ghaemiyeh.com
سرشناسه:کاظمی، ماجد، 1337 -
عنوان و نام پديدآور:الرویه الفلسفیه: نقد و تحلیل/ ماجد الکاظمی.
مشخصات نشر:قم : باقیات، 1433 ق.= 1391.
مشخصات ظاهری:303 ص.
شابک:60000 ریال978-600-213-050-1 :
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:عربی.
یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.
موضوع:فلسفه اسلامی -- نقد و تفسیر
فلسفه اسلامی -- دفاعیهها و ردیهها
فلسفه -- دفاعیهها و ردیهها
شناخت (فلسفه اسلامی)
رده بندی کنگره:BBR45/ک2ر9 1391
رده بندی دیویی:189/1
شماره کتابشناسی ملی:2774033
محرر الرقمي:محمد المنصوري
الرؤية الفلسفية
نقد و تحليل
دراسة تحليلية معمقة في نقد الفکر الفلسفي
اية الله الشيخ ماجد الکاظمي
من الضروري تدريس هذا الکتاب في الجامعات
والحوزات العلمية
الحمد لله رب العالمين الواحد الاحد الصمد المتفرد الذي لا من شيء كان فلم يُخلق بل هو ازلي في وجوده و لا من شيء خلق ما كان، قدرة بَانَ بها من الاشياء و بانت الاشياء منه و الصلاة و السلام علی محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن علی اعدائهم اجمعين.
و لا يخفی ما للتوحيد الالهي من اهمية بالغة بل هو من اهم المسائل و قد صرح القرآن الكريم بأهمية التوحيد قال تعالی: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(1), و قال تعالی: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ}(2), و قال تعالی: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثُمَّاً عَظِيماً}(3).
و قال جل و علاء «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا»(4)، و قال عزَّوجل «انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة}(5), و غيرها من الايات فعلى
العاقل و طالب الحقيقة أن ينظر بعين البصيرة و ان يترك الهوى و التعصب فمسألة التوحيد مسألة خطيرة حيث يرتهن بها مصير الانسان فلا يمكن غض النظر عنها.
و على العاقل أن ينظر بعين البصيرة في هذه المسألة المهمة والخطيرة، وأن يترك الهوى والتعصب، فإن المسألة يرتهن بها مصير الإنسان، و لقد شاعت في زماننا هذا آراء و نظريات باسم التوحيد الإلهي و باسم الإسلام و مذهب أهل البيت عليهم السلام , و هي بعيدة عن الإسلام و المذهب بُعد السماء من الأرض, و لقد وقف أَمام هذه الموجة المتلاطمة جمع من علمائنا الكرام، منهم المراجع العظام, وكانت هنالك لقاءات واجتماعات حول دفع هذه الغائلة و تغيير منهج الدراسة في الحوزة العلمية, فالضرورة قائمة بأنْ تطرح العقائد الإسلامية من مصادرها النقية, من العقل والكتاب والعترة الطاهرة, لا من خرافات اليونانيين و أوهام الفلاسفة، و لا يخفى إنّ الإسلام جاء برؤية معينة في الأصول و الفروع مدعومة بالدليل والبرهان, و هي مخالفة لما عليه الفكر الفلسفي من نظرة و إعتقاد.
فالضرر كلّ الضرر في حذف علم العقل و الكلام, و حصره في ذوق أشخاص معدودين, و عليه فلابدَّ أنْ يقرر في الحوزة العلمية تدريس بعض الكتب العقلية والنقلية الناقدة للفكر الفلسفي, فهذا هو متبنى الحوزة العلمية الشيعية من زمان الأئمة الطاهرين عليهم السلام حيث ألّف أصحابهم الكتب في رد الفلسفة ونقضها إلى يومنا هذا, فلماذا لا ينعكس هذا الموقف في منهج الحوزة العلمية؟
و کما قلنا ان العقيدة هي قاعدة کل نظام و ان التوحيد الالهي هو الرکيزة الاساسية في عقيدة الاسلام و جميع رسالات السماء و قد خصصنا الکلام في عدة من الابحاث في نقد الفکر الفلسفي اليوناني و امتداداته و هنالک مذاهب فلسفية تدعي التوحيد بالقول بان الله سبحانه و تعالی يتمظهر بهذه المخلوقات بمعنی ان هذه المخلوقات ظهور للذات الالهية و انها عينه سبحانه وتعالی وقد ترکزت تلک المقالات في الرد علی هذه العقيدة الباطلة و المعروفة بعقيدة وحدة الوجود و هنالک عقيدة تخالف الفلسفة بالعنوان وتماثلها بالجوهر و هي: القول بتباين الممکنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تکون الرابطة
بينهما هي رابطة الموج و البحر ايضا علی ان يکون الرب کحقيقة الماء مثلا و ما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود وتحققه بنفسه والثاني و هي صور الامواج: حقيقته هو الکون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده و بعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يکون من حيث التعين و اللاتعين في عين السنخية بينهما من حيث الکمالات المسماة بالنورية و هذا لايختلف ايضاعن قول الفلاسفة و العرفاء.
و الذي جاء به الاسلام و نطق به الوحي ان الاشياء بکل وجودها وکيانها و کمالاتها و صورها و تعيناتها مخلوقة لله تعالی و لا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والکثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
ان مسئلة التوحيد من المسائل العقائدية المهمة و التي لايمکن التقية فيها فان التقية جائزة کما نص عليها القرآن الکريم و العترة المطهرة الّا في موارد احدها فيما اذا وقعت بيضة الاسلام في خطر و المورد الثاني احقاق الحق و المورد الثالث ابطال الباطل بمعنی ان السکوت عن الباطل في الامور المهمةکالتوحيد الالهي اذا صار سبباً لتثبيته فان هذا السکوت حرام و تحرم عنده التقية کما فيما نحن فيه فان السکوت عن ردع الافکار و العقائد الفلسفية و التي هي عبارة اخری عن ترويج الديانة اليونانية و الاغريقية يوجب ظهور الاسلام بمظهر هذه الاعتقادات و التي هي علی النقيض من اعتقادات الاسلام و هذا يعني مسخ الرؤية الاسلامية العقائدية و لذا حفظاً و حراسة للاسلام تحرم التقية هنا و لو کان الدفاع عن الحق موجِباً للشهادة في سبيل الله فعلی المخلصين من ابناء الامة الاسلامية النهوض للدفاع عن حريم العقيدة الاسلامية.
و لايخفی علی ذوي البصيرة ان الاستعمار البريطاني قبل ثلاث مائه ستة بعد تأسيس وزارة المستعمرات افتعل للامة الاسلامية مذاهب متعددة لتمزيقها فأوجد مذهب
الوهابية بين ابناء السنة من العرب و اوجد مذهب البابية والبهائية والشيخية للشيعة وهؤلاء هم الذين يروجون هذه الافكار الضالة والمنحرفة في زماننا فراجع كتبهم مثل ارشاد العوام وشرحالزيارة للشيخ احمد الاحسائي الذي لم يكن احسائياً و لا عربياً بل كان روسياً ويتكلم بلهجة قريبة للكيلكية وقيل انه قس من قساوسة النصارى وقد اختفى بعد ما حكم عليه الشهيد الثالث بالكفر وهو الملا محمدتقي البرغماتي القزويني وقد قتل من قبل الشيخية لاجل هذه المسألة.
و علی هذا فليس من الصحيح ان نقف مكتوفي اليدين امام هذه المؤامرات الاستعمارية التي تريد تدمير الامة الاسلامية بتمزيقها وتشويه حقيقة الاسلام و حقيقة التشيع فتحرك اذنابها باظهار التشيع مظهر التخلف والخرافة و باظهاره مظهر التأليه للائمة المعصومين عليهم السلام و كذلك اظهاره بمظهر الصوفية وترويج الفكر الصوفي باسم الاسلام والتشيع کما في ترويجهم افکار ابن عربي و المولوي الرومي ومن جانب آخر يحرّكون ابناء العامة بان الشيعة كفار وخارجون عن الاسلام وانهم يحل قتلهم كما نجد ذلك من ايجادهم أخُصُّ المستعمرين لفرقة الوهابية قديماًوللطالبان وجيش الصحابة اخيراً ولايخفى ان الاستعمار يخشى من التشيّع اشد خشية لما يمتاز به التشيع من جوانب متعددة من كونه مدعوماً بالدليل والبرهان و من كون الادلة على حقانيته متوافرة في كتب الشيعة والسنة ومما يمتاز به من جوانب اقتداريّة فان كل من تعرف على التشيع احبه وتفانى من اجله وبما يمتاز به علماء الشيعة من قوة علمية ومهابة قلبيّة وشجاعة روحيّة فقد ادرك الاستعمار كل ذلك ولذا جنّد شياطينه لمحاربة التشيع وتشويه حقيقته ومحاربة علمائه المجاهدين وعليه فالمطلوب من علماء الحوزة العلمية ومراكز التبلغ والارشاد ان يحافظوا على نزاهة التشيع وجماله وحقانيته وان يقفوا امام كل ما يوجب وهنه واتهام اتباعه بالانحراف والكفر وان يرفعوا كل الموانع التي تمنع من تعرف الملايين من المسلمين غير الشيعة عليه خصوصاً مع ملاحظه كثرة الدعايات عليه في مختلفه المناطق خصوصاً المناطق التي لا يتواجد فيها الشيعة.
و هنالك اتهامات متعددة للشيعة منها انهم دخلاء على الاسلام، و ان الاسلام لا علاقة له بالتشيع و انه وليد احقاد المجوس على الإسلام و لا شك ان هذه الاتهامات لاصحة لها و ان التشيع انما هو عين الاسلام و عين ما امر به الرسول الاكرم (صلی الله علیه و آله) فقد امر (صلی الله علیه و آله) بالتمسك بالثقلين كتاب الله و العترة الطاهرة عليهم السلام و هذا الحديث متواتر بين الفريقين و الشيعة انما يتمسكون بالقران و بالائمة المعصومين عليهم السلام و هم العترة الطاهرة و لا يأخذون دينهم من غير هذين الطريقين و قد وقفوا على طول التاريخ امام الانحرافات التي حصلت في ما بين المسلمين فما اكثر البدع التي جاء بها الاخرون و ادخلوها في الدين و قد وقف علماء الشيعة منها الموقف المخالف و لانريد الكلام حول هذا الموضوع و الذي نريد بيانه ان التشيع عين الاسلام الذي جاء به الرسول الاكرم (صلی الله علیه و آله) و هو محارب من قبل الكافرين و المنافقين و لذا نجد الاستعمار يحرك اذنابه في المناطق التي يتواجد فيها ابناء العامة بتكفير الشيعة و الدعاية ضدهم لتمزيق وحدة الامة الاسلامية و ابعادها عن الاسلام الاصيل الا و هو التشيع لآل البيت عليهم السلام .
و قد جهد في محاربة هذا المذهب الحق لما يمتاز فيه من خصوصيات حقة و جوانب اقتداريّة فكل من تعرّف على التشيع احبه و تفانى من اجلهو تحمل كل المصائب من ورائه و افتخر به فعلينا اذن تنزيه التشيع من اي شائبة توجب وهنه و ضعفه و اتهامه .
و لا يخفی ان الکتب الناقدة للفکر الفلسفي کثيرة جداً علی طول تاريخ الاسلام من زمان الائمة عليهم السلام الی يومنا هذا فقد کتب عدة کثيرة من اصحاب الائمة عليهم السلام کتباً کثيرة في الرد و النقض علی افکارهم و مقالاتهم مثل کتاب الرد علی الفلاسفة للفضل بن شاذان و کذلك کتب علماؤنا الکتب في الرد عليهم من قبل زمان الشيخ المفيد رحمه الله و الی يومنا هذا آخذين في جوابهم البراهين و الادلة العقلية في حين نجد في المقابل ان اصحاب الفکر الفلسفي لا جواب لهم ابداً و يکتفون بترديد نظريات اليونانيين و عقائدهم بعبارات جديدة و اصطلاحات براقة و متعددة مع التهريج
والتهويل علی کل من خالفهم بانه لم يفهم الفلسفة او انه لم يدرس الفلسفة و انه لاتخصص له فيها
هذا و قد حذر الائمة الاطهار عليهم السلام من الفلسفة و العرفان و صرحوا ببطلانهما وضلالتهما و بعدهما عن الحق و الواقع فقد اخبر الامام العسکري (علیه السلام) عن وقوع انحراف بعض العلماء من الشيعة في اخر الزمان بالانصياع وراء الفلسفة و العرفان و امر بالحذر منهم حيث يقول (علیه السلام) : «... علماؤهم شرار خلق الله علی وجه الأرض لأنهم يميلون الی الفلسفة و التصوف، و أيم الله إنهم من أهل العدول و التحرف! يبالغون في حب مخالفينا و يضلون شيعتنا و موالينا... ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، و الدعاة الی نحلة الملحدين، فمن ادرکهم فليحذرهم و ليصن دينه و إيمانه منهم »(1), و هنا يعبر الامام (علیه السلام) بأن الدعوة الی الفلسفة دعوة الی الالحاد و هذه الرواية مضافاً لصحة سندها انها اخبرت عن حوادث اخر الزمان و قد و قعت تلك الحوادث کما اخبر (علیه السلام) فهي صحيحة حتی لو لم تکن صحيحة السند.
و عن الامام الصادق (علیه السلام) « فتباً و خيبة و تعساً لمنتحلي الفلسفة کيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتی انکروا التدبيروالعمد فيها(2)».
و هذا الکتاب الذي بين يديک ايها القاریء الکريم هو کتاب الرؤية الفلسفية نقد و تحليل بطبعته الثانية مع تقديم بعض المطالب وحذف بعض العبارات و اضافة مطالب اخری راينا اضافتها
هذا و يشتمل هذا الکتاب علی ثلاثة ابواب الاول منها حول اصول المعرفة و الثاني حول نقد الفکر الفلسفي و الثالث حول التوحيد الالهي من زاوية الايات و الروايات نسأل الله تعالی ان يتقبل منا هذا القليل انه شکور کريم.
اللهم إنا نرغب إليک في دولة کريمة تُعزُّ بها الإسلام و أهله، و تذل بها النفاق و أهله، و تجعلنا فيها من الدعاة الی طاعتک، و القادة الی سبيلک، و ترزقنا بها کرامة الدنيا و الآخرة.
اللهم و عجّل فرج وليّک الحجة بن الحسن العسکري صلواتک عليه و علی آبائه واجعلنا من أعوانه و أنصاره و المستشهدين بين يديه إنک سميع مجيب .
قم المقدسة ماجد الکاظمي
و قبل الدخول في المباحث الفلسفية و مناقشتها لابد من التعرض الی خلاصة من تاريخ الفلسفة.
تتحدّث المصادر التاريخية حول ظهور الأفکار الفلسفية؛ من العقول و النفوس الکلّية>المثل و الأفلاک < إن أول من عُرف بهده العقائد؛ هم (البراهميون). و هؤلاء يقسمون الأشياء الی؛ خير و شر، و الخير هو الوجود، و يقابله الشر الذی هو العدم. فالوجود تُسميه (براهما). و يعتقدون أن کلّ هذه الموجودات؛ هي الله، و کل ما عداه فهو عدم محض، و کانوا يؤمنون بأن الله مستتر في هذا العالم المُشاهد، حالّ فيه. و بهذا القول>القول بالحلول< رسمت البراهميّه خط الإنسان فی هذه الحياة، و حددت له تبعاً لذلک مهمته؛ و هي التخلّص من الشرّ و التقرّب من الخير. و الشرّ؛ ماله جسم، و الخير؛ هو الحال المستتر فيه، و هو براهما. و قد فسّره البراهميون خاصّة؛ بالعقل و الروح. فمهمة البراهمي في حياته تنحصر فی أمرين: الأول؛ التقرّب الی العقل عن طريقالتفکير، و الثاني: الإبتعاد عن مطالب الجسم >وهي الشهوات <بالمبالغة فی الزهد ....(1).
وعلی المبالغة في الزهد يتوقف خلاص الإنسان من الشر الی حدًّ کبير، لأنها تُعجل بإفناء الجسم الذی هو مصدره، کما يتوقف عليها الی حدًّ کبير أيضاً صيرورة الإنسان براهما، أو عقلاً خالصاً، و بالتالی سعيداً تام السعادة.
و لذا يُعدّ مشروعاً في الديانة البراهميّة؛ کل وسيلة تحقق الإفناء؛ کالصوم لغير أجل معلوم. و ليست الصيرورة الی براهما إلا الإتحاد به، لأن الفرد من الإنسان مرکّب من
1) 8- الجانب الإلهي للدکتور محمد البهي: 319 بتصرّف
حالٍّ (براهما) و حالٍّ فيه و هو الجسم، أو من حالّ، و هو الوجود، و حالّ فيه؛ و هو العدم، أو من حالّ؛ و هو الخير المحض، و حالّ فيه؛ و هو الشر المحض.
فإذا حارب الشرّ المحض، و عمل علی إماتته و التخلص منه؛ فإنه حتماً يصير براهما، أو وجوداً محضاً، أو خيراً محضاً، لأن ذلک هو الباقي بعد تمام الإفناء و التخلص(1)
أقول: و ماورد فی الفلسفة من الإيمان بوحدة و إصالة الوجود، و اعتبارية الماهية، و من کون التوحيد هو؛ الفناء في الذات المقدسة، و الرجوع إليه، يتفق مع عقيدة البراهميين.
.و جاءت المدرسة الإيليّة؛ و هي المدرسة الأولی من مدارس الإغريق الفلسفيّة الميتا فيزيقيّة تُردد قول البراهميين؛ بوحدة الوجود التی من رجالها (أکزيتوفان) إذ ينقل عنه أنه قال: «إله واحد هو الأکبر، وليس إلهاً خارجاً عن العالم، و لا فوقه، بل کعقل مطلق متّحد بهذا العالم، غير منفصل عنه و مدبّر له».
و الإيليّون کالبراهميين في الإيمان؛ بأن الوجود فقط لله، و يُقابله العدم، و هو العالم في نظرهم.
إفلاطون: يقسم الوجود الی مطلق و مقيّد، و يصف العالم المشاهد بالمقيّد. و عندما يُعلل وجود هذا العالم المشاهد بما له من شبه بعالم المثل، و بأنه ظل له فحسب، يسلب الوجود الذاتي عنه، و يراه کأنه فينفسه عدم، أو لا شيء. و بهذا لا يختلف إفلاطون في الجوهر عن الإيليين، و إن اختلف عنهم في التعبير و الصياغة، و الوجود المقيد في نظر إفلاطون تعبيراً فرّ به عن العدم الذي آمن به الإيليون في وصف هذا العالم.
أما قول البراهميين، و بعض رجال المدرسة الإيلية بالحلول؛ فربّما يستعيض عنه إفلاطون بالربط بين العالمين؛ عالم المُثُل، و العالم المُشاهَد عن طريق اتصال النفس
1) 9- المصدر السابق:320
الکلّية التي هي من عالَم المُثل بهذا العالَم اتصال تدبير، و بوجود صورتها في أخصّ جزء من أجزائه؛ و هو الإنسان. و يجعل مردّ هذا العالم في نهايته الی عالم المُثل و بالدقّة إذ يجعل سعادة الإنسان في أن تعود نفسه الی عالم المثل؛ باعتباره منحدرها الإول و يجعل سبيله الی ذلک التفکير و التذکر مع کبت الرغبات و الشهوات. و لم ير اتحاداً کما رأی البراهميون و إنما وضع بدله؛ عودة و رجوعاً(1).
أرسطو: و هو أيضاً من المؤمنين بوحدة الوجود، و يری أنه إذا تطوِّر الإنسان في المعرفة، و وصل في مراتبها لأن يکون صورة إنسانية خالصة؛ أي عقلاً خالصاً، کما إذا وصل أي نوع الی صورته النوعية فقد صار شبيهاً بالصورة المحضة للعالم کله؛ و هي واجب الوجود.
و يعتبر (افلوطين) المؤسس لها، و هذه المدرسة أيضاً لا تختلف عن سوابقها؛ بالإيمان بوحدة الوجود، علی معنی أن الموجود الأول؛ و هو الطبيعة العليا الخيرية الکاملة متّصل بالمادّة التي يتکوّن منها هذا العالم، و غير منفصل عنها. و إن العالم تدرّج في وجوده عن هذا الأول، و اليه يردّ في النهاية و يتحد به(2).
لما أراد هؤلاء شرح النصوص الدينية الواردة في کتبهم؛ تأثروا بالفلسفة الإغريقية، فرأوا أن الوجود علی سبيل الحقيقة؛ هو الله، و أما العالم فليس وجوده علی سبيل الحقيقة. و من أجل هذه التفرقة علی هذاالنحو؛ تراهم يجعلون عيسی (علیه السلام) الصلة بين الله و العالم؛ أي بين الوجود علی سبيل الحقيقة و غيره، و هو في نظرهم ملتقی الله و
العالم فيه کلمة الله. و مع ذلک هو إنسان؛ هو آخذ بطرف من الله؛ لأنه کلمته، و بطرف من العالم؛ لأنه إنسان.
و هنالک قسم من المسيحيين الذين شرحوا النصوص الدينية طبقاً للآراء الفلسفية، حاولوا التوفيق بين الفلسفة و الدين ففسّروا (الله) و (کلمة الله) و (روح القدس): بالوجود و العلم و الحياة، و سمّوها بالأقانيم الثلاثة؛ يعني الأصول، و تسميتها بالأصول يرجع الی أثر الفلسفة الإغريقية في تفلسف المسيحية. و تحديدها بثلاثة؛ يرجع الی المصدر نفسه، لأن مانراه هنا في المسيحية علی هذا الوجه؛ يذکّرنا بمُثل إفلاطون فقد جعلها أصول هذا الوجود المُشاهَد، و اعتبر هذا الوجود ظلاً لها و شبيهاً بها فقط. کما يذکرنا بثالوث إفلوطين المصري الذي يتمثل في؛ الواحد، العقل، نفس العالم(1).
و لا تتضح الصلة بين الله و الوجود عند المسيحيين إلا بعد شرح الوجود کما شرحه فلاسفة الإغريق. و الوجود الفلسفي؛ هو الوجود المطلق، و الوجود المطلق يساوي الأول أو العلّة الأولی للوجود کلّه. و جاءت هذه المساواة نتيجة لمنهج الفلاسفة القدامی في بحث الموجودات(2).
و الصلة بين الکلمة و العلم صلة واضحة؛ لأن الکلمة تُطلق و يراد منها اللفظ و العبارة، و تُطلق کذلک يراد منها العقل. و العقل و العلم يؤول المراد منهما الی معنی واحد تقريباً.
وصلة روح القدس بالحياة صلة واضحة إيضاً إذا علم أن القوّة المدبّرة التي هي أساس معنی الحياة مأخوذ في معنی روح القدس(3).
بعد شرح الأقانيم الثلاثة و تحديدها هذا التحديد المجازي القائم علی التأويل؛ اختلف المسيحيون فيما بينهم فيها من جهة أخری فهل هي في واقع الأمر شيء واحد أم عدّة أشياء مستقلّة؟ و هل العلم و الحياة؛ هما عين الوجود أم هما شيئان آخران غيره؟:
فاليعاقبة: يرون أن الأقانيم أمور مستقلّة.
و النساطرة: يرون أن العلم ليس شيئاً وراء الوجود، و إن الحياة ليست شيئاً مستقلاً عنه کذلک.
و جاء الفلاسفة من المسلمين «الذين تقبّلوا الفلسفة اليونانية کالبديهيات و المُسلّمات » يوفقون بين الفلسفة و بين العقيدة الإسلامية. و حاولوا تأويل الآيات و الروايات طبق الأفکار الفلسفية اليونانية، بل و أکثر من ذلک. فقد حاول الفارابي أن يصون أفکار أرسطو و إفلاطون من التناقض، و کتب کتاب (الجمع بين رأيي الحکيمَين).
و نلاحظ ابن سينا حينما يفسر الآية المبارکة: «اللهُ نورُ السَماواتِ و الأرضِ مَثَلُ نورِهِ کَمِشکَاةٍ فيها مِصبَاحٌ المِصباحُ في زُجَاجَةٍ الزُجَاجَةُ کَأنَّها کَوکَبٍ دُرِّي يوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَکَةٍ زَيتونَةٍ لا شَرقيةٍ و لا غَربِيةٍ يکَادُ زَيتُها يضيءُ و لو لَم تَمسَسهُ نَارٌ نورٌ علی نور».
يفَسِّر النور: بالخير؛ ليکون الله هو الخير. کما جعل افلاطون الخير؛ أعلی المُثل. و يفسِّر السماوات و الأرض: بالکل؛ و هو تعبير الفلاسفة عن العالم.
و يفسِّر المشکاة: بالعقل الهيولائي و هو أحد أقسام العقل عند أرسطو.
و يفسِّر المصباح: بالعقل المستفاد؛ و هو الثاني من أقسام العقل عند أرسطو.
و يفسِّر الزجاجة: بالواسطة؛ و هو العقل الفعّال الواسطة بين العقلين.
و يفسِّر الشجرة المبارکة الزيتونة: بالقوّة الفکرية التي هي مادّة الأفعال العقلية.
و يفسِّر النار: بالعقل الکلِّي المدبِّر للعالم المُشاهَد؛ و هي النفس الکلِّية عند إفلاطون(1).
و الصوفية من المسلمين؛ آمنوا بوحدة الوجود و الموجود، و کلماتهم في ذلک معروفة و مشهورة. و من أقوالهم: (سُبحاني سُبحاني ما أعظم شاني، و رأيت الله في جبّتي، و أنا الحق) کما کان يتظاهر بذلک الحلاج، و قسم منهم يعتقد بالحلول.
و لقد کان الخطّ العام للأمّة الإسلامية«ومنهم العلماء»يکفِّرون الصوفية و الفلاسفة اليونانيين، و يقفون أمام أفکارهم و معتقداتهم.
و في سنة الألف الهجري؛ جاء ملاصدرا الشيرازي کمجدد للفلسفة و کتب کتابه المعروف و هو (الأسفار في الحکمة المتعالية) و أخذتأفکاره الفلسفية مکانها في النفوس. فهو يری وحدة الوجود و الموجود في عين کثرتهما والکثرة وهمية لا حقيقية.
ففي تعليقة السبزواري علی الأسفار حيث ينقل هذا الرأي عن الشيرازي و يوضحه بقوله: «ثم أن الفرق بين طريقته والطريقة المنسوبة الی ذوق المتألهين، إن المصنّف يقول بتکثر الوجود و الموجود معاً، و مع ذلک يثبت الوحدة في عين الکثرة؛ کما إذا کان إنسان مقابلاً لمرائي متعددة، فالإنسان متعدد.
و کذا الإنسانية؛ لکنها في عين الکثرة واحد بملاحظة العکسية و عدم الأصيلية، إذ عکس الشيء بما هو عکس الشيء ليس شيئاً علی حياله... فالوجودات إذا لاحظتها بما هي مضافة الی الحقّ سبحانه بالإضافة الإشراقية؛ أعني بعنوان أنها إشراقات نوره لم تکن خالية في ظهورها عن ظهوره. و إذا لاحظتها أموراً مستقلّة بذواتها؛ کنت جاهلاً بحقائقها، إذ الفقر ذاتي لها.
فالوجود عنده حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة بالشدّة و الضعف و نحوهما، و هذا التفاوت لا ينافي الوحدة؛ لأن ما به التفاوت عين ما به الإتفاق، بل يؤکد الوحدة...»(2).
و يقول ملا صدرا الشيرازي في موضع آخر من الأسفار: «قد تحقق و اتضح أن واجب الوجود إله العالم؛ بريء من أنحاء النقص، و وجوده الذي هو ذاته و حقيقته أفضل أنحاء الوجود و أتمّها، بل هو حقيقة الوجود و ماهيته و ما سواه؛ لمعة و رشح، أو ظلّ له. و لذلک قلنا إنه واجب الوجود من کل جهة، و إنه کل الوجود، إذ کله الوجود»(1).
و يقول في موضع آخر: « فالعالم کله صار بهذا الترتيب کشخص واحد؛ أوله الحق، و آخره الحق، و صورته الحق، بل تمامه الحق کدائرة واحدة؛ أولها النقطة، و آخرها النقطة»(2).
و يقول في الفصل الثاني عشر: « في أن واجب الوجود؛ تمام الأشياء، و کل الموجودات، و اليه ترجع الأمور کلها.. إذا تقرر هذا فنقول: إن العرفاء قد اصطلحوا في إطلاق الوجود المطلق و الوجود المقيد علی غير ما اشتهر بين أهل النظر. فإن الوجود المطلق عند العرفاء؛ عبارة عما لا يکون محصوراً في أمر مُعين محدوداً بحد خاص، و الوجود المقيد بخلافه؛ کالإنسان و الفلک و النفس و العقل. و ذلک الوجودالمطلق؛ هو کل الأشياء علی وجه أبسط ،الی أن يقول: و اليه الإشارة في الکتاب الإلهي: «إنَّ السَمَواتِ و الأرضَ کانَتَا رَتقَاً فَفَتقناهُما» و الرتق إشارة الی وحدة حقيقة الوجود الواحد البسيط و الفتق تفصيلها؛ سماءً و أرضاً و عقلاً و نفساً و ملکاً»(3).
و حول القيامة يقول ملاصدرا الشيرازي: «والتحقيق في التوفيق بينها فهو؛ إن الأبدان الأخروية متوسطة بين العالمين، جاممة للتجرّد و التجسّم، مسلوب عنها کثير من لوازم هذه أبدان الدنيوية. فإن البدن الأخروي؛ کظل لازم للروح، و کحکاية و مثال له، بل
هما متحدان في الوجود، بخلاف هذه الأبدان المستحيلة الفاسدة. و إن الدار الآخرة و أشجارها و أنهارها و غرفاتها و مساکنها و الأبدان التي فيها کلها صور إدارکية؛ وجودها عين مدرکيتها و محسوسيتها(1).
و يقول الفيلسوف الشهير ملا هادي السبزواري، صاحب المنظومة في تعليِقته علی المنظومة: «و لما کان العقل الکلي أمراً بالفعل جامعاً لجميع فعليات مادونه بنحو أبسط و أعلی، و أنحاء الفعليات المتشتتة أظلاله، و هو ظل الله تعالی: «ألَم تَرَ الی رَبِّکَ کَيفَ مدَّ الظِلَّ» کما أن الإستعدادات المتفرّقة في المواد؛ ترجع الی الهيولی، و الفعليات التي فيه بنحو اللف و الرتق أصلها، و الفعليات التي فيما دونه بنحو النشر و الفتق...» (2).
و يقول الآملي «شارح المنظومة» في شرحه علی المنظومة: «العقل الأول الذي هو الصادر الأول، المُعبَّر عنه بالحقيقة المحمدية و المراد بکليته؛ هو سعة وجوده، و جامعيته لجميع الموجودات»(3).
و ينقل آية الله العظمی السيد الخوئي رحمه الله عن الأسفار قول ملا صدرا؛ في الإيمان بوحدة الوجود و الموجود: «الآن حصحص الحق، و اضمحلّت الکثرة الوهمية ...»(4).
و حول العقول الطولية، يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في بداية الحکمة: «لما کان الواجب تعالی واحداً بسيطاً من جميع الجهات؛ امتنع أن يصدر منه الکثير؛ سواء کان الصادر مجرّداً؛ کالعقول العرضية، أو مادّياً؛ کالأنواع المادّية. لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، فأول صادرمنه تعالی؛ عقل واحد يحاکي بوجوده الواحد الظلّي، وجود الواجب تعالی في وحدته ... لکن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل؛ بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل
الأول، فلابدّ من صدور عقلٍ ثانٍ، ثم ثالث، و هکذا حتی تبلغ جهات الکثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال. فتبين أن هناک عقولاً طولية کثيرة، و إن لم يکن لنا طريق الی إحصاء عددها»(1).
و يعتمد المتصوفة، و في مقدّمتهم إبن عربي؛ في التوفيق بين الفلسفة و الدين بالإعتماد علی الشرح الرمزي، و جعل الآيات القرآنية کرمز للعقائد التي يعتقدونها. و قد جری علی ديدنهم الفلاسفة الإشراقيون.
هذا ما أردناه من إلقاء نظرة سريعة علی المراحل التاريخية التي مرّت بها الأفکار الفلسفية من زمان ماقبل الفلسفه اليونانية، و حتی زماننا الحاضر. و يستطيع الباحث لاکتساب رؤية أوضح، و معلومات أکثر؛ مراجعة الکتب التاريخية من المصادر التي تعرّضت لنقل المفاهيم الفلسفية، منها:
1- المِلل و النِحَل: للشهرستاني ج 2 ص 148 حول ورود الفلسفة بين المسلمين، و هناک يقول: «و مثل يعقوب بن إسحاق الکندي، و حنين بن إسحاق، و يحيی النحوي... و أبي نصر محمد بن محمد بن طرّخان الفارابي و غيرهم و إنما علّامة القوم؛ أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا. قد سلکوا جميعهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب اليه و انفرد به، سوی کلمات يسيرة ربّما رأوا فيها رأي إفلاطون و المتقدمين.
2- فهرست إبن النديم.
3- الجانب الإلهي: للدکتور محمد البهي.
5- منظومة السبزواري.
6- بداية الحكمة ونهايتها للسيد الطباطبائي
1) بداية الحکمة: 173و174.
و هو بحث حول اصول التفكير الصحيح للوصول إلى المعرفة الصحيحة و هو يشتمل على عشرة أصول.
الأيمان بالواقع الخارجي، فالتشکيك في واقعيّة العالم و إنکاره و اعتباره خيالاً في خيال ينهي التفکير العقلي و البحث العقائدي من أساسه. ثم أنه لو أنکر أنسان واقعيّة العالم الخارجي؛ فکيف يتم التفاهم معه، و من ثم إقناعه و إرجاعه نحو الحقيقة؟
و البحث حول الموضوع ليس بحثاً قائماً علی البرهان العقلي أو مستنداً الی الأوليات و البديهيّات؛ لأن من ينکر الوجود الخارجي، ينکر کل شيء،
و لايتم جوابه إلّا بالجواب القائم علی الالزاميات و الفطرة حينذاك يرجع هذا الانسان المريض أو المتجنن الی وضعه السوي و السليم.
و من المعلوم إن توضيح الواضحات من أشکل المشکلات فواقعية العالم من الامور البديهية التي لاتحتاج الی دليل ولابرهان.
من جملة أصول المعرفة الإيمان بالعقل کأساس للتفاهم البشري. و المراد من العقل؛ هو مجموعة الإدراکات البديهيّة التي لاتحتاج الی دليل و برهان، و علی رأسها قانون العلّيّة (من ان لکل معلول علة و لکل أثر مؤثر) و قانون عدم التناقض، و التي علی اساسها يقوم البرهان.
فالعلوم النظرية تقوم علی العلوم البديهية المودعة في عقل کل إنسان. فلو أنکر الانسان العقل و المذهب العقلي في التصور و التصديق؛ فحينئذ سوف لايمکنه الوصول الی إثبات أي حقيقة من الحقائق، حتی بالنسبة الی القضايا الحسيّة و التجربيّة.
و بما أن الإيمان بالعقل و بديهياته من الضروريات التي لايمکن إنکارها، فلا طريق لإثباتها إلا الأدلة الالزاميّة و الفطريّة.
يری الماديون ان المصدر الوحيد للمعارف البشرية هوالحس و التجربة و يرفضون كل المعارف التي لاتقوم علی اساس الحس و التجربة.
و جواب هذا المذهب واضح حتی قيل ان احد الماديين كان معلماً في احدي المدارس و قد قال لتلاميذه لاتصدّقوا و لاتؤمنوا بشىء لاترونه ثم سأل التلاميذ فهل ترون الله (جلّ و علا )فقالوا لا، فقال لهم فلا تصدّقوا بوجوده فقام اليه احد الصبيان و استأذنه بان يسأل التلاميذ فسألهم الصبي هل ترون عقل الاستاذ فقالوا: لا فقال الصبي اذاً هو مجنون، فالحقيقة انّ جعل المقياس للمعارف البشرية هو الحس و التجربة فقط واضح البطلان لايقبله احد من العقلاء بل الكل يذعنون بوجود معارف صحيحة و يقينية لم تخضع للحس و التجربة بل و لا ربط لها بالحواس مثل الايمان باستحالة التناقض و استحالة اجتماع الضدّين و انّ لكل أثر موثراً و كالايمان بالقواعد و القوانين العامة و الكلية في العلوم المختلفة و هي معكليتها و عموميتها غيرحسية و لمتخضع للتجربة فلوكان الفكر محبوساً في حدود التجربة و لم يملك الانسان معارفمستقلة عنها لما اتيح له ان يحكم باستحالة شىء من الاشياء مطلقاً لان الاستحالة بمعنی عدم امكان الشىء مطلقاً ليس مما يدخل في نطاق التجربة و لا يمكن للتجربة ان تكشف عنه و غاية ما يمكن للتجربة ان تدلل عليه هو عدم وجود اشياء معينة، لكن عدم وجود شىء لا يعني استحالته فهنالك عدة اشياء دلت التجربة علی عدمها و مع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة و لا نسلب عنها امكان الوجود كما نسلبه عن الاشياء المستحيلة كاجتماع النقيضين. و هذا الحكم بالاستحالة لا يمكن تفسيره الا علی ضوء الايمان بالعقل بان يكون هذا الحكم من المعارف العقلية المستقلة عن التجربة و علی هذا الضوء يكون الماديون بين طريقين لاثالث لهما:
فامّا ان يعترفوا باستحالة اشياء معينة و اما ان ينكروا مفهوم الاستحالة من الاشياء جميعاً. فان امنوا بالاستحالة كان هذا الايمان مستنداً الی معرفة عقلية مستقلة لا الی التجربة و ان انكروا مفهوم الاستحالة و لميقروا باستحالة شىء (و ان كان هذا الانكار غريباً لدی العقل) فلا يبقى فرق حينئذٍ بين عدم اجتماع النقيضين الذى ندرك عدم امكانه اصلاً و بين كثير من الامور المعدومة التي ندرك امكان وجودها في حين ان الفرق بينها مما يشهد به الوجدان و جميع العقلاء و منكره مكابر و اذا سقط مفهوم الاستحالة لم يكن التناقض مستحيلاً يعنى وجود الشىء و عدمه و صدق الشيء و كذبه.
و جواز التناقض معناه انهيار جميع المعارف و العلوم و عدم تمكن التجربة من ازاحه الشك و التردد في اي مجال من المجالات العلمية فالتجربة و ان دلت علی صدق قضية معينة لكنا لا يمكننا الجزم بذلك اذا جوّزنا التناقض و انه ليس بمحال فمن الممكن حينئذٍ ان تتناقض الاشياء و تصدق و تكذب في وقت واحد.
هذا و قد سجل العلماء علی هذا المذهب ملاحظات عديده نذكر قسماً منها:
1- ان القائلين بمقياس الحس و التجربة لم يأتوا و لا بدليل واحد يثبت قصور العقل عن الوصول للمعارف الخارجة عن نطاق الحس و مجرد حاجة الانسان الی عمليات الحس و التجربة و اهميتها لاينفي قابلية الانسان للحصول علی معارف غير حسية.
2- عدم اعتراف المذهبالحسي و التجربي لفاعلية العقل و قدرته علی الوصول الی مجموعة من المعارف يخالف الواقع لانّنا لو راينا رقم 27 مثلاً و رقم 23 مثلاً مكتوبين علی لوحة امامنا و أردنا ان نجمع في ذهننا بين هذين العددين لكان الحاصل منهما (50) و لواردنا ضربهما كان حاصلالضرب (631) و هنا نسأل هل ان الاختلاف بين حاصلجمع هذينالعددين و بين حاصلضربهما ناشيء منالحس او من فاعليةالعقل؟ و لا شك انه لا يمكن القول بان اختلافهما ناشيء من الحس و ذلك لان الاحساس بهما لم يختلف في عمليتي الجمع و الضرب.
3- اننا نسأل الماديين الذين يعتقدون بأن «الحس و التجربه المقياس الاساسي لمعرفة الحقيقة لاغير» فهل انهم حصلوا هذا المقياس من دون تجربة سابقة او أنه
كسائر المعارف البشرية لابد من اكتسابه و العلم به بواسطة التجربة؟ فان قالوا بالاول و انه من المعارف الخارجة عن نطاق التجربة فقد ابطلوا مذهبهم الذي لايؤمن بالمعارف الاولية و ثبت وجود معلومات انسانية ضرورية،و انقالوا بان هذهالمعرفة محتاجة الیتجربة فمعنی ذلك اننا لاندرك في بداية الامر ان الحس و التجربة مقياس مضمون الصدق فكيف يمكن البرهنة علی صحته و اعتباره مقياساً بتجربة مادامت غير مضمونة الصدق بعد.
4- يتوقف الادراك الحسي غالباً علی اكثر من حاسة فالتفاحة مثلاً نراها بحاسة البصر و نلمس نعومتها بحاسة اللمس و نشم رائحتها بحاسة الشم و نسمع صوت اصطدامها بالارض بحاسة السمع و اما تمركز جميع هذه الاحساسات في مكان واحد و جوهر واحد فهذا مالايمكنالاحساس به و علی هذا الاساس فان المذهب الحسي و التجربي عاجز عن اثبات المادة و ذلك لان المادة لايمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة بل كل مايبدو للحس في المجالات التجربية انما هو ظواهر المادة و اعراضها و اما نفس المادة يعني الجوهر الذى تعرضه تلك الظواهر و الصفات فهو لايدرك بالحس و انما العقل يدرك وجوده بالاستناد الی معارفه الاولية من البديهيات من ان لكل معلول علة و ان ما انعكس في الذهن من احساسات بصرية و سمعية و ذوقية و لمسية و شمية لم يكن من العدم لان حصول هذه الصور الحسية بلاعلة محال و عليه فيثبت وجود المادة لانها العلة في تلك الاحساسات و اذا ما انكرنا قانون العلية بين الاثر و المؤثر فسوف لايمكننا اثبات نفس المادة و لذا فقد انكر عدة من الحسيّين التجربيين وجود المادة و وقعوا في السفسطة كما و انهم كانوا عاجزين عن اعطاء تعليل صحيح للعلية بين الاثر و المؤثر فان الحس و التجربة لايمكنهما الا ان يوضحا لنا التعاقب بين ظواهرمعينة اما سببية احدی الظاهرتين للاخری فهي مما لاتكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة و مهما كررنا استعمالها و اذا انهار قانون العلية بين الاثر و المؤثر انهارت جميع العلوم الطبيعية لانه لايمكن بناء قاعدة عامة و قانون كلي علی ضوء تجربة واحدة او عدة تجارب الا بعد التسليم بعلية هذا المؤثر لهذا الاثر و هي لمتكتسب من التجربة فاما ان نؤمن بها خارجاً عن نطاق الحس و التجربة فقد بطل
المذهب الحسي و التجربي و ثبت وجود معارف اولية سابقة علی التجربة و الحس و ان لم نؤمن بها كما انساق الی ذلك دافيد هيوم و جون ستيوارت مل فلم يؤمنا بقانون العلية و لذلك فسر هيوم العلية برابطة تداعي المعاني و قال انه يصحب هذا التداعي نوع من الالزام العقلي بحيث يحصل في الذهن المعنی المتصل باحدي العمليتين العقليتين كما حدث المعنی المتصل بالعملية الاخری و هذا الالزام العقلي اساس ما نسميه بالضرورة التي ندركها في الرابطة بين العلة و المعلول(1).
أقول: ان هيوم قد افترض وجود الزامعقلي باستدعاء احدي الفكرتين عند حصول الفكرة الاخری فيه و نقول له بناء علی مقياسهم من كون جميع المعارف لابد و انتكون تجربيّةَ: من أين جاء هذا الالزام العقلي و ما قيمته اذا لم يكن حسياً و تجربياً ؟ فعلی هيوم ان يقتصر علی تعاقب الظاهرتين فقط من دون انيكون اىّ ارتباط بينهما او الزام او ضرورة لانه لايؤمن الا بمقياس التجربة لاغير و اذا كان هنالك شىء اخر فانّما هو خيالوسراب «حسب مقياسهم» كما و عبّر برابطةتداعي المعاني فان تداعي المعاني لاحقيقة من ورائه بل هو مجرد وهم و خيال و حيث ان هيوم قد اعطاه بُعْدَ الواقع لا الخيال فبذلك فقد اعترف بواقعية قانون العلية بين الاثر و المؤثر و من دون سابق تجربةٍ او احساس بذلك و بذلك فقد اعترف بوجود معرفة اولية تنبع من صميم العقل عبّر عنها بالالزام العقلي و ان كان ما ادعاه من الالزام العقل باطلاً في نفسه و ذلك لان العلية التي ندركها ليس فيها مطلقاً ايّ اثر لالزام العقل باستدعاء احدي الفكرتين عند حصول الفكرة الاخری فيه فليست هي قضية نفسية بعيدة عن الواقع بل هي قضية
1) - فلسفتنا ، آية الله السيد محمد باقر الصدر ، ص80 ، دارالتعارف للمطبوعات لا يخفی أن کتاب فلسفتنا يختص بمناقشة الفکر الفلسفي الغربي يعني مناقشة انکار العقل و قدرته علی کشف الحقائق المطلقة و قد تبنی فيه السيد الصدر بعض نظريات ملا صدرا کالقول باصالة الوجود الّا انه عدل بعد ذلک عن هذا الرأي وقال اني سوف اجيب علی نظريات ملا صدرا کما نقل ذلک احد تلاميذته وهو سماحة آية الله السيد علي اکبر الحائري الا انه (ره) لم يمهله حزب البعث العفلقي الکافر لمواصلة ذلک.
واقعية فهنالك أمر واقع و العقل يدركه لا انه هو الملزم لاستدعاء شىء شيئاً و بعبارة اخری ليست العلية بمعنی ان ادراك العلة يتعقبه ادراك المعلول كما في تداعي المعاني و يشهد لذلك ولبطلان كون العلية بمعنی تداعي المعاني ان التداعي كثيراً ما يحصل بين شيئين دون الاعتقاد بعلية احدهما للاخر كما في تعاقب الليل و النهار مع انه لا يكون احدهما علة للاخر.
كما و ان العلة و المعلول قد يكونان مقترنين معاً تماماً لا ان احدهما عقب الاخر بل يكونان في آن واحد معاً و مع ذلك ندرك عليّة احدهما للاخر كحركة اليد و حركة القلم حال الكتابة فلو كانت العلية عبارة عن استتباع احدی العمليتين للاخری بالتداعي لما امكن في هذا المثال ان تحتل حركة اليد مركز العلة دون حركة القلم لان العقل قد ادرك الحركتين في وقت واحد فلماذا وضع احدهما موضع العلة و الاخری موضع المعلول؟
و حاصل المطاف ان الايمان بالمذهب المادي يؤدي حتماًَ الی اسقاط قانون العليّة بين الاثر و المؤثر و اذا سقط هذا القانون فقد انهارت جميع العلوم الطبيعية باعتبار استنادها اليه فان التجارب العلمية مالم تستند الی قانون العلية لايمكن اقتناص قانون عام و كلي منها و بذلك يظهر بطلان مذهب الماديين.
ومن جملة أصول المعرفة الإيمان بقيمة المعرفة، وإنَّ العقل البشري قادر على الوصول إلى معرفة الأشياء کما هي ثابتة وليس المراد من معرفة الأشياء معرفة کنهها وحقيقتها بل معرفة وجودها ولوازمها وآثارها ؛ والدليل عليه الوجدان. ووقوع المعرفة بالأشياء بالضرورة.
هذه أصول ثلاثة ؛ هي أساس التکفير في البحث عن الحقيقة والواقع لا يمکن غضّ النظر عنها ويحتاج إليها في کلِّ بحث برهاني وجدلي، ولا يمکن اقتناص أي نتيجة عقائدية من دونها فهي الأسس.
وهنالك أصول أخرى تفترق بها المدارس الفلسفية والکلامية وتختلف فيها؛ کما سيأتي توضيحها في الأصول الآتية:
وإکمالاً للموضوع نذکر خلاصة من أدلة الشکاکين وأجوبتها.
الدليل الأول: إنَّ الحس الذي هوالينبوع الأوحد لمعارف الإنسان لا يتناول إلا المظاهر والصفات الخارجية, وهو فوق ذلك مشحون بالتناقضات والأخطاء فالشيء الذي يکون حلواً ﻓﻰ مذاق شخص قد يکون مراً في مذاق آخر. والحشيش الأخضر يبدو أزرق بالنسبة لذي العمي اللوني. والسکران والمتسمم قد يريان الواحد اثنين أو أکثر. والعود المستقيم إذا غمز في الماء بصورة مائلة بدا غير مستقيم. والشيء الذي نراه صغيراً عن بعد نراه کبيراً إذا إقتربنا منه. والبرج المربع نشاهده مستديراً إذا کنَّا بعيدين عنه. بل قد نحس بشيء واحد إحساسين مختلفين کما إذا وضعنا إحدى اليدين في ماء حار والأخرى في ماء بارد وبعد مدَّةٍ أخرجناهما معاً ووضعناهما فوراً ﻓﻰ ماء دا ﻓﻰء فإننا نحسن إحساسين مختلفين بحرارة الماء, حيث يبدو الماء لليد التي کانت مغموسة في الماء البارد حاراً, في حين يبدو بارداً لليد التي کانت مغمورةً في الماء الحار. وما إلى ذلك من الوقائع الدَّالة على إنَّ الحس لا ينال غير المظاهر. کما وإنَّ الأحاسيس المتضاربة لا يمکن الوثوق بها.
الدليل الثاني: إذا کان الإنسان يدرك الحقائق فلماذا يقع ﻓﻰ الخطا؟ إنَّ الإنسان إما أن يعرف ولا يخطيء وإما أن يخطئ فلا يمکن الوثوق بمعرفته.
الدليل الثالث: إذا زعم اليقينيون أنَّ الإنسان يخطيء في أمور معينة ويصيب في أخرى فليس لديهم ما يبرر اليقين لأن الآراء التي يزعمون صحتها قد تکون خطأ وهم لا يعلمون. بل قد ينکشف خطؤها بعد زمنکما انکشفت أخطاء نظرات وآراء کثيرة کان يعتقد أنَّها صحيحة. وما دام الإنسان يخطيء فلا يقين ولا طمأنينة إلى صدق معرفتة ولا بأية حال.
الدليل الرابع: إنَّ البرهان على صحة معرفة ما يحتاج إلى برهان آخر يدعمه. وهذا
البرهان يحتاج هو الآخر إلى برهان غيره لإثباته وهلمّ جرا.
وهذا دليل على إستحالة المعرفة اليقينية.
وقبل الجواب على هذه الشبهات نقول: لقد استطاع دعاة اليقين أن يبددوا ظلمات الشكّ التي تملأ النفوس قلقاً والصدور حرجاً، کما استطاعوا أن يثبتوا أنَّ حيرة الشکاکين أزمة نفسية أو وهم لا سند له.
وأما الجواب على هذه الشبهات فهو:
أولاً:إنَّ تناقض الأحاسيس لا يصدم اليقين لأن إحساس المريض والسکران و الموجود في ظروف مضلِلة (بکسر اللام الأولی) أو حالات عاطفية خاصَّة توحي إليه بأمور غير حقيقية لا يمکن الوثوق بها والإعتماد عليها, والنَّاس يعرفون ذلك في حياتهم العملية ويعرفون أنَّ أحلام النوم وأحلام اليقظة والأوهام وما شاکلها من الوان التصور لا تعبر بالضرورة عن حقائق موضوعية في العالم الخارجي.
فالمعوّل عليه هو الحس السليم الذي يتم عن قرب ودقة في حالة الوعي لا على الحس المريض أو المشوش أو الذي يتم عن بُعد أو في ظروف وأوضاع مضلِلة وماشابه ذلك. کما أنَّ التصور شيء, والتصديق شيء آخر. فمن الطبيعي مثلاً أن تحس اليد الساخنة ببرودة الماء الدافيء بينما تحس اليد الباردة بحرارته, ولکن من الطبيعي أيضاً أن يدرك الإنسان دفء الماء بعقله فلا يصدق بالحس المباشر, أضف إلى ذلك إنَّ خداع الحواس الذي يحصل أحيانا لا يدفعنا بالضرورة إلى إنکار عملية الإحساس أو الشيء الذي يقع الحس عليه لأن الخداع إنَّما يقع غالباً في نقل صفات المحسوس لا في وجوده. فالماء في المثال السابق موجود خارج عقلنا وجوداً موضوعياً, وقد تمَّ الإحساس به فعلاً ولکن الحس أخطأ فلم ينقل لنا صفة الماء الحقيقية. کذلك رؤيتنا للعود المغمور في الماء فإنها مغالطة من الحس, ولکن في صفة العود لا في وجودها الموضوعي, ولا في حصول عملية الإحساس به, وقل مثل ذلك في الأشباح وفي السراب وفي کل شئ يخطيء الحس بتصوره فيبدو بغير صفته الحقيقية. أي إنَّ الحس
إذا أخطأ في تصور شيء ما لا يدل هذاالخطأ بالضرورة على عدم وجود ذلك الشي في الواقع. على إنَّ الإنسان استطاع أن يوجد آلات ومقاييس دقيقة تُعينه على قياس الأطوال والأوزان ودرجات الحرارة والرطوبة والضغوط والطاقات والألوان وما إلى ذلك. ولئن کان حس الإنسان المباشر کثير الخطأ والتناقض فإن هذه الآلات والأجهزة أبعد عن الخطأ. وأدنى بکثير إلى الصواب.
ثانياً: إنَّ اجتماع الأضداد في شيء ما لا يمکن أن يزعزع اليقين لأنه لا يخرج على القواعد والشروط الضرورية التي يؤمن بها اليقينيون. فالأضداد يمکن أن تجتمع في شيء واحد ولکن في أزمان مختلفة, کأن يکون الماء حاراً الآن وبارداً بعد ساعة, کما تجتمع في الشئ إذا اختلفت من ناحية الوجود فيکون بخاراً بالفعل وجليداً بالقوة أما من يزعم اجتماع الأضداد في موضوع واحد في زمن واحد ومن جهة واحدة, فليأتنا ولو بمثل واحد على مدعاه إن کان من الصادقين.
ثالثاً: إذا کانت المعرفة في نظر البعض غير ممکنة لوقوع الحس في الخطأ فکيف عرف هذا البعض إنَّ الأحاسيس متناقضة؟ بل کيف عرف هؤلاء إنَّ المعرفة غير ممکنة؟ إنَّ ﺗﻠﻚ الأقوال معارف دون شكّ فإن کانت صحيحة سقط الشكّ ولا يمکن إنکار حصول المعارف الصحيحة وإن کانت خاطئة سقط الشكّ والإنکار أيضاً لعدم جواز الأخذ بالترهات والأقاويل الخاطئة.
رابعاً: إذا کانت المعرفة مستحيلة فهل يجهل الشکاك والمنکرون کلّ شيء حتَّى وجود أعينهم وآذانهم وأفواههم وأهليهم؟ وهل لا يفرقون بين الذئب والحَمل وبين الأعداء والأصدقاء ولا بين الموت والحياة؟
خامساً: إذا کان العقل ﻓﻰ نظر المنکرين والشکاكين لا يقوی على أن يحکم بوجود شئ فکيف حکموا هم بوجود اليقنيين وکيف جاز لهم التدليل على صدق الشكّ وفساد اليقين.
سادساً: لو کانت المعارف ترتکز على الحس والتجربة فقط لجاز الشكّ فيها, ولکن المذهب العقلي يقرر إنَّ للمعرفة مصدرين هما: الحس و العقل, وبذا يقرر وجود معارف أولية ضرورية سابقة على التجربة،وهي البديهيات وإذا کانت المعارف الحسية
عرضةً للخطأ والشك والتناقض فإن المعارف البديهية لا يبدو فيها شيء من ذلك وهي ضرورية ضرورةً عقليةً بحيث لا يجد الإنسان مهرباً من الإيمان بها والتسليم بصحتها دون إعمال فکر أو مطالبة بحجة.
وبعبارة أخرى إنَّ المعارف البديهية التي هي الرکائز الأساسية للفکر والتي بها تتم عمليات العقل وتصرفاته في مختلف المجالات بحيث لايريدإقامة البرهان على صحتها إلا من طلق عقله وراح يطلب مقاييس أخرى للمعارف بعقول وراء عقول البشر.
أقول: إنَّ وجود المعارف البديهية التي لا يمکن أن يستغني عنها الفکرالبشري دليل کاف لهدم الشكّ ونفي الإنکار المطلق الهدام.
سابعاً: إنَّ الشکاكين والمنکرين يؤمنون ببعض المعارف لا سيَّما البديهيات بصورة لا شعورية من أول الأمر خلافاً لما يظهرون فلولا إيمانهم بعدم التناقض لما اعتبروا تناقض الأحاسيس دليلاً على انتفاء اليقين،ولولا إيمانهم بمبدأ العلية لما أجهدوا أنفسهم للتدليل على صحة ما يرتأون, ولولا إيمانهم بالنَّاس والظروف والوقائع الموضوعية لما کيّفوا سلوکهم في الحياة بشکل خاص يتلاءم مع الظروف والأشياء الخارجية التي ينکرونها جدلاً.
وإذا ثبت وجود معارف لا يرقی إليها الشكّ حتَّى في نفوس الشکاکين أنفسهم أصبح من الممکن إقامة معارف يقينيّة على أساس المعارف الضرورية المضمونة الصحة(1).
ينقسم العلم کما هو المعروف الی قسمين:
حصولي وحضوري و يعتقد ملاصدرا واتباعه ان العلم الحصولي يرجع الی العلم الحضوري بمعنی ان المحکي الذي تحکي عنه الصورة الذهنية حاضرة لدی النفس وليس شيئاً خارجاً عنها بل هو عين انفسنا فالشيء المنعکس في النفس لابد و ان يکون
1) - هکذا نبدأ, تأليف الشهيد الشمري رحمه الله , طبع قم (بتصرف) , ص196 - 202.
منعکساً عن امر حاضر للنفس فانه من المحال ان ينعکس عن شيء غائب عن النفس و لذا فهم يعتقدون بان العلم الحصولي مسبوق بالعلم الحضوري فعلمنا بالنار الحارة و الماء الصافي حصل لنا من النار و الماء الموجودين بذاتيهما في انفسنا.
يقول السفسطائيون ايضاً ان المعلوم الحقيقي لنا ليس الّا الذي ندرکه لا غير ولايمکن اثبات شئ خارج عن ماوراء ما ندرکه الفلاسفة تارة يقولون ان العالم و ما فيه من اشياء ليس وجوده مجرد تصورات وصور موجودة في انفسنا بل ان حقائق الاشياء تکون من وراء هذه الصور المنعکسة عن الحقائق والاشياء الواقعية وتارة اخری يقولون ان تلکالاشياء الواقعية لها حضور في ذواتنا وانفسنا بمعنی ان وجودها عين وجودنا حسب نظريتهم من اتحاد العقل والعاقل والمعقول.
ان الفلاسفة اولاً: يقطعون الارتباط کاملاً بين الصور المعقولة و بين العالم الخارجي بل وحتی الصور المنطبعة في عمق الانسان ويرونها حقائق مستقلة بدليل ان النفس عندهم مجردة والارتباط بين المجرد والمادي محال نعم لها معدات وهي العلل المادية الا ان الارتباط محال کما صرح بذلک السيد الطباطبائي في النهاية حيث قال «هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات وانما هي امور مادية معده للنفس تهيؤها لحضور الماهيات الخارجيه عندها بصور مثالية مجردة غير مادية بناء علی ما سيتبين من تجرد العلم مطلقا»(1).
وثانياً: لا احتياج الی مطابقة الصورة لما في الخارج بعد عدم وجود للخارج بل لااحتياج للمطابقة والواقع الموضوعي اصلاً لان الصورة عين الحقائق والاشياء ولا حکاية في البين.
و لا يخفی ان اللازم من کلامهم هذا : هو السفسطة و انکار العالم الخارجي کما اعترفوا هم حيث قالوا: ان القول بالمغايرة بين الصور المعقولة و ذوات الاشياء من
1) - نهاية الحکمة ص 52
العالم الخارجي يستلزم السفسطة فقال في النهاية «وقد عرفت ايضاً ان القول بمغايرة الصور عند الحس والتخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفک عن السفسطة»(1).
فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل والكل متخيل وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد فالفيلسوف يرمي به وأصحاب أدلة العقول كلهم يرمون به وأهل الظاهر لا يقولون به نعم ولا بالمعاني التي جاءت له هذه الصور ولا يقرب من هذا المشهد إلا السوفسطائية غير أن الفرق بيننا وبينهم إنهم يقولون إن هذا كله لا حقيقة له ونحن لا نقول بذلك بل نقول إنه حقيقة ففارقنا جميع الطوائف(2).
هذا مضافاً الی التناقض في کلامهم ايضاً فقالوا بمغايرة الوجود الذهني للوجود الخارجي فقال في نهاية الحکمة «المعروف من مذهب الحکماء ان لهذه الماهيات الموجودة في الخارج المترتبة عليها اثارها وجوداً آخر لاتترتب عليها فيه اثارها الخارجية بعينها وان ترتبت اثار اخر غير اثارها الخارجية وهذا النحو من الوجود هو الذي نسميه الوجود الذهني وهو علمنا بماهيات الاشياء(3).
مع انک قد عرفت اعتقادهم باتحاد العقل والعاقل والمعقول وعدم المغايرة بين العاقل والمعقول.
اقول: هذه خلاصة نظرية الفلاسفة حول العلم والمعرفة وقد عرفت انها عين السفسطة وانها انکار للواقع حسب اعترافهم وما ذلک الّا تناقض منهم وقد اورد عليها عدة اشکالات نذکر هنا نقد بعض المحققين حيث قال ما خلاصة ترجمته:
و يرد علی هذه النظرية الفلسفية عدة اشکالات:
الاول: ان الماهيات في عرض الوجود ومن المستحيل ان يکون موطن الماهيات منفکاًعن الوجود فکلما حصلت ماهية من الماهيات فانما هي متحدة مع الوجود في الذهن لا ان وجودها في الخارج ونفس الماهية بعينها في الذهن وحينئذٍ فلابد من لزوم السفسطة لان عينية الماهية للخارج قد ذهبت وارتفعت کما قال بذلک الطباطبائي «ولو کان الموجود في الذهن شبحاً للامر الخارجي نسبته اليه نسبته التمثال الی ذي التمثال ارتفعت العينيّة من حيث الماهية ولزمت السفسطة لعود علومنا جهالات»(1)
وقال ايضاً « وقد عرفت ان القول بمغايرة الصور عند الحس والتخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفک عن السفسطة »(2).
فان حقيقة السفسطة هي ارتفاع العينية بين الامرين وما قالوا لايختلف عن القول بالشبحية ايضا «و في الحقيقة ان اعتقاد الفلاسفة هنا عين القول بالشبحية وان امتنعوا عن التسمية بهذا الاسم» .
مضافاً الی ان الاعتقاد بالعينية في الماهية في وجودين (الذهني والخارجي) وفي موطنين الذهني والخارج يستلزم تعدد الواحد وهو غير معقول کما قال :
ولو کان الحاضر لذواتنا عند علمنا بها هو ماهية ذواتنا دون وجودها والحال ان لوجودنا ماهيه قائمه به کان لوجود واحد ماهيتان موجودتان به و هو اجتماع المثلين و هو محال فاذن علمنا بذواتنا بحضورها لنا وعدم غيبتها عنا بوجودها الخارجي لا بماهيتها فقط وهذا قسم آخر من العلم ويسمی العلم الحضوري(3).
و نقول و اللازم من هذا الکلام المتقدم من ان ماهيتنا بلا وجودنا حاضرة في ذاتنا : ان الوجود والماهية الواحدة لها وجودان وماهيتان وذلک لان وجودنا له ماهية قائمة به
ومن الواضح ان هذا الکلام عام و جارٍ في کل الموارد و شامل للوجود الذهني الفلسفي و هذا الاشکال غير قابل للحل والجواب.
توضيح ذلک: ان في کل مورد حصلت الماهية في الذهن و لم تکن قائمة بوجودها بل قائمة بوجود اخر في موطن اخر خارج عن الذهن فيلزم من ذلک ان الوجود الواحد له ماهيتان ولهذا السبب اضطر الفلاسفة بان يقولوا ان منشأ العلم الحصولي هو حضور ذي الصورة يعني العلم الحضوري وان حقيقة وجود الاشياء ليست الا ذلک الشيء القائم بانفسنا وانقسام العلم الی حصولي وحضوري انما هو في ابتداء الامر ولاواقع له يقول الطباطبائي بعد تقسيمه للعلم الی حصولي وحضوري(1): «هذا ما يؤدي اليه النظر البدوي من انقسام العلم الی الحصولي والحضوري والذي يهدي اليه النظر العميق ان الحصولي منه ايضاً ينتهي الی علم حضوري »(2).
ونقول ايضاً لابد لهم من التراجع من الاعتقاد بالعلم الخارجي والوجودات المادية والجسمانية ولابد من الاعتقاد بان المعلوم انما هو موجود مجرد عن المادة هو المبدأ الفاعل لوجوده والبحث عن الحقيقة فيما وراء ذلک المجرد الحضوري وهم او اضطرار عقلي حسب تعبير السيد الطباطبائي حيث قال «وانما هو الوهم يوهم للمدرک ان الحاضرة عنده حال الادراک هو الصورة المتعلقة بالمادة خارجاً ... فالمعلوم عند العلم الحصولي بامر له نوع تعلق بالمادة هو موجود مجرد هو مبدأفاعلی لذلک الامر واجد لما هو لکماله يحضر بوجودها الخارجي للمدرک وهو علم حضوري ... وبتعبير اخر العلم الحصولي اعتبار عقلي يضطر اليه العقل مأخوذ من معلوم حضوري هو موجود مثالي او عقلي حاضر بوجوده الخارجي للمدرک وان کان مدرکاً من بعيد»(3)وانما هو الوهم يوهم للمدرک ان الحاضر عنده حال الادراک هو الصوره المتعلقة
بالمادة خارجا ... فالمعلوم عند العلم الحصولي بامر له نوع تعلق بالماده، هو موجود مجرد هو مبدأ فاعلی لذلک الامر، واجد لما هو کماله، يحضر بوجودها الخارجي للمدرک وهو علم حضوري... هو موجود مثالی او عقلي حاضر بوجوده الخارجي للمدرک وان کان مدرکا من بعيد(1).
ونقول: انه مع الالتفات الی معنی العلم الحضوري يظهر التناقض الواضح بين هذا الکلام المتقدم وبين کلامهم من ان « العلم » حضور شيء لشيء »(2)
وقولهم « علم الشيء بالشيء هو حصول المعلوم... وحصول الشيء وجوده، ووجوده نفسه، فالعلم هو عين المعلوم بالذات، ولازم حصول المعلوم للعالم وحضوره عنده اتحاد العالم به(3).
فمع توضيحاتنا السابقة نجد ان الفلاسفة لم يفرقوا بين معنی العلم والوجود ولم يفرقوا بين العلم الحصولي والحضوري .
ولهم کلام اخر يناقض ما تقدم خلاصته انه من المحال اتحاد العقل والعاقل والمعقول وکذلک انشاء الصور العلمية بتوسط النفس حيث قال « ان هذه الصور العلمية... مفاضة للنفس فلها مفيض ... واما کون النفس هي المفيضة لها الفاعل لها فمحال، لا ستلزام کون الشي الواحد فاعلا وقابلا معا وقد تقدم بطلانه(4).
الثاني: انه لو کانت الماهية الذهنية عين الماهية في الخارج فلا يعقل ان تکون لها اثار متفاوتة ولو کانت غيرها يلزم القول بالشبحية وينسد علمنا بالعالم الخارجي والواقع الموضوعي (کاملاً) وثالثاً : يلزم الدور کما قاله هو « علی ان فعليه الانتقال من
الحاکي الی المحکي تتوقف علی سبق علم بالمحکي، والمفروض توقف العلم بالمحکي علی الحکاية(1). »
يقول: السيد الطباطبائي في رد السفسطائيين الذين يقولون : لا موجود الا انا وادراکاتي: « ويدفعه ان الانسان ربما يخطأ في ادراکاته کخطأ الباصرة واللامسة وغيرها من اغلاط الفکر ولولا ان هناک حقائق خارجية يطابقها الادراک اولا يطابقها لم يستقم ذلک علی ان کون ادراک النفس وادراک ادراکاتها ادراکا علمياً وکون وراء ذلک من الادراکات شکوکاً مجازفة بينة »(2)
والجواب اولاً: ان السفسطائي لايعترف بوجود الخطأ في الادراکات وعدم مطابقتها للواقع بل ينکر اصل واقفية العالم ويقول في النقض علی کلام الاخرين ان العلم لو کان مرتبطاً بالواقع لما حصل الخطأ ولکان الخطأ محالاً وهذا النقض من قبل صاحب النهاية لا يرد علی السفسطائي اصلاً .
انه يلزم القول بالمجازفة فانه طبقاً لمباني الفلاسفة لا يمکن اثبات الحکاية لوجود المحکي عماوراء نفس الحاکي توضيح ذلک: ان الانسان لوالتفت الی بعض الاشياء کالماء والشمس والنار فهنا نسأل الفلاسفة ما هي حقيقة هذا الالتفات ؟
والجواب: انها صورة انعکست عن الواقع وهذه الصورة بنفسها وبلا واسطة حضرت في الذهن يعني ان وجودها ووجود الذهن امر وشيء واحد ولو سألناهم ان هذه الواقعية التي انعکست منها الصورة هل لها واقعية خارج الذهن اوانها حاضرة في الذهن ووجودها عين وجود العقل والنفس والذهن؟ يقولون ان منشأ کل علم حصولي علم حضوري والصورة لابد وان يّکون انعکاسا من شئ وصل له العقل والذهن والنفس يعني لابد من حضوره اولاً ومعنی حضور تلک الواقعيات في الذهن والعقل والنفس انه لاشئ وراء ذلک الحاضر بحيث تکون واقعيته غير واقعية ذلک
الشئ الحاضر في النفس والعقل والذهن بل هي شئ واحد لا اشياء متفاوتة وهذا معنی اتحاد العقل والعاقل والمعقول ونقول مع ملاحظة ما تقدم اصبحت الفلسفة عين السفسطة وذلک لان السفسطة تقول لا واقع وراء ذهننا واذا کانت واقعية وراءنا فإنا لانستطيع ادراکها والوصول اليها ولايخفی ان السفسطائي لاينکر واقعية الذهن والفکروالذي تقوله الفلسفة ان الواقعية موجودة الا انها عين ذهننا وانفسنا لا انها شيء خارج عن وجودنا وانفسنا فالسفسطة تقول لا نستطيع اثبات الواقع الموضوعي الخارج عن ذهننا و الفلسفة تقول ليس من واقع وراء ذهننا وانفسنا وعليه فلا مجال لفرض وجود عالم خارج عن ذهننا ولو بشکل مشکوک ومجهول.
بعد ملاحظة رأي الفلاسفة حول العلم والادراک يتضح انه لا وجود لشئ خارج عن الذهن والفکر ووجود الانسان فلا ارض ولاسماء ولاحد و لاحدود بل الوجود اللامتناهي هو حقيقة نفس الانسان التي تحضر في کل شيء والی مالا نهاية ولاشيء خارج عن وجودها، فالصورة موجودة من قبل فما هو الفارق بينها وبين سائر الاشياء الموجودة والحاضرة في الذهن و العقل والتي تعد من العلوم الحضورية؟ وما هو ملاک الفرق بين العلم الحصولي والحضوري ؟
وثالثاً: يلزم قيام ماهيتين في وجود واحد ولاجواب للفلسفة عن هذا الاشکال ولابدلها من الاعتراف بان الاعتقاد بالعلم الحصولي لااساس له بل هو مستلزم للتناقض.
الثالث: و اخيراً نقول ان الاعتقاد بان الصور النفسية من انشاءات النفس وان الاعتقاد باتحاد العقل والعاقل والمعقول هو بالدقة عين الانکار لقانون العلية البديهي فان الصورة العلمية لو کانت موجودة فکيف يمکن ايجادها من قبل النفس وان لم تکن موجودة ولم يکن لها وجود حقيقي فما معنی انشاءها؟ مضافاً الی ان الصورة مجردة والتي موطنها النفس فما معنی حدوثها وانشاءها؟ ومن البديهي ان کل شيء يوجد في موطنه فله مکان وکل حادث له زمان وکل ماله زمان ومکان فلا يمکن ان يکون مجرداً.
يقول ابو علي ابن سينا في الاشارات:
«وهم و تنبيه: ان قوما من المتصدرين يقع عندهم ان الجوهر العاقل اذا عقل صورة عقلية صار هو هي، فلنفرض الجوهر العاقل عقل وكان هو علی قولهم بعينه المعقول منه فهل هو حينئذ كما كان عند ما لم يعقل؟ أو بطل منه ذلك. فان كان كما كان فسواء عقل أو لم يعقلها و ان كان بطل منه ذلك ابطل علی انه حال له أو علی انه ذاته؟ فان كان علی انه حال له و الذات باقية فهو كسائر الاستحالات ليس هو علی ما يقولون، وان كان علی انه ذاته فقد بطل ذاته وحدث شىء آخر ليس انه صار هوشيئا آخر، علی انك اذا تأملت هذا ايضا علمت انه يقتضى هيولی مشتركة و تجدد مركب لا بسيط».(1)
و يقول ايضا اذا عقل (ا)ثم عقل (ب) ایكون كما كان عند ما عقل (ا)؟ حتی يكون سواء عقل (ب) أو لم يعقلها، أو يصير شيئا آخر ويلزم منه ما تقدم ذكره.(2)
يقول نصيرالدين الطوسي في شرح هذه العبارة:
«معناه ظاهر وزيادة التنبيه فيه هو انه يلزم انه اذا عقل (ا) صار (ا) فاذا عقل (ب) فان بطل كونه (ا) فهو متجدد الذات عند كل تعقل، وان لم يبطل عنه ذلك بل بقى (ا) ولم يصر (ب) ناقضوا مذهبهم، وان بقى (ا) وصار مع ذلك (ب) كان مع القول باتحاد العاقل بالمعقول قولا باتحاد جميع المعقولات علی اختلافها في الماهيات وتكثرها، وهذا أبين إحالة وأشد شناعة مما ذكروه أوّلا.»
الذى اقيم البرهان علی نفيه من الاتحاد بين امرين هو أن يكون هناك امران موجودان بالفعل متعددين ثم صارا موجودا واحدا وهذا مما لا شبهة في استحالته واما
صيرورة ذات واحدة بحيث يستكمل ويقوى في ذاتها و تشتد في طورها الى ان تصير بذاتها امر مصداق لم يكن مصداقا له من قبل وينشأ منها امور لم تشاء منها سابقا فذلك غير مستحيل لسعة دایرة وجودها وليس اتحاد النفس بالعقل الفعال الاّ صيرورتها في ذاتها عقلا فعالا للصور والعقل ليس يمكن تكثرها بالعدد بل له وحدة اخرى جمعية(1)
اقول : لا يخفی ابتناء هذا الاستدلال علی القول باصالة الوجود و وحدته و تشکيکه و علی القول بتجرد النفس واتحادها مع العقل الفعال و کل هذه المباني باطلة کما و انه يبتني علی کون الصورة الذهنية لا تعکس شيئاً خارج النفس بل هي عين النفس و هذا ايضاً باطل و الحق ان الصورة الذهنية زائدة علی النفس لا انها نفس الذات الانسانية.
استدلالات واهية : ادعی البعض ان القرآن الکريم يدل علی اتحاد العقل و العاقل و المعقول کما في قوله تعالی: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(2)) و قوله تعالی: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ(3)) و قوله تعالی:(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(4)) حيث ادعی انها تدل علی ان نفس عمل الانسان هو الجنة و النار لا ان الجنة و النار لهما وجود استقلالي خارج عن النفس و ذلک ان الايات السابقة لم تقل (بما كنتم تعملون) بل قالت(ما كَانُوا يعملون).
و جواب هذا الاستدلال واضح جداً،و ذلک لانه جاءت ایات کثيرة، بقوله تعالی: «بما كنتم تعملون» کما في هذه الايات:(1)
1- (إِلَی اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَينَبئُكُمْ بِما كُنتُمْ تَعملون)
2- (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ ينَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعملون(2))
3- (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(3))
4- (ثُمَّ إِلَی رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَينَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعملون(4))
5- (أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(5))
6- (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ(6))
و الجمع بين هذه الايات علی فرض دلالتها علی مدعاهم، يتصور علی انحاءکاَن يکون هنالک نوعان من العذاب احدهما عبارة عن عين العمل و اخری يکون مستقلا و نتيجة للعمل.
هذا و لا يمکن ان يکون ذات العمل هو عين العذاب مثلا الکذب الذي هو من الاعراض لا يمکن ان يکون عذابا الذي هو من مقولة الجوهر مضافا انه يلزم علی ذلک ان يکون الانسان حين فعله لما يوجب العذاب و ما يوجب الثواب ان يکون في جهنم و الجنة في آن واحد ان لم يکن متوجهاً و قد ادعی هذا الشخص ان الرواية القائلة «ان مع الدنيا الآخرة»شاهدة علی مدعاه. و لا يخفی مخالفة هذا الادعاء
لصريح القرآن بالدلالة القطعية من وجود الجنة و النار بشکل واقعی و خارجي و مخالف لاجماع جميع الديانات السماوية هذا مضافا الی ان کون ذات العمل جزاء لا ينافي وجود العقاب و الثواب الاستقلاليين مضافا الی ان جزاء العمل لا يکون دليلا علی اتحاد العقل و العاقل و المعقول و قد ادعی هذا الشخص ان قوله تعالی: إِنَّه عمل غَيْرُ صَالِحٍ حيث جعل ابن نوح نفس العمل و هو دليل اذن علی اتحاد العقل و العاقل و المعقول.
اقول: ما علاقة هذه الاية بمسألة اتحاد العاقل و المعقول والاية جعلت ابن نوح ذات العمل القبيح من باب المبالغة
کما ان رواية ان الدنيا مع الآخرة لا تدل علی عدم وجود الاخرة فهي شبيهة لرواية: ان مع العز ذلا و لا علاقة لها بمسألة اتحاد العاقل و المعقول
و قد جاء في ايات کثيرة من القرآن الکريم ما يرتبط بعلامات القيامة و اهوالها من انکساف الشمس و الهزات الشديدة و تبدل الارض و غير ذلک من حالات القيامة و التي لم تحصل لحد الان فهل نقول ان الدنيا و الاخرة معا موجودان في آن واحد. و قد ادعی هذا الشخص ان ما يروی عن اميرالمؤمنين (علیه السلام) «كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه الاّ وعاء العلم لانه يتسع »يدل علی اتحاد العاقل و المعقول باعتبار اتساع العلم و باتساعه تتسع الروح و جواب هذا الکلام واضح و ذلک فان حقيقة النفس قابلة لان تتصف بالعلم و الشاهد علی ذلک قوله تعالی(والله اخرجکم من بطون امهاتکم لا تعلمون شيئا ) الدال علی ان النفس مستقلة ثم بعد ذلک تتصف بالعلم.کما وانه استدلال بالاعم وهو لايدل علی الاخص.
مصادر المعرفة هي الحس والعقل والوحيّ؛ کما في کثرة من المعارف، کالشريعة وغيرها.
والوحي والايحاء يحصل بطرق متعددة کنزول جبريل (علیه السلام) أو تکلم الشجرة لموسی (علیه السلام) ، أو من خلال الرؤيا والالهام، وغير ذلك. لکن الوحي لأهله وهم الانبياء والمعصومون صلوات الله عليهم. والوحي دليل لمن تابعهم واعتقد بحقانيتهم وآمن بهم.
وأما الالهامات والمکاشفات النفسية والاشراقات الروحية الحاصلة لغير الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم؛ فهي لاتعتبر دليلاً أبداً، وليسلها أي حجية بالمرة، واُورد عليها إشکالات متعددة، وهي باطلة من وجوه: نذکر قسماً منها:
أولاً: ان قسماً من الإلهامات والمکاشفات وما شاکلها؛ حالات نفسيّة وروحيّة لا تمثل بعداً واقعيّاً. وهذه النقطة مهمة جداً، وتحتاج الی توضيح موسّع لايسعها هذا المختصر.
ثانياً: إن الحالات الشهوديّة والنفسيّة لايمکن نقلها للاخرين.
ثالثاً: لادليل علی حجية المکاشفات والالهامات.
رابعاً: إذا کانت مخالفة للعقل فهي باطلة مائة بالمائة، وإذا کانت موافقة له، فالحجيّة للعقل(1)وکيف کان فهي علی أقسام؛ إما شيطانيّة، أو نفسانيّة، أو رحمانيّة. وتعين الأخيربلا دليل، وقد دلّنا القرآن الکريم علی شيطانيّة بعض الايحاءات «و إنَّ الشَياطِينَ لَيوحونَ الی أوليَائهِم» وقال تعالی: «قُل هَل اُنبِؤکُم علی مَن تَنَزَّلُ الشَياطِين تَنَزَّلُ علی کُلِّ أفَّاك أثِيم».
والحاصل أنه لا يوجد مصدر رابع للمعرفة؛ وهو ما يسمی باشراق الروح أو الإلهامات وما شاکلها. فانحصر الطريق بالحس والعقل والوحي الالهي. ومن هنا تفرق الفلسفة المشّائية عن الاشراقية والتي تقوم علی أساس الايمان بالمکاشفات العرفانية
1) - وهذه المسألة تحتاج الی شرح حول تکامل النفس الانسانيّة وأنه بتطابق مابالنفس وما بالعقل يحصل التکامل الانساني يعني بمتابعة النفس لادراکات العقل العملية والنظرية تشق النفس طريقها نحو التکامل وليس التکامل هو البعد عن جادة العقل والإنصياع نحو مشتهيات ونوازع النفس بل ذاك عين الانحراف.
الی صف المصادر الثلاثة المتقدمة، بل وتتقدم عليها في نظر هم؛ کما علم من استدلالاتهم. فالحق والصحيح بطلان الفلسفة الاشراقية.
والمهم في بداية الطريق تشخيص المنهج الصحيح قبل الدخول في مباحث المعرفة وطريقة الاستدلال؛ حيث نجد الفلاسفة يستدلون علی أمر ما ولا يتفطن الباحث إن أساس الإستدلال کان معتمداً علی خلاف ما يحکم به.
العقل بما يحکم به الذوق العرفاني، و الاشراق الروحي؛ فيقع الخلط والخبط، وتضيع الحقيقة، و لا يُفهم المطلب.
حول مدرکات العقل؛ و هي إما أن تکون في الأمور التي لاتتعلّق إلّا بالنظريّات التي لا تستتبع إلزاماً عملياً و هي التي تسمّی بالعقل النظري و إما أن تکون في الأمور التي تستتبع إلزاماً عملياً من قبيل حسن العدالة، و قبح الظلم. فأنکر الفلاسفة الثاني؛ و هو إدراکات العقل العملي و قالوا إنها أحکام اعتباريّة، و ليست ذاتيّة و واقعية، يقول ابن سينا في التنبيهات و الاشارات ( ان الانسان اذا لم يؤدب عليها لم يقض بها عقله) و هذا مرادهم من الأحكام الاعتبارية (1)و التي هي قابلة للتبدل و التغير و أنها مجعولة من قبل العقلاء حسب المصالح و المفاسد. و خالفهم المتكلمون و قالوا: لا فرق بين مدركات العقل النظري و العملي فكلاهما من باب واحد وأصل واحد، و كلاهما ذاتيان و واقعیان و الدليل على ذلك الوجدان وضرورة العقل. و هذه هي الرؤية القرانيّة قال تعالی في سورة البقرة: «و إذ قَالَ رَبُك للملائِکَةِ إنِّي جَاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجعَل فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا و يَفسِك الدِمَاءَ و نَحنُ نُسَبحُ بِحَمدِك و نُقَدِّسُ لَك قَالَ إنِّي أعلَمُ مَالا تَعلَمون».
و هذه الاية الشريفة صريحة واضحة بواقعيّة الإدراکات العقلية العملية، و هي بدروها مرشدة و مذکّرة للبشر بأن لا يخرجوا عن جادّة العقل الصريح، و توضيحها:
1) و هنا لك اصطلاح آخر للاعتبارية: و هو ما لا وراء للشئ في الخارج اقول: لكن لا ربط له بالمقام.
إن استفهام الملائکة و استدلالهم؛ کان قائماً علی مدرکات العقل العملي من قبح الفساد في الأرض و کذلك قبح الظلم و سفك الدماء و حسن التسبيح و التقديس من المخلوق للخالق، و أنه هوالملاك الواقعي و الذي لا يمکن مخالفته في الواقع. و الملائکة کما هو واضح ؛ ليسوا من البشر حتی تکون لهم اعتبارات تابعة للمصالح و المفاسد. بل هم عقول محضة؛ حسب منطوق بعض الروايات .
و هذا مما يؤيد کون إلادراك العملي؛ من حسن التقديس و التسبيح، و قبح الظلم ، من الإدراکات العقليّة الذاتيّة الواقعيّة.
و کذلك الميزان عند رب العزّة و الجبروت؛ من إن العقل العملي هو عين الواقع. فلم يُجِب الملائکة: بأني لا أعتبر و لا أقبل موازينکم، و لم يخطأ استدلالهم المعتمد علی مدرکات العقل العملي، بل جعلها مما لا نقاش فيها. و کان الجواب الإلهي إنه خفيت عليکم حکمةّ؛ هي التي تکفي في حلّ إشکالکم و جواب مسألتکم، فاعتذروا إليه تعالی.
و من ذلك يتبّين أنها من القوانين العامّة غير المجعولة و غير القابلة للتبدل و التغيّر، کما هو شأن الأحکام العقليّة، بل هي ذاتيّة للعقل، و واقعية بحيث أنها تحکم الوجود و الواقع بأسره بلا استثناء، و لا تفصيل في الحکم کما هو ميزة الأحکام العقليّة التي لاتخصيص فيها و لا تفصيل.
و المسألة تحتاج الی تفصيل أکثر لا يسعه هذا المختصر. و هي مفترق الطريق بين الفلاسفة و المتکلّمين. و الحق مع المتکلمين، و بالتالي سوف تختلف الاستدلالات و المنهجة حسب رأي المتکلّمين عن منهجة و استدلالات الفلاسفة، فلابد من التنبه لذلك حين الاستدلال من کل من الطرفين.
إن من المفروض في مباحث المعرفة البحث عن أحکام و قوانين الوجود، و الواقع، و تمييزه عن الوهم و الخيال.
و البحث عن القوانين في علم المعرفة إنما يکون عن القوانين العامّة، لا القوانين الخاصة بالطبيعة، أو بقسم من أقسام الطبيعة؛ کالکيمياء و الفيزياء و الفلك و الحيوان و النبات و غير ذلك. بل يکون البحث فيها عن قوانين الواقع و الوجود، و التي من خصائصها أنها واقعية أولاً، و غير مجعولة بل و لا قابلة للجعل ثانيا، و غير قابلة للتبدل و لا التغيّر و لا النقض ثالثاً، و إنها عامّة رابعاً، و لا تخصيص فيها خامساً.
و هذا هو شأن الأحکام العقليّة و من المفروض في علم المعرفة تفنيد کل القوانين الخرافيّة المدعي واقعيّتها و حکومتها بالخصائص الخمس المتقدّمة.
و لا بد من التفريق بين القوانين المجعولة و غير المجعولة. و لا بأس بإعطاء صورة عن أقسام القوانين، و هي يمکن تقسيمها الی ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قوانين الواقع، و التي تمتاز بالخصائص الخمس المتقدّمة و هذه هي القوانين التي يفرض أن يبحث عنها في علم المعرفة.
القسم الثاني : القوانين التي تحکم الطبيعة و المادّة بشکل عام، و هي القوانين؛ الفلکيّة و الفيزيائيّة و هي قوانين مجعولة قابلة للنقض من قِبَل القادر جلَّ و علا، و لا تمثّل بُعداً فلسفيّاً فلو أن المادّة ، مثلاً ، لايمکن إفناؤها، فإنما هو قانون حسب النظام الطبيعي الموجود بالفعل، و هو قابل للنقض حسب قوانين الواقع يعني القوانين التي تحکم الوجود بأسره و تتعلق به القدرة الإلهيّة فتُنقض من قِبل الله تعالی؛ بخلاف قوانين القسم الاول؛ کاجتماع النقيضين، و احتياج المعلول الی العلة و غير هما.
القسم الثالث: القوانين التي تحکم حصّه من حصص الطبيعة؛ مثل الإنسان و الحيوان و النبات و غيرها و هذه القوانين مجعولة کما هو الحال في قوانين القسم الثاني.
و اللازم عدم الخلط بين هذه الاقسام. فرُبَّ قانون يحکم الإنسان، لکنه لايحکم الطبيعة، کما لا يحکم الوجود بأسره.
و من هذه الجهة؛ لابدّ من دراسة مفردات هذا البحث بشکل واسع و معمّق، و لا بأس بذکر بعض المسائل الأساسية توضيحاً للموضوع:
الأولی: هل أن قوانين العالم الطبيعي و باقي القوانين؛ ذاتيّة أم غير ذاتيّة؟ فعلی الأول لا فرق بين القوانين أبداً من حيث التقسيمات الثلاثة المتقدّمة، و علی الثاني، فالفرق واضح.
و هنا ادعی الفلاسفة ذاتية الاشياء بمعنی انه لا تصل إليها يد الجعل فملکية الملك و انسانية الانسان و شجرية الشجر و نارية النار کلها ذاتية و ليست مجعولة من قبل الخالق جل و علا و انما المجعول هو ذات الشيء فقط و لا دخل للارادة الالهية في جعل الشيء ملکاً و انساناً(1)و ... و هذا الکلام منهم مبني علی قاعدة السنخية و قاعدة الواحد لايصدر منه الّا واحد و سياتي ما فيهما و هو انکار صريح للقدرة الالهية المطلقة الثابتة له تعالی بالبرهان العقلي. و مخالف للرؤية الاسلامية فعن الصادق (علیه السلام) : «لا يكوّن الشيء لامن شيء الا الله ولاينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر الاّ الله ولاينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله»(2)
1) - قال الشيخ المفيد رحمه الله «إنّ ما يتولّد بالطّبع فإنّما هو لمسبّبه بالفعل في المطبوع، و إنّه لافعل علی الحقيقة لشئ من الطّباع ، وهذا مذهب أبي القاسم الکعبي وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطّباع، وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضاً فيما ذهبوا إليه من أفعال الطّباع» (أوائل المقالات ، الشّيخ المفيد101) و قال بعد ذکر قصّه صاحب الحمار الّذي أحياه الله بعد مائة عام:«وهذا منصوص في القرآن مشروح في الذکّر والبيان لا يختلف فيه المسلمون وأهل الکتاب ، وهو خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا ، منکر عند الملحدين ومستحيل علی مذهب الدّهريّين والمنجّمين و أصحاب الطّبائع من اليونانيّين وغيرهم من المدّعين للفلسفة والمتطبّبين »( الفصول العشرة، الشّيخ المفيد:87)
2) - التوحيد للصدوق ص68من منشورات جماعة المدرسين في قم المقدسة.
الثانية: هل السنخيّة بين العلة و المعلول؛ قانون واقعي يحکم الواقع باسره أم لا، بل هو قانون طبيعي خاص بعالم الطبيعة و أنه لا سنخية بين العلة و المعلول و الأثر و المؤثر بل قد يکون ذلک مستحيلاً؟.
الثالثة: هل إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد قانون يحکم الوجود؟ و هل هو صحيح أم لا؟.
الرابعة: هل ينقسم الوجود الی ثابت و سيّال أم لا؟ و هل الحرکة الجوهريّة قانون واقعي أم لا؟.
الخامسة: هل ينقسم الوجود الی مستقل و رابط أم لا؟
و غير ذلك من المسائل الاخری المتعددة و التي تحتاج الی تعمق و بحث و استدلال؛ بعيد عن المغالطات و المصادرات، قائم علی البديهيّات و لا يعدوها. و سوف يأتي البحث عنها کاملا.
إن طبيعة الأحکام العقليّة، البديهيّة انها لا اختلاف فيها و لا تحتاج الی دليل و لا برهان فهل يعقل حصول الخلاف فيها، و إذا حصل فما هو الحلّ؟.
الجواب واضحٌ فأما أن تکون من البديهيات فالمفروض بمجرد تصورها أن تحظي بالقبول، و أما أن تکون غير بديهية؛ فلابد من البرهان عليها بالإعتماد علی البديهيّات و إلافهي غير ثابتة أو غير صحيحة. ولکن مع ذلك فقد وجدنا في الأمور البديهيّة حصول الإختلاف بين أکابر العلماء. و ادعي بعضهم ضرورية بعض القضايا و أنکر الآخرون، فما هو المخرَج حينئذ؟
نقول: إنه بالرجوع الی العرف العقلي، يعرف البديهي من غيره و العقلي من الوهمي.
و توضيحه: إنه يمکن الإختلاف بين اثنين في بداهة أمر معيّن، لکن لا يمکن أن يقع هذا الاختلاف بين عموم العقلاء. و لو کان هنالك اختلاف بين العقلاء حول بداهة
أمر معيّن؛ يعلم أنه ليس من البديهيات، إذاً فبالرجوع اليهم يُفهم الحقّ و تعرف الحقيقة.
و لعله الی ذلك أشار القرآن الکريم في أکثر من آية في خطابه للبشر في کثير من الآيات ب- « أفلا تعقلون».
الاصل الثامن: اختلاف العقل و الشرع
لو دلّت ظواهر القرآن الکريم، و السنّة الشريفة؛ علی خلاف مايحکم به العقل فالحکم للعقل، و يؤوَّل الظهور القرآتي. أما لو کانت دلالة القرآن أو السنّة الشريفة؛ قاطعة و صريحة، و غير قابلة للتأويل، و علی خلاف حکم العقل (فرضاً) فأيهما المتَّبع؟ علماً بأن القرآن الکريم قامت المعجزة علی صدقه و مطابقته للواقع، و هو برهان عقلي. و من هنا تعرف أن القرآن الکريم و السنّة الشريفة؛ هي المتَّبعة و يشكّ في الحکم العقلي ، بعد تکذيب القرآن الکريم له. و يعلم أنه مما لم يحکم به العقل.
و الحقيقة ان وجود بعض الأوهام و الخيالات المدعي أنها من حکم العقل؛ صارت سبباً لحصول ما حصل من التضارب بين دلالة القرآن القطعية، و الحکم العقلي الوهمي حقيقةً.
إنه بعد ثبوت المرسل و الرسول؛ يصح الإستدلال بلاشك و لا شبهة بالقرآن الکريم، و السنّة الشريفة لکشف الحقيقة و معرفة الواقع، لاسيما تلك الامور التي مما لا يصل إليها العقل.
و قبل ثبوت الرسول و المرسل؛ هل يمکن الأستدلال بالقرآن والسنّة؟
و الجواب يکون ايضاً بنعم باعتبار الاعجاز الذي يحظی به القرآن الکريم و هو دليل عقلي و علی فرض التنزل فليکن القرآن مرشداً و هادياً و مضيئاً للعقل الطريق.
الاصل العاشر: نصائح مهمة
و اخيراً نذکر هنا من يريد أن يدرس و يبحث في المسائل الکلامية و الفلسفية بإمور:
1 ) ترك اتباع الهوی ، و معه سوف لا ينفع الأستدلال و لا البحث فمن يهوی شيئاً حتی لو أتيت له بألف دليل لا يقنع و لا يقبل.
2 ) ترك التعصب و هو کالأول؛ و قد أرشدنا القرآن الکريم و السنّة المطهّرة الی ذلك. فعن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «أخوف ماأخاف عليکم اثنان؛ اتباع الهوی و طول الأمل، فأما اتباع الهوی؛ فيصد عن الحقّ و أما طول الأمل؛ فينسي الآخرة». و عنه (علیه السلام) :« من عشق شيئاً؛ أعشی بصره و أمرض قلبه».
و کذلك ترك التقليد، و الإغترار بالشخصيّات الفلسفيّة و غيرها فمن يريد الحقيقة يجب أن ينظر الی ماقال، و يحکِّم الدليل و البرهان، و لا ينظر الی من قال و إلا فلا فائدة من البحث و الاستدلال حينئذٍ.
و هناك نقطة مهمة أيضاً؛ و هي الشجاعة في قبول الحق و اتّباعه فما أکثر أولئك الذين يعرفون الحقّ و يخشون قبوله أو التفوّه به!. و هذا خلاف الأمانة و المسؤوليّة العقليّة و الالهيّة و العاقل مسؤول، و المسؤوليّة لا تنفك عن العقل. و علم المعرفة بحث في العقليّات من أجل تشخيص المسؤوليّات و احترامها و العمل بها. لذا لا تنفك العقليّات عن، الحکمة و سمّيت بالحکمة تسمية الملزوم باللازم.
و قد ورد في بعض الاخبار: (العقل ما عبد به الرحمن و اکتسب به الجنان). فالخوف و الجبن و اليأس و اتباع الهوی و التعصب و التقليد و الأغترار، و غيرها من الأمور التي تخرج الإنسان عن جادة التحقيق؛ کلها أمور تجعل طالب الحقيقة بعيداً عنها و تکون حاجياً بينه و بينها.
5)و نذکّر أيضاً بما مرّ في الأصل الثالث من أصول المعرفة إنه لابدّ من الإيمان بقيمة المعرفة، و إنها ممکنة(1)و إنه بلا أن تکون للمعرفة قيمة کشف الواقع مائة بالمائة فلا ثمرة و لا فائدة من البحث الکلامي و الفلسفي فالشئ الذي لا يفهم بالمرّة و لا بوجه من الوجوه لاقيمة له. فهنالك کلمات تخرج من أفوه العوام، و من بعض من يدّعي العلم و المعرفة إن هذه المسألة لايفمها أي أحد؛ و لا يمکن فهمها و يکسونها بالعظمة و اللغزّية و العمق في عين ادعائهم عدم فهمها.
و هذا کلام مما يضحك الثکلی! و إلّا کيف حکموا علی أمر مجهول؛ بهذه الأوصاف؟ و ما قيمة شيء لايفهم و لا يمکن فهمه لأي أحد؟.
علی أنه لو کان هنالك أمر مجهول و لا يمکن معرفته؛ فهو مورد ريب و شك ّ لامورد اعتماد و افتخار کما يفعل الجهّال. عصمنا الله من الحيرة و الضلال، و جعلنا من أتباع الحقيقة، و من المتمسکين بالنبي و الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة و السلام.
و في نهاية المطاف نقول: ليس صحيحاً لأجل الدفاع عن فيلسوف؛ أن ننسب للذات الإلهيّة المقدّسة بما لا يصح و لا يليق بها؛ لأجل تخريج مجموعة من کلمات الفلاسفة، أو ذلك الفيلسوف بالخصوص. فإن الأمور الأعتقادية لا تقليد فيها، و لا يُقبل فيها التقليد، فضلاً عن حرمته العقليّة و الشرعيّة و النهي المؤکد عنه. عصمنا الله و إيّاکم من الزلل.
1) - ليس المراد من معرفة الاشياء معرفة الکنه و الحقيقة بل معرفة وجود الاشياء و لوازمهاواثارها.
و قبل الدخول في مناقشه الافکار الفلسفية نذکراقسام المباحث الفلسفية فنقول: قسَّم الفلاسفة اليونانيون القضايا الفکرية الی أقسام، و جعلوا الوجود نقطة البدء و الأساس، ثم انطلقوا بالبحث عن أحکامه و عوارضه، و تابعهم في ذلک الفلاسفة من المسلمين. و نبدأ بتقسيم المباحث الفلسفية و تصنيفها؛ حسب ماقسّمه علامة الفلسفة الشيخ المطهّري في کتابه (التعرف علی العلوم الإسلامية ؛ قسم الفلسفة):
أولاً: المسائل التي ترتبط بمفهوم الوجود، و إن الوجود موضوع علم الفلسفة.
فالفلسفة: تبحث عن الموجود من زاوية وجوده؛ يعني بما هو موجود. و في هذا القسم تُبحث أحکام الوجود و الماهية، و کذلک أحکام الوجود و العدم باعتبار أن الماهية و العدم؛ النقطتان المقابلتان للوجود.
ثانياً: المسائل التي ترتبط بأقسام الوجود، و التي ترد علی الوجود من جهة وجوده من قبيل تقسيم الوجود: الی ذهني و خارجي، و الی: واجب و ممکن، و حادث و قديم، و ثابت و متغير، و واحد و کثير، و الی ما بالقوّة و ما بالفعل، و الی جوهر و عرَض.
ثالثاً: المسائل التي ترتبط بالقوانين العامّة الحاکمة علی الوجود؛ من قبيل العلّية و السنخية بين العلّة و المعلول.
رابعاً: المسائل التي ترتبط بعوالم و طبقات الوجود، و التي هي في نظر الفلاسفة أربعة:
1- عالَم الطبيعة أو الناسوت.
2- عالَم المِثال، أو الملکوت.
3- عالَم العقول، أو الجبروت.
4- عالَم الألوهية، أو اللاهوت.
خامساً: المسائل التي ترتبط بروابط عالَم الطبيعة مع العوالم الاخری؛ بالسير الصعودي و السير النزولي، و قسمه الأکبر يرتبط بمسألة المعاد(1).
قالوا: إن الفلسفة تبحث عن الموجود بما هو موجود.
أقول: الصحيح أن يقال: إننا بحاجة إلی علم يبحث عن الواقع بما هو و ذلک لئلا يتّخَذ من کلمة الوجود و الموجود معنی بعيداً عن الحقيقة؛ فيتصوّر أنهما الأصل، و غيرهما مجرّد اعتبار؛ کما حصل ذلک للفلاسفة. علماً إن هذا التعبير لا يتماشی مع باقي الأقوال؛ کالقائلين بإصالة الماهية.
هذا و العلم المتکفل للبحث عن الواقع لکشفه و تمييزه عن الوهم و الخيال. هو علم العقل المبتني علی البديهيات و البرهانيات لا غير لاالفلسفة المبتنية علی تقبل نظريات و آراء الفلاسفة اليونانيين و جعلها کالبديهيات و إن کانت مخالفة للعقل و المنطق.
هذا البحث من جملة المباحث المرتبطة بالمفاهيم؛ و هو بحث لفظي، و ليس ببحث فلسفي، و لا شک أن له دخلاً في فهم المطالب الفلسفية. فالمفاهيم قبل معرفتها و تحديدها؛ لا يمکن الإستدلال بها إستدلالاً دقيقاً و مفيداً.
فالوجود أطلق علی الأشياء، فهل هذا الإطلاق کان علی معنی واحد، أم معانٍ متعددة؟ و لا شک إن معناه «عرفاً و لغة»واحد، و إن الذي يفهم من جملة (زيد
1) التعرف علی العلوم الاسلامية باللغة الفارسية باسم: آشنائي با علوم إسلامي ؛ قسم الفلسفة؛ ص 163.
موجود) هو نفس ما يفهم من جملة (المَلَک موجود) و (النفس موجودة) و (العقل موجود) لکن لا ربط بين وحدة الوجود المفهومية، و بين وحدة الوجود الحقيقة.
فمفهوم الوجود واحد، إلا أن کنه الموجودات و حقيقتها قد تکون واحدة، و قد تکون متعددة، و هذه مسألة اخری.
فبناءً علی رأي المشّائين و المتکلّمين: إن مفهوم الوجود واحد؛ حيث أنه مُنتَزع من مصاديق متعددة، و هو مفهوم اعتباري، و إن کان ما يصدق عليه مختلف في الکنه و الحقيقة، إلا أنها مشترکة في صدق المفهوم الواحد.
فالصحيح في هذا الباب أن نقول: إن مفهوم الوجود واحد، و إنه مشترک بين الأشياء مفهوماً، و أما أن حقيقة الأشياء «لأنها تشترک باسم واحد»واحدة؛ فهذه مغالطة، و لا دليل عليها، کما لا يوجد في الإطلاق العرفي و اللغوي تسمية حقائق الأشياء؛ بالوجود.
فما قاله بعض الفلاسفة في معاني الوجود؛ أنه يطلق و يراد به حقيقة الوجود و کنهه؛ إنما هو ادعاء بلا دليل و لا برهان، و إنما الإطلاق العرفي واللغوي؛ خاص بالمفهوم الإنتزاعي الکُلّي.
و بذلک يظهر بطلان القول بأن الله سبحانه عزوجل مساوٍ للوجود
و توضيحاً لذلک نقول: ان لفظة الجلاله «الله» اسم علم للذات الالهية المقدسة و اما كلمة الوجود فهي «لغةً وعرفاً» اسم معنی تعني التحقق والثبوت و عليه فلا علاقة اذاً بين لفظة الجلالة و بين كلمة الوجود فالاولى اسم علم و الثانية تُعَبِّر عن مفهوم كليّ تعبيراً عن الثبوت و التحقق فهما اذاً من المعاني المتخالفة مثل زيد والشجاعة نعم ذُكِرَ في الاصطلاحات الفلسفية لكلمة الوجود اربعة معانٍ: ذكرها صاحب توضيح المراد حيث قال:
الاول: الحقيقة البسيطة النوريّة التي حيّثيّة ذاتها حيّثيّة الإباء عن العدم و منشأيّة الاثار ويُعبر عنها في لسان القوم بحقيقة الوجود وهي التي أختلف في اصالتها و عدمها و هذه الحقيقة ليس لها لفظ موضوع لان الوضع يتوقف على تصور الموضوع له
وهذه الحقيقة لا يمكن تصّورها اصلاً لوجهين ذكرهما صاحب المنظومة في شرحها.
الثاني: المفهوم العام البديهي المشترك الذي هو عنوان لتلك الحقيقة ووجهٌ من وجوهها ومن طريقه يشير العقل الى تلك الحقيقة وهذا هو المفهوم الذي ينتزعه العقل من الموجودات ويحمله عليها بعد انتزاعه منها، وهذا الذي مضى القول في بداهته وله احكام مذكورة في المسائل الاتية ووضع له في العربية لفظ الوجود والكون وغيرهما وفي الفارسية لفظ «هستي».
الثالث: المعنى المركب الاشتقاقي الذي يفهم من لفظه واجديّة ذات لصفة و لايحمل المعنى الثاني على الموضوعات الا باعتبار هذه الواجديّة ووضع له لفظ «الموجود» في لغة العرب ولفظ «هست» في لغة الفرس.
الرابع: المعنى المصدري الذي وضع له في الفارسية لفظ «بودن» وليس له في العربية لفظ خاص بل يستعمل له لفظ الوجود ومرادفاته وهذا المعنى يتصور عند اعتبار العقل تلبس الذات بالوجود اذا لم ينظر اليه نظرا استقلالياً وبعبارة اخرى اذا يرى الوجود نعتاً للذات مراةً للنظر فيها لا مفهوماً مستقلاً (1)
اقول: الاصطلاحات الثلاثة الاخيرة مستعملة في اللغة و العرف واما الاول فهو مجرد اصطلاح مبني على الادعاء وبعبارة اخرى نقول : ان صاحب الاصطلاح يدعي ان حقيقة الاشياء التي هي الحيثيّة المقابلة للعدم ان اسمها هو الوجود لكن من المعلوم ان هذا الاسم لا علاقة له بكلمة الوجود التي هي في مصطلح العرف واللغة والتي تعني مجرد الثبوت و التحقق، و توضيح ذلك:
1) توضيح المراد تأليف السيد هاشم الحسيني الطهراني انتشارات المفيدالطبعة الثالثة (وهو شرح لكتاب كشف المراد للعلامه الحلي قدسسره)صفحه8
ان الاحكام المترتبة على تلك الكلمة لا تترتب على هذا الاصطلاح الجديد. فاذا قلنا ان الوجود « بالمصطلح اللغوي» مشترك وكليّ ومنتزع من حقائق متعددة لا يعني ذلك ان هذه الحقيقة النوريّة «حسب الاصطلاح الاول» هي واحدة و مشتركة بين كل الحقائق.
و الحاصل: ان كلمة الوجود اسم معنی لا اسم ذات کما يدعي الفلاسفة بل هي عبارة عن مفهوم عام مشترك بين كل الحقائق الخارجيّة و اما انها عين الذات الالهيّة فهذا ما لا يرتبط بالكلمة ابداً لا لغةً ولاعرفاً ولا عقلاً و سيأتي تحقيق الامر من ان الذات الالهية المقدسة مباينة لغيرها من الموجودات و ان حقيقة الوجود ليست مشتركة هذا و قد اعطی القائلون باصالة الوجود لهذه الکلمة معنی الذات و الشخص و في مقابل ذلك افرغوا الذوات و الاشياء من معناها فقالوا إنها اعتبارية فذوات الاشياء مجرد اعتبار و وهم و خيال و الحقيقة و الواقع کامنٌ في الوجود فقط و يشبه عملهم هذا بمن يصف شخصاً بالشجاعة و يقول إن ذاته هذه لا حقيقة لها و إنما الحقيقة و الواقع ذات الشجاعة لا غير و أن الشجاعة التي هي اسم معنی و صفة للذات هي الحقيقة الواقعية وأن المتصف بها مجرد وهم و خيال و اعتبار.
هذا هو مغزی و محتوی کلامهم و هو کما تری.
واستدل علی اشتراک الوجود بين الواجب و الممکن والمراد بذلک الاشتراک فی حقيقة واحدة بوجوه:
الأول: صحة تقسيم الوجود الی الممکن و الواجب، و لا يصح التقسيم إلا مع إشتراک الأقسام في المقسم.
الثاني: اتحاد معنی العدم الذي هو نقيض الوجود، و نقيض الواحد واحد، و إلا ارتفع النقيضان.
الثالث: إن جميع موجودات العالم؛ آيات و علامات الوجود الباري جلّ و علا، و يستحيل أن يکون بين الشيء و علاماته تباين من جميع الوجوه، بل يکون کالفيء من الشيء، و هل تکون الظلمة آية النور، و الظل آية الحرور.
الرابع: لزوم التعطيل عن معرفة ذاته و صفاته إن قلنا بعدم وجود القدر المشترک بين وجود الواجب و الممکن؛ لأنا إذا قلنا أنه موجود، و فهمنامنه ذلک المفهوم البديهي الواحد في جميع المصاديق، فقد جاء الإشتراک و إن لم نحمله علی ذلک المفهوم، بل علی أنه مصداق لمقابل تلک الطبيعة و نقيضها«و نقيض الوجود هو العدم» لزم تعطيل العالم عن المبدأ الموجود- و العياذ بالله- و إن لم نفهم شيئاً فقد عطّلنا عقولنا عن المعرفة.
و هذه الوجوه هي عمدة ما استدلوا بها علی اشتراک الوجودوالمراد في حقيقة واحدة و کلها باطلة و قد أجاب عليها المحقق الکبير السيد البهبهاني رحمه الله فقال:
أما الأول: فلأن التقسيم کما يصح مع وجود المقسم و اشتراکه بين الأقسام علی سبيل الحقيقة، کذلک يصح باعتبار اشتراک الأقسام في بعض آثار المقسم. فإن أثر الوجود ثابت في الممکن و الواجب، فلا ينافي صحّة التقسيم مع ما بيبناه من استحالة الإشتراک المعنوي(1).
و أما الثاني: فلأن النقيضين؛ إنما لا يجوز ارتفاعهما عن محلهما مثلاً: العلم و الجهل لا يرتفعان عن الذهن الذي هو محل العلم و الجهل، و لکن يرتفعان عن اليد مثلاً؛ لأنها ليس مورداً لهما. و الحرکة و السکون لا يرتفعان عن الجسم الذي هو محل لهما، و لکن يرتفعان عن العلم؛ فاليد لا عالم و لا جاهل، و العلم لا متحرّک و لا ساکن، و کذلک الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية؛ هوية و خارجاً، هو و نقيضه طرفان للماهية فلا يرتفعان عنها، و هي إما موجودة أو معدومة.
1) 62- تقدم کلامه الشريف في مقدمة الکتاب في بيان التوحيد بناءً علی إصالة الوجود.
أما الواجب «تعالی شأنه »فلا ماهية له حتی يتطرق فيه الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد أو نقيضه، فوجوده تعالی أجل و أرفع و أعلی من هذا الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد. و أما الثالث: و هو کون موجودات العالم؛ آيات و علامات للباري تعالی شأنه, ففيه:
أنه لا يتوقف کونها علامات علی وجوده سنخية بينها و بينه، و يکفي فيه أنها حادثه محتاجة الی مدبّر و صانع دبّرها و صنعها علی هذا الوجه المنظّم، بل لا تدل علی المشابهة و النسخية بينهما و بينه؛ و إلّا عد الصانع مصنوعاً، و المدبِّر مُدَبَّراً.
و تَوهُّم أنه تعالی علّة لوجود العالم، و هو معلول عنه، و من شرائط العلّة تحقق النسخية بينهما کنسخية الشيء و الفيء؛ وَ همٌ واضح.
فإنه تعالی شأنه؛ موجِد الأشياء و فاعلها بمشيئته، و لا تلزم النسخية بين الفاعل المختار و أفعاله. و إنما تجب السنخية بين العلل المضطرّة و معلاولاتها؛ کالنار و إحراقها مثلاً.
و أما الرابع: و هو لزوم التعطيل علی فرض عدم الإشتراک بين وجود الممکن و الواجب، فأقبح من الجميع؛ لأن تنزيه الواجب «تعالی شأنه »عن الوجود الذي يتطرق فيه التحديد لا يوجب التحديد، و إنما يوجب سلب النقائص عنه تعالی شأنه.
و قوله « إذ قلنا بأنه موجود؛ فأن فهمنا منه هذا المفهوم البديهي الواحد في جميع مصاديقه، فقد جاء الإشتراک و إن لم نفهم شيئاً؛ فقد عطّلنا عقلنا عن المعرفة».
ففيه: إنه نفهم منه هذا المفهوم البديهي، کما نفهم من قولنا: أنه سميع بصير عالم قادر؛ مفاهيمها الأوّلية، لکن نُريد منها لوازمها، لعلمنا بعدم تطرّق الصفات فيه «تعالی شأنه» .
کذلک ننتقل من قولنا: إنه تعالی موجود الی الوجود الذي لا يتطرق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية، هوية و خارجاً.
و من المعلوم أنه ليس من مراتب الوجود الذي لا يتطرّق فيه التحديد، و إن اشترک معه في التعبير.
فالواجب تعالی شأنه کما لا تتطرّق فيه الماهيات من الجواهر و الأعراض؛ لإمکانها و حدوثها، لا يتطرّق فيه الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية خارجاً؛ لإمکانه و حدوثه.
فأن قلت: إنا لا نعقل وجوداً غير هذا الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد.
قلت: إن أريد من عدم تعقّله؛ عدم معرفة هذا الوجود بکنهه، فهو کذلک، بل يجب أن يکون کذلک؛ لنتزهه عما يوجد في الممکن. و البشر لا يحيط تصوّره بما هو فوق الممکن.
و قد ورد عنهم عليهم السلام: کل ما ميزتموه بأوهامکم في أدق معانيه؛ فهو مخلوق مثلکم، مردود إليکم.
و إن أريد من عدم تعقّله؛ عدم معرفته حتی بالوجه، فهو ممنوع؛ لأن الآيات الدالة علی وجوده و تنزيهه عن کل ما يوجد في المخلوق کافٍ في معرفته تعالی شأنه بوجهه(1).
قبل الدخول في الإستدلال علی إصالة الوجود أو الماهية، و بيان الصحيح في ذلک لابد من تشخيص أي معنی من معاني الوجود؛ هو المقصود بالإصالة عند القائلين به. کما لا بدّ من تشخيص أي معنی من معاني الماهية هو المراد عند القائلين بإصالتها.
أقول: و المراد من الوجود عند القائلين بإصالته ليس المعنی الکلي الإنتزاعي و المحمول علی الأشياء، و هو الذي يعبّر عنه بأنه من المعقولات الفلسفية الثانية. بل المقصود من الوجود؛ هو نفس الحقيقة العينية، و هي حيثية الإباء عن العدم، و هو المعنی الذي جاء به ملاصدرا الشيرازي.
أما الوجود بالمعنی الأول؛ فهو اعتباري بلا شک؛ کما صرح بذلک ملا صدرا و مَن جاء بعده.
1) التوحيد الفائق في معرفة الخالق؛ للمحقق البهبهاني رحمه الله ص 100 و 101و102.
و أما القائلون بإصالة الماهية، فمرادهم من الماهية؛ هو ما به الشيء هو هو، لا القالب الذهني، و لا الحدّ العقلي المنتزع من الأشياء. و إلا فالماهية بمعنی القالب الذهني و الحدّ العقلي لا شک في اعتباريتها حتی عند القائلين بإصالة الماهية.
و من هنا يعلم أن القائلين بإصالة الوجود يعبرون عن الذوات و الحقائق المتحققة في الخارج؛ و يسمونها بالوجود، و الآخرون يعبرون عنها؛ بالماهية.
و أما أصل هذه الإصطلاحات، فالمعروف أن المراد من الوجود عرفاً و لغة و عقلاً؛ هو المعنی العام و المفهوم المشترک، و هو الذي قالوا عنه إنه مشترک معنوي. و أما المعنی الآخر؛ فهو اصطلاح مُحدَث من قبل ملاصدرا، فإنه يسمي نفس الحقيقة العينية التي تأبي العدم؛ بالوجود، ثم يسري عليها مفهوم الوجود الواحد حسب ما هو معلوم من الإصطلاح الأول للوجود، فتکون النتيجة بأن حقيقة الوجود واحدة، و إن الحقيقة في کل الأشياء و الذوات واحدة. و الصحيح؛ إن الإصطلاح لا يغير من الواقع شيئاً، و لا يجعل من الکثير أمراً واحداً. و لنفرض أن الحقيقة العينية المتحققة في الخارج اصطلحنا عليها باسم الوجود، فهذا الإصطلاح لا يکسبها و لا يعطيها خصائص الوجود بالمعنی الآخر للوجود؛ و هو المعنی الإنتزاعي الکلّي و لا معنی. کما و ليس من الصحيح أن نُشير لتلک الحقيقة العينية بالمفهوم العام بعد تباين و تغاير و تخالف الإصطلاحين، و من هنا لو فرضنا أن الحقيقة العينية إسمها الوجود، فذلک سوف لن يغير من الواقع شيئاً؛ و هو إن الأشياءالخارجية حقائق متباينة و متغايرة و متخالفة. و يعود النزاع حينئذ لفظياً، بعد ما يرجع الوجود عبارة اخری عن الکلي الطبيعي، و عبارة اخری عن الماهية. کما أن الأصل في الماهية هو الحقيقة و الذات، و التي تکون منشأ للآثار الخارجية، و من الواضح اشتقاق الماهية من ماهو الدال علی حقيقة الشيء بما لها من الآثار الخارجية و الوجود الخارجي. و أما الإصطلاح الآخر للماهية و الذي بمعنی الحدّ العقلي و القالب الذهني؛ فهو اصطلاح مُحدَث جاء نتيجة القول بإصالة الوجود.
و هنا شيء لابد من معرفته، و هو: ما هي قدرة الذهن علی کشف الحقائق؟ و ما هو مقدارها؟ و هل يستطيع الذهن من کشف کنه الأشياء و حقائقها؟ و هل ياتُری تُعرف حقائق الأشياء بمعرفة مجموعة اصطلاحات و تسميات و معاني فارغة؟
المذهب الذي تسير عليه الفلسفة بقسميها؛ المشّائية و الإشراقية؛ يری إن الذهن البشري قادر علی کشف کل شيء، و حتی الذات الإلهية المقدسة و صفاتها (کما هو واضح من منهجيتها الفلسفية، و إن لم يصرحوا بذلک)(1).
و المعروف لدی اخرين، و جملة من المحققين؛ بأن الذهن البشري قادر علی کشف کثير من الأشياء، لکن بمعرفة اللوازم و الآثار، لا الحقائق و الذوات؛ خصوصاً الذات الإلهية اللامتناهية و الجامعة لکل الکمالات، فالمحدود کيف يدرک اللامحدود. هذا من جهة عقلية، و أما من جهة نفسية و شهودية فالأمر کذالک. فالحضور و الشهود لا يمتد للإحاطة باللامتناهي و الی شهود کنهه و ذاته، و أسمائه و صفاته، مضافاً الی أن الحضور و الشهود إنما يکون لللوازم و الآثار، فهو شهود لوجود الذات لا الذات الإلهية المقدّسة، و لرحمة وجوده لا أکثر.
و المسألة واضحة، و قد أشار إليها القرآن الکريم، و النبي وآله عليهم أفضل الصلاة و السلام. قال الشيخ محمد رضا المظفّر في منطقه، تحت عنوان إنارة: «إلّا أن المعروف عند العلماء؛ أن الإطّلاع علی حقائق الأشيا و فصولها من الأمور المستحيلة أو المتعذّرة و کل ما يذکر من الفصول؛ فإنما هي خواص لازمة تکشف عن الفصول الحقيقية.فالتعاريف الموجودة بين أيدينا أکثرها أو کلها رسوم تشبه الحدود»(2)
قال في التعليقات، نقلاً عن المجلد الأول من الأسفار ص 97: «إن الوقوف علی حقائق الأشياء؛ ليس في قدرة البشر، و نحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواص و اللوازم من الأعراض، و لا نعرف الفصول المقوّمة لکل واحد منها الداخلة علی حقيقته، بل نعرف أنها أشياء لها خواص و أعراض. فإنا لا نعرف حقيقة الاول ولا العقل و لا النفس ...ولا النار و الهواء و الماء و الأرض، و لا نعرف أيضاً حقائق الأعراض، و مثال ذلک: أنا لا نعرف الجوهر، بل إنما عرفنا شيئاً له هذه الخاصّة، و هذه الخواص؛ و هي الطول و العرض و العمق. و لا نعرف حقيقة الجسم، بل إنما نعرف شيئاً له خاصّية الإدراک و العقل. فإن المدرک.. ليس هو حقيقة الحيوان بل خاصّيته و لازم له، و الفصل الحقيقي لا نُدرکه، و لذلک يقع الخلاف في ماهيات الأشياء، لأن کل واحد يدرک غير ما يدرکه الآخر؛ فحکم بمقتضی ذلک اللازم...». و کذلک کلام صاحب مفتاح الأنس بين المعقول و المشهود. (عارف و صوفي چه مي گويد:178،جواد الطهراني).
. مضافاً لما فيطريق الإشراق من إشکالات و إيرادات أساسية، مرّت عليک في الأمر الرابع من أصول المعرفة فما ذکروه من (تعطيل العقول غير جائز) صحيح فيما للعقل قدرة الإستکشاف، و أما مالا يسعه العقل فکيف يستطيع کشفه؟
و لا معنی حينئذ للإستدلال بتعطيل العقول.
و قد ورد في الأخبار و الروايات ما يدل علی إرشاد البشرية في عدم التفکّر في کنه بعض الأشياء و حقائقها، و بخصوص الذات الإلهية المقدّسة. ففي بعضها «تفکّروا في کل الأشياء، و لا تتفکروا في ذات الله». و في أولی خطب النهج لأمير المؤمنين و سيد الموحدين علي بن أبي طالب صلوات الله و سلامه عليه: «... الذي لا يناله غوص الفطن، و لا تدرکه بُعدُ الهِمَم...».
فالإنسان بوجوده و روحه المحدودة؛ لا يستطيع أن يدرک اللامحدود، فکيف يدرک الکنه و الحقيقة؟ و لعلّه هذا المراد من الظاهر الباطن يعني الظاهر في وجوده الباطن في کنهه و حقيقته. و بعد هذه المقدمة نقول: إن الفلاسفة يريدون بکلمة الوجود و تسريتها لکل شيءمعرفة حقائق الاشياء؛ و کأنه لو قلنا حقيقة الأشياءهو الوجود، و إن کل شيء خارج عنه فهو؛ عدم محض و أمر اعتباري و وهم و خيال، و أمثال هذه العبارات، فکأنما عرفنا الحقيقة، خصوصاً بعد التفنن بالعبارات البرّاقة والمتعددة. و في
الحقيقة إنه تفسير للمعلوم بالمجهول، بل بالوهم و الخيال. و قد عرفت في المقدمة مشرب هذا النوع من التفکير و تطوراته.
و لنرجع الی أصل الدليل الدال علی إصالة الوجود و اعتبارية الماهية و بالعکس. فنقول: من الواضح أنه لا يوجد لدی الطرفين دليل برهاني يثبت المطلوب، بل کل منهما يدّعي الوجدان و البداهة، و يقيم الشواهد المتعددة بما يبرز فيه الأمر البديهي و الوجداني، و کل الأدلة المذکورة لإصالة الوجود أدلّة إلزامية، أو مصادرة علی المصلوب «کما ستعرف »مضافاً الی وجود اعترافات متعددة من قبل القائلين بإصالة الوجود، حيث قالوا: إن العقل يثبت إصالة الماهية، و لکن بالذوق العرفاني نفهم و نُثبت إصالة الوجود. فراجع عبارة ملا هادي السبزواري في حاشيته علی شرح المنظمومة حيث يقول: «فصحة سلب الوجود عن الکلي الطبيعي ضعيفة، و ثبوت الوجود له کاد أن يکون بالحقيقة. فالکلي الطبيعي موجود بحکم العقل الفکري، و هذه حقيقة عقلية مجاز عرفاني. و بهذا يمکن التوفيق بين قولي المثبت و النافي، فإن الطبيعي موجود بواسطة في العروض، و غير موجود لصحة سلب الوجود، و إن کانت هذه الصحّة أخفی و احتاجت الی زيادة تدقيق، و إعانة مذاق رشيق»(1). فعبارته تضمّنت؛ أن هنالک جانب عقلي و جانب عرفاني، و الفرق بينهما «حسب مقتضی العبارة »إنه يمکن أن يصل العقل الی نتيجة من النتائج، لکن النفس بإشراقها ؛ يمکن أن تری خلاف ذلک. کما حصل لهم في إصالة الوجود، فالذوق العرفاني و إشراق الروح حکم بإصالة الوجود، و العقل حکم بإصالة الماهية.
و حينئذ ها هنا أمر مهم يلزم الإلتفات إليه و هو؛ إن الإستدلال قائم علی أساس وجود مصدر ثان للمعرفة و هو؛ إشراق الروح و الذوق العرفاني ،و هنا نسأل: هل
1) 66- المنظومة طبع مشهد مع حواشي، في اعتبارات الماهية: 254.
للنفس أن تُدرک خلاف ما يدرکه العقل، و أن تحکم بما لا يحکم به العقل؟ بمعنی أن تصل الی نتيجة مناقضة لحکم العقل؟ و من المعلوم بالبداهة أن تصميم الإنسان و خلقته يشکّل وحدة متکاملة لا نتاقض فيها، و لکل جانب من جوانب الإنسان وظيفتة الخاصّة به؛ فليسالعقل في جانب و النفس في جانب آخر، بل العقل دوره دور الميزان، و النفس دورها دور التفاعل مع العقل بالإنشراح و الإنقباض للباطل، و الإنبساط للحق. فالجهاز الذي أنيط إليه معرفة الحق من الباطل، و الواقع من الخيال، و الحقيقة من الوهم؛ هو العقل، و النفس هي التي تنفعل مع العقل و تجعل الأمر الإدراکي العقلي أمراً شعورياً؛ فتشمئز من الباطل، و تتضجّر من الظلم، و تنبسط للحق، و تفرح للعدالة، و ما الی ذلک. و هنا يمکن سرّ التکامل، فالتکامل الذي دلّنا عليه العقل، هو تطابق ما بالنفس لما بالعقل. فالذي أعطي الإدراکات العقلية العملية مکانها في النفس، و ربّي النفس عليها؛ فقد حصل علی الکمال المطلوب. فليس الکمال بالتصوّر المحض، و لا بالإدراک المجرّد، کما يقول الفلاسفة.
و اشتهرت مقولتهم في التکامل؛ بأنه صيرورة العالم الخارجي عالَماً ذهنياً. بل التکامل هو أن يصبح الإدراک العقلي؛ إيماناً قلبياً، و أن يتحوّل العلم الحصولي علماً شهودياً يشهد الإنسان بنفسه ما أدرکه بعقله. کما أشير الی ذلک في قول سيد الموحدين و إمام المتقين علي عليه أفضل الصلاة و السلام حيث يقول: « هجم بهم العلم علی حقيقة البصيرة، و باشروا روح اليقين، و استلانوا ما استعوره المترفون».
کما أنه ليس الکمال أن تبتعد النفس عن جادّة العقل، بل هذا عين الإنحراف و الضلال. ثم ما هو الدليل علی أن إدراکات النفس مطابقة للواقع، و إنها حقّانية، فلعلها استولت عليها أهواؤها و شهواتها و هي محط لذلک. إذاً لا يمکن تقرير حقيقة مهمة و مطلقة علی أساس أمر يقع فيه الإنسان في متاهات حبائل النفس و الشيطان. بل أکثر أهل السلوک قد وقعوا في تلک المتاهات حسب ما يقوله العرفاء فضلاً عن عامّة الناس، مضافاً الی ما مرّ في المقدّمة من إشکالات أساسية في طريق الإشراق، و أنه لا يمثّل بعداً حقيقياً و واقعياً.
و المسألة تحتاج الی بسط من الکلام، و شرح وافٍ لکن نکتفي بهذا المقدار.
و الحاصل: إنه إن کان الدليل علی إصالة الوجود؛ الذوق العرفاني فقد عرفت ما فيه، و إن کان الدليل هو العقل؛ قد صرّحوا هم، بأن العقل يحکم بإصالة الماهية. و لا يخفی أن الحکم العقلي الوجداني و البديهي لا يمکن أن يحصل فيه خلاف بين العقلاء، لکن لو حصل؛ کما فيما نحن فيه، فکيف يتم تشخيص الحکم العقلي من غيره؟ و ما هو الحلّ؟ فقد مرّ عليک في المقدّمة؛ بأن ما يقوله العرف العقلي، و إکثرية العقلاء، هو الحکم العقلي. و إن ماسواه باطل و خيال، و لا شکّ بأن العقلاء لا يقولون إن في الوجود؛ أرضاً و سماءً و حجراً و حيواناً و إنساناً وغيرها علی سبيل الواقع و الحقيقة. و هم قائلون بثبوت الماهية حقيقة و واقعاً، لا مجرّد اعتبار و خيال.
أما الأدلّة الإلزامية المُدّعاة في إثبات إصالة الوجود؛ فسنوردها لک من منظومة ملا هادي السبزواري، و نجيب عنها واحداً بعد آخر، قال:
الأول: لأنه «يعني الوجود»منبع کل شرف».
اقول: الإستدلال يتضمّن مقدّمتين:
الأولی: أن کل شيء في الخارج ؛ هو خير و شرف.
و الثانية: إنه هو الوجود.
و هنا تکمن المغالطة، لنفرض أن کل شيء متحقق في الخارج؛ هو خير محض، لکنه لا يدل علی أنه هو الوجود، بل الشيء الواقعي يعني الواقع بما هو واقع؛ هو الخير و الشرف. فالقائلون بإصالة الماهية يقولون: إن منشأ الآثار التي هي في الخارج و الواقع؛ هي للماهية. فإذا کان ما في متن الواقع خيراً فمعناه أن الماهية هي الخير المحض، و لا يکون الوجود حينئذٍ منبع کل خير و شرف، بل سوف تکون الماهية هي التي لها هذا الإعتبار. و الحاصل في هذا الإستدلال نوع مغالطة و مصادرة علی المطلوب.
قالوا: بأن الوجود خير محض، و العدم شرّ محض من بديهيات الأمور.
أقول: إن الفلسفة بقسميها؛ الإشراقي و المشّائي، لا تعتمد علی العقل العملي، و لا تستدل به. فما عدا مما بدا في خيرية الوجود، و شرية العدم! إلا متابعة الفلاسفة اليونانيين حسب ما عرفت من أنهم جعلوا في مقابل الوجود؛ الخير، و اعتبروا العدم في مقابل الشرّ؟ و مع ذلک فهنا لک ملاحظات متعددة:
فمرادهم من الخير و الشرّ ليس واضحاً، بل له تفاسير و تعاريف متعددة، فکيف کان بديهياً؟
فهل الخير و الشرّ هما الکمال و النقص؟ أم الملائمة و المنافرة؟ أم الممدوح و المذموم؟ أم الشوق و عدمه؟ کما هو رأي ابن سينا أم الحب و الطلب و الإرادة- کما عبّر العلامة السيد الطباطبائي في نهاية الحکمة.و إذا أخذنا الأخير، فالخير هو إذاً؛ الشوق و الحب و الطلب، و الشرّ هو الکراهة و النفرة و البغض. قد فسّروا الشوق و الحب؛ بالملايمة، و فسّروا الکراهة و البغض : بالمنافرة، و فسروهما؛ بالکمال و النقض، و هما بالوجود و العدم.
و بالنهاية بعد رجوع الخير الی الوجود، و الشرّ الی العدم، تصبح النتيجة: إن الوجود هو الوجود، و إن العدم هو العدم. فالوجود خير محض صار معناه؛ الوجود وجود محض، و هکذا مقابله، و هو کما تری.
و هذا الإستدلال يتضمّن؛ إن الماهيات بما أنها متباينة الذات، و هي محفوظة و واحدة في الذهن و الخارج، إذاً لابدّ من القول بإصالة الوجود و اعتباريتها حتی نحتفظ بوحدتها في الذهن و الخارج.
و الجواب: إن هذا الإستدلال ليس برهاناً في المطلوب، بل مبني علی إيجاد حلّ لمشکلة فلسفية متوهَّمَة و هي: انه کيف تکون الماهيات المتباينة واحدة؟ و سوف يکون جوابهم حينئذ للقائلين بوحدتها؛ في الذهن و الخارج، و لا يکون دليلاً ملزماً لمن لا يقول بوحدتها في الذهن و الخارج؛ کالقائلين بشبحية الوجود الذهني. و اللطيف في الأمر أن القائلين بإصالة الوجود و اعتبارية الماهية، يفسرون الماهية؛ بالحدّ العقلي للشيء، أو بالقالب الذهني، و الذي هو عين القول بالشبحية و الصور. و علی
فرض أن الأشياء بماهياتها و أنفسها في الذهن؛ فقد أجاب القائلون بإصالة الماهية: من أنه لا ضرورة للإلتزام بإصالة الوجود، بل لابدّ من القول: من أن الماهية تختلف باختلاف الأمکنة و المواطن. فکما يقولون ذلک في الوجود؛ من أنه يختلف باختلاف المواطن و الأمکنة، فالوجود الخارجي منشأ الآثار الخارجية و الوجود الذهني يتبع الذهن، فمع فرض إصالة الماهية نقول: الماهية تابعة للذهن في تحققها، بخلاف الماهية الخارجية، فهي التي لها آثارها الخارجية. و التحقيق إن الوجود الذهني ليس إلا صورة الماهية و انعکاسها في الذهن، لا أنه عين الماهية و نفسها کما يقولون: من أنها محفوظة في الوجودين بنفسها. بل نقول لهم بصورتها، و هي شيء واحد لم يطرأ عليه أي اختلاف و الصورة محفوظة في الوجودين.
قال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: «و الموجود في الذهن إنما هو الصورة المخالفة في کثير من اللوازم». و علّق العلامة رحمه الله علی هذه العبارة « ... و التضاد إنما هو بين الماهيات، لا بين صورها و أمثلتها».
و العجب أنهم قد صرّحوا بذلک في تعريف العلم و قالوا: العلم حضور صورة الشيء أو انعکاس صورة الشيء في الذهن. و لم يقولوا حضور ذات الشيء، أو انعکاس ذات الحقيقة بجوهرها في الذهن.
و توضيح ذلک: إن ماهية الشيء مثل إنسانية الإنسان؛ لها جانب مفهومي و جانب مصداقي، أو ما يسمّی ب(العنوان و المُعنوَن) فالإنسان، العنوان، و الذي هو مرآة للمعنون؛ يعني المصداق الخارجي. عبارة عن مفهوم ذهني و مرآة للحقيقة الخارجية. و بذلک تجد التطابق بين العلم و المعلوم؛ يعني ما بالذات، و ما بالعرض. فالأنسان العنوان؛ مرآة للإنسان المعنون، و وجوده وجود مرآتي لاغير.
فالقائلون بإصالة الماهية لا يقولون إن هذا الوجود المفهومي أو المرآتي هو الأصيل، بل يقصدون الماهية بمعنونها المصداقي هو الأصيل، و هو الذي يکون منشاءً للآثار الخارجية.
و بذلک يتضح أن الوجود و الوحدة و الکثرة و العلية و المعلولية و أمثالها من المفاهيم التي اصطُلح عليها بالمعقولات الفلسفية الثانية(1). ليس لها تأصل خارجي، و إنما هي مفاهيم منتزعة بملاحظة نسبتها لأمر آخر. فالشيء بملاحظة انفراده و عدم انضمامه لشيء آخر ينتزع منه مفهوم الوحدة و ليس هذا المفهوم أمراً خارجياً متأصّلاً في الخارج. و کذلک الکثرة و العلية فمثلاً يلاحظ الشيء فاعلاً لغيره؛ فيسميه علّة، و يلاحظه منفعلاً من الغير؛ فيسميه معلولاً. و ليست العلية و المعلولية أمراً خارجياً متأصّلاً. و کذلک مفهوم الوجود بملاحظة نسبة الشيء لتحققه في الخارج؛ يسمی موجوداً، و بملاحظة عدمه في الخارج؛ يسمی معدوماً، فالوجود مفهوم انتزاعي و لا حقيقة له وراء حقائق الأشياء.
و هذا الدليل مبني علی استحالة التشکيک في الماهية، و جوابه:
أولاً: إن هذا الدليل جدل و إلزام کما هو الحال في الأدلّة السابقة و ليس برهاناً.
ثانياً: لا إشکال بالقول بالتشکيک في الماهية بالتقدّم و التأخر، و العلية و المعلولية.
و لا دليل علی امتناع التشکيک بالماهية؛ فالحرارة «مثلاً»لها عرض و عريض، و کما قالوا في الوجود نقوله في الماهية، والقائلون بامتناع التشکيک في الماهية يقولونه في الوجود؛ فإذا صحّ التشکيک في الوجود، فهو يصحّ کذلک في الماهية.
و هذا الدليل الإلزامي مبني علی أن الماهية لو کانت أصيلة؛ فاللازم بتفاوتها بالإشتداد أن يصبح لها أنواعاً غير متناهية. و الجواب:
إنه کما تری استدلالاً إلزامياً لا برهانياً ، و مع ذلک فهو ليس بصحيح لأنه:
أولاً: الأنواع غير المتناهية بالقوة لا بالفعل.
ثانياً: إصالة الماهية لا تستلزم عدم الماهية بالقوّة.
1) 67- و هي التي يکون فيها العروض في الذهن و الأتصاف في الخارج، حسب الإصطلاح.
والجواب: إن الماهية لها مرحلتان؛ مرحلة المفهوم، و مرحلة المصداق. فالماهية من حيث هي ليست إلّا هي، و نسبتها الی العدم و الوجود سواء. هذا في مرحلة المفهوم، و لا يمکن أن تنقلب، و لا إشکال في اختلاف مرحلتي المفهوم المصداق. و أما حمل الأشياء بعضها علی بعض؛ فهو ليس بلحاظ و اعتبار ضَمِّ شيء الی شيء، بل الموجودية التي هي العارض الخارج المحمول تنتزع و تحمل. و لو سألتم بأي شيء استحقّت الماهية حمل الموجودية؟
فالجواب: إن کان المقصود في السؤال هو الواسطة في العروض؛ فعلی فرض إصالة الماهية؛ لا واسطة في العروض، و إن کان المقصود في السؤال الواسطة في الثبوت؛ فهو بجعل الجاعل ،يعني الجاعل جعل لمفهوم الإنسان فرداً و مصداقاً، و يتضح ذلک بعد التدقيق و التفريق بين مرحلتي المفهوم و المصداق. فالماهية في مرحلة المفهوم تستوي نسبتها للوجود و العدم، و هي عبارة عن صورة الشيء و شکله لا ذات الشيء و کنهه.
و أما ذات الشيء فبالجعل الإلهي تصبح شيئاً، و تکون منشا للآثار الخارجية، و بعدم الجعل لا شيء حتی تستوي نسبتها للوجود و العدم، بل هي عدم محض. فالماهية بمعنی ذات الشيء؛ لابدّ أن تفرض متحققة و لو بالجعل، مضافاً لما مرّ التنبيه عليه؛ بأن مفهوم الماهية لا يعبّر عن الذات، و إنما يعبّر عن وجه من وجوه الذات، و صورة من واقع الذات، و هو يصحّ فرضه مع قطع النظر عن وجوده و عدمه.
قال: « لو لم يؤصّل وحدت ماحصلت». يعني لو لم نقل بإصالة الوجود؛ سوف لا تحصل وحدة بين الأشياء يصح بها حمل شيء علی شيء، و هو کما تری دليلاً إلزامياً لا برهانياً.
و جوابه: إن کل ذاتي متحد مع فرده، و کل عرض متحد مع معروضه؛ و هذا هو ملاک صحّة الحمل.
قالوا: «الماهية، لا جزئية و لا کلية».
و الجواب: هذا صحيح في مرحلة المفهوم، و أما مرحلة المصداق؛ فالماهية جزئية.
ثمَّ: إنه بما أن مصادبق الوجود مختلفة؛ إلا أن مفهوم الوجود واحد، و بما أن لا يجوز انتزاع مفهوم واحد من مصاديق مختلفة؛ إذاً هذا المفهوم مفهوم اعتباري، و إلا لما جاز صدقه علی کثيرين. و أما کون ما في الخارج من کثرة و تباين؛ فهذا من بديهيات الأمور حتی علی ألسِنة القائلين بإصالة الوجود؛ کما في عبارة السيد الطباطبائي، و ملاهادي السبزواري، مضافاً الی أن الوجود لو کان المراد منه نفس الحقيقة العينية و التي هي مختلفة المصاديق بالبداهة، إذاً لأصبح الوجود عبارة عن حقائق عينية مختلفة، و ليس حقيقة عينية واحدة.
و لا معنی لما قد يقال: من رجوع جهة الإختلاف الی مابه الإشتراک، و لا دليل عليه، بل هو عين المدّعی، و حينئذٍ بعد رجوع معنی الوجود الی حقائق عينية مختلفة،يعني کل هذه الحقئق تسمی بالوجود فإما أن يکون ذا معنی واحد مشترک بين الکل، فيرجع حينئذٍ الی معنی اعتباري انتزاعي، و أما أن يکون له معانٍ متعددة بتعدد الحقائق العينية، و يکون حينئدٍ من باب الإشتراک اللفظي، لأنه سوف يحکي المختلف و المتباين بما هو متباين.
فإن قلتَ: هذا خلط بين المفهوم و المصداق. قلتُ: بل الخلط من صاحب الإشکال حيث خلط بين الوجود بالمصطلح الأول وهو المعنیالکلي وبين الإصطلاح الثاني يعني ان المراد بالوجود نفس الحقيقة العينية،مع مافيه من المصادرة علی المطلوب.
ذکر الأستاذ محمد تقي مصباح في تعليقته علی نهاية الحکمة السيد الطباطبائي مانصه: (1)
« و إنما النزاع في أنه بعد قبول الوجود المحمولي، و الإعتراف بصحّة القضايا الهلية البسيطة، و بعد قبول أن حيثية الوجود غير حيثية الماهية؛ حيث أن الماهية لا يوجد في نفسها حيثية التحقق، و لذا يمکن سلب الوجود عنها. و بعد قبول تعدد الحيثية إنما هو
1) 68- تعليقة علی نهاية الحکمة:34.
في الذهن، و إلا فلا يوجد في الخارج حيثيتان متمايزتان تکون إحداهما بأزاء مفهوم الماهية، و الاخری بأزاء مفهوم الوجود. و إن زيادة مفهوم الوجود علی الماهية إنما هي في الذهن... أقول: بعد قبول هذه المقدّمات الثلاث يقع النزاع ...في الأصيل منها».
قلت: لقد أحسن الأستاذ مصباح في تقرير المطلب، و توضيح مفرداته و مختلف الإصطلاحات الموجودة. لکّنه في نفس فرضه هذا؛ لا معنی لوقوع النزاع في أيهما الأصيل، و ذلک لأنه فرض أن الماهية لا توجد في نفسها حيثية التحقق؛ و مراده هو الماهية، بمعنی القالب الذهني، و الحدّ المُنتزَع من الشيء، أو فقل صورة الشيء و مفهومه الذي يتصوّر مع قطع النظر عن وجوده و عدمه. و لا شکّ حينئذٍ باعتبارية هذا المعنی المفروض، و لا معنی لأن يسأل: «هل لمفهوم الوجود حقيقة عينية في الخارج بأزاء هذا المفهوم بحيث تکون هي المتصفة به ذاتاً و بلا واسطة في العروض، أو ليس في الخارج إلا الماهيات؟». لأنه يسمي التحقق الواقع في الخارج وجوداً؛ کما صرّح بذلک في تشخيصه لاصطلاحات الوجود؛ إذ قال: « إن المراد من الوجود نفس الحقيقة العينية». فإذا کان کذلک؛ فأي معنی للبحث عن إصالة الوجود بعد فرض أن الأصيل هو الوجود. و من هنا نقول للاستاذ: هذه مغالطة واضحة.
و قد تعرّض السيد الطباطبائي لإبطال قول الدواني القائل بإصالة الوجود في الواجب تعالی، و إصالة الماهية في الممکنات. و ردّ قوله بإصالة الماهية في الممکنات؛ باستحالة الإنقلاب من حدّ الإستواء قبل الإنتساب الی التحقق بعد الإننتساب الی الله جلّ و علا.
أقول: و جوابه يظهر مما تقدّم؛ بأنه ليس من الإنقلاب حيث أن مفهوم الماهية الذي هو مفهوم اعتباري هو الذي تستوي نسبته للوجود و العدم، يعني للذهن قدرة و قابلية علی تصوّر الأشياء مجرّدة بقطع النظر عن تحققها و عدم تحققها، و الذي هو الأصيل ذات الشيء و مايصدق عليه المفهوم و الذي يحکي عنه المفهوم، و الجعل الإلهي حصل لذات الشيء لا لمفهومه، و ذات الشيء لا يکون شيئاً إلا بالجعل و قبل الجعل عدم، لا أنه مستوي النسبة للوجود و العدم.
إلّا أن الأستاذ مصباح قال: إن الأحسن في جواب الدوّاني؛ بأن نقول: هذا الإنتساب هل هو من الإضافة المقولية، أو الإضافة الإشراقية؟ فإن کان من الإضافة المقولية، فهو ليس بصحيح، و إن کان من الإضافة الإشراقية؛ فيرجع ذلک الی القول بإصالة الوجود»(1).
أقول: إن هذا الإنتساب و هذه الإضافة لا من نوع الإضافة المقولية، و لا من نوع الإضافة الإشراقية. فالأولی باطلة کما هو واضح، و أما الإضافة الإشراقية؛ فهي مبنية علی القول بإصالة الوجود و وحدته، و إن صدور الممکنات من الباري تعالی إنما هو بإشراق وجوده. و هذا باطل في نفسه بعد مغايرة الواجب للممکنات، و عدم مجانسته لها.
بل الصحيح انه من نوع الإضافة الإبداعية؛ فالواجب تعالی أبدع الماهيات و أخرجها من کتم العدم الی التحقق، فهو فاطر الخلائق بعد أن کانت معدومة لاستحالة تعلق القدرة الالهية بالموجود لانه تحصيل للحاصل واستحالة تبدل الذات المقدسة وتطورها باشکال مختلفة کما هو مقتضی القاعدة العقلية القائلة :کل ما کان محلاً للحوادث فهو حادث،فلا بد من تعلق القدرة الالهية بالمعدوم لتخرجه الی الوجود.
کما قال أمير المؤمنين و سيد الموحدين (علیه السلام) في أول خطبة من النهج: « فطر الخلائق بقدرته» و کما في التنزيل: «فاطِرُ السَمَواتِ و الأرض». فهو تعالی ليس کمثله شيء: «و هو غير کل شيء لا بمزايلة، و مع کلّ شيء لا بمقارنة»(2).
وقد اوضح هذه القاعدة السيد البهبهاني رحمه الله حيث قال:
توضيح الامر «ان تغير الشيئ عن حال الى حال فعلاً او قبولاً ، كمايدل على عدم قدم الحال و إلاّ لم يقبل الزوال ،كذلك يدل على عدم قدم ذي الحال ايضاً، لان المتّصف بالاحوال المتغايرة لا وجود له إلاّ فيحال من الأحوال ، و يمتنع وجوده عارياً عن جميع الاحوال ضرورة انه لا يتشخص الّا باتصافه بحال من الاحوال و الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، كما انه مالم يوجدلم يتشخّص فلوفرض قدمه امتنع تغيّر حاله والاّ لزم تقوّم القديم بالحادث وبطلانه من اوائل البديهيات.
و هكذا الامر في المركب من اجزاء متماثلة او متخالفة فأن تغير كلجزء من الاجزاءِ بزوال التركيب فعلا او قبولا، يكشف عن حدوث حاله من التركيب او الافراد اذلوقدم احد الحالين امتنع زواله وانقلابه الى حال آخر ولا وجود للجزء الاّ فياحد الحالين ، فلوفرض قدمه لزم تقوّم القديم بالحادث.
والامر في المركب التحليلي بقسميه(1)اظهر فان الماهيّة في حد نفسها ليست الاّ هي ولاتكون شيئاً، وكذا الوجود المتحدمعها في الخارج مالم يتعيّن بالماهية وسائر المشخصات لايكون الامفهوماً محضاً ، فالموجود بجزئيه حادث فاقد للوجود ذاتاً وبمابيّناه يتبيّن ان القياس المذكور يرجع الى اربعة اقيسة اذكل قسم من اقسام التغير دليل مستقل على حدوث العالم وعدم قدمه(2).
وأما قول الدواني بإصالة الوجود في الواجب؛ فهو أيضاً ليس بصحيح، و يعلم جوابه مما مرّ بعد وضوح أن المراد من الوجود هو المعنی المنتزع من ثبوت الذات، و بعد وضوح معنی المراد من الماهية؛ و هو ما به الشيء هو هو، فذاته تعالی لا حدّ لها، و لا
نعلم کنهها، و ليسکمثلها شيء، و التي فوق ما نتوهم و نتصوّر: «لا تناله غوص الفطن، و لا تدرکه بُعد الهِمَم»(1).
و نعبّر عن هذا المعنی بالماهية و هو أصيل و لا محذور فيه.
و أما ماقيل من أن الماهية مرکبّة، فالجواب إن ماهية کل شيء، بحسبه. فلو فرضنا الترکيب في ماهيات الممکنات؛ لا يعني ذلک و لا يلزم منه أن ماهيته تعالی مرکّبة، و إلا فقل ماهيته مرکّبة من ذات لا حدّ لها و لا مثل و لاضدّ و لا ندّ و لا شريک و لا مجانس و لا ضير في ذلک.
و اما جواب السيدالطباطبائي عن هذا الاستدلال : «لو کان الوجود أصيلاً؛ لکان للوجود وجود، و يستلزم التسلسل»: بأن الوجود موجود بنفسه فليس صحيحاً و ذلک: أنا لو فرضنا أن الوجود هو الأصيل، و کان هو المتحقق في الخارج؛ فأما أن يحکم عليه بالوجود أم لا؛ و الثاني باطل؛ لاجتماع النقيضين، و الأول يلزم منه؛ أن يعرض الوجود علی الوجود، و الوجود العارض غير الوجود المعروض. و هذا العروض ذهني؛ حيث قسّموا المعقولات، و قالوا: بإن الوجود مما يکون اتصافه بالخارج، و عروضه في الذهن. و کونه موجوداً بنفسه؛ لا ينفي عروض الوجود عليه ذهناً بعد فرضه أصيلاً في الخارج. فإذا صحّ العروض الذهني له؛ کان الوجود عارضاً علی الوجود، و حينئذٍ؛ إما أن يکون الوجود العارض أصيلاً أم لا؛ و الأول يستلزم اجتماع المثلين، و الثاني يستلزم کون بعض أقسام الوجود اعتبارية. و ليس العارض أولی بالإعتبارية من المعروض، علی أنه لا يصحّ التفصيل في حکم العقل، فلا يمکن الفصل بالقول في کون الوجود العارض اعتبارياً و المعروض أصيلاً، فحکم العقل واحد لا تفصيل فيه.
1) 73- نهج البلاغة: الخطبة الاولی
و أما قوله: « لا يمکن انتزاع الواحد بما هو واحد من الکثير بما هو کثير». فالجواب: إنا لو فرضنا أن الوجود اعتباري؛ فلا إشکال بانتزاعه من الکثير بما هو کثير، لأن عالم الإعتبار غير عالم الحقائق و التکوينيات، فالذهن له تمام القدرة في التوهّم و الإعتبار و الانتزاع، و لا يلزم عليه محذورات قوانين الواقع، بخلاف مالو قلنا بأن الوجود هو الحقيقة المتأصلة في الخارج؛ فأنه يستحيل الخروج حينئذٍ عن قوانين الواقع.
قال السيدالطباطبائي: « و يتفرّع علی إصالة الوجود و اعتبارية الماهية».
أقول: بعد بطلان إصالة الوجود؛ تبطل کل التفريعات « التي ذکرها الطباطبائي و غيره»المبتنية علی إصالة الوجود. و من هنا تعرف أن الوجود لا يساوق الشخصية، فالوجود مفهوم عام صادق علی کثيرين.
قال العلامة الطباطبائي: «الحق إنها حقيقة واحدة في عين أنها کثيرة». و استدل علی ذلک «لأنا ننتزع من جميع مراتبها و مصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي،و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق کثيرة بما هي کثيرة غير راجعة الی وحدةٍ ما».
أقول: هذه الإستدلال عين المدّعی، و فيه من الخلط بين مفهوم الوجود، و حقيقة الوجود. فمفهوم الوجود واحد، و لا يمتنع انتزاعه من حقائق متعددة و متکثّرة؛ لأنه مفهوم اعتباري و لا إشکال فيه. و أما حقيقة الوجود؛ فلکل موجود هويته الخاصّة به لا تشترک فيه الأشياء الاخری و لا يشترک معها.
فالحق أن حقائق الوجود کثيرة و ليست کثرتها و همية،والدليل علی ذلک هو البداهة العقلية، کما أنه لا معنی لرجوع ما به الإمتياز لما به الإشتراک و بالعکس،فإن هذه التخريجات منافية لحکم العقل، و لا تنفعهم مثل هذه التوجيهات لتخريج حقائق الأشياء علی حقيقة واحدة بعد وضوح بطلانها عقلاً و وجداناً.
فالعقل يحکم بتعدد الأشياء و تخالفها؛ فهل يمکن الخروج علی حکم العقل بمحض اشتراکها تحت مفهوم واحد، و هو مفهوم الوجود؟ بل الحق أن يقال: إن تعدد الأشياء و تخالفها؛ أدل دليل علی أن مفهوم الوجود اعتباري، و حتی لو أتي بشبهة دليل؛ فهو شبهة قبال البديهة.
هذا و المشهور بين الفلاسفة المشّائيين و المتکلمين؛ هو کون الوجود غير قابل للشدّة و الضعف. إلّا أن الإشراقيين قالوا به، و تابعهم ملا صدرا في ذلک، علی خلاف قول المشّائيين و المتکلمين.
و قد أبطل المحقق الطوسي رحمه الله في تجريده، و تقرير العلامة الحلي رحمه الله له و بالإستدلال؛ القول بجواز الشدّة و الضعف في الوجود فراجع.
و يرد القول: بأن للوجود مراتب متعددة و أنه حقيقة مشککة إن هذه المراتب إما عين الوجود الحقيقي، أم غيره. و الأول: يستلزم وحدة الوجود الحقيقية و به صرّح ملا صدرا؛ و نتيجته أن لا فرق بين الممکنات و الواجب، و إن الکل هو وجود واحد، و إنه لا علّة و لا معلول، و ليس في دار الوجود ديار غيره علی حدّ تعبير ملاصدرا، و إن الشرک؛ عبارة عن الإعتقاد بوجود غيره تعالی؛ کما صرّح بذلک بقوله: و ويل للثنويين.
و أما الثاني: فيلزم منه تعدد الحقائق، و هو عين القول بالماهيات. فإن قلت: إن للوجود مراتب متعددة علی سبيل التشکيک مع حفظ وحدته. قلنا: إنه ادّعاء بلا دليل، و قول بلا برهان.
و بعبارة اخری: إن هذه المراتب إما أن تکون شيئاً واحداً، أو أشياء متعددة، فإن کانت شيئاً واحداً؛ فيلزم ما ذکرنا من محذور، و إن کانت أشياء متعددة؛ فيلزم تعدد الوجود؛ لأنه لا محالة من تقوّم الشديد بشدته، و الضعيف بضعفه، فيمتاز کل منهما عن الآخر. و ذلک عين القول بإصالة الماهية، و لم يکن هناک شيء واحد، بل أشياء متفاوتة، و حقائق متعددة، و القول بتعدد المراتب؛ بلا أن يقوّم الشديد مرتبته و لا الضعيف مرتبته؛ فهو نفي لتعدد المراتب، و تناقض بالکلام، و ادّعاء بلا دليل و لا برهان، و بذلک يظهر بطلان کون الوجود حقيقة واحدة مشککة. و لو کان کذلک«يعني له مراتب»و المفروض أن مراتبه حقيقية لا وهمية،فکيف يدّعي ملا
صدرا کونه حقيقة واحدة، و أن کثرته وهمية؟ و إذا کانت کثرته وهمية، فلا يمکن أن يجعل الوهم حقيقة. و أما أن يقال: بحقيقة المراتب؛ فيخرج عن کونه واحداً، و يصبح الوجود عبارة عن حقائق متعددة.
أضف الی ذلک: فقد ذکر السيد الطباطبائي في بحث معاني الإمکان: «إن الفرق بين الإمکان الذاتي و الإستعدادي إن الأول لا يقبل الشدّة و الضعف علی العکس من الثاني؛ لأنه صفة وجودية».
أقول: و الأمر لا ينحصر في الإمکان الذاتي، بل في کل المعقولات الفلسفية الثانية «و منها الوجود» التي عروضها في الذهن و اتصافها في الخارج؛ فهي اعتبار عقلي تحليلي لا تقبل الشدّةوالضعف.
ثم إنه ذکر السيد الطباطبائي تفريعات علی القول بان حقيقة الوجود واحدة.
أقول: بعد بطلان کون حقيقة الوجود واحدة؛ تبطل کل التفريعات المبنية عليها.
و قد رتبوا علی کون حقيقة الوجود واحدة امورا:
اقول هذا الادعاء اصله من اعتقاد السنخيّة بين العلة و المعلول باعتبار ان حقيقة الوجود واحدة فاذا قلنا ان الله سبحانه عزوجل يساوي الوجود و لايصدر منه الاّ الوجود فقد حافظنا بذلك على التناسب و التسانخ بين العلة و المعلول.
اقول: مضافاً الى ان اللازم من ذلك ان يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالی عن ذلك علواً كبيرا فجسمانيّة هذا العالم و ائتلاف بعضه بالبعض كما في اشتمال جسم الانسان على الروح و تخالف بعضه مع البعض الاخر كما في الذكورة والانوثة و ماديته و تلوّنه بالوان مختلفة وما الى ذلك من اختلافات و تنوعات يلزم ان يكون كل ذلك في ذاته عزوجل حتى نحافظ على السنخيّة بينه جل و علا و بينها فيلزم
ان يكون جل و علاجسماً ماديّاً مشتملاً على روح و روحه غير بدنه و الى اخره بل و يلزم ان يكون محدوداً لانها محدودة.
فان قلت: نعم كل ذلك موجود في ذاته جل و علا الاّ أنه من نوع عالم الالوهيّه و بنحو أتم وأرقى.
قلت : اولاً ما الدليل على ذلك؟
وثانياً: كيف يكون المجرد على تجرده «بمعنى انه غير محدود و لايتطرق اليه التحديد و فوق المادة» عين الوجود المادي وهو محدود؟ وهل هذا الا الجمع بين النقيضين والحاصل: اما ان نحافظ على تجرد المجرد و عدم محدوديته فهو جل و علا اذاً غير الماديات فلا سنخيّة اذاً بينها وبينه جل وعلا واما ان نقول انه تعالى عينها ونحافظ علىهذه القاعدة و هو خلاف البرهان العقلي القاطع الاتي من كونه جل وعلا لا يتطرق إليه الحد و لا يشتمل علی صفات المخلوقات.
و قد مرَّ بعض الكلام في الجواب عن ذلك و نزيد توضيحاً على ما مرَّ و نقول:
ما معنى الوجود حتى يكون الله جل و علا كل الوجود؟ هل المقصود مفهوم الوجود؟ ام حقيقته وكنهه؟ و اذا كان المقصود الكنه والحقيقة فما هي حقيقتة؟
وهل هي واحدة ام متعددة؟ فاذا كان المقصود: الاول «يعني المفهوم» فيستلزم انه «جل وعلا» صرف مفهوم وهو معلوم البطلان.
و اذا كان المقصود هو الثاني يعني «الكنه والحقيقة» فلم تنكشف حقيقته للفلاسفة(1)بل اعترفوا بالعجز عن ادراك كنهه وحقيقته وحينئذٍ فما دام انها غير
1) يقول ابن سينا « ان الوقوف على حقائق الاشياء ليس في قدرة البشر ونحن لا نعرف من الاشياء الاّ الخواص واللوازم ولا نعرف الفصول المقومة لكل واحد منها الداخلة على حقيقته الخ» الاسفار لملاصدرا ج ا ص391 انتشارات مكتبة المصطفوي
منکشفة فلا يمكن الحكم عليها نفياً ولا اثباتاً. نعم بعد انكشافها يمكن الحكم عليها وبذلك يظهر بطلان القول بان حقيقة الوجود واحدة استناداً الى ان مفهوم الوجود واحد.
هذا مضافاً الى وضوح بطلانه فايّ علاقة بين مفهوم الوجود وحقيقته؟ وهليصح ان يحكم بعد وحدة مفهوم الجسمية على ان حقيقة الماء والتراب « لانهما مشتركان بهذا المفهوم الواحد» شيئ واحد؟ واذا كانت حقيقة الوجود واحدة فمعناه ان حقيقة الانسان والشجر والبقر والمَلَك والخالق «استغفرالله» واحدة فلا فرق بين النبي والكافر والخالق والمخلوق والشيطان والانسان و... بل كلها شيئ واحدوهو مما تضحك منه الثكلى.
هذا و يعبر عنكونه «جل وعلا» كل الوجود بتعبير اخر وهو: «بسيط الحقيقة كل الاشياء وتمام الاشياء» و مرادهم من ذلك حسبتفسير صاحب التعليقة «انه جل و علا له كمالات الاشياء على وجه اتم مما هو موجود في الاشياء، و لا يجوز حمل شيئ من الاشياء ولا مجموعها عليه تعالى ولا بالعكس، اما ماهيات الاشياء فواضح لعدم تطرّق الماهية و المعاني الماهويّة الى ذاته سبحانه واما وجوداتها الخاصة فلو وقع حمل بينها وبين الواجب لاستلزم اتحاد الواجب بجهاتها العدمية ايضاً فالحمل في ذلك ليس ما يتعارف في المحاورات بل هو من قبيل حمل الحقيقة والرقيقة»(1).
اقول : والمراد من الجهات العدمية يفسره لنا السيد الطباطبائي وهو: ان كل هوية صحّ ان يسلب عنها شيئ بالنظر الى حد وجودها فهي متحصلة من ايجاب وسلب كالانسان مثلاً هو انسان و ليس بفرس في حاق وجوده وكل ما كان كذلك فهو مركب
1) تعليقة على نهاية الحكمه صفحه 424تأليف محمد تقي مصباح الطبعة الاولىمطبعة سلمان الفارسي الناشرمؤسسة في طريق الحق
من ايجاب هو ثبوت نفسه له وسلبٌ هو نفي غيره عنه ضرورة مغايرة الحيثيتين (ومعنى دخول النفي في هويّة وجوديّة «والوجود مناقض للعدم» نقص وجودي في وجود مقيس الى وجود آخر ويتحقق بذلك مراتب التشكيك في حقيقة الوجود وخصوصياتها ) وتنعكس النتيجة بعكس النقيض الى ان كل ذات بسيطة الحقيقة فانها لايسلب عنها كمال وجودي(1)ثم ان صاحب التعليقة يفسر لنا حمل الحقيقة والرقيقة فيقول: «انه حمل بعض مراتب الوجود المشكك بالتشكيك الخاصي وليس شيئ من مراتب الوجود عين اخرى بل المرتبة العالية مقومة للمرتبة الدانية و الدانية متقومة بها والعالية واجدة لكمال الدانية و الدانية عين الربط بها لا استقلال لها دونها»(2).
اقول : ولا تخفى مغالطاته و هي كالتالي:
المغالطة الاولى: انه لا تركب بين الامر الوجودي والامر العدمي ولو توسعنا في الاصطلاح فهو امر اعتباري اذاً وليس امراً حقيقياً.
المغالطة الثانية: لا معنى لدخول النفي في هوّية وجوديّة بل ولا يمكن ذلك و قد اعترف المستدل بذلك مستدلاً له بقوله «والوجود مناقض للعدم» لكنه اتى له بتفسير وهو: ان المراد من دخول العدم هو كونه نقصاًوجودياً في وجود مقيس الى وجود آخر.
اقول: ولا يخفى ان النقص ايضاً عدم فالحاصل ان معنى دخول النفي هو دخول النقص فالنتيجة ان هوية الانسان مثلاً مركبة من ثبوت نفسه له ومن هذا النقص الوجودي المنتزع من ملاحظة الشيئ بالقياس الى غيره وكما لا يخفى انه عدمي فالنقص هو عدم في نفسه وكذلك الامر الانتزاعي ايضاً عدمي واعتباري والحاصل ان ما جاء به من تفسير لهذا العدم لايتكفل حل مشكلة استحالة اجتماع النقيضين «الوجود والعدم».
المغالطة الثالثة:
انا لو سلمنا حصول التركب بين الامر الوجودي والامر العدمي فهو اذاً حاصل حتى بالنسبة الى الذات الالهية المقدسة وذلك فانه جل و علاغير مخلوقاته فهو محدود بهذه الجهات العدمية فان قلت: لاسبيل للعدم الى ذات(1)قلنا: نعم لاسبيل للعدم الى ذاته جل و علا لكن لاربط له بالمقام فنحن ننفي عن ذاته غيرها كالجسمية والانسانية والشجرية ووو فكما قلتم ان الانسان غير الفرس والفرس غير الشجر وقلنا ان هويّة هذه الاشياء قد تركبت من امر وجوديّ وهو ثبوت نفسه له، وامرٌعدمي و هو نفي غيره عنه فالذات الالهية المقدسة ايضاً كذلك فهي ليست بجسم ولاروح ولاعقل ولا مادة ولاانسان ولاشجر ولاملك ولا ولافقد تركبت ذاته من امر وجوديّ وآخر عدمي وهذا التركب لاضير فيه بالنسبة للذات المقدسة الالهية لانه اعتباري واصطلاحي لاحقيقة وراءه هذا اولاً.
وثانياً: ان التركب المستحيل في ذاته هو ما كان في الذات لا ماكان خارجاً من الذات وهنا التركب قدجاء من ملاحظة امرخارج عن الذات.
والحاصل: عدم صحة النتيجة المأخوذة من هذا الاستدلال وهو ما قال « وتنعكس النتيجة بعكس النقيض الى ان كل ذات بسيطة الحقيقة فانها لايسلب عنها كمال وجودي» وعدم صحتها لاجل عدم وجودمصداق لها فان المراد من الذات البسيطة هي الذات التي لايتطرقها العدم وقد عرفت ان اللازم على هذا التفسير الجديد للتركب تطرق العدم الى كل شيئ .
المغالطة الرابعة: ان اللازم من هذا الاستدلال هو ان كل ذات وهويّة غير متحصلة من ايجاب وسلب فلا يسلب عنها شيئ بالنظر الى حد وجودها. لا انه لا يسلب عنها كمال وجودي(2)ففرق بين الامرين ونتيجةُ الاستدلال ثبوت كل الاشياء له لا ثبوت
1) نهاية الحكمة صفحه 276
2) ان المستدل قد استدل بعكس النقيض الموافق وهو عبارة عن «تبديل نقيضي الطرفين مع بقاء الصدق والكيف» فالموجبة الكلية تنعكس بعكس النقيض الموافق الى موجبة كلية مثل: كل كاتب انسان الى كل لاانسان لاكاتب.(راجع المنطق للمظفر ص 178 الناشر دار التعارف 1980م) وهنا الاصل هو: ان كل هوية صحّ ان يسلب عنها شيئ بالنظر الى حد وجودها فهي متحصلة من ايجاب وسلب. وعكسه هو: ان كل ذات وهويّة غير متحصلة من ايجاب وسلب فلا يسلب عنها شيئ بالنظر الى حد وجودها.لا ما قال المستدل ان كل ذات وهويّة غير متحصلة من ايجاب وسلب فلا يسلب عنها كمال وجودي وبذلك تظهر المغالطة.
كل الكمالات له ولازم ذلك اتحاد الذات الالهية المقدسة «تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً» مع باقي الوجودات لانه لا يسلب عنه شيئ فلايسلب عنها الانسان والمَلَك والشجر والشيطان والمادة والجسميةو...قد اعترف بهذا اللازم نفس المستدل(1)لكنه فرَّ من هذا المأزق بكون الحمل ليس من نوع الحمل المتعارف بل هو نوع اخر جديد باسم حمل الحقيقة والرقيقة.
اقول: ملاك الحمل هو الاتحاد في المفهوم او في الوجود والاول يسمى بالحمل الاولي او حمل هو هومثل الانسان حيوان ناطق والثاني مثل حمل الناطقية على الانسان الذي يسمى بالحمل الشايع فحيث ان الانسان والناطق يلتقيان في الخارج في مصداق واحد صح الحمل بينهما والحاصل انه لولا الاتحاد بين شيئين لا يمكن الحمل هذه هي حقيقة الحمل.
واختراع قسم جديد للحمل اصطلاحاً واعتباراً لايُغيّر من الواقع شيئاً فالواقع لا يتبدل اذا ما غيّرنا الاصطلاح فما جاءبه من استدلال «على فرض صحته» نتيجته ان الحقيقة البسيطة لا يسلب عنها اي شيئ فهي اذاً متحدة بكل الاشياء وهي اذاً تمام الاشياء.
فاذا قلت اتحادها هنا ليس من نوع الاتحاد المتعارف فهذا نقض اولاً للنتيجة الحاصلة من الاستدلال لان الاستدلال ان كان صحيحاً فلا يجوز نقض نتيجته وثانياً ما الدليل على وجود حمل لايستبطن الاتحاد بين شيئين باسم حمل الحقيقة والرقيقة
1) نهاية الحكمة صفحه 276 وتعليقتها صفحه 424
والذي قد تقدم تفسيره عنهم؟ فبمجرد الادعاء ومجرد اختراع اصطلاح لا تنحل المشكلة الفلسفية والحاصل اما ان يكون حمل بين الذات الالهية وساير الاشياء كما هو مقتضى الاستدلال المذكور فيلزم كونه جل و علا كل الاشياء وهو امر مضحك وقد تقدم بطلانه واما ان لا يكون حمل في البين فحينئذٍ بطلت نتيجة استدلالهم.
هذا وما في الاستدلال من التعرض لمراتب الوجود وانه مشكك وان المراتب الدانية عين الربط للمراتب العالية قد مر الكلام عنها و مرّ بطلانها.
الامر الثالث: كونه «جل وعلا» صرف الوجود فنحيل الكلام فيه الى الاستاذ مصباح اليزدي حول ما استدل في اثبات الذات المقدسة الالهية «من ان حقيقة الوجود الصرفة واحدة لا تتثنى فان كانت واجبة فهو المطلوب وان فرضت ممكنة لزم كونها متعلّقة بالغير فيلزم ان يكون وراء هذه الحقيقة الصرفة حقيقة اخرى تتعلق هذه الحقيقة بها مع ان الصرف لا يتثنى».
فقال في جواب المستدل «ان ما ثبت بالابحاث الفلسفية هو اصالة الوجود وكونه ذا مراتب واما انّ هناك حقيقة صرفةً لا يخالطها ماهيّة وليس لها حد عدمي وانها غير قابلة للتكثّر فليست ببينة و لا مبيّنة في البرهان و ربما يقال في تبيين ذلك انّ الوجود امّا انيكون صِرفاً خالصاً من شوب عدم وماهيّة فهو المطلوب وامّا ان يفرض مختلطاً بالعدم محدوداً بحدود تنتزع عنها الماهية فيلزم اختلاط الوجود بغير الوجود في حاق الاعيان و هو باطل على القول بأصالة الوجود.
و يلاحظ عليه: أنّ صرافة حقيقة الوجود بمعنى عدم شوبها في الواقع بالعدم لا ينفي كثرة المراتب فان كل مرتبة منه وان كانت في غاية الضعف ليس في متن الواقع الاّ وجوداً و انما ينتزع الذهن منها مفاهيم عدميّة ولا يعني ذلك تحقق العدم في حاق الاعيان واختلاطه بحقيقةالوجود وقد عرفت تصريح الاستاذ في الفصل الثاني من المرحلة الاولى بان تكثر الوجود امر بديهي وقد اخذه مقدمة اُولى لاثبات التشكيك في حقيقة الوجود واما الصرافة بمعنی اللاتناهي المطلق وعدم المحدودية
بحدود ما هويّة وكونه بحيث لاينتزع الذهن مفاهيم عدميّة وماهويّة عنه فهو يختص بوجود الواجب جل وعلا وهو الذي يُطلب بهذا البرهان والحاصل ان التقرير الخلفيّ لايتم الاعلى قول الصوفيّة ويؤول الى المصادرة بالمطلوب انتهى كلامه(1)وحاصله امور:
الامر الاول: ان للصرافة معاني ثلاثة: الاول: الحقيقة التي لا يخالطها ماهيّة و ليس لها حد عدمي و انها غير قابلة للتكرر والتكثر.
الثاني: الشيئ الذي لايشوبه في متن الواقع العدم.
الثالث: اللاتناهي المطلق و عدم المحدودية بالحدود الماهويّة بحيث ينتزع الذهن عنه مفاهيم عدميّة و ماهوّية.
الامر الثاني: انه لا دليل ولابرهان على كون حقيقة الوجود صرفة لا يخالطها ماهية وغير قابلة للتكرر والتكثر.
الامر الثالث: اننا لو قلنا بكون حقيقة الوجود صرفةً واحدةً لا تتثنى فلا شك في كون لازم ذلك هو قول الصوفية من كون الوجود و الموجود حقيقة شخصيّة واحدة و هو امرٌ باطل.
الامر الرابع: ان الاستدلال في اثبات وجوده جل و علا المعتمد على برهان الخلف ليس بصحيح الاّ اذا قلنا بقول الصوفية من وحدة الوجود و الموجود و هو استدلال باطل لانه دوريّ يعني : ان الدليل عين المدعى فالدليل هو ان هنالك حقيقة صرفة واحدة لاتتثنى والمدعى هو ذلك ايضاً.
الامر الخامس: ان المعنى الثاني من الصرافة لا يتنافى مع كون الوجود ذا مراتب متعددة وذلك لان كل مرتبة منه وان كانت في غاية الضعف ليست في متن الواقع الاّ
1) تعليقة على نهاية الحكمة صفحه 411الى 412
وجوداً وانتزاع الذهن منه مفاهيم عدمية لا يعني ذلك تحقق العدم في حاق الاعيان واختلاطه بحقيقة الوجود.
الامر السادس: انه بعد القول باصالة الوجود و بداهة تكثر الوجود لابد من القول بان حقيقة الوجود مشككة و معناه ان للوجود مصاديقمتفاوتة بالمرتبة في صدق الوجود عليها وتفاوتها من جهة الشدة والضعف.
الامر السابع: ان المعنى الثالث من الصرافة مختص بالذات الالهية المقدسة.
اقول: اولاً: قد تقدم ان الوجود مفهوم كليّ اعتباري و عليه فلا اثر لهذه المعاني المتعددة للصرافة فسواء اخذنا المعنى الاول او الثاني او الثالث فلا يتفاوت الحال في ذلك.
ثانيا: ان المعنى الثاني يصدق على الاول والثالث فهو يصدق على الشيء الذي لاتخالطه الماهية و ليس له حد عدمي ولاتكثر ولاتكرر فيه كما يصدق على غير المحدود و اللامتناهي لكن المعنى الثالث في نفسه بعيد عن معنى الصرافة فصرف الشيء لا علاقة له بعدم المحدودية او اللامتناهي فينحصر معناها بين الاول و الثاني و قلنا ان الثاني صادق على الاول, و اما الاول فبالتحليل يرجع الى الثاني ايضاً لان الماهية «بناءً على اصالة الوجود» امر اعتباريّ فهي عدمية و قد عرفت ان الامر الوجودي لا يختلط بالعدمي ابداً لاستحالة اجتماع النقيضين فاذاً كل وجود لا يمكن ان تخالطه الماهية «بناءً على اعتباريتها وان الاصالة للوجود». كما ان الوجود «بناءً على وحدة حقيقته» يناقض العدم فليس في ذاته حد عدمي لاستحالة تركب الوجود من نفسه ونقيضه كما وانه بناءً على وحدة حقيقة الوجود لا تكثر و لا تكرر فيه والحاصل هو لزوم قول الصوفيه.
فان قلت :ان للوجود مراتب متفاوتة قلت: ما الدليل على ذلك بعد البناء على اصالة الوجود وان حقيقته واحدة؟
فان قلت: الدليل هو بداهة تكثر الوجود قلت: ان هذا التكثر باي شيء حاصل؟ فان حصل بنفس الوجود فالوجود امرٌ واحد فكيف يمكن حصول التفاوت بما لا تفاوت فيه؟ و ان حصل بشيء خارج عن الوجود فالجواب انه لاشيء خارج عن الوجود وكل ما هو خارج عنه فهو عدم ولا يمكن عقلاًتأثير العدم في الوجود والاّ لآل الى اجتماع النقيضين.
فان قلت: ان تفاوته لاجل كون الوجود ذامراتب في نفسه.
قلت: هذا دور لأننا نريد الدليل على كون الوجود ذا مراتب فاصبح الدليل عين المدعى.
ثالثاً: ان بداهة تكثر الوجود لا توجب القول بكونه ذا مراتب فان التكثر لايكون الاّ بالتغاير الوجودي بين الاشياء و لا يمكن ان يكون التكثر بالامور العدميّة وقد اعترف بذلك المستدل و عليه فلا يكون الوجود حقيقة واحدةً وبذلك يظهر عدم امكان الجمع بين القول بوحدة الوجود حقيقةً والقول بتكثر الوجود فانه جمع بين النقيضين.
و الحاصل: اما ان نقول بوحدة الوجود الحقيقيّة و لابد من التسليم لقول الصوفية من كون الوجود و الموجود حقيقة شخصيّة واحدة و لا تعدد فيها و امّا ان نقول بتكثر الوجود و حينئذٍ لابد من التسليم بان حقيقة الوجود ليست واحدة و الاّ لماحصل التكثر فان التكثر لا يكون بالعدميات كما اعترف به الخصم،وبذلك يظهر بطلان القول بان للوجود مراتب متعددة وانه مقول عليها بالتشكيك.
و أما مسألة إعادة المعدوم؛ فالحق عدم کونه مستحيلاً، و إن عدّ الشيخ ابن سينا امتناع إعادة المعدوم من الضروريات، و کلامه واضح البطلان. فالضروري ما لا يختلف فيه إثنان فکيف بما لا يتفق عليه أکثر العقلاء يسمّيه ضرورياً؟
و تبقی هنا نقطة مهمة و هي أنه هل إن الزمان جزء من ذات الشيء، و بُعد من أبعاده؟ فزيد له طول و عرض و عمق فهل إن الزمان بُعد واقعي للشيءام لا؟
الجواب واضح بعد حکم العقل والوجدان من عدم کون الزمان بُعداً واقعياً للشيء، فيجوز إذاً إعادة المعدوم ،وعلی فرض کون الزمان بعدا واقعيا فالله قادر علی اعادة المخلوقات مجردة عن الزمان .
و أما ما ذُکر من الحجج و جعلوها تنبيهات فقالوا:
أولاً: لو جاز ذلک للزم تخلل العدم بين الشيء و نفسه.
و جوابه: لا محالية في ذلک بعد تجريد الشيء عن الزمان، و ذلک فإن قوام تشخّص الشيء بماهيته، و عليه فلا امتناع من إعادة المعدوم فإن اللهجل وعلا يعيد الماهية التي انعدمت، و هي واحدة قبل الإنعدام و بعد الإعادة. و حتی علی القول بان قوام التشخّص هو بالوجود فما المانع من إعادة ذات الوجود السابق فالذي هو قادر علی إعدامه لِمَ لا يکون قادراً علی إعادته؟.
هذا مضافاً الی انه لااستحالة في تخلل العدم بين وجود الشئ حدوثاً ووجود الشئ بقاءاً.
ثانياً: قالوا: يلزم منه إيجاد الموجود و هو مستحيل.
و جوابه: بالفرق بين إيجاد الموجود، و إيجاد المعدوم.
ثالثاً: استدلوا بما يرجع الی جعل الزمان؛ بُعداً واقعياً للشيء، و قد عرفت جوابه.
رابعاً: استدلّوا علی الإمتناع؛ إنه لأمر لازم لوجوده، لا لماهيته.
أقول: بعد بطلان إصالة الوجود، و إنه أمر اعتباري، و إن الزمان لا يشکّل بُعداً من حقيقة الشيء؛ يتضح أنه لا امتناع في الإعادة، مادام أن الإمتناع «کما قالوا» لا لماهيته بل لوجوده.
هذا وقد اجاب المحقق السيد شبر رحمه الله عن ذلک بعد ذکر شبهاتهم بقوله:«ثم ان القائلين بامتناع اعادة المعدوم قد اتوا بادلة واهية.
منها: انه لو جاز اعادة المعدوم جاز اعادة وقته الاول اذ هو من المشخصات وذلک يقتضي کون الشئ مبتدء من حيث انه معاد وهو باطل.
ومنها: انه يفضي الی صدق النقيضين من المبدء والمعاد عليه دفعة وهو باطل.
ومنها: ان زمان الابتداء و الاعادة يجب ان يکون واحداً للماهية و الوجود فلا فرق بينهما الّا بوجود الاول في زمان و الثاني في غيره فيکون للزمان زمان ويلزم ايضاً اعادته فينقل الکلام اليه و يتسلسل.
ومنها: ان العدم المتخلل بين المبدء والمعاد يقتضي اما تغايرهما او تخلل العدم بين الشئ ونفسه وکلاهما باطل اما الاول فلانه خلاف المفروض واما الثاني فبالبديهة.
ومنها: ان المعدوم ليس له هوية ثابتة فتمتنع الاشارة العقلية اليه فلا يحکم عليه بصحة العود.
والجواب عن الثلاثة الاول: ان الزمان ليس من المشخصات وادعاء ذلک سفسطة و حکي ان بعض تلامذة ابي علي سينا کان مصراً علیذلک فبحث مع استاذه فيه فقال الاستاذ لا يلزمني جوابک لاني غير من کان يباحثک. علی ان المجوزين قائلون بان الزمان اعتباري لاتحقق له في الخارج فالتسلسل فيه جائز.
وعن الرابع: انه لوتم لدل علی امتناع بقاء شخص ثلاثة ساعات لتخلل الوسطی بين الشئ و نفسه.
وعن الخامس: ان الصحة بمعنی عدم الامتناع فيحکم بها عليه کما يحکم علی الامور العدمية بالامور العدمية»(1)
هذا والمعاد عند الفلاسفة قضية غير اختيارية بل هو عبارة عن انقباض الذات الالهية کما ان حصول العوالم عبارة عن انبساط الذات الالهية ولذا يستحيل کون المعاد جسمانياً عندهم وان قال بعضهم بکون المعاد روحياً فهو مقدمة عند اخرين للقيامة الکبری بمعنی الاندکاک المطلق في الذات الالهية فراجع اسرار الايات لملا صدرا.
ثمّ الکلام عن شخصية الإنسان الواقعية هي التي تعاد أم لا، لا الکلام عن الروح، فليس الإنسان روحاً مجرّدةعن البدن بل الإنسان روح و بدن، فهذه الشخصية بهذه الخصوصية سوف تُعاد يوم البعث و إن بقيت روحاً في عالم البرزخ. و هنالک أحوال
1) - حق اليقين ج2ص52
و أهوال قبل يوم القيامة ذُکرت في الآيات و الروايات کفناء العالم بکله و اجمعه يقول مولانا اميرالمؤمنين (علیه السلام) « ... هو المفني لها بعد وجودها حتی يصير موجودها کمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها باعجب من انشائها و اختراعها... و ان الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لاشيء معه کما کان قبل ابتدائها کذلك يکون بعد فنائها بلا وقت و لا مکانٍ ولا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الاجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلا شيء الا الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور بلا قدرة منها کان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها کان فناؤها..ثم يعيدها بعد الفناء..»(1)فما انکره الطباطبائي من عدم الفناء و العدم مخالف لما نطقت به الآيات و الروايات، و الحمد لله أولاً و آخرا.
هذه نظرة سريعة حول القسم الثاني من مباحث الفلسفة، و التي تتعرّض لاقسام الوجود من قبيل؛ الوجود الذهني و الخارجي ، والواجب و الممکن، و الحادث و القديم، و الرابط و المستقل، و الثابت و السيال، و قد مرّ عليک الکلام في اصول المعرفة في البحث عن الوجود الذهني و إنه عبارة عن صورة الشيء لا ذات الشيء. و يبقی الکلام حول بعض موضوعات الفلسفة في هذا القسم و بشکل مختصر و سريع.
والمهم فی هذه البحث هو انه هل يمکن ان يکون الممکن قديما ام يستحيل ذلك؟
وقد ادعت الفلسفة بانه لا مانع من ان يکون الممکن قديماً و ازلياً فلا تنافي بين امکان الشئ وازليته اقول: لاتخفی هذه المغالطة فانه من الممتنع عقلاً ان يکون الممکن
1) نهج البلاغة خطبه 186
قديماً و ازلياً و ذلک ان المراد بالممکن هو الموجود بالغير فاذا فرض کونه ازليا کيف يکون موجودا بالغير بل هو هو من الازل و اللازم من ذلک اجتماع النقيضين و هما الحدوث و الازل والحاصل ان الامکان يساوي الحدوث مضافا لذلک انه يلزم منه تعدد القدماء و قد ورد هذا البرهان في بيانات الأئمة الاطهار عليهم السلام حيث استدلوا علی استحالة ذلک:
1 - يقول الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل، (اقول: و هو المعبر عنه بالممكن) فيكون بوجوده بعد عدمه، دخول في الحدث ( اقول: و ذلك لأن وجود الممكن وحدوثه متلازمان عقلاً بدليل استحالة اجتماع النقيضين کما قال (علیه السلام) ) و في كونه في الأزل دخوله في القدم، و لن تجتمع صفة الأزل و الحدوث، و القدم و العدم في شيء واحد.(1)
2 - و يقول الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : و لوكان قديما لكان إلها ثانيا.(2)
اقول: و قد دلت الادلة العقلية علی استحالة تعدد القدماء.
3 - و يقول الإمام الرضا (علیه السلام) :
الحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع(3). اقول: ان التباين الذاتي بين الخالق والمخلوق لاجل ان ذاته تعالی يمتنع عليها کل الصفات الامکانية التي هي مجعولة وحادثة وان امکان ذوات الخلائق مما يمتنع عليه جل وعلا لنفس السبب السابق و هو اجتماع الحدوث و القدم و الوجود و العدم في شئ واحد.
4 - و يقول (علیه السلام) ايضا: كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، وكيف ينشيء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت فيه آية المصنوع ولتحول دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه.(1)
5 - و يقول الإمام الصادق (علیه السلام) : فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها.(2)
6 - و يقول الإمام الرضا (علیه السلام) :
... ليس في محال القول حجة... ولا في إبانته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى... (3)
7 - و يقول الإمام الرضا (علیه السلام) :
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادةالعقول أن كل صفة و موصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة و موصوف بالاقتران، وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس اللّه عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه (4)
8 - و يقول الإمام الصادق (علیه السلام) : فبما يستدل على أن أحدهما خالق لصاحبه؟!!(5)
9- و يقول الإمام الرضا (علیه السلام) : لأنه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن يزل معه؟!(1).
10- و يقول الإمام الباقر (علیه السلام) :
... لو كان أول ما خلق من خلقه، الشيء من الشيء لم يكن له انقطاع أبدا، ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء ليس هو يتقدمه، ولكنه كان لا شيء غيره ...
11- و يقول الإمام الرضا (علیه السلام) :
بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له... ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد... مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها.(2)
12- و يقول (علیه السلام) ايضاً: ومن عده فقد أبطل أزله.(3)
ادّعی قسم من الفلاسفة: أن الوجود ينقسم الی ثابت و متغير؛ يقول السيد الطباطبائي في آخر بداية الحکمة: «و لما کان هذا العالم متحرکاً بجوهره، سيالاً في ذاته؛ کانت ذاته عين التجدد و التغير، و بذلک صح استناده الی العلة الثابتة. فالجاعل الثابت جعل المتجدد، لا أنه جعل الشيء متجدداً حتی يلزم محذور استناد المتغير الی الثابت، و ارتباط الحادث بالقديم» انتهی. و هو کلام واضح في استحالة جعل الشيء متجدداً لأنه يلزم منه التغير و التجدد في علته الثابتة، بناء علی قانون السنخية بين العلة و المعلول الذي ستعرف بطلانه فيما سيأتي.
فالمجردات ثابتة و مستقرة حسب راي الفلاسفة بخلاف الماديات؛ فإنها في حالة تجدد و تغير دائم و مستمر، و هو ما يسمّی: بالحرکة الجوهرية، فإنه ادّعی أن
الماديات؛ عين الحرکة و السيلان. و يبتني هذا الإدّعاء علی إصالة الوجود، أولاً؛وعلی القول بثبوت الحرکة الجوهرية ثانيا وقد عرفت بطلان القول باصالةالوجود.
و اما الحرکة الجوهرية فلابد من توضيح أنواع الحركة حتی يتضح الجواب عنها فنقول:
الحركة علی المشهور على أربعة أنواع:
1- الحركة الكمية: وهي التغيّرات المقدارية الحاصلة للشيء مثلا الشجرة الصغيرة تنمو وتكبر فهذه الزيادة في المقدار والوزن والحجم للشجرة هي نتيجة الحركة الكمية للشيء.
2- الحركة الكيفية: وهي التغيّرات الكيفية للشيء مثل تغيّر اللون والطعم والحرارة و... فهذه علائم الحركة الكيفية في الأشياء.
3- الحركة الايّنيّة: وهي حركة الأشياء وانتقالها من مكان إلى آخر مثلا من هذه النقطة إلى نقطة أخرى.
4- الحركة الوضعية: وهي حركة الشيء حول نفسه كما في حركة الأرض حول نفسها.
طبعا هنالك نقاشات واردة على الحركة الكمية وقد أجيب على تلك الإشكالات ويرى البعض انّ الحركة الكمية ليست حركة بل هي عبارة عن ضم شيء إلى شيء وحول امثلة الحركة الكيفية ايضا هنالك نقاشات إلاّ إننا لسنا بصدد بيان ذلك.
5- هنالك حركة اخرى خالفها بشدة بعض القدماء «من جملتهم أبوعلي ابن سينا» وهنا لك البعض مثل ملاصدرا اصر على ثبوتها وهي الحركة الخامسة الحركة الجوهرية.
يقول ابو علي ابن سينا: « أمّا الجوهر فانّ قولنا انّ فيه حركة هو قول مجازي فانّ هذه المقولة لا تعرض فيها الحركة»(1).
ويقول ايضا:
أمّا حول تغيير المواد إلى مواد اخرى يعني ذهاب الحالة الأولى ومجيء حالة ثانية فهذا ما يسمّى بالكون والفساد لا الحركة.
كذلك يقول ابن سينا: انّه لابدّ في كلّ حركة من موضوع ثابت «بلا فرق بين الكم أو الكيف أو الأين أو الوضع» ولابدّ في تحقق حركة هذا الموضوع الثابت من شروط: المبدأ وهو ما منه الحركة، والمسير وهو ما فيه الحركة، والمنتهى وهو ما إليه الحركة.
يقول ابن سينا انّه لا يوجد في الحركة الجوهرية موضوع ثابت فانّ المفروض: انّ الحركة في جوهر الشيء يعني انّ حقيقة الشيء في حركة إذن فليس هنالك موضوع ثابت وإذا لم يكن هنالك موضوع ثابت فلا معنى لإطلاق الحركة على هذا الأمر.
ويقول ملاصدرا: موضوع الحركة ثابت و هو الطبيعة النوعية و بتعبير اخر، المادة الأولى للشيء أو الهيولى التي تتقبل كلّ صورة و ذلك هو الموضوع الثابت للحركة الجوهرية.
اقول:جواب ملاصدرا يحتاج الی:
1- اثبات ا ن الطبيعة الکلية يمکن ان تکون موضوعاً للحرکة اولاً.
2- و الی اثبات الماده الاولی للاشياء او ما يسمی بالهيولی ثانياً.
و کلاهما مما لا يساعده الدليل و البرهان فالکلي لا وجود له في الخارج فکيف يکون موضوعاً للحرکة واما فکرة الهيولی او المادة الاولی فالقول بها يستلزم تعدد القدماء و هو خلاف التوحيد الالهي و قد قامت البراهين العقلية علی وحدة القديم
1) - الشفاء، 43/1 اول الفصل الثالث من الفنّ الأول من طبيعيات الشفاء.
و انه لا تعدد فيه مضافا الی بطلان ذلک فی نفسه کما تقدم من امتناع کون الممکن و المحدود قديما عقلا.
ثم إنه قد ثبت بالبرهان العقلي القاطع؛ إن الذات الإلهية المقدّسة لها الکمال المطلق، و القدرة المطلقة، و لا يعجزها شيء، و لا يمتنع علی الذات المقدّسة جعل الوجودات الماديةبلا ان تکون عيناً للحرکه والتجدد بعد عدم کونه مستحيلا عقلا.
وأما ما يستدل للحرکة الجوهرية؛ فأهمّه ما يرتبط بإثبات الزمان و هو: «و إذا کان الکم عرضاً فله موضوع »الی ان قال: «فالزمان موجود و ماهيتّه إنه مقدار متّصل غير قار عارض للحرکة»(1).
و فيه: أن ماهية الزمان أعم مما ذُکر، فالمذکور إنما هو حدّ لصنف من أصناف الزمان و هو العارض للحرکة العارضة للمادّة. فالزمان هنا من توابع أحکام المادّيات، و الفلسفة حسب الفرض تبحث عن الموجود بما هو موجود. فاللازم في الفلسفة البحث عن الزمان لا من زاوية الماديات،بل من زاوية الوجود الذي يضمّها و غيرها. و الملاحظ علی الفلسفة؛ الخلط بين قوانين المادّة و قوانين الواقع، فيجعلون من قوانين المادّة قوانين للواقع، و الفرق بينهما واضح؛ فقوانين المادّة مجعولة بخلاف قوانين الواقع، ليست مجعولة بل لا تصل إليها يد الجعل. و عليه فيمکن أن يتصوّر للزمان فردان آخران و هما:
أولاً: ما يمضي عليه زمان و هو باق بذاته بلا حرکة. و هذا و إن لم يکن له فرد في الخارج حسب علمنا، إلا أنه فرد من أفراد الزمان، و هو هنا عبارة عن مقدار لبث الشيء، و معروضه هنا اللبث لا الحرکة.
فإن قلتَ: کل جسم متحرّک في جوهره؛ کما هو مقتضی الحرکة الجوهرية.
1) 96- نهاية الحکمة: 214.
قلتُ: و حيث أن ثبوت الحرکة متوقفة علی ثبوت الزمان بالمعنی الأول، فالإستدلال دوري.
ثانياً: الزمان بمعنی الوعاء الدهري الذي لا أول و لا نهاية له، و هو بهذا المعنی لا يخرج عن کونه مقداراً، بل هو يبقی بمعنی المقدار. أما لا حدّ لمقداره من جهة الاولية، و لا من جهة الاخرية؛ کما هو لغة کذلک، فهذا المعنی ينحصر في الذات الإلهية المقدّسة، و قد عبَّروا هم عنه بالسرمد: «و هو کل استمرار و وجود من غير قياس الی وقت فوقت».
و الهدف من هذا التقسيم: هو إثبات البعد المقداري أياً کان اسمه.
فالغرض: إنه کان الله جلّ و علا و لم يکن معه شيء،کما و إنه يمکن تقدير ما قبل خلق العالم بالمقدار الزماني؛ کما ورد التعبير بذلک في بعض الروايات.
فالزمان من زاوية الوجود يختلف عن الزمان من زاوية عالم المادّة و الطبيعة و ما هو مذکور من تعريف الزمان؛ إنما هم مختص بعالم المادّة دون غيرها.
فإن قلتَ: إن المجرّدات لا تُقاس بالزمان بل هي فوقه.
قلتُ: اولاً لا وجود للمجردات سواه تعالی کما تقدم مضافاً الی انه ادّعاء بلا دليل و لا برهان، فانتفاء الزمان «بالمعنی العارض للحرکة» لا يدل علی انتفاء الزمان؛ بالمعنی الإستمراري المتقدّم . و الذي هو امر اعتباري . اقول: و حيث ان الله تعالی ازلي ابدي فلا تقاس ذاته تعالی بالزمان الّا انه بملاحظة المخلوقات نقول: قبل ان يخلق کذا کان و لم يکن معه شئ و هکذا يصبح للزمان معنی معقولاًبالمعنی الاستمراري.
قال ابن سينا في الشفاء: «و الشيء الموجود مع الزمان و ليس في الزمان، فوجوده مع استمرار الزمان کله؛ هو الدهر. و کل استمرار وجود واحد فهو في الدهر، و أعني بالإستمرار وجوده بعينه کما هو معکل وقت، بعد وقت الإتصال؛ فکان الدهر هو قياس ثبات الی غير ثبات»(1).
1) 97- تعليقه علی نهاية الحکمة: 321. من الثالث عشر من ثانية الأول من طبيعيات الشفاء.
و ذکر أستاذ الفلسفة مصباح: «والحاصل: إن الدهر بمعناه الفلسفي، لا اللغوي؛ مفهوم ينتزعه العقل من نحو ثبات الوجود في الثابتات، و يعتبره کوعاء لها، کما أنه ينتزع مفهوم الزمان من نحو الوجود السيال، و يعتبره کوعاء للمتغيرات بما لها من الحرکة و السيلان»(1).
أقول: و مآل دکلامهما يرجع الی ما ذکرنا من أنه هنالک مقياس للبعد المقداري اسمه في الثابتات - حسب اصطلاحهم - الدهر، و اسمه في المتغيرات: الزمان، و حينئذٍ نقول: إنه ليس المهم هو الإصطلاح، بل المهم هو ما يعکسه الإصطلاح.
فقول الأستاذ مصباح: « بمعناه الفلسفي لا اللغوي» لا وجه له، و مع ذلک لا يضرّ فيما قلنا.
و کيف کان فهذه مقاييس للزمان، و إن فرّوا عن الإصطلاح به، و من الواضح أنهم بتقسيماتهم هذه يقصدون المقدار الزماني، و من هنا نجد أنهم قد أثبتوا الزمان و البعد المقداري لغير الماديات تحت عنوان الدهر.
يقول ملاصدرا الشيرازي: «و من تأمل قليلاً في ماهية الزمان؛ يعلم أن ليس لها اعتبار إلّا في العقل، و ليس عروضها لما هي عارضة له، عروضاً بحسب الوجود کالعوارض الخارجية للأشياء؛ کالسواد و الحرارة و غيرهما. بل الزمان من العوارض التحليلية لما هو معروضة بالذات، و مثل هذا العارض لا وجود له في الأعيان إلا بنفس وجود معروضه، إذ لا عارضية و لا معروضية بينهما إلا بحسب الإعتبار الذهني، و کما لا وجود له في الخارج إلّا کذلک. فلا تجدد لوجوده، و لا انقضاء و لا حدوث، و لا استمرار، إلا بحسب تجدد ما أضيف إليه في الذهن و انقضائه و حدوثه و استمراره. و العجب من القوم کيف قررّوا للزمان هوية متجددة»(2).
أقول: و بناء علی ما قال: فالزمان انتزاع ذهني لا وجود له في نفسه و انما ينتزع مما أضيف إليه، و نحن نضيفه الی الثوابت «حسب تعبيرهم » و حينئذٍ نقول: کان الله جلّ جلاله و لم يکن معه شيء، و إن العالم ليس قديماً زمانياً بالمعنی الثاني من الزمان، نعم هو قديم بالمعنی الأولمن الزمان حيث لا زمان قبل الزمان بهذا المعنی؛ و إن کان لا يحلو لهم هذا التعبير نقول: إن العالم ليس قديماً بالوعاء الدهري، و إنه حادث بمقياس الوعاء الدهري و كلام ملا صدرا يتطابق مع نظرة البعض للزمان من أنه اعتباري ووهمي.
و أما ما قد يتوهم من أنا نعيش المحسوسات، و بسبب أنسنا بها نغفل عن إدراک العقليات فهدم للعقل و لکل ما ندرکه، و قد عرفت زيفة في المقدّمة مما أشرنا إليه، فإن مثل هذا الکلام يمکن إيراده في کل قضية يدرکها العقل؛ فهو في الحقيقة ادّعاء في قبال ما يتضح للعقل من أمور بديهية و وجدانية لا يلتفت إليه.
و بذلک يظهر بطلان الحرکة الجوهرية بعد اعتمادها علی کون الزمان امراً حقيقياً واقعياً، و قد عرفت زيفه و بطلانه.
المجرد يطلق علی معنيين: احدهما عرفي والاخر اصطلاحي و المراد عرفاً من المجرد هو غير هذا الوجود المادي المحسوس کالجن والملائکة والارواح فهذه مجردة عن هذا الوجود المادي لکنها ليست مجردة بالمعنی الفلسفي الاصطلاحي و هو من أنها لاحدّ لها، و لا تعرض لها الحرکة فکون الملائکة وغيرها مجردة بالمعنی الفلسفي:
أولاً: لا دليل عليه.
وثانياً:انه من المحال عقلا ان يکون الممکن لا حد له کاستحالة کونه قديما ، فحال المجردات بالمعنی العرفي حال المادّيات في کونها محدودة حادثة لا تملک من امرهاإلا ما ملّکها الباري تعالی، و إنها ليست قديمة بقدم الباري تعالی؛ کما قالت الفلسفة اليونانية، بل حادثة في فترة من الزمان و مخلوقة کما هو حال
الماديات،ولوکانت غير محدودة لامتنع جعلها عقلا،فلا تحقق للشئ ولا جعل بدون ان يتشخص بحدوده وماهيته.
ولا يخفی ان الفلاسفة لا يرون المجردات مجعولة ومخلوقة بل يرونها امتداداً للذات الالهية المقدسةفالفلاسفة کما ينکرون خالقية الله تعالی کذلک ينکرون قدرته جل وعلا ،وقد ثبت بحکم العقل ان الله قادر علی ان يخلق غيره اياً کان.
وقد دلت الروايات علی استحالة وجود اللامتناهي في عالم الممکنات مقترنة بالاستدلال عليه .
وخلاصة ما في الاخبار: «إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر ...، لكان في الوهم أنّه متی ما ضم شيء الی مثله كان أكبر، وان كلّ محدود متناه الی حد، الحمد للّه الّذي لم يكن... له شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهى.وان ما احتمل الزيادة كان ناقصا، وما كان ناقصا لم يكن تاما،و إن الكيفية جهة الصفة والاحاطة، أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية».
ونکتفي بذکر رواية عن الامام الصادق (علیه السلام) : «لا يثبت الشيء إلّا بإنية ومائية»(1), و دلالة هذه الرواية في التلازم بين الممکن و تناهيه و محدوديته واضحة.
هذا لو کان المراد بالمجردات الملائکة والارواح و..واما لو کان المراد هو الموجود الذي لاحد له ولا مادةوانه فوق الزمان والمکان ويقصدون بذلک العقول والمثل وامثالهما لانهم يقسمون العوالم الی عالم الالوهية وعالم العقول وعالم المثل وعالم المادة يقول السيد الطباطبائي:فالعالم العقلي مجرد تام ذاتاً و فعلاً عن المادة و اثارها، و عالم المثال مجرد عن المادة دون اثارها من الاشکال والابعاد والاوضاع
1) - الكافي1/84؛ بحار الأنوار، 10/197.
و غيرها ففي هذا العالم اشباح متمثلة في صفة الاجسام التي في عالم المادة والطبيعة في نظام شبيهة بنظامها الذي في عالم المادة.(1)
اقول وهذا المعنی باطل يلزم منه محالات کما تقدم وکما سياتي، و قد عرفت من تاريخ الفلسفة ان فکرة العقول ما هي الّا تعبير اخر عن تعدد الالهة وکيف کان فمحتواهما واحد.
ومن المضحک محاولة البعض تاويل ما جاء في الايات من ذکر الملائکة وما ورد في الاخبار حول خلقة النبي (صلی الله علیه و آله) و الائمة عليهم السلام بالعقول کما هو ديدنهم في تاويل و تحريف کل ما جاء به الدين من عقيدة بما يطابق اعتقادهم.
هذا وقد صرحت الاخبار بعدم تجرد غير الله جل وعلا ففي رواية حول الروح : والروح جسم رقيق ألبس قالبا كثيفا.(2)
و حول الشياطين: فقال: كيف صعدت الشياطين الی السماء وهم أمثال الناس في الخفة والكثافة، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داوود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟! قال: غلظوا لسليمان كما سخروا، وهم خلق رقيقغذائهم التسنم،(3)و الدليل علی ذلك صعودهم الی السماء لاستراق السمع ولا تقدر الجسم الكثيف علی الارتقاء إليها إلّا بسلّم أو سبب.(4)
وعن الامام الجواد (علیه السلام) :
الكيفية للمخلوق المكيف، فربنا تبارك وتعالی لا شبه له، ولا ضد، ولا ند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف.(1)
وفي رواية رابعة:لان كلّ شيء جری فيه أثر التركيب لَجسمٌ.
وفي خامسة: إنما أضافه الی نفسه لانه اصطفاه علی سائر الارواح ... اللّه تبارك و تعالی أحدٌ صمد ليس له جوف، و إنما الروح خلق من خلقه.
ادّعت الفلسفة اليونانية ومَن تابعها قِدم العالم، و هذا البحث ليس هو من المباحث الجديدة التي طرأت علی الفلسفة، بل هو بحث قديم جرّ الی خلافات حادّة بين المتکلمين و الفلاسفة کان سبب تکفير العلماء للفلاسفة؛ کما هو معروف في تاريخ الفلسفة(2).
و ينصّب دليل الفلاسفة حول قِدم العالم علی استحالة تخلف المعلول عن علته وأن الفيض الإلهي عين الذات، و لازم ذلک؛ أن التفکيک بين الذات و فيضها يستلزم تحديد الذات الإلهية .
هذا وشبهة كون العالم قديماً واضحة البطلان كما عبر عنها الشيخ الاعظم الانصاري رحمه الله بانها شبهة في مقابل البديهة حيث قال مستطرداً في بحث القطع وكلما حصل القطع من دليل نقلي مثل القطع الحاصل من اجماع الشرايع على حدوث العالم زماناً فلا يجوز ان يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي مثل استحالة تخلف الاثر عن المؤثر ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة(3)و توضيح مراده الشريف انه مع حصول القطع واليقين من طريق الشرايع الالهية الثابت بالدليل
العقلي القطعي في امر كحدوث العالم زماناً وهو المسبوقية بالعدم فلا يمكن ان يحصل القطع على خلافه من العقل وذلك للقطع واليقين بقيام الدليل والبرهان بمطابقة الشرايع الالهية للواقع وعدم مناقضتها للعقل وعليه فلايحتمل وجود حكم عقلي على خلاف ماجاءت به الشرايع الالهية وهذا مراده قدسسره من قوله لايجوز، وما يذكر من دليل انما هو في الواقع مغالطة وصورة برهان وليس برهانا مثل العالم اثر القديم واثر القديم قديم، فهذا برهان صورةً مغالطة حقيقةً فان كبراه كاذبة و لو لم يتوجه لوجه المغالطة فيه فهو شبهة في مقابل البداهة ولا يخفى ان الشبهة في قبال البديهة لا قيمة لها ولا تستحق الجواب .
اقول: هذه النظرية تبتني علی السنخية وکون حقيقةالوجود واحدة وان فاعلية الله جل وعلا بالايجاب لا بالاختيار، وإن الفيض الإلهي عين الذات الإلهية وکل هذه المباني باطلة و قد مرّ عليک بطلان نظرية الاضافة الاشراقية وان المخلوقات مباينة للذات الالهيةالمقدسة.
و إن الدليل القاطع قائم علی الإضافة الإبداعية، أضف الی ذلک؛ أنه لو کان الفيض عين الذات لزم منه محدودية الذات أيضاً.
هذا والروايات في حدوث العالم متواترة منها ما عن ابي اسحاق الليثي قال قال لي ابو جعفر (علیه السلام) «ان الله تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً خلق الاشياء لا من شيء ومن زعم ان الله عزوجل خلق الاشياء من شيء فقد كفر لانه لوكان ذلك الشيء الذي خلق منه الاشياء قديماً معه في ازليته وهويته كان ذلك ازلياً بل خلق الله عزوجل الاشياء كلها لامن شيئ »(1)ومنها عن الرضا (علیه السلام) «اما الواحد فلم يزل واحداً كائناً لاشيء معه
1) العلل ص 607 مكتبة الداوري 1385
بلاحدود ولا اعراض و لا يزال كذلك ثم خلق خلقاً مبتدعا مختلفاً باعراض وحدود مختلفة»(1)
إن الفلسفة ادعت ان العالم ظل الله جل و علا و أنه مظهر وجوده تعالی؟
والجواب كالتالي: اماالتعبير بان العالم مظهر وجوده تعالى فاما ان يكون على سبيل الحقيقة واما ان يكون على سبيل المجاز فان كان على سبيل المجاز بمعنى ان المعلول يدل على العلة فلا اشكال فيه فان الدخان علامة على وجود النار ومظهَرُ لوجودها وان الاثر علامة على وجود المؤثر وهكذا فانه تعبير سائغ عرفاً ولغةً.
واما لو كان هذا التعبير على سبيل الحقيقة (بمعنى ان الله سبحانه عزوجل ظهر بشكل انسان وسماء وارض وملك و...) او ان العالم بالنسبة لله جل وعلا كالظل بالنسبة للشخص وأن الظل قائم بذي الظل وتابع له والوجود حقيقة لذي الظل فقط دون ظله فلابد من النظر في صحة هذين المعنيين وقد وقع التعبير بكل من المعنيين في كلام الفلاسفة فتارة قالوا ان العلة حقيقة والمعلول مجاز وانه لاعلة ولامعلول بل ان الله سبحانه عزوجل لما كان في حالة القبض كان واحداً وحينما يكون في حالة البسط يكون سماءً وارضاً و و و او يُعبّر عن ذلك بالفتق والرتق وان حالة الظهور على شكل انسان وشجر وبقر هي الفتق وخلافها هو الرتق وتارةً قالوا: بان العالم وجوده وجود تعلّقي و رابطي وقسموا الوجود الى المستقل والرابط فكما ان وجود النسبة بين طرفي القضية لا وجود له الا بطرفيه من الموضوع والمحمول فكذلك وجود المعلول انما هو قائمٌ بالعلة ولا وجود له حقيقة فهو كالظل للشخص.
اقول: اما المعنى الاول وهو انه تعالى تمظهر(2)وتجلّى حقيقةً بهذه المخلوقات فنقول: هل تمظهر بغير وجوده ام بوجوده؟ فان تمظهر بغير وجوده نسأل ونقول هل تمظهر بوجودٍ غير وجوده ام بالعدم؟
والاول: «يعني ان تمظهر و تجلی بوجود غير وجوده» يستلزم وجود موجود غيرالله عزوجل وانه جل و علا استمدّ منه وانه محتاج لغيره وبتعبير الفلاسفة يلزم تعدد القدماء وخروج الواجب عن كونه واجباً غنيّاً عمن سواه وكل ذلك باطل.
والثاني: «يعني ان تمظهر و تجلی بالعدم » فجوابه ان العدم ليس شيئاً حتى يتمظهر به مضافاً الى استحالة انقلاب العدم الى الوجود.وعلى كلا الفرضين يكون الله جل وعلا متغيراً ومحلاً للحوادث وهو باطل.
و اما لو انه جل و علا تمظهر و تجلی بوجوده لا بوجود غيره ولا بالعدم فمعناه ان كل ما في الوجود فهو وجوده ولازم ذلك ان جميع هذه الموجودات هي الله «جل و علا» وحينئذٍ لا شيء غيره فليس في دارالوجود ديّار غيره على حد تعبير صاحب الاسفار(1)وهو معلوم البطلان كما تقدم بيانه.
و اما المعنى الثاني وهو ان العالم ظل الله جل وعلا فهو مبني على القول بالوجود الرابط وفسّروه: بالذي يكون وجوده عين التعلق والربط ولا ينتزع منه انه ثابت وموجود بل هو نفس ثبوت شيء لشيء ونفس تعلق شيء بشيء لا ثبوت الموجود نفسه فلا يكون هذا الثبوت ثابتاً لغيره بل الذي يصح ان يقال: ان الثابت لغيره هو ذلك الشيء المضاف اليه الثبوت لا نفس الثبوت.(2)
قالوا: ولو كان ثبوت الشيء الذي هو معنى الوجود الرابط يستدعي ان يقال له انه ثابت لغيره فهذا يحتاج الى ربط بينه وبين الغير الثابت له و ننقل الكلام الى هذا الربط
الاّخر وهو ايضاً يستدعي ان يكون ثابتاً للغير فيحتاج الى ربط ثالث وهكذا فيذهب الى غير النهاية(1).
و ذكروا ايضاً ان الوعاء الذي يتحقق فيه الوجود الرابط هو الوعاءالذي يتحقق فيه وجود طرفيه(2)وان الوجودات الرابطة لاماهية لها لان الماهيّات هي المقولة في جواب ما هو فهي مستقلّة بالمفهوميّة والوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلاً بالمفهومية(3)و انّ من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد كوجود المعلول بالقياس الى علته(4)وان نشأة الوجود لاتتضمن الاّ وجوداً واحداً مستقلاً هو الواجب والباقي روابط ونسب و اضافات(5).
و الدليل على الوجودات الرابطة بالمعنى المتقدم هو انّ هناك قضايا خارجيّة تنطبق بموضوعاتها و محمولاتها على الخارج كقولنا: زيد قائم والانسان ضاحك مثلاً وايضاً مركبات تقييديّة مأخوذة من هذه القضاياكقيام زيد و ضحك الانسان نجد فيها بين اطرافها من الأمر الذي نسميّه نسبة و ربطاً ما لانجده في الموضوع وحده ولا في المحمول وحده ولا بين الموضوع وغير المحمول ولا بين المحمول وغير الموضوع فهناك امر موجود وراء الموضوع والمحمول وليس منفصل الذات عن الطرفين بحيث يكون ثالثهما ومفارقاً لهما(6)» والحاصل انه كما في قضيّة الانسان ضاحك ثلاثة اشياء وهي الموضوع والمحمول والنسبة القائمة فيهما وهي موجودة بوجود هما لا بوجود مستقل عنهما فكذلك زيد الذي هو معلول للذات الالهية المقدّسة فهو لا وجود
مستقل له وانما وجوده تعلقي والوجودلله جل وعلا ووجوده مجرد نسبة واضافة ورابط واذا كان الرابط في القضايا الخارجية يحتاج الى موضوع ومحمول فهو لايحتاج الى طرفين في ما اذا كان الرابط معلولاً بل يحتاج الى طرف واحدة وهو العلة.
و الدليل على ذلك هو وجود النسب و الروابط في القضايا الخارجية المشتملة على الموضوع والمحمول واجاب الاستاذ مصباح اليزدي على هذا الدليل بقوله: لكن يُلاحظ عليه انّ ثبوت الموضوعات والمحمولات في الخارج لا يكفي دليلاً على ثبوت الرابطة كنوع من الوجود العيني و الرابطة في القضايا ان دلّت على شيء خارجيّ فانّما تدل على اتحاد مصداق الموضوع والمحمول وهو اعم من ثبوت امر رابط بينهما فانّ اتحاد الجوهر و العرض او اتحاد المادّة والصورة في الخارج مثلاً لا يستلزم وجود رابط بينهما بل يكفي كون احدهما من مراتب وجود الاخر او كون احدهما رابطّياً بالنسبة الى الاخر والحاصل انّه لا يمكن بمثل هذا البيان اثبات الوجود الرابط في الاعيان(1)» وذكر ايضاً ان اللازم من كون المعلولات روابط و نسب واضافات لاماهية لها هو: نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً فقال: « فشمول هذا الحكم » يعني انها لا ماهية لها (للوجودات الامكانيّة العينيّة التي هي روابط بالنسبة الى الواجب جل و علا مشكل جداً لاستلزامه نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً)(2)
اقول: و يكفي في بطلان فكرة الوجود التعلقي والربطي جواب الاستاذ مصباح اليزدي و نضيف على ما قال :
اولاً: لو ثبت الوجود الربطي في القضايا الخارجية « و هو محل خلاف عند العلماء » فايّ ارتباط له في كون ثبوت المعلول للعلة ربطيّاً وتعلقيّاً.
ثانياً: انه قياس مع الفارق حيث ان الوجود الربطي في القضايا الخارجية انما هو في عالم الاعتبار وثبوت المعلول للعلة تابع لعالم التكوين والواقع وفرق بين العالَمين
فعالم الواقع تابع لقوانين العقل وعالم الاعتبار تابع لجعل المعتبر وهو اوسع من عالم التكوين والواقع .
ثالثاً: ان الرابط في القضايا الخارجية قائم بطرفين هما الموضوع والمحمول فكيف قام هنا المعلول بطرف واحد وهو العلة؟ وما الدليل؟ اليس ذلك مجرد ادعاء بلابرهان؟
رابعاً: ان الوجود الرابط لا استقلال له بالمفهومية ولا ماهية له في حين ان وجود الممكنات واستقلالها بالمفهومية من اوضح البديهيات .
خامساً: ان الوجود الربطي مبتنٍ على السنخيّة بين العلة والمعلول وان وجود المعلول انما هو قطعة من وجود العلة وقد عرفتَ بطلان السنخيّة بين الذات الالهية المقدسة ومعلولاتها.
و قالوا: إن وحدة وجود المعلولات؛ عين الربط، و عين التعلّق بالعلّة و وجود المعلولات فإنٍ في وجوده تعالی و وجوده تعالی هو الوجود المستقل، و ما عداه فهو وجود ظلّي فيئي. و مقصودهم من الربط؛ أن الوجود المعلولي لا وجود له في نفسه، بل الوجود حقيقة لعلته مجازاً له.
أقول: کما کانت فکرة الوجود الظلّي و الربطي؛ قائمة علی أساس الإيمان بفکرة الفيض و الإضافة الإشراقية، کما و إن فکرة الإضافة الإشراقية أيضاً قائمة علی أساس الإيمان بوحدة الوجود و إصالته، فالنتيجة تکون واضحة بعد بطلان إصالة الوجود و وحدته. و کذلک بعد بطلان فکرة الفيض و الإضافة الإشراقية؛ فالصحيح بطلان فکرة الوجود الربطي، أو ما يسمّی بالوجود الظلّي الذي هو في الحقيقة عبارة عن أطوار العلّة«کما يقولون»ولا ينفک عنها بل هو عينها؛ کما يری ذلک ملا صدرا الشيرازي في أسفاره حيث قال: «محصّل الکلام أن جميع الموجودات عند أهل الحقيقة و الحکمة الإلهية المتعالية- عقلاً کان أو نفساً أو صورة- نوعية من مراتب أضواء النور الحقيقي، و تجلّيات الوجود القيومي الإلهي . و حيث سطع نور الحق، أظلموا نهدم ما ذهب إليه
أوهام المحجوبين من أن للماهيات الممکنة في ذواتها وجوداً، بل إنما يظهرأحکامها و لوازمها من مراتب الوجودات التي هي أضواء و أظلال للوجود الحقيقي و النور الأحدي.... فکما وفقني الله تعالی بفضله و رحمته الإطّلاع علی الهلاک السرمدي و البطلان الأزلي للماهيات الإمکانية و الأعيان الجوازية، فکذلک هداني ربي بالبرهان النير العرشي(1)الی صراط مستقيم؛ من کون الموجودات و الوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصية، لا شريک له في الموجودية الحقيقية، و لا ثاني له في العين، و ليس في دار الوجود ديار غيره، و کل ما يترآی في عالم الوجود أنه غير الواجب المعبود؛ فإنما هو من ظهورات ذاته، و تجلّيات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته؛ کما صرّح به لسان بعض العرفاء بقوله: فالمقول عليه سوی الله، أو غيره أو المسمی بالعالم؛ هو بالنسبة إليه تعالی کالظل للشخص، فهو ظل الله... فکل ما ندرکه فهو وجود الحق في أعيان الممکنات، فمن حيث هوية الحق هو وجوده، و من اختلاف المعاني و الأحوال المفهومة منها، المنتزعة عنها بحسب العقل الفکري و القوّة الحسية؛ فهو أعيان الممکنات الباطلة الذوات. فکما لا يزول عنه باختلاف الصور و المعاني إسم الظل، کذلک لا يزول عنه إسم العالم» (2).
فالحق و کما عرفت تحقيقه من ثبوت الإضافة الإبداعية؛ کما دلّت عليه الضرورة العقلية: إن وجود المخلوقات بلا فرق بين الماديات و المجرّدات وجود مستقل، و ليس وجودها وجوداً ربطياً، کما يقولون، و لا يستحيل عليه تعالی أن يخلق وجوداً مستقلاً، إلا أن استقلالها لا يعني أنها خارجة عن سلطانه تعالی، فکلها خاضعة لسلطانه. فهو تعالی لا يخلو منه مکان، و لا يحويه مکان، و ليس کمثله شيء.
و قد کان الغرض من استدلالهم؛ بأنه وجود ربطي، هو اثبات استمرار احتياجه في بقائه الی علّته. و هذا الإستدلال باطل لبطلان أساسه، و الجواب الصحيح؛ هو قدرة الله تعالی المطلقة التي لا يحدّها شيء، و لا يمتنع منها شيء، و لا يخلو منها مکان، فلا
يخرج من سلطانه شيء. فکل الموجودات حتی بعد وجودها محتاجة إليه خاضعة له. و هذا معنی کونه تعالی؛ القهّار و العزيز، و الذي معناه أنه لا يغلب و لا يقهر. و أما خروج الأشياء عن سلطانه و عدم احتياجها له؛ فمعناه محدودية القدرة الإلهية التي هي عين الذات المقدّسة التي ثبت بالبرهان القاطع عدممحدوديتها وانها ذات لا مقهورية فيها من اثر او حد او مانع فان وجود الحد او المانع والمزاحم معناه انه اثر من اثار رب العالمين.
لقد جاء بيان معنی العلة في غالب الکتب الکلامية والفلسفية ونحن ننقل بعض تعاريفهم يقول السيد الطباطبائي في نهاية الحکمة: «فهذا الوجود المتوقف عليه نسميه «علة» و الشيء الّذي يتوقف علی العلة معلولا"له.» ونقل عن أبي علي ابن سينا إنّة قال:«انّ العلّة هي کلّ ذات يلزم منه أن يکون وجود ذات أخری» ويقول المرحوم خواجه نصير الدّين الطّوسي: «کلّ شيء يصدر عنه أمرامّا بالاستقلال أو بالانضمام فانّه علة لذلک الأمر والأمر معلول له». و المراد من «امّا بالاستقلال» العلة التامّة و «أو بالانضمام» العلة الناقصة. و يقول القوشچي في شرح تجريد الاعتقاد: «العلة مايحتاج إليه أمرفي وجوده.» و جاء في شرح حکمة الاشراق ونعني بالعلة ما يجب بوجوده وجوب شي اخر بتة دون تصور تأخر»(1).
و يقول ملاصدرا في الأسفار:
1) - شرح حکمة الاشراق، السهروردي، القسم الأول، الفصل الثالث،2/62 ،مجموعة مصنفات شيخ الاشراق.
«فصل في تفسير العلة و تقسيمها فنقول: العلة لها مفهومان؛ أحدهما هو الشيء الذي يحصل من وجوده وجود شيء آخر و من عدمه عدم شيء اخر. و ثانيهما هو ما يتوقف عليه وجود الشيء فيمتنع بعدمه و لا يجب بوجوده و العلة بالمعنی الثاني تنقسم الی علة تامة ... و الی علة غير تامة»(1).
و المراد من القسم الأوّل من المفهوم الثاني هو العلة التامّة و من القسم الثاني العلة الناقصة. و بهذا المعنی فسرّ رجال هذا الفنّ المعروفون العلة، و في بعض التعاريف لاحظوا لزوم صدور «المعلول عن العلة» بمعنی انّه لو کانت العلة تامة فلابدّ من تحقق المعلول منها «بلا تخلف» و هذه من المسائل القطعية في الفلسفة و لا ترديد في ذلک.
و لأجل أن يتضح هذا المطلب ننقل عبارة من نهاية الحکمة للسيّد الطباطبايي حيث يقول:
«الفصل الثالث في وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامّة و وجوب وجود العلة عند وجود معلولها».(2)
فانّ العلة التامّة و معلولها لا ينفک أحدهما عن الأخر و انّ وجود العلة التامّة موجب لوجود المعلول و وجود المعلول لازم لوجود العلة و انّ هذين لا ينفک أحدهما عن الاخر و قد بيّن الفلاسفة هذا البحث بشکل مفصل و مستدل.
و جاء في توضيح المراد:
و الحاصل:«انّ من نظر في کلمات الفريقين لا يرتاب في انّ الفلاسفة يقولون بوجوب صدور العالم عنه تعالی علی النظام العليّ و المعلولي»(3).
قد تبين المراد من العلة التامة و انّها لاتنفک عن معلولها في نظر الفلاسفةو هنالک نکتة مهمّة و هي انّ الفلاسفة لا يرون انّ الأرادة من صفات الأفعال بل يرونها من
صفات الذات و لذا يرون انّ نفس الذات هي العلة للخلق لا الارادة و المشية التي هي من صفات الأفعال. و بعبارة اخری الفلاسفة يقولون انّ الذات المقدسة الالهية علة تامّة و يجب صدور الکائنات عنها (بلا تخلف). وقد تقدم البرهان العقلي علی ان الله يخلق لا من شيئ لا ان الخلائق جزء ذاته او ترشحت من ذاته لاستحالة السنخية بينه تعالی وبين مخلوقاته وانه من المستحيل ان تتعلق الارادة بالموجود لانه تحصيلللحاصل فلا بد من تعلقها بالمعدوم و بذلک نطقت تعاليم الوحي فالکائنات ترتبط بالمشيئة وهي حادثة و الروايات حول هذا الموضوع کثيرة و قطعيةوجاءفيها: خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الاشياء بالمشيئة.(1)
فان قلت: ما معنی خلق الله المشيئة بنفسها؟
قلت: هذا البيان لأجل قطع التسلسل يعني انّ المشيئة لا تحتاج إلی مشيئة اخری حتّی يلزم التسلسل.
يقول المحقق الخوئي رحمه الله :
« انّ ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة و يشترک معه في نقطة اخری»
توضيح العبارة:
تارة تکون العلة طبيعية مثل النار و الحرارة و اخری تکون العلة ارادية مثل الإنسان و فعله، و حول الله جلّ و علا(فالفاعل) اما من نوع اخر و بشکل غير محدود و لذا يعبر عنه جلّ و علا بالفاعل بالارادة و اما في الفاعل الطبيعي، فانّ المعلول له علاقة بذات العلة و في الحقيقة يتولد المعلول من صميم العلة و لکن فی الفاعل بالارادة الفعل و الشيء المتحقق لا علاقة له بذات الفاعل بل يرتبط بارادة الفاعل (اما نقطة الافتراق
1) الکافي،1/110.
فهي انّ المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة(1)و ينبثق من صميم کيانها و وجودها و من هنا قلنا ان تأثير العلة في المعلول يقوم علی ضوء قانون التناسب) و لذا في الفاعل الطبيعي لابدّ من السنخية بين العلة و المعلول؛ لأنّ المعلول متولد من ذات العلة.( و اما المعلول في الفواعل الارادية فلا يرتبط بذات الفاعل و العلة لا تنبثق من صميم وجودها و من هناقلنا ان تأثيره العلة في المعلول يقوم علی اساس مسألة التناسب) و لذا فالسنخية غير لازمة في الفاعل بالارادة (نعم يرتبط المعلول فيها بمشيئة الفاعل و اعمال قدرته ارتباطا ذاتيا؛ يعني يستحيلانفکاکه عنها حدوثا و بقاءا و متی تحققت المشيئة تحقق الفعل و متی انعدمت انعدم، و علی ذلک فمرد ارتباط الأشياء الکونية بالمبدء الأزلي و تعلقها به ذاتا إلی ارتباط تلک الأشياء بمشيئته و اعمال قدرته و انّها خاضعة لها خضوعا ذاتيا و تتعلق بها حدوثا و بقاءا فمتی تحققت المشيئة الالهية بايجاد شيء وجد، و متی انعدمت فلا يعقل بقاؤه مع انعدانها، و لا تتعلق بالذات الأزلية و لا تنبثق من صميم کيانها و وجودها کما عليه الفلاسفة).
و بذلک تبين ان خلقة المخلوقات لا ترتبط بذات الله جلّ علا بل بمشيئته و انّ الکائنات لم تنبثق من صميم ذات الله جلّ و علا وقد استنبط هذا المعنی آية الله الخويي ايضا من کلام الفلاسفة و انّهم قائلون بضرورة صدور المعلول عن ذات الله جلّ و علا.
«و من هنا قد استطعنا أن نضع الحجر الاساسي للفرق بين نظر يتنا و نظرية الفلاسفة فبناءا علی نظريتنا ارتباط تلک الأشياء بکافة حلقاتها بمشيئته تعالی و اعمال سلطنته و قدرته و بناءا علی نظرية الفلاسفة ارتباطها في واقع کيانها بذاته الأزلية، و تنبثق من صميم وجودها و قد تقدم عرض هذه الناحية و نقدها في ضمن البحوث السابقة بشکل موسع.»(2)
ويری آية الله الخوئي انّ المستفاد من الوحي و الذي يؤيده العقل ايضا يتفاوت ماهوياً مع قول الفلاسفة ففي رأي الفلسفي انّ ذات الله جلّ علا علة تامة للکائنات يجب صدورها منه و لکن المستفاد من الوحي انّ خلق الکائنات يرتبط بمشيئة الله و فعله جلّ و علا و بعبارة اخری «انّ الله تبارک و تعالی فاعل مختار» کما نطق بذلک القرآن الکريم حيث يِقول تعالی:
(إِنَّ اللهَ يفْعَلُ مَا يشَاءُ)(1)وفي آية أخری يقول جلّ و علا:(إِن يشَأْ يذْهِبْکُمْ وَ يأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ)(2)
فانّ الله جلّ و علا قادر علی ذلک و هذا العمل تحت اختياره، فالآية أيضاً دالة علی أنّه فاعل مختار و بکامل الصراحة.و يقول عزّوجلّ أيضاً: (إِنَّ رَبَّکَ َفعَّالٌ لِمَا يرِيدُ).(3)
و يقول عزّوجلّ:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئاً أَن يقُولَ لَهُ کُن فَيکُونُ)(4)و في آية أخری يقول تبارک و تعالی:(يخْلُقُ اللهُ مَا يشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَی کُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)(5)
وفي بعض الأحيان في آية واحدة تبين هذه الحقيقة بتعابير مختلفة يقول الله جلّ و علا:
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِي الْمُلْکِ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنزِعُ الْمُلْکَ مِمَّن تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيدِکَ الخَيرُ إِنَّکَ عَلَی کُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيلَ في النَّهَاِر وَ تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَ تُخْرِجُ الْحَي مِنَ الْمَيتِ و تُخْرِجُ الْمَيتَ مِنَ الْحَي وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ) (6)
و الآيات من هذا القبيل کثيرة و قد طرحت هذه المسألة في المباحث القرآنية المختلفة و يستفاد من الکلّ انّ الله جلّ و علا فاعل مختار.
و قد بينت الروايات هذا المعنی أيضاً صراحة نذکر نموذجاً من هذه الروايات الکثيرة کالتالي:
«کان الله عزّ و جلّ و لا شيء غير الله معروف و لا مجهول و کان الله عزّ و جلّ و لا متکلم و لا مريد و لا متحرک و لا فاعل جلّ و عزّ ربّنا فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه عزّ وجلّ ربّنا»(1).
و هذه الرواية الشريفة تدل علی هذا المطلب بشکل واضح حيث تقول کان الله عزّوجلّ و لا شيء غير الله ثمّ بعد ذلک خلق و أوجد الله عزّوجلّ الأشياء في الوقت الذي کان قادراً علی الفعل و ذلک لأنّه لم تکن الاشياء موجودة من قبل و انّما حصلت بعد ذلک و النتيجة انّ الله عزّ وجلّ فاعل مختار.
وعن محمد بن مسلم انّه سمع الإمام الباقر (علیه السلام) يقول: «کان الله عزّو جلّ و لا شيء غيره و لم يزل عالماً بما يکون فعلمه به قبل کونه کعلمه به بعد کونه.»(2)
و عن أبي بصير قال سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول:
«لم يزل الله عزّوجلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا أحدث الأشياء و کان المعلوم وقع العلم منه علی المعلوم و السمع علی المسموع و البصر علی المبصر و القدرة علی المقدور.»(3)
يقول ملا صدرا حول عدم انفکاک المعلول عن العلة و تلازمهما الذاتي: «ان الفاعل اما ان يکون لذاته مؤثراً في المعلول او لا يکون فان لم يکن تأثيره في المعلول لذاته بل لا بد من اعتبار قيد آخر مثل وجود شرط او صفة او ارادة او الة او مصلحة او غيرها لم يکن ما فرض فاعلاً، فاعلاً بل الفاعل انما هو ذلک المجموع. ثم الکلام في ذلک المجموع کالکلام في المفروض اولاً فاعلاً الی ان ينتهي الی امر يکون هو لذاته و جوهره فاعلاً ، ففاعلية کل فاعل تام الفاعلية بذاته وسنخه و حقيقته لا بامر عارض له، فاذا ثبت ان کل فاعل تام فهو بنفس ذاته فاعل، و بهويته مصداق للحکم عليه بالاقتضاء و التأثير، فثبت ان معلوله من لوازمه الذاتية المنتزعة عنه المنتسبة اليه بسنخه و ذاته.»(1)
مع ملاحظة توضيحات و تقسيمات ملاصدرا يعلم ان لازم العلة التامة هو تحقق المعلول و ان المعلول من لوازم ذات العلة التامة؛ يعني اذا تحققت ذات العلة فلا محيص ايضاً و لا بد من تحقق المعلول و من لوازم هذا القول ان الله جل و علا مجبور فاذا قلنا ان الله جل و علا علة تامة فلا بد و ان يکون مجبوراً في فعله واجاب آية الله الخوئي«ره»عن هذا الکلام بقوله:
«و من البديهي ان وجوب وجوده تعالی و وجوب قدرته و انه تعالی وجود کله و وجوب کله و قدرة کله، لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج ، و ذلک لان الضرورة ترتکز علی ان يکون اسناد الفعل اليه تعالی کاسناد المعلول الی العلة التامة، لا اسناد الفعل الی الفاعل المختار، فلنا دعويان:
الاولی:ان اسناد الفعل اليه ليس کاسناد المعلول الی العلة التامة.
الثانية: ان اسناده اليه کاسناد الفعل الی الفاعل المختار.
1) - الاسفار 2/226، المرحلة السادسة الفصل 16.
اما الدعوی الاولی فهي خاطئة عقلاً و نقلاً ، اما الاول: فلان القول بذلک يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة و السلطنة عنه تعالی، فان مرد هذا القول الی ان الوجودات بکافة مراتبها الطولية و العرضية موجودة في وجوده تعالی بنحو أعلی و أتم و تتولد منه علی سلسلتها الطولية تولد المعلول عن علته التامة فان المعلول من مراتب وجود العلة النازلة و ليس شيئاً اجنبياً عنه ، مثلاً الحرارة من مراتب وجود النار و تتولد منها و ليست اجنبية عنها و هکذا. و علی هذا الضوء فمعنی علية ذاته تعالی للأشياء ضرورة تولدها منها و تعاصرها معها کضرورة تولد الحرارة من النار و تعاصرها معها، و يستحيل انفکاکها عنها، غاية الامر ان النار علة طبيعية غير شاعرة و من الواضح ان الشعور و الالتفات لا يوجبان تفاوتاً في واقع العلية و حقيقتها الموضوعية فاذا کانت الاشياء متولدة من وجوده تعالی بنحو الحتم و الوجوب و تکون من مراتب وجوده تعالی النازلة بحيث يمتنع انفکاکها عنه فاذن ما هو معنی قدرته تعالی و سلطنته التامة(1).»
فان قلت: الارادة ايضاً من اجزاء العلة التامة.
قلت: حينما تطرح الارادة فالله جل و علا يصير فاعلاً مختاراً لا علة تامة بالمعنی الاصطلاحي ففي بحث العلة التامة يکون المعلول مستنداً الی العلة لا الی المشيئة و الارادة.
يدعي الفلاسفة انه لا تلازم بين کونه تعالی علة تامة وبين کونه جل و علا مجبوراً لانه لا يوجد شيء في الخارج حتی يجبر الله جل و علا لان الذي يجبره اما معلول له تعالی و اما غيره فلو کان معلوله فبطلانه واضح و ذلک لان المعلول في رتبة متأخرة عن الله جل و علا و هو يستمد و يأخذ وجوده منه و لا يمکن ان يجبره في هذه المرتبة المتأخرة و لو کان الذي يجبره غير معلوله ففي هذه الصورة اما ان يکون
1) - محاضرات في اصول الفقه2/41 و42
مستقلاً و اما ان يکون معلولاً لغير الله جل و علا و هذا الکلام يتنافی مع وحدة واجب الوجود و باطل ،وعليه فلا يمکن ان نتصور الذي يجبره حتی يقال انه تعالی مجبور.
ففي نهاية الحکمة:
«قلت : معنی کونه تعالی فاعلاً مختاراً انه ليس وراءه تعالی شيء يجبره علی فعل او ترک فيوجبه عليه فان الشيء المفروض اما معلول لهواما غير معلول. و الثاني محال لانه واجب آخر او فعل لواجب آخر و ادلة التوحيد تبطله و الاول ايضاً محال لاستلزامه تاثر المعلول بوجوده القائم بالعلة المتأخر عنها في وجود علته التي يستفيض عنها الوجود. فکون الواجب تعالی مختاراً في فعله لا ينافي ايجابه الفعل الصادر عن نفسه و لا ايجابه الفعل ينافي کونه مختاراً فيه»(1).
و يضيف في تعليقة نهاية الحکمة علی کلام الطباطبائي:
«بل حقيقة الاختيار کون الفاعل راضياً بفعله غير مجبور عليه و هذا حاصل في الواجب بتمام معنی الکلمة حيث انه لا يعقل ان يجبره شيء علی الفعل».(2)
اقول من الواضح ان ملاک الاختيار هو القدرة علی الفعل و الترک فالمختار هو الذي له ان يفعل و له ان لا يفعل و حينئذ نقول لو کانت هنالک علة غير مجبورة من الخارج عالمة بافعالها و کذلک راضية بافعالها لکنها غير قادرة علی ترک الفعل فلا يصدق الاختيار هنا بالمعنی الواقعي للکلمة الّا اذا اصطلحنا للمختار معنی جديداً لکن هذا الاصطلاح سوف لا يغير من الواقع شيئاً.
هذا و الامر واضح جداً فقد فسر اللغويون المختار بالذي له ان يفعل و له ان لا يفعل، وبذلک يشهد الوجدان فانه لو علم الفاعل بفعله و رضي به و لم يکن مجبوراً علی فعله لکنه لا يکون قادر علی ترک الفعل ففي هذه الصورة لا يکون الفاعل مختاراً بالمعنی
الواقعي فلو فرضنا ان الشمس التي تعطي الضوء عالمة بفعلها و راضية به و لم تکن مجبورة علی الاشراق فمع کل هذه الاوصاف فهل يمکن ان نقول حسب الواقع انها مختارة؟ فهل هذا هو معنی الاختيار؟ فالجواب بديهي فان الذي يفهم من معنی الاختيار هو ان يکون الفعل و الترک باختياره فله ان يفعل و له ان لا يفعل لا (عليه ان يفعل) و لو اخترعنا للاختيار اصطلاحاً جديداً فلا علاقة له بالاختيار الواقعي؛ يعني لا بد ان نقول ان الله جل و علا بذاک المعنی (المخترع) مختار لکنه ليس قادراً علی ترک الفعل و ان قدرته جل و علا من هذه الجهة محدودة و کلنا يعلم ان عجز الذات الالهية المقدسة من ترک الفعل نقص، فالاختيار الذي يطرح في اللغة والذي يفهمه الانسان بفطرته :هو بمعنی القدرة علی طرفي الفعل و الترک.
وعدم القدرة علی احد طرفي الفعل و الترک عين العجز تعالی الله عن ذلک علواً کبيرا.
قسَّمت الفلسفة اليونانية و من تابعها؛ الوجود الی قسمين:
القسم الأول: و هو الوجود المطلق، و جعلوا کملة (الله) مقابل و مساوية لکلمة الوجود، بل و مرادفة لها، و اعتبروه الوجود المحض، و الذي لا تُنتزع منه الماهية. بخلاف القسم الثاني من الوجود و الذي هو وجود باقي الأشياء فاعتبروه الوجود المقيد، أو الوجود الخاص، و قالوا إنه تنتزع منه الماهية. و الذي جرّهم الی هذا اللون من التفکير، فکرة السنخية بين العلّة و المعلول کقانون حاکم علی الوجود، فالوجود يمکن أن يکون علّة للوجود، و لا يمکن أن يکون علّة للماهية.
يقول العلامة الآملي شارح المنظومة في حاشيتة علی المنظومة: « ... فالوجودات الخاصّة؛ ظلّ للوجود المنبسط، کما أن الوجود المنبسط ظلّ لوجود الحق تعالی. فالسنخية محفوظة بينها، کما أن للوجودات الخاصّة تعلقاً بالمنبسط، و الوجود
المنبسط تعلّق بنور الأنوار، و أما الماهية فهي عدمية لا سنخية بينها و بين الوجود مطلقاً» (1).
و لا يخفی مراده من الوجود الخاص، و الوجود المطلق.
و کذلک هنالک وجود آخر سمّاه بالوجود المنبسط الذي يقوم بالربط بين الوجودين، سوف يأتي الحديث عنه حين البحث عن فکرة العقول.
و الذي يهمنا هنا الکلام حول السنخية، و هل أنها من قوانين الواقع التي لا تتعلق بها القدرة، و إنها غير مجعولة، أم إنها من القوانين التي تحکم الطبيعة، و إنها ليست قانوناً واقعياً فنقول:
أولاً: إن کلمة الوجود، لا تدل علی حقيقة الوجود، و لا يمکن أن تشخص لنا کنه الوجود، و ليست هي مرادفة للذات المقدسة الالهية و ما هي إلّا عبارة عن التحقق و الثبوت، و لا معنی لأن يکون التحقق علة للتحقق کما لايخفی و عليه فما يقوله الفلاسفة من کون الله جل وعلا وجوداً لايصدر منه الّا الوجود مصادرة علی المطلوب بمعنی انه قد فرض سابقاً بان طبيعة وحقيقة واحدة مشترکة بين الخالق والمخلوق تسمی بالوجود و الحال ان هذا اول الکلام و ذلک لان کلمه الوجود لاتشخص لنا کنه و حقيقة الوجود بل ما هي الّا عباره عن التحقق والثبوت لاغير.
ثانياً: لا يوجد أي دليل عقلي علی ضرورة المسانخة بين العلة و المعلول إلّا ما يظهر من السنخية بين العلل و المعاليل الطبيعة، و لا شك أنه لا يمکن قياسها علی العلل و المعاليل الواقعية. فما يثبت کقانون في الطبيعة لايکون دليلاً علی ثبوته کقانون يحکم الوجود و الواقع فلنفرض أن هنالك مسانخة بين النار و الحرارة فليس معنی
1) 143- المنظومة: 13 حاشية 2.
ذلك أن ثبوت هذا القانون الطبيعي غير مجعول و ضروري الوجود و الثبوت حتی في الواقع، و لايمکن تبدله و تغيره.
و ثالثا: يقول أحد المشاهير في تعلقيته على نهاية الحكمة:
«ويمكن المناقشة في هذه الجهة بأن انتزاع مفهوم واحد عن اشياء كثيرة انما يدل على جهة اشتراك عينية فيها اذا كان ذلك المفهوم من قبيل المعقولات الاولى أي من المفاهيم التي يكون عروضها كاتصافها في الخارج كما انّ كثرة مثل هذه المفاهيم هي التي تدل على كثرة الجهات العينية.
وأمّا المعقولات الثانية فيكفي لحمل واحد منها على مصاديقه وحدة الجهة التي يلاحظها العقل كما انه يكفي لحمل اكثر من واحد منها على مصداق واحد كثرة الجهات الملحوظة عند العقل وان لم يكن بإزائها جهات متكثرة عينية فلا يدل وحدة المعقول الثاني على وجود جهة عينية مشتركة بين مصاديقه و لا كثرته على كثرة الجهات الخارجية كما يدل وحدة مفهوم الماهية أو مفهوم العرض على جهة وحدة ماهوية بين الاجناس العالية والاّ لزم وجود جنس مشترك أو مادة مشتركة بينها وكمالا يدل تعدد مفاهيم الوجود والوحدة والفعلية على تعدد الجهات العينية في الوجود البسيط الذي لا جهة كثرة فيه».(1)
فالحاصل انّه إذا اطلق المفهوم من المعقولات الاولية على المواضيع المختلفة فانّه يكون علامة على اشتراك تلك المواضيع فيما بينها في جهة الوجود الخارجي وكذلك الأمر في المفاهيم التي تحمل على اشياء إذا كانت متعددة، فانّه دليل على تعدد جهات تلك الاشياء.
امّا في المعقولات الثانية فاطلاق المفاهيم المتعددة على مصداق واحد لا يكون عن تعدد وتكثر ذلك المصداق في الخارج كما في المثال المتقدم من اطلاق العالم والقادر والحي على الذات الالهية، لكن المصداق واحد كذلك من الممكن أن يطلق
1) - تعليقة على نهاية الحكمة/ 46
مفهوم واحد (باللحاظ الذي اعمله العقل) على أمور متباينة بلا أن يكون بينها اشتراك في الوجود الخارجي.
وبعبارة أخرى حينما يعبر عن الوجود الواحد البسيط بالوجود والوحدة والفعلية و... فهذه التعابير لا تدل على وجود جهات كثيرة في الخارج كذلك اطلاق المفهوم الواحد على الاشياء المختلفة لا يثبت اشتراكها في الوجود الخارجي وبذلك فما يقال من ان اشتراک الوجود دليل علی السنخية مخدوش وباطل ايضا.
و من هذا البيان يتضح بأنه لادليل علی ثبوت السنخية في الواقع و لايمکن قياس الطبيعة علی عالم الوجود بأسره؛ حيث لايخفی إن العلل و المعاليل الطبيعية لاتملك من امرها شيئاً الاما ملّکها و وهبها الله تعالی.
رابعا: نحن نعلم أن هذا العالم المشاهد المحسوس يشتمل علی المتضادات و المتخالفات و الکثرات المتنوعة و هو ذو جهات عديدة و کلها غير البساطة و نعلم أيضاً أنها لم تستند الی علة غيره تعالی و إلا لتعدد الاله فأي سنخية إذاً بينه تعالی و هو واحد بسيط «المراد من البساطة هو عدم الترکب» و بينها و هي کثيرة؟ أفلا يکون هذا دليلاً قاطعاً علی أنه غيرها و أن لاسنخية بينه تعالی و بينها؟.
1- هذا مضافا الی ان القول بالسنخية يستلزم اجتماع النقيضين فالذي يقول بالسنخية العلة والمعلول لابد و أن يعتقد باجتماع النقيضين أو يقول بعدم وجود الممكن اصلا كما فعل كثير من الفلاسفة وقالوا ان ممكن الوجود لا وجودله و ذلك لان السنخية لو كانت موجودة بين المرتبة غير المتناهية و المرتبة الضعيفة فمعنى ذلك هو الاشتراك في حقيقة واحدة و هذه الحقيقة الواحدة بالنسبة الى مرتبتها الضعيفة ليست بواجبة الوجود (بل هي ممكنة الوجود) و بالنسبة لمرتبتها العالية هي واجبة الوجود ولازم ذلك هو اجتماع وجوب الوجود مع عدم وجوب الوجود وهذا هو اجتماع النقيضين و هو باطل.
و لذا لابد و أن يقال انّ المقصود من الممكن هو المرتبة الضعيفة من واجب الوجود و عليه فلا يكون ممكن الوجود بالمعنى الاصطلاحي المعروف بل يكون المراد من ممكن الوجود هي المرتبة الضعيفة من وجوب الوجود (و التي هي تشترك مع أقوى المراتب في حقيقة واحدة بمعنى أنها شيء واحد وحقيقة واحدة) ويكون البحث هنا عن العينية و الاتحاد بين الذات المقدسة الالهية والكائنات الذي سنذكر لوازمه الكثيرة الباطلة وانه لا يمكن الالتزام به اصلا بأي وجه من الوجوه.
فان قلت: التناقض يشترط فيه وحدة الموضوع؟
قلت: وحدة الموضوع هنا الحقيقة المشتركة بينهما.
وثانيا: إذا كانت السنخية ثابتة بين كل المراتب المختلفة ولا يوجد شيء اخر فنفس هذه المراتب (غير العالية) لا توجد في المرتبة العالية، قالوا انّ المرتبة العالية تكون اكمل وأتم و واجدة للمرتبة الاخرى امّا أنها ليست نفس تلك المرتبة و عليه نقول: انّ هذه المرتبة حيث أنها من سنخ المرتبة العالية وسنخ المرتبة العالية من سنخ الوجوب ولذا فهذه المرتبة لابد وأن تكون من سنخ الوجوب ونتيجة ذلك تعدد واجب الوجود بتعداد الموجودات لان كل واحدة من هذه الموجودات هي من حقيقة واحدة وحيث ان تلك الحقيقة واجبة الوجود فالنتيجة ان كل هذه الموجودات هي واجبة الوجود وهذا المعنى مناف للتوحيد الالهي وابطال له.
وقد جرتهم فکرة السنخية الی القول: بأن ماهو موجود في العالم موجود في ذاته تعالی بنحو ابسط و أعلی. يقول ملا صدرا الشيرازي: «إنه لا مانع من التزام کونه تعالی
جسماً إلهياً...»(1)و يقول ملا هادي السبزواري في حاشيته علی المنظومة: «و لما کان العقل الکلي أمراًبالفعل جامعاً لجميع فعليات مادونه بنحو أبسط و أعلی و أنحاء الفعليات المتشتة أظلاله و هو ظل الله تعالی». و يقول في الأسفار ايضاً في الفصل الثاني عشر من السفر الثالث تحت عنوان: في أن واجب الوجود تمام الاشياء و کل الموجودات و إليه ترجع الامورکلها.. إذا تقرر هذا فنقول: إن العرفاء قد اصطلحوا في إطلاق الوجود المطلق و الوجود المقيد علی غير ما اشتهر بين أهل النظر، فإن الوجود المطلق عند العرفاء؛ عبارة عما لايکون محصوراً في أمر معين محدوداً بحد خاص و الوجود المقيد بخلافه ؛ کالانسان و الفلك و النفس و العقل و ذلك الوجود المطلق هو کل الاشياء علی وجه أبسط».
اقول: بعد بطلان قانون السنخية يتضح الجواب لما رتب عليها من أنه تعالی عين مخلوقاته و يشتمل علی کل ما في مخلوقاته بنحو أعلی و أبسط علی سبيل اللف و الرتق وانه لامانع من کونه جسماً إلهياً (حسب تعبيرهم ) و لتوضيح بطلان هذه الافکار نقول:
أولاً: بعد قيام البرهان القاطع في أنه تعالی ليس بمحدود و لامرکب و لا تحده جهة لامعنی لکونه جسماً إلهياً بعد ما نعلم أن العالم الجسماني ذو أبعاد ثلاثة مشتمل علی الجهات و الحدود تعالی الله عن ذلك علواً کبيراً.
ثانياً: يلزم علی مقالتهم کونه تعالی محدوداً بما اشتمل عليه و لو بنحو أعلی و أبسط علی حسب تعبيرهم و ذلك عين المقهورية و الاضطرار.
ثالثاً: يلزم أن يکون تعالی عين الاحتياج و عين الکثرة و القلة و التضاد و التخالف.
و الخلاصة: إنه تعالی ليس جسماً إلهياً و ليست الجسمانية ذاته تعالی بنحو أبسط و أعلی بل هو ذات واحدة أحدية فوق المادة و الحد و الترکيب و إن ما يصدر منه ليس هو ذاته أو نحو من أنحاء ذاته بل هو غير ذاته فليس مانملک من روح و عقل و جسم و حدود يلزم وجوده في ذاته تعالی بل هو فوق ذلك ،هو واهب الروح و العقل و
1) - کتاب التنقيح المجلد الثالث ص 78
الجسم و مع ذلك فهو غيرها. وهذه هي الرؤية الاسلامية قال الله تعالی «الذي جعل لکم الارض فراشاً والسماء بناءً... فلا تجعلوا لله انداداً و انتم تعلمون«(1)و قال تعالی «وجعلوا لله انداداً ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيرکم الی النار»(2)و هاتان الآيتان دالتان علی عدم السنخية بينه تعالی و بينمخلوقاته حيث أن معنی الند هو المشارك في السنخ ففي مفردات الراغب الاصفهاني « نديد الشيئ مشارکه في جوهره... قال تعالی: « فلا تجعلوا لله انداداً »(3).
1-و عن الامام الرضا (علیه السلام) « و کل ما في الخلق لايوجد في خالقه و کل ما يمکن فيه يمتنع في صانعه»(4)فکل ما في الخلق من صفات وهي صفات الحدوث والامکان لا يوجد في الخالق بل هو ممتنع فيه جل وعلا لاستلزامه اجتماع النقيضين کما تقدم.
2- و عن الامام الصادق (علیه السلام) : «من شبه الله بخلقه فهو مشرك إن الله تعالی لايشبه شيئاً و لا يشبهه شيئ، کلما وقع في الوهم فهو بخلافه»(5)وهذه الرواية کسابقتها دالة علی التباين الذاتي بينه تعالی وبين مخلوقاته فهو تعالی لا يشبه المخلوقات لانها مقهورة مجعولة حادثة محدودة وهو تعالی شانه قاهر لامقهورية في ذاته ولاهو حادث اومجعول بل هوازلي غني عمن سواه فلا شباهة بين الحادث والقديم ولا شباهة بين الغني والفقير.
3- ويقول الامام الرضا (علیه السلام) :خلق اللَّه تعالى الخلق حجابا بينه وبينهم ومباينته ايّاهم مفارقته انيّتهم».(6)
فنفس ايجاد الخلائق والموجودات هو الحجاب بين اللَّه تعالى والمخلوقات لا انّه هنالك حائل بينه تعالى وبين مخلوقاته فنفس ايجاد الخلائق هو حجاب حيث انّ اللَّه تعالى يباين الخلق تباينا ذاتيا ولذا فنتيجة ايجاد الخلائق هو الحجاب وقد أشير في ذيل الحديث الى هذه الجهة بقوله (علیه السلام) «مباينته اياهم مفارقته انيّتهم» فتباين الذات الالهية مع الخلائق بهذا المعنى وهو: ان حقيقة الذات الالهية المقدسة تباين وتفارق حقيقة الاشياء والموجودات ولا اشتراك بينهما اصلا.(1)
4- يقول أميرالمؤمنين (علیه السلام) : الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان، قدرةً بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه»(2)فاللَّه جلّ وعلا لا من شيء كان موجودا ولا من شيء خلق الخلائق فهو (لَمْيَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وذلك لانه مباين للاشياء والاشياء مباينة له تعالى. وهذا الحديث الشريف حصل فيه تحريف في نسخة ملاصدرا ففيه «فدرة» بدل «قدرة» وقد شرح ملاصدرا الفدرة بالقطعة وحاول بعباراته اثبات ذلك الاّ انّ الأمر ليس كذلك فليس هذه القطعة وذلك الجزء مباينا للاشياء ولو جعلنا الفدرة بمعنى القطعة للزم التركيب في الذات الالهية وحيث لا تركيب في الذات المقدسة فالنتيجة هي انّه تعالى بان من الأشياء ويتعين هذا المعنى مع لفظ القدرة التي جاء في النسخ الاخرى.
5-ويستمر أميرالمؤمنين (علیه السلام) في حديثه السابق ويقول: «حدّ الاشياء كلها عند خلقه اياها ابانة لها من شبهه وابانة له من شبهها»(3)فيؤكد (علیه السلام) في هذا الحديث علی التباين بينه تعالى وبين المخلوقات.
6- وفي موضع آخر يقول (علیه السلام) : «لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين»(1)وهنا يصرح (علیه السلام) بنفي السنخية بينه تعالى وبين المخلوقات ويثبت البينونة.
7- و عن امير المؤمنين (علیه السلام) في نهج البلاغة: « الحمد لله الدال علی وجوده بخلقه و بمحدث خلقه علی ازليته و باشتباههم علی أن لا شبه له... لافتراق الصانع و المصنوع و الحاد و المحدود و الرب و المربوب»(2)
8- و عن الامام الرضا (علیه السلام) « ... و لا اياه وحد من اکتنهه و لاحقيقته اصاب من مثّله... و مباينته اياهم مفارقته إنيتهم ... و ذاته حقيقة وکنهه تفريق بينه و بين خلقه... فقد جهل الله من استوصفه...»(3).
9- و عن الامام الحسين (علیه السلام) « لايوصف بشيئ من صفات المخلوقين»(4)
10 - و عن امير المؤمنين (علیه السلام) : « و توحيده تميزه من خلقه و حکم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، کل ما تصوّر فهو بخلافه»(5).
11- و عن الامام الرضا (علیه السلام) : «... ما توهمتم من شيئ فتوهموا الله غيره»(6).
12- و عن الامام الجواد (علیه السلام) : «... کيف تدرکه الاوهام و هو خلاف ما يعقل و خلاف ما يتصور في الاوهام فما وقع وهمك عليه من شيئ فهو خلافه»(7).
13- و عن مولانا امير المؤمنين (علیه السلام) : « لا يخطر ببال اولي الروّيات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من ان يکون في قوي المحدودين لانه خلاف خلقه فلا شبه
له من المخلوقين و إنما يشبّه الشيئ بعديله فاما ما لا عديل له فکيف يشبّه بغير مثاله»(1).
14- و عنه ايضاً (علیه السلام) : « فمعاني الخلق عنه منفية... المعروف بغير کيفية... و لا يقاس بالناس... و لاتحيط به الافکار و لا تقدره العقول و لا تقع عليه الاوهام فکل ما قدره عقل او عرف له مثل فهو محدود»(2).
15- و عنه (علیه السلام) ايضاً: «... مباين لجميع ما احدث في الصفات و ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات...(3)
16- و عن الامام الصادق (علیه السلام) : « إن الله تبارك و تعالی خلو من خلقه و خلقه خلو منه و کل ما وقع عليه اسم شيئ ما خلا الله عزوجل فهو مخلوق و الله خالق کل شيئ تبارك الذي ليس کمثله شيئ»(4)
17- و عنه ايضاً (علیه السلام) : « لا يليق بالذي هو خالق کل شيئ الا ان يکون مبايناً لکل شيئ متعالياً عن کل شيئ...»(5)
هذا و قد جاءت الرؤية الاسلامية حول الذات الالهية بتنزيه الذات الالهية عن الاجزاء و المقدار و العدد و الزمان و المکان و الزيادة و النقصان و الشدة و الضعف و الصغر و الکبر و کل آيات المخلوقية و المصنوعية فهو تعالی منزه عن کل ذلك و لاباس بذکر بعض الروايات الوارد في ذلك:
فعن مولانا الصادق (علیه السلام) : « لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف إنما يختلف المتجزئ و ياتلف المتبعض فلا يقال له مؤتلف و لا مختلف»(6).
و عنه (علیه السلام) : «واحد في ذاته فلا واحد کواحد لأن ما سواه من الواحد متجزئ و هو تبارك و تعالی واحد لامتجزئ و لا يقع عليه العد »(1)
و عن الامام الهادي (علیه السلام) : « الله جل جلاله واحد لا واحد غيره لا اختلاف فيه و لا تفاوت و لا زيادة و نقصان».(2)
و عنه (علیه السلام) : « لم يتجزء و لم يتناه و لم يتزايد و لم يتناقص»(3).
و عن مولانا الجواد (علیه السلام) : « إن ما سوی الواحد متجزئ و الله واحد لا متجزئ و لا متوهم بالقلة و الکثرة و کل متجزئ او متوهم بالقلة و الکثرة فهو مخلوق دال علی خالق له»(4).
و عن مولانا امير المؤمنين (علیه السلام) : «تعالی الملك الجبار أن يوصف بمقدار(5)»
و عنه (علیه السلام) : «... عظيم العظمة لا يوصف بالعظم کبير الکبرياء لا يوصف بالکبر»(6).
و عنه (علیه السلام) : «ليس بذي کبر امتدت به النهايات فکبرته تجسيماً و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيداً بل کبر شأناً و عظم سلطاناً(7)»
وهذه الرواية دالة علی ان وجود الله جل وعلا ليس هو من سنخ هذا الوجود وجود المخلوقات حتی يکون الفرق بينهما بانه ممتد الی ما لا نهايةوغيره محدود بل ان الله جل وعلا يباين المخلوقات في اصل الوجود.
و الحاصل أنه لا سنخية بين الذات الالهية المقدسة التي هي لا توصف بالحد و الحدود بل هي فوق ذلك و بين المخلوقات.
وهذه هي الرؤية الصحيحة، و التي قد جاء بها نور الإسلام و القرآن فعن باب مدينة العلم علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و السلام: « ... لا يدرکه بُعد الهِمم، و لا يناله غوص الفِطَن».
أي إن همم النظار و أصحاب الفکر و إن علت و بعُدت؛ فإنها لا تُدرک الذات المقدّسة الإلهية، و لا تُحيط بها علماً. و غوض الفطن: استغراقها في بحر المعقولات؛ لتلتقط درر الحقيقة، و هي و إن بعدت في الغوص لا تنال حقيقة الذات المقدّسة.
و في رواية اخری عنه (علیه السلام) : « کل معروف بنفسه: مصنوع» فلو کان الباري تعالی معروفاً؛ لکان مخلوقاً لا خالقاً.
و عن أفضل البشرية و الکائنات، خاتم الأنبيا و الرسل محمد صلي الله عليه و أله و سلّم: «إن الله احتجب عن العقول کما احتجب عن الأبصار»
کما و قد جاءت الآيات لتؤکد ما ذکرناه من رؤية: «اللهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ و مِنَ الأرضِ مِثلَهُنَّ يتَنَزَّلُ الأمرُ بَينَهُنَّ ِلِتَعلَموا أنَّ اللهَ علی کُلِّ شيءٍ قديرٌ و أنَّ اللهَ قَد أحاطَ بکُلِّ شَيءٍ عِلمَاً»(1).
و في نفس خطبة أمير المؤمنين (علیه السلام) في نهج البلاغة، جاء التأکيد و التصريح،؛ بما يخالف العقائد و الآراء الفلسفية اليونانية، يقول عليه أفضل الصلاة و السلام: « و کمال الإخلاص له، نفي الصفات عنه؛ لشهادة کل صفة أنها غير الموصوف، و شهادة کل موصوف أنه غير الصفة. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، و من قرنه ثنّاه، و من ثنّاه
1) - سورة الطلاق آية: 12.
فقد جزأه، و من جزأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه.. مع کل شيء لا بمقارنة، و غير کل شيء لا بمزايلة».
ففي هذه الخطبة الشريفة تصريح بأن الله تعالی شأنه؛ لا يوصف، و لا تُعرف ذاته و أنه غير المخلوقات، لکنّه لا بمعنی أن يخلو منه مکان، بل هو محيط بکل مکان. و شرح الإمام عليه أفضل الصلاة و السلام ما يترتب علی توصيف الذات من المحددية و التجزئة. فالله تعالی قادر علی کل شيء، و قدرته عين ذاته؛ لا أن مقدوره عين ذاته،کما خرجت مثل هذه الشطحات المُزلَّة عن الصراط المستقيم من الفلاسفة فالمخلوقات متعلقات القدرة لا عينها.
و لا يخفی إن خطب و کلمات و احتجاجات النبي و الأئمة عليهم جميعاً آلاف التحية و السلام مع عمقها و اشتمالها علی مختلف أساليب الإستدلال؛ لم نجد فيها و لا رواية واحدة تدلل علی الآراء الفلسفية؛ من السنخية، و الواحد لا يصدر منه إلا واحد، و وحدة الوجود، و أنه تعالی جسم إلهي و غيرها.
و لهذا السبب اضطر الفلاسفة لدعم الآراء الفلسفية لأن يؤلوا الآيات و الروايات حتی يرتفع التناقض و التضارب الموجود بين الآيات و الروايات وبين مايقرروه من آراء فلسفية.
ادّعت الفلسفة اليونانية؛ وجود عقول تکون رابطة بين الذات الإلهية المقدّسة، و العالم المادّي. و قد وقع الخلاف بين أرسطو و إفلاطون، فادّعی أرسطو: أن هذه العقول طولية، و يری إفلاطون أنها عرضية.
و المراد من العقول(1)هو المجردات الکلّية، بمعنی انبساط وسعة وجودها. و لتخريج فکرة العقول؛ ادّعت الفلسفة اليونانية استحالة صدور أکثر من معلول واحد من الله سبحانه و تعالی.
يقول السيد الطباطبائي: « لما کان الواجب تعالی واحداً بسيطاً من جميع الجهات؛ امتنع أن يصدر منه الکثير، سواء کان الصادر مجرداً کالعقول العرضية، أم مادياً کالأنواع المادية. لأن الواحد لا يصدر منه إلا واحد. فأول صادر منه تعالی؛ عقل واحد يحاکي بوجوده الظلي وجود الواجب تعالی في وحدته، و لما کان معنی أوليته هو تقدّمه في الوجود علی غيره من الموجودات الممکنة؛ و هو العلية، کان علّة متوسطة بينه و بين سائر الصوادر منه، فهو الواسطة في صدور مادونه... لأن صدور الکثير من حيث هو کثير من الواحد من حيث هو واحد ممتنع. ثم إنالعقل الأول و إن کان واحداً في وجوده بسيطاً في صدوره؛ لکنه لمکان إمکانه تلزمه ماهية اعتبارية غير أصلية؛ لأن موضوع الإمکان هي الماهية، و من وجه آخر هو يعقل ذاته و يعقل الواجب تعالی، فتعددت فيه الجهة و يمکن أن يکون لذلک مصدراً لأکثر من معلول واحد، لکن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلا بدّ من صدور عقل ثان و ثالث و هکذا حتی تبلغ جهات الکثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال. فتبين أن هناک عقولاً طولية کثيرة، و إن لم يکن لنا طريق الی إحصاء عددها»(2).
و استدلالهم علی فکرة العقول و المثل؛ يعتمد هذه المقدّمات:
أولاً: إنه تعالی بسيط و ذو جهة واحدة، و لا يشتمل علی تعدد في الجهة.
ثانياً: إن الواحد من حيث هو واحد؛ يمتنع أن يصدر منه الکثير من حيث هو کثير.
ثالثاً: إن العقل الأول؛ لما کانت له جهتان، جهة الی ذاته وهو انه معلول، و جهة الی علّته صح أن يصدر منه اثنان؛ عقل و نفس کلّية (فلک) کما يقولون.
رابعاً: إن عالم المثال؛ يشتمل علی جهات کثيرة، و عليه فيحتاج في صدوره الی عقول تفي بجهات عالم المثال الذي هو علّة لعالم المادّة و الطبيعة.
و تعتمد هذه المقدمات علی قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد، فلا بدّ من التعرّض لدليل القاعدة أيضاً.
يقول السيد الطباطبائي في إثبات القاعدة: «و ذلک أن من الواجب أن يکون بين العلّة و معلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منها و غيرالآخر، و إلا جاز کون کل شيء علّة لکل شيء، و کل شيء معلولاً لکل شيء. ففي العلّة جهة مسانخة لمعلولها هي المخصصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلّة الواحدة و هي التي ليست لها في ذاتها إلا جهة واحدة معاليل کثيرة بما هي کثيرة متباينة غير راجعة الی جهة واحدة بوجه من الوجوه؛ لزمه تقرر جهات کثيرة في ذاتها، و هي ذات جهة واحدة و هذا محال» (1).
و الجواب:
أولاً: لا يوجد دليل عقلي بديهي أو برهاني علی صحّة هذه القاعدة (الواحد لا يصدر منه إلا واحد). و يکفينا عدم الدليل في بطلانها، و ما ذُکر من الإستدلال عليها فإنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدّعی، فقالوا: «لا يمکن أن يصدر الکثير بما هو کثير من الواحد بما هو واحد» و هو کما تری عين محتوی الواحد لا يصدر منه إلا واحد. و تارة يستدل لها بدليل إلزامي، و مع ذلک فهو باطل من جهات:
الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و قد أبطلناها.
1) - بداية الحکمة: 83.
الثانية: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة، و إنما هنا لک علّة واحدة و هي الذات المقدّسة الإلهية، و ما سواها فإنما يستمدّ الوجود منها، و لا يملک من أمره شيئاً؛ ما لم تهب له الذات المقدّسة من وجود و قدرة. و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يکون کل شيء علّة لکل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق کل شيء حتی يصدر منها کل شيء، و إنما الواقع إله واحد، و قدرة واحدة، و ما سواها إنما يستمدّ الوجود منه تعالی. فهي إذاً ساقطة من الحساب،ويبقی الله وحده لا شريک له وهو جل وعلا بحکم ما تقدم من البراهين العقلية قادر علی کل شئ يعني قادر علی ان يخلق ويبدع من کتم العدم کل شئ مما لم يکن له وجود بانواعه واضداده و...
الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية، و بعد ثبوت الکثرة في الواقع ،وهم يعترفون بثبوت الکثرة في الخارج، و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة«و إن هذه الکثرات لم تستند في وجودها و ما تملک من قدرة وسعة في الوجود إلا إليه تعالوهم يعترفون بذلک لکن بتوسط العقول»إذاً نعلم علم اليقين أن هذه الکثرة صادرة منه تعالی لا من غيره؛ لأن غيره لا يملک من أمره شيئاً ما لم يملّکه باريه. فسقط ما کانوا يخرصون، تعالی الله عما يصفون، إنما هو إله واحد لا شريک له.
فکيف يملّکون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة، و هم لا يملکون إلا ما وهبهم و ملّکهم الله جلّ و علا؟.
و العقل ينادي إن الوجود من العدم مستحيل و بعبارة اخری إن المعلول بلا علة مستحيل.
و أخيراً: فما عليه المحقق خواجه نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده من بطلان قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد؛ هو الحق الذي لا محيص عنه.
الذي يظهر من تاريخ الفلسفة و اعتقادات الملل؛ أن الأصل في القاعدة هو: تبرير القول بإلهين، يعني: إلهي الخير و الشر و إنه يستحيل صدور الضد من الاله الذي
هو محض الخير و المراد من الضّد هو الشّر. و اصطلاح الضد هنا بالمعنی الاعم من النقيض و الضد المنطقي فهو شامل لهما.
و أجاب عن هذه الشبهة السيد الکبير عبد الله شبر رحمه الله : «بأنه اللازم من ذلك ان يکون لکل ضد إله مستقل وإنه يلزم تعدد الآلهة بتعدد الأضداد؛ کالبياض و السواد، و الحرارة و البرودة(1)...».
و اجاب عن هذه القاعده بعض المحققين: بأن الفلاسفة هم أنفسهم لايلتزمون بالقاعدة فإن مقتضی القاعدة أن لا يصدر إلّا شيء واحد في حين إنهم يقولون إن الصادر الأول من الله سبحانه و تعالی مشتمل علی جهتين. فإن کانت الجهة الثانية مستندة في وجودها الی الله جل و علا فيلزم تعدد الجهة في ذاته, و هم لا يقولون بذلك و إلا لم تکن صادرة عنه فيلزم صدورها من العدم و الوجود من العدم محال.
و قد اجاب عن ذلك بعض الفلاسفة: بأن هاتين الجهتين انتزاعيتان. فاجابه ذلك المحقق بان الأمر الإنتزاعي معدوم؛ فيلزم استناد الموجود الی المعدوم، حيث أنهم قائلون بصدور عقل و فلك من الصادر الأول و لازمه ما قاله ذلك المحقق .
هذا و لا باس بتوضيح مفردات هذه القاعدة حسب مااصطلحوا عليه:
فنقول: المراد من الواحد هو البسيط (کما صرح بذلك الطباطبائي في نهاية الحکمة) و هو عندهم مفهوم مشکك يطلق علی ما لا يترکب من مادة و صورة خارجيتين، فيشمل حينئذ الأعراض و العقول (حسب اعتقادهم) بل و نفس المادة و الصورة.(2)و قد يطلق البسيط علی ما لايتصور له أجزاء بالفعل ولا بالقوة، حتی لو کان ذلك بتبع الموضوع، فينحصر بالمجردات (حسب اعتقادهم) و قد يطلق علی ما ليس له اجزاء عقلية، ولا يتصور له اي ترکيب حتی في الماهية و الوجود ، فيختص هذا المعنی بالله جل جلاله.
ثم ذکر الشيخ مصباح استاذ الفلسفة: «انه لو کان المراد بالبسيط المعنی الاخير، اختصت القاعدة بالله تعالی،والّا فلو عمّمنا القاعدة لغيره،کان المراد بالبسيط،هو الحيثية الواحدة التي يصدر عنها المعلول،ولو کانت مقترنة بحيثيات اخری(1)»
وذکر الشيخ مصباح:«بان لهذه القاعدة ارتباطا وثيقا بقاعدة التسانخ بين العلة والمعلول. فقد استدل السيد الطباطبايي علی هذه القاعدة بالتسانخ، وقد اوضح ذلك الاستاذ مصباح فقال:«السنخية بين العلة و المعلول، قد تلاحظ بين العلة المفيضة و معلولها، و قد تلاحظ بين سائراقسام العلة الحقيقية و المعدة والمعلول المنسوب اليها. اما الاول: فهو أمر قريب من البداهة إن لم يکن بديهيا، فان العلة المفيضة هي المعطية لوجود المعلول، ومن الواضح استحالة إعطاء الشي ء لما هو فاقد له، و رجوع ذلك الی التناقض ، الی أن قال: وأما السنخية بين الفاعل الطبيعي ومعلوله، وبين الشرط والمشروط، و بين المعدات و المستعدات فليس مما يستقل به العقل، بل يحتاج الی التجربة»(2).
اقول: أما ما استدل به من أن الشيء لا يکون علة لضده.
فجوابه:إن ذلك لا ينطبق علی الله جل و علا لأنه تعالی لا ضد له بمعنی الممانع کما ثبت بالبرهان . فهو واحد لايتثنی و لا حد له (بل هو فوق الحد لان التناهي و عدمه من صفات الموجودات المادية) و لا مثيل و لا شبيه و لا ضد له و عليه فجميع الأضداد الصادرة منه ليست ضداً له لانها ليست من سنخ وجوده تعالی فالضدان أمران وجوديان لايجتمعان اذا کانا من سنخ واحد. و الله تعالی لا يشترک مع الممکنات بطبيعة و سنخ وجودها و يستحيل أن يکون له ممانعاً في وجوده فالأضداد في عالم المخلوقات لا علاقة لها بعالم الخالقية فلايمکن قياس عالم الآثار علی عالم المؤثر فقد قام البرهان أن الأثر غير المؤثر و أن الحاد غير المحدود فالمؤثر هنا لا يتطرق اليه التحديد و لامقهورية في ذاته و بعد عدم وجود مقهورية في ذاته فهو غير الأثر الذي هو مقهور و مغلوب علی أمره و محدود في ذاته و وجوده فان وجوده مجعول قابل للعدم فلا سنخية بين الاثار
و بين ذات الله تعالی حيث لا تکون مجعولة و لا قابلة للوجود والعدم فالآثار فيما بينها متضادة لانها من سنخ واحد, أما بالنسبة الی مؤثرها فلا تضاد بينها و بينه لانه تعالی ليس من سنخها بل هي کلها تحت سلطانه يوجدها ويعدمها.
هذا مضافاً الی انه:
أولاً: لا يوجد دليل عقلي بديهي او برهاني علی صحة هذه القاعدة (الواحد لايصدر منه الّا واحد), ويکفينا عدم الدليل عليها في بطلانها، وما ذکر من الاستدلال عليها فأنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدعی، فقالوا: « لا يمکن أن يصدر الکثير بما هو کثير من الواحد بما هو واحد» و هو کما تری عين محتوی الواحد لا يصدر منه الّا واحد. و تارة يستدل لها بالدليل الاتي الإلزامي، و مع ذلك فهو باطل من جهات:
الأولى: إنه يبتني على ثبوت السنخية و قد أبطلناها.
الثانية: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة و إنما هنالك علة واحدة و هي الذات المقدسة الالهية و ما سواها فإنما يستمد الوجود منها و لا يملك من أمره شيئاً ما لم تهب له الذات المقدسة من وجود و قدرة(1).
و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يکون کل شيء علة لکل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق کل شيء حتی يصدر منها کل شيء و إنما الواقع إله واحد و قدرة واحدة و ما سواها إنما يستمد القدرة منه تعالی. فهي إذن ساقطة من الحساب.
الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية و بعد ثبوت الکثرة في الواقع (و هم يعترفون بثبوت الکثرة في الخارج و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة) و إن هذه الکثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة وسعة في الوجود إلّا إليه تعالی , و هم يعترفون بذلك لکن بتوسط العقول.
إذن نعلم علم اليقين أن هذه الکثرة صادرة منه تعالی لا من غيره لأن غيره لا يملك من أمره
1) هذا الجواب في مقام عالم الاثبات .
شيئاً ما لم يملّکه باريه, فسقط ما کانوا يخرصون تعالی الله عما يصفون إنما هو إله واحد لا شريك له,
فکيف يملّکون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة و هم لايملکون إلّا ما وهبهم و ملکهم الله جل و علا؟. و العقل ينادي إن وجود المعلول من العدم - اي بلا علة - مستحيل.
ولا يخفى ان رؤية الاسلام حول هذه القاعدة المزعومة واضحة حيث يقول تعالى: في سورة الاعراف ( الاله الخلق والامر و يقول تعالى في سورة الرعد ام جعلو الله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار...)(1)وان الله تعالى فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً انما هو كن فيكون لا انه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاول ونكتفي من الروايات الدالة على بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضاء (علیه السلام) ما تقول في التفويض؟ فقال (ان الله تبارك وتعالى فوض الى نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال (علیه السلام) ان الله عز وجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون(2)فان قوله (علیه السلام) (ان الله خالق كل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي واسطة في البين لخالقيته تعالى للمخلوقات و حتى جريان المعجزة على يد الانبياء و الائمة (علیهم السلام) لم يكن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد + في الرد على المفوضة بعد قوله اولاً (والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته (علیهم السلام) الى الالوهية
والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم امير المؤمنين (علیه السلام) بالقتل والتحريق بالنار وقضت الائمة (علیهم السلام) عليهم بالاكفار والخروج عن الاسلام) : والمفوضة صنف من وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة وخلقهم ونفي القدم عنهم واضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم ودعواهم ان الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة وانه فوّض اليهم خلق العالم بمافيه وجميع الافعال (1)
ثانياً: و إما قولهم إنه تعالى بسيط و ذو جهة واحدة و إنه لو صدر منه معلولات متعددة لزم تقرر جهات متعددة في ذاته ففيه:
1 - إنه تعالى فوق الجهوية لا أنه محدود بجهة واحدة و المقصود من أنه تعالى لاجهات فيه و أنه بسيط يعني لا تركب و لاتكثر في ذاته بل ذاته واحدة كاملة غنية عمن سواها لا انها محدودة بجهة واحدة مضافاً الى ان تحديد الذات الغنية الكاملة يستلزم التناقض و لا معنى له غير ذلك.
2- التكثر الواقع و الذي لابد له من علة إن كان من الله جل و علا فهو ينافي قاعدتكم بإن الواحد... و إن كان من غيره لم يكن الله تعالى علة لكل المخلوقات و كانت هنالك علل غيره و هو واضح البطلان.
3- يلزم من قولكم هذا ايضاً محدودية الذات المقدسة الإلهية.
ثالثاً: و أما ما يقال في توجيه صدور الكثرة من غيره تعالى من إن العقول لكونها معلولة فهي تعقل ذاتها و تعقل علتها فصح صدور معلولات متعددة منها.
أقول: يلزم من ذلك كله أمور:
الأول:عدم صلاحية الذات المحدودة بجهة واحدة (حسب اعتقادهم) لأن تكون علة لكل المخلوقات هذا مع بطلان فكرة العقول و تعدد العلل.
1) اوائل المقالات ص 240 و 239 و 238 طبع مكتبة الداوري
الثاني: كفاية معقولية الذات و الغير في صلاحية المعقولية لصدور معلولين من امر باطل مضافاً الى عدم ثبوت كون المعقولية كافية في إعطاء قدرة الخلق و الايجاد بذاتها من دون استنادها الى علتها.
الثالث و أخيراً لم لا تقولون ذلك بالنسبة الى الذات الإلهية المقدسة؟! فهو يعلم ذاته و يعلم معلولاته و علمه عين ذاته فهو أولى بصدور معاليل متعددة منه؛ لأنه فوق الجهات المعلولية التي جعلتموها صالحة لأن تكون علة للتكثر .
رابعاً و أما ما ذكره السيد الطباطبائي و الأستاذ مصباح من أن العلة المفيضة هي المعطية لوجود المعلول و إنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.
أقول: و لازم ذلك أن يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالى فجسمانية العالم و ماديته و ما اشتمل عليه كل ذلك في ذاته تعالى لأنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.
فإن قلت: نعم كل ذلك في ذاته تعالى إلا أنه من نوع عالم الألوهية و بنحو أتم و أرقى.
قلت: كيف يكون المجرد على تجرده (بمعنى عدم محدوديته ولا يتطرق اليه التحديد و فوق المادة عين الوجود المادي و هو محدود؟ و هل هذا إلا الجمع بين النقيضين؟ فإما أن نحافظ على تجرد المجرد و عدم محدوديته؛ فهو إذاً غير الماديات فانخرمت قاعدة (فاقد الشيء لا يعطيه) و إما أن نقول انه تعالى عينها و نحافظ على هذه القاعدة و هو خلاف البرهان العقلي و القطعي في أنه تعالى لا يتطرق اليه التحديد و لا شبيه له.
أقول: وقد توهم في فهم القاعدة فلم يفهموا معناها و المراد منها. و ذلك فإن معناها: أن من لاقدرة له على الخلق و الإيجاد لا يستطيع أن يخلق و يُوجد. ففي الحقيقة هذه القاعدة تعبير آخر آخر عن قاعدة الوجود من العدم مستحيل أو احتياج الممكن الى العلة فالمراد أن الوجود يستحيل استناده الى العدم بل هو مستند الى العلة و إن الممكن
لا وجود له في نفسه و إنما يعطی له الوجود بواسطة علته أما کيف يعطي له الوجود و إن وجوده قطعة من وجود علته فهذا ما لا تتکفل القاعدة ببيانه و أجنبي عن القاعدة (يعني قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه) فإن العلة کما يعقل أن تعطي الوجود لمعلولها من ذاتها کذلك يعقل و يمکن أن تعطي الوجود لمعلولها بما تملکه من قدرة کما تقدم ذلک في بحث العلة و المعلول . و الذي يتکفل بيان صحة الأول أو الثاني هو البراهين الاخری و هي دالة علی أنه تعالی لا يتطرق اليه التحديد و إنه قاهر غير مقهور و إن الأثر غير المؤثر لان ذاته تعالی ليست من سنخ ذات الاثار القابلة للوجود والعدم بخلافه تعالی حيث لا تکون ذاته مجعولة ولا قابلةللوجود والعدم فانه لو کان له مانع لاصبح اثرا ولخرج عن کونه مؤثراً فتعين صحة الثاني لاستحالة الأول.
و النتيجة:
إن الکامل الغني القادر المختار؛ يخلق ما يشاء کيف يشاء من دون حاجة الی عقول طولية أم عرضية أم مُثل أم نفوس کلية التي ما هي إلا عبارة عن الآلهة التي کانت تعتقد بها الأمم السالفة و التي تُرجمت الی العقول في عهد الفلسفة اليونانية، و بعدها تُرجمت الی الأقانيم الثلاثة في عهد المسيحية. و التي قد جاء القرآن بالردّ عليها: «وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً»(1). و يقول تعالی «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا»(2). و في آية اخری يقول عزّوجل: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»(3).
و الآيات صريحة في الردّ علی فکرة العقول و المُثل، و کون عيسی (علیه السلام) الرابط الوجودي بين الذات المقدّسة الإلهية و العالم المادّي.
و هذه هي الرؤية الاسلامية فعن مولانا امير المؤمنين (علیه السلام) في اول خطبة من نهج البلاغة « فطر الخلائق بقدرته» و في خطبة 182 «خلق الخلائق بقدرته».
و عن الامام الرضا (علیه السلام) : « الحمد لله فاطر الاشياء إنشاءً و مبتدعها ابتداءاً بقدرته و حکمته لامن شيئ فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداء»(1)
و عن امير المؤمنين (علیه السلام) : «... و کل صانع شيئ فمن شيئ صنع و الله لا من شيئ صنع ما خلق»(2).
حول القسم الرابع من المسائل الفلسفية
قسّم الفلاسفة عوالم الصعود و النزول الی أربعة أقسام:
1- عالَم الدنيا أو الناسوت 2- عالَم المثال أو الملکوت 3- عالم الملائکة أو الجبروت 4- عالم الألوهية أو اللاهوت.
فعالم الدنيا و الماديات بحرکتها ترجع الی التجرد و صاعدة الی الله عزّ و جل. و هناک سير نزولي من الله عزو جل الی الماديات؛ يمر بالعقول و المُثل، لکن بعد بطلان فکرة العقول و المثل، و بطلان أن المادّة عين الحرکة، و بطلان الوجود الربطي و
الظلي، و قاعدة الواحد لا يصدرمنه إلا واحد. و بعد عدم الدليل علی هذه العوالم؛ يظهر لک جلياً بطلان القول بعوالم الصعود و النزول من عالم المثل الکلية، و العقول يعني عالَمَي الملکوت و الجبروت، و تأويل الملائکة بذلک توهم فاسد: فالملائکة ما هم إلا مخلوقات محدودة و جزئية، و لا ربط لهم بما يدّعيه الفلاسفة من عالمي الجبروت و الملکوت.
ففي الخطبة الأولی من النهج: «ثم فتق ما بين السماوات العلي؛ فملأهن أطواراً من ملائکته منهم سجود لا يرکعون، و رکوع لا ينتصبون«الی»و منهم الثابتة في الأرضين السفلی أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، و الخارجة من الأقطار أرکانهم، و المناسبة لقوائم العرش أکتافهم».
والثابت من طريق الوحي بعد عالم الدنيا؛ عالم البرزخ و عالم القيامة، و رجوع الإنسان في المحشر بروحه و جسمه.
و لما کانت تلک العوالم غير خاضعة للإستدلال العقلي و التجربي، انحصر الأمر فيها بما أخبر به الصادق الأمين و آله الأطهرين، و الآيات و الروايات الواردة في المعاد الجسماني صريحة قطعية الدلالة و کثيرة جداً، فهنا لک مئات الآيات و الروايات في المعاد و تفاصيله. و إنکارها إنکار صريح للقرآن و الإسلام.
هذا و لا يوجد فيها أي تناقض و لا اختلاف فليس هنالک ما يدل علی أن المعاد روحي و مثالي؛ حتی يقال بالتعارض بينها.
وادعی السيد الطباطبائي ان حکمة الاجتماع تقتضي ان تبقی الحقيقة مستورة علی العامة من عدم وجود للمعاد الجسماني فلا جنة ولانار بل ما هي الا صور ادراکية کما صرح بذلک في کتاب الشيعة في الاسلام (1)وذکر ان القران يلوح بهذا المعنی الباطني
1) ص:144
فقال: « أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة علی فهم المعنی الباطني للقرآن الکريم، فهم يدرکون الآياتالقرآنية علی مستوی أرفع من العامّة. و القرآن الکريم يلوّح خلال تعابيره البسيطة أحياناً بالمعنی الباطني تلويحاً «الی أن يقول»و سيأتي اليوم الذي تنتهي حرکتها و سيرها«يعني الطبيعة، و الإنسان أحدها» وتفقد أنّيتها«يعني تحققها» و استقلالها کلّياً»(1).
و مراده من الآيات التي تدلّ علی المعاد مجرداً عن المادّة و تُلوَح بالمعنی الباطني هي:
1- «إنَّ الی ربِّکَ الرُجعَی»
2- «ألا الی اللهِ تَصيرُ الأُمور»
3- «و الأمرُ يومَئذٍ لله»
4- «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي»
اقول ما استدل به الطباطبائي من أن قوله تعالی: «إنَّ الی ربِّک الرُجعی»وغيرها من الايات مما يدل علی المعاد الروحي و المثالي؛ مضحک للغاية، و لا نريد نقضه و نقض قول من قال: «و اعلم أن الجنّة و غرفاتها و مساکنها و أشجارها و أنهارها و الأبدان التي فيها کلها صور إدراکية، وجودها عين مدرکيتها و محسوسيتها»(2). فإنه لا يحتاج الی النقض، فما قيمته في مقابل کلام الله عزّوجل و أنبيائه و رسله و الأئمة صلوات الله عليهم. إلا أن الذي يثير العجب؛ اغترار المغترّين به و اعتباره حکماً عقلياً!.
أقول الحکم العقلي: إما بديهي أو برهاني، فأي حکم عقلي يحکم بذلک، أم أي برهان يدل علی ذلک؟. و جدير بالذکر أن ما رتّبوه من مقدمات فاسدة؛ کالسنخية بين العلّة و المعلول، و غيرها، لا تدل حتی علی المعاد الروحي و المثالي.
و اما ما ادعاه الطباطبائي من ان الايات الکثيرة جدا الدالة بالدلالة الصريحة و القطعية علی المعاد الجسماني لا حقيقة من ورائها و انها مجرد خداع اقتضته حکمة الاجتماع فهدم لکل الموازين العلمية و نسبة الکذب و الخداع الی الله العظيم وتکذيبه جل وعلا حيث يقول: «ان ما توعدون لواقع » و يقول: «ومن اصدق من الله قيلا» و في اية اخری«ومن اصدق من الله حديثا» و يقول: «ان الله اشتری من الموءمنين انفسهم بان لهم الجنة..وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفی بعهده من الله فاستبشروا ببيعکم الذي بايعتم..» و تاويل ذلک کله مقطوع البطلان و خلاف الوجدان و مخالف للضرورة من الدين و اجماع جميع الشرايع الالهية.
ثم العجب مما قالوه من خمود النار للعاصين! راجع شبهتهم في کتاب (حقّ اليقين في معرفة أصول الدين) للسيد الجليل عبدالله شُبَّر، و هو کتاب قيم جدير بالمطالعة و الدراسة، فقد ذکر بعض شبهاتهم و أجاب عنها(1).
ثم ان الدليل الدال علی امکان المعاد عقلا ثابت و ذلک لقيام البرهان العقلي المتقدم من ان الله جل وعز خلق ما خلق من کتم العدم قال تعالی: «کما بدانا اول خلق نعيده» .
و يضم هذا الدليل الی قاعده اللطف الدالة علی تنزه الله من الظلم والقبيح فلا يمکن ان تنتهي الحياة بلا اخرة لانه يلزم من ذلک ان يخرج من هذه الدنيا الملايين من البشر مظلومين و محرومين و هذا مناف لعدالة الحکيم نعم انکر هذا الحکم العقلي الفلاسفة کما مر في اصول المعرفة.
1) - راجع الجزء الثاني: 198/199.
وکما تقدم ان الآيات حول المعاد الجسماني کثيرة جدا نذکر قسما منها:
1- قال تعالی: «لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ* أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ» (1)
يقول اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة: هل يتخيل الانسان أن لا نجمع عظامه بل نحن قادرون على ذلك حتّى ان خطوط منتهى اصابع الانسان يعني البنان فانّا قادرون على ارجاعه كما كان أولا والشاهد على المعادالجسماني من هذه الآيات قوله تعالى: ذيل الآيات الشريفة «بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ» يفصح عن القدرة الالهية ولا تخفى دلالتها في ردّ القائلين بأن اعادة اجزاء الانسان من موارد اعادة المعدوم وانه محال عقلي اذن لا تتعلق به القدرة وقد اجابت الآية المباركة على هذه الدعوى.«أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ» ومن المعلوم ان الجمع متفرع على التفرق ولا يصح التعبير بالجمع إلاّ اذا كان هنالك تفرق حاصل فمن الواضح ان كلمة «نجمع» تصدق على البدن الترابي المتفرق ولا تصدق على الصورة المثالية لأنّها ليست بشيء حتّى تكون متفرقة ثمّ تجمع وذلك لأنّ ملا صدرا يعتقد انّ الصورة المثالية من صنع النفس ومما اوجدتها النفس ابتداء ولذا فان عقيدته ليست مطابقة للآية فحسب بل مخالفة لصريحها.
2-وقال تعالی: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»(2).
و صراحة هذه الآية الشريفة حول المعاد الجسماني لا تقبل الانكار و ذلك لانّ اللَّه سبحانه و تعالى يقول و بكلام واضح و بيّن انّ هذه العظام المتلاشية والّتي قد اصبحت رميما سوف نجمعها مرة أخرى ونعطيها الحياة.
ومن الواضح بالبداهة ان جمع الاجزاء المتفرقة امر ممكن ولا استحالة فيه عقلا هذا ومن جانب اخر فاللَّه جلّ وعلا عالم بجميع الاجزاء وقادر على جمعها اذن فلا مانع من ذلك اصلا.
3-وقال تعالی: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامَكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)
وهذه الآية ايضا تصور لنا كيفية حشر الاجسام المتلاشية وهي من جملة الآيات الّتي تنص على المعاد الجسماني وقد كتب المفسرون انّ حضرة عُزَير(2)مرّ على قرية قد مات جميع اهلهاوتفرقت ابدانهم فطلب من اللَّه سبحانه وتعالى ان يريه كيفية حشر تلك الاجساد البالية فاستجاباللَّه جلّ وعلا له فأماته مائة عام ثم احياه اللَّه عزّ وجلّ وقد اصبح حماره في تلك المدة ترابا إلّا انّ الطعام الّذي كان معه بقي سالما حتّى يعلم عُزير انّ اللَّه على كلّ شيء قدير ثمّ احيا اللَّه بقدرته عزّ وجل حمار عزير امام عينيه وأراه كيفية جمع الأجزاء المتفرقة لذلك الحمار وقد اعطاها الحياة وفي الحقيقة انّ عُزير قد رأى بعينيه كيفية حشر الاموات وقد علم انّ اللَّه سبحانه وتعالى سوف يحشر الاموات يوم القيامة بهذه الطريقة بأن يجمع الابدان البالية ويعطيها الحياة،، وهذه احدى الموارد الّتي يأتي القرآن بشاهد محسوس وواقعي للمعاد الجسماني ولو أراد القرآن تصوير المعاد الجسماني فهل هنالك تصوير احسن من هذا التصوير؟
4-وقال تعالی«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَّكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (3)
وفي هذه الآية نجد أيضا تصوير وتجسيم المحشر وكيفية الحشر، فقد قام نبيّ اللَّه ابراهيم (علیه السلام) بأمر من اللَّه جلّ وعلا بأخذ أربعة طيور وقطّعهن ثمّ قسّمها إلى اربعة اقسام وجعل كلّ قسم منها على قمة جبل ثمّ دعاهنّ بأمر اللَّه جل وعلا وحينذاك رجعت الاجزاء المتفرقة والمخلوطة مع بعضها إلى ما كانت عليه وعادت الطيور الاربعة إلى الحياة.
وبهذا الشكل علّم اللَّه سبحانه وتعالى ابراهيم (علیه السلام) كيفية جمع اجزاء الإنسان المتفرقة من خلال تقطيع الطيور ودعوتهن، أَو ليست هذه الآية صريحة في المعاد الجسماني؟
5- وقال تعالی: «ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ» (1)
انّ السبب الاصلي في انكار المنكرين للمعاد الجسماني هو عدم ايمانهم برجوع هذا البدن البالي وهذه العظام المتلاشية مرة اخرى للحياة وقد نقل القرآن الكريم هذا الاشكال عن المنكرين والطريف في الامر ان نفس هذا الاشكال يطرح اليوم ممن يدعي الايمان بالمعاد لکن بصورة علمية وفنية
ولا يخفى ان جواب القرآن الكريم للاستبعادات المطروحة على نحوين وذلك لأنّ منشأ الاشكال اما أن تكون شبهة تطرح بشكل علمي وعقلي وحينئذ يكون جواب القرآن بالشكل العلمي واما أن يكون السبب في الاشكال هو العناد واللاابالية وعدم التقيد بالقيم وحينئذ يكون الجواب منالقرآن شديدا مثل الآيات من سورة القيامة: «لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ»
فهنا نجد القرآن يجيب بقوة وشدة مع التهديد بالعقوبة امّا ما في آية «ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ» فلان الشبهة قد طرحت بشكل علمي لهذا فالقرآن يجيب عليها
1) - ق/ 3
بالاسلوب العلمي ويقول: «قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ» (1)وحاصل جواب القرآن لمثل هذا: انّ اللَّه سبحانه وتعالى له القدرة على ذلك وانه عالم بجميع تلك الاجزاء المتفرقة ولا يخفى عليه شيء وبعبارة اخرى انّ اللَّه سبحانه وتعالى عالم بكل ما يحصل في الدنيا من فعل وانفعالات ولذا فلا توجد اي مشكلة أو مانع من أن يجمع اللَّه جل وعلا اجزاء الانسان المتفرقة فلو لم يكن اللَّه عزّ وجلّ قادرا أو لم يكن عالما بأجزاء الانسان المتفرقة أو ان الاعادة كانت محالة بالاستحالة الذاتية لقلنا نحن أيضا بأن المعاد الجسماني محال وحيث انّ اللَّه جل وعلا قادر وعالم وانّ الاعادة ممكنة اذن فلا محذور عقلي أن يكون المعاد بهذا البدن المادي والعنصري
6- وقال تعالی: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى» (2)
تتکلم هذه الآيات المبارکةعن مراحل خلقة الانسان و عن رجوع الروح إلى البدن مرة ثانية ومن الطبيعي لعود الروح الى البدن من اعادة بناء البدن بعد ما تلاشى حتّى تتعلق به الروح وعليه فيكون مفاد الآية «أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى» هو اعادة بناء جسم الانسان من جديد وتعلق الروح به ايضا من جديد وهذه الآية لا تتناسب مع قول من يقول (ان الروح لوحدها تحشر) ابدا، ولا قول من يقول (ان الروح تحشر على صورة مثالية) وذلك لأنّ الآية تتكلم عن احياء الموتى والصورة المثالية (وهي نظرية ملاصدرا والّتي تنوجد وتصطنع بواسطة الروح) ليست بالموتى حتّى تحيى.
7-وقال تعالی:«فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ»(3)
يتكلم اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية عن رجوع الانسان، هذا الانسان الترابي فاللَّه يستطيع خلق هذا الانسان المخلوق من ماء واحيائه مرة ثانية.
8-وقال تعالی: «و قالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً* أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً»(1).
9- و قال تعالی : «أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ»(2), و من البديهي انّ الّذي في القبر هو بدن الانسان.
10- وقال تعالی:«وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ»(3).
و دلالة هذه الآيات المتقدمة على المعاد الجسماني و العنصري المادي في غاية الوضوح فكلّ من راجع القرآن سوف يعترف كاملا بأنّ القرآن جاء بالمعاد البدني العنصري المادي وذلك فانّ الّذي يخرج يوم القيامة من بطن الارض هي هذه الابدان البالية .
لقد جاء في الآيات الآتية التعبير بمثل: «خلق جديد، وامثالكم» قال تعالى: «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»(4).
وقال تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ».(5)
وقال تعالى: «عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (1)
وقال تعالى: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ» (2)لقد توهم البعض من هذه التعابير الواردة في هذه الآيات المتقدمة «خلق جديد» و «نبدل امثالكم» و «مثلهم» على أنّ الحاصل يوم القيامة بالنسبة للانسان هي الخلقة الجديدة وهي مثل الخلقة الدنيوية صورة فقط ويرون ان هذه التعابير مؤيدة لما يراه ملاصدرا من كون النفس هي الّتي تصنع البدن المثالي لها والّذي يكون شبيها للبدن الدنيوي صورةً. إلاّ انّ هذا التوهم لا اساس له اصلا وباطل بالمرة وذلك لأن المقصود من الخلق الجديد هو خلق الانسان مرة ثانية بعد ما تلاشى وتفرقت اجزاؤه بحيث يكون معدوما وهذه الاجزاء معلومة عنداللَّه جلّ وعلا ويجمع اللَّه سبحانه جميع اجزاء بدن الانسان واصوله مرة اخرى ويعطي للانسان شكله وحياته.
قال الامام الصادق (علیه السلام) ارأيت لو أخذت لبنة فكسرتها وصيرتها ترابا ثم ضربتها في القالب أهي الّتي كانت؟ انما هي ذلك وحدث تغير اخر والاصل واحد.(3)
فقد شبه الامام (علیه السلام) اعادة الانسان مرة اخرى باللبنة الّتي انكسرت وتفتتت ثم جمعت مرة اخرى فاللبنة والّتي جمعت مرة اخرى واعيدت فهي من حيث المادة عين الاولى وأمّا من حيث الهيئة فهي غير الاولى لأنّ الأولى انعدمت والصورة الحاصلة جديدة إلّا انّه مع ذلك ليس معنى كونها جديدة أنها غير الاولى فقد مثل الامام (علیه السلام) انعدام بدن الانسان وتلاشيه باللبنة المتفتتة والّتي صنعت من جديد كذلك بدن الانسان فانه بهذا الاعتبار حيث يصنع مجددا جديد، ومن هذا البيان يعلم انّ التعابير المتقدمة في الآيات المذكورة الاخر لا تنافي الآيات الصريحة في أن المحشور هو هذا البدن الترابي مثل
آية «أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ»(1)والآية الكريمة «مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا»(2)أو سؤال حضرة عُزير حيث قال: كيف يحيي اللَّه هذه الابدان المتلاشية وقد أراه اللَّه سبحانه أمام عينيه كيف انّه احيى حماره ومثلها قصّة حضرة ابراهيم (علیه السلام) وفي آية7 من سورة سبأ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)(3)حيث استهزء الكفار بظهور هذه الشخصية الّتي تقول برجوع الابدان المستحيلة ترابا والّتي قد تفرقتاجزاؤها مرة ثانية، وتعبر الآية بالخلق الجديد مع ملاحظة جملة (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) بمعنى تجديد الخلقة مرة ثانية وقد أثبت القرآن ما انكره هؤلاء من رجوع الابدان المتلاشية واحيائها مرة أخرى وفي الآيات رقم 78 الى 81 من سورة يس: ابتدء القرآن بذكر عظمة القدرة الالهية لإجل أن لا يتعجب احد من احياء هذه الابدان المتلاشية فاللَّه سبحانه وتعالى الّذي خلق السماء والارض لا يعجزه خلق الانسان مرة أخرى ولذا فالتعبير الوارد في الآيات بمثل «خلق جديد» و «مثل» لا يكون دليلا اصلا على تباين الخلقة الجديدة مع الخلقة الأوّلية، بل المراد من الخلقة الجديدة هو تجديد خلقة الانسان مرة ثانية والمراد من «المثل» المثلية في الهيئة وإلّا فالمادة هي نفس المادة الاولية كما في مثال اللبنة المتقدم حيث ان مادة اللبنة الاولى والجديدة واحدة كذلك خلقة الانسان الثانية فمادتها عين المادة السابقة.
1- عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبداللَّه (علیه السلام) قال: اذا أراد اللَّه أن يبعث أمطر السماء على الارض اربعين صباحا فاجتمعت الاوصال ونبتت اللحوم وقال أتى جبرئيل رسول اللَّه (صلی الله علیه و آله) فأخذه فأخرجه إلى البقيع
فانتهى به إلى القبر فصوّت بصاحبه فقال قم بأذن اللَّه فخرج منه رجل ابيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول الحمد للَّه واللَّه اكبر فقال جبرئيل عُد بأذن اللَّه ثم انتهى به الى قبر اخر فقال قم بأذن اللَّه، فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرئيل عُد الى ما كنت بأذن اللَّه فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة والمؤمنون يقولون هذا القول وهؤلاء يقولون ما ترى.(1)
هل هنالك تصوير يمكن أن يكون للمعاد الجسماني أوضح من هذا؟ فكما ترون انّ هذا الحديث الشريف قد بيّن المعاد الجسماني بأجمل وأوضح ما يكون وقد اوضحت جملة«هكذا يحشرون يوم القيامة» طريقة حشر البشر بشكل سافر، وهذه الرواية بمثابة من الوضوح والصراحة حول مسألة المعاد الجسماني والبدني بحيث لا يمكن لأحد تأويلها وتوجيهها وفي الحقيقة كيف يمكن القول بالمعاد الروحاني أو المعاد معالبدن المثالي في حين انّ جبرئيل عملا احيا شخصين بأذن اللَّه جلّ وعلا من الاموات الّذين قد تلاشت واضمحلت ابدانهم وقال بعدها هكذا يعني كهذين الشخصين يحشرون يعني الناس يوم القيامة يعني ان هذا البدن المضمحل والمتلاشي سوف يحيى مرة أخرى.
2- عن الامام السجاد (علیه السلام) حيث قال:«فتنبت اجساد الخلائق كما ينبت البقل»(2).
3- عن هشام بن الحكم «قال الزنديق للصادق (علیه السلام) انّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والاعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو صار ترابا بني به مع الطين حائط، قال (علیه السلام) : انّ الّذي أنشأه من غير شيء وصوّرة على غير مثل كان سبق اليه قادر على أن يعيده كما بدأه. قال: اوضح لي ذلك. قال: انّ الروح مقيمة في مكانها روح المحسنين في ضياء وفسحة وروح المسيئ في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من اجوافها فما
اكلته ومزقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ويعلم عدد الاشياء و وزنها وانّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطرت الارض فتربوا الارض ثم تمخضوا السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب والزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كلّ قالب فينتقل بأذن اللَّه تعالى الى حيث الروح فتعود الصور بأذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها فاذا قد استوى لاينكر من نفسه شيئا»(1)
4- «قال أميرالمؤمنين (علیه السلام) وأخرج من فيها فجددهم بعد اخلاقهم وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسائلتهم عن خفايا الاعمال»(2)
5- قال اميرالمؤمنين (علیه السلام) قد شخصوا من مستقر الاجداث وصاروا الى مصائر الغايات لكل دار اهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها(3)
والحاصل انّ المستفاد من الآيات والروايات هو المعاد الجسماني وانّ المحشور هو هذا البدن العنصري الترابي وانّ هذه المسألة من قطعيات المذهب ومن ضروريات الدين.
1) - العقائد الحقة، ذكر الشبهات والجواب عنها، ص 265بحارالانوار، كتاب العدل والمعاد، باب اثبات الحشر...، ح37/7 5
2) - نهج البلاغة، فيض الاسلام، خطبه 108ص334بحارالانوار،كتاب العدل والمعاد، باب صفة الحشر، ح 114/7 49
3) - نهج البلاغة، فيض الاسلام، خطبه155ص490بحارالانوار،كتاب العدل والمعاد، باب اثبات الحشر...، ح .47/7 30
ما هي نظرية الفيض الالهي؟
هل ان العالم مظهر وجودالله جل وعلا اوانه ظل الله تعالی؟
هل ان الله جل و علا خلق الاشياء من كتم العدم؟
هل ان وجودالمخلوقات يمانع وجود الله عزوجل؟
لو تعددت حقيقة الوجود فهل من حدود بين الخالق والمخلوق؟
هل ان ارادته تعالى من صفات الذات ام من صفات الافعال؟
هل ان فاعلية الله جل وعلا بالابداع ام بالتجلي؟
هل ان علم الله جل وعلا بالاشياء من باب انها عينه لانها معاليله قائمة بذاته جل وعلا ام لا؟
ما هو برهان الصديقين؟وما هو برهان القاهرية؟
ماهي الاغراض والدوافع السياسية في الامور العقائدية؟
1- اما نظرية الفيض الالهي: فهي عبارة عن ان هذا الوجود كالسيل من الماء من الازل والى الابد دائماً في حالة سيلان بلا انقطاع والموجودات كالاوعّية كل وعاء منها يأخذ من سيل الوجود بمقدار ظرفية وعائه لا ازيد فهذه النظرية دالة على ان كل ما في الوجود فهو ذاتيّ للشيء فالله جل و علا حسب هذه النظرية يعطي الوجود فقط و اما كونه بهذه الصفات والخصائص فهو امر لازم لذلك الشيء بعد جعله جعلاً بسيطاً و ليست تلك اللوازم و الصفات مجعولة من الله جل و علا والحاصل من هذه النظرية هي الجبريّة ، فلِمَ صار هذا الشيء انساناً و ذاك شجراً و لِمَ حصل هذا الشيئ في هذا الزمان دون ما قبل وما بعد و لِمَ صارت النارحارةً كل ذلك امر ذاتيّ حسب هذه النظرية وكيف كان فهذه النظرية قائمة على القول باصالة الوجود والسنخيّة بين العلة والمعلول وقد عرفتَ بطلان السنخية.
و کذلک بطلان القول باصالة الوجود و نزيد توضيحا هنا فنقول: إن معنی اصالة الوجود هو: انه لاتحصّل للاشياء حقيقةً و انما الثابت في الخارج وجود محض فما نراه ونسميّه شجراً وحجراً وانساناً وسماءً وارضاً وملكاً و..كله وهم وخيال لان الذي متحصل في الخارج انما الوجود فقط و الوجود شئ واحد لا تمايز و لا تفا وت فيه فالقول باصالة الوجود عين القول بوحدة الوجود و الموجود التي لاشك في بطلانها کما تقدم.
فان قلت:كما جاء في كتاب بداية المعارف الالهية(1)ان ماعدا الله جل وعلا مركب من حدين: ايجابي وسلبي (وهما وجوده مضافاً الى سلب الغير عنه).
قلت: هذا توهم واضح البطلان فالعدم ليس شيئاً حتى تتركب منه الماهيات في الخارج والاصل في هذا الكلام هم البراهميّون حيث قالوا:ان الانسان مركب من وجود وعدم بعد قولهم بان الله جل وعلا مساوٍ للوجود وكانوا يعتقدون ان الله حالّ في هذا العالم(2). وكيف كان فالقول باصالة الوجود امر ينكره العقلاء فمن البديهي عقلاً ان الحاصل في الخارج انما هو الشيئ بكل خصوصياته الشخصيّة وبذلك اعترف ملاهادي السبزواري مع كونه قائلاً باصالة الوجود وجعل القول بثبوت اصالة الوجود بدليل الذوق العرفاني يعني بالمكاشفات والالهامات النفسيّة (وهي لادليل على حجيتها حتى لمن حصلت له كما هو معلوم) فقال ما حاصله تحت عنوان « غرر في اعتبارات الماهية » صحة سلب التحقق والتحصّل عن الماهية ليس بالنظر الدقيق البرهاني بل باعانة من الذوق العرفاني واما بعد التنزل فالتحقق لذي الواسطة «اي الماهية» هنا حقيقي وصحة السلب منتفية، وقال في حواشي ذلك «صحة سلب الوجود عن الكلي الطبيعي ضعيفة وثبوت الوجود له كاد ان يكون بالحقيقة فالكلي الطبيعي موجود بحكم العقل الفكري و هذا حقيقة عقلية مجاز عرفاني و بهذا يمكن التوفيق بين قولي المثبت و النافي»
هذا وقد عبر العلامة الحلي عن القول باصالة الوجود بانه مذهب سخيف(1).
2- وهل ان العالم مظهر وجود الله جل و علا او ظله تعالی عن ذلک ؟
اقول: اما التعبير بان العالم مظهر وجوده تعالى فاما ان يكون على سبيل الحقيقة واما ان يكون على سبيل المجاز فان كان على سبيل المجاز بمعنى ان المعلول يدل على العلة فلا اشكال فيه فان الدخان علامة على وجود النار ومظهَرُ لوجودها وان الاثر علامة على وجود المؤثر وهكذا فانه تعبير سائغ عرفاً ولغةً.
و اما لو كان هذا التعبير على سبيل الحقيقة بمعنى ان الله سبحانه عزوجل ظهر بشكل انسان وسماء وارض وملك و و و..او ان العالم بالنسبة لله جل وعلا كالظل بالنسبة للشخص وأن الظل قائم بذي الظل وتابع له والوجود حقيقة لذي الظل فقط دون ظله فلابد من النظر في صحة هذين المعنيين وقد وقع التعبير بكل من المعنيين في كلام الفلاسفة فتارة قالوا ان العلة حقيقة والمعلول مجاز وانه لاعلة ولامعلول بل ان الله سبحانه عزوجل لما كان في حالة القبض كان واحداً وحينما يكون في حالة البسط يكون سماءً وارضاً و و و او يُعبّر عن ذلك بالفتق والرتق وان حالة الظهور على شكل انسان وشجر وبقر هي الفتق وخلافها هو الرتق وتارةً قالوا: بان العالم وجوده وجود تعلّقي و رابطي وقسموا الوجود الى المستقل والرابط فكما ان وجود النسبة بين طرفي القضية لا وجود له الا بطرفيه من الموضوع والمحمول فكذلك وجود المعلول انما هو قائمٌ بالعلة ولا وجود له حقيقة فهو كالظل للشخص.
اقول: اما المعنى الاول وهو انه تعالى تمظهر(2)وتجلّى حقيقةً بهذه المخلوقات فنقول: هل تمظهر بغير وجوده ام بوجوده؟ فان تمظهر بغير وجوده نسأل ونقول هل تمظهر بوجودٍ غير وجوده ام بالعدم؟
والاول «يعني ان تمظهر و تجلی بوجود غير وجوده» يستلزم وجود موجود غير الله عزوجل وانه جل و علا استمدّ منه وانه محتاج لغيره وبتعبير الفلاسفة يلزم تعدد القدماء وخروج الواجب عن كونه واجباً غنيّاً عمن سواه وكل ذلك باطل.
والثاني « يعني ان تمظهر و تجلی بالعدم » فجوابه ان العدم ليس شيئاً حتى يتمظهر به مضافاً الى استحالة انقلاب العدم الى الوجود.وعلى كلا الفرضين يكون الله جل وعلا متغيراً ومحلاً للحوادث وهو باطل ايضا.
واما لو انه جل و علا تمظهر و تجلی بوجوده لا بوجود غيره ولا بالعدم فمعناه ان كل ما في الوجود فهو وجوده ولازم ذلك ان جميع هذه الموجودات هي الله «جل و علا » وحينئذٍ لا شيء غيره فليس في دار الوجود ديّار غيره على حد تعبير صاحب الاسفار(1)وهو معلوم البطلان كما تقدم بيانه.
و اما کون العالم ظله تعالی عن ذلک فقد تقدم الکلام عنه في بحث الوجود الرابط والمستقل.
3- هل ان الله سبحانه عزوجل خلق الاشياء من كتم العدم؟
اقول: اما على القول بنظريّة الفيض و الاضافة الاشراقية فهذا العالم قطعة من ذاته «جل و علا » لكن قد تقدم بطلان كون نسبة العالم اليه جل وعلا بالاشراق والفيض وبطلان كونه جل و علا مساوياً للوجود ولايصدر منه الا الوجود وقد تقدم بداهة تكثر الموجودات مضافاً الى قيام الدليل القطعي على انه جل و علا غير الاشياء وليس كمثله شيء كما سيأتي بيانه فالنتيجة الحاصلة من ذلك انه خلق الاشياء بعد أن لم تكن وبعبارة اخرى من كتم العدم فانه لا معنى لان يخلق ذاته ولا يمكن عقلاً ان يخلق غيره من ذاته لاستحالة التبدل والتغيّر عليه وقد تقدم آنفاً استحالة تمظهره حقيقةً
1) عارف وصوفي چه ميگويند ص118طبع بنياد بعثت ناقلا عن الاسفارلملا صدراص184 المجلد الاول
بالاشياء او كون الاشياء ظلاً له والحاصل انه جل و علا يخلق غيره كما هو مقتضی برهان القاهريّة القاضي بالفرق بين الخالق والمخلوق والاثر والمؤثر والقاهروالمقهور والصانع والمصنوع فان من يقهر الاشياء بايجاد مشاعرها وجواهرها فانه فوقها حاكم عليهاولوكان مثلها لاصبح اثراً ولاحتاج الى من يحدُّله الحدود وقد ثبت بحكم العقل ان كلمحدود اثر من الآثار ومحتاج الى الموثر وان المؤثر الحقيقي لاحد له فلا يتطرّق اليه التغيّر و الحد. فايجاد الخلق انما يكون مستنداً اليه جل و علا لا بمعنى انه بدّل ذاته الى هذه الموجودات او انه استفاد من مادة في خلقها بل اوجدها بعدما كانت معدومةً کماتقدم برهان ذلک.
هذا و الانسان قد أعطي من القدرة على ان يخلق الصور في ذهنه من العدم فهو قادر على خلق مئات بل آلاف الصور من دون ان يُشاهدها او يسمع بها بل يوجدها من تلقاء نفسه بما اعطاه الله جل وعلا من القدرة على ذلك فهل يجوز له ذلك ولايستطيع خالقه ان يفعل ذلك؟
وبذلك نطقت اخبار اهل البيت العصمة والطهارة فعن الصادق (علیه السلام) «لايكوّن الشيء لا من شيء الّا الله و لا ينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر الاّ الله و لا ينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله» (1)وعن علي امير المؤمنين (علیه السلام) في خطبته «الحمدلله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذي لامن شيء كان ولامن شيء خلق ماكان، قدرة بَانَ بها من الاشياء وبانت الاشياء منه - الى ان قال - وكل صانع شيء فمن شيء صنع والله لامن شيء صنع ماخلق»(2), و غيرهما.
4- هل ان الاشياء بوجودها تمانع وجوده تعالى الذي لا يخلو منه مكان لتحل مكانه جل و علا؟ وانه هل زحزح الله جل و علا عن وجوده لتحل مكانه المخلوقات ؟
اقول: فقد تقدم البرهان العقلي القطعي على انه جل و علا ليس كمثله شيء و لا ضد له و لا يتطرق إليه التحديد فكون المخلوقات تُزحزح من وجوده يعني انها ضده و الضدان لايجتمعان و اذا حصل احدهما يستحيل حصول الاخر في حين قد عرفت انه جل و علا لاضد له لان الضد هو الممانع في الوجود و الله جل و علا لا ممانع له في وجوده حتى يكون ضداً له جل و علا.
توضيح ذلك: ان الله جل و علا بعد قيام البرهان على ان حقيقة الذات الالهية المقدسة مباينة لحقيقة وجود المخلوقات فانها قابلة للوجود والعدمبخلافه تعالی فلا اشتراک بينهما في الحقيقة ولا سنخية بينهما فلا مثيل ولا ممانع له في وجوده جل و علا فالاضداد في عالم المخلوقات و الآثار لا علاقة لها بعالم الخالقيّة فلا يمكن قياس عالم الاثار على عالم المؤثّر فقد قام البرهان على ان الاثر غير المؤثر وان الحادّ غير المحدود فالمؤثر الحقيقي لا يتطرق اليه الحد ولامقهورية في ذاته وبعد عدم وجود مقهوريّة في ذاته فهو غير الاثر الذي هو مقهور ومغلوب على امره ومحدود في ذاته ووجوده فالآثار فيما بينها يحصل التضاد اما بالنسبة الى مؤثرها فلاتضاد بينها و بينه لأنه ليس من سنخها فهو خالقها جميعاً وكلها تحت سلطانه و بذلك يظهر أن الله تعالی لا يقاس بالمکان کما لا يقاس بالزمان فإنه جل و علا فوق المکان و خالق و المکان و الزمان من صفات المخلوقات و من الاثار و هو تعالی فوقها و ليس من سنخها فليس من شأنه المکان حتی يمانعه الغير فيه.
5- انه لو تعددت حقيقة الوجود فهل من حدود بين الخالق والمخلوق؟
و الجواب عن هذا السؤال هو ما تقدم من البرهان العقلي القطعي من انه جل و علا ليس كمثله شيء و لا نظير و لا شبيه و لا ضد له فهو شيء لا كالاشياء وكما قال سيد الموحدين و امير المؤمنين عليه افضل الصلاة و السلام: «مع كل شيء لابمقارنة وغير كل شئ لابمزايلة » فلا يحويه مكان و لا يخلو منه مكان وانه لا يتطرق اليه التحديد و لا يوجد مانع عقلي من وجود غيره محدود غير خارج عن سلطانه لانه ليس ضداً له و لا ممانعاً لوجوده او هو من سنخ وجوده تعالی فلا سنخيّة بين وجوده القاهر المؤثر و وجود غيره الذي هو اثر و مغلوب و مقهور.
و الحاصل انه جل و علا ليس من سنخ المحدودات و ان المخلوقات محدودة و هو غيرها فانه ليس من سنخ الآثار فما هو المستحيل في البين؟
6- هل ان ارادة الله جل و علا ذاتيّة وعليه فلا يتخلف المراد عن الارادة؟ ام ان ارادته صفة من صفات الافعال لا من صفات الذات وانه فاعل بالاختيار ؟اقول: هذه احدى نقاط الخلاف بين الفلاسفة و الاخرين حيث ان الفلاسفة تبنّوا ان ارادته تعالى عين ذاته و عليه فلا ينفك المراد عن الارادة وحاصله قدم العالم لقدم الذات المقدسة الالهية.
هذا و فسّر المتأخرون منهم الارادة بالحب فارادته يعني حبه للشيء؟
ويلاحظ عليه:
ان الله جل و علا مريد مضافاً لكونه مختاراً فليست ارادته منفكة عن اختياره فلا يمتنع ان تكون الارادة «بالمعنی الاتي من العلم » عين الذات وقديمة لكن متعلقها «يعني المراد» يحصل في وقت خاص فكون الارادة عين الذات لاينافي تعلقها بمراد منفك زمناً عن الارادة فالذات الالهية حسب ما تقدم من الدليل العقلي القاطع قاهرة لامقهوريّة و لا مغلوبيّة فيها.
و اما اعتبار ان المراد لاينفك عن الارادة زماناً و وجوداً فمعناه حذف الاختيار عن الذات المقدسة و هو باطل عقلاً و هل يصح ان يكون لنا اختيار و نحن لا نملك من امرنا شيئاً الّا ما ملّكنا الله اياه و ربنا لا يملك قدرة الاختيار.
و الحاصل فسواء قلنا ان الارادة من صفات الذات ام من صفات الافعال فذلك لايستلزم صدور الخلائق عنه تعالى بالايجاب لا بالاختيار ولذا ارجع العلماء ارادته تعالى الى صفة العلم و قالوا: «ارادته لافعال ذاته عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية الى الايجاد في ذلك الوقت دون غيره»(1)
اقول: و هو صحيح و بذلك نطقت الروايات فعن الصادق (علیه السلام) قال «خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية» ( الكافي ج 1ص 85) وعنه (علیه السلام) «قال المشية محدثة» (التوحيد للصدوق ص 336) و عنه (علیه السلام) «خلق الله المشية قبل الاشياء ثم خلق الاشياء بالمشية» (التوحيد ص339) وغيرها.
فان قلت: لكن لو کان المراد من العلم هو علم خاص بمعنی علم الله جل وعلا بصدور الفعل في وقت معين فلا ضير في هذا المعنی كما يمكن فهمه من الروايات فعن عاصم بنحميد عنه (علیه السلام) قال قلت له لم يزل الله تعالى مريداً؟ قال (علیه السلام) ان المريد لايكون الاّ المراد معه بل لم يزل عالماً قادراً ثم اراد. و عن العالم (علیه السلام) في حديث «فبعلمه كانت المشية» (الكافي ج 1 ص115).
قلت: الذي دلت عليه الروايات ان العلم غير الارادة نعم الارادة تکون عن علم کما هو صريح الروايتين المتقدمتين.
.هذا مضافاً الى ان الفاعل بالايجاب لا يُسمّى مريداً و ذلك لانه مضطر و مقهورعلى صدور الفعل منه(2).1) حق اليقين السيد عبدالله شبرص30 منشورات الاعلمي هذا وقد اورد في ميزان المطالب ص 293؛ و ذكر ان ارجاع الارادة الى العلم مجرد اصطلاح حيث لا دليل على ذلك لامن العقل ولامن النقل.
2) هذا و فرق آية الله المروج الجزايري رحمه الله بين الفاعل بالايجاب فخصه باسم العلة و بين الفاعل بالاختيار حيث قال في ضمن كلام له «لعدم كونه تعالى علة للكائنات بل هو موجد لها بالارادة والاختيار ولاسنخية بين الواجب والممكن حتى يكون وجود الممكن من مراتب وجوده جلوعلا» (منتهى الدراية في شرح الكفاية ج7ص291دار الكتاب، الجزايري ) اقول: لا مشاحة في الاصطلاح بعد كون المراد واضحا.
و اما الارادة بمعنى الضمير و ما يعزم عليه الانسان في نفسه فمستحيل على اللهجل و علا لانه يستلزم كونه تعالى محلاً للحوادث وكل ماكان محلاً للحواداث فهو حادث وقد اوضح برهانه العلامة السيد البهبهاني رحمه الله کما تقدم في بحث الاضافة الابداعية.
وكذلك تفسير الارادة بمعنى الحب ايضاً امر باطل فالارادة والحب وان كانا من الصفات النفسانية الاّ انه:
اولاً: لاترادف بينهما لالغةً ولاعرفاً.
ثانياً: ان تفسير الارادة بمعنى الحب يرجع الى كون الارادة من الصفات النفسانيّة و التي تكون بمعنى الضمير و الله جل و علا لا تركب في ذاته حتى تكون له صفات نفسانيّة ولاتعدد في صفاته فهو منزه عن صفات البشر و المخلوقات من الاشتمال على الضمير و الحاصل اننا اذا نظرنا الى الارادة من حيث الذات فهي ترجع الى صفة العلم وانها علم خاص لا انها مطلق العلم واذا نظرنا اليها من جهة المراد فهي عبارة عن ايجاده واحداثه و تكون من صفات الافعال كالخالقية والرازقية وقداوضح ذلك ائمة اهل البيت عليهم السلام ففي صحيح صفوان قال قلت لابي الحسن (علیه السلام) اخبرني عن الارادة من الله ومن الخلق فقال: «الارادة من الخلق الضمير وما يبدوا لهم بعد ذلك من الفعل واما من الله فارادته احداثه لاغير»(1)
7- هل ان فاعلية الله جل وعلا بالابداع ام بالتجلي؟
فادعی السيد الطباطبائي ان فاعليته تعالی بالتجلي, قلت: الاقوال في فاعليته تعالى کالتالي:
1) اصول الكافي ج/1 ص85
و يرد قول الاشاعرة لزوم العبثية في افعاله تعالى و هو باطل بحكم العقل البديهي القاضي بتنزه الذات الالهية عن كل قبيح وقد قال تعالى «وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الاّ بالحق ولكن اكثرهم لايعلمون»(3)و قال تعالى «افحسبتم انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لاترجعون»(4)و قال تعالى «ولايزالون مختلفين الاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم»(5).
و لازم قول المعتزلة ان يكون الله جل و علا ناقصاً في ذاته محتاجاً للغير و لا يخفى بطلانه.
يكون منشأ لصدور الفعل منه وبعبارة اخرى تعلق علمه بفعله الذي هو النظام الخير يصير مبدأ لصدوره لإباء جوده ان يعلم خيراً و لا يفعله.
و يلاحظ عليه: مضافاً لما تقدم انه يلزم على هذا القول عروض الاعراض على الذات الالهية المقدسة اولاً وجهل الذات الالهية في مرتبة الذات تعالى الله عن ذلك.
و توضيح ذلك: ان حبه و رضاه بذاته يستلزم حبه و رضاه بما تقتضيه ذاته فيريد الفعل تبعاً لارادته ذاته.
و يلاحظ عليه: مضافاً لما تقدم انه يلزم على هذا القول نفي العلم التفصيلي بمخلوقاته عنه تعالى قبل ان يخلق الخلائق و هو باطل.
ولا يخفى ابتناؤه على القول بالسنخية و وحدة الوجود و الموجود و قد تقدم بطلان ذلك بما لامزيد عليه و انه تعالى قادر بذاته حقيقة على ابداع كل شيء فليست فاعليته كفاعلية سائر الاشياء فانه ليس كمثله شيء و لو لم تكن ذاته المقدسة كذلك يلزم
النقص عليه و محدوديته تعالى فليست فاعليته بنحو السيل والترشح او التنزل بل بنحو الابداع لا من شيء فلا يمتنع منه ايجاد الاشياء الكثيرة.و لا يخفى انه تعالى يكون قادراً على ابداع الحقائق و الاشياء لا من شيء اكمل واعظم من موجود تكون فاعليته و قادريته عين فياضيته من ذاته، و هذا النحو من الفاعلية هو من كماله و مختصاته تعالى.
8- هل ان علمه تعالی بالاشياء من باب انها عينه لانها معاليله قائمة بذاته ام لا ؟
قال في بداية الحکمة:
«الفصل الخامس في علمه تعالی: قد تقدم أنّ ذاته المتعالية صرف الوجود الذي لا يحده حدّ و لا يشذّ عنه وجود و لا کمال وجودي فما في تفاصيل الخلقة من وجود أو کمال وجودي بنظامها الوجودي فهو موجود عنده بنحو اعلی و أشرف، غير متميّز بعضها من بعض فهو معلوم عنده علما اجماليّا في عين الکشف التفصيليّ.
ثم إنّ الموجودات بما هي معاليل له قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل حاضرة بوجوداتها عنده فهي معلومة له علما حضوريّا في مرتبة وجوداتها المجردة منها بأنفسها و الماديّة منها بصورها المجردة.
فقد تحقّق: أنّ للواجب تعالی علما حضوريّا بذاته، و علما حضوريّا تفصيليّا بالأشياء في مرتبة ذاته قبل ايجادها و هو عين ذاته و علما حضوريّا تفصيليّا بها في مرتبتها و هو خارج من ذاته، و من المعلوم أنّ علمه بمعلوماته يستوجب العلم بما عندها من العلم»(1).
اقول: ان الاقوال في علمه تعالی عند الفلاسفة احد عشر قولا هذا احدها و خلاصة الاشکال فيها ان لازم بعضها هو نفي العلم الالهي قبل ايجاد الاشياء و لازم بعضها
1) بداية الحکمة، المرحلة الثانية عشر، الفصل الخامس،ص 163
الاخر هو حضور صور الاشياء مع الذات الالهية المقدسة سواء کان هذا الحضور من قبيل حضور صور الاعيان الثابتة أم من قبيل حضور صور الماهيات الممکنة الکامنة أو من قبيل حضور صور الاشياء في الذات نعم لم يجعلوا هذه الصور في مرتبة الذات الا انها قديمة بقدم الذات عندهم و لا يخفی بطلان هذا الرأي فلا قديم غيره تعالی.
و قد ذکر السيد الطباطبائي الاقوال العشرة و اشکل علی کل واحد منها و ذهب الی ان علم الله سبحانه و تعالی الاجمالي في عين علمه التفصيلي و بالعکس.اقول: ما ذهب اليه السيدالطباطبائي من ان علمه تعالی الاجمالي عين علمه التفصيلي باعتبار انها عين الذات الالهية تعالی الله عن ذلک کما صرح به حيث قال: « ان الموجودات بما هي معاليل له قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل ...» .
و هذا المعنی عين القول بوحدة الوجود و الموجود فلا شیء خارج عن ذاته تعالی حسب هذا القول و لا يخفی بطلان هذا القول بل و استحالته کما سبق من تباين الذات الالهية مع مخلوقاتهاکما و ان عمدة الاشکال في کل هذه الاقوال انها في مقام بيان کيفية العلم الالهي و الحال ان بيان کيفية العلم الالهي خارج عن حدود معرفة المخلوق و المطابق للايات و الروايات و العقل ان المخلوق لا يستطيع و لا يمکنه ان يدرک کنه و حقيقة ذات الله جل و علا.
9- ما هو برهان الصديقين؟ و ما هو برهان القاهريّة؟
ذکر الأستاذ مصباح اليزدي عن المحقق الطوسي في شرحه علی الإشارات: «المتکلمون يستدلون بحدوث الأجسام و الأعراض؛ علی وجود الخالق - الی ان قال - و الحکماء الطبيعيون أيضا يستدلون بوجود الحرکة علی التحرک - الی ان قال - وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود، و إنه واجب، أو ممکن علی إثبات الواجب، ثم بالنظر في ما يلزم ا لوجوب و الإمکان علی صفاته- الی ان قال - فذکر الشيخ يعني ابن سينا , ترجيح هذه الطريقة علی الطريقة الأولی؛ بأنه أوثق و أشرف، و ذلک لأن أولی البراهين بإعطاء اليقين؛ هو الإستدلال بالعلة علی المعلول، و أما عکسه، الذي هو الإستدلال بالمعلول علی العلة، فربّما لا يعطي اليقين- الی ان قال – و لما کان طريق قومه أصدق
الوجهين و سمهم بالصدّيقين، فإن الصدّيق هو ملازم الصدق»(1).إنتهی
کلام الطوسي رحمه الله .
ثم ذکر: إن صدر المتألهين ردّ ذلک، و إن برهان الصديقين عنده ما يکون النظر فيه حقيقة الوجود. أما ما ذکره ابن سينا؛ فالنظر مقصور فيه علی مفهوم الوجود. ثم ذکر أن تقرير ملا صدرا يبتني علی أصول:
أحدها:إصالة الوجود.
ثانيها: کونها ذا مراتب.ثالثها: کون المعلول مفتقر الذات الی العلة و عين الربط بها»(2).
أقول: و قد عرفت بطلان کون الوجود حقيقة مشککة، و بطلان کونه ذا مراتب، و بطلان القول بکون وجود المعلول وجودا ربطيّا و تعلّقيا. و ستعرف بطلان القول بکون وجود المعلول وجودا ربطيّا و تعلّقيا. و ستعرف بطلان القول بإصالة الوجود. و الحاصل: بطلان کل مقدمات ما ذکره ملا صدرا من برهان الصديقين.
و أما برهان القاهريّة: فهو إن کل مقهور أثر من الآثار بحکم العقل، و الأثر لا بد له من مؤثر، و بتعبير آخر إن کل شیء مجبور علی حاله، مضطر في وجوده و حدوده؛ فهو آثر من الآثار.
فمثلا: حينما ننظر الی کتاب من الکتب، نحکم عقلا بأنه أثر من الآثار، و نحکم بأن هنالک قوة أثّرت فيه ابعاده الثلاثة، و أعطته هذا اللون من الحدّ و الشکل. و ما هذا الحکم العقلي إلّا لأنه مضطر علی حاله، مجبور في وجوده.
و ننتقل من مثال الکتاب الی مثال الإنسان؛ فهو أيضا آثر من الآثار بحکم العقل، فلا حول و لا قوة في ايجاد نفسه، و لا في الزمان الذي وجد فيه. فقد جاء الی الوجود بلا اختيار منه، بل هو مقهور مغلوب علی أمره.
و هذا الحکم جار في کل محدود؛ من الذرّة الی المجرّة. فکل محدود فهو أثر من الآثار، لأنه لا اختيار له في حدوده. ثم أنه المعلوم أيضا بحکم العقل بداهة؛ هو أن لکل أثر مؤثرا، لا حدّ له و لا مقهوريّة في ذاته، و إلا لأصبح مقهورا مغلوبا علی أمره، و أثر من الآثار.
و بهذا البرهان نثبت أن الأله واحد لا شريک له؛ بمقتضی غالبيّته و قاهريّته، و أنه لا قاهر غيره، لأن کل ماعداه مقهور مغلوب ، لا حول و لا قوّة لديه إلا ما ملّکه و وهب له مالکه و قاهره.
و قد أرشد أهل بيت العصمة و الطاهرة عليهم السلام الی ما يحکم به العقل؛ من الفرق بين الخالق و المخلوق.
فعن مولانا الرضا (علیه السلام) في خطبته الشريفة في مجلس المأمون: «أول عبادة الله؛ معرفته، و أصل معرفة الله؛ توحيده، و نظام توحيد الله؛ نفي صفات عنه، لشهادة العقول؛ أن کل صفة و موصوف مخلوق، و شهادة کل مخلوق؛ أن له خالقا ليس بصفة و لا موصوف، و شهادة کل صفة و موصوف؛ بالإقتران، و شهادة الإقتران؛ بالحدوث، و شهادة الحدوث؛ بالإمتناع من الأزل ،الممتنع من الحدث فليس الله منعرف بالتشبيه ذاته، و لا إياه وحدّ؛ من اکتنهه، و لا حقيقته أصاب؛ من مثّله، و لا به صدق؛ من نهّاه، و لا صمد صمّدّه؛ من أشار إليه، و لا اياه عنی من شبّهه...»(1)
و توضيحا لمعاني هذه الخطبة نقول:
إن کل صفة تقترن مع الموصوف ،کما في کل وجودٍ محدودٍ، فهي مخلوقة؛ يعني أثر من الآثار.و العقل يشهد أن کل مخلوق له خالق، و الخالق ليس بصفة و لا موصوف؛ لأنه باقترانه بالصفة يصبح حادثاً و مخلوقاً،لأن العقل يشهد بأن الإقتران أثر من الآثار، و الأثر حادث، و ليس بأزلي الوجود، و من المستحيل عقلاً أن يکون الحدوث أزليّاً؛ لأن الأزلي لا حدوث له.
1) - عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ، للصدوق: 1:150
و النتيجة من هذا الإستدلال العقلي؛ أن من شبّه الله جلّ و علا بالمحدودين لم يعرفه فليس الله جل وعلا من هو معروفةٌ ذاته بشباهتها مع غيرها. فکل ما له شبيه ليس هو الله عز وجل لان الله عز وجل لا شبيه له،ولم يوحد الله جل وعلا من اکتنه ذاته جل وعلا ، و لا اصاب الحقيقة من مثل الله جل و علا و لا بالله صدق من انهی الله و جعل له نهاية وحد ولا قصد سيده من اشار اليه جل وعلا و لم يقصده من شبهه...
وقد جاء فيها ايضاً: بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعرله وبتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له وبمضادته بين الاشياء عرف ان لاضد له وبمقارنته بين الامور عرف ان لا قرين له...
ما هي الدوافع السياسية في الامور العقائدية؟
10- ما هي الاغراض والدوافع السياسية في الامور العقائدية؟
لا شک ان للاعتقاد الحق اثراً بالغاً في دفع الانسان نحو الصلاح و السعادة و لا شک ان الاستعمار کان من وراء کثير من الانحرافات العقائدية, ففکرة الارجاء و ان الفاسق مرجو امره الی الله جل و علا و فکرة الجبر و ان الله هو الذي يعطي ملکه لمن يشاء کانت من جراء السياسة الاموية وکان معاوية لعنه الله هو المغذي لهذه الافکار في حين ان بطلانها من بديهيات الامور وقد قال تعالی «ان الله لا يغير ما بقوم حتی يغيروا ما بانفسهم» وکذلک فکرة الابدال و الاقطاب و انهم اربعون بدلاًفي طول الزمان هي فکرة اموية خرافية و قد ذکر الاستاذ محمود ابورية في کتابه اضواء علی السنة المحمدية انها من الموضوعات، و لا شکّ أن بني أميّة الذين لا يحلو لهم ان يسمعوا بالروايات المتواترة من أن الأئمة اثنا عشر کلهم من قريش، الواضحة الإنطباق علی آل بيت النبي صلی الله عليه و آله و سلّم, فهم و عملاؤهم و من حذا حذوهم؛ يفترون بمثل هذه الأباطيل، لأجل إطفاء نور الحق، و لأجل تمزيق الأمّة الإسلامّية. و قد سار الإستعمار في القرون الأخيرة علی هذه الخطّة؛ فأوجدوا و روّجوا الفرق الضالة و المنحرفة، فأوجدوا فرق الوهّابيّة و الشيخيّة و البهائية و البابيّة, و أوجدوا الأحزاب القومية و العلمانيّة و المارکسيّة و الشيوعيّة و الإشتراکيّة, و بثوا الأفکار الإلحادية، و روّجوا کل بدعة و ضلالة تحت غطاء الفکر و التحرر و العقل و المنطق.
و لذا نجد أن بريطانيا تعرّف التصوّف و ما يسمی بالعرفان، بأنه الإسلام الحقيقي؛ حرباً منهم للحقيقة، و بغضاً منهم للنور المحمدي؛ مذهب آل البيت عليهم أفضل الصلاة و السلام، الذي ما عرفه أحدّ إلّا اعترف به، و تفانی من أجله؛ کما يشهد بذلک التاريخ.
أقول: و علی المخلصين من أبناء الأمّة الإسلاميّة، و العلماء و الحوزات العلميّة؛ أن لايألوا جهداً في إظهار الإسلام المحمدي الاصيل کما هو ناصعاً جميلاً بعيداً عن الاهواء والبدع والخرافات التي يروج لها الاستعمار و يتخذها ذريعة لمحاربة الاسلام والمسلمين و العلماء الربّانيين المجاهدين المخلصين، ويريد بها تمزيق الأمّة الإسلاميّة.
التوحيد الالهي من زاوية الايات و الروايات
سبق و أن تقدم الکلام في نقد الرؤية الفلسفية في الباب الثاني و البحث عن أصول المعرفة في الباب الاول و کان محور الاستدلال هناک هو نقد الفکر الفلسفي بواسطة الدليل العقلي, و أجد من اللازم طرح نقد الفکر الفلسفي من خلال استدلالات و کلمات ائمة الدين و قادته و هم النبي (صلی الله علیه و آله) و اله الابرار عليهم السلام و ها انا اقدم ذلک في بيان رؤية الاسلام حول التوحيد الالهي بواسطة بياناتهم و التي قد جاءت تارةً مکتفية بالارشاد الی بيان تلك المعارف و اخری بالاستدلال العقلي حول تلك المعارف هذا وکما قد سبق في باب اصول المعرفة أنه يصح الاستدلال بالآيات و الروايات من زاويتين:
الاولی: بما تضمنته تلك الايات و الروايات من استدلال عقلي.
الثانية: باعتبار قيام الدليل و البرهان العقلي علی صحة و صدق الرسالة الاسلامية العظيمة فان ما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله) من معاجز متعددة و التي قسم منها ماثل و باقٍ الی يومنا هذا کمعجزة القرآن الکريم کما يثبت لنا صدق الرسول (صلی الله علیه و آله) و انه من عند الله جل وعلا کذلك يثبت لنا واقعية کل ما جاء به من معارف حول الکون و الوجود و الحياة.
آيات التوحيد
اما الايات: 1- قال تعالی: «قل هوالله احد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يکن له کفوا احد» و قد فسر الامام الحسين عليه السلام هذه السورة المبارکة بقوله: إنه سبحانه قد فسر الصمد فقال: «اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ»... ثم فسره فقال: «لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ». «لَمْ يَلِدْ»: لم يخرج منه شيء كثيف... و لا شيء لطيف... تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولد منه شيء كثيف أو لطيف، «وَلَمْ يُولَدْ»: لميتولد من شيء و لم يخرج من شيء... لا بل هو اللّه الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا على شيء، مبدع الأشياء و خالقها، و منشيء الأشياء بقدرته فذلکم الله الصمد الذي لم يلد و لم يولد(1).
الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك و تعالى أحد صمد ليس له جوف ...(2).
و عن امير المؤمنين (علیه السلام) :
تأويل الصمد: لا إسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا، ولا ثمة، ولا خلا، ولا ملا، ولا قيام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، و لا ظلماني، و لا نوراني، ولا روحاني، ولا
نفساني، ولا يخلو منه موضع، و لا يسعه موضع، ولا علی لون، ولا خطر علی قلب، ولا علی شم رائحة، منفي عنه هذه الاشياء(1).
2- قال الله تعالی «فلا تجعلوا لله انداداً و انتم تعلمون»(2), و قال تعالی «جعلوا لله انداداً ليضلوا عن سبيله»(3), و هاتان الآيتان دالتان علی عدم السنخية بينه تعالی و بين مخلوقاته حيث أن معنی الند هو المشارك في السنخ ففي مفردات الراغب الاصفهاني «نديد الشيئ مشارکه في جوهره... قال تعالی «فلا تجعلوا لله انداداً»(4).
3- «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير»(5).
و معنى هذه الآية واضح جدا و لا يوجد فيها أي غموض أو تعقيد أو صعوبة.
يقول الشيخ الطبرسي في تفسيرها: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وهو كقولهم (مثلك لا يبخل)» والمراد نفي البخل عن ذاته وهو من باب الكناية لانهم إذا نفوا الشيء عمّن يسد مسدّه فقد نفوه عنه، فالمعنى نفي المماثلة عن ذاته سبحانه فلا فرق بين أن يقال «ليس كاللَّه شيء» وأنيقال: «ليس كمثله شيء» الاّ فائدة الكناية وقيل كرّرت كلمة التشبيه للتأكيد(6).
و علی أساس هذا التفسير فقد اشتملت الآية المباركة علی الكناية فهي من زاوية ادبية تشتمل على الفصاحة و دلالتها في بيان المعنى ادل وأقوی، فإن كان مثل و شبيه اللَّه جلّ وعلا لا وجود له، فبالاولوية ذات اللَّه جلّ و علا لا مثيل لها ولا شبيه.
4- قال تعالى: «هُوَ الأول وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عليمٌ»(1).
اقول: حول التوحيد الإلهي هنالك ستة آيات في أوّل سورة الحديد والتي تكون الآية سابقة الذكر احداها, و اشير إلى حديث يؤكد أهميّة هذه الآيات المباركة.
ففي صحيح عاصم بن حُمَيد قال: قال الإمام الصادق (علیه السلام) : إنّه سئل الإمام السجاد (علیه السلام) عن التوحيد فقال: «إنّ اللَّه عزّوجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون، فأنْزل اللَّه تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» و الآيات من سورة الحديد إلى قوله : «عليمٌ بِذَاتِ الصُّدُور» فمن رام وراء ذلك فقد هلك»(2).
فعلى أساس هذا الحديث لو تمسك شخص في مباحث التوحيد بغير سورة التوحيد وهذه الآيات من سورة الحديد, و لم يكن تفكيره العلمي و اعتقاده موافقاً لهذه الآيات, و لم يجعل من هذه الآيات معياراً و ميزاناً له في فهم التوحيد فقد هلك.
5- قال اللَّه تعالى:
«لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1).
الآية المباركة المذكورة حول نبي اللَّه عيسى المسيح (علیه السلام) و اعتقاد المسيحيين بالنسبة للمسيح البعيد عن التوحيد و لا يخفی ان مبنى القرآن على محو الشرك و محاربة الكفر و لأجلإبطال عقائد المسيحية و دفع الشبهات التي اوجدوها فقد تعرضت سور متعددة لشرح حال المسيح و أمّه مريم و لعقائد النصارى الباطلة و من جملة تلك الآيات هذه الآية المباركة من سورة المائدة فقد اعلنت كفر من يعتقد ان المسيح بن مريم هو اللَّه.
عيسی (علیه السلام) يتکلم عن نفسه
وقد عرّف نفسه بأنّه: عبد اللَّه و رسوله وانّ اللَّه جلّ وعلا اوصاه بالصلاة و الزكاة و هما تكليفان من تكاليف اللَّه على عباده و اوصاه بالبرّ بوالدته و لم يجعله اللَّه جلّ وعلا جبارا شقيا «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً»(2).
عيسى عند المسيحيين
لقد اختلف المسيحيون بعد عيسى في شأنه وتفرقوا إلى فرق کما جاء ذلک في التاريخ و انهم انقسموا إلى اكثر من سبعين فرقة والمذكور منهم اكثر من هذه الفرق الثلاثة (الملكاتية والنسطورية واليعقوبية) ولم يتعرض القرآن الكريم لجزئيات هذه المسالك المختلفة وكان كل ما اهتم به القرآن هو محو الشرك وتطهير العقائد غير التوحيدية للمسيحين.
والفرق المسيحية المعاصرة ثلاثة ايضا يمتاز بعضها عن الآخر: البروتستان، والكاثوليك والارتدكس وهذه الفرق الثلاثة هل هي نفس الفرق السابقة؟ الأمر يحتاج إلى تحقيق، وكلها قائلة بالوهية المسيح وانه هو اللَّه سبحانه وتعالى عما يقولون.
ومن هذه الفرق الثلاثة خصوصا الكاثوليكين والارتدكسيين لا يرون الموحد مسيحيا وأساس هذه العقيدة جملات مسجلة في انجيل يوحنا وهي ابتداءً كان العالم كلمة وهذه الكلمة عنداللَّه واللَّه هو الكلمة وحيث ان لفظ الكلمة اطلق على المسيح فمعنى عبارة (اللَّه هو الكلمة) هو (اللَّه المسيح)(1), و قد نفى القرآن هذه العقيدة الباطلة للمسيحين حيث قال: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...» .لقد كتب يوحنا في اواخر عمره بعد الحاح واصرار انجيله و من جملة ما کتب: (عيسى هو اللَّه!! لا، ابن اللَّه!! لا، لا! شريك اللَّه!! لا بل الكل هو ذلك! ) و کان قد كتبه بعد المسيح و لذا فهو غير قابل للاستناد و الإعتماد و اغلب الأناجيل مكتوبة بهذا الشكل و انّ المسيح يرد هذا القول الباطل و الشنيع من كونه متحدا مع اللَّه سبحانه وتعالى فانّه دائما كان داعيا لتوحيد اللَّه جلّ وعلا و وحدانيته, و قد حُكمَ القران بكفر من يعتقد انّ المسيح هو اللَّه « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مَنْ أَنْصَار»(2).
و هنالک قسم آخر من المسيحيين يعتقدون أنّ المسيح هو ابن اللَّه سبحانه و تعالى كما قال ذلك قبلهم اليهود بالنسبة إلى عُزيز انه ابن اللَّه سبحانه و تعالى, قال الله تعالی «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّه» .
عيسى ابن مريم لا ابن اللَّه جلّ وعلا
قال تعالى:«إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ»(1)
و قال عز من قال: «وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ»(2)
لقد عبر القرآن في ستة عشر موضعا عن النبي عيسى بجملة عيسى بن مريم عمدا و يستفاد من هذا التعبير هو: انه علی أهل العالم ان يعلموا و منهم المسيحيون انّ عيسى بشر وانه قد تولد من أم اسمها مريم إذن لا يكون الها ومعبودا فهو وامه كسائر ابناء البشر انسانان وهما من فوقهما إلى ما تحتهما محتاجان للالطاف الإلهية وانهما مولودان يأكلان الطعام ويمشيان ويموتان و... يعني أنهما يحملانصفات المخلوقين ولو كان عيسى ابن اللَّه فاللازم أن يكون مسانخا للَّه وهذا من المحال بأدلة متعددة.
قال تعالى: «وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ»(3).
وكذلك ينزه اللَّه نفسه عن ذلك حيث قال: «مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ»(4).
ويقول عز من قال فى آية اخرى: «إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ»(5).
وكذلك في آيات كثيرة قد نزه سبحانه و تعالى نفسه من هذا النقص(6).
و يعتقد البعض الآخر انّ عيسى و جبرئيل كلاهما معاونان و شريكان للَّه جلّ وعلا وقالوا بثلاثة الهة و هذا شرك وبماهية الكفر و يعتقدون ان اللَّه أحد هذه الثلاثة و انه ثالث ثلاثة كما جاء ذلك مشروحا في الآية: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ» (1).
1) - المائدة/73
القسم الثاني من الباب الثالث
الروايات الواردة حول التوحيد الالهي
وقد رتبت هذا الباب علی فصول اوردت في کل فصل مجموعة من الروايات المناسبة لعنوان ذلك الفصل نسأل الله سبحانه و تعالی ان ينفع به العالمين .
ان محور الاستدلال في کلمات الائمة الاطهار عليهم السلام يدور مدار الفرق بين الاثر و المؤثر بما اسميناه ببرهان القاهرية و الذي خلاصته يکمن بالفرق بين الخالق والمخلوق والاثر والمؤثر والقاهروالمقهور والصانع والمصنوع فان من يقهر الاشياء بايجاد مشاعرها وجواهرها فانه فوقها حاكم عليها ولوكان مثلها لاصبح اثراً ولاحتاج الى من يحدُّله الحدود وقد ثبت بحكم العقل ان كلمحدود اثر من الآثار ومحتاج الى الموثر وان المؤثر الحقيقي لاحد له لانه ليس باثر فلا يتطرّق اليه التغيّر و الحد و يستحيل ان يكون له مثيل وممانع له في وجوده جل و علاوان حقيقة ذاته جل وعلا مباينة لحقيقة المخلوقات حيث ان وجودها مجعول وقابل للعدم بخلافه جل وعلا .
و قد تضمنت الروايات معنی خالقية الله جل وعلا مع الاستدلال عليه وعلی حدوث العالم وان خلقة العالم بلا مادة سابقة فلا من شىء خلق الاشياء، و إن اللّه تبارك وتعالی لم يزل عالما قديما، خلق الاشياء لا من شيء وإن ما لم يزل لا يكون مفعولاوإن الفعل كلّه محدث ولو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له، لانّه لم يزل معه وانه يقول لما أراد كونه: "كن" فيكون ، و لو كان العالم قديما لكان إلها ثانيا، و انه لا بد للمخلوق من خالق و انه كيف يخلق لا شيء شيئا؟! وإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا،وانه كيف ينشيء الاشياء من لا يمتنع من الانشاءوانه لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره وان كل صانع شيء فمن شيء صنع، و اللّه لا من شيء صنع ما خلق، و ان كل
معط منتقص سواه،وانه الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا علی شيء، مبدع الاشياء.
هذا وتضمنت الروايات ملاك المخلوقية والاستدلال عليه: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلّا و إذا ضم إليه مثله صار أكبر ... لكان في الوهم أنّه متی ما ضم شيء الی مثله كان أكبر، و ان كلّ ما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود.وكل متجزّئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال علی خالق له،وإنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله التغير والزوال أو ينتقل من لون الی اخروان كل موصوف مصنوع وصانع الاشياء غير موصوف بحد مسمى،وانه جل أن تحله الصفاتلشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع. وان كل ما وقع عليه حد فهو خلق اللّه، و انه تعالی أن يوصف بمقدار.
والروايات کالتالي:
*الامام الرضا (علیه السلام) : الحمد لله فاطر الاشياء انشاءاً ومبتدعها ابتداعاً بقدرته وحكمته لامن شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلايصح الابتداع خلق ما شاء كيف شاء متوحداً بذلك لاظهار حكمته وحقيقة ربوبيته لا تضبطه العقول و لا تبلغه الاوهام(1).
*... فقال أبو عبد الله (علیه السلام) : أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم فلا حجة للجاهل. يا أخا أهل مصر تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبداً ما ترى الشمس و القمر والليل والنهار يجريان ليس لهما مكان إلّا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا و لا يرجعان فَلمَ يرجعان؟ و إن لم يكونا مضطرين فلمَ لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، و الذي اضطرهما أحكم منهما و أكبر منهما، قال الزنديق صدقت،ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام) يا أخا أهل مصر الذي تذهبون إليه وتظنونه بالوهم فإن كان الدهر يذهب بهم لمَ لا يردهم وإن كان يردهم لمَ لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر. السماء مرفوعة و الأرض موضوعة لمَ لا
1) اصول الكافي ج 1 ص81
تسقط السماء على الأرض؟ ولمَ لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما؟ فقال الزنديق أمسكهما و الله ربهما و سيدهما.
فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله
(علیه السلام) . فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفار على يدي أبيك. فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله (علیه السلام) اجعلني من تلامذتك. فقال أبو عبد الله (علیه السلام) لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلمه. فعلمه هشام، فكان معلم أهل مصر وأهل الشام وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد الله (علیه السلام) .(1)
*الإمام الجواد (علیه السلام) :إن ما سوى الواحد متجزي، واللّه واحد أحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزيء ومتوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له...(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق،...وكل موصوف مصنوع وصانع الأشياء غير موصوف بحد مسمّى،لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره، ولم يتناه إلى غاية إلا كان غيره، لا يزل من فهم هذا الحكم أبدا وهو التوحيد الخالص فاعتقدوه وصدقوه وتفهموه بإذن اللّه عز وجل، ومن زعم أنه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن الحجاب والمثال والصورة غيره، و إنما هو واحد موحد، فكيف يوحد من زعم أنه عرفه بغيره(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
جلّ أن تحله الصفات، لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع.(1)
الإمام الصادق (علیه السلام) : ... لكنا نقول: كل موهوم بالحواس، مدرك بها تحده الحواس ممثلاً فهو مخلوق، ولا بد من إثبات صانع الأشياء خارجا من الجهتين المذمومتين: إحديهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف. فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار منهم أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم... (2).
... فقال له أبو عبد اللّه (علیه السلام) : اسأل عما شئت، فقال: ما الدليل على حدوث الأجسام؟
فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلّا وإذا ضمّ إلى مثله صار أكبر، و في ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، و لو كان قديما ما زال و لا حال، لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأزل دخوله فيالقدم، و لن تجتمع صفة الأزل و الحدوث، و القدم و العدم في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين و الزمانين على ما ذكرت و استدللت على حدوثهما، فلو بقيت الأشياء على صغرها، من أين كان لك أن تستدل على حدثها؟ فقال العالم (علیه السلام) : إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر، كان لا شيء أدل على الحدوث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن أجبتك من حيث قدرت أن تلزمنا ونقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان
في الوهم أنه متى ما ضم شيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه، خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث، ليس لك ورآئه شيء يا عبد الكريم(1).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : ... أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟ فقال عبد الكريم ابن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع، فقال له العالم (علیه السلام) : فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا وولع بخشبة كانت بين يديه و هو يقول: طويل، عريض، عميق، قصير، متحرك، ساكن، كل ذلك صفة خلقه، فقال له العالم (علیه السلام) : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الأمور...(2).
الإمام الصادق (علیه السلام) : إنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا(3).
الإمام الصادق (علیه السلام) :
مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف.(4)
ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده؟(5)
لو رأيت تمثال إنسان مصورا على حائط، فقال لك قائل: إن هذا ظهر هاهنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك؟ بل كنت تستهزء به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الإنسان الحي الناطق. (1)
الإمام الصادق (علیه السلام) : كيف يخلق لا شيء شيئا؟!(2)
الإمام الرضا (علیه السلام) :كيف ينشيء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء.(3)
الإمام الرضا (علیه السلام) :لعجز كل مبتدء عن ابتداء غيره.(4)
الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة... مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها.(5)
فما ليس بشيء لا يقدر أن يخلق شيئا وهو ليس بشيء، كذلك ما لم يكن فيكون شيئا يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه.(6)
لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف.(1)
أولستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم، فقال (صلی الله علیه و آله) وسلم: أفترونهما لم يزالا ولا يزالون؟ فقالوا: نعم؛قال (صلی الله علیه و آله) وسلم أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال: فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال (صلی الله علیه و آله) وسلم: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل أو نهار ولم تشاهدوهما فلا تنكرو اللّه قدرته.(2)
أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن قلتم إنه متناه فقد كان ولا شيء منهما.(3)
فحدّه (أي صفه)لي، قال: إنه لا يحد (أي لا يوصف فلا يعرف) قال: لم؟ قال: لأن كل محدود
(أي موصوف)متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد، احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان... فهو غير محدود ولا متزائد ولا متجزيء ولا متوهم.(4)
وما احتمل الزيادة كان ناقصا ، وما كان ناقصا لم يكن تاما ، وما لم يكن تاما كان عاجزا ضعيفا.(1)
ابو اسحاق الليثي قال قال لي ابو جعفر (علیه السلام) :ان الله تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً خلق الاشياء لامن شيء ومن زعم ان الله عزوجل خلق الاشياء من شيء فقد كفر لانه لوكان ذلك الشيء الذي خلق منه الاشياء قديماً معه في ازليته وهويته كان ذلك ازلياً بل خلق الله عزوجل الاشياء كلها لامن شيئ (2)* الامام الرضا (علیه السلام) :اما الواحد فلم يزل واحداً كائناً لاشيء معه بلاحدود ولااعراض ولا يزال كذلك ثم خلق خلقاً مبتدعا مختلفاً باعراض وحدود مختلفة(3)
الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته، وبعجزها على قدرته، وبفطورها على قدمه، وبزوالها على بقائه... كفى بإتقان الصنع لها آية، وبمركب الطبع عليها دلالة، وبحدوث الفطر عليها قدمة، وبإحكام الصنعة لها عبرة.(4)
وبحدوث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنع من الصفات ذاته.(5)
... ما عرفت اللّه عز وجل بمحمّد (صلی الله علیه و آله) ، ولكن عرفت محمّدا باللّه عز وجل حين خلقه
وأحدث فيه الحدود من طول وعرض.(1)
ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون" فإنه ردّ على الزنادقة الذين يبطلون التوحيد ويقولون: "إن الرجل إذا نكح المرأة وصارت النطفة في الرحم تلقته أشكال من الغذاء ودار عليه الفلك، ومر عليه الليل والنهار، فيولد الإنسان بالطبايع من الغذاء ومرور الليل والنهار"، فنقض اللّه عليهم قولهم في حرف واحد فقال: «ومن نعمره ننكسه الخلق أفلا يعقلون» قال: لو كان هذا كما يقولون ينبغي أن يزيد الإنسان أبدا ما دامت الإشكال قائمة، والليل والنهار قائمان، والفلك يدور، فكيف صار يرجع إلى النقصان كلما ازداد في الكبر إلى حد الطفولية ونقصان السمع والبصر والقوة والفقه والعلم والمنطق حتى ينقص وينتكس في الخلق ولكن ذلك من خلق العزيز الحكيم وتقديره.(2)
قال أمير المؤمنين (علیه السلام) : أنزل اللّه «الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون»(3).
وكان في هذه الآية ردّا على ثلاثة اصناف منهم لما قال «الحمدللّه الذي خلق السموات و الارض» فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لابدو لها وهي دائمة. ثم قال:... فقال رسولاللّه (صلی الله علیه و آله) لأصحابه: قولوا: "إياك نعبد" أي نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية إن الأشياء لا بدو لها و هي دائمة(4).
*...فخبرني الآن عما قاله نبيكم في المسيح من أين أثبت له الخلق و نفى عنه الإلهية و أوجب فيه النقص و قد عرفت ما يعتقد فيه كثير من المتدينين؟! فقال أمير المؤمنين (علیه السلام) : أثبت له الخلق بالتقدير الذي لزمه والتصوير والتغير من حال إلى حال والزيادة التي لم ينفك عنها والنقصان...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث.(2)
*... إن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه مدخل...(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزليته، و بأشتباههم على أن لا شبه له(4).
و لو کان فکروا في عظيم القدرة و جسيم النعمة لرجعوا الی الطريق و خافوا عذاب الحريق و لکن القلوب عليلة و البصائر مدخولةٌ.
الا ينظرون الی صغير ما خلق کيف احکم خلقه و اتقن ترکيبه و فلق له السمع و البصر و سوّي له العظم و البشر؟
انظروا الی النّملة في صغر جثتها و لطافة هيئتها لا تکاد تنال بلحظ البصر و لا بمستدرک الفکر کيف دبَّت علی ارضها وصبّت علی رزقها تنقل الحبّة الی جحرها و تعدها في مستقرّها،تجمع في حرها لبردها.
فانظروا الی الشمس و القمر و النبات و الشجر و الماء والحجر واختلاف هذا الّيل و النّهار وتفجّر هذه البحار و کثرة هذه الجبال و طول هذه القلال و تفرّق هذه اللّغات و الالسن المختلفاتفالويل لمن انکر المقدر و جحد المدبّر زعموا انهم کالنّبات مالهم زراع و لا لاختلاف صورهم صانع و لم يلجؤوا الی حجّة فيما ادّعوا ولا تحقيق لما أوعوا و هل يکون بناء من غيربان أو جناية من غير جانٍ؟!!(1)
فقال ابوعبدالله (علیه السلام) : اجلس ؛فاذا غلام صغير في کفّه بيضة يعلب بها فقال ابوعبدالله (علیه السلام) : ناولني فناوله ايّاها.
فقال ابوعبدالله (علیه السلام) : ياديصاني هذا حصن مکنون له جلد غليظ و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق و تحت الجلد الرقيق ذهلة مائعة و فضّة ذائبة،فلا الذّهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذّهبة المائعة،فهي علی حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن اصلاحها و لم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن افسادها،لا يدری للذکر خلقت أم للأنثی تنفلق عن مثل ألوان الطواويس.
أتری لها مدبّراً؟!
*الامام الجواد (علیه السلام) :
يا ذا الذي کان قبل کل شيء ثم خلق کل شيء ثم يبقی و يفنی کل شيء ..... (2)
و فيه امور:
و تجد في هذا الامر معنی التوحيد الحقيقي وخلاصة مضامين الاخبار:
انما سوی الواحد متجزّيء، واللّه واحد أحد لا متجزّيء ولا متوهم بالقلة وهو الواحد الّذي لا واحد غيره لانه لا اختلاف فيه وان كل مسمی بالوحدة غيره قليل وانه الصمدومعناه:انه لا إسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد له وانه ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبّرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الاقطاروهو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله وإنّه أحدي المعنى، يعني أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، وانه من جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه،ومن جزّأه فقد جهله والانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، واللّه واحد لا واحد غيره وأحدي المعنی والانسان واحد ثنوي المعنى، جسم، وعرض وإن ما سواه من الواحد متجزيء، وهو تبارك وتعالی واحد لا متجزيء واللّه جل جلاله واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه و لا تفاوت و لا زيادة و هو شيء بحقيقة الشيئية، و هو شيء بخلاف الاشياء .
و انه هو القاهر و لا مقهوريّة في ذاته تعالی فهو غير الاثر الذي هو مقهور ومغلوب على امره ومحدود في ذاته و وجوده وانه لا ضد له بخلاف غيره من المخلوقات فانه يحصل التضاد في ما بينها اما بالنسبة الى مؤثرها فلاتضاد بينها وبينه لأنه ليس من سنخها فهو خالقها جميعاً وكلها تحت سلطانه فالاضداد في عالم المخلوقات والآثار لاربط لها بعالم الخالقيّة فلا يمكن قياس عالم الآثارعلى عالم المؤثّر و بذلك يظهر أن الله تعالی لايقاس بالمکان کما لا يقاس بالزمان فإنه جل وعلا فوق المکان و خالقهما
و المکان و الزمان من صفات المخلوقات وهو تعالی فوقها و ليس من سنخها فليس من شأنه المکان حتی يمانعه الغير فيه.
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
قبل كل غاية ومدة وإحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار.(2)
*... قال (الزنديق) فحده (أي صفه) لي، قال الإمام الرضا (علیه السلام) :
إنه لا يحدّ (أي لا يوصف). قال: لمَ؟ قال: لأن كل محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزائد، ولا متجزي، ولا متوهم.(3)
*الإمام المجتبى (علیه السلام) :
الحمد للّه الذي لم يكن له... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهی.(4)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس اللّه كذلك.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثيل...، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد، والقريب منهم بلا ملامسة.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
جلّ أن تحله الصفات، لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ما تصوّر فهو بخلافه.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ما تصوّر في الأوهام فهو بخلافه.(6)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره
فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية، لا يستحقها غيره، ولا يشارك ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره...(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
فالحدّ لغيره مضروب وإلى غيره منسوب.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لأنه اللّه الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، وفي حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصرّفا... الذي لما شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
كل معط منتقص سواه.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له،... ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزه لمغرزها.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إنه جل ثناؤه علة كل شيء وليس شيء بعلة له.(5)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
لا يتغير اللّه بانغيار المخلوق، كما لا ينحد بتحديد المحدود.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ليس مذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية، كيف ولا تغيبه مذ، ولا تدنيه قد، ولا يحجبه لعل، ولا يوقته متى، ولا يشمله حين، ولا تقارنه مع، إنّما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها.(1)
*...قال (الزنديق) ماهو؟ قال الصادق (علیه السلام) :
هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي: شيء، إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الأزمان.
قال السائل: فله إنية ومائية؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلّا بإنية ومائية(2).
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى كان و لا شيء غيره. نورا لا ظلام فيه، وصادقا لا كذب فيه، وعالما لا جهل فيه، وحيا لا موت فيه، وكذلك هو اليوم وكذلك لا يزال أبدا(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... و خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما في غيره(4).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... ولم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها...(5)*الإمام الصادق (علیه السلام) :
هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه(6)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... ولا يبلغون كنه علمه...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير، أو يدخله التغيير والزوال، أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة، إلا ربّ العالمين، فإنه لم يزل ولا يزال واحدا... لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الإنسان الذى... يتبدل عليه الأسماء والصفات واللّه عز وجل بخلاف ذلك.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
فلا إليه حد منسوب، ولا له مثل مضروب... تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... لا كفو له فيكافيه ولا نظير فيساويه.(5)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... تعالى اللّه عما يصفه الواصفون المشبهون اللّه تبارك وتعالى بخلقه المفترون على اللّه...(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... تعالى عما ينحله المُحَدِدِون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب...(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : الحمد للّه الذي كان. قبل أن يكون كان. لم يوجد لوصفه كان(4).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : فكان إذ لا كان(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إن قيل "كان" فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل "لم يزل" فعلى تأويل نفي العدم(6).
*الإمام الباقر (علیه السلام) : إن ربي تبارك و تعالى كان... و لم يكن له كان.(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته.(8)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :اللهم إنك كنت قبل الأزمان، وقبل الكون والكينونة والكائن.(3)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :الحمد للّه الذي لا من شيء كان ولا من شيء كوّن ما قد كان...(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير... إلا رب العالمين... لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الانسان يكون ترابا مرة، ومرة لحما ودما، ومرة رفاتا ورميما... فتتبدل عليه الأسماء والصفات واللّه جل وعز بخلاف ذلك.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :الحمد للّه الذي لم تسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا.(6)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :أوليتك مثل اخريتك واخريتك مثل أوليتك.(7)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... فاللّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنّه، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن اللّه ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادو من الحق بعدا.
ولو وصفوا اللّه عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا فيه، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال عمران: يا سيدي، أشهد أنه كما وصفت ولكن بقيت لي مسالة. قال: سل عما أردت، قال: أسئلك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحول من شيء إلى شيء، أو به حاجة إلى شيء؟
قال الرضا (علیه السلام) :
أخبرك يا عمران فاعقل ما سئلت عنه فإنه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون، أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك،ولكنه عزّ وجلّ لم يخلق شيئا لحاجة ولم يزل ثابتا لا في شيء ولا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه، و اللّه جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله. وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ولا يعجز عن إمساكه ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا اللّه عزّ وجلّ ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره والمستحفظين من سره وخزانه القائمين بشريعته، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئا فإنما يقول له: كن، فيكون بمشيته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء ولا شيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران؟ قال: نعم، يا سيدي قد فهمت، وأشهد أن اللّه على ما وصفته ووحّدته وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ. ثم خرّ ساجدا نحو القبلة وأسلم.
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... و المتعالي عن الخلق بلا تباعد.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : إن الأبصار لا يدرك إلا ما له لون وكيفية، واللّه خالق الألوان والكيفية(2).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ابتداؤه إياهم دليل على أن لا إبتداء له لعجز كل مبتدء عن إبتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفافة المتأدين.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
كيف يجري عليه ما هو أجراه؟ ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه و... لامتنع من الأزل معناه.(4)
في مباينة الذات الالهية المقدسة لکل المخلوقات
و في هذا الامر تجد بطلان فکرة الوجود الربطي و التعلقي و الظلي فلا سنخية بين الخالق و المخلوق و لا ان وجود المخلوقات مرتبة من وجود الخالق بل هنالك تباين ذاتي بينهما و بطلان صدور الاشياء من الذات الالهية؛ و بطلان تجلّي الذات و تمظهرها بصورة الاشياء و دليل المباينة هو:
لاجل افتراق الصانع و المصنوع ، و الحاد و المحدود ولان كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، و لان كل ما يمكن في المخلوق يمتنع في صانعه و انه تعالی كيف يجري عليه ما هو أجراه، و يعود فيه ما هو ابتدأه و انه لم يعلم له مائية و ماهية حتی يكون للاشياء المختلفة مجانسا.
کما و انه ليس في الاشياء بوالج، و لا عنها بخارج و هو الموجود بنفسه لا بأداته و إن اللّه تبارك وتعالی خلو من خلقه وخلقه خلو منه، و هو القديم و ما سواه محدث، تعالی عن صفات المخلوقين علوا كبيرا،و لو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق وان ما سوی اللّه فعل اللّه، ... و هي كلّها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شئ وانه لم ينتقل مع المنتقلين وانه قديم لم يتغير بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره و ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالی عن ذلك وانه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا عن کل شئ وان كل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه فهو مخلوق،وانه مبائن لجميع ما أحدث في الصفات.
1- يقول امير المؤمنين (علیه السلام) في وصف الذات الالهية المقدسة:
«الذي بان من الخلق فلا شيء كمثله»(1), و هذه الرواية تفسر و تبين لنا معنى الآية المباركة «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» وتقرير الاستدلال واضح حيث صرح الامام (علیه السلام) بالبينونة بين الخالق و المخلوق والمراد من البينونة هو نفي السنخية كاملا يعني نفي الاشتراك في الحقيقة و لذا حينما يقال هنالك بينونة بين الخالق و المخلوق فمعناها هو نفي الاشتراك بينهما.
2- و يقول الامام الرضا (علیه السلام) «خلق اللَّه تعالى الخلق حجابا بينه وبينهم ومباينته ايّاهم مفارقته انيّتهم».(2)
فنفس ايجاد الخلائق والموجودات هو الحجاب بين اللَّه تعالى و المخلوقات لا انّه هنالك حائل بينه تعالى وبين مخلوقاته فنفس ايجاد الخلائق هو حجاب حيث انّ اللَّه تعالى يباين الخلق تباينا ذاتيا ولذا فنتيجة ايجاد الخلائق هو الحجاب وقد أشير في ذيل الحديث الى هذه الجهة بقوله (علیه السلام) : مباينته اياهم مفارقته انيّتهم» فتباين الذات الالهية مع الخلائق بهذا المعنى وهو: ان حقيقة الذات الالهية المقدسة تباين وتفارق حقيقة الاشياء والموجودات ولا اشتراك بينهما اصلا.(1)
3- يقول الامام الرضا (علیه السلام) : فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه(2)» لوكان هنالك تسانخ واشتراك في الحقيقة بين الخالق والمخلوق فلا معنى لهذه الرواية فالحديث واضح وصريح بأن لا تسانخ ولا اشتراك.
4- يقول أميرالمؤمنين (علیه السلام) : الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان، قدرةً بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه»(3)فاللَّه جلّ وعلا لا من شيء كان موجودا ولا من شيء خلق الخلائق فهو (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وذلك لانه مباين للاشياء والاشياء مباينة له تعالى.(4)
1) الانيّة: تعني حقيقة الشيء.
2) - توحيد الصدوق، باب التوحيد و نفي التشبيه، ح 2ص41و بحار الانوار، 285/54
3) توحيد الصدوق، باب التوحيد و نفى التشبيه، ح 3ص 42الاصول من الكافي، كتاب التوحيد، باب جوامع التوحيد، ح 134/1,1
4) - وهذا الحديث الشريف حصل فيه تحريف في نسخة ملاصدرا ففيه «فدرة» بدل «قدرة» وقد شرح ملاصدرا الفدرة بالقطعة وحاول بعباراته اثبات ذلك الاّ انّ الأمر ليس كذلك فليس هذه القطعة وذلك الجزء مباينا للاشياء ولو جعلنا الفدرة بمعنى القطعة للزم التركيب في الذات الالهية وحيث لا تركيب في الذات المقدسة فالنتيجة هي انّه تعالى بان من الأشياء ويتعين هذا المعنى مع لفظ القدرة التي جاء في النسخ الاخرى
5- و يستمر أميرالمؤمنين (علیه السلام) في حديثه السابق ويقول: «حدّ الاشياء كلها عند خلقه اياها ابانة لها من شبهه وابانة له من شبهها»(1), فيؤكد (علیه السلام) في هذا الحديث علی التباين بينه تعالى و بين المخلوقات.
6- و في موضع آخر يقول (علیه السلام) : «لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين»(2), و هنا يصرح (علیه السلام) بنفي السنخية بينه تعالى وبين المخلوقات ويثبت البينونة.
7- و يقول الامام الصادق (علیه السلام) :
و من شبه اللَّه بخلقه فهو مشرك انّ اللَّه تبارك وتعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه.(3)
و هذا الحديث واضح في الدلالة علی نفي السنخية.
8- و ينقل الإمام الرضا (علیه السلام) : عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) : انّه قال في ضمن خطبة: «الحمد للَّه الذي لا من شيء كان ولا من شيء كون ما كان مستشهد بحدوث الاشياء على ازليته وبما وسمها به من العجز على قدرته وبما اضطرها اليه من الفناء على دوامه لم يخل منه مكان فيدرك بانيّته ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثية مبائن لجميع ما احدث في الصفات وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات»(4).
كلّ ما أوجده اللَّه تعالى من الموجودات العالية السافلة والنورية و... فهو مباين في الصفات مع اللَّه جلّ وعلا، فاللَّه جلّ وعلا لا يدرك من خلال الموجودات المتغيرة و الحادثة و التي يتصرف بها نعم يعلم وجوده بذلك لكنه
لا يدرك, و قوله (علیه السلام) : «في الصفات» لا بمعنى انّ ذاته تعالى لا تباين الاشياء و ذلك لانّ الصفات اذا كانت تباين المخلوقات فانّ منشأ هذا التباين هو الذات والصفات هذا كما اوضحه بعض الاعاظم بمعنى في الصفة يعني انّ اللَّه جلّ وعلا يباين مخلوقاته في التوصيف والتعريف ولا اشتراك ولا تسانخ في البين والحاصل من الحديث هو نفي السنخية واثبات التباين.9- يقول أميرالمؤمنين (علیه السلام) : «و لا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين».(1)
10- و قال (علیه السلام) : «كنهه تفريق بينه وبين خلقه»(2).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه، وكان محتملاً للزيادة وما احتمل الزيادة كان ناقصا،... واللّه عزّ وجلّ لا يشبه بشيء، وإنما قلنا إنه قويّ للخلق القوي وكذلك قولنا العظيم الكبير، ولا يشبّه بهذه الأسماء اللّه تبارك وتعالى.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : ... لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا عن كل شيء سبحانه وتعالى.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : مبائن لجميع ما أحدث في الصفات.(5)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : و لا تحدّ فتكون محدودا.(6)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
ويله، أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا. قال: قلت: فما أقول؟ قال (علیه السلام) : لا جسم ولا صورة وهو مجسم الأجسام، ومصور الصور، لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشيء والمنشأ، لكن هو المنشيء، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئا.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :إن كل شيء جرى فيه أثر التركيب لجسم،... فما... نالته الحواس فهو غير اللّه سبحانه، لأنه لا يشبه الخلق ...، و ليس المخلوق كالخالق.(2)
*... سأل الزنديق عن الصادق (علیه السلام) فقال:... أمختلف هو أم مؤتلف؟
قال: لا يليق به الاختلاف و لا الائتلاف، إنّما يختلف المتجزيء ويأتلف المتبعض، فلا يقال له مؤتلف و لا مختلف(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
تأويل الصمد لا اسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا، ولا ثمّة، ولا ملأ، ولا خلأ، ولا قيام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني، ولا روحاني، ولا
نفساني، ولا يخلو منه موضع، ولا يسعه موضع، ولا على لون، ولا على خطر قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشياء.(1)
*الإمام المجتبى (علیه السلام) :... الحمد للّه الذي لم يكن له... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهی.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
خلقة اللّه الخلق حجاب بينه وبينهم، ومباينته إياهم مفارقته إينيتهم... وأدوهم إياهم دليل على أن لا أداة فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المادين... وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه.(3)
*الإمام أبو جعفر الثاني (علیه السلام) :جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريّته وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :ولاتناله التجزئة والتبعيض.(5)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) :يوحّد ولا يبعّض.(6)
*اميرالمؤمنين (علیه السلام) :ولم يعلم لك مائية وماهية فتكون للاشياء المختلفة مجانسا.(7)
*اميرالمؤمنين (علیه السلام) :
يا من دل علی ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملائمة كيفياته .(8)
1) . بحار الأنوار، 3 / 230، عن جامع الأخبار
2) . بحار الأنوار، 4/ 298
3) . بحار الأنوار، 4/ 288
4) . بحار الأنوار، 4، 154
5) . بحار الأنوار، 4/ 319
6) . بحار الأنوار، 33/ 423
7) . بحار الأنوار، 95/254، از مهج الدعوات
8) . القمي : مفاتيح الجنان ، دعاء الصباح ، عن المجلسى "قدس سره" ، عن المصباح للسيدابن طاووس
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه... إذا لتفاوتت أجزائه(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس اللّه عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه...(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا.(5)
فقال: إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفى لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه.(1)
*الإمام أبو جعفر الثاني (علیه السلام) :
... الكيفية للمخلوق المكيف، فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كيفية ولا نهاية ولا تصاريف.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... لطيف لا بالتجسم... (3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : إن اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه عز وجل فهو مخلوق، واللّه خالق كل شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء .(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه عز وجل، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق.(5)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ليس بجنس فتعادله الأجناس ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات.(1)
*سألت أبا جعفر الثاني (علیه السلام) عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئا؟ فقال:
نعم، غير معقول و لا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهوخلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الأوهام؟ إنما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود(2).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : جلّ وعزّ عن أداة خلقه و سمات بريته.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : كان بلا كينونة، كان بلا كيف، كان لم يزل بلا كم ولا كيف(4).
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام) : لم يزل حيا بلا حياة... و لا كون موصوف و لا كيف محدود(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لاتوصف بصفات، و لا تنعت بنعت و لا بوصف(6).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن(7).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : هو واحد أحدي الذات بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه وهو بكل شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة.(8)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، و بمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له... دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عزّ وجلّ: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون»، ففرق بها بين: "قبل" و"بعد" ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزه لمغرزها، دالة بتفاوتها ألا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها ألّا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم ألّا حجاب بينه وبينها من غيرها، افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعربت عن مباينها(1).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : و إن سألوك عن الكيفية فقل كما قال اللّه عزّ وجلّ: «ليس كمثله شيء»(2).
... فكيف هو؟! فقال (صلی الله علیه و آله) : وكيف أصف ربي ب"الكيف" والكيف مخلوق، واللّه لا يوصف بخلقه.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :... معروف بغير تشبيه... لا يمثل بخليقته.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... الذي بان من الخلق فلا شيء كمثله.(5)
*الإمام الهادي (علیه السلام) :وتعالى اللّه عن الإشتباه.(6)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :... ولا يشبه شيئا مكونا.(7)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :... ولا يشبهه شيء مكوّن...(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : قد جهل اللّه من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، و قد أخطأه من اكتنهه(2).
و تجد في هذه الروايات النص على نفي کون الإرادة الالهية من صفات الذات بل هي من صفات الافعال.
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
لا يكون شيء في السماوات والأرض إلّا بسبعة بقضاء و قدر و إرادة و مشيئة و كتاب و أجل و إذن. فمن قال غير هذا فقد كذب على اللّه، أو رد على اللّه عز وجل(4).
*... يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء اللّه وأراد وقضى؟ فقال: لا يكون إلا ما شاء اللّه وأراد وقدر وقضى. قال: قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضاه أمضاه، فذلك الذي لا مرد له(1).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
الحمد للّه فاطر الأشياء أنشاء ومبتدعها إبتداء بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الإختراع، ولا لعلة فلا يصح الإبتداع خلق ما شاء كيف شاء، متوحدا بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... الذي صدرت الأمور عن مشيته.(3)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) : ... أنشأ ما شاء حين شاء بمشيته وقدرته.(4)*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... المشيّة محدثة.(5)
*المشيئة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن اللّه تعالى لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد(6).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... إن المريد غير الإرادة، وإن المريد قبل الإرادة، وإن الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم: إن الإرادة والمريد شيء واحد...(1)
*قال الإمام الصادق (علیه السلام) : خلق اللّه المشية بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشية(2).
*قلت للرضا (علیه السلام) : خلق اللّه الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة؟!
فقال (علیه السلام) : لا يجوز أن يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك إذا قلت: خلق الأشياء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء وهذا شرك، وإذا قلت: خلق الأشياء بقدرة فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار عليها وقدرة، ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج إلى غيره، بل هو سبحانه قادر لذاته لا بالقدرة.(3)
*عن أبي عبداللّه (علیه السلام) قال: "قلت: لم يزل اللّه مريدا؟ قال: إن المريد لا يكون إلّا المراد معه، لم يزل اللّه عالما قادرا ثم أراد(4).
الجعفري قال: قال الرضا (علیه السلام) : المشية من صفات الأفعال فمن زعم أن اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد.
وعن العالم (علیه السلام) في حديث «فبعلمه كانت المشية»(5).
*قلت لأبي عبد اللّه (علیه السلام) : علم اللّه ومشيته هما مختلفان أم متفقان؟ فقال: العلم ليس هو المشية، ألا ترى أنك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم
اللّه، فقولك: إن شاء اللّه دليل على أنه لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم اللّه سابق للمشية.(1)*قلت لأبي الحسن (علیه السلام) : أخبرني عن الإرادة من اللّه عزّ وجلّ ومن الخلق، فقال: الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأما من اللّه عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق فإرادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك، يقول له: "كن" فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر، ولا كيف لذلك كما أنه بلا كيف.(2)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) : ... وكل شيء سواه مخلوق وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق ببيان...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... يقول لما أراد كونه: "كن" فيكون، لا بصوت يقرع، و لا نداء يسمع،وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا...(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئا فإنما يقول له: "كن" فيكون بمشيته وإرادته.. (5).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... ثمَّ جعل الحروف بعد إحصائها و إحكامِ عِدَّتِها فِعلًا مِنه كقولهِ عزَّ و جل: کن فيکون» و كن منه صنع وما يكون به المصنوع...(6).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :.. يقول ولا يلفظ... يريد ولا يضمر...(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
و لا يتغير بحال، و لا يتبدل بالأحوال، و لا تبليه الليالی والأيام ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء و لا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية و الأبعاض...
ولا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه، و لا أن الأشياء تحمله فيميله ويعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج،... يقول لما أراد كونه: كن، فيكون...(1)
*كتبت إلى الطيب يعني أبا الحسن موسى (علیه السلام) ما الذي لا تجزي معرفة الخالق بدونه فكتب: ليس كمثله شيء و لم يزل سميعا و عليما و بصيرا و هو الفعال لما يريد(2).
*إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول: إن اللّه واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابى أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (علیه السلام) : دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي، إن القول في أن اللّه واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على اللّه عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: "واحد" يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه كفرمن قال: إنه ثالث ثلاثة. وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز، لأنه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك، وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا. وقول القائل: إنه عزّ وجلّ أحدي المعنى، يعني به: أنه لا ينقسم في وجود و لاعقل و لا وهم، كذلك ربنا عزّ وجلّ.(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) : إن اللّه عزّ وجلّ - تبارك أسماؤه وتعالى في علو كنهه - أحد، توحّد بالتوحيد في توحده، ثم أجراه على خلقه، فهو أحد صمد ملك قدوس، يعبده كل شيء و يصمد إليه، و فوق الذي عسينا أن نبلغ، ربنا وسع كل شيء علما(2).
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
الأحد الفرد المتفرد، والأحد والواحد بمعنى واحد وهو المتفرد الذي لا نظير له، والتوحيد الاقرار بالوحدة وهو الانفراد؛ والواحد: المتبائن الذي لا ينبعث من شيء ولا يتحد بشيء، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد، لأن العدد
لا يقع على الواحد بل على الاثنين، فمعنى قوله: اللّه أحد، أي: المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكيفيته فرد بإلهيته متعال عن صفات خلقه.(1)
*... قال الزنديق فكيف هو اللّه الواحد؟
قال الإمام الصادق (علیه السلام) : واحد في ذاته فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزي و هو تبارك وتعالى واحد لا متجزي ولا يقع عليه العد.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : واحد لا من عدد.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : أحد لا بتأويل عدد.(4)
*الإمام السجاد (علیه السلام) : لك يا إلهي وحدانية العدد.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لا يشمل بحد ولا يحسب بعدّ.(6)*الإمام الرضا (علیه السلام) :
واللّه جل جلاله واحد لا واحد غيره لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان.(7)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : إن ما سواه من الواحد متجزيء.(8)
*الإمام أبو الحسن الرضا (علیه السلام) :
واللّه جل جلاله واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا
نقصان.(1)
*الإمام الجواد (علیه السلام) :
إن ما سوى الواحد متجزي، واللّه واحد أحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزي، أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : فهو الواحد الذي لا واحد غيره لأنه لا اختلاف فيه.(3)
*ويقول اللّه تعالى في حديث قدسي:
يا عيسى أنا ربك ورب آبائك الأولين، إسمي واحد وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شيء، وكل شيء من صنعي وكل الی راجعون.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
واللّه واحد وهو له اسم ولا شيء له شبيه... والانسان واحد في الاسم وليس بواحد في الاسم والمعنى والخلق، فإذا قيل للّه، فهو الواحد الذي لا واحد غيره لأنه لا اختلاف فيه.(5)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
فاللّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكفه، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن اللّه ومشيته وإنما اختلف الناس في هذاالباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق
بعدا، ولو وصفوا اللّه عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا... (1)
1) . بحار الأنوار، 10 / 316
و انه سبحانه قادرٌ علی افناء کل شئ واعدامه و انه قادر علی ان يخلق لا من شئ و بعبارة اخری من کتم العدم و قادر علی تبديل جوهر بجوهر آخر.
*الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) وسلم في حكاية المعراج:
... ثم رأيت ملكا من الملائكة جعل اللّه أمره عجبا، نصف جسده النار، والنصف الآخر ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفيء النار، و هو ينادي بصوت رفيع ويقول: سبحان الذي كف حرّ هذه النار فلا تذيب الثلج، وكف برد الثلج فلا يطفيء حرّ هذه النار، اللهم يا مؤلف بين الثلج والنار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين.(1)
*يقول الله تعالی:«وقالت اليهود يد اللّه مغلولة، غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء».(2)
*ويقول الامام الصادق (علیه السلام) في تفسير الاية المتقدمة:
«وقالت اليهود يد اللّه مغلولة»: لم يقولوا: "إنه هكذا"، ولكنهم قالوا: "قد فرغ من الامر فلا يزيد ولا ينقص". فقال اللّه جل جلاله تكذيبا لقولهم: «غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء»، ألم تسمع اللّه يقول «يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب».(3)
*قيل للإمام الباقر (علیه السلام) :... إنهم يقولون إن الفلك إن تغير فسد. قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شق اللّه القمر لنبيه (صلی الله علیه و آله) ، وردّ الشمس قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وقال: «كألف سنة مما تعدون».(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إنه كل يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا.(2)
*وعن الصادق (علیه السلام) «لايكوّن الشيء لامن شيء الا الله ولاينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر الاّ الله ولاينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله» (3)وعن علی اميرالمؤمنين (علیه السلام) في خطبته «الحمدلله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذي لامن شيء كان ولامن شيء خلق ماكان، قدرة بَانَ بها من الاشياء وبانت الاشياء منه «الى»وكل صانع شيء فمن شيء صنع والله لامن شيء صنع ماخلق»(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : انفرد بصنعه الأشياء، فأتقنها بلطائف التدبير.(5)
*الإمام الحسين (علیه السلام) : يوجد المفقود ويفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت.(6)
*الإمام الباقر (علیه السلام) : إن اللّه تعالى أظهر ربوبيته في إبداع الخلق.(7)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
و إن كل صانع شيء فمن شيء صنع، واللّه الخالق اللطيف الجليل خلق و صنع لا من شيء.(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) : له القدرة و الملك أنشأ ما شاء بمشيته لا يحد و لا يبعض و لا يفنى(2).
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى... خلق الأشياء لا من شيء ومن زعم أن اللّه عزّ وجلّ خلق الأشياء من شيء فقد كفر،لأنه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديما معه في أزلية وهويهَ، كان ذلك الشيء أزليا...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ولا من أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حده وصور ما صور فأحسن صورته.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :أنت ابتدعت واخترعت واستحدثت ما أحسن صنعك.(5)
*الإمام المجتبى (علیه السلام) :
... خلق الخلق فكان بديئا بديعا، ابتدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد وأراد ما استزاد، ذلكم اللّه رب العالمين.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... واللّه تبارك وتعالى سابق للإبداع لأنه ليس قبله عزّ وجلّ شيء ولا كان معه شيء...(1)*الإمام الصادق (علیه السلام) :خلق الخلق والأشياء لا من شيء ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كيف كما أنه لا كيف له وإنما الكيف بكيفية المخلوق...(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن، وتمكن الأماكن.
فالحد لخلقه مضروب، و إلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، و لا من أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ماصور فأحسن صورته، ليس لشيء منه امتناع، و لا له بطاعة شيء انتفاع...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... متملك على الأشياء.. قد خضعت له رواتب الصعاب في محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها،.. فلا لها محيص عن إدراكه إياها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع عن قدرته عليها،...(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... وهو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالی على كل شيء منها بجلاله وعزته، لا يعجزه منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه... خضعت الأشياء له فذلت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره... هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها. وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها... بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها... ثم هو يفنيها بعد تكوينها... ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها...(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... الذي خضع كل شيء لمملكته، وذل كل شيء لعزته، واستسلم كل شيء لقدرته وتواضع كل شيء لسلطانهوعظمته، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصى عدده، فلا يؤوده كبير، ولا يعزب عنه صغير...(2)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :...تصعق الأشياء كلها من خيفته...(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... ثم خلق السموات و الأرض في ستة أيام ... وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين...(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :كل معط منتقص سواه.(5)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
والواحد، المتبائن الذي لا ينبعث من شيء، و لا يتحد بشيء، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد، إن العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين ، و لا يخلو ذلك الشيء - المصدر - من أن يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا، فمن أين جائت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشيء الذي أنشئت منه الأشياء حيا؟ أو من أين جاء الحياة إن كان ذلك الشيء ميتا؟(1).
*ويقول مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) : و لو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار من الفلز اللجين و سبائك العقيان ونضائد المرجان لبعض عبيده، لماأثر ذلك في جوده و لا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الأفضال ما لا ينفده مطالب السؤال ولا يخطر لكثرته على بال، لأنه الجواد لا تنقصه المواهب... وإنما أمره إذا أراد شيئا يقول له: «كن فيكون»(2).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : أحدا صمدا أزليا صمديا لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها(3).
و في هذا الامر و ما تقدم من بحث الارادة تجد الرد علی القاعدة المزعومة من (ان الواحد لا يصدر منه الّا واحد ) فلا واسطة من عقول او مثل او غيرهما بينه تعالی و بين خلقه و انه لا خالق سواه لا بالاستقلال ولا بالتفويض اما الاول يعني عدم الواسطة الاستقلالية فواضح و نکتفي بذکر رواية واحدة .
*عن الإمام الصادق (علیه السلام) :
وإنه عزّ وجلّ دائم تعالى عن الكون والزوال، بل هو اللّه عزّ وجلّ مكوّن الكائنات الذي كان بتكوينه كل كائن(1).
و اما الثاني يعني عدم الواسطة التفويضية فيدل علی عدمها القرآن الکريم و الروايات الکثيرة .
*عن الرضا (علیه السلام) انه قال «و من زعم ان الله عز و جل فوّض امر الخلق و الرزق الى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض و القائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك»(2)
*وعن ياسر الخادم قال قلت للرضا (علیه السلام) ما تقول في التفويض؟ فقال: «ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه (صلی الله علیه و آله) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاماالخلق والرزق فلا ،ثم قال: (علیه السلام) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء
و يقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون»(1).
اقول: فان قوله (علیه السلام) (ان الله خالق کل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي واسطة في البين لخالقيته تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة عليهم السلام لم يکن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء, و هذه الروايات موافقة لقوله تعالی «ربنا انزل علينا مائدة من السماء» حينما طلبوا من عيسی (علیه السلام) المعجزة، فروی الطبرسي انه اختلف جماعة من الشيعة في أن اللّه عز وجل فوض إلى الأئمة عليهم السلام أن يخلقوا ويرزقوا، فقال قوم: هذا محال، و قال آخرون: بل اللّه أقدرهم على ذلك، فقال قائل: مالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري فإنه الطريق إلى صاحب الأمر (علیه السلام) ، فكتبوا المسئلة و أنفذوها إليه فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته: «إن اللّه تعالى هو الذي خلق الأجسام و قسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير. فأما الأئمة عليهم السلام فإنهم يسألون اللّه تعالى فيخلق، و يسألونه فيرزق، إيجابا لمسألتهم وإعظاما لحقهم»(2).
*و عن زرارة قال: قلت للصادق (علیه السلام) ان رجلاً من ولد عبد الله بن سبأ يقول بالتفويض قال: و ما التفويض قلت يقولون: ان الله عز و جل خلق محمداً وعلياً ثم فوّض الامر اليهما فخلقا و رزقا و احييا و اماتا فقال: (علیه السلام) كذب عدوّالله اذا رجعت اليه فاقرأ عليه الاية في سورة الرعد «ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار»(3).
هذا و لا خلاف بين علماءنا في ذلك و نکتفي بعبارة الشيخ المفيد رحمه الله و هي كالتالي «و الغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين و الائمة من ذريته عليهم السلام الى الالوهية و النبوة و وصفوهم من الفضل في الدين و الدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد و خرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم امير المؤمنين (علیه السلام) بالقتل و التحريق بالنار و قضت الائمة عليهم السلام عليهم بالاكفار و الخروج عن الاسلام - الى- و المفوضة صنف من الغلاة و قولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة عليهم السلام و خلقهم و نفي القدم عنهم و اضافة الخلق و الرزق مع ذلك اليهم و دعواهم ان الله سبحانه و تعالى تفرد بخلقهم خاصة و انه فوّض اليهم خلق العالم بما فيه و جميع الافعال»(1).
و اما ما يتوهم من خبر محمد بن سنان كنت عند أبي جعفر الثاني (علیه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة فقال: يا محمد، إن اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم، فهم يحللون مايشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلّا أن يشاء اللّه تبارك وتعالى. ثم قال: يا محمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلّف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد.(2)
فهو لا علاقة له بالمقام بل التفويض فيه يرجع الی امور الدين و بقرينة قوله (علیه السلام) فهم يحللون... و الّا فالرواية مخالفة للقرآن الکريم وللروايات الکثيرة و لإجماع الشيعة مع ضعف سندها و متنها(3)
الاول: ضعف الكتاب فقد قال المجلسي رحمه الله فيه «وكتاب مشارق الانوار وكتاب الالفين للحافظ رجب البرسي ولا اعتمد على ما يتفرد بنقله لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع».
الثاني: ضعف الرواية لارسالها فان تاريخ تأليف الكتاب كان في سنة518 في حين ان محمدبن سنان راوي الرواية كان من اصحاب الجواد (علیه السلام) .
الثالث: ضعف الراوي للرواية و هو محمد بن سنان فقد ضعفه ابن الغضائري قائلاً فيه «ضعيف غال يضع لا يلتفت اليه» و ضعفه الشيخ في رجاله وقال في الفهرست «له كتب و قد طعن عليه و ضعف - الى- و جميع ما رواه و الاّ ما كان فيه تخليط او غلو اخبرنا بها » و قال النجاشي عنه «و هو رجل ضعيف جداً لايعوّل عليه ولا يلتفت الى ما تفرّد به » و قال المفيد عنه «و محمدبن سنان مطعون فيه لاتختلف العصابة في تهمته وضعفه و من كان هذا سبيله لايعتمد عليه في الدين» وقال المفيد في كتاب له اخر في الجواب عن سؤال اخبار الاشباح «ان الاخبار بذكر الاشباح تختلف الفاظها وتباين معانيها وقد بنت الغلاة عليها اباطيل كثيرة وصنفّوا كتباً لغواً فيها واضافوا ماحوته الكتب الى جماعة من شيوخ اهل الحق وتخّوضوا في الباطل باضافتها اليهم من جملتها كتاب سمّوه «كتاب الاشباح و الاظلة» نسبوه في تأليفه الى محمد بن سنان ولسنا نعلم صحة ما ذكر في هذا الباب عنه فان كان صحيحاً فان ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو فان صدقوا في اضافة هذا الكتاب اليه فهو ضلال لضلاله عن الحق» وقال الشيخ في الاستبصار «و محمد بن سنان مطعون عليه ضعيف جداً وما يختص بروايته ولايشركه فيه غيره لايعمل عليه» و نقل الكشي عن حمدويه انه كتب احاديث محمدبن سنان عن ايوب بن نوح و قال لا استحل ان اروي احاديث محمد بن سنان و نقل ايضاً بسنده عن صفوان بن يحيى انه قال: ان محمد بن سنان كان من الطيارة فقصصناه وايضاً بسنده عن الفضل بن شاذان انه قال «لا استحل ان اروي احاديث محمد بن سنان» وذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه «ان من الكذابين المشهورين ابن سنان».
فان قلت ان الاصحاب قد عملوا برواياته قلت: نعم انهم عملوا برواياته لكن ذلك لايدل على توثيقه فانهم عملوا بها كما صرح المفيد والشيخ فيما تقدم من عبارتيهما باعتبار احتفافها بالقرينة القطعيّة او الموجبة للوثوق والاطمينان وهي رواية الغير لما رواه وعدم تفرده بالرواية.
فان قلت انه وردت بعض الاخبار في مدحه وجلالته و وثقه المفيد في ارشاده وعده الشيخ من الممدوحين في غيبته كما و قد وثقه ابن شعبه الحرّاني و ابن طاووس.
قلت: اما الاخبار فمع تعارضها ينحصر طريقها بكتاب رجال الكشي و هو كتاب مملوء بالاغلاط وقد ذكر بعض المحققين ان اغلاطه بحد من الكثرة بحيث تسقطه عن الاعتبار عقلائياً وقال العلامة التستري رحمه الله «و اما رجال الكشي فلم تصل نسخته صحيحة الى احد حتى الشيخ و النجاشي حتى قال النجاشي فيه «له كتاب الرجال كثير العلم و فيه اغلاط كثيرة» وتصحيفاته اكثر من ان تحصى و انما السالم منه معدود» .
راي اية الله السيستاني
راي اية الله السيستاني حول روايات محمد بن سنان هو انه لا اطمينان لنا برواياته «إذ أن الغلاة يذهبون إلى أن مطلق التشريع بيد الإمام، فالإمام برأيهم يتمكّن من أن يعمل أي عمل أراده، و إن حرم جميع الواجبات، أو حلّل جميع المحرمات، و بقايا هذه الطوائف موجودة في الوقت الحاضر، كطائفة الآغاخانية، الإسماعيلية، ومحمد بن سنان مما يُحتمَل انتسابُه لمثل هذه الطوائف، لوجود أقوال و روايات كثيرة في شخصه، و من هنا لا نطمئن بمروياته اختلاف الحديث ص11
اقول: و مع هذا الحال كيف يمكن الاعتماد على منقولاته هذا مضافاً الى اعراض الاصحاب عنها بتضعيفهم له و بذلك يظهر ضعف توثيق المفيد له في الارشاد والشيخ في الغيبة بعد نقلهما فيما تقدم عنهما تضعيف الاصحاب له فيكون كلامهما اجتهاد منهما مبني على الحدس، وكذلك توثيق ابن طاووس وابن شعبة له مبني على الحدس مضافاً الى ان توثيقهما من توثيقات المتاخرين.
الرابع: ان المعروف بين العلماء عدم جواز الاستناد في الامور العقائدية الى اخبار الاحاد اذا كانت معتبرة فضلاً عن مثل هذه الرواية الضعيفة والمرسلة وانه لابد من تحصيل العلم بالامور العقائدية و لا يكفي فيها الظن.
الخامس: ان هذه الرواية حتى لو كانت صحيحة سنداً فانها مخالفة للضرورة من المذهب وللاجماع فلاقيمة لها فكيف ونحن نعلم انها موافقة لعقيدة المفوضة وان راويها متهم بذلك.
السادس: ان عقائد الشيعة ثابتة و مسجلة و ليست مما يحتاج الى تحصيلها عن طريق الاخبار الضعيفة المرسلة فقد سجل الشيخ المفيد فخر الشيعة قدسسره في كتابه القيم اوائل المقالات اعتقادات الشيعة و متبنياتهم و ما رفضوه ناقلاً في ذلك اجماعاتهم و عدم اختلافهم والايات و الروايات المتواترة تدعم ما اتفقوا واجمعوا عليه .
هذا و يروى عن محمد بن سنان مثل هذه الرواية كما فيما نقله المجلسي عنه عن كتاب عتيق مجهول الهوية .
هذا و قد يستدل على ذلك بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة و التي جاء فيها «واياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم» .
اقول: مع غض النظر عن سندها - و الذي هو باجمعه ضعيف عدا ابي الحسين الاسدي و هو يروي عن الضعفاء - انّ هذه العبارة ظاهرة في ان ذلك يكون لهم عليهم السلام في يوم القيامة ولا علاقة لها بتفويض ذلك لهم عليهم السلام في دار الدنيا ولذا فالبحث عنها له مجال اخر و لا علاقة لها ببحثنا .
.و اما يروی عن الامام الحجة الغائب المنتظر صلوات اللّه عليه: نحن صنائع ربنا و الخلق بعد صنائعنا(1)
التوقيعات
, فليس المراد من الصنايع الخلق و الايجاد بل المراد انهم عليهم السلام صنايع الرب في العلم و المعرفة و ما هو مثل ذلک و الخلق صنايع لهم عليهم السلام في العلم و المعرفة و الهداية و التربية و...و اما يروی عن الامام الحجة الغائب المنتظر صلوات اللّه عليه: نحن صنائع ربنا و الخلق بعد صنائعنا(2)التوقيعات
, فليس المراد من الصنايع الخلق و الايجاد بل المراد انهم عليهم السلام صنايع الرب في العلم و المعرفة و ما هو مثل ذلک و الخلق صنايع لهم عليهم السلام في العلم و المعرفة و الهداية و التربية و...کما صرح علماؤنا بان هذا المعنی هو المراد و الّا لو کان المراد هو الخلق و الايجاد لکانت دالة علی کونهم عليهم السلام علة مستقلة للخلايق و هو باطل بالضرورة و لو کان المراد منها هو تفويض الامر لهم عليهم السلام فالرواية مخالفة للقرآن الکريم و الروايات الکثيرة و الاجماع .هذا و اشتبه الامر علی البعض فخلط بين معنی التفويض و بين العلم، والحال ان علم الائمة عليهم السلام بالعلل وغيرها
لا يدل علی تفويض الامر اليهم عليهم السلام.
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
الحجاب بينه وبين خلقه لإمتناعه مما يمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع والمصنوع(3).
*كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، وكيف ينشيء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت فيه آية المصنوع ولتحول دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه(4).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... ليس في محال القول حجة... ولا في إبانته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى... (1)
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس اللّه عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه (2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل، (وهو المعبر عنه بالممكن) فيكون بوجوده بعد عدمه، دخول في الحدث (وذلك أن وجود الممكن وحدوثه متلازمان) وفي كونه في الأزل دخوله في القدم، ولن تجتمع صفة الأزل والحدوث، والقدم والعدم في شيء واحد.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : و لو كان قديما لكان إلها ثانيا.(4)
*.. قال سليمان: إنما عنيت أنها من فعل اللّه لم يزل!! قال: ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولاً، و حديثا و قديما في حالة واحدة؟ فلم يحر جوابا … ثم أعاد الكلام إلى أن قال (علیه السلام) : إن ما لم يزل لا يكون مفعولاً.(1)
*... قال (سليمان): بل هي فعل، قال: فهي فعل لان الفعل كله محدث، قال: ليست بفعل، قال: فمعه غيره لم يزل.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
فبما يستدل على أن أحدهما خالق لصاحبه؟!!(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
لأنه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن يزل معه؟!(4)
الإمام الباقر (علیه السلام) : ... لو كان أول ما خلق من خلقه، الشيء من الشيء لم يكن له انقطاع أبدا، ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء ليس هو يتقدمه، ولكنه كان لا شيء غيره...
الإمام الرضا (علیه السلام) :
بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له... ففرق بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد... مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها(5).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : و من عده فقد أبطل أزله.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعا على أنفسهما بالبينة الممتنع منها الأزل.(1)
و ذلک ان كلّ ما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود و انه احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار و عمن في السماء و لم تخرق الاوهام حجب الغيوب حتی تعتقد فيه انه محدود في عظمته و ان كل ما وقع في الوهم فهو بخلافه, و کل ما تصور فهو بخلافه. فالحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم، وهو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيطه وهم، أو يضبطه عقل، ممتنع عن الاوهام أن تكتنهه، وعن الافهام أن تستغرقه، والعقل يقف علی حده فلا يعدوه،فتعالی الله عن ضرب الامثال والصفات المخلوقة علوا كبيرا.فلا إياه وحده من اكتنهه، وانه لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنّه لا يدركه وکما ورد في حمده:
الحمد للّه الّذي أعجز الاوهام أن تنال إلا وجوده وانک لم تجعل للخلق طريقا الی معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك،فكمال معرفته التصديق بهکماوانه بالعقول يعتقد التصديق باللّه، وبالاقرار يكمل الايمان به وهذه هي اعلی درجات المعرفة.
*رسولاللّه (صلی الله علیه و آله) وسلم: اللهم إني أسئلك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه (أي احتجب عن الإدراك بعلو ذاته المقدسة لا بالستر والحجاب)يا من تسربل بالجلال و العظمة، واشتهر بالتجبر في قدسه، يا من تعالى بالجلال و الكبرياء في تفرّد مجده...
1) . بحار الأنوار، 4 / 285
أسئلك بمعاقد العز من عرشك... و بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استاثرت به في علم الغيب عندك، و بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو أثبته في قلوب الصافين الحافين حول عرشك، فتراجعت القلوب إلى الصدور عن البيان (والإدراك والتوصيف) بإخلاص الوحدانية (الممتنعة عن الإدراك) و تحقيق الفردانية، مقرة لك بالعبودية وأنك أنت اللّه، أنت اللّه أنت اللّه. فلا إله إلّا أنت، فلا إله إلّا أنت، فلا إله إلّا أنت، وأسئلك بالاسم الذي فتقت به رتق عظيم جفون عيون الناظرين الذي به تدبير حكمتك و شواهد حجج أنبيائك يعرفونك بفطن القلوب (إيقانا بالغيب وأنك لا تعرف مطلقا) و أنت في غوامض مسرات سريرات الغيوب...(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : عظم أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : يا هو ، يا من هو هو ، يا من ليس هو إلّا هو ، يا هو ، يا من لا هو إلّا هو .(3)يا هو ، يا من لا يعلم ما هو ، و لا كيف هو ، و لا أين هو ، ولا حيث هو إلا هو .(4)يا الله يا هو ، يا هو ، يا من ليس كهو إلّا هو ، يا من لا هو إلا هو.(5)
*و يقول (علیه السلام) : يقف العقل علی حده من معرفة الخالق فلا يعدوه، و لكن يعقله بعقل أقر أن فيه نفسا و لم يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس.(6)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك و تعالى لا يقدر قدرته، ولا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه علمه، ولا مبلغ عظمته و ليس شيء غيره، و هو نور ليس فيه ظلمة، وصدق ليس فيه كذب، و عدل ليس فيه جور، و حق ليس فيه باطل، كذلك لم يزل ولا يزال أبد الآبدين، وكذلك كان إذ لم تكن أرض و لا سماء، و لا ليل و لا نهار ولا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب و لا مطر و لا رياح(1).
*الإمام السجّاد (علیه السلام) : لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنّه لا يدركه، فشكر معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما جعل علم العالمين أنّهم لا يدركونه إيمانا.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : الحمد للّه الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلاّ بالعجز عن معرفتك.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه، فأولها: أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود؟ والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره؟ والثالث: أن يعرف كيف هو وما صفته؟ والرابع: أن يعلم لما ذا هو ولأية علة؟
فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود فقط، فإذا قلنا: كيف هو؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به. وأما لما ذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لأنه جل ثناؤه علة كل شيء وليس شيء بعلة له(5).
*الإمام الهادي (علیه السلام)
... تاهت أوهام المتوهمين... وتلاشت أوصاف الواصفين... فهو... بالمكان الذي لم تقع عليه الناعتون بإشارة ولا عبارة هيهات، هيهات.(1)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... وفات لعلوه على الأشياء مواقع رجم المتوهمين...(2).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحد ولا يحس، ولا يدركه الأبصار، ولا يحيط به شيء ولا هو جسم ولا صورة ولا بذي ... تخطيط ولا تحديد.(3)
*الإمام الباقر (علیه السلام) : ... يا جابر، ما أعظم فرية أهل الشام على اللّه،... إن اللّه تبارك و تعالى لا نظير له و لا شبيه تعالى عن صفة الواصفين وجل عن أوهام المتوهمين، و احتجب عن عين الناظرين...(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... لا يقال له: "ما هو؟"، لأنه خلق الماهية، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيار أمواج عظمته، وحصرت الألباب عند ذكر أزليته، وتحيرت العقول في أفلاك ملكوته(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... ولا خرقت الأوهام حجب الغيوب فتعتقد فيك محدودا في عظمتك... و لا كيفية في أزليتك، ولا ممكنا في قدمك...(1)
*الإمام أبو عبد اللّه الحسين (علیه السلام) :
... لا تدركه العلماء ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق إيقانا بالغيب.(2)
*الإمام أبو عبد اللّه الحسين (علیه السلام) :... يصيب الفكر منه الإيمان به موجودا، ووجود الإيمان لا وجود صفة...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... لأنه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، وحاولت الفكر المبرات من خطر الوسواس إدراك علم ذاته، وتولهت القلوب إليه لتحوي منه مكيّفا في صفاته، وغمضت مداخلالعقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيته، ردعت خاسئة وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه، رجعت وجبهت معرفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته...(4)
*الإمام زين العابدين (علیه السلام) :
... اللهم صل على محمّد وآل محمّد واجعلنا من الذين فتقت لهم رتق عظيم غواشي جفون حدق القلوب حتى نظروا إلى تدبير حكمتك وشواهد حجج بيناتك (يعني في فعلك وخلقك) فعرفوك بمحصول فطن القلوب (يعني إيقانا بغيب ذاتك) وأنت في
غوامض سترات حجب القلوب، فسبحانك أي عين تقوم بها نصب نورك أم ترقأ إلى نور ضياء قدسك أو أي فهم يفهم ما دون ذلك، إلا الأبصار التي كشفت عنها حجب العمية فرقت أرواحهم على أجنحة الملائكة فسماهم أهل الملكوت زوارا وسماهم أهل الجبروت عمّارا فترددوا في مصاف المسبحين و تعلقوا بحجاب القدرة وناجوا ربهم عند كل شهوة، فخرقت قلوبهم حجب النور حتى نظروا بعين القلوب إلى عز الجلال في عظم الملكوت، فرجعت القلوب إلى الصدور على النيات بمعرفة توحيدك فلا اله إلا أنت وحدك لا شريك لك تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا(1).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... وأما اللطيف فليس على قلة وقضافة وصغر، ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء والامتناع من أن يدرك، كقولك: لطف عني هذا الأمر، ولطف فلان في مذهبه، وقوله يخبرك أنه غمض فبهر العقل وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم، فهكذا لطف اللّه تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد أو بوصف، واللطافة منا الصغر والقلة...(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : سبحان من لا يعلم كيف هو إلا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحد، ولا يحس، ولا يجس، ولا يمس، ولا يدركه الحواس، ولا يحيط به شيء، لا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط، ولا تحديد(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... و اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب،فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا "امنا به كل من عند ربنا فمدح اللّه عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم
التعمق فيما لم يكلفهم (لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها). البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين(1).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : نحن الراسخون في العلم.(2)
*وفي الرواية في تفسير الآيه الشريفة يقول الإمام السجاد (علیه السلام) : ... لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه، فشكر معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما جعل علم العالمين أنهم لا يدركونه إيمانا(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك(4).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئتك فجهلوك وبه قدروك والتقدير على غير ما به وصفوك، وإني بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك، ليس كمثلك شيء، إلهي ولن يدركوك وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أن يتناولوك، بل سوّوك بخلقك فمِن ثَمَّ لم يعرفوك، واتخذوا بعض آياتك ربّا فبذلك وصفوك، تعالیت ربي عما به المشبهون نعتوك.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إنه أجلّ من أن تحدّه ألباب البشر بالتفكير، لاتحيط به الملائكه على قربهم من ملكوت عزته بتقدير.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :لا تستطاع وصفك... ولا تصف العقول صفة ذاتك.(2)*الإمام الصادق (علیه السلام) :
الحمد للّه الذي لا يحس ولا يجس ولا يمس ولا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الألسن، وكل شيء حسته الحواس أو لمسته الأيدي فهو مخلوق.(3)
*قلت لأبي جعفر بن الرضا (علیه السلام) : «لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار» فقال: يا أبا هاشم، أوهام القلوب أدق من أبصار العيون أنت قد تدرك بوهمك السند والهند و البلدان التي لم تدخلها و لا تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون(4).
*… ابو هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن اللّه عز وجل هل يوصف؟ فقال: أما تقرء القرآن؟! قلت: بلى، أما تقرء قوله عز وجل «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»"؟ قلت: بلى، قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى، قال: وما هي؟ قلت: أبصار العيون، فقال: إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
الحمد للّه الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتمسه، ولا تلمسه الأيدي فتلمسه.(2)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يحد بيد برجل أو حركة أو سكون أو يوصف بطول أو قصر، أو تبلغه الأوهام، أو تحيط بصفته العقول...(3).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تمتثله(4).
*الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) :
كيف يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه و الأوهام أن تناله و الخطرات أن تحده و الأبصار عن الإحاطة به، جل عما يصفه الواصفون.(5)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ولا تضبطه العقول...(6)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : قد يئست عن الإحاطة به طوامح العقول.(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : فكل ما قدره عقل أو عرف له مِثلٌ فهو محدود(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ولا تقدّرُه العقول...(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
جبرئيل ومكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس ... ، متولهة عقولهم أن يحدُوُا أحسن الخالقين...(3)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) : إن اللّه تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن... تحيط بصفته العقول(4).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور(6).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته...(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
اللّه؛ معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله واللّه هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات.(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
... اللّه، معناه المعبود الذي ألهَ(2)الخلق عن درك مائيته والإحاطة بكيفيته، وتقول العرب: إله الرجل، إذا تحير في الشيء فلم يحط به علما، فالاله هو المستور عن حواسّ الخلق(3).
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
... فمعنى قوله: "اللّه أحد"، أي المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكيفيته فرد بإلهيته متعال عن صفات خلقه.(4)
*الامام الباقر (علیه السلام) : ... لأن تفسير "إلاله" هو الذي أله الخلق عن درك مائيته وكيفيته بحس أو بوهم لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس(5).
*الإمام الباقر (علیه السلام) : ... فإذا تفكر العبد في مائية الباري وكيفيته إله فيه وتحير ولم تحط فكرته بشيء يتصور له، لأنه عز وجل خالق الصور، فإذا نظر العبد إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم... (6).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيّار أمواج عظمته، وحصرت الألباب عند ذكر أزليته، وتحيرت العقول في أفلاك ملكوته(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه، وتحيرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليته، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته...(2).
*الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي (علیه السلام) :
تاهت أوهام المتوهمين وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، و اضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه والوقوع بالبلوغ على علو مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهی، وبالمكان الذي لم تقع عليه الناعتون بإشارة ولا عبارة هيهات هيهات.(3)
*أمير المؤمنين (علیه السلام) :
سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسي كرامته ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله ...(4).
*الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) :
المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ، فوق كل شيء علا، ومن كل شيء دنا، فتجلي لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو بالمنظر الأعلى، فأحب الاختصاص بالتوحيد إذا احتجب بنوره، وسما في علوه، واستتر عن خلقه.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ومن ينقضي أمد حده بالفناء.(3)
*الإمام أبو عبد اللّه (علیه السلام) :
خرج رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ قالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: لن تدركوا التفكر في عظمته.(4)*الإمام الرضا (علیه السلام) :ومن وصفه فقد ألحَدَ فيه.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ألحمد للّه الّذي لا يبلغ مدحته القائلون... لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الّذي ليس
لصفته حد محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود و لا أجل ممدود(6).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
الحمد للّه الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يبتعض بتجزئة العدد في كماله... فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه... ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده، وعلى عوامق ثاقبات الفكر تكييفه، وعلى غوائص سابحات النظر تصويره... ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تمثله، قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم، ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم...(3)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) :
أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون اللّه بأنفسهم، يضاهؤن قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير... ولا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلا بالتحقيق إيقانا بالغيب، لأنه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الأحد، ما تصور في الأوهام فهو خلافه، ليس برب من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء،... احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمن في السماء احتجابه عمن الأرض... يصيب الفكر منه الإيمان به موجودا، ووجود الإيمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها يوصف، وبه تعرف المعارف لا بها يعرف، فذلك اللّه لا سمي له سبحانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.(1)
الدليل علی امتناع ادراك الذات الالهية المقدسة
*الإمام الصادق (علیه السلام) : ... إنه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء، متعاليا عن كل شيء، سبحانه وتعالى، فإن قالوا: كيف يعقل أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا، قيل لهم: الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه، فأولها: أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود، والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره، الثالث: أن يعرف كيف هو وما صفته. والرابع: أن يعلم لما ذا هو ولأية علة؟! فليس من هذه الوجوه يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود فقط. فإذا قلنا: كيف وما هو؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به، وأما لماذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لأنه جل ثناؤه علة كل شيء وليس شيءبعلة له، ثم ليس علم الإنسان بأنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... ولا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته، لبعده من أن يكون في قوى المحدودينلأنه خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقين، وإنما يشبه الشي بعديله، فأما ما لا عديل له فكيف يشبه بغير مثاله...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : ... فإن قالوا ولمَ يختلف فيه؟ قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته و تعديها أقدارها في طلب معرفته، وأنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه... وإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحس، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم؟!...(2)
*الإمام المجتبى (علیه السلام) :
(الحمد للّه) الذي لم يكن له... شخص فيتجزئُ، ولا اختلاف صفة. فلا تدرك العقول وأوهامها ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : ... وأعجب منهم جميعا... الذين راموا أن يدرك بالحس ما لا يدرك بالعقل... فقالوا: ولم لا يدرك بالعقل؟ قيل: لأنه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته فإنك لو رايت حجرا يرتفع في الهواء علمت أن راميا رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل هو من قبل العقل.. ثم إن علم الإنسان بأنه موجود لا يوجب له أن يعلم ما هو...(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
لأن العقل هو الذي يميزه فيعلم أن الحجر لا يذهب علّواً من تلقاء نفسه، أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه فلم يتجاوزه؟ فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه، ولكن يعقله بعقل أقرّ أن فيه نفسا ولم يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس وعلى حسب هذا أيضا نقول: إن العقل يعرف الخالق من جهةتوجب عليه الإقرار ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... فإن قالوا: ولم استتر؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن الناس بالأبواب والستور وإنما معنى قولنا: استتر أنه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام ... فإن قالوا: ولم لطف؟ وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - كان ذلك خطأ من القول لأنه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلّا أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا عن كل شيء، سبحانه و تعالى(2).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : و ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة، لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع منها وإليها حاكمها.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... و انحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا(5).
*رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) : وكيف يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه؟!(1)
قد وردت الروايات في النهي عن التفکير في ذات الله جل و علا وانه من نظر في اللّه كيف هو، هلك و إياكم والتفكر في اللّه، فإن التفكر في اللّهلا يزيد إلا تيها··· و إن الناس لا يزال لهم المنطق حتی يتكلموا في اللّه··· فإذا انتهی الكلام الی اللّه فأمسكوا ... إن قوما تكلموا في ما فوق العرش···وانه لا يعرف الله الا هو .
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
فمتى تفكر العبد في مائيه الباري وكيفيته أَلهَ(2)فيه وتحير ولم تحط فكرته بشيء يتصور له، لأنه عز وجل خالق الصور، فإذا نظر العبد إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم ومركب أرواحهم في أجسادهم.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
تكلموا في ما دون العرش ولا تكلموا في ما فوق العرش، فإن قوما تكلموا في ما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى كان الرجل ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه، و ينادي من خلفه فيجيب من بين يديه.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : من نظر في اللّه كيف هو، هلك.(1)
... سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن شيء من الصفة، فقال فرفع يديه إلى السماء ثم قال: تعالى اللّه الجبار، إنه من تعاطى ما ثمّ هلك، يقولها مرّتين(2).
الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... فمن تفكر في ذلك رجع طرفه إليه حسيرا وعقله مبهوتا وتفكره متحيرا(3).
الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له أن تشبهوه من خلقه، أو تلقوا عليه الأوهام، أو تعملوا فيه الفكر، أو تضربوا له الأمثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقين، فإن لمن فعل ذلك نارا.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : من تفكر في ذات اللّه الحَدَ.(5)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : من تفكر في ذات اللّه سبحانه تزندق.(6)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى أنزل على عبده محمد (صلی الله علیه و آله) : «أنه لا إله إلا هو الحي القيوم» ويسمى بهذه الأسماء الرحمن الرحيم العزيز الجبار العلی العظيم. فتاهت هنالك عقولهم واستخفت حلومهم، فضربوا له الأمثال وجعلوا له أندادا وشبهوه بالأمثال
ومثلوه بالأشباه وجعلوه يزول ويحول فتاهوا في بحر عميق لا يدرون ما غوره ولا يدركون كمية بعده.(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النمل الصغار تتوهم إن للّه زبانيتين، فإن ذلك كمالها وتتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما!! هكذا حال العقلاء في ما يصفون اللّه تعالى به.(2)
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام) :
تكلموا في خلق اللّه ولا تكلموا في اللّه، فإن الكلام في اللّه لا يزيد إلّا تحيرا(3).
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام) :تكلموا في كل شيء ولا تكلموا في اللّه.(4)
*الإمام أبو عبد اللّه (علیه السلام) في قول اللّه عز وجل: «وإن إلى ربك المنتهى»، قال: إذا انتهى الكلام إلى اللّه عزّ وجلّ فأمسكوا.(5)
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام) :
إياكم والتفكر في اللّه، فإن التفكر في اللّه لا يزيد إلا تيها، لأن اللّه عزّ وجلّ لا تدركه الأبصار ولا يوصف بمقدار.(6)
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام) :
إياكم والتفكر في اللّه، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة اللّه فانظروا إلى عظم خلقه.(1)
*الإمام علی بن الحسين (علیه السلام) :
...إن اللّه عزّ وجلّ علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل اللّه عزّ وجلّ «قل هو اللّه أحد، اللّه الصمد» والآيات من سورة الحديد إلى قوله: «وهو عليم بذات الصدور»، فمن رام وراء هنالك هلك.(2)
*الإمام أبو عبداللّه (علیه السلام) :
إنه كان في من كان قبلكم قوم تركوا علم ما وكلوا بعلمه وطلبوا علم ما لم يوكلوا بعلمه، فلم يبرحوا حتى سألوا عما فوق السماء فتاهت قلوبهم، فكان أحدهم يدعى من بين يديه فيجيب من خلفه، ويدعى من خلفه فيجيب من بين يديه.(3)
في تنزّه الخالق جل وعلا عن الاتصاف بالمكان والزمان، وانه تعالی فوق المکان والزمان وانه الاول بلا اولية والاخر بلا اخرية
وانه قد تضمنت الاخبار ان من قال: متى؟ فقد وقته، ومن قال: في م؟ فقد ضمنه، وإن اللّه تبارك وتعالی لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال وإنه أين الاين وكيف الكيف و قد كان و لا خلق و هو كما كان إذ لا خلق وانه لاتصحبه الاوقات،
ولا تضمنه الاماكن، ... سابق الاوقات كونه،وإنه تبارك وتعالی كان لم يزل بلا زمان و لا مكان، و هو الان كما كان.
*الإمام أبو عبد اللّه الصادق (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.(1)
*... سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن اللّه جلّ جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال: تعالى اللّه عن ذلك، قلت: فلم أسرى نبيه محمّدا (صلی الله علیه و آله) إلى السماء؟! قال: ليريه ملكوت السماء و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه... (2).
*... أخبرني عن اللّه تعالى أين هو اليوم؟ فقال أمير المؤمنين (علیه السلام) يا نصراني، إن اللّه تعالى يجل عن الأين و يتعالى عن المكان. كان في ما لم يزل و لا مكان و هو اليوم على ذلك لم يتغير من حال إلى حال...(3).
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يحل في مكان...(4)
*... سئل أمير المؤمنين (علیه السلام) : أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضا؟
فقال: "أين" سوال من المكان وكان اللّه ولا مكان.(1)
*... سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ «و هو اللّه في السموات و في الأرض» قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته؟! قال: ويحك إن الأماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار و غير ذلك، و لكن هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علما و قدرة و إحاطة و سلطانا، وليس علمه بما في الأرض بأقلّ مما في السماء، لا يبعد منه شيء و الأشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة.(2)
*... عن أبي عبد اللّه (علیه السلام) في قوله عزّ وجلّ «ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم و لا خمسة إلّا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا» فقال: هو واحد، أحدي الذات، بائن من خلقه و بذاك وصف نفسه وهو بكل شيء عليم. محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بالإحاطة والعلم لا بالذات، لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمه الحواية(3).
*... قلت لجعفر بن محمّد عليهماالسلام: هل يجوز أن نقول: إن اللّه عزّ وجلّ في مكان؟ فقال: سبحان اللّه و تعالى عن ذلك، إنه لو كان في مكان لكان محدثا لأن الكائن في مكان محتاج إلى المكان و الاحتياج من صفات الحدث لا من صفات القديم(4).
*و في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مأة من النصارى بعد ما قبض رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثم أرشد إلى أمير
المؤمنين علي بن أبيطالب عليهما السلام، فسأله فأجابه، فكان في ما سأله أن قال له: أخبرني عن الرب، أين هو وأين كان؟ قال علي (علیه السلام) : لا يوصف الرب جل جلاله بمكان، هو كما كان وكان كما هو، لم يكن في مكان ولم يزُل من مكان إلى مكان و لا أحاط به مكان بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف. قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أوالآخرة؟ قال علي (علیه السلام) : لم يزل ربنا قبل الدنيا هو مدبر الدنيا وعالم بالآخرة، فأما أن يحيط به الدنيا و الآخرة فلا، و لكن يعلم ما في الدنيا و الآخرة، قال: صدقت يرحمك اللّه(1).
*... إن بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال له: أنت خليفة رسول اللّه على الأمة؟! فقال: نعم، فقال: إنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فخبرني عن اللّه أين هو؟ في السماء هو أم في الأرض؟ فقال له أبوبكر: في السماء على العرش. قال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه فأراه على هذا القول في مكان دون مكان!
فقال أبوبكر: هذا كلام الزنادقة، أعزب عني وإلّا قتلتك! فولّى الرجل متعجبا يستهزيء بالإسلام فاستقبله أمير المؤمنين (علیه السلام) فقالله: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه و ما أجبت به وإنا نقول: إن اللّه عزّ وجلّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ من أن يحويه مكان وهو في كل مكان بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بما فيها ولا يخلو شيء من تدبيره تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدق بما ذكرته لك فإن عرفته أتؤمن به؟ قال اليهودي: نعم، قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران كان ذات يوم جالسا إذ جاء ملك من المشرق فقال له: من أين جئت؟ قال: من عند اللّه عزّ وجلّ ثم جاءه ملك من المغرب فقال له: من أين جئت؟ قال: من عند اللّه عزّ وجلّ، ثم جاءه ملك آخر فقال له: من أين جئت؟ قال: قد جئتك من السماء السابعة من عند اللّه عز وجل وجاءه ملك آخر فقال: من أين جئت؟ قال: قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند اللّه عز وجل، فقال موسى (علیه السلام) : سبحان من لا يخلو
1) . بحار الأنوار، 3 / 334
منه مكان و لا يكون إلى مكان أقرب من مكان. فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبين وأنك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن وتمكن منها لا على الممازجة(2).
*الإمام الصادق (علیه السلام) : هو الذي أيّن الأين حتى صار أين، فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
وهو في كل مكان بغير مماسة ولا مجاورة يحيط علما بما فيها ولا يخلو شيء من تدبيره تعالى(4).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : و ليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء ولا شيء أبعد منه من شيء(5).
*... فقال أبو قرّه: فمن أقرب إلى اللّه، الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن (علیه السلام) : إن كنت تقول بالشبر و الذراع، فإن الأشياء كلها باب واحد هي فعله، لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله، و يدبر أوله من حيث يدبر أخره من غير عناء و لاكلفة و لا مؤونة و لا مشاورة و لا نصب، و إن كنت تقول من أقرب إليه في الوسيلة فأطوعهم له. وأنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد، ورويتم أن أربعة أملاك التقوا، أحدهم من أعلى الخلق وأحدهم من أسفل
الخلق أحدهم من شرق الخلق وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: من عند اللّه أرسلني بكذا وكذا. ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل... (1).
*... إن قوما من ماورآء النهر سألوا الرضا (علیه السلام) : ... عن معتمد رب العالمين أين كان وكيف كان إذ لا سماء ولا أرض ولا شيء؟ فقال (علیه السلام) : وأما معتمد الرب عزّ وجلّ فإنه أين الأين وكيف الكيف وإن ربي بلا أين ولا كيف وكان معتمده على قدرته سبحانه وتعالى.(2)
*مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) :
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا.(3)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره. نورا لا ظلام فيه، وصادقا لا كذب فيه، وعالما لا جهل فيه، وحيا لا موت فيه، وكذلك هو اليوم وكذلك لا يزال أبدا.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى لا يقدر قدرته، ولا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه علمه، ولا مبلغ عظمته وليس شيء غيره، وهو نور ليس فيه ظلمة، وصدق ليس فيه كذب، وعدل ليس فيه جور، وحق ليس فيه باطل، كذلك لم يزل ولا يزال أبد الآبدين، وكذلك كان إذ لم تكن أرض ولا سماء، ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر
ولا نجوم ولا سحاب ولا مطر ولا رياح. ثمّ إن اللّه تبارك وتعالى أحب أن يخلق خلقا يعظمون عظمته ويكبرون كبريائه ويحلّلون حلاله، فقال: كونا ظلّين. فكانا كما قال اللّه تبارك وتعالى.(1)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يحل في مكان... ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال(2).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : كان ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل... انقطعت عنه الغايات(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
بل حارت الأوهام أن يكيف المكيف للأشياء ومن لم يزل بلا مكان ولا يزول باختلاف الأزمان(4).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لم يزل أولا قبل الأشياء بلا أوليّة، وآخرا بعد الأشياء بلا نهاية، عظم أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : و ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : سبق الأوقات كونه(1).
*أشهد أنك ربنا الذي إياه نعبد، كنت قبل الأيام والليالی وقبل الأزمان والدهور وقبل كل شيء وكوّنت كل شيء فأحسنت كونها(2).
*الإمام الرضا (علیه السلام) : و لا تصحبه الأوقات(3).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لأنك لم تزل كنت، الأول بك لا أنت به.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :أللهم إنك كنت قبل الأزمان، وقبل الكون والكينونية والكائن... فأنت بادي الأبد وقادم الأزل ودائم القدم، لا توصف بصفات ولا تنعت بنعت ولا بوصف(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ففرق بها (الأشياء) بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها... ولا يوقته متى، ولا يشتمله حين.(7)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : و تعالى الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود(1).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
والحمد للّه أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الأبد، واللّه اكبر أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الأبد، سبحان اللّه أبد الأبد وبعد الأبد وقبل الأبد.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :إن اللّه تعالى لا يوصف بزمان... بل هو خالق الزمان (3).
*عن أبي عبد اللّه الصادق (علیه السلام) قال: جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال لَه: يا أمير المؤمنين متى كان ربك؟ فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال متى كان؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل، ويكون بعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته، انقطعت الغايات عنه فهو منتهى كل غاية(4).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لايتوهم ديمومته.(5)*جاء رجل إلى أبي جعفر (علیه السلام) فقال له: يا أبا جعفر، أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: ويلك، إنّما يقال لشيء لم يكن فكان: "متى كان"؟!.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ومن قال "متى" فقد وقته.(7)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) : ليس عن الدهر قدمه.(8)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : أوليتك مثل اخريتك واخريتك مثل أوليتك.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لم تسبق له حال حالا فيكون أولاً قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا.(2)
وفي هذا الفصل تجد بطلان فکرة الوجود الربطي و التعلقي و الظلي فلا سنخية بين الخالق و المخلوق و لا ان وجود المخلوقات مرتبه من وجود الخالق بل هنالك تباين ذاتي بينهما .
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : هو أقرب إلينا من كل قريب، وأبعد من الشبه من كل بعيد.(3)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
أي فحش أو خناء أعظم من قول من يصف خالق الأشياء بجسم، أو صورة، أو بخلقة، أو بتحديد وأعضاء، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي وتشبيه وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأن اللّه تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة، إثبات بلا تشبيه.(1)
*الإمام أبو عبداللّه الصادق (علیه السلام) : ... سألت رحمك اللّه عن التوحيد وما ذهب فيه من قبلك، فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، تعالى اللّه عما يصفه الواصفون المشبهون اللّه تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على اللّه، واعلم رحمك اللّه أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عز وجل، فانف عن اللّه البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عما يصفه الواصفون ولا تعد القرآن فتضل بعد البيان.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى وباطنه موجود لا يخفى، يطلب بكل مكان، ولم يخل منه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، وغائب غير مفقود.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
معرفته توحيده... وتوحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة ما تصور فهو بخلافه.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :جل عن الأشباه والأضداد وتكبر عن الشركاء والأنداد.(5)
*الإمام العسكري (علیه السلام) :
اللّه واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد... جل ثناؤه وتقدست أسمائه أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :وعلا عن اتخاذ الأبناء، وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء، وعزّ وجلّ عن مشاركة الشركاء فليس له في ما خلق ضد، ولا في ما ملك ند، ولم يشرك في ملكه أحد.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : و ارتفع عن مشاركة الأنداد، وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد.(3)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) : فذلك اللّه لا سمي له تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
الحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج من الأشياء لا كشيء من شيء خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره.(6)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لايشبه صورة، ولا يقاس بالناس، بعيد في قربه، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته، وتحت كل شي ولا يقال شيء فوقه، أمام كل شيء ولا يقال شيء خلفه، وخلف كل ولا يقال شيء أمامه، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء، سبحان من هو هكذا لا هكذا غيره.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
من زعم أن اللّه في شيء، أو على شيء، أو يحول من شيء الی شيء، أو يخلو منه شيء، أو يشتغل به شيء، فقد وصفه بصفة المخلوقين. واللّه خالق كل شيء، لا يقاس بالقياس ولا يشبه بالناس، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، قريب في بعده، بعيد في قربه، ذلك اللّه ربنا لا إله غيره.فمن أراد اللّه وأحبّه بهذه الصفة فهو من الموحدين، ومن أحبه بغير هذه الصفة فاللّه منه بريء ونحن منه براء.(2)
*الإمام أبو إبراهيم موسى بن جعفر عليهماالسلام
إن اللّه تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يحد بيد، أو رجل، أو حركة، أو سكون، أو يوصف بطول، أو قصر، أو... (3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
إن ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف
بالرّقة،... هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة،... داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ولكنه عزّ وجلّ لم يخلق شيئا لحاجة ولم يزل ثابتا لا في شيء ولا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه، واللّه جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كلّه وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤوده حفظه ولا يعجز من إمساكه.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : من قال "كيف؟" فقد شبهه، ومن قال "لم؟" فقد علله.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : و من قال "كيف؟" فقد استوصفه.(4)
*الإمام أبو جعفر الثاني (علیه السلام) : الكيفية للمخلوق المكيف.(5)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : وإنما الكيف بكيفية المخلوق.(6)*الإمام الصادق (علیه السلام) : أما التوحيد، فأن لا تجوز على ربك ما جاز عليك.(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
فلم يحلل فيها (الأشياء) فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو عنها بائن، ولم يخل منها فيقال: له أين، لكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه وأحصاها حفظه.(8)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : فاللّه تبارك وتعالى داخل في كل مكان وخارج من كل شيء.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
هو في الأشياء كلها غير متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة.(2)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) : علوه من غير توقل، ومجيئه من غير تنقل.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : فمعاني الخلق عنه منفية (5)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) :
هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها.(6)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو عنها بائن، ولم يخل منها فيقال أين، ولم يقرب منها بالالتزاق، ولم يبعد عنهابالافتراق، بل هو في الأشياء. بلا كيفية وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وأبعد من الشبه من كل بعيد.(7)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
إن ربي تبارك وتعالى كان بلا كيف، كان لم يزل حيا بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كيف... ولا ابتدع لكانه مكانا.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لا يقال له كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات ولا يكون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع.(2)
*معاذ اللّه، و أبرأ إلى اللّه من هذا القول، لا جسم و لا صورة ولا تحديد، وكل شيء سواه مخلوق، و إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيته من غير كلام و تردد نفس ولا نطق بلسان.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : فمعاني الخلق عنه منفية.(4)
*ويقول الإمام الجواد (علیه السلام) :
إن ما سوى الواحد متجزيء، واللّه واحد أحد لا متجزيء ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزيء أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... و لم يعلم لك مائية و ماهية فتكون للأشياء المختلفة مجانسا... (6)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :... ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا...(1)
الإمام الصادق (علیه السلام) : و لا تحد (أي لا توصف) فتكون محدودا.(2)...بخط أبي الحسن (علیه السلام) : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الملهم عباده الحمد... الممتنع من الصفات ذاته...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... و ليس... كالأشياء فتقع عليه الصفات...(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
فالحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم ولإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع، والرب والمربوب، والحاد والمحدود.(5)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا.(7)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشيء من المنشأ، لكنه هو المنشيء فرق بين من جسمه وصوّره وشيأه إذ كان لا يشبهه شيء(8).
و ان دليله آياته ووجوده إثباته، وانه بصنع اللّه يستدل عليه وباياته تجلی صانعها للعقول .
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : ... البعيد من حدس القلوب.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : دليله آياته، ووجوده إثباته.(2)*الإمام الرضا (علیه السلام) : بصنع اللّه يستدل عليه.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... بها تجلى صانعها للعقول.(4)
*أمير المؤمنين (علیه السلام) : بها تجلى صانعها للعقول، و بها امتنع من نظر العيون(5).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... فأي ظاهر أظهر وأبين أمرا من اللّه تبارك وتعالى، فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك.(6)
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
يا هشام، إن اللّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة.(7)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :... ولا يعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى(1)
*... قال: فما الدليل عليه؟ (قال أبو عبد اللّه (علیه السلام) ) وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعا صنعها...(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... قال ما الإيمان وما الكفر؟ (قال الإمام الصادق (علیه السلام) :) الإيمان أن يصدق اللّه في ما غاب عنه من عظمة اللّه لتصديقه بما شاهد من ذلك، والكفر: الجحود.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم مخلوقون، وأنه المدبر لهم، وأنهم المدَبرون، وأنه الباقي وهم الفانون، واستدلوا بعقولهم على ما رأوا منخلقه من سمائه وأرضه وشمسه وقمره وليله ونهاره وبأن له ولهم خالقا ومدبرا.(4)
*...أخبرني أعرفت اللّه بمحمّد أم عرفت محمّدا باللّه؟! فقال (علي بن أبي طالب (علیه السلام) :) ما عرفت اللّه عز وجل بمحمّد (صلی الله علیه و آله) ، ولكن عرفت محمّدا باللّه عز وجل حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته، وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف.(5)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
... لم تره العيون بمشاهدة العيان ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
معروف بغير تشبيه، يعرف بالآيات ويثبت بالعلامات، فلا إله غيره الكبير المتعال.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين، والباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذى جحود، تعالى اللّه عما يقول المشبهون به، الجاحدون له علوا كبيرا.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا إحاطة بقلب.(5)*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام) : يوحد و لا يبعض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات.(6)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
لا يدرك بالحواس، و لا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه ... لا يمثل بخليقته ... يحقق ولا يمثل ويوحد ولا يبعض، يعرف بالآيات ويثبت بالعلامات، فلا إله غيره الكبير المتعال.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
لم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر في العقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم، فمن شواهد خلقه خلق السموات...(2)
*... فخبرني عن اللّه تعالى أمُدَركٌ بالحواس عندك فيسألك المسترشد في طلبه استعمال الحواس، أم كيف طريق المعرفة به إن لم يكن الأمر كذلك؟ فقال: أمير المؤمنين (علیه السلام) : تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار، أو تدركه الحواس، أو يقاس بالناس، والطريق إلى معرفته صنائعه الباهرة للعقول الدالة ذوى الاعتبار بما هو منها مشهود ومعقول. قال الجاثليق صدقت، هذا واللّه هو الحق الذي قد ضل عنه التائهون في الجهالات...(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الأفلين لأن الأفول عن صفات المحدث لا من صفات القديم... إن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السموات والأرض. وكان ما احتج به على قومه ما ألهمه اللّه وآتاه كما قال اللّه تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه...(4).
فإن قلت: كيف تكون الدلالة على اللّه تعالى منحصرة بالآثار وهذا سيد الشهداء (علیه السلام) يقول في دعاء عرفة علی فرض صحة النسبة للامام الحسين (علیه السلام) (1)
ص: 228 ؛ قلت: و الامر کما قال رحمه الله فراجع کتابنا من الروايات المکذوبة ص296.
:إلهي أنا الفقير في غناي... إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار... كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيبا... أنت الذي تعرفت الي في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء وأنت الظاهر لكل شيء... (2).
قلت: هذا علی سبيل المبالغه و الکناية و يشهد لذلك:
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
فأي ظاهر أظهر وأبين وأوضح أمرا من اللّه تبارك وتعالى، فأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك...(3).
*لاتستطيع عقول المتفكرين جحده لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : هو اللّه الحق المبين، أحق وأبين مما تراه العيون.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
1) . قال العلامة المجلسي في البحار: قد أورد الكفعمي رحمه الله أيضا هذا الدعاء في البلد الأمين و ابن طاوس في مصباح الزائر كما سبق ذكرهما و لكن ليس في آخره فيهما بقدر ورق تقريبا و هو من قوله: إلهي أنا الفقير في غناي إلى آخر هذا الدعاء و كذا لم يوجد هذه الورقة في بعض النسخ العتيقة من الإقبال أيضا و عبارات هذه الورقة لا تلائم سياق أدعية السادة المعصومين أيضا و إنما هي على وفق مذاق الصوفية و لذلك قد مال بعض الأفاضل إلى كون هذه الورقة من مزيدات بعض مشايخ الصوفية و من إلحاقاته و إدخالاته و بالجملة هذه الزيادة إما وقعت من بعضهم أولاً في بعض الكتب و أخذ ابن طاوس عنه في الإقبال غفلة عن حقيقة الحال أو وقعت ثانيا من بعضهم في نفس كتاب الإقبال و لعل الثاني أظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتيقة و في مصباح الزائر و الله أعلم بحقائق الأحوال. بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج95،
2) . بحار الأنوار، 98 / 225 - 227
3) . بحار الأنوار، 4 / 178
4) . بحار الأنوار، 4 / 265 - 266
5) . بحار الأنوار، 4 / 317
دلت عليه أعلام الظهور، و امتنع على عين البصير، فلا عين من لم يره تنكره، ولا قلب من أثبته يبصره ... لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي جحود ...(1).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
و لعمري ما أتي الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البينات في خلقهم، وما يعاينون من ملكوت السموات والأرض و الصنع العجيب المتقن الدال على الصانع، و لكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، و سهلوا سبيل الشهوات، فغلبت الأهواء على قلوبهم، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم، وكذلك يطبع اللّه على قلوب المعتدين، العجب من مخلوق يزعم أن اللّه يخفى على عباده و هو يرى أثر الصنع، في نفسه بتركيب يبهر عقله، و تأليف يبطل حجته.
*الإمام الكاظم (علیه السلام) :
إن اللّه أعلى وأجل من أن يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه وكفّوا عما سوى ذلك(2).
*قال: ليس للمحال جواب ...(3).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شيء بخلاف الأشياء. (4)
*و لعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين، و لطف التدبير الظاهر، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة
وصنيعة بعد صنيعة، ما يدلهم ذلك علىالصانع فإنه لا يخلو شي منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا، وتاليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم...(1)
*فقال إبن أبي العوجاء: ذكرت اللّه، فأحلت على غائب، فقال أبو عبد اللّه (علیه السلام) ، ويلك، كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد. و إليهم أقرب من حبل الوريد يسمع كلامهم و يرى أشخاصهم و يعلم أسرارهم(2).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
و اعلم أنه لا يكون صفة لغير موصوف، و لا اسم لغير معنى، و لا حد لغير محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود، ولا تدل على الإحاطة كما تدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، لأن اللّه عزّ وجلّ تدرك معرفته بالصفات و الأسماء و لا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن و ما أشبه ذلك و ليس يحلّ باللّه جلّ و تقدّس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا، و لكن يدل على اللّه عزّ و جلّ بصفاته و يدرك بأسمائه و يستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين و استماع أذن ولمس كف و لا إحاطة بقلب. فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه، كانت العبادة من الخلق لأسمائه و صفاته دون معناه، فلو لا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير اللّه تعالى لأن صفاته وأسمائه غيره.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : و لا يقال له ما هو؟ لأنه خلق الماهية(4).
*...فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟ قال أبو عبد اللّه (علیه السلام) : وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعا صنعها. ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده.
قال: فما هو؟ قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي "شئ" إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولايحس ولايجس ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان.
قال السائل: فتقول إنه سميع بصير؟! قال: هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه، ليس قولي إنه يسمع بنفسه إنه شيء والنفس شيء آخر، و لكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلاً، واقول: يسمع بكله، لا أن الكل منه له بعض، ولكني أردت افهاما لك و التعبير عن نفسي. و ليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعنى.
قال السائل: فما هو؟ قال أبو عبد اللّه (علیه السلام) : هو الرب وهو المعبود وهو اللّه.وليس قولي "اللّه" إثبات هذه الحروف: ألف، لام، هاء، ولكني أرجع إلى معنى هو شيء خالق الأشياء وصانعها، وقعت عليه هذه الحروف وهو المعنى الذي يسمى به اللّه والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه، وهو المعبود جل وعز.
قال السائل: فإنا لا نجد إلا موهوما.
قال أبو عبد اللّه (علیه السلام) : لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا، لأنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك، فما تجده الحواس وتمثلّه فهو مخلوق، ولا بد من إثبات صانع الأشياء خارج من الجهتين المذمومتين إحديهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم. والجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه أثبت أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم...
قال السائل: فقد حدّدته إذ أثبتّ وجوده. قال أبو عبد اللّه (علیه السلام) : لم أحدّه. ولكن أثبته. إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة.
قال السائل: فله إنيّة ومائيّة؟! قال: نعم: لا يثبت الشيء إلا بإنيّة ومائية.
قال السائل: فله كيفية؟! قال: لا، لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة، ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره.(1)*... سألت أبا جعفر الثاني (علیه السلام) عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئا؟ فقال: نعم، غير معقول ولا محدود. فما وقع وهمك عليه من شيءفهو بخلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام و هو خلاف ما يعقل و خلاف ما يتصور في الأوهام، إنما يتوهم شيء غير معقول و لا محدود.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : و حدّ المعرفة أن يعرف... أنه قديم مثبت موجود غير فقيد ... و لا مبطل(3).
*... سئل أبو عبد اللّه (علیه السلام) عن التوحيد فقال: هو عزّ وجلّ مثبت موجود لا مبطل و لا معدود(4).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : وجوده إثباته(5).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : الحمد للّه الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده(6).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : لم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلاّ بالعجز عن معرفتك(1).
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : وكمال معرفته التصديق به(2).
*يقول الإمام الصادق (علیه السلام) في قوله تعالى: «من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً» يعني أعمى عن الحقائق الموجودة.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عزّ وجلّ: «من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً»؛ يعني أعمى عن الحقائق الموجودة...(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له، لأن الأمثال كلها تقصر عنه لكنها تقود العقل إلى معرفته(5).
و في هذا الفصل تجد الدليل علی ان اسماءه جل وعلا توقيفية
*الإمام الرضا (علیه السلام) : ... فليس لك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه...(2).
*رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) :
إن الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، كيّف الكيفية فلا يقال له: كيف، وأين الأين فلا يقال له: ايّن، هو منقطع الكيفوفية و الأينونيّة، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه و الواصفون لا يبلغون نعته «لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»(3).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... من وصف اللّه بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على اللّه. قال اللّه «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير» هذه الأبصار ليست هي الأعين إنما هي الأبصار التي في القلوب لا تقع عليه الأوهام ولا يدرك كيف هو.(4)
*...كنت عند أبي جعفر الثاني (علیه السلام) : فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله أسماء وصفات في كتابه؟ وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟… فقال أبو جعفر (علیه السلام) : إن لهذا الكلام وجهين؛ إن كنت تقول هي هو، أنه ذو عدد وكثرة فتعالى اللّه عن ذلك. والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات مخلوقات والمعنی بها هو اللّه الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف، وإنما يختلف ويأتلف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير ولكنه القديم في ذاته لأن ما سوى الواحد متجزي واللّه واحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له.
فقولك: "إن اللّه قدير"، خبّرت أنه لا يعجزه شيء فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه وكذلك قولك: عالم، إنما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه.
فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟ فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، وكذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك ولم نصفه ببصر طرفة العين.
وكذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشيء اللطيف... بلا كيف إذ الكيفية للمخلوق المكيف، وكذلك سمينا ربنا قويا بلا قوة البطش المعروف من الخلق... وربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كيفية ولا نهاية ولا تصاريف، محرّم على القلوب أن تحتمله... جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريته وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.(1)
*... قلت: أجل، جعلني اللّه فداك لكنّك قلت: الأحد الصمد، وقلت: لا يشبه شيئا، واللّه واحد والإنسان واحد أليس قدتشابهت الوحدانية؟!
قال (الإمام الرضا) (علیه السلام) :
يا فتح، أحلت ثبتك اللّه، إنما التشبيه في المعاني، وأما في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسمّى وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد، فإنما يخبر أنه جثة واحدة وليس
1) . الاحتجاج، 4/154، نقلا عن التوحيد
بإثنين، فالإنسان نفسه ليس بواحد لأن أعضائه مختلفة وألوانه مختلفة كثيرة غير واحدة وهو أجزاء مجزأة ليست سواء، فالإنسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى واللّه جل جلاله واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه و...(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :كل مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز.(2)
*الإمام أبو الحسن الرضا (علیه السلام) :
... فسمى نفسه سميعا بصيرا قادرا قاهرا حيا قيوما ظاهرا باطنا لطيفا خبيرا قويا عزيزا حكيما عليما وما أشبه هذه الأسماء، فلما رأى ذلك من أسمائه الغالون المكذبون وقد سمعونا نحدث عن اللّه أنه لا شيء مثله ولا شيء من الخلق في حاله قالوا: خبرونا إذ زعمتم أنه لا مثل للّه ولا شبيه له كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها؟ فإن في ذلك دليلاً على أنكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ قد جمعتم الأسماء الطيبة، قيل لهم: إن اللّه تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني وذلك كما يجمع الإسم الواحد معنيين مختلفين.
والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم السائر، وهو الذي خاطب اللّه عز وجل به الخلق، فكلمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيعوا وقد يقال للرجل: كلب وحمار وثور وسكّرة وعلقمة وأسد كل ذلك على خلافه، لأنه لم تقع الأسماء على معانيها التي بنيت عليها (بعينها) لأن الإنسان ليس بأسد ولا كلب فافهم ذلك رحمك اللّه ،وإنما تسمى اللّه بالعالم لغير علم حادث علم به الأشياء، كما أنا رأينا علماء الخلق إنما سمّوا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا قبله جهلة وربما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل، وإنما سمّي اللّه عالما لأنه لا يجهل شيئا، فقد جمع الخالق
والمخلوق اسم العلم واختلف المعنى على ما رأيت.وسمي ربنا سميعا... ولكنه عز وجل أخبر أنه لا تخفى عليه الأصوات ليس على حد ما سمينا به نحن، فقد جمعنا الاسم بالسميع واختلف المعنى، وهكذا البصير لا بجزء أبصر به... ولكن اللّه بصير لا يجهل شخصا منظورا إليه فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى. و هو قائم ليس على معنى... وأما اللطيف فليس على... و أما الخبير فالذي لا يعزب عنه شيء ولا يفوته... وأما الظاهر فليس من أجل... وأما الباطن فليس على معنى... وأما القاهر فإنه ليس على... وهكذا جميع الأسماء. وإن كنا لم نسمها كلها فقد تكتفي للاعتبار بما ألقينا إليك و اللّه عوننا وعونك في إرشادنا وتوفيقنا.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
فإن قالوا: أو ليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم؟قيل لهم: كل هذه صفات اقرار وليست صفات إحاطةفإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، كذلك قدير وجواد وسائر صفاته، كما قد نرى السماء و لا ندري ما جوهرها ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له لأن الأمثال كلها تقصر عنه، ولكنها تقود العقل إلى معرفته.
*الإمام الرضا علي بن موسى صلوات اللّه عليهما:
... والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الإحاطة كما تدلّ على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، لأن اللّه عز وجل تدرك معرفته بالصفات و الأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك، ولكن يدل على اللّه عز وجل بصفاته، ويدرك بأسمائه، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاب إلى رؤية عين ولا استماع أذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب، فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه، وأسماؤه لا تدعوا إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه، كانت العبادة من الخلق
1) . الصدوق: التوحيد والعيون
لأسمائه وصفاته دون معناه، فلولا أن ذلك كذلك لكان المعبودالموحّد غير اللّه لأن صفاته وأسمائه غيره...(1).
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
من عبد اللّه بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم و المعنى فقد أشرك، و من عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرّ أمره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) حقا.(2)
*فهو عالم قبل وجود العلم، وهو كائن قبل تكوّن الكون، ولا تناقض لأن الأول هوالعام والثاني هو الخاص.
اللهم إنك كنت قبل الأزمان وقبل الكون والكينونية والكائن، وعلمت بما تريد قبل أن تكون، قبل تكوين الأشياء، وكان علمك السابق فيما تريد أن تكون قبل التكوين والعلم، فعلمك دائبة غير مكتسب، لم تزل كنت عالماموجودا والجهل عنك نافيا، فأنت بادي الأبد، وقادم الأزل، ودائم القدم، لا توصف بصفات ولا تنعت بوصف...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، جل أن تحلّه الصفات، لشهادة العقول أن كل من حلّته الصفات مصنوع، وشهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع...(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف. وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة،فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل اللّه من استوصفه،... ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :لا يقال له: "كان بعد أن لم يكن" فتجري عليه الصفات.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... وكل موصوف مصنوع، وصانع الأشياء غير موصوف بحدّ مسمّى...(4)
*الإمام أبو عبداللّه (علیه السلام) :
هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولى: أنه يسمع بنفسه إنه والنفس شيء آخر، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولاً وإفهاما لك إذ كنت سائلاً، فأقول: يسمع بكله لا أن كله له بعض،ولكني أردت إفهامكوالتعبير عن نفسى، وليس مرجعي في ذلك إلا أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى.(5)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
... كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل عالما بما كون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
لم يزل اللّه جل اسمه عالما بذاته ولا معلوم، ولم يزل قادرا بذاته ولا مقدور، قلت له: جعلت فداك، فلم يزل متكلما؟ قال: الكلام محدث كان اللّه عزّ وجلّ وليس بمتكلم ثم أحدث الكلام.
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولوكان قديما لكان إلها ثانيا.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
إن اللّه المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شيء معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولاً، ولا محكما ولا متشابها ولا مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره، ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشيء قام ولا إلى شيء يقوم، ولا إلى شيء استند ولا في شيء استكن وذلك كله قبل الخلق، إذ لا شيء غيره، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم، واعلم أن الإبداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة.
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
ولا قوي بعد ما كوّن شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكوّن شيئا... ولا كان خلوا من القدرة على الملك قبل إنشائه، ولا يكون منه خلوا بعد ذهابه، لم يزل... ملكا قادرا قبل أن ينشيء شيئا، وملكا جبارا بعد إنشائه للكون.(1)
*قال سليمان: لأن إرادته علمه، قال الرضا (علیه السلام) : يا جاهل، فإذا علم الشيء فقد أراده؟! قال سليمان: أجل، قال (علیه السلام) : فإذالم يرده لم يعلمه، قال سليمان: .أجل، قال (علیه السلام) : من أين قلت ذاك، وما الدليل على أن إرادته علمه وقد يعلم ما لا يريده أبدا؟ وذلك قوله عزّ وجلّ: «ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك» فهو يعلم كيف يذهب به وهو لا يذهب به أبدا، قال سليمان: لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئا. قال الرضا (علیه السلام) : هذا قول اليهود، فكيف قال عزّ وجلّ: «ادعوني أستجب لكم»؟ قال سليمان: إنّما عنى بذلك أنه قادر عليه، قال
(علیه السلام) : أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال عزّ وجلّ: «يزيد في الخلق ما يشاء» وقال عزّ وجلّ: «يمحو اللّه ما يشاء و يثبت وعنده أم الكتاب» وقد فرغ من الأمر؟؟! فلم يحر جوابا.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
هو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء(3).
*وقد سئل الإمام أبو عبد اللّه (علیه السلام) عن قوله عزّ وجلّ: «هو الأول والآخر» فقال: الأول لا عن أول قبله، ولا عن بدء سبقه ،وآخر لا من نهاية كما يعقل من صفات المخلوقين. ولكن قديم أول آخر، لم يزل ولا يزال، بلا بدء ولا نهاية ولا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال إلى حال، خالق كل شيء(4).
*أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... فقدر ما خلق فأحكم تقديره، ووضع كل شيء بلطف تدبيره موضعه، و وجّهه بجهة فلم يبلغ منه شيء محدود منزلته ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيته، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي إلى إرادته، بلا معاناة للغوب مسّه، و لا مكائدة لمخالف له على أمره، فتم خلقه وأذعن لطاعته،... فأقام من الأشياء أودها، و نهى معالم حدودها، و لائم بقدرته بين متضاداتها، ووصل أسباب قرائنها وخالف بين ألوانها، و فرقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها ... أيها السائل؛ إعلم أن من شبه ربنا الجليل بتبائن أعضاء خلقه، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته أنه لم يعقد غيب ضميره على معرفته، ولم يشاهد قلبه اليقين بأنه لا ند له، كأنه لم يسمع بتبري التابعين عن المتبوعين، وهم يقولون «تاللّه إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين» فمن ساوى ربنا بشيء فقد عدل به، والعادل به كافر بما نزلت به محكمات آياته، ونطقت بهشواهد حجج بيناته، الذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدّروه حق قدره فقال تنزهيا لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد: «وما قدروا اللّه حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون».
فما دلك القران عليه من صفته فأتبعه ليوصل بينك وبين معرفته وائتم به، واستضيء بنور هدايته، فإنها نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين. وما دلك عليه الشيطان مما ليس في القرآن عليك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى اللّه عزّ وجلّ،فإن ذلك منتهى حق اللّه عليك...(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
1) . بحار الأنوار، 4 / 276 - 277، عن التوحيد
إن اللّه تعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه إسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه عزّ وجلّ.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) : كنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : إن اللّه عزّ وجلّ أين الأين فلا أين له.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
كيف الكيف فلا يقال له: "كيف؟"، وأين الأين فلا يقال له: "أين؟"، إذ هو مبدع الكيفوفية والإينونية.(4)
*الإمام أبو عبد اللّه (علیه السلام) : ... ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول: إن المكوّن يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكوِّن منالمكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا القول علوا كبيرا.(5)
*... قال (الزنديق): فأخبرني عمن زعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون ويذهب قرن ويجيء قرن، تفنيهم الأمراض والأعراض وصنوف الآفات، يخبرك الآخر عن الأول، وينبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات، في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة
الناس بصير بتأليف الكلام، وصنف كتابا قد حبّره بفطنته وحسنه بحكمته، قد جعله حاضرا بين الناس يأمرهم بالخير ويحثهم عليه وينهاهم عن السوء والفساد ويزجرهم عنه لئلا يتهاوشوا ويقتل بعضهم بعضا؟!
*الإمام الصادق (علیه السلام) : إن اللّه تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة. (1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
من صفة القديم أنه واحد، أحد، صمد، أحدي المعنى، وليس بمعان كثيرة مختلفة.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
لم يزل اللّه جل وعز ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور.(3)
*... قلت لأبى عبداللّه (علیه السلام) : إن بعض أصحابنا يزعم أن للّه صورة مثل الإنسان، وقال آخر: إنه في صورة أمرد جعد قطط! فخر أبو عبد اللّه (علیه السلام) ساجدا ثم رفع رأسه فقال: سبحان الذي ليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، و لا يحيط به علم، لم يلد لأن الولد يشبه أباه ولم يولد فيشبه من كان قبله، ولم يكن له من خلقه كفوا أحد، تعالى عن صفة من سواه علوا كبيرا.(1)
*ويقول الإمام الباقر (علیه السلام) في الروح:
إنما إضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت فقال: "بيتي"، و قال لرسول من الرسل: "خليلي" وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق، مصنوع، محدث، مربوب، مدبر.(2)
*وعن الإمام الصادق (علیه السلام) :
إن اللّه تبارك وتعالى أحد، صمد، ليس له جوف، وإنما الروح خلق من خلقه.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
... و ظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير، الذي سئلت الأنبياء عنه، فلم تصفه بحد ولا نقص. بل وصفته بأفعاله ودلت عليه بآياته، ولا تستطيع عقول
المتفكرين جحده، لأن من كانت السموات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن، وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته بان من الخلق فلا شيء كمثله.(1)
*... قلت لعلي بن موسى الرضا عليهم السلام: يا إبن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: "أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة"؟ فقال (علیه السلام) :
يا أبا صلت، إن اللّه تبارك وتعالى فضل نبيه محمّدا (صلی الله علیه و آله) على جميع خلقه من النبيين والملائكة وأهل طاعته، وجعل طاعتهطاعته، ومبايعته مبايعته، و زيارته في الدنيا و الأخرة زيارته، فقال عز وجل " وقال «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه يداللّه فوق أيديهم» .
*و قال النبي (صلی الله علیه و آله)
"من زارني في حيوتي أو بعد موتي فقد زار اللّه"، ودرجة النبي (صلی الله علیه و آله) في الجنة ارفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزله فقد زار اللّه تبارك وتعالى.
… قال: فقلت له: يا بن رسول اللّه، فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب "لا إله إلا اللّه النظر الی وجه اللّه؟ فقال (علیه السلام) :
يا أبا صلت، من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر، و لكن وجه اللّه أنبياؤه و رسله و حججه صلوات اللّه عليهم. هم الذين بهم يتوجه إلى اللّه عز وجل وإلى دينه ومعرفته. وقال اللّه عز وجل «كل من عليها فإن ويبقى وجه ربك» وقال عز وجل: «كل شيء هالك إلّا وجهه». فالنظر إلى أنبياء اللّه ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة. و قد قال النبي (صلی الله علیه و آله) : "من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة". وقال (صلی الله علیه و آله) : "إن فيكم من لا يراني بعد أن
1) . التوحيد، 31 / 32
يفارقني"، يا أبا صلت، أن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالمكان، ولا يدرك بالأبصار والأوهام.(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
... إن كليم اللّه موسى بن عمران عليهم السلام علم أن اللّه تعالى عن أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه اللّه عز وجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم: إن اللّه عز وجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت... فقالوا: إنك لو سألت اللّه أن يريك تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته!! فقال موسى (علیه السلام) : يا قوم، إن اللّه لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله...
فقال موسى (علیه السلام) :
يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى (علیه السلام) : «رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر الی الجبل فإن استقر مكانه» وهو يهوي «فسوف تراني فلماتجلى ربه للجبل» بآياته «جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك» يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي «وأنا أول المؤمنين» منهم بأنك لا ترى. (2)
*وحول الرؤية: قال أبو الحسن (علیه السلام) :
فمن المبلغ عن اللّه عز وجل إلى الثقلين الجن والإنس: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»، «ولا يحيطون به علما»، و«ليس كمثله شيء» أليس محمد (صلی الله علیه و آله) ؟ قال: بلى، قال: فكيف يجيىء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عنداللّه وأنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»، «ولا
يحيطون به علما»، «وليس كمثله شيء» ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما، وهو على صورة البشر! أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه يقول: «ولقد رآه نزلة اخرى» فقال أبو الحسن (علیه السلام) : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: «ما كذب الفؤاد ما رأى» يقول: ما كذب فؤاد محمد (صلی الله علیه و آله) ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: «ولقد رأى من آيات ربه الكبرى» فأيات غير اللّه، قد قال: «ولا يحيطون به علما» فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة. (1)
*وعن الرسول (صلی الله علیه و آله) :
لما أسري بي الی السماء بلغ بي جبرئيل مکانا لم يطأه جبرئيل قط،فکشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب.
*سألت زين العابدين علی بن الحسين بن علی بن ابيطالب عليهم السلام عن الله جل جلاله: ًهل يوصف بمکان؟! ً فقال: تعالی عن ذلك.قلت:فلم أسري نبيه محمّداً صل الله عليه وآله وسلم الی السماء؟!قال:ليريه ملکوت السماوات و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه ، قلت: فقول الله عزو جل «ثم دني فتدل فکان قاب قوسين أو ادني»؟ قال: ذاک رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم دنا من حجب النور فرأي ملکوت السموات ، ثم تدلي فنظر من تحته الی ملکوت الارض حتی ظن أنه القرب کقاب قوسين أو أدنی.(2)
*الامام الحسين سيدالشهدا (علیه السلام) : قربه کرامته وبعد اهانته.(3)
*الامام الصادق (علیه السلام) : و الله هو العلي حيث ما يبتغی يوجد.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
فإن قالوا: فأنتم الآن تصفون عن قصور العلم عنه وصفا حتى كأنه غير معلوم، قيل لهم: هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به، وهو من جهة آخرى أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل شافته فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد، وكذلك العقل أيضا ظاهر بشواهد ومستور بذاته...(1)
*ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا إحاطة بقلب...(2)
*قال: كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه؟! قال (الإمام الصادق (علیه السلام) ):
رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته، قال: أليس هو قادرا أن يظهر لهم حتى يروه ويعرفوه فيعبد على يقين؟
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
فإن قالوا: أو ليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم؟! قيل لهم: كل هذه صفات إقرار وليست صفات إحاطة، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدير وجواد وساير صفاته، كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له لأن الأمثال كلها تقصر عنه، ولكنها تقود العقل إلى معرفته.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
وأما الظاهر فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل: ظهرت على أعدائي، وأظهرني اللّه على خصمي يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور اللّه على الأشياء. ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده لا يخفى عليه شيء، وأنه المدبّر لكل ما يرى، فأي ظاهر أظهر وأوضح أمرا من اللّه تبارك وتعالى فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده...(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
...وأما القاهر... فإنه ليس على علاج ونصب... ولكن ذلك من اللّه تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق متلبس به الذل لفاعله وقلة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين غير أنه يقول له: كن، فيكون...(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) :
... قد خلفوا ورائهم منهاج الدين وزينوا لأنفسهم الضلالات وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شيء مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين،...وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر... فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا فكذب مقالتهم التوراة ولعنهم الفرقان وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثم هلم جرّا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر. فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهم خالق صاحبه؟!
وقالوا إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلى درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصاري في أشياء وطورا دهرية، يقولون: إن الأشياء على غير الحقيقة...(1)
قال (الامام الصادق (علیه السلام) ): ويحك، إن من خرج من بطن أمه أمس ويرحل عن الدنيا غدا، لا علم له بما كان قبله ولا ما يكون بعده...(2)*... كتبت إلى أبي الحسن الرضا (علیه السلام) : سألته عن آدم: هل كان فيه من جوهرية الرب شيء؟! فكتب إلى جواب كتابى: ليس صاحب هذه المسألة على شيء من السنّه، زنديق.(3)
*... قال لي يونس: أكتب إلى أبي الحسن (علیه السلام) ، فاسأله عن آدم: هل فيه من جوهرية اللّه شيء! قال: فكتبت إليه، فأجاب: هذه المسألة مسألة رجل على غير السنة. فقلت ليونس، فقال: لا يسمع ذا أصحابنا فيبرؤون منك. قال: قلت ليونس: يتبرؤون مني أو منك؟(4).
*الإمام الرضا (علیه السلام) :
من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياؤه ورسله وحججه صلوات اللّه عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى اللّه وإلى دينه وإلى معرفته.(5)
*الإمام علی بن الحسين (علیه السلام) : نحن وجه اللّه الذي يؤتى منه.(6)
*... سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ «ونفخت فيه من روحى»؟ قال: روح إختاره اللّه واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه، وفضله على جميع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم (علیه السلام) .(1)
*الإمام الباقر (علیه السلام) :
... وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما إصطفى بيتا من البيوت فقال: "بيتي"، وقال لرسول من الرسل: "خليلي" وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق، مصنوع، محدث، مربوب، مدبر.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام) : إن اللّه تبارك وتعالى أحد صمد ليس له جوف وإنما الروح خلق من خلقه...(3).*و في تفسيرهذه الايه: «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» يقول: إن اللّه تعالی لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده، ولكنه يعني أنهم عن ثواب ربهم لمحجوبون(4).
*و منها قوله (صلی الله علیه و آله) :إن اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته.
... سألت أبا جعفر (علیه السلام) عما يروون أن اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته؟ فقال: هي صورة محدثه مخلوقة اصطفاها اللّه واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: "بيتي"، و قال: «نفخت فيه من روحي»(5).
*... سألت الرضا (علیه السلام) عن قول اللّه عز و جل: «اللّه نور السموات و الأرض» فقال: هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض(1).
*... قلت لجعفر (علیه السلام) : جعلت فداك يا سيدي، إنهم يقولون: مثل نور الرب! قال سبحان اللّه! ليس للّه بمثل، ما قال اللّه: «فلا تضربوا للّه الأمثال»؟(2).
*الإمام الباقر (علیه السلام) : ... إن اللّه عزّ و جلّ أعظم من أن يوصف بالوجه(3).
لکنا نقول: إن الدين الإلهي خاطب و نادی البشر
اولاً: برؤية معينة حول المبدأ و المعاد و اثبت واقعية هذه الرؤية بنوعين من الادلة بالاستدلالات العقلية و بالمعجزة الخارقة للعادة و التي هي بدورها دليل عقلي و لقد اثبت النبي (صلی الله علیه و آله) بمعجزته نبوته و صحة کل ما جاء به فلم تکن معجزة النبي (صلی الله علیه و آله) محصورة في اثبات النبوة فقط بل ولا معنی لذلك فانه لو ثبتت نبوته بالمعجزة ثبت کل ما جاء به (صلی الله علیه و آله) و لا دور في الاستدلال کما قد يتوهم.
ثانياً: فقد نادی الدين ببطلان باقي المذاهب الاخری و ضلالتها و بعدها عن الحق و الواقع قال تعالی « و إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بکم عن سبيله» .
و حول الفلسفة بالخصوص فقد نادي الدين بشکل صريح ببطلان المذهب الفلسفي و حذر منه فالامام العسکري (علیه السلام) اخبر عن وقوع انحراف بعض العلماء من الشيعة في اخر الزمان بالانصياع وراء الفلسفة و العرفان و امر بالحذر منهم حيث يقول (علیه السلام) «.. علماؤهم شرار خلق الله علی وجه الأرض لأنهم يميلون الی الفلسفة و
التصوف، و أيم الله إنهم من أهل العدول و التحرف! يبالغون في حب مخالفينا و يضلون شيعتنا و موالينا... ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، و الدعاة الی نحلة الملحدين، فمن ادرکهم فليحذرهم و ليصن دينه و إيمانه منهم ».(1)و هنا يعبر الامام (علیه السلام) بأن الدعوة الی الفلسفة دعوة الی الالحاد و هذه الرواية مضافاً لصحة سندها انها اخبرت عن حوادث اخر الزمان و قد و قعت تلك الحوادث کما اخبر (علیه السلام) فهي صحيحة حتی لو لم تکن صحيحة السند.
و عن الامام الصادق (علیه السلام) إنه قال: «کذب من زعم أنه من شيعتنا و هو متمسك بعروة غيرنا»(2).و عنه (علیه السلام) أنه قال: « و الله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا و إن من وافقنا خالف عدونا و من وافق عدونا من قول او عمل فليس منا و لا نحن منهم»(3).
و عن الامام الکاظم (علیه السلام)
انه کتب « و اما ما ذکرت ممن تأخذ معالم دينك، لاتأخذن معالم دينك من غير شيعتنا...».(4)
و عن الامام الرضا (علیه السلام) شيعتنا المسلمون لامرنا، الاخذون بقولنا، المخالفون لاعدائنا، فمن لم يکن کذلك فليس منا».(5)
و عن الباقر (علیه السلام) أنه قال: «کل مالم يخرج من هذا البيت فهو باطل»(6).
و عن الامام الصادق (علیه السلام) « فتباً و خيبة و تعساً لمنتحلي الفلسفة کيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتی انکروا التدبير و العمد فيها»(7).
وعن مولانا اميرالمؤمنين (علیه السلام) «المؤمن اخذ دينه عن ربه و لم يأخذه عن رأيه»(1).
فبعد هذه التحذيرات هل يصح لمن يؤمن بنبوة النبي (صلی الله علیه و آله) و امامة الائمة المعصومين عليهم السلام متابعة مسلك و مذهب الفلاسفة و هل يصح أن يقال إن الفلسفة مطابقة للدين و إذا کان الدين حقاً کما ثبت بالمعجزة فالمفروض بطلان مسلك الفلاسفة و ضلالته.
و لايخفی أن هذه الروايات غير قابلة للتوجيه و التبرير فعلی المخلص لمذهب اهل البيت عليهم السلام أن يقف مجاهداً في سبيل الله و أن يعلن براءته من کل هذه الضلالات و الانحرافات.
هذا و يکفي في انحراف الفکر الفلسفي و ضلالته مخالفة الفلسفة للدين حيث انکرت مجموعة من بديهيات الدين و ضرورياته فقد انکرت المعاد الجسماني و قالت إنه مستحيل في حين أن الايات و الروايات الدالة علی جسمانية المعاد متواترة و قطعية و ضرورية و قد انکرت الفلسفة معراج الرسول الاکرم (صلی الله علیه و آله) و قالت انه بالتجرد لا بالجسم و انکرت عالم الذر الذي صرح به القرآن الکريم واستفاضت به الاخبار و انکرت حدوث العالم و الحال ان حدوثه من ضروريات الشرايع لا الدين الاسلامي فقط, مضافاً لتواتر الاخبار نذکر اثنين منها ففي نهج البلاغة خطبة 162 «لم يخلق الاشياء من اصول ازلية و لا من اوائل ابدية...» و عن مولانا الرضا (علیه السلام) : حول الکلام الالهي « فمن زعم انهن معه فقد أظهر أن الله ليس بأوّل قديم و لا واحد و ليس له بدء و ليس له باله».(2)
و أنکرت فناء العالم و الدين يصرح بفناء العالم بکله و اجمعه ثم تجدد الخلقة من جديد يقول مولانا امير المؤمنين (علیه السلام) « ... هو المفني لها بعد وجودها حتی يصير
موجودها کمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها باعجب من انشائها و اختراعها... و ان الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لاشيء معه کما کان قبل ابتدائها کذلك يکون بعد فنائها بلا وقت و لا مکانٍ ولا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الاجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلا شيء الا الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور بلا قدرة منها کان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها کان فناؤها...ثم يعيدها بعد الفناء...»(1).
و قد أنکرت الفلسفة الارادة و الاختيار الالهي و قالت إن المعلول يستحيل أن يتخلف عن علته و من لوازم کلامهم القول بالجبر کما هو معروف عنهم و أنکرت القدرة الالهية فادعت استحالة صدور الکثرة منه تعالی و أن الفاعل لهذه الکثرات إنما هي العقول فانکرت خالقيته تعالی و جعلت الخالقية للعقول و بنحو الاستقلال في حين أن من بديهيات الاسلام أنه تعالی فعال لما يريد و لا يمتنع عليه شيئ و أنه هو الخالق و لا خالق سواه لا بنحو الاستقلال و لا بنحو التفويض يقول مولانا الامام الرضا (علیه السلام) انه قال «و من زعم ان الله عزوجل فوّض امر الخلق والرزق الى حججه عليهمالسلام فقد قال بالتفويض والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك»(2), و هذه الرواية و غيرها من الروايات تنفي اي وساطة في الخالقية بينه تعالی و بين المخلوقات و کذلك تنفي القول بالجبر و أن من بديهيات التشيع عدم القول بالجبر .
هذا و من المضحك أن بعضهم ادعي أن العقل الاول الذي جعلوه علة للخلائق و واسطة بين الذات الالهية المقدسة و بين الخلائق هوالرسول الاکرم (صلی الله علیه و آله)
في حين أن هذا مخالف للقرآن و الروايات المتواترة و اجماع علماء الشيعة.
فالمؤمن بالدين و بمذهب اهل البيت عليهم السلام کيف يمکنه الايمان بخط و مسلك خالف کل هذه الضروريات و البديهيات.
1- القران الکريم .
2- نهج البلاغة .
3- اصول الکافي ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الکليني .
4- بحار الانوار العلامة محمد باقر المجلسي .
5- التوحيد شيخ صدوق .
6- عيون اخبار الرضا عليه السلام شيخ صدوق .
7- بداية المعارف محسن خرازی .
8- هکذا نبدأ شمری .
9- فلسفتنا شهيد صدر .
10- نهاية الحکمة محمد حسين طباطبائی .
11- بداية الحکمة محمد حسين طباطبائی .
12- فهرست إبن النديم.
13- الجانب الإلهي: دکتور محمد البهي.
14- الأسفار الاربعة - ملا صدرا الشيرازي.
15- منظومة السبزواري: ملا هادی سبزواری .
16- فصوص الحکم ابن عربي .
17- فتوحات مکية ابن عربی .
18- ممد الهم في شرح فصوص الحکم حسن زادة الاملي .
19- المِلل و النِحَل: للشهرستاني .
20- تعليقة علی نهاية الحکمة مصباح يزدی .
21- الميزان في تفسير القران محمد حسين طباطبائی .
22- حق اليقين السيد عبد الله شبر .
23- الشيعة في الاسلام محمد حسين طباطبائی .
24- کشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد العلامة الحلی .
25- اصول الفقه العلامة المظفر .
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس