ghaemiyeh.com
مُوسُوعَة زِینَبُ الكُبرى (عليها السلام)
بِنتِ أمّير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام
(6)
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1429 هـ - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دار نظيرعَبود
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
محرر الرقمي : محسن حقانی فر
مُوسُوعَة زِينبُ الكبرى(عليها السلام)
بِنتَ أمِيرَالمُؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام
رحْلَة زينَبُ مَع السَّبايا
جمع وَاعدَاد
السيّد عَلي عاشورْ
الجزء السّادِس
دار نظير عبود
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1429 هـ - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دار نظيرعَبود
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننّا أنها هي(1).
وعن هشام، عن محمد قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق ممّ هو؟ فقال: من يوم قتل الحسين بن علي(2).
عن محمد بن سيرين، قال: لم تكن ترى الحمرة في السماء حتى قتل الحسين بن علي(3).
وعن جعفر بن سليمان قال : حدثتني خالتي أم سالم قالت: لما قُتل الحسين بن علي مطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر.
وعن عبد الله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد الله الأودي قال : لمّا قتل الحسين(عليه السلام)أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضّة لزينب: يا سيّدتي إنّ سفينة(4)
1) البحار : 45 / 216
2) سير الأعلام : 312/3
3) بغية الطلب : 2639/6 .
4) واختلف في نقلها ففي كتاب الخرائج عن ابن الأعرابي عن سفينة مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قال: خرجت غازياً فكسر بي المركب فغرق مع ما فيه وأفلت وما عليّ إلّا خرقة إلى آخر ما نقله، والقصّة طويلة وحاصله أنه ضل الطريق فهداء الأسد وأوصله إليه. وفي شرح السنة : سفينة مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أخطأ الجيش بأرض الروم وأسر فانطلق هارباً يطلب الجيش فإذا هو بأسد فقال. يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وكان من أمري كيت وكيت فأقبل الأسد حتى قام إلى جنبه كلما سمع صوتاً أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى أبلغه الجيش ثم رجع. وقال المازري: اسم سفينة قيس، وقيل: نجران، وقيل: رومان، وقيل مهران، وكنيته المشهورة أبو عبد الرحمن وسبب تسميته بسفينة أنه حمل متاعاً كثيراً لرفقاله في الغزو فقال له : أنت سفينة.
كسر به في البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فهمهم بين يديه حتّى أوقفه على الطريق والأسد رابض في ناحية، فدعيني أمضي إليه وأُعلمه ماهم صانعون غداً، قال: فمضت إليه فقالت : يا أبا الحارث فرفع رأسه ثمّ قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد الله(عليه السلام)؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال : فمشى حتّى وضع يديه على جسد الحسين(عليه السلام)، فأقبلت الخيل فلمّا نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد - لعنه الله - فتنة لا تثيروها انصرفوا، فانصرفوا(1).
عن عيسى بن الحارث الكندي قال : لما قُتل الحسين مكثنا سبعة أيام إذا صلينا العصر فنظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنها الملاحف المصفُّرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً (2).
وعن خلف بن خليفة، عن أبيه قال : لما قتل الحسين اسودّت السماء وظهرت الكواكب نهاراً حتى رأيت الجوزاء عند العصر وسقط التراب الأحمر.
وعن علي بن مُسهر، حدثتني جدتي قالت: كنت أيام الحسين جارية شابة، فكانت السماء أياماً علقة. وفي رواية: فمكثت السماء سبعة أيام بلياليها كأنها علقة.
وعن خلّاد صاحب السمسم - وكان ينزل بني جحدر - قال : حدثتني امي قالت: كنا زماناً بعد مقتل الحسين وان الشمس تطلع محمرة على الحيطان والجدر بالغداة والمعشي، قالت: وكانوا لا يرفعون حجراً إلّا وجد تحته دم(3).
وعن الأسود بن قيس قال: احمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر يرى ذلك في آفاق السماء كأنها الدم(1).
وعن نصرة الأزدية قالت: لما أن قُتل الحسين بن علي مطرت السماء دماً، فأصبحت وكلّ شيء لنا ملآن دماء(2).
وفي الأمالي عن ابن عبّاس قال: كنت مع أمير المؤمنين(عليه السلام)في خروجه إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو شط الفرات قال : يابن عبّاس أتعرف هذا الموضع ؟ قلت له : ما أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال له : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي، فبكى طويلاً حتّى سالت الدموع على صدره وبكينا معاً ويقول : أواه أواه مالي ولآل أبي سفيان حزب الشيطان، صبراً يا أبا عبدالله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم فتوضأ وصلّى ثمّ رقد، فلمّا انتبه قال: يابن عبّاس رأيت في منامي كأنّي برجال نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع وقد خطوا حول هذه الأرض، ثمّ رأيت كأنّ هذا النخل قد ضربت بأغصانها إلى الأرض تضطرب بدم عبيط وكأنّي بالحسين فرخي قد غرق فيه يستغيث فيه فلا يُغاث وكان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون صبراً آل الرسول، فإنّكم ستقتلون على يدي شرار الناس وهذه الجنّة مشتاقة إليكم ثمّ يعزّونني ويقولون : يا أبا الحسن إبشر فقد أقرّ الله عينك يوم يقوم الناس لربّ العالمين ثمّ انتبهت والذي نفس عليّ بيده لقد حدّثني أبو القاسم(صلی الله علیه وآله وسلم)إنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة وإنّها في السماوات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء، يابن عبّاس اطلب لي حولها بعر الظباء وهي مصفرّة لونها لون الزعفران فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته قد أصبتها فقام إليها فشمّها وقال: هي هي بعينها هذه الأبعار قد شمّها عيسى، وذلك إنّه مرّ بها ومعه
الحواريّون فرأى ههنا الظبا مجتمعة وهي تبكي فجلس وبكى مع الحواريّين فقالوا : ياروح الله ما يبكيك؟
قال : هذه أرض يُقتل فيها فرخ الرسول وفرخ الحرّة الطاهرة شبيهة أمّي وهذه الظباء تكلّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض ثمّ ضرب بيده إلى هذه البعر فشمّها وقال: هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللّهمَّ فابقها حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء وسلوة، قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرّت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء.
ثمّ قال : ياربّ عيسى لا تبارك في قتله ثمّ بكى بكاءٌ طويلاً حتّى سقط لوجهه وغشى عليه، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّه في ردائه وأمرني أن أصرّها كذلك ثمّ قال : يابن عبّاس إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قتل بها ودفن.
قال ابن عبّاس : فكنت أحافظ عليها ولا أحلّها من طرف كمي فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً فجلست وأنا باك وقلت: قد قتل والله الحسين فخرجت عند الفجر فرأيت المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين ثمّ طلعت الشمس كأنّها منكسفة وكأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط، فبكيت وسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول :
أصبروا آل الرسول*** قتل الفرخ النحول
نزل الروح الأمين*** ببكاء وعويل
فأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء فوجدته قتل ذلك اليوم، فحدّثت بهذا الحديث أولئك الذين كانوا معه فقالوا : والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ولا ندري ما هو فكنّا نرى أنّه الخضر(عليه السلام) .
وعن مروان مولى هند بنت المُهلّب قال: حدّثني بواب عبيد الله بن زياد أنه لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسيل دماً.
وعن زيد بن عمرو الكندي قال : حدثتني أم حيّان قالت: يوم قتل الحسين أظلمت علينا الدنيا ثلاثاً، ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئاً، فجعله على وجهه إلّا احترق، ولم يقلب حجر ببيت المقدس إلّا أصبح تحته دم عبيط.
وعن معمر قال: أول ما عرف الزهري [أنه] تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد : أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قُتل الحسين بن علي؟
فقال الزهري: - زاد عبد الكريم وابن السمرقندي: بلغني وقالوا - أنه لم يقلب حجرٌ إلّا وجد تحته دم عبيط(1).
وعن سفيان بن عيينة قال: حدثتني جدتي أم عيينة أن حمّالاً كان يحمل ورساً فهوى قتل الحسين بن علي فصار ورسه رماداً(2).
وعن أبي حُميد الطحان، قال: كنت في خزاعة فجاؤوا بشيء من تركة الحسين، فقيل لهم ننحر أو نبيع فنقسم؟
قالوا : انحروا(3).
قال : فجعل على جفنة، فلما وضعت فارت ناراً.
جميل بن مرة قال: أصابوا إبلاً في عسكر الحسين يوم قتل فنحروها وطبخوها ، قال: فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئاً(4).
وعن عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال : هل كان في قتل الحسين علامة؟
قال رأس الجالوت: ما كشف يومئذ حجر إلّا وجد تحته دم هبيط.
عن يزيد بن أبي زياد قال : فقال الحسين ولي أربعة عشر سنة.
قال: وصار الورس الذي كان في عسكرهم رماداً، واحمرْت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران(1).
وعن أبي بكر الحُميدي، عن سفيان قال: حدثتني جدتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رماداً، ولقد رأيت اللحم كانّ فيه النار حين قتل الحسين(2).
عقبة بن أبي حفصة السّلولي عن أبيه قال : إن كان الورس من ورس الحسين يقال به هكذا فيصير رماداً(3).
كان الإمام الحسين(عليه السلام)يعلم أنه بعد استشهاده سوف تقوم تلك الذئاب الكاسرة بالهجوم على عياله وأطفاله لإخافتهم وإرعابهم ونهب أموالهم وبالتالي أسرهم وتوجيه الإهانة لهم والاعتداء بالضرب على بنت أمير المؤمنين(عليه السلام)زينب الكبرى(عليها السلام)التي كانت من الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي.
وقد واصل أبو عبدالله كفاحه المرير على الرغم من علمه بجميع تلك الأمور تفصيلاً.
فلاحظوا كم كان ذلك الجهاد الذي خاضه أبو عبدالله شاقّاً ومريراً. وبالإضافة الى ذلك فقد كان يعاني هو وأهل بيته وأصحابه من شدَّة العطش نتيجة لمنعهم من الوصول الى ماء الفرات. فقد كان الأطفال والصبيان والشيوخ وحتى الأطفال الرضع يتلفون من شدَّة العطش! حيث لم يكونوا قد ذاقوا قطرة من الماء منذ مدة طويلة.
فلكم أن تتخيلوا الآن كم كان شاقاً وعظيماً ذلك الجهاد الذي خاضه إمامنا(عليه السلام)الحسين .
فأيّ إنسان لا تهتزّ عواطفه من فاجعة استشهاد مثل هذا الإنسان العظيم الطاهر المعصوم الذي كانت الملائكة تتسابق لرؤية وجهه المنير والذي كان يتمنّى الأنبياء(عليهم السلام)والأولياء أن يكونوا في منزلته؟
وأيُّ إنسان حرّ يعرف مغزى تلك الفاجعة ويفهم أهدافها ثمّ لا يشعر بالإرتباط القلبي والعاطفي معها؟ فهذا النبع المعنوي والعاطفي بدأ بالتدفّق ومازال. عصر يوم عاشوراء حينما وقفت زينب - على ما ورد في النقل - على التل الزينبي وخاطبت جدّها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قائلة : يا رسول الله صلّى عليك مليك السماء هذا حسينك
مرمَّل بالدماء مقطَّع الأعضاء مسلوب العمامة والرداء»(1)وبدأت بقراءة عزاء الإمام الحسين(عليه السلام)بصوت عال. وبعد ذلك قامت بإفشاء ما أرادوا كتمانه من خلال خطبها وكلماتها الرنّانة في كربلاء والكوفة والشام والمدينة المنوَّرة. هذه هي فاجعة عاشوراء وهذه هي أبعادها وأهدافها(2).
روی حمید بن مسلم قال: رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين فسطاطهنّ وهم يسلبونهنّ أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط وقالت يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله لا حكم إلّا الله بالثارات رسول الله فأخذها زوجها وردّها إلى رحله.
ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار فخرجن مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلّة وقلن بحقّ الله الّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين وتنادي زينب بصوت حزين :
وا محمّداه هذا حسينٌ مرمّلٌ بالدّماء مقطّع الأعضاء وبناتك سبايا إلى الله المشتكى وإلى محمّد المصطفى وإلى عليِّ المرتضى هذا حسينٌ بالعراء يسفى عليه الصبا اليوم مات جدّي رسول الله یا حزناه یا کرباه یا اصحاب محمّد هؤلاء ذرّية المصطفى يساقون سوق السبايا وهذا حسين محزوز الرأس من القفا بأبي من عسكره في يوم الإثنين نهب بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا هو غائب فيرجى ولا جريحٌ فيُداوى بأبي المهموم حتّى قضا، بأبي العطشان حتّى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء(صلی الله علیه وآله وسلم)فأبكت كلُّ عدوَّ وصديق.
ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين(عليه السلام)فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه.
وروي أنّهم لمّا دخلوا خيمة النساء أخذوا ما كان فيها حتّى قرضوا إلى قرط كان في أذني أمّ كلثوم أخت الحسين(عليه السلام)فأخذوه وخرموا أُذنها .
وقالت فاطمة الصغرى: كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابه كالأضاحي على الرَّمال وأنا أفكّر فيما يكون إليه أمرنا بعد أبي فإذا براكب يسوق النساء بكعب رمحه وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة وهن يصحن واجدّاه وا أبناء وا عليّاه واقلّة ناصراه أما من مجير يجيرنا فضربني بكعب الرمح فسقطت على وجهي فخرم أذني وأخذ قرطي ومقنعني وترك الدماء تسيل على خدّي وإذا بعمّتي تبكي وتقول : قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل، فقلت: يا عمّتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظّارة؟
فقالت : وعمّتك مثلك فرأيت رأسها مكشوفاً وظهرها أسوداً من الضرب فما رجعت إلى الخيمة إلّا وهي قد نهبت وما فيها وأخي عليّ بن الحسين مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا وجاء عمر بن سعد فسألته النسوة أن يسترجع ما أُخذ منهنّ ليتستَّرن به.
فقال: من أخذ من متاعهم فليردّه فوالله ما رة أحد منهم شيئاً.
وفي كتاب الأمالي عن فاطمة بنت الحسينعنه. قالت: دخلت العامّة علينا وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدوّ الله ؟
فقال : كيف لا أبكي وأنا أسلب بنت رسول الله. قلت: فلا تسلبني.
قال: أخاف أن يجيء غيري فيسلبه، وانتهبوا ما في الأبنية حتّى كانوا يترعون الملاحف عن ظهورنا(1).
قال السيد القرشي: عمد أرذال أهل الكوفة وعبيد ابن مرجانة إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الرسالة فسلبوا ما عليهن من حلي وحلل، ومال وغد من أوغادهم
1) أمالي الصدوق : 229 ح 241
بخسة ووحشية إلى السيدة أم كلثوم فسلب قرطها وأسرع وضر خبيث نحو السيدة فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها، وهو يجهش بالبكاء، وبهرت منه ابنة الحسين فقالت له :
«ما لك تبكي ؟ !!».
«كيف لا ابكي وأنا أسلب ابنة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)».
ولما رأت تعاطفه قالت له :
«دعني».
وراح الدني يبدي جشعه قائلاً :
«اخاف ان يأخذه غيري».
وعمدوا إلى نهب ما في الخيام من ثقل ومتاع، وهجم الشمر على ثقل الحسين لنهبه فوجد ذهباً فأخذه ودفع بعضه إلى ابنته لتصوغه حلياً لها فجاءت به إلى الصائغ فلما أدخله النار صار هباء.
وبصرت امرأة من آل بكر بن وائل ما جرى على بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، من النهب والسلب والترويع، فاندفعت وهي مذهولة فجعلت تحفز أسرتها على إنقاذ ودائع النبوة من أيدي أولئك الجفاة قائلة : «يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله ؟!! لا حكم إلا لله ، یا لثارات رسول الله».
وبادر إليها زوجها فردها إلى رحله وتجرد ذلك الجيش من كل نزعة إنسانية، وخلا من كل رأفة ورحمة، فقد جعلوا يوسعون بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ضرباً بكعوب رماحهم وهن يلذن من الرعب بعضهن ببعض، وقد سقطت فاطمة بنت الحسين مغشياً عليها من شدة الضرب فلما أفاقت رأت عمتها السيدة أم كلثوم تبكي عند رأسها، ان مأساة عائلة الرسالة تبكي الجماد وتستثير عطف الصخور(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 205/3.
ثمّ أقبلوا على سلب الحسين فأخذ قميصه إسحاق الحضرمي فلبسه فصار أبرصاً وأخذ سراويله بحر بن كعب ثمّ صار زمناً مقعداً وأخذ عمامته خنس بن علقمة فاعتمّ بها فصار مجنوناً مجذوماً وأخذ درعه مالك الكندي فصار معتوهاً وأخذ نعليه الأسود بن خالد وأخذ خاتمه بجدل الكلبي فقطع إصبعه(عليه السلام) مع الخاتم وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتشحّط بدمه حتّى مات وأخذ قطيفة له من خزّ قيس بن الأشعث وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد وأخذ سيفه جميع الأزدي وهذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار وأنّ ذلك كان مذخوراً مع أمثاله من ذخائر النبوّة والإمامة وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول حتّى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها (1).
1) البحار : 57/45
روي أنه لمّا حمل رأسه إلى الشام جنّ عليهم الليل فنزلوا عند رجل من اليهود، فلمّا شربوا وسكروا قالوا :عندنا رأس الحسين، فقال: أروه لي وهو في الصندوق يسطع منه النور فاستودعه اليهودي منهم وقال للرأس : إشفع لي عند جدّك.
فقال الرأس : إنّما شفاعتي للمحمّديّين ولست بمحمّدي فجمع اليهود أقرباءه فوضع الرأس في طشت وصبّ عليه ماء الورد ووضع عليه العنبر وقال لأقربائه : هذا رأس ابن بنت محمد ثمّ قال: والهفاء حيث لم أجد جدّك محمداً فأسلم على يديه ولم أجدك حيّاً فأسلم على يديك وأُقاتل بين يديك لتشفع لي يوم القيامة.
فقال الرأس: إن أسلمت فأنا لك شفيع، فأسلم الرجل وأقرباءه(1).
وعن الرضا(عليه السلام)أنّ يزيد لعنه الله وضع رأس الحسين(عليه السلام)أمامه وكان يلعب بالشطرنج ويشرب الفقاع فمن نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين(عليه السلام)وليلعن يزيد وآل زياد يمحو الله عزّوجلّ بذلك ذنوبه ولو كانت كعدد النجوم(2)
ونادى ابن سعد من يوطىء ظهر الحسين(عليه السلام)فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق وأخنس بن مرثد وحكيم بن طفيل وعمرو بن صبيح ورجاء العبدي وسالم بن خيثمة وصالح الجعفي وواخط بن نافم وهاني الحضرمي واسيد بن مالك فداسوا الحسين بحوافر خيلهم حتّى رضوا ظهره وصدره.
قال أبو عمرو الزاهد : فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زنا ،
وهؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا.
وقال السيد القرشي : وأخذ شر أولئك الجفاة يستشري فلم يدعوا حرمة الله إلا انتهكوها ولا إثماً إلا اقترفوه، فقد انبرى ابن سعد لينفذ أوامر سيده ابن مرجانة فنادى من ينتدب للحسين فيوطى الخيل صدره وظهره قال الواقدي: وبادر الشمر فوطى الجثمان المقدس بفرسه وتبعه عشرة من أولاد البغايا وهم إسحاق بن يحيى الحضرمي، وهانىء بن ثبيت الحضرمي، وأدلم بن ناعم، وأسد بن مالك، والحكيم بن الطفيل الطائي، والأخنس بن مرشد، وعمرو بن صبيح المذحجي، ورجاء بن منقذ العبدي، وصالح بن وهب اليزني، وسالم بن خيثمة الجعفي فداسوا ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بخيولهم مقبلين ومدبرين حتى الصقوا الجثمان العظيم بالأرض وكان المجرم الخبيث أسد بن مالك يفتخر أمام ابن سعد ويقول :
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر*** بكل يعبوب شديد الأسر
وجرى هذا التمثيل المنكر أمام ابن سعد وسائر قوات ذلك الجيش ولم تجر هذه العملية فيما أحسب - على أحد من أهل بيت الإمام وأصحابه ويؤيد ذلك أن الأوامر التي صدرت من ابن زياد إلى ابن سعد قد اقتصرت على التمثيل بجسد الحسين دون غيره.
وعلى أي حال فقد أعلنوا بهذا العمل الفظيع عن حقدهم البالغ على الإمام، وتجردهم من جميع العواطف الإنسانية.
لقد داسوا جسد الإمام الذي تربى في كنف الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وتبت لحمه من لحم علي وفاطمة، والذي قال فيه الرسول :
«حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً».
لقد داسوا ذلك الجسد الذي ثار في وجه المعتدين والظالمين، وأراد أن يزيل البغي، ويظهر العدل في الأرض حسب ما أمر الله به(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 205/3.
وقال ابن نما : وأمّا الرأس الشريف اختلف الناس فيه فقال قوم: إنّ عمر بن سعد دفنه بالمدينة لأنّ يزيد أرسل الرأس إلى المدينة بشارةٌ للناس بذلك(1).
وعن منصور بن جمهور : إنّه دخل خزانة يزيد ثمّ أخرج بعده ودفن بدمشق عند باب مراديس عند البرج الثالث كما بيّن مشرف وحدّثني جماعة من أهل مصر أنّ مشهد رأس الحسين عندهم يسمّونه المشهد الكريم عليه من الذهب شيء كثير يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون أنّه مدفون هناك والذي عليه المعوّل من الأقوال إنّه أُعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه(2).
وقال السيّد ابن طاووس طاب ثراء : فأمّا رأس الحسين(عليه السلام)فروي إنّه أُعيد ودُفن بكربلاء مع جسده الشريف وكان عمل الطائفة على هذا المعنى (3).
وروى أبو العلاء الحافظ إنّه دفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة(عليها السلام).
وذكروا أنّ سليمان بن عبد الملك بن مروان أخرج الرأس من خزائن بني أُميّة و دفنه بدمشق في مقابر المسلمين، فلمّا ولّي ابن عبد العزيز نبشه وأخذه، والله أعلم ما صنع به فالظاهر من دينه إنّه بعثه إلى كربلاء فدفن مع جسده(عليه السلام). هذه الأقوال للعامة والمشهور بين علماء الطائفة إنّه دُفن مع جسده ردّه عليّ بن الحسين (4).
وفي أخبار كثيرة إنّه دفن عند قبر أمير المؤمنين(عليه السلام)(5).
وعن يزيد بن عمر بن طلحة قال : ركب أبو عبد الله(عليه السلام)مع ابنه إسماعيل وأنا معهم حتّى إذا جاز الثوية بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض فنزل وصلّى هناك وقال لابنه إسماعيل : قم فسلَّم على جدّك الحسين فقلت : جعلت فداك أليس الحسين بكربلاء ؟
فقال: نعم، ولكن لمّا حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا ودفنه بجنب أميرالمؤمنين صلوات الله عليهما(1).
وعنه(عليه السلام)قال : إنّ الملعون ابن زياد لمّا بعث برأس الحسين إلى الشام ردّ إلى الكوفة فقال : أخرجوه منه لا يفتتن به أهلها فصيّره الله عند أمير المؤمنين(عليه السلام) فالرأس مع الجسد والجسد مع الرأس.
لعلّ المعنى أنّه بعد ردّه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)صار إلى كربلاء مع الجسد.
وقيل : المعنى أنّه صعد به مع الجسد إلى السماء كما ورد في بعض الأخبار، أو أنْ بدن أمير المؤمنين(عليه السلام)كالبدن لذلك الرأس لأنّهما من نور واحد(2).
وروى الشيخ والكليني قدّس الله روحهما أخباراً كثيرة في أنّ الرأس بعد ردّه دفن عند قبر أمير المؤمنين(عليه السلام).
وعن الرضا(عليه السلام)أن زين العابدين(عليه السلام)و كان في حبس ابن زياد وقد أمكنه الله تعالى فخرج وولى تجهيز أبيه الحسين(عليه السلام)لأنّ الإمام لا يلي أمره ودفنه إلّا إمام مثله(3).
قال أبو مخنف : ثم إن عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة فجعل يدار به في الكوفة.
وقال المفيد: لما أصبح ابن زياد بعث برأس الحسين(عليه السلام)قدير به في سكك الكوفة. فروي عن زيد بن أرقم أنّه لمّا مرّ به وهو على رمح وأنا في غرفة لي، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا فوقف والله شعري وناديت رأسك والله يابن رسول الله أعجب وأعجب، ثمّ أنفذ برأس الحسين(عليه السلام)وكتب إلى والي المدينة يبشِّره بقتل الحسين فنادى في المدينة بقتله فلم يسمع بكاءٌ قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين حين سمعوا النداء بقتله فدخل بعض موالي عبدالله بن جعفر الطيّر فنعى إليه ابنيه فاسترجع.
فقال أبو السلاسل مولى عبدالله: هذا والله لو شهدته لأحببت أن أقتل معه، الحمد الله أصيبا مع أخي وابن عمّي الحمد لله عزَّ عليَّ مصرع الحسين أن لا أكون واسيته بيدي فقد آساه ولداي فخرجت أُمّ لقمان بنت عقيل حين سمعت نعي الحسين حاسرة ومعها أخواتها تبكي قتلاها بالطفت وتقول شعراً : ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم*** ماذا فعلتم وأنتم آخر الاُمم
بعترتي وبأهلي بعد مقتقدي*** منهم أُسارى وقتلى ضرّجوا بدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم*** أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وسمع أهل المدينة في جوف الليل منادياً ينادي، شعراً:
أيّها القاتلون جهلاً حسينا ابشروا بالعذاب والتنكيل
كلّ أهل السماء يدعو عليكم*** من نبيِّ ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود*** وموسى وصاحب الإنجيل
وسمع قائل في الهواء بالمدينة يقول، شعراً :
يا من يقول بفضل آل محمّد*** بلّغ رسالتنا بغير تواني
قتلت شرار بني أُمية سيّداً*** خير البرية ماجداً ذا شأني
ابن المفضّل في السماء وأرضها ***سبط النبيّ وهادم الأوثان
بكت المشارق والمغارب بعدما*** بكت الأنام له بكلّ لسانِ
وأمّا يزيد بن معاوية فكتب إلى ابن زياد يأمره بحمل رأس الحسين وأصحابه ونسائه وثقله فاستعدى ابن زیاد بمفخر بن ثعلبة فسلّم إليه الرؤوس والنساء فسار بهم كما يُسار بسبايا الكفّار يتصفّح وجوههنّ أهل الأقطار فنزلوا أوّل مرحلة وجعلوا يشربون فخرجت عليهم كفّ من الحائط معها قلم من حديد فكتب سطر بدم، شعراً :
أترجو أمة قتلت حسيناً *** شفاعة جدّه يوم الحساب
ثم قال ابن طاووس(رضی الله عنه): نقلته وساروا برأس الحسين(عليه السلام)والسبايا إلى الشام، فلمّا قربوا من دمشق قالت أمّ كلثوم للشمر : حاجتي إليك إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وقل لهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا فأمر في جواب سؤالها أن تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل وسلك بهم بين الناس حتّى أتى باب دمشق فوقفوا على باب المسجد الجامع حيث يقام السبي.
وروي عن سهل بن سعد قال : خرجت من بيت المقدس حتّى أتيت الشام فإذا أنا بمدينة قد علّقوا الأستار والحجب وهم مستبشرون ونساؤهم يلعبن بالدفوف والمطبول فقلت: هذا ليس يوم عيد فسألتهم، فقالوا: هذا رأس الحسين(عليه السلام)يُهدى من أرض العراق، فقلت: واعجبا يُهدى رأس الحسين (عليه السلام)والناس يفرحون، فرأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً فإذا فارس على رمحه رأس أشبه الناس برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن ورائه نسوة على جمال فدنوت من أولاهم فقلت: يا جارية مَن أنت؟
فقالت : سكينة بنت الحسين(عليه السلام).
فقلت : ألكِ حاجة؟
فقالت : قُل لصاحب هذا الرأس يقدمه أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله، فدنوت من صاحب الرأس وأعطيته أربعمائة دينار حتّى قدّم الرأس أمام الحرم..
زينب تنظر إلى رأس الحسين(عليه السلام) بين يدي يزيد
ودخلوا على يزيد ودخلت زينت(عليها السلام)معهم وكان جالساً على السرير وعلى رأسه تاج مكلّل بالدرّ والياقوت فدخل صاحب الرأس وهو يقول، شعراً :
املا ركابي ذهباً أو فضّة*** أني قتلت السيّد المحجّبا
قتلت خیر الناس أمّا وأبا*** إذ ينسبون النسبا
قال : لو علمت أنّه خير الناس لِمَ قتلته؟
قال: رجوت الجائزة منك، فأمر بضرب عنقه وحزّ رأسه ووضع رأس الحسين(عليه السلام)على طبق من ذهب وهو يقول: كيف رأيت يا حسين.
ثمّ قال : لعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على قتل الحسين بن فاطمة(عليها السلام) لو كنت صاحبه لما فعلت هذا، ثمّ قال، شعراً :
تعلّق هامات من أُناس أعزّة*** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولمّا وضع رأس الحسين(عليه السلام)ورآه عليّ بن الحسين(عليه السلام) لم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً.
وقال عليّ بن الحسين(عليه السلام): فقلت ليزيد وأنا مغلول: ما ظنّك برسول الله لو رآني في الغلّ؟
فقال لمن حوله : حلّوه.
وأما زينب فإنّها لمّا رأته هوت إلى جيبها فشقته ثمّ نادت بصوت حزين: يا
حسيناه يابن مكّة ومُنى يابن فاطمة الزهراء يابن بنت المصطفى فأبكت من في المجلس.
ثمّ دعا بقضيب خيزران فجعل ينكث به ثنايا الحسين(عليه السلام)فأقبل عليه الأسلمي وقال : ويحك أتنكث ثغر الحسين(عليه السلام)ولقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول : أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعدَّ له جهنّم، فغضب يزيد وأمر بإخراجه(1).
1) العوالم للامام الحسين : 433 .
قال السيد محمد باقر القرشي: وصبغ فرس الحسين ناصيته بدم الإمام الشهيد وأقبل يركض وهو مذعور نحو خيمة الحسين ليعلم العيال بقتله، ولما نظرت إليه النساء علمن بمقتله.
وفي زيارة الناحية« فلما نظرن النساء إلى الجواد مخزياً، والسرج عليه ملوياً خرجن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات وإلى مصرع الحسين مبادرات »(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 205/3.
وعند رؤية السيدة زينب للفرس قالت(عليه السلام):
«وا محمّداه، واأبتاه واعلياء، واجعفراه ،واحمزناه، هذا حسين بالعراء، صريع بكربلاء ... ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدت على السهل». وذهل الجيش، وود أن تخيس به الأرض، وجرت دموع أولئك الجفاة من هول مصيبة بنات الرسالة(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 205/3.
ثمّ إنّ ابن سعد سرح برأس الحسين(عليه السلام)يوم عاشوراء مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم إلى ابن زياد ثمّ أمر برؤوس الباقين من أهل بيته وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمر إلى الكوفة وأقام يومه ذلك فجمع قتلاء وصلّى عليهم ودفنهم وترك الحسين وأصحابه على التراب، فلمّا ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلّوا عليهم ودفنوهم وكانوا يجدون لأكثرهم قبوراً ويرون طيوراً بيضاء وكانت رؤوسهم ثمانية وسبعين رأساً واقتسمتها القبائل ليتقربوا بها إلى يزيد وابن زياد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث.
وجاءت هوازن باثنی عشر رأساً وصاحبهم شمر لعنه الله وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً وجاءت بنو أسد بستّة عشر رأساً وصاحبهم مدحج بسبعة رؤوس وجاءت سائر الناس بثلاثة رؤوس(1).
قال السيد مرتضى العسكري: قتل من أصحاب الحسين(عليه السلام)اثنان وسبعون رجلاً، ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم وصلى عمر بن سعد على قتلاهم ودفنهم قال : وما هو إلّا أن قتل الحسين فسرح برأسه من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد فأقبل به خولي فأراد القصر فوجد باب القصر مغلقا فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله وله امرأتان امرأة من بني أسد والأخرى من الحضرميين يقال لها : النوار ابنة مالك بن عقرب وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية .
قال هشام: فحدثني أبي عن النوار بنت مالك قالت : اقبل خولي برأس الحسين
1) مدينة المعاجز : 120/4.
فوضعه تحت إجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه فقلت له : ما الخبر ما عندك ؟! قال جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار !
قالت: فقلت : ويلك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟ لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت ابدا، قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الأسدية فأدخلها إليه وجلست أنظر قالت : فوالله ما زلت أنظر إلى نور تسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ورأيت طيرا بيضاء ترفرف حولها قال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من الصبيان وعلي بن الحسين مريض.
وروى الطبري عن قرة بن قيس التميمي قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن قال : فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعا وهي تقول: يا محمداه يا محمدا»!، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا.
قال: فأبكت والله كل عدو وصديق قال : وقطف رؤوس الباقين فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد(1).
1) معالم المدرستين للعسكري : 142/3 .
وقال السيّد ابن طاووس: وسار ابن سعد بالسبايا، فلمّا قاربوا الكوفة إجتمع أهلها للنظر إليهنّ فأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت : من أيّ الأسارى أنتنّ؟
فقلن : نحن أسارى محمّد فنزلت وجمعت مقانع فأعطتهن فتغطين فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون.
فقال عليّ بن الحسين(عليه السلام): أتنوحون وتبكون من أجلنا فمن قتلنا؟!(1)
1) بحار الأنوار : 108/45 .
وخطبت أُمّ كلثوم بنت عليّ(عليه السلام)في ذلك اليوم من وراء كلّتها رافعة صوتها بالبكاء فقالت : يا أهل الكوفة سوءة لكم ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهيتم أمواله وورثتموه وسبيتم نساءه ونكبتموه فتبّاً لكم وسحقاً ويلكم أتدرون أيّ دواء دهتكم وأيّ وزر على ظهوركم حملتم وأيّ دماء سفكتموها وأيّ كريمة أصبتموها وأيّ حبيبة سلبتموها وأيّ أموال انتهبتموها ؟!!
نضجّ الناس بالبكاء والحنين ونشر النساء شعورهنّ ووضعن التراب على رؤوسهنّ فلم ير باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم(1).
1) البحار : 45 / 112.
ثمّ قام زين العابدين(عليه السلام)وقال : أيها الناس مَنْ عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا عليّ بن الحسين بن علي، أنا ابن المذبوح بشط الفرات، أنا ابن من أنتهك حريمه وسلب نعيمه وانتهب ماله وسبي عياله سوءة لكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)إذ يقول لكم : قتلتم عترتي فلستم من اُمّتي؟
فقالوا كلّهم : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون فمرنا بأمرك.
فقال : هيهات هيهات أيّها الغدرة المَكَرة حِيلَ بينكم وبين شهوات أنفسكم أتريدون أن تأتوا إليَّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل كلّا وربّ الراقصات فإنّ الجرح لمّا يندمل ثمّ قال شعراً :
فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي ***أُصيب حسين كان ذلك أعظما
قتيلٌ بشط النهر روحي فداءه*** جزاء الذي أرداه نار جهنّما
ثمّ إنْ ابن زياد جلس في القصر وأذن إذناً عامّاً وجيء برأس الحسين (عليه السلام)فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين وصبيانه(1).
1) البحار : 45 115.
وروي عن مسلم الجصّاص قال : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة فبينما أنا اجصّص الأبواب فإذا بالأصوات ارتفعت من جوانب الكوفة فسألت.
فقالوا : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد.
فقلت : مَن هذا؟
فقالوا : الحسين بن عليّ، فلطمت وجهي وخرجت فرأيت أربعين جملاً تُحمل عليها السبايا والحرم وإذا بعليّ بن الحسين على البعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دماً وهو مع ذلك يبكي ويقول شعراً :
يا أُمّة السوء لا سقيا لربعكم*** يا أُمّة لم تراع جدّنا فينا
لو أنّنا ورسول الله يجمعنا*** يوم القيامة ما كنتم تقولونا
تسيّرونا على الأقتاب عاريةٌ ***كانّنا لم نشید فیکم دینا
تصفقون علينا كفّكم فرحاً*** وأنتم في فجاج الأرض تسبونا
يا وقعة الطفّ قد أورثتني حزناً*** والله يهتك أستار المسيئينا
قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز فصاحت بهم أُمّ كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض.
قال: وإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين وهو رأس زهري قمري أشبه
الخلق برسول الله ولحيته قد [انتصل ](1)عنها الخضاب ووجهه دارة قمر طالع والريح تلعب بلحبته يميناً وشمالاً فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فضربت رأسها بمقدم المحمل حتّى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وجعلت تقول، شعراً :
يا هلالاً لما استتمّ كمالاً*** غاله خسفه فزيد غروبا
ما توهّمت یا شقيق فؤادي*** كان هذا مقدّراً مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلّمها*** فقد كادقلبها أن يذوبا
يا أخي قلبك الشفيق علينا*** ماله قد قسی وصار صليبا
ما أذلّ اليتيم حين ينادي*** بابيه ولا يراه مجيبا
1) في بعض المصادر: اتصل.
ثمّ وضع رأس الحسين(عليه السلام) بين يدي ابن زياد وأُدخل عليه نساء الحسين وصبيانه فجلست زينب بنت علي متنكّرة فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم.
فقالت : إنّما يفتضح الفاسق.
فقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
فقالت: ما رأيت إلّا جميلاً، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى
مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتُخاصم.
وقيل : ولما روى ابن مرجانة أحقاده من رأس الإمام التفت إلى عائلة الحسين فرأى امرأة منحازة في ناحية من مجلسه وعليها أرذل الثياب وقد حقت بها المهابة والجلال مما حمل ابن زياد على السؤال عنها فقال : «من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟».
فأعرضت عنه، وكرر السؤال مرتين فلم تجبه استهانة به واحتقاراً لشأنه، فانبرت إحدى السيدات فقالت له :
«هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) »
فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له واندفع يظهر شماتته بلسانه الألكن قائلاً : «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدوثتكم».
فثارت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)بشجاعة محتقرة ذلك الوضر الخبيث وصاحت به :« الحمد الله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يا بن مرجانة».
لقد قالت هذا القول الصارم وهي والخفرات من آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)في قيد الأسر وقد نصبت فوق رؤوسهن حراب الفاتحين، وشهرت عليهن سيوف الشامتين. وقد أنزلت الطاغية من عرشه إلى قبره، وأطاحت بغلوائه، وعرفته أمام خدمه وأتباعه أنه المفتضح والمنهزم.. فقال ابن مرجانة متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي :
«كيف رأيت فعل الله بأخيك؟».
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر والنصر لها ولأسرتها قائلة :
«ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم،وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة».
وفقد الحقير اهابه من هذا التبكيت الموجع، والتعريض المقذع، وتميز غيظاً وغضباً، وهمُّ أن ينزل بها عقوبته فنهاه عمرو بن حريث، وقال له : إنها امرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها، فالتفت إليها قائلاً :
«لقد شفى الله قلبي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك».
وغلب على العقيلة الحزن والأسى من هذا التشفي، والجرأة عليها، وقد تذكرت الصفوة الأبطال من أهل بيتها الذين سقطوا في ميادين الجهاد فأدركتها لوعة الأسى فقالت :
« لعمري لقد قتلت كهلي وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثئت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت» .
وتهافت ابن مرجانة وسكن غيظه وراح يقول :
«هذه سجاعة. لعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً».
فردت عليه زينب : ان لي عن السجاعة لشغلاً ما للمرأة والسجاعة.
ما ألأم هذه الحياة وما أخسها التي جعلت ربيبة الوحي أسيرة عند ابن مرجانة وهو يبالغ في احتقارها وتوهينها.
إن كان عندك يا زمان بقية*** مما يضام به الكرام فهاتها(1)
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 230/3
وروي أنه لما أدخل عيال الحسين(عليه السلام)على ابن زياد في الكوفة دخلت زينب أُخت الحسين(عليه السلام)في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحفّت بها إماؤها فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها ؟ فلم تجبه زينب فأعاد ثانية يسأل عنها، فقال بعض إمائها هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.
فأقبل عليها ابن زياد فقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت زينب(عليها السلام): الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيراً إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله.
فقال ابن زياد :كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟
قالت : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده، فغضب ابن زياد واستشاط فقال عمرو بن حريث أيها الأمير إنها إمرأة والمرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها ولا تذم على أخطائها.
فقال لها ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فرقت زينب وبكت وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد شفيت.
فقال لها ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً.
فقالت(عليه السلام): ما للمرأة والسجاعة إن لي عن السجاعة لشغلاً ولكن صدري نفث لما قلت(1).
1) الارشاد للمفيد : 2/ 116
قال علي بن الحسين(عليه السلام): ائذن لي يا يزيد حتّى أصعد المنبر، فأذن له، فلمّا صعد قال في بعض كلامه : أيّها الناس، أنا ابن مكّة ومنى أنا ابن زمزم والصفا أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا أنا ابن خير من حجّ ولبّي أنا ابن من حمل على البراق في الهواء أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى.
أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن عليِّ المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلّا الله أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين وقاتل ببدر وحنين، أنا ابن قاتل المارقين والناكثين والقاسطين، بستان حكمة الله وعيبة علمه سمحٌ سخيِّ بهيِّ أبطحيّ مِقدامٌ صابرٌ صوّامٌ قاطع الأصلاب ومفرَّق الأحزاب أسد باسل يطحنهم في الحروب طحن الرحاء، ليث الحجاز وكبش العراق، مكيّ مدنيّ خيفيّ عقبيّ بدريّ أحديّ شجريّ مهاجريّ من العرب سيّدها ومن الوفا ليثها وارث المشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب.
أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء.
فضح الناس بالبكاء والنحيب وأمر يزيد المؤذَّن فقطع عليه الكلام، فلمّا قال المؤذَّن: أشهدُ أن محمّداً رسول الله التفت عليّ بن الحسين(عليه السلام)من فوق المنبر إلى
يزيد فقال: محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّي فلمَ قتلت عترته . . . .(1).
1) بحار الانوار : 139/45
في دعوات الراوندي روي أنّه لمّا حمل علي بن الحسين(عليه السلام)إلى يزيد لعنه الله همَّ بقتله فأوقفه بين يديه ليتكلّم كلمة توجب بها قتله وهو(عليه السلام)يجيبه حسب ما يكلّمه وفي يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه وهو يتكلّم فقال له يزيد : أُكلّمك وأنت تجيبني وتدير أصابعك بسبحة في يدك فكيف يجوز ذلك؟
فقال : حدّثني أبي عن جدّي أنّه كان إذا صلّى الغداء وانفتل لا يتكلّم حتّى يأخذ سبحة بين يديه فيقول : اللّهم إنّي أصبحت أسبّحك وأمجّدك وأحمدك وأهلّلك بعدد ما أُدير به سبحتي ويأخذ السبحة ويديرها وهو يتكلّم بما يريد من غير أن يتكلّم بالتسبيح وذلك محتسب له وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول ووضع سبحته تحت رأسه فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت ففعلت هذا اقتداء بجدّي.
فقال له يزيد : لست أُكلّم أحداً منكم إلّا ويجيبني بما يعوذ به فعفا عنه فأمر بإطلاقه(1).
1) الدعوات للراوندي: 61.
وروي أنه كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود فقال: مَنْ هذا الغلام؟
قال يزيد : عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب وأمّه فاطمة بنت محمّد.
فقال : ياسبحان الله فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة بتسما خلفتموه في ذرّيته والله لو ترك فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لظّننا انّا كنّا نعبده من دون ربّنا وأنتم إنّما فارقكم نبيّكم بالأمس فوثبتم على ابنه فقتلتموه سوءاً لكم من أمّة فأمر به یزید فضرب على حلقه فقام وهو يقول : إن شئتم فاضربوني وإن شئتم فاقتلوني أو قدروني فإنّي وجدت في التوراة إنّ من قتل ذرّية نبيّ لا يزال ملعوناً في الدُّنيا وإذا مات يصليه الله نار جهنّم(1).
وروي عن محمّد بن عبد الرحمن قال: لقيني عالم النصارى فقال : والله إنّ بيني وبين داود سبعين أباً وأنّ اليهود لتلقاني فتعظّمني وأنتم ليس بينكم وبين ابن نبيّكم إلّا أب واحد قتلتموه ! (2).
وروي عن زين العابدين(عليه السلام)إنّه لمّا أتي برأس الحسين(عليه السلام)إلى يزيد كان يشرب الخمر فحضر مجلسه رسول ملك الروم فقال : هذا رأس مَنْ؟
قال : رأس الحسين بن علي أمّه فاطمة بنت رسول الله.
فقال النصراني : أُف لك ولدينك إنّ أبي من نسل داود والنصارى يأخذون من تراب قدمي تبرّكاً بي وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله ما بينه وبينكم إلّا أمّ واحدة، ثمّ
قال : إنّ بين عمّان والصين بحراً ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في الماء طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود والعنبر وهي في أيدي النصارى وفيها كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر فيي محرابها حقّة ذهب معلّقة فيها حافر يقولون إنّه حافر حمار عيسى يقصدها في كلّ عام عالم من النصارى يطوفون حولها ويقبّلونها وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله ؟
فقال يزيد : اقتلوا هذا النصراني لئلّا يفضحني في بلاده، فلمّا أحسَّ بالقتل قال : إني رأيت البارحة نبيّكم في المنام يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجّبت وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمّداً رسول الله، ثمّ ضمّ رأس الحسين إلى صدره وجعل يقبَّله ويبكي حتّى قُتل(1).
وروي في بعض مؤلّفات أصحابنا مرسلاً أنّ نصرانياً أتى رسولاً من ملك الروم إلى يزيد لعنه الله وقد حضر المجلس الذي أُتي فيه برأس الحسين(عليه السلام)، فبكى النصراني وصاح ثمّ قال: اعلم يا يزيد إنّي دخلت المدينة تاجراً في حياة النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)فسألت أصحابه أيّ شيء أحبّ إليه من الهدايا؟
فقالوا : الطيب، فحملت إليه من المسك والعنبر وهو يومئذ في بيت زوجته أمّ سلمة فرأيت نوراً ساطعاً فتعلّق قلبي بمحبّته فقلت: هذه هدية محقرة فقال لي : إن قبلت منّي الإسلام وأنا وزير ملك الروم ولمّا كنت في حضرة النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) رأيت هذا الذي رأسه بين يديك دخل على جدّه من باب الحجرة والنبيّ فاتح باعه ليأخذه فوضعه في حجره وجعل يقبِّل شفتيه وثناياء ويقول : لعن الله من قتلك يا حسين وأعان على قتلك وهو مع ذلك يبكي، فلمّا كان اليوم الثاني كنت مع النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)في مسجده إذ أتاه الحسين مع أخيه الحسن وقال: يا جدّاء قد تصارعت مع أخي الحسن ولم يغلب أحدنا الآخر وإنّما نريد أن تعلم أيْنا أشدّ قوّة من الآخر، فقال: يا حبيبي إنّ التصارع لا يليق بكما ولكن اذهبا فتكاتبا فمن كان خطّه أحسن كذلك تكون قوّته أكثر فكتب كل واحد منهما سطراً وأنيا جدّهما فأعطياء اللوح ليقضي بينهما فنظر ولم يرد أن
1) البحار : 45 /142
يكسر قلب أحدهما فقال : إنّي أمّي لا أعرف الخط اذهبا إلى أبيكما يحكم بينكما، فقام النبيّ معهما ودخلوا بيت فاطمة فما كان إلّا ساعة حتّى أقبل النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)وسلمان الفارسي فقلت يا سلمان بحقّ دين الإسلام إلّا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما ؟
فقال : لمّا أتيا إلى أبيهما لم يرد أن يكسر قلب أحدهما فقال: أمضيا إلى أُمّكما فعرضا عليها ما كتبا فتفكّرت وقالت : إنّي أقطع قلادتي على رأسيكما فأيّكما يلتقط من لؤلؤها أكثر كان خطّه أحسن وقوّته أكثر وكان في قلادتها سبع لؤلؤات فقطعت القلادة فالتقط الحسن ثلاث لولوات والتقط الحسين ثلاث لؤلؤات فبقيت الأُخرى فمدّا أيديهما إليها فأمر الله تعالى جبرئيل أن يقدّها بجناحه نصفين فأخذ كلّ واحد منهما نصفاً فانظر يا يزيد كيف رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)وأمير المؤمنين وفاطمة وربّ العزّة لم يريدوا كسر قلب أحدهما وأنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله ؟! أُف لك يا يزيد.
ثمّ قام النصراني إلى رأس الحسين وجعل يقبِّله ويبكي ويقول: يا حسين إشهد لي عند جدّك المصطفى وعند أبيك المرتضى وعند أُمّك فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين(1).
1) العوالم : 443 .
ثم إن يزيد أمر بنساء الحسين(عليه السلام)فحُبِسنَ مع علي بن الحسين في محبس لا يكنّهم من حرَّ ولا برد حتّى تقشّرت وجوههم ولم يرفع في بيت المقدس حجر على وجه الأرض إلّا وتحته دمٌ عبيط وأبصروا الشمس على الحيطان حمراء إلى أن خرج عليّ بن الحسين بالنسوة وردّ رأس الحسين(عليه السلام)إلى كربلا(1)ء .
1) أمالي الصدوق: 231 - 243
وروي أنّ سكينة رأت في منامها وهي في الشام كأنّ خمس نوق من نور أقبلت وعلى كلّ ناقة شيخ والملائكة محدّقة بهم ومعهم وصيف يمشي فقال لي الوصيف : يا سكينة إنّ جدّك يسلِّم عليك ، فقلت : وعلى رسول الله السلام مَنْ أنت؟
قال وصيف من وصائف الجنّة قلت: مَنْ هؤلاء المشايخ؟
قال : الأوّل آدم صفيّ الله والثاني إبراهيم خليل الله والثالث موسى كليم الله والرابع عيسى روح الله ، فقلت : مَن هذا القابض على لحيته يسقط مرّة ويقوم أُخرى؟
فقال : جدّك رسول الله قاصدون إلى أبيك الحسين(عليه السلام)فجئت أشكو إليه فرأيت خمسة هوادج من نور في كلّ هودج امرأة فقلت: من هذه النسوة؟
قال : الأُولى حوّاء أُمّ البشر والثانية آسية بنت مزاحم والثالثة مريم بنت عمران والرابعة خديجة بنت خويلد . قلت ومن هي الخامسة فقال : والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرّة وتقوم أخرى فقال : جدّتك فاطمة بنت محمّد فوقفت بين يديها أبكي وأقول : يا أمّاه استباحوا والله حريمنا وقتلوا الحسين أبانا فقالت: يا سكينة كفّي صوتك أقرحتِ كبدي وقطّعت نياط قلبي هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتّى ألقى الله به، ثمّ انتبهت (1).
1) البحار : 45/ 141
وروي أنّ يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب الرأس على باب داره فخرجت بنت عبدالله بن عامر إمرأة يزيد وكانت قبل ذلك تحت الحسين(عليه السلام)حتّى شقّت الستر وهي حاسرة فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام فقالت: يا يزيد رأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء داري فوثب إليها يزيد فغطّاها وقال : إبكي على ابن بنت رسول الله عجّل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله قتله الله(1).
1) بحار الأنوار : 143/45، والعوالم : 43 .
وخرج زين العابدين(عليه السلام)يوماً يمشي في أسواق دمشق فقيل له : كيف أمسيت یابن رسول الله ؟
قال : أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً عربي وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها وأمسينا معشر أهل بيته مغصوبون مقتولون مشرّدون فإنّا الله وإنّا إليه راجعون، ولله درّ مهيار حيث قال، شعراً :
يعظّمون له أعواد منبره*** وتحت أرجلهم أولاده وضعوا
بايّ حكم بنوه يتبعونكم ***وفخركم انّكم صحب له تبع
ودعى يزيد يوماً بعليّ بن الحسين وعمر بن الحسن وعمره إحدى عشرة سنة فقال لابن الحسن: أتصارع ابني خالداً؟
فقال له عمر : لا ، ولكن أعطني سكّيناً وأعطه سكّيناً ثمّ أقاتله، قال يزيد : شنشنة أعرفها من أخزم وهل تلد الحيّة إلّا الحيّة.
وقال لعليّ بن الحسين : أذكر حاجاتك الثلاث اللّاتي وعدتك بقضائهنّ؟
فقال : الأُولى أن تريني وجه أبي الحسين فأودّعه، والثانية أن تردّ إلينا ما أخذ منّا، والثالثة إن كنت عزمت على قتلي أن توجّه مع هؤلاء النسوة من يردهنّ إلى حرم جدّهنّ.
فقال: أمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً وأمّا قتلك فقد عفوت عنك، وأمّا النساء ما يردّهن إلى المدينة غيرك، وأمّا ما أخذ منكم فأنا أعوّضكم أضعاف قيمته.
فقال : إنّما طلبت ما أُخذ منّا لأنّ فيه مغزل فاطمة بنت محمّد ومقنعتها وقلادتها وقميصها، فأمر بردّ ذلك(1).
1) البحار للمجلسي : 144/45 .
وعمد الأخباث اللثام إلى حرق خيام الإمام غير حافلين بما تضم من بنات الرسالة وعقائل الوحي، وقد حملوا أقبسة من النار ومناديهم ينادي: «احرقوا بيوت الظالمين».
يا الله !! لقد كان بيت الإمام - حسب ما يزعمون - بيت الظلم، وبيت ابن مرجانة بيت العدل، وقد أغرق هو وأبوه الناس في الظلم والجور.
وحينما التهبت النار في الخيم فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من الخباء والنار تلاحقهن، أما اليتامى فقد علا صراخهم، فبين من تعلق بأذيال عمته الحوراء لتحميه من النار، وتصد عنه اعتداء الجناة، وبين من هام على وجهه في البيداء، وبين من يستغيث بأولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والعطف، لقد كان ذلك المنظر مما تتصدع له الجبال، ولم يغب عن ذهن الإمام زين العابدين طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه، فكان دوماً يذكره مشفوعاً بالأسى والعبرات وهو يقول:
«والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين»(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 205/3.
وهجم الفجرة الجفاة على زين العابدين وكان مريضاً قد أنهكته العلة، ومزق الأسى قلبه، فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن أن يقتله فنهره حميد بن مسلم قائلاً له :
«سبحان الله !! أتقتل الصبيان؟ إنما هو مريض».
فلم يعن به الوغد، وبادرت إليه العقيلة عمته زينب فتعلقت به، وقالت لا يقتل حتى أقتل دونه فكف اللثام عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة، واجتاز على النساء الرجس عمر بن سعد فصحن في وجهه وبكين فمنع الخبيث العسكر من التعرض لهن بسوء.
وروي عن الصادق(عليه السلام)أنّ زين العابدين(عليه السلام)بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نهاره قائماً ليله فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيقول : كُل يا مولاي فيقول : قُتل ابن رسول الله جائعاً، قتل ابن رسول الله عطشاناً فيكرّر ذلك ويبكي حتّى يبل طعامه من دموعه ثمّ يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتّى لحق بالله عزّوجلّ (1).
وروي أنّه قال له : يا سيّدي أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ؟
فقال : ويحك إنّ يعقوب كان نبيّاً ابن نبيّ كان له اثنا عشر ابناً فغيّب الله سبحانه واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغمّ وذهب بصره من البكاء وابنه حيّ في دار الدُّنيا، وأنا فقدت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي ؟(2)
وقيل : جزع الإمام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع حينما رأى جثمان أبيه، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها وبصرت به عمته زينب فبادرت إليه مسلية قائلة :
«ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وإخوتي، فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، انهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره،
ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علواً».
وأزالت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) و ما ألم بالإمام زين العابدين من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة، وسينصب لها علم لا يمحى أثره، ويبقى خالداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها ... وقد جدَّ ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وإزالة آثارها، وجهدوا نفوسهم وسخروا جميع إمكانياتهم إلا أنهم لم يفلحوا، ومضى مرقد الإمام شامخاً على الدهر، ومضت ذكراه تملأُ رحاب الأرض نوراً وفخراً وشرفاً كأسمى صورة تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 222/3.
قال القرشي : ووقفت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وابنة أمير المؤمنين(عليه السلام)العقيلة زينب(عليها السلام)على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة قائلة : «اللَّهم تقبل هذا القربان».
إن الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر في خلود تضحية الحسين.
لقد تحملت بطلة كربلاء أعباء تلك المحن الشاقة، وتجرعت غصص تلك الأهوال محتسبة الأجر عند الله، وهي تتضرع بخشوع إلى الله أن يتقبل ذلك القربان. فأي صبر يماثل هذا الصبر؟
لقد تجلت قوة الشخصية في حفيدة الرسول، وبرزت معاني الوراثة النبوية في مواقفها الخالدة التي صانت بها أهداف الإمام، وأظهرت الواقع في تضحيته، وأثارت السبيل في بيان أسرار شهادته.
وقل ما شئت في تصوير المحنة الكبرى التي دهمت عقائل النبوة في ليلة الحادي عشر من المحرم، فإنك لا تستطيع تصويرها ولا استيعاب مأساتها، فلم تبق رزية من رزايا الدنيا، ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت عليهن، فالأعداء الجفاة الذين لا يملكون أي شرف أو نبل قد استولوا عليهن والحماة الأباة من آل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) قد تناثرت أشلاؤهم الزكية أمامهن من دون أن ينبري أحد إلى مواراتهم، والخيام قد أحرقت ونهب ما فيها من ثقل ومتاع، وسلب ما عليهن من حلي وحلل ووصف ذلك المنظر الحزين الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في رائعته التي يقول فيها :
وسجى الليل والرجال ضحايا ***والنساء المخدرات ذهول
واليتامى تشرد وضياع ***والشكالي مدامع وعويل
وبقايا مخيم من رماد*** وقيود يئن منها عليل
وزنود قست عليها سیاط*** وجسوم يضري بها التمثيل
أما حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وشقيقة الحسين العقيلة زينب(عليه السلام)فإنها ما وهنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة فقد أسرعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة، وهي تسليهم وتصبرهم على تلك الرزايا ،وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم، وقد هامت في تبارات من الأسى لا يعلم بمداها إلّا الله، وقد أدت وردها من صلاة الليل ولكن استولى الضعف عليها فأدتها من جلوس(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 210/3.
وقال: ولم يعن ابن سعد بالتمثيل بجسم الإمام الذي حرمه الإسلام بعد أن صدرت له الأوامر من ابن مرجانة بذلك، وقد عمد فور استشهاد الإمام إلى إرسال رأسه مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي، فحملا الرأس الشريف هدية لابن مرجانة، كما حمل رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وقد أقبلا يجذان السير لا يلويان على شيء حتى انتهيا إلى الكوفة في الهزيع الأخير من الليل، فوجدا باب القصر مغلقاً، فأخذ خولي رأس الإمام وولى مسرعاً إلى بيته لیبشر به زوجته وطرق باب داره طرقاً عنيفاً، وهو يلهث من شدة التعب وعظيم الفرح فخرجت إليه زوجته النوار بنت مالك الحضرمي، وكانت علوية الرأي فأسرعت إليه قائلة :
«ما الخبر؟».
« جئت بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار».
وفقدت المرأة أهابها، وراحت تصبح به :
«ويلك جاء الناس بالفضة والذهب وجئت برأس ابن بنت رسول الله، والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبداً».
وأصبح زوجها من أبغض الناس إليها، وفي الصباح الباكر حمل خولي رأس الإمام إلى ابن زياد فأظهر الفرح والسرور، وقد تمت - فيما يحسب - بوارق آماله وأحلامه.
واحتف أولئك الجفاة حول القاتل الأثيم سنان بن أنس وجعلوا يمنونه الأماني ويقولون له :
«قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة ... قتلت أعظم العرب خطراً الذي أراد أن يزيل ملك هؤلاء فأتِ أمراءك فاطلب ثوابك منهم، فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله لكان قليلاً».
وتحركت مطامعه، فأقبل حتى وقف على فسطاط ابن سعد رافعاً صوته :
أوتر ركابي فضة أو ذهباً*** إني قتلت السيد المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأباً ***وخيرهم إذ ينسبون النسبا
ولما سمعه ابن سعد نهره ورماء بالسوط وقال له ويحك أنت مجنون لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك وقد حدد الباغي اللثيم أهدافه في هذا الرجز، فهو إنما ينشد الذهب والفضة في قتله لخير الناس أماً وأباً، ولم يؤثر أن هناك رجزاً قيل في المعركة أو بعدها سوى هذا الرجز، وهو يمثل أهداف الأكثرية الساحقة في ذلك الجيش السحيق، وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله :
«والعاطفة التي تشيع في هذا الرجز - مع الأسف - عاطفة الفرح والزهو، فرح القاتل بهذه الهوية الغالية التي يحملها إلى الأمير ، وزهوه بهذا العمل الضخم الذي قام به من أجل الدولة، وهو لهذا يشعر بأن أقل ما يمكن أن يكافئه الأمير به أن يوقر رکا به فضة وذهباً ، وهو - لهذا أيضاً - يضفي على قتيله خير ما يمكن أن يضفيه إنسان
على إنسان، وقد جعله هذا يشعر بشي من الدالة على الأمير يبيح أن يجعل حديثه عن هذه الجائزة حديث الأمر الذي لا يقبل رداً ولا رفضاً، وهو - من أجل هذا - يبدا رجزه لا بالحديث عن الحادثة التي تعني الأمير وإنما بالحديث عن الجائزة التي تعنيه هو، كأنما لا يعنيه من الأمر إلا ما سوف يناله من ذهب وفضة».
والتفت ابن زياد إلى الجلادين من شرطته الذين حضروا المعركة فقال لهم : «أيكم قاتله؟».
فوثب إليه رجل وهو فرح لعله أن ينال الجائزة منه فقال له :
«أنا قتلته».
«ما قال لك؟».
«لما أخذت السلاح قلت له : ابشر بالنار قال ابشر إن شاء الله تعالى برحمته وشفاعة نبيهة».
واطرق ابن مرجانة برأسه إلى الأرض وهو يشعر بالوخز وخيبة المصير وسوء المنقلب.
ولما وضع رأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بين يدي الدعي ابن الدعي أخذ يعبث بثناياه ساعة من الزمن وهو يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وبدا على وجهه آثار الحقد الدفين والتشفي الآثم، فأخذ يضرب بعوده ثنايا الإمام وشفتيه التي طالما كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يوسعهما تقبيلاً، يقول القيم بن محمد: ما رأيت منظراً قط أفظع من إلقاء رأس الحسين بين يدي ابن مرجانة وهو ينكثه وكان في مجلسه الصحابي زيد بن أرقم فلما رأى صنعه انهارت قواه وصاح به :
«اعل بهذا القضيب عن هاتين الشفتين، فوالذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبلهما».
وانفجر زيد باكياً وراح ابن زياد يهزأ من الصحابي قائلاً :
«أبكى الله عينيك، لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك».
فاندفع الصحابي قائلاً :
«ألا أحدثك حديثاً هو اغلظ من هذا، رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) اقعد حسناً على فخذه اليمني، وحسيناً على فخذه اليسرى، ووضع يديه على يافوخيهما، وقال: اللَّهم إني استودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كانت وديعة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)عندك يا بن زیاد؟».
و خرج زيد غير حافل ببطش ابن مرجانة وهو يخاطب أهل الكوفة قائلاً :
«أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ،ويستعبد شراركم، فبُعداً لمن رضي بالذل والعار» .
ولما فرغ ابن مرجانة من العبث برأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) التفت إلى كاهن كافر فقال له : قم فضع على رأسك عدوك، ففعل الكاهن ذلك لقد فعل ابن زياد بآل البيت ما لم يفعله أي كافر على وجه الأرض، فقد استهان بجميع القيم والمقدسات، واستباح كل ما حرمه الله(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 206/3.
روى الطبري بسنده، عن حميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد نسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل، فإذا برأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فوالذي لا اله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضح الشيخ يبكي فقال له ابن زياد: ابكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك قال: فنهض فخرج فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله قال : فقلت : ما قال؟
قالوا : مر بنا وهو يقول، ملك عبد عبدا فاتخذهم تلدا أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضي بالذل.
قال : فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها، فلما دخلت جلست فقال عبيد الله بن زياد :من هذه الجالسة، فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا، كل ذلك لا تكلمه، فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة.
قال : فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد(صلی الله علیه وآله وسلم)وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك.
قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده.
قال : فغضب ابن زياد واستشاط قال : فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير إنما امرأة وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها انها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل، فقال لها ابن زياد قد اشفى نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك !
قال: فبكت، ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي، واجتثلت أصلي، فإن يشفك هذا، فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله : هذه سجاعة !قد لعمري كان أبوك شاعراً سجاعاً!
قالت : ما للمرأة والسجاعة ان لي عن السجاعة(1)لشغلا ولكني نفتي ما أقول.
وروى عن حميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي ابن الحسين.
فقال له : ما اسمك قال: أنا علي بن الحسين قال : أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت فقال له ابن زياد مالك لا تتكلم؟
قال: قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي فقتلته الناس قال : إن الله قد قتله.
قال : فسكت علي فقال له : مالك لا تتكلم؟ قال: الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن الله.
قال : أنت والله منهم (ويحك انظروا هل أدرك والله أني لاحسبه رجلا(2)فقال : اقتلوه.
1) السجع: الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روى واحد وقد يطلق السجع على الكلام المسجع وسجع الخطيب سجعا نطق بكلام له فواصل فهو سجاع وسجاعة بتشديد الجيم وهذا ما أراده ابن زياد في قوله وأجابته زينب بأن لها ما يشغلها عن سجع الكلام وما ورد في النسخة( الشجاع والشجاعة) تحريف.
2) ان علي بن الحسين السجاد كان قد ولد له محمد الباقر(عليه السلام)يومذاك ، ومع هذا لا يستقيم هذا القول وهذه الجملة زيادة في الرواية لم ترد ضمن رواية الطبرسي في إعلام الورى.
فقال علي بن الحسين: من توكل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقت به زینب عمته فقالت : یا ابن زیاد حسبك منا أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا قال: فاعتنقته فقالت : أسالك بالله ان كنت مؤمنا ان قتلته لما قتلتني معه قال : وناداء علي فقال : يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهم قرابة فابعث معهن رجلاً تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام قال : فنظر إليها ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته(1)معه، دعوا الغلام انطلق نسائك.
وقال حميد بن مسلم: لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الأعظم فصعد المنبر ابن زياد فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب الحسين بن علي وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بني والبة وكان من شيعة علي كرم الله وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف قال : فلما سمع مقالة ابن زياد قال : يا بن مرجانة ان الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوها يا بن مرجانة! أتقتلون أبناء النبيين وتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد: علي به.
قال : فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال : فنادى بشعار الأزد يا مبرورا قال : وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس، فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل، قال فوثب إليه فتية من الأزد، فانتزعوه فأتوا به أهله ،فأرسل إليه من أتاه به فقتله، فأمر بصلبه في السبخة فصلب هناك(2).
قال : ومكثت القوات المسلحة في كربلاء يوم الحادي عشر من المحرم فوارت جيف قتلاها بين مظاهر الإجلال والتعظيم، وقد فتحت لها كوة من فيح جهنم يؤجج ضرامها ولا يخبو نارها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
أما جثة الإمام العظيم والجثث الزواكي من أهل بيته وأصحابه، فقد عمدوا إلى تركها على صعيد كربلاء تسفي عليها الرياح لا مغسلين ولا مكفنين.
وأمر ابن سعد حميد بن بكر الأحمري، فنادى بالناس الرحيل إلى الكوفة وسارت قوات ابن سعد بعد الزوال من كربلاء وأعلامها رؤوس العترة الطاهرة التي ثارت من أجل إحقاق الحق، وتوطيد أركان العدل، وقد حملوا معهم نساء الحسين وأخواته ونساء الأصحاب فكن عشرين امرأة ما عدا الصبية، وقد سيروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء وساقوهن كما يساق سبي الترك والديلم ،ومروا بهن على جثث القتلى من أهل البيت مبالغة في إيذائهن، وكان العرب في جاهليتهم الأولى يتجنبون مرور النساء على قتلاهن إلا أن جيش ابن سعد لم يلتزم بأي خلق، ولم تكن عنده أية عاطفة إنسانية.
ولما نظرت عقائل النبوة إلى جثث القتلى من أهل البيت رفعن أصواتهن بالبكاء، وصاحت حفيدة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)زينب(عليه السلام) بصوت يذيب القلوب :
«يا محمداه هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة».
ووجم القوم مبهوتين، وفاضت عيونهم دموعاً، وبكى العدو والصديق.
وبقيت جثة الإمام العظيم وجثث الشهداء الممجدين من أهل بيته وأصحابه ملقاة على صعيد كربلاء تصهرها الشمس، وتسفي عليها الرياح، وقد انبرى جماعة من المؤمنين الذين لم يتلوثوا في الاشتراك بحرب ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى مواراتها، وقد اختلف المؤرخون في اليوم الذي دفنت فيه، وفيما يلي ذلك :
1 - يوم الحادي عشر.
2 - يوم الثاني عشر.
3- يوم الثالث عشر.
أما الذين حظوا بمواراتها فهم قوم من بني أسد كانوا ينزلون بالقرب من مكان المعركة فخفوا إليها بعد أن نزحت جيوش ابن سعد، فرأوا الجثث الزواكي ملقاة بالعراء فأيقنوا أنها جثث أهل البيت، وجثث أصحابهم فعجوا بالبكاء والعويل، وصرخت نساؤهم، وقاموا في هدأة الليل حيث أمنوا الرقباء، فحفروا قبراً لسيد الشهداء، وقبراً آخر لبقية الشهداء، وقد حفروها على ضوء القمر حيث كان على وشك التمام، ولم يطلع القمر على مثلها شرفاً الأحقاب والآباد .
يقول الشيخ المفيد :
«ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين(عليه السلام)حيث قبره الآن ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجله، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين، وجمعوهم فدفنوهم جميعاً. ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن».
وتنص بعض المصادر الشيعية على أن بني أسد كانوا متحيرين في شأن تلك الجثث الزواكي ولم يهتدوا لمعرفتها لأن الرؤوس قد فصلت عنها، وبينما هم كذلك إذ أطل عليهم الإمام زين العابدين فأوقفهم على شهداء أهل البيت وغيرهم من الأصحاب، وبادر إلى حمل جثمان أبيه فواراه في مثواه الأخير وهو يذرف أحر الدموع قائلاً :
«طوبي لأرض تضمنت جسدك الطاهر، فإن الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة، أما الليل فمسهد، والحزن سرمد أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم، وعليك مني السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته».
ورسم على القبر الشريف هذه الكلمات :« هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً» ودفن عند رجلي الإمام ولده علي الأكبر، ودفن بقية الشهداء الممجدين من هاشميين وغيرهم في حفرة واحدة، وانطلق الإمام زين العابدين مع الأسديين إلى نهر العلقمي فواروا قمر بني هاشم العباس ابن أمير المؤمنين، وجعل الإمام يبكي أحر البكاء قائلاً :
«على الدنيا بعدك يا قمر هاشم، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته».
وأصبحت تلك القبور الطاهرة رمزاً للكرامة الإنسانية، ورمزاً لكل تضحية تقوم على العدل يقول العقاد:« فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متفقين ومختلفين ومن حقه أن يطيف به كل إنسان لأنه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي من بين سائر الأحياء.
فما أظلت قبة السماء مكاناً لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء» .
ويقول يوسف رجيب : «وليس لقبر من قبور أولياء الله الصالحين البررة غير قبر الحسين هو قبلة الدنيا وكعبة بني الأرض لأن الله شرفه بجهاد أعدائه الذين اعتزموا طمس الدين الحنيف ،وانتهاك الشريعة ،واتخاذ الخلافة أمرة زمنية استباحوا بها كل محرم يتلذذون بما حرم الله وحرمته كتبه».
لقد ضمت تلك البقعة المباركة خلاصة الإباء والشرف والدين، وقد أصبحت أقدس مراكز العبادة وأفضلها في الإسلام، ففي كل وقت يطيف بها المسلمون متبركين ومتقربين إلى الله، كما أصبحت مطافاً لملائكة الله المقربين، فقد روى الفضل بن يسار عن أبي عبد الله أنه سئل عن أفضل قبور الشهداء فقال (عليه السلام):
«أوليس أفضل الشهداء الحسين بن علي؟ فوالذي نفسي بيده إن حول قبره أربعين ألف ملك شعثاً خُبراً يبكون عليه إلى يوم القيامة».
ويقول الإمام الرضا(عليه السلام): «إن حول قبر الحسين سبعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكون عليه إلى يوم القيامة».
وقد حظي مرقده العظيم باستجابة الدعاء عنده فما قصده مكروب أو ملهوف إلا فرج الله عنه مما ألم به، يقول الجواهري :
تعاليت من مفزع للحتوف*** ويورك قبرك من مفزع
تلوذ الدهور فمن سجد*** على جانبيه ومن ركع
ويقول المؤرخون : إن الإمام الهادي(عليه السلام)ألم به مرض فأمر أبا هاشم الجعفري أن يبعث له رجلاً إلى الحائر الحسيني ليدعو له بالشفاء، وقد سئل (عليه السلام)عن ذلك فقال: إن الله أحب أن يدعى في هذا المكان.
لقد احتل أبو الشهداء المكانة العظمى عند الله تعالى كما احتل قلوب المسلمين وحظي بأصدق محبتهم فهم يشدون الرحال إلى مثواه من كل فج عميق وفاءٌ بحقه واعترافاً بفضله والتماساً لعظيم الأجر الذي كتبه الله لزائريه، ويقول (نيكلسون): وخلال بضع سنوات عن مصرع الحسين أصبح ضريحه في كربلاء محجاً تشد إليه الرحال(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 222/3.
واستقبلت الكوفة سبايا آل البيت(عليهم السلام)بمزيد من الفزع والاضطراب وخيم عليها الذل والهوان، فقد كمت الأفواه، وأخرست الألسن، ولم يستطع أحد أن يظهر ما في دخائل نفسه من الأسى الشديد خوفاً من السلطة العاتية التي استهانت بأرواح الناس وكراماتهم.
وعزفت أبواق الجيش وخفقت راياتهم، وقد رفعوا على الحراب رؤوس العترة الطاهرة، ومعهم الأسرى من عقائل النبوة وحرائر الوحي وقد ربطوا بالحبال، وقد وصف ذلك المنظر الرهيب مسلم الجصاص يقول : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة فأقبلت على أحد خدام القصر فقلت له :
«ما لي أرى الكوفة تضح».
«الساعة يأتون برأس خارجي خرج على يزيد».
«من هذا الخارجي؟».
«الحسين بن علي».
«يقول : فتركت الخادم حتى خرج وأخذت العلم على وجهي حتى خشيت على عيني أن تذهبا ،وغسلت يدىَّ من الجص، وخرجت من القصر حتى أتيت إلى الكناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ أقبل أربعون جملاً تحمل النساء والأطفال، وإذا بعلي بن الحسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دماً، وهو يبكي ويقول :
يا أمة السوء لا سقياً لربعكم*** يا أمة لم تراع جدنا فينا
لو أننا ورسول الله يجمعنا *** يوم القيامة ما كنتم تقولونا
تسيرونا على الأقتاب عارية*** كأننا لم نشید فیکم دینا
ويقول جذلم بن بشير: قدمت الكوفة سنة (61 هـ) عند مجي علي بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ومعه النسوة وقد أحاطت بهم الجنود وقد خرج الناس للنظر إليهم وكانوا على جمال بغير وطاء فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن، ورأيت علي بن الحسين قد أنهكته العلة، وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه، وهو يقول بصوت ضعيف: إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا؟ وانبرت إحدى سيدات الكوفة فسألت إحدى السبايا وقالت لها:
«من أي الأسارى انتن؟».
«نحن أسارى أهل البيت »
ولما سمعت بذلك المرأة صرخت، وصرخت النسوة التي معها، ودوى صراخهن في أرجاء الكوفة، وبادرت المرأة فجمعت ما في بيتها من أزر ومقانع فجعلت تناولها إلى العلويات ليتسترن بها عن أعين الناس كما بادرت سيدة أخرى فجاءت بطعام وتمر وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع.
ونادت السيدة أم كلثوم من خلف الركب :
«إن الصدقة حرام علينا أهل البيت».
ولما سمعت الصبية مقالة العقيلة رمى كل واحد منهم ما في يده أو فمه من الطعام وراح يقول لصاحبه: إن عمتي تقول :
«إن الصدقة حرام علينا أهل البيت».
وحينما رأت السيدة زينب(عليها السلام)حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وشقيقة الإمام الحشود الزاخرة التي ملأت شوارع الكوفة وأزقتها، اندفعت إلى الخطابة لبلورة الموقف، وإظهار المصيبة الكبرى التي جرت على أهل البيت وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة النكراء، فهم الذين نقضوا العهد، وخاسوا بالذمة، فقتلوا ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ثم عادوا بعد قتله ينوحون ويبكون كأنهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم، وهذا نص خطابها :
«الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وعلى آله الطاهرين الأخيار، أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل اتبكون؟!! فلا رقات لكم دمعة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم إلا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون وتنتحبون!! أي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حضرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ،ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم، وسحقاً، فلقد خاب السعي، ونبت الأيدي وخسرت الصفقة وتوليتم بغضب الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.
أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة؟ أي كبد لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فريتم وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً اداً تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً !!
لقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ومل السماء، أفعجبتم ان مطرت
السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار وان ربكم لبالمرصاد ...».
لقد قرعتهم بطلة كربلاء، بمنطق الصدق وصوت الحق، ودلتهم على نفوسهم الخبيثة، فلم تنخدع بدموعهم الكاذبة، ولم ينطل عليها زورهم وبهتانهم، ونعت عليهم جريمتهم النكراء التي هي أبشع جريمة وقعت في الأرض .. وقد وصفتهم بأخس الصفات التي توصف بها أحط الشعوب، فقد وصفتهم بالختل والغدر، وهما مصدران لانحطاط الإنسان وشقائه.
وعلقت سلام الله عليها على بكائهم فقالت :إن من حقهم أن يبكوا كثيراً ويضحكوا قليلاً على عظيم ما اقترفوه من الإثم فقد قتلوا سيد شباب أهل الجنة وسليل خاتم النبوة، والمنقذ والمحرر لهم وفروا كبد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وانتهكوا حرمته، وسبوا عياله، فأي جريمة أبشع أو أفظع من هذه الجريمة؟
واضطرب الناس من خطاب سليلة النبوة وأيقنوا بالهلاك، وقد وصف خزيمة الأسدي مدى الأثر البالغ الذي أحدثه خطاب العقيلة يقول : لم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى واضعي أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول : بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم لايبور ولا يخزى أبداً إلا أن الإمام زين العابدين قطع على عمته خطابها قائلاً :
« اسكتي يا عمة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة ..».
فامسكت عن الكلام، وتركت المجتمع يمور بالأسى والحزن(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 227/3.
و انبرت إلى الخطابة فاطمة بنت الإمام الحسين(عليه السلام)فخطبت أبلغ خطاب وأروعه، وكانت طفلة، فبهر الناس ببلاغتها وفصاحتها وقد أخذت بمجامع القلوب وتركت الناس حيارى قد بلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق فقالت :
«الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله ... وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات، من غير ذحل ولا تراث.
اللَّهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود والوصية لعلىّ بن أبي طالب، المغلوب حقه ،المقتول من غير ذنب - كما قتل ولده بالأمس - في بيت من بيوت الله تعالى، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، نعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته، ولا عند مماته، حتى قبضه الله تعالى إليه محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه في الله سبحانه لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته اللَّهم للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك، ولرسولك، زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم.
أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فأنا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن غيبة علمه، ووعاء فهمه، وحكمته وحجته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) على كثير ممن خلق الله تفضيلاً ... فكذبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً ،كأننا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم
جدنا بالأمس... وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت، لحقد متقدم، قرت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراء على الله، ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ،ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور .
تباً لكم فانظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات، فيسحتكم بعذاب، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين .
ويلكم أتدرون أية يد طاعتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رجل مشيتم إلينا، تبغون محاربتنا، قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم وطبع الله على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
تباً لكم يا أهل الكوفة أي تراث لرسول الله قبلكم، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علىّ بن أبي طالب جدي وبنيه ،وعترته الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخركم :
قدقتلنا عليكم وبنيه*** بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك*** ونطحناهم فأي نطاح
بفيك أيها القائل الكثث والأثلب افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما واقطع أبوك فإنما لكل امرى ما اكتسب وما قدمت یداه.
حسدتمونا ويلاً لكم على ما فضلنا الله تعالى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ..». وتحدثت سليلة النبوة والإمامة في خطابها العظيم عن أمور بالغة الأهمية وهي:
1 - انها عرضت لمحنة جدها الإمام أمير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الأرض، وما عاناه من المحن والمصاعب حتى استشهد في بيت من بيوت الله، ولم يدفع عنه المجتمع الكوفي ولم يقف إلى جانبه وإنما تركوه وحده يصارع الأهوال حتى قبضه الله إليه وهو جم المناقب، محمود النقيبة طيب العريكة، قد اصطفاء الله، وخصه بالفضائل والمواهب
2- وتحدثت عن محنة أهل البيت، بذلك المجتمع، فإنهم سلام الله عليهم بحكم قيادتهم الروحية للأمة، فإنهم مسؤولون عن حمايتها، ولكن الأمة قد جانبت الحق، فسفكت دماءهم وانتهكت حرمتهم فما أجل رزيتهم وأعظم بلاءهم.
3 - شجبت الاعتداء الصارخ على أهل البيت، ووصفت المعتدين القساة بأبشع الصفات، ودعت الله أن ينزل عليهم نقمته وعذابه الأليم.
وأثر الخطاب تأثيراً بالغاً في نفوس المجتمع فقد وجلت منه القلوب وفاضت العيون، واندفع الناس ببكاء قائلين :
«حسبك يا ابنة الطاهرين فقد أحرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا».
وأمسكت عن الكلام وتركت الجماهير في محنتها وشفائها تصعد الآهات وتبدي الحسرات وتندب حظها التعيس على عظيم ما اقترفت من الإثم(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 230/3.
وانبرت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) السيدة أم كلثوم إلى الخطابة فأومأت إلى الناس بالسكوت فلما سكنت الأنفاس بدأت بحمد الله والثناء عليه ثم قالت :
«مه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب.
يا أهل الكوفة سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله، وسبيتم نساء، ونكبتموه فتباً لكم وسحقاً ،ويلكم أتدرون أي دواء دهتكم، وأي وزر على ظهوركم حملتم!! وأي دماء سفكتم، وأي كريمة أصبتموها، وأي صبية أسلمتموها، وأي أموال انتهبتموها، قتلتم خير الرجالات بعد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ونزعت الرحمة من قلوبكم ألا إن حزب الله هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون».
واضطرب المجتمع من خطابها فنشرت النساء شعورهن ولطمن الخدود ولم ير أكثر باك ولا باكية مثل ذلك اليوم.
وانبرى إلى الخطابة الإمام زين العابدين فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
«أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبي طالب، أنا ابن من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله ،وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث، أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً.
أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه، فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسواة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله ؟ إذ يقول لكم : قتلتم عنرتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي».
وعلت الأصوات بالبكاء، ونادى مناد منهم :
«هلكتم وما تعلمون».
واستمر الإمام في خطابه فقال :
«رحم الله امرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أسوة حسنة».
فهتفوا جميعاً قائلين بلسان واحد:
«نحن يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك ، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا».
ورد الإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً :
«هيهات، هيهات، أيتها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ،أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل، كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته، ولم ينس شكل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وثكل أبي وبني أبي، إن وجده والله لبين لهاني ومرراته بين حناجري وحلقي وغصة تجري في فراش صدري».
وأمسك الإمام عن الكلام معرضاً عن أولئك الغدرة الفجرة الذين سودوا وجه التاريخ بتناقضهم في سلوكهم فقد قتلوا الإمام ثم راحوا يبكون عليه.
وأدخلت بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ووهن في أسر الذل على ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة وهو في قصر الإمارة وقد امتلا القصر بالسفكة المجرمين من جنوده و هم يهنئونه بالظفر ويحدثونه ببطولاتهم المفتعلة في يوم الطف وهو جذلان مسرور يهز أعطافه فرحاً، وبين يديه رأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فجعل الخبيث يعبث به وينكته بمخصرته وهو يقول متشمتاً :
«ما رأيت مثل هذا الوجه قط !!.».
ولم ينه كلامه حتى سدد له الصحابي أنس بن مالك سهماً من منطقه فقال له :
«إنه كان يشبه النبي».
والتاع الخبيث من كلامه وكان في المجلس رجل من بكر بن وائل يقال له جابر فانتفض وهو يقول :
«الله علي أن لا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك إلا خرجت معهم »(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 235/3.
وأدار الطاغية بصره في بقية آل البيت(عليهم السلام)فرأى الإمام زين العابدين وقد أنهكته العلة فسأله :
«من أنت؟».
«علي بن الحسين».
«أو لم يقتل الله علي بن الحسين؟»
فأجابه الإمام بأناة :
«كان لي أخ يسمى علياً ،قتلتموه وان له منكم مطالباً يوم القيامة».
فشار ابن زياد في وقاحة وصلف وصاح بالإمام:
«الله قتله».
فأجابه الإمام بكل شجاعة وثبات :
«الله يتوفى الأنفس حين موتها، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله».
ودارت الأرض بابن زياد، وأخذته عزة الإثم فقد غاظه أن يتكلم هذا الغلام الأسير بهذه الطلاقة وقوة الحجة، والاستشهاد بالقرآن، فصاح به :
«وبك جرأة على رد جوابي !! وفيك بقية للرد علي !!»
وصاح الرجس الخبيث بأحد جلاديه :
«اخذ هذا الغلام واضرب عنقه».
و طاشت أحلام السيدة زينب وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان فأخذت الإمام فاعتنقته وقالت لابن مرجانة :
«حسبك يا بن زياد من دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً غير هذا، فإن أردت قتله فاقتلني معه».
وانخذل الطاغية، وقال متعجباً :
«دعوه لها ، يا للرحم ودَّت أنها تقتل معه».
ولولا موقف العقيلة لذهبت البقية من نسل الإمام الحسين(عليه السلام) التي هي مصدر الخير والفضيلة في الأرض، وروى الجاحظ أن ابن مرجانة قال لأصحابه في علي بن الحسين :
«دعوني أقتله فإنه بقية هذا النسل - يعني نسل الحسين - فاحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، واقطع به هذه المادة».
إلا إنهم أشاروا عليه بعدم التعرض له، معتقدين أن ما ألم به من الأمراض سوف تقضي عليه وقد أنجاه الله منهم بأعجوبة(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 235/3.
وأمر ابن مرجانة أن يطاف برأس الإمام في جميع شوارع الكوفة وأزقتها وكان المنادي ينادي. وقد أراد بذلك إعلان النصر وإذلال شيعة الإمام، ولم يدر في خلده انه قد أوسع المجال بذلك لنشر دعوة الإمام وإتمام رسالته، فقد كان رأس الإمام يوحي للمسلمين كيف يجب أن تعلو كلمة الحق وكيف تصان رسالة الإسلام.
وعلى أي حال فقد طيف برأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أمام أولئك الذين يدعون الإسلام ولم يهبوا للأخذ بثأره، يقول دعبل الخزاعي :
رأس ابن بنت حمد ووصيه*** يا للرجال على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع لا*** جازع من ذا ولا متخشع
لقد تخدر المسلمون بشكل رهيب ففقدوا ذاتياتهم، وأصبحوا أعصاباً رخوة خالية من الشعور والإحساس.
وأمر الطاغية ابن مرجانة بحبس عقائل الوحي ومخدرات الرسالة، ولما جي بهن إلى السجن كانت الشوارع مكتظة بالرجال والنساء، وهن يضربن الوجوه ويبكين أمرْ البكاء - حسبما يقول الإمام زين العابدين - وأدخلت بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى السجن وقد ضيق عليهن أشد ،التضييق وقد رفضت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) أن تقابلها أي امرأة حرة وقالت :
«لا تدخل علينا إلا أم ولد أو مملوكة فإنهن سبين وقد سبينا».
وألقي على بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه أن البريد، قد سار بأمركم إلى يزيد فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك وان لم تسمعوا بالتكبير فهو الأمان، وحددوا لمجي الكتاب وقتاً، وذعرت النساء كأشد ما يكون الذعر، وقبل قدوم البريد بيومين ألقي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه «أوصوا واعهدوا فقد قارب وصول البريد» وبعد انتهاء المدة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق وتنص بعض المصادر أن يزيد كان عازماً على استئصال جميع نسل الإمام أمير المؤمنين إلا انه بعد ذلك عدل عن نيته وعفا عنهم.
واختطف بعض الكوفيين الإمام زين العابدين وأخفاء في داره، وجعل يكرمه ويحسن إليه، وكان كلما دخل عليه يجهش بالبكاء فظن الإمام به خيراً إلا أنه لم تمض إلا فترة يسيرة من الزمن حتى نادى منادي ابن زياد من وجد علي بن الحسين وأتى به فله ثلاث مائة درهم فلما سمعه الكوفي أسرع إلى الإمام فجعل في عنقه حبلاً وربط يديه بالحبل وسلمه إليهم وأخذ الدراهم. وهذه البادرة الغريبة تعطينا صورة عن مدى تهالك ذلك المجتمع على المادة وتفانيه في الحصول عليها بأي طريق كان.
وندم أهل الكوفة كأشد ما يكون الندم ألماً وحزناً على ما اقترفوه من عظيم الإثم، فهم الذين ألحوا على الإمام بوفودهم ورسائلهم بالقدوم إليهم فلما وافاهم خذلوه وقتلوه، وممن أظهر الندم منهم :
وندم على تركه لنصرة الإمام البراء بن عازب، فقد قال له الإمام أمير المؤمنين :
« أيقتل الحسين وأنت حي فلا تنصره؟ »
«لا كان ذلك يا أمير المؤمنين».
ولما قتل الإمام كان البراء يذكر قول الإمام له وهو يتحسر ويقول: أعظم بها حسرة إذ لم أشهده ولم أقتل دونه.
وكان المسيب بن نجبة من أشد الناس حسرة على عدم شهادته بين يدي ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد أعلن ندمه في خطابه الذي ألقاه على جموع التوابين فقد جاء فيه :
«فقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا الله كاذبين في كل موطن من مواطن ابن بنت نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله، وأعذر إلينا ،فسألنا نصره عوداً وبدءاً وعلانية، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا ،لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عذرنا عند ربنا ، وعند لقاء نبينا ، وقد قتل فينا ولد حبيبه ونسله ،لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والمؤلبين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك ولا أنا بعد لقائه العقوبته بأمن».
وقد صورت هذه الكلمات مدى الأسى والحزن في نفس المسيب على ما فاته من شرف التضحية مع الإمام.
وممن حزن أعمق الحزن على تركه لنصرة الإمام سليمان بن صرد فقد أخذ الألم يحز في نفسه وقد خطب في أصحابه من التوابين وقال في جملة خطابه :
«إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل بيت نبينا محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)نمنيهم النصر ونحثهم على القدوم لما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطى اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل ودريئة للرماح حتى اقصدوه وعدوا عليه فسلبوه».
ومن أشد النادمين حسرة وأعظمهم أسى عبد الله بن الحر الجعفي الذي قصده الإمام وطلب منه النصرة فبخل بنفسه، وقد أخذته خلجات حادة من تأنيب الضمير على تركه لنصرته، وقد نظم أساه وحزنه بهذه الأبيات:
فيالك حسرة ما دمت حياً ***تردد بین صدري والتراقي
غداة يقول لي بالقصر قولاً*** اتتركنا وتزمع بالفراق
حسين حين يطلب بذل نصري*** على أهل العداوة والشقاق
فلو فلق التلهف قلب حر*** لهمَّ اليوم قلبي بانفلاق
ولو واسيته يوماً بنفسي*** لنلت كرامة يوم التلاق
مع ابن محمد تفديه نفسي*** فودع ثم أسرع بانطلاق
لقد فاز الأُلى نصروا حسيناً ***وخاب الآخرون ذوو النفاق
وقد صور ابن الحر في شعره ما تفيض به نفسه من الألم العميق فهو ما دام حياً
تحز في نفسه الحسرات على ما فاته من شرف الشهادة بين يدي ابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وانه لو نصره لفاز بالجنان، كما عرض لغبطته لأصحاب الحسين الذين فدوه بنفوسهم فقد ظفروا بالأجر الجزيل والمقام العظيم عند الله.
هولاء بعض النادمين على تركهم لنصرة الإمام(عليه السلام)وعدم فوزهم بالشهادة بين يديه وحينما أتيحت الفرصة ثاروا مع التوابين في الكوفة(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 248/3.
وكره سكنى الكوفة بعض الأخيار من المتحرجين في دينهم بعدما عمد أهلها إلى قتل ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وكان من بينهم عبد الرحمن القضاعي، فقد هجر الكوفة وسكن البصرة وقال : لا أسكن بلداً قتل فيه ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).
لقد أثارت مذبحة كربلاء موجة عالية من الهلع والجزع في جميع أوساط الكوفة، واستبان لأهلها عظم الجريمة التي اقترفوها، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن دخول سبايا أهل البيت إلى الكوفة وما رافق ذلك من الأحداث.
وعانت عقائل الوحي ومخدرات الرسالة جميع ضروب المحن والبلاء في تلك الأيام السود التي مرّت عليهن في الكوفة، فقد عانين مرارة الاعتقال في السجن وشماتة الأعداء وذل الأسر في بلد كانت موطناً لشيعتهم ومركزاً لدعوتهم، وكن في حالة مشجية تذوب من هولها النفوس ... ونعرض إلى سير الأحداث الأليمة التي جرت عليهن حينما أرسلن إلى دمشق(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 250/3.
قال القرشي : وأمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس العترة الطاهرة إلى دمشق لتعرض على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة لتمتلى قلوب الناس فزعاً وخوفاً من بني أمية وليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج عليهم، وقد سيرت مع زجر بن قيس الجعفي وأبي بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن ظبيان الأزدي.
وسرحت عائلة آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش وشمر بن ذي الجوشن، وقد أوثقت بالحبال، وأركبت على أقتاب الجمال وهن بحالة تقشعر منها الأبدان، يقول عبد الباسط الفاخوري:
«ثم إن عبيد الله جهز الرأس الشريف وعلي بن الحسين ومن معه من حرمه بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان وترتعد منها مفاصل الإنسان بل فرائص الحيوان».
وخرجت الكوفة بجميع طبقاتها لتوديع ركب أهل البيت وهم ما بين باك ونائح وقد غصت طرق الكوفة بالناس وهم يبكون عامة الليل، فلم تتمكن القافلة أن تسير من كثرة الزحام فاستغرب الإمام زين العابدين (عليه السلام)منهم وراح يقول : هولاء قتلونا ويبكون علينا !!».
وهجت نساء همدان بالبكاء والنياحة وعلا منهن الصراخ والعويل وأمر شمر بن ذي الجوشن أن يغل الإمام زين العابدين بغل في عنقه فغل وانطلقوا بالأسرى حتى التحقوا بالقافلة التي معها الرؤوس، ولم يتكلم الإمام زين العابدين مع الجفاة بكلمة واحدة، ولا طلب منهم أي شيء طيلة الطريق وسارت القافلة لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى القرب من دمشق فأقيمت هناك حتى تتزين البلد بمظهر الزهو والأفراح.
قال السيد القرشي : وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والمحلات العامة والخاصة بإظهار الزينة والفرح للنصر الذي أحرزته في قتل ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسبي ذريته ويصف بعض المؤرخين تلك الزينة بقوله :
«ولما بلغوا - أي أسارى أهل البيت - ما دون دمشق بأربعة فراسخ ،استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحاً وسروراً حتى بلغوا بهم قريب للبلد فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام وحبسوهم هناك حتى تتوفر زينة الشام، وتزويقها بالحلي والحلل والحرير والديباج والفضة والذهب ،وأنواع الجواهر على صفة لم ير الراؤون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده، ثم خرجت الرجال والنساء والأصاغر والأكابر والوزراء والأمراء واليهود والمجوس والنصارى، وسائر الملل إلى التفرج ومعهم الطبول والدفوف والبوقات والمزامير ،وسائر الآلات الله و والطرب، وقد كحلوا العيون وخضبوا الأيدي، ولبسوا أفخر الملابس وتزينوا أحسن الزينة ولم ير الراؤون أشد احتفالاً ولا أكثر اجتماعاً منه، حتى كأن الناس كلهم قد حُشروا جميعاً في صعيد دمشق».
لقد أظهر ذلك المجتمع الذي تربى على بغض أهل البيت جميع ألوان السرور والفرح بما أصابهم من القتل والسبي وجي بالرأس العظيم وسط هالة من التهليل والتكبير على هذا النصر الذي أحرزه حفيد أبي سفيان وكان خالد بن صفوان أو غفران في دمشق حينما أتي برأس الإمام فأظهر الجزع والبكاء واختفى عن الناس لثلا تقبض عليه عيون بني أمية، وهو يقول:
جاءوا برأسك يا بن بنت محمد*** متزملاً بدمائه تزميلا
وكأنما بك يابن بنت محمد*** قتلوا جهاراً عامدين رسولا
قتلوك عطشاناً ولم يترقبوا ***في قتلك التأويل والتنزيلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما*** قتلوا بك التكبير والتهليلا
ويقول سهل بن سعد : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقت عليها الحجب والديباج والناس فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول فقلت في نفسي: إن لأهل الشام عيداً لا نعرفه فرأيت قوماً يتحدثون فقلت لهم:
«ألكم بالشام عيد لا نعرفه؟».
«نراك يا شيخ غريباً».
«أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول الله».
«يا سهل ما أعجبك أن السماء لا تمطر دماً والأرض لا تنخسف بأهلها !!».
«وما ذاك؟».
«هذا رأس الحسين يهدى من أرض العراق!!.».
«واعجباً يهدى رأس الحسين والناس يفرحون من أي باب يدخل»،.
وأشاروا إلى باب الساعات، فأسرع سهل إليها، وبينما هو واقف وإذا بالرايات يتبع بعضها بعضاً، وإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وهو رأس ريحانته الحسين، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطاء، وبادر سهل إلى إحدى النسوة فسألها :
-من أنت؟
-أنا سكينة بنت الحسين
-ألك حاجة؟ فأنا سهل صاحب جدك رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) .
وأسرع سهل إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمائة درهم فباعد الرأس عن النساء.
وفي مقتل الخوارزمي عن سهل بن سعد قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعل لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن، فرأيت قوما يتحدثون.
فقلت: يا هؤلاء الكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟! قالوا : يا شيخ نراك غريبا !
فقلت : أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وحملت حديثه.
فقالوا : يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دما! والأرض لا تخسف بأهلها!
قلت : ولم ذاك؟ فقالوا هذا رأس الحسين عترة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يهدى من أرض العراق إلى الشام وسيأتي الان.
قلت : واعجبا ايهدى رأس الحسين والناس يفرحون ؟! فمن أي باب يدخل؟
فأشاروا إلى باب يقال له : باب الساعات، فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضا، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان، وعليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله ، وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء(1).
1) مقتل الخوارزمي 2/ 60 - 61 .
روى الطبري بسنده وقال : لما قتل الحسين وجئ بالاثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله فبينا القوم محتبسون، إذ وقع حجر في السجن معه کتاب مربوط وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية وهو سائر كذا وكذا يوما، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وان لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان إن شاء الله ، قال : فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي في السجن، ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب أوصوا وأعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا، فجاء البريد ولم يسمع التكبير ،وجاء كتاب بأن سرح الأسارى إلي(1).
1) معالم المدرستين للعسكري : 154/3 .
روى الطبري أيضاً وقال : إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزن وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، ثم سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي عائدة قريش، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحدا منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا.
وفي فتوح ابن أعثم، قال : دعا ابن زیاد زحر بن قيس الجعفي، فسلم إليه رأس الحسين بن علي(رضی الله عنه)، ورؤوس اخوته ورأس علي بن الحسين ورؤوس أهل بيته وشيعته،(رضی الله عنه)أجمعين.
ودعا علي بن الحسين (أيضاًـ) فحمله وحمل أخواته وعماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية، قال: فسار القوم بحرم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد ،ومن منزل إلى منزل، كما تساق أسارى الترك والديلم(1).
1) فتوح ابن أعثم 236/5 وقريب منه نص الطبري ط اروبا 2/ 374 - 375.
استقبال خليفة المسلمين رؤوس آل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)
في تذكرة سبط ابن الجوزي، روى عن الزهري ،قال: لما جاءت الرؤوس كان يزيد في منظرة على ربا جيرون فأنشد لنفسه:
لما بدت تلك الحمول وأشرقت*** تلك الشموس على ربا جيرون
نعب الغراب فقلت صح أولاً تصح*** فلقد قضيت من الغريم ديوني (1)
1) تذكرة الخواص 148/2 وجيرون كان خارج دمشق راجع مادة جيرون من معجم البلدان.
في مثير الأحزان واللهوف، أنهم لما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر وقالت له : - لي إليك حاجة.
فقال : ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة، وتقدم إليهم ان يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في مثل هذه الحال.
فأمر في جواب سؤالها ان يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل وسلك بهم بين النظارة حتى أتى بهم باب دمشق(1).
1) مثير الأحزان ص 77، اللهوف ص 67.
قال سهل: فدنوت من إحداهن فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت : سكينة بنت الحسين.
فقلت لها : ألك حاجة إلي ؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمع حديثه.
قالت: يا سهل قل لصاحب الرأس : أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا فنحن حرم رسول الله .
قال: فدنوت من صاحب الرأس وقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار؟!
قال : وما هي؟
قلت : تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك ودفعت له ما وعدته(1).
1) مقتل الخوارزمي 2/ 60 - 61 .
قال السيد القرشي: وانبرى شيخ قد ضللته الدعايات الكاذبة فأخذ يشق الصفوف الحاشدة حتى انتهى إلى الإمام زين العابدين فرفع عقيرته قائلاً :
«الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم».
وبصر به الإمام فرآه مخدوعاً قد خفى عليه الحق فقال له :
يا شيخ قرأت القرآن؟
بلی.
أقرأت قوله تعالى : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وقوله تعالى : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وقوله تعالى :وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(1)وتهافت الشيخ فقال بصوت خافت: «نعم قرأت ذلك».
قال له الإمام: نحن والله القربى في هذه الآيات، يا شيخ أقرأت قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
«بلی ».
«نحن أهل البيت الذين خصهم الله بالتطهير».
وسرت الرعدة في أوصال الشيخ وجمد دمه، وقال للإمام بنبرات مرتعشة :
«بالله عليكم أنتم هم؟».
«وحق جدنا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)إنا لنحن هم من غير شك».
1) الأنفال: 41.
وود الشيخ أن الأرض قد ،وارته ولم يقل تلك الكلمات القاسية وألقى بنفسه على الإمام وهو يوسع يديه تقبيلاً، ودموعه تجري على سحنات وجهه
قائلاً :
«ابرا إلى الله ممن قتلكم».
وطلب الشيخ من الإمام أن يمنحه العفو والرضا فعفا عنه وكانت الأكثرية الساحقة من أهل الشام على غرار هذا الشيخ قد ضللتهم الدعاية الأموية، وحجبتهم عن معرفة أهل البيت عليهم السلام(1).
وروى ابن أعثم وغيره(2)
كان باب توما في الشمال الشرقي من مدينة دمشق، راجع الخريطة الملحقة بالمجلدة الثانية من تأريخ دمشق.
واللفظ لابن أعثم ،قال: وأتي بحرم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)حتى أدخلوا مدينة دمشق من باب يقال له : باب توما، ثم أتي بهم حتى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي وإذا شيخ قد اقبل حتى دنا منهم وقال: الحمد الله الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوتكم وأمكن أمير المؤمنين منكم!فقال له علي بن الحسين : يا شيخ هل قرأت القرآن؟ فقال : نعم قد قرأته ، قال : فعرفت هذا الآيةقُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (3).
قال الشيخ : قد قرأت ذلك، قال علي بن الحسين : فنحن القربي يا شيخ قال: فهل قرأت في سورة بني إسرائيلوَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(4)
قال الشيخ : قد قرأت ذلك، فقال علي(رضی الله عنه): نحن القربي يا شيخ، ولكن هل
قرأت هذه الآية وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(1).
قال الشيخ : قد قرأت ذلك، قال علي(2): فنحن ذو القربي يا شيخ ولكن هل قرأت هذه الآية إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(3).
قال الشيخ : قد قرأت ذلك.
قال علي(عليه السلام): فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية التطهير.
قال : فبقي الشيخ ساعة ساكتا نادما على ما تكلمه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني تائب إليك مما تكلمته ومن بغض هؤلاء القوم، اللهم إني أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس.
وغمرت الأفراح والمسرات يزيد حينما وافاه النبأ بمقتل الإمام وكان في بستانه الخضراء فكبر تكبيرة عظيمة ولما جي بالسبايا كان مطلاً على منظر في جيرون، فلما نظر إلى السبايا والرؤوس قد وضعت على الحراب امتلا سروراً وراح يقول :
لما بدت تلك الحمول وأشرفت*** تلك الرؤوس على شفا جيرون
نعب الغراب فقلت : قل أو لا تقل*** فلقد قضيت من الرسول ديوني
لقد روى حفيد أبي سفيان أحقاده واستوفى ثأره من ابن فاتح مكة ومحطم أوثان قريش فقد قتل العترة الطاهرة وسبى ذراريها تشفياً وانتقاماً من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
وحمل محفر بن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن رأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية، ولما انتهيا إلى البلاط الأموي رفع محفر عقيرته ليسمعه يزيد قائلاً :
«جتنا برأس أحمق الناس والأمهم».
فأنكر عليه يزيد ورد عليه :
«ما ولدت أم محفر الأم وأحمق، ولكنه قاطع ظلوم» .
وأذن يزيد للناس اذناً عاماً ليظهر لهم أنه قهر آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وازدحم أهل الشام على القصر وهم يعلنون فرحتهم الكبرى، ويهنونه بهذا النصر الكاذب ووضع رأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بين يدي سليل الخيانة والإجرام فجعل ينكت بمخصرته ثغره الذي طالما كان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يترشفه، وجعل يقول متشفياً وشامتاً :
«قد لقيت بغيك يا حسين ».
ثم التفت إلى من كان معه فقال لهم: «ما كنت أظن أبا عبد الله قد بلغ هذا السن، وإذا لحيته وراسه قد نصلا من الخضاب الأسود» وتأمل في وجه الإمام فغمرته هيبته فطفق يقول :
«ما رأيت مثل هذا الوجه حسناً قط !!».
وراح يوسع ثغر الإمام بالضرب وهو يقول: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام :
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت*** قواضب في ايماننا تقطر الدما
يفلقن هاماً من رجال أعزة*** علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ولم يتم كلامه حتى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي فقال له :
«اتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لقد رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يرشفه، أما إنك يا يزيد تجي يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجي هذا ومحمد(صلی الله علیه وآله وسلم)شفيعه».
ثم قام منصرفاً واندفع يحيى بن الحكم متأثراً وهو يقول:
الهام بجنب الطف أدنى قرابة *** من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
أمية أمسى نسلها عدد الحصى*** وبنت رسول الله ليس لها نسل
فالتاع الطاغية منه ودفع في صدره ،وقال له : اسكت لا أم لك لقد تأثر كل من يملك ضميراً حياً من المصائب الأليمة التي صبها الطاغية على آل البيت(1).
وفي فتوح ابن أعثم وغيره واللفظ لابن أعثم، قال: وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية في طست من ذهب فدعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين، وهو يقول : لقد كان أبو عبد الله حسن الثغر(2).
قال الطبري وغيره واللفظ للطبري : فقال رجل من أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقال له أبو برزة الأسلمي : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا لربما رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يرشفه! أما انك يا يزيد تجى يوم القيامة وابن زياد شفيعك! ويجى هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه! ثم قام فولى.
وفي اللهوف عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، قال : لما أتي برأس الحسين(عليه السلام)إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرب عليه فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم،
فقال يا ملك العرب هذا رأس من؟ فقال له يزيد مالك ولهذا الرأس؟ فقال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شي رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور.
فقال يزيد : هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب فقال الرومي : وأمه.
فقال : فاطمة بنت رسول الله، فقال النصراني: أف لك ولدينك، لي دين أحسن من دينكم ان أبى من حوافد داود(عليه السلام)وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظموني وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وما بينه وبين نبيكم إلّا أم واحدة !فأي دين دينكم(1).
1) اللهوف، ص 69 .
قال أرباب السير والمقاتل : وبعدما قضى الأثيم وطره من العبث برأس سيد شباب أهل الجنّة نصبه في جامع دمشق في المكان الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريا وقد علق ثلاثة أيام(1).
1) انظر معالم المدرستين : 157/3 .
وبعث الطاغية برأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى نسائه ليظهر مقدرته وزهوه أمامهن، فأخذته عائكة وطيبته فأنكر يزيد ذلك وقال : ما هذا؟
فقالت له : «بعثت إلينا برأس عمي . شعثاً فلممته وطيبته »(1).
1) المصدر السابق.
قال السيد مرتضى العسكري: وسر الطاغية سروراً بالغاً بسبايا أهل البيت فأوقفهم موقف السبي بباب المسجد مبالغة في إهانتهم وإذلالهم وعمدت جلاوزته إلى بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسائر الصبية فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين إلى عنق عمته زينب وباقي بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكانوا - فيما يقول المؤرخون - كلما قصروا عن المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط، وجاؤوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدع من هولها الجبال، وهم يكبرون ويهللون فأوقفوهم بين يدي يزيد فالتفت الإمام زين العابدين فقال له :
«ما ظنك بجدنا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لو يرانا على مثل هذه الحالة؟» فتأثر يزيد ولم يبق أحد في مجلسه إلا بكى وقد تألم الطاغية مما رأى فراح يقول :
«قبح الله ابن مرجانة لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا» ثم أمر بالحبال فقطعت عنهم والتفت إلى علي بن الحسين فقال له :
«إبيه يا علي بن الحسين أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما رأيت».
فأجابه شبل الحسين بكل هدوء وطمأنينة بقوله تعالى :مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22 لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)(1)
1) الحديد : 22 - 23
وتميز الطاغية غضباً وذهبت نشوة أفراحه وتلا قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فقال له الإمام: «هذا في حق من ظلم لا في حق من ظلُم».
وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلمه احتقاراً له واستهانة بشأنه(1).
وروى الطبري وقال : جلس يزيد بن معاوية ودعا اشراف أهل الشام فأجل حوله ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونساءه فأدخلوا عليه والناس ينظرون.
وروی سبط ابن الجوزي وغيره وقالوا : إن الصبيان والصبيات من بنات رسول الله كانوا موثقين في الحبال(2).
وروى الطبري وغيره قالوا : لما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد، رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه قال يزيد :
يفلقن هاما من رجال أعزة*** علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال يحيى بن الحكم أخو مروان:
الهام بجنب الطف أدنى قرابة*** من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى*** وبنت رسول الله ليس لها نسل
فضرب يزيد في صدر يحيى وقال: اسكت(3).
في مثير الأحزان واللهوف بعده(1): فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ.
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله ،هوانا وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى:وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فو؟ أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحا *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل»
1) مثير الأحزان ص 80 واللهوف ص 70
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشافة، بإراقتك دماء ذرية محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا مورد هم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.
اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ، وقتل حماتنا.
فوالله ما قريت إلّا جلدك ،ولا حززت إلّا لحمك، ولتردن على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم وياخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَوحسبك بالله حاكماً، وبمحمد(صلی الله علیه وآله وسلم)خصيما، وبجبريل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا واضعف جندا، ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرى.
الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ،وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الافند وأيامك إلّا عدد، وجمعك إلا بدد ،يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
«والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، انه رحيم ودود، وحسبنا ونعم الوكيل».
فقال يزيد :
يا صيحة تحمد من صوائح*** ما أهون النوح على النوائح (1)
وقال القرشي : وأظهر الطاغية فرحه بإبادته للعترة الطاهرة، فقد حسب أنه قد صفا له الملك واستوسقت له الأمور فأخذ يهز أعطافه جذلان مسروراً، وتمنى حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم وانتقم من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في ذريته وعترته وراح يترنم بأبيات ابن الزبعري وهو مزهو :
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً*** ثم قالوا: یا یزید لاتشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم*** وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا*** خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم انتقم*** من بني أحمد ما كان فعل
ولما سمعت بطلة كربلاء هذه الأبيات التي نمت عن كفره وسروره بقتل عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)انتقاماً منهم لقتلى بدر وثبت تزجره ، وتطعن كبرياءه، غير حافلة بجبروته وطغيانه، فلم يدركها الهول والفزع، وإنما كانت مثال الشجاعة فكأنها هي الحاكمةوالمنتصرة، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، قالت (عليه السلام):
«الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ(2)أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً ،
انسيت قول الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(1).
أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء ،وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والاضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا بایزید لاتشل منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة واستأصلت الشافة بإراقتك دماء ذرية محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذلنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقوقهم : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(2).
وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبحبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً.
ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك أني لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى فالعجب كل العجب !! لقتل
حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنظف من دمائنا والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا يرخص عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وهذا الخطاب أروع خطاب أثر في الإسلام، وهو من متممات النهضة الحسينية الخالدة، فقد دمرت فيه حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) جبروت الطاغية، والحقت به الهزيمة والعار وعرفته أن دعاة الحق لا تنحني جباههم أمام الطغاة والظالمين، يقول الإمام كاشف الغطاء :
« تستطيع ريشة أعظم مصور وأبدع ممثل أن يمثل لك حال يزيد وشموخه بأنفه وزهوه بعطفه وسروره وجذله باتساق الأمور، وانتظام الملك ولذة الفتح والظفر والتشفي والانتقام - بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل - وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجة والبيان والتقريع والتأنيب .. ويبلغ ما بلغته سلام الله عليها بتلك الكلمات وهي على الحال الذي عرفت ثم لم تقتنع منه بذلك حتى أرادت أن تمثل له وللحاضرين عنده ذلة الباطل وعزة الحق وعدم الاكتراث والمبالاة بالقوة والسلطة، والهيبة والرهبة أرادت أن تعرفه خسة قدره، وضعة مقداره وشناعة فعله، ولوم فرعه وأصله».
« تأمل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة، وأساليب الفصاحة، وبراعة البيان، وبين معاني الحماسة وقوة الاحتجاج وحجة المعارضة والدفاع في سبيل الحرية والحق والعقيدة، بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب، وأحد من وقع الأسنة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أمية وفراعنتهم في منازل عزهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة.
ثم إن هذه الخطبة التأريخية الصاعقة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية، وسيبقى هذا الأدب الحي صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال وفي كل ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة».
قال السيد القرشي : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية وقد حفل بما يلي:
أولاً : انها دللت على غرور الطاغية وطيشه، فقد حسب أنه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكرية التي ملأت البيداء وسدت آفاق السماء، إلا أنه انتصار مؤقت، ومن طيشه انه حسب أن ما أحرزه من الانتصار كان لكرامة له عند الله وهوان لأهل البيت، ولم يعلم أن الله إنما يملي للكافرين في هذه الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً ولهم في الآخرة عذاب أليم.
ثانياً : انها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي، فلم يرع قرابة رسول الله فيهم وهو الذي منَّ على آبائه يوم فتح مكة فكان أبوه وجده من الطلقاء فلم يشكر للنبي هذه اليد وكافاء بأسوأ ما تكون المكافأة.
ثالثاً : ان ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فإنه مدفوع بذلك بحكم نشأته ومواريثه فجدته هند هي التي لاكت كبد سيد الشهداء حمزة وجده أبو سفيان العدو الأول للإسلام، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين وانتهك جميع ما حرمه الله، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها.
رابعاً : إنها أنكرت عليه ما تمثل به من الشعر الذي تمنى فيه حضور أشياخه الأمويين ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بإبادة أبنائه إلا أنه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم.
خامساً : إن الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلا دمه ولم يفر إلا
جلده، فإن تلك النفوس الزكية حية وخالدة وقد تلفعت بالكرامة وبلغت قمة الشرف، وإنه هو الذي باء بالخزي والخسران.
سادساً: انها عرضت إلى من مكن الطاغية من رقاب المسلمين فهو المسؤول عما اقترفه من الجرائم، وقد قصدت(عليه السلام)مغزى بعيداً يفهمه كل من تأمل فيه. سابعاً: انها أظهرت سمو مكانتها فكلمت الطاغية كلام الأمير والحاكم فاستهانت ،به واستصغرت قدره، وتعالت عن حواره، وترفعت عن مخاطبته، ولم تحفل بسلطانه .. لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألم بها من المصائب أعظم قوة وأشد باساً منه.
ثامناً : انها عرضت إلى أن يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت(عليهم السلام)فإنه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لأنهم قائمون في قلوب المسلمين وعواطفهم وهم مع الحق، والحق لا بد أن ينتصر، وفعلاً قد انتصر الحسين وتحولت مأساته إلى مجد لا يبلغه أي إنسان كان، فأي نصر أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام.
هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة، ومعجزة من معجزات البيان ،وهي إحدى الضربات القاضية على ملك بني أمية (1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 261/3 .
وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد فقد انهار غروره وتحطم كبرياؤه، وحار في الجواب فلم يستطع أن يقول شيئاً إلا أنه تمثل بقول الشاعر :
يا صيحة تحمد من صوائح*** ما أهون النوح على النوائح
ولم تكن أية مناسبة بين ذلك الخطاب العظيم الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد، وجردته من جميع القيم الإنسانية، وبين ما تمثل به من الشعر الذي أعلن فيه أن الصيحة تحمد من الصوائح، وان النوح يهون على النائحات، فأي ربط موضوعي بين الأمرين(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 262/3.
وأحدث خطاب العقيلة موجة عاصفة في مجلس يزيد وأشاعت في نفوس الجالسين مشاعر الحزن والأسى والتذمر فقد أزاح عنهم حجب الشبهات ونسف كل الوسائل التي صنعها معاوية لإقامة دولته وسلطانه وراح يزيد يلتمس المعاذير ليبرر جريمته فقال لأهل الشام :
«أتدرون من أين أتى ابن فاطمة؟ وما الحامل له على ما فعل؟ وما الذي أوقعه فيما وقع ؟».
«لا».
«يزعم أن أباه خير من أبي وأمه فاطمة بنت رسول الله خير من أمي وانه خير مني، وأحق بهذا الأمر، فأما قوله أبوه خير من أبي : فقد حاج أبي أباء إلى الله تعالى، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله أمه خير من أمي : فلعمري إن فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)خير من أمي، وأما قوله جده خير من جدي: فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أن الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فينا عدلاً ولا نداً .. ولكنه إنما أتى من قلة فقهه، ولم يقرأ قوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقوله تعالى : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ لقد حسب الطاغية أن منطق الفضل عند الله إنما هو الظفر بالملك فراح يبني تفوقه على الإمام بذلك ولم يعلم أنه لا قيمة للملك عند الله فإنه يهبه للبر والفاجر»(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 262/3 .
وكان مجلس الطاغية حاشداً بجماهير الناس وقد أوعز إلى الخطيب أن يعتلي أعواد المنبر ليمجد الأمويين وينال من الحسين فاعتلى الخطيب المنبر فبالغ في الثناء على يزيد ونال من الإمام أمير المؤمنين وولده الحسين لينال هبات يزيد وعطاياه، فانتفض الإمام زين العابدين وصاح به:
«ويلك أيها الخاطب اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار ...».
والتفت إلى يزيد فقال له :
«أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن الله رضا ولهولاء الجالسين أجر وثواب ».
وبهت الحاضرون وبهروا من هذا الفتى العليل الذي رد على الخطيب والأمير، وقد رفض يزيد إجابته فألح عليه الجالسون بالسماح له ويعتبر ذلك بداية وهي عند أهل الشام فقال يزيد لهم :
«إن صعد المنبر لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان »فقالوا له : وما مقدار ما يحسن هذا العليل.
إنهم لا يعرفونه، وحسبوا أنه لا يحسن شيئاً، ولكن الطاغية يعرفه حقاً فقال لهم :
«إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً».
وأخذوا يلحون عليه، فانصاع لقولهم فسمح للإمام، فاعتلى أعواد المنبر فحمد
الله وأثنى عليه ويقول المؤرخون إنه خطب خطبة عظيمة أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، وكان من جملة ما قاله :
«أيها الناس أعطينا ستاً، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم، والحلم، والسماحة والفصاحة، والشجاعة ،والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد الرسول ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب أهل الجنة.
فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلّا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين، وبايع البيعنين، وصلى القبلتين ،وقائل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقاطع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، ورسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرائيل المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين والمجاهد أعداء الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب الله من المؤمنين وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبير المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، ناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علم الله ، سمح سخي بهلول زكي أبطحي، رضي مرضي، مقدام همام صابر صوام ، مهذب قوام، شجاع قمقام ،قاطع الأصلاب، ومفرق الأحزاب،
أربطهم جناناً، وأطلقهم عناناً، وأجراهم لساناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب ويذرهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وصاحب الاعجاز، وكبش العراق، الإمام بالنص والاستحقاق، مكي مدني، أبطحي تهامي، خيفي عقبي، بدري أحدي، وشجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين ،وأبوا السبطين الحسن والحسين ،مظهر العجائب، ومفرق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كل طالب، غالب كل غالب، ذاك جدي علىّ بن أبي طالب.
أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنا ابن المرمّل بالدماء أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء وناحت عليه الطير في الهواء».
ولم يزل يقول أنا : حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي الطاغية من وقوع الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطاب الإمام انقلاباً فكرياً في مجلس الطاغية، وقد بادر بالإيعاز إلى المؤذن أن يؤذن ليقطع على الإمام كلامه، فصاح المؤذن :
«الله أكبر».
فقال الإمام: كبرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله ، فلما قال المؤذن :
«أشهد أن لا إله لا الله».
قال علي بن الحسين :شهد بها شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومخي وعظمي، ولما قال المؤذن:
«أشهد أن محمداً رسول الله».
التفت علي بن الحسين إلى يزيد فقال له :
«یا یزید محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك، فقد كذبت، وإن قلت : إنه جدي فلم قتلت عترته ؟».
ووجم يزيد ولم يطق جواباً، واستبان لأهل الشام أنهم غارقون في الجهالة والضلالة وان الحكم الأموي قد جهد على غوايتهم وشقائهم.
وقد اقتصر الإمام في خطابه على التعريف بأسرته ونفسه، ولم يعرض لشي آخر، وقد كان ذلك من أروع صور الالتفاتات وأدقها وأعمقها، فقد كان المجتمع الشامي لا يعرف شيئاً عن أهل البيت، فقد أخفت السلطة كل شي عنهم، وغذتهم بالولاء لبني أمية والحقد على أهل البيت(1).
1) حياة الحسين للقرشي : 263/3.
قال القرشي : وأثر خطاب الإمام تأثراً بالغاً في أوساط أهل الشام، فقد جعل بعضهم ينظر إلى بعض ويسر بعضهم إلى بعض بما آلوا إليه من الخيبة والخسران، حتى تغيرت أحوالهم مع يزيد وأخذوا ينظرون إليه نظرة احتقار وازدراء.
الشامي مع فاطمة :
ونظر بعض أهل الشام إلى السيدة فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)أو بنت الإمام الحسين فقال ليزيد :
«هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي».
وسرت الرعدة بجسمها، فأخذت بثياب عمتها مستجيرة بها، وانبرت حفيدة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)فصاحت بالرجل :
«كذبت ولومت، ما ذلك لك، ولا لأميرك».
واستشاط يزيد غضباً لعدم مبالاة العقيلة به واستهانتها بشأنه، فقال لها :
«كذبت، إن ذلك لي، ولو شئت لفعلت».
فنهرته العقيلة متحدية له قائلة :
«كلا والله، ما جعل لك ذلك، إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا . .».
وتميز الطاغية غيظاً حيث تحدته العقيلة أمام أشراف أهل الشام فصاح بها :
«إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك».
وانبرت العقيلة غير حافلة بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام فردت عليه بثقة قائلة :
«بدين الله ودين أبي وجدي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً ...».
وأزالت العقيلة بهذا الكلام الستار الذي تستر به يزيد بقتله للحسين وأهل بيته من أنهم خوارج خرجوا على إمام ،زمانهم ولم يجد الرجس جواباً فقال وهو مغيظ محنق:
«كذبت یا عدوة الله».
ولم تجد شقيقة الحسين جواباً تحسم به مهاترات يزيد غير أن قالت:« أنت أمير مسلط، تشتم ظلماً، وتقهر بسلطانك».
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض، وأعاد الشامي كلامه إلى يزيد وكرر الشامي هذه المحاورة فصاح به يزيد :
«وهب الله لك حتفاً قاضياً».
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية في تلك المحن الشاقة، وقابلت أعداء الإسلام بإرادتها الصلبة الواعية التي ورثتها من جدها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، يقول بعض الكتاب :
«وقد حققت زينب وهي في ضعفها واستكانتها أول نصر حاسم على الطغاة، وهم في سلطانهم وقوتهم، فقد أقحمته المرة بعد المرة، وقد أظهرت للملا جهله ،كما كشفت عن قلة فقهه في شؤون الدين فإن نساء المسلمين لا يصح مطلقاً اعتبار من سبايا ومعاملتهن معاملة السبي في الحروب.
وأكبر الظن أن هذا الخطاب من الشامي كان فاتحة انتقاد ليزيد وبداية لتسرب الوعي عند الشاميين، وآية ذلك أنه كان يكفيه رد الحوراء على يزيد بذلك الرد الذي أخرجته عن ربقة الإسلام إن استجاب لطلب الشامي، ووقوع الشجار العنيف بين
الحوراء ويزيد، مما يشعر منه أن طلب الشامي كان مقصوداً لأجل بلورة الرأي العام وفضح يزيد لا سيما أن هذا الطلب كان بعد خطاب السيدة زينب وخطاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)وقد أحدثا وعباً عاماً وموجة عاتية من السخط في مجلس يزيد (1).
1) حياة الإمام الحسين للفرشي : 266/3 .
الإمام السجاد مع المنهال
قال السيد القرشي والتقى الإمام زين العابدين بالمنهال بن عمر فبادر إليه قائلاً :
-كيف أمسيت يا بن رسول الله ؟
لقد كان الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)المصدر الأصيل لشرف الأمة العربية الذي تفتخر به فهو الذي خطط للعرب حياة سادوا فيها جميع شعوب الأرض، وبنى لهم دولة كانت من أعز دول العالم وأمنعها، فكان جزاؤه منهم ان عمدت قريش التي تفاخر العرب بأن محمداً منها إلى قتل ذريته واستئصال شأفتهم وسبي نسائهم، فهل هذا هو جزاء المنقذ والمحرر لهم؟(1).
وقال السيد مرتضى العسكري: يبدو ان يزيد اضطر بعد هذا ان يغير سلوكه مع ذراري الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ويرفه عنهم بعض الشئ ويسمح لهم بإقامة المأتم على شهدائهم.
فقد روى ابن أعثم بعد ذكر ما سبق وقال : فلما فرغ من صلاته أمر بعلي بن الحسين وأخواته وعماته رضوان الله عليهم ففرغ لهم دار فنزلوها وأقاموا أياما يبكون وينوحون على الحسين(عليه السلام).
قال : وخرج علي بن الحسين ذات يوم فجعل يمشي في أسواق دمشق،
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 268/3
فاستقبله المنهال بن عمرو الصحابي فقال له : كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ قال: أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بان محمدا منهم وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ،وأمسينا أهل بيت محمد ونحن مغصوبون مظلومون مقهورون مقتلون مثبورون مطردون، فإِنا لله وانا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال(1).
1) معالم المدرستين للعسكري : 167/3.
قال السيد القرشي : وطلبن بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من الطاغية أن يفرد لهن بيتاً ليقمن فيه مأتماً على سيد الشهداء، فقد نخر الحزن قلوبهن، ولم يكن بالمستطاع أن يبدين بما ألم بهن من عظيم الأسى والشجون خوفاً من الجلاوزة الجفاة الذين جهدلوا على منعهن من البكاء والنياحة على أبي عبد الله. وقد أثر عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)أنه قال : كلما دمعت عين واحد منا قرعوا رأسه بالرمح، واستجاب يزيد لذلك فأفرد لهن بيتاً ، فلم تبق هاشمية ولا قرشية إلا لبست السواد حزناً على الحسين، وخلدن بنات الرسالة إلى النياحة سبعة أيام ،وهن يندبن سيد الشهداء بأشجى ندبة وينحن على الكواكب من نجوم آل عبد المطلب، وقد ذابت الأرض من حرارة دموعهن.
واتجه موكب أسارى أهل البيت إلى يثرب فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء وقد جللته الأحزان والآلام، وقد غامت عيون بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بالدموع وهن ينحن على فقد الأحبة ويذكرن بمزيد اللوعة ما جرى عليهم من أسر الذل والهوان(1).
وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أم المؤمنين السيدة أم سلمة زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فقد ماتت بعد مقتل الحسين(عليه السلام)، بشهر حزناً وكمداً عليه وهي التي أنبأت الناس عن مقتله.
فلما انتهوا إلى الجامع النبوي أخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب المسجد، وجعلت تخاطب جدها الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قائلة :
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 270/3.
«يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين».
وخلدن بنات رسول الله إلى الحزن فأقمن المآتم على سيد الشهداء ولبن السواد وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون الندبة(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 290/3.
وشكر الطاغية يزيد لابن مرجانة قتله لريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وبالغ في تقديره وتكريمه فاستدعاء للحضور عنده في دمشق ليجازيه على ذلك، وكتب إليه ما يلي :
«أما بعد: فإنك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها كما قال الأول :
رفعت فجاوزت السحاب وفوقه*** فما لك إلا مرتقى الشمس مقعد
فإذا وقفت على كتابي فاقدم علي لأجازيك على ما فعلت».
وسافر ابن زياد مع أعضاء حكومته إلى دمشق ولما انتهى إليها خرج لاستقباله جميع بني أمية، ولما دخل على يزيد قام إليه واعتنقه وقبْل ما بين عينيه وأجلسه على سرير ملكه، وقال للمغني عنَّ وللساقي اسقِ : ثم قال :
اسقني شربة تروي فؤادي*** ثم صل واسق مثلها ابن زیاد
موضع السر والأمانة عندي*** وعلى ثغر مغنمي وجهادي
وأقام ابن مرجانة شهراً فأوصله بألف ألف درهم، ومثلها لعمر بن سعد، وأطلق له خراج العراق سنة وقد بالغ في مودته فأدخله على نسائه وعياله ولما وقد أخوه مسلم بن زياد على يزيد بجله وكرمه تقديراً لأخيه عبيد الله وقال له :
«لقد وجبت محبتكم على آل أبي سفيان».
و نادمه يومه بأسره، وولاء بلاد خراسان لقد شكر لآل زياد إبادتهم لآل رسول الله وقد حسب أنهم قد مهدوا له الملك والسلطان، ولم يعلم أنهم قد هدموا ملكه ونسفوا سلطانه وأخلدوا له الخزي والعار.
وبعد أن نقم المسلمون على الطاغية بقتله لريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ندم على ذلك وحاول أن يلصق تبعة تلك الجريمة بابن مرجانة، وراح يقول: ما كان علي لو احتملت الأذى، وأنزلته - يعني الحسين - معي في داري وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظاً لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ورعاية لحقه وقرابته ، لعن الله ابن مرجانة فقد بغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس في قتلي حسيناً، ما لي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه.
وأكبر الظن انه إنما قال ذلك ليبرئ نفسه من المسؤولية أمام المسلمين ولو كان نادماً في قرارة نفسه لانتقم منه وعزله، ولما شكره وأجزل له العطاء وقربه، وذلك مما يدل على رضاء وعدم ندمه فيما اقترفه(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 270/3
في فتوح ابن أعثم، قال: فالتفت حبر من أحبار اليهود وكان حاضرا فقال: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا، صاحب الرأس أبوه.
قال: ومن هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟ قال: الحسين بن علي ابن أبي طالب، قال: فمن أمه؟ قال : فاطمة بنت محمد(صلی الله علیه وآله وسلم).
فقال الحبر: يا سبحان الله هذا ابن (بنت) نبيكم قتلتموه في هذه السرعة بئس ما خلفتموه في ذريته والله لو خلف فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لكنا نعبده من دون الله وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابن نبيكم فقتلتموه سوءة لكم من أمة ! قال: فأمر يزيد بكر(1)في حلقه فقال :الحبر إن شئتم فاضربوني أو فاقتلوني أو قرروني، فإني أجد في التوراة أنه من قتل ذرية نبي لا يزال مغلوبا أبدا ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنم(2).
روى الطبري عن فاطمة بنت الحسين انها قالت: إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه - أتخذها أمة-(1)يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدت، وفرقت وظننت ان ذلك جائز لهم وأخذت بثياب عمتي(2)زينب.
قالت : وكانت عمتي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون.
فقالت: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله فغضب يزيد فقال : كذبت والله ان ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت.
قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.
قال : كذبت يا عدوة الله.
قالت: أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك، قالت: فوالله لكأنه استحيى فسكت، ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، قال: أعزب وهب الله لك حتفا قاضياً (3).
روى ابن أعثم والخوارزمي وابن كثير وغيرهم ،أن خليفة المسلمين يزيد جعل يتمثل بابيات ابن الزبعري.
1 - ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جزع الخزرج من وقع الأسل
2 - لأهلوا واستهلوا فرحا*** ثم قالوا يا يزيد لا تشل
3- قد قتلنا القرم من ساداتهم*** وعدلنا ميل بدر فاعتدل
قال ابن أعثم: ثم زاد فيها هذا البيت من نفسه :
4 - لست من عتبة ان لم انتقم***من بنی أحمد ما كان فعل
وفي تذكرة خواص الأمة : «المشهور عن يزيد في جميع الروايات أنه لما حضر الرأس بين يديه جمع أهل الشام وجعل ينكت عليه بالخيزران ويقول أبيات ابن الزبعري : ليت أشياخي ببدر شهدوا قعة الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القرن من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل وقال : قال الشعبي وزاد عليها يزيد فقال :
5- لعبت هاشم بالملك فلا*** خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف ان لم انتقم*** من بني أحمد ما كان فعل(1)
وورد في ما تمثل به يزيد في فتوح ابن اعثم 241/5 بعد البيت الثاني.
حين القت بقباء بركها
واستحر القتل في عبد الأشل وهذا من أبيات ابن الزبعري وكذلك ورد في تاريخ ابن كثير192/8 .
وورد في مقتل الخوارزمي /58/2 قبل البيت الأول.
يا غراب البين ما شئت فقل*** إنما تندب أمرا قد فعل
کل ملك ونعيم زائل*** وبنات الدهر يلعبن بكل
وجاء فيه أيضاً وفى اللهوف ص 69 بعد البيت الرابع :
لعبت هاشم بالملك فلا*** خبر جاء ولا وحى نزل
وفي نسختنا من مثير الأحزان ص 80 سقط البيت الرابع وفي تاريخ ابن كثير 204/8، رواها عن تاريخ ابن عساكر عن ريا حاضنة يزيد واكتفى بذكر البيت الأول واكتفى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 120 بذكر البيت الأول والثالث.
وذكرنا في المتن لفظ تذكرة خواص الأمة ص 148، وراجع أيضاً طبقات فحول الشعراء 200، وسمط النجوم العوالي 1993 ، فقد روى عنهما بهامش فتوح ابن أعثم وراجع أيضاً الأمالي لأبي على القالي 142/1.
1) ان ابيات ابن الزبعري وردت في سيرة ابن هشام 97/3 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/ 382 .
قال المؤلف : لما كانت أبيات ابن الزبعري مشهورة ترويها الرواة قبل؟ مثل يزيد ببعضها ثم تمثل بها يزيد وأضاف إليها البيت الثاني والرابع والخامس فأخذها الرواة عنه وأحيانا أضافوا إلى ما أنشده يزيد ما كان في ذاكرتهم من أصل الأبيات ومن ثم حصل بعض الاختلاف في ألفاظ الروايات.
كما أننا نعرف من رواية الإمام زين العابدين الآنفة والتي ورد فيها (أن يزيد كان يتخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه) سبب تعدد ما روي من قصص عن مجلس يزيد عندما كان رأس الحسين أمامه(1).
1) معالم المدرستين للعسكري : 162/3 .
وفي تاريخ الطبري ومقتل الخوارزمي: إن زوجة يزيد وسماها الطبري هند ابنة عبد الله بن عامر بن كريز، سمعت بما دار في مجلس يزيد فخرجت من خدرها ودخلت المجلس وقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟
قال : نعم (1).
وفی سير أعلام النبلاء وتاريخ ابن كثير وغيرهما: إن رأس الحسين صلب بمدينة دمشق ثلاثة أيام(2).
فانفصلوا من العراق إلى المدينة، فلما قرب علي بن الحسين(عليه السلام) من المدينة ضرب فسطاطه ونزل وقال : يا بشير رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه ؟
قال : بلى إنّي شاعر، قال: فادخل المدينة وانع أبا عبدالله.
قال : فدخلت المدينة راكباً، فلمّا بلغت مسجد النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)رفعت صوتي بالبكاء وقلت شعراً :
يا أهل يثربَ لا مُقام لكم بها*** قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلا مضرّجٌ*** والرأسُ منه على القناة يدارُ
ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع نسائه نزلوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم أخبركم بقدومه فما بقيت في المدينة مخدّرة إلّا برزن من خدورهنّ مكشوفة شعورهنّ مخمّشة وجوههنّ ضاربات خدودهنّ فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم وسمعت جارية تنوح على الحسين(عليه السلام)وتقول، شعراً :
نعى سيّدي ناع نعاه فأوجما*** وأمرضني ناع نعاه فجعا
فعيناي جودا بالدموع واسكبا ***وجودا بدمع بعد دمعكما معاً
على من دعى عرش الجليل فأفزعا*** فأصبح هذا المجد والدَّين أجدعا
على ابن نبيّ الله وابن وصيّه*** وإن كان عنّا شاحط الدار شسعا
فخرج الناس من المدينة إلى عليّ بن الحسين فأتيت إليه وهو داخل الفسطاط
فخرج يبكي وارتفعت أصوات الناس بالبكاء فأشار إلى الناس بالسكوت.
ثمّ خطب وقال في خطبته : أيّها الناس إنّ الله وله الحمد ابتلانا بِمصائب جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة؛ قتل أبو عبدالله وعترته وسبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان فأيّ عين منكم تحبس دمعها عن انهمالها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان ولجج البحار والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون .
أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشردّين مبعدين عن الأمصار كانّا أولاد ترك وكابل من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه، والله لو أنّ النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها(1).
1) البحار : 45 / 148
قال السيد مرتضى العسكري : لم يكن ما جرى في عاصمة أمية بعد وصول سبايا آل الرسول(عليهl السلام)إليها في صالح حكم آل أمية فرأى يزيد أن يرجعهم إلى مدينة جدهم مع نعمان بن بشير.
كما قال الطبري وغيره واللفظ للطبري: قال يزيد بن معاوية : يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم وابعث معهم رجلاً من أهل الشام أمينا صالحا وابعث معه خيلا وأعوانا فيسير بهم إلى المدينة ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن علي بن الحسين في الدار التي من فيها.
قال : فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأة إلّا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين فأقاموا عليه المناحة ثلاثا.
قال : فدعا ذات يوم عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير فقال لعمرو بن الحسن: أتقاتل هذا الفتى يعني خالدا ابنه.
قال: لا ولكن اعطني سكينا واعطه سكينا ثم أقاتله فقام له يزيد : وأخذه فضمه إليه. ثم قال: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية.
قال : ولما أرادوا أن يخرجوا أوصى بهم ذلك الرسول .
قال : فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا
ويسألهم عن حوائجهم ويلطفهم(1).
قال القرشي : ولم يطل مكث أهل البيت في دمشق، فقد خشي يزيد من وقوع الفتنة، واضطراب الرأي العام، ووقوع ما لا تحمد عقباه، فقد أحدث خطاب العقيلة زينب وخطاب الإمام زين العابدين انقلاباً فكرياً في جميع الأوساط، فقد أثارت تلك الخطب المشرقة العقول، وأثارت العواطف وأصبحت حديث الأندية والمجالس فكانت تغلي كالحمم على تلك الدولة الغاشمة وهي تنذر بانفجار شعبي يكتسح دولة يزيد، فقد عرفت أهل الشام لوم يزيد، وخبث عنصره، وقلبت الرأي العام عليه فجوبه بالنقد حتى في مجلسه وسقط اجتماعياً، وذهبت مكانته من النفوس(2).
ودعا الطاغية الإمام زين العابدين(عليه السلام) فأبدى له معاذيره، وألقى المسؤولية في هذه الجريمة على ابن مرجانة قائلاً :
«لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا اعطيته إياها ولدفعت الحنف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت يا بني كاتبني بكل حاجة تكون لك وانه سيكون في قومك أمور فلا تدخل معهم في شي».
وأعرض عنه الإمام فلم يجبه بشي، فقد عرف واقع اعتذاره، وأنه كان تهرباً مما لحقه من العار والخزي.
وأمر الطاغية بأنطاع من الإبريسم ففرشت في مجلسه، وصب عليها أموالاً كثيرة، وقدمها لآل البيت لتكون دية لقتلاهم وعوضاً لأموالهم التي نهبت في كربلاء فقال :
«خذوا هذا المال عوض ما أصابكم».
والناعت شقيقة الحسين(عليه السلام)السيدة أم كلثوم وتميزت غيظاً فصاحت به :
« ما أقل حياءك، وأصلف وجهك تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوصهم».
وقالت سكينة :
«والله ما رأيت أقسى قلباً من يزيد ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شراً منه، ولا أجفا منه».
وباء يزيد بالفشل، فقد حسب أن أهل البيت تغريهم المادة، ولم يعلم أنهم من صنائع الله قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وعرض الطاغية على الإمام زين العابدين(عليه السلام)أن يعرض عليه حاجته فقال(عليه السلام)لي :
«أريد منك أن تريني وجه أبي، وأن تعيد على النساء ما أخذ منهن ففيها مواريث الآباء والأمهات، وإذا كنت تريد قتلي فارسل مع العيال من يؤدي بهن إلى المدينة».
وأكبر الظن أن الإمام أراد من رؤية رأس أبيه أن يعطيه الرأس الشريف ليواريه، ولكن الطاغية لم يجبه إلى ذلك فقد أمر أن يطاف به في جميع أنحاء البلاد لإشاعة الذعر والفزع بين الناس، وحتى يكون عبرة لكل من يخرج عليه، وأما طلب الإمام أن يعيد على النساء ما أخذ منهن فلم يرد بذلك الحلي والحلل وغيرها من الأموال التي نهبت منهن في يوم كربلاء، وإنما أراد أن يرد عليهم المواريث النفيسة التي ورثوها من جدهم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)كعمامته ودرعه وسيفه، وغير ذلك مما هو أثمن من المال.
وأطرق الطاغية برأسه إلى الأرض يفكر في طلب الإمام(عليه السلام)ثم رفع رأسه وقال له :
«أما وجه أبيك فلن تراه، وأما ما أخذ منكم فيرد إليكم، وأما النسوة فلا يردهن غيرك، وقد عفوت عن قتلك».
وعهد الطاغية إلى النعمان بن بشير أن يقوم برعاية ودائع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ويصحبهم إلى يثرب وأمر بإخراجهم من دمشق ليلاً خوفاً من الفتنة، واضطراب الأوضاع.
وانتهت أنباء الكارثة الكبرى إلى يثرب قبل وصول السبايا إليها، وقد حمل النبأ عبد الملك بن الحارث السلمي بأمر من ابن زياد، وقد أخذ يجد في السير حتى انتهى إليها، وقد أعباء السفر فأسرع إلى حاكم المدينة الأشدق، وقد لقيه رجل فرابه ما هو فيه من الارتباك فأسرع إليه قائلاً :
ما الخبر؟
الخبر عند الأمير.
وفطن الرجل لهول الأمر فقال :
« إنا لله وإنا إليه راجعون، قُتل والله الحسين، صدقت أم سلمة بما نبات به».
ووافي رسول ابن زياد حاكم المدينة فأخبره بمقتل الحسين فاهتز فرحاً وسروراً وراح يقول :
«لواعية بواعية عثمان».
وأمر الأشدق بإذاعة ذلك بين الناس فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي ليتعرفوا على تفصيل الحادث الأليم.
واعتلى الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق أعواد المنبر وهو يهز أعطافه مسروراً بقتل الإمام، وقد أظهر أحقاده وأضغانه فقال :
«أيها الناس: إنها لدمة بندمة، وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة، حكمة بالغة فما تغني النذر ، لقد كان يسبنا ونمدحه ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه علينا يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا» .
وقطع عليه عبد الله بن السائب خطابه الذي أظهر فيه الشماتة بقتل ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال له :
«لو كانت فاطمة حبة ورأت رأس الحسين تبكت عليه».
وكان هذا الاستنكار بداية نقد يجابه به والي المدينة وهو يخطب وقد لذعه نقده فصاح به :
«نحن أحق بفاطمة منك أبوها عمنا، وزوجها أخونا، وأمها ابنتا ، ولو کانتفاطمة حية لبكت عينها ، وما لامت من قتله».
وقد شذ الأشدق في قوله عن جميع الأعراف الاجتماعية فقد زعم أن فاطمة لو كانت حية لما لامت قاتل ولدها، بل من المؤكد عنده أنها تبارك القائل الأثيم لأن بذلك دعماً للحكم الأموي وبسطاً لسلطانهم الذي يحمل جميع الاتجاهات الجاهلية.
إن فاطمة لو كانت حية وشاهدت فلذة كبدها على صعيد كربلاء وهو يعاني من الخطوب والكوارث التي لم تجر على أي إنسان لذابت نفسها حسرات، وقد روى علي عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) انه قال :
«تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بدم فتتعلق بقائمة من قوائم العرش، فتقول يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي فيحكم لابنتي ورب الجنة»(1).
1) عيون أخبار الرضا : 29/1 6، والفردوس للديلمي : 476/5 ح 8812
وأقام عبد الله بن جعفر مأتماً للعزاء على ابن عمه الحسين(عليه السلام)فجعل الناس يفدون عليه يعزونه بمصابه الأليم، ويقول المؤرخون: إنه كان له مولى يسمى أبا السلاسل فقال له :
«هذا ما لقينا من الحسين».
وقد حسب الغبي أنه يتقرب إليه بذلك لأنه لولا الحسين لما استشهد ولداه، ولما سمع ابن جعفر مقالته فقد أهابه، وحذفه بنعله قائلاً :
«یابن اللخناء تقول ذلك في الحسين؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخي نفسي عن ولدي، ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه».
وأقبل على حضار مجلسه فقال لهم:
«الحمد لله لقد عزّ علي المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون واسيته بنفسي فلقد واساه ولداي»(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 286/3.
وذهب أكثر المؤرخين إلى أن الطاغية بعث برأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى يشرب لإشاعة الرعب والخوف، والقضاء على كل حركة ضده، وجي بالرأس الشريف إلى حاكم المدينة عمرو بن سعيد الأشدق فأنكر ذلك وقال :
«وددت والله ان أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه».
وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم فصاح به :
بئس ما قلت عافان.
وأخذ الوزغ الرأس الشريف وجعل يهز أعطافه بشراً وسروراً وهو يقولبشماتة :
يا حبذا بردك في اليدين*** ولونك الأحمر في الخدين
وجيء بالرأس العظيم فنصب في جامع الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وصرخت نساء آل أبي طالب، وهرعن إلى القبر الشريف ببكاء وعويل فقال مروان :
عجت نساء بني زبيد عجة*** کمجیج نسوتنا غداة الأرنب
وراح مروان يبدي افراحه حينما سمع عويل الهاشميات قائلاً :
الفوالله الماني أنظر إلى أنام عثمان
والتفت إلى قبر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال له :
«يا محمد يوم بيوم بده:
لقد ظهرت الأحقاد الأموية، وظهر أنها لا تؤمن بالإسلام وانها محتفظة
بجاهليتها الأولى وقد استوفت ثارها من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بإبادتها لعترته»(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 288/3
وقال البلاذري والذهبي : ثم بعث يزيد رأسه إلى المدينة(1).
فقال عمرو بن سعيد : وددت والله أن أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه.
فقال مروان: بئس والله ما قلت هاته، ثم أخذ الرأس وقال :
يا حبذا بردك في اليدين*** ولونك الأحمر في الخدين(2)
وقال: فجيء برأس الحسين قنصب فصرخ نساء آل أبي طالب، فقال مروان :
عجت نساء بني زبيد عجة*** كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
ثم صحن فقال مروان:
ضربت دوسر فيهم ضربة*** أثبتت أركان ملك فاستقر(3).
قال : وقام ابن أبي حبيش وعمرو يخطب، فقال: رحم الله فاطمة، فمضى عمرو في خطبته شيئاً، ثم قال: واعجبا لهذا الألثغ، وما أنت وفاطمة؟ قال: أمها خديجة.
قال : نعم والله وابنة محمد أخذتها يمينا وشمالا، وددت والله أن أمير المؤمنين كان نحاه عني ولم يرسل به إلي ووددت والله أن رأس الحسين كان على عنقه وروحه في جسده(4).
وقال : ثم رد إلى دمشق(5)
قال المؤلف : ان البلافري لم يكتب خطبة عمرو بن سعيد لتعرف سبب اعتراض ابن أبي حبيش عليه، وقد مر بي في ما قرأت أنه خاطب قبر الرسول، وقال: يوم بيوم بدر.
.1) انساب الأشراف 219
2) انساب الأشراف ص 217 ، وتاريخ الإسلام 351/2.
3) أنساب الأشراف ص ،218 ، وتذكرة خواص الأمة ص 151 ، وفي أمالي الشجري ص 185 - 186 ، بإيجاز ودوسر: اسم كتيبة كانت للنعمان بن المنذر ملك الحيرة وكانت أشد كتائبه بطشا، حتى قيل في المثل أبطش من دوسرا وكتيبة دوسر ودوسرة: مجتمعة.
4) أنساب الأشراف ص 218
5) أنساب الأشراف ص 219
و صرحت بعض المصادر أن سبايا آل البيت طلبوا من الوفد الموكل بحراستهم أن يعرج بهم إلى كربلاء ليجددوا عهداً بقبر سيد الشهداء قلبي الوفد طلبهم فانعطفوا إلى كربلاء، ولما انتهوا إليها استقبلن العلويات مرقد أبي عبد الله(عليه السلام) بالصراخ والعويل وسالت الدموع كل مسيل وقضين أياماً ثلاثة كن من أثقل الليالي وأوجعها على أهل البيت فلم تهدأ لهم عبرة حتى بحث الأصوات وتفتتت القلوب.
وتصرح بعض المصادر أن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري قد وفد إلى التشرف بزيارة قبر أبي عبد الله فالتقى به الإمام زين العابدين وأخذ يحدثه عما جرى عليهم من صنوف الرزايا والنكبات ،ثم غادروا كربلاء متوجهين إلى يثرب(1).
وفي مثير الأحزان واللهوف : إن آل الرسول لما بلغو العراق طلبوا من الدليل ان يمر بهم على كربلاء فلما وصلوا مصرع الشهداء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارة قبر الحسين فوافوا في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والبكاء واجتمع إليهم نساء ذلك السواد وأقاموا على ذلك أياما، ثم انفصلوا من كربلاء قاصدين مدينة جدهم(2).
قال القرشي : واتجه موكب أسارى أهل البيت إلى يثرب فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء وقد جللته الأحزان والآلام، وقد غامت عيون بنات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بالدموع وهن ينحن على فقد الأحبة ويذكرن بمزيد اللوعة ما جرى عليهم من أسر الذل والهوان .
وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أم المؤمنين السيدة أم سلمة زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فقد ماتت بعد مقتل الحسين(عليه السلام)، بشهر حزناً وكمداً عليه وهي التي أنبأت الناس عن مقتله.
نعي بشر للإمام
ولما وصل الإمام زين العابدين بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه وأنزل عمامته وأخوانه والتفت إلى بشر بن حذلم فقال له :
« یا بشر رحم الله أباك نقد كان شاعراً : فهل تقدر على شيء منه ؟».
«بلی با من رسول الله إني لشاعر » .
« ادخل المدينة وانع أبا عبد الله» .
وانطلق بشر إلى المدينة فلما انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء وهو يقول :
يا أهل يشرب لا مقام لكم بها*** قتل الحسين قادمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج ***والرأس منه على القناة يدار
و هرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر المزيد من الأنباء فالتفت إليهم وهو غارق في البكاء قائلاً :
«هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ».
وعج الناس بالبكاء وانطلقوا مسرعين يستقبلون آل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي برَّ بدينهم ودنياهم، وانتشر الحزن وعمت الكآبة جميع الأوساط، فكان ذلك اليوم، كما وصفه المؤرخون كاليوم الذي مات فيه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وازدحم الناس على الإمام زين العابدين وهم يعزونه بمصابه الأليم، ويشاركونه الأسى واللوعة.
ورأى الإمام أن يحدث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات، وما عانوه من أسر الذل والهوان ولم يكن باستطاعته أن يقوم خطيباً فقد ألمت به الأمراض، وانهكته الآلام فجي له بكرسي فجلس عليه، فقال(عليه السلام):
«الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، باريء الخلق أجمعين، الذي بُعد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة، الفادحة الجائحة.
أيها القوم : إن الله تعالى ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله الحسين وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية.
أيها الناس، فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أية عين منكم تحبس دمعها، وتضن عن انهمالها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون.
أيها الناس: أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن إليه، أم أي سمع يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم.
أيها الناس : أصبحنا مشردين مطرودين مذودین شاسعين عن الأمصار كأننا
أولاد ترك وكابل من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، ان هذا إلا اختلاق، والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأفجعها وأكظها وأفظعها وأمرها وأفدحها فعند الله نحتسب ما أصابنا وما بلغ فإنه عزيز ذو انتقام».
وعرض الإمام في خطابه إلى الخطوب السود التي عانتها الأسرة النبوية وما جرى عليها من الظلم الهائل ...وانبرى إليه صعصعة فألقى إليه معاذيره لأنه كان زمناً، فقبل الإمام عذره وترحم على أبيه ، ثم زحف الإمام مع عماته واخواته إلى يثرب وقد احتفت به الجماهير وقد علا منها البكاء والصراخ ،ولما انتهوا إلى الجامع النبوي أخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب المسجد، وجعلت تخاطب جدها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)قائلة : «يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين »
وخلدن بنات رسول الله إلى الحزن فأقمن المآتم على سيد الشهداء ولبسن السواد وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون الندبة(1).
روي عن بشير بن جذلم أنه قال: لما قربنا من المدينة حط علي بن الحسين رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال : يا بشير رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شيء منه فقال: بلى يا ابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إني شاعر فقال(عليه السلام): ادخل المدينة وانع أبا عبد الله.
قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها*** قتل الحسين فأدمعي مدرار
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 290/3.
الجسم منه بكربلاء مضرج*** والرأس منه على القناة یدار
قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين(عليه السلام)مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ، قال : فلم يبق في المدينة مخدرة ولا محجبة إلّا برزن من خدورهن وهن بين باكية ونائحة ولا طمة فلم ير يوم أمر على أهل المدينة منه، وسألوه : من أنت؟
قال : فقلت أنا بشير بن جذلم وجهني علي بن الحسين وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه، قال: فتركوني مكاني وبادروني فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين داخلا فخرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه و خادم معه كرسي فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته فعزاه الناس فأوما إليهم أن اسكتوا فسكنت فورتهم فقال: الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين بار ؟ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وجليل الرزء وعظيم المصائب.
أيها القوم ان الله وله الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة قتل أبو عبد الله وعترته وسبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، أيها الناس فأي رجالات يسرون بعد قتله؟ أية عين تحبس دمعها وتضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار والسماوات والأرض والأشجار والحيتان والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون.
أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ؟ أم أي فؤاد لا يحن إليه أم أي سمع يسمع هذه الكلمة التي ثلم في الإسلام.
أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين كأنا أولاد ترك أو كابل
من غير جرم اجتر مناه ولا مكروه ارتكبناه ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ان هذا إلّا اختلاق والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاة بنا لما زادوا على ما فعلوه فانا لله وانا إليه راجعون.
فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمينا فاعتذر إليه فقبل عذره وشكر له وترحم على أبيه(1).
1) مثير الأحزان ص 90 - 91 ، اللهوف 76 - 77 ومعالم المدرستين للعسكري : 170/3.
قال السيد القرشي : وشكرن العلويات رئيس الحرس الذي قام برعايتهن من دمشق إلى يثرب فقد قام لهن بخدمات جليلة تقضي مكافأته فقالت فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين لأختها زينب.
«لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟»
«والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا»
«نعم هو ما تقولين»
وأخرجتا سوارين ودملجين لهما، وبعثتا بهما إليه، واعتذرنا في أدب، وتأثر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هن فيه من ضيق شديد، فرده إليهما وقال باحترام :
«لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)»(1).
روى الطبري بسنده عن الحارث بن كعب، قال: قالت لي فاطمة بنت علي : قلت لأختي زينب : يا أخي لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله؟ فقالت والله ما معنا شيء نصله به إلّا حلينا قالت لها : فنعطيه حلينا قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها فبعثنا بذلك إليه
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 292/3
واعتذرنا إليه وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل قال : لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه ولكن والله ما فعلته إلّا لله ولقربتكم من رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)(1).
1) تاريخ الطبري: ط/ اروبا، 379/2.
قال السيد القرشي : وخلد الإمام زين العابدين إلى البكاء على أبيه ليلاً ونهاراً ، يقول الإمام الصادق(عليه السلام): إن جدي علي بن الحسين بكى على أبيه عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى وعذله بعض مواليه فقال له :
« إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين».
فقال له الإمام برفق :
« يا هذا إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون إن يعقوب كان نبياً فغيب الله عنه واحداً من أولاده وعنده اثنا عشر ولداً وهو يعلم أنه حي فبكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن، واني نظرت إلى أبي واخوتي وعمومتي وصحبي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني؟ واني لا أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة، وإذا نظرت إلى عماني وأخواتي ذكرت فرارهن من خيمة إلى خيمة».
ويزداد وجيب الإمام، وتتضاعف آلامه حينما كان ينظر إلى ديار أهله، وهي خالية موحشة تنعى أهلها، فقد رحلت عنها تلك الكواكب التي كانت تضي للناس حياتهم الفكرية والاجتماعية، وفيها يقول الشاعر:
مررت على أبيات آل محمد*** فلم أر مثلها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها *** وإن أصبحت منهم برغم تخلت
وفيها يقول دعبل الخزاعي:
مدارس آیات خلت من تلاوة*** ومنزل وحي مقفر العرصات(1)
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 292/3.
في اللهوف: روى عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه قال: إن زين العابدين(عليه السلام) بكي على أبيه أربعين سنة صائما نهاره، وقائما ليله، فإذا حضر الافطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول : كل يا مولاي، فيقول قتل ابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)عطشانا فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزّ وجلّ.
قال: وحدث مولى له قال : أنه برز يوماً إلى الصحراء فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وأحصيت عليه ألف مرة يقول: (لا إله إلا الله حقاً حقاً.
لا إله إلا الله تعبدا ،ورقا ، لا إله إلا الله ايمانا وصدقا) ثم رفع رأسه من سجوده وان لحيته ووجهه قد غمرا من دموع عينيه فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقل؟
فقال : ويحك، ان يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيا وابن نبي، له اثنى عشر ابنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ؟(1)
1) اللهوف ص 80 ، ومعالم المدرستين للعسكري : 168/3 . وفي مثير الأحزان ص 92 بايجاز.
ووقع النبأ المؤلم بقتل الحسين كالصاعقة على رؤوس الهاشميين فقد علا الصراخ والعويل من بيوتهم، وخرجت السيدة زينب بنت عقيل ناشرة شعرها، وهي تصيح :
«وا محمداه، واحسيناه، واأخوتاه وااهيلاه».
وجعلت تنظم ذوب روحها بأبيات تخاطب بها المسلمين قائلة :
ماذا تقولون : إن قال النبي لكم *** ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأنصاري وذريتي*** منهم أسارى وقتلی ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم*** أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
فأجابها أبو الأسود وهو غارق في البكاء والشجون نقول :
«ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين».
وعلاء الجزع وراح يقول :
أقول: وزادني حنقاً وغيظاً*** أزال الله ملك بني زياد
وأبعدهم كما بعدوا وخافوا ***كما بعدت ثمود وقوم عاد
ولا رجعت ركائبهم إليهم إذا وقفت يوم التناد
وساد البكاء وهمت اللوعة وانتشر الحزن في جميع أنحاء يثرب، فلم ير أكثر باك ولا باكية من ذلك اليوم.
وقال السيد القرشي : وحزن الهاشميون على سيد الشهداء كأشد ما يكون الحزن واللوعة فاستمروا في النياحة عليه ثلاث سنين وكان مسور بن مخرمة وأبو هريرة والمشيخة من أصحاب رسول الله يأتون متسترين فيستمعون ندبتهم، ويبكون بكاء مراً(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 294/3
وخلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء والنياحة على انقراض أهلها وكانت لا تجف لها عبرة، ولا تفتر عن البكاء، وكلما نظرت إلى ابن أخيها زين العابدين يزداد وجدها وحزنها وقد نخبت المصائب قلبها حتى صارت كأنها جثة هامدة، ولم تبق بعد الكارثة إلا سنتين حتى سمت روحها إلى الرفيق الأعلى.
ووجدت عليه زوجته الرباب وجداً شديداً، وحزنت عليه حزناً عميقاً، وقد أبدت من الوفاء ما لم ير مثله، وقد خطبها الأشراف من قريش فأبت وقالت : ما كنت لا تخذ حمواً بعد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وبقيت بعده سنة لم يظلها سقف حتى ماتت كمداً ويقول المؤرخون إنها رثته رثاء حزيناً فقالت فيه:
إن الذي كان نوراً يستضاء به*** بكربلاء قتيل غير مدفون
سبط النبي جزاك الله صالحة*** عنا وحبيت خير الموازين
قد كنت جبلاً صعباً الوذ به*** وكنت تصحبنا بالرحم والدين
من لليتامى ومن للسائلين ومن*** يغني ويأوي إليه كل مسكين
والله لا أبتغي صهراً بصهركم*** حتى أغيب بين الرمل والطين
ويقول بعض المؤرخين إنها أقامت على قبره الشريف سنة ثم انصرفت وهي تقول :
إلى الحول ثم السلام عليكما*** ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
وهذا القول بعيد فإن العائلة الحسينية بعد اليوم العاشر كلها رحلت من كربلاء، ولم يتخلف أحد منها حسب ما أجمع عليه المؤرخون.
وبلغ من وفاء أزواجه أن زوجته السيدة عائكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تنوح عليه، وقد رثته بذوب روحها قائلة :
واحسينا فلا نسيت حسيناً*** اقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعاً*** لا سقى الغيث بعده كربلاء
وخلدت أم البنين إلى البكاء والنياحة على أبنائها البررة الذين استشهدوا مع أخيهم الحسين فقد نخب الحزن قلبها، وراحت تبكيهم بذوب روحها ويقول بعض المؤرخين : إنها كانت تخرج إلى البقيع فتندبهم بأشجى وأوجع ما تكون الندبة، وكان الناس يجتمعون حولها فيسمعون رثاءها الحزين لأبنائها فيبكون، وكان ممن يجي لذلك مروان بن الحكم فيتأثر على قساوة قلبه وشدة عداوته لأهل البيت وقد نفى المحقق العلامة المغفور له السيد عبد الرزاق المقرم أن تكون أم البنين حية بعد كارثة کربلاء، وأنها توفيت قبل ذلك وقد صرح أبو الفرج وغيره من المعنيين بهذه البحوث بأنها كانت حية(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 294/3.
في إثبات الوصية للمسعودي: أقبل زين العابدين في اليوم الثالث عشر من المحرم لدفن أبيه(1).
وقال المفيد في الارشاد: لما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه فصلوا عليهم ودفنوا الحسين(عليه السلام)حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجله وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله، مما يلي رجلي الحسين (عليه السلام)، وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا ، ودفنوا العباس بن علي(عليه السلام)في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن(2).
وقيل : لما رحل ابن سعد بالسبايا خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية إلى الحسين(عليه السلام)وأصحابه، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين(عليه السلام)حيث قبره الآن ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأكبر عند رجليه وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين (عليه السلام)وجمعوهم ودفنوهم جميعا معا، ودفنوا العباس بن علي(عليه السلام)في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن(3).
اختلف المؤرخون حول المكان الذي دفن فيه رأس الإمام الحسين(عليه السلام)وتنافست ما يقرب من ثماني مدن إسلامية على ادعاء شرف وفخر إيواء الراس الشريف لأبي عبد الله الحسين بن علي(عليه السلام)وتلك المدن هي : كربلاء، والمدينة، ودمشق، وعسقلان ،والرقة، ومرو، وحلب، والقاهرة .
والأصح أنه أعيد بعد أربعين يوما فدفن بكربلاء مع جسده الشريف(1).
وقال السيد القرشي: وانطوت السنون والأجيال والناس يتساءلون بلهفة أين دفن رأس الحسين؟ بعدما أصبح جسده الطاهر مزاراً في كربلاء يطيف به الناس متفقين ومختلفين، وقد كثرت أقوال المؤرخين في المكان الذي حظي به وهذه بعضها :
والمشهور عند الشيعة الإمامية أن الرأس العظيم أعيد إلى كربلاء، ودفن مع الجسد الطاهر، وقد ذكر السيد رضي الدين علي بن طاوس أن عمل الطائفة على ذلك وممن نص على ذلك المجلسي وابن نما كما اشتهر ذلك عند فريق كبير من علماء السنة منهم الشبراوي وابن الجوزي والبيروني والقزويني وغيرهم ومما لا شبهة فيه أن علماء الشيعة الإمامية معنيون بالاهتمام والبحث عن هذه الجهة أكثر من غيرهم، فهم أدرى بواقع الحال وأكثر وقوفاً عليه من أي باحث آخر.
1) الملهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس 86، نور الأبصار 147.
أما كيفية نقل الرؤوس الشريفة إلى كربلاء ودفنها مع الأجساد الطاهرة ففيما نحسب أنه يحتمل أحد أمرين :
الأول - إن الإمام زين العابدين التمس من يزيد أن يسمح له بذلك فأجابه إليه، وقد أخذ يزيد يتطلب مرضاة الإمام بعد أن نقم عليه المسلمون وكرهوا خلافته، وعلى هذا فيطرح ما روي أن الإمام(عليه السلام)لما طلب منه أن يريه وجه أبيه فلم يجبه إلى ذلك، ويحتمل أنه أجابه إليه بعد رفضه.
الثاني - ان الإمام زين العابدين طلب من حاكم المدينة حينما حملت إليه الرؤوس أن يواريها مع الأجسام فأجابه إلى ذلك، فأخذها ورجع إلى كربلاء وواراها الأجساد الطاهرة.
وذهب فريق من المؤرخين إلى أن الرأس الشريف دفنه حاكم المدينة في البقيع إلى جانب أمه(عليه السلام).
وأثرت مجموعة من الأخبار عن الإمام الصادق(عليه السلام) تنص على أن الرأس الشريف دفن في الغري، وهذه بعضها :
1 - روى عمرو بن طلحة قال : قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) وهو بالحيرة: أما تريد ما وعدتك.
قلت بلى - يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : فركب وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جاز الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكرات بيض نزل ونزل إسماعيل ونزلت معهما فصلى وصلى إسماعيل وصليت فقال لإسماعيل: قم فسلم على جدك الحسين(عليه السلام).
فقلت، جعلت فداك أليس الحسين بكربلاء؟
فقال: نعم، ولكن لما حمل رأسه سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين .
2 - روى أبان بن تغلب قال : كنت مع أبي عبد الله فمر بظهر الكوفة فصلى ركعتين ثم تقدم قليلاً فصلى ركعتين، ثم سار قليلاً فنزل فصلى ركعتين، ثم قال هذا موضع قبر أمير المؤمنين(عليه السلام).
قلت : والموضعين اللذين صليت فيهما.
قال : موضع رأس الحسين وموضع منزل القائم.
3- روى علي بن أسباط بسنده قال : قال أبو عبد الله(عليه السلام): إنك إذا أتيت الغري رأيت قبرين قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، أما الكبير فقبر أميرالمؤمنين وأما الصغير فرأس الحسين(عليه السلام).
هذه بعض الأخبار التي تصرح بأن الرأس الشريف قد دفن في الغري ولكن التعبير في بعضها بأنه موضع الرأس لا يدل على أنه قد دفن فيه.
وذهب جمهور من المؤرخين إلى أن الرأس الشريف قد دفن في دمشق، وقد اختلفوا في المكان الذي حظي به وهذه بعض الأقوال :
أ - دفن في حائط بدمشق.
ب - في دار الامارة.
ج - في المقبرة.
د - في داخل باب الفراديس ويعرف بمسجد الرأس.
هـ- في جامع دمشق.
وهناك أقوال أخر غير هذه.
ذكر ذلك أحمد عطية وهو قول شاذ لم يذكره أحد من المؤرخين.
وذهب بعض المؤرخين إلى أن الرأس الشريف قد حظيت به القاهرة أما كيفية نقله لها ففيها قولان:
1 - ما ذكره الشعراني أن العقيلة زينب(عليه السلام) نقلته إلى مصر ودفنته فيه وهذا القول شاذ لا يعول عليه.
2 - ما أفاده المقريزي أنه نقل من عسقلان إلى مصر سنة (548 هـ) في اليوم العاشر من شهر جمادى الآخرة، وقد نقله سيف المملكة مع القاضي المؤتمن ابن مسكين، وجرى له استقبال ضخم.
هذه بعض الأقوال التي ذكرت في مواراة الرأس العظيم، وقد شيد في أغلبها مزار يطوف به المسلمون، وهو من مواضع الاعتزاز والفخر لكل بلد حظي بهذه النسبة.
وعلى أي حال فالحسين قائم في عواطف الناس وقلوبهم ففي أعماق النفوس قبره وذكره فهو أسمى صورة قدسها الناس في جميع الأحقاب والآباد.
وقد سئل أبو بكر الآلوسي عن موضع رأس الحسين فقال :
لا تطلبوا رأس الحسين*** بشرق أرض أو بغرب
ودعوا الجميع وعرجوا*** نحوي فمشهده بقلبي
وقال الحاج مهدي الفلوجي :
لا تطلبوا رأس الحسين فإنه*** لافي حمى ثاو ولا في واد
لكنما صفو الولاء يدلكم*** في أنه المقبور وسط فؤادي
لقد احتل الإمام الحسين(عليه السلام)مشاعر الناس وثوى في أفئدتهم فهاموا في حبه وتقديسه، وقد فجعوا بما جرى عليه من عظيم الرزايا والخطوب، وظلت رزيته تنخر
في القلوب، وتذوب النفوس من هولها أسى وحزناً، وهم يحجون لكل مرقد يحمل شرف الانتساب بأنه مرقد رأس الإمام(عليه السلام)، وقد ازدحم المرقد العظيم بالقاهرة بالزائرين وهم يتبركون به ويعدون زيارته من أفضل الطاعات والقربات إلى الله تعالى(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 298/3.
في فتوح أعثم ومقتل الخوارزمي وغيرهما، قالوا: وساق القوم حرم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)كما تساق الأسارى، حتى إذا بلغوا بهم الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم، وجعلوا يبكون ويتوجعون، وعلي بن الحسين مريض، مغلول مكبل بالحديد قد نهكته العلة، فقال: ألا إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا، فمن قتلنا اذن؟
فأشرفت امرأة من الكوفة وقالت: من أي الأسارى أنتن؟
فقلن: نحن أسارى آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)فنزلت وجمعت ملاءا وأزرا ومقانع وأعطتهن(1).
1) ما بين القوسين في مثير الأحزان ص 66 ثم رجعنا إلى رواية ابن أعثم، انظر معالم المدرستين للعسكري: 1/3.
قال بشير بن حذيم الأسدي : نظرت إلى زينب بنت على يومئذ - ولم أر خفرة قط أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)وتفرغ عنه- وأومات إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، فقالت: «الحمد لله والصلاة على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله، وبعد! يا أهل الكوفة! ويا أهل الختل ،والخذل، والغدر! اتبكون؟ فلا رقات الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوه أنكاثا».
أتتخذون أيمانكم دخلا بينكم؟ ألا وهل فيكم إلّا الصلف، والطنف، والشنف(1)وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصة(2)على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم ومدرء(3)ألسنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة.
أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم
وأي حريم له أصبتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض منه، وتخر الجبال هدا، ان ما جئتم بها لصلعاء، وعنقاء سوءاء فقماء خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض وملاء السماء.
أفعجبتم أن قطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة أشد وأخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه عزّ وجلّ لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا ان ربكم لبالمرصاد.
قال بشير : فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون ويتفجعون ويتأسفون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم.
قال : ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفا إلى جنبي، قد بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت بأبي وأمي ،كهرلكم خير الكهول، وشبانكم خير الشبان ونساؤكم خير النسوان، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزي(1).
خطبة فاطمة ابنة الحسين(عليه السلام): وفي مثير الأحزان واللهوف: وخطبت فاطمة الصغرى فقالت : الحمد لله عدد الرمل والحصى وزنة العرش إلى الثرى أحمده وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب أو أن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب المقتول كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته وبعد وفاته حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة معروف المناقب مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم زاهدا في الدنيا مجاهدا في سبيلك فهديته إلى صراطك المستقيم.
أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل المكر والغدر والخيلاء فانا أهل بيت ابتلانا الله
1) تاريخ ابن اعثم 221/5 - 226 ، ومقتل الخوارزمي 2/ 40 - 42. ولا يبزي: لا يقهر.
بكم وابتلاكم بنا فجعل بلاءنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه، أكرمنا بكرامته، وفضلنا بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلا فكذبتمونا ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا كأنا أولاد ترك أو كابل فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا فكان العذاب قد حل بكم وأنت نقمات ألا لعنة الله على الظالمين، تبا لكم يا أهل الكوفة أي ترات لرسول الله صلى الله عليه قبلكم ودخول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب جدي وبنيه وعترته وافتخر بذلك مفتخركم فقال :
نحن قتلنا عليا وبني علي*** بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك*** ونطحناهم فأي نطاح
يفيك الكثكت والأثلب
افتخرت بقتل قوم زكاهم الله في كتابه وطهرهم وأذهب عنهم الرجس؟ فأقع كما اقعى أبوك وإنما لكل امرئ ما اكتسب أحسدتمونا على ما فضلنا الله تعالى به.
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
نضج الموضع بالبكاء والحنين وقالوا : حسبك يا ابنة الطيبين فقد أحرقت قلوبنا وأضرمت أجوافنا فسكتت(1).
1) معالم المدرستين للعسكري : 147/3.
وقال وخطبت أم كلثوم بنت علي(عليه السلام)وقد غلب عليها البكاء فقالت: يا أهل الكوفة سوءة لكم مالكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله وسبيتم نساءه ونكبتموه فتبا لكم وسحقا ويلكم أتدرون أي دواء دهتكم وأي دماء سفكتموها !وأي كريمة أصبتموها! وأي أموال انتهبتموها! قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه وآله ! ألا ان حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون ثم قالت :
قتلتم أخي صبرا فويل لامكم*** ستجزون نارا حرها يتوقد
سفكتم دماء حرم الله سفكها ***وحرمها القرآن ثم محمد
الا فأبشروا بالنار إنكم غدا ***لفی سفر حقايقينا تخلدوا
وإني لأبكى في حياتي على أخي*** على خير من بعد النبي
سيولد بدمع غزير مستهل مكفكف*** على الخد مني ذايباً ليس يجمد
نضج الناس بالبكاء والنوح(1).
1) مثير الأحزان 66 - 69 ، ومعالم المدرستين للعسكري : 1/3
إخبار مدينة الرسول بقتل سبط الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)
وروى الطبري بسنده عن عوانة بن الحكم قال : لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي، وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال : انطلق حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص، فبشره بقتل الحسين، وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ.
قال : فذهب ليعتل له فزجره وكان عبيد الله لا يصطلي بنارء، فقال: انطلق حتى تأتي المدينة ولا يسبقك الخبر وأعطاء دنانير وقال : لا تعتل وان قامت بك راحلتك فأكثر راحلة قال عبد الملك : فقدمت المدينة فلقيني رجل من قريش فقال : ما الخبر ؟
فقلت : الخبر عند الأمير.
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل الحسين بن علي، قال: فدخلت على عمرو بن سعيد فقال : ما وراءك ؟ فقلت : ما سره الأمير، قتل الحسين بن علي(عليه السلام).
فقال : ناد بقتله، فناديت بقتله، فلم اسمع والله واعية قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين! فقال عمرو بن سعيد وضحك :
عجت نس بني زياد عجة*** کعجیج نسوتنا غداة الأرنب
والأرنب: وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب من رهط عبد المدان وهذا البيت لعمرو بن معدي كرب ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله.
وفي الأغاني : أمر عمرو صاحب شرطته على المدينة بعد خروج الحسين أن يهدم دور بني هاشم ففعل وبلغ منهم كل مبلغ(1).
وروى الطبري بسنده وقال : لما بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين، دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه قال: ولا أظن مولاء ذلك إلّا أبا اللسلاس: فقال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين.
قال : فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يا ابن اللخناء اللحسين تقول هذا ؟! والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه والله انه لمما يسخي بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه.
ثم أقبل على جلسائه ،فقال : الحمد لله! عز علي بمصرع الحسين إلا يكن آست حسبنا يدي فقد آساء ولدي قال : ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوي بثوبها وهي تقول :
ماذا تقولون ان قال النبي لكم*** ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي*** منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم(2)
قال السيد مرتضى العسكري: في سنن الترمذي وسير النبلاء والرياض النضرة وتاريخ ابن كثير وتاريخ الخميس وغيرها واللفظ للأول، عن سلمى، قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟
قالت : رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)- تعنى في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب.
فقلت : مالك يا رسول الله ؟
قال: شهدت قتل الحسين أنفا(1).
وقال اليعقوبي : وكان أول صارخة صرخت في المدينة أم سلمة زوج رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)كان دفع إليها قارورة فيها تربة وقال لها :( ان جبريل أعلمني ان أمتي تقتل الحسين )وأعطاني هذه التربة وقال لي : (إذا صارت دما عبيطا فاعلمي أن الحسين قد قتل)، وكانت عندها فلما حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كل ساعة، فلما رأتها قد صارت دما صاحت، واحسيناه! یا ابن رسول الله ! وتصارخت النساء من كل ناحية حتى ارتفعت المدينة بالرجة التي ما سمع بمثلها قط.
في مسند أحمد بن حنبل وفضائله والمعجم الكبير للطبراني والمستدرك للحاكم
1) سنن الترمذي 193/13 - 194 ، ومستدرك الحاكم 19/4، وسير النبلاء 3/ 213 ، والرياض النضرة ص 148، وتاريخ ابن الأثير ،3 38 وابن كثير 201/8، وتاريخ السيوطي ص 208، وتاريخ ابن عساكر، ح - 726، وتهذيبه 240/4.
والرياض النضرة وغيرها واللفظ للأول: عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ،ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم» قال عمار : فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل فيه(1).
وفي تاريخ ابن عساكر وابن كثير : عن علي بن زيد بن جدعان قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال : قتل الحسين والله !
فقال له أصحابه : لم يا ابن عباس؟
فقال : رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ومعه زجاجة من دم، فقال: «أتعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟ قتلوا الحسين !وهذا دمه ودم أصحابه ارفعهما إلى الله».
فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة انه قتل في ذلك اليوم وفي تلك الساعة.
روى الطبري وغيره واللفظ للطبري ،عن عمرو بن عكرمة، قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة فإذا مولى لنا يحدثنا ، قال : سمعت البارحة منادياً ينادي
وهو يقول :
أيها القاتلون جهلا حسینا*** أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم*** من نبي وملئك وقبيل
1) مسند أحمد 242/1 و 282 ، وفضائل أحمد الحديث 20 و 22 و 26 ، والمعجم للطبراني ح - 56 ، ومستدرك الحاكم 398/4 ، وقال : صحيح على شرط مسلم وسير النبلاء 3/ 323، والرياض النضرة 148 ، ومجمع الزوائد 193/9 و 194 ، وتذكرة سبط ابن الجوزي 152، وتاريخ ابن الأثير 38/3، وابن كثير 131/6 و 8 / 200، وقال اسناده قوي، وتاريخ الخميس ،300/2 ، والإصابة ،334/1، وتاريخ السيوطي ص 208، وأمالي الشجري ص (160 (2 تاريخ ابن كثير (2008 ، وتاريخ ابن عساكر الحديث 723 -725.
قد لعنتم على لسان ابن داود*** وموسى وحامل الإنجيل
وهناك روايات أخرى عن أم سلمة وغيرها أنهم سمعوا نوح الجن على الحسين وهم يقولون :
أيها القاتلون جهلا حسینا ***أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم*** ونبي ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود*** وموسى وصاحب الإنجيل(1)
1) تاریخ ابن کثیر (201/8 ، وراجع سير النبلاء 214/3، وتاريخ السيوطي ص280،و تاريخ ابن عساكر الحديث 733 - 739 ومعالم المدرستين للعسكري : 139/3.