ghaemiyeh.com
المؤلف: الشيخ محمّد باقر الإيرواني
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: توحيد
الطبعة: 2
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1422 ه.ق
الصفحات: 219
المكتبة الإسلامية
دروس تمهيدية في الفقه الإستدلالي
الجزء الثاني
قسم العقود (2) والإقاعات
سماحة الشيخ باقر الإيرواني
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدللّه والصلاّة والسلام على أنبياء اللّه ، لاسيما رسوله الخاتم وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
اما بعد ، لاشك ان اصلاح المناهج الدراسية المتداولة فى الحوزات العلمية والمعاهد الدراسية فى العصر الحاضر - الذى عُرف بعصر ثورة المعلومات - بات حاجة ملحّة يقتضيها تطور العلوم وتكاملها عبر الزمان ، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة ، تتوافق مع الطموحات والحاجات الانسانية المتجددة.
وهذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز ، فوضعوا نصب أعينهم اصلاح النظام التعليمى فى قائمة الاولويات بعد ان باتت فاعليته رهن اجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.
ويبدو من خلال هذه الرؤية ان اصلاح النظام الحوزوى ليس امراً بعيد المنال ، إلا انه من دون احداث تغيير فى المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الاصلاحية بالفشل الذريع وستموت فى مهدها.
والمركز العالمى للدّراسات الإسلامية - الذّى يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الارض للاغتراف من نمير علوم
أهل البيت - علیهم السلام - شرع فى الخطوات اللازمة لاجراء تغييرات جذرية علي المناهج الدراسية المتبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل ، الامر الذى لاتلبّيه الكتب الحوزوية السائدة؛ ذلك انها لم تؤلف لهدف التدريس ، وانما الفت لتعبر عن افكار مؤلفيها حيال موضوعات مرّ عليها حقبة طويلة من الزمن واصبحت جزءاً من الماضي.
وفضلا عن ذلك فانها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التى يراعى فيها مستوي الطالب ومؤهلاته الفكرية والعلمية ، وتسلسل الأفكار المودعة فيها وأداؤها ، واستعراض الآراء والنظريات الحديثة التى تعبر عن المدى الذى وصلت اليه من عمق بلغة عصرية يتوخى فيها السهولة والتيسير وتذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات وعمق الافكار بعيداً عن التعقيد الذى يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوي.
وانطلاقا من توجيهات كبار العلماء والمصلحين وعلى رأسهم سماحة الامام الراحل - قدس سره - ، وتلبية لنداء قائد الثورة الاسلامية آية اللّه الخامنئى - مد ظله الوارف - قام هذا المركز بتخويل « مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسية » مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة فى الحوزات العلمية ، ان يضع له خطة عمل لاعداد كتب دراسية تتوفر المزايا السالفة الذكر.
وقد بدت امام المكتب المذكور - ولاول وهلة - عدة خيارات :
1 - اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التى لها مساس بالواقع العملي.
2 - ايجازها وشحنها بآراء ونظريات حديثة.
3 - تحديثها من رأس بلغة عصرية وايداعها افكار جديدة الا ان العقبة الكأداء
التى ظلت تواجه هذا الخيار وقوع القطيعة التامة بين الماضى والحاضر ، بحيث تبدو الافكار المطروحة فى الكتب الحديثة وكأنها تعيش فى غربة عن التراث وللحيلولة دون ذلك ، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة فى قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون وشرحها باسلوب عصرى يجمع بين القديم الغابر والجديد المحدث.
وبناء على ذلك راح المكتب يشمرّ عن ساعد الجدّ ويستعين بمجموعة من الاساتذة المتخصصين لوضع كتب وكراسات فى المواد الدراسية المختلفة ، من فقه واصول وتفسير وكلام ورجال وحديث وأدب وغيرها.
وكانت مادة « الفقه الإستدلالي » بحاجة ماسّة إلى وضع كتاب جديد فيها ، يتناسب مع تطلّعات المركز (للمرحلة التعليمية الأولى بالّلغة العربية) فطلبنا من الأستاذ الكريم ، سماحة الحجّة الشيخ باقر الإيروانى - دامت افاضاته - تدوين دروس تمهيدية فى الفقه الإستدلالى (3)؛ فلبّى رغبتنا مشكوراً وتفضّل بتدوين هذا الكتاب وجعلِه يتوافق مع المطلوب كمّاً وكيفاً.
وختاماً لانشكّ فى أنّ الخطوات الأولى ستصحبها بعض العقبات والنواقص ، إلاّ انّه يمكن تذليلها من خلال البصيرة النافذة وإبداء الآراء البنّاءة من قبل المخلصين من ذوى الخبرة.
المركز العالمى للدراسات الإسلامية
مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسيّة
النكاح
الإيقاعات
الطلاق
الظهار
الإيلاء
اللعان
اليمين والنذر والعهد
الشفعة
الجعالة
الوصيّة
الوقف
النكاح وبعض أحكامه
ولاية الأبوين
أحكام النظر
من يحرم العقد عليها
الزواج المُؤقت
جواز الاستمتاع بالمرأة يثبت بأمرين :
أ - النكاح - الزواج - وهو عقد يتضمن انشاء علقة الزوجية الخاصة. وينقسم الى دائم ومنقطع.
ب - ملك اليمين.
ويتحقق الدائم بقول الزوجة للزوج : « زوجتك نفسى على كذا » وقول الزوج بعد ذلك : « قبلت الزواج على كذا ».
والمنقطع بقولها : « متعتك نفسى على كذا ، لمدة كذا » ، وقول الزوج بعد ذلك : « قبلت التمتع على كذا ، لمدة كذا ».
ويلزم فى الايجاب والقبول أن يكونا لفظيّين.
كما يلزم فى الايجاب أن يكون بلفظ الزواج أو النكاح.
وفى تحقق الزواج الدائم بلفظ التمتع خلاف.
والمشهور اعتبار العربية والماضوية فى إجراء العقد.
ولايلزم فى الايجاب تقدمه على القبول ، بل يجوز أن يكون الايجاب منالزوج والقبول من الزوجة وإن كان الاحتياط أمراً لاينبغى الحياد عنه.
وليس مناللازم علي الزوجين مباشرة العقد بنفسهما ، بل يجوزلهما التوكيل فى ذلك.
ولا مانع من كون الوكيل واحداً عن الطرفين ، بل يجوز أن يكون الزوج وكيلاً عن الزوجة فيجرى الايجاب بالوكالة والقبول بالأصالة ، كما يجوز أن تكون هى وكيلة عنه ، فتوجب بالأصالة وتقبل بالوكالة.
واذا لم يباشر الزوجان العقد وأوكلاه الى الغير ، فلا يجوز لهما الاستمتاع الجنسى ولو بالنظر إلاّ بعد الاطمئنان بإجراء الوكيل للعقد.
ولا يعتبر فى صحة النكاح عندنا الإشهاد.
ويلزم فى صحة نكاح البكر مضافاً الى موافقتها موافقة وليها ، وهو أبوها أو جدها لأبيها. وأمّا الثيّب فتكفى موافقتها.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن جواز الاستمتاع يثبت بالنكاح وملك اليمين ، فهو من واضحات الفقه. ويدلّ عليه قوله تعالي : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) . (1)
وأمّا أن النكاح هو العقد المذكور وليس الوطء فهو المشهور. (2)ويشهد له الكتاب العزيز ، فإنه لم يعهد فيه استعمال لفظ النكاح فى الوطء.
وأمّا انقسام النكاح الى الدائم والمنقطع ، فهو من ضروريات المذهب ، بل الدين. ويأتى بيان الدليل على شرعية النكاح المنقطع فيما بعد إن شاء اللّه تعالي.
2 - وأمّا تحقق العقد الدائم والمنقطع بالصيغة المتقدمة ، فهو محل وفاق ، بل هو
القدر المتيقن من الصيغة الصحيحة التى يقع بها العقد.
3 - وأمّا اعتبار الايجاب والقبول اللفظيّين وعدم الاكتفاء بالتراضى ، فقد ادّعي فى الحدائق إجماع العامة والخاصة عليه. (1)
وقد يستدلّ على ذلك بأنه :
أ - لولا ذلك لم يبق فارق بين النكاح والسفاح.
والتأمل فيه واضح ، فإن الفارق ثابت بقطع النظر عن ذلك ، وهو انه فى النكاح يوجد اعتبار للزوجية ، بخلافه فى السفاح.
ب - وبما ورد فى تعليم صيغة النكاح المنقطع ، فقد روى أبان بن تغلب : « قلت لأبى عبد اللّه علیه السلام : كيف اقول لها إذا خلوت بها؟ قال : تقول : « اتزوجّك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوماً وإن شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهماً » ، وتسمّى من الأجر ما تراضيتما عليه قليلاً كان أو كثيراً؛ فاذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهى امرأتك وأنت أولى الناس بها » (2)وغيرها.
وهى وإن كانت واردة فى النكاح المنقطع إلاّ انه لايحتمل ثبوت الخصوصية له.
ودلالتها واضحة ، فانها ظاهرة فى ارتكاز المفروغية عن اعتبار الصيغة فى ذهن أبان والسؤال وقع بلحاظ بعض الخصوصيات.
على أن قوله علیه السلام فى الذيل : « فاذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهى امرأتك » يدلّ بالمفهوم على عدم تحقق الزوجية من دون قول الزوجة : نعم ، بعد قول الزوج لها : أتزوجك متعة ....
هذا وجهان لاعتبار الصيغة.
ولعل الأجدر الاستدلال بارتكاز اعتبار الصيغة فى تحقق النكاح فى أذهان جميع المتشرعة الصغير منهم والكبير والرجل والمرأة والعالم والجاهل ، ولا منشأ لذلك سوى الوصول من المعصوم علیه السلام يداً بيد.
4 - وأمّا تحقق عقد النكاح بلفظ الزواج والنكاح ، فممّا لا إشكال فيه.
ويدلّ على انعقاده بلفظ الزواج قوله تعالي : (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (1)وحديث أبان المتقدم وغيره.
وعلى انعقاده بلفظ النكاح قوله تعالي : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) (2)وغيره من الاستعمالات القرآنية المعبّرة بلفظ النكاح.
5 - وأمّا الخلاف فى تحقق الزواج الدائم بلفظ التمتع ، فباعتبار أنه لم يرد في شيءٍ من النصوص الشرعية التعبير عن الدائم بلفظ التمتع ليحكم بصحة الانشاء به ، ومن الواضح انه لا تصح الاستعانة بكلّ لفظ ، بل لابدَّ من الاقتصار على ما تداول التعبير به شرعاً أو عرفاً.
وفى المقابل ، قد يقال بالانعقاد بذلك تمسّكا بالروايات الدالّة على أن العقد اذا لم يذكر فيه الأجل انقلب دائما ، من قبيل موثقة عبد اللّه بن بكير : « قال أبو عبداللّه علیه السلام فى حديث : إن سمّى الأجل فهو متعة ، وإن لم يسمّ الأجل فهو نكاح بات ». (3)وتقريب الدلالة واضح.
6 - وأمّا اعتبار العربية فى صيغة العقد ، فقد يستدلّ له :
تارة : بعدم صدق العقد اذا لم يكن بالعربية.
واُخري : بأن القدر المتيقن من العقد الصحيح هو العقد بالعربي ، وتحققه بغيره يحتاج الى دليل ، وهو مفقود ، والأصل يقتضى عدم ترتب الأثر.
وكلاهما كما تري.
أمّا الأول فواضح.
وأمّا الثانى فلعدم احتمال منع الشارع من الزواج اذا لم يتمكن الزوجان من ممارسة العربية.
هذا مضافاً الى أن المستفاد من قوله تعالي : (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ... ) (1)مطلوبية عنوان النكاح من دون قيد زائد ، وحيث إن العقد بغير العربية يصدق عليه عنوان النكاح فيكون مشروعاً وممضيً.
ثم إن التفصيل بين إمكان توكيلهما شخصاً يعقد بالعربية فلا يجوز لهما العقد بغير العربية وبين عدم الإمكان فيجوز لهما ذلك بعيد ، لعدم إمكان تتميمه بدليل.
أجل ، الاحتياط بالاقتصار على حالة عدم إمكان التوكيل أمر مناسب بل لازم.
7 - وأمّا اعتبار الماضوية ، فقد يستدلّ له :
تارة : بكون العقد بالماضى هو القدر المتيقّن من العقد الصحيح ، وغيره مشكوك فتجرى بلحاظه أصالة عدم ترتب الأثر.
واُخري : بأن الماضى صريح فى الانشاء بخلاف غيره.
وثالثة : بأن تجويز غير الماضى يؤدى الى انتشار الصيغة وعدم وقوفها علي حدّ معين.
1) النور : 32.
و الجواب :
أمّا عن الأخير ، فبأن انتشار الصيغة وعدم وقوفها على حدّ لا يشكِّل محذوراً.
وأمّا عن الاولين ، فبما تقدم من أن المستفاد من الكتاب العزيز مطلوبية كلّ ما يصدق عليه عنوان النكاح من دون قيد زائد ، وحيث إن الانشاء بغير الماضي يصدق عليه عنوان النكاح فيكون مشروعاً.
هذا مضافاً الى ما تقدم فى روايات النكاح المنقطع من انه يقول : اتزوجك ...
8 - وأمّا عدم اعتبار تقدّم الايجاب ، فلصدق عنوان النكاح بدون ذلك ، والمستفاد من الكتاب العزيز مطلوبية عنوان النكاح لا اكثر.
بل جواز ذلك يستفاد بوضوح من روايات المتعة التى تقدمت الإشارة الى بعضها.
ومن خلال هذا يتضح الوجه فى جواز كون الايجاب من الزوج والقبول من الزوجة ولكن مراعاة الاحتياط بتقديم الايجاب وكونه من الزوجة أمر لازم.
9 - وأمّا الاكتفاء بالتوكيل ، فلإطلاق دليل مشروعية الوكالة - الذى تقدمت الاشارة اليه عند البحث عن الوكالة - والروايات الخاصة ، كصحيحة داود بن سرحان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « رجل يريد أن يزوّج اُخته .... فإن قالت : زوّجنى فلاناً زوّجها ممّن ترضي » (1)وغيرها.
وعلى هذا يكفى أن يقول وكيل الزوجة لوكيل الزوج : « زوجتُ موكلتى فلانة موكلك فلاناً على مهر كذا » ، ثم يقول وكيل الزوج : « قبلت الزواج عن موكلى علي المهر المذكور ».
واذا كانت الزوجة قد وكلت فقط ، كفى أن يقول وكيلها للزوج : « زوجتك
1) وسائل الشيعه : 14 / 211 ، باب 7 من ابواب عقد النكاح ، حديث 1.
موكلتى على مهر كذا » ثم يقول الزوج : « قبلت الزواج على المهر المذكور ».
واذا كان الزوج قد وكّل فقط ، كفى أن تقول الزوجة لوكيل الزوج : « زوجت نفسي موكلك على مهر كذا » ، ثم يقول وكيل الزوج : « قبلت الزواج عن موكلى علي المهر المذكور ».
10 - وأمّا جواز تولى شخص واحد طرفى العقد ، فلعدم المانع منه بعد شمول إطلاق أدلّة مشروعية الوكالة له.
واتحاد الموجب والقابل لا محذور فيه بعد كفاية المغايرة الاعتبارية.
ومنه يتضح الوجه فى جواز تولى الزوج أو الزوجة كلا طرفى العقد. والاحتياط بالاقتصار على حالة المغايرة الحقيقية أمر لاينبغى الحياد عنه.
11 - وأمّا عدم جواز الاستمتاع للزوجين إلاّ بعد التأكد من إجراء الوكيل للعقد ، فلاستصحاب عدم تحققه.
12 - وأمّا عدم اعتبار الإشهاد فى النكاح ، فيكفى لإثباته عدم الدليل علي اعتباره ، فيتمسّك آنذاك بإطلاق أدلّة صحة النكاح. على أنه قد قام الدليل على عدم اعتبار ذلك حتى أصبح ذلك من معالم مذهبنا.
وفى الحديث أن الامام الكاظم علیه السلام قال لأبى يوسف القاضي : « إن اللّه أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلاّ عدلين وأمر فى كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود ، فأثبتم شاهدين فيما أهمل وأبطلتم الشاهدين فيما أكّد ». (1)
13 - وأمّا توقف صحة نكاح البكر على موافقتها وموافقة وليّها بخلاف الثيّب ، فيأتى بيان الوجه فيه إن شاء اللّه تعالى فى البحث التالي.
1) وسائل الشيعة : 14 / 68 ، باب 43 من ابواب مقدمات النكاح ، حديث 5.
للأب والجد للأب الولاية على الصغيرين فى تزويجهما ، وعلى المجنون البالغ المتصل جنونه ببلوغه. بل قيل بثبوتها عليه فى حالة الانفصال أيضاً.
وفى ثبوت الولاية لهما على البكر البالغة خلاف ، بخلاف الثيّب فإنه لاخلاف في استقلالها فى أمرها.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا ثبوت الولاية للأب والجد ، فلم ينسب فيه خلاف لأحد - سوي ابن أبى عقيل حيث نسب له انكار الولاية للجد(1)- للروايات الكثيرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام « الصبى يتزوج الصبية يتوارثان؟ فقال : اذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم. قلت : فهل يجوز طلاق الأب؟ قال : لا » (2)وغيرها.
ولعل انكار ابن أبى عقيل ولاية الجد ناشٍ من اقتصار الرواية المذكورة وغيرها على خصوص الأب.
ولكنه يندفع بكون الجد مصداقاً للأب ، وبالروايات الاُخرى الدالّة على أن الجد والأب لو تزاحما فى اعمال الولاية قُدِّم الجد ، كصحيحة محمد بن مسلم الاُخري عن أحدهما علیهماالسلام : « اذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ، ولابنه أيضاً أن يزوّجها. فقلت : فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فقال : الجد أولى بنكاحها » (3)وغيرها.
2 - وأمّا اختصاص الولاية بالجد للأب دون ما لو كان للاُم ، فتدلّ عليه - مضافاً الى كفاية القصور فى المقتضى - صحيحة ابن مسلم المتقدمة ، فإنها ظاهرة في اختصاص الولاية بالجد للأب.
3 - وأمّا ولاية الأب والجد على المجنون ، فلصحيحة أبى خالد القماط : « قلت لأبى عبد اللّه علیه السلام : الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال : ولِمَ لايطلّق هو؟ قلت : لا يؤمن إن طلّق هو أن يقول غداً : لم اُطلق أو لا يحسن أن يطّلق ، قال : ما أرى وليّه إلاّ بمنزلة السلطان » (1)وغيرها ، فإن القدر المتيقن فى المراد من الولى هو الأب والجد ، واذا ثبت كونه بمنزلة السلطان فى الطلاق ثبت كونه كذلك فى النكاح بالأولوية.
وبقطع النظر عن الصحيحة المذكورة يمكن التمسّك باستصحاب الولاية الثابتة قبل البلوغ.
4 - وأمّا القول بعموم الولاية لحالة الجنون الطاريء بعد البلوغ الذى ذهب اليه بعض الفقهاء ، فيمكن الاستدلال له بإطلاق الصحيحة السابقة وما هو بمضمونها.
5 - وأمّا ولاية الأبوين فى زواج البكر ، فقد وقعت محلاً للاختلاف ، فقيل باستقلالهما فى ذلك ، وقيل باستقلالها ، وقيل بالتشريك. (2)
ومنشأ ذلك اختلاف الروايات ، فإنها على طوائف نذكر من بينها :
أ - ما دلّ على استقلال الأب. وهى روايات متعددة تبلغ ستاً أو أكثر وفيها الصحاح ، كصحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن البكر اذا بلغت مبلغ
النساء ألها مع أبيها أمر؟ فقال : ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيّب » (1)وغيرها.
ب - ما دلّ على اعتبار إذن الأب من دون دلالة على الاستقلالية. وهى روايات متعددة تبلغ ستاً أو أكثر وفيها الصحاح أيضاً ، كصحيحة ابن أبى يعفور عن أبي عبداللّه علیه السلام : « لاتنكح ذوات الأباء من الأبكار إلاّ باذن آبائهن » (2)وغيرها.
ج - ما دلّ على اعتبار إذن البكر وعدم استقلال الأب. وهو روايتان :
احداهما : صحيحة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « تستأمر البكر وغيرها ولاتنكح إلاّ بأمرها ». (3)
ثانيتهما : صحيحة صفوان : « استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر علیه السلام فى تزويج ابنته لابن أخيه فقال : افعل ويكون ذلك برضاها ، فإن لها فى نفسها نصيباً. قال : واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر علیه السلام فى تزويج ابنته على بن جعفر فقال : افعل ويكون ذلك برضاها فان لها فى نفسها حظاً ». (4)
د - ما دلّ على استقلال البكر فى أمرها. ولا توجد رواية صريحة تدلّ علي ذلك سوى رواية سعدان بن مسلم : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام لا بأس بتزويج البكر اذا رضيت بغير اذن ابيها ». (5)
ولابدّ من اسقاط هذه الرواية من الحساب ، لأن الروايات الدالّة على اعتبار إذن الأب استقلالاً أو فى الجملة هى اثنتا عشرة رواية بل أكثر ، ولكثرتها تشكّل عنوان
1) وسائل الشيعة : 14 / 203 ، باب 3 من ابواب عقد النكاح ، حديث 11.
2) وسائل الشيعة : 14 / 208 ، باب 6 من ابواب عقد النكاح ، حديث 5.
3) وسائل الشيعة : 14 / 214 ، باب 9 من ابواب عقد النكاح ، حديث 1.
4) وسائل الشيعه : 14 / 214 ، باب 9 من ابواب عقد النكاح ، حديث 2.
5) وسائل الشيعة : 14 / 214 ، باب 9 من ابواب عقد النكاح ، حديث 4.
السنّة القطعية ويلزم طرح المخالف للسنّة القطعية.
هذا مضافاً الى أن الرواية ضعيفة السند فى نفسها ، لأن سعدان لم تثبت وثاقته إلاّ بناءً على تمامية كبرى وثاقة كلّ من ورد فى كامل الزيارة أو تفسير القمي. (1)
وعليه فالأمر يبقى دائراً بين الطوائف الثلاث الاُوَل.
والجميع يشترك فى الدلالة على اعتبار إذن الأب فى الجملة ، ولا معارضة فيما بينها من هذه الناحية ، وإنما المعارضة بلحاظ الزائد ، وهو اعتبار موافقتها أيضاً. وتتساقط بلحاظ هذا الزائد ويلزم الرجوع الى الأصل. والنتيجة على ذلك اعتبار موافقة الطرفين : الأب ، والبنت.
أمّا الأب فلفرض دلالة الروايات على اعتبار إذنه بلا معارضة.
وأمّا البنت فباعتبار أننا نشك فى ترتب الأثر على العقد من دون موافقتها ، والأصل يقتضى عدم ترتبه.
5 - وأمّا أن المعتبر إذن أبيها أو جدها فباعتبار أن الجد للأب أب حقيقة فيشمله ما دلّ على اعتبار إذن الأب.
6 - وأمّا أن الثيّب تستقل فى أمرها فالنصوص والفتاوى متفقة عليه. وقد تقدمت الإشارة الى بعضها ضمن الحديث عن البكر.
لايجوز للرجل النظر الى بدن الأجنبية ولو من دون تلذذ. واستثنى جمع من الفقهاء من ذلك الوجه والكفين.
1) لاحظ : كتاب دروس تمهيدية فى القواعد الرجالية : ص 171 ، 175.
وفى جواز نظر المرأة الى الرجل خلاف.
ويجوز لكلٍّ من الرجل والمرأة النظر الى بدن مماثله ما عدا العورة.
ويستثنى من حرمة النظر الى الأجنبية حالة الضرورة كالانقاذ من الغرق والحرق ونحوهما ، فإنه يجوز النظر بل اللمس أيضاً.
كما يستثنى النظر الى القواعد من النساء والصبية غير البالغة.
ولايلزم على المرأة التحجب من الصبى غير البالغ وإن كان ذلك أفضل.
ويجوز لمن أراد التزوّج بامرأة النظر الى وجهها وكفّيها وشعرها ومحاسنها.
وفى نظر المرأة الى من تريد الزواج به قول بالجواز.
ويجوز النظر الى غير المسلمة وكل امرأة لا تنتهى اذا نهيت بشرط عدم التلذذ.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة النظر الى بدن الأجنبية فى الجملة ولو لم يكن بتلذذ ، فهو من واضحات الفقه. ويمكن استفادته من قوله تعالي : (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (1)، والروايات الآتية التى تستثنى الوجه والكفين من حرمة الابداء ، وغير ذلك من الروايات الواردة فى الموارد المتفرقة.
بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالي : (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ... ) (2)، فإن حرمة الابداء امام الغير تستلزم عرفاً حرمة نظره. والمراد بالزينة إن كان مواضعها فالأمر واضح ، وإن كان نفسها فحرمة ابدائها تستلزم حرمة ابداء موضعها بالأولوية العرفية.
وأمّا الاستدلال بقوله تعالي : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... ) (1)فقابل للتأمل ، لأن غضّ البصر ليس بمعنى تركه رأساً ، بل بمعنى عدم الطمع فى الشيء وجعله مغفولاً عنه. (2)
على انه قد يقال إن المراد غضّ البصر عن خصوص الفروج بقرينة السياق.
2 - وأمّا استثناء الوجه والكفين لدى جمع من الفقهاء فلعدة وجوه نذكر منها :
أ - التمسك بصحيحة الفضيل : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التى قال اللّه : (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) ؟ قال : نعم ، وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين » (3)، فان الوجه لايستره الخمار ، والكف فوق السوار لا دونه ، فتكون الصحيحة دالّة على جواز ابدائهما.
إلاّ أن الاستدلال بها يحتاج الى ضمّ مقدمة أخري ، وهى أن جواز الإبداء يستلزم جواز نظر الغير ، وقد ترفض الملازمة المذكورة ، ولذا يجوز للرجل عدم ستر بدنه من دون استلزام ذلك لجواز نظر المرأة اليه.
ب - التمسّك برواية زرارة عن أبى عبد اللّه علیه السلام فى قول اللّه عزّوجل : (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال : الزينة الظاهرة ، الكحل والخاتم. (4)
ودلالتها على جواز ابداء الوجه والكفين فى الجملة واضحة.
إلاّ أنه يرد عليها ما يرد على الصحيحة السابقة. مضافاً الى اشتمال سندها علي القاسم بن عروة الذى لم تثبت وثاقته.
ج - التمسّك بقوله تعالي : (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) ، فإن تخصيص الجيوب(1)بوجوب الستر يدلّ على عدم وجوب ستر الوجه وإلاّ كان أولى بالذكر من الجيب ، لأن الخمار لا يستر الوجه عادة بل الجيب.
ودلالتها لا تتمّ إلاّ بضمّ الملازمة السابقة.
هذه وجوه ثلاثة لاستثناء الوجه والكفين من حرمة النظر.
وقد اتضح أن الملازمة المتقدمة إن لم تتم فلابدّ من التفصيل بين الابداء من قِبَل المرأة فيجوز وبين نظر الاجنبى فلا يجوز.
3 - وأمّا نظر المرأة الى الرجل ، فقد ادعى الإجماع على مساواته لنظر الرجل في محلّ المنع والجواز. (2)
وفيه : أن الإجماع الكاشف عن رأى المعصوم علیه السلام لم يتضح ثبوته ، بل السيرة القطعية للمتشرعة المتصلة بزمن المعصوم علیه السلام على خلاف ذلك ، فالرجال يخرجون ورؤوسهم وأعناقهم مكشوفة ، والنساء يختلطن معهم فى الأزقة والأسواق ، فلو كان نظر المرأة الى ما تعارف للرجل كشفه حين خروجه من بيته محرّماً لزم القول إمّا بوجوب تستر الرجال ، أو عدم جواز الاختلاط ، أو جواز الاختلاط والتحدث مع حرمة النظر. والكل غير محتمل.
وبهذا يثبت جواز نظر النساء الى ما تعارف للرجال ابرازه.
وقد يستدلّ على الجواز - مضافاً الى ما تقدم - بعدم وجود روايات يسأل فيها الأصحاب عن حكم نظر النساء الى الرجال. والسبب فى ذلك يعود إما الى وضوح
الحرمة لديهم أو الشك فى ذلك أو وضوح الجواز. والمتعين هو الأخير ، لبطلان الاخرين :
أمّا الاول : فلعدم احتمال أوضحية حرمة نظر النساء الى الرجال من حرمة نظر الرجال الى النساء.
وأمّا الثاني : فلأن المناسب له صدور السؤال من الأصحاب.
وفى مقابل هذا ، قد يستدلّ على الحرمة :
إمّا بقوله تعالي : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ... ) . (1)
أو بما رواه احمد بن أبى عبد اللّه البرقي : « استأذن ابن اُم مكتوم على النبى صلی اللّه علیه و آله وعنده عائشة وحفصة ، فقال لهما : قُوما ، فادخلا البيت ، فقالتا : انه أعمي ، فقال : إن لم يركما فإنكما تريانه ». (2)
أو بما رواه الطبرسى فى مكارم الأخلاق عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « ان فاطمة قالت له في حديث : خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال فقال صلی اللّه علیه و آله : فاطمة مني ». (3)
أو بما رواه الطبرسى أيضاً عن اُم سلمة قالت : « كنت عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وعنده ميمونة ، فأقبل ابن اُم مكتوم وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال : إحتجبا ، فقلنا يا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أليس أعمى لايبصرنا؟ فقال : أفَعَمياوان أنتما ألستما تبصرانه ». (4)
والكلّ كما تري.
أمّا الأول : فلما تقدم من عدم مساوقة غض البصر لترك النظر رأساً.
وأمّا الثاني : فعلى تقدير تمامية دلالته على التحريم هو ضعيف السند بالإرسال ، لبعد عصر البرقى عن عصر النبى صلياللّهعليهوآله.
وأمّا الأخيران : فلضعفهما بالإرسال على تقدير تمامية دلالتهما.
4 - وأمّا جواز النظر الى بدن المماثل ما عدا العورة ، فهو من الضروريات. وتقتضيه سيرة المسلمين ، وروايات باب الحمام الناهية عن دخول الحمام إلاّ بمئزر. (1)
بل لاحاجة الى دليل على الجواز بعد كونه مقتضى الأصل الذى خرج منه خصوص النظر الى العورة بالدليل الشرعي ، كصحيحة حريز عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « لا ينظر الرجل الى عورة أخيه » (2)وغيرها.
5 - وأمّا استثناء حالة الضرورة ، فلدخول المورد تحت باب التزاحم المقتضي لتقديم الأهم.
ومنه يتضح أن الحكم بالجواز يعمّ كلّ حالة مزاحمة تكون مراعاتها أهم فى نظر الشارع من مراعاة حرمة النظر أو اللمس.
6 - وأمّا استثناء النظر الى القواعد من النساء ، فلقوله تعالي : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) . (3)
7 - وأمّا جواز النظر الى الصبية غير البالغة ، فللقصور فى المقتضي ، فإن حرمة النظر إن كانت مستفادة من الضرورة الفقهية فالقدر المتيقن منها النظر الى البالغة. و
إن كانت مستفادة من آية حرمة إبداء الزينة فهى خاصة بالبالغة أيضاً. وإن كانت مستفادة مما دلّ على استثناء الوجه والكفين من حرمة الإبداء فهو خاص بالبالغة أيضاً.
وأمّا ما دلّ على أن النظر سهم من سهام ابليس وأنه زنا العين(1)فهو قاصر الدلالة عن إفادة حرمة النظر كما هو واضح.
8 - وأمّا تكشّف المرأة لدى غير البالغ ، فمقتضى المفهوم فى قوله تعالي : (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) (2)عدم جوازه ، إلاّ أن مقتضى صحيحة البزنطى عن الرضا علیه السلام : « يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين. ولا تغطّى المرأة شعرها منه حتى يحتلم » (3)الجواز ، ولابدّ من تقييد إطلاق مفهوم الآية الكريمة بها.
9 - وأمّا جواز النظر الى المرأة التى يراد التزوج بها ، فهو محل وفاق فى الجملة لجملة من النصوص ، كصحيح هشام بن سالم وحماد بن عثمان وحفص بن البخترى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « لا بأس بأن ينظر الى وجهها ومعاصمها(4)اذا أراد أن يتزوّجها » (5)، وموثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن على علیه السلام : « رجل ينظر الى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها قال : لابأس إنما هو مستام فإن يقض أمر يكون ». (6)
1) وسائل الشيعة : 14 / 138 ، باب 104 من ابواب مقدمات النكاح.
2) النور : 31.
3) وسائل الشيعة : 14 / 169 ، باب 126 من ابواب مقدمات النكاح ، حديث 3.
4) والمعاصم : جمع معصم ، وهو موضع السوار من الساعد.
5) وسائل الشيعة : 14 / 59 ، باب 36 من ابواب مقدمات النكاح ، حديث 2.
6) وسائل الشيعة : 14 / 60 ، باب 36 من ابواب مقدمات النكاح ، حديث 8.
وذهب بعض الفقهاء الى جواز النظر الى جميع بدنها ما عدا العورة(1)تمسّكاً بإطلاق بعض الروايات ، كصحيحة محمد بن مسلم : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر اليها؟ قال نعم ، إنما يشتريها بأغلى الثمن ». (2)
وإنما استثنيت العورة للتسالم على عدم جواز النظر اليها.
10 - وأمّا نظر المرأة الى من تريد الزواج به ، فقد اختار الشيخ الأعظم جوازه لأنه اذا جاز نظر الرجل الى من يريد الزواج بها ، لأنه يبذل أغلى الثمن ، فيجوز نظر المرأة اليه بالأولي ، لأنها تبذل أغلى المثمن ، خصوصاً وأنّ بإمكان الرجل التخلص بالطلاق بخلاف المرأة ، فإنها لاتتمكن من ذلك. (3)
وفيه : ان بذلها لأغلى المثمن يقتضى جواز معرفتها بالثمن ، وهو المهر لا بالزوج ، فإنه ليس هو الثمن للبضع المبذول.
11 - وأمّا جواز النظر الى غير المسلمة ، فلموثقة السكونى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر الى شعورهنّ وأيديهنّ ». (4)
والتقييد بنساء أهل الذمّة لاخصوصية له ، بل يجوز النظر الى مطلق غير المسلمة ، فإن تخصيص نساء أهل الذمّة بالذكر هو من باب دفع توهّم أن عقد الذمام يمنحهنّ نحواً من الاحترام.
على أنه بقطع النظر عن ذلك يمكن التمسّك بإطلاق صحيحة عباد بن صهيب : « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : لا بأس بالنظر الى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل
السواد والعلوج ، لأنهم اذا نهوا لا ينتهون ». (1)
ومنه يتضح جواز النظر الى كلّ من لا تنتهى اذا نهيت.
وأمّا اعتبار عدم التلذذ بالنظر ، فللتسالم الفقهى عليه ، ولولاه كان مقتضي الإطلاق الجواز مطلقاً.
يحرم على الرجل العقد على مجموعة من النساء.
ومنشأ التحريم إمّا النسب أو السبب.
والحرمة الثابتة بسبب ما ذكر على نحوين : دائمة ومؤقّتة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا النسب ، فإنه تحرم به سبعة أصناف : الاُم وإن علت ، والبنت وإن سفلت ، والاُخت لأب أو لاُم أو لهما ، والعمة وإن علت ، والخالة وإن علت ، وبنت الأخ وإن نزلت ، وبنت الاُخت وإن نزلت.
قال تعالي : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) . (2)
وتعميم التحريم للبنت النازلة ليس إلاّ لصدق عنوان البنت عليها ، فيشملها إطلاق الأية الكريمة. وهكذا الحال بالنسبة الى بقية التعميمات المذكورة فى بقية الأصناف ، فإنها ليست إلاّ لأجل التمسّك بالإطلاق.
والحرمة كما لا يخفى ثابتة من الطرفين ، فمثل الأصناف السبعة من الرجال يحرم على النساء أيضاً ، فيحرم الأب وإن علا على البنت ، والولد وإن سفل علي الاُم ، وهكذا.
وحرمة الأصناف السبعة بالنسب لا تختص بالنسب الشرعي ، بل تعم ما يحصل بالزنا أيضاً ، فيحرم الولد من الزنا على الزانية واُمها واُختها وعلى اُم الزانى واُخته وهكذا ، فإن المراد من الأصناف السبعة المشار اليها فى الآية الكريمة هو عناوينها اللغوية وإلاّ فالشريعة لم تأت بمصطلح جديد فى هذا المجال؛ فبنت الرجل مثلاً هى من تولّدت من مائه ، سواء كان ذلك بنكاح شرعى أم لا ، واُم الابن هى من اولدته سواء كان ذلك بنكاح شرعى أم لا. والشريعة لا تدخّل لها فى هذا المجال سوى أنها نفت التوارث فى فرض الزنا وإلاّ فبقية الأحكام تترتب ، تمسّكاً بالإطلاق بعد عدم التقييد بما اذا كان الصدق من طريق النكاح الشرعي.
وأيضاً لا فرق فى النسب المتولد من النكاح الشرعى بين أن يكون بسبب العقد أو وطء الشبهة ، تمسّكاً بالإطلاق.
2 - وأمّا السبب ، فالمراد به غير النسب من مناشيء التحريم ، وهي : المصاهره وما يلحق بها ، والرضاع ، والاعتداد ، واستيفاء العدد ، والكفر ، والإحرام ، واللعان.
ويأتى الحديث عن المناشيء المذكورة إن شاء اللّه تعالي.
3 - وأمّا انقسام الحرمة الى دائمة ومؤقتة فواضح ، فالدائمة كحرمة الأصناف السبعة النسبية مثلاً ، والمؤقتة كحرمة اُخت الزوجة ، وبنت الزوجة غير المدخول بها ، والمطلقة ثلاثاً ، وبنت أخ أو اُخت الزوجة وغير ذلك.
للمصاهرة وما بحكمها عدّة أحكام :
1 - تحرم زوجة كلّ من الأب وان علا والابن وإن نزل على الآخر بمجرد العقد ولو منقطعاً ، ومن دون فرق بين كون الاُبوة والبنوة بالنسب أو بالرضاع.
2 - تحرم على الزوج اُم زوجته وإن علت بمجرد العقد وابنتها وإن نزلت بشرط الدخول بالاُم سواء كانت فى حجره أم لا. أمّا مع عدم الدخول فتحرم ما دامت الاُم فى عقده.
3 - تحرم على الزوج اُخت زوجته جمعاً لا عيناً.
4 - يحرم على الزوج العقد على بنت أخ أو اُخت زوجته إلاّ بإذنها. وأمّا العكس فجائز بلا حاجة الى إذن.
5 - من زنى بخالته حرم عليه العقد على بنتها. وقيل بإلحاق العمّة بذلك ، بل قيل بتعميم الحكم لمطلق المزنى بها.
6 - اذا لاط البالغ بغلام وتحقق منه الدخول حرمت عليه مؤبداً بنت الملوط به واُخته واُمه فيما اذا كان اللواط سابقاً على العقد دون ما لو كان لاحقاً.
7 - من تزوّج بذات البعل عالماً بذلك حرمت عليه مؤبداً ، ومع الجهل تحرم مؤبداً أيضاً بشرط الدخول بها.
8 - من زنى بذات البعل حرمت عليه مؤبداً لدى المشهور.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة زوجة كل من الابن والأب على الآخر ، فممّا لا خلاف فيها. وهى من ضروريات الفقه بل الدين. وقد دلّ عليها قوله تعالي : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ
مِنَ النِّسَاءِ) (1)، (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) . (2)
وقد ورد فى صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « لو لم تحرم على الناس أزواج النبى صلی اللّه علیه و آله لقول اللّه عزّوجّل : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ... ) حرمن على الحسن والحسين بقول اللّه عزّوجّل : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... ) ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه ». (3)
وأمّا كفاية مجرد العقد ولو من دون دخول أو مع افتراض كونه منقطعاً ، فلإطلاق ما تقدم.
وأمّا تعميم الحكم للأب وإن علا والابن وإن نزل ، فللإطلاق المتقدم؛ مضافاً الى خصوص صحيحة ابن مسلم المتقدمة الواردة فى الجد.
وأمّا التعميم للرضاع ، فلقول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ». (4)
2 - وأمّا حرمة اُم الزوجة مطلقاً وبنتها بشرط الدخول فممّا لا إشكال فيه لقوله تعالي : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ... أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) . (5)
ومقتضى إطلاق فقرة « واُمهات نسائكم » ثبوت حرمة اُم الزوجة ولو من دون دخول بها ، بخلاف الربيبة حيث قيدت حرمتها بالدخول باُمها.
واحتمال رجوع قيد (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي ... ) الى قوله (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) أيضاً بعيد جداً لطول الفصل ، ولزوم التكرار فى كلمة النساء ، ولزوم استعمال كلمة « من » فى معنيين - إذ على تقدير تعلقها بالربائب تكون نشوية وعلى تقدير تعلّقها بالنساء تكون بيانية - وهو مخالف للظاهر حتى على تقدير فرض إمكانه.
3 - وأمّا التعميم لاُم الزوجة وإن علت ، فللتمسّك بالإطلاق.
وأمّا التعميم لبنت الزوجة وإن نزلت فقد يستشكل استفادته من الآية الكريمة ، إلاّ ان فى إطلاق الروايات كفاية حيث استعانت بكلمة البنت مطلقة ، كما فى موثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه أن علياً علیه السلام قال : « اذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها اذا دخل بالاُم فاذا لم يدخل بالاُم فلابأس أن يتزوج بالإبنة. واذا تزوج بالابنة فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الاُم. وقال : الربائب عليكم حرام ، كنّ فى الحجر أو لم يكنّ » (1)وغيرها.
على أن المسألة متسالم عليها. (2)
وأمّا التعميم لكون الربيبة فى الحجر وعدمه ، فلأن التقييد به فى الآية الكريمة لا موضوعية له ، بل اشارة الى الحالة الغالبة تنبيهاً على أنها كبنت الزوج حيث تربّت فى حجره فكيف يتزوّج بها؟!
على أن الموثقة المتقدمة وغيرها قد صرحت بالتعميم. والمسألة متسالم عليها. (3)
4 - وأمّا عدم جواز العقد على بنت الزوجة ما دام قد فرض العقد على اُمها مسبقاً ولو من دون دخول بها ، فلأنه مع العقد عليها - البنت - يصدق على الاُم عنوان
(أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) ، وهو يوجب التحريم متى ما صدق بمقتضى إطلاق الآية الكريمة ، فالجمع بينهما بنحو يكون عقدهما صحيحاً معاً غير ممكن ، وانقلابه - عقد الاُم - الى البطلان بعد وقوعه صحيحا يحتاج الى دليل ، فيتعين بطلان العقد على البنت.
5 - وأمّا حرمة اُخت الزوجة جمعاً لاعيناً ، فلا خلاف فيه بين المسلمين لدلالة صريح الكتاب العزيز (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) (1)على ذلك ، والروايات فى المسألة كثيرة(2).
6 - وأمّا حرمة العقد على بنت أخ أو اُخت الزوجة إلاّ بإذنها وجواز العكس مطلقاً ، فلموثقة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « لا تزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الاُخت علي العمة ولا على الخالة إلاّ بإذنهما. وتزوّج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الاُخت بغير إذنها » (3)وغيرها.
واذا قيل : قد روى على بن جعفر فى كتابه عن أخيه موسى بن جعفر علیهماالسلام : « سألته عن امرأة تزوج على عمتها وخالتها قال : لا بأس » (4)
وفى التهذيب ( : 7 / 333) : « سألته عن امرأة تزوجت ... ».
، وهى بإطلاقها تدلّ على الجواز بلا حاجة الى إذن.وفى مقابلها صحيحة أبى عبيدة : « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ولا على اُختها من الرضاعة » (5)، وهى تدلّ على عدم
الجواز مطلقاً فكيف التوفيق؟
قلنا : انه بقرينة موثّقة محمد بن مسلم المتقدمة يمكن الجمع العرفى بحمل الاُولى على فرض الإذن والثانية على فرض عدمه وينحل بذلك التعارض.
7 - وأمّا أن الزنا بالخالة يوجب تحريم بنتها ، فهو المشهور لصحيحة محمد بن مسلم : « سأل رجل أبا عبداللّه علیه السلام وأنا جالس عن رجل نال من خالته فى شبابه ثم ارتدع ، يتزوّج ابنتها؟ قال : لا. قلت : انه لم يكن أفضى اليها انما كان شيء دون شيء ، فقال : لا يصدَّق ولا كرامة ». (1)
وقد يتوقف فى الحكم تارة من جهة متن الرواية واُخرى من جهة سندها.
أمّا من جهة المتن ، فلأن تكذيب الامام علیه السلام الفاعل فى إخباره مناقشة صغروية لاتتناسب مقام الامامة وغير لائق به.
وأمّا من جهة السند ، فباعتبار أن الشيخ الكلينى روى بسنده الى أبى أيوب عن محمد بن مسلم أنه : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا جالس عن رجل ... » ، (2)بينما الشيخ الطوسى روى الرواية نفسها بسنده الى أبى أيوب أن محمد بن مسلم هو الذى سأل الامام علیه السلام عن رجل نال .... (3).
وكلتا المناقشتين لا وجه لها.
أمّا الاولي ، فلإحتمال وجود مصلحة فى المناقشة الصغروية قد اطلع عليها الامام علیه السلام .
وأمّا الثانية ، فلأن مثل الاختلاف المذكور لا يضر بصحة الرواية.
8 - وأمّا العمة ، فلا نصّ يدلّ على الحاقها بالخالة. والحاقها مبنى على عدم القول بالفصل أو الأولوية القطعية. وكلاهما محل تأمل.
وعلى هذا ، فلا تمكن الفتوى بالالحاق ولابدّ من التنزل الى الاحتياط ، لاحتمال عدم الفصل.
9 - وأمّا تعميم الحكم بحرمة الزواج لبنت مطلق المزنى بها ، فتدلّ عليه مجموعة من الروايات ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سُئل عن الرجل يفجر بالمرأة أيتزوّج بابنتها؟ قال : لا » (1)وغيرها.
وفى مقابل ذلك مجموعة اُخرى تدلّ على العكس ، كصحيحة سعيد بن يسار : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل فجر بامرأة يتزوج ابنتها؟ قال : نعم يا سعيد ، إن الحرام لا يفسد الحلال » (2)وغيرها.
وقد يجمع بينهما بحمل الاُولى على الكراهة ، لصراحة الثانية فى الجواز.
10 - وأمّا أن اللواط يوجب تحريم زواج اللائط باُخت وبنت واُم الملوط به ، فلم ينقل فى ذلك خلاف بين الأصحاب. (3)وقد دلّت على ذلك مرسلة ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « رجل يعبث بالغلام ، قال : اذا أوقب حرمت عليه ابنته واُخته ». (4)
ثم ان ضمير الغائب يرجع الى الغلام دون الرجل ولو بقرينه حكم الاصحاب بعدم حرمة شييء على المفعول به. نعم نقل فى الجواهر : 29 / 448 ، ان الشيخ حكى عن بعض الاصحاب التحريم عليه ايضاً ، ولكنه استبعد ذلك باعتبار ان المحدث عنه هو الرجل. ثم قال : ولعله لاحتمال عود الضمير فى الأخبار الى كل من الفاعل والمفعول.
وقد يحاول التغلب على مشكلة ارسالها من خلال الاستعانة بكبرى وثاقة كلّ من يروى عنه أحد الثلاثة بناء على تماميتها. (1)
بل بالإمكان التعويض بموثقة ابراهيم بن عمر عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « رجل لعب بغلام هل تحل له اُمه؟ قال : إن كان ثقب فلا » (2)وغيرها.
وهى وإن كانت خاصة بالاُم إلاّ إنّه لعدم التفصيل بينها وبين الاُخت والبنت يمكن التعدى اليهما.
وتؤيد ذلك الرواياتالاُخرى المشتمل بعضها على ذكر الاُخت وبعضها الآخر على البنت(3)، فإن ضعف إسنادها لا يمنع من التمسّك بها على مستوى التأييد.
11 - وأمّا التقييد بما اذا كان الفاعل بالغاً والمفعول به صبياً ، فلأن ذلك هو المستفاد من الموثقة لتقييدها الفاعل بالرجل والمفعول به بالغلام.
ودعوي : صدق عنوان الرجل على الفاعل ولو بعد بلوغه ، فيقال : « إنه رجل لعب وثقب » وإن كان ذلك قد تحقق منه مسبقاً. وأيضاً التحريم خارج مخرج الغالب.
مدفوعة : بأن الاُولى مخالفة للظاهر ، فان ظاهر قول القائل : « رجل ثقب » كونه فَعَلَ ذلك حال كونه رجلاً ، كقولنا : « مسافر صلّى قصراً ».
والثانية مجرد احتمال لايمنع من الرجوع الى البراءة فى غير مورد النص.
واذا قيل : إن التقييد بما ذكر لم يرد فى كلام الامام علیه السلام ليستفاد منه اختصاص الحكم بمورده.
قلنا : إن التعميم يحتاج الى دليل أيضا ، ومع فقدانه يكون مقتضى الأصل عدمه.
12 - وأمّا التقييد بما اذا كان اللواط سابقاً على العقد ، فلأن الموثقة وإن كانت مطلقة من هذه الناحية إلاّ انه يستفاد من جملة من النصوص الاُخرى أن ما يطرأ بعد العقد لا يرتفع به الحل الثابت سابقاً ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سئل عن الرجل يفجر بامرأة أيتزوج ابنتها؟ قال : لا ، ولكن إن كانت عنده امرأة ثم فجر باُمها أو اُختها لم تحرم عليه امرأته ، إن الحرام لا يفسد الحلال » (1)وغيرها.
وموردها وإن كان هو الزنا إلاّ أنه بعموم التعليل يمكن تسرية الحكم الى اللواط أيضاً.
13 - وأمّا أن من تزوج بذات البعل تحرم عليه مؤبداً ، فلعدة روايات كموثقة أديم بن الحر : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام : التى تتزوج ولها زوج يفرّق بينهما ثم لا يتعاودان أبداً » (2)وغيرها.
ومقتضى إطلاقها ثبوت الحرمة المؤبدة حتى مع الجهل وعدم الدخول.
إلاّ أن فى مقابلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم فطلقها الأول أو مات عنها ثم علم الأخير أيراجعها؟ قال : لا ، حتى تنقضى عدّتها ». (3)وهى واردة فى صورة الجهل ، ومقتضاها عدم تحقق الحرمة المؤبدة مع فرض الجهل سواء تحقق الدخول أم لا.
واللازم على هذا تخصيص الاُولى بالثانية وتكون النتيجة هى تحقق الحرمة
المؤبدة فى صورة العلم وعدمها فى صورة الجهل من دون فرق فى كلتا الحالتين بين فرض تحقق الدخول وعدمه.
هذا ولكن يوجد فى مقابل الصحيحة الثانية صحيحة ثالثة رواها زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : « إذا نعى الرجل الى أهله أو أخبروها أنه قد طلقها ، فاعتدت ، ثم تزوجت ، فجاء زوجها الأول ، فإن الأول أحق بها من هذا الأخير ، دخل بها الأول أو لم يدخل بها ، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً ولها المهر بما استحلّ من فرجها » (1)، وهى تدلّ على تحقق الحرمة المؤبدة مع فرض الدخول.
وهذه إن كانت ناظرة الى خصوص حالة الجهل كالصحيحة الثانية كانت الثالثة اخص مطلقاً من الثانية ، فتخصصها بفرض عدم الدخول ، وتكون النتيجة انتفاء الحرمة المؤبدة مع الجهل وعدم الدخول وثبوتها مع فرض الجهل والدخول ، وأمّا حالة العلم ، فالحرمة المؤبدة ثابتة فيها للموثقة. وبذلك نصل الى النتيجة التى أشرنا اليها فى المتن.
هذا لو فرض أن الصحيحة الثالثة ناظرة الى خصوص حالة الجهل.
وأمّا اذا كانت مطلقة من هذه الناحية ، فتكون النسبة بينهما - الثانية والثالثة - هي العموم من وجه. ويتعارضان فى فرض الجهل والدخول ويتساقطان فيه ويلزم الرجوع بعد التساقط الى إطلاق موثقة أديم ، لأن المقيّد له - وهو الصحيحة الثانية - مبتليً بالمعارض. وبذلك نصل الى نفس النتيجة أيضاً.
14 - وأمّا أن من زنى بذات البعل تحرم عليه مؤبداً ، فهو المشهور ، (2)بل ادّعى عليه
الإجماع. واستند فى ذلك الي :
أ - التمسّك بدعوى الأولوية القطعية وأن الزواج بذات البعل اذا أوجب الحرمة الأبدية فالزنا بها أولى بإيجابه لذلك.
وفيه : أن الأولوية ممنوعة ، فإن الأحكام الشرعية تعبدية ولا طريق لنا الي معرفة ملاكاتها.
ب - التمسّك بما فى الفقه الرضوي : « ومن زنى بذات بعل محصناً كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها وأراد الذى زنا بها أن يتزوج بها لم تحل له أبداً ». (1)
وفيه : أن الكتاب المذكور لم تثبت نسبته الى إمامنا الرضا علیه السلام ليمكن الاعتماد عليه.
ج - التمسّك بدعوى الإجماع التى نقلها بعض الفقهاء.
وفيه : ان تحقق الإجماع غير ثابت. وعلى تقدير ثبوته لايمكن الحكم بحجيته ، لكونه محتمل المدرك.
ومع عدم ثبوت الدليل على الحرمة المؤبدة يمكن التمسّك لإثبات الحلية وترتب الأثر بعموم قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) . (2)وتبقى مراعاة الاحتياط تحفظاً من مخالفة المشهور أمرا لازما.
هذا كلّه فى الزواج أو الزنا بذات البعل. وأمّا الزواج والزنا بالمعتدة ، فيأتي حكمه إنشاء اللّه تعالى عند البحث عن الاعتداد.
اذا أرضعت امرأة ولد غيرها - ضمن الشروط الآتية - ترتبت على ذلك حرمة النكاح في الجملة وبالشكل التالي :
1 - صيرورة المرضعة اُماً للرضيع ، وصاحب اللبن أباً له ، وأخوتهما أخوالاً وأعماماً له ، وأخواتهما عمات وخالات له ، وأولادهما أخوة له. وهكذا تصير المرضعة جدة لأبناء الرضيع وصاحب اللبن جداً لأبناء الرضيع.
والضابط الكلّي : أن كلّ عنوان نسبى من العناوين السبعة المتقدمة اذا حصل مثله في الرضاع يكون موجباً للتحريم كالحاصل بالولادة ، وأما اذا لم يحصل بسببه أحد تلك العناوين فلا يكون موجباً لانتشار التحريم - إلاّ فى الاستثناء الآتي - وإن حصل بسببه عنوان خاص لو كان حاصلاً بالولادة لكان ملازماً مع أحد تلك العناوين ، كما لو أرضعت امرأة أحد أخوين ، فانها تحرم عليه لصيرورتها اُماً له ولا تحرم على الأخ الآخر؛ لأنها تصير بالرضاع اُم أخيه ، وهى ليست من المحرمات بعنوانها فى باب النسب وإنما تحرم فيه لكونها إما اُماً نسبية أو زوجة الأب.
2 - تحرم على أبى الرضيع بنات المرضعة النسبيات دون الرضاعيات.
وتحرم عليه أيضاً بنات صاحب اللبن النسبيات والرضاعيات. وهذان هما الاستثناء من الضابط الكلّى المتقدّم.
3 - يحرم الرضيع على أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعاً وعلى أولاد المرضعة ولادة لا رضاعاً.
4 - فى جواز زواج أولاد أبى المرتضع الذين لم يرتضعوا من اللبن بأولاد المرضعة نسباً وأولاد الفحل مطلقاً خلاف.
5 - لا فرق فى انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقاً على العقد أو لاحقاً له ، فمن كانت له زوجة صغيرة وأرضعتها بنته أو زوجته الأخرى حرمت عليه لصيرورتها بنتاً له ، وهكذا في بقية الأمثلة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الرضاع سبب لتحقق حرمة النكاح فى الجملة ، فهو من ضروريات الدين. ويدلّ عليه قوله تعالي : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) (1)، وقول الرسول الأكرم صلی اللّه علیه و آله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (2)، وقول صادق أهل البيت علیه السلام : « يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة ». (3)
هذا ما ورد بنحو الضابط الكلى وإلاّ فالوارد فى الموارد المتفرقة فوق حدّ الإحصاء.
2 - وأمّا صيرورة المرضعة اُماً للرضيع وصاحب اللبن أباً له و ... ، فباعتبار أن الآية الكريمة وإن كانت خاصة بالاُمهات والأخوات إلاّ أن ذلك لايقتضى قصر الحرمة عليهما - وإن نسب اختيار ذلك الى بعض العامة(4)- بعد استفادة عموم التنزيل من الروايات.
3 - وأما قصر الحرمة على ما اذا حصل بالرضاع أحد العناوين السبعة دون ما يلازمها ، فلأن ذلك هو المستفاد من قوله صلی اللّه علیه و آله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من
النسب » ، فإن ظاهره النظر الى العناوين الثابت تحريمها فى الشريعة ، وليست هي إلاّ السبعة دون ما يلازمها.
ثم إنه مع التنزل وفرض اجمال دليل التنزيل من هذه الناحية واحتمال إرادة
عموم المنزلة منه يلزم الرجوع الى الأصل المستفاد من قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (1)، كما تقتضيه القاعدة فى مورد تردد المخصص المنفصل بين الاقل والاكثر ، والنتيجة واحدة على كلا التقديرين.
وبهذا يتضح النظر فيما صار اليه المحقق المير محمد باقر الداماد من استفادة عموم المنزلة من دليل التنزيل وألّف رسالة فى ذلك ونسب ما صار اليه الى المشهور(2).
ثم إن الثمرة فى هذا الخلاف كبيرة ، فعلى رأى المشهور تنحصر دائرة انتشار الحرمة بالمرتضع وفروعه من جهة والمرضعة وصاحب اللبن واُصولهما وفروعهما ومن كان فى طبقتهما من جهة اُخري ، ولا يتعدى لما سوى ذلك ، لأن العناوين السبعة لاتتحقق إلاّ فيما ذكر ، بخلافه بناءً على عموم المنزلة ، فإن الحرمة تتعدى الى اُصول المرتضع ومن كان فى طبقته من جهة والمرضعة وصاحب اللبن واُصولهما وفروعهما ومن كان فى طبقتهما من جهة اُخري.
أجل هناك استثناء - على رأى المشهور - تأتى الاشارة اليه إن شاء اللّه تعالى في رقم 4 و 5.
4 - وأمّا أنه تحرم على أبى المرتضع بنات المرضعة بالرغم من عدم اقتضاء
القاعدة لذلك - حيث لايصرن بالاضافة اليه إلاّ أخوات لولده ، واُخت الولد ليست من المحرمات بعنوانها فى باب النسب وإنما تحرم إمّا لكونها بنتاً أو ربيبة - فلصحيحة أيوب بن نوح : « كتب على بن شعيب الى أبى الحسن علیه السلام : امرأة أرضعت بعض ولدى هل يجوز لى أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب علیه السلام : لايجوز ذلك لك ، لأن ولدها صارت بمنزلة ولدك » (1)وغيرها.
وأمّا قصر الحكم على بنات المرضعة من النسب دون الرضاع ، فلظهور كلمة « الولد » فى الصحيحة فى ذلك ، وفى غيره يتمسّك بأصالة الحل المستفادة من قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) . (2)
5 - وأمّا أنه يحرم على أبى المرتضع بنات صاحب اللبن - وهو ما يعبَّر عنه في لسان الفقهاء بجملة : لا ينكح أبو المرتضع فى أولاد صاحب اللبن نسباً ولا رضاعاً - بالرغم من عدم اقتضاء القاعدة لذلك - بالبيان المتقدم - فلصحيحة على بن مهزيار : « سأل عيسى بن جعفر بن عيسى ابا جعفر الثانى علیه السلام أن امرأة أرضعت لى صبياً فهل يحل لى أن اتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي : ما اجود ما سألت ، من ههنا يؤتى أن يقول الناس حرمت عليه امرأته ، من قِبَل لبن الفحل ، هذا هو لبن الفحل لا غيره. (3)
هكذا فسرّ فى الوافي : 21 / 247 ، العبارة المذكورة. وفسّرها الحرّ فى هامش وسائله بشكل آخر فراجع. والامر سهل بعد عدم توقف الاستدلال بالصحيحة على فهم المراد من الجملة المذكورة.
فقلت له : الجارية ليست ابنة المرأة التى أرضعت لي ، هى ابنة غيرها ، فقال : لو كنّ
عشراً متفرقات ما حلّ لك شيء منهنّ ، وكنّ فى موضع بناتك » (1).
وأمّا التعميم لبنات صاحب اللبن من الرضاع أيضاً ، فلفرض وحدة الفحل هنا ، فيقوم الرضاع مقام النسب تمسّكاً بإطلاق : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » ، فاذا حرمت البنات من النسب لصحيحة ابن مهزيار ، حرمت البنات من الرضاع أيضا تمسّكا بالإطلاق المذكور.
6 - وأمّا حرمة الرضيع على بنات صاحب اللبن ولادة أو رضاعاً ، فلأنهنّ أخوات من الأب والاُم أو من الأب فقط ، والأخوات هنّ من أحد العناوين المحرّمة بالنسب ، فتحرمن فى الرضاع أيضاً.
وأمّا حرمة من ينتسب الى المرضعة بالنبوة ولادة ، فلكونهم اخوة من الاُم فيحرمون.
وأمّا عدم حرمة من ينتسب الى المرضعة بالنبوة رضاعاً ، فلعدم اتحاد الفحل الذى هو شرط فى انتشار الحرمة ، كما يأتى إن شاء اللّه تعالي.
7 - وأمّا زواج أولاد أبى المرتضع ببنات المرضعة ولادة وبنات صاحب اللبن ولادة أو رضاعاً ، فقد اختار الشيخ فى الخلاف والنهاية عدم جوازه ، بتقريب أن التعليل فى صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة يدلّ على تنزيل بنات صاحب اللبن منزلة بنات أبى المرتضع ، وهكذا التعليل فى صحيحة أيوب بن نوح يدلّ على تنزيل بنات المرضعة منزلة بنات أبى المرتضع ، ولازم ذلك صيرورة أولاد أبى المرتضع إخوة لبنات صاحب اللبن ولبنات المرضعة ، ومعه لايجوز لهم الزواج بهنّ(2).
وفيه : ان التنزيل فى الصحيحتين قد ثبت بلحاظ أبى المرتضع فقط ، وذلك لايستلزم اُخوّة بنات صاحب اللبن وبنات المرضعة لأولاد أبى المرتضع ، اذ التعبد يتحدد بدائرته ولايسرى الى غيرها ، بعد ما لم تكن الملازمة شرعية.
وعليه ، فالمناسب هو الحكم بالجواز ، تمسّكاً بعموم قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) . (1)
8 - وأمّا عدم الفرق فى انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقاً على العقد أو لاحقاً ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « لو أنّ رجلاً تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح » (2)وغيرها.
بل يكفينا إطلاق ما دلّ على تنزيل الرضاع منزلة النسب بلا حاجة الي نص خاص.
لايوجب الرضاع انتشار الحرمة إلاّ اذا تحقّقت الشروط التالية :
1 - حصول اللبن من ولادة شرعية.
2 - الارتضاع من الثدى فلا يكفى غيره ، كشرب اللبن المحلوب.
3 - عدم تجاوز الرضيع للحولين.
4 - خلوص اللبن فلايكفى اذا كان ممزوجاً بغيره مما يسلبه اسم اللبن.
5 - كون اللبن بتمامه من رجل واحد ، فلو ولدت المرأة من زوجها الأول وتزوجت بآخر وحملت منه وقبل أن تلد ارضعت بلبن ولادتها الاُولى صبياً عشر رضعات ثم بعد ولادتها الثانية أكملتها بخمس - إمّا من دون تخلل المأكول والمشروب أو مع فرض تخللهما بناءً على عدم اخلال فصلهما فى نشر الحرمة ، كما سيأتى إن شاء اللّه تعالي - لم يكف ذلك لانتشار الحرمة.
6 - وحدة المرضعة ، فلو كانت لرجل واحد زوجتان اشتركتا فى ارضاع طفل واحد خمس عشرة رضعة لم يكف ذلك.
7 - أن يكون الارتضاع موجباً لإنبات اللحم وشدّ العظم.
والطريق الشرعى لإحراز ذلك : ارتضاع يوم وليلة أو تحقق عشر رضعات متوالية. وقيل خمس عشرة رضعة.
8 - عدم الفصل برضاع آخر فى التحديد الكمّى والزماني ، بخلافه فى التحديد الكيفي فإنه لا يعتبر فيه ذلك.
وأمّا الفصل بالأكل والشرب ، فلا يعتبر عدمه فى التحديد الكيفى وفى الخمس عشرة رضعة بخلافه فى التحديد الزمانى فإنه يعتبر فيه عدمه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار كون اللبن من ولادة شرعية ، فلا خلاف فيه. ويمكن استفادته من صحيحة عبد اللّه بن سنان : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن لبن الفحل ، قال : هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة اُخرى فهو حرام » (1)، بتقريب أن اسناد اللبن الى الفحل والولد يدلّ على اعتبار الوطء والحمل والولادة. والتعبير ب - « امرأتك » يدلّ على اعتبار العقد الشرعى وعدم كفاية الولادة عن زنا.
ويدلّ عليه أيضاً فى الجملة صحيح يونس بن يعقوب عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن امرأة درَّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال : لا ». (2)
2 - وأمّا اعتبار صدق عنوان الارتضاع من الثدى ، فلأن الحكم فى الادلّة منصبٌّ على عنوان الارضاع والرضاعة ونحو ذلك ، وهو لايصدق عرفاً من دون الامتصاص من الثدي ، ولذا لا يقال لمن شرب الحليب المحلوب من البقرة أنه ارتضع منها ، بخلاف ما لو امتصه من ثديها.
ومع التنزل وتسليم صدقه بدون ذلك ، فيمكن أن يقال بانصرافه الى النحو المتعارف منه ، وفيما عداه يرجع الى عموم قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) . (3)
3 - وأمّا اعتبار أن يكون الرضاع فى الحولين للمرتضع ، فهو المعروف بين
الأصحاب (1)لصحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه : « لا رضاع بعد فطام ». (2)وظاهرها وإن كان يدلّ على كون المدار على الفطام الفعلى دون الوصول الى سنّ الفطام ، وهو الحولان إلاّ انه لابدّ من رفع اليد عن ذلك ، لرواية حماد بن عثمان : « سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : « لا رضاع بعد فطام ، قلت : وما الفطام؟ قال : الحولين الذى قال اللّه عزّوجل » (3)، حيث فسّرت الفطام بالحولين دون الفطام الفعلي. وسندها وإن اشتمل على « سهل » إلاّ أن الأمر فيه سهل ، إن شاء اللّه تعالي.
4 - وأمّا اعتبار الخلوص ، فلأن نشر الحرمة يتوقف على صدق عنوان ارتضاع اللبن ، ومع المزج الموجب لسلب الاسم لايصدق ذلك.
5 - وأمّا اعتبار كون اللبن لفحل واحد ، فهو المشهور(4). ويمكن استفادته من صحيحة ابن سنان المتقدمة حيث ورد فيها : « هو ما أرضعت امرأتك من لبنك » ، فإن عنوان لبنك لا يصدق مع تعدد الفحل.
ومنه يتضح الوجه فى اعتبار وحدة المرضعة ، فإن ظاهر كلمة « امرأتك » هو شخص امرأتك دون جنسها.
هذا مضافاً الى تصريح موثقة زياد بن سوقة الاتية باعتبار كلا الأمرين.
6 - وأمّا تحديد مقدار الرضاع الناشر للحرمة ، فقد وقع محلاً للخلاف. ومنشؤه اختلاف الروايات.
وهى بالرغم من اختلافها اتفقت على التحديد الكيفى وأن الارضاع متى ما
أوجب نبات اللحم وشد العظم تحقق به نشر الحرمة.
بل يظهر منها أن المدار فى نشر الحرمة هو التحديد الكيفي ، وأن التحديد الزمانى والكمى ذكر كطريق لاحراز ذلك ، كما نجد ذلك واضحاً فى صحيحة علي ابن رئاب عن أبى عبداللّه علیه السلام « قلت : ما يحرم من الرضاع؟ قال : ما أنبت اللحم وشدّ العظم. قلت : فتحرّم عشر رضعات؟ قال : لا ، لأنه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات » (1)وغيرها.
والاختلاف فى الروايات ينحصر فى ضبط التحديد الكمي ، ففى بعضها اكتفي بعشر رضعات متوالية ، وفى بعضها الآخر اعتبر خمس عشرة رضعة.
مثال الأول : صحيحة عمر بن يزيد : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين ، فقال : لا يحرّم ، فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات ، فقال : اذا كانت متفرقة فلا ». (2)
ومثال الثانى : موثقة زياد بن سوقة : « قلت لأبى جعفر علیه السلام : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال : لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها ، فلو أن امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتها امرأة اُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما ». (3)
وحيث ان التعارض فى المقام مستقر ولا مرجح فى البين ، فيلزم التساقط والرجوع الى الأصل بلحاظ كل اثر بخصوصه ، فبالنسبة الى صحة العقد على من
رضعت عشراً يستصحب عدم ترتب الأثر ، وبالنسبة الى جواز النظر تجرى البراءة على فرض عدم وجود عموم يصلح التمسك به.
7 - وأمّا اعتبار عدم الفصل برضاع آخر فى التحديد الكمى ، فلدلالة موثقة زياد وصحيحة عمر بن يزيد على ذلك بوضوح.
وأمّا اعتبار ذلك فى التحديد الزماني ، فلانصراف عنوان اليوم والليلة الى ذلك.
وأمّا عدم اعتبار ذلك فى التحديد الكيفي ، فلأنّ اللازم بناءً عليه نبات اللحم واشتداد العظم ، ولايهم بعد تحققه ثبوت الفصل بأى شيء كان لإطلاق النصوص من هذه الناحية.
8 - وأمّا أن الفصل بالأكل والشرب لا يعتبر عدمه فى التحديد بخمس عشرة رضعة ، فلأن موثقة زياد قد قيدت الفاصل الذى يعتبر عدمه بالرضاع من امرأة اُخري ، وهذا بخلافه لو أخذنا برواية العشر ، فإنه يعتبر عدم الفصل بذلك لاعتبار عدم التفرق فيها الذى لايصدق مع الفصل بالأكل والشرب.
وأمّا أنه لا يعتبر عدم الفصل بذلك فى التحديد الكيفي ، فلأن المعتبر فيه اشتداد العظم ونبات اللحم كيفما اتفق ، لفرض إطلاق الروايات من هذه الناحية.
وأمّا انه يعتبر عدم الفصل بذلك فى التقدير الزماني ، فلعدم صدق عنوان اليوم والليلة مع الفصل المذكور.
أجل ، لا يضر مثل شرب الماء والدواء بمقدار قليل ، لانه أمر متعارف فى اليوم والليلة ولا يضر بالصدق عرفاً.
لا يجوز الزواج بالمرأة فى عدّتها من الغير.
وتحرم مؤبداً مع علمهما أو علم أحدهما بالصغرى والكبرى ولو مع عدم الدخول. ومع الدخول تحرم كذلك ولو مع جهلهما بذلك.
ولا فرق فى الدخول بين كونه فى القبل أو الدبر.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة الزواج بالمعتدة من الغير ، فهو من ضروريات الفقه. وقد دلّ علي ذلك الكتاب الكريم فى الجملة. قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (1)، فإنها بالمفهوم تدلّ على المطلوب.
وقال : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) (2)، فإن المقصود من وجوب التربّص - ولا أقلّ بقرينة الآية الاُولى - هو الامتناع من الزواج.
وقال تعالي : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (3)، فإنه لا معنى لإحصاء العدة إلاّ اذا فرض حرمة الزواج فيها.
وقال : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (4)، فإنه لا
معنى لوجوب التربص - ولو بقرينة ذيلها - إلاّ حرمة زواجها بالغير.
هذا من حيث الكتاب الكريم.
وأمّا الروايات فيمكن استفادة ذلك من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية وغيرها.
2 - وأمّا التقييد بما اذا كانت العدة من الغير ، فباعتبار أن المفهوم من نصوص تشريع العدة كون المنع من الزواج هو لاحترام ذى العدة.
واذا شكك فى ذلك أمكن التمسّك بنصوص الزواج المؤقت الدالّة على جواز تجديد الزوج العقد فى العدّة - بعد ضمّ عدم القول بالفصل - كما فى صحيح محمد ابن مسلم حيث سأل أبا عبداللّه علیه السلام عن المتعة ، فقال : « إن أراد أن يستقبل أمراً جديداً فعل ، وليس عليها العدّة منه ، وعليها من غيره خمس وأربعون ليلة » (1)وغيره.
3 - وأمّا الحرمة المؤبدة ، فلابدّ لإثباتها من الاستعانة بالروايات. وهى علي طوائف أربع :
أ - ما دلّ على الحرمة المؤبدة مطلقاً.
ب - ما دلّ على نفيها مطلقاً.
ج - ما دلّ على التفصيل بين حالة العلم ، فتحرم مؤبداً وحالة الجهل ، فلا تحرم.
د - ما دلّ على التفصيل بين فرض الدخول فتحرم مؤبداً وبين عدمه فلا تحرم.
مثال الاُولي : رواية محمد بن مسلم : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يتزوج
1) وسائل الشيعة : 14 / 475 ، باب 23 من ابواب المتعة ، حديث 1.
المرأة فى عدّتها ، قال : يفرّق بينهما ولا تحل له أبداً ». (1)
وسندها لا يخلو من إشكال لاشتماله على عبد اللّه بن بحر الذى لم تثبت وثاقته إلاّ بناء على تمامية كبري : وثاقة جميع رجال تفسير القمي. (2)
ومثال الثانية : صحيحة على بن جعفر عن أخيه علیه السلام : سألته عن امرأة تزوجت قبل أن تنقضى عدتها ، قال : يفرّق بينها وبينه ويكون خاطباً من الخُطّاب » (3).
وسندها فى رواية قرب الاسناد وإن اشتمل على عبداللّه بن الحسن الذى هو مجهول الحال إلاّ ان صاحب الوسائل قد رواها من كتاب على بن جعفر نفسه ، وطريقه اليه صحيح كما تقدم أكثر من مرة. (4)
ومثال الثالثة : موثقة اسحاق بن عمار : « قلت لأبى ابراهيم علیه السلام : بلغنا عن أبيك أن الرجل اذا تزوّج المرأة فى عدتها لم تحل له أبداً ، فقال : هذا اذا كان عالماً ، فاذا كان جاهلاً فارقها وتعتد ثم يتزوجها نكاحاً جديداً ». (5)
ومثال الرابعة : صحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن المرأة الحبلي يموت زوجها فتضع وتزوج قبل أن تمضى لها أربعة أشهر وعشراً ، فقال : إن كان دخل بها فُرّق بينهما ولم تحل له أبداً واعتدت ما بقى عليها من الأول واستقبلت عدة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما واعتدت بما بقى عليها من الأول وهو خاطب من الخُطّاب ». (6)
1) وسائل الشيعة : 14 / 350 ، باب 17 من ابواب ما يحرمن بالمصاهرة ، حديث 22.
2) لاستيضاح الكبرى المذكورة لاحظ كتاب دروس تمهيدية فى القواعد الرجالية : ص 171.
3) وسائل الشيعة : 14 / 349 ، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ، حديث 19.
4) لاحظ : ص 232 من الجزء الثانى من هذا الكتاب.
5) وسائل الشيعة : 14 / 347 ، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ، حديث 10.
6) وسائل الشيعة : 14 / 346 ، باب 17 من اواب ما يحرم بالمصاهرة ، حديث 6.
والمناسب الجمع بينها بما دلّت عليه صحيحة الحلبى الاُخرى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « اذا تزوج الرجل المرأة فى عدتها ودخل بها لم تحل له أبداً عالماً كان أو جاهلاً ، وإن لم يدخل حلت للجاهل ولم تحل للآخر » (1)بأن يقيد إطلاق كلّ واحدة من الطوائف بما تقتضيه الصحيحة المذكورة.
4 - وأمّا إن علم أحدهما يكفى فى تحقق الحرمة المؤبدة ، فهو واضح لو كان العالم هو الزوج ، لكون ذلك مورد موثقة اسحاق المتقدمة.
وأمّا لو كان العالم هو الزوجة ، فيمكن التمسّك بذيل صحيحة ابن الحجاج الآتية ، فإنه بإطلاقه يشمل الزوجة ، وعدم ثبوت الحلية لها بالرجوع كافٍ فى اثبات المطلوب.
5 - وأمّا أن المقصود من العلم الموجب للحرمة المؤبدة هو العلم بالصغري والكبرى ، فباعتبار أن ظاهر الروايات المتقدمة وإن كان هو إرادة العلم بالعدة ، إلاّ أن العلم بها لمّا كان يلازم العلم بالحرمة عادة ، فيثبت أن المراد من العلم الذى هو سبب للحرمة المؤبدة هو العلم بالموضوع والحكم معاً ، ولا يكفى العلم بأحدهما فى تحقق الحرمة المؤبدة.
ولو قطعنا النظر عن هذا ، فيمكن استفادة ذلك بوضوح من صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبى ابراهيم علیه السلام : « سألته عن الرجل يتزوج المرأة فى عدّتها بجهالة أهى ممن لا تحل له أبداً؟ فقال : لا ، أمّا اذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضى عدتها وقد يعذر الناس فى الجهالة بما هو أعظم من ذلك ، فقلت : بأى الجهالتين يعذر بجهالته ان ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنها فى عدة؟ فقال : احدى الجهالتين أهون من
1) وسائل الشيعة : 14 / 345 ، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ، حديث 3.
الاخري ، الجهالة بأن اللّه حرّم ذلك عليه ، وذلك بأنه لايقدر على الاحتياط معها؛ فقلت : وهو فى الاُخرى معذور؟ قال : نعم اذا انقضت عدتها فهو معذور فى أن يتزوجها؛ فقلت : فإن كان أحدهما متعمدا والآخر بجهل ، فقال : الذى تعمد لا يحل له أن يرجع الى صاحبه أبدا ». (1)
6 - وأمّا كفاية الدخول فى الدبر فى تحقق الحرمة المؤبدة ، فلإطلاق ما تقدم.
لا تجوز الزيادة فى العقد الدائم على أربع زوجات.
ومن كانت عنده أربع وطلّق واحدة رجعياً ، فلا يجوز له الزواج بالخامسة إلاّ بعد انتهاء العدة.
ومن طلّق زوجته ثلاثاً وقد تخلل بينها رجعتان أو ما بحكمهما ولم يتخلل بينها نكاح رجل آخر حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره. واذا تكرر الطلاق بعد ذلك حرمت فى السادس كما سبق ، وفى التاسع تحرم مؤبداً على بيان يأتى فى باب الطلاق إن شاء اللّه تعالي.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم جواز الزيادة على أربع ، فممّا لاخلاف فيه بين المسلمين(2). ويمكن استفادته من قوله تعالي : « وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة » (3)، فإن العدد وإن لم
يكن له مفهوم إلاّ أن ذلك اذا لم يسق فى مقام التحديد وإلاّ ثبت له ، وظاهر الآيه الكريمة سوقها لذلك.
والروايات الدالّة على ذلك كثيرة ، كصحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا جمع الرجل أربعاً وطلّق احداهن فلا يتزوج الخامسة حتي تنقضى عدّة المرأة التى طلّق. وقال : لا يجمع ماءه فى خمس » (1)وغيرها.
واحتمال كون المقصود تحريم وطء الخامسة دون أصل الزواج بها لقوله علیه السلام : « لا يجمع ماءه على خمس » ضعيف ، لأن ظاهره الكناية عن الزواج؛ ومع التنزل تكفينا الروايات الاُخري.
2 - وأمّا التخصيص بالعقد الدائم ، فلا خلاف فيه. وتدلّ عليه الروايات الكثيرة ، كصحيحة زرارة : « قلت : ما يحل من المتعة؟ قال : كم شئت » (2)وغيرها.
ولا يضرها اضمارها بعد ما كان المضمر مثل زرارة الذى لا تليق به الرواية عن غير الامام علیه السلام . على أن بالامكان التعويض عنها بالروايات الاُخري.
واذا قيل : إن موثقة عمار عن أبى عبداللّه علیه السلام قالت عن المتعة : « هي أحد الأربعة » (3)، وهذا يدلّ على الخلاف.
قلنا : لابدّ من توجيهها بشكل آخر لعدم التزام أحد بمضمونها. ويمكن حملها على إرادة الاحتياط تحفظاً من إنكار المخالفين ، كما دلّت عليه بوضوح صحيحة البزنطى عن أبى الحسن الرضا علیه السلام : « قال أبو جعفر علیه السلام : اجعلوهن من الأربع ، فقال له
صفوان بن يحيي : على الاحتياط؟ قال : نعم ». (1)
3 - وأمّا عدم جواز الزواج بالخامسة لمن طلّق واحدة رجعياً قبل انتهاء عدتها ، فلاخلاف فيه(2). وتدلّ عليه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة وغيرها.
وأمّا تقييد الطلاق بما اذا كان رجعياً ، فهو المشهور باعتبار انقطاع العصمة في البائن. (3)
والمناسب التعميم ، لإطلاق الصحيحة المتقدمة وغيرها إلاّ ان يثبت إجماع تعبدى على خلافه فيكون مقيداً.
لا يجوز للمسلم الزواج بالكافرة غير الكتابية. وفى جوازه بالكتابية خلاف.
وأمّا المسلمة فلا يجوز لها الزواج بغير المسلم مطلقاً.
ولا يجوز للمسلم الزواج بالكتابية على زوجته المسلمة بدون إذنها ، حتى بناءً على جواز زواج المسلم بالكتابية.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم جواز زواج المسلم بالكافرة غير الكتابية ، فقد ادّعى عليه الإجماع(4). وقد يستدلّ له بقوله تعالى (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ
مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) . (1)
ولكنه - كما ترى - خاص بالمشركة ولايعم مطلق الكافرة إلاّ أن يتمسّك بأحد البيانين التاليين :
أ - إن ذيل الآية الكريمة « اُولئك يدعون الى النار » ينفى الخصوصية للمشركة.
ب - التمسك بالغاية - حتى يؤمنَّ - حيث تدل على ان المسلم لايجوز له الزواج بغير المؤمنة.
وكلاهما كما تري.
أمّا الاول : فلأن ذيل الآية الكريمة وارد مورد الحكمة ، فلا يمكن التمسّك به لإثبات التعميم ، بل لا ينفع التمسّك به حتى على تقدير وروده مورد العلة ، لانه يدلّ آنذاك على عدم ثبوت النهى اذا لم تتحقق الدعوة بالفعل الى النار ، كما اذا كان بين الزوجين نفرة لايمكن تحقق الدعوة الى النار معها.
وأمّا الثاني : فلأحتمال ان لايكون المقصود من الايمان الاسلام بل الايمان باللّه سبحانه بنحو التوحيد ومن دون شرك.
والأولى الاستدلال بقوله تعالي : (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (2)، فإن العصم جمع عصمة ، وهى ما يعتصم به كالعقد. والكوافر جمع كافرة. والمراد نهي المؤمنين عن الاستمرار فى نكاح الكوافر لانقطاع العصمة بالاسلام. واذا ثبت هذا بقاءً ثبت ابتداءً بالاولوية.
وعلى هذا ، يتمسّك بإطلاق الآية الكريمة إلاّ أن يقوم دليل على الخلاف في
مورد ، فيقيد به فى ذلك المورد.
2 - وأمّا الكتابية ، فيمكن القول بجواز زواج المسلم بها انقطاعاً ، بل دواماً أيضاً - خلافاً لما قيل ، ولعله المشهور من عدم الجواز مطلقاً أو فى خصوص الدائم(1)- لصحيحة معاوية بن وهب وغيره عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الرجل المؤمن يتزوج اليهودية والنصرانية؟ فقال : اذا اصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له : يكون له فيها الهوي ، قال : إن فعل فليمنعها من شرب الخمر واكل لحم الخنزير ... » (2)وغيرها.
وتبقى مراعاة الاحتياط أمرا لازما تحفظا من مخالفة المشهور.
3 - وأمّا عدم جواز زواج المسلمة بالكافر ، فلا خلاف فيه. (3)ويمكن استفادته من قوله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (4)، فإن النهى فى مرحلة البقاء يلازم النهى فى مرحلة الحدوث إن لم يكن ذلك أولي.
ويمكن استفادة ذلك أيضاً من روايات متعددة ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا أسلمت امرأة وزوجها على غير الاسلام فُرّق بينهما » (5)وغيرها.
4 - وأمّا عدم جواز الزواج بالكتابية على المسلمة ، فلعدة روايات ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « لا تتزوج اليهودية والنصرانية على المسلمة » (1)وغيرها.
بل فى بعضها يضرب الزوج ثمن حدّ الزاني ، كما فى صحيح هشام بن سالم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « رجل تزوج ذمية على مسلمة ، قال : يفرّق بينهما ويضرب ثمن حدّ الزانى اثنا عشر سوطاً ونصفاً ، فان رضيت المسلمة ضرب ثمن الحدّ ولم يفرّق بينهما ... ». (2)
ودلالتها واضحة على أن عدم الجواز حق للمسلمة وليس حكماً شرعياً ليمتنع ارتفاعه بإذنها أو رضاها المتأخر.
لا يجوز للمحرم الزواج حالة احرامه سواء كانت المرأة محرمة أيضاً أم لا. ولو فعل ذلك مع علمه بالحرمة حرمت عليه مؤبداً ، سواء دخل بها أم لا.
ومن قذف زوجته بالزنا حُدَّ حدَّ القذف إلاّ اذا لاَعَنَها فإنه يدرأُ بذلك الحدّ عن نفسه ، ولكنّه يحرم عليها مؤبداً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم جواز زواج المحرم حالة احرامه ، فلا خلاف فيه. (3)وتدلّ عليه
صحيحة يونس بن يعقوب : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن المحرم يتزوج؟ قال : لا ، ولا يزوّج المحرم المحل » (1)وغيرها.
2 - وأمّا الحرمة المؤبدة ، فالروايات فيها على ثلاث طوائف :
أ - ما دلّ على الحرمة المؤبدة مطلقاً.
ب - ما دلّ على عدمها مطلقاً.
ج - ما دلّ على التفصيل بين فرض العلم بالحرمة ، فتثبت الحرمة مؤبداً وبين عدمه فلا تثبت.
مثال الاُولي : موثقة أديم بن الحر عن أبى عبداللّه علیه السلام : « إن المحرم اذا تزوج وهو محرم فُرّق بينهما ولا يتعاودان أبداً ، والذى يتزوج المرأة ولها زوج يفرّق بينهما ، ولا يتعاودان أبداً ». (2)
ومثال الثانية : صحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قضى امير المؤمنين علیه السلام فى رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحل؛ فقضى أن يخلى سبيلها ولم يجعل نكاحه شيئاً حتى يحل ، فاذا أحلّ خطبها إن شاء وإن شاء اهلها زوجوه ، وإن شاءوا لم يزوجوه ». (3)
ومثال الثالثة : صحيحة زرارة وداود بن سرحان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... والمحرم اذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبداً ». (4)
والتعارض بين الاُولى والثانية - بقطع النظر عن الثالثة - وإن كان مستقراً إلاّ أنه
بعد ملاحظة الثالثة يمكن الجمع عرفاً بحمل الاُولى على فرض العلم بالحرمة والثانية على فرض الجهل. وبذلك نصل الى النتيجة المذكورة فى المتن.
وأمّا التعميم لفرض الدخول وعدمه ، فلإطلاق النصوص من هذه الناحية.
3 - وأمّا أن من قذف زوجته بالزنا حُدَّ حَدَّ القذف إلاّ اذا لاَعَنَها ، فيأتى وجهه فى باب الحدود ان شاء اللّه تعالي.
وأمّا ثبوت الحرمة المؤبدة باللعان ، فتدلّ عليه صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سئل عن الرجل يقذف امرأته ، قال : يلاعنها ثم يفرّق بينهما ، فلا تحل له أبداً ». (1)
1) وسائل الشيعة : 14 / 379 ، باب 32 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ، حديث 1.
الزواج المؤقت - وهو ما يصطلح عليه بعقد التمتع - مشروع بلا إشكال.
ويعتبر فيه الايجاب والقبول اللفظيان ، وتعيين المهر والأجل ، وبدون ذلك يبطل.
كما يعتبر فيه الاعتداد - بعد انتهاء الأجل أو الإبراء من باقيه - بحيضتين كاملتين تلحظان بعد ذلك. واذا فرض أنها لاتحيض وهى فى سن من تحيض ، لزمها الاعتداد بخمسة وأربعين يوماً.
هذا فى غير الصغيرة واليائسة والتى لم يدخل بها ، وأمّا هنّ فلاعدة عليهنّ.
كما ان هذا فى غير موت الزوج أثناء الأجل وإلاّ لزمها الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
والولد المتحقق به ملحق بالزوج وله جميع حقوق الولد الثابتة فى العقد الدائم.
ولاتستحق الزوجة فيه النفقة ولا توارث بينها وبين الزوج لو تحقق موت أحدهما في الأجل إلاّ مع الاشتراط.
كما أنه لا طلاق فيه ، بل تحصل البينونة بانتهاء المدّة أو هبة ما تبقّى منها.
ولا يجوز للمسلم التمتع بالكافرة غير الكتابية.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا شرعية الزواج المؤقت فهي ، من شعار الامامية وضرورات مذهبهم ، بل ذلك مورد اتفاق جميع المسلمين وإن اختلفوا فى نسخه بعد ذلك.
ويدلّ على ذلك قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) . (1)
وأحاديثنا فى ذلك متواترة ، بل وأحاديث غيرنا كذلك.
فمن أحاديثنا صحيح زرارة : « جاء عبد اللّه بن عمير الليثى الى أبى جعفر علیه السلام فقال : ما تقول فى متعة النساء؟ فقال : أحلّها اللّه فى كتابه وعلى سنّة نبيه ، فهى حلال الى يوم القيامة ، فقال : يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها عمر ونهى عنها! فقال : وإن كان فعل ، فقال : فإنى اُعيذك باللّه من ذلك أن تحل شيئاً حرّمه عمر ، فقال له : فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فهلمَّ اُلاعنك أن الحق ما قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأن الباطل ما قال صاحبك ... » (2)وغيره.
ومن أحاديث غيرنا ما رواه البخارى ومسلم عن جابر بن عبد اللّه وسلمة بن الأكوع قالا : « خرج علينا منادى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قد أذن لكم أن تستمتعوا ، يعنى متعة النساء » (3).
وبعد اتفاق السنّة الشريفة من كلا الطرفين على ذلك لا تجدى الدغدغة في دلالة الآية الكريمة بدعوي : أن الاستمتاع ليس بمعنى عقد التمتع ، بل بمعني الدخول المتحقق فى العقد الدائم وأن الآية بصدد بيان أن الدخول موجب لاستحقاق المهر كاملاً(4)، ان هذا لايجدى بعد دلالة السنّة الشريفة واتفاق المسلمين على ذلك. (5)
1) النساء : 24.
2) وسائل الشيعة : 14 / 437 ، باب 1 من ابواب المتعة ، حديث 4.
3) صحيح مسلم ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ، رقم 1405 ؛ صحيح البخاري ، كتاب النكاح ، باب نهي رسول اللّه(ص) عن نكاح المتعة آخراً ، رقم 5117.
4) أحكام القرآن لابى بكر الجصاص : 2 / 184 ؛ تفسير القرطبي : 5 / 129 ؛ تفسر الرازي : 5 / 51.
5) من جملة من نقل الاتفاق على اباحة المتعة فى صدر الاسلام الفخر الرازى فى تفسيره : 5 / 51.
أجل ، تنفع فى المقام دعوى نسخ المشروعية ، إلاّ أن صدور ذلك من النبى صلی اللّه علیه و آله إن لم يكن مقطوع العدم فهو مشكوك ، ومعه يجرى استصحاب عدم النسخ الذى هو حجة لدى الجميع.
وصدور النهى من بعد زمان النبى صلی اللّه علیه و آله وان كان مسلَّماً (1)
وروى الرازى فى تفسيره : 5 / 52 عن عمران بن الحصين : « نزلت آية المتعة فى كتاب اللّه تعالى ولمتنزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول اللّه وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنه ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ».
ونقل فى نفس الصفحة من تفسيره عن الطبرى فى تفسيره عن على بن ابى طالب : « لولا ان عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلاّ شقي ».
ونقل فى نفس الصفحة ايضاً ان الخليفة الثانى قال فى خطبته : « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه انا انهي عنهما واعاقب عليهما ».
وقد روى المضمون المذكور البيهقى فى سننه : 7 / 206.
وروى احمد فى مسنده : 3 / 325 : « تمتعنا متعتين على عهد رسول اللّه : الحج والنساء ، فنهانا عنهما عمر فانتهينا ».
وروى احمد فى مسنده ايضاً : 2 / 95 انه قيل لعبداللّه بن عمر الذى كان يفتى بجواز التمتع : « كيف تخالف اباك وقد نهى عن ذلك؟ فقال لهم : ويلكم ألا تتقون ... افرسول اللّه احق ان تتبعوا سنته ام سنّة عمر؟! ».
إلاّ انه لا ينفع بعد ما كان نسخ الأحكام حقاً خاصاً بالنبى صلی اللّه علیه و آله وفى عصره ، لوضوح أن حلاله حلال الي يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة(2).ومن الجرأة على اللّه سبحانه مقالة من أجاب : « إن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع » (3)، إن اللّه سبحانه يقول عن نبيه : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
1) روى مسلم فى صحيحه فى باب نكاح المتعة ، رقم 1409 عن ابى نضرة قال : « كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آتٍ ، فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا فى المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول اللّه ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما ».
2) ورد المضمون المذكور فى صحيحة زرارة التى رواها الشيخ الكلينى فى الكافي : 1 / 58.
3) الجواب المذكور نقله القوشجى فى شرحه على تجريد الاعتقاد 374 فى مقام الدفاع عن الخليفة الثاني من دون تعليق عليه.
الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (1)، (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (2)وفى مقابله يقال : إن النبى مجتهد كبقية أفراد البشر دون أى فرق ، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) . (3)
واذا قيل فى الردّ على مشروعية المتعة : « سمّى الزنا سفاحاً لانتفاء أحكام النكاح عنه من ثبوت النسب ووجوب العدة وبقاء الفراش ، ولمّا كانت هذه المعاني موجودة فى المتعة كانت فى معنى الزنا ». (4)
قلنا : هذه مناقشة لله سبحانه ولرسوله الاكرم صلی اللّه علیه و آله حيث ثبتت المشروعية عنهما فى بداية الشريعة بالاتفاق. على انه سيأتى اعتبار الاُمور الثلاثة المذكورة في الزواج المؤقت كالدائم.
واذا قيل : إن ايجار المرأة نفسها كلّ فترة من الزمن لرجل يتنافى والإحصان المؤكد عليه فى الشريعة ويتلائم مع السفاح.
بل جواز المتعة يتنافى مع قوله تعالي : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (5)، فإن المتمتّع بها ليست زوجة ولا ملك يمين فيكون الزواج بها من العدوان المحرم.
على أن التحريم الصادر من الخليفة الثانى لم يكن من قبل نفسه بل هو مبيِّن ، ومنفّذ له ، واذا كان النهى قد نسبه الى نفسه فهو بهذا المعني(6).
قلنا : لا تنافى بين الزواج المؤقت والإحصان اذا ما فهمنا شروطه كما ينبغي. كيف؟ ولو كان يلزم منه ذلك ، عاد الاشكال على تشريعه الثابت فى عهد الرسول صلی اللّه علیه و آله جزماً.
والمنافاة مع الآية الكريمة لا نعرف لها وجهاً بعد ما كانت المتعة فرداً حقيقياً للزواج ، غايته هى زواج مؤقت له تمام خصوصيات الزواج الدائم إلاّ من بعض الجهات.
والدفاع المذكور أخيراً دفاع بما لا يرضى به صاحبه وهو أوهن من بيت العنكبوت.
2 - وأمّا أن الزواج المؤقت لا يتحقق إلاّ بإيجاب وقبول لفظيين ، فباعتبار أنه فرد من الزواج فيشمله ما تقدم اعتباره فى الزواج الدائم.
بل إن الزواج المؤقت اختص بروايات دلّت على اعتبار ذلك فيه ، وقد تقدمت الاشارة الى بعضها سابقاً.
ثم إن الصيغة التييقع بها الزواج المذكور أن تقول المرأة : متعتك أو انكحتك أو زوجتك نفسى بمهر كذا الى أجل كذا ، ثم يقول الرجل : قبلت.
وكلّ ما تقدم من أبحاث فى الزواج الدائم - كاعتبار العربية أو تقدّم الايجاب أو كونه من المرأة أو ... آتٍ هنا لكونه فرداً حقيقياً للزواج كالدائم.
3 - وأمّا اعتبار تعيين المهر والأجل فى الزواج المؤقت وبطلانه عند عدم ذلك ، فلصحيحة زرارة عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا تكون متعة إلاّ بأمرين : أجل مسمّى واجر مسمّيً ». (1)وغيرها.
1) وسائل الشيعة : 14 / 465 ، باب 17 من ابواب المتعة ، حديث 1.
4 - وأمّا وجوب الاعتداد بعد انتهاء الأجل أو الابراء من باقيه ، فلا إشكال فيه في الجملة ، وإنما الإشكال فى مقدار العدّة؛ حيث دلت بعض الروايات على أنه حيضتان فيمن تحيض وخمسة وأربعون يوماً فيمن لا تحيض وهى فى سنِّ من تحيض ، بينما دلَّ بعضها الآخر على كونه حيضة واحدة فيمن تحيض وخمسة واربعين يوماً فيمن لاتحيض.
مثال الأول : صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن المتعة فقال : الق عبد الملك بن جريح فسله عنها فإن عنده منها علماً ، فلقيته فأملي عليَّ شيئاً كثيراً فى استحلالها وكان فيما روى لى فيها ... فاذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق ... وعدتها حيضتان ، وإن كانت لاتحيض فخمسة وأربعون يوماً ، قال : فأتيت بالكتاب أبا عبد اللّه علیه السلام : فقال : صدق واُقرّ به ... ». (1)
ومثال الثاني : صحيحة زرارة عن أبى عبداللّه علیه السلام : « عدة المتعة إن كانت تحيض فحيضة ، وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف ». (2)
والجمع العرفى بينهما بحمل الاُولى على الاستحباب متعذر إمّا لأن الأوامر الارشادية لا تقبل ذلك مطلقاً ، أو لأنها وإن قبلت ذلك ولكن بشرط أن يكون لسانها لسان الأمر دون لسان الإخبار كما هو المفروض فى المقام.
ومع تعذّر الجمع العرفى يكون التعارض مستقراً فيلزم الرجوع الى المرجّحات التى هى موافقة الكتاب الكريم ومخالفة التقية ، وحيث انها غير متوفرة فى المقام يتعيّن التساقط والرجوع الى الأصل ، وهو يقتضى اعتبار الحيضتين للشك في
ترتب الأثر على العقد الثانى قبل مضى ذلك فيستصحب عدمه. ولا مجال للرجوع الى قوله تعالي : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (1)لكونه ناظراً الى العموم الأفرادى دون الأحوالي.
5 - وأمّا اعتبار كمال الحيضتين بعد انتهاء الأجل أو الإبراء وعدم كفاية الحيضة التى يقع انتهاء الأجل أو الإبراء فى أثنائها ، فهو واضح بناءً على ترجيح صحيحة الهاشمي ، لأن ظاهر التعبير « وعدتها حيضتان » هو ما ذكر ، وأمّا بناءً على التساقط والرجوع الى الأصل فالأمر كذلك أيضاً كما هو واضح.
6 - وأمّا عدم لزوم الاعتداد على الصغيرة واليائسة والتى لم يدخل بها ، فتدلّ عليه رواية عبد الرحمن بن الحجاج : « قال أبو عبداللّه علیه السلام : ثلاث يتزوجن على كلّ حال : التى لم تحض ومثلها لاتحيض ، قال : قلت : وما حدّها؟ قال : اذا أتى لها أقل من تسع سنين ، والتى لم يدخل بها والتى قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض ... » (2)وغيرها.
وسندها وان اشتمل على سهل بن زياد إلاّ أن الامر فيه سهل إن شاء اللّه تعالي.
7 - وأمّا أن عدتها من الوفاة أربعة اشهر وعشرة أيام ، فهو المشهور(3). وتدلّ عليه صحيحة زرارة : « سألت أبا جعفر علیه السلام ما عدة المتعة اذا مات عنها الذى تمتع بها؟ قال : أربعة أشهر وعشراً ، ثم قال : يا زرارة كل النكاح اذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة وعلى أى وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجاً أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر
وعشراً ... » (1)وغيرها.
بل يمكن التمسّك بعموم قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) . (2)
واذا قيل : إنه ورد فى رواية على بن يقطين عن أبى الحسن علیه السلام : « عدة المرأة اذا تمتع بها فمات عنها خمسة واربعون يوماً » (3)، وفى رواية الحلبى عن ابيه عن رجل عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن رجل تزوج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدتها؟ قال : خمسة وستون يوماً » (4)وهذا يتنافى مع ماتقدم.
قلنا : لو تمَّ سند الروايتين ولم يناقش فى الاُولى من ناحيه أحمد بن هلال وفي الثانية من ناحية الارسال ، تحقق التعارض بينهما وبين صحيحة زرارة ، وترجّح الثانية لموافقتها للكتاب الكريم.
8 - وأمّا أن الولد ملحق بالزوج ، فهو من واضحات الفقه. وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام فى حديث فى المتعة ، قلت : « أرأيت ان حبلت ، فقال : هو ولده » (5)وغيرها.
بل لانحتاج الى رواية خاصة بعد قول النبى صلی اللّه علیه و آله : « الولد للفراش وللعاهر الحجر ». (6)
وأمّا ترتب جميع أحكام الولد عليه ، فباعتبار أن ذلك لازم كونه ولده ، إذ يشمله
1) وسائل الشيعة : 15 / 484 ، باب 52 من ابواب العدد ، حديث 2.
2) البقرة : 234.
3) وسائل الشيعة : 15 / 485 ، باب 52 من ابواب العدد ، حديث 3.
4) وسائل الشيعة : 15 / 485 ، باب 52 من ابواب العدد ، حديث 4.
5) وسائل الشيعة : 14 / 488 ، باب 33 من ابواب المتعة ، حديث 1.
6) وسائل الشيعة : 14 / 568 ، باب 58 من ابواب نكاح العبيد والاماء ، حديث 4.
آنذاك إطلاق أدلّة أحكام الولد الثابتة لعنوانه.
9 - وأمّا عدم استحقاق المتمتَّع بها للنفقة ، فقد ادّعى صاحب الجواهر الإجماع على ذلك(1). واستدلّ له الشيخ البحرانى بما دلّ على أنها لا تطلّق ولا تورث وإنما هى مستأجرة ، قال قدس سره : « ومن المعلوم أن الاجير لانفقة له ». (2)
وكان من المناسب له الاستدلال لذلك أيضاً برواية هشام بن سالم : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أتزوج المرأة متعة مرّة مبهمة ، فقال : ذلك اشد عليك ترثها وترثك ولا يجوز لك أن تطلقها إلاّ على طهر وشاهدين ، قلت : أصلحك اللّه فكيف أتزوجها؟ قال : اياماً معدودة بشيء مسمّى مقدار ما تراضيتم به ، فاذا مضت أيامها كان طلاقها في شرطها ولا نفقة ولا عدة لها عليك ». (3)
ودلالتها واضحة إلاّ أن سندها يشتمل على موسى بن سعدان وعبد اللّه بن القاسم الذَيْن لم تثبت وثاقتهما ، ولكن ذلك غير مهم على مبانى الشيخ البحرانى قدس سره .
هذان وجهان لإثبات عدم وجوب الانفاق على المتمتّع بها. وكلاهما كما تري.
والأنسب أن يستدلّ على ذلك بأن المسألة عامة البلوي ، وحكمها لابدّ وأن يكون واضحاً بين الأصحاب ، وحيث لايحتمل أن يكون هو وجوب الانفاق - وإلاّ لانعكس ذلك على الروايات وكلمات الأصحاب ، والحال أن الأمر بالعكس تماماً - فيتعين أن يكون هو عدم الوجوب ، وهو المطلوب.
10 - وأمّا أنه لا توارث فى الزواج المؤقت إلاّ مع الاشتراط ، فهو المشهور. (4)
والروايات فى هذا المجال على ثلاث طوائف :
أ - ما دلّ على عدم الارث من دون تفصيل.
ب - ما دلّ على الارث مع الشرط.
ج - ما دلّ على الارث إلاّ مع اشتراط العدم.
مثال الأولي : صحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « ... ولا ميراث بينهما فى المتعة اذا مات واحد منهما فى ذلك الأجل ». (1)
ومثال الثانية : صحيحة البزنطى عن أبى الحسن الرضا علیه السلام : « تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث ، إن اشترطت كان وإن لم تشترط لم يكن ». (2)
ومثال الثالثة : موثقة محمد بن مسلم : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول فى الرجل يتزوج المرأة متعة أنهما يتوارثان اذا لم يشترطا ، وإنما الشرط بعد النكاح(3)» (4)، بناءً على أن المقصود : اذا لم يشترطا عدم الارث ، وأمّا اذا كان المقصود : اذا لم يشترطا الأجل ، فهى أجنبية عن المقام ولابدّ من حذف الطائفة الثالثة من الحساب.
ثم إن المعارضة تنحصر بين الطائفة الثالثة والثانية وإلاّ فالأولى ليست طرفاً لها بعد كونها بمثابة المطلق القابل للتقييد بأى واحدة من الطائفتين الأخيرتين.
وكلتا الطائفتين متفقتان على ثبوت الارث مع الاشتراط وإنما التعارض عند فرض عدم الاشتراط ، فالثانية تدلّ على عدم الارث والثالثة تدلّ على ثبوته.
وبعد التعارض فى هذا المقدار يتساقطان ويلزم الرجوع الى الطائفة الاُولي ،
لانها بمثابة العام الفوقاني ، وبالتالى تكون النتيجة ثبوت الارث عند اشتراطه لكونه مورد اتفاق الطائفتين الأخيرتين وعدم ثبوته عند عدم اشتراطه تمسّكاً بإطلاق الطائفة الاُولي.
وبذلك نصل الى النتيجة التى صار اليها المشهور.
11 - وأمّا أنه لاطلاق فى عقد التمتع بل تحصل البينونة بانتهاء الأجل ، فهو ممّا لاخلاف فيه. وتدلّ عليه صحيحة الهاشمى المتقدمة فى رقم 4 وغيرها.
وأمّا أنه يصح للزوج هبة ما يبقى من الأجل وتبين بذلك فهو ممّا لاخلاف فيه أيضاً. وتدلّ عليه صحيحة على بن رئاب : « كتبت اليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها أيّامها قبل أن يفضى اليها أو وهب لها ايامها بعد ما أفضى اليها هل له أن يرجع فيما وهب لها من ذلك؟ فوقَّع علیه السلام : لايرجع » (1)وغيرها.
وهى تدلّ على المفروغية عن جواز الابراء وإنما السؤال عن جواز التراجع عنه.
واضمارها لايضر بحجيتها بعد كون المضمر من أجلاّء الأصحاب الذين لاتليق بهم الرواية عن غير المعصوم علیه السلام .
12 - وأمّا عدم جواز الزواج المؤقت بالكافرة غير الكتابية ، فلنفس ما تقدم من الوجه فى العقد الدائم.
1) وسائل الشيعة : 14 / 483 ، باب 29 من ابواب المتعة ، حديث 1.
1 - حقيقة الطلاق
2 - شرائط صحة الطلاق
3 - اقسام الطلاق
4 - أحكام العدة
5 - من أحكام الخلع والمباراة.
الطلاق ايقاع يتضمن انشاء الزوج للفرقة بعد تحقق الزوجية الدائمة.
وهو مشروع بضرورة الدين من الزوج فقط إلاّ فى موارد خاصة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الطلاق ايقاع ، فلأنه متقوّم بالضرورة بالايجاب بلا مدخلية للقبول فى تحققه.
وأمّا أن حقيقته ما ذكر فهو من بديهيات اللغة والشرع.
وأمّا اختصاص مورده بفرض الزواج الدائم ، فلما يأتى إن شاءاللّه تعالي.
2 - وأمّا أنه مشروع فهو من ضروريات دين الاسلام. ويدلّ على ذلك أيضا ترتيب الأحكام الخاصة عليه فى الكتاب الكريم. قال تعالي : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... ) (1)، (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ ... ) (2)، (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ... ) (1)، الى غير ذلك من الأيات الكريمة.
واذا كان الزواج أحبّ شيء الى اللّه سبحانه فالطلاق أبغض شيء اليه. وقد ورد فى الحديث الشريف عنه صلی اللّه علیه و آله : « ما من شيء أحب الى اللّه عزّ وجل من بيت يعمر بالنكاح. وما من شيء أبغض الى اللّه عزّ وجل من بيت يخرب فى الاسلام بالفرقة ، يعنى الطلاق ». (2)
وفى حديث آخر « تزوّجوا ولا تطلقوا ، فإن الطلاق يهتزّ منه العرش ». (3)
أجل ، هذا يختص بحالة الوآم بين الزوجين أو وجود مشاكل لا ينحصر علاجها بالطلاق وإلاّ لم يكن مبغوضاً لعدم احتمال المبغوضية شرعا فى مثل ذلك. مضافا الى دلالة جملة من الروايات على ذلك. وقد ورد فى الحديث : « أن أباجعفر علیه السلام كانت عنده امرأة تعجبه وكان لها محبا فأصبح يوما وقد طلّقها واغتم لذلك ، فقال له بعض مواليه : لِمَ طلقتها؟ فقال : انى ذكرت عليا علیه السلام فتنقصته ، فكرهت أن ألصق جمرة من جهنم بجلدي » (4). بل روى عن الرسول الاعظم صلی اللّه علیه و آله : « خمسة لا يستجاب لهم : رجل جعل اللّه بيده طلاق امرأته فهى تؤذيه وعنده ما يعطيها ولم يخلّ سبيلها ... » (5)
3 - وأمّا اختصاص مشروعية الطلاق بالزوج ، فهو من الضروريات التى لا تحتاج الى دليل.
بل إن القصور فى مقتضى التعميم كافٍ وحده لإثبات الاختصاص.
ويؤيد الاختصاص مرسلة أبى بكر عن بعض أصحابنا عن أبى عبداللّه علیه السلام : « امرأة نكحها رجل ، فأصدقته المرأة وشرطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق ، فقال : خالفَ السنّة وولّى الحق من ليس أهله ، وقضى أن على الرجل الصداق وأن بيده الجماع والطلاق وتلك السنّة » (1)، والحديث النبوي : « الطلاق بيد من أخذ بالساق » (2).
وأما موارد الاستثناء التى يصح فيها الطلاق من غير الزوج ، فيأتى التحدث عنها فيما بعد إن شاءاللّه تعالي.
يلزم لوقوع الطلاق صحيحا توفّر :
1 - البلوغ ، فلا يصح طلاق الصبى وإن بلغ عشرا ، بل ولا طلاق وليه عنه.
2 - العقل ، فلا يصح طلاق المجنون إلاّ اذا كان بالغا فإنه يجوز لوليه الطلاق مع اقتضاء المصلحة لذلك.
3 - الاختيار ، فلا يصح طلاق المكره.
4 - القصد ، فلا يصح طلاق السكران والهازل وغيرهما ممّن لا قصد له.
5 - التنجيز ، فلا يقع الطلاق لو قال الزوج لزوجته : أنت طالق إن فعلت كذا.
6 - تعيين المطلقة ، فلا يصح لو قال الزوج : احدى زوجاتى طالق.
7 - أن تكون الزوجة فى حالة طهرٍ - من الحيض والنفاس - لم يواقعها فيه.
ويستثنى من ذلك :
أ - ما اذا كان المطلِّق غائباً ، فإن الطلاق يقع صحيحاً منه حتى مع اتّضاح عدم طهرها حالته بشرطين : عدم إمكان تعرفه على حالها ، ومضى فترة يعلم بحسب عادتها انتقالها من طهر الى آخر. والاحتياط يقتضى أن تكون الفترة شهرا. وأحوط من ذلك أن تكون ثلاثة أشهر.
وفى حكم الغائب الحاضر الذى لا يمكنه التعرف على حال زوجته كالمسجون.
ب - ما اذا كانت حاملاً وقد استبان حملها فإنه يصح طلاقها وإن لم تكن على طهر أو كانت فى طهر المواقعة.
ج - ما اذا لم تكن مدخولاً بها.
د - ما اذا كانت صغيرة لم تبلغ سنَّ التكليف وقد دخل بها الزوج وإن كان ذلك محرَّما.
ذ - ما اذا كانت قد بلغت سنَّ اليأس.
ه - المسترابة - وهى من كانت فى سن من تحيض ولا تحيض لخلقة أو لعارض اتفاقي من رضاع أو مرض طاريء وما شاكل ذلك - فإنه يجوز طلاقها وإن كان ذلك فى طهر المجامعة بشرط مضى ثلاثة أشهر على المواقعة الأخيرة.
8 - أن يكون الزواج دائما فلا يقع بالمتمتع بها ، بل تتحقق الفرقة بانتهاء المدة أو هبة المقدار المبقى منها.
9 - اشهاد رجلين عادلين.
10 - الصيغة الخاصة ، وهي « أنت طالق » أو « زوجتى طالق » أو « فلانة طالق » وما أشبه ذلك من الصيغ المشتملة على كلمة « طالق ». ولا يصح بصيغة « فلانة مطلقة » أو « طلقت فلانة ».
وتجزيء الترجمة عند تعذر النطق بالعربية.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار البلوغ فى المطلِّق ، فهو المشهور(1)بين المتأخرين لعدّة اُمور :
أ - التمسّك بحديث : « رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم » (2)، فإن مقتضى إطلاقه الشمول لقلم الوضع أيضا.
وضعف سنده منجبر بعمل الأصحاب - كما تقدم غير مرة - بناءً على تمامية كبرى الانجبار.
ب - اتفاق الأصحاب على اعتبار البلوغ فى باب البيع وسائر المعاملات المالية. والطلاق ان لم يكن أولى باعتبار ذلك فيه ، فلا أقلّ من عدم احتمال الفرق بينهما.
ج - الروايات الخاصة ، من قبيل موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على علیهم السلام : « لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم » (3)وغيرها.
إلاّ أن فى مقابل ذلك موثقة ابن بكير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين » (4)وغيرها.
وقد يجمع بحمل الاُولى على من كان عمره أقلّ من عشر سنين بقرينة الثانية.
هذا ما تقتضيه الصناعة. ولكن الاحتياط باعتبار البلوغ أمر لازم تحفظا من مخالفة المشهور.
2 - وأما عدم ثبوت الولاية على الطلاق لولى الصبى ، فأمر لا خلاف فيه. (1)ويكفى لإثباته القصور فى المقتضي. ومع التنزّل يمكن التمسّك بالروايات الخاصة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « الصبى يتزوج الصبية يتوارثان؟فقال : اذا كان أبواهما اللذان (2)زوجاهما فنعم. فقلت : فهل يجوز طلاق الأب؟ قال : لا » (3)وغيرها.
3 - وأما عدم صحة الطلاق من المجنون ، فلعدم تحقق القصد منه والروايات الخاصة ، كصحيحة الحلبي : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن طلاق السكران وعتقه ، فقال : لا يجوز. قال : وسألته عن طلاق المعتوه ، قال : وما هو؟ قال : قلت : الأحمق الذاهب العقل ، قال : لا يجوز » (4)وغيرها.
4 - وأما أنه يجوز الطلاق لولى المجنون فهو المشهور(5)لصحيحة أبى خالد القماط : « قلت لأبى عبد اللّه علیه السلام : الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه؟ قال : ولِمَ لايطلق هو؟ قلت : لايؤمن إن طلق هو أن يقول غدا : لم اُطلق ، أو لايحسن أن يطلق ، قال : ما أرى وليّه إلاّ بمنزلة السلطان » (6)وغيرها.
هذا وقد نسب الخلاف فى المسألة الى ابن ادريس تمسّكا بأن الأصل بقاء
1) جواهر الكلام : 32 / 5.
2) الظاهر ان الصواب : اللذين.
3) وسائل الشيعة : 14 / 220 ، باب 12 من ابواب عقد النكاح ، حديث 1 ؛ : 15 / 326 ، الباب 33 من ابواب مقدمات الطلاق.
4) وسائل الشيعة : 15 / 328 ، باب 34 من ابواب مقدمات الطلاق ، حديث 5.
5) جواهر الكلام : 32 / 6.
6) وسائل الشيعة : 15 / 329 ، باب 35 من ابواب مقدمات الطلاق ، حديث 1.
العقد ، وبالنبوي : « الطلاق بيد من أخذ بالساق » (1)
وفيه : أن الأصل لا مجال له مع الدليل الاجتهادي. والنبوى على تقدير تماميته سندا قابل للتقييد بصحيحة القماط وغيرها.
ثم إنه لا يبعد أن يكون قوله علیه السلام : « ولِمَ لا يطلق » ناظرا إما الى فرضية عدم زوال العقل بشكل كامل أو الى حالة الجنون الأدوارى مع فرض الافاقة ، كما نبّه عليه فى الحدائق(2).
5 - وأما تقييد جواز طلاق ولى المجنون بما اذا كان - المجنون - بالغا ، فلأنه بدون فرض ذلك يكون مشمولاً لإطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالّة على أن الأب لا يجوز له الطلاق بالولاية.
وصحيحة القماط ان كان لها اطلاق للصبي ، عارض اطلاق صحيحة محمد بن مسلم فى الصبى المجنون وتساقطا ولزم الرجوع الى الاصل ، وهو يقتضى عدم ترتب الاثر على طلاق غيره.
6 - وأما تقييد جواز ولى طلاق المجنون بالمصلحة بالرغم من إطلاق الروايات من هذه الناحية ، فباعتبار الجزم بان الولاية المجعولة للولى ليست تكريما له ، بل لحاجة المولّى عليه الى من يتصرف عنه تحقيقا لمصالحه.
7 - وأما عدم صحة طلاق المكره ، فأمر لا خلاف فيه. ويدلّ عليه حديث الرفع(3)والروايات الخاصة ، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « سألته عن طلاق المكره و
عتقه ، فقال : ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق ... » (1)وغيرها.
8 - وأما اعتبار القصد ، فللتسالم على تبعية العقود والايقاعات له. هذا مضافا الى الروايات الخاصة الواردة بلسان : « لا طلاق إلاّ لمن أراد الطلاق » (2).
9 - وأما التنجيز ، فمدركه منحصر بالإجماع المدّعى على اعتباره ، وإلاّ فغيره قابل للتأمّل من قبيل :
أ - منافاة التعليق لقاعدة عدم تأخّر المعلول عن علته.
ب - أن ظاهر الروايات فعلية الطلاق بمجرد تحقق الصيغة ، واشتراط تأخره الي حصول المعلق عليه شَرْعٌ جديد.
وقد تمسّك بهذين الوجهين صاحب الجواهر(3).
ووجه التأمل :
أما فى الأول ، فلأن العلة ليست هى الصيغة بمجردها ، بل مع الشرط فلا تأخر.
واما فى الثاني ، فلأنه لا توجد رواية تدلّ بوضوح على ذلك. ومع التنزّل يمكن دعوى نظرها الى الحالة الغالبة ، وهى التنجيز.
10 - وأما اعتبار تعيين المطلَّقة ، فلأنه بدونه يلزم تعلق الطلاق بالواحدة المرددة من الزوجات ، وهو باطل لعدم معقولية الفرد المردد.
11 - وأما اعتبار أن تكون المطلّقة طاهرة بطهر لم تواقع فيه ، فأمر متسالم عليه. (4)وتدلّ عليه النصوص المستفيضة ، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « أما
طلاق السنّة فاذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين ... » (1). وصحيحة الفضلاء عن أبى جعفر وأبى عبد اللّه علیهماالسلام : « اذا طلّق الرجل فى دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها ، فليس طلاقه ايّاها بطلاق » (2)وغيرهما.
12 - وأما استثناء حالة غيبة المطلِّق ، فأمر متسالم عليه(3)للروايات المتعددة الواردة بلسان : « خمس يطلقهنّ أزواجهنّ متى شاءوا : الحامل المستبين حملها ، والجارية التى لم تحض ، والمرأة التى قعدت من المحيض ، والغائب عنها زوجها ، والتى لم يدخل بها » (4).
وسند الروايات المذكورة جلاًّ أو كلاًّ صحيح ، فراجع.
13 - وأما تعميم الحكم بالصحة لما اذا اتضح عدم الطهر واقعا حالة الطلاق ، فللتمسّك بإطلاق الروايات المذكورة ، بل وللتصريح بالتعميم فيها بلفظ « متي شاءوا ».
على أنه قد يقال بأن الطهر واقعا لو كان معتبرا يلزم عدم ثبوت الخصوصية لعنوان غيبة المطلِّق.
14 - وأما اعتبار عدم إمكان التعرف على حالها ومضى فترة يعلم فيها بالانتقال ، فلأن لايحتمل اعتبار عنوان الغيبة بنحو الموضوعية ، بحيث يكون مجرد غيبة الزوج فى الساعات الاُولى كافٍ لجواز الطلاق حتى مع إمكان تحصيل العلم بسهولة أو
فرض العلم ببقاء طهر المواقعة أو كونها فى حالة حيض أو نفاس.
15 - وأما الاحتياط باعتبار مضى شهر ، فلموثق ابن سماعة : « سألت محمد بن أبي حمزة متى يطلِّق الغائب؟فقال : حدثنى اسحاق بن عمار أو روى اسحاق بن عمار عن أبى عبد اللّه علیه السلام أو أبى الحسن علیه السلام قال : اذا مضى له شهر » (1).
وإنما كان الحكم بنحو الاحتياط دون الفتوى باعتبار أن لسان الروايات السابقة : « خمس يطلقهن أزواجهن متى شاءوا ... » آبٍ عن التقييد ، فإنه لو كان مضى الشهر معتبراً لم يكن للغائب الطلاق متى شاء.
ومن القريب جدا أن يكون اعتبار مضى الشهر من باب أنه الفترة التى يحرز فيها عادة الانتقال من طهر الى آخر. ويترتب على ذلك أنه لو تَمَّ الاحراز قبل مضي الفترة المذكورة كان ذلك كافيا للحكم بصحة الطلاق.
ولكن مع ذلك كله يبقى الاحتياط باعتبار مضى الشهر حتى مع تحقق الاحراز قبله أمرا وجيها.
16 - وأما أحوطية اعتبار مضى ثلاثة أشهر ، فلموثقة اسحاق بن عمار الاُخري : « قلت لأبى ابراهيم علیه السلام : الغائب الذى يطلِّق أهله كم غيبته؟قال : خمسة أشهر ، ستة أشهر.قال : حُدّ دون ذا ، قال : ثلاثة أشهر » (2)، فانّه ظاهراً وان كان يقتضى الإلزام بمضى ثلاثة أشهر إلاّ أنه لابدّ من رفع اليد عن ذلك لعدم احتمال اعتبار مضى المدة المذكورة حتّى مع الجزم بالانتقال من طهر الى آخر ، فإن حال الغائب ليست اسوأ من حال الحاضر.
وعليه ، فمع الجزم بالانتقال لا يعتبر مضى ثلاثة أشهر وإن كان ذلك أحوط تحفظا على العمل بظاهر الموثقة.
17 - وأما إن الحاضر بحكم الغائب اذا لم يمكنه التعرف على حال زوجته ، فلما تقدم من عدم احتمال أن تكون لغيبة المطلِّق موضوعية ، بل الخصوصية لعدم إمكان التعرف على حال الزوجة الملازم عادة مع الغيبة. وعليه فيسرى حكم الغيبة الي الحضور الذى هو بمثابتها.
وممّا يدل على ذلك أيضا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجل تزوّج امرأة سرّا من أهلها وهى فى منزل أهله وقد أراد أن يطلقّها وليس يصل اليها ، فيعلم طمثها اذا طمثت ولا يعلم بطهرها اذا طهرت ، فقال : هذا مثل الغائب عن أهله يطلِّق بالأهلة والشهور ... » (1).
18 - وأما استثناء الحامل المستبين حملها ، فهو لما تقدم من الروايات الواردة بلسان : « خمس يطلقهن ازواجهن متى شاءوا : الحامل المستبين حملها ... ».
وأما أنه يصح طلاقها حتى اذا لم تكن على طهر أو كانت فى طهر المواقعة فللتقريبات الثلاثة المتقدمة فى رقم 13.
19 - وأما استثناء غير المدخول بها والصغيرة واليائس ، فللروايات المتقدمة نفسها.
20 - وأما أن المسترابة يجوز طلاقها بعد مضى ثلاثة أشهر من المواقعة الأخيرة ، فلم ينسب فيه الخلاف لأحد. (2)ويدلّ عليه صحيح اسماعيل بن سعد الأشعري :
« سألت الرضا علیه السلام عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق؟قال : تطلق بالشهور » (1).
واذا كان فى المراد من كلمة « الشهور » اجمال لعدم تشخص عدد الأشهر ، فيمكن من خلال مراجعة روايات عدّة المرأة المسترابة(2)تحصيل الاطمئنان بإرادة ثلاثة أشهر.
هذا ويمكن أن يقال : ان « كلمة الشهور » جمع يصدق على الثلاثة ، وإرادة الأقلّ غير محتملة ، وإرادة ما زاد تحتاج الى دليل ، ومقتضى الإطلاق الاكتفاء بالثلاثة.
21 - وأما أنه لا طلاق فى عقد التمتع فأمر متسالم عليه. (3)واستدلّ له فى الحدائق بما دلَّ على حصول الفرقة بانتهاء المدة بلا حاجة الى طلاق ، كصحيح محمد بن اسماعيل عن أبى الحسن الرضا علیه السلام : « قلت له : الرجل يتزوج المرأة متعة سنة أو أقل أو أكثر ، قال : اذا كان شيئا معلوما ، الى أجل معلوم قال : قلت : وتبين بغير طلاق؟ قال : نعم » (4).
وفيه : ان هذا المضمون تكرر فى الروايات إلاّ أنه لا ينفى إمكان وجود سبب ثانٍ لتحقق الفرقة - أثناء المدة - وهو الطلاق.
ومن هنا قال فى الجواهر : « لم يحضرنى من النصوص ما يدلّ على عدم وقوع الطلاق بالمتمتع بها. نعم فيها ما يدل على حصوله بانقضاء المدة وبهبتها ، ولكن ذلك لا يقتضى عدم صحته عليها لإمكان تعدد الأسباب » (5)
هذا وبالإمكان تحصيل بعض الروايات على ذلك من قبيل رواية محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « المتعة ليست من الأربع ، لأنها لاتطلَّق ولاترث وانما هي مستأجرة » (1)، ورواية الحسن الصيقل عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قلت : رجل طلَّق امرأته طلاقا لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره ، فتزوجها رجل متعة أتحلّ للأول؟ قال : لا ، لأن اللّه يقول : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا) والمتعة ليس فيها طلاق » (2).
وهاتان الروايتان إن تَمّ سندهما - ولم يناقش فى الاولى بالقاسم بن عروة وفي الثانية بالصيقل - كانتا هما المستند وإلاّ انحصر المدرك بالتسالم.
22 - وأما تحقق الفرقة بهبة ما تبقى من المدة ، فأمر متسالم عليه. وتدلّ عليه صحيحة على بن رئاب : « كتبت اليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها أيامها قبل أن يفضى اليها أو وهب لها أيامها بعد ما أفضى اليها ، هل له أن يرجع فيما وهب لها من ذلك؟ فوقَّع علیه السلام : لا يرجع » (3)وغيرها.
23 - وأما اعتبار الاشهاد فى الطلاق ، فهو من شعار الامامية. وقد تقدم فى بداية البحث عن النكاح حوار الامام الكاظم علیه السلام مع أبى يوسف القاضي ، فراجع.
ويدلّ على ذلك قوله تعالي : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ... فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (4).
واحتمال رجوع الأمر بالاشهاد الى الامساك الذى هو بمعنى الرجوع بعيد ، لتخلل الفاصل المانع من ذلك.
والروايات فى المسألة كثيرة كادت أن تبلغ حدّ التواتر ، وقد تقدمت الاشارة الى بعضها.
24 - وأما أن صيغة الطلاق ما تقدم ، فلصحيحة محمد بن مسلم حيث « سأل أبا جعفر علیه السلام عن رجل قال لامرأته : أنتِ عليّ حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية. قال : هذا كلّه ليس بشيء إنما الطلاق أن يقول لها فى قبل العدة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها : « أنتِ طالق » أو « اعتدّي » يريد بذلك الطلاق ويشهد علي ذلك رجلين عدلين » (1)أو غيرها.
والمذكور فيها جملة : « أنتِ طالق » ولكنه يتعدّى الى غيرها ممّا اشتمل علي كلمة « طالق » من جهة أنه فى الطلاق لا يلزم أن يواجه الزوج به زوجته ويخاطبها به ، بل يجوز عند غيبتها التى لا يتأتى معها الخطاب بضمير « أنت ».
وهل يتحقق الطلاق بجملة « اعتدّي »؟ المناسب ذلك - لو لم يثبت تسالم علي الخلاف - تمسكا بالصحيحة المذكورة وغيرها. ونسب القول بذلك الى ابن الجنيد. (2)
إلاّ أنه اذا ثبت تسالم الأصحاب على عدم القول بذلك فالمتعيَّن الاقتصار علي الصيغة المتقدمة ، ولا أقلّ من كون ذلك هو مقتضى الاحتياط اللازم.
25 - وأما إجزاء الترجمة عند تعذر النطق بالعربية ، فلأن الطلاق لم يشرّع
لخصوص العرب.
وهل يلزم توكيل العربى إن أمكن؟ المناسب ذلك الدليل على ترتب الأثر معه. بل ان ذلك يمكن استفادته مما دلَّ على ان الصيغة « انتِ طالق ».
ينقسم الطلاق الى القسمين التاليين :
الأول : بدعي؛ وهو ما كان فاقدا للشرائط المتقدمة. وحكمه البطلان.
ويلحق بالقسم المذكور الطلاق ثلاثا من دون تخلل رجعة فى البين - بأن يقول المطلِّق : « أنتِ طالق ثلاثا » أو يقول : « أنتِ طالق ، أنتِ طالق ، انتِ طالق » قاصدا بذلك تعدد الطلاق - إلاّ انه لا يبطل رأسا ، بل تقع لدى المشهور طلقة واحدة دون ما زاد.
الثاني : سنّي؛ وهو الطلاق الجامع للشرائط المتقدمة. وهو على نحوين :
1 - بائن؛ وهو ما لا يحق للزوج الرجوع فيه الى المطلقة سواء كان لها عدة أم لا. ومصاديقه ستة :
أ - طلاق الصغيرة التى لم تبلغ سن المحيض حتى مع فرض الدخول بها عمدا أو اشتباها.
ب - طلاق اليائسة.
ج - الطلاق قبل الدخول.
وهذه الثلاثة ليس لها عدّة.
د - المطلقة بالطلاق الثالث المسبوق بطلاقين قد تعقبتهما عودة برجوع أو عقد جديد ، فإنها تحرم على زوجها حتى ينكحها رجل آخر ويفارقها بموت أو طلاق ، فيجوز آنذاك للأول العقد عليها بعد انتهاء العدة.
ذ - طلاق الخلع والمباراة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت.
ه - - طلاق الحاكم الشرعى لزوجة الممتنع من الانفاق والطلاق.
2 - رجعي؛ وهو ما يحق للزوج الرجوع فيه فى العدة سواء رجع بالفعل أم لا. ومصداقه ما عدا الأفراد الستة المتقدمة.
ثم إن الرجعي¨ ينقسم بدوره الى عدّى وغيره.
ويراد من العدّى أن يطلِّق الزوج زوجته على الشرائط ثم يراجع قبل الخروج من العدة ويواقع ثم يطلقها فى غير طهر المواقعة ثم يراجعها ويواقعها ثم يطلقها فى طهر آخر. وبذلك تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره ، فاذا طلقها أو مات ، جاز للأول الزواج بها بعد انتهاء العدة.
هذا هو الطلاق العدّي. واذا تكرر حرمت فى السادس أيضا حتى تنكح آخر بالشكل المتقدم ، وفى التاسع تحرم مؤبداً.
والطلاق العدّى بالمعنى المذكور متقوّم بأمرين :
أحدهما : تخلل رجعتين. ولا يكفى وقوع عقدين جديدين أو عقد ورجعة.
ثانيهما : تحقق المواقعة بعد كلّ رجعة.
فطلاق العدة على هذا مركب من ثلاث طلقات : ثنتان منها رجعية وواحدة - وهى الثالثة - بائنة.
ولا خلاف فى تحقق الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع فى الطلاق العدّى بالتفسير المذكور. كما لا خلاف - من غير ابن بكير - فى تحقق الحرمة فى كلّ طلاق ثالث بأى شكل اتفق. وإنما الخلاف فى تحقق الحرمة المؤبدة فى الطلاق التاسع فيما اذا لم يكن عدّيا بالمعنى المتقدم ، والمشهور صار الى العدم.
ثم إن الطلاق السنّى له ثلاثة اطلاقات :
أ - سنّى بالمعنى الأعم. وهو كلّ طلاق جامع للشرائط مقابل الطلاق البدعى الفاقد لبعضها. وهذا الإطلاق هو ما تقدمت الاشارة اليه.
ب - سنّى مقابل العدّي. وهو ما تتحقق فيه الرجعة فى العدة من دون مواقعة.
ج - سنّى بالمعنى الأخص. وهو ما لاتتحقق فيه الرجعة فى العدة ، بل تنقضى ثم يتزوجها الزوج بعقد جديد.
والمستند فى ذلك :
1 - أما التقسيم الى البدعى والسنّى ، فهو - كما تقدم - باعتبار الواجدية للشرائط المتقدمة وعدمها ، فما كان فاقدا لها هو بدعي ، نسبة الى البدعة بمعنى المحرّم ، وغير المشروع ، وما كان واجدا لها هو سنّي ، نسبة الى السنّة بمعنى المشروع.
والمعروف فى كلمات بعض الأصحاب - كالمحقق وغيره - اصطلاح البدعي على اقسام ثلاثة من الطلاق غير المشروع - وليس على جميع مصاديقه وإن كانت كلّها باطلة - هي : طلاق الحائض والنفساء فى غير موارد الاستثناء ، والطلاق في طهر المقاربة ، والطلاق ثلاثاً من غير تخلل رجعة(1).
والأمر سهل بعد عدم المشاحة فى الاصطلاح.
2 - وأما أن البدعى باطل ، فلأن المشروط عدم عند عدم شرطه. هذا فى مذهبنا.
وأما الجمهور فقد اتفقت كلمتهم على الصحة مع الاثم(2).
1) شرائع الاسلام : 3 / 588 ، انتشارات استقلال.
2) قال الجزيري : « اذا طلّق الزوج امراته طلاقا بدعيا ، فانه تسُنُ له رجعتها ... ويحسب عليه الطلاق البدعي سواء كان واحدا أو اكثر باتفاق الائمة الاربعة. وخالفهم بعض الشواذ الذين لا يعوّل على آرائهم ». راجع : الفقه على المذاهب الاربعة : 4 / 274 ، مبحث ما يترتب على الطلاق البدعى من الاحكام.
هذا كله فى غير الطلاق ثلاثا بلا تخلل رجعة ، وأما هو فيقع واحدا عندنا كما سيتضح وجهه.
3 - وأما الطلاق ثلاثا بدون تخلل رجعة ، فقد اتفقت كلمة أصحابنا على بطلانه ، بمعنى عدم وقوعه ثلاثا(1)خلافا للجمهور(2)
هذا وقد جاءت روايات اهل البيت : ترد بشدة على الطلاق ثلاثا وانه لايقع الا واحدة أو ليس بشيء وانه مخالف لكتاب اللّه عزّوجلّ.
نعم هو مخالف لكتاب اللّه الناطق بان « الطلاق مرّتان » ؛ البقرة : 229.
ان تعريف الطلاق بالالف واللام يدل على ان الطلاق المشروع هو المرّتان لا غير ، وواضح ان عنوان المرتين لا يصدق إلاّ مع التفرقة بين الطلاقين.
. واتفقت أيضا على وقوعه واحدا فى حالة الولاء ، أى تكرار جملة « أنتِ طالق » ثلاث مرات ، واختلفت فى حالة الارسال وعدم التكرار ، بأن قيل : « أنتِ طالق ثلاثا ».ولو رجعنا الى الروايات وجدناها على طائفتين :
الاُولي : ما دلَّ على وقوع طلاق واحد من دون تفصيل بين حالة الولاء وحالة الارسال. وهى متعددة كصحيحة زرارة عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته عن رجل طلّق
1) جواهر الكلام : 32 / 116 - 117.
2) قال الجزيري : « يملك الرجل الحر ثلاث طلقات ولو كان زوجا لأمةٍ ويملك العبد طلقتين ولو كان زوجا لحرة ، فاذا طلّق الرجل زوجته ثلاثا دفعة واحدة ، بان قال لها : انت طالق ثلاثا لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الاربعة. وهو رأى الجمهور. وخالفهم فى ذلك بعض المجتهدين ، كطاوس وعكرمة وابن اسحاق ، وعلى رأسهم ابن عباس رضياللّه عنهم ، فقالوا : انه يقع به واحدة لا ثلاث. ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وابى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : الناس قد استعجلوا فى امر كان لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فامضاه عليهم ». الفقه على المذاهب الاربعة : 4 / 303 ، مبحث تعداد الطلاق.
امرأته ثلاثا فى مجلس واحد وهى طاهر قال : هى واحدة » (1)، وصحيحة الاسدى والحلبى وابن حنظلة جميعا عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الطلاق ثلاثا فى غير عدة (2)إن كانت على طهر فواحدة وإن لم تكن على طهر فليس بشيء ». (3)
الثانية : ما دلَّ على البطلان رأسا ، كصحيحة أبيبصيرعن أبى عبداللّه علیه السلام : « من طلّق ثلاثا فى مجلس فليس بشيء. من خالف كتاب اللّه عزّوجل رُدَّ الى كتاب اللّه عزّوجل » (4)وغيرها.
وقد جمع فى الحدائق بحمل الاُولى على حالة الولاء والثانية على حالة الارسال مستندا فى ذلك الى ان روايات الطائفة الاُولى قد اشتملت على تعبير « الطلاق ثلاثا » ، وهو لا يصدق إلاّ مع تكرار جملة « أنتِ طالق » ثلاثا نظير ما لوقيل : « سبِّح اللّه » عشرا فانه لا يصدق على قول : « سبحان اللّه عشرا ». (5)
وفيه : أن التعبير « طلّق ثلاثا فى مجلس واحد » وارد فى كلتا الطائفتين لا خصوص الاُولي.
ولعلّ الأنسب حمل الطائفة الثانية على نفى وقوعه ثلاثا ، لأن النفى فى جملة « فليس بشيء » مطلق ، فيقيد بالثلاث بقرينة الطائفة الاُولي. ومعه تعود الطائفة الاُولى بلا معارض فيتمسّك بإطلاقها لإثبات وقوع طلقة واحدة فى كلتا الحالتين : الارسال والولاء.
1) وسائل الشيعة : 15 / 311 ، باب 29 من ابواب مقدمات الطلاق ، حديث 2.
2) يراد من الطلاق فى غير عدة ، الطلاق الذى لا يتعقبه رجوع فى العدة.
3) وسائل الشيعة : 15 / 311 ، باب 29 من ابواب مقدمات الطلاق ، حديث 1.
4) وسائل الشيعة : 15 / 313 ، باب 29 منابواب مقدمات الطلاق ، حديث 8.
5) الحدائق الناضرة : 25 / 239.
اللّهم إلاّ أن يقال بعدم صدق عنوان الطلاق ثلاثا فى حالة الإرسال ، فينحصر نظر الطائفة الاُولى الى حالة الولاء ، ويلزم فى حالة الإرسال الرجوع الى القاعدة وهي تقتضى وقوع طلاق واحد أيضا لوفاء جملة « أنتِ طالق » بذلك ، ويكون قيد « ثلاثا » زائدا ولغوا. وعليه فالنتيجة واحدة على كلا التقديرين.
4 - وأما أن طلاق الصغيرة واليائس وغير المدخول بها بائن ، فباعتبار أنه لا عدّة لها ، كما سياتى إن شاءاللّه تعالي.
5 - وأما أن المطلقة بالطلاق الثالث محرمة على زوجها حتى ينكحها آخر ، فهو من ضروريات الفقه بل الدين. ويدلّ عليه قوله تعالي : (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ... فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) (1)وهى بإطلاقها تشمل حالة العودة بعد كلّ طلقة بالرجوع أو بعقد جديد.
والروايات فى المسألة كثيرة ، كصحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق عسيلتها » (2)
والعَسيلة : لذة الجماع. وهى فى الاصل تصغير العَسَلَة ، اى القطعة من العسل. وقد شبهت لذة الجماع بذوق العسل فاطلق عليها العسيلة. وانما صُغَّرت اشارة الى ان التحليل يحصل بادنى الجماع ، وهو غيبوبة الحشفة. (راجع : مجمع البحرين فى مادة عسل).
وغيرها.وهى مطلقة كالآية الكريمة.
6 - وأما تعميم مفارقة المحلل لما اذا كانت بالموت - بالرغم من التقييد فى الآية الكريمة بالطلاق - باعتبار أن المفهوم من الروايات أن المهم فى حصول التحليل ذوق المحلل لعسيلة المطلَّقة دون تطليقه لها بعنوانه. هذا مضافا الى التصريح
بالتعميم فى موثقة زرارة عن أبيجعفر علیه السلام : « ... فاذا طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، فاذا تزوجها غيره ولم يدخل بها وطلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الأول حتى يذوق عسيلتها » (1)، وغيرها.
7 - وأما أن الطلاق فى الخلع والمباراة بائن ما دام لم ترجع الزوجة فى البذل ، فممّا لا خلاف فيه. (2)وتدلّ عليه صحيحة محمدبن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الخلع والمباراة تطليقة بائن وهو خاطب من الخطاب » (3).
وأما التقييد بعدم رجوع الزوجة فى البذل فلأنه مع رجوعها يحق للزوج الرجوع أيضا ، وهو ممّا لا خلاف فيه. (4)وتدلّ عليه صحيحة البقباق عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المختلعة إن رجعت فى شيء من الصلح يقول : لأرجعنَّ فى بضعك » (5).
8 - وأما أن طلاق الممتنع من الانفاق والطلاق بائن ، فلأن النصوص وإن لم تدلّ على ذلك ، بل دلّت على ثبوت الولاية للحاكم فى الطلاق ، كما فى صحيحة أبي بصير : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يوارى عورتها ويطعم ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرّق بينهما » (6)وغيرها ، إلاّ أنه لابدَّ من كونه بائنا وإلاّ يلزم نقض الغرض وعدم الفائدة فى طلاق الحاكم.
9 - وأما أن الطلاق الرجعى هو ما جاز للزوج الرجوع فيه سواء رجع بالفعل أم لا ، فهو من واضحات الفقه. ويدلّ عليه قوله تعالي : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
1) وسائل الشيعة : 15 / 366 ، باب 7 من ابواب اقسام الطلاق ، حديث 1.
2) جواهر الكلام : 33 / 62.
3) وسائل الشيعة : 15 / 417 ، باب 8 من ابواب العدد ، حديث 1.
4) جواهر الكلام : 33 / 63.
5) وسائل الشيعة : 15 / 499 ، باب 7 من الخلع والمباراة ، حديث 3.
6) وسائل الشيعة : 15 / 223 ، باب 1 من ابواب النفقات ، حديث 2.
ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) (1).
10 - وأما تفسير الطلاق العدى بما ذكر ، فهو متسالم عليه. (2)وتدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « ... وأما طلاق العدة الذى قال اللّه عزّوجل : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) فاذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها ، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ويراجعها من يومه ذلك إن أحبَّ أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض ويشهد علي رجعتها ويواقعها حتى تحيض ، فاذا حاضت وخرجت من حيضها طلّقها تطليقة اُخري من غير جماع يشهد على ذلك ، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض ويشهد علي رجعتها ويواقعها وتكون معه الى أن تحيض الحيضة الثالثة ، فاذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها التطليقة الثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك ، فاذا فعل ذلك فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره » (3)وغيرها.
ويستفاد من الصحيحة اضافة بعض القيود الاُخرى للطلاق العدّى أكثر ممّا نقلناه فى تفسير الفقهاء من قبيل أن يكون الرجوع قبل أن تحيض الحيض الاول ولا يكفى تحققه أثناء العدة متى ما فُرض.
11 - وأما تحقق الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع العدى ، فمتسالم عليه. (4)وتدلّ على ذلك رواية زرارة وداود بن سرحان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... والذى يطلق
الطلاق الذى لاتحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات وتزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا » (1)وغيرها.
وليس فى السند من يتأمل فيه سوى المثنى - فانه مشترك بين جماعة لم تثبت وثاقة بعضهم - والأمر فيه سهل بعد رواية البزنطى عنه بناءً على تمامية كبرى وثاقة كلّ من روى عنه أحد الثلاثة. (2)
هذا من حيث السند.
وأما الدلالة ، فالقدر المتيقن منها هو الطلاق العدّي.
12 - وأما الحرمة فى كلّ طلاق ثالث - بأى شكل اتفق - حتى تنكح زوجا آخر ، فلم ينسب الخلاف فيها إلاّ الى عبد اللّه بن بكير الذى هو من الفطحية ، (3)ويدلّ على ذلك الكتاب الكريم والروايات المتقدمة فى الرقم 5.
والمنسوب الى ابن بكير(4)
وقد نقل الرأى المذكور لابن بكير الحرُّ العاملى فى وسائله الباب 3 من ابواب اقسام الطلاق حديث 11 ، 12 ؛ والشهيد فى الروضة : 2 / 131 ؛ وصاحب الجواهر فى جواهره : 32 / 129.
أن المطلقة بالطلاق الثالث لا تحرم على زوجها ، بل اذا انتهت عدة الطلاق الثالث جاز لزوجها العقد عليها بلا توقف على نكاح شخص آخر فيما اذا لم يكن الطلاق عدّياً ، وأما العدّى فلا خلاف فيه حتى منه.13 - وأما الحرمة المؤبدة فى الطلاق التاسع ، فالمشهور اشتراطها بما اذا كان الطلاق عدّياً. (5)
والمناسب عدم الفرق بين العدّى وغيره ، ففى كليهما تثبت الحرمة المؤبدة في الطلاق التاسع لإطلاق رواية زرارة وداود بن سرحان المتقدمة فى رقم 11. ولا وجه لتخصيصها بالطلاق العدّى إلاّ اذا تَمَّ اجماع تعبدى على ذلك.
قال فى الجواهر - بعد ذكر رواية زرارة وداود وغيرها من الروايات الاُخرى - ما نصه : « إلاّ أن الجميع كما ترى لا صراحة فيه فى اشتراط التحريم بالتسع في الطلاق العدّى على الوجه المزبور ، بل ظاهره الإطلاق. فالعمدة حينئذٍ الإجماع » (1).
والمناسب تحفظا من مخالفة المشهور والإجماع المدّعى التنزّل من الفتوي بالتعميم الى الاحتياط.
14 - وأما الإطلاقات الثلاثة للطلاق السنّى ، فالوجه فيها :
أما بالنسبة الى الإطلاق الأول فواضح ، لأن كلّ طلاق جمع الشرائط فهو سنّي ، بمعنى أنه مشروع.
وأما بالنسبة الى الإطلاق الثاني ، فلأن ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة فى رقم 10 اختصاص الطلاق العدّى بما تحقق فيه الرجوع بعد الطلاق والمواقعة ، ومعه فالطلاق الذييتحقق الرجوع بعده بلا مواقعة هو سنّى بالمعنى المقابل للعدّي.
وأما بالنسبة الى الإطلاق الثالث ، فلصحيحة محمدبن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « طلاق السنّة يطلقها تطليقة يعنى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضى اقراؤها ، فاذا مضت اقراؤها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطّاب إن شاءت نكحته وإن شاءت فلا ... » (2).
تجب العدّة - بمعنى وجوب التربّص على المرأة فترة معينة بترك الزواج فيها أما مع ثبوت الحق لزوجها فى الرجوع اليها أو بدونه - علي :
1 - المطلقة فيما اذا كانت مدخولاً بها ولم تكن صغيرة ولا يائسة وإلاّ فلا عدّة عليها. ومقدارها ثلاثة قروء ، أى ثلاثة أطهار.
ويكفى فى الطهر الأول مسمّاه فاذا طلّقت وقد بقيت من طهرها فترة قليلة ثم مرَّ بها طهران تامّان آخران ، فبمجرد رؤية دم الحيضة الثالثة تخرج منالعدّة.
هذا فى غير المسترابة. وأما هى - بأن كانت لا تحيض وهى فى سنّ من تحيض - فعدّتها ثلاثة أشهر.
كما أن هذا كلّه فى غير الحامل. وأما الحامل فتنتهى عدّتها بوضع الحمل.
2 - والمتوفّى عنها زوجها. ومقدارها أربعة أشهر وعشرة أيام. من دون فرق بين حالات الزوج من كونه كبيرا أو صغيرا. ومن دون فرق بين حالات الزوجة من كونها صغيرة أو كبيرة ، يائسة أو لا ، مدخولاً بها أو لا ، دائمة أو متمتعا بها.
هذا فى غير الحامل.
واما الحامل فعدّتها أبعد الأجلين منالمدّة المذكورة ووضع الحمل.
ويلزم على الزوجة اذا كانت كبيرة عاقلة الحِداد خلال عدّة الوفاة وذلك بترك كل ما يعدُّ زينة بحسب العرف الاجتماعى الذى تعيشه ، فيلزم ترك التزيّن بالكحل والطيب والخضاب والحمرة والملابس التى تعدُّ زينة عرفا وما شاكل ذلك.
ويجوز مثل تنظيف البدن وتمشيط الشعر وما شاكل ذلك ممّا لايعدُّ زينة.
3 - والموطوءة شبهة. وعدّتها عدة المطلقة.
4 - والمفسوخ عقدها بعدالدخول بفسخ لعيب ونحوه أو بانفساخ لارتداد أو رضاع ونحوهما. وعدّتها كعدة المطلقة.
أجل ، اذا ارتدَّ الزوج عن فطرة ، انفسخ العقد وكانت العدة عدّة الوفاة.
5 - والمتمتع بها. وعدّتها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الأجل أو هبة المقدار المتبقي.
هذا اذا لم تكن حاملاً.
وأما الحامل ، فعدّتها إن لم تكن منالوفاة تنتهى بوضع الحمل ، وإن كانت منها فأبعد الأجلين من ذلك ومن أربعة اشهر وعشرة أيام.
والمستند في ذلك :
1 - أما وجوب العدّة فى الجملة ، فهو من واضحات الفقه ، بل من ضروريات الدين. ويدلّ عليه الكتاب الكريم فى جملة من المواضع ، كقوله تعالي : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) (1)، (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (2)، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (3)، ( ... ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) (4).
وأما الروايات ، فهى فوق حدَّ الاحصاء. وسيوافيك بعضها فيما يلى من أبحاث إن شاءاللّه تعالي.
2 - وأما تفسير العدة بما تقدم ، فهو من واضحات الفقه. وتدلّ عليه الآيات الكريمة السابقة.
3 - وأما وجوب العدّة على المطلقة فى غير ما استثنى ، فلما تقدم.
وأما عدم وجوب العدّة على غير المدخول بها ، فهو ممّا لا كلام فيه. ويدلّ عليه قوله تعالي : (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) (1)) ، والروايات الشريفة ، كصحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها تطليقة واحدة ، فقد بانت منه وتُزوّج من ساعتها إن شاءت » (2)وغيرها.
4 - وأما الصغيرة واليائسة ، فالمشهور بين الأصحاب عدم ثبوت العدة عليهما(3)للكتاب الكريم والروايات الشريفة.
أما الكتاب الكريم ، فيدلّ على ذلك قوله تعالي : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ... ) (4)، فإن المقصود أن اللائى أشرفن على سنِّ اليأس إن ارتبتم فى تحقق اليأس لهنّ واقعا وعدمه فعدّتهن ... ولازم ذلك انه مع عدم الارتياب - بان كان يجزم باليأس ، فلا عدّة عليهن لا بالأقراء ولا بالأشهر.
والتعبير عنهنّ ب - (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) وجيه بعد افتراض أنهنّ أشرفن على سنّ اليأس واحتمل ذلك فى حقهنّ.
وأما قوله : (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) فليس منالبعيد أن يكون المراد منه : واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر. والارتياب لا يتصور فى حق التى لم تحض إلاّ اذا فرض أنها فى سنّ من تحيض ولم تحض ، ولازم ذلك أن التى لم تحض ولا ارتياب فى حقها ، فلا عدة عليها لا بالأقراء ولا بالأشهر.
وأما الروايات فهى على طائفتين.
أ - ما دلَّ على عدم ثبوت العدّة على اليائس والصغيرة ، كصحيحة حماد بن عثمان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن التى قد يئست منالمحيض والتى لا يحيض مثلها قال : ليس عليها عدّة » (1)وغيرها.
ب - ما دلَّ على ثبوت العدّة عليهما وأنها ثلاثه أشهر ، كصحيحة الحلبى عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « عدّة المرأة التى لا تحيض والمستحاضة التى لا تطهر والجارية التي قد يئست ولم تدرك الحيض ثلاثة أشهر ... » (2).
وقد يجمع بحمل الثانية على الاستحباب بقرينة الاُولي. فإن تَمّ ذلك وكان جمعا عرفيا فبها ، وإلاّ يلزم ترجيح الاُولى لموافقة الثانية للتقية. (3)
ومع التنزّل يلزم التعارض والتساقط ، ومن ثَمَّ لا يبقى دليل على لزوم العدّة على اليائسة والصغيرة ويكون المرجع هو البراءة. وعلى جميع التقادير الثلاثة
تعود النتيجة واحدة.
5 - وأما أن العدّة ثلاثة قروء ، فلصريح الآية الكريمة : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... ) . (1)
وأما أن القرء هو بمعنى الطهر دون الحيض ، فالروايات فيه متعارضة ، فهناك مجموعة دلّت على أنه بمعنى الطهر ومجموعة اُخرى على أنه بمعنى الحيض.
مثال الاُولي : صحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « الأقراء هى الأطهار » (2)وفى صحيحته الاُخري : « قلت لأبى عبداللّه : سمعت ربيعة الرأى يقول : من رأيى أن الأقراء التى سمّى اللّه عزّوجلّ فى القرآن إنما هو الطهر فيما بين الحيضتين ، فقال : كذب ، لم يقل برأيه ولكنه إنما بلغه عن على علیه السلام ، فقلت : كان على علیه السلام يقول ذلك؟ فقال : نعم ، انما القرء الطهر الذى يقرؤ فيه الدم ، فيجمعه فاذا جاء المحيض دفعه » (3)وغيرهما.
ومثال الثانية : صحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « عدّة التى تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء ، وهى ثلاث حيض » (4).
والتعارض بين الطائفتين مستقر.
ويمكن ترجيح الاُولى إما لأنها مخالفة للتقية - حسب دعوى الشيخ الطوسي(5)- أو لموافقتها للكتاب الكريم إما ببيان أن القرء عبارة عن الجمع ، وجمع الدم و
حبسه يتحقق فى حالة الطهر - كما تشير الى ذلك صحيحة زرارة المتقدمة - فيكون القرء متحققا حالة الطهر ، أو ببيان أن ظاهر الآية الكريمة أن مدّة التربّص التى هي ثلاثة قروء تبتدأ من حين الطلاق ، وذلك لا يتم إلاّ بتفسير القرء بالطهر.
6 - وأما انه يكفى فى الطهر الأول مسمّاه ، ومن ثَمّ يكفى فى انتهاء العدّة مجرّد رؤية الحيضة الثالثة ، فتدلّ عليه الروايات الكثيرة ، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : « قلت له : أصلحك اللّه ، رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين؟ فقال : اذا دخلت فى الحيضة الثالثة ، فقد انقضت عدّتها وحلّت للأزواج. قلت له : أصلحك اللّه ، إن أهل العراق يروون عن على علیه السلام أنه قال : هو أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة؟ فقال : فقد كذبوا » (1)وغيرها ، فإن مقتضى إطلاق قوله علیه السلام : « اذا دخلت فى الحيضة الثالثة ، فقد انقضت عدّتها » انه برؤية الدم الثالث تنتهى العدّة سواء كان الطلاق قد وقع فى بداية الطهر الاُول أو قبيل نهايته.
وبناءً على هذا ، فأقل زمان يمكن تحقق العدّة فيه ستة وعشرون يوما ولحظتان ، بأن يفترض أن طهرها الأول لحظة ، ثم تحيض ثلاثة أيام ، ثم ترى أقل الطهر عشرة أيام ، ثم تحيض ثلاثه أيام ، ثم ترى أقل الطهر عشرة أيام ، ثم تحيض. وبمجرد رؤية هذا الدم الأخير لحظة من أوله تنقضى العدّة. وطبيعى أن هذه اللحظة الأخيرة خارجة عن العدّة ودورها دور الكاشف عن تمامية الطهر الثالث.
7 - وأما أن عدة المسترابة ثلاثة أشهر ، فيدلّ عليه قوله تعالي : « واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن ... » (2)، فإن
فقرة (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) تدلّ على المطلوب ، أى واللائى لم يحضن إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر. والارتياب فى التى لا تحيض لا يتصور إلاّ فى المسترابة كما تقدم.
والأخبار فى المسألة كثيرة ، كصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « عدّة المرأة التى لا تحيض والمستحاضة التى لا تطهر ثلاثة أشهر ... » (1)وغيرها.
8 - وأما أن عدة الحامل تنتهى بوضع الحمل ، فهو المشهور. (2)ويدلّ عليه قوله تعالي : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (3)والروايات الشريفة ، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « طلاق الحامل واحدة فإذا وضعت ما فى بطنها فقد بانت منه » (4)وغيرها.
وفى مقابل ذلك قول الشيخ الصدوق وآخرين بأن عدّتها أقرب الأجلين من الوضع والأقراء أو ثلاثة أشهر ، تمسّكا بصحيحة أبى الصباح عن أبى عبداللّه علیه السلام : « طلاق الحامل واحدة وعدّتها أقرب الأجلين » (5)، وصحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « طلاق الحبلى واحدة وأجلها أن تضع حملها وهو أقرب الأجلين » (6)وغيرهما (7).
ولا يخفى أن الواو فى فقرة : « وهو أقرب الأجلين » حالية لا استئنافية ، إذ قد
1) وسائل الشيعة : 15 / 412 ، باب 4 من ابواب العدد ، حديث 7.
2) جواهر الكلام : 32 / 252.
3) الطلاق : 4.
4) وسائل الشيعة : 15 / 418 ، باب 9 من ابواب العدد ، حديث 1.
5) وسائل الشيعة : 15 / 418 ، باب 9 من ابواب العدد ، حديث 3.
6) وسائل الشيعة : 15 / 419 ، باب 9 من ابواب العدد ، حديث 6.
7) جواهر الكلام : 32 / 252.
يكون الوضع أقرب الأجلين وقد لا يكون.
هذا قول الشيخ الصدوق.
ولا تبعد وجاهته ، لأن الآية الكريمة والطائفة الاُولى من الروايات مطلقة من حيث كون الوضع أقرب الأجلين أو لا ، فتقيد بالطائفة الثانية الدالّة على أن الوضع تنتهى به العدّة فيما اذا كان أقرب الأجلين.
ولأجل هذا ، مال صاحب الجواهر الى القول المذكور(1).
9 - وأما أن عدة المتوفى زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ، فهو من ضروريات الفقه بل الدين. ويدلّ على ذلك قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (2)
وأما ما تضمنه قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) فهو تشريع قبل نزول آية العدّة ومنسوخ بها.
والروايات فى المسألة كثيرة ، كصحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال للنساء : اُفٍ لكنّ قد كنتنّ قبل أن اُبعث فيكنّ وأن المرأة منكنّ اذا توفّى عنها زوجها أخذت بعرة ، فرمت بها خلف ظهرها ، ثم قالت : « لا امتشط ولا اكتحل ولا اختضب حولاً كاملاً وانما امرتكنّ باربعة اشهر وعشرا ثم لا تصبرنّ » (3)وغيرها.
10 - وأما التعميم بلحاظ جميع الحالات المتقدمة ، فلإطلاق ما تقدّم من الآية الكريمة والروايات الشريفة.
أجل ، دلّت رواية محمد بن عمر الساباطي : « سألت الرضا علیه السلام عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها ، قال : لا عدّة عليها. وسألته عن المتوفّى عنها زوجها من قبل أن يدخل بها ، قال : لاعدّة عليها ، هما سواء » (1)على اشتراط الدخول فى ثبوت عدّة الوفاة ، لكنها مضافا الى ضعف سندهما بالساباطى نفسه ساقطة عن الحجية لهجران الأصحاب لمضمونها.
11 - وأما أن عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين ، فهو ممّا لا خلاف فيه. (2)وقد يستدلّ له بأنه مقتضى الجمع بين قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (3)، وقوله تعالي : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (4)بتقريب أن الحامل مشمولة لكلتا الآيتين الكريمتين ، وامتثال الآمر فيهما لا يحصل إلاّ بالاعتداد بأبعد الأجلين.
وفيه : أن آية الأحمال ناظرة الى خصوص المطلقة ، فلاحظ.
والأنسب الاستدلال لذلك بالروايات الخاصة ، كصحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « الحامل المتوفّى عنها زوجها تنقضى عدّتها آخر الأجلين » (5)وغيرها.
12 - وأما الحِداد(6)فلا خلاف بين المسلمين فى وجوبه. (7)وقد دلت عليه صحيحة ابن أبى يعفور عن ابى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن المتوفّى عنها زوجها ، قال :
لا تكتحل للزينة ولا تطيب ولا تلبس ثوباً مصبوغا ... » (1)وغيرها.
وقد فهم منها الأصحاب حرمة كل ما يعدّ زينة. قال فى الحدائق : « والمفهوم من هذه الأخبار أن الحداد هو ترك كل ما يعدّ زينة فى البدن أو اللباس وإن اختلف ذلك باختلاف العادات فى البلدان ، فيحكم على كلّ بلد بما هو المعتاد فيها » (2).
أجل ، قيّد بعض الأصحاب - ومنهم السيّد اليزدى - التزيّن المنهى عنه بما يعدّ زينة للزوج(3).
ولعلّه استند فى ذلك الى موثقة عمار الساباطى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن المرأة يموت عنها زوجها هل يحلّ لها أنتخرج من منزلها فى عدّتها؟ قال : نعم وتختضب وتكتحل وتمتشط وتصبغ وتلبس المصبغ وتصنع ما شاءت بغير زينة لزوج » (4).
إلاّ أن الموثقة قد ترمى بهجران الأصحاب لها لاشتمالها على جواز صنع ما شاءت بشرط أن لا يكون معدودا من مصاديق الزينة للزوج ، وهو ممّا لا يقول به الأصحاب.
13 - وأما جواز ما لايعدّ زينة ، فلأصل البراءة بعد قصور المقتضى للتحريم. هذا لو لم يستفد من أخبار الحداد نفسها جواز ذلك وإلاّ كانت هى الدليل لعدم وصول النوبة الى الأصل العملى بعد فرض وجود الدليل الاجتهادي.
14 - وأما تقييد وجوب الحداد بما اذا كانت الزوجة كبيرة عاقلة ، فلأن غيرها
لاتكليف عليها ، ووجوب الحداد تكليفي.
15 - وأما ثبوت العدة فى وطيء الشبهة ، فقد نفى السيد اليزدى الإشكال والخلاف عنه(1). وتدلّ على ذلك صحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا التقى الختانان وجب المهر والعدة والغسل » (2)وغيرها ، فإنها بإطلاقها تشمل وطء الشبهة. والزنا خرج بالمخصص.
ولكن كيف نثبت أن العدّة هى بمقدار عدّة المطلقة؟ ذلك بالبيانات التالية :
أ - ان السكوت عن مقدار العدّة مع كونه علیه السلام فى مقام البيان يدلّ على أن عدتها كعدة المطلقة - اذ هى العدة المعروفة للمرأة التى لم يمت زوجها - ولو كانت غيرها لبيّن علیه السلام ذلك.
ب - التمسّك بصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « عدّة المرأة التى لا تحيض والمستحاضة التى لا تطهر ثلاثة أشهر. وعدة التى تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء ... » (3)، فإنها تدلّ على أن عدّة المرأة بشكل عام فيما اذا كانت مستقيمة الحيض هى ثلاثة قروء فتشمل محل كلامنا ، والخروج عن ذلك هو الذى يحتاج الى دليل.
ج - التمسّك بصحيحة الحلبى الاُخرى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع وتزوج قبل أن تمضى لها اربعة أشهر وعشرا ، فقال : إن كان دخل بها فرّق بينهما ولم تحل له أبدا واعتدّت ما بقى عليها من الأول واستقبلت
عدّة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء ... » (1)، فإنّ وطيء الشبهة هو القدر المتيقّن منهاو قد دلّت على أن العدّة له ثلاثة قروء.
16 - وأما وجوب العدة على المفسوخ عقدها بعد الدخول بفسخ أو انفساخ ، فلا اشكال فيه. وتدلّ عليه صحيحة ابن البخترى المتقدّمة.
وأما أن مقدارها كعدّة المطلقة ، فللصحيحة الاُولى المتقدمة للحلبى وغيرها.
وأما أن عدة المرتد زوجها عن فطرة هى عدّة الوفاة ، فلموثقة الساباطي : « سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الاسلام وجحد محمدا صلی اللّه علیه و آله نبوته وكذَّبه فإن دمه مباح لمن سمع ذلك منه ، وامرأته بائنة منه يوم ارتدّ ، ويقسّم ماله على ورثته ، وتعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها ، وعلى الامام أن يقتله ولا يستتيبه ». (2)
17 - وأما أن عدّة المتمتع بها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الأجل أو هبة المقدار المتبقى من الاجل ، فقد تقدم بيانه فى مبحث النكاح المؤقت من كتاب النكاح.
18 - وأما أن عدّتها من الوفاة اذا كانت حاملاً أبعد الأجلين فهو ، ممّا لا خلاف فيه على ما فى الجواهر(3). وتدلّ على ذلك الروايات الخاصة المتقدمة فى رقم 11 ، فإنها بإطلاقها تشمل المتمتع بها.
وأما أن عدتها فى غير الوفاة اذا كانت حاملاً وضع الحمل ، فلقوله تعالي : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (4)، فإنه وإن كان ناظرا الى المطلقات دون
عقد التمتع الذى ليس فيه طلاق ، إلاّ أنه حيث لا يحتمل أن يكون حال المتمتع بها أشد من حال المطلقة فى العقد الدائم ، فيعمها ذلك.
الخلع - بضمّ الخاء - وهو طلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها مشروع.
وتشترط فيه - مضافا الى الشروط المتقدمة فى الطلاق - كراهة الزوجة لزوجها ، وعدم كراهة الزوج لزوجته ، وبذل الزوجة للفدية عن طيب نفس.
والصيغة الخاصة للخلع : « خلعتك على كذا » أو « أنتِ أو هى مختلعة على كذا » ، أو « أنتِ أو هى أو فلانة طالق على كذا ».
والجمع باتباع الخلع بالطلاق - بأن يقول الزوج أو وكيله : « خلعتك على كذا فأنتِ طالق » أولي.
ويعتبر - لدى المشهور - عدم الفصل بين انشاء البذل والطلاق بما يخل بالموالاة العرفية.
ويجوز فى الفدية أن تكون بمقدار المهر أو أقل أو أكثر.
والطلاق فى الخلع بائن ما دام لم ترجع الزوجة عن البذل فى العدّة.
والمباراة(1)تساوى الخلع فى الأحكام المتقدمة وتفارقه في :
أ - اعتبار الكراهة من كلا الطرفين فيها بخلافه فى الخلع ، فإن الكراهة معتبرة من الزوجة فقط.
ب - أن لا يكون الفداء أكثر من مقدار المهر فيها.
1) المبارأة - بالهمز وقد تخفف الفا - هى المصالحة. يقال : بارأه ، بمعنى صالحه. والمرأة بارأها ، بمعني صالحها على الفراق؛ القاموس : 1 / 8.
ج - أنها تقع بلفظ الطلاق - بأن يقول الزوج : « أنتِ طالق على كذا » أو يقول : « بارأتك علي كذا فأنتِ طالق » - ولا يكفى الانشاء بلفظ المباراة وحده.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الخلع يتميز عن الطلاق بأمرين - : الفدية من الزوجة وكراهتها - فهو من واضحات الفقه. وتدلّ عليه مضافا الى ذلك نصوص المشروعية الآتية.
2 - وأما أنه مشروع ، فهو ممّا لا إشكال فيه. ويدلّ عليه قوله تعالي : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (1)، وصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لايحلّ خلعها حتى تقول لزوجها : « واللّه لا أبرُّ لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولاُوطئن فراشك ولآذنن عليك بغير إذنك » وقد كان الناس يرخصون فيما دون هذا ، فاذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلَّ له ما أخذ منها ، فكانت عنده على تطليقتين باقيتين وكان الخلع تطليقة ... » (2)وغيرها.
وعليه فالمشروعية لا تأمل فيها ، بل عن جماعة - منهم شيخ الطائفة - اختيار وجوبه عند تمرد الزوجة عن القيام بحقوق الزوجية بحجة أن النهى عن المنكر واجب وهو لا يتم إلاّ بالخلع(3).
والتأمّل فى ذلك واضح باعتبار عدم تمامية المقدمة الثانية. ومن هنا حمل في الحدائق الوجوبَ فى كلام الشيخ على الثبوت(4).
3 - وأما أن الخلع طلاق وليس فسخا ، فهو المشهور خلافا لشيخ الطائفة حيث اختار كونه فسخا ، لانه لا ينشأ بلفظ الطلاق بل ولاينوى به ذلك. (1)
والثمرة تظهر فى عدّه من جملة الطلقات الثلاث وعدمه.
والمناسب كونه طلاقا لتصريح الروايات بذلك ، كصحيحة الحلبى السابقة وغيرها.
وزاد فى الجواهر ما نصّه : « بل لو قلنا : إنه فسخ أمكن دعوى اجراء حكم الطلاق عليه للنصوص المزبورة » (2).
4 - وأما اعتبار اجتماع شرائط صحة الطلاق فى الخلع - من حضور شاهدين وكون الزوجة طاهرة بطهر لم تواقع فيه و ... ، فباعتبار أنه لمّا كان فردا من الطلاق فتثبت له أحكامه.
هذا مضافا الى أن بعض الشرائط الخاصة للطلاق قد دلّت الروايات الخاصة على ثبوتها للخلع ، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام هل يكون خلع أو مباراة إلاّ بطهر؟ فقال : لا يكون إلاّ بطهر » (3)وغيرها.
5 - وأما اعتبار كراهة الزوجة لزوجها فى تحقق الخلع ، فهو من المسلّمات ، بل يمكن اعتبار كون الكراهة قد وصلت حدّا يؤدى الى ترك الحقوق الثابتة للزوج على زوجته لقوله تعالي : (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ - ... ) (4)وصحيحة الحلبى السابقة وغيرها.
هذا وقد وقع الكلام بين الأعلام فى أن التلفظ بالكلمات المذكورة فى صحيحة الحلبى هل هو شرط فى صحة الخلع أو يكفى تحقق الكراهة الى المستوى المذكور ولو من دون تلفظ بذلك؟
المناسب لو خلينا وظاهر الصحيحة المتقدمة وما شاكلها اعتبار التلفظ بالكلمات السابقة إلاّ أن قوله تعالي : (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يدلّ علي أن المدار على وصول الكراهة الى حدّ يخاف من ترك الحدود الإلهية من دون مدخلية للتلفظ بما ذكر.
ويؤكد ما ذكرناه السيرة الجارية على اجراء الخلع بدون فحص عن صدور الكلمات المذكورة.
6 - وأما اعتبار عدم كراهة الزوج لزوجته فلأنّه مع كراهته أيضا يكون المورد من مصاديق المباراة دون الخلع.
7 - وأما اعتبار بذل الزوجة للفداء ، فلتقوّم حقيقة الخلع بذلك ومن دونه لا يكون خلعا بل طلاقا بشكله المتعارف.
8 - وأما اعتبار أن يكون بذل الفداء عن طيب نفس الزوجة ، فلقوله تعالي : (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ... ) (1). بل بقطع النظر عن ذلك لا مسوغ لإكراهها على بذل ذلك فانه مصداق للظلم المحرّم. إضافة الى دلالة حديث رفع عن اُمتى ما استكرهوا عليه(2)على عدم ترتب الأثر على ذلك.
9 - وأما أن الصيغة الخاصة : « خلعتك » أو « أنتِ أو هى مختلعة على كذا » ، فلأنه
بعد ما لم ترد صيغة خاصة فى النصوص لانشاء الخلع فيلزم الحكم بالاكتفاء بكلّ صيغة دالّة عى انشاء الخلع - ومن ذلك ما تقدم - تمسكا بالإطلاق اللفظى ان امكن تحصيله وإلاّ فبالإطلاق المقامي.
10 - وأما الاكتفاء بصيغة « هى أو أنتِ أو فلانة طالق على عوض كذا » ، فباعتبار أن الخلع لما كان مصداقا من مصاديق الطلاق فيلزم الاكتفاء فيه بصيغة الطلاق ، غايته يلزم إضافة العوض ، لأن ذلك هو المائز بين الخلع والطلاق المتعارف.
11 - وأما الجمع باتباع الخلع بالطلاق ، فقد اختار اعتباره الشيخ قدس سره وجماعة(1). وقد يستدلّ له برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح : « قال على علیه السلام : المختلعة يتبعها الطلاق مادامت فى العدّة » (2).
وفيه : أنها لو تمّت سندا ولم يناقش من ناحية موسى بن بكر هى ضعيفة دلالة لإجمال المقصود منها.
ولا إشكال فى أن الاتباع أحوط خروجاً من خلاف الشيخ وامتثالاً للمضمون المحتمل للرواية.
12 - وأما اعتبار عدم الفصل بين انشاء الفدية والطلاق ، فهو المشهور. (3)واستدلّ له فى الجواهر :
تارة بأن الخلع معاوضة بين بذل الفداء وانشاء الطلاق فهو على هذا كسائر المعاوضات لقول أمير المؤمنين علیه السلام : « لكلّ مطلقة متعة إلاّ المختلعة فإنها اشترت
نفسها » (1)، وموثقة البقباق عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المختلعة إن رجعت فى شيء من الصلح يقول : لأرجعنّ فى بضعك » (2).
واُخرى بأن القدر المتيقن من نصوص الباب حالة التحفظ على الموالاة ، والأصل عدم الصحة فيما سوى ذلك(3).
13 - وأما أنه يجوز فى الفدية أن تكون بقدر المهر أو اكثر أو أقلّ ، فلعدم الدليل على اشتراط حدٍّ معيّن ، بل وللدليل على العدم ، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « المباراة يؤخذ منها دون الصداق ، والمختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر ... » (4)وغيرها.
14 - وأما أن الخلع طلاق بائن فممّا لا خلاف فيه(5)لصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الخلع والمباراة تطليقة بائن وهو خاطب من الخطّاب » (6).
وأما أنه يجوز للزوج الرجوع عند رجوعها عن البذل ، فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « ولا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المباراة إلاّ أن يبدو للمرأة فيردّ عليها ما أخذ منها » (7)وموثقة البقباق المتقدمة فى الرقم 12.
15 - وأما أن المباراة كالخلع فى جميع الأحكام إلاّ فى الأحكام الثلاثة ، فهو
1) وسائل الشيعة : 15 / 503 ، باب 11 من كتاب الخلع والمباراة ، حديث 3.
2) وسائل الشيعة : 15 / 499 ، باب 7 من كتاب الخلع والمباراة ، حديث 3.
3) جواهر الكلام : 33 / 14.
4) وسائل الشيعة : 15 / 493 ، باب 4 من كتاب الخلع والمباراة ، حديث 1.
5) جواهر الكلام : 33 / 10.
6) وسائل الشيعة : 15 / 495 ، باب 5 من كتاب الخلع والمباراة ، حديث 2.
7) وسائل الشيعة : 15 / 499 ، باب 7 من كتاب الخلع والمباراة ، حديث 4.
المعروف بين الأصحاب. (1)وقد يستفاد من رواية زرارة : « سألت أبا جعفر علیه السلام : عن عدة المختلعة كم هي؟ قال : عدة المطلقة. ولتعتد فى بيتها. والمبارئة بمنزلة المختلعة » (2).
16 - وأما أنه يعتبر فى المباراة الكراهة من كلا الطرفين ، فهو على ما فى الحدائق أمر مقطوع به فى كلام الأصحاب(3). ويمكن استفادته من موثقة سماعة : « سألته عن المباراة كيف هي؟ فقال : يكون للمرأة شيء على زوجها من مهر أو من غيره ويكون قد أعطاها بعضه فيكره كلّ واحد منهما صاحبه ، فتقول المرأة لزوجها : « ما اخذت منك فهو لي ، وما بقى عليك فهو لك وبارئك » ، فيقول الرجل لها : « فإن أنتِ رجعتِ فى شيء ممّا تركتِ ، فأنا أحق ببضعك » (4).
ولا يضر اضمارها بطريق الكلينى بعد ما كانت مسندة فى طريق الشيخ.
17 - وأما أنه يعتبر فى المباراة أن لا تكون الفدية أكثر من المهر ، فهو ممّا لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف فى اعتبار أن لا تكون مساوية له أيضا بل أقل.
ظاهر صحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المباراة تقول المرأة لزوجها : « لك ما عليك واتركني » أو تجعل لها من قبلها شيئاً فيتركها إلاّ أنه يقول : « فإن ارتجعت فى شيء فأنا أملك ببضعك ». ولا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلاّ المهر فما دونه » (5)بل صريحها جواز كونها مساوية.
إلاّ أنه قد يقال بكونها معارضة بصحيحة زرارة المتقدمة فى رقم 13 الدالة علي اعتبار كونها أقل من مقدار المهر.
ويمكن الجمع بينهما بحمل الوارد فى صحيحة زرارة « دون الصداق » علي اعتبار أن لا تكون أزيد من مقدار المهر ، فان صحيحة أبى بصير صريحة فى جواز كونها بمقداره بينما صحيحة زرارة ظاهرة فى اعتبار كونها أقل منه فيؤوّل الظاهر بقرينة الصريح طبقا للقاعدة العرفية : كلّما اجتمع دليلان متنافيان أحدهما صريح والآخر ظاهر اُوِّل الظاهر بقرينة الصريح.
واذا تمَّ هذا فلا مشكلة وإلاّ كان التعارض مستقرا ويلزم ترجيح صحيحة أبي بصير لموافقة مضمونها لقوله تعالي : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (1).
وعليه فالنتيجة واحدة على كلا التقديرين.
18 - وأما أنه لا تصح المبارة بلفظ « بارأتك على كذا » من دون اتباع بالطلاق فقد ادّعى المحقق اتفاق الاصحاب عليه (2). ولولا ذلك كان المناسب الحكم بعدم الحاجة الى الاتباع بذلك لصحيحة حمران : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يتحدّث ، قال : المباراة (3)تبيّن من ساعتها من غير طلاق ولا ميراث بينهما ... » (4)وغيرها.
والمناسب تحفظا من مخالفة الاتفاق المحتمل التنزّل عن الفتوى بعدم اعتبار الاتباع بالطلاق الى الاحتياط باعتباره.
الظهار
الظهار - وهو تنزيل الزوج زوجته بمنزلة اُمه أو غيرها من محارمه فى حرمة نكاحها بمثل صيغة أنتِ عليَّ كظهر اُمى - حرام.
وبه تحرم على الزوج زوجته حتى يكفّر.
ولا يجب التكفير بمجرد التلفظ من دون إرادة العود.
واذا كفّر لارادة العود قبل الوطء فلا تجب عليه اُخرى بعده ، بخلاف ما لو وطئها بدون تكفير فإنه تلزمه كفارتان إحداهما للوطء والاُخرى لإرادة العود.
واذا صبرت الزوجة بعد الظهار فلا اعتراض وإلاّ رفعت أمرها الى الحاكم الشرعى وخيِّر الزوج بين التكفير وبين الطلاق ، فإن لم يختر أحدهما أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة فإن انقضت ولم يختر أحد الأمرين حبسه وضيّق عليه فى المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما.
والكفارة هى عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. وإن عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الظهار ما ذكر ، فهو من واضحات الفقه واللغة. وتدلّ عليه الروايات الآتية إن شاء اللّه تعالي.
وهو من مبتدعات الجاهلية. وكان يستعان به كوسيلة لطلاق الزوجة وقد حرّمه الاسلام.
2 - وأما أنه يقع بصيغة « أنتِ عليَّ كظهر اُمي » ، فأمر لا خلاف فيه ، (1)وهو القدر المتيقن من الصيغة التى يقع بها الظهار. ويستفاد ذلك من صحيح حريز عن أبي عبداللّه علیه السلام : « الظهار ظهاران فأحدهما أن يقول : أنتِ عليَّ كظهر اُمى ثم يسكت فذلك ، الذى يكفّر ، فاذا قال : « أنتِ عليَّ كظهر اُمى ان فعلت كذا وكذا » ، ففعل وحنث ، فعليه الكفارة حين يحنت » (2)وغيرها.
هذا وقد وقع الخلاف فى انعقاده فيما لو قال : أنتِ عليَّ كظهر عمتى أو خالتى أو غيرهما من المحارم أو قال : أنتِ عليَّ كشعر أو بطن أو صدر اُمي. والتعرض لذلك ليس بمهم.
3 - وأما أنه حرام ، فهو من المسلمات. ويدلّ عليه قوله تعالي : (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (3)، وصحيح حمران عن أبى جعفر علیه السلام : « ان امير المؤمنين علیه السلام قال : إن امرأة من المسلمين أتت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقالت : يا رسول اللّه إن فلاناً زوجى قد نثرتُ له بطني(4)وأعنته على دنياه وآخرته فلم يَر منّى مكروها وأنا أشكوه الى اللّه وإليك ، قال : فما تشكينه؟ قالت : إنه قال لي اليوم : أنتِ عليَّ حرام كظهر اُمى وقد أخرجنى من منزلى فانظر فى أمري ، فقال رسول
اللّه صلی اللّه علیه و آله : ما أنزل اللّه عليَّ كتابا أقضى به بينك وبين زوجك وأنا أكره أن أكون من المتكلفين فجعلت تبكى وتشتكى ما بها الى اللّه والى رسوله وانصرفت ، فسمع اللّه محاورتها لرسوله وما شكت اليه ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ قرآنا : « بسم اللّه الرحمن الرحيم قد سمع اللّه قول التى تجادلك فى زوجها ... » فبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الى المرأة فأتته ، فقال لها : جئنى بزوجك ، فأتته به ، فقال : أقلت لامرأتك هذه : أنتِ عليَّ حرام كظهر اُمي؟ فقال : قد قلت ذلك ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : قد أنزل اللّه فيك قرآنا ، فقرأ عليه ما أنزل اللّه ... فضم امرأتك اليك فإنّك قد قلت منكرا من القول وزوراً ، قد عفا اللّه عنك وغفر لك فلا تعد ... » (1)وغيره.
وبالجملة لا إشكال فى حرمة الظهار لوصفه بالمنكر والزور فى الآية الكريمة وللنهى عن العود اليه فى الرواية الشريفة.
هذا وقد نسب الى قائل غير معروف بأنه محرّم لا عقاب عليه ، لتعقيبه بالعفو في الآية السابقة(2).
وفيه : ان العفو ثابت للفاعل الأول باعتبار جهله بالتحريم وليس لكلّ فاعل حتى مع علمه بذلك.
4 - واما انه يحرم بالظهار وطء الزوجة قبل التكفير ، فيدلّ عليه صريح الآية الكريمة : (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ... ) (3)وصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها ، قال : ليس عليه كفارة. قلت : إن أراد أن يمسّها؟ قال : لا
يمسّها حتى يكفّر. قلت : فإن فعل فعليه شيء؟ قال : اى واللّه انه لآثم ظالم. قلت : عليه كفارة غير الاْولي؟ قال : نعم يعتق أيضا رقبة » (1)وغيره.
5 - وأما أنه لا يجب التكفير بمجرد التلفظ بالظهار من دون إرادة العود ، فيدلّ عليه ظاهر الآية الكريمة وصحيح الحلبى السابق وغيره. بل يكفى لنفى ذلك القصور فى المقتضى بلا حاجة الى دليل يدلّ على النفي.
6 - وأما تعدد الكفارة بالوطء قبل التكفير وعدم تعددها مع التكفير قبل الوطء ، فيستفاد من صحيح الحلبى السابق وغيره.
7 - وأما أن الزوجة اذا صبرت ، فلا اعتراض فباعتبار أنها صاحبة الحق ، فمع تنازلها فلا موجب للاعتراض.
وأما أنها اذا رفعت أمرها الى الحاكم خيّره على البيان المتقدم ، فقد يستدلّ له بموثق أبى بصير : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل ظاهر من امرأته ، قال : ان أتاها فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا وإلاّ ترك ثلاثة أشهر ، فإن فاء وإلاّ اُوقف حتى يُسأل لك حاجة فى امرأتك أو تطلقها ، فان فاء فليس عليه شيء وهى امرأته وإن طلق واحدة فهو أملك برجعتها » (2).
ولكنّه - كما ترى - لا يدلّ على التضييق فى المأكل والمشرب فلابدّ من اتمام ذلك بالتسالم وعدم الخلاف أو أن يبنى على التعدى من روايات باب الإيلاء الدالّة على التضييق(3)الى باب الظهار بناءً على عدم فهم الخصوصية.
هذا وقد ورد فى بعض الكلمات أنه اذا لم يُجْدِه كل ذلك طلّقها الحاكم. ولكنه
قابل للتأمل ، اذ لا نص يدلّ على ذلك وليس موردا للاتفاق فلاحظ.
8 - وأما أن الكفارة ما تقدم ، فتدلّ عليه الآية الكريمة : (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) (1)وموثق أبى بصير المتقدم ونحوه.
وأما انّه اذا عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما ، فيدلّ عليه موثق أبى بصير الآخر : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل ظاهر من امرأته ، فلم يجد ما يعتق ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام ، قال : يصوم ثمانية عشر يوما ، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام » (2).
الإيلاء
الإيلاء هو الحلف على ترك مواقعة الزوجة - الدائمة المدخول بها - أبدا أو مدّة تزيد علي أربعة أشهر بقصد ايذائها والإضرار بها دون ما اذا لم يكن كذلك ، كما اذا حلف على ذلك حفاظا على صحته أو صحتها.
ومع فقدان بعض القيود المذكورة لا ينعقد الحلف إيلاءً وإن انعقد يمينا وترتبت عليه آثاره اذا اجتمعت شروطه.
واذا تمّ بشرائطه فمع صبر الزوجة فلا اعتراض ، وإلاّ رافعته الى الحاكم الشرعي ، فان تراجع خلال أربعة أشهر وواقعها خلال ذلك فهو ، وإلاّ ألزمه بأحد أمرين : الرجوع أو الطلاق. وإذا لم يستجب سجنه وضيق عليه فيالمأكل والمشرب حتى يختار أحدهما.
وعلى الزوج اذا واقع زوجته بعد الأيلاء التكفير بكفارة حنث اليمين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الايلاء ما ذكر ، فهو معناه شرعا ، وإلاّ فهو لغة بمعنى مطلق الحلف ، يقال : آليت إيلاءً ، أى حلفت حلفا. (1)
1) مجمع البحرين : 1 / 29.
وقد كان الإيلاء فى الجاهلية نحوا من الطلاق كالظهار ، فاذا غضب الزوج علي زوجته حلف على عدم مواقعتها قاصدا بذلك تضييق الخناق عليها ، فلا يطلق سراحها - كما فى الطلاق - لتتزوّج من غيره ولايعود اليها ليعيش معها.
وقد جاء قوله تعالي : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1)متعرضا الى حكم الايلاء ومحددا للفترة التى يتمكن الزوج فيها من اتخاذ القرار النهائي ، وهى أربعة أشهر ، فإمّا أن يعود ويعيش معها أو يخلى سبيلها بالطلاق. ومن الطبيعى أن يشجّع الكتاب الكريم على الأول ، ولذا قال : (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
2 - وأما اعتبار دوام العقد ، فهو المشهور. ويدلّ عليه :
أ - قوله تعالي : (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ... ) ، فإنه ظاهر فى اعتبار قبول الزوجة المولّى منها للطلاق وهو لا يتم إلاّ فى الدائمة.
ب - أن من لوازم صحة الايلاء جوازمطالبة الزوجة بالوطء ، وهو لايتم إلاّ فى الدائمة.
ج - التمسّك بصحيحة عبد اللّه بن أبى يعفور عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « لا ايلاء علي الرجل من المرأة التى يتمتع بها » (2).
د - اذا شك فى ترتب الأثر بايلاء المتمتع بها يستصحب عدم ترتبه لو فرض القصور فى المقتضي.
3 - وأما اشتراط الدخول ، فلم يعرف فيه خلاف للروايات الخاصة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر وأبى عبداللّه علیهماالسلام : « فى المرأة التى لم يدخل بها
زوجها ، قال : لا يقع عليها ايلاء ولا ظهار » (1)وغيرها(2).
4 - وأما اعتبار أن تكون الفترة المحلوف على ترك الوطء فيها تزيد على أربعة أشهر ، فتدلّ عليه رواية زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « قلت له : رجل آلى أن لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر فقال : لا يكون إيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر » (3). لكنها قابلة للتأمل سندا من ناحية القاسم بن عروة ، فإنه لم تثبت وثاقته.
وقد يعوض عنها بصحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « اذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة اشهر استعدت عليه فإما ان يفييء وإما أن يطلق ، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل » (4)، فانه يستفاد منها انه يكون مؤليا لو ترك وطئها أربعة أشهر عن يمين. وعلى أى حال لم يعرف خلاف فى الحكم المذكور. (5)
5 - وأما اعتبار أن يكون الحلف على ترك الوطء بقصد الإضرار ، فلا خلاف فيه. (6)وتدلّ عليه موثقة السكونى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « أتى رجل أمير المؤمنين ، فقال : يا أميرالمؤمنين! إن امرأتى أرضعت غلاما وإنى قلت : واللّه لا أقربُكِ حتي تفطميه ، فقال : ليس فى الإصلاح إيلاء » (7).
واذا شُكِّكَ فى السند من ناحية النوفلى الراوى عن السكوني ، فبالإمكان
1) وسائل الشيعة : 15 / 516 ، باب 8 من كتاب الظهار ، حديث 2.
2) يمكن مراجعة بقية الروايات فى الباب 6 من ابواب الايلاء.
3) وسائل الشيعة : 15 / 538 ، باب 6 من كتاب الايلاء ، حديث 7.
4) وسائل الشيعة : 15 / 535 ، باب 1 من كتاب الايلاء ، حديث 2.
5) جواهر الكلام : 33 / 309.
6) جواهر الكلام : 33 / 303.
7) وسائل الشيعة : 15 / 537 ، باب 4 من كتاب الايلاء ، حديث 1.
التعويض بصحيحة حفص بن البخترى المتقدمة ، فإنه يستفاد ذلك منها فلاحظ.
6 - وأما أنه عند فقدان بعض الشرائط المتقدمة لا ينعقد إيلاءً ، فواضح ، فإن ذلك مقتضى الشرطية ومن لوازمها.
وأما أنه ينعقد يمينا ، فلأن الايلاء يمين ولا وجه للتوقف فى انعقاده يمينا بعد فرض توفر شرائط ذلك فيه.
7 - وأما أنه إذا تَمَّ الايلاء وصبرت الزوجة ، فلا اعتراض فواضح باعتبار إنها صاحبة الحق ، ولصاحب الحق التنازل عن حقه.
وأما أنها إذا لم تصبر فلها الحق فى رفع أمرها الى الحاكم الشرعي ، فلدلالة الروايات المتعددة عليه. وقد سبق بعضها ويأتى بعضها الآخر.
وأما أن للحاكم الحق فى الالزام بأحد الأمرين عند انتهاء المدّة ، فذلك لازم جواز رفع القضية الى الحاكم وإلاّ كان رفعها اليه لغوا. على أن ذلك يستفاد من بعض الروايات الآتية.
8 - وأما أن الحاكم يضيّق عليه فى المأكل والمشرب إذا امتنع من الأمرين في نهاية المدة ، فقد دلّت عليه رواية حماد بن عثمان عن أبى عبداللّه علیه السلام : المؤلى اذا أبى أن يطلّق قال : كان أمير المؤمنين علیه السلام يجعل له حظيرة من قصب ويجعله فيها ويمنعه من الطعام والشراب حتى يطلّق » (1)وغيرها.
ولكن الجميع ضعيف السند فلاحظ. ولابدّ من اتمام المطلب بالتسالم ان تمّ.
ثمّ إنه اذا امتنع المؤلى من اختيار أحد الأمرين إما مع التضييق عليه فى المأكل والمشرب أو بدونه ، فهل للحاكم التصدى للطلاق؟ نعم له ذلك لموثق سماعة : « ... و
1) وسائل الشيعة : 15 / 545 ، باب 11 من كتاب الايلاء ، حديث 1.
ان لم يفِ بعد أربعة أشهر حتى يصالح أهله أو يطلّق جبر على ذلك ، ولا يقع طلاق فيما بينهما حتى يوقف وإن كان بعد الأربعة أشهر فإن أبى فرّق بينهما الامام » (1).
9 - وأما لزوم الكفارة ، فهو ممّا لا إشكال فيه من جهة تحقق حنث اليمين.
ومنه يتضح الوجه فى كونها ككفارة حنث اليمين التى يأتى بيانها إن شاء اللّه في الموضع المناسب.
1) وسائل الشيعة : 15 / 542 ، باب 9 من كتاب الايلاء ، حديث 4.
1 - ما هو اللعان؟
2 - كيفية اللعان
3 - من أحكام اللعان
اللعان مباهلة بين الزوجين على وجه خاص يترتب عليها دفع حدٍّ أو نفى ولد. ويثبت في موردين :
1 - القذف بالزنا ، فإنه لا يجوز قذف المسلم بالزنا حتى مع تراكم القرائن على صحة النسبة إلاّ مع الإطّلاع على ذلك بنحو اليقين. ويلزم حدُّ القاذف حدَّ القذف حتى مع يقينه بصحة النسبة. ولكن بإمكانه دفع الحدِّ عن نفسه إذا فرض أحد أمرين :
أ - اقامة شهود أربعة يشهدون بذلك.
ب - ان يكون القاذف هو الزوج والمقذوف هو الزوجة ، فإن بإمكان الزوج دفع الحدّ عن نفسه من خلال اللعان بالكيفية الآتية فيما اذا لم تكن له بيّنة.
2 - نفى الولد ، فإنه لا يجوز للشخص اذا اولدت زوجته طفلاً نفيه عنه حتى اذا فجرت وظن بعدم كونه منه لتراكم بعض القرائن ما دام يمكن تولده منه. أجل مع القطع بعدم كونه منه - كما اذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين الزواج - يجوز له نفيه عنه ولكن لا ينتفي شرعاً فى مرحلة الظاهر إلاّ اذا لاعَنَ أو قامت البينة على عدم إمكان تولده منه.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن اللعان ما ذكر ، فهو من واضحات الفقه. ويستفاد ذلك من قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (1).
وقد ورد فى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « أن عباد البصرى سأل أباعبداللّه علیه السلام وأنا عنده ، كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال : إن رجلاً من المسلمين أتي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : يا رسول اللّه أرأيت لو أن رجلاً دخل منزله فرأى مع امرأته رجلاً يجامعها ما كان يصنع؟ فأعرض عنه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فانصرف الرجل وكان ذلك الرجل هو الذى ابتلى بذلك من امرأته ، قال : فنزل الوحى من عند اللّه عزّ وجلّ بالحكم فيها ، قال : فأرسل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الى ذلك الرجل فدعاه ، فقال : أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلاً؟ فقال : نعم ، فقال له : انطلق فائتنى بامرأتك فإن اللّه عزّ وجلّ قد أنزل الحكم فيك وفيها ، قال : فأحضرها زوجها ، فوقفها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وقال للزوج : أشهد أربع شهادات باللّه إنك لمن الصادقين فيما رميتها به ، قال : فشهد ، قال : ثمَّ قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : امسك ووعظه. ثمَّ قال : اتق اللّه ، فان لعنة اللّه شديدة ، ثم قال : إشهد الخامسة أن لعنة اللّه عليك إن كنت من الكاذبين ، قال : فشهد فامر به فنحي. ثم قال علیه السلام للمرأة : اشهدى أربع شهادات باللّه أن زوجك لمن الكاذبين فى ما رماك به ، قال : فشهدت ، ثم قال لها : أمسكى فوعظها ، ثم قال لها : اتقى اللّه فإن غضب
1) النور : 6 - 9.
اللّه شديد ، ثم قال لها : اشهدى الخامسة أن غضب اللّه عليك إن كان زوجك من الصادقين بما رماك به قال : فشهدت قال : ففرّق بينهما وقال لهما : لا تجتمعان بنكاح أبداً بعد ما تلاعنتما » (1).
2 - وأما ثبوت اللعان فى مورد القذف ، فهو المشهور. (2)وتدل عليه الآية الكريمة وصحيحة ابن الحجاج المتقدمة وغيرها.
3 - وأما أنه لا يجوز القذف من دون يقين ، فهو ممّا لا تأمل فيه ، فإنه من الرمي الموجب للَّعنة فى الدنيا والآخرة ، وهو من الإفك الذى نهى عنه المؤمنون. قال تعالي : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (3). وقال تعالى فى قصة الإفك : (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ . لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (4).
وفى الحديث : « جاءت امرأة الى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقالت : يا رسول اللّه إنى قلت
لأمتي : يا زانية ، فقال : هل رأيت عليها زنا؟ فقالت : لا ، فقال : أما أنها ستقاد منك (1)يوم القيامة فرجعت الى أمتها فأعطتها سوطا ، ثم قالت : اجلديني ، فأبت فاعتقتها ، ثم أتت الى النبى صلی اللّه علیه و آله فأخبرته ، فقال : عسى أن يكون به » (2).
4 - وأما أن القاذف يُحَدُّ حَدَّ القذف - ثمانون جلدة - فلقوله تعالي : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (3).
5 - وأما اندفاع الحدّ عن القاذف بلعانه ، فللآية الكريمة المتقدمة فى رقم 1.
وأما تقييد اللعان بعدم وجود البينة ، فللتقييد بذلك فى الآية الكريمة نفسها.
6 - واما ثبوت اللعان فى مورد نفى الولد ، فيستفاد من صحيحة الكنانى عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن رجل لاعَنَ امرأته وانتفى من ولدها ، ثم أكذب نفسه بعد الملاعنة وزعم أن الولد ولده هل يردّ عليه ولده؟ قال : لا ولا كرامة لا يرد عليه ولا تَحِلُّ له الى يوم القيامة » (4). وغيرها.
7 - وأما عدم جواز نفى الولد فى حالة إمكان الانتساب ، فلقاعدة الولد للفراش المستندة الى قوله صلی اللّه علیه و آله : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » الذى رواه الفريقان.
فمن طرقنا روى سعيد الأعرج فى صحيحه عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن رجلين وقعا على جارية فى طهر واحد ، لمن يكون الولد؟ قال : للذى عنده ، لقول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : الولد للفراش وللعاهر الحجر » (5).
والمقصود من قوله صلی اللّه علیه و آله : « للذى عنده » المولى المالك للجارية كما نبّه عليه الكاشاني(1).
ومن طرق غيرنا ما رواه مسلم بسنده الى عائشة : « اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى غلام. فقال سعد : هذا ، يا رسول اللّه! ابن أخى عتبة بن أبى وقاص عهد إليَ أنه ابنه ، انظر الى شَبَهِهِ. وقال عبد بن زمعة : هذا أخى يا رسول اللّه! وُلِدَ على فراش أبى من وليدته. فنظر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الى شبهه ، فرأى شَبَها بيّنا بِعُتْبَة ، فقال : هو لك يا عبد ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ... » (2)
8 - وأما جواز نفيه عند عدم إمكان الانتساب ، فلأن الفراش لا يتحقق بمجرد العقد خلافا لأبى حنيفة حيث نُسب اليه تحققه بذلك. فقد نقل العيني : « شذَّ أبو حنيفة فيما اذا عقد شخص على امرأة وطلّقها عقيب النكاح من غير امكان الوطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد حيث ألحقه بالزوج. وهذا خلاف ما جرت به عادة اللّه من ان الولد انما يكون من ماء الرجل والمرأة » (3)بل يتحقق بالعقد مع إمكان الالتحاق بالزوج ، فإن القاعدة شُرّعت فى حالات الشك فى الانتساب ، إذ مع الجزم بالانتساب الى الزوج فلا معنى لأن يُعَبِّدُنا الشارع بالإلحاق به ، لانه تَعَبُّدٌ بما هو معلوم بالوجدان ، كما لا معنى للتعبد مع الجزم بعدم إمكان الالتحاق ، إذ لايمكن التعبد بما يجزم بعدمه.
9 - وأما أنه لا ينتفى شرعا فى مرحلة الظاهر من دون لعان أو بيّنة ، فلقاعدة الفراش الحاكمة بالإلتحاق ظاهرا بصاحب الفراش.
وكيفية اللعان أن يبدأ الرجل ويقول أربع مرات - بعد القذف أو نفى الولد - : « أشهد باللّه إنى لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو نفى ولدها » ، ثم يقول مرة واحدة : « لعنة اللّه عليَ إن كنتُ من الكاذبين ».
واذا تمَّ اللعان بالنحو المذكور من الرجل حُدَّت المرأة حدَّ الزنا إن كان قد قذفها بالزنا أو نفى ولدها بنحو يوجب قذفها بالزنا. وبإمكانها بدورها أن تدفع الحَدَّ عن نفسها بلعانها هي بأن تقول أربع مرّات : « أشهد باللّه إنه لمن الكاذبين فى مقالته » ، ثم تقول مرّة واحدة : « إنّ غَضَبَ اللّه عليَّ إن كان من الصادقين ».
والمستند فى ذلك :
1 - أما كيفية اللعان بالشكل المتقدم ، فتستفاد من الآية الكريمة وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمتين سابقا فى رقم 1.
2 - وأما أنه بلعان الزوج يثبت الحد على الزوجة وبإمكانها دفعه عنها بلعانها ، فتمكن استفادته من الآية الكريمة نفسها حيث قالت : « ويَدرؤا عنها العذاب » كما هو واضح.
3 - وأما تقييد نفى الولد بما اذا استلزم القذف ، فلأنه بدون ذلك لا يثبت فى حق المرأة ما يستوجب اقامة الحدِّ عليها.
اذا تمّ اللعان من الزوج أو الزوجة ترتبت الأحكام التالية :
1 - انفساخ عقد النكاح.
2 - الحرمة المؤبدة ، فلا تحل للزوج حتى بعقد جديد.
وهذان الحكمان ثابتان فيمطلقاللعان من دون فرق بين كونه للقذف أو لنفى الولد.
3 - سقوط الحد عن الزوج - اذا تحقق منه القذف بالزنا أو نفى الولد بنحو موجب للقذف - بلعانه ويسقط عنها بلعانها. أما اذا لاعن هو ونكلت هى حُدَّتْ هى دونه. واذا لم يلاعن هو أيضا حُدَّ هو دونها.
4 - اذا كان التلاعن لنفى الولد ، ترتب عليه انتفاء الولد عن الرجل وبقى ملحقا بالمرأة فقط ومن ثَمّ ينتفى التوارث بينهما ، بل بيّنه وبيّن كلّ من ينتسب بواسطته كالجد والجدة والأخ والأخت للأب والعم والعمة.
واذا لاعن هو دونها انتفى عن الرجل أيضا ولا يثبت فى حق المرأة شيء إلاّ اذا كان نفي الولد بنحو موجب للقذف ، فيثبت عليها الحد إلاّ أن تلاعن.
والمستند فى ذلك :
1 - اما ترتب انفساخ العقد والحرمة المؤبدة على مطلق اللعان ، فهو ممّا لا إشكال فيه. ويستفاد ذلك فى لعان القذف من صحيحة عبد الرحمن المتقدمة وغيرها ، وفى لعان نفى الولد من صحيحة الكنانى المتقدمة وغيرها.
بل يمكن أن يقال : ان المستفاد من صحيحة عبد الرحمن أن الحرمة المؤبدة هي من شؤون اللعان بلا خصوصية لكونه لأجل القذف.
2 - وأما سقوط الحدِّ عن الرجل والمرأة بلعانهما ، فيستفاد من قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ
شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ... ) (1)ومن صحيحة ابن الحجاج المتقدمة فلاحظ.
وأما أنه اذا لاعَنَ هو دونها حُدّت دونه ، فيستفاد من الآية الكريمة ، لأنها ظاهرة فى أن لعان كلّ واحد من الزوجين موجب لِدَرءِ الحد عن نفسه ، بل قد يستفاد من صحيحة ابن الحجاج أيضا.
وأما أنه اذا لم يلاعن الرجل أيضا حُدّ دونها ، فباعتبار تحقق القذف منه فيحد ، وأما هى فحيث لم يثبت فى حقها المقذوف به فلا موجب لحدها.
3 - وأما أنه اذا تلاعنا لنفى الولد ترتب عليه انتفاؤه عنه دونها ، فواضح.
أما عدم انتفائه عنها فلعدم الموجب ، إذ هى لم تنفه عنها.
وأما انتفاؤه عنه ، فلأنه لولا ذلك لم تكن للعانه فائدة.
وتدلّ على كلا الحكمين صحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « المرأة يلاعنها زوجها ويفرّق بينهما الى من ينسب ولدها؟ قال : الى اُمه » (2).
4 - وأما عدم التوارث بين الولد والرجل ومن ينتسب بواسطته ، فلأن ذلك لازم انتفائه عنه باللعان.
5 - وأما أنه اذا لاعَنَ الرجل فقط انتفى الولد عنه أيضا ، فلأنه لازم اللعان وفائدته.
وأما عدم ثبوت الحدِّ على المرأة ، فلعدم الموجب لذلك بعد عدم قذفها بالزنا.
وأما أنها تُحدُّ لو لم تلاعن فيما اذا كان نفى الولد بنحو موجب لقذفها بالزنا فباعتبار دخول المورد آنذاك تحت عنوان القذف بالزنا.
من أحكام اليمين
من أحكام النذر
من أحكام العهد
الوفاء باليمين واجب.
ولا تنعقد إلاّ اذا كانت باللّه سبحانه من دون فرق بين أن يكون بلفظ الجلالة أو بسائر أسمائه ، بل وبترجمة ذلك أيضا.
ولاتحرم اذا كانت بغيره سبحانه ولكنها لا تنعقد.
وصيغتها : واللّه أو باللّه أو تاللّه أن أفعل كذا ، إما مع التعليق على حصول شيء أو بدونه. ومع التعليق لا يجب الوفاء بها إلاّ مع حصول المعلق عليه.
ولا تنعقد بالنيّة من دون تلفظ بذلك.
ويلزم فى متعلق اليمين أن يكون راجحا ولو بحسب المصلحة الشخصية للحالف ، فلو كان مرجوحا من البداية لم تنعقد ، ولو صار كذلك بعد ذلك انحلت.
ولا تنعقد يمين الولد مع نهى والده وينحل مع نهيه عنه بعد ذلك. وهكذا الحال بالنسبة الى يمين الزوجة مع نهى الزوج.
واذا حلف المكلف على صوم شهر ، ففى جواز الفصل ولزوم الوصل يتبع قصده.
والحنث الموجب للكفارة هو ما صدر عن عمد دون ما لو صدر عن نسيان أو إكراه أو اضطرار أو جهل.
ومن خالف عمدا يحنث وتجب عليه الكفارة ولا يلزمه الوفاء بعد ذلك.
وكفارة حنث اليمين : عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، فإن عجز صام ثلاثة أيام متوالية.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الوفاء باليمين واجب ، فهو من واضحات الفقه. قال اللّه تعالي : (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) (1)، (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (2)، (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ... وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (3).
2 - وأما أن اليمين لا تنعقد اذا كانت متعلقة بغير اللّه سبحانه ، فقد يستدّل له بصحيحة محمد بن مسلم : « قلت لأبى جعفر علیه السلام : قول اللّه عز وجل : (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) وما أشبه ذلك فقال : إنّ للّه ان يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه ان يقسموا إلاّ به » (4)وما كان بمضمونها حيث تدلّ على حرمة القسم بغير اللّه سبحانه ومن ثمّ على عدم صحته.
وأما أنّه لا فرق فى الحلف باللّه سبحانه بين لفظ الجلالة وسائر أسمائه فلإطلاق قوله علیه السلام : « وليس لخلقه ان يقسموا إلاّ به ».
لا يقال : إن موثقة السكونى عن جعفر عن أبيه عن على علیهم السلام : « اذا قال الرجل :
أقسمت أو حلفت ، فليس بشيء حتى يقول : أقسمت باللّه أو حلفت باللّه » (1)دلّت على عدم انعقاد اليمين ، إلاّ اذا كانت متعلقة بلفظ الجلالة.
فإنه يقال : إن الموثقة فى صدد بيان أن كلمة أقسمت أو حلفت لا تجزى وحدها ما لم تنضمّ اليها ضميمة ، أما أن تلك الضميمة هل هى خصوص لفظ الجلالة أو الأعم ، فليست فى مقام البيان من ناحيته.
3 - وأما إجزاء الترجمة ، فوجهه واضح وهو التمسّك بالإطلاق أيضا.
4 - وأما أنّه لا تحرم اليمين المتعلقة بغيره سبحانه - كالأنبياء والأولياء وغير ذلك - فلصحيحة ابن مهزيار : « قرأت فى كتاب لأبى جعفر علیه السلام الى داود بن القاسم : انّى قد جئت وحياتك ». (2)حيث حلف علیه السلام بحياة داود انّه قد جاءَ ، ولازم ذلك حمل صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة على الكراهة. وبقطع النظر عن ذلك تكفينا البراءة بعد قصور مقتضى التحريم.
وأما أنها لا تنعقد ، فللأصل بعد القصور فى المقتضي.
5 - وأما أنّ صيغة اليمين ما تقدم ، فلأن الحلف باللّه سبحانه صادق فى كلّ ذلك.
وأما صحتها مع التعليق وبدونه ، فلإطلاق أدلّة وجوب الوفاء باليمين لكلتا الحالتين.
وأما أن اليمين المعلقة لا يجب الوفاء بها قبل حصول المعلق عليه ، فباعتبار أن الالتزام من الحالف يختص بذلك ، ولا التزام قبل حصول المعلق عليه ليجب الوفاء به.
6 - وأما عدم انعقاد اليمين بمجرد النيّة من دون تلفظ بالصيغة ، فلأنّه بدون ذلك لا يصدق عنوان اليمين ليجب الوفاء بها.
7 - وأما أنه يعتبر الرجحان فى متعلق اليمين ولو بلحاظ المصلحة الشخصية ، فلصحيحة سعيد الاعرج : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يحلف على اليمين ، فيري أن تركها أفضل وإن لم يتركها خشى أن يأثم ، أيتركها؟ قال : أما سمعت قولَ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : اذا رأيت خيرا من يمينك فدعها » (1)، فإنها تدلّ على اعتبار ملاحظة الخير فى المتعلق. ومقتضى إطلاقه كفاية كون المتعلق خيرا ولو بلحاظ المصالح الشخصية.
8 - وأما أنه اذا صار متعلق اليمين مرجوحا بعد اليمين انحلت ، فلأن ذلك مورد صحيحة الأعرج وقد دلّت على الإنحلال.
9 - وأما عدم انعقاد يمين الولد والزوجة مع نهى الوالد أو الزوج ، فلصحيحة منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : لا يمين للولد مع والده ، ولا للمملوك مع مولاه ، ولا للمرأة مع زوجها ... » (2)وغيرها.
وهل تنعقد اليمين مع عدم صدور الإذن من الوالد أو الزوج لأجل عدم اطلاعه على اليمين؟ لا يبعد الانعقاد ، لأن التعبير المذكور فى الصحيحة مجمل ، فيحتمل أن يكون المقصود : منه لا يمين مع الردع ويحتمل أن يكون : لا يمين مع عدم الإذن ولو من دون ردع ، ومع إجمال المخصص ينبغى الاقتصار على القدر المتيقن وفيما زاد يرجع الى عمومات وجوب الوفاء باليمين.
10 - وأما التعميم لحالة الردع فى مرحلة البقاء ، فلإطلاق الصحيحة المتقدمة.
11 - وأما إن من حلف صوم شهر يتبع فى لزوم الوصل وجواز الفصل قصده ، فباعتبار أن الحنث يتحقق بمخالفة الالتزام التابع لكيفية القصد.
وقد يستفاد ذلك أيضا من صحيحة سعد بن اسماعيل الأشعرى عن أبى الحسن الرضا علیه السلام : « سألته عن رجل حلف وضميره على غير ما حلف ، قال : اليمين علي الضمير » (1)وغيرها.
12 - وأما أن الحنث الموجب للكفارة هو المخالفة عن عمد ، فباعتبار أن متعلق اليمين للحالف عادة هو التزام الفعل وعدم المخالفة عن عمد واختيار فاذا تحققت المخالفة لا عن عمد ، فلا يتحقق الحنث لتجب الكفارة.
هذا مضافا الى إمكان التمسّك بحديث رفع النسيان والإكراه والاضطرار(2)وبصحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة فى الجاهل : « أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه » (3).
هذا والمنسوب الى جماعة من العامة تحقق الحنث وثبوت الكفارة في الجميع(4). ولكنه مردود بما سبق.
13 - وأما ان من خالف عن عمدلا يجب عليه الوفاء بعد ذلك ، فلأن متعلق اليمين التزام واحد بترك جميع الحصص ، فاذا تحققت المخالفة مرة انخرم ذلك الالتزام الواحد ولايمكن الوفاء بعد ذلك ليجب. أجل ، اذا كان الالتزام متعددا - كمن حلف
على ترك التدخين فترة شهر بنحو كان يقصد تعدد الالتزام بالترك بعدد الأيام - تعدد الوفاء والحنث أيضا.
14 - وأما أن كفارة حنث اليمين ما تقدم ، فلقوله تعالي : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) (1).
وأما اعتبار التوالى فى الأيام الثلاثة بالرغم من اقتضاء الإطلاق جواز التفريق فلصحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه صلی اللّه علیه و آله : « صيام ثلاثة أيام فى كفارة اليمين متتابعات » (2)وغيرها.
النذر هو التزام الشخص فى ذمته بفعل شيء أو تركه للّه سبحانه. والوفاء به واجب ، ويترتب على مخالفته الكفارة.
وصيغته : للّه عليَ كذا إن حصل كذا.
ولا ينعقد بمجرد النيّة من دون تلفظ بذلك.
وفى انعقاده من دون تعليق على شرطٍ كلام.
ويشترط فى انعقاده رجحان متعلقه بنحو يعدّ طاعة للّه سبحانه ، فلا ينعقد لو تعلق بالمباح الذى لا يعدُّ فعله طاعة له سبحانه. واذا زال الرجحان بعد الانعقاد انحل.
ولا يشترط فى صحة نذر الولد إذن الوالد مسبقا. أجل ، مع نهيه المسبق لا ينعقد. واذا نهى عنه بعد ذلك انحل.
ويشترط فى صحة نذر الزوجة إذن الزوج اذا كان متعلقه منافيا لحقه فى الاستمتاع ، بل ذهب المشهور الى اعتبار إذن الزوج حتى اذا لم يكن منافيا لحقه مادام يستلزم التصرف فى مالها.
وفى تحديد كفارة حنث النذر خلاف.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن النذر هو الالتزام المتقدم ، فهو من واضحات الفقه التى يعرفها كلّ متشرع.
وأما أن الوفاء به واجب ، فهو من واضحات الفقه أيضا. ويدلّ عليه قوله تعالي : (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) (1)، (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (2)، (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) (3).
ويستفاد ذلك أيضا من روايات ثبوت الكفارة بالحنث وغيرها.
وأما أنه تترتب على مخالفته الكفارة ، فهو ممّا لا إشكال فيه. ويدلّ عليه صحيح الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا ولايسميه ، قال : إن سميته فهو ما سميت ، وإن لم تسمّ شيئا فليس بشيء. فان قلت : « للّه عليَّ » ،
فكفارة يمين » (1)
والمقصود من صدر الصحيح ان مجرد قول الشخص للّه عليَّ نذر لايكفي ، بل لابدّ ان يشخّص المنذور ويسمّيه.
وغيره.2 - وأما أن صيغته ما تقدم ، فهو ممّا لا إشكال فيه. ويدلّ عليه صحيح منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « اذا قال : « الرجل عليَّ المشى الى بيت اللّه وهو محرم بحجة » أو « عليَّ هدى كذا وكذا » فليس بشيء حتى يقول : « للّه عليَّ المشى الى بيته » أو يقول : « للّه عليَ أن أحرم بحجة » أو يقول : « للّه عليَّ هدى كذا وكذا ان لم أفعل كذا وكذا » (2)وغيره.
3 - وأما عدم انعقاده بمجرد النيّة ، فلأنّه بدون التلفظ بالصيغة لا يصدق عنوان النذر. ومع التنزّل وفرض الشك فى صدق عنوان النذر ، يكفينا استصحاب عدم ترتب الأثر. مضافا الى إمكان استفادة اعتبار التلفظ من صحيح منصور المتقدم فلاحظ.
4 - واما انعقاد النذر اذا لم يكن معلقا على شرط ، - المعبّر عنه بنذر التبرع - فهو المشهور. (3)وقيل بعدم ذلك.
والمنشأ المهم للخلاف دعوى عدم صدق عنوان النذر مع التبرع وأنه لغة الوعد بشرط ، والأصل عدم النقل ، ومعه لا يمكن التمسّك بعمومات وجوب الوفاء بالنذر. بل ان لم يجزم بالدعوى المذكورة ، فلا أقلّ من احتمالها ، ومعه لا يمكن التمسك بالعمومات أيضا لكونه من التمسّك بالعام فى الشبهة المصداقية.
وقد يؤيد اعتبار التعليق على الشرط - كما صنع فى الجواهر - بصحيحة منصور
بن حازم المتقدمة ، فإنه ورد فى ذيلها : « ... أو يقول : للّه عليَّ هدى كذا وكذا ان لم أفعل كذا وكذا » ، وهو بالمفهوم يدلّ على أنه اذا لم تذكر الصيغة مع التعليق ، فلا ينعقد النذر(1).
5 - واما اعتبار رجحان متعلق النذر بنحو يعدّ فعله طاعة للّه سبحانه ، فباعتبار أن المكلف من خلال النذر يجعل الفعل للّه سبحانه ويقول للّه عليَّ كذا ، ولا معنى لأن يلتزم بفعل للّه سبحانه إلاّ اذا كان مطلوباً وطاعة له ، وحيث إن المباح المتساوي طرفاه ليس مطلوبا وطاعة له سبحانه ، فلا معنى لجعله للّه بمثل صيغة للّه عليَ حتى إذا فرض وجود رجحان دنيوى فيه من بعض الجهات.
6 - وأما أنّه ينحلّ اذا زال الرجحان ، فباعتبار أنه معه لا يصدق بقاءً كون الفعل للّه سبحانه ، فيزول عنوان النذر بقاءً وينحل بهذا المعني.
7 - وأما عدم اعتبار إذن الوالد مسبقا فى صحة نذر الولد ، فلعدم وجود نص يدلّ على اعتبار ذلك فيتمسّك بعمومات النذر لنفى ذلك. أجل ، مع النهى يزول الرجحان فلا ينعقد حدوثا وينحل بقاءً.
8 - وأما عدم انعقاد نذر الزوجة اذا كان منافيا لحق الزوج فى الاستمتاع ، فواضح ، لكون المتعلق مرجوحا آنذاك.
وأما اذا لم يكن منافيا لحقه ، فالمشهور اختار عدم انعقاده أيضا(2)لصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « ليس للمرأة مع زوجها أمر فى عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر فى مالها إلاّ بإذن زوجها إلاّ فى حج أو زكاة أو برّ والديها أو
صلة رحمها » (1). نعم مع عدم كون نذرها مستلزما للتصرف فى مالها ولا منافيا لحقه ينعقد ويجب الوفاء به تمسّكا بالعمومات.
هذا ويمكن أن يقال : إن صحيح ابن سنان ناظر الى بيان حكم أخلاقى بقرينة اشتماله على ما لا يمكن الالتزام به ، كعدم جواز صدقة الزوجة وهبتها لشيء من مالها من دون إذن الزوج. وعليه فالمناسب العمل على وفق الاحتياط.
9 - وأما كفارة حنث النذر ، فقيل : إنها ككفارة مخالفة اليمين ، وقيل : ككفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان.
ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات ، فبعضها دلَّ على الأول ، كما فى صحيحة الحلبى المتقدمة فى رقم 1 ، وبعضها دلّ على الثاني ، كما فى رواية عبد الملك بن عمرو عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عمن جعل للّه عليه أن لا يركب محرّما سمّاه فركبه ، قال : لا. ولا أعلمه إلاّ قال : فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا » (2).
والتعارض بينهما مستقر. وقد تُرَجَّح الثانية لموافقة الأول لروايات العامة الدالّة على أن كفارة حنث النذر كفارة يمين(3). إلاّ أن المناسب ترجيح الاُولى لضعف سند الثانية بعبد الملك ، إذ لم يرد فى حقه توثيق ، سوى أن الكشّى نقل رواية ينتهي سندها الى عبد الملك نفسه وأن الإمام الصادق علیه السلام قال له : « إنى لأدعو اللّه لك حتي اُسمّى دابتك أو قال : أدعو لدابتك » (4)، وهى لو تمّت دلالة على التوثيق ، فليست
تامة سنداً من جهة أن الراوى عبدالملك نفسه.
العهد التزام مع اللّه سبحانه بفعل شيء أو تركه بصيغة : « عاهدت اللّه » أو « عليَ عهد اللّه أن أفعل كذا » ، مع التعليق على شرط أو بدونه. والوفاء به واجب. وتترتب على مخالفته الكفارة.
ولايعتبر فى متعلقه الرجحان الشرعى بنحو يعدّ طاعة له سبحانه.
وكفارة مخالفة العهد : عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن العهد ما ذكر ، فينبغى أن يكون من واضحات الفقه.
وأما أن صيغته « عاهدت اللّه أو على عهد اللّه إن أفعل كذا » فلتحقق العهد بذلك عرفا ، فتشمله عمومات وجوب الوفاء بالعهد.
وأما صحته مع التعليق على شرط وبدونه ، فلإطلاق الأدلّة الآتية الدالّة علي مشروعية العهد ووجوب الوفاء به.
وأما أن الوفاء به واجب فممّا لا إشكال فيه لقوله تعالي : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (1)، (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (2)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) (3)، فان المراد بالعهد فى الآيات الكريمة المذكورة
اما خصوص العهد الإصطلاحى أو ما يعمّ النذر واليمين ، وعلى التقديرين يثبت المطلوب.
وفى حديث عبد اللّه بن سنان : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال : « العهود » (1).
2 - وأما ترتب الكفارة على مخالفة العهد ، فهو من الاُمور المسلّمة بين الأصحاب. وتأتى دلالة بعض الروايات عليه.
3 - وأما عدم اعتبار كون متعلقه طاعة كما هو معتبر ، فى النذر فلعدم جريان التقريب السابق هناك فيه. ومقتضى إطلاق دليل وجوب الوفاء به الشمول لما يكون متساوى الطرفين شرعا.
4 - وأما ان كفارة مخالفة العهد ما تقدم ، فهو المشهور بين الأصحاب. ويدّل عليه ما رواه احمد بن محمد بن عيسى فى نوادره عن ابى جعفر الثانى علیه السلام : « رجل عاهد اللّه عند الحجر ان لا يقرب محرما ابدا ، فلما رجع عاد الى المحرم ، فقال : ابوجعفر علیه السلام : يعتق أو يصوم أو يتصدّق على ستّين مسكينا. وما ترك من الأمر أعظم ويستغفر اللّه ويتوب اليه » (2)وغيره.
حقيقة الشفعة
من أحكام الشفعة
الشفعة حق ثابت للشريك فى أخذ حصّة شريكه - اذا باعها لثالث - بالثمن المقرر في البيع. ويصطلح على صاحب الحق المذكور بالشفيع.
وهى ايقاع يتوقف تحققه على انشاء الشريك له ، بلا حاجة الى القبول.
وشرعيتها أمر مسلَّم.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الشفعة هى ما تقدم ، فممّا لا كلام فيه.
وأما أنها ايقاع يتوقف على انشاء الايجاب من دون حاجة الى القبول ، فأمر واضح ، لأنها شرِّعت لأخذ الحصة منالمشتري ، حفظاً لأولوية الشفيع ، فلايحتمل اعتبار قبوله.
2 - وأما أنها مشروعة ، فقد دلّت عليه جملة من الروايات ، كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لاتكون الشفعة إلاّ لشريكين ما لم يقاسما ، فاذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة » (1)، وموثقة أبى العباس البقباق : « سمعت
1) وسائل الشيعة : 17 / 320 ، باب 7 من ابواب الشفعة ، حديث 1.
أبا عبداللّه علیه السلام يقول : الشفعة لاتكون إلاّ لشريك » (1)، ورواية عقبة بن خالد عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قضى رسول اللّه بالشفعة بين الشركاء فيالأرضين والمساكن وقال : لا ضرر ولا ضرار. وقال : اذا اُرّفت الاُرف(2)وحُدّت الحدود فلاشفعة » (3)الى غير ذلك من الروايات.
وينبغى الالتفات الى ان ثبوت حق الشفعة جاء تخصيصاً لقاعدة عدم حلية التصرف فى مال الغير من دون طيب نفسه كما هو واضح ، ولا محذور فى ذلك ، فان القاعدة المذكورة ليست حكماً عقلياً كى لاتقبل التخصيص.
يتحقق إعمال حق الشفعة بكلّ ما يدلّ على ذلك من قول - كقول الشفيع : أخذت الحصة المبيعة بثمنها - أو فعل ، كما اذا دفع الشفيع الثمن وأخذ الحصة.
ويشترط فى ثبوتها :
أ - عدم تقسيم العين المشتركة بفرز الحصص.
ب - أن تكون العين مشتركة بين اثنين لا أكثر.
ج - تسديد الثمن ولايكفى إعمال حق الشفعة من دون ذلك.
د - أن يكون المدفوع بمقدار الثمن بدون زيادة أو نقيصة سواء كان مساوياً للقيمة السوقية أم لا.
ذ - أن تكون العين المشتركة من الأشياء غير المنقولة وقابلة للقسمة كالدور والبساتين والأراضي. وفى ثبوتها فى غير القابل للقسمة وفى المنقول خلاف.
وفى اعتبار الفورية فى حق الشفعة خلاف.
ولاتثبت الشفعة بالجوار ، فلو أراد شخص بيع داره فلايحق لجاره المطالبة بها بالشفعة.
وحقالشفعة قابل للإسقاط بدون عوض أو معه ، ولكنّه لايقبل الانتقال الى الغير بالنقل اليه.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن إعمال حق الشفعة يتحقق بكلّ ما يدلّ على ذلك من قول أو فعل ، فيمكن استفادته من الروايات السابقة ، فانها اذا كانت مشتملة على إطلاق لفظى فهو المطلوب. وإلاّ أمكن التمسّك بالإطلاق المقامي ، بتقريب أن إثبات حق الشفعة للشريك من دون بيان ما به يتحقق اعماله يدلّ على ايكال الأمر الى العرف وأن الشارع ليس له تحديد خاص فى هذا المجال ، بل كلّ ما يدلّ على إعمال الحق المذكور فى نظر العرف فهو كافٍ.
2 - وأما أنه يشترط فى ثبوت حق الشفعة عدم فرز الحصص ، فهو من المسلّمات عندنا. (1)وقد دلّت عليه روايات كثيرة كصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدمة وغيرها.
ويظهر من رواية عقبة بن خالد المتقدمة وجود رأى مقابل لمدرسة أهل البيت علیهم السلام يرى ثبوت حق الشفعة حتى مع فرز الحصص فلاحظ.
1) جواهر الكلام : 37 / 257.
3 - وأما اعتبار أن تكون العين مشتركة بين اثنين لا أكثر ، فهو المشهور. (1)وقد دلّت عليه عدّة روايات كصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدمة وغيرها.
إلاّ أن فى مقابل ذلك روايتين : أحدهما للسكونى والاُخرى لطلحة بن زيد عن الامام الصادق علیه السلام ، كلتاهما بلسان : « الشفعة على عدد الرجال ». (2)
وقد حملها الشيخ على التقية ، (3)فإن تمَّ ذلك وإلاّ تساقط المتعارضان ولزم الرجوع الى الأصل المقتضى لعدم حل التصرف من دون طيب نفس المالك ، فإن القدرالمتيقن فى الخارج عن الأصل المذكور ما اذا كانت الشركة بين اثنين ، وأما اذا كانت بينأكثر فيشك فيالخروج عن الأصل ، فيتمسك به إن فرض عدم وجود إطلاق فى الروايات يدلّ على ثبوت حق الشفعة فى حالة اشتراك العين بين أكثر مناثنين.
هذا كله اذا لمنناقش فى سند الاُولى بالنوفلى الراوى عن السكونى وفى الثانية بطلحة بن زيد وإلاّ فلا مشكلة من الأساس.
4 - واما اعتبار تسديد مقدار الثمن عقيب إعمال الحق ، فينبغى أن يكون من الواضحات ، إذ لايحتمل ثبوت حق الشفعة وانتقال العين الى الشفيع بإعماله الشفعة مع عدم أدائه الثمن ، وهل ذلك إلاّ الضرر المنفى بقاعدة لا ضرر؟!
هذا مضافاً الى أن روايات الشفعة لا إطلاق لها من هذه الناحية ، فينبغى الاقتصار على مورد اليقين ، وهو ما اذا تَمَّ أداء الثمن.
5 - واما ان الشفيع لايمكنه تملك الحصة إلا بدفع مقدار الثمن بدون زيادة ولا
نقيصة فتدلّ عليه رواية هارون بن حمزة الغنوى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الشفعة فى الدور ، أشيء واجب للشريك ويعرض على الجار فهو أحق بها من غيره؟ فقال : الشفعة فى البيوع اذا كان شريكاً فهو أحق بها بالثمن » (1)، إلاّ أن سندها يشتمل على يزيد بن اسحاق شعر ، وهو لم يوثق. أجل ، بناءً على تمامية كبرى الجابرية بموافقة فتوى المشهور(2)لا إشكال ، خصوصاً اذا لاحظنا كلام صاحب الجواهر الذى يقول فيه : « لا خلاف بين الخاصة والعامة نصاً وفتويً فى أن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذى وقع عليه العقد ». (3)
ثم إنه يمكن أن نسلك طريقاً آخر لإثبات فتوى المشهور بأن يقال : إن الروايات حيث لا إطلاق فيها من هذه الناحية ، فينبغى الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو ما اذا كان البذل لما يساوى مقدار الثمن.
6 - وأما أنه لايفرَّق بين أن يكون مقدار الثمن مساوياً للقيمة السوقية أو لا ، فلإطلاق البيانين المتقدمين من هذه الناحية.
7 - وأما ثبوت الشفعة فى الأعيان غير المنقولة القابلة للقسمة ، فهو ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب وهو القدر المتيقن من مورد حق الشفعة.
واذا رجعنا الى الروايات وجدنا أن بعضها يدلّ على ثبوت حق الشفعة في جميع الأشياء ، كصحيحة يونس عن بعض رجاله عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الشفعة جائزة فى كلّ شيء من حيوان أو أرض أو متاع » (4)، لكنها ضعيفة بالارسال.
واذا لاحظنا رواية عقبة بن خالد المتقدمة وجدناها تدلّ على ثبوت الشفعة في الدور والأراضي ، وهى ضعيفة السند بعقبة نفسه وبمحمد بن عبداللّه بن هلال الراوى عنه حيث لم يوثّقا.
وأما بقية الروايات فهى لا إطلاق فيها من هذه الناحية ، كصحيحة عبداللّه بن سنان وموثقة البقباق المتقدمتين.
والمناسب بعد هذا أن يقال : إن الروايات المتقدمة وغيرها يستفاد منها ثبوت حق الشفعة فى الجملة ويدور الأمر فى مورده بين كونه جميع الأشياء أو خصوص بعضها ، فيلزم الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو الاُمور غير المنقولة من دون تفصيل بينها لعدم احتمال ذلك.
أجل ، قديقال باعتبار كونها قابلة للقسمة - فلاتثبت فيمثل الآبار - لأن التعبير فى صحيحة عبداللّه بن سنان : « ما لم يقاسما » قد يفهم منه اعتبار قابلية الشيء للقسمة.
وأما الأشياء المنقولة ، فقد دلّت صحيحة عبداللّه بن سنان : « مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه ، قال : يبيعه. قلت : فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع ، قال له شريكه : اعطني ، قال : هو أحق به. ثم قال علیه السلام : لا شفعة في الحيوان إلاّ أن يكون الشريك فيه واحداً » (1)على ثبوته فى الحيوان. والتعدّى منه الى مطلق الأشياء المنقولة يتوقف على فهم عدم الخصوصية للحيوان.
8 - وأما اعتبار الفورية فى إعمال حق الشفعة ، فيمكن أن يوجَّه بأن ثبوت الحق المذكور حكم على خلاف الأصل فيلزم الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو ثبوته
1) وسائل الشيعة : 17 / 322 ، باب 7 من ابواب الشفعة ، حديث 7.
فى أول زمان إمكان إعماله.
وقد يقال بكونه متراخياً الى الحدّ الذى يلزم فيه الضرر ، تمسكاً بالاستصحاب.
والمناسب ان يقال بإعتبار الفورية العرفية ، لأنّ ثبوتها بمقدار أزيد من ذلك أمر غير محتمل ، لإستلزامه ايقاع المشترى فى الضرر ، وحق الشفعة شُرّع لدفع الضرر ولايحتمل تشريعه بنحو يستوجب توجيه الضرر على الغير ، وبعد هذا لايبقى مجال لاحتمال جريان الاستصحاب.
9 - واما عدم ثبوت الشفعة بالجوار ، فيكفى لإثباته القصور فى المقتضي. ويؤيد ذلك رواية الغنوى المتقدمة.
10 - وأما قبول حق الشفعة للإسقاط بدون عوض أو معه ، فلأنه حق ولايحتمل كونه حكماً شرعياً لكى لايقبل الإسقاط.
وأما عدم قابليته للنقل ، فيكفى لإثباته عدم الدليل على قبوله لذلك.
حقيقة الجعالة
من أحكام الجعالة
الجعالة(1)انشاء يتضمن الالتزام بعوض على عمل.
وترجع فى حقيقتها الى كونها ايقاعاً يتحقق بمجرد الإيجاب إما عاماً ، كقول من يريد بيع داره : « من باع دارى فله كذا » ، أو خاصاً ، كقول الشخص السابق موجّهاً الخطاب لشخص آخر معيّن : « إن بعت دارى فلك كذا ».
وهى مشروعة.
وتفترق عن الإجارة بعدّة فوارق.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الجعالة ما تقدم ، فهو من واضحات الفقه.
وأما أنها ايقاع لا تحتاج الى قبول ، فهو المعروف. ويدلّ عليه :
أ - أن الجاعل بإيجابه للجعالة لايتصرف فى سلطان الغير ليحتاج الى قبوله.
ب - السيرة العقلائية التى يأتى التمسّك بها ، فإنها قاضية بعدم الحاجة الى القبول.
2 - وأما شرعية الجعالة ، فأمر متسالم عليه فى الجملة. ويدلّ على ذلك :
1) بكسر الجيم وقد تضم.
أ - قوله تعالي : ( ولمن جاء به حمل بعير ) (1)، بعد ضمّ استصحاب حكم الشريعة السابقة عند الشك فى نسخه.
ب - الروايات الخاصة ، كصحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أبى يسأل أبا عبداللّه علیه السلام وأنا أسمع ، فقال : ربما أمرنا الرجل فيشترى لنا الأرض والدار والغلام والجارية ونجعل له جُعْلاً ، قال : لا بأس » (2)، فإنه ليس المقصود ندفع له بعد ذلك لابعنوان الجعالة وإلاّ لقيل : نعطيه ، بل المقصود نقرر له ذلك من البداية بعنوان الجعالة.
وكصحيحة على بن جعفر عن أخيه أبيالحسن علیه السلام : « سألته عن جعل الآبق والضالة ، قال : لا بأس به » (3)فإن المقصود ، السؤال عن الجعالة على ردِّ الآبق والضالة.
ج - السيرة العقلائية ، فإنها انعقدت على كون طلب العمل سببا من أسباب الضمان ، فمن طلب من غيره تعمير داره أو حمل متاعه فى سيارته ، كان ذلك سببا للضمان إما باُجرة المثل إن لمتقرر اُجرة معينة أو بما قرر إن فرض ذلك ، وحيث إن السيرة المذكورة لايحتمل حدوثها بعد عصر المعصومين علیهم السلام ولم يصدر ردع عنها فيستكشف امضاؤها.
3 - وأما أن الإيجاب يجوز أن يكون عاما تارةً وخاصا اُخرى ، فيدلّ عليه إطلاق صحيحة على بن جعفر علیه السلام المتقدمة والسيرة العقلائية.
4 - وأما الفوارق بين الإجارة والجعالة ، فهى متعددة من قبيل :
أ - أن الإجارة عقد تتوقف على الإيجاب والقبول ، بينما الجعالة ايقاع يكفى في
تحققها الإيجاب.
ب - فى الإجارة يستحق الأجير الاُجرة بمجرد العقد وتنشغل ذمته بالعمل للمستأجر بمجرد ذلك أيضا ، بخلافه فى الجعالة ، فإنه لا تنشغل ذمة الجاعل بالجعل بمجرد الإيجاب بل بعد العمل ، كما لا تنشغل ذمة العامل بالعمل للجاعل بمجرد ذلك.
ج - لابدَّ من تعيين العوضين فى الإجارة بخلافه فى الجعالة.
لا محذور فى الجهل بعوضى الجعالة ، كأن يقول شخص : « من أصلح سيارتى فله كذا مقدارٌ » ، مع فرض عدم العلم بما يتطلبه الإصلاح من عمل وأجهزة ، أو يقول : « من باع داري بكذا فله الزائد ».
أجل ، يلزم أن لا يكون مجهولاً بشكل كامل ، كما لو قال : « من باع دارى بكذا فله شيء » وإلاّ بطلت الجعالة واستحق العامل اُجرة المثل.
ويجوز للجاعل التراجع عن الجعالة قبل شروع العامل ولايجوز ذلك بعد الشروع إلاّ مع التوافق مع العامل.
واذا شرع العامل فى العمل ، فلا يجب عليه اتمامه إلاّ اذا فرض طروّ عنوان ثانوي ، كما لو قال الجاعل للطبيب : إن أجريت عملية لعينى فلك كذا ، فإنه لا يحق له التوقف عن اتمام العملية بعد الشروع فيها فيما اذا كان ذلك موجباً للضرر.
ولايستحق العامل للجعل إلاّ بإتمامه للعمل. واذا أتى ببعضه وأراد التوقف فلا يستحق بالنسبة إلاّ اذا كان طلب العمل لم يلحظ بنحو الترابط. وقد يكون من هذا القبيل طلب بعض
الوزارات فى الدولة تعبيد عدّة شوارع أو بناء عدة عمارات وما شاكل ذلك وارادة العامل التوقف عن تعبيد بعض الشوارع أو بناء بعض العمارات.
ولايستحق العامل الجعل إلاّ اذا قصد أداء العمل بقصد تحصيل الجعل ، أما اذا قام به متبرعاً أو كان جاهلاً بالجعالة أو غافلاً عنها فلايستحق شيئاً.
والمستند فى ذلك :
1 - أما عدم المحذور فى الجهل بعوضى الجعالة ، فهو رأى بعض الأصحاب. (1)ويدلّ عليه عموم السيرة المتقدمة وإطلاق صحيحة على بن جعفر المتقدمة ، فإن ما يتطلبه ردُّ الآبق والضالة غير محدد ، ومقدار الجعل لمتفترض معلوميته وبالرغم من ذلك نفى علیه السلام البأس من دون تفصيل.
وأما حديث نفى الغرر ، فهو على تقدير تمامية سنده خاص بالبيع ، كما تقدمت الإشارة اليه عند البحث فى الإجارة.
2 - وأما اعتبار أن لايكون الجهل بالعوضين بشكل كامل ، فيمكن توجيهه بأن التعامل مع الجهل بالعوض بشكل كامل ليس عقلائياً ، وأدلة امضاء المعاملات منصرفة عن التعامل غير العقلائي.
ومع التنزل يمكن أن نقول : إن مدرك مشروعية الجعالة منحصر بالوجوه الثلاثة المتقدمة ، وهى لم يحرز شمولها لحالة الجهل الكامل ، ومعه يلزم التمسّك باستصحاب عدم ترتب الأثر عند الشك فى ثبوت الامضاء.
3 - وأما أنه مع بطلان الجعالة يستحق العامل اُجرة المثل ، فباعتبار أن استحقاقه
1) جواهر الكلام : 35 / 195.
للاُجرة المسمّاة لمّا لم يثبت لفرض بطلان الجعالة فلابدّ من ضمان أجرة المثل؛ لأن الجاعل قد طلب العمل ، وهو سبب للضمان.
4 - وأما جواز التراجع عن الجعالة قبل شروع العامل ، فلم يعرف فيه خلاف بين الأصحاب. (1)ويكفى لاثباته عدم الدليل على اللزوم.
وأما عدم جوازه بعد شروع العامل ، فتقتضيه السيرة العقلائية المتقدمة.
5 - وأما عدم لزوم إتمام العامل للعمل بعد شروعه فيه ، فلعدم الدليل على ذلك.
وأما لزوم الاستمرار مع العنوان الثانوي ، فتقتضيه السيرة المتقدمة.
6 - وأما عدم استحقاق العامل للجعل إلاّ بعد اتمام العمل ، فيكفى لإثباته عدم الدليل على الاستحقاق قبل ذلك.
وأما أنه إذا أتى ببعضه وأراد التوقف ، فلايستحق شيئاً ، فلأن الجُعل قد جُعل على اتمام العمل حسب الفرض.
وأما ثبوت الاستحقاق بالنسبة اذا فرض عدم ملاحظة الترابط ، فلأن ذلك يعني انحلال الجعالة الى جعالات متعددة بعدد الأبعاض المتصورة.
7 - وأما عدم استحقاق العامل للجعل اذا أتى بالعمل متبرعاً أو غافلاً أو جاهلاً ، فيكفى لإثباته عدم الدليل على الاستحقاق ، فإن السيرة دليل لبّي ، يلزم الاقتصار فيه على القدر المتيقن ، والنصوص منصرفة عن مثل ذلك.
1) جواهر الكلام : 35 / 198.
الوصية بقسميها
الوصية ايقاع
من أحكام الوصى
من أحكام الوصية
الوصية انشاء يتضمّن تمليكاً أو عهداً بتصرف معيّن بعد الوفاة.
وهى على قسمين : تمليكية وعهدية.
والأولى هى ما تضمنت انشاء ملكية عين أو اختصاص حق بعد الوفاة - كالوصية بكون قسم من المال لشخص معيّن أو لجهة معيّنة كالفقراء - وأركانها ثلاثة : الموصي ، والموصي به ، والموصى له.
والثانية هى ما تضمنت العهدبتولى تصرف معيّن بعد الوفاة ، كالوصية بتمليك شخص أو جهة مقداراً من المال ، أو الوصية بالدفن فى مكان معيّن أو بولاية شخص على الأطفال القاصرين أو بالتصرف فى المال ببناء مسجد أو حسينية وما شاكل ذلك. وأركانها ثلاثة أيضاً : الموصي ، والوصي ، والموصى به. ومع تعلق الموصى به بالغير - كالوصية بتمليك الوصى مقداراً من المال لشخص - تكون أطرافها أربعة بإضافة الموصى له.
وهى مشروعة بنحو الاستحباب ، بل بنحو الوجوب أحياناً.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الوصية ما تقدم ، فهو من واضحات الفقه.
وأما انقسامها الى ما ذكر فكذلك حيث إن متعلق الوصية تارة يكون هو الملكية أو الاختصاص بنحو شرط النتيجة ، وأخرى هو التمليك أو الاختصاص بنحو شرط الفعل أو تصرّفاً آخر غير التمليك. والوصية فى الأول تمليكية وفى الثانى عهدية.
2 - وأما أنها مشروعة ، فهو من ضروريات الدين. ويدلّ على ذلك قوله تعالي : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) . (1)
وموردها وإن كان خاصاً بالوصية للوالدين والأقربين الا أن فقرة : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ) تدل على امضاء مطلق الوصية ، للاستشهاد بها فى بعض الروايات على نفوذ مطلق الوصية ، ففى صحيحة محمد بن مسلم : « سألت أباجعفر علیه السلام عن الرجل اوصى بماله فى سبيل اللّه ، قال : أعطه لمن اوصى له به وإن كان يهوديا أو نصرانيا ، إن اللّه عزّوجلّ يقول : فمن بدَّله بعد ما سمعه ، فإنما إثمه على الّذين يبدّلونه ». (2)
وتدلّ على المشروعية أيضاً السيرة القطعية بين المتشرعة المتصلة بزمن المعصوم علیه السلام .
3 - وأما أنها مشروعة بكلا قسميها ، فأمرمتسالم عليه ويقتضيه اطلاق الآية
الكريمة والسيرة القطعية.
4 - وأما أنها مشروعة بنحو الإستحباب ، فهو من واضحات الفقه. ويدلّ علي ذلك قوله علیه السلام : « ما ينبغى لامريءٍ مسلم أن يبيت ليلة إلاّ ووصيته تحت رأسه » (1)، « من مات بغير وصيّة مات ميتةً جاهلية ». (2)
وفى وصيّة النبى صلی اللّه علیه و آله لأميرالمؤمنين علیه السلام : « يا علي! اُوصيك بوصية فاحفظها ، فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي ... ياعلي! من لم يحسن وصيته عند موته كان نقصاً في مروّته ولم يملك الشفاعة ». (3)
5 - وأما أنها قد تجب فيأتى بيانه عند التعرض لأحكام الوصيّة ، إن شاء اللّه تعالي.
صحة الوصية العهدية لا تتوقف على القبول. نعم للوصى الرد - ولكن لا يلزم من ذلك بطلان الوصيّة رأساً بل بطلان وصايته - بشرطين : كون ذلك فى حياة الموصي ، وبلوغه الرد. بل قد يضاف الى ذلك إمكان الايصاء الى شخص آخر. هذا اذا لم يكن العمل بها حرجياً وإلاّ جاز ردّها حتى مع اختلال ما تقدم.
أجل ، فى خصوص الولد قد يقال بوجوب قبوله الوصيّة اذا دعاه والده الى ذلك.
وأما الوصية التمليكية ، فالمشهور ذهب الى اعتبار قبول الموصى له فى صحتها ، فتكون
على رأيهم عقداً. (1)
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن صحة الوصية العهدية لا تتوقف على القبول ، فهو رأى غير واحد من الفقهاء. (2)وتدلّ عليها الروايات الدالّة على وجوب عمل الوصى بالوصية اذا لم يرد أو ردّ ولم يبلغ الموصى ذلك ، كصحيحة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا أوصى الرجل الى أخيه وهو غائب فليس له أن يرد عليه وصيته ، لأنه لو كان شاهداً فأبى أن يقبلها طلب غيره » (3)وغيرها ، فإن القبول لو كان معتبراً جاز الرد مطلقاً ، بل لم يتوقف بطلانها على الرد ويكفى عدم القبول.
بل يمكن التمسّك بإطلاق قوله تعالي : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (4)بعد تفسيره بمطلق الايصاء على ما تقدم.
2 - وأما جواز الرد بالشروط الثلاثة المتقدمة ، فيمكن استفادته من صحيحة منصور المتقدمة وغيرها.
وأما جواز الرد مع الحرج فلقاعدة نفى الحرج المستفادة من قوله تعالي : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . (5)
3 - وأما أنه مع ردّ الوصى فى مورد جوازه لا يلزم بطلان الوصية رأساً ، فلأن أقصى ما يستلزمه الرد خلو الوصية من الوصى وهو لا يقتضى بطلانها.
4 - وأما وجوب قبول الولد للوصية اذا دعاه والده الى ذلك ، فلرواية على بن الريّان : « كتبت الى أبى الحسن علیه السلام : رجل دعاه والده الى قبول وصيّته هل له أن يمتنع من قبول وصيّته؟ فوقَّع علیه السلام : ليس له أن يمتنع » (1)بناءً على التسامح فى أمر سهل الوارد فى سندها.
5 - وأما اعتبار المشهور للقبول فى الوصية التمليكية ، فقد يستدلّ له بالوجهين التاليين :
أ - أن تحقق الملك بدون قبول الموصى له مخالف ، لقاعدة سلطنة الانسان علي نفسه الثابتة بالسيرة العقلائية ، فإنّ دخول شيء فى ملك الغير قهراً منافٍ لذلك. وثبوت مثله فى الإرث هو لدليل خاص ، فلا مجال معه للتعدّى عنه.
ب - التمسّك باستصحاب عدم الانتقال الى الموصى له بدون قبوله.
وكلا الوجهين قابلان للتأمّل بعد إطلاق الآية الكريمة (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) . (2)
أجل ، ادّعى الإجماع فى المسألة على اعتبار القبول. وهو إن تَمَّ كان هو المدرك إلاّ أنه غير تام لكونه محتمل المدرك.
وعليه فاعتبار القبول مشكل.
وممّا يدعم عدم اعتبار القبول صحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام : « قضي أميرالمؤمنين علیه السلام فى رجل أوصى لآخر والموصى له غائب فتوفّى الموصى له الّذي اوصى له قبل الموصي ، قال : الوصية لوارث الذى أوصى له. قال : ومن أوصى لأحد
شاهداً كان أو غائباً فتوفّى الموصى له قبل الموصي ، فالوصية لوارث الذى أوصى له إلاّ أن يرجع فى وصيته قبل موته » (1)وما كان بمضمونها ، فإن مقتضى إطلاقها لزوم الدفع الى الوارث حتى مع عدمقبول الموصيله ، ولا وجه للدفع اليه إلاّ تحقق ملك مورثه والانتقال منه اليه.
نعم قد يلتزم بمانعية الرد عن تحقق الملك بالرغم من اقتضاء إطلاق الآية الكريمة نفيها أيضاً ، ولا وجه له سوى الإجماع المدّعى فى المسألة.
قال السيد اليزدي : « ويحتمل قوياً عدم اعتبار القبول فيها ، بل يكون الرد مانعاً.
ودعوى أنه يستلزم الملك القهرى وهو باطل فى غير مثل الارث ، مدفوعة بأنه لا مانع منه عقلاً. ومقتضى عمومات الوصية ذلك. مع أن الملك القهرى موجود في مثل الوقف ». (2)
اذا عيَّن الموصى شخصاً للقيام بتنفيذ وصيته تعيَّن وإلاّ فالنوبة تصل الى الحاكم الشرعي ، فيتولى تنفيذ الوصية بنفسه أو يتصدّى لتعيين شخص لذلك.
ودور الوصى فى الوصية التمليكية بذل المال للموصى له لا أكثر ، بخلافه فى الوصية العهدية فإنه يتولى التصرف الموصى به ....
واذا ظهرت من الوصى خيانة ضم الحاكم الشرعى اليه من يمنعه منها ، فإن لم يمكن عزله ونصب غيره.
واذا مات الوصى قبل تنفيذ الوصيّة كلاًّ أو بعضاً نصب الحاكم الشرعى وصياً لتنفيذها.
ويجوز لكلّ من الأب والجدّ للأب الوصية بالولاية - القيمومة - على الطفل بعد موته مع فقد الآخر. ولا تصح من غيرهما ولا مع وجود الآخر.
ووظيفة القيّم مع عدم تحديد جهة معينة له هو التصدى للشؤون المرتبطة بالطفل من تربيته وحفظ أمواله والانفاق عليه واستيفاء دينه ووفاء ما عليه من دين وما شاكل ذلك.
ويجوز للموصى نصب ناظر على الوصى ووظيفته : إما إبداء النظر بنحو لا يكون تصرف الوصى نافذاً إلاّ إذا وافَقَ نظره ، أو الإشراف على عمل الوصى بحيث يكون تحت نظره ليعترض عليه ويردعه اذا رأى منه مخالفة لمقررات الوصية من دون أن يلزم الوصى بمتابعة رأيه ، بل يكفى اطلاعه على عمله الموافق بنظره - الوصى - لمقررات الوصية. ولعل الغالب تداوله فى جعل الناظر هو هذا المعني.
واذا حدَّد الموصى ولاية الوصى بجهة معينة لزم الاقتصار على محل الإذن وكان المرجع بلحاظ الجهات الاُخرى هو الحاكم الشرعي.
ويجوز للقيّم على اليتيم أخذ اُجرة مثل عمله. والاحتياط يقتضى الاقتصار على ما اذا كان فقيراً ولم يكن مال اليتيم قليلاً.
ويجوز ذلك للوصى أيضاً - غير القيّم على اليتيم - فيما اذا كان لعمله اُجرة ولم تقم القرينة على إرادة المجّانيّة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما تعيّن من عيَّنه الموصى لتنفيذ الوصيّة ، فهو ممّا لا إشكال فيه. وتقتضيه الأدلّة الدالّة على إمضاء الوصية من الآيات الكريمة وغيرها. بل صحيحة منصور المتقدمة صريحة فى ذلك.
2 - وأما أن النوبة تصل الى الحاكم الشرعى مع عدم تعيين أحدٍ لذلك ، فلأنه بعد
الحكم شرعاً بصحة الوصية - تمسّكاً بإطلاقات صحة الوصية - يلزم تصدى بعض لتنفيذها ، واذا دار أمر ذلك البعض بين كونه مطلق عدول المؤمنين أو خصوص الحاكم الشرعي ، فينبغى الاقتصار على من يتيقن بإذن الشارع له فى التصدى وهو الحاكم الشرعى ويكون تصدى غيره مورداً لاستصحاب عدم ترتب الأثر.
بل قد يتمسّك لذلك أيضاً بمكاتبة اسحاق بن يعقوب : « سألت محمد بن عثمان العمرى أن يوصل لى كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان علیه السلام : أما ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبتك ... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا ، فإنهم حجتى عليكم وأنا حجة اللّه ... ». (1)
3 - وأما أن الحاكم الشرعى بالخيار بين تصديه بنفسه أو تعيين شخص آخر فلعدم اقتضاء ما تقدم لزوم تصدى الحاكم بنفسه ، بل هو أعم من ذلك.
4 - وأما أن دور الوصى فى الوصية التمليكية هو البذل لا أكثر ، فباعتبار أن تملك الموصى له أو اختصاصه بالحق يتحقق بمجرد موت الموصى بلا حاجة الى تمليك من الوصي ، فدوره لا يعدو بذل ما تحقق ملكه أو اختصاصه بمجرد الموت ، وهذا بخلافه فى الوصية العهدية ، فإن التمليك أو التصرف الآخر لابدَّ من قيام الوصى به ، لأن الوصية تعلقت به بنحو شرط الفعل.
5 - وأما أن الوصى اذا ظهرت منه خيانة ضم الحاكم اليه من يمنعه منها ، فهو مقتضى وجوب تنفيذ الوصية بعد الالتفات الى عدم لياقة الخائن لذلك.
هذا اذا لم يستظهر من الوصية كون الايصاء مقيداً بعدم الخيانة وإلاّ يخرج عن كونه وصياً بمجرد الخيانة.
1) وسائل الشيعة : 18 / 101 ، باب 11 ، من ابواب صفات القاضي ، حديث 9.
ومن هذا يتضح الوجه فى ثبوت الحق للحاكم فى عزل الخائن ونصب غيره اذا لم يمكن منعه عن الخيانة المجددة بضمّ آخر اليه.
6 - وأما أنه اذا مات الوصى قبل تنفيذ الوصية نصب الحاكم غيره ، فقد اتضح وجهه من خلال ما أشير اليه فى الرقم 2.
7 - وأما أنه يجوز لكل من الأب والجد نصب القيّم على أطفالهما بعد الوفاة ، فهو ممّا لا خلاف فيه. (1)ويمكن استفادة ذلك من موثقة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سُئل عن رجل أوصى الى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم ، فقال : لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له فى ذلك وهو حي ». (2)
وقد اشتمل سندها على الحسن بن على بن يوسف ـ وهو ابن البقاح الراوى لكتاب المثنى بن الوليد على ما ذكر النجاشى فى ترجمة المثنى ـ الذى وثقّه النجاشى فى رجاله : 29 ، منشورات مكتبة الداوري.
وهى تشمل الجد أيضاً لكونه أباً.
وموردها وإن كان خاصاً بالمضاربة إلاّ أنه يمكن التعدّى الى غيره إما تمسّكاً بعموم التعليل الوارد فى ذيلها أو بعدم القول بالفصل.
8 - وأما أن ولايتهما تختص بحالة فقد الآخر ، فللأصل بعد عدم الإطلاق فى دليل ولاية كلّ منهما.
وأما عدم ثبوت الولاية لغيرهما ، فل -لأصل بعد عدم الدليل خلافاً لابن الجنيد حيث جعل ل -لاُم الولاية بعد الأب اذا كانت رشيدة. (3)ولم يتضح مستنده فى ذلك.
9 - وأما أن وظيفة القيّم ماتقدم ، فلانصراف جعل الولاية له الى جعلها بلحاظ ذلك.
10 - وأما نصب الناظر بأحد المعنيين المتقدمين ، فلا إشارة إليه فى الروايات ، بل ولا فى كلمات المتقدمين من فقهائنا إلاّ أنه بالرغم من ذلك يمكن تصحيحه من خلال إطلاقات صحة الوصية وإمضائها على ما هى عليه ، كقوله تعالي : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) . (1)
11 - وأما لزوم الاقتصار على محل الإذن مع تحديد الولاية بجهة معينة ، فلأن ذلك مقتضى وجوب العمل بالوصية وعدم تجاوزها.
وأما أن المرجع فى الجهات الاُخرى هو الحاكم الشرعي ، فلأنه بلحاظ تلك تعود الوصية بلا نصب وصي ، وقد تقدم أن المرجع فى مثل ذلك هو الحاكم الشرعي.
12 - وأما أنه يجوز للقيّم على اليتيم أخذ أجرة مثل عمله إن كانت له اُجرة ، فلقوله تعالي : (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ... ) . (2)
وقد تسالم الأصحاب على جواز أخذ الاُجرة فى الجملة واختلفوا فى مقدارها وأنه اُجرة المثل أو مقدار الكفاية أو أقل الأمرين. والمستفاد من الآية الكريمة استحقاق اُجرة المثل ، فإنها المصداق لعنوان المعروف. ويؤكد ذلك صحيحة هشام
ابن الحكم : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عمّن تولّى مال اليتيم ما له أن يأكل؟ فقال : ينظر الي ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك » (1)وغيرها.
وأما الفقر ، فيمكن رفعاليد عناعتباره ، لأنالآية واناشتملت عليالأمر الظاهر فى الوجوب إلاّ أنالمادة تتناسب معالندب. ويبقى الاحتياط باعتبارذلك أمراً في محله.
13 - وأما الاحتياط باعتبار أن لا يكون مال اليتيم قليلاً ، فلرواية أبى الصباح الكنانى عن أبى عبداللّه علیه السلام فى قول اللّه عزّوجلّ : (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) فقال : « ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة ، فلا بأس أن يأكل بالمعروف اذا كان يُصلح لهم أموالهم ، فإن كان المال قليلاً فلا يأكل منه شيئاً » ، (2)فإن ضعف سندها بمحمد بن الفضيل - حيث لم يحرز كونه النهدى الثقة - واعراض المشهور عن الفتوي بمضمونها يقتضيان التنزل عن الفتوى باعتبار ذلك الى الاحتياط.
14 - وأما أنه يجوز للوصى غير القيّم علي اليتيم اُخذ اُجرة المثل ، فلأن ذلك مقتضي الأمر بالعمل لاعلى نحو المجّانّية المقتضى لضمان اُجرة المثل للسيرة العقلائية.
ينعقد الايجاب فى الوصية بكلّ ما يدلّ عليها ولو كتابة.
والواجبات الموسّعة - كقضاء الصلاة والصوم وأداء الكفارات والنذور و ... - تتضيق لدي المشهور وتجب المبادرة الى أدائها مع الإمكان عند ظهور أمارات الموت. واذا لم يمكن اداؤها يجب الإيصاء بها إلاّ مع العلم بقيام الوارث أو غيره بها.
وهكذا أموال الناس - من الوديعة ونحوها - اذا كانت عند شخص فإنه يجب عليه ردّها مع الإمكان عند ظهور أمارات الموت ، ومع عدم الإمكان يجب الإيصاء بها.
هذا فى غير الديون.
وأما هى فيجب أداؤها أيضاً عند ظهور أمارات الموت ، ومع عدم الامكان أو كونها مؤجّلة يجب الإيصاء بها اذا خيف ضياعها بدون ذلك.
ولا تصح الوصية إلاّ بمقدار الثلث دون ما زاد عليه إلاّ بإجازة الورثة بعد الوفاة.
وفى الاجتزاء بها حال الحياة خلاف.
والإجازة لازمة لا يمكن التراجع بعدها.
واذا اجاز بعض الورثة دون بعض نفذت الوصية فى حصة المجيز دون غيره.
والميزان فى تحديد مقدار الثلث ملاحظة حال الموت دون الوصية؛ فلو أوصى شخص بعين وكانت بمقدار نصف أمواله حين الوصية وصارت بمقدار الثلث حين الموت صحت الوصية فى تمامها. واذا انعكس الأمر فكانت بمقدار الثلث حين الوصية وأزيد منه حين الوفاة نفذت بمقدار الثلث وتوقفت فيما زاد على إجازة الورثة.
والواجبات المالية - وهى الأموال المشتغلة بها الذمة ، كالمال المقترض وثمن المبيع والخمس والزكاة و ... تخرج من الأصل وان لم يوص بها بلا خلاف.
وأما الواجبات غير المالية فقد وقعت محلاً للخلاف.
والمستند فى ذلك :
1 - أما انعقاد ايجاب الوصية بكلّ ما يدلّ عليها ، فلإطلاق الآية الكريمة : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ... فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ
فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) . (1)الدال على امضاء عنوان الوصيّة متى ما صدق.
2 - وأما تضييق الواجبات الموسعة عند ظهور أمارات الموت ، فباعتبار أن جواز تأخير الامتثال منوط بسعة الوقت ، أما مع الظن بعدمها - بسبب ظهور أمارات الموت - فلا معنى له.
هذا ما عليه المشهور. وهو وجيه مع فرض قيام اجماع قولى أو عملى علي إناطة جواز التأخير بعدم ظن الضيق كما ادّعاه بعض الأعلام (2)وإلاّ فالمناسب جعل المدار فى التضييق وعدمه على العلم أو الإطمئنان بالتمكن من الامتثال وعدمه - وليس على الظن بالتمكن وعدمه - فمن لم يطمئن بتمكنه من الامتثال لو أخَّر تلزمه المبادرة اليه ولو لم تظهر أمارات الموت عليه.
والوجه فى ذلك : أن كل تكليف لابدَّ عقلاً من المبادرة الى امتثاله إلاّ مع العلم أو الاطمئنان بالتمكن لولم يبادر. وجعل المدار علي ظهورأمارات الموت وعدمه بلا وجه.
3 - وأما وجوب الإيصاء بها عند عدم التمكن من مباشرة الإمتثال فواضح بعد عدم سقوطها عن الذمة بالموت. ولا محذور فى اعتبار اشتغال الذمة بشيئ بعد الموت. وثمرته لزوم تفريغها تسبيباً قبل الموت من خلال الوصية بها.
4 - وأما وجوب ردِّ أموال الناس من الوديعة وغيرها عند ظهور أمارات الموت ، فباعتبار أن ردَّ الأمانة الى أهلها واجب. هذا ما عليه المشهور.
والمناسب أن يقال : إن ردَّها واجب اذا لم يطمئن بأداء الوارث لها وإلاّ فلا
موجب لذلك ، فإن ال -لازم فى باب الأمانة حفظها ، وهو متحقق مع الاطمئنان بأداء الوارث لها ، أما ردُّها مع فرض عدم مطالبة صاحبها بها فليس واجباً.
وينبغى الالتفات الى أن أداء الوارث لها اذا كان موقوفاً على الايصاء بها والإشهاد عليها ، وجب ذلك من باب وجوب مقدمة الواجب ولو عقلاً.
5 - وأما أن الديون يجب أداؤها عند ظهور أمارات الموت اذا كانت حالَّة ، فهو مذكور فى كلمات غير واحد من الأعلام.
والمناسب أن يقال : إنه مع مطالبة المالك بها يجب أداؤها اذا كانت حالة ، سواء ظهرت أمارات الموت أم لا ، ومع عدم مطالبته بها فلا موجب للإلزام بأدائها ، فجعل الأمر دائراً مدار ظهور أمارات الموت وعدمه بلا وجه.
6 - وأما أنه لا تصح الوصية إلاّ بمقدار الثلث ، فهو المعروف بين الأصحاب. (1)وقد دلّت عليه روايات متعددة ، كموثقة عمار الساباطى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين فيه ، فإن قال : بعدي ، فليس له إلاّ الثلث ». (2)
قال فى الوافي : 24 / 67 ، « ابان فيه : اى عزله عن ماله وسلّمه الى المعطى له فى مرضه ولم يعلّق إعطاءه علي الموت ».
وغيرها.ونسب الخلاف فى ذلك الى الشيخ عليبنبابويه وأنه أجازها فى جميع التركة. (3)
7 - وأما نفوذها مع إجازة الورثة بعد الوفاة ، فباعتبار أن الحق لا يعدوهم.
8 - وأما الإجتزاء بإجازة الورثة حال حياة مورثهم ، فالقاعدة وإن اقتضت عدمه لكونهم آنذاك ليسوا أصحاب حق ليتمكّنوا من اسقاطه ، إلاّ أن الروايات قد دلّت
على النفوذ ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك ، فلمّا مات الرجل نقضوا الوصية هل لهم أن يردّوا ما أقرّوا به؟ فقال : ليس لهم ذلك ، والوصية جائزة عليهم إذا أقرّوا بها فى حياته » (1)وغيرها.
وبعد الروايات لا يبقى مجال للقول بعدم النفوذ كما هو المنسوب الى الشيخ المفيد وغيره(2).
9 - وأما عدم إمكان التراجع عن الإجازة ، فواضح اذا كانت الإجازة بعد الوفاة ، لأنها انعقدت صحيحة وانتقل المال الى الموصى له ، وانقلابها الى البطلان بالتراجع يحتاج الى دليل.
10 - وأما أنه اذا أجاز بعض الورثة دون بعض نفذت فى حق المجيز فقط ، فأمر واضح بعد انحلال الحق وبُعْد كونه واحداً ارتباطياً.
11 - وأما أن المدار فى الثلث على ملاحظته حين الوفاة ، فلأنه المنصرف عرفاً من فقرة : « فإن قال بعدى فليس له إلاّ الثلث » الواردة فى موثقة الساباطى المتقدمة ، أى فليس له إلاّ الثلث بعد وفاته.
هذا مضافاً الى إمكان استفادة ذلك من صحيحة محمد بن قيس : « قلت له : رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلثٍ أو ربع ، فيقتل الرجل خطأ يعنى الموصي ، فقال : يجاز لهذا الوصية من ماله ومن ديته » (3)وغيرها.
إلاّ أن هذا كلّه لو لم يتضح من خلال القرائن إرادة ما هو ثلث حين الوصيّة كما هو واضح.
12 - وأما الواجبات غير المالية - كالصلاة وغيرها - فقد وقعت محلاً للخلاف فقيل بلزوم اخراجها من الاصل قبل الارث أيضاً كالديون المالية. وقيل بإخراجها من الثلث.
واستدلّ على الأول بأنها دينٌ ، وكل دينٍ لابدَّ من اخراجه من الأصل.
أما الصغرى فلما رواه الشيخ الصدوق باسناده عن سليمان بن داود المنقرى عن حماد بن عيسى عن أبى عبداللّه علیه السلام : قال لقمان لابنه : « ... يا بُنّى اذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء ، صلّها واسترح منها فإنها دين ... ». (1)
وأما الكبرى فللآية الكريمة : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (2)الدالّة على لزوم اخراج الدين من التركة قبل الإرث ، ولقصة الخثعميّة التي أتت الى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقالت : « يا رسول اللّه إنّ فَرضَ الحج قد أدرك أبى وهو شيخ لا يقدر على ركوب الراحلة ، أيجوز أن أحج عنه؟ قال صلی اللّه علیه و آله : يجوز. قالت : يا رسول اللّه ينفعه ذلك؟ قال صلی اللّه علیه و آله : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيء؟ قالت : نعم. قال : فدين اللّه أحق ». (3)
هكذا استدلّ جماعة منهم السيد اليزدى قدس سره . (4)
ويمكن التأمل فى ذلك من ناحية الكبرى باعتبار انصراف لفظ الدين فى الآية الكريمة الى الدين المالي. وقصة الخثعميّة لم ترد فى أحاديثنا ، على انّها لاتدلّ على الإخراج من الاصل.
حقيقة الوقف
من شرائط الوقف
من أحكام الوقف
من أحكام الحبس
من أحكام الصدقة بالمعنى الأخص ش
الوقف انشاء يتضمّن تحبيس العين وتسبيل الثمرة. وقد يعبّر عنه بالصدقة وهو مشروع بلا اشكال.
وفى كونه عقداً يعتبر فيه القبول ، خلاف.
وهو يشتمل تارة على موقوف عليه فيكون متقوّماً بثلاثة أطراف : الواقف والعين الموقوفة ، والموقوف عليه ، واُخرى لا يشتمل على ذلك فيكون متقوماً بطرفين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الوقف ما تقدم فهو من واضحات الفقه ، ويقتضيه ارتكاز المتشرّعة الذى لا تأمل فيه. وفى الحديث عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « حبِّس الأصل وسبِّل الثمرة ». (1)
2 - وأما أنه قد يعبَّر عنه بالصدقة ، فهو واضح لمن راجع النصوص ، فلاحظ صحيحة ربعى بن عبداللّه عن أبى عبداللّه علیه السلام : « تصدَّق أميرالمؤمنين علیه السلام بدار له في المدينة فى بنى زريق فكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدَّق به على بن أبى طالب وهو حيٌّ سوى تصدّق بداره التى فى بنى زريق صدقة لاتباع ولا
1) مستدرك الوسائل : 14 / 47.
توهب حتى يرثها اللّه الذى يرث السماوات والأرض وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهنَ ، فاذا انقرضوا فهى لذى الحاجة من المسلمين » (1)وغيرها.
قال فى الحدائق : « لا يخفى على من له اُنس بالأخبار ومن جاس خلال تلك الديار أن الوقف فى الصدر الأول اعنى زمن النبى صلی اللّه علیه و آله وزمن الائمة علیهم السلام انما يعبّر عنه بالصدقة ». (2)
ويمكن أن يقال : إن لفظ الصدقة مصطلح مشترك بين الوقف والحبس والصدقة بمعناها الأخص ، إلاّ أنه فى الأول تخرج العين عن ملك الواقف مع حبسها عن التصرف فيها بالنقل بالبيع ونحوه ، وفى الثانى تبقى العين على ملك الحابس ويكون التمليك للمنفعة ، وفى الثالث تنتقل العين الى المتصدَّق عليه مع جواز تصرفه فيها بأيّ نحو أحب.
هذه ثلاثة معانى للصدقة. وتطلق على معنيً رابع ، وهو فريضة الزكاة ، كما قال تعالي : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ... ) (3)
3 - وأما أن الوقف مشروع ، فهو من المسلَّمات بين جميع المسلمين ، بل يستفاد من النصوص رجحانه ، فلاحظ صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال : صدقة أجراها فى حياته فهى تجري بعد موته ، وسنّة هديً سنّها فهى يعمل بها بعد موته ، أو ولد صالح يدعو له » (4)وغيرها.
4 - وأما أن الوقف يعتبر فيه القبول ، فهو ظاهر كلّ من عبَّر عنه بالعقد كالمحقق الحلي ، حيث قال : « الوقف عقد ثمرته تحبيس الأصل واطلاق المنفعة ». (1)
وقد يستدلّ على ذلك :
تارة باستصحاب عدم ترتب الأثر بدونه.
واُخرى بأن ادخال الشيء فى ملك الغير بدون رضاه ، خلاف قاعدة سلطنة الانسان على نفسه.
والمناسب عدم الاعتبار لوجوه :
أ - التمسّك بإطلاق قوله علیه السلام فى صحيحة محمد بن الحسن الصفار : « الوقوف تكونعلى حسب ما يوقفها أهلها إن شاء اللّه » ، (2) حيثيدلّعليأن الوقف كلما صدق كان ممضيً وبالكيفية المرسومة فيه ، وواضح أن صدق عنوان الوقف عرفاً لا يتوقف على القبول ، بل يتحقق بمجرد الإيجاب ، فيلزم كونه ممضياً حتى مع عدم القبول.
ب - التمسّك بصحيحة ربعى السابقة الحاكية لوقف أميرالمؤمنين علیه السلام حيث لم يشر فيها الى القبول.
ج - التمسّك بسيرة المتشرعة الجارية على عدم مراعاة القبول حين الوقف. ولو كان ذلك معتبراً لانعكس على النصوص والسيرة ، بعد شدة الابتلاء بالوقف.
وبهذا يتضح بطلان الوجهين السابقين لإثبات الاعتبار.
ووجه ذلك : ان النوبة تصل اليهما اذا لم يفترض وجود ما يمكن التمسّك به
1) شرائع الاسلام : 2 / 442.
لإثبات عدم الاعتبار ، وقد تقدم وجوده.
5 - وأما أن الوقف يشتمل تارة على موقوف عليه واُخرى لا يشتمل عليه ، فذلك باعتبار أن الواقف تارة يخرج العين الموقوفة عن ملكه من دون ادخالها فى ملك الغير ، كما فى وقف المساجد ، فإن مرجعه الى اخراج المسجد من الملك وتحريره وفكه من دون ادخاله فى ملك أحد ، وفى مثله لا موقوف عليه ، واُخرى يدخلها في ملك الغير ، كما فى الوقف على الأولاد أو الفقراء أو العلماء ، وفى مثله يكون الموقوف عليه ثابتاً ، وهو الأولاد ونحوهم.
يعتبر فى تحقق الوقف ابرازه بكلّ ما يدلّ عليه - ولا يكفى النيّة - مثل وقّفت ونحوه بما فى ذلك المعاطاة ، كما لو سلَّم الواقف الفرش الى متولى شؤون المشاهد المشرفة بقصد الوقف. بل ربما يتحقق بغير ذلك أيضاً ، كما لو بنى شخص حسينية بقصد كونها وقفاً.
وفى اعتبار قصد القربة فيه خلاف.
ويعتبر فى لزومه اذا كان خاصاً قبض الموقوف عليه ، بل قيل باعتباره فى صحته أيضاً. أجل ، لا يلزم أن يكون ذلك بنحو الفورية. ويكفى فى الوقف الذرى قبض الطبقة الأولي.
ويعتبر فى الوقف أيضاً التأبيد ، فلو أنشأ الوقف لفترة عشرين سنة مثلاً ، لم يقع وقفاً. وفى وقوعه حبساً خلاف. وفى صحة الوقف على من ينقرض عادة - كالوقف على ثلاثة بطون من الأولاد - خلاف أيضاً.
ويعتبر فى العين الموقوفة أن تكون قابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها ، فلا يصح وقف الأطعمة والفاكهة وما شاكلها.
ويعتبر فيالموقوف عليه وجوده فلايصح الوقف عليالمعدوم ، كالوقف على منيوجد بعد ذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنه يعتبر فى صحة الوقف ابرازه بما يدلّ عليه ولا تكفى النيّة وحدها ، فباعتبار عدم صدق عنوانه بدون ذلك.
وأما الاكتفاء بكلّ ما يدلّ عليه ، فهو مقتضى إطلاق دليل الإمضاء ، كقوله علیه السلام في صحيحة الصفار السابقة : « الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها ». الدال علي امضاء الوقف كلّما صدق وبكيفيته الخاصة ، فاذا أنشأ شخص الوقف بالفارسية شمله قوله : « الوقوف تكون ... » وثبت امضاء اصل الوقف وكيفيته الخاصة.
ومنه يتضح النظر فيما يظهر من صاحب الحدائق من الميل الى لزوم الاقتصار على لفظ « وقفت ، وتصدقت » باعتبار ورودهما فى الأخبار حيث قال قدس سره : « لا يبعد الانحصار فى هذين اللفظين وقوفاً على ما خالف الأصل على مورد النفي ، بمعني أن الأصل بقاء الملك لمالكه ، والذى ورد من الصيغة المخرجة منحصر فى هذين اللفظين ». (1)
2 - وأما تحقق الوقف بالمعاطاة وغيرها ، فلأنه بعد صدق عنوان الوقف عرفاً يكون مشمولاً لاطلاق دليل الامضاء ، كقوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... ».
وتؤكد ذلك ، سيرة المتشرعة الجارية على عدم التقيد بالصيغة.
3 - وأما اعتبار قصد القربة فى صحة الوقف ، فهو ظاهر كلام بعض الأصحاب. وقد يستدلّ على ذلك بمقدمتين :
أ - أن الوقف صدقة ، كما يستفاد ذلك من صحيحة ربعى المتقدمة وغيرها.
ب - أن كل صدقة يشترطفيها قصدالقربة ، كما دلّتعليه صحيحة حماد بن
1) الحدائق الناضرة : 22 / 129.
عثمان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا صدقة ولا عتق إلاّ ما أريد به وجه اللّه عزّوجلّ » (1)وغيرها.
وفيه : أن المقدمة الاُولى لا تدلّ على أن كلّ وقف صدقة ، ويحتمل أن الصدقة حصة خاصة منه وهو ما قصد به التقرب.
والمناسب عدم اعتبار ذلك لإطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... » الدال علي إمضاء كلّ ما يصدق عليه مفهوم الوقف عرفاً ، ومن الواضح أن مفهوم الوقف لا يستبطن عرفاً قصد التقرب.
ومن هذا يتضح بطلان التمسّك باستصحاب عدم ترتّب الأثر من دون قصد التقرب.
ووجه البطلان : أن الأصل لا تصل النوبة اليه مع وجود الدليل الاجتهادي.
وممّا يؤكد عدم اعتبار قصد التقرب انعقاد سيرة المتشرعة على الوقوف من دون خطور ذلك فى أذهانهم ، بل يوقفون لنفع أولادهم لا غير ولا يحتمل أن مثل الوقوف المذكورة باطلة.
4 - وأما القبض ، فلا إشكال فى اعتباره فى الجملة - وإن كانت القاعدة تقتضي عدم ذلك - فلو تحقق الوقف من دون قبض جاز للواقف التراجع ولو مات رجع ميراثاً ، إن هذا المقدار لا إشكال فيه وإنما الإشكال فى أن ذلك شرط للصحة والانتقال أو شرط لللزوم.
والثمرة تظهر فى النماء فى الفترة المتخللة بين الوقف والقبض.
والمشهور كونه شرطاً للصحة بينما الروايات لا يظهر منها أكثر من كونه شرطاً
1) وسائل الشيعة : 13 / 319 ، باب 13 من أحكام الوقوف والصدقات ، حديث 2.
فى اللزوم ، فلاحظ صحيحة صفوان بن يحيى عن أبيالحسن علیه السلام : « سألته عن الرجل يقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث فى ذلك شيئاً ، فقال : إن كان وقّفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيّماً لم يكن له أن يرجع فيها. وإن كانوا صغاراً وقد شرط ولايتها لهم حتي بلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها. وإن كانوا كباراً ولم يسلّمها اليهم ولم يخاصموا (1)حتى يحوزوها عنه فله ان يرجع فيها لأنهم لايحوزونها (2)عنه وقد بلغوا » (3)، فإنها دلّت على جواز الرجوع قبل التسليم ، وذلك لا يقتضى أكثر من عدم اللزوم.
والمناسب أن يقال : إن مقتضى إطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون علي ... » صحة الوقف ولزومه بدون اشتراط القبض ، والنص المتقدم لايدلّ على أكثر من كونه شرطاً فى اللزوم ، فيلزم الحكم بالصحة من دون لزوم جمعاً بين الإطلاق المتقدم والنص المذكور.
5 - وأما تقييد اعتبار القبض بما إذا كان الوقف خاصاً ، فلأن النصوص المتقدمة لا يظهر منها أكثر من ذلك وتبقى الأوقاف العامة مشمولة لمقتضى القاعدة بلا حاجة الى قبض الحاكم الشرعى نيابة عن الجهة العامة.
6 - وأما أنه لا تلزم الفورية فى القبض ، فهو لإطلاق النصوص المتقدمة. بل حتي لو فرض أنها مجملة ولم يكن لها إطلاق كفى إطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... ».
7 - وأما كفاية قبض الطبقة الاُولى فى الوقف الذرى ، فلأن قبض جميع الطبقات أمر غير ممكن ليحتمل اعتباره. على أنه مع فرض عدم الدليل على اعتبار قبض
جميع الطبقات فبالإمكان نفى احتمال ذلك بإطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... ».
8 - وأما اعتبار التأبيد فى تحقق الوقف ، فقد يستدلّ عليه :
تارة بتقوّم مفهومه بذلك.
واُخرى بأن وقوف الأئمّة علیهم السلام التى حكتها الروايات - كصحيحة ربعى المتقدمة فى بداية الحديث عن الوقف - كانت مؤبدة.
وثالثة بالتمسّك باستصحاب عدم ترتب الأثر بعد كون القدر المتيقن صحته هوالمؤبد.
والجميع كما تري.
اذ الأول غير ثابت.
والثانى لا دلالة له على الانحصار.
والثالث لا مجال له بعد إطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... ».
ومن هنا قال السيد اليزدي : « فالعمدة : الاجماع إن تَمَّ ». (1)
9 - وأما وجه القول ببطلان الوقف المقيد بمدة وعدم وقوعه حبساً ، فواضح ، فإن الحبس لم يقصد فكيف يقع؟!
وأما وجه وقوعه حبساً ، فباعتبار أن قصد الوقف المؤقت قصد لحقيقة الحبس. ولا يضر اعتقاد كونه وقفاً بعد انشاء ما هو حبس حقيقة.
10 - وأما الوقف على من ينقرض فقيل بصحته وقفاً. وقيل بصحته حبساً. وقيل ببطلانه.
ولعل الأوجَه هو الأول ، إذ الإجماع وإن انعقد على اعتبار التأبيد ولكنه في
1) ملحقات العروة الوثقي : 2 / 192.
مقابل التوقيت بمدة ، ولايعلم شموله لمثل المقام فيقتصرعلى القدر المتيقن بعد كون الدليل لبّياً لا إطلاق فيه ، ويعود التمسّك بإطلاق قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... » بلامانع.
11 - وأما اعتبار أن تكون العين الموقوفة قابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها ، فباعتبار تقوّم الوقف عرفاً بحبس العين ، فاذا لم يمكن حبسها عند الانتفاع بها فلايمكن تحققه.
12 - وأما اعتبار وجود الموقوف عليه ، فقد يستدلّ له :
أ - تارة بأن الوقف تمليك ولا يعقل تمليك المعدوم ، لانَّ الملكية صفة وجودية تستدعى محلاً موجوداً.
ب - واُخرى بأن القبض شرط فيصحة الوقف ، وهومتعذرمع انعدام الموقوف عليه.
اذا تَمَّ الوقف فلا يجوز للواقف تغيير كيفيته التى أنشأ عليها ويكون أجنبياً عنه كسائر الأفراد. أجل ، يجوز له حين انشائه جعل التولية لنفسه أو لغيره أولهما. بل يجوز جعلها بنحو يحق للمتولى تفويض التولى بنصب متولٍ آخر فى حياته أو بعدها حسب نظره. ومع عدم جعلها لأحدٍ تنتهى النوبة الى الحاكم الشرعى فيما اذا لم يكن الوقف بنحو التمليك.
والمتولى المنصوب يستحق اُجرة مثل عمله إن لم تجعل له بنحو المجّانية.
والموقوف على مشهد من المشاهد المقدسة يصرف فى مصالحه. والموقوف علي المعصومين علیهم السلام يصرف فى كلّ ما يوجب إحياء ذكرهم.
واذا وقّف شيء على مسجد مثلاً فخرب أو لم يحتج الى الصرف فيه لانقطاع المارة عنه أو لغير ذلك ، يصرف فى مسجد آخر إن أمكن وإلاّ ففى وجوه البر الأقرب فالأقرب.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنه لا يجوز للواقف تغيير كيفية الوقف بعد تماميته ، فباعتبار خروج العين عن ملكه فكيف يريد التصرف؟! هذا مضافاً الى إمكان استفادة ذلك من قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... » ، حيث يدلّ على أن الوقف بعد تماميته يبقى على ما هو عليه من دون إمكان التصرف فيه.
وأما جواز جعل الواقف التولية حين انشاء الوقف بأحد الأشكال المتقدمة ، فلدلالة قوله علیه السلام : « الوقوف تكون ... » على ذلك.
2 - وأما ثبوت التولية للحاكم الشرعى اذا لم تجعل لغيره ، فباعتبار أن تولي شخص خاص لإدارة شؤون الوقف قضية ضرورية ، واذا دار الأمر بين كون ذلك الشخص هو خصوص الحاكم الشرعى أو مطلق عدول الموءمنين تعيّن كونه الحاكم الشرعى لكونه القدر المتيقن.
وأما استثناء حالة الوقف بنحو التمليك - كالوقف علي الأولاد - فباعتبار أنالوقف اذا كان له مالك تعيّن تصدّيه لأنه الأولى بإدارة شؤون ملكه ولامعنى لتصدى الغير له.
3 - وأما استحقاق المتولى للأجرة ، فلانعقاد سيرة العقلاء على كون طلب العمل سبباً من أسباب الضمان.
وأما التقييد بحالة عدم جعلها بنحو المجانية ، فلاختصاص السيرة بذلك.
4 - وأما أن الموقوف على المشهد أو أحد المعصومين : يصرف فيما ذكر ، فباعتبار ان الوقف على شيء ينصرف عرفاً الى الصرف فى مصالحه وشؤونه.
5 - وأما أن الموقوف على المسجد يصرف فى مسجد آخر إن أمكن وإلاّ ففى وجوه
البر متى ماخرب أو لم يحتج الى الصرف ، فلأن ذلك هو المقصود للواقف عند انشاءالوقف.
الحبس انشاء يتضمن تسليط الغير على شيء لاستيفاء منفعته - أما مع الإطلاق أو خلال فترة محدودة - مع بقائه على ملك مالكه من دون ان يحقَّ للمحبَّس عليه التصرف فيه بالنقل بالبيع ونحوه.
وهو مشروع بلا اشكال.
ويتحقق بلفظ التحبيس ، كقول الحابس : حبَّست - لفترة سنة مثلاً أو مع إطلاق المدة - مكتبتى على أهل العلم أو سيّارتى للمحتاج اليها.
واذا كانت العين المحبَّسة أرضاً قابلة للسكن اصطلح على الحبس بالسكني ، فالسكني - التى هى مصداق للحبس - انشاء يتضمن جعل حق السكن للغير مع بقاء العين على ملك مالكها.
والحبس - سواء كان فى العين القابلة للسكن أم لا - متى ما قيّد بفترة محددة كسنة مثلاً اصطلح عليه بالرقبي. ومتى ما قُيِّدَ بعمرالحابس أوالمحبَّس عليه اصطلح عليه بالعمري.
والسكنى والعمرى والرقبى هى من العقود التى تحتاج الى القبول ، بل الحبس كذلك اذا كان على الشخص دون الجهة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الحبس ما ذكر ، فهو من واضحات الفقه؛ وفرقه عن الوقف أن العين في الوقف تخرج عن ملك مالكها - مع دخولها فى ملك الموقوف عليه أو بدونه -
بخلافه فى الحبس ، فإنها باقية على ملك مالكها وترجع بعد موته الى ورثته. وفي الوقف يعتبر التأبيد بخلافه فى الحبس فإنه لايلزم ذلك.
2 - وأما أنه مشروع ، فمن المسلّمات. وقد دلت عليه روايات كثيرة إلاّ أنه لم يرد فيها لفظ الحبس ، بل لفظ الصدقة إلاّ فى الرواية الحاكية لقصة ابن ابى ليلى التي رواها المحمّدون الثلاثة بسند صحيح عن عمر بن أذينة : « كنت شاهداً عند ابن أبي ليلى وقضى فى رجل جعل لبعض قرابته غلّة داره ولم يوقّت وقتاً فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبى ليلى وحضر قرابته الذى جعل له غلّة الدار ، فقال ابن أبى ليلي : أرى ان أدعها على ما تركها صاحبها ، فقال محمد بن مسلم الثقفي : أما أن على بن أبي طالب علیه السلام قد قضى فى هذا المسجد بخلاف ما قضيت ، فقال : وما علمك؟ قال : سمعت أبا جعفر محمد ابن على علیه السلام يقول : قضى على علیه السلام بردِّ الحبيس وانفاذ المواريث ، فقال له ابن أبى ليلي : هذا عندك فى كتابك؟ فقال : نعم قال : فأرسل وائتنى به ، فقال له محمد بن مسلم : على أن لاتنظر من الكتاب إلاّ فى ذلك الحديث قال : لك ذلك ، قال : فأحضر الكتاب وأراه الحديث عن أبى جعفر علیه السلام فى الكتاب فردَّ قضيّته ». (1)إنها دلّت على أن من حبّس شيئاً من دون تحديد المدة فبموته يرجع الى ورثته ويردُّ الحبس ، وهذا يكشف عن صحة الحبس فى الجملة.
3 - وأما تحقق الحبس بلفظ حبّست ، فممّا لا خلاف فيه. وهو القدر المتيقن من الانشاء الذى يتحقق به. بل حكم الأصحاب بتحققه بكلّ ما يدلّ عليه ولو فعلاً.
4 - وأما التفرقة بين الحبس وأخواته بما تقدم ، فهو مورد تسالم الفقهاء. وقد دلّت على مشروعية تلك روايات متعددة ، كصحيحة حمران : « سألته عن السكني
1) وسائل الشيعة : 13 / 328 ، باب 5 من أحكام السكنى والحبس ، حديث 1.
والعمري ، فقال : الناس فيه عند شروطهم إن كان قد شرط حياته فهى حياته ، وإن كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يردُّ الى صاحب الدار » ، (1)وصحيحة الحسين ابن نعيم عن أبى الحسن علیه السلام : « سألته عن رجل جعل سكنى داره لرجل أيام حياته أو له ولعقبه من بعده ، قال : هى له ولعقبه كما شرط ». (2)
5 - وأما أن السكنى وأخواتها عقود تحتاج الى قبول ، فقد ادّعى عليه الإجماع. (3)ولولاه أمكن التمسّك بإطلاق مثل الصحيحتين المتقدمتين لنفى اعتبار ذلك.
وأما التفرقة فى الحبس بين كونه على الشخص ، فيعتبر فيه القبول وبين كونه على غيره ، فلا يعتبر فيه ذلك ، فلا مدرك له سوى الإجماع أيضاً.
تستحب الصدقة بمعناها الأخص ، وهى الإحسان للغير بقصد القربة. والمعروف أنها عقد تحتاج الى ايجاب وقبول. ويعتبر فيها قصد القربة. وتجوز من غير الهاشمى علي الهاشمي. وتجوز على الغنى أيضاً.
والمستند فى ذلك :
1 - أما استحباب الصدقة بمعناها الأخص ، فهو من المسلّمات. وقد ورد الحث عليها فى روايات كثيرة ، من قبيل : « ان الصدقة تقضى الدين وتخلف بالبركة » ، (4)
« الصدقة ترفع ميتة السوء » (1)، « تصدقوا فإن الصدقة تزيد فى المال كثرة فتصدقوا رحمكم اللّه » ، (2)« داووا مرضاكم بالصدقة » ، (3)« يستحب للمريض أن يعطى السائل بيده ويؤمر السائل أن يدعو له » ، (4)« قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : الأيدى ثلاثة فيد اللّه العليا ، ويد المعطى التى تليها ، ويد السائل السفلي ، فأعط الفضل ولا تعجز نفسك » ، (5)ومن الألفاظ الموجزة للرسول صلی اللّه علیه و آله التى لم يسبق اليها « اليد العليا خير من اليد السفلي » ، (6)« بكّروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها » ، (7)« من تصدق بصدقة حين يصبح أذهب اللّه عنه نحس ذلك اليوم ». (8)
بل قد يستدلّ على ذلك بقوله تعالي : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) . (9)
ويلحق بالصدقة كلّ إحسان وإن لم يكن بالمال ، ففى الحديث الصحيح : « كلّ معروف صدقة ». (10)
2 - وأما أن الصدقة عقد تحتاج الى ايجاب وقبول ، فهو المشهور ، ولا دليل عليه سوى الشهرة والإجماع المدّعي. ومن هنا قال السيد اليزدي : « لا إشارة فى شيء من
1) وسائل الشيعة : 6 / 225 ، باب 1 من ابواب الصدقة ، حديث 2.
2) وسائل الشيعة : 6 / 257 ، باب 1 من ابواب الصدقة ، حديث 8.
3) وسائل الشيعة : 6 / 258 ، باب 1 من ابواب الصدقة ، حديث 18.
4) وسائل الشيعة : 6 / 262 ، باب 5 من ابواب الصدقة ، حديث 2.
5) وسائل الشيعة : 6 / 263 ، باب 5 من ابواب الصدقة ، حديث 4.
6) وسائل الشيعة : 6 / 263 ، باب 5 من ابواب الصدقة ، حديث 3.
7) وسائل الشيعة : 6 / 266 ، باب 8 من ابواب الصدقة ، حديث 1.
8) وسائل الشيعة : 6 / 262 ، باب 8 من ابواب الصدقة ، حديث 2.
9) التوبة : 104.
10) وسائل الشيعة : 6 / 321 ، باب 41 من ابواب الصدقة ، حديث 2.
الأخبار على اعتبار اللفظ فيها على كثرتها فما أدرى من أين اشترطوا فيها الإيجاب والقبول وجعلوها من العقود ». (1)
والمناسب التفصيل بين مواردها ، فإن كانت بنحو التمليك احتاجت الى ايجاب وقبول ، وإن كانت بنحو البذل والإحسان المجرد كفى الإذن فى الصرف.
3 - وأما اعتبار قصد القربة فيها ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدلّ عليه صحيح حمّاد بن عثمان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا صدقة ولا عتق إلاّ ما اُريد به وجه اللّه عزّوجلّ » (2)وغيره.
4 - وأما جواز صدقة غير الهاشمى للهاشمى ، فلإطلاق نصوص الصدقة بعد اختصاص دليل المنع بالصدقة الواجبة التى هى زكاة المال وزكاة الفطرة. ومع التنزل عن ذلك يكفينا الأصل.
5 - وأما جواز الصدقة على الغنى ، فهو مقتضى إطلاق أخبار الصدقة ، بل في الحديث عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « كلّ معروف صدقة الى غنى أو فقير فتصدقوا ولو بشق التمرة ... ». (3)وبقطع النظر عن ذلك يكفينا الأصل.
هذا اذا لم يُدعَ انصراف مفهوم الصدقة الى خصوص الفقير والا انحصرت به.
كلمة المكتب... 5
( العقود 2)
كتاب النكاح... 11
النكاح وبعض أحكامه... 13
ولاية الأبوين... 20
أحكام النظر... 23
من يحرم العقد عليها... 31
المصاهرة... 33
الرضاع... 43
شروط الرضاع المحرّم... 49
الاعتداد... 54
استيفاء العدد... 58
الكفر... 60
الإحرام واللعان... 63
الزواج المؤقت... 66
( الايقاعات )
كتاب الطلاق... 77
1 - حقيقة الطلاق... 79
2 - شرائط صحة الطلاق... 81
3 - اقسام الطلاق... 93
4 - أحكام العدّة... 103
5 - من أحكام الخلع والمباراة... 115
كتاب الظهار... 123
كتاب الإيلاء... 131
كتاب اللعان... 139
ما هو اللعان... 141
كيفية اللعان... 146
من أحكام اللعان... 146
كتاب اليمين والنذر والعهد... 149
من أحكام اليمين... 151
من أحكام النذر... 156
من أحكام العهد... 161
كتاب الشفعة... 163
حقيقة الشفعة... 165
من أحكام الشفعة... 166
كتاب الجعالة... 173
حقيقة الجعالة... 175
من أحكام الجعالة... 177
كتاب الوصية... 181
1 - الوصية بقسميها... 183
ا2 - الوصية ايقاع... 185
3 - من أحكام الوصى... 188
4 - من أحكام الوصية : ... 193
كتاب الوقف... 199
1 - حقيقة الوقف... 201
2 - من شرائط الوقف... 204
3 - من أحكام الوقف... 209
4 - من أحكام الحبس... 211
5 - من أحكام الصدقة بالمعنى الأخص... 213
الفهرس... 217