ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 0 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-18-4
المكتبة الإسلامية
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثامن
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
4 - 18 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد وآله وأوصيائه الطيبين الطاهرين.
وبعد، فهذا هو الجزء السابع من كتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثق، وقد وفقنا اللّه للشروع وطبعه، ونسأله تعالى أن يوفقنا لاتمامه وإكمال بقية أجزائه، فإنّه خير موفق ومعين.
دم الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء والغسل إذا خرج إلى خارج الفرج ولو بمقدار رأس إبرة ، ويستمرّ حدثها ما دام في الباطن باقياً ، بل الأحوط
فصل في الاستحاضة
الاستحاضة لغة (1)هو أن يستمر الدم بالمرأة ، لأنها استفعال من الحيض الذي هو بمعنى الدم.
وبحسب الاصطلاح هو الدم الخارج من المرأة غير الحيض ودم القرحة أو الجرح وإن لم يكن له استمرار بوجه ، كما إذا رأت الدم بعد العشرة ولو قليلاً أو رأته في غير أيام عادتها ولو قبل العشرة ، فإنه من الاستحاضة وإن لم يكن مستمراً.
ولا ثمرة في تحقيق معناها اللغوي والاصطلاحي وبيان ما به يفترق أحدهما عن الآخر ، وإنما المهم تحقيق الأثر الذي يترتب عليها من الحكم بوجوب الغسل لكل صلاة كما في الاستحاضة الكثيرة ، أو الغسل في كل يوم مرة واحدة كما في المتوسطة ، أو الوضوء لكل صلاة كما في القليلة ، وأن هذه الأحكام تترتب على أي شيء ، فنقول :
1) لسان العرب 7 : 142 مادّة حيض.
إجراء أحكامها (1)إن خرج من العرق المسمّى بالعاذل إلى فضاء الفرج وإن لم يخرج إلى خارجه ، وهو في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بغير قوة ولذع وحرقة بعكس الحيض ، وقد يكون بصفة الحيض ، وليس لقليله ولا لكثيره حدّ ، وكل دم ليس من القرح أو الجرح ولم يحكم بحيضيته فهو محكوم بالاستحاضة ، بل لو شك فيه ولم يعلم بالأمارات كونه من غيرها يحكم عليه بها على الأحوط.
إن الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) ذكروا أن كل دم خرج عن المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض فهو استحاضة يجب معه الغسل لكل صلاة أو في كل يوم أو يجب معه الوضوء لكل صلاة. والمراد بما يخرج من المرأة بطبعها هو إخراج دم القرحة أو الجرح ونتيجة ذلك أن الدم الذي تراه المرأة غير دم الحيض والقرحة والجرح فهو استحاضة يترتب عليه الآثار المتقدمة ، هذا ما ذكروه في المقام.
ولا بدّ من التكلّم في أنه هل يمكن أن يكون الدم الخارج من المرأة غير متّصف بالحيض ولا بدم القرحة أو الجرح ولا بالاستحاضة ، فلا يجب على المرأة شيء من الأحكام المترتبة على الحيض والأحكام المترتبة على الاستحاضة ، أو أنه لا فاصل بينهما وأن كل دم لم يكن بدم حيض وقرحة فهو استحاضة؟
ذكر المحقق قدسسره في شرائعه أن كل دم تراه المرأة ولم يكن بحيض ولا بدم قرح ولا جرح فهو استحاضة. (2)وأورد عليه السيد قدسسره في المدارك بأن هذه الكلية إنما تتم فيما إذا قيدت
بغير دم النفاس ، وذلك لأنه دم ليس بحيض ولا قرح ولا جرح ، ومع ذلك ليس باستحاضة (1).
وما أفاده قدسسره وإن كان صحيحاً لكنه غير وارد على المحقق ، لأن نظره إلى غير دم الولادة ، وهو ظاهر.
ثم ذكر أن الكلية المذكورة لا بدّ من تقييدها بما إذا كان الدم واجداً لأوصاف الاستحاضة من كونه بارداً وأصفر ونحوهما من الأوصاف.
ولازم هذا التقييد تحقق الفاصل بين دمي الحيض والاستحاضة ، كما إذا رأت المرأة الدم بعد العشرة أسود ، فإنه ليس بحيض لأن أكثره عشرة أيام ، وليس باستحاضة لعدم اتصافه بأوصافها لفرض كونه أسود. وكذلك الحال فيما إذا رأت ذات العادة دماً أسود أقل من ثلاثة أيام ، فإن مثله لا يكون حيضاً لكونه أقل من ثلاثة أيام ، ولا يكون استحاضة لعدم كونه واجداً لأوصافها.
وقد بنينا على أن دم الاستحاضة لا بدّ من أن يكون واجداً لأوصافها ، والفاقد ليس باستحاضة إلاّ أن يدل دليل على أنه استحاضة ، كما هو الحال في الحيض لاشتراطه بأن يكون واجداً للصفات ، ولا يحكم على الفاقد بالحيضية إلاّ أن يدل دليل على أنه حيض ، كالصفرة التي تراها ذات العادة في أيام عادتها ، لأنها حيض بمقتضى النص الدال على أن ما تراه المرأة في أيام عادتها من حمرة أو صفرة فهو حيض (2)هذا.
ولا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه ، لأنه مخالف لما هو المتسالم عليه بين الأصحاب من الحكم بالاستحاضة في الموارد المذكورة ، وما ادعاه من أن الأخبار تدل على ذلك غير صحيح ، إذ لا دلالة في الروايات على أن دم الاستحاضة مطلقاً لا بدّ من أن يكون واجداً لأوصاف الاستحاضة المذكورة ، وإنما دلت الأخبار على أن في موارد دوران الدم بين كونه حيضاً أو استحاضة إذا كان واجداً لأوصاف الحيض
يحكم بحيضيته ، وإذا كان واجداً لأوصاف الاستحاضة يحكم بكونه استحاضة ، لا أنها تدل على أن دم الاستحاضة دائماً لا بدّ أن يكون واجداً لتلك الأوصاف ، وإليك بعضها :
صحيحة معاوية بن عمّار ، قال « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : إن دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحد ، إن دم الاستحاضة بارد ، وإن دم الحيض حارّ » (1).
وحسنة حفص بن البَختَري ، قال : « دخلت على أبي عبد اللّه عليهالسلام امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ قال فقال لها : إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة ، ودم الاستحاضة أصفر بارد ، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة ، قال : فخرجت وهي تقول : واللّه أن لو كان امرأة ما زاد على هذا » (2).
ومعتبرة إسحاق بن جَرير حيث ورد فيها : « دم الحيض ليس به خفاء ، هو دم حار تجد له حرقة ، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد ... » (3).
ومرسلة يونس عن غير واحد وقد ورد فيها « إن دم الحيض أسود يعرف » وأن المرأة « إن اختلطت الأيام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألواناً فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته » وغير ذلك من الجملات (4).
وهي ولا سيما الأخيرة حيث إن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بيّن فيها السُّنة الأُولى وأن ذات العادة تأخذ بعادتها ، وبعد ذلك بيّن أوصاف الاستحاضة وأن بها
يحكم بالاستحاضة عند دوران الأمر بينهما كما تراها واردة في مقام دوران الأمر بين الحيض والاستحاضة ، وأن تلك الأوصاف والعلائم إنما يحكم بها بالاستحاضة في هذه الموارد ، ولا دلالة لها على أن الاستحاضة ملازمة لتلك الصفات وأنه لا يحكم على الفاقد لها بالاستحاضة حتى فيما إذا لم تحتمل الحيضية هناك كما في المثالين المتقدمين.
ذكرنا أن الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) ذكروا أن كل دم يخرج من المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض أو من القرح أو الجرح فهو استحاضة ، ولم يستثنوا دم النفاس ولعلّه مستند إلى وضوحه أو إلى أن دم النفاس عندهم هو دم الحيض ، لأنه حيض محتبس فحكمه حكمه.
وكذا لم يتعرّضوا لدم العُذرة ، لوضوح عدم كونه من الحيض والاستحاضة على ما بيّنوه عند اشتباه دم الحيض بدم العذرة.
ويمكن أن يقال : إن تقييد الدم الخارج من المرأة بكونه خارجاً بحسب طبعها يغني عن استثناء دم الولادة والعُذرة والقرح ، لأنها لا تخرج من المرأة بطبعها وإنما تخرج منها بسبب من الأسباب ، فالدم الخارج من المرأة بحسب الطبع منحصر في الحيض والاستحاضة.
وحاصل كلامهم : أن الدم الذي لا يحكم بحيضيته ملازم لكونه استحاضة.
وقد ناقش فيه بعضهم كما مر من جهة أن الاستحاضة لها أمارات وصفات ، ومع عدم وجدان الدم لها لا يحكم عليه بكونه استحاضة وإن لم يكن بحيض أيضاً.
ويدفعها ما ذكرناه من أن الأخبار الواردة في إثبات صفات الاستحاضة لا دلالة لها على أن الاستحاضة لا يمكن انفكاكها عن الصفرة مثلاً ، وإنما دلت على أن الصفرة تلازم الاستحاضة عند اشتباه الحيض بالاستحاضة ودوران الأمر بينهما ، لا أن الاستحاضة تلازم الصفرة مثلاً دائماً وفي جميع الموارد ، فما أفاد المناقش لا يمكن المساعدة عليه ، وهذا كله في المقدمة.
وبعد ذلك يقع الكلام في أنه هل هناك تلازم بين الأمرين واقعاً ، وأن الدم إذا لم يكن
حيضاً أو غيره من المستثنيات فهو استحاضة واقعاً ، أو يمكن أن يوجد دم ليس بحيض ولا هو باستحاضة؟
ظاهر كلماتهم الذي ادعوا عليه الإجماع هو التلازم الدائمي وأن كل دم لم يحكم بحيضيته فهو استحاضة واقعاً ، بلا فرق في ذلك بين أقسام المرأة حتى اليائسة والصغيرة التي هي قابلة لأن ترى الاستحاضة كما إذا لم تكن مرتضعة ، فيقع الكلام حينئذ في صحة الملازمة المدعاة وثبوت كليّتها فنقول :
المستحاضة الواردة في الأخبار المتقدمة هي المستحاضة لغة أعني المرأة التي لا ترى الطّهر كما في بعض الروايات ، وهي المعبر عنها بالمستمرة الدم ولا إشكال في أن حكمها هو الذي اشتملت عليه الأخبار المتقدمة من مراعاة الأوصاف والأمارات وأن الدم غير الواجد لصفات الحيض وأماراته ككونه في أيام العادة فهو استحاضة يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على دم الاستحاضة من وجوب الغسل لكل صلاة أو الغسل مرة في كل يوم أو التوضؤ لكل واحدة من صلواتها.
إلاّ أن الاستحاضة المعنونة في كلمات الفقهاء ليست هي الاستحاضة اللغوية أعني مستمرة الدم ، وإنما يراد بها الدم الذي لا يحكم بحيضيته ولا يكون من بقية الأقسام المستثناة وإن لم يستمر دمها ، كما إذا رأت الدم بعد عادتها وقبل انقضاء أقل الطّهر ، فإنه لا بدّ وأن يكون استحاضة سواء أكان لونه أسود أم كان أصفر ، مع عدم كون المرأة مستمرة الدم ، وهذه هي الاستحاضة الاصطلاحية ، وإجراء الأحكام المترتبة على المستحاضة اللغوية على المستحاضة الاصطلاحية يحتاج إلى دلالة الدليل عليه.
ولا بدّ من التكلم في أن الدليل هل دلّ على التحاق المستحاضة المصطلحة بالمستحاضة اللغوية أم لم يدل؟
أمّا المرأة التي هي في سن من تحيض أعني غير الصغيرة واليائسة فلا ينبغي
الإشكال في أنها إذا رأت دماً ولم يحكم بحيضيته فهو استحاضة وإن لم تكن المرأة مستمرّة الدم ، لأجل الملازمة الواقعية على ما تدل عليه الأخبار الآتية ، وما ادعوه من التلازم بين الأمرين صحيح في مثلها ، فإذا رأت بعد عادتها وقبل انقضاء أقل الطهر دماً فلا مناص من الحكم عليه بالاستحاضة وإن لم يكن واجداً لأوصافها كما إذا كان أسود وإن لم تكن المرأة مستمرّة الدم ، وذلك لدلالة جملة من الأخبار الواردة في حيض الحامل على التلازم المدعى بين الأمرين في مثلها.
منها : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين » (1).
وقد تعرّضنا سابقاً لهذه الرواية وقلنا : إن ما ربما يتوهم من كونها منافية للأخبار الدالّة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام لقوله عليهالسلام « ترى الدم اليوم واليومين » مندفع بأنها ناظرة إلى حكم المرأة حين رؤيتها الدم ، وتدل على أن وظيفتها الظاهرية هي أن تترك الصلاة إذا كان الدم عبيطاً ، وأمّا بحسب الواقع فهو متوقف على أن يكون الدم مستمراً ثلاثة أيام ، ومع عدمه يستكشف عدم كونه حيضاً ، فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة.
وقد دلت هذه الرواية على أن الدم في أمثال الحامل ممن تحيض إذا لم يمكن أن يكون حيضاً لعدم كونه عبيطاً مثلاً فهو استحاضة يجب معها أن تغتسل عند كل صلاتين ، وإنما عبرت بالصفرة من جهة خصوصية المورد ودورانه بين الأحمر والأصفر ، لا لأن الصفرة لازم غير مفارق للاستحاضة ، فالحكم بوجوب الصلاة والغسل مترتب على عدم كون الدم دم حيض بأن لا يكون عبيطاً.
ومنها : صحيحة أبي المَغراء ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها ، ترى كما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة ، إن كان دماً
1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.
كثيراً فلا تصلين ، وإن كان قليلاً فلتغتسل عند كل صلاتين » (1).
وهي أيضاً تدل على أن الدم الذي لا يمكن الحكم بحيضيته لعدم كونه واجداً لأوصافه وأماراته يجب معه الغسل والصلاة ، بمعنى أن ما لا يمكن أن يكون حيضاً فهو استحاضة.
ومنها : وهي أظهر من سابقتيها صحيحة الحسين الصحّاف قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام إن أُمّ ولدي ترى الدم وهي حامل ، كيف تصنع بالصلاة؟ قال فقال لي : إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوماً من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه ، فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث ، فلتتوضأ وتحتشي ... » (2).
حيث تدل بتعليلها على أن كل دم لم يكن بحيض فهو استحاضة ، حيث قال « فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث » فعلم من ذلك أن الدم الخارج من المرأة التي في سن من تحيض إذا لم يكن بحيض فهو استحاضة.
والوجه في كونها أظهر من سابقتيها اشتمالها على كلمة فاء التفريع ، حيث فرّعت وجوب التوضؤ والاحتشاء على مجرّد رؤية الدم ، لأنه قال عليهالسلام « إذا رأت الحامل الدم ... ليس من الرحم ولا من الطمث فلتتوضأ » حيث تفرع وجوب الوضوء على مجرد رؤية الدم ، والدم الذي يوجب تحققه الوضوء منحصر في دم الاستحاضة.
فهذه الروايات تدلنا على وجود الملازمة الواقعية بين عدم كون الدم حيضاً إذا كان الدم ممّن هي في سن من تحيض وبين كونه استحاضة ، وأن حكم الاستحاضة المصطلحة هو حكم الاستحاضة اللغوية.
وأمّا الصغيرة واليائسة فالحكم بالاستحاضة فيهما وإن كان مورد التسالم بين الأصحاب إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن مدرك حكمهم بأن الدم الذي لا يكون بحيض فهو استحاضة حتى في حق الصغيرة واليائسة هو السيرة وجريان
عادتهم على معاملة الاستحاضة مع الدم غير المتصف بالحيضية.
ويدفعه : أن السيرة لا يمكن إحرازها في المسائل التي يقل الابتلاء بها ، ومن الظاهر أن رؤية الصغيرة واليائسة الدم غير المتصف بالحيضية إنما يتحقق مرة في عشرة آلاف أو أقل أو أكثر ، ولا مجال للسيرة في مثله ، وإن اعتمدوا على الإجماع المنقول في ذلك فهو مضافاً إلى عدم حجيته يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو المرأة التي في سن من تحيض.
وإن أرادوا الحكم بالاستحاضة في الصغيرة واليائسة بالأخبار المتقدمة فدون تتميمه خرط القتاد ، وذلك لأنها بأجمعها واردة في من يمكن أن تكون حائضاً تارة ويمكن أن تكون مستحاضة اخرى ، ودار أمر الدم بين الحيض والاستحاضة ولم يكن واجداً لأوصاف الحيض وأماراته ، فقد دلّت في ذلك على أن الدم استحاضة.
ويظهر صدق ما ذكرنا بالتأمل في الأخبار المتقدمة ولا سيما صحيحة الصحّاف حيث دلت على أن النفساء بعد ما مضى عليها عشرون يوماً من وقت حيضها في الشهر الذي ترى فيه الدم إذا رأت دماً فلتتوضأ وتحتشي.
ومن الظاهر أن الحامل يمكن أن تكون حائضاً كما يمكن أن تكون مستحاضة ، ودلت في مثلها على أن الدم إذا لم يمكن أن يكون حيضاً بالإمكان القياسي بأن لم يكن واجداً لأوصافه وشروطه حكم عليه بأنه استحاضة.
وكذلك الحال في روايتي أبي المَغراء وإسحاق بن عمار ، حيث دلتا على أن الحامل التي قد ترى الحيض وقد ترى الاستحاضة إذا رأت الدم ، فإن كان واجداً للأمارات المعتبرة في الحيض من الكثرة الملازمة للحمرة والسواد المعبر عنه بالدم البَحراني أو كونه عبيطاً فهو حيض إذا دام ثلاثة أيام ، وإذا لم يمكن أن يكون حيضاً بالإمكان القياسي لعدم وجدانه الشروط والقيود المعتبرة في الحيض فهو استحاضة.
وكيف كان فالأخبار الدالة على الملازمة الواقعية بين عدم كون الدم حيضاً وكونه استحاضة مختصة بالمرأة القابلة للاتصاف بالحيض والاستحاضة ودار أمر الدم بينهما فلا تشمل الصغيرة واليائسة اللتين لا يحتمل فيهما الحيض بوجه ، وهما غير قابلتين
للاتصاف بالتحيض لاشتراط الحيض بالبلوغ وعدم اليأس ، ومعه لا يدور أمر الدم فيهما بين الحيض والاستحاضة ليقال إنه استحاضة لعدم إمكان أن يكون حيضاً بالإمكان القياسي.
على أنّ بعض الروايات مشتملة على لفظ المرأة (1)، والصغيرة ليست بمرأة ، واليائسة وإن كانت كذلك إلاّ أن مقتضى الأخبار المتقدمة أن مورد الحكم بالاستحاضة ليست هي مطلق المرأة ، بل المرأة القابلة لأن تحيض تارة وتستحاض اخرى ، واليائسة ليست كذلك.
نعم ، يمكن الحكم بالاستحاضة في اليائسة بالأخبار الواردة في الاستحاضة ، وأن المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين ، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل مرة لكل يوم والوضوء لكل صلاة (2)وغيرها من الأخبار المشتملة على أحكام المستحاضة.
وذلك لما قدّمناه من أن المراد بالاستحاضة في الأخبار هو الاستحاضة لغة ، أعني كون المرأة مستمرّة الدم ، وعليه فإذا فرضنا أن اليائسة استمرّ بها الدم شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر فهي مستحاضة لغة ، وتشملها إطلاق الروايات المتكفلة لبيان وظائف المستحاضة اللغوية.
ولا يجري هذا البيان في الصغيرة فيما إذا رأت الدم شهراً أو شهرين أو أكثر ، وذلك لأنّ الاستحاضة لغة وإن كانت صادقة على ذلك في نفسها ، إلاّ أن الأخبار الواردة في المستحاضة بعضها مقيد بالمرأة ، والصغيرة ليست كذلك ، على أن الاستحاضة من الحيض فمع عدم إمكان الحيض من الصغيرة لا معنى لكونها مستحاضة.
بل يمكن الحكم باستحاضتها ووجوب ترتيب آثارها على نفسها حتى فيما إذا كانت مستحاضة اصطلاحاً ولم يستمر دمها شهراً أو شهرين أو أكثر بالأخبار الدالة
على أن المرأة إذا رأت الدم بعد أيام النفاس أو الحيض فهو استحاضة (1)، تصلِّي وتغتسل وترتب على نفسها آثار المستحاضة بضميمة عدم القول بالفصل القطعي.
وذلك كما إذا فرضنا أن المرأة رأت الدم بعد حيضها الذي تكون يائسة بعدها ، أو رأته بعد نفاسها الذي تتصف باليأس بعده ، فإنها مشمولة لتلك الأخبار الدالّة على أن الحائض أو النفساء إذا رأت الدم بعد أيام حيضها أو نفاسها فهو استحاضة يجب معها الاغتسال والوضوء ، فإذا وجب على اليائسة أحكام المستحاضة واتصفت بكونها مستحاضة في هذه الصورة حكم عليها بالاستحاضة في بقية الصور بعدم القول بالفصل القطعي. هذا كله في اليائسة.
وأمّا الصغيرة فلا دليل على أن ما تراه من الدم استحاضة ، وقد عرفت أن الأخبار المتقدِّمة موردها ما إذا كانت المرأة قابلة لأن تحيض تارة ولأن تستحاض اخرى ، ولم يمكن أن يكون الدم حيضاً بالإمكان القياسي ، والصغيرة ليست كذلك كما عرفت ، على أن بعض الروايات مشتملة على لفظ المرأة ، والصغيرة ليست بمرأة ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم إجماع قطعي على أن ما تراه الصغيرة من الدم استحاضة ، وإلاّ فما يظهر من كلماتهم من التسالم على استحاضتها قابل للمناقشة كما مرّ.
هذا كلّه في غير دم الجرح والقرح.
أمّا دم القرح والجرح فلا إشكال في أن دم القرح الواقع في فضاء الفرج كدم القرحة الخارجة عن فضائه في عدم كونه استحاضة ، فإنه كالدم الخارج من القرحة في يدها.
وإنما الكلام في الدم الخارج من القرحة في داخل الرحم فهل يحكم عليه بالاستحاضة أو لا؟
قد يقال إنه من الاستحاضة تمسكاً بإطلاق الأخبار الواردة في أن الدم الخارج من
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ، 382 / أبواب النفاس ب 3 وغيرهما.
المرأة إذا لم يكن حيضاً بأن كان صفرة فهو استحاضة (1)، فإنها شاملة للدم الخارج من القرحة في الرحم ، فإنه دم ليس بحيض ، أو أنه دم أصفر فهو استحاضة لا محالة هذا.
ولكنّا لم نقف على هذا الإطلاق في الروايات ، وذلك لأنها بأجمعها وردت في المرأة القابلة لأن ترى الحيض تارة ولا تراه اخرى وأنه إذا لم يكن واجداً لأوصاف الحيض فهو استحاضة ، بمعنى أن نفس الدم الذي كنا نحكم بحيضيته لو كان واجداً للصفات هو الذي نحكم بكونه استحاضة إذا لم يشتمل على تلك الصفات عند دوران الأمر بين الحيض والاستحاضة.
ومن الظاهر أن دم القرحة ليس كذلك ، لأنه لو كان واجداً لأوصاف الحيض لم يكن بحيض ، ولا يكون أمر الدم حينئذ دائراً بين الحيض والاستحاضة ليحكم باستحاضته إذا نفي عنه الحيضية ، للعلم بأنه دم القرحة ، ومعه كيف يحكم بكونه استحاضة إذا لم يكن واجداً لأوصاف الحيض.
نعم ، هناك رواية واحدة قد يتوهم إطلاقها وشمولها للدم الخارج من القرح الداخلي ، وهي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة ، فإن خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم تر شيئاً فلتغتسل ، وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ ولتصلّ » (2).
بدعوى أن قوله عليهالسلام « وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ » غير مقيد بشيء فيشمل الصفرة الخارجة من القرحة الداخلية.
وهذه الرواية قد تقدم الكلام فيها في بعض الأبحاث السابقة وقلنا أن نسخة الوسائل غير مشتملة على كلمة الصفرة ، وهي موجودة في الكافي (3)والتهذيب (4)
فليراجع ، وذكرنا أيضاً أن هذه الرواية من الأدلّة الدالة على أن الاغتسال إنما يجب بانقطاع الدم من الخارج والداخل ، ولا يجب مع وجوده في المجرى وفضاء الفرج.
وكيف كان هي أيضاً لا إطلاق لها لعين ما قدمناه في الجواب عن دعوى الإطلاق في الأخبار ، على أن قوله عليهالسلام « وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ » إنما هو في قبال ما إذا خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل ، ومعناه أنها مع الصفرة لا تعتني باحتمال الحيض ، فالجملة المذكورة مسوقة لبيان ذلك لا أنها مسوقة لبيان أن ما كان من الصفرة ولو من القرح والجرح فهو استحاضة.
مع أن الرواية محمولة على ما إذا رأت الصفرة قبل انقضاء عشرة أيام ، وذلك لأنها لو كانت خارجة بعدها لم يفرق في الحكم بعدم كونها حيضاً وبوجوب الوضوء والصلاة بين كونه أصفر وكونه أحمر ، فالتقييد بكونه أصفر إنما يصح فيما إذا كان قبل العشرة ، إذ لو كان الدم الخارج قبلها أحمر لحكم بحيضيته ، لأنّ ما تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى ، وأمّا إذا رأت صفرة بعد رؤيتها الدم أيام عادتها وقبل انقضاء العشرة فهي استحاضة ، لأن الصفرة في غير أيام العادة ليست بحيض ، وإذا كان الأمر كذلك فيظهر أن الحكم بالاستحاضة في الصفرة إنما هو فيما لو كانت الصفرة متبدلة بالحمرة لحكمنا بكونها حيضاً ، وهذا غير متحقق في الدم الخارج من القرح الداخلي ، لأنه لو كان في أعلى مراتب الحمرة أيضاً لم نقل بحيضيته للعلم بأنه من القرح ، فكيف يحكم باستحاضته إذا لم يكن واجداً لأوصاف الحيض. هذا كله في واقع الدم الخارج من المرأة.
وقد تلخص من جميع ما ذكرناه في المقام أن الدم الخارج من المرأة بحسب الواقع ونفس الأمر منحصر في دم الحيض والاستحاضة والعُذرة والقرحة والولادة.
وأمّا إذا شك في أن الدم الخارج استحاضة أو ليس باستحاضة فيما إذا علمنا بعدم كونه حيضاً ، بأن دار أمر الدم بين الاستحاضة ودم القرح مثلاً وأمّا مع الشك في كونه
حيضاً أيضاً فقد قدمنا الكلام عليه في بحث الحيض فلا نعيد فهل مقتضى الأصل العملي أو الدليل الاجتهادي الحكم بكونه استحاضة أو أن مقتضاهما أمر آخر؟ فله صورتان :
الصورة الأُولى : ما إذا شك في أنه دم حيض أو استحاضة ، وقد تكلمنا في هذا مفصلاً في بحث الحيض (1)وقلنا إن المستفاد من الأخبار أنه لا بدّ من الرجوع إلى الأمارات والصفات ، فإن كان الدم واجداً لصفات الحيض وشروطه ، بأن كان الدم في أيام العادة أو غيرها وكان أحمر واستمر ثلاثة أيام إلى ما لا يزيد على عشرة أيام وقد تخلل بينه وبين الحيض السابق أقل الطهر فهو حيض.
وأمّا إذا لم يكن واجداً لصفات الحيض المذكورة ، أي لم يمكن أن يكون حيضاً بالإمكان القياسي وبالنظر إلى الشروط والصفات فهو ليس بحيض ، والحكم بعدم كونه حيضاً ملازم واقعاً لكونه دم استحاضة لما مر هناك.
ويكفي في الحكم بالاستحاضة حينئذ ما ذكرناه هناك أيضاً من التمسك بإطلاق ما دلّ على وجوب الصلوات الخمسة وغيرها من الواجبات على كل مكلف ، فإن الخارج من تلك المطلقات هو المرأة الحائض أعني ما إذا علمنا بأن الدم حيض ، وأمّا إذا شككنا في ذلك فمقتضى الإطلاقات وجوب الصلاة والصيام وغيرها على المرأة.
نعم ، لا بدّ حينئذ من أن تغتسل ، إذ لو صلّت ولم تغتسل لعلمنا ببطلان صلاتها على كل تقدير ، وذلك لأنها إما كانت حائضاً أو مستحاضة ، والاغتسال واجب على كلتا الصورتين ، ومع تركه يقطع ببطلان صلاتها كما مر في محلِّه ، وإنما ذكرناه في المقام للإشارة والتنبيه.
الصورة الثانية : ما إذا علمنا بعدم كون الدم حيضاً ولكن شك في أنه دم استحاضة أو دم قرح أو غيرهما. ولهذه الصورة أيضاً صورتان :
إحداهما : ما إذا لم يعلم وجود السبب لمثل دم القرح أو الجرح ، ولكن المرأة
1) في شرح العروة 7 : 93.
احتملت أن يكون الدم الخارج منها استحاضة أو دم قرحة في باطنها وإن لم تعلم بوجود القرحة.
وثانيتهما : ما إذا علمت بوجود السبب لدم القرح أو غيره ، كما لو كانت عالمة بأن في رحمها قرحة لكنها لا تدري أن الدم الخارج استحاضة اقتضاها طبعها أو أنه دم يخرج من القرحة الموجودة في رحمها.
أمّا الصورة الأُولى فمقتضى القاعدة والأصل عدم الحكم بكونه استحاضة حينئذ وذلك لعدم إمكان التمسّك في الحكم باستحاضته بالأخبار المتقدِّمة ، لورودها بأجمعها كما ذكرنا فيما إذا تردّد الدم بين الحيض والاستحاضة ، وأمّا إذا علمنا بعدم كونه حيضاً وتردّد الدم بين الاستحاضة وغيرها فلا دلالة في الأخبار على أنه استحاضة ، فالأخبار غير شاملة للمقام.
وحيث إن الشبهة مصداقية وموضوعية فلا يمكن التمسك فيها بما ورد في أحكام المستحاضة من الاغتسال لكل صلاتين أو لكل يوم ونحو ذلك لعدم العلم بكونه دم استحاضة ، كما أن الأصل يقتضي عدم ترتيب آثار الحدث عليه ، لأن المرأة إما أن تكون طاهرة قبل خروج الدم المشكوك وإما أن تكون محدثة ، فإن كانت طاهرة وشككنا في صيرورتها محدثة بهذا الدم أو عدمها فالأصل يقتضي بقاء طهارتها وعدم صيرورتها محدثة. وإذا كانت محدثة فتشك في حدوث سبب ثان للحدث في حقها وعدمه ، والأصل يقتضي عدم تحقق سبب آخر للحدث في حقها ، هذا.
ولكن الصحيح وفاقاً لأكثر الفقهاء هو الحكم على الدم بالاستحاضة حينئذ وذلك للسيرة العقلائية الجارية على البناء على السلامة في كل شيء شك في سلامته وهو المعبر عنه بأصالة السلامة ، فإذا شكت المرأة في أنها سليمة أو أنها ذات قرحة وعلّة فلا مناص من البناء على سلامتها عن العيب والعلّة ، وهكذا الأمر في غير القرح ممّا يعد عيباً وعلى خلاف السلامة والخلقة الأصلية.
فإذا ثبت شرعاً أنها ليست بذات قرحة وعلة فلا محالة يتعين أن يكون الدم استحاضة ، لدوران الأمر بينهما على الفرض ، والاستحاضة وإن كانت مسببة عن علّة لا محالة ، فإن المرأة لو كانت سليمة وغير ذات علة وإن لم توجد إلاّ نادراً لا تبتلي بالاستحاضة أبداً ، فهي على خلاف الخلقة الأصلية إلاّ أنها لما كانت كثيرة التحقق في أكثر النساء بل جميعهن فلذا لا تعد الاستحاضة عيباً ، فكأنها صارت طبيعة ثانية للنساء لا يمكن دفع احتمالها بأصالة السلامة.
ونظير ذلك ما ذكروه في الأغلف من العبيد المجلوبين من بلاد الكفر من أن الغُلفة وإن كانت زائدة على الخلقة الأصلية إلاّ أنها لتحققها في الأكثر أو الجميع عدت طبيعة ثانوية ولا تعد نقصاً وعيباً.
وكيف كان فمقتضى أصالة السلامة التي هي أصل عقلائي هو الحكم بكون الدم استحاضة حينئذ.
ويدلُّ على ذلك أيضاً سكوت الأخبار الواردة في المقام على كثرتها عن التعرض لما إذا احتمل أن يكون الدم من القرحة ، حيث لا تعرض فيها لحكمه لا من الأئمة عليهمالسلام ولا من الرواة ، فلو كان له حكم آخر غير أحكام الاستحاضة التي رتبوها على ما إذا لم يكن الدم حيضاً لبينه الأئمة ( سلام اللّه عليهم ) وتعرضوا له لا محالة ، فسكوتهم عن ذلك دليل على أن احتمال كون الدم من القرح ونحوه ملغى في نظرهم.
بل في مرسلة يونس القصيرة تعرضوا لكون الدم من القرحة فيما إذا رأت الدم يوماً أو يومين وانقطع ولم تر الدم بعد ذلك إلى عشرة أيام حيث قال : « لم يكن من الحيض إنما كان من علّة ، إما قرحة في جوفها وإما من الجوف ، فعليها أن تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها ، لأنها لم تكن حائضاً ... » (1)إلاّ أنها صرحت أن حكمها حينئذ حكم الاستحاضة ، حيث نفت عنها الحيض وأوجبت عليها القضاء ، وهذا لا يتحقق
1) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.
[787] مسألة 1 : الاستحاضة ثلاثة أقسام : قليلة ومتوسّطة وكثيرة ، فالأُولى أن تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها ، وحكمها (1) وجوب الوضوء لكل صلاة
إلاّ في المستحاضة ، ومعناه أن كون الدم من القرح لا أثر له ، وإنما هو محسوب من الاستحاضة. هذا كله في الصورة الأُولى.
وأمّا الصورة الثانية فقد اتضح أن مقتضى الأصل والقاعدة عدم الحكم بالاستحاضة حينئذ ، ولا تجري في هذه الصورة أصالة السلامة ، للقطع بوجود العيب في المرأة.
وأمّا استصحاب عدم كون الدم دماً آخر ففيه :
أولاً : أنه لا مجرى له في نفسه ، إذ لا أثر شرعي يترتب على عدم كون الدم دماً آخر ، اللّهمّ إلاّ أن يريد به إثبات الاستحاضة وهو من الأُصول المثبتة ولا اعتبار به.
وثانياً : أنها معارضة بأصالة عدم كون الدم استحاضة إما على نحو العدم الأزلي وأن المرأة لم تكن متصفة بالاستحاضة قبل خلقتها ، والأصل عدم اتصافها بها بعد وجودها ، وإما على نحو العدم النعتي واستصحاب عدم خروج الدم من رحمها ، للقطع بعدم خروج الدم من رحمها قبل ذلك ، والأصل أنه الآن كما كان.
وأصالة عدم الاستحاضة ممّا لها أثر شرعي ، وهو عدم ترتب شيء من آثار الاستحاضة عليها ، فلولا المعارضة لم يكن مانع من جريانها ، وهذا بخلاف أصالة عدم خروج دم آخر ، فإنه لا يجري في نفسه لعدم ترتب أثر شرعي عليه مع قطع النظر عن المعارضة.
(1) يعني حكم الاستحاضة القليلة ، وهو أمران :
أحدهما : أنها تبدل القطنة لكل صلاة.
ثانيهما : أنها تتوضأ لكل صلاة.
فالمستحاضة كالمسلوس والمبطون إذا تطهرا من الحدث السابق على الصلاة ، فما
يخرج بعد طهارتهم من البول والغائط والدم في حال الصلاة لا يكون حدثاً ناقضاً للطهارة.
أمّا وجوب تبديل القطنة عليها فلم يرد ذلك في نص ، إلاّ أن المعروف بين الأصحاب ذلك ، وقد استدلوا عليه بوجوه.
منها : دعوى الإجماع على أن المستحاضة يجب عليها أن تبدل القطنة لكل صلاة.
وفيه : أن الإجماع غير متحقق في المسألة ، لذهاب الأكثر من المتأخرين إلى عدم الوجوب ، على أنه على تقدير تمامية الإجماع ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام ، وإنما هو معلوم المدرك أو محتملة ، وهو الوجهان الآتيان في الاستدلال ، ولا يمكن الاعتماد على مثله.
ومنها : أنّ دم الاستحاضة ممّا لا يجوز الصلاة في قليل منه ، كما هو الحال في دم الحيض والنفاس ، ولأجل ذلك لا بدّ من تبديل القطنة لكل صلاة حتى لا تبطل صلاتها.
وفيه أوّلاً : أن كون دم الاستحاضة مانعاً عن الصلاة بقليله وكثيره ليس بثابت إذ لم يرد فيه رواية ، وإنما وردت الرواية في دم الحيض (1)، والأصحاب ألحقوا المستحاضة والنفساء بالحائض من دون أن تشملهما الرواية ، والحكم في الحيض غير تام لضعف الرواية فضلاً عمّا الحق به.
وثانياً : لو سلمنا أن دم الاستحاضة والحيض سيّان من هذه الجهة ، فالمقدار الثابت هو عدم جواز الصلاة في ثوب فيه شيء من هذه الدماء ولو قليلاً إذا كان الثوب ممّا تتم فيه الصلاة منفرداً ، وأمّا ما لا تتم فيه الصلاة فمقتضى الرواية الدالّة على أن ما لا تتم فيه الصلاة وحده لا بأس بالصلاة فيه ولو كان متنجساً (2)عدم كون دم الحيض والاستحاضة فيما لا تتم فيه الصلاة مانعاً عن الصحة.
فإن قلت : إن الرواية الدالة على أن ما لا تتم فيه الصلاة تجوز الصلاة فيه لو كان نجساً ، معارض بما دلّ على أن دم الحيض وما الحق به مانع عن الصلاة بقليله وكثيره ومع المعارضة لا يمكن الاعتماد عليها.
قلت : لو سلمنا ثبوت الرواية الدالة على مانعية دم الاستحاضة عن الصلاة كما إذا ألحقناه بدم الحيض وأغمضنا عن سند الرواية الواردة فيه ، فالمعارضة بينهما بالعموم من وجه ، ومعه إن قدمنا الرواية الدالة على جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة ولو كان متنجساً على معارضها بدعوى أنها مشتملة على أداة العموم أعني قوله عليهالسلام : كل ما لا تتم فيه الصلاة والعام متقدم على المطلق فهو.
وإذا لم نقل بذلك من جهة أن العموم فيها من جهة أفراد ما لا تتم فيه الصلاة لا بالنظر إلى النجاسة والحكم المترتب على ما لا تتم فيه الصلاة ، فالقاعدة تقتضي تساقطهما والرجوع إلى الدليل الفوق ، وهو قد دلّ على جواز الصلاة فيما دون الدرهم من الدم ، ولا مخصص لإطلاقه ، لسقوط المقيد عن الحجية بالمعارضة.
وثالثاً : لو أغمضنا عن تمام ذلك وقلنا إن دم الاستحاضة بقليله وكثيره مانع عن الصلاة ، بلا فرق في ذلك بين ما تتم فيه الصلاة وما لا تتم فيه الصلاة ، لم يمكن الاستدلال بذلك في المقام ، وذلك لأن القطنة ليست من قبيل ما يصلى فيه ليقال إنها مما تتم فيه الصلاة أو مما لا تتم فيه ، وإنما هي محمولة ، والمحمول المتنجس ولو بدم الاستحاضة لا يمنع عن الصلاة ، إذ لا يصدق أنها صلّت في القطنة.
ورابعاً : لو أغمضنا عن ذلك أيضاً وقلنا إن دم الاستحاضة مانع عن الصلاة فيه حتى فيما هو من قبيل المحمول منعنا عن كونه كذلك في المقام ، لأنه إنما يكون مانعاً فيما إذا كان المصلي طاهراً من الدم ، وأمّا في مثل المقام فلا يمنع ، لأنها ذات الدم على الفرض ، وإذا بدلت القطنة تتلوث القطنة الجديدة بدم الاستحاضة ، إذ لو لم يجر فيها الدم فهي طاهرة وليست بمستحاضة ، والمفروض أن دم الاستحاضة مانع عن الصلاة فما فائدة التبديل حينئذ ، وحيث إن الدم في القطنة المتبدلة غير مانع عن الصلاة عندهم ، فمن هنا يستكشف أن دم الاستحاضة غير مانع عن صلاة المستحاضة فيما
تحمله من القطنة. فهذا الوجه غير تام أيضاً.
ومنها : أنّ الدليل على وجوب تبديل القطنة في الاستحاضة القليلة إنما هو النص الوارد على وجوبه في المستحاضة الكثيرة (1)، وذلك لعدم إمكان التفكيك بين أقسام الاستحاضة في ذلك بعد ورود النص عليه في قسم منها ، هذا.
وفيه : أن النص الدال على وجوب التبديل في الاستحاضة الكثيرة لو تم ولم نناقش في دلالته فهو مختص بالكثيرة ، ولا وجه للتعدي عنها إلى غيرها.
ودعوى أنه لا يمكن التفكيك بين أقسام الاستحاضة مدفوعة بأنه قياس ، إذ بأي ملازمة عقلية يثبت حكم الكثيرة في القليلة ، مع أنّا نرى أن أحكامهما مختلفة ، فإن المستحاضة القليلة يجوز لها الدخول في المساجد والمرور من المسجدين ويجوز لزوجها أن يأتيها ، وهذا بخلاف المستحاضة بالكثيرة فهي مورد الخلاف في تلك الأحكام.
وعليه فالصحيح أنه لا دليل على وجوب تبديل القطنة في الاستحاضة القليلة وإنما هو حكم مشهوري ، والشهرة في الفتوى لا تكون دليلاً على الحكم الشرعي مضافاً إلى أن تبديل القطنة في المستحاضة القليلة لو كان واجباً في حقها لأُشير إليه في شيء من تلك الأخبار الواردة في مقام البيان ، فسكوتهم عليهمالسلام وعدم تعرضهم لذلك أقوى دليل على عدم الوجوب.
هذا كلّه في الحكم الأول على المستحاضة بالقليلة.
وأمّا وجوب الوضوء عليها لكل صلاة فهو ممّا تسالم عليه الأصحاب قدسسرهم ولم ينسب الخلاف فيه إلاّ إلى ابن أبي عقيل وابن الجنيد (2)، حيث نسب إلى ابن أبي عقيل أن الاستحاضة القليلة ليست من الأحداث أصلاً ، ولا يجب فيها شيء لا الغسل ولا الوضوء.
وذكر أن المستحاضة إذا ثقب دمها الكرسف يجب عليها الغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين إذا جمعت بينهما ، وأمّا إذا لم يثقب الكرسف فلا غسل عليها ولا وضوء وأنه ليس من الأحداث ، فلو كانت متطهرة قبل خروج ذلك الدم فطهارتها لا ترتفع بذلك.
وذهب ابن الجنيد إلى أن الاستحاضة القليلة التي لا تثقب الكرسف توجب غسلاً واحداً في اليوم والليلة ، والاستحاضة الموجبة لثقب الكرسف يجب لها الغسل لكل صلاة أو صلاتين إذا جمعت بينهما.
فابن أبي عقيل وابن الجنيد اختلفا في المستحاضة بالقليلة ، حيث أوجب الثاني فيها الغسل ولم يوجب الأول فيها غسلاً ولا وضوء ، واتفقا على أن الاستحاضة منحصرة في القسمين : الكثيرة والقليلة ، ولا متوسطة فيهما.
أمّا ما ذهب إليه ابن أبي عقيل فكأنه من جهة حمل الأوامر الواردة في الأخبار بتوضؤ المستحاضة القليلة على التوضؤ من جهة سائر الأحداث كما في غير المستحاضة ، وناظر إلى نفي وجوب الغسل عنها ، لا أنها تثبت عليها حكماً زائداً على بقية المحدثين.
والصحيح ما ذهب إليه المشهور من أن الاستحاضة القليلة توجب الوضوء لكل صلاة ، وذلك للأخبار الدالة على ذلك ، ومنها صحيحة الصحّاف المتقدمة حيث ورد فيها : « فإن انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصل ، وإن لم ينقطع الدم عنها إلاّ بعد ما تمضي الأيام التي ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي وتستذفر وتصلِّي الظهر والعصر ، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها ، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل » الحديث (1).
فإنّها مضافاً إلى اشتمالها على كلمة « الفاء » في صدرها « فإن ذلك ليس من الرحم
1) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 7.
ولا من الطمث فلتتوضأ ... » (1)وهي تدل على أن وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم لا على حدث آخر دلت في ذيلها على أن الدم إذا لم يسل من القطنة والكرسف يجب عليها أن تتوضأ وتصلِّي عند وقت كل صلاة.
هذا على أن وضوءها لو كان من جهة الحدث لم يجب عليها إلاّ وضوء واحد ما لم تحدث ، ولم يكن وجه لوجوبه عليها عند كل صلاة ، على أن المرأة في مفروض الرواية قد اغتسلت من الحيض وهي طاهرة لا حدث لها لتتوضأ ، فلو لم تكن الاستحاضة القليلة من الأحداث لما وجب الوضوء عليها لكل صلاة.
وأمّا ما ذكره ابن الجنيد فهو مخالف لصريح الصحيحة ، حيث دلّت على وجوب الوضوء على المستحاضة إذا لم يسل الدم من القطنة ، كما أوجبت عليها الغسل إذا سال الدم ، ولم تدل على وجوب الغسل عليها في كلتا الصورتين.
ذكرنا أن المعروف في الاستحاضة القليلة وجوب الوضوء على المستحاضة عند كل صلاة ، وقد خالف في ذلك ابن أبي عقيل وابن الجنيد ، وحاصل كلامهما إنكار الاستحاضة المتوسطة ، فابن أبي عقيل ذهب إلى أن الاستحاضة القليلة ليست حدثاً ولا توجب غسلاً ولا وضوء ، ولكن إذا ثقب الدم الكرسف سواء سال أم لم يسل أعني الاستحاضة المتوسطة والكثيرة يجب معها الغسل لكل صلاة أو صلاتين وذكرنا أن ما ذهب إليه ابن أبي عقيل يدفعه صريح الأخبار الواردة في المقام.
منها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلِّي فيها ولا يقربها بعلها ، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه ، وللمغرب والعشاء غسلاً تؤخر هذه وتعجل هذه ، وتغتسل للصبح ، وتحتشي وتستثفر ولا تحني ( تحيي ) وتضم
1) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3.
فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ، ولا يأتيها بعلها أيام قرئها ، وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلّت كل صلاة بوضوء ، وهذه يأتيها بعلها إلاّ في أيام حيضها » (1).
ومنها : صحيحة ابن نُعيم الصحاف عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « وإن لم ينقطع الدم عنها إلاّ بعد ما تمضي الأيام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي وتستذفر وتصلِّي الظهر والعصر ، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف ، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل ، وإن طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها ... » (2).
وتقريب الاستدلال بهاتين الصحيحتين من وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنهما جعلتا المستحاضة القليلة ، وهي التي لا يثقب دمها الكرسف ، في قبال المستحاضة الكثيرة ، وهي التي يثقب دمها الكرسف ويسيل ، ودلّتا على وجوب التوضؤ عند كل صلاة في الأُولى وعلى وجوب الغسل عند كل صلاة في الثانية ، وجعلها في مقابل الكثيرة يدل على أنها من الأحداث كالكثيرة إلاّ أن الواجب فيها الوضوء.
الثاني : أنهما اشتملتا على الجملة الشرطية ، حيث ورد في الصحيحة الأُولى « وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت » ، وفي الثانية « فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل » ، والجمل الشرطية ظاهرة الدلالة على تفرع الجزاء على الشرط أي حدوث الجزاء عند حدوث الشرط وأنه مستند إلى تحقق شرطه لا إلى أمر آخر ، وعليه فهما تدلان على أن وجوب الوضوء مستند إلى رؤية دم الاستحاضة لا إلى سبب آخر من أسباب الوضوء.
الثالث : أنهما دلّتا على وجوب الوضوء عند كل صلاة ، ومن الواضح أن الوضوء
لو كان مستنداً إلى سائر أسبابه لم يجب عند كل صلاة ، بل يكفيها الوضوء مرة واحدة في جميع صلواتها ما دامت لم تنقضه ، فمن ذلك يظهر أن موجب الوضوء في حقها ليس هو سائر الأسباب ، وإنما الموجب هو الاستحاضة وأنها حدث موجب للوضوء عند كل صلاة.
ومن جملة الأخبار الدالة على ما ذكرناه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة « إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة ، فإن خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم تر شيئاً فلتغتسل ، وإن رأت بعد ذلك فلتتوضأ ولتصل » (1).
وقد قدمنا اختلاف النسخ فيها وأن بعضها مشتمل على كلمة « الصفرة » بعد قوله « بعد ذلك » ، وعلى كل حال تدل على أن وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم أو الصفرة لا أنه مستند إلى أسباب الوضوء.
ومنها غير ذلك من الروايات ، هذا.
وقد يستدل في المقام بما عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « قال سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال : تستظهر بيوم أو يومين ، ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلِّي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ ( يثقب ) الدم ، فإذا نفذ اغتسلت وصلّت » (2).
ودلالة الرواية على المدعى ظاهرة إلاّ أنها ضعيفة السند ، لاشتمالها على محمد بن خالد الأشعري الذي لم يوثق في الرجال ، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام وإن وصفت بالموثقة في كلام شيخنا الهمداني (3)قدسسره وغيره (4)، هذا.
وقد استدل لما ذهب إليه ابن أبي عقيل بوجوه :
منها : الأخبار الواردة في حصر نواقض الوضوء في الست (1)حيث إنها واردة في مقام بيان ما هو ناقض للوضوء ومع ذلك لم يذكر الاستحاضة ، فسكوته عليهالسلام في تلك الأخبار عن ذكرها وعدم عدها من النواقض وهو في مقام البيان أقوى دليل على عدم كون الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء.
وفيه : أن غاية ما هناك دلالة هذه الأخبار على المدعى بإطلاقها وسكوتها في مقام البيان ، ولا مانع من رفع اليد عن ذلك الإطلاق بالأخبار المعتبرة الدالة على أن الاستحاضة من نواقض الوضوء.
وقد ذكر المحقق النائيني قدسسره أن أقوى إطلاق عثرنا عليه في الأبواب الفقهية قوله عليهالسلام « لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال أو ثلاث : الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء » (2)والوجه في التردد بين الأربع والثلاث هو التردد في عد الطعام والشراب واحداً أو اثنين ، ومع ذلك رفعنا اليد عن إطلاقه بما ورد في بقية المفطرات من الروايات ، هذا.
وقد يقال وهو حسن لا بأس به إن النظر في أخبار حصر النواقض إنما هو إلى النواقض العامة غير المختصة بطائفة ولا سيما بلحاظ أن السائل من الرجال ، ولا نظر فيها إلى النواقض المختصة بالنساء ، حيث إن الاستحاضة مختصة بهنّ ، فلا تنافي بينها وبين ما دلّ على أن الاستحاضة من نواقض الوضوء.
وكيف كان فلا يمكننا رفع اليد عن الأخبار المتقدمة الصحيحة المعتبرة والظاهرة بل الصريحة من حيث الدلالة في قبال الإطلاق في أخبار حصر النواقض.
ومنها : صحيحة زُرارة قال « قلت له : النفساء متى تصلِّي؟ فقال : تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين ، فإن انقطع الدم ، وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلّت ، فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت واغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد ... » (1).
بتقريب أنها واردة في مقام البيان ، ومع ذلك سكتت عن وجوب الوضوء على المستحاضة ، فلو كان الوضوء واجباً على المستحاضة كالغسل تعرّضت لبيانه ، ومن عدم تعرضها لوجوب الوضوء يستكشف عدم وجوبه على المستحاضة.
والاستدلال بهذه الرواية حسن من جهة وفاسد من جهة ، وذلك لأن دلالتها على عدم وجوب الوضوء على المستحاضة مع وجوب الغسل في حقها وإن كانت صحيحة كما ذكر ، إلاّ أنها لا تدل على عدم وجوب الوضوء عليها في الاستحاضة القليلة لوضوح أنها سكتت عن إيجاب الوضوء عليها حينما وجب عليها الغسل ، وأمّا عدم وجوب الوضوء عليها عند عدم تكليفها بالغسل كما في المستحاضة القليلة فلا دلالة لها عليه بوجه ولا أنها واردة لبيانه.
ومنها : ما عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : المستحاضة تقعد أيام قرئها ، ثم تحتاط بيوم أو يومين ، فإذا هي رأت طهراً اغتسلت ، وإن هي لم تر طهراً اغتسلت واحتشت ، فلا تزال تصلِّي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف ، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف » (2).
نظراً إلى دلالتها على أن المستحاضة ما دام لم يظهر دمها على الكرسف أي تجاوز عنه لا يجب عليها شيء ، بل تصلِّي بالغسل الذي اغتسلت عن حيضها ، وإنما يجب عليها الغسل بعد ما ظهر دمها على الكرسف ، فهي قبل تجاوز الدم عن الكرسف ليست بذات حدث موجب لشيء ، وبعده يجب الغسل دون الوضوء.
والاستدلال بهذه الرواية مخدوش بحسب الدلالة والسند.
أمّا سنداً فلوقوع القاسم بن محمد الجوهري في سنده ، وهو ممن لم تثبت وثاقته.
وأمّا دلالة فلأنها إنما وردت لبيان أن المستحاضة بعد ما اغتسلت عن حيضها لا يجب في حقها غسل آخر ما دام لم يظهر الدم على الكرسف ، وأمّا أنها إذا لم يظهر دمها على الكرسف لا يجب الوضوء عليها فهو مما لا يكاد يستفاد منها بوجه.
هذا كله في الجواب عما ذهب إليه ابن أبي عقيل.
وأمّا ما ذهب إليه ابن الجنيد من أن دم الاستحاضة إن كان ثقب الكرسف وتجاوز عنه وجب على المرأة أن تغتسل لكل صلاة أو صلاتين ، وإذا لم يتجاوز عنه سواء لم يثقبه أو ثقبه ولم يتجاوز عنه (1)فيجب الغسل لكل نهار وليلة مرة واحدة ، وعليه فليس هناك استحاضة متوسطة وكثيرة وقليلة ، بل يدور الأمر بين وجوب الغسل لكل صلاة والغسل لكل يوم مرة واحدة ، فقد استدل له بروايتين :
إحداهما : موثقة سَماعة قال « قال : المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلاً ، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة » (2).
وذلك لإطلاق قوله « وإن لم يجز الدم الكرسف » وشموله لكل من صورتي ثقبه وعدم تجاوزه عنه وصورة عدم ثقبه أصلاً. وهي كما ترى تدل على أن أمر المستحاضة يدور بين الغسل لكل صلاة كما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز عنه ، وبين الغسل لكل يوم وليلة مرة واحدة كما إذا لم يثقبه أصلاً أو ثقبه ولم يتجاوز عنه.
وثانيتهما : صحيحة زرارة قال « قلت له : النفساء متى تصلِّي؟ فقال : تقعد بقدر
حيضها وتستظهر بيومين فإن انقطع الدم ، وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلّت فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد ... » (1).
وذلك بعين التقريب المتقدم في الموثقة ، وعليه فليس لنا استحاضة يجب فيها الوضوء لكل صلاة بل الأمر يدور بين الأمرين المتقدمين ، هذا.
ويمكن الجواب عما استدل به على ذلك المسلك بأن مراد ابن الجنيد إن كان أن دم الاستحاضة سواء كان دمها أحمر وأسود أم كان أصفر لا يجب معه الوضوء لكل صلاة ، بل دم الاستحاضة على إطلاقه إما أن يجب معه الغسل لكل صلاة وإما أن يجب معه الغسل مرة واحدة في كل يوم.
فيدفعه صريح الموثقة المتقدمة حيث ورد في ذيلها « هذا إن كان دمها عبيطاً ، وإن كان صفرة فعليها الوضوء » وهي كما ترى صريحة في أن دم الاستحاضة إذا كان صفرة لا يجب معها سوى الوضوء ، فالموثقة تدل على خلاف مراده لا أنها دليل له.
وإن أراد بما ذكره أن دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود على قسمين ، قسم يجب معه الغسل لكل صلاة ، وقسم يجب معه الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة ، ولا قسم ثالث في دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود يجب معه الوضوء ، فهو بظاهره ممّا لا بأس به ويمكن الاستدلال عليه بالموثقة والصحيحة المتقدمتين.
بل هذا هو الذي ذهب إليه المحقق الخراساني قدسسره في فقهه (2)، مستدلاًّ عليه بالروايتين المتقدِّمتين ومعترضاً بهما على المشهور في جعلهم الاستحاضة مطلقاً على أقسام ثلاثة وإيجابهم الوضوء فيما إذا لم يثقب الكرسف ، مع أن الروايتين تدلان على أن دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود يدور أمره بين وجوب الغسل معه لكل
صلاة وبين وجوب الغسل مرة واحدة في كل يوم وليلة ، وليس هناك دم استحاضة أحمر أو أسود يجب فيه الوضوء ، هذا.
ولكن يمكن المناقشة في الاستدلال بتلك الموثقة على ذلك بأنها ليست مسوقة لبيان أن حكم الاستحاضة يختلف باختلاف كيفية الدم ولونه وأنه إذا كان أحمر أو أسود يدور أمره بين القسمين المتقدِّمين ، وإذا كان أصفر يجب فيه الوضوء ، وإنما هي مسوقة لبيان اختلاف حكم دم الاستحاضة باختلاف كمّية الدم وقلته وكثرته ، بمعنى أنه إذا كان كثيراً على نحو يثقب الكرسف ويتجاوز عنه يجب الغسل لكل صلاة ، وإذا كان كثيراً على نحو يثقب الكرسف ولم يتجاوز عنه يجب الغسل لكل يوم وليلة مرة واحدة ، وإذا كان قليلاً بمقدار يعد عرفاً من الطوارئ والعوارض ولا يعد دماً ولو كان أحمر أو أسود ، لقلّته وضعفه حيث لم يثقب الكرسف يجب فيه الوضوء ، فالمراد بالصفرة هو الدم القليل المعد من الطوارئ والأعراض ولو كان أحمر.
ويشهد لذلك أمران :
أحدهما : أنه لم يقل وإن كان دماً أصفر ، ليتوهم أنها بصدد تقسيم الدم من حيث الصفرة وغيرها ، بل قال وإن كان صفرة ، إشارة إلى أن الدم لو كان من القلة بمكان لا يعد دماً عرفاً بل يعد من الأعراض يجب معه الوضوء ولو كان أحمر أو أسود ، فهي مسوقة لبيان اختلاف حكم الاستحاضة باختلاف كمية الدم من حيث الكثرة والقلة ، ولا نظر لها إلى تقسيمه من حيث الكيفية واللون.
ثانيهما : أن الرواية لو كانت واردة لبيان تقسيم الدم بحسب الكيفية واللون فقد تعرضت في الدم الأحمر لصورتين : الصورة الأُولى ما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز عنه. الصورة الثانية ما إذا ثقبه ولم يتجاوز عنه. وهناك صورة ثالثة من الدم الأحمر لم يتعرّض لحكمها ، وهي ما إذا لم يثقبه أصلاً.
وهذا بخلاف ما إذا حملناها على كونها واردة لبيان كمية الدم وأنه إذا كان كثيراً قد يثقب فقط وقد يثقب ويتجاوز ، وهما صورتان ، وقد يكون قليلاً لا يثقب ولا يتجاوز عن الكرسف ، وهي التي يجب الوضوء فيها ، هذا كلّه.
على أنّا لو سلمنا أن الروايتين مطلقتان من حيث كون الدم غير المتجاوز ثاقباً من غير تجاوز وما إذا لم يكن ثاقباً أصلاً ، وقد دلتا على أن الواجب في صورة عدم تجاوز الدم عن الكرسف هو الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة سواء ثقبه أم لم يثقبه ، فلا مناص من رفع اليد عن إطلاقهما وتقييدهما بما إذا كان الدم ثاقباً بمقتضى صريح صحيحة الصحّاف حيث ورد فيها « ثم لتنظر ، فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها ، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل ، وإن طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتوضأ ولتصل ولا غسل عليها ، قال : وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيباً لا يرقأ ، فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات إلى أن قال وكذلك تفعل المستحاضة » (1).
حيث صرحت بأن دم الاستحاضة إذا لم يسل من خلف الكرسف أي لم يثقبه وجب على المستحاضة أن تتوضأ وتصلِّي ، ولا يجب عليها الغسل حينئذ ، وبها نقيد إطلاق قوله عليهالسلام « وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل » بما إذا لم يثقبه فإن اللازم حينئذ هو التوضؤ دون الاغتسال.
هذا كله فيما ذهب إليه المحقق الخراساني قدسسره عند كون دم الاستحاضة أحمر أو أسود ، حيث ذكر دورانه بين القسمين المتقدمين من غير أن يكون له قسم ثالث يجب فيه الوضوء.
وأمّا إذا كان صفرة فقد ذكر أن أمر الدم الأصفر يدور بين قسمين لا ثالث لهما فإنها إن كانت قليلة وجب معها الوضوء ، وإن كانت كثيرة يجب معها الغسل.
واستدلّ على ذلك بجملة من الأخبار الدالة على أن المستحاضة إذا رأت صفرة فلتتوضأ ، منها : الموثقة المتقدِّمة (2)، ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه « ما دامت
ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصلِّي ولا غسل عليها من صفرة تراها » (1)، ومنها : صحيحة محمد بن مسلم الفاقدة لكلمة الصفرة (2)، ومنها : صحيحته الأُخرى (3)، ومنها : رواية علي بن جعفر الأُخرى ، « فإن رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها ، يجزئها الوضوء عند كل صلاة تصلِّي » (4)ومنها غير ذلك من الأخبار.
وبإزاء هذه الأخبار روايتان تدلان على أن المستحاضة إذا رأت صفرة وجب عليها أن تغتسل.
إحداهما : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي ذينك اليومين ، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين » (5).
وثانيتهما : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، قال « سألت أبا إبراهيم عليهالسلام عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ، ثم طهرت وصلّت ، ثم رأت دماً أو صفرة ، قال : إن كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة » (6).
وهاتان الطائفتان متعارضتان ، لدلالة إحداهما على وجوب الوضوء مع الدم الأصفر ، ودلالة ثانيتهما على وجوب الغسل معه ، إلاّ أن هناك شاهد جمع بينهما ، وهو ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام ، قال « سألته عن الحبلى قد استبان حملها ، ترى ما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة من الدم ، إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلِّي ، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلاّ الوضوء » (7).
حيث تدل على أنّ وجوب الوضوء مع رؤية الدم الأصفر مختص بما إذا كان قليلاً وأمّا مع الكثرة فالواجب في حقها الاغتسال ، وبهذا يرتفع التعارض بين الطائفتين.
والنتيجة أنه ليس هناك قسم ثالث في الاستحاضة لا فيما إذا كان الدم أحمر ولا فيما إذا كان أصفر ، هذا.
والصحيح ما ذهب إليه المشهور من تقسيم الاستحاضة إلى أقسام ثلاثة : إما أن لا يثقب الدم الكرسف ويجب الوضوء معه ، وإما أن يثقب الدم الكرسف ولا يتجاوز عنه فيجب غسل واحد ، وإما أن يثقب ويتجاوز الدم عن الكرسف فتجب أغسال ثلاثة ، ولا يعتمد على ما فصّله المحقق الخراساني قدسسره كما عرفت.
وتوضيح الكلام في الجواب عما أفاده يقع في مقامين : أحدهما في الدم الأحمر. وثانيهما في الدم الأصفر. فنقول أولاً في الدم الأحمر :
المقام الأوّل : إن صريح صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام ، قال « المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلِّي فيها ولا يقربها بعلها ، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخّر هذه وتعجّل هذه ، وللمغرب والعشاء غسلاً تؤخر هذه وتعجل هذه ، وتغتسل للصبح وتحتشي وتستثفر ولا تحني ( تحيي ) ، وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ، ولا يأتيها بعلها أيام قرئها وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلّت كل صلاة بوضوء » (1)أن حكم المستحاضة يختلف باختلاف ثقب الدم الكرسف وعدمه ، فمع الثقب تجب الأغسال الثلاثة ومع عدم الثقب يجب الوضوء ، فالثقب له موضوعية في حكم المستحاضة وأنه المدار في اختلاف أحكامها ، بمعنى أن الدم الذي يثقب الكرسف يجب معه الأغسال ولكنّه هو بعينه لو خرج ولم يثقب وجب معه الوضوء ، فالدم الواحد
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.
الذي يحكم معه بوجوب الأغسال إذا ثقب هو الذي يحكم معه بوجوب الوضوء لو لم يكن ثاقباً ، فلا وجه لتقسيم دم الاستحاضة إلى الصفرة أو الحمرة.
وليس المدار في اختلاف حكمها هو اختلاف لون الدم من الحمرة والصفرة ، بل سواء أكان دمها أحمر أم كان أصفر إذا ثقب الكرسف وجبت معه الأغسال الثلاثة وإذا لم يثقبها وجب معه الوضوء ، فما أفاده قدسسره من اختلاف حكم المستحاضة باختلاف لون الدم مخالف لصريح الصحيحة كما عرفت.
نعم ، هي توافق المحقق المزبور في أن دلالتها على وجوب الأغسال الثلاثة مع الثقب على نحو الإطلاق سواء أكان متجاوزاً أيضاً أم لم يكن ، إلاّ أنه لا بدّ من تقييد إطلاقها من هذه الجهة بصحيحة زرارة الدالة على أن وجوب الأغسال الثلاثة إنما هو فيما إذا كان الثقب مع التجاوز ، وأمّا مع عدم التجاوز فالواجب غسل واحد لكل يوم وليلة : « قال قلت له : النفساء متى تصلِّي؟ فقال : تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فإن انقطع الدم ، وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلّت ، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد (1).
وروايته الأُخرى عن أبي جعفر عليهالسلام قال « سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال : تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة ، فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلِّي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ ( يثقب ) الدم فإذا نفذ اغتسلت وصلّت » (2). إلاّ أنها ضعيفة بمحمد بن خالد الأشعري ، فهي صالحة للتأييد دون الاستدلال بها.
وكيف كان فبدلالة صحيحة زرارة صريحاً يقيد إطلاق قوله عليهالسلام في الصحيحة المتقدمة « ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر ... » بما إذا كان متجاوزاً وأمّا مع الثقب من دون تجاوز فالواجب في حقها غسل واحد ، فالصحيحتان تدلاّن على المسلك المشهور من انقسام المستحاضة إلى أقسام ثلاثة ، ووجوب الوضوء مع
عدم الثقب ، والغسل الواحد مع الثقب من دون تجاوز ، والأغسال الثلاثة مع الثقب والتجاوز.
وبإزائهما موثقة سَماعة المتقدِّمة (1)، وما هو بمضمونها التي اعتمد عليها المحقق الخراساني قدسسره ، وذلك بتقريب أن قوله عليهالسلام « إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين ... » مطلق يشمل ما إذا كان الثقب مع التجاوز وما إذا لم يكن متجاوزاً ، فتدل هذه الجملة على وجوب الأغسال الثلاثة مع الثقب من دون فرق بين المتجاوز وغيره.
ثم إن قوله عليهالسلام في الجملة الثانية « وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة » تصريح بالمفهوم المستفاد من الجملة السابقة ، ومعناه وإن لم يثقب الدم الكرسف فعليها الغسل ، لأن مفهوم قوله عليهالسلام « إذا ثقب » إذا لم يثقب.
وعليه فالموثقة تدلّنا على أن أمر الدم الأحمر الذي تراه المستحاضة مردد بين أمرين ، لأنه إما أن لا يثقب فالواجب فيه غسل واحد لكل يوم ، وإما أن يثقب فالواجب فيه الأغسال الثلاثة تجاوز الدم أم لم يتجاوز ، فليس للمستحاضة التي ترى الدم الأحمر أقسام ثلاثة يجب في أحدها الوضوء ، هذا.
ولكن للمناقشة في الاستدلال بالموثقة مجال واسع ، وهي من وجوه :
الأوّل : أنّا لو سلمنا أن الجملة الثانية تصرح بالمفهوم المستفاد من الجملة السابقة يدور الأمر بين ارتكاب أحد أمرين كلاهما خلاف الظاهر ، وذلك لأن المفهوم هو عبارة عن نفي ما ورد في المنطوق ، ومنطوق الموثقة « إذا ثقب الدم الكرسف » ، والمذكور في الجملة الثانية « وإن لم يجز الدم ... » ، والمفروض أنه مفهوم الجملة الأُولى ولا يمكن إبقاؤهما على حقيقتهما والعمل على أصالة الحقيقة في كليهما.
فإمّا أن يراد من الثقب التجاوز فيصير معنى « إذا ثقب » إذا تجاوز ، ليصح كون
1) في ص 27.
الجملة الثانية مفهوماً للجملة الاولى ، وحينئذ تدل الموثقة على أن الدم إذا تجاوز الكرسف فيجب فيه الأغسال الثلاثة ، وإذا لم يتجاوز يجب فيه غسل واحد. وهذا خلاف ما يدعيه المحقق الخراساني ، وهو عين ما التزم به المشهور في الدم المتجاوز والدم الثاقب غير المتجاوز.
وإمّا أن يعكس الأمر ويتصرف في الجملة الثانية بحمل التجاوز على الثقب ، أي إذا لم يثقب الدم وجب عليها غسل واحد ، وهو ما ادعاه قدسسره في المقام ، وبما أنه لا قرينة على تعيين أحد التصرفين وارتكاب إحدى المخالفتين للظاهر ولا مرجح له تصبح الموثقة المذكورة مجملة لا محالة.
الثاني : أن الجملة الثانية ليست تصريحاً بمفهوم الجملة الاولى ، بل الظاهر المستفاد من الموثقة أن الجملة الأُولى مطلقة ، وقد دلّت بإطلاقها على وجوب الأغسال الثلاثة مع الثقب تجاوز أم لم يتجاوز ، والجملة الثانية بيان ومقيد لإطلاق الجملة الأُولى وتدل على أن وجوب الأغسال الثلاثة إنما هو إذا ثقب الدم وتجاوز ، وأمّا إذا ثقب ولم يتجاوز فالواجب غسل واحد.
ولا بأس بالإطلاق في الجملة المتقدمة مع بيان القيد في الجملات المتأخرة ، بل هو كلام فصيح ، وقد وقع نظيره في كلام اللّه سبحانه كما في قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) فإنّه بإطلاقه شامل للجنب وغيره ، ثم أتى بمقيدة بقوله عزّ من قائل ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)فإنه مقيد لإطلاق الجملة السابقة ودال على أن وجوب الوضوء إنما هو في حق غير الجنب ، وأمّا الجنب فحكمه أن يتطهر.
وعليه فالموثقة تدل على مذهب المشهور ، غاية الأمر أن نضيف عليها الحكم بوجوب الوضوء مع عدم الثقب أصلاً بمقتضى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة.
ويدلُّ على ما ذكرناه موثقة أُخرى لسَماعة مسندة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام بخلاف هذه الموثقة فإنها مضمرة ، « قال : غسل الجنابة واجب ، وغسل الحائض إذا طهرت واجب ، وغسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف
1) المائدة 5 : 6.
فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر غسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرّة والوضوء لكل صلاة ... » (1)فإنها صريحة فيما ذكرناه حيث عبرت بتجاوز الدم وبعدم تجاوزه ، والراوي عن سماعة في كلتا الروايتين شخص واحد وهو عثمان بن عيسى ، والوجه في الاستدلال بها أن من البعيد أن تكون هذه الرواية متضمنة لمطلب آخر غير الرواية ، بل الظاهر أنهما متكفلتان لمطلب واحد عبر في إحداهما بتعبير وفي الأُخرى بتعبير آخر.
الثالث : هب أنّا سلمنا أن الجملة الثانية مفهوم للجملة السابقة إلاّ أن الالتزام بمدلولها وأن الدم الثاقب مطلقاً يجب معه الأغسال الثلاثة تجاوز أم لم يتجاوز ، وغير الثاقب يجب معه غسل واحد ، إنما هو فيما إذا كانت الرواية منحصرة بالموثقة.
وليس الأمر كذلك لما عرفت من الصحيحتين ، فلا بد من التصرف في الموثقة بقرينتهما وحمل الثاقب على المتجاوز بتقييد إطلاقها ، والحكم في الثاقب غير المتجاوز بالغسل الواحد وفي غير الثاقب أصلاً بوجوب الوضوء بمقتضى صريح الصحيحتين لأنّ التجاوز في مثلهما ليس بمجمل ، وإنما يراد به التجاوز عن الكرسف ولا يحتمل أن يراد به الثقب.
فتدلنا الصحيحتان وغيرهما من الأخبار على أن الدم مع الثقب والتجاوز يجب فيه الأغسال الثلاثة ، ومع الثقب غير المتجاوز يجب غسل واحد ، ومعه تكون هاتان الروايتان قرينة على أن المتعين في الموثقة أن يتصرف في الثقب بحمله على التجاوز ، لا أن يتصرف في التجاوز بحمله على الثقب.
هذا كله في الدم الأحمر.
المقام الثاني : في الدم الأصفر ، وقد عرفت أنه قدسسره فصّل فيه بين الكثير العرفي وأوجب فيه الغسل ، وبين القليل العرفي وحكم فيه بوجوب الوضوء ، وقال إنه لا ثالث لهما في البين ، واستدل عليه بالطائفة الدالة على أن المستحاضة إذا رأت صفرة تتوضأ وتصلِّي ، وبما دلّ على أن المستحاضة إذا رأت صفرة تغتسل وتصلِّي ، بدعوى
1) الوسائل 2 : 173 / أبواب الجنابة ب 1 ح 3.
أنهما متعارضتان بالتباين وهناك شاهد جمع بينهما ، أعني ما رواه محمد بن مسلم حيث دلّت على وجوب الوضوء مع كون الدم قليلاً أصفر.
ولكن يرد عليه أن ما أقامه شاهداً للجمع بين الطائفتين ضعيف السند لإرساله.
ذكرنا أن المحقق الخراساني قدسسره خالف المشهور في المقام ، وذهب إلى التفصيل في دم الاستحاضة بين الأحمر والأصفر ، وذكر أن الدم الأحمر يدور أمره بين وجوب الأغسال الثلاثة فيما إذا تجاوز الدم عن الكرسف ، ووجوب غسل واحد فيما إذا ثقب الدم الكرسف من غير أن يتجاوز ، واستدل عليه بموثقة سماعة المتقدمة بالتقريب السابق.
وأمّا الدم الأصفر فقد ذكر أنه إذا كان كثيراً عرفياً لا بحسب الاصطلاح الذي هو بمعنى تجاوز الدم عن الكرسف وجب فيه الغسل ، وإذا كان قليلاً عرفاً وجب فيه الوضوء ، وذكر أنه على ذلك تكون الاستحاضة المتوسطة المصطلحة داخلة في الاستحاضة القليلة عنده ، لأن كون الدم بحيث يوجب الثقب فحسب لا يعد دماً كثيراً عرفاً ، بل هو من الدم القليل فيجب فيه الوضوء ، بل بعض أقسام الاستحاضة الكثيرة يدخل في القليلة عنده ، كما إذا ثقب الكرسف وتجاوز عنه بشيء يسير ، فإن مثله لا يعد كثيراً عرفاً بل هو قليل فيجب فيه الوضوء ، إلاّ أن يكون سائلاً على وجه يعد كثيراً عرفاً ، هذا.
وقد قدمنا أن ما أفاده في الدم الأحمر غير تام ، لصحيحة معاوية بن عمّار الدالة بصراحتها على أن المدار في اختلاف أحكام المستحاضة إنما هو الثقب وعدمه ، وأن الدم الثاقب يجب معه الأغسال الثلاثة وغير الثاقب يجب معه الوضوء ، بمعنى أن الدم الذي يجب معه الغسل إذا كان ثاقباً هو الذي يجب معه الوضوء إذا كان غير ثاقب وعليه فلا عبرة بحمرة الدم وصفرته ، بل المدار إنما هو بثقب الدم وعدم ثقبه.
ولمّا كانت الصحيحة مطلقة من حيث دلالتها على وجوب الأغسال الثلاثة مع
الثقب سواء أكان متجاوزاً أم لم يكن ، فلا بدّ من تقييدها بصحيحة زرارة الدالّة على أن وجوب الأغسال الثلاثة إنما هو مع تجاوز الدم الثاقب (1)، وأمّا الدم الثاقب غير المتجاوز فإنما يجب معه غسل واحد ، وعليه فالصحيحتان بعد تقييد مطلقهما بمقيدهما صريحتان في مسلك المشهور ، هذا.
وللمحقق الخراساني قدسسره (2)مناقشات في الاستدلال بالصحيحة على المسلك المشهور بين الأصحاب :
المناقشة الاولى : أن الصحيحة وإن دلت على وجوب الوضوء عند عدم كون الدم ثاقباً إلاّ أنها لا تدل على عدم وجوب الغسل حينئذ ، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، أي من جهة وجوب الغسل وعدمه ، وإنما وردت للدلالة على وجوب الوضوء حينئذ ، فلا يمكن التمسك بإطلاقها في الحكم بعدم وجوب الغسل حينئذ.
وهذه المناقشة منه قدسسره عجيبة ، وذلك لأنه مع ورود الرواية لبيان ما يجب على المستحاضة حسب اختلاف حالاتها ووجوب الغسل عليها ثلاث مرّات مع الثقب ، كيف لا تكون بصدد البيان عند عدم ثقبه ، إذ لو لم تكن بصدد بيان الغسل الواجب عليها لم تتعرض لوجوبه مع الثقب أيضاً ، وكونها مع الثقب في مقام البيان وعدم كونها كذلك عند عدم الثقب الذي هو مفروض الرواية في الجملة الثانية منها عجيب غايته.
المناقشة الثانية : أن المراد بالتوضؤ في قوله عليهالسلام « وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلّت كل صلاة بوضوء » لم يعلم أنه الوضوء المصطلح عليه ، بل المراد به هو الاغتسال من التنظيف والتطهير ، إذ لو أُريد به الوضوء
المصطلح عليه للزم التكرار في الرواية ، حيث ذكرت وجوب الوضوء عليها في آخر الرواية « وصلّت كل صلاة بوضوء » وعليه فتكون الصحيحة موافقة لمسلكه قدسسره من وجوب الغسل الواحد عند عدم ثقب الدم.
وهذه المناقشة أيضاً غريبة ، وذلك لأن التوضؤ بمعناه اللغوي المعبّر عنه ب- « شستشو » وإن كان قد يستعمل في كلامهم إلاّ أنه بمعنى الغُسل مما لم يعهد استعماله بوجه ، بل الظاهر إرادة الوضوء المصطلح عليه منه.
ودعوى أنه يلزم التكرار حينئذ واضحة الدفع ، لأن قوله عليهالسلام « وصلّت كل صلاة بوضوء » إنما هو لبيان أن المستحاضة ليست كبقية المكلفين في جواز اكتفائها بوضوء واحد في جميع صلواتها ، بل يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة وليس معناه وجوب أصل الوضوء عند حدث الاستحاضة ليلزم التكرار.
المناقشة الثالثة : أن دلالة الصحيحة على عدم وجوب الغسل عند عدم ثقب الكرسف إنما هي بالإطلاق بعد قطع النظر عن المناقشتين المتقدمتين ، نظراً إلى أنها في مقام البيان ومعه تعرضت لوجوب الوضوء على المستحاضة حينئذ ولم تتعرض لوجوب الغسل في حقها ، فمن سكوتها في مقام البيان يستكشف عدم وجوبه.
إلاّ أنه لا مانع من رفع اليد عن إطلاقها وتقييدها بموثقة سَماعة الدالّة على أنه مع عدم ثقب الدم يجب عليها الغسل مرة واحدة بناء على ما قدمناه في تقريب دلالتها وأن قوله عليهالسلام « وإن لم يجز الدم » معناه أن الدم إذا لم يثقب.
وعليه يقال : إن مقتضى الصحيحة وإن كان وجوب الوضوء على المستحاضة مع عدم الثقب ، إلاّ أن الموثقة تدل على أنه مع الوضوء يجب عليها الاغتسال ، وبضم إحداهما إلى الأُخرى يستفاد أن وظيفة المستحاضة عند عدم ثقب الكرسف هو الغسل الواحد والوضوء لكل صلاة ، لأنها حينئذ محدثة بالحدث الأصغر وبالحدث الأكبر ، فيجب عليها الوضوء والاغتسال كما هو مسلكه قدسسره.
وهذه المناقشة لا بأس بها فيما إذا تم ما ذكره في تقريب استدلاله بالموثقة ، بأن يكون قوله عليهالسلام « وإن لم يجز الدم الكرسف » مفهوماً للجملة السابقة عليه
وأن يكون بمعنى عدم كون الدم ثاقباً ، فإنه لا مناص مما أفاده ، لإطلاق الصحيحة من حيث وجوب الغسل حينئذ ، فيرفع عنه اليد بدلالة الموثقة على وجوب الغسل معه.
إلاّ أنك عرفت أن ما أفاده قدسسره ليس بتام ، لعدم كون الجملة الثانية مفهوماً للجملة المتقدمة عليها ، بل الظاهر أنها مقيدة لإطلاق الجملة الأُولى نظير قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) المقيد لإطلاق قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (1).
ومع الغض عنه فإن كون « إن لم يجز » بمعنى إن لم يثقب وإن كان محتملاً حينئذ إلاّ أنه يحتمل أن يكون قوله « إذا ثقب الدم » بمعنى إذا تجاوز الدم ، فإن اللازم هو أحد هذين التصرفين في الجملتين بناء على أن الجملة الثانية مفهوم للجملة السابقة عليها وأمّا تعيين خصوص الأول فهو مما لا مرجح له.
ومعه تصبح الموثقة مجملة لو لم نقل برجحان المحتمل الثاني ، لدلالة سائر الروايات كصحيحة زرارة على أن وجوب الأغسال الثلاثة إنما هو مع تجاوز الدم عن الكرسف لا مع كون الدم ثاقباً فقط ، فإن التجاوز والثقب لو كان مجملاً فإنما هو
كذلك في هذه الرواية ، وأمّا بقية الروايات فلا إجمال في شيء منها ، وهو ظاهر.
المناقشة الرابعة : مع الغض عن جميع المناقشات المتقدمة لا دلالة في الصحيحة على أن إيجاب الوضوء عند عدم كون الدم ثاقباً إنما هو فيما إذا كان الدم أحمر ، بل الصحيحة مطلقة من هذه الجهة ، فأيّ مانع من حملها على الدم الأصفر بقرينة موثقة سَماعة الدالة على أن الدم الأحمر إذا لم يثقب الكرسف وجب فيه الغسل ، حيث ورد في ذيلها « هذا إن كان دمها عبيطاً ».
وبه ترتفع المنافاة بينهما وتكون الأخبار الواردة في المقام بعد تقييد مطلقها بمقيدها وإرجاع بعضها إلى بعض ، دالّة على أن الدم الأحمر يدور أمره بين وجوب الأغسال الثلاثة معه كما إذا كان ثاقباً ، وبين وجوب الغسل الواحد كما إذا لم يثقب ، وأمّا الدم
1) المائدة 5 : 6.
الأصفر فيفصّل فيه بين الكثير العرفي والقليل العرفي بوجوب الغسل في الأول والوضوء في الثاني ، هذا.
ولا يخفى أن هذه المناقشة كسابقتها ، وذلك لما ظهر مما ذكرناه من أن صحيحة معاوية بن عمّار صريحة في أنه لا عبرة بحمرة الدم وصفرته ، وإنما المدار على ثقب الدم وعدمه ، وأن الدم الذي يجب معه الأغسال الثلاثة مع الثقب هو الدم الذي يجب فيه الغسل الواحد إذا لم يثقب ، سواء كان الدم أحمر أم أصفر ، والدم الأصفر لو ثقب لم يكن عنده موجباً للغسل لأنه قليل عرفاً فضلاً عما إذا لم يثقب ، على أن إطلاق الدم منصرف إلى الدم الأحمر ولا يمكن حمله على الأصفر ، فإنه جعل في بعض الأخبار في قبال الدم : « إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة » (1)ومعه كيف يحمل الدم في الصحيحة على الأصفر ، هذا كله.
مضافاً إلى أنه لا موجب أصلاً لتقييد الصحيحة بالموثقة ، إذ لا تنافي بينهما ولا تماسّ ، وذلك لأن الموضوع في الموثقة على ما فسرناه إنما هو الدم الثاقب وأنه مع التجاوز تجب فيه الأغسال الثلاثة ، ومع عدم التجاوز يجب فيه غسل واحد ، وأمّا الدم غير الثاقب فهو مما لم يتعرض له في الموثقة أصلاً ، والصحيحة متعرضة لحكمه ومع عدم التّماسّ بينهما في الدم غير الثاقب لا موجب لجعل إحداهما مقيدة لإطلاق الأُخرى.
وعليه فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من أن الاستحاضة إذا كانت قليلة أي لم يكن الدم ثاقباً للكرسف وجب معه الوضوء لكل صلاة ، وإذا كانت متوسطة أي كان الدم ثاقباً للكرسف وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة ويجب أن تغتسل غسلاً واحداً لكل يوم وليلة ، لاجتماع الحدث الأصغر مع الحدث الأكبر حينئذ ، وإذا كانت كثيرة أي كان الدم ثاقباً ومتجاوزاً عن الكرسف وجب الوضوء والغسل لكل صلاة ، وذلك لصحيحتي معاوية وزرارة المتقدِّمتين.
1) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 4.
هذا كلّه في الدم الأحمر ، وبقي الكلام في الدم الأصفر.
وقد ذكر أن دم الاستحاضة إذا كان أصفر فإن كان كثيراً عرفاً بأن سال عن الكرسف فيجب معه الأغسال الثلاثة ، وإذا كان قليلاً عرفاً بأن لم يثقب الكرسف أو تجاوز عنه ولم يسل فيجب فيها الوضوء ، فلا قسم ثالث بينهما.
فهو قدسسره وإن التزم بوجوب الأغسال الثلاثة في مورد ، ووجوب غسل واحد في مورد آخر ، ووجوب الوضوء في مورد ثالث ، إلاّ أنه على ترتيب آخر غير الترتيب الذي سلكه المشهور ، لأنه التزم بوجوب الأغسال الثلاثة فيما إذا تجاوز الدم عن الكرسف وفيما إذا كان الدم أحمر ، وإذا سال وعدّ كثيراً عرفاً فيما إذا كان صفرة وبوجوب غسل واحد في خصوص الدم الأحمر غير المتجاوز عن الكرسف ثقب أم لم يثقب ، وبوجوب الوضوء في الدم الأصفر القليل عرفاً.
واستدل على ما ذهب إليه بما ورد في جملة من الروايات من أن المرأة إذا رأت الدم الأصفر وجب عليها الأغسال الثلاثة ، وما ورد من أنها إذا رأت صفرة تتوضأ وتصلِّي كما نقلناهما سابقاً (1).
فإنهما متعارضان بالتباين لدلالة إحداهما على وجوب الأغسال الثلاثة مع الصفرة مطلقاً ودلالة الأُخرى على وجوب الوضوء معها مطلقاً ، إلاّ أن هناك شاهد جمع ، وهو ما رواه محمد بن مسلم « في الحامل قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة من الدم ، إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلِّي ، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلاّ الوضوء » (2).
حيث يدل على أنّ الوضوء في الدم الأصفر إنما يجب فيما إذا كان قليلاً ، وأمّا إذا كان كثيراً فمقتضى الطائفة الاولى أن يحكم فيه بوجوب الاغتسال ، هذا.
ولا يمكن المساعدة على ما أفاده بوجه ، وذلك لضعف الرواية التي جعلها شاهد جمع بين الطائفتين بإرسالها ، فتبقى الطائفتان على تعارضهما.
والصحيح أن يقال : إن الطائفتين وإن كانتا متعارضتين بالتباين كما مر ، إلاّ أن الطائفة الدالة على وجوب الاغتسال مع الصفرة لا بدّ من حملها على ما إذا كانت الاستحاضة أي الدم الأصفر كثيرة بحسب الاصطلاح بأن ثقبت الكرسف وتجاوزت عنه ، فإنها لو كانت قليلة أي غير ثاقبة أصلاً لا يحتمل كونها موجبة للأغسال الثلاثة ، لأنّ الصفرة لا تزيد على الدم الأحمر ، والدم الأحمر غير الثاقب أعني الاستحاضة القليلة لا توجب الأغسال الثلاثة فكيف توجبها الصفرة.
وكذلك الحال في الدم الأصفر المتوسطة بحسب الاصطلاح على مسلك صاحب الكفاية ، لأنها على مسلكه لو كان أحمر لم تكن موجبة للأغسال الثلاثة فكيف تكون الاستحاضة مع الصفرة موجبة للأغسال الثلاثة.
فهذه القرينة الخارجية أعني العلم بعدم كون الأصفر أشد من الدم الأحمر بحسب الحكم توجب اختصاص الأخبار الآمرة بالأغسال الثلاثة على الاستحاضة الكثيرة ، أي الصفرة فيما إذا كانت كثيرة بحسب الاصطلاح ، ومعه تنقلب النسبة من التباين إلى العموم المطلق.
فالطائفة الثانية تدل على وجوب الوضوء مع الصفرة في جميع الأقسام الثلاثة المتقدمة ، والطائفة الاولى تدل على وجوب الغسل في الدم الأصفر الكثير ، ومعه فالقاعدة تقتضي تخصيص الأُولى بالثانية والحكم في المستحاضة الكثيرة عند الصفرة بوجوب الأغسال الثلاثة ، وأمّا في المتوسطة والقليلة فيجب فيهما الوضوء.
إلاّ أن تلك الطائفة الآمرة بالوضوء في المتوسطة والقليلة معارضة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، قال « سألت أبا إبراهيم عليهالسلام عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ، ثم طهرت وصلّت ، ثم رأت دماً أو صفرة ، قال : إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة » (1).
1) الوسائل 2 : 393 / أبواب النفاس ب 5 ح 2.
لدلالتها على وجوب الغسل مع الصفرة من غير تقييده بالمرة الواحدة أو بثلاث مرات ولا بشيء من أقسام الاستحاضة ، والنسبة بينهما عموم من وجه ، وذلك لأن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وإن كانت مطلقة إلاّ أنه لا بدّ من إخراج المستحاضة القليلة عن إطلاقها للقرينة المتقدمة من أن الصفرة لا يحتمل أن يكون حكمها أشدّ من الأحمر ، وقد تقدم أن الاستحاضة القليلة في الدم الأحمر لم تكن موجبة للاغتسال فكيف بالاستحاضة القليلة في الدم الأصفر.
فالصحيحة تختص بالاستحاضة الكثيرة والمتوسطة ، كما أن الأخبار الدالة على الوضوء مختصة بالمتوسطة والقليلة ، فالاستحاضة المتوسطة بالأصفر مورد للتعارض بين الروايتين ، فالصحيحة تدل على وجوب الغسل فيها ، والطائفة الثانية تدل على وجوب الوضوء فيها.
فإن أمكننا الجمع بينهما بالأخذ بكلتا الطائفتين فنأخذ بهما ونحكم بأن في المتوسطة الأصفر يجب الغسل والوضوء كما هو مسلك المشهور ، وتكون النتيجة بعد الجمع بين الأخبار وجوب الأغسال الثلاثة في الاستحاضة الكثيرة ، ووجوب الغسل الواحد والوضوء في المتوسطة ، ووجوب الوضوء خاصة في القليلة.
وإن لم يمكننا الجمع بينهما نظراً إلى أن الصحيحة تدل على جواز الاقتصار على الغسل في صحة الصلاة وإن لم تتوضأ ، والطائفة الثانية تدل على جواز الاقتصار على الوضوء فحسب وإن لم تغتسل ، فلا يمكن الجمع بينهما فلا مناص من الحكم بتساقطهما ، لأن تعارضهما بالإطلاق ، وبعد التساقط نرجع إلى صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة زرارة المتقدمتين ، لأنهما الأصل في الاستحاضة ، وقد عرفت دلالتهما على أن العبرة في الاستحاضة بكمية الدم لا بكيفيته من الحمرة والصفرة ، فإنه إذا ثقب الكرسف مع التجاوز أي كان كثيراً أحمر كان أو أصفر ففيها الأغسال الثلاثة ، وإذا ثقب من غير تجاوز الكرسف ففيها غسل واحد ، وإذا لم يثقب ولم يتجاوز ففيها وضوء واحد ، فإن الروايتين لا معارض لهما بعد تساقط الطائفتين المتقدمتين بالتعارض.
فريضة كانت أو نافلة (1) ، وتبديل القطنة أو تطهيرها (1).
وبهذا يتضح أن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.
بقي الكلام في موثقة سَماعة حيث إن ظاهرها أو صريحها أن بين الدم الأحمر والأصفر فرقاً وتفاوتاً بحسب الحكم ، حيث قال « هذا إن كان دمها عبيطاً ، وإن كان صفرة فعليها الوضوء » (2).
والجواب عن ذلك أنه لا مناص من حمل الموثقة على إرادة الكمية دون الكيفية بمعنى أن هذا إنما هو فيما إذا كان الدم كثيراً ، وأمّا إذا كان قليلاً بمثابة عدّ من الأعراض عرفاً بحيث يرى صفرة ولو كان أحمر حقيقة لقلّته ، فلا يجب فيه إلاّ الوضوء.
وذلك بقرينة الأخبار الأُخر الدالة على وجوب الغسل مع الصفرة إذا كانت ثاقبة الكرسف ، بل حمل الموثقة على ذلك مما لا مناص عنه حتى بناء على ما سلكه المحقق الخراساني قدسسره ، وذلك للأخبار الواردة في وجوب الأغسال الثلاثة فيما إذا كانت الصفرة كثيرة ، لأنه ملتزم بذلك كما عرفت ، فالمراد بالصفرة هو الدم القليل لا الدم الأصفر كما عرفت.
(1) بعد ما عرفت أن في الاستحاضة القليلة والمتوسطة يجب الوضوء لكل صلاة يقع الكلام في أن هذا الحكم هل يختص بالفرائض ، كما نسب ذلك إلى الشيخ في مبسوطه (3)من أن المستحاضة إذا توضأت للفرض جاز لها أن تصلِّي من النوافل ما شاءت ، أو يعم النوافل فيجب أن تتوضأ لكل صلاة من النوافل كما يجب أن تتوضأ
لكل صلاة من الفرائض؟ هذا هو المعروف بينهم.
وقد يقال : إن القاعدة أيضاً تقتضي ذلك ، لأن الاستحاضة من الأحداث ، ومقتضى القاعدة سقوط الصلاة عن المستحاضة لأنها ذات حدث ، إلاّ أنّ الأخبار دلّت على أنها مع كونها محدثة لا تسقط عنها الصلاة (1)، ومعه لا بدّ في الخروج عن مقتضى القاعدة من الاقتصار على المورد المتيقن ، وهو ما إذا توضأت لكل صلاة. وأمّا إذا لم تتوضأ لصلاة ولو نافلة فلا مناص من الحكم ببطلانها ، لأنها ذات حدث ولم يعلم الترخيص لها في تلك الصلاة التي تأتي بها من دون أن تتوضأ لها ، هذا.
وفيه : أن المستفاد من الأخبار الواردة في المقام أن صحّة الصلاة من المستحاضة مع التوضؤ إنما هي من جهة أنها طاهرة حينذاك وأن طهرها هو الوضوء عند الصلاة فصحة صلاتها ليس أمراً تعبدياً على خلاف القاعدة ومن باب التخصيص فيما دلّ على بطلان الصلاة مع الحدث ، بل هي من جهة كونها طاهرة ومن باب التخصيص في أدلّة النواقض وأن الدم الخارج منها بعد توضئها لا يكون ناقضاً لطهارتها.
كما ذكرنا ذلك في المسلوس والمبطون (2)وقلنا إن طهارتهما هو توضؤهما وأن ما يخرج منهما بعد الوضوء لا يكون ناقضاً ، تخصيصاً في أدلّة النواقض ، لا أن صحّة صلاتهما من باب التخصيص فيما دلّ على اعتبار الطهارة في الصلاة وبطلانها مع الحدث ، وإذا حكم على المستحاضة بالطهارة لا يفرق معها بين أن تصلى صلاة واحدة أو صلاتين أو أكثر.
وقد يدعى أن مقتضى القاعدة عدم اعتبار التوضؤ في النوافل ، وذلك لأنّا إذا لم نعتبر فورية الصلاة على المستحاضة بعد توضئها وقلنا بجواز التأخير والفصل بينهما على المستحاضة ولا سيما فيما إذا اشتغلت بما هو من مقدمات الصلاة وبالأخص فيما إذا كانت المقدمة من المقدمات الشرعية كالنوافل ، لم يحتمل أن يكون وجود النافلة مبطلاً
للوضوء ، لما فرضنا من أنها لو سكتت بعد توضئها دقيقة أو دقيقتين مثلاً وصلّت بعد ذلك صحّت صلاتها وتوضئوها ، فإذا أتت بالنافلة بدل السكوت كيف يحكم ببطلان وضوئها ، وهل يكون وجود النافلة مبطلاً له مع عدم بطلانه بالسكوت لعدم وجوب الفورية على الفرض ، فلا مانع من أن تتوضأ وتصلِّي النافلة ثم تصلِّي الفريضة.
وكذا الحال فيما إذا أتت بالنافلة بعد الفريضة كما في صلاة المغرب ، لأن التأخير بمقدار فعل النافلة لا يكون موجباً لبطلان الوضوء كما عرفت ، فمقتضى القاعدة عدم وجوب التوضؤ لكل نافلة.
وهذا كسابقه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن المدعى ليس هو أن الفصل الزماني بين الوضوء والفريضة موجب لبطلانه حتى ينتقض بما إذا سكتت بعد الوضوء ولم تشتغل بشيء وصلّت بعد ذلك ، وإلاّ للزم الالتزام بصحة الاكتفاء بالوضوء الواحد فيما إذا توضأت لأداء فريضة وأتت قبلها بفريضة اخرى قضاء ، فإن وجود الصلاة المأتي بها قضاء لا يحتمل أن يكون ناقضاً لتوضئها بعد عدم كون السكوت بهذا المقدار مبطلاً له. مع أن هذا ممّا لا يلتزم به أحد ، لأنهم يدعون لزوم التوضؤ لكل فريضة الأعم من الأداء والقضاء. بل المدعى اعتبار التوضؤ لكل صلاة الأعم من الفريضة والنافلة ، وهذا لا يندفع بما ذكر.
ودعوى أن الصلاة منصرفة إلى الفرائض غير مسموعة ، لأن الصلاة صلاة ولا يفرق بين نفلها وفرضها ، وإلاّ لأمكن دعوى انصرافها إلى الأداء دون القضاء مع أنه ممّا لا يلتزم به القائل باختصاص الحكم بالفرائض ، لأنه يلتزم بوجوب الوضوء لكل فريضة في وقتها أو في خارج وقتها.
فلا بدّ في تحقيق الحال من مراجعة الروايات ، وهي على طائفتين :
ففي إحداهما : وجوب الوضوء على المستحاضة بالقليلة في وقت كل صلاة ، كما في صحيحة الصحّاف حيث قال « فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة » (1).
1) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 7.
والثانية : أن يغمس الدم في القطنة ولا يسيل إلى خارجها من الخرقة ، ويكفي الغمس في بعض أطرافها ، وحكمها مضافاً إلى ما ذكر غُسل قبل صلاة الغداة (1).
وفي ثانيتهما : وجوب الوضوء عند كل صلاة ، كما في صحيحة معاوية بن عمار « وصلّت كل صلاة بوضوء » (1)ورواية زرارة « وتصلِّي كلّ صلاة بوضوء » (2).
ولا دلالة للطائفة الأُولى على جواز الاقتصار على وضوء واحد في أكثر من صلاة واحدة من غير جهة إطلاقها ، نعم مقتضى إطلاقها أنها تتوضأ في وقت كل صلاة سواء أتت بصلاة واحدة أم بصلاتين أم بأكثر.
إلاّ أن من المعلوم أن إطلاقها لا يعبأ به في مقابل العموم المصرح به في صحيحة معاوية « وصلّت كل صلاة بوضوء » ، ولأجله يحمل الإطلاق في الصحيحة على الغالب فإن أغلب النساء لا يأتين في وقت الصلاة إلاّ بالفريضة ولا يصلين متعدِّداً ، ولأجله اكتفى عليهالسلام بالإطلاق ولم يقيد بقوله « توضأت لكل صلاة » مثلاً.
إذن فالصحيح أن في الاستحاضة القليلة يعتبر الوضوء لكل صلاة أعم من الفريضة والنافلة.
(1) ذكروا أن حكم الاستحاضة المتوسطة مضافاً إلى تبديل القطنة والتوضؤ لكل صلاة غسل واحد في اليوم والليلة.
أمّا تبديل القطنة فقد يقال كما تقدم إن وجوبه واعتباره على طبق القاعدة ، لأن دم الاستحاضة كدم الحيض والنفاس لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره في الصلاة ، ومع عدم تبديل القطنة تبطل صلاتها (3).
وقد عرفت الجواب عن ذلك في الاستحاضة القليلة وأنه لم يدل دليل على مانعية دم الاستحاضة بقليلها في الصلاة إلى آخر الأجوبة المتقدمة هناك ولا نعيد.
وقد يقال : إن وجوب تبديل القطنة للتعبد الخاص بالنص لا من جهة اقتضاء القاعدة ذلك ، وذلك لما ورد في صحيحة أو موثقة أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ، حيث ورد فيها : « فإن ظهر عن ( على ) الكرسف فلتغتسل ثم تضع كُرسُفاً آخر ثم تصلِّي » (1)، لدلالة قوله « ثم تضع كرسفاً آخر » على وجوب تبديل القطنة واعتباره في صحة صلاة المستحاضة بالاستحاضة المتوسطة.
ولكن للمناقشة في دلالتها على المدعى مجال واسع ، وذلك :
أوّلاً : لاحتمال أنه عليهالسلام كان بصدد بيان أمر عادي ، حيث إن الكرسف المملوّ من الدم لا يرجعنه النساء عادة إلى محلِّه بعد الاغتسال لقذارته ، بل يطرح إذ لا قيمة له ويوضع كرسف جديد ، لا أن هذا أمر معتبر شرعاً في حقها.
وثانياً : لاحتمال أن يكون ذلك من جهة أن إرجاع الكرسف السابق إلى المحل يوجب تنجس المحل ، لامتلائه بالدم على الفرض من كون الدم قد ثقبه ، ووضع مثله على المحل يوجب التنجس قهراً ، وأمّا أنه من جهة اعتبار ذلك في حق المستحاضة فلا.
وثالثاً : مع الغض عن المناقشتين السابقتين فلأجل أن غاية ما يستفاد من الرواية أنه يجب أن يوضع على المحل كرسف جديد ولو لأجل أن لا يتنجس أطراف المحل بوضع الكرسف الأول ، وأمّا أن وضع الكرسف السابق ولو مع ذلك الكرسف الجديد مانع عن صحة صلاتها كما هو محل البحث في المقام فلا يستفاد من الرواية بوجه.
ورابعاً : فلأنا لو أغمضنا عن جميع المناقشات السابقة فغاية ما هناك أن نقتصر على ذلك في خصوص مورد الرواية ، وهو ما إذا أخرجت المرأة كرسفها ، فهب أنه حينئذ يعتبر أن لا ترجعه إلى محلِّه ، وأمّا إذا اغتسلت وبدّلت القطنة في الزوال مثلاً ولم
1) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 8.
تخرج الكرسف عن محلِّه إلى آخر اليوم وليله فلا يعتبر في حقها تبديلها ، لأن مورد الرواية هو لزوم تبديل القطنة مع الإخراج أي على تقدير الإخراج ، ولا دلالة لها على وجوب الإخراج على المرأة.
وعليه فلا دلالة للرواية على وجوب تبديل القطنة أو تطهيرها على المرأة ، فنبقى نحن ومقتضى القاعدة وقد بيّنا في محلِّه أن المحمول المتنجس ولا سيما إذا كان باطنياً كما في المقام غير مانع عن الصلاة ، والكرسف من قبيل المحمول فلا يكون دم الكرسف مانعاً عن الصلاة حتى بناء على أن دم الاستحاضة مانع عن الصلاة بقليله وكثيره.
وذلك لأنه إنما هو فيما إذا لم يتنجس الكرسف الآخر على تقدير تبديله بعين ذلك الدم ، وأمّا مع تنجسه بذلك لفرض عدم انقطاع دم الاستحاضة فتبديل الكرسف من اللغو الظاهر حينئذ ، هذا كله في تبديل القطنة.
وأمّا وجوب الغسل عليها مرة واحدة فهو الذي ذهب إليه المشهور كما مرّ ، وخالف في ذلك العماني والإسكافي (1)والمحقق (2)والعلاّمة (3)وغيرهم (4)من المتأخرين قدسسرهم ، حيث ذهبوا إلى وجوب الأغسال الثلاثة حينئذ ، وذكروا أنه لا فرق بين تجاوز الدم عن الكرسف وعدمه ، بل الدم بمجرّد أن ثقب الكرسف وجب على المرأة ثلاثة أغسال.
ولعلّ الوجه في ذلك صحيحة معاوية بن عمار الدالة على أن الدم إذا ثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر ، وغسلاً للمغرب والعشاء ، وغسلاً لصلاة الصبح (5)وغيرها من المطلقات.
إلاّ أن دلالتها على وجوب الأغسال الثلاثة في الاستحاضة المتوسطة إنما هي بالإطلاق ، ولا مناص من تقييده بصحيحة زرارة (1)الدالة على أن وجوب الأغسال الثلاثة إنما هو مع تجاوز الدم عن الكرسف ، وأمّا إذا ثقب ولم يتجاوز عنه فلا يجب عليه إلاّ غسل واحد.
وهذه الرواية غير قابلة للمناقشة في دلالتها ولا في سندها ، ومعه لا بدّ من تقييد صحيحة معاوية بن عمار وغيرها من المطلقات بما إذا كان الثقب مع التجاوز.
وبعد ما ظهر لك أن الواجب في الاستحاضة المتوسطة غسل واحد يقع الكلام في محلِّه وأنها تغتسل في أيّ موضع ، فإن غاية ما يستفاد من الأخبار الواردة في المقام أن الغسل شرط لواحدة من صلواتها ، فلها أن تأتي به بعد صلاة المغرب إذ به يتحقق الشرط ، فلزوم الإتيان به قبل صلاة الغداة كما ذهب إليه المشهور أمر لا موجب له.
وقد يقال : إن الأخبار وإن كانت مطلقة إلاّ أن الإجماع قام على لزوم الإتيان به قبل الغداة فيما إذا استحيضت قبلها ، وهو المقيد لإطلاقات الأخبار ، هذا.
ولا يخفى أنه يمكن استفادة ما ذهب إليه المشهور من لزوم الغسل قبل الغداة فيما إذا كانت الاستحاضة قبلها من نفس صحيحة زرارة من دون حاجة في ذلك إلى الإجماع وذلك لقوله عليهالسلام « فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ، ثم صلّت الغداة بغسل ، والظهر والعصر بغسل ، والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد » (2).
وذلك بتقريب أن قوله عليهالسلام مع تجاوز الدم إنها صلّت الغداة بغسل ، معناه أنها تغتسل قبل صلاة الصبح ، وإلاّ لو اغتسلت بعدها لم يصدق أنها صلّت الغداة بغسل ، وهكذا الحال في صلاتي الظهرين وصلاتي المغرب والعشاء. وعليه فمع تجاوز
الدم وجب عليها أغسال ثلاثة قبل الصلوات.
وأمّا مع عدم تجاوز الدم فلم يوجب عليها إلاّ غسل واحد ، لقوله « صلّت بغسل واحد » ، ومعناه في قبال ما تقدّم عند تجاوز الدم إنها أتت بالغسل قبل الصلاة وصلّت تلك الصلوات التي وجب أن تأتي بها مع تجاوز الدم بثلاثة أغسال قبلها بغسل واحد قبلها ، ولا يلزم التعدد في الغسل مع عدم التجاوز ، وإنما يجب أن تأتي بالصلوات بغسل واحد.
وعليه فيستفاد من الرواية لزوم اغتسالها قبل صلاة الغداة ليصدق إنها أتت بصلاتها بغسل واحد ، ومعه يكون الغسل من قبيل الشرط المتقدم لصلوات المستحاضة في القسم المتوسط منها ، ولا يكون من قبيل الشرط المتأخر لها ولا شرطاً لواحدة من صلواتها.
بل يمكن استفادة ذلك من الموثقة (1)أيضاً ، فإن المستفاد من قوله عليهالسلام « وإن لم يجز الدم فعليها الغسل لكل يوم مرّة » في قبال ما تقدمه من قوله عليهالسلام « إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلاً » بقرينة ما ارتكز في الأذهان من أن الغسل كالوضوء شرط متقدم على الصلاة أن عليها غسلاً واحداً لصلواتها اليومية ، أي يجب عليها أن تغتسل مرة واحدة قبل صلواتها اليومية.
ولأن المراد بذلك الغسل هو الغسل الواجب ثلاث مرات في الكثيرة ، وغاية الأمر أن التعدد غير واجب في المتوسطة ، وقد عرفت أن الغسل في الأغسال الثلاثة معتبر من باب الشرط المتقدم ، فيكون الغسل الواحد في المتوسطة كذلك.
فتحصل : أن الغسل الواحد يعتبر أن تأتي به المرأة فيما بين استحاضتها وأول صلاة تأتي بها ، فإذا كانت استحاضتها قبل الغداة فتأتي به بين استحاضتها وبين صلاة الغداة وإذا كانت واقعة قبل الزوال تأتي بالغسل بعد استحاضتها وقبل صلاة الظهر وهكذا هذا كلّه فيما ذكروه من وجوب الغسل على المستحاضة بالاستحاضة المتوسطة.
1) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 6.
بقي الكلام فيما ذكروه من وجوب الوضوء عليها لكل صلاة مع أن صحيحة زرارة (1)لم تتعرض لوجوب الوضوء عليها لكل صلاة ، وكذا صحيحة معاوية (2)لأنها إنما دلّت على أنها تتوضأ فحسب ، وأمّا أنها تتوضأ لكل صلاة فلا دلالة لها عليه.
هذا والصحيح ما ذكره المشهور من وجوب الوضوء عليها لكل صلاة ، لأمرين :
أحدهما : صحيحة زرارة من جهة القرينة الخارجية ، وذلك لبُعد أن تبقى المستحاضة على طهارتها من أوّل الصبح إلى آخر وقت العشاء ، لأنه لا يتحقق أصلاً أو يتحقق نادراً ، ومع كونها محدثة بشيء من الأحداث بعد غسلها أول الصبح إما أن تصلِّي مع الحدث وإما أن يجب عليها الوضوء والصلاة ، والأول لا يمكن الالتزام به ، فيتعين الثاني وهو المطلوب ، وقوله « صلّت بغسل واحد » لا نظر له إلى عدم وجوب الوضوء مع الغسل ، بل هو قبال الغسل المتعدد ويدلُّ على أن الغسل لا يجب تعدده عليها.
وهذا الوجه يمكن المناقشة فيه بأن بقاء المستحاضة إلى آخر العشاء على طهارتها وإن كان بعيداً إلاّ أنها تتمكن من البقاء عليها بمقدار صلاتين ، فمع طهارتها لماذا يجب عليها الوضوء للصلاة الثانية ، أو ننقل الكلام إلى صلاة الغداة التي اغتسلت قبلها لأيّ وجه يجب عليها أن تتوضأ لصلاة الغداة.
الثاني : وهو العمدة موثقة سماعة « وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة » (3)، لما تقدم من أن حمل « لم يجز » على لم يثقب خلاف الظاهر ولا يمكن الالتزام به بل هو باق بمعناه ، وهو مقيد لإطلاق الجملة السابقة عليه « إذا ثقب الدم الكرسف » ، نظير قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (4)وقد مر الكلام فيه مفصلاً.
والثالثة : أن يسيل الدم من القطنة إلى الخرقة ، ويجب فيها مضافاً إلى ما ذكر وإلى تبديل الخرقة أو تطهيرها غُسل آخر للظهرين تجمع بينهما ، وغسل للعشاءين تجمع بينهما ، والأولى كونه في آخر وقت فضيلة الأُولى حتى يكون كل من الصلاتين في وقت الفضيلة (1)
وهذا تخصيص لما قدّمناه (1)من أن كل غسل يغني عن الوضوء ، وأشرنا إلى أن الاستحاضة المتوسطة خارجة عن ذلك بالنصوص الخاصة المعتبرة.
(1) وقد ذكروا أن المرأة في الاستحاضة الكثيرة يجب عليها تبديل القطنة والخرقة ويجب عليها الاغتسال ثلاث مرات : لصلاة الغداة والظهرين والعشاءين ، ويجب عليها الوضوء لكل صلاة.
أمّا تبديل القطنة فإن قلنا بوجوبه في المتوسطة فلا بد من الالتزام به في الكثيرة بطريق أولى ، لأنها لا تنقص عن المتوسطة لكثرة دمها ، وأمّا إذا لم نقل بوجوبه في المتوسطة فهل يجب الالتزام به في الكثيرة؟
قد يقال : إن وجوبه مطابق للقاعدة ، وقد عرفت الجواب عنه (2).
وقد يقال بوجوبه من جهة النص ، وهو صحيح صفوان عن أبي الحسن عليهالسلام قال « قلت له : إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ، ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهراً ، ثم رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلاة؟ قال : لا ، هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة ، وتجمع بين صلاتين بغسل ، ويأتيها زوجها إن أراد » (3)، حيث دلت على وجوب استدخال قطنة بعد قطنة.
وفيه أوّلاً : أن غاية ما يمكن استفادته من الرواية وجوب إدخال القطنة بعد القطنة ، وأمّا وجوب إخراج القطنة الاولى فلا دلالة لها عليه ، بل للمرأة أن تستدخل قطنة اخرى على القطنة الاولى ، وتستدخل قطنة ثالثة بعد الثانية ورابعة بعد الثالثة بمقدار يسعه المحل ، إذ لم تدل الرواية على وجوب إخراج القطنة السابقة.
وثانياً : أن الرواية لم تدل على وجوب إدخال القطنة بعد القطنة للصلاة كما هو المدعى ، وإنما هي بصدد بيان الوظيفة للمستحاضة في نفسها ولو لغير الصلاة ، وذلك دفعاً لخروج الدم وتنجس أطراف المحل واللباس ، فلا دلالة لها على المدعى.
فنبقى نحن ومقتضى القاعدة ، وقد ذكرنا عدم البأس بالصلاة في المحمول المتنجس الباطني ، فإن القطنة محمولة في الباطن. فهذا الحكم لا دليل عليه بمعنى أن بطلان الصلاة حينئذ يتوقف على القول بأن دم الاستحاضة ولو في المحمول الباطني يقتضي بطلان الصلاة.
وأيضاً ربما يستدل على وجوب تبديل القطنة عليها برواية الجعفي عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين ، فإن هي رأت طهراً اغتسلت ، وإن هي لم تر طهراً اغتسلت واحتشت فلا تزال تصلِّي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف ، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف » (1).
إلاّ أنها ضعيفة السند أولاً بقاسم بن محمد الجوهري. وقاصرة الدلالة ثانياً ، وذلك لأن غاية ما هناك أن تدل على وجوب تجديد الكرسف على تقدير إخراجه لئلاّ يتنجس به أطراف المحل عند إعادته ، وأمّا إذا لم تخرجه فلا يجب عليها التجديد ، إذ لا دلالة لها على وجوب إخراج الكرسف على المرأة ، وعليه فهذا الحكم مبني على الاحتياط ولا دليل عليه.
1) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 10 ، والقاسم بن محمد الجوهري ثقة ، لوجوده في أسناد كامل الزيارات.
وأمّا وجوب الغسل عليها للفجر والظهرين والعشاءين فقد ظهر الوجه فيه ممّا قدمناه في الاستحاضة القليلة والمتوسطة فلا نعيده.
وأمّا وجوب الوضوء عليها لكل صلاة فقد التزم به المشهور ، والظاهر المستفاد من كلماتهم أن القول به وبعدمه غير مبتن على إجزاء كل غسل عن الوضوء وعدم أجزائه ، فإن السيد المرتضى (1)وغيره ممن قالوا بإغناء كل غسل عن الوضوء التزموا بوجوب الوضوء على المستحاضة في المقام لكل صلاة.
ولكن الصحيح عدم وجوب الوضوء ، وذلك لعدم دلالة شيء من الأخبار الواردة في المقام في الاستحاضة الكثيرة سوى المطلقات الواردة في أن المستحاضة تتوضأ (2)، أو المطلقات الآمرة بالوضوء كقوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (3)والإطلاقات الدالة على أن من نام أو بال يتوضأ (4)، فإنها شاملة للمستحاضة في المقام ، وأمّا غير المطلقات فلا دليل على وجوب الوضوء لكل صلاة في الاستحاضة الكثيرة.
إلاّ أن هذه المطلقات لا بدّ من الخروج عنها بالأدلّة الخاصة النافية لوجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة.
وذلك كصحيحة معاوية بن عمار ، حيث دلت على أن المستحاضة إن ثقب دمها الكرسف وجبت الأغسال الثلاثة عليها ، وإذا لم يثقب الكرسف وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة.
والوجه في دلالتها أن التفصيل قاطع للشركة ، وهي قد فصلت بين الدم الثاقب
والدم غير الثاقب ودلت على وجوب الوضوء في الثاني وعلى وجوب الأغسال الثلاثة في الأول ، وهي تدل على أن الأول لا يجب فيه الوضوء.
وموثقة سماعة حيث دلت على أن المستحاضة إذا ثقب دمها الكرسف اغتسلت للغداة وللظهرين وللعشاءين ، وإذا لم يتجاوز اغتسلت غسلاً واحداً وتوضأت لكل صلاة.
وذلك لعين التقريب الذي مر في صحيحة معاوية ، حيث إنها فصلت بين الدم الثاقب المتجاوز فأوجبت فيه أغسالاً ثلاثة ، وبين الدم الثاقب غير المتجاوز فأوجبت فيه غسلاً واحداً مع الوضوء لكل صلاة ، وتفصيلها هذا يدل على أن المرأة عند ثقب دمها الكرسف وتجاوزه غير مكلفة بالوضوء.
ويؤيده ما قدّمناه (1)من القاعدة الثانوية من أن كل غسل يغني عن الوضوء ، ومع اغتسال المرأة لا تحتاج إلى الوضوء ، هذا.
وعلى الجملة إن الأخبار الواردة في الاستحاضة الكثيرة قد دلت على وجوب الأغسال الثلاثة في حقها وسكتت عن وجوب الوضوء عليها لكل صلاة ، وسكوتها عن وجوبه وهي في مقام البيان يدلنا على عدم وجوب الوضوء في حقها.
على أن في جملة من الأخبار كموثقتي سَماعة وصحيحة معاوية فصّل بين الاستحاضة الكثيرة والمتوسطة أو بين الكثيرة والقليلة وحكم بوجوب الوضوء على المتوسطة والقليلة ، ولم يحكم بوجوبه في الكثيرة بل حكم بوجوب الأغسال الثلاثة في حقها ، وحيث إن التفصيل قاطع للشركة فيعلم من ذلك عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة ، هذا كله.
مضافاً إلى ما ذكرناه من أن الغسل يغني عن الوضوء ، وإنما خرجنا عنه في الاستحاضة المتوسطة بالنص الخاص كما مر.
ولكنه قد يقال : إن وجوب الوضوء لكل صلاة في المستحاضة الكثيرة مستند إلى
1) في شرح العروة 7 : 402.
النص كما استند إليه في المتوسطة ، وهذا النص هو مرسلة يونس الطويلة حيث ورد فيها « وسئل عن المستحاضة فقال : إنما ذلك عرق عابر ( عائذ ) أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة ، قيل : وإن سال؟ قال : وإن سال مثل المَثعَب » (1)أي مجرى الماء.
وقد ذكرنا أن الرواية معتبرة وخارجة عن حكم الإرسال ، وقد ادعي صراحتها بحسب الدلالة على وجوب الوضوء لكل صلاة في المستحاضة الكثيرة.
وفيه : أن المرسلة لا دلالة لها على وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة إلاّ بالإطلاق ، فحالها حال بقية المطلقات المتقدمة ، وأمّا قوله « وإن سال مثل المثعب » فهو غير ناظر إلى أن وجوب الوضوء للمستحاضة ثابت حتى فيما إذا سال دمها مثل المثعب ، بل هو ناظر إلى وجوب الصلاة عليها حتى إذا سال دمها مثل المثعب ، وذلك لأن الرواية إنما هي بصدد بيان أن المرأة ذات الدم متى تجب عليها الصلاة ومتى لا تجب.
ومن هنا قسمتها إلى قسمين أعني الحائض والمستحاضة وأوجبت الصلاة على الثانية ، بمعنى أنها قسّمت المرأة ذات الدم إلى ذات العادة فدلت على أنها ترجع إلى عادتها ، وإلى واجدة الصفات فأوجبت رجوعها إلى الصفات وتمييز الحيض عن الاستحاضة بصفاتهما ، وإلى غير واجدة الصفات فأرجعتها إلى العدد أعني الستة أو السبعة.
وعلى الجملة : إن هذه الرواية لا دلالة لها على أن المستحاضة يجب عليها أن تغتسل وتتوضأ لكل صلاة في الاستحاضة الكثيرة ، لما عرفت من أن قوله عليهالسلام « وإن سال مثل المثعب » راجع إلى وجوب الصلاة على المرأة لا إلى وجوب الوضوء لكل صلاة ، لعدم كونها ناظرة إلى أحكام الاستحاضة وإنما هي واردة لبيان وجوب الصلاة عليها فحسب.
1) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.
ولكن الامام عليهالسلام لما حكم بعدم وجوب الصلاة عليها في أيام أقرائها وحكم بوجوبها عليها في الاستحاضة ، وتعجّب السائل من وجوبها عليها حتى في الكثيرة وفيما إذا سال منها الدم نظراً إلى أن حال المرأة حينئذ كحالها حال أقرائها من حيث كثرة الدم في كليهما قال وإن سال؟ فأجابه عليهالسلام بقوله : « وإن سال مثل المثعب » إشارة إلى أن الاستحاضة لا تقاس بالحيض.
نعم ، هذه الرواية من الأخبار الدالة على وجوب الوضوء على المستحاضة مطلقاً وذلك لأن المراد بالاغتسال في قوله « ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة » هو الغسل من الحيض أي تغتسل بعد أيام أقرائها ، كما في الرواية حيث قال عليهالسلام « فلتدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل » وليس المراد به غسل الاستحاضة.
ويؤيده أنه إن أُريد به غسل الاستحاضة وجب الغسل لكل صلاة بمقتضى قوله « تغتسل وتتوضأ لكل صلاة » مع أنك عرفت أن الغسل لا يجب لكل صلاة في المستحاضة حتى في الكثيرة ، بل لكل صلاتين غسل واحد كما تقدم ولا يجب الغسل لكل صلاة ، فإذا كان الغسل فيها غسل الحيض فالرواية تدل على وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المستحاضة مطلقاً.
وقد خرجنا عن إطلاقها في المتوسطة لما دلّ من الأخبار على أن المستحاضة في المتوسطة لا يجوز لها أن تكتفي بالوضوء فقط بل تغتسل في اليوم والليلة مرة واحدة وتتوضأ لكل صلاة.
وكذلك نخرج من إطلاقها في الكثيرة بما دلّ على أن المستحاضة بالكثيرة تغتسل ثلاث مرات ولا يجب عليها الوضوء لكل صلاة ، للاكتفاء بذلك في مقام البيان وبقرينة التقابل والتقسيم.
ومن جملة تلك الروايات ذيل هذه الرواية حيث قال « فقال : احتشي كرسفاً فقالت : إنه أشد من ذلك ، إني أثُجّه ثجاً ، فقال : تلجّمي وتحيّضي في كل شهر في علم اللّه ستة أيام أو سبعة أيام ، ثم اغتسلي غسلاً وصومي ثلاثة وعشرين يوماً أو أربعة
وعشرين ، واغتسلي للفجر غسلاً ، وأخّري الظهر وعجّلي العصر واغتسلي غسلاً وأخّري المغرب وعجّلي العشاء واغتسلي غسلاً » (1).
وكيف كان فمحط نظر الرواية إلى تشخيص أن ذات الدم أين تجب عليها الصلاة وأين لا تجب ، ولا نظر لها إلى بيان أوصاف المستحاضة وأقسامها وأحكامها من غير جهة الصلاة ، ومعه يكون قوله عليهالسلام « وإن سال مثل المثعب » ناظراً إلى ما تقدّمه من وجوب الصلاة عليها وأنها واجبة في حقها وإن سال مثل المثعب ، ومعه لا تعرض للرواية لخصوص الاستحاضة الكثيرة بوجه.
والذي يدلنا على ذلك أن الامام عليهالسلام تعرض بعد ذلك لحكم المستحاضة الكثيرة وأوجب عليها أغسالاً ثلاثة من دون أن يوجب الوضوء عليها ، فلو كانت الرواية في هذا المقام أيضاً ناظرة إلى بيان أحكام المستحاضة ودالّة على وجوب الوضوء في حقها لكانت الرواية بصدرها وذيلها متناقضة.
بقي الكلام في وجوب الجمع بين الصلاتين في الاستحاضة الكثيرة كما هو المشهور إلاّ أنه واجب شرطي للاكتفاء بغسل واحد للصلاتين وليس واجباً نفسياً ، بل للمرأة أن تفصل بينهما وتغتسل لكل منهما غسلاً ، والحكم بوجوب الجمع بين الصلاتين بناء على لزوم الفورية وعدم جواز تأخير الصلاة عن الأغسال في حق المستحاضة واضح.
وذلك لعدم جواز تأخير الصلاة الثانية عن الاغتسال إلاّ بمقدار الصلاة الأُولى فحسب على ما يستفاد من الأخبار من جواز الاكتفاء بغسل واحد إذا جمعت بين الصلاتين ، وأمّا زائداً على مقدار الصلاة الأُولى فالتأخير مانع عن الاكتفاء بذلك الغسل.
1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.
وأمّا إذا لم نقل بالفورية وجوّزنا التأخير والفصل بين الاغتسال والصلاة فلا بدّ للحكم بوجوب الجمع بين الصلاتين من إقامة الدليل عليه.
ويمكن الاستدلال عليه بالأخبار الواردة في المقام المصرحة بأنها تغتسل وتجمع بين الصلاتين بتقديم هذه وتأخير تلك (1).
بل يمكن أن يستدل بها على وجوب الفورية وعدم جواز التأخير بين الغسل والصلاة ، وذلك لأن التأخير إذا لم يجز في الصلاة الثانية لدلالة الروايات على أنها لا بدّ من أن تجمع بينهما ولا يجوز أن تؤخر الثانية عن الاولى لم يجز التأخير في الصلاة الأُولى أيضاً بعين ذلك الملاك ، للقطع بعدم الفرق بينهما من هذه الجهة.
وكذا يمكن الاستدلال على وجوب الفور بما دلّ على وجوب الغسل ثلاث مرات مشتملاً على كلمة « عند » كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سمعته يقول : المرأة المستحاضة التي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظهر وتصلِّي الظهر والعصر ، ثم تغتسل عند المغرب فتصلِّي المغرب والعشاء ، ثم تغتسل عند الصبح فتصلِّي الفجر » (2).
وذلك لأن ظاهر كلمة « عند » التي هي من الظروف الزمانية هو المقارنة الحقيقية وبما أنها غير ممكنة في المقام إذ لا يمكن الاغتسال حال الصلاة فلتحمل على المقارنة العرفية وهي بأن تتصل الصلاة بالاغتسال ، نظير قولنا اغسل يدك عند الأكل ، أو ادع بالدعاء الكذائي عند النوم ونحو ذلك ، لوضوح أن المراد به هو الاقتران العرفي لعدم إمكان المقارنة الحقيقية.
والوجه في حمله على الاقتران العرفي أعني الاتصال هو أنه لو غسل يده أو قرأ الدعاء الكذائي في ساعة ثم أكل بعد ست ساعات أو نام بعدها لا يقال عرفاً ولا عقلاً إنه غسل يده أو دعا بالدعاء الكذائي عند الأكل أو النوم ، بل يمكن استفادة لزوم
ويجوز تفريق الصلوات والإتيان بخمسة أغسال. ولا يجوز الجمع بين أزيد من صلاتين بغسل واحد (1) ،
الفورية من كلمة الفاء في قوله عليهالسلام « تغتسل ... فتصلِّي » لأنّها ظاهرة في التفريع وكون الصلاة عقيب الاغتسال من غير فصل.
(1) ذكرنا أن المستحاضة في الكثيرة إذا أرادت أن تجمع بين الفريضتين اقتصرت على غسل واحد لهما ، وأمّا إذا أرادت التفريق فاغتسلت وصلّت الظهر ثم بعد فاصل زماني أرادت أن تصلِّي العصر فإن لم تحدث بحدث بين الصلاتين فمقتضى القاعدة عدم وجوب الغسل في حقها للثانية ، لأنها متطهرة ولم يحدث منها حدث مبطل لها ، مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في المقام.
اللّهمّ إلاّ أن نقول بوجوب المبادرة ، فإنه يقتضي عدم جواز اقتصارها على غسلها قبل صلاة الظهر ، وأمّا مع قطع النظر عن الأخبار ووجوب المبادرة فمقتضى القاعدة عدم وجوب الغسل في حقها للصلاة الثانية.
وأمّا إذا أحدثت بينهما بحدث فمقتضى القاعدة وجوب الغسل عليها للثانية مع قطع النظر عن الأخبار وعن وجوب المبادرة في حقها.
وذلك لأنها بعد ما أحدثت إما أن تأتي بالعصر مثلاً من دون غسل ولا وضوء وهذا غير محتمل لاشتراط الصلاة بالطهارة ، والمستحاضة محدثة حينئذ لارتفاع طهارتها بالحدث حسب الفرض ، وإما أن تأتي بالصلاة مع الوضوء ، وهو غير مشروع في حقها لدلالة الأخبار على أن الاكتفاء بالوضوء في الصلاة بعد الغسل مختص بما إذا كان الدم ثاقباً من دون تجاوزه عن الكرسف ، فلا يشرع في الاستحاضة الكثيرة ، وإما أن تأتي بالصلاة مع الاغتسال ، وهذا هو المطلوب ، هذا.
ويمكن استفادة وجوب الأغسال الخمسة أعني الغسل لكل صلاة عند التفرقة
نعم يكفي للنوافل أغسال الفرائض (1).
بين الصلوات من المطلقات الواردة في المقام وهذا كما في صحيحة يونس بن يعقوب « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاوز وقتها متى ينبغي لها أن تصلِّي؟ قال : تنظر إلى أن قال فإن رأت الدم دماً صبيباً فلتغتسل في وقت كل صلاة » (1).
وصحيحة محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن المرأة تستحاض إلى أن قال تغتسل المرأة الدميّة بين كل صلاتين » (2).
فإن مقتضاهما وجوب الغسل على المستحاضة خمس مرات ، فتغتسل بين الفجر والظهر ، وبين الظهر والعصر ، وبين العصر والمغرب ، وبين المغرب والعشاء ، وبين العشاء والفجر ، أو تغتسل عند وقت كل صلاة ، وإطلاقهما شامل للمقام أيضاً.
وقد خرجنا عن إطلاقهما فيما إذا أرادت الجمع بين الصلاتين ، فالواجب حينئذ الغسل ثلاث مرات ، وهذا تخصيص وتقييد للمطلقتين لأنهما تقتضيان وجوب الغسل خمس مرات حتى فيما إذا جمعت بينهما ، إلاّ أن الأخبار الدالة على جواز اقتصارها على غسل واحد عند الجمع بينهما (3)مقيدة ومخصصة لاطلاقهما ، وهي تدل على وجوب الغسل خمس مرّات في كل يوم إلاّ فيما إذا أرادت الجمع فالواجب عليها ثلاثة أغسال وفي غير هذه الصورة تبقى تحت الإطلاقين ولا بدّ من الغسل لكل صلاة.
(1) قدمنا أن في المستحاضة بالقليلة لا بدّ لها من أن تتوضأ لكل صلاة من غير فرق بين الفرائض والنوافل ، وأمّا وجوب الغسل في المستحاضة بالكثيرة ثلاث مرّات
فهل يختص بالفرائض ولا تحتاج إلى الغسل في النوافل بحيث إذا اغتسلت للصبح تأتي بها وبنافلتها وكذا في الظهرين والعشاءين ، أو لا بدّ من أن تغتسل للنوافل أيضاً؟
والصحيح عدم وجوب الغسل للنوافل.
وقد يتوهم أنه لا دليل على ذلك سوى الإجماعات المدعاة على أن المستحاضة إذا فعلت ما يلزمها من الوضوء والغسل وغيرهما كانت بحكم الطاهرة. ولا يمكن استفادة ذلك من النصوص (1).
إلاّ أن الأمر ليس كما توهم ، وذلك لإمكان استفادة ذلك من نفس الأخبار ، ويكفي في ذلك المطلقات الدالّة على وجوب الوضوء على كل مكلّف يريد الصلاة (2)، والمطلقات الدالّة على وجوب الوضوء على المستحاضة (3)، لأنها تدل على أن المستحاضة كغيرها تتمكّن من الاكتفاء بالوضوء في صلواتها ، وذلك كقوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (4). حيث دلّ على أن كل مكلف محدث يريد الصلاة له أن يكتفي بالوضوء فقط ، خرج عنه الجنب لقوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) لدلالته على أن الجنب ليس له أن يكتفي بالوضوء ، بل لا بدّ من أن يغتسل للصلاة ، وخرجنا عنه في المستحاضة الكثيرة وفي مسّ الميِّت وغيرهما لما دلّ على أن الغسل يغني عن الوضوء ، وأمّا غير ذلك من الموارد ، كما إذا أرادت المستحاضة أن تصلِّي نافلة ، فمقتضى إطلاق الآية المباركة وغيرها من المطلقات أن المستحاضة يمكنها أن تكتفي بالوضوء فحسب.
وكذلك يمكن استفادة عدم وجوب الغسل للنوافل من النصوص الواردة في أن المستحاضة بالكثيرة تغتسل ثلاث مرّات ، وذلك لأنها على طوائف :
منها : ما دلّ على أنها تغتسل للفجر وغسلاً للظهرين وغسلاً للعشاءين ، كما في صحيحة معاوية بن عمار (1)ومرسلة يونس (2)الطويلة المتقدمة وغيرهما.
ومنها : ما دلّ على أنها تغتسل عند صلاة الظهر وعند المغرب وعند صلاة الصبح كما في صحيح ابن سنان (3).
ومنها : ما دلّ على أنها تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرّات ، كما في صحيحة الصحّاف (4).
وهي بأجمعها تدل على أن الغسل إنما يجب في الفرائض فقط عند الجمع بين الظهرين والعشاءين ولا يجب في غير الفرائض ، وإلاّ لوجب أن تتعرّض الأخبار لوجوبها في النوافل لأنها في مقام البيان. والنوافل كانت مورداً لابتلائهم في الأزمنة السابقة أكثر من الأزمنة المتأخرة ، لأنهم كانوا ملتزمين بها كالتزامهم بالفرائض ، ومع الابتلاء بها لا وجه لعدم تعرضهم لوجوب الغسل فيها سوى عدم كونه واجباً في النوافل.
ولا سيما صحيحة الصحاف التي صرحت بأن الواجب من الغسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات ، إذ لو كان الغسل واجباً في النوافل أيضاً لكان الواجب في اليوم والليلة أكثر من ثلاث مرات.
وأظهر من الجميع ما ورد في طائفة أُخرى ، وهي ما دلّ على وجوب الغسل عند وقت كل صلاة ، كما في صحيحة يونس بن يعقوب حيث ورد فيها « فإن رأت الدم دماً صبيباً فلتغتسل في وقت كل صلاة » (5)وهو ثلاثة أوقات : بعد الفجر فإنه وقت صلاة الصبح ، وبعد الزوال فإنه وقت الظهرين ، وبعد المغرب فإنه وقت العشاءين.
ومقتضى إطلاقها أنها لو اغتسلت في هذه الأوقات الثلاثة كفتها في صلواتها الفرض والندب ، لدلالتها على أن اللازم هو الغسل في وقت الفريضة أتت بنافلة معها أم لم تأت بها ، وعليه لو اغتسلت للفرائض أمكنها إتيان النوافل أيضاً ، إلاّ أنها لا بدّ من أن تتوضأ للنافلة.
ثم إن في رواية إسماعيل بن عبد الخالق ورد « فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلِّي ركعتين قبل الغداة ثم تصلِّي الغداة ... » (1)وقد توهم من ذلك دلالتها على أن الاغتسال للفريضة كافٍ لفعل النافلة أيضاً.
وفيه : أن الرواية لا دلالة لها على عدم وجوب الغسل للنوافل بوجه ، وذلك لأنها إنما دلت على أنها لو اغتسلت للصبح جاز لها أن تأتي بها وبنافلتها ، وهو خارج عن محل الكلام ، لأن مقتضى الأخبار المتقدِّمة أن المستحاضة تتمكن من الجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، سواء أكانتا فريضتين أم نافلتين أم فريضة ونافلة ، ومن المعلوم أن الصبح ونافلتها صلاتان فأمكن الجمع بينهما بغسل واحد ، ومثل ذلك خارج عن محل الكلام.
بل البحث فيما لو اغتسلت المستحاضة للفريضة هل تتمكن من أكثر من صلاتين كما لو اغتسلت للظهرين فهل يسوغ لها الإتيان بهما وبنافلتهما والمجموع عشر صلوات أو لا يسوغ؟ ولا دلالة للرواية على جوازه أو عدمه.
مضافاً إلى أن سندها غير تام بمحمد بن خالد الطيالسي الواقع في سندها (2).
والصحيح في الاستدلال ما قدمناه ، وعليه إذا اغتسلت المستحاضة للفريضة أمكنها الإتيان بالفريضة مع الإتيان بأية نافلة أرادت قلّت أو كثرت من دون الاغتسال للنافلة.
لكن يجب لكل ركعتين منها وضوء (1).
(1) قدّمنا أن المرأة في الاستحاضة الكثيرة يجب أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرّات ، وهي مختصة بالفرائض ولا تجب الاغتسال للنوافل ، وهل يكفي غسلها للفرائض عن التوضؤ للنوافل بحيث إذا اغتسلت للمغرب جاز أن تنتقل للمغرب من دون وضوء ، وكذا في صلاة الصبح ، أو يجب أن تتوضأ لنوافلها ولا يغني الغسل عنه؟
الصحيح هو الأخير ، وذلك لأنّا وإن بنينا على أن كل غسل يغني عن الوضوء إلاّ أن غسل المرأة عن الاستحاضة الكثيرة لا يجزئ عن الوضوء للنافلة ، وذلك لأن النافلة إمّا أن تكون متأخرة عن الفريضة كما في صلاتي المغرب والعشاء ، وإما أن تكون متقدمة عليها كما في صلوات الصبح والظهرين.
أمّا النافلة المتأخرة عن الفريضة فلا ينبغي التردد في عدم كفاية الغسل للفريضة عن التوضؤ لها ، وذلك لأن المستفاد من الأدلّة الدالة على أن المستحاضة تغتسل وتصلِّي أو تغتسل وتتوضأ وتصلِّي أن الغسل والوضوء طهارة في حقها وأنها تصلِّي عن طهارة ، وهي مخصّصة للأدلّة الدالّة على ناقضية الحدث للطهارة ، بمعنى أن الدم الخارج منها بعدها إلى آخر الصلاة لا يكون ناقضاً لطهارتها ، كما ذكرنا نظيره في المبطون والمسلوس ، لا أن تلك الأدلّة مخصّصة للأدلّة الدالّة على اشتراط الصلاة بالطهور وأن المستحاضة أو المبطون والمسلوس مع كونهم محدثين فتجوز الصلاة في حقهم ، وذلك للقطع بأن المستحاضة لو أحدثت بالنوم أو البول والمبطون والمسلوس لو أحدثا بالنوم ونحوه لم يشرع في حقهم الصلاة بوجه وإن اغتسلوا أو توضؤوا قبله.
وكيف كان فالاغتسال والتوضؤ طهارة في حق المستحاضة والدم الخارج منها بعد اغتسالها ليس بناقض لطهارتها ، إلاّ أن المقدار الثابت من التخصيص في أدلّة النواقض ، إنما هو مقدار فريضة واحدة كما في صلاة الصبح أو مقدار فريضتين كما في الظهرين أو العشاءين على تقدير الجمع بينهما ، فالدم الخارج منها إلى آخر الفريضة أو الفريضتين محكوم بعدم الناقضية بمقتضى الأخبار.
وأمّا إذا اغتسلت فصلّت الفريضة الواحدة ثم أتت بعدها بنافلة فلا دليل على عدم ناقضية الدم الخارج بعد الفريضة ، والمفروض استمرار الدم ، فالدم الخارج منها أثناء النافلة أو قبلها أي بعد الفريضة ناقض للطهارة بمقتضى أدلة النواقض ، فلا تتمكّن المرأة من الإتيان بالنافلة بعد الفريضة بالغسل الذي أتت به لأجل الفريضة.
وأمّا النافلة المتقدمة على الفريضة فهي أيضاً كذلك ولا يجوز للمستحاضة أن تأتي بها بالغسل الذي أتت به قبل النافلة لأجل الفريضة ، وذلك لما أسلفناه من وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الاغتسال ، ومع التراخي كما إذا اغتسلت وأتت بالنافلة وبعدها أرادت الإتيان بالفريضة ، لا تصح صلاتها ولا غسلها ، فإن الغسل الصحيح هو الذي يتعقب بالفريضة من دون تأخير ، وأمّا معه فلا دليل على مشروعية الغسل بوجه إلاّ أن يقوم دليل على عدم قادحية التأخير بإتيان النافلة بين الغسل والفريضة ورواية إسماعيل بن عبد الخالق المتقدمة المشتملة على قوله عليهالسلام « فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلِّي ركعتين قبل الغداة ثم تصلِّي الغداة » (1)وإن كانت واردة فيما نحن فيه ، ولا إشكال في دلالتها على الجواز وصحة إتيان النافلة بالغسل الذي أتت به للفريضة ، إلاّ أنها ضعيفة السند بمحمد بن خالد الطيالسي ، فلا يمكن الاعتماد عليها في شيء (2)،
ومع بطلان غسلها لا معنى لكونه مجزئاً عن الوضوء ، لأن الذي يغني عن الوضوء هو الغسل المأمور به دون غيره ، وعليه فالمرأة المستحاضة لا تتمكن من الإتيان بالنوافل إلاّ بوضوء بمقتضى إطلاق ما دلّ على أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة أو أنها تتوضأ وتصلِّي.
نعم ، إذا انقطع دمها وطهرت فلا مانع من أن تأتي بنافلتها بالغسل الذي أتت به للفرائض ، وذلك لما قدّمناه (3)من إغناء كل غسل عن الوضوء.
[788] مسألة 2 : إذا حدثت المتوسطة بعد صلاة الفجر لا يجب الغسل لها (1) وهل يجب الغسل للظهرين أم لا؟ الأقوى وجوبه ، وإذا حدثت بعدهما
هذا كلّه في النوافل.
وأمّا قضاء الأجزاء المنسية فلأنها أجزاء الصلاة التي اغتسلت لأجلها ، غاية الأمر أن موضعها تبدل إلى مكان آخر ، ومع الاغتسال للصلاة لا وجه للاغتسال أو التوضؤ ثانية لأجزائها المنسية.
وأمّا صلاة الاحتياط فلأن الصلاة المأتي بها إما ناقصة في الواقع فالركعتان المأتي بهما في صلاة الاحتياط هما من أجزاء الصلاة التي اغتسلت لأجلها ، فلا حاجة فيهما إلى شيء من الغسل أو الوضوء.
وإما هي تامة في الواقع ، فتكون صلاة الاحتياط أمراً زائداً ، لا يضر بطلانها بصحة الصلاة المأتي بها بوجه. وعلى أي تقدير لا يجب فيها الغسل ولا الوضوء.
وأمّا سجدتا السهو فالصحيح أنهما واجبتان مستقلتان لا يعتبر فيهما غسل ولا وضوء.
فتحصل أن قضاء الأجزاء المنسية كالسجدة الواحدة والتشهد ونحوهما وصلاة الاحتياط وسجدتا السهو الظاهر أنها لا تحتاج إلى غسل أو وضوء.
(1) مع كونها طاهرة قبل صلاة الفجر وفي أثنائها أو كونها مستحاضة بالقليلة وبعدها صارت استحاضتها متوسطة ، لا ينبغي الإشكال في صحّة صلاتها المتقدِّمة أعني صلاة الفجر ، لوقوعها في وقتها مع الطهارة.
واحتمال أن تكون مشروطة بالاغتسال على تقدير استحاضتها بعدها بنحو الشرط المتأخر بحيث لو لم تغتسل بعدها بطلت صلاتها السابقة.
فللعشاءين ، فالمتوسطة توجب غسلاً واحداً ، فإن كانت قبل صلاة الفجر وجب لها ، وإن حدثت بعدها فللظهرين ، وإن حدثت بعدهما فللعشاءين
مندفع بأن اشتراطها بالغسل على نحو الشرط المتأخر لا دليل عليه ، فإذا أتت بفريضة الوقت في وقتها تامة الأجزاء والشرائط حكم بصحتها وعدم وجوب إعادتها ولا قضائها.
إنما الكلام في الفرائض التي بعد استحاضتها فهل يجب عليها أن تغتسل للفرائض الآتية أو لا يجب؟ نسب إلى ظاهر كلماتهم عدم الوجوب بل لم يستبعد بعضهم تحقق الإجماع في المسألة ، نظراً إلى أنهم ذكروا أن الغسل يجب قبل صلاة الفجر ، وظاهره أن الاستحاضة إذا وقعت بعدها لم يجب عليها الاغتسال حينئذ.
بل تعجّب صاحب الجواهر (1)قدسسره من صاحب الرياض قدسسره حيث ذهب إلى وجوب الغسل عليها في مفروض الكلام.
ولكن الظاهر وفاقاً لكل من وقفنا على كلامه من المحققين بعده وجوب الغسل على المستحاضة مطلقاً ، سواء حدثت الاستحاضة قبل الفجر أو قبل الظهرين أو قبل العشاءين أو بعدها ، وذلك لإطلاقات الأخبار وعدم اختصاصها بما إذا كانت استحاضتها واقعة قبل صلاة الفجر.
وذلك لأن ما دلّ على وجوب الغسل الواحد في الاستحاضة المتوسطة منحصر في روايات أربع : اثنتان منها موثقتا سماعة (2)، وقد تضمنتا أن الدم إذا لم يثقب الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة ، وهما كما ترى مطلقة ولا تقييد فيهما بما إذا كان الثقب قبل صلاة الفجر.
والثالثة صحيحة زرارة (1)وقد ورد فيها « وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد » وإطلاقها غير خفي ، وأظهر من الجميع الرواية الرابعة وهي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، قال « سألت أبا إبراهيم عليهالسلام عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ثم طهرت وصلّت ثم رأت دماً أو صفرة ، قال : إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة » (2).
وقد أشرنا سابقاً إلى أنها من المطلقات الدالة على وجوب الغسل في الاستحاضة من دون تقييدها بالمتوسطة ولا الكثيرة ولا التقييد بالغسل مرة واحدة أو أكثر.
إلاّ أنه لا بدّ من الخروج عن إطلاقها في الاستحاضة القليلة بما دلّ على أن الواجب في صحتها هو الوضوء فتختص بالمتوسطة والكثيرة ، وعليه فتدل على أن في المتوسطة والكثيرة لا بدّ من الغسل مرة واحدة من غير تقييده بما إذا حدثت الاستحاضة قبل صلاة الفجر أو بعدها.
كما أن مقتضى مفهومها أن المرأة في مفروض الرواية لو رأت دماً أحمر لم يجب في حقها الاغتسال ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أدلّة التمييز والبناء على كونه حيضاً ، لأنه دم رأته بعد نفاسها بثلاثين يوماً ومع كونه واجداً للصفات يحكم بحيضيته.
فتحصل إلى هنا : أن وجوب الغسل الواحد في المتوسطة من آثار ثقب الدم الكرسف من دون فرق بين حدوث الاستحاضة قبل صلاة الفجر أو بعدها ، وما ربما يظهر من كلام صاحب الجواهر (3)قدسسره من تسالمهم على عدم الوجوب في غير محلِّه.
هذا كلّه في الاستحاضة المتوسطة وكذلك الحال في الاستحاضة الكثيرة ، لأنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على انها تغتسل للصبح والظهرين وللعشاءين (4)عدم الفرق في
كما أنه لو حدثت قبل صلاة الفجر ولم تغتسل لها عصياناً أو نسياناً وجب للظّهرين (1) وإن انقطعت قبل وقتهما بل قبل الفجر أيضاً (2).
ذلك أي عدم الفرق بين حدوث الاستحاضة الكثيرة قبل صلاة الفجر أو بعدها فإذا حدثت قبل صلاة الظهرين وجب أن تغتسل لهما وللعشاءين وهكذا الأمر فيما إذا حدثت قبل صلاة المغرب.
(1) لأن المستفاد من الروايات أن الغسل الواحد مشروط في جميع الفرائض اليومية ، ولا يختص اشتراطه بصلاة الفجر فقط ، وعليه فلو تركت الغسل للصبح عصياناً أو نسياناً وجب للظهرين والعشاءين.
(2) إذا فرضنا أن المرأة استحاضت قبل وقت الصلاة وصارت متوسطة أو كثيرة ثم انقطعت ، فهل يكون هذا موجباً للغسل الواحد أو الأغسال المتعددة؟ أو أن الغسل إنما يجب فيما إذا حدثت الاستحاضة في وقت الصلاة أو استمرت إليه ، بحيث لو فرضنا أنها استحاضت قبل الوقت متوسطة ثم انقطعت وجب أن تغتسل مرة واحدة ، كما أنها بعد ما دخل الوقت وصلّت تبدلت استحاضتها بالكثيرة وانقطعت وجبت عليها الأحكام المترتبة على الاستحاضة الكثيرة أو أنها لا يجب في حقها شيء؟
تأتي هذه المسألة في كلام الماتن قدسسره في المسألة 15 و 23 ، ويتعرّض هناك إلى أن وجود الدم ولو قبل الوقت حدث موجب للغسل ، كما يأتي منّا أن ذلك هو الصحيح ولا يشترط في كونه حدثاً موجباً للغسل وجوده في وقت الصلاة ، لاستفادة ذلك من جملة من الأخبار.
عمدتها صحيحة الصحّاف حيث ورد فيها : « فلتغتسل ولتصل الظهرين ، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لم يسل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصلّ ولا
وإذا حدثت الكثيرة بعد صلاة الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان ، وإن حدثت بعد الظهرين يجب غسل واحد للعشاءين (1).
[789] مسألة 3 : إذا حدثت الكثيرة أو المتوسطة قبل الفجر يجب أن يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده (2) ،
غسل عليها » (1)، فإن مفهومها أنها إذا نظرت فيما بينها وبين المغرب وكان الدم يسيل وجب عليها الغسل ، مع أنها فرضت وجود الدم فيما بين الوقتين ولم تفرض وجوده بعد دخول المغرب أو بعد الزوال.
فدلّت هذه الصحيحة بصراحتها على عدم اشتراط وجود الدم بعد وقت الصلاة.
(1) كما عرفته في التعليقة السابقة على الأخيرة.
(2) هل يعتبر في الغسل الواحد أو المتعدد أن يقع بعد دخول الوقت أو يكفي اغتسالها قبل الوقت للفريضة بعد دخول وقتها؟
تتصوّر هذه المسألة على نحوين ، فإن المرأة قد ينقطع دمها قبل دخول الوقت إما أصلاً أو بالتبدل إلى القليلة ، وقد يستمر دمها إلى وقت الصلاة.
أمّا الصورة الأُولى فالظاهر جواز اغتسالها قبل الوقت ، لأن عبادية الطهارات الثلاثة لا تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق بها ليتوهم أن الغسل قبل الوقت ليس متعلقاً للأمر الغيري لعدم كونه مقدمة حينئذ ، بل الأمر الغيري متعلق بعمل عبادي في نفسه ، فلا بد من أن تكون العبادية فيها ناشئة من أمر آخر وهو استحبابها النفسي لأنها طهور واللّه سبحانه ( يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ، ومعه لا مانع من أن تأتي المرأة بغسل الاستحاضة ولو قبل وقت الصلاة وتكتفي به بعد دخوله.
وأمّا الصورة الثانية فالصحيح عدم جواز الإتيان فيها بالغسل قبل الوقت ، لأن
1) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 7.
المستفاد من الأخبار أن المقدمة هو الغسل الواقع بعد الوقت لا الواقع قبله ، وذلك لقوله عليهالسلام : تغتسل عند الصبح أو عند الظهر أو عند وقت كل صلاة (1)، فإن المستفاد من كلمة « عند » اعتبار المقارنة بين الصلاة والغسل ، وهذا إنما يتحقق فيما إذا اغتسلت في وقتها ، وأمّا اغتسالها قبل وقت الصلاة فهو لا يوجب صدق أنها اغتسلت عند الظهر أو عند وقت الصلاة ، بل يقال إنها اغتسلت قبل الوقت وقبل الصلاة.
وكذلك ما دلّ على أنها تؤخِّر هذه وتقدم تلك ، أو تؤخِّر الصلاة إلى الصلاة ثم تصلِّي صلاتين بغسل واحد (2)، فإنها تدل على اعتبار وقوع الغسل بعد وقت الصلاة هذا.
بل رواية إسماعيل بن عبد الخالق صريحة في ذلك ، لما ورد فيها « فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلِّي ركعتين قبل الغداة ثم تصلِّي الغداة » (3)فإنها صريحة في لزوم كون الغسل بعد الفجر ، إلاّ أنها ضعيفة السند كما مر.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن بين غسلها قبل الوقت وصلاتها فصل زماني ، كما إذا اغتسلت في آخر جزء من الزمان المتصل بالوقت بحيث لو اغتسلت دخل وقت الصلاة بتمامه فتشرع في الصلاة من غير فصل أو بفاصل جزئي لا يخلّ بصدق المبادرة كما إذا كان بمقدار أذان وإقامة.
وأمّا لو أرادت أن تغتسل قبل الوقت بزمان ثم تصلِّي الفريضة بعد الوقت فلا إشكال في عدم جوازه ، لما تقدم من لزوم المبادرة إلى الصلاة بعد الاغتسال ، ومع الفصل الزماني بينهما يبطل غسلها وصلاتها.
فتحصل : أنه يعتبر في الغسل في المستمرة الدم أن يقع بعد الوقت ، نعم استثنى قدسسره من ذلك مورداً واحداً ، وهو ما إذا أرادت أن تصلِّي صلاة الليل واغتسلت لأجلها.
فلا يجوز قبله إلاّ إذا أرادت صلاة الليل فيجوز لها أن تغتسل قبلها (1)(1).
(1) حكي عن جماعة أن المستحاضة إذا أرادت أن تصلِّي صلاة الليل جاز لها أن تغتسل قبل الفجر وتأتي بصلاة الليل وبعدها تشرع في صلاة الفجر من غير أن تفصل بينهما فصلاً زمانياً ، ولا حاجة حينئذ إلى الاغتسال للفجر بعد دخوله.
وقد حكي الإجماع على ذلك في محكي الخلاف (2)أنه لا يعلم فيه خلافاً ولا نصاً ، فكأن المسألة إجماعية عنده من غير أن يرد عليها نص.
وذكر في الحدائق (3)، وعن صاحب الذخيرة (4)أن صاحب الذخيرة كأنه لم يقف على رواية الفقه الرضوي الدالة على أن المرأة في الاستحاضة القليلة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة ، وفي المتوسطة تغتسل غسلاً واحداً وتتوضأ لكل صلاة ، وفي الكثيرة تغتسل لكل صلاتين فغسل للظهرين وغسل للعشاءين وغسل لصلاتي الليل والفجر (5)فالمسألة منصوصة.
أقول : ويحتمل أن صاحب الذخيرة وقف على الرواية إلاّ أنه لم يعتمد عليها ، كما لا نعتمد نحن عليها كما مر غير مرة ، وعليه فلا نص في المسألة ، ولا يحتمل أن تكون المسألة إجماعية على نحو كاشف عن قول المعصوم عليهالسلام.
وعليه فجواز الاغتسال لصلاة الليل والإتيان بصلاة الفجر بعدها أمر مشهوري فحسب ، ولا بأس بالعمل به مع مراعاة الاحتياط بأن تغتسل وتصلِّي صلاة الليل وتغتسل بعد الفجر غسلاً آخر لصلاة الصبح ، ولا تكتفي باغتسالها لصلاة الليل قبل
[790] مسألة 4 : يجب على المستحاضة اختبار حالها وأنّها من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة بإدخال قطنة والصبر قليلاً ثم إخراجها وملاحظتها لتعمل بمقتضى وظيفتها ، وإذا صلّت من غير اختبار بطلت إلاّ مع مطابقة الواقع وحصول قصد القربة كما في حالة الغفلة (1).
الفجر ، بل مقتضى الاحتياط أن تغتسل لصلاة الليل رجاء ، لما قدمناه من عدم مشروعية الغسل للنوافل واختصاصها بالفرائض فحسب.
(1) إذا رأت المرأة الدم وحكم عليه بكونه استحاضة إما لكونه في غير أيام العادة وإما لكونه أصفر ولم تعلم المرأة أنه من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة ، وأنه هل يجب عليها الغسل مرة أو ثلاث مرات أو لا يجب أصلاً ، ذكروا أن الفحص واجب عليها حينئذ لتعمل بمقتضى حالها.
والكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : فيما تقتضيه القاعدة.
وثانيهما : فيما يستفاد من الأخبار الواردة في المقام.
أمّا المقام الأوّل قد يقال إن مقتضى القاعدة وجوب الفحص والاختبار ، لأن الرجوع إلى البراءة أو غيرها من الأُصول النافية في أمثال المقام موجب للعلم بوقوع المكلفات في مخالفة الواقع كثيراً ، وقد نسب إلى المشهور في جملة من الشبهات الموضوعية القول بوجوب الفحص دون إجراء البراءة مع أن المورد مورد البراءة لأجل ما أشرنا إليه من أن الرجوع فيها إلى الأُصول النافية مستلزم للعلم بوقوع أكثر المكلفين في مخالفة الواقع كثيراً ، كما إذا شك في الاستطاعة أو بلوغ المال النصاب أو في زيادته على المئونة ونحوها ، وفي المقام أيضاً لا بدّ من القول بوجوب الفحص وإن كانت الشبهة موضوعية ومورداً للبراءة في نفسه ، وذلك لوقوع النساء في مخالفة الواقع لو جرت الأُصول عند الشك في أقسام الاستحاضة ، هذا.
وقد أجبنا عن ذلك في محلِّه (1)بأن إطلاقات أدلة الأُصول لا يمكن تقييدها بهذا الوجه الاعتباري ، لأن العلم بوقوع المكلفين في مخالفة الواقع لو كان مانعاً عن إجراء الأُصول لم يمكن إجراء شيء منها في مواردها ، فإن مثل أصالة الطهارة لا إشكال في مخالفتها للواقع في بعض الموارد بالإضافة إلى المكلفين ، لعدم احتمال مطابقتها الواقع دائماً في حق كل من شك في طهارة شيء ، غاية الأمر أن موارد المخالفة في مثل أصالة الطهارة أقل من البراءة في موارد الشك في الاستطاعة ونحوها ، إلاّ أن قلة موارد المخالفة وكثرتها لا تكون فارقة في المقام ، فهذا لا يكون مانعاً عن جريان الأُصول.
نعم ، لو علم المكلف أنه يقع بنفسه في مخالفة الواقع على تقدير إجرائه الأصل ولو في بعض الموارد كان هذا مانعاً عن جريانه للعلم بالمخالفة القطعية حينئذ ، وهذا ما سنشير إليه في القريب.
وأمّا العلم بأنه وغيره من المكلفين يقع في مخالفة الواقع فهو لا يمنع عن جريان الأصل بالإضافة إلى المكلف الشاك في التكليف ، فهذا الوجه ساقط.
والصحيح في المقام أن يقال إن المرأة إذا كانت ملتفتة إلى حالها وأنها تبتلي بالاستحاضة بعد ذلك أيضاً مرات كثيرة في عمرها فلو أجرت الأُصول النافية من البراءة عن وجوب الغسل أو الأغسال أو استصحاب عدم ثقب الدم أو عدم تجاوزه معه في جميع أيام استحاضتها لوقعت في مخالفة الواقع في بعض الموارد ، فمقتضى علمها الإجمالي هذا وجوب الفحص والاختبار في حقها وعدم جريان الأُصول في أطرافه ، وذلك لما بيناه في محلِّه (2)من أن تنجيز العلم الإجمالي وعدم جريان الأصل في أطرافه لا يختص بما إذا كانت الأطراف دفعية ، بل إذا كانت تدريجية أيضاً لم تجر فيها الأُصول.
كما لا يفرق في التدريجية بين ما إذا كان متعلق الحكم تدريجياً وما إذا كان الحكم تدريجياً في نفسه كما في المقام ، على ما أسلفناه في محلِّه.
وأمّا إذا لم تلتفت إلى ذلك أي إلى أنها تستحاض كثيراً في عمرها أو التفتت إلى
ذلك إلاّ أنها احتملت مطابقة الأُصول الجارية فيها للواقع ولم يحصل لها علم إجمالي بالمخالفة ولم تعلم أنها تقع في مخالفة الواقع على تقدير إجرائها الأُصول النافية فمقتضى البراءة عدم وجوب الغسل في حقها لا مرّة ولا ثلاثاً ، كما أن مقتضى الأصل عدم ثقب الدم وعدم تجاوزه ، لأن المتيقن إنما هو كون المرأة مستحاضة ، وأمّا ثقب الدم أو تجاوزه فهو مشكوك فيه فيدفع بالأصل ، فهذا الوجه لا يكون دليلاً في المقام لأنه أخص من المدعى ، فالعمدة هي الأخبار.
وأمّا المقام الثاني فلا إشكال في وجوب الفحص في حقها بالنظر إلى الأخبار ، لما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن المستحاضة إلى أن قال ولتستدخل كرسفاً فإن ظهر عن ( على ) الكرسف فلتغتسل ... » (1).
وفي الصحيح المروي في المعتبر عن كتاب المشيخة لأبن محبوب عن أبي جعفر عليهالسلام « في الحائض إذا رأت دماً إلى أن قال ثم تمسك قطنة ، فإن صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل » (2)، حيث دلّتا على أن المستحاضة أي التي رأت الدم بعد حيضها يجب أن تختبر حالها بإدخال الكرسف والقطنة ، كما دلّتا على عدم جريان استصحاب عدم زيادة الدم أو تجاوزه وثقبه ، وهذا تخصيص في أدلّة الأُصول وإلحاق للشبهة الموضوعية بالشبهات الحكمية.
وإنما الكلام في أنه واجب نفسي أو أنه واجب شرطي أو أن وجوبه طريقي والاحتمالان الأوّلان في طرفي النقيض ، لأن مقتضى الأوّل أنها لو اغتسلت وتوضأت رجاء أو توضأت فقط وعلمت بمطابقة صلاتها للواقع لكون استحاضتها متوسطة أو كثيرة أو كونها قليلة ولكنها لم تفحص عن حالها صحّت صلاتها ولكنها عصت لتركها الفحص الواجب في حقها.
ومقتضى الاحتمال الثاني أن صلاتها حينئذ باطلة لعدم كونها واجدة للشروط وهو الفحص.
وأمّا الوجوب الطريقي فهو بمعنى أن الفحص منجز للواقع وطريق إليه ، نظير وجوب التعلم للأحكام ، بحيث إنها لو لم تفحص وكانت صلاتها على خلاف الواقع استحقت العقاب ، وأمّا إذا تركت الفحص إلاّ أنها اغتسلت وتوضأت رجاء وكانت صلاتها مطابقة للواقع فصلاتها صحيحة ولا عقاب في حقها ، فهذه احتمالات ثلاثة.
وعلى احتمال أنه واجب طريقي يقع الكلام في أنه واجب مطلقاً حتى مع الاحتياط والإتيان بالغسل والوضوء رجاء أو أنه يختص بغير هذه الصورة.
الصحيح أن الفحص واجب طريقي وأنه منجز للواقع فحسب ، وذلك لأنه الظاهر من الروايتين حيث فرع فيهما وجوب الاغتسال على الاختبار وإدخال الكرسف أو القطنة ، وهو ظاهر في أن الاختبار إنما هو مقدّمة للعلم بما هو الوظيفة في حقها من الاغتسال وغيره ، لا أنه واجب نفساً أو شرطاً.
وعليه فلو تركت الفحص وتوضأت وصلّت وكانت صلاتها صحيحة في الواقع لكون الاستحاضة قليلة لم تستحق العقاب ، لأن الاختبار طريق إلى معرفة الحال والإتيان بالفريضة والواجبات ، ومع الإتيان بهما لا حاجة إلى الاختبار.
وهل وجوب الاختبار مطلق حتى في صورة الاحتياط ، بحيث ليس للمرأة أن تحتاط في إعمالها ، بل لا بدّ لها من الفحص والاختبار ، أو أنه غير مانع عن الاحتياط.
الصحيح هو الثاني ، لأن الوجوب الطريقي غير مناف للاحتياط ، لأنه وجب مقدمة للامتثال والإتيان بالواجب الواقعي ، ومع التمكّن من إتيانه بطريق آخر لا وجه للوجوب الطريقي.
اللّهمّ إلاّ أن نقول إن الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي ، والمكلف مع التمكّن من الامتثال التفصيلي بالاختبار ليس لها الاختيار على الامتثال الإجمالي ، إلاّ أنّا لم نبن على ذلك وقلنا إنهما على حد سواء ، فالوجوب الطريقي لا يكون مانعاً عن الاحتياط.
نعم ، هناك أمر آخر وهو أن الاحتياط في المقام ممكن في نفسه أو غير ممكن وهو بحث صغروي ، والظاهر عدم إمكانه في المقام إلاّ بالتكرار بناء على ما سلكناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة ، وذلك لما ذكرناه سابقاً من لزوم المبادرة إلى الصلاة في حق المستحاضة بعد الطهارة وأن الفصل بينهما مانع عن صحتهما.
فعلى ذلك لو توضأت المرأة واغتسلت ثم صلّت ، فعملها هذا وإن كان موافقاً لاحتمال الاستحاضة المتوسطة والكثيرة إلاّ أنه لا يوافق الاستحاضة القليلة لتخلل الغسل حينئذ بين الطهارة والصلاة ، وهو أمر أجنبي فصل بينهما فتبطل طهارتها وصلاتها.
ولو إنها عكست الأمر فاغتسلت أولاً ثم توضأت فقد وافقت احتمال الاستحاضة القليلة وخالفت احتمال الاستحاضة الكثيرة عندنا ، لاعتبار اتصال الغسل فيها بالصلاة ، لكلمة « الفاء » الواردة في رواياتها (1)و « أنها اغتسلت فصلّت » فلا يمكنها الإتيان بصلاة واحدة مستجمعة لاحتمالات القليلة والمتوسطة والكثيرة ، ومع الاحتمال لا يمكنها الاقتصار على ما أتت به.
نعم ، بناء على مسلك المشهور من وجوب الوضوء في الكثيرة لا مانع من الاحتياط ، وكذلك في المتوسطة ، لما يأتي من أن المرأة في موارد وجوب الجمع بين الوضوء والاغتسال تتخير في تقديم كل منهما وتأخيره.
نعم ، لها أن تكرر الصلاة فتصلِّي بالوضوء مرة ثم تتوضأ وتغتسل وتصلِّي مرة أُخرى ، وبذلك تقطع بفراغ ذمتها على جميع التقادير المحتملة في حقها ، هذا.
ثم إن الاختبار المستفاد من الروايتين المتقدمتين (2)غير الاختبار الذي أوجبه الفقهاء في كلماتهم ، لأنهم أوجبوا الاختبار عند كل صلاة ، مع أن الروايتين تدلان على
وجوب الفحص في حقها مرة واحدة ، فلا مانع من استصحاب حالتها السابقة الثابتة بالاختبار عند الصلوات الأُخرى ، وما ذكروه من وجوب الاختبار عند كل صلاة غير ظاهر الدليل.
ثم إنه إذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها الأخذ بالقدر المتيقن ، وهو الوضوء لكل صلاة بناء على ما سلكه المشهور من وجوبه لكل صلاة في كل من القليلة والمتوسطة والكثيرة بزيادة الغسل الواحد لكل يوم وليلة في المتوسطة ، والأغسال الثلاثة أو الخمسة على تقدير عدم الجمع في الكثيرة ، فالوضوء لكل صلاة هو القدر المتيقن حينئذ.
وأمّا بناء على ما سلكناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة وانحصار وظيفتها في الأغسال المتعددة فكون الوضوء قدراً متيقناً إنما هو إذا دار الأمر بين الاستحاضة القليلة والمتوسطة ، وأمّا إذا دار الأمر بين القليلة والكثيرة فهما من المتباينين ، لوجوب الوضوء في أحدهما ووجوب الغسل في الآخر. ومعه لا بدّ من الاحتياط ولو بتكرار الصلاة مع الوضوء تارة ومع الغسل تارة أُخرى كما قدمناه.
نعم ، يمكن تصوير المتيقن منهما من جهة الموضوع وإن كان بالنظر إلى أحكامهما متباينين ، وذلك لوضوح أن الدم في القليلة أقل من المتوسطة والكثيرة ، وهو في المتوسطة أكثر من القليلة ، وفي الكثيرة أكثر من المتوسطة ، فالمقدار المتيقن من الدم هو المقدار الأقل ، والزائد المشكوك فيه مورد لأصالة عدم الزيادة ، وبذلك أي باستصحاب عدم خروج الدم الزائد يحرز أن الاستحاضة من القليلة ، فتترتب عليها أحكامها.
ولكن إجراء هذا الاستصحاب متوقف على لحاظ أن وجوب الفحص مختص بحال التمكّن فلا يجب مع التعذر ، أو أن الوجوب يعم كلتا الحالتين ، فعلى الأول لا مانع من جريانه دون الثاني.
وذلك لما مرّ من أنّ أدلّة وجوب الفحص دلت على تخصيص أدلّة الأُصول وألحقت الشبهة الموضوعية في المقام بالشبهات الحكمية ، ومعه لا مناص من الاحتياط عند
دوران أمر الدم بين الاستحاضة القليلة والكثيرة ، لدوران الأمر حينئذ بين المتباينين.
فنقول : إذا بنينا على أن الاختبار واجب نفسي وأنه المستفاد من الروايتين فلا ينبغي الإشكال في سقوطه عند عدم التمكّن من الاختبار لعدم وجود القطنة عندها أو لكون يديها مربوطتين أو لغير ذلك من الأسباب ، وذلك لاستحالة التكليف بما لا يطاق.
وأمّا إذا بنينا على أنه واجب شرطي فلا موجب لاختصاصه بحالة الاختيار والتمكّن ، لما ذكرناه غير مرة من أن الأدلّة المثبتة للأجزاء والشرائط من قبيل القضايا الخبرية ، فما دلّ على النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه أو الأمر بالصلاة إلى القبلة معناه أن الصلاة يعتبر فيها أن لا تقع فيما لا يؤكل لحمه أو يعتبر أن تكون واقعة إلى القبلة.
ومعه لا داعي إلى تخصيص الشرطية أو الجزئية بحال التمكّن ، بل مقتضى إطلاقها ثبوت الشرطية والمانعية والجزئية حتى في حال العجز وعدم التمكّن ، ونتيجة ذلك سقوط الأمر بالمركب رأساً عند عدم التمكّن من شيء من أجزائه أو شرائطه.
فمقتضى القاعدة في المقام عدم وجوب الصلاة على المرأة عند عدم تمكنها من الاختبار إلاّ أن يثبت بالإجماع وقوله عليهالسلام « لا تدعي الصلاة على حال » (1)وحينئذ يقتصر على المقدار المتمكن منه من المركب ، ومن هنا قلنا إن احتمالي الوجوب النفسي والشرطي على طرفي النقيض ، فإن وجوب الاختبار ساقط على الأوّل عند عدم التمكّن منه ، وغير ساقط على الثاني.
وأمّا إذا بنينا على ما ذكرناه من أن الاختبار واجب طريقي فقد عرفت أن معناه تنجيز الواقع وتخصيص أدلة الأُصول إلحاقاً للشبهة الموضوعية في المقام بالشبهات الحكمية ، فمع الشك في اختصاص ذلك بحال التمكّن يشك في أن أدلّة الأُصول هل هي مخصصة بالإضافة إلى حال التمكّن فقط ، أو أنها مخصصة بالإضافة إلى حال عدم
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
التمكّن أيضاً.
فإذا رجع الشك إلى الشك في التخصيص الزائد فلا مناص من الاقتصار فيه على المقدار المتيقن ، وفي المقدار الزائد يرجع إلى إطلاق أو عموم أدلّة الأُصول ، ومقتضاها جريان الأُصول في صورة عدم تمكن المرأة من الاختبار ، ولا وجه حينئذ للقول بعدم سقوط الوجوب ، وذلك لأنه ليس من الوجوب الشرطي حتى لا يسقط ، وإنما هو وجوب طريقي كما عرفت ، فإذا جاز للمرأة أن ترجع إلى الأُصول حينئذ فيقع الكلام في أنها ترجع إلى أيّ أصل.
وقد ذكر الماتن قدسسره أنها تأخذ بالمقدار المتيقن ، أي تدفع احتمال الزائد باستصحاب عدمه ، إلاّ أن تكون لها حالة سابقة من القلة أو التوسط فتأخذ بها ... إلخ.
وتوضيح الكلام في المقام أن التردد في أن الاستحاضة من أي الأقسام الثلاثة قد يكون في الأثناء ، بمعنى أنها قد تكون مستحاضة في أول الصبح مثلاً وتعلم أنها قليلة أو متوسطه أو كثيرة ، وبعد ذلك تشك ظهراً في أنها هل بقيت على حالتها السابقة أو أنها تبدلت إلى غيرها ، ولا مناص من الرجوع إلى حالتها السابقة وتستصحب قلتها أو كثرتها أو كونها متوسطة كما في السابق ، فيتم ما أفاده قدسسره.
وقد يكون الشك في حال الاستحاضة من الابتداء لا من الأثناء ، وهذا على قسمين :
فإن المرأة ربما تكون محكومة بالحيض ، كما إذا رأت الدم أيام عادتها أو رأت الدم الأحمر وحكم بكونه حيضاً بالصفات إلى سبعة أيام أو أقل أو أكثر ، ثم بعد ذلك طهرت يوماً أو يومين أو أكثر ، وبعد ذلك رأت دماً آخر ، وهو محكوم بالاستحاضة لأنه بعد أيام العادة وإن لم يتجاوز العشرة ، أو لأنه بعد العشرة إلاّ أنه من أوّل حدوثه تردّد بين الأقسام الثلاثة ، فيتم أيضاً ما أفاده قدسسره وما ذكرناه من أنها تأخذ
بالمقدار المتيقن وترجع في المقدار الزائد إلى استصحاب عدم خروج الدم الزائد كما ذكرناه.
وأُخرى ترى المرأة الدم ويحكم بكونه حيضاً إما لأنه في أيام العادة أو لأنه واجد للصفات أو لغير ذلك من الأُمور ، وبعد أيام العادة أو بعد عشرة أيام ترى الدم مستمراً من غير فصل ، ويحكم عليه بالاستحاضة لأنه بعد أيام العادة أو لأنه بعد عشرة أيام والحيض لا يزيد عليها. وعلى أي حال ترى دماً متصلاً واحداً مع الحكم عليه في مقدار من الزمن كأيام العادة أو عشرة أيام بالحيض ، والحكم عليه بالاستحاضة بعد ذلك الزمان من غير فصل بينهما.
وحينئذ ما معنى لأخذها بالمقدار المتيقن ورجوعها في الزائد إلى الأصل ، بل لا معنى للرجوع إلى حالتها السابقة ، وذلك لأنّ الموجود دم واحد متصل ، وهو موضوع واحد إنما اختلف حكمه الشرعي باختلاف الزمان ، لا أنه من قبيل التعدّد في الموضوع.
ونظيره المسافر ، فإنه مع كونه موضوعاً واحداً يحكم عليه بوجوب القصر بعد حد الترخص وبعدم جوازه قبله ، أو يحكم عليه بوجوب القصر ما دام غير قاصد للمعصية وبعدمه بعد قصدها ، إلى غير ذلك من الموارد التي يترتب حكمان متغايران
على موضوع واحد عرفي باختلاف حالاته وأوقاته.
ومع كون الموضوع واحداً باقياً بحاله لا معنى للرجوع إلى الأصل ، بل لا بدّ من ملاحظة حاله حيثما حكم بحيضيته ، فإن كان قليلاً فهو الآن قليل أيضاً ، وإن كان متوسطاً أو كثيراً فهو كذلك الآن ، لأنه موضوع واحد متصل.
إن المتحصل من الروايتين المتقدمتين (1)أن الاختبار واجب طريقي ، والوجوب الطريقي لا ينافي الاحتياط وإحراز للواقع ، بل للمرأة أن تحتاط حينئذ بأن تغتسل
1) تقدّم ذكرهما في صدر المقام [ في ص 78 ].
وإذا لم تتمكّن من الاختبار يجب عليها الأخذ بالقدر المتيقن ، إلاّ أن تكون لها حالة سابقة من القلّة أو التوسّط فتأخذ بها (1).
وتتوضأ فتصلِّي فيما إذا دار أمرها بين القليلة والمتوسطة ، فإن ذلك يوجب القطع بالإتيان بالوظيفة الواقعية ، حيث إنها لو كانت متوسطة فقد اغتسلت وتوضأت وصلّت ، كما أنها لو كانت قليلة فقد توضأت وصلّت ، ويأتي (1)أن في المتوسطة وكذا الكثيرة بناء على ما هو المشهور من وجوب الوضوء في الكثيرة لكل صلاة ، لا فرق بين تقديم الغسل على الوضوء أو تأخيره عنه ، فإذا قدمت الغسل على الوضوء فقد احتاطت وأتت بالوظيفة الواقعية على كل تقدير.
وكذلك الحال فيما إذا دار أمرها بين القليلة والكثيرة ، بناء على وجوب الوضوء فيها لكل صلاة على ما هو المشهور ، لأنها إذا اغتسلت وتوضأت فصلّت أحرزت الواقع على كل تقدير.
وأمّا بناء على ما ذكرناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة فلا تتمكن المرأة من الاحتياط عند دوران الأمر بين القليلة والكثيرة ، لأنها إذا اغتسلت وتوضأت فصلّت لم تأت بوظيفة الاستحاضة الكثيرة ، إذ يعتبر مقارنة الغسل مع الصلاة والمبادرة إليها بعده ، والوضوء متخلل بينهما ومانع من صدق المبادرة ، إلاّ أن يكون بحيث لا يمنع عن صدق المبادرة عرفاً أو توضأت حال المشي من مكان الغسل إلى مكان الصلاة بحيث لا يشغل زماناً زائداً على ما يشغله المشي إليه.
(1) ذكر قدسسره أن المرأة إذا لم تتمكّن من الاختبار يجب عليها أن تحتاط بالأخذ بالقدر المتيقن في مقام الامتثال ، وهو المحتمل الأكثر ، وهو الذي عبر عنه صاحب الجواهر (2)قدسسره بأسوإ الاحتمالات ، فمع دوران الأمر بين القليلة
والكثيرة تأخذ بالكثيرة ، وإذا دار الأمر بين القليلة والمتوسطة تأخذ بالمتوسطة ، إلاّ أن تكون لها حالة سابقة فتأخذ بها حينئذ.
وما أفاده قدسسره لم يظهر لنا وجهه ، وذلك لأنه إذا قلنا بأن الاختبار واجب طريقي ، وهو الذي اختاره الماتن قدسسره حيث ذكر أنها إذا صلّت من غير اختبار بطلت إلاّ مع مطابقة الواقع ، فإن الاختبار لو كان واجباً شرطياً بطلت صلاتها عند عدم الاختبار مطلقاً لفقدها الشرط ، فإما أن نقول إن الوجوب الطريقي يختص بحال التمكّن ، لأنه الظاهر من قوله « تستدخل أو تمسك القطنة » (1)، فإن الوجوب الطريقي كالوجوب النفسي مشتمل على البعث والتحريك وإن كان البعث في الواجب الطريقي بداعي أمر آخر غير الإتيان به في نفسه ، وقد ذكرنا أن الوجوب النفسي يختص بحال الاختيار ، فيكون الوجوب الطريقي كذلك ، ومعه لا مانع من الرجوع إلى الأُصول العملية في حال عدم التمكّن من الاختبار ، لأن ما دلّ على وجوب الاختبار دلّ على تخصيص أدلة الأُصول إلحاقاً للشبهة الموضوعية في المقام بالشبهة الحكمية إلاّ أن ذلك إنما هو في موارد وجوب الاختبار ، وقد فرضنا اختصاصه بحال الاختيار وحيث لا وجوب للاختبار في حال التعذّر فلا مانع من الرجوع في تلك الحالة إلى الأُصول ، وعليه فلا وجه لقوله بوجوب الاحتياط والأخذ بالمقدار المتيقن في مقام الامتثال.
بل مقتضى الأصل عدم كون الاستحاضة متوسطة أو كثيرة ، وذلك لوضوح أنّ الدم إنما يخرج من المرأة تدريجاً ، فيصيب الدم ظاهر الكرسف ابتداء ثم يثقبه ثم يتجاوز عنه ، لاستحالة الطفرة ، وهو ظاهر. فإذا علمنا بخروج الدم وشككنا في ثقبة أو تجاوزه ، فبما أنهما عنوانان وجوديان مسبوقان بالعدم فنستصحب عدمهما ، وبه يحكم بعدم كون الاستحاضة متوسطة أو كثيرة ، فلا وجه للاحتياط.
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 خصوصاً ح 2 ، 3 ، 14.
ولا يكفي الاختبار قبل الوقت إلاّ إذا علمت بعدم تغيّر حالها إلى ما بعد الوقت (1).
وأمّا إذا قلنا بأن الوجوب الطريقي كالوجوب الشرطي غير مختص بحال التمكّن بل ثابتان حتى في حال عدم التمكّن من الاختبار فيصح ما أفاده قدسسره من الاحتياط والأخذ بالمقدار المتيقن في مقام الامتثال ، لأن أدلة وجوب الفحص مانعة عن جريان الأُصول تخصيصاً في أدلتها كما قدمناه.
إلاّ أنه لا يجتمع مع ما استثناه بقوله « إلاّ أن تكون لها حالة سابقة » ، وذلك لما عرفت من أن المرأة دائماً لها حالة سابقة أي سبق القلة ، إلاّ فيما إذا كانت الاستحاضة متصلة بالحيض وكان الحيض كثيراً فترجع إلى استصحاب الكثرة ، بمعنى أنها وإن كانت تعلم بكون الدم الخارج منها في زمان الشك ابتداء قليلاً أي إنما أصاب القطنة فقط ، لكنّها لا تدري أنها تتعقب بالقطرات الأُخرى حتى تكون كثيرة أو لا تتعقب بالقطرات الأُخرى ، وبما أنها كانت سابقاً متعقبة بالقطرات الأُخرى فيصدق عرفاً أن المرأة كان دمها كثيراً سابقاً والآن كما كان سابقاً ، والوجه في أن لها حالة سبق القلّة هو أن خروج الدم تدريجي لا محالة ، وقد فرضنا أن أدلّة الاختبار شاملة لصورة عدم التمكّن منه ، وهي مخصصة لأدلة الأُصول في كلتا الحالتين ، فما معنى رجوعها إلى حالتها السابقة ، فما أفاده غير تام.
والصحيح ما ذكرنا من اختصاص الوجوب الطريقي بحال التمكّن ، ومعه إذا لم يمكنها الاختبار تأخذ بالمقدار المتيقن في مقام التكليف لا الامتثال ، وهو المحتمل الأقل ، لاستصحاب عدم ثقب الدم الكرسف أو عدم تجاوزه عنه.
(1) وذلك لأن ظاهر الروايتين (1)أن الاختبار واجب فيما إذا أرادت الصلاة بعد
1) الوسائل 2 : 375 ، 377 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 8 ، 14.
[791] مسألة 5 : يجب على المستحاضة (1) تجديد (1)الوضوء لكل صلاة ولو نافلة ، وكذا تبديل القطنة أو تطهيرها (2)، وكذا الخرقة إذا تلوثت ، وغسل ظاهر الفرج إذا أصابه الدم ، لكن لا يجب تجديد هذه الأعمال للأجزاء المنسيّة (2) ولا لسجود السهو إذا اتي به متصلاً بالصلاة (3) ، بل ولا لركعات الاحتياط للشكوك (4) بل يكفيها أعمالها لأصل الصلاة ،
اغتسالها من الحيض حتى ترى أنها متوسطة أو كثيرة لتغتسل ، فاللاّزم أن يقع الاختبار فيما إذا أرادت الاغتسال والصلاة ، ولما قدمنا أن الاغتسال لا يجوز لها قبل الوقت فلا مناص من أن يكون اختبارها بعد الوقت ، إلاّ أن يفرض اختبارها في آخر جزء متصل بالوقت بحيث يدخل الوقت بإتمام الاختبار حتى تغتسل وتصلِّي ، لكنه فرض عقلي لا وقوع له خارجاً بحسب العادة.
(1) تقدّم الكلام في جميع ما ذكره في المقام سابقاً فلا نعيده.
(2) لما قدمناه سابقاً من أنها أجزاء الصلاة على تقدير نقصها ، غاية الأمر أن مكانها وزمان إتيانها قد تبدل ، وقد أتت بالأعمال للصلاة وأجزائها ، فلا يجب إتيانها للأجزاء المأتي بها بعد الصلاة المعبر عنها بالأجزاء المنسية.
(3) إما لعدم اشتراط الطهارة فيه مطلقاً أو لأنه من توابع الصلاة ، والاغتسال والوضوء إنما يجبان للصلاة مع مالها من التوابع وقد أتت بهما ، ولا يجبان لخصوص الصلاة ، ومعه لا وجه للإتيان بهما لسجود السهو.
(4) لما ذكرناه في بحث الاستصحاب (3)عند التكلم في صحيحة زرارة الواردة في مَن
شكّ في ركعات الصلاة وأنها ثنتان أو أربع ونحو ذلك ، حيث قلنا إن الركعات الاحتياطية جزء حقيقي للصلاة لكن لا لمطلق المكلفين ، فإنهم على قسمين : قسم يجب في حقهم الصلاة وركعاتها من غير أن يتوسط بينها السلام ، وهم من لم يطرأ عليهم الشك في صلاتهم. وقسم يجب عليهم الصلاة مع الفصل في ركعاتها بالسلام وموضوع هذا الحكم هو الذي يشك في الإتيان بالركعات بشرط أن لا يكون آتياً بها في الواقع ، فالذي يشك في الإتيان ولم يكن آتياً بها واقعاً فوظيفته بحسب الواقع هو الصلاة مع الانفصال والإتيان ببعض ركعاتها منفصلاً.
لا أن ذلك مجرّد حكم ظاهري ، والشك في الإتيان بالركعات أمر وجداني ، فإذا أحرز بوجدانه أنه شاك في الإتيان فيمكنه إحراز عدم إتيانه بها واقعاً بالاستصحاب فبضم الوجدان إلى الأصل يثبت أن الركعات الاحتياطية جزء حقيقي من الصلاة.
ومع كونها من أجزاء الصلاة التي توضأت أو اغتسلت المستحاضة لأجلها لا وجه للاغتسال أو التوضؤ لها ثانياً ، فركعات الاحتياط لا تحتاج إلى تجديد الغسل ولا الوضوء ، بلا فرق في ذلك بين صورتي عدم انكشاف الخلاف في الاستصحاب ، أعني استصحاب عدم الإتيان بالركعات المشكوكة ، وانكشافه.
لأن صلاة الاحتياط إذا ظهر بعدها أن المكلف كان آتياً بالركعات المشكوك فيها وإن كانت تقع نافلة لا محالة ، والنافلة صلاة مستقلة لا بدّ لها من الوضوء والغسل ، إلاّ أنها لا تحتاج إليهما في خصوص المقام ، وذلك لقصور الدليل عن الشمول لما حكم بكونه نافلة بعد الإتيان به كما في المقام ، لأن صلاة الاحتياط إنما يحكم بكونها نافلة بعد ما ينكشف عدم نقصان الصلاة ، وأمّا قبل ذلك فلا ، لأنها كانت من الابتداء محكومة بكونها جزءاً من الصلاة بحكم الاستصحاب ، لما ذكرناه من أن مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوك فيها واقعاً ، ومعه يجب عليها أن تأتي بها مع الانفصال ، فإن مقتضى الاستصحاب وإن كان هو الإتيان بها متصلة إلاّ أن وظيفة المكلف تتبدّل حينئذ إلى الانفصال ، فلا بد من الإتيان بها مع الانفصال.
فتحصل : أن أدلّة وجوب الوضوء أو الغسل لكل صلاة قاصرة الشمول للمقام
نعم لو أرادت إعادتها احتياطاً أو جماعة وجب تجديدها (1).
وهذا هو الوجه في عدم وجوبهما لصلاة الاحتياط ،
لا ما ربما يتوهم من أن صلاة الاحتياط على تقدير نقص الصلاة جزء لها فلا تحتاج إلى تجديدهما ، وعلى تقدير تماميتها تقع زائدة ، ولا يضر بطلانها بصحة الصلاة.
فإن ذلك مندفع بما ذكرناه في محلِّه من أن صلاة الاحتياط يعتبر فيها أن تكون صحيحة في نفسها على كل حال ، وأمّا ما يكون صحيحاً على تقدير نقص الصلاة وفاسداً على تقدير تماميتها فلا دليل على كونها جابرة لنقص الصلاة المأتي بها على تقدير نقصانها ، ومعه لا يمكن الاقتصار عليها بوجه.
(1) أمّا الصلاة المعادة احتياطاً فقد تكون واجبة ، كما إذا حكم ببطلان المأتي به من الصلاة لأجل الشك في صحتها أو في الإتيان ببعض أجزائها وعدم جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في حقها لأجل الغفلة حال العمل أو للقطع الوجداني بالبطلان فالاحتياط واجب بالإعادة حينئذ.
وقد تكون مستحبة كما إذا شك في صحتها بعد الفراغ عنها أو في ركوعها بعد ما دخلت في السجود ، فإن مقتضى قاعدة التجاوز والفراغ وإن كان صحة ما أتت به إلاّ أن التحفظ عن البطلان الواقعي بترك الركوع والاحتياط مستحب في نفسه.
أمّا المعادة الواجبة فلا ينبغي الإشكال في أنها هي الصلاة الأوّلية المحكومة بالبطلان وليست صلاة مغايرة لها ، فعلى تقدير القول بعدم وجوب المبادرة إلى الصلاة فلا شبهة في عدم وجوب الوضوء أو الغسل لها.
وإذا قلنا بوجوبها فلا يبعد عدم وجوب تجديدهما أيضاً ، وذلك لأن المراد بالمبادرة ليس هو المبادرة الحقيقية الفعلية ، بل المراد بها هي الفورية العرفية وعدم التواني في
الامتثال ، ومن ثمة لا يجب عليها الصلاة في المغتسل بعد غسلها ، بل يجوز لها أن تأتي إلى غرفتها وتصلِّي فيها ، فالاشتغال بالمقدمات العادية أو الشرعية للصلاة ليس مانعاً عن صدق المبادرة بوجه. وعليه فاشتغالها بالصلاة المحكومة بالبطلان بعدها لا يعد منافياً للمبادرة الواجبة بوجه ، لعدم توانيها في الامتثال ، فحالها حال المقدّمات.
وأظهر من ذلك ما لو حكم ببطلانها في أثناء الصلاة كما لو شكت بين الثنتين والثلاث قبل إتمام السجدتين ، فإن مثله لا يكون مانعاً عن صدق المبادرة يقيناً ، فلا يجب عليها إعادة الوضوء والغسل ثانياً ، نعم إذا فصلت بينهما بزمان كما إذا أعادت بعد ساعة أو ساعتين وجب عليها الوضوء والغسل جديداً.
وأمّا المعادة استحباباً فهي على عكس المعادة الواجبة ، ولا إشكال في وجوب تجديد الغسل أو الوضوء لها على كل حال ، قلنا بوجوب المبادرة أم لم نقل ، وذلك لأنها صلاة مستحبة مغايرة للصلاة التي اغتسلت أو توضأت لأجلها ، وقد دلت الأخبار (1)المتقدمة على وجوبهما لكل صلاة.
وسيأتي الوجه في توضيح وجوب الغسل لها مع أن النوافل لا يجب فيها الغسل في الاستحاضة ، وإنما يجب فيها الوضوء لكل صلاة فقط.
اللّهمّ إلاّ على مسلك فاسد وهو جواز تبديل الامتثال بالامتثال وأن المكلف متمكن من رفع امتثاله السابق وجعله كالعدم بالامتثال الجديد ، فإن الصلاة المعادة هي الصلاة الأولية ، فيبتني وجوب الغسل أو الوضوء لها على القول بوجوب المبادرة وعدمه ويأتي فيه ما قدمناه.
إلاّ أنّا ذكرنا في بحث الاجزاء (2)أن الامتثال بعد الإتيان بالمأمور به أمر عقلي ، وليس اختياره بيد المكلف ليرفعه ويبدله ، فالامتثال غير قابل للتبديل بوجه.
وأمّا الصلاة المعادة جماعة إماماً أو مأموماً فقد ظهر حكمها مما بيناه ، فإنها صلاة
مستحبّة مغايرة للصلاة التي اغتسلت أو توضأت لأجلها ، فلا مناص من الوضوء أو الغسل لها مطلقاً ، قلنا بوجوب المبادرة أم لم نقل ، اللّهم إلاّ على القول بجواز تبديل الامتثال بالامتثال ، وقد عرفت ما فيه ، وتوضيح ما ذكرناه : أن الصلاة المعادة المستحبّة فرادى كانت أم جماعة إماماً أو مأموماً وإن كانت نافلة ولا يجب الغسل للنوافل كما مرّ بل يجب فيها الوضوء فقط إلاّ أنها تمتاز في المقام عن بقية النوافل بما ستعرفه ، فنقول :
إن الصلاة المعادة استحباباً إن كان قد فصل بينها وبين الصلاة المأتي بها وجوباً فصلاً زمانياً فلا إشكال في لزوم إعادة الوضوء والغسل لها.
أمّا الوضوء فلأنه معتبر لكل صلاة فريضة كانت أم نافلة ، وما أتت به من الوضوء للفريضة غير كاف للنافلة ، لوجوب المبادرة والمفروض أنها فصلت بينهما زماناً.
وأمّا الغسل فلأن النوافل وإن كان لا يجب فيها الاغتسال كما مرّ ، إلاّ أن النافلة في المقام إنما يؤتى بها احتياطاً وبداعي التحفظ على المأمور به الواقعي على تقدير وجود خلل في الصلاة المأتي بها واقعاً ، فهي نافلة معنونة بعنوان صلاة الظهر مثلاً وأُتي بها بعنوان كونها تداركاً للواقع ، وعليه فلا بدّ أن تشتمل على جميع الأُمور المعتبرة في الواجبة من الغسل والوضوء وغيرهما ، إذ مع كونها فاقدة للغسل أو لغيره لا يمكن أن تكون موجبة للتحفظ على الواقع وتداركاً له ، بل لا يصح إطلاق الاحتياط عليها.
وأمّا إذا لم يفصل بينها وبين الصلاة الواجبة فصلاً زمانياً فيحتمل أيضاً وجوب إعادة كل من الغسل والوضوء للمعادة احتياطاً ، وذلك لما أشرنا إليه من أنها وإن كانت نافلة إلاّ أنها معنونة بعنوان كونها صلاة الظهر مثلاً على تقدير وجود خلل في المأتي به ، فلا يمكن أن تكون تداركاً وموجبة للتحفظ على الواجب الواقعي إلاّ فيما إذا كانت مشتملة على جميع الأُمور المعتبرة في الواجب من الغسل والوضوء.
وبعبارة اخرى : إن لصلاة الظهرين فردين ، منها وجوبية ومنها صلاة ظهر استحبابية ومقتضى إطلاق ما دلّ على أنها تغتسل لصلاة الظهر أو الظهرين (1)عدم الفرق بين
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.
[792] مسألة 6 : إنما يجب تجديد الوضوء والأعمال المذكورة إذا استمر الدم ، فلو فرض انقطاع الدم قبل صلاة الظهر يجب الأعمال المذكورة لها فقط ولا تجب للعصر ولا للمغرب والعشاء ، وإن انقطع بعد الظهر وجبت للعصر فقط وهكذا. بل إذا بقي وضوءها للظهر إلى المغرب لا يجب تجديده أيضاً مع فرض انقطاع الدم قبل الوضوء للظهر (1).
الظهر الواجبة والمستحبة ، ولهذا تجب في المعادة احتياطاً إعادة الغسل والوضوء لها مطلقاً وإن لم يجب الغسل في النوافل.
ومن هذا يظهر الكلام في المعادة جماعة إماماً أو مأموماً ، فإنها وإن كانت نافلة إلاّ أنها لما كانت معنونة بعنوان الظهر أو غيرها فلأجل ذلك اعتبر فيها كل من الغسل والوضوء.
نعم ، في المعادة الواجبة لا تجب إعادتهما لأنها هي الصلاة الأُولى بعينها إلاّ أن يفصل بينهما فصلاً زمانياً.
(1) في المقام مسألتان :
إحداهما : أن المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة مثلاً لحظة وآناً ما وانقطعت بعد ذلك فهل يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة أو صلاتين والوضوء لكل منها على المشهور أو الغسل فقط على مسلكنا ، أو يكفي الغسل أو مع الوضوء للفريضة الواقعة بعدها فحسب؟
ثانيتهما : أن المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة مثلاً قبل صلاة الفجر فاغتسلت وتوضأت لها فصلّت ثم بعد ذلك انقطع دمها فهل يجب عليها الاغتسال للفريضة الواقعة بعدها أو لا يجب؟
أمّا المسألة الثانية فيأتي التعرض لها في كلام الماتن قدسسره ونلتزم فيها
بالوجوب ، لإطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال « سألت أبا إبراهيم عليهالسلام عن امرأة نفست إلى أن قال إن كانت صفرة فلتغسل ولتصل » (1)، وصحيحة ابن نُعيم الصحاف حيث ورد فيها « فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة » (2)، فإن مفهومها المصرح به بعد ذلك بقوله « فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل » يدل على أن المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة بين الظهر والمغرب وجب عليها الاغتسال للمغرب ولا تكتفي فيها بالوضوء وهو الذي يقتضيه إطلاق الصحيحة الأُولى أيضاً كما عرفت « تؤخر هذه وتغتسل لهما غسلاً واحداً » (3).
وأمّا المسألة الأُولى فهي التي تعرض لها في المقام ، فنقول : ذهب صاحب الجواهر قدسسره إلى أن رؤية الاستحاضة لحظة كافية في وجوب الأغسال الثلاثة أو الخمسة في الاستحاضة الكثيرة لولا مخافة خرق الإجماع ، وذلك لإطلاق الأخبار ، فإن المستفاد منها أن الاستحاضة حدث تحققه يقتضي الأغسال الثلاثة أو الخمسة (4).
ولكن الصحيح أن الاستحاضة لا توجب حينئذ إلاّ غسل الانقطاع ، ولا تجب معها الأغسال الثلاثة بوجه ، وذلك لأن الموضوع لوجوب الأغسال الثلاثة في جملة من الأخبار (5)هو المرأة المستحاضة لا ذات المرأة ، وهي غير صادقة مع الانقطاع.
نعم ، ورد في بعض الأخبار أن المرأة إذا رأت الدم دماً صبيباً فلتغتسل في وقت كل صلاة (6)، ويمكن أن يقال إن مقتضى إطلاقها وجوب الأغسال الثلاثة بمجرّد رؤية الاستحاضة ولو آناً ما.
[793] مسألة 7 : في كل مورد يجب عليها الغُسل والوضوء يجوز لها تقديم كل منهما (1)،
ولكن يرده أن الأخبار الدالّة على أنّ الأغسال الثلاثة من وظائف المستحاضة (1)قرينة على أن المراد بالمرأة إذا رأت الدم صبيباً في هذه الرواية هو المرأة ذات الدم والمستحاضة لا مجرّد الرؤية ولو آناً ما.
وثانياً : أن التمسّك بإطلاق الرواية أمر لا محصل له ، أفهل يمكن أن يقال إن مجرّد رؤية الاستحاضة ولو آناً ما موجبة للأغسال الثلاثة إلى الأبد كما هو ظاهر الرواية فالإطلاق غير مراد قطعاً ، وتقييده بيوم أو يومين أو أكثر لا معنى له ، فيتعين أن يكون المراد بالمرأة في الرواية هي المستحاضة ذات الدم كما ذكرناه ، بل يدل على ذلك ما ورد في بعض الروايات من أنها « تقدم هذه وتؤخر هذه » (2)، إذ لو كان الدم منقطعاً لم يكن أيّ موجب لتقديمها الصلاة وتأخيرها الصلاة الأُخرى ، بل لها الإتيان بها في أي وقت شاءت ، ومنه يعلم أن الأغسال وظيفة المرأة ذات الدم وهي التي تجمع بينهما بالتقديم والتأخير. هذا كله في الكثيرة.
ومنه يظهر الحال في المتوسطة وأنها إذا رأت الدم لحظة سواء كانت كثيرة قبلها أم لم تكن لا يجب عليها إلاّ غسل ووضوء للفريضة الآتية كما يأتي ، وأمّا في غيرها فلا يجب أن تتوضأ لكل صلاة ، بل لها أن تأتي بذاك الوضوء جميع فرائضها إذا لم تحدث بحدث ناقض للوضوء.
وكذا المستحاضة القليلة ، فإنها إنما تتوضأ للفريضة التي بعدها وحسب ولا تتوضأ بعدها لكل صلاة ، بل لها أن تكتفي بالوضوء الواحد في جميع صلواتها ما لم تحدث بحدث ناقض جديد.
(1) كما في المستحاضة المتوسطة ، وكذا الكثيرة بناء على ما هو المشهور من
لكن الأولى تقديم الوضوء (1).
وجوب الوضوء فيها مع الغسل. والوجه في جواز تقديم كل منهما إطلاق الأخبار (1)الواردة في أنها تتوضأ وتغتسل وتصلِّي ، لعدم تقيّد الغسل أو الوضوء فيها بكونه واقعاً قبل الآخر أو بعده حتى إنها لو اغتسلت ترتيبياً جاز لها أن تأتي بالوضوء في أثناء غسلها.
(1) لما ورد من أن الوضوء بعد الغسل بدعة (2)، فخروجاً عن احتمال البدعة الأولى تقديم الوضوء على الغسل ، وذلك لما قدّمناه من عدم تماميته فليراجع.
وعلى تقدير تماميته فالنسبة بينه وبين ما دلّ على جواز الجمع بين الغسل والوضوء في الاستحاضة نسبة العموم والخصوص المطلق ، لدلالة الأخبار على عدم حرمة الوضوء بعد الغسل في المقام ، فإن العبرة بإطلاق دليل المخصص لا العام ، وهو قد دلّ على جواز الوضوء قبل الغسل وبعده في الاستحاضة.
وتوضيح ذلك : أن جملة إن الوضوء بعد الغسل بدعة إن أُريد بها أن الغسل يغني عن الوضوء ، فالوضوء الواقع بعد الغسل لا أمر له فيقع بدعة لا محالة كما هو الظاهر منها ، فهي أجنبية عن محل الكلام ، لما عرفت من دلالة الأخبار على عدم إغناء الغسل عن الوضوء في المقام ، فهو تخصيص من عموم إغناء الغسل عن الوضوء ، فلا دلالة لها على بطلان الوضوء الواقع بعد الغسل في الاستحاضة.
وإن أُريد بها أن الغسل يشترط في صحته أن يقع بعد الوضوء ، فلو وقع الوضوء بعده وقع الغسل باطلاً مع وقوع الوضوء صحيحاً لعدم اشتراطه بشيء ، ففيه أن
اللاّزم على تقدير إرادة ذلك أن يقال الغسل قبل الوضوء بدعة ، لا أن الوضوء بعد الغسل بدعة ، فلا وجه لاحتمال إرادة ذلك من تلكم الجملة.
وأمّا إذا أُريد بها أن الوضوء يشترط في صحته أن يقع قبل الغسل بحيث لو وقع بعده بطل لعدم الأمر به ، فحينئذ وإن أمكن إرادته من الجملة المذكورة إلاّ أنّا نسأل عن أن المكلف إذا اغتسل قبل الوضوء وتوضأ بعد ذلك فهل يجب إعادة الغسل الأوّل أو لا يجب لوقوعه صحيحاً؟
فإن قلنا بوجوب إعادة الغسل فهو يرجع إلى الاحتمال المتقدم من اشتراط كون الغسل واقعاً بعد الوضوء بحيث لو وقع قبل الوضوء بطل ، وقد عرفت فساد إرادته من الجملة المذكورة.
وإن قلنا بعدم وجوب إعادة الغسل ، لأنه غير مشروط بشيء بل وقع صحيحاً والمشروط هو الوضوء امتنع امتثال الأمر بالوضوء واستحال التكليف به ، لأنه تكليف بما لا يطاق حيث لا يتمكن المكلف من امتثاله ، إذ المفروض أنه اغتسل قبل الوضوء فلا يمكنه إيقاع الوضوء قبل الغسل ، لأنه تحقق أوّلاً وحكمنا بصحته ، فلو توضأ بعد ذلك فهو من الوضوء بعد الاغتسال.
فتحصل أن الجملة المذكورة لا يمكن أن يراد بها سوى أن الغسل يغني عن الوضوء ، وعليه فهي أجنبية عن المقام ، لدلالة الأخبار على عدم إغناء الغسل في الاستحاضة عن الوضوء وعدم كون الوضوء بدعة. هذا كلّه فيما إذا أوجبنا الوضوء مع الغسل.
وأمّا إذا لم نفت بالوجوب بل اعتبرناه احتياطاً كما في الاستحاضة الكثيرة إذا قلنا بالاحتياط فلا يجوز تقديم الغسل على الوضوء ، وهذا لا من جهة أن الوضوء بعد الغسل بدعة ، إذ معه يمكن الإتيان به رجاء ولا يكون الوضوء بدعة ، بل لما اعتبرناه من المبادرة إلى الصلاة بعد الطهارة ، فإنه يحتمل أن لا يكون الوضوء واجباً مع الغسل في الكثيرة واقعاً ، ومعه لا تتحقق المبادرة لتخلل الوضوء بينها وبين الاغتسال.
[794] مسألة 8 : قد عرفت أنه يجب بعد الوضوء والغسل المبادرة إلى الصّلاة لكن لا ينافي ذلك إتيان الأذان (1) والإقامة والأدعية المأثورة ، وكذا يجوز لها إتيان المستحبات في الصلاة ، ولا يجب الاقتصار على الواجبات ، فإذا توضأت واغتسلت أوّل الوقت وأخّرت الصلاة لا تصح صلاتها ، إلاّ إذا علمت بعدم خروج الدم وعدم كونه في فضاء الفرج (2) أيضاً من حين الوضوء إلى ذلك الوقت بمعنى انقطاعه ولو كان انقطاع فترة.
(1) كما لا ينافي إتيانها بسائر المقدمات كذهابها من المغتسل إلى مصلاّها ونحوه وذلك لأن الواجب من المبادرة حسبما يستفاد من الأخبار إنما هو المبادرة العرفية بمعنى عدم التأخير والتواني عرفاً لا المبادرة العقلية ، والاشتغال بالمقدمات لا ينافي المبادرة العرفية بوجه ، لعدم كونها تأخيراً وتوانياً عرفاً.
(2) والوجه في ذلك أن المستفاد من مثل قوله عليهالسلام « تقدم هذه وتؤخر هذه » (1)وغيره من الأخبار الواردة في المقام أن المبادرة إنما تجب تحفظاً عن خروج الدم زائداً على المقدار المعلوم تخصيصه من ناقضية الدم.
فإن الدم الخارج من المستحاضة حدث ناقض للطهارة ، وإنما خصصنا ناقضيته بمقدار اغتسال المرأة وتوضئها وصلاتها ، ومعه لا بدّ من الاقتصار على المتيقن تخصيصه ، وهو صورة إتيانها بالصلاة بعد طهارتها من غير تأخير وتوان دون ما إذا أخرتها.
وهذا إنما يختص بصورة خروج الدم من المستحاضة ، وأمّا إذا انقطع ساعة أو أقل أو أكثر ولو انقطاع فترة فلا حدث ولا ناقض لطهارتها ليكتفى في الخروج عن ناقضيته بالمقدار المتيقن ، ومعه لا دليل على وجوب المبادرة ، فلها أن تؤخر صلاتها
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1 وغيرها.
[795] مسألة 9 : يجب عليها بعد الوضوء والغسل التحفّظ من خروج الدم (1) بحشو الفرج بقطنة أو غيرها وشدّها بخرقة ، فإن احتبس الدم ، وإلاّ فبالاستثفار أي شد وسطها بتكة مثلاً وتأخذ خرقة أُخرى مشقوقة الرأسين تجعل إحداهما قدّامها والأُخرى خلفها وتشدهما بالتكة أو غير ذلك ممّا يحبس الدم ،
إلى ساعة أو أقل أو أكثر وتصلِّي بعد ذلك بالغسل أو الوضوء السابقين.
(1) استدل عليه بالأخبار الآمرة بالاحتشاء والاستثفار وإدخال قطنة بعد قطنة (1)وغيرها مما هو بهذا المضمون ، وذكروا أنها إذا قصّرت في الاحتفاظ فخرج منها الدم بطلت صلاتها بل وغسلها أيضاً ، هذا.
والظاهر عدم وجوب ذلك بخصوصه على المرأة ، وذلك لأن الأمر بالاحتشاء والاستثفار وغيرهما لا يحتمل أن يكون أمراً مولوياً نفسياً ، بأن يكون ذلك من الواجبات النفسية في حق المرأة تعاقب على تركها ولا نعهد قائلاً بذلك أيضاً ، وإنما هو إرشاد إلى عدم خروج الدم من المستحاضة وهذا لعله مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في أن الدم بنفسه وبما هو هو مانع عن الصلاة بحيث لو خرج عن المرأة من دون أن يصيب شيئاً من بدنها وثيابها أوجب بطلان صلاتها ، أو أن خروج الدم إنما يوجب البطلان من جهة مانعية النجاسة في الصلاة ، لاشتراطها بالطهارة الحدثية والخبثية معاً.
والظاهر من الأخبار الآمرة بالاحتشاء في المقام والذي يساعد عليه الارتكاز هو الثاني وأن خروج الدم بما هو دم لا يضر بحالها ، وإنما يضرها من جهة تلويثه بدنها ولباسها ، والأخبار إما ظاهرة في ذلك وإما إنها محتملة لذلك ، وأمّا كونها ظاهرة في أن
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.
فلو قصّرت وخرج الدم أعادت الصلاة (1) ، بل الأحوط إعادة الغسل أيضاً (2)
خروج الدم بما هو مانع عن الصلاة فلا.
وعلى ذلك فليس هذا شرطاً مختصاً بالمستحاضة بل هي كغيرها من المكلفين وهذا لا نحتاج في اشتراطه إلى الاستدلال بالروايات ، بل لو لم تكن هناك رواية كنّا نلتزم بذلك ، لاشتراط الصلاة بالطهارة الخبثيّة لا أن صلاة المستحاضة تزيد على صلاة غيرها.
فهذا الاشتراط لا أساس له في المقام ، ومعه إذا خرج الدم منها في أثناء غسلها أو بعده وغسلت ظاهر فرجها وثيابها المتلوثة به صح غسلها وصلاتها.
ومن ذلك يظهر أنها لو لم تزل الدم عن بدنها أو لباسها أو أنه خرج في أثناء صلاتها وتلوث به بدنها ولباسها لا تبطل بذلك سوى صلاتها ، وأمّا غسلها فهو مما لا موجب لبطلانه بوجه.
نعم ، إذا خرج منها الدم بعد غسلها وبطلت صلاتها وبعد الفصل بزمان أرادت أن تعيد صلاتها وجب عليها أن تعيد غسلها أيضاً ، لكنّه لا لبطلانه بخروج الدم بل للإخلال بالمبادرة الواجبة في حق المستحاضة.
فتحصل : أنه لا دليل على أن خروج الدم مبطل للصلاة أو الغسل تعبداً ، وإنما هو مبطل للصلاة على طبق القاعدة ، لاستلزامه التلويث ونجاسة البدن والثياب ، ومن هنا لو صلّت بعد غسلها أو إعادتها بعد خروج الدم من غير فصل زماني مخل بالمبادرة العرفية لم يجب عليها إعادة غسلها لاعتبار الوحدة بين طهارتها وصلاتها بالاتصال.
(1) لما مرّ من اشتراطها بالخلو من النجاسة الخبثية.
(2) قد عرفت عدم وجوبه ، وأمّا الإعادة الاستحبابية فهي مطلب آخر.
والأحوط كون ذلك بعد الغسل (1) والمحافظة عليه بقدر الإمكان (1)تمام النهار إذا كانت صائمة (2).
(1) لم يرد بذلك الإشكال في جواز الاحتشاء قبل الوضوء والاغتسال ، وذلك للقطع بأنها إذا احتشت قبلهما ومنعت عن خروج الدم فلا دم حال الغسل والوضوء ليكون فيه شائبة إشكال.
بل نظر بذلك إلى أنها لو اغتسلت قبل الوضوء الأحوط أن تحتشي بعد الغسل لئلاّ يخرج منها الدم حال الوضوء ويحتمل كونه مانعاً ، وأمّا خروجه حال الاغتسال فهو غير مانع قطعاً ، لما دلت عليه الأخبار (2)من أنها تغتسل فتحتشي ، بمعنى أنها رخصت في الاحتشاء بعد الغسل ، فلو خرج منها الدم حال الاغتسال فهو غير مانع عن الغسل بمقتضى الأخبار.
ولكنك عرفت مما ذكرناه أن هذا الاحتياط مما لا محل له ، لعدم كون الدم بما هو هو موجباً لبطلان الصلاة والطهارة ، وإنما يوجب بطلان الصلاة خاصة فيما إذا أوجب التلويث.
(2) إن كان نظرهم في ذلك إلى أن صحة صوم المستحاضة يشترط فيها أن تأتي بأغسالها ومع خروج الدم في أثناء النهار يبطل غسلها فيبطل صومها ، ففيه : أن ذلك أخص من المدعى ، لأنّا إذا فرضنا أن الدم خرج قبل صلاة الظهر بأن اغتسلت للفجر وصلّت وبعد ذلك خرج منها الدم فوظيفتها حينئذ ليست إلاّ
الاغتسال للظهرين والعشاءين ، ولا يجب عليها الاغتسال لصلاة الفجر ليكون بطلانه موجباً لبطلان صومه.
وكذا الحال فيما إذا قلنا إن خروج الدم لا يوجب بطلان غسلها كما بنينا عليه ، فإنه لا يبطل غسلها ليبطل صومها ، بل لو قلنا بأنه يقتضي بطلان غسلها أيضاً لا نلتزم ببطلان صومها ، بل هذا يقتضي أن تعيد غسلها ثانياً لا أنه يقتضي بطلان صومها.
وإن كان نظرهم في ذلك إلى أن دم الاستحاضة حدث ناقض للصوم كدم الحيض والتعمد للبقاء على الجنابة ، ومع خروجه يبطل صومها فيجب عليها قضاؤه.
فيدفعه : أن قياس دم الاستحاضة بدم الحيض مع الفارق ، لأن الحائض غير مكلفة بالصيام ليكون الدم ناقضاً لصيامها ، والمستحاضة مأمورة بالصلاة والصيام.
وقياسه بتعمد البقاء على الجنابة يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على أنه مثله موجب للانتقاض ، بل الدليل على عدم الانتقاض موجود ، وهو إطلاق أدلّة حصر النواقض وأن الصائم لا يضره ما صنع إذا اجتنب أربع خصال (1)، وليس منها خروج الدم ، ففي المقدار الذي دلّ الدليل على ناقضيته نرفع اليد عن إطلاقها ، ويبقى بالإضافة إلى غيره سليماً عن التقييد ، هذا.
ويدلُّ عليه ما استدللنا به في غير مورد من أن نفس عدم الاشتهار في المسائل عامّة البلوى دليل على عدم ثبوت الحكم ، واستحاضة النساء وصومهنّ من المسائل التي تعم بها البلوى ، فلو كان خروج الدم منهنّ ناقضاً لصومهنّ أو كان التحفّظ على عدم خروجه شرطاً إلى آخر النهار لشاع ذلك وظهر ووردت فيه روايات وتعرّض له الأصحاب ، وقد عرفت أنّه لم يرد ذلك في شيء من الأدلّة.
1) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.
[796] مسألة 10 : إذا قدّمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالأحوط تأخيرها إلى قريب الفجر فتصلِّي بلا فاصلة (1)(1).
[797] مسألة 11 : إذا اغتسلت قبل الفجر لغاية أُخرى ثم دخل الوقت من غير فصل يجوز لها الاكتفاء به للصلاة (2).
(1) تقدّمت هذه المسألة عن قريب (2)وقلنا إن اغتسال المستحاضة لا بدّ من وقوعه بعد الفجر ، فلا يجزي الاغتسال قبله ، وإن الاغتسال لصلاة اللّيل أو لغيرها من النوافل لم تثبت مشروعيته ، وعلى تقدير مشروعيته فلا دليل على كونه مجزئاً عن الغسل الواجب سواء أصلّت بدون فاصلة أم لم تصلّ.
(2) هذه المسألة تتضمن فرعين :
أحدهما : جواز اغتسال المستحاضة لغاية أُخرى قبل الفجر أو الظهر أو العشاءين كما إذا أرادت أن تمس الكتاب العزيز أو تأتي بغاية اخرى مشروطة بالطهارة ، ويأتي الكلام عليه في أواخر بحث الاستحاضة إن شاء اللّه.
وثانيهما : كونه كافياً عن الغسل للفجر بعد الوقت إذا صلّت من دون فصل ، وقد ظهر حكمه مما بيناه آنفاً وقلنا إن الغسل للفريضة يعتبر وقوعه بعد الوقت ، فعلى تقدير مشروعية الغسل لغاية أُخرى قبل الوقت لا دليل على إجزائه عن الغسل الواجب بعده.
[798] مسألة 12 : يشترط (1)في صحة صوم المستحاضة على الأحوط إتيانها للأغسال النهارية فلو تركتها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضاً على الأحوط ، وأمّا غسل العشاءين فلا يكون شرطاً في الصوم وإن كان الأحوط مراعاته (2)أيضاً ، وأمّا الوضوءات فلا دخل لها بالصوم (1).
(1) يشترط على المشهور بين الأصحاب لصحة صوم المستحاضة وصلاتها أن تأتي بما هو وظيفتها من الأغسال ، وإذا أخلت بها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضاً ، فالأغسال شرط في صحة الصيام ، والمسألة لعلها مورد التسالم والاتفاق. وإنما الكلام في مدركها.
فنقول : قد يستدل على شرطية الأغسال لصوم المستحاضة بالإجماع والتسالم ، ولا إشكال في ذلك على تقدير تمامية الإجماع إلاّ أن تحقق الإجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم عليهالسلام في المقام بعيد غايته ، ومن المحتمل أن يكون مدرك التسالم في المسألة صحيحة علي بن مهزيار الآتية فلا يكون الإجماع تعبدياً بوجه.
وأُخرى يستدل على الشرطية بصحيحة علي بن مهزيار قال « كتبت إليه عليهالسلام امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ، ثم استحاضت فصلّت وصامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز ( يصحّ ) صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب عليهالسلام : تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ، لأن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يأمر ( فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك » (3). حيث دلت على اشتراط صحة
صومها بالإتيان بما هو وظيفة المستحاضة من الأغسال ، ومن هنا حكم بوجوب قضائها له عند تركها الأغسال لبطلان الصوم بدونها.
وقد يناقش في الاستدلال بها من جهة إضمارها ، ويدفعه أن جلالة مقام علي بن مهزيار تأبى عن السؤال من غير الامام عليهالسلام ، فلا إشكال فيها من تلك الجهة.
وأُخرى يناقش فيها من حيث الدلالة ، وذلك بوجهين :
أحدهما : أن مقتضى الأخبار الواردة في حق فاطمة عليهاالسلام وكذلك العلم الخارجي أنها طاهرة مطهرة لا تستحيض ، فما معنى أمر النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لفاطمة أن تقضي صومها ولا تقضي صلاتها إذا انقطع حيضها أول يوم من شهر رمضان وصارت مستحاضة.
وثانيهما : أن اشتراط صحة صلاة المستحاضة بالإتيان بوظيفتها أعني الأغسال الثلاثة ممّا كاد يكون من المسائل الضرورية ، فما معنى قوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم « لا تقضي صلاتها ».
أمّا المناقشة الأُولى فتندفع :
أوّلاً : بأن فاطمة عليهاالسلام إنما ذكرت في بعض النسخ ، وبعضها خالٍ عن ذكرها عليهاالسلام.
وثانياً : أن الرواية لا دلالة لها على أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أمرها وسائر النساء بذلك لأنه عملهن ، ولعلها أمرها بذلك تعليماً لسائر النساء وبيانها لأحكامهنّ ، لا أنه أمرها لكي تأتي به في عمل نفسها. وهذا هو الصحيح في الجواب.
وأمّا دعوى أن فاطمة عليهاالسلام لعلّها غير بنت النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كبنت جحيش أو غيره ، ففيها أن اللّفظة متى أُطلقت تنصرف إلى الفرد المشهور والمعروف ، وعلى ذلك نجري في الرجال ، فلا وجه لدعوى إرادة غير المشهور.
والعمدة هي المناقشة الثانية.
وقد ذكروا في تأويل الصحيحة وجوهاً واحتمالات.
ويحتمل أن يكون في الصحيحة تقديماً وتأخيراً ، وكأنها « تقضي صلاتها ولا تقضي صومها » لعدم اشتراطه بالأغسال ، وقد وقع الاشتباه من الراوي أو النساخ.
نعم هذا مجرد احتمال كبقية الاحتمالات التي ذكرت في المقام.
وتوهم أن الرواية إذا اشتملت على جملتين أو أكثر وكانت جملة أو جملتين منها على خلاف الدليل القطعي لا مانع من رفع اليد عن تلك الجملة وطرحها ، وهذا لا يضر بغيرها من الجملات ، ففي المقام نطرح قوله « ولا تقضي صلاتها » لأنه خلاف الضرورة والمستفاد من الأخبار ، وهو غير مانع من الأخذ بقوله « وتقضي صيامها ».
مندفع : بأن ذلك إنما هو فيما إذا لم تكن الجملتان متصلتين ومرتبطتين على نحو عدّتا عرفاً جملة واحدة ، وأمّا إذا كانتا مرتبطتين كذلك فلا مورد لهذا الكلام ، والأمر في المقام كذلك ، لأنهما من الارتباط بمكان يعدان جملة واحدة ، فإن قوله عليهالسلام « لا تقضي صلاتها وتقضي صيامها » حكم واحد عرفاً ، فالتفكيك غير ممكن.
والظاهر أن في الرواية سقطاً لا ندري أنه أي شيء ، والدليل على ذلك عدم مناسبة التعليل المعلل به في الرواية ، وذلك لأن ظاهر التعليل أعني قوله « لأن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يأمر .. » أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان مستمرّاً في أمره ذلك ولا يزال ، لكثرة ابتلاء النساء بذلك وسؤالهنّ عن وظيفتهنّ والنبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يأمرهن بذلك.
وهذا لا بأس بتطبيقه على الحائض والنفساء ، لأن الحيض والنّفاس أمران كثيرا التحقّق والابتلاء ويصح أن يقال فيهما : إن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يأمرهنّ ... ، وذلك لأمره صلىاللّهعليهوآلهوسلم الحائض بقضاء صومها دون صلاتها في غير واحد من الأخبار (1)، وعلل في بعضها بأن الصوم في السنة إنما يجب مرّة واحدة بخلاف الصلاة (2).
وأمّا في المستحاضة التي ينقطع حيضها أول يوم من شهر رمضان وتستحاض منه فلا ، لأنه أمر نادر جدّاً ولا يصح أن يعلل في مثله بأن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يأمر ... ، لظهوره في أن ذلك كأنه شغل النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم ) وأنه لا يزال مستمرّاً عليه.
على أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم في أي مورد أمر فاطمة عليهاالسلام وسائر المؤمنات بذلك فلا يوجد منه مورد في الروايات ، وبهذا نستكشف أن في الرواية سقطاً ولا ندري أنه أي شيء؟
وعليه فلا يمكن الاعتماد على الصحيحة لكونها مشوشة ، فلا دليل حينئذ على اشتراط صحة صوم المستحاضة بالأغسال الواجبة في حقها.
فالمتحصل : أن صحيحة علي بن مهزيار لا يمكن الاستدلال بها على شرطية الغسل في المستحاضة لصومها ، وذلك لعدم مناسبة التعليل الظاهر في أن مورده من المسائل عامّة البلوى مع المعلل به ، لأنه أمر نادر بل لا نعلم بتحققه أصلاً بأن ينقطع حيضها أوّل يوم من شهر رمضان وتستحاض وتصوم وتصلِّي من غير أن تأتي بوظائف المستحاضة ثم تسأل عن حكمها.
ومن المحتمل القوي بل المطمأن به أن في الرواية سقطاً وأن يكون الحكم فيها حكم الحائض والنفساء دون المستحاضة ، فالحكم بشرطية الأغسال للصوم مبني على الاحتياط كما صنعه الماتن قدسسره.
ثم إنه بناء على صحة الرواية دلالة لا بدّ من تخصيص الاشتراط بالمستحاضة الكثيرة دون المتوسطة والقليلة ، أمّا القليلة فظاهرة ، وأمّا المتوسطة فلأن الصحيحة اشتملت على قوله « من الغسل لكل صلاتين » ، ومن الواضح أنه وظيفة المستحاضة الكثيرة ، إذ لا يجب في المتوسطة الغسل لكل صلاتين ، بل يجب فيها الغسل لصلاة الفجر فقط.
نعم ، قد تكلف المستحاضة المتوسطة بالغسل لصلاة الظهرين ، كما إذا أحدثت بعد الفجر وصلاته إلاّ أنه لا بعنوان وجوب الغسل لكل صلاتين ، فيختص اعتبار الغسل في صحة صوم المستحاضة بالكثيرة فحسب.
كما أن مقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة اختصاص الحكم بغير الغسل للفجر لأنّ الوارد فيها هو الغسل لكل صلاتين ، وليس في الفجر غسل للصلاتين.
فعلى ذلك لو اقتصرت المستحاضة بالغسل للظهرين والعشاءين وتركت الغسل للفجر صح صومها ، كما أنها لو عكست واغتسلت للفجر دون الظهرين والعشاءين فسد صومها.
وهل يجب عليها مجموع الأغسال من الغسل في الليلة السابقة والغسل للظهرين في النهار والغسل للعشاءين في الليلة الآتية بحيث لو تركت شيئاً واحداً منها بطل صومها أو أن الواجب هو الغسل الواحد على البدل؟
أمّا الغسل لليلة الآتية فلا ينبغي التأمّل في عدم مدخليته في صحة صومها لا بالاستقلال ولا بالجزئية ، وذلك لأن الشرط المتأخر وإن كان أمراً معقولاً بل واقعاً في بعض الموارد أيضاً إلاّ أن الأذهان العرفية منصرفة عن مثله ، فلا يستفيدونه من ظواهر الأدلّة إلاّ مع نصب القرينة عليه ، فالغسل لليلة الآتية غير معتبر في صحة صوم المستحاضة لليوم الماضي لا بنحو الاستقلال ولا بنحو الجزئية ، فيدور الأمر بين الغسل في الليلة السابقة والأغسال النهارية.
أمّا الأغسال النهارية فلعله القدر المتيقن من الغسل في الصحيحة ، لأن موضوع الحكم فيها هو الصائمة المستحاضة ، وهي إنما تكون صائمة في النهار.
على أن المرأة إذا استحاضت في النهار وصامت من غير اغتسال للظهرين يصدق عليها أنها امرأة مستحاضة وصامت من دون أن تعمل عمل المستحاضة ، فالغسل النهاري لا إشكال في إرادته من الرواية الصحيحة.
وأمّا الغسل في الليلة السابقة فهو أيضاً مشمول للرواية ، لأن السائل إنما سأل عن حكم المرأة المستحاضة لما سبق إلى ذهنه من أن الاستحاضة كالجنابة والحيض ، فكما أن المرأة لا بدّ أن تكون طاهرة منهما عند طلوع الفجر وهي شرط في صحة صومها
فكذلك الغسل من الاستحاضة ، والإمام عليهالسلام لم يردعه عن هذا الارتكاز بل حكم ببطلان صومها على تقدير تركها عمل المستحاضة من الغسل.
وعليه فيعتبر في صحة صومها الغسل في الليلة السابقة وفي النهار.
وهل الواجب هو مجموعهما بحيث لو تركت أحدهما فسد صومها أو المعتبر أحدهما على البدل؟
مقتضى ملاحظة مورد الرواية وإن كان هو الحكم بوجوب أحدهما ، لأن المفروض فيها أنها تركت ما تعمله المستحاضة ، وهذا يتحقق بترك الغسلين ، إلاّ أن السائل كما ذكرنا سأل الإمام عليهالسلام عن حكم المستحاضة بتوهم أنها كالجنابة والحيض ولم يردعه الامام عليهالسلام عن ذلك ، وعليه فكما أن الواجب هو غسل الجنابة والحيض معاً لا غسل واحد على البدل أي اللاّزم هو تحصيل الطهارة منهما فكذا الحال في المقام ، فالواجب هو الغسل لكل صلاتين أي المجموع بحيث لو تركت أحدهما فسد صومها ، لا أن الواجب أحدهما على البدل. هذا كلّه في اشتراط صحة صوم المستحاضة بالغسل.
وأمّا الوضوء فهل يعتبر في صحة صومها أو لا يعتبر؟
أمّا بناء على عدم وجوب الوضوء في المستحاضة الكثيرة فلا إشكال في عدم اعتباره في صومها.
وأمّا بناء على القول بوجوبه في الكثيرة فالظاهر اعتباره في صحة صومها ، وذلك لأنها لو تركت وضوءها واغتسلت وصلّت فلا إشكال في بطلان صلاتها لعدم إتيانها بما هو وظيفتها ، فإذا بطلت صلاتها فتارة تعيدها مع الوضوء من دون إخلال بالمبادرة الفورية ، وهذا لا يجب فيه إعادة الغسل ولا يشترط الوضوء في مثله في صوم المستحاضة.
[799] مسألة 13 : إذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك إلى آخر الوقت انقطاع برء أو انقطاع فترة تسع الصلاة وجب عليها تأخيرها إلى ذلك الوقت ، فلو بادرت إلى الصلاة بطلت إلاّ إذا حصل منها قصد القربة وانكشف عدم الانقطاع (1) ،
وأُخرى لا تعيدها إلاّ بعد مدة كشهر كما في مورد الرواية حيث إنها لم تعد صلاتها الواقعة من غير غسل ولا غيره حتى خرج شهر رمضان ، كما هو مقتضى قوله « فصلّت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ... » (1)، وفي مثله بما أن المبادرة الفورية غير متحققة فلا بدّ عند إعادة صلاتها من أن تعيد غسلها أيضاً للإخلال بالمبادرة.
هذا معنى اشتراط الوضوء في صحة صومها ، فإنها لو لم تتوضأ بطلت صلاتها ومع بطلانها والإخلال بالمبادرة يبطل غسلها ، ومع بطلانه يبطل صومها ، فيشترط في صحة صومها أن تتوضأ ، ومجرد إتيانها الغسل من دون أن تأتي بالصلاة لا يقتضي صحة صومها ، فإن المأمور به إنما هو الغسل المتعقب بالصلاة ، وحيث إنها لم تأت بالصلاة لبطلانها بترك الوضوء فلم تأت بالغسل المعتبر في حقها إذا لم تعده على نحو لا يخل بالمبادرة ، ومعه يحكم بفساد صومها لا محالة ، والذي يسهل الخطب أنّا لا نلتزم بوجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة.
(1) يحتمل في عبارة الماتن قدسسره أمران :
أحدهما : أن يراد من الفترة فترة تسع الصلاة فحسب ، ويراد بقوله « بعد ذلك » أي بعد إتيانها بالوظائف المقررة للمستحاضة من الاغتسال أو الغسل والوضوء ، وهذا
1) الوسائل 2 : 349 / أبواب الحيض ب 41 ح 7.
الاحتمال وإن كان أنسب إلى اللفظ وعبارة الماتن لقوله « تسع الصلاة » حيث لم يضم إليها الطهارة.
إلاّ أنه فاسد معنى وحقيقة ، وذلك لأنه لا دليل على وجوب تأخير المستحاضة صلاتها وإيقاعها في زمان الفترة بعد اغتسالها وتوضئها قبل زمان الانقطاع ، حيث إن صلاتها حينئذ اضطرارية أي واقعة مع الطهارة الاضطرارية ، فإن خروج دم الاستحاضة ولو آناً ما كاف في الحدث بلا فرق في ذلك بين تأخيرها الصلاة وعدمه.
نعم ، إنما يفرق الحال في قلة الدم وكثرته إلاّ أن الطهارة الاضطرارية لا يفرق فيها بين كون دم الاستحاضة الخارج من المرأة كثيراً وبين كونه قليلاً.
فوجوب التأخير غير ثابت على المستحاضة حينئذ ، بل التأخير غير جائز في حقها لوجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطهارة ، والتأخير إخلال بالمبادرة العرفية ومعه تبطل صلاتها وطهارتها ، فهذا الاحتمال مما لا يمكن نسبته إلى الماتن قدسسره.
وثانيهما : أن يراد بالفترة فترة تسع كلا من الطهارة والصلاة ، ويراد بقوله « بعد ذلك » أي بعد كونها مستحاضة ، فهل يجب عليها تأخير صلاتها حينئذ إذا علمت بانقطاع دمها كذلك أو لا يجب؟
ذهب جماعة من المحققين ومنهم الماتن قدسسره إلى وجوب تأخيرها ، والظاهر أن الحكم كذلك ، وهو يتوقف على بيان أمرين :
أحدهما : أن طهارة المستحاضة وصلاتها صلاة وطهارة اضطرارية وليست اختيارية ، بمعنى أن تكليف المستحاضة تكليف اضطراري ، وذلك لأنّا وإن أسلفنا أن ما دلّ على وجوب الصلاة في حقها ليس تخصيصاً في أدلة اشتراط الصلاة بالطهارة ، لأنها من الأركان التي تبطل بفقدانها ، وإنما هو تخصيص في أدلة ناقضية الدم كما هو الحال في المسلوس والمبطون ، إلاّ أنه لا إشكال في أن طهارتها بالاغتسال والتوضؤ طهارة اضطرارية وليست اختيارية بوجه ، ويدلُّ على ذلك أُمور :
منها : قوله عليهالسلام في بعض الروايات المتقدمة « تقدم هذه وتؤخر هذه » (1).
ومنها : قوله عليهالسلام « تتوضأ لكل صلاة » (2)كما في المتوسطة بل وفي الكثيرة أيضاً على مسلك المشهور ، وذلك لأن طهارتها لو كانت اختيارية لم تكن أيّ حاجة إلى الجمع بين الصلاتين ولا إلى تجديد الوضوء لكل صلاة ، بل كان يجوز لها أن تفرّق بينهما وأن تكتفي بوضوء واحد في الجميع ما لم تحدث بحدث آخر.
فوجوب الجمع بين الصلاتين ووجوب تجديد الوضوء عليها لكل صلاة يدلاّن على أن في المستحاضة اقتضاء الحدث ، وإنما لا يكون ناقضاً في المقدار الثابت بالدليل أعني زمان غسلها وطهارتها وجمعها بين الصلاتين ، وفي المقدار الزائد على ذلك يؤثر المقتضي أثره وهو النقض.
ومنها : صحيحة زرارة حيث ورد فيها الأمر بالصلاة في حق المستحاضة والنهي عن تركها لها بقوله : « لا تدعي الصلاة على حال ، الصلاة عماد دينكم » (3).
فهذا كالصريح في أن المستحاضة فيها المقتضي لترك الصلاة إلاّ أنها لا تتركها لأنها عماد الدين ، فيجوز لها الغسل والوضوء والجمع بين الصلاتين بالمقدار الذي دلّ عليه الدليل.
ومنها : ما ورد في مرسلة يونس الطويلة من قول السائل « وإن سال؟ » قال : « وإن سال مثل المثعب » (4)لدلالته على أن حدثية الاستحاضة كالحيض أمر ثابت في الأذهان ، ومن هنا سأله السائل بقوله « وإن سال؟ » إلاّ أنه عليهالسلام أمر بوجوب الصلاة في حقها وإن الاستحاضة غير الحيض.
فهذه الوجوه المذكورة تدلنا على أن تكليف المستحاضة تكليف اضطراري وأن طهارتها من غسل ووضوء طهارة اضطرارية نظير طهارة المتيمم أو المسلوس
والمبطون أو الغسل والوضوء مع الجبيرة وغير ذلك من ذوي الأعذار وليست طهارة اختيارية ، ولعلها ظاهرة.
وثانيهما : أن المرتكز في أذهان كل ملتفت أن الأمر بالبدل الاضطراري إنما هو مع عدم التمكّن من المبدل منه الاختياري وأن التكليف الاضطراري يرتفع مع التمكّن من الاختياري ، فمع تمكن المكلف من الوصول إلى الماء بعد ساعة ولو في قعر بئر لا يراه المتشرعة مكلفاً بالتيمم ، لأنه متمكن من الوضوء مع قطع النظر من أي رواية ودليل.
وعليه فإذا كانت المستحاضة متمكنة من الصلاة والطهارة الاختياريتين أي مع الطهارة الواقعية لا تكون مأمورة بالطهارة والصلاة الاضطراريتين بالارتكاز.
وهذه القرينة المتصلة أعني الارتكاز لا تبقي مجالاً للتمسك حينئذ بإطلاقات الأخبار الآمرة بأنها تتوضأ وتغتسل وتصلِّي (1)من غير تفصيل بين صورتي علمها بانقطاع دمها بعد ذلك وعدمه ، بل لا بدّ من حملها على صورة عدم علم المستحاضة بحدوث فترة تسع طهارتها وصلاتها.
ودعوى أن حمل المطلقات على المرأة غير العالمة بالانقطاع حمل لها على مورد نادر ، لأن الغالب في المستحاضة علمها بانقطاع دمها في شيء من الأزمنة دعوى عجيبة ، إذ أية مستحاضة تعلم بالانقطاع إلاّ في بعض الموارد ، نعم المستحاضة تحتمل الانقطاع ، وأمّا أنها تعلم به فلا.
هذا على أنه لا إطلاق في الأخبار في نفسها ، لأن ظاهرها إرادة مستمرة الدم وأنها التي تغتسل لكل صلاة أو تتوضأ لها ، ومع الانقطاع لا موضوع للروايات.
وأمّا ما عن بعضهم من أن الانقطاع إذا كان انقطاع فترة لا برء فهو كزمان عدم الانقطاع محكوم بالحدث والاستحاضة ، فإن الطّهر بين الاستحاضة كالطهر الأقل من عشرة أيام الواقع بين الحيضة الواحدة ملحق بالاستحاضة والحيض ، ومع كون المرأة مستحاضة حتى في حال الانقطاع لا وجه لوجوب التأخير في حقها.
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.
بل يجب التأخير (1)مع رجاء الانقطاع (1) بأحد الوجهين حتى لو كان حصول الرجاء في أثناء الصلاة ، لكن الأحوط إتمامها ثم الصبر إلى الانقطاع.
فمندفع بأن أيام الطّهر خارجة عن الاستحاضة والمرأة فيها غير محكومة بالاستحاضة ، ولا يجب عليها مع الطّهر أن تغتسل لكل صلاتين أو تتوضأ لكل صلاة وإنما قلنا بأن الطّهر بين الحيضة الواحدة بحكم الحيض ، للدليل الدال على أن المرأة إذا رأت الحيض ثلاثة أيام ثم انقطع يوماً مثلاً ثم رأت الدم بعد ذلك أيضاً فهو من الحيض ، ولا دليل على ذلك في المقام ، فالمرأة في أيام الانقطاع ولو لفترة طاهرة حقيقة. هذا كله في صورة العلم بالانقطاع.
فتحصل : أنها في صورة العلم بالبرء أو الفترة الواسعة لا يجوز أن تقدِّم صلاتها وسائر أعمالها ، بل لا بدّ من تأخيرها إلى تلك الفترة ، فلو صلّت قبل ذلك بطلت.
اللّهمّ إلاّ أن تغفل فيتمشّى منها قصد القربة فيحكم حينئذ بصحة صلاتها إذا انكشف عدم الانقطاع واقعاً ، وأمّا إذا كان منقطعاً فلا ، كما يظهر مما ذكرناه آنفاً.
(1) بأن احتملت الانقطاع ولم تعلم به ، وقد حكم في المتن بوجوب التأخير حينئذ ، وذلك لما بنى عليه وصرح به في أوائل بحث الأوقات (2)من أن البدار لذوي الأعذار على خلاف القاعدة ، بل مقتضاها وجوب التأخير إلاّ في المتيمم لأن البدار سائغ في حقه بالنص.
وذكرنا نحن في محلِّه أن البدار جائز لجميع ذوي الأعذار ، وهو على طبق القاعدة إلاّ في المتيمم لعدم جواز البدار في حقه للنص ، عكس ما أفاده قدسسره.
[800] مسألة 14 : إذا انقطع دمها فإما أن يكون انقطاع برء أو فترة تعلم عوده أو تشك في كونه لبرء أو فترة ، وعلى التقادير (1) إما أن يكون قبل الشروع
والوجه فيما أفاده قدسسره أن المأمور به الاضطراري إنما هو في طول الواجب الاختياري ، ومع التمكّن منه لا مساغ للاضطراري ، ومعه لا بدّ في الإتيان به من إحراز عجزه عن المأمور به الاختياري ، ومع عدم إحرازه والشك فيه لا يمكن الإتيان به ، وإنما خرجنا عن ذلك في التيمم للرواية.
ولكنّا ذكرنا في محلِّه أن المأمور به الاضطراري وإن كان في طول الواجب الاختياري إلاّ أنه يكفي في إحراز العجز عن الواجب الاختياري استصحاب بقاء عجزه إلى آخر الوقت ، وهو حجة شرعية كافية في الإحراز. وعليه فجواز البدار لجميع ذوي الأعذار على طبق القاعدة.
وخرجنا عنها في التيمم لما ورد من أنه يطلب الماء ، فإن فاته الماء لا تفوته الأرض (1)فمقتضاه عدم جواز البدار في حق المتيمم.
وعلى ذلك لا مانع في المقام من البدار للمستحاضة باستصحاب عدم تمكنها من إتيان وظائفها في حالة عدم الدم.
وأمّا إذا استصحبته فاغتسلت وصلّت ثم انكشف الخلاف وتمكنت من الصلاة والطهارة طاهرة فيأتي عليه الكلام في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى.
(1) الصور في المقام ثلاثة ، لأن البرء أو الفترة إما أن يحصلا قبل شروعها في وظائفها من الغسل والوضوء والصلاة ، وإما أن يحصلا في أثنائها أي بعد الشروع في الوضوء أو الغسل وقبل إتمام الصلاة وإما أن يحصلا بعد الإتيان بوظائفها.
أمّا إذا حصلا قبل أن تأتي بوظائفها فلا إشكال في أنها لا بدّ أن تأتي بها في زمان الفترة أو البرء.
1) الوسائل 3 : 384 ، 385 / أبواب التيمم ب 22 ح 1 ، 3 ، 4.
في الأعمال أو بعده أو بعد الصلاة ، فإن كان انقطاع برء وقبل الأعمال يجب عليها الوضوء فقط أو مع الغسل والإتيان بالصلاة. وإن كان بعد الشروع استأنفت. وإن كان بعد الصلاة أعادت إلاّ إذا تبيّن كون الانقطاع قبل الشروع في الوضوء والغسل.
وأمّا إذا حصلا في الأثناء فلا بد من أن تستأنف أعمالها ، وذلك لما أسلفنا من أن دم الاستحاضة على ما يستفاد من الأخبار حدث رافع للطهارة وناقض لها ، وإنما خرجنا عن إطلاق دليل الناقضية في مستمرة الدم إذا توضأت واغتسلت وصلّت ، وأمّا مع الانقطاع وعدم استمرار الدم فلا دليل على عدم كون الدم الخارج في الأثناء ناقضاً لطهارتها ، بل مقتضى إطلاق الدليل هو الانتقاض ، ومعه لا بدّ من أن تستأنف إعمالها في زمان البرء أو الفترة.
وأمّا إذا حصلا بعد إتيانها بوظائفها ، وذلك إما لقطعها بعدم حصول البرء أو الفترة الواسعة إلى آخر الوقت أو لغفلتها أو للتمسك باستصحاب بقاء عجزها عن الإتيان بصلاتها طاهرة ولذا شرعت في إعمالها ثم بعد ذلك انكشف الخلاف ، فهل تجب عليها إعادة إعمالها كما بنى عليه الماتن وجماعة ، أو لا تجب عليها الإعادة كما عن صاحب الجواهر (1)وشيخنا الأنصاري (2)وغيرهما؟ فيه خلاف.
والوجه في الحكم بالإعادة في المستحاضة أنها إنما أتت بأعمالها حسب الأمر التخيلي أو الظاهري ، ومع انكشاف الخلاف لا وجه لعدم وجوب الإعادة عليها ، حيث لا دليل على إجزاء الإتيان بالمأمور به الخيالي أو الظاهري عن الواجب الواقعي ، هذا.
والصحيح عدم وجوب الإعادة ، وذلك لا لإجزاء الأمر التخيّلي أو الظاهري عن المأمور به الواقعي ، بل للأمر الواقعي الاضطراري ، فإن قوله عليهالسلام « تقدِّم
وإن كان انقطاع فترة واسعة فكذلك على الأحوط (1)(1) ،
هذه وتؤخِّر هذه » (2)تجويز للبدار في حق المستحاضة ، لأنه بمعنى الجمع بين الصلاتين لدرك وقت الفضيلة ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين كون المرأة شاكة في انقطاع دمها لبرء أو فترة وبين كونها عالمة بعدم الانقطاع أو كانت غافلة ، وذلك للإطلاق.
نعم قلنا إن صورة العلم بالانقطاع خارجة عن الإطلاقات بقرينة الارتكاز كما مرّ.
هذا على أن حصول الانقطاع بعد الإتيان بالطهارة والصلاة أمر متعارف ، كحصوله قبل الإتيان بهما أو في أثنائهما ، إذ ليس للانقطاع وقت معين ، فقد ينقطع في أول الوقت قبل الطهارة والصلاة ، وقد ينقطع في أثنائهما ، وقد ينقطع في آخر الوقت ، بل لعله الغالب في الليل لأن الغالب إتيان الصلاة في أوله ، فالانقطاع لو حصل فإنما يحصل غالباً بعد الصلاة ، فلا مانع من شمول الإطلاق لتلك الصورة.
بل عدم تعرضهم لوجوب الإعادة حينئذ مع كون الانقطاع بعد الصلاة أمراً متعارفاً يكشف عن عدم وجوب الإعادة حينئذ وأن الإتيان بالواجب الاضطراري مجزئ عن المأمور به الاختياري.
فالحكم بعدم وجوب الإعادة إنما هو لذلك لا لكون الأمر الخيالي أو الظاهري مجزئاً عن الواقع ، فعلى ذلك لا يبعد الحكم بعدم وجوب الإعادة وإن كان وجوبها أحوط كما أشرنا إليه في التعليقة.
(1) لأنها كانقطاع برء ، والمرأة فيها محكومة بالطهارة ، وليس حكمها حكم النقاء المتخلل أثناء الحيضة الواحدة في كونه ملحقاً بالحيض ، لأنه إنما كان للدليل ولا دليل عليه في المقام ، والمستحاضة بمعنى مستمرّة الدم ، ومع الانقطاع لا تكون مستحاضة بوجه.
وإن كانت شاكّة في سعتها أو في كون الانقطاع لبرء أم فترة لا يجب عليها الاستئناف (1)أو الإعادة (1) ، إلاّ إذا تبين بعد ذلك سعتها أو كونه لبرء.
بل الحال كذلك لغة ، لأنّ الاستحاضة من الحيض الذي هو بمعنى الدم ، ومع عدمه لا استحاضة في البين ، فحكم الفترة الواسعة حكم البرء.
(1) للشك في سعة فترة الانقطاع صور ثلاث :
الاولى : أن تعلم بالانقطاع وتشك في أنه انقطاع برء أو انقطاع فترة واسعة.
وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام ، لأن الفترة كالبرء فهي عالمة بطهارتها بمقدار يسع الصلاة والطهارة.
الثانية : أن يحصل لها الانقطاع ولكنها شكت في أنه انقطاع برء حتى تتمكّن من الطهارة والصلاة مع الطهارة من الدم ، أو أنه انقطاع فترة غير واسعة فلا تتمكّن منهما في حالة الطّهر.
الثالثة : أن يحصل لها الانقطاع وتعلم أنه ليس بانقطاع برء وإنما هو فترة ، ولكنها شكت في أنها تسع للطهارة والصلاة أو أنها مضيقة لا تسعهما.
وهاتان الصورتان هما محل الكلام في المقام ، وقد حكم قدسسره بعدم وجوب الإعادة لو كان بعد الصلاة ، وعدم وجوب الاستئناف لو كان في أثنائها.
ولعلّه قدسسره يرى أن المقام من موارد الشك في التكليف ، حيث إن المرأة بعد ما أتت بوظيفتها أو شرعت فيها تشك في أنها مكلفة بتكليف زائد وهو التكليف بالطهارة والصلاة بعد ذلك أو لم يتوجه إليها تكليف زائد من الوضوء أو الغسل أو
1) (*) الأحوط وجوب الاستئناف فيما إذا علمت أن الفترة تسع الطهارة وبعض الصلاة أو شكت في ذلك فضلاً عما إذا شكت في أنها تسع الطهارة وتمام الصلاة أو أنّ الانقطاع لبرء أو فترة تسع الطهارة وبعض الصلاة.
[801] مسألة 15 : إذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى إلى الأعلى ، كما إذا انقلبت القليلة متوسطة أو كثيرة أو المتوسطة كثيرة ، فإن كان قبل الشروع في الأعمال فلا إشكال (1) ،
الصلاة ، ومع الشك في التكليف يرجع إلى البراءة عن التكليف المحتمل فلا يجب عليها الإعادة ولا الاستئناف ، هذا.
والصحيح وجوبهما عند الشك أيضاً ، وذلك للاستصحاب ، حيث إن المرأة في أوّل آن الانقطاع طاهرة قطعاً ، سواء أكان الانقطاع انقطاع برء أو فترة ، فإذا شكّت في أن طهارتها باقية مطلقاً إذا احتملت البرء أو بمقدار تسع الطهارة والصلاة إذا احتملت الفترة ، فمقتضى الاستصحاب بقاء طهارتها مطلقاً أو بمقدار تتمكن المرأة فيه من الطهارة والصلاة ، فهي كالعالمة بالبرء أو الفترة الواسعة ، لأن الاستصحاب كما يجري في الأُمور السابقة يجري في الأُمور الاستقبالية.
وعليه فيجري في هذه الصورة كما يجري في صورة العلم بالبرء أو الفترة الواسعة.
ثم لو فرضنا عدم جريان الاستصحاب فالمورد مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة ، لأنها بعد دخول الوقت تعلم بتوجه التكليف بالصلاة إليها ، فلا مناص من أن تخرج عن عهدته ، وهو لا يكون إلاّ بالإتيان بوظيفتها ، ولا تدري أنّ ما أتت به وظيفتها حينئذ ، فلا تقطع بالإتيان بوظيفتها إلاّ أن تعيد طهارتها وصلاتها بعد حصول الانقطاع.
هذا كله فيما إذا قلنا بوجوب الإعادة عند العلم بالبرء أو الفترة الواسعة ، وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب الإعادة في صورة العلم فعدم وجوبها في صورة الشك بطريق أولى.
(1) قد تكون الاستحاضة على حالة واحدة ، وهي التي تقدم حكمها بما لها من الأقسام. وقد تتبدّل حالاتها وتنقلب.
فتعمل عمل الأعلى ، وكذا إن كان بعد الصلاة فلا يجب إعادتها ، وأمّا إن كان بعد الشروع قبل تمامها فعليها الاستئناف والعمل على الأعلى حتى إذا كان الانتقال من المتوسطة إلى الكثيرة فيما كانت المتوسطة محتاجة إلى الغسل وأتت به أيضاً ، فيكون أعمالها حينئذ مثل أعمال الكثيرة ، لكن مع ذلك يجب الاستئناف ، وإن ضاق الوقت عن الغسل والوضوء أو أحدهما تتيمم بدله ، وإن ضاق عن التيمم أيضاً استمرت (1)على عملها ، لكن عليها القضاء على الأحوط.
والتبدّل قد يكون من الأدنى إلى الأعلى ، كالقليلة تتبدّل بالكثيرة أو المتوسطة. أو المتوسطة تتبدّل بالكثيرة ، وهي ثلاث صور.
وقد تكون من الأعلى إلى الأدنى ، كما إذا تبدّلت الكثيرة بالمتوسطة أو بالقليلة أو تبدّلت المتوسطة بالقليلة ، فهذه صور ست.
الصورة الأُولى : ما إذا تبدّلت القليلة بالكثيرة ، فإن كان ذلك قبل أن تشرع في أعمالها فلا إشكال في وجوب أعمال المستحاضة الكثيرة في حقها ، لارتفاع القليلة على الفرض ولا أثر لها بعد تحقق الكثيرة بوجه ، لأن دمها ثقب الكرسف وتجاوز عنه فيشملها إطلاق وجوب الغسل لكل صلاتين أو مع الوضوء بناء على وجوبه في الكثيرة.
وأمّا إذا تبدّلت بعد الإتيان بأعمالها فلا تجب إعادة أعمالها بوجه ، لأن المرأة أتت بوظائفها وهي طاهرة ، والحدث المتأخِّر لا يوجب بطلان الأعمال السابقة ، نعم أثرها يظهر في الأعمال اللاّحقة بعد الحدث.
1) (*) الحكم بالاستمرار حينئذ مبنيّ على الاحتياط ، والظاهر وجوب القضاء عليها مع الاستمرار أيضاً.
وإن انتقلت من الأعلى إلى الأدنى استمرت على عملها لصلاة واحدة ثم تعمل عمل الأدنى ، فلو تبدلت الكثيرة متوسطة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل للظهر عمل الكثيرة فتتوضأ (1)وتغتسل وتصلِّي ، لكن للعصر والعشاءين يكفي الوضوء وإن أخرت العصر عن الظهر أو العشاء عن المغرب. نعم لو لم تغتسل للظهر عصياناً أو نسياناً يجب عليها للعصر إذا لم يبق إلاّ وقتها ، وإلاّ فيجب إعادة الظهر بعد الغسل ، وإن لم تغتسل لها فللمغرب وإن لم تغتسل لها فللعشاء إذا ضاق الوقت وبقي مقدار إتيان العشاء.
وأمّا إذا تبدلت في أثناء عملها من الوضوء والصلاة ولو في آخر جزء من الصلاة فهل يجب عليها استئناف صلاتها والإتيان بها مع الغسل أو لا يجب؟
لا ينبغي الإشكال في أن ما دلّ على وجوب التوضؤ في حق المرأة المستحاضة لكل صلاة (2)إنما هو مقيد بما إذا كانت الاستحاضة قليلة ، فإذا ارتفعت وتبدّلت إلى الكثيرة لا يكفي الوضوء في صلاتها ولو في المقدار الباقي منها ، بل يشملها إطلاق ما دلّ على وجوب الغسل لكل صلاتين (3)، ومعه لا بدّ من استئناف صلاتها فتأتي بها مع الغسل أو مع الغسل والوضوء. هذا كله فيما إذا كان الوقت واسعاً للإعادة والاغتسال.
وأمّا إذا كان الوقت ضيقاً فإن كانت متمكنة من التيمم والصلاة فوظيفتها التيمم والصلاة لأجل ضيق الوقت ، وإن لم يسع الوقت للغسل ولا للتيمم فذكر الماتن قدسسره أنها تستمر في عملها وتقضي بعد ذلك على الأحوط.
ولم يظهر لنا وجه ذلك ، لأن المرأة بعد ما تبدلت استحاضتها كثيرة ووجب عليها الغسل لكل صلاتين ولم تتمكن من الغسل ولا من التيمم فهي فاقدة للطهورين
والوضوء الذي أتت به قبل تبدل استحاضتها ليس بطهور في حقها ، وبناؤه قدسسره في فاقد الطهورين على سقوط الصلاة عنه كما هو الصحيح ، وعلى ذلك لا يجب على المرأة أن تستمر في عملها بل لها أن ترفع اليد عن عملها وتقضيها بعد ذلك.
ومعه فالصحيح أن يعكس الأمر ويقول : تستمر على عملها على الأحوط ، وتقضيها خارج الوقت على الأقوى ، لا ما صنعه هنا ، هذا كلّه في تبدّل القليلة بالكثيرة.
الصورة الثانية : وهي ما إذا تبدّلت القليلة بالمتوسطة ، فقد يكون قبل إتيانها بشيء من وظائفها ، ومعه يجب عليها أن تأتي بأعمال المتوسطة ، لارتفاع القليلة وشمول أدلّة المتوسطة لها.
وقد يكون بعد الإتيان بأعمالها ، ولا تجب معه الإعادة بوجه.
وإما أن تتبدل في الأثناء ، ومعه يجب أن ترفع اليد عن عملها وتستأنف غسلاً ووضوءاً ، ولا تكتفي بالوضوء الذي أتت به قبل التبدل ، حيث إن مقتضى الأخبار أنها بنفسها مقتضية للوضوء ، فلا يمكنها الاكتفاء بالوضوء السابق بوجه ، ومع ضيق الوقت الكلام هو الكلام في الكثيرة بعينه.
الصورة الثالثة : وهي ما إذا تبدلت المتوسطة بالكثيرة ، ففي صورة تقدّم ذلك على أعمالها وتأخره عنها لا إشكال ولا كلام.
وأمّا إذا تبدلت في الأثناء فيجب عليها أن ترفع اليد عن عملها وتستأنفها مع الغسل ، كما هو مقتضى إطلاق ما ورد في الكثيرة.
وتوضيح الكلام في جميع الصور الثلاث : أن القليلة إذا تبدلت بالكثيرة قبل العمل أو في أثنائه ، فإن كانت أتت بالوضوء فيحكم ببطلانه بحدوث الاستحاضة الكثيرة فإن قلنا في الكثيرة بوجوب الوضوء فلا بد من إتيانها بالغسل والوضوء ، وليس لها
الاكتفاء بوضوئها السابق ، لأنّ ظاهر الدليل أن الكثيرة بنفسها سبب للغسل والوضوء فلا بدّ من أن تأتي بهما بعد التبدل ، وعلى القول بعدم وجوب الوضوء في الكثيرة تأتي بالغسل فقط.
وأمّا إذا لم تتوضأ قبل التبدل فهل يجب بعد التبدل أن تغتسل للكثيرة وتتوضأ من جهة تحقق القليلة قبل ذلك ، وهي حدث موجب للوضوء ولا مسقط عنه أو لا يجب؟
الظاهر عدم الوجوب ، وذلك لأن القليلة وإن كانت سبباً للوضوء إلاّ أنّا ذكرنا في محلِّه (1)أن كل غسل يغني عن الوضوء ، فالغسل للكثيرة يكفي عن الوضوء.
هذا على أن في نفس الأخبار الواردة في القليلة دلالة على عدم وجوب الوضوء في المقام ، وذلك لأنها علقت وجوب الوضوء عند كل صلاة على عدم تجاوز الدم وعدم ثقبه ، وأمّا مع التجاوز ولو بعد ساعات فوظيفتها الاغتسال لكل صلاتين دون الوضوء ، وذلك لأن كل كثيرة مسبوقة لا محالة بالقلّة ، لأن الطفرة على ما يقولون مستحيلة ، أو لو كانت ممكنة فهي غير واقعة خارجاً ، أفهل يحتمل وجوب الوضوء للقليلة في جميع الاستحاضات الكثيرة.
وليس هذا إلاّ من جهة أن وجوب الوضوء للقليلة مقيد بأن لا يتجاوز دمها الكرسف ، ورواية ابن نُعيم صريحة في ذلك ، حيث ورد فيها ما مضمونه : أنها تنظر ما بين المغرب وبينها إن كان الدم يسيل ... إلخ (2)فلاحظ.
وأمّا إذا تبدّلت القليلة بالمتوسطة قبل العمل أو في أثنائه ، فإن توضأت قبل ذلك فوضوءها باطل ليس لها الاكتفاء به ، لأن المتوسطة بنفسها مقتضية للغسل والوضوء.
وأمّا إذا لم تأت بالوضوء قبل ذلك فلا إشكال في أنها تغتسل وتتوضأ وهو كاف عن الوضوء للقليلة.
أو لو قلنا بأن المتوسطة سبب مستقل للوضوء وهو لا يكفي عن غيره ، فنقول إن وجوبه في القليلة كما عرفت مغيّا بعدم ثقب الدم وقد ثقب ، فلا يجب الوضوء للقليلة.
وأمّا إذا تبدّلت المتوسطة بالكثيرة ، فإن اغتسلت وتوضأت فلا بدّ من الحكم ببطلانهما بالتبدّل وحدوث الكثيرة ، وليس لها أن تكتفي بهما لأن الكثيرة بنفسها سبب مستقل للغسل والوضوء على تقدير القول بوجوب الوضوء فيها.
وأمّا إذا لم تأت بالوضوء ، فإن قلنا إن الكثيرة يجب فيها الوضوء لكل صلاة فلا يظهر فرق بينها وبين المتوسطة في الصلاة الأُولى بعد التبدّل بالكثيرة ، لأنها لا بدّ أن تغتسل وتتوضأ ، كانت متوسطة أم كثيرة.
نعم إنما يظهر الأثر بينهما في الصلوات غيرها ، فعلى الكثيرة يجب أن تغتسل لكل صلاتين ، وعلى المتوسطة تكتفي بالوضوء فقط.
وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب الوضوء في الكثيرة فهل يجب عليها أن تتوضأ أيضاً لتحقق سببها وهو المتوسطة ولا مسقط له ، والكثيرة ليست مقتضية لعدم الوضوء بل لا اقتضاء لها بوجوبه؟
الصحيح عدم وجوب الوضوء لوجهين :
أحدهما : أن مقتضى الأدلّة الواردة في وجوب الغسل والوضوء في المتوسطة (1)وإن كان وجوبهما حتى فيما إذا تبدّلت بالكثيرة ، لإطلاقها من حيث تقدّمها أو تأخّرها بالكثيرة وعدمه ، كما أن مقتضى إطلاق ما ورد في وجوب الغسل لكل صلاتين عند تجاوز دمها الكرسف (2)وجوب الغسل في حقها لكل صلاتين فحسب ، سواء سبقتها المتوسطة أم لم تسبقها.
وهذان الإطلاقان متدافعان ، لأنّ مقتضى الأوّل وجوب الوضوء ومقتضى الثاني عدمه ، وبعد التساقط لا بدّ من الرجوع إلى عموم العام وهو يدل على إغناء كل غسل عن الوضوء.
وثانيهما : أن نفس ما ورد في وجوب الغسل والوضوء على المتوسطة والغسل في
[802] مسألة 16 : يجب على المستحاضة المتوسطة والكثيرة إذا انقطع عنها بالمرّة الغسل للانقطاع إلاّ إذا فرض عدم خروج الدم منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة (1).
الكثيرة يدلّنا على عدم وجوب الوضوء في الكثيرة ، لأن وجوب الوضوء في المتوسطة مقيد بعدم تجاوز الدم عن الكرسف ولو فيما بينها وبين المغرب ، ومع التجاوز لا يجب الوضوء.
وتوضيحه : أن كل كثيرة مسبوقة بالتوسط لا محالة ، فعدم وجوب الوضوء في جميع موارد الكثيرة إنما هو من جهة أنه مقيد بعدم تجاوز الدم ، والأخبار الواردة في الكثيرة (1)إنما دلّت على وجوب الغسل فقط ولم يتعرّض لوجوب الوضوء بوجه ، ومعه يحكم بعدم وجوب الوضوء على المستحاضة ، هذا كله في صورة التبدل من الأدنى إلى الأعلى ، ومنه ظهر الحال في الصور الآتية فلاحظ.
الصورة الرابعة : وهي ما إذا تبدّلت من الأعلى إلى الأدنى ، فإن الكثيرة إذا تبدّلت بالمتوسطة ليس لها الاكتفاء بالغسل الواحد مع الوضوء ، بل لا بدّ لها من الإتيان بوظائف الكثيرة ، لصدق أنها امرأة تجاوز دمها الكرسف ، والاستحاضة الكثيرة آناً ما كافية في ثبوت أحكامها.
الصورة الخامسة والسادسة : ما إذا تبدلت الكثيرة أو المتوسطة إلى القليلة ، فإنه لا بدّ من إتيان وظيفتي المتوسطة أو الكثيرة ، لكفاية صدق كون المرأة ممّن ثقب دمها أو تجاوز دمها الكرسف آناً ما في ترتب أحكامها.
(1) قد لا يخرج عن المستحاضة حال غسلها وصلاتها دم ، ولا إشكال في أنها
1) نفس المصدر.
بغسلها تصير طاهرة ولا يجب عليها بعد ذلك شيء.
وقد يخرج الدم حال غسلها أو بعده أو حال صلاتها ، وفي مثله لا بدّ لها من أن تغتسل للانقطاع إذا انقطع بعد الصلاة ، وذلك لما استفدناه من الأخبار من أن دم الاستحاضة حدث ، وإنما خرجنا عمّا دلّ على ناقضية الحدث بالإضافة إلى حال الصلاة والاغتسال ، وأمّا بعدهما فهو حدث لا بدّ من الاغتسال له.
مضافاً إلى صحيحة ابن نعيم حيث علقت عدم وجوب الغسل عليها بما إذا لم تطرح الكرسف عنها ، وقال « فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل » (1)ولو كان ذلك في أثناء غسلها أو صلاتها ، وهي صريحة في المدعى حيث صرحت بأنها إذا رأت الدم فيما بينها وبين المغرب أيضاً وجب عليها الوضوء إن لم يسل والغسل إن سال.
وتدلّ عليه المطلقات الواردة في المقام كموثقة سَماعة (2)وغيرها من أن الدم إذا ثقب الكرسف أو تجاوز عنه وجب عليها الاغتسال مرة أو لكل صلاتين ، فإن إطلاقها يشمل ما إذا كان ذلك في أثناء غسلها وصلاتها.
فالمتحصل : أن المستحاضة لا بدّ لها من الاغتسال للانقطاع ، وليس لها الاكتفاء بغسلها الذي خرج دم في أثنائه أو بعده أو أثناء صلاتها ، لعدم حصول الطهارة لها بذلك مطلقاً ، وإلاّ لم تكن حاجة إلى الوضوء لكل صلاة أو الغسل لكل صلاتين بعد ذلك ، هذا كله في المتوسطة والكثيرة.
ومنه يظهر الحال في القليلة وأنها إذا لم يخرج منها دم في أثناء وضوئها وصلاتها فلا تحتاج إلى وضوء بعد ذلك ، وأمّا إذا خرج في أثنائهما وانقطع بعد ذلك فلا بد لها من أن تتوضأ للصلاة التي بعدها ، لما عرفت من عدم ارتفاع حدثها بما أتت به من الوضوء.
ويمكن أن يقال إن الحكم بوجوب الغسل للانقطاع وإن كان هو المشهور إلاّ أنه مورد المناقشة في المتوسطة ، وذلك لقصور المقتضي ، حيث إن غاية ما تدلّ عليه الأخبار الواردة في المقام أن حدوث المتوسطة موجب للغسل الواحد في حقها ، والمفروض إنها أتت بوظيفتها واغتسلت ، وأمّا أنها إذا انقطعت ثم عادت أيضاً موجبة للحدث والاغتسال فهو محتاج إلى الدليل ولا يكاد يستفاد من الأخبار ، وبعبارة اخرى إن حدوث دم الاستحاضة المتوسطة هو الذي يستفاد من الأخبار كونه موجباً للاغتسال دون بقائه.
وعليه لا يمكن الاستدلال على وجوب الغسل للانقطاع بالإطلاقات ، كما لا مجال للتشبث بالصحيحة المتقدمة ، لأنها أجنبية عما نحن فيه ، حيث إنها تدل على أن طروء دم الاستحاضة وحدوثه فيما بينها وبين المغرب موجب للاغتسال في حقها. وأمّا أنه إذا انقطع ثم عاد أيضاً موجب للاغتسال فهي أجنبية عن ذلك رأساً.
وعليه ففي الاستحاضة المتوسطة إذا اغتسلت وصلّت ثم عاد دمها لا يجب عليها الغسل للانقطاع لأنه بلا موجب ، حيث إنها أتت بما هو وظيفة المستحاضة المتوسطة أعني الغسل الواحد ليومها وليلتها ، فلا يجب عليها الغسل ثانياً للانقطاع. كيف فلو لم ينقطع دمها لم يجب عليها غسل آخر ، فكيف بما إذا انقطع ثم عاد.
نعم ، يجب عليها بعد عود دمها أن تتوضأ للصلوات الآتية ، لإطلاق ما دلّ على أن المستحاضة المتوسطة يجب عليها الوضوء لكل صلاة ، وبما أنها رأت الدم بصفة المتوسطة فهي مستحاضة متوسطة يجب عليها الوضوء للصلوات الآتية ، هذا كله في المتوسطة.
بل يمكن أن يقال إن الأمر في الكثيرة أيضاً كذلك بالإضافة إلى الصلاة الثانية فيما إذا أرادت أن تجمع بين الصلاتين فاغتسلت وصلّت إحداهما ثم عاد الدم ، فلا يجب عليها أن تغتسل للثانية ، وذلك لإطلاق ما دلّ على كفاية الغسل الواحد في الكثيرة لصلاتين (1)، والمفروض أنها اغتسلت فيكفيها ذلك الغسل بالإضافة لهما.
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.
[803] مسألة 17 : المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكل صلاة ما دامت مستمرّة ، كذلك يجب عليها تجديده لكل مشروط بالطّهارة كالطواف الواجب ومسّ كتابة القرآن إن وجب (1)،
نعم ، يجب عليها غسل آخر بالإضافة إلى باقي الصلوات ، لما دلّت عليه صحيحة ابن نعيم (1)وغيرها من أنها إذا سال دمها بينها وبين المغرب اغتسلت ، فإنها شاملة للمقام ، حيث إن المفروض سيلان دمها بعد الظهرين ، فهي مستحاضة بالكثيرة يجب أن تغتسل لكل صلاتين أو لكل صلاة.
وعليه فلا يجب غسل آخر للانقطاع وإن كان ذلك هو المشهور بينهم وهو الأحوط ، وإن كان الأقوى ما ذكرناه.
(1) وقع الكلام في أن المستحاضة القليلة إذا توضأت لصلاتها فهل يكفي ذلك للطواف والمسّ الواجبين حتى نتكلّم في المستحبين منهما ويأتي حكم المبحث؟.
المشهور بينهم بل ادعي التسالم عليه عدم حاجتها إلى الوضوء الجديد لهما بعد ما توضأت لصلاتها ، وذكروا أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي طاهرة.
وخالف في ذلك صاحب الموجز وشارحه [ و ] كاشف الغطاء (2)، حيث ذهبوا إلى وجوب التعدّد في الوضوء إذا تعدّد المسّ أو الطواف ، وأن وضوء المستحاضة لصلاتها لا يكفي فيهما ، ومن هنا احتاط الماتن قدسسره وقال : « وليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الأحوط ».
وما أفاده هو الأحوط بل هو الأظهر ، وذلك لعدم إحراز كون الإجماع المدعى في المسألة إجماعاً تعبدياً وصل إلينا يداً بيد حتى يكشف عن قول الامام عليهالسلام بل يحتمل كونه مستنداً إلى استنباطاتهم واجتهاداتهم ، ولا أقل من احتمال استنادهم في ذلك إلى عدم تعرض الأخبار لوجوب الوضوء على المستحاضة حينئذ للطواف أو المسّ مع ورودها في مقام البيان. فالإجماع على تقدير تحققه ساقط لا اعتبار به.
على أن الإجماع غير محقق ، لوجود المخالف في المسألة.
وثالثاً : أن ما حكي عنهم من أن المستحاضة إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهرة مجهول المراد ، فإنه يحتمل أُموراً.
الأوّل : وهو أظهر الاحتمالات ، أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة بالإضافة إلى صلاتها ، وذلك دفعاً لما ربما يتوهم من أن الدم الخارج منها أثناء صلاتها مانع عن صلاتها ، ومعنى ذلك أن المرأة طاهرة حينئذ وكأن الدم لم يخرج أصلاً.
وعلى هذا لا يستفاد منه عدم حاجتها إلى الوضوء بالنسبة إلى الطواف أو المسّ.
الثاني : أن يقال إن المرأة إذا أتت بوظائفها فهي طاهرة إلاّ أن طهارتها مؤقتة بما إذا كانت مشتغلة بأعمالها التي منها الصلاة ، بحمل كلمة « إذا » على التوقيت دون الاشتراط.
وهذا ذهب إليه المحقق الهمداني قدسسره وذكر أن معنى تلك الجملة أنها طاهرة ما دامت مشغولة بصلاتها ، واستدلّ عليه بأنها لو كانت طاهرة مطلقاً لم يكن وجه لما ذهب إليه المشهور من أن صحة صوم المستحاضة مشترطة باغتسالها قبل الفجر ، وذلك لأنها قد اغتسلت للعشاءين وأتت بوظيفتها وهي طاهرة ، فلما ذا أوجبوا الغسل عليها قبل الفجر لصحة صوم الغد (1).
1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 327 السطر 18.
وما أفاده قدسسره وإن كان لا بأس به إلاّ أن حمل « إذا » على التوقيت خلاف الظاهر ، بل لا بدّ من حمله على الاشتراط ، فمعناه أنها إذا عملت بوظائفها فهي طاهرة بالإضافة إلى صلاتها وحسب.
وكيف كان فالأظهر هو الاحتمال الأول ، والثاني دونه في الظهور.
الثالث : أن يراد به أن كل امرأة مستحاضة أتت بوظائفها فهي طاهرة مطلقاً بالنسبة إلى جميع الأعمال المشروطة بالطهارة ، فلا يجب على المستحاضة بعد توضئها للصلاة أن تتوضأ للطواف أو المسّ. وهذا مجرد احتمال لا دليل مثبت له.
فالمتحصل : أن قولهم « إذا فعلت وظائفها كانت بحكم الطاهرة » غير ظاهر المراد والإجماع على تقدير تحققه عليه لا يثمر شيئاً ، فالمقدار المتيقن الثابت أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بالإضافة إلى صلاتها طاهرة ، وأن الدم الخارج حال الوضوء أو بعده أو أثناء الصلاة غير مضر ، ووضوءها كاف بالنسبة إلى صلاتها.
وأمّا غيرها من الأفعال المشروطة بالطهارة فنحن ومقتضى القاعدة ، وهي تقتضي الوضوء للطواف والمسّ الواجبين ، لعدم العلم بكفاية وضوئها حتى لغير صلاتها ، ومع الشك في الكفاية لا بدّ من الإتيان بالوضوء ، حيث إن احتمال عدم وجوب الطواف والمسّ على المستحاضة مقطوع العدم ، لأن حالها حال سائر النساء ، كيف والطواف واجب على الحائض ، غايته إذا لم تتمكن منه استنابت فكيف بالمستحاضة.
كما أن احتمال عدم شرطية الطهارة لهما كذلك ، إذ لا مخصص لأدلة شرطية الطهارة لهما ، ومع وجوبهما على المستحاضة وهما مشروطان بالطهارة ولا دليل على كفاية الوضوء للفريضة عنهما ، فمقتضى القاعدة هو أن تأتي بالوضوء لأجلهما.
والوجه فيما ذكرناه : أن الطواف والمسّ أمران تبتلي بهما النساء ذوات الدم ، فلو لم تجب على المستحاضة أو لم تشترط في طوافهنّ الطهارة لأُشير إليه في شيء من الأخبار لا محالة.
بقي الكلام في أن المستحاضة بالإضافة إلى صلاة الطواف هل تحتاج إلى وضوء لها أو أن وضوءها لصلاتها كاف لصلاة الطواف أيضاً.
وليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الأحوط وإن كان ذلك الوضوء للصلاة ، فيجب عليها تكراره بتكرارها حتى في المسّ يجب عليها ذلك لكل مسّ على الأحوط (1) ، نعم لا يجب عليها الوضوء لدخول المساجد والمكث فيها ، بل ولو تركت الوضوء للصلاة أيضاً.
لم أر من تعرّض لهذه المسألة ، ولكن ظهر حكمها ممّا بيناه آنفاً ، وحاصله : أن الوضوء لما لم يقم دليل على كفايته لغير صلاتها الفريضة فمقتضى القاعدة أن تتوضأ لغيرها من الأعمال المشروطة بالطهارة من الطواف والمسّ وصلاة الطواف وغيرها مضافاً إلى عموم قوله عليهالسلام « فلتتوضأ لكل صلاة » (1)فإنه شامل لصلاة الطواف وغيرها.
(1) بل هذا هو الظاهر ، وذلك لأن مقتضى قوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2)أن كل مسّ لا بدّ أن يقع قبله وضوء وطهارة ، غاية الأمر أنّا علمنا أن وضوء غير المستحاضة للصلاة أو لغيرها يكفي لمسه ما دام لم ينتقض ، كما يكفي لغير المسّ ممّا يشترط فيه الطهارة.
وأمّا وضوء المستحاضة فلا دليل على كونه كذلك ، لدلالة الأخبار المتقدمة على أن المستحاضة لا بدّ أن تتوضأ لكل صلاة ، فإذن يشك في كفاية وضوئها للمس أوّلاً لمسها ثانياً ، ومع الشك في كفاية وضوء المستحاضة للمس لمسها ثانياً لا بدّ من الرجوع إلى إطلاق النهي عن مسّ الكتاب على غير طهر ، وقد عرفت أنه يقتضي وقوع كل مسّ عن وضوء قبله ، وعليه يجب أن يتعدّد وضوء المستحاضة بتعدّد المسّ.
[804] مسألة 18 : المستحاضة الكثيرة والمتوسطة إذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة حتى دخول المساجد والمكث فيها وقراءة العزائم ومسّ كتابة القرآن (1)، ويجوز وطؤها ، وإذا أخلّت بشيء من الأعمال حتى تغيير القطنة بطلت صلاتها ، وأمّا المذكورات سوى المسّ فتتوقف على الغسل فقط ، فلو أخلت بالأغسال الصلاتية لا يجوز لها الدخول والمكث والوطء وقراءة العزائم على الأحوط ، ولا يجب لها الغسل مستقلا بعد الأغسال الصلاتية وإن كان أحوط. نعم إذا أرادت شيئاً من ذلك قبل الوقت وجب عليها الغسل مستقلا على الأحوط (1).
نعم ، لو قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لأمكن في المقام أن يقال باستصحاب أثر الطهارة المتيقنة للمس أوّلاً عند مسها ثانياً وثالثاً ، للشك في بقائها وارتفاعها ، إلاّ أنّا لا نقول به في الأحكام.
(1) ذهب الماتن قدسسره تبعاً لجماعة إلى أن المستحاضة المتوسطة أو الكثيرة إذا أتت بغسلها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة من الدخول في المسجدين والمكث في المساجد وقراءة العزائم والوطء وغيرها وإن أخلت بغير الاغتسال كتغيير القطنة ، وذلك لأنه شرط في الصلاة دون غيرها.
وأمّا إذا أخلت بالأغسال فلا يجوز لها شيء من ذلك. بل ذكر قدسسره أن زوجها إذا أراد الوطء قبل وقت الصلاة وجب عليها الاغتسال للوطء.
1) (*) في جوازه إشكال والأحوط تركه حتى بعد الغسل أو الوضوء ، ولا يبعد جواز قراءتها العزائم ودخولها المسجد والمكث فيه بل وطؤها أيضاً ولو لم تعمل بما عليها ، وإن كانت رعاية الاحتياط أولى في الجمير. نعم بعد الغسل لصلاة يجوز وطؤها إلى زمان الأمر بالغسل ثانياً بلا إشكال.
والكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الجهة الاولى : في اشتراط جواز وطء المستحاضة باغتسالها وعدمه.
الجهة الثانية : في اشتراط قراءتها العزائم به أي بالاغتسال.
الجهة الثالثة : في اشتراطه في جواز دخولها المسجدين والمكث في المساجد.
الجهة الرابعة : في اشتراط الغسل لمسّها الكتاب العزيز وعدمه.
أمّا الجهة الأُولى : فمقتضى الأخبار المتقدمة في جواز وطء الحائض بعد انقطاع دمها (1)أن الوطء للزوجة إنما يحرم ما دام الحيض باقياً ، فإذا انقطع دم الحيض منها وصارت طاهرة منه جاز وطؤها وإن كانت مستحاضة بالمتوسطة أو الكثيرة ، ولا دلالة في تلكم الروايات على اشتراط وطء المستحاضة باغتسالها.
وعليه لو فرضنا أن المرأة لا تصلِّي أو أنها تصلِّي من غير غسل لجهلها أو لغير ذلك فلا مانع من إتيان زوجها لها.
وليس في قبال هذه الأخبار سوى موثقة لسماعة « وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل » (2)، واستدل بها على أن وطء المستحاضة لا بدّ أن يكون بعد الاغتسال حملاً لقوله عليهالسلام « حين تغتسل » على معنى بعد الاغتسال ، والموثقة مروية بطريقين ، والجملة المذكورة وردت في أحد الطريقين دون الآخر ، وهو الذي نقله عنه صاحب الوسائل في الباب الأول من الجنابة في الحديث الثالث (3).
إلاّ أن حمل قوله عليهالسلام « حين تغتسل » على ما بعد الاغتسال خلاف ظاهر الحديث جدّاً ولا وجه للالتزام به ، فالاستدلال بها ممّا لا وجه له.
وبما أن الالتزام بظاهر الموثقة غير ممكن ، لأنها إنما تدل على جواز وطء المستحاضة حال الاغتسال أو في الآن المتصل بغسلها ، ولا يمكن الالتزام به ، لأنه غير مراد قطعاً ، فإن لازمه الحكم بعدم جواز وطء المستحاضة بعد حال اغتسالها ، وهذا ممّا لا يمكن التفوّه به ولا سيما في المتوسطة التي اغتسلت قبل الفجر ولا يجب عليها إلاّ الغسل مرّة واحدة ، لأن الموثقة مشتملة على حكم المتوسطة والكثيرة أيضاً ، وكيف يمكن الالتزام بعدم جواز وطء المستحاضة المتوسطة وإن اغتسلت قبل ذلك.
فلا مناص من حملها على محمل أقرب من حملها على ما بعد الاغتسال ، وهو أن يقال إن الرواية وردت إرشاداً إلى أمر غير شرعي ، وأن المراد بالجملة المذكورة هو ما قبل الاغتسال لئلاّ يجب على المرأة اغتسالان ، بل يأتيها زوجها قبل غسلها حتى يكفيها غسل واحد ، فالموثقة وردت للإرشاد إلى أن غسل الجنابة يغني عن غسل الاستحاضة ، وأن المرأة يأتيها زوجها قبل اغتسالها حتى لا يتكرر الاغتسال في حقها.
وهذا وإن كان خلاف ظاهر الحديث إلاّ أنه أقرب المحامل ، وعليه لا معارض للأخبار الدالّة على جواز وطء المستحاضة وإن لم تغتسل (1)، لا سيما أن بعضها مشتمل على قوله « إذا شاء » (2)، فالاغتسال غير معتبر في وطء المستحاضة.
أمّا الجهة الثانية والثالثة : فالأمر فيهما أيضاً كذلك ، حيث لم يقم دليل على حرمة قراءة العزائم أو الدخول في المسجدين أو المكث في المساجد على المستحاضة حتى تغتسل ، وإنما دلّت الأخبار على حرمة تلكم الأُمور على الحائض وحسب (3)، فدعوى أن هذه الأُمور يعتبر الاغتسال لها في حق المستحاضة تحتاج إلى دليل.
نعم ، ذهب جماعة إلى حرمة تلك الأفعال على المستحاضة ما لم تغتسل لصلاتها أو لتلك الأفعال ، وقد حكى شيخنا الأنصاري قدسسره عن المصابيح أنه قد تحقق
أن مذهب الأصحاب تحريم دخول المساجد وقراءة العزائم على المستحاضة قبل الغسل ، واستظهر من ذلك الإجماع على توقف الأُمور المذكورة على غسلها (1).
وفيه : أن دعواهم للإجماع في المسألة لم تثبت أوّلاً.
وثانياً : أنه من الإجماع المنقول.
وثالثاً : أنه ظاهر البطلان لو كان مراد صاحب المصابيح هو الإجماع ، بل هو مقطوع الخلاف لذهاب جملة من الأصحاب كالشيخ (2)والعلاّمة (3)والأردبيلي (4)وصاحبي المدارك (5)والذخيرة (6)إلى الجواز وعدم توقفها على الاغتسال ، ومعه كيف يمكن دعوى الإجماع في المسألة.
نعم ، قد يقال إن الحرمة وتوقف الأفعال المذكورة على الاغتسال مقتضى الاستصحاب فيما إذا كانت الاستحاضة مسبوقة بالحيض ، لحرمتها على الحائض فتستصحب.
ولكن فيه وجوه من المناقشات وذلك :
أوّلاً : لأنه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية وقد مرّ منّا المناقشة في جريانه مراراً.
وثانياً : فلو أغمضنا عن ذلك فالاستصحاب لا يجري في خصوص المقام لعدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة ، لأن الحيض والاستحاضة متقابلان في الأخبار
1) كتاب الطهارة : 261 السطر 25 / في الاستحاضة.
2) النهاية : 29 ، المبسوط 1 : 67 / في الاستحاضة ( لكن في الثاني خلاف لنقل المصنف ).
3) المنتهي 2 : 416 ، التذكرة 1 : 291 / في الاستحاضة ( لكن في كليهما خلاف لنقل المصنف ).
4) لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 1 : 164.
5) المدارك 2 : 37 / في أحكام المستحاضة ( لكنه لم يقل بالجواز إلاّ في دخول المساجد ).
6) الذخيرة : 76 / في الاستحاضة ( لكنه لم يصرح بالجواز إلاّ في دخول المساجد ).
والحرمة قد ثبتت في حق الحائض ، وبعد انقطاع الحيض وارتفاعه ارتفعت الحرمة الثابتة لأجله لا محالة ، والمستحاضة موضوع ثان آخر نشك في حرمة تلك الأفعال في حقها بحيث لو قلنا فيها بالحرمة لكانت حرمة مغايرة لتلك الحرمة الثابتة على الحائض.
وممّا يؤيد ذلك أنّا لم نر ولم نسمع من أحد يحكم بوجوب الكفّارة في وطء المستحاضة ولو مع القول بحرمته في حقها ما لم تغتسل ، مع أن القائل بوجوب الكفّارة في وطء الحائض موجود.
فهذا يدلّنا على أن الحرمة على تقدير القول بها في المستحاضة هي حرمة أُخرى غير الحرمة الثابتة في حق الحائض ، ومع عدم اتحاد القضيتين لا مجرى للاستصحاب.
وثالثاً : لو أغمضنا عن ذلك فمقتضى إطلاق الآية الكريمة والروايات جواز وطء المستحاضة من دون حاجة إلى الاغتسال ، وذلك لقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) (1)أو « يطّهرن » بالتشديد ، فإن للغاية مفهوماً ، فتدل على عدم الحرمة بعد انقطاع الدم أو الاغتسال من الحيض. وفي حالة الاستحاضة يجوز وطؤها بمقتضى الآية المباركة.
كما أن مقتضى الأخبار (2)ذلك ، بل بعضها عام ويدلُّ على أن المستحاضة يأتيها بعلها إذا شاء (3).
ومن الظاهر أن مع وجود الإطلاق والدليل الاجتهادي لا مجال للتمسّك بالاستصحاب.
ورابعاً : أن الاستصحاب لو جرى فإنما يختص بما إذا حدثت الاستحاضة قبل غسل الحيض أو في أثنائه ، وأمّا إذا حدثت بعد الاغتسال من الحيض فمقتضى الاستصحاب جواز وطئها لا حرمته ، وذلك لأن الأزمنة ثلاثة :
أحدها : زمان القطع بالحرمة ، وهو ما قبل اغتسالها.
وثانيها : زمان القطع بالجواز ، وهو ما بعد اغتسالها.
وثالثها : زمان الشك في الحرمة وهو زمان حدوث الاستحاضة ، ومع تخلل اليقين بالجواز بين اليقين بالحرمة والشك فيها لا مجال لاستصحاب الحرمة بوجه ، هذا.
بل لو قلنا بجواز الوطء بعد الانقطاع وقبل الاغتسال يلزم في استصحاب الحرمة أن تكون الاستحاضة متصلة بدم الحيض ، إذ مع الفصل كما إذا حدثت في زمن اغتسالها أو بعده يتخلّل زمان القطع بالجواز بين زماني القطع بالحرمة والشك في الجواز ، وهذا في الأحكام المترتبة على انقطاع الدم كما في الوطء والطلاق دون ما يترتب على الغسل كدخول المسجدين ونحو ذلك.
فالمتحصل : أنه لا وجه للقول بتوقف الأفعال المذكورة في حق المستحاضة على الاغتسال ، لأنه محتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، هذا.
وعن الوسيلة التفصيل بين الكعبة فلا يجوز للمستحاضة دخولها وبين سائر المساجد حتى المسجدين فيجوز (1)، إلاّ أنه ممّا لم نقف له على مستند سوى مرسلة يونس بن يعقوب عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : المستحاضة تطوف بالبيت وتصلِّي ولا تدخل الكعبة » (2)، وهي لضعفها وإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها.
وهذا كلّه في غير الطواف والمسّ.
أمّا الطواف فمقتضى الأخبار المطلقة الدالة على وجوب الطواف أو استحبابه جوازه على المستحاضة من دون حاجة إلى الاغتسال ، كما أن ذلك مقتضى النصوص الخاصّة الواردة في أن المستحاضة لها أن تطوف بالبيت ، ومن جملتها خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المستحاضة أيطؤها زوجها؟ وهل
تطوف بالبيت؟ قال عليهالسلام : تقعد قرأها ... وكل شيء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت » (1).
وقد ذكر صاحب الحدائق قدسسره أنها صحيحة السند (2)، وهي تدلّ على الملازمة بين استحلال الصلاة في حقها وجواز الوطء والطواف ، وحينئذ لا بدّ من ملاحظة معنى الاستحلال وهل المراد به المشروعية ، أعني الحلية الشأنية والطبعية كما هو الظاهر ، أو أن المراد به الحلية الفعلية؟
وعلى الأوّل تدل على جواز الوطء والطواف من غير غسل ، لحلية الصلاة ومشروعيتها في حق المستحاضة من غير حاجة إلى غسلها ، لأنّ الغسل ممّا لا يتوقف عليه أمرها وتكليفها بالصلاة ، وإنما له مدخلية في صحة صلاتها ، وبعبارة اخرى الغسل ليس من شروط أمرها بالصلاة وتكليفها بها ، وإنما هو شرط من شروط المأمور به أعني الصلاة.
وعلى الثاني تدلّ على عدم جواز وطئها وطوافها إلاّ بعد الغسل ، لأن حلية الصلاة فعلاً تتوقف على غسلها ولو لا اغتسالها لم تصح صلاتها.
والظاهر هو الأوّل ، لأنها بصدد بيان أن المستحاضة حكمها حكم باقي المكلفين الذين يشرع في حقهم الصلاة ، وهي ممن من شأنه أن تصح صلاتها ، وليست بصدد بيان أن حكمها يتوقف على صحة صلاتها فعلاً ، وإلاّ فلصحتها وحليتها الفعلية شروط اخرى لا يحتمل دخلها في جواز وطئها أو طوافها كدخول الوقت وطهارة ثوبها وبدنها مع أنه لا يحتمل أن يكون طوافها أو وطؤها مشروطاً بدخول الوقت أو طهارة الثوب والبدن ، وكذلك الوضوء الذي هو شرط في صلاة المستحاضة أي في بعض أقسامها مع أنه غير معتبر في جواز وطئها قطعاً ، فلا يكاد يشك في أن المراد بالحلية هو الحلية الشأنية وأنها مأمورة بالصلاة ، لا الحلية الفعلية أعني صحة صلاتها فعلاً.
وأمّا المسّ فيتوقّف على الوضوء والغسل ، ويكفيه الغسل للصّلاة (1) ، نعم إذا أرادت التكرار يجب تكرار الوضوء والغسل على الأحوط ، بل الأحوط ترك المسّ لها مطلقاً.
بقي الكلام في أن الطواف يشترط فيه الطهارة وأن طهارة المستحاضة في الطواف هل هي الوضوء فقط أو الغسل فقط أو الغسل والوضوء معاً؟
ربما يستشعر من عبارة الماتن قدسسره أن طهارتها هي الغسل للطواف ، ولكن الصحيح أن المستحاضة يكفيها الوضوء للطواف ولا يعتبر الاغتسال في حقها ، لأن الأخبار دلّت على أن وظيفة المستحاضة هي الغسل مرة واحدة أو ثلاث مرّات ، فلا دليل على وجوب غسل آخر في حقها ولا على مشروعيته.
بل إن مقتضى الأخبار الواردة في اشتراط الطواف بالوضوء إلاّ في الطواف المندوب (1)عدم صحته ممّن لا وضوء له ، نعم علمنا خارجاً أن الجنب ونظيره من المكلفين بالاغتسال يكفيهم الغسل عن الوضوء ، وأمّا المستحاضة فلم يدلّنا دليل على أن غسلها الواحد أو أغسالها كافية عن الوضوء ، لأن غاية ما تدلّ عليه الأخبار أن غسل المستحاضة الواحد أو المكرّر ممّا تستبيح به الصلاة ، وأمّا أنه كغيره من الأغسال في الإغناء عن الوضوء فهو محتاج إلى دليل.
وعليه فمقتضى إطلاق ما دلّ على اشتراط الطواف بالوضوء لزوم التوضؤ للمستحاضة إذا أرادت الطواف ، فحال الطواف حال الصلاة في حقها ، فكما أنها تتوضأ لكل صلاة من غير الفرائض الخمسة فكذا تتوضأ للطواف أيضاً.
(1) هذه هي الجهة الرابعة من الكلام ، وحاصله أن المسّ قد يكون واجباً وقد
1) الوسائل 13 : 374 ، 376 / أبواب الطواف ب 38 ح 2 ، 3 ، 7 ، 8 ، 9.
يكون مندوباً ، كما تعرّضنا له في المستحاضة القليلة وأوضحنا حكم الواجب (1)وبقي حكم المندوب منه ، ويظهر إن شاء اللّه أن حكم المسّ المندوب في الاستحاضة القليلة وغيرها على حد سواء.
أمّا المسّ الواجب كما إذا كان المصحف في مكان موجب لهتكه فيجب مسه لرفعه عن ذلك المكان ، فمقتضى الأدلّة التي دلت على اشتراط المسّ بالطهارة والعمدة فيه قوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2)بضميمة ما ورد في تفسيرها (3)، لأنها بنفسها لا تدلّ على ذلك ، لأنه من المحتمل بل الظاهر من ( الْمُطَهَّرُونَ ) هو مَن طهّرهم اللّه سبحانه كما في قوله تعالى ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (4)، والمراد بالمس فهم الكتاب ودرك حقائقه دون المسّ الظاهري لكتابته ، إلاّ أن الرواية فسّرتها بالمس الظاهري ، وأيضاً دلّت عليه صحيحة أو موثقة أبي بصير قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عمّن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء ( طهر ) ، قال : لا بأس ولا يمس الكتاب » (5)عدم جواز المسّ للمستحاضة وغيرها ممّن لا طهارة له ، ومقتضى دليل وجوب المسّ وجوبها على المستحاضة ، والجمع بينهما يقتضي الحكم بوجوب الوضوء والمسّ على المستحاضة إذا لم يكن بقاء المصحف في مدة التوضؤ مستلزماً للهتك ، وإلاّ فتمسه من دون وضوء.
وأمّا المسّ المندوب فمقتضى أدلّة اشتراط المسّ بالطهارة عدم جوازه على المستحاضة كما عرفت ، ولا دليل على كفاية وضوئها أو غسلها في الطهارة بالإضافة إلى المسّ المستحب ، ومن هنا لا بد من أن تتوضأ للصلاة الأُخرى أو تغتسل لها كما في الكثيرة.
[805] مسألة 19 : يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت مع الوضوء والغسل وسائر الأعمال لكل صلاة ، ويحتمل جواز اكتفائها بالغسل للصلوات الأدائية لكنّه مشكل (1) والأحوط ترك القضاء (1)إلى النقاء.
وأمّا الإجماع على أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة فقد قدّمنا (2)ما فيه ، وذكرنا أن المراد به أنها بحكم الطاهرة بالإضافة إلى صلاتها ، بمعنى أن الدم الخارج منها بعد الإتيان بوظائفها لا يكون حدثاً ناقضاً لصلاتها وطهارتها في حال الصلاة ، وأمّا أنها بحكم الطاهرة بالإضافة إلى كل فعل مشروط بالطهارة فهو محتاج إلى الدليل.
وغاية ما يمكن استفادته من الأخبار أن تلك الأفعال منها موجبة لاستباحة الصلاة في حقها ، وعليه فالمس المستحب في نفسه مورد الإشكال في حقها.
نعم ، ذهب الأصحاب قدسسرهم إلى جواز مسّ المستحاضة إذا أتت بوظائفها وأرسلوه إرسال المسلّمات ، فإن ثبت وتم إجماعهم فهو ، وإن لم يثبت فالاحتياط اللاّزم يقتضي تركها المسّ المندوب بلا فرق بين أقسام الاستحاضة.
(1) يقع الكلام في ذلك من جهتين :
الجهة الاولى : في مشروعية القضاء في حقها أو أنها تصبر حتى يرتفع حدث الاستحاضة.
الظاهر عدم مشروعية القضاء في حقها ، لما استفدناه من الأخبار من أن الاستحاضة حدث وإن جاز لها الفرائض بعد اغتسالها مرة أو ثلاث مرات ، بمعنى أن الدم الخارج عنها حال غسلها أو بعده أو في أثناء الصلاة لا يكون ناقضاً لطهارتها ، إلاّ أنها محدثة
كصاحب السلس ، ومن هنا وجب عليها أن تتوضأ أو تغتسل للصلوات الآتية وإن لم تحدث في أثنائها بحدث آخر ، ومع الحدث كيف يسوغ لها القضاء.
وبعبارة اخرى : إن صلاة المستحاضة اضطرارية من جهة عدم طهارتها من الحدث ، والقضاء واجب موسع له أفراد اختيارية ، فكيف تأتي بالفرد الاضطراري مع التمكّن من الأفراد الاختيارية ، ولا سيما في المستحاضة المبتلاة بنجاسة البدن غالباً وصلاتها اضطرارية من هذه الجهة أيضاً ، مع أنه لم يقم دليل على عدم مانعية دم الاستحاضة في قضائها ، فلا بد من أن تصبر حتى ترتفع استحاضتها.
الجهة الثانية : لو بنينا على عدم مشروعية القضاء في حقها إلاّ أن الوقت ضاق ولو لأجل اطمئنانها أو ظنّها بالموت بعد ذلك بحيث لا تتمكن من الصلاة الاختيارية بوجه فطهارتها لصلاة القضاء ما هي؟ احتمل الماتن وجهين في المسألة :
أحدهما : أن تأتي بقضاء الفوائت مع الوظائف المقررة للمستحاضة ، فكما أنها إذا اغتسلت وأتت بباقي وظائفها المتقدمة كتبديل القطنة جازت الفرائض اليومية لها كذلك جاز لها قضاء ما فاتها من الصلوات ، لأن الأغسال طهارة في حقها.
وثانيهما : أن تأتي بالقضاء بالوضوء والغسل مستقلّين ، فكما أنها تغتسل لفرائضها الأدائية كذلك تغتسل غسلاً على حدة وتأتي بالقضاء.
أمّا الاحتمال الأوّل فيدفعه أن غسلها للفرائض إنما يستباح به الصلاة فحسب ، ولا يكون موجباً لطهارتها حتى يصح منها القضاء ، بل هي محدثة مع اغتسالها ومن ثمة لا بدّ أن تتوضأ أو تغتسل للصلاة الثانية والثالثة.
ولا وجه لتوهّم كون الغسل موجباً لطهارتها سوى الإجماع المتقدِّم (1)من أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة ، إلاّ أنك عرفت أن معناه أنها طاهرة بالإضافة إلى صلواتها الفرائض الأدائية ، وأن الدم الخارج منها أثناء غسلها أو بعده أو أثناء صلاتها لا يكون ناقضاً لصلاتها ، لا أنها بحكم الطاهرة بالإضافة إلى كل فعل مشروط بالطهارة.
1) في ص 129.
[806] مسألة 20 : المستحاضة تجب عليها صلاة الآيات (1) وتفعل لها (1)كما تفعل لليومية (2) ، ولا تجمع بينهما بغسل وإن اتفقت في وقتها.
كيف وقد مرّ أنها مكلفة بالوضوء والاغتسال لصلواتها الثانية والثالثة ، فهذا الوجه لا دليل عليه وبذلك يترجح الوجه الثاني وهو أن يقال :
إن الغسل كما أنه طهارة في حقها بالإضافة إلى صلواتها الأدائية فهو طهارة بالإضافة إلى صلواتها القضائية أيضاً ، لأنها فرائض ، غاية الأمر أنها قضائية ، فتغتسل للقضاء وتقضي صلواتها ، إلاّ أنه أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم قيام الدليل على أن الغسل طهارة في حق المستحاضة وإنما دلّت الأخبار على أن غسلها طهارة لفرائضها الأدائية وحسب ، فلم يقم دليل على وجوب الغسل في حقها للقضاء ، بل مقتضى عموم موثقة سماعة وغيرها « تتوضأ لكل صلاة » (2)أن طهارتها للصلاة إنما هي الوضوء ، فإن القضاء أيضاً صلاة فتتوضأ لها وتأتي بالقضاء ، ومن هنا قلنا إنها تأتي بالنوافل مع الوضوء لكل نافلة.
وأمّا من جهة نجاسة بدنها فلا بد من تقليلها بالمقدار الممكن ، وهذا لا فرق فيه بين المستحاضة وغيرها ، ومن هنا يظهر الحال في حكم المسألة الآتية أيضاً.
(1) لإطلاق أدلّة وجوبها (3)، وليست هي كالحائض غير مكلفة بالفرائض وغيرها.
(2) كما ذكره في قضائها ، نظراً إلى أن الغسل طهارة لفرائضها وصلاتها ، وصلاة الآيات أيضاً طهارتها الاغتسال.
[807] مسألة 21 : إذا أحدثت بالأصغر في أثناء الغسل لا يضر بغسلها على الأقوى ، لكن يجب عليها الوضوء بعده وإن توضأت قبله.
ويدفعه ما تقدّم من أن الغسل لم يقم دليل على كونه طهارة للمستحاضة ، بل مقتضى إطلاق الموثقة المتقدِّمة (1)كفاية الوضوء لصلاتها ، وصلاة الآيات صلاة فتتوضأ لها وتأتي بها.
(1) والوجه فيما أفاده أن الوضوء والغسل في حق المستحاضة وإن كانا موجبين لطهارتها بالإضافة إلى صلاتها ، وهما يرفعان حدثها للصلاة ، إلاّ أنه لا يحتمل أن يكون وضوءها السابق على اغتسالها على تقدير كونها تتوضأ قبله موجباً لارتفاع حدثها الأصغر الواقع بعده في أثناء غسلها ، إذ الوضوء إنما يرفع الأثر الحادث قبله لا بعده ، ولذا ورد « إذا بلت فتوضأ » (2)، فلا بد من أن ترفعه بالوضوء بعد اغتسالها ، ولم يقم دليل على كون الحدث الأصغر ناقضاً لغسلها ، فيتم غسلها في مفروض الكلام وتأتي بالوضوء بعده من جهة البول الواقع في أثناء غسلها.
ولا ينافي ما ذكرناه في المقام من أن الحدث الأصغر الواقع في أثناء غسل الاستحاضة غير ناقض له ، لما قدمناه في غسل الجنابة (3)من أن الجنب لو أحدث بالأصغر في أثنائه بطل غسله ولا بدّ من استئنافه ، وذلك لقيام الدليل على انتقاض غسل الجنابة بالحدث الأصغر في أثنائه ، بخلاف غسل الاستحاضة ، والدليل كما أسلفناه قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (4)،
[808] مسألة 22 : إذا أجنبت في أثناء الغسل أو مست ميتاً استأنفت غسلاً واحداً لهما ، ويجوز لها إتمام غسلها واستئنافه لأحد الحدثين إذا لم يناف المبادرة إلى الصلاة بعد غسل الاستحاضة (1) ،
لأنه يدل على أن المحدث على قسمين : جنب وغير جنب ، فإن كان جنباً وجب عليه أن يغتسل ، وإن كان غير جنب وجب عليه أن يتوضأ ، فكل محدث ليس جنباً يجب عليه أن يتوضأ ، وقد خرجنا عنه في غسل مسّ الميِّت والحيض والاستحاضة ونحوها بالدليل الذي دلّ على أنهم لا بدّ أن يغتسلوا.
وبما أن الجنابة ترتفع بعد انتهاء الغسل فلو أحدث بالأصغر في أثنائه صدق أنه بالفعل محدث بالجنابة ، فيشمله إطلاق الآية المباركة ( فَاطَّهَّرُوا ) ، وظاهره إيجاد الغسل واستئنافه ، والاحتياط بالتوضؤ بعد غسل الجنابة حينئذ لا بأس به ، إلاّ أنه مع كون الغسل ترتيبياً ضعيف كما مر في محله.
وهذا بخلاف غسل الاستحاضة لعدم تقييد دليلها بعدم الحدث الأصغر في أثنائه ، بل ورد الأمر بالاغتسال لها (1)مطلقاً كانت محدثة بالأصغر أم لا ، وعليه فلها أن تتم غسلها ، وهو صحيح ، غاية الأمر أنها حيث أحدثت بالأصغر وهو موجب للوضوء لا بدّ أن تتوضأ بعد غسلها ، لأنه مقتضى الجمع بين ما دلّ على حدثية البول في أثناء الاغتسال وما دلّ على صحة غسلها من الاستحاضة. وإن ذهب الماتن في غسل الجنابة أيضاً إلى عدم انتقاضه بالحدث الأصغر الواقع في أثنائه كالمقام ، ولكن ما أفاده في المقام متين دون ما ذكره في غسل الجنابة.
(1) وذلك لأن المأمور به في حقها هو الغسل المتعقب بالصلاة ، ومع إتمامها غسل الاستحاضة واستئنافها بعده غسلاً للجنابة أو المسّ ينفصل غسل الاستحاضة عن
1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.
وإذا حدثت الكبرى في أثناء غسل المتوسطة استأنفت للكبرى (1).
الصلاة فلا يكون مشروطاً ومأموراً به في حقها ، فما أفاده قدسسره من هذه الجهة متين.
إلاّ أنها إذا أتمت ما بيدها من غسل الاستحاضة غفلة أو جهلاً بالحكم ، فإن كان الغسل الذي تأتي به بعده غسل الجنابة فلا إشكال في أنه يغني عن كل غسل ، فلو صلّت بعده فكأنها صلّت بعد غسل الاستحاضة فهو متصل بالصلاة.
وإن كان غسل مسّ الميِّت فهو مبني على ما تقدم من النزاع في أن كل غسل يغني عن كل غسل ، فإن قلنا به كما هو الصحيح فهو ، وإلاّ فإن قلنا بعدم إغنائه مطلقاً أو فيما إذا لم ينو بقية الأغسال أي يقع في الخارج ما نواه ، فلا بدّ للمستحاضة بعد ما أتمت ما بيدها من الغسل واغتسالها بعده لأجل المسّ أن تغتسل للاستحاضة ثانياً ، لفرض أنها اغتسلت للمس من غير أن تنوي غسل الاستحاضة أيضاً ، وتصلِّي بعده حتى لا ينفصل الغسل عن صلاتها.
(1) ولا تكون مخيرة بين إتمامه ثم استئناف الغسل للكبرى وبين رفع اليد عنه وإتيانها الغسل للكبرى كما كانت مخيرة بينهما في الفرع السابق ، وذلك لأن الموضوع في المقام قد تبدل ، وبه يتبدل حكمه ، حيث إن المتوسطة موضوع وحكمه الغسل مرة واحدة ليومها وليلتها ، والكثيرة موضوع آخر وحكمها ثلاثة أغسال أو خمسة ، فإذا تبدلت المتوسطة بالكثيرة فقد تبدل موضوع بموضوع آخر ، ومع ارتفاع الموضوع يرتفع حكمه ، فالغسل المأتي به للمتوسطة غير مأمور به إذ لا موضوع له ، فلا بد من الاغتسال رأساً للكثيرة ، لتحقق موضوع الغسل والحكم تابع لفعلية الموضوع لا محالة.
وهذا بخلاف الفرع السابق ، لأن الموضوع من التوسط أو الكثرة كان فيه بحاله وإن حدثت الجنابة في أثنائه ، فإن الجنابة حدث آخر فتغتسل منه أيضاً.
[809] مسألة 23 : قد يجب على صاحبة الكثيرة بل المتوسطة أيضاً خمسة أغسال (1) كما إذا رأت (1)أحد الدمين قبل صلاة الفجر ثم انقطع ثم رأته قبل صلاة الظهر ثم انقطع ثم رأته عند العصر ثم انقطع ، وهكذا بالنسبة إلى المغرب والعشاء.
(1) وهذا غير ما قدمناه من أن الكثيرة على تقدير تفريق صلواتها يجب عليها أغسال خمسة ، لأن ذلك مختص بالكثيرة ، وكلامه في المقام أعم منها ومن المتوسطة كما أوضحه في المتن ، بأن رأت أحد الدمين من المتوسط أو الكثير قبل الفجر واغتسلت له وصلّت ، ثم انقطع وعاد ثانياً قبل صلاة الظهر واغتسلت له وصلّت الظهر ، ثم انقطع وعاد قبل صلاة العصر ، وهكذا في المغرب والعشاء.
وليعلم أن انقطاع الدم قد يفرض بعد الصلاة وقبل خروج الوقت في زمان يسع الصلاة مع الطهارة ، وفي هذه الصورة لا إشكال في أنها يجب أن تعيد صلاتها وغسلها كما تقدم في حكم الفترة الواسعة ، إلاّ أنه خارج عن محل الكلام ، لأنه ليس من باب وجوب الأغسال خمس مرات ، بل من جهة انكشاف بطلان غسلها وصلاتها السابقين ، لكشف الانقطاع عن عدم كونهما مأموراً بهما وكونها مصلية عن طهر ، لأن ما أتت به كان صلاة اضطرارية ، ومع التمكّن من الفرد الاختياري لا أمر بالاضطراري بلا فرق في ذلك بين المتوسطة والكثيرة وبين أن تغتسل غسلاً واحداً أو غسلين وصلّت صلاة واحدة أو صلاتين كما في الظهرين والعشاءين ، فهذه الصورة خارجة عن محل الكلام.
فالمراد بالانقطاع في كلام الماتن لا بدّ أن يراد انقطاع الدم في الوقت مع عدم كون الزمان واسعاً للصلاة مع الطهارة ، كما إذا رأت الدم قبل صلاة الفجر واغتسلت
1) (*) الحكم بوجوب خمسة أغسال في هذا الفرض مبنيّ على الاحتياط.
وصلّت فانقطع قبيل طلوع الشمس بزمان لا يسع الصلاة والطهارة معاً ، ثم عاد قبل صلاة الظهر واغتسلت وصلّت فانقطع قبل خروج وقتها بزمان غير واسع ، وهكذا في العصر والمغرب والعشاء.
أو يراد به الانقطاع بعد الوقت ، كما إذا رأته قبل صلاة الفجر واغتسلت وصلّت وبعد طلوع الشمس انقطع ثم عاد قبل صلاة الظهر وانقطع بعد خروج وقتها وهكذا.
وإما أن يراد به الانقطاع قبل العمل ، كما إذا رأته قبل الفجر على صفة التوسط أو الكثرة وانقطع قبل صلاة الفجر ، وهكذا في الظهر وغيره حيث يجب عليها في تلك الفروض خمسة أغسال للانحلال ، فإن كل دم تراه فينقطع موضوع مستقل يجب معه الغسل ، هذا.
ولكن لا يمكن المساعدة عليه.
وذلك أمّا أوّلاً : فلإطلاق ما دلّ على وجوب غسل واحد للاستحاضة المتوسطة لأوّل صلاة بعده ليومها وليلتها ، وثلاثة أغسال للكثيرة على تقدير جمعها بين الصلوات ، فإنه مطلق من حيث انقطاع الدم واستمراره.
وأمّا ثانياً : فلأن انقطاع دم الاستحاضة لا يمكن أن يكون أشد حكماً من استمراره حسب المرتكز العرفي ، بمعنى أن كون الانقطاع موجباً للغسل دون الاستمرار على خلاف المرتكز العرفي ، فكيف يمكن أن يقال إن دم الاستحاضة المتوسطة لو استمر في جريانه فلا يجب إلاّ غسل واحد ، وأمّا إذا انقطع ثم عاد فيجب خمسة أغسال ، أو إنه إذا استمر في الكثيرة يجب ثلاثة أغسال مع الجمع بين الصلوات ، وأمّا مع الانقطاع فيجب خمسة أغسال ، لأنه خلاف المرتكز العرفي.
على أنّا ذكرنا أن استمرار دم الاستحاضة بحيث لا ينقطع ولو دقيقة قليل جدّاً أو لا يتّفق أصلاً ، فإن الانقطاع أمر عادي للنساء ولا يجري منهن الدم دائماً ، ومع ذلك لم تؤمر المستحاضة إلاّ بغسل واحد أو بثلاثة ، فلو كان الانقطاع موجباً للغسل لكان اللاّزم وجوب الغسل على المستحاضة متعدداً بعدد الانقطاع ، فما أفاده الماتن قدسسره من وجوب خمسة أغسال مبني على الاحتياط ولا دليل عليه.
ويقوم التيمم مقامه إذا لم تتمكن منه (1) ، ففي الفرض المزبور عليها خمسة تيممات ، وإن لم تتمكن من الوضوء أيضاً فعشرة ، كما أن في غير هذه إذا كانت وظيفتها التيمم ففي القليلة خمسة تيممات ، وفي المتوسطة ستة ، وفي الكثيرة ثمانية إذا جمعت بين الصلاتين ، وإلاّ فعشرة.
(1) لدليل بدلية التيمم عن الغسل والوضوء ، وعليه ففي القليلة لو لم تتمكن من الوضوء يجب عليها التيمم بدلاً عنه لكل صلاة ، وفي المتوسطة يجب عليها التيمم مرة بدلاً عن غسلها وتتوضأ لكل صلاة إن تمكنت ، وإلاّ تيممت لكل صلاة بدلاً عن وضوئها ، فيكون الواجب في حقها مع العجز عن الغسل والوضوء ستة تيممات. وفي الكثيرة تجب ثلاثة تيممات بدلاً عن ثلاثة أغسال على تقدير جمعها بين الصلوات ، كما تجب خمسة تيممات على تقدير التفريق بينها.
هذا فيما إذا لم نوجب عليها الوضوء لكل صلاة ، نظراً إلى عدم تعرضهم له في الأخبار وهي في مقام البيان ، ومع سكوتها عن وجوب الوضوء عليها نستكشف عدم وجوبه في حقها وكانت متطهرة.
وأمّا إذا قلنا بوجوب الوضوء في حقها لكل صلاة أو أنها أحدثت بالصغرى بأن نامت أو بالت فيجب عليها خمسة تيممات اخرى بدلاً عن خمسة وضوءات.
ولا ينافيه ما بنينا عليه من أن كل غسل ومنه غسل الاستحاضة الكثيرة يغني عن الوضوء ، بحيث لو كانت الكثيرة متمكنة من الغسل لم يجب عليها إلاّ خمسة أغسال على تقدير التفريق من غير حاجة إلى خمسة وضوءات أو تيممات ، والتيمم بدل عن ذلك الغسل ، فلما ذا تجب عليها خمسة تيممات اخرى بدلاً عن الوضوء.
والوجه في عدم التنافي أن أدلّة البدلية (1)دلّت على أن التيمم أو التراب طهور
1) الوسائل 3 : 385 / أبواب التيمم ب 23 ، 24.
وهو دم يخرج مع ظهور أول جزء من الولد أو بعده قبل انقضاء عشرة أيام (1)من حين الولادة ،
ويكفيك عشر سنين ، ومعناه أنه بدل عن الغسل في الطهارة وحسب ، وأمّا إذا كان للغسل أثر آخر غير الطهارة كالاغناء عن الوضوء فلا دليل على كون التيمم قائماً مقامه في ذلك الأثر ، فيجب على المستحاضة عشرة تيممات خمسة بدلاً عن الوضوءات الخمسة وخمسة اخرى بدلاً عن الأغسال الخمسة في فرض تفريقها بين الصلوات أو على تقدير صحة ما أفاده الماتن قدسسره في فروض المتن من وجوب خمسة أغسال ، هذا تمام الكلام في الاستحاضة.
فصل في النّفاس
النّفاس في اللغة بمعنى الولادة (2)، إما لأنه مأخوذ من النّفس بمعنى الدم ، أو لأنه من النَّفْس بمعنى الشخص ، لأن بالولادة يخرج شخص عن آخر حيواني أو إنساني ، إلاّ أنه بحسب الاصطلاح اسم لنفس الدم لا الولادة ، وهذا هو الموافق لما يستفاد من الأخبار التي دلت على أن الأحكام الآتية مترتبة على الدم لا عليها (3).
والكلام يقع في جهات :
الجهة الأُولى : الولادة المجردة عن الدم.
الجهة الثانية : في الدم الخارج قبل الولادة الواجد لصفات الحيض.
الجهة الثالثة : الدم الخارج بعد الولادة.
الجهة الرابعة : الدم الخارج مع الولادة.
أمّا الجهة الأُولى : فالظاهر أنه لا أثر للولادة المجردة عن الدم ، لما عرفت من أن الأحكام في النّفاس من سقوط الصلاة والصيام إنما هي مترتبة على الدم ، ولا أثر للولادة المجرّدة عن الدم وإن قيل إنها اتفقت في زمان النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأن امرأة ولدت من غير دم ، نعم لها أثر آخر أجنبي عن المقام ، وهو انقضاء العدة بتحققها وإن لم يكن معها دم.
وأمّا الجهة الثانية أعني الدم الخارج قبل الولادة إذا كان واجداً للصفات ، فقد يتخلل بينه وبين الولادة والنّفاس أقل الطّهر وهو عشرة أيام ، فهو محكوم بالحيضية بقاعدة الإمكان القياسي ، لما تقدّم (1)من إمكان الحيض في الحامل وأنها قد ترى الحيض ، وهذا لا كلام فيه.
إنما الكلام فيما إذا لم يتخلل أقل الطّهر بين الدم والولادة ، فهل يحكم بحيضيته أم لا يحكم؟
قد يقال إنه ليس بحيض ، لاعتبار تخلل أقل الطّهر بينه وبين النّفاس ، ويستدل عليه بوجوه :
منها : إطلاق كلماتهم والنصوص (2)من أن الطّهر لا يكون أقل من عشرة أيام ، فإذا لم يتحقق أقلّه بين الحيض والنّفاس فإما أن لا يكون الثاني نفاساً أو لا يكون الأوّل حيضاً ، وحيث إن الثاني نفاس بالوجدان لخروجه بالولادة أو بعدها فيستكشف أن الأوّل ليس بحيض.
ومنها : أن النّفاس حيض محتبس ، كما يستفاد من الأخبار (1)فحكمه حكمه ، فكما يعتبر تخلّل أقل الطّهر بين الحيضتين يعتبر أقلّه بين النّفاس والحيض.
ومنها : صحيحة عبد اللّه بن المغيرة الدالّة على أن النّفساء إذا رأت الدم بعد ثلاثين يوماً من نفاسها حكم بكونه حيضاً معلّلة بأن أيام عادتها وطهرها قد انقضت (2)فكما يعتبر في حيضية الدم المتأخر عن الولادة أن يتخلل بينه وبين النّفاس أقل الطّهر بمقتضى الصحيحة ، كذلك يعتبر تخلّله بينهما في الدم السابق على الولادة ، لعدم القول بالفصل.
ومنها : النصوص الواردة في المقام ، وعمدتها موثقة عمار المروية عن الصادق عليهالسلام « في المرأة يصيبها الطلق أياماً أو يومين فترى الصفرة أو دماً ، قال : تصلِّي ما لم تلد ، فإن غلبها الوجع ففاتتها صلاة لم تقدر أن تصلِّيها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعد ما تطهر » (3).
حيث دلّت على أن الدم المرئي قبل الولادة ليس بحيض مع كونه واجداً للصفات لقوله « دماً أو صفرة » ولا تسقط بسببه الصلاة عن المرأة ، هذا.
ولكن شيئاً من تلك الأدلّة لا تتم :
أمّا إطلاق النصوص وكلمات الأصحاب فهي وإن كانت كما ادعيت إلاّ أن أقل الطّهر الذي هو عشرة أيام إنما يعتبر بين حيضتين لا بين حيض ونفاس ، أو بين نفاسين كما يتّفق في التوأمين فتلد أحدهما في يوم وبعد أيام تلد الثاني من غير تخلل أقل الطّهر بينهما ، ولم يقم دليل على اعتبار أقل الطّهر بين مطلق الحدثين.
وأمّا دعوى أن الحيض والنّفاس واحد ، لأن النّفاس حيض محتبس ففيه أن بعض الأخبار وإن دلّت على أن اللّه سبحانه يحبس الدم في رحم المرأة رزقاً للولد إلاّ أنه لا
دلالة في شيء من الأخبار على أن أحكام الحيض مترتبة على النّفاس ، ومنها اعتبار تخلل أقل الطّهر بين النفاسين بل بين الحيض والنّفاس ، لأنّهما موضوعان متغايران لدى العرف والمتشرعة ولكل منهما أحكام خاصّة لا يقاس أحدهما بالآخر.
وأمّا صحيحة ابن المغيرة فهي وإن دلّت على اعتبار التخلّل بأقلّ الطّهر بين النّفاس والدم المتأخر عنه ونلتزم به في المتأخِّر لدلالة الدليل ، إلاّ أنها لا تدلّ على اعتبار ذلك في الدم المتقدِّم على الولادة ، وإسراء حكم المتأخر إلى المتقدِّم قياس ، ولم يقم إجماع على اتحادهما ، فدعوى عدم القول بالفصل ساقطة جزماً.
وأمّا النصوص التي عمدتها موثقة عمار فهي أخص من المدعى ، لاختصاصها بأيام الطلق أي أيام أخذ الوجع بالمرأة للولادة ، وقد دلت على أن الدم المرئي في تلك الأيام ليس بحيض ، والقرينة قائمة على أن الدم حينئذ مقدمة للولادة وليس حيضاً ، وأين هذا من محل الكلام وهو الدم المرئي قبل طلقها وقبل تخلل أقل الطّهر بينه وبين النّفاس.
فعلى ذلك نفصّل في الدم المرئي قبل الولادة بين أيام الطلق وغيرها ، ونحكم بعدم الحيضية في أيام الطلق للنصوص ، ونحكم بالحيضية في غيرها لقاعدة الإمكان القياسي.
ثم إنه أولى بالحكم بالحيضيّة ما إذا رأت الدم في أيام عادتها ثم انقطع ثم نفست ، فإنه محكوم بالحيضية وإن لم يكن واجداً للصفات ، لما دلّ على أن ما تراه المرأة من الدم في أيام عادتها فهو حيض (1).
وأولى من ذلك ما إذا كان مجموع الدم المرئي قبل النّفاس والنقاء بعده والدم في النّفاس غير زائد على العشرة ، كما إذا رأت الدم ثلاثة أيام بصفة الحيض ثم انقطع يوماً ثم ولدت ونفست خمسة أيام ، وذلك لأنه دم واحد ، والنقاء المتخلل بينه أيضاً بحكم الحيض حتى بناء على اعتبار تخلل أقل الطّهر بين الحيض والنّفاس ، لاختصاص ذلك بصورة تعدّد الدمين ، وأمّا الدم الواحد كمثالنا فلا يعتبر فيه ذلك ، بل النقاء في أثنائه
1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.
بحكم الحيض كما مرّ.
وأمّا الجهة الثالثة أعني الدم الخارج بعد الولادة فلا شبهة في أنه دم النّفاس ، وهو القدر المتيقن منه فيترتب عليه أحكامه ، وهذا مما لا كلام فيه ، وإنما الكلام فيما إذا تأخّر الدم عن الولادة بأن انقطع ثم عاد فهل يحكم بكونه نفاساً أو لا يحكم؟
المعروف أن الدم الذي تراه المرأة بعد الولادة نفاس فيما إذا خرج فيما بين الولادة وعشرة أيام ، وأمّا بعد العشرة فهو ليس بنفاس وإنما هو حيض إذا كان واجداً للصفات ، وهذا لا دليل عليه.
والظاهر أن منشأ حكمهم هذا هو ما دلّ على أن أكثر النّفاس عشرة أيام (1)، وبذلك حكموا على الدم المرئي بعد العشرة من الولادة بأنه ليس نفاساً لأن أكثره عشرة أيام ، وهو مبني على احتساب العشرة من زمن الولادة.
ولا يمكن المساعدة عليه ، لأن احتساب أكثر النّفاس الذي هو عشرة أيام على المشهور أو ثمانية عشر كما قيل إنما هو من زمان رؤية الدم لا الولادة ، إذ النّفاس اسم للدم دون الولادة ، فإذا رأت الدم بعد الولادة بيوم أو نصف يوم فإن الدم المرئي حينئذ دم نفاس فتحسب العشرة من ذلك الوقت فتتم العشرة بعد إحدى عشر يوماً من الولادة ، والدم الذي رأته في اليوم العاشر من الولادة دم قبيل العشرة.
وعلى هذا لا فرق بين الدم المرئي بعد العشرة من الولادة وقبلها ، لأنه إن علم أنه مستند إلى النّفاس فهو نفاس في كلتا الصورتين ، وإن كانت نفاسية الدم بعد العشرة بعيداً ، لبعد انقطاع النّفاس وعوده إلى أكثر من عشرة أيام.
وإذا لم يعلم استناده إلى النّفاس أو شك في كونه منه حكم بعدم كونه نفاساً في كلتا الصورتين ، لأنهما بعد العشرة من رؤية الدم فلا عبرة بكون الدم قبل العشرة أو بعدها بل المدار على كون الدم مستنداً إلى النّفاس.
1) الوسائل 2 : 382 / أبواب النّفاس ب 3.
وأمّا الجهة الرابعة والدم الخارج في أثناء الولادة ، لأنّها قد تطول بأن يخرج رأس الولد ولا يخرج بدنه إلى ساعة أو يوم أو أقل أو أكثر ويخرج الدم في تلك المدّة ، فهل هو من النّفاس أو أنه مختص بالخارج بعد الولادة؟
المشهور عدم الفرق بين الخارج في أثناء الولادة وبعدها ، وهذا هو الصحيح لما ورد في موثقة عمار المتقدمة من قوله عليهالسلام « تصلِّي ما لم تلد » (1)، لأنه بمعنى ما لم تأخذ بالولادة لا ما لم تفرغ منها ، لأنها بعد ما أخذت بالولادة يصدق أنها ولدت ولكنه لم يتم ، هذا هو الذي يقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ، لأنها مقتضى إرادة ذلك منه ، لأن قوله « ما لم تلد » بيان لحكم الدم الذي تراه بعد الولادة ، فهو في مقابل الدم الذي تراه قبلها ، والمقابل له هو الدم الذي تراه المرأة بعد الأخذ بالولادة وبعد إتمامها لا خصوص ما بعد إتمامها ، فالرواية بمناسبة الحكم والموضوع ظاهرة في إرادة الأخذ بالولادة.
وعلى الجملة : إن الرواية جعلت الدم على قسمين ، أعني الدم الخارج قبل الولادة والدم الخارج بعد الولادة ، والثاني في مقابل الأول يعم الدم الخارج في أثناء الولادة وما يخرج بعدها.
وما في كلمات بعضهم من أن النّفاس هو الخارج عقيب الولادة ، لا يراد منه الدم الخارج بعد تمامية الولادة ، بل يحمل على إرادة الخارج عقيب الأخذ بالولادة وإن لم تتم ، إذ معه يصدق أن المرأة ولدت ولكنه لم تتم الولادة.
وقد دلّت على ذلك صريحاً موثقة السكوني (2)ورواية رزيق (3)إلاّ أنها لضعفها سنداً غير قابلة للاستدلال بها في المقام ، نعم نجعلها مؤيدة للمدعى.
يبقى الكلام في الولادة الموجبة للنفاس وأنه هل يعتبر فيها خروج الولد تاماً أو لا يعتبر؟
سواء كان تام الخلقة أو لا كالسقط وإن لم تلج فيه الروح (1). بل ولو كان مضغة (1)أو علقة (2) بشرط العلم بكونها مبدأ نشوء الإنسان. ولو شهدت أربع قوابل بكونها مبدأ نشوء الإنسان كفى. ولو شكّ في الولادة أو في كون الساقط مبدأ نشوء الإنسان لم يحكم بالنفاس ، ولا يلزم الفحص أيضاً.
(1) وذلك لأن الموضوع للأحكام إنما هو النّفاس أو النّفساء أو الولادة كما في موثقة عمار المتقدِّمة (2)، وهي صادقة على المرأة عند ما كان الولد ناقص الخلقة وميتاً لصدق أنها ولدت ولداً ميتاً أو ناقص الخلقة ، وبه تترتب أحكام النّفساء عليها.
(2) وفيه : أن الموضوع للأحكام كما مر هو النّفاس أو النّفساء أو الولادة ، والأولان مترتبان على صدق الولادة ، لأن النّفاس اسم للدم الخارج عند الولادة ، ولا تصدق الولادة على إسقاط المضغة والعلقة ، ولا يقال إنها ولدت.
نعم ، يصح أن يقال إنها أسقطت أو وضعت حملها ، ومن هنا يترتب عليه الحكم بانقضاء العدة عنها لترتبها على وضع الحمل ، إلاّ أنهما ليسا موضوعاً للأحكام.
وأمّا ما عن شيخنا المحقق الهمداني قدسسره من أن الموضوع هو وضع الحمل (3)فهو مما لا دليل عليه ، لعدم وروده في شيء من الأخبار ، وإنما الوارد فيها النّفاس والنّفساء والولادة ، وهو أعرف بما أفاده قدسسره.
نعم ، حكي عن العلاّمة قدسسره الإجماع على إلحاقهما بالولادة وترتب أحكام النّفاس بإسقاطهما (4)، وهو لو تمّ فهو ، وإلاّ فللمناقشة في الحكم بالنّفاس بإسقاطهما
وأمّا الدم الخارج قبل ظهور أول جزء من الولد فليس بنفاس. نعم لو كان فيه شرائط الحيض كأن يكون مستمراً من ثلاثة أيام فهو حيض وإن لم يفصل بينه وبين دم النّفاس أقل الطّهر على الأقوى ، خصوصاً إذا كان في عادة الحيض ، أو متصلاً بالنفاس ولم يزد مجموعهما عن عشرة أيام ، كأن ترى قبل الولادة ثلاثة أيام وبعدها سبعة مثلاً ، لكن الأحوط مع عدم الفصل بأقل الطّهر مراعاة الاحتياط خصوصاً في غير الصورتين من كونه في العادة أو متصلاً بدم النّفاس.
[810] مسألة 1 : ليس لأقل النّفاس حد ، بل يمكن أن يكون مقدار لحظة بين العشرة (1).
مجال واسع ، لعدم صدق الولادة عليه ، وتحقّق الإجماع بعيد.
ثم لو قلنا بثبوت الحكم عند إسقاط العلقة التي هي الدم المتكون بعد أربعين يوماً من استقرار النطفة في الرحم كما قيل فضلاً عن المضغة التي هي قطعة لحم تتكون بعد مضي أربعين يوماً على صيرورتها علقة لا بدّ من التعدي إلى إسقاط النطفة أيضاً لصدق وضع الحمل بإسقاطها كما يصدق بحملها أن المرأة حامل.
نعم ، يشترط في ذلك استقرار النطفة في الرحم ، وإلاّ فكل منيّ هو مبدأ نشوء آدمي ، فالمدار في صدق الحامل على المرأة هو أن يكون بعد استقرار المني في رحم المرأة ، فبمجرّد دخول النطفة فيه لا يصيِّرها حاملاً.
(1) وذلك لإطلاقات الأدلّة (1)، حيث لم يقيد النّفاس فيها من حيث القلة بوقت فيمكن أن يكون النّفاس لحظة.
1) الوسائل 2 : 381 و 382 / أبواب النّفاس ب 1 و 2 و 3.
ولو لم تر دماً فليس لها نفاس أصلاً ، وكذا لو رأته بعد العشرة من الولادة (1) وأكثره عشرة أيام (2)
وربما يستدل على ذلك برواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال « سألته عن النّفساء كم حد نفاسها حتى تجب عليها الصلاة وكيف تصنع؟ قال عليهالسلام : ليس لها حد » (1)نظراً إلى أنّا استفدنا من الخارج والأخبار أن أكثر النّفاس عشرة أيام ، وبذلك تكون الرواية ناظرة إلى أن النّفاس لا حد له من حيث القلة دون الكثرة وإن كانت في نفسها مطلقة من حيث القلة والكثرة.
وفيه : أن الرواية ضعيفة السند وقاصرة الدلالة على المدعى ، أمّا ضعف سندها فلوقوع مفضّل بن صالح في سندها وقد ضعفه جماعة.
وأمّا قصور دلالتها فلأن ظاهرها إرادة الكثرة والطرف الأخير ، للسؤال فيها عن وجوب الصلاة عليها وأنه متى تجب عليها الصلاة ، وهذا إنما يتم بعد النّفاس ، وأمّا أوّله فمعلوم أنها لا تكلّف بالصلاة ، فظاهرها أنه لا حد له في الكثرة.
وهي مخالفة للأخبار الدالّة على أن أكثره عشرة أيام (2)، وورود أن أكثره عشرة في الروايات الأُخرى لا يوجب ظهور تلك الرواية في إرادة نفي التحديد من حيث القلة.
فالصحيح هو الاستدلال بإطلاق الأخبار كما عرفت.
(1) لما يأتي من أن أكثر النّفاس عشرة أيام.
(2) يقع الكلام في المقام في ذات العادة تارة ، وفي غير ذات العادة اخرى.
أمّا ذات العادة فقد ترى الدم بمقدار عادتها ، وأُخرى زائداً على عادتها ، والزائد قد يكون زائداً على العشرة وقد لا يكون.
أمّا إذا رأته ذات العادة بمقدار عادتها فلا إشكال في أنه محكوم بكونه نفاساً.
وأمّا إذا زاد عن العشرة فترجع إلى عادتها فتأخذ به والزائد استحاضة كما في الحيض ، وهذان للأخبار الدالّة على أن النّفساء كالحائض في جميع تلك الأحكام والرجوع إلى العادة وغيرها ممّا ذكرناه في المقام (1).
والكلام فيما إذا زاد نفاسها عن عادتها ولم يتجاوز العشرة ، فهل يكون المجموع نفاساً أو ترجع إلى عادتها والزائد استحاضة كما إذا تجاوز الدم عن العشرة؟
قد يقال بالثاني ، لكن المعروف هو الأول وأن المجموع نفاس ، وهذا هو الصحيح.
ويدلُّ عليه ما ورد في الاستظهار من أن ذات العادة إذا تجاوز دمها عادتها فهي تستظهر بيوم أو يومين أو بثلاثة أيام أو بعشرة أي إلى عشرة أيام (2)، فهذه كالصريح في أن الدم إلى العشرة نفاس ، لأن معنى الاستظهار تركها الصلاة إلى أن يظهر أن الدم الخارج يتجاوز العشرة حتى ترجع إلى عادتها وتجعل الزائد استحاضة وتقضي ما فاتتها من الصلوات ، وإذا لم يتجاوز العشرة فلا ، فلو لم يكن الدم نفاساً إلى العشرة لم يبق للاستظهار معنى صحيح ، هذا كله في ذات العادة.
وأمّا غير ذات العادة فإن رأت الدم ولم يتجاوز العشرة فمجموعه نفاس ، لأنها كالحائض كما مرّ.
وأمّا إذا تجاوز عنها فهل يحكم بكونه نفاساً؟ وهو يبتني على أن أكثر النّفاس عشرة أيام أو إن أكثره ثمانية عشر يوماً ، وفيه خلاف ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في ذلك.
ففي جملة منها أن النّفساء تكف عن الصلاة وتقعد ثمانية عشر يوماً أو سبعة عشر يوماً أو سبع عشرة ليلة مستشهداً في بعضها بما حكم به النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم في قضية أسماء بنت عميس ، حيث أمرها النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم بالصلاة والصيام والطواف بعد ثمانية عشر يوماً (1).
وهذه الأخبار حملت على غير ذات العادة جمعاً بينها وبين الأخبار الواردة في أن النّفساء تقعد أيام عادتها وتجعل الزائد عن العشرة استحاضة كما في الحيض (2)، لأنها تخصص الأخبار المتقدِّمة بغير ذات العادة لا محالة. فينتج الجمع بينهما أن ذات العادة أكثر نفاسها عشرة أيام ، كما أن أكثر الحيض عشرة ، وغير ذات العادة ثمانية عشر يوماً ، إذ لم يرد في غير ذات العادة رواية ولو ضعيفة على خلاف الأخبار الدالة على أن أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً كما ورد في ذات العادة إلاّ مرسلة المفيد قدسسره : « روي أنها تقعد ثمانية عشر يوماً » (3).
وقد ذكر المحقق الهمداني قدسسره أن الرواية التي اعتمد عليها مثل الشيخ المفيد لا تقصر عن الروايات التي اعتمد عليها مثل ابن أبي عمير (4)، فإذن تعارض الأخبار الدالة على أن أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً.
إلاّ أنّا لا نرى وجهاً لاعتبار هذه المرسلة ، لأنها كبقية المراسيل لا يمكن الاعتماد عليها إذ لم يعلم أن المفيد يروي عن أي شخص. والمظنون بل المطمأن به أنه فتوى المفيد واجتهاد منه قدسسره استنبطه من الأخبار ، ومعه كيف تعارض الأخبار المتقدمة ، هذا.
ولكن الصحيح أن أكثر النّفاس عشرة أيام مطلقاً بلا فرق بين ذات العادة وغيرها.
ويدلُّ عليه الأخبار الواردة في الاستظهار (1)، حيث دلّت على أن النّفساء تستظهر بيوم أو يومين أو العشرة أي إلى عشرة أيام ، وهذا لا بمعنى الاستظهار عشرة أيام بعد النقاء ، لأنه ممّا لم يقل به أحد ولا هو محتمل في نفسه ، بل المراد عشرة أيام من أوّل رؤية الدم.
والوجه في دلالتها على أن أكثر النّفاس عشرة أيام أن الاستظهار بمعنى طلب ظهور الحال والاحتياط مع الاحتمال ، فتدل الأخبار على أن النّفاس لا يحتمل في الزائد عن العشرة ، وإلاّ لأمرها عليهالسلام بالاستظهار بأكثر من العشرة وكان الأمر به إلى العشرة لغواً ، لاحتمال النّفاس في الزائد عليها ، ومن هنا يستكشف أن أكثر النّفاس عشرة أيام.
وهذه الأخبار وإن كانت واردة في ذات العادة إلاّ أن مقتضى الفهم العرفي أنه من باب تطبيق الكلي على الفرد لا تطبيق الحكم على مورده ، كما يدل على ذلك الشهرة الفتوائية أيضاً على ما استدللنا به في جملة من الموارد ، منها الإقامة حيث إن الأخبار الواردة فيها غير قاصرة الدلالة على الوجوب ، إلاّ أنّا رفعنا اليد عن الوجوب لشهرة استحبابها ، إذ لو كانت الإقامة واجبة كيف أمكن خفاؤها على الأصحاب ، بل لانتشر وذاع ، وكذلك نقول في المقام ، لأن الصلاة مما تبتلى به مرات في اليوم ، فلو كانت محرمة على النّفساء زئداً على عشرة أيام لم يكن ذلك خفياً على أصحاب الأئمة والعلماء ولم يكن انتهاؤها إلى عشرة أيام مشهوراً عندهم.
والشهرة الفتوائية وإن لم تكن حجة في نفسها إلاّ أن كون المسألة عامة البلوى متسالماً عليها يدلنا على أن أكثر النّفاس عشرة أيام ، لذا لو كان أكثره زائداً عليها لم يكن يخفى على الأصحاب ، هذا.
ثم إن القول بأن أكثره عشرة أيام هو الموافق للأصل الجاري في المقام لو لم يقم على خلافه دليل ، وذلك لأن مقتضى العمومات والإطلاقات وجوب الصلاة والصيام
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5 ، 383 386 / أبواب النّفاس ب 3 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 11.
وجواز وطء الزوج زوجته متى شاء ، وقد خرجنا عنهما في النّفساء بمقتضى الأدلّة الدالّة على عدم وجوبهما في حقها وعدم جواز وطيها ، إلاّ أن الأمر في المخصّص مردّد بين الأقل والأكثر ، ومقتضى القاعدة حينئذ أن يؤخذ بالمقدار المتيقن وهو الأقل ويرجع في المقدار الزائد إلى العموم والإطلاقات ، والأقل في المقام هو عشرة أيام لأنه القدر المتيقن الذي يلتزم به جميع المسلمين الخاصة منهم والعامة ، إذ العامة يذهبون إلى أن النّفاس يمتد إلى أربعين يوماً ، وعن الشافعية والمالكية امتداده إلى ستين يوماً ، وعن بعضهم امتداده إلى مدة رؤية الدم على ما في التذكرة (1)، فعليه يتحد الحيض والنّفاس في طرف الكثرة وهو عشرة أيام.
وأمّا القول بأن أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً فقد نسب إلى السيد المرتضى وجماعة ، واستدل عليه بالأخبار المتضمِّنة لقصّة أسماء بنت عميس وأن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم أمرها بالصلاة والصيام والطواف بعد ثمانية عشر يوماً (2).
إلاّ أن هذه الأخبار في نفسها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأنها تدلّ على أن النّفاس لا يزيد على ثمانية عشر يوماً ، وإلاّ لم يأمرها النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم بالعبادة بعدها ، وأمّا أن أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً فلا تدلّ عليه ، لاحتمال أنها لو سألت النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم بعد خمسة عشر يوماً أو أقل أو أكثر أيضاً أمرها النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بالعبادة ، فمجرد أمر النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ذلك بعد ثمانية عشر يوماً لا دلالة له على أن أكثر النّفاس ذلك.
ويؤيِّد ذلك مرفوعة إبراهيم بن هاشم (3)، حيث دلّت على أن أمره صلىاللّهعليهوآلهوسلم أسماء بنت عميس بالعبادة بعد ثمانية عشر يوماً لم يكن للتحديد وإنما هو
قضية في واقعة فلو سألته قبل ذلك لأمرها بذلك أيضاً.
إلاّ أنها ضعيفة السند لا تصلح إلاّ للتأييد ، وقد تقدم أن الرواية في نفسها قاصرة الدلالة كانت هناك مرفوعة أم لم تكن.
ونحوها ما رواه العياشي الجوهري الذي اسمه أحمد بن محمد بن عبيد اللّه في كتاب المسائل (1)، لأنها دلّت على أن الأخبار المتضمنة لقصة بنت عميس ليست واردة للتحديد ، إلاّ أنها أيضاً ضعيفة السند ، وذلك لعدم توثيق الجوهري ، لأن الشيخ ذكره من دون أن يذكر في حقه مدحاً ولا قدحاً (2)، وتعرض له النجاشي وقال إن شيوخنا قد ضعّفوه ، وقال إنه اضطرب في أمره ، وقد أدركته في أواخر عمره وكان صديقاً لي ثم ذكر في آخر كلامه : رحمهاللّه وسامحه (3).
وهل المراد أنه اضطرب في دينه أو في حديثه؟ العبارة ساكتة عنه.
وذكر الشيخ قدسسره أنه اختل ، وهل اختل في عقله أو في دينه؟ وهو أمر غير معلوم.
ولا دلالة في ترحم النجاشي على حسنه لو لم يدل « سامحه » على قدحه ، لأن ظاهره أنه ارتكب بعض الأفعال فيدعو اللّه سبحانه له ليسامحه في تلك الأفعال. إذن فالرواية ضعيفة لا تصلح إلاّ للتأييد ، إلاّ أن تلك الروايات كما عرفت قاصرة الدلالة في أنفسها على المدعى.
نعم ، صحيحة محمد بن مسلم ظاهرة في التحديد حسب المتفاهم العرفي قال « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن النّفساء كم تقعد؟ فقال : إن أسماء بنت عميس أمرها رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أن تغتسل لثمان عشرة ، ولا بأس أن
تستظهر بيوم أو يومين » (1).
وله صحيحة (2)غيرها لم تشتمل على الأمر بالاستظهار وقصة أسماء ، فإنه لو لم يكن أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً كان ذكره عليهالسلام قضية أسماء بنت عميس في مقام السؤال عن أكثر النّفاس لغواً ظاهراً ، إلاّ أنها أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها ، وذلك :
أمّا أوّلاً : فلاختلاف متن الرواية ، وقد نقلها في الوسائل هكذا « لثمان عشرة » وظاهره ثمان عشرة ليلة ، لأن الأعداد إلى العشرة تذكّر في المؤنث وتؤنّث في المذكّر وهو ممّا لم يقل به أحد من السنّة ، لما سبق من أنهم يرون امتداد النّفاس إلى أربعين أو ستين أو ما دام الدم يُرى ، ولا من الشيعة لأن الذي لا يلتزم بكون أكثر النّفاس عشرة أيام يرى أن أكثره ثمانية عشر يوماً لا ثمان عشرة ليلة ، لأنها إما أن تنقص عن ثمانية عشر يوماً بيوم كما إذا ولدت في الليل ، وإما أن تزيد عن ثمانية عشر يوماً بليلة كما إذا ولدت في النهار.
فلا مناص من حملها على التقية ، لا بمعنى أن الرواية توافق أقوال العامة ، لما عرفت أن العامة بين قائل بالأربعين وقائل بالستين وقائل بما دامت ترى الدم ، فالأربعون هو المتسالم عليه فيما بينهم.
بل حملها على التقيّة بمعنى أن الامام عليهالسلام لم يبين الحكم الواقعي تقيّة لمخالفته العامّة ، وإنما ذكر قصة أسماء بنت عميس لأنها على ما يظهر من الأخبار كانت مسلمة عندهم ، فلم يكن في ذكرها بأس ومحذور. وفي الوافي نقلها هكذا « ثمانية عشر » (3)وهي وإن التزم بها بعضهم كما تقدم إلاّ أنها ساقطة عن الاعتبار من جهة اختلاف نسخ الحديث وكونه مشبوهاً لعدم العلم بأن المروي هذا أو ذاك ، فلا مناص من حمل الأخبار الدالة على التقيّة.
وأمّا ثانياً : فلاشتمالها على الأمر بالاستظهار بيوم أو يومين ، وقد تقدّم أن الاستظهار معناه طلب ظهور الحال والاحتياط مع الاحتمال ، فالصحيحة تدلّ حينئذ على أن النّفاس يمكن استمراره إلى عشرين يوماً ، وهو مما لا قائل به فلا بد من حملها على التقية. فالصحيح أن أكثر النّفاس عشرة أيام ، هذا.
على أن الصحيحة مشتملة على عقدين إيجابي وسلبي ، وهي إنما تنظر إلى عقدها الإيجابي ، وهو كون أكثر النّفاس ثمانية عشر يوماً ، وتدلّ بالالتزام على العقد السلبي وهو عدم كون أكثره أقل من ثمانية عشر ، وهذا خلاف الأخبار الواردة لبيان أن النّفاس أكثره عشرة ، حيث دلت ابتداء على أنه لا يكون أكثر من عشرة أيام ، ودلت بالالتزام على أن أكثره عشرة.
وكيف كان فالصحيحة لو كانت بصدد بيان الحكم الواقعي للزم تخصيصها بذات العادة ، لدلالة الأخبار على أنها ترجع إلى عادتها كما مر ، وهي آبية عن التخصيص بذلك ، لأن ذوات العادة من النساء كما قالوا أكثر من غيرهن ، ومعه كيف يمكن حمل الصحيحة الواردة لبيان أكثر النّفاس على غير الغالب من النساء ولا تكون متعرضة للغالب منهن وهي في مقام البيان ، وهذا يؤيد حملها على التقية أيضاً.
ومن الأخبار الدالّة على تحديد أكثر النّفاس بثمانية عشر يوماً صحيحة أُخرى لمحمد بن مسلم قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام كم تقعد النّفساء حتى تصلِّي؟ قال : ثماني عشرة ، سبع عشرة ثم تغتسل وتحتشي وتصلِّي » (1).
والاستدلال بهذه الصحيحة أفحش من سابقتها ، لأن النّفساء على هذه الصحيحة مخيرة بين القعود ثمان عشرة ليلة والقعود سبع عشرة ليلة ، فإذا فرضنا أنها ولدت في الليل كان آخر أيام نفاسها في اليوم السادس عشر ، وهذا مما لم يلتزم به أحد ، فلا مناص من حملها على التقية كسابقتها ، مضافاً إلى لزوم محذور تخصيصها بذات العادة كما مرّ في الصحيحة المتقدمة.
1) الوسائل 2 : 386 / أبواب النّفاس ب 3 ح 12.
ومنها : صحيحة ابن سنان قال « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : تقعد النّفساء سبع عشرة ليلة ، فإن رأت دماً صنعت كما تصنع المستحاضة » (1)وقد ظهر الجواب عنها بما قدمناه في الصحيحتين المتقدمتين فلا نعيده.
ومنها : مرسلة الصدوق قدسسره « وقد روي أنه صار حد قعود النّفساء عن الصلاة ثمانية عشر يوماً ، لأن أقل أيام الحيض ثلاثة أيام وأكثرها عشرة أيام وأوسطها خمسة أيام ، فجعل اللّه عز وجل للنفساء أقل الحيض وأوسطه وأكثره » (2).
وهي مضافاً إلى إرسالها سخيفة التعليل ، لأن كون أكثر الحيض وأوسطه وأقله ثمانية عشر يوماً أجنبي عن أكثر النّفاس ، فبأيّ وجه كان أكثره مجموع الأعداد المذكورة في الحيض ولم يكن غيره.
على أن وسط الحيض ليس خمسة أيام ، إذ ما بين الثلاثة والعشرة سبعة ، فوسط الحيض ستة أيام ونصف المركبة من الثلاثة التي هي أقل الحيض ونصف السبعة التي هي بين الثلاثة والعشرة ، ولا يمكن الحكم بأن وسط الحيض خمسة أيام ، لأن الحيض ليس محسوباً من اليوم الأول بل من اليوم الرابع وبعد الثلاثة ، فهذه قرينة تلوح منها التقيّة.
ومنها : مرسلة المقنع قال « روي أنها تقعد ثمانية عشر يوماً » (3)، وهي ليست رواية أُخرى غير الأخبار المتقدمة الواردة في المسألة على ما نظن ، بل المطمأن به أنها ليست رواية أُخرى ، ثم على تقدير كونها رواية مستقلة فهي ساقطة عن الاعتبار لإرسالها.
ومنها : رواية حنان بن سدير قال « قلت لأي علة أُعطيت النّفساء ثمانية عشر يوماً؟ ... » وذكر نحو المرسلة المتقدمة عن الصدوق (4).
وقد ظهر الجواب عنها مما قدمناه في المرسلة مضافاً إلى أنها ضعيفة السند بالحسين ابن الوليد ، ويمكن المناقشة في سندها بغير ذلك أيضاً فليراجع.
ومنها : ما في كتاب الرضا عليهالسلام إلى المأمون « قال : والنّفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوماً ، فإن طهرت قبل ذلك صلّت ، وإن لم تطهر حتى تجاوز ثمانية عشر يوماً اغتسلت وعملت بما تعمل المستحاضة » (1).
وقد تقدّم أن القرينة على التقية فيها موجودة ، وهي كون السائل هو المأمون ، فلا مناص من حملها على التقية.
وفي بعض الأخبار أن النّفساء لا تقعد أكثر من عشرين يوماً إلاّ أن تطهر قبل ذلك ، فإن لم تطهر قبل العشرين اغتسلت واحتشت وعملت عمل المستحاضة (2).
وهي أيضاً مما لم يقل بمضمونها أحد من العامة والخاصة ، فلا مناص من حملها على التقيّة. مضافاً إلى ضعف سندها ، لأنها مروية عن الصدوق بإسناده عن الأعمش وطريقه إليه لم يعلم أنه صحيح أو ضعيف ، هذا.
ثم إنه ورد في جملة من الروايات أن النّفساء تقعد ثلاثين يوماً أو أربعين أو خمسين أو ما بينهما.
منها : مرسلة المقنع قال « وقد روي أنها تقعد ما بين أربعين يوماً إلى خمسين يوماً » (3).
وهي ضعيفة السند بإرسالها ، ولا قائل بمضمونها من الأصحاب ، ويحتمل التورية فيها بإرادة عشرة أيام ، لأن ما بين الأربعين يوماً إلى الخمسين هو عشرة أيام كما ذكره
صاحب الوسائل قدسسره في الرواية الآتية ولا بعد فيه.
ومنها : رواية محمد بن يحيى الخثعمي قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن النّفساء ، فقال : كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جرّبت ، قلت : فلم تلد فيما مضى ، قال : بين الأربعين إلى الخمسين » (1)، وقد فصّلت بين ذات العادة وغيرها إلاّ أنها قابلة للتورية كما مر ، ولا قائل بمضمونها من أصحابنا. مضافاً إلى ضعف سندها بالقاسم بن محمد.
ومنها : ما رواه حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليهالسلام قال : « النّفساء تقعد أربعين يوماً ، فإن طهرت ، وإلاّ اغتسلت وصلّت ويأتيها زوجها وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلِّي » (2).
وهي كسابقتها محمولة على التقيّة ، إذ لا قائل بها من أصحابنا.
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : تقعد النّفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو أربعين يوماً إلى خمسين » (3).
وهي وإن كانت صحيحة سنداً إلاّ أنها موافقة لمذهب العامة من جهة الأربعين والخمسين ، فلا مناص من حملها على التقية كغيرها.
وفي بعضها أنها تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط ، كما في رواية علي بن يقطين قال « سألت أبا الحسن الماضي عليهالسلام عن النّفساء وكم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط إلى ثلاثين يوماً ، فإذا رقّ وكانت صفرة اغتسلت وصلّت إن شاء اللّه » (4).
وهي موافقة لبعض أقوال العامة ، ولا قائل بمضمونها من أصحابنا ولا المشهور من الجمهور ، فلا بدّ من حملها على التقيّة ، مضافاً إلى المناقشة في سندها فليراجع ، لعدم
وإن كان الأولى مراعاة الاحتياط بعدها أو بعد العادة إلى ثمانية عشر يوماً من الولادة (1)واللّيلة الأخيرة خارجة (1).
وأمّا الليلة الاولى إن ولدت في الليل فهي جزء من النّفاس وإن لم تكن محسوبة من العشرة ، ولو اتفقت الولادة في وسط النهار يلفّق من اليوم الحادي عشر لا من ليلته (2) ، وابتداء الحساب بعد تمامية الولادة وإن طالت ، لا من حين الشروع وإن كان إجراء الأحكام من حين الشروع إذا رأت الدم إلى تمام العشرة من حين تمام الولادة (3).
ثبوت وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى.
إلى هنا تحصل وتلخص أن أكثر النّفاس عشرة أيام وإن كان الاحتياط إلى ثمانية عشر يوماً في محله.
(1) أيام العادة أو عشرة أيام في النّفساء إنما تحتسب من اليوم ، والليلة الأُولى إذا ولدت فيها ، وكذا الليلة الأخيرة أعني ليلة الحادي عشرة ، أو ليلة اليوم السابع إذا كانت عادتها ستة أيام خارجتان عن الحساب ، وذلك لأن المدار على الأيام ، أي أيام العادة أو عشرة أيام ، إلاّ أن بين الليلتين فرقاً وهو أن الدم في الليلة الأُولى نفاس ، لأنه دم الولادة ، أمّا في الليلة الأخيرة فهو دم استحاضة لا يترتب عليه أحكام النّفاس.
(2) لأن المدار كما عرفت على اليوم ولا اعتبار بالليلة.
(3) الكلام في ذلك يقع في جهتين :
1) (*) احتساب العشرة أو الثمانية عشر يوماً من زمان الولادة محل إشكال ، إذ من المحتمل أن يكون مبدأ الحساب أوّل زمان رؤية الدم وعليه لا يترك الاحتياط فيما إذا انفصلت رؤية الدم عن الولادة.
الجهة الأُولى : أن المرأة إذا ولدت ولم تتم ولادتها ، كما إذا خرج رأس الولد ورأت الدم إلاّ أنه لم يخرج بتمامه ، لا إشكال في أن الدم المرئي حالئذ نفاس كما قدّمناه وإن لم يكن الدم المرئي قبل الولادة نفاساً ، حيث إنه مستند إلى الولادة ، فترتّب عليه أحكامه ، إلاّ أن عشرة أيام أو أيام العادة لا تحسب إلاّ بعد تمامية الولادة ، لا من حين الأخذ بالشروع ، وذلك للاعتبار المطابق للواقع وللأخبار.
أمّا الاعتبار فهو أنّا لو فرضنا أن الولد خرج رأسه ولم يخرج تمامه إلى سبعة أيام وهي أيام عادتها فوضعته بعد سبعة أيام ، فهل يمكن أن يقال إن المرأة لا نفاس لها حينئذ لأن أيام عادتها قد انقضت أو أنها تعتبر نفساء بعد ذلك؟
لا سبيل إلى الأول بوجه ، فلا بدّ من أن تحسب العشرة أو أيام العادة بعد الولادة وإن كان الدم المرئي محكوماً بكونه نفاساً من أثناء الولادة.
وأمّا الأخبار (1)فلأنها دلت على أن النّفساء تقعد أيام عادتها أو عشرة أيام فالحكم بالقعود مترتِّب على النّفساء ، والنّفساء هي المرأة التي تلد ، ولا تصدق المرأة الوالدة إلاّ بعد تماميتها ، وأمّا قبلها فلا يقال إنها ولدت حتى تكون نفساء ويترتب عليها القعود أيام عادتها أو عشرة أيام.
وأمّا الحكم سابقاً بأن قوله في موثقة عمار « ما لم تلد » (2)أعمّ من الأخذ بالولادة فهو مستند إلى مناسبة الحكم والموضوع والقرينة الموجودة في الرواية ، وهي كونه مقابلاً للدم الخارج قبل الولادة ، لا أن معنى تلد هو الأعم ، فعشرة أيام تحسب بعد الولادة لا من حين الأخذ بها وكذلك أيام العادة.
الجهة الثانية : أن رؤية الدم إذا تأخرت عن الولادة ، كما إذا ولدت ولم تر دماً إلاّ بعد يوم أو يومين ، لا يبعد أن يكون مبدأ العشرة أو أيام العادة زمان رؤية الدم دون الولادة ، بل هذا هو الظاهر.
وذلك لأن الأحكام المستفادة من الأخبار إنما هي مترتبة على رؤية الدم في النّفاس المستند إلى الولادة ، فالموضوع لها مركّب من الولادة والدم المستند إليها ، ومن هنا قدمنا أن الولادة المجرّدة عن الدم لا يترتب عليها أثر ، فإذا رأت الدم حكم عليها بآثار النّفاس وتحسب العشرة من ذلك الوقت.
وكذا أيام عادتها ، لدلالة الأخبار على أن النّفساء تقعد أيام عادتها ، فإذا فرضنا عادتها ستة أيام ورأت الدم بعد الولادة بيومين فاحتسبت الستة من حين ولادتها فمعناه الحكم بقعودها من حين الولادة مع أنها لم تر دماً ، وظاهر القعود أيام العادة هو قعودها بمقدار العادة من أيام الدم.
وأمّا ما ورد في رواية مالك بن أعين عن أبي جعفر عليهالسلام « إذا مضى لها منذ يوم وضعت بمقدار أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعدُ أن يغشاها زوجها » (1)فهو ظاهر في أن مبدأ الحساب حين الولادة لا الدم ، إلاّ أنها مروية عن طريق الشيخ إلى ابن فضال ، وهو لم يوثق فلا يعتمد عليها (2).
مضافاً إلى المناقشة في دلالتها ، حيث دلّت الأخبار على أن النّفساء تقعد أيام عادتها أو عشرة أيام (3)، وظاهرها القعود مع رؤية الدم ، فالحكم بقعودها من دون رؤية الدم خلاف الظاهر لا يصار إليه.
1) الوسائل 2 : 395 / أبواب النّفاس ب 7 ح 1.
2) كذا أفاده أوّلاً ، ولكنه عدل عن ذلك وبنى على اعتبار طريقه إليه كما مرّ [ في الجزء 7 ص 70 ] مضافاً إلى أن في هذه الرواية بخصوصها طريق معتبر آخر للشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال يظهر من المراجعة إلى التهذيب.
3) الوسائل 2 : 381 و 382 / أبواب النّفاس ب 1 و 3.
[811] مسألة 2 : إذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها فكل ما رأته نفاس سواء رأت تمام العشرة أو البعض الأوّل أو البعض الأخير أو الوسط أو الطرفين أو يوماً ويوماً لا ، وفي الطّهر المتخلّل بين الدم تحتاط بالجمع (1)(1)
على أن الولادة من دون دم يوماً أو أكثر أمر نادر ولم نسمع بها في أمثال زماننا فبهذين الأمرين تكون الرواية ظاهرة في التولد مع الدم أو تحمل عليه لا محالة.
(1) قد عرفت أن الدم الذي تراه المرأة أيام عادتها بعد الولادة أو إلى عشرة أيام نفاس ، ويترتب عليه أحكامه بلا فرق في ذلك بين استمراره وعدمه.
وإنما الكلام في النقاء المتخلّل وأنها إذا رأت يوماً وطهرت يوماً وهكذا ، فهل يكون الطّهر المتخلّل بحكم النّفاس أو أنها إذا رأت الدم حكم بنفاسه ، وإذا طهرت فهي بحكم الطاهرة.
لعلّ المشهور بينهم أن النقاء المتخلل بحكم النّفاس ، نظراً إلى إطلاق ما دلّ على أن أقلّ الطّهر عشرة أيام ، فإذا كان أقل فهو بحكم الحيض في الحيض والنّفاس في النّفاس.
والصحيح أن الأمر ليس كذلك ، إذ لم نعثر على رواية تدلّ على أن أقل الطّهر عشرة أيام مطلقاً ، وإنما استفدنا ذلك في الحيض من مثل قوله عليهالسلام : ما تراه المرأة قبيل العشرة فهو من الحيضة الأُولى ، وما تراه بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة (2)ومما يدل على أن أكثر الحيض عشرة أيام (3)وغير ذلك مما قدمناه في محلِّه.
بين أعمال النّفساء والطّاهر ، ولا فرق في ذلك بين ذات العادة العشرة أو أقل وغير ذات العادة.
لدلالته على أن الحيض لا يتحقق إلاّ بعد الطّهر بعشرة أيام ، وأمّا في غيره كالحيض والنّفاس أو في النفاسين فلا دليل على أن أقل الطّهر بينهما عشرة أيام ، بل يمكن أن تلد أحد التوأمين وتنقضي مدة نفاسها كخمسة أيام مثلاً وبعد ذلك بيوم تلد الآخر.
وأمّا ما ورد في رواية يونس من قوله عليهالسلام « ولا يكون الطّهر أقل من عشرة أيام » (1)فهي إنما وردت في الحائض ، ومن ثمة فرعت عليه قوله عليهالسلام « فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلّت ، فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض ».
على أنها ضعيفة بالإرسال ، وهي غير مرسلته الطويلة التي اعتمدنا عليها في بحوث الحيض.
فالصحيح أن يستدل على ذلك بالمطلقات الدالة على أن النّفساء تقعد أيامها التي كانت تقعد فيها في حيضها أو أيام قرئها (2)، فإن مقتضى هذه المطلقات أن النّفساء لا بدّ من أن تقعد سبعة أيام مثلاً من يوم رأت الدم إذا كانت عادتها في الحيض سبعة أيام.
بلا فرق في ذلك بين استمرار دمها في تلك الأيام من غير انقطاع وبين انقطاعه في الوسط يوماً أو أقل أو أكثر ، وذلك لأن انقطاع الدم في أيام العادة ثم عوده لو لم يكن أكثريّاً في النساء فلا أقل من كونه أمراً متعارفاً فلا محالة تشمله الإطلاقات ولا سيما فيما إذا كانت مدة الانقطاع قليلة كما بين الطلوعين ونحوه.
ففي النقاء المتخلّل بين النّفاس أيضاً لا بدّ من أن تعمل عمل النّفساء بمقتضى
وإن لم تر دماً في العشرة فلا نفاس لها (1)، وإن رأت في العشرة وتجاوزها فإن كانت ذات عادة في الحيض أخذت بعادتها سواء كانت عشرة أو أقل وعملت بعدها عمل المستحاضة وإن كان الأحوط الجمع إلى ثمانية عشر كما مرّ. وإن لم تكن ذات عادة كالمبتدئة والمضطربة فنفاسها عشرة (1) أيام ، وتعمل بعدها عمل المستحاضة مع استحباب الاحتياط المذكور (2).
الإطلاقات. هذا في النّفساء ذات العادة ، فإذا كان النقاء المتخلل بحكم النّفاس في ذات العادة كان الحكم كذلك في غير ذات العادة ، لعدم الفرق بينهما من حيث النقاء.
(1) أمّا على مسلكه قدسسره من أن مبدأ الحساب في العشرة وفي أيام العادة هو الولادة ، فلأن أيام النّفاس قد انقضت ورأت الدم بعد العشرة فلا نفاس لها.
وأمّا بناء على أن مبدأ الحساب زمان رؤية الدم كما هو الصحيح ، لأن الأحكام مترتبة على رؤيته ولا أثر للولادة المجردة فلأن الأحكام مترتبة على رؤية دم النّفاس أي الدم المستند إلى الولادة ، ومن المطمأن به أن الدم الخارج بعد الولادة بعشرة أيام غير مستند إلى الولادة ، وإنما يستند إلى الاستحاضة وغيرها ، ولا أقل من الشك في استناده إلى الولادة ، ومعه لا يحكم عليه بالأحكام المترتبة على النّفاس.
(2) وذلك أمّا في ذات العادة فللأخبار الدالّة على أن النّفساء تقعد أيامها التي كانت تقعد فيها في حيضها ، أو أيام قرئها (2)، وهذا ظاهر.
وأمّا غير ذات العادة كما إذا ولدت من غير أن ترى الحيض وإن كان بعيداً أو ترى الحيض إلاّ أنها غير مستقرة العادة فنفاسها عشرة أيام.
والحكم في غير ذات العادة بأن نفاسها عشرة أيام مع أنه لم يرد في شيء من النصوص والأخبار المتقدِّمة دلّت على أن الزائد عن العشرة ليس بنفاس ولم تدلّ على أن نفاس غير ذات العادة عشرة أيام إنما هو من جهة أن المطلقات الواردة في أن النّفساء تترك صلاتها وصيامها (1)قد أثبتت الحكم على عنوان النّفساء من غير أن تحدّد النّفساء بشيء ، واللاّزم حينئذ الرجوع في تعيين موضوع النّفساء إلى العرف ولا إشكال في صدقه على المرأة إلى عشرة أيام ، والعشرة هي القدر المتيقن بين جميع المسلمين كما مرّ.
بل لولا الأخبار الواردة في التحديد وأن النّفاس لا يزيد على العشرة كنّا نرجع إلى الصدق العرفي في الزائد عن العشرة أيضاً ، فإن النّفساء يصدق على الوالدة إلى شهر بل إلى شهرين إذا استمر دمها ، وإنما لا يرجع إليه في الزائد للأخبار المحددة. وحيث لا تحديد في غير الزائد فلا مناص من الرجوع إلى العرف ، فالحكم بالنفاس إلى عشرة أيام لا يحتاج إلى دليل ، فإذا تحققت الصغرى بالصدق العرفي انضمت إليها الكبرى المتقدمة ، وبهما يحكم بأن النّفاس في غير ذات العادة عشرة أيام.
وعلى الجملة : إن الحكم بالنفاس إلى عشرة لا يحتاج إلى دليل ، وإنما المحتاج إلى الدليل هو الحكم به فيما زاد على العشرة وإن كان الأحوط هو الجمع إلى ثمانية عشر يوماً كما مرّ.
هذا بحسب الفتوى ، والأحوط في غير ذات العادة أن ترجع إلى عادة نسائها من أُمّها أو أُختها ثم تحتاط إلى العشرة.
والوجه في ذلك : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : النّفساء إذا ابتليت بأيام كثيرة مكثت مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك ، فاستظهرت بمثل
1) الوسائل 2 : 381 ، 382 ، 394 / أبواب النّفاس ب 1 ، 3 ، 6 وغيرها.
ثلثي أيامها ثم تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المستحاضة ، وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست بمثل أيام أُمّها أو أُختها أو خالتها واستظهرت بثلثي ذلك ثم صنعت كما تصنع المستحاضة ، تحتشي وتغتسل » (1).
حيث دلّت على أن المبتدئة ترجع إلى عادة نسائها ، إلاّ أنها غير قابلة للاستدلال بها على الوجوب ، لضعف سندها بيعقوب الأحمر وبعدم توثيق سند الشيخ إلى علي بن حسن بن فضال (2)، ومدلولها يشتمل على أمرين لا يلتزم بهما المشهور ، بل لا قائل بأحدهما من أصحابنا فيما نعلم.
أحدهما : اشتمالها على أنها تستظهر بثلثي أيامها ، فإنّه قد يستلزم زيادة نفاسها على عشرة أيّام كما إذا كانت عادتها تسعة أيام ، فإنها إذا انضمت إلى الستّة الّتي هي ثلثا أيامها كانت أيام نفاسها خمسة عشر يوماً ، وهو خلاف المشهور كما مرّ.
وثانيهما : اشتمالها على أنّها ترجع إلى أيام عادتها في النّفاس لا في الحيض ، حيث قال « وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها ... » لدلالته على أنّ المراد بالأيام في الرواية هو أيام النّفاس دون الحيض ، وهو مما لا قائل به فيما نعلم وإن كان ظاهر صاحب الوسائل أنّه يقول به.
وقد ورد ذلك في رواية محمّد بن يحيى الخثعمي قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن النّفساء ، فقال : كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جرّبت قلت : فلم تلد فيما مضى ، قال : بين الأربعين إلى الخمسين » (3).
إلاّ أنّها ضعيفة السند بالقاسم بن محمّد الجوهري (4)ولأجله احتطنا برجوع غير ذات العادة إلى عادة نسائها ثمّ الاحتياط بالجمع إلى العشرة.
[812] مسألة 3 : صاحبة العادة إذا لم تر في العادة أصلاً (1) ورأت بعدها وتجاوز العشرة لا نفاس لها (1)على الأقوى (2) ،
(1) ذات العادة إذا ولدت قد ترى الدم بعدد أيامها أو زائداً عليها من غير تجاوزه العشرة ، وقد يتجاوز دمها العشرة.
فإن رأته بعدد أيامها أو زائداً من غير تجاوز العشرة فتأخذ الجميع نفاساً بمقتضى الأخبار المتقدمة ، وإذا تجاوز العشرة رجعت إلى عادتها وتجعله في أيامها نفاساً وفي الزائد استحاضة كما تقدم.
وقد ترى ذات العادة الدم في بعض عادتها لا في تمامها ، وهذا قد يكون من الطرف الأوّل وقد يكون من الأخير :
أمّا إذا رأت الدم في أوّل عادتها فانقطع ثمّ عاد بعد ذلك ، فإن عاد بعد العشرة فلا إشكال في أنّ الدم العائد ليس بنفاس ، لأنّه دم رأته ذات العادة بعد عادتها وبعد عشرة أيام ، وإنّما النّفاس هو الدم الأوّل فقط لأنّه دم رأته في أيامها.
وأمّا إذا عاد قبل انقضاء عادتها وبعده لكن قبل العشرة فكلا الدمين نفاس ، لأنّهما دمان رأت ذات العادة أحدهما في عادتها والآخر قبل العشرة فهما نفاس ، والحكم في النقاء المتخلل بينهما ما قدمناه فلا نعيد ، وهذا لعله ظاهر ولم يتعرض له الماتن قدسسره.
وأمّا إذا رأت الدم في البعض الآخر من عادتها فيأتي الكلام عليه بعد التعليقة الآتية إن شاء اللّه.
(2) مع العلم باستناد الدم إلى الولادة ، وهذه المسألة مبتنية على الخلاف في أن
1) (*) فيه إشكال فلا يترك الاحتياط في تمام زمان رؤية الدم إذا لم يتجاوز العشرة ، وإلاّ فبمقدار العادة ، وبذلك يظهر الحال في بقية هذه المسألة.
وإن كان الأحوط الجمع إلى العشرة بل إلى الثمانية عشر مع الاستمرار إليها ، وإن رأت بعض العادة (1)
حساب مبدأ العشرة أو أيام العادة من زمان الولادة أو زمان رؤية الدم.
فعلى مسلك المصنف قدسسره من أنّهما يحسبان من يوم الولادة فالأمر كما أفاده ، لأنّه دم رأته المرأة بعد أيام عادتها وبعد العشرة وقد تجاوز أيام نفاسها ورجوع ذات العادة إلى عادتها عند تجاوز دمها العشرة إنّما هو فيما إذا رأت الدم في عادتها وتجاوز العشرة ، دون ما إذا لم تر في عادتها دماً وإنّما رأته بعدها.
وأمّا بناءً على ما قويناه من أنّهما يحسبان من يوم رؤية الدم فلا فرق بين تجاوز الدم العشرة من الولادة وعدمه ، فإنّ المدار على مضي العشرة أو أيام العادة بعد زمان الدم ولو تجاوز العشرة أو أيام العادة بعد الولادة ، لأنّها لا أثر لها ، والأثر مترتب على أيام العادة أو العشرة بعد زمان الدم ، والمفروض عدم تجاوزهما وكون الدم مستنداً إلى الولادة على الفرض ، فما رأته ذات العادة بعد أيامها من الولادة وتجاوز العشرة أيضاً نفاس إذا لم يتجاوزهما من زمان رؤية الدم.
(1) هذه هي الصورة الثانية من الصورتين المتقدمتين ، أعني ما إذا رأت ذات العادة الدم في البعض الآخر من أيامها وتجاوز العشرة.
وقد ذكر الماتن قدسسره أنّها تأخذ بما رأته في البعض الآخر من أيامها نفاساً وتكمل عدد أيامها بعده إلى العشرة. مثلاً إذا كانت عادتها سبعة ورأت الدم من اليوم الثاني من الولادة وتجاوز العشرة جعلت اليوم الثامن أيضاً نفاساً ، لأنّه به يكمل عدد أيامها ، فلو رأت الدم من اليوم الثالث جعلت اليوم التاسع نفاساً ، ولو رأته من اليوم الرابع جعلت اليوم العاشر نفاساً ، وأمّا إذا رأته من اليوم الخامس فتجعل نفاسها إلى العشرة ولا تكمل عدد أيامها من اليوم الحادي عشر.
ولم تر البعض من الطرف الأوّل وتجاوز العشرة أتمتها بما بعدها إلى العشرة دون ما بعدها ، فلو كانت عادتها سبعة ولم تر إلى اليوم الثامن فلا نفاس لها ، وإن لم تر اليوم الأوّل جعلت الثامن أيضاً نفاساً وإن لم تر اليوم الثاني أيضاً فنفاسها إلى التاسع ، وإن لم تر إلى الرابع أو الخامس أو السادس فنفاسها إلى العشرة ولا تأخذ التتمّة من الحادي عشر فصاعداً. لكن الأحوط الجمع فيما بعد العادة إلى العشرة بل إلى الثمانية عشر مع الاستمرار إليها.
وهذا الّذي أفاده لا يتم على مسلكنا ولا على مسلكه قدسسره ، أمّا على مسلكنا لا يتم ، فلمّا تقدّم من أنّ المدار على زمان رؤية الدم ، ومنه تحسب أيام العادة أو العشرة لا من يوم الولادة ، وعليه فقد رأت الدم في مجموع أيام عادتها في المثال لا في بعضها الآخر ، وهذا ظاهر.
وأمّا على مسلكه قدسسره لا يتم ، فلأن لازمه الاقتصار في النفاسية على ما رأته في البعض الآخر من عادتها ولا موجب للإكمال إلى العشرة ، إذ بانقضاء عدد أيامها من يوم الولادة تنقضي عادتها ، والدم الّذي رأته المرأة بعد عادتها مع التجاوز عن العشرة لا يحسب نفاساً كما مرّ.
وإن جعل قدسسره المبدأ هو اليوم الّذي رأت فيه الدم فلما ذا لم يحكم بالتكميل بعد العشرة أيضاً؟ إذ على ذلك لم تنقض أيام عادتها ، فلا بدّ من إكمالها بعد العشرة أيضاً ، فالجمع بين الإكمال إلى العشرة وعدمه بعد العشرة غير ممكن على مسلكه قدسسره.
نعم ، هناك شيء وعليه اعتمد الماتن قدسسره فيما أفاده من غير إشكال ، وهو أن مبدأ الحساب في العشرة هو زمان الولادة ، وأمّا في أيام العادة فالمبدأ هو زمان رؤية الدم استظهاراً من الأخبار الدالّة على أن النّفساء تقعد أيامها أي من زمان
ظهور الدم (1)، وعليه يتم ما أفاده من الحكم بالتتميم إلى العشرة وعدمه بعد العشرة.
ولكن يرد عليه أوّلاً : أنّه على ذلك لا بدّ من الحكم بالنفاس فيما إذا رأت ذات العادة بعد أيامها من الولادة إلى العشرة ، مع أنّه حكم قدسسره في المسألة السابقة بأنّها إذا رأته بعد أيامها من الولادة وتجاوز العشرة لا نفاس لها ، لأنّ المبدأ إنّما هو زمان رؤية الدم على الفرض ، ولم تنقض عشرة أيام من زمان رؤية الدم.
وثانياً : أنّ الدليل على أنّ النّفاس لا يزيد على عشرة أيام هو بعينه الدليل الّذي دلّ على أن ذات العادة تقعد أيامها وقرأها ، وذلك لما قدمناه من أنّه لا دليل على عدم كون النّفاس زائداً على العشرة إلاّ ما ورد من أن ذات العادة تقعد أيامها وتستظهر بيوم أو يومين أو بعشرة (2)، لدلالتها على أنّ النّفاس لا يزيد على عشرة أيام.
وهذه الأخبار واردة في ذات العادة الّتي تقعد أيامها ، والمفروض أن مبدأ حسابها يوم رأت فيه الدم ، ومع الوحدة في الدليل كيف يمكن جعل مبدأ الحساب في ذات العادة من يوم رؤية الدم وجعل منتهى العشرة من يوم الولادة ، إذ ربما يكون أيام عادتها الّتي مبدؤها يوم رؤية الدم مع ما تقدمه من أيام الولادة زائداً على العشرة ، كما إذا رأت الدم في اليوم الرابع من عادتها وكانت عادتها سبعة أيام ، لأنّها إذا احتسبت من يوم الدم بالإضافة إلى عادتها ومن يوم الولادة بالإضافة إلى عشرة أيام ، لكان المجموع إحدى عشر يوماً مع أن أكثر النّفاس عشرة أيام.
وعلى الجملة مع وحدة الدليل كيف يصح التفكيك في مبدأ الحساب بين العشرة وأيام العادة؟ اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الإجماع قائم على عدم النّفاس بعد العشرة من الولادة بخلاف أيام العادة.
[813] مسألة 4 : اعتبر مشهور العلماء فصل أقل الطّهر بين الحيض المتقدِّم والنّفاس ، وكذا بين النّفاس والحيض المتأخِّر ، فلا يحكم بحيضيّة الدم السابق على الولادة وإن كان بصفة الحيض أو في أيام العادة إذا لم يفصل بينه وبين النّفاس عشرة أيام ، وكذا في الدم المتأخِّر. والأقوى عدم اعتباره في الحيض المتقدِّم كما مرّ (1).
ولكن فيه : أن تحصيل الإجماع التعبّدي في المسألة غير متيسر ، على أن المسألة ليست بإجماعية ، لما قدّمناه من أن جملة من الأصحاب ذهبوا إلى إمكان استمرار النّفاس إلى ثمانية عشر يوماً ، فالصحيح احتساب كلا الأمرين من يوم رؤية الدم.
(1) قدّمنا أن فصل أقل الطّهر معتبر بين الحيضتين للأدلّة الّتي أسلفناها في محلِّها (1)كما ذكرنا أن أقل الحيض ثلاثة وأنّ النقاء المتخلل بين حيضة واحدة ملحق بالحيض وإن لم يكن هذا مورداً للتسالم ، وهل يعتبر أقل الطّهر بين الحيض المتقدم والنّفاس؟
قدّمنا أنّه لا دليل عليه إلاّ ما ربما يتوهّم من إطلاق ما دلّ على أنّ الطّهر لا يقل عن عشرة أيام (2)وأنّه شامل للمقام ، ولكنك عرفت أن ما دلّ على ذلك مختص بالحيضتين ولا يعم الحيض والنّفاس.
بل لو شككنا في أنّ الحيض في الدم السابق مشروط بأن يفصل بينه وبين النّفاس أقل الطّهر أو لا يشترط فيه ذلك ، ندفعه بإطلاق أدلّة الصفات الدالّة على أن ما كان بصفة الحيض حيض (3)، فالدم الأوّل حيض كما أنّ الدم الثاني نفاس بناءً على أنّ
نعم ، لا يبعد ذلك في الحيض المتأخر (1) ، لكن الأحوط مراعاة الاحتياط.
الحامل قد تحيض.
وأمّا إذا لم نقل بذلك فلا يحكم بحيضية الدم الأوّل من هذه الجهة ، لا لأجل اعتبار الفصل بأقل الطّهر بينه وبين النّفاس.
وإنّما يستثني عن ذلك صورة واحدة ، وهي ما إذا كان الدم الواجد للصفات خارجاً في أيام المخاض والطلق لدلالة الدليل على أنّه لا يكون حيضاً (1)، لوجود القرينة على أنّه مستند إلى الولادة وليس من الحيض.
(1) لولا صحيحة عبد اللّه بن المغيرة لقلنا بعدم اشتراط الفصل بين النّفاس والحيض المتأخر بأقل الطّهر ، لعدم دلالة الدليل عليه ، وحكمنا بأنّ الأوّل نفاس والمتأخر حيض وإن لم يفصل بينهما أقل الطّهر ، إلاّ أنّ الصحيحة المذكورة دلّت بتعليلها على أنّ الفصل بأقل الطّهر معتبر بين الحيض المتأخر والنّفاس ، حيث روي عن أبي الحسن الأوّل عليهالسلام « في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوماً ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك ، قال : تدع الصلاة ، لأن أيامها أيام الطّهر وقد جازت مع أيام النّفاس » (2)وتعليلها يدل على اعتبار مضي أيام الطّهر في حيضية الدم المتأخِّر.
بقي الكلام في اعتبار فصل أقل الطّهر بين النّفاسين ، وهو غير معتبر بينهما قطعاً لعدم دلالة الدليل عليه ، وما تقدم من أن أقل الطّهر عشرة أيام مختص بالحيض كما عرفت ، حتّى لو اعتبرناه بين الحيض المتقدِّم والنّفاس ، نظراً إلى أنّه بعد اعتبار الفصل بينهما بأقل الطّهر فلا مناص عند عدم تخلله بينهما إمّا أن لا يكون الدم الثاني نفاساً أو
[814] مسألة 5 : إذا خرج بعض الطفل وطالت المدة إلى أن خرج تمامه فالنّفاس من حين خروج ذلك البعض إذا كان معه دم وإن كان مبدأ العشرة من حين التمام كما مرّ ، بل وكذا لو خرج قطعة قطعة وإن طال إلى شهر أو أزيد فمجموع الشهر نفاس (1)إذا استمرّ الدم ، وإن تخلّل نقاء فإن كان عشرة فطهر وإن كان أقل تحتاط بالجمع بين أحكام الطاهر والنّفساء (1).
لا يكون الأوّل حيضاً ، وحيث إنّ الدم الثاني نفاس بالوجدان فلا بدّ من الحكم بعدم حيضية الدم الأوّل.
وذلك لأن هذا التقريب لا يأتي في المقام ولا يمكن نفي النّفاسية عن الدم الأوّل ولا عن الثاني ، لأنّهما نفاس بالوجدان وخارجان بالولادة ، فلا مانع من الحكم بنفاسية الدم الأوّل إذا ولدت ورأت الدم إلى خمسة أيام مثلاً ثمّ انقطع مدّة أقل من عشرة ، ولا مانع من الحكم بنفاسية الدم الثاني إذا ولدت بعد تلك المدّة.
(1) في المقام مسائل ثلاثة :
المسألة الاولى : أنّ الولادة إذا تعدّدت وكانت كل واحدة منها ولادة مستقلّة ، كما إذا ولدت ولداً ورأت الدم وبعد خمسة أيام ولدت ولداً آخر ورأت الدم وبعد خمسة أيام ولدت ولداً ثالثاً.
ولا إشكال في أن كل واحدة من الولادات موضوع مستقل ولها حكمها ، وتحسب العشرة أو أيام العادة بعد رؤية الدم عقيب كل ولادة ، وذلك لإطلاق الدليل وعدم التقييد بالوحدة أو التعدد ، فتنقضي العشرة نفاس الولادة الاولى في اليوم العاشر ، وفي
1) (*) هذا على تقدير أن لا يكون الفصل بين القطعات أزيد من عشرة أيام وإلا لم يكن الزائد على العشرة نفاساً ، ومنه يظهر الحال في النقاء بعد العشرة ، وأما النقاء المتخلّل فقد مرّ حكمه [ في المسألة 811 ].
الولادة الثانية في اليوم الخامس عشر ، وفي الولادة الثالثة في اليوم العشرين وهكذا.
وتتداخل ولادتان أو أكثر في مقدار من العشرة ، فإنّ الولادة الأُولى والثانية في الخمسة الوسطى أي من اليوم الخامس إلى العاشر متداخلتان ، وكيف كان فكل واحدة من الولادات موضوع مستقل له حكمه وإن كان يبلغ مجموع نفاس المرأة في الولادتين أو الولادات عشرين يوماً أو أكثر.
وهذا لا ينافي كون أكثر النّفاس عشرة أيام ، لأن أكثره عشرة في نفاس واحد لا في نفاسين أو أكثر ، وإلاّ قد يبلغ مجموع نفاس المرأة في عمرها سنة أو أقل أو أكثر ، وعلى الجملة إن كل ولادة موضوع مستقل له حكمه من النّفاس بعدها ، أيام العادة أو عشرة أيام.
فما نسب إلى ظاهر كلام بعضهم من كونها بمنزلة نفاس واحد ممّا لا يمكن المساعدة عليه. وكان ينبغي أن يتعرض المصنف لهذه المسألة قبل ما بيدنا من المسألة ، إلاّ أنّه تعرض لها في المسألة الآتية.
ثمّ إنّ النقاء بين الولادتين إن كان عشرة أيام أو أكثر فلا إشكال في أنّه بحكم الطّهر ، لعدم الدليل على كونه بحكم النّفاس مع المطلقات الدالّة على ثبوت التكليف بالصلاة والصيام وغيرهما على كل مكلّف ، ومنه المرأة في مفروض الكلام ، ولم يقم دليل على تقييدها إلاّ في المرأة النّفساء ، وأمّا المرأة الّتي لا ترى الدم فلا دليل مخرج لها بوجه.
وأمّا إذا كان النقاء المتخلل بين الولادتين أو بين ولادة قطعة وقطعة اخرى أقل من عشرة أيام فله صورتان :
إحداهما : ما إذا لم يكن الدم الثاني قابلاً في نفسه للالتحاق بالدم الأوّل في النّفاس ومع قطع النظر عن الولادة الثانية بحيث لو لم تكن ولادة أيضاً لم يكن الدم المرئي ملحقاً بالنّفاس الأوّل.
ثانيتهما : ما إذا كان قابلاً للانضمام إليه وكونه نفاساً في نفسه وإن لم تكن هناك ولادة أصلاً.
أمّا الصورة الأُولى فكما إذا ولدت ورأت الدم سبعة أيام ثمّ طهرت ثلاثة أيام وبعد ذلك ولدت ولداً ثانياً ورأت الدم ، فإنّ الدم الثاني غير قابل للالتحاق بالأوّل إذ لازمه أن يزيد النّفاس عن عشرة أيام.
وكذا إذا ولدت ونفست عشرة أيام ثمّ نقت يوماً ثمّ ولدت الولد الثاني في اليوم الثاني عشر ، فإن مفروضنا أنّ الدم الأوّل والنقاء بمقدار عشرة أيام فلو حكمنا بإلحاق الدم الثاني به لزاد عن العشرة ، وهو ظاهر.
وهذا هو الّذي قدمنا الكلام فيه وقلنا إنّ النقاء بأقل الطّهر بين النّفاسين بحكم الطّهر ، إذ لا دليل على كونه بحكم النّفاس ، وما دلّ على أن أقل الطّهر معتبر بين الحيضتين فهو مختص بالحيض كما مرّ ، وقد عرفت أن مقتضى المطلقات وجوب الصلاة والصيام وغيرهما من الواجبات على كل مكلّف ، ومنه المرأة في مفروض المقام ، ولم يخرج عنها إلاّ المرأة النّفساء ، وأمّا المرأة الّتي لا ترى الدم لأنّها في أيام النقاء فلم يقم دليل على خروجها عن المطلقات.
وأمّا الصورة الثانية فكما إذا ولدت ورأت الدم خمسة أيام ثمّ نقت ثلاثة أيام وولدت بعد ثمانية أيام ورأت الدم ، فإنّ الدم الثاني حينئذ قابل في ذاته للانضمام إلى النّفاس الأوّل ، إذ لا يلزم من كونه من النّفاس الأوّل كونه زائداً على العشرة ، فهل يتداخل النّفاسان في مثل اليومين أو أكثر ليلزمه أن يكون النقاء المتخلل بين الدمين كالنقاء المتخلل بين نفاس واحد ، أو أنّ الولادة الثانية قد قطعت النّفاس الأوّل وهو نفاس ثان فلا تداخل ، والنقاء بينهما من النقاء بين النّفاسين الّذي هو بحكم الطّهر كما مرّ ، والتداخل من دون تخلل النقاء كما فيما مثلناه به لا أثر له وإنّما الأثر في التداخل مع تخلل النقاء؟
الصحيح أنّ النقاء حينئذ بحكم الطّهر ، وليس كالنقاء المتخلل بين نفاس واحد ، وذلك لأنّا إنّما ألحقنا النقاء في أثناء نفاس واحد بالنّفاس بمقتضى الأخبار الآمرة بقعود ذات العادة أيام عادتها ، وتعدينا عنها إلى غير ذات العادة للقطع بعدم الفصل بينهما ، وهذا لا يأتي في المقام ، إذ لا قطع لنا بعدم الفصل بين النقاء المتخلل في أثناء
نفاس واحد والنقاء المتخلل بين نفاسين ، كالمرأة الّتي ولدت ثانياً بعد ثمانية أيام من ولادتها الاولى ، لأنّها غير المرأة الّتي رأت الدم في النّفاس الواحد وتخلل بينه نقاء أقل من عشرة أيام.
والدليل مختص بالنقاء في أثناء أيام العادة ، فلا يعم النقاء بين الدمين ، فإنّه من النقاء بعد النّفاس والدم الثاني نفاس آخر ، وقد تقدم أنّ النقاء المتخلل بين النّفاسين بحكم الطّهر ، لعدم الدليل على إلحاقه بالنّفاس ، وإطلاق أدلّة التكاليف من وجوب الصلاة والصيام وجواز إتيان الزوج زوجته.
ومن هذا يظهر الحال في النقاء بين الولادة الثانية ورؤية الدم ، كما إذا ولدت ولم تر دماً إلى يوم أو نصف يوم ورأته بعد ذلك ، لأنّ الدم الثاني إذا لم يكن قابلاً للإلحاق بالنّفاس الأوّل فهو من النقاء المتخلل بين النّفاسين ، وقد عرفت أنّه بحكم الطّهر ، وإذا كان قابلاً للإلحاق فقد تقدم أنّ الأظهر عدم التداخل ، فإنّ الولادة الثانية موضوع جديد قاطع للنفاس الأوّل ، فيكون النقاء بحكم الطّهر أيضاً.
كما ظهر من ذلك حكم النقاء في أثناء الولادة الواحدة ، كما إذا طالت المدّة فرأت الدم ثمّ انقطع ثمّ رأت بعد الولادة أو قبلها ، فإنّه محكوم بحكم الطّهر ، لأنّ الدليل إنّما دلّ على أنّ النقاء المتخلل في أيام العادة المحسوبة من بعد الولادة ورؤية الدم بحكم النّفاس ، وأمّا النقاء قبل الولادة فهو غير مشمول للدليل ، بل هو بحكم الطّهر بمقتضى مطلقات التكليف كما مرّ.
المسألة الثانية : ما إذا تعددت الولادات إلاّ أنّها لم تكن ولادة مستقلة كما إذا خرج الطفل قطعة قطعة ، فهل يترتب على وضع كل قطعة أحكام الولادة المستقلة ولكل منهما نفاس؟
لا يبعد أن يقال إن حالها حال الولادات المستقلة ، وذلك لصدق الولادة عند وضع قطعة من الولد ، وهذا بخلاف ما إذا كان الولد متصلاً ، لأنّ الاتصال مساوق للوحدة ، ومن هنا لو خرج رأس الولد فماتت يقال إنّها ولدت رأس الولد فماتت ، وأمّا إذا خرج رأس الولد وهو متصل الأجزاء فماتت يقال إنّها ماتت في أثناء الولادة ، إذ
يصدق أنّها ولدت قطعة من الولد ، والدليل مطلق إذ لم يقيد الولادة بأن يكون الولد تاماً ، فلكل منهما نفاس وتحسب العشرة في كل منهما بعد رؤية الدم ، وقد تتداخل ولادتان أو أكثر في مقدار من العشرة أو أيام العادة كما عرفت في الولادة المستقلّة.
وعلى ما قرّبناه يترتب على كل قطعة وضعتها المرأة حكم الولادة المستقلة ، والنقاء المتخلل بين وضع قطعة وأُخرى حكم النقاء الّذي تراه المرأة بين الولادتين المستقلتين كما تقدّم ، وكذلك النقاء في أيام العادة أو عشرة أيام من وضع كل قطعة ، فإنّه من النقاء في أثناء نفاس واحد وهو بحكم النفاس كما هو الحال في الولادة المستقلة.
وأمّا بناءً على أن وضع كل قطعة ليس من الولادة في شيء فالأثر من حساب أيام العادة أو عشرة أيام إنّما هو بعد وضع مجموع القطعات ، وعليه ربما يطول وضعها شهراً أو أكثر أو أقل إلاّ أنّه نفاس واحد ، والنقاء المتخلل بين وضع القطعات كالنقاء في أثناء الولادة التامة بحكم الطهر ، لعدم كونه بعد رؤية الدم والولادة ، والنقاء الّذي هو بحكم النفاس إنّما هو النقاء بعد رؤية الدم وتمامية الولادة كما تقدّم.
المسألة الثالثة : أن ما ذكرناه من أن أكثر النّفاس عشرة أيام إنّما هو عند رؤية الدم عقيب الولادة ، فإن أكثره عشرة.
وأمّا الدم المرئي في أثناء الولادة قبل تمامها فهو وإن كان نفاساً كما سبق إلاّ أنّه لا يحسب من العشرة ، فإن مبدأها الدم المرئي بعد الولادة.
وقد يكون النفاس في أثناء الولادة أكثر من عشرة أيام ، كما إذا خرج رأس الولد وطالت المدّة إلى أن خرج تمامه ، فإنّ الدم المرئي حينئذ نفاس وإن طال عشرة أيام أو أقل أو أكثر.
ثمّ إنّها إذا رأت الدم عند خروج رأس الولد ثمّ انقطع ولم تر إلاّ بعد تمامية الولادة أو بعد مدّة وقبل تماميتها ، فهل النقاء المتخلّل بين الدمين محكوم بالنفاس كالنقاء المتخلّل بعد تمامية الولادة ورؤية الدم أو أنّه ليس محكوماً بحكم النفاس؟
[815] مسألة 6 : إذا ولدت اثنين أو أزيد فلكل واحد منهما نفاس مستقل ، فإن فصل بينهما عشرة أيام واستمرّ الدم فنفاسها عشرون يوماً لكل واحد عشرة أيام ، وإن كان الفصل أقل من عشرة مع استمرار الدم يتداخلان في بعض المدّة ، وإن فصل بينهما نقاء عشرة أيام كان طهراً ، بل وكذا لو كان أقل من عشرة على الأقوى من عدم اعتبار العشرة بين النفاسين ، وإن كان الأحوط مراعاة الاحتياط في النقاء الأقل كما في قطعات الولد الواحد (1).
[816] مسألة 7 : إذا استمرّ الدم إلى شهر أو أزيد فبعد مضي أيام العادة في ذات العادة والعشرة في غيرها محكوم بالاستحاضة (2)
الصحيح عدم إلحاقه بالنفاس ، وذلك لأنّ الدليل على احتسابه من النفاس إنّما هو الإطلاقات الواردة في أنّ النّفساء تقعد أيامها (1)، وقد تقدّم أن أيامها إنّما تحسب بعد تماميّة الولادة ورؤية الدم ولا تحسب من أثنائها ، فالنقاء المتخلل بين الدمين في أثناء الولادة ممّا لم يقم دليل على كونه نفاساً ، فلا يترتّب عليه أحكامه ، لأنّ المطلقات الدالّة على وجوب الصّلاة والصِّيام وجواز إتيان الزوج زوجته تقتضي ثبوت تلك الأحكام ما لم يقم دليل على تقييدها ، وهو إنّما قام على التقييد في خصوص النقاء بين نفاس واحد كما مرّ.
(1) ظهر حكم هذه المسألة ممّا ذكرناه في المسألة الاولى من المسائل الثلاث (2)فليلاحظ.
(2) لصحيحة عبد اللّه بن المغيرة (3)الدالّة على اعتبار الفصل بأقل الطّهر بين الحيض
وإن كان في أيام العادة ، إلاّ مع فصل أقلّ الطّهر عشرة أيام بين دم النّفاس وذلك الدم ، وحينئذ فإن كان في العادة يحكم عليه بالحيضية ، وإن لم يكن فيها فترجع إلى التمييز ، بناءً على ما عرفت من اعتبار أقل الطهر بين النّفاس والحيض المتأخّر وعدم الحكم بالحيض مع عدمه وإن صادف أيام العادة ، لكن قد عرفت أن مراعاة الاحتياط في هذه الصورة أولى.
[817] مسألة 8 : يجب على النّفساء (1)إذا انقطع دمها في الظاهر الاستظهار بإدخال قطنة أو نحوها والصبر قليلاً وإخراجها وملاحظتها على نحو ما مرّ في الحيض (1).
المتأخِّر والنّفاس ، ومع هذا الاشتراط إذا خرج الدم قبل أقل الطّهر فيستكشف أنّه ليس بحيض وإنّما هو استحاضة ، كما أنّ النقاء نقاء بعد النّفاس وهو ليس في حكم النّفاس ، نعم إذا خرج بعد مضي أقل الطّهر من النّفاس فهو دم قابل لأن يكون حيضاً ، فإن كان في أيام العادة فهو حيض مطلقاً ، وإذا لم يكن في أيامها بنحو كان واجداً للصفات فهو حيض ، وإلاّ فهو استحاضة ، لأنّ الصفرة في غير أيام العادة ليست بحيض كما تقدّم.
(1) ذكر جماعة أنّ النّفساء كالحائض إذا انقطع دمها في الظاهر وجب أن تستظهر بإدخال قطنة ونحوها حتّى تعلم انقطاع دمها وعدمه.
ويمكن الاستدلال عليه بوجوه :
أحدها : أنّ النّفساء كالحائض تعلم بتوجه عدّة تكاليف إلزامية إليها ، كوجوب الصوم والصلاة على تقدير انقطاع دمها ، وحرمة ذلك في حقّها إذا لم ينقطع بناءً على
1) (*) على الأحوط.
أن حرمة الصوم والصلاة ذاتية.
فلا مناص من أن تستخبر حالها بالفحص والاستظهار حتّى تخرج عن عهدة ما علمت بتوجهه إليها إجمالا ، ولا سيما في موارد دوران الأمر بين المحذورين إذا قلنا بحرمة العبادة في حقّها ذاتاً لدوران أمرها بين وجوب الصلاة في حقّها وحرمتها.
ويرد على هذا الوجه أنّ الشبهة موضوعية ، ومقتضى استصحاب عدم انقطاع دمها في الباطن والمجرى وإن انقطع دمها في الظاهر أنّها نفساء ، ومعه لا أثر للعلم الإجمالي في حقّها.
الثاني : أنّ النّفاس والحيض واحد وحكمه حكمه ، فكما أنّ الاستظهار واجب على الحائض فكذلك يجب في حقّ النّفساء.
ويندفع هذا الوجه بما يأتي عن قريب من أنّه لا دليل على دعوى اتحادهما كلية.
الثالث : روايتي يونس وسماعة الواردتين في المرأة الّتي انقطع دمها ولا تدري أطهرت أم لم تطهر (1)
أنّ الشيخ يروي جميع روايات وكتب محمّد بن علي بن محبوب بطريق آخر معتبر ، فضعف هذا الطريق لا يضر.
، حيث دلّتا على أنّها تستظهر وتقوم قائماً وتستدخل قطنة ، فلو خرجت ملوّثة بالدم فلم تطهر ، وحيث إن موضوعهما مطلق المرأة الّتي انقطع دمها فتشملان النّفساء أيضاً ، لعدم اختصاصهما بالحائض.ويرد على ذلك أنّ الروايتين مخدوشتان سنداً ، لإرسال الاولى وضعف الثانية بأحمد بن محمّد الذي روى عنه المفيد ، لأنّه أمّا أحمد بن محمّد بن يحيى أو أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، وكلاهما غير موثقين.
على أنّهما مخدوشتان من حيث الدلالة أيضاً ، وذلك لأنّهما وردتا في المرأة الّتي انقطع منها الدم فلا تدري أطهرت أم لم تطهر ، وقد دلّتا على أنّها إذا أرادت أن
1) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 2 ، 4 ، والثانية معتبرة لعين ما ذكر السيِّد الأُستاذ ( دام ظلّه ) في تصحيح طريق الشيخ قدسسره إلى أحمد بن محمّد بن عيسى ، وحاصل ذلك :
[818] مسألة 9 : إذا استمرّ الدم إلى ما بعد العادة في الحيض يستحب لها الاستظهار (1)بترك العبادة (1) يوماً أو يومين أو إلى العشرة على نحو ما مرّ في الحيض.
تستخبر حالها فكيفية الاستخبار أن تستدخل قطنة ... إلخ.
فهما واردتان لبيان كيفية استعلام حالها إذا أرادت ذلك ، ولا دلالة لهما على وجوب ذلك في حقّها بوجه ، نعم هذا واجب على الحائض لرواية أُخرى معتبرة سنداً (2)قدّمناها في مبحث الحيض (3).
(1) قدّمنا في مبحث الحيض (4)أنّ الحائض يجب عليها الاستظهار بترك العبادة يوماً واحداً ، ويستحب لها الاستظهار بيومين أو بثلاثة أو بعشرة ، لأنّه الّذي يقتضيه الجمع بين الأخبار الدالّة على أنّها تستظهر بيوم أو بيومين أو بثلاثة أو بعشرة.
ودعوى أن اختلاف الأخبار في التحديد يكشف عن استحباب الاستظهار في حقّها.
مندفعة بأن ما دلّ منها على وجوب الاستظهار عليها بيوم واحد رواية معتبرة لا معارض لها بوجه ، فلا مناص من الأخذ بها ، نعم في الزائد على اليوم يحكم فيه بالاستحباب جمعاً بين الأخبار.
وهكذا الكلام في النّفاس ، لدلالة الأخبار على أنّها تستظهر بيوم أو بيومين فالاستظهار واجب بيوم ومستحب في ما عداه.
ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار :
منها : ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال ... عن مالك بن أعين قال « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن النّفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال : نعم ، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدّة حيضها ثمّ تستظهر بيوم ... » (1).
وإنّا وإن ذكرنا أن طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف إلاّ أنّه فيما إذا روى الشيخ عنه في كتابه من غير واسطة ، فإن طريقه إليه ، على ما ذكره في المشيخة (2)ضعيف ، لاشتماله على أحمد بن عبدون وابن الزُّبير.
وأمّا إذا روى الشيخ عنه في نفس الكتاب بطريق معتبر فلا كلام في اعتبار الرواية حينئذ ، لدلالته على أن للشيخ إليه في هذه الرواية طريقين أحدهما معتبر على الفرض ، والأمر في المقام كذلك كما لا يخفى على من راجع الوافي (3)والتهذيب (4)، فلا إشكال في الرواية من حيث السند ، ودلالتها ظاهرة.
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة الدالّة على أنّ النّفساء أكثر نفاسها ثمان عشرة ، حيث ورد في ذيلها « ولا بأس بأن تستظهر بيوم أو بيومين » (5).
وهي وإن حملناها على التقيّة بالإضافة إلى أكثر النّفاس نظراً إلى اختلاف نسخها ، إلاّ أنّه غير مستلزم لحملها على التقية في هذا الحكم أيضاً ، حيث إنّها مشتملة على حكمين ولا مناص من حملها في أحدهما على التقيّة ، وأمّا في الآخر فلا موجب لرفع اليد عنه بوجه.
1) الوسائل 2 : 383 / أبواب النّفاس ب 3 ح 4 ، 395 / ب 7 ح 1.
2) التهذيب ( المشيخة ) 10 : 55.
3) الوافي 6 : 481 / ب حدّ النفاس ح 13.
4) والطريق الآخر أخبرني جماعة عن أبي محمّد هارون بن موسى عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، التهذيب 1 : 176 / 505 ، وأمّا الطريق المذكور في الفهرست [ 92 / 381 ] والمشيخة [ 10 / 55 ] ، فإنّه ضعيف بابن الزُّبير ، وأمّا أحمد بن عبدون فإنّه ثقة على الأظهر لأنّه من مشايخ النجاشي قدسسره ، هذا مضافاً إلى ما تقدّم مراراً من تصحيح طريق الشيخ إلى ابن فضال من جهة طريق النجاشي إليه.
5) الوسائل 2 : 387 / أبواب النّفاس ب 3 ح 15.
[819] مسألة 10 : النّفساء كالحائض (1) في وجوب الغسل بعد الانقطاع أو بعد العادة ، أو العشرة في غير ذات العادة ، ووجوب قضاء الصّوم دون الصّلاة
ومنها : صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام « قال : النّفساء تكف عن الصلاة أيامها الّتي كانت تمكث فيها ثمّ تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة » (1).
وذلك لأنّها عبّرت بالمكث وأنّ النّفساء تكف عن الصلاة أيامها الّتي كانت تمكث فيها ولم تعبر بأيامها أو بعادتها ، ومن الظاهر أن الحائض يجب عليها المكث يوماً واحداً للاستظهار ، فهو من أيام مكثها ، بمعنى أن دمها إذا تجاوز عن عادتها في شهرين أو أزيد ومكثت يوماً واحداً للاستظهار صدق أنّه يوم كانت تمكث فيه في الحيض ، فلا بدّ من أن تمكث فيه في النّفاس أيضاً. إذن دلّت الصحيحة على أنّ النّفساء كما تمكث أيام عادتها تمكث يوماً واحداً بعدها للاستظهار.
نعم ، بين الاستظهار في الحيض والنّفاس فرق ، وهو أنّ الاستظهار بثلاثة أيام غير وارد في رواية معتبرة في النّفاس ، لكنّه وردت رواية معتبرة فيه في الحائض (2)وعليه فالنّفساء مخيرة في الاستظهار بين يومين أو عشرة أيام. وأمّا الحائض فهي مخيرة بين الاستظهار بيومين وثلاثة وعشرة.
نعم ، ورد الاستظهار في حقّ النّفساء بثلاثة أيام في رواية المنتقى عن الجوهري (3)، وهي ضعيفة على ما تقدم ، فلا دليل على استحباب الاستظهار لها بثلاثة أيام.
(1) الحكم بأنّ النّفساء كالحائض إن كان مستنداً إلى الإجماع فيدفعه أن تحصيل الإجماع التعبّدي غير ممكن في المسألة ، والإجماعات المنقولة لا اعتبار بها.
وعدم جواز وطئها وطلاقها ومسّ كتابة القرآن واسم اللّه وقراءة آيات السجدة (1)ودخول المساجد والمكث فيها ، وكذا في كراهة الوطء بعد الانقطاع وقبل الغسل ، وكذا في كراهة الخضاب وقراءة القرآن ونحو ذلك ،
وإن كان مستنداً إلى ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الحائض مثل النّفساء سواء (2)، ففيه أنّ الرواية الدالّة على ذلك وإن كانت معتبرة من حيث السند ، إلاّ أن دلالتها على المدّعى قابلة للمناقشة من جهتين :
إحداهما : أنّها لو دلّت فإنّما تدلّ على أنّ الحائض مثل النّفساء سواء ، فيترتب على الحائض ما كان يترتب على النّفساء ، لا أنّ النّفساء مثل الحائض ليترتب عليها ما يترتب على الحائض كما هو المدّعى.
ثانيتهما : أنّا لو سلمنا دلالتها على ذلك فغاية ما يستفاد منها أنّهما سواء في الحكم الّذي ورد في الرواية ، حيث إن زرارة سأله عن « النّفساء متى تصلّي؟ فقال : تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فإن انقطع الدم ، وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت ( استذفرت ) وصلّت ، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثمّ صلّت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد ، قلت : والحائض؟ قال : مثل ذلك سواء » (3).
فلا يستفاد منها سوى اتحادهما في الحكم المذكور من وجوب الصلاة والغسل عليها لكل صلاتين وللغداة وغير ذلك ممّا ذكرته الرواية ، إلاّ أنّها لا تدلّ على أن أيّ حكم ثبت لأحدهما يثبت للآخر أيضاً.
وإن استند في ذلك إلى رواية مقرّن عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : سأل
سلمان قدسسره علياً عليهالسلام عن رزق الولد في بطن امّه ، فقال عليهالسلام إنّ اللّه تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امّه » (1).
ففيه : أنّ الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بغير واحد من رجاله كمقرّن لجهالته ، ومحمّد بن علي الكوفي وغيرهما مخدوشة بحسب الدلالة ، لأنّها دلّت على أنّ الحيض يحبس في بطن المرأة رزقاً لولدها ، وأمّا أنّ الخارج بعد الولادة حيض فلا دلالة فيها على ذلك بوجه ولو ضعيفاً ، إذ الحيض إنّما يحبس في بطنها بمقدار يرتزق به الولد لا الزائد على ذلك حتّى يكون الخارج بعد الولادة حيضاً ، وإنّما هو نفاس مستند إلى الولادة.
إذن لا دليل على الكبرى المدعاة من أنّ النّفساء كالحائض في أحكامها ، ولا بدّ في كل حكم من التبعية لدليله ، فنقول :
لا إشكال في أنّ النّفساء لا تجب عليها الصلاة ولا قضاؤها ، كما لا يجب عليها الصِّيام ولكن تقضيه بعد نفاسها ، وكذا يحرم وطؤها ما دام لم ينقطع دمها ، كل ذلك لدلالة الأخبار المعتبرة عليه (2).
وكذا لا إشكال في عدم جواز مسّ النّفساء الكتاب العزيز ، لما قدّمناه في مبحث الحيض (3)من أن ذلك لا يختص بالحيض والجنابة ، وإنّما هو حكم لمطلق المحدث لما دلّ (4)على النهي عن مسّه من غير طُهر مستشهداً بقوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (5).
وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة سنداً كما مرّ ، إلاّ أنّ الرواية غير منحصرة بها
لدلالة غيرها من الأخبار المعتبرة على عدم جواز مسّ الكتاب من غير وضوء (1)وقد قلنا إن مقتضى ذلك عدم جواز مسّه من دونه مطلقاً ولو مع الاغتسال ، إلاّ أنّ الأدلّة الدالّة على إغناء الغسل عن الوضوء (2)دلّتنا على جوازه مع الغسل أيضاً وحيث إنّ النّفساء لا يصح منها الوضوء ولا هي مغتسلة فلا يجوز لها مسّ الكتاب كالحائض.
وأمّا حرمة قراءة العزائم ودخول المسجدين والمكث في بقية المساجد فلم يثبت شيء منها في النّفساء ، لاختصاص دليلها بالحائض والجنب ، فالحكم بالحرمة فيها مبني على الاحتياط استحباباً لا وجوباً ، لضعف ما دلّ على اشتراك الحائض والنّفساء في أحكامهما (3)، وقد تقدّم اشتراكهما في الاستظهار.
ولا إشكال في اشتراكهما في عدم جواز الطلاق ، لدلالة الأدلّة على اشتراط كونها في الطّهر (4)، والنّفساء ليست كذلك.
وأمّا كراهة وطئها بعد الانقطاع وقبل الغسل وكراهة غيره ممّا ذكره في المتن فلم يقم دليل معتبر على اعتبارها في حقّ النّفساء ، بل تبتني على التساوي بينها وبين الحائض ، وقد عرفت منعه.
نعم ، ورد فيما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال أنّ « المرأة تحرم عليها الصلاة ثمّ تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل ، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال : لا حتّى تغتسل » (5).
وقد حملت على الكراهة بقرينة الأخبار المجوزة ، وهي مطلقة تشمل النّفساء أيضاً.
1) الوسائل 1 : 383 / أبواب الوضوء ب 12.
2) الوسائل 2 : 244 / أبواب الجنابة ب 33.
3) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
4) الوسائل 22 : 53 و 56 / أبواب مقدمات الطلاق ب 24 و 26.
5) الوسائل 2 : 326 / أبواب الحيض ب 27 ح 7 ، [ التهذيب 1 : 167 / 479 ] ، وتقدّم [ في ص 192 ] اعتبار طريق الشيخ إلى ابن فضّال.
إلاّ أنّها ضعيفة لضعف طريق الشيخ إلى ابن فضال ، فالحكم بكراهة وطئها حينئذ مبني على التسامح في أدلّة السنن على نحو يشمل المكروهات أيضاً. وكذلك الحال في غيره من المكروهات الواقعة في كلامه قدسسره ، فإنّها ممّا لا دليل معتبر عليه.
ذكرنا أن كراهة وطء النّفساء بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال لم يثبت بدليل معتبر ، وذلك لأن ما دلّ على المنع عن وطئها قبل الاغتسال رواية معتبرة ، وهي ما رواه الشيخ عن ابن فضال بطريق معتبر ، وقد دلّت على أنّ النّفساء يغشاها زوجها يأمرها فتغتسل ثمّ يغشاها إن أحب (1).
وما ادعي دلالته على جوازه قبل الاغتسال فهو روايتان كلتاهما عن الشيخ عن ابن فضال ، وفي إحداهما عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابنا عن علي بن يقطين عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء » (2).
وفي الأُخرى عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام من غير واسطة ، ولأجلهما حمل المنع في الرواية المانعة على الكراهة جمعاً بينهما كما صنعوا في الحيض مثل ذلك.
إلاّ أنّ الروايتين ضعيفتان ، أمّا الاولى فلأنّ الشيخ رواها عن ابن فضال بطريق معتبر إلاّ أنّها ضعيفة بالإرسال. وأمّا الثانية فلأنّ الشيخ رواها عن ابن فضال بطريقه الضعيف الّذي فيه ابن عبدون وابن الزُّبير.
هذا على أنّهما إنّما وردتا في الحائض. وأمّا ما صنعه صاحب الوسائل قدسسره من نقلهما في النّفساء فلم يظهر لنا وجهه ، فإنّ الروايتين اشتملتا على ضمير « ها » من غير تصريح بالحائض ولا النّفساء ، وإنّما قلنا باختصاصهما بالحائض من
وكذا في استحباب الوضوء في أوقات الصلاة والجلوس في المصلّى والاشتغال بذكر اللّه بقدر الصلاة ، وألحقها بعضهم بالحائض في وجوب الكفارة إذا وطأها ، وهو أحوط لكنّ الأقوى عدمه (1).
جهة أنّ الشيخ نقلهما في الحائض واستدلّ بهما على جواز وطئها قبل الاغتسال ، وهو قرينة اختصاصهما بالحائض.
ثمّ لو أبيت عن ذلك فالروايتان مجملتان ، لعدم الدليل على ورودهما في الحائض أو في النّفساء فلا يبقى مجال للاستدلال بهما على الجواز ليجمع بينهما وبين الخبر المانع بحمله على الكراهة كما في الحيض ، فالحكم بالكراهة لا دليل عليه.
ولكنّا مع ذلك أي مع اعتبار دليل المنع نلتزم بجواز وطئها قبل الاغتسال كما في الحائض لا على كراهة ، وذلك لما ذكرناه في مبحث الحيض من جريان السيرة بين أصحاب الأئمة عليهمالسلام والمتدينين على وطء الحائض والنّفساء قبل الغسل وذلك لأنّ الإماء والجواري كانت متداولة في تلك الأعصار من غير شبهة ، وقد كانت جملة منهن نصرانية أو مجوسية أو غيرهما من الفرق والأديان ، وهنّ لا يغتسلن بعد الحيض والنّفاس ، ولو اغتسلن فلا يصح منهنّ الاغتسال ، ومع ذلك لا نحتمل اجتنابهم عن الإماء بعد رؤيتهن الحيض مرّة أو ولادتهنّ كذلك ، لعدم اغتسالهنّ أو بطلانه وبهذه السيرة
نحكم بجواز وطئهما قبل الاغتسال.
(1) ألحق بعضهم النّفساء بالحائض في وجوب الكفّارة إذا وطئها زوجها ، والمصنف استقوى عدم الإلحاق وإن كان أحوط ، مع أنّه قدسسره التزم بالإلحاق في غيرها ومن ثمة حكم على النّفساء بحرمة الدخول في المسجدين والمكث في المساجد وغير ذلك ، مع أنّه لم يقم دليل معتبر على حرمة ذلك على النّفساء.
والصحيح ما أفاده قدسسره ، لعدم إمكان الإلحاق في الكفّارة وإن قلنا بالإلحاق في غيرها ، وذلك لأنّ العمدة في الإلحاق هو الإجماع وما دلّ على أنّها الحائض
[820] مسألة 11 : كيفية غسلها كغسل الجنابة (1)
سواء (1)كما مرّ ، لضعف الرواية الثانية المستدل بها على الإلحاق (2)من حيث الدلالة أو بحسب الدلالة والسند كما مرّ.
والنظر في كلمات الأصحاب والتأمّل فيها يشهد على أن مرادهم من التساوي بينهما إنّما هو في الأحكام المرتبة على الحائض ، وأن ما يحرم عليها يحرم عليها وما يجب عليها يجب عليها وما يكره لها يكره لها وهكذا ، وكذلك الرواية دلّت على تساويهما في وجوب الغسل لكلّ صلاتين ونحوه ممّا ذكر في الرواية.
وأمّا التساوي من حيث وطء الزوج في الحكم المتعلق بغير النّفساء وأن زوج النّفساء كزوج الحائض في ترتب الكفارة على وطئه فهو أمر أجنبي عن مفاد كلماتهم وعن الرواية ولم يقم عليه دليل.
نعم ، لو قلنا بالتساوي لم يجز للنفساء التمكين لزوجها كالحائض ، إلاّ أن زوجها إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو أجبرها على الوطء وجب عليه الكفارة أو استحبت ، وهو حكم آخر مترتب على الحائض دون النّفساء ويحتاج إلى دليل.
وعلى الجملة : إنّ الحكم بالكراهة أو الوجوب أو الاستحباب في تلك الموارد مبني على الإلحاق ، وقد عرفت أنّه لا دليل معتبر عليه.
(1) لأنّ الغسل كالوضوء له طبيعة واحدة لا تختلف بحسب مواردها وأقسامها فكما أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان في جميع الموارد كذلك الغسل هو عبارة عن صبّ الماء على الرأس والبدن على الكيفية المتقدِّمة في غسل الجنابة حسبما يستفاد من الأخبار (3).
إلاّ أنّه لا يغني عن الوضوء (1)، بل يجب قبله أو بعده كسائر الأغسال (1).
يجب بمس ميت الإنسان بعد برده وقبل غسله (2)
من دون فرق بين مواردها ، فإن ورود الكيفية في غسل الجنابة لا يقتضي اختصاص الكيفية به كما ذكرناه في غسل الحيض ، لأنّ الغسل أمر معهود في الأذهان ، فإذا أُمر به في أي مورد استفيد منه تلك الكيفية من دون فرق بين مواردها.
(1) الكلام في إغناء غسل النّفاس عن الوضوء هو الكلام بعينه في إغناء غسل الحيض عنه ، وحيث إنّا بنينا على إغناء كل غسل عن الوضوء فلا مناص من الالتزام بإغناء غسل النّفاس عنه أيضاً وإن كان التوضؤ أحوط ، وإذا أراد الاحتياط بالتوضؤ فليتوضأ قبل الاغتسال حتّى لا يحتمل كونه بدعة بعد الاغتسال.
هذا تمام الكلام في النّفاس والحمد لله ربّ العالمين.
فصل في غسل مسّ الميِّت
(2) وجوب غسل مسّ الميِّت متسالم عليه بين الأصحاب ، وهل وجوبه نفسي أو شرطي يأتي عليه الكلام عند تعرّض الماتن له إن شاء اللّه.
ولا يحتاج في الاستدلال على وجوبه إلى التسالم والاتفاق ، لدلالة جملة من
1) (*) الظاهر إغناؤه عنه وكذا غيره من الأغسال إلاّ غسل الاستحاضة المتوسّطة.
الروايات الصحيحة المتضافرة على وجوبه بالسنة مختلفة ، ففي بعضها : « ولكن إذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل » (1)وفي أُخرى : « إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل » (2)وفي ثالثة : « فإذا برد فعليه الغسل » (3)وفي رابعة : « إذا أصاب يدك جسد الميِّت قبل أن يغسّل فقد يجب عليك الغسل » (4)إلى غير ذلك من الأخبار الصريحة في الوجوب.
ومع ذلك حكي عن السبزواري في الذخيرة قوله بعد نقل جملة من الروايات : ولا يخفى أنّ الأمر وما في معناه في أخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب ، فالاستناد إلى هذه الأخبار في إثبات الوجوب لا يخلو عن إشكال (5).
وتعبيره بلا يخفى يدل على أن عدم دلالة الأخبار على الوجوب كأنه من الأُمور الواضحة ، مع أنّ الأخبار كما عرفت مصرحة بالوجوب بمختلف أنحاء صيغ الوجوب وقلّ مسألة ترد فيها النصوص المصرحة بالوجوب مثل المقام ، فما الّذي دعاه إلى الإشكال والاستشكال في دلالتها واللّه العالم به ، وهذا منه قدسسره على دقته وتحقيقه غريب ، هذا.
ونسب إلى السيِّد المرتضى قدسسره استحباب الغسل من مسّ الميِّت (6)واستدلّ غيره له بوجوه :
منها : أنّه ذكر في سياق جملة من المندوبات وأنّه « اغتسل للفطر والأضحى والجمعة
1) الوسائل 3 : 289 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 1.
2) الوسائل 3 : 290 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 3.
3) الوسائل 3 : 290 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 4.
4) الوسائل 3 : 290 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 5 وغيرها من روايات الباب.
5) حكاه عنه في الحدائق 3 : 330 / في غسل المسّ وراجع الذخيرة : 91 السطر 30 / الأمر الأوّل غسل المسّ.
6) نسبه إليه في الذخيرة : 91 وراجع جمل العلم والعمل : 25.
وإذا مسست ميتاً » (1)، وقد ذكر في بعض النصوص أنّ الفرض منها غسل الجنابة (2).
ويدفعه : ما ذكرناه في محلِّه (3)من أنّ الوجوب ليس مدلولا لصيغة الأمر ، وإنّما هي تدلّ على الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب ، وإنّما يستفاد الوجوب من عدم قيام القرينة على الترخيص في الترك ، كما أنّ الاستحباب يستفاد من قيامها على الترخيص في الترك ، وحيث قامت القرينة على الوجوب في غسل مسّ الميِّت حكمنا بوجوبه دون غيره ، وهذا لا يستلزم استعمال الصيغة في معنيين بل معناها واحد كما مرّ.
على أنّا لو سلمنا ذلك فغاية ما يستفاد من ذلك أنّ الصيغة لم تستعمل في الوجوب ، وأمّا أنّها استعملت في الاستحباب فهو محتاج إلى الدليل ، وعليه فالرواية لا تدلّ على وجوب الغسل كما لا تدلّ على استحبابه لتعارض سائر الأخبار.
وأمّا ما ورد في بعضها من أنّ الفرض غسل الجنابة ففيه أنّ الفرض بمعنى ما أوجبه اللّه تعالى في كتابه في قبال السنّة الّتي هي بمعنى ما أوجبه النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم والأئمة عليهمالسلام ، وغسل الجنابة قد أُمر به في موردين من الكتاب ، وهما قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (4)وقوله تعالى ( إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (5)وهذا بخلاف غسل مسّ الميِّت ونحوه.
وقد ورد في صحيحة زرارة الدالّة على أنّ الصلاة لا تعاد إلاّ من خمس ... (6)أنّ التشهّد سنّة أي واجب أوجبه النبيّ والأئمة عليهمالسلام وغير مذكور في الكتاب
العزيز ، فليس « سنّة » في قبال « واجب » كما توهم.
ومنها : ما ورد من السؤال عن أن أمير المؤمنين عليهالسلام هل اغتسل حين غسل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم عند موته؟ فأجابه الصادق عليهالسلام : النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم طاهر مطهّر ، ولكن فعل أمير المؤمنين عليهالسلام وجرت به السنّة (1). لدلالتها على أن غسل مسّ الميِّت لم يكن واجباً قبل فعل أمير المؤمنين عليهالسلام ، وإنّما فعله وجرت به السنّة فهو أمر مستحب.
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، لأنّ الشيخ رواها في التهذيب في موضعين :
أحدهما : باب الأغسال الواجبة والمندوبة (2)، عن محمّد بن الحسن الصفار عن محمّد بن عيسى عن القاسم بن الصيقل (3)، من الأغسال المفترضات والمندوبات.
وثانيهما : في آخر باب الزيادات من تلقين المحتضرين ، عن الصفار عن محمّد بن عيسى العبيدي عن الحسين بن عبيد (4).
وهما ضعيفتان ، الاولى بالقاسم بن الصيقل ، والثانية بالحسين بن عبيد كما في نسخة التهذيب ، وأمّا الحسن بن عبيد كما في الوسائل فلم يذكر في الرجال أصلاً.
وأمّا ما في الوسائل من نقل الرواية عن الشيخ بطريقين ، أحدهما بطريق الصفار عن محمّد بن عيسى المتقدِّم ، وثانيهما عن المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن الصفار عن محمّد بن عيسى ... فلم نقف على طريقه الثاني في التهذيب.
وثانياً : أنّ الرواية غير تامّة من حيث الدلالة ، إذ لم تدلّ على أن كونه سنّة معلول لفعل أمير المؤمنين عليهالسلام ، بل جري السنّة وفعله عليهالسلام في عرض واحد ، بمعنى أنّه أتى به وجرى به السنّة ، حيث لم يقل فعله فجرى به السنّة بل قال : « فعل وجرت به السنّة ».
على أنّها تدلّ على أن وجوب غسل مسّ الميِّت كان أمراً مفروغاً عنه في تلك الأزمنة ، ومن هنا لم يسأل الراوي عن أصل وجوبه ، وإنّما سأل عن اغتسال علي عليهالسلام عن مسّه بدن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم خاصّة ، لأنّه طاهر مطهر ولا قذارة فيه لتسري إلى علي عليهالسلام ويجب عليه الاغتسال.
أضف إلى ذلك أنّا لو سلمنا دلالتها على استحباب الغسل فهي مختصّة بمثل بدن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم الّذي كان طاهراً مطهراً ، هب أن في مسّ كل بدن طاهر مطهّر كأبدان الأئمة عليهمالسلام يستحب الاغتسال ولا يجب ، وأمّا في من مسّ بدن الميِّت الّذي ليس بطاهر ولا مطهّر فلا يستفاد منها استحباب الغسل فيه أيضاً.
ومنها : التوقيع المروي في الاحتجاج في إمام صلاة حدث عليه حدث وأنّه يؤخّر ويتقدم بعض المأمومين ويتم صلاتهم : أن من مسّه ليس عليه إلاّ غسل اليد (1)، حيث دلّ على عدم وجوب الغسل من مسّ الميِّت.
ويدفعه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الطريق إلى الاحتجاج لم تثبت وثاقته.
وثانياً : أن وجوب الغسل من المسّ إنّما هو بعد برده لا مع حرارته ، والإمام الميِّت لا يبرد بدنه بعد موته بدقيقة أو نصفها أي حال مسّه ليؤخره ، فإنّ الصلاة يعتبر فيها الموالاة فلا مناص من تأخيره في زمان قليل ، ولا يبرد بدنه حالئذٍ.
ويوضح ما ذكرناه التوقيع الثاني المروي في الاحتجاج ، حيث قال : « وكتب إليه وروى عن العالم أن من مسّ ميتاً بحرارته غسل يده ومن مسّه وقد برد فعليه الغسل وهذا الميِّت في هذه الحال لا يكون إلاّ بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو؟ ولعلّه ينحِّيه بثيابه ولا يمسّه ، فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع : إذا مسّه على هذه الحال لم يكن عليه إلاّ غسل يده » (2)حيث إنّها ناظرة إلى الرواية الأُولى وشارحة لها ، وأن
دون ميت غير الإنسان (1)
مسّ الميِّت في حالة الحرارة لا يوجب إلاّ غسل اليد دون الاغتسال ، ومن هنا ورد أنّ الصادق عليهالسلام كان يقبل ولده إسماعيل بعد موته ، وقيل له إنّه يوجب الغسل قال عليهالسلام إنّما ذاك إذا برد (1).
وقد استدلّ للسيِّد قدسسره برواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام « قال : الغسل من سبعة : من الجنابة وهو واجب ، ومن غسل الميِّت ، وإن تطهّرت أجزأك » (2).
بدعوى أن ذيلها يدل على كفاية تطهير البدن في مسّ الميِّت من غير حاجة إلى الاغتسال.
وفيه مضافاً إلى تشويش الرواية دلالةً ، لعدم استعمال التطهّر في تطهير البدن ومن المحتمل أن يراد به الاغتسال من مسّ الميِّت وأنّه يجزئ عن الوضوء ، لأنّ التطهّر استعمل في الاغتسال كما في قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (3)أنّها مخدوشة سنداً بالحسين بن علوان ، لأنّه عامي لم يوثق (4)، بل قد يناقش في عمرو بن خالد أيضاً ، إذ لم يوثقه سوى ابن فضال ، وقد وقع الكلام في توثيقه ، إلاّ أنّ الصحيح أنّه موثق ولا بأس بتوثيق ابن فضال (5).
فتحصل أنّه لم يقم دليل على استحباب غسل مسّ الميِّت ، فتبقى الأدلّة المتقدمة الدالّة على الوجوب سليمة عن المعارض.
(1) لجملة من النصوص كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ( عليهماالسلام )
أو هو قبل برده (1) أو بعد غسله (2)
« في رجل مسّ ميتة أعليه الغسل؟ قال عليهالسلام : لا ، إنّما ذلك من الإنسان » (1)وغيرها. فمس ميتة غير الآدمي إنّما يوجب الغَسل إذا كانت الملاقاة مع رطوبة ، وقد تقدم الكلام في ذلك في بحث نجاسة الميتة ، لذهاب بعضهم إلى وجوب الغسل بملاقاتها ولو كانت من غير رطوبة أيضاً كما مرّ في محلِّه (2).
(1) للنصوص كصحيحة إسماعيل بن جابر « قال : دخلت على أبي عبد اللّه عليهالسلام حين مات ابنه إسماعيل الأكبر فجعل يقبّله وهو ميت ، فقلت : جعلت فداك أليس لا ينبغي أن يمسّ الميِّت بعد ما يموت ومن مسّه فعليه الغسل؟ فقال : أمّا بحرارته فلا بأس ، إنّما ذاك إذا برد » (3)وغيرها من الروايات. ولعله ممّا لا كلام فيه وإنّما وقع الكلام في مسّه وقد برد بعض جسده دون تمامه ، ويأتي عليه الكلام بعد قليل إن شاء اللّه.
(2) وذلك للنصوص أيضاً ، منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : مسّ الميِّت عند موته وبعد غسله والقُبلة ليس بها بأس » (4)وغيرها.
وأمّا موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « يغتسل الّذي غسّل الميِّت وكل من مسّ ميّتاً فعليه الغسل وإن كان الميِّت قد غُسّل » (5)فهي إنّما تدلّ على
والمناط برد تمام جسده ، فلا يوجب برد بعضه ولو كان هو الممسوس (1).
وجوب الغسل حتّى بعد غسل الميِّت بالظهور ، فنرفع اليد عن ظهوره بالنصوص المصرحة بعدم الوجوب إذا مسّه بعد تغسيله.
وبذلك نحمل الموثقة على الاستحباب ، فالاغتسال من المسّ بعد تغسيل الميِّت الممسوس أحد الأغسال المستحبّة.
وبهذا يظهر الجواب عمّا استدلّ به على وجوب الغسل مطلقاً كحسنة حريز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : من غسّل ميتاً فليغتسل ، وإن مسّه ما دام حارّاً فلا غسل عليه ، وإذا برد ثمّ مسّه فليغتسل ، قلت : فمن أدخله القبر؟ قال : لا غسل عليه ، إنّما يمسّ الثياب » (1)وغيرها ممّا هو بهذا المضمون.
نظراً إلى أن مسّ الميِّت بعد غسله لو لم يكن موجباً للاغتسال فما معنى تعليله عليهالسلام عدم وجوب الغسل بأنّه مسّ ثياب الميِّت ، فإن معناه أنّه لو مسّه ببدنه لوجب عليه الاغتسال.
والجواب عنه أنّها وإن كانت ظاهرة في ذلك إلاّ أنّ الظهور يرفع عنه اليد بالنصوص المصرحة بالعدم وتحمل على استحباب غسل المسّ إذا مسّ بعد الاغتسال.
وهذا هو الصحيح في الجواب ، لا حمل الرواية على مورد لم يغسل الميِّت حين دفنه لعدم الماء ، كما في البراري أو للنسيان أو عصياناً. وذلك لأنّها فروض نادرة ، والغالب في الميِّت حال دفنه هو تغسيله ، ولا حملها على صورة فساد تغسيله ، كما عن المحقق الهمداني (2)قدسسره.
(1) إذا برد بعض جسد الميِّت دون بعضه مقتضى القاعدة وجوب الاغتسال بمسّه
والمعتبر في الغسل تمام الأغسال الثلاثة (1) ، فلو بقي من الغسل الثالث شيء لا يسقط الغسل بمسه (2) وإن كان الممسوس العضو المغسول منه (3)
لأنّ المطلقات دلّت على وجوب الاغتسال من مسّ الميِّت مطلقاً ، وقد خرجنا عنها فيما إذا مسّه وهو حار بمقتضى النصوص المتقدمة ، والقدر المتيقن من تلك المقيّدات ما إذا كان حارّاً بتمامه.
وأمّا إذا برد بعضه وشككنا في وجوب الغسل بمسّه حينئذ وعدمه كما إذا لم يكن للمقيّد إطلاق ، فلا مناص من أن نرجع إلى المطلقات ، وهي تقتضي وجوب الاغتسال ولا محل للرجوع إلى الأصل مع وجودها.
إلاّ أن ظاهر بعض المقيّدات عدم وجوب الغسل ما دام لم يبرد الميِّت بتمامه ، كما في صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدِّمة (1)، حيث إن ظاهر كلمة البرد برد الميِّت بتمامه ، إذ مع برد البعض دون بعض لا يصدق أنّ الميِّت برد ، وكلمة « إنّما » تفيد الحصر ، وعليه تدلّ الصحيحة على أن وجوب الغسل بالمس منحصر بما إذا برد الميِّت بتمامه.
وكذلك صحيحة علي بن جعفر عليهالسلام : « وإن كان قد برد فعليه الغسل إذا مسّه » (2)فمع عدم البرد بتمام جسد الميِّت لا غسل واجب وإن مسّ العضو الّذي قد برد.
(1) لأنّه مقتضى ظهور غسل الميِّت في الأخبار المتقدمة الدالّة على وجوب غسل مسّ الميِّت إذا لم يغسل الميِّت بعد ، فإن غسل الميِّت ظاهر في الغسل الشرعي المأمور به ، وهو ملفق من ثلاثة أغسال.
(2) لعدم تمامية الغسل المأمور به.
(3) في الغسل الثالث كما إذا مسّ رأس الميِّت بعد ما غسل في الغسل الثالث وقبل تماميته ، أي قبل غسل البدن في الغسل الثالث ، وذلك لعدم تمامية الغسل المأمور به.
ويكفي في سقوط الغسل إذا كانت الأغسال الثلاثة كلّها بالماء القراح لفقد السدر والكافور (1)، بل الأقوى كفاية التيمم (1) أو كون الغاسل هو الكافر بأمر المسلم لفقد المماثل ،
(1) قد تقدم أن غسل مسّ الميِّت إنّما يجب فيما إذا كان المسّ قبل التغسيل ولا يجب بعده ، والغسل الواجب في الميِّت ثلاث ، لأنّه لا بدّ من تغسيله أوّلاً بماء السدر ثمّ بماء الكافور ثمّ بالماء القراح ، فمع عدم تمامية الأغسال يكون المسّ موجباً للغسل كما مرّ. هذا في صورة التمكّن والاختيار.
وأمّا إذا لم يوجد السدر والكافور وغسّل الميِّت بالماء القراح ثلاثاً فهل يكفي ذلك في سقوط الغسل فلا يجب بمسّه أو لا؟
الصحيح هو السقوط ، وذلك لإطلاقات الأخبار الدالّة على عدم وجوب الغسل إذا مسّه بعد تغسيله (2)، لأن ظاهرها أنّ المسّ بعد الغسل المأمور به لا يوجب الغسل ، وأنّ الغسل المأمور به يختلف باختلاف الحالات ، ومع التمكّن يجب تغسيل الميِّت بالسدر والكافور ، ولا يجب ذلك في صورة عدم التمكّن منه ، لسقوط الشرط بالتعذّر واختصاصه بحال التمكّن منه.
فإذا غسل بالماء القراح ثلاثاً فقد تمّ غسل الميِّت المأمور به شرعاً ، فلا يكون مسّه بعدئذ موجباً للغسل ، لعدم التقييد في الأخبار بما إذا غسل بالسدر والكافور ، وإنّما دلّت على نفي الغسل بعد تغسيل الميِّت وهذا ظاهر.
نعم ، في مشروعية التغسيل بالماء القراح ثلاثاً عند عدم السدر والكافور أو وجوب التيمم حينئذ كلام يأتي التعرّض له في البحث عن وجوب غسل الميِّت وكلامنا في المقام بعد الحكم بوجوب تغسيله بالماء القراح ثلاث مرّات.
لكن الأحوط عدم الاكتفاء بهما (1) ،
(1) إذا لم يوجد الماء أو لم يتمكّن من تغسيل الميِّت به فيمم فهل يجب غسل مسّ الميِّت على من مسّه بعد التيمم أو لا يجب؟
الظاهر هو الوجوب ، وهذا لا لما قد يناقش به في بدلية التيمم عن الغسل في المقام بأن غاية ما ثبت من الأخبار الواردة في البدلية إنّما هو بدلية التراب عن الماء ، لقوله عليهالسلام ربّ التراب أو الصعيد وربّ الماء واحد (1)وأمّا بدليته عن السدر والكافور فلم تثبت بدليل ، وقد عرفت أنّ الميِّت يجب تغسيله بالماء القراح وبالسدر والكافور.
وقد يجاب عن هذه المناقشة بأن الواجب هو الغسل بالماء ، وكونه بالسدر والكافور من الشرائط ، ومن ثمة يشترط في الخليط أن لا يكون كثيراً على نحو يخرج الماء عن الإطلاق ، فالواجب هو الغسل بالماء المطلق وإن كان له شروط نظير شرائط الغسل والوضوء.
وفيه : أنّ المستفاد من الروايات إنّما هو بدلية التراب عن طبيعي الماء ، وأمّا بدليته عن الحصّة منه وهو الماء المشروط بكونه مخلوطاً بالسدر أو الكافور فلم يقم عليها دليل.
نعم ، الماء في الأغسال الثلاثة لا بدّ أن يكون ماء مطلقاً كما أُفيد إلاّ أنّ المأمور به بالأخرة هو الحصّة الخاصّة منه مع بقائه على إطلاقه ، والأدلّة دلّت على أنّ التيمم أو التراب إنّما هو بدل عن طبيعي الماء ، ولم يقم على بدليته عن الحصّة الخاصّة منه دليل.
والصحيح في الجواب عن هذه المناقشة أن يقال إنّ الأخبار الواردة في البدلية غير مختصّة بما دلّ على تنزيل التراب منزلة الماء ، فإن قوله عليهالسلام « التيمم أحد الطهورين » (2)مطلق ، لإطلاق الطهور الثاني ، فهو يعم طبيعي الماء والحصّة الخاصّة منه كما في المقام ، ومقتضاه قيام التيمم مقام التغسيل بالسدر والكافور أيضاً ، لدلالته
على أنّه يقوم مقام مطلق الطهور.
هذا على أنّا لو سلمنا أنّ الأدلّة دلّت على تنزيل التراب منزلة الماء أيضاً لا مانع من شمولها للمقام ، لأنّ التيمم حينئذ بناءً على مشروعية الأغسال الثلاثة بالماء القراح وعدم انتقال الأمر إلى التيمم بدل عن الماء المطلق وطبيعي الماء ، لا أنّه بدل عن الحصّة الخاصّة ، فالتيمم بدل عن الأغسال الثلاثة بالماء القراح الّتي هي بدل عن الغسل بالسدر والكافور ، فلا إشكال من هذه الجهة.
وعلى الجملة لا إشكال في شمول أدلّة البدلية للمقام لإطلاقها.
وأمّا الاستدلال على بدلية التيمم عن غسل الميِّت برواية عمرو بن خالد « في ميت مجدور كيف يصنع بغسله؟ قال عليهالسلام : ييمم » (1)، بدعوى دلالتها على أن من لم يمكن تغسيله يكفي التيمم في حقّه.
فيندفع بأنّ الرواية ضعيفة السند ، لوجود عدّة مجاهيل في السند.
ودعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب لأنّهم أخذوا التمثيل بالمجدور في كلماتهم فيظن أنّهم أخذوا الحكم من تلك الرواية كما عن المحقق الهمداني (2)قدسسره.
مندفعة بأن ذلك لا دلالة له على استنادهم إلى الرواية ، ومن ثمة لم يخصصوا الحكم بالمجدور ، بل ذهبوا إلى كفاية التيمم في مطلق من لم يمكن تغسيله ، وذكروا المجدور من باب المثال ولعدم التمكّن من غسله بالماء لتناثر لحمه بإصابته ، مع أنّ الرواية مختصّة بالمجدور.
على أن كبرى الانجبار بعمل المشهور غير ثابتة كما ذكرنا في محلِّه (3)، فالصحيح في الاستدلال هو التمسُّك بإطلاق أدلّة البدلية كما تقدّم.
بل الوجه في المنع عن كفاية التيمم عن وجوب غسل المسّ هو أنّ الأدلّة الواردة في بدلية التيمم عن الماء إنّما تدل على أنّه طهور في حقّ المتيمم وأنّه متطهر كالمتطهر بالماء ولكنّه في هذه الحال ، وأمّا الشخص الآخر وأن حكم مسّه حكم المسّ بعد
ولا فرق في الميِّت بين المسلم والكافر (1)
التغسيل فهو محتاج إلى الدليل ، أي محتاج إلى عناية زائدة في الكلام ولا يمكن استفادته من بدلية التيمم عن الغسل بالإضافة إلى المحدث والميِّت.
وهذا نظير ما إذا كان بدن الميِّت متنجساً ثمّ ييمم ، فإن أدلّة البدلية لا تدلّ على أن مسّه بالرطوبة غير موجب للتنجس ، لأنّه كمس بدنه بعد التغسيل ، ولعلّه ظاهر.
(1) لأنّ الأخبار الواردة في المقام الدالّة على أن من غسل الميِّت يجب عليه الاغتسال وإن لم تشمل الكافر لاختصاصها بمن يجب غسله بعد موته ، والكافر لا يغسل ولا دليل على مشروعيته في حقّه ، إلاّ أن من الأخبار ما يشمل المقام.
كصحيحة محمّد بن مسلم الدالّة على أن من غمض عيني الميِّت يغتسل (1)، فإن غمض العين لا يختص بالمسلم ويشمل الكافر أيضاً.
وكذا صحيحة إسماعيل بن جابر الدالّة على أن مسّ الميِّت بعد برده موجب للاغتسال (2)، لإطلاقها وعدم اختصاصها بالمسلم وإن كان موردها هو المسلم ، وكذا غيرهما ممّا دلّ على وجوب الغسل بتقبيل الميِّت (3)، فإنّها مطلقة تعم الكافر لا محالة.
وأمّا الأخبار الأُخرى فغايتها أنّها لا تدل على وجوب الغسل بمسّ الكافر الميِّت لا أنّها تدل على عدم الوجوب.
وأمّا ما حكي عن العلاّمة قدسسره من أن مسّ الكافر كمس ميتة البهيمة (4).
ففيه : أنّه يشبه كلام العامة لأنّه قياس ، فإن عدم وجوب الاغتسال من مسّ البهيمة لا يستلزم عدم وجوبه في مسّ ميت الإنسان ، وهما أمران أحدهما غير الآخر
والكبير والصغير (1) حتّى السقط (2) إذا تمّ له أربعة أشهر ، بل الأحوط الغسل بمسّه ولو قبل تمام أربعة أشهر أيضاً وإن كان الأقوى عدمه.
وإن كان الكفار كالبهائم حقيقة بل هم أضل سبيلاً ، إلاّ أن حكمهما مختلف ، ومن ثمة يجوز وطء الكافرة دون البهيمة.
مضافاً إلى أنّه اجتهاد في قبال النص ، لدلالة الأخبار المتقدمة بإطلاقها على وجوب الغسل بمس ميت الكافر أيضاً ، ودلالتها على عدم وجوب الغسل بمس الميِّت الحيواني كما تقدم ، فالقياس مع الفارق.
(1) لإطلاق الأخبار ، فإنّ الموضوع لوجوب غسل المسّ إنّما هو مسّ الميِّت الإنساني بلا فرق في ذلك بين الصغير والكبير.
(2) أي إذا ولجته الروح ، وذلك لصدق الميِّت الإنساني عليه ، وهو ظاهر.
وإنّما الكلام في السقط الّذي لم تتم له أربعة أشهر ، أي قبل ولوج الروح فيه ، هل يوجب مسّه الغسل أو لا يوجبه؟
فيه خلاف بين الأعلام ، والصحيح عدم وجوب الغسل بمسّه ، لأنّ الموضوع كما مرّ هو مسّ الميِّت الإنساني ، وإنّما يصدق الميِّت فيما إذا سبقته الروح والحياة ، فالمراد به خصوص الميِّت بعد الحياة لا مطلق ما لا روح فيه ، فلا يصدق الميِّت على السقط قبل ولوج الروح فيه.
ويؤيّده ما رواه الصدوق في العلل عن ابن شاذان وعن محمّد بن سنان عن الرضا عليهالسلام « إنّما أُمر من يغسل الميِّت بالغسل لعلّة الطهارة ممّا أصابه من نضح الميِّت ، لأنّ الميِّت إذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته » (1).
لدلالته على أنّ الميِّت الّذي يجب الغسل بمسّه هو الميِّت الّذي له روح تخرج منه دون الميِّت الّذي لا روح له من الابتداء.
نعم ، يبقى الكلام في أنّه إذا لم تصدق الميتة أو الميِّت على ما لا روح فيه من
1) الوسائل 3 : 292 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 11 ، 12. علل الشرائع : 268 / 9.
الابتداء ، فبأي وجه تحكمون على السقط بالنجاسة حينئذ ، لعدم كونه ميتة على الفرض ، مع أن نجاسته ممّا لا خلاف فيه.
إلاّ أنّا قدّمنا في مبحث النجاسات (1)أن موضوع الحكم بالنجاسة لا يختص بالميتة لأنّ الجيفة أيضاً نجسة ، فالموضوع أعم من الميتة ، لما في بعض الأخبار من النهي عن التوضؤ بالماء الّذي تغيرت ريحه بريح الجيف (2). ولا إشكال في أنّ السقط قبل ولوج الروح فيه يصدق عليه الجيفة ، بل هو من أظهر مصاديقها ، فهو نجس من هذه الجهة.
وأمّا الاستدلال على نجاسته بأنّه من القطعات المبانة من الحي والقطعة المبانة بحكم الميتة ونجسة ،
فمندفع بأنّ الظاهر من القطعة المبانة كون الشيء المبان قبل أن يبان جزءاً من الحيوان ، ومن الظاهر أنّ السقط والولد ليسا جزءاً من الأُم ، لأن حالهما حال البيضة في بطن الدجاجة ، فالبطن وعاء للسقط ليس هو جزءاً من بدن الام ، فلا يصدق عليه عنوان القطعة المبانة من الحي.
على أنّه لو كان من القطعات المبانة من الحي لزم الالتزام بوجوب غسل المسّ بمسّه بناءً على ما هو المشهور من أنّ القطعة المبانة من الحي إذا كانت مشتملة على العظم وجب الغسل بمسّه ، والسقط قبل تمام أربعة أشهر مشتمل على العظم ، والمفروض أنّا لا نلتزم بوجوب الغسل بمسّه.
ويؤيّد ما ذكرناه اتفاقهم على نجاسة الجنين كما تقدم ، لأنّه يؤكّد كون الموضوع في الحكم بالنجاسة أعم من الميتة كما مرّ.
وأمّا ما استدلّ به المحقق الهمداني (3)قدسسره على نجاسة السقط حينئذ بالأخبار الدالّة على أن ذكاة الجنين ذكاة أُمّه (4)، بتقريب أنّها تدل على أنّ الجنين قابل للتذكية وأنّه مذكّى عند تذكية امّه ، فإذا لم تقع عليه التذكية ولم يذك امّه فهو ميتة ، إذ
[821] مسألة 1 : في الماسّ والممسوس لا فرق بين أن يكون ممّا تحله الحياة أو لا كالعظم والظفر (1) ، وكذا لا فرق فيهما بين الباطن والظاهر (2)
لا واسطة بين الميتة وغير المذكى واقعاً ، وبعبارة اخرى إنّها تدل على أنّ الأُم إذا ذبحت فجنينها أيضاً طاهر محلل الأكل ، لكفاية ذبح الأُم في تذكية الجنين ، وأمّا إذا لم تذبح الام فخرج جنينها فهو ليس بمذكى ولا يجوز أكله ، فإذا لم يكن مذكى فهو ميتة لعدم الواسطة بينهما واقعاً ، ومع كونه ميتة لا بدّ من الحكم بنجاسته.
ففيه : أنّ الميتة والمذكى قسمان للحيوان أي لما هو حي ، لأنّه قد يكون ميتة وقد يكوى مذكّى ، وأمّا ما لا حياة له فهو خارج عن المقسم ولا يتصف بشيء منهما ، وغير المذكّى إنّما يكون ميتة في الحيوان الّذي هو مقسم للمذكى والميتة ، لأنّه إذا لم يكن مذكى فهو ميتة ، لا فيما لا ينقسم إليهما وليس كل ما هو غير مذكّى ميتة.
والرواية المذكورة لا نظر لها إلاّ إلى إثبات أن ذكاة الام كافية في تذكية الجنين ، وأمّا أنّه إذا لم تذك الام فخرج جنينها فهو ميتة فلا نظر للرواية إليه بوجه ، فالصحيح في الاستدلال على نجاسته ما ذكرناه.
(1) لإطلاق النصوص (1)، لأنّ الموضوع فيها مسّ الميِّت الإنساني ، وهذا كما يصدق بمس ما تحلّه الحياة منه كذلك يصدق بمس ما لا تحله الحياة.
(2) كما إذا أدخل إصبعه في فم الميِّت أو أنفه أو أدخل إصبع الميِّت في فمه أو أنفه وذلك لإطلاق الأخبار الدالّة على أن موضوع وجوب الغسل مسّ الميِّت الإنساني وهذا لا يفرق فيه بين مسّ الباطن والظاهر.
1) الوسائل 3 : 289 / أبواب غسل المسّ ب 1.
نعم المسّ بالشّعر لا يوجبه ، وكذا مسّ الشّعر (1)(1).
(1) بمعنى أنّه يعتبر في وجوب الغسل مسّ البدن بالبدن ، وأمّا إذا مسّ شعر الميِّت ببدنه أو مسّ بدن الميِّت بشعره فلا يجب عليه الاغتسال.
وما أفاده قدسسره فيما إذا لم يصدق مسّ الميِّت بمسّ الشعر وإن كان صحيحاً كما إذا كان شعره أو شعر الميِّت طويلاً جدّاً بحيث يحسب عرفاً كالشيء المنفصل المغاير للبدن ، فإن مسّه أو المسّ به لا يكون من مسّ الميِّت بوجه.
وأمّا إذا كان الشعر في الماس أو الميِّت الممسوس متعارفاً بحيث يصدق عرفاً بمسّه مسّ الميِّت فلا يمكن المساعدة على ما أفاده قدسسره.
لأنّ الموضوع في الروايات هو مسّ الميِّت الإنساني ، وهو متحقق في المقام وكون الشعر ممّا لا تحله الحياة لا يمنع عن صدق المسّ ووجوب الغسل به ، كما التزم هو قدسسره بذلك حيث ذكر أنّ الماس والممسوس لا فرق بين أن يكون ممّا تحله الحياة أو لم يكن.
نعم ، في بعض الروايات كصحيحتي الصفّار وعاصم بن حميد : « إذا أصاب يدك جسد الميِّت » (2)، أو « إذا مسست جسده ... » إلخ (3)، والجسد لا يشمل الشعر.
والاستدلال بذلك لو تمّ فهو إنّما يدل على أن مسّ شعر الميِّت لا يوجب الغسل وأمّا مسّ بدنه بالشعر فهو من مسّ جسد الميِّت ، فلا تدل على عدم وجوب الغسل فيه ، لأنّه من مسّ الميِّت بجسده.
على أنّ الاستدلال بها غير تام ، لأنّ المراد به هو مسّ بدنه لأنّ الإنسان مركب من النفس والبدن فالمراد بالجسد وهو غير النفس هو البدن في مقابل المسّ بالثوب.
[822] مسألة 2 : مسّ القطعة المُبانة من الميِّت أو الحي إذا اشتملت على العظم (1)يوجب الغسل (1) دون المجرّد عنه ،
وممّا يؤكّد ذلك ما ورد في صحيحة الصفار من التقابل بين مسّ ثوب الميِّت وبدنه ، حيث سأل فيها عن رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميِّت ... هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقّع عليهالسلام : إذا أصاب يدك جسد الميِّت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل ، والجسد في مقابل الثوب إنّما هو البدن ، والبدن يعم الشعر أيضاً كما تقدّم.
(1) لا فرق في وجوب الغسل بالمس بين كون الميِّت تام الأجزاء وناقصها ، كما إذا قطعت يده ، ولا بين كونه ذا لحم وعدمه كما إذا تناثر لحمه وبقيت عظامه متصلة غير متلاشية حتّى يصدق عليه الميِّت ، وهذا كلّه للإطلاق وصدق مسّ الميِّت بمسّه ، وإنّما يجب الغسل فيما لو مسّ القطعة من الإنسان بعد برودتها وقبل تغسيل الميِّت ، لأنّ القطعة لا تزيد على الجسد وقد عرفت أن مسّ جسد الميِّت بحرارته أو بعد تغسيله لا يوجب الاغتسال.
وإنّما الكلام يقع في مسّ القطعة المبانة من الإنسان وأنّه هل يوجب الغسل أو لا يوجبه؟
والكلام يقع في مقامين :
المقام الأوّل : في مسّ القطعة المبانة من الحي ، والمشهور فيه الوجوب أي يجب غسل المسّ بمسّها ، وقد استدلّ له بالإجماع المحكي عن الشيخ في الخلاف (2)وبمرسلة
أيوب بن نوح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة » (1). وبرواية الجعفي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن مسّ عظم الميِّت ، قال : إذا جاز سنة فليس به بأس » (2).
ولا يصلح شيء منهما للاستدلال به.
أمّا الإجماع فهو إجماع منقول لا اعتبار به مطلقاً ولا سيما في الإجماعات المنقولة عن الشيخ قدسسره ، على أنّ الإجماع لم يتحقق في نفسه ، لما عن المحقق في المعتبر من أنّ العمل بالرواية قليل ، ودعوى الشيخ في الخلاف الإجماع لم يثبت. (3)
ومن الواضح أن شهادة مثل المحقق بعدم تحقق الإجماع يوهن دعوى الإجماع ، وهو ظاهر.
وأمّا الرواية الأُولى فهي ضعيفة بالإرسال ، وأمّا الرواية الثانية فهي أيضاً كذلك ، إذ قد وقع في سندها عبد الوهاب ومحمّد بن أبي حمزة ، وهما ضعيفان (4).
ودعوى انجبار ضعفهما بعمل الأصحاب مندفعة صغرى وكبرى.
أمّا بحسب الكبرى فقد مرّ غير مرّة ، وأمّا بحسب الصغرى فلما عرفته من المحقق من أنّ العامل بالرواية قليل ، ومعه كيف تثبت شهرة العمل بها؟ فإن مرادنا من انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور هو مشهور المتقدمين ، وهي منتفية حسب نقل المعتبر وأمّا الشهرة بين المتأخرين فهي وإن كانت حاصلة إلاّ أنّها غير جابرة بوجه.
وقد يستدل على وجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة من الحي بالملازمة بين وجوب التغسيل ووجوب الغسل بالمس ، وحيث إنّ القطعة المبانة من الحي المشتملة على العظم واجبة التغسيل كما يأتي إن شاء اللّه تعالى ونبيّن أن وجوب التغسيل لا يختص بالميت بل يجب تغسيل القطعة المبانة أيضاً فهو يدل على وجوب الغسل بمسّها ، لما ورد من أن من غسّل الميِّت فعليه الاغتسال.
وأمّا مسّ العظم المجرّد ففي إيجابه للغسل إشكال (1)، والأحوط الغسل بمسّه خصوصاً إذا لم يمض عليه سنة ، كما أنّ الأحوط في السن المنفصل من الميِّت أيضاً الغسل ، بخلاف المنفصل من الحي إذا لم يكن معه لحم معتد به ، نعم اللّحم الجزئي لا اعتناء به.
وفيه : أنّ القطعة المبانة وإن كان يجب تغسيلها إلاّ أنّه لا ملازمة بينه وبين وجوب الغسل بمسّها ، لأن موضوع ذلك مسّ الميِّت ، حيث إنّ الرواية دلّت على أن من غسل الميِّت اغتسل ، وهذا لا يصدق على مسّ القطعة المبانة من الحي ، لأنّها ليست بميت بل هي جزء من بدن الإنسان وصاحبها حي يرزق ، ومع عدم صدقه لا موجب للغسل بمسّها وإن كان يجب تغسيلها ، فلا ملازمة بين وجوب تغسيل أي شيء ووجوب الاغتسال بمسّه ، بل الملازمة بين تغسيل الميِّت والاغتسال بمسّه.
إذن لا يمكن الحكم بوجوب غسل المسّ بمس القطعة المبانة من الحي وإن كان الغسل أحوط ولو لأجل الإجماع الّذي ادّعاه الشيخ قدسسره وذهاب مشهور المتأخرين إليه. هذا كلّه في القطعة المبانة من الحي المشتملة على العظم.
وأمّا العظم المجرد فالمعروف بينهم عدم وجوب الغسل بمسّه.
وعن جماعة منهم الشهيدان قدسسرهما وجوبه ، بدعوى أنّ العظم هو المناط في وجوب الغسل بمس القطعة المبانة والحكم يدور مداره ، إذ لولاه لم يحكم بوجوب الغسل بمسّ اللّحم المجرّد كما يأتي ، وعليه فالأمر في مسّ نفس العظم أيضاً كذلك (2).
وفيه : أنّ الموضوع في الحكم بوجوب الغسل في مسّ القطعة المبانة على تقدير القول به هو مسّ القطعة المذكورة وإن لم يمس العظم الموجود فيها ، وهو غير مسّ العظم ، فالموضوع هنا غير الموضوع هناك ، لأنّ الموضوع في الأوّل مسّ القطعة المبانة المشتملة على العظم وإن لم يمسّ العظم ، وفي الثاني مسّ العظم وبينهما بون بعيد.
وأمّا مسّ اللّحم المجرّد فلا خلاف في عدم وجوب الغسل بمسّه ، لأنّ الموضوع في الحكم بوجوب الغسل هو مسّ الميِّت ، وهذا لا يصدق على مسّ اللّحم المجرّد كما لعلّه واضح.
المقام الثاني : في مسّ القطعة المبانة من الميِّت إذا اشتملت على العظم.
فقد استدلّوا على وجوب الغسل بمسّها بالوجوه الثلاثة المتقدمة في القطعة المبانة من الحي.
وبالأدلّة الدالّة على وجوب الغسل بمسّ الميِّت ، وذلك لأنّ الحكم المترتب على المركّب يترتب على كل واحد من أجزائه حسب المتفاهم العرفي ، وإذا قيل مسّ الميِّت موجب للغسل فمعناه أن مسّ يده أو رجله أو غيرهما من أجزائه موجب للغسل بلا فرق في ذلك بين اتصالها وانفصالها.
وقد قالوا وقلنا في مبحث النجاسات (1)أنّ الدليل الدال على نجاسة الكلب مثلاً هو الّذي يدل على أن شعر الكلب أو رجله أو يده نجسة وإن كانت منفصلة ، لأنّ النجاسة المترتبة على المركب مترتبة على أجزائه أيضاً.
وباستصحاب وجوب الغسل بمسّها ، لأن تلك القطعة المنفصلة كان مسّها قبل انفصالها موجباً للغسل ، والأصل أنّها بعد انفصالها كذلك توجب الغسل.
ولأنه لو لم يجب الغسل بمسّ القطعة المبانة من الميِّت لزم الالتزام بعدم وجوبه فيما إذا مسّ جميع القطعات المنفصلة عن الميِّت فيما إذا كان متقطعاً ، كما إذا قطع ثلاثة أقسام وقد مسّ جميعها ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
ولا يخفى ما في هذه الوجوه.
أمّا الأوّل فلأنّ المتفاهم العرفي في الحكم المترتب على المركب وإن كان ثبوته لكل
1) في شرح العروة 2 : 422.
واحد من أجزائه إلاّ أن موضوع الحكم في المقام إنّما هو مسّ الميِّت كما تقدّم ، ولا يصدق ذلك بمس جزء من أجزاء الميِّت ، لأنّه ليس مسّاً للميت وإنّما هو مسّ جزء منه.
ولا يقاس المقام بمثل ما دلّ على نجاسة الكلب الّذي قلنا إنّه ينحل إلى نجاسة كل جزء من أجزائه ، لأن مقتضى الارتكاز والفهم العرفي في مثله أنّ الكلب أُخذ عنواناً مشيراً إلى حقيقته ، وهي ليست إلاّ شعره ورجله ويده ولو منفصلة ، لعدم اعتبار الهيئة الاتصالية في الحكم بالنجاسة بالارتكاز.
وبعبارة اخرى : الحكم رتب على الكلب لا بما إنّه كلب ليقال إنّه غير صادق على يده أو رجله مثلاً ، والسر في ذلك واضح ، للقطع بأن تقطيع الكلب ليس مطهراً له بدعوى أن يده ليست بكلب فطاهرة وهكذا شعره ورجله ، فالهيئة الاتصالية غير دخيلة في الحكم بنجاسته.
إذن فالحكم ينحل إلى أجزاء الكلب متصلة كانت أم منفصلة ، فإذا قيل الكلب نجس فيفهم منه أن شعره وبقية أعضائه نجسة ولو كانت منفصلة ، لأنّه ليس إلاّ هي.
وهذا بخلاف المقام ، لأنّ الموضوع فيه بحسب النص هو مسّ الميِّت ، وهو لا يصدق بمس جزء من أجزائه.
وأمّا الثاني فلأنه من الاستصحابات التعليقية ، لتوقف الحكم بوجوب الغسل حال كون الجزء متصلاً على مسّه وأنّه لو مسّها وجب الغسل ، وهو حكم تعليقي ، فلا حكم فعلي في البين ، وقد بنينا في محلِّه على عدم جريان الاستصحاب في التعليقيات (1).
على أنّا لو قلنا بجريانها فالموضوع غير باق ، لأنّه كما عرفت عبارة عن مسّ الميِّت ، وقد كان مسّ القطعة حال اتصالها من مسّ الميِّت بلا كلام ، وهذا بخلاف ما إذا كانت منفصلة ، إذ لا يصدق مسّ الميِّت على مسّها ، واتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة فيها ممّا لا بدّ منه في جريان الاستصحاب كما هو ظاهر.
وأمّا الوجه الثالث فلأنه لو لم يصدق على مسّ تمام القطعات من الميِّت المتقطع
1) راجع مصباح الأُصول 3 : 134 التنبيه السّادس.
أجزاؤه مسّ الميِّت ، التزمنا بعدم وجوب الغسل بمسّها أيضاً ، إلاّ أنّه يصدق مسّ الميِّت عرفاً بمس تمام القطعات ، ومعه لا مناص من الالتزام بوجوب الاغتسال حينئذ ، وأين هذا من مسّ قطعة مبانة من الميِّت ، فإنّه لا يصدق عليه مسّ الميِّت كما مرّ ، فهذه الوجوه ساقطة.
وأمّا مسّ العظم المجرد المنفصل عن الميِّت فالمعروف وجوب الغسل بمسّه ، وقد استدلّوا على وجوب الغسل به بما تقدم في العظم المنفصل عن الحي من أنّه المناط في الحكم بوجوب الغسل في مسّ القطعة المبانة ، وغيره من الوجوه الثلاثة الأخيرة في مسّ القطعة المبانة من الميِّت.
وقد عرفت المناقشة فيها ولا نعيد.
ونزيدها في المقام أن مسّ العظم المجرّد المنفصل عن الميِّت لو كان موجباً للاغتسال لتلك الوجوه المتقدمة لم يكن مناص من الالتزام بوجوبه في مسّ اللّحم المجرّد منه أيضاً ، لجريان الوجوه الثلاثة فيه ، إذ لا فرق فيها بين كون الجزء عظماً أو لحماً ، فإنّ الاستصحاب أو دلالة الأدلّة على انحلال الحكم على كل واحد من أجزاء الميِّت لا يختصّان بالعظم ، وكذلك الوجه الثالث.
اللّهمّ إلاّ أن يقال إن مقتضى الوجوه المذكورة وإن كان وجوب الغسل بمس اللّحم أيضاً إلاّ أنّ الإجماع التعبّدي قائم على عدم وجوبه بمسّ اللحم المجرد.
ولكن دعوى الإجماع التعبّدي بعيدة غايته.
وقد يستدل برواية إسماعيل الجعفي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن مسّ عظم الميِّت ، قال : إذا جاز سنة فليس به بأس » (1)إلاّ أنّها ضعيفة السند بعبد الوهاب ومحمّد بن أبي حمزة (2)، فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
ودعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب ، مندفع بأنّ الرواية غير معمول بها
عندهم ، لاشتمالها على التفصيل بين تجاوز السنة على العظم فلا يجب ، وبين عدم تجاوزها فيجب الغسل بمسّه ، وهو ممّا لا يقول به أحد من أصحابنا.
نعم ، ذهب أبو علي إلى التفصيل بين تجاوز السنة وعدمه (1)، إلاّ أنّه في القطعة المُبانة دون العظم المجرّد ، وإن كان ما فعله غير ظاهر الدليل أيضاً ، اللّهمّ إلاّ أن نتأول في الرواية بما ذكره صاحب الوسائل (2)قدسسره من أنّ العظم قبل السنة لا يخلو عن اللّحم ، وأمّا بعد تجاوز السنة عليه فيتناثر لحمه ويبقى مجرّداً ، ومن هنا لم يجب الغسل بمسّه بعد تجاوزها.
وفيه أوّلاً : أنّه لا ملازمة بين تجاوز السنة وتناثر اللحم أو قبل تجاوزها وعدم تناثره ، لأنّ العظم قد يذهب لحمه بعد يومين أو شهر ، لأكل السبع أو رطوبة المكان والعظم ، وقد يبقى بعد السنة أيضاً.
وثانياً : أنّ الرواية على هذا التقدير من أدلّة وجوب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي ، ولا تدل على وجوب الغسل بمسّ العظم المجرد.
وعلى الجملة : الرواية ضعيفة وغير قابلة للاستدلال بها في المقام ولا في مسّ القطعة المبانة.
فقد تلخّص أنّ القطعة المبانة من الميِّت كالمبانة من الحي في عدم وجوب الغسل بمسّها ، بل المبانة من الميِّت أسوأ حالاً من المبانة من الحي ، لأنّ الغسل بمس المبانة من الحي قد نص عليه في بعض الروايات ، بخلاف القطعة المبانة من الميِّت.
اللّهمّ إلاّ أن يتشبّث بالأولوية في المبانة من الميِّت ، أو يقال باستفادة حكم المبانة من الميِّت من نفس النص الوارد في الحي ، وذلك للتعليل الوارد في المرسلة « إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة » (3)، لأنّها ظاهرة في أنّ الحكم المذكور بعده مترتب على كونها ميتة ، وهذا متحقق في المبان من الميِّت أيضاً ، ولكن ضعف الرواية مانع عن
[823] مسألة 3 : إذا شكّ في تحقق المسّ وعدمه (1) أو شكّ في أنّ الممسوس كان إنساناً أو غيره (2)
الاستدلال بها في كل من الحي والميِّت.
وقد ظهر ممّا ذكرناه في المقام أن ما ذكره الماتن قدسسره من أنّ الأحوط في السن المنفصل من الميِّت أيضاً الغسل بمسّه ممّا لا وجه له ، لعدم ثبوت الغسل بمسّ العظم المنفصل عن الميِّت.
وأمّا اللّحم المجرّد المبان عن الميِّت فالظاهر أنّه لا قائل بوجوب الغسل بمسّه وإن كان مقتضى الوجوه الثلاثة المستدل بها على وجوب الغسل بمسّ العظم وجوبه بمسّ اللّحم المجرّد أيضاً ، إلاّ أنّها لما كانت ضعيفة لم نلتزم بها هناك فضلاً عن المقام.
(1) الوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ استصحاب عدم تحقق المسّ الّذي هو الموضوع للحكم بوجوب الغسل ، وهذا ظاهر.
(2) بأن علم بمسّه وشكّ في أنّ الممسوس حيوان أو جماد ، أو علم بأنّه حيوان وشكّ في أنّه إنسان أو غيره.
والوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ أصالة عدم كون الممسوس إنساناً ، لما قدمناه في محلِّه (1)من جريان الأصل في الأعدام الأزلية من غير فرق في ذلك بين الأوصاف الذاتية والعرضية.
وتقريبه في المقام أن ذات الممسوس وإن كانت معلومة الحدوث والتحقق إلاّ أنّا نشك في إضافته إلى الإنسان وغيره ، وحدوث الإضافة مشكوك ، وهي أمر حادث مسبوق بالعدم ، فالأصل عدم تحقق حدوث الإضافة إلى الإنسان ، أو يستصحب عدم وقوع المسّ على الإنسان ، وبه يرتفع وجوب الغسل لا محالة.
1) في محاضرات في أُصول الفقه 5 : 207 وما بعدها.
ثمّ لو منعنا جريان الاستصحاب في المقام فلا بدّ من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة في المكلّف ، فإذا كان متطهراً قبل مسّه ثمّ مسّ شيئاً وشكّ في أنّه إنسان أو غيره فيشك في انتقاض طهارته بطروء الحدث بالمس وعدمه ، والأصل بقاؤه على طهارته وعدم طروء الحدث في حقّه ، وذلك لقوله عليهالسلام « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً » (1).
وأمّا إذا كان محدثاً بالأصغر كما إذا كان نائماً ثمّ مسّ ما يشك في كونه ميتاً إنسانياً فإن كان إنساناً فقد تبدّل حدثه الأصغر بالأكبر ، وإن كان غيره فحدثه الأصغر باقٍ بحاله ، فيستصحب بقاء حدثه الأصغر بحده وعدم تبدّله بالحدث الأكبر ، ومقتضى استصحاب بقاء حدثه الأصغر بحاله وعدم طروء الحدث الأكبر أنّه لا يجب عليه سوى الوضوء.
ومع هذا لا مجال لاستصحاب بقاء الحدث الكلي بعد الوضوء ، لأنّه نظير ما قدّمناه في مَن كان محدثاً بالأصغر ثمّ خرجت منه رطوبة مردّدة بين البول والمني بعد الاستبراء ، حيث قلنا إنّه يستصحب بقاء حدثه الأصغر بحاله وعدم تبدله بالحدث الأكبر ، فلا يجب في حقّه إلاّ الوضوء.
لأنّ الرطوبة إذا كانت بولاً فلا أثر لها ، لأنّ الحدث الأصغر بعد الأصغر لا أثر له وإذا كانت هي المني فأثرها وجوب الاغتسال ، إلاّ أن استصحاب بقاء حدثه الأصغر بحاله ينفي وجوب الغسل في حقّه ، ولا يجري معه استصحاب الكلي ، أعني استصحاب كلي الحدث بعد الوضوء.
ثمّ لو منعنا عن جريان الاستصحاب في محل الكلام فبناءً على غير ما هو التحقيق عندنا من إغناء كل غسل من الوضوء يكون أمر المكلّف في المقام دائراً بين الأقل والأكثر ، لأنّه بعد المسّ عالم بوجوب الوضوء عليه على كل حال فيما إذا كان محدثاً ويشك في توجه التكليف بالغسل عليه زائداً عليه ، فمقتضى البراءة عدم وجوب الأكثر في حقّه.
1) الوسائل 3 : 466 / أبواب النجاسات ب 37 ح 1.
أو كان ميتاً أو حياً (1) أو كان قبل برده أو بعده
(1) هذا الشك لا أثر له ، لأنّ المسّ بعد الموت غير موجب للغسل ما دام بحرارته ، فلا مناص من أن يكون أحد طرفي الشك بعد البرودة كما في المثال الّذي بعده ، بأن علم أنّه مسّ ميتاً إنسانياً يقيناً إلاّ أنّه يشك في أنّه بعد برودته ليجب عليه الغسل أو قبله فلا يجب عليه الغسل ، أو يشك في أنّه مسّه بعد برودته أو قبل أن يموت.
وهذا الشك له صور ، لأنّ هناك حادثين : أحدهما المسّ والآخر البرودة أو الموت فقد يكون تاريخ المسّ معلوماً وتاريخهما مجهولاً ، وقد يكون تاريخهما معلوماً وتاريخ المسّ مجهولاً ، وثالثة يكون كلا التاريخين مجهولاً.
الصورة الأُولى : ما إذا كان تاريخ المسّ معلوماً دون تاريخ البرودة والموت ، فمقتضى استصحاب عدم البرودة أي الحرارة ، أو استصحاب الحياة وعدم الموت إلى حين المسّ وفي زمانه هو عدم وجوب الغسل في حقّه ، لعدم تحقق البرودة أو الموت في زمان المسّ ، مع أنّ الموضوع هو كونهما في زمانه أعني المسّ بالبرودة أو مع الموت.
الصورة الثانية : ما إذا كان تاريخ البرودة والموت معلوماً وتاريخ المسّ مجهولاً فالصحيح عدم وجوب الغسل في حقّه ، وذلك لاستصحاب عدم تحقق المسّ بعد البرودة أو الموت الّذي هو الموضوع المرتب عليه وجوب الغسل ، للصحيحة المتقدمة الدالّة على وجوب الغسل بالمس بعد ما برد (1).
والسر في جريانه أن وقوع المسّ قبل البرودة أو الموت أو عدم وقوعه ممّا لا أثر له شرعاً ، لأنّ الأثر إنّما هو للمس الواقع بعد الحياة أو الحرارة. إذن فاستصحاب عدم المسّ إلى حين البرودة أو الموت غير جارٍ ، لأنّه لا أثر له إلاّ بلحاظ لازمه العقلي وهو وقوعه بعد البرودة أو الموت ، إلاّ أنّه من الأصل المثبت ولا نقول به ، ومع عدم جريانه نشك في تحقق الموضوع لوجوب الاغتسال ، والأصل عدمه ، وهو غير
1) الوسائل 3 : 290 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 2.
أو في أنّه كان شهيداً أم غيره (1)(1) ،
معارض بشيء.
الصورة الثالثة : ما إذا كان التاريخان مجهولين معاً ، ولا بدّ حينئذ من الحكم بعدم وجوب الغسل لاستصحاب عدم تحقق المسّ بعد البرودة أو الموت ، وذلك لعدم كونه معارضاً باستصحاب عدم تحققه قبلهما ، لأنّه لا أثر له كما عرفت.
(1) يقع الكلام في ذلك في مقامين :
أحدهما : في الحكم الواقعي وأن مسّ الشهيد كمس غيره موجب للغسل أو لا يترتب على مسّه وجوب الغسل ، وهذا لم يتعرّض له المصنف قدسسره وكأنّه مفروغ عنه وأمر مسلّم عنده.
وثانيهما : فيما إذا شكّ في أنّ الميِّت شهيد أو غير شهيد فهل يجب غسل المسّ أو لا يجب؟
أمّا المقام الأوّل : فقد استدلّ على عدم وجوب الغسل بمسّ الشهيد بأمرين :
أحدهما : أن وجوب الغسل يختص بما إذا كان الميِّت ممّن يجب تغسيله ، لقوله عليهالسلام « من غسّل ميتاً فعليه الغسل » (2)وأمّا الميِّت الّذي لا يجب تغسيله فلا دليل على وجوب الغسل بمسّه ، ومن الظاهر أنّ الشهيد لا يغسل ولا يكفن كما يأتي إن شاء اللّه.
ويدفعه : أن غاية ما تدل عليه تلك الروايات وجوب الغسل بمسّ الميِّت الّذي يجب تغسيله ، أمّا أنّ الميِّت الّذي لا يجب تغسيله فلا يجب الغسل بمسّه فلا دلالة لها عليه بوجه.
كما أشرنا إلى ذلك (1)في وجوب الغسل بمسّ الميِّت الكافر وقلنا إنّه وإن لم يجب تغسيله إلاّ أن ما دلّ على أن من غسّل ميتاً فعليه الغسل لا يدل على الملازمة بين الأمرين وعدم وجوبه فيما إذا لم يجب تغسيل الميِّت ، ومع عدم الدلالة على النفي والتقييد تبقى المطلقات الدالّة على وجوب الغسل بمسّ الميِّت بعد البرودة أو بعد ما برد بحالها وهي تقتضي الوجوب.
فعلى ذلك لا فرق بين الكافر والشهيد من هذه الجهة أي من جهة عدم وجوب التغسيل وإن كان عدم وجوب التغسيل في الشهيد لعلو شأنه وتجليله حتّى يلقى اللّه على تلك الحالة الّتي استشهد عليها ومتلطخاً بدمه ، وفي الكافر مستنداً إلى فسقه وعدم قبوله الطهارة بالغسل ، فكما أن مقتضى المطلقات في الكافر وجوب الغسل بمسّه كذلك الحال في الشهيد.
وثانيهما : أنّ الشهيد طاهر من الحدث والخبث ، ولذا لا يجب تغسيله ولا إزالة دمائه بل يدفن متلطخاً بدمه ، والأخبار الواردة في وجوب الغسل بالمس ظاهرة في استناده إلى وجود أثر في الممسوس من الحدث والخبث ، كما يشير إليه ما رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان وعن محمّد بن سنان عن الرضا عليهالسلام « إنّما أُمر من يغسّل الميِّت بالغسل لعلّة الطهارة ممّا أصابه من نضح الميِّت ، لأنّ الميِّت إذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته » (2)وحيث إنّ الموت لا يؤثر في الشهيد بالحدث أو الخبث فلذا لا يغسل ، فلا يدخل تحت تلك النصوص.
ويرد على ذلك أوّلاً : أنّه لم يقم دليل على أنّ الشهيد طاهر من الخبث والحدث بل يمكن أن يكون محدثاً وذا خبث ، إذ لا يمكن الحكم بأن من أصابت يده بدن الشهيد المتلطخ بالدم لا يجب عليه تطهير يده إذ لا خبث في الشهيد ، كما أن مقتضى ما ورد من أنّ الميِّت تخرج منه النطفة حال موته (3)أنّ الشهيد أيضاً محدث ، إذ لا فرق فيه بين الشهيد وغيره.
وثانياً : لو سلمنا طهارة الشهيد من الحدث والخبث لا دليل على أن من كان كذلك لا يجب الغسل بمسّه.
وما ورد في الروايتين المتقدمتين من أن وجوب الغسل والتغسيل من جهة حدث الميِّت أو خبثه إنّما هو من قبيل الحكمة وليس علّة له ، كيف والأئمة المعصومون عليهمالسلام طاهرون مطهرون ، ومع ذلك يجب تغسيلهم ويغسل بمسّهم ، وكذلك النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كما ورد في رواية الصفار (1)على ما قدّمناه ، حيث ورد أنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان طاهراً مطهراً ، ولكن فعل أمير المؤمنين عليهالسلام وجرت به السنة ، إذن فمقتضى العمومات وجوب الغسل بمسّ الشهيد وإن لم يجب تغسيل الشهيد تجليلاً لمقامه.
وقد يستدل على عدم وجوب الغسل بمسّ الشهيد : بأنّ الشهيد ومسّه كان مورداً للابتلاء به في تلك الأزمنة ، لكثرة الحروب في عصر النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنين عليهالسلام ، ومعه لم ينقل لنا وجوب الغسل بمسّه ، وهذا يكشف عن عدم وجوب الغسل بمسّ الشهيد ، وإلاّ لنقل إلينا لا محالة.
وهذا لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، لأنّه بعد ورود حكم مسّ الشهيد في المطلقات الدالّة على أن مسّ الميِّت موجب للغسل لا يلزم بيان حكم مسّ الشهيد بخصوصه.
والّذي يدلّنا على ذلك أنّا لو قلنا بذلك فهو مختص بالشهيد الّذي لا يغسل ، وهو الشهيد الّذي لم يدركه المسلمون حياً ، وأمّا الّذي به رمق وأدركه المسلمون حياً لو حملوه على رحله فمات هناك ، فهذا واجب التغسيل كما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، فمسّه موجب للغسل. وهذا أيضاً كان كثير الابتلاء به ، إذ لم يكن كل من سقط في المعركة شهيداً كذلك ، أي من غير أن يدركه المسلمون حيّاً ، بل كان بعضهم ممّن يدركه المسلمون كذلك قطعاً ، ومع هذا لم يرد في وجوب الغسل بمسّه رواية ولم ينقل وجوبه إلينا ، مع أنّه واجب ولا وجه له إلاّ كفاية المطلقات الواردة الدالّة على وجوب الغسل
1) الوسائل 3 : 291 / أبواب غسل المسّ ب 1 ح 7.
بالمس في ذلك من غير حاجة إلى نقل وجوبه في الشهيد بخصوصه. هذا كلّه في المقام الأوّل.
وأمّا المقام الثاني : فعلى ما قدّمناه لا أثر للشك في أنّ الميِّت الممسوس شهيد أو غيره ، لوجوب الغسل بالمس في مطلق الميِّت.
وأمّا بناءً على عدم وجوب الغسل بمسّ الشهيد فلو شكّ في أنّ الممسوس شهيد أو غيره فمقتضى الأصل وجوب الغسل بمسّه ، لأنّ الشهادة واستناد الموت إليها أمر حادث مسبوق بالعدم ، فهو ميت بالوجدان وليس بشهيد بالاستصحاب ، فلا بدّ من الغسل بمسّه وإن لم يثبت هذا الاستصحاب أن موته مستند إلى شيء آخر ، إلاّ أنّه غير لازم في الحكم بوجوب الغسل بالمس للإطلاقات ، حيث لم يخرج عنها إلاّ الشهيد فإذا أثبتنا عدم كونه شهيداً بالاستصحاب وأحرزنا مسّه بالوجدان شملته العمومات والإطلاقات ، ومعه لا وجه لما أفاده الماتن قدسسره من عدم وجوب الغسل فيما إذا شكّ في أنّ الميِّت شهيد أو ليس بشهيد.
نعم ، في صورة واحدة وفي مورد من موارد الشك في الشهادة نلتزم بعدم وجوب الغسل بالمس ، وهو القتيل في المعركة كما يأتي في كلام الماتن قدسسره عند الكلام على وجوب تغسيل الميِّت ، فإنّه إذا رأينا أحداً في المعركة وهو قتيل ولم ندر أن موته مستند إلى الشهادة أو إلى غيرها ، كما إذا كان في المعركة وأصابه سهم فمات من غير أن يكون من المتحاربين ، ذكروا أنّه ملحق بالشهيد ولا يجب تغسيله ولا يجب الغسل بمسّه ، وهذا لأمرين :
أحدهما : ظهور الحال ، لأن من كان في المعركة وفيه آثار الحرب ظاهره أنّه مات بالشهادة والمحاربة ، واحتمال أنّه مات لخوفه أو لمرضه ممّا لا يعتنى به ، فظاهر الحال يشهد بشهادته.
ويمكن المناقشة في ذلك بأنّ الظهور لم يقم دليل على حجيته في غير باب الألفاظ لأنّه لا يفيد سوى الظن ، والظن لا اعتبار به شرعاً.
أو كان الممسوس بدنه أو لباسه أو كان شعره (1) أو بدنه ، لا يجب الغسل في شيء من هذه الصور.
وثانيهما : الأخبار الواردة في أنّ القتيل بين الصفوف لا يغسل ولا يجب الغسل بمسّه (1)فنلتزم بعدم وجوب الغسل بمسّه وإن كان مشكوك الشهادة واقعاً.
وأمّا في مطلق المشكوك في شهادته ، كما إذا رأينا قتيلاً في غير المعركة واحتملنا أنّه شهيد أصابه الجرح في المعركة فهرب وسقط في هذا المكان أو أنّه قتله لص أو عدوّ ، لم يمكننا الحكم بعدم وجوب الغسل بمسّه ، لما عرفته من استصحاب عدم استناد موته إلى الشهادة ، كما لا يمكن الحكم بعدم وجوب تغسيله.
ويحتمل أن يكون مراد الماتن قدسسره من الحكم بعدم وجوب الغسل بمسّ الميِّت المردّد بين الشهيد وغيره خصوص القتيل في المعركة المشكوك كونه شهيداً أو غير شهيد ، هذا.
ولكن الصحيح أنّ القتيل في المعركة كغيره ممّن يشك في شهادته وعدمها ، وذلك لأن ما دلّ على أنّه بحكم الشهيد ولا يغسل ولا يكفن ويترتب عليه بقيّة آثار الشهيد رواية ضعيفة بغير واحد ممّن وقع في سندها كما لعله يأتي عليه الكلام ، فما أفاده قدسسره في هذه الصورة ممّا لا أساس له بوجه.
(1) فيما إذا كان شعره طويلاً لا يصدق مسّ الميِّت بمسّه ، والوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ هو الشك في تحقق الموضوع للحكم بوجوب الغسل ، أعني مسّ بدن الإنسان ، والأصل أنّ الممسوس غير مضاف إلى بدن الإنسان. أو نرجع إلى استصحاب عدم وقوع المسّ على بدن الإنسان ، أو إلى استصحاب الحالة السابقة في المكلّف من الحدث وأنّه لم يتبدل إلى الحدث الأكبر أو الطهارة وأنّها لم تنتقض بالحدث الأكبر ولم ترتفع ، أو إلى البراءة عن وجوب الأكثر كما مرّ تقريبه.
1) الوسائل 2 : 506 / أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 3 ، لكن ليس فيه حكم المسّ.
نعم ، إذا علم بالمس وشكّ في أنّه كان بعد الغسل أو قبله وجب الغسل (1) ،
(1) هذه المسألة لها صور :
الاولى : أن يشك في أصل الغسل وعدمه ، ولا إشكال في هذه الصورة في أن مقتضى الأصل عدم تحقق الغسل في الممسوس ، ومعه يجب الغسل على الماس ، لأنّ المسّ وجداني وعدم كونه مغسلاً محرز بالاستصحاب.
الثانية : أن يعلم بحدوث كل من الغسل والمسّ ويشك في المتقدم والمتأخر منهما وهذا أيضاً له صور :
الاولى : ما إذا علم تاريخ المسّ كأوّل الصبح أو يوم السبت ويشك في أنّ التغسيل وقع يوم الجمعة أو يوم الأحد ، وهذه الصورة لا إشكال فيها في وجوب الغسل ، لأصالة عدم تحقق التغسيل قبل المسّ ، فالمس وجداني وعدم كون الممسوس مغسلاً محرز بالاستصحاب ، فيحكم عليه بوجوب غسل المسّ.
الثانية : عكس الاولى وهي ما إذا علم تاريخ التغسيل كيوم السبت وجهل تاريخ المسّ ، فقد يقال في هذه الصورة إن أصالة عدم تحقق المسّ قبل التغسيل يقتضي انتفاء موضوع الوجوب وهو المسّ قبل الغسل ، وبه يحكم بعدم وجوب الغسل على الماس.
وكذا في الصورة الثالثة ، وهي ما إذا جهل تاريخهما ، وذلك لتعارض أصالة عدم تحقق المسّ قبل الغسل بأصالة عدم الغسل قبل المسّ وتساقطهما ، فيرجع إلى استصحاب طهارة الماس أو استصحاب عدم مسّ الميِّت الّذي لم يغسل.
ولأجل هذا يحمل كلام الماتن قدسسره على الصورة الاولى أعني ما إذا شكّ في أصل التغسيل ، كما يؤيّده ما فرعه عليه من الإشكال في مسّ العظام المجردة المعلوم كونها من الإنسان ، للشك في وقوع الغسل عليها إلاّ أن يكون أمارة عليه ككونها في مقابر المسلمين ، هذا.
والصحيح وجوب الغسل في جميع تلك الصور.
إمّا الأُوليان فواضحتان.
وأمّا الثالثة والرابعة فللأخبار الواردة في المقام الّتي دلّت على وجوب الغسل بمسّ الميِّت مطلقاً ، بل في بعضها لفظة « كل » وأن كل من مسّ ميتاً فعليه الغسل (1)، ومقتضى تلك الأخبار عدم الفرق في وجوب الغسل بين مسّه قبل التغسيل وعدمه.
وقد خرجنا عن عمومها أو إطلاقها بصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « مسّ الميِّت عند موته وبعد غسله والقُبلة ليس بها بأس » (2)وغيرها من الأخبار ، فالخارج عن العموم أو الإطلاق عنوان وجودي وهو المسّ الّذي يكون بعد الغسل ، والموضوع لوجوب غسل المسّ المسّ الّذي لا يكون بعد الغسل ، ومن الظاهر أن أصالة عدم المسّ قبل التغسيل لا أثر لها حينئذ ، لأنّ الأثر مترتب على المسّ بعد الغسل أو المسّ المتّصف بالوصف العدمي وهو ما لا يكون بعد الغسل ، ففي الأوّل لا يجب الغسل ويجب في الثاني. وأصالة عدم المسّ قبل التغسيل ليس لها أثر بنفسها إلاّ بلحاظ إثبات أنّ المسّ بعد التغسيل إلاّ أنّه من الأُصول المثبتة ، لأن نفي أحد الضدّين لا يثبت الآخر ، فأصالة عدم المسّ قبل الغسل غير جارية في نفسها.
وحيث إنّا علمنا بالمس خارجاً ولم نحرز تحقق العنوان المستثنى عن العموم أو الإطلاق فلا مناص من الحكم بوجوب الاغتسال ، للشك في تحقق المسّ بعد الغسل والأصل عدمه.
ومجمل الكلام في المقام أنّه ورد في صحيحة الصفار « إذا أصاب يدك جسد الميِّت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل » (3)وظاهرها أنّ الموضوع لوجوب الغسل هو المسّ الّذي قبل التغسيل ، أي المقيد بالعنوان الوجودي لا العدمي كما ذكرناه.
ومعه يمكننا نفي هذا الموضوع بالأصل ونقول الأصل أنّ المسّ لم يتحقق قبل التغسيل ، فلا يجب الغسل في الصورتين الأخيرتين.
إلاّ أن ظاهر الصحيحة غير مراد قطعاً ، لأن لازمها عدم وجوب الغسل بمسّ الميِّت إذا لم يقع بعد المسّ تغسيله إلى يوم القيامة ، لعدم تحقق المسّ قبل الغسل ، لأنّ القبلية والبعدية متضائفتان فلو لم يقع غسل بعد المسّ لم يتصف المسّ بالقبلية ، فلا يجب الغسل بالمس حينئذ مع أنّه ممّا لا يمكن الالتزام به.
فلا مناص من التأويل في الصحيحة بحملها اي بحمل القبلية على المعية والاقتران ، كما التزمنا بذلك فيما ورد من أن هذه قبل هذه (1)، لأن صلاة الظهر لا يشترط في صحّتها أن تقع العصر بعدها ، مع أن لازم الرواية اعتبار كونها واقعة قبل العصر والعصر واقعة بعد الظهر للتضايف بين القبلية والبعدية ، مع أنّه لو صلّى الظهر ولم يصل العصر أصلاً أو صلّى العصر قبل الظهر وقعت صلاة الظهر صحيحة وإنّما تبطل العصر فقط ، ومن هنا حملناها على إرادة وقوع العصر لا مع الظهر ، وكذلك القول في المقام إلاّ أنّا نحتمل أن يراد بالمس قبل الغسل ، المسّ الّذي لا يكون بعد الغسل.
توضيح هذا المجمل أن في المقام ضدّين : المسّ قبل الغسل والمسّ بعد الغسل وغسل المسّ إذا وجب في أحدهما لا يكون واجباً في الآخر لا محالة ، وليس لهما ثالث في المقام ، وبما أنّ المسّ بعد الغسل لا يجب معه غسل المسّ قطعاً فيكون المسّ قبل الغسل محكوماً بوجوب غسل المسّ معه ، وحيث إن القبلية كما عرفت لا يمكن أن تؤخذ في موضوع وجوب الغسل فيمكن أن يراد بالقبل غير الواقع بعد الغسل.
ومعه يكون الموضوع لوجوب غسل المسّ هو المسّ الّذي لا يكون بعد الغسل ، وإطلاق أحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما وإرادة غير الضد الآخر أمر ممكن ، ومعه
1) الوسائل 4 : 126 ، 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21 وغيرها.
لا تجري أصالة عدم المسّ قبل التغسيل ، إذ لا أثر لها في نفسها ، وبهذا تصبح الصحيحة مجملة ولا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال.
وحاصل ما ذكرناه في المقام : أنّ المسّ الّذي أُخذ موضوعاً لوجوب غسل المسّ مقيّد بأن لا يكون واقعاً بعد الغسل ، والخارج أمر وجودي وهو المسّ بعد الغسل ومعه لا بدّ من الحكم بوجوب الغسل في جميع الصور المتقدمة ، كان تاريخ المسّ مجهولاً والتغسيل معلوماً أم انعكس أو كان كلا التاريخين مجهولاً.
وذلك لأنّ المسّ معلوم بالوجدان ونشك في أنّه واقع بعد الغسل أو ليس بواقع بعده ، ومقتضى الأصل عدم كونه واقعاً بعد الغسل ، فهو مسّ بالوجدان وليس واقعاً بعد الغسل بالتعبّد ، أي ليس من القسم الخارج بالتعبد ، لأنّ الخارج أمر وجودي يمكن أن يحرز عدمه بالأصل ، فلا مناص من الحكم معه بوجوب غسل المسّ مطلقاً.
وهذا بخلاف ما إذا كان المسّ مقيّداً بقيد عدمي آخر وهو أن لا يكون معه غسل فإنّه على ذلك لا نلتزم بوجوب الغسل فيما إذا كان تاريخ المسّ مجهولاً وكان تاريخ التغسيل معلوماً.
فإن مقتضى استصحاب عدم كون المسّ واقعاً قبل الغسل عدم تحقق موضوع الحكم بوجوب الاغتسال ، أعني المسّ الّذي ليس معه غسل ، لأنّه ينفي وجود المسّ قبل التغسيل ، فليس هناك مسّ لا يكون معه غسل ، فلا يجب غسل المسّ حينئذ بخلاف بقيّة الصور.
فإذا عرفت الفارق بين القيدين العدميين والمدعى ، فنقول في إثبات ذلك :
إنّ المطلقات دلّت على وجوب الغسل بالمس مطلقاً ، وقد دلّت صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة (1)على أنّ المسّ بعد التغسيل لا بأس به ، وإذا انضمّ هذا إلى المطلقات دلّتا على أنّ المسّ الواجب معه الغسل هو المسّ الّذي لا يكون بعد الغسل ، ومعه بما
1) الوسائل 3 : 295 / أبواب غسل المسّ ب 3 ح 1.
وعلى هذا يشكل مسّ العظام (1)المجردة المعلوم كونها من الإنسان في المقابر أو غيرها ،
أنّ المسّ معلوم بالوجدان وعدم كونه بعد الغسل بالاستصحاب لا بدّ من الحكم بوجوب الغسل في جميع الصور المتقدِّمة.
نعم ، ورد في صحيحة الصفار : أنّ المسّ قبل الغسل موجب للغسل (2)، إلاّ أن ظاهرها وهو كون المسّ مشروطاً وجوبه بالتغسيل بعده على نحو الشرط المتأخّر أمر غير محتمل ، لاستلزامه أن لا يجب المسّ فيما إذا لم يقع تغسيل إلى يوم القيامة ، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به.
ومعه إمّا أن يراد بالقبل عدم الغسل بمعنى أنّ المسّ الّذي ليس معه غسل موضوع للوجوب ، ومعه تجري أصالة عدم تحقق المسّ قبل التغسيل في صورة العلم بتاريخ الغسل ، وبه ننفي وجود الموضوع لوجوب الاغتسال دون بقية الصور كما مرّ.
وإمّا أن يراد به عدم كون المسّ واقعاً بعد الغسل نظراً إلى الواقع ، لأنّ المسّ إمّا أن يقع قبل الغسل وإمّا أن يقع بعد الغسل ولا ثالث ، فإذا لم يمكن إرادة القبلية قطعاً فلا مناص من حمل القبل على إرادة أن لا يكون المسّ هو الضد الآخر الّذي لا يجب فيه الغسل ، أي المسّ الّذي لا يكون بعد الغسل ، وهو القيد العدمي الّذي ذكرناه ، ومعه يحكم بوجوب غسل المسّ في جميع الصور كما مرّ.
وحيث إنّ الصحيحة لا قرينة فيها على أحد الأمرين فتصبح مجملة ، والمجمل يحمل على المبين وهو صحيحة محمّد بن مسلم الدالّة على أنّ المسّ بعد الغسل لا يجب معه الغسل ، ومعه يكون المسّ الّذي يجب معه الغسل مقيّداً بأن لا يقع بعده غسل كما بيّناه.
نعم لو كانت المقبرة للمسلمين يمكن الحمل على أنّها مغسّلة (1).
(1) فهل يحكم بوجوب الغسل بمسّها لأنّ المسّ محرز بالوجدان وعدم كونه بعد الغسل بالاستصحاب ، أو لا يحكم به لأنّ الظاهر كون الميِّت في مقابر المسلمين مغسلاً لا محالة؟
بناءً على ما قدّمناه من أن مسّ العظام المجردة غير موجب للغسل حتّى مع العلم بعدم كونها مغسلة فلا إشكال في عدم الوجوب ، لعدم وجوب الغسل عند العلم بعدم كونها مغسلة فضلاً عمّا إذا شكّ في ذلك.
وأمّا بناءً على وجوب الغسل بمسّها أو كانت مع اللحم فهل يجب الغسل بمسّها؟
التحقيق عدم وجوبه إذا كانت خارجة بعد الدفن لنبش أو سيل أو بسبب حيوان أخرجه ونحو ذلك ، وهذا لا للظاهر ، لأنّه لا يفيد أزيد من الظن وهو ليس بحجّة شرعاً ، بل لحمل فعل المسلمين على الصحّة ، لأن من شرائط صحّة الدفن تغسيل الميِّت قبله ، ومع الشك في صحّة دفنهم يبنى على صحّته بالسيرة الجارية على ذلك فإذا حكمنا بصحّته ثبت شرعاً تغسيل الميِّت قبله.
وممّا يدلّنا على هذه السيرة أنّ المتدينين من المسلمين لا يخرجون أمواتهم من القبور ليغسلوها ويصلّوا عليها مع الشك في جملة كثيرة من الأموات وأنّها هل غسلت على وجه شرعي وصلّى عليها أم لا؟
وليس هذا إلاّ لعدم الاعتناء باحتمال عدم التغسيل والصلاة ، وللبناء على صحّة دفنهم المستلزمة شرعاً لعدم وجوب تغسيل الأموات والصلاة عليهم في مفروض الكلام ، وهذه السيرة من أظهر السير ، وبها يثبت عدم وجوب الغسل بمسّ العظام.
[824] مسألة 4 : إذا كان هناك قطعتان يعلم إجمالاً أن إحداهما من ميت الإنسان فإن مسّهما معاً وجب عليه الغسل ، وإن مسّ إحداهما (1) ففي وجوبه إشكال (1)، والأحوط الغسل.
(1) الصحيح أن حكم المسألة يختلف باختلاف زمان العلم الإجمالي ، لأنّ العلم بأن أحد الميتين ميت إنساني أو أن أحدهما غير مغسل قد يتحقق قبل المسّ لأحدهما ، كما إذا علم إجمالاً بذلك ووجب عليه تغسيل كل منهما ودفنهما وغير ذلك من الأحكام المترتبة على الميِّت الإنساني في نفسه من دون ضميمة بمقتضى العلم الإجمالي ، وبعد ما تنجزت عليه الأحكام وسقطت الأُصول في أطرافه مسّ أحدهما.
وفي هذه الصورة لا يجب غسل المسّ ، لعدم العلم بوقوع المسّ على الميِّت الإنساني ، ومقتضى استصحاب عدم وقوع المسّ على الإنسان أو البراءة من التكليف الزائد على ما علم إجمالاً عدم وجوب غسل المسّ حينئذ ، لأنّهما غير معارضين بشيء وهو من الشك البدوي ، كما ذكرنا نظيره في ملاقي أحد أطراف الشبهة بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما.
وقد يحصل المسّ أوّلاً ثمّ بعد ذلك يتحقق العلم الإجمالي بأن أحدهما ميت إنساني ، وحينئذ قد يكون للطرف الآخر غير الممسوس حكم إلزامي كما إذا مسّ أحدهما ودفن ، والميِّت الآخر غير مدفون وبعد ذلك حصل له العلم الإجمالي بأن أحدهما ميت إنساني فإنّه يجب غسل المسّ حينئذ.
لأن هذا العلم الإجمالي ينحل إلى علمين ، أحدهما أن أحد الميتين ميت إنساني وثانيهما أنّ الماس إمّا يجب عليه غسل المسّ لو كان الميِّت الإنساني هو الممسوس ، وإمّا يجب عليه دفن الميِّت الآخر لو كان هو الإنساني ، ومقتضى العلم الإجمالي ثبوت كلا الحكمين وتنجزهما في حقّه.
1) (*) أظهره عدم الوجوب إلاّ إذا كان العلم الإجمالي بعد المسّ وكان الطرف الآخر مورداً لحكم إلزاميّ من وجوب دفن ونحوه.
[825] مسألة 5 : لا فرق بين كون المسّ اختيارياً أو اضطرارياً في اليقظة أو في النوم كان الماس صغيراً أو مجنوناً أو كبيراً عاقلاً (1) ، فيجب على الصغير الغسل بعد البلوغ ، والأقوى صحّته قبله أيضاً إذا كان مميزاً ، وعلى المجنون بعد الإفاقة (2).
وقد لا يكون للطرف الآخر حكم إلزامي كما إذا دفن كلاهما أو كان الميِّت الإنساني المعلوم بالإجمال كافراً ، فإن مسّه موجب للغسل حينئذ إلاّ أنّه لا يجب دفنه ولا تكفينه ولا غير ذلك ، وبعد ذلك حصل العلم الإجمالي بأن أحدهما ميت إنساني فإنّ المسّ حينئذ لا يترتب عليه وجوب الغسل ، لأصالة عدم كون الممسوس إنساناً أو للبراءة عن وجوبه ، لأنّه من الشك في التكليف أو لاستصحاب طهارته ، كما ذكرناه في ملاقي أطراف الشبهة مفصلاً ، فإن حال المقام حال الملاقي بعينه.
(1) الوجه في ذلك كلّه هو إطلاقات الأخبار الدالّة على وجوب الغسل بالمسّ (1).
(2) هذه المسألة مبتنية على أن عبادات الصبي شرعية أو تمرينية ، فعلى الأوّل لو اغتسل من المسّ قبل بلوغه صحّ ولم يجب عليه بعد البلوغ ، بخلاف ما لو قلنا بالثاني إذ لا أمر حينئذ ، فلا تكون عبادات الصبي مشروعة وكافية عنها بعد بلوغه.
والصحيح أن عباداته شرعية ، وهذا لا لما ذكره جماعة من الأعلام من شمول أدلّة التكاليف للصبي أيضاً بإطلاقها ، فإن حديث رفع القلم إنّما يرفع الإلزام فيبقى أصل الأمر شاملاً له من دون إلزام ، ومعه تكون عبادات الصبي شرعية.
والوجه في عدم استنادنا إلى ذلك أنّ المجعول الشرعي الوارد في أدلّة التكاليف ليس أمراً مركباً من أمر وإلزام أو أمر وترخيص ، بأن يكون الإلزام أو الترخيص
1) الوسائل 3 : 289 / أبواب غسل المسّ ب 1.
[826] مسألة 6 : في وجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة من الحي لا فرق بين أن يكون الماسّ نفسه أو غيره (1).
[827] مسألة 7 : ذكر بعضهم أن في إيجاب مسّ القطعة المبانة من الحي للغسل لا فرق بين أن يكون قبل بردها أو بعده (2) وهو أحوط (1).
منوّعين للمجعول الشرعي حتّى ينفى الإلزام بالحديث ويبقى الأمر المجعول الشرعي شاملاً للصبيان ، بل المجعول الشرعي أمر واحد ، والوجوب والاستحباب أمران منتزعان للعقل من ورود القرينة على الترخيص في الترك أو على المنع عنه أو عدم قيامها على الترخيص في الترك.
ومن الظاهر أن حديث رفع القلم غير ناظر إلى رفع ما ينتزعه العقل ، وإنّما هو ناظر إلى رفع ما جعله الشارع على العباد بالإضافة إلى الصبي والمجنون ونحوهما ، ومع ارتفاع ما هو المجعول في حقّ الصبي لم يبق هناك ما يقتضي شرعية عباداته.
بل الوجه في شرعية عباداته ما ورد من أمر الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة والصيام فإنّ المستفاد من قوله عليهالسلام « مروا صبيانكم بالصلاة » (2)أمر الصبيان بالصلاة ونحوها شرعاً ، لما قدّمناه في محلِّه (3)من أنّ الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء عرفاً وحيث إنّ القرينة قامت على الترخيص في الترك في حقّ الصبيان فيستفاد منهما شرعية عبادات الصبي من غير أن تكون واجبة في حقّه.
(1) بناءً على القول بوجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة المشتملة على العظم اعتماداً على مرسلة أيوب بن نوح (4)لا وجه للتفرقة بين كون القطعة المبانة الممسوسة مبانة من الماس أو من غيره لإطلاق المرسلة.
(2) اعتماداً على إطلاق قوله في المرسلة « فإذا مسّه إنسان فكل ما كان فيه عظم
فقد وجب على من يمسّه الغسل » (1)، والتفصيل بين حالة البرودة والحرارة إنّما هو في الميِّت لا في القطعة المبانة ، هذا.
ولا يمكن المساعدة عليه ، بل بناءً على الاعتماد على المرسلة والقول بوجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة لا بدّ من التفصيل بين حرارتها وبرودتها.
وذلك لأنّ الحكم في المرسلة بوجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة إنّما هو من جهة تنزيلها منزلة الميِّت ، فيثبت لها ما كان ثبت للميت.
وذلك لأن قوله عليهالسلام في المرسلة « إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة » (2)لا يراد به تنزيل القطعة المبانة منزلة مطلق الميتة ، وإلاّ لم يكن وجه لما فرعه عليه بقوله « فإذا مسّه إنسان ... » إذ ليس من أحكام مطلق الميتة وجوب الغسل بمسّها ، وإنّما من أحكامها النجاسة ووجوب الغسل بملاقاتها.
بل المراد تنزيل القطعة المبانة منزلة الميِّت الآدمي ، وهذا بدلالة فاء التفريع ، إذ لولا لفظة الفاء لأمكن أن يقال إنّ المرسلة مشتملة على حكمين : أحدهما أنّ القطعة المبانة كالميتة على إطلاقها. وثانيهما أن مسّها موجب للاغتسال تعبّداً من غير أن يترتب عليها بقية آثار الميِّت الإنساني ، فلفظة الفاء تدلّنا على أنّ الحكم بوجوب الغسل بمس القطعة متفرع على تنزيلها منزلة الميِّت الإنساني ، ومن ثمة يترتب عليها ما كان يترتب عليه.
وعليه فالمرسلة تدل على أنّ القطعة المبانة كالميت ، وأنّ الميِّت لا فرق في وجوب الغسل بمسّه بين أن يكون تاماً وبين أن يكون ناقصاً مشروطاً بأن يكون مشتملاً على العظم ، فما كان يترتب على المقام يترتب على الناقص أيضاً بمقتضى التنزيل.
وبما أن وجوب الغسل بالمس في الميِّت التام والمنزل عليه مختص بما إذا برد بمقتضى الأخبار المتقدمة ، فيكون الحال كذلك في المنزل أيضاً حسب دليل التنزيل.
[828] مسألة 8 : في وجوب الغسل إذا خرج من المرأة طفل ميت بمجرد مماسته لفرجها إشكال ، وكذا في العكس بأن تولد الطفل من المرأة الميتة ، فالأحوط غسلها (1)في الأوّل وغسله بعد البلوغ في الثاني (1).
(1) قد يفرض الكلام فيما إذا مسّ شيء من ظاهر بدن المرأة للطفل الميِّت عند الخروج ولو لأطراف الموضع وحواشيه أو مسّ بدن الطفل لشيء من ظواهر بدن امّه الميتة.
وهذا لا شبهة في وجوب الغسل فيه ، لأن جملة من الأخبار الواردة في المقام وإن كانت منصرفة عن مثل ذلك ، كما دلّ على أن من غسل ميتاً فعليه الغسل ، (2)أو أنّ المأموم يؤخر الإمام الميِّت ويغتسل إذا مسّه بيده (3)، فإن ظاهرها أن يكون هناك شخصان في الخارج أحدهما ماسّ حي والآخر ممسوس ميت ، فلا تشمل ما إذا كان الميِّت متكوناً في جوف الحي أو كان الحي متكوناً في جوف الميِّت ، إلاّ أن في المطلقات الدالّة على أن من مسّ ميتاً وجب عليه الغسل (4)غنى وكفاية.
وقد يفرض الكلام فيما إذا لم يمس ظاهر بدن المرأة للطفل الميِّت أو بدن الطفل لشيء من ظاهر بدن المرأة الميتة ، والظاهر في هذه الصورة عدم وجوب الغسل بمسّ الولد رحم امّه أو غيره من مواضع الخروج.
وذلك لأنّنا وإن قدمنا عدم الفرق في وجوب غسل المسّ بمس باطن الميِّت وظاهره ولا بالمس بالباطن أو الظاهر ، كما إذا أدخل إصبع الميِّت في فمه ومسّ حلقه لإطلاقات الأخبار ، إلاّ أنّ الأخبار منصرفة عن المقام ، لأنّ ظاهرها كون الماس
[829] مسألة 9 : مسّ فضلات الميِّت من الوسخ والعرق والدم ونحوها لا يوجب الغسل وإن كان أحوط (1)(1).
[830] مسألة 10 : الجماع مع الميتة بعد البرد يوجب الغسل (2)
شخصاً غير الممسوس بأن يكون لهما وجودان منفصلان ، وأمّا إذا كان أحدهما متكوناً في جوف الآخر فهو خارج عن منصرفها.
والّذي يدل على هذا الانصراف أن لازم شمول الأخبار للمقام أنّ الولد إذا مات في بطن امّه وبقي كذلك يوماً أو يومين أو أكثر أن يحكم باستمرار حدث المرأة ما دام الولد في بطنها ، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به.
(1) قد عرفت أنّ الموجب للغسل مسّ جسد الميِّت وبدنه بمقتضى الروايات الواردة في المقام ، وأمّا المسّ مع الواسطة فلا يكون موجباً له ، إلاّ أنّ الفضلات من الوسخ والدم ونحوهما لما كانت معدودة من عوارض الجسد ولا تعد شيئاً متوسطاً بين الماس والممسوس فلا جرم كان مسّها مصداقاً لمس الميِّت عرفاً ومعه لا بدّ من الاغتسال.
نعم ، إذا كانت الفضلات الكائنة على بدن الميِّت على نحو لا يعد مسّها مسّاً لبدن الميِّت لدى العرف ، لم يكن مسّها موجباً لغسل المسّ ، فأمر الفضلات يدور بين وجوب الغسل بمسّها وعدمه ، وأمّا احتياط الماتن قدسسره في المقام فهو ممّا لم نقف له على وجه.
(2) لإطلاق ما دلّ على أن التقاء الختانين موجب للغسل (2)وغيره ممّا دلّ على
ويتداخل مع الجنابة (1).
[831] مسألة 11 : مسّ المقتول بقصاص أو حد إذا اغتسل قبل القتل غسل الميِّت لا يوجب الغسل (1).
وجوبه مع الجماع ، لأنّه شامل للمجامعة مع الميتة أيضاً ، هذا بالإضافة إلى غسل الجنابة.
وكذلك الحال بالإضافة إلى غسل المسّ ، لعموم ما دلّ على أن مسّ الميِّت موجب للاغتسال (2)، فإنّه شامل لمسّه بالجماع أيضاً.
(1) لأنّه القدر المتيقن من التداخل ، فإن غسل الجنابة يغني عن غيره من الأغسال وإن قلنا بعدم التداخل في مطلق الأغسال.
(2) فيه خلاف بين الأعلام ، قد يقال بعدم وجوب الغسل بمسّه ، لأنّه مسّ للميت المغسّل غاية الأمر أن غسله قدم على موته.
ودعوى انصراف ما دلّ على عدم وجوب الغسل بالمس بعد التغسيل إلى ما إذا كان التغسيل بعد الموت ، مندفعة بأنّه لا موجب للانصراف.
وعن بعضهم وجوب الغسل بمسّه ، وهذا هو الصحيح.
وذلك لأن مقتضى الأخبار الواردة في المقام وجوب الغسل بمس أيّ ميت ، وقد خرجنا عن عمومها أو إطلاقها بالأخبار الدالّة على عدم وجوب الغسل بالمس بعد تغسيل الميِّت (3)، والمستفاد منها أنّ الميِّت إذا غسل بعد موته هو الّذي لا يجب الغسل
[832] مسألة 12 : مسّ سرّة الطفل بعد قطعها لا يوجب الغسل (1).
بمسّه ، ومن الظاهر أنّ الميِّت في المقام لم يغسل بعد موته.
نعم ، الغسل الّذي أتى به قبل الحد أو القصاص غسل الميِّت ، وقد قدم في حقّه على الموت إلاّ أنّ الدليل لم يدل على أنّ الميِّت الّذي تحقق غسل الميِّت في حقّه لا يكون مسّه موجباً للغسل.
بل الدليل دلّ على أنّ الميِّت بعد موته لو غسل لا يجب الغسل بمسّه ، والميِّت لم يغسل في المقام بعد موته ، وإنّما يدفن من غير غسل بعد الموت كالشهيد ، نعم قد يتوهّم أن وجوب غسل المسّ إنّما هو من جهة الحدث أو الخبث الكائن على بدن الميِّت ، فإذا اغتسل قبل موته كان طاهراً من الحدث والخبث فلا يكون مسّه موجباً للاغتسال.
إلاّ أنّك عرفت اندفاعه بحسب الكبرى والصغرى ، لأنّه لم يقم دليل على أن بدن الشهيد أو الّذي يقدم غسله على موته طاهر من الحدث والخبث ، بل مقتضى العمومات والإطلاقات أنّه محدث ومشتمل على الخبث إذا أصابه شيء من النجاسات ، هذا بحسب الصغرى.
وأمّا بحسب الكبرى فلعدم قيام الدليل على أن مسّ الطاهر من الأموات غير موجب للاغتسال ، كيف والأئمة المعصومون عليهمالسلام كلّهم طاهرون مطهرون على ما نطقت به النصوص ، ومع ذلك يجب تغسيلهم ويجب الغسل بمس أبدانهم الطاهرة بعد موتهم.
(1) لعدم كونه ميتاً تامّاً ولا قطعة مبانة من الحي مشتملة على العظم بناءً على أن مسّها موجب للغسل على الخلاف.
[833] مسألة 13 : إذا يبس عضو من أعضاء الحي وخرج منه الروح بالمرّة مسّه ما دام متصلاً ببدنه لا يوجب الغسل (1) وكذا إذا قطع عضو منه واتصل ببدنه بجلدة مثلاً ، نعم بعد الانفصال إذا مسّه وجب الغسل بشرط أن يكون مشتملاً على العظم (2).
[834] مسألة 14 : مسّ الميِّت ينقض الوضوء (1)فيجب الوضوء مع الغسل (3).
(1) لما عرفت من عدم صدق الميِّت التام عليه ، ولا القطعة المبانة من الحي لفرض اتصالها بالبدن.
(2) على الخلاف المتقدم.
(3) قد يفرض أنّ الماس كان محدثاً بالحدث الأصغر قبل المسّ أو بعده فيتكلم في أنّه إذا اغتسل من المسّ فهل يغني هذا الغسل عن الوضوء أو يجب عليه أن يتوضأ بعد غسله كما هو الحال في المستحاضة ، فإنّها في بعض أقسامها تغتسل وتتوضأ أيضاً وهذا قد تقدم الكلام فيه (2)وقلنا إن غسل المسّ وغيره من الأغسال مغنٍ عن الوضوء ولا حاجة معه إلى الوضوء.
وأُخرى يقع الكلام فيما إذا كان الماس متطهراً ومتوضئاً ثمّ مسّ ميتاً فهل يكون مسّه هذا ناقضاً لوضوئه أو لا يكون ، وهذا البحث كما ترى لا يتوقف على كون غسل المسّ مغنياً عن الوضوء ، بل بعد البناء على أنّه لا يغني عن الوضوء يتكلم في أنّه في الصورة المفروضة ينقض الوضوء أو لا ينقضه ، بحيث لو اغتسل من المسّ احتاج إلى التوضؤ أيضاً ، وليس له الدخول في الصلاة ونحوها بالاغتسال ، بل لا بدّ من أن يأتي بالوضوء أيضاً كالمستحاضة.
[835] مسألة 15 : كيفية غسل المسّ مثل غسل الجنابة (1) إلاّ أنّه يفتقر إلى الوضوء (1)أيضاً (2).
والصحيح أنّ المسّ غير ناقض للوضوء ، لعدم دلالة الدليل على انتقاض الطهارة به ، بل الدليل قام على عدم الانتقاض ، وهو حصر موجبات الوضوء بالبول والغائط والمني والجماع والريح والنوم ، وليس منها مسّ الميِّت ، وهو يقتضي عدم كون المسّ موجباً للانتقاض.
(1) كما تقدّم في غسل الحيض والاستحاضة والنّفاس ، لأنّه طبيعة واحدة وحقيقة فأرده بالارتكاز وانّما الاختلاف في أسبابها.
ويزيد في المقام ما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ( عليهالسلام « من غسّل ميتاً وكفنه اغتسل غسل الجنابة » (2)وحيث إنّ المغسل أو المكفن لا يجنب بتغسيله وتكفينه بالضرورة فيعلم منه أن مراده عليهالسلام هو التشبيه وأنّه يغتسل كغسل الجنابة.
ثمّ إنّ الصحيحة مشتملة على وجوب الغسل على من غسل ميتاً وكفنه مع أنّ الميِّت حال تكفينه مغسل لا محالة ، لأنّ التكفين بعد التغسيل ، ولا غسل بمس الميِّت بعد تغسيله ، ولأجله لا بدّ من حمل الصحيحة على الاستحباب ، أي استحباب غسل المسّ إذا مسّه عند تكفينه وإن كان الميِّت مغسلاً ، كما حملنا موثقة عمار الدالّة على وجوب الغسل لمن مسّ ميتاً ولو بعد تغسيله (3)على الاستحباب.
(2) قدّمنا الكلام في هذه المسألة مكرراً ، وقلنا إن كل غسل مغنٍ عن الوضوء.
[836] مسألة 16 : يجب هذا الغسل لكل واجب مشروط بالطهارة من الحدث الأصغر ، ويشترط فيما يشترط فيه الطهارة (1).
(1) بمعنى أن وجوبه شرطي وليس واجباً نفسياً ، وذلك لأنّ الأوامر الواردة بالغسل عند المسّ ظاهرة في الإرشاد إلى أمرين :
أحدهما : أن مسّ الميِّت موجب للحدث ، ومن ثمة أُمر بما يرفعه من الغسل.
وثانيهما : أن رافع هذا الحدث ليس إلاّ الاغتسال ، لأن وزانها وزان الأوامر الواردة بغسل ما أصابته النجاسة ، كقوله عليهالسلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)حيث قلنا في محله إنّها إرشاد إلى أمرين : نجاسة البول أو غيره من النجاسات ، وأن نجاسته لا تزول إلاّ بالغسل.
وذلك لأنّه مقتضى الفهم العرفي في مثلها ، ولا يستفاد منها الوجوب النفسي والأمر المولوي بوجه ، وعليه يكون وجوب الغسل بالمس وجوباً شرطياً بمعنى أنّه من جهة رفع الحدث وتحصيل الطهارة الّتي هي شرط في الصلاة ونحوها.
ومن هنا لم ينسب الوجوب النفسي إلى المشهور في المقام ، وإنّما حكي عن بعضهم المناقشة في كونه واجباً شرطياً ، ولكنّه على خلاف المستفاد من الأخبار ، فاحتمال أنّه واجب نفسي مقطوع العدم وعلى خلاف المشهور أو المتفق عليه بينهم. وهذا يدل على أنّهم أيضاً فهموا من الأخبار الإرشاد كما فهمناه.
ويؤكّد ما ذكرناه ما ورد في بعض الأخبار من أنّه لو مسّ الميِّت قبل برودته لم يضرّه (2)، لدلالته على أنّه إذا مسّه بعد ذلك ففيه الضرر ، والضرر المتصور في المقام ليس إلاّ كونه محدثاً وغير متمكّن من الدخول فيما يشترط فيه الطهارة إلاّ بالاغتسال.
[837] مسألة 17 : يجوز للماس قبل الغسل دخول المساجد والمشاهد والمكث فيها وقراءة العزائم ووطؤها إن كانت امرأة ، فحال المسّ حال الحدث الأصغر إلاّ في إيجاب الغسل للصلاة ونحوها .
وهذا لا يتحقق إلاّ بناءً على أنّه واجب شرطي ، إذ لو كان واجباً نفسياً لم يكن فيه أي ضرر ، لتمكّنه من الدخول في الصلاة حينئذ ولو بغير الاغتسال.
ويؤيّده ما عن الفقه الرضوي من قوله « وإن نسيت الغسل فذكرته بعد ما صليت فاغتسل وأعد صلاتك » (1)إذ لا وجه له سوى كون الغسل واجباً شرطياً ، لعدم بطلان الصلاة بالإخلال به على تقدير كونه واجباً نفسياً.
ويؤيّده أيضاً ما تقدّم من رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان ومحمّد بن سنان من أن وجوب غسل المسّ لعلّة الطهارة (2)، وعليه لا يكون الغسل واجباً نفسياً بوجه.
ولا يمكن قياسه بالأوامر الواردة في غسل الجمعة أو لدخول الكعبة أو الحرم أو المسجد الحرام ونحوه ، وذلك لعدم احتمال كون الدخول في يوم الجمعة أو الكعبة ونحوهما من الأسباب الموجبة للحدث.
وحيث لا نحتمل فيها الحدث فلا يمكننا حمل الأوامر فيها على الإرشاد ، بل يؤخذ بظهورها في المولوية وتحمل على الاستحباب.
وأين هذا ممّا علق فيه الأمر بالغسل على شيء آخر كمسّ الميِّت أو الجنابة أو الحيض ونحوها ، لأنّها ظاهرة في الإرشاد كما مرّ. وهذا بخلاف المقام وغيره من الموارد الّتي قامت فيها القرينة على الإرشاد واحتمل فيها الحدث.
(1) لأن ما استفدناه من الأخبار إنّما هو كون المسّ موجباً للحدث ، وأمّا كون
[838] مسألة 18 : الحدث الأصغر والأكبر في أثناء هذا الغسل لا يضر بصحّته (1) نعم ، لو مسّ في أثنائه ميتاً وجب استئنافه (2).
الحدث المسبب منه حدثاً أكبر أو أصغر فلا يستفاد منها ، فلا يترتب عليه إلاّ الآثار المرتبة على طبيعي الحدث كعدم الدخول فيما يشترط فيه الطهارة.
وأمّا حرمة المكث في المساجد وقراءة العزائم والوطء كما إذا كانت امرأة فلا ، لأنّها مترتبة على الحدث الأكبر من الجنابة والحيض والنّفاس ، وليست مترتبة على طبيعي الحدث ، وذلك لجواز وطء المرأة المحدثة من غير خلاف.
(1) لعدم دلالة الدليل على بطلانه بالحدث الأكبر أو الأصغر الواقع في أثنائه ، فإن سقوط الأجزاء المتقدمة عن قابلية الالتحاق ، أي التحاق الأجزاء المتأخرة بها أمر يحتاج إلى دليل.
بل له أن يتم غسله وإن كان يجب عليه التوضؤ بعد الغسل ، بل لو رفع يده عن غسله الترتيبي الّذي أحدث في أثنائه واغتسل ارتماساً لم يحتج إلى الوضوء أيضاً بناءً على ما ذكرناه من أن كل غسل يغني عن الوضوء كما ذكرناه في غسل الجنابة (1).
لأنّ التخيير بين الغسل ترتيباً وارتماساً ليس بدوياً بل هو باقٍ ما دام لم يتحقق الاغتسال ، فله أن يرفع يده عن الغسل الترتيبي وإن كان غسله هذا صحيحاً ويأتي به ارتماساً.
نعم ، ذكرنا في غسل الجنابة أن طروء الحدث الأصغر في أثنائه موجب لبطلانه للدليل المتقدِّم هناك (2)، وهو خاص بغسل الجنابة ولا يأتي في غيره.
(2) لأن مسّ الميِّت ثانياً يحتاج إلى رافع له وإن لم يؤثر حدثاً في حقّه ، لأنّه محدث ولم يرتفع حدثه بعد لعدم تمامية غسله ، والأجزاء الباقية من غسله الأوّل ليس
[839] مسألة 19 : تكرار المسّ لا يوجب تكرّر الغسل ولو كان الميِّت متعدِّداً كسائر الأحداث (1).
[840] مسألة 20 : لا فرق في إيجاب المسّ للغسل بين أن يكون مع الرطوبة أو لا (2)، نعم في إيجابه للنجاسة يشترط أن يكون مع الرطوبة على الأقوى (3)وإن كان الأحوط الاجتناب إذا مسّ مع اليبوسة خصوصاً في ميت الإنسان ، ولا فرق في النجاسة مع الرطوبة بين أن يكون بعد البرد أو قبله (4).
بتمام الرافع له ، وإنّما هي جزء منه وإن كان رافعاً لمسّه الأوّل.
(1) لأنّ التداخل وإن كان على خلاف الأصل في الواجبات النفسية ، لأن كل سبب يقتضي مسبباً مستقلا على ما ذكرناه في بحث المفاهيم (1). إلاّ أنّ الغسل في المقام واجب شرطي والأمر به إرشادي إلى تحقق الحدث بالمس كما مرّ ، وليس التداخل في الأوامر الإرشادية على خلاف القاعدة ، وذلك لأنّ الحدث الّذي يحتاج إلى الرافع لا يتكرر بتكرر المسّ ، كما لا يتكرر بتكرر البول أو النوم أو الجماع ، فيكفي غسل واحد عن المسّ المتكرِّر في المقام.
(2) لإطلاق الأخبار.
(3) وذلك لأن مقتضى عموم ما دلّ على نجاسة الميتة (2)نجاسة الميِّت الإنساني أيضاً إلاّ أن نجاسته لا تمتاز عن بقية النجاسات ، فكما أنّها غير موجبة لنجاسة الملاقي إلاّ إذا كانت الملاقاة في حال الرطوبة فكذلك الحال في ملاقاة الميِّت الإنساني على ما ذكرناه في مبحث النجاسات (3).
(4) لإطلاق ما دلّ على نجاسة ملاقي النجس مع الرطوبة.
وظهر من هذا أن مسّ الميِّت قد يوجب الغُسل والغَسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغُسل مع الرطوبة ، وقد لا يوجب شيئاً كما إذا كان بعد الغُسل أو قبل البرد بلا رطوبة ، وقد يوجب الغُسل دون الغَسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغُسل بلا رطوبة ، وقد يكون بالعكس كما إذا كان قبل البرد مع الرطوبة (1).
(1) فالصور أربعة :
إحداها : أن يوجب الغُسل بالضم والغَسل بالفتح.
وثانيتها : أن لا يوجب غُسلا ولا غَسلا.
وثالثتها : أن يوجب الغُسل بالضم دون الغَسل بالفتح.
ورابعتها : أن يوجب الغَسل بالفتح دون الغُسل بالضم والأمثلة ظاهرة ممّا ذكره الماتن قدسسره.
هذا تمام كلامنا في الأغسال ، ويقع الكلام بعد ذلك في أحكام الأموات إن شاء اللّه وله الحمد أوّلاً وآخراً كما هو أهله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام علی خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد فهذا هو الجزء الثامن من کتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثقی، وقد وفّقنا الله للشروع في طبعه، ونسأله تعالی أن يوفقنا لإتمامه وإکمال بقيّة أجزائه، فإنّه خير موفّق ومعين.
اعلم أن أهمّ الأُمور وأوجب الواجبات التوبة من المعاصي (1).
فصل في أحكام الأموات
(1) وجوب التوبة عن المعاصي قد ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، فلا إشكال في وجوبها في الجملة.
وإنّما الكلام في أن وجوبها شرعي مولوي ، أو أنّه عقلي والأوامر الواردة بها في الكتاب والسنّة إرشادية إليه؟.
قد يقال بأنّها واجبة عقلاً والأوامر المتعلقة بها في الكتاب والسنّة إرشاد إلى حكم العقل ، وذلك لعدم إمكان حملها على المولوية وإلاّ كان ترك التوبة محرماً وتجب التوبة عنه ، وترك التوبة عنه أيضاً محرم فتجب التوبة عنه وهكذا إلى ما لا نهاية له ، فلا مناص من حمل الأمر بها على الإرشاد ، نظير الأوامر الواردة في الطاعة حيث حملناها على الإرشاد ، لأنّها لو كانت مولوية وكانت الإطاعة واجبة شرعاً لزم التسلسل بالتقريب المتقدِّم ، لأن إطاعة ذلك الأمر أيضاً تكون واجبة ومأموراً بها شرعاً فتجب إطاعته ، وهذا الوجوب الثاني أيضاً تجب إطاعته وهكذا إلى ما لا نهاية له فوجوب التوبة عقلي لا محالة.
والظاهر أنّ التوبة واجبة شرعاً والأوامر الواردة في الكتاب والسنّة مولوية ، وذلك لأنّ الوجه في حمل أوامر الطاعة على الإرشاد ليس هو المحذور المتوهّم من أن كونها مولوية يستلزم التسلسل ، وإلاّ يمكن الجواب عنه بأن حمل الأمر بالطاعة في الآية المباركة على المولوية والحكم بأنّها واجبة شرعاً أخذاً بظاهر الأمر ممّا لا محذور فيه وإنّما المحذور المتوهّم في كون إطاعة ذلك الأمر أيضاً مأموراً بها بالأمر المولوي ، أي
كونها واجبة شرعاً ، لأنّه مستلزم للتسلسل ، فلا بدّ من منع كون تلك الطاعة أي إطاعة الأمر بالطاعة واجبة شرعاً دفعاً للمحذور ، دون حمل الأمر الأوّل بالطاعة على الإرشاد ، لأن حمله على المولوية ممّا لا محذور فيه.
وعليه فيحمل الأمر الأوّل بالطاعة على الوجوب الشرعي والمولوية عملاً بظاهره بخلاف الأمر الثاني والثالث فإنّه إرشادي حتّى لا يلزم التسلسل. ولا ملازمة بين كون الأمر بالطاعة مولوياً وبين كون طاعة ذلك الأمر أيضاً واجبة شرعاً ويكون الأمر بها مولوياً ، وبهذا تنقطع السلسلة فلا يلزم من كون الأمر الأوّل بالطاعة مولوياً أيّ محذور.
وكذلك نلتزم في المقام بأنّ الأمر بالتوبة مولوي وأنّها واجبة بالوجوب الشرعي نعم لا تكون التوبة من ترك التوبة واجبة شرعاً وإنّما الأمر بها إرشادي.
بل الوجه في حمل الأمر بالطاعة على الإرشاد : أنّ الأمر بها لا يترتب عليه أثر وذلك لأنّ الطاعة منتزعة عن إتيان الواجبات وترك المحرمات وليس للطاعة محقق غيرهما ، والعقل مستقل باستحقاق العقاب على ترك الواجب وإتيان المحرم وإن لم يكن هناك أمر بالطاعة أصلاً ، فالأثر وهو استحقاق العقاب ثابت في مرتبة سابقة على الأمر بالطاعة ، فإذن لا أثر له في نفسه فلا مناص من أن يكون إرشاداً إلى ما استقل به العقل قبله.
ومن الظاهر أن ذلك لا يأتي في التوبة ، لأنّها أمر مستقل غير الإتيان بالواجبات وترك المحرمات أو عصيانهما ، وللأمر بها أثر وهو استحقاق العقاب بمخالفته وتركه التوبة بحيث لو ترك الواجب وترك التوبة عنه عوقب عقوبتين فتكون التوبة واجبة شرعاً ولا محذور فيه ، فالتوبة مأمور بها بالأمر المولوي ومتصفة بالوجوب شرعاً كما أنّها واجبة عقلاً ، ولا مانع من أن يكون شيء واحد واجباً عقلاً وشرعاً كالظلم فإنّه قبيح عقلاً ومحرم شرعاً ، وكما في ردّ الأمانة إلى أهلها فهو واجب عقلاً لأن تركه ظلم وواجب شرعاً ، وهكذا.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرناه بين التوبة عن المعصية الكبيرة والتوبة عن الصغيرة ، لأنّ المدار في وجوبها على المخالفة والخروج عن زي العبودية ووظيفته ، وهو متحقق في كليهما. نعم ، لا بدّ من الالتزام بعدم كون ترك التوبة في الصغائر معصية كبيرة ، وذلك لبعد أن تكون المعصية صغيرة ويكون ترك التوبة عنها كبيرة.
وحقيقتها الندم (1) وهو من الأُمور القلبية ولا يكفي مجرّد قوله : أستغفر اللّه ، بل لا
ثمّ إنّ هناك بحثاً آخر وهو : أنّ التوبة كانت واجبة عقلاً وشرعاً أو عقلاً فقط هل يجب على اللّه قبولها بحيث تمحى بها المعصية المتحققة ويزول بها استحقاقه العقاب على نحو لو عاقبه اللّه تعالى بمعصيته بعد التوبة كان ظلماً قبيحاً أو لا يجب قبولها عليه؟ وقد تعرّضنا لهذا البحث في التكلّم عن مقدمة الواجب (1)وقلنا إن استحقاقه العقاب الثابت بالمعصية المتقدمة لا يرتفع بالتوبة المتأخّرة ، لأنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه ، فلو عاقبه اللّه سبحانه بعد ذلك كان عقاباً واقعاً عن استحقاق وفي محله ولم يكن ظلماً لا عن استحقاق ، إلاّ أن هذا البحث مجرّد بحث علمي لا يترتب عليه أثر عملي كما ذكرناه في بحث مقدّمة الواجب ، لأنّه ثبت بالكتاب والسنّة أنّ اللّه ( يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) (2)وأنّهُ رَؤُوفٌ بِهِم (3)« وأنّه لا كبيرة مع الاستغفار » (4)المراد به التوبة ، فالتوبة وإن لم يكن معها عقاب على المعصية إلاّ انّه من باب التفضّل من اللّه سبحانه عملاً بوعده لا أنّه من باب الوجوب ، وقد وافقنا على ذلك الأشاعرة خلافاً للمعتزلة حيث ذهبوا إلى وجوب قبول التوبة على اللّه ، وهذا من جملة الموارد الّتي لا بدّ فيها من الموافقة مع الأشاعرة دون المعتزلة.
(1) الظاهر أنّه لم تثبت للتوبة حقيقة شرعية ولا متشرعية ، وإنّما هي بمعناها اللغوي أي الرجوع ، وهو المأمور به شرعاً وعقلاً ، فكما أنّ العبد الآبق الفار والخارج عن زي عبوديته يجب أن يرجع عن خروجه هذا ، فكذلك العبد لا بدّ من أن يرجع إلى مولاه الحقيقي عن طغيانه وتمرده وتعدّيه ، فلا يعتبر في حقيقة التوبة
حاجة إليه مع الندم القلبي وإن كان أحوط ، ويعتبر فيها العزم على ترك العود إليها. والمرتبة الكاملة منها ما ذكره أمير المؤمنين عليهالسلام.
سوى الرجوع وله لازمان :
أحدهما : الندم على عصيانه ، إذ لو لم يندم على ما فعله لم يكن رجوعه رجوعاً حقيقياً عن التمرّد والخروج.
وثانيهما : العزم على عدم العود ، لوضوح أنّه لولاه لم يكن بانياً على الدخول في طاعة اللّه سبحانه ، بل هو متردِّد في الدخول والخروج ، وهذا بنفسه مرتبة من مراتب التعدِّي والطغيان ، فانّ العبد لا بدّ أن يكون بانياً على الانقياد في جميع الأزمان ، إذ لو لم يعزم على الطاعة وعدم الطغيان كان متردداً في الطاعة والعصيان كما عرفت ، وهو قبيح حتّى فيما إذا لم تسبقه المعصية أصلاً كما إذا كان في أوّل بلوغه فإنّه لا بدّ من أن يعزم على عدم الاقتحام في العصيان ، وهذان الأمران من لوازم الرجوع لا أنّهما حقيقة التوبة.
وأمّا الاستغفار اللّفظي وقول اللّهمّ اغفِر لي ، أو أستغفر اللّه ونحوهما فهو غير معتبر في حقيقة التوبة ولا أنّه من لوازم الرجوع ، لأنّ الاستغفار بمعنى طلب الغفران ، والتوبة بمعنى الرجوع فهما متغايران مفهوماً ومصداقاً.
ويدلُّ على عدم اعتباره في التوبة ومغايرتهما مضافاً إلى وضوحه في نفسه قوله تعالى ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) (1)فإنّ العطف ب- « ثمّ » يدل على ما ذكرناه فقد دلّت الآية المباركة على أنّ العبد الآبق يطلب المغفرة من ذنوبه أوّلاً وإن لم يرجع ولم يتب ، لأنّه سبحانه غافر الذنوب ، وبعده يرجع إلى اللّه بالإضافة إلى ما يأتي. نعم الأحسن أن يكون رجوع الآبق بقلبه ولسانه ، وأن تكون توبته واقعية وظاهرية بقول اللّهمّ اغفر لي ونحوه.
1) وقعت هذه الجملة المباركة في سورة هود في ثلاثة مواضع آية 3 ، 52 ، 90 باختلاف يسير في أوّلها.
[841] مسألة 1 : يجب عند ظهور (1)أمارات الموت أداء حقوق الناس الواجبة ورد الودائع والأمانات الّتي عنده مع الإمكان والوصيّة بها مع عدمه مع الاستحكام على وجه لا يعتريها الخلل بعد موته (1).
وأكمل مراتب التوبة ما ذكره أمير المؤمنين عليهالسلام في نهج البلاغة من أن للتوبة مراتب ستّة ، منها وهو خامسها : أن تعمد إلى اللّحم الّذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان والطاعة (2)إلاّ أنّه غير واجب ولا يعتبر في التوبة بوجه ، إذ قد يتوب العبد ويرجع ويندم ويعزم على عدم العود فيدركه الموت بعدها بزمان قليل قبل أن يذوب عنه لحمه.
الواجبات لدى ظهور علائم الموت
(1) الحقوق الثابتة على ذمّة المكلّف قد تكون واجبة الأداء فعلاً وبالفور كالأموال المغصوبة والمقبوضة بالبيع الفاسد الّذي هو بحكم الغصب ، والديون الّتي يطالب بها مالكها ، أو الّتي حلّت لانتهاء مدّتها أو حصول شرطها كالمهور الثابتة على الذمم المقيّد أداؤها بالقدرة والاستطاعة.
وهذه الحقوق لا بدّ من ردّها إلى مالكها ، ولا يجوز فيها الإيصاء لوجوب ردّها فوراً ، سواء في ذلك ظهور أمارات الموت وعدمه ، لأنّه تكليف فعلي منجّز لا بدّ من امتثاله بردّها إلى أهلها ولو مع القطع بالحياة ، للأمر بذلك شرعاً ، فالإيصاء غير جائز حينئذ لعدم كونه امتثالاً فورياً للأمر بالرد أعني الواجب الفعلي المنجّز.
وقد لا تكون الحقوق واجبة الأداء بالفعل كالودائع والأمانات لرضا مالكها
بالبقاء عنده الّتي علم من حال مالكها أو احتمل عدم رضاه بايداعها عند شخص آخر ، وفي هذه الصورة يجوز له إبقاؤها عنده ما دام حياً ، وإذا ظهرت أمارات الموت أو احتمله في نفسه وجب أن يردها إلى مالكها بالمباشرة ، للأمر بذلك في قوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (1)ولا يجوز فيها الإيصاء أي ردّها بالتسبيب ، لفرض عدم رضى مالكها بالإيداع عند غيره فيتعين ردّها بالمباشرة ، لأنّه تكليف فعلي منجز لا بدّ من إحراز الخروج عن عهدته ولا يكون ذلك إلاّ بردّها حال الحياة.
وثالثة : لا يكون المال واجب الرد فوراً ولا من قبيل الودائع الّتي لا يرضى مالكها بايداعها عند شخص آخر كاللقطة ومجهول المالك والودائع الّتي يرضى مالكها بايداعها عند شخص آخر ، وفي هذه الصورة لا بدّ للمكلّف من أحد أمرين : إمّا أن يوصلها بنفسه إلى مالكها ، أو يوصي بها بالإشهاد والاستحكام حتّى تصل إلى مالكها بعد موته ، أو يودعه عند من يثق به أو يدفعه للحاكم الشرعي ، ولا يتعيّن عليه أداؤها بنفسه لعدم وجوبه عليه على الفرض.
والدليل على وجوب الرد والإيصاء في تلك الموارد هو : أن وجوب ردّ المال إلى مالكه والودائع إلى أهلها حكم فعلي منجّز في حقّه ، ولا بدّ له من الخروج عن عهدة هذا التكليف المنجّز ، وهو لا يتحقق إلاّ بإيصالها بنفسه إلى مالكها كما في بعض الصور وبالأعم منه ومن الإيصاء كما في بعض الموارد الأُخرى.
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الحكم غير مختص بما إذا ظهرت له أمارات الموت كما هو صريح كلام الماتن قدسسره بل الرد الواجب فعلي في بعض الصور ولو كان قاطعاً بالحياة ، وبمجرّد الشك في الموت في بعض الصور الأُخرى وإن لم تظهر له أمارات الموت ، وذلك لأنّ التكليف المنجّز الفعلي لا بدّ من إحراز الخروج عن عهدته ولا يمكن إحرازه إلاّ بالرد أو الإيصاء.
1) النِّساء 4 : 58.
[842] مسألة 2 : إذا كان عليه الواجبات الّتي لا تقبل النيابة حال الحياة كالصلاة والصوم والحج (1)ونحوها ، وجب الوصية بها إذا كان له مال ، بل مطلقاً إذا احتمل وجود متبرع ، وفيما على الولي كالصلاة والصوم الّتي فاتته لعذر يجب إعلامه أو الوصية باستئجارها أيضاً (1).
واستصحاب بقاء الحياة لا أثر له في ذلك كما ذكرناه في الواجبات الموسعة أداءً أو قضاءً ، لأن تنجز التكليف يقتضي إحراز الخروج عن عهدته ، فبمجرد الشك في الموت يجب عليه الامتثال ، بمعنى أنّه إذا لم يقطع أو لم يطمئن ببقاء حياته إلى آخر الوقت واحتمل موته قبل ذلك وجب أن يأتي به فعلاً ، لتنجز التكليف في حقّه ، وهو يستلزم عقلاً إحراز الامتثال ولا يحرز إلاّ بإتيانه بالفعل ، ولا أثر شرعي لاستصحاب بقاء حياته حينئذ ، هذا في الحقوق المالية.
(1) هذا في الحقوق الإلهيّة ، إذا كانت على ذمّته واجبات من صوم وصلاة وحج ونحوها فان جازت الاستنابة فيها حال حياته كمن لا يتمكّن من الحج بنفسه لمرض أو هرم وجب ، لتنجز التكليف بالأداء والاستنابة وفاءً له.
وإذا لم يجز له الاستنابة فيها حال حياته كما إذا ترك الحج عن عمد واختيار ، أو أنّ الوقت لم يكن موسم الحج وهو يحتمل موته ، أو ظهرت له أماراته أو غير ذلك من الفروض ، وجب الإيصاء بها إذا كان له مال يوفى به دينه من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك ، وذلك في الصورتين لما قدمناه من أنّ التكليف المنجز الفعلي بأداء الدين وإفراغ الذمّة عن الواجبات يستدعي إحراز الخروج عن عهدته بالمباشرة أو التسبيب ، وهو لا يكون إلاّ بالاستنابة فيما أمكنت ، وبالإيصاء عند عدم إمكان
1) (*) هذا إذا كان قبل أشهر الحج ، وأمّا إذا كان فيها فيجب عليه الاستنابة إذا كان عالماً باستمرار عذره إلى الموت.
[843] مسألة 3 : يجوز له تمليك ماله بتمامه لغير الوارث (1)
الاستنابة.
وكذا يجب الإيصاء إذا لم يكن له مال إلاّ أنّه احتمل أن يكون إيصاؤه سبباً لأداء دينه بعد موته ، وذلك لأنّ الامتثال القطعي إذا لم يمكن للمكلّف بأن لم يكن له مال انتقل الأمر إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة ، وهذا امتثال احتمالي في حقّه.
ومن هذا القبيل إعلام من يجب عليه القضاء كالولد الأكبر إذا كانت ممّا يجب أداؤها على الولد الأكبر بعد موت المورث كما في فوائت الصلاة والصيام ، لأنّه لو كان عالماً بأنّ الولد الأكبر يقضيها بعد موته فهو من الامتثال القطعي للتكليف المنجّز الفعلي في حقّه ، وإذا كان محتملاً له فهو من الامتثال الاحتمالي المتعيّن على تقدير العجز عن الامتثال القطعي.
(1) كما هو مقتضى العمومات وسلطنة المالك على ماله ، وهذا قد يكون في حال حياته وهو صحيح البدن ، ولا إشكال في جواز تمليكه ماله بالتمام لغير الوارث ، لأنّه مسلط على ماله وله أن يفعل في أمواله ما يشاء. وأُخرى يكون ذلك في حال مرضه وهو المسألة المعروفة بمنجّزات المريض ، والصحيح فيها صحّة تمليكه للغير أيضاً وذلك لجملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على أن للإنسان ما دامت الروح في بدنه ولم تخرج عنه أن يتصرف في ماله ما يشاء ، فله أن يملّك تمام ماله للغير ويعدم موضوع الإرث للورثة (1).
نعم ، ورد في جملة من الأخبار الأُخر عدم جوازه (2)إلاّ أنّها محمولة على الكراهة
لكن لا يجوز له تفويت شيء منه على الوارث بالإقرار كذباً ، لأنّ المال بعد موته يكون للوارث فإذا أقرّ به لغيره كذباً فوّت عليه ماله (1)(1).
جمعاً ، لكراهة حرمان الوارث من التركة.
(1) قد يريد المالك بقوله : هذا لزيد ، أنّه له بعد موته ، إلاّ أنّه يبرزه بصورة الإقرار ، لاحتمال أنّ الورثة قد لا تعمل على طبق وصيّته فلا يصل المالك إلى مرامه من الثواب في إيصال ماله إلى سيِّد أو فقير قربة إلى اللّه تعالى ، فهو وصيّة واقعاً أبرزها بصورة الإقرار بالتورية من دون أن يكون المال زائداً على ثلثه ، وهذا ممّا لا إشكال في جوازه ، لأن للمورّث أن يتصرّف في ثلث ماله وهو ملكه وهو أولى بالتصرف فيه من الورثة ، فلا تفويت على الورثة بشيء ، كما أنّه لم يرتكب كذباً ، لأنّ التورية خارجة عن الكذب على ما بيّناه في محلِّه (2)وهذا ظاهر.
وقد يريد المالك الاعتراف حقيقة دون الإيصاء أو يكون المال زائداً على ثلثه ، ولا ينبغي الإشكال في حرمته حينئذ وذلك من وجوه :
أحدها : ما علمناه خارجاً من عدم جواز تفويت المال على مالكه ، لأنّه مسلّط على ماله وهو محترم كاحترام دم المسلم ، والتفويت مناف لسلطنته ، فيحرم الحيلولة بين المالك وماله وتفويته عليه ، وحيث إنّ المال للورثة فتكون الحيلولة بين المالك وماله وحرمانه عنه والمنع عن سلطنته وتفويت المال عليه بالاعتراف للغير كذباً حراماً ، لأنّه تفويت لمال الورثة.
ثانيها : أن تصرف المقر له فيما اعترف له المورّث من المال حرام ، لأنّه ملك الورثة
نعم ، إذا كان له مال مدفون في مكان لا يعلمه الوارث يحتمل عدم وجوب إعلامه (1) لكنّه أيضاً مشكل ، وكذا إذا كان له دين على شخص ، والأحوط الاعلام ، وإذا عدّ عدم الاعلام تفويتاً فواجب يقيناً.
والتصرف في ملك الغير محرم ، والمورّث بإقراره سبب للمقر له في ارتكاب ذلك الحرام ، لأنّه لو لم يقر له لم يكن يرتكبه. وهو نظير ما إذا قدّم أحد طعاماً حراماً للجاهل ليأكله ، وقد ذكرنا في محلِّه أن مقتضى الارتكاز في أذهان العقلاء والفهم العرفي عدم الفرق في ارتكاب المحرمات الواقعية بين ارتكابها بالمباشرة والتسبيب فانّ المولى إذا نهى عبده عن الدخول عليه استفاد العرف منه أنّ الدخول عليه بالمباشرة أو إيجاده في الغير بالتسبيب ولو بالكذب حرام مبغوض ، فهذا الإقرار تسبيب للحرام فهو حرام.
نعم ، هذا الوجه يختص بما إذا لم يكن المقر له عالماً بكذب إقرار المقر وإلاّ لم يكن إقراره سبباً في ارتكاب المقر له للحرام ، فان ارتكابه حينئذ مستند إلى اختياره حيث أقدم عليه عالماً بحرمته فلا يكون محرماً من جهة التسبيب وإن كان الاعتراف سبباً لإزالة السلطنة عن المالك.
ثالثها : أن إقراره هذا كذب ، والكذب حرام.
(1) الصحيح عدم وجوب الاعلام على المورّث حينئذ ، لأن حرمان الورثة من مالهم وعدم سلطنتهم عليه مستند إلى جهلهم لا إلى سكوته عن الاعلام ، ولا يجب عليه إعلامهم وإيجاد ما يقتضي السلطنة لهم ، وإنّما يحرم إزالة السلطنة كما هو الحال في غير المورّث ، كما إذا كان لأحد مال في موضع وهو لا يعلمه وقد علم به أحد فإنّه لا يجب عليه أن يعلم المالك بذلك ، لأن سكوته غير مفوّت للمال عليه.
وكذا الحال في من يعلم أن للميت ديناً على شخص ولا يعلم به الوارث فإنّه
[844] مسألة 4 : لا يجب عليه نصب قيّم على أطفاله إلاّ إذا عدّ عدمه تضييعاً لهم أو لمالهم (1) ، وعلى تقدير النصب يجب أن يكون أميناً (2). وكذا إذا عيّن على أداء حقوقه الواجبة شخصاً يجب أن يكون أميناً (3). نعم ، لو أوصى بثلثه في وجوه الخيرات غير الواجبة لا يبعد عدم وجوب كون الوصي عليها أميناً (4) لكنّه أيضاً لا يخلو عن إشكال (5)
لا يجب أن يعلم الوارث بالحال ، لأن سكوته ليس تفويتاً وسبباً لحرمانهم. نعم ، ما أفاده الماتن قدسسره من أنّه لو عدّ تفويتاً وجب إعلامه صحيح ، إلاّ أنّه لا يعدّ تفويتاً كما ذكرناه.
(1) كما إذا كان في البلد حاكم شرعي أو وكيله أو عدول المؤمنين وهم يتصدون لحفظ الأطفال أنفسهم وأموالهم. نعم ، إذا لم يكن هناك من يحفظهم ويحفظ أموالهم وجب عليه نصب القيّم عليهم ، لأنّ الولي يجب عليه حفظ المولّى عليه نفساً ومالاً وهذا لا يتحقق بعد الموت إلاّ بنصب أحد يتصدى لحفظهم.
(2) لعين ما قدّمناه من وجوب حفظ المولّى عليه على الولي ، ومع عدم كون القيّم أميناً لا يحرز الحفظ الواجب فلا بدّ من نصب الأمين حتّى يحرز ذلك.
(3) لتنجز التكليف برد الأمانات والحقوق ، ولا بدّ من إحراز الخروج عن عهدته ، ولا يتحقق هذا إلاّ بالإيصاء إلى الأمين ، لعدم إحراز ذلك عند عدم أمانته.
(4) لأنّ الثلث على ما هو الصحيح باقٍ على ملك الميِّت ، والإرث إنّما هو بعد الإيصاء والدين ، وبما أنّ الميِّت حال حياته كان متمكّناً من أن يوكّل غير الأمين على أمواله بل كان له إتلافها ، فكذلك الحال بعد موته ، لأنّه تصرف في ملكه.
(5) يمكن أن يكون الوجه في ذلك : حرمة الإعانة على الإثم ، للعلم بأن غير الأمين يتصرّف على وجه حرام فالإيصاء إليه إعانة على الإثم وهي حرام.
خصوصاً إذا كانت راجعة إلى الفقراء (1).
وفيه : أنّ الإعانة على الإثم لم تثبت حرمتها بدليل ، وإنّما المحرّم التعاون على الإثم كما في قوله تعالى ( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ) (1)كما ثبتت حرمة إعانة الظالم على ظلمه ، وأمّا حرمة إعانة العاصي على عصيانه فلا دليل عليها.
كما يمكن أن يكون الوجه فيه : أنّ الإيصاء إلى غير الأمين تسبيب للحرام ، لأن غير الأمين إذا كان مسلطاً على المال قد يرتكب محرماً ويتصرف فيه على وجه حرام ، والإيصاء إليه تسبيب للحرام وإيجاد له بالتسبيب ، وقد تقدم أنّ المحرم لا فرق فيه بين إصداره بالمباشرة وبالتسبيب.
ويدفعه : أنّ الوصي حينئذ يرتكب الحرام بعلمه واختياره لا بتسبيب الوصي ، ومع ارتكابه عالماً ومختاراً لا تسبيب في البين.
ثمّ إنّا لو قلنا بحرمة الوصية من باب حرمة الإعانة على الإثم أو حرمة التسبيب فإنّما هي فيما إذا علم أنّ الوصي يتصرف على وجه حرام ، وأمّا لو شكّ في ذلك فلا بأس بحمل فعله على الصحيح والحكم بجواز الإيصاء إليه وجواز الإعانة والتسبيب إليه.
نعم ، للحاكم الشرعي إذا رأى أنّ القيّم يتصرف على وجه حرام أن يجعل ناظراً عليه حتّى لا يتصرف على الوجه الحرام غير المرضي عند اللّه.
(1) لم يظهر لنا الوجه في هذا التخصيص ، لعدم الفرق بين الإيصاء لصرف الثلث في الفقراء وصرفه في مثل المساجد والمدارس والقنطرات والحسينيات والمشاهد وغيرها.
1) المائدة 5 : 2.
وما يستحب عليه وهي أُمور :
الأوّل : الصبر والشكر لله تعالى. الثاني : عدم الشكاية من مرضه إلى غير المؤمن ، وحدّ الشكاية أن يقول : ابتليت بما لم يبتل به أحد ، وأصابني ما لم يصب أحداً ، وأمّا إذا قال : سهرت البارحة أو كنت محموماً فلا بأس به. الثالث : أن يخفي مرضه إلى ثلاثة أيّام. الرابع : أن يجدد التوبة. الخامس : أن يوصي بالخيرات للفقراء من أرحامه وغيرهم. السادس : أن يعلم المؤمنين بمرضه بعد ثلاثة أيّام. السابع : الاذن لهم في عيادته. الثامن : عدم التعجيل في شرب الدواء ومراجعة الطبيب إلاّ مع اليأس من البرء بدونهما. التاسع : أن يجتنب ما يحتمل الضرر. العاشر : أن يتصدق هو وأقرباؤه بشيء ، قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم « داووا مرضاكم بالصّدقة ». الحادي عشر : أن يقر عند حضور المؤمنين بالتوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد وسائر العقائد الحقة. الثاني عشر : أن ينصب قيماً أميناً على صغاره ، ويجعل عليه ناظراً. الثالث عشر : أن يوصي بثلث ماله إن كان موسراً. الرابع عشر : أن يهيئ كفنه.
ومن أهم الأُمور : إحكام أمر وصيته وتوضيحه وإعلام الوصي والناظر بها. الخامس عشر : حسن الظن باللّه عند موته ، بل قيل بوجوبه في جميع الأحوال ويستفاد من بعض الأخبار وجوبه حال النزع (1).
1) الوسائل 2 : 448 / أبواب الاحتضار ب 31.
عيادة المريض من المستحبّات المؤكّدة ، وفي بعض الأخبار : أن عيادته عيادة اللّه تعالى ، فإنّه حاضر عند المريض المؤمن (1)ولا تتأكد في وجع العين والضرس والدمل وكذا من اشتدّ مرضه أو طال.
ولا فرق بين أن تكون في اللّيل أو النهار ، بل يستحب في الصباح والمساء ، ولا يشترط فيها الجلوس بل ولا السؤال عن حاله.
ولها آداب : أحدها : أن يجلس ولكن لا يطيل الجلوس إلاّ إذا كان المريض طالباً. الثاني : أن يضع العائد إحدى يديه على الأُخرى أو على جبهته حال الجلوس عند المريض. الثالث : أن يضع يده على ذراع المريض عند الدُّعاء له أو مطلقاً. الرابع : أن يدعو له بالشفاء ، والأولى أن يقول : اللّهمّ اشفه بشفائك وداوه بدوائك وعافه من بلائك » (2). الخامس : أن يستصحب هدية له من فاكهة أو نحوها ممّا يفرحه ويريحه. السادس : أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب سبعين أو أربعين مرّة أو سبع مرّات أو مرّة واحدة فعن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرّة ثمّ رُدّت فيه الروح ما كان ذلك عجباً » (3)وفي الحديث : « ما قرأت الحمد على وجع سبعين مرّة إلاّ سكن بإذن اللّه ، وإن شئتم فجرّبوا ولا تشكوا » (4)وقال الصادق عليهالسلام : « من نالته علّة فليقرأ في
جيبه الحمد سبع مرّات » (1)وينبغي أن ينفض لباسه بعد قراءة الحمد عليه. السابع : أن لا يأكل عنده ما يضره ويشتهيه. الثامن : أن لا يفعل عنده ما يغيظه أو يضيق خلقه. التاسع : أن يلتمس منه الدُّعاء فإنّه ممّن يستجاب دعاؤه فعن الصادق ( صلوات اللّه وسلامه عليه ) : « ثلاثة يستجاب دعاؤهم : الحاج ، والغازي والمريض » (2).
وهي أُمور :
الأوّل : توجيهه إلى القبلة بوضعه على وجه لو جلس كان وجهه إلى القبلة ووجوبه لا يخلو عن قوّة (1)(1)
فصل : فيما يتعلّق بالمحتضر
(1) الكلام في هذه المسألة تارة يقع في كيفية توجيه الميِّت نحو القبلة ، وأُخرى في وجوب استقبال القبلة حال الاحتضار.
أمّا كيفية التوجيه نحو القبلة فقد ذهب أصحابنا إلى أن توجيهه نحوها بجعل قدميه إلى القبلة على نحو لو قعد لكان مستقبل القبلة ، خلافاً للعامة حيث ذهبوا إلى أن استقباله كجعله حال الصلاة عليه (2).
والدليل على ذلك ما ورد في جملة من النصوص الدالّة على أنّ الميِّت حال الاحتضار تجعل قدماه نحو القبلة (3).
وأمّا الكلام في وجوب الاستقبال بالمعنى المذكور وأنّ الميِّت يجب أن يوجّه نحو
القبلة أو يوجّه هو نفسه إليها لو كان متمكّناً منه ولم يكن عنده أحد ، أو لا يجب؟ فقد نسب القول بالوجوب إلى المشهور والأشهر ، واستدلّ عليه بوجوه :
منها : أنّ السيرة يداً بيد إلى زمان المعصومين عليهمالسلام جرت على توجيه الميِّت حال الاحتضار نحو القبلة ، وحيث إنّها غير مردوعة ، فيستكشف أن توجيه الميِّت نحو القبلة أمر واجب حال الاحتضار.
ويدفعه : أنّ السيرة قائمة على الفعل ، ولعلّها من أجل استحبابه فلا يستفاد منها وجوبه.
ومنها : موثقة معاوية بن عمار : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الميِّت ، فقال : استقبل بباطن قدميه القبلة » (1)وذلك لأنّ السؤال فيها عن نفس الميِّت لا عن كيفية توجيهه ، فتدل على أنّ الميِّت يجب أن يوجّه نحو القبلة حال الاحتضار ، إذ المراد به هو من يقرب من الموت ، لعدم وجوب التوجيه بعد الموت.
ويندفع بأن ظاهر المشتق إرادة المتلبس بالمبدإ منه فعلاً ، لأنّه وإن صح أن يستعمل في من يتلبس به بعد ذلك إلاّ أنّه على نحو المجاز وتحتاج إرادته إلى القرينة لا محالة كما في قوله : من قتل قتيلاً ، لوضوح أنّ القتل لا يقع على المقتول بالقتل. وعليه فالموثقة تدل على أنّ الميِّت بعد موته يوجه نحو القبلة وأنّه أمر راجح.
ودعوى : أنّ الميِّت بعد موته يستحب أن يعجّل دفنه وكفنه فلا يبقى بعده حتّى يستحب توجيهه نحو القبلة.
ساقطة جزماً : وذلك لأنّ المشاهد في الأموات أنّ الميِّت يبقى بعد موته ساعة أو ساعتين ، ولو مات في أثناء اللّيل يبقى إلى الصبح حتّى يخبر الأقرباء والجيران والأصدقاء ولا يؤخذ بدفنه وكفنه من غير فصل ، فلا مانع من أن يكون توجيهه نحو القبلة مستحبّاً وعلى الجملة أنّ الرواية ناظرة إلى ما بعد الموت لا قبله.
1) الوسائل 2 : 453 / أبواب الاحتضار ب 35 ح 4.
ومنها : صحيحة سليمان بن خالد : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا مات لأحدكم ميت فسجّوه تجاه القبلة وكذلك إذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة ... » الحديث (1)لأنّ المراد بالميت فيها الميِّت المشرف على الموت ، إذ الميِّت لا يموت ، ومعه تدلّنا الرواية على لزوم توجيه المحتضر نحو القبلة.
وفيه : أنّ المراد بالميت فيها هو الذات الّتي يطرأ عليها الموت بعد ذلك كالقتيل في قوله : من قتل قتيلاً ، وذلك لأنّه وإن كان خلاف الظاهر من الميِّت لظهوره في تلبسه بالمبدإ فعلاً إلاّ أنّه لقيام القرينة عليه ، لأنّ الميِّت كما أنّه لا يموت كذلك لا يشرف على الموت. وعليه فتدل الموثقة على أنّ الذات الّتي يطرأ عليها الموت إذا ماتت توجّه نحو القبلة لا قبل موته. والّذي يدلّنا على ذلك قوله « فسجوه » فان التسجية بمعنى التغطية ومعنى « فسجوه » أي : فغطوه ، ومن الظاهر أنّ الميِّت إنّما يغطى وجهه بعد الموت لا حال الاحتضار.
ومنها : وهو العمدة ما رواه الصدوق مرسلاً تارة ومسنداً اخرى كما في الوسائل عن الصادق عليهالسلام « أنّه سئل عن توجيه الميِّت فقال : استقبل بباطن قدميه القبلة. قال : وقال أمير المؤمنين عليهالسلام دخل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق وقد وجّه إلى غير القبلة فقال صلىاللّهعليهوآلهوسلم : وجّهوه إلى القبلة فإنّكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة وأقبل اللّه ( عزّ وجلّ ) عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتّى يقبض » (2).
وفيه : أن ما رواه عن الصادق عليهالسلام ناظر إلى كيفية التوجيه والاستقبال حيث سئل فيه عن التوجيه لا عن حكمه من الوجوب أو الاستحباب فلا تعرض لها لشيء من ذلك ، وإنّما تدل على أنّ التوجيه لا بدّ أن يكون باستقبال باطن القدمين نحو القبلة على خلاف ما التزم به العامة ، وهذا من مختصات مذهبنا.
بل لا يبعد وجوبه على المحتضر نفسه أيضاً (1). وإن لم يمكن بالكيفية المذكورة فبالممكن منها ، وإلاّ فبتوجيهه جالساً أو مضطجعاً على الأيمن أو على الأيسر مع تعذّر الجلوس.
وأمّا ما رواه عن علي عليهالسلام ففيه : أنّ التعليل الوارد فيها يدلّنا على عدم وجوب التوجيه نحو القبلة ، وذلك لدلالة التعليل على أن توجيه الميِّت نحو القبلة حال الاحتضار إحسان إليه حتّى يُقبل اللّه وملائكته عليه في آخر حياته ، ومن الظاهر أنّ الإحسان إلى الأخ المؤمن أو المسلم غير واجب وإنّما هو راجح. هذا على أنّ المرسلة لا يمكن الاعتماد عليها لإرسالها والمسندة ضعيفة (1).
إذن ينحصر المدرك في الحكم بالوجوب بالشهرة الفتوائية وهي غير صالحة للاعتماد عليها كما ذكرنا في محلِّه (2).
(1) ثمّ إنّه بناء على القول بالوجوب فهل يختص هذا بالغير أو أنّ المحتضر نفسه يجب عليه أن يوجّه باطن قدميه نحو القبلة إذا لم يوجّهه غيره بحيث لو تركه متمكّناً منه عوقب عليه.
والصحيح على القول بالوجوب عدم شموله الميِّت نفسه ، لأنّ المدرك في ذلك إن كان هو الشهرة فهي مختصّة بالغير ولا شهرة على وجوبه على الميِّت نفسه ، لعدم تعرضهم إليه في كلماتهم. وإن كان المدرك موثقة معاوية بن عمار أو صحيحة سليمان ابن خالد فهما مختصّان بالغير أيضاً.
نعم ، لو كان المدرك هو مرسلة الصدوق أو مسنده لأمكن القول بالتعميم ووجوب التوجيه على نفس المحتضر ، وذلك لدلالتها على أنّ الغرض من الأمر بالتوجه توجه اللّه سبحانه وملائكته إلى الميِّت والمحتضر ، وحيث إن تحصيل هذه الغاية واجبة فلو لم يكن هناك من يوجّه المحتضر إلى القبلة لتحصيل ذلك الغرض فلا بدّ من أن يحصّله المحتضر نفسه لو تمكّن منه.
(1) ثمّ إنّه إذا لم يمكن توجيه الميِّت بباطن القدمين إلى القبلة ، فهل يجب توجيهه نحوها بالمقدار الممكن كتوجيهه إليه جالساً أو مضطجعاً على الأيمن أو على الأيسر أو أنّ الوجوب يسقط بالتعذّر؟.
والصحيح أنّ الوجوب يسقط عند تعذّر التوجيه بباطن القدمين ، لعدم دلالة الدليل على الوجوب بالمقدار الممكن عند تعذّر التمام.
أمّا الشهرة فلاختصاصها بالتوجيه بباطن القدمين ، وكذلك الحال في الأخبار حتّى رواية الصدوق ، لأنّ التوجيه إلى القبلة كما في بقية الأخبار هو جعل باطن القدمين إليها ، ومع التعذّر لا دليل على وجوب التوجيه إلى القبلة بالمقدار الميسور منه.
ودعوى أنّ ذلك مقتضى قاعدة الميسور ، مندفعة بأن كبرى القاعدة غير مسلمة كما ذكرناه في محلِّها (1)مضافاً إلى عدم تحقق الصغرى لها في المقام ، لأنّ التوجيه إلى القبلة جالساً أو مضطجعاً على الأيمن أو الأيسر مغاير للتوجيه بباطن القدمين لا أنّه ميسوره لدى العرف. نعم ، لو تعذّر توجيه باطن كلتا القدمين إليها وأمكن توجيه أحدهما لأمكن أن يقال إنّه ميسور المأمور به المتعذّر ، لا فيما إذا تعذّر توجيه باطنهما معاً.
1) مصباح الأُصول 2 : 477.
ولا فرق بين الرجل والامرأة (1) والصغير والكبير (2) بشرط أن يكون مسلماً (3)
(1) لإطلاق موثقة معاوية بن عمار وصحيحة سليمان بن خالد ، وكذلك رواية الصدوق (1)لأنّها وإن اشتملت على الرجل إلاّ أن مقتضى تعليلها وهو كون الميِّت حال الاحتضار على نحو يقبل اللّه والملائكة إليه يعم المرأة والرجل. وكذا الشهرة لأنّها أيضاً غير مختصّة بالرجل.
(2) لإطلاق الأخبار.
(3) هل الوجوب بناءً على القول به يعم المؤمن والمسلم والكافر ، أو يختص بالمؤمن؟ الصحيح هو الاختصاص ، لأن موثقة معاوية ورواية الصدوق وإن كانتا مطلقتين إلاّ أن دلالتهما كصحيحة سليمان بن خالد غير تامّة كما مرّ. والعمدة هو مرسلة الصدوق أو مسنده ، والتعليل الوارد في رواية الصدوق ظاهر في أنّ الغرض من التوجيه تجليل الميِّت وتعظيمه بحيث يقبل اللّه وملائكته إليه في آخر حياته ، وهذا مختص بالمؤمن فالتعدي عنه إلى المسلم فضلاً عن الكافر وغيره ممّا لا وجه له.
وأيضاً المذكور فيها هو الرجل فلو تعدّينا فنتعدى عنه إلى المرأة ، وأمّا إلى غير المسلم فلا.
وأمّا صحيحة سليمان بن خالد فهي بقرينة قوله « لأحدكم » ظاهرة في إرادة الميِّت من المؤمنين ، حيث أضافه إليهم ، وكذلك الشهرة مختصّة بالمؤمن فليلاحظ.
1) تقدّم ذكر جميعها في صدر المسألة في ص 269.
ويجب أن يكون ذلك بإذن وليّه مع الإمكان وإلاّ فالأحوط الاستئذان (1)من الحاكم الشرعي (1).
(1) الصحيح عدم اعتبار إذن الولي وغيره في توجيه الميِّت نحو القبلة حال الاحتضار ، وذلك للإطلاقات الظاهرة في أنّه على القول بوجوبه تكليف عام يشترك فيه الجميع من دون خصوصية لبعض دون بعض.
ومن المحتمل أن يكون جعل هذا الحكم من أجل مراعاة حال الميِّت وتغسيله والصلاة عليه ، وهذا أمر يشترك فيه الجميع ، كما في قوله عليهالسلام « إذا مات لأحدكم ميت فسجّوه تجاه القبلة » (2)لعدم تقييدها ذلك بالاستئذان من الولي.
وأمّا قوله عليهالسلام « أولى الناس بالميت أولاهم بإرثه » (3)فالموضوع فيه هو الميِّت ، وهو مختص بالأحكام الّتي تراعى بعد الموت فلا تشمل حال الاحتضار ، إذ لا يصدق عليه الميِّت حينئذ.
فلا يعتبر في التوجيه قبل الموت إذن الولي إلاّ أن يكون التوجيه مستلزماً للتصرف في مال الغير كداره ونحوها وهو أمر آخر ، فلنفرض الكلام فيما لم يكن التوجيه مستلزماً للتصرف في مال الغير كما إذا كان الميِّت في بر أو نحوه ممّا لا يكون المكان ملكاً للغير.
وأمّا قوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (4)فهي على تقدير
والأحوط مراعاة الاستقبال بالكيفية المذكورة في جميع الحالات إلى ما بعد الفراغ من الغسل. وبعده فالأولى وضعه بنحو ما يوضع حين الصلاة عليه إلى حال الدفن بجعل رأسه (1)إلى المغرب ورجله إلى المشرق (1).
دلالتها إنّما تدل على أولوية الولي بعد الموت ولا نظر لها إلى ما قبله. على أن سياقها بملاحظة سابقها ولاحقها هو إرادة خصوص الإرث وأنّ الرحم أولى بالرحم من غيره ، ولا يرث الغير والرحم موجود.
وأمّا توجيهه بعد الموت فالظاهر اعتبار إذن الولي فيه ، وذلك لما تقدم من قوله عليهالسلام « أولى الناس بالميت أولاهم بميراثه » فيكون التوجيه ونحوه بعد الموت مشروطاً بإذن الولي لأنّه أولى بها.
(1) وجوب توجيه الميِّت نحو القبلة بعد الموت إلى أن يرفع للتغسيل وبعده إلى أن يدفن مورد الخلاف.
فذهب بعضهم إلى أن وجوب التوجيه نحو القبلة إنّما هو إلى زمان الموت فإذا مات ارتفع وسقط.
وعن آخر : وجوبه بعد الموت في الجملة.
وعن ثالث : وجوبه إلى أن يرفع الميِّت من مكانه للتغسيل.
وهذا الأخير لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنّه أحوط ، وذلك لأنّ الأخبار المتقدمة المستدل بها على وجوب التوجيه حال الاحتضار ذكرنا أنّها لا تدل على ذلك ، وإنّما تدل على وجوبه بعد الموت كما في موثقة معاوية بن عمار (2)حيث دلّت على أنّ الميِّت يوجّه نحو القبلة على الترتيب الوارد فيها ، لأنّ السؤال فيها عن الميِّت لا عن كيفية التوجيه ، فتدل على وجوب التوجيه بعد الموت إلاّ أنّها لا دلالة لها بإطلاقها إلاّ على
الثاني : يستحب تلقينه الشهادتين والإقرار بالأئمة الاثني عشر عليهمالسلام وسائر الاعتقادات الحقة على وجه يفهم ، بل يستحبّ تكرارها إلى أن يموت ويناسب قراءة العديلة.
الثالث : تلقينه كلمات الفرج ، وأيضاً هذا الدُّعاء : اللّهمّ اغفر لي الكثير من معاصيك واقبل منِّي اليسير من طاعتك ، وأيضاً : يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير اقبل منِّي اليسير واعف عني الكثير إنّك أنت العفو الغفور ، وأيضاً : اللّهمّ ارحمني فإنّك رحيم.
الرّابع : نقله إلى مصلاّه إذا عسر عليه النزع بشرط أن لا يوجب أذاه.
الخامس : قراءة سورة ياسين والصافات لتعجيل راحته ، وكذا آية الكرسي إلى ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [ البقرة 2 : 257 ]. وآية السخرة وهي ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) [ يونس 10 : 3 ] إلى آخر الآية ، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة ( لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ) [ البقرة 2 : 284 ] إلى آخر السورة ، ويقرأ سورة الأحزاب بل مطلق قراءة القرآن.
الوجوب في الجملة لا الوجوب إلى زمان رفعه للتغسيل.
وأمّا صحيحة سليمان بن خالد (1)فقد دلّت على أن من يطرأ عليه الموت لو مات وجب توجيهه نحو القبلة ، وحيث إنّها في مقام البيان وساكتة عن مقدار وجوب التوجيه وأنّها مشتملة على وجوب تغسيله تجاه القبلة فيستفاد منها أن وجوب التوجيه مستمر إلى أن يرفع الميِّت للاغتسال ، لعدم معهودية تغسيل الميِّت في المكان الّذي مات فيه وإنّما يرفع ويغسل في مكان آخر. إذن يستفاد منها أمران : أحدهما : وجوب توجيه الميِّت بعد الموت إلى أن يرفع للتغسيل. وثانيهما : وجوب توجيهه نحوها حال الاغتسال أيضاً ، لقوله في ذيلها « إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة ... » فوجوب التوجيه نحو القبلة بعد الموت لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنّه أحوط.
1) الوسائل 2 : 452 / أبواب الاحتضار ب 35 ح 2.
وهي أُمور :
الأوّل : تغميض عينه وتطبيق فمه.
الثاني : شد فكيه.
الثالث : مد يديه إلى جنبيه.
الرابع : مد رجليه.
الخامس : تغطيته بثوب.
السادس : الإسراج في المكان الّذي مات فيه إن مات في اللّيل.
السابع : إعلام المؤمنين ليحضروا جنازته.
الثامن : التعجيل في دفنه فلا ينتظرون اللّيل إن مات في النهار ولا النهار إن مات في اللّيل إلاّ إذا شكّ في موته فينتظر حتّى اليقين ، وإن كانت حاملاً مع حياة ولدها فإلى أن يشق جنبها الأيسر لإخراجه ثمّ خياطته.
وهي أُمور :
الأوّل : أن يمس في حال النزع فإنّه يوجب أذاه.
الثاني : تثقيل بطنه بحديد أو غيره.
الثالث : إبقاؤه وحده فانّ الشيطان يعبث في جوفه.
الرابع : حضور الجنب والحائض عند حالة الاحتضار.
الخامس : التكلّم زائداً عنده.
السادس : البكاء عنده.
السابع : أن يحضره عملة الموتى.
الثامن : أن يخلى عنده النِّساء وحدهنّ خوفاً من صراخهنّ عنده.
لا تحرم كراهة الموت ، نعم يستحب عند ظهور أماراته أن يحب لقاء اللّه تعالى ، ويكره تمني الموت ولو كان في شدّة وبلية ، بل ينبغي أن يقول : اللّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيراً لي ، ويكره طول الأمل وأن يحسب الموت بعيداً عنه ، ويستحب ذكر الموت كثيراً ، ويجوز الفرار من الوباء والطاعون ، وما في بعض الأخبار من « أنّ الفرار من الطاعون كالفرار من الجهاد » مختص بمن كان في ثغر من الثغور لحفظه ، نعم لو كان في المسجد ووقع الطاعون في أهله يكره الفرار منه.
الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميِّت من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن من الواجبات الكفائية ، فهي واجبة على جميع المكلّفين وتسقط بفعل البعض فلو تركوا أجمع أثموا أجمع ولو كان ممّا يقبل صدوره عن جماعة كالصلاة إذا قام به جماعة في زمان واحد اتصف فعل كل منهم بالوجوب (1).
فصل : وجوب تجهيز الميِّت كفائي
(1) وقع الكلام في أنّ الصلاة والغسل والكفن والدفن وغيرها من الأُمور الواجبة
بعد الموت الّتي منها توجيه الميِّت نحو القبلة ، واجبة كفاية والتكليف مشترك بين الجميع في عرض واحد ، أو أنّ التكليف بها متوجّه إلى الولي وهو المكلّف بها ، وعلى تقدير امتناعه عنها أو إذنه للغير تجب على غيره فالتكليف بها للغير طولي؟
المعروف هو الأوّل ، وذهب صاحب الحدائق قدسسره إلى الثاني حيث ذهب إلى إنكار الوجوب الكفائي في تلك الأُمور ، وادعى أنّ التكليف متوجّه إلى الولي وإذا امتنع جاز لغيره (1).
والصحيح أنّ الوجوب الكفائي غير قابل للإنكار ، وذلك لإطلاقات الأخبار وللقطع الخارجي بأن تلك التكاليف إذا أتى بها أحد في الخارج سقطت وارتفعت عن الجميع ، ومن هذا يستكشف أنّ التكليف كان مشتركاً بين الجميع على نحو الكفاية ولذا سقطت بامتثال أحد وقيامه بها.
وأمّا ما عن شيخنا الأنصاري قدسسره من أن سقوط التكليف بفعل أحدهم لا يدل على كونه مكلّفاً به كفائياً ، لوضوح اشتراك التكليف بين الجميع وأنّه يسقط بدفن المجنون أو الصغير وتوجيهه الميِّت نحو القبلة أو بالزلزال أو بغيرهما من الأُمور الّتي لا فاعل اختياري فيها ، مع أنّ المجنون ونحوه غير مكلّفين ، والمجنون والصغير لا معنى لاشتراكهما في التكليف ، فسقوط التكاليف المذكورة بفعل أحدهم أعم من كون التكليف كفائياً ، وإنّما هو لانتفاء موضوعها (2).
مندفع بأن سقوط التكليف بفعل واحد إمّا أن يكون مع سقوط الغرض الداعي إلى الأمر والتكليف ، وإمّا أن يكون مع بقاء الغرض.
فان كان الغرض باقياً استحال سقوط التكليف بفعل أحد ، لأن ما أوجد التكليف وأحدثه وهو الغرض موجود بعينه وهو يقتضي بقاءه وعدم ارتفاعه ما لم يحصل.
وإذا كان كان الغرض ساقطاً بفعل واحد منهم فيستكشف بذلك أنّ العلّة الباعثة
على التكليف أعني الغرض قائم بفعل واحد فكيف يكون الوجوب حينئذ مختصّاً ببعضهم دون بعض.
وأمّا عدم كون المجنون أو الزلزال مكلّفاً فهو مستند إلى وجود المانع ، إلاّ أن فعله موجب لانعدام الموضوع وارتفاعه وسقوط الغرض على الفرض فلا إشكال في الوجوب الكفائي.
وإنّما الكلام في أنّ الوجوب الكفائي هل ينافيه كون تلك الأُمور مشروطة بإذن الولي ، نظراً إلى أن واحداً إذا أتى بها من غير استئذان من الولي ولم يكن ذلك موجباً لارتفاع التكليف لم يمكن أن يكون التكليف كفائياً وإلاّ لزم سقوطها بفعل غير الولي وإن كان من غير إذنه ، فكونها كفائية ومشروطة بإذن الولي أمران لا يجتمعان.
وقد يجاب عن ذلك بأنّ التكليف بها إنّما هو على نحو الكفائي ، والاشتراط بالاذن شرط لصحّة العمل والمأمور به وغير راجع إلى التكليف والوجوب ، فلا مانع من أن يكون التكليف كفائياً ويكون مشروطاً بشيء بالإضافة إلى بعضهم كغير الولي وغير مشروط به بالإضافة إلى الولي.
وفيه : أنّه لا معنى لكون العمل مشروطاً بشرط غير اختياري كإذن الولي في المقام ، إلاّ أن يكون راجعاً إلى التكليف على نحو مفروض الوجود ، ومعه يكون التكليف مشروطاً في حق غير الولي وغير مشروط بشيء في حق الولي ، بمعنى أن أصل التكليف والوجوب يكون مشروطاً بالاذن فلا تكليف قبله لا أنّ المشروط هو الفعل ، وأمّا الولي فبما أنّ التكليف في حقّه غير مشروط بشيء فيكون هو المكلّف بتلك الأُمور أوّلاً ثمّ على تقدير امتناعه ينتقل إلى غيره من المكلّفين ، وهذا يستلزم أن يكون التكليف متوجهاً ابتداءً إلى الولي ، وبعد إذنه أو امتناعه يتحقق في حق غير الولي ولا يكون التكليف مشتركاً فيه بين الجميع وفي عرض واحد ، كما ذكره صاحب الحدائق قدسسره.
تحقيق المقام : والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الوجوب الكفائي لا يراد منه سوى كونه على نحو يشترك بين الجميع ويسقط بإتيان واحد من المكلّفين وقيامه به ، إلاّ أن ذلك لا ينافي كونه مشروطاً بالشرائط العامّة الّتي منها القدرة ، فإنّ الوجوب العيني والكفائي كلاهما مشروطان بالقدرة لا محالة ، وحصول هذا الشرط في بعضهم دون بعض لا يوجب خروج التكليف عن كونه كفائياً. فترى أن إنقاذ الغريق في الحوض الواقع في دار شخص من أهمّ الواجبات الإلهيّة ، وهو مشروط بالقدرة عليه وهي متحققة في مالك الدار دون غيره ، لتوقفه على إذنٍ منه في التصرف في داره وليس لغيره الدخول فيها للانقاذ إلاّ بعد إذن المالك أو امتناعه منه ومن الإنقاذ ، فإنّه يجوز له الدخول فيها حينئذ ، لأهمية وجوب حفظ النفس المحترمة عن حرمة التصرّف في مال الغير من غير رضاه ، ومع ذلك لا يسقط التكليف عن كونه كفائياً بذلك وكذلك الحال في غيره من الواجبات العينية والكفائية وفي غير الولي ، لوضوح أنّنا لا نتمكّن من الصلاة على من مات في مكان بعيد عنا ، ولا نتمكّن من دفنه وكفنه ، ويتمكّن منها من هو عند الميِّت من المكلّفين.
والأمر في المقام أيضاً كذلك ، بمعنى أنّ القدرة حاصلة في الولي وغير حاصلة في غيره إلاّ بإذنه أو امتناعه ، فلا يكون الحكم الكفائي فعلياً في حق غير الولي ، لعدم قدرته عليه إلاّ بإذنه ، وليس له أن يقدم على تلك الأُمور من غير إذنه ، لأنّه مزاحمة للولي ومزاحمة الولي غير جائزة ، إلاّ أنّ الولي قادر عليها فيكون الوجوب الكفائي المشترك بين الجميع فعلياً في حقّه دون غيره ، إلاّ أن ذلك لا يخرج التكاليف المذكورة عن كونها كفائية لسقوطها بفعل واحد منهم كما عرفت.
إيضاح لما تقدم : لا إشكال ولا خلاف في وجوب الصلاة على الميِّت وتكفينه ودفنه ، ولا ينبغي الشبهة أيضاً في أنّها ثابتة لمراعاة حال الميِّت وأنّها كفائية كما قدّمناه فلا وجه لما ذهب إليه صاحب الحدائق من أنّها متوجّهة إلى الولي وهي عينية في حقّه ، وعلى تقدير امتناعه أو إذنه تجب على بقية المكلّفين وأنّه حكم
طولي (1)فلا نعيد وجهه.
وإنّما الكلام في أن هذا الوجوب الكفائي المشترك بين الجميع هل ينافيه كونه مشروطاً بإذن الولي ، لأنّه لو أتى به غير الولي من غير إذنه لا يكون مصداقاً للواجب بل هو أمر منهي عنه والمحرم كيف يقع مصداقاً للواجب ، أو أنّ الوجوب الكفائي لا ينافي كونه مشروطاً بإذن الولي.
فقد يجاب عن ذلك بأنّ الوجوب الكفائي مشترك بين الجميع ولا فرق فيه بين الولي وغيره ، وإنّما الواجب مشروط بإذن الولي ، ولا مانع من أن يكون الوجوب مطلقاً كفائياً ويكون الواجب مشروطاً في حق بعض المكلّفين دون بعض ، لعدم كونه مشروطاً بالإضافة إلى الولي وإنّما هو مشروط بإذن الولي في غيره.
وقد أجبنا عنه بأنّ الواجب لا يمكن أن يكون مشروطاً بأمر غير اختياري ، ومن الواضح أن إذن الولي غير مقدور للمصلّي والمكفّن وغيرهما ، فلا مناص من أن يكون شرطاً وقيداً للوجوب ويكون مأخوذاً مفروض الوجود ، ومعه يكون التكليف بتلك الأفعال تكليفاً مطلقاً فعلياً في حق الولي ، ولا يكون كذلك في حق غيره ، وإنّما يكون أصل الوجوب مشروطاً بإذن الولي بالإضافة إلى غيره ، وهو ما أفاده صاحب الحدائق من كون التكليف طولياً ومتوجهاً إلى الولي أوّلاً ، وعلى تقدير إذنه أو امتناعه يتوجه إلى غيره ، فالمحذور باق بحاله.
والّذي ينبغي أن يقال وهو الصحيح إنّ التكليف بتلك الأفعال واجب كفائي يشترك فيه الجميع ، غاية الأمر أنّه كما روعي فيها الميِّت من حيث الصلاة عليه وكفنه ودفنه كذلك روعي حال الولي والوارث حتّى لا يزاحمه غيره ، لأنّه لا يناسب الوارث ، فجعل الحق له في المباشرة لتلك الأُمور أو الاستئذان منه ، لأنّه كالتسلية والتعزية له ، إذ لا يناسبه مزاحمة الغير إيّاه في الصلاة على والده مثلاً أو تغسيله أو نحوه ، وهذا لا ينافي كون الوجوب كفائياً ، وذلك لا لأنّ الواجب مشروط بالإذن كما
1) الحدائق 3 : 359.
تقدم ، بل لأنّ الواجب الكفائي كالواجب العيني مشروط بالشرائط العامّة الّتي منها القدرة فالوجوب الكفائي ثابت مجعول على الجميع إلاّ أنّه يتّصف بالفعلية بالإضافة إلى من له القدرة عليه ، ولا يكون فعلياً بالإضافة إلى من لا يقدر عليه. وهذا لا يخرج الوجوب عن كونه كفائياً كما هو ظاهر لوضوح أنّا لا نتمكّن من الصلاة على الميِّت النائي عن بلدنا ولا نقدر على دفنه وكفنه ، ويتمكّن منها من هو عند الميِّت من المكلّفين فيكون الوجوب فعلياً في حقّهم وغير فعلي بالإضافة إلينا ولا يخرج عن كونه كفائياً بذلك بوجه.
وأظهر من ذلك ، ما إذا وقع إنسان محترم في الحوض الواقع في دار أحد وأشرف على الغرق ، فان إنقاذه واجب على الجميع بل من أهمّ الواجبات الإلهيّة مع أنّ غير المالك لا يقدر على إنقاذه لعدم جواز التصرّف في مال الغير من دون إذنه ، فلا يتمكّن من دخول الدّار ، وهذا بخلاف المالك فهو لقدرته عليه فعلي في حقِّه وليس فعليّاً في حقِّ غيره ، إلاّ أن يمتنع عن المباشرة والإذن في الدخول للإنقاذ فحينئذٍ يجوز الدخول في داره ، بل يجب ولو من دون إذنه ، لأهمية وجوب إنقاذ النفس المحترمة ، وهذا ظاهر. وبما أنّ الولي في المقام قادر على تلك الأفعال ، وغيره لا يقدر عليها لتوقفه على إذن الولي أو امتناعه عن المباشرة ، فيكون الوجوب الكفائي فعلياً في حقّه وغير فعلي بالإضافة إلى الغير مع بقائه على الكفائية كما عرفت ، فالاشتراط بالاذن غير منافٍ للوجوب الكفائي بوجه.
وتظهر ثمرة النزاع فيما إذا امتنع الولي عن المباشرة وعن الاذن فيها للغير مع علمه بقيام غيره بها ، فإنّه بناءً على أنّ التكليف متوجّه إليه وعيني في حقّه يكون عاصياً لمخالفته التكليف المتوجّه إليه ، وأمّا بناءً على ما ذكرناه من أنّه حكم كفائي يشترك فيه الجميع ولا فرق فيه بين الولي وغيره فلا عصيان للولي ، أمّا من جهة تركه المباشرة فلجواز ترك الواجب الكفائي عند العلم بقيام الغير به ، وأمّا من جهة تركه الاذن
للغير فلأنّ الاذن غير واجب عليه ، وإنّما هو ثابت له ، وجعل مراعاة لشأنه لأنّه كالتسلية والتعزية في حقّه ، فله أن يأذن وأن لا يأذن. نعم ، الاذن يوجب حصول القدرة للغير إلاّ أنّ الامتناع عنه أيضاً يوجب القدرة لغيره ، فلا أثر لإذنه وتركه لتمكن الغير من القيام به على كلا التقديرين فلا معصية في البين.
ومن ذلك يظهر أنّ الولي لو امتنع عن المباشرة والاذن ليس للحاكم الشرعي إجباره على أحدهما ، وذلك لأنّ الحاكم الشرعي إنّما يجبر من عليه الحق لا من له الحق ، مثلاً يجبر الزوج على الإنفاق على زوجته أو المديون على أداء ديونه وهكذا وأمّا من له الحق فلا مقتضي لإجباره ، إذ له أن يأخذ به وله أن يتركه ، وأمّا المباشرة فلأنه واجب كفائي وله تركه عند العلم بقيام الغير به ، وأمّا تركه الاذن فلأنه له لا عليه ولا فائدة في الإجبار عليه ، لأنّ القدرة للغير تحصل باذنه وبامتناعه عن الاذن فما الفائدة في الإجبار عليه.
كما ظهر أنّ الحاكم أو عدول المؤمنين أو فساقهم على تقدير عدم العدول ليس لهم الولاية في الاذن عند امتناع الولي عنه ، لأنّ الولاية إنّما ثبتت للحاكم ومن بعده إذا كان عليه الحق وامتنع عن أدائه لا من له الحق ، لأنّه له أن يستوفيه وله أن يتركه وعلى كلا التقديرين تحصل القدرة للغير ولا دليل على ثبوت الولاية في الاذن للحاكم ، بل الحاكم وغيره سيان في حصول القدرة لغير الولي بامتناعه عن المباشرة والاذن. إذن لم تثبت ولاية للحاكم فلا تثبت لغيره بطريق أولى.
كما ظهر أنّ الولي إذا لم يمكن إخباره بموت المولى عليه ، لعدم القدرة منه عقلاً كما إذا كان نائياً أو شرعاً كما إذا كان مريضاً بحيث لو أخبرناه بموت ولده أو والده لمات جاز لغير الولي التصدي لتلك الأفعال من غير حاجة إلى الاستئذان لتمكّنهم من ذلك حينئذ ، لعدم كونه مزاحمة للولي وعدم إمكان إعلامه بالحال.
نعم ، يجب على غير الولي الاستئذان (1)منه ولا ينافي وجوبه وجوبها على الكل لأنّ الاستئذان منه شرط صحّة الفعل لا شرط وجوبه ، وإذا امتنع الولي من المباشرة والاذن يسقط اعتبار إذنه. نعم ، لو أمكن للحاكم الشرعي إجباره له أن يجبره (2)على أحد الأمرين ، وإن لم يمكن يستأذن من الحاكم ، والأحوط الاستئذان من المرتبة المتأخرة أيضاً (1).
(1) إذا بنينا على ثبوت الولاية للولي فهل الولاية ثابتة للولي على نحو يجب على غيره الاستئذان منه أو لا يجب؟ فيه كلام.
والصحيح أنّ القدر المتيقن الثابت بالسيرة العملية الخارجية عدم جواز مزاحمة الولي ومعارضته بحيث لو أراد المباشرة للصلاة على الميِّت أو تغسيله أو نحو ذلك أو أمر بها شخصاً لا يجوز معارضته في ذلك والإقدام بها ، وأمّا أنّ الاستئذان منه واجب على غير الولي بحيث لا يصح منه العمل من غير استئذان فهو ممّا لا يمكن الالتزام به وذلك لأن ما استدلّ به على وجوب ذلك عدّة من الأخبار كلّها ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها.
منها : مرسلة الصدوق قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : يغسل الميِّت أولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك » (3).
ومنها : مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « يصلِّي على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب » (4).
ومنها : مرسلة البزنطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال :
[845] مسألة 1 : الإذن أعم من الصريح والفحوى (1) وشاهد الحال القطعي (2).
« يصلِّي على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب » (1).
ومنها : رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام « إذا حضر سلطان من سلطان اللّه جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدّمه ولي الميِّت وإلاّ فهو غاصب » (2).
وهذه الروايات واضحة الدلالة على المدّعى ، ومقتضاها أنّ الاقدام على تلك الأعمال من غير استئذان الولي غير جائز ، وقد خرجنا عنه فيما إذا امتنع الولي عن المباشرة والاذن ، وفي غير تلك الصورة لا بدّ من الاستئذان.
إلاّ أنّها ضعيفة سنداً بالإرسال في الثلاثة الأُولى ، لما مرّ غير مرّة من أنّ المراسيل ليست بحجّة مطلقاً ، سواء أكان مرسلها ابن أبي عمير أم غيره ، وبالنوفلي (3)في الأخيرة وإن كان السكوني لا بأس برواياته.
فالاستئذان غير واجب من الولي ، نعم لا تجوز معارضته للسيرة الجارية عليه.
وتظهر الثمرة في جملة من الموارد ، منها ما قدّمناه من أنّ الولي إذا لم يعلم بموت الميِّت جازت الصلاة عليه وتغسيله وتكفينه من غير حاجة إلى الاستئذان منه ، إذ لا مزاحمة مع جهل الولي بالحال.
(1) لحجية الظواهر في الألفاظ بلا فرق في ذلك بين أن يكون الظهور على نحو الدلالة المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية وهي المعبّر عنها بالفحوى.
(2) قيّده بالقطعي ، لأنّ الشاهد الّذي يفيد الظن وهو المعبّر عنه بظهور الحال لا
[846] مسألة 2 : إذا علم بمباشرة بعض المكلّفين يسقط وجوب المبادرة (1) ولا يسقط أصل الوجوب (2) إلاّ بعد إتيان الفعل منه أو من غيره ، فمع الشروع في الفعل أيضاً لا يسقط الوجوب ، فلو شرع بعض المكلّفين بالصلاة يجوز لغيره الشروع فيها بنيّة الوجوب (1)(3) ، نعم ، إذا أتمّ الأوّل يسقط الوجوب عن الثاني
اعتبار به ، كما إذا عظّم الولي واحداً من المشيعين وأكرمه فإنّه بمثله لا يجوز الاقدام على الصلاة ونحوها ، لأنّ الظهور إنّما يكون حجّة في باب الألفاظ دون غيره فما دام الشاهد لم يوجب القطع أو الاطمئنان لم يمكن الاعتماد عليه.
(1) لأنّ الحكم كفائي ، ومع مبادرة أحد إليه تسقط المبادرة عن غيره.
(2) لأنّ الامتثال وسقوط الأمر في الواجبات الارتباطية إنّما يتحقق بالإتيان بآخر جزء منها ، فالإتيان ببعض أجزائها لا يوجب سقوط الأمر حتّى بالإضافة إلى ما أتى به من الاجزاء ، وذلك لأن ما انبسط عليه الوجوب ليس هو مجرد التكبيرة أو القراءة في مثل الصلاة ، بل التكبيرة المتعقبة ببقية الأجزاء إلى آخرها ، وهكذا القراءة المتعقبة ببقية الأجزاء إلى آخرها ، فإذا لم يتعقب الجزء المأتي به ببقية الأجزاء لم يكن مورد للأمر بوجه ، والأمر بالمركب غير ساقط.
نعم ، لا يجب الإتيان ثانياً بالأجزاء الّتي أتى بها ، بل المكلّف مخيّر بين أن يأتي ببقية الأجزاء حينئذ وبين أن يرفع اليد عنها ويستأنف العمل. فتحصل أنّه بمجرّد شروع أحد بالصلاة على الميِّت أو التغسيل أو نحوهما لا يسقط الوجوب الكفائي بوجه.
(3) لفرض عدم سقوط الوجوب بمجرد شروع بعض المكلّفين بالصلاة ، إلاّ أنّ الأوّل إذا أتمّها قبله سقط الوجوب عن الثاني فيأتي بالأجزاء الباقية استحباباً ، هذا.
1) (*) إذا علم أنّ غيره يتمّ الصلاة قبله لا يجوز له ذلك.
فيتمّها بنيّة الاستحباب.
[847] مسألة 3 : الظن بمباشرة الغير لا يسقط وجوب المبادرة
فضلاً عن الشكّ (1).
[848] مسألة 4 : إذا علم صدور الفعل عن غيره سقط عنه التكليف ما لم يعلم بطلانه
، وإن شكّ في الصحّة بل وإن ظنّ البطلان (2) فيحمل فعله على الصحّة ، سواء كان ذلك الغير عادلاً أو فاسقاً (3).
ولا يخفى أن ما أفاده إنّما يتم فيما إذا علم الثاني أو اطمأنّ بأنّ الأوّل لا يتم الصلاة لموت ونحوه ، وأمّا إذا علم بأنّه يتمّها أو اطمأنّ به لا يتمشى منه قصد الوجوب ، لعلمه بأن ما يأتي به ليس بمصداق للواجب ، إذ مع إتمام الأوّل يسقط الوجوب فما معنى قصده الوجوب.
وكذلك الحال في المصلي الأوّل فإنّه إذا علم أو اطمأنّ بأنّ الصلاة لا تتم ، لأنّ الميِّت يرفع في أثنائها أو أنّه يموت ، لا يمكنه الشروع فيها بنيّة الوجوب.
(1) لعدم حجيته ، وحيث إنّ العلم بالاشتغال يستتبع إحراز الامتثال وفراغ الذمّة فلا يمكن الاكتفاء في الفراغ بظن مباشرة الغير ، فيجب الفحص عن أنّ الميِّت هل صلي عليه أو يصلّى عليه أو أنّه غسل أم لا ، حتّى يحصل القطع بفراغ الذمّة عن التكليف المنجّز في حقّه ، هذا فيما إذا وجد الميِّت والجنازة منفردة كما في البر. وأمّا إذا رآها بأيدي جماعة من أصدقاء الميِّت وأقربائه مثلا لم يجب الفحص عن الصلاة عليه والغسل بوجه ، وذلك للسيرة العملية الجارية على ذلك ، ولو ظنّ عدم إقامة الصلاة عليه مثلا.
(2) ولا يجب الفحص عن صحّته وبطلانه ، لأصالة الصحّة وحمل فعل المسلم عليه.
(3) لعدم اختصاص أصالة الصحّة بالعدول ، بل لا بدّ من حمل فعل كل مسلم على الصحيح عادلاً كان أو غيره ، كان هو الولي أو غيره.
[849] مسألة 5 : كل ما لم يكن من تجهيز الميِّت مشروطاً بقصد القربة
كالتوجيه إلى القبلة والتكفين والدفن ، يكفي صدوره من كل من كان من البالغ العاقل أو الصبي أو المجنون (1)وكل ما يشترط فيه قصد القربة كالتغسيل والصلاة يجب صدوره من البالغ العاقل ، فلا يكفي صلاة الصبي عليه إن قلنا بعدم صحّة صلاته ، بل وإن قلنا بصحّتها كما هو الأقوى على الأحوط. نعم ، إذا علمنا بوقوعها منه صحيحة جامعة لجميع الشرائط لا يبعد كفايتها (1) لكن مع ذلك لا يترك الاحتياط (2).
(1) لتحقّق الموضوع وهو موجب لسقوط التكليف لا محالة.
(2) الكلام في ذلك في مقامين :
أحدهما : ما إذا شكّكنا في صحّة صلاة الصبي على الميِّت وأنّه صلّى صحيحاً أو باطلاً ، أو في تغسيله بناءً على أن عمله على تقدير صحّته مجزٍ عن البالغين ، فهل يمكن الحكم بصحّتها حملاً لفعله على الصحيح؟.
وثانيهما : ما إذا علمنا بأنّ الصبي قد صلّى صحيحاً أو غسّل الميِّت صحيحاً فهل يُجتزأ بعمله وبه يسقط عن ذمّة المكلّفين أو لا يسقط؟
أمّا المقام الأوّل : فالظاهر عدم جريان أصالة الصحّة في حقّ الصبي ، لأنّها لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسُّك بإطلاقه في الصبي ، وإنّما ثبتت بالسيرة الجارية عليها لدى الشك ، لأن مرادنا من أصالة الصحّة في المقام حمل الفعل على الصحيح الواقعي وترتيب الأثر عليه ، وهي لم تثبت إلاّ بالسيرة ولم نرد منها حمل فعل المسلم على غير القبيح والمحرم الشرعي لئلاّ يختص بالبالغين ، وهذا بخلاف أصالة الصحّة في المقام.
1) بل هي بعيدة.
على أنّه لم يتحقق مورد صلّى فيه الصبي على الميِّت لتجري سيرتهم فيه على حمل صلاته على الصحيح.
ولا إشكال أنّها مختصّة بالبالغين ، ولا سيره في مثل صلاة الصبي على الميِّت وتغسيله.
نعم ، تجري أصالة الصحّة في بعض أعماله ، لجريان السيرة فيه ، كما في تطهيره فإنّ الصبي إذا غسل شيئاً أو دخل الخلاء واستنجى وعلمنا بنجاسة يده وخرج من الخلاء لا يعامل معه معاملة النجاسة بل يبنون على طهارة يده ، ولا إشكال في جريان السيرة عليه ، إلاّ أنّه في مثل الصلاة على الميِّت لا سيرة تقتضي الحكم بصحّة صلاته.
ودعوى جريان أصالة الصحّة في صلاة الصبي وتغسيله أيضاً لعدم القول بالفصل ، عهدتها على مدعيها ، لما عرفت من قصور المقتضي لحمل مثل صلاته على الصحّة ، هذا كلّه في هذا المقام.
أمّا المقام الثاني : وهو ما إذا علم بأنّ الصبي صلّى صحيحاً أو غسّل صحيحاً وشككنا في الاجتزاء بصلاته وبسقوطها عن البالغين ، فإذا بنينا على أن عبادات الصبي تمرينية فلا إشكال في عدم كفاية صلاة الصبي حينئذ ولا يسقط التكليف بفعله عن المكلّفين ، لأن صلاته ليست بصلاة مأمور بها في الحقيقة ، وإنّما هي صورة صلاة وشبيهة بها.
وأمّا إذا قلنا بمشروعية عباداته وإن لم يكن الصبي ملزماً بها فهي مستحبّة في حقّه ، فهل تكون أعماله المستحبّة مجزية عن البالغين أو لا تجزئ؟
الكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما في الأصل العملي وثانيهما في الأصل اللفظي والأدلّة الاجتهادية.
أمّا المقام الأوّل : فمرجع الشك في سقوط الواجب عن المكلّفين بعمل الصبي إلى أنّ التكليف على المكلّفين هل هو على نحو الإطلاق وأنّه ثابت على ذمّتهم سواء أتى به غير البالغ أم لم يأت به ، أو أنّه على نحو الاشتراط وهو مشروط بعدم إتيان الصبي
بالواجب ، ومع الشك في الإطلاق والاشتراط فالأصل هو البراءة ، وبها يثبت نتيجة الاشتراط ، وذلك لأنّه من الشك في أصل توجه التكليف على المكلّفين مع فرض إتيان الصبي الصلاة أو التغسيل ، هذا.
وقد يقال : إنّ الرجوع إلى البراءة عند الشك في الإطلاق والاشتراط إنّما هو فيما إذا كان الشرط غير حاصل من الابتداء ، وأمّا إذا كان متحققاً في الابتداء وارتفع بعد ذلك فمقتضى الأصل فيه هو الاشتغال ، وذلك كما في المقام ، لأنّ الصلاة على الميِّت إنّما هي بعد الموت بزمان ، فقبل أن يأتي بها الصبي وجبت الصلاة على المكلّفين وجوباً فعلياً ، لأنّه إمّا مطلق وثابت على ذمّتهم على كلا تقديري إتيان الصبي بها وعدمه ، أو أنّه واجب عليهم على تقدير أن لا يصلّي الصبي عليه ، والمفروض أنّ الصبي لم يصلّ عليه وبه يتحقق شرط الوجوب في حقّهم ، فالتكليف بالصلاة مثلاً فعلي في حقّهم وإذا أتى بها الصبي وشكّ في سقوطه عنهم بفعله وعدمه فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوبها في حقّهم وعدم سقوطه عنهم بذلك ، لأنّ العلم بالاشتغال يستدعي العلم بالفراغ. وهذا هو الّذي ذكره المحقق النائيني قدسسره في الشكّ في الإطلاق والاشتراط (1).
إلاّ أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ الشرط شرط معتبر في توجه التكليف عليهم في جميع الأزمان ، بمعنى أنّه شرط في تكليفهم بحسب الحدوث والبقاء بحيث لو صلّى الصبي على الميِّت بعد ذلك كشف ذلك عن عدم كون الصلاة واجبة على المكلّفين من الابتداء ، لا أنّه شرط فيه حدوثاً وبفعله يسقط التكليف عنهم بعد حدوثه في حقّهم قبل الشرط.
إذن يؤول الشك في المقام إلى توجه التكليف على البالغين مع فرض إتيان الصبي به وهو مدفوع بالبراءة.
وأمّا المقام الثاني : فمقتضى إطلاقات الأدلّة عدم سقوط التكليف عن البالغين
1) راجع فوائد الأُصول 3 : 421.
[850] مسألة 1 : الزوج أولى بزوجته من جميع أقاربها (1)
بفعل الصبي ، لعدم تقييدها الأمر بالصلاة ونحوها بما إذا لم يأت بها الصبي ، فمقتضى الأصل اللّفظي وجوب الصلاة والغسل في حقّهم ، أتى بهما الصبي أم لم يأت بهما.
ولا ينافي وجوب الصلاة وعدم سقوطها بفعل الصبي استحبابها في حقّه ، لأنّها مستحبّة في حقّ الصبي إلاّ أنّ الدليل لم يقم على كونها مجزئة عن المكلّفين ، فهي واجبة في حقّهم وإن كانت مستحبّة على الصبي.
ودعوى أنّ الصلاة المأمور بها طبيعة واحدة ، ومع إتيان الصبي بها يتحقق الموضوع وبه يسقط التكليف والوجوب ، ساقطة لأنّ الطبيعة وإن كانت واحدة ، إلاّ أنّ المصلحة الإلزامية لا يتحقق بفعل الصبي فلا بدّ من أن يأتي بها البالغون المكلّفون حتّى تستوفى تلك المصلحة الإلزامية لا محالة.
فصل : في مراتب الأولياء
(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أنّ الزوج أولى بزوجته من جميع أقاربها كما ذكره الماتن قدسسره كما أنّ المولى أولى بأمته من غيره ولو كانت مزوجة ، ثمّ تنتقل الولاية إلى مراتب الإرث ، فالطبقة الاولى وهم الأولاد والأبوان مقدّمون على الطبقة الثانية وهم الأجداد والإخوة وهم مقدمون على المرتبة الثالثة وهم الأعمام والأخوال وبعد الطبقة الثالثة فالمعتق وبعده ضامن الجريرة وبعده الحاكم
حرّة كانت أو أمة ، دائمة أو منقطعة ، وإن كان الأحوط في المنقطعة الاستئذان من المرتبة اللاّحقة أيضاً. ثمّ بعد الزوج المالك أولى بعبده أو أمته من كل أحد ، وإذا كان متعدِّداً اشتركوا في الولاية ، ثمّ بعد المالك طبقات الأرحام بترتيب الإرث فالطبقة الاولى وهم الأبوان والأولاد مقدّمون على الثانية وهم الاخوة والأجداد والثانية مقدّمون على الثالثة وهم الأعمام والأخوال. ثمّ بعد الأرحام المولى المعتق ثمّ ضامن الجزيرة ثمّ الحاكم (1)الشرعي ثمّ عدول المؤمنين.
الشرعي ، ومع عدمه عدول المؤمنين.
إلاّ أن ذلك لا يمكن إثباته بدليل لفظي في غير المولى وأمته ، وذلك لأن الأمة ملك للمولى ولو كانت مزوجة والمالك أولى بماله من غيره ، والحيوان والإنسان وإن كانا يسقطان عن المالية بموتهما إلاّ أنّ الأولوية للمالك لماله بعد التلف قد ثبتت حسب السيرة العقلائية من غير نكير ، كما ذكرناه في بحث المكاسب المحرمة (2)في مثل كسر الكوز وموت الحيوان وتبدل الخل خمراً وغير ذلك ، فإنّه وإن كان خارجاً عن الملكية والمالية في بعض الموارد كما في تبدل الخل خمراً إلاّ أنّ الأولوية للمالك كما عرفت ، بل الملكية باقية في بعض الصور ، فالمولى أولى بأمته من غيره.
وأمّا الزوج فالأخبار المستدل بها على كونه أولى بزوجته من غيره كلّها ضعاف لا يمكن الاعتماد على شيء منها.
نعم ، قد عبّر عن رواية إسحاق بن عمار (3)بالموثقة في كلام المحقق الهمداني (4)قدسسره إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك. ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور قد مرّ ضعفه غير مرّة.
بل في بعض الروايات كصحيحة حفص بن البختري أنّ الأخ مقدم على الزوج حيث سأل عن امرأة تموت ومعها أخوها وزوجها أيّهما يصلّي عليها؟ قال عليهالسلام أخوها أحق بالصلاة عليها (1).
نعم ، لا يمكننا الأخذ والاعتماد على هذه الصحيحة أيضاً ، للقطع بكونها على خلاف مذهب الشيعة ، لأنّ الأخ ليس بأولى من الزوج عند الأصحاب ، بل لا يرث مع وجود الطبقة المتقدمة كما هو واضح ، ومن هنا لا بدّ من حملها على التقيّة كما ذكره الشيخ قدسسره من أن هذا مذهب الحنفية (2).
وأمّا مراتب الإرث فهي أيضاً كذلك ، لما عرفت من أن ما دلّ على أن أمر الميِّت إلى الولي وهو يصلّي عليه أو يأمر من يحب ، كلّها ضعاف.
وأمّا الآية المباركة ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ) (3)فسواء قلنا إن مدلولها أن اولي الأرحام أولى من الأجانب بقرينة قوله ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ ) أو قلنا إنّه يدل على أن بعض اولي الأرحام أولى من بعض آخر منهم ومن الأجانب ، فهي راجعة إلى الإرث كما يرشد إليه قوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا ... ) أي إلاّ أن يوصي الميِّت إلى أحد أصدقائه وأوليائه وصية ، فإنّ الوصية تخرج قبل الإرث ، ومراتب الإرث هي المذكورة في الكتاب ، فلا نظر لها إلى الصلاة على الميِّت وتغسيله وغير ذلك من الأُمور. مضافاً إلى الأخبار الدالّة على ذلك.
والمتحصل : أن ما ذكره المشهور في المقام لا يمكن إثباته بدليل لفظي ومن ثمّ ذهب الأردبيلي (4)قدسسره وغيره إلى أن أولوية الزوج بزوجته استحبابية لا وجوبية.
ومع ذلك لا بدّ من الالتزام بما ذكروه في المقام ، لأنّ المسألة متسالم عليها بينهم ولم ينقل فيها خلاف ، وإنّما خلافهم في أنّ الأولوية واجبة أو مستحبة ، والسيرة العملية أيضاً جارية على ذلك بين المتشرعة.
بل السيرة العقلائية أيضاً كذلك ، لأنّها جرت على عدم مزاحمة الولي ومن له الأمر في الصلاة على الميِّت وتغسيله وتكفينه ودفنه.
والقدر المتيقن من التسالم والسيرة ثبوت الولاية في ذلك على من يتصدّى لتلك الأُمور وله الزعامة فيها عرفاً وهو المعزّى والمسلى والمرجع فيها لدى العرف ، فالسيرة جرت على عدم جواز مزاحمته في تلك الأُمور وأنّه غصب لحقّه.
وعليه فلا ولاية للنِّساء والصبي والمجنون ، إذ لم تجر العادة على تصدي النِّساء لتلك الأُمور وزعامتها ، والصبي والمجنون لا زعامة لهما ليتصديا لها.
ومن هنا يظهر أن مَن له الولاية قد لا يكون هو الوارث ، والوارث لا تثبت له الولاية أصلاً ، كما إذا كان له بنت أو أُم وأخ فانّ الأخ لا يرث الميِّت مع وجود الطبقة الاولى أعني الأولاد والأبوين ومع ذلك الولاية إنّما هي للأخ بحسب السيرة وهو المعزّى والمتصدي لتلك الأُمور لدى العرف.
ولعله لذلك ذهب بعضهم إلى أنّ الوارث إذا كان أباً وابناً فالولاية للأب وإن كانا مشتركين في الإرث وفي مرتبة واحدة ، وذلك لأنّ الزعامة والمرجعية في ذلك هي للأب دون الابن.
وكذلك الحال فيما إذا كان الوارث منحصراً بالجد والأخ ، فانّ الولاية حينئذ للجد وإن كان هو والأخ في مرتبة واحدة في الإرث ، وذلك لأنّ الزعامة إلى الجد لا إلى الأخ ، فليس المدار في الولاية هو الإرث.
[851] مسألة 2 : في كل طبقة الذكور مقدّمون على الإناث ، والبالغون على غيرهم ، ومن مت إلى الميِّت بالأب والأُم أولى ممّن مت بأحدهما ، ومن انتسب إليه بالأب أولى ممّن انتسب إليه بالأُم ، وفي الطبقة الأُولى الأب مقدّم على الام والأولاد وهم مقدّمون على أولادهم ، وفي الطبقة الثانية الجد مقدّم على الاخوة وهم مقدّمون على أولادهم ، وفي الطبقة الثالثة العم مقدّم على الخال وهما على أولادهما.
[852] مسألة 3 : إذا لم يكن في طبقة ذكور فالولاية للإناث ، وكذا إذا لم يكونوا بالغين أو كانوا غائبين ، لكن الأحوط الاستئذان من الحاكم أيضاً في صورة كون الذكور غير بالغين أو غائبين.
بل يمكن استفادة ذلك من الأخبار أيضاً (1)على تقدير تمامية سندها ، وذلك لأنّها دلّت على أن تلك الأُمور لمن هو أولى بالميت والولي ، ولم تقيد الأولوية فيها بالأولوية في الإرث كما قيّده بذلك فيما دلّ على وجوب قضاء صلوات الميِّت (2)حيث دلّ على أنّه يقضي صلواته الفائتة من هو أولى بالميت بإرثه.
فالمراد بالأولوية هو الأولوية العرفية ، أعني من يكون هو المرجع والمعزى وإليه الزعامة في تلك الأُمور عرفاً كما ذكرنا.
بل يمكن أن يقال : إن قوله عليهالسلام « يغسل الميِّت أولى الناس به » « أو يصلّي عليه أولى الناس به » أو « يأمر من يحب » يدل على أنّ الولاية والأولوية لمن يكون قابلاً للتصدِّي لتلك الأُمور بالمباشرة وبنفسه ، أو لأن يتصدى لها بالتسبيب ، ومن الظاهر أنّ المرأة ليس لها التصدي لتغسيل الميِّت بنفسها ، لاشتراط المماثلة بين الغاسل
[853] مسألة 4 : إذا كان للميت أُم وأولاد ذكور فالام أولى (1) لكن الأحوط (1)الاستئذان من الأولاد أيضاً.
والمغسول ، اللّهمّ إلاّ في موارد الضرورة إذا كانت المرأة من المحارم. كما أنّ العادة لم تجر على تصدّي المرأة للصلاة على الميِّت وتغسيله وتكفينه ودفنه ، والصبي والمجنون يحتاجون إلى الولي فكيف يكونان وليين ومتصديين لتلك الأُمور.
ودعوى أنّ الولاية تنتقل منهما إلى الوصي أو الحاكم.
مندفعة بأنّها تحتاج إلى الدليل ، لأن ظاهر الرواية أنّ الولاية لنفس الولي لا أنّها تنتقل إلى غيره ، فهو يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.
وعلى هذا لا وجه لما ذكره الماتن قدسسره في المسألة الرابعة من أنّ الوارث إذا كان امّاً وأولاداً ، فالام متقدمة عليهم ، لما عرفت من أنّ النِّساء لا يتصدين لتلك الأُمور عادةً ، ولا أن لهن الزعامة في تلك الأُمور ، هذا.
(1) قد عرفت أن هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
ثمّ إنّه لو بنينا على مراتب الأولياء على النحو الّذي التزم به المشهور وذكره الماتن قدسسره وفرضنا تمامية الأخبار المتقدمة سنداً ، فلو لم يكن للميت وارث ، أو كان ولم يمكن الوصول إليه هل ينتقل الأمر إلى الامام عليهالسلام وعلى تقدير عدم الوصول إليه هل تثبت الولاية للحاكم الشرعي وعلى تقدير عدمه لعدول المؤمنين ، أو لا ولاية للحاكم فضلاً عن عدول المؤمنين فتسقط الولاية حينئذ ويجوز التصدّي لها من غير استئذان من الحاكم أو غيره؟
المعروف هو الأوّل والصحيح هو الثاني ، وذلك لأنّ المستند في الحكم بثبوت الولاية
1) (*) لا يترك.
[854] مسألة 5 : إذا لم يكن في بعض المراتب إلاّ الصبي أو المجنون أو الغائب فالأحوط الجمع (1)بين إذن الحاكم والمرتبة المتأخِّرة ، لكن انتقال الولاية إلى المرتبة المتأخِّرة لا يخلو عن قوّة. وإذا كان للصبي ولي فالأحوط الاستئذان منه أيضاً.
[855] مسألة 6 : إذا كان أهل مرتبة واحدة متعددين يشتركون في الولاية فلا بدّ من إذن الجميع ، ويحتمل تقدم الأسن.
للحاكم إن كان هو الأخبار الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه والحاكم في زمان الغيبة وأنّه القائم مقام الإمام عليهالسلام في جميع الأُمور الراجعة إلى الإمام عليهالسلام على تقدير وجوده والتمكّن من الوصول إليه ، وأنّ الأُمور بيد العلماء الامناء باللّه وأنّه لا بدّ من الرجوع إليهم في الحوادث الواقعة ،
فيدفعه : ما ذكرناه في بحث الاجتهاد والتقليد (2)والمكاسب (3)من عدم ثبوت الولاية للحاكم في زمان الغيبة ، لضعف الأخبار المستدل بها على ذلك.
وإن كان المستند في الحكم أن تلك الأُمور من الأُمور الحِسبية الّتي لا مناص من تحققها في الخارج ، والقدر المتيقن في جوازها هو ما إذا أذن الحاكم الشرعي فيها.
فيرد عليه ما ذكرناه في بحث الاجتهاد والتقليد والمكاسب أيضاً من أن في ذلك تفصيلاً حاصله : أنّ الأُمور الحِسبية على قسمين :
فانّ التصرّف فيها قد يكون محرّماً في نفسه ، كما في التصرف في مال الصغير والمجنون والغائب والأوقاف الّتي لا متولي لها وغير ذلك من الأموال ، لعدم جواز التصرّف في مال الغير إلاّ بإذنه ، وكذا التزويج فإنّ الأصل عدم نفوذه في حقّ الغير ومن هذا القسم التصرّف في مال الإمام عليهالسلام لأنّه حرام إلاّ بإذنه ، وبما أنّ
التصرّف في تلك الأُمور أمر لا بدّ منه إذ لولاه لتلف مال الصغير وغيره أو لتلفت نفس الصغير ، لأنّه لو لم يبع داره مثلاً ويعالج الصغير أو المجنون لتلف ومات ، أو لتلف مال الإمام عليهالسلام كما إذا دفن أو القي في البحر أو أوصى به أحد لآخر فنعلم في مثل ذلك جواز التصرف في تلك الأُمور شرعاً ، إلاّ أنّ القدر المتيقن من جوازه أن يكون التصرف بإذن الحاكم الشرعي أو يكون هو المتصدي ، لاحتمال دخالة إذنه في جواز تلك التصرفات كبيع مال اليتيم أو صرف مال الإمام عليهالسلام في موارد العلم برضى الإمام عليهالسلام به ، وفي تلك الأُمور لا بدّ من الاستئذان من الحاكم الشرعي ، لأنّه القدر المتيقن من جواز التصرف في تلك الموارد حينئذ.
وقد يكون التصرف في الأُمور الحسبية جائزاً في نفسه ، وفي مثله لا حاجة إلى إذن الحاكم أو غيره ، ومنها الصلاة على الميِّت وتغسيله وتكفينه ودفنه ، وذلك لأن مقتضى إطلاق أدلّة وجوبها أنّها أُمور واجبة على كل واحد من المكلّفين أذن فيها الحاكم أم لم يأذن فيها ومع إطلاق أدلّتها لا حاجة إلى إذن الحاكم.
وعلى تقدير عدم كونها مطلقة فمقتضى البراءة عدم اشتراطها بالاذن ، وذلك للعلم بتوجه التكليف بتلك الأُمور إلى المكلّفين ، ويشك في أنّها مقيّدة بقيد وهو إذن الحاكم ويعتبر فيها الاستئذان من الحاكم ، أو أن وجوبها غير مقيّد بذلك ، والأصل البراءة عن هذا الاشتراط والقيد.
فتحصل : أنّه لا دليل على ثبوت الولاية للحاكم فضلاً عن عدول المؤمنين ، بل يجوز التصدي لتلك الأُمور من غير حاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي.
والمتحصل ممّا ذكرناه في المقام : أن مقتضى السيرة بل الأخبار أيضاً مع الغض عن سندها هو ثبوت الولاية لمن يتصدّى لأُمور الميِّت وله الزعامة والمرجعية فيها عرفاً وهو الّذي يعزى ويسلى دون غيره فلا يجوز مزاحمته في تلك الأُمور ، وعلى ذلك تختص الولاية بالرجال ولا حظّ فيها للنِّساء.
[856] مسألة 7 : إذا أوصى الميِّت في تجهيزه إلى غير الولي ، ذكر بعضهم عدم نفوذها إلاّ بإجازة الولي ، لكن الأقوى صحّتها ووجوب العمل بها ، والأحوط إذنهما معاً ولا يجب قبول الوصية على ذلك الغير وإن كان أحوط (1).
وهذا هو الّذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ، إمّا لأن النِّساء غير قابلات لمباشرة تلك الأُمور شرعاً كما في تغسيل الميِّت ، وإمّا لعدم جريان العادة بتصدي المرأة لمثل الصلاة على الميِّت وتغسيله ونحوهما.
فما أفاده الماتن قدسسره من أنّ الوارث إذا انحصر بالأُم والابن أو بالجدة والأخ ، فانّ الام والجدّة يتقدّمان على الابن والأخ ، ممّا لا يمكن المساعدة عليه بل الأمر في كلتا المسألتين بالعكس والولاية للابن والأخ كما عرفت.
(1) قد يقال بتقدم الوصية على الولاية ، لأن تبديل الوصيّة إثم فلا يجوز تغييرها.
وأُخرى يقال بتقدم الولاية على الوصية ، لأنّ الوصية فيما لا يوافق الشرع غير نافذة كما في الشرط والنذر ونحوهما وتلك الأُمور ثابتة للولي فلا تنفذ الوصية على خلافها.
والصحيح ما أفاده الماتن قدسسره من نفوذ الوصيّة وتقدّمها على الولاية مطلقاً ، سواء كان مدركها السيرة أم الأخبار.
أمّا بناءً على أن مدركها السيرة فلوضوح أنّ القدر المتيقن من السيرة ما إذا لم يوص الميِّت لأحد ، ولا سيرة على عدم جواز مزاحمة الولي عند الوصية للغير ، ومعه لا تكون الوصية غير موافقة للشرع ، لقصور المقتضي لثبوت الولاية حينئذ. ومقتضى إطلاق أدلّة جواز الوصية ونفوذها لزوم العمل على طبقها ، وذلك لأن إطلاقها هو المحكّم ما لم يقم دليل على خلافها.
وأمّا بناءً على أن مدرك الولاية هو الأخبار ، فلأن غاية ما يمكن استفادته من الأخبار أنّ الولي مقدّم على غيره من الأرحام والأجانب كما احتملناه في الآية المباركة ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (1)على ما ورد في بعض الأخبار فالولي أولى بالإضافة إلى غيره من الأقرباء والحق له ، وأمّا أنّ الولي أولى بالإضافة إلى نفس الميِّت أيضاً فيتقدّم حقّه عليه فهذا لم يثبت بوجه ، لأنّ الميِّت أولى بنفسه من غيره.
وهكذا غير الميِّت ، لأنّه ليس أحد أولى إلى الشخص من نفسه سوى النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم لقوله تعالى ( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (2)وعلى ذلك لم يثبت حق الولي بالإضافة إلى الميِّت ، بل الميِّت أولى بنفسه منه فله الوصية بما شاء فله أن يراعي نفسه ويوصي بما شاء لمن شاء كما إذا أوصى أن يدفن في مكان خاص فإنّه ليس للولي تغيير ذلك. وهكذا إذا أوصى أن يصلّي عليه شخص معين ، فاطلاقات أدلّة الوصية محكّمة ولم يقم دليل على خلافها ، لعدم ثبوت كونها على خلاف المقرّر في الشرع.
نعم ، هناك كلام آخر وهو أن معنى نفوذ الوصية وصحّتها أن للوصي حق التصدِّي للصلاة أو غيرها ممّا أوصى له الميِّت ، وأمّا أن قبولها واجب على الوصي ولا مناص من أن يباشرها بنفسه فهذا ممّا لم يثبت بدليل ، كيف وهو إضرار وإلقاء له في الحرج ولو جاز لصحّت الوصية بأن يحج عنه ويصلّي ويصوم ويقوم بسائر الأعمال الواجبة أو المستحبّة ، ولا إشكال في أن قبولها لو كان واجباً على الوصي كان ذلك ضرراً وأمراً حرجياً لا محالة ، وكيف كان فلا يجب قبول الوصية على الوصي بل له ردّها وإنّما الوصيّة تولّد حقاً للوصي في القيام بما أوصى به ، وأولوية له بالإضافة إلى الغير.
[857] مسألة 8 : إذا رجع الولي عن إذنه في أثناء العمل لا يجوز للمأذون الإتمام ، وكذا إذا تبدّل الولي بأن صار غير البالغ بالغاً أو الغائب حاضراً ، أو جنّ الولي أو مات فانتقلت الولاية إلى غيره (1).
[858] مسألة 9 : إذا حضر الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون بعد تمام العمل من الغسل أو الصلاة مثلاً ليس له الإلزام بالإعادة.
[859] مسألة 10 : إذا ادّعى شخص كونه وليّاً أو مأذوناً من قبله أو وصيّاً فالظاهر جواز (1)الاكتفاء بقوله ما لم يعارضه غيره وإلاّ احتاج إلى البيّنة ، ومع عدمها لا بدّ من الاحتياط (2).
(1) والوجه فيما ذكره في هذا الفرع وتاليه ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان.
(2) كأنه شبّه قدسسره المقام بمن ادعى مالاً ولم يكن له معارض فان مقتضى النص والسيرة جواز الاكتفاء بقوله ، إلاّ أنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ النص مختص بالمال ولا يسوغ التعدِّي عنه إلى غيره ، والسيرة مفقودة في المقام ، لعدم جريانها على قبول دعوى مدعي الولاية أو الوصاية أو المأذونية من قبل الولي.
نعم ، السيرة قامت على قبوله فيما إذا كانت الجنازة بيد من يدعي الولاية أو المأذونية أو الوصاية ، أو كانت الجنازة بيد جماعة يدعي واحد منهم الولاية من غير معارض كما هو المشاهد في الجنائز الخارجية.
وأمّا إذا لم تكن الجنازة بيده أو بيد جماعة كما إذا كانت هناك جنازة وجاء أحد يدعي الولاية أو المأذونية أو الوصاية عليه فلا سيرة ولا دليل آخر على قبول دعواه
1) (*) فيه اشكال بل منر. نعم إذا كان الميِّت في يده قُبل قوله فيه.
[860] مسألة 11 : إذا أكره الولي أو غيره شخصاً على التغسيل أو الصلاة على الميِّت فالظاهر صحّة العمل إذا حصل منه قصد القربة لأنّه أيضاً مكلّف كالمكره (1).
فيجوز مزاحمته والقيام بتلك الأُمور ، من غير اعتبار الاستئذان منه ، نعم إذا كان له معارض في دعواه يدخل ذلك في التداعي.
(1) ذكر قدسسره أنّ التغسيل أو الصلاة على الميِّت إذا وقعت عن إكراه الظاهر جواز الاقتصار على عمل المكره وصحّته إذا حصل منه قصد القربة ، وبه يسقط التكليف عن غيره ، لأنّه عمل صدر ممّن كلف به وقد حصل منه قصد القربة فيحكم بصحّته ، هذا.
والمناقشة في صحّة عمل المكره وإسقاطه التكليف عن غيره من جهتين :
الاولى : أنّ الصلاة مثلاً عمل صدر عن كره وإجبار ، ومقتضى حديث رفع ما استكرهوا عليه أنّه كالعدم ، فكأنّ العمل لم يصدر من الابتداء وإن كان صدر وكان مقروناً بالإرادة أيضاً إلاّ أنّه لعدم اقترانه بالرضى كأنه لم يتحقق عند الشرع تعبّداً كما هو الحال في المعاملات الصادرة إكراهاً.
والجواب عن ذلك : أنّ الحديث إنّما ورد في مقام الامتنان ، ويختص الرفع في الأُمور المذكورة فيه بما إذا كان الرفع موافقاً للامتنان ، وأيّ امتنان في الحكم ببطلان الصلاة مثلا في المقام ، والأمر بالإعادة على المصلّي أو غيره من المكلّفين ، بل هذا على خلاف الامتنان. وهذا بخلاف المعاملات فانّ البيع أو النكاح أو الطلاق الصادر لا عن رضى إذا حكمنا بارتفاعه وبطلانه وعدم انتقال مال البائع للمشتري عند عدم رضاه أو عند عدم زوجية المرأة لأحد مع عدم رضاها يكون على وفق الامتنان ، ومن ثمة يحكم
ببطلان المعاملة الصادرة عن إكراه وإجبار.
وأمّا الواجبات الكفائية أو العينية كما إذا أكره الوالد ابنه على أن يصلّي فرائضه وأتى بها عن إكراه ، فالحكم ببطلانها بالحديث يكون على خلاف الامتنان ، لأن معناه إيجاب الإعادة عليه ، ولا امتنان فيه أبداً.
الجهة الثانية : أنّ الصلاة مثلاً يعتبر فيها قصد القربة ، ومع استناد الإتيان بها إلى التوعيد والإكراه أي كون الداعي إلى عمله هو التوعيد لا تستند الصلاة إلى الداعي القربي والإلهي فيحكم ببطلانها.
وهذه المناقشة تندفع بوجهين :
أحدهما : ما ذكرناه في مبحث الوضوء (1)وغيره من أن معنى اعتبار قصد القربة في العبادات ليس هو اعتبار أن لا يقترن بالعمل شيء من الدواعي الخارجية غير قصد القربة ، بل معناه أن يقترن العمل بداع قربي قابل للداعوية إلى العمل بنفسه واستقلاله أي بحيث لو لم يكن له داع آخر لأتى به بذاك الداعي الإلهي ، سواء كان معه داع آخر أم لم يكن ، كيف وفي جملة من العبادات يجتمع داعيان أو أكثر فيها ، منها الصوم وترك الإفطار على الملأ وبين الناس ، لأنّ العاقل لا يرضى بالانتهاك لدى الناس ، فالخجل منهم يدعوه إلى الصوم وترك الأكل في الأسواق وعلى رؤوس الأشهاد ، ومع أنّه لا إشكال في صحّة صومه ، لأنّه وإن كان له داعٍ آخر إلاّ أن له داعياً قربياً مستقلا في الداعوية على تقدير انفراده ، ومن ثمة يصوم وإن لم يكن هناك شخص آخر يشاهده.
وفي المقام أيضاً يمكن أن يكون للمكره بعد الإكراه والالتفات إلى أنّه واجب كفائي في حقّه داع إلهي وقصد قربي مستقل في الداعوية ، وبذلك يحكم بصحّة عبادته وعلمه.
وثانيهما : أن بطلان العبادة بداع غير قربي إنّما هو فيما إذا كان الداعي داعياً إلى
1) شرح العروة 6 : 37 وما بعدها.
نفس العمل ، وأمّا إذا كان الداعي داعياً إلى العمل بقصد القربة ، أي كان الداعي غير القربي في طول الداعي الإلهي فلا إشكال في صحّة العبادة ، كيف وأن غير الأئمة المعصومين عليهمالسلام لا يقدمون على العمل والعبادة إلاّ بداع آخر غير قصد التقرّب طولاً ، ولا أقل من الخوف من النار أو من الآثار الوضعية المترتبة على تركها في هذه النشأة ، كما إذا جرّب أنّه يخسر أو يموت ولده إذا ترك الصلاة أو الصوم والجامع الخوف من سخط اللّه سبحانه في الدُّنيا أو في الآخرة أو الطمع في الحور والقصور.
إلاّ أن هذه الدواعي تدعو إلى إتيان العمل بقصد القربة لا إلى ذات العمل ، فلا تكون منافية لعبادية العبادة بوجه ، بل لا توجد عبادة يقصد بها التقرّب من غير داعٍ آخر إلاّ من مثل علي عليهالسلام وأولاده الطاهرين عليهمالسلام.
وهذا قد وقع في العبادات المستأجر عليها أيضاً ، لأن قضاء العبادة عن أيّ ميت مأمور به بالأمر الندبي والاستحبابي في نفسه ، والأجير يأتي بالقضاء الّذي هو أمر مستحب أي بالداعي القربي خوفاً من تبعة الأمر الوجوبي الناشئ من الإجارة لأنّه لو لم يأت بهذا المستحب لم تفرغ ذمّته وعوقب على مخالفته الأمر الوجوبي الإجاري ، فهناك أمران أحدهما يدعو إلى الآخر وهما داعيان طوليان لا مانع من أن يكون الداعي الثاني غير قربي ، وعليه ففي المقام يحكم بصحّة الصلاة على الميِّت الواقعة عن إكراه إذا قصد بها القربة ، وإن كان هذا العمل المقصود به القربة بمجموعه صادراً عن داعٍ آخر وهو التوعيد والإكراه.
[861] مسألة 12 : حاصل ترتيب الأولياء : أنّ الزوج مقدّم على غيره ، ثمّ المالك ثمّ الأب ثمّ الام ثمّ الذكور من الأولاد البالغين ثمّ الإناث البالغات ، ثمّ أولاد الأولاد ثمّ الجد ثمّ الجدّة ثمّ الأخ (1)ثمّ الأُخت ثمّ أولادهما ثمّ الأعمام ثمّ الأخوال ثمّ أولادهما ، ثمّ المولى المعتق ثمّ ضامن الجريرة ثمّ الحاكم ثمّ عدول المؤمنين (1).
يجب كفاية تغسيل كل مسلم سواء كان اثنى عشرياً أو غيره (2)(2).
مراتب الأولياء
(1) قد أسلفنا المناقشة في تقديم بعض الأولياء على البعض الآخر كتقديم الجدّة على الأخ أو الأُم على الابن فلاحظ ما قدمناه في المسألة السادسة يتّضح لك الحال في بقيّة الموارد مفصلاً.
فصل : في تغسيل الميِّت
(2) لا خلاف في أن تغسيل الميِّت واجب كفائي ، كما لا إشكال في اختصاصه بالمسلم وعدم وجوب تغسيل الكافر ، بل عدم جوازه وذلك لوجوه :
منها : أن تغسيل الميِّت إنّما هو لتنظيفه واحترامه وتجليله ، والكافر لا احترام له وغير قابل للنظافة ، لأنّه نجس.
ومنها : السيرة القطعية الجارية على عدم تغسيل الكافر في عصر النبيّ والأئمة عليهمالسلام حيث لم يسمع أن أحداً في تلك الأعصار غسل كافراً أو صلّى عليه.
ومنها : قوله تعالى ( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ) (1)لأنّ الآية وإن كانت واردة في الصلاة إلاّ أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون ذلك من جهة كفرهم ، وأنّ الأحكام المترتبة على أموات المسلمين لا تترتب على الأموات الكفرة فنتعدّى إلى تغسيلهم أيضاً.
والصحيح وفاقاً للمعروف أنّ المسلم يجب تغسيله وإن لم يعترف بالولاية ، لأنّه من الأحكام المترتبة على الإسلام وإظهار الشهادتين ولم يترتب على الايمان وذلك لوجوه :
منها : السيرة العملية ، لأنّ الشيعة في زمانهم عليهمالسلام كانوا قليلين مختفين والغلبة كانت مع المخالفين ، حتّى في المعاشرين معهم مَن كان مِن خدمهم لا يعترف بولايتهم ، وقد كانوا يغسلون موتاهم بمرأى ومنظر منهم عليهمالسلام ولم يكونوا يردعون عن ذلك بوجه ولو ببيانه لشيعتهم ، وهذا كاشف عن وجوب تغسيل المسلمين وإن لم يعترفوا بالولاية.
ويوضحه ملاحظة عصر علي عليهالسلام لأنّ أصحابه عليهمالسلام لم يكونوا من الشيعة بالمعنى المصطلح عليه عندنا ، وإنّما كان جمع منهم يرونه خليفة ثالثاً أو رابعاً ، لأن بعضهم أنكر خلافة عثمان وكانوا معتقدين بالشيخين ، ومع ذلك لو مات أحدهم أو قتل في غير المعركة لغسلوه وصلّوا عليه ولم يكن عليهالسلام رادعاً عن
1) التوبة 9 : 84.
ذلك بوجه.
وذلك لأنّهم لو كانوا كفرة لم يجز تغسيلهم ، لأنّه بدعة وتشريع محرم ، فإذا ثبت جوازه بالسيرة وعدم ردعهم يثبت وجوبه ، لأنّه لو جاز وجب ولو لم يجز حرم ولا واسطة بينهما ، لأنّه بالجواز يثبت إسلامهم والمسلم يجب تغسيله.
ومنها : المطلقات كموثقة سماعة « غسل الجنابة واجب ... وغسل الميِّت واجب » (1)لأن إطلاقه يشمل المسلم والمؤمن كليهما.
ودعوى : أنّها في مقام الإهمال كما عن المحقق الهمداني (2)قدسسره ،
مندفعة بأنّه لا يقصر عن قوله تعالى ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (3)فإنّه ممّا لا إشكال في إطلاقه عندهم ، ويتمسّكون به في موارد الشك والشبهات ، والمقام كذلك فلا وجه لدعوى كونها مهملة ، فإن قوله عليهالسلام « وغسل الميِّت واجب » بمنزلة القضية الشرطية وأنّه إذا مات أحد وجب غسله ولا ينبغي التأمل في إطلاقه بوجه. وكقوله عليهالسلام في مضمر أبي خالد « اغسل كل الموتى : الغريق وأكيل السبع وكل شيء إلاّ ما قتل بين الصفين » (4).
وقد أجاب المحقق الهمداني قدسسره عن ذلك بأنّ العموم فيها إنّما هو بالنسبة إلى أسباب الموت من الغرق بالماء وأكل السبع أو السم أو غير ذلك إلاّ الشهادة ، ولا عموم لها بالإضافة إلى أصناف البشر من الشيعة والعامّة وغيرهما (5).
وفيه : أن ما أفاده وإن كان لا بأس به إلاّ أنّه إنّما يمنع عن التمسُّك بالعموم ، وأمّا إطلاق الموتى فهو باق بحاله ولا مانع من التمسُّك به ، فإنّه كالقضية الشرطية وأنّه إذا مات أحد وجب تغسيله.
لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثني عشري (1).
(1) المقام الثاني : في كيفية تغسيلهم ، فقد ذكر بعضهم أنّ المعروف هو أن يغسل المخالف على طريقة المخالفين ولا يغسل على الطريقة الصحيحة ومذهب المغسّل.
وذهب جملة من المحققين إلى أنّه لا بدّ أن يغسل المخالف على الطريقة الصحيحة المتداولة بين المؤمنين ، ولا يجوز تغسيله على الطريقة الباطلة ، وهذا هو الصحيح وذلك لإطلاقات الأدلّة الواردة في كيفية تغسيل الميِّت بلا فرق في ذلك بين كون الميِّت مؤمناً أو مخالفاً.
ولا دليل على لزوم تغسيل المخالف على طريقته سوى ما توهّم من أن قاعدة الإلزام تقتضي ذلك.
وفيه : أن قاعدة الإلزام تتضمن الأمر والإيجاب بالإلزام كما هو المستفاد من أدلّتها كقوله « ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم » (1)أو أن « من التزم بدين لزمته أحكامه » (2)ومن الظاهر أنّ الميِّت غير قابل لأن يلزم بشيء ويجب في حقّه شيء ، وإنّما هو حكم مختص بالأحياء كما في الإرث والطلاق كأن يرى الوارث أنّ العصبة أيضاً تورث فيلزم بذلك في تقسيم الإرث بينه وبين العصبة ، أو يرى صحّة الطلاق في مجلس واحد ثلاث مرّات فيلزم بذلك ، أي على عدم جواز رجوعه إليها بعد ذلك ، لأنّه من الطلاق البائن ويجوز لغيره أن يتزوجها بعد عدتها وإن كان يعتقد بطلان طلاقها على مذهبه.
وفي المقام لا تجري القاعدة بوجه ، لعدم إمكان إلزام الميِّت بشيء. نعم ، يمكن أن يسقط التكليف عن غير الميِّت ، لاعتقاد الميِّت والتزامه بالغسل على الطريقة الباطلة ، لأنّه يعتقد صحّته إلاّ أنّه أمر لا تقتضيه قاعدة الإلزام ، لأنّها لو اقتضت فإنّما تقتضي
ثبوت الحكم في حقّ الميِّت ، وأمّا سقوطه عن الغير فهو ممّا لا تقتضيه قاعدة الإلزام بوجه ، هذا كلّه.
على أنّا لو سلمنا شمول القاعدة للأموات أيضاً ، لا يمكننا إجراؤها في المقام ، لأنّه لا صغرى لها في محل الكلام ، حيث إنّ الميِّت إنّما التزم بصحّة الغسل ممّن يرى صحّته أي المخالف مثله لا من الشيعي الّذي لا يرى صحّته ، لأنّه أمر عبادي والشيعي يعتقد بطلانه ، وأمّا صحّة تغسيل غيره على طريقة المخالفين فلم يلتزم بها بوجه ، لأن غيره يرى بطلانه ومعه لا يصدر منه الغسل صحيحاً لأنّه أمر عبادي ، إذن لا صغرى لقاعدة الإلزام في المقام فلا بدّ من تغسيل المخالف على الطريقة الصحيحة.
اللّهمّ إلاّ أن تقتضي التقية تغسيله على طريقة المخالفين كما إذا كان بمرأى ومنظر منهم فإنّه محكوم بالصحّة حينئذ ، لأنّ التقية في كل شيء ، وبه يكون الغسل على طريقتهم مأموراً به وشرعياً في حقّه ، لأنّ التقية عنوان ثانوي ينقلب بها الحكم الواقعي ويتبدل على ما يستفاد من أدلّتها.
بقي شيء : وهو أنّ المغسّل إذا كان من المخالفين وقد غسّل المخالف على طريقتهم ، فهل يجب على غيره ممّن يرى بطلان الغسل على تلك الكيفية أن يغسله ثانياً ، لأنّ الغسل الأوّل باطل وبحكم العدم ، أو يقتصر على تغسيله بتلك الطريقة ولا يجب إعادة الغسل؟
الصحيح هو الثاني ، للسيرة القطعية المستمرة على ذلك في زمان المعصومين عليهمالسلام حيث إنّهم في تلك الأعصار كانوا يكتفون بتغسيل المخالف للمخالف على طريقتهم ولم يردعوا عليهمالسلام عن ذلك بوجه ، ولم يأمروا بتغسيلهم مرّة ثانية ولو مع التمكّن منه ، وإلاّ لنقل إلينا ذلك ، ومن هذا يستكشف أنّ التغسيل على طريقتهم حينئذ صحيح ومسقط للوجوب عن بقية المكلّفين ، هذا كلّه في المخالف.
ولا يجوز تغسيل الكافر وتكفينه ودفنه بجميع أقسامه (1) من الكتابي والمشرك والحربي والغالي والناصبي والخارجي والمرتد الفطري والملي إذا مات بلا توبة وأطفال المسلمين بحكمهم (2)
(1) لما مرّ من أن مقتضى السيرة والموثقة المتقدِّمة (1)المؤيّدة برواية الاحتجاج (2)عدم جواز تغسيل الكافر من دون فرق بين أقسامه من الكتابي والمشرك وغيرهما حتّى المرتد ، بل لا ينبغي عدّه قسماً مستقلا في مقابل الكافر ، لأن ارتداده يتحقق بالالتزام إمّا بالتنصر أو التهود أو الشرك ونحوها فيندرج بذلك تحت أقسام الكافر.
نعم ، هذا يختص في الملي بما إذا كان قبل توبته ، وأمّا إذا تاب فحكمه حكم بقية المسلمين فيجب تغسيله ودفنه ويطهر بدنه إلى غير ذلك من الأحكام المترتبة على المسلمين.
بل الأمر كذلك في الفطري أيضاً على ما قدمناه في البحث عن المطهرات (3)وقلنا إنّ الفطري كالملي تقبل توبته ظاهراً وواقعاً ويرتب عليه بعد التوبة جميع الأحكام المترتبة على المسلمين كطهارة بدنه ووجوب تغسيله ودفنه وغيرها من الأحكام ولكن الأحكام الثلاثة المنصوصة من وجوب قتله وبينونة زوجته وتقسيم أمواله بين ورثته لا تسقط بتوبته إلاّ أنّه إذا لم يقتل ولو لوجود المانع وعدم البسط كما في زماننا هذا وتاب فيعامل معه معاملة المسلمين فيجب تغسيله أيضاً.
(2) للتبعية المستفادة من الإجماع والسيرة القطعية على ما قدّمناه في
وأطفال الكفّار بحكمهم (1) وولد الزِّنا من المسلم بحكمه ومن الكافر بحكمه (2)
المطهرات (1)والمطلقات والأخبار الواردة في تغسيل الصبي والصبية (2)والصلاة على الصبي إذا عقل (3)ومشروعية الصلاة إنّما هي بعد التغسيل.
(1) للتبعيّة كما مرّ في بحث النجاسات (4)وللسيرة القطعية الجارية على عدم تغسيل ولد الكافر ، فانّ المسلمين لا يأخذوه من الكافر ليغسلوه.
هذا فيما إذا لم يكن مميزاً ومعترفاً بأحد الأديان الباطلة ، وإلاّ فهو بنفسه يهودي أو مشرك أو نحوهما وليس محكوماً بحكمهم للتبعية بل بالأصالة.
(2) لأنّه أيضاً ولدهما فيتبع حكمهما ، لأن ولد الزِّنا ولد عرفاً وشرعاً وحقيقة ومن ثمة لا يجوز له أن يتزوج امّه أو أُخته أو عمّته أو خالته أو نحوهن ، ولا يجوز للأب أن يتزوج بها على تقدير الأُنوثة ، فيترتب على ولد الزِّنا جميع الآثار المترتبة على الأولاد.
نعم ، لا يرث من أبيه ، وهذا تخصيص في أدلّة الإرث ولم يرد في دليل أن ولد الزِّنا ليس بولد حتّى يكون نافياً للولدية ، فولد الزِّنا من المسلم كغيره من أولاده كلّهم محكومون بأحكام الإسلام الّتي منها وجوب التغسيل تبعاً.
وكذا الحال في ولد الزِّنا من الكافر ، لأنّه بحكمه فيترتب عليه أحكام الكفر تبعاً
والمجنون إن وصف الإسلام بعد بلوغه مسلم ، وإن وصف الكفر كافر ، وإن اتصل جنونه بصغره فحكمه حكم الطفل في لحوقه بأبيه أو امّه (1) والطفل الأسير تابع لآسره إن لم يكن معه أبوه أو امّه بل أو جدّه أو جدّته (2) ولقيط دار الإسلام بحكم المسلم (3) وكذا لقيط دار الكفر إن كان فيها مسلم يحتمل تولده منه.
كيف ولو كان الولد حلالاً للكافر لكنّا حكمنا بعدم وجوب تغسيله ، مع أن خسته من جهة واحدة وهي كفره فكيف بولده من الزِّنا الّذي خسّته من جهتين كفره وكونه من زنا ، فولد الكافر من الزِّنا ليس بأولى للإرفاق من ولده الحلال.
(1) بمعنى أن حكمه حكم ما قبل جنونه ، فان كان قبله مسلماً بالغاً فهو مسلم بعد جنونه ويقال إنّه مسلم مجنون كما أنّه لو كان كافراً بالغاً قبله فهو كافر مجنون ، وذلك للصدق العرفي.
وأمّا إذا كان غير بالغ قبل الجنون فاسلامه أو كفره يتبعان أبويه ، لأنّ الحكم في غير البالغ من جهة التبعية كما مرّ والصدق العرفي ، حيث يصدق عليه أنّه نصراني مجنون مثلاً.
(2) للتبعية إلى آسره إذا لم يكن معه أبوه أو امّه أو نحوهما ، وإلاّ لتبعهم في كفرهم كما قدّمناه في بحث النجاسات (1)والمطهرات (2).
(3) كما هو المشهور ، بل قيل إنّ المسألة إجماعية ، لعدم نقل الخلاف فيها ، والكلام في مدرك ذلك :
وليس الوجه فيه هو الإجماع في المقام ، لأنّا نطمئن أو نظن أو نحتمل استنادهم في ذلك إلى مدرك وصل إليهم في المسألة ، ومعه لا يكون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام.
كما أنّ الوجه فيه ليس هو التمسُّك بعموم ما دلّ على وجوب تغسيل كل ميت [ مسلم ] ، لأنّه من التمسُّك بالعام في الشبهة المصداقية ، لاحتمال أن يكون اللقيط ولد الكافر واقعاً ، وقد بيّنا في محله أنّ الشك في الشبهات المصداقية ليس راجعاً إلى الشك في التخصيص ، ليدفع بأصالة العموم ، وإنّما هو من جهة الشك في انطباق عنوان الخارج على المشكوك فيه ولا يمكن معه التمسُّك بالعام.
كما أنّه ليس الوجه فيه ما ورد من أن « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه » (1)لأنّه أجنبي عن المقام رأساً ، لأن معناه أنّ الإسلام قوي الحجّة وواضح المحجة والطريق فهو يعلو بنفسه على غيره ولا يعلو عليه شيء ، وأمّا أنّ المشكوك كفره وإسلامه فهو مسلم فهذا ممّا لا يستفاد منه بوجه.
وكذا ما ورد من أن « كل مولود يولد على الفطرة » (2)وقوله تعالى ( فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ) (3)فإنّها أجنبية عن المقام ، لأنّ المراد بالفطرة في الآية والأخبار فطرة التوحيد لا فطرة الإسلام ، فإن كل واحد لو التفت إلى خلقته عرف أن له خالقاً غيره ، إذ لو لم يكن له خالق فامّا أن يكون هو الخالق لنفسه أو يكون مخلوقاً من غير خالق ، وكلاهما مستحيل كما أشار إليه سبحانه بقوله ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ) (4)وقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ منْ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْض لَيَقُولنَّ اللّهُ قُلْ فَأَنى تُؤْفَكُونَ (5)إلى غير ذلك من الآيات.
ففطرة التوحيد ثابتة في جميع البشر غير أنّها تحتاج إلى أدنى إشارة وتنبيه ، وإليه أشير في قوله تعالى ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا : بَلى ) (1)وليس المراد من الفطرة فطرة الإسلام ، للقطع بعدم كون الإسلام فطرياً ، كيف وممّا يتقوم به الإسلام النبوّة الّتي تتوقف على المعجزة والإثبات وليست أمراً فطرياً يعرفه كل بشر.
نعم ، ورد تفسير الفطرة في بعض الأخبار بالإسلام (2)إلاّ أن ذيله شاهد على أنّ المراد به هو السلم لله أي الإقرار بالتوحيد وليس المراد به الإسلام المصطلح عليه من الإقرار بالتوحيد والنبوّة والمعاد ، كما هو المراد منه في قوله تعالى إخباراً عن إبراهيم عليهالسلام ( كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ) (3)لأنّه عليهالسلام لم يكن مسلماً بالمعنى المصطلح عليه قطعاً ، وإنّما أسلم لله سبحانه ، أي اعترف بالتوحيد ، ومنه « أسلمت وجهي لله » كما في الدُّعاء ، وكيف كان فلا يمكن التشبث في المقام بحديث الفطرة بوجه.
بل الوجه فيما ذكروه : أنّ الحكم الشرعي قد يترتب على عنوان الإسلام كما في اشتراط جواز التزويج بالكفاءة من حيث الإسلام ، فلا يجوز تزويج غير المسلمة كما أنّه لا يجوز أن تتزوج بغير المسلم ، وفي مثله إذا شكّت المرأة مثلا في أنّ الرّجل الّذي تريد أن تزوج نفسها منه مسلم أو كافر ، فمقتضى استصحاب عدم اتصافه بالإسلام عدم جواز تزويج نفسها منه ، لأنّ الإسلام صفة حادثة مسبوقة بالعدم يثبت عدمها بالاستصحاب.
وقد يترتب الحكم الشرعي على عنوان الكفر كالنجاسة وعدم وجوب التغسيل لأنّ العموم والإطلاق دلاّ على الطهارة في كل شخص ووجوب التغسيل لكل ميت
وإنّما خرج عنهما عنوان الكافر ، فإذا شككنا في كفر أحد وإسلامه ليس لنا الحكم بكفره باستصحاب عدم إسلامه ، وذلك لأنّ الكفر ليس من الأُمور العدمية ، وإنّما هو أمر وجودي معناه الاتصاف بعدم الإسلام لا عدم الاتصاف به ، ليكون أمراً عدميا فإنّه من العدم والملكة وقد قالوا إن إعدام الملكات لها حظ من الوجود وحاله حال العمى ، لأنّه ليس بمعنى عدم الاتصاف بالبصر بل بمعنى الاتصاف بعدم البصر ، ومن هنا لو شككنا في عمى أحد أو بصره ليس لنا استصحاب عدم اتصافه بالبصر والحكم بأنّه أعمى ، لأنّ العمى ليس هو عدم البصر بل عبارة عن الاتصاف بعدم البصر ، وهو لا يثبت باستصحاب عدم البصر.
ومن ثمة قلنا في بحث النجاسات (1)أنّ المشكوك كفره وإسلامه محكوم بالطهارة لاستصحاب عدم اتصافه بالكفر ، إذ لا يجري فيه استصحاب عدم الإسلام لإثبات كفره ، حيث إنّ الكفر بمعنى الاتصاف بعدم الإسلام ، وعليه ففي المقام يستصحب عدم اتصاف اللقيط بالكفر ، لأنّ النجاسة وعدم وجوب التغسيل مترتبان على الكفر ولا يمكن إثباته باستصحاب عدم الإسلام ، لأنّه أمر وجودي ، بل يجري استصحاب عدم الاتصاف به ، وبه يثبت عدم كفره فيشمله ما دلّ على وجوب تغسيل كل ميت.
هذا كلّه بناءً على أنّ المدرك في عدم وجوب تغسيل الميِّت [ الكافر ] هو السيرة القطعية لأنّها جرت على عدم تغسيل الكافر أي الموضوع فيها هو الكفر - ، وأمّا بناءً على أنّ المدرك هو الموثقة المتقدِّمة (2)فالأمر ظاهر ، لأن موضوع الحكم بعدم وجوب التغسيل هو التنصّر ، غاية الأمر أنّا علمنا أنّ النصرانية لا خصوصية لها ، بل التهود والتمجس والشرك أيضاً كذلك. ومن الظاهر أن تلك العناوين عناوين وجودية وعند الشك فيها يستصحب عدمها ، وبه يثبت أنّ المشكوك فيه من أحد الأفراد الباقية تحت العموم والإطلاق.
ولا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير والكبير (1) حتّى السقط إذا تمّ له أربعة أشهر (2)
فتلخص : أنّ الوجه في وجوب تغسيل اللقيط في دار الإسلام أو دار الكفر إذا احتمل كونه من مسلم هو الإطلاقات بعد استصحاب عدم التنصّر أو الكفر باستصحاب العدم الأزلي.
(1) للإطلاقات.
(2) الأخبار الواردة في المقام على طوائف :
منها : ما جعل المناط في وجوب التغسيل أن يتم للسقط أربعة أشهر كما في مرفوعة أحمد بن محمّد (1)وخبر زرارة « انّ السقط إذا تمّ له أربعة أشهر غسل » (2)ومقتضاهما تحديد وجوب الغسل في السقط بما إذا كان له أربعة أشهر ، إلاّ أنّهما ضعيفتان ، أمّا الأُولى فلكونها مرسلة ومرفوعة كذا قالوا ، والصحيح أنّها زائداً على إرسالها مقطوعة أي لم يذكر فيها الإمام عليهالسلام والمسؤول عنه. وأمّا الثانية فلأن في سندها الحسين بن موسى وهو ضعيف ، فلا يمكن الاعتماد عليهما.
ومنها : ما جعل المناط الاستواء كما في موثقة سماعة حيث روى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال : نعم ، كل ذلك يجب عليه إذا استوى » (3)فقد دلّتنا على أنّ المدار في ذلك
على الاستواء لا على مضي أربعة أشهر.
والمراد بالاستواء فيها ليس هو القابلية للولادة حتّى يعتبر في وجوب غسل السقط مضي ستّة أشهر عليه ، لأنّه زمان القابلية للولادة على ما ورد في المرفوعة المتقدِّمة من أن « السقط إذا تمّ له ستّة أشهر فهو تام وذلك أنّ الحسين بن علي عليهالسلام ولد وهو ابن ستّة أشهر ». والوجه فيه هو أنّ الموضوع في الموثقة هو السقط أي غير القابل للولادة.
بل المراد بالاستواء هو تمامية الولد بحسب الصورة والخلقة ، وبهذا المعنى يستعمل اليوم فيقال : طعام مستوي أي تام بحسب الطبخ ، وهو زمان قابلية الولد لأن تلج فيه الروح ، فعلى ذلك يعتبر في وجوب تغسيل السقط أن يكون تام الخلقة والصورة ولا عبرة في ذلك بالزمان ومضي أربعة أشهر.
ومنها : ما جمع بين الأمرين أعني الاستواء ومضي أربعة أشهر للسقط كما في الفقه الرضوي قال : « إذا أسقطت المرأة وكان السقط تاماً غسل ... وحد إتمامه إذا أتى عليه أربعة أشهر » (1). إلاّ أنّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة.
إذن لا بدّ من الأخذ بالموثقة ، ومعه يكون المدار على الاستواء لا على الزمان ومضي أربعة أشهر.
نعم ، ورد في بعض الروايات وفيها المعتبرة أنّ الاستواء إنّما يتحقق بعد مضي أربعة أشهر كما في رواية الحسن بن الجهم قال « سمعت أبا الحسن الرضا عليهالسلام يقول : قال أبو جعفر عليهالسلام إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً ، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً ، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً ، فإذا كمل أربعة أشهر بعث اللّه تعالى ملكين خلاقين فيقولان ... » (2)لدلالتها على أنّ التمامية بحسب الصورة والقابلية لنفخ الروح فيه إنّما هو بعد مضي أربعة أشهر ، أعني بعد زمان نطفته وعلقة ومضغته.
ويجب تكفينه ودفنه على المتعارف (1) لكن لا تجب الصلاة عليه بل لا يستحب أيضاً (2)
فعلى ذلك يمكن العمل بالروايتين السابقتين أيضاً ، أعني مرفوعة أحمد بن محمّد وزرارة المتقدمتين الدالّتين على اعتبار مضي أربعة أشهر ، للملازمة بين الاستواء ومضي أربعة أشهر ، إلاّ أنّ المدار إذن على كون الولد مستوياً بحسب الصورة والخلقة لا على الشهور والزمان ، بحيث لو فرضنا كونه كذلك قبل أربعة أشهر وجب تغسيله أيضاً ، كما أنّه إذا لم يكن تاماً بعد أربعة أشهر لم يجب تغسيله ، لأنّ الاستواء هو المناط في الحكم بوجوب التغسيل ، وما ورد فيه أربعة أشهر لعله من جهة التلازم بينهما.
(1) لأنّ المستفاد من الموثقة وغيرها من الأخبار المتقدِّمة ، أنّ السقط بعد الاستواء أو تمامية أربعة أشهر يدفن ويكفن كما يدفن ويكفن غير السقط من الأموات ، فلا وجه لما عن المحقق (1)والعلاّمة (2)وغيرهما من أنّه يلف بخرقة فالواجب في السقط لا يغاير الواجب في بقية المكلّفين.
(2) لما يأتي من أنّها إنّما تجب فيما إذا عقل الصبي الصلاة ، بأن بلغ ست سنين فلا يجب قبله ، بل لا يشرع كما يأتي إن شاء اللّه تعالى (3).
وإذا كان للسِّقط أقلّ من أربعة أشهر لا يجب غسله (1) بل يلف في خرقة (1)(2) ويدفن.
(1) لأنّ الأخبار الدالّة على وجوب غسل كل ميت غير شاملة له ، لاختصاصها بالميت وهو الحي الّذي زهقت روحه ، والسقط حينئذ لم تلجه الروح ليتصف بالموت وأمّا الأخبار الواردة في المقام فلاختصاصها بما بعد الاستواء أو بعد مضي أربعة أشهر.
(2) لا دليل على ذلك سوى الإجماع المنقول في المسألة ، حيث ذكر بعضهم أنّ المسألة إجماعية لم ينقل فيها خلاف ، وهو ممّا لا اعتبار به. والأخبار العامّة مختصّة بالميت غير الشامل للسقط قبل ولوج الروح فيه ، والأخبار الواردة في المقام مختصّة بما بعد الاستواء وتمامية أربعة أشهر.
وبهذا يمكن الاستشكال في وجوب دفنه أيضاً ، لانحصار مدركه بالإجماع المنقول ولا دليل عليه غيره ، لأنّ الأخبار مختصّة بالميت كما عرفت ، والأخبار الخاصّة الواردة في المقام غير شاملة إلاّ للسقط بعد تمامية أربعة أشهر والاستواء ، فيجوز معه إلقاؤه في البحر أو النهر أو البئر.
نعم ، ورد في الفقه الرضوي : « إذا أسقطت المرأة وكان السقط تاماً غسل وحنط وكفن ودفن ، وإن لم يكن تاماً فلا يغسل ويدفن بدمه » (2)إلاّ أنّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة.
وأمّا مكاتبة محمّد بن الفضيل قال : « كتبت إلى أبي جعفر عليهالسلام أسأله عن
يجب في الغسل نيّة القربة على نحو ما مرّ في الوضوء ،
السقط كيف يصنع به؟ فكتب إلى : السقط يدفن بدمه في موضعه » (1)المحمولة على السقط قبل الاستواء وأربعة أشهر ، جمعاً بينها وبين ما دلّ على وجوب تغسيل السقط بعد الاستواء وتكفينه ودفنه ، فهي ضعيفة السند بسهل بن زياد.
فلا دليل على وجوب تغسيل السقط قبل الاستواء وتكفينه ودفنه ، وإن كان الأحوط تكفينه ودفنه للإجماع المنقول والروايتين.
فصل : اعتبار نيّة القربة في تغسيل الميِّت
(1) لأنّ الأغسال أُمور عبادية بالارتكاز على ما وصلت إلينا يداً بيد خلفاً عن سلف ، حيث إن وظائف أية ملّة تنقسم إلى قسمين :
قسم يكون المطلوب فيه هو التذلّل والتخضع وإظهار العبودية المعبّر عنه في الفارسية ب- « پرستش » وإن كان فيه غاية أُخرى أيضاً.
وقسم يكون المطلوب فيه هو إتيان العمل بأيّ نحو كان.
والأغسال يعتبر فيها التذلّل والعبودية بالارتكاز ، لوصولها إلينا كذلك يداً بيد وخلفاً عن سلف ، وبهذا فرّقوا بين الغَسل بالفتح والغُسل بالضم فاعتبروا النيّة في الثاني دون الأوّل.
1) الوسائل 2 : 502 / أبواب غسل الميِّت ب 12 ح 5.
ويدلُّ على ذلك ما ورد من أن غسل الميِّت كغسل الجنابة (1)بضميمة ما قدمناه في بحث غسل الجنابة من اعتبار قصد القربة فيه ، وما ذكرناه في بحث الأُصول من أن قصد القربة مأخوذ في متعلق الأمر كغيره من الأجزاء والشرائط (2)فإنّه بناءً على هذين الأمرين يدل التشبيه في الرواية على أن غسل الميِّت أيضاً يعتبر فيه قصد القربة جزءاً أو شرطاً وهو داخل في حقيقته.
نعم ، بناءً على ما سلكه صاحب الكفاية قدسسره من أن قصد القربة غير مأخوذ في متعلق الأمر وإنّما هو واجب عقلي ، لعدم حصول الغرض إلاّ به (3)لا يستفاد من الرواية أن قصد القربة مأخوذ في غسل الميِّت شرعاً.
وأمّا الاستدلال على اعتبار قصد القربة بقوله تعالى ( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (4)وما ورد عنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم « لا عمل إلاّ بنيّة » و « إنّما الأعمال بالنيّات » و « لكل امرئ ما نوى » (5)فلا وجه له أصلاً.
أمّا الآية المباركة فلأنّ الضمير فيها يرجع إلى المشركين وأهل الكتاب المذكورين قبل تلك الآية ، وتدل على أنّ اللّه سبحانه لم يأمرهم بعبادة الوثن أو روح القدس أو غيرهما أي لم يأمرهم بالشرك وإنّما أمرهم أن يعبدوه ، ولا دلالة لها على أنّ التكاليف المتوجهة إلى الأُمم السابقة أو في هذه الشريعة كلّها تعبدية.
كما أنّ الأخبار المتقدِّمة إنّما أُريد منها كما صرّح به في الجهاد أنّ العمل لا يترتب عليه إلاّ ما نواه فاعله ، وأن روح العمل هو النيّة ، فلو نوى المجاهد بجهاده وجه اللّه فلا يترتب عليه إلاّ رضاه وثوابه ، وإن أُريد به أمر دنيوي لا يترتب عليه إلاّ ذاك
والأقوى كفاية نيّة واحدة (1)للأغسال الثلاثة وإن كان الأحوط تجديدها عند كل غسل (1).
الأمر الدنيوي ولا ثواب له ، كما أُشير إليه في قوله تعالى ( نُؤْتِهِ مِنْها ) (2)ولا دلالة لها على أنّ التكاليف الواردة في الشريعة المقدسة عبادية ، هذا.
وممّا يدلّنا على ذلك أو يؤيّده : أن لازم الاستدلال بالآية والأخبار المتقدِّمة اعتبار قصد القربة في جميع الواجبات الشرعية وهو ممّا لا يمكن الالتزام به ، إذ كيف يمكن أن يقال إن غسل الثوب أو الإنفاق على الزوجة أو ردّ السلام أو غيرها من الواجبات أُمور عبادية يعتبر فيها قصد القربة ، فهذا ممّا لا يمكن القول به للزوم تخصيص الأكثر المستهجن ، لأن أكثر الواجبات توصلية.
(1) وقع الكلام في أنّ الأغسال الثلاثة الواجبة في غسل الميِّت ، أعني الغسل بالسدر والغسل بالكافور والغسل بالماء القراح عمل وعبادة واحدة ليكتفى فيها بنيّة واحدة أو أنّها عبادات متعددة فتجب النيّة لكل واحد من الأغسال؟
فقد يقال : كما في المتن إنّها عمل واحد استظهاراً من الأمر الواحد المتعلق بالأغسال الثلاثة ، حيث أُمر بها بأمر واحد ، ومن ثمة ذكر قدسسره أنّ الأقوى كفاية النيّة الواحدة في الجميع ، هذا.
والصحيح أنّ هذا النزاع لا يرجع إلى محصل ، لأنّه مبني على أن تكون النيّة بمعنى الاخطار بالقلب فيتكلّم حينئذ في أنّه يجب إخطار الغسل مرّة واحدة أو ثلاث مرّات.
ولو اشترك اثنان يجب على كل منهما النيّة (1) ولو كان أحدهما معيناً والآخر مغسلاً وجب على المغسل النيّة (2) وإن كان الأحوط نيّة المعين أيضاً. ولا يلزم اتحاد المغسل فيجوز توزيع الثلاثة على ثلاثة (3).
وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنّ النيّة بمعنى الإتيان بالعمل بداعٍ إلهي ، أي بداعٍ مضاف إلى اللّه سبحانه فلا معنى لهذا النزاع أصلاً ، لأن وجود الداعي الإلهي إذا كان معتبراً في العبادية فلا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء ، لاعتبار بقاء هذه الإضافة إلى آخر أجزاء العمل ، ومعه يعتبر في جميع تلك الأغسال إضافتها إلى اللّه سبحانه بنحو من أنحائها حتّى بقاءً ، سواء قلنا إنّها عمل واحد أو أعمال متعددة.
(1) لأن كلاًّ منهما يأتي بشيء من الواجب العبادي فلو لم ينو أحدهما القربة لم يأت بواجبه.
(2) وفيه : أنّ الإعانة خارجة عن الغسل المأمور به ولا يعتبر في الإعانة النيّة بوجه ، نعم لو نوى بها القربة ترتب عليه الثواب ، لأنّه عمل لا بدّ منه في الخارج وقد قصد به القربة ، ومن هنا يظهر أن قوله « وإن كان الأحوط نيّة المعين أيضاً » ممّا لا وجه له.
(3) لأنّ الأمر إنّما تعلّق بطبيعي المكلّفين ولم يتعلّق بشخص دون شخص ، ولا يقاس ذلك بالصلاة على الميِّت ، وذلك للعلم الخارجي بأنّها لا بدّ من أن تصدر عن مكلّف واحد ، ولما ورد من أن أوّلها التكبيرة وآخرها التسليمة (1)فهي عمل واحد غير قابل للتبعيض بأن يأتي بعض ببعضها ويأتي بعض آخر ببعضها الآخر ، وهذا
1) الوسائل 6 : 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 1.
بل يجوز في الغسل الواحد التوزيع مع مراعاة الترتيب (1) ويجب حينئذ النيّة على كل منهم(2) .
تجب المماثلة بين الغاسل والميِّت في الذكورية والأُنوثية (3)
بخلاف المقام ، لأن مقتضى الإطلاق بعد فرض الواجب كفائياً جواز صدورها من أشخاص متعددين.
(1) لعين ما مرّ ، ولعدم قيام الدليل على لزوم كونه صادراً عن مغسل واحد كما في الصلاة.
(2) لأن كل واحد منهم يأتي بالغسل الواحد أو ببعضه وهو واجب عبادي.
فصل : اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت
(3) لجملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على أنّ الميِّت إذا لم يكن عنده من يماثله أو من محارمه ولو من النِّساء وانحصر من عنده بغير المماثل من غير محارمه دفنه غير المماثل من غير تغسيل (1)هذا.
وقد نسب إلى الشيخين والحلبي ومن المتأخّرين إلى صاحب المفاتيح وجوب التغسيل حينئذ من فوق اللّباس (2)وعن ابن زهرة أنّ الغسل أحوط (3)بل عن
1) الوسائل 2 : 520 / أبواب غسل الميِّت ب 21 ، 532 / ب 24 ح 12.
2) نسبه إليهم في الجواهر 4 : 68 / باب غسل الميِّت وراجع التهذيب 1 : 441 / ذيل الرقم [1425] ، المبسوط 1 : 175 ، الخلاف 1 : 698 / المسألة [485] ( لكن في جميعها حكم الشيخ بترك الغسل ) ، نعم يستفاد وجوب الغسل من وراء الثياب من موضع آخر من التهذيب 1 : 343 ، المقنعة 87 / ب 13 ، الكافي في الفقه : 237 / في أحكام الجنائز ، المفاتيح 2 : 163.
3) الغنية : 102 / كتاب الصلاة.
فلا يجوز تغسيل الرجل للمرأة ولا العكس ولو كان من فوق اللّباس ولم يلزم لمس أو نظر إلاّ في موارد :
أحدها : الطفل الّذي لا يزيد سنه عن ثلاث سنين فيجوز لكل منهما تغسيل مخالفه (1)
المفاتيح تغسيله مع وجوب غضّ البصر على المغسل لئلاّ يقع نظره على بدن الميِّت الأجنبي غير المماثل (1).
وهذا ممّا لا دليل عليه سوى جملة من الأخبار الواردة في أن من عند الميِّت إذا انحصر بغير المماثل وغير المحارم غسله غير المماثل من فوق اللباس (2)إلاّ أن هذه الروايات ضعيفة السند بأجمعها ولا يعارض بها الأخبار المعتبرة المتقدِّمة. على أنّا لو أغمضنا عن سندها لم يكن مناص من حملها على الاستحباب ، لأنّه مقتضى الجمع العرفي بينهما ، حيث إنّ الأمر بدفن الميِّت من غير غسل أو النهي عن تغسيله حينئذ نصان صريحان في جواز الدفن من غير غسل ، ومعه يحمل الأمر بغسله من فوق الثياب على الاستحباب. والأمر والنهي لا ينافيان استحباب الغسل من فوق الثياب لأنّ النهي ورد في مقام توهم الوجوب ، لوجوب تغسيل الموتى ، والأمر ورد في مقام توهّم الحظر ، لحرمة دفن الميِّت من غير غسل ، وهما ظاهران في الجواز دون الحرمة والوجوب ، والجواز يجتمع مع الاستحباب.
الموارد المستثناة عن اعتبار المماثلة :
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين : أحدهما : الصبي وثانيهما : الصبية.
أمّا المقام الأوّل : فقد ادّعوا الإجماع على عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت في محل الكلام وهو الصبي الّذي لا يزيد سنه عن ثلاث سنين والعبرة في ذلك بزمان الموت دون الاغتسال ، بمعنى أن يكون قد عاش حياً ثلاث سنين وإن وقع غسله بعد ثلاث سنين.
وهذا هو الصحيح ، وذلك لإطلاق الأدلّة الدالّة على وجوب تغسيل الأموات ، وعدم تقييدها بما إذا كان الغاسل مماثلاً للميت ، ولا مزاحم لهذا الإطلاق ، فإنّ الأخبار المتقدِّمة الدالّة على أنّ الرجل أو المرأة إذا مات ولم يكن عنده من يماثله يدفن كما هو بثيابه من غير غسل ، مختصّة بالرجل والمرأة ، وهما غير شاملين للصبي والصبية في مفروض الكلام ، لأن غاية ما هناك أن نتعدى منهما إلى المميز من الصبي والصبية بمناسبة الحكم والموضوع ، وأمّا غير المميز منهما كما هو مفروض المسألة ، أعني الصبي أو الصبية غير المتجاوزين عن ثلاث سنوات فلا ، فالإطلاق غير مزاحم.
ويدلُّ على ذلك صريحاً موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « أنّه سئل عن الصبي تغسله امرأة؟ قال : إنّما يغسل الصبيان النِّساء » (1)حيث دلّت على أن غسل النِّساء للصبيان أمر متعارف عادي.
وأمّا المقام الثاني : فالأمر فيه أيضاً كذلك ، لأن مقتضى الإطلاق عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبية كالصبي ، والأخبار الدالّة على اعتبار المماثلة غير شاملة للصبي والصبية كما تقدم فالاطلاقات لا مزاحم لها.
إلاّ أنّه ربما يقال باعتبار المماثلة في الصبية دون الصبي لوجهين :
أحدهما : ما عن المعتبر من أنّ الأصل حرمة النظر ، أي حرمة نظر الأجنبي إلى الصبية (2).
ولو مع التجرّد ومع وجود المماثل وإن كان الأحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل.
وفيه : أنّه إن أُريد من ذلك أنّ الرجل الأجنبي يحرم عليه النظر إلى بدن الصبية حتّى وجهها وكفيها وغيرهما سوى عورتها فهو مقطوع الخلاف ، للسيرة القطعية الجارية على جواز ذلك ، بل جواز نظر الرجل إلى الصبية غير المميزة من المسائل المتسالم عليها بينهم.
وإن أُريد منه أنّ الرجل يحرم عليه النظر إلى عورة الصبية ولمسها ، فيندفع بأنّه على تقدير ثبوته لا ملازمة بين حرمته وعدم جواز تغسيله ، لإمكان التغسيل من غير نظر ولا لمس.
وقد يستدل (1)على اعتبار المماثلة وعدم جواز تغسيل الرجل للصبية بموثقة عمار المتقدِّمة حيث ورد في ذيلها : « وعن الصبية تموت ولا تصاب امرأة تغسلها ، قال عليهالسلام : يغسلها رجل أولى الناس بها » (2)لدلالتها على أن حكم الصبية حكم المرأة في أنّه إذا لم يوجد المماثل يغسلها الرجل من ذوي الأرحام ولا يجوز أن يغسلها الأجنبي.
ويردّه : أنّ المراد بأولى الناس بها إمّا هو الأولوية العرفية أعني من يلي أمرها لأنّ الطفل بهذا السن لا يتمكّن من إدارة شؤونه من المأكل والمشرب والمنكح وغيرها ولا سيما الصبية فيحتاج إلى من يدير أمره وشؤونه وهو أولى الناس به عرفاً.
وإمّا أن يراد به الأولوية في الإرث ، كما هو الحال في الصلاة عليه والدفن وغيرهما على ما تقدم من أنّهما هي لأولى الناس بالميت من حيث الإرث.
وعلى كلا التقديرين لا دلالة لها على اعتبار كون الرجل المغسل للصبية محرماً
لأنّ الأولوية في الإرث لا تستلزم المحرمية ، بل مقتضى إطلاقها عدم اعتبار كون الرجل من المحارم.
ولعلّ الوجه في تقييد الرجل في الرواية بكونه أولى الناس بها عدم جريان العادة على تغسيل الرجال ومباشرتهم لتنظيف الأطفال ، وإنّما جرت العادة على تغسيل المرأة الصبي والصبية ، فتراهن يصحبن الصبي أو الصبية معهن إلى الحمامات ويغسلنهم دون الرجال ، ومن ثمة قيدت الرجل بكونه أولى الناس بها وممّن يتصدى لأمر الصبية وشؤونها.
هذا كلّه في أصل عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبي والصبية.
وأمّا تقييد ذلك بما إذا لم يزد سنهما على ثلاث سنوات ، فهو المشهور بين الأصحاب وقد ورد ذلك في رواية أبي نمير : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام حدثني عن الصبي إلى كم تغسله النِّساء؟ فقال عليهالسلام : إلى ثلاث سنين » (1)وهي وإن كانت واردة في الصبي إلاّ أنّها تدل على عدم جواز تغسيل الرجل الصبية بعد ثلاث سنين بطريق أولى.
ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه ، لضعف الرواية بأبي نمير ، إذ لم يوثق ولم يمدح في الرجال. ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها ، يردها ما مرّ غير مرّة وإن رواها المشايخ الثلاثة (2).
وعليه فالتحديد بثلاث سنين إن كان إجماعياً فهو وإلاّ فهو حكم مشهوري لا مثبت له. فلا فرق في عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبي والصبية قبل ثلاث سنين وبعدها إلى زمان التمييز ، هذا.
وعن المقنعة (1)والمراسم (2)تحديد ذلك في الصبي لا في الصبية بما إذا كان ابن خمس سنين ، وأمّا إذا زاد سنه على ذلك فلا يجوز للنِّساء أن يغسلنه بل يدفنه بثيابه.
وهذا ممّا لم نقف له على مدرك ، نعم نقله الصدوق عن شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد في جامعه بالإضافة إلى الصبية فحسب ونقل حديثاً بهذا المعنى ناسباً له إلى الحلبي.
وفي الوسائل عن الشهيد في الذكرى أنّ الصدوق رواه مسنداً (3)عن الحلبي عن الصادق عليهالسلام في كتاب مدينة العلم (4).
إلاّ أن شيئاً من ذلك لا يصلح للاستدلال به.
أمّا ما ذكره شيخ الصدوق في جامعه فهو فتوى منه ولا اعتبار بها في حقّنا.
وأمّا ما نسبه إلى الحلبي فلعدم العثور على سنده ، وكذا الحال فيما نقله الشهيد عن الصدوق في مدينة العلم من الرواية المسندة إذ لا علم لنا بسند ذاك الحديث.
فالصحيح عدم الاعتبار بالتحديد بثلاث أو بخمس سنين ، وثبوت الحكم في حق الصبي والصبية غير المميزين ، لأن مقتضى الإطلاقات عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت ، وإنّما التزمنا بها للأخبار المتقدِّمة وهي مختصّة بالرجل والمرأة ، إلاّ أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي إلحاق المميز من الصبي والصبية بهما باعتبار المماثلة فيه دون غير المميز منهما.
الثاني : الزّوج والزّوجة فيجوز لكل منهما تغسيل الآخر ولو مع وجود المماثل ومع التجرّد (1)
(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب أو الأشهر ، وعن الشيخ في التهذيبين (1)وابن زهرة في الغنية (2)والحلبي (3)اختصاص الحكم بصورة الاضطرار ، وعدم جواز تغسيل كل منهما الآخر إلاّ مع عدم المماثل ، والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في جواز تغسيل كل منهما الآخر في الجملة.
وثانيهما : بعد ثبوت أصل الجواز هل هو مطلق أو أنّه يجوز من وراء الثوب أو الدرع.
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه ولو مع وجود المماثل ، ويدلُّ عليه الأخبار الكثيرة :
منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل أيصلح له أن ينظر إلى امرأته حين تموت أو يغسلها (4)فقال : لا بأس بذلك إنّما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها إلى شيء يكرهونه منها » (5).
ومنها : ما عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سئل عن الرجل يغسل امرأته؟ قال : نعم ، من وراء الثوب لا ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء منها
1) التهذيب 1 : 440 / 1421 ، الاستبصار 1 : 199 / 702.
2) الغنية : 102 / الفصل الثامن عشر من كتاب الصلاة.
3) الكافي في الفقه : 237 / في أحكام الجنائز.
4) سقطت هنا جملة من الرواية وهي « إن لم يكن عندها من يغسّلها؟ وعن المرأة ، هل تنظر إلى مثل ذلك من زوجها حين يموت ... ».
5) الوسائل 2 : 528 / أبواب غسل الميِّت ب 24 ح 1.
وإن كان الأحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل وكونه من وراء الثياب
والمرأة تغسل زوجها ، لأنّه إذا مات كانت في عدّة منه ، وإذا ماتت هي فقد انقضت عدّتها » (1)وعلل عدم نظر الزوج إلى زوجته في بعضها الآخر بأنّه ممّا يكرهه أهل المرأة كما مرّ في الصحيحة المتقدِّمة.
ومنها : غير ذلك من الأخبار المصرّحة بالجواز.
وأمّا الأخبار المستدل بها على عدم جواز ذلك إلاّ مع الاضطرار :
فمنها : ما دلّ على أنّ الرجل لا يغسل المرأة إلاّ أن لا توجد امرأة كما في رواية أبي حمزة (2)وغيرها (3).
وفيه : أن ما دلّ على ذلك مطلق وغير مختص بالزوج والزوجة ، فعلى تقدير اعتبار سنده لا بدّ من الخروج عنها بما دلّ على جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه وهو ظاهر.
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل يموت وليس معه إلاّ النِّساء ، قال : تغسله امرأته ، لأنّها منه في عدّة وإذا ماتت لم يغسلها لأنّه ليس منها في عدّة » (4)حيث دلّت على عدم جواز تغسيل الزوج زوجته.
والجواب عنها : أنّها وإن كانت معتبرة بحسب السند إلاّ أنّه لا مناص من حملها على التقيّة ، لما قيل من ذهاب بعض العامّة إلى ذلك (5)، لدلالة الأخبار الكثيرة المتقدِّمة
1) الوسائل 2 : 532 / أبواب غسل الميِّت ب 24 ح 11.
2) الوسائل 2 : 519 / أبواب غسل الميِّت ب 20 ح 10.
3) كما فيما رواه أبو بصير قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام يغسل الزوج امرأته في السفر والمرأة زوجها في السفر إذا لم يكن معهم رجل » الوسائل 2 : 533 / أبواب غسل الميِّت ب 24 ح 14.
4) الوسائل 2 : 533 / أبواب غسل الميِّت ب 24 ح 13.
5) المغني 2 : 394 ، المجموع 5 : 150.
على الجواز ، وقد اشتمل بعضها على هذا التعليل أو التعليل بأن ذلك ممّا يكرهه أهل الزوجة ، فان ذلك تعليل بالأمر الخارجي ولا تدل على عدم الجواز شرعاً ، بل يستفاد منها الجواز ، وإنّما المنع من جهة أمر آخر ليس راجعاً إلى الشرع ، كيف وقد ورد في بعضها أنّ الزوج أحق بزوجته حتّى يضعها في قبرها ، ومع التصريح بالجواز لا بدّ من حمل الصحيحة على التقيّة ، أو تحمل الصحيحة على الأفضلية جمعاً بينها وبين صحيحة الحلبي.
ومنها : الأخبار الواردة في أن فاطمة عليهاالسلام غسّلها عليّ عليهالسلام لأنّها كانت صدّيقة والصدّيقة لا يغسلها إلاّ صدّيق (1).
وفيها ما رواه مفضل بن عمر : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام من غسّل فاطمة عليهاالسلام؟ قال : ذاك أمير المؤمنين عليهالسلام فكأنما استضقت ( استفظعت ) ذلك من قوله ، فقال لي : كأنّك ضقت ممّا أخبرتك به؟ فقلت : قد كان ذلك جعلت فداك ، فقال : لا تضيقنّ فإنّها صدّيقة لم يكن يغسلها إلاّ صدّيق ... » (2). لدلالتها على أنّ الرجل لا يجوز له أن يغسل زوجته إلاّ في مقام الضرورة وعدم المماثل ، حيث استعظم الراوي تغسيل الإمام عليهالسلام لفاطمة عليهاالسلام وهو كاشف عن عدم جواز تغسيل الرجل زوجته ، وأجابه عليهالسلام بأن ذلك لكونها صديقة وحيث لم توجد في النِّساء صدِّيقة فغسّلها أمير المؤمنين عليهالسلام لأنّه صدّيق.
ولا يخفى أن تلك الروايات لا دلالة لها على كراهة تغسيل الزوج زوجته فضلاً عن الحرمة ، وذلك لأنّ الراوي لم يستعظم ذلك من جهة علمه بحرمته ، وذلك لأن أمير المؤمنين عليهالسلام لم يكن يرتكب أمراً غير مشروع ، وإنّما كان مستنداً إلى عظمة مقامه وعدم مناسبته له ، لأنّه عليهالسلام لم يكن غسّل إلى ذلك الزمان سوى النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم وتغسيل الأموات ولا سيما المرأة لم يكن مناسباً
لمقامه ، فانّ النِّساء إنّما يغسلهن النِّساء دون الرّجال فاستعظم ذلك. وأجاب عليهالسلام بأنّه لمكانة فاطمة عليهاالسلام لأنّها صدِّيقة والصدِّيقة لا يغسلها إلاّ صدِّيق.
ومنها : رواية أبي بصير قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام يغسل الزوج امرأته في السفر والمرأة زوجها في السفر إذا لم يكن معهم رجل » (1)لدلالتها على اعتبار المماثلة مع الاختيار.
ويدفعها : أنّها ضعيفة السند بقاسم بن محمّد الجوهري (2)فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
فتحصل : أنّه لا إشكال في جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه في الجملة. هذا كلّه بالإضافة إلى المقام الأوّل.
أمّا المقام الثاني : وهو أن تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه هل يشترط أن يكون من فوق الثياب أو الدرع الّذي هو بمعنى القميص في المقام أو يجوز أن يغسل كل منهما الآخر ولو مجرداً؟
ذهب المشهور كما عن المسالك (3)وأكثر العلماء كما عن المختلف (4)إلى اعتبار كون الغسل من فوق الثياب والدرع لئلاّ يقع نظر كل منهما إلى بدن الآخر وعورته ، وعن الشيخ قدسسره في الاستبصار (5)التفصيل بين تغسيل الزوج زوجته فيعتبر وتغسيل الزوجة زوجها فلا يعتبر.
وتفصيل الكلام في ذلك يقع في مقامين :
في تغسيل الزوجة زوجها ، وحاصل الكلام فيه : أنّا لم نعثر على دليل يدل على اعتبار كون ذلك من فوق الثياب ، بل صحيحة عبد اللّه بن سنان (1)وغيرها من الأخبار المشتملة على التفصيل بين الزوج والزوجة في جواز النظر إلى بدن الآخر بعد الموت عللت بأنّ الزوجة في عدّة من زوجها ، فلها أن تنظر إلى بدنه ، والزوج ليس في عدّة من زوجته فليس له أن ينظر إلى بدنها بعد الموت ، فتدل على جواز نظر الزوجة إلى بدن زوجها الميِّت وتغسيلها له ولو مجرّداً.
نعم ، رواية عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلاّ النِّساء هل تغسله النِّساء؟ فقال عليهالسلام « تغسله امرأته أو ذات محرم وتصب عليه النِّساء الماء صبّاً من فوق الثياب » (2)بناء على رجوع القيد « من فوق الثياب » إلى كل من « تغسله امرأته » و « ذات محرم » فالرواية مشعرة باعتبار كون الغسل من فوق الثياب.
إلاّ أنّ الرواية مضافاً إلى ضعف سندها قاصرة الدلالة ، لأنّ القيد كما يحتمل رجوعه إلى كل من « تغسله امرأته » و « ذات محرم » كذلك يحتمل رجوعه إلى تغسيل ذات المحرم فقط.
وقد ورد في بعض الأخبار أن ذات المحرم تغسل الميِّت من فوق الثياب (3).
وعلى الجملة : لا يعتبر في تغسيل الزوجة زوجها أن يكون التغسيل من فوق الثياب.
وثانيهما : في تغسيل الزوج زوجته ، وهل يعتبر فيه أن يكون تغسيله من فوق الثياب أو لا يعتبر؟.
الصحيح عدم اعتباره وجواز تغسيله لها مجردة ، وذلك لأنّ الأخبار المشتملة على أنّ الزوج يغسل زوجته من فوق الثياب لا يستفاد منها أن كون التغسيل من فوق الثياب شرط تعبّدي في جواز التغسيل وصحّته ، بل يستفاد من جملة من الأخبار أن ذلك من جهة أن لا يقع نظره على زوجته بعد موتها ، لأنّ المرأة أسوأ منظراً حين تموت ، وهذا كما في صحيحة الكناني (1)وغيرها (2).
فالأمر بكون الغسل من فوق الثياب من جهة أنّ النظر إليهن مستنكر ، لا من جهة أنّه شرط تعبّدي ، فلو غسلها في ظلمة أو كان أعمى لم يعتبر في تغسيله أن يكون من فوق الثياب.
بل يستفاد منها أن استنكار النظر إلى الزوجة بعد موتها إنّما هو لأمرٍ خارجي ، لا أنّه أمر مكروه أو مبغوض شرعاً ، وذلك لدلالتها على أن ذلك لكراهية أهل الزوجة ذلك ، ولعدم رضاهم بنظر الزوج إلى زوجته حينئذ.
فعليه ما ذكره جملة من الأصحاب من جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه ولو مجرداً هو الصحيح.
إلاّ أنّ الأفضل أن يكون تغسيل الزوج زوجته من فوق الثياب.
وأمّا ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الزوجة في عدّة من زوجها بعد الموت وليس الزوج في عدّة من زوجته (3)فلا بدّ من حمله على أنّه ليس في عدّة منها بمرتبة ، لا انّ
ويجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر وإن كان يكره (1).
العلقة الزوجية منقطعة بينهما مطلقاً. وإلاّ فلو كان الزوج أجنبياً عن زوجته بالمرة فكيف ساغ له أن يغسلها من فوق الثياب والدرع كما في الأخبار لأنّ الأجنبي لا يجوز أن يغسل الأجنبية ولو من فوق الثياب ، وكيف جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها وشعرها ، مع أن صحيحة الحلبي صريحة في جوازه (1).
بل نفس الأخبار الدالّة على جواز تغسيلها من فوق الثياب والدرع دالّة على بقاء علقة الزوجية وجواز نظر الزوج إلى زوجته بعد الموت ، لأنّ القميص والدرع إنّما يستران من فوق المنكب إلى الركبة أو إلى الرجل ، ويبقى الرأس والرقبة مكشوفين وكذا تبقى يدها من الذراع إلى آخر كفها وكذا رجلاها مكشوفة ، فكيف جاز له أن ينظر إليها.
وغاية ما يمكن استفادته من الأخبار أنّ الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن يغسل الآخر ، وإن كان الأفضل تغسيل الزوج زوجته فوق الثياب.
(1) وقع الكلام في أنّ الزوج والزوجة هل يجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر بعد الموت أو لا يجوز؟
قد يقال بالجواز للإطلاقات أعني ما دلّ على أنّ الزوج يغسل زوجته والزوجة تغسل زوجها بعد حمل ما دلّ على التغسيل مع الدرع أو الثوب أو بإلقاء الخرقة على الاستحباب.
وقد يقال بعدم الجواز ، نظراً إلى انقطاع علقة الزوجية بالموت ، فلا يجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر ، لأنّه من النظر إلى عورة الأجنبية.
1) الوسائل 2 : 532 / أبواب غسل الميِّت ب 24 ح 11.
ولكن الصحيح هو الجواز على كراهيةٍ ، وذلك أمّا بالإضافة إلى الزوجة ونظرها إلى عورة زوجها الميِّت فلأنه لم يرد المنع عن نظر الزوجة إلى عورة زوجها بعد الموت إلاّ في رواية زيد الشحام : « ... وإن كان له فيهن امرأة فليغسل في قميص من غير أن تنظر إلى عورته » (1)أي إلى عورة الزوج ، وهي وإن كانت دالّة على المنع عن النظر إلاّ أنّها ضعيفة السند بأبي جميلة مفضل بن صالح وهو غير موثق في الرجال.
على أنّ الأخبار الواردة في جواز تغسيل الزوجة زوجها معللة بأنّها منه في عدّة صريحة الدلالة على بقاء علقة الزوجية بينهما ، ومعها يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها لا محالة ، فبالاضافة إلى الزوجة لا إشكال في جواز نظرها إلى عورة زوجها.
وأمّا بالإضافة إلى الزوج ونظره إلى عورة زوجته فقد يستدل على حرمته بوجوه :
منها : رواية زيد الشحام المتقدِّمة آنفاً ، لما ورد في صدرها « ... فليغسلها من غير أن ينظر إلى عورتها ... » وهي صريحة الدلالة على المنع ، إلاّ أنّها ضعيفة السند كما مرّ.
ومنها : صحيحة الكناني (2)لقوله عليهالسلام فيها : « ولا ينظر إلى عورتها » ومقتضى نهيه عليهالسلام حرمة النظر إلى عورة الزوجة الميتة.
ويدفعه : أنّها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن ذيل الصحيحة قرينة على أنّ النهي عن النظر إلى الزوجة وعورتها ليس نهياً تعبّدياً ، وإنّما هو لأجل أمر تكويني وهو صيرورة المرأة أسوأ منظراً إذا ماتت وعدم رضى أهلها أن ينظر الرجل إلى ما يكرهون النظر إليه منها ، فلا يستفاد منها حرمة النظر تعبّداً ، وإنّما النهي فيها إرشاد إلى ذلك الأمر التكويني.
ومنها : صحيحة منصور بن حازم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها؟ قال : نعم وأُمّه وأُخته ونحو هذا ، يلقي
ولا فرق في الزوجة بين الحرّة والأمة والدائمة والمنقطعة (1) ،
على عورتها خرقة » (1)فإنّ الأمر بإلقاء الخرقة إنّما هو لأجل عدم جواز النظر إلى عورتها.
وفيه : أنّ الصحيحة مجملة ، لأن قوله عليهالسلام « ويلقي على عورتها خرقة » كما يحتمل رجوعه إلى تغسيل كل من امرأته وأُمّه وأُخته كذلك يحتمل رجوعه إلى تغسيل امّه وأُخته فحسب ، هذا.
على أنّها لو كانت ظاهرة في الأوّل فلا مناص من رفع اليد عن النهي فيها بحمله على الإرشاد إلى الأمر التكويني وسوء منظر المرأة إذا ماتت ، بقرينة صحيحة الكناني وغيرها.
وعليه فالصحيح جواز نظر كل منهما إلى عورة الآخر ، ويؤكّده أصالة البراءة عن حرمة النظر ، لعدم دلالة دليل على حرمة النظر إلى العورة بعد الموت.
(1) لأنّ الحكم إنّما ترتب على الزوجية ، وفي مثله لا يمكن التفرقة بين الدائم والمنقطع ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم دليل على اختصاصه بالدائم ، والمقام ليس كذلك ، كما هو الحال في سائر الموارد الّتي رتّب فيها الحكم على عنوان الزوجية.
ودعوى انصرافها إلى الدائمة ممّا لا وجه له ، لأنّ الزوجية في الشريعة المقدسة قسمان : دائم ومنقطع ، فمع الإطلاق في لسان الدليل وعدم التقييد بأحدهما لا بدّ من تعميم الحكم لكل منهما.
1) الوسائل 2 : 516 / أبواب غسل الميِّت ب 20 ح 1.
بل والمطلقة الرجعية (1).
(1) وقع الكلام بعد ثبوت جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه في أن هذا يختص بما إذا كانت علقة الزوجية باقية بحالها كما إذا كان قبل الطلاق ، أو يعم ما إذا كان بعد الطلاق وفي زمان العدة ما دامت لم تنقض؟
أمّا إذا كان الطلاق بائنا فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز تغسيل كل منهما الآخر لاعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت ، وإنّما خرجنا عنه في خصوص الزوج والزوجة وهما ليسا بزوج وزوجة في عدّة الطلاق البائن ، بل كل منهما أجنبي عن الآخر وهذا ظاهر.
وأمّا إذا كان الطلاق عديا فالمشهور أنّ المرأة في العدّة الرجعية يجوز لها أن تغسل زوجها وبالعكس ، وقد استدلّوا على ذلك بما هو المعروف بين الأصحاب من أنّ المطلقة الرجعية بحكم الزوجة ، وهذا يدل على التنزيل وأنّ المطلقة الرجعية كالزوجة في الأحكام المترتبة عليها إلاّ أن يقوم دليل على الخلاف.
غير أن هذه الجملة ممّا لم ترد في شيء من الأخبار ، ولم تدل رواياتنا على تنزيل المطلقة الرجعية منزلة الزوجة في آثارها ، وإنّما هو كلام مشهور بين الأصحاب.
والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ المطلقة الرجعية زوجة حقيقة لا أنّها منزّلة منزلة الزوجة ، وتقريب ذلك : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الإمضاء الشرعي قد لا يكون على وفق ما قصده المنشئ في المعاملات والإيقاعات ، بل الشارع يمضيه مشروطاً بشيء ، وهذا أمر ممكن في نفسه وواقع في جملة من الموارد ، كما في الهبة والصرف والسلم والوقف ، حيث إنّ المنشئ قصد التمليك فيها من حين العقد إلاّ أنّ الشارع أمضاها مشروطة بالقبض والإقباض.
وعلى الجملة : أنّ الشارع المقدّس قد يمضي ما أنشأه المنشئ على إطلاقه ، كما في أكثر المعاملات والإيقاعات الصحيحة. وقد لا يمضي على الإطلاق ، كما في المعاملات الفاسدة كالربوي وغيره. وقد يكون إمضاؤه متوسطاً بين الأمرين فلا هو يمضيه مطلقاً ولا هو لا يمضيه مطلقاً ، بل يمضيه مشروطاً بشرط كما عرفت ، ومعه يمكن أن يكون الطلاق من هذا القبيل ، لأنّ المنشئ وإن قصد البينونة مطلقاً إلاّ أنّ الشارع أمضاه بعد انقضاء العدّة فالمرأة قبل انقضائها زوجة حقيقة.
وهل هذا الأمر الممكن واقع؟
الصحيح نعم ، وذلك لما ورد في الروايات المعتبرة من أنّ المرأة إذا انقضت عدّتها فقد بانت (1)حيث علقت البينونة على انقضاء العدّة ، ومقتضى مفهوم الشرط عدم البينونة قبل انقضاء العدّة ، والبينونة في قبال الزوجية ، فيدل مفهوم الرواية على أنّ الزوجية باقية قبل انقضاء العدّة.
ويؤيّده ما ورد من مرغوبية تزيين المطلقة الرجعية وإراءة نفسها من زوجها لعله يرغب في نكاحها والرجوع إليها (2)مع أنّ الأجنبية لا يجوز لها أن تتزين وترى نفسها للأجنبي.
ولأجل ما ذكرنا يجوز لزوجها أن ينظر إليها في زمان العدّة ويقبلها ويمسّها ، بل يجوز له كل شيء حتى وطئها ولو بقصد الزِّنا وعدم الرجوع ، وإن استفدنا من الروايات (3)أنّ الوطء بنفسه رجوع وهو مبطل للطلاق السابق عليه ، بخلاف مثل التقبيل واللمس والنظر ، فكونها رجوعاً يحتاج إلى القصد.
فالمتحصل : أنّ المطلقة الرجعية زوجة حقيقة فيجوز لها أن تغسل زوجها وبالعكس.
وإن كان الأحوط ترك تغسيل المطلقة مع وجود المماثل خصوصاً إذا كان بعد انقضاء العدّة (1)، وخصوصاً إذا تزوّجت بغيره إن فرض بقاء الميِّت بلا تغسيل إلى ذلك الوقت وأمّا المطلقة بائناً فلا إشكال في عدم الجواز فيها (1).
(1) ذكرنا أن كلا من الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن يغسل الآخر وينظر إلى بدنه حتّى إذا كانت في عدّة الطلاق.
وهل يجوز ذلك للزوجة بعد انقضاء عدّة الوفاء؟
فيه خلاف بين الأصحاب ، والظاهر من محكي كلام الشهيد (2)أنّ الجواز هو المشهور بيننا ، بل الأمر كذلك وإن تزوجت ، وذلك للإطلاقات الدالّة على أنّ الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن يغسل الآخر حيث يستفاد منها كفاية الزوجية حال الممات في جواز تغسيل كل منهما الآخر كانت في عدّة الوفاة أو بعد انقضائها متزوجة كانت أم غير متزوجة وإن كانت المسألة بعيدة الوقوع والاتفاق ، لبعد بقاء الميِّت بحاله من دون أن يتلاشى في مدّة العدّة ، وهي أربعة أشهر وعشراً أو بوضع الحمل أو بأبعد الأجلين وتزوجها من زوجٍ ثانٍ ، إلاّ أنّه يمكن أن يفرض ذلك بسهولة في البلاد الباردة جدّاً ، لأنّ الميِّت إذا بقيت جثته تحت الثلوج يبقى مدّة مديدة كسنة ونحوها من دون أن تتلاشى أعضاؤه وأجزاؤه.
إلاّ أنّه قد يقال بعدم الجواز ، نظراً إلى أن طول المدّة يصيّر المرأة أجنبية عرفاً ، وبه تزول علقة الزوجية بينهما ، والأجنبية لا يجوز لها أن تغسل الأجنبي.
وفيه : أنّ علقة الزوجية إنّما تنقطع بالموت عرفاً لا بانقضاء العدّة ، والعدّة إنّما هي
حكم شرعي تعبّدي إنّما جعلت تجليلاً للميت واحتراماً له لا لبقاء علقة الزوجية ، إذ لا معنى لاعتبار الزوجية للجماد الّذي منه الميِّت.
فالأخبار دلّت على ترتب الحكم على الزوجية حال الموت وأنّها الموضوع لجواز تغسيل كل منهما الآخر بعد الموت ، وهي أمر لا ينقلب عمّا وقع عليه بعد الوقوع.
على أن ذلك تنافيه التعليلات الواردة في الأخبار « بأنّ الزوجة منه في عدّة » كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان وغيرها من الأخبار المتقدِّمة (1)المصرحة بأنّ الزوجة لها أن تغسل زوجها وتنظر بدنه ما دام لم تنقض عدّتها وهي أربعة أشهر وعشراً ، أو غيره كما مرّ ومنها يستكشف أن طول المدّة كأربعة أشهر وعشراً غير موجب لزوال علقة الزوجية تعبّداً ، فإذا لم تنقطع العلقة بتلك المدّة لم تنقطع بزيادة ساعة أو يوم عليها كما إذا انقضت عدّتها وبعد ساعة أرادت أن تغسل الرجل فطول المدّة غير مانع عن المدّعى.
وقد يستدل عليه بأنّ الأخبار الدالّة على جواز تغسيل الزوج أو الزوجة صاحبه تنصرف إلى الغسل المتعارف كالغسل بعد ساعة من الموت أو ساعتين ونحو ذلك ولا يشمل الفروض النادرة.
وفيه : أنّ الانصراف بدوي وهو ممّا لا موجب له.
على أن ذلك ممّا تدفعه التعليلات الواردة في الأخبار ، لأن مقتضاها جواز تغسيل الزوجة زوجها ما دامت لم تنقض عدّتها ، وظاهر أنّ الغسل في آخر أيّام العدّة كالعشرة بعد أربعة أشهر أمر نادر أيضاً ، ومع ذلك تشمله الأخبار من غير شبهة.
على أنّه لا فرق في الندرة بين تغسيلها قبل انقضاء عدّتها وتغسيلها بعده بساعة وقد صرّحت الأخبار المتقدِّمة بأنّ الزوجة لها أن تغسل زوجها ما دام لم تنقض عدّتها الشاملة لتغسيلها في آخر أزمنة عدّتها. وعن بعضهم الاستدلال على ذلك بأنّ الأخبار
1) في ص 335.
وعن بعضهم الاستدلال على ذلك بأنّ الأخبار المتقدِّمة (1)قد صرّحت بجواز تغسيل الزوجة زوجها إلى أن تنقضي عدّتها ، لتعليلها ذلك بأنّها منه في عدّة ، فهذه تدلّنا على أنّه إذا انقضت عدّتها ليس لها ذلك ، لأنّها ليست منه في عدّة.
وهذا الاستدلال لعلّه أحسن ما استدلّ به في المقام ، إلاّ أنّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، لما عرفت من أن تلك الأخبار لا بدّ من التصرّف فيها بقرينة صحيحة الحلبي الدالّة على جواز تغسيل الزوج زوجته ولو من وراء الثياب (2)مع أنّ الزوج ليس في عدّة من زوجته.
ومن الجمع بين الأخبار يظهر أن تلك التعليلات ليست تعليلات لجواز التغسيل وإنّما هي تعليلات لجواز النظر إلى البدن ، لأنّ الزوج ليس في عدّة من زوجته ومع ذلك جاز له تغسيل زوجته كما مرّ.
فلا بدّ من حملها على جواز النظر إلى بدن زوجها لا إلى جواز تغسيلها فانّ التغسيل جائز كان هناك عدّة أم لم تكن كما في الزوج نعم ، الزوج ليس له أن ينظر إلى بدن زوجته كراهة أو تحريماً ، لعدم كونه من زوجته في عدّة والزوجة لها ذلك لكونها منه في عدّة. وعليه فبعد انقضاء العدّة يكون حال الزوجة حال الزوج قبل الانقضاء فيجوز لها أصل التغسيل ، وليس لها أن تنظر إلى بدن زوجها حينئذ كراهة أو تحريماً كما تقدم.
فالصحيح في المسألة هو الجواز وإن كان الأحوط ترك ذلك بعد انقضاء العدّة ، ولو لاحتمال كون طول المدّة قاطعاً لعلقة الزوجية كما قيل.
الثالث : المحارم بنسب أو رضاع (1) ، لكن الأحوط بل الأقوى (1)اعتبار فقد المماثل
(1) كما هو المشهور ، بل لعل المسألة ممّا لا خلاف فيها ، فمع وجود المحرم لا يدفن الميِّت من غير غسل.
وإنّما الكلام في أن جواز تغسيل المحارم مشروط بفقد المماثل والزوج أو الزوجة أو أنّ الحكم عام ويجوز تغسيل المحرم ولو مع وجود المماثل والزوج والزوجة؟
الصحيح هو الاختصاص وكونه مشروطاً بفقد المماثل والزوج أو الزوجة ، وذلك لأنّ الأخبار الدالّة على جواز تغسيل المحارم كلّها واردة في فرض الاضطرار وفقد المماثل أو الزوج والزوجة ، فيستفاد من مجموعها أن اعتبار المماثلة في صورة الاختيار كان مرتكزاً في أذهان المتشرعة.
ويؤيّد هذا الارتكاز ما ورد من أنّ المرأة لا يغسلها إلاّ المرأة (2)وإن كانت هذه الرواية ضعيفة من حيث السند (3)فجواز تغسيل غير المماثل من الزوج والزوجة أو المحارم يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على جوازه إلاّ في فرض الاضطرار وفقد المماثل والزوج والزوجة ، بل إن موثقة أو حسنة عبد اللّه بن سنان بالوشاء - : قال « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا مات الرجل مع النِّساء غسلته امرأته ، وإن لم تكن امرأته معه غسلته أولاهنّ به وتلّف على يديها خرقة » (4)تدل على أنّ النوبة لا تصل إلى المحارم مع وجود الزوجة ، وقد مرّ ويأتي أنّ المراد بأولاهنّ هو المحارم ، لصراحة
الأخبار في أنّ الميِّت إذا لم يكن عنده المحارم دفن من غير غسل لاعتبار المماثلة في غير المحارم (1)وبما أنّ الأخبار الواردة في اعتبار المماثلة مطلقة فمقتضى إطلاقها عدم جواز تغسيل المحارم مع الاختيار ووجود المماثل أو الزوج والزوجة ، لأنّ الخروج عن تلك المطلقات يحتاج إلى دليل ، وهو إنّما دلّ على سقوط هذا الاشتراط في المحارم عند فقدان المماثل والزوج والزوجة ، فمرتبة المحارم متأخرة عن مرتبة الزوج والزوجة المساوية مع المماثل على الصحيح أو المتأخرة عنه على بعض الأقوال والحسنة أو الموثقة هي المحكّمة في المقام.
إعادة وتوضيح : ذكرنا أن جواز تغسيل المحرم محرمه هو المشهور ، بل هو أمر متسالم عليه وممّا لا خلاف فيه في الجملة.
وإنّما الكلام في أن جواز تغسيل المحارم مشروط بفقد المماثل والزوج والزوجة أو أنّه غير مشروط بفقدهم؟
المعروف بينهم هو الاشتراط ، وذهب جماعة إلى عدم الاشتراط.
وقد استدلّ عليه بالإطلاقات الدالّة على وجوب تغسيل الميِّت كفائياً ، وإنّما خرجنا عن تلك المطلقات في غير المحارم ، لما دلّ على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت وأنّه يدفن من غير تغسيل فيما إذا لم يوجد المماثل. وأمّا في المحارم فلم يقم على اعتبار المماثلة دليل ، فمقتضى الإطلاقات جواز تغسيل المحرم محرمه كان هناك مماثل أم لم يكن ، لأنّ المحرم من أحد أفراد المكلّفين حتّى فيما إذا كان المماثل موجوداً.
وفيه : أنّ الاستدلال بالمطلقات وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أنّه متوقف على عدم قيام الدليل على اعتبار المماثلة في المحارم في حال الاختيار وإلاّ فهو المتبع دون المطلقات كما يأتي إن شاء اللّه.
وأُخرى : يستدل عليه بصحيحة منصور بن حازم قال « سألت أبا عبد اللّه ( عليه
1) الوسائل 2 : 520 / أبواب غسل الميِّت ب 21.
السلام ) عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها؟ قال عليهالسلام : نعم ، وأُمّه وأُخته ونحو هذا يلقي على عورتها خرقة » (1)حيث دلّت على جواز تغسيل المحارم مطلقاً من دون تقييد بما إذا لم يوجد مماثل.
وفيه : أنّ الصحيحة لا دلالة لها على المدّعى ، لأنّ السؤال فيها إنّما هو عن الرجل يخرج في السفر ، والسفر من موارد الاضطرار ، إذ لا يوجد فيه مماثل يغسل الميِّت غالباً ، فالصحيحة واردة في مورد فقد المماثل والاضطرار لا في صورة الاختيار.
وقد يقال : إنّ السفر ليس من موارد الاضطرار ، إذ كثيراً ما يوجد فيه المماثل من النِّساء والرجال ولو من غير ذوات الأرحام.
ويندفع بأن مطلق وجود المماثل لا يكفي في ارتفاع الاضطرار ، وإنّما يرتفع الاضطرار بوجود مماثل مقدم للتغسيل ، وهو لا يوجد في السفر إلاّ نادراً ، فالإتيان بهذا القيد أعني السفر كاشف عن اختصاص الحكم بموارد الاضطرار ، إذ لو لم يكن له دخل في الحكم لم يكن لذكره وجه في الكلام ، وللزم أن يسأل عن مجرّد جواز تغسيل الرجل زوجته ، فإضافة قيد السفر من جهة اختصاص الحكم بالاضطرار.
إذن لا تكون هذه الصحيحة موجبة للخروج عمّا دلّ على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت إلاّ في حال الاضطرار ، فان لم يقم دليل على عدم اعتبارها في حال الاختيار لا بدّ من اختصاص الحكم أعني جواز تغسيل المحرم بما إذا لم يوجد هناك مماثل ، وهذا هو الصحيح ، أي لم يقم دليل على عدم اعتبار المماثلة في المحارم ، وحيث إنّ الدليل يدل على اعتبارها ، وهو الارتكاز المتشرعي في الأذهان المؤيّد بما ورد في رواية أبي حمزة من أنّ المرأة لا يغسلها إلاّ امرأة (2)فلا بدّ من تخصيص جواز تغسيل المحارم بصورة فقد المماثل والاضطرار.
وكونه من وراء الثِّياب (1).
ويؤيّده أيضاً : أنّ الأخبار الواردة في المقام كلّها مختصّة بصورة فقد المماثل أو السفر ولو في الأسئلة الواردة فيها ، فلم يقم دليل مخرج عن ذلك في صورة الاختيار هذا.
بل مقتضى حسنة ابن سنان أو موثقته عدم الجواز مع وجود المماثل أو الزوج ، قال « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا مات الرجل مع النِّساء غسلته امرأته وإن لم تكن امرأته معه غسلته أولاهن به ، وتلف على يديها خرقة » (1)حيث دلّت على أنّ المحارم إنّما يغسلن الرجل إذا لم تكن امرأته معه فمرتبة المحارم متأخرة عن الزوجة. نعم ، هي مختصّة بالزوجة ولم يذكر فيها المماثل ، إلاّ أنّها تدل على أن مرتبة المحرم متأخرة عن مرتبة الزوجة ، والزوجة إمّا مرتبتها متساوية مع المماثل أو متأخرة عن مرتبته ، وعلى كلا التقديرين تدل على أن مرتبة المحارم متأخرة عن مرتبة المماثل.
فالمتحصل : أن مقتضى العموم المستفاد من الارتكاز والروايات المؤيد برواية أبي حمزة والمؤيّد باشتمال الأخبار واختصاصها بمورد الاضطرار هو اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت مطلقاً حتّى في حقّ المحارم ، وإنّما لا تعتبر المماثلة في المحارم عند الاضطرار وفقد المماثل.
(1) هل يعتبر في تغسيل المحارم أن يكون الغسل من وراء الثِّياب أو يجوز تغسيل الميِّت مجرّداً؟
المعروف هو الأوّل ، وذهب جماعة إلى الثاني وأنّ المحرم يجوز له أن يغسل محارمه ولو مجرّداً ، وإنّما لا يجوز له أن ينظر إلى عورته ، لأنّ المحرم يحرم عليه النظر إلى عورة
1) الوسائل 2 : 518 / أبواب غسل الميِّت ب 20 ح 6.
محارمه ، وهذا هو الأظهر ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في المقام وإن اشتملت على أنّه لا يخلع ثوبه ويصب عليه الماء صباً ، أو من وراء الثِّياب وغير ذلك من التعابير ، إلاّ أنّها لا تدل على أنّ الغسل من وراء الثِّياب واجب مولوي تعبّدي ، بل إنّما يستفاد منها عرفاً أنّه من جهة حرمة النظر إلى عورة الميِّت والأمر به إرشاد إلى التخلص من الحرام.
ويدلُّ على ذلك ما ورد في صحيحة منصور المتقدِّمة (1)من الأمر بإلقاء الخرقة على عورتها ، لأنّه إنّما يصح فيما إذا كان بدن الميِّت عارياً وإلاّ فمع القميص أو الدرع على بدنه لا معنى للأمر به.
وبهذا يظهر أنّ التغسيل مجرداً لا محذور فيه ، وإنّما المحرّم النظر إلى عورته ، ومن ثمة أمر عليهالسلام بإلقاء الخرقة على عورته حتّى يتخلص به عن ذاك الحرام.
بل يمكن أن يقال : إنّ التغسيل من وراء الثِّياب لأجل عدم وقوع النظر على عورة الميِّت ليس واجباً شرطياً في صحّة الغسل أيضاً ، وذلك لأنّه بحسب الفهم العرفي إنّما هو مقدمة لعدم وقوع النظر على عورة الميِّت بحيث لو غسله ليلاً أو كان المغسّل أعمى لم يشترط في صحّة الغسل أن يكون تغسيله من وراء الثِّياب ، بل لو غسله مع النظر إلى عورته وارتكابه عصياناً لم يبطل غسله وإن ارتكب محرماً.
وعلى الجملة : حمل الأمر أو النهي الواردين في الأجزاء والشرائط على بيان الشرطية أو الجزئية أو المانعية إنّما هو لأجل الظهور ، وبما أنّ الأخبار الآمرة بالتغسيل من وراء الثِّياب غير ظاهرة في الإرشاد إلى الشرطية ، فلا جرم يحمل الأمر بها على بيان الوجوب النفسي دون الشرطي ، بل مقتضى المناسبة أن يكون ذلك واجباً نفسياً ، لأنّه بعد تجويز تغسيل المحرم محرمة أمر عليهالسلام بإلقاء الخرقة على عورته ، وظاهره أن ذلك واجب في نفسه وليس شرطاً في صحّة التغسيل بوجه.
1) في ص 346.
الرابع : المولى والأمة فيجوز للمولى تغسيل أمته (1)إذا لم تكن مزوّجة ولا في عدّة الغير ولا مبعّضة ولا مكاتبة (1).
إذن فلا وجه لرفع اليد عن ظواهر الأخبار في الوجوب النفسي المولوي ، بل نلتزم بوجوب كون التغسيل من وراء الثِّياب ، من غير أن يكون الإخلال به موجباً لبطلان التغسيل.
بقي هناك شيء : وهو أن حسنة أو موثقة ابن سنان المتقدِّمة (2)اشتملت على الأمر بلف الخرقة على يدها فهل هذا واجب معتبر في صحّة تغسيل المحارم أو غير معتبر في صحّته؟
الظاهر عدم اعتباره في التغسيل ، وذلك لأن كون اللف واجباً تعبّدياً أمر لا نحتمله ، وليس ذلك إلاّ من جهة التحفظ عن وقوع النظر على عورة الميِّت أو مسّها إلاّ أنّه لما لم يكن محرّماً على المحرم ، لجواز أن يمس بدنه وينظر إليه ، فلا مناص من أن يكون إرشاداً إلى التحفظ عن مسّ عورة الميِّت من القبل والدبر ، لأنّه محرم عليه فلا يكون شرطاً معتبراً في صحّة التغسيل.
فكما أنّ الأمر بالتغسيل من وراء الثِّياب إرشاد إلى عدم جواز النظر إلى عورة الميِّت ، كذلك الأمر بلف الخرقة على يدها إرشاد إلى عدم جواز مسّ عورتي الميِّت.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في تغسيل المولى أمته.
وثانيهما : في تغسيل الأمة مولاها إذا مات.
ومحل الكلام في المقامين إنّما هو الأمة الّتي يجوز وطؤها للمولى كما إذا لم تكن مزوّجة أو معتدة أو مبعضة أو مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها من الثمن. وأمّا إذا كانت محرّمة الوطء فهي خارجة عن محل الكلام ، لحرمة وطئها وعدم جواز نكاحها.
أمّا المقام الأوّل ، تغسيل المولى أمته : فقد ادّعي الإجماع على جواز تغسيل المولى أمته وأنّه لا يشترط فيه المماثلة ، وفي كلام بعض آخرين أنّ الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب ، فالمسألة متسالم عليها بينهم ، ولم ينسب فيها الخلاف صريحاً إلى أحد.
وإنّما الكلام في مدرك هذا الحكم المتسالم عليه ، وأنّ الأمة لماذا قد استثنيت عن كبرى ما دلّ على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت.
والمدرك في ذاك الحكم إن كان هو الإجماع فلا كلام ، إلاّ أن تحصيل إجماع تعبّدي يوجب القطع أو الاطمئنان بقول الإمام عليهالسلام في المسألة صعب غايته ، وذلك لاحتمال استنادهم في الحكم إلى الوجهين الآتيين ، فلا يكون الإجماع تعبّدياً لا محالة.
وقد يستدل عليه بانصراف ما دلّ على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت إلى ما إذا لم يجز للغاسل النظر إلى الميِّت ومسّه ، إذ المماثلة إنّما اعتبرت من أجل حرمة نظر غير المماثل إلى الميِّت وحرمة مسّه ، فالموارد الّتي يجوز فيها النظر إلى الميِّت ويجوز مسّه خارجة عن تلك الأدلّة ، لانصرافها إلى الموارد الّتي يحرم فيها المسّ والنظر.
وفيه : أن ما دلّ على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت مطلق لا يفرق فيه بين الأمة وغيرها ، لأن اعتبار المماثلة حكم تعبّدي وليس من أجل حرمة نظر الغاسل ومسّه لبدن الميِّت ، ومن ثمة لو غسّل الميِّت أجنبي في الظلمة أو كان أعمى من غير أن يمس بدنه لم نكتف به في الجواز ، لاعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت مطلقاً ، فدعوى الانصراف ساقطة.
وقد يستدل عليه بما دلّ على جواز تغسيل الزوج زوجته وعدم اعتبار المماثلة بينهما ، وذلك لأنّ الزوجة بمفهومها اللغوي وإن لم تشمل الأمة ، إلاّ أنّها بحسب ما يفهم منها عرفاً ولو بمناسبة الحكم والموضوع شاملة للأمة أيضاً ، لأن مفهومها
عرفاً هو من يجوز وطؤها والاستمتاع بها.
وفيه : أن علقة الزوجية والملكية قد انقطعت وارتفعت بالموت ، لأن طرف الإضافة فيهما إنّما هو الحي لا الجماد ، ومقتضى إطلاق ما دلّ على اعتبار المماثلة عدم جواز التغسيل من غير المماثل حتّى في الزوجة والأمة ، وإنّما خرجنا عنه في الزوجة لقيام الدليل على أنّ المماثلة غير معتبرة بين الزوج وزوجته ، بمعنى أنّ الدليل قام على أن من كانت زوجة للغاسل قبل موتها يجوز لزوجها أن يغسلها ، ولو لا ذلك الدليل لقلنا باعتبار المماثلة حتّى بينهما ، ولم يقم مثله على عدم اعتبارها بين الأمة والمولى ، فلا محالة تبقى تحت المطلقات. وتسرية حكم الزوجة إلى الأمة قياس ، لاحتمال أن تكون للزوجة خصوصية تستتبع الحكم بعدم اعتبار المماثلة فكيف يمكن التعدّي معه إلى الأمة.
نعم ، ورد في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها؟ قال : نعم ، وأُمّه وأُخته ونحو هذا ، يلقي على عورتها خرقة » (1)فلو أُريد من « نحو هذا » نحو ما ذكر من المرأة والأُم والأُخت ، شملت الصحيحة الأمة أيضاً ، لأن معنى اللفظة حينئذ هو من يجوز النظر إليه ، أعم من أن يجوز وطؤها أو من يحرم ، والأمة من يجوز للمولى النظر إليها.
نعم ، لو أُريد منه نحو الام والأُخت فحسب ، كان معناه من يحرم نكاحها ، فلا يشمل الأمة لعدم حرمة نكاحها على المولى ، وهذا الاحتمال هو الأظهر ، بقرينة قوله عليهالسلام بعد ذلك « يلقي على عورتها خرقة » لما قدمناه من عدم اعتبار ذلك في الزوجة ، ومنه يستفاد اختصاص الحكم بالأُم والأُخت وعدم شموله للأمة فقوله عليهالسلام : « ونحو هذا » إمّا مختص بالأُم والأُخت أو أنّه مجمل.
فالمتحصل : أنّ الحكم بجواز تغسيل المولى أمته مشكل وإن كانت المسألة مورداً للتسالم كما مرّ.
1) الوسائل 2 : 516 / أبواب غسل الميِّت ب 20 ح 1.
وأمّا تغسيل الأمة مولاها ففيه إشكال وإن جوّزه بعضهم بشرط إذن الورثة فالأحوط تركه ، بل الأحوط الترك في تغسيل المولى أمته أيضاً (1).
(1) وأمّا المقام الثاني ، في تغسيل الأمة مولاها ، فهي خلاف المسألة السابقة مورد الخلاف وفيها أقوال ثلاثة :
أحدها : الجواز مطلقاً ، ويمكن الاستدلال عليه بالوجهين المتقدمين في المسألة السابقة ، ففيهما ما عرفت من عدم انصراف الأدلّة وعدم شمول الزوجة للأمة فلا نطيل.
ثانيها : التفصيل بين الأمة أُم الولد فيجوز ، وبين غيرها فلا يجوز. ذهب إليه جمع منهم المحقق في المعتبر (1)مستدلاًّ عليه برواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه الباقر عليهالسلام « إن علي بن الحسين عليهالسلام أوصى أن تغسّله أُمّ ولد له إذا مات ، فغسلته » (2). وحيث إنّ الوصية بالأمر غير المشروع غير جائزة ، فمنه يستكشف أن تغسيل أُمّ الولد لمولاها جائز في الشريعة المقدسة.
وقد ناقش فيها صاحب المدارك قدسسره بضعف السند (3).
ويدفعه : أنّ الخدشة فيها مبتنية على مسلكه قدسسره من عدم اعتبار غير الصحاح ، وأمّا على ما بنينا عليه من عدم الفرق في الحجية بين الصحاح والموثقات والحسنات فلا شبهة في سندها بوجه ، لأنّ الشيخ يرويها عن محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري وطريقه إليه صحيح في المشيخة (4)والفهرست (5)، وهو يروي عن الحسن ابن موسى الخشاب وهو حسن ، والخشاب يروي عن غياث بن كلوب أو كلتوب.
والظاهر أن خدشة صاحب المدارك قدسسره إنّما هي من جهته ، لأنّه عامي إلاّ أنّا ذكرنا أن غياث بن كلوب وغيره من غير الاثني عشرية قد وثقهم الشيخ في عدّته (1)وهو كاف في جواز الاعتماد على روايتهم فلا خدش في سندها.
نعم ، ناقش فيها صاحبا الحدائق (2)والوسائل (3)قدسسرهما بأنّها محمولة على التقيّة ، أو مؤولة بإرادة المعاونة في التغسيل ، لما ورد في غير واحد من الروايات من أنّ المعصوم لا يغسّله إلاّ معصوم مثله (4).
فوصيّة علي بن الحسين إنّما هي في إعانة أُم ولده في تنظيف بعض المواضع الّتي كان يكره الباقر عليهالسلام من أن ينظر إليها أو يمسّها.
وهذه المناقشة جيّدة جدّاً وقد تقدّم (5)في أخبار تغسيل علي فاطمة عليهماالسلام من أنّها صدّيقة والصدّيق لا يغسله إلاّ صدّيق. ويؤيّد ذلك ما ورد في الفقه الرضوي من قوله : « ويروى أن علي بن الحسين عليهالسلام لما أن مات ، قال الباقر عليهالسلام لقد كنت أكره أن أنظر إلى عورتك في حياتك ، فما أنا بالّذي أنظر إليها بعد موتك ، فأدخل يده وغسل جسده ، ثمّ دعا أُم ولد له فأدخلت يدها فغسلت عورته » (6).
وروايات الفقه الرضوي وإن لم تكن حجّة كما مرّ غير مرّة إلاّ أنّها صالحة للتأييد كما ذكرناه.
فتحصل : أن استثناء تغسيل الأمة مولاها عن إطلاق أدلّة اعتبار المماثلة غير ثابت ، والتفصيل أيضاً لا أساس له.
[862] مسألة 1 : الخنثى المشكل إذا لم يكن عمرها أزيد من ثلاث سنين فلا إشكال فيها. وإلاّ فان كان لها محرم (1)أو أمة بناءً على جواز تغسيل الأمة مولاها فكذلك (1).
فالصحيح هو القول الثالث ، أعني عدم جواز تغسيل الأمة سيِّدها ، وإن كان الحكم في المسألة الأُولى مورد التسالم والاتفاق.
(1) إذا كان عمر الخنثى المشكل غير زائد عن ثلاث سنين فلا كلام في جواز تغسيل كل من الرّجال والنِّساء لها ، لما تقدم من أنّ الصبية يجوز للرجل أن يغسلها إذا لم يكن عمرها أزيد من ثلاث سنين. وكذا الصبي يجوز للمرأة أن تغسله إذا لم يتجاوز عمره عن ثلاث سنوات ، فلا تعتبر المماثلة بين الغاسل والميِّت إذا لم يتجاوز عمره عن ثلاث سنين.
وأمّا إذا كان عمر الخنثى زائداً عن الثلاث ، فإن كانت لها أمة فتغسلها أمتها بناءً على أنّ الأمة يجوز لها أن تغسل مولاها. وأمّا إذا لم تكن لها أمة أو كانت ولكن لم نجوّز تغسيلها لمولاها ، فيقع الكلام في أنّ الوظيفة ماذا حينئذ؟
فهل يجوز لكل من الرّجال والنِّساء أن تغسل الخنثى ولا تعتبر المماثلة وقئتذٍ ، أو لا يجب تغسيل الخنثى على المكلّفين ولا بدّ من دفنها من غير غسل؟
قد يقال بجواز تغسيل كل من الرّجال والنِّساء لها ، بدعوى أن أدلّة اعتبار المماثلة منصرفة إلى صورة حرمة نظر الغاسل إلى الميِّت ، ففي موارد جواز النظر إليه لا مقتضي لاشتراط المماثلة بوجه ، وحيث إن كلا من الرّجال والنِّساء يجوز أن ينظر إلى
1) (*) بناءً على ما تقدم من اعتبار فقد المماثل في جواز تغسيل المحارم لا بدّ من أن يكون المغسل رجلاً وامرأة من محارم الخنثى.
الخنثى المشكل ، للشك في رجوليتها وأُنوثيتها فأصالة البراءة عن حرمة النظر إليها جارية ، فلا تشملها أدلّة اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت ، فيجوز لكل من الرّجال والنِّساء تغسيل الخنثى حينئذ.
وفيه : ما قدّمناه من أن اعتبار المماثلة بين الغاسل والميِّت غير مستند إلى حرمة النظر إلى الميِّت وإنّما هو حكم تعبدي ، ومن ثمة اشترطنا في تغسيل المحارم فقد المماثل مع أنّ المحرم يجوز له أن ينظر إلى بدن الميِّت ، كما لا يجوز تغسيل غير المماثل للميت في الظلمة أو مع العمى أو غيرهما ممّا يمنع عن وقوع النظر إلى بدن الميِّت ، فأدلّة اعتبار المماثلة بحالها.
ومعه يقع الكلام في أن وظيفة المسلمين بالنسبة إلى الخنثى المشكل أي شيء؟
ويقع الكلام في ذلك في مقامين : أحدهما في غير المحارم ، وثانيهما في المحارم (1).
أمّا المقام الأوّل : فإن قلنا إن حرمة تغسيل غير المماثل ذاتية فلا محالة يندرج المقام بالإضافة إلى الأجانب في كبرى دوران الأمر بين المحذورين ، وذلك لأن كلا من النِّساء والرّجال يعلم بتوجه تكليف إلزامي إليه ، وهو إمّا وجوب تغسيل الخنثى على تقدير كونها مماثلاً للغاسل واقعاً ، وإمّا حرمة التغسيل على تقدير عدم كونها مماثلاً للغاسل ، ومع دوران الأمر بين المحذورين أي بين الوجوب والتحريم لا مناص من التخيير ، بمعنى أن كلا من النِّساء والرجال له أن يترك تغسيل الميِّت الخنثى رأساً وله أن يغسلها بقصد القربة رجاءً.
نعم ، ليس له أن يغسلها من دون قصد التقرّب ، وذلك لأنّ المقام من الموارد الّتي لا يمكن فيها تحصيل الموافقة القطعية ، ويمكن فيها المخالفة القطعية ، فإنّ التغسيل واجب عبادي يعتبر فيه قصد القربة فيتمكن المكلّف من المخالفة القطعية ، بأن يغسل الخنثى من غير قصد التقرّب ، فإنّه يعلم حينئذ بالمخالفة ، حيث إنّ الخنثى إمّا مماثل معه فقد
1) لم يتعرّض للمقام الثاني بعنوان مستقل.
ترك تغسيله الواجب ، وهو التغسيل بقصد القربة ، وإمّا أنّه غير مماثل معه فقد ارتكب الحرام وهو تغسيل غير مماثله ، فليس له التغسيل من دون قصد التقرّب. وحيث أنّ الموافقة القطعية غير ممكنة فيتنزل العقل إلى المرتبة النازلة من الامتثال وهي الامتثال بالموافقة الاحتمالية باختيار ترك التغسيل أو فعله بقصد القربة رجاءً.
والنتيجة : أن كلا من النِّساء والرّجال يجوز أن يغسل الخنثى بقصد القربة كما يجوز أن لا يغسلها ، إلاّ أن الحرمة الذاتية في تغسيل غير المماثل ممّا لا يمكن تتميمه بدليل وذلك لأنّ المستفاد من النهي عن تغسيل غير المماثل وأنّ الرجل لا يغسله إلاّ رجل والمرأة لا يغسلها إلاّ امرأة ، أن تغسيل غير المماثل للميت غير واجب فلا يقع مصداقاً للمأمور به لعدم الأمر به ، لا أنّه محرم ، لأنّه نظير النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه أو إلى غير القبلة أو غير ذلك من النواهي والأوامر الواردة في العبادات ، فإن غاية ما يمكن استفادته منها أنّ الصلاة إلى غير القبلة باطلة وليست مأموراً بها ، لأنّ القبلة شرط في صحّتها. وكذا الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ليست مصداقاً للمأمور به ، لأنّه مانع من الصلاة ، لا أنّ الصلاة محرمة حينئذ.
إذن ليس هناك إلاّ تكليف واحد وهو وجوب تغسيل المماثل ، وبما أنّ المماثلة غير محرزة لكل من الرّجال والنِّساء فوجوب التغسيل مشكوك في كل منهما بالشك البدوي ، ومقتضى أصالة البراءة عدمه ، وبهذا يقوى عدم وجوب تغسيل الخنثى لكل من الرجل والمرأة ، فانّ المقام نظير الجنابة المرددة بين شخصين والعلم الإجمالي بتكليف متوجّه إليه أو إلى غيره من المكلّفين ممّا لا أثر له ، هذا.
نعم ، ربّما يقال : إنّ الخطاب بالتغسيل متوجّه إلى عامّة المكلّفين بلا فرق في ذلك بين المماثل وغيره ، فالمماثلة ليست شرطاً في توجّه التكليف والأمر بالتغسيل ، بل كل إنسان مماثل أو غيره مكلّف بالتغسيل ، إمّا بالمباشرة كما في المماثل وإمّا بالتسبيب بالأمر به أو الإخبار والإعلام به كما في غير المماثل ، نعم المماثلة شرط في المأمور به دون الأمر والخطاب. إذن لا بدّ من الاقدام على التغسيل إمّا بالمباشرة أو التسبيب
بمقتضى العلم الإجمالي بلا فرق في ذلك بين الرّجال والنِّساء.
وهذه الدعوى دون إثباتها خرط القتاد ، لأنّ النواهي الواردة عن تغسيل غير المماثل وأنّ الرّجال لا يغسلهم إلاّ الرّجال ، والنِّساء لا يغسلهن إلاّ النِّساء إذا انضمت إلى الأوامر الواردة في التغسيل تفيد التقييد لا محالة ، فيتقيد الأمر بالتغسيل بالمماثل ولا يتوجّه الأمر بالتغسيل إلى غير المماثل بوجه.
نعم ، يجب على غير المماثل عند العلم بالميت إعلام المماثل وأمره بتغسيله من باب الأمر بالمعروف لا من ناحية توجه الأمر بالتغسيل إليه بالتسبيب ، وهذا لا يختص بالمقام بل يجري في جميع الواجبات الشرعية ، لوجوب الأمر بالمعروف وهو ظاهر.
والنتيجة : أنّ الأمر بالتغسيل مباشري ومختص بالمماثل وحسب ، وحيث أنّ المماثلة مشكوكة بالإضافة إلى كل من النِّساء والرّجال فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوبه عليهما كما اختاره صاحب الجواهر قدسسره (1)هذا.
ولكن مقتضى تدقيق النظر وجوب تغسيل الخنثى على كل من النِّساء والرّجال والسرّ في ذلك : أنّ النظر إلى الخنثى المشكل جائز على الرّجال والنِّساء حال الحياة للشك في موضوع حرمة النظر أعني الشك في الرجولية بالإضافة إلى النِّساء والشك في الأُنوثية بالإضافة إلى الرّجال ومع الشك في الموضوع تجري البراءة عن حرمة النظر ، لأنّه شبهة موضوعية تحريمية. وإذا ماتت الخنثى تشكّل لدينا علم إجمالي في حق كل من النِّساء والرّجال ، إمّا بارتفاع حلية النظر وإمّا بوجوب تغسيل الخنثى لأنّ الخنثى إن كانت مماثلة مع الغاسل واقعاً فقد توجّه إليه الأمر بتغسيلها ، وإن كانت غير مماثلة معه فقد ارتفعت عنه حلية النظر الظاهرية وحرم عليه النظر إلى بدنها.
ولا يمكن إجراء البراءة عن حرمة النظر حينئذ ، لابتلائها بالمعارض وهو البراءة
1) الجواهر 4 : 79.
عن وجوب تغسيلها ، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان ، ومقتضى العلم الإجمالي لزوم تغسيلها وعدم جواز النظر إليها. وقد ذكرنا في محله ، أنّ المعارضة الموجبة للتساقط لا يفرق فيها بين أن تكون من الابتداء وبين أن تكون بحسب البقاء ، فإنّ البراءة عن حرمة النظر وإن كانت سليمة عن المعارض قبل الممات ، إلاّ أنّها بعد ممات الخنثى معارضة بأصالة البراءة عن وجوب تغسيلها.
إذن يجب على كل من الرّجال والنِّساء أن يغسل الخنثى ولا ينظر إلى بدنها ، هذا.
وقد ذهب الشيخ قدسسره إلى القرعة في المقام (1)ليظهر أنّ الخنثى رجل حتّى يغسله الرّجال ، أو أنّه امرأة فتغسلها النِّساء ، ولم يستبعده الماتن قدسسره واستدلّ عليه بالإجماع والأخبار.
والظاهر أن مراده بالأخبار هو الأخبار الواردة في أنّ القرعة لكل أمر مشكل أو مشتبه أو مجهول على اختلاف الروايات (2). وكذا مراده بالإجماع هو الإجماع على أنّ القرعة للأمر المشتبه ، وإنّما الشيخ قدسسره طبّق معقد الإجماع ومورد الأخبار على المقام أعني الخنثى إذا ماتت. فلا يرد عليه أنّه لا أخبار ولا إجماع في المسألة إذ أن مقصوده الأخبار والإجماع في كبرى الأمر المشتبه ، وإنّما يدعي تطبيقها على المقام.
نعم ، لا يمكن المساعدة على دعوى التطبيق بوجه ، وذلك لأنّ القرعة إنّما هي للأُمور الّتي لم يعلم حكمها بحسب الواقع أو الظاهر ، فلا يتأتى في قبال العلم الإجمالي بحرمة النظر أو وجوب التغسيل في المقام ، لأنّه من العلم الإجمالي المتعلق
بحكم إلزامي مردّد بين التعلّق بالنظر أو التغسيل ، وهو يقتضي الاحتياط في الطرفين ويوجب التغسيل على كل من الرّجال والنِّساء ، فكيف يكون المقام من الأمر المشتبه. فان حال المقام حال بقية موارد العلم الإجمالي كالعلم بوجوب القصر أو التمام أو بوجوب الظهر أو
وإلاّ فالأحوط تغسيل كل من الرجل والمرأة إيّاها من وراء الثِّياب وإن كان لا يبعد الرجوع إلى القرعة (1)(1).
الجمعة أو غيرهما ، فهل تحتمل القرعة في تلك الموارد حتّى يحتمل في المقام.
نعم ، وردت القرعة في بعض موارد العلم الإجمالي مثل الشاة الموطوءة الّتي وطئها راعيها فأرسلها في الشياه ، إلاّ أن ذلك للنص الخاص (2)لا أن موارد العلم الإجمالي موارد للقرعة.
(1) بعد البناء على وجوب تغسيل الخنثى على كل من النِّساء والرّجال يقع الكلام في أنّ التغسيل يجب أن يكون من وراء الثِّياب أو لا يشترط ذلك في تغسيلها؟
اعتبار كون التغسيل في الخنثى المشكل من وراء الثِّياب لم ينص عليه في الأخبار بخصوصه ، والّذي يمكن الاستدلال به عليه أمران :
أحدهما : أن تغسيل المحارم يعتبر فيه أن يكون من وراء الثِّياب ، فكأنّ الشارع لم يرض بالتغسيل عارياً في غير الزوج والزوجة ، فإذا اعتبر ذلك في المحارم فيثبت اعتباره في حق غير المحارم بالأولوية القطعية.
وهذه الأولوية وإن اعتمد عليها جمع من الأصحاب إلاّ أنّها واضحة الدفع والفساد وذلك لأمرين :
الأوّل : أنّا لم نسلّم شرطية كون التغسيل من وراء الثِّياب في المحارم ، وإنّما بنينا على استحبابه من باب احترام الميِّت.
الثاني : هب أن كون التغسيل من وراء الثِّياب معتبر في غير المماثل ، إلاّ أنّ المماثلة وعدمها غير محرزين في المقام للشك في رجولية الخنثى وأُنوثيتها ، وإنّما أثبتنا وجوب تغسيلها بالعلم الإجمالي كما مرّ ومع الشك في الموضوع تجري البراءة عمّا يحتمل شرطيته ، فلا يجب أن يكون التغسيل من وراء الثِّياب.
ثانيهما : أن مقتضى العلم الإجمالي حرمة النظر إلى بدن الخنثى بعد موتها ، ولأجله يعتبر في تغسيلها أن يكون من وراء الثِّياب.
وفيه : أنّ العلم الإجمالي إنّما يقتضي حرمة النظر إلى بدن الخنثى الميِّت ، ولا يقتضي أن يكون تغسيلها من وراء الثِّياب ، فيمكن أن يغسلها في الظلمة أو مع غض عينيه.
فالمتحصل : أن كون تغسيلها من وراء الثِّياب لم يثبت بدليل ، وإنّما اللاّزم أن لا ينظر إلى بدن الخنثى فحسب.
نعم ، لا بدّ من تغسيلها مرّتين ، بأن يغسلها كل من الرجل والمرأة ، وذلك للعلم الإجمالي المتقدِّم من دون اشتراط كون التغسيل من وراء الثِّياب ، لأن في تغسيل الرّجل لها إن كان الخنثى رجلاً واقعاً فهو من تغسيل المماثل ولا يعتبر فيه التغسيل من وراء الثِّياب ، وإن كانت الخنثى امرأة واقعاً فتغسيل الرجل لها باطل ولغو سواء كان من وراء الثِّياب أم لم يكن.
وكذلك الحال في تغسيل المرأة للخنثى ، فلا وجه لاعتبار كون التغسيل من وراء الثِّياب.
[ ثمّ إن ] ظاهر كلماتهم هو الاقتصار على غسل واحد من محارمها ، إلاّ أنّ الصحيح هو الثاني ، وأنّه لا بدّ من تغسيلها مرّتين : تارة يغسلها الرجل وأُخرى تغسلها امرأة من محارمها ، وذلك لأن تغسيل المحارم مشروط بعدم المماثل للميت ، فإذا غسلها رجل منهم فقط مثلاً لم يحرز أنّه مماثل للخنثى ، ومع الشك في صدور التغسيل من مماثلها يجري استصحاب عدم تحقق الغسل المأمور به فيجب أن تغسلها امرأة ثانياً في المثال حتّى يقطع بتحقق الغسل الصحيح المأمور به أعني تغسيل المحرم المماثل للخنثى -
[863] مسألة 2 : إذا كان ميت أو عضو من ميت مشتبهاً بين الذكر والأُنثى فيغسله كل من الرجل والمرأة من وراء الثِّياب (1).
[864] مسألة 3 : إذا انحصر المماثل في الكافر أو الكافرة من أهل الكتاب (2)
وقد عرفت أنّ التغسيل لا يعتبر أن يكون من وراء الثِّياب.
(1) المسألة المتقدِّمة وإن تعرّضنا لحكمها إلاّ أنّها ليست مورداً للابتلاء ، بخلاف مسألتنا هذه فإنّها مورد الابتلاء ، وهي ما إذا وجدنا ميتاً قُدّ نصفين أو أكله السبع على نحو لا يتميز النصف الباقي أنّه من رجل أو من أُنثى.
وحكمه حكم المسألة السابقة طابق النعل بالنعل ، فيجب على كل من الرِّجال والنِّساء الأجانب أن يغسله ، للعلم الإجمالي بحرمة النظر إليه أو بوجوب تغسيله. والمحارم لا يجب عليهم ذلك ، إلاّ فيما إذا لم يوجد من يغسله من النِّساء والرّجال الأجانب ، أو وجد ولم يغسله ، ومعه يجب على الرّجال المحارم ونسائهم أن يغسلوه مرّتين كما قدمناه في الخنثى ولا نعيد.
وأظهر من ذلك في الابتلاء ، ما إذا وجدنا عضواً من أعضاء الميِّت ولم يعلم أنّه عضو رجل أو عضو امرأة ، فإنّه يغسله كل من الرّجال والنِّساء على التفصيل المتقدِّم من غير اعتبار كون الغسل من وراء الثِّياب.
(2) فهل يجب دفن الميِّت من غير غسل ، أو يغسله المماثل من أهل الكتاب ، أو لا بدّ أن يغسله المسلم ولو كان غير مماثل له؟
لا وجه للاحتمال الأخير ، لما دلّ على أنّ الميِّت إذا لم يوجد المماثل له دفن من غير
غسل ، والمعروف بين الأصحاب أنّه يغسله أهل الكتاب المماثل للميت ، وعن المحقق (1)وجماعة أنّه يدفن من غير غسل.
ويدلُّ على القول المشهور موثقتان واردتان في المسألة ، إحداهما في الرّجل والأُخرى في المرأة ، وقد دلّتا على هذا الحكم صريحاً (2)ونوقش في الاستدلال بها من وجوه :
منها : أنّ التغسيل واجب عبادي يعتبر فيه قصد التقرّب ولا يتمشّى ذلك من الكفّار ، لاعتقادهم بطلان هذا الدين ، ومع اعتقاد البطلان لا يمكنه التقرّب بالتغسيل.
ومنها : أن من رجال إحدى الموثقتين من هو فطحي المذهب ومن رجال الموثقة الأُخرى من هو زيدي فلا يعتمد على رواياتهم.
ومنها : ما أورده صاحب الحدائق قدسسره (3)من أنّ الموثقتين معارضتان للأخبار الدالّة على نجاسة أهل الكتاب (4)إذ مع نجاسة أبدانهم يتنجس الماء وبدن الميِّت ، والماء النجس لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً.
أمّا المناقشة الأُولى ، ففيها أنّها أشبه شيء بالاجتهاد في مقابل النص بل هو هو بعينه ، وذلك لأن اعتبار قصد التقرب في الواجبات لم يرد فيه دليل عقلي لا يقبل التخصيص ، وإنّما استفيد من الارتكاز وكلمات الأصحاب أي التسالم على أنّ الغسل عبادي وهو أمر قابل للتخصيص ، فيخصص في المقام بالموثقتين ويلتزم فيه بعدم اعتبار قصد التقرّب في التغسيل حينئذ ، فيكون اعتبار النيّة مختصّاً بما إذا كان الغاسل ممّن يتمشّى منه النيّة ، كما هو الحال في غيره كالزكاة إذا أُخذت من الكفار جبراً فإنّها
أمر عبادي ، فهل يمكن أن يقال : إنّ الكافر لا يتمشى منه قصد القربة فلا يجوز أخذ الزكاة منهم ، بل يلتزم فيه بسقوط ذلك وعدم اعتبار قصد التقرّب ، أو يلتزم بوجوبه ممّن يأخذ الزّكاة كالحاكم أو نائبه.
وفي المقام أيضاً يلتزم اعتباره من المسلم الّذي يأمر الكتابي بالتغسيل ، فانّ الموثقتين واردتان لبيان وظيفة المسلمين وأنّهم يأمرون الكفّار المماثلين بالتغسيل. وكيف كان ، فهذه المناقشة ساقطة وبعد دلالة النص الصريح لا يمكن الخدشة في قباله فإنّه من الاجتهاد في مقابل النص.
أمّا المناقشة الثانية ، فهي إنّما تصح ممّن لا يعتمد على غير الصحاح أي على الموثقات كصاحب المدارك قدسسره ولا تتم من مثل المحقق الّذي يعمل بالموثق كما يعمل بالصحيح ، فإن أكثر الرواة بين زيدي أو فطحي أو واقفي أو غير ذلك من الفِرق غير الأنثى عشرية ، وقد أثبتنا في محله أنّ الموثق حجّة كالصحيح.
فالعمدة هي المناقشة الأخيرة ، من أنّ الموثقتين معارضتان للأخبار الدالّة على نجاسة أهل الكتاب ، وهي أكثر وأرجح من الموثقتين.
والوجه في المعارضة : هو ما ثبت من الخارج من أن ماء الغسل لا بدّ وأن يكون طاهراً ، فمع نجاسة المغسّل يتنجس الماء ، والماء المتنجس لا يزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً.
وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصل ، وذلك لأنّا إن قدمنا الأخبار الدالّة على طهارة أهل الكتاب ولم نعمل بالأخبار الدالّة على نجاستهم وإنّما لم نفت بالطهارة لعدم الاجتراء على مخالفة المشهور وقلنا إن نجاستهم عرضية كما استظهرناه من بعض الأخبار (1)حيث سئل عليهالسلام عن الأكل في أواني أهل الكتاب فقال : لا ، معلّلاً بأنّهم يشربون فيها الخمر ويطبخون لحم الخنزير أو الميتة فيها أو يأكلونها
1) الوسائل 24 : 210 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54.
أمر المسلم المرأة الكتابية أو المسلمة الرجل الكتابي أن يغتسل أوّلاً ويغسّل الميِّت بعده (1).
فيها ، فإنّهم لو كانوا محكومين بالنجاسة الذاتية لم يصح التعليل بالنجاسة العرضية من جهة شرب الخمر في أوانيهم أو أكل اللحم النجس فيها ، فلا إشكال في البين ، لأنّ الكتابي محكوم بالطهارة حينئذ ، ولعل الأمر بتغسيله قبل تغسيل الميِّت من جهة تطهير بدنه من النجاسة العرضية.
وأمّا إذا قدمنا أخبار النجاسة ولو لعمل المشهور على طبقها وقلنا بنجاسة أهل الكتاب فلا إشكال في المسألة أيضاً ، وذلك لأن ماء الغسل وإن كان يشترط فيه الطهارة إلاّ أن مقتضى الموثقتين أنّ الشرط هو الطهارة قبل التغسيل ، وأمّا إذا تنجس الماء بنفس تغسيل الميِّت أو ما هو مقدمة له فلا يكون ذلك مانعاً عن ارتفاع الحدث والخبث الناشئ من جهة كونه ميتة وإن طرأت عليه النجاسة العرضية حينئذ. ولا مانع من العمل بالموثقتين ولو في موردهما ، لصحّة سندهما وصراحة دلالتهما على ذلك.
ونظير المقام تطهير المتنجس بالماء القليل بناءً على نجاسة الغسالة فإنّه إذا وصل إلى المتنجس يتنجس قبل الانفصال عنه ، ومع نجاسته يحصل التطهير ، مع أن طهارة الماء شرط في التطهير به ، فمنه يظهر أنّ المانع هو النجاسة بغير التطهير وقبله وأمّا النجاسة الحاصلة بنفس التطهير فهي غير مانعة عن التطهير بالماء القليل.
إذن لا إشكال في المسألة ، والمناقشات في قبال الموثقتين من قبيل الاجتهاد في مقابل النص.
فالصحيح أنّ المماثل إذا انحصر في أهل الكتاب لا يدفن من غير غسل وإنّما يغسله الكتابي المماثل له.
(1) الظاهر أنّ الأصحاب حملوا ذلك على الغسل المتعارف أعني غسل الرأس ثمّ
والآمر ينوي النيّة (1) وإن أمكن أن لا يمسّ الماء وبدن الميِّت تعين (1)(2) كما أنّه لو أمكن التغسيل في الكرّ أو الجاري تعيّن
الطرف الأيمن ثمّ الطرف الأيسر وكأن هذا أحد الأغسال الواجبة في الشرع ، وهو الغسل لتغسيل الميِّت.
لكن الظاهر أنّ الاغتسال كما هو معناه في اللّغة بمعنى تنظيف البدن وغسله المعبّر عنه في الفارسية ب- « شستشو » إذ ليس للاغتسال حقيقة شرعية ولا متشرعية وإنّما هو باقٍ على معناه اللّغوي.
(1) قدّمنا الإشارة إلى ذلك ، إلاّ أنّه أمر محتمل مبني على الاحتياط ، إذ لم يقم دليل على وجوبه ، وإنّما احتملناه من جهة أنّ الموثقتين واردتان لبيان الوظيفة المقررة على المسلمين وما هو مفرّغ لذمّتهم ، وهو أمر الكتابي بالتغسيل والاغتسال ، ولو بمناسبة أنّ الكتابي لا داعي لديه للإقدام على ذلك ، إلاّ أن يأمره المسلمون ولو باستئجاره عليه ، وحيث إنّ العمل يصدر من الآمر بالتسبيب فناسب أن ينوي هو القربة ، إلاّ أنّه مبني على الاحتياط والاحتمال كما مرّ ولا دليل على وجوبه.
(2) بأن يلبس ما يمنع عن وصول الماء إلى يديه ولا يمس بدن الكتابي كاللاستيك المتداول في عصرنا ، والوجه في تعينه أنّه مع التمكّن من العمل بدليل اشتراط الطّهارة في ماء الغسل لا موجب لرفع اليد عنه ، ومنه يظهر وجه التعيّن فيما لو أمكن التغسيل في الكرّ أو الجاري فلا نطيل.
1) (*) على الأحوط فيه وفيما بعده.
ولو وجد المماثل بعد ذلك أعاد (1).
(1) إذا انحصر المماثل في الكافر واغتسل وغسل الميِّت المسلم ، فهل يترتب عليه الآثار المترتبة على تغسيل الميِّت ، أو أنّه لا يترتب عليه ، لأنّه بدل اضطراري؟
فيه جهتان من البحث قد اختلطت إحداهما بالأُخرى في كلمات بعض الأكابر :
الاولى : أنّ الكتابي إذا غسل الميِّت فيما كان المماثل منحصراً فيه لا يجب غسل المسّ إذا مسّه أحد بعد ذلك ، وذلك لأن التغسيل الصادر من الكتابي وإن كان بدلاً عن تغسيل المسلم إلاّ أنّ الطبيعة المأمور بها هي الطبيعة في كليهما ، ولا فرق بين تغسيل الكافر والمسلم إلاّ في الفاعل وحسب ، ومع اتحاد الطبيعة لا وجه لغسل المسّ إذا مسّ بعد ذلك ، لأنّ الأخبار الدالّة على أنّه لا غسل مع المسّ بعد التغسيل (1)تقتضي بإطلاقها عدم وجوب الغسل حينئذ ، لأنّ المسّ بعد التغسيل.
ولا يقاس هذا بما إذا لم يمكن تغسيل الميِّت فيمم بدلاً عنه ، لأن مسّه بعد التيمم يوجب الغسل ، وذلك لأنّ البدل طبيعة أُخرى مغايرة لطبيعة المبدل منه ، وإنّما هو بدل في رفع الحدث عن الميِّت بحيث يجوز أن يدفن بذلك.
وأمّا أنّ المسّ بعده مسّ بعد الغسل فلا ، بل يصدق أنّه مسّ الميِّت قبل تغسيله فيجب عليه غسل المسّ لا محالة.
الجهة الثانية : إذا غسله الكتابي في مفروض المسألة ثمّ وجد مسلم مماثل للميت قبل أن يدفن وجب إعادة الغسل ، وذلك لأن تغسيل الكتابي وجواز الاقتصار عليه بدل اضطراري ، وهو مشروط بعدم وجود المسلم المماثل للميت ما دام لم ينقض وقت الغسل ، وهو واجب موسّع يستمر وقته إلى الدفن ، فإذا وجد المسلم المماثل قبل أن
1) الوسائل 3 : 295 / أبواب غسل المسّ ب 3.
وإذا انحصر في المخالف فكذلك (1) لكن لا يحتاج إلى اغتساله قبل التغسيل وهو مقدم على الكتابي على تقدير وجوده.
يدفن الميِّت ظهر أنّ الشرط في جواز تغسيل الكتابي لم يكن متحققاً فلا بدّ من أن يغسل ثانياً.
ودعوى : أنّ الطبيعة واحدة فيترتب على تغسيل الكتابي ما كان يترتب على تغسيل المسلم فلا يجب إعادة غسله.
مندفعة بأن وحدة الطبيعة إنّما تفيد في الحكم بعدم وجوب غسل المسّ بعد تغسيل الكتابي ، ولا تفيد في الحكم بعدم وجوب إعادته. لما مرّ من أن جوازه مشروط بعدم المسلم المماثل ما دام الوقت باقياً ، فإذا وجد انكشف عدم جواز تغسيل الكتابي من الابتداء.
(1) وذلك لأنّ النص وإن كان مختصّاً بأهل الكتاب إلاّ أن تغسيل الكافر إذا جاز عند الانحصار جاز تغسيل المسلم المخالف بطريق أولى ، لأنّه ليس في البعد عن الحق أولى من الكتابي ، هذا.
وقد فرّع على ذلك كما في المتن أن مماثل الميِّت إذا انحصر بالكتابي والمخالف فالمخالف مقدّم على الكتابي للأولوية.
أقول : الأمر وإن كان كما ذكر ، إلاّ أنّه لا حاجة إلى الاستدلال بالأولوية ، لأنّ الموثقتين المتقدِّمتين (1)بنفسهما تدلاّن على تقدم المخالف على أهل الكتاب وعدم جواز الاقتصار على تغسيلهم مع وجوده ، وذلك لاشتمالهما على أنّ المرأة المسلمة تموت وليس
1) في ص 363.
[865] مسألة 4 : إذا لم يكن مماثل حتّى الكتابي والكتابية سقط الغسل (1).
معها امرأة مسلمة ، أو أنّ الرجل المسلم يموت وليس معه رجل مسلم ، ومن الظاهر أنّ المسلم أعم من المخالف والموافق ، فمع وجود المسلم ولو كان مخالفاً لا تصل النوبة إلى الكفّار.
(1) للأخبار الدالّة على ذلك (1)وهذا هو المشهور بين الأصحاب وعن الشيخين (2)والحلبي (3)وغيرهم وجوب التغسيل على غير المماثل من وراء الثِّياب من غير لمس ونظر.
ويستدل على ذلك بجملة من الأخبار ، وهي خمس روايات ما بين قاصرة السند أو الدلالة أو كليهما :
منها : رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام قال : « إذا مات الرّجل في السفر مع النِّساء ليس فيهنّ امرأته ولا ذو محرم من نسائه ، قال : يؤزرنه إلى ركبتيه ويصببن عليه الماء صباً ولا ينظرن إلى عورته ولا يلمسنه بأيديهنّ » (4). وهي وإن كانت صريحة الدلالة على المراد إلاّ أن في سندها الحسين بن علوان وهو عامي لم يوثق (5).
1) الوسائل 2 : 520 / أبواب غسل الميِّت ب 21.
2) المقنعة : 87 / ب 13 ، لكن الشيخ في كتبه حكم بسقوط الغسل ، راجع التهذيب 1 : 441 / ذيل الرقم [1425] ، المبسوط 1 : 175 ، الخلاف 1 : 698 / المسألة [485] ، نعم في موضع من التهذيب يُستفاد منه ما في المتن ، راجع التهذيب 1 : 343.
3) الكافي في الفقه : 237 / في أحكام الجنائز.
4) الوسائل 2 : 523 / أبواب غسل الميِّت ب 22 ح 3 ، وتقدّم أنّ الحسين ثقة.
5) بل وثّقه في معجم رجال الحديث 7 : 34.
ومنها : رواية جابر عن أبي جعفر عليهالسلام « في رجل مات ومعه نسوة ليس معهنّ رجل ، قال : يصببن عليه الماء من خلف الثوب ويلففنه في أكفانه من تحت الصّدر ويصلين عليه صفاً ، ويدخلنه قبره. والمرأة تموت مع الرّجال ليس معهم امرأة؟ قال : يصبون الماء من خلف الثوب ويلفونها في أكفانها ويصلّون ويدفنون » (1). وهي أيضاً من حيث الدلالة واضحة إلاّ أنّها من حيث السند ضعيفة بعمرو بن شمر وغيره من الرواة.
ومنها : رواية أبي سعيد قال : سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا ماتت المرأة مع قوم ليس لها فيهم محرم يصبون عليها الماء صباً ، ورجل مات مع نسوة ليس فيهن له محرم فقال أبو حنيفة : يصببن الماء عليه صباً ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام بل يحل لهن أن يمسسن منه ما كان يحل لهن أن ينظرن منه إليه وهو حي ، فإذا بلغن الموضع الّذي لا يحل لهن النظر إليه ولا مسّه وهو حي صببن الماء عليه صباً » (2)وهي ظاهرة الدلالة على المدّعى إلاّ أنّها ضعيفة السند بحسن بن خرزاد ، لأنّه غير موثق أو مهمل كما يمكن الخدشة فيها بغيره من الرواة.
ومنها : رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « لا يغسل الرّجل المرأة إلاّ أن لا توجد امرأة » (3). وهي ضعيفة السند بمحمّد بن سنان وقاصرة الدلالة على المدّعى ، وذلك لأن دلالتها على جواز تغسيل غير المحارم بالإطلاق ، حيث استفيد من الاستثناء فيها أنّ المرأة أي المماثل إذا لم توجد فالرجل له أن يغسل المرأة الأجنبية ، ولم يصرح بأنّ الرّجل من غير المحارم فدلالتها على المدّعى بالإطلاق. والأخبار المتقدِّمة الدالّة على أنّ المرأة لا يغسلها إلاّ المرأة وأنّ الميِّت إذا لم يوجد له مماثل أو ذو رحم يدفن من غير غسل تقيد إطلاق هذه الرواية بما إذا كان الرجل من المحارم.
ومنها : معتبرة عبد اللّه بن سنان قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : المرأة إذا ماتت مع الرّجال فلم يجدوا امرأة تغسلها غسّلها بعض الرجال من وراء الثوب ، ويستحب أن يلف على يديه خرقة » (1). وهي من حيث السند لا بأس بها إلاّ أنّها قاصرة الدلالة ، فإن دلالتها بالإطلاق ، لعدم التصريح فيها بأنّ الرّجل من غير ذي الرحم فتقيد بالأخبار الدالّة على عدم جواز تغسيل الأجنبي وغير المماثل للميت وتختص بالرجل من المحارم.
بل في نفس الرواية قرينة على إرادة المحارم دون غيرها ، وهو قوله عليهالسلام « ويستحب أن يلف على يديه خرقة » لأن ذلك إنّما هو في المحارم. وأمّا الأجانب فاللف واجب عليهم ، لحرمة مسّ بدن الأجنبية ، هذا.
على أن تلك الأخبار مضافاً إلى معارضتها مع الأخبار الدالّة على أنّ الميِّت يدفن كما هو ولا يغسله الأجنبي غير المماثل له (2)معارضة في مواردها بصحيحة داود بن فرقد « قال مضى صاحب لنا يسأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم هل يغسلونها وعليها ثيابها؟ فقال : إذن يدخل ذلك عليهم أي يعاب عليهم ولكن يغسلون كفيها » (3)لأنّها كما ترى واردة في نفس موارد الأخبار المذكورة ، وهي ما إذا لم يوجد مماثل ولا ذو رحم للميت وأراد الأجنبي غير المماثل تغسيل الميِّت من وراء الثِّياب ، وقد دلّت على أنّه لا يغسل ولا من وراء الثِّياب ، وإنّما يغسل كفيها.
ولا تنافي هذه الصحيحة الأخبار الناهية عن تغسيل الميِّت إذا لم يوجد له مماثل ولا ذو رحم وأنّه يدفن كما هو ، وذلك لأنّ النهي في تلك الأخبار قد ورد مورد توهّم الوجوب فلا يدل إلاّ على عدم الوجوب ، كما أنّ الأمر في هذه الصحيحة قد ورد مورد توهّم الحظر ، لأن قوله عليهالسلام « إذن يدخل ذلك عليهم » أي يعابون على
ذلك ، دلّ على أنّ الميِّت لا يغسل حينئذ ، وربما كان يتوهّم من ذلك أنّه لا يغسل حتّى كفيها ، فدفعه عليهالسلام بقوله : « ولكن يغسلون كفيها » أي لا يُعاب ذلك عليهم فهو أيضاً لا يدل على الوجوب ، بل الأمر فيها محمول على الاستحباب.
ثمّ إن في المقام طوائف من الأخبار دلّت على خلاف ما ذكرناه ولم ينقل من الأصحاب قائل بمضمونها.
منها : ما دلّ على أنّ الميِّت إذا لم يجد له مماثل ولا ذو رحم وجب على الأجنبي غير المماثل تغسيل مواضع التيمم فحسب كرواية مفضل بن عمر ، قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : جعلت فداك ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرّجال ليس فيهم لها ذو محرم ولا معهم امرأة فتموت المرأة ما يصنع بها؟ قال : يغسل منها ما أوجب اللّه عليه التيمم ولا تمس ولا يكشف لها شيئاً من محاسنها الّتي أمر اللّه بسترها قلت : فكيف يصنع بها؟ قال : يغسل بطن كفيها ثمّ يغسل وجهها ثمّ يغسل ظهر كفّيها » (1)وهي ضعيفة السند بعبد الرّحمن بن سالم فلا يعتمد عليها.
ومنها : ما دلّ على وجوب تيمم الميِّت حينئذ كما في رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام قال « أتى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم نفر فقالوا : إن امرأة توفّيت معنا وليس معها ذو محرم ، فقال : كيف صنعتم بها؟ فقالوا : صببنا عليها الماء صباً ، فقال : أما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها؟ فقالوا : لا ، فقال : أفلا يمموها » (2)حيث دلّت على وجوب تيمم الميِّت في مفروض السؤال.
وقد نقل القول بوجوب التيمم وقتئذ عن أبي حنيفة ، والرواية في سندها الحسين ابن علوان وهو عامي لم يوثق (3).
لكن الأحوط تغسيل غير المماثل من غير لمس ونظر من وراء الثِّياب ثمّ تنشيف بدنه قبل التكفين لاحتمال بقاء نجاسته (1).
ومنها : ما دلّ على أنّ الميِّت يغسل مواضع الوضوء منه كما في رواية أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة ماتت في سفر وليس معها نساء ولا ذو محرم فقال : « يغسل منها موضع الوضوء ويصلِّي عليها وتدفن » (1). وهي ضعيفة السند بعبد الرّحمن بن سالم ومحمّد بن أسلم الحلبي.
ومنها : ما دلّ على أنّ الميِّت في مفروض المسألة يغسل كفاه وهو رواية جابر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سئل عن المرأة تموت وليس معها محرم ، قال : يغسل كفيها » (2)وهي ضعيفة السند بعمرو بن شمر.
وصحيحة داود بن فرقد المتقدِّمة حيث قال : « ولكن يغسلون كفيها » (3)وهي وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنّ الأمر بغسل الكفين فيها ورد مورد توهّم الحظر كما تقدم تقريبه فلا يدل على الوجوب وغاية الأمر حملها على الاستحباب.
وهذه الروايات كما عرفت لا يمكن أن تعارض الأخبار المتقدِّمة المعتبرة الدالّة على أنّ الميِّت في مفروض الكلام يدفن كما هو ، لضعف أسنادها وعدم العامل بمضمونها ، فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من سقوط الغسل حينئذ.
(1) الاحتياط في كلام الماتن وإن كان استحباباً كما ترى ، إلاّ أنّ الظاهر أنّه على
[866] مسألة 5 : يشترط في المغسّل أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً اثني عشرياً (1). فلا يجزئ تغسيل الصبي وإن كان مميِّزاً وقلنا بصحّة عباداته على الأحوط ، وإن كان لا يبعد كفايته (1)مع العلم بإتيانه على الوجه الصحيح ، ولا تغسيل الكافر إلاّ إذا كان كتابياً في الصورة المتقدِّمة. ويشترط أن يكون عارفاً بمسائل الغسل كما أنّه يشترط المماثلة إلاّ في الصور المتقدِّمة.
خلاف الاحتياط ، لأنّ صحيحة داود بن فرقد المتقدِّمة دلّت على أن في تغسيل الرجال الأجانب المرأة عاراً وعيباً يدخل عليهم وأن فيه حزازة ، فالتغسيل حينئذ خلاف الاحتياط.
(1) أمّا اشتراط الإسلام والإيمان فلم يرد في اعتبارهما دليل ، وإنّما اشترطا من جهة ما دلّ على بطلان عبادة المخالف فضلاً عن الكافر المنكر للنبوّة.
وأمّا العقل والبلوغ فلعدم توجّه الأمر إلى المجنون والصبي ، لوضوح أنّ التكليف بالتغسيل كبقيّة التكاليف مختص بالبالغين.
وظاهر المتن كغيره أنّ الاجتزاء بتغسيل الصبي مبني على القول بشرعية عبادات الصبي ، فإن قلنا بأنّها تمرينية فلا يجتزأ بتغسيله ، وإن قلنا إنّها شرعية يكفي تغسيله في سقوط التكليف عن المكلّفين ، هذا.
ولا يخفى أنّه بناءً على أن عبادات الصبي تمرينية وإن كان الأمر كما ذكر ، إلاّ أنّه بناءً على كونها شرعية أيضاً لا يمكن المساعدة على الاجتزاء بتغسيله ، وذلك لأن هناك مرحلتين :
1) (*) بل هي بعيدة.
إحداهما : أن عبادات الصبي شرعية ، بمعنى أنّ الأمر بها هل توجه إلى غير المكلّفين كما توجّه إلى البالغين ، وغاية الأمر انتفاء الإلزام في حق غير البالغين ولا وجوب في حقّهم فالعبادات مشروعة راجحة في حقّهم ، أو أنّه لا أمر بالعبادة في حقّ الصبيان؟.
وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الصحيح شرعية عبادات الصبي ، للأمر المتوجّه إلى أوليائهم على أن يأمروا صبيانهم بالصلاة ونحوها من العبادات.
وثانيهما : أنّه بعد الفراغ عن شرعية عبادات الصبي هل تكون عبادته مسقطة للأمر المتوجّه إلى البالغين أو أنّها غير مسقطة لها؟
وهذه مسألة أُخرى غير المسألة المتقدِّمة ، وظاهر أن مسقطية عمل غير البالغ ولو كان شرعياً عن البالغ يحتاج إلى دليل ، والأمر في المقام كذلك ، لأنّ الأمر بتغسيل الميِّت خاص بالمكلفين ، والصبيان خارجون عن دائرة التكليف ، ومقتضى إطلاق الأمر في المكلّفين وعدم تقييده بما إذا لم يغسل الصبيان ، عدم سقوطه عنهم بتغسيل غير المكلّفين ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم عليه دليل ، ولا دليل عليه.
أنّا قدمنا سابقاً أن تغسيل الميِّت واجب على جميع المسلمين ، بلا فرق في الميِّت بين الاثني عشري وغيره من الفرق غير المحكوم بكفرهم ، وعليه فيقع الكلام في أنّ الميِّت المخالف إذا غسله مخالف مثله فهل يجب على الاثني عشري أن يعيد تغسيله ، لبطلان عمل المخالف فتغسيله كعدم التغسيل ، أو أنّه إذا علم عدم تمكّنه من التغسيل بعد تغسيله وجب عليه المبادرة إلى تغسيله أوّلاً ولو بالتماس واستدعاء ونحوهما ، أو لا يجب الإعادة ولا المبادرة حينئذ؟
والصحيح هو الأخير ، وهذا لا لقاعدة الإلزام حيث ورد أن من دان بدين قوم
قد عرفت سابقاً وجوب تغسيل كل مسلم لكن يستثني من ذلك طائفتان : إحداهما : الشهيد المقتول في المعركة عند الجهاد مع الإمام عليهالسلام أو نائبه الخاص. ويلحق به كل من قتل في حفظ بيضة الإسلام في حال الغيبة (1).
لزمته أحكامهم (1)، أو ألزموهم بما التزموا به على أنفسهم (2)فان تلك القاعدة إنّما تجري فيما إذا كان المورد قابلاً للإلزام كما في الورثة إذا اعتقدوا الإرث للعصبة وأعطوه للاثني عشري مثلاً لأنّه من عصبتهم ، فإنّه يجوز له أخذه إلزاماً لهم بما التزموا به على أنفسهم ، وقد ورد في الإرث بخصوصه. أو أنّ المخالف إذا طلّق زوجته بما هو باطل عند الاثني عشري (3).
(1) كما إذا هجم الكفّار على بلاد المسلمين ودافع المسلمون عن بلادهم حفظاً لبيضة الإسلام ، فإنّ المقتول حينئذ مقتول في سبيل اللّه ولا يجب تغسيله وإن لم يكن ذلك في الجهاد ، لأنّه دفاع كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ الوجه في ذلك ليس هو الأخبار الواردة في الشهيد ، لاحتمال اختصاص ذلك
بمن قتل في الجهاد ، ولا رواية أبي خالد قال : « اغسل كل الموتى : الغريق وأكيل السبع وكل شيء إلاّ ما قتل بين الصفين ، فان كان به رمق غسل وإلاّ فلا » (1)، بدعوى أن إطلاق « من قتل بين الصفين » يشمل المقتول في الدفاع عن بيضة الإسلام أيضاً ، وذلك لأنّها بحسب الدلالة وإن كانت ظاهرة إلاّ أنّها مقطوعة ، ويحتمل أنّها من أبي خالد نفسه.
وليست الرواية مضمرة كما في كلام المحقق الهمداني (2)قدسسره ولعلّ التعبير به من جهة قوله « قال » فان مرجع الضمير فيه غير مذكور في الرواية.
بل لصحيحة أبان بن تغلب وحسنته ، ففي الأُولى منهما قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الّذي يقتل في سبيل اللّه أيغسل ويكفّن ويحنّط؟ قال : يدفن كما هو في ثيابه إلاّ أن يكون به رمق ( فان كان به رمق ) ثمّ مات فإنّه يغسل ويكفن ويحنط ويصلّى عليه ، لأنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على حمزة وكفّنه وحنّطه ، لأنّه كان قد جُرِّد » (3).
وفي الثانية منها قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : الّذي يقتل في سبيل اللّه يدفن في ثيابه ولا يغسل إلاّ أن يدركه المسلمون وبه رمق ثمّ يموت بعد ، فإنّه يغسل ويكفن ويحنط ، إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كفّن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلّى عليه » (4).
وصدر الروايتين وإن كان يشمل مطلق من قتل في سبيل اللّه كالمقتول في سبيل الأمر بالمعروف أو في الدفاع عن نفسه ، إلاّ أن ذيلهما يدلاّن على اختصاص الحكم
من غير فرق بين الحر والعبد ، والمقتول بالحديد أو غيره عمداً أو خطأً ، رجلاً كان أو امرأة أو صبياً أو مجنوناً (1)
بمن قتل بين الصفوف وفي المعركة للجهاد أو للدفاع لقوله عليهالسلام « إلاّ أن يدركه المسلمون وبه رمق » فإنّه ظاهر في المعركة ، ولا سيما بملاحظة التعليل بأن رسول اللّه صلّى على حمزة ، لأنّه كالصريح في الاختصاص.
(1) لإطلاق قوله عليهالسلام « الّذي يقتل في سبيل اللّه » المؤيد ذلك في الأطفال بما ورد من قتل بعض الصبيان في بدر وأُحد وكربلاء ، ولم ينقل عن أحد تغسيلهم هذا.
وعن شيخنا الأنصاري قدسسره المناقشة في شمول الحكم لغير من كان الجهاد راجحاً في حقّه كالمجانين والصبيان حيث حكي عنه أنّ الظاهر من حسنة أبان وصحيحته المقتول في سبيل اللّه ، فيختص بمن كان الجهاد راجحاً في حقّه أو جوهد به كما إذا توقف دفع العدو على الاستعانة بالأطفال (1).
وهذه المناقشة وإن كانت موجهة ، لأنّ المكلّفين من الرّجال مأمورون بالجهاد والدفاع فالمقتول منهم قد قتل في سبيل اللّه ، كما أنّ الأطفال أو النِّساء إذا أستعين بهم في القتال كذلك ، حيث إنّ المقتول قد قتل في الجهاد المأمور به ، لقتلهم في الإعانة له. وأمّا إذا فرضنا أنّ الطفل أو المرأة أو المجنون خرج إلى المعركة من عنده من غير توقف الدفاع أو الجهاد على الاستعانة به فلا يصدق أنّه مقتول في سبيل اللّه ، إذ لا أمر بدفاعه أو جهاده ، وإنّما قتل من غير أمر.
إلاّ أنّه يمكن القول بأن مقتضى الروايتين أن مجرد القتل في المعركة الّتي أُقيمت
1) كتاب الطّهارة : 304 السطر 25 / في تكفين الأموات.
إذا كان الجهاد واجباً عليهم (1) ، فلا يجب تغسيلهم ، بل يدفنون كذلك بثيابهم إلاّ إذا كانوا عراة فيكفّنون ويدفنون (2).
لإعلاء كلمة الإسلام موجب لسقوط التغسيل مطلقاً ، كان مقاتلة المقتول أيضاً بأمر من الشارع أم لم يكن ، وذلك لإطلاق قوله عليهالسلام : « الّذي يقتل في سبيل اللّه » فانّ المفروض أنّ الجهاد أو الدفاع إنّما هو في سبيل اللّه ، فالقتل فيه يكفي في سقوط الغسل ، لصدق أنّه مقتول في سبيل اللّه ولم يقتل في سبيل غير اللّه.
(1) وذلك لحرمة تعريض النفس على القتل ، إلاّ أن يجب كما في الجهاد والدفاع فالجواز في ذلك مساوق للوجوب ، لأنّه إذا جاز وجب وإذا لم يجب حرم ، ومع التحريم لا يحتمل سقوط التغسيل ، فالتقييد فيما إذا كان الجهاد واجباً من جهة أنّ المورد يقتضي ذلك ، لا لأنّه مدلول لدليل خاص.
(2) هذه المسألة لا تناسب المقام ، لأنّ الكلام في التغسيل وسقوطه ، والمناسب تأخيرها إلى مبحث التكفين ، ويتعرّض هناك لموارد عدم وجوبه ، ويستثنى منه العراة من الشهداء فإنّهم يجب تكفينهم.
ثم إنّ الوجه في ذلك هو الإطلاقات الدالّة على أن تكفين كل مسلم واجب ، وقد خرجنا عنها في الشهيد ومن قتل في سبيل اللّه حيث ورد أنه يدفن بثيابه وقد فرض فيه الثياب. وأما من لم يكن له ثياب من القتلى في سبيل اللّه فهو غير مشمول للأخبار ، فلا محالة يبقى تحت المطلقات ، هذا.
وقد يستدل عليه كما في الحدائق (1)وغيره بصحيحة أبان بن تغلب المتقدِّمة الدالّة على أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كفن حمزة لأنه كان قد جُرّد (2).
ويشترط فيه أن يكون (1)خروج روحه قبل إخراجه من المعركة ، أو بعد إخراجه مع بقاء الحرب وخروج روحه بعد الإخراج بلا فصل ، وأمّا إذا خرجت روحه بعد انقضاء الحرب فيجب تغسيله وتكفينه (1).
وأورد عليه في الحدائق بأن الصحيحة معارضة بصحيحة زرارة وإسماعيل بن جابر من أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كفن حمزة بثيابه وردّاه بردائه (2)فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب التكفين في العراة.
ثم جمع بينهما بحمل الصحيحة المتقدِّمة على أنه جُرّد من بعض أثوابه فجعل صلىاللّهعليهوآلهوسلم الرداء قائماً مقام ما جرّد منه. وهذا الجمع كما ترى ليس من الجمع العرفي في شيء ، فالأخبار متعارضة والصحيح في الاستدلال ما ذكرناه.
(1) ذكر جماعة منهم المحقق قدسسره (3)أن سقوط الغسل عمن قتل في سبيل اللّه مشروط بما إذا وقع القتل في المعركة والحرب قائمة ولم تنقض ، بلا فرق في ذلك بين أن يدركه المسلمون وهو حي وبين أن لا يدركه المسلمون كذلك ، فان الدرك وعدمه لا اعتبار بهما في المقام ، وإنما المدار على القتل في المعركة والحرب لم تنقض وأما إذا أُخرج من المعركة فمات أو أنه مات بعد ما وضعت ( الْحَرْبُ أَوْزارَها ) فلا بدّ من تغسيله وتكفينه.
وزاد الماتن على ذلك ما إذا خرج من المعركة ومات بعد ذلك بلا فصل يعتدّ به عرفاً.
وشيء مما ذكره الجماعة والماتن قدسسرهم لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن
مقتضى صحيحة أبان وحسنته المتقدمتين (1)أن المدار في سقوط الغسل وعدمه هو إدراك المسلمين له وبه رمق الحياة فيغسل ، وبين إدراكهم له وليس به رمق فلا يغسل بلا فرق في ذلك بين أن تكون الحرب قائمة أم لم تكن ، وكان الميِّت في المعركة أو في خارجها ، إذ المناط صدق القتل في سبيل اللّه.
وحمل إدراك المسلمين له على إخراجه من المعركة أو إدراكه حيّاً بعد انقضاء الحرب كما ذكره المحقق الهمداني (2)قدسسره.
مما لا موجب له ، لأنه ارتكاب خلاف ظاهر الروايتين ولا يمكن المصير إليه إلاّ بدليل ولا دليل عليه ، بل الإدراك باقٍ على معناه من وصول المسلمين إليه.
ودعوى : أن المسلمين جمع محلى باللام وهو يفيد العموم ، فلا يمكن إرادة إدراك واحد أو اثنين منهم ، ولا بدّ من حمله على إخراجه من المعركة أو على إدراكه بعد انقضاء الحرب ليشاهده عامّة المسلمين.
مندفعة بأنه وإن كان جمعاً محلى باللام وهو قد يراد منه العموم ، إلاّ أنه غير محتمل الإرادة في المقام ، لعدم إمكان أن يشاهد الشهيد جميع المسلمين في العالم.
وكذلك الحال إذا حملناه على جميع المسلمين المقاتلين ، لأنهم بأجمعهم لا يشاهدون القتيل لاشتغالهم بالحرب أو بسائر الأشغال. فلا بد من حمله على إرادة الطبيعة والجنس كما يستعمل فيه بكثير ، نظير قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... ) (3)أو ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ... ) (4)فان الألف واللاّم فيهما بمعنى الطبيعة والجنس فيصدق على درك واحد من المسلمين أو اثنين أو أكثر.
فتحصل : أن المدار في سقوط التغسيل وعدمه إنما هو على إدراك المسلمين له وفيه رمق الحياة أو إدراكهم له وليس فيه رمق ، ولا اعتداد بكونه قتيلاً في المعركة وكانت
الحرب قائمة أو منقضية ، هذا.
وقد أيّد المحقق الهمداني قدسسره ما ذكره من أن المراد من إدراكه المسلمين إخراجه من المعركة أو إدراكه حياً بعد انقضاء الحرب ، وكون المدار في سقوط التغسيل هو القتل في المعركة والحرب قائمة بقضية عمار بن ياسر ، فان الظاهر حضور المسلمين عنده حين استسقى فسقي اللبن الذي كان آخر شرابه من الدنيا مع أن أمير المؤمنين عليهالسلام لم يغسله كما يدل عليه أخبار مستفيضة (1). فدلّ ذلك على أنه لا عبرة بإدراك المسلمين وهو حي في وجوب التغسيل ، بل يسقط عنه التغسيل وإن أدركه المسلمون حيّاً ، لأنه قتل في المعركة والحرب لم تنقض.
وفيه : أن الأخبار الدالة على أنه عليهالسلام لم يغسل عماراً ليست بمستفيضة ولا أنها بموثقة كما عبّر عنها في الحدائق (2).
أمّا أنها ليست بمستفيضة ، فلأن جميع الأخبار تنتهي إلى مسعدة بن صدقة (3)وغاية الأمر أنه قد يروي ذلك عن عمّار (4)عن أبي جعفر ، وأُخرى عن بعض ولد عدي بن حاتم ، فهي مستفيضة من مسعدة لا من الامام عليهالسلام فلا استفاضة في هذه الأخبار.
وأما أنها ليست بموثقة فلما ذكرناه في محلِّه (5)من أن مسعدة عامي أو بتري لم تثبت وثاقته ، فما استشهد به من الأخبار ساقط عن حيِّز الاعتبار ، هذا كلّه في هذه المقدِّمة.
1) الوسائل 2 : 507 / أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 4.
2) الحدائق 3 : 414.
3) نعم في آخر باب 14 من أبواب غسل الميت رواية أُخرى تنتهي إلى أبي البختري ولكنها ضعيفة ، وأما مسعدة بن صدقة فإنه موجود في أسناد كامل الزيارات ، وكذلك في تفسير علي بن إبراهيم القمي قدسسرهما.
4) كذا في مورد من التهذيب [ 1 : 331 / 968 ] وفي الاستبصار [ 1 : 214 / 754 ] مصدق بن صدقة كما أن في مورد آخر من التهذيب [ 6 : 168 / 322 ] والاستبصار [ 1 : 469 / 1811 ] مسعدة بن صدقة عن جعفر عن آبائه عليهمالسلام.
5) معجم الرجال 19 : 151 / 12305 وبمضمونه في رجال الكشي : 33 / 64.
الثانية : من وجب قتله برجم أو قصاص (1)
وأما مقدّمته الاولى : وهي أنه قد استظهر درك المسلمين عماراً وبه رمق ، ففيها : أن هذا مما لم نقف عليه في رواية ولو ضعيفة ، بل المنقول في ترجمته (1)أنه دعا باللبن قبل خروجه إلى المعركة فشربه ، وكان آخر شرابه من الدنيا كما قال له النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم « آخر شرابك ضياح من لبن » ثم خرج إلى القتال فاستشهد ، إذن لا يمكن المساعدة على ما أفاده.
نعم ، روى الكشي (2)كما في رجال المامقاني قدسسره (3)عن إسماعيل بن أبي خالد قال : سمعت قيس بن أبي حازم قال قال عمار بن ياسر : ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم ، إلاّ أنها غير قابلة للاعتماد عليها ، لأن في سندها أربعة من المجاهيل فلا يمكننا رفع اليد عن ظواهر الأخبار المعتبرة بأمثال ذلك من الروايات.
فالصحيح ما ذكرناه من أن المدار في سقوط الغسل عن الشهيد إنما هو على درك المسلمين له وليس فيه رمق الحياة ، سواء كان في المعركة وحال الحرب أو في خارجها وبعد انقضائها.
نعم ، في رواية زيد بن علي قال : « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه ، وإن بقي أياماً حتى تغير جراحته غسّل » (4)إلاّ أنها ضعيفة بالحسين بن علوان ولم يعمل الأصحاب بمضمونها.
(1) سقوط الغسل عن المرجوم والمقتص منه من المسائل المتسالَم عليها بين
الأصحاب ، ولم ينقل فيها خلاف من أحدٍ فيما نعلمه ، وإنما الكلام في مدرك هذا الحكم المتسالَم عليه.
وقد استدلّ عليه بما رواه الكليني والشيخ قدسسرهما عن مسمع كردين عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان ويصلى عليهما. والمقتص منه بمنزلة ذلك يغسل ويحنط ويلبس الكفن ( ثم يقاد ) ويصلى عليه » (1).
وقد ورد ذلك في رواية أُخرى مرسلة ، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند إلاّ أنه لا مناص من العمل على طبقها ، والأصحاب قد عملوا بها يقيناً.
والوجه في ذلك ليس هو انجبار ضعف الرواية بعملهم ، لأنّا لا نرى الانجبار بعملهم ، بل من جهة أن المسألة محل الابتلاء ، إذ الرجم وإن كان لا يتفق إلاّ قليلاً ، بل لم يتفق في عصر النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وعلي عليهالسلام إلاّ في بعض الموارد ، إلاّ أن القصاص كان مورد الابتلاء في عصره صلىاللّهعليهوآلهوسلم وعصر علي عليهالسلام وفي زمان الخلفاء ، فلو كان الغسل واجباً على المرجوم والمقتص منه لاشتهر ونقل لكثرة الابتلاء به ، مع أنه لم ينقل ذلك بوجه ولا توجد فتوى بوجوب التغسيل عليهما ، وقد ذكرنا في جملة من الموارد أن المسألة إذا كانت مما يبتلى بها كان الحكم فيها على تقدير وجوده مشهوراً لا محالة ، فنفس عدم الاشتهار في مثله دليل على العدم.
ومن ذلك مسألة الإقامة ، حيث إن الأخبار الدالة على وجوبها كثيرة إلاّ أن المشهور بين المتقدِّمين لم يلتزموا فيها بالوجوب ، ولأجله قلنا بعدم وجوب الإقامة لأنها مسألة يُبتلى بها في اليوم مرّات ، فلو كانت واجبة لنقل واشتهر ولم يخف على المشهور بين الأصحاب ، فنفس عدم الاشتهار يدل على عدم الوجوب. والمقام أيضاً من هذا القبيل ، هذا كله في أصل المسألة.
1) الوسائل 2 : 513 / أبواب غسل الميِّت ب 17 ح 1.
فإن الإمام عليهالسلام أو نائبه الخاص أو العام يأمره (1)
وهل يلحق بالمرجوم والمقتص منه كل من وجب عليه القتل في الشريعة المقدّسة كما في اللواط والزنا بالمحارم وارتكاب بعض المنكرات أو أن الحكم بسقوط التغسيل مختص بالموردين؟
المصرّح به في كلمات جماعة هو الإلحاق فكأنهم حملوا الرجم والقصاص على المثال ، إلاّ أن الصحيح هو اختصاص الحكم بالموردين ، وذلك لأنّا لم نعتمد على الرواية في المقام حتى يدعى دلالتها على التعميم بحمل الموردين على المثال ، وإنما استدللنا بالتسالم والإجماع وهما لبّيان ، ويقتصر في الأدلّة اللبّية على القدر المتيقن وهو المرجوم والمقتص منه ، فإلحاق غيرهما بهما قياس ، هذا.
وبعد ذلك يقع الكلام في خصوصيات المسألة وأن هذا الاغتسال قبل الرجم والاقتصاص هو غسل الميِّت وقد قدم على الموت فيعتبر فيه ما يعتبر في غسل الميِّت من التغسيل مرة بالماء القراح وأُخرى بماء السدر وثالثة بماء الكافور ، أو أنه كغسل التوبة حتى يغفر اللّه له ذنبه فلا يعتبر فيه الخليط؟
وهل يعتبر فيه أن يكون الغسل بأمر الإمام أو نائبه أو لا يعتبر ذلك؟ إلى غير ذلك من الخصوصيات.
(1) وقع الكلام في أن الغسل من المرجوم والمقتص منه هل يشترط في صحّته الأمر به من الامام عليهالسلام أو غيره ، أو لا يعتبر فيه الأمر بوجه ، وعلى تقدير اعتبار الأمر فهل الآمر هو الإمام أو نائبه أو لا يتعيّن ذلك في شخص؟
ذكر الماتن قدسسره أنه يغتسل بأمر الإمام أو نائبه الخاص أو العام ، وذكر في آخر كلامه أنه لو اغتسل من غير أمر الإمام أو نائبه كفى ، فكأنه يرى أن الأمر واجب نفسي لا شرط في صحة الاغتسال.
واستدلّ على ذلك بأن غسل الميِّت واجب كفائي على المسلمين ، وحيث إن المرجوم أو المقتص منه يباشر بنفسه ذلك الواجب على المسلمين ، مع أنه لا بدّ من أن يصدر من المسلمين فاعتبر صدوره منهم بالتسبيب والأمر به.
وبعبارة اخرى : إن الواجب على المسلمين هو المباشرة لتغسيل الميِّت كما في غير المرجوم والمقتص منه ، وبما أن المباشرة لا يمكنهم فيهما لأنهما يتصديان له بنفسهما فاعتبر صدور التغسيل الواجب منهم بالأمر به والتسبيب إليه.
وهذا الوجه وإن ذكره صاحب الجواهر قدسسره (1)إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن وجوب التغسيل كفاية على المسلمين إنما استفدناه من الروايات الدالّة على وجوب تغسيل الأموات ، وهي كما ترى مختصة بالميت ، والمرجوم والمقتص منه حيان فلا مقتضي ولا سبب لتوهّم الوجوب الكفائي في مثلهما ليقال : إن المباشرة لما كانت من المرجوم والمقتص منه فاعتبر من المسلمين الإصدار بالتسبيب بالأمر به ، هذا.
وقد يقال : إن منشأ الوجوب الكفائي هو رواية مسمع كردين لدلالتها على أن المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ثم يرجمان فيصلّى عليهما فيدفنان ، والأمر في « يغسلان ويحنّطان » (2)متوجه إلى المسلمين وهما من باب التفعيل ، وحيث أن المباشرة غير ممكنة لتصدي المرجوم والمرجومة لذلك فيعتبر منهم إصدار الغسل بالتسبيب والأمر به.
وهذا الوجه وإن كان لا بأس به إلاّ أن النسخة لم تثبت أنها « يغسلان ويحنطان »
وإن رواها في الوسائل كذلك فان الشيخ (1)وصاحب الوافي (2)قد نقلا الرواية عن الكليني هكذا : « إنهما يغتسلان ويتحنطان ».
وفي شهادة مثل الشيخ والفيض كفاية ، وإن كانت نسخة الكافي الموجودة كما رواه في الوسائل ولكنها غير ثابتة ، وغاية الأمر أن تصبح الرواية مجملة لعدم ثبوت شيء من النسختين ، هذا أولاً.
وثانياً : أن المستند في المسألة ليس هو الرواية حتى نستدل بكلمة « يغسلان ويحنطان » وذلك لضعفها كما مر ، وإنما المدرك فيها هو الاشتهار وكونها مورداً للابتلاء فالدليل لبي ويقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو الغسل فقط ، وأما اعتبار الأمر في ذلك شرطياً أو نفسياً فهو مندفع بأصل البراءة ، هذا كله في أصل اعتبار الأمر وعدمه.
ثم على تقدير القول به فهل يعتبر أن يكون الأمر من الامام عليهالسلام أو نائبه أو يكفي الأمر به من سائر المسلمين؟
الرواية مطلقة وليس فيها تقييد بكون الأمر من الامام على تقدير دلالتها على اعتبار الأمر في الاغتسال فلا دليل على هذا التقييد.
وكون المتصدي للحد هو الامام عليهالسلام أو نائبه لا ينافي جواز صدور الأمر بالاغتسال من غيره ، فيأمره غير الامام بالاغتسال والإمام عليهالسلام أو نائبه يقيم الحد ، لأن الحد لا يقيمه غير الإمام أو نائبه ، فعلى ذلك فاشتراط الأمر بالاغتسال مبني على الاحتياط خروجاً عن مخالفة من اعتبره في الاغتسال وإن لم يكن معتبراً كما مرّ.
ثم إن محل البحث في المقام هو اعتبار الأمر في خصوص غسل المرجوم والمقتص منه بما هو غسل صادر منهما ، وأما وجوب الأمر به من باب تبليغ الأحكام لجهالة المرجوم والمقتص منه أو من باب الأمر بالمعروف فهو مما لا إشكال فيه ، إلاّ أنه أمر
أن يغتسل (1)غسل الميِّت مرة بماء السدر ومرة بماء الكافور ومرة بماء القراح (2)ثم يكفن كتكفين الميِّت إلاّ أنه يلبس وصلتين منه وهما المئزر والثوب قبل القتل واللّفافة بعده (3)(2) ويحنط قبل القتل كحنوط الميِّت ثم يقتل فيُصلّى عليه ويُدفن
آخر أجنبي عمّا نحن بصدده.
(1) مقتضى إطلاق الأمر بالغسل في الرواية أن الاغتسال في المقام كغيره من الأغسال يكفي فيه الماء القراح فلا وجه لاعتبار التعدد والمزج فيه.
ودعوى أنه غسل الميِّت قد قدم فيعتبر فيه ما يعتبر في غسل الميِّت من التعدّد والخليط بالسدر والكافور.
مندفعة بأن غسل الميِّت إنما هو عقيب الموت وهو ساقط في المرجوم والمقتص منه قطعاً كالشهيد فليكن الغسل قبل الرجم والقصاص غسلاً مستقلا برأسه ، إذ لم يقم دليل على أنه غسل الميِّت قد قدم.
على أنّا لو سلمنا أنه غسل الميِّت قد قدم فليس لنا إطلاق يدل على اعتبار التعدد والخليط بالسدر والكافور في مطلق غسل الميِّت ولو كان مقدماً على الموت ، وإنما ذلك ثبت في تغسيل الميِّت أي بعد الموت.
(2) ذكر صاحب الجواهر قدسسره (1) أنه لم يعثر على من تعرض لكيفية التكفين في المقام فلا قائل بما ذكره الماتن قدسسره في التكفين من أنهما يلبسان الإزار والمئزر ويلبسان اللفافة وهي المسماة ب- ( سرتاسري ) بعد قتلهما ، بل مقتضى
بلا تغسيل. ولا يلزم غسل الدم من كفنه (1) ولو أحدث قبل القتل لا يلزم إعادة الغسل (2) ، ويلزم أن يكون موته بذلك السبب فلو مات أو قتل بسببٍ آخر يلزم تغسيله (3)
الأمر بالتكفين والتحنيط أن يلبسا جميع الأثواب الثلاثة حتى اللفافة ولا ينافي ذلك القتل بالرجم وهو واضح.
وأما في القصاص أي القتل بالذبح فيفتح منها المقدار اللازم في الذبح ثم بعد ذلك يشدّ.
(1) تعتبر الطهارة في الأكفان بحيث لو تنجس شيء منها وجب غسله أو تبديله ولا يعتبر هذا في المقام ، وذلك لأن التنجس من لوازم القتل رجماً أو قصاصاً ، ومع ورود الرواية في مورد البيان أو مع كون المسألة محل الابتلاء لم يرد ما يدل على تغسيل الأكفان في المرجوم والمقتص منه.
(2) أما الحدث الأصغر فعدم انتقاض الغسل به وعدم وجوب الإعادة بسببه إنما هو لإطلاق الرواية وكلمات الأصحاب قدسسرهم.
وأما الحدث الأكبر ، فلما قدمناه من أن الغسل من الأحداث الكبيرة ليس من الواجبات النفسية وإنما وجوبها شرطي ولأجل الصلاة ، وحيث إن المرجوم والمقتص منه يقتلان فلا موجب لوجوبه في حقهما ، كما أنه لا دليل على وجوبه على غيرهما بأن يغسلهما من الأحداث الكبيرة حتى الجنابة.
وأما عدم انتقاض الغسل السابق به فلعدم دلالة الدليل عليه.
(3) كما إذا مات من الخوف ، أو ألقى نفسه من شاهق ، أو قتله شخص آخر ظلماً وعدواناً.
والوجه في لزوم تغسيله حينئذ ، أن سقوط الغسل في الموردين ووجوب التغسيل في حال الحياة حكم على خلاف القاعدة ، ولا بدّ في مثله من الاقتصار على مورد النص والتسالم ، وهو ما إذا اغتسل للرجم أو القصاص وقتل بسببهما ، وفي غير هذا المورد يرجع إلى مقتضى القاعدة والعمومات ، وهي تدل على وجوب تغسيل كل ميت ، ولعل هذا مما لا إشكال فيه.
وإنما الكلام فيما إذا اغتسل للرجم فقتل قصاصاً أو بالعكس ، أو أنه اغتسل للقصاص لزيد فقتل قصاصاً لعمرو ، فهل يجب أن يعيد غسله أو أنه إذا لم يغتسل ثانياً يجب تغسيله بعد موته أو لا؟
لا يبعد القول بسقوط الغسل وعدم وجوب إعادته ولا تغسيله بعد موته ، وذلك لأن الخارج عما دل على وجوب التغسيل بعد الموت فردان : المرجوم والمقتص منه فاذا اغتسل المكلف لهذا أو ذاك ، أي للجامع بينهما سقط عنه التغسيل بعد الموت والمفروض أن ذلك قد تحقق فلا محالة يسقط عنه التغسيل بعد الموت ، وغاية الأمر أنه كان ناوياً للغسل للرجم ولم يتحقق الرجم وتحقق الفرد الآخر ، إلاّ أنه لا يشترط في سقوط الغسل قصد الوجه ونية التعيين ، بل الغسل لأحدهما موجب لسقوط التغسيل بعد الموت ، وهذا قد تحقق على الفرض ، هذا إذا اغتسل للرجم وقتل قصاصاً.
وأما إذا اغتسل للقصاص من جهة فقتل قصاصاً من جهة أُخرى فالأمر فيه أوضح ، لأن الغسل لطبيعي القصاص أو الرجم موجب لسقوط الغسل بعد الموت فان الحكم ثابت للطبيعي القصاص أو الرجم لا لأفراده ، وقصد الفرد المعين لا أثر له ، هذا.
إلاّ أن مقتضى الاحتياط إعادة الغسل ثانياً للسبب الثاني قبل قتله أو تغسيله بعد موته إذا لم يُعد الغسل ثانياً ، وذلك لأنه إذا احتملنا أن يكون للرجم أو القصاص الذي اغتسل لأجله دخل في سقوط الغسل بعد الموت لا بدّ من الرجوع إلى المطلقات الدالّة على وجوب تغسيل كل ميت إلاّ أن يعيد غسله ثانياً للسبب الثاني ، وذلك لأنه مع الشك في التخصيص الزائد لا مناص من الرجوع إلى المطلقات.
ونيّة الغسل من الآمر (1)ولو نوى هو أيضاً صح ، كما أنه لو اغتسل من غير أمر الإمام عليهالسلام أو نائبه كفى ، وإن كان الأحوط إعادته (1).
[867] مسألة 6 : سقوط الغسل عن الشهيد والمقتول بالرجم أو القصاص من باب العزيمة لا الرخصة (2)فوق ثياب الشهادة ولا يجوز نزع ثيابه وتكفينه (4) ،
(1) ما ذكره قدسسره من أن نية الغسل من الآمر عجيب ، وكذا ما ذكره بعد ذلك من أنه لو نوى هو أيضاً صح ، بمعنى أن النيّة واجبة بينهما على نحو التخيير ، وذلك لأن الغسل عمل مأمور به للمرجوم والمقتص منه ، فلا بدّ أن يتصدّى هو لنيّة فعله لأنه عبادي ، ولا معنى لأن يتصدّى لنيّة العبادة غير فاعلها.
(2) للنهي عن تغسيل الشهيد ، ولعدم جواز غسل دمه ، فكأن اللّه سبحانه شاء أن يلقى الشهيد ربه متلطخاً بدمه ، وللنص والتسالم على تقديم الغسل في المرجوم والمقتص منه على الموت.
(3) كما مرّ في مسألة العراة (3).
(4) ولعلّه لأن الأخبار الواردة في الشهيد إنما دلت على أنه يدفن بثيابه ، ولا دلالة لها على عدم جواز تكفينه فوق الثياب.
ويستثنى من عدم جواز نزع ما عليه أشياء يجوز نزعها كالخف والنعل والحزام إذا كان من الجلد وأسلحة الحرب. واستثنى بعضهم الفرو ولا يخلو عن إشكال خصوصاً إذا أصابه دم. واستثنى بعضهم مطلق الجلود وبعضهم استثنى الخاتم ، وعن أمير المؤمنين عليهالسلام : « ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والحزام والسراويل » والمشهور لم يعملوا بتمام الخبر ، والمسألة محل إشكال ، والأحوط عدم نزع ما يصدق عليه الثوب من المذكورات (1).
وفيه : أنه قدسسره إن أراد بالتكفين فوق الثياب التكفين المستحب الذي يستحب أن يكون من البرد اليماني كالقطعة الرابعة بل الخامسة غير القطعات الواجبة الثلاثة أعني الإزار والمئزر واللفافة فهو كما أفاده ، لأن ما دل على استحباب الرابعة أو الخامسة غير قاصر الشمول للشهيد. إلاّ أن هذا غير مراد للماتن قدسسره لأن الكلام في التكفين الواجب ، وأن سقوطه عن الشهيد سقوط عزيمة أو رخصة كالتغسيل ، وليس في التكفين المستحب سقوط عزيمة أو رخصة وهو ظاهر.
وإن أراد بذلك التكفين الواجب ، فيرد عليه أن الأخبار الواردة في الشهيد قد دلت على أن أكفانه ثيابه ، وأن الثياب كافية في تكفينه.
إذن لا دليل على التكفين الزائد على ذلك ، والتكفين من دون أمر ملحق بالتشريع فالصحيح أن سقوط التكفين كالتغسيل سقوط عزيمة لا رخصة.
(1) الصحيح أنه لا استثناء في ثياب الشهيد ، بل لا بدّ من دفنه بما له من الثياب ولا يجوز نزع شيء من أثوابه.
نعم ، ورد في رواية زيد بن علي عليهالسلام : « ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلاّ أن يكون أصابه دم ، فإن أصابه دم ترك
ولا يترك عليه شيء معقود إلاّ حُلّ » (1)إلاّ أنها ضعيفة السند ولا يمكن الاستدلال بها في مقابل الأخبار الدالّة على أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه.
والذي يسهل الخطب أن جملة من الأشياء التي استثنوها في المقام خارجة عن الثياب بالتخصص ، فإن الثياب في لغة العرب أخص من الملبوس وإن لم يكن الأمر كذلك في لغة الفرس فالخاتم ملبوس ولكنه خارج عن الثياب جزماً ، وكذلك الخف والحزام إذا كانا من الجلود.
نعم ، السراويل من الثياب لدخولها فيها عند الإطلاق كما في المقام وإن كان خارجاً عنها بالمعنى الأخص الذي هو بمعنى الإزار ، كما إذا وردا متقابلين بأن قلنا مثلاً : السراويل والثياب.
فلا وجه لما حكي عن المفيد وابن الجنيد (2)من إيجاب نزع السراويل عن الشهيد إلاّ أن يكون فيها دم.
وأما الفرو فلا نرى فرقاً بينه وبين العباءة وغيرها من الثياب التي تلبس فوق الثياب ، إذ لا يعتبر في الثوب أن يكون منسوجاً فان الثوب قد يكون من الجلد.
وعلى الجملة : كلّ ما علمنا دخوله في الثياب حرم نزعه ، وما علمنا خروجه عنها جاز نزعه ، وأما إذا شككنا في شيء أنه من الثياب أو غيرها فهو شبهة مفهومية للثوب ومرجع الشك إلى الشك في حرمة نزعه ولا بد معه من الرجوع إلى الأصل وهو يقتضي عدم ثبوت الحرمة في نزع المشكوك ثوبيته.
[868] مسألة 7 : إذا كان ثياب الشهيد للغير ولم يرض بإبقائها ، تنزع (1) وكذا إذا كانت للميت ولكن مرهونة عند الغير ولم يرض بإبقائها عليه.
[869] مسألة 8 : إذا وجد في المعركة ميت لم يعلم أنه قتل شهيداً أم لا فالأحوط تغسيله وتكفينه (2) خصوصاً إذا لم يكن فيه جراحة وإن كان لا يبعد (1)إجراء حكم الشهيد عليه.
(1) وذلك لأنّ الأمر بالدفن مع الثياب إنما يشمل الثياب التي تصلح للتكفين بها في نفسها ، وأما ما لا يصلح لذلك فهو غير مشمول للأمر بوجه ، كما إذا كانت ملكاً للغير أو متعلقاً لحق الغير كما في المتن فاذا نزعت ثيابه ، فان كان له ثوب آخر صالح للتكفين به في نفسه دفن معه ، وإذا لم يكن له ثوب بعد النزع فهو من العراة ويجب تكفينه كما سبق.
(2) هذا الاحتياط وإن كان استحبابياً لا محالة ، لعدم استبعاد الماتن إجراء حكم الشهيد عليه ، إلاّ أنه استحبابياً كان أم وجوبياً غير ممكن في المقام ، وذلك لما تقدّم قبل أسطر من أن سقوط التغسيل والتكفين في الشهيد عزيمة لا رخصة وأنه لا يجوز غسل دمائه ، فإنه على ذلك يدخل المقام في كبرى دوران الأمر بين المحذورين ، لأنه إن كان شهيداً حرم تغسيله وتكفينه وغسل دمائه ، وإن لم يكن شهيداً وجب ، ولا معنى للاحتياط حينئذ ، لعدم إمكان الاحتياط ، والممكن إنما هو أحد الأمرين فحسب ، نعم إذا لم يكن على بدنه دم فهو قابل للاحتياط كما يأتي.
1) (*) بل هو بعيد.
وأمّا عدم استبعاد كونه شهيداً فإنما هو لمجرّد الظهور ، حيث وجد في المعركة ، أو من باب إلحاق الظن بالشيء بالأعم الأغلب ، وشيء منهما لا اعتبار به.
ودعوى أن السيرة جارية على إلحاقه بالشهيد ساقطة ، إذ أي سيرة جرت على إجراء أحكام الشهيد على من شك في شهادته.
نعم ، قد تكون الشهادة مورد الاطمئنان ، لأن أفراد المعسكر معلومين ، وكل أُمراء الصفوف يدرون أن من عندهم برز إلى ميدان القتال فقتل.
وكيف كان ، فان كان هناك أمارة على الشهادة مفيدة للقطع أو الاطمئنان فهي وإلاّ فالمسألة يبتني حكمها على حكم كبروي وهو جريان الأصل في الأعدام الأزلية وذلك للشك في أن القتل أو الموت هل اتصف بكونه في سبيل اللّه أم لم يتصف ، ففي حال حياته لم يكن موت ولا اتصاف بكونه في سبيل اللّه ، فإذا علمنا بحدوثه وشككنا في اتصافه بذلك وعدم اتصافه ، فالأصل أنه لم يتصف بكونه في سبيل اللّه فيجب تغسيله وتكفينه.
بل المورد من موارد الأصل النعتي ، لأن الظاهر من الأخبار (1)أن المقتول في سبيل اللّه لا يغسل حيث استثني من وجوب تغسيل الميِّت المقتول فراجع ، فالقتل في سبيل اللّه صفة للإنسان ، لا أن الكون في سبيل اللّه صفة للموت أو القتل. وبين العنوانين فرق ظاهر ، فإن الأول مورد للأصل النعتي ، وذلك لأن ذلك الشخص الخارجي كان غير متصف بالقتل في سبيل اللّه قبل موته والأصل أنه الآن كما كان ، ومقتضى هذا الأصل وجوب تغسيله وتكفينه كما عرفت.
وعلى الجملة : القتل في سبيل اللّه صفة حادثة مسبوقة بالعدم وعند الشك فيها يستصحب عدمها.
1) الوسائل 2 : 509 و 510 / أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 7 ، 9 ولا يضرّ باعتبار الثاني كون ابن سنان في السند في الكافي [ 3 : 212 / 5 ] والتهذيب [ 1 : 332 / 973 ] لأنّ المراد به عبد اللّه كما استظهره صاحب الوسائل.
[870] مسألة 9 : من أُطلق عليه الشهيد في الأخبار من المطعون والمبطون والغريق والمهدوم عليه ومن ماتت عند الطلق والمدافع عن أهله وماله لا يجري عليه حكم الشهيد إذ المراد التنزيل في الثواب (1).
وكذا الحال في المرجوم والمقتص منه ، لأنهما صفتان حادثتان مسبوقتان بالعدم. نعم إذا لم يكن الميِّت به أثر جراحة ولا دم ، قابل للاحتياط ، ولكنه مع الدم فقد عرفت أنه من دوران الأمر بين المحذورين ولا بدّ فيه من الرجوع إلى الاستصحاب كما ذكرناه.
(1) يمكن الاستدلال عليه بوجوه :
منها : أن الشهيد منصرف إلى المستشهد في المعركة فهذه الأخبار الواردة في الموارد المذكورة في المتن (1)
والحاصل : مضافاً إلى ما ذكره السيد الأستاذ ، أوّلاً : أن الأخبار الواردة في الموارد المذكورة في المتن غير « المدافع » كلها ضعاف ، مضافاً إلى أنه لا ينحصر بالموارد المذكورة. وثانياً : أن في بعض تلكم الموارد ورد النص المعتبر بتغسيلهم كما في الغريق والمحروق راجع الوسائل 2 : 475 / أبواب الاحتضار ب 48 ح 3 ، 4 ، 512 / أبواب غسل الميّت ب 16 ح 2.
منصرفة إلى التنزيل بحسب الثواب لا التنزيل منزلة الشهيد من1) راجع الوسائل 15 : 119 / أبواب جهاد العدوّ ب 46 والمستدرك 1 : 143 / أبواب الاحتضار ب 39 ح 40 ، 47 ، 48 وفي الأخير « الطعن شهادة والطاعون شهادة ، والحرق شهادة ». وفي الفقيه 1 : 84 / في غسل الميِّت ، الرقم 1. قال عليهالسلام : « موت الغريق شهادة » وورد في الوسائل 1 : 383 / أبواب الوضوء ب 11 ح 3 : « فإنك تكون إذا مت على طهارة متّ شهيداً ». وفي الصحيح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « يا أبا محمد إن الميِّت منكم على هذا الأمر شهيد ، قلت : وإن مات على فراشه ، فقال إي واللّه على فراشه حي عند ربه يرزق ». وغيرها من الروايات ، راجع الوافي 5 : 802 / 3066 باب البشارات للمؤمن.
حيث الثواب والأحكام الشرعية المترتبة عليه ولو بملاحظة الأخبار الواردة في القتيل في سبيل اللّه والقتيل بين الصفين.
ومنها : أن السيرة جارية على تغسيل وتكفين المبطون والمطعون والمقتول دون أهله وماله ومن ماتت عند الطلق ، ولم يسمع أن التي تموت عند الطلق لم تغسل ولم تكفن ، بل تدفن بثيابها من غير غسل.
مع أن الموارد المذكورة محل الابتلاء فلو كان حكمهم حكم الشهيد ولم يجب فيهم التغسيل والتكفين لاشتهر الحكم وكان من الأُمور الواضحة. مع أنه لم يفت فقيه بسقوط الغسل والكفن في هذه الموارد.
ومنها : أنّا لو لم ندّع الانصراف وأغمضنا النظر عن السيرة الجارية على التغسيل والتكفين ، أيضاً لا يمكننا إلحاق المذكورين بالشهيد ، وذلك لأن الأخبار الواردة في تلك الموارد بأنفسها تدل على أن التنزيل إنما هو بحسب علوّ المقام وعظم المنزلة والثواب ، لا أنه بحسب الأحكام الشرعية ، وذلك لأنها دلت على أن المذكورين في الروايات شهيد ، فنزّلوا منزلة مطلق الشهيد وطبيعيه ، ومن الظاهر أن طبيعي الشهيد ليس له حكم شرعي ، فإن سقوط التغسيل والتكفين من الأحكام المترتبة على قسم خاص من الشهيد ، وهو الشهيد الذي أدركه المسلمون وليس به رمق الحياة ، أو الذي قتل في المعركة أو الأعم منها ومن خارجها على الخلاف.
فالمقتول في سبيل اللّه على قسمين : قسم يغسّل ويكفّن كالذي أدركه المسلمون وهو حي ، وقسم لا يغسّل ولا يكفّن وهو الذي أدركوه ولم يكن به رمق الحياة والجامع بينهما ليس بموضوع للحكم بعدم تغسيله وتكفينه ، وحيث إنهم قد نزّلوا منزلة مطلق الشهيد دون الشهيد الذي أدركه المسلمون ولا رمق له ، فيعلم من ذلك أن التنزيل إنما هو بحسب علوّ المنزلة والثواب ، لترتبهما على طبيعي الشهيد ، لا أنه بحسب الأحكام الشرعية ، وهذا الوجه هو المعتمد عليه.
[871] المسألة 10 : إذا اشتبه المسلم بالكافر فان كان مع العلم الإجمالي بوجود مسلم في البين وجب الاحتياط بالتغسيل والتكفين وغيرهما للجميع (1) وإن لم يعلم ذلك (2) لا يجب شيء من ذلك (1)(3).
(1) كما إذا علمنا أن أحد الميتين مسلم ، فيحتاط بتكفينهما وتغسيلهما والصلاة عليهما ، لأن الكافر لا يحرم تجهيزه حرمة ذاتية ، وإنما لا يجوز تشريعاً فمع الاحتياط لا تشريع في البين.
(2) بأن وجدنا ميتاً وشككنا في إسلامه وكفره ، ومفروض الكلام ما إذا لم توجد هناك شيء من أمارات الإسلام.
(3) للشك في وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ، وهو شبهة وجوبية بدوية فيدفع بأصالة البراءة ، هذا.
والصحيح هو وجوب التغسيل والتكفين والصلاة عليه في جميع موارد الشك في الكفر والإسلام ، بلا فرق في ذلك بين موارد العلم الإجمالي وغيرها ، وذلك لأن الأخبار الواردة في وجوب التغسيل والتكفين مطلقة وغير مقيدة بأن يكون الميِّت مسلماً ، وقد دلت على وجوب تغسيل الميِّت مطلقاً (2).
نعم خرجنا عنها في الكفار بالمخصص المنفصل الخارجي حيث ورد أن النصراني لا يغسله مسلم ولا كرامة (3)وألحقنا به غيره من فرق الكفار لعدم الخصوصية في التنصر.
وفي رواية : يميز بين المسلم والكافر بصغر الآلة وكبرها (1).
إذن يكون الواجب تغسيله وتكفينه من الأموات هو الميِّت الذي لا يكون كافراً وحيث إنه ميت بالوجدان فلا مانع من إحراز عدم كفره بالاستصحاب ، لأن الكفر صفة وجودية مسبوقة بالعدم ، حيث إن الكفر على ما ذكرناه غير مرة هو الاتصاف بإنكار اللّه سبحانه والنبوة والمعاد ، أعني الاتصاف بعدم الإسلام ، وليس مجرّد عدم الإسلام كفراً ، فان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، كالعمى والبصر فان مجرّد عدم البصر ليس عمى وإنما هو الاتصاف بعدم البصر ، فلا يمكننا في المقام وأمثاله استصحاب عدم إسلامه ، لأنه لا أثر له. والأثر مترتب على الاتصاف بعدم الإسلام ، واستصحاب عدمه لا يثبت الاتصاف بالعدم ، بل نستصحب عدم كفره ونضم الوجدان إلى الأصل فنثبت أنه ميت ليس بكافر ، فيدخل تحت المطلقات الدالة على وجوب تغسيله وتكفينه وغيرهما من الآثار المترتبة على الميِّت المسلم.
ومن ثمة قلنا إن من شك في كفره وإسلامه وكذا اللقيط ولو في دار الكفر إذا احتمل أن يكون أبوه أو امه مسلماً لا يحكم بكفره ونجاسته باستصحاب عدم إسلامه ، بل يستصحب عدم كفره ، أو عدم كفر أبيه أو امه ، وبه يحكم بطهارته ، لأن النجاسة مترتبة على الكفر ، ومن لم يحكم بكفره فهو طاهر.
نعم ، لو كان الأثر مترتباً على إسلامه كجواز التزويج منه ، لم يمكن ترتيبه عليه لاستصحاب عدم إسلامه ، كما تقدّم في محلِّه.
(1) الرواية صحيحة أو حسنة باعتبار إبراهيم بن هاشم رواها الشيخ عن حماد ابن عيسى أو يحيى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : قال : « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم يوم بدر : لا تواروا إلاّ من كان كميشاً يعني من كان ذكره صغيراً وقال : لا يكون ذلك إلاّ في كرام الناس » (1)وقد جعل الفقهاء كصاحب الوسائل
1) الوسائل 15 : 147 / أبواب جهاد العدوّ ب 65 ح 1. التهذيب 6 : 172 / 336.
ولا بأس بالعمل بها في غير صورة العلم الإجمالي (1) ، والأحوط إجراء أحكام المسلم مطلقاً بعنوان الاحتمال وبرجاء كونه مسلماً.
[872] مسألة 11 : مسّ الشهيد والمقتول بالقصاص بعد العمل بالكيفية السابقة لا يوجب الغسل (1)(2).
والماتن وغيرهما ذلك أمارة مميزة بين الكافر والمسلم وإن لم يعملوا على طبقها وقالوا إن موردها وإن كان وقعة بدر إلاّ أن التعليل الوارد فيها يعم غيرها من الموارد.
والصحيح أن الرواية لا دلالة لها على أن ذلك علامة مميزة بين الطائفتين ، وذلك للجزم بأن الإسلام والكفر ليسا من الأسباب الموجبة لصغر الآلة وكبرها ، فان غير أمير المؤمنين وفاطمة ( سلام اللّه عليهما ) كانوا كفاراً ثم أسلموا ، فهل يحتمل أن اختلفت آلتهم عما كانت عليه بإسلامهم ، إذن كيف يجعل ذلك أمارة مميزة بين الكفّار والمسلمين.
والرواية أيضاً لم تدل على أنها مميزة بين الطائفتين ، وإنما دلت على الأمر بمواراة كميش الذكر من غير فرق في ذلك بين المسلمين وغيرهم ، لأن صغر الآلة على ما يقولون ولعلّه الصحيح إنما يوجد في الكرام والنجباء ، كما أن كبرها علامة على عدمهما ، فكأنه كلّما قرب من الحيوانات وجد بعض أوصافها.
والنبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم قد منّ على الكفار بعد غلبة المسلمين في وقعة بدر بالأمر بمواراة النجباء منهم والأشراف فحسب ، لئلاّ تبقى أجسادهم من غير دفن ، فلا دلالة في الرواية على التمييز بذلك بين المسلمين والكافرين.
(1) وفيه : أن الرواية لو كانت واردة للتمييز بين المسلمين والكافرين بتلك الصفة كما هو ظاهر عبارته ، لم يكن فرق في ذلك بين موارد العلم الإجمالي وغيرها.
(2) تقدّمت هذه المسألة في البحث عن وجوب غسل مسّ الميِّت (2)وقلنا إن
[873] مسألة 12 : القطعة المبانة من الميِّت (1)إن لم يكن فيها عظم لا يجب غسلها ولا غيره بل تلف في خرقة وتدفن (1) وإن كان فيها عظم وكان غير الصّدر تغسل وتلفّ في خرقة وتدفن ، وإن كان الأحوط تكفينها بقدر ما بقي من محل القطعات الثلاث ، وكذا إن كان عظماً مجرّداً. وأمّا إذا كانت مشتملة على الصّدر وكذا الصّدر وحده فتغسل وتكفن ويصلى عليها وتدفن. وكذا بعض الصّدر إذا كان مشتملاً على القلب ، بل وكذا عظم الصّدر وإن لم يكن معه لحم. وفي الكفن يجوز الاقتصار على الثوب واللّفافة إلاّ إذا كان بعض محل المئزر أيضاً موجوداً ، والأحوط القطعات الثلاثة مطلقاً ، ويجب حنوطها أيضاً.
مقتضى إطلاق ما دل على وجوب الغسل بمس الميِّت الذي لم يغسّل (2)فتشمل مسّ الشهيد والمقتول بالقصاص أيضاً فلا نعيد.
(1) الذي ينبغي أن يقال في المسألة إن القطعة من الميِّت إن صدق عليها عنوان الميِّت وجسده وإن كان ناقص الأعضاء ، فلا مناص من أن يرتب عليها جميع آثار الميِّت من التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن ، إذ لا فرق في ذلك بين تام الأعضاء وناقصها ، كما لا فرق بينهما حياً ، كما لو كان الإنسان ناقص اليد في حياته وذلك لإطلاق ما دل على أن الميِّت يغسّل ويكفّن ويصلى عليه ويدفن ، وهذا كما إذا كان فاقداً للإصبع أو اليد أو الرجل أو الرأس ، لأنه يصدق حينئذ أنه جسد زيد الميِّت ولكنه ناقص الرأس أو اليد.
وكذا إذا كان ناقص الصّدر ، إذ يصدق أنه جسد زيد الميِّت ولكنه ناقص الصّدر ، إذ نسبة الصّدر إلى البدن كنسبة الرأس وغيره من الأعضاء إليه.
بل الأمر كذلك فيما إذا بقيت عظامه من غير لحم ، كما إذا تناثر لحمه لعارض أو أكله السبع وبقيت عظامه المجردة ، لصدق أنه ميت إنساني فاقد اللحم. بل المدار في صدق ذلك على بقاء معظم الأجزاء بحيث يصدق أنه ميت إنساني فاقد لعضو أو عضوين أو أكثر.
ومنه يظهر أنه إذا بقي معظم الأجزاء من العظام ولم تبق بتمامها أيضاً يجب تغسيله وتكفينه ، لصدق أنه ميت وإنسان فاقد اللحم وبعض العظام ، كما إذا أكل السبع لحمه وعظامه اللطيفة فإنه في جميع هذه الصور لا بدّ من التغسيل وغيره من الآثار المترتبة على الميِّت تام الأعضاء ، وهو على طبق القاعدة.
وأما إذا كانت القطعة عضواً من أعضاء الميِّت ولم يصدق عليها عنوان الميِّت كما إذا بقي رأسه أو رجلاه أو يداه أو صدره ، فإنه لا يقال إنه زيد الميِّت مثلاً بل يقال هذا رأس زيد الميِّت وهذه رجله وهكذا ، فمقتضى القاعدة عدم وجوب شيء من الآثار الشرعية المترتبة على الميِّت ، لأصالة البراءة ، نعم لا بدّ من دفنها ، لما علمناه من وجوب دفن قطعات الميِّت احتراماً له ولو كان لحماً مجرّداً.
وأمّا استصحاب وجوب التغسيل وغيره من الآثار قبل الانفصال أو قاعدة الميسور فشيء منهما لا يقتضي وجوبها ، وذلك لأن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية ، على أن الموضوع غير باقٍ بحاله ، لأن المحكوم بتلك الآثار هو الميِّت الإنساني لا الرأس المجرد مثلاً ، فالموضوع متعدد.
وقاعدة الميسور غير تامة في نفسها ، وعلى تقدير التنازل فموردها ما إذا كان المركب متعذراً بعض أجزائه وكان بعضها الآخر ممكناً للمكلف ، ولا تجري في مثل المقام الذي لا يعدّ الممكن ميسوراً للمأمور به المتعذر ، فان تغسيل الرأس من الميِّت لا يعدّ ميسوراً من غسل الميِّت الإنساني وإنما هما متغايران ، هذا كله بحسب القاعدة.
وأمّا بحسب الأخبار الواردة في المقام فلا بد من التعرض لها ليظهر أنها موافقة مع القاعدة أو هي على خلافها.
منها : ما رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن علي بن جعفر « أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهالسلام عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال : يغسل ويكفّن ويصلى عليه ويدفن » (1)وهي كما ترى مطابقة للقاعدة ، حيث دلت على وجوب ترتيب الآثار المترتبة على الميِّت عند بقاء عظامه لصدق أنه ميت إنساني ناقص اللحم كما مر.
ومنها : ما رواه بإسناده عن إسحاق بن عمار عن الصادق عليهالسلام عن أبيه عليهماالسلام « أن عليّاً عليهالسلام وجد قطعاً من ميت فجمعت ثم صلّى عليها ثم دفنت » (2)ووجدان القِطع من الميِّت له صورتان : إحداهما : أن تكون القطع الموجودة معظم الميِّت. وثانيهما : أن تكون جملة من أعضائه غير المعظم منها ، فلو كانت الرواية شاملة لكلتا الصورتين كانت على خلاف القاعدة ، لدلالتها على أنه عليهالسلام صلّى على مقدار مجموع من العظام مع عدم صدق الميِّت عليها ، لعدم كونها معظم أعضائه.
إلاّ أن الرواية تنقل فعل علي عليهالسلام ولا إطلاق في الفعل ، فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على الميِّت على عضو أو عضوين أو غيرهما ، ممّا لا يصدق عليه عنوان الميِّت.
ومنها : ما رواه الصدوق عن الصادق عليهالسلام « عن رجل قتل ووجدت أعضاؤه متفرِّقة كيف يُصلّى عليه؟ قال : يصلى على الذي فيه قلبه » (3). ودلالة هذه
الرواية على أن المدار في وجوب الصلاة وغيرها من الآثار على وجود الصّدر الذي هو وعاء القلب أو على وجودهما وإن كانت غير قابلة للإنكار ، لكونها مطلقة فتشمل ما إذا وجد القلب مع شيء يسير من بقية أعضائه ، إلاّ أنها ضعيفة السند بالإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
ومنها : ما رواه الصدوق عن الفضل بن عثمان الأعور عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام « في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ، ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة قال : ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه » (1).
والرواية بحسب السند لا إشكال فيها ، لأن طريق الصدوق إلى الفضيل بن عثمان الأعور وإن كان مشتملاً على محمد بن عيسى بن عبيد وقد ضعفه الشيخ (2)قدسسره إلاّ أن الظاهر وثاقته ، لأنه وثقه النجاشي (3)وكأن منشأ تضعيف الشيخ له هو ما ذكره ابن الوليد شيخ الصدوق قدسسرهما من أنه لا يعتمد على ما تفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس ، وحمله على الضعف في الرجل.
إلاّ أن النجاشي اعترض على ذلك بقوله : من مثل محمد بن عيسى ، فلعل وجه تضعيف ابن الوليد كان لخصوصية فيما يتفرد به عن يونس (4).
ثم إن الموجود في الرجال هو الفضيل بن عثمان الأعور دون الفضل ، وصاحب الوسائل نقل الرواية عن الفضيل في كتاب القصاص في الباب الثامن من أبواب دعوى القتل وما يثبت به (5)كما أن الصدوق إنما يروي عن الفضيل ، فالفضل كما في هذا المقام غلط من النساخ (6).
1) الوسائل 3 : 135 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 4. الفقيه 4 : 123 / 428.
2) الفهرست : 140 / 611.
3) رجال النجاشي : 333 / 896.
4) ولتوضيح ذلك راجع معجم الرجال 18 : 119 / 11536.
5) الوسائل 29 : 150 / أبواب دعوى القتل ب 9 ح 6.
6) الشيخ الصدوق قدسسره في هذا الباب يروي عن الفضل [ الفقيه 1 : 104 / 484 ] وفي باب 67 من أبواب الديات يرويها عن الفضيل بن عثمان [ الفقيه 4 : 123 / 428 ] والشيخ الطوسي قدسسره يروي في البابين عن الفضل [ التهذيب 3 : 329 / 1030 ، 10 : 213 / 842 ] والموجود في كتب الرجال كلا التعبيرين راجع المعجم 14 : 327 / 9388.
وأمّا بحسب الدلالة فهي ظاهرة المطابقة مع القاعدة ، وذلك لأن الظاهر أن المراد بالصّدر واليدين في قوله عليهالسلام « ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه » هو القطعة الوسطانية من البدن وهي عند قبيلة ، والرأس عند قبيلة اخرى ، والقطعة السفلى وهي الرجلان عند قبيلة ثالثة ، ولا إشكال في أن القطعة الوسطانية يصدق عليها عنوان الميِّت ويقال إنها جسد زيد فاقد الرأس والرجلين ، ولا يصدق على الرأس فقط أو الأسفل فقط. ويؤيده ما ورد في سؤال السائل من قوله « ووسطه وصدره ويداه في قبيلة » وعليه فالحكم في الرواية على طبق القاعدة.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن الفضيل بن عثمان الأعور (1)وهي مثل الرواية السابقة إلاّ أنها ضعيفة بمحمد بن سنان الواقع في سندها.
ومنها : ما رواه خالد بن ماد القلانسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ، فاذا كان الميِّت نصفين صلِّي على النصف الذي فيه قلبه » (2)وهي أيضاً على وفق القاعدة ، لصدق الميِّت على العظام المجردة كما مرّ ، كما أنه يصدق على النصف المشتمل على الصّدر والقلب فيما إذا قدّ نصفين ، وهذا بخلاف النصف الآخر أعني الرجلين وما فوقهما لعدم صدق أنه زيد الميِّت مثلاً.
ومنها : ما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « لا يصلّى على عضو : رجل أو يد أو رأس منفرداً ، فاذا كان البدن فصُلِّي عليه ، وإن كان ناقصاً من الرأس واليد والرجل » (3). وهي بحسب السند معتبرة ، لأن طلحة بن زيد وإن لم
يرد فيه توثيق إلاّ أن الشيخ ذكر أنّ له كتاباً يعتمد عليه وهو توثيق منه له ، وأما دلالتها على ما ذكرناه فظاهرة.
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إذا قتل قتيل فلم يوجد إلاّ لحم بلا عظم لم يصلّ عليه ، وإن وجد عظم بلا لحم فصلّ عليه » (1).
فإن أريد من قوله عليهالسلام « وإن وجد عظم بلا لحم فصلّ عليه » أن القطعة المبانة من الميِّت إن وجد عظم منها بلا لحم صلِّي عليه ، فهو ممّا لم يلتزم به أحد من أصحابنا ، لأن العظم المجرد لم يوجبوا الصلاة عليه ، بل لو كان مع اللّحم أيضاً لا يجب عليه الصلاة كما تقدم في رواية طلحة بن زيد حيث قال : « لا يصلى على عضو : رجل أو يد أو رأس ، منفرداً » فالرواية على هذا التقدير مضافاً إلى عدم كونها معمولاً بها معارضة برواية طلحة بن زيد المتقدِّمة.
وأما إذا أُريد منه ما هو ظاهر الرواية من أن القتيل إذا وجد عظماً بلا لحم صلِّي عليه ، لا القطعة منه ، فهو على طبق القاعدة ، لأن معناها : أن القتيل إذا قطع لحمه أو أكله السبع وبقي عظمه أي تمام عظامه وجبت عليه الصلاة ، ومن الظاهر أن العظام المجردة يصدق عليها الميِّت كما سبق ، بل يصدق الميِّت على معظم العظام وإن لم تكن جميعها ، هذا.
وقد حملها في الوسائل على وجود عظام الصّدر ، وهو مما لا دليل عليه.
ومنها : ما رواه البرقي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا وجد الرجل قتيلاً فان وجد له عضو تام صلي عليه ودفن ، وإن لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن » (2)ومضمونها أنّ العبرة في وجوب الصلاة إنما هي بما إذا وجد عضو تام من أعضاء الميِّت من رأس أو يد أو نحوهما.
وتدلّ عليه أيضاً مرسلة الكليني : « وروى أنه يُصلّى على الرأس إذا أُفرد من الجسد » (1)ورواية ابن المغيرة أنه قال : « بلغني عن أبي جعفر عليهالسلام أنه يصلّى على كل عضو : رجلاً كان أو يداً ، والرأس جزء (2)فما زاد ، فاذا نقص عن رأس أو يدٍ أو رجل لم يصلّ عليه » (3).
وهذه الأخبار حملها بعض الفقهاء على استحباب الصلاة على العضو التام ، ومال المحقق الهمداني قدسسره إلى الوجوب ، نظراً إلى أن حمل الأخبار على الاستحباب خلاف الظاهر ، ولا وجه لطرح ظاهرها (4).
ومن الغريب أنه عبّر عن رواية البرقي بالصحيحة ، والمظنون أن الذي دعاه إلى الاحتياط في الصلاة على العضو التام والميل إلى وجوبها هو تخيله أن الرواية صحيحة.
وليت شعري لماذا خفي عليه الأمر وهي مرسلة ، إذ البرقي رواها عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام مع أن الظاهر أنه راجع الوسائل في المقام حيث قال : وفي الوسائل : قال الكليني « وروى أنه يصلى على الرأس إذا أُفرد من الجسد ».
وكيف كان ، فالروايات ضعيفة حتى ما رواه ابن المغيرة ، لأنه قال : بلغني عن أبي جعفر عليهالسلام ولم يذكر الواسطة في البلوغ إليه.
فالأخبار مرسلة بأجمعها ومعارضة مع معتبرة طلحة بن زيد لو سلمنا اعتبار أسناد الروايات ، ولا يمكن دعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب ، لعدم التزامهم بوجوب الصلاة على العضو التام ، بل حملها بعضهم على الاستحباب وهو الصحيح
[874] مسألة 13 : إذا بقي جميع عظام الميِّت بلا لحم وجب إجراء جميع الأعمال.
لضعف أسنادها ومعارضتها مع معتبرة طلحة بن زيد الصريحة في أن العضو لا يُصلّى عليه.
ومنها : مرسلة عبد اللّه بن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا وسط الرجل بنصفين صلي على النصف الذي فيه القلب » (1)وهي مطابقة مع القاعدة ، لأن النصف الذي فيه القلب يصدق عليه الميِّت دون النصف الآخر.
ومنها : مرسلة البزنطي عن أصحابنا رفعه قال : « المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلّى على العضو الذي فيه القلب » (2)وهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها ، نعم إذا حمل العضو الذي فيه القلب على النصف الذي فيه القلب أو الجملة المعتد بها والمشتملة على القلب كانت مطابقة للقاعدة.
فالمتحصل إلى هنا : أن ما ذكره المشهور من أن اللّحم المجرّد يلف في خرقة ويدفن وإن كان عظم مجرّد أو عظم مع لحم غسل ودفن ، وأما الصّدر المجرّد أو هو مع غيره فلا بدّ من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ، ممّا لا يساعده دليل ولا شيء من الأخبار المعتبرة ، ومن هنا ذكرنا في التعليقة أن الحكم في تلك الموارد مبنيّ على الاحتياط.
نعم ، قد يستدل على وجوب تغسيل العظم بالمرسلة المتقدِّمة في مبحث غسل مسّ الميِّت وهي مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل ، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه » (3)وذلك لأن الرواية
وإن كانت واردة في القطعة المبانة من الحي ، إلاّ أنه إذا ثبت وجوب الغسل بالمس في الحي ثبت في مسّ القطعة المبانة من الميِّت بطريق أولى ، وحيث إن بين وجوب الغسل بمس ما فيه العظم ووجوب تغسيله ملازمة فتدل الرواية على أن القطعة المبانة من الميِّت المشتملة على العظم لا بدّ من تغسيلها.
ويرد عليه : أن الرواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها. على أنها إنما وردت في الحي وتعدينا إلى الميِّت بالأولوية ، ومن الظاهر أن الأصحاب لم يلتزموا بوجوب التغسيل في القطعة المبانة من الحي إذا كانت مشتملة على العظم كالإصبع فمن أين نثبت ذلك في الميِّت بالأولوية. فالاستدلال بها لو كان تاماً فهو في وجوب الغسل بالمس وحسب ، هذا.
على أنه لا ملازمة بين وجوب الغسل بالمس ووجوب التغسيل كما في مسّ بدن الناصب ومن في حكمه من الكفار وغيره ، فإنه يوجب غسل المسّ ولا يجب تغسيله وذلك لأن التغسيل إنما يجب في الميِّت المسلم لا في المحكومين بالكفر وهو ظاهر.
وأما الاستدلال بالإجماع ، فالإنصاف أن دعوى الإجماع على وجوب الدفن في اللحم والعظم والصّدر ، لأن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً ، غير بعيدة ، وأما التغسيل والتكفين والصلاة عليه ، فإن أُريد من الإجماع ، الإجماع المنقول فهو موجود وقد نقل في المسألة إلاّ أنّا لا نعتمد على الإجماعات المنقولة بوجه.
وإن أُريد منه الإجماع المحصل التعبدي الكاشف عن قول المعصوم عليهالسلام فهو مما لا نحتمله فضلاً عن حصول الاطمئنان به ، وذلك لأن أكثر الأصحاب عبّروا بالقطعة المشتملة على الصّدر ولم يعبّروا بالصدر في دعوى الإجماع على وجوب التغسيل والتكفين. وعبّر المحقق قدسسره بالصدر واليدين (1)والمظنون أنه قدسسره تبع رواية الفضيل بن عثمان الأعور المتقدِّمة ، ولعلّ مرادهم ما إذا كانت القطعة
1) المعتبر 1 : 316 ( وعبّر بما فيه القلب أو الصّدر واليدان أو عظام الميّت ) ، الشرائع 1 : 44 ( وعبّر بما فيه الصّدر أو الصّدر وحده ).
معظم الأعضاء أو غيره ممّا يصدق عليه عنوان الميِّت ، فلم يثبت إجماع تعبّدي على ترتيب تلك الأُمور على الصّدر المجرّد أو الصّدر مع بعض الأجزاء التي لا يصدق عليها عنوان الميِّت ، فالأحكام المذكورة مبتنية على الاحتياط.
تتمّة الكلام : ذكرنا أن وجوب الصلاة وغيرها من الآثار المترتبة على الميِّت إنما تجب فيما إذا صدق على الموجود الخارجي عنوان الميِّت ، وأما إذا لم يصدق عليه ذلك بل كانت قطعة منه كالرأس أو الرجلين أو الصّدر مجرداً أو منضماً إلى شيء آخر لا يصدق الميِّت على المجموع فلا يجب الصلاة عليه ولا التغسيل ولا التكفين.
ثم لو قلنا بما ذهب إليه المشهور من وجوب الصلاة على الصّدر المجرد أو المنضم إلى شيء آخر فهل يجب ترتيب بقية الآثار عليه كالتغسيل والتكفين أو لا يجب؟
قد يقال : إن الصلاة أخص من غيرها ، فاذا وجبت وجبت البقية أيضاً ، وإن كان يمكن أن تجب البقية من دون أن تجب الصلاة ومن هنا التزم المشهور في العظم المجرّد أو مع غيره بوجوب التغسيل من دون وجوب الصلاة.
وهذه الدعوى غير بعيدة في نفسها ، وذلك لأن محل الصلاة إنما هو بعد التغسيل والتكفين ، فاذا وجبت الصلاة لا بدّ أن يلتزم بوجوب التغسيل والتكفين قبلها وإلاّ لم تقع الصلاة في محلِّها ،
إلاّ أن هذا فيما إذا وجبت الصلاة على الميِّت ، وأما إذا وجبت الصلاة على ما لا يصدق عليه الميِّت كالقطعة منه مثل الصّدر ونحوه فلم يقم دليل على أن محل الصلاة عليه بعد التغسيل والتكفين ، فلا ملازمة بين وجوب الصلاة عليه وبين وجوب تغسيله وتكفينه ، ولا سيما في التكفين فان التكفين الواجب ثلاث قطعات : الإزار والمئزر واللفافة ، مع أن القطعة قد لا تتصل بها الرجلان كما إذا وقعتا في محل آخر أو أكلهما السبع ونحو ذلك ، ومع عدم بقاء الموضوع للمئزر لا معنى للالتزام بوجوبه ووجوب التكفين بالقطعات الثلاثة ، فإن المئزر للرجلين والمفروض عدمهما.
وأما استصحاب وجوب التغسيل والتكفين الثابت على الميِّت وأجزائه قبل
[875] مسألة 14 : إذا كانت القطعة مشتبهة بين الذّكر والأُنثى الأحوط أن يغسلها كل من الرّجل والمرأة (1).
التقطيع ، فقد عرفت ما فيه ، من أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية ، وعلى تقدير تسليم جريانه في الأحكام لا مجال له في المقام ، لأنهما إنما وجبا على الميِّت لا على أجزائه وأعضائه والموجود هو العضو لا الميِّت ، فالموضوع غير باقٍ.
إذن لا يبقى إلاّ الشهرة والإجماع المنقول ولا اعتبار بهما ، نعم الحكم بالتغسيل والتكفين موافق للاحتياط.
(1) إذا بنينا على وجوب التغسيل في القطعة المبانة من الميِّت المشتملة على العظم وكانت القطعة مشتبهة بين الذّكر والأُنثى فحكمها حكم الخنثى بعينها ، ولا بدّ من أن يغسلها كل من الرجل والمرأة عملاً بالعلم الإجمالي ، هذا فيما إذا علمنا أنها مبانة من الميِّت ، وأمّا القطعة المبانة من الحي فقد تقدّم أن الظاهر من كلماتهم عدم التزامهم بوجوب التغسيل في القطعة المبانة من الحي كما مرّ.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الطهارة
فصل في الاستحاضة... 1
تعريف الاستحاضة لغة واصطلاحا... 1
دفع الاشكال عما يقال من أن كل دم ليس بحيض فهو استحاضة... 2
دليل لحوق الاستحاضة الاصطلاحية باللغوية... 6
الكلام في الحكم باستحاضة دم القرحة في الفرج... 12
الشك في كون الدم حيضا أو استحاضة... 14
الشك في كون الدم استحاضة أو غير الحيض كدم القرح... 14
أقسام الاستحاضة : الاستحاضة القليلة... 17
أدلة وجوب تبديل المستحاضة القليلة القطنة لكل صلاة... 18
الكلام في وجوب الوضوء على المستحاضة القليلة... 20
إنكار ابن أبي عقيل وابن الجنيد الاستحاضة المتوسطة... 21
إنكار ابن أبي عقيل الوضوء وإيجاب ابن الجنيد الغسل على المستحاضة القليلة... 21
أدلة ابن أبي عقيل على مختاره ونقدها... 25
أدلة ابن الجنيد ونقدها... 27
نقد مقالة المحقق الخراساني ( قدس سره )... 28
عدم الفرق بين الفريضة والنافلة في وجوب الوضوء... 45
الاستحاضة المتوسطة... 48
دليل تبديل المتوسطة القطنة لكل صلاة... 48
وجوب الغسل مرة على المتوسطة... 50
قول بعض بوجوب أغسال ثلاثة على المتوسطة... 50
زمان اغتسال المستحاضة المتوسطة... 51
وجوب الوضوء لكل صلاة... 53
الاستحاضة الكثيرة... 54
الكلام في لزوم تبديل القطنة لكل صلاة... 54
الكلام في وجوب الغسل والوضوء... 56
الكلام في وجوب الجمع بين الصلاتين... 60
عدم وجوب الغسل للنوافل... 63
وجوب الوضوء للنوافل... 67
عدم وجوب الغسل والوضوء لقضاء الجزء المنسي و ... 69
إذا حدثت الاستحاضة بعد صلاة الفجر فهل يجب الاغتسال؟... 69
وجوب الاغتسال للظهرين إذا تركت المتوسطة الغسل للفجر... 72
اغتسال المستحاضة قبل دخول الوقت إذا انقطع الدم عنها... 73
اغتسال المستحاضة قبل دخول الوقت لأجل الصلاة... 73
اغتسال المستحاضة قبل الوقت لأجل صلاة الليل... 75
الكلام في وجوب اختبار المستحاضة للعلم بأنها من أي قسم... 76
هل الفحص واجب نفسي أو شرطي أو طريقي؟... 78
تعيين الأصل عند تردد الدم بين أقسام الاستحاضة... 83
وظيفة المرأة عند العجز عن الاختبار... 85
حكم الاختبار قبل الوقت... 87
تجديد المستحاضة الأعمال لغير الصلاة... 88
تجديد الأعمال للصلاة المعادة... 90
شرطية استمرار الدم في تجديد الأعمال... 93
التخيير في تقديم الغسل على الوضوء وبالعكس... 95
المبادرة بالأعمال بعد الوضوء والغسل... 98
التحفظ من خروج الدم... 99
أحوطية الاحتشاء بعد الغسل... 101
المحافظة على عدم خروج الدم إذا كانت صائمة... 101
تأخير صلاة الليل إلى قرب الفجر إذا اغتسلت لصلاة الليل... 103
الاكتفاء للصلاة بالغسل لغاية أخرى قبل الوقت... 103
شرطية غسل الليلة السابقة وغسل اليوم في صحة صومه... 104
اعتبار الوضوء في صحة صوم المستحاضة... 109
وجوب تأخير الصلاة إذا علمت المستحاضة بانقطاع دمها... 110
وجوب التأخير مع رجاء الانقطاع... 114
هل تجب إعادة الأعمال إذا انقطع الدم أم لا؟... 115
صور الشك في سعة فترة انقطاع الدم... 118
صور تبديل الاستحاضة من الأدنى إلى الأعلى أو بالعكس... 119
وجوب غسل المستحاضة عند انقطاع الدم... 125
وجوب الوضوء في القليلة لكل مشروط بالطهارة... 128
لزوم تكرار الوضوء في القليلة بتكرار المس... 131
وطء المستحاضة الكثيرة والمتوسطة... 132
قراءة العزائم ودخول المسجدين والمكث في المساجد... 134
طواف المستحاضة... 138
مس المستحاضة المصحف... 139
حكم قضاء المستحاضة الفوائت... 141
وجوب صلاة الآيات على المستحاضة... 143
الحدث الأصغر أثناء الغسل... 144
الحدث الأكبر أثناء الغسل... 145
طروء الاستحاضة الكبرى أثناء الغسل من المتوسطة... 146
صور وجوب خمسة أغسال على الكثيرة أو المتوسطة... 147
بدلية التيمم عن غسل المستحاضة... 149
فصل في النفاس... 150
معنى النفاس لغة واصطلاحا... 150
حكم الولادة المجردة عن الدم... 151
الدم الخارج قبل الولادة... 151
الدم الخارج بعد الولادة بزمان... 154
الدم الخارج أثناء الولادة... 155
الدم الخارج بعد ولادة ناقص الخلقة أو السقط... 156
الدم الخارج بعد المضغة أو العلقة... 156
أقل النفاس... 157
أكثر النفاس... 158
احتساب أيام النفاس بعد تمامية الولادة... 169
احتساب النفاس من خروج الدم لا الولادة... 171
لحوق النقاء المتخلل بالنفاس... 172
رؤية الدم بعد عشرة أيام من الولادة... 174
حكم تجاوز دم النفاس عن العشرة... 174
رؤية الدم في أول العادة... 177
رؤية الدم في البعض الآخر من أيام العادة... 178
الكلام في اعتبار فصل أقل الطهر بين الحيض المتقدم وبين النفاس... 181
الكلام في اعتبار فصل أقل الطهر بين النفاس وبين الحيض المتأخر... 182
فصل أقل الطهر بين النفاسين... 182
تعدد الولادة أو خروج الطفل قطعة قطعة مع فصل زماني... 183
حكم استمرار الدم بعد الولادة إلى شهر أو أكثر... 188
وجوب الاستظهار على النفساء... 189
لحوق النفساء بالحائض في محرمات الحيض... 193
كيفية غسل النفاس والكلام في إغنائه عن الوضوء... 199
فصل في غسل الميت... 200
أدلة وجوب غسل المس... 200
نقد أدلة استحباب غسل المس... 201
عدم وجوب الغسل بمس ميت غير الانسان... 205
عدم وجوب الغسل بالمس قبل البرد... 206
عدم وجوب الغسل بالمس بعد الغسل... 206
حكم مس الميت الذي برد بعض جسده... 207
حكم مس الميت الذي غسل بالماء القراح بدل السدر والكافور... 209
مس الميت الذي يمم بدل الغسل... 210
حكم مس الميت الكافر... 212
حكم مس السقط... 213
عدم الفرق في الماس والممسوس بين ما تحله الحياة وما لا تحله... 215
عدم الفرق في الماس والممسوس بين الباطن والظاهر... 215
حكم المس بالشعر ومس الشعر من الميت... 216
مس القطعة المبانة من الحي والميت... 217
حكم مس العظم المجرد أو اللحم... 220
الشك في تحقق المس... 224
الشك في أن الممسوس انسان أو حيوان أو جماد... 224
الشك في أن الممسوس ميت أو حي... 226
الشك في مس الميت بعد برودته أو قبل البرودة... 226
حكم مس الشهيد... 227
الشك في أن الممسوس شهيد أو غيره... 230
الشك في أن الممسوس بدن الميت أو لباسه أو شعره... 231
صور الشك في وقوع المس بعد الغسل أو قبله... 232
حكم مس العظام المجردة في مقابر المسلمين... 237
العلم الإجمالي بأن إحدى القطعتين من انسان ميت... 238
عدم الفرق بين المس الاختياري والاضطراري... 239
صحة غسل المس من الصبي... 239
شرعية عبادات الصبي... 239
عدم الفرق في مس القطعة المبانة بين كونها من الماس أو غيره... 240
حكم مس القطعة المبانة من الحي قبل البرد... 240
حكم مس الطفل أمه الميتة وبالعكس... 242
حكم مس فضلات الميت... 243
حكم الجماع مع الميت من حيث وجوب غسل المس... 243
مس المقبول بحد أو قصاص... 244
مس سرة الطفل بعد قطعها... 245
مس عوض من أعضاء الحي وقد خرجت الروح منه... 246
ناقضية غس المس للوضوء... 246
كيفية غسل المس والكلام في إغنائه عن الوضوء... 247
كون وجوب غسل المس شرطيا لا نفسيا... 248
حلية دخول المساجد ونحوها للماس قبل الغسل... 249
الحدث أثناء غسل المس... 250
مس الميت أثناء غسل المس... 250
تكرار مس الميت... 250
أقسام ما يسببه مس الميت... 252
فصل في أحكام الأموات... 253
هل الأمر بالتوبة مولوي أو إرشادي؟... 253
هل يجب على اللّه قبول التوبة؟... 255
حقيقة التوبة... 255
ما يجب فعله عند ظهور علامات الموت... 257
أقسام الحقوق في الذمة وطريق الخروج عن عهدتها... 257
جواز تمليك الموصي أمواله لغير الوارث... 260
تفويت المورث الأموال على الوارث بالاقرار كذبا... 261
هل يجب على المورث الإعلام بأمواله؟... 262
مورد وجوب نصب القيم... 263
فصل في آداب المريض... 265
فصل في استحباب عيادة المريض... 266
فصل فيما يتعلق بالمحتضر مما هو وظيفة الغير... 268
توجيه الميت إلى القبلة... 268
هل يجب التوجيه على المحتضر نفسه... 271
هل يجب التوجيه بالمقدار الممكن... 272
التسوية بين الرجل والمرأة والصغير والكبير... 273
اختصاص الوجوب بالمؤمن... 273
الاستئذان من الولي في توجيه الميت إلى القبلة... 274
الخلاف في المدة التي يجب فيها توجيه الميت... 275
فصل في المستحبات بعد الموت... 277
فصل في المكروهات... 277
فصل في حكم كراهة الموت... 278
فصل في وجوب تجهيزات الميت... 278
الكلام في كفائية وجوب تجهيز الميت... 278
إجبار الحاكم الولي على المباشرة أو الإذن... 284
وجوب استئذان الولي في تجهيز الميت... 285
أعمية الإذن من الصريح والفحوى وشاهد الحال... 286
سقوط وجوب المبادرة بالعلم بمباشرة الغير... 287
حكم العلم بصدور الفعل عن الغير والشك في صحته... 288
حكم تجهيز الصبي الميت وسقوطه عن البالغين... 289
فصل في مراتب الأولياء... 292
أولوية الزوج بزوجته والمولى بأمته... 292
مراعاة مراتب الإرث في الولاية على التجهيز... 294
الكلام في ولاية الحاكم على التجهيز مع فقد الولي... 297
وصية الميت في تجهيزه والكلام في تقدمها على الولاية... 300
دعوى الولاية على الميت... 302
تجهيز الميت عن إكراه... 303
فصل في تغسل الميت... 306
تغسيل الكافر... 306
تغسيل غير الاثني عشري... 307
كيفية تغسيل المخالف... 309
تجهيز الكافر بأقسامه... 311
تبعية أطفال المسلم لهم... 311
تبعية أطفال الكفار لهم... 312
تبعية ولد الزنا لأبيه... 312
حكم المجانين من الفريقين... 313
تبعية الطفل لآسره... 313
حكم لقيط دار الإسلام... 313
تجهيز السقط... 317
اعتبار قصد القربة في تغسيل الميت... 321
كفاية نية واحدة عن الأغسال الثلاثة... 323
عدم اعتبار نية المعين في الغسل... 324
عدم اعتبار الوحدة في الغاسل... 324
فصل : اعتبار المماثلة بين الميت والغاسل... 325
استثناء الطفل والطفلة عن اعتبار المماثلة... 326
استثناء الزوجين عن اعتبار المماثلة... 331
عدم اشتراط كون التغسيل من وراء الثياب... 334
نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر... 337
تعميم الحكم للمطلقة الرجعية... 340
تغسيل الزوجة زوجها بعد عدة الوفاة... 342
استثناء المحارم من اعتبار المماثلة... 345
اشتراط تغسيل المحارم بكونه من وراء الثياب... 348
تغسيل الخنثى المشكل... 355
هل يشترط تغسيل الخنثى من وراء الثياب... 360
اشتباه ميت أو عضو منه بين الذكر والأنثى... 362
انحصار المماثل في الكافر... 362
انحصار المماثل في المخالف... 368
سقوط الغسل إذا لم يكن مماثل... 369
شروط الغاسل للميت... 374
تغسيل الصبي الميت... 374
فصل في موارد سقوط غسل الميت... 376
سقوط الغسل عمن قتل في حفظ بيضة الاسلام... 376
تكفين الشهداء العراة... 379
شرطية كون الموت في المعركة... 380
سقوط الغسل عمن وجب قتله... 383
اشتراط أمر الإمام أو نائبه بالغسل... 385
كيفية غسل وتكفين المرجوم والمقتص منه... 388
لو أحدث قبل القتل... 389
إذا اغتسل لسبب وقتل بسبب آخر... 389
الكلام في من ينوي نية الغسل... 391
سقوط الغسل عن المذكورين عزيمة لا رخصة... 391
جواز تكفين الشهيد فوق الثياب... 391
ما يستثنى من عدم جواز النزع من الشهيد... 392
الشك في استناد القتل إلى الشهادة... 394
حكم المبطون والمطعون وأمثالهما... 396
حكم اشتباه المسلم بالكافر... 398
مس الشهيد والمقتول بالقصاص... 400
حكم القطعة المبانة من الميت من حيث الغسل والكفن والدفن... 401
حكم اشتباه القطعة المبانة بين الذكر والأنثى... 411
الصورة