ولا بدّ من مقارنتها معها كما في سائر العبادات.
3) الوسائل 11 : 278 / أبواب أقسام الحج ب 12 ح 17.
4) الوسائل 11 : 278 / أبواب أقسام الحج ب 12 ح 11.
5) الوسائل 11 : 278 / أبواب أقسام الحج ب 12 ح 5.
6) الوسائل 11 : 278 / أبواب أقسام الحج ب 12 ح 9.
7) السرائر 1 : 532.
8) الرّوضة البهيّة 2 : 232.
[3246] مسألة 17 : لا تحرم عليه محرمات الإحرام قبل التلبية وإن دخل فيه بالنيّة ولبس الثوبين ، فلو فعل شيئاً من المحرمات لا يكون آثماً وليس عليه كفّارة ، وكذا في القارن إذا لم يأت بها ولا بالإشعار أو التقليد ، بل يجوز له أن يبطل الإحرام ما لم يأت بها في غير القارن أو لم يأت بها ولا بأحد الأمرين فيه والحاصل أن الشروع في الإحرام وإن كان يتحقّق بالنيّة ولبس الثوبين إلّا أنّه لا تحرم عليه المحرمات ولا يلزم البقاء عليه إلّا بها أو بأحد الأمرين ، فالتلبية وأخواها بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصّلاة (1).
والظاهر : أنّ اختلاف الأصحاب يبتني على الاختلاف في حقيقة الإحرام ، فقد ذهب جمع إلى أنه عبارة عن الالتزام وتوطين النفس على ترك المحرمات والمنهيات المعهودة ، وقال جمع آخر من الفقهاء أن الإحرام يحصل بالتلبية ، وهو الصحيح عندنا وعليه فلا ينبغي الشك في لزوم المقارنة. حيث ذكرنا أن الإحرام أمر بسيط وهو الدخول في حرمة اللّه وانّما يتحقق بالتلبية وبها يدخل في الإحرام ، وإذن فلا حاجة إلى نيّة أُخرى غير نيّتها ، ولا بدّ من مقارنة التلبية مع نيّة الإحرام لاعتبار اقتران العمل من أوّله إلى آخره بالنيّة كما في سائر العبادات ، ولا أثر للنيّة السابقة إذا كان حال العمل غافلاً عنها بالمرّة ، ولذا ذكرنا بطلان الغسل لمن خرج من بيته مريداً للغسل وكان حين الغسل غافلاً عنه بالمرّة.
وإن قلنا بأن الإحرام هو الالتزام والعقد القلبي وإن لم يكن له أثر ما لم يلب ، فلهذا البحث مجال ويصح أن يقال بأنه هل يعتبر أن يكون العزم مقارناً للتلبية أم لا ، فإذا عزم والتزم ثمّ أتى بالتلبية بنيّة الحج يكفي أم يعتبر أن يكون العزم مقارناً.
(1) قد عرفت مما تقدّم أنه لا كلام في جواز إتيان محرمات الإحرام قبل التلبية وأنه ما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات حتى الجماع ، استناداً إلى جملة من النصوص (1)المعتبرة.
1) الوسائل 12 : 333 / أبواب الإحرام ب 14.
[3247] مسألة 18 : إذا نسي التلبية وجب عليه العود إلى الميقات لتداركها وإن لم يتمكّن أتى بها في مكان التذكّر (1)، والظاهر عدم وجوب الكفّارة عليه إذا كان آتياً بما يوجبها ، لما عرفت من عدم انعقاد الإحرام إلّا بها (1).
إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل يختص بمورد التلبية ، أو يعم الإشعار أو التقليد وأنّ القارن الذي يدخل في الإحرام بسبب الإشعار أو التقليد كذلك أم لا؟
ربّما يستدل لذلك بالإجماع على أنّ القارن إذا لم يأت بالإشعار أو التقليد يجوز له ارتكاب محرمات الإحرام ، والظاهر عدم الحاجة إليه فإنّ في الأخبار غنى وكفاية حيث إن الحكم المذكور ينحل إلى حكم إيجابي وحكم سلبي ، أمّا الحكم الإيجابي فهو جواز ارتكاب المحرمات قبل التلبية. وأمّا السلبي فهو عدم جواز ارتكاب المحرّمات بعد التلبية ، وكلا الحكمين يستفاد من النصوص التي صرّحت بأنّ الإشعار والتقليد بمنزلة التلبية ، كمعتبرة معاوية بن عمّار «والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية» (2)فإنّ دليل التنزيل يقتضي إجراء حكم التلبية على الإشعار أو التقليد ، فلو لم يشعر أو لم يقلد جاز له ارتكاب كل شيء.
(1) النصوص الواردة في المقام (3)موردها نسيان الإحرام لا نسيان التلبية ، فإن قلنا بأنّ الإحرام هو التلبية وبها يتحقق الإحرام فالأمر واضح. وأمّا إذا قلنا بأن الإحرام يتحقّق بالعزم وعقد القلب ففي هذا الفرض إن التزمنا أن التلبية متممة للإحرام وما صدر منه كان إحراماً ناقصاً ويتم بالتلبية ، فالأمر واضح أيضاً لشمول الروايات الواردة في نسيان الإحرام لنسيان التلبية.
وأمّا لو قيل بأنّ التلبية غير دخيلة في الإحرام وإنّما هي واجب مستقل نظير لبس الثوبين ، فحينئذٍ لا موجب للعود إلى الميقات لتداركها ، لأنّها واجب مستقل ترك عن
[3248] مسألة 19 : الواجب من التلبية مرّة واحدة ، نعم يستحب الإكثار بها وتكرارها ما استطاع خصوصاً في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة وعند صعود شرف أو هبوط واد وعند المنام وعند اليقظة وعند الركوب وعند النزول وعند ملاقاة راكب وفي الأسحار (1) ،
عذر فيتداركه في مكانه متى تذكر ، والروايات الآمرة بالعود إلى الميقات إنما وردت في ناسي الإحرام.
(1) أمّا الاكتفاء بمرّة واحدة فممّا لا ريب فيه ، ويدلُّ عليه إطلاق الأدلّة كقوله في صحيح معاوية بن عمّار : «واعلم أنه لا بدّ من التلبيات الأربع التي كنّ في أوّل الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد» (1)، والمذكور في صدر الحديث وفي أوّل الكلام إنما هو الإتيان بالتلبيات الأربع مرّة واحدة.
وأمّا استحباب الإكثار وتكرارها ما استطاع في الموارد المذكورة في المتن فتدل عليه النصوص ، منها : صحيحة معاوية بن عمّار المتقدِّمة (2).
وأمّا الإتيان بها عند المنام بخصوصه فلا دليل عليه ، وإنما يدل عليه عموم قوله في الصحيحة : «وأكثر ما استطعت» ، فإن وقت النوم آخر زمان يمكن فيه الإتيان بالتلبية.
وأمّا الإجهار بها فهو المعروف عند الأصحاب ، وربّما نسب وجوبه إلى الشيخ في التهذيب ، ولكن الذي صرّح بالوجوب هو المفيد في المقنعة (3)لا الشيخ في التهذيب نعم لم يعلّق الشيخ في التهذيب على ما ذكره المفيد في المقنعة بل استدلّ له بصحيحة عمر بن يزيد (4). ولعلّ المراد بالوجوب هو الاستحباب الأكيد ، فإن الشيخ ادعى في
.................................................................................................
الخلاف أنه لم ير قائلاً بالوجوب (1). وكيف كان ، فقد اختار صاحب الحدائق الوجوب أو مال إليه للأمر به في النصوص وهو حقيقة في الوجوب ، وذكر أن حمل الأخبار المطلقة على مقيّدها يقتضي وجوب الإجهار (2).
ويرد عليه : أن المستفاد من الأخبار إنما هو الاستحباب لا الوجوب ، فإن عمدة ما استدل به صاحب الحدائق روايات ثلاث :
الأُولى : صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة (3)، قال (عليه السلام) بعد ما ذكر التلبيات الواجبة والمستحبة : «وأكثر ما استطعت واجهر بها» ، فإن الأمر بالإجهار لا يختص بالتلبيات الأربع الواجبة بل يرجع إلى التلبيات الكثيرة المذكورة في الدعاء ولا ريب أن هذه التلبيات الكثيرة مستحبة في نفسها ، فكيف يمكن أن يكون الجهر بها واجبا.
الثانية : ما روى عن حريز بطرق عديدة بعضها ضعيف للرفع كرواية الكليني وبعضها صحيح كطريق الصدوق والشيخ ، فإنهما رويا عن حريز بن عبد اللّه وما في الوسائل عن حريز عن عبد اللّه غلط ومحمّد بن سهل عن أبيه عن أشياخه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وجماعة من أصحابنا ممن روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنهما قالا : «لما أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال له : مر أصحابك بالعج والثج ، فالعج رفع الصوت والثج نحر البدن ، قال وقال جابر بن عبد اللّه : فما مشى الروحا حتى بحت أصواتنا» (4).
والجواب : أنّ الأمر بالعج ورفع الصوت إنما هو بعد تحقق الإحرام وأداء التلبية الواجبة التي يتحقّق بها الإحرام ، لا في التلبية الأُولى التي توجب الإحرام ، ولا ريب
وفي بعض الأخبار «من لبى في إحرامه سبعين مرّة إيماناً واحتساباً أشهد اللّه له ألف ألف ملك براءة من النّار وبراءة من النفاق». ويستحب الجهر بها خصوصاً في المواضع المذكورة للرجال دون النّساء ، ففي المرسل «إنّ التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية» ، وفي المرفوعة (1)«لما أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أتاه جبرائيل فقال : مر أصحابك بالعج والثج ، فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج نحر البدن».
[3249] مسألة 20 : ذكر جماعة أنّ الأفضل لمن حج على طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقاً كما قاله بعضهم ، أو في خصوص الراكب كما قيل ولمن حج على طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلاً ، ولمن حج من مكّة تأخيرها إلى الرقطاء كما قيل ، أو إلى أن يشرف على الأبطح (2)، لكن الظاهر بعد عدم
أنّ التلبيات الأخيرة غير واجبة فضلاً عن الإجهار بها ، فلا بدّ من حمل الأمر برفع الصوت فيها على الاستحباب.
الثالثة : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إن كنت ماشياً فاجهر بإهلالك وتلبيتك من المسجد ، وإن كنت راكباً فإذا علت بك راحلتك البيداء» (3)وهي أيضاً غير دالّة على الوجوب ، لأنها في مقام بيان موضع الجهر لا في مقام بيان أصل الجهر حتى يقال بأن الأمر ظاهر في الوجوب.
ثمّ إنه بناءً على استحباب الجهر أو وجوبه كما قيل إنما يختص بالرجال ولا يشمل النّساء للنص ، ففي صحيحة أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ليس على النّساء جهر بالتلبية» (4).
الإشكال في عدم وجوب مقارنتها للنيّة ولبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقاً وكون أفضليّة التأخير بالنسبة إلى الجهر بها ، فالأفضل أن يأتي (1)بها حين النيّة ولبس الثوبين سرّاً ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة ، والبَيداء أرض مخصوصة بين مكّة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكّة (1) ،
(1) ذكر جماعة من الأصحاب أنّ الأفضل لمن حجّ عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقاً ، أو في خصوص الراكب ، أو أنه مخير بين التلبية من نفس مسجد الشجرة أو من البيداء ، فيتوجه حينئذ إشكال وهو أنه بعد البناء على أن الإحرام يتحقّق بالتلبية أو أنها متممة له كما عن بعضهم فكيف يجوز تأخير التلبية من مسجد الشجرة لرجوع ذلك في الحقيقة إلى جواز تأخير الإحرام عن مسجد الشجرة. فيقع الكلام في مقامين :
أحدهما : لزوم تأخير التلبية عن مسجد الشجرة إلى البيداء كما اختاره صاحب الحدائق أو احتاط فيه احتياطاً لزومياً (2).
ثانيهما : جواز تأخيرها إلى البيداء.
أمّا المقام الأوّل : فقد ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) أن ظاهر الروايات الدالّة على الإحرام من مسجد الشجرة وجوب تأخير التلبية عن موضع عقد الإحرام في المسجد ، وقال : لا موجب لرفع اليد عن ظهور الروايات ، مع أنه ممن يرى أن الإحرام لا يحصل إلّا بالتلبية ، وذكر أيضاً أن هذا الحكم مختص بالإحرام من مسجد الشجرة ، وأمّا في غيره فحكم بالتخيير بين إتيان التلبية من نفس الميقات أو التأخير بها عن الميقات بمقدار يسير.
ولكن الفقهاء (رضي اللّه عنهم) أجمعوا وتسالموا على جواز الإحرام والتلبية من نفس مسجد الشجرة وعدم وجوب تأخيرها إلى البيداء ، للسيرة القطعيّة والروايات
.................................................................................................
العامّة في توقيت المواقيت والنهي عن التجاوز عنها بغير إحرام. مضافاً إلى الروايات الخاصّة الدالّة على جواز الإحرام وإتيان التلبية من نفس مسجد الشجرة ، كصحيح عبد اللّه بن سنان المعبر عنه في الحدائق بالقوي «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال : نعم ، إنما لبّى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) في البيداء لأنّ النّاس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية» (1)فإنّها كما ترى صريحة في جواز الإحرام وإتيان التلبية من نفس المسجد وأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) إنما أخّرها إلى البيداء لتعليم النّاس كيفية التلبية.
ويدلُّ أيضاً على جواز التلبية من نفس مسجد الشجرة إطلاق موثق إسحاق بن عمّار «إذا أحرم الرجل في دبر المكتوبة أيلبِّي حين ينهض به بعيره أو جالساً في دبر الصّلاة؟ قال : أي ذلك شاء صنع» (2)بلحاظ أن الصّلاة يؤتى بها غالباً في المسجد.
وفي صحيحة عمر بن يزيد المتقدِّمة (3)«إن كنت ماشياً فاجهر بإهلالك وتلبيتك من المسجد» ، وموردها وإن كان المشي ولكنّها تدل على جواز التلبية من مسجد الشجرة ، فما استشكله صاحب الحدائق في غير محلّه.
وأمّا المقام الثّاني : فهل يجوز تأخير التلبية إلى البيداء بعد التسالم على جواز الإتيان بها من مسجد الشجرة؟ ذهب جماعة إلى جواز التأخير ، بل ذكروا أنّ الأفضل تأخيرها إلى البيداء واستدلّوا بعدّة من النصوص.
منها : صحيحة معاوية بن وهب «عن التهيؤ للإحرام ، فقال : في مسجد الشجرة فقد صلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وقد ترى أُناساً يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم ، تقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك» (4).
.................................................................................................
ومنها : صحيحة منصور بن حازم «قال : إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول النّاس يخسف بالجيش» (1).
ومنها : صحيحة ابن سنان «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء» (2).
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «قال : صل المكتوبة ثمّ أحرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أوّل البيداء ، إلى أوّل ميل عن يسارك ، فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أو ماشياً فلب ...» (3)، ونحوها غيرها.
ولكن أدلّة المواقيت وعدم التجاوز عنها إلّا محرماً تنافي هذه الأخبار ، وأنه كيف يمكن القول بجواز تأخير التلبية مع أن الإحرام يحصل بالتلبية ، بل حتى على القول بتتميم الإحرام بها ، ولذا ذهب جماعة إلى أن التأخير إنّما هو بالنسبة إلى التلبيات المستحبة وحملوا الروايات الآمرة بالتأخير على ذلك ، وأمّا بالنسبة إلى التلبيات الواجبة فاللّازم إتيانها من نفس مسجد الشجرة ، وبذلك دفعوا التنافي بين الروايات وهذا الحمل بعيد ولا يساعده المتفاهم من الروايات ، فإن بعضها صريح في تأخير التلبية الواجبة ، بل قد ورد النهي في بعضها عن التلبية والإحرام بها في المسجد.
وأبعد من ذلك حمل الروايات على تأخير الإجهار بها إلى البيداء لا نفس التلبيات ، وذلك لعدم ذكر تأخير الجهر بها إلى البيداء في شيء من الروايات ، بل صرّح في بعض الروايات بالجهر بالتلبية من نفس المسجد (4).
والظاهر من الروايات تأخير نفس التلبية الموجبة للإحرام لا الإجهار بها ، ولا مناص إلّا من الأخذ بهذه الروايات الصحيحة الدالّة على جواز تأخيرها إلى البيداء وحينئذ فلا بدّ لنا من علاج منافاتها لأدلّة المواقيت.
والجواب عن ذلك : أن أدلّة المواقيت الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا إحرام
.................................................................................................
مطلقة من حيث تحقق الإحرام بعد قليل وزمان يسير ، ومن حيث عدم حصول الإحرام منه أصلاً ، فتخصص بهذه الروايات الدالّة على جواز تأخير التلبية والإحرام إلى البيداء ، فيختص النهي والمنع عن التجاوز عن الميقات بلا إحرام لمن لا يحرم أصلاً ، وأمّا من يريد الإحرام بعد قليل فلا مانع له من التجاوز عن المسجد بلا إحرام ، وحيث إن الإحرام من الميقات جائز جزماً كما عرفت تحمل هذه الروايات الدالّة على تأخير التلبية على الأفضليّة ، وإن كان الأحوط الإتيان بها في نفس مسجد الشجرة.
هذا لمن حج عن طريق المدينة ، فبناءً على ما ذكرنا لم تظهر أفضليّة التعجيل ، بل لا يبعد أفضليّة التأخير وإن كان التعجيل أحوط.
وأمّا من حج عن طريق آخر فذكر المصنف أنه يؤخرها إلى أن يمشي قليلاً كما في صحيحة هشام بن الحكم (1)، ولمن حج من مكّة تأخيرها إلى الرقطاء وهو موضع دون الردم ويسمى مدعى ، ويدلُّ عليه صحيح الفضلاء (2).
وأمّا تأخيرها إلى أن يشرف على الأبطح فلا دليل على أفضليّته ، بل لا قائل بها وإنما الدليل قام على الجهر بها إذا أشرف على الأبطح كما في صحيحة معاوية بن عمّار (3).
ثمّ إنه لو قلنا بوجوب مقارنة التلبية لنيّة الإحرام فلا يجوز تأخير التلبية عن مسجد الشجرة إلى البيداء ، وأمّا بناءً على جواز التأخير وعدم الإشكال في عدم وجوب مقارنتها للنيّة ، فقد ذكر المصنف استحباب التعجيل بها وكون أفضليّة التأخير بالنسبة إلى الجهر بها.
أقول : إن كان مراده من هذا الكلام ما ذكره بعد ذلك من أن الأفضل أن يأتي بها حين النيّة ولبس الثوبين سرّاً ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة ، فاستحباب التعجيل بها إنما هو بالنسبة إلى إتيانها في نفس المسجد ، بمعنى أنه لا يؤخر التلبية عن
والأبطح مسيل وادي مكّة وهو مسيل واسع فيه دقائق الحَصى أوّله عند منقطع الشعب بين وادي منى وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بِالعُلى عند أهل مكّة والرقطاء موضع دون الرَّدم يسمى مَدعى ، ومدعى الأقوام مجتمع قبائلهم والردم حاجز يمنع السيل عن البيت ويعبر عنه بالمدعى.
النيّة ويأتي بها فوراً ، فالاستعجال في مقابل تأخير الإتيان بالتلبية في نفس المسجد لا بالنسبة إلى البيداء ، ويدلُّ على استحباب هذا التعجيل عموم ما دلّ على استحباب المسارعة والاستباق إلى الخيرات ، فإن كان مراده ذلك فلا كلام لنا معه وإن كانت إرادة هذا المعنى في نفسه خلاف الظاهر.
وإن كان مراده جواز تأخير نفس التلبية إلى البيداء وإن كان التقديم مستحباً ، كما هو الظاهر من عبارته لعقد هذه المسألة في استحباب تأخير التلبية إلى البيداء ، ففيه : أن ظاهر الروايات لزوم تأخير نفس التلبية لا جوازه ، وإذن فكيف تحمل الروايات على استحباب تأخير الجهر بها ، ولو قلنا بأن ظاهر الروايات هو تأخير الجهر فتأخير التلبية بأي مجوز وبأي دليل.
والحاصل : لا يمكن الجمع بين الأمرين ، فإنه لو قلنا باستحباب التعجيل وإتيان التلبية في نفس المسجد في قبال تأخيرها إلى البيداء فلا يساعده الروايات ، لظهورها في لزوم تأخير نفس التلبية ، وإن قلنا بأن مفادها استحباب تأخير الجهر بها فتأخير التلبية لا دليل عليه.
والبيداء اسم لأرض مخصوصة بين مكّة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكّة على يسار الذاهب إلى مكّة ، وهو المكان الذي يقول النّاس يخسف بالجيش وقد وقع التصريح بذلك في عدّة من الروايات (1)، وصرّح بذلك في مجمع البحرين وحدّده بما ذكرنا وبأنه دون المكان المسمّى بالحفيرة بثلاثة أميال (2).
[3250] مسألة 21 : المعتمر عمرة التمتّع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكّة في الزّمن القديم ، وحدّها لمن جاء على طريق المدينة عقبة المدنيين وهو مكان معروف ، والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم ، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكّة لإحرامها (1)، والحاج بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة ، وظاهرهم أنّ القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب ، وهو الأحوط ، وقد يقال بكونه مستحبّاً (1).
(1) يقع الكلام في مسائل :
الأُولى : المعتمر عمرة التمتّع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكّة في الزمن القديم ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار.
منها : صحيح معاوية بن عمّار ، قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا دخلت مكّة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكّة فاقطع التلبية ، وحدّ بيوت مكّة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين ، فإن النّاس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن ، فاقطع التلبية» (2).
ومنها : صحيح الحلبي «المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكّة قطع التلبية» (3).
ومنها : صحيح ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «أنه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال : إذا نظر إلى عراش مكّة ، عقبة ذي طوى ، قلت : بيوت مكّة؟ قال : نعم» (4)والتحديد بعقبة ذي طوى لا ينافيه التحديد بعقبة المدنيين في الرواية الأُولى ، لاحتمال أن عقبة ذي طوى اسم آخر لعقبة المدنيين ، وإما أنها مكان آخر عن طريق آخر ، والعبرة بمشاهدة البيوت السابقة ، وحدّ تلك البيوت من طريق المدينة مثلاً بعقبة المدنيين ومن طريق آخر بعقبة ذي طوى.
ومنها : صحيح زرارة ، قال : «سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال : إذا دخل
.................................................................................................
البيوت بيوت مكّة لا بيوت الأبطح» (1).
وربّما يتوهم التعارض بينه وبين الروايات السابقة ، إذ العبرة حسب الرواية الأخيرة بدخول البيوت بينما الروايات المتقدّمة جعلت العبرة بمشاهدة البيوت.
ويمكن دفعه بأن الدخول في بيوت مكّة المستحدثة التي حدثت في زمان الأئمّة (عليهم السلام) كما ورد في صحيح معاوية بن عمّار «فإن النّاس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن» (2)يستلزم النظر إلى البيوت السابقة التي يكون النظر إليها سبباً للقطع ، فلا مخالفة بين الروايات ، نعم في خبر زيد الشحام جعل العبرة في القطع بدخول الحرم (3)ولكنه ضعيف السند بأبي جميلة المفضل بن صالح الذي كان يكذب ويضع الحديث.
وما في صحيح معاوية بن عمّار «وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم» (4)مطلق يشمل عمرة المتعة فيقيد بالروايات السابقة الدالّة على القطع في المتعة ، وكذلك إطلاق موثق زرارة (5).
المسألة الثانية : المعتمر بعمرة مفردة من أدنى الحل يقطع التلبية عند مشاهدة الكعبة ، والمصنف خص الحكم بمن كان بمكّة وخرج منها للاعتمار من أدنى الحل والظاهر أنه لا اختصاص بذلك ، بل الميزان بالإحرام من أدنى الحل سواء كان من التنعيم أو من غيره ، وسواء كان في مكّة وخرج منها للاعتمار أو كان في الخارج وبدا له أن يعتمر ، فليس عليه أن يذهب إلى الميقات ، وله أن يحرم من أدنى الحل كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) واعتمر من الجعرانة ، ولذا قلنا بعدم وجوب الرجوع إلى الميقات في العمرة المفردة في خصوص هذا القسم ، وهو الذي كان خارج مكّة ودون الميقات وأراد أن يعتمر.
وبالجملة : فهنا صورتان :
إحداهما : أن يحرم للمفردة من أدنى الحل إذا كان في مكّة وخرج منها للاعتمار.
.................................................................................................
ثانيتهما : ما لو كان خارج مكّة دون الميقات وأراد أن يعتمر ، والحكم فيهما قطع التلبية بمشاهدة الكعبة.
ويدلُّ عليه في الصورتين صحيحة عمر بن يزيد «ومن خرج من مكّة يريد العمرة ثمّ دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة» (1)وهي مختصّة بالصورة الأُولى. وصحيحة معاوية بن عمّار «من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد» (2)وإطلاقها شامل للصورتين ، والظاهر عدم اختصاص الحكم بالتنعيم بل الميزان بالاعتمار من أدنى الحل.
المسألة الثالثة : المعتمر للمفردة من خارج الحرم ، سواء أحرم من أحد المواقيت المعهودة أو من دويرة أهله كمن كان منزله بعد الميقات يقطع التلبية عند دخول الحرم ، ويدلُّ عليه عدّة من النصوص.
منها : خبر عمر بن يزيد «من دخل مكّة مفرِداً للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل أخفافها في الحرم» (3)فإن الظاهر منها بيان حكم من كان خارجاً من الحرم وأراد العمرة من الخارج بقرينة قوله : «حتى تضع الإبل أخفافها في الحرم».
ومنها : معتبرة زرارة «يقطع التلبية المعتمر إذا دخل الحرم» (4).
ومنها : معتبرة مرازم «يقطع صاحب العمرة التلبية إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم» (5).
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم» (6)فإن إطلاقها يشمل العمرة المفردة وعمرة التمتّع ، وبعد إخراج عمرة التمتّع عنه بالروايات السابقة يثبت اختصاص قطع التلبية بدخول الحرم بالعمرة المفردة.
.................................................................................................
ثمّ إنّ هنا روايات يظهر منها قطع التلبية بالنظر إلى بيوت مكّة كما في عمرة التمتّع.
منها : رواية يونس «عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال : إذا رأيت بيوت مكّة ذي طوى فاقطع التلبية» (1)ولكنّها ضعيفة بمحسن بن أحمد ، فإنه ممن لم يوثق ، فالتعبير بالموثقة في غير محله.
ومنها : صحيحة الفضيل ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت : دخلت بعمرة فأين أقطع التلبية؟ قال : حيال العقبة عقبة المدنيين؟ فقلت : أين عقبة المدنيين؟ قال : بحيال القصارين» (2).
والجواب : أنه ليس فيها تصريح بالعمرة المفردة وإنما هي بالإطلاق ، والروايات المتقدّمة واردة في خصوص المفردة فتقيد الصحيحة ويرتفع التنافي.
وربّما يتوهم معارضة هذه الروايات الدالّة على قطع التلبية بدخول الحرم بصحيحة البزنطي «عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال : كان أبو الحسن (عليه السلام) من قوله : يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكّة» (3)، فإن المصرح فيها العمرة المفردة ، لأنّ عمرة شهر المحرم إنما هي مفردة ، فتعارض ما دلّ على قطع التلبية بدخول الحرم في العمرة المفردة.
والجواب : أن الرواية وإن كان موردها العمرة المفردة ولكنها مطلقة من حيث بدء العمرة من أدنى الحل أو من قبل الحرم ، والروايات السابقة موردها الاعتمار من خارج الحرم إما لظهور الروايات في نفسها أو لأجل التقيّة ونحوها ، وصحيحة البزنطي مطلقة من حيث الإحرام من خارج الحرم أو من أدنى الحل ، أو كان في مكّة وخرج وأراد العمرة ، فالنسبة نسبة المطلق والمقيّد فتحمل صحيحة البزنطي على الإحرام من أدنى الحل ويرتفع التنافي.
نعم يبقى شيء وهو أن صحيح البزنطي جعل حدّ قطع التلبية بالنظر إلى بيوت
[3251] مسألة 22 : الظاهر أنه لا يلزم في تكرار التلبية أن يكون بالصورة المعتبرة في انعقاد الإحرام ، بل ولا بإحدى الصور المذكورة في الأخبار ، بل يكفي أن يقول : (لبيك اللّهمّ لبيك) بل لا يبعد كفاية تكرار لفظ لبيك (1).
مكّة وصحيح عمر بن يزيد المتقدّم الوارد فيمن اعتمر من أدنى الحل جعل الحد بالنظر إلى الكعبة ، ولكن يمكن رفع التنافي بالتلازم بين الأمرين ، فإن النظر إلى بيوت مكّة يستلزم النظر إلى الكعبة المشرفة لعلو البيت وارتفاعه ونحو ذلك.
فتحصل : أنّ ما ذهب إليه المشهور من قطع التلبية عند دخول الحرم إذا اعتمر من خارج الحرم هو الصحيح ، وما ذهب إليه الصدوق (1)من التخيير بين دخول الحرم والنظر إلى بيوت مكّة ضعيف.
المسألة الرابعة : الحاج بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة بلا خلاف عند الأصحاب ، ويشهد له النصوص ، منها : صحيح ابن مسلم «الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس» (2)وغيرها من الصحاح.
بقي الكلام في أن القطع في الموارد المذكورة على نحو العزيمة أو الرخصة ، نسب إلى ظاهر كلامهم أنه على نحو الوجوب وهو الظاهر ، للأمر بالقطع وظاهر الأمر هو الوجوب ، ولا أقل من ارتفاع الأمر السابق وانتهائه ، وبقاؤه يحتاج إلى الدليل فلا مجوز للإتيان بها ، لأنّ العبادة توقيفية ومشروعيتها تحتاج إلى الأمر ، بل يظهر من بعض الروايات أن إتيان التلبية في غير موردها مبغوض عند اللّه تعالى كما في صحيحة أبان ، قال : «كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) في ناحية من المسجد وقوم يلبون حول الكعبة ، فقال : أترى هؤلاء الذين يلبون؟ واللّه لأصواتهم أبغض إلى اللّه من أصوات الحمير» (3).
(1) لإطلاق النصوص الآمرة بالتلبية.
[3252] مسألة 23 : إذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحّة.
[3253] مسألة 24 : إذا أتى بالنيّة ولبس الثوبين وشكّ في أنه أتى بالتلبية أيضاً حتى يجب عليه ترك المحرمات أو لا ، يبني على عدم الإتيان (1)بها فيجوز له فعلها ولا كفارة عليه.
[3254] مسألة 25 : إذا أتى بموجب الكفّارة وشكّ في أنه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها ، فإن كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولاً لم تجب عليه الكفّارة ، وإن كان تاريخ إتيان الموجب مجهولاً فيحتمل أن يقال بوجوبها لأصالة التأخر ، لكن الأقوى عدمه ، لأنّ الأصل لا يثبت (2)كونه بعد التلبية (1).
(1) ذكر في هذه المسائل صوراً ثلاثاً للشك في التلبية :
الأُولى : ما إذا أتى بها ثمّ شكّ في أنه أتى بها صحيحة أم لا.
الثانية : أن يشك في أصل وجود التلبية وتحققها وعدمه بعد النيّة ولبس الثوبين.
الثالثة : أن يشك في تقدّم التلبية وتأخرها على ما يوجب الكفّارة.
أمّا الصورة الاولى : فلا ريب في أنه يبني على الصحّة ، لعموم قوله «كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (3)، فإن قاعدة الفراغ لا تختص بباب دون باب.
وأمّا الصورة الثانية : فقد ذكر في المتن أنه يبني على عدم الإتيان بها لأصالة عدمه ، فيجوز له فعل محرمات الإحرام ولا كفارة عليه كما يجب عليه الإتيان بالتلبية وما ذكره صحيح ولكنه يقيّد بما إذا لم يتجاوز المحل كما إذا شكّ وهو في الميقات ، وأمّا
.................................................................................................
إذا تجاوز المحل وخرج عن الميقات ووصل إلى مكّة وشكّ في حال الطواف مثلاً ، فلا عبرة بشكّه لجريان قاعدة التجاوز ، فإنها تجري في جميع الموارد إلّا في باب الوضوء للنص (1)، فكل مورد صدق عليه التجاوز عن محله تجري قاعدة التجاوز سواء أكان في العبادات أم في المعاملات ، وقد ذكرنا في محله أن التجاوز إنما هو باعتبار التجاوز عن محله لا التجاوز عن نفس الشيء المشكوك فيه ، لعدم تحقق التجاوز عن الأمر المشكوك فيه وجوداً وعدماً ، كما إذا ركع وشكّ في القراءة وعدمها فإن التجاوز عنها باعتبار تجاوز محلها ، نعم في بعض الموارد لا يتحقّق التجاوز إلّا بالدخول في الغير كباب الصّلاة كالمثال المتقدّم ، فإنه لو شكّ في القراءة قبل الدخول في الركوع لا يتحقق التجاوز عن محل القراءة.
وأمّا الصورة الثالثة : فهي ما إذا أتى بموجب الكفّارة وبالتلبية وشكّ في المتقدِّم منهما والمتأخِّر ، فتارة يجهل تأريخهما ، وأُخرى يعلم تاريخ التلبية ، وثالثة يعلم تأريخ ارتكاب المحرمات.
اختار المصنف عدم وجوب الكفّارة في جميع الصور.
أقول : قد ذكرنا في توارد الحالتين أن جريان الأصلين وتعارضهما يتوقف على ترتب الأثر لكل منهما ، فإن جريانهما معاً غير ممكن وفي أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، وأمّا إذا كان الأثر مترتباً على أحدهما دون الآخر فلا مانع من جريان الأصل فيه والرجوع إليه ، سواء كان المورد من موارد مجهولي التاريخ أو كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً. ومقامنا من هذا القبيل ، لأنّ ارتكاب الأفعال المنهية قبل التلبية لا أثر له وإنما الأثر يترتب بعد التلبية ، فلو شكّ في أنه هل ارتكب محرماً بعد التلبية ليترتّب عليه الكفّارة أو لم يرتكب شيئاً ، لم تجب عليه الكفّارة لأصالة عدم الارتكاب بعد التلبية ، ولا تعارض بأصالة عدم الارتكاب قبل التلبية لعدم ترتّب الأثر على ذلك ، فأحد الأصلين لا أثر له فلا يجري والأصل الآخر الذي يترتّب عليه
1) الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42.
الثالث من واجبات الإحرام : لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه ، يتّزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ، والأقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقق الإحرام ، بل كونه واجباً تعبّديّا (1) ،
الأثر يجري ، سواء كان المورد مجهول التاريخ أو معلومه ، ولا مجال للرجوع إلى البراءة بعد إمكان جريان الأصل الموضوعي.
(1) وجوب لبس ثوبي الإحرام المسمّى أحدهما بالإزار والآخر بالرداء اتفاقي بين الأصحاب ولم يخالف فيه أحد منّا بل من المسلمين كافة ، وقد جرت عليه السيرة من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وزمن الأئمّة (عليهم السلام) إلى زماننا ، فلا كلام في أصل الوجوب وإنما يقع الكلام في جهات :
الاولى : أنّ المستفاد من الأخبار هل هو وجوب لبسهما أو استحبابه؟ ربّما يقال بوجوب ذلك لعمل النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) وسائر المسلمين ، ولكن يردّه أن مجرد العمل لا يدل على الوجوب وإذن فلا بدّ من ذكر بعض الأخبار التي استفيد منها الوجوب ، فمنها : الأخبار الآمرة بلبس الثوبين ولو على نحو الجملة الخبرية ، بناءً على ما هو الصحيح من دلالتها على الوجوب كظهور الأمر في الوجوب ولا يرفع اليد عنه إلّا بالقرينة ، ومجرّد الاقتران بالأُمور المستحبّة غير ضائر بدلالة الأمر على الوجوب ، لما ذكرنا في المباحث الأُصولية (1)أنّ الأمر ظاهر في الوجوب ، ففي كل مورد قامت القرينة على الاستحباب نرفع اليد عن الوجوب في ذلك المورد ويبقى الباقي على الوجوب ، فلو قال : اغتسل للجنابة والجمعة نلتزم بالوجوب لظهور الأمر فيه ، وإنما نلتزم باستحباب غسل يوم الجمعة لقيام القرينة الخارجية على عدم الوجوب.
فمن جملة الروايات : صحيحة معاوية بن وهب في حديث ، «حتى تأتي الشجرة
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 132.
.................................................................................................
فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك إن شاء اللّه» (1).
ومنها : صحيحة هشام بن سالم «والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها» (2).
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار «ثمّ استك واغتسل والبس ثوبيك» (3).
ومنها : صحيحة أُخرى له «إذا كان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل ثمّ البس ثوبيك وادخل المسجد» (4)وغيرها من الأخبار.
ويؤكد ذلك ما ورد في تجريد الصبيان من فخ (5)، فإنّ تجريدهم من ثيابهم يكشف عن اعتبار لبس ثوبي الإحرام وإلّا فلا موجب لتجريدهم.
ويؤيد ذلك ما ورد في الإحرام من المسلخ من وادي العقيق وأنه عند التقيّة والخوف يؤخر لبس ثياب الإحرام إلى ذات عرق (6)، ويعلم من ذلك أن لبس ثوبي الإحرام من الواجبات ، إلى غير ذلك من الروايات والشواهد.
الجهة الثانية : في أن لبس ثوبي الإحرام واجب تعبدي بحيث لو تركه انعقد إحرامه وإن كان آثماً أم أنه واجب شرطي في تحقق الإحرام بحيث لا ينعقد الإحرام إلّا به؟ واشتراط المذكور يتصور على نحوين :
أحدهما : أن يكون لبس الثوبين متمماً للإحرام ، فلو لبى وهو عار أو كان لابساً للمخيط وغير لابس للثوبين فلم يتحقق منه الإحرام الكامل ، والإحرام الكامل التام يحصل بعد لبس الثوبين فاللبس مقوم أي متمم للإحرام ، إلّا أن ما أتى به من التلبية قبل اللبس صحيح ولا حاجة إلى إعادتها.
ويرده أوّلاً : أنه لا دليل على ذلك.
.................................................................................................
وثانياً : ينافيه صريح الروايات الدالّة على أن موجب الإحرام أحد أُمور ثلاثة : الإشعار أو التقليد أو التلبيات كما في صحيحة معاوية بن عمّار (1).
ثانيهما : أن يكون لبس ثوبي الإحرام شرطاً في صحّة التلبية بحيث لو لبى عارياً أو في المخيط من دون الثوبين عليه إعادة التلبية لوقوعها فاقدة للشرط فتفسد.
ويردّه : مضافاً إلى عدم الدليل ومنافاته لصحيحة معاوية بن عمّار المتقدِّمة (2)صحيح معاوية بن عمّار وغير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل أحرم وعليه قميصه فقال : ينزعه ولا يشقه ، وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقه وأخرجه مما يلي رجليه» (3)فإنه يدل على صحّة إحرامه والاجتزاء به وإن كان عليه قميصه من دون حاجة إلى إعادة الإحرام ، وإنما ينزع القميص لحرمة لبس المخيط على المحرم ، ولو كان لبس الثوبين شرطاً في صحّة الإحرام يلزم عليه الإحرام ثانياً لبطلان الإحرام الأوّل.
ولكن صاحب الحدائق (4)ذكر أن هذه الصحيحة الدالّة على صحّة الإحرام في المخيط مطلقة من حيث الجهل بالحكم والعلم به مع تعمد الإحرام في المخيط ، فتقيّد بصحيحة عبد الصمد بن بشير الدالّة على صحّة الإحرام في المخيط في صورة الجهل بالحكم ، فيحمل إطلاق صحيح معاوية بن عمّار على خبر عبد الصمد ، فتكون النتيجة صحّة الإحرام في المخيط عند الجهل بالحكم دون ما لو كان عالماً به وتعمّد الإحرام في المخيط.
وأمّا صحيحة عبد الصمد فهي ما رواه الشيخ عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه ، فوثب إليه أُناس من أصحاب أبي حنيفة وأفتوه بشق قميصه وإخراجه من رجليه وأن عليه بدنة والحج من قابل وأنّ ما حجّه في المخيط فاسد ، وذكر ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام)
.................................................................................................
وأنه لم يسأل أحداً عن شيء ، فقال (عليه السلام) : متى لبست قميصك؟ أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال : قبل أن أُلبي ، قال : فأخرجه من رأسك ، فإنه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل ، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه» (1).
والجواب : أن المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيّد ، وذلك لأنّ خبر عبد الصمد ليس في مقام بيان تصحيح عمله لكونه جاهلاً ، وإنما هو في مقام بيان أنه ليس عليه الكفّارة وفي مقام نفي ما أفتوا به في حقّه وأنه لا يجب عليه شيء مما ذكروه ، وقد فصّل في الرواية بين اللبس قبل التلبية أو بعدها وحكم (عليه السلام) بإخراج القميص من رأسه فيما إذا لبسه قبل التلبية وهذا حكم تعبدي كما أنه يخرجه من رجليه إذا لبسه بعد ما أحرم كما في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة.
فتحصل : أنه لا دليل على اشتراط لبس الثوبين في تحقق الإحرام بكلا المعنيين لا بمعنى المتمم ولا بمعنى دخله في صحّة التلبية ، وإنما المستفاد من الأدلّة وجوب لبس الثوبين وجوباً مستقلا تعبديا.
وربّما يقال : إن المستفاد من صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمّار بطلان التلبية إن لم يكن لابساً لثوبي الإحرام ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن لبست ثوباً في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلبّ وأعد غسلك ، وإن لبست قميصاً فشقه وأخرجه من تحت قدميك» (2)فإن الأمر بإعادتها يكشف عن بطلان الإحرام الأوّل لأنه أحرم فيما لا يصلح له لبسه كالمخيط.
وفيه : أن الصحيحة غير ناظرة إلى شرطية اللبس في تحقق الإحرام وإنما هي ناظرة إلى لبس ما لا يجوز لبسه عند الإحرام ، سواء أكان لابساً لثوبي الإحرام أم لا بل فرض فيها تحقق الإحرام منه وإنما لبس ما لا يصلح له من الثياب ، والقرينة على ذلك حكمه (عليه السلام) بشق القميص وإخراجه من تحت قدمه في ذيل الرواية ، كما
.................................................................................................
في صحيحتي معاوية بن عمّار المتقدِّمتين (1).
وبالجملة : الرواية في مقام بيان التفصيل بين القميص والقباء وأن القميص يمتاز عن غيره كالقباء بشق القميص وإخراجه من تحت قدميه ، لأنه لو أخرجه من رأسه يتحقق ستر الرأس بخلاف القباء والجبة ونحوهما مما يمكن نزعه من دون أن يستر الرأس ، ومن الواضح أن كل من لبس ثوباً لا يصلح له لبسه بعد تحقق الإحرام منه يستحب له إعادة التلبية ، فلا دلالة في الرواية على بطلان التلبية مع لبس المخيط ، وإنما تدل الرواية على إعادة التلبية والغسل بعد تحقق الإحرام منه فلا بدّ أن يكون الحكم محمولاً على الاستحباب.
الجهة الثالثة : هل يختص وجوب لبس الثوبين بالرجال أو يعم النّساء؟ ذكر صاحب الجواهر (2)أن الظاهر عدم وجوب لبس ثوبين لخصوص الإحرام للمرأة تحت ثيابها وإن احتمله بعض الأفاضل ، بل جعله أحوط ، ولكن الأقوى ما عرفت خصوصاً بعد عدم شمول النصوص السابقة للإناث إلّا بقاعدة الاشتراك التي يخرج عنها هنا بظاهر النص والفتوى.
يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : في وجوب أصل اللبس عليها في مقابل العري. لا خلاف ولا إشكال في وجوب لبس الثوب عليها وأنه لا يجوز لها الإحرام عارية وإن أمنت النظر ، كما إذا أحرمت في ظلمة الليل ونحو ذلك ، حتى من خصّ الثوبين بالرجال التزم بوجوب لبس الثياب عليها ولم يجوّز لها الإحرام عارية ، وقد دلّت على ذلك عدّة من الروايات كالنصوص الآمرة بلبس الثياب على المرأة الحائض ، والتي دلّت على أن يكون ثوبها طاهراً وأن تتخذ ثوباً يقي من سراية النجاسة إلى ثيابها التي تحرم فيها ، وكذا الروايات الواردة في لبس المرأة الحرير الممزوج أو الخالص والمخيط (3)، وغير ذلك من
.................................................................................................
الروايات المتفرقة التي يستفاد منها وجوب أصل اللبس عليها وعدم جواز إحرامها عارية ، وهذا مما لا خلاف فيه بينهم ، نعم وقع الخلاف في بعض الخصوصيات كلبس الحرير المحض لها ونحو ذلك ، وإلّا فأصل اللبس فالكل متّفقون على ذلك كما عرفت.
المقام الثاني : في وجوب لبس خصوص الإزار والرداء عليها ، وكلام صاحب الجواهر الذي قوي العدم وصاحب الحدائق (1)الذي خصّ وجوب لبسهما بالرجال في هذا المقام ، لا في مقام أصل لبس الثياب عليها في نفسه مع قطع النظر عن الخصوصية ، فالكلام يقع في إثبات وجوب لبس الثوبين المعهودين على النّساء فنقول :
لا ريب في وجوب لبسهما على الرجال ، وأمّا على النّساء فلم يرد فيهنّ ما يدل على ثبوت هذه الخصوصية في حقهن ، ولا يستفاد من الروايات وجوب لبسهما عليها وإنما الروايات تثبت وجوب أصل اللبس عليها ، وأمّا خصوصية الثوبين فلا تستفاد منها ، كما أنه لم يظهر منها تعميم الحكم للرجال والنّساء ، وأمّا قاعدة الاشتراك فلا تجري في المقام فلا يمكن إثبات الحكم في حق النّساء بالقاعدة المزبورة ، فالثبوت في حقّها يحتاج إلى دليل بالخصوص ، وذلك لأنّ قاعدة الاشتراك إنما تجري فيما إذا لم نحتمل الخصوصية ، وأمّا إذا كان هناك احتمال خصوصية باعتبار عدم جواز لبس المخيط للرجال ووجوب التجرّد عليهم من الثياب ونحو ذلك ، وجواز ذلك للنّساء وعدم وجوب التجرّد عن الثياب عليها فلا مجال لجريانها ، فما ذكره صاحب الجواهر (2)(قدس سره) من مخالفة القاعدة لظاهر النص والفتوى هو الصحيح ، أمّا مخالفتها للنص فلأنه قد اشتمل على الأمر بلبس الثوبين ونزع المخيط وهذا يختص بالرجال وأمّا المرأة فيجوز لها لبس المخيط ولا يجب عليها نزع الثياب ، وأمّا الفتوى فلتجويزهم لبس المخيط لها وعدم وجوب نزع الثياب عليها بل جوز بعضهم لبس الحرير لها ، فتضعيف كلام صاحب الجواهر (رحمه اللّه) بهذه الروايات الدالّة على جواز لبس المخيط لها أو جواز لبس الحرير لها ، مخدوش بعدم دلالة هذه الروايات على وجوب لبس خصوص
والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصة في لبسهما ، فيجوز الاتزار بأحدهما كيف شاء والارتداء بالآخر أو التوشح به أو غير ذلك من الهيئات لكن الأحوط لبسهما على الطريق المألوف (1) ،
الثوبين ، وإنما تدل على وجوب أصل اللبس فهي أجنبية عن وجوب لبس الثوبين عليها الذي وقع الكلام فيه.
فتحصل من جميع ما تقدّم : أن المرأة لا يجوز لها الإحرام عارية ، بل يجب عليها الإحرام في ثيابها ، وأمّا وجوب لبس خصوص ثوبي الإحرام الإزار والرداء فلم يثبت في حقّها ، لأنّ مستند وجوب اللبس أحد أمرين : إما قاعدة الاشتراك وإما النصوص الواردة في باب إحرام الحائض (1)، وشيء منهما لا يدل على الوجوب ، أمّا النصوص فمقتضاها وجوب أصل الثياب عليها لا ثوبي الإحرام ، وأمّا القاعدة فلا تجري في أمثال المقام الذي نحتمل الاختصاص بالرجال.
(1) أمّا خصوصيات الثوبين ، فقد ذكروا أنه يجعل أحدهما إزاراً والآخر رداءً وتدل عليه الروايات الآمرة بإلقاء الثوب أو العمامة على عاتقه إذا لم يكن له رداء وبلبس السراويل إذا لم يكن له إزار ، ويستكشف من ذلك وجوب لبس الإزار والرداء وإن لم يتمكّن منهما ينتقل الأمر إلى البدل وهو ما ذكرناه ، ففي صحيحة عبد اللّه ابن سنان «أمر النّاس بنتف الإبط وحلق العانة والغسل ، والتجرّد في إزار ورداء أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء» (2).
وفي صحيحة عمر بن يزيد «وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه (عاتقه) أو قباء بعد أن ينكسه» (3).
وفي صحيحة معاوية بن عمّار «ولا سراويل إلّا أن لا يكون لك إزار» (4).
وكذا الأحوط عدم عقد الإزار (1)في عنقه (1) ،
وفي خبر محمّد بن مسلم «ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء ويقلب ظهره لباطنه» (2)وهو ضعيف السند لضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم (3).
(1) المعتبر في الإزار عدم عقده في عنقه ، فإن ذلك كان أمراً متعارفاً في الأزمنة السابقة إذا كان الإزار واسعاً كبيراً ، وتدل عليه روايتان :
الأُولى : صحيحة سعيد الأعرج «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يعقد إزاره في عنقه؟ قال : لا» (4)والرواية معتبرة فإن طريق الصدوق إلى سعيد الأعرج معتبر (5)، ووجود عبد الكريم بن عمرو فيه غير ضائر ، فإنه وإن كان واقفياً خبيثاً كما عن الشيخ (6)ولكنه ثقة ، بل ذكر النجاشي أنه كان ثقة ثقة عيناً (7)، ولا يكرر النجاشي الثقة إلّا في مورد شدّة الوثاقة.
وربّما يتوهّم أنّ السؤال عن وجوب عقد الإزار في عنقه لا الجواز فلا يدل الخبر على المنع ، ولكنّه بعيد جدّاً ، إذ لا يحتمل وجوب عقد الإزار ليسأل عنه. على أنه لو كان واجباً لكان من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء به ولا يمكن خفاؤه على مثل سعيد الأعرج الذي هو من أعاظم أصحاب الصادق (عليه السلام) حتى يسأل.
الثانية : صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) ، قال : «المحرم لا يصلح له أن يعقد إزاره على رقبته ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده» (8).
1) (*) لا يترك.
2) الوسائل 12 : 487 / أبواب تروك الإحرام ب 44 ح 7 ، الفقيه 2 : 218 / 997.
3) الفقيه 4 (شرح المشيخة) : 6.
4) الوسائل 12 : 502 / أبواب تروك الإحرام ب 53 ح 1 ، الفقيه 2 : 221 ح 1023.
5) الفقيه 4 (شرح المشيخة) : 71.
6) رجال الطوسي : 339 / 5051.
7) رجال النجاشي : 245.
8) الوسائل 12 : 503 / أبواب تروك الإحرام ب 53 ح 5.
بل عدم عقده مطلقاً ولو بعضه ببعض ، وعدم غرزة بإبرة ونحوها ، وكذا في الرداء الأحوط عدم عقده (1) ،
وهذه الرواية رُويت بطريقين : أحدهما ضعيف بعبد اللّه بن الحسن ، والآخر صحيح وهو طريق الشيخ إلى كتاب علي بن جعفر (1)، وصاحب الوسائل رواها عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه نفس طريق الشيخ إلى الكتاب.
وأمّا قوله (عليه السلام) : «لا يصلح» ظاهر في عدم الجواز لأنّه بمعنى عدم القابلية ، نظير قوله تعالى ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) (2)فالأظهر عدم الجواز ولا أقل من الاحتياط اللّزومي.
(1) أمّا عدم عقده مطلقاً ولو في غير العنق أو غرزة بإبرة ونحوها فلا دليل عليه إلّا خبر الاحتجاج (3)، ولضعفه سنداً لا يمكن الاستناد إليه ، هذا كلّه في الإزار.
وأمّا الرداء فعقده في العنق أو عقده مطلقاً أو غرزة بإبرة ونحوها فلا دليل على المنع من ذلك.
وربما يستدل له بدعوى إطلاق الإزار على الرداء في الاستعمالات ، كما أُطلق في كفن الميِّت بالنسبة إلى الثوب الثالث المشتمل على جسد الميِّت وعبّروا عنه بإزار وهو الذي يغطِّي تمام البدن.
وفيه : ما لا يخفى فإنّ الإزار في مقابل الرداء ، ومعنى الإزار معلوم وهو الذي يتّزر به الإنسان ويستر ما بين السرّة والرّكبة غالباً ، ولا يُقال للثوب المشتمل على الجسد الإزار ، والرداء هو الثوب المشتمل على معظم بدن الإنسان كالعباءة والملحفة ونحوهما ولم يتعارف شدّه في العنق ، بخلاف المئزر فإنّه يتعارف شدّه بالعنق خصوصاً إذا كان واسعاً كبيراً ، وبالجملة : حمل الإزار على الرداء بعيد جدّا.
لكن الأقوى جواز ذلك كلّه في كل منهما ما لم يخرج عن كونه رداءً أو إزاراً ويكفي فيهما المسمّى وإن كان الأولى بل الأحوط أيضاً كون الإزار ممّا يستر (1)السُّرة والركبة ، والرِّداء ممّا يستر المنكبين (1) والأحوط عدم الاكتفاء بثوب طويل يتزر ببعضه ويرتدي بالباقي إلّا في حال الضرورة ،
وأمّا عقده في غير العنق فلا دليل عليه أصلاً حتى إذا حملنا الإزار على الرداء ، لأنّ الممنوع إنما هو عقده في العنق كما في النص ، وأمّا العقد مطلقاً أو غرزة بإبرة ونحوها فلا دليل عليه.
(1) وأمّا حدّ الثوبين من حيث الكبر والصغر والطول والقصر فالعبرة بالصدق العرفي ، ويكفي فيهما المسمى وصدق الاتزار والارتداء. وأمّا ما ذكروه في تحديد الرداء بكونه مما يستر المنكبين فالظاهر أنهم يريدون بذلك كون الثوب واسعاً عريضاً يستر المنكبين وشيئاً من الظهر ، وإلّا فمجرد ستر المنكبين من دون ستر الظهر به لا يكفي لعدم صدق الرداء عليه قطعاً ، كما إذا ألقى منديلاً طويلاً على منكبيه.
وبعبارة اخرى : لا يجزئ في صدق الارتداء مجرد ستر المنكبين بثوب قليل العرض بل لا بدّ أن يكون الثوب واسعاً عريضاً وساتراً لمعظم البدن ، كالعباءة والملحفة التي تلبس فوق الثياب كالاحرامات المتعارفة في زماننا.
وأمّا الإزار فالمعتبر أن يستر ما بين السرة والركبة ، والمتعيّن في جميع ذلك بالصدق العرفي.
ثمّ إن الظاهر من الروايات الآمرة بالتجرد في الإزار والرداء وجواز لبس السراويل إن لم يكن له إزار أو لبس القباء إن لم يكن له رداء ، تعدّد الثوب يسمّى أحدهما الرداء والآخر الإزار ، فلا يكتفي بثوب واحد طويل عريض يجعل بعضه إزاراً وبعضه الآخر رداءً.
1) (*) لا يترك.
والأحوط كون اللبس قبل النيّة والتلبية (1) فلو قدمهما عليه أعادهما بعده والأحوط ملاحظة النيّة في اللبس ، وأمّا التجرّد فلا يعتبر فيه النيّة وإن كان الأحوط والأولى اعتبارها فيه أيضاً.
[3255] مسألة 26 : لو أحرم في قميص عالماً عامداً أعاد (1)، لا لشرطية لبس الثوبين ، لمنعها كما عرفت ، بل لأنه مناف للنيّة حيث إنه يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط (2) ، وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الأمر كذلك أيضاً ، لأنه مثله في المنافاة للنيّة ، إلّا أن يمنع كون
وأمّا كيفية اللبس فالظاهر أنه لا تعتبر فيه كيفية خاصّة وإنما المعتبر صدق الاتزار والارتداء عرفاً. وذكر بعضهم أنه يجوز التوشح بالرداء ، بأن يدخل طرفه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على عاتقه الأيسر أو بالعكس كالتوشح بالسيف والتقلد به.
أقول : إن التزمنا بأن لبس الثوبين منصرف إلى اللبس المتعارف المألوف فالتوشح غير مجز ، لعدم تعارفه وإن صدق عليه الرداء ، وأمّا إذا قلنا بأن مجرد التعارف الخارجي لا يوجب الانصراف إليه كما هو الصحيح فالعبرة حينئذٍ بالصدق العرفي وأنه اتزر وارتدى بأي نحو كان نظير لبس العباء ، ولا تتعيّن هيئة خاصّة.
(1) ما ذكره المصنف من الاحتياط إنما هو استحبابي لما تقدّم منه ومنّا قريباً أن اللبس ليس شرطاً في تحقق الإحرام ، وإنما هو واجب تعبّدي مستقل والإحرام يتحقق بدون اللبس ، فلا حاجة إلى إعادة التلبية والنيّة حتى لو ترك اللبس عمداً وعصياناً فضلاً عن النسيان ، وإنما احتاط باعادتهما للمجرّد لاحتمال اشتراط اللبس في الإحرام.
(2) قد فصّل (قدس سره) في الإعادة بين ما لو قيل بأن الإحرام هو العزم على الترك فيكون الإتيان بالمحرمات كالمخيط منافياً للنيّة وللعزم على الترك فتجب
1) (*) لا تجب الإعادة ، وقد مرّ عدم اعتبار العزم على ترك المحرمات في صحّة الحج.
الإحرام هو العزم على ترك المحرمات بل هو البناء على تحريمها على نفسه فلا تجب الإعادة حينئذٍ ، هذا ولو أحرم في القميص جاهلاً بل أو ناسياً أيضاً نزعه وصح إحرامه ، أمّا إذا لبسه بعد الإحرام فاللّازم شقّه وإخراجه من تحت ، والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبد ، لا لكون الإحرام باطلاً في الصورة الأُولى كما قد قيل.
الإعادة ، وبين ما لو قيل بأن الإحرام هو البناء والالتزم بتحريم التروك على نفسه فلا تجب الإعادة ، لعدم منافاة الإتيان بالمحرمات للبناء والالتزام على ترك الشيء.
وتوضيح ذلك : أنه قد يتعلق الالتزام بجعل شيء على نفسه ويبني على أن يكون الشيء الفلاني لازماً أو محرماً عليه كالنذر ، وقد يتعلق الالتزام بإتيان الفعل أو ترك المنافيات ، يعني يبني ويعزم على الترك كالصوم ، فإن كان الالتزام على النحو الأوّل فلا ينافيه الإتيان بالمحرمات ، فإن الإنسان قد يلتزم على نفسه شيئاً ومع ذلك يخالفه كمورد النذر ، لإمكان حنثه ومخالفته ، ولا ينافي الحنث تحقق النذر منه ، وإن كان الالتزام على النحو الثاني بأن يعزم على الترك فإذا ارتكب ذلك الشيء كان منافياً لنيّته وعزمه كالصوم ، فالتفصيل على ما ذكره في محلّه ، فإن الفرق بين العزم على الترك أو البناء على تحريم الشيء على نفسه واضح.
ولكن قد عرفت فيما تقدّم (1)بما لا مزيد عليه أنه لا يعتبر شيء من ذلك في الإحرام فإن حقيقته هي الدخول في حرمة اللّه ، وسببه وموجبه هو التلبية ، وأمّا التروك فهي أحكام مترتبة على الإحرام لا أنها دخيلة فيه ، فالعزم على تركها أو العزم على جعلها محرمة عليه غير دخيل في الإحرام ، ولذا لو أحرم ولم يعلم بالمحرمات صحّ إحرامه ، بل لو كان عالماً بها ومع ذلك أحرم فيها لا يضر بإحرامه فضلاً عن الجهل.
نعم ، بناءً على ما ذهب إليه السيّد المصنف من اعتبار العزم على الترك في حقيقة
1) في ص 376.
[3256] مسألة 27 : لا يجب استدامة لبس الثوبين بل يجوز تبديلهما ونزعهما لإزالة الوسخ أو للتطهير (1) بل الظاهر جواز التجرّد منهما مع الأمن من الناظر أو كون العورة مستورة بشيء آخر.
الإحرام فقد يفصل بين العلم والجهل.
أمّا الصحّة في مورد الجهل فلصحيحة عبد الصمد لقوله : «أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه» (1). وذكرنا فيما سبق (2)أن الصحيحة في مقام نفي الأشياء التي أفتوا بها كفساد الحج ولزوم البدنة ، وليست في مقام بيان صحّة العمل إذا كان فاقداً للشرط.
وأمّا النسيان فإن قلنا بأنه يستفاد حكمه من هذه الصحيحة لأنه جهل في الحقيقة غاية الأمر جهل مسبوق بالعلم ولا أقل أنه أولى بالعذر ، فإن الحكم بالصحّة في مورد الجهل للعذر ، والناسي أولى بالعذر لعدم إمكان توجه الخطاب إليه حتى بنحو الاحتياط لغفلته وهذا بخلاف الجاهل ، ومع الغض والتنزل عن جميع ذلك فإطلاق صحيح معاوية بن عمّار يكفي في الحكم بالصحّة في مورد الناسي بل في العالم العامد فالناسي لا شيء عليه وكذلك العامد وإن كان عاصيا.
ثمّ إنه إذا لبس القميص بعد الإحرام فاللّازم شقّه وإخراجه ممّا يلي رجليه ، وإن أحرم وعليه قميصه ينزعه ولا يشقّه كما في النص (3).
(1) أو لداع آخر ، لأنّ وجوب لبس الثوبين يعتبر حدوثاً لا بقاءً فيجوز له نزعهما ولكن لا يجوز له لبس المخيط ، وإلّا فالتجرّد منهما في نفسه لا مانع منه ، كما إذا أمن من النظر كالتجرّد في ظلمة ونحو ذلك ، ويكفينا أصالة عدم وجوب الاستمرار ، بل قد
[3257] مسألة 28 : لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الإحرام وفي الأثناء للاتقاء عن البرد والحر ، بل ولو اختياراً (1).
قد تمّ كتاب الحج بعون اللّه ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطّاهرين.
ورد في بعض الروايات الواردة في إحرام الحائض جواز النزع كصحيح زيد الشحام «فإذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الأُخرى» (1).
(1) لا ريب في عدم وجوب الانحصار بالثوبين وتجوز الزيادة عليها ، ولكن يشترط فيها ما يعتبر في ثوبي الإحرام. ففي صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال : نعم والثلاثة إن شاء ، يتقي بها البرد والحر» (2)وفي صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها ، قال : لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة» (3).
بانتهاء هذا البحث انتهت محاضرات سيِّدنا الأُستاذ آية اللّه العظمى الإمام السيِّد الخوئي (دام ظلّه العالي) على كتاب الحج من العروة الوثقى لفقيه عصره السيِّد الطّباطبائي (قدس سره) وإنِّي أحمد اللّه سبحانه على ما منحني من التوفيق لضبط هذه المحاضرات القيِّمة وتقديمها إلى الطبع لينتفع بها روّاد العلم والفضيلة.
وبذلك أكون قد قمت ببعض ما يمليه علي الواجب العلمي في هذا البلد المقدّس الشريف وأنا في رحاب الروضة العلوية الطاهرة.
.................................................................................................
كما وإنّني أشكر اللّه تعالى على ما أولاني من نعمة مواصلة تحرير بقيّة البحوث من محاضرات سيِّدنا الأُستاذ (حفظه اللّه) وإلى المولى القدير أضرع أن تشملني عنايته مرّة أُخرى لمواصلة تقديم بقيّة النتاج إلى عالم الطّبع طلباً لمرضاته وتعميماً للفائدة إنّه وليّ التوفيق.
رضا الموسوي الخلخالي ابن العلّامة الحجّة المغفور له
السيّد آقا الخلخالي تغمّده اللّه برحمته الواسعة
النجف الأشرف 7 / شهر رمضان المبارك 1406 ه
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الحجّ
كلمة التصدير... 1
فصل في النيابة... 3 - 83
شروط نائب الحجّ... 3
1 - البلوغ... 3
أدلّة عدم مشروعية نيابة الصبي المميّز... 4
2 - العقل... 7
صحّة نيابة السفيه دون المجنون... 7
3 - الإيمان... 8
بطلان نيابة المخالف... 8
4 - العدالة... 9
5 - معرفة أعمال الحج وأحكامه... 10
6 - عدم اشتغال ذمّة النائب بحج آخر... 10
الكلام في بطلان الإجارة مع اشتغال ذمّة النائب بحج آخر... 11
حكم نيابة العبد... 12
الكلام في النيابة عن الكافر بأقسامه... 13
حكم الحج عن الصبي المميز والمجنون... 15
اعتبار المماثلة بين النائب والمنوب عنه... 15
نيابة الصرورة... 16
اشتراط صحّة النيابة بقصدها وتعيين المنوب عنه في النيّة... 22
فراغ ذمّة المنوب عنه باتيان الحج لا بمجرد الإجارة... 23
حكم استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال... 26
صور موت النائب قبل الاتيان بالمناسك... 26
استحقاق النائب الأجرة إذا مات قبل النسك وكان أجيراً على تفريغ ذمّة المنوب عنه 31
نقد ما ذكره الفقهاء من لزوم تعيين نوع الحج المستأجر عليه... 34
تحقيق رشيق في معنى الشرط والفرق بين الاشتراط والتقييد... 38
الكلام في جواز عدول الأجير عن طريق الحج الّذي عيّنه المستأجر إلى طريق آخر 45
صور استحقاق الأجير الأجرة وعدمه عند مخالفة طريق الحج... 47
حكم إجارة نفسه للحج عن شخص في سنةٍ وعن شخص آخر في تلك السنة... 51
إذا آجر نفسه لشخص وآجره وكيله من آخر للحج في سنة واحدة... 52
لو آجره فضوليان من شخصين... 53
لو آجر نفسه من شخص وآجره الفضولي من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه 53
الكلام في تأخير أو تقديم الحج المستأجر عليه... 54
إذا آجر نفسه من شخصين في سنة واحدة على التعاقب وأجاز المستأجر الأوّل... 56
صد الأجير أو إحصاره... 60
ضمان الأجير الكفارات دون المستأجر... 61
اقتضاء إطلاق الإجارة التعجيل... 61
الاشكال في استحباب ردّ الأجير الزائد من الأجرة أو التتميم... 62
حكم إفساد الأجير حجّه... 62
فرع : هل يجب حج ثالث على من أفسد حجّه أو يكفيه الحجّ الثاني؟... 70
زمان ملكية الأجير الأجرة وزمان وجوب تسليمها إليه... 71
اقتضاء إطلاق الإجارة المباشرة... 72
استئجار مَن ضاق وقته عن اتمام حجّ التمتع... 74
هل تشمل أدلّة العدول إلى الإفراد مورد الإجارة؟... 75
حكم التبرع بالحج عن الميت والحي... 76
نيابة شخص واحد عن اثنين في عام واحد... 79
نيابة جماعة عن شخص واحد في المندوب والواجب... 81
فصل في الوصيّة بالحج... 83 - 131
خروج حجّة الاسلام الموصى بها عن أصل التركة... 83
حكم الشك في الحج الموصى به أنه من الواجب أو المستحب... 84
صور الشك في أداء الميت الحقوق الواجبة عليه... 89
كفاية الحج الميقاتي في الموصى به الواجب أو المستحب... 91
الكلام في تعيين أجرة الحج الموصى به... 91
هل يجب على الوصي الفحص عمّن يرضى بالأقل أجرة... 92
سقوط حجّ الوصية بتبرّع الغير عن الميت... 92
لزوم ملاحظة شأن الميت في الاستئجار للحج... 95
كفاية الحج مرّة لم أوصى بالحج ولم يعيّن العدد... 96
لو أوصى بإخراج الثلث وبالحج عنه فهل يجب صرف تمام الثلث في الحج؟... 98
كفاية الحج مرّتين لمن أوصى بالحج مكرّراً... 98
حكم تعيين الأجرة لسنين وعدم وفائها إلّا لسنة أو سنتين... 98
دوران الأمر بين الحج الواحد من البلد وبين الحج متعدداً من الميقات... 102
إذا عيّن الميت الأجرة وزادت عن أجرة المثل وعن الثلث... 103
حكم تعيين الميت أجيراً خاصّاً للحج... 104
إذا عيّن أجرة لا يرغب فيها راغب... 104
إذا صالحه على شيء بشرط الحج عنه فهل يحسب الحج من الثلث... 106
حكم الوصية بالحج ماشيا أو حافيا... 111
حكم الوصية بحجتين أو أزيد... 113
إذا مات الوصي وشككنا في تنفيذه الوصية... 113
حكم تلف أجرة الحج في يد الوصي من دون تقصير... 116
إذا شك في بلوغ المال الموصى به للحج مقدار الثلث... 118
استحباب الطواف نفساً وعدم ثبوت استحباب الأعمال الأخرى... 119
إذا كان لشخص وديعة عند آخر فمات صاحبها وهو مطلوب بالحج... 122
طواف النائب عن نفسه بعد الفراع عن الأعمال للمنوب عنه... 129
إذا أُعطي مالاً لاستئجار الحج فهل يجوز أن يحج هو أم لا؟... 129
فصل في الحج المندوب... 131
فصل في أقسام العمرة... 132 - 143
أدلّة وجوب العمرة في العمر مرّة لمن استطاع لها... 133
إجزاء عمرة التمتع عن المفردة... 134
إذا استطاع للعمرة دون الحج فهل تجب عليه العمرة المفردة؟... 134
وجوب العمرة بالنذر وشبهه... 136
وجوب العمرة لدخول مكّة إلّا المتكرر دخوله... 136
الأقوال في مقدار الفصل بين العمرتين... 138
فصل في أقسام الحجّ... 143 - 176
أدلّة اختصاص النائي بالتمتع والقريب بالقران أو الإفراد... 143
الأقوال في حدّ البعد الموجب للتمتع وأدلّتها... 144
كيفية الاحتياط في أقسام الحجّ... 153
مشروعية كل من أقسام الحج للبعيد والحاضر في الحج الندبي... 155
وظيفة من له وطنان أحدهما بعيد عن مكّة والآخر قريب... 155
وظيفة المكّي إذا خرج إلى بعض الأمصار... 156
وظيفة الآفاقي إذا سكن مكّة... 161
وظيفة المكّي إذا سكن بلداً آخر... 170
ميقات المقيم في مكّة إذا تمتع... 171
فصل صورة حجّ التمتع وشرائطه... 176 - 259
الروايات الدالّة على خلوّ عمرة التمتع عن طواف النِّساء... 177
تنبيه : محل طواف النِّساء في عمرة التمتع على القول بوجوبه فيها... 180
شروط حجّ التمتع... 181
الأوّل : النيّة بمعنى قصد الاتيان بهذا النوع من الحج... 181
إذا أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج فهل يمكنه أن يتمتع بها؟... 181
حكم العمرة المفردة في العشر الأولى من ذي الحجّة... 187
هل يختص انقلاب المفردة إلى التمتع بمن لم يكن قاصداً للحج من الأوّل... 187
هل يختص انقلاب المفردة إلى التمتع بالحجّ الندبي؟... 189
الثاني : أن يقع مجموع عمرته وحجّه في أشهر الحجّ... 190
اختلاف الأصحاب في المراد بأشهر الحج... 191
الاتيان بعمرة التمتع قبل أشهر الحج... 192
الثالث : وقوع الحج وعمرة التمتع في سنة واحدة... 194
أدلّة عدم جواز التفكيك بين الحج وعمرة التمتع... 194
الرابع : أن يكون إحرام حجّه من بطن مكّة... 199
صور إحرام الحج من غير مكّة... 203
الخامس : أن يكون مجموع عمرته وحجّه من واحد... 205
الخروج من مكّة بعد الاتيان بعمرة التمتع... 208
هل العبرة في مبدأ الشهر بالإحرام أو بالإحلال؟... 216
بيان المراد من الشهر وأنّه ما بين الهلالين أو ثلاثين يوما... 217
إذا خرج المعتمر من مكّة ثمّ دخلها بلا إحرام فهل تبطل عمرته السابقة أم لا؟... 218
خروج المعتمر من مكّة لضرورة أو حاجة... 219
خروج المعتمر من مكّة ولكن إلى المواضع القريبة منها... 220
عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين الحجّ الواجب والمستحب... 221
حكم من أراد دخول مكّة ثانياً مع عدم سبق عمرة منه... 223
عمرة التمتع هي العمرة الأولى أو الثانية... 225
حكم الخروج من مكّة أثناء عمرة التمتع... 226
العدول من حجّ التمتع إلى القِران أو الإفراد... 228
لو أعتقد سعة الوقت فتمتع ثمّ بأن ضيقه... 238
هل يعمّ جواز العدول من لا يتمكن من التمتع من الأوّل... 239
هل يجوز العدول لمن أخّر الطواف والسعي متعمداً حتّى ضاق الوقت... 240
الأقوال في الحائض والنفساء إذا ضاق وقتها عن اتمام العمرة... 242
التفصيل بين حدوث الحيض قبل الإحرام وبين حدوثه بعده... 246
حكم المرأة إذا حاضت أثناء طواف عمرة التمتع... 253
حكم حيض المرأة بعد طواف عمرة التمتع وقبل الصلاة... 257
فصل في المواقيت... 259 - 316
الأوّل : ذو الحليفة ، وهو ميقات أهل المدينة ومن يمرّ عليها... 259
الكلام في ان الميقات هل هو المكان الّذي فيه المسجد أو نفس المسجد... 259
الروايات الدالّة على أن ذا الحليفة ميقات لكلّ من يمرّ عليه... 262
تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة... 264
عدول أهل المدينة إلى ميقات آخر... 268
إحرام الجنب من خارج المسجد... 272
الثاني : العقيق ، وهو ميقات أهل نجد والعراق ومن يمرّ عليه... 273
حدّ العقيق... 273
الثالث : الجُحفة ، وهو ميقات أهل الشام ومصر ومغرب... 274
الرابع : يلملم ، وهو ميقات لأهل اليمن... 274
الخامس : قرن المنازل ، وهو لأهل الطائف... 279
السادس : مكّة ، وهي لحجّ التمتع... 279
السابع : دويرة الأهل ، وهو ميقات من كان منزله دون الميقات إلى مكّة... 280
هل الميزان في القُرب إلى مكّة أو إلى عرفات أو التفصيل؟... 280
معروفية إحرام أهل مكّة من منزلهم... 284
ما دلّ من الروايات على إحرام أهل مكّة من الجعرانة... 285
الثامن : فخ ، وهو ميقات الصبيان... 287
التاسع : محاذاة أحد المواقيت الخمسة... 291
الاشكال في التعدي عن محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت... 292
عدم الخصوصية لستّة أميال في اعتبار محاذي مسجد الشجرة... 293
ما يتحقق به المحاذاة... 294
طرق ثبوت المحاذاة... 297
صور انكشاف الخلاف بعد قيام الحجّة على المحاذاة... 298
ملاحظة : في البحث عن إجزاء الأمر الظاهري وعدم شموله للمقام... 300
عدم الفرق في جواز الإحرام في المحاذاة بين البرّ والبحر... 301
هل يتصور طريق لا يمرّ على ميقات ولا على محاذيه؟... 301
حكم من لا يمرّ على ميقات... 302
العاشر : أدني الحل ، وهو ميقات العمرة المفردة... 306
عدم اختصاص المواقيت بمن يسكن تلك البلدان وشمولها لمن يمرّ عليها من غير أهلها 311
تلخيص لما تقدّم في المواقيت... 312
فصل في أحكام المواقيت... 316 - 350
حكم الإحرام قبل الميقات... 316
الروايات الدالّة على انعقاد نذر الإحرام قبل الميقات... 317
الكلام في انعقاد اليمين والعهد على الإحرام قبل الميقات... 321
نذر الإحرام قبل الميقات مطلقا من دون تعيين مكان خاص... 324
مخالفة نذر الإحرام قبل الميقات... 325
تقديم الإحرام لمن خاف فوت رجب... 326
تقديم الإحرام لمن خاف عمرة شهر غير رجب... 327
اشتراط ضيق الوقت في تقديم الإحرام... 328
عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة... 328
حكم تأخير الإحرام عن الميقات أو محاذيه... 329
ترك الإحرام من الميقات مع وجود ميقات آخر أمامه... 331
ترك الإحرام من الميقات مع عدم وجود ميقات آخر أمامه... 332
هل يجب عليه القضاء بعد الفراغ عن فساد الحج؟... 334
تتميم : حكم الداخل إلى الحرم مع عدم قصد دخول مكّة... 336
ترك الإحرام للعمرة المفردة من الميقات والإحرام من أدنى الحل... 338
حكم المريض غير المتمكن من نزع ثيابه عند الإحرام... 340
حكم المعذور عن إنشاء الإحرام من الميقات... 340
صور ترك الإحرام من الميقات لنسيان أو جهل... 342
حكم تارك الإحرام من الميقات لعدم قصده الأعمال ثمّ بدا له إتيانها... 345
نسيان المتمتع الإحرام للحج من مكّة... 347
لو نسي الإحرام حتّى أتى بجميع الأعمال... 349
فصل في مقدّمات الإحرام... 350 - 375
استحباب توفير الشعر لمن يريد الحج... 351
تذنيب : الاستدلال لما ذهب إليه المفيد من الكفارة للحلق في ذي القعدة... 354
استحباب الغسل للإحرام... 356
بدلية التيمم عن غسل الإحرام... 357
تقديم الغسل على الميقات... 358
الغسل في أوّل النهار ليومه وفي أوّل اللّيل لليلته... 360
إعادة غسل الإحرام بعد الحدث... 361
إعادة الغسل بأكل ولبس مالا ينبغي للمحرم... 365
حكم إعادة الإحرام ثانياً... 367
حكم ارتكاب ما يوجب الكفارة بين الإحرامين... 373
فصل في كيفية الإحرام... 374 - 455
الأقوال في حقيقة الإحرام... 374
اعتبار القصد والقربة في نيّة الإحرام... 380
اعتبار التعيين في نيّة الإحرام... 383
اعتبار قصد الوجه والاخطار بالبال في نيّة الإحرام... 385
اعتبار استمرار العزم على ترك المحرمات في الإحرام... 385
ملاحظة وتعقيب : في النظر في تحقق الإحرام الثاني... 387
إذا شكّ في أن إحرامه كان للعمرة أو للحج... 389
كفاية نيّة واحدة للحج والعمرة... 394
لو نوى إحراماً كإحرام فلان... 396
لو نوى حجّاً أو عمرة غير ما وجب عليه... 399
لو نوى نوعاً من الحج ونطق بغيره... 399
لو كان في أثناء نوع وشكّ في أنّه نواه أو نوى غيره... 399
استحباب التلّفظ بالنيّة والاشتراط... 400
فوائد اشتراط التحلّل... 401
لزوم التلفظ بالاشتراط وعدم كفاية مجرد القصد... 409
الأقوال في كيفية التلبية... 410
وظيفة الأخرس ومن يلحن في القراءة أو لا يتمكن من العربية... 412
وظيفة الصبي والمغمى عليه في التلبية... 415
التخيير في قراءة «ان الحمد» بالكسر وبالفتح... 415
عدم انعقاد إحرام العمرة وحجّ التمتع والافراد إلّا بالتلبية... 416
تخيير القارن بين التلبية والاشعار والتقليد... 417
اختصاص الاشعار بالبدن واشتراك التقليد بينهما وبين أنواع الهدي... 418
عدم وجوب التلبية على القارن إذا أشعر أو قلّد... 419
معنى الاشعار والتقليد... 422
اعتبار مقارنة التلبية للنيّة... 423
نسيان التلبية... 425
استحباب إكثار التلبية والجهر بها... 426
تأخير التلبية إلى البيداء لمن حجّ عن طريق المدينة... 429
قطع التلبية... 434
صور الشك في التلبية... 439
الكلام في أن ليس الثوبين واجب مستقل أو شرط للإحرام... 441
هل يختص لبس الثوبين بالرجال؟... 445
كيفية لبس ثوبي الإحرام... 447
عقد الإزار والرداء... 448
حدّ الثوبين من حيث الكبر والصغر والطول والقِصر... 450
لو أحرم في قميصه عالماً عامداً... 451
نزع المحرم ثوبي الإحرام أو تبديلهما... 453
حكم لبس المحرم أكثر من ثوبين... 454
فهرس الموضوعات... 459
الصورة