بدایة الحکمة مع تعالیق نقدیة مختصرة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

بدَایَة الحكمة

الهاشمي

تأليف السَّيِّدْ مُحَمَّدٌ حُسَينْ الطَبٰاطَبائي

وَبَهٰا مِسِهِ

تَعَالِين نَقْدِیَّة مُختَصَرَة

بقِلَمِ

حَيْدَرالوَکیل

المؤلف: حیدرالوکیل،1971-

العنوان:بدایة الحکمة مع تعالیق نقدیة مختصرة/حیدرالوکیل

الناشر: قم، باقیات،1437ق=2016م

الایداع الدولي:ISBN 978-600-213-217-8

الموضوع:السید محمّد حسین الطباطبائي،1281-1360 ھ.ش

التسلسل الرقمي:1394بBBR 1393/4017

التسلسل الدیویي:189/1

رقم المکتبة الوطنیة:4030075

بداية الحكمة مع تعاليق نقدية مختصرة

حيدر الوكيل

الناشر: باقیات المطبعة: الاصيل الطبعة: الثانية - 1444 ھ. ق

العدد: 1000 نسخة رقم الايداع الدولي: 8 - 217 - 213 - 600 - 978

«كافة حقوق الطبع محفوظة ومسجلةم

باقيات (للطباعة والنشر) ،ایران قم، شارع معلم، زقاق 15

هاتف: 37743900 (025) - جوال : 09122525625

اشارة

المؤلف: حیدرالوکیل،1971-

العنوان:بدایة الحکمة مع تعالیق نقدیة مختصرة/حیدرالوکیل

الناشر: قم، باقیات،1437ق=2016م

الایداع الدولي:ISBN 978-600-213-217-8

الموضوع:السید محمّد حسین الطباطبائي،1281-1360 ھ.ش

التسلسل الرقمي:1394بBBR 1393/4017

التسلسل الدیویي:189/1

رقم المکتبة الوطنیة:4030075

بداية الحكمة مع تعاليق نقدية مختصرة

حيدر الوكيل

الناشر: باقیات المطبعة: الاصيل الطبعة: الثانية - 1444 ھ. ق

العدد: 1000 نسخة رقم الايداع الدولي: 8 - 217 - 213 - 600 - 978

«كافة حقوق الطبع محفوظة ومسجلةم

باقيات (للطباعة والنشر) ،ایران قم، شارع معلم، زقاق 15

هاتف: 37743900 (025) - جوال : 09122525625

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأهدٰاء

إلى كلّ مفكّر موضوعي

بعيد عن التعبّد بأقوال عظماء مجالاتهم المعرفية

ما داموا غير معصومين.

مقدّمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدّنا ونبيّنا محمّد وآله الطّيبين

الطاهرين، ولعنة الله تعالى على أعدائهم أجمعين.

وبعد فهذه هي الطبعة الثانية من تعاليق مختصرة على كتاب (بداية الحكمة)، أضفت فيها بعض التعليقات إلى القسم الأوّل الذي طبع منذ بضع سنين، كما أكملت التعليق على الكتاب كاملاً مع شيء من التوسّع بإضافة العقائد الحقّة للطائفة من خلال الأخبار الشريفة.

ولمّا كانت هذه التعليقات اليسيرة هي أوّل ما تناول الكتاب بكامله بصورة نقدية فلا ريب أن يقع فيه ما يقتضيه القصور أو التقصير، فأرجو من الأخوة ممّن يطلّع عليه ويجد فيه خللاً أن يسدّه بجميل فضله، ويُتمّه بفاضل علمه .

كما أرجو أن يكون دافعاً لتحقيق هذه المطالب بما يجلي البصيرة ويطوّر هذا الفنّ؛ ليكون على مسار الحقّ.

وقد راجعه فضيلة الأستاذ عبد الستّار الشيخ حسن الغزي، وحقّقه

العلّامة المفضال الشيخ قاسم الشمّري (أيّدهما الله تعالى.)

أسال الله تعالى التوفيق والتسديد فهو نعم المولى ونعم النصير.

النجف الأشرف

حيدر الوكيل

10 جمادى الآخرة / 1443ه-

مقدّمة المعلّق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

لا شكّ أنّ للعقل قيمة كبيرة ، فهو الوسيلة للمعرفة، والركيزة الأساسية للمعارف الإسلامية والإنسانية؛ ولذا دأب المفكّرون على التمسّك به، واللجوء إلى مقرّراته في معرفة الحقّ والصواب، والباطل، والخطأ، و به يُعرف الصادق على الله تعالى فيُصدّق ، والكاذب على الله عزوجل فيُكذِّب، فالعقل هو القوّة المودعة عند الإنسان ليُميّز بواسطتها بين الصواب والخطأ.

وقد تكفّلت المدارس العقلية بيان قوانين العقل في الفكر فكان (علم المنطق) هو الأساس العلمي، والمرجعية الفكرية للباحثين عن الحقيقة.

ثمّ أعطت المدارس الفلسفية لنفسها الصلاحية في تقديم منظومة معارفية بعنوان القوانين العقلية، ونعتقد أنّ تلك المنظومة الفلسفية بمدارسها وتوجّهاتها المختلفة قد وقعت في المخالفات القطعية لما جاء به الإسلام، كما خالفت العقل أيضاً.

ولم تكتف تلك التوجهات البشرية بجعل نفسها قيمةً على التعقّل

الإنساني الذي هو عامل مشترك بين البشر، واستقلاها بالنظر في تقرير قوانين العقل و نتائجه، بل حكمت على مخالفها بسوء الفهم وقلة التدبّر !

ولئن مضت الفلسفة المشّائية ببريقها فلقد أخذ البرق الخُلَّبُ لمدرسة ملّا صدرا بأبصار كثير من الباحثين في العصر الأخير، وقد عُرف في الأوساط العلمية دراسة كتب معيّنة ما زال معروفاً منها (المنظومة) للسبزواري، و (بداية الحكمة)، و (نهاية الحكمة) للسيّد الطباطبائي، فشكّلت هذه الكتب

روافد المعرفة الفلسفية في عصرنا الراهن.

ولمّا توفّرت هذه الكتب على كثير من الأخطاء العلمية، التي نجد أنّ

من المهمّ التعرّض لها وبيانها، وحيث لم نجد من الأعلام والفضلاء الكرام من تعرّض (1)لها في صورة نقد لتلك الكتب؛ وجدنا أنّ في التعرّض المختصر فتحاً لذلك الباب المغلق.

وقد اتّخذنا في هذه التعليقة أسلوباً مختصراً لا يتجاوز - في الأغلب -

طريقة الإشكال المختصر كمّاً وأداءً، ولا يعنى هذا أنّه لا يوجد غير المذكور، ولا أنّه أقوى الإشكالات، بل نحن نقدّم أنموذجاً من بحث نقدي لكتاب


1) لا يخفى أنّ المقصود هو وجود كتب مطبوعة، وإلاّ فهناك تعليقات وبيانات نقدية على الكتب الفلسفية لكنّها غير مطبوعة، كما أنّ هناك انتقادات لبعض مباني ومعطيات الفلسفة ضمن البحوث الأصولية.

البداية آملين التوسّع في هذا النهج سواءً في نقد البداية، أو غيرها من كتب الفلسفة الصدرائية؛ حثّاً للباحثين على قراءة تلك الكتب قراءة نقدية، والله

الموفّق للصواب.

النجف الأشرف

حيدر الوكيل

8/صفر الخير / 1434ه

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة: في تعريف هذا الفنّ، وموضوعه، وغايته

الحمد لله، وله الثناء بحقيقته، والصلاة والسلام على رسوله محمّد خير خليقته وآله الطاهرين من أهل بيته وعترته.

الحكمة الإلهّية علم يبحث فيه عن أحوال الموجود بما هو موجود، وموضوعها الذي يبحث فيه عن أعراضه الذاتية هو الموجود بما هو موجود، وغايتها معرفة الموجودات على وجه كلّي، وتمييزها ممّا ليس بموجود حقيقي.

توضيح ذلك: أنّ الإنسان يجد من نفسه أنّ لنفسه حقيقة و واقعية، وأنّ هناك حقيقة وواقعية وراء نفسه، وأنّ له أن يصيبها فلا يطلب شيئاً من الأشياء، ولا يقصده إلّا من جهة أنه هو ذلك الشيء في الواقع، ولا يهرب من شيء ولا يندفع عنه إلّا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة. الطفل الذي يطلب الضرع مثلاً إنما يطلب ما هو بحسب الواقع لبن لا ما هو بحسب التوهّم والحسبان كذلك.

والإنسان الذي يهرب من سبع، إنّما يهرب ممّا هو بحسب الحقيقة سبع لا بحسب التوهم والخرافة.

لكنّه ربّما أخطأ في نظره، فرأى ما ليس بحقّ حقّاً واقعاً في الخارج، كالبخت(1)والغول (2)

من المواضع قد ورد فيها استحباب الأذان أو مع الإقامة غير الصلاة:

منها: الفلوات الموحشة كما ذكره في الذكرى.

ثم قال : روى ابن بابويه عن الصادق : «إذا تغوّلت بكم الغول فأذنوا»، وفي الجعفريات

صلى الله . عن النبي : إذا تغوّلت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة ، ورواه العامة، وفسّره الهروي: بأنّ العرب تقول : إن الغيلان في الفلوات تُرآى للناس تتغوّل تغوّلاً أي تتلوّن تلوّناً، فتضلّهم عن الطريق، وتهلكهم.

وروي في الحديث: «لا غول»، وفيه إبطال لكلام العرب؛ فيمكن أن يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وإن لم يكن له حقيقة. انتهى كلام الذكرى. أقول: قال في كتاب دعائم الاسلام و عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تغوّلت بكن الغيلان فأذنوا بالصلاة»، وقال في النهاية الأثيرية فيه: «لا غول ولا صفر» الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أنّ الغول في الفلاة تُترآى للناس فتغوّل تغوّلاً أي تتلوّن تلوّناً في صور شتّى، وتغلوهم أي تُضلّهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي الله وأبطله. وقيل: قوله: « لا غول» ليس نفياً لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصور المختلفة، واغتياله فيكون المعنى بقوله: لا (غول أنّها لا تستطيع أن تُضلّ أحداً، ويشهد له الحديث الآخر: «لا غول ولكن السعالي سحرة الجنّ أي ولكن في الجنّ سحرة لهم تلبس وتخييل، ومنه الحديث : إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، وهذا يدلّ على أنه لم يرد بنفيها عدمها . انتهى . الحدائق الناضرة : 365/7 .

، أو اعتقد ما هو حق واقع في الخارج باطلاً خرافياً كالنفس المجرّدة والعقل المجرّد(3)، فمسّت الحاجة بادئ بدء إلى معرفة أحوال الموجود بما هو موجود الخاصّة به؛ ليُميّز بها ما هو موجود في الواقع ممّا ليس كذلك، والعلم الباحث عنها هو الحكمة الإلهيّة.

1) البخت هو الحظ، وقد جاء ذكره في الكتاب العزيز قال تعالى: وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمِ سورة فصلت : 35.

2) الغول ليست موجوداً موهوماً خرافياً، بل هو من الجنّ، قال شيخنا المحقق البحراني في الحدائق :

3) سيأتي بطلانهما.

فالحكمة الإلهيّة هي: العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، و يسمّى أيضاً الفلسفة الأولى، والعلم الأعلى.

وموضوعه: الموجود بما هو موجود و غايته (1)

تنبيه:

قال المؤلّف في كتابه الآخر (نهاية الحكمة): «أنّ هذا الفنّ لمّا كان أعمّ الفنون موضوعاً، ولا يشذّ عن موضوعه ومحمولاته الراجعة إليه شيء من الأشياء لم يتصوّر هناك غاية خارجة منه يُقصد الفنّ لأجلها. فالمعرفة بالفلسفة مقصودة لذاتها من غير أن تقصد لأجل غيرها وتكون آلة للتوصل بها إلى أمر آخر كالفنون الآلية، نعم، هناك فوائد تترتب عليها». نهاية الحكمة: 1/ 12. وذكر محقّق الكتاب: «لعلّ مراده من الفوائد ما ذكره غاية للفلسفة في بداية الحكمة...».

ونقول: إنّ طلب الفلسفة لذاتها مع كون أبحاثها تتعلّق بالباري سبحانه وصفاته، كما هو الحال في المرحلة الثانية عشرة من الكتابين - البداية والنهاية - دون الرجوع إلى المعصومين علیهم السلام يعني أنّ الفلاسفة قدّموا رؤيتهم بمعزل عن السماء وبياناتها، والأخطر من ذلك أنهم يؤّولون المطالب المعصومية التي بلّغها الهداة إلى الله تعالى، والأدلّاء على توحيده اعتماداً على مقرّرات فلسفتهم، وهذا عين الالتفاف على الدين لكن بعنوان (العقل) لا سيّما مع ملاحظة أنّ التوحيد الفلسفي أخذ منحى آخر هو غير التوحيد الإسلامي بالكامل فتيقّظ، واستعن بالله تعالى.

وقد يدّعي آخرون: أنّ من فوائدها أيضاً شحذ الذهن، والتحقيق في علمي أصول الدين وأصول الفقه.

والجواب: أنّ شحذ الذهن لا يكون ببيان المتناقضات والأخطاء المخالفة للعقل والوجدان كما ستعرفه.

أما أصول الدين: فيكفي في بطلان تلك الدعوى منافاة المطالب الفلسفية للعقائد الإيمانية القطعية كما تقدّم وسيأتي تفصيله في محلّه.

أما أصول الفقه: فنقول: كلّما دخلت فيه الفلسفة من المسائل الأصولية فقد عقّدته وأبتعدت به عن الغاية من وضعه.

تمييز الموجودات (2)الحقيقية من غيرها، و معرفة العلل العالية

1) ذكر غايتين للعلم خلف قاعدة الواحد التي يتبنّاها القوم.

2) ينبغي أن يقول: الموجود الحقيقي؛ لأنّ الوجود عنده لا يتثنى كما سيأتي.

للوجود، و بالأخصّ العلّة الأولى، التي إليها تنتهي سلسلة الموجودات، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وهو الله عزّ اسمه()

الأوّل: المعرفة الإجمالية.

الثاني: المعرفة التفصيلية.

والنحو الأوّل ممكن في ما هو المهم من المعرفة، والنحو الثاني يجب الاقتصار فيه على مفاد النصوص الشريفة.

والسر في ذلك: أنّ كلّ ما يتصوّره الإنسان بعقله، بل كلّ ما يناله وهمه وخياله هو صور لأشياء حادثة متغيّرة متجزئة محدودة مضطرّة ، فلا يكون القديم الممتنع فيه التغير والتجزؤ والتحديد والاضطرار من مدركات العقل بنفسه ولوحده، فلا بد له من معرّف يعرفه ربّه الخالق البارئ القديم، ودون ذلك التعريف يتيه الإنسان في ضلالات الأوهام، ويعبد أي شيء سوى الله تعالى.

وقد دلّت النصوص الشريفة على ذلك فاستمع لما يوحى ولا تكن من المتكبّرين:

1 - عن جميل بن دراج ، عن ابن الطيار ، عن أبي عبد الله قال: إنّ الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج مثله. [الكافي:

1 / 163 ، ب البيان والتعريف ولزوم الحجّة ، ح 1].

2 - عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله : المعرفة من صنع من هي؟

قال : من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع . [ الكافي: 1/ 163 ، ب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح2].

• عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبد الله لا في قول الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْما بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ قال : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه، وقال: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا ) قال : بيّن لها ما تأتي وما تترك، وقال: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) قال : عرفناه، إما آخذ وإمّا تارك، وعن قوله: وَأَمَا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهدى قال: عرفناهم فاستحبّوا العمى على الهدى وهم يعرفون؟ وفي رواية: بينا لهم. [ الكافي: 1 / 163 ، ب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح3].

) معرفة الله تعالى على نحوين:

4 - عن حمزة بن محمّد ، عن أبي عبد الله قال: سألته عن قول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَهَدَيْهقال : نجد الخير والشر. [ الكافي: 1 / 163 ، ب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح4]. ه - عن عبد الأعلى قال : قلت لأبي عبد الله : أصلحك الله هل جُعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال : لا ، قلت : فهل كلّفوا المعرفة ؟ قال : لا ، على الله البيان: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، ولَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنهَا .قال : وسألته عن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ قال : حتّى يعرفهم ما يُرضيه وما يُسخطه . [ الكافي : 1/ 163 ، ب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح5].)6 - محمد بن أبي عبد الله ، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن زيد، عن درست بن أبي منصور، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله قال : ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة. [ الكافي: 1/ 164 ، ب اختلاف الحجة على عباده، ح1 ].ومن هنا يتضح أن لا مجال للفلسفة للتوصل إلى النتيجة المرجوة، والغاية المدعاة؛ لأنّها بمسائلها لا تصل، والوصول إلى معرفة الله تعالى منوط بتعريف الحجج ، ودون تعريف منهم يظل الطريق مسدوداً، والمطلوب ممتنعاً، فكيف تكون المعارف البشرية المنفصلة عن تعريف الحجج، بل المباينة لبيانتهم هي المعرفة بالله تعالى؟!ونجد أنّ الفلسفة - بمشاربها المختلفة - لما جعلت العقل أو الكشف معياراً في المعرفة أدّت بها تلك السبل إلى غير الحق، وأمثلة ذلك كثيرة ومن واضحاتها اعتقادهم بأن الإرادة من صفات الذات، ومنه الاعتقاد بوحدة الوجود وغيرها الكثير.تنبيه:دور العقل في تحصيل العقيدة هو تعقل الوحي، أما الاستقلال في التعرف عليها من خلال التأمل في الوجود كما ادعوه هذا ما نُنكره اشد الانكار، أما القواعد العقلية الواضحة فهي المعين الأهم في تعقل الوحي، ولا يمكن للإنسان تركها في مقام تحصيل الفهم الصحيح.

.

## المرحلة الأولى: في كلّيات مباحث الوجود### اشارةوفيها اثنا عشر فصلاً

### الفصل الأوّل:في بداهة مفهوم الوجودمفهوم الوجود بديهي(


) ما المراد من الوجود هنا؟)إن مادة (وجد لها معان متعدّدة:)منها: وجد: مقابل فقد.ومنها: وجد: بمعنى علم.ومنها: مقابل العدم.ذلك فالمادة ذات معان متعدّدة، والوجود مقابل العدم بديهي، وهذا صحيح لكن لا يعني عدم إمكان تعريفه؛ وذلك لأمرين: الأول: أنهم ذكروا للوجود خواصاً سلبية فتكون تلك الخواص معرّفات له بالرسم الناقص، ليست أعراضاً تعرض عليه، وليس الوجود جوهراً تعرض عليه الأشياء. قد يقال : إنّ الحاصل في الذهن هو الماهيّة بنفسها، والوجود لا يمكن أن يحصل في الذهن؛لأمرين:1 - الوجود لا ماهية له بحيث يزول الوجود وتبقى الماهية محفوظة في الذهن. 2- أن الوجود هو منشأ الأثر، فإن حصل في الذهن بنفسه بحيث يكون منشأ للأثر انقلب الذهن إلى خارج ، وإن لم تحصل حقيقته في الذهن فليس هو الوجود.والجواب:أولا: أنّ الوجود الذي لا ماهية له هو الوجود الواجب - كما سيأتي منه بيان ذلك وتبنيه، أما الوجود الممكن فله ماهيّة؛ وذلك لأنهم قالوا: إنّ الماهية هي حدّ الوجود، فالممكن محدود فله ماهيّة. فإذا أمكن تعريف الوجود الممكن عُرّف الوجود الواجب؛ لأنّ بينهما اشتراكاً معنوياً في الوجود، والمصنّف ادّعى وحدة معنى الوجود في الواجب والممكن، وإلا لزم التعطيل كما سيأتي في الفصل الثاني من هذه المرحلة.

آخر، فلا معرّف له من حدّ أو رسم ؛ لوجوب كون المعرؘّف أجلى وأظهر

هذا مبني على أنّ الوجود أعمّ المفاهيم ، والصحيح أن الشيئية أعم من الوجود كما سيأتي. ينظر صفحة (42 الهامش (2).(1)أُشكل على هذه التعاريف بالدور ينظر كشف المراد، ويمكن الإشكال أيضاً بعدم المانعية؛ إذ العدم أيضاً مما يخبر عنه.)وبعدم الجامعية؛ إذ الثابت العين يعني الثبوت خارجاً وهو يمنع التقسيم إلى الخارجي والذهني.وقد عرّفه الفياض اللآهيجي بأنه: «تحصل الماهية»، كما عرفه بعض الأعلام المحققين (دام ظلّه بأنه: «الشيء العارض الذي يتحصل به معروضه»، وردّ الإشكال: «بأنّ الشيئية تساوي الوجود فلا تكون جنساً له». (2)معقول بنفس ذاته، لا يُحتاج فيه إلى توسيط شيء

1) من المعرَّف، فما أورد في تعريفه من أنّ الوجود أو الموجود بما هو موجود هو الثابت العين، أو الذي يمكن أن يُخبر عنه من قبيل شرح الاسم دون المعرؘّف الحقيقي

2) ، على أنه سيجيء أن الوجود لا جنس له، ولا فصل له قد يقال: إنّ المراد بالماهية هي الماهية مقابل الوجود فلا يمكن أن يكون المقابل فرداً من أفراد مقابله.)فنقول : الحاصل في الذهن هو صورة الشيء، وهم يثبتون حصول شيء في الذهن للوجود ويسمونه مفهوماً، ويدعون أنّ المفهوم أعم من الماهيّة، ولا ننازعهم في اصطلاحهم ولكن نقول هذا الحاصل كيف حصل في الذهن ؟ فإنّه إن كان حاكياً عن الخارج فهو عين دعوانا في الوجود الذهني، ولا فرق في ذلك بين الوجود والماهية ، وإن كان لا يحكي عن واقع الوجود فهي السفسطة.وثانياً: أنّ الحاصل في الذهن هو الصورة وليس الحقيقة، والإشكال هنا هو على مختار القوم في الوجود الذهني، ومن الغريب أنّ المسألة مبنية على أصالة الماهية فلا يمكن المصير إلى أنّ الوجودمنشأ الأثر كما ستعرفه في المرحلة الثانية.هو تنبيه مطلقاً، البداهة تعني الحصول في الذهن دون توسط الفكر ، ولا تعني عدم الحصول في الذهن والإشكال السالف - وهو من إشكالات المنظومة - ينتج عدم الحصول مطلقاً فتأمل.

ولا خاصّة (1له ، بمعنى إحدى الكلّيات الخمس، والمعرّف يتركّب منها فلا معرؘِّف للوجود.


1) سيأتي في الفصل السابع من المرحلة الأولى، ولكنّه سيتعرّض هناك إلى أن الوجود لا جنس له ولا فصل، ويسكت عن الخاصة . ينظر صفحة (39) .)مزید بیان خاصقال الشيخ الربّاني الكلبايكاني: وهذا المطلب قد اوضحه بشكل بين الحكيم السبزواري وقال ان للوجود عوارض مثل الوحدة والتشخص والشعور والنورية وغيره يساوي كلّ منها الوجود من ناحية المصداق ، ولكن هذه العوارض لا ترتبط بالعرض الخاص والعام المصطلح في الكليات الخمس المنطقية ، لأن المقسم للكليات الخمس هو الماهية لا الوجود ، وثانيا للعرض في باب الكليات - بصرف النظر عن المعروض - ماهيّة وواقعية مثلا الضحك الذي هو عرض للإنسان من مقولة الكيف ، والمعروض (الإنسان من مقولة الجوهر ، وواقعيته من سنخ العرض و واقعية المعروض من سنخ الجوهر ، وان كانت هاتان الواقعيتان تتحققان في مصداق واحد ، ولكن عوارض الوجود ليست كذلك ، فمثلا ليس للوحدة والتشخص العارضان على الوجود)واقعية غير واقعية الوجود ( المعروض ، وتغاير هما هو فقط في المفهوم ولسائر عوارض الوجود هذا الحكم أيضاً». [إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة: 52/1].)ونقول: إنّ الحمل في التعاريف على نحوين:الأوّل: الحمل الذاتي الأوّلي، حيث يكون الاتحاد في المفهوم، والاختلاف بالإجمال والتفصيل، وهذا لا يتحقق إلا في الحد التام.والثاني: يكون الحمل فيه شائعاً صناعياً، وهو باقي أقسام التعريف، ومنها الحدّ الناقص، والملاك فيه هو بيان اشتراك المفهومين في مصداق واحد، وهذا متحقق في خواص الوجود بالنسبة إلى الوجود.فالوحدة تختلف مفهوماً عن الوجود، وتشترك مصداقاً، ومن هنا صح أن يُعرف الوجود بخواصه، ولا دخل لاختلاف المقولة في تحقق التعريف.

### الفصل الثاني :في أنّ مفهوم الوجود مشترك معنوي(1)يحمل الوجود على موضوعاته بمعنى واحد اشتراكاً معنوياً.و من الدليل عليه، أنّا نقسّم الوجود إلى أقسامه المختلفة، كتقسيمه إلى وجود الواجب، و وجود الممكن، وتقسيم وجود الممكن إلى وجود الجوهر، و وجود العرض ، ثمّ وجود الجوهر إلى أقسامه، و وجود العرض إلى أقسامه، ومن المعلومأنّ التقسيم يتوقّف في صحته على وحدة المقسم ووجوده في الأقسام (2. ومن الدليل عليه، أنا ربّما أثبتنا وجود شيء ثمّ تردّدنا في خصوصية ذاته(3، كما لو أثبتنا للعالَم صانعاً، ثمّ تردّدنا في كونه واجباً أو ممكناً، وفي


1) الوجود هو التحصّل والتحقق في ظرفه - خارجاً أو ذهناً - وهو بهذا المعنى العرفي الواضح بديهي ومشترك معنوي يشمل الواجب القديم والممكن الحادث.

2) من شرائط صحة التقسيم وحدة المقسم ، فلا يكون التقسيم دليلا على وحدة المقسم، لا سيّما مع وجود ما يُعرف ب- ( عموم المجاز) الذي يُتوسّع فيه، بجعل المقسم مشتملاً على أفراد مجازية مضافاً إلى الفرد الحقيقي، ومنه ما يذكره الفقهاء من تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف، مع كون الماء حقيقة في المطلق، مجازاً في المضاف.)وقد أجاب العلّامة الحلّي له عن هذا الوجه فقال: «إنا لا نسلّم أنّ مورد التقسيم هو الوجود، بل الماهية فنقول : الماهيّة إما أن تكون واجبة أو ممكنة، وذلك لا يستلزم اشتراك الوجود بين القسمين». [معارج الفهم في شرح النظم: 223].

3) وأج--اب ع-ن-ه العلامة الحلي فقال: «يمنع بقاء اعتقاد الوجود، فإنّ من جزم بوجود ممكن وجزم بأن سببه - وهو الجوهر - موجود، ثمّ زال الجزم بكونه جوهراً، وحصل له الجزم بكونه عرضاً يزول اعتقاد وجود الجوهرية ويحصل له اعتقاد وجود العرض.)فالحاصل أنا نمنع ثبوت اعتقاد الوجود حال زوال اعتقاد الخصوصيات». [معارج الفهم في شرح النظم : 223].

كونه ذا ماهيّة أو غير ذي ماهيّة ، وكما لو أثبتنا للإنسان نفساً، ثمّ شككنا في كونها مجرّدة أو مادّية، وجوهراً أو عرضاً، مع بقاء العلم بوجوده على ما كان فلو لم يكن للوجود معنى واحد بل كان مشتركاً لفظياً متعدداً معناه بتعدّد موضوعاته، لتغير معناه بتغيّر موضوعاته بحسب الاعتقاد بالضرورة.و من الدليل عليه، أنّ العدم يناقض الوجود وله معنى واحد، إذ لا تمايز في العدم (


) الأعدام متمايزة لوضوح أنّ عدم اجتماع النقيضين غير عدم اجتماع الضدين، ولو لم تكن متمايزة لما أمكن الحكم عليهما بالتغاير.)وأجاب عنه العلّامة الحلي فقال: «الحصر حاصل على تقدير عدم اشتراك الوجود؛ لأنا نقسم بالنسبة إلى وجود كلّ ماهيّة وعدمها، فنقول : كلّ ماهيّة اما ان تكون موجودة او معدومة ، وهذه القسمة حاصرة سواء كان هناك معنى مشترك او لم يكن . [ معارج الفهم في شرح النظم .[223ومن الغريب دعوى العدم الذي لا تمايز فيه هو العدم المطلق؛ وذلك لأن العدم المطلق ليس نقيضاً للوجود المطلق. وبعبارة أخرى، أنّ الدليل هنا مبتن على وجود تناقض بين الوجود والعدم، ووحدة معنى العدم، فإنّ أراد العدم المطلق فليس نقيضاً، وإن أراد العدم الخاص فهو متمايز، فلا يتمّ المطلوب.إيضاح:الوجود المطلق ليس نقيض العدم المطلق؛ لوضوح ارتفاعها عن زيد، ولو كانا نقيضين لما ارتفعا في مورد. ووضعهما في مورد الضدين معارض بعدم دخولها تحت تعريف الضدين، وأخذ كونهماوجوديان، والأمر سهل إن تأملنا بإنصاف في المنطق المتداول. وقد بيّن سيدنا الأستاذ السيّد محمّد باقر الحكيم (دام ظله من الموارد المنطقية مما ابتعد عن الدقة وأوجب الوقوع في الخطأ الكثير، وفي حاشيته (دام ظلّه) على البداية تفصيلات مهمة.)تنبيهات:التنبيه الأوّل: الظاهر عدم ابتناء هذا الدليل على عدم تمايز الأعدام؛ فإننا نجد القائل بالتمايز في

الأعدام كالمحقق الطوسي يذكره أيضاً.التنبيه الثاني : أنّ المحقق الطوسي جعل الوجود والإيجاب بمعنى واحد، والسلب والعدم كذلك، وهذا خطأ واضح ؛ وذلك لأن نقيض كلّ شيء رفعه، والشيء قد يكون ماهية من الماهيات مثل : إنسان ونقيضه لا إنسان، ومن الظاهر أن الوجود لم يُلحظ في الإنسان ليكون لا إنسان، بمعنى عدم تحقق الإنسان، بل الملاحظ هو التحقق المفهومي، فافهم.التنبيه الثالث: تعتبر مسالة (الاشتراك المعنوي للوجود المدخل لوحدة الوجود في الفلسفة الصدرائية؛ وذلك لأنهم قالوا: إنّ المفهوم الواحد لا يمكن انتزاعه من أفراد متباينة بما هي متباينة. والجواب: أنّ المفهوم ينتزع من لحاظ الجهة المشتركة، أما الأفراد فلا شك أنها تكون متباينة؛ لضرورة أنّ النسبة بين الجزئيات هي التباين، فالإنسان مشترك معنوي ولكن أفراده متباينة، بل أنّ المشترك المعنوي في حقيقته ليس إلّا لحاظ المفهوم المشترك بين الأفراد المتباينة. لذا نجد أنّهم وضعوا قيد (بم هي متباينة) ومن الطبيعي حينئذ عدم إمكان انتزاع مفهوم مشترك لأنه حينئذ خُلف أخذها متباينة.)وبعبارة أخرى، أنّ قيد ( بما هي متباينة جعلها ضرورية بشرط المحمول.

، فللوجود الذي هو نقيضه معنى واحد، وإلا ارتفع النقيضان وهو محال.

والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء، أو بين الواجب والممكن، إنّما ذهبوا إليه حذراً من لزوم السنخية (1بين العلة والمعلول مطلقاً(2)، أو بين)الواجب والممكن(3.)


1) إن أرادوا من السنخية لوناً من المشابهة فهو مردود دون شك؛ إذ ليس بين العلة والمعلول مشابهة، فالإنسان وهو جوهر علّة للقيام، وهو من مقولة الوضع، مع حكمهم بالتباين بين المقولات، أمّا بين الباري وخلقه فالأمر أوضح، والكتاب العزيز ناطق بذلك: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ . [ سورة الشورى: 11].)وإن أرادوا أنّ في العلة خصوصية لصدور شيء دون شيء فالنار تحرق ولا تبرد، والماء يبرد، وغير ذلك قلنا: إنّ الخصوصية التي لأجلها يتحدّد المعلول موجودة ولكنها ليست في الباري، لأنه على كل شيء قدير، وتلك الدعوى قد تصح في العلل الموجبة، وقد يكون لنحو تركبها وتكوينها من (كروموسومات - مثلاً - دخل في التحديد لها دون العلل المختارة كما هو ظاهر بأدنى تأمل

2) هذا على القول باشتراكه اللفظي بين الاشياء (منه).

3) هذا على القول باشتراكه اللفظي بين الواجب والممكنه (منه).

وردّ بأنّه يستلزم تعطيل(1العقول عن المعرفة، فإنّنا إذا قلنا الواجب موجود فإن كان المفهوم منه المعنى الذي يُفهم من وجود الممكن لزم الاشتراك المعنوي، وإن كان المفهوم منه ما يقابله وهو مصداق نقيضه كان نفياً لوجوده تعالى عن ذلك، وإن لم يفهم منه شيء كان تعطيلاً للعقل عن المعرفة، و هو خلاف ما نجده من أنفسنا بالضرورة.### الفصل الثالث:في أنّ الوجود زائد على الماهيّة عارض لهابمعنى أنّ المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر، فللعقل أن يجرّد الماهيّة، وهي ما يقال في جواب ما هو عن الوجود، فيعتبرها وحدها فيعقلها ثمّ يصفها بالوجود وهو معنى العرض، فليس الوجود عيناً للماهية ولا جزءاً لها (2.)


1) للتعطيل معنيان:)الأوّل: نفي الذات، وهو تعطيل المعتزلة، وهو المنهي عنه في الأخبار الشريفة. الثاني: عدم إمكان إدراك حقيقة الذات المقدّسة، وصفاتها، وهو الصحيح، وهو مذهب آل البيت السلام .والفلاسفة قالوا بإمكان إدراك الذات بالعلم الحضوري، وأنّ النهي عن التفكر في الذات لغير الراسخين في الفلسفة إرشادي، ينظر الشرح الموسّع للمنظومة للمطهري، وتفسير الميزان للسيد الطباطبائي آخر سورة النجم.

2) المراد من الماهية مصداقها أعني المفاهيم التي هي ماهيات كالإنسان، والشجر، والكتاب. والتباين بين المفاهيم من الواضحات، فمفهوم الإنسان يغاير مفهوم الوجود، كما أن مفهوم الإنسان يباين مفهوم الكتاب.

والدليل عليه : أنّ الوجود يصح سلبه عن الماهيّة، ولو كان عيناً أو جزءاً لها لم يصحّ ذلك ؛ لاستحالة سلب عين الشيء وجزئه عنه (1. وأيضاً حمل الوجود على الماهية يحتاج إلى دليل، فليس عيناً ولا جزءاً لها؛ لأنّ ذات الشيء، وذاتياته بيّنة الثبوت له، لا تحتاج فيه إلى دليل (2). وأيضا الماهية متساوية النسبة في نفسها إلى الوجود والعدم، ولو كانالوجود عيناً أو جزءاً لها استحالت نسبتها إلى العدم الذي هو نقيضه(3)### الفصل الرابع:في أصالة الوجود واعتبارية الماهيّةإنّا لا نرتاب في أنّ هناك أموراً واقعية ذات آثار واقعية، ليست بوهم الواهم، ثمّ ننتزع من كلّ من هذه الأمور المشهودة لنا، في عين أنّه واحد في الخارج مفهومين اثنين، كلّ منهما غير الآخر مفهوماً وإن اتّحدا مصداقاً، وهما الوجود والماهية كالإنسان الذي في الخارج المنتزع عنه أنّه إنسان وأنّه موجود.


1) هذا الإشكال مبني على أنّ الوجود موجود بذاته، والصحيح أنّ الوجود الواجبي هو الموجود بذاته، أما الممكن فموجود بعلته لذا أمكن أخذ الوجود كجزء في الماهية.

2) ذاتيات الشيء ليست بينة الثبوت له؛ إذ أنّ الذاتيات هي الجنس والفصل وهي غير معروفة كما)يدعون، فكيف يكون غير المعروف بين الثبوت!

3) يريدون من الماهية المتساوية النسبة مفهوم الماهية ، ويعنون بتساوي النسبة عدم أخذ الوجود أو العدم في حدّها، وقد عرفت أنّ الوجود الممكن يمكن أخذه في حد الماهية وتكون معدومة في الخارج؛ فإنّ الممكن تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم ذهناً أما خارجاً فهو إما موجود وإمّا معدوم، والوجود الممكن كذلك فافهم، فإن الفلاسفة غفلوا عن عدم الوجود الممكن، وظنّوه من اجتماع النقيضين فوقعوا في الأخطاء الكبيرة والكثيرة.

و قد اختلف الحكماء في الأصيل (1منهما، فذهب المشّاءون، إلى أصالة الوجود، ونُسب إلى الإشراقيين القول بأصالة الماهيّة، وأمّا القول بأصالتهما معاً فلم يذهب إليه أحد منهم؛ لاستلزام ذلك كون كلّ شيء شيئين اثنين(2)،)وهو خلاف الضرورة.والحقّ ما ذهب إليه المشّاءون من أصالة الوجود.والبرهان عليه : أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي، متساوية النسبة إلى الوجود و العدم، فلو لم يكن خروجها من حدّ الاستواء إلى مستوى الوجود، بحيث تترتّب عليها الآثار بواسطة الوجود كان ذلك منها انقلاباً (3وهو محال بالضرورة، فالوجود هو المخرج لها عن حدّ الاستواء فهو الأصيل وما قيل: إنّ الماهيّة بنسبة مكتسبة من الجاعل تخرج من حدّ الاستواء)


1) المراد بالأصيل : هو منشأ الأثر، أو ما يملأ الواقع الخارجي، وبعد أن اعترف المصنّف بأنّ الشيء الواحد في الخارج ينتزع عنه مفهومان فلا سبيل إلى التساؤل عن أنّ ذلك المصداق مصداق لأيهما ؟ لضرورة أنه مصداق لهما، والأثر لذلك الفرد الذي هو مصداق لمفهومي إنسان و وجود. فالصحيح أن القول بأصالتهما هو المتعيّن.)وأما أنّ الحكماء لم يذهب منهم أحد لذلك، ففيه : أنّ المسائل العقلية يُرجع فيها إلى البرهان لا إلى أقوال الرجال، هذا والقائل بأصالتهما معاً كثير منهم الشيخ غلام رضا فيّاضي في تعليقته على نهاية الحكمة. [ ينظر نهاية الحكمة تعليقات غلامرضا الفياضي): 44/1].

2) ما ادعى لزومه ليس بلازم؛ إذ أنّ كون الشيء الواحد مصداقاً لمفهومين ليس بعزيز، أما منشأية الآثار فهي للفرد الخارجي.

3) المتساوي النسبة إلى الوجود والعدم هو مفهوم الماهيّة أعني (إنسان) مثلا، بمعنى أن الوجود أو العدم لم يؤخذ في حده، والانقلاب حينئذ هو أن يؤخذ الوجود أو العدم في حدّ الإنسان، إما تحقق الإنسان في الخارج فلا يلزم منه الانقلاب.

إلى مرحلة الأصالة فتترتّب عليها الآثار. مندفع بأنّها إن تفاوتت حالها بعد الانتساب، فما به التفاوت هو الوجود الأصيل وإن سمّي نسبة إلى الجاعل، وإن لم تتفاوت و مع ذلك حمل عليها أنها موجودة، وترتبت عليها الآثار كان من الانقلاب كما تقدّم.برهان آخر: الماهيّات مثار الكثرة والاختلاف بالذات، فلو لم يكن الوجود أصيلاً لم تتحقّق وحدة حقيقية ولا اتّحاد بين ماهيّتين، فلم يتحقّق الحمل الذي هو الاتّحاد في الوجود(1، و الضرورة تقضي بخلافه، فالوجود هو الأصيل الموجود بالذات، والماهيّة موجودة به (2).)برهان آخر: الماهيّة توجد بوجود خارجي، فتترتّب عليها آثارها (3، و توجد بعينها بوجود ذهني - كما سيأتي - فلا يترتّب عليها شيء من تلك الآثار، فلو لم يكن الوجود هو الأصيل، وكانت الأصالة للماهيّة و هي محفوظة في الوجودين لم يكن فرق بينهما، والتالي باطل فالمقدّم مثله.برهان آخر: الماهيّة من حيث هي تستوي نسبتها إلى التقدّم والتأخّر، ،والشدّة، و الضعف و القوّة، و الفعل، لكن الأمور الموجودة في الخارج مختلفة في


1) الاتحاد الذي هو ملاك الحمل ليس في الوجود، بل هو في المصداق، والمصداق قد يكون موجوداً، وقد يكون معدوماً، وإلا لبطلت القضية الحقيقية، والتعبير بالاتحاد في الوجود تسامحي لايبنى عليه استدلال.

2) تقدّم أن الماهية توجد بعلتها التي تربط بينها وبين الوجود الحادث الممكن.

3) إن كانت الماهيّة توجد في الخارج وتترتب عليها الأثار ففيم النزاع؟!)وعند تسليم صحة هذه المقدّمة كيف تكون النتيجة : أنّ الماهية اعتبارية، ووجودها مجازي ولا أثر لها؟ هل هذا إلّا تناقض؟

هذه الأوصاف، فبعضها متقدّم أو قوي كالعلّة، وبعضها بخلاف ذلك كالمعلول، وبعضها بالقوّة، وبعضها بالفعل، فلو لم يكن الوجود هو الأصيل كان اختلاف هذه الصفات مستندة إليها، وهي متساوية النسبة إلى الجميع (1هذا خلف. و هناك حجج أخرى مذكورة في المطولات.)و للقائلين بأصالة الماهيّة ، واعتبارية الوجود حجج مدخولة كقولهم: لو كان الوجود أصيلاً كان موجوداً في الخارج، فله وجود ولوجوده وجود فيتسلسل وهو محال.وأجيب عنه: بأنّ الوجود موجود، لكن بنفس ذاته لا بوجود آخر، فلايذهب الأمر إلى غير النهاية.و يظهر ممّا تقدّم ضعف قول آخر في المسألة منسوب إلى المحقّق الدوّاني: وهو أصالة الوجود في الواجب تعالى، و أصالة الماهيّة في الممكنات، و عليه فإطلاق الموجود على الواجب، بمعنى أنه نفس الوجود، وعلى الماهيّات بمعنى أنّها منتسبة إلى الوجود كاللآبن و التامر ، بمعنى المنتسب إلى اللبن والتمر.هذا، و أمّا على المذهب المختار فالوجود موجود بذاته (2، و الماهيّة موجودة بالعرض.) ص: 31


1) الماهية المستوية النسبة هي المفهوم، والمختلفة النسبة هي المصداق، والدليل مبني على الخلط بين المفهوم والمصداق.

2) تقدّم مراراً أنّ الوجود الموجود بذاته هو الوجود الواجب، أما الممكن فموجود بعلته. [ ينظر الصفحة (28) الهامش (1).

### الفصل الخامس: في أنّ الوجود حقيقة واحدة مشكّكة(1اختلف القائلون بأصالة الوجود، فذهب بعضهم إلى أنّ الوجود حقيقة واحدة مشكّكة، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس، فالوجود عندهم لكونه ظاهراً بذاته مظهراً لغيره من الماهيّات كالنور الحسّي الذي هو ظاهر بذاته مظهر لغيره من الأجسام الكثيفة للأبصار.فكما أنّ النور الحسّي (2نوع واحد، حقيقته أنّه ظاهر بذاته مظهر لغیره،) ص: 32


1) إن كان المراد بالحقيقة في قولهم: «حقيقة الوجود» المفهوم، وبالمراتب المصاديق، وإنّ الوجود يصدق على بعضها بنحو من أنحاء التشكيك كالأولية والأولوية فهو صحيح لا شكّ فيه.)ولكن مرادهم غير ذلك قطعاً، كما تعرفه بأدنى مراجعة لكتب الفلسفة وشروحاتها. و مرادهم أن الوجود حقيقة واحدة خارجاً، لا تعدّد في مصداقها كما هو مفاد دعواهم أنّ الوجود لا ثاني له، فللوجود مصداق واحد لا يمكن أن يتعدّد، بل كلّما فرض ثانياً عاد أوّلاً.وفيه:أوّلاً: أن فرض المراتب بنحو التشكيك هو عبارة أخرى عن تركب الوجود، وحلّهم لهذا الإشكال لا يعدو أن يقولوا: «في عين البساطة»، وهذا الالتزام» لا يحل الإشكال، بل هو دعوى على خلاف واقع التشكيك بالشدّة والضعف فلا تسمع.وثانياً: عدم وجود فردين للوجود ينافي الوجدان؛ لوضوح أننا أفراد للوجود. وثالثاً: أنّ وجود فردين للوجود أحدهما (الواجب خلق الأخر (الممكن) من ضروريات الدين الاسلامي.)و بهذا تعرف أنّ هذه الدعوى إن رجعت إلى تعدّد الأفراد خالفت ما يدعونه من أنّ الوجود لا ثاني له، وإن رجعت إلى تركب الوجود خالفت دعوى بساطة الوجود، وإن بقيت على ظاهرها فلا يمكننا التصديق بها؛ لما عرفت.

2) النور الحسي ماهيّة، والتشكيك لا يكون إلا في الماهيات العرضية كالبياض والسرعة، أما الجوهر والوجود الذي هو تحصل الشيء فلا تفاوت في انطباقه على أفراده بالشدّة والضعف، والوجدان شاهد.

وهذا المعنى متحقّق في جميع مراتب الأشعّة والأظلّة على كثرتها و اختلافها، فالنور الشديد شديد في نوريته التي يشارك فيها النور الضعيف، والنور الضعيف ضعيف في نوريته التي يشارك فيها النور الشديد، فليست شدّة الشديد منه جزءاً مقوّماً للنورية حتّى يخرج الضعيف منه، و لا عرضاً خارجاً عن الحقيقة، وليس ضعف الضعيف قادحاً في نوريته، ولا أنّه مركّب من النور والظلمة لكونها أمراً ،عدمياً، بل شدّة الشديد في أصل النورية، وكذاضعف الضعيف، فللنور عرض عريض باعتبار مراتبه المختلفة بالشدّة والضعف، ولكلّ مرتبة عرض عريض باعتبار القوابل المختلفة من الأجسام الكثيفة.كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة، متمايزة بالشدّةوالضعف، والتقدّم والتأخّر وغير ذلك، فيرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك(1، و ما به الاختلاف إلى ما به الاتّحاد، فليست خصوصية شيء من المراتب جزءاً مقوّماً للوجود، لبساطته كما سيجيء(2)، و لا أمراً خارجاً عنه؛ لأنّ أصالة الوجود تبطل ما هو غيره الخارج عنه، بل الخصوصية في كلّ مرتبة مقوّمة لنفس المرتبة بمعنى ما ليس بخارج منها. ولها كثرة طولية باعتبار المراتب المختلفة الآخذة من أضعف المراتب) ص: 33


1) إن كان مراده أنّ ما به الامتياز عين ما به الاشتراك مفهوماً فليس هو من خواص التشكيك في الوجود، بل أنه في الماهيات أظهر، وإن أراد أنه عينه خارجاً فلا يصح بحال؛ لأنّ لازمه هو الاتحاد فلا يكون هناك شيئان - ولا بنحو المراتب أيضاً - ليمتاز أحدهما عن الآخر، بل هو شيء واحد.

2) إن کان مراده أنّ ما به الامتیاز عین ما به الاشتراک مفهوماً فلیس هو من خواصّ التشکیک فی الوجود، بل أنّه فی الماهیّات أظهر، و إن أراد أنّه عینه خارجاً فلا یصّح بحال؛ لأنّ لازمه هو الاتّحاد فلا یکون هناک شیئان- و لا بنحو المراتب أیضاً -لیمتاز أحدهما عن الآخر، بل هو شیء واحد.

وهي التي لا فعلية لها إلّا عدم الفعلية، و هي المادّة الأولى الواقعة في أفق العدم(1، ثمّ تتصاعد (2)المراتب إلى أن تنتهي إلى المرتبة الواجبة لذاتها (3)، وهي التي لا حدّ لها إلّا عدم الحدّ، و لها كثرة عرضية باعتبار تخصّصها بالماهيّات المختلفة، التي هي مثار الكثرة.)وذهب قوم من المشّائين إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها، ص: 34


1) وجود المادة الأولى وهم؛ فالموجود الذي يفرض أنه ليس له جهة فعلية، بل هو متقوّم بالفقدان كما سيصرح به في المرحلة السادسة - لا يمكن أن يوجد؛ إذ أن وجوده خُلف تقوّمه بالفقدان.

2) توضيحه: أنا إذا اعتبرنا مراتب هذه الحقيقة آخذة من أضعف المراتب كانت المرتبة الثانية التي فوقها أشد منها وأقوى، وكانت الثالثة التي فوق الثانية أشدّ مما تحتها وأقوى، وهكذا حتى تنتهي إلى المرتبة العليا التي فوق الجميع.)ثم إذا أخذنا بعض المراتب المتوسطة، وقسناها إلى ما فوقها كانت التي فوقها مشتملة على ما فيها من الكمال وزيادة، بخلاف التي تحتها، فإذن التي تحتها محدودة بالنسبة إلى ما فوقها فاقدة لتمام كمالها، ثمّ إذا قسنا التي فوق إلى التي فوقها كانت أيضاً محدودة بالنسبة إلى ما فوقها، وعلى هذا القياس حتى تنتهي إلى المرتبة التي هي فوق الجميع، فما دونها محدودة بالنسبة إليها، وهي مطلقة غير محدودة بحد عدمي، وإن شئت فقل: حدّها أنه لا حد لها.وأما المرتبة التي تحت الجميع، ففيها كل حد عدمي، وليس لها من الكمال إلّا أنها تقبل الكمال، وهي الهيولى الأول. (منه.

3) بل لا يمكن أن توجد سوى هذه المرتبة والمراتب المفروضة إنّما هي أجزاؤها؛ وذلك لأنهم قالوا: إن الوجود لا ثاني له.)قد يقال : إنّ الممكن لا استقلال له بالوجود بقاء واستمراراً، وما هو إلا وجود رابط بنحو الإضافة الاشراقية.فنقول : فهو فرد آخر للوجود، نعم، لو أرادوا أن الوجود المستقل الذي لا يحتاج إلى العلة في وجوده هو واجب الوجود وهو لا ثاني له فهو صحيح ويرجع إلى أدلّة التوحيد في إثباته لا إلى ما زخرفوه في الفلسفة، ولا يناسب دعواهم ذكرهم خاصية ( لا ثاني له في خواص الوجود مطلقاً، وكان ينبغي لهم تخصيصه بالواجب وسيأتي في محلّه مزيد بيان.

أما كونه حقائق متباينة فلاختلاف آثارها، و أمّا كونها متباينة بتمام الذواتفلبساطتها، وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها عرضياً خارجاً عنها (1لازما لها.)والحق أنّه حقيقة واحدة مشكّكة، أمّا كونها حقيقة واحدة فلأنّه لو لم يكن كذلك لكانت حقائق مختلفة متباينة بتمام الذوات، ولازمه كون مفهوم الوجود وهو مفهوم واحد كما تقدّم (2منتزعاً من مصاديق متباينة بما هي)متباينة وهو محال بيان الاستحالة:إنّ المفهوم والمصداق واحد ذاتاً(3، و إنّما الفارق كون الوجود ذهنياً أو خارجياً، فلو انتزع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير كان الواحد بما هو واحد كثيراً بما هو كثير و هو محال.و أيضاً لو انتزع المفهوم الواحد بما هو واحد من المصاديق الكثيرة بما هي كثيرة فإن اعتبر في صدقه خصوصية هذا المصداق، لم يصدق على ذلك المصداق، وإن اعتبر فيه خصوصية ذاك لم يصدق على هذا، وإن اعتبر فيه الخصوصيتان معاً لم يصدق على شيء منهما، وإن لم يعتبر شيء من ص: 35


1) إذ لو كان داخلا ، كان جزءاً؛ وينافي ذلك البساطة. (منه).

2) في الفصل الثاني.

3) هذا خطأ؛ فإنّ المفهوم هو صورة المصداق ، ولا اتحاد ذاتياً بين الصورة وذيها، نعم، الصورة حاكية)عن ذيها حكاية الصورة التي في المرآة عن الواقف أمامها.على أنّ كون الاتحاد بين المصداق والمفهوم ذاتاً مبني على ما اختاروه في الوجود الذهني، ون أوضح المفارقات هنا هو أنه مبني على أصالة الماهيّة، وسيأتي في المرحلة الثانية توضيح ذلك.

الخصوصيتين، بل انتزع من القدر المشترك بينهما لم يكن منتزعاً من الكثير بما هو كثير، بل بما هو واحد كالكلّي المنتزع من الجهة المشتركة بين الأفراد، الصادق على الجميع، هذا خلف.وأمّا أنّ حقيقته مشكّكة فلما يظهر من الكمالات الحقيقية المختلفة التي هي صفات متفاضلة غير خارجة (1من الحقيقة الواحدة كالشدّة والضعف، والتقدّم والتأخر، والقوة والفعل وغير ذلك، فهي حقيقة واحدة متكثّرة في ذاتها (2)، يرجع فيها كلّ ما به الامتياز إلى ما به الاشتراك وبالعكس، وهذا هو التشكيك.)### الفصل السادس:في ما يتخصّص به الوجودتخصّص الوجود (3بوجوه ثلاثة:)أحدها: تخصّص حقيقته الواحدة الأصلية بنفس ذاتها القائمة بذاتها.و ثانيها: تخصّصها بخصوصيات مراتبها غير الخارجة عن المراتب.و ثالثها: تخصّص الوجود بإضافته إلى الماهيّات المختلفة الذواتوعروضه لها فيختلف باختلافها بالعرض.وعروض الوجود للماهيّة وثبوته لها ليس من قبيل العروض المقولي الذي يتوقّف فيه ثبوت العارض على ثبوت المعروض قبله، فإنّ حقيقة ص: 36


1) إذ لو كانت خارجة من حقيقة الوجود كانت باطلة؛ لانحصار الأصالة في الوجود. (منه).

2) هذا تناقض؛ فالحقيقة الواحدة التي لا ثاني ولا جزء لها كيف تكون متكثّرة بذاتها؟!

3) الوجود معنى تعلّقي يتخصص بمعروضه، ويوجد الممكن منه بعلته.

ثبوت الوجود للماهيّة هي ثبوت الماهيّة به؛ لأنّ ذلك هو مقتضی أصالته و اعتباريتها، و إنّما العقل لمكان أنسه بالماهيات يفترض الماهية موضوعه،ويحمل الوجود عليها، وهو في الحقيقة من عكس الحمل.و بذلك يندفع الإشكال المعروف في حمل الوجود على الماهيّة، من أنّ قاعدة الفرعية أعني أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له توجب ثبوتاً للمثبت له قبل ثبوت الثابت، فثبوت الوجود للماهيّة يتوقف على ثبوتالماهيّة قبله، فإن كان ثبوتها عين ثبوته لها لزم تقدّم الشيء على نفسه، وإن كان غيره توقّف ثبوته لها على ثبوت آخر لها، وهلم جراً فيتسلسل.و قد اضطرّ هذا الإشكال بعضهم إلى القول بأنّ القاعدة مخصّصة بثبوت الوجود للماهيّة، وبعضهم إلى تبديل الفرعية بالاستلزام، فقال: الحقّ، أنّ ثبوت شيء لشيء مستلزم لثبوت المثبت له و لو بهذا الثابت، وثبوت الوجود للماهيّة مستلزم لثبوت الماهيّة بنفس هذا الوجود فلا إشكال.و بعضهم إلى القول بأنّ الوجود لا تحقّق له ولا ثبوت في ذهن و لا في خارج، و للموجود معنى بسيط يعبّر عنه بالفارسية ب(هست، والاشتقاق صوري فلا ثبوت له حتى يتوقّف على ثبوت الماهيّة.)وبعضهم إلى القول بأنّ الوجود ليس له إلّا المعنى المطلق وهو معنى الوجود العامّ، والحصص وهو المعنى العامّ مضافاً إلى ماهيّة ماهيّة، بحيث يكون التقييد داخلاً و القيد خارجاً، و أمّا الفرد وهو مجموع المقيّد والتقييدوالقيد فليس له ثبوت. ص: 37

وشيء من هذه الأجوبة (1على فسادها لا يغني طائلاً.)والحق في الجواب ما تقدّم من أنّ القاعدة إنّما تجري في ثبوت شيء لشيء، لا في ثبوت الشيء.وبعبارة أخرى: مجرى القاعدة هو الهلّية المركّبة، دون الهلية البسيطة كما في ما نحن فيه.### الفصل السابع :في أحكام الوجود السلبيةمنها: أن الوجود لا غير له (2وذلك لأنّ انحصار الأصالة في حقيقته يستلزم بطلان كلّ ما يُفرض غيراً له، أجنبياً عنه، بطلاناً ذاتياً.)ومنها أنه لا ثاني له (3لأن أصالة حقيقته الواحدة، وبطلان كلّ ما يُفرض غيراً له ينفي عنه كلّ خليط داخل فيه، أو منضمّ إليه، فهو صرف في نفسه وصرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرّر ، فكلّ ما فُرض له ثانياً عاد أوّلاً، وإلّا امتاز)عنه بشيء غيره داخل فيه أو خارج منه ، والمفروض انتفاؤه، هذا خلف. و منها: أنّه ليس جوهراً ولا عرضاً ، أمّا أنّه ليس جوهراً فلأنّ الجوهر ص: 38


1) والأبحاث السابقة تكفي مؤونة إبطال هذه الأجوبة. (منه).

2) هذا مبني على أصالة الوجود، أما على ما عرفته من أصالتهما معاً فلا يثبت؛ إذ الماهية غير للوجود.)ينظر صفحة (29 هامش (1).

3) هذا مع مخالفته للوجدان مبني على أصالة الوجود أيضاً. ينظر صفحة (29) هامش (1)

ماهيّة إذا وجدت في الخارج وجدت لا في الموضوع، والوجود ليس من سنخ الماهيّة، وأمّا أنّه ليس بعرض (1، فلأن العرض متقوم الوجود بالموضوع والوجود متقوم بنفس ذاته، وكلّ شيء متقوّم به(2).)ومنها : أنه ليس جزءاً لشيء؛ لأنّ الجزء الآخر المفروض غيره، والوجود لا غير له.وما قيل: إنّ كلّ ممكن زوج تركيبي من ماهيّة و وجود فاعتبار عقلي، ناظر إلى الملازمة بين الوجود الإمكاني والماهيّة، لا أنّه تركيب من جزءين أصيلين.و منها : أنه لا جزء له؛ لأنّ الجزء إمّا جزء عقلي كالجنس والفصل، و إمّا جزء خارجي كالمادة والصورة، وإمّا جزء مقداري، كأجزاء الخط، والسطح، والجسم التعليمي، وليس للوجود شيء من هذه الأجزاء.أما الجزء العقلي فلأنّه لو كان للوجود جنس و فصل فجنسه إمّا الوجود فيكون فصله المقسم مقوّماً، لأنّ الفصل بالنسبة إلى الجنس، يفيد تحصّل ذاته لا أصل ذاته و تحصّل الوجود هو ذاته، هذا خلف، وإما غير الوجود ولا بداية الحكمة وبهامشه تعاليق مختصرة ص: 39


1) الوجود عرض لكن له خصوصية - كالعدم - وهي أنه يتحد بموضوعه ، فالموضوع - الماهية - إن اتحد بالوجود فهو موجود، وإن اتّحد بالعدم فهو معدوم، وهذه الخصوصية للوجود والعدم دون سواهما من الأعراض، فالقيام عرض لكن لا ينعدم موضوعه بانعدامه ولا يوجد بوجوده، بل يمكن أن يزول العرض ويبقى موضوعه.

2) تقدّم أنّ الوجود الواجب هو المتحصل بذاته، أما الوجود الممكن فمتحصل بعلته. ينظر صفحة (28) الهامش (1).

غير للوجود.وأمّا الجزء الخارجي وهو المادّة والصورة، فلأنّ المادّة والصورة هما الجنسوالفصل مأخوذين بشرط ،لا، فانتفاء الجنس والفصل يوجب انتفاءهما.و أمّا الجزء المقداري فلأنّ المقدار من عوارض الجسم، والجسم مركّب من المادّة والصورة، وإذ لا مادّة و لا صورة للوجود فلا جسم له، وإذ لا جسم له فلا مقدار له.و مّما تقدّم يظهر أنّه ليس نوعاً، لأن تحصل النوع بالتشخص الفردي، والوجود متحصل بنفس ذاته.### الفصل الثامن: في معنى نفس الأمرقد ظهر مما تقدّم (1، أنّ لحقيقة الوجود ثبوتاً وتحققا بنفسه(2)، الوجود عين الثبوت والتحقق، وأن للماهيّات وهي التي تقال في جواب ما هو، وتوجد تارة بوجود خارجي فتظهر آثارها (3)، و تارة بوجود ذهني فلا تترتب عليها الآثار ثبوتاً وتحققاً بالوجود (4)لا بنفس ذاتها وإن كانا متّحدين في الخارج، وأنّ المفاهيم الاعتبارية العقلية وهي التي لم تنتزع من الخارج،) ص: 40


1) في الفصل الرابع.

2) لم يظهر ذلك؛ لما تقدّم أنّ الوجود الذي يكون التحقق ذاتياً له هو الواجبي دون الإمكاني.

3) هذا ينافي ما مرّ منه من أصالة الوجود واعتبارية الماهية.

4) بل تكتسب وجودها من إفاضة العلّة للوجود عليها، وبعبارة أدق : أن إيجاد العلة للمعلول، والعقل هو الذي ينتزع هذه المفاهيم، فمصداقها رهن بعلته وجوداً وماهية.

و إنّما اعتبرها العقل بنوع من التعمل ، لضرورة تضطرّه إلى ذلك كمفاهيم الوجود(1، والوحدة، والعلّية ونحو ذلك، أيضاً لها نحو ثبوت بثبوت مصاديقها المحكية بها، و إن لم تكن هذه المفاهيم مأخوذة في مصاديقها أخذ الماهيّة في أفرادها، وفي حدود مصاديقها.)وهذا الثبوت العامّ الشامل لثبوت الوجود و الماهيّة، والمفاهيم الاعتبارية العقلية(2، هو المسمّى بنفس الأمر، التي يُعتبر صدق القضايا بمطابقتها فيقال: إنّ كذا كذا في نفس الأمر.)توضيح ذلك: أنّ من القضايا ما موضوعها خارجي بحكم خارجيكقولنا: الواجب تعالى موجود، و قولنا: خرج مَن في البلد، وقولنا: الإنسان ضاحك بالقوّة، وصدق الحكم فيها بمطابقته للوجود العيني. ومنها ما موضوعها ذهني بحكم ذهني، أو خارجي مأخوذ بحكم ذهني كقولنا: الكلّي إمّا ذاتي أو عرضي والإنسان نوع، و صدق الحكم فيها بمطابقته للذهن ؛ لكون موطن ثبوتها هو الذهن ، وكلا القسمين صادقان بمطابقتهما لنفس الأمر، فالثبوت النفس الأمري أعمّ مطلقاً، من كلّ من بداية الحكمة وبهامشه تعاليق مختصرة ص: 41


1) هذا ينافي ما مرّ منه في أوّل بحثه في أصالة الوجود في الفصل الرابع من هذه المرحلة حيث قال: ثم ننتزع من كلّ من هذه الأمور المشهودة لنا - في عين أنه واحد في الخارج - مفهومين اثنين، كلّ منهما غير الآخر مفهوماً وإن اتحدا مصداقاً، وهما الوجود والماهية».

2) يشمل نفس الأمر العدم أيضاً وإلا لكذبت القضايا السالبة؛ وذلك لأنّ المناط في صدق القضايا أو كذبها هو مطابقتها للواقع أو عدم مطابقتها له، ففي القضية الموجبة إثبات شيء لشيء، و بمقايسة هذا الإيجاب إلى الواقع نعرف صدق القضية أو كذبها ، وأما القضية السالبة أو التي محمولها العدم كيف نعرف صدق القضية أو كذبها ؟ إلّا إذا كان للعدم واقعية تطابقها القضية أو لا تطابقها.

الثبوت الذهني والخارجي.وقيل: إن نفس الأمر عقل مجرّد (1فيه صور المعقولات عامة، والتصديقات الصادقة في القضايا الذهنية والخارجية تطابق ما عنده من الصور المعقولة.)وفيه: أنّا ننقل الكلام إلى ما عنده من الصور العلمية، فهي تصديقات تحتاج في صدقها إلى ثبوت المضامينها، خارج عنها تطابقه.### الفصل التاسع:الشيئية تساوق الوجودالشيئية تساوق الوجود (2، والعدم لا شيئية له (3إذ هو بطلان محض لا ص: 42


1) هذه مجرد دعوى يكفي في ردّها عدم الدليل عليها، وسيأتي أنّ وجود المجرّدات الإمكانية خرافة. ينظر الهامش الآتي.

2) الوجود والعدم المطلقان مفهومان لا مصداق لهما، وهما ليسا ، نقيضين، بل هما ضدان لهما ثالث؛)لضرورة أنّ زيد ليس وجوداً مطلقاً، ولا عدماً مطلقاً.أما الوجود والعدم الإضافيان فهما واقعيان والكلام ينبغي أن يكون فيهما. والشيئية لا تساوق الوجود وذلك ل-:أولاً: أن معنى المساوقة عندهم هو الاتحاد في المصداق وحيثية الصدق، وهذا لا يكون إلّا في المترادفين، فالإنسان والبشر متساوقان؛ لاتحادهما في الأفراد، وفي حيثية الصدق التيالفصل.ثانياً: الشيء هو الماهية لذا يتصف بالوجود تارة وبالعدم أخرى فيقال: شيء موجود وشيء معدوم، ولو كانت الشيئية تساوق الوجود لكان قولنا ذلك من التناقض.

3) بعد أن قرّر مساوقة الشيئية للوجود فدعوى أنّ العدم ليس موجوداً تكون بديهية ، لكنك عرفت ان الشيئية لا تساوق ولا تساوي الوجود هذا أوّلاًوثانياً: أن العدم - ونعني الإضافي - له واقعية وإلا لكذبت القضايا السالبة كما عرفت فيما تقدم. وبيان ذلك: أنّ المناطقة قرّروا أنّ صدق القضايا يكون بمطابقتها للواقع، ولم يخصصوا ذلك بالقضايا الموجبة كما هو ظاهر بادنى التفات.)تنبيه:قال العلامة الحلي في شرح التجريد: «وكلّ ما ليس بموج-ود ف-ه-و منتف وليس بشيء، وبالجملة ، لم يثبتوا للمعدوم ذاتاً متحققة، فالمعدوم الخارجي لا ذات له في الخارج، والذهني لا ذات له ذهنا». [كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: المسألة 11، 46]. وهذا البيان تام لكنه يكون اصطلاحاً فلسفياً أي أنهم يصطلحون على الموجود بأنه شيء. .

ثبوت له فالثبوت والنفي في معنى الوجود والعدم .وعن المعتزلة أنّ الثبوت أعمّ مطلقاً من الوجود، فبعض المعدوم ثابتعندهم وهو المعدوم الممكن، ويكون حينئذ النفي أخصّ من العدم، ولا يشمل إلّا المعدوم الممتنع.وعن بعضهم أنّ بين الوجود والعدم واسطة، ويسمونها الحال، و هي صفة الموجود التي ليست بموجودة ولا معدومة، كالعالمية، والقادرية، والوالدية، من الصفات الانتزاعية التي لا وجود منحازاً لها، فلا يقال إنّها موجودة، والذات الموجودة تتّصف بها، فلا يقال إنّها معدومة.وأمّا الثبوت والنفي فهما متناقضان لا واسطة بينهما.وهذه كلّها أوهام يكفي في بطلانها قضاء الفطرة بأنّ العدم بطلان لا شيئة له. ص: 43

### الفصل العاشر: في أنّه لا تمايز ولا علّية في العدمأما عدم التمايز فلأنّه فرع الثبوت والشيئية (1، ولا ثبوت ولا شيئية في العدم، نعم، ربّما يتميّز عدم من عدم بإضافة الوهم إياه إلى الملكات و أقسام الوجود، فيتميّز بذلك عدم من عدم كعدم البصر، و عدم السمع، و عدم زيد، و عدم عمرو، و أمّا العدم المطلق فلا تميّز فيه.)وأما عدم العلّية في العدم فلبطلانه، وانتفاء شيئيته، وقولهم عدم العلّة علة لعدم المعلول قول على سبيل التقريب والمجاز (2، فقولهم مثلاً لم يكن غيم فلم يكن مطر معناه بالحقيقة أنّه لم تتحقّق العلّية التي بين وجود الغيم ووجود المطر، و هذا كما قيل نظير إجراء أحكام القضايا الموجبة في السالبة، فيقال سالبة حملية و سالبة شرطية ونحو ذلك، و إنّما فيها سلب الحمل وسلب لشرط.) ص: 44


1) التمايز الذهني حاصل للعدم دون ريب، فقد قرروا أن عدم الأخصّ أخص من عدم الأعم، فلو لم يكن العدم متمايزاً كيف حكموا بذلك ؟! كما حكموا بأن عدم اجتماع النقيضين غير عدم اجتماع الضدين، وغير ذلك.

2) فإن قلت: فعلى هذا ما ذكرتم مثالًا للقضية التي موضوعها المفهوم الاعتباري العقلي أيضاً يكون على سبيل التقريب والمجاز.)قلت: إنما مثلنا بها للقضية النفس الأمرية، وكون الحمل في القضية على التقريب والمجاز لا يخرجها عن الصدق ولا يلحقها بالكواذب، وحقيقتها التي هي قولنا: لم تتحقق العلية التي بينهما قضية نفس الأمرية أيضاً. (منه.

### الفصل الحادي عشر : ي أنّ المعدوم المطلق لا خبر عنهو يتبيّن ذلك بما تقدّم (1، أنّه بطلان محض لا شيئية له بوجه، وإنّما يخبر عن شيء بشيء.)وأما الشبهة بأن قولهم المعدوم المطلق لا يخبر عنه يناقض نفسه فإنّه بعينه إخبار عنه بعدم الإخبار، فهي مندفعة بما سيجيء في مباحث الوحدة والكثرة (2، من أنّ من الحمل ما هو أوّلي ذاتي، يتّحد فيه الموضوع و المحمول مفهوماً، ويختلفان اعتباراً كقولنا: الإنسان إنسان، ومنه ما هو شائع صناعي يتحدان فيه وجوداً، ويختلفان مفهوماً كقولنا: الإنسان ضاحك، والمعدوم المطلق معدوم مطلق بالحمل الأولي، ولا يخبر عنه، وليس بمعدوم مطلق، بل موجود من الموجودات الذهنية بالحمل الشائع، ولذا يخبر عنه بعدم الإخبار نه، فلا تناقض و بهذا التقريب تندفع الشبهة عن عدّة قضايا توهم التناقض كقولنا:)الجزئي جزئي، وهو بعينه كلّي يصدق على كثيرين، وقولنا: شريك الباري ممتنع مع أنّه معقول في الذهن، فيكون موجوداً فيه ممكنا، وقولنا: الشيء إمّا ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه، واللا ثابت في الذهن ثابت فيه لأنه معقول. ص: 45


1) الفصل التاسع.

2) الفصل الثالث من المرحلة الثامنة.

وجه الاندفاع: أنّ الجزئي جزئي بالحمل الأوّلي كلّي بالشائع، وشريك الباري شريك الباري بالحمل الأولي و ممكن مخلوق للباري بالشائع، واللا ثابت في الذهن كذلك بالحمل الأولي، وثابت فيه بالشائع.### الفصل الثاني عشر: في امتناع إعادة المعدوم بعينهقالت الحكماء إنّ إعادة المعدوم بعينه ممتنعة، وتبعهم فيه بعض المتكلّمين وأكثرهم على الجواز.وقد عدّ الشيخ امتناع إعادة المعدوم ضروريا(1، وهو من الفطريات؛)لقضاء الفطرة ببطلان شيئية المعدوم(2، فلا يتّصف بالإعادة.)والقائلون بنظرية المسألة احتجوا عليه بوجوه (3:)منها : أنه لو جاز للمعدوم في زمان أن يعاد في زمان آخر بعينه لزم تخلّل العدم بين الشيء و نفسه و هو محال؛ لأنه حينئذ يكون موجوداً بعينه، في زمانين بينهما عدم متخلّل (4) ص: 46


1) دعوى البداهة على مدّعيها بعد ظهور الاختلاف فيها.

2) تبتني هذه المسألة على أصالة الوجود، وبطلان شيئية المعدوم ، وقد عرفت بطلانها، وليس الوجود لا تحصل الماهية فبإعدامها تنتفي، وإعادتها ممكنة.

3) ترجع جميعها إما إلى أصالة الوجود، أو لدخالة الزمان في تشخص الأشياء.

4) هذا مجرد استبعاد وليس دليلا، وهو مبني على أصالة الوجود، وقد عرفت بطلانها، ينظر الصفحة (29) هامش (1).

حجّة أخرى:لو جازت إعادة الشيء بعينه بعد انعدامه جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه (1، ابتداء واستئنافاً، وهو محال.)أما الملازمة فلأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، ومثل الشيء ابتداء ومعاده ثانياً لا فرق بينهما بوجه؛ لأنهما يساويان الشيء المبتدأ من جميع الوجوه وأما استحالة اللازم فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود عدم التميزبينهما، وهو وحدة الكثير من حيث هو كثير، وهو محال.حجّة أخرى:إن إعادة المعدوم توجب كون المعاد هو المبتدأ، وهو محال؛ لاستلزامه الانقلاب أو الخلف.بيان الملازمة:إنّ إعادة المعدوم بعينه، يستلزم كون المعاد هو المبتدأ ذاتاً، وفي جميع الخصوصيات المشخّصة حتى الزمان (2، فيعود المعاد عين المبتدأ و هو الانقلاب، أو الخلف.) ص: 47


1) بل المعاد هو الماهية وليس الزمان من مشخصاتها.

2) حقيقة الذات هي الماهية، ومصداقها يوجد مع مشخصاته وليس الزمان منها، وإلا لزم أن يكون زيد في الآن الثاني غيره في الآن الأوّل، وهو واضح البطلان.

حجة أخرى:لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود بالغاً حداً معيناً يقف عليه (1إذ لا فرق بين العودة الأولى والثانية، وهكذا إلى ما لا نهاية له، كما لم يكن فرق بين)المعاد والمبتدأ، وتعيّن العدد من لوازم وجود الشيء المتشخص(2.)احتج المجوزون بأنه لو امتنعت إعادة المعدوم لكان ذلك إما لماهيته وإما للازم ماهيّته، ولو كان كذلك لم يوجد ابتداء وهو ظاهر، وإما لعارض مفارق فيزول الامتناع بزواله.ورد بأنّ الامتناع لأمر لازم (3، لكن لوجوده وهويته لا لماهيته كما هو ظاهر من الحجج المتقدمة.)وعمدة ما دعاهم إلى القول بجواز الإعادة زعمهم أن المعاد وهو مما نطقت به الشرائع الحقة من قبيل إعادة المعدوم. ص: 48


1) ما يحدّد عدد العود هو العلّة وإرادتها، على أنّ إعادة ما لا نهاية له من الأفراد تدريجاً ممكن.

2) ولا مرجّح لبعض تلك الأعداد، فالحاصل حينئذ أنّ التعين أي التشخص مما لا بد منه في الوجود؛ لأنّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، مع أنه لا مرجّح لتعين عدد خاص منها. (منه).

3) هذا مبني على أصالة الوجود وقد عرفت بطلانها . مرّ ذكره في الصفحة (29) هامش (1).

ويردّه أنّ الموت نوع استكمال (1، لا انعدام وزوال (2.) ص: 49


1) حجتهم - على ما نقله المصنف - أن المعاد من إعادة المعدوم لا الموت، وردّه أنّ الموت نوع استكمال فلا مناسبة بين الإشكال والجواب.)نعم، لو عنى أن الموت ليس إعداماً فيرتفع موضوع القضيّة، فالجواب أن صدق الاستكمال في الروح؛ فإنّ البدن لا استكمال فيه لما هو المعلوم من تشتت أجزائه، على أنه هناك مرحلة إفناء العالم كله حتى لا يبقى شيء سوى الله تعالى، ثمّ إعادة الخلق إلى الوجود بناءاً على ما ورد في بعض الأخبار، وهذه الصورة هي محل للنزاع قطعاً؛ لذا عمد المحقق الطوسي إلى تأويلها اعتماداً على عدم إعادة المعدوم المقرّرة عندهم. وتمام الكلام في مباحث المعاد.

2) فإن قيل : هذا إنّما يتمّ لو كان الموت استكمالا للروح والبدن جميعاً، وهو غير مسلّم، وأما لو كان استكمالاً للروح فقط فالإشكال على حاله؛ لأنّ إعادة البدن حينئذ من إعادة المعدوم. قيل : شخصية الإنسان بنفسه دون بدنه المتغيّر دائماً، فالإنسان العائد في المعاد بالنفس والبدن عين الإنسان الذي كان في الدنيا سواء كان الموت استكمالاً للروح فقط وكان البدن العائد معها بإيجاد جديد أو كان الموت استكمالاً للروح والبدن ، وكان البدن العائد مع الروح هو البدن الدنيوي المستكمل، فالإنسان بنفسه وبدنه هو الذي كان في الدنيا بعينه. (منه). ونقول قوله : بإيجاد جديد» إن كان الإيجاد تعلّق بعين الأوّل ثبتت إعادة المعدوم، وإن كان لغيره انتفى المعاد الجسماني.

ص: 50

## المرحلة الثانية: في انقسام الوجود إلى خارجي وذهني### اشارةوفيها فصل واحد ص: 51

ص: 52

### الفصل الأوّل: في الوجود الخارجي والوجود الذهنيالمشهور بين الحكماء أنّ للماهيات وراء الوجود الخارجي، وهو الوجود الذي يترتّب عليها فيه الآثار (1المطلوبة منها (2)، وجوداً آخر لا تترتّب عليها فيه الآثار (3)، ويسمّى وجوداً ذهنياً، فالإنسان الموجود في الخارج قائم لا في موضوع بما أنّه جوهر، و يصحّ أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة بما أنه جسم، وبما أنه نبات وحيوان، و إنسان، ذو نفس نباتية وحيوانية و ناطقة، و يظهر معه معه آثار هذه الأجناس والفصول وخواصّها، و الإنسان الموجود في الذهن المعلوم) ص: 53


1) المراد بالأثر في هذا المقام هو كمال الشيء، سواء كان كمالًا أولا تتم به حقيقة الشيء كالحيوانية والنطق في الإنسان، أو كمالاً ثانياً مترتباً على الشيء بعد تمام ذاته كالتعجب والضحك للإنسان.)(منه.

2) هذا يعني أصالة الماهيّة، وقد اعترف بعض أعلام الفنّ الشيخ غلام رضا فياضي في تعليقته على النهاية في المرحلة الثانية) بأنّ مسألة الوجود الذهني مبنية على أصالة الماهية.

3) في هامش المصنّف قال : أنّ الآثار على قسمين: الأوّل يسمّى الكمال الأوّل، وهو حدّه»، وعليه فالفاقد للآثار سيكون فاقداً لحدّه؛ فكيف يكون الموجود في الذهن عين الماهية الخارجية مع فقدانها لجنسها وفصلها ؟!

لنا إنسان ذاتاً واجد لحدّه (1، غير أنّه لا يترتب عليه شيء من تلك الآثار الخارجية.)و ذهب بعضهم إلى أنّ المعلوم لنا المسمّى بالموجود الذهني شبح الماهيّة لا نفسها، والمراد به عرض وكيف قائم بالنفس، يباين المعلوم الخارجي في ذاته، و يشابهه و يحكيه في بعض خصوصياته كصورة الفرس المنقوشة على الجدار، الحاكية للفرس الخارجي، وهذا في الحقيقة سفسطة(2، ينسد معها باب العلم بالخارج من أصله(3)وذهب بعضهم إلى إنكار الوجود الذهني مطلقاً، وأنّ علم النفس بشيء إضافة خاصة منها إليه. و يرده العلم بالمعدوم (4)إذ لا معنى محصلاً للإضافة إلى المعدوم.)و احتجّ المشهور على ما ذهبوا إليه (5من الوجود الذهني بوجوه:)الأول: أنّا نحكم على المعدومات بأحكام إيجابية كقولنا: بحر من زيبق ص: 54


1) هذا محال، وإلا لانقلب الذهن إلى خارج.

2) لمغايرة الصور الحاصلة عند الإنسان لما في الخارج مغايرة مطلقة، فلا علم بشيء)السفسطة (منه.

3) الموجود في الذهن صور الأشياء، والتعبير عنها بالشبح توهيناً لها، وليس ذلك من السفسطة، بل هو عين الواقع وتمام الحقيقة، أما ما ادعاه من وجود الماهيّة بحدّها في الذهن فهو سفسطة.

4) هذا مبني على تمايز المعدومات؛ فلا يصلح جواباً على مبناه. ويجاب عن إشكالهم بأنّ الإضافة لا تصلح لتفسير العلم؛ فإنّ الإضافة معنى يحصل بين غير الذهن والمعلوم، ولا يحصل العلم، وهذا يعني وجود أمر آخر وهو انطباع الصورة في الذهن.

5) الحجج المذكورة دالة على وجود صور الأشياء في الذهن لا الماهية بحدّها.

كذا، وقولنا: اجتماع النقيضين غير اجتماع الضدّين(1، إلى غير ذلك والإيجاب إثبات، وإثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فلهذه الموضوعات المعدومة وجود، وإذ ليس في الخارج ففي موطن آخر ونسميه الذهن.)الثاني: أنّا نتصور أموراً تتّصف بالكلية و العموم كالإنسان الكلّي، والحيوان الكلّى، والتصوّر إشارة عقلية لا تتحقّق إلّا بمشار إليه موجود، وإذ لا وجود للكلّي بما هو كلّي في الخارج فهي موجودة في موطن آخر و نسمّيه الذهن.الثالث: أنّا نتصوّر الصرف من كلّ حقيقة، وهو الحقيقة محذوفاً عنها ما يكثرها بالخلط والانضمام كالبياض المتصوّر بحذف جميع الشوائب الأجنبية، وصرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرّر، فهو واحد وحدة جامعة لكلّ ما هو من سنخه، و الحقيقة بهذا الوصف غير موجودة في الخارج (2، ص: 55


1) فإن قيل: إنّ أدلّة الوجود الذهني مصبّها إثبات الوجود الذهني للماهيات، والممتنعات باطلة الذوات ليست لها ماهيّات، وإنّما يختلق العقل مفهوماً لأمر باطل الذات كشريك البارئ، واجتماع النقيضين وغيرهما.)قلنا: إنّ لهذا الذي يختلقه العقل ثبوتاً ما ؛ لمكان الحمل، وإذ ليس في الخارج ففي موطن آخر نسميه الذهن. (منه.

2) سيأتي منه في المرحلة الثانية عشرة أن البارئ صرف الوجود، وهو ادّعى هنا أن صرف الحقيقة لا يوجد في الخارج.)تنبيه:قالوا: إنّ الصرافة لها معنيان أحدهما في الوجود والآخر في الماهيّة، والصرافة الوجودية هي بمعنى أنه لا ثاني له، وقد تقدم بطلانها. ينظر الصفحة (38 الهامش (3).والصرافة الماهوية وقيل إنّها المرادة هنا، وقد اعترف السيد كمال الحيدري أنها غير ممكنة فقال: «الصرافة في الماهية غير ممكنة [ شرح بداية الحكمة (تقريراً لابحاث السيد كمال الحيدري):).[90/2 ولا يخفى أن الصرافة - على هذا - تكون مشتركاً لفضياً، فينبغي له بيان المعنى المراد عند الاستعمال وإلّا بقي الكلام مجملاً.

فهي موجودة في موطن آخر نسمّيه الذهن.تتمّة:قد استشكل على وجود الماهيّات في الذهن، بمعنى حصولها بأنفسها فيهإشكالات:الإشكال الأوّل: أنّ القول بحصول الماهيّات بأنفسها في الذهن يستلزم كون الشيء الواحد جوهراً وعرضاً معاً وهو محال.بيان الملازمة : أنّ الجوهر المعقول في الذهن جوهر بناء على انحفاظ الذاتيّات، وهو بعينه عرض لقيامه بالنفس قيام العرض بمعروضه.وأما بطلان اللازم فللزوم كونه قائماً بالموضوع وغير قائم به. الإشكال الثاني: أنّ الماهيّة الذهنية مندرجة تحت مقولة الكيف(1،)بناء على ما ذهبوا إليه من كون الصور العلمية كيفيات نفسانية، ثمّ إنّا إذا تصوّرنا جوهراً كان مندرجاً تحت مقولة الجوهر لانحفاظ الذاتيّات، و تحت مقولة الكيف كما تقدّم ، والمقولات متباينة بتمام الذوات (2فيلزم التناقض في) ص: 56


1) وهو عرض لا يقبل قسمة ولا نسبة لذاته. (منه).

2) إذ لو لم تكن متباينة بتمام الذات ، كانت مشتركة في بعض الذات، فكان لها جنس فوقها و المفروض أنها أجناس عالية ليس فوقها جنس ، هذا خلف ، فهي بسائط متباينة بتمام الذات. (منه).

الذات، وكذا إذا تصوّرنا مقولة أخرى غير الجوهر كانت الماهيّة المتصوّرة مندرجة تحت مقولتين، وكذا لو تصوّرنا كيفاً محسوساً كان مندرجاً تحت الكيف المحسوس، و الكيف النفساني، و هو اندراج شيء واحد تحت نوعين متباينين من مقولة؛ واستحالته ضرورية.قالوا: و هذا الإشكال أصعب من الأوّل؛ إذ لا كثير إشكال في كون شيء واحد جوهراً و عرضاً؛ لأنّ التباين الذاتي الذي بين المقولات إنّما هو بين الجوهر و الكيف والكمّ ،وغيرها، و أمّا مفهوم العرض بمعنى القائم بالموضوع فهو عرض عامّ صادق على تسع من المقولات و من الجائز أن يعمّ الجوهر الذهني أيضاً و يصدق عليه؛ لأنّ المأخوذ في رسم الجوهر أنّه ماهيّة إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع، فمن الجائز أن يقوم في الذهن في موضوع، وهو إذا وجد في الخارج كان لا في موضوع، هذا.وأمّا دخول الماهيّة الواحدة تحت مقولتين كالجوهر والكيف، وكالكمّ والكيف، و المقولات متباينات بتمام الذوات، فاستحالته ضرورية لا مدفع لها.وبالتوجه إلى ما تقدّم من الإشكال و نحوه ذهب بعضهم إلى إنكار الوجود الذهني من أصله بالقول: بأنّ العلم بإضافة من النفس إلى الخارج، فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية فقط، و قد عرفت ما فيه.وبعضهم إلى أنّ الماهيّات الخارجية موجودة في الذهن بأشباحها لا بأنفسها، و شبح الشيء يغاير الشيء ويباينه، فالصورة الذهنية كيفيّة نفسانية، ص: 57

وأما المقولة الخارجية فغير باقية فيها، فلا إشكال، وقد عرفت ما فيه(1.)وقد أجيب عن الإشكال(2بوجوه:)منها ما عن بعضهم أنّ العلم غير المعلوم(3، فعند حصول ماهيّة من)الماهيّات الخارجية في الذهن أمران:أحدهما: الماهيّة الحاصلة نفسها على ما كانت عليه في الخارج و هو المعلوم، و هو غير قائم بالنفس، بل قائم بنفسه، حاصل فيه حصول الشيء في الزمان و المكان.والآخر: صفة حاصلة للنفس قائمة بها، يطّرد بها عنها الجهل و هو العلم، و على هذا فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية، من جوهر أو كمّ أو غير ذلك، والعلم كيف نفساني، فلا اجتماع أصلاً لا لمقولتين، ولا لنوعين من مقولة.و فيه: أنه خلاف ما نجده من أنفسنا عند العلم، فإنّ الصورة(4الحاصلة في نفوسنا عند العلم بشيء، هي بعينها التي تطرد عنا الجهل، وتصير و صفاً لنا نتّصف به.) ص: 58


1) وقد عرفت أنه هو الصحيح، وبه تندفع الإشكالات المذكورة هنا لا بما تو هموه من وجود الماهية بحدّها في الذهن لم تذكر سابقاً.

2) لا يرد الإشكالان على القول بالصورة.

3) هذا الجواب غير صحيح، لا على قواعدهم؛ حيث قالوا باتحاد العلم والعالم والمعلوم، ولا على الصحيح من أن الحاصل هو الصورة، كما يرد عليه أنه يلزمه انقلاب الذهن إلى خارج؛ لوجود المعلوم بحده فيه، فالإنسان وهو جسم ذو أبعاد ثلاثة يوجد بتلك الأبعاد في الذهن؟ وهل انقلاب الذهن إلى خارج غير ذلك!

4) رجع إلى القول بالصورة.

ومنها ما عن بعض القائلين بأصالة الماهيّة، أنّ الصورة الحاصلة في الذهن منسلخة عن ماهيّته الخارجية، و منقلبة إلى الكيف. بيان ذلك: أنّ موجودية الماهية متقدّمة على نفسها، فمع قطع النظر عن الوجود لا ماهيّة أصلاً، والوجود الذهني والخارجي مختلفان بالحقيقة، فإذا تبدّل الوجود بصيرورة الوجود الخارجي ذهنياً جاز أن تنقلب الماهيّة، بأن يتبدّل الجوهر أو الكمّ أو غير ذلك كيفاً، فليس للشيء بالنظر إلى ذاته حقيقة معينة، بل الكيفيّة الذهنية إذا وجدت في الخارج كانت جوهراً أو غيره، والجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن كان كيفاً نفسانياً.و أمّا مباينة الماهيّة الذهنية للخارجية، مع أنّ المدّعى حصول الأشياء بأنفسها في الذهن، وهو يستدعي أصلاً مشتركاً بينهما، فيكفي في تصويره أن يصوّر العقل أمراً مبهماً مشتركاً بينهما، يصحح به أنّ ما في الذهن هو الذي في الخارج، كما يصوّر المادّة المشتركة بين الكائن والفاسد الماديين.وفيه:أولاً: أنّه لا محصّل لما ذكره من تبدّل الماهيّة واختلاف الوجودين في الحقيقة بناء على ما ذهب إليه من أصالة الماهيّة واعتبارية الوجود.و ثانياً: أنّه في معنى القول بالشبح بناء على ما التزم به من المغايرة الذاتية بين الصورة الذهنية والمعلوم الخارجي، فيلحقه ما لحقه من محذور السفسطة(1.)و منها: ما عن بعضهم ، أنّ العلم لمّا كان متّحداً بالذات مع المعلوم ص: 59


1) لا سفسطة في القول بالشبح الذي هو صورة الشيء، بل هو الصحيح.

بالذات كان من مقولة المعلوم، إنّ جوهراً فجوهر، وإن كمّا فكمّ و هكذا، و أمّا تسميتهم العلم كيفاً فمبني على المسامحة في التعبير، كما يسمّى كلّ وصف ناعت للغير كيفاً في العرف العامّ، و إن كان جوهراً.و بهذا يندفع إشكال اندراج المقولات الآخر تحت الكيف.و إمّا إشكال كون شيء واحد جوهراً وعرضاً معاً، فالجواب عنه ما تقدّم، أن مفهوم العرض عرض عامّ شامل للمقولات التسع العرضية وللجوهر الذهني، ولا إشكال فيه.وفيه: أنّ مجرّد صدق مفهوم مقولة من المقولات على شيء لا يوجب اندراجه تحتها كما ستجيء الإشارة إليه.على أنّ كلامهم صريح في كون العلم الحصولي كيفاً نفسانياً داخلاً تحت مقولة الكيف حقيقة من غير مسامحة.و منها: ما ذكره صدر المتألهين رحمه الله في كتبه ، و هو الفرق في إيجاب الاندراج بين الحمل الأولي وبين الحمل الشائع، فالثاني يوجبه دون الأول.بيان ذلك : أنّ مجرّد أخذ مفهوم جنسي أو نوعي في حدّ شيء، و صدقه عليه لا يوجب اندراج ذلك الشيء تحت ذلك الجنس أو النوع، بل يتوقّف الاندراج تحته على ترتّب آثار ذلك الجنس، أو النوع الخارجية على ذلك الشيء.فمجرد أخذ الجوهر و الجسم مثلاً في حدّ الإنسان، حيث يقال: الإنسان جوهر، جسم، نام، حسّاس، متحرّك بالإرادة ، ناطق لا يوجب اندراجه تحت ص: 60

مقولة الجوهر أو جنس الجسم حتّى يكون موجوداً لا في موضوع باعتبار كونه جوهراً، و يكون بحيث يصحّ أن يفرض فيه الأبعاد الثلاثة باعتبار كونه جسماً وهكذا.وكذا مجرّد أخذ الكمّ، والاتصال في حدّ السطح حيث يقال: السطح كمّ، متّصل، قارّ، منقسم في جهتين لا يوجب اندراجه تحت الكمّ والمتّصل مثلاً حتّى يكون قابلاً للانقسام بذاته من جهة أنّه كمّ، ومشتملاً على الفصل المشترك من جهة أنّه متّصل، وهكذا.ولو كان مجرّد صدق مفهوم على شيء موجباً للاندراج لكان كلّ مفهوم كلّي فرداً لنفسه لصدقه بالحمل الأوّلي على نفسه، فالاندراج يتوقّف على ترتّب الآثار، و معلوم أنّ ترتب الآثار إنّما يكون في الوجود الخارجي دون الذهني.فتبيّن أنّ الصورة الذهنية غير مندرجة تحت ما يصدق عليها منالمقولات؛ لعدم ترتّب آثارها عليها، لكن الصورة الذهنية إنّما لا تترتّب عليها آثار المعلوم الخارجي من حيث هي وجود مقيس إلى ما بحذائها من الوجود الخارجي، و أمّا من حيث إنّها حاصلة للنفس حالاً، أو ملكة تطرد عنها الجهل فهي وجود خارجي موجود للنفس، ناعت لها، يصدق عليه حدّ الكيف بالحمل الشائع، وهو أنّه عرض لا يقبل قسمة، ولا نسبة لذاته، فهو مندرج بالذات تحت مقولة الكيف، و إن لم يكن من جهة كونه وجوداً ذهنياً، مقيساً إلى الخارج داخلاً تحت شيء من المقولات، لعدم ترتّب الآثار ، اللّهمّ ص: 61

إلا تحت مقولة الكيف بالعرض.وبهذا البيان يتّضح اندفاع ما أورده بعض المحقّقين على كون العلم كيفاً بالذات، وكون الصورة الذهنية كيفاً بالعرض، من أنّ وجود تلك الصور في نفسها و وجودها للنفس واحد، و ليس ذلك الوجود و الظهور للنفس ضميمة تزيد على وجودها، تكون هي كيفاً في النفس، لأنّ وجودها الخارجي لم يبق بكلّيته، وماهيّاتها في أنفسها كلّ من مقولة خاصة، و باعتبار وجودها الذهني لا جوهر و لا عرض، و ظهورها لدى النفس ليس سوى تلك الماهية و ذلك الوجود، إذ ظهور الشيء ليس أمراً ينضم إليه، وإلا لكان ظهور نفسه، وليس هناك أمر آخر ، والكيف من المحمولات بالضميمة، و الظهور و الوجود للنفس لو كان نسبة مقولية كان ماهيّة العلم إضافة لا كيفاً، وإذا كان إضافة إشراقية كان وجوداً، فالعلم نور وظهور وهما وجود، والوجود ليس ماهيّة.وجه الاندفاع: أنّ الصورة العلمية هي الموجودة للنفس الظاهرة لها، لكن لا من حيث كونها موجوداً ذهنياً، مقيساً إلى خارج لا تترتّب عليها آثاره، بل من حيث كونها حالاً أو ملكة للنفس تطرد عنها عدما، وهي كمال للنفس زائد عليها ناعت لها، وهذا أثر خارجي مترتّب عليها، و إذا كانت النفس موضوعة لها مستغنية عنها في نفسها ، فهي عرض لها و يصدق عليها حدّ الكيف، ودعوى أنّ ليس هناك أمر زائد على النفس، منضم إليها ممنوعة. فظهر أنّ الصورة العلمية من حيث كونها حالاً أو ملكة للنفس كيف حقيقة ص: 62

و بالذات، و من حيث كونها موجوداً ذهنياً كيف بالعرض وهو المطلوب.الإشكال الثالث: أنّ لازم القول بالوجود الذهني، وحصول الأشياء بأنفسها في الأذهان كون النفس حارة باردة، عريضة، طويلة، متحيّزة، متحركة مربعة، مثلثة، مؤمنة كافرة ،وهكذا عند تصوّر الحرارة والبرودة إلى غير ذلك، و هو باطل بالضرورة.بيان الملازمة : أنا لا نعني بالحار، و البارد، و العريض، والطويل و نحو ذلك، إلّا ما حصلت له هذه المعاني وقامت به.والجواب عنه: أنّ المعاني الخارجية كالحرارة والبرودة و نحوهما، إنّما تحصل في الأذهان بماهيّاتها لا بوجوداتها العينية، وتصدق عليها بالحمل الأوّلي دون الشائع، والذي يوجب الاتّصاف حصول هذه المعاني بوجوداتها الخارجية، و قيامها بموضوعاتها دون حصول ماهيّاتها لها، وقيام ما هي هي بالحمل الأولي(1.الإشكال الرابع: أنا نتصور المحالات الذاتية كشريك الباري، و اجتماع النقيضين وارتفاعها، وسلب الشيء عن نفسه، فلو كانت الأشياء حاصلة بأنفسها في الأذهان، استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتية. ص: 63


1) لا يخفى أن الاتحاد في الحمل الأوّلي اتحاد مفهومي، وهو يعني أنّ الصورة التي يأخذها العقل من أحدهما هي عين ما يأخذها عن الأخرى، والفرق بالإجمال والتفصيل كقولنا: الإنسان حيوان ناطق.)فإن رجع بيان المصنّف إلى هذا الاتحاد المفهومي فهو رجوع إلى القول بالصورة، وإن أصر على تحقق الماهيّة بحدّها فالإشكال على حاله.

والجواب عنه: أنّ الحاصل من المحالات الذاتية في الأذهان مفاهيمها بالحمل الأولي (1دون الحمل الشائع، فشريك الباري في الذهن شريك الباري بالحمل الأوّلي، و أمّا بالحمل الشائع فهو كيفيّة نفسانية ممكنة مخلوقة للباري، وهكذا في سائر المحالات.)الإشكال الخامس: أنّا نتصوّر الأرض بما رحبت بسهولها، وجبالها، و براريها، و بحارها، و ما فوقها من السماء بأرجائها البعيدة، والنجوم و الكواكب بأبعادها الشاسعة، وحصول هذه المقادير العظيمة في الذهن بمعنى انطباعها في جزء عصبي، أو قوّة دماغية كما قالوا به، من انطباع الكبير في الصغير وهو محال.ودفع الإشكال: بأن المنطبع فيه منقسم إلى غير النهاية لا يجدي شيئاً، فإنّ الكفّ لا تسع الجبل وإن كانت منقسمة إلى غير النهاية.والجواب عنه: أن الحق كما سيأتي (2، أنّ الصور الإدراكية الجزئية غير مادّية، بل مجرّدة تجرّداً مثالياً، فيها آثار المادّة من مقدار، وشكل وغيرهما، دون نفس المادّة (3)، فهي حاصلة للنفس في مرتبة تجرّده المثالي، من غير أن تنطبع في جزء بدني، أو قوّة متعلّقة بجزء بدني.)وأمّا الأفعال، والانفعالات الحاصلة في مرحلة المادّة عند الإحساس ص: 64


1) هذا رجوع عن حصول الماهيّة بحدّها في الذهن كما عرفت.

2) في المرحلة الحادية عشرة، الفصل الأول والثاني.

3) هذا يعني وجود الأثر دون المؤثر، ومع قانون السنخية فإنّ هذه الآثار لا يمكن أن تصدر عن غير المادة.

بشيء أو عند تخيّله فإنّما هي معدّات تتهيّأ بها النفس لحصول الصور العلمية لجزئية المثالية عندها.الإشكال السادس: أنّ علماء الطبيعة بينوا، أنّ الإحساس و التخيّل بحصول صور الأجسام المادّية بما لها من النسب والخصوصيات الخارجية في الأعضاء الحاسّة، وانتقالها إلى الدماغ، مع ما لها من التصرّف فيها بحسب طبائعها الخاصّة، والإنسان ينتقل إلى خصوصية مقاديرها، و أبعادها، و أشكالها بنوع من المقايسة بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده، على ما فصّلوه في محلّه، ومع ذلك لا مجال للقول، بحضور الماهيّات الخارجية بأنفسها في الأذهان.والجواب عنه : أنّ ما ذكروه من الفعل والانفعال المادي عند حصول العلم بالجزئيات في محلّه، لكن هذه الصور المنطبعة المغايرة للمعلومات الخارجية ليست هي المعلومة بالذات، بل هي معدّات تهييء النفس لحضور الماهيّات الخارجية عندها، بوجود مثالي غير مادّي(1، وإلّا لزمت السفسطة لمكان المغايرة بين الصور الحاصلة في أعضاء الحسّ و التخيل، و بين ذوات الصور.)بل هذا من أقوى الحجج على حصول الماهيّات بأنفسها عند الإنسان بوجود غير مادّي، فإنّ الوجود المادّي لها كيفما فرض لم يخل عن مغايرة ص: 65


1) هذا مخالف لما نجده بالوجدان من أنّ الصورة الحاصلة هي الطاردة للجهل، على أن المصنف ردّ حصول شيئين في الذهن في جواب الإشكالين الأول والثاني.

ما بين الصور الحاصلة، وبين الأمور الخارجية ذوات الصور، ولازم ذلك السفسطة ضرورة.الإشكال السابع: أنّ لازم القول بالوجود الذهني كون الشيء الواحد كلّياً و جزئياً معاً، و بطلانه ظاهر.بيان الملازمة : أنّ ماهيّة الإنسان المعقولة مثلاً، من حيث تجويز العقل صدقها على كثيرين كلّية، ومن حيث حصولها لنفس عاقلها الشخصية، وقيامها بها جزئية متشخّصة بتشخّصها، متميّزة من ماهيّة الإنسان المعقولة لغير تلك النفس من النفوس، فهي كلّية وجزئية معاً.و الجواب عنه: أنّ الجهة مختلفة، فهي من حيث إنها وجود ذهني مقيس إلى الخارج كلّية تقبل الصدق على كثيرين، ومن حيث إنّها كيفيّة نفسانية، من غير مقايسة إلى الخارج جزئية. ص: 66

## المرحلة الثالثة: في انقسام الوجود إلى ما في نفسه و ما في غيره و انقسام ما في نفسه إلى ما لنفسه وما لغيره### اشارةوفيها ثلاثة فصول ص: 67

ص: 68

### الفصل الأول:الوجود في نفسه والوجود في غيرهمن الوجود ما هو في غيره و منه خلافه؛ و ذلك أنا إذا اعتبرنا القضايا الصادقة كقولنا: الإنسان ضاحك، وجدنا فيها وراء الموضوع والمحمول أمراً آخر، به يرتبط و يتّصل بعضهما إلى بعض، ليس يوجد إذا اعتبر الموضوع وحده و لا المحمول وحده، ولا إذا اعتبر كلّ منهما مع غير الآخر فله وجود، ثم إنّ وجوده ليس ثالثاً لها، واقعاً بينهما مستقلا عنهما، وإلّا احتاج إلى رابطين آخرين يربطانه بالطرفين، فكان المفروض ثلاثة خمسة، ثمّ الخمسة تسعة وهلمّ جرّاً، و هو باطل.فوجوده قائم بالطرفين، موجود فيهما، غير خارج منهما، و لا مستقلّ بوجه عنهما، لا معنى له مستقلاً بالمفهومية، و نسمّيه الوجود الرابط.وما كان بخلافه كوجود الموضوع ،والمحمول، وهو الذي له معنى مستقلّ بالمفهومية(1، نسمّيه الوجود المحمولي، والوجود المستقلّ.) ص: 69


1) هذا هو المشهور بينهم، ويمكن المناقشة فيه : بأنّ الاستقلال المفهومي لا يضر بعدم الاستقلال الخارجي، فالوجود الرابط غير مستقل وجوداً ، لكن يمكن دعوى استقلاله مفهوماً، فإنّ المعنى الذي نتحدّث عنه، وننسب له الأحكام هو المعنى الرابط، ولا يخفى أن الإشكال بأن المعنى الحاصل عندنا معنى إسمي فلا يحكي المعنى الخارجي للرابط خطأ؛ لأنه مبني على أنّ الموجود في الذهن عين الماهية الخارجيةوالتحقيق: أنّ الموجود في الذهن هو صورتها، والمراد بالصورة ما يميز الشيء عما عداه، ولم يشترطوا أن تكون من سنخه إلّا على المبنى المذكور، وقد عرفت في المرحلة الثانية بطلانه.

فإذن الوجود منقسم إلى مستقلّ ورابط، و هو المطلوب.و يظهر ممّا تقدّمأولاً : أنّ الوجودات الرابطة لا ماهيّة لها؛ لأنّ الماهية ما يقال في جوابما هو، فلها لا محالة وجود محمولي ذو معنى مستقلّ بالمفهومية، و الرابط ليس كذلك (1.)وثانياً: أن تحقق الوجود الرابط بين أمرين يستلزم اتّحاداً ما بينهما؛ لكونه واحدا غير خارج من وجودهما.وثالثاً: أنّ الرابط إنّما يتحقق في مطابق الهلّيات المركّبة التي تتضمن ثبوت شيء لشيء، وأما الهلّيات البسيطة التي لا تتضمّن إلّا ثبوت الشيء و هو ثبوت موضوعها فلا رابط في مطابقها؛ إذ لا معنى لارتباط الشيء بنفسه ونسبته إليها .### الفصل الثاني: [ كيفيّة اختلاف الرابط والمستقلّ ]اختلفوا في أنّ الاختلاف بين الوجود الرابط والمستقلّ هل هو اختلاف نوعي؟ بمعنى أن الوجود الرابط ذو معنى تعلّقي لا يمكن تعقلّه علی ص: 70


1) هذه دعوى دون دليل، وقد عرفت ما فيها . ينظر الصفحة (69) الهامش (1)

الاستقلال، ويستحيل أن يُسلخ عنه ذلك الشأن، فيعود معنى اسمياً بتوجيه الالتفات إليه، بعد ما كان معنى حرفياً، أو لا اختلاف نوعياً بينهما. والحقّ هو الثاني؛ لما سيأتي في مرحلة العلّة والمعلول (1، أن وجودات المعاليل رابطة بالنسبة إلى عللها، ومن المعلوم أنّ منها ما وجوده جوهري، و منها ما وجوده عرضي، و هي جميعاً وجودات محمولية مستقلّة، تختلف حالها بالقياس إلى عللها وأخذها في نفسها، فهي بالنظر إلى عللها وجودات رابطة(2)، وبالنظر إلى أنفسها وجودات مستقلّة، فإذن المطلوب ثابت. ويظهر مما تقدّم أنّ المفهوم تابع في استقلاله بالمفهومية وعدمه لوجوده)الذي ينتزع منه، وليس له من نفسه إلا الإبهام (3.### الفصل الثالث: من الوجود في نفسه ما هو لغيره ومنه ما هو لنفسهو المراد بكون وجود الشيء لغيره، أن يكون الوجود الذي له في نفسه، وهو الذي يطرد عن ماهيّته العدم، هو بعينه يطرد عدماً عن شيء آخر، لا ص: 71


1) المرحلة السابعة، الفصل الثالث.

2) تقدّم منه أنّ الربط لا بد أن يكون بين طرفين، وعليه فالمعلول إن كان رابطاً لعلّته فلا بد من وجود طرف آخر ليتحقق الربط ، وما يذكرونه لحلّ هذا الإشكال هو اختراعهم للإضافة الإشراقية، وهي آبية عن التعقل؛ فإنّ ما يتقوم بالطرفين لا يمكن تقومه بطرف واحد، ومجرّد الادعاء لا يفي باثباته.

3) المفهوم هو المعنى الحاصل من الشيء في الذهن (راجع حاشية ملا عبد الله) وهو الحاكي عن معنى معين فكيف يكون ليس له من نفسه إلا الابهام؟!)هذا وقد عرفت أنه لا مجال لدعوى أنّ المفهوم تابع لما ينتزع منه استقلالاً، و عدم استقلال.

عدم ذاته و ماهيّته، وإلّا كان لوجود واحد ماهيّتان، وهو كثرة الواحد، بل عدماً زائداً على ذاته و ماهيّته ، له نوع مقارنة له كالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهيته الكيفيّة، ويطرد به بعينه عن موضوعه الجهل الذي هو نوع من العدم يقارنه، وكالقدرة فإنّها كما تطرد عن ماهيّة نفسها العدم، تطرد بعينها عن موضوعها العجز.والدليل على تحقّق هذا القسم وجودات الأعراض، فإنّ كلّا منها كما يطرد عن ماهيّة نفسه العدم، يطرد بعينه عن موضوعه نوعاً من العدم، وكذلك الصور النوعية الجوهرية، فإنّ لها نوع حصول لموادّها، تكملها وتطرد عنها نقصاً جوهرياً، وهذا النوع من الطرد هو المراد بكون، الوجود لغيره، وكونه ناعتاً.ويقابله ما كان طارداً لعدم نفسه فحسب كالأنواع التامّة الجوهرية كالإنسان والفرس، و يسمّى هذا النوع من الوجود وجوداً لنفسه، فإذن المطلوب ثابت و ذلك ما أردناه.و ربّما يقسّم الوجود لذاته إلى الوجود بذاته و الوجود بغيره، وهو بالحقيقة راجع إلى العلية والمعلولية، وسيأتي(1البحث عنهما.) ص: 72


1) في المرحلة السابعة.

## المرحلة الرابعة: في الموادّ الثلاث الوجوب، و الإمكان، و الامتناع و البحث عنها في الحقيقة بحث عن انقسام الوجود إلى الواجب و الممكن، و البحث عن الممتنع تبعي### اشارةوفيها تسعة فصول ص: 73

ص: 74

### الفصل الأوّل:في تعريف الموادّ الثلاث وانحصارها فيهاكلّ مفهوم إذا قيس إلى الوجود، فإمّا أن يجب له فهو الواجب، أو يمتنع وهو الممتنع، أو لا يجب له ولا يمتنع وهو الممكن، فإنّه إمّا أن يكون الوجود له ضرورياً وهو الأوّل، أو يكون العدم له ضرورياً وهو الثاني، و إمّا أن لا يكون شيء منهما له ضرورياً وهو الثالث.و أمّا احتمال كون الوجود و العدم كليهما ضروريين فمرتفع بأدنى التفات. و هي بينة المعاني؛ لكونها من المعاني العامّة التي لا يخلو عن أحدها مفهوم من المفاهيم، و لذا كانت لا تُعرّف إلّا بتعريفات دورية كتعريف الواجب بما يلزم من فرض عدمه محال، ثمّ تعريف المحال، و هو الممتنع بما يجب أن لا يكون أو ما ليس بممكن ولا واجب، وتعريف الممكن بما لا يمتنع وجوده و عدمه.### الفصل الثاني: انقسام كلّ من المواد إلى ما بالذات وما بالغير وما بالقياسكلّ واحدة من المواد ثلاثة أقسام، ما بالذات و ما بالغير و ما بالقياس إلى الغير، إلّا الإمكان فلا إمكان بالغير. ص: 75

والمراد بما بالذات أن يكون وضع الذات كافياً في تحققه، وإن قطع النظر عن كلّ ما سواه، وبما بالغير ما يتعلّق بالغير، وبما بالقياس إلى الغير أنه إذا قيس إلى الغير كان من الواجب أن يتصف به.فالوجوب بالذات كما في الواجب الوجود تعالى، فإنّ ذاته بذاته تكفي في ضرورة الوجود له، من غير حاجة إلى شيء غيرها.والوجوب بالغير كما في الممكن الموجود الواجب وجوده بعلته. والوجوب بالقياس إلى الغير كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر، فإن وجود العلوّ إذا قيس إليه وجود السفل يأبى إلا أن يكون للسفل وجود فلوجود السفل وجوب بالقياس إلى وجود العلو، وراء وجوبه بعلته. والامتناع بالذات كما في المحالات الذاتية كشريك الباري، واجتماع النقيضين، والامتناع بالغير، كما في وجود المعلول الممتنع لعدم علّته، وعدمه الممتنع لوجود علّته، والامتناع بالقياس إلى الغير كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر، وفي عدمه إذا قيس إلى وجود الآخر.والإمكان بالذات كما في الماهيات الإمكانية، فإنّها في ذاتها لا تقتضي ضرورة الوجود ولا ضرورة العدم والإمكان بالقياس إلى الغير كما في الواجبين بالذات المفروضين، ففرض وجود أحدهما لا يأبى وجود الآخرولا عدمه؛ إذ ليس بينهما علية ومعلولية، ولا هما معلولاً علّة ثالثة. وأمّا الإمكان بالغير فمستحيل ، لأنا إذا فرضنا ممكناً بالغير فهو في ذاته إمّا واجب بالذات، أو ممتنع بالذات، أو ممكن بالذات؛ إذ المواد منحصرة في الثلاث، والأولان يوجبان الانقلاب، والثالث يوجب كون اعتبار الإمكان بالغير لغواً. ص: 76

### الفصل الثالث: واجب الوجود ماهيّته إنيّتهواجب الوجود ماهيّته إنيّته، بمعنى أن لا ماهيّة له وراء وجوده الخاصبه؛ وذلك أنه لو كانت له ماهيّة، وذات وراء وجوده الخاص به لكان وجوده زائداً على ذاته (1عرضياً له، وكلّ عرضي معلّل(2بالضرورة فوجوده معلّل. ص: 77


1) قد عرفت أنّ المصداق الواحد خارجاً ينتزع منه العقل مفهومين أحدهما الوجود والآخر الماهية، وليس أحدهما علّة للآخر، كما تقدّم أنّ عروض الوجود للماهية ليس من العروض المقولي، بل هو بمعنى تحققها.)تنبیه:ثمّ إنّ أصحاب النظر الفلسفي على ثلاثة أقسام:الأوّل: القائل بأصالة الوجود.الثاني: القائل بأصالة الماهية.الثالث: القائل بأصالتهما معاً.ولا يلزم اشكاله على جميع هذه المباني: أما الأوّل فلأن الماهية حد الوجود.وأمّا الثاني فلأن الوجود اعتباري.وأمّا الثالث فلأنّ المفهومين اعتباريان، والأصالة لمصداقها.فالوجود ليس زائداً على الماهية في الخارج.غرضنا هنا الجواب فقط، أما إثبات الماهية للباري - وإن لم يكن بعيداً حسب نظر العقل - لا نخوض فيه؛ للنهي القطعي عن الخوض في الذات المقدّسة، ونقتصر على ما ثبت في النصوص الدينية، وقد نجد فيها ما يتعلّق في المقام إثباتاً أو نفياً.

2) أورد عليه بعض الأعاظم المحققين (دام ظلّه) : أنّ الزوجية عارضة على الأربعة، وهي غير معللة،)والعدم عارض لاجتماع النقيضين وهو غير معلّل، فهنا دعويان:الأولى: أن العدم عارض على اجتماع النقيضين.والثانية: أنه غير معلّلوالأولى أنّ ال-ع--دم لو لم يكن عارضاً لاجتماع النقيضين لكان عينه، وهذا باطل بالبداهة،ولاستلزامه أنّ كلّ عدم يكون حينئذ اجتماعاً للنقيضين، فهو إذن عارض.أما الثانية فلما التزم به المصنف أنه لا علية في العدم.

و علّته إما ماهيّته أو غيرها، فإن كانت علّته ماهيّته، والعلّة متقدّمة على معلولها بالوجود بالضرورة (1، كانت الماهيّة متقدّمة عليه بالوجود، وتقدّمها عليه إما بهذا الوجود، ولازمه تقدّم الشيء على نفسه وهو محال، وإمّا بوجود آخر وننقل الكلام إليه ويتسلسل.وإن كانت علّته غير ماهيّته فيكون معلولاً لغيره، و ذلك ينافي وجوبالوجود بالذات.وقد تبين بذلك، أن الوجوب بذاته وصف منتزع من حاقّ وجود الواجب، كاشف عن كون وجوده بحتاً، في غاية الشدّة (2غير مشتمل على جهة عدمية (3) ص: 78


1) بل أن تقدّم العلّة على المعلول محال؛ لأنها تقارنه وإلا لم تكن علة.)وبعبارة أخرى أنّ العلة والمعلول وصفان إضافيان لا يتحقق احدهما دون الآخر كالأب والأبن والفوق والتحت.

2) هذا مبني على التشكيك في الوجود وقد عرفت بطلانه راجع الصفحة (32) الهامش (1).)ودعوى أن النقل عبّر بالأشدّية في موارد التعبير بأفعل التفضيل ك- (اعلم.)والجواب : أنّ الصفات الإلهية بمعنى نفي أضدادها، وليس من صفاتنا فيه تعالى شيء، والتعبير بصيغة التفضيل لا يعني إرادته فيما يرتبط بالذات المقدّسة، وكم في العربية من استعمال صيغة التفضيل دون إرادة معنى الاشتراك وزيادة.

3) كلّ موجود فهو هو وليس غيره، وقال الفلاسفة الصدرائيون أنّ الوجود الواجب لا يتركب من هذين العقدين، ونفي ذلك السنخ من التركيب يقتضي أن يكون الواجب هو هو، وهو كلّ شيء غيره، لا يشدّ عنه وجود، وصرحوا أنّ الواجب بسيط الحقيقة وهو كل الأشياء، فجعلوا البساطة بمعنى وحدة الوجود» كما صرح بذلك حسن زاده آملي في تعليقته على التجريد فراجع و هذ تعبير آخر عن وحدة الوجود الشخصية، وأن الواجب عين الممكنات، وعليك بمراجعة تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود» للعلّامة الحجّة السيد قاسم علي أحمدي (دامت بركاته).

إذ لو اشتمل على شيء من الأعدام حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله(1، فكانت ذاته مقيّدة بعدمه، فلم يكن واجباً بالذات، صرفاً له كلّ كمال.)### الفصل الرابع: واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهاتإذ لو كان غير واجب بالنسبة إلى شيء من الكمالات التي تمكن له بالإمكان العامّ، كان ذا جهة إمكانية بالنسبة إليه، فكان خالياً في ذاته عنه، ص: 79


1) وجود الممكن ليس كمالًا للواجب؛ وذلك لأنّ الوجود الممكن محدود مفتقر، وحده وفقره داخل في حقيقته، فإن بقي على حده وفقره فلا يكون كمالاً للواجب، بل هو نقص لأنه حينئذ يجعل من الواجب مركباً من الممكنات، وإن انتفى حدّه انتفت حقيقته، فلا ممكن حينئذ. ثم إن من الوجودات الممكنة المتضادين، فلا يمكن اجتماعهما، فلو قلنا بأنّ في الواجب كلّ)وجود لزم اجتماع الضدين.تنبيه:قال بعض الصوفية المعاصرين: «ثم التحقيق في المقام: أن يقال بالوجود - أي بالوجود الصمدي الذي هو متن الأعيان، وحقيقة الحقائق، وجوهر الجواهر - يتحقق ال----دان ويتقوّم المث-لان، بل هو الذي يظهر بصورة الضدين وغيرهما، ويلزم منه الجمع بين النقيضين... وأما في الوجود فتتحد الجهات كلّها، فإنّ الظهور والبطون وجميع الصفات الوجودية المتقابلة مستهلكة في عين الوجود؛ فلا مغايرة إلّا في اعتبار العقل».ثم يقول: ولكنّ الضدّين مجتمعين في عين الوجود، يجتمعان أيضاً في العقل؛ إذ لولا وجودهما فيه لما اجتمعا فيه، وعدم اجتماعهما في الوجود الخارجي الذي هو نوع من أنواع الوجود المطلق لا ينا في اجتماعهما في الوجود من حيث هو هو» . [ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (تعليق عليه حسن زادة املي: 100 ، هامش رقم (1)] . فاقرأ واعجب، واقرأ على العقل والدين السلام !

متساوية نسبته إلى وجوده وعدمه، ومعناه تقيّد ذاته بجهة عدمية(1، وقد عرفت في الفصل السابق استحالته.)### الفصل الخامس: في أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، وبطلان القول بالأولويةلا ريب أنّ الممكن الذي يتساوى نسبته إلى الوجود والعدم عقلاً، يتوقّفوجوده على شيء يسمّى علّة، وعدمه على عدمها.وهل يتوقّف وجود الممكن على أن توجب العلّة وجوده، وهو الوجوب بالغير، أو أنّه يوجد بالخروج عن حدّ الاستواء وإن لم يصل إلى حدّ الوجوب؟ وكذا القول في جانب العدم، وهو المسمّى بالأولويه، وقد قسّموها إلى الأولوية الذاتية، وهي التي يقتضيها ذات الممكن وماهيّته، وغير الذاتية خلافها، وقسموا كلّا منهما إلى كافية في تحقق الممكن، وغير كافية.والأولوية بأقسامها باطلة.أمّا الأولوية الذاتية، فلأنّ الماهيّة قبل الوجود باطلة الذات، لا شيئية لها حتّى تقتضي أولوية الوجود، كافية أو غير كافية.وبعبارة أخرى، الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي، لا موجودة ولالا ص: 80


1) لا شكّ أنّ تقيّد الذات بجهة عدمية هو أمر ضروري، فكلّ ذات مقيّدة بأنها ليست غيرها، أمّا بالنسبة للذات المقدّسة الإلهية فهي مجهولة لنا تماماً، وخارجة عن إطار الإدراك البشري من كلّ جهة، والنصوص القطعية ناهية عن محاولة إدراكها، فكن على ذكر من ذلك، و لا يستخفّنك الذين لا يوقنون.

معدومة، ولا أي شيء آخر (1.)وأمّا الأولوية الغيرية، وهي التي تأتي من ناحية العلّة، فلأنّها لما لم تصل إلى حدّ الوجوب لا يخرج بها الممكن من حدّ الاستواء، ولا يتعيّن بها له الوجود أو العدم (2، ولا ينقطع بها السؤال، إنّه لم وقع هذا دون ذاك؟ وهو الدليل على أنّه لم تتمّ بعد للعلّة علّيتها.)فتحصّل، أنّ الترجيح إنّما هو بإيجاب العلّة وجود المعلول، بحيث يتعيّن له الوجود ويستحيل عليه العدم، أو إيجابها عدمه، فالشيء أعني الممكن ما لم يجب لم يوجد.خاتمة:ما تقدّم من الوجوب، هو الذي يأتي الممكن من ناحية علّته، وله وجوب آخر يلحقه بعد تحقّق الوجود أو العدم، وهو المسمّى بالضرورة بشرط المحمول، فالممكن الموجود محفوف بالضرورتين السابقة واللاحقة.### الفصل السادس: في معاني الإمكانالإمكان المبحوث عنه هاهنا هو لا ضرورة الوجود والعدم بالنسبة إلى ص: 81


1) الجواب الصحيح أنّ الأولوية الذاتية تقتضي وجوب ما تعلّقت به، وهي خلف الإمكان. نعم، العدم أولى بالممكن من الوجود لكن لا لذاته، وإلّا كان ممتنعاً، بل لأنّ الوجود يحتاج إلى العلة دونه.

2) وليس بين استواء الطرفين وتعين أحدهما واسطة . (منه).

الماهيّة، المأخوذة من حيث هي (1، وهو المسمّى بالإمكان الخاصّ والخاصيّ، وقد يستعمل الإمكان بمعنى سلب الضرورة عن الجانب المخالف سواء كان الجانب الموافق ضرورياً أو غير ضروري، فيقال: الشيء الفلاني ممكن أي ليس بممتنع، وهو المستعمل في لسان العامّة، أعم من الإمكان الخاصّ، ولذا يسمّى إمكاناً عامّياً، و عامّاً.)و قد يستعمل في معنى أخصّ من ذلك، و هو سلب الضرورات الذاتية والوصفية والوقتية كقولنا: الإنسان كاتب بالإمكان، حيث إنّ الإنسانية لا تقتضي ضرورة الكتابة، ولم يؤخذ في الموضوع وصف يوجب الضرورة، ولا وقت كذلك، وتحقق الإمكان بهذا المعنى في القضية بحسب الاعتبار العقلي، بمقايسة المحمول إلى الموضوع لا ينافي ثبوت الضرورة بحسب الخارج بثبوت العلّة، ويسمّى الإمكان الأخصّ.وقد يستعمل بمعنى سلب الضرورة من الجهات الثلاث، والضرورة بشرط المحمول أيضاً كقولنا: زيد كاتب غداً بالإمكان، ويختصّ بالأمور المستقبلة التي لم تتحقّق بعد، حتّى يثبت فيها الضرورة بشرط المحمول، وهذا الإمكان إنّما يثبت بحسب الظنّ والغفلة عن أنّ كلّ حادث مستقبل، إمّا واجب أو ممتنع لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها، ويسمّى الإمكان الاستقبالي.وقد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين: ص: 82


1) أخذ الماهية من حيث هي يبقيها أسيرة الذهن حيث لا تحقق لها في الخارج.

أحدهما: ما يسمّى الإمكان الوقوعي، وهو كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال، أي ليس ممتنعاً بالذات أو بالغير، وهو سلب الامتناع عن الجانب الموافق كما أنّ الإمكان العامّ سلب الضرورة عن الجانب المخالف.وثانيهما: الإمكان الاستعدادي (1وهو كما ذكروه، نفس الاستعداد ذاتاً وغيره اعتباراً، فإنّ تهيؤ الشيء لأن يصير شيئا آخر له نسبة إلى الشيء المستعدّ، ونسبة إلى الشيء المستعدّ له، فبالاعتبار الأوّل يسمّى استعداداً فيقال مثلاً: النطفة لها استعداد أن تصير إنساناً، وبالاعتبار الثاني يسمّى الإمكان الاستعدادي فيقال: الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة. ص: 83


1) الإمكان الاستعدادي إن كان هو تحوّل ذات إلى ذات أخرى فهو ممنوع فإنّ الذات لا تتحول إلى أخرى إلا بتفكّك ذاتياتها وانتفاء الذات الأولى، وإن أريد بالإمكان الاستعدادي تغيّر العارض عليها فهو ممكن في العوارض المفارقة دون الدائمة؛ لأنه خلف دوامها.)تنبيه:لا؟قال العلامة الحلي في كشف المراد: اختلف الناس في أنّ الإمكان الخاص هل هو ثبوتي أم وتحرير القول فيه: أنّ الإمكان قد يؤخذ بالنسبة إلى الماهية نفسها لا بالقياس إلى الوجود وهو الامكان الراجع إلى الماهيّة، وقد يؤخذ بالنسبة إلى الوجود من حيث القرب والبعد من طرف العدم إليه وهو الإمكان الاستعدادي.أما الأوّل: فالمحققون كافّة على أنّه اعتباري لا تحقق له عينا. وأمّا الثاني: فالأوائل قالوا: إنّه من باب الكيف، وهو قابل للشدة والضعف، والحق ياباه، والدليل على عدمه في الخارج أنّه لو كان ثابتاً مع أنّه إضافة بين أمرين أو ذو إضافة لزم ثبوت مضافيه اللذين هما الماهية والوجود، فيلزم تأخره عن الوجود في الرتبة هذا خلف». [كشف المراد: ص 74].

والفرق بينه وبين الإمكان ،الذاتي، أنّ الإمكان الذاتي كما سيجيء (1، اعتبار تحليلي عقلي يلحق الماهيّة المأخوذة من حيث هي، والإمكان الاستعدادي صفة وجودية، تلحق الماهيّة الموجودة، فالإمكان الذاتي يلحق الماهيّة الإنسانية، المأخوذة من حيث هي، والإمكان الاستعدادي يلحق النطفة الواقعة في مجرى تكون الإنسان.)ولذا كان الإمكان الاستعدادي قابلاً للشدّة والضعف، فإمكان تحقّق الإنسانية في العلقة أقوى منه في النطفة، بخلاف الإمكان الذاتي فلا شدّة و لا ضعف فيه.ولذا أيضاً كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن، فإنّ الاستعداد يزول بعد تحقّق المستعدّ له بالفعل، بخلاف الإمكان الذاتي فإنّه لازم الماهيّة، هو معها حيثما تحقّقت.ولذا أيضاً كان الإمكان الاستعدادي، ومحله المادّة بالمعنى الأعم(2، يتعيّن معه الممكن المستعدّ له كالإنسانية التي تستعدّ لها المادة، بخلاف الإمكان الذاتي الذي في الماهيّة، فإنّه لا يتعيّن معه لها الوجود أو العدم. والفرق بين الإمكان الاستعدادي والوقوعي، أنّ الاستعدادي إنّما يكون في المادّيات، والوقوعي أعمّ مورداً.) ص: 84


1) في الفصل الآتي.

2) المادة بالمعنى الأعمّ تشمل المادّة بالمعنى الأخص ، وهي الجوهر القابل للصور المنطبعة فيها كمادة العناصر لصورها، وتشمل متعلّق النفس المجرّدة ، كالبدن للنفس الناطقة، وتشمل موضوع العرض كالجسم للمقادير والكيفيات. (منه)

### الفصل السابع: في أنّ الإمكان اعتبار عقلي، وأنّه لازم للماهيّةأمّا أنّه اعتبار عقلي (1، فلأنّه يلحق الماهيّة المأخوذة عقلاً، مع قطع النظر عن الوجود والعدم، والماهيّة المأخوذة كذلك اعتبارية بلا ريب، فما يلحق بها بهذا الاعتبار كذلك بلا ريب.)وهذا الاعتبار العقلي لا ينافي كونها بحسب نفس الأمر إمّا موجودة أومعدومة، ولازمه كونها محفوفة بوجوبين أو امتناعين، وأما كونه لازماً للماهيّة فلأنا إذا تصوّرنا الماهيّة من حيث هي، مع قطع النظر عن كلّ ما سواها لم نجد معها ضرورة وجود أو عدم، وليس الإمكان إلّا سلب الضرورتين، فهي بذاتها ممكنة (2، وأصل الإمكان وإن كان هذين السلبين لكنّ العقل ص: 85


1) ذكر المناطقة أنّ الجهات ثلاثة هي الوجوب والإمكان والامتناع، كما أنهم قالوا: إنها حين الحكاية في القضية فهي جهات إمّا في الواقع فهي مواد. وهذا يعني أنّ للمواد الثلاث واقعية لا مجرد اعتبار عقلي.

2) الإمكان هو سلب الضرورتين، ويلزمه أن يكون الإمكان اعتبارياً إذا قصرنا النظر على المفاهيم، أمّا إذا نظرنا إلى الواقع فالماهية إما موجودة أو معدومة لاستحالة ارتفاع النقيضين، وهي حين عدمها يمكن أن توجد لأنّ العدم ليس ضروري الثبوت لها، وحين وجودها يمكن أن تعدم، لأن الوجود ليس ضروري الثبوت لها، وهذا بخلاف الواجب والممتنع حيث ضرورة الوجود في الأوّل وضرورة العدم في الثاني لا تفارقهما، وهذه الثلاثة - الوجوب والامتناع والإمكان - واقعية وليست اعتبارية. إذ لو كانت اعتبارية فلا وجود لها إلا في الذهن فهذا يعني زوالها بزواله وهو واضح البطلان. وقد قالوا في الردّ على واقعية هذه المواد بأنّه يلزم منها التسلسل ووجود الممتنع. والجواب: لا تسلسل؛ لأنّ الممكن ممكن بالإمكان والإمكان ممكن بذاته، أما الممتنع فلا يلزم)وجوده، بل يلزم واقعيته وهو لا ينافي ما قلناه.تنبيه:هناك خطأ كبير وقعت فيه الفلسفة بمشربيها المسائي والصدرائي، حيث لم يفرّقوا بين الوجود والواقعية، ووقعوا في الخلط بينهما، والصحيح أنّ الواقعية أعم من الوجود والعدم.

يضع لازم هذين السلبين، وهو استواء النسبة مكانهما، فيعود الإمكان معنىثبوتياً (1، وإن كان مجموع السلبين منفيّاً.)### الفصل الثامن: في حاجة الممكن إلى العلّة، وما هي علة احتياجه إليهاحاجة الممكن إلى العلّة من الضروريات الأوّلية، التي مجرّد تصوّر موضوعها ومحمولها كاف في التصديق بها، فإنّ من تصوّر الماهيّة الممكنة المتساوية النسبة إلى الوجود والعدم، وتصوّر توقّف خروجها من حدّ الاستواء إلى أحد الجانبين (2، على أمر آخر يخرجها منه إليه، لم يلبث أن يصدّق به (3).)وهل علة حاجة الممكن إلى العلة هي الإمكان، أو الحدوث الحقّ هوالأوّل (4وبه قالت الحكماء.) ص: 86


1) هذا يتناسب مع الأبحاث اللغوية واللفظية لا العقلية؛ لوضوح أن اختلاف التعبير عن الشيء الواحد لا يغير من واقعه شيئاً، كالتعبير بالعمى أو بعدم البصر.)على أنّ (سلب الضرورتين لا يساوي مفهوماً (استواء النسبة)؛ وذلك لأنّ استواء النسبة أخذ فيه قصر النظر على الذات دون لحاظ وجودها أو عدمها - لضرورة عدم ارتفاع الضرورتين عن الواقع الخارجي سواء قصدوا ضرورة الوجود بالذات أو بالغير - وهو حاصل في الواجب والممكن، بل والممتنع إذا قصرنا النظر عليها فيكون (استواء النسبة أعم من (سلب الضرورتين).

2) الجانبين هما الوجود والعدم، والماهية لا تحتاج في واقعية عدمها إلى علّة، بل الماهيات قاطبة معدومة، وتحتاج إلى العلة لإيجادها دون عدمها.

3) هذا مجرد افتراض عقلي، وتصوّر خيالي؛ حيث لا شيء متساوي النسبة إلى الوجود والعدم إلاحسب الافتراض العقلي، أما الواقع فليس فيه إلّاخروج الأشياء من العدم إلى الوجود.

4) بل الحق هو الثاني.

واستدلّ عليه بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضرورية الوجود، وباعتبارعدمها ضرورية العدم، وهاتان الضرورتان بشرط المحمول، وليس الحدوث إلّا ترتّب إحدى الضرورتين على (1الأخرى، فإنّه كون وجود الشيء بعد عدمه، ومعلوم أنّ الضرورة مناط الغنى عن السبب وارتفاع الحاجة، فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها لم يرتفع الوجوب، ولم تحصل الحاجة إلى العلة. برهان آخر: إنّ الماهيّة لا توجد إلّا عن إيجاد من العلّة، وإيجاد العلّة لها متوقّف على وجوب الماهيّة المتوقّف على إيجاب العلّة، وقد تبيّن ممّا تقدّم، و إيجاب العلّة متوقّف على حاجة الماهيّة إليها، وحاجة الماهيّة إليها متوقّفة على إمكانها؛ إذ لو لم تمكن بأن وجبت أو امتنعت استغنت عن العلّة بالضرورة، فلحاجتها توقف ما على الإمكان بالضرورة، ولو توقّفت مع ذلك على حدوثها، وهو وجودها بعد العدم، سواء كان الحدوث علّة والإمكان شرطاً، أو عدمه مانعاً، أو كان الحدوث جزء علّة والجزء الآخر هو الإمكان، أو كان الحدوث شرطاً، أو عدمه الواقع في مرتبته مانعاً، فعلى أي حال يلزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب (2)، وكذا لو كان وجوبها، أو إيجاب العلّة لها ص: 87


1) بل ليس الحدوث إلا ترتب ضرورة الوجود بعد ضرورة العدم حسب تعبير المصنف - وليس ترتب ضرورة الوجود على ضرورة العدم والضرورة التي أفادها المصنّف هي الضرورة المتأتية من طرف العلة، والتي لا يمكن تصوّرها إلا بعد تصوّر عدم الماهية ثمّ وجودها وهو الحدوث، فالدليل باطل.

2) لا يلزم ذلك إلا إذا كان الوجود عين الحدوث، أو لازمه الذاتي ، أما لو كان الحدوث من العوارض غير اللازمة للوجود فلا يتم إشكال المتن.)و لا يمكن أن يكون الحدوث عين الوجود أو لازماً ذاتياً له؛ لضرورة انتفاء الوجود الواجب حينئذ.

هو علّة الحاجة بوجه.فلم يبق إلّا أن يكون الإمكان وحده علّة للحاجة؛ إذ ليس في هذهالسلسلة المتّصلة المترتّبة عقلاً قبل الحاجة إلّا الماهيّة و إمكانها.وبذلك يندفع ما احتجّ به بعض القائلين: بأنّ علّة الحاجة إلى العلّة هو الحدوث دون الإمكان من أنّه لو كان الإمكان هو العلّة دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزماني، وهو الذي لا أوّل لوجوده ولا آخر له، ومعلوم أنّ فرض دوام وجوده يغنيه عن العلّة؛ إذ لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج إلى ارتفاعه.وجه الاندفاع:إنّ المفروض أنّ ذاته هو المنشأ لحاجته (1، والذات محفوظة مع الوجود الدائم (2، فله على فرض دوام الوجود حاجة دائمة(3)في ذاته، وإن كان مع ص: 88


1) ذات الممكن متساوية النسبة إلى الوجود والعدم وهو تصوّر فرضي إذ لا واقع له إلا تصوّر الذات وقطع النظر عن وجودها وعدمها، وهذا النحو من تساوي النسبة يمكن فرضه حتى في الواجب و الممتنع.)أما لو رجعنا إلى التفسير السلبي للممكن أعني سلب الضرورتين، فيخرج عنه الواجب والممتنع، ولكن يبقى الممكن افتراض عقلي، وبعد وجود الممكن فهو غير متساوي النسبة، بل إذا نظرنا إلى الواقع فالممكن غير متساوي النسبة لضرورة عدم ارتفاع النقيضين عن الواقع.

2) ذات الممكن غير محفوظة حين وجودها أو عدمها؛ وذلك لأنها أخذت مع قصر النظر عليها، واستواء نسبتها إلى الوجود والعدم، ومع النظر إلى وجودها أو عدمها فلا ممكن ولا إمكان. أما لو لاحظنا الإمكان بمعنى سلب الضرورتين فينبغي أن تقيّد بالذات، أما بالغير فهما واقعتان عند إيجاد العلّة للممكن أو عدم إيجادها له.

3) لا معنى لتلك الحاجة الدائمة، بل تنتفي لا سيّما مع قولهم بأنّ واجب الوجود متصف بالعلية ذاتاً أي لا ينفك عنه وصف العلية فيكون الممكن متصفاً بالوجود لحاجة اتصاف الواجب بالعلية إلى معلوله حينئذ)تنبيه:لا يمكن اتصاف الباري سبحانه بالعلّية لذاته، وصفاً لا ينفك عنه؛ لأنه يستلزم قدم العالم الذي دلّت الأخبار المتواترة على امتناعه، ووجه امتناعه هو أنّ الموجود الواجب حينئذ يكون متعدّداً، ولا يفي الإمكان الذاتي الذي اخترعه الفلاسفة للتفصي عن الإشكال فإنّ النظر إلى الواقع لا إلى المفاهيم الخيالية، فالمعلول الذي يقتضية الوصف الذاتي للعلّة يكون واجباً بوجوب علّته..

شرط الوجود له بنحو الضرورة، بشرط المحمول مستغنياً عن العلّة، بمعنىارتفاع حاجته بها.وأيضاً سيجيء أنّ وجود المعلول سواء كان حادثاً أو قديماً وجود رابط،متعلّق الذات بعلته غير مستقل ،دونها، فالحاجة إلى العلّة ذاتية ملازمة له.### الفصل التاسع:الممكن محتاج إلى علته بقاء كما أنه محتاج إليها حدوثاًوذلك لأنّ علّة حاجته إلى العلّة(1، إمكانه اللازم لماهيّته، وهي محفوظة معه في حال البقاء، كما أنها محفوظة معه في حال الحدوث، فهو محتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاء، مستفيض في الحالين جميعاً.)برهان آخر:إنّ وجود المعلول كما تكرّرت الإشارة إليه وسيجيء (2بيانه، وجود رابط (3)متعلّق الذات بالعلّة، متقوّم بها غير مستقلّ دونها، فحاله في الحاجة) ص: 89


1) الإمكان علّة لحاجة الممكن للعلّة إثباتاً لا ثبوتاً؛ وذلك للمساوات بين الممكن والحادث.

2) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.

3) هذا خُلف ما تقدّم منه في المرحلة الثالثة حيث قسم الوجود إلى ما في نفسه وما في غيره، ومافي نفسه إلى ما لنفسه ولغيره، على أنّ كون الممكنات وجودات رابطة مخالف للوجدان، ومخالف لما ادعوه من أنّ الوجود لا ثاني له، حيث يقتضي الوجود الرابط طرفين، والإضافة الإشراقية غير معقولة.

إلى العلّة حدوثاً وبقاء واحد والحاجة ملازمة.وقد استدلّوا على استغناء الممكن عن العلّة في حال البقاء بأمثلة عامّية كمثال البناء والبنّاء (1، حيث إنّ البناء يحتاج في وجوده إلى البنّاء، حتّى إذا بناه استغنى عنه في بقائه.)وردّ بأنّ البنّاء ليس علّة موجدة للبناء، بل حركات يده علل معدّة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء، واجتماع الأجزاء علّة لحدوث شكل البناء، ثمّ اليبوسة علّة لبقائه مدّة يعتدّ بها.خاتمة:قد تبيّن من الأبحاث السابقة، أنّ الوجوب والإمكان والامتناع كيفيّات ثلاث لنسب القضايا، وأنّ الوجوب والإمكان أمران وجوديان، لمطابقةالقضايا الموجهة بهما للخارج مطابقة تامّة بما لها من الجهة، فهما موجودان لكن بوجود موضوعها، لا بوجود منحاز مستقلّ، فهما كسائر المعاني الفلسفية من ،الوحدة، والكثرة، والقدم، والحدوث، والقوّة، والفعل وغيرها، أوصاف وجودية موجودة للموجود المطلق، بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج وعروضها في الذهن(2، وهي المسمّاة بالمعقولات الثانية باصطلاح الفلسفة.) ص: 90


1) لا يستغني الممكن عن العلّة، بل يمكن أن تكون علّة الوجود غير علة البقاء، فعلة وجود البناء البنّاء أمّا علّة بقاؤه فهو وضع الأحجار الخاص.

2) العرض والاتصاف شيء واحد، والاختلاف في لحاظه ؛ إذ أنّ القضية عند لحاظ موضوعها فهو متصف بمحمولها، وعند لحاظ محمولها فهو عارض على موضوعها، فلا يصح جعل اتصاف أن الشيء في الخارج وعروضه في الذهن بل كلاهما إما في الذهن أو في الخارج، والقضية إن حكت أمراً خارجياً وكانت صادقة فيكونان خارجيين كما هما ذهنيين أيضاً، فقولنا: (زيد قائم) يعني زيداً متصف بالقيام والقيام عارض لزيد ذهناً في القضية الذهنية، وخارجاً في القضية الخارجية.

و ذهب بعضهم إلى كون الوجوب والإمكان موجودين في الخارجبوجود منحاز مستقلّ ولا يعبؤ به هذا في الوجوب والإمكان وأمّا الامتناع فهو أمر عدمي بلا ريب.هذا كلّه بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيّات والمفاهيم موضوعات للأحكام، و أمّا بالنظر إلى كون الوجود هو الموضوع لها حقيقة لأصالته(1، فالوجوب كون الوجود في نهاية الشدّة (2)، قائماً بنفسه مستقلّا في ذاته على الإطلاق، كما تقدّمت الإشارة إليه، والإمكان كونه متعلّق النفس بغيره، متقوّم الذات بسواه كوجود الماهيّات، فالوجوب والإمكان و صفان قائمان بالوجود، غير خارجين من ذات موضوعها.) ص: 91


1) تقدم بطلان أصالة الوجود. ينظر الصفحة (29) هامش (1)

2) هذا هو التشكيك في الوجود وقد تقدم بطلانه. ينظر الصفحة (32) الهامش (1).

ص: 92

## المرحلة الخامسة: في الماهيّة وأحكامها### اشارةوفيها ثمانية فصول ص: 93

ص: 94

### الفصل الأول: الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هيالماهيّة وهى ما يقال في جواب ما هو (1، لمّا كانت تقبل الاتّصاف بأنها موجودة أو معدومة، أو واحدة أو كثيرة أو كلّية أو فرد، وكذا سائر الصفات المتقابلة، كانت في حدّ ذاتها مسلوبة عنها الصفات المتقابلة.)فالماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي لا موجُودة ولا لا موجِودة ولا شيئاً آخر، وهذا معنى قولهم: إنّ النقيضين يرتفعان عن مرتبة الماهيّة (2، يريدون به أن شيئاً من النقيضين غير مأخوذ في الماهيّة، وإن كانت في الواقع غير خالية عن أحدهما بالضرورة.) ص: 95


1) الماهية هي الكلي ،الطبيعي، أما التعريف الذي ذكره المصنف فهو وإن اشتهر بينهم إلا أنه ليس وافياً بالبيان؛ وذلك لأنّ ما يقال في جواب ماهو أمور أربعة، قال الملا عبد الله اليزدي : «(ما هو) سؤال عن تمام الحقيقة، فإن اقتصر في السؤال على ذكر أمر واحد كان السؤال عن تمام الماهية المختصة به، فيقع النوع في الجواب إن كان المذكور أمراً شخصياً، أو الحد التام إن كان المذكور حقيقة كلية، وإن جمع في السؤال بين أمور كان السؤال عن تمام الماهية المشتركة بين تلك الأمور، ثمّ تلك الأمور إن كانت متفقة الحقيقة كان المسؤول عنه تمام الحقيقة المتفقة المتحدة في تلك الأمور، فيقع النوع أيضاً في الجواب، وإن كانت مختلفة الحقيقة كان المسؤول عنه تمام الحقيقة المشتركة بين تلك الحقائق المختلفة - وقد عرفت أنّ التمام الذاتي المشترك بين الحقائق المختلفة هو الجنس - فيقع الجنس في الجواب». [الحاشية على تهذيب المنطق (للمولى عبد الله : 37]، في تعريف الجنس.

2) هذا التعبير موهم وغير دقيق؛ فإنّ النقيضين لا يرتفعان بحال، ومرادهم أن الوجود والعدم لم يؤخذا في حدّ الماهيّة، وهذا المعنى واضح ومن الممكن تأديته دون اللجوء إلى مثل هذا البيان.

فماهيّة الإنسان وهي الحيوان الناطق مثلاً وإن كانت إمّا موجودة وإمّا معدومة لا يجتمعان ولا يرتفعان، لكن شيئاً من الوجود والعدم غير مأخوذ فيها، فللإنسان معنى ولكلّ من الوجود والعدم معنى آخر، وكذا الصفاتالعارضة حتّى عوارض الماهيّة ، فلماهيّة الإنسان مثلاً معنى، وللإمكان العارضلها معنى آخر، وللأربعة مثلاً معنى، وللزوجية العارضة لها معنى آخر.ومحصّل القول، أنّ الماهيّة يحمل عليها بالحمل الأوّلى نفسها، ويسلبعنها بحسب هذا الحمل ما وراء ذلك (1)### الفصل الثاني: في اعتبارات الماهيّة وما يلحق بها من المسائلللماهيّة بالإضافة إلى ما عداها ، ممّا يتصوّر لحوقه بها ثلاث اعتبارات، إمّاأن تعتبر بشرط شيء أو بشرط لا، أو لا بشرطي شيء، والقسمة حاصرة. أمّا الأوّل، فأن تؤخذ بما هي مقارنة لما يلحق بها من الخصوصيات، فتصدق على المجموع كالإنسان المأخوذ مع خصوصیات زید (2فيصدق عليه. ص: 96


1) ليس هذا مختصاً بالماهيّة، بل الوجود أيضاً هو هو ، ولا يحمل عليه غيره بالحمل الذاتي الأولي.

2) الإنسان صادق على زيد حتى مع عدم أخذ خصوصيات زيد، لكنه حينئذ من القسم الثالث (اللا بشرط).)تنبيه:أخذ الإنسان بخصوصيات زيد يجعل المفهوم جزئياً ويخرج عن محل الكلام إذ الكلام في اعتبارات الماهية وهي الكلّي الطبيعي.

وأمّا الثاني، فأن يشترط معها أن لا يكون معها غيرها، وهذا يتصوّر علىقسمين:أحدهما: أن يقصر النظر في ذاتها، وأنّها ليست إلّا هي (1وهو المراد من كون الماهيّة بشرط لا في مباحث الماهيّة كما تقدّم.)وثانيهما: أن تؤخذ الماهيّة وحدها، بحيث لو قارنها أي مفهوم مفروض كان زائدا عليها غير داخل فيها ، فتكون إذا قارنها جزء من المجموع، مادّة له غير محمولة عليه.وأمّا الثالث فأن لا يشترط معها شيء، بل تؤخذ مطلقة، مع تجويز أنيقارنها شيء أو لا يقارنها. فالقسم الأوّل هو الماهيّة بشرط شيء وتسمّى المخلوطة، والقسم الثانيهو الماهيّة بشرط لا وتسمّى المجرّدة، والقسم الثالث هو الماهيّة لا بشرط و تسمّى المطلقة.والماهيّة التي هي المقسم للأقسام الثلاثة هي الكلّي الطبيعي وهي التي تعرضها الكلّية في الذهن، فتقبل الانطباق على كثيرين، وهي موجودة في الخارج لوجود قسمين من أقسامها أعني المخلوطة والمطلقة فيه، والمقسم محفوظ في أقسامه موجود بوجودها.والموجود منها في كلّ فرد غير الموجود منها في فرد آخر بالعدد، ولو كان ص: 97


1) المقسم هو الماهيّة المأخوذة بالإضافة إلى ما عداها، وأخذها هنا بقصر النظر عليها خروج عن محلّ الكلام؛ لضرورة أخذ المقسم في الأقسام وإلّا كان من الخارج تخصصا.

واحداً موجوداً بوحدته في جميع الأفراد لكان الواحد كثيراً بعينه وهو محال، وكان الواحد بالعدد متصفاً بصفات متقابلة وهو محال.### الفصل الثالث: في معنى الذاتي والعرضيالمعاني المعتبرة في الماهيّات المأخوذة في حدودها، وهي التي ترتفع الماهية بارتفاعها تسمّى الذاتيات، وما وراء ذلك عرضيات محمولة، فإن توقّفانتزاعها وحملها على انضمام سمّیت محمولات بالضميمة كانتزاع الحارّ وحملها على الجسم من انضمام الحرارة إليه، وإلّا فالخارج المحمول كالعالي والسافل. والذاتي يميّز من غيره بوجوه من خواصّه، منها أنّ الذاتيات بينّة لا تحتاج في ثبوتها لذي الذاتي إلى وسط (1، ومنها أنّها غنية عن السبب، بمعنى أنها لا تحتاج إلى سبب وراء سبب ذي الذاتي فعّلة وجود الماهية بعينها علّة أجزائها الذاتية، ومنها أنّ الأجزاء الذاتية (2)متقدّمة على ذي الذاتي. ص: 98


1) الذاتيات - الجنس والفصل - قال الفلاسفة إنها لا يمكن إدراكها، فكيف يكون المجهول بين الثبوت ؟! وسيأتي منه في الفصل الخامس من هذه المرحلة: «الفصل المنطقي هو أخص اللوازم وأعرفها، وهو إنّما يؤخذ ويوضع في الحدود مكان الفصول الحقيقية، لصعوبة الحصول غالباً على الفصل الحقيقي الذي يقوم النوع.

2) الأجزاء - مطلقاً - متقدّمة على المركب رتبة، فالتقييد بالذاتية غير صحيح، الذاتيات الأخرى مسكوت عنها ؟)تنبيهالتقدّم المتصوّر هنا هو الرتبي لا التقدّم في الوجودي، إذ قد يوجد المركب دفعة واحدة فلا تتقدّم الأجزاء على ما تركب منها.

والإشكال في تقدّم الأجزاء على الكلّ بأنّ الأجزاء هي الكلّ بعينه فكيف تتقدّم على نفسها، مندفع بأنّ الاعتبار مختلف، فالأجزاء بالأسر متقدّمة على الأجزاء بوصف الاجتماع والكلّية على أنّها إنما سميّت أجزاء لكون الواحد منها جزءاً من الحدّ، وإلّا فالواحد منها عين الكلّ (1أعني ذي الذاتي.)### الفصل الرابع: في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك#### اشارةالماهية التامة التي لها آثار خاصة حقيقية(2، من حيث تمامها تسمىّ نوعاً)كالإنسان والفرس.ثمّ إنّا نجد بعض المعاني الذاتية التي في الأنواع، يشترك فيه أكثر من نوع واحد كالحيوان المشترك بين الإنسان والفرس وغيرهما، كما أنّ فيها ما يختصّ بنوع كالناطق المختصّ بالإنسان، ويسمّى المشترك فيه جنساً والمختصّ فصلاً ص: 99


1) هذه الدعوى غريبة جداً؛ إذ كيف يكون جزء الماهية عينها؟! فالجزء إن تحقق عنده مفهوم الماهية فالجزء الآخر خارج عنها وليس جزءاً منها، وإن لم يتحقق مفهوم الماهية فلا يكون الجزء عين الكل.

2) يرد عليه أمور:)الأول: أنّ هذا مبني على أصالة الماهية ، وهو خلاف مبناه كما عرفت في الفصل الرابع من المرحلة الأولى.الثاني: أنّ الماهية التي تكون آخر المعلولات لا تكون نوعاً؛ لعدم الأثر لها. الثالث: أنّ الأثر لم يؤخذ في حدّ النوع، فقد عرفه المناطقة: «هو المقول على الكثرة المتفقةالحقيقة في جواب ما هو ينظر متن التهذيب [الحاشية (للملا عبد الله: 39] في تعريف النوع.

وينقسم الجنس والفصل إلى قريب وبعيد، وأيضا ينقسم الجنس والنوعإلى عال ومتوسّط وسافل، وقد فصّل ذلك في المنطق. ثمّ إنّا إذا أخذنا ماهيّة الحيوان مثلاً، وهي مشترك فيها أكثر من نوع وعقلناها بأنّها جسم نام، حسّاس، متحرّك بالإرادة، جاز أن نعقلها وحدها، بحيث يكون كلّ ما يقارنها من المفاهيم، زائداً عليها خارجاً من ذاتها، وتكون هي مباينة للمجموع غير محمولة عليه، كما أنّها غير محمولة على المقارن الزائد، كانت الماهيّة المفروضة مادّة بالنسبة إلى ما يقارنها، و علّة مادّية للمجموع، وجاز أن نعقلها مقيسة إلى عدّة من الأنواع ، كأن نعقل ماهيّة الحيوان بأنّهاالحيوان الذي هو إمّا إنسان، وإمّا، وإما بقر، وإمّا غنم، فتكون ماهيّة ناقصة غير محصّلة حتّى ينضمّ إليها فصل أحد تلك الأنواع، فيحصّلها نوعاً تاّما فتكون هي ذلك النوع بعينه (1، و تسمّى الماهيّة المأخوذة بهذا الاعتبار جنساً، والذي يحصّله فصلاً.)والاعتباران في الجزء المشترك جاريان بعينهما في الجزء المختصّ، ويسمّى بالاعتبار الأوّل صورة، ويكون جزءاً لا يحمل على الكلّ ولا على الجزء الآخر، وبالاعتبار الثاني فصلاً يحصّل الجنس (2، ويتمّم النوع ويحمل عليه)حملاً أوّلياً. ص: 100


1) الجنس هو التمام المشترك بين الماهيّات المختلفة، فلو كان الجنس عين تلك الماهيات لكانت الماهيات المتعدّد واحدة، ولم تتعدّد، أو قل هو خُلف تعدّدها.

2) الفصل لا يُحصل الجنس، إلا حسب التحليل والتسامح، وإلا فالموجود هو الجنس المتحصل بالفصل ابتداء؛ لوضوح أن الجنس لا يوجد وحده.

ويظهر مما تقدّمأوّلاً: أنّ الجنس هو النوع مبهماً(1، وأنّ الفصل هو النوع (2)محصّلاً،)والنوع هو الماهيّة التامّة، من غير نظر إلى إبهام أو تحصيل (3.)وثانياً : أن كلا من الجنس والفصل محمول على النوع حملاً أولياً، وأمّا النسبة بينهما أنفسهما فالجنس عرض عام بالنسبة إلى الفصل، والفصل خاصةبالنسبة إليه.وثالثاً: أن من الممتنع أن يتحقق جنسان في مرتبة واحدة، وكذا فصلانفي مرتبة واحدة لنوع ؛ لاستلزام ذلك كون نوع واحد نوعين(4. و رابعاً: أنّ الجنس والمادّة متّحدان ذاتاً مختلفان اعتباراً، فالمادّة إذا أخذت لا بشرط كانت جنساً، كما أنّ الجنس إذا أخذ بشرط لا كان مادّة، و كذا الصورة فصل إذا أخذت لا بشرط، كما أنّ الفصل صورة إذا أخذ بشرط لا.)واعلم أنّ المادّة في الجواهر المادّية موجودة في الخارج على ما سيأتي، و أمّا ص: 101


1) النوع هو المركب من الجنس والفصل فلا يوجد إلا بوجودهما معاً، فلا تصح دعوى أن الجنس هو النوع، وتقييده بالإبهام غير صحيحة؛ فإن مفهوم الجنس كالحيون مثلاً لا نفهم منه الأنواع لا مهملة ولا محصلة.

2) بل أن النوع هو المركب من الجنس والفصل، ولا يتحصّل إلا بهما معاً.

3) إن أراد من الإبهام والتحصيل الإجمال والتفصيل فالنوع محصّل عند معرفة أجزاءه، مبهم عند عدم معرفتها، وإن أراد الوجود والعدم فهو مرتبط بالعلة.

4) بطلان هذا اللازم يلزمه بطلان حمل كلّ من الجنس والفصل على الماهية حملاً أولياً، إلا أن يقال: إن الجنس بمعنى الفصل أيضاً، وهو كما ترى؛ إذ يلزمه أنّ الماهيات كلّها حقيقة واحدة، وهو باطل بالوجدان.

الأعراض فهي بسيطة غير مركّبة في الخارج، ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز (1، وإنّما العقل يجد فيها مشتركات ومختّصات، فيعتبرها أجناساً و فصولاً، ثمّ يعتبرها بشرط لا فتصير موادّ و صوراً عقلية.)#### الفصل الخامس: في بعض أحكام الفصلينقسم الفصل نوع انقسام إلى المنطقي والاشتقاقي.فالفصل المنطقي هو أخصّ اللوازم التي تعرض النوع وأعرفها، وهو إنما يؤخذ ويوضع في الحدود مكان الفصول الحقيقية لصعوبة الحصول غالباً على الفصل الحقيقي الذي يقوّم النوع كالناطق للإنسان، و الصاهل للفرس، فإنّ المراد بالنطق مثلاً إما النطق بمعنى التكلّم وهو من الكيفيات المسموعة، وإمّا النطق بمعنى إدراك الكلّيات، وهو عندهم من الكيفيات النفسانية، والكيفية كيفما كانت من الأعراض والعرض لا يقوّم الجوهر، وكذا الصهيل، ولذا ربّما كان أخصّ اللوازم أكثر من واحد، فتوضع جميعاً موضع الفصل الحقيقي، كما يؤخذ الحسّاس، والمتحرّك بالإرادة جميعاً فصلاً للحيوان، ولو كان فصلاً حقيقياً لم يكن إلّا واحداً كما تقدّم.والفصل الاشتقاقي مبدأ الفصل المنطقي، وهو الفصل الحقيقي المقوّم للنوع، ككون الإنسان ذا نفس ناطقة في الإنسان، وكون الفرس ذا نفس ص: 102


1) هذا خطأ؛ لأنّ ما به الامتياز يجب أن يكون غير ما به الاشتراك، وإلا كانا شيئاً واحداً لا شيئين.

صاهلة في الفرس.ثمّ إنّ حقيقة النوع هي فصله الأخير؛ وذلك لأن الفصل المقوم هو محصل ،نوعه، فما أخذ في أجناسه وفصوله الآخر على نحو الإبهام مأخوذ فيهعلى وجه التحصّل.ويتفرّع عليه: أنّ هذية النوع به، فنوعية النوع محفوظة به ولو تبدّل بعض أجناسه (1، وكذا لو تجرّدت صورته التي هي الفصل بشرط لا عن المادّة التي هي الجنس بشرط لا(2)بقي النوع على حقيقة نوعيته (3)، كما لو تجرّدت النفس الناطقة عن البدن.)ثمّ إنّ الفصل غیر مندرج تحت جنسه، بمعنى أنّ الجنس غير مأخوذ في حدّه، وإلّا احتاج إلى فصل يقوّمه، وننقل الكلام إليه ويتسلسل بترتّبفصول غير متناهية. ص: 103


1) هذا محال؛ إذ حقيقة النوع بجنسه وفصله وتبدّل أحدهما يعني تبدّل النوع فلا ينحفظ النوع مع تبدل الجنس أو الفصل.

2) تنبیه:)علّق الشيخ غلام رضا فياضي على مثل هذه العبارة فقال: «ظاهره يوهم أن المادة الخارجية الفصل بشرط لا، وليس كذلك. فكان الأولى أن يقول: لأنّ المادة الخارجية يؤخذ منها المادة العقلية، والجنس ليس إلا المادّة العقلية مأخوذة لا بشرط، فيستكشف من عدم وجود الجنس عدم وجود المادة الخارجية، وهكذا بالنسبة إلى الفصل والصورة الخارجية» . [ ينظر نهاية الحكمة (تعليق غلام رضا فياضي].

3) هذا محال أيضاً؛ إذ كيف توجد الصورة دون مادّة؟ على أنّ حقيقة النوع مركبة من الجنس والفصل، وفرض بقاء الفصل وحده لا يعني بقاء النوع على حقيقة نوعيته؛ لأنّ جزء المركب لا يساوي تمام المركب.

### الفصل السادس: في النوع و بعض أحكامهالماهيّة النوعية توجد أجزاؤها في الخارج بوجود واحد؛ لأنّ الحمل بين كلّ منها وبين النوع أولي (1، والنوع موجود بوجود واحد، وأمّا في الذهن فهي متغايرة بالإبهام والتحصّل، ولذلك كان كلّ من الجنس والفصل عرضياً للآخر، زائداً عليه كما تقدّم.)ومن هنا ما ذكروا أنّه لا بد في المركبات الحقيقية أي الأنواع المادية المؤلّفة من مادّة وصورة، أن يكون بين أجزائها فقر وحاجة من بعضها إلىبعض (2حتّى ترتبط وتتّحد حقيقة واحدة (3)، وقد عدّوا المسألة ضرورية لا تفتقر إلى برهان.)ويمتاز المركّب الحقيقي من غيره بالوحدة الحقيقية، وذلك بأن يحصل من تألّف الجزئين مثلاً أمر ثالث غير كلّ واحد منهما، له آثار خاصّة غير آثار هما الخاصّة كالأمور المعدنية التي لها آثار خاصّة غير آثار عناصرها، لا كالعسكر المركّب من أفراد، والبيت المؤلّف من اللبن والجصّ وغيرهما. ومن هنا أيضاً يترجّح القول بأنّ التركيب بين المادّة والصورة اتّحادي لا ص: 104


1) تقدّم أنّ المادة هي عين الجنس لكنها أُخذت بشرط لا، والصورة هي الفصل أخذ بشرط لا أيضاً، فما أخذ بشرط عدم الحمل كيف يقال إنّ الحمل بينها وبين النوع أولي؟!

2) المركب هو المحتاج إلى الأجزاء، أما الأجزاء فلا تحتاج إلى بعضها.

3) مع هذه الوحدة الحقيقية كيف تصح دعوى تجرّد الفصل وبقاء النوع؟!

انضمامي كما سيأتي (1.)ثمّ إنّ من الماهيّات النوعية ما هي كثيرة الأفراد كالأنواع التي لها تعلّق ما بالمادّة (2مثل الإنسان، ومنها ما هو منحصر في فرد كالأنواع المجرّدة تجرّداً تاماً من العقول؛ وذلك لأنّ كثرة أفراد النوع إمّا أن تكون تمام ماهيّة النوع، أو بعضها، أو لازمة لها، وعلى جميع هذه التقادير لا يتحقق لها فرد؛ لوجوب الكثرة في كلّ ما صدقت عليه، ولا كثرة إلّا مع الآحاد هذا خلف، وإمّا أن تكون لعرض مفارق، يتحقّق بانضمامه وعدم انضمامه الكثرة، ومن الواجب حينئذ أن يكون في النوع إمكان العروض والانضمام، ولا يتحقّق ذلك إلا بمادّة كما سيأتي(3).)فكلّ نوع كثير الأفراد فهو مادّي، وينعكس إلى أنّ ما لا مادّة له وهوالنوع المجرّد ليس بكثير الأفراد، وهو المطلوب.### الفصل السابع: في الكلّي والجزئي ونحو وجودهماربمّا ظنّ أنّ الكلية والجزئية إنّما هما في نحو الإدراك، فالإدراك الحسّي لقوّته يدرك الشيء بنحو يمتاز من غيره مطلقاً، والإدراك العقلي لضعفه ص: 105


1) في الفصل السادس من المرحلة السادسة.

2) تقدّم أنّ المادة هي الجنس فكيف يتحقق النوع المجرّد عن المادّة أي عن الجنس؟! كيف يتحقق المركب دون جزئه ؟!

3) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.

يدركه بنحو لا يمتاز مطلقاً، ويقبل الانطباق على أكثر من واحد كالشبح المرئي من بعيد، المحتمل أن يكون هو زيداً، أو عمراً، أو خشبة منصوبة أو غير ذلك، وهو أحدها قطعاً، وكالدرهم الممسوح القابل الانطباق على دراهم مختلفة.و يدفعه: أنّ لازمه أن لا يصدق المفاهيم الكلّية كالإنسان مثلاً على أزيد من واحد من أفرادها حقيقة، وأن يكذّب القوانين الكلّية المنطبقة على مواردها اللا متناهية إلّا في واحد منها كقولنا: الأربعة زوج، وكلّ ممكن فلوجوده علّة، وصريح الوجدان يبطله، فالحّق (1أنّ الكلّية والجزئية نحوان)من وجود الماهيّات.### الفصل الثامن: في تميز الماهيّات وتشخّصهاتميّز ماهيّة (2من ماهيّة أخرى بينونتها منها، ومغايرتها لها بحيث لا تتصادقان كتميز الإنسان من الفرس باشتماله على الناطق، والتشخّص كون الماهية بحيث يمتنع صدقها على كثيرين كتشخّص الإنسان الذي هو زيد.ومن هنا يظهر: ص: 106


1) هذه النتيجة لا تترتب على ما سبقها، والصحيح - كما ذكر في المنطق - أن الكلية والجزئية نحوان مما يعرض المفاهيم، فالمفهوم ينقسم إلى كلّي وجزئي.

2) التميّز بالمفاهيم لا بالماهيات، وتمايز الماهيات إنّما هو تبع لتمايز مفاهيمها.)وقد قالوا: إن الوجود لا ماهيّة له، بل له ،مفهوم ، فالمفهوم عندهم أعم من الماهية والوجود متميز عن غيره من الماهيات، فالأولى بهم، بل الواجب عليهم أن يقولوا بأن التميز بتميز المفاهيم.

أولاً : أنّ التميّز وصف إضافي للماهيّة، بخلاف التشخّص فإنّه نفسي غيرإضافي.وثانياً: أنّ التميز لا ينافي الكلّية، فإنّ انضمام كلّي إلى كلّي لا يوجبالجزئية، ولا ينتهي إليها وإن تكرّر بخلاف التشخّص.ثمّ إنّ التميز بين ماهيّتين إمّا بتمام ذاتيهما كالأجناس العالية البسيطة؛ إذ لو كان بين جنسين عاليين مشترك ذاتي كان جنساً لهما واقعاً فوقهما، و قد فرضا جنسين عاليين هذا خلف .وإمّا ببعض الذات، وهذا فيما كان بينهما جنس مشترك، فتتمايزان بفصلينكالإنسان والفرس.وإمّا بالخارج من الذات، وهذا فيما إذا اشتركتا في الماهيّة النوعية، فتتمايزان بالأعراض المفارقة كالإنسان الطويل المتميّز بطوله من الإنسانالقصير.وهاهنا قسم رابع، أثبته من جوّز التشكيك في الماهيّة، وهو اختلاف نوعواحد بالشدّة، والضعف، والتقدّم، والتأخّر وغيرها، في عين رجوعها إلى مابه الاشتراك.والحق أن لا تشكيك إلّا في حقيقة الوجود (1، وفيها يجري هذا القسم)من الاختلاف والتمايز. ص: 107


1) تقدّم أنّ التشكيك في الوجود باطل. راجع صفحة (32) هامش (1).

أمّا التشخّص فهو في الأنواع المجرّدة (1من لوازم نوعيتها، لما عرفت أنّ النوع المجرّد منحصر في فرد، وهذا مرادهم بقولهم: إنّها مكتفية بالفاعل، توجد بمجرّد إمكانها الذاتي، وفي الأنواع المادّية، كالعنصريات بالأعراض اللاحقة، و عمدتها الأين و متى، و الوضع، و هي تشخّص النوع بلحوقها به في عرض عريض بين مبدأ تكوّنه إلى منتهاه كالفرد من الإنسان الواقع بين حجم كذا وحجم كذا، ومبدأ زماني كذا إلى مبدأ زماني كذا، وعلى هذا القياس هذا هو المشهور عندهم.)والحقّ كما ذهب إليه المعلّم الثاني، وتبعه صدر المتألّهين، أنّ التشخّص بالوجود(2، لأنّ انضمام الكلّي إلى الكلّي لا يفيد الجزئية، فما سمّوها أعراضاً مشخّصة، هي من لوازم التشخّص وأماراته.) ص: 108


1) تقدّم أنّ تجرّدها خُلف كونها أنواعاً.

2) لو كان التشخّص بالوجود لكان كلّ معدوم فهو كليّ، وهذا خطأ؛ لأنّ بعض المعدومات جزئي.

## المرحلة السادسة: في المقولات العشر وهي الأجناس العالية التي إليها تنتهي أنواع الماهيّات### اشارةوفيها أحد عشر فصلاً ص: 109

ص: 110

### الفصل الأول: تعريف الجوهر والعرض عدد المقولاتتنقسم الماهيّة (1انقساماً أوّلياً إلى جوهر وعرض، فإنّها إمّا أن تكون بحيث إذا وجدت (2في الخارج وجدت لا في موضوع مستغن عنها في وجوده، سواء وجدت لا في موضوع أصلاً كالجواهر العقلية القائمة بنفسها، أو وجدت في موضوع لا يستغني عنها في وجوده كالصور العنصرية المنطبعة في المادّة المتقوّمة بها، وإمّا أن تكون بحيث إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها كماهيّة القرب والبعد بين الأجسام، وكالقيام والقعود والاستقبال والاستدبار من الإنسان.)و وجود القسمين في الجملة ضروري، فمن أنكر وجود الجوهر لزمهجوهرية الأعراض، فقال بوجوده من حيث لا يشعر. ص: 111


1) يرد عليه:)أوّلاً: أنّ من يعتقد بأصالة الوجود، وأنّ الماهيات ما شمّت رائحة الوجود أبداً لا ينفعه هذا البحث، لا سيما مع ملاحظة تعريفه للجوهر.ثانياً: الماهية تتألف من جنس وفصل، وقد اعترفوا بأنهما مجهولان، فالتقسيم للمجهول لا يصح، نعم، قد يعتذر لهم بأنّهم يعرفون الجوهر بلوازمه لا بذاته، فتأمل.

2) الوجود قسيم الماهيّة فلا يصح اخذه في حدها ولا في حد اقسامها.

والأعراض تسعة هي: المقولات و الأجناس العالية، و مفهوم العرضعرض عامّ لها لا جنس فوقها، كما أنّ المفهوم من الماهيّة (1عرض عامّ لجميع المقولات العشر ، وليس بجنس لها .)والمقولات التسع العرضية هي: الكم والكيف، والأين و متى، والوضع، والجدة، والإضافة، وأن يفعل، وأن ينفعل، هذا ما عليه المشاءون من عدد المقولات، ومستندهم فيه الاستقراء. و ذهب بعضهم إلى أنها أربع بجعل المقولات النسبية، وهي المقولات السبع الأخيرة واحدة.وذهب شيخ الإشراق إلى أنّها خمس، وزاد على هذه الأربعة الحركة (2والأبحاث في هذه المقولات، وانقساماتها إلى الأنواع المندرجة تحتها طويلة الذيل جداً، ونحن نلخّص القول على ما هو المشهور من مذهب)المشّائين، مع إشارات إلى غيره.### الفصل الثاني: في أقسام الجوهرقسّموا الجوهر تقسيماً أوّلياً إلى خمسة أقسام: المادّة، والصورة، والجسم، والنفس، والعقل، و مستند هذا التقسيم في الحقيقة استقراء ما قام على وجوده ص: 112


1) وهو ما يقال في جواب ما هو . (منه).

2) فالمقولات عنده هي: الجوهر والكم والكيف، والنسبة، والحركة. (منه).

البرهان (1من الجواهر، فالعقل هو الجوهر المجرّد عن المادّة ذاتا وفعلاً (2)، والنفس هي الجوهر المجرّد عن المادّة ذاتاً (3)المتعلّق بها فعلاً، والمادّة هي الجوهر الحامل للقوّة(4)، والصورة الجسمية هي الجوهر، المفيد لفعلية المادة من حيث الامتدادات الثلاث (5)، والجسم هو الجوهر الممتدّ في جهاته الثلاث (6.)ودخول الصورة الجسمية في التقسيم دخول بالعرض؛ لأنّ الصورة هي الفصل مأخوذاً بشرط ،لا، وفصول الجواهر غير مندرجة تحت مقولة الجوهر، وإن صدق عليها الجوهر (7كما عرفت في بحث الماهيّة، ويجري نظير)الكلام في النفس. ص: 113


1) ستعرف أنّ بعض هذه الأقسام أو كلها من الممتنعات.

2) تقدّم أنّ الماهية هي المتكوّنة من الجنس والفصل، والمادة هي عين الفصل والاختلاف في اللحاظ، وعلى هذا فالعقل هو ماهيّة لا جنس لها أي هو ماهيّة ليست ماهيّة، وهذا تناقض وسلب الشيء عن نفسه.

3) تقدّم - في تعليقنا على تعريف العقل - أنه محال؛ لأنه يرجع إلى سلب الشيء عن نفسه لا يوجد.

4) المراد من القوّة الأمكان الأستعدادي، وقد عرّفت - في المرحلة الرابعة - ما فيه . ينظر الصفحة (83) الهامش (1).

5) يرد عليه:)أولاً: أنّ المادة لا توجد وحدها، بل لا بد من الفصل الذي هو الصورة النوعية، والتركيببينهما اتحادي، فالمصداق واحد وهذا خلف تباين الأقسام المفترض في القسمة الصحيحة. ثانياً: أن المادة الأولى هي فقدان محض وليس لها حظ من الفعلية إلّاعدم الفعلية، فهل يتحد الفصل الصورة النوعية بالعدم ليوجد ذلك العدم به ويوجد الفصل أيضاً بذلك الاتحاد الموهوم؟!

6) تقدّم أنّ إضافة قيد (المتحيّز ) ضرورية لإخراج الفضاء فإنّه ممتد في الاتجاهات الثلاثة أيضاً.

7) كيف يصدق عليها الجوهر مع اعترافه بعدم اندراجه تحت مقولة الجوهر؟

### الفصل الثالث: في الجسملا ريب أنّ هناك أجساماً مختلفة تشترك في أصل الجسمية التي هي الجوهر الممتدّ في الجهات الثلاث (1، فالجسم بما هو جسم قابل للانقسام(2)في جهاته المفروضة، وله وحدة اتصالية عند الحسّ ، فهل هو متّصل واحد في الحقيقة كما هو عند الحسّ(3)، أو مجموعة أجزاء ذات فواصل على خلاف ما عند الحسّ. وعلى الأوّل فهل الأقسام التي له بالقوّة متناهية(4)أو غير متناهية(5)، وعلى الثاني فهل الأقسام التي هي بالفعل وهي التي انتهى التجزئ إليها لا تقبل الانقسام خارجاً، لكن تقبله وهماً وعقلاً، لكونها أجساماً صغاراً ذوات حجم، أو أنّها لا تقبل الانقسام لا خارجاً ولا وهماً ولا عقلاً، لعدم اشتمالها على حجم، وإنّما تقبل الإشارة الحسية، وهي متناهية أو غير متناهية، ولكلّ)من الشقوق المذكورة قائل.فالأقوال خمسة:الأوّل: أنّ الجسم متّصل واحد بحسب الحقيقة، كما هو عند الحسّ وله ص: 114


1) تقدّم أنّ هذا مشترك بين الجسم والفضاء، فلا بد من إضافة قيد التحيز للجسم.

2) التجزئ من خصائص الحادث لا الجسم فقط، فكل حادث متجزيء.

3) المعروف في العلم الحديث أنّ الاجسام مكونة من ذرات والذرات فيها فراغات..، والله تعالى هو العالم، وسيأتي من المصنّف تبنيه كأصل موضوع.

4) إذا كانت القوّة هي الاستعداد أو أمر عدمي كما سيأتي منه في أوّل المرحلة العاشرة فكيف تنقسم؟!

5) اللامتناهي لا وجود له خارجاً، فهو أمر فرضي فقط؛ لعدم اجتماع أجزاءه.

أجزاء بالقوّة متناهية، ونسب إلى الشهرستاني.الثاني: أنّه متّصل حقيقة كما هو متّصل حسّاً، و هو منقسم انقسامات غير متناهية بمعنى لا يقف أي أنّه يقبل الانقسام الخارجي بقطع أو باختلاف عرضين و نحوه، حتّى إذا لم يعمل الآلات القطاعة في تقسيمه لصغره قسمة الوهم، حتّى إذا عجز عن تصوّره لصغره البالغ حكم العقل كلّياً بأنّه كلّما قسم إلى أجزاء كان الجزء الحاصل ؛ لكونه ذا حجم له طرف غير طرف يقبل القسمة من غير وقوف، فإنّ ورود القسمة لا يعدم الحجم ونسب إلى الحكماء.الثالث: أنّه مجموعة أجزاء صغار صلبة (1لا تخلو من حجم، يقبل القسمة الوهمية والعقلية دون الخارجية، ونسب إلى ذي مقراطيس. الرابع: أنّه مؤلّف من أجزاء لا تتجزأ، لا خارجاً و لا و هماً (2)ولا عقلاً، و إنّما تقبل الإشارة الحسية وهي متناهية ذوات فواصل في الجسم، تمرّ الآلة القطاعة من مواضع الفصل، ونسب إلى جمهور المتكلّمين.)الخامس: تأليف الجسم منها كما في القول الرابع، إلّا أنّها غير متناهية(3، ويدفع القولين الرابع والخامس أنّ ما ادّعي من الأجزاء التي لا تتجزأ إن لم تكن ذوات حجم امتنع أن يتحقّق من اجتماعها جسم ذو حجم بالضرورة، وإن كانت ذوات حجم لزمها الانقسام الوهمي والعقلي بالضرورة، وإن) ص: 115


1) قید (صلبة) لا دليل عليه.

2) الانقسام الوهمي ممكن.

3) اللامتناهي لا يوجد في الخارج؛ لضرورة أنّ المركب لا يوجد إلّابوجود جميع أجزائه واللامتناهي هناك جزء لم يتحقق بعد دائماً.

فرض عدم انقسامها الخارجي لنهاية صغرها.على أنّها لو كانت غير متناهية كان الجسم المتكّون من اجتماعها غير متناهي الحجم بالضرورة، وقد أقيمت على بطلان الجزء الذي لا يتجزئ وجوه من البراهين مذكورة في المطوّلات.ويدفع القول الثاني وهن الوجوه التي أقيمت على كون الجسم البسيط (1ذا اتّصال واحد جوهري، من غير فواصل كما هو عند الحسّ، وقد تسلّم علماء الطبيعة أخيراً، بعد تجربات علمية ممتدّة أنّ الأجسام مؤلّفة من أجزاء صغار ذريّة، مؤلّفة من أجزاء أخرى لا تخلو من نواة مركزية ذات جرم، وليكن أصلاً موضوعاً لنا.)ويدفع القول الأوّل أنّه يرد عليه ما يرد على القول الثاني والرابع والخامس؛ لجمعه بين القول باتّصال الجسم بالفعل، وبين انقسامه بالقوّة إلى أجزاء متناهية تقف القسمة دونها على الإطلاق.فالجسم الذي هو جوهر ذو اتصال يمكن أن يفرض (2فيه الامتدادات الثلاث ثابت لا ريب فيه، لكن مصداقه الأجزاء الأوّلية التي يحدث فيها الامتداد الجرمي، وإليها تتجزّأ الأجسام النوعية دون غيرها على ما تقدّمت الإشارة إليه، وهو قول ذي مقراطيس، مع إصلاح ما(3).) ص: 116


1) وهو الجسم غير المؤلّف من أجسام مختلفة الطبائع كأجسام العناصر الأولية. (منه).

2) قوله : يمكن أن يفرض خطأ، والصحيح يجب أن يكون ممتداً بالامتدادات الثلاثة بالفعل.

3) أقرب الأقوال من الصحة هو قول ذي مقراطيس لكن بعد إزالة قيد (صلبة)، وإضافة قيد (التحيّز).

### الفصل الرابع: في إثبات المادّة الأولى والصورة الجسميةإنّ الجسم من حيث هو جسم ونعني به ما يحدث فيه الامتداد الجرمي، أوّلاً وبالذات أمر بالفعل، ومن حيث ما يمكن أن يلحق به شيء من الصور النوعية ولواحقها أمر بالقوة، وحيثية الفعل غير حيثية القوة؛ لأنّ الفعلمتقوّم بالوجدان، والقوّة متقوّمة بالفقدان ، ففيه جوهر هو قوة الصور الجسمانية بحيث أنه ليس له من الفعلية إلّا فعلية أنه قوّة محضة، وهذا نحو وجودها، والجسمية التي بها الفعلية صورة مقوّمة لها، فتبيّن أنّ الجسم مؤلف من مادة وصورة جسمية، والمجموع المركب منهما هو الجسم(1.)تتمّة:فهذه هي المادّة الشائعة في الموجودات الجسمانية جميعاً، وتسمّى المادّة الأولى والهيولى الأولى. ثمّ هى مع الصورة الجسمية مادّة قابلة للصور النوعية اللاحقة، وتسمّى المادّة الثانية. ص: 117


1) المادة الأولى إن كانت متقوّمة بحيثية الفقدان فلا يمكن وجودها، وإن رجع كلامه إلى الإمكان الاستعدادي فقد عرفت ما فيه فيما سبق . ينظر الصفحة (83) الهامش (1).

118### الفصل الخامس: في إثبات الصور النوعيةالأجسام الموجودة في الخارج تختلف اختلافاً بيّناً من حيث الأفعال والآثار (1، وهذه الأفعال لها مبدأ جوهري لا محالة، وليس هو المادّة الأولى؛ لأنّ شأنها القبول والانفعال دون الفعل، ولا الجسمية المشتركة؛ لأنّها واحدة مشتركة، وهذه الأفعال كثيرة مختلفة، فلها مبادئ مختلفة، ولو كانت هذه المبادئ أعراضاً مختلفة، وجب انتهاؤها إلى جواهر مختلفة، وليست هي الجسمية؛ لما سمعت من اشتراكها بين الجميع، فهي جواهر متنوّعة تتنوع بها الأجسام تسمّى الصور النوعية(2))تتمة:أوّل ما تتنوّع الجواهر المادّية، بعد الجسمية المشتركة، إنّما هو بالصور النوعية التي تتكون بها العناصر، ثمّ العناصر موادّ لصور أخرى تلحق بها، وكان القدماء من علماء الطبيعة يعدّون العناصر أربعاً، وأخذ الإلهيون ذلك أصلاً موضوعا، وقد أنهاها الباحثون أخيرا، إلى ما يقرب من مائة وبضععنصر. ص: 118


1) وجود الأجسام في الخارج وكونها ذات أثار وهي ماهيات؛ لما عرفته من أن المقسم هو الماهية، وهذا خُلف ما تبناه المصنّف من (أصالة الوجود).

2) تقدّم في الفصل الثاني من هذه المرحلة أنّ الصور النوعية ليست داخلة في مقولة الجوهر. ينظر الصفحة (118) الهامش (5).

### الفصل السادس: في تلازم المادّة والصورةالمادّة الأولى والصورة متلازمتان لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى.أمّا أن المادّة لا تتعرّى عن الصورة؛ فلأن المادّة الأولى حقيقتها أنّها بالقوّة من جميع الجهات (1، فلا توجد إلا متقوّمة بفعلية جوهرية متّحدة بها، إذ لا تحقّق لموجود إلّا بفعلية والجوهر الفعلي الذي هذا شأنه هو الصورة، فإذن المطلوب ثابت.)وأمّا أنّ الصور التي من شأنها أن تقارن المادة لا تتجرّد عنها فلانّ شيئاً من الأنواع التي ينالها الحسّ و التجربة لا يخلو من قوّة التغير، وإمكان الانفعال، وهذا أصل موضوع مأخوذ من العلوم الطبيعية، وما فيه القوّة والإمكان لا يخلو من مادّة، فإذن المطلوب ثابت.### الفصل السابع:في أنّ كلّا من المادّة والصورة محتاجة إلى الأخرىبيان ذلك: أمّا إجمالاً فإنّ التركيب بين المادّة والصورة تركيب حقيقي اتّحادي ذو وحدة حقيقية، وقد تقدّم (2أن بعض أجزاء المركّب الحقيقي) ص: 119


1) المتقوم بالفقدان من جميع الجهات يكون ممتنع الوجود؛ إذ ما كان متقوماً بالعدم فوجوده يعني انقلابه.

2) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة. بداية الحكمة وبهامشه تعاليق مختصرة

محتاج إلى بعض(1)وأمّا تفصيلاً فالصورة محتاجة إلى المادّة في تعينها، فإنّ الصورة إنّما يتعيّن نوعها باستعداد سابق تتحمّله المادّة (2، وهي تقارن صورة سابقة، وهكذا. و أيضاً هي محتاجة إلى المادّة في تشخّصها (3)أي في وجودها الخاصّ بها، من حيث ملازمتها للعوارض المسماة بالعوارض المشخّصة من الشكل والوضع، والأين و متى و غيرها.)وأمّا المادّة فهي متوقّفة الوجود(4حدوثاً و بقاء على صورة ما من الصور الواردة عليها تتقوّم بها، وليست الصورة علّة تامة، ولا علّة فاعلية لها لحاجتها في تعيّنها، و في تشخّصها إلى المادّة، والعلّة الفاعلية إنّما تفعل بوجودها الفعلي، فالفاعل لوجود المادّة جوهر مفارق للمادّة من جميع الجهات، فهو عقل مجرّد أوجد المادّة (5)، وهو يستحفظها بالصورة، بعد الصورة التي يُوجِدها في المادّة(5)فالصورة جزء ء للعلّة التامة، وشريكة العلّة للمادّة، وشرط لفعلية)وجودها. ص: 120


1) مرّت المناقشة فيه بأنّ المحتاج إلى الأجزاء هو المركب منها، أما الأجزاء فلا تحتاج إلى بعضها.

2) هذا هو الأمكان الأستعدادي وقد تقدم ما فيه. ينظر الهامش السابق من قوله «الامكان الاستعدادي ان كان هو تحول ذات إلى ذات اخرى..».

3) كيف تكون الصورة محتاجة إلى المادة في تشخصها والمادّة متقوّمة بالفقدان كما تقدّم؟!

4) بل أن وجود المادّة محال؛ لتقومها بالفقدان كما مرّ.

5) تقدّم أن وجود العقل المجرد والمادة محال.

وقد شبّهوا استبقاء العقل المجرّد المادّة بصورة ما بمن يستحفظ سقف بيت بأعمدة متبدّلة، فلا يزال يزيل عموداً وينصب مكانه آخر. و اعترض عليه بأنّهم ذهبوا إلى كون هيولى عالم العناصر واحدة بالعدد، فكون صورة ما وهي واحدة بالعموم شريكة العلّة لها يوجب كون الواحد بالعموم علّة للواحد بالعدد، وهو أقوى وجوداً من الواحد بالعموم، مع أن العلة يجب أن تكون أقوى من معلولها.ولو أغمضنا عن ذلك فلا ريب أن تبدّل الصور يستوجب بطلان الصورة السابقة، وتحقّق حقه في محلّها، وإذ فرض أنّ الصورة جزء العلة التامة للمادّة فبطلانها يوجب بطلان الكل أعني العلّة التامة، ويبطل بذلك المادة، فأخذ صورة ما شريكة العلّة لوجود المادّة يؤدى إلى نفي المادّة.والجواب أنّه سيأتي في مرحلة القوّة والفعل أنّ تبدّل الصور في الجواهر المادّية ليس بالكون والفساد، وبطلان صورة وحدوث أخرى، بل الصور المتبدّلة موجودة بوجود واحد سيال يتحرّك الجوهر المادي فيه، وكل واحد منها حدّ من حدود هذه الحركة الجوهرية (1، فهى موجودة متّصلة واحدة بالخصوص، وإن كانت وحدة مبهمة تناسب إبهام ذات المادّة التي هي قوّة محضة.)و قولنا: إنّ صورة ما واحدة بالعموم شريكة العلّة للمادّة، إنّما هو باعتبار ما يطرأ عليها من الكثرة بالانقسام. ص: 121


1) وسيأتي بطلان الحركة الجوهرية.

### الفصل الثامن: النفس والعقل موجودانأمّا النفس، وهي الجوهر المجرد من المادّة ذاتاً(1، المتعلّق بها فعلاً؛)فلما نجد في النفوس الإنسانية من خاصّة العلم، وسيأتي في مرحلة العاقل والمعقول (2، أنّ الصور العلمية مجرّدة من المادّة، موجودة للعالم حاضرة عنده، ولو لا تجرّد العالم بتنزّهه عن القوّة، ومحوضته في الفعلية لم يكن معنى لحضور شيء عنده، فالنفس الإنسانية العاقلة مجرّدة من المادّة؛ وهي جوهر لكونها صورة لنوع جوهري وصورة الجوهر جوهر على ما تقدّم (3)وأما العقل فلما سيأتي (4)أنّ النفس في مرتّبة العقل الهيولاني، أمر بالقوة بالنسبة إلى الصور المعقولة لها، فالذي يفيض عليها الفعلية فيها يمتنع أن يكون نفسها وهي بالقوّة، ولا أي أمر مادّي مفروض، فمفيضها جوهر مجرّد (5)، منزّه عن القوّة، والإمكان، وهو العقل.)وأيضاً تقدّم أنّ مفيض الفعلية للأنواع المادّية بجعل المادّة والصورة،واستحفاظ المادّة بالصورة عقل مجرّد فالمطلوب ثابت. ص: 122


1) تقدّم أن تجرد الماهية عن المادة التي هي الجنس محال؛ لأنه يستلزم وجود المركب مع فقدان أحد جزئيه .

2) في الفصل الأوّل والثاني من المرحلة الحادي عشرة.

3) في الفصل الثاني.

4) في الفصل الخامس من المرحلة الحادية عشرة.

5) تقدّم - أكثر من مرّة - أنّ الجوهرية والتجرّد متنافيان لا يجتمعان

وعلى وجودهما براهين(1كثيرة أُخر ستأتي الإشارة إلى بعضها.)خاتمة :من خواصّ الجوهر أنّه لا تضادّ فيه؛ لأنّ من شرط التضادّ تحقّق موضوعيعتوره الضدّان، ولا موضوع للجوهر.### الفصل التاسع: في الكمّ وانقساماته وخواصّهالكمّ عرض يقبل القسمة الوهمية (2بالذات، وقد قسّموه قسمة أوّلية إلى المتّصل والمنفصل.)والمتّصل ما يمكن أن يفرض فيه أجزاء بينها حدّ مشترك، والحدّ المشترك ما إن اعتبر بداية لأحد الجزءين أمكن أن يعتبر بداية للآخر، وإن اعتبر نهاية لأحدهما أمكن أن يعتبر نهاية للآخر كالنقطة بين جزئي الخط، والخط بين جزئي السطح، والسطح بين جزئي الجسم التعليمي، والآن بين جزئي الزمان.والمنفصل ما كان بخلافه كالخمسة مثلاً، فإنّها إن قسمت إلى ثلاثة واثنين لم يوجد فيها حدّ مشترك ، وإلا فإن كان واحداً منها عادت الخمسة أربعة، وإن كان واحداً من خارج عادت ستة هذا خلف. ص: 123


1) لا برهان على المحال، بل هي شبة إن عُرف جوابها ووجه بطلانها فبها، وإلا فهي شبهة مقابل بديهة.

2) وأما القسمة الخارجية، فهي تعدم الكم وتفنيه. (منه).

الثاني أعني المنفصل، هو العدد الحاصل من تكرّر الواحد، وإن كان الواحد نفسه ليس بعدد؛ لعدم صدق حدّ الكم عليه، وقد عدّوا كلّ واحدة من مراتب العدد نوعاً على حدة؛ لاختلاف الخواصّ.والأوّل أعني المتصل ينقسم إلى قارّ وغير قارّ، والقارّ ما لأجزائه المفروضة اجتماع في الوجود كالخط مثلاً ، وغير القارّ بخلافه وهو الزمان، فإنّ كلّ جزء منه مفروض لا يوجد إلّا وقد انصرم السابق عليه و لّما يوجد الجزء اللاحق والمتّصل القارّ على ثلاثة أقسام: جسم تعليمي (1وهو الكمّية السارية في الجهات الثلاث من الجسم الطبيعي المنقسمة فيها، وسطح وهو نهاية الجسم التعليمي المنقسمة في جهتين، وخطّ وهو نهاية السطح المنقسمة في)جهة واحدة.وللقائلين بالخلاء بمعنى الفضاء الخالي من كل موجود شاغل يملؤه،شك في الكمّ المتصل القارّ (2، لكن الشأنّ في إثبات الخلاء بهذا المعنى.)تتمة :يختص الكمّ بخواصّ:الأولى: أنّه لا تضادّ بين شيء من أنواعه؛ لعدم اشتراكها في الموضوع ص: 124


1) الظاهر أن التعبير بالجسم مسامحي لأنّ الجسم هو ما كان ممتداً في الأبعاد الثلاثة بالفعل، والجسم التعليمي ليس كذلك، بل هو الصورة الحاكية لتلك الأبعاد.

2) لا ملازمة بين نفي الكم المتصل القارّ، وبين إثبات الخلاء؛ إذ للكمّ القارّ المتصل أفراد كثيرة منها الخط كما تقدّم من المصنف، وقد تقدم أن الفضاء موجود.

والاشتراك في الموضوع من شرط التضادّ.الثانية: قبول القسمة الوهمية بالفعل (1كما تقدّم.)الثالثة : وجود ما يعدّه أي يفنيه بإسقاطه منه مرّة بعد مرّة، فالكمّ المنفصلوهو العدد مبدؤه الواحد، وهو عادّ لجميع أنواعه، مع أنّ بعض أنواعه عادّ لبعض كالإثنين للأربعة والثلاثة للتسعة.والكمّ المتصل منقسم ذو أجزاء، فالجزء منه يعدّ الكلّ (2)الرابعة: المساواة واللامساواة، وهما خاصّتان للكمّ، وتعرضان غيرهبعروضه.الخامسة : النهاية واللانهاية (3، وهما كسابقتيها.)### الفصل العاشر: في الكيفوهو عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته، وقد قسّموه بالقسمةالأوّلية إلى أربعة أقسام:أحدها: الكيفيات النفسانية كالعلم، والإرادة، والجبن، والشجاعة،واليأس، والرجاء. ص: 125


1) هذا صحيح، لكن قوله: «بالفعل» مسامحة.

2) هذه الخاصية تنافي تقسيمة إلى المتناهي واللامتناهي؛ إذ اللامتناهي لا تفنيه الاسقاطات منه مهما امتدت.

3) اللامتناهي فرضي فقط و لا فعليّة له أبداً.

وثانيها: الكيفيّات المختصّة بالكميات كالاستقامة، والانحناء، والشكل، مما يختص بالكمّ المتصّل، وكالزوجية والفردية في الأعداد، ممّا يختصّ بالكمّ المنفصل.وثالثها: الكيفيّات الاستعدادية ، وتسمّى أيضاً القوّة واللا قوّةكالاستعداد الشديد نحو الانفعال كاللين والاستعداد الشديد نحو اللا انفعال كالصلابة، وينبغي أن يعدّ منها مطلق الاستعداد القائم بالمادّة، ونسبة الاستعداد إلى القوّة الجوهرية التي هي المادّة نسبة الجسم التعليمي الذي هو فعلية (1الامتداد في الجهات الثلاث إلى الجسم الطبيعي الذي فيه إمكانه (2))و رابعها: الكيفيّات المحسوسة بالحواسّ الخمس الظاهرة، وهي إنكانت سريعة الزوال كحمرة الخجل ، وصفرة الوجل سمّيت انفعالات، وإن كانت راسخة كصفرة الذهب، وحلاوة العسل سمّيت انفعاليات.ولعلماء الطبيعة اليوم تشكيك في كون الكيفيّات المحسوسة موجودة في الخارج على ما هي عليه في الحسّ، مشروح في كتبهم.### الفصل الحادي عشر: في المقولات النسبيةوهي الأين ومتى والوضع، والجدة، والإضافة ،والفعل والانفعال. ص: 126


1) إذا كان الجسم التعليمي هو الصورة الحاكية للجسم الطبيعي (الشكل الهندسي) فكيف يكون مشتملاً على فعلية الامتداد في الجهات الثلاث؟!

2) في الجسم الطبيعي فعلية الامتداد إلى الجهات الثلاثة؛ لأنّ ذلك الامتداد يمثل حقيقة الجسم، فلا يكون فاقداً له، مستعداً له.

أما الأين: فهو هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى المكان.وأمّا متى: فهو هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان، وكونه فيه أعمّ من كونه في نفس الزمان كالحركات، أو في طرفه وهو الآن كالموجودات الآنية الوجود من الاتّصال، والانفصال، والمماسّة ونحوها، وأعمّ أيضاً من كونهعلى وجه الانطباق كالحركة القطعية، أو لا على وجهه كالحركة التوسّطية. وأمّا الوضع فهو هيئة حاصلة من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، والمجموع إلى الخارج كالقيام الذي هو هيئة حاصلة للإنسان من نسبة خاصّة بين أعضائه نفسها، وبينها وبين الخارج من كون رأسه إلى فوق وقدميه إلى تحت.وأمّا الجدة: ويقال له الملك (1فهو هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء، بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط ، سواء كانت الإحاطة إحاطة تامّة كالتجليب، أو إحاطة ناقصة كالتقمّص، والتنعّل.)وأما الإضافة : فهي هيئة حاصلة من تكرّر النسبة بين شيئين، فإنّ مجرّدالنسبة لا يوجب إضافة مقولية، وإنّما تفيدها نسبة الشيء الملحوظ، من حيث أنه منتسب إلى شيء هو منتسب إليه لهذا المنتسب كالأب المنسوب من حيث أنه أب لهذا الابن إليه من حيث إنّه ابن له.وتنقسم الإضافة إلى متشابهة الأطراف كالأخوة والأخوّة، ومختلفةالأطراف كالأبوّة والبنوّة، والفوقية والتحتية. ص: 127


1) الجدة أعم من الملك، فالإنسان واجد للحرارة والمرض، وليس مالكاً لهما.

ومن خواصّ الإضافة، أنّ المضافين متكافئان وجوداً وعدماً، وفعلاًو قوّة، لا يختلفان من حيث الوجود و العدم، و الفعل و القوة.واعلم أنّ المضاف قد يطلق على نفس الإضافة كالأبوّة والبنوّة، ويسمّى المضاف الحقيقي، وقد يطلق على معروضها كالأب والابن، ويسمّى المضاف المشهوري.وأمّا الفعل(1: فهو الهيئة الحاصلة من تأثير المؤثّر ما دام يؤثّر كالهيئة الحاصلة من تسخين المسخّن ما دام يسخن.)وأمّا الانفعال فهو الهيئة الحاصلة من تأثر المتأثر ما دام يتأثر كالهيئةالحاصلة من تسخّن المتسخّن ما دام يتسخّن، واعتبار التدرّج (2في تعريف الفعل والانفعال؛ لإخراج الفعل والانفعال الابداعيين كفعل الواجب تعالى، بإخراج العقل المجرّد من العدم إلى الوجود، وانفعال العقل بخروجه من العدم إلى الوجود بمجرّد إمكانه الذاتي(3).) ص: 128


1) الفعل والانفعال يمكن جعلهما من مقولة الإضافة؛ لأنهما متضايفان كما هو الظاهر من تعريفهما.

2) قيل : يلزم منه وقوع التشكيك في الماهيّة، وأقرّه الشيخ غلام رضا فياضي، راجع [أضواء فلسفية (للسيد جعفر الحكيم): 1/ 181].

3) وهذا يعني أنّ الباري علة موجبة - وقد التزموا به - وهو باطل كما ستعرفه.

## المرحلة السابعة: في العلّة والمعلول### اشارةوفيها أحد عشر فصلاً ص: 129

ص: 130

### الفصل الأول: في إثبات العلية والمعلولية، وأنّهما في الوجودقد تقدّم(1أنّ الماهيّة في ذاتها ممكنة، تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم (2)، وأنّها في رجحان أحد الجانبين محتاجة إلى غيرها، وعرفت (3)أنّ القول بحاجتها في رجحان عدمها (4)إلى غيرها نوع تجوّز، وإنّما الحاجة في الوجود، فلوجودها توقّف على غيرها.)وهذا التوقّف لا محالة على وجود الغير، فإنّ المعدوم من حيث هو معدوم لا شيئية له(5، فهذا الموجود المتوقّف عليه في الجملة هو الذي نسميه علّة، والماهيّة المتوقفة عليه في وجودها معلولتها.) ص: 131


1) في الفصل السابع من المرحلة الرابعة.

2) هذا يؤيّد ما تقدّم من قولنا: إنّ تساوي النسبة لا يتحقق إلا بقطع النظر عن الوجود والعدم، وقصره على ذات الماهية ، وحينئذ يكون استواء النسبة ) ليس خاصة للممكن، بل هو خاصة للماهيّة، فيعمّ ماهية الواجب والممتنع.

3) في الفصل العاشر من المرحلة الأولى.

4) العدم الغني عن العلة هو العدم الأزلي، أما العدم الحادث فهو - كالوجود الحادث - يحتاج إلى العلة.

5) تقدّم في المرحلة الأولى أنّ المعدوم شيء، وأنّ الشيئية بمعنى الذات، وهي لا تساوق الوجود، والمصنّف هنا أخذ المعدوم بما هو معدوم، وهذا خطأ؛ لأنّ المعدوم بما هو معدوم ممتنع الوجود، والصحيح أن يأخذ المعدوم لا بشرط العدم ليكون ممكن الوجود.

ثمّ إنّ المجعول للعلّة والأثر الذي تضعه في المعلول، إمّا أن يكون(1هو وجوده أو ماهيّته، أو صيرورة ماهيّته موجودة، لكن يستحيل أن يكون المجعول هو الماهيّة؛ لما تقدّم (2)أنّها اعتبارية (3)، والذي للمعلول من علّته أمر أصيل، على أنّ الذي تستقرّ فيه حاجة الماهيّة المعلولة، ويرتبط بالعلّة هو وجودها لا ذاتها (4).)ويستحيل أن يكون المجعول هو الصيرورة، لأنّها معنى نسبي قائم بطرفيه، ومن المحال أن يقوم أمر أصيل خارجي بطرفين اعتباريين غير أصيلين(5، فالمجعول من المعلول والأثر الذي تفيده العلّة هو وجوده لا ماهيّته، ولا صيرورة ماهيّته موجودة و هو المطلوب.) ص: 132


1) ذكر المصنّف ثلاثة أمور بنحو القضية الحقيقية؛ لينتج من نفي القسمين ثبوت الثالث. ونقول: هناك قسم رابع مبني على المختار في مسألة الأصالة حيث قلنا: إنّ الأصالة للوجود والماهية معاً، وحينئذ فدور العلّة هو إيجاد المصداق للوجود والماهية. وبعبارة أخرى: أن دور العلّة هو أن تجعل الماهيّة متحدة بالوجود.

2) في الفصل الرابع من المرحلة الأولى.

3) وتقدّم أنها أصيلة كالوجود.

4) لأنّ الماهية في حد نفسها هي هي، من غير أن ترتبط بشيء وراء نفسها. (منه).

5) هذا صحيح، كما أنّ الربط بين الأصيل والاعتباري أيضاً محال فيردّ الإشكال على المصنّف؛ حيث تبنّى أصالة الوجود واعتبارية الماهية.

### الفصل الثاني: في انقسامات العلّةتنقسم العلّة إلى تامة وناقصة، فإنّها إما أن تشتمل(1على جميع ما يتوقّف عليه وجود المعلول، بحيث لا يبقى للمعلول معها إلّا أن يوجد، وهي التامّة، وإمّا أن تشتمل على البعض دون الجميع، وهي العلّة الناقصة. وتفترقان من حيث إنّ العلّة التامّة يلزم من وجودها وجود المعلول، ومن عدمها عدمه، والعلّة الناقصة لا يلزم من وجودها وجود المعلول، ولكن يلزم من عدمها عدمه (2))وتنقسم أيضاً إلى الواحدة والكثيرة (3.وتنقسم أيضاً إلى البسيطة، وهي ما لا جزء لها، والمركّبة وهي بخلافها، والبسيطة إمّا بسيطة بحسب الخارج كالعقل المجرّد والأعراض، وأما ص: 133


1) التعبير بالاشتمال مسامحي؛ لأنّ المصنف سيقسم العلة إلى البسيطة والمركبة، والاشتمال ينسجم مع المركبة دون البسيطة.

2) يظهر من كلامه هنا أنّ العلّة هي ما يلزم من عدمه عدم المعلول؛ إذ هذا هو الجامع بين العلة التامة والأخرى الناقصة.

3) يدلّ قوله أيضاً على أنّ الكلام في تقسيم ما سبق له أن قسمه إلى التامة والناقصة، وقد عرفت أنّه «ما يلزم من عدمه عدم المعلول» وهو كلّي طبيعي.)أما التقسيم إلى الواحدة والكثيرة فهو بحسب الأفراد، فلا يصح أن يكون مقسمه الكلّي الطبيعي إلّا بنحو من الاستخدام، وهو ما ينبغي الابتعاد عنه في العلوم العقلية.تنبيه:الأنسب أن يقول: إنّ العلة تنقسم إلى ما لها فرد واحد وما لها أفراد كثيرة.

بحسب العقل، وهي ما لا تركيب فيه خارجاً من مادّة وصورة، ولا عقلاً من جنس وفصل، وأبسط البسائط ما لم يتركّب من وجود وماهيّة(1، وهو الواجب عزّ اسمه.)وتنقسم أيضاً إلى قريبة و بعيدة، والقريبة ما لا واسطة بينها وبين معلولها، والبعيدة بخلافها كعلّة العلّة.وتنقسم العلّة إلى داخلية وخارجية، والعلل الداخلية وتسمّى أيضاً عللالقوام، هي المادة والصورة المقوّمتان للمعلول والعلل الخارجية. وتسمّى أيضاً علل الوجود، وهي الفاعل والغاية(2، وربّما سمي الفاعل)ما به الوجود، والغاية ما لأجله الوجود.وتنقسم العلّة إلى العلل الحقيقية والمعدّات، وفي تسمية المعدّات عللاً تجوّز (3، فليست عللاً حقيقية، وإنّما هي مقربات تقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل كورود المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة، فإنّه يقرّبه إلى الورود في حدّ يتلوه، وكانصرام القطعات الزمانية، فإنّه يقرّب موضوع الحادث إلى فعلية الوجود.) ص: 134


1) لا تركيب بين الوجود والماهية؛ لأنّ القائل بأصالة أحدهما لا يتصوّر في حقه التركيب؛ لأنه أمر واحد، والقائل باصالتهما - كما اخترناه - فنقول : إنّ الموجود هو المصداق، وهو واحد، والوجود والماهية مفهومان منتزعان عن المصداق، صادقان عليه، وقد اعترف المصنّف في الفصل الرابع من المرحلة الأولى أنّ الشيء الخارجي ينتزع عنه مفهومان في عين كونه واحداً.

2) هذا التقسيم لا يصح إلا في العلّة المختارة؛ لأنّ الغاية لا تكون إلا فيها.

3) تقدّم أنّ العلة هي: «ما يلزم من عدمه عدم المعلول»، وهو منطبق على المعدات فلا تجوز في كونها عللاً، بل هى علل ناقصة. ينظر الصفحة (133) الهامش (3).

### الفصل الثالث: في وجوب المعلول عند وجود العلّة التامة، ووجوب وجود العلّة عند وجود المعلولإذا كانت العلّة التامة موجودة وجب وجود معلولها، وإلّا جاز عدمه معوجودها، ولازمه تحقّق عدمه المعلول لعدم العلّة من دون علّة.وإذا كان المعلول موجوداً وجب وجود علّته، وإلّا جاز عدمها مع وجود المعلول، وقد تقدّم (1أن العلّة سواء كانت تامّة أو ناقصة يلزم من عدمها عدم المعلول.)ومن هنا يظهر، أن المعلول لا ينفك وجوده عن وجود علته، كما أن العلّةالتامة لا تنفك عن معلولها . فلو كان المعلول زمانياً موجوداً في زمان بعينه كانت علّته موجودة واجبة في ذلك الزمان بعينه؛ لأنّ توقّف وجوده على العلة في ذلك الزمان، فترجيح العلة لوجوده وإفاضتها له في ذلك الزمان ، ولو كانت العلة موجودة في زمان آخر، معدومة في زمان وجود المعلول، والإفاضة قائمة بوجودها كانت مفيضة للمعلول معدومة هذا محال وهي معدومة هذا محال (2.)برهان آخر:حاجة الماهيّة المعلولة إلى العلّة ليست إلّا حاجة وجودها إلى العلّة، ص: 135


1) في الفصل السابق.

2) الفرق بين هذه المسألة ومسألة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد أنّ المراد بالوجوب هنا الوجوب بالقياس إلى الغير، وفي تلك المسألة الوجوب بالغير. (منه).

و ليست الحاجة خارجة من وجودها بمعنى أن يكون هناك وجود وحاجة، بل هي مستقرّة في حدّ ذات وجودها (1، فوجودها عين الحاجة والارتباط (2)، فهو وجود رابط بالنسبة إلى علّته، لا استقلال له دونها وهي مقوّمة له، وما كان هذا شأنه استحال أن يوجد إلّا متقوّماً بعلّته، معتمداً عليها، فعند وجود المعلول يجب وجود علّته علته وهو المطلوب.)### الفصل الرابع: قاعدة الواحدالواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد؛ وذلك أنّ من الواجب أن يكون بين العلّة ومعلولها سنخية ذاتية (3

تنبيه:

لا نلتزم بأنّ العلة الموجبة لا يصدر عنها إلا معلول واحد مطلقاً، وعلى من يلتزم بذلك أيضاً إقامة الدليل.

فائدة:

قال سيدنا الأستاذ المحقق آية الله السيّد محمّد سعيد الحكيم (دام ظله): «المراد بالسنخية: إن كان هو كون الأثر من سنخ المؤثر، المستلزم لاتحاد المؤثرات سنخاً بعد فرض وحدة أثرها - الذي هو عبارة أخرى عن وجود الجامع بينها - فلا ملزم به، بل لا مجال له؛ لرجوعه إلى لزوم وجود الجامع الماهوي بين العلّة والمعلول، و يظنّ من أحد البناء عليه.

وإن كان المراد بها أنّ استناد الأثر للمؤثر فرع خصوصية ذاتيهما، لما قيل من أنّه لولا ذلك لأثر كلّ شيء في كلّ شيء، فهو لا يقتضي لزوم الجامع بين المؤثرات؛ إذ لا استحالة في كون الخصوصية الذاتية للأثر الواحد تناسب تحققه بمؤثرات متعدّدة لا جامع بينها.

ومن هنا لا شاهد للملازمة التي ادعاها، ولذا انكرها بعض المحققين وغيره، بل يظهر منهم إنكارها من جماعة من أهل المعقول» . [ الكافي في أصول الفقه (للسيد الحكيم): 98/1].

ليست بين الواحد منهما وغير الآخر، وإلّا

ص: 136


1) الحاجة تقابل الغنى والعلة والمعلول كلّ منهما محتاج للآخر لا غنى به عنه؛ وذلك لأنّ العلية والمعلولية وصفان إضافيان متلازمان، لا يمكن تحقق أي منهما دون الآخر فهو محتاج إلى الآخر لتحققه كما هو الحال في الأبوة والبنوة، وكلّ متضايفين.

2) على هذا البيان يكون ناتج العلّة، هو الحاجة والارتباط، وهنا يحق لنا أن نتسائل ما هو الموضوع للحاجة؟ وإذ ليس إلا العلة فهي إذن المحتاجة!

3) إن كان مرادهم من السنخية لوناً من التشابه فهذا باطل بدون إشكال؛ وذلك لأنّ الجوهر علّة لبعض الأعراض، فالإنسان علّة لقيامه وقعوده وهما عرضان، والمقولات متباينة كما تقدّم. أما في الله تعالى فالأمر أوضح ؛ إذ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ) [سورة الشورى: 11 ] وهو «خلو من خلقه وخلقه خلو منه [ الكافي: 1/ 82، ب إطلاق القول بأنه شيء، ح3، 4، و5]، و«معاني الخلق عنه منفية [التوحيد للصدوق): 79]. وإن أرادوا من السنخ (الاصل) كما قيل : «التقوى سنخ الإيمان» [تحف العقول: 217] أي أصل الإيمان، فالعلّة هي الأصل. وإن أرادوا خصوصية ما، لاجلها يصدر المعلول من العلة فهو صحيح، فحبّة الحنطة لا يكونمنها إلّا الحنطة، ونواة التمر لا يكون منها إلا النخل، ولكن ذلك في الأمور التكوينية، والعلل الموجبة دون المختارة، كما هو ظاهر.

جاز كون كلّ شيء علّة لكل شيء، وكلّ شيء معلولاً لكلّ شيء(1)، ففي العلّة جهة مسانخة لمعلولها، هي المخصّصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلّة الواحدة، وهي التي ليست لها في ذاتها إلّا جهة واحدة، معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه لزمه تقرّر جهات كثيرة في ذاتها وهي ذات جهة واحدة (2)، وهذا محال(3).

ص: 137


1) هذا اللازم إن رجع إلى صحة صدور الكثير من الواحد فلا إشكال فيه، وجعله لازماً فاسداً في غير محله؛ لأنه مصادرة على المطلوب.

2) دعوى أنّ العلّة ذات جهة واحدة لا يصدر عنها إلا معلول واحد هذا عين الدعوى، فلا يصح أخذه في الدليل؛ لأنه مصادرة.

3) ليس محالا، بل هو واقع كما مثلنا سابقاً، وكما يعترفون هم أيضاً به في معلول العقل الأول؛ حيث جعلوه متعدّداً مع دعوى بساطته.

ويتبيّن بذلك، أنّ ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير، فإنّ في ذاته جهة كثرة، ويتبيّن أيضاً أنّ العلل الكثيرة لا تتوارد على معلول واحد.

الفصل الخامس: في استحالة الدور والتسلسل في العلل

أمّا استحالة الدور، وهو توقّف وجود الشيء على ما يتوقّف عليه وجوده، إمّا بلا واسطة وهو الدور المصرّح ، وإمّا بواسطة أو أكثر وهو الدور المضمر ، فلأنّه يستلزم توقّف وجود الشيء على نفسه، ولازمه تقدّم الشيء على نفسه بالوجود؛ لتقدّم وجود العلّة على وجود المعلول بالضرورة(1). وأما استحالة التسلسل، وهو ترتّب العلل لا إلى نهاية، فمن أسدّ البراهين عليها ما أقامه الشيخ في إلهيّات الشفاء.

ومحصّله أنّا إذا فرضنا معلولاً ، وعلّته، وعلّة علّته، وأخذنا هذه الجملة وجدنا كلّا من الثلاثة ذا حكم ضروري يختصّ به، فالمعلول المفروض معلول فقط، وعلّته علّة لما بعدها معلولة لما قبلها، وعلّة العلّة علّة فقط غير معلولة،فكان ما هو معلول فقط طرفاً، وما هو علّة فقط طرفا آخر، وكان ما هو علّة ومعلول معاً وسطاً بين طرفين.

ثمّ إذا فرضنا الجملة أربعة مترتّبة كان للطرفين ما تقدّم من حكم الطرفين، وكان الاثنان الواقعان بين الطرفين مشتركين في حكم الوسط، وهو أنّ لهما العلّية والمعلولية معاً بالتوسط بين طرفين، ثمّ كلّما زدنا في عدد الجملة إلى ما

ص: 138


1) العلة تقترن بالمعلول زماناً، وتتقدّمه رتبة.

لانهاية له كان الأمر جارياً على مجرى واحد، وكان مجموع ما بين الطرفين، و هی العدّة التي كل واحد من آحادها علّة ومعلول معاً، وسطاً له حكمه.

فلو فرضنا سلسلة من العلل مترتّبة إلى غير النهاية كان ما وراء المعلول

الأخير من الجملة غير المتناهية وسطاً لا طرف له، وهو محال.

وهذا البرهان يجري في كلّ سلسلة مترتّبة من العلل التي لا تفارق

وجودها وجود المعلول، سواء كانت تامّة أو ناقصة، دون العلل المعدّة. ويدلّ على وجوب تناهي العلل التامّة خاصّة ما تقدّم (1)أن وجود المعلول وجود رابط (2)

ويرد عليه - هنا -: أنّ العلّة المتوسطة ستكون بالإضافة إلى نفسها وجود نفسي، وبالإضافة إلى علّتها وجودها رابطي، وهذا محال؛ لأنّ الوجود إما نفسي، وإما رابطي، كما هو مقتضى تباين الأقسام، وكونها أموراً ،واقعية، لا تتحدّد بالإضافات.

بالنسبة إلى علّته، فإنّه لو ترتّبت العلّية والمعلولية، في سلسلة غير متناهية، من غير أن تنتهي إلى علّة غير معلولة كانت وجودات رابطة متحقّقة من غير وجود نفسي مستقل تقوم به، وهو محال. ولهم على استحالة التسلسل حجج أخرى مذكورة في المطوّلات.

الفصل السادس: العلة الفاعلية وأقسامها

العلّة الفاعلية: و هي التي تفيض وجود المعلول(3)

الأوّل: ما يكون فعله صدورياً مثل المشي الصادر من زيد، وفاعله الإرادة. الثاني: ما يكون حلولياً مثل المرض من زيد، وزيد - حينئذ - موضوع للفعل لا فاعلاً له. وعلى هذا، فالفاعل وهو زيد ليس مفيضاً للفعل سواء كان حلولياً أو صدورياً، والمفيض للفعل في الصدوري هو الإرادة .

وتفعّله على أقسام.

ص: 139


1) في الفصل الثالث.

2) تقدم بطلان مبناه.

3) لعلّ التعبير بالعلّة الفاعلية موهم، فأوقعهم في الخلط بين العلة والفاعل فالعلة - ونعني التامة - هي المفيضة للوجود، أمّا الفاعل فهو على نحوين:

وقد ذكروا في وجه ضبطها: أنّ الفاعل إمّا أن يكون له علم بفعله أو لا، والثاني إمّا أن يلائم فعله طبعه وهو الفاعل بالطبع، أو لا يلائم وهو الفاعل بالقسر، و الأوّل و هو الذي له علم بفعله، إن لم يكن فعله بإرادته فهو الفاعل بالجبر، وإن كان بها فإمّا أن يكون علمه بفعله في مرتبة فعله، بل عين فعله، وهو الفاعل بالرضا، وإمّا أن يكون علمه بفعله قبل فعله، و حينئذ إمّا أن يكون علمه مقروناً بداع زائد، وهو الفاعل بالقصد، وإمّا أن لا يكون علمه مقروناً بداع زائد بل يكون نفس العلم فعلياً منشأ لصدور المعلول، وحينئذ فإما أن يكون علمه زائداً على ذاته، وهو الفاعل بالعناية، أو غير زائد على ذاته وهو الفاعل بالتجلّي، والفاعل في ما تقدّم إذا نسب إلى فعله، من جهة أنه وفعله فعل لفاعل آخر كان فاعلاً بالتسخير.

فللفاعل أقسام ثمّانية:

أحدها: الفاعل بالطبع، وهو الذي لا علم له بفعله مع كون الفعل

ملائماً لطبعه كالنفس في مرتبة القوى البدنية الطبيعية، تفعل أفعالها بالطبع (1)

الثاني: الفاعل بالقسر، وهو الذي لا علم له بفعله، ولا فعله ملائم

ص: 140


1) الفاعل هو الأعضاء لا النفس، فهاضم الطعام هو المعدة، والذي يضخ الدم هو القلب وهكذا، النفس غاذية، ونامية، ونباتية.

لطبعه، كالنفس (1)في مرتبة القوى عند المرض، فإنّ الأفعال تنحرف فيه عن مجرى الصحة لعوامل قاسرة.

الثالث: الفاعل بالجبر وهو ما له علم بفعله، وليس بإرادته كالإنسان

يكره على فعل ما لا يريده (2).

الرابع: الفاعل بالرضا وهو الذي له إرادة، وعلمه التفصيلي بالفعل عين الفعل، وليس له قبل الفعل إلّا علم إجمالي به بعلمه بذاته (3)كالإنسان يفعل الصور الخيالية وعلمه التفصيلي بها عينها (4)، وله قبلها علم إجمالي بها بعلمه بذاته، وكفاعلية الواجب للأشياء عند الإشراقيين (5)

مجهولة عندنا؟ نعم، المعلوم هو المحكي بها، أما نفس الصور فهي:

أوّلاً: لا تحصل بإرادتنا.

ثانياً : تكون بنفسها مجهولة عندنا.

فكيف يكون فعل الباري من ذلك النحو ؟!

.

الخامس: الفاعل بالقصد، وهو الذي له إرادة وعلم بفعله قبل الفعل

بداع زائد كالإنسان في أفعاله الاختيارية.

السادس: الفاعل بالعناية، وهو الذي له إرادة وعلم، سابق على الفعل،

ص: 141


1) فيه ما تقدّم في الأوّل.

2) الإنسان المجبور على فعل يفعل بالإرادة، لكنّه يكون مجبوراً على تلك الإرادة، ولكنّه يكره ذلك الفعل، بمعنى أنه لا يرغب بما يفعله، والمصنّف خلط بين الإرادة التي هي حبّ الفعل والرغبة فيه، وبين الإرادة التي هي منشأ صدور الفعل عن الفاعل.

3) كيف يكون العلم بالصور الخيالية هو علمه بذاته مع كون العلم غير العالم ؟! وبعبارة أخرى : أنّ العالم هو علّة العلم أو موضوعه فكيف يكون عينه؟!

4) هذا محال؛ لأنّ العلم غير المعلوم.

5) ونقول: هل الفاعلية الإلهية عندهم من نحو إيجاد الصور العلمية عندنا؟! أليست تلك الصور

زائد على ذات الفاعل، نفس الصورة العلمية، منشأ لصدور الفعل من غير داع زائد كالإنسان الواقع على جذع ،عال، فإنّه بمجرّد توهّم(1)السقوط يسقط على الأرض، وكالواجب في إيجاده على قول المشّائين.

السابع: الفاعل بالتجلّي و هو الذي يفعل الفعل وله علم سابق تفصيلي به هو عين علمه الإجمالي بذاته كالنفس الإنسانية المجرّدة، فإنّها لمّا كانت الصورة الأخيرة لنوعها كانت على بساطتها هي المبدأ لجميع كمالاتها وآثارها (2)

الواجدة لها في ذاتها، وعلمها الحضوري بذاتها علم بتفاصيل كمالاتها، وإن لم يتميّز بعضها من بعض، وكالواجب تعالى بناء على ما سيجيء(3)من أنّ له تعالى علماً إجمالياً، في عين الكشف التفصيلي(4)

الثامن: الفاعل بالتسخير، وهو الفاعل إذا نسب إليه فعله، من جهة أنّ لنفس الفاعل فاعلاً آخر، إليه يستند هو وفعله(5)

ولعله خلط بين النسبة التي يكفي في صحتها المجاز، وبين الاستناد الذي هو العلية الممتنع فيها توارد علّتين على معلول واحد.

فهو فاعل مسخّر في فعله كالقوى الطبيعية، والنباتية والحيوانية المسخّرة في أفعالها للنفس الإنسانية، وكالفواعل الكونية المسخّرة للواجب تعالى في أفعالها.

ص: 142


1) لا يسقط بمجرد التوهم، بل يخاف ويرتبك فيسقط.

2) هذا مخالف لقاعدة الواحد.

3) في الفصل الخامس من المرحلة الثانية عشرة.

4) وسيجئ بطلانه أيضاً.

5) الفعل ينسب إلى فاعله حقيقة، والى فاعل الفاعل مجازاً، و لا يصح استناد الفعل إلى الفاعل و فاعل الفاعل؛ لامتناع توارد علّتين على معلول واحد.

وفي كون الفاعل بالجبر والفاعل بالعناية مباينين للفاعل بالقصد مباينة

نوعية على ما يقتضيه التقسيم كلام.

الفصل السابع: في العلة الغائية

(1)

الأوّل: الكوفة غاية للمسير من النجف إلى الكوفة.

الثاني: تحصيل العلم علّة غائية لذلك المسير.

ومن الفوارق المهمة بينهما أنّ العلة الغائية لا تكون إلا من العالم المريد، أما الغاية فلا يشترط فيها ذلك.

وهي الكمال الأخير الذي يتوجّه إليه الفاعل في فعله(2).

فإن كان لعلم الفاعل دخل في فاعليته كانت الغاية مرادة للفاعل في فعله. وإن شئت فقل: كان الفعل مراداً له لأجلها، ولهذا قيل: إنّ الغاية متقدّمة على الفعل تصوّراً، ومتأخّرة عنه وجوداً.

وإن لم يكن للعلم دخل في فاعلية الفاعل كانت الغاية ما ينتهي إليه الفعل؛ وذلك أنّ لكمال الشيء نسبة ثابتة إليه، فهو مقتض لكماله، ومنعه من مقتضاه دائماً، أو في أكثر أوقات وجوده قسر دائمي أو أكثري ينافي العناية الإلهيّة

ص: 143


1) للمعلول على علته نحو توقف، وإلا لم تكن ما فرضت علة، والعلة الغائية هي ما يتوقف على وجوده وجود الشيء الخارجي، ومن الواضح أنّ الشيء يتوقف وجوده على وجود مقدماته، فالعلة الغائية من المقدّمات، وهي التصديق بوجود الفائدة إذ هو الدافع للفاعل ليفعل، أما الغاية فهي ما ينتهي إليه الشيء. و لا ينبغي الخلط بينهما، وللتفريق نضع مثالين:

2) ليس كلّ علّة غائية هي كمال، بل بعض العلل الغائية نقائص كشرب الخمر.

بإيصال كلّ ممكن إلى كماله (1)

تنبيه:

الفاعل الحكيم يفعل لغرض، والباري حكيم فهو يفعل لغرض، ولما كان غنياً لا يحتاج ففعله يكون لغرض يرجع إلى غيره وهو خلقه، لكن لا يلزم أن يكون الغرض راجعاً إلى جميع خلقه، بل يمكن أن يكون راجعاً إلى بعضهم كما هو مفاد الأخبار التي تفيد: أن خلق الخلق لغاية هي الحجج المعصومين علیهم السلام .

الذي أودع فيه استدعاؤه، فلكلّ شيء غاية هي كماله الأخير الذي يقتضيه، و أمّا القسر الأقلّي فهو شرّ قليل(2)، يتداركه ما بحذائه من الخير الكثير (3)

تداركاً؟!

، وإنّما يقع فيما يقع في نشأة المادة، بمزاحمة الأسباب المختلفة.

الفصل الثامن:في إثبات الغاية فيما يعدّ لعباً أو جزافاً أو باطلاً، والحركات الطبيعية وغير ذلك

ربّما يظنّ أنّ الفواعل الطبيعية لا غاية لها في أفعالها، ظناً أنّ الغاية يجب أن تكون معلومة مرادة للفاعل، لكنّك عرفت (4)أنّ الغاية أعمّ من ذلك، وأنّ للفواعل الطبيعية غاية في أفعالها هي ما ينتهى إليه حركاتها.

وربّما يظنّ أنّ كثيراً من الأفعال الاختيارية لا غاية لها كملاعب الصبيان

بحركات لا غاية لهم فيها، وكاللعب باللحية، وكالتنفّس، وكانتقال المريض

ص: 144


1) هذه دعوى لم يقم عليها المصنّف دليلًا.

2) الشر عندهم هو العدم فكيف يوصف بالقلّة والكثرة؟! وهو لا تمايز فيه عندهم.

3) الخير الكثير إن كان لصاحب الشر القليل فهو من التدارك ، أما إن كان لغيره فكيف يكون

4) في الفصل السابق.

النائم من جانب إلى جانب، وكوقوف المتحرّك إلى غاية عن غايته بعروض مانع يمنعه عن ذلك، إلى غير ذلك من الأمثلة.

والحق، أنّ شيئاً من هذه الأفاعيل لا يخلو عن غاية.

توضيح ذلك: أنّ في الأفعال الإرادية مبدأ قريبا للفعل هو القوّة العاملة المنبثّة في العضلات، ومبدأ متوسّطاً قبله وهو الشوق المستتبع للإرادة والإجماع، ومبدأ بعيداً قبله هو العلم، وهو تصوّر الفعل على وجه جزئي، الذي ربّما قارن التصديق بأنّ الفعل خير للفاعل.

ولكلّ من هذه المبادي الثلاثة غاية، وربّما تطابقت أكثر من واحد منها في الغاية، وربما لم يتطابق.

فإذا كان المبدأ الأوّل وهو العلم فكرياً كان للفعل الإرادي غاية فكرية، وإذا كان تخيّلاً من غير فكر ، فربّما كان تخيّلاً فقط ثمّ تعلّق به الشوق، ثمّ حركت العاملة نحوه العضلات، ويسمّى الفعل عندئذ جزافاً، كما ربّما

تصوّر الصبي حركة من الحركات فيشتاق إليها فيأتي بها، وما انتهت إليه الحركة حينئذ غاية للمبادي كلّها.

وربّما كان تخيّلاً مع خُلق وعادة كالعبث باللحية ويسمّى عادة. وربّما كان تخيّلاً مع طبيعة كالتنفس، أو تخيّلا مع مزاج كحركات المريض

ويسمّى قصداً ضرورياً.

وفي كلّ من هذه الأفعال لمباديها غاياتها، وقد تطابقت في أنّها ما انتهت إليه الحرة.

ص: 145

وأمّا الغاية الفكرية فليس لها مبدأ فكري حتّى تكون له غايته. وكلّ مبدأ من هذه المبادئ إذا لم يوجد غايته، لانقطاع الفعل دون البلوغ إلى الغاية بعروض مانع من الموانع سمّي الفعل بالنسبة إليه باطلاً، وانقطاع الفعل بسبب مانع يحول بينه وبين الوصول إلى الغاية، غير كون الفاعل لا غاية له في فعله.

الفصل التاسع: في نفي القول بالاتّفاق ، وهو انتفاء الرابطة بين ما يعدّ غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية

ربّما يظنّ أنّ من الغايات المترتّبة على الأفعال ما هي غير مقصودة الفاعلها ولا مرتبطة به (1)، ومثّلوا له بمن يحفر بئراً ليصل إلى الماء فيعثر على کنز، والعثور على الكنز ليس غاية لحفر البئر مرتبطة به، ويسمّى هذا النوع من الاتفاق بختاً سعيداً، وبمن يأوي إلى بيت ليستظلّ فينهدم عليه فيموت، ويسمى هذا النوع من الاتفاق بختاً شقياً.

وعلى ذلك بني بعض علماء الطبيعة كينونة العالم، فقال: إنّ عالم الأجسام مركّبة من أجزاء صغار ذرّية مبثوثة في خلاء غير متناه(2)، وهي دائمة الحركة

ص: 146


1) نفي القصد صحيح دون نفي الارتباط فانه غير صحيح ، والمثال بمن حفر بئراً فوجد كنزاً يؤكد ما نقول فإنّ ذلك الفاعل للحفر لم يقصد الكنز لكن حصوله على الكنز إنّ ما كان بواسطة الحفر فالعثور عليه مرتبط بالفعل وإن لم يكن مقصوداً.

2) تقدم أن غير المتناهي ممتنع الوجود في الخارج.

فاتّفق أن تصادمت جملة منها، فاجتمعت فكانت الأجسام، فما صلح للبقاء بقي، وما لم يصلح لذلك فني سريعاً أو بطيئاً.

والحق: أن لا اتّفاق في الوجود.

ولنقدّم لتوضيح ذلك مقدّمة: هي أنّ الأمور الكائنة يمكن أن تتصوّر

على وجوه أربعة:

منها: ما هو دائمي الوجود.

ومنها: ما هو أكثري الوجود.

ومنها: ما يحصل بالتساوي كقيام زيد وقعوده مثلاً.

ومنها: ما يحصل نادراً، وعلى الأقلّ كوجود الإصبع الزائد في الإنسان. والأمر الأكثري الوجود يفارق الدائمي الوجود بوجود معارض يعارضه في بعض الأحيان كعدد أصابع اليد، فإنّها خمسة على الأغلب، وربّما أصابت القوّة المصوّرة للإصبع مادّة زائدة صالحة لصورة الإصبع، فصوّرتها إصبعاً، ومن هنا يعلم، أنّ كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادّة زائدة، وأنّ الأمر بهذا الشرط دائمي الوجود لا أكثريه، وأنّ الأقلي الوجود مع اشتراط المعارض المذكور أيضاً دائمي الوجود لا أقلّيه، وإذا كان الأكثري والأقلّي دائميين بالحقيقة فالأمر في المساوي ظاهر، فالأمور كلّها دائمية الوجود، جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا يتخلّف.

وإذا كان كذلك، فلو فرض أمر كمالى مترتّب على فعل فاعل ترتّباً دائمياً لا يختلف ولا يتخلّف حكم العقل حكماً ضرورياً فطرياً بوجود رابطة وجودية بين الأمر الكمالي المذكور وبين فعل الفاعل، رابطة تقضي بنوع من

ص: 147

الاتّحاد الوجودي بينهما، ينتهي إليه قصد الفاعل لفعله وهذا هو الغاية. ولو جاز لنا أن نرتاب في ارتباط غايات الأفعال بفواعلها، مع ما ذكر من دوام الترتّب، جاز لنا أن نرتاب في ارتباط الأفعال بفواعلها، وتوقّف الحوادث والأمور على علّة فاعلية؛ إذ ليس هناك إلّا ملازمة وجودية وترتّب دائمي، ومن هنا ما أنكر كثير من القائلين بالاتّفاق العلّة الفاعلية، كما أنكر العلّة الغائية، وحصر العلّية في العلّة المادّية، وستجيء(1)الإشارة إليه. فقد تبيّن من جميع ما تقدّم أنّ الغايات النادرة الوجود المعدودة من الاتفاق غايات دائمية ذاتية لعللها، و إنّما تنسب إلى غيرها بالعرض، فالحافر لأرض تحتها كنز يعثر على الكنز دائماً ، وهو غاية له بالذات، وإنّما تنسب إلى الحافر للوصول إلى الماء بالعرض، وكذا البيت الذي اجتمعت عليه أسباب الانهدام، ينهدم على من فيه دائماً، وهو غاية للمتوقّف فيه بالذات، وإنّما عدّت غاية للمستظلّ بالعرض، فالقول بالاتّفاق من الجهل بالسبب.

الفصل العاشر: في العلّة الصورية والمادّية

أمّا العلّة الصورية فهي الصورة، بمعنى ما به الشيء هو هو بالفعل(2)،

ص: 148


1) في الفصل الآتي.

2) أخذ قيد (بالفعل ) في تعريف العلّة الصورية خطأ؛ لأنّ العلّة الصورية ليست دخيلة في فعلية الشيء؛ وذلك لأنّ العلة الصورية هي الصورة لأنّ المصنّف يقول: «النوع المركب منها ومن المادّة»، ومن المعلوم أنّ النوع يتركب من الصورة والمادة، وهما المحكيان بالجنس والفصل، فهما أجزاء الماهية ومن الظاهر أنّ أجزاء الماهيّة لا تحصل فعلية الشيء، بل أنّ محصل فعليتها هو العلة.

بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن المادة، فإنّ لوجود النوع توقفاً عليها بالضرورة وأما بالنسبة إلى المادّة فهي صورة وشريكة العلّة الفاعلية على ما تقدّم (1)، وقد تطلق الصورة على معان أخر خارجة من غرضنا.

وأمّا العلّة المادية فهي المادة بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن الصورة، فإنّ لوجود النوع توقفاً عليها بالضرورة، وأمّا بالنسبة إلى الصورة فهي مادّة قابلة معلولة لها على ما تقدّم.

وقد حصر قوم من الطبيعيين العلة في المادة، والأصول المتقدّمة تردّه، فإنّ المادّة سواء كانت الأولى أو الثانية حيثيتها القوّة ولازمها الفقدان، ومن الضروري أنّه لا يكفي لإعطاء فعلية النوع وإيجادها، فلا يبقى للفعلية إلّا أن توجد من غير علّة وهو محال.

وأيضاً قد تقدّم أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد(2)، والوجوب الذي هو

الضرورة واللزوم لا مجال لاستناده إلى المادّة التي حيثيتها القبول والإمكان فوراء المادّة أمر يوجب الشيء ويوجده، ولو انتفت رابطة التلازم التي إنّما تتحقّق بين العلّة والمعلول، أو بين معلولي علّة ثالثة وارتفعت من بين الأشياء بطل الحكم باستتباع أي شيء لأي شيء، ولم يجز الاستناد إلى حكم ثابت وهو خلاف الضرورة العقلية.

وللمادّة معان أخر غير ما تقدّم خارجة من غرضنا.

ص: 149


1) في الفصل السابع من المرحلة السادسة

2) الممكن يوجد بوجود علته، ويظل ممكناً؛ وذلك لأنّ الإمكان ناظر إلى الذات، وترجيح وجودها إنّما هو في الخارج بوجود علّته.

الفصل الحادي عشر: في العلّة الجسمانية

العلل الجسمانية متناهية أثراً، من حيث العدّة، والمدّة، والشدّة، قالوا: لأنّ الأنواع الجسمانية متحرّكة بالحركة الجوهرية(1)، فالطبائع والقوى التي لها منحلّة منقسمة إلى حدود وأبعاض كلّ منها محفوف بالعدمين، محدود ذاتاً وأثراً. وأيضاً العلل الجسمانية لا تفعل إلّا مع وضع خاصّ بينها وبين المادّة، قالوا: لأنّها لمّا احتاجت في وجودها إلى المادّة احتاجت في إيجادها إليها، والحاجة إليها في الإيجاد هي بأن يحصل لها بسببها وضع خاصّ مع المعلول، ولذلك كان للقرب والبعد والأوضاع الخاصّة دخل في تأثير العلل الجسمانية.

ص: 150


1) ستعرف - في المرحلة العاشرة - بطلان الحركة الجوهرية. ينظر الصفحة (196)، الهامش (2).

المرحلة الثامنة: في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير

اشارة

وفيها عشرة فصول

ص: 151

ص: 152

الفصل الأوّل: في معنى الواحد والكثير

الحقّ أن مفهومى الوحدة والكثرة (1)

تنبیه:

القلّة والكثرة من المفاهيم الإضافية؛ إذ قد يكون الشيء قليلاً بالإضافة إلى شيء آخر، ونفسه يكون كثيراً بالإضافة إلى شيء ثالث. أما الواحد فهو يقابل المتعدّد، وهما ليسا من المفاهيم الإضافية.

من المفاهيم العامّة التي تنتقش في النفس انتقاشاً أولياً كمفهوم الوجود، ومفهوم الإمكان ونظائرهما، ولذا كان تعريفهما بأنّ الواحد ما لا ينقسم من حيث إنّه لا ينقسم (2)، والكثير ما ينقسم من حيث إنّه ينقسم تعريفاً لفظياً، ولو كانا تعريفين حقيقيين لم يخلوا من فساد؛ لتوقف تصوّر مفهوم الواحد على تصوّر مفهوم ما ينقسم، وهو مفهوم الكثير، وتوقّف تصوّر مفهوم الكثير على تصوّر مفهوم المنقسم الذي هو عينه. وبالجملة، الوحدة هي حيثية عدم الانقسام، والكثرة حيثية الانقسام(3).

ص: 153


1) الوحدة والكثرة من المفاهيم البديهية لكن لا تقابل بينهما، بل أنّ الوحدة يقابلها التعدّد، والكثرة تقابلها القلة.

2) هذا التعريف يناسب البسيط لا الواحد، فهو ليس تعريفاً لفظياً للواحد.

3) الانقسام وعدم الانقسام نقيضان، فتكون النسبة بين الواحد والكثير هي التناقض حسب بيان المصنف، فلمإذا أنكر التقابل بينهما في الفصل العاشر من المرحلة الثامنة؟! حيث قال: «فلا تقابل بين الواحد والكثير بشيء من أقسام التقابل الأربع».

تنبیه:

الوحدة تساوق الوجود مصداقاً، كما أنّها تباينه مفهوماً، فكلّ موجود فهو من حيث إنّه موجود واحد كما أنّ كلّ واحد فهو من حيث إنّه واحد

موجود.

فإن قلت انقسام الموجود المطلق إلى الواحد والكثير يوجب كون الكثير موجوداً كالواحد؛ لأنّه من أقسام الموجود، ويوجب أيضاً كون الكثير غير الواحد مبايناً له؛ لأنّهما قسيمان، والقسيمان متباينان بالضرورة، فبعض الموجود وهو الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد، وهو يناقض القول بأنّ كل موجود فهو واحد.

قلت: للواحد اعتباران اعتباره في نفسه من دون قياس الكثير إليه،

فيشمل الكثير؛ فإنّ الكثير من حيث هو موجود فهو واحد، له وجود واحد، ولذا يعرض له العدد (1)

على أن المصنّف حاول تقریب دعواه بدعوى أنه بالقياس إلى الكثير يشمل مثل العشرة، وهو خطأ؛ لأنّ ملاك التقابل بين الوحدة والكثرة - على ما ذكره في أوّل الفصل - تقابل السلب والإيجاب، فلا يمكن جعل الكثير مصداقاً للواحد بالإضافة.

تنبيه:

تقدم أن الوحدة تقابل التعدّد، والكثرة تقابل القلّة، والمفهومان الأولان ليسا متضايفين خلافاً للاخرين، ولما أخذوا واحداً من هنا وآخر من هناك اختلط الأمر.

، فيقال مثلاً: عشرة واحدة، وعشرات، وكثرة واحدة، وكثرات، واعتباره من حيث يقابل الكثير فيباينه.

ص: 154


1) تقدّم أنّ ملاك الوحدة هو عدم الانقسام، وجعل العشرة مصداقاً للواحد بقوله: «عشرة واحدة» يناقض ملاك الوحدة.

توضيح ذلك: أنّا كما نأخذ الوجود تارة من حيث نفسه ووقوعه قبال مطلق العدم، فيصير عين الخارجية، وحيثية ترتّب الآثار (1)، ونأخذه تارة أخرى فنجده في حال تترتّب عليه آثاره، وفي حال أخرى لا تترتّب عليه تلك الآثار، وإن ترتبت عليه آثار أخرى، فنعدّ وجوده المقيس وجوداً ذهنياً لا تترتب عليه الآثار، ووجوده المقيس عليه وجوداً خارجياً تترتب عليه الآثار، ولا ينا فى ذلك قولنا: إنّ الوجود يساوق العينية والخارجية، و أنّه عين ترتب

الآثار.

كذلك ربّما نأخذ مفهوم الواحد بإطلاقه من غير قياس، فنجده يساوق الوجود مصداقاً، فكلّ ما هو موجود فهو من حيث وجوده واحد، ونجده تارة أخرى وهو متّصف بالوحدة في حال، وغير متّصف بها في حال أخرى(2)

كالإنسان الواحد بالعدد والإنسان الكثير بالعدد المقيس إلى الواحد بالعدد فنعدّ المقيس كثيراً مقابلاً للواحد الذي هو قسيمه، ولا ينا في ذلك قولنا: الواحد يساوق الموجود المطلق، والمراد به الواحد بمعناه الأعمّ المطلق من غير قياس.

ص: 155


1) لا يمكن أن يكون الوجود من حيث نفسه منشأ الآثار ، مع اعترافهم بأن الوجود الذهني قسم من الوجود، ولا تترتب عليه الآثار.

2) تقدم بطلان ذلك؛ لأنّ مقتضى كلامه السابق أنّ بين الوحدة والكثرة تقابل النقيضين، فالردّ غير صحيح، والإشكال وارد عليه.

الفصل الثاني: في أقسام الواحد

الواحد إمّا حقيقي، و إمّا غير حقيقي، والحقيقي ما اتّصف بالوحدة بنفسه، من غير واسطة في العروض كالإنسان الواحد، وغير الحقيقي بخلافه كالإنسان والفرس المتّحدين في الحيوانية.

والواحد الحقيقي إما ذات متّصفة بالوحدة، وإمّا ذات هي نفس الوحدة، الثاني هي الوحدة الحقة كوحدة الصرف(1)

تنبيه:

قالوا: «إنّ الصرافة تطلق على معنيين : الصرافة في الماهية، والصرافة في الوجود.

أما الصرافة في الوجود فقد تقدّم في الأحكام السلبية للوجود أنّ معنى الصرف هو أن الوجود لا ثاني له. أما الصرافة في الماهيّة، فقد تقدّم في البرهان الثاني لإثبات الوجود الذهني وهو برهان الصرف، أنه يمكن تصوّر الصرف من كلّ شيء كالبياض والانسان، وماهية الإنسان بما هي لا تقبل التكرّر ، وإنّما تقبل التكرّر إذا انضم اليها ضمائم خارجية كالطول، والعرض، والحجم». [ شرح بداية الحكمة (تقرير لأبحاث السيد كمال الحيدري): 2/ 89]. وفيه: أنّ الخصوصية المذكورة في الخصائص السلبية لا ثاني له) باطلة، وهي تعبير آخر عن وحدة الوجود الباطلة عقلاً ونقلاً.

وقد اعترف السيد كمال الحيدري بعدم إمكان الصرافة في الماهيّة. [ ينظر شرح بداية الحكمة (تقرير لأبحاث السيد كمال الحيدري): 90/2]. فيكون الصرف خيالاً لا واقع له.

من كلّ شيء، وإذا كانت عين الذات (2)فالواحد والوحدة فيه شيء واحد، والأوّل هو الواحد غير الحقّ

كالإنسان الواحد.

ص: 156


1) تقدّم منه أنّ الصرف لا يوجد في الخارج.

2) الوحدة ،وصف، فكونها عين ذات الموصوف محال.

والواحد بالوحدة غير الحقّة إما واحد بالخصوص، وإمّا واحد بالعموم،

والأوّل هو الواحد بالعدد، وهو الذي يفعل بتكرّره العدد، والثاني كالنوع

الواحد والجنس الواحد.

والواحد بالخصوص ، إمّا أن لا ينقسم من حيث الطبيعة المعروضة للوحدة أيضاً، كما لا ينقسم من حيث وصف وحدته، وإما أن ينقسم (1)

والأوّل إمّا نفس مفهوم الوحدة وعدم الانقسام، وإمّا غيره، وغيره إمّا

وضعي كالنقطة الواحدة، وإمّا غير وضعي كالمفارق، وهو إما متعلّق بالمادّة

بوجه كالنفس، وإمّا غير متعلّق كالعقل، والثاني وهو الذي يقبل الانقسام طبيعته المعروضة، إمّا أن يقبله بالذات كالمقدار الواحد، وإما أن

يقبله بالعرض كالجسم الطبيعي الواحد من جهة مقداره.

والواحد بالعموم إمّا واحد بالعموم المفهومي، وإمّا واحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية (2)

فائدة قال بعضهم: «فالكلّي السعي هو الكلّي الوجودي، وهو ما يعبّر عنه في القرآن الكريم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا 115]، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [سورة البقرة : (115]، فإنّ وجه الله هو ذلك الوجود الواحد الذي صدر من الواجب سبحانه وتعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةً [سورة القمر : 50]، وهذا الواحد ليس واحداًبالعدد، بل هو واحد بوحدة ظلّية في مقابل الوحدة الحقة الحقيقية للواجب سبحانه وتعالى، ويعبّر عنها في الكتب الفلسفية باصطلاحات متعدّدة كالوجود المنبسط، والنفس الرحماني، والحق المخلوق به، والعنقاء «المغرب» [شرح بداية الحكمة (تقرير لأبحاث السيد كمال الحيدري): 2/ 92، هامش رقم (1)].

وننبه إلى أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ هذا الوجود السعي هو الصادر الأوّل عن الواجب، وهو مبتن على قاعدة الواحد، وقد تقدّم إبطالها.

الأمر الثاني استشهد بآيتين كريمتين احداهما على الوجود السعي، والأخرى على قاعدة الواحد، فينبغي بيان معنى الآيتين، وإنّهما لا تدلان على مطلوبه جملة وتفصيلا. الآية الأولى: قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة: 115].

الوجه لغة:

الوجه معروف والجمع الوجوه.. والوجه والجهة بمعنى... ويقال: هذا وجه الرأي أي هو الراي نفسة.. » [ الصحاح : 2254/6 وما بعدها].

وقال في لسان العرب: «ووجه كلّ شيء مستقبله» [555/13].

وفي الأخبار الشريفة:

1- عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : قلت لعلي بن موسى الرضا في حديث طويل: يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياؤه، ورسله، وحججه، هم الذين بهم يُتوجّه إلى الله، والى دينه» [الأمالي للصدوق): 545 ، والتوحيد (للصدوق): 117].

2- عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله : نحن وجه الله الذي لا يهلك». [ التوحيد

(للصدوق): 150].

وغيرها من الأخبار في تفسير وجه الله تعالى وهي موافقة للمعنى اللغوي. وفي خصوص الآية: «عن الصادق في قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ قال: هذا في النوافل خاصة في حال السفر، فأما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة» [وسائل الشيعة: 4 / 332]، وفي تفسير العياشي: «أنزل الله هذه الآية في التطوّع خاصة [تفسير العياشي: 56/1]. فلا مجال للمعنى الذي ذكره من الوجود السعي، بعد عدم ظهورها فيه، ودلالة اللغة والأخبار

المتقدّمة التي لا تشير إليه أصلاً.

الآية الثانية قوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [سورة القمر : 50]. قال الشيخ فخر الدين الطريحي : أي وما أمرنا إلا كلمة واحدة سريعة التكوين كلمح

بالبصر [ تفسير غريب القرآن للطريحي): 224]فالآية ظاهرة في وصف فعل الله تعالى وإيجاده، لا للموجود ليصح الاستشهاد بها على كونه واحداً.

، والأوّل إمّا واحد نوعي كوحدة الإنسان، وإمّا

ص: 157


1) تقدّم أن الملاك في التقسيم إلى الواحد والكثير هو الانقسام وعدم الانقسام، وهنا جعل عدم الانقسام من تقسيمات الواحد، وهذا يعني أنّ في هذه القسمة خطأ، وهو أنها من تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره.

2) السعة الوجودية تبتني على أصالة الوجود والتشكيك فيه، وقد تقدّم في المرحلة الأولى إبطالهما. ينظر الصفحة (29) هامش (1).

ص: 158

واحد جنسي كوحدة الحيوان، وإمّا واحد عرضي كوحدة الماشي والضاحك،

والواحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية كالوجود المنبسط. والواحد غير الحقيقي ما اتّصف بالوحدة بعرض غيره، بأن يتّحد نوع اتّحاد مع واحد حقيقي كزيد وعمرو، فإنّهما واحد في الإنسان، والإنسان والفرس فإنّهما واحد في الحيوان، وتختلف أسماء الواحد غير الحقيقي، باختلاف جهة الوحدة بالعرض، فالوحدة في معنى النوع تسمّى تماثلاً، وفي معنى الجنس تجانساً، وفي الكيف تشابهاً، وفي الكمّ تساوياً، وفي الوضع توازياً، وفي النسبة تناسباً، ووجود كلّ من الأقسام المذكورة ظاهر، كذا قرّروا (1)

النوعية والجنسية ووالعرضية [شرح المنظومة (قسم الحكمة): 110].

وقال المحقق الآملي : صرح بمرجع الضمير (هي) بأنّه الوحدة الحقيقية مطلقاً بكلا قسميها من الحقة وغير الحقة لئلا يتوهّم كون هذا التقسيم الخصوص غير الحقة منها». [درر الفوائد: 336/1 ]

فالوجود المنبسط عند السبزواري من مصاديق الوحدة الحقيقية الحقة، بمعنى أنه نفس الوحدة، لا ذات له الوحدة كما صرح بذلك المحقق الأملي في [ درر الفوائد: 1/ 334] وقال: «الحاصل، أنّ الحق تعالى والوجود المنبسط مشتركان في كون وحدتهما وحدة حقة حقيقية، إلا أن وحدة الحق تعالى حقة حقيقية أصلية، ووحدة الوجود المنبسط وحدة حقة حقيقية ظلية». وأما عند المصنّف الله فهو من مصاديق الوحدة الحقيقية غير الحقة» [ نهاية الحكمة (تعليق الشيخ الزارعي): 241/1 - 242].

ص: 159


1) يظهر من قوله: «كذا قرّروا هنا وفي نهاية الحكمة أنّ هذه التقسيمات متفق عليها بينهم، لكن الأمر خلاف ذلك، يقول الزارعي السبزواري في حاشية النهاية: ولا يخفى أنّ الحكيم السبزواري قسم الواحد الحقيقي مطلقاً إلى الواحد بالخصوص والواحد بالعموم، فقال: وهي أي الوحدة الحقيقية أنمّ للخصوص وهي الوحدة العددية. والعموم بحسب الوجود كحقيقة الوجود لا بشرط والوجود المنبسط، والمفهوم كالوحدة

الفصل الثالث: الهوهويّة وهو الحمل

من عوارض الوحدة الهوهويّة، كما أنّ من عوارض الكثرة الغيرية. ثمّ الهوهويّة هي الاتّحاد في جهة ما، مع الاختلاف من جهة ما، وهذا هو الحمل، ولازمه صحّة الحمل في كلّ مختلفين بينهما اتّحاد ما، لكن التعارف

خصّ إطلاق الحمل على موردين من الاتّحاد بعد الاختلاف:

أحدهما: أن يتّحد الموضوع و المحمول مفهوماً وماهيّة، ويختلفا بنوع من الاعتبار كالاختلاف بالإجمال والتفصيل في قولنا: الإنسان حيوان ناطق، فإنّ الحدّ عين المحدود مفهوماً، وإنّما يختلفان بالإجمال والتفصّي، وكالاختلاف

بفرض انسلاب الشيء عن نفسه، فتغاير نفسه نفسه، ثمّ يحمل على نفسه لدفع توهّم المغايرة، فيقال: الإنسان إنسان، ويسمّى هذا الحمل بالحمل الذاتي الأولي(1)

وثانيهما: أن يختلف أمران مفهوماً ويتحدا وجوداً كقولنا: الإنسان

ضاحك وزيد قائم ، ويسمّى هذا الحمل بالحمل الشائع الصناعي(2).

ص: 160


1) سمّي ذاتياً لكون المحمول فيه ذاتياً للموضوع وأولياً، لأنه من الضروريات الأولية التي لا يتوقف التصديق بها على أزيد من تصوّر الموضوع والمحمول. (منه).

2) سمّي شائعاً لأنه الشائع في المحاورات وصناعياً لأنه المعروف والمستعمل في الصناعات والعلوم. (منه).

الفصل الرابع: تقسيمات للحمل الشائع

وينقسم الحمل الشائع إلى حمل هو هو ، وهو أن يحمل المحمول على الموضوع بلا اعتبار أمر زائد نحو الإنسان ضاحك، ويسمّى أيضاً حمل المواطاة، وحمل ذي هو، وهو أن يتوقّف اتّحاد المحمول مع الموضوع على اعتبار زائد كتقدير ذي، أو الاشتقاق كزيد عدل أي ذو عدل أو عادل.

وينقسم أيضاً إلى بتّي وغير بتّي.

والبتّي ما كانت لموضوعه أفراد محقّقة يصدق عليها عنوانه كالإنسان

ضاحك، والكاتب متحرّك الأصابع.

وغير البتّي ما كانت لموضوعه أفراد مقدّرة غير محقّقة كقولنا: كلّ معدوم

مطلق، فإنّه لا يخبر عنه، وكلّ اجتماع النقيضين محال.

و ينقسم أيضاً إلى بسيط ومركب، ويسمّيان الهلّية البسيطة، والهلّية

المركبة.

والهلّية البسيطة ما كان المحمول فيها وجود الموضوع كقولنا: الإنسان ،موجود، والمركّبة ما كان المحمول فيها أثراً من آثار وجوده كقولنا: الإنسان

ضاحك. وبذلك يندفع ما استُشكل على قاعدة الفرعية، وهي أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، بأنّ ثبوت الوجود للإنسان مثلاً في قولنا: الإنسان

ص: 161

موجود فرع ثبوت الإنسان قبله فله وجود قبل ثبوت الوجود له، وتجري فيه قاعدة الفرعية، وهلّم جراً فيتسلسل

وجه الاندفاع: أنّ قاعدة الفرعية إنّما تجري في ثبوت شيء لشيء، ومفاد

الهلّية البسيطة ثبوت الشيء، لا ثبوت شيء لشيء، فلا تجري فيها القاعدة (1)

وقد تخلّص الدواني عن الإشكال بتبديل الفرعية بالاستلزام ، فقال: «ثبوت شيء لشيء مستلزم لثبوت المثبت له، فلا إشكال في الهلية البسيطة؛ لأنّ ثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية بهذا الوجود».

و فيه: أنه تسليم لورود الإشكال على القاعدة.

وعن الإمام الرازي: أنّ القاعدة مخصّصة بالهلية البسيطة.

وفيه: أنه تخصيص في القواعد العقلية. (منه).

الفصل الخامس: في الغيرية والتقابل

قد تقدّم أنّ من عوارض الكثرة الغيرية (2)وهي تنقسم إلى غيرية ذاتية وغير ذاتية، والغيرية الذاتية هي كون المغايرة بين الشيء وغيره لذاته كالمغايرة بين الوجود والعدم وتسمّى تقابلاً (3)، والغيرية غير الذاتية هي كون المغايرة الأسباب أخر غير ذات الشيء كافتراق الحلاوة والسواد في السكّر والفحم، وتسمّى خلافاً.

ص: 162


1) هذا الجواب لصدر المتألهين رحمه الله علیه.

2) الغيرية من عوارض التعدّد لا من عوارض الكثرة، فالكثير يكون كثيراً دون غيرية كماء البحر كثير دون غيرية، وسبق أن بيّنا أنّ المصنّف وأهل مسلكه خلطوا بين الكثرة (وهي مفهوم إضافي يقابل القلّة)، وبين التعدّد (وهو مفهوم غير إضافي ويقابله الوحدة).

3) قد يكون الشيئان متغايرين لذاتها، وليسا متقابلين كالإنسان والفرس، والسواد والحلاوة.

وينقسم التقابل وهو الغيرية الذاتية، وقد عرّفوه بامتناع اجتماع شيئين (1)في محلّ واحد، من جهة واحدة، في زمان واحد، إلى أربعة أقسام، فإنّ المتقابلين إمّا أن يكونا وجوديين أوّ لا، وعلى الأوّل إمّا أن يكون كلّ منهما معقولاً بالقياس إلى الآخر ، كالعلو والسفل فهما متضائفان، والتقابل تقابل التضايف (2)

والبرودة، فلا بد من إضافة قيد، وسيأتي في محله مزيد بيان.

، أو لا يكونا كذلك كالسواد والبياض، فهما متضادّان والتقابل تقابل التضادّ، وعلى الثاني يكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً؛ إذ لا تقابل بين عدميين (3)، وحينئذ إمّا أن يكون هناك موضوع قابل (4)لكلّ منهما، كالعمى والبصر، ويسمّى تقابلهما تقابل العدم والملكة، وأمّا أن لا يكون

كذلك كالنفي والإثبات، ويسمّيان متناقضين، وتقابلهما تقابل التناقض،

كذا قرّروا .

ومن أحكام مطلق التقابل أنه يتحقّق بين طرفين؛ لأنّه نوع نسبة بين

المتقابلين، والنسبة تتحقّق بين طرفين(5).

ص: 163


1) كيف يكونان شيئين وأحدهما عدم ؟! أليس قد قرّر في المرحلة الأولى أنّ الشيئية تساوق الوجود، وأنّ العدم لا شيئية له.

2) يرى بعض الأعلام المحققين أنّ هذا التعريف يشمل الضدّين اللذين يتعقلان معاً كالحرارة

3) لماذا لا يتحقق التقابل بين عدميين؟ أليس بين عدم الحركة وعدم السكون تقابلا؟!

4) المعروف أن يكون الموضوع من شأنه الاتصاف بالملكة، وليس قابلية الاتصاف، والفرق بينهما أنّ الشأنية أخص من القابلية؛ إذ قد يكون الشيء قابلاً و لا يقال : من شأنه مثل القيام وزيد، فزيد قابل للقيام ولا يقال: إنّه من شأنه إلّا تجوزاً بمعنى القابلية.

5) تعبیره ب-«الطرفين غير دقيق، والأولى أن يقول: (المفهومين)؛ وذلك لأن الطرفين قد يكونان مصداقين، أو أحدهما مصداقاً وهو خارج محلّ الكلام.

الفصل السادس: في تقابل التضايف

من أحكام التضايف أنّ المتضايفين متكافئان وجوداً وعدماً، وقوّة وفعلاً ، فإذا كان أحدهما موجوداً كان الآخر موجوداً بالضرورة، وإذا كان أحدهما معدوماً كان الآخر معدوماً بالضرورة، وإذا كان أحدهما بالفعل أو بالقوّة كان الآخر كذلك بالضرورة، ولازم ذلك أنّهما معان لا يتقدّم أحدهما على الآخر لا ذهناً ولا خارجاً(1)

الفصل السابع: في تقابل التضادّ

التضادّ على ما تحصّل من التقسيم السابق، كون أمرين وجوديين غير

متضائفين، متغايرين بالذات أي غير مجتمعين بالذات (2)

الأوّل: الاجتماع في الصدق مثل صدق (شاب) و (عالم) على زيد. الثاني: الاجتماع في المحلّ مثل أن يكون زيد محلّا للمشي وللبياض. فهل عدم الاجتماع هو في الصدق أم في المحل؟والصحيح أنه في المحلّ، فالضدّان أمران وجوديان لا يجتمعان في محلّ واحد. أما الصنف الآخر من الاجتماع فهو من شأن المتخالفين، والتخالف أعم من التقابل.

ص: 164


1) تقدّم من المصنّف بيان ملاك التضايف، وأنّه أن يكون كلاً منهما معقولا بالقياس إلى الآخر»، وقلنا: إنّ هذا التعريف أو الملاك غير مكتمل؛ إذ يدخل فيه الضدّان الإضافيان. ونضيف هنا : أنّ هذه الأحكام لا تكون أحكاماً للمتضايفين بناءً على ذلك الملاك الذي ذكره المصنف، إذ مثل الطول والقصر لا يتعقلان إلّا معاً والشدّة والضعف لا يتعقلان إلّا معاً، وكذلك الصغر والكبر، ولكنها يمكن أن يوجد أحد المتقابلين دون الآخر. فلا بد من إضافة قيد آخر وهو (ولا يصدقان إلا معاً)، فتخرج هذه الأمثلة إلى حد الضدين الإضافيين.

2) يوجد فردان للاجتماع:

و من أحكامه، أنّ لا تضادّ بين الأجناس العالية من المقولات العشر، فإنّ الأكثر من واحد منها تجتمع في محلّ واحد كالكمّ، والكيف وغيرهما في الأجسام، وكذا أنواع كلّ منها مع أنواع غيره، وكذا بعض الأجناس المندرجة تحت الواحد منها مع بعض آخر كاللون مع الطعم مثلاً، فالتضاد بالاستقراء إنّما يتحقق بين نوعين أخيرين مندرجين تحت جنس قريب، کاالسواد والبياض المندرجين تحت اللون، كذا قرّروا .

ومن أحكامه أنّه يجب أن يكون هناك موضوع يتواردان عليه؛ إذ لو لا موضوع شخصي مشترك لم يمتنع تحقّقهما في الوجود، كوجود السواد في جسم والبياض في آخر.

ولازم ذلك أن لا تضادّ بين الجواهر؛ إذ لا موضوع لها توجد فيه، فالتضاد إنّما يتحقق في الأعراض، وقد بدّل بعضهم الموضوع بالمحل حتى يشمل مادّة

الجواهر، وعلى هذا يتحقق التضاد بين الصور الجوهرية الحالة في المادّة (1). ومن أحكامه، أن يكون بينهما غاية الخلاف، فلو كان هناك أمور وجودية متغايرة، بعضها أقرب إلى بعضها من بعض، فالمتضادان هما الطرفان اللذان بينهما غاية البعد والخلاف (2)كالسواد والبياض، الواقع بينهما ألوان أخرى

ص: 165


1) هذا مبني على رأيه من أنّ الصورة جوهر، وتقدم بطلانه.

2) أين يضع المصنّف المراتب المتوسطة؟ وأي قيد في التعريف يخرجها؟ أما على ما ذكرناه فهي من الضدين الإضافيين.

متوسّطة، بعضها أقرب إلى أحد الطرفين من بعض، كالصفرة التي هي أقرب إلى البياض من الحمرة مثلاً.

و مما تقدّم يظهر معنى تعريفهم المتضادين بأنّهما أمران وجوديان متواردان

على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف (1).

الفصل الثامن: في تقابل العدم والملكة

ويسمّى أيضاً تقابل العدم والقُنية، وهما أمر وجودي لموضوع من شأنه أن يتصف به، وعدم ذلك الأمر الوجودي في ذلك الموضوع كالبصر والعمى

فقد البصر للموضوع الذي من شأنه أن يكون ذا بصر.

الذي هو فإن أخذ موضوع الملكة هو الطبيعة الشخصية، أو النوعية، أو الجنسية التي من شأنها أن تتّصف بالملكة في الجملة من غير تقييد بوقت خاصّ، سمّيا ملكه وعدما حقيقيين، فعدم البصر في العقرب عمى وعدم ملكة؛ لكون جنسه وهو الحيوان موضوعاً قابلا للبصر ، وإن كان نوعه غير قابل له كما قيل، وكذا مرودة الإنسان قبل أوان التحائه من عدم الملكة، وإن كان صنفه غير قابل للالتحاء قبل أوان البلوغ (2).

وإن أخذ الموضوع هو الطبيعة الشخصية (3)، وقيّد بوقت الاتصاف

ص: 166


1) تقدم بطلان هذا القيد.

2) هذا غير مسلّم، بل هو قابل للالتحاء.

3) لا مجال للشخصية، بل لا تكون ( شأنية) إلاّمع النوعية؛ إذ لا يكون الشيء (من شأنه) إلا بالمقايسة لفرد آخر من نوعه وهذا يعني النوعيه.

سمّيا عدماً وملكة مشهوريين، وعليه فقد الأكمه (1)وهو الممسوح العين

للبصر، وكذا المرودة ليسا من العدم والملكة في شيء.

الفصل التاسع: في تقابل التناقض

وهو تقابل الإيجاب والسلب، بأن يرد السلب على نفس ما ورد عليه الإيجاب، فهو بحسب الأصل في القضايا، وقد يحوّل مضمون القضية إلى المفرد فيقال : التناقض بين وجود الشيء (2)وعدمه، كما قد يقال: نقيض كلّ شيء رفعه (3)

وحكم النقيضين أعني الإيجاب والسلب أنّهما لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية (4)، وهي من البديهيات الأوّلية التي عليها يتوقّف صدق كلّ قضية مفروضة ضرورية كانت أو نظرية، إذ لا يتعلّق العلم بقضية إلّا بعد العلم بامتناع نقيضها، فقولنا : الأربعة زوج إنّما يتمّ تصديقه، إذا علم كذب قولنا ليست الأربعة زوجاً، ولذا سمّيت قضية

ص: 167


1) الأكمه هو من ولد أعمى.

2) التناقض يكون بين الشيء وعدمه وليس بين وجود الشيء وعدمه، فزيد نقيضه لازيد، وإنسان نقيضه لا إنسان.

3) فالمراد برفع الشيء طرده وإبطاله، فرفع الإنسان اللا ،انسان، كما أن طرد اللا إنسان الإنسان، لا كما توهمه بعضهم: أن رفع الشيء نفيه، وأن نقيض الإنسان اللا إنسان، ونقيض اللا إنسان اللا لا إنسان، وأنّ الإنسان لازم النقيض وليس به. (منه).

4) وهي قولنا : إمّا أن يصدق الإيجاب، أو يصدق السلب. (منه)

امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما أولى الأوائل.

ومن أحكام التناقض، أنّه لا يخرج عن حكم النقيضين شيء البتّة، فكلّ شيء مفروض إمّا أن يصدق عليه زيد أو اللا زيد، وكلّ شيء مفروض إمّا أن يصدق عليه البياض أو اللا بياض، وهكذا.

وأمّا ما تقدّم (1)في مرحلة الماهيّة، أن النقيضين مرتفعان عن مرتبة

موجود، الذات، كقولنا الإنسان من حيث إنه إنسان، ليس بموجود ولا لا فقد عرفت أن ذلك ليس بحسب الحقيقة من ارتفاع النقيضين في شيء، بل مآله إلى خروج النيقضين معاً، عن مرتبة ذات الشيء، فليس يحد الإنسان بأنه حيوان ناطق موجود ، ولا يحد بأنه حيوان ناطق معدوم.

ومن أحكامه أن تحققه في القضايا، مشروط (2)بثمان وحدات معروفة، مذكورة في كتب المنطق، وزاد عليها صدر المتألهين رحمه الله علیه وحدة الحمل (3)، بأن يكون الحمل فيهما جميعا حملاً أولياً، أو فيهما معا حملاً شايعاً من غير اختلاف، فلا تناقض بين قولنا: الجزئي جزئي أي مفهوماً، وقولنا: ليس الجزئي بجزئي أي مصداقاً.

ص: 168


1) في الفصل الأوّل من المرحلة الخامسة.

2) ما ذكروه هو الاتحاد في الوحدات الثّمان، ولكنّها لا تكفي لتحقق التناقض، بل لا بد من الاختلاف في الكم والكيف، والجهة.

3) يغني عن إضافة هذا الشرط ما اشترطوه من الاتحاد في الكم؛ لأن معناه أن تكون القضيتان مسوّرتان، والسور يحكي عن الأفراد وهذا يعني أنّ القضيتين يكون الحمل فيهما شائعاً صناعياً.

الفصل العاشر: في تقابل الواحد والكثير

اختلفوا في تقابل الواحد والكثير، هل هو تقابل بالذات أو لا، وعلى الأوّل ذهب بعضهم إلى أنّهما متضائفان ، وبعضهم إلى أنّهما متضادّان، وبعضهم إلى أنّ تقابلهما نوع خامس غير الأنواع الأربعة المذكورة.

والحقّ، أنّ ما بين الواحد والكثير من الاختلاف ليس من التقابل المصطلح(1)في شيء؛ لأنّ اختلاف الموجود المطلق بانقسامه إلى الواحد والكثير اختلاف تشكيكي، يرجع فيه ما به الاختلاف إلى ما به الاتّفاق، نظير انقسامه إلى الوجود الخارجي والذهني، وانقسامه إلى ما بالفعل وما بالقوّة، والاختلاف والمغايرة التي في كلّ من أقسام التقابل الأربع يمتنع أن يرجع إلى ما به الاتّحاد، فلا تقابل بين الواحد والكثير بشيء من أقسام التقابل الأربعة.

تتمّة :

التقابل بين الإيجاب والسلب ليس تقابلاً حقيقياً خارجياً، بل عقلي بنوع من الاعتبار، لأنّ التقابل نسبة خاصة بين المتقابلين، والنسب وجودات رابطة قائمة بطرفين موجودين ،محقّقين، واحد الطرفين في التناقض هو السلب، الذي هو عدم و بطلان (2)

تقدّم أن العدم ليس بطلاناً محضاً فراجع. ينظر الصفحة (43) الهامش (2)

، لكنّ العقل يعتبر السلب طرفاً للإيجاب، فيرى

ص: 169


1) تقدّم أنّ حيثية الوحدة هي عدم الانقسام، وحيثية الكثرة هي الانقسام، ومن الظاهر أنّ بين الانقسام وعدم الانقسام تقابلاً هو إما تقابل النقيضين، أو تقابل الملكة والعدم.

2) التقابل يكون بين المفهومين وهما موجودان في الذهن تنبيه:

عدم جواز اجتماعها لذاتيهما.

وأما تقابل العدم والملكة، فللعدم فيه حظّ من التحقّق (1)لكونه عدم صفة من شأن الموضوع أن يتصف بها، فينتزع عدمها منه، وهذا المقدار من

الوجود الانتزاعي كاف في تحقّق النسبة.

ص: 170


1) إذا كان العدم بطلاناً محضاً فكيف يكون له حظ من التحقق الذي هو الوجود؟!

المرحلة التاسعة: في السبق واللحوق والقدم والحدوث

اشارة

وفيها ثلاثة فصول

ص: 171

ص: 172

الفصل الأوّل:في معنى السبق واللحوق وأقسامهما والمعية

إنّ من عوارض الموجود بما هو موجود السبق واللحوق (1)وذلك أنّه ربّما كان لشيئين بما هما موجودان نسبة مشتركة إلى مبدأ وجودي، لكن لأحدهما منها ما ليس للآخر ، كنسبة الاثنين والثلاثة إلى الواحد، لكن الاثنين أقرب إليه فيسمّى سابقاً ومتقدّماً، وتسمّى الثلاثة لاحقة ومتأخرة (2)، و ربّماكانت النسبة المشتركة من غير تفاوت بين المنتسبين، فتسمّى حالهما بالنسبة إليه معية وهما معان.

وقد عدّوا للسبق واللحوق أقساماً عثروا عليها بالاستقراء:

منها: السبق الزماني، وهو السبق الذي لا يجامع فيه السابق اللاحق كتقدّم أجزاء الزمان بعضها على بعض كالأمس على اليوم، وتقدّم الحوادث الواقعة في الزمان السابق على الواقعة في الزمان اللاحق ويقابله اللحوق الزماني.

ص: 173


1) السبق واللحوق معنيان متضايفان يوجدان معاً كما هو الحال في كلّ متضايفين، فالابوّة والبنوّة يوجدان معاً، ويرد على دعوى المصنف : أنّ الباري موجود، وهو قبل أن يخلق الخلق لا سابق ولا لاحق.

2) الترتب بين الأعداد طبعي، أما في وجود المعدود فلا ترتب؛ إذ قد يوجد المعدود دفعة واحدة كأصابع اليد الواحدة.

ومنها: السبق بالطبع، وهو تقدّم العلّة الناقصة على المعلول كتقدّم

الاثنين على الثلاثة.

ومنها: السبق بالعلّية، وهو تقدّم العلّة التامّة على المعلول.

ومنها: السبق بالماهيّة ، ويسمّى أيضاً التقدّم بالتجوهر، وهو تقدّم علل القوام على معلولها كتقدّم أجزاء الماهيّة النوعية على النوع، وعد منه تقدّم الماهيّة على لوازمها كتقدّم الأربعة على الزوجية، ويقابله اللحوق والتأخر

بالماهيّة والتجوهر. وتسمّى هذه الأقسام الثلاثة أعني ما بالطبع، وما بالعلّية، وما بالتجوهرسبقاً ولحوقاً بالذات.

ومنها: السبق بالحقيقة، وهو أن يتلبّس السابق بمعنى من المعاني بالذات

ويتلبس به اللاحق بالعرض كتلبّس الماء بالجريان حقيقة وبالذات، وتلبّس

الميزاب به بالعرض، ويقابله اللحوق بذاك المعنى، وهذا القسم ممّا زاده صدر المتألّهين.

ومنها: السبق والتقدّم بالدهر ، وهو تقدّم العلّة الموجبة على معلولها، لكن لا من حيث إيجابها لوجود المعلول وإفاضتها له كما في التقدّم بالعلية، بل من حيث انفكاك(1)، وجودها وانفصاله عن وجود المعلول، وتقرّر عدم المعلول في مرتبة وجودها كتقدّم نشأة التجرّد العقلي على نشأة المادّة، ويقابله اللحوق والتأخر الدهري.

ص: 174


1) هذا محال؛ لأنّ وجود العلّة لا ينفك عن وجود المعلول؛ لأنهما متضايفان، وهما لا ينفكان عن بعضهما وجوداً وعدماً.

وهذا القسم قد زاده السيّد الداماد رحمه الله علیه بناء على ما صوّره من الحدوث والقدم الدهريين، وسيجيء بيانه (1).

ومنها: السبق والتقدّم بالرتبة، أعمّ من أن يكون الترتيب بحسب الطبع، أو بحسب الوضع والاعتبار، فالأوّل كالأجناس والأنواع المترتّبة، فإنّك إن ابتدأت آخذاً من جنس الأجناس كان سابقاً متقدّماً على ما دونه، ثمّ الذي يليه وهكذا حتّى ينتهي إلى النوع الأخير، وإن ابتدأت آخذاً من النوع الأخير كان الأمر في التقدّم والتأخّر بالعكس.

والثاني كالإمام والمأموم، فإنّك إن اعتبرت المبدأ هو المحراب كان الإمام هو السابق على من يليه من المأمومين، ثمّ من يليه على من يليه، وإن اعتبرت المبدأ هو الباب كان أمر السبق واللحوق بالعكس.

ويقابل السبق والتقدّم بالرتبة اللحوق والتأخر بالرتبة.

ومنها : السبق بالشرف (2)، وهو السبق في الصفات الكمالية كتقدّم العالم

على الجاهل والشجاع على الجبان.

الفصل الثاني: في ملاك السبق في أقسامه

وهو الأمر المشترك فيه بين المتقدّم والمتأخر، الذي فيه التقدّم.

ص: 175


1) في الفصل الثالث.

2) هذا القسم أجنبي عن المقسم؛ لأنّ الكامل متقدّم بالشرف على الناقص سواءً وجدا أو عدما، أو وجد أحدهما وعدم الآخر.

ملاك السبق في السبق الزماني هو النسبة إلى الزمان، سواء في ذلك نفس الزمان والأمر الزماني، وفي السبق بالطبع هو النسبة إلى الوجود(1)، وفي السبق بالعلّية هو الوجوب، وفي السبق بالماهيّة والتجوهر هو تقرّر الماهيّة وفي السبق بالحقيقة هو مطلق التحقّق الأعمّ من الحقيقي والمجازي(2)، وفي السبق الدهري هو الكون بمتن الواقع، وفي السبق بالرتبة النسبة إلى مبدأ محدود كالمحراب أو الباب في الرتبة الحسية، وكالجنس العالي أو النوع الأخیر في الرتبة العقلية، وفي السبق بالشرف هو الفضل والمزية (3).

الفصل الثالث: في القدم والحدوث وأقسامهما

كانت العامّة تطلق اللفظتين القديم والحادث على أمرين يشتركان في الانطباق على زمان واحد، إذا كان زمان وجود أحدهما أكثر من زمان وجود الآخر، فكان الأكثر زماناً هو القديم، والأقلّ زماناً هو الحادث والحديث، وهما وصفان إضافيان أي أنّ الشيء الواحد يكون حادثاً بالنسبة إلى شيء، وقديماً بالنسبة إلى آخر، فكان المحصّل من مفهوم الحدوث هو مسبوقية الشيء بالعدم في زمان ومن مفهوم القدم عدم كونه مسبوقاً بذلك.

ص: 176


1) التقدم هنا ليس بالوجود فقط، فقد توجد أشياء دفعة واحدة كأصابع اليد الواحدة.

2) السبق الأعمّ من الحقيقي والمجازي هو السبق بالعروض لا بالتحقق، ومثاله أن عروض الجريان على الماء حقيقي وسابق على العروض على الميزاب الذي هو مجازي ولاحق.

3) إذا كان ملاك السبق هو الأمر المشترك فما هو القدر المشترك بين الفضيلة والرذيلة ؟!

ثم عمّموا مفهومي اللفظين بأخذ العدم مطلقاً يعمّ العدم المقابل، وهو العدم الزماني الذي لا يجامع الوجود والعدم المجامع الذي هو عدم الشيء في حدّ ذاته(1)، المجامع لوجوده بعد استناده إلى العلّة.

فكان مفهوم الحدوث مسبوقية الوجود بالعدم، ومفهوم القدم عدم مسبوقيته بالعدم، والمعنيان من الأعراض الذاتية لمطلق الوجود (2)، فإنّ الموجود بما هو موجود إمّا مسبوق بالعدم، وإمّا ليس بمسبوق به، وعند ذلك صحّ البحث عنهما في الفلسفة.

فمن الحدوث الحدوث الزماني، وهو مسبوقية وجود الشيء بالعدم الزماني، كمسبوقية اليوم بالعدم في أمس، ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس، ويقابله القدم الزماني، وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم الزماني كمطلق الزمان الذي لا يتقدّمه زمان ولا ،زماني، وإلّا ثبت الزمان من حيث

انتفى، هذا خلف.

ومن الحدوث الحدوث،الذاتي، وهو مسبوقية وجود الشيء بالعدم في ذاته كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلّة خارجة من ذاتها(3)، وليس لها في ماهيّتها وحدّ ذاتها إلّا العدم.

ص: 177


1) الشيء في حدّ ذاته لا موجود ولا معدوم، ومجامعة الوجود للعدم اجتماع للنقيضين.

2) بل كلّ منهما عرض لقسم من الوجود كالزوجية والفردية، فكلّ منهما عرض ذاتي لأحد قسمي العدد.

3) هنا نسأل هل علة ذلك المعلول قديمة أم حادثة ؟ إن كانت قديمة فلا يمكن مجامعة العدم للمعلول حينئذ.

فإن قلت: الماهيّة ليس لها في حدّ ذاتها إلّا الإمكان، و لازمه تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم، وخلو الذات عن الوجود والعدم جميعاً، دون التلبس بالعدم كما قيل.

قلت: الماهيّة و إن كانت في ذاتها خالية عن الوجود والعدم، مفتقرة في تلبّسها بأحدهما إلى مرجّح ، لكن عدم مرجح الوجود وعلّته كاف في كونها معدومة.

وبعبارة أخرى: خلوّها في حدّ ذاتها عن الوجود والعدم، وسلبها عنها إنّما هو بحسب الحمل الأوّلي، وهو لا ينافي اتّصافها بالعدم حينئذ بحسب

الحمل الشائع (1).

ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الذاتي، وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم في حدّ ذاته، وإنّما يكون فيما كانت الذات عين حقيقة الوجود الطارد للعدم بذاته، وهو الوجود الواجبي الذي ماهيّته إنّيته.

ومن الحدوث الحدوث الدهري الذي ذكره السيّد المحقق الداما د رحمه الله علیه، وهو مسبوقية وجود مرتبة من مراتب الوجود بعدمه المتقرّر في مرتبة هي فوقها في السلسلة الطولية، وهو عدم غير مجامع، لكنّه غير زماني كمسبوقية عالم المادّة بعدمه المتقرّر في عالم المثال ، ويقابله القدم الدهري وهو ظاهر.

ص: 178


1) الماهيّة بحسب الحمل الشايع إما موجودة أو معدومة وإلا لارتفع النقيضان، والظاهر أنّ هناك خلطاً، فنجد أنّ الحديث عن العدم المجامع لا ينسجم مع الحمل الشائع؛ للزومه اجتماع النقيضين. وبعبارة أخرى إن أخذنا الحمل حملاً أولياً صحّح أخذ الماهيّة بحدّ ذاتها دون النظر إلى الوجود والعدم، بل حكموا بتساوي نسبتها إليهما، ولا تخرج عن حدّ التساوي إلّا عند أخذها بالحمل الشائع، وإن أخذت بالحمل الشائع فلا يصح ارتفاع أحد الوصفين عنها أعني الوجود أو العدم. والمصنّف أخذها مرّة بالحمل الأولي، وردّ الإشكال بناءاً على الحمل الشائع، فهنا خلط ظاهر.

المرحلة العاشرة: في القوّة والفعل

اشارة

وفيها ستّة عشر فصلاً

<<<>... ص: 179

ص: 180

وجود الشيء في الأعيان بحيث يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه يسمّى فعلاً

ويقال: إنّ وجوده بالفعل، وإمكانه الذي قبل تحقّقه يسمّى قوّة.

ويقال: إنّ وجوده بالقوّة بعد، وذلك كالماء يمكن أن يتبدّل هواء، فإنّه ما

دام ماء ماء بالفعل وهواء بالقوّة، فإذا تبدل هواء صار هواء بالفعل، وبطلت

القوّة، فمن الوجود ما هو بالفعل، ومنه ما هو بالقوّة، والقسمان هما المبحوث عنهما في هذه المرحلة (1)، وفيها ستّة عشر فصلاً .

الفصل الأوّل: كلّ حادث زماني مسبوق بقوّة الوجود

كلّ حادث زماني فإنّه مسبوق بقوّة الوجود؛ لأنّه قبل تحقّق وجوده يجب أن يكون ممكن الوجود، يجوز أن يتصف بالوجود كما يجوز أن لا يوجد (2)، إذ لو كان ممتنع الوجود استحال تحقّقه، كما أنه لو كان واجباً لم يتخلّف عن الوجود، لكنّه ربّما لم يوجد، وإمكانه هذا غير قدرة الفاعل عليه؛ لأنّ إمكان

ص: 181


1) لا يصح جعل الإمكان قسمًا من الوجود حال كون متعلّقه عدماً بالفعل، وتقييده بالقوة يغري بقبوله، ويوهم بصحة التقسيم والحال أنه تقسيم للشيء إلى نفسه ونقيضه، فتأمل.

2) بل هو عدم بالفعل.

وجوده وصف له بالقياس إلى وجوده (1)، لا بالقياس إلى شيء آخر كالفاعل. وهذا الإمكان أمر خارجي(2)

الشيء تجعله يكون شيئاً آخر، لكن لا ببيانه، ولا شأن للإمكان به.

وبعبارة أخرى الخصوصية التي في البذرة التي تجعل فيها الاستعداد لتكون نبتة ليست الإمكان؛ لأنّ الإمكان أمر متساوي النسبة للوجود والعدم ذهناً، أما في الخارج فهو إما موجود أو معدوم، ولا معنا للتساوي خارجاً، ومن هنا فالاتصاف بالقرب، والبعد، والشدة، والضعف من خصوصيات تلك الخصوصية، لا الإمكان لمكان كونه التساوي بالنسبة إلى الوجود والعدم، فتأمل.

، لا معنى عقلي اعتباري لأحق بماهيّة الشيء؛ لأنّه يتصف بالشدّة، والضعف، والقرب، والبعد، فالنطفة التي فيها إمكان أن يصير إنساناً، أقرب إلى الإنسانية من الغذاء الذي يتبدّل نطفة، والإمكان فيها أشدّ منه فيه.

وإذ كان هذا الإمكان أمراً موجوداً في الخارج فليس جوهراً قائماً بذاته وهو ظاهر، بل هو عرض قائم بشيء آخر، فلنسمّه قوّة، ولنسمّ موضوعه مادّة، فإذن لكلّ حادث زماني مادّة سابقة عليه تحمل قوّة وجوده.

ويجب أن تكون المادّة غير آبية عن الفعلية التي تحمل إمكانها، فهي في ذاتها قوّة الفعلية التي فيها إمكانها، إذ لو كانت ذات فعلية في نفسها، لأبت عن قبول فعلية أخرى، بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوّة الأشياء، وهي لكونها جوهراً بالقوّة قائمة بفعلية أخرى، إذا حدثت الفعلية التي فيها قوّتها، بطلت الفعلية الأولى، وقامت مقامها الفعلية الحديثة كالماء إذا صار هواء

ص: 182


1) بل بلحاظ ذاته فتساوي نسبته إلى الوجود والعدم لا يكون إلا بلحاظ ذاته فقط، أما الواقع فلا يتخلّف عن أحدهما - الوجود أو العدم ؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين.

2) هذا الإمكان لا يكون أمراً خارجياً؛ لتساويه للوجود والعدم، ولعلّه يريد نوع خصوصية في

بطلت الصورة المائية، التي كانت تقوّم المادّة الحاملة لصورة الهواء، وقامت

الصورة الهوائية مقامها ، فتقوّمت بها المادّة التي كانت تحمل إمكانها.

ومادّة الفعلية الجديدة ،الحادثة، والفعلية السابقة الزائلة واحدة، وإلّا

كانت حادثة بحدوث الفعلية الحادثة، فاستلزمت إمكاناً آخر، ومادّة أخرى

وهكذا، فكانت لحادث واحد، مواد وإمكانات غير متناهية وهو محال،

ونظير الإشكال لازم فيما لو فرض للمادّة حدوث زماني.

وقد تبيّن بما مرّ أيضاً:

أوّلاً: أنّ كلّ حادث زماني فله مادّة تحمل قوّة وجوده (1).

وثانياً أنّ مادّة الحوادث الزمانية واحدة مشتركة بينها (2).

وثالثاً: أنّ النسبة بين المادّة وقوّة الشيء التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي والجسم التعليمي، فقوّة الشيء الخاصّ تعيّن قوّة المادة المبهمة، كما أنّ الجسم التعليمي تعيّن الامتدادات الثلاث المبهمة في الجسم الطبيعي.

ورابعاً: أنّ وجود الحوادث الزمانية لا ينفكّ عن تغيّر في صورها إن

ص: 183


1) القوّة على ما تقدّم أمر عدمي، فلا معنا لكونها قوة وجود كما تقدّم فراجع.

2) لم يتضح لنا أمر وحدتها، فإن أراد أنها وحدة شخصية فهو ظاهر البطلان، وإن أراد أنها واحدة بالنوع فهو كذلك؛ لأنّ المادة الحاملة للخصوصيات مختلفة بالنوع، قال الشيخ غلام رضا فيّاضي في تعليقته على [ بداية الحكمة: 2/ 80]: «أي الحوادث الزمانية الطولية المتبدل كلّ منه إلى الأخرى». وفيه: أن المادة الحاملة للقوّة عند انتقالها إلى الفعلية يتكون منها شيئاً جديد، فالمضغة الحاملة لقوة العلقة عندما تكون علقة بالفعل تتبدّل المضغة إلى شيء آخر ، وتنتفي المادة الأولى لتتحصل مادة أخرى، وتحمل قوّة أخرى، فليست واحدة.

كانت جواهر، أو في أحوالها إن كانت أعراضاً(1).

وخامساً: أنّ القوّة تقوم دائماً بفعلية، والمادّة تقوم دائماً بصورة تحفظها،

فإذا حدثت صورة بعد صورة قامت الصورة الحديثة مقام القديمة، وقوّمت المادّة (2). وسادساً: يتبيّن بما تقدّم أنّ القوّة تتقدّم على الفعل الخاصّ تقدّماً زمانياً، وأن مطلق الفعل يتقدّم على القوّة بجميع أنحاء التقدّم، من علّي وطبعي، وزماني وغيرها.

الفصل الثاني: في تقسيم التغير

قد عرفت أنّ من لوازم خروج الشيء من القوّة إلى الفعل حصول التغيّر،

إمّا في ذاته أو في أحوال ذاته.

فاعلم أنّ حصول التغيّر إمّا دفعي وإمّا تدريجي(3)، والثاني هو الحركة، وهي نحو وجود تدريجي للشيء، ينبغي أن يبحث عنها من هذه الجهة في الفلسفة الأولى.

ص: 184


1) الحركة خروج من القوّة إلى الفعل - كما عرفت - هنا نسأل كيف يخرج البناء الثابت من القوّة إلى الفعل باستمرار كما هو المشاهد في الآثار القديمة والجبال لا سيما الصخرية منها؟

2) في لحظة انعدام الصورة القديمة، وقبل حدوث الجديدة تنعدم المادة أم ماذا؟

3) على التغير الدفعي كيف تنعدم الصورة القديمة، وتحصل الصورة الجديدة دون تخلل آن ما تكون فيه المادة عارية عن الصورة؟ ومع التغيّر التدريجي مع وصول الصورة القديمة إلى المنتصف، والجديدة كذلك ماذا سيكون هذا الشيء ؟ مع العلم أنّ حقيقة الشيء بصورته التي هي الفصل.

الفصل الثالث: في تحديد الحركة

قد تبيّن في الفصل السابق أنّ الحركة خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجاً، وإن شئت فقل: هي تغيّر الشيء تدريجاً، والتدريج معنى بديهي التصوّر بإعانة الحسّ عليه، وعرفها المعلم الأوّل: بأنها كمال أوّل لما بالقوّة

من حيث إنّه بالقوّة(1).

وتوضيحه: أنّ حصول ما يمكن أن يحصل للشيء كمال له، والشيء الذي يقصد بالحركة حالاً من الأحوال كالجسم مثلاً يقصد مكاناً ليتمكّن فيه فيسلك إليه، كان كلّ من السلوك والتمكّن في المكان الذي يسلك إليه كمالاً لذلك الجسم، غير أنّ السلوك كمال أوّل لتقدّمه، والتمكّن كمال ثان، فإذا شرع في السلوك فقد تحقّق له كمال لكن لا مطلقاً، بل من حيث إنّه بعد بالقوّة بالنسبة إلى كماله الثاني، وهو التمكّن في المكان الذي يريده، فالحركة كمال أوّل لما هو بالقوّة بالنسبة إلى الكمالين من حيث إنّه بالقوّة بالنسبة إلى الكمال الثاني.

وقد تبيّن بذلك، أنّ الحركة تتوقّف في تحققها على أمور ستّة: المبدأ

الذي منه الحركة، والمنتهى الذي إليه الحركة، والموضوع الذي له الحركة وهو المتحرّك، والفاعل الذي يوجد الحركة وهو المحرّك، والمسافة التي فيها

ص: 185


1) ما بالقوة في (خانة) العدم فكيف يكون له كمال؟! وما بالقوّة للنبات غير ما بالقوة للحيوان مثلا مع عدم التمايز في الأعدام كما ذهب إليه المصنّف.

الحركة، والزمان الذي ينطبق عليه الحركة نوعاً من الانطباق، وسيجيء

توضيح ذلك.

الفصل الرابع: في انقسام الحركة إلى توسّطية وقطعية

تعتبر الحركة بمعنيين:

أحدهما: كون الجسم بين المبدأ والمنتهى، بحيث كلّ حدّ فرض في الوسط

فهو ليس قبله ولا بعده فيه، وهو حالة بسيطة ثابتة لا انقسام فيها(1)، وتسمّى الحركة التوسّطية.

وثانيهما: الحالة المذكورة من حيث لها نسبة إلى حدود المسافة، من حدّ تركها، ومن حدّ لم يبلغها أي إلى قوّة تبدّلت فعلاً، وإلى قوّة باقية على حالها بعد يريد المتحرّك أن يبدلها فعلاً، ولازمه الانقسام إلى الأجزاء، والانصرام، والتقفضّي تدريجاً، كما أنه خروج من القوّة إلى الفعل تدريجاً، وتسمّى الحركة القطعية، والمعنيان جميعاً موجودان في الخارج؛ لانطباقهما عليه بجميع خصوصياتهما.

وأمّا الصورة التي يأخذها الخيال من الحركة بأخذ الحدّ بعد الحدّ من الحركة، وجمعها فيه صورة متّصلة، مجتمعة، منقسمة إلى الأجزاء، فهي ذهنية لا وجود لها في الخارج ؛ لعدم جواز اجتماع الأجزاء في الحركة، وإلا كان ثباتاً لا تغيّراً.

ص: 186


1) كونه ينطبق عليه في الوسط لا يعطي أنه حالة بسيطة، بل هو متعدّد الأفراد، ينطبق عليها جميعاًمفهوم (في الوسط).

وقد تبيّن بذلك، أنّ الحركة - ونعني بها القطعية - نحو وجود سيّال منقسم إلى أجزاء، تمتزج فيه القوّة والفعل، بحيث يكون كلّ جزء مفروض فيه فعلاً لما قبله من الأجزاء وقوّة لما بعده، وينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعل معها، وإلى فعل لا قوّة معه.

الفصل الخامس: في مبدأ الحركة ومنتهاها

قد عرفت (1)أنّ في الحركة انقساماً لذاتها (2)، فاعلم، أنّ هذا الانقسام لا يقف على حدّ، نظير الانقسام الذي في الكميات المتّصلة القارّة، من الخطّ والسطح (3)والجسم، إذ لو وقف على حدّ كان جزءاً لا يتجزأ، وقد تقدّم بطلانه (4). وأيضاً هو انقسام بالقوّة لا بالفعل؛ إذ لو كان بالفعل بطلت الحركة لانتهاء القسمة إلى أجزاء دفعية الوقوع.

وبذلك يتبيّن، أنه لا مبدأ للحركة ولا منتهى لها، بمعنى الجزء الأوّل الذي لا ينقسم من جهة الحركة والجزء الآخر الذي كذلك، لما عرفت آنفا

ص: 187


1) في الفصل السابق.

2) إذا كان في الحركة انقسام لذاتها فكيف قسمها إلى توسطية وقطعية في الفصل السابق وادعى أنّ التوسطية لا انقسام لها ؟!

3) الخط والسطح إن كانت أجساماً أغنى عن ذكرها ذكر ذي الجسم وإن لم تكن أجساماً فالخصائص التي ذكرها للجسم تكون غير مختصة به فتأمل.. وقد ذكرنا أنّ التجزئ ليس من خصائص الجسم بل هو من خصائص الحادث.

4) في الفصل الثالث من المرحلة السادسة.

أنّ الجزء بهذا المعنى دفعي الوقوع غير تدريجيه، فلا ينطبق عليه حدّ الحركة؛ لأنها تدريجية الذات.

وأمّا ما تقدّم(1)، أن الحركة تنتهي من الجانبين، إلى قوّة لا فعل معها وفعل لا قوّة معه، فهو تحديد لها بالخارج من ذاتها.

الفصل السادس: في موضوع الحركة وهو المتحرك الذي يتلبس بها

قد عرفت (2)أنّ الحركة خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجاً، وأنّ هذه القوّة يجب أن تكون محمولة في أمر جوهري قائمة به، وهذا الذي بالقوّة كمال بالقوّة للمادّة متّحد معها، فإذا تبدّلت القوّة فعلاً كان الفعل متّحداً مع المادّة مكان القوّة، فمادّة الماء مثلاً هواء بالقوّة، وكذا الجسم الحامض حلو بالقوّة، فإذا تبدّلت الماء هواءاً، والحموضة حلاوة كانت المادّة التي في الماء المتلبسة بالهوائية، والجسم الحامض هو المتلبّس بالحلاوة، ففي كلّ حركة

موضوع تنعته الحركة، وتجري عليه.

ويجب أن يكون موضوع الحركة أمراً ثابتاً(3)، تجري وتتجدّد عليه الحركة، وإلّا كان ما بالقوّة غير ما يخرج إلى الفعل، فلم تتحقّق الحركة التي

ص: 188


1) في الفصل السابق.

2) مرّ الأوّل في الفصل الثالث، والثاني في الفصل الأوّل.

3) إذا كانت الحركة هي الخروج من القوّة إلى الفعل فكيف يكون موضوعها أمراً ثابتاً؟ فالبذرة فيها قوة الشجرة مع أن الشجرة غير البذرة، فتأمل.

هي خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجاً.

ويجب أن لا يكون موضوع الحركة أمراً بالفعل من كلّ جهة كالعقل المجرّد إذ لا حركة إلّا مع قوّة ما، فما لا قوّة فيه فلا حركة له، ولا أن يكون بالقوّة من جميع الجهات، إذ لا وجود لما هو كذلك، بل أمراً بالقوّة من جهة، وبالفعل من جهة كالمادّة الأولى التي لها قوّة الأشياء، وفعلية أنّها بالقوة، وكالجسم الذي هو مادّة ثانية لها قوّة الصور النوعية والأعراض المختلفة وفعلية الجسمية وبعض الصور النوعية.

الفصل السابع: في فاعل الحركة وهو المحرك

يجب أن يكون المحرّك غير المتحرّك؛ إذ لو كان المتحرّك هو الذي يوجد الحركة في نفسه لزم أن يكون شيء واحد فاعلاً و قابلاً من جهة واحدة، وهو محال، فإنّ حيثية الفعل هي حيثية الوجدان، وحيثية القبول هي حيثية الفقدان، ولا معنى لكون شيء واحد واجداً وفاقداً من جهة واحدة. وأيضاً المتحرّك هو بالقوّة بالنسبة إلى الفعل الذي يحصل له بالحركة، وفاقد له، وما هو بالقوّة لا يفيد فعلاً. ويجب أن يكون الفاعل القريب للحركة أمراً متغيّراً متجدّد الذات (1)إذ لو كان أمراً ثابت الذات من غير تغيّر وسيلان كان الصادر منه أمراً ثابتاً في

ص: 189


1) لا يصح ذلك، بل يمكن أن يكون متغيراً بالعرض، أمّا تجدد الذات فغريب! إلا على القول بأنّ الحركة هي الخروج من القوّة إلى الفعل وهو غير تام، ولا أقل من أن حصر الحركة بذلك غير تامّ.

نفسه، فلم يتغيّر جزء من الحركة إلى غيره من الأجزاء؛ لثبات علّته من غير

تغيّر في حالها، فلم تكن الحركة حركة، هذا خلف.

الفصل الثامن: في ارتباط المتغيّر بالثابت

ربّما قيل: إنّ وجوب (1)استناد المتغيّر المتجدّد إلى علّة متغيّرة متجدّدة مثله يوجب استناد علّته المتغيّرة المتجدّدة أيضاً إلى مثلها في التغيّر والتجدّد، وهلمّ جراً، ويستلزم ذلك أمّا التسلسل، أو الدور، أو التغيّر في المبدأ الأوّل تعالى

عن ذلك.

وأجيب: بأنّ التجدّد والتغيّر ينتهي إلى جوهر متحرّك بجوهره، فيكون التجدّد ذاتياً له، فيصحّ استناده إلى علّة ثابتة توجد ذاته، لأنّ إيجاد ذاته عين إيجاد تجدده.

الفصل التاسع: في المسافة التي يقطعها المتحرّك بالحركة

مسافة الحركة هي الوجود المتصل السيّال الذي يجري على الموضوع المتحرّك، وينتزع منه - لا محالة - مقولة من المقولات، لكن لا من حيث إنّه

ص: 190


1) لا يجب ذلك، وإنما جاء الإشكال من قياس العلل المادية على ما بنى عليه من معنى الحركة، وإلا فقد تستند الحركة إلى الفاعل الثابت، بل لا ضرورة لدعوى التغيّر في الذات في الباري ؛ لأنه تام الفعلية كما يعبّرون ، والفعل هو ايجاد الشيء لا من شيء في فعله تعالى، لا خروجه من القوّة إلى الفعل.

متّصل واحد متغيّر، فإنّ لازمه وقوع التشكيك في الماهيّة وهو محال(1)، بل من حيث إنّه منقسم إلى أقسام آنية الوجود، كلّ قسم منه نوع من أنواع المقولة، مبائن لغيره كنمو الجسم مثلاً فإنّه حركة منه في الكمّ، يرد عليه في كل آن من آنات الحركة نوع من أنواع الكمّ المتّصل، مبائن للنوع الذي ورد عليه في الآن السابق، والنوع الذي سيرد عليه في اللاحق. فمعنى حركة الشيء في المقولة أن يرد على الموضوع في كلّ آن نوع من أنواع المقولة مبائن للنوع الذي يرد عليه في آن غيره.

الفصل العاشر: في المقولات التي تقع فيها الحركة

المشهور بين قدماء الفلاسفة، أنّ المقولات التي تقع فيها الحركة أربع

مقولات: الأين، والكيف، والكمّ، والوضع.

أمّا الأين: فوقوع الحركة فيه ظاهر كالحركات المكانية التي في الأجسام لكن في كون الأين مقولة برأسها كلام، وإن كان مشهوراً بينهم، بل الأين ضرب من الوضع، وعليه فالحركة الأينية ضرب من الحركة الوضعية.

وأمّا الكيف: فوقوع الحركة فيه، وخاصّة في الكيفيّات غير الفعلية كالكيفيّات المختّصة بالكميات كالاستواء، والاعوجاج ونحوهما ظاهر، فإنّ الجسم المتحرّك في كمّه يتحرّك في الكيفيّات القائمة بكمّه.

ص: 191


1) تقدّم في التعليق على الفصل الخامس من المرحلة الأولى بطلان هذه الدعوى، وأنّ التشكيك لا يتحقق في الوجود والجوهر، وهو متحقق في الماهيات العرضية، فراجع.

وأما الكمّ: فالحركة فيه تغيّر الجسم في كمّه، تغيّراً متّصلاً بنسبة منتظمة تدريجاً، كالنمو الذي هو زيادة الجسم في حجمه زيادة متّصلة منتظمة تدريجاً. وقد أورد عليه: أنّ النمو إنّما يتحقّق بانضمام أجزاء من خارج إلى أجزاء الجسم، فالكمّ الكبير اللاحق هو الكمّ العارض لمجموع الأجزاء الأصلية والمنضمّة، والكمّ الصغير السابق هو الكمّ العارض لنفس الأجزاء الأصلية، والكّمان ،متباينان غير متّصلين؛ لتباين موضوعيهما، فلا حركة في كمّ، بل هو زوال كمّ وحدوث آخر .

وأجيب عنه: أنّ انضمام الضمائم لا ريب فيه، لكن الطبيعة تبدّل الأجزاء المنضمّة بعد الضمّ إلى صورة الأجزاء الأصلية، ولا تزال تبدّل وتزيد كمّية الأجزاء الأصلية تدريجاً بانضمام الأجزاء وتغيّرها إلى الأجزاء الأصلية، فيزداد الكمّ العارض للأجزاء الأصلية زيادة متّصلة تدريجية وهي الحركة.

وأما الوضع: فالحركة فيه أيضاً ظاهر كحركة الكرة على محورها، فإنّه تتبدّل بها نسبة النقاط المفروضة عليها إلى الخارج عنها، وهو تغيّر تدريجي في وضعها. قالوا: ولا تقع حركة في باقي المقولات وهي الفعل، والانفعال، ومتّى

والإضافة، والجدة، والجوهر.

أمّا الفعل والانفعال، فإنّه قد أخذ في مفهوميهما التدريج(1)، فلا فرد آني الوجود لهما، و وقوع الحركة فيهما يقتضي الانقسام إلى أقسام آنية الوجود

وليس لهما ذلك.

ص: 192


1) تقدّم أنه يلزم منه التشكيك في الماهيّة، وقد أنكره في الفصل السابق.

وكذا الكلام في متّى، فإنّه الهيأة الحاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان، فهي

تدريجية تنافي وقوع الحركة فيها، المقتضية للانقسام إلى أقسام آنية الوجود. وأما الإضافة فإنّها انتزاعية تابعة لطرفيها، فلا تستقلّ بشيء كالحركة، وكذا الجدة فإنّ التغير فيها تابع لتغير موضوعها كتغير النعل أو القدم عمّا

كانتا عليه.

وأما الجوهر فوقوع الحركة فيه يستلزم تحقّق الحركة من غير موضوع ثابت، وقد تقدّم (1)أن تحقّق الحركة موقوف على موضوع ثابت، باق ما دامت الحركة.

الفصل الحادي عشر: في تعقيب ما مرّ في الفصل السابق

ذهب صدر المتألهين رحمه الله علیه إلى وقوع الحركة في مقولة الجوهر، واستدلّ عليه بأمور أوضحها أنّ وقوع الحركة في المقولات الأربع العرضية يقضي بوقوعها في مقولة الجوهر؛ لأنّ الأعراض تابعة للجواهر، مستندة إليها استناد الفعل إلى فاعله (2)

العلة الصورية يقصد لا الفاعلية.

، فالأفعال الجسمانية مستندة إلى الطبائع والصور النوعية (3)،

ص: 193


1) في الفصل السادس.

2) بل الذات هي محل للعرض، وفاعل العرض غير الذات، فاللون - مثلا - محله الجسم، وعلته غير الجسم، وإلا لكانت الأعراض من حاق الجسم بلا إرادة في الفاعل المختار كالقيام لزيد، فيكون زيد مجبوراً على القيام والصحيح أنّ القيام معلول لإرادة زيد لا لذاته.

3) بل للأرادة في الفاعل المختار ناظر للجوهر كمقولة؛ ولذا قال : مقولة الجوهر.

وهي الأسباب القريبة لها، وقد تقدّم (1)أنّ السبب القريب للحركة أمر تدريجي كمثلها، فالطبائع والصور النوعية في الأجسام المتحرّكة، في الكمّ والكيف، والأين، و الوضع متغيّرة، سيّالة الوجود كأعراضها، ولو لا ذلك لم يتحقّق سبب لشيء من هذه الحركات(2)

وأورد عليه: أنّا ننقل الكلام إلى الطبيعة المتجدّدة، كيف صدرت عن المبدأ الثابت وهي متجدّدة.

وأجيب عنه: بأنّ الحركة لمّا كانت في جوهرها فالتغيّر والتجدّد ذاتي لها

والذاتي لا يعلل، فالجاعل إنّما جعل المتجدّد لا أنه جعل المتجدّد متجدداً.

و أورد عليه: أنّا نوجّه استناد الأعراض المتجدّدة إلى الطبيعة بهذا الوجه بعينه، من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجدّدة، فالتجدّد ذاتي للعرض المتجدّد، والطبيعة جعلت العرض المتجدّد، ولم تجعل المتجدّد متجدداً.

وأجيب عنه: بأنّ الأعراض مستندة في وجودها إلى الجوهر وتابعة له(3)،

فالذاتية لا بد أن تتمّ في الجواهر.

وأورد عليه أيضا: أنّ القوم صحّحوا ارتباط هذه الأعراض المتجدّدة إلى المبدأ الثابت من طبيعة وغيرها بنحو آخر ، وهو أنّ التغيّر لاحق لها من خارج كتجدّد مراتب قرب وبعد من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعية، وكتجدّد أحوال أخرى في الحركات القسرية التي على خلاف الطبيعة، وكتجدّد

ص: 194


1) في الفصل السابع.

2) بل سبب الأعراض خارج عن الذات، كما هو مدرك بالوجدان في الفاعل المختار.

3) استنادها إلى الجوهر باعتبار حاجتها للمحل، لا لكون الجوهر علّة لوجودها.

إرادات جزئية منبعثة من النفس في كلّ حدّ من حدود الحركات النفسانية التي مبدؤها النفس.

وأجيب عنه: بأنّا ننقل الكلام إلى هذه الأحوال والإرادات المتجدّدة من أين تجدّدت، فإنّها لا محالة تنتهي في الحركات الطبيعية إلى الطبيعة، وكذا في القسرية، فإنّ القسر ينتهي إلى الطبيعة، وكذا في النفسانية، فإنّ الفاعل المباشر للتحريك فيها أيضاً الطبيعة كما سيجيء (1).

ويمكن أن يستدلّ على الحركة في الجوهر بما تقدّم(2): أنّ وجود العرض

من مراتب وجود الجوهر، من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده

للجوهر، فتغيّره وتجدّده تغير للجوهر وتجدّد له (3).

ويتفرّع على ما تقدّم:

أولاً : أنّ الصور الطبيعية المتبدّلة صورة بعد صورة على المادّة بالحقيقة،

صورة جوهرية واحدة سيّالة، تجري على المادّة، وينتزع من كلّ حدّ من حدودها مفهوم مغاير لما ينتزع من غيره (4).

(4)

هذا في تبدّل الصور الطبيعية بعضها من بعض، وهناك حركة اشتدادية جوهرية أخرى، هي حركة المادّة الأولى إلى الطبيعية، ثم النباتية ثمّ الحيوانية

ص: 195


1) في الفصل السادس عشر.

2) في الفصل الثالث من المرحلة الثالثة.

3) بل تجدّد لوصف فيه لا لذاته.

4) هذا يعني عدم وجود ذات تجري عليها الأعراض.. فزيد في الآن الثاني غيره في الآن الأول وهو خلاف الوجدان

ثم الإنسانية.

و ثانياً: أنّ الجوهر المتحرّك في جوهره متحرّك بجميع أعراضه؛ لما سمعت

من حديث كون وجود الأعراض من مراتب وجود الجوهر الموضوع لها. ولازم ذلك كون حركة الجوهر في المقولات الأربع أو الثلاث (1)من قبيل الحركة في الحركة، وعلى هذا ينبغي أن تسمّى هذه الحركات الأربع، أو الثلاث حركات ثانية، و ما لمطلق الأعراض من الحركة بتبع الجوهر لا بعرضه حركات أولى.

وثالثاً: أنّ العالم الجسماني بمادته الواحدة حقيقة واحدة سيّالة، متحرّكة

بجميع جواهرها وأعراضها قافلة واحدة إلى غاية ثابتة لها الفعلية المحضة.

الفصل الثاني عشر: في موضوع الحركة الجوهرية وفاعلها

قالوا إنّ موضوع هذه الحركة هو المادّة المتحصّلة بصورة ما من الصور المتعاقبة المتحدّة بالاتّصال والسيلان، فوحدة المادّة و شخصيتها محفوظة بصورة ما من الصور المتبدّلة، وصورة ما وإن كانت مبهمة (2)، لكن وحدتها محفوظة

ص: 196


1) والتثليث باعتبار رجوع الأين إلى الوضع. (منه).

2) تبدل الصور يعني تبدّل الذات، وإبهامها يعني إبهام الذات، وهل يشكّ عاقل في أنّ زيداً في الآن الأوّل هو عينه في الآن الثاني بلا تبدل ولا بهام، ولذلك نؤاخذه على ما فعله في الآن الأوّل وهو في الآن الثاني؟! والدار لزيد في الآن الأوّل وهي بعينها له في الآن الثاني. وبعبارة أخرى: ما هو المنحفظ في زيد المحقق لاستمرار تحقق زيد مع تبدل الصور وإبهامها، و دعوى انحفاظ وحدة الذات بالصور السيّالة دعوى لا دليل عليها، بل الوجدان يخالفها.

بجوهر مفارق هو الفاعل للمادّة ، الحافظ لها ولوحدتها وشخصيتها بصورة ما،

فصورة ما شريكة العلّة للمادّة، والمادّة المتحصّلة بها هي موضوع الحركة. وهذا كما أنّ القائلين بالكون والفساد، النافين للحركة الجوهرية قالوا:

إنّ فاعل المادّة هو صورة ما محفوظة وحدتها بجوهر مفارق، يفعلها ويفعل المادّة بواسطتها، فصورة ما شريكة العلّة بالنسبة إلى المادّة، حافظة لتحصّلها

ووحدتها.

و التحقيق: أنّ حاجة الحركة إلى موضوع ثابت باق ما دامت الحركة، إن كانت لأجل أن تنحفظ به وحدة الحركة، ولا تنثلم بطرّ و الانقسام عليها، وعدم اجتماع أجزائها في الوجود، فاتّصال الحركة في نفسها، وكون الانقسام و همياً غير فکّي كاف في ذلك، وإن كانت لأجل أنها معنى ناعتي يحتاج إلى أمر موجود لنفسه حتى يوجد له وينعته، كما أنّ الأعراض والصور الجوهرية

المنطبعة في المادّة تحتاج إلى موضوع كذلك توجد له وتنعته، فموضوع الحركات العرضية أمر جوهري غيرها، وموضوع الحركة الجوهرية نفس الحركة؛ إذ لا نعني بموضوع الحركة إلا ذاتاً تقوم به الحركة وتوجد له، والحركة الجوهرية لما كانت ذاتاً جوهرية سيّالة كانت قائمة بذاتها موجودة

لنفسها، فهي حركة ومتحرّكة في نفسها.

وإسناد الموضوعية إلى المادّة التي تجري عليها الصور الجوهرية على نحو الاتّصال والسيلان؛ لمكان اتّحادها معها، وإلّا فهي في نفسها عارية عن كلّ

فعلية.

ص: 197

الفصل الثالث عشر: في الزمان

إنّا نجد الحوادث الواقعة تحت الحركة منقسمة إلى قطعات لا تجامع قطعة منها القطعة الأخرى في فعلية الوجود؛ لما أنّ فعلية وجود القطعة المفروضة ثانياً متوقّفة على زوال الوجود الفعلي للقطعة الأولى، ثمّ نجد القطعة الأولى المتوقّف عليها ، منقسمة في نفسها إلى قطعتين كذلك لا تجامع إحداهما الأخرى، وهكذا كلّما حصلنا قطعة قبلت القسمة إلى قطعتين كذلك، من دون أن تقّف القسمة على حدّ.

ولا يتأتّى هذا إلّا بعروض امتداد كمّي على الحركة، تتقدّر به و تقبل الانقسام، وليس هذا الامتداد نفس حقيقة الحركة؛ لأنّه امتداد متعيّن، وما في الحركة في نفسها امتداد مبهم نظير الامتداد المبهم الذي في الجسم الطبيعي وتعيّنه الذي هو الجسم التعليمي.

فهذا الامتداد الذي به تعيّن امتداد الحركة كمّ متّصل عارض للحركة،

نظير الجسم التعليمي الذي به تعيّن امتداد الجسم الطبيعي للجسم الطبيعي، إلّا أنّ هذا الكمّ العارض للحركة غير قارّ، ولا يجامع بعض أجزائه المفروضة بعضاً، بخلاف كمّية الجسم التعليمي، فإنّها قارّة مجتمعة الأجزاء. وهذا هو الزمان العارض للحركة ومقدارها، وكلّ جزء منه من حيث إنّه، متوقّف عليه الآخر متقدّم بالنسبة إليه، ومن حيث إنه متوقف متأخّر

بالنسبة إلى ما توقّف عليه، والطرف منه الحاصل بالقسمة هو الآن.

ص: 198

وقد تبيّن بما تقدّم:

أوّلاً: أنّ لكلّ حركة زماناً خاصاً بها، هو مقدار تلك الحركة، وقد أطبق

الناس على تقدير عامة الحركات، وتعيين النسب بينها بالزمان العامّ الذي هو مقدار الحركة اليومية؛ لكونه معروفاً عندهم مشهوداً لهم كافّة، وقد قسمّوه

إلى القرون، والسنين، والشهور، والأسابيع، والأيام، والساعات، والدقائق،

والثواني وغيرها، لتقدير الحركات بالتطبيق عليها.

والزمان الذي له دخل في الحوادث الزمانية عند المثبتين للحركة الجوهرية

هو زمان الحركة الجوهرية.

وثانياً: أنّ التقدّم والتأخّر ذاتيان بين أجزاء الزمان، بمعنى أنّ كون وجود الزمان سيّالاً غير قارّ، يقتضي أن ينقسم لو انقسم إلى جزء يتوقّف على زواله

وجود جزء آخر بالفعل، والمتوقّف عليه هو المتقدّم والمتوقّف هو المتأخر. وثالثاً: أنّ الآن، وهو طرف الزمان، والحد الفاصل بين الجزءين لو انقسم هو أمر عدمي؛ لكون الانقسام وهمياً غير فكّي.

ورابعاً: أنّ تتالي الآنات، وهو اجتماع حدّين عدميين أو أكثر، من غير تخلّل جزء من الزمان فاصل بينهما محال وهو ظاهر، ومثله الكلام في تتالي الآنيات، المنطبقة على طرف الزمان كالوصول والافتراق.

وخامساً: أنّ الزمان لا أوّل له ولا آخر له، بمعنى الجزء الذي لا ينقسم

من مبتدئه أو منتهاه؛ لأنّ قبول القسمة ذاتي له(1).

ص: 199


1) الزمان ناشيء من حركة الأفلاك، فيكون له ابتداء بابتدائها؛ لأنها موجودة بعد العدم.

الفصل الرابع عشر: في السرعة والبطؤ

إذا فرضنا حركتين واعتبرنا النسبة بينهما، فإن تساوتا زماناً، فأكثر هما قطعاً للمسافة أسرعهما، وإن تساوتا مسافة فأقلهما زماناً أسرعهما، فالسرعة

قطع مسافة كثيرة في زمان قليل والبطؤ خلافه.

قالوا: إنّ البطؤ ليس بتخلّل السكون، بأن تكون الحركة كلّما كان تخلّل السكون فيها أكثر كانت أبطأ، وكلّما كان أقلّ كانت أسرع؛ و ذلك لاتصال الحركة بامتزاج القوّة و الفعل فيها، فلا سبيل إلى تخلّل السكون فيها.

وقالوا: إنّ السرعة والبطؤ متقابلان تقابل التضادّ؛ وذلك لأنّهما وجوديان، فليس تقابلهما تقابل التناقض، أو العدم والملكة، وليسا بالمتضائفين، وإلّا كانا كلّما ثبت أحدهما ثبت الآخر وليس كذلك، فلم يبق إلّا أن يكونا متضادّين

وهو المطلوب.

وفيه: أنّ من شرط المتضادّين أن يكون بينهما غاية الخلاف، وليست بمتحقّقة بين السرعة والبطؤ ؛ إذ ما من سريع إلّا و يمكن أن يفرض ما هو أسرع منه، وكذا ما من بطيء إلّا ويمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه.

والحقّ، أنّ السرعة والبطؤ وصفان إضافيان، فسرعة حركة بالنسبة إلى أخرى بطؤ بعينها بالنسبة إلى ثالثة، وكذلك الأمر في البطؤ والسرعة بمعنى

الجريان والسيلان خاصّة لمطلق الحركة ، ثمّ تشتدّ وتضعف، فيحدث بإضافة

بعضها إلى بعض السرعة والبطؤ الإضافيان.

ص: 200

الفصل الخامس عشر: في السكون

يطلق السكون على خلو الجسم من الحركة قبلها أو بعدها، وعلى ثبات الجسم على حاله التي هو عليها، والذي يقابل الحركة هو المعنى الأوّل،

والثاني لازمه و هو معنى عدمي، بمعنى انعدام الصفة عن موضوع قابل هو الجسم، فيكون هو عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك، فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة ، ولا يكاد يخلو عن الحركة جسم (1)أو أمر جسماني، إلّا ما كان آني الوجود كالوصول إلى حدّ المسافة، وانفصال شيء من شيء، وحدوث الأشكال الهندسية ونحو ذلك.

الفصل السادس عشر: في انقسامات الحركة

تنقسم الحركة بانقسام الأمور الستة التي تتعلّق بها ذاتهاً.

فانقسامها بانقسام المبدأ والمنتهى كالحركة من مكان كذا إلى مكان كذا،

والحركة من لون كذا إلى لون كذا، وحركة النبات من قدر كذا إلى قدر كذا.

وانقسامها بانقسام الموضوع كحركة النبات، وحركة الحيوان، و حركة

الإنسان.

ص: 201


1) الحجر مثلا هل يخرج من قوّة إلى فعل كما هو اصطلاحهم في الحركة، مع بقاء الحجر لألاف السنين كما هو لا كالبذرة والشجرة.

وانقسامها بانقسام المقولة كالحركة في الكيف، والحركة في الكمّ والحركة

في الوضع.

وانقسامها بانقسام الزمان كالحركة الليلية والحركة النهارية، والحركة

الصيفية والحركة الشتوية.

وانقسامها بانقسام الفاعل كالحركة الطبيعية، والحركة القسرية، والحركة الإرادية، و يلحق بها بوجه الحركة بالعرض، فإنّ الفاعل إمّا أن يكون ذا شعور و إرادة، بالنسبة إلى فعله أم لا، والأوّل هو الفاعل النفساني والحركة نفسانية، كالحركات الإرادية التي للإنسان والحيوان، والثاني إمّا أن تكون الحركة منبعثة عن نفسه لو خلّي ونفسه و إمّا أن تكون منبعثة عنه لقهر فاعل آخر إيّاه على الحركة، والأوّل هو الفاعل الطبيعي والحركة طبيعية، والثاني هو الفاعل القاسر والحركة قسرية كالحجر المرمي إلى فوق.

قالوا: إنّ الفاعل القريب للحركة في جميع هذه الحركات هو طبيعة المتحرّك، عن تسخير نفساني، أو اقتضاء طبيعي، أو قهر الطبيعة القاسرة، لطبيعة المقسور على الحركة، والمبدأ المباشر المتوسّط بين الفاعل وبين الحركة، هو مبدأ الميل الذي يوجده الفاعل في طبيعة المتحرّك، وتفصيل الكلام فيه في

الطبيعيات.

خاتمة:

ليعلم أنّ القوّة ، أو ما بالقوّة كما تطلق على حيثية القبول، كذلك تطلق على حيثية الفعل إذا كانت شديدة، وكما تطلق على مبدأ القبول القائم به

ص: 202

ذلك، كذلك تطلق على مبدأ الفعل.

كما تطلق القوى النفسانية ويراد بها مبادي الآثار النفسانية، من إبصار،

وسمع، وتخيّل وغير ذلك، وكذلك القوى الطبيعية لمبادئ الآثار الطبيعية. وهذه القوّة الفاعلة إذا قارنت العلم والمشيّة سمّيت قدرة الحيوان، وهي علّة فاعلة تحتاج في تمام عليتها، ووجوب الفعل بها إلى أمور خارجة كحضور المادّة القابلة، وصلاحية أدوات الفعل وغيرها، تصير باجتماعها علّة تامّة،

يجب معها الفعل.

ومن هنا يظهر:

أوّلاً: عدم استقامة تحديد بعضهم للقدرة بأنّها ما يصحّ معه الفعل

والترك، فإنّ نسبة الفعل والترك إلى الفاعل إنّما تكون بالصحّة والإمكان إذا كان جزءاً من العلّة التامة لا يجب الفعل به وحده، بل به وببقية الأجزاء التي تتمّ بها العلّة التامة، وأمّا الفاعل التامّ الفاعلية، الذي هو وحده علّة تامة

كالواجب (1)تعالى فلا معنى لكون نسبة الفعل والترك إليه بالإمكان. ولا يوجب كون فعله واجباً (2)أن يكون موجباً مجبراً على الفعل، غير قادر عليه؛ إذ هذا الوجوب لأحق بالفعل من قبله، وهو أثره فلا يضطرّه إلى الفعل، ولا أنّ هناك فاعلاً آخر يؤثّر فيه بجعله مضطرّاً إلى الفعل.

ص: 203


1) القديم تعالى عليته لا بذاته، بل بإرادته، وإرادته فعله، وهو محدث كما دلت عليه النصوص الشريفة، بل العقل السليم.

2) وجوب فعله مع كون ذاته علّة تامة يعني قدم معلوله، وهو خلاف القطعي من النصوص بأنّ لا قديم إلّا الله تعالى.

وثانياً: بطلان ما قال به قوم إنّ صحّة الفعل متوقّفة على كونه مسبوقاً

بالعدم الزماني، فالفعل الذي لا يسبقه عدم زماني ممتنع، وهو مبني على القول بأنّ علّة الاحتياج إلى العلّة هي الحدوث دون الإمكان، وقد تقدّم(1)إبطاله وإثبات أنّ علّة الحاجة إلى العلّة هو الإمكان دون الحدوث، على أنّه منقوض بنفس الزمان.

و ثالثاً: بطلان قول من قال: إنّ القدرة إنّما تحدث مع الفعل، ولا قدرة

على فعل قبله.

و فيه: أنّهم يرون أن القدرة هي كون الشيء بحيث يصحّ منه الفعل والترك، فلو ترك الفعل زماناً، ثمّ فعل صدق عليه قبل الفعل أنّه يصحّ منه

الفعل والترك، وهي القدرة.

ص: 204


1) في الفصل الثامن من المرحلة الرابعة.

المرحلة الحادية عشر: في العلم والعالم والمعلوم

اشارة

وفيها اثنا عشر فصلاً

ص: 205

ص: 206

قد تحصّل مما تقدم، أنّ الموجود ينقسم إلى ما بالقوّة وما بالفعل، والأوّل

هو المادة والماديات (1)، والثاني غيرهما وهو المجرّد (2)، وممّا يعرض المجرّد عروضاً أوّلياً أن يكون علماً وعالماً ومعلوماً؛ لأنّ العلم - كما سيجيء بيانه حضور وجود مجرّد (3)

ومن هنا فلا مجرد سوى الواجب، ولما كان بناء هذه المرحلة على موجود المجردات الممكنة فيمكن ردّها كلّها بهذا البيان، والله المستعان.

لوجود مجرّد، فمن الحري أن نبحث عن ذلك في الفلسفة الأولى، وفيها اثنا عشر فصلاً .

الفصل الأوّل: في تعريف العلم وانقسامه الأوّلى

حصول العلم لنا ضروري، وكذلك مفهومه عندنا، وإنّما نريد في هذا

ص: 207


1) قال في تعريف القوّة: «وإمكانه قبل تحققه يسمّى قوّة»، وهنا حيث جعل ما بالقوة هو المادة والماديات فيعني أنّ المادّة والماديات هي الإمكان قبل التحقق.

2) فهل كلّ موجود بالفعل هو مجرّد؟! فنحن وما يحيط بنا من حجر وشجر ووو مجردات؟!

3) المجرّد عندهم : هو الذي لا مادّة له، وقد تقدّم منه الله أن المادة (حيثيتها القبول والامكان)، [ينظر الفصل العاشر المرحلة السابعة]، وعلى هذا فالمجرد بتجرّده عن المادة لا يكون ممكناً فينحصر في الواجب.

الفصل معرفة ما هو أظهر خواصّه؛ لنميّز بها مصاديقه وخصوصياتها.

فنقول: قد تقدّم في بحث الوجود الذهني أنّ لنا علماً بالأمور الخارجة عنا في الجملة، بمعنى أنها تحصل لنا وتحضر عندنا بماهياتها (1)، لا بوجوداتها الخارجية التي تترتب عليها الآثار، فهذا قسم من العلم، ويسمّى علماً حصولياً.

ومن العلم علم الواحد منّا بذاته التي يشير إليها بأنا، فإنّه لا يغفل عن نفسه في حال من الأحوال، سواء في ذلك الخلاء والملاء، والنوم واليقظة (2)

وأيّة حال أخرى.

و ليس ذلك بحضور ماهيّة ذاتنا عندنا حضوراً مفهومياً وعلماً حصولياً؛ لأنّ المفهوم الحاضر في الذهن كيفما فرض لا يأبى الصدق على كثيرين (3)، وإنّما يتشخّص بالوجود الخارجي، و هذا الذي نشاهده من أنفسنا ونعبّر عنه بأنا أمر شخصي لذاته لا يقبل الشركة، والتشخّص شأن الوجود، فعلمنا

بذواتنا إنّما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي الذي هو ملاك الشخصية وترتّب الآثار، وهذا قسم آخر من العلم، ويسمّى العلم الحضوري.

ص: 208


1) بل الحاضر في الذهن صورها كما تقدّم في تعليقتنا على المرحلة الثانية على أنّ الحاضر إن كان الماهية، وحقيقة الشيء هو وجوده بناء على أصالة الوجود فإنّ الحاضر في الذهن حينئذ لا يحكي المعلوم الخارجي، بل يباينه وهو الجهل بعينه، فتأمل.

2) بل الغفلة متحققة في حال النوم بل وفي اليقظة أحيانا..

3) على هذا تكون جميع المفاهيم كلّية وهو خلاف ما حقق في المنطق من أن المفهوم له قسمان الكلي والجزئي، والمفهوم الجزئي لا يقبل الانطباق على كثيرين وهو مدرك بالوجدان.

وهذان قسمان ينقسم إليهما العلم قسمة حاصرة، فإنّ حصول المعلوم للعالم، إمّا بماهيّته، أو بوجوده ، والأوّل هو العلم الحصولي، والثاني هو العلم الحضوري.

ثمّ إنّ كون العلم حاصلاً لنا معناه حصول المعلوم لنا؛ لأنّ العلم عين المعلوم بالذات، إذ لا نعني بالعلم إلّا حصول المعلوم لنا، وحصول الشيء وحضوره ليس إلّا وجوده، و وجوده نفسه. و لا معنى الحصول المعلوم للعالم إلّا اتّحاد العالم معه، سواء كان معلوماً حضورياً أو حصولياً، فإنّ المعلوم الحضوري، إن كان جوهراً قائماً بنفسه كان وجوده لنفسه، وهو مع ذلك للعالم، فقد اتّحد العالم مع نفسه، وإن كان أمراً وجوده لموضوعه، والمفروض أن وجوده للعالم، فقد اتّحد العالم مع موضوعه، والعرض أيضاً من مراتب وجود موضوعه، غير خارج منه فكذلك مع ما اتّحد مع موضوعه، وكذا المعلوم الحصولي موجود للعالم سواء كان جوهراً موجوداً لنفسه، أو أمراً موجودا الغيره، ولازم كونه موجوداً للعالم اتحاد العالم معه .(1).

على أنّه سيجيء أنّ العلم الحصولي علم حضوري في الحقيقة. فحصول العلم للعالم من خواصّ العلم، لكن لا كلّ حصول كيف كان، بل حصول أمر بالفعل فعلية محضة، لا قوّة فيه لشيء مطلقاً، فإنّا نشاهد بالوجدان أنّ المعلوم من حيث هو معلوم لا يقوى على شيء آخر، ولا يقبل

ص: 209


1) لا يلزم ذلك، بل العلم هو انطباع صورة المعلوم في الذهن لا غير.

التغيّر عمّا هو عليه، فهو حصول أمر مجرّد (1)

ربّما يقال : إنّما المجرّد هو الصورة لا ذيها.

فنقول : ألا يعني ذلك عدم التطابق بين الصورة وذيها ؟! لا سيما مع ملاحظة ما ذكروه من خصائص للمجردات.

عن المادّة، خال من غواشي القوّة، ونسمّي ذلك حضوراً.

فحضور المعلوم يستدعي كونه أمراً تامّاً في فعليته، من غير تعلّق بالمادّة

والقوّة، يوجب نقصه وعدم تمامه من حيث كمالاته التي بالقوّة. ومقتضى حضور المعلوم أن يكون العالم الذي يحصل له العلم أمراً فعلياً تام ّالفعلية، غير ناقص من جهة التعلّق بالقوّة، وهو كون العالم مجرّدا عن المادّة، خالياً عن القوّة.

فقد بان أنّ العلم حضور موجود مجرّد لموجود مجرد(2)، سواء كان الحاصل عين ما حصل له كما في علم الشيء بنفسه، أو غيره بوجه كما في علم الشيء بالماهيّات (3)الخارجة عنه.

وتبيّن أيضاً (4):

أولاً: أنّ المعلوم الذي هو متعلّق العلم يجب أن يكون أمراً مجرّداً عن

المادّة، وسيجيء (5)معنى تعلّق العلم بالأمور المادّية.

وثانياً: أنّ العالم الذي يقوم به العلم يجب أن يكون مجرداً عن المادّة أيضاً.

ص: 210


1) العلم بالمعدومات هل يجعلها مجردات؟!

2) ينتقض بالعلم بالمعدومات

3) هل الماهيات مجرّدة ؟!

4) حاصل ما ادعى تبينه تجرّد الصورة والعقل، وينفيه امتناع التجرّد على موجود سوى الله تعالى.

5) في الفصل الثاني.

الفصل الثاني: ينقسم العلم الحصولي إلى كلّي وجزئي

والكلّي ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، كالعلم بماهيّة الإنسان

ويسمّى عقلاً وتعقّلاً.

والجزئي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين كالعلم بهذا الإنسان بنوع من الاتّصال بمادّته الحاضرة، ويسمّى علماً إحساسياً، وكالعلم بالإنسان الفرد من غير حضور مادّته، ويسمّى علماً خيالياً، وعدّ هذين القسمين ممتنع الصدق على كثيرين إنّما هو من جهة اتّصال أدوات الإحساس بالمعلوم الخارجي في العلم الإحساسي، وتوقف العلم الخيالي على العلم الإحساسي، وإلّا فالصورة الذهنية كيفما فرضت لا تأبى أن تصدق على كثيرين(1). والقسمان جميعاً مجرّدان عن المادّة لما تقدّم (2)، من فعلية الصورة العلمية في ذاتها وعدم قبولها للتغير.

وأيضاً الصورة العلمية كيفما فرضت لا تمتنع عن الصدق على كثيرين،

وكلّ أمر مادّي متشخّص ممتنع الصدق على أزيد من شخص واحد.

وأيضاً لو كانت الصورة الحسّية أو الخيالية مادّية منطبعة بنوع من الانطباع في جزء بدني لكانت منقسمة بانقسام محلّها (3)، ولكان في مكان

ص: 211


1) تقدّم أنّ هذا خلاف تقسيم المفهوم إلى جزئي وكلي، فتأمل المطلب في أبحاث المنطق.

2) في الفصل السابق.

3) کل موجود سوى القديم منقسم متجزّئ كما دلّت عليه الأخبار الشريفة، ينظر كتابنا (أضواء على النافع يوم الحشر).

وزمان وليس كذلك، فالعلم لا يقبل القسمة ، ولا يشار إليه إشارة وضعية مكانية، ولا أنّه مقيّد بزمان (1)، لصحّة تصوّرنا الصورة المحسوسة في وقت بعد أمد بعيد على ما كانت عليه، من غير تغير فيها، ولو كانت مقيّدة بالزمان

لتغيّرت بتقضّيه.

و ما يتوهمّ من مقارنة حصول العلم للزمان إنّما هو مقارنة شرائط

حصول الاستعداد له، لا نفس العلم. وأمّا توسط أدوات الحسّ في حصول الصورة المحسوسة، وتوقّف الصورة الخيالية على ذلك فإنّما هو لحصول الاستعداد الخاص للنفس؛ لتقوى به على تمثيل الصورة العلمية، وتفصيل القول في علم النفس، وممّا تقدّم يظهر أنّ قولهم: إنّ التعقّل إنّما هو بتقشير المعلوم عن المادّة والأعراض المشخّصة له حتّى لا يبقى إلا الماهيّة المعرّاة عن القشور كالإنسان المجرّد عن المادّة الجسمية، والمشخّصات الزمانية، والمكانية، والوضعية، وغيرها، بخلاف الإحساس المشروط بحضور المادّة، واكتناف الأعراض والهيئات الشخصية، والخيال المشروط ببقاء الأعراض والهيئات المشخّصة، من دون حضور المادّة قول على سبيل التمثيل للتقريب ، وإلّا فالمحسوس صورة مجرّدة علمية، واشتراط حضور المادّة والاكتناف بالأعراض المشخّصة لحصول الاستعداد في النفس للإحساس، وكذا اشتراط الاكتناف بالمشخّصات

ص: 212


1) بل هو مقید بزمان؛ لأنّه حادث، والزمان قيد في حدوثها لا في حقيقتها؛ لذا قد تحضر الصورة بنفسها كما هي على أن بعض الصور العلمية قد تتغيّر، فما يكون واضح الصورة بقيود معينة قد تحضر صورته دون ذلك الوضوح أو تلك القيود.

للتخيّل، وكذا اشتراط التقشير في التعقّل، للدلالة على اشتراط تخيّل أزيد من فرد واحد في حصول استعداد النفس لتعقّل الماهيّة الكلّية، المعبّر عنه بانتزاع الكلّي من الأفراد.

وتبيّن ممّا تقدّم أيضاً أنّ الوجود ينقسم من حيث التجرّد عن المادة وعدمه

إلى ثلاثة عوالم كلّية:

أحدها: عالم المادّة والقوّة (1).

والثاني: عالم التجرّد عن المادّة دون آثارها(2)، من الشكل، والمقدار، والوضع وغيرها، ففيه الصور الجسمانية، وأعراضها وهيئاتها الكمالية من غير مادّة تحمل القوّة والانفعال، ويسمّى عالم المثال، والبرزخ بين عالم العقل وعالم المادّة.

والثالث: عالم التجرّد عن المادّة وآثارها (3)، ويسمّى عالم العقل. وقد قسمّوا عالم المثال إلى: المثال الأعظم القائم بذاته، والمثال الأصغر القائم بالنفس، الذي تتصرّف فيه النفس كيف تشاء، بحسب الدواعي المختلفة الحقّة والجزافية، فتأتي أحياناً بصور حقّة صالحة، وأحياناً بصور

جزافية تعبث بها.

والعوالم الثلاثة المذكورة مترتبة طولاً ، فأعلاها مرتبة، وأقواها، وأقدمها، وجوداً، وأقربها من المبدأ الأوّل تعالى عالم العقول المجرّدة؛ لتمام فعليتها،

وتنزّه ذواتها عن شوب المادّة والقوّة، ويليه عالم المثال المتنزّه عن المادّة دون

ص: 213


1) أي عالم الإمكان قبل التحقق كما تقدّم منه.

2) فيلزم منه وجود الأثر دون المؤثر.

3) التجرّد عن المادّة هو التجرّد عن الإمكان، وهو منحصر بالله تعالى.

آثارها، ويليه عالم المادّة موطن كل نقص وشر، ولا يتعلّق بما فيه علم، إلّا من جهة ما يحاذيه من المثال والعقل.

الفصل الثالث: ينقسم العلم انقساماً آخر إلى كلّي وجزئي

والمراد بالكلّي ما لا يتغير بتغيّر المعلوم بالعرض كصورة البناء التي يتصوّرها البنّاء في نفسه ليبنى عليها، فالصورة عنده على حالها قبل البناء،

ومع البناء وبعد البناء وإن خرب و انهدم ، ويسمّى علم ما قبل الكثرة، والعلوم الحاصلة من طريق العلل كلّية من هذا القبيل دائماً، كعلم المنجّم بأنّ القمر منخسف يوم كذا، ساعة كذا، إلى مدّة كذا، يعود فيه الوضع السماوي بحيث يوجب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، فعلمه ثابت على حاله قبل الخسوف ومعه وبعده.

والمراد بالجزئي ما يتغيّر بتغيّر المعلوم بالعرض كما إذا علمنا من طريق الإبصار بحركة زيد، ثمّ إذا وقف عن الحركة تغيّرت الصورة العلمية من

الحركة إلى السكون، ويسمّى علم ما بعد الكثرة.

فإن قلت: التغيّر لا يكون إلّا بقوّة سابقة، وحاملها المادّة، ولازمه كون

العلوم الجزئية مادّية لا مجرّدة.

قلنا: العلم بالتغيّر غير تغيّر العلم والمتغيّر ثابت في تغيّره لا متغيّر، وتعلّق العلم به أعني حضوره عند العالم من حيث ثباته لا تغيّره، وإلّا لم يكن

حاضراً، فلم يكن العلم حضور شيء لشيء هذا خلف .

ص: 214

الفصل الرابع: في أنواع التعقّل

ذكروا أنّ التعقّل على ثلاثة أنواع:

أحدها: أن يكون العقّل بالقوّة، أي لا يكون شيئاً من المعقولات بالفعل،

ولا له شيء من المعقولات بالفعل؛ لخلو النفس عن عامّة المعقولات (1). الثاني: أنّ يعقل معقولاً، أو معقولات كثيرة بالفعل، مميّزاً لبعضها من

بعض، مرتّباً لها، وهو العقل التفصيلي.

الثالث: أنّ يعقل معقولات كثيرة عقلاً بالفعل من غير أن يتميّز بعضها

من بعض، وإنمّا هو عقل بسيط إجمالي فيه كلّ التفاصيل، ومثّلوا له بما إذا سألك سائل عن عدّة من المسائل التي لك علم بها، فحضرك الجواب في الوقت، فأنت في أوّل لحظة تأخذ في الجواب تعلم بها جميعاً علماً يقينياً بالفعل، لكن لا تميّز لبعضها من بعض، ولا تفصيل، وإنّما يحصل التميز والتفصيل بالجواب، كان ما عندك منبع تنبع وتجري منه التفاصيل، ويسمّى عقلا إجمالياً.

الفصل الخامس: في مراتب العقل

ذكروا أن مراتب العقل أربع:

إحداها: كونه بالقوّة بالنسبة إلى جميع المعقولات، ويسمّى عقلاً هيولانياً،

ص: 215


1) هذا استعداد للتعقل لا تعقل.

لشباهته في خلّوه عن المعقولات الهيولى، في كونها بالقوّة بالنسبة إلى جميع الصور.

وثانيتها: العقل بالملكة، وهي المرتبة التي تعقل فيها الأمور البديهية، من التصوّرات، والتصديقات، فإنّ تعلّق العلم بالبديهيات أقدم من تعلّقه

بالنظريات.

وثالثتها: العقل بالفعل، وهو تعلّقه النظريات بتوسيط البديهيات، وإن

كانت مرتّبة بعضها على بعض.

ورابعتها: عقله الجيمع ما استفاده من المعقولات البديهية والنظرية المطابقة لحقائق العالم العلوي والسفلي، باستحضاره الجميع، والتفاته إليها بالفعل، فيكون عالماً علمياً، مضاهيا للعالم العيني، ويسمّى العقل المستفاد.

الفصل السادس: في مفيض هذه الصور العلمية

أمّا الصور العقلية الكلّية فإنّ مفيضها المخرج للإنسان مثلاً من القوّة إلى الفعل عقل مفارق للمادّة، عنده جميع الصور العقلية الكلّية؛ وذلك أنّك قد عرفت أنّ هذه الصور بما أنّها علم مجرّدة عن المادّة، على أنها كلية تقبل الاشتراك بين كثيرين، وكلّ أمر حال في المادّة واحد شخصي لا يقبل الاشتراك، فالصورة العقلية مجرّدة عن المادّة، ففاعلها المفيض لها أمر مجرد عن المادّة؛ لأنّ الأمر المادي ضعيف الوجود (1)، فلا يصدر عنه ما هو أقوى

ص: 216


1) هذا مبني على التشكيك في الوجود، وقد تقدّم ما فيه في محلّه من المرحلة الأولى.

منه وجوداً، على أنّ فعل المادّة مشروط بالوضع الخاصّ، ولا وضع للمجرّد.

وليس هذا المفيض المجرّد هو النفس العاقلة لهذه الصور المجرّدة

العلمية؛ لأنّها بعد بالقوّة بالنسبة إليها ، وحيثيتها حيثية القبول دون الفعل

ومن المحال أن يُخرج ما بالقوّة نفسه من القوّة إلى الفعل.

فمفيض الصورة العقلية جوهر عقلي مفارق للمادّة، فيه جميع الصور العقلية الكلّية على نحو ما تقدّم من العلم الإجمالي العقلي، تتّحد معه النفس

المستعدّة للتعقّل على قدر استعدادها الخاص، فيفيض عليها ما تستعدّ له من

الصور العقلية (1)و هو المطلوب.

وبنظير البيان السابق يتبيّن أن مفيض الصور العليمة الجزئية جوهر مثالي

مفارق، فيه جميع الصور المثالية الجزئية على نحو العلم الإجمالي، تتّحد

النفس على قدر ما لها من الاستعداد (2).

الفصل السابع: ينقسم العلم الحصولي إلى تصوّر وتصديق

لأنّه إمّا صورة حاصلة من معلوم واحد أو كثير، من غير إيجاب أو سلب، ويسمّى تصوّراً كتصوّر الإنسان، والجسم، والجوهر، وإمّا صورة حاصلة من معلوم معها إيجاب شيء لشيء أو سلب شيء عن شيء كقولنا:

ص: 217


1) هذه دعوى لا دليل عليها . ينظر الصفحة (33) الهامش (1).

2) هذه دعوى لا دليل عليها.

الإنسان ضاحك، وقولنا: ليس الإنسان بحجر، ويسمّى تصديقاً، وباعتبار

حكمه قضية.

ثمّ إنّ القضية بما تشتمل على إثبات شيء لشيء، أو نفي شيء عن شيء مركّبة من أجزاء فوق الواحد.

والمشهور أنّ القضية الموجبة مؤلّفة من الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية، وهي نسبة المحمول إلى الموضوع، والحكم باتّحاد الموضوع مع المحمول، هذا في الهليات المركّبة التي محمولاتها غير وجود الموضوع، وأمّا الهليات البسيطة التي محمولها وجود الموضوع كقولنا: الإنسان موجود، فأجزاؤها ثلاثة الموضوع، والمحمول، والحكم؛ إذ لا معنى لتخلل النسبة،

وهي الوجود الرابط بين الشيء ونفسه.

وأنّ القضية السالبة مؤلّفة من الموضوع والمحمول، والنسبة الحكمية الإيجابية ولا حكم فيها، لا أنّ فيها حكماً عدمياً؛ لأنّ الحكم جعل شيء شيئاً، وسلب الحكم عدم جعله، لا جعل عدمه.

والحقّ، أنّ الحاجة إلى تصوّر النسبة الحكمية إنّما هي من جهة الحكم بما هو فعل النفس، لا بما هو جزء القضية أي أنّ القضية إنّما هي الموضوع والمحمول والحكم، ولا حاجة في تحقّق القضية بما هي قضية إلى تصوّر النسبة الحكمية، وإنّما الحاجة إلى تصوّرها لتحقق الحكم من النفس، وجعلها الموضوع هو المحمول، ويدّل على ذلك تحقق القضية في الهلّيات البسيطة، بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع.

ص: 218

فقد تبين بهذا البيان

أوّلاً: أنّ القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة، الموضوع، والمحمول،

والحكم والسالبة ذات جزءين الموضوع والمحمول، و أنّ النسبة الحكمية

تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم لا القضية بما هي قضية في انعقادها. وثانياً: أنّ الحكم فعل من النفس في ظرف الإدراك الذهني، وليس من الانفعال التصوّري في شيء، وحقيقة الحكم في قولنا: زيد قائم مثلاً أنّ النفس تنال من طريق الحسّ موجوداً واحداً هو زيد القائم، ثم تجزّئه إلى مفهومي زيد، والقائم، وتخزنهما عندها ، ثمّ إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج أخذت صورتي زيد والقائم من خزانتها، وهما اثنتان، ثم جعلتهما واحدا ذا وجود واحد، وهذا هو الحكم الذي ذكرنا أنّه فعل للنفس تحكي به الخارج على ما كان.

فالحكم فعل للنفس، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها، ولو كان الحكم تصوّراً مأخوذاً من الخارج كانت القضية غير مفيدة لصحة السكوت كما في كلّ من المقدّم والتالي في القضية الشرطية، ولو كان تصوّراً أنشأته النفس من عندها من غير استعانة من الخارج لم يحك الخارج.

و ثالثاً: أنّ التصديق يتوقف على تصوّر الموضوع والمحمول، فلا تصديق

إلا عن تصوّر.

ص: 219

الفصل الثامن: وينقسم العلم الحصولي إلى بديهي ونظري

والبديهي منه ما لا يحتاج في تصوّره أو التصديق به إلى اكتساب و نظر كتصوّر مفهوم الشيء والوحدة ونحوهما، وكالتصديق بأنّ الكلّ أعظم من جزئه، وأنّ الأربعة زوج.

والنظري ما يتوقف في تصوّره أو التصديق به على اكتساب ونظر كتصوّر ماهيّة الإنسان والفرس، والتصديق بأنّ الزوايا الثلاث من المثلث مساوية لقائمتين، وأنّ الإنسان ذو نفس مجرّدة.

والعلوم النظرية تنتهي إلى العلوم البديهية وتتبيّن بها، وإلا ذهب الأمر

إلى غير النهاية، ثمّ لم يفد علماً على ما بُيّن في المنطق.

نفسه.

والبديهيات كثيرة مبيّنة في المنطق، وأولاها بالقبول الأوّليات وهي القضايا التي يكفي في التصديق بها تصوّر الموضوع والمحمول كقولنا: الكلّ أعظم . من جزئه، وقولنا: الشيء لا يسلب عن نفسه.

وأولى الأوّليات بالقبول قضية استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، وهي قضية منفصلة حقيقية، إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب، ولا تستغنى عنها في إفادة العلم قضية نظرية ولا بديهية حتى الأوّليات، فإن قولنا: الكلّ أعظم من جزئه إنّما يفيد علماً إذا كان نقيضه، وهو قولنا: ليس الكلّ بأعظم من جزئه كاذباً.

ص: 220

فهي أوّل قضية مصدّق بها، لا يُرتاب فيها ذو شعور، وتبتني عليها العلوم، فلو وقع فيها شكّ سرى ذلك في جميع العلوم والتصديقات.

تتمّة:

السوفسطي المنكر لوجود العلم غير مسلّم لقضية أولى الأوائل؛ إذ في

تسليمها اعتراف بأنّ كلّ قضيتين متناقضتين فإنّ إحداهما حقة صادقة. ثمّ السوفسطي المدّعي لانتفاء العلم، والشاكّ في كلّ شيء إن اعترف بأنّه يعلم أنّه شاكّ فقد اعترف بعلم ما، و سلّم قضية أولى الأوائل، فأمكن أن يُلزم بعلوم كثيرة تماثل علمه بأنّه شاكّ كعلمه بأنّه يرى، ويسمع، ويلمس، ويذوق، ويشم، وأنّه ربمّا جاع فقصد ما يشبعه، أو ظمأ فقصد ما يرويه، وإذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم؛ لأنّ العلم ينتهي إلى الحسّ كما تقدّم (1)وإن لم يعترف بأنّه يعلم أنّه شاكّ، بل أظهر أنّه شاكٌ في كلّ شيء، وشاكٌ في شكّه لا يدري شيئاً سقطت معه المحاجّة، ولم ينجع فيه برهان، وهذا الإنسان إمّا مبتلى بمرض أورثه اختلالاً في الإدراك، فليراجع الطبيب، وإمّا معاند للحقّ يظهر ما يظهر لدحضه، فليضرب، وليؤلم، وليمنع ممّا يقصده ويريده، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه، إذ لايرى حقيقة لشيء من ذلك. نعم، ربمّا راجع بعضهم هذه العلوم العقلية، وهو غير مسلّح بالأصول المنطقية، ولا متدّرب في صناعة البرهان فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات والنفي، والحجج التي أقاموها على كلّ من طرفي النقيض، ولم

ص: 221


1) في الفصل الثاني.

يقدر - لقلّة بضاعته - على تمييز الحقّ من الباطل، فتسلّم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة، فأساء الظنّ بالمنطق، وزعم أنّ العلوم نسبية غير ثابتة، والحقيقة بالنسبة إلى كلّ باحث ما دلّت عليه حجّته.

وليعالج أمثال هؤلاء بإيضاح القوانين المنطقية، وإراءة قضايا بديهية لا تقبل الترديد في حال من الأحوال كضرورة ثبوت الشيء لنفسه، واستحالة سلبه عن نفسه و غير ذلك، وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا، وليؤمروا أن يتعلّموا العلوم الرياضية.

وهاهنا طائفتان أخريان من الشكّاكين، فطائفة يتسلمون الإنسان وإدراكاته، ويظهرون الشكّ في ما وراء ذلك، فيقولون: نحن و إدراكاتنا ونشكّ فيما وراء ذلك، و طائفة أخرى تفطّنوا بما في قولهم: نحن وإدراكاتنا من الاعتراف بحقائق كثيرة، من أناسي وإدراكات لهم، وتلك حقائق خارجية، فبدّلوا الكلام بقولهم: أنّا وإدراكاتي وما وراء ذلك مشكوك.

ويدفعه: أنّ الإنسان ربّما يخطئ في إدراكاته، كما في موارد أخطاء الباصرة، واللامسة، وغيرها من أغلاط الفكر، ولولا أنّ هناك حقائق خارجة من الإنسان وإدراكاته، تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق لم يستقم ذلك بالضرورة.

وربمّا قيل: إنّ قول هؤلاء ليس من السفسطة في شيء، بل المراد أنّ من المحتمل أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواس بعينها على الأمور الخارجية بما لها من الحقيقة، كما قيل: إنّ الصوت بما له من الهوية الظاهرة على السمع ليس له وجود في خارجه، بل السمع إذا اتّصل بالارتعاش بعدد كذا ظهر

ص: 222

في السمع في صورة الصوت، وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشاً ظهر في البصر في صورة الضوء واللون، فالحواسّ التي هي مبادئ الإدراك لا تكشف عمّا وراءها من الحقائق، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواس.

و فيه: أنّ الإدراكات إذا فرضت غير كاشفة عمّا وراءها فمن أين علم أنّ هناك حقائق وراء الإدراك لا يكشف عنها الإدراك، ثمّ من أدرك أنّ حقيقة

الصوت في خارج السمع ارتعاش بعدد كذا، وحقيقة المبصر في خارج البصر

ارتعاش بعدد كذا، وهل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطئ فيه الحواس إلّا من طريق الإدراك الإنساني.

وبعد ذلك كلّه تجويز أنّ لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه لا يحتمل إلّا السفسطة، حتى أن قولنا: يجوز أن لا ينطبق شيء من إدراكاتنا على الخارج لا يؤمن أن لا يكشف بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق الذي فيه عن شيء.

الفصل التاسع: وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري

والحقيقي هو المفهوم الذي يوجد تارة بوجود خارجي فيترتّب عليه آثاره، وتارة بوجود ذهني لا يترتّب عليه آثاره، وهذا هو الماهيّة، والاعتباري ما كان بخلاف ذلك، وهو إمّا من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنّه

في الخارج (1)، كالوجود وصفاته، الحقيقية كالوحدة والفعلية وغيرهما، فلا

ص: 223


1) أقول: إذا أخذت حقيقة كونه في الخارج في المصداق فالمصداق يكون خارجياً سواء فيما ذكره في الاعتباري أو في الحقيقي؛ لأنّه من الضرورية بشرط المحمول، فتأمله.

يدخل الذهن (1)وإلّا لانقلب، وإمّا من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنّه في الذهن كمفهوم الكلّي، والجنس، والنوع، فلا يوجد في الخارج و إلّا لانقلب.

و هذه المفاهيم إنّما يعملها الذهن بنوع من التعمّل، ويوقعها على مصاديقها، لكن لا كوقوع الماهيّة وحملها على أفرادها، بحيث تؤخذ في

حدّها.

و ممّا تقدم يظهر:

أوّلاً: أنّ ما كان من المفاهيم محمولا على الواجب والممكن معاً كالوجود

والحياة (2)فهو اعتباري، وإلّا لكان الواجب ذا ماهيّة تعالى عن ذلك و ثانياً: أنّ ما كان منها ، محمولا على أزيد من مقولة واحدة، كالحركة فهو اعتباري، وإلّا كان مجنّساً بجنسين فأزيد وهو محال.

و ثالثاً: أنّ المفاهيم الاعتبارية لا حدّ لها، ولا تؤخذ في حدّ ماهيّة من

الماهيّات.

وللاعتباري معان أخر خارجة عن بحثنا:

منها: الاعتباري مقابل الأصيل كالماهيّة مقابل الوجود.

ص: 224


1) على هذا كيف تحدّث المصنف عنه هنا، وصوّره لنا؟! فالمفهوم الذي لا يدخل الذهن لا يمكن تصوّره فضلاً عن تصويره للغير.

2) إذا كانت مفاهيم الوجود والحياة مفاهيم اعتبارية فهي من القسم الأوّل التي حيثية مصداقها أنه في الخارج فقط، فلا يدخل الذهن، فهذا يعني أن لا سبيل للعلم بها، وإلا كانت من القسم الحقيقي أي الماهيّة، وعليه فلا سبيل لنا للعلم بها، هذا كلّه بناء على ما مرّ منه في الوجود الذهني من أنّ الموجود في الذهن هو عين الموجود في الخارج.

ومنها: الاعتباري بمعنى ما ليس له وجود منحاز مقابل ما له وجود

منحاز كالإضافة الموجودة بوجود طرفيها، مقابل الجوهر الموجود بنفسه.

ومنها: ما يوقع ويحمل على الموضوعات بنوع من التشبيه والمناسب، للحصول على غاية عملية كإطلاق الرأس على زيد؛ لكون نسبته إلى القوم كنسبة الرأس إلى البدن، حيث يدبر أمرهم ويصلح شأنهم، ويشير إلى كلّ بما يخصّه من واجب العمل.

الفصل العاشر: في أحكام متفرّقة

منها: أنّ المعلوم بالعلم الحصولي ينقسم إلى معلوم بالذات، ومعلوم بالعرض، والمعلوم بالذات هو الصورة الحاصلة بنفسها عند العالم، والمعلوم بالعرض هو الأمر الخارجي الذي يحكيه الصورة العلمية، ويسمّى معلوماً بالعرض والمجاز؛ لاتّحاد ما له مع المعلوم بالذات.

ومنها: أنّه تقدّم أنّ كلّ معقول فهو مجرّد، كما أنّ كلّ عاقل فهو مجرّد(1)فليعلم أنّ هذه المفاهيم الظاهرة للقوّة العاقلة، التي تكتسب بحصولها لها الفعلية، حيث كانت مجرّدة، فهي أقوى وجوداً من النفس العاقلة التي تستكمل بها، وآثارها مترتبة عليها ، فهي في الحقيقة موجودات مجرّدة، تظهر بوجوداتها الخارجية للنفس العالمة، فتتّحد النفس بها إن كانت صور جواهر،

ص: 225


1) لا وجود للمجرّدات في عالم الإمكان كما تقدّم.

وبموضوعاتها المتّصفة بها إن كانت أعراضاً، لكنّا لاتصالنا من طريق أدوات الإدراك بالموادّ، نتوهّم أنّها نفس الصور القائمة بالموادّ، نزعناها من الموادّ من دون آثارها المترتّبة عليها في نشأة المادّة، فصارت وجودات ذهنية للأشياء، لا يترتّب عليها آثارها.

فقد تبيّن بهذا البيان أنّ العلوم الحصولية في الحقيقة علوم حضورية. وبان أيضاً أنّ العقول المجرّدة (1)عن المادّة لا علم حصولياً عندها؛

لانقطاعها عن المادة ذاتاً وفعلاً.

الفصل الحادي عشر: كلّ مجرّد فهو عاقل

لأنّ المجرّد تامّ ذاتاً لا تعلّق له بالقوّة، فذاته التامّة حاضرة لذاته، موجودة لها، ولا نعني بالعلم إلّا حضور شيء لشيء بالمعنى الذي تقدّم(2)، هذا في علمه بنفسه.

وأمّا علمه بغيره، فإنّ له لتمام ذاته إمكان أن يعقل كلّ ذات تامّ يمكن أن يعقل، وما للموجود المجرّد بالإمكان فهو له بالفعل، فهو عاقل بالفعل لكلّ مجرّد تامّ الوجود، كما أنّ كلّ مجرّد فهو معقول بالفعل، وعقل بالفعل.

فإن قلت: مقتضى ما ذكر كون النفس الإنسانية عاقلة لكلّ معقول؛

ص: 226


1) لا دليل على وجودها، بل الدليل على امتناعها متحقق كما تقدّم في التعليق على أوّل هذه المرحلة، ومنه تعرف بطلان ما ذكره في الفصول الآتية فلا نعيد.

2) في الفصل الأول.

لتجرّدها وهو خلاف الضرورة.

قلت: هو كذلك، لكنّ النفس مجرّدة ذاتاً لا فعلاً، فهي لتجرّدها ذاتاً تعقل ذاتها بالفعل، لكنّ تعقلّها فعلاً يوجب خروجها من القوّة إلى الفعل تدريجاً بحسب الاستعدادات المختلفة، فإذا تجرّدت تجرّداً تامّاً، ولم يشغلها تدبير البدن حصلت لها جميع العلوم حصولاً بالعقل الإجمالي، وتصير عقلاً مستفاداً بالفعل.

وغير خفي أنّ هذا البرهان إنّما يجري في الذوات المجرّدة الجوهرية التي وجودها لنفسها، و أمّا أعراضها التي وجودها لغيرها فلا، بل العاقل لها موضوعاتها.

الفصل الثاني عشر: في العلم الحضوري، وأنّه لا يختصّ بعلم الشيء بنفسه

قد تقدّم أنّ الجواهر المجرّدة لتمامها وفعليتها حاضرة في نفسها لنفسها، فهي عالمة بنفسها علماً حضورياً، فهل يختصّ العلم الحضوري بعلم الشيء بنفسه، أو يعمّه، وعلم العلّة بمعلولها إذا كانا مجرّدين وبالعكس، المشّاءون على الأوّل، والإشراقيون على الثاني وهو الحقّ.

وذلك لأنّ وجود المعلول - كما تقدّم (1)- رابط لوجود العلّة، قائم به، غير مستقلّ عنه، فهو إذا كانا مجرّدين حاضر بتمام وجوده عند علّته لا حائل

ص: 227


1) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.

بينهما، فهو بنفس وجوده معلوم لها علماً حضورياً.

وكذلك العلّة حاضرة بوجودها لمعلولها القائم بها المستقلّ باستقلالها إذا كانا مجرّدين من غير حائل يحول بينهما فهي معلومة لمعلولها علماً حضورياً، وهو المطلوب.

ص: 228

المرحلة الثانية عشر: فيما يتعلّق بالواجب تعالى من إثبات ذاته وصفاته وأفعاله

اشارة

المرحلة الثانية عشر(1)

وفيها أربعة عشر فصلاً

ص: 229


1) أرجو من القارئ الكريم أن يراجع الملحق قبل مطالعة هذه المرحلة.

ص: 230

الفصل الأوّل: في إثبات ذاته تعالى

حقيقة الوجود التي هي أصيلة لا أصيل دونها، وصرفة لا يخالطها غيرها؛ البطلان الغير فلا ثاني لها - كما تقدّم في المرحلة الأولى (1)- واجبة الوجود (2)

وربما يُدعى أن كلامه هنا عن حقيقة الوجود لا يشمل الوجود الممكن، ولكنه باطل.

و بيان ذلك: أنّ كلامه عن الوجود الأصيل الذي لا ثانية له، ولا غير له تقدّم في المرحلة الأولى التي أعدت للكلام حول أحكام الوجود بشكل عام لا خصوص الواجب، فالقوم تبنّوا أصالة الوجود في الواجب والممكن ، ولم يفصلوا ليصح القول بأنّ كلامهم في بعض الموجود دون البعض الآخر، ولاستيضاح بطلان وحدة الوجود عليك بمراجعة كتاب تنزيه المعبود) لأستاذنا المحقق آية الله السيد قاسم علي أحمدي المازندراني القمي (دامت برکاته).

الضرورة ثبوت الشيء لنفسه، وامتناع صدق نقيضه و هو العدم عليه. و وجوبها إمّا بالذات أو بالغير، لكنّ كون وجوبها بالغير خلف؛ إذ لا غير هناك ولا ثاني لها، فهي واجبة الوجود بالذات.

حجّة أخرى الماهيّات الممكنة المعلولة موجودة فهي واجبة الوجود؛ لأن الشيء ما

ص: 231


1) في الفصل الرابع والفصل السابع.

2) هذا بيان لوحدة الوجود لا لوجود الحق سبحانه، وبطلانها من الواضحات وإن أطالوا في البيان بما لا يرجع إلى محصل وبرهان.

لم يجب لم يوجد، ووجوبها بالغير؛ إذ لو كان بالذات لم يحتج إلى علّة، والعلّة التي بها يجب وجودها موجودة واجبة، و وجوبها إمّا بالذات، أو بالغير و ينتهي إلى الواجب بالذات (1)، لاستحالة الدور والتسلسل.

الفصل الثاني: في إثبات وحدانيته تعالى

كون واجب الوجود تعالى حقيقة الوجود الصرف التي لا ثاني لها يثبت وحدانيته تعالى بالوحدة الحقّة التي يستحيل معها فرض التكثّر فيها؛ إذ كلّ ما فرض ثانياً لها عاد أوّلاً؛ لعدم الميز بخلاف الوحدة العددية التي إذا فرض معها ثان عاد مع الأوّل اثنين، وهكذا.

حجّة أخرى

لو كان هناك واجبان فصاعداً، امتاز أحدهما من الآخر بعد اشتراكها

في وجوب الوجود، وما به الامتياز غير ما به الاشتراك بالضرورة، ولازمه

تركّب ذاتهما ممّا به الاشتراك وما به الامتياز، ولازم التركّب الحاجة إلى

الأجزاء، وهي تنافي الوجوب الذاتي الذي هو مناط الغنى الصرف.

تتمّة:

أورد ابن كمّونة على هذه الحجّة أنه لم لا يجوز أن يكون هناك هويّتان

ص: 232


1) على هذا نقول: إنّ الممكن إن كان فرداً من الوجود غير الواجب بذاته فالوجود يكون له حينئذ ثان، وقد تقدم منه أن لا ثاني للوجود.

بسيطتان، مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الماهيّة ، يكون كلّ منهما واجب الوجود بذاته، ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما، مقولاً عليهما قولاً عرضياً.

وأجيب عنه: بأنّ فيه انتزاع مفهوم واحد من مصاديق مختلفة بما هي

مختلفة(1)وهو غير جائز.

على أنّ فيه إثبات الماهيّة للواجب، وقد تقدّم (2)إثبات أنّ ماهيّته تعالى وجوده.

وفيه أيضاً اقتضاء الماهيّة للوجود، وقد تقدّم أصالته واعتباريتها، ولا

معنى لاقتضاء الاعتباري للأصيل. ويتفرّع على وحدانيته تعالى بهذا المعنى أنّ وجوده تعالى غير محدود بحدّ عدمي يوجب انسلابه عمّا وراءه (3).

ويتفرّع أيضاً أنّ ذاته تعالى بسيطة، منفي عنها التركيب بأيّ وجه فرض؛ إذ التركيب بأيّ وجه فرض لا يتحقّق إلا بأجزاء يتألّف منها الكلّ، ويتوقّف تحقّقه على تحقّقها، وهو الحاجة إليها، والحاجة تنافي الوجوب الذاتي.

الفصل الثالث: في أنّ الواجب تعالى هو المبدأ المفيض لكلّ وجود وكمال وجودي كلّ موجود غيره تعالى ممكن بالذات؛ لانحصار الوجوب بالذات فيه

ص: 233


1) اختلاف المصاديق لا يمنع من انتزاع مفهوم واحد عنها كالنقيضين، فالتناقض منتزع منهما مع شدة اختلافهما.

2) في الفصل الثالث من المرحلة الرابعة.

3) لا بد من انسلاب غيره عنه تعالى وإلا لعم وجوده - وهو عين ذاته - لكلّ موجود.

تعالى، و كلّ ممكن فإنّ له ماهية هي التي تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم، وهي التي تحتاج في وجودها إلى علّة (1)بها يجب وجودها فتوجد. والعلّة إن كانت واجبة بالذات فهو وإن كانت واجبة بالغير انتهى ذلك إلى الواجب بالذات، فالواجب بالذات هو الذي يفيض عنه وجود كلّ ذي وجود من الماهيّات.

ومن طريق آخر:

ما سواه تعالى من الوجودات الإمكانية فُقراء في أنفسها، متعلّقات في حدود ذواتها، فهي وجودات رابطة لا استقلال لها حدوثاً ولا بقاء، وإنّما تتقوّم بغيرها، و ينتهى ذلك إلى وجود مستقلّ في نفسه غنى في ذاته، لا تعلّق له بشيء تعلّق الفقر والحاجة، وهو الواجب الوجود تعالى وتقدّس. فتبيّن أنّ الواجب الوجود تعالى هو المفيض لوجود ما سواه، وكما أنّه مفيض لها مفيض لآثارها (2)القائمة بها، والنسب والروابط التي بينها، فإنّ العلة الموجبة للشيء المقوّمة لوجوده علّة موجبة لآثاره والنسب القائمة به، ومقوّمة لها.

فهو تعالى وحده المبدأ الموجد لما سواه، المالك لها، المدبّر لأمرها، فهو ربّ العالمين، لا ربّ سواه (3)

ص: 234


1) أقول : الممكن يحتاج إلى علّة لوجوده وماهيته بمقتضى إمكانها.

2) شامل بإطلاقه فعل الإنسان، وهو يوجب كونه غير مختار في فعله، وهو خلاف ما عليه الإمامية من أنا فاعلون.

3) سيأتي منه - الفصل الثاني عشر من هذه المرحلة - أنّ لكلّ نوع ربّ هو المفيض لوجوده، والمدبّر لأمره.

تتمة:

قالت الثنوية: إنّ في الوجود خيراً وشراً، وهما متضادّان لا يستندان إلى

مبدأ واحد، فهناك مبدئان، مبدأ الخيرات، ومبدأ الشرور.

وعن أفلاطون في دفعه: أنّ الشر عدم، و العدم لا يحتاج إلى علّة فيّاضة، بل علّته عدم الوجود، وقد بيّن الصغرى بأمثلة جزئية كالقتل الذي هو شرّ مثلاً، فإنّ الشرّ ليس هو قدرة القاتل عليه فإنّه كمال له، ولا حدّة السيف مثلاً و صلاحيته للقطع فإنّه كمال فيه، ولا انفعال رقبة المقتول من الضربة، فإنّه من كمال البدن، فلا يبقى للشرّ إلّا بطلان حياة المقتول بذلك، وهو أمر عدمي، و على هذا القياس في سائر الموارد.

وعن أرسطو: أنّ الأقسام خمسة: ما هو خير محض، وما خيره كثير و شرّه قليل، وما خيره وشرّه متساويان، وما شرّه كثير وخيره قليل، وما هو شرّ محض.

وأوّل الأقسام موجود كالعقول المجرّدة التي ليس فيها إلّا الخير، وكذا القسم الثاني كسائر الموجودات المادّية التي فيها خير كثير بالنظر إلى النظام العامّ، فإنّ في ترك إيجاده شراً كثيراً، وأمّا الأقسام الثلاثة الباقية فهي غير موجودة، إمّا ما خيره و شرّه متساويان فإنّ في إيجاده ترجيحاً بلا مرجّح، وأمّا ما شرّه كثير وخيره قليل فإنّ في إيجاده ترجيح المرجوح على الراجح، و أمّا ما هو شرّ محض فأمره واضح.

ص: 235

و بالجملة، لم يستند بالذات إلى العلّة إلّا الخير المحض، والخير الكثير،

وأمّا الشرّ القليل فقد استند إليها بعرض الخير الكثير الذي يلزمه.

الفصل الرابع: في صفات الواجب الوجود تعالى ومعنى اتّصافه بها

تنقسم الصفات الواجبية بالقسمة الأوّلية إلى ما تكفي في ثبوته الذات

المتعالية من غير حاجة إلى فرض أمر خارج كحياته تعالى، وعلمه بنفسه، وتسمّى الصفة الذاتية، وما لا يتمّ الاتّصاف به إلّا مع فرض أمر خارج من الذات كالخلق، والرزق، والإحياء، وتسمّى الصفة الفعلية.

والصفات الفعلية كثيرة ، وهي على كثرتها منتزعة من مقام الفعل

خارجة عن الذات.

و الكلام في هذه الفصول في الصفات الذاتية.

فنقول: قد عرفت أنّه تعالى هو المبدأ المفيض لكلّ وجود وكمال

وجودي (1)، وقد ثبت في المباحث السابقة أنّ العلّة المفيضة لشيء واجدة لحقيقة ذلك الشيء (2)بنحو أعلى وأشرف، فمعطي الشيء غير فاقد له(3)، فله سبحانه اتّصاف ما بصفات الكمال كالعلم، والقدرة، والحياة.

ص: 236


1) في الفصل السابق

2) هذا محال، فهو موجد للضدّين وعلى ما ذكره المصنّف يكون واجداً لهما في ذاته وهو محال.

3) نعم ، يوجد الشيء في قدرته وسلطانه لا في ذاته، فتأمل.

فلننظر في أقسام الصفات، ونحو اتّصافه بها.

فنقول: تنقسم الصفة إلى ثبوتية كالعالم والقادر، وسلبية تفيد معنى سلبيا، لكنك عرفت آنفا أنّه لا يجوز سلب كمال من الكمالات منه تعالى؛

لكونه مبدأ كلّ كمال، فصفاته السلبية ما دلّ على سلب النقص والحاجة، كمن ليس بجاهل، و من ليس بعاجز، وما ليس بجوهر، و لمّا كان النقص و الحاجة في معنى سلب الكمال كانت الصفة السلبية المفيدة لسلب النقص راجعة إلى سلب سلب الكمال، وهو إيجاب الكمال، فمعنى ليس بجاهل سلب سلب العلم، ومعناه إيجاب العلم.

ثمّ الصفات الثبوتية تنقسم إلى حقيقية كالعالم، وإضافية كالقادرية،

والعالَمية، وتنقسم الحقيقية إلى حقيقية محضة كالحي، وحقيقية ذات إضافة كالعالم بالغير.

ولا ريب في زيادة الصفات الإضافية(1)على الذات المتعالية؛ لأنّها معان اعتبارية، وجلّت الذات أن تكون مصداقاً لها، والصفات السلبية ترجع إلى

الثبوتية الحقيقية، فحكمها حكمها.

وأمّا الصفات الحقيقية أعم من الحقيقية المحضة، والحقيقية ذات الإضافة

ففيها أقوال:

ص: 237


1) التي منها القادرية والعالمية كما تقدّم منه، وهذا خلاف ما عليه الإمامية من أنّ العلم والقدرة والحياة صفاة ذاتية لا تركيب بينها وبين ،الذات فهي ليست زائدة على الذات

أحدها: أنّها عين الذات المتعالية (1)، وكلّ منها (2)عين الأخرى(3).

و ثانيها: أنّها زائدة على الذات لازمة لها، فهي قديمة بقدمها (4). و ثالثها: أنّها زائدة على الذات حادثة (5)

أولاً : خلوّ الذات عن صفات الكمال آناً ما قبل حدوث الصفات.

ثانياً: موجد هذه الصفات لا بد أن يكون واجداً لها كما قرّروه، فإن كان هو الذات فالمفروض خلوها عن الصفات، وإن كان غير الذات المقدّسة لزم احتياجها إلى الغير، وذلك خلف وجوب الوجود.

ثالثاً: قد يقال : بأنّه يلزم التغير في الذات بعد الاتصاف، والتغيّر من سمات الحادث لا القديم.

و رابعها: أنّ معنى اتّصاف الذات بها كون الفعل الصادر منها فعل من

تلبّس بها، فمعنى كونها عالمة أنّها تفعل فعل العالم في إتقانه، وإحكامه، ودقة، جهاته، وهكذا فالذات نائبة مناب الصفات.

والحقّ هو الأوّل المنسوب إلى الحكماء؛ لما عرفت أنّ ذاته المتعالية مبدأ لكلّ كمال وجودي، ومبدأ الكمال غير فاقد له، ففي ذاته حقيقة كلّ كمال يفيض عنه، وهو العينية.

ثمّ حيث كانت كلّ من صفات كماله عين الذات الواجدة للجميع فهي أيضاً واجدة للجميع وعينها ، فصفات كماله مختلفة بحسب المفهوم، واحدة

ص: 238


1) لا دليل على العينية إنّما الدليل على نفي التركيب بين الذات والصفة، وتبقى الذات الإلهية المقدسة في منأى عن إدراكها أو إدراك كيفها.

2) دعوى بلا دليل، فإنّ الصفات في التعقل مختلفة، وفي الذات الإلهية المقدسة مجهولة الكيف.

3) يلزم منه تعدّد القدماء، وقد عرفت أنه لا قديم إلا الله .

4) يرد عليه : أنه تعالى وتقدّس خال عنها قبل حدوثها، فيلزم كونه قبل ذلك جاهلًا، عاجزاً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

5) يرد عليه:

بحسب المصداق الذي هو الذات المتعالية.

وقول بعضهم: إنّ علّة الإيجاد مشيئته وإرادته تعالى دون ذاته كلام لا محصّل له (1)فإنّ الإرادة عند هذا القائل إن كانت صفة ذاتية هي عين الذات كانت نسبة الإيجاد إلى الإرادة عين نسبته إلى الذات، فلم يأت بطائل، وإن كانت من صفات الفعل المنتزعة من مقام الفعل، فللفعل تقدّم عليها، و استناده في وجوده إليها تقدّم المعلول على العلّة (2)وهو محال، على أنّ لازم هذا القول كون نسبة الإيجاد والخلق إليه تعالى مجازاً.

وأما القول الثاني: و هو منسوب إلى الأشاعرة.

ففيه: أنّ هذه الصفات و هى على ما عدّوها الحياة، والقدرة، والعلم، والسمع والبصر، والإرادة، والكلام، إمّا أن تكون معلولة أو غير معلولة

لشيء، فإن لم تكن معلولة لشيء، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها كانت هناك واجبات ثمّان، و هي الذات و الصفات السبع، و أدلّة وحدانية الواجب تبطله.

و إن كانت معلولة فإمّا أن تكون معلولة لغير الذات المتّصفة بها، أو معلولة لها.

وعلى الأوّل كانت واجبة بالغير، وينتهي وجوبها بالغير إلى واجب بالذات، غير الواجب بالذات الموصوف بها، وأدلّة وحدانية الواجب تبطله

ص: 239


1) بل هو الحق الذي دلّت عليه الأخبار المتواترة، ثمّ لو كانت الذات المقدسة هي العلة يلزم منه تعدّد القدماء، وقد عرفت بطلانه من تعليقاتنا السابقة.

2) تقدّم في الانتزاع لا في الوجود، فلا يلزم منه ما ذكره من تقدّم المعلول على العلة.

كالشقّ السابق.

على أنّ فيه: حاجة الواجب الوجود لذاته في اتّصافه بصفات كماله إلى غيره، وهو محال.

وعلى الثاني يلزم كون الذات المفيضة لها متقدّمة عليها بالعلّية، وهي

فاقدة لما تعطيه من الكمال، وهو محال.

على أن فيه: فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال، وقد تقدّم أنّه صرف

الوجود الذي لا يشذّ عنه وجود (1)ولا كمال وجودي، هذا خلف.

وأمّا القول الثالث: وهو منسوب إلى الكرامية، فلازم ما فيه من كون

الصفات زائدة حادثة كون الذات المتعالية ذات مادّة، قابلة للصفات التي تحدث فيها، ولازمه تركّب الذات، وهو محال، وكون الذات خالية في نفسها عن الكمال، وهو محال.

وأما القول الرابع: و هو منسوب إلى المعتزلة، فلازم ما فيه من نيابة الذات عن الصفات خلوها عنها، وهو كما عرفت وجود صرف لا يشذّ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

الفصل الخامس: في علمه تعالى

قد تقدّم (2)أنّ لكلّ مجرّد عن المادّة علماً بذاته؛ لحضور ذاته عند ذاته،

ص: 240


1) و وجود الممكن هل هو داخل في وجود الواجب فيلزم منه تركب الواجب من كل الوجودات؟!

2) في الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشر.

وهو

علمه بذاته.

وتقدّم أيضاً أنّ ذاته المتعالية صرف الوجود الذي لا يحدّه حدّ، ولا يشذّ عنه وجود، ولا كمال وجودي، فما في تفاصيل الخلقة من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي فهو موجود عنده بنحو أعلى وأشرف، غير متميّز بعضها من بعض، فهو معلوم عنده علماً إجمالياً في عين الكشف التفصيلي(1)ثمّ إنّ الموجودات بما هي معاليل له، قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل، حاضرة بوجوداتها عنده فهي معلومة له علماً حضورياً في مرتبة وجوداتها المجرّدة منها بأنفسها، والمادّية منها بصورها المجرّدة.

فقد تحقّق أنّ للواجب تعالى علماً حضورياً بذاته، وعلماً حضورياً تفصيلياً بالأشياء في مرتبة ذاته قبل إيجادها، وهو عين ذاته، وعلماً حضورياً تفصيلياً بها في مرتبتها، وهو خارج من ذاته، ومن المعلوم أنّ علمه بمعلولاته يستوجب العلم بما عندها من العلم.

تتمّة:

و لمّا كانت حقيقة السمع والبصر هي العلم بالمسموعات والمبصرات كانا من مطلق العلم، وثبتا فيه تعالى، فهو تعالى سميع بصير، كما أنّه عليم خبير .

تنبيه وإشارة:

للناس في علمه تعالى أقوال مختلفة، ومسالك متشتّتة أخر، نشير إلى ما

ص: 241


1) بين الإجمال والتفصيل تقابل، وهما لا يجتمعان فضلا عن أن يكون أحدهما عين الآخر.

هو المعروف منها:

أحدها: أنّ لذاته تعالى علماً بذاته دون معلولاته؛ لأنّ الذات أزلية ولا

معلول إلّا حادثاً.

وفيه: أنّ العلم بالمعلول في الأزل لا يستلزم وجوده في الأزل بوجوده

الخاصّ به كما عرفت.

الثاني: ما نسب إلى المعتزلة، أنّ للماهيات ثبوتاً عينياً في العدم، وهي التي تعلّق بها علمه تعالى قبل الإيجاد.

وفيه: أنّه تقدّم بطلان القول بثبوت المعدومات.

الثالث: ما نسب إلى الصوفية، أنّ للماهيات الممكنة ثبوتاً علمياً بتبع

الأسماء والصفات، هو المتعلّق لعلمه تعالى قبل الإيجاد.

و فيه: أنّ القول بأصالة الوجود، واعتبارية الماهيّات ينفي أي ثبوت

مفروض للماهيّة قبل وجودها العيني الخاصّ بها.

الرابع: ما نسب إلى أفلاطن، أنّ علمه تعالى التفصيلي بالأشياء هو

المفارقات النورية، والمثل الإلهيّة التي تتجمع فيها كمالات الأنواع.

و فيه: أنّ ذلك على تقدير ثبوتها إنّما يكفي لتصوير العلم التفصيلي بالأشياء في مرتبتها لا في مرتبة الذات، فتبقى الذات خالية من الكمال العلمي، وهو وجود صرف لا يشذّ عنه كمال وجودي، هذا خلف.

الخامس: ما نسب إلى شيخ الإشراق، وتبعه جمع من المحقّقين، أنّ

الأشياء بأسرها من المجرّدات، والمادّيات حاضرة بوجودها عنده تعالى، غير

ص: 242

غائبة عنه، وهو علمه التفصيلي بالأشياء.

و فيه: أنّ المادّية لا تجامع الحضور، كما تقدّم (1)في مباحث العلم والمعلوم، على أنّه إنّما يكفي لتصوير العلم التفصيلي في مرتبة الأشياء، فتبقى الذات خالية في نفسها عن الكمال العلمي، كما في القول الرابع.

السادس: ما نسب إلى ثاليس المطلي، وهو أنّه تعالى يعلم العقل الأوّل، وهو المعلول الأوّل، بحضور ذاته عنده، و يعلم سائر الأشياء بارتسام صورها في العقل الأوّل.

وفيه: أنّه يرد عليه ما ورد على سابقه.

السابع: قول بعضهم: إنّ ذاته تعالى علم تفصيلي بالمعلول الأوّل، وإجمالي بما دونه، و ذات المعلول الأوّل علم تفصيلى بالمعلول الثاني، وإجمال بما دونه و هكذا.

و فيه: ما في سابقه.

الثامن: ما نسب إلى فرفوريوس، أنّ علمه تعالى باتّحاده مع المعقول. وفيه: أنّه إنّما يكفي لبيان نحو تحقّق العلم، و أنّه بالاتّحاد دون العروض

ونحوه، وأمّا كونه علماً تفصيلياً بالأشياء قبل الإيجاد مثلاً فلا

ففيه: ما في سابقه.

التاسع: ما نسب إلى أكثر المتأخّرين، أنّ علمه بذاته علم إجمالي بالأشياء، فهو تعالى يعلم الأشياء كلّها إجمالاً بعلمه بذاته، وأما علمه بالأشياء تفصيلاً

ص: 243


1) في الفصل الأوّل والثامن من المرحلة الحادية عشر.

فبعد وجودها؛ لأنّ العلم تابع للمعلوم، ولا معلوم قبل وجود المعلوم. وفيه: ما في سابقه، على أنّ كون علمه تعالى على نحو الارتسام والحصول ممنوع كما سيأتي.

العاشر: ما نسب إلى المشّائين أنّ علمه تعالى بالأشياء قبل إيجادها،

بحضور ماهيّاتها على النظام الموجود في الوجود لذاته تعالى، لا على نحو الدخول فيها والاتّحاد بها، بل على نحو قيامها بها بالثبوت الذهني على وجه الكلّية، بمعنى عدم تغير العلم بتغيّر المعلوم، فهو علم عنائي، حصوله العلمي مستتبع لحصوله العيني، وقد جرى على هذا القول أكثر المتكلّمين وإن خطّئوه، و طعنوا فيه من حيث إثبات الكلّية في العلم، فإنّهم جروا على كونه علماً حصولياً قبل الإيجاد (1)، وأنّه على حاله قبل وجود الأشياء و بعده (2).

و فيه: ما في سابقه، على أن فيه إثبات العلم الحصولي، لموجود مجرّد ذاتاً وفعلاً، وقد تقدّم (3)في مباحث العلم والمعلو أنّ الموجود المجرّد ذاتاً و فعلاً لا يتحقّق فيه علم حصولي على أنّ فيه إثبات وجود ذهني من غير وجود عيني يقاس إليه، ولازمه أن يعود وجوداً عينياً آخر للموجود الخارجي قبل وجوده العيني الخاصّ به و منفصلاً عنه تعالى، ويرجع لا محالة إلى القول الرابع.

ص: 244


1) علم الباري رحمه الله علیه مجهول الحقيقة كالذات، والحاكم هنا أنّ كلّ ما نتخيله فهو رحمه الله علیه غیره

2) هو كذلك لا تغير في علمه ؛ لدلالة النص عليه ، ففي التوحيد للشيخ الصدوق له عن أبي عبد الله : «تعالى الله ، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعدما كوّنه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان . [ التوحيد (للصدوق): 132].

3) في خاتمة المرحلة العاشرة.

الفصل السادس: في قدرته تعالى

قد تقدّم (1)أنّ القدرة كون الشيء مصدراً للفعل عن علم(2)، ومن المعلوم أنّ الذي ينتهي إليه الموجودات الممكنة هو ذاته المتعالية، إذ لا يبقى وراء الوجود الممكن إلّا الوجود الواجبي من غير قيد و شرط ، فهو المصدر للجميع، و علمه عين ذاته التي هي المبدأ لصدور المعاليل الممكنة، فله القدرة، وهي عين ذاته.

فإن قلت: أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لنفس الإنسان لأنّها منوطة باختياره إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، و لو كانت مخلوقة لله سبحانه مقدورة له كان الإنسان مجبراً على الفعل لا مختاراً فيه، فأفعال الإنسان الاختيارية خارجة عن تعلّق القدرة، فالقدرة لا تعمّ كلّ شيء.

قلت: ليس معنى كون الفعل اختيارياً تساوى نسبته إلى الوجود والعدم حتّى حين الصدور، فمن المحال صدور الممكن من غير ترجّح وتعيّن لأحد جانبي وجوده وعدمه، بل الفعل الاختياري لكونه ممكناً في ذاته يحتاج في وجوده إلى علّة تامّة لا يتخلّف عنها، نسبته إليها نسبة الوجوب، وأما نسبته إلى الإنسان الذي هو جزء من أجزاء علّته التامّة فبالإمكان كسائر الأجزاء

ص: 245


1) في الفصل العاشر من المرحلة العاشرة.

2) القدرة هي كون الفاعل بحيث يمكنه الفعل أو الترك.. ودعواه هنا تنسجم مع كون الفاعل موجب - كما تقدم منه - والكلام إنما هو في قدرة الله ، وهو قادر مختار بمعنى أن له أن يفعل وأن يترك.

التي لها من المادّة القابلة وسائر الشرائط الزمانية والمكانية وغيرها. فالفعل الاختياري لا يقع إلا واجباً بالغير كسائر المعل--ولات، ومن المعلوم أن الوجوب بالغير لا يتحقّق إلّا بالانتهاء إلى واجب بالذات، ولا واجب بالذات (1)إلّا هو ،تعالى، فقدرته تعالى عامّة حتّى للأفعال الاختيارية.

ومن طريق آخر الأفعال كغيرها من الممكنات معلولة، وقد تقدّم (2)في مرحلة العلّة و المعلول أنّ وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علّته، ولا يتحقّق وجود رابط إلّا بالقيام بمستقلّ يقوّمه، ولا مستقلّ بالذات إلّا الواجب بالذات، فهو مبدأ أوّل لصدور كلّ معلول متعلّق الوجود بعلّة، و هو على كل شيء قدير.

فإن قلت: الالتزام بعموم القدرة للأفعال الاختيارية التزام بكونها جبرية، فإنّ لازمه القول بتعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل الاختياري، وهي لا تتخلّف عن المراد، فيكون ضروري الوقوع، و يكون الإنسان مجبراً عليه لا مختاراً فيه و بوجه آخر ما وقع من الفعل متعلّق لعلمه تعالى فوقوعه ضروري، وإلّا عاد علمه جهلاً ، تعالى عن ذلك فالفعل جبري لا اختياري.

قلت: كلّا، فالإرادة الإلهيّة إنّما تعلّقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه، والذي عليه الفعل هو أنّه منسوب إلى الإنسان الذي هو جزء علّته التامة بالإمكان، ولا يتغيّر بتعلّق الإرادة عمّا هو عليه، فقد تعلّقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار الإنسان، و مراده تعالى أن يفعل الإنسان الفعل الفلاني

ص: 246


1) ذات الإنسان ترجع في وجودها إلى الواجب لا فعله إلا بنحو من الإقدار له على فعله، لا أنّه تعالى يفعل فعل الإنسان.

2) في الفصل الثالث من المرحلة السابقة.

باختياره، ومن المحال أن يتخلّف مراده تعالى عن إرادته.

والجواب عن الاحتجاج بتعلّق العلم الأزلي بالفعل كالجواب عن تعلّق الإرادة به، فالعلم إنّما تعلّق بالفعل على ما هو عليه، وهو أنّه فعل اختياري، يتمكّن الإنسان منه ومن تركه، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته، فلو لم يقع اختيارياً كان علمه تعالى جهلاً.

فإن قلت: السلوك إلى بيان عموم القدرة من طريق توقّف وجود المعلول الممكن على وجوبه بالغير، و انتهاء ذلك إلى الواجب بالذات، ينتج خلاف المطلوب، فإنّ كون فعله تعالى واجباً يستلزم كونه تعالى موجباً (بفتح الجيم) أي واجباً عليه الفعل ممتنعاً عليه الترك، ولا معنى لعموم القدرة حينئذ.

قلت: الوجوب كما تعلم منتزع من الوجود، فكما أنّ وجود المعلول من ناحية العلّة كذلك وجوبه بالغير من ناحيتها، ومن المحال أن يعود الأثر المترتّب على وجود الشيء مؤثّراً في وجود مؤثّره، فالإيجاب الجائي من ناحيته تعالى إلى فعله يستحيل أن يرجع فيوجب عليه تعالى فعله، ويسلب عنه بذلك عموم القدرة وهي عين ذاته.

و يتبيّن بما تقدّم أنّه تعالى مختار بالذات؛ إذ لا إجبار إلّا من أمر وراء

الفاعل، يحمله على خلاف ما يقتضيه أو على ما لا يقتضيه، وليس وراءه تعالى إلّا فعله، والفعل ملائم لفاعله، فما فعله من فعل هو الذي تقتضيه ذاته ويختاره بنفسه (1).

ص: 247


1) هذا خلط وخبط ، فالاختيار ينا في الوجوب وهو قد أقر بأنه تعالى فاعل موجب.

الفصل السابع: في حياته تعالى

الحي عندنا هو الدرّاك الفعال، فالحياة مبدأ الإدراك والفعل أي مبدأ العلم والقدرة، أو أمر يلازمه العلم والقدرة، وإذ كانت الحياة تحمل علينا، و العلم و القدرة فينا زائدتان على الذات فحملها على ما كانتا فيه موجودتين للذات على نحو العينية، كالذات الواجبة الوجود بالذات، أولى وأحقّ، فهو تعالى حياة وحيّ بالذات.

على أنّه تعالى مفيض الحياة كلّ حي، و معطي الشيء غير فاقد له (1)

الفصل الثامن: في إرادته تعالى وكلامه

قالوا: إرادته تعالى علمه بالنظام الأصلح.

وبعبارة أخرى علمه بكون الفعل خيراً، فهي وجه من وجوه علمه تعالى، كما أنّ السمع بمعنى العلم بالمسموعات، والبصر بمعنى العلم بالمبصرات وجهان من وجوه علمه (2)فهو عين ذاته تعالى.

وقالوا: الكلام - فيما نتعارفه - لفظ دالّ على ما في الضمير، كاشف عنه، فهناك موجود اعتباري وهو اللفظ الموضوع ، يدلّ دلالة وضعية اعتبارية

ص: 248


1) تقدّم أنّ معطي الشيء لا يكون فاقداً له في قدرته وسلطانه لا في ذاته، فلا تصلح دليلًا في المقام.

2) بل إرادته فعله تعالى كما دلّت عليه الأخبار الشريفة، ونفته كونها علمه.

على موجود آخر، وهو الذي في الذهن، ولو كان هناك موجود حقيقي دالّ بالدلالة الطبعية على موجود آخر كذلك، كالأثر الدال على مؤثّره، و صفة الكمال في المعلول الكاشفة عن الكمال الأتمّ في علّته، كان أولى وأحق بأن يسمّى كلاماً؛ لقوة دلالته.

و لو كان هناك موجود أحدي الذات، ذو صفات كمال في ذاته، بحيث يكشف بتفاصيل كماله، وما يترتّب عليه من الآثار عن وجوده الأحدي وهو الواجب تعالى، كان أولى وأحقّ باسم الكلام، وهو متكلّم لوجود ذاته لذاته (1).

أقول: فيه إرجاع تحليلي لمعنيي الإرادة والكلام إلى وجه من وجوه العلم والقدرة، فلا ضرورة تدعو إلى إفرادهما عن العلم والقدرة، وما نسب إليه

تعالى في الكتاب(2)والسنّة (3)من الإرادة والكلام أريد به صفة الفعل، بالمعنى الذي سيأتي إن شاء الله (4).

ص: 249


1) فهو إذن متكلّم منذ الأزل، فتأمل؛ إذ هو خلاف ما عليه الإمامية، ونصوصهم في ذلك واضحة.

2) ينظر: سورة البقرة : 253 ، سورة النساء: 27 ، سورة المائدة : 7 ، سورة هود: 108 ، سورة النحل: 40 ، وغيرها من الآيات الشريفة.

3) ينظر الكافي : 1 / 150 ، ب باب المشيئة والإرادة.

4) يأتي في الفصل الآتي.

الفصل التاسع: في فعله تعالى وانقساماته

لفعله تعالى بمعنى المفعول، وهو الوجود الفائض منه انقسامات بحسب ما تحصّل من الأبحاث السابقة كانقسامه إلى مجرّد ومادّي، وانقسامه إلى ثابت و سيّال و إلى غير ذلك.

والمراد في هذا الفصل الإشارة إلى ما تقدّم سابقاً(1)أن العوالم الكلية

ثلاثة: عالم العقل، وعالم المثال، وعالم المادّة.

فعالم العقل مجرّد عن المادّة وآثارها.

وعالم المثال مجرّد عن المادّة دون آثارها، من الأبعاد، والأشكال، والأوضاع وغيرها، ففيه أشباح جسمانية متمثلّة في صفة الأجسام التي في عالم المادّة على نظام يشبه نظامها في عالم المادّة ، غير أنّ تعقّب بعضها لبعض بالترتّب الوجودي بينها، لا بتغيّر صورة إلى صورة، أو حال إلى حال، بالخروج من القوّة إلى الفعل من طريق الحركة، على ما هو الشأن في عالم المادّة، فحال الصور المثالية في ترتّب بعضها على بعض حال الصور الخيالية من الحركة والتغير، والعلم مجرّد لا قوّة فيه ولا تغيّر، فهو علم بالتغيّر لا تغيّر في العلم، وعالم المادة بجواهرها وأعراضها مقارن للمادّة. والعوالم الثلاثة مترتّبة وجوداً، فعالم العقل قبل عالم المثال، وعالم المثال

(1)

ص: 250


1) في الفصل الثاني من المرحلة الحادية عشرة.

قبل عالم المادّة وجوداً؛ وذلك لأنّ الفعلية المحضة التي لا تشوبها قوّة أقوى و أشدّ وجوداً ممّا هو بالقوّة محضاً، أو تشوبه قوّة، فالمفارق قبل المقارن للمادّة. ثمّ العقل المفارق أقلّ حدوداً وقيوداً، وأوسع وأبسط وجوداً من المثال المجرد، وكلّما كان الوجود أقوى وأوسع، كانت مرتبته في السلسلة المترتبة من حقيقة الوجود المشككة أقدم، ومن المبدأ الأول الذي هو وجود صرف، ليس له حدّ يحدّه ولا كمال يفقده أقرب فعالم العقل أقدم وجوداً من الجميع

ويليه عالم المثال، ويليه عالم المادّة.

ويتبيّن بما ذكر، أنّ الترتيب المذكور ترتيب في العلّية، أي إنّ عالم العقل علّة مفيضة لعالم المثال، وعالم المثال علّة مفيضة لعالم المادّة.

ويتبيّن أيضاً بمعونة ما تقدّم من أنّ العلة مشتملة على كمال المعلول بنحو أعلى وأشرف (1)، أنّ العوالم الثلاثة متطابقة متوافقة، ففي عالم المثال نظام مثالي يضاهي النظام المادّي، وهو أشرف منه، وفي عالم العقل ما يطابقه، لكنّه موجود بنحو أبسط وأجمل، و يطابقه النظام الربوبي (2)الموجود في علم الواجب تعالى.

ص: 251


1) على هذا يكون مركباً من جميع كمالات معلولاته.

2) على هذا فكلّ عالم يكون مشتملا على ما هو أدون منه، والنظام الربوبي مشتمل كذلك على ما دونه، ولا يغنيه دعواه أبسط وأجمل»؛ إذ هو يرجع إلى تركيب الذات شاء أم أبى؛ لذا فسّروا البساطة بمعنى عجيب فقالوا: بسيط الحقيقة كلّي الأشياء، والله أعزّ وأجلّ من ذلك.

الفصل العاشر: في العقل المفارق وكيفيّة حصول الكثرة فيه ، لو كانت فيه كثرة

وليُعلم أنّ الماهيّة لا تتكثّر تكثّراً إفرادياً إلا بمقارنة المادّة.

والبرهان عليه: أنّ الكثرة العددية إمّا أن تكون تمام ذات الماهيّة، أو بعض ذاتها، أو خارجة من ذاتها إمّا لازمة أو مفارقة، والأقسام الثلاثة الأوّل يستحيل أن يوجد لها فرد؛ إذ كلّما وجد لها فرد كان كثيراً، وكلّ كثير مؤلّف من آحاد والواحد منها يجب أن يكون كثيراً؛ لكونه مصداقاً للماهيّة، وهذا الكثير أيضاً مؤلّف من آحاد فيتسلسل ولا ينتهي إلى واحد، فلا يتحقّق لها واحد، فلا يتحقّق كثير، هذا خلف.

فلا تكون الكثرة إلّا خارجة مفارقة، يحتاج لحوقها إلى مادّة قابلة، فكلّ ماهيّة كثيرة الأفراد فهي مادّية، وينعكس عكس النقيض إلى أنّ كلّ ماهيّة غير مادّية، وهي المجرّدة وجوداً، لا تتكثّر تكثّراً إفرادياً، وهو المطلوب. نعم، تمكن الكثرة الأفرادية في العقل المفارق، فيما لو استكملت أفراد من نوع مادي كالإنسان بالحركة الجوهرية من مرحلة المادّية والإمكان إلى مرحلة التجرّد والفعلية، فتستصحب التميّز الفردي(1)الذي كان لها عند كونها مادّية.

ثمّ إنّه لما استحالت الكثرة الأفرادية في العقل المفارق، فلو كانت فيه كثرة

ص: 252


1) إذا كان التكثر الأفرادي محالا فكيف يثبت هنا بالاستصحاب في المجرّد؟!

فهي الكثرة النوعية، بأن توجد منه أنواع متباينة، كلّ نوع منها منحصر في فرد، ويتصوّر ذلك على أحد وجهين إمّا طولاً و إمّا عرضاً، والكثرة طولاً أنّ يوجد هناك عقل ثمّ عقل إلى عدد معين كلّ سابق منها علّة فاعلة للآحقه، مباين له نوعاً، و الكثرة عرضاً أن يوجد هناك أنواع كثيرة متباينة، ليس بعضها علّة لبعض ولا معلولاً، و هي جميعاً معلولات عقلٍ واحد فوقها.

الفصل الحادي عشر: في العقول الطولية، وأوّل ما يصدر منها

لمّا كان الواجب تعالى واحداً بسيطاً من جميع الجهات، امتنع أن يصدر منه الكثير، سواء كان الصادر مجرّدا كالعقول العرضية، أو مادّياً كالأنواع المادّية؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد (1)، فأوّل صادر منه تعالى عقل واحد، يحاكي بوجوده الواحد الظلّي وجود الواجب تعالى في وحدته. ولما كان معنى أوليته هو تقدّمه في الوجود على غيره من الوجودات الممكنة، وهو العلّية كان علّة متوسطة بينه تعالى وبين سائر الصوادر منه، فهو الواسطة في صدور ما دونه ما ليس في ذلك تحديد القدرة المطلقة الواجبية التي هي عين الذات المتعالية على ما تقدّم(2)البرهان عليها، وذلك لأن صدور الكثير من حيث هو كثير من الواحد من حيث هو واحد ممتنع

ص: 253


1) هذا لا يتم إلا في الواحد الموجب، أما في الواحد المختار فيمكن صدور الكثير عنه؛ لمكان اختياره، والمصنّف لما اختار كونه تعالى فاعلاً موجباً فقد تمسّك بالقاعدة.

2) في الفصل السادس من هذه المرحلة.

على ما تقدم(1)، والقدرة لا تتعلّق إلّا بالممكن، وأمّا المحالات الذاتية الباطلة الذوات كسلب الشيء عن نفسه، والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلاً، فلا ذات لها حتّى تتعلّق بها القدرة، فحرمانها من الوجود ليس تحديداً للقدرة، وتقييداً لإطلاقها.

ثمّ إنّ العقل الأوّل وإن كان واحداً في وجوده بسيطاً في صدوره لكنّه لمكان إمكانه تلزمه ماهيّة اعتبارية غير أصيلة (2)لأنّ موضوع الإمكان هي الماهيّة، ومن وجه آخر هو يعقل ذاته، ويعقل الواجب تعالى، فيتعدّد فيه الجهة، ويمكن أن يكون لذلك مصدراً لأكثر من معلول واحد (3)

لكنّ الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل، بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأوّل(4)، فلا بدّ من صدور عقلٍ ثانٍ، ثمّ ثالث وهكذا حتّى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبيّن أنّ هناك عقولاً طولية كثيرة، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء

عددها.

ص: 254


1) في الفصل الرابع من المرحلة السابعة.

2) الماهية الاعتبارية لا قيمة لها في مقام صدور الفعل؛ لمكان اعتباريتها، فإنّ الاعتبارية مقابل الأصالة التي هي منشأ الآثار، فلا تكون الماهية دخيلة في تحقق الأثر.

3) والواجب يعقل نفسه ويعقل أثره ، فلِمَ لم يحكم فيه بما حكم في العقل الأوّل؟

4) لماذا؟ أليست التعددية ولو بالماهية الاعتبارية التي لا دخل لها في الأثر حققت للعقل الأوّل إمكان تعدّد الأثر؟

الفصل الثاني عشر: في العقول العرضية

أثبت الإشراقيون في الوجود عقولاً عرضية، لا علّية ولا معلولية بينها، هي بحذاء الأنواع المادّية التي في هذا العالم المادّي، يدبّر كلّ منها ما يحاذيه من النوع، وتسمّى أرباب الأنواع، والمثل الأفلاطونية؛ لأنه كان يصرّ على القول بها، وأنكرها المشّاءون، ونسبوا التدابير المنسوبة إليها إلى آخر العقول الطولية، الذي يسمّونه العقل الفعّال.

وقد اختلفت أقوال المثبتين في حقيقتها، وأصحّ الأقوال فيها على ما قيل هو أنّ لكلّ نوع من هذه الأنواع المادّية فرداً مجرّداً في أوّل الوجود، واجداً بالفعل جميع الكمالات الممكنة لذاك النوع ، يعتني بأفراده المادّية فيدبّرها (1)بواسطة صورته النوعية، فيخرجها من القوّة إلى الفعل، بتحريكها حركة جوهرية بما يتبعها من الحركات العرضية.

وقد احتجّوا لإثباتها بوجوه

منها: أنّ القوى النباتية، من الغاذية، والنامية، والمولدة، أعراض حالّة في جسم النبات، متغيّرة بتغيّره، متحلّلة بتحلّله، ليس لها شعور وإدراك، فيستحيل أن تكون هي المبادئ الموجدة لهذه التراكيب والأفاعيل المختلفة، والأشكال والتخاطيط الحسنة الجميلة على ما فيها من نظام دقيق متقن تتحيّر فيه العقول والألباب، فليس إلّا أنّ هناك جوهراً مجرّداً (2)عقلياً، يدبّر

ص: 255


1) الله تعالى هو المدبّر لخلقه، وجعل أرباب في قبالته يعني خروجه عن سلطانه تعالى عن

2) لا وجود للمجرّدات في عالم الإمكان كما تقدّم.

أمرها ويهديها إلى غايتها فتستكمل (1)بذلك.

وفيه: أنّ من الجائز أن ينسب ما نسبوه إلى ربّ النوع إلى غيره؛ فإنّ

أفعال كلّ نوع مستندة إلى صورته النوعية، وفوقها العقل الأخير الذي يثبته المشّاءون، ويسمّونه العقل الفعال.

ومنها: أنّ الأنواع الواقعة في عالمنا هذا على النظام الجاري في كلّ منها دائماً من غير تبدّل وتغيّر ليست واقعة بالاتّفاق، فلها ولنظامها الدائمي المستمر علل حقيقية، وليست إلّا جواهر مجرّدة، توجد هذه الأنواع وتعتني بتدبير أمرها (2)، دون ما يتخرّصون به من نسبة الأفاعيل والآثار إلى الأمزجة ونحوها من غير دليل، بل لكلّ نوع مثال كلّى يدبّر أمره، و ليس معنى كلّيته جواز صدقه على كثيرين، بل إنّه لتجرّده تستوي نسبته إلى جميع الأفراد.

وفيه: أنّ الأفعال والآثار المترتبة على كلّ نوع مستندة إلى صورته النوعية، ولو لا ذلك لم تتحقّق نوعية لنوع، فالأعراض المختصّة بكلّ نوع هي الحجّة على أنّ هناك صورة جوهرية هي المبدأ القريب لها، كما أنّ الأعراض المشتركة دليل على أنّ هناك موضوعاً مشتركاً.

ففاعل النظام الجاري في النوع هو صورته النوعية، وفاعل الصورة النوعية كما تقدم(3)، جوهر مجرّد يفيضها على المادّة المستعدّة، فتختلف الصور

ص: 256


1) بل الله تعالى هو المدبّر ، والربّ كما هو واضح في نصوص الإسلام، مقطوع به.

2) بل الله تعالى خالق كل شيء ومدبره.

3) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.

باختلاف الاستعدادات، وأمّا أنّ هذا الجوهر المجرّد عقل عرضي يخصّ النوع ويوجده ويدبّر أمره، أو أنّه جوهر عقلي من العقول الطولية، إليه ينتهي أمر عامّة الأنواع، فليست تكفي في إثباته هذه الحجة.

ومنها: الاحتجاج على إثباتها بقاعدة إمكان الأشرف، فإنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب أن يوجد الممكن الأشرف قبله، وهي قاعدة مبرهن عليها، ولا ريب في أنّ الإنسان المجرّد الذي هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانية مثلاً، أشرف وجوداً من الإنسان المادّي الذي هو بالقوة في معظم كمالاته، فوجود الإنسان المادِّي الذي في هذا العالم دليل على وجود مثاله العقلي الذي هو ربّ نوعه.

وفيه: أنّ جريان قاعدة إمكان الأشرف مشروط بكون الأشرف والأخسّ مشتركين في الماهيّة النوعية، حتّى يدلّ وجود الأخسّ في الخارج على إمكان الأشرف بحسب ماهيّته ومجرّد صدق مفهوم على شيء لا يستلزم كون المصداق فرداً نوعياً له، كما أنّ صدق مفهوم العلم على العلم الحضوري لا يستلزم كونه كيفاً نفسانياً، فمن الجائز أن يكون مصداق مفهوم الإنسان الكلّي الذي نعقله مثلاً عقلاً كلّياً من العقول الطولية، عنده جميع الكمالات الأولية والثانوية التي للأنواع المادّية، فيصدق عليه مفهوم الإنسان مثلاً؛ لوجدانه كماله الوجودي، لا لكونه فرداً من أفراد الإنسان.

وبالجملة، صدق مفهوم الإنسان مثلاً على الإنسان الكلّي المجرّد الذي نعقله(1)، لا يستلزم كون معقولنا فرداً للماهيّة النوعية الإنسانية حتّى يكون

ص: 257


1) بل لا نعقله؛ لعدم تعقل المجرّد في الممكنات كما مرّ.

مثالاً عقلياً للنوع الإنساني

الفصل الثالث عشر: في المثال

ويسمّى البرزخ؛ لتوسطه بين العقل المجرّد والجوهر المادّي، والخيال

المنفصل لاستقلاله عن الخيال الحيواني المتّصل به وهو كما تقدّم مرتبة من الوجود، مفارق للمادّة دون آثارها(1)، وفيه صور جوهرية جزئية، صادرة من آخر العقول الطولية، وهو العقل الفعّال عند

المشّائين، أو من العقول العرضية على قول الإشراقيين، وهي متكثّرة حسب تكثّر الجهات في العقل المفيض لها، متمثّلة لغيرها بهيئات مختلفة، من غير أن ينثلم باختلاف الهيئات في كلّ واحد منها وحدته الشخصية.

الفصل الرابع عشر:في العالم المادّي

وهو العالم المشهود، أنزل مراتب الوجود وأخسّها، ويتميّز من غيره بتعلّق الصور الموجودة فيه بالمادّة، وارتباطها بالقوّة والاستعداد، فما من موجود فيه إلّا وعامّة كمالاته في أوّل وجود بالقوّة، ثمّ يخرج إلى الفعلية بنوع من التدريج ،والحركة، وربّما عامّة من ذلك عائق، فالعالم عالم التزاحم والتمانع. وقد تبيّن بالأبحاث الطبيعية والرياضية إلى اليوم شيء كثير من أجزاء

ص: 258


1) أي وجود المعلول بلا علّته.

هذا العالم، والأوضاع والنسب التي بينها، والنظام الحاكم فيها، ولعلّ ما هو مجهول منها أكثر ممّا هو معلوم. وهذا العالم بما بين أجزائه من الارتباط الوجودي واحد سيّال في ذاته، متحرّك بجوهره (1)ويتبعه أعراضه، وعلى هذه الحركة العامّة حركات جوهرية خاصّة نباتية، وحيوانية، وإنسانية، والغاية التي تقف عندها هذه الحركة هي التجرّد التامّ للمتحرك كما تقدّم (2)في مرحلة القوّة والفعل. ولمّا كان هذا العالم متحرّكاً بجوهره سيّالاً في ذاته كانت ذاته عين التجدّد والتغير، وبذلك صحّ استناده إلى العلّة الثابتة، فالجاعل الثابت جعل المتجدّد لا أنّه جعل الشيء متجدّداً حتى يلزم محذور استناد المتغيّر إلى الثابت وارتباط الحادث بالقديم.

تمّ الكتاب(3)والحمد لله، و وقع الفراغ من تأليفه في اليوم السابع

من شهر رجب، من شهور سنة ألف وثلاث مائة

وتسعين قمرية هجرية، في العتبة

المقدّسة الرضوية، على صاحبها

أفضل السلام والتحيّة.

ص: 259


1) تقدّم ما في الحركة الجوهرية فراجع. ينظر الصفحة (196)، الهامش (2).

2) في الفصل الحادي عشر من المرحلة العاشرة.

3) تمت التعليقة على الكتاب في ليلة الأربعاء / 8 جمادى الآخرة / 1443ه-، في النجف الأشرف، صلوات الله على مشرفها ، أسأل الله تعالى السداد والتوفيق بحرمة محمد وآل محمد.

ص: 260

ملحق في قواعد التوحيد

اشارة

بقلم

حيدر الوكيل

ص: 261

ص: 262

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، ولعنة الله تعالى على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين.

مقدّمة

لمّا كانت العقيدة من مهمّات الفكر التي تبتني عليها معالم السلوك الإنساني فلا ريب نجد الاهتمام بها، وبيان مناهجها ومفرداتها بأساليب مختلفة ضرورة دينية، ومعرفية، وإنسانية، ومن هنا كانت فكرة هذا البحث اختصاراً للوقت وتيسيراً للمتابع، والله الموفّق للسداد، نعم المولى ونعم النصير.

النجف الأشرف

حيدر الوكيل

19 جمادى الآخرة / 1443ه-

ص: 263

تمهيد

المراد من القواعد هو قضايا كلّية تعرف من خلالها أحكام جزئياتها مثل قولهم: الفاعل مرفوع، فنعرف أنّ زيد في قولهم: قام زيد مرفوع؛ لأنّه فاعل وكلّ فاعل مرفوع

وليس هذا مرادنا هنا، بل المراد هو مسائل تكون حاكمة وموجّة لما يترائى بخلافها، فهي محكمات يُردّ إليها ما تشابه من الأفكار والنصوص،

لنصل الى نتيجة واضحة منسجمة مع الأدلّة و واضحات العقل.

ولعلّك - قارئي العزيز - تجد في مطاوي هذه المسائل ما يوضّح لك ما

ذكرناه، مع ميلنا الى الاختصار.

ولمّا كانت أصول هذه الأبحاث مستفادة من الكتاب الكريم والسنّة الشريفة فلعلّ قائلاً يقول: إنّه دور! ولكن قد تحقّق أنّه لا دور في اعتماد النصوص الشريفة المبيّنة للمطالب العقلية؛ لأنّها لا تعبّد فيها، بل هي لبيان الواقع، وإرشاد الأذهان إلى مسالك البرهان.

وقد رتّبته على فصول يعينك سابقها على لاحقها، والله الموفّق للسداد.

ص: 264

الفصل الأوّل

البحث في الدين أمر لا بدّ منه، والمستند في ذلك ما يحكم به العقل وتجري عليه الكائنات الحيّة ذات الإرادة بفطرتها وجوب دفع الضرر المحتمل، فنحن نجد الإنسان، بل ونوع الحيوان يحاول دفع الضرر عن نفسه بمجرد إحساسه به ، والضرر الدنيوي يسعى الإنسان إلى رفعه للحفاظ على حياته، أو مكتسباته، أمّا مثل الأفكار التي تترتب عليها أخطار أخروية فإنّ على العاقل النظر فيها؛ لعظم ما يترتب عليها وجوداً أو عدماً.

والضرر المحتمل الذي يجب دفعه إمّا نفسي، أو مادّي، والبحث في الدين

يدفعهما معاً.

وهنا لا بدّ من التنبيه على أمور:

الأوّل: أنّنا نرى أنّ العقلاء لا يهتّمون كثيراً بذلك فإنّ البحث عن الأفعى المحتملة الوجود في البيت يأخذ من الإنسان اهتماماً أكثر من البحث عن حقّانية الدين مثلاً مع أنّ الضرر المترتّب على الثاني أشدّ منه على الأوّل. والجواب: أنّ البحث في الدين في أصوله الأساسية الذي يقتضيه دفع الضرر حاصل في بني البشر نوعاً ، لكن لمّا كانت أصول المعارف الدينية واضحة، وأدلّتها ظاهرة اجتهاداً، أو تقليداً فإنّ الناس لا يحتاجون في دفع الضرر الى أكثر من ذلك.

الثاني: أنّنا نجد العقلاء يقدّمون على ما فيه خطر مع احتماله، مثل التاجر

يحمل بضاعته في البرّ والبحر ، والجو مع احتمال تلفها.

ص: 265

والجواب: أنّ احتمال الضرر هنا يقابله احتمال أرجح منه بالربح، حتّى

أنّ التاجر إذا زاد احتمال خسارته إلى حدّ المخاطرة لا يقدم عليه، وإن أقدم وخسر لامه العقلاء، بل إن ربح أيضاً ينسب الربح إلى مثل الحظّ، ويبقى مجال لومه وارداً.

الثالث: أنّنا نجد أنّ البشر مختلفون في عقائدهم، حتّى داخل الطائفة الواحدة، فلو كان الدافع لهم للبحث هو دفع الضرر لكانوا على فكر واحد. والجواب: أنّ السبب في ذلك هو الاستئناس برأي الأهل، والمربّين، والمعلمين، ولا يخفى أنّ قيام الدليل على حقّانية شيء هو بنفسه دليل إجمالي على بطلان ما عداه، مع أنّ الإنسان لو التفت إلى بطلان ما هو عليه من اعتقاد، فإن بقي عليه فهو مكابر، وإن تركه ألى غيره عن بحث واستدلال، فإن وصل إلى الحقّ فهو، وإن لم يصل إلى الحقّ فإن كان قاصراً فهو معذور، وإن كان مقصراً فهو ملوم مستحقّ للعقاب.

ومن هنا فيجب على العاقل أن يهتمّ لهذا الأمر، و يبحث فيه بجدّ، وياخذ العلم من أهله، لذا نجد في تراثنا النصّي ما يحثّ على أخذ العلم عن أهله كقوله علیه السلام: «يا كميل لا تاخذ إلّا عنّا تكن منّا»، وما ورد في تفسير قوله تعالى «فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ » (1)من أنّ المراد هنا فلينظر الى علمه من أين يأخذه (2)

ص: 266


1) سورة عبس: 24 .

2) الكافي : 1 / 50 ، ب النوادر، ح8.

الفصل الثاني

لمّا كان أوّل الدين معرفته فإنّ من أهم ما يلجأ إليه في معرفة الباري عزوجل هو قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ» (1)فان الاية الكريمة حاكمة على كلّ نصّ، أو فكرة تعطي لوناً من التشبيه بينه وبين خلقه.

وفي الخبر عن أمير المؤمنين علیه السلام: «الذي بان من الخلق فلا شيء كمثله» (2). وعن الإمام الرضا علیه السلام الان : « وكنهه تفريق بينه وبين خلقه (3). وقال علیه السلام: «وقد أخطأه من اكتنهه» (4).

و الدليل على وجود الله تعالى خلقه، فعن أبي الحسن الرضاعلیه السلام: «الدالّ على وجوده بخلقه» (5)، وعن أمير المؤمنين علیه السلام : معروف بالآيات» (6).

الفصل الثالث

الطريق إلى معرفة الدين الحقّ منحصر بأمرين:

الأوّل: العقل.

الثاني: النقل.

ولما كان دور العقل هو الإدراك تصوّراً و تصديقاً فهو آلة، ودور النقل

ص: 267


1) سورة الشورى: 11.

2) التوحيد للصدوق): 34 .

3) التوحيد (للصدوق): 37.

4) التوحيد (للصدوق): 37.

5) التوحيد (للصدوق): 56 .

6) التوحيد (للصدوق): 80

هو البيان، فإنّ بين العقل والنقل تكاملاً لا تقاطع، والمؤسس للأفكار الدينية هو النقل، والمدرك لها هو العقل، لا أنّ العقل يؤسّس في مقابل النقل، بل ويقاطعه كما في المدارس البشرية التي تطرح أفكاراً تعارض المستفاد من النصوص.

الأصل في بيان المعارف الدينية هو المعصوم، والنقل هو الحاكي عن بلاغ المعصوم ، وذلك يجري حتّى في التوحيد قال علیه السلام : «إلى الله تدعون، وعليه تدلّون» (1)، وقال: «السلام على محال معرفة الله»(2)، وقال: «خصّكم ببرهانه»(3)، وقال: «وأركاناً لتوحيده» (4).

الفصل الرابع

الدليل على وجود الله عزوجل هو الآثار ، فخلقه دليل عليه وعلى ذلك دلّت

النصوص والعقل السليم، ويقابله دعوى معرفته بنفسه وهو قول الصوفية

والفلاسفة فيما ذهبوا إليه في دليل الإمكان بصيغه المتعدّدة، حيث قالوا: نصل إليه من التأمّل في الوجود، وتقسيمه الى الواجب، والممكن، والحال إنّها دعوى بلا دليل؛ إذ وصولهم إلى (الواجب) هو عن طريق تأمّلهم في الممكن الحادث، فتأمّله فإنّه دقيق.

ص: 268


1) من لا يحضره الفقيه : 2 / 613 ، ح 3213.

2) الكافي : 579/4 ، ب فضل الزيارات، ح2 .

3) من لا يحضره الفقيه: 611/2 ، ح3213.

4) من لا يحضره الفقيه: 611/2 ، ح3213.

عن أمير المؤمنين علیه السلام: «الذي سُئِلَت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد و لا بنقص، بل وصفته بأفعاله، ودلّت عليه بآياته» (1)، وعن الرضا علیه السلام: «ليس كمثلك شيء، إلهي ولن يدركوك، وظاهر ما بهم من نعمتك دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أنّ يتناولك، بل سووك بخلقك فمن ثم لم يعرفوك، واتخذوا بعض آياتك ربّا فبذلك وصفوك، تعاليت ربي عما به المشبهون نعتوك» (2).

وعنه علیه السلام: «بصنع الله يستدلّ عليه» (3).

الفصل الخامس

عمدة الأدلّة على وجود الله تعالى هو الحدوث وغيره يرجع اليه، وقد قرّره المتكلّمون بشكل اعتمدوا فيه على التغيّر كميزة من مميّزات الحدوث، وفي كلام الأئمة الهداة علیه السلام مميّزات أخرى للحدوث منها التجزؤ، والانقسام، والاضطرار، والتحديد، ودونك النصوص التي ميّزت خصائص الحدوث، قال أبو الحسن الرضا علیه السلام: «ولا له تذلّل من بعّضه» (4)، وقال علیه السلام: «كلّ معروف بنفسه مصنوع» (5)، وقال علیه السلام : «فاعل لا باضطرار» (6)، وقال علیه السلام :

ص: 269


1) التوحيد (للصدوق): 32.

2) التوحيد (للصدوق): 124-125 .

3) التوحيد (للصدوق): 35.

4) التوحيد (للصدوق): 35.

5) التوحيد (للصدوق): 35.

6) التوحيد (للصدوق): 37

«كنهه التفريق بينه وبين خلقه» (1)، وقال علیه السلام: «فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه» (2)، وقال علیه السلام: «لا يمثل بخليقته» (3)، و قال علیه السلام: «يوحد ولا يبعض» (4)

وعن الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم: «ما عَرف الله من شبّهه بخلقه» (5). وعن الرضا علیه السلام: «لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص »(6)، وقال علیه السلام : «لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان». (7)و عن أمير المؤمنين علیه السلام: «فمعاني الخلق عنه منفية» (8)، وقال علیه السلام: «فمن زعم أن إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود»(9)، وعنه علیه السلام : «لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وهم، كذلك ربنا عزوجل» (10).

لذا نجد أنّ بيانات الأئمة علیهم السلام أكثر وضوحاً لدى المتلقّي من دليل

المتكلّمين. وللقديم مميّز واحد وهو أنّه ليس فيه شيء من صفات خلقه، عن أمير

ص: 270


1) التوحيد (للصدوق): 37-38.

2) التوحيد (للصدوق): 40 .

3) التوحيد (للصدوق): 48 .

4) التوحيد (للصدوق): 48

5) التوحيد (للصدوق): 48 .

6) التوحيد (للصدوق): 61.

7) التوحيد (للصدوق): 62 .

8) التوحيد (للصدوق): 79.

9) التوحيد (للصدوق): 79.

10) التوحيد (للصدوق): 84

المؤمنين علیه السلام: «لم يحدث فيمكن فيه التغيّر والانتقال» (1)، وقال علیه السلام: «وما زال - ليس كمثله شيء - عن صفة المخلوقين متعاليا»(2)، وقال علیه السلام: «كذب العادلون بالله إذ شبّهوه بمثل أصنافهم، وحلّوه حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزّوه بتقدير منتج خواطرهم، و قدّروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم، وكيف يكون من لا يقدّر قدره مقدّر في رويات الأوهام، وقد ظلّت في إدراك كنهه هواجس الأحلام لأنّه أجلّ من أن يحدّه الباب البشر بالتفكير أو يحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزّته بتقدير» (3)، و قال علیه السلام: «ولا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزّته، لبعده من أن يكون في قوى المحدودين، لأنه خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقين» (4).

الفصل السادس

الذات المقدّسة مجهولة في حقيقتها، فلا يدركها مخلوق قطّ، والصفات الإلهية مجهولة في حقيقتها كذلك، و إنّما ندركها بالآثار، والعقل السليم، والنصوص الشريفة دالّة على ذلك.

والذات المقدّسة ليس لها أبعاض ، و لا تركّب بينها وبين الصفات، والمدرَك لنا من الصفات هو نفي أضدادها، فمعنى عالم: أنّه لا يجهل، وقادر: أنّه لا يعجز، ولا يعني ذلك إثبات العلم و القدرة مثلاً بالمعنى الذي نفهمه

ص: 271


1) التوحيد (للصدوق): 50 .

2) التوحيد (للصدوق): 51.

3) التوحيد (للصدوق): 51.

4) التوحيد (للصدوق): 52 .

فينا، بل صفات خلقه عنه منفيّة، وهو خلو من خلقه وخلقه خلو منه. ولا ينبغي التفكّر في حقيقة الذات المقدّسة، و لا في كيفية الاتّصاف

بالصفات المقدّسة الإلهيّة؛ للنهي الوارد في ذلك عن الأئمة علیهم السلام.

تنبيه:

ليس نهيهم علیهم السلام عن التفكّر في الذات والصفات أعني كيفيّة الاتّصاف بها تعبّدياً، بل هو نهي إرشادي؛ لعدم إمكان ذلك، فإن عصا وحاول ما هنالك فإنّما يحصل عنده هو غير ما طلبه بتفكّره، فجميع ما ميّزتموه با وهامكم مخلوق لكم مردود عليكم(1)، فيعبد شيئا غير الله عزوجل .

الفصل السابع

الإرادة معنى الفعل، وهي حادثة، وبذلك وردت النصوص الشريفة، والعقل السليم يستوضح ذلك، ودعوى أنّ للإرادة معنيين أحدهما فعله، وهو حادث، وهو يناسب العقول الساذجة، ومعنى آخر أنّ إرادته هي علمه بالأصلح، وقد ترك هذا المعنى الثاني للنضج العقلي، هذه الدعوى باطلة؛ وذلك لأمور:

أولاً: التنافي بين المعنيين، فإنّ الإرادة بالمعنى الأوّل حادثة، وبالمعنى الثاني قديمة، كما أنّها بالمعنى الأوّل تنسجم مع حدوث العالم، وبالمعنى الثاني تقتضي قدم العالم.

ص: 272


1) ينظر شرح نهج البلاغة (للبحراني): 1 / 110 .

الثاني: أنّ الأئمة علیهم السلام نفوا رجوع الإرادة الى العلم، بل في بعض النصوص: من قال: إنّ إرادته علمه فقد كفر، عن ابي عبد الله علیه السلام: «قال: قلت له: لم يزل الله مريداً ؟ فقال: إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه، بل لم يزل عالماً قادراً ثمّ إراده (1)، وعن بكير بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: علم الله و مشيئته هما مختلفان أم متفقان ؟ فقال : العلم ليس هو المشيئة ألا ترى أنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء الله، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم الله، فقولك إنّ شاء الله دليل على أنّه لم يشأ ، فاذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم الله سابق للمشيئة»(2)، وعن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام: أخبرني عن الإرادة من الله و من المخلوق، قال: فقال: الإرادة من المخلوق الضمير، و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل، و أمّا من الله عزوجل فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يروي ولا يهمّ ولا يتفكّر، و هذه الصفاة منفية عنه، وهي من صفاة الخلق، فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر، ولا كيف لذلك كما أنه بلا كيف» (3)، وعن أبي عبد الله علیه السلام قال: «المشيئة محدثة» (4).

الفصل الثامن

الله تعالى خالق كلّ شيء لا من شيء، ولا يصحّ قوله من لا شيء فهو عزوجل

ص: 273


1) التوحيد (للصدوق): 146.

2) الكافي : 1/ 109 ، ب الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح2.

3) الكافي: 1/ 109 ، ب الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح3.

4) الكافي : 1 / 110 ، ب الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح7.

الموجد للأشياء ابتداعاً لا من شيء كان قبلها، ولا من العدم، بل أوجدها بعد العدم، فتأمّله فإنّه دقيق.

و هذا اللون من الخلق والإيجاد مختصّ بالله عزوجل، وما ينسب من الخلق إلى غير الله تعالى فهو إيجاد شيء من شيء «أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطير»(1)

ودعوى أن لكلّ نوع ربّ يوجده، و يدبّره باطلة، قال تعالى: « يَأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» (2).

الفصل التاسع

أفعالنا الإرادية مخلوقة لنا خلق تكوين فنحن مُوجدوها وبالتالي صحّ محاسبتنا عليها، والله تعالى خالق الأفعال خلق تقدير، فهو تعالى قدّر كلّ فعل «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا»(3)

ص: 274


1) سورة آل عمران: 49.

2) سورة فاطر: 3.

3) سورة الفرقان: 2.

المصادر

*القران الکریم

1 - أضواء فلسفية (للسيّد جعفر الحكيم) (معاصر).

2 - الأمالي للشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381ھ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية مؤسّسة البعثة - قم، نشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1417 ھ. ق.

3- إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة، للشيخ علي رباني كلبايكاني، ترجمة: الشيخ محمّد شقير، طبع: دار الهادي - بيروت، ط2، 1422ھ.

4 - تحف العقول عن آل الرسول علهم السلام، للشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين، المعروف ب(ابن شعبة الحراني) (ق 4 )، تصحيح والتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المشرّفة، ط2، 1404ق.

5- تفسير العياشي، للشيخ أبي النظر محمد بن مسعود بن عياش، المعروف ب(العيّاشي)، تصحيح وتحقيق والتعليق : السيّد هاشم الرسولي المحلّاتي،

ص: 275

نشر: المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.

6 - تفسير غريب القرآن للشيخ فخر الدين الطريحي (ت: 1085ھ)، تحقيق: محمّد كاظم الطريحي.

7-تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي (ت: 1104ھ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، مطبعة: مهر، الطبعة الثانية 1414ھ.

8- تنزيه المعبود في الردّ على وحدة الوجود، للسيّد قاسم علي أحمدي (معاصر)، طبع: مطبعة ثامن الحجج علیه السلام، ط 1، 1425ھ.

9- التوحيد، للشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت 381 ھ ) ، صحّحه و علّق عليه: المحقّق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، تحقيق: على أكبر الغفّاري، نشر: جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية ذي الحجة

1398 ق.

10 - الحاشية على تهذيب المنطق للملّا عبد الله اليزدي (ت: 981ھ)، طبع و نشر: مؤسّسة التأريخ العربي لبنان - بيروت، ط 1، 1431ھ.

11 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للمحدث الشيخ يوسف بن أحمد بن ابراهيم (ت: 1186ھ) نشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرسين، قمّ المشرّفة.

12 - درر الفوائد ( تعليقة على شرح المنظومة للسبزواري)، للشيخ محمّد تقي

ص: 276

الآملي (ت: 1391ھ) ، طبع: مصطفوي، نشر: مرکز نشر کتاب -

طهران.

13 - شرح المنظومة (قسم الحكمة) للشيخ هادي بن مهدي السبزواري (ت: 1289 ھ)، تعلیق حسن زاده آملي، تحقيق: مسعود طالبي، نشر مؤسسة التأريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع - لبنان.

14 - شرح بداية الحكمة (تقريراً لابحاث السيد كمال الحيدري)، بقلم: الشيخ خليل رزق، مطبعة ،ستاره، نشر: دار فراقد قمّ، ط1، 1431ھ.

15 - شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (ت679ھ)، تحقيق: عني بتصحيحه عدّة من الأفاضل، نشر : مركز النشر مكتب الإعلام الإسلامي - الحوزة العلمية - قم - ايران، المطبعة: چاپخانه دفتر تبلیغات إسلامي، الطبعة الأولى تابستان 1362 ش.

16- الصحاح تاج اللغة و صحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت: 393ھ) تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، نشر: دار العلم للملايين، بيروت ط4، 1407ھ.

17 - الكافي في أصول الفقه، للسيّد محمّد سعيد الحكيم (ت: 1443ھ)، مطبعة فاضل نشر: دار الهلال - النجف الأشرف، ط4 ، 1428ھ.

18 - الكافي، ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرازي رحمه الله علیه (ت: 329ھ)، تحقيق و تصحيح و تعليق: علي أكبر الغفاري نشر: دار الكتب الإسلامية - طهران، مطبعة: حيدري، الطبعة الثالثة

ص: 277

1367 ش.

19 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، للعلّامة الحلي أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسديّ (ت 726ھ)، تحقيق: آية الله حسن زاده الآملي (ت 1443ھ)، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قمّ 1417،7ھ.

20 - لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمّد بن مکرم ابن منظور (ت711ھ) نشر: أدب الحوزة، 1405ھ.

21 - معارج الفهم في شرح النظم للعلّامة الحليّ أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسديّ (ت 726ھ)، تحقيق: قسم الكلام والفلسفة في مجمع البحوث الإسلامية، طبع ونشر: مؤسّسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضوية المقدسة، ط1، 1430ھ.

22 - من لا يحضره الفقيه للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى المعروف ب (الشيخ الصدوق) (ت: 381ھ)، تصحیح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، قم المشرفة، ط 2.

23 - نهاية الحكمة (تعليق الشيخ الزارعي)، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت: 1402ھ)، تصحيح و تعليق: الشيخ عبّاس علي الزارعي السبزواري، طبع و نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرفة، ط14، 1417ھ.

ص: 278

24 - نهاية الحكمة (تعليقات غلامرضا الفيّاضي)، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت: 1402ھ)، تصحيح و تعليق: الشيخ غلامرضا الفيّاضي، طبع: مطبعة باقري - إيران، ط1، 1380.

ص: 279

ص: 280

المحتويات

مقدّمة الطبعة الثانية.....7

مقدّمة المعلّق.....9

مقدمة : في تعريف هذا الفنّ، وموضوعه، وغايته.....13

المرحلة الأولى

في كلّيات مباحث الوجود

الفصل الأوّل: في بداهة مفهوم الوجود.....21

الفصل الثاني: في أنّ مفهوم الوجود مشترك معنوي.....24

الفصل الثالث: في أنّ الوجود زائد على الماهية عارض لها .....27

الفصل الرابع في أصالة الوجود واعتبارية الماهيّة .....28

الفصل الخامس: في أنّ الوجود حقيقة واحدة مشككة.....32

الفصل السادس: في ما يتخصص به الوجود.....36

الفصل السابع: في أحكام الوجود السلبية.....38

الفصل الثامن: في معنى نفس الأمر.....40

الفصل التاسع : الشيئية تساوق الوجود.....42

الفصل العاشر: في أنه لا تمايز ولا علّية في العدم.....44

ص: 281

الفصل الحادي عشر: في أنّ المعدوم المطلق لا خبر عنه .....45

الفصل الثاني عشر : في امتناع إعادة المعدوم بعينه .....46

المرحلة الثانية

في انقسام الوجود إلى خارجي وذهني

الفصل الأوّل: في الوجود الخارجي والوجود الذهني.....53

المرحلة الثالثة

في انقسام الوجود

إلى ما في نفسه وما في غيره وانقسام ما في نفسه إلى ما لنفسه وما لغيره

الفصل الأوّل: الوجود في نفسه والوجود في غيره.....69

الفصل الثاني: كيفيّة اختلاف الرابط والمستقلّ.....70

الفصل الثالث من الوجود في نفسه ما هو لغيره ومنه ما هو لنفسه ...71

المرحلة الرابعة

فی الموادّ الثلاث الوجوب، والإمكان ، والامتناع

والبحث عنها في الحقيقة بحث عن انقسام الوجود

إلى الواجب والممكن، والبحث عن الممتنع تبعي

الفصل الأوّل: في تعريف الموادّ الثلاث وانحصارها فيها.....75

الفصل الثاني: انقسام كلّ من المواد إلى ما بالذات وما بالغير و ما بالقياس.....75

الفصل الثالث: واجب الوجود ماهيّته إنيّته .....77

الفصل الرابع واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات.....79

الفصل الخامس: في أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، وبطلان القول بالأولويه.....80

الفصل السادس : في معاني الإمكان.....81

ص: 282

الفصل السابع: في أنّ الإمكان اعتبار عقلي، وأنّه لازم للماهيّة.....85

الفصل الثامن في حاجة الممكن إلى العلّة، وما هي علّة احتياجه إليها .....86

الفصل التاسع: الممكن محتاج إلى علّته بقاء كما أنه محتاج إليها حدوثاً .....89

المرحلة الخامسة

في الماهيّة وأحكامها

الفصل الأوّل: الماهية من حيث هي ليست إلا هي.....95

الفصل الثاني : في اعتبارات الماهيّة وما يلحق بها من المسائل.....96

الفصل الثالث: في معنى الذاتي والعرضي.....98

الفصل الرابع: في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك.....99

الفصل الخامس: في بعض أحكام الفصل.....102

الفصل السادس: في النوع وبعض أحكامه.....104

الفصل السابع: في الكلّي والجزئي ونحو وجودهما.....105

الفصل الثامن في تميز الماهيات وتشخّصها.....106

المرحلة السادسة

في المقولات العشر

وهي الأجناس العالية التي إليها تنتهي أنواع الماهيّات

الفصل الأوّل: تعريف الجوهر والعرض عدد المقولات.....111

الفصل الثاني في أقسام الجوهر.....112

الفصل الثالث: في الجسم .....114

الفصل الرابع: في إثبات المادّة الأولى والصورة الجسمية.....117

الفصل الخامس: في إثبات الصور النوعية.....118

ص: 283

الفصل السادس: في تلازم المادّة والصورة.....119

الفصل السابع: في أنّ كلّا من المادّة والصورة محتاجة إلى الأخرى.....119

الفصل الثامن: النفس والعقل موجودان.....122

الفصل التاسع: في الكمّ وانقساماته وخواصّه ..... 123

الفصل العاشر: في الكيف.....125

الفصل الحادي عشر: في المقولات النسبية.....126

المرحلة السابعة

في العلّة والمعلول

الفصل الأوّل: في إثبات العلية والمعلولية، وأنهما في الوجود.....131

الفصل الثاني : في انقسامات العلّة .....133

الفصل الثالث: في وجوب المعلول عند وجود العلّة التامة، ووجوب وجود العلة عند وجود المعلول.... 135

الفصل الرابع: قاعدة الواحد.....136

الفصل الخامس: في استحالة الدور والتسلسل في العلل.....138

الفصل السادس: العلّة الفاعلية وأقسامها.....139

الفصل السابع: في العلّة الغائية.....143

الفصل الثامن : في إثبات الغاية فيما يعدّ لعباً أو جزافاً أو باطلاً، والحركات الطبيعية وغير ذلك ... 144

الفصل التاسع: في نفي القول بالاتفاق، وهو انتفاء الرابطة بين ما يعد غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية.....146

الفصل العاشر: في العلّة الصورية والمادّية.....148

الفصل الحادي عشر: في العلة الجسمانية.....150

ص: 284

المرحلة الثامنة

في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير

الفصل الأوّل: في معنى الواحد والكثير.....153

الفصل الثاني: في أقسام الواحد.....156

الفصل الثالث: الهوهويّة وهو الحمل .....160

الفصل الرابع: تقسيمات للحمل الشائع .....161

الفصل الخامس: في الغيرية والتقابل.....162

الفصل السادس: في تقابل التضايف.....164

الفصل السابع: في تقابل التضادّ .....164

الفصل الثامن: في تقابل العدم والملكة .....166

الفصل التاسع: في تقابل التناقض.....167

الفصل العاشر: في تقابل الواحد والكثير.....169

المرحلة التاسعة

في السبق واللحوق والقدم والحدوث

الفصل الأوّل: في معنى السبق واللحوق وأقسامها والمعية.....173

الفصل الثاني: في ملاك السبق في أقسامه .....175

الفصل الثالث: في القدم والحدوث وأقسامها.....176

المرحلة العاشرة

في القوّة والفعل

الفصل الأوّل: كلّ حادث زماني مسبوق بقوة الوجود.....181

الفصل الثاني: في تقسيم التغير.....184

ص: 285

الفصل الثالث: في تحديد الحركة .....185

الفصل الرابع: في انقسام الحركة إلى توسّطية وقطعية.....186

الفصل الخامس: في مبدأ الحركة ومنتهاها ......187

الفصل السادس: في موضوع الحركة وهو المتحرك الذي يتلبس بها...188

الفصل السابع: في فاعل الحركة وهو المحرّك.....189

الفصل الثامن في ارتباط المتغيّر بالثابت.....190

الفصل التاسع: في المسافة التي يقطعها المتحرّك بالحركة.....190

الفصل العاشر: في المقولات التي تقع فيها الحركة.....191

الفصل الحادي عشر : في تعقيب ما مرّ في الفصل السابق.....193

الفصل الثاني عشر : في موضوع الحركة الجوهرية وفاعلها.....196

الفصل الثالث عشر: في الزمان.....198

الفصل الرابع عشر: في السرعة والبطؤ.....200

الفصل الخامس عشر في السكون.....201

الفصل السادس عشر: في انقسامات الحركة.....201

المرحلة الحادية عشر

في العلم والعالم والمعلوم

الفصل الأوّل: في تعريف العلم وانقسامه الأولى.....207

الفصل الثاني: ينقسم العلم الحصولي إلى كلّي وجزئي .....211

الفصل الثالث: ينقسم العلم انقساماً آخر إلى كلّي وجزئي.....214

الفصل الرابع: في أنواع التعّقل.....215

الفصل الخامس: في مراتب العقل.....215

ص: 286

الفصل السادس: في مفيض هذه الصور العلمية.....216

الفصل السابع : ينقسم العلم الحصولي إلى تصوّر وتصديق.....217

الفصل الثامن: وينقسم العلم الحصولي إلى بديهي ونظري.....220

الفصل التاسع: وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري.....223

الفصل العاشر: في أحكام متفرّقة.....225

الفصل الحادي عشر: كلّ مجرد فهو عاقل ......226

الفصل الثاني عشر : في العلم الحضوري، وأنه لا يختص بعلم الشيء بنفسه.....227

المرحلة الثانية عشر

فيما يتعلّق بالواجب تعالى

من إثبات ذاته وصفاته وأفعاله

الفصل الأوّل: في إثبات ذاته تعالى.....231

الفصل الثاني: في إثبات وحدانيته تعالى.....232

الفصل الثالث: في أنّ الواجب تعالى هو المبدأ المفيض لكلّ وجود وكمال وجودي.....233

الفصل الرابع: في صفات الواجب الوجود تعالى ومعنى اتصافه بها ....236

الفصل الخامس: في علمه تعالى.....240

الفصل السادس: في قدرته تعالى.....245

الفصل السابع: في حياته تعالى ......248

الفصل الثامن في إرادته تعالى وكلامه ......248

الفصل التاسع: في فعله تعالى وانقساماته.....250

الفصل العاشر: في العقل المفارق وكيفية حصول الكثرة فيه، لو كانت فيه كثرة ....252

الفصل الحادي عشر : في العقول الطولية، وأوّل ما يصدر منها....253

ص: 287

الفصل الثاني عشر: في العقول العرضية......255

الفصل الثالث عشر : في المثال .....258

الفصل الرابع عشر: في العالم المادّي.....258

ملحق

في قواعد التوحيد

مقدمة...........263

تمهید........264

الفصل الأوّل.....265

الفصل الثاني.....267

الفصل الثالث ..... 267

الفصل الرابع......268

الفصل الخامس.....269

الفصل السادس.....271

الفصل السابع. .......272

الفصل الثامن .....273

الفصل التاسع ......274

المصادر......275

المحتويات.....281

ص: 288